######OpenITI# #META# Author: البقاعي #META# Title: نظم الدرر في تناسب الآيات والسور #META# Date: ت 885 ه #META# Tafsir_type: تفاسير أهل السنة #META# Source: altafsir.com #META#Header#End# ### | [1 - سورة الفاتحة] ### || [1.1-7] # ولما أثبت بقوله: { الحمد لله } أنه المستحق لجميع المحامد لا لشيء غير ~~ذاته الحائز لجميع الكمالات أشار إلى أنه يستحقه أيضا من حيث كونه ربا ~~مالكا منعما فقال: { رب } وأشار بقوله: { العالمين } إلى ابتداء الخلق ~~تنبيها على الاستدلالات بالمصنوع على الصانع وبالبداءة على الإعادة كما ~~ابتدأ التوراة بذلك لذلك قال الحرالي: و { الحمد } المدح الكامل الذي ~~يحيط بجميع الأفعال والأوصاف، على أن جميعها إنما هو من الله سبحانه ~~تعالى وأنه كله مدح لا يتطرق إليه ذم، فإذا اضمحل ازدواج المدح بالذم ~~وعلم سريان المدح في الكل استحق عند ذلك ظهور اسم الحمد مكملا معرفا ~~بكلمة " أل " وهي كلمة دالة فيما اتصلت به على انتهائه وكماله. انتهى. # ولما كانت مرتبة الربوبية لا تستجمع الصلاح إلا بالرحمة اتبع ذلك بصفتي ~~{ الرحمن الرحيم } ترغبيا في لزوم حمده، وهي تتضمن تثنية تفصيل ما شمله ~~الحمد أصلا؛ وسيأتي سر لتكرير هاتين الصفتين في الأنعام عند # فكلوا مما ذكر اسم الله عليه # [الأنعام: 118] عن الإمام حجة الإسلام الغزالي رحمه الله تعالى أنه لا ~~مكرر في القرآن. # ولما كان الرب المنعوت بالرحمة قد لا يكون مالكا وكانت الربوبية لا تتم ~~إلا بالملك المفيد للعزة المقرون بالهيبة المثمرة للبطش والقهر المنتج ~~لنفوذ الأمر اتبع ذلك بقوله: { مالك يوم الدين } ترهيبا من سطوات مجده. ~~قال الحرالي: واليوم مقدار ما يتم فيه أمر ظاهر، ثم قال: و { يوم الدين ~~} في الظاهر هو يوم ظهور انفراد الحق بإمضاء المجازاة حيث تسقط دعوى ~~المدعين، وهو من أول يوم الحشر إلى الخلود فالأبد، وهو في الحقيقة من أول ~~يوم نفوذ الجزاء عند مقارفة الذنب في باطن العامل أثر العمل إلى أشد ~~انتهائه في ظاهره، لأن الجزاء لا يتأخر عن الذنب وإنما يخفى لوقوعه في ~~الباطن وتأخره عن معرفة ظهوره في الظاهر، ولذلك يؤثر عنه عليه الصلاة ~~والسلام: # " إن العبد إذا أذنب نكت في قلبه نكتة سوداء " # وأيضا فكل عقاب يقع في الدنيا على أيدي الخلق فإنما هو جزاء من ms0001 الله ~~وإن كان أصحاب الغفلة ينسبونه للعوائد، كما قالوا: # مس آباءنا الضراء والسراء # [الأعراف:95] ويضيفونه للمعتدين عليهم بزعمهم، وإنما هو كمال قال تعالى: # وما اصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم # [الشورى:30] وكما ورد عنه عليه الصلاة والسلام: # " الحمى من فيح جهنم، وإن شدة الحر والقر من نفسها " # وهي سوط الجزاء الذي أهل الدنيا بأجمعهم مضروبون به، ومنهل التجهم الذي ~~أجمعهم واردوه من حيث لا يشعر به أكثرهم، قال عليه الصلاة والسلام: # " المرض سوط الله في الأرض يؤدب به عبادة " # وكذلك ما يصيبهم من عذاب النفس بنوع الغم والهم والقلق والحرص وغير ذلك، ~~وهو تعالى ملك ذلك كله ومالكه، سواء ادعى فيه مدح أو لم يدع، فهو تعالى ~~بمقتضى ذلك كله ملك يوم الدين ومالكه مطلقا في الدنيا والآخرة وإلى ~~الملك أنهى الحق تعالى تنزل أمره العلي لأن به رجع الأمر عودا على بدء ~~بالجزاء العائد على آثار ما جبلوا عليه من الأوصاف تظهر عليهم من الأفعال ~~كما قال تعالى: # وسيجزيهم وصفهم # [الأنعام:193] و # جزاء بما كانوا يعملون # [السجدة: 17]. [الأحقاف: 4]، [الواقعة: 24] وبه تم انتهاء الشرف العلي ~~وهو المجد الذي عبر عنه قوله تعالى: " مجدني عبدي " انتهى، ولما لم يكن ~~فرق هنا في الدلالة على الملك بين قراءة " ملك " وقراءة " مالك " جاءت ~~الرواية بهما، وذلك لأن المالك إذا أضيف إلى اليوم أفاد اختصاصه بجميع ما ~~فيه من جوهرة وعرض، فلا يكون لأحد معه أمر ولا معنى للملك سوى هذا، ~~ولما لم تفد إضافته إلى الناس هذا المعنى لم يكن خلاف في # ملك الناس # [الناس: 2]. فلما استجمع الأمر استحقاقا وتحبيبا وترغيبا وترهيبا ~~كان من شأن كل ذي لب الإقبال إليه وقصر الهمم عليه فقال عادلا عن أسلوب ~~الغيبة إلى الخطاب لهذا مقدما للوسيلة على طلب الحاجة لأنه أجدر ~~بالإجابة { إياك } أي يا من هذه الصفات صفاته! { نعبد } إرشادا لهم إلى ~~ذلك؛ ومعنى { نعبد } كما قال الحرالي: تبلغ الغاية في أنحاء التذلل، ~~وأعقبه بقوله مكررا للضمير حثا على المبالغة في طلب العون { وإياك ~~نستعين ms0002 } إشارة إلى أن عبادته لا تتهيأ إلا بمعونته وإلى أن ملاك الهداية ~~بيدة: فانظر كيف ابتدأ سبحانه بالذات، ثم دل عليه بالأفعال، ثم رقي إلى ~~الصفات، ثم رجع إلى الذات إيماء إلى أنه الأول والآخر المحيط، فلما حصل ~~الوصول إلى شعبة من علم الفعال والصفات علم الاستحقاق للأفراد بالعبادة ~~فعلم العجز عن الوفاء بالحق فطلب الإعانة، فهو كقوله صلى الله عليه وسلم ~~فيما رواه مسلم وأبو داود في الصلاة والترمذي وابن ماجه في الدعاء ~~والنسائي وهذا لفظه في التعوذ عن عائشة رضى الله عنها: " أعوذ بعفوك من ~~عقوبتك، وبرضاك من سخطك، وبك منك " ثم أتبعه فيما زاد عن النسائي ~~الاعتراف بالعجز في قوله: " لا أحصي ثناء عليك أنت أثنيت على نفسك " وفي ~~آخر سورة اقرأ شرح بديع لهذا الحديث. # قال الحرالي: وهذه الآيات أي هذه وما بعدها مما جاء كلام الله فيه ~~جاريا على لسان خلقه فإن القرآن كله كلام الله لكن منه ما هو كلام الله ~~عن نفسه ومنه ما هو كلام الله عما كان يجب أن ينطق على اختلاف ألسنتهم ~~وأحوالهم وترقي درجاتهم ورتب تفاضلهم مما لا يمكنهم البلوغ إلى كنهه ~~لقصورهم وعجزهم فتولى الله الوكيل على كل شيء الإنباء عنهم بما كان يجب ~~عليهم مما لا يبلغ إليه وسع خلقه وجعل تلاوتهم لما أنبأ به على ألسنتهم ~~نازلا لهم منزلة أن لو كان ذلك النطق ظاهرا منهم لطفا بهم وإتماما ~~للنعمة عليهم، لأنه تعالى لو وكلهم في ذلك إلى أنفسهم لم يأتوا بشيء تصلح ~~به أحوالهم في دينهم ودنياهم، ولذلك لا يستطيعون شكر هذه النعمة إلا أن ~~يتولى هو تعالى بما يلقنهم من كلامه مما يكون أداء لحق فضله عليهم بذلك، ~~وإذا كانوا لا يستطيعون الإنباء عن أنفسهم بما يجب عليهم من حق ربهم فكيف ~~بما يكون نبأ عن تحميد الله وتمجيده، فإذا ليس لهم وصلة إلا تلاوة كلامه ~~العلي بفهم كان ذلك أو بغير فهم، وتلك هي صلاتهم المقسمة التي عبر عنها ~~فيما صح عنه علية ms0003 الصلاة والسلام من قوله تعالى: # " قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين " # ثم تلا هذه السورة؛ فجاءت الآيات الثلاث الأول بحمد الله تعالى نفسه، ~~فإذا تلاها العبد قبل الله منه تلاوة عبده كلامه وجعلها منه حمدا وثناء ~~وتمجيدا، وجاءت هذه الآيات على لسان خلقه فكان ظاهرها التزام عهد ~~العبادة وهو ما يرجع إلى العبد وعمادها طلب المعونة من الله سبحانه وهو ~~ما يرجع إلى الحق، فكانت بينه وبين عبده وتقدمت بينيته تعالى، لأن ~~المعونة متقدمة على العبادة وواقعة بها وهو مجاب فيما طلب من المعونة، ~~فمن كانت عليه مؤنة شىء فاستعان الله فيها على مقتضى هذه الآية جاءته ~~المعونة على قدر مؤنته، فلا يقع لمن اعتمد مقتضى هذه الآية عجز عن مرام ~~أبدا وإنما يقع العجز ببخس الحظ من الله تعالى والجهل بمقتضى ما أحكمته ~~هذه الآية والغفلة عن النعمة بها، وفي قوله: { نعبد } بنون الاستتباع ~~إشعار بأن الصلاة بنيت على الاجتماع. انتهى. وفي الآية ندب إلى اعتقاد ~~العجز واستشعار الافتقار والاعتصام بحوله وقوته، فاقتضى ذلك توجيه ~~الرغبات إليه بالسؤال فقال: { اهدنا الصراط المستقيم } تلقينا لأهل لطفه ~~وتنبيها على محل السلوك الذي لا وصول بدونه، والهدى قال الحرالي: مرجع ~~الضال إلى ما ضل عنه، والصراط الطريق الخطر السلوك، والآية من كلام الله ~~تعالى على لسان العلية من خلقه، وجاء مكملا بكلمة " أل " لأنه الصراط ~~الذي لا يضل بمهتديه لإحاطته ولشمول سريانه وفقا لشمول معنى الحمد في ~~الوجود كله وهو الذي تشتت الآراء وتفرقت بالميل إلى واحد من جانبيه وهو ~~الذي ينصب مثاله. وعلى حذو معناه بين ظهراني جهنم يوم الجزاء للعيان ~~وتحفه مثل تلك الآراء خطاطيف وكلاليب، تجري أحوال الناس معها في المعاد ~~على حسب مجراهم مع حقائقها التي ابتداء في يوم العمل، وهذا الصراط الأكمل ~~وهو المحيط المترتب على الضلال الذي يعبر به عن حال من لا وجهة له، وهو ~~ضلال ممدوح لأنه يكون عن سلامة الفطرة لأن من لا علم له بوجهة فحقه ~~الوقوف عن كل وجهة وهو ضلال ms0004 يستلزم هدى محيطا منه # ووجدك ضالا فهدى # [الضحى: 6] وأما من هدى وجهة ما فضل عن مرجعها فهو ضلال مذموم لأنه ~~ضلال بعد هدى وهو يكون عن اعوجاج في الجبلة. انتهى. ثم أكد سبحانه وتعالى ~~الإخبار بأن ذلك لن يكون إلا بإنعامه منبها بهذا التأكيد الذي أفاده ~~الإبدال على عظمة هذا الطريق فقال: { صراط الذين أنعمت عليهم } فأشار إلى ~~أن الاعتصام به في اتباع رسله، ولما كان سبحانه عام النعمة لكل موجود ~~عدوا كان أو وليا، وكان حذف المنعم به لإرادة التعميم من باب تقليل ~~اللفظ لتكثير المعنى فكان من المعلوم أن محط السؤال بعض أهل النعمة وهم ~~أهل الخصوصية. يعني لو قيل: اتبع طريق أهل مصر مثلا لا أهل دمشق، علم أن ~~المنفي غير داخل في الأول لأن شرطه أن يتبعاه متعاطفاه كما صرحوا به، ~~بخلاف ما لو قيل: اتبع طريق أهل مصر غير الظلمة، فإنه يعلم أن الظلمة ~~منهم، فأريد هنا التعريف بأن النعمة عامة ولو لم تكن إلا بالإيجاد، ومن ~~المعلوم أن السلوك لا بد وأن يصادف طريق بعضهم وهم منعم عليهم فلا يفيد ~~السؤال حينئذ، فعرف أن المسؤول إنما هو طريق أهل النعمة بصفة الرحيمية ~~تشوقت النفوس إلى معرفتهم فميزهم ببيان أضدادهم تحذيرا منهم، فعرف أنهم ~~قسمان: قسم أريد للشقاوة فعاند في إخلاله بالعمل فاستوجب الغضب، وقسم لم ~~يرد للسعادة فضل من جهة إخلاله بالعلم فصار إلى العطب فقال مخوفا بعد ~~الترجية ليكمل الإيمان بالرجاء والخوف معرفا بأن النعمة عامة والمراد ~~منها ما يخص أهل الكرامة: { غير المغضوب عليهم } أي الذين تعاملهم معاملة ~~الغضبان لمن وقع عليه غضبه، وتعرفت " غير " لتكون صفة للذين بإضافتها إلى ~~الضد فكان مثل: الحركة غير السكون، ولما كان المقصود من " غير " النفي ~~لأن السياق له وإنما عبر بها دون أداة استثناء دلالة على بناء الكلام ~~بادىء بدء على إخراج المتلبس بالصفة وصونا للكلام عن إفهام أن ما يعد ~~أقل ودون لا { ولا الضالين } فعلم مقدار النعمة على القسم الأول وأنه لا ~~نجاة ms0005 إلا باتباعهم وأن من حاد عن سبيلهم عامدا أو مخطئا شقي ليشمر ~~أولو الجد عن ساق العزم وساعد الجهد في اقتفاء آثارهم للفوز بحسن جوارهم ~~في سيرهم وقرارهم. # قال الحرالي: { المغضوب عليهم } الذين ظهر منهم المراغمة وتعمد المخالفة ~~فيوجب ذلك الغضب من الأعلى والبغض من الأدنى. { الضالين } الذين وجهوا ~~وجهة هدى فزاغوا عنها من غير تعمد لذلك. " أمين " كلمة عزم من الأمن، ~~مدلولها أن المدعو مأمون منه أن يرد من دعاه لأنه لا يعجزه شيء ولا يمنعه ~~وهي لا تصلح إلا لله لأن ما دونه لا ينفك عن عجز أو منع انتهى وهو صوت ~~سمي به الفعل الذي هو استجب وقد انعطف المنتهى على المبتدأ بمراقبة القسم ~~الأول اسم الله فحازوا ثمرة الرحمة وخالف هذان القسمان فكانوا من حزب ~~الشيطان فأخذتهم النقمة، وعلم أن نظم القرآن على ما هو عليه معجز، ومن ثم ~~اشتراط في الفاتحة في الصلاة لكونها واجبة في الترتيب، فلو قدم فيها أو ~~أخر لم تصح الصلاة وكذا لو أدرج فيها ما ليس منها للإخلال بالنظم. # قال الأصبهاني: فإن القرآن معجز والركن الأبين الإعجاز يتعلق بالنظم ~~والترتيب. انتهى. والحاصل أنه لما رفعت تلك الصفات العلية لمخاطبها الحجب ~~وكشفت له بسمو مجدها وعلو جدها وشرف حمدها جلائل الستر وأشرقت به رياض ~~الكرم ونشرت له لطائف عواطفها بسط البر والنعم ثم اخترقت به مهامه العظمة ~~والكبرياء وطوت في تيسيرها له مفاوز الجبروت والعز وأومضت له بوارق النقم ~~من ذلك الجناب الأشم وصل إلى مقام الفناء عن الفاني وتمكن في رتبة شهود ~~البقاء للباقي فبادر الخضوع له عن السوى حاكما على الأغيار بما لها من ~~ذواتها من العدم والتوى فقال: { إياك نعبد } وفي تلك الحال تحقق العجز عن ~~توفية ذلك المقام ما له من الحق فقال: { وإياك نستعين }. # فكشف له الشهود في حضرات المعبود عن طرق عديدة ومنازل سامية بعيدة ورأى ~~أحوالا جمة وأودية مدلهمة وبحارا مغرقة وأنوارا هادية وأخرى محرقة، ~~ورأى لكل أهلا قد أسلكوا فجاء تارة حزنا وأخرى ms0006 سهلا، وعلم أن لا نجاة ~~إلا بهدايته ولا عصمة بغير عنايته ولا سعادة إلا برحمته ولا سلامة لغير ~~أهل نعمته؛ فلما أشرق واستنار وعرف مواقع الأسرار بالأقدار كأنه قيل له: ~~ماذا تطلب وفي أي مذهب تذهب؟ فقال: { اهدنا الصراط المستقيم }. # ولما طلب أشرف طريق سأل أحسن رفيق فقال: { صراط الذين أنعمت عليهم } ~~ولما كانت النعمة قد تخص الدنيوية عينها واستعاذ من أولئك الذين شاهدهم ~~في التيه سائرين وعن القصد عائرين جائرين أو حائرين فقال: { غير المغضوب ~~عليهم ولا الضالين }. # وقد أشير في أم الكتاب. كما قال العلامة سعد الدين مسعود ابن عمرو ~~التفتازاني الشافعي. إلى جميع النعم فإنها ترجع إلى إيجاد وإبقاء أولا ~~وإلى إيجاد وإبقاء ثانيا في دار الفناء والبقاء، أما الإيجاد الأول ~~فبقوله { الحمد لله رب العالمين } فإن الإخراج من العدم إلى الوجود أعظم ~~تربية، وأما الإبقاء الأول فبقوله: { الرحمن الرحيم } أي المنعم بجلائل ~~النعم ودقائقها التى بها البقاء، وأما الإيجاد الثاني فبقوله: { مالك يوم ~~الدين } وهو ظاهر، وأما الإبقاء الثاني فبقوله: { إياك نعبد } إلى آخرها، ~~فإن منافع ذلك تعود إلى الآخرة. # ثم جاء التصدير بالحمد بعد الفاتحة في أربع سور أشير في كل سورة منها ~~إلى نعمة من هذه النعم ترتيبها. انتهى، وسيأتي في أول كل سورة من الأربع ~~ما يتعلق بها من بقية كلامه إن شاء الله تعالى، وهذا يرجع إلى أصل مدلول ~~الحمد فإن مادته بكل ترتيب تدور على بلوغ الغاية ويلزم منه الاتساع ~~والإحاطة والاستدارة فيلزمها مطأطأة الرأس وقد يلزم الغاية الرضا فيلزمه ~~الشكر وسيبين وينزل على الجزئيات في سورة النحل إن شاء الله تعالى، ثم في ~~أول سبأ تحقيق ما قاله الناس فيه وفي النسبة بينه وبين الشكر فقد بان سر ~~الافتتاح من حيث تصديرها بالحمد جزئيا فكليا الذي كل أمر ذي بال لا ~~يبدأ فيه فهو أجذم؛ وتعقبه بمدح المحمود بما ذكر من أسمائه الحسنى مع ~~اشتمالها على جملة معاني القرآن من الحكم النظرية والأحكام العملية فهي ~~أم القرآن لأنها له عنوان ms0007 وهو كله لما تضمنته على قصرها بسط وتبيان. # قال الأستاذ أبو الحسن الحرالي في مفتاح الباب المقفل لفهم القرآن ~~المنزل في آخر الباب التاسع منه: ولننه هذه الأبواب بذكر القرآن ومحتواه ~~على الكتب وجمعه وقراءته وبيانه وتنزيله وإنزاله وحكيمه ومبينه ومجيده ~~وكريمه وعظيمه ومرجعه إلى السبع المثاني والقرآن العظيم أم القرآن ~~ومحتواها عليه، فنذكر جميع ذلك في الباب العاشر، الباب العاشر في محل أم ~~القرآن من القرآن ووجه محتوى القرآن على جميع الكتب والصحف المتضمنة ~~لجميع الأديان. # اعلم أن الله سبحانه جمع نبأه العظيم كله عن شأنه العظيم في السبع ~~المثاني أم القرآن وأم الكتاب وكنزها تحت عرشه ليظهرها في الختم عند تمام ~~أمر الخلق وظهور بادىء الحمد بمحمد، لأنه تعالى يختم بما به بدأ ولم ~~يظهرها قبل ذلك، لأن ظهورها يذهب وهل الخلق ويمحو كفرهم ولا يتم بناء ~~القرآن إلا مع قائم بمشهود بيان الفعل ليتم الأمر مسمعا ومرأى وذلك لمن ~~يكون من خلقه كل خلق ليبين به ما من أمره كل أمر، ثم فيما بين بدء الأمر ~~المكنون وخاتم الخلق الكامل تدرج تنشؤ الخلق وبدو الأمر على حسب ذلك ~~الأمر صحفا فصحفا وكتابا فكتابا، فالصحف لما يتبدل سريعا، والكتاب ~~لما يثبت ويدوم أمدا، والألواح لما يقيم وقتا. # ففي التوراة أحكام الله على عباده في الدنيا بالحدود والمصائب والضراء ~~والبأساء، وفي القرآن منها ما شاء الله وما يظهره الفقه من الحدود، ~~ومعارف الصوفية من مؤاخذة المصائب؛ وفي الإنجيل أصول تلك الأحكام ~~والإعلام بأن المقصود بها ليست هي بل ما وراءها من أمر الملكوت، وفي ~~القرآن منها ما شاء الله مما يظهره العلم والحكمة الملكوتية، وفي الزبور ~~تطريب الخلق وجدا وهم عن أنفسهم إلى ربهم، وفي الفرآن منه ما شاء الله ~~مما تظهره الموعظة الحسنة، ثم أنهى الأمر والخلق من جميع وجوهه، فصار ~~قرآنا جامعا للكل متمما للنعمة مكملا للدين # اليوم أكملت لكم دينكم # [المائدة: 3] الآية، بعثت لأتمم مكارم الأخلاق. وإن إلى ربك المنتهى. # ووجه فوت أم القرآن للقرآن أن ms0008 القرآن مقصود تنزيله التفصيل والجوامع، ~~فيه نجوم مبثوثة غير منتظمة، واحدة إثر واحدة، والجوامع في أم القرآن ~~منتطمة واحدة بعد واحدة إلى تمام السبع على وفاء لا مزيد فيه ولا نقص ~~عنه؛ أظهر تعالى بما له سورة صورة تجليه من بدء الملك إلى ختم الحمد، ~~وبما لعبده مصورة تأديه من براءته من الضلال إلى هدى الصراط المستقيم، # ووجدك ضالا فهدى # [الضحى:7] وبما بينه وبينه قيام ذات الأمر والخلق فكان ذلك هو القرآن ~~العظيم الجامع لما حواه القرآن المطلق الذكر بما فيه من ذلك تفصيلا من ~~مبينه وهو ما عوينت آية مسموعة، ومن مجيده وهو ما جربت أحكامه من بين ~~عاجل ما شهد وآجل ما علم، يعلم ما شهد فكان معلوما بالتجربة المتيقنة ~~بما تواتر من القصص الماضي وما شهد له من الأثر الحاضر وما يتجدد مع ~~الأوقات من أمثاله وأشباهه، ومن كريمه وهو ما ظهرت فيه أفانين إنعامه ~~فيما دق وجل وخفي وبدا، ومن حكيمه وهو ما ظهر في الحكمة المشهورة تقاضيه ~~وانتظام مكتوب خلقه على حسب تنزيل أمره؛ وما كان منه بتدريج وتقريب ~~للأفهام ففاءت من حال إلى حال وحكم إلى حكم كان تنزيلا، وما أهوى به من ~~علو إلى سفل كان إنزالا، وهو إنزال حيث لا وسائط وتنزيل حيث الوسائط؛ ~~وبيانه حيث الإمام العامل به مظهره في أفعاله وأخلاقه كان خلقه القرآن، ~~وقرآنه تلفيق تلاوته على حسب ما تتقاضاه النوازل. # آخر آية أنزلت # واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله # [البقرة:281 ] قال صلى الله عليه وسلم في مضمون قوله تعالى # إن علينا جمعه وقرآنه # [القيامة:17] # " اجعلوها بين آية الدين والآية التي قبلها " # لأنه ربما تقدم كيان الآية وتأخر في النظم قرآنها على ما تقدم عليها، ~~آية # يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك # [الأحزاب: 50 ] الآية متأخرة الكيان متقدمة القرآن على آية # لا يحل لك النساء من بعد # [الأحزاب: 52] فقد يتطابق قرآن الأمر وتطوير الخلق وقد لا يتطابق والله ~~يتولى إقامتهما؛ وأما الجمع ففي قلبه نسبة جوامعه السبع في ms0009 أم القرآن إلى ~~القرآن بمنزلة نسبة جمعه في قلبه لمحا واحدا إلى أم القرآن # وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر # [القمر:50] فهو جمع في قلبه، وقرآن على لسانه، وبيان في أخلاقه وأفعاله، ~~وجملة في صدره، وتنزيل في تلاوته، # وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة # [الفرقان:32] قال الله تعالى: كذلك أي كذلك أنزلناه، إلا ما هو منك ~~بمنزلة سماء الدنيا من الكون # إنا أنزلناه في ليلة مباركة # [الدخان:3] أي إلى سماء الدنيا # ونزلناه تنزيلا # [الإسراء:106] وعلى لسانه في أمد أيام النبوة، وقال في تفسيره: القرآن ~~باطن وظاهره محمد صلى الله عليه وسلم، قالت عائشة رضى الله عنها: كان ~~خلقه القرآن، فمحمد صلى الله عليه وسلم صورة باطن سورة القرآن، فالقرآن ~~باطنه وهو ظاهره # نزل به الروح الأمين * على قلبك # [الشعراء: 194]. # وقال في تفسير الفاتحة: وكانت سورة الفاتحة أما للقرآن، لأن القرآن ~~جميعه مفصل من مجملها، فالآيات الثلاث الأول شاملة لكل معنى تضمنته ~~الأسماء الحسنى والصفات العلى، فكل ما في القرآن من ذلك فهو مفصل من ~~جوامعها، والآيات الثلاث الأخر من قوله: { اهدنا } شاملة لكل ما يحيط ~~بأمر الخلق في الوصول إلى الله والتحيز إلى رحمة الله والانقطاع دون ذلك، ~~فكل ما في القرآن منه فمن تفصيل جوامع هذه، وكل ما يكون وصلة بين مما ~~ظاهرهن هذه من الخلق ومبدؤه وقيامه من الحق فمفصل من آية { إياك نعبد ~~وإياك نستعين } انتهى. # ومن أنفع الأمور في ذوق هذا المشرب استجلاء الحديث القدسي الذي رواه ~~مسلم في صحيحه وأصحاب السنن الأربعة عن أبي هريرة رضى الله عنه قال: سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " قال الله عز وجل: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولبعدي ما سأل ~~فإذا قال العبد " الحمد لله رب العالمين " قال الله تعالى: حمدني عبدي، ~~وإذا قال " الرحمن الرحيم " قال الله: أثنى علي عبدي، وإذا قال: " مالك ~~يوم الدين " قال الله: مجدني عبدي. وقال مرة: فوض إلي عبدي، وإذا قال: " ~~إياك نعبد وإياك نستعين " قال: ms0010 هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، وإذا ~~قال: " اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ~~ولا الضالين " قال: " هذا لعبدي ولعبدي ما سأل " # والله أعلم. ### | [2 - سورة البقرة] ### || [2.1-16] # ولما كان معنى { الم } هذا كتاب من جنس حروفكم التي قد فقتم في التكلم ~~بها سائر الخلق فما عجزتم عن الإتيان بسورة من مثله إلا لأنه كلام الله ~~أنتج ذلك كماله، فأشير إليه بأداة البعد ولام الكمال في قوله { ذلك ~~الكتاب } لعلو مقدار بجلالة آثاره وبعد رتبته عن نيل المطرودين. ولما علم ~~كماله أشار إلى تعظيمه بالتصريح بما ينتجه ويستلزمه ذلك التعظيم فقال { ~~لا ريب فيه } أي في شيء من معناه ولا نظمه في نفس الأمر عند من تحقق ~~بالنظر فالمنفي كونه متعلقا للريب ومظنة له، ولم يقدم الظرف لأنه كان ~~يفيد الاختصاص فيفهم أن غيره من الكتب محل الريب. # قال الحرالي: " ذا " اسم مدلوله المشار إليه، واللام مدلوله معها ~~بعدما { الكتاب } من الكتب وهو وصل الشيء المنفصل بوصلة خفية من أصله ~~كالخرز في الجلد بقد منه والخياطة في الثوب بشيء من جنسه ليكون أقرب ~~لصورة اتصاله الأول، فسمي به ما ألزمه الناس من الأحكام وما أثبت بالرقوم ~~من الكلام { لا } لنفي ما هو ممتنع مطلقا أو في وقت " الريب " التردد ~~بين موقعي تهمة بحيث يمتنع من الطمأنينة على كل واحد منها. انتهى. وأصله ~~قلق النفس واضطرابه، ومنه ريب الزمان لنوائبه المقلقة، ولما كان ذلك ~~يستلزم الهدى قال: { هدى } وخص المنتفعين لأن الألد لا دواء له والمتعنت ~~لا يرده شيء فقال: { للمتقين } أي الذين جبلوا في أصل الخلقة على التقوى؛ ~~فافهم ذلك أن غيرهم لا يهتدي به بل يرتاب وإن كان ليس موضعا للريب ~~أصلا. # قال الحرالي: جمع المتقي وهو المتوقف عن الإقدام على كل أمر لشعوره ~~بتقصيره عن الاستبداد وعلمه بأنه غير مستغن بنفسه فهو متق لوصفه وحسن ~~فطرته والمتقي كذا متوقف لأجل ذلك، والتقوى أصل يتقدم الهدى وكل عبادة، ~~لأنها فطرة توقف تستحق الهدى وكل ms0011 خير وهي وصية الله لأهل الكتاب. انتهى. # ثم وصفهم بمجامع الأعمال تعريفا لهم فقال: { الذين يؤمنون بالغيب } أي ~~الأمر الغائب الذي لا نافع في الإيمان غيره، وعبر بالمصدر للمبالغة. { ~~ويقيمون الصلاة } أي التي هي حضرة المراقبة وأفضل أعمال البدن بالمحافظة ~~عليها وبحفظها في ذاتها وجميع أحوالها. ولما ذكر وصلة الخلق بالخالق ~~وكانت النفقة مع أنها من أعظم دعائم الدين صلة بين الخلائق أتبعها بها ~~فقال مقدما للجار ناهيا عن الإسراف ومنبها بالتبعيض على طيب النفقة ~~لأن الله طيب لا يقبل إلا طيبا وآمرا بالورع وزاجرا عما فيه شبهة [لأن ~~الرزق يشمل الحلال والحرام والمشتبه] { ومما رزقناهم } أي مكناهم من ~~الانتفاع به على عظمة خزائننا وهو لنا دونهم { ينفقون } أي في مرضاتنا ~~مما يلزمهم من الزكاة والحج والغزو وغيرها ومما يتطوعون به من الصدقات ~~وغيرها، والمراد بهذه الأفعال هنا إيجاد حقائقها على الدوام. # قال أبو حيان وغيره في قوله تعالى في سورة الحج # إن الذين كفروا ويصدون # [الحج: 25] المضارع قد لا يلحظ فيه زمان معين من حال أو استقبال فيدل إذ ~~ذاك على الاستمرار. انتهى. وهذا مما لا محيد عنه وإلا لم يشمل هذا في ~~هذه السورة المدنية من تخلق به قبل الهجرة وقوله تعالى # فلم تقتلون أنبياء الله من قبل # [البقرة:91] قاطع في ذلك. # وقال الحرالي: { يؤمنون } ، من الإيمان وهو مصدر آمنه يؤمنه إيمانا إذا ~~آمن من ينبهه على أمر ليس عنده أن يكذبه أو يرتاب فيه، و " الغيب " ما ~~غاب عن الحس ولم يكن عليه علم يهتدي به العقل فيحصل به العلم؛ وصيغة { ~~يؤمنون } و { يقيمون } تقتضي الدوام على الختم، وإدامة العمل إلى الختم ~~تقتضي ظهوره عن فطرة أو جبلة وأنه ليس عن تعمل ومراءاة، وعند ذلك يكون ~~علما على الجزاء؛ و { الصلاة } الإقبال بالكلية على أمر، فتكون من الأعلى ~~عطفا شاملا، ومن الأدنى وفاء بأنحاء التذلل والإقبال بالكلية على ~~التلقي، وإيمانهم بالغيب قبولهم من النبي صلى الله عليه وسلم ما تلقاه ~~بالوحي من أمر غائب الدنيا الذي هو ms0012 الآخرة وما فيها وأمر غائب الملكوت ~~وما فيه إلى غيب الجبروت وما به بحيث يكون عملهم على الغائب الذي تلقته ~~قلوبهم على سبيل آذانهم كعملهم على ما تلقته أنفسهم على سبيل أعينهم ~~وسائر حواسهم وداموا على عملهم ذلك حكم إيمانهم إلى الخاتمة. # ولما كانت الصلاة التزام عهد العبادة مبنيا على تقدم الشهادة متممة ~~بجماع الذكر وأنواع التحيات لله من القيام له تعالى والركوع له والسجود ~~الذي هو أعلاها والسلام بالقول الذي هو أدنى التحيات كانت لذلك تعهدا ~~للإيمان وتكرارا، ولذلك من لم يدم الصلاة ضعف إيمانه وران عليه كفر فلا ~~إيمان لمن لا صلاة له، والتقوى وحده أصل والإيمان فالصلاة ثمرته، ~~والإنفاق خلافة ولذلك البخل عزل عن خلافة الله # وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه # [الحديد:7] وهذا الأمر بتمامه هو الذي جعلت الخلافة لآدم به إلى ما وراء ~~ذلك من كمال أمر الله الذي أكمله بمحمد صلى الله عليه وسلم، فالتقوى قلب ~~باطن، والإنفاق وجه ظاهر، والإيمان فالصلاة وصلة بينهما. ووجه ترتب ~~الإيمان بالغيب على التقوى أن المتقي لما كان متوقفا غير متمسك بأمر كان ~~إذا أرشد إلى غيب لا يعلمه لم يدفعه بمقتضى ما تقدم علمه؛ ووجه ترتب ~~الإنفاق على الإيمان بالغيب أن المدد غيب، لأن الإنسان لما كان لا يطلع ~~على جميع رزقه كان رزقه غيبا، فاذا أيقن بالخلف جاد بالعطية، فمتى أمد ~~بالأرزاق تمت خلافته وعظم فيها سلطانه وانفتح له باب إمداد برزق أعلى ~~وأكمل من الأول. # فاذا أحسن الخلافة فيه بالإنفاق منه أيضا انفتح له باب إلى أعلى إلى أن ~~ينتهي إلى حيث ليس وراءه مرأى وذلك هو الكمال المحمدي، وإن بخل فلم ينفق ~~واستغنى بما عنده فلم يتق فكذب تضاءل أمر خلافته وانقطع عنه المدد من ~~الأعلى؛ فبحق سمي الإنفاق زكاة؛ وفي أول الشورى كلام في الإيمان عن ~~علي رضي الله عنه نفيس. انتهى. # ولما وصفهم بالإيمان جملة أشار إلى تفصيله على وجه يدخل فيه أهل الكتاب ~~دخولا أوليا فقال { والذين يؤمنون } أي يوجدون هذا الوصف ms0013 بعد سماعهم ~~للدعوة إيجادا مستمرا { بما أنزل اليك } أي القرآن والسنة سواء كان قد ~~وجد أو سيوجد؛ { وما أنزل من قبلك } أي على الأنبياء الماضين، ولما كان ~~الإيمان بالبعث من الدين بمكان عظيم جدا بينه بالتقديم إظهارا لمزيد ~~الاهتمام فقال: { وبالآخرة } أي التي هي دار الجزاء ومحل التجلي وكشف ~~الغطاء ونتيجة الأمر. قال الحرالي: الآخرة معاد تمامه على أوليته. انتهى. ~~ولما تقدم من الاهتمام عبر بالإيقان وأتى بضمير الفصل فقال: { هم يوقنون ~~} لأن ذلك قائد إلى كل خير وذائد عن كل ضير، والإيقان كما قال الحرالي ~~صفاء العلم وسلامته من شوائب الريب ونحوه، من يقن الماء وهو ما نزل من ~~السماء فانحدر إلى كهف جبل فلم يتغير من قرار ولا وارد. انتهى. فهو يكون ~~بعد شك ولذا لا يوصف به الله. والوصف بهده الأوصاف كما ترى إشارة إلى ~~أمهات الأعمال البدنية والماليه من الأفعال والتروك، فالإيمان أساس الأمر ~~والصلاة مشار بها إلى التحلي بكل خير والتخلي عن كل شر # إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر # [العنكبوت: 45] وكلاهما من أعمال البدن، والنفقه عمل مالي، فحصل بذلك ~~حصر الفعل والترك الضابطين لجميع الأعمال كيف ما تشعبت، وصرح بالفعل ~~وأومى إلى الترك إيماء لا يفهمه إلا البصراء تسهيلا على السالكين، لأن ~~الفعل من حيث هو ولو كان صعبا أيسر على النفس من الكف عما تشتهي. وفي ~~وصفهم أيضا بالإيمان بما أنزل إليه وإلى من قبله من التقريع والتبكيت ~~لمن سواهم ما ستراه في الآيات الآتيه. # ولما أخبر عن أفعالهم الظاهرة والباطنة أخبر بثمرتها فقال: { أولئك } أي ~~الموصوفون بتلك الصفات الظاهرات، ولما تضمن ما مضى أن إيمانهم كان من ~~أعظم استدلال فأثمر لهم التمسك بأوثق العرى من الأعمال استحقوا الوصف ~~بالاستعلاء الذي معناه التمكن فقال: { على هدى } أي عظيم، وزاد في تعظيمه ~~بقوله: { من ربهم } أي المحسن إليهم بتمكينهم منه ولزومهم له تمكين من ~~علا على الشيء، ولما لم يلازم الهدى الفلاح عطف عليه قوله مشيرا بالعاطف ~~إلى مزيد تمكنهم في كل من الوصفين ms0014 { وأولئك } أي العالو الرتبه { هم } أي ~~خاصة { المفلحون } أي الكاملون في هذا الوصف الذين انفتحت لهم وجوه ~~الظفر، والتركيب دال على معنى الشق والفتح وكذا أخواته من الفاء والعين ~~نحو فلج بالجيم وفلق وفلذ وفلى. # قال الحرالي: وخرج الخطاب في هذه الآية مخرج المخاطبة للنبي صلى الله ~~عليه وسلم ومخرج إحضار المؤمنين بموضع الإشارة وهي مكانة حضرة دون مكانة ~~حضرة المخاطب. انتهى. وكونها للبعد إعلام بعلو مقامهم. والفلاح الفوز ~~والظفر بكل مراد ونوال البقاء الدائم في الخير. # ولما أردف البيان لأوصاف المؤمنين التعريف بأحوال الكافرين وكانوا قد ~~انقسموا على مصارحين ومنافقين وكان المنافقون قسمين جهالا من مشركي ~~العرب وعلماء من كفار بني إسرائيل كان الأنسب ليفرغ من قسم برأسه على عجل ~~البداءة أولا بالمصارحين فذكر ما أراد من أمرهم في آيتين، لأن أمرهم ~~أهون وشأنهم أيسر لقصدهم بما يوهنهم بالكلام أو بالسيف على أن ذكرهم على ~~وجه يعم جميع الأقسام فقال مخاطبا لأعظم المنعم عليهم على وجه التسلية ~~والإعجاز في معرض الجواب لسؤال من كأنه قال: هذا حال الكتاب للمؤمنين فما ~~حاله للكافرين؟ { إن الذين كفروا } أي حكم، بكفرهم دائما حكما نفذ ومضى ~~فستروا ما أقيم من الأدلة على الوحدانية عن العقول التى هيئت لإدراكه ~~والفطر الأولى التي خلصت عن مانع يعوقها عن الانقياد له وداموا على ذلك ~~بما دل عليه السباق بالتعبير عن أضدادهم بما يدل على تجديد الإيمان على ~~الدوام واللحاق بالختم والعذاب، ولعله عبر بالماضي والموضع للوصف تنفيرا ~~من مجرد إيقاع الكفر ولو للنعمة وليشمل المنافقين وغيرهم. # ولما دل هذا الحال على أنهم عملوا ضد ما عمله المؤمنون من الانقياد كان ~~المعنى { سواء عليهم أأنذرتهم } أي إنذارك في هذا الوقت بهذا الكتاب { أم ~~لم تنذرهم } أي وعدم إنذارك فيه وبعده وقد انسلخ عن أم والهمزة معنى ~~الاستفهام، قال سيبوية: جرى هذا على حرف الاستفهام كما جرى على حرف ~~النداء في قولك: اللهم اغفر لنا أيتها العصابة. انتهى. ولعله عبر بصورة ~~الاستفهام وقد سلخت عن معناه إفهاما لأنهم ms0015 توغلوا في الكفر توغل من وصل ~~في الحمق إلى أنه لو شاهد الملك يستفهمك عنه ما آمن. # ولما كان كأنه قيل في أي شيء استوت حالتاهم قبل في أنهم { لا يؤمنون } ~~وهي دليل على خصوص كونه هدى للمتقين وعلى وقوع التكليف بالممتنع لغيره ~~فإنه سبحانه كلفهم الإيمان وأراد منهم الكفران، فصار ممتنعا لإرادته عدم ~~وقوعه، والتكليف به جار على سنن الحكمة فإن إرادة عدم إيمانهم لم تخرج ~~إيمانهم عن حيز الممكن فيما يظهر، لعدم العلم بما أراد الله من كل شخص ~~بعينه، فهو على سنن الابتلاء ليظهر في عالم الشهادة المطيع من غيره ~~لإقامة الحجة؛ ويأتي في الصافات عند # افعل ما تؤمر # [الصافات: 102] تتمة لهذا. # قال الحرالي: فحصل بمجموع قوله: { سواء عليهم } إلى آخره وبقوله: { لا ~~يؤمنون } خبر تام عن سابقة أمرهم ولاحقة كونهم، فتم بالكلامين الخبر عنهم ~~خبرا واحدا ملتئما كتبا سابقا وكونا لاحقا. انتهى. وكل موضع ذكر ~~فيه الكفر فإنما عبر به إشارة إلى أن الأدلة الأصلية في الوضوح بحيث لا ~~تخفى على أحد ولا يخالفها إلا من ستر مرآة عقله إما عنادا وإما بإهمال ~~النظر السديد والركون ألى نوع تقليد. # ولما كان من أعجب العجب كون شيء واحد يكون هدى لناس دون ناس علل ذلك ~~بقوله: { ختم الله } أي بجلاله { على قلوبهم } أي ختما مستعليا عليها ~~فهي لا تعي حق الوعي، لأن الختم على الشيء يمنع الدخول إليه والخروج منه، ~~وأكد المعنى بإعادة الجار فقال: { وعلى سمعهم } فهم لا يسمعون حق السمع، ~~وأفرده لأن التفاوت فيه نادر، قال الحرالي: وشركه في الختم مع القلب لأن ~~أحدا لا يسمع إلا ما عقل.انتهى. { وعلى أبصارهم غشاوة } فهم لا ينظرون ~~بالتأمل. # ولما سوى هنا بين الإنذار وعدمه كانت البداءة بالقلوب أنسب تسوية لهم ~~بالبهائم، ولما كان الغبي قد يسمع أو يبصر فيهتدي وكان إلى السمع أضر ~~لعمومه وخصوص البصر بأحوال الضياء نفى السمع ثم البصر تسفيلا لهم عن حال ~~البهائم، بخلاف ما في الجاثية فإنه لما أخبر فيها بالإضلال وكان ms0016 الضال ~~أحوج شيء إلى سماع الهادي نفاه، ولما كان الأصم، إذا كان ذا فهم أو بصر ~~أمكنت هدايته وكان الفهم أشرف نفاهما على ذلك الترتيب. # ولما وصفهم بذلك أخبر بمآلهم فقال: { ولهم عذاب عظيم } قال الحرالي: وفي ~~قوله: { ولهم } إعلام بقوة تداعي حالهم لذلك العذاب واستحقاقهم له وتنشؤ ~~ذواتهم إليه حتى يشهد عيان المعرفة به - أي العذاب - وبهم أنه لهم وكان ~~عذابهم عظيما آخذا في عموم ذواتهم لكونهم لم تلتبس أبدانهم ولا نفوسهم ~~ولا أرواحهم بما يصد عنهم شيئا من عذابها كما يكون للمعاقبين من مذنبي ~~مؤمني الأمم حيث يتنكب العذاب عن وجوههم ومواضع وضوئهم ونحو ذلك. انتهى. ~~وسيأتى عند قوله تعالى: # ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا # [البقرة: 165] ما يلتفت إلى هنا. # قال الحرالي: " الكفر " تغطية ما حقه الإظهار، و " الإنذار " الإعلام ~~بما يحذر، و " الختم " إخفاء خبر الشيء بجمع أطرافه عليه على وجه يتحفظ ~~به و " القلب " مبدأ كيان الشيء من غيب قوامه، فيكون تغير كونه بحسب تقلب ~~قلبه في الانتهاء ويكون تطوره وتكامله بحسب مدده في الابتداء والنماء، ~~والقلب من الإنسان بمنزلة السكان من السفينة بحسب تقلبه يتصرف سائره، ~~وبوضعه للتقلب والتقليب سمي قلبا، وللطيف معناه في ذلك كان أكثر قسمه ~~صلى الله عليه وسلم بمقلب القلوب، " والغشاوة " غطاء مجلل لا يبدو معه من ~~المغطى شيء و " العذاب " إيلام لا إجهاز فيه، و " العظيم " الآخذ في ~~الجهات كلها. # انتهى. وفي تعقيب ذكر المؤمنين بذكر المختوم على مداركهم المختوم ~~بمهالكهم تعظيم للنعمة على من استجاب له. إذ قال " اهدنا " فهداه، وإعلام ~~بأن الهدى ليس إلا بيده ليلحلوا في الطلب ويبرؤوا من ادعاء حول أو قوة. # ولما افتتح سبحانه بالذين واطأت قلوبهم ألسنتهم في الإيمان وثنى ~~بالمجاهرين من الكافرين الذين طابق إعلانهم إسرارهم في الكفران اتبعه ذكر ~~المساترين الذين خالفت ألسنتهم قلوبهم في الإذعان وهم المنافقون، وأمرهم ~~أشد لإشكال أحوالهم والتباس أقوالهم وأفعالهم، فأضر الأعداء من يريك ~~الصداقة فيأخذك من المأمن؛ وما أحسن ما ينسب إلى الإمام ms0017 أبي سليمان ~~الخطابي في المعنى: # تحرز من الجهال جهدك أنهم # وإن أظهروا فيك المودة أعداء # وإن كان فيهم من يسرك فعله # فكل لذيذ الطعم أوجله داء # لا جرم ثنى سبحانه بإظهار أسرارهم وهتك أستارهم في سياق شامل لقسميهم، ~~فقبح أمورهم ووهى مقاصدهم وضرب لهم الأمثال وبسط لهم بعض البسط في ~~المقال فقال تعالى: { ومن الناس من يقول } أي لما أرسلنا رسولنا انقسم ~~الناس قسمين: مؤمن وكافر، وانقسم الكافر قسمين: فمنهم من جاهر وقال: لا ~~نؤمن أبدا، ومنهم من يقول، ولعله أظهر ولم يضمر لانفرادهم عن المجاهرين ~~ببعض الأحكام، أو لأنه سبحانه لما ذكر طرفي الإيمان والكفر وأحوال ~~المؤمنين وأحوال الذين كفروا ذكر المنافقين المترددين بين الاتصاف ~~بالطرفين بلفظ الناس لظهور معنى النوس فيهم لاضطرابهم بين الحالين، لأن ~~النوس هو حركة الشيء اللطيف المعلق في الهواء كالخيط المعلق الذي ليس في ~~طرفه الأسفل ما يثقله فلا يزال مضطربا بين جهتين، ولم يظهر هذا المعنى ~~في الفريقين لتحيزهم إلى جهة واحده. قال الحرالي، وعرف للجنس أو للعهد في ~~الذين كفروا لأنهم نوع منهم، وسر الإظهار موضع الإضمار على هذا ما تقدم، ~~{ آمنا بالله } أي وحده بما له من الجلال والجمال مستحضرين لذلك، ولما ~~كانوا متهمين أكدوا بإعادة الجار فقالوا: { وباليوم الآخر } الذي جحده ~~المجاهرون، { وما هم بمؤمنين } أي بعريقين في الإيمان كما ادعوه بذكر ~~الاسم الأعظم وإعادة الجار، ولعله نفى العراقة فقط لأن منهم من كان ~~مزلزلا حين هذا القول غير جازم بالكفر وآمن بعد ذلك، وحذف متعلق ~~الإيمان تعميما في السلب عنهم لما ذكروا وغيره، وجمع هنا وأفرد في ~~[يقول] تنبيها على عموم الكفر لهم كالأولين وقلة من يسمح منهم بهذا ~~القول إشارة إلى غلظتهم وشدة عثاوتهم في الكفر وقوتهم. # وفي ذكر قصتهم وتقبيح أحوالهم تنبيه على وجوب الإخلاص وحث على الاجتهاد ~~في الطهارة من الأدناس في سؤال الهداية إلى الصراط المستقيم. # وتصنيف الناس آخر الفاتحة ثلاثة أصناف: مهتدين ومعاندين وضالين، مثل ~~تصنيفهم أول البقرة ثلاثة: متقين وكافرين مصارحين وهم المعاندون ms0018 وضالين ~~وهم المنافقون، وإجمالهم في الفاتحة وتفصيلهم هنا من بديع الأساليب وهو ~~دأب القرآن العظيم الإجمال ثم التفصيل. # وقد سمى ابن إسحاق كثيرا من المنافقين في السيرة الشريفة في أوائل ~~أخبار ما بعد الهجرة، قال ابن هشام في تلخيص ذلك: وكان ممن انضاف إلى ~~يهود ممن سمي لنا من المنافقين من الأوس والخزرج، من الأوس زوي بن الحارث ~~وبجاد بن عثمان ابن عامر ونبتل بن الحارث وهو الذي قال له رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. " من أحب أن ينظر إلى الشيطان فلينظر إلى نبتل! وكان ~~يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحدث إليه ثم ينقل حديثه إلى ~~المنافقين، وهو الذي قال: إنما محمد أذن " وعباد بن حنيف أخو سهل وعمرو ~~بن خذام وعبد الله بن نبتل وبحزج وهو ممن كان بنى مسجد الضرار وكذا ~~جارية بن عامر ابن العطاف وابنه زيد وخذام بن خالد وهو الذي أخرج مسجد ~~الضرار من داره ومربع بن قيظي وهو الذي قال لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وهو عامد إلى أحد: لا أحل لك يا محمد إن كنت نبيا أن تمر في حائطي! ~~فابتدره المسلمون ليقتلوه فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم وقال # " هذا الأعمى أعمى القلب أعمى البصر " # ، وأخوه أوس بن قيظي وهو الذي قال يوم الخندق " إن بيوتنا عورة " وحاطب ~~بن أمية بن رافع وكان شيخا جسيما قد عسى في الجاهلية وكان ابنه يزيد من ~~خيار المسلمين، قتل رضي الله عنه يوم أحد فقال أبوه لمن بشره بالجنة: ~~غررتم والله هذا المسكين من نفسه! وبشير بن أبيرق أبو طعيمة. وفي نسخة: ~~طعمة، وهو سارق الدرعين الذي أنزل الله فيه # ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم # [النساء:107] وقزمان حليف لهم أجاد يوم أحد القتال وكان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: # " إنه من أهل النار، فجرح فبشر بالجنة فقال: والله ما قاتلت إلا حمية ~~لقومي! فلما اشتدت به الجراحة قطع رواهش يده فمات ". # ومن الخزرج رافع بن وديعه وزيد بن ms0019 عمرو وعمرو بن قيس وقيس بن عمرو بن ~~سهل والجد بن قيس وهو الذي قال: " ائذن لي ولا تفتني " وعبد الله بن أبي ~~رأس المنافقين وإليه كانوا يجتمعون وهو القائل # ليخرجن الأعز منها الأذل # [المنافقون: 8] وفيه وفي وديعة العوفي ومالك بن أبي فوقل وسويد وداعس ~~وهم من رهطه نزل # ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب # [الحشر: 11] الآية حكاية لما كانوا يدسونه إلى بني النضير إذ حاصرهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فصدق الله وكذبوا. # وكان ممن تعوذ بالإسلام وأظهره وهو منافق من أحبار يهود من بني قينقاع ~~سعد ابن حنيف وزيد بن اللصيت وهو الذي قال في عزوة تبوك: يزعم محمد أنه ~~يأتيه خبر السماء وهو لا يدري أين ناقته! فأعلمه الله بقوله وبمكان ~~الناقة، ونعيمان بن أوفى بن عمرو وعثمان بن أوفى ورافع بن حريملة وهو ~~الذي قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مات: # " قد مات اليوم عظيم من عظماء المنافقين " # ، ورفاعة بن زيد بن التابوت وهو الذي قال له رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إذ هبت تلك الريح وهو قافل من غزوة بني المصطلق: " لا تخافوا، إنما ~~هبت لموت عظيم من عظماء المنافقين " ، وسلسلة بن برهام وكنانه بن صوريا. ~~فكان هؤلاء من المنافقين ومن نحا نحوهم يحضرون المسجد فيسمعون أحاديث ~~المسلمين ويسخرون منهم ويستهزئون بدينهم. انتهى. وفيه اختصار فأنزل الله ~~تعالى فيهم هذه الآيات. # وابتدئت قصتهم بالتنبيه على قلة عقولهم وخفة حلومهم من حيث أن محط حالهم ~~أنهم يخادعون من لا يجوز عليه الخداع وأن الذي حملهم على ذلك أنهم ليس ~~لهم نوع شعور ولا شيء من إدراك بقوله تعالى - جوابا لسؤال من كأنه قال: ~~فما قصدهم بإظهار الإيمان والإخبار عن أنفسهم بغير ما هي متصفة به مع ~~معرفتهم بقبح الكذب وشناعته وفظاعته وبشاعته؟ { يخادعون الله } أي ~~يبالغون في معاملته هذه المعاملة بإبطان غير ما يظهرون مع ما له من ~~الإحاطة بكل شيء، والخداع أصله الإخفاء والمفاعلة ms0020 في أصلها للمبالغة لأن ~~الفعل متى غولب فيه فاعله جاء أبلغ وأحكم منه إذا زاوله وحده { والذين ~~آمنوا } أي يعاملونهم تلك المعاملة، وأمره تعالى بإجراء أحكام الإسلام ~~عليهم في الدنيا صورته صورة الخدع وكذا امتثال المؤمنين أمره تعالى فيهم. ~~قال الحرالي: وجاء بصيغة المفاعلة لمكان إحاطة علم الله بخداعهم ولم يقرأ ~~غيره ولا ينبغي، والخداع إظهار خير يتوسل به إلى إبطان شر يؤول إليه أمر ~~ذلك الخير المظهر. انتهى. # { وما يخدعون } أي بما يغرون به المؤمنين { إلا أنفسهم } يعني أن عقولهم ~~لخباثتها إنما تسمى نفوسا، والنفس قال الحرالي ما به ينفس المرء على ~~غيره استبدادا منه واكتفاء بموجود نفاسته على من سواه. انتهى. وقراءة ~~الحذف هذه لا تنافي قراءة يخادعون لأن المطلق لا يخالف المقيد بالمبالغة، ~~وعبر هنا بصيغة المفاعلة لشعورهم كما قال الحرالي بفساد أحوالهم في بعض ~~الأوقات ومن بعض الأشخاص وبصيغة المجرد لعمههم عن فساد أحوالهم في أكثر ~~أوقاتهم وعمه عامتهم ولا يكون من الله سبحانه إلا بلفظ الخدع لأنهم لا ~~يعلمون ما يخفى عنهم من أمره ولذلك جاء في آية النساء # يخادعون الله وهو خادعهم # [النساء: 142]. انتهى. # { وما يشعرون } أي نوع شعور لإفراط جهلهم بأنهم لا يضرون غير أنفسهم لأن ~~الله يعلم سرهم كما يعلم جهرهم. وحذف متعلق بالشعور للتعميم والشعور كما ~~قال الحرالي أول الإحساس بالعلم كأنه مبدأ إنباته قبل أن تكمل صورته ~~تتميز. وانتهى. # ثم بين سبحانه أن سبب الغفلة عن هذا الظاهر كون آلة إدراكهم مريضة، ~~شغلها المرض عن إدراك ما ينفعها فهي لا تجنح إلا إلى ما يؤذيها، كالمريض ~~لا تميل نفسه إلى غير مضارها فقال جوابا لمن كأنه قال: ما سبب فعلهم هذا ~~من الخداع وعدم الشعور؟ { في قلوبهم مرض } أي من أصل الخلقة يوهن قوى ~~الإيمان فيها ويوجب ضعف أفعالهم الإسلامية وخللها، لأن المرض كما قال ~~الحرالي: ضعف في القوى يترتب عليه خلل في الأفعال { فزادهم الله } أي بما ~~له من صفات الجلال والإكرام لمخادعتهم بما يرون من عدم تأثيرها { مرضا ms0021 } ~~أي سوء اعتقاد بما يزيد من خداعهم وألما في قلوبهم بما يرون من خيبة ~~مطلوبهم، فانسد عليهم باب الفهم والسداد جملة، والزيادة قال الحرالي: ~~استحداث أمر لم يكن في موجود الشيء. انتهى. { ولهم } أي مع ضرر الغباوة ~~في الدنيا الملحقة بالبهائم { عذاب أليم } في الآخرة أي شديد الألم وهو ~~الوجع اللازم. قاله الحرالي { وبما كانوا } قال الحرالي: من كان الشيء ~~وكان الشيء كذا إذا ظهر وجوده وتمت صورته أو ظهر ذلك الكذا من ذات نفسه. ~~انتهى. { يكذبون } أي يوقعون الكذب وهو الإخبار عن أنفسهم بالإيمان مع ~~تلبسهم بالكفران، والمعنى على قراءة التشديد يبالغون في الكذب، أو ~~ينسبون الصادق إلى الكذب، وذلك أشنع الكذب. # ولما أخبر تعالى عن بواطنهم أتبعه من الظاهر ما يدل عليه فبين أنهم إذا ~~نهوا عن الفساد العام ادعوا الصلاح العام بقوله: { وإذا قيل لهم } ~~وبناؤه للمجهول إشارة إلى عصيانهم لكل قائل كائنا من كان { لا تفسدوا في ~~الأرض } أي بما نرى لكم من الأعمال الخبيثة، والفساد انتقاض صورة الشيء. ~~قاله الحرالي، { قالوا } قاصرين فعلهم على الصلاح نافين عنه كل فساد ~~مباهتين غير مكترثين { إنما نحن مصلحون } والإصلاح تلافي خلل الشيء. قاله ~~الحرالي. # ولما كان حالهم مبينا على الخداع بإظهار الخير وإبطان الشر وكانوا يرون ~~إفسادهم لما لهم من عكس الإدراك إصلاحا فكانوا يناظرون عليه بأنواع ~~الشبه كان قولهم ربما غر من سمعه من المؤمنين لأن المؤمن غر كريم ~~والكافر خب لئيم فقال تعالى محذرا من حالهم مثبتا لهم ما نفوه عن ~~أنفسهم من الفساد وقاصرا له عليهم { ألا إنهم هم } أي خاصة { المفسدون } ~~أي الكاملو الإفساد البالغون من العراقة فيه ما يجعل إفساد غيرهم بالنسبة ~~إلى إفسادهم عدما لما في ذلك من خراب ذات البين وأخذ المؤمن من المأمن. # وقال الحرالي: ولما كان حال الطمأنينة بالإيمان إصلاحا وجب أن يكون ~~اضطرابهم فيه إفسادا لا سيما مع ظنهم أن كونهم مع هؤلاء تارة ومع هؤلاء ~~تارة من الحكمة والإصلاح وهو عين الإفساد لأنه بالحقيقة مخالفة هؤلاء ~~وهؤلاء ms0022 فقد أفسدوا طرفي الإيمان والكفر، ولذلك قيل: ما يصلح المنافق، ~~لأنه لا حبيب مصاف ولا عدو مبائن، فلا يعتقد منه على شيء - انتهى. # ولما كان هذا الوصف موجبا لعظيم الرهبة اتبعه ما يخففه بقوله: { ولكن ~~لا يشعرون } أي هم في غاية الجلافة حتى لا شعور لهم يحسنون به التصرف ~~فيما يحاولونه من الفساد الآن بما دلت عليه ما في الآية السابقة الدالة ~~على أن المضارع للحال ولا فيما يستقبل من الزمان لأن لا لا تقارنه إلا ~~وهو بمعنى الاستقبال، فلأجل ذلك لا يؤثر إفسادهم إلا في أذى أنفسهم، فلا ~~تخافوهم فإني كافيكموهم. # ولما بين حالهم إذا أمروا بالصلاح العام بين أنهم إذا دعوا إلى الصلاح ~~الخاص الذي هو أس كل صلاح سموه سفها فقال: { وإذا قيل } أي من أي قائل ~~كان { لهم آمنوا } أي ظاهرا وباطنا { كما آمن الناس } أي الذين هم ~~الناس ليظهر عليكم ثمرة ذلك من لزوم الصلاح واجتناب الفساد والإيمان ~~المضاف إلى الناس أدنى مراتب الإيمان قاله الحرالي، وهو مفهم لما صرح به ~~قوله: وما هم بمؤمنين { قالوا أنؤمن } أي ذلك الإيمان { كما آمن السفهاء ~~} أي الذين استدرجهم إلى ما دخلوا فيه بعد ترك ما كان عليه آباؤهم خفة ~~نشأت عن ضعف العقل، ثم رد سبحانه قولهم بحصر السفه فيهم فقال: { ألا إنهم ~~هم السفهاء } لا غيرهم لجمودهم على رأيهم مع أن بطلانه أظهر من الشمس ليس ~~فيه لبس { ولكن لا يعلمون } أي ليس لهم علم أصلا لا بذلك ولا بغيره، ولا ~~يتصور لهم علم لأن جهلهم مركب وهو أسوأ الجهل والعلم، قال الحرالي: ما ~~أخذ بعلامة وأمارة نصبت آية عليه - انتهى. ولما كان الفساد يكفي في ~~معرفته والسد عنه أدنى تأمل والسفه لا يكفي في إدراكه والنهي عنه إلا ~~رزانة العلم ختمت كل آية بما يناسب ذلك من الشعور والعلم ولما كان العام ~~جزء الخاص قدم عليه. # ولما بين نفاقهم وعلته وسيرتهم عند دعاء الداعي إلى الحق بهذة الآيات ~~بين سيرتهم في أقوالهم في خداعهم دليلا ms0023 على إفسادهم بقوله: { وإذا لقوا ~~} واللقاء اجتماع بإقبال { الذين آمنوا } أي حقا ظاهرا وباطنا، ولكن ~~إيمانهم كما قال الحرالي فعل من أفعالهم لم ينته إلى أن يصير صفة لهم، ~~وأما المؤمنون الذين صار إيمانهم صفة لهم فلا يكادون يلقونهم بمقتضاه، ~~لأنهم لا يجدون معهم مدخلا في قول ولا مؤانسة، لأن اللقاء لا بد فيه من ~~إقبال ما من الملتقيين. # انتهى { قالوا } خداعا { آمنا } معبرين بالجملة الفعلية الماضية التي ~~يكفي في إفادتها لما سقيت له أدنى الحدوث. # { وإذا خلوا } منتهين { إلى شياطينهم } أي الذين هم رؤوسهم من غير أن ~~يكون معهم مؤمن، والشيطان هو الشديد البعد عن محل الخير - قاله الحرالي، ~~{ قالوا إنا معكم } معبرين بالأسمية الدالة على الثبات مؤكدين لها دلالة ~~على نشاطهم لهذا الإخبار لمزيد حبهم لما أفاده ودفعا لما قد يتوهم من ~~تبدلهم من رأى نفاقهم للمؤمنين ثم استأنفوا في موضع الجواب لمن قال: ما ~~بالكم تلينون للمؤمنين قولهم؟ { إنما نحن مستهزئون } أي طالبون للهزء ~~ثابتون عليه فيما نظهر من الإيمان والهزء إظهار الجد وإخفاء الهزل فيه ~~قاله الحرالي. # فأجيب من كأنه قال: بماذا جوزوا؟ بقوله: { الله يستهزىء بهم } أي ~~يجازيهم على فعلهم بالاستدراج بأن يظهر لهم من أمره المرذي لهم ما لا ~~يدركون وجهه فهو يجري عليهم في الدنيا أحكام أهل الإيمان ويذيقهم في ~~الدارين أعلى هوان مجددا لهم ذلك بحسب استهزائهم، وذلك أنكأ من شيء دائم ~~توطن النفس عليه، فلذلك عبر بالفعليه دون الاسمية. مع أنها تفيد صحة ~~التوبة لمن تاب دون الاسمية. # { ويمدهم } من المد بما يلبس عليهم. وقال الحرالي: من المدد وهو مزيد ~~متصل في الشيء من جنسه، { في طغيانهم } أي تجاوزهم الحد في الفساد. وقال ~~الحرالي: إفراط اعتدائهم حدود الأشياء ومقاديرها انتهى. وهذا المد ~~بالإملاء لهم حال كونهم { يعمهون } أي يخبطون خبط الذي لا بصيرة له ~~أصلا. قال الحرالي: من العمه وهو انبهام الأمور التي فيها دلالات ينتفع ~~بها عند فقد الحس فلا يبقى له سبب يرجعه عن طغيانه، فلا يتعدون حدا إلا ms0024 ~~عمهوا فلم يرجعوا عنه فهم أبدا متزايدو الطغيان - انتهى. # فلما تقرر ذلك كله كانت فذلكته من غير توقف { أولئك } أي الشديدو البعد ~~من الصواب { الذين اشتروا } أي لجوا في هواهم فكلفوا أنفسهم ضد ما فطرها ~~الله عليه مع ما نصب من الأدلة حتى أخذوا { الضلالة } أي التي هي أقبح ~~الأشياء { بالهدى } الذي هو خير الأشياء ومدار كل ذي شعور عليه، فكأنه ~~لوضوح ما قام عليه من الأدلة مع ما ركز منه في الفطر كان في أيديهم ~~فباعوه بها، وسيأتي في سورة يوسف عليه السلام بيان أن مادة شرى بتراكيبها ~~الاثني عشر تدور على اللجاجة { فما } أي فتسبب عن فعلهم هذا أنه ما { ~~ربحت تجارتهم } مع ادعائهم أنهم أبصر الناس بها { وما كانوا } في نفس ~~جبلاتهم { مهتدين } لأنهم مع أنهم لم يربحوا أضاعوا رأس المال، لأنه لم ~~يبق في أيديهم غير الضلال الذي صاحبه في دون رتبة البهائم مع زعمهم أنه ~~لا مثل لهم في الهداية. ### || [2.17-22] # فلما علم ذلك كله وكانت الأمثال ألصق بالبال وأكشف للأحوال مثل حالهم في ~~هداهم الذي باعوه بالضلالة بالأمور المحسوسة، لأن للتمثيل بها ~~شأناعظيما في إيصال المعاني حتى إلى الأذهان الجامدة وتقريرها فيها ~~بقوله تعالى { مثلهم } أي في حالهم هذه التي طلبوا أن يعيشوا بها { كمثل ~~الذي استوقد نارا } أي طلب أن توقد له وهي هداه ليسير في نورها، وأصلها ~~من نار إذا نفر لتحركها واضطرابها، فوقدت وأنارت. # { فلما أضاءت } أي النار، وأفراد الضمير باعتبار لفظ " الذي " فقال: { ~~ما حوله } وأراد أن ينتفع بها في إبصار ما يريد، وهو كناية عما حصل لهم ~~من الأمنة بما قالوه من كلمة الإسلام من غير اعتقاد { ذهب الله } الذي له ~~كمال العلم والقدرة، وجمع الضمير نظرا إلى المعنى لئلا يتوهم أن بعضهم ~~انتفع دون بعض بعد أن أفراد تقليلا للنور وإن كان قويا في أوله ~~لانطفائه في آخر فقال: { بنورهم } أي الذي نشأ من تلك النار بإطفائه لها ~~ولا نور لهم سواه؛ ولم يقل: بضوئهم، لئلا يتوهم أن ms0025 المذهوب به الزيادة ~~فقط، لأن الضوء أعظم من مطلق النور # هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا # [يونس: 5] فذهب نورهم وبقيت نارهم ليجتمع عليهم حرها مع حر الفقد لما ~~ينفعهم من النور، وعبر بالإضاءة أولا إشارة إلى قوة أولهم وانمحاق ~~آخرهم، لأن محط حالهم الباطل والباطل له صولة ثم تضمحل عند من ثبت لها ~~ليتبين الصادق من الكاذب، وعبر بالذهاب به دون إذهابه ليدل نصا على أنه ~~سبحانه ليس معهم وحقق ذلك بالتعبير عن صير بترك فقال: { وتركهم في ظلمات ~~} أي بالضلالة من قلوبهم وأبصارهم وليلهم أي ظلمات لا ينفذ فيها بصر، ~~فلذا كانت نتيجته { لا يبصرون } أي لا إبصار لهم أصلا ببصر ولا بصيرة. # ولما فرغ من المثل كشف المراد بظلماتهم بأنها ما في آذانهم من الثقل ~~المانع من الانتفاع بالسماع، وما في ألسنتهم من الخرس عن كلام الخير ~~الناشىء عن عدم الإدراك الناشىء عن عمى البصائر وفساد الضمائر والسرائر، ~~وما على أبصارهم من الغشاوة المانعة من الاعتبار وعلى بصائرهم من الأغطية ~~المنافية للادكار فقال: { صم } أي عن السماع النافع { بكم } عن النطق ~~المفيد لأن قلوبهم مختوم عليها فلا ينبعث منها خير تقذفه إلى الألسنة { ~~عمي } في البصر والبصيرة عن الإبصار المرشد لما تقدم من الختم على ~~مشاعرهم، ولما كان في مقام إجابة الداعي إلى الإيمان قدم السمع لأنه ~~العمدة في ذلك، وثنى بالقول لأنه يمكن الأصم الإفصاح عن المراد، وختم ~~بالبصر لإمكان الاهتداء به بالإشارة؛ وكذا ما يأتي في هذه السورة سواء ~~بخلاف ما في الإسراء، { فهم } أي فتسبب عن ذلك أنهم { لا } ولما كان ~~المراد التعميم في كل رجوع لم يذكر المرجوع عنه فقال: { يرجعون } أي عن ~~طغيانهم وضلالهم إلى الهدى الذي باعوه ولا إلى حالهم الذي كانوا عليه ولا ~~ينتقلون عن حالهم هذا أصلا، لأنهم كمن هذا حاله، ومن هذا حاله لا يقدر ~~على مفارقة موضعه بتقدم ولا تأخر. # { أو } مثلهم في سماع القرآن الذي فيه المتشابه والوعيد والوعد { كصيب } ~~أي أصحاب صيب أي مطر عظيم، ms0026 وقال الحرالي: سحاب ممطر دار ثم اتبعه ~~تحقيقا لأن المراد الحقيقة قوله: { من السماء } وهو كما قال الحرالي ما ~~علا فوق الرأس، يعني هذا أصلة والمراد هنا معروف، ومثل القرآن بهذا ~~لمواترة نزوله وعلوه وإحيائه القلوب كما أن الصيب يحيي الأرض، ثم أخبر عن ~~حاله بقوله: { فيه ظلمات } أي لكثافة السحاب واسوداده { ورعد } أي صوت ~~مرعب يرعد عند سماعه { وبرق } أي نور مبهت للمعانه وسرعته قاله ~~الحرالي، والظلمات مثل ما لم يفهموه، والرعد ما ينادى عليهم بالفضيحة ~~والتهديد والبرق ما لم يلوح لهم معناه ويداخلهم رأي في استحسانه. # ولما تم مثل القرآن استأنف الخبر عن حال الممثل لهم والممثل بهم حقيقة ~~ومجازا فقال: { يجعلون أصابعهم } أي بعضها ولو قدروا لحشوا الكل لشدة ~~خوفهم { في آذانهم من الصواعق } أي من أجل قوتها، لأن هولها يكاد أن يصم، ~~وقال الحرالي: جمع صاعقة وهو الصوت الذي يميت سامعه أو يكاد، ثم علل هذا ~~بقوله: { حذر الموت والله } أي والحال أن المحيط بكل شيء قدرة وعلما { ~~محيط بالكافرين } فلا يغنيهم من قدره حذر، وأظهر موضع الإضمار لإعراضهم ~~عن القرآن وسترهم لأنواره. # ثم استأنف الحديث عن بقية حالهم فقال: { يكاد البرق } أي من قوة لمعه ~~وشعاعه وشدة حركته وإسراعه { يخطف أبصارهم } فهم يغضونها عند لمعه وخفضه ~~في ترائبه ورفعه، ولما كان من المعلوم أن البرق ينقضي لمعانه بسرعة كان ~~كأنه قيل: ماذا يصنعون عند ذلك؟ فقال: { كلما } وعبر بها دون إذا دلالة ~~على شدة حرصهم على إيجاد المشي عند الإضاءة { أضاء لهم مشوا فيه } ~~مبادرين إلى ذلك حراصا عليه لا يفترون عنه في وقت من أوقات الإضاءة مع ~~أنهم يغضون أبصارهم ولا يمدونها غاية المد خوفا عليهم ووقوفا مع ~~الأسباب ووثوقا بها واعتمادا عليها وغفلة عن رب الأرباب، وهو مثل لما ~~وجدوا من القرآن موافقا لآرائهم، وعطف بإذا لتحقق خفوته بعد خفوته قوله: ~~{ وإذا أظلم عليهم قاموا } أي أول حين الإظلام لا يقدرون على التقدم خطوة ~~واحده إشارة إلى أنه ليست لهم بصائر بها فيما ms0027 كشف البرق لأبصارهم من ~~الأرض قبل الإظلام بل حال انقطاع اللمعان يقفون لعمى بصائرهم ووحشتهم ~~وجبنهم وغربتهم وشدة جزعهم وحيرتهم، وهكذا حال هؤلاء لا يقيسون ما أشكل ~~عليهم من القرآن على ما فهموه. # { ولو شاء الله } الذي له العظمة الباهرة مع شدة حرصهم وتناهي جزعهم، ~~ودل على مفعول شاء بقوله: { لذهب بسمعهم } أي بقاصف الرعد ولم يغنهم سد ~~آذانهم { وأبصارهم } بخاطف البرق ولم يمنعه غضهم لها، ثم علل ذلك ~~بقوله: { إن الله } أي الذي له جميع صفات الكمال { على كل شيء } أي مشيء ~~أي يصح أن تقع عليه المشيئة هذا المراد وإن كان الشيء كما قال سيبوية يقع ~~على كل ما أخبر عنه، وهو أعم العام كما أن الله أخص الخاص، يجري على ~~الجسم والعرض والقديم والمعدوم والمحال، وقول الأشاعرة: إن المعدوم ليس ~~بشيء، بمعنى أنه ليس بثابت في الأعيان متميز فيها { قدير } إعلاما بأن ~~قدرته لا تتقيد بالأسباب، قال الحرالي: القدرة إظهار الشيء من غير سبب ~~ظاهر انتهى. # ولعله سبحانه قدم المثل الأول لأنه كالجزء من الثاني، أو لأنه مثل ~~المنافقين، جعلت مدة صباهم بنموهم وازدياد عقولهم استيقادا مع جعل الله ~~إياهم على الفطرة القويمة وزمان بلوغهم بتمام العقل الغريزي إضاءة؛ ~~والثاني مثل المنافقين وهو أبلغ. لأن الضلال فيه أشنع وأفظع. فالصيب ~~القرآن الذي انقادوا له ظاهرا،والظلمات متشابهه، والصواعق وعيده، والبرق ~~وعده، كلما أنذروا بوعيد انقطعت قلوبهم خوفا # يحسبون كل صيحة عليهم # [المنافقون: 4] وكلما بشروا انقادوا رجاء، وإذا عرض المتشابه وقفوا ~~تحيرا وجفاء وكل ذلك وقوفا مع الدنيا وانقطاعا إليها، لا نفوذ لهم إلى ~~ما وراءها أصلا، بل هم كالأنعام، لا نظر لهم ألى ما سوى الجزيئات ~~والأمور المشاهدات، # فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم # [النساء: 141] # يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزاعظيما # [النساء: 73] والكلام الجامع النافع في ذلك أن يقال إنه سبحانه شبه في ~~الأول مثلهم بمثل المستوقد لا بالمستوقد، وفي الثاني شبه مثلهم في ~~خوفهم اللازم ورجائهم المنقطع بأصحاب الصيب لا بمثلهم؛ فتقدير الأول ms0028 ~~مثلهم في أنهم سمعوا أولا الدعاء ورأوا الآيات فأجابوا الداعي إما ~~بالفعل كالمنافقين وإما بالقوة في أيام الصبا لما عندهم من سلامة الفطر ~~وصحة النظر، ثم تلذذوا فرجعوا بقلوبهم من نور ما قالوه بألسنتهم من كلمة ~~التقوى نطقا أو تقديرا إلى ظلمات الكفر، فلم ينفعهم سمع ولا بصر ولا ~~عقل، فصاروا مثل البهائم التي لا تطيع الراعي إلا بالزجر البليغ، مثلهم ~~في هذا يشبه مثل المستوقد في أنه لما أضاءت ناره رأى ما حوله، فلما ذهبت ~~لم يقدر على تقدم ولا تأخر، لأنه لا ينفع في ذلك سمع ولا كلام فإذن استوى ~~وجودهما وعدمهما، فصار عادما للثلاثة، فكان من هذه الجهة مساويا للأصم ~~الأبكم الأعمى، فهو مثله لكونه لا يقدر على مراده إلا أن قاده قائد حسي، ~~فهو حينئذ مثل البهائم التي لا تقاد للمراد إلا بقائد، فاستوى المثلان ~~وسيتضح ذلك عند قوله تعالى: # كمثل الذي ينعق # [البقرة: 171] ولذلك كانت النتيجة في كل منها صم إلى آخره و " او " ~~بمعنى الواو، ولعله عبر بها دونها لأنه وإن كان كل من المثلين صالحا لكل ~~من القسمين فإن احتمال التفصيل غير بعيد، لأن الأول أظهر في الأول ~~والثاني في الثاني. # وجعل الحرالي المثلين للمنافقين فقال: ضرب لهم مثلين لما كان لهم حالان ~~وللقرآن عليهم تنزلان، منه ما يرغبون فيه لما فيه من مصلحة دنياهم، فضرب ~~لهم المثل الأول، وقدمه لأنه سبب دخولهم مع الذين آمنوا لما رأوا من ~~معاجلة عقاب الذين كفروا في الدنيا؛ ومنه ما يرهبونه ولا يستطيعون سماعه ~~لما يتضمنه من أمور شاقة عليهم لا يحملها إلا مؤمن حقا ولا يتحملها إلا ~~من أمن، ولما يلزم منه من فضيحة خداعهم فضرب له المثل الثاني؛ فلن يخرج ~~حالهم عند نزول نجوم القرآن عن مقتضى هذين المثلين اتهى. وضرب الأمثال ~~المنهي إلى الحمد المنتهي إلى الإحاطة بكل حد لا سيما في أصول الدين ~~الكاشف لحقيقة التوحيد الموصل إلى اليقين في الإيمان بالغيب المحقق لما ~~لله تعالى من صفات الكمال الدافع للشكول الحافظ ms0029 في طريق السلوك مما اختص ~~به القرآن من حيث كان منهيا إلى الحمد ومفصحا به فكان حرف الحمد، وذلك ~~أنه حرف عام محيط شامل لجميع الأمور كافل بكل الشرائع في سائر الأزمان؛ ~~فكان أحق الرسل به من كانت رسالته عامة لجميع الخلق وكتابه شاملا لجميع ~~الأمر وهو أحمد ومحمد صلى الله عليه وسلم. # قال الإمام أبو الحسن الحرالي في كتابه " عروة المفتاح ": هذا الحرف ~~لإحاطته أنزل وترا وسائر الحروف أشفاع لاختصاصها، ووجه إنزاله تفهيم ما ~~غمض من المغيبات بضرب مثل من المشهودات، ولما كان للأمر تنزلات وللخلق ~~تطورات كان الأظهر منها مثلا لما هو دونه في الظهور، وكلما ظهر ممثول ~~صار مثلا لما هو أخفى منه، فكان لذلك أمثالا عددا منها مثل ليس بممثول ~~لظهوره وممثولات تصير أمثالا لما هو أخفى منها إلى أن تنتهي الأمثال إلى ~~غاية محسوس أو معلوم، فتكون تلك الغاية مثلا أعلى كالسماوات والأرض فيما ~~يحس والعرش والكرسي فيما يعلم # وله المثل الأعلى في السماوات والأرض # [الروم: 27] # الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم # [غافر: 7] وذلك المثل الأعلى لإحاطته اسمه الحمد # وله الحمد في السماوات والأرض # [الروم: 18] وأحمده أنهاه وأدناه إلى الله تعالى بحيث لا يكون بينه وبين ~~الله تعالى واسطة، فلذلك ما استحق أكمل الخلق وأجمعه وأكمل الأمر وأجمعه ~~وأكمل الأمر وأجمعه الاختصاص بالحمد، فكان أكمل الأمور سورة الحمد وكان ~~أكمل الخلق صورة محمد صلى الله عليه وسلم، كان خلقه القرآن # لقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم # [الحجر: 87] ودون المثل الأعلى الجامع الأمثال العلية المفصلة منه # ضرب لكم مثلا من أنفسكم # [الروم: 28] ولإحاطة أمر الله وكماله في كل شيء يصح أن يضربه مثلا # إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها # [البقرة: 26] # مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا # [العنكبوت: 41] وللمثل حكم من ممثوله، إن كان حسنا حسن مثله، وإن كان ~~سيئا ساء مثله؛ ولما كان أعلى الأمثال الحمد كان أول الفاتحة الحمد، ~~ولما كان أخفى ms0030 أمر الخلق النفاق كان أول مثل في الترتيب مثل النفاق، وهو ~~أدنى مثل أمثال حسنة وسيئة # مثل الجنة التي وعد المتقون # [الرعد: 35] الآيتين، # مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها # [الجمعة: 5] # فمثله كمثل الكلب # [الأعراف: 176] الآيتين. وبقدر علو المثل أو دنوه أو توسطه يتزايد ~~للمؤمن الإيمان وللعالم العلم وللفاهم الفهم، وبضد ذلك لمن اتصف بأضداد ~~تلك الأوصاف، { فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين ~~كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا ~~} ومعرفة أمثال القرآن المعرفة إحاطة ممثولاتها وعلم آياته المعلمة ~~اختصاص معلوماتها هو حظ العقل واللب وحرفه من القرآن، ولكل حرف اختصاص ~~بحظ من تدرك الإنسان وأعمال القلوب والأنفس والأبدان، فمن يسر له ~~القراءة والعمل بحرف منه اكتفى، ومن جمع له قراءة جميع أحرفه علما ~~وعملا فقد أتم ووفى، وبذلك يكون القارىء من القراء الذين قال فيهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " إنهم أعز من الكبريت الأحمر " # يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم # [آل عمران: 74]. # ثم قال فيما به يحصل قراءة هذا الحرف: اعلم أن قراءة الأحرف الستة ~~تماما وفاء بتفصيل العبادة، لأنها أشفاع ثلاثة للتخلص والتخلي وثلاثة ~~للعمل والتحلي، لأن ترك الحرام طهرة البدن وترك النهي طهرة النفس وترك ~~التعرض للمتشابه طهرة القلب، ولأن تناول الحلال زكاء البدن وطاعة الأمر ~~زكاء النفس وتحقق العبودية بمقتضى حرف المحكم نور القلب؛ وأما قراءة حرف ~~الأمثال فهو وفاء العبادة بالقلب جمعا ودواما # وله الدين واصبا # [النحل: 52] و # الذين هم على صلاتهم دائمون # [المعارج:23] فالذي يحصل قراءة هذا الحرف إنما هو خاص بالقلب، لأن أعمال ~~الجوارح وأحوال النفس قد استوفتها الأحرف السته التفصيلية، والذي يخص ~~القلب بقراءة هذا الحرف هو المعرفة التامه المحيطة بأن كل الخلق دقيقة ~~وجليلة خلق الله وحده لا شريك له في شيء منه، وأنه جميعه مثل لكلية أمر ~~الله القائم بكلية ذلك الخلق، وإن كلية ذلك الأمر الذي هو ممثول لمثل ~~الخلق هو مثل لله تعلى: # وله ms0031 المثل الأعلى # [الروم: 27] وأن تفاصيل ذلك الخلق المحيطات أمثل لقيامها من تفاصيل ذلك ~~الأمر المحيطات بها، وأن تفاصيل الأمر المحيطات أمثال لأسماء الله تعالى ~~الحسنى بما هي محيطة؛ ولجمع هذا الحرف لم يصح إنزاله إلا على الخلق ~~الجامع الآدمي الذي هو صفوة الله وفطرته، وعلى سيد الآدميين محمد خاتم ~~النبيين وهو خاصته وخاصة آله، وعنه كمل الدين بالإحسان، وصفا العلم ~~بالإيقان، وشوهد في الوقت الحاضر، ما بين حدي الأزل الماضي والأبد ~~الغابر، وعن تمام اليقين والإحسان تحقق الفناء لكل فان وبقي وجه رب ~~محمد ذي الجلال والإكرام، وكان هذا الحرف بما اسمه الحمد هو لكل شيء بداء ~~وختام انتهى. # ولما ثبت بهذا البيان عما للكافرين بقسميهم من الشقاوة مع تمام القدرة ~~شمول العلم المستلزمان للواحدانية أنتج قطعا إفراده بالعباده الموجبه ~~للسعاده المضمنة لإياك نعبد، فوصل بذلك قوله مقبلا عليهم بعد الإعراض ~~عنهم عند التقسيم إيذانا بأنهم صاروا بما تقدم من ضرب الأمثال وغيرها من ~~حيز المتأهل للخطاب من غير واسطة تنشيطا لهم في عبادته وترغيبا ~~وتحريكا إلى رفع أنفسهم بإقبال الملك الأعظم عن الخضوع لمن هو دونه بل ~~دونهم وبشارة لمن أقبل عليه بعد أن كان معرضا عنه بدوام الترقيه، فيزال ~~ما أشار إليه حرف النداء والتعبير عن المنادى من بقية البعد بالسهو ~~والغفلة والإعراض بالتقصير في العبادة والاضطراب والذبذبة { ياأيها الناس ~~}. # قال الحرالي في تفسيره { يا } تنبيه من يكون بمسمع من المنبه ليقبل على ~~الخطاب، وهو تنبيه في ذات نفس المخاطب ويفهم توسط البعد بين آيا الممدودة ~~وأي المقصورة " أي " اسم مبهم، مدلوله اختصاص ما وقع عليه من مقتضى اسم ~~شامل، " ها " كلمة مدلولها تنبيه على أمر يستفيده المنبه - انتهى. وأكد ~~سبحانه الكلام بالإبهام والتنبيه والتوضيح بتعيين المقصود بالنداء ~~تنبيها على أن ما يأتي بعده أمور مهمة يحق لها تشمير الذيول والقيام على ~~ساق الجد. # وقال الحرالي: اعلم أنه كما اشتمل على القرآن كله فاتحة الكتاب فكذلك ~~أيضا جعل لكل سورة ترجمة جامعة تحتوي على جميع مثاني آيها، وخاتمة ms0032 تلتئم ~~وتنتظم بترجمتها، ولذلك تترجم السورة عدة سور، وسيقع التنبيه على ذلك في ~~موضعه إن شاء الله تعالى. واعلم مع ذلك أن كل نبىء منبأ - يقرأ بالهمز - ~~من النبأ وهو الخبر، فإنه شرع في دعوته وهو غير عالم بطية أمره وخبر ~~قومه، وأن الله عز وجل جعل نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم نبيا منبيا ~~من النبوة - يقرأ بغير همز. ومعناه رفعة القدر والعلو، فمما أعلاه الله ~~به أن قدم له بين يدي دعوته علم طية أمره ومكنون علمه تعالى في سر ~~التقدير الذي لم يزل خبأ في كل كتاب، فأعلمه بأنه تعالى جبل المدعوين ~~الذين هم بصفة النوس مترددين بين الاستغراق في أحوال أنفسهم وبين مرجع ~~إلى ذكر ربهم على ثلاثة أضرب: منهم من فطر على الإيمان ولم يطبع عليه ~~أي على قلبه فهو مجيب ولا بد، ومنهم من طبع على الكفر فهو آب ولا بد، ~~ومنهم من ردد بين طرفي الإيمان ظاهرا والكفر باطنا، وإن كلا ميسر لما ~~خلق له؛ فكان بذلك انشراح صدره في حال دعوته وزال به ضيق صدره الذي شارك ~~به الأنبياء - بالهمز، ثم علا بعد ذلك إلى مستحق رتبته العلية، فكان أول ~~ما افتتح له كتابه أن عرفه معنى ما تضمنته { الم } ثم فصل من ذلك ثلاثة ~~أحوال المدعوين بهذا الكتاب، وحينئذ شرع في تلقينه الدعوة العامة للناس، ~~فافتتح بعد ذلك الدعوة والنداء والدعوة إلى العبادة يعني بهذه الآية، ~~وتولى الله سبحانه دعوة الخلق في هذه الدعوة العامة التي هي جامعة لكل ~~دعوة في القرآن. # ولما ضمن صدرها من الوعيد في حق رسوله فلم يجر خطاب ذلك على لسانه، ولما ~~فيها من السطوة وخطاب الملك والجزاء ومحمد صلى الله عليه وسلم رحمة ~~للعالمين فلم ينبغ إجراؤها على لسانه لذلك، وغيره من الرسل فعامة دعوة من ~~خص الله سبحانه خبر دعوته فهي مجراة على ألسنتهم ولذلك كثرت مقاواة قومهم ~~ومدعويهم لهم، ولما أجرى الحق تعالى هذه الدعوة من قبله كان فيها بشرى ~~بالغلبة وإظهار دينه، ms0033 لأن الله سبحانه وتعالى لا يقاويه خلقه، ولما انتهى ~~إلى البشرى التي هي رحمة أجرى الكلام على مخاطبته عليه السلام بقوله: # وبشر # [البقرة: 25] ومع إجراء دعوة المرسلين على ألسنتهم علقت باسم الله بلفظ # أن اعبدوا الله # [المائدة: 117] ونحو فعز على أكثر النفوس الإجابة لفوات اسم الله عن ~~إدراك العقول، ومع تولي الله سبحانه لهذه الدعوة بسلطانه العلي أجراها ~~باسم الربوبية وهو اسم أقرب مثالا على النفوس، لأنها تشاهد آياته بمعنى ~~التربية والربابة، ومع ذلك أيضا فذكر اسم الله في دعوة المرسلين غير ~~متبع ولا موصوف بآيات الإلهية، ولو ذكر لما قرب مثالا علمها فهي كالشمس ~~والقمر ونحو ذلك، وذكر تعالى الربوبية في هذه الدعوة متبعة بآياتها ~~الظاهرة التي لا تفوت العقل والحس ولا يمكن إنكارها، ووجه بعد النفوس عن ~~الانقياد عند الدعوة باسم الله أن آيات الربوبية التي يسهل عليها ~~الانقياد من جهتها التي بيسير منها تنقاد للملوك وأولي الإحسان، لأنها ~~جبلت على حب من أحسن إليها تبقى عند الدعوة باسم الله بمعزل عن الشعور ~~بإضافتها لاسم الله ويحار العقل في المتوجه له بالعبادة، وتضيف النفوس ~~الغافلة آيات الربوبية إلى ما تشاهده من أقرب الأسباب في العوائد، ~~كالفصول التي نيطت الموالد والأقوات بها في مقتضى حكمة الله سبحانه أو ~~إلى أسباب هذه الأسباب كالنجوم ونحو ذلك، فلا يلتئم للمدعو حال قوامه ~~بعبادته فيكثر التوقف والإباء، واقتضى اليسر الذي أراد الله بهذه الأمة ~~ذكر الربوبية منوطا بآياتها - انتهى. # ولما كانت العبادة المختلة بشرك أو غيره ساقطة والازدياد من الصحيحة ~~والاستمرار عليها عبادة جديدة يحسن الأمر بها خاطب الفريقين فقال: { ~~اعبدوا ربكم } أي الذي لا رب لكم غيره عبادة هي بحيث يقبلها الغني. ثم ~~وصفه بما أشارت إليه صفة الرب من الإحسان تنبيها على وجوده ووجوب ~~العبادة له بوجوب شكر المنعم فقال: { الذي خلقكم } ، قال الحرالي: { الذي ~~} اسم مبهم مدلوله ذات موصوف بوصف يعقب به وهي الصلة اللازمة له، والخلق ~~تقدير أمشاج ما يراد إظهاره بعد الامتزاج والتركيب صورة { والذين من ~~قبلكم ms0034 } القبل ما إذا عاد المتوجه إلى مبدأ وجهته أقبل عليه - انتهى. # ثم بين نتيجتها بقوله: { لعلكم تتقون } أي لتكون حالكم بعبادته لأنها ~~كلها محاسن ولا حسن في غيرها حال من ترجى له التقوى، وهي اجتناب القبيح ~~من خوف الله، وسيأتي في قوله: { لعلكم تشكرون } ما ينفع هنا. وقال ~~الحرالي: لعل كلمة ترج لما تقدم سببه، وبدأ من آيات الربوبية بذكر الخلق ~~لأنه في ذواتهم، ووصل ذلك بخلق من قبلهم حتى لا يستندوا بخلقهم إلى من ~~قبلهم وترجى لهم التقوى لعبادتهم ربهم من حيث نظرهم إلى خلقهم وتقدير ~~أمشاجهم، لأنهم إذا أسندوا خلقهم لربهم كان أحق أن يسندوا إليه ثمرة ذلك ~~من صفاتهم وأفعالهم فيتوقفون عن الاستغناء بأنفسهم فينشأ لهم. بذلك تقوى ~~- انتهى. # وما أحسن الأمر بالعبادة حال الاستدلال على استحقاقها بخلق الأولين ~~والآخرين وما بعده عقب إثبات قدرة الداعي المشيرة إلى الترهيب من سطواته! ~~ولقد بدع هذا الاستدلال على التفرد بالاستحقاق عقب أحوال من قرب أنهم في ~~غاية الجمود بأمور مشاهدة يصل إليها كل عاقل بأول وهلة من دحو الأرض وما ~~بعده مما به قوام بقائهم من السكن والرزق في سياق منبه على النعمة محذر ~~من سلبها دال على الإله بعد الدلالة بالأنفس من حيث إن كل أحد يعرف ضرورة ~~أنه وجد بعد أن لم يكن، فلا بد له من موجد غير الناس، لما يشاهد من أن ~~حال الكل كحاله بالدلالة بالآفاق من حيث إنها متغيرة، فهي مفتقرة إلى ~~مغير هو الذي أحدثها ليس بمتغير، لأنه ليس بجسم ولا جسماني في سياق مذكر ~~بالنعم الجسام الموجبة لمحبة المنعم وترك المنازعة وحصول الانقياد فقال: ~~{ الذي جعل } قال الحرالي: من الجعل وهو إظهار أمر عن سبب وتصيير { لكم ~~الأرض } أي المحل الجامع لنبات كل نابت ظاهر أو باطن، فالظاهر كالموالد ~~وكل ما الماء أصله، والباطن كالأعمال والأخلاق وكل ما أصله ما الماء آيته ~~كالهدى والعلم ونحو ذلك؛ ولتحقق دلالة اسمها على هذا المعنى جاء وصفها ~~بذلك من لفظ اسمها فقيل: أرض أريضة، ms0035 للكريمة المنبتة، وأصل معناها ما سفل ~~في مقابلة معنى السماء الذي هو ما علا على سفل الأرض كأنها لوح قلمه الذي ~~يظهر فيها كتابه - انتهى. # { فراشا } وهي بساط سقفه السماء وهي مستقر الحيوان من الأحياء ~~والأموات، وأصله كما قال الحرالي: بساط يضطجع عليه للراحة ونحو ذلك، { ~~والسماء بناء } أي خيمة تحيط بصلاح موضع السكن وهو لعمري بناء جليل ~~القدر، محكم الأمر، بهي المنظر، عظيم المخبر. # ورتبت هذه النعم الدالة على الخالق الداعية إلى شكره أحكم ترتيب، قدم ~~الإنسان لأنه أعرف بنفسه والنعمة عليه أدعى إلى الشكر، وثنى بمن قبله ~~لأنه أعرف بنوعه، وثلث بالأرض لأنها مسكنه الذي لا بد له منه، وربع ~~بالسماء لأنها سقفه، وخمس بالماء لأنه كالأثر والمنفعة الخارجة منها وما ~~يخرج بسببه من الرزق كالنسل المتولد بينهما فقال: { وأنزل } قال الحرالي: ~~من الإنزال وهو الإهواء بالأمر من علو إلى سفل - انتهى. { من السماء } أي ~~بإثارتها الرياح المثيرة للسحاب الحامل للماء { ماء } أي جسما لطيفا ~~يبرد غلة العطش، به حياة كل نام. قال الحرالي: وهو أول ظاهر للعين من ~~أشباح الخلق { فأخرج } من الإخراج وهو إظهار من حجاب، وفي سوقه بالفاء ~~تحقيق للتسبيب في الماء - انتهى. # وأتي بجمع القلة في الثمر ونكر الرزق مع المشاهدة لأنهما بالغان في ~~الكثرة إلى حد لا يحصى تحقيرا لهما في جنب قدرته إجلالا له فقال: { به ~~من الثمرات رزقا } وإخراج الأشياء في حجاب الأسباب أوفق بالتكليف ~~بالإيمان بالغيب، لأنه كما قيل: لولا الأسباب لما ارتاب المرتاب، والثمر ~~كما قال الحرالي: مطعومات النجم والشجر وهي عليها، وعبر بمن لأن ليس كل ~~الثمرات رزقا لما يكون عليه وفيه من العصف والقشر والنوى، وليس أيضا من ~~كل الثمرات رزق فمنه ما هو للمداواة ومنه سموم وغير ذلك. وفي قوله: { لكم ~~} إشعار بأن في الرزق تكملة لذواتهم ومصيرا إلى أن يعود بالجزاء منهم. # وقد وصف الرب في هذه الآية بموصولين ذكر صلة الثاني بلفظ الجعل، لأن حال ~~القوام مرتب على حال الخلق ومصير منه، فلا يشك ms0036 ذو عقل في استحقاق ~~الانقياد لمن تولى خلقه وأقام تركيبه؛ ولا يشك ذو حس إذا تيقظ من نوم أو ~~غفلة فوجد بساطا قد فرش له وخيمة قد ضربت عليه وعولج له طعام وشراب قدم ~~له أن نفسه تنبعث بذاتها لتعظيم من فعل ذلك بها ولتقلد نعمته وإكباره؛ ~~فلتنزيل هذه الدعوة إلى هذا البيان الذي يضطر النفس إلى الإذعان ويدخل ~~العلم بمقتضاها في رتبة الضرورة والوجدان كانت هذه الدعوة دعوة عربية ~~جارية على مقتضى أحوال العرب، لأن العرب لا تعدو بأنفسها العلم الضروري ~~وليس من شأنها تكلف الأفكار والتسبب إلى تواني العلوم النظرية المأخوذة ~~من مقتضى الإمارات والأدلة، فعوملت بما جبلت عليه فتنزل لها لتكون نقلتها ~~من فطرة إلى فطرة ومن علم وجداني إلى علم وجداني علي لتحفظ عليها رتبة ~~الإعراب والبيان بأن لا يتسبب لها إلى دخول ريب في علومها، لأن كل علم ~~مكتسب يتكلف التسبب له بآيات وعلامات ودلائل تبعد من الحس وأوائل هجوم ~~العقل تتعارض عليه الأدلة ويعتاده الريب، فحفظت هذه الدعوة العربية عن ~~التكلف وأجريت على ما أحكمه صدر السورة في قوله تعالى: { لا ريب فيه }. # واعلم أن حال المخلوق في رزقه محاذي به حاله في كونه، فيعلم بالاعتبار ~~والتناسب الذي شأنه أن تتعلم من جهته المجهولات أن الماء بزر كون الإنسان ~~كما أن الماء أصل رزقه، ولذلك قال عليه السلام لمن سأله ممن هو فلم يرد ~~أن يعين له نفسه: " نحن من ماء " ويعلم كذلك أيضا أن للأرض والسماء ~~مدخلا في أمشاج الإنسان رتب عليه مدخلها في كون رزقه، وفي ذكر الأرض ~~معرفة أخذ للأرض إلى نهايتها وكمالها، ولذلك قال عليه السلام: # " من اغتصب شبرا من أرض طوقه من سبع أرضين " # وكذلك ذكر السماء أخذ لها إلى نهايتها وكمالها؛ وقدم الأرض لأن نظر ~~النفوس إلى ما تحتها أسبق لها من نظرها إلى ما علا عليها. ثم قال: ولوضوح ~~آية الربوبية تقلدها الأكثر وإنما توقفوا في الرسالة ولذلك وصل ذكر ~~الرسالة بالتهديد - انتهى. # ولما أمر بعبادته وذكرهم ms0037 سبحانه بما يعلمون أنه فاعله وحده حسن النهي عن ~~أن يشرك به ما لا أثر له في شيء من ذلك بفاء التسبب عن الأمرين كليهما ~~قال معبرا بالجلالة على ما هو الأليق بالتوبيخ على تأله الغير { فلا ~~تجعلوا لله } أي ما إحاطته بصفات الكمال. ويجوز أن يكون مسببا عن التقوى ~~المرتجاة فتكون لا نافية والفعل منصوب { أندادا } أي على حسب زعمكم أنها ~~تفعل ما تريدون. قال الحرالي: جمع ند وهو المقاوم في صفة القيام والدوام، ~~وعبر بالجعل لأن بالجعل والمصير من حال إلى حال أدنى منها ترين الغفلة ~~على القلوب، حتى لا تشهد في النعم والنقم إلا الخلق من ملك أو ذي إمرة أو ~~من أي ذي يد عليا كان، ولما شهدوا ذلك منهم تعلق بهم رجاؤهم وخوفهم ~~وعاقبهم ربهم على ذلك بأيديهم فاشتد داعي رجائهم لهم وسائق خوفهم منهم ~~فتذللوا لهم وخضعوا، فصاروا بذلك عبدة الطاغوت وجعلوهم لله أندادا - ~~انتهى. وما أحسن قوله في تأنيبهم وتنبيههم على ما أزروا بأنفسهم { وأنتم ~~تعلمون } أي والحال أنكم ذوو علم على ما تزعمون فإنه يلوح إلى أن من ~~أشرك به مع قيام هذه الأدلة لم يكن ممن يصح منه العلم فكان في عداد ~~البهائم. وفيه كما قال الحرالي: إعلام بظهور آيات ما يمنع جعل الند لما ~~يشاهد أن جميع الخلق أدناهم وأعلاهم مقامون من السماء وفي الأرض ومن ~~الماء، فمن جعل لله ندا مما حوته السماء والأرض واستمد من الماء فقد ~~خالف العلم الضروري الذي به تقلد التذلل للربوبية في نفسه فإن يحكم بذلك ~~على غيره مما حاله كحاله أحق في العلم - انتهى. # وفي تعقيبها لما قبلها غاية التبكيت على من ترك هذا القادر على كل شيء ~~وعبد ما لا يقدر على شيء. # وهذه الآية من المحكم الذي اتفقت عليه الشرائع واجتمعت عليه الكتب، وهو ~~عمود الخشوع، وعليه مدار الذل والخضوع. قال الإمام أبو الحسن الحرالي في ~~العروة: وجه إنزال هذا الحرف تحقيق اتصاف العبد بما هو اللائق به في صدق ~~وجهته ms0038 إلى الحق بانقطاعه عن نفسه وبراءته منها والتجائه إلى ربه ~~استسلاما، وجهده في خدمته إكبارا واستناده إليه اتكالا، وسكونه له ~~طمأنينة # يا أيتها النفس المطمئنة * ارجعي إلى ربك راضية مرضية # [الفجر: 27، 28]، ويتأكد تحلي العبد بمستحق أوصافه لقراءة هذا الحرف ~~والعمل به بحسب براءته من التعرض لنظيره المتشابه، لأن اتباع المتشابه ~~زيغ لقصور العقل والفهم عن نيله، ووجوب الاقتصار على الإيمان به من غير ~~موازنة بين ما خاطب الله به عباده للتعرف وبين ما جعله للعبد للاعتبار، ~~سبحانه من لم يجعل سبيلا إلى معرفته إلا بالعجز عن معرفته. # وجامع منزل المحكم ما افتتح به التنزيل في قوله تعالى: # اقرأ باسم ربك # [العلق: 1] الآيات، وما قدم في الترتيب في قوله تعالى: { يا أيها الناس ~~اعبدوا ربكم } إلى ما ينتظم بذلك من ذكر عبادة القلب التي هي المعرفة # وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون # [الذاريات: 56] فليكن أول ما تدعوهم إليهم عبادة الله فإذا عرفوا الله، ~~ومن ذكر عبادة النفس التي هي الإجمال في الصبر وحسن الجزاء # واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم # [الكهف: 28] # ويدرؤون بالحسنة السيئة # [الرعد: 22] # الذين هم في صلاتهم خاشعون # [المؤمنون: 2] لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه إلى سائر أحوال العبد التي ~~يتحقق بها في حال الوجهة إلى الرب، وما تقدم من حرفي الحلال والحرام ~~لإصلاح الدنيا، وحرفي الأمر والنهي لإصلاح العقبى معاملة كتابه، والعمل ~~بهذا الحرف اغتباط بالرق وعياذ من العتق، فلذلك هو أول الاختصاص ومبدأ ~~الاصطفاء وإفراد موالاة الله وحده من غير شرك في نفس ولا غير، ولذلك بدىء ~~بتنزيله النبي العبد، وهو ثمرة ما قبله وأساس ما بعده، وهو للعبد أحوال ~~محققة لا يشركه فيها ذو رثاء ولا نفاق، ويشركه في الأربعة المتقدمة - ~~يعني النهي والأمر والحلال والحرام، لأنها أعمال ظاهرة فيتحلى بها ~~المنافق، وليس يمكنه مع نفاقه التحلي بالمعرفة، ولا بالخشوع ولا بالخضوع، ~~ولا بالشوق للقاء ولا بالحزن في الإبطاء، ولا بالرضا بالقضاء، ولا بالحب ~~الجاذب للبقاء في طريق الفناء، ولا بشيء مما شمله آيات المحكم المنزلة ms0039 في ~~القرآن وأحاديثه الواردة للبيان، وإنما يتصف بهذا الحرف عباد الرحمن # وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا ~~سلاما # [الفرقان: 63] الذين ليس للشيطان عليهم سلطان # إن عبادي ليس لك عليهم سلطان # [الحجر: 42، والإسراء: 65]. # ولما كان حرف المحكم مستحق العبد في حق الرب في فطرته التي فطر عليها ~~كان ثابتا في كل ملة وفي كل شرعة فكانت آياته لذلك هن أم الكتاب المشتمل ~~على الأحرف الأربعة، لتبدلها وتناسخها وتناسبها في الشرع والملل ~~واختلافها على مذاهب الأئمة في الملة الجامعة، مع اتفاق الملل في الحرف ~~المحكم فهو أمها وقيامها الثابت حال تبدلها وهو حرف الهدى الذي يهدي به ~~الله من يشاء، وقرأته العملة به هم المهتدون أهل السنة والجماعة، كما أن ~~المتبعين لحرف المتشابه هم المتفرقون في الملل وهم أهل البدع والأهواء ~~المشتغلون بما لا يعنيهم، وبهذا الحرف المتشابه يضل الله من يشاء؛ فحرف ~~المحكم للاجتماع والهدى، وحرف المتشابه للافتراق والضلال # والله يقول الحق وهو يهدي السبيل # [الأحزاب: 4]. # ثم قال: اعلم أن قراءة الأحرف الماضية الأربعة هو حظ العامة من الأمة ~~العاملين لربهم على الجزاء المقارضين له على المضاعفة، وقراءة هذا الحرف ~~تماما هو حظ المتحققين بالعبودية المتعبدين بالأحوال الصادقة المشفقين ~~من وهم المعاملة، لشعورهم أن العبد لسيده مصرف فيما شاء وكيف شاء، ليس ~~له في نفسه حق ولا حكم، ولا حجة له على سيده فيما أقامه فيه من صورة ~~سعادة أو شقاوة # في أي صورة ما شاء ركبك # [الانفطار: 8] # على أن نبدل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون # [الواقعة: 63]. # والذي تحصل به قراءة هذا الحرف إما من جهة القلب فالمعرفة بعبودية الخلق ~~للحق رق خلق ورزق وتصريف فيما شاء مما بينه وبين ربه ومما بينه وبين ~~نفسه ومما بينه وبين أمثاله من سائر العباد، لا يملك لنفسه ضرا ولا ~~نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، ولا يأخذ إلا ما أعطاه سيده، ولا ~~يتقي إلا ما وقاه سيده، ولا يكشف السوء عنه إلا هو، فيسلم له مقاليد ms0040 أمره ~~في ظاهره وباطنه، وذلك هو الدين عند الله الذي لا يقبل سواه # إن الدين عند الله الإسلام # [آل عمران: 19] و # من يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه # [آل عمران: 85] وهو دين النبي العبد، وما يتحقق للعبد من ذلك عن اعتبار ~~العقل وخلوص اللب هي الملة الحنيفية ملة النبي الخليل - هذا من جهة ~~القلب؛ وإما من جهة حال النفس فجميع أحوال العبد القن المعرق في الملك: ~~إنما أنا عبد آكل مثل ما يأكل العبد؛ وجماع ذلك وأصله الذل انكسارا ~~والذل عطفا والبراءة من الترفع والفخر على سائر الخلق والتحقق بالضعة ~~دونهم على وصف النفس، بذلك ينتهي حسن التخلق مع الخلق وصدق التعبد للحق؛ ~~وإما من جهة العمل فتصرف الجوارح وإسلامها لله قولا وفعلا وبذلا، ~~ومسالمة الخلق لسانا ويدا، وهو تمام الإسلام وثبته، لا يكتب أحدكم في ~~المسلمين حتى يسلم الناس من لسانه ويده، ويخص الهيئة من ذلك ما هو أولى ~~بهيئات العبيد كالذي بنيت عليه هيئة الصلاة من الإطراق في القيام ووضع ~~اليمنى على اليسرى بحذاء الصدر هيئة العبد المتأدب المنتظر لما لا يدري ~~خبره من أمر سيده وكهيئة الجلوس فيها الذي هو جلوس العبيد، كذلك كان صلى ~~الله عليه وسلم يجلس لطعامه ليستوي حال تعبده في أمر دنياه وأخراه ويقول: ~~" إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد " ويؤثر جميع ما هو هيئة العبيد في ~~تعبده ومطعمه ومشربه وملبسه ومركبه وظعنه وإقامته # قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله # [آل عمران: 31] فبهذه الأمور من تحقق العبودية للقلب وذل النفس وانكسار ~~الجوارح تحصل قراءة حرف المحكم والله الولي الحميد - انتهى. ### || [2.23-25] # ولما ثبتت هذه الأدلة فوجب امتثال ما دعت إليه ولم يبق لمتعنت شبهة إلا ~~أن يقول: لا أفعل حتى أعلم أن هذا الكتاب الذي تقدم أنه الهدى كلام الله، ~~قال مبينا إنه من عنده نظما كما كان من عنده معنى محققا ما ختم به ~~التي قبلها من أن من توقف عما دعا إليه من التوحيد وغيره لا علم ms0041 له بوجه، ~~وأتى بأداة الشك سبحانه مع علمه بحالهم تنبيها على أنه من البعيد جدا ~~أن يجزم بشكهم بعد هذا البيان { وإن } أي فإن كنتم من ذوي البصائر ~~الصافية والضمائر النيرة علمتم بحقية هذه المعاني وجلالة هذه الأساليب ~~وجزالة تلك التراكيب أن هذا كلامي، فبادرتم إلى امتثال ما أمر والانتهاء ~~عما عنه زجر. { وإن كنتم في ريب } أي شك محيط بكم من الكتاب الذي قلت - ~~ومن أصدق مني قيلا - إنه { لا ريب فيه }. # وأشار هنا أيضا إلى عظمته وعظمة المنزل عليه بالنون التفاتا من الغيبة ~~إلى التكلم فقال: { مما نزلنا } قال الحرالي: من التنزيل وهو التقريب ~~للفهم بتفصيل وترجمة ونحو ذلك - انتهى. { على عبدنا } أي الخالص لنا الذي ~~لم يتعبد لغيرنا قط، فلذلك استحق الاختصاص دون عظماء القريتين وغيرهم، ~~فارتبتم في أنه كلامنا نزل بأمرنا وزعمتم أن عبدنا محمدا أتى به من عنده ~~لتوهمكم أن فيما سمعتم من الكلام شيئا مثله لأجل الإتيان به منجما أو ~~غير ذلك من أحواله. # { فأتوا } أي على سبيل التنجيم أو غيره، قال الحرالي: الآتي بالأمر يكون ~~عن مكنة وقوة { بسورة } أي نجم واحد. قال الحرالي: السورة تمام جملة من ~~المسموع يحيط بمعنى تام بمنزلة إحاطة السور بالمدينة - انتهى. وتفصيل ~~القرآن إلى سور وآيات، لأن الشيء إذا كان جنسا وجعلت له أنواع واشتملت ~~أنواعه على أصناف كان أحسن وأفخم لشأنه وأنبل ولا سيما إذا تلاحقت ~~الأشكال بغرابة الانتظام، وتجاوبت النظائر بحسن الالتيام، وتعانقت ~~الأمثال بالتشابه في تمام الأحكام وجمال الأحكام، وذلك أيضا أنشط ~~للقارىء وأعظم عنده لما يأخذه منه مسمى بآيات معدودة أو سورة معلومة وغير ~~ذلك { من مثله } أي من الكلام الذي يمكنكم أن تدعوا أنه مثل ما نزلنا كما ~~قال: # قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله # [الإسراء: 88] فإن عبدنا منكم ونشأ بين أظهركم، فهو لا يقدر على أن يأتي ~~بما لا تقدرون على مثله إلا بتأييد منا. # ولما كانوا يستقبحون الكذب قال: { وادعوا شهداءكم } أي ms0042 من تقدرون على ~~دعائه من الموجودين بحضرتكم في بلدتكم أو ما قاربها، والشهيد كما قال ~~الحرالي من يكثر الحضور لديه واستبصاره فيما حضره - انتهى. # { من دون الله } أي لينظروا بين الكلامين فيشهدوا بما تؤديهم إليه ~~معرفتهم من المماثلة أو المباينة فيزول الريب ويظهر إلى الشهادة الغيب أو ~~ليعينوكم على الإتيان بمثل القطعة المحيطة التي تريدون معارضتها. قال ~~الحرالي: والدون منزلة القريب فالقريب من جهة سفل، وقد عقلت العرب أن اسم ~~الله لا يطلق على ما ناله إدراك العقل فكيف بالحس! فقد تحققوا أن كل ما ~~أدركته حواسهم ونالته عقولهم فإنه من دون الله - انتهى. ففي التعبير به ~~توبيخ لهم بأنهم لم يرضوا بشهادته سبحانه. # وحكمة الإتيان بمن التبعيضية في هذه السورة دون بقية القرآن أنه سبحانه ~~لما فرض لهم فيها الريب الذي يلزم منه زعمهم أن يكونوا اطلعوا له على ~~مثيل أو سمعوا أن أحدا عثر له على شبيه اقتضى الحال الإتيان بها ليفيد ~~أن المطلوب منهم في التحدي قطعة من ذلك المثل الذي ادعوه حكيمة المعاني ~~متلائمة المباني منتظم أولها بآخرها كسور المدينة في صحة الانتظام وحسن ~~الالتيام والإحاطة بالمباني التي هي كالمعاني والتقاء الطرفين حتى صار ~~بحيث لا يدرى أوله من آخره سواء كانت القطعة المأتي بها تباري آية أو ما ~~فوقها لأن آيات القرآن كسورة يعرف من ابتدائها ختامها ويهدي إلى افتتاحها ~~تمامها، فالتحدي هنا منصرف إلى الآية بالنظر الأول وإلى ما فوقها بالنظر ~~الثاني. # والمراد بالسورة هنا مفهومها اللغوي، لأنها من المثل المفروض وهو لا ~~وجود له في الخارج حتى يكون لقطعة اصطلاح في الأسماء معروف، ولأن معرفة ~~المعنى الاصطلاحي كانت مخصوصا بالمصدقين ولو أريد التحدي بسورة من ~~القرآن لقيل: فائتوا بمثل سورة منه، ولما كان هذا هو المراد قصرهم في ~~الدعاء على من بحضرتهم من الشهداء وسيأتي إن شاء الله تعالى في سورة يونس ~~عليه السلام وبقية السور المذكورة فيها هذا المعنى ما يتم به هذا الكلام. ~~وفي قوله: { إن كنتم صادقين } إيماء إلى كذبهم ms0043 في دعوى الشك فيه، قال ~~الحرالي: والصادق الذي يكون قول لسانه وعمل جوارحه مطابقا لما احتوى ~~عليه قلبه مما له حقيقة ثابتة بحسبه، وقال: اتسقت آية تنزيل الوحي بآية ~~إنزال الرزق لما كان نزول ما نزل على الرسول المخصص بذلك ينبغي اعتباره ~~بمقابلة نزول الرزق، لأنهما رزقان: أحدهما ظاهر يعم الكافر في نزوله، ~~والآخر وهو الوحي رزق باطن يخص الخاصة بنزوله ويتعين له أيهم أتمهم فطرة ~~وأكملهم ذاتا؛ ولم يصلح أن يعم بنزول هذا الرزق الباطن كعموم الظاهر، ~~فتبطل حكمة الاختصاص في الرزقين، فإن نازعهم ريب في الاختصاص فيفرضون أنه ~~عام فيحاولون معارضته، وكما أنهم يشهدون بتمكنهم من الحس عند محاولته ~~عمومه فكذلك يجب أن يشهدوا بعجزهم عن سورة من مثله تحقق اختصاص من نزل ~~عليه به وأجرى ذكره باسم العبودية إعلاما بوفائه بأنحاء التذلل وإظهارا ~~لمزية انفراده بذلك دونهم ليظهر به سبب الاختصاص. # وانتظم النون في { نزلنا } من يتنزل بالوحي من روح القدس والروح الأمين ~~ونحو ذلك، لأنها تقتضي الاستتباع، واقتضت النون في لفظ { عبدنا } ما ~~يظهره النبي صلى الله عليه وسلم لهم من الانقياد والاتباع وما اقتضاه ~~خلقه العظيم من خفض الجناح، حتى أنه يوافق من وقع على وجه من الصواب من ~~أمته صلى الله عليه وسلم، وحتى أنه يتصف بأوصاف العبد في أكله كما قال: " ~~آكل كما يأكل العبد " انتهى. # والتحدي بسورة يشمل أقصر سورة كالكوثر ومثلها في التحدي آية مستقلة ~~توازيها وآيات، كما قاله الإمام جلال الدين محمد بن أحمد المحلي في شرح ~~جمع الجوامع، وسبقه الإمام شمس الدين محمد بن عبد الدائم البرماوي فنظمه ~~في القنية في الأصول ونقله في شرحها عن ظاهر كلام إمام الحرمين في الشامل ~~وعن كلام الفقهاء في الصداق فيما لو أصدقها تعليم سورة فلقنها بعض آية، ~~وسبقهما العلامة سعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني فقال في تلويحه على ~~توضيح صدر الشريعة: المعجز هو السورة أو مقدارها هكذا ذكر الذين تكلموا ~~في الإعجاز من الأصوليين وغيرهم أن التحدي وقع بسورة من ms0044 القرآن، والصواب ~~أنه إنما وقع بقطعة آية فما فوقها، لأن المراد بالسورة مفهومها اللغوي لا ~~الاصطلاحي كما تقدم بيانه. # والحاصل أنه لما كان في آيات المنافقين ذكر الأمثال وكانوا قد استغربوا ~~بعض أمثال القرآن وجعلوها موضعا للشك من حيث كانت موضعا لليقين فقالوا: ~~لو كان هذا من عند الله لما ذكر فيه أمثال هذه الأمثال، لأنه أعظم من أن ~~يذكر ما دعاهم إلى المعارضة في هذه السورة المدنية بكل طريق يمكنهم، ~~وأخبرهم بأنهم عاجزون عنها وأن عجزهم دائم تحقيقا لأنهم في ذلك الحال ~~معاندون لا شاكون. # ولما كان سبحانه عالما بأن الأنفس الأبية والأنوف الشامخة الحمية التي ~~قد لزمت شيئا فمرنت عليه حتى صار لها خلقا يصعب عليها انفكاكها عنه ~~ويعسر خلاصها منه عبر عن هذا الإخبار بالعجز مهددا في سياق ملجىء إلى ~~الإنصاف بالاعتراف أو تفطر القلوب بالعجز عن المطلوب بقوله تعالى: { فإن ~~لم تفعلوا } فأتى بأداة الشك تنفيسا لهم وتهكما في نفس الأمر بهم ~~واستجهالا لهم، ثم لم يتمم ذلك التنفيس حتى ضربهم ضربة فضمت ظهورهم ~~وقطعت قلوبهم فقال لتكون الآية كافلة لصحة نسبة النظم والمعنى آيد وآكد ~~لادعائهم المقدرة بقوله تعالى: { ولن تفعلوا } فألزمهم الخزي بما حكم ~~عليهم به من العجز، فلم يكن لهم فعل إلا المبادرة إلى تصديقه بالكف، ~~فكانوا كمن ألقم الحجر فلم يسعه إلا السكوت، واستمر ذلك التصديق لهم ~~ولأمثالهم على وجه الدهر في كل عصر ينادي مناديه فتخضع له الرقاب ويصدح ~~مؤذنه فتنكسر الرؤوس، والتعبير بالفعل الأعم من الإتيان أبلغ لأن نفيه ~~نفي الأخص وزيادة. # والفعل قال الحرالي ما ظهر عن داعية من الموقع كان عن علم أو غير علم ~~لتدين كان أو لغيره كما تقدم مرارا - انتهى. # فقد ثبت أن هذا الكتاب الذي بين أنه الهادي إلى الصراط المستقيم أعظم ~~دليل على إفراده بالعبادة واختصاصه بالمراقبة التي أرشدنا إليها بقوله: # إياك نعبد وإياك نستعين # [الفاتحة: 4] الآية بما ثبت فيه من أدلة التفرد بالإلهية بما ثبت من ~~عجزهم عن معارضته وعجز جميع العرب ms0045 الذين كانوا أفصح الخلق وكذا جميع من ~~ولد في بلادهم وانطبع بلسانهم من اليهود والنصارى الذين لهم من الفصاحة ~~والعلم ما هو مشهور فقد كان لليهود من بني إسرائيل الذين كانوا في ~~المدينة الشريفة وخيبر واليمن وغيرها، ومن دخل في دينهم من العرب من ~~الفصاحة والبلاغة والعلم ما لا يحتاج من طالع السيرة فيه إلى توقف، وكان ~~النصارى من بني إسرائيل ومن دان دينهم من العرب وهم كثير كثرة قوم ~~المنذرين ماء السماء، وما قارب الشيء من عبد القيس وتنوخ وعامله وغسان ~~كلهم فصحاء بلغاء، وزاد كثير منهم على ذلك العلم وكان منهم الشعراء ~~المبرزون؛ ومع ذلك فلم يقدر أحد منهم على طعن في هذا القرآن ولا عارضه ~~منهم إنسان إلا ما قاله مسيلمة والأسود العنسي فيما افتضحوا به وأكذبهم ~~الله تعالى فيه وسارت بفضائحهم الركبان فكانوا بها مثلا في سائر ~~البلدان. # قال عمرو بن بحر الجاحظ " في كتاب الحجة في تثبيت خبر الواحد " إن الله ~~تبارك وتعالى بعث محمدا صلى الله عليه وسلم أكثر ما كانت العرب شاعرا ~~وخطيبا وأحكم ما كانت لغة وأشد ما كانت عدة فدعا أقصاها وأدناها إلى ~~توحيد الله وتصديق رسالته فدعاهم إلى حظهم بالحجة، فلما قطع العذر وأزال ~~الشبهة وصار الذي يمنعهم من الإقرار الهوى والحمية دون الجهل والحيرة ~~حملهم على حظهم بالسيف، فنصب لهم الحرب ونصبوا له وقتل من عليتهم ~~وأعلامهم وأعمامهم وبني أعمامهم وقتلوا أعمامه وبني أعمامه وعلية أصحابه ~~وأعلام أهله، وهو في ذلك يحتج عليهم بالقرآن وغيره ويدعوهم صباحا ومساء ~~إلى أن يعارضوه إن كان كاذبا بسورة واحدة أو بآيات يسيرة، فكلما ازداد ~~تحديا لهم بها وتقريعا بعجزهم عنها تكشف من نقصهم ما كان مستورا وظهر ~~منه ما كان خفيا، فحين لم يجدوا حيلة ولا حجة قالوا له: أنت تعرف من ~~أخبار الأمم ما لا نعرف فلذلك يمكنك ما لا يمكننا؛ قال: فهاتوها مفتريات، ~~فلم يرم ذلك خطيب ولا طمع فيه شاعر ولا طبع فيه لتكلفه، ولو تكلفه لظهر ~~ذلك، ولو ms0046 ظهر لوجد من يستجيده ويحامي عليه ويكابر فيه ويزعم أنه قد عارض ~~وقابل وناقض، فدل ذلك العاقل على عجز القوم مع كثرة كلامهم واتساع لغتهم ~~وسهولة ذلك عليهم وكثرة شعرائهم وكثرة من هجاه منهم وعارض شعراء أصحابه ~~وخطباء أمته، لأن سورة واحدة وآيات يسيرة كانت أنقض لقوله وأفسد لأمره ~~وأبلغ في تكذيبه وأسرع في تفريق أتباعه من بذل النفوس والخروج من الأوطان ~~وإنفاق الحرائب؛ وهذا من جليل التدبير الذي لا يخفى على من هو دون قريش ~~والعرب في العقل والرأي بطبقات، ولهم القصيد العجيب والرجز الفاخر والخطب ~~الطوال البليغة والقصار الموجزة، ولهم الأسجاع والمزدوج واللفظ المنثور، ~~ثم يتحدى به أقصاهم بعد أن ظهر عجز أدناهم؛ فمحال أكرمك الله أن يجتمع ~~هؤلاء كلهم على الغلط في الأمر الظاهر والخطأ المكشوف البين مع التقريع ~~بالنقص والتوقيف على العجز وهم أشد الخلق أنفة وأكثرهم مفاخرة والكلام ~~سيد علمهم وقد احتاجوا إليه والحاجة تبعث على الحيلة في الأمر الغامض ~~فكيف بالظاهر! وكما أنه محال أن يطبقوا ثلاثا وعشرين سنة على الغلط في ~~الأمر الجليل المنفعة فكذلك أيضا محال أن يتركوه وهم يعرفونه ويجدون ~~السبيل إليه وهم يبذلون أكثر منه - انتهى. # فثبت بهذا عجزهم وخرس قطعا إفصاحهم ورمزهم وطأطأ ذلا كبرهم وعزهم، ~~وكيف يمكن المخلوق مع تمكنه في سمات النقص ودركات الافتقار والضعف معارضة ~~من اختص بصفات الكمال وتعالى عن الأنداد والأشباه والأشكال. # وقد اختلف الناس في سبب الإعجاز وأحسن ما وقفت عليه من ذلك ما نقله ~~الإمام بدر الدين الزركشي الشافعي في كتابه البرهان عن الإمام أبي سليمان ~~الخطابي - وقال: وإليه ذهب الأكثرون من علماء النظر - أن وجه الإعجاز فيه ~~من جهة البلاغة لكن صعب عليهم تفصيلها ووضعوا فيه إلى حكم الذوق، قال: ~~والتحقيق أن أجناس الكلام مختلفة ومراتبها في درجات البيان متفاوتة، ~~فمنها البليغ الرصين الجزل، ومنها الفصيح القريب السهل، ومنها الجائز ~~الطلق الرسل؛ وهذه الأقسام هي الكلام الفاضل المحمود، فالقسم الأول أعلاه ~~والقسم الثاني أوسطه والقسم الثالث أدناه وأقربه؛ فحازت بلاغات القرآن ms0047 من ~~كل قسم من هذه الأقسام حصة وأخذت من كل نوع شعبة، فانتظم لها بانتظام هذه ~~الأوصاف نمط من الكلام يجمع صفتي الفخامة والعذوبة، وهما على الانفراد في ~~نعوتهما كالمتضادين لأن العذوبة نتاج السهولة والجزالة والمتانة يعالجان ~~نوعا من الزعورة، فكان اجتماع الأمرين في نظمه مع نبو كل واحد منهما عن ~~الآخر فضيلة خص بها القرآن لتكون آية بينة لنبيه صلى الله عليه وسلم، ~~وإنما تعذر على البشر جميعا الإتيان بمثله لأمور، منها أن علمهم لا يحيط ~~بجميع أسماء اللغة العربية وأوضاعها التي هي ظروف المعاني، ولا تدرك ~~أفهامهم جميع معاني الأشياء المحمولة على تلك الألفاظ، ولا تكمل معرفتهم ~~باستيفاء جميع وجوه النظوم التي بها يكون ائتلافها وارتباط بعضها ببعض، ~~فيتوصلوا باختيار الأفضل من الأحسن من وجوهها إلى أن يأتوا بكلام مثله، ~~وإنما يقوم الكلام بهذه الأشياء الثلاثة لفظ حامل ومعنى به قائم ورباط ~~لهما ناظم؛ وإذا تأملت القرآن وجدت هذه الأمور منه في غاية الشرف ~~والفضيلة حتى لا ترى شيئا من الألفاظ أفصح ولا أجزل ولا أعذب من ألفاظه، ~~ولا ترى نظما أحسن تأليفا وأشد تلاؤما وتشاكلا من نظمه؛ وأما معانيه ~~فكل ذي لب يشهد له بالتقدم في أبوابه والترقي إلى أعلى درجاته، وقد توجد ~~هذه الفضائل الثلاث على التفرق في أنواع الكلام، فأما أن يوجد مجموعه في ~~نوع واحد منه فلم توجد إلا في كلام العليم القدير، فخرج من هذا أن القرآن ~~إنما صار معجزا لأنه جاء بأفصح الألفاظ في أحسن نظوم التأليف، مضمنا ~~أصح المعاني من توحيد الله تعالى وتنزيه له في صفاته، ودعاء إلى طاعته ~~وبيان لطريق عبادته، في تحليل وتحريم وحظر وإباحة، ومن وعظ وتقويم وأمر ~~بمعروف ونهي عن منكر، وإرشاد إلى محاسن الأخلاق وزجر عن مساويها، واضعا ~~كل شيء منها موضعه الذي لا يرى شيء أولى منه ولا يتوهم في صورة العقل أمر ~~أليق به منه، مودعا أخبار القرون الماضية وما نزل من مثلات الله بمن مضى ~~وعاند منهم، منبئا عن الكوائن المستقبلة في ms0048 الأعصار الآتية من الزمان، ~~جامعا في ذلك بين الحجة والمحتج له والدليل والمدلول عليه، ليكون ذلك ~~أوكد للزوم ما دعا إليه، وأنبأ عن وجوب ما أمر به ونهى عنه، ومعلوم أن ~~الإتيان بمثل هذه الأمور والجمع بين أشتاتها حتى تنتظم وتتسق أمر تعجز ~~عنه قوى البشر ولا تبلغه قدرتهم؛ فانقطع الخلق دونه وعجزوا عن معارضته ~~بمثله أو مناقضته في شكله، ثم صار المعاندون له يقولون مرة: إنه شعر - ~~لما رأوه منظوما - ومرة: إنه سحر - لما رأوه معجوزا عنه غير مقدور ~~عليه، وقد كانوا يجدون له وقعا في القلوب وفزعا في النفوس يريبهم ~~ويحيرهم، فلم يتمالكوا أن يعترفوا به نوعا من الاعتراف، ولذلك قالوا: إن ~~له لحلاوة وإن عليه لطلاوة، وكانوا مرة بجهلهم يقولون: إنه # أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا # [الفرقان: 5] مع علمهم أن صاحبه أمي وليس بحضرته من يملي أو يكتب في نحو ~~ذلك من الأمور التي أوجبها العناد والجهل والعجز - انتهى. # وأول كلامه يميل إلى أن الإعجاز بمجرد النظم من غير نظر إلى المعنى، ~~وآخره يميل إلى أنه بالنظر إلى النظم والمعنى معا من الحيثية التي ~~ذكرها، وهو الذي ينبغي أن يعتقد لكن في التحدي بسورة واحدة وأما بالعشر ~~فبالنظر إلى البلاغة في النظم فقط - نقله البغوي في تفسير سورة هود عن ~~المبرد وقد مر آنفا مثله في كلام الجاحظ. # وقال الأستاذ أبو الحسن الحرالي في مفتاح الباب المقفل الباب الأول في ~~علو بيان القرآن على بيان الإنسان: اعلم أن بلاغة البيان تعلو على قدر ~~علو المبين، فعلو بيان الله على بيان خلقه بقدر علو الله على خلقه، فبيان ~~كل مبين على قدر إحاطة علمه، فإذا أبان الإنسان عن الكائن أبان بقدر ما ~~يدرك منه وهو لا يحيط به علمه فلا يصل إلى غاية البلاغة فيه بيانه، وإذا ~~أنبأ عن الماضي فبقدر ما بقي من ناقص علمه به كائنا في ذكره لما لزم ~~الإنسان من نسيانه، وإذا أراد أن ينبىء عن الآتي أعوزه البيان كله إلا ms0049 ما ~~يقدره أو يزوره؛ فبيانه في الكائن ناقص وبيانه في الماضي أنقص وبيانه ~~في الآتي ساقط # بل يريد الإنسان ليفجر أمامه # [القيامة: 5] وبيان الله سبحانه عن الكائن بالغ إلى غاية ما أحاط به ~~علمه # قل إنما العلم عند الله # [الملك: 26] وعن المنقطع كونه بحسب إحاطته بالكائن وسبحانه من النسيان # لا يضل ربي ولا ينسى # [طه: 52] وعن الأتي بما هو الحق الواقع # فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين * والوزن يومئذ الحق # [الأعراف: 7، 8] والمبين الحق الذي لا يوهن بيانه إيهام نسبة النقص إلى ~~بيانه، والإنسان يتهم نفسه في البيان ويخاف أن ينسب إلى العي فيقصد ~~استقراء البيان ويضعف مفهوم بيانه ضعفا من منته ومفهوم بيان القرآن ~~أضعاف أضعاف أنبائه وقل ما ينقص عن نظيره - انتهى. # وقال الإمام محمد بن عبد الرحمن المراكشي الأكمه في شرح نظمه لمصباح ابن ~~مالك في المعاني والبيان ما يصلح أن يكون متنا وجملة وما تقدم شرحا له ~~وتفصيلا قال: الجهة المعجزة في القرآن تعرف بالتفكر في علم البيان وهو ~~كما اختاره جماعة في تعريفه ما يحترز به عن الخطأ في تأدية المعنى وعن ~~تعقيده، وتعرف به وجوه تحسين الكلام بعد رعاية تطبيقه لمقتضى الحال، لأن ~~جهة إعجازه ليست مفردات ألفاظه وإلا لكانت قبل نزوله معجزة، ولا مجرد ~~تأليفها وإلا لكان كل تأليف معجزا، ولا إعرابها وإلا لكان كل كلام معرب ~~معجزا، ولا مجرد أسلوبه وإلا لكان الابتداء بأسلوب الشعر معجزا - ~~والأسلوب الطريق - ولكان هذيان مسيلمة معجزا، ولأن الإعجاز يوجد دونه أي ~~الأسلوب في نحو # فلما استيئسوا منه خلصوا نجيا # [يوسف: 80] # فاصدع بما تؤمر # [الحجر: 94] ولا بالصرف عن معارضته، لأن تعجبهم كان من فصاحته، ولأن ~~مسيلمة وابن المقفع والمعري وغيرهم قد تعاطوها فلم يأتوا إلا بما تمجه ~~الأسماع وتنفر منه الطباع ويضحك منه في أحوال تركيبه ويهان بتلك الأحوال، ~~أعجز البلغاء وأخرس الفصحاء؛ فعلى إعجازه دليل إجمالي وهو أن العرب عجزت ~~عنه وهو بلسانها فغيرها أحرى، ودليل تفصيلي مقدمته التفكر في خواص ~~تركيبه، ونتيجته العلم بأنه تنزيل من ms0050 المحيط بكل شيء علما - انتهى. ~~وسيأتي إن شاء الله تعالى في أواخر العنكبوت ما ينفع ها هنا وأشار سبحانه ~~في تهديدهم بقوله: { فاتقوا النار } كذا قال الحرالي، وهي جوهر لطيف يفرط ~~لشدة لطافته في تفريط المتجمد بالحر المفرط وفي تجميد المتمتع بالبرد ~~المفرط. # وقال غيره: جسم لطيف مضيء حار من شأنه الإحراق { التي وقودها } أي الشيء ~~الذي يتوقد ويتأجج به { الناس والحجارة } التي هي أعم من أصنامهم التي ~~قرنوا بها أنفسهم في الدنيا إلى أنهم لم يقدروا على المعارضة واستمروا ~~على التكذيب، كانوا معاندين ومن عاند استحق النار، وإلى أنهم إذا أحرقوا ~~فيها أوقد عليهم بأصنامهم تعريضا بأنها وإن كانت في الدنيا لا ضرر فيها ~~ولا نفع باعتبار ذواتها فهي في الآخرة ضرر لهم بلا نفع بشفاعة ولا غيرها؛ ~~وتعريف النار وصلة الموصول لأن أخبار القرآن بعد ثبوت أنه من عند الله ~~معلومة مقطوع بها فهو من باب تنزيل الجاهل منزلة العالم تنبيها على أن ~~ما جهله لم يجهله أحد. # وقال الحرالي: الحجارة ما تحجر أي اشتد تصام أجزائه من الماء والتراب، ~~{ واتقوا } أي توقفوا عن هذه التفرقة بين الله ورسوله حيث تذعنون ~~لربوبيته وترتابون في رسوله، فالنار معدة للعذاب بأشد التفريق لألطف ~~الأجزاء الذي هو معنى الحرق لمن فرق وقطع ما يجب وصله، أي لما فاتتكم ~~التقوى بداعي العلم فلا تفتكم التقوى بسائق الموجع المخصوص المناسب عذابه ~~لفعلكم، فإنها نار غذاؤها واشتعالها بالكون كله أنهاه تركيبا وهم الناس ~~الملائمون لمارجها بالنوس وأطرفه وأجمده وهي الحجارة فهي تسع ما بين ذلك ~~من باب الأولى، وفيه إشعار بمنتها وقوتها وأنها بحكم هذا الوسع للالتصاق ~~بخلق يعني وليست كنار الدنيا التي غذاؤها من ضعيف الموالد وهو النبات ولا ~~تفعل في الطرفين إلا بواسطة وكان غذاؤها ووقودها النبات إذ كانت متقدحة ~~منه كما قال: # الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا # [يس: 80] وتقول العرب: في كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار، وذلك على ~~حكم ما تحقق أن الغذاء للشيء مما منه أصل كونه ms0051 وقال: { وقودها } لأن ~~النار أشد فعلها في وقودها لأن بتوسطه تفعل فيما سواه، فإذا كان وقودها ~~محرقها كانت فيه أشد عملا لتقويها به عليه، ويفهم اعتبارها بنار الدنيا ~~انقداحها من أعمال المجزيين بها ومن كونهم، فهم منها مخلوقون وبها مغتذون ~~إلا أنها منطفية الظاهر في الدنيا متأججة في يوم الجزاء ومثال كل مجزي ~~منها بمقدار ما في كونه من جوهرها. # قلت: ويؤيده # إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين # [الإسراء: 27] أي في أن الغالب عليهم العنصر الناري المفسد لما قاله: # ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا # [مريم: 27] قال: وفي ذكر الحجارة إفهام عموم البعث والجزاء لما حوته ~~السماء والأرض وأن كل شيء ليس الثقلين فقط يعمه القسم بين الجنة والنار ~~كما عمه القسم بين الخبيث والطيب؛ وإنما اقتصر في مبدأ عقيدة الإيمان على ~~الإيمان ببعث الثقلين وجزائهم تيسيرا واستفتاحا، وما سوى ذلك فمن زيادة ~~الإيمان وتكامله كما قال: # ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم # [الفتح: 4] ومن العلماء من وقف بإيمانه على بعث الثقلين وجزائهما، حتى ~~أن منهم من ينكر جزاء ما سواهما ويتكلف تأويل مثل قوله عليه السلام: # " يقتص للشاة الجماء من الشاة القرناء " # انتهى. # ولما تم ذلك وكان { الناس } عاما للكافر وغيره كان كأنه قيل: هذه النار ~~لمن؟ فقيل: { أعدت } أي هيئت وأكملت قبل زمن استعمالها وتقاد للمجهول لأن ~~المشتكي إذا جهل فاعله كان أنكأ { للكافرين } فبين أنها موجودة مهيأة لهم ~~ولكل من اتصف بوصفهم وهو ستر ما ظهر من آيات الله. قال الحرالي: وهي عدة ~~الملك الديان لهم بمنزلة سيف الملك من ملوك الدنيا - انتهى. ولما ذكر ما ~~لهم ترهيبا اتبعه ما للمؤمنين ترغيبا فقال صارفا وجه الخطاب بالرحمة ~~إلى نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم عاطفا على ما تقديره: فأنذرهم بذلك، ~~ولكنه طواه لأن السياق للاستعطاف { وبشر } والبشرى قال الحرالي إظهار غيب ~~المسرة بالقول: { الذين آمنوا } أي صدقوا الرسل { وعملوا } قال الحرالي: ~~من العمل وهو فعل بني على علم أو زعمه { الصالحات } من الأقوال ~~والأفعال، قال الحرالي: جمع ms0052 صالحة، وهو العمل المتحفظ به من مداخل الخلل ~~فيه، وإذا كانت البشرى لهؤلاء فالمؤمنون أحق بما فوق البشرى، وإنما يبشر ~~من يكون على خطر، والمؤمن مطمئن فكيف بما فوق ذلك من رتبة الإحسان إلى ما ~~لا عين رأت ولا أذن سمعت، وما لا يناله علم نفس ولا خطر على قلب بشر. # ولما ذكر المبشر اتبعه المبشر به فقال: { أن لهم جنات } أي متعددة، قال ~~الحرالي: لتعدد رتب أفعالهم التي يطابق الجزاء ترتبها وتعددها كما قال ~~عليه الصلاة والسلام للتي سألت عن ابنها: # " إنها جنان وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى " # وفي التعبير بلهم إشعار بأن ذلك الذي لهم ينبغي لحاقه بذواتهم ليحصل به ~~من كمال أمرهم وصلاح حالهم نحو مما يحصل بكمال خلقهم وتسويتهم. والجنات ~~مبتهجات للنفوس تجمع ملاذ جميع حواسها، تجن المتصرف فيها أي تخفيه وتجن ~~وراء نعيمها مزيدا دائما - انتهى. # ثم وصفها بأنها { تجري } قال الحرالي: من الجري وهو إسراع حركة الشيء ~~ودوامها، { من تحتها } أي من تحت غرفها، والتحت ما دون المستوى، { ~~الأنهار } جمع نهر، وهو المجرى الواسع للماء - انتهى. فإسناد الجري إليها ~~مجاز، والتعريف لما عهده السامع من الجنس ويحتمل أن يكون المعنى أن أرضها ~~منبع الأنهار، فتحت كل شجرة وغرفة منبع نهر، فهي لا تزال غضة يانعة ~~متصلة الزهر والثمر لا كما يجلب إليه الماء وربما انقطع في وقت فاختل ~~بعض أمره. # قال الحرالي: وإذا تعرف حال العامل من وصف جزائه علم أن أعمالهم كانت ~~مبنية على الإخلاص الذي هو حظ العاملين من التوليد الذي الماء آيته - ~~انتهى. # فلما كانت الجنان معروفة بالثمار ساق وصفها بذلك مساق ما لا شك فيه ~~بخلاف جري الأنهار فقال: { كلما } وهي كلمة تفهم تكرر الأمر في عموم ~~الأوقات { رزقوا منها من ثمرة } أي ثمرة كانت رزقا { قالوا } لكونه على ~~صورة ما في الدنيا { هذا } أي الجنس لاستحكام الشبه { الذي رزقنا من قبل ~~} أي في الدنيا، ولما كان الرزق معلوما ولم يتعلق غرض بمعرفة الآتي ~~بالرزق بنيا للمجهول فقال تعالى عاطفا ms0053 على ما تقديره لأنا خلقناه على ~~شكل ما كان ليكونوا به أغبط ولمزيته أعرف وله أقبل وإليه أميل موحدا ~~للضمير إشارة إلى أنه لاستحكام الشبه كأنه واحد { وأتوا به } أي جيء لهم ~~بهذا الجنس المرزوق لهم في الدارين في الجنة من غير تطلب وتشوق { ~~متشابها } في مطلق اللون والجنس ليظن أنه متشابه في الطعم، فيصير فضله ~~في ذلك بالذوق نعمة أخرى والتشابه المراد هنا اشتراك في ظاهر الصورة، ~~والإتيان بأداة التكرار يدل على أن الشبه يزداد عظمة في كل مرة فيزداد ~~العجب وجعل الحرالي هذا خاصا بثمار الجنة فقال: من قبل إعلام بأن أشخاص ~~ثمر الجنة وآحادها لا تتمايز لأنها على أعلى صورتها لا تتفاوت بأعلى ~~وأدنى ولا يتراخى زمان عودها، فهي تتخلف لآن قطفها ولا تتمايز صور ~~المقطوف من الخالف حتى يظن القاطف أن المتخلف عين الأول؛ فحال ثمر الجنة ~~كحال الماء الذي هو أصله، وبسرعة الخلف من ثمر الجنة وأنه متصل جرية ~~الوجود قال عليه السلام في عنقود من ثمرها: # " لو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا " # ويشعر ذلك عند اعتبار العمل به بأن نياتهم في الأعمال صالحة ثابتة ~~مرابطة حتى جروا بها هذا الاتصال وكمال الصورة في الرزق ومنه حديث ~~مرفوع أخرجه الطبراني عن سهل بن سعد: # " نية المؤمن خير من عمله " # { وأتوا به متشابها } أظهر عذرهم في توهم اتحاد الثمر وعرف بأمنتهم من ~~العنا، لأنه لو تفاوت تبعه الكراهة للأدنى وتكلف للانتقاء للأعلى وذلك ~~إنما هو لائق بكيد الدنيا لا بنعيم الجنة، وقد ذكر بعض العلماء اطراد هذا ~~التشابه في ثمر الجنة وإن اختلفت أصنافه، ويضعفه ما يلزم منه كمال ~~الدلالة في المعنى والصورة في نحو قوله تعالى: # فيهما فاكهة ونخل ورمان # [الرحمن: 68] وما يجري مجراه - انتهى. # ولما ذكر المسكن الذي هو محل اللذة وأتبعه المطعم المقصود بالذات وكانت ~~لذة الدار لا تكمل إلا بأنس الجار لا سيما المستمتع به قال: { ولهم فيها ~~} أي مع ذلك { أزواج } ولما كن على خلق واحد لا نقص فيه أشار ms0054 إليه بتوحيد ~~الصفة، وأكد ذلك بالتعبير بالتفعيل إلماما بأنه عمل فيه عمل ما يبالغ ~~فيه بحيث لا مطمع في الزيادة فقال: { مطهرة }. # قال الحرالي: والزوج ما لا يكمل المقصود من الشيء إلا معه على نحو من ~~الاشتراك والتعاون، والتطهير تكرار إذهاب مجتنب بعد مجتنب عن الشيء؛ ولما ~~ذكر تعالى الرزق المستثمر من أعمال الذين آمنوا وصل به ذكر الأزواج ~~المستثمرة من حال نفوسهم من حسن أخلاقها وجمال صورتها الباطنة في الدنيا، ~~وكانت المرأة زوج الرجل لما كان لا يستقل أمره في النسل والسكن إلا بها - ~~انتهى. # ولما كان خوف الزوال أو الانتقال إلى أدنى منغصا فلا تروق اللذة إلا مع ~~الاستقرار وكان هذا الوصف عاما في جميع الجنان العلى وغيرها قال مقدما ~~للجار إشارة إلى أنهم لا يكونون في جنة إلا وهذه صفتها وأن نعيمهم لا آخر ~~له { وهم فيها } ولما أفاد تقديم الظرف تخصيص الكون بها وعدم الكون في ~~غيرها وكان ذلك معنى الخلود وكان قد يطلق على الإقامة بلا نهاية على طول ~~الإقامة وإن كان له آخر صرح به بيانا بأن المراد ما لا آخر له وإلا لم ~~يفد شيئا جديدا فقال: { خالدون } والخلود طول الإقامة بالقرار، وسياق ~~الامتنان أغنى عن تقييده بالتأبيد والدوام. ### || [2.26-30] # ولما ثبت بعجزهم عن المعارضة أن هذا الكلام كلامه سبحانه ثبت أن ما فيه ~~من الأمثال أقواله فهددهم في هذه السورة المدنية على العناد وتلاه بالآية ~~التي أخبر فيها بأن ثمار الدنيا وأزواجها وإن شابهت ما في الجنة بالاسم ~~وبعض الشكل فقد باينته بالطعوم والطهارة وما لا يعلمه حق علمه إلا الله ~~تعالى فاضمحلت نسبتها إليها، وكان في ختم الآية بخالدون إشارة إلى أن ~~الأمثال التي هي أحسن كلام الناس وإن شابهت أمثاله سبحانه في الاسم ودوام ~~الذكر فلا نسبة لها إليها لجهات لا تخفى على المنصف فلم يبق إلا طعنهم ~~بأنها لكونها بالأشياء الحقيرة لا تليق بكبريائه فبين حسنها ووجوب ~~الاعتداد بها وإنعام النظر فيها بالإشارة بعدم الاستحياء من ضربها لكونها ~~حقا ms0055 إلى أن الأشياء كلها وإن عظمت حقيرة بالنسبة إلى جلاله وعظمته ~~وكماله، فلو ترك التمثيل بها لذلك لانسد ذلك الباب الذي هو من أعجب ~~العجاب فقال تعالى على طريق الاستنتاج من المقدمات المسلمات وأكد ~~سبحانه دفعا لظن أنه يترك لما لبسوا به الأمثال التي هي أكشف شيء ~~للأشكال وأجلى في جميع الأحوال. وقال الحرالي: لما كانت الدعوة تحوج مع ~~المتوقف فيها والآبي لها إلى تقريب للفهم بضرب الأمثال وكانت هذه الدعوة ~~جامعة الدعوات وصل بها هذه الآية الجامعة لإقامة الحجة في ضرب الأمثال ~~وأن ذلك من الحق سبحانه # والله لا يستحيي من الحق # [الأحزاب: 53] وليختم ذكر ما تضمنه صدر السورة من الحروف التي أنزل ~~عليها القرآن بسابعها الذي هو حرف المثل، وبين تعالى أن مقدار الحكمة ~~الشاهد للممثل في البعوضة وفيما هو أظهر للحس وآخذ في العلم. وإنما يجب ~~الالتفات للقدر لا للمقدار ولوقع المثل على ممثله قل أو جل دنا أو علا ~~فتنزه تعالى عما يجده الخلق عندما ينشأ من بواطنهم وهمهم أن يظهروا أمرا ~~فيتوهمون فيه نقصا فيرجعهم ذلك عن إظهاره قولا أو فعلا - انتهى. فقال ~~تعالى: { إن الله } أي المحيط بكل شيء جلالا وعظمة وكمالا { لا يستحيي } ~~أي لا يفعل ما يفعله المستحي من ترك ما يستحي منه. # والحياء قال الحرالي انقباض النفس عن عادة انبساطها في ظاهر البدن ~~لمواجهة ما تراه نقصا حيث يتعذر عليها الفرار بالبدن { أن } كلمة ~~مدلولها ممن أجريت عليه حقيقة باطن من ذاته وعلمه يتصل بها ما يظهرها، ~~وسيبويه رحمه الله يراها اسما، وعامة النحاة لانعجام معناها عليهم ~~يرونها حرفا { يضرب } من ضرب المثل وهو وقع المثل على الممثل، لأن أصل ~~الضرب وقع شيء على شيء، والمعنى أن يوجد الضرب متجددا مستمرا وهذا لا ~~يساويه أن يقال من ضربه مثلا، فإنه يصدق لمثل واحد سابق أو لاحق، ~~وتحقيقه أن المصدر لا يقع إلا على كمال الحقيقة من غير نظر إلى زمان ولا ~~غيره وأما بفعل فإنه يفهم إيقاع الحقيقة من غير نظر ms0056 أيضا إلى زمان، ~~وبفهمها مع النظر إلى الزمان مع التجدد والاستمرار ومع كمال الحقيقة وقبل ~~كمالها عند الشروع فيها وإلى هذا القيد الأخير ينظر قول الحرالي: إن ~~الحياء من أن يضرب المثل استحياء من وقعه في الباطن، والحياء من ضربه ~~المثل استحياء من إظهاره بالقول، فنفى الأصل الأبلغ الذي بنفيه يكون نفي ~~الضرب أحق، فليراجع هذا المعنى مع تكرار كلمة " إن " فإنها كثيرة الدور ~~في القرآن جليلة قدر المعنى في مواقعها، وإنما يجري على ترك الالتفات إلى ~~موقع معناها ما يقوله النحاة في معنى التقريب إن أن والفعل في معنى ~~المصدر، والواجب في الإعراب والبيان الإفصاح عن ترتب معانيهما، وعند هذا ~~يجب أن تكون أن اسما والفعل صلتها نحو من وما { مثلا ما } مثل أمر ظاهر ~~للحس ونحوه، يعتبر به أمر خفي يطابقه فينفهم معناه باعتباره و " ما " في ~~نحو هذا الموقع لمعنى الاستغراق، فهي هنا لشمول الأدنى والأعلى من ~~الأمثال - انتهى. # ثم بين ذلك بقوله: { بعوضة }. # وقال الحرالي: ولما كان ضرب المثل متعلقا بمثل وممثل كان الضرب واقعا ~~عليهما، فكان لذلك متعديا إلى مفعولين: مثلا ما وبعوضة، والبعوض جنس ~~معروف من أدنى الحيوان الطائر مقدارا وفيه استقلال وتمام خلقة، يشعر به ~~معنى البعض الذي منه لفظه، لأن البعض يوجد فيه جميع أجزاء الكل فهو بذلك ~~كل، { فما فوقها } أي من معنى يكون أظهر منها، والفاء تدل على ارتباط ما ~~إما تعقيب واتصال أو تسبيب، ففيه هنا إعلام بأقرب ما يليه على الاتصال ~~والتدريج إلى أنهى ما يكون - انتهى. والمعنى أن ذلك إن اعتبر بالنسبة ~~إليه سبحانه كان هو وأنتم وغيركم بمنزلة واحدة في الحقارة، وإن اعتبر ~~بالنسبة إليكم كان الفريقان بمنزلة واحدة في أنه خلق حقير ضعيف صغير من ~~تراب، وأما شرف بعضه على بعض فإنما كان بتشريف الله له ولو شاء لعكس ~~الحال. # ثم ذكر شأن قسمي المؤمنين والكافرين بقسمي كل منهم في قبول أمثاله فقال ~~مؤكدا بالتقسيم لأن حال كل من القسمين حال المنكر لما وقع للآخر: ms0057 { فأما ~~} ، قال الحرالي: كأنها مركبة من " إن " دالة على باطن ذات و " ما " دالة ~~على ظاهر مبهم، يؤتى به للتقسيم - انتهى. { الذين آمنوا } أي بما ذكرنا ~~أول السورة، ولما تضمن أما معنى الشرط كما فسره سيبويه بمهما يكن من شيء ~~أجيب بالفاء في قوله: { فيعلمون أنه } أي ضرب المثل { الحق } كائنا { من ~~ربهم } أي المحسن إليهم بجميع أنواع الإحسان، وأنه ما أراد بهم إلا ~~تربيتهم بالإحسان بضربه على عوائد فضله، وأما أمثال غيره فإن لم يكن فيها ~~نوع من الباطل فلا بد فيها من ضرب من التسمح تكون به غير جديرة باسم ~~الحق ولا عريقة فيه. # قال الحرالي: لما كان الذين آمنوا ممن بادر فأجاب وكان ضرب المثل تأكيد ~~دعوة وموعظة لمن حصل منه توقف حصل للذين آمنوا استبصار بنور الإيمان في ~~ضرب المثل، فصاروا عالمين بموقع الحق فيه، وكما استبصر فيه الذين آمنوا ~~استغلق معناه على الذين كفروا وجهلوه فاستفهموا عنه استفهام إنكار لموقعه ~~- انتهى. فلذا قال { وأما الذين كفروا } أي المجاهرون منهم والمساترون { ~~فيقولون } أي قولا مستمرا { ماذا } أي الذي { أراد الله } الذي هو أجل ~~جليل { بهذا } الحقير أي بضربه له { مثلا } أي على جهة المثلية استهزاء ~~وجهلا وعنادا وجفاء؛ ثم وصل بذلك ذكر ثمرته عند الفريقين جوابا لسؤال ~~من سأل منهم فقال: { يضل به كثيرا } أي منهم بأن لا يفهمهم المراد منه ~~فيظنون بذلك الظنون. وقال الحرالي: وكان إضلالا لهم، لأن في ضرب المثل ~~بما يسبق لهم استزراؤه بنحو الذباب والعنكبوت الذي استزروا ضرب المثل به ~~تطريق لهم إلى الجهالة فكان ذلك إضلالا، وقدم الجواب بالإضلال لأنه ~~مستحق المستفهم، والإضلال التطريق للخروج عن الطريق الجادة المنجية - ~~انتهى. # { ويهدي به كثيرا } أي ببركة اعتقادهم الخير وتسليمهم له الأمر يهديهم ~~ربهم بإيمانهم فيفهمهم المراد منه ويشرح صدورهم لما فيه من المعارف ~~فيزيدهم به إيمانا وطمأنينة وإيقانا، والمهديون كثير في الواقع قليل ~~بالنسبة إلى الضالين. ولما كان المقام للترهيب كما مضى في قوله: { فاتقوا ~~النار } اكتفى في المهتدين بما سبق ms0058 من بشارتهم وقال في ذم القسم الآخر ~~وتحذيره: { وما يضل به إلا } ، قال الحرالي: كأنها مركبة من " إن " و " ~~لا " مدلولها نفي حقيقة ذات عن حكم ما قبلها - انتهى. { الفاسقين } أي ~~الخارجين عن العدل والخير. وقال الحرالي: الذين خرجوا عن إحاطة الاستبصار ~~وجهات تلقي الفطرة والعهد الموثق وحسن الرعاية، لأن الفسق خروج عن محيط ~~كالكمام للثمرة والجحر للفأرة - انتهى. # ثم بينهم بقوله: { الذين ينقضون } من النقض وهو حل أجزاء الشيء بعضها عن ~~بعض { عهد الله } أي الذي أخذه عليهم على ما له من العظمة بما ركز فيهم ~~من العقول ونصب لهم من الدلائل والعهد التقدم في الأمر - قاله الحرالي. # ولما كان المراد عهدا خاصا وهو إرسال الرسل عليهم السلام أثبت الخبر ~~فقال: { من بعد ميثاقه } أي بدلالة الكتب على ألسنة الرسل مع تقريبه من ~~الفطر وتسهيله للنظر، والوثاق شدة الربط وقوة ما به يربط - قاله الحرالي ~~{ ويقطعون ما أمر الله } أي الملك الأعظم، ولما كان البيان بعد الإجمال ~~أروع للنفس قال: { به } ثم فسره بقوله: { أن يوصل } أي من الخيرات، قال ~~الحرالي: والقطع الإبانة في الشيء الواحد والوصل مصيرا لتكملة مع المكمل ~~شيئا واحدا كالذي يشاهد في إيصال الماء ونحوه وهو إعلام بأنهم يقطعون ~~متصل الفطرة ونحوها فيسقطون عن مستواها وقد أمر الله أن يوصل بمزيد علم ~~يتصل بها حتى يصل نشؤها إلى أتم ما تنتهي إليه، وكذلك حالهم في كل أمر ~~يجب أن يوصل فيأتون فيما يطلب فيه الأمر الأكمل بضده الأنقص - انتهى. # { ويفسدون } ولما قصر الفعل ليكون أعم قال: { في الأرض } أي بالنكوب عن ~~طريق الحق. قال الحرالي: ولما كانت الأرض موضوعة للنشىء منها وفيها وموضع ~~ظهور عامة الصور الرابية اللازمة الجسمية ومحل تنشؤ صورة النفس بالأعمال ~~والأخلاق وكان الإفساد نقض الصور كما قال تعالى: # وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب ~~الفساد # [البقرة: 205] كان فعلهم فيها من نحو فعلهم في وضع الضد السيء موضع ضده ~~الأكمل والتقصير بما شأنه التكملة فكان ms0059 إفسادا لذلك - انتهى. # ولما كان كأنه قيل: إن فعل هؤلاء لقبيح جدا فما حالهم؟ قال: { أولئك } ~~أي الأباعد من الصواب { هم الخاسرون } أي الذين قصروا الخسران عليهم، ~~والخسارة النقص فيما شأنه النماء - قاله الحرالي، ومن المعلوم أن هذا ~~نتيجة ما مضى من أوصافهم. قال الحرالي: ولما كان الخاسر من كان عنده رأس ~~مال مهيأ للنماء والزيادة فنقصه عن سوء تدبير، وكان أمرهم في الأحوال ~~الثلاث المنسوقة حال من نقص ما شأنه النماء كانوا بذلك خاسرين فلذلك ~~انختمت الآية بهذا؛ وأشير إليهم بأداة البعد لوضعهم في أبعد المواضع عن ~~محل الخير - انتهى. # ولما دعا سبحانه إلى التوحيد ودل عليه وأنذر من أعرض وبشر من أقبل وذكر ~~حال الفريقين في قبول الأدلة التي زبدتها الأمثال وإبائها التفت إلى ~~تبكيت المدبر لعله يستبصر، واستمر سبحانه في دلائل التوحيد حتى قامت قيام ~~الأعلام ونفذت نفوذ السهام حتى تخللت صميم العظام لقد ظهرت فلا تخفى على ~~أحد إلا على أكمه لا يبصر القمر في أسلوب مشيرا إلى البعث منبه على ~~التخلص من الخسارة، وما أبدع افتتاح ذلك عقب " الخاسرين " بقوله على طريق ~~التفات المغضب المستعطف المعجب! { كيف } وقال الحرالي: لما تقدمت الدعوة ~~للناس فأجاب مبادر وتوقف متوقف فضربت الأمثال فاستدرك وآمن وتمادى متماد ~~على كفره صرف وجه الخطاب عن المواجهة من الحق تعالى وأجري على لسان لؤم ~~وإنكار، فجاء هذا الاستفهام لإيضاح انقطاع العذر في التمادي على الكفر، ~~وجاء بلفظ كيف لقصور نظرهم على الكيفيات المحسوسة فإن كيف كلمة مدلولها ~~استفهام عن عموم الأحوال التي شأنها أن تدرك بالحواس، فكأنه يقال لهم ~~بمدرك: أي حاسة تماديتم على الكفر بالله؟ على ما تقتضيه صيغة الفعل ~~الدائم في { تكفرون } انتهى. # وقال: { بالله } أي مع ظهور عظمته وعلوه، والإنكار الموجب لنفي المنكر، ~~كما في قولك: أتطير بغير جناح، يفيد أنه كان ينبغي أن يكون الكفر في حيز ~~الممتنع لما على بطلانه وصحة التوحيد من الأدلة التي تفوت الحصر، وإنكار ~~حاله إنكار لوجوده على طريق البرهان، لأنه إذا امتنع ms0060 أن يوجد في حال من ~~الأحوال امتنع وجوده مطلقا. # قال الحرالي: وأعلى هذا الخطاب فأبعدوا عن تيسيره بذكر اسم " الله " لما ~~لم يكونوا من أهل قبول التنزل بدعوى اسم الربوبية حيث لم يكونوا ممن أجاب ~~مبادرا ولا تاليا حسبما تشعر به آية تحقيق ضرب الأمثال. ولما جرى هذا ~~الخطاب بذكر اسم الله أعقب بذكر الأفعال الإلهية التي هي غايات من الموت ~~والإحياء المعروف اللذين لا ينكر الكفار أمرهما - انتهى. { وكنتم } أي ~~والحال أنكم تعلمون أنكم كنتم { أمواتا } بل مواتا ترابا ثم نطفا. ~~قال الحرالي: من الموت وهو حال خفاء وغيب يضاف إلى ظاهر عالم يتأخر عنه ~~أو يتقدمه تفقد فيه خواص ذلك الظهور الظاهرة - انتهى. وإطلاق الموت على ~~ما لم تحله حياة مجاز، وسر التعبير به التنبيه على أنه أكثر ما تكون ~~الإعادة التي ينكرونها مثل الابتداء، فلا وجه أصلا لإنكارها مع الاعتراف ~~بالابتداء. فكيف والإعادة دونه { فأحياكم } فصرتم ذوي حس وبطش وعقل. قال ~~الحرالي: وجاء بالفاء المشعرة بالتعقيب لما لم يكن لهم معرفة بمهل الموت ~~الذي قبل حياة الولادة، والحياء تكامل في ذات ما أدناه حياة النبات ~~بالنمو والاهتزاز مع انغراسه إلى حياة ما يدب بحركته وحسه إلى غاية حياة ~~الإنسان في تصرفه وتصريفه إلى ما وراء ذلك من التكامل - انتهى. { ثم ~~يميتكم } بعد مد الأعمار والتقليب في الأطوار فإذا أنتم أجساد كالفخار ~~كأنه لم تحل بها حياة ساعة قط، وبدلتم بعد الأنس بكم الوحشة، وإثر محبة ~~القرب منكم النفرة؛ وتمثيل الموت بما نعهده أن طلب الملك كما أنه يحصل به ~~من الروع ما يكاد يتلف وربما أتلف كان طلب ملك الملوك موجبا للموت. قال ~~الحرالي: وهذه الأحوال الثلاثة أي الموت المعبر به عن العدم ثم الحياة ثم ~~الموت معروفة لهم لا يمكنهم إنكارها، وإذا صح منهم الإقرار بحياة موت ~~لزمهم الإقرار بحياة موت آخر لوجوب الحكم بصحة وجود ما قد سبق مثله، كما ~~قال تعالى: # أو ليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم # [يس: 81] ولدن ms0061 ذلك من العلم أن الموت والحياة مزدوجان متضايفان، وإذا ~~استوفى الموت الأول إحياؤه فلا بد من استيفاء الموت الثاني إحياؤه أيضا، ~~لأنه لولا استقبال الحياة لما كان موتا بل بطلا وفقدا واضمحلالا، ~~لأن حقيقة الموت حال غيب بين يديه ظهور، والحياة نهاية ثابتة، والموت ~~مبدأ غيب زائل، فجنس الموت كله متقض ونهاية، والحياة ثابتة دائمة؛ ولذلك ~~ورد ما صح عنه عليه الصلاة والسلام في أن الموت يذبح، إعلام بانقضاء ~~جنسه وثبات الحياة، ولذلك قدم في الذكر وأعقب بالحياة حيث استغرقتهما ~~كلمة " أل " في قوله: # خلق الموت والحياة # [الملك: 2] وثبت الخطاب على إقرار الحياة والكمال، كما ورد عنه صلى الله ~~عليه وسلم في قوله: # " نعيم الجنة لا آخر له " # فوجب بظاهر ما أحسه الكفار وباطن ما اقتضاه هذا النحو من العلم دونه ~~انتشار حياة ثانية بعد ميتة الدنيا - انتهى. # ولما كان على البعث والحشر من الأدلة ما جعلهما كالمحسوسين عدهما في حيز ~~المعلوم لهم كالإحياء الأول والموت فقال: { ثم يحييكم } فينشركم بعد طيكم ~~ويبعثكم بعد حبسكم في البرزخ، فتكونون كما كنتم أول مرة ذوي قدرة على ~~الانتشار بتلك القدرة التي ابتدأكم بها وأماتكم، وهذا لا ينفي أن يكون ~~لهم في البرزخ إحساس بدون هذه الهيئة الكاملة، { ثم إليه ترجعون } ~~فيحشركم بعد طول الوقوف للجزاء من الثواب والعقاب؛ وفي هذا كما قال ~~الحرالي: إعلام بأنهم إن لم يرجعوا إلى الله سبحانه بداعي العلم في ~~الدنيا فبعد مهل من الإحياء الثاني يرجعون إليه قهرا حيث يشاهدون انقطاع ~~أسبابهم ممن تعلقوا به ويتبرأ منهم ما عبدوه من دون الله، وإنما جاء هذا ~~المهل بعد البعث لما يبقى لهم من الطمع في شركائهم حيث يدعونهم فلم ~~يستجيبوا لهم، فحينئذ يضطرهم انقطاع أسبابهم إلى الرجوع إلى الله فيرجعون ~~قسرا وسوقا فحينئذ يجزيهم بما كسبوا في دنياهم، كما قال تعالى في خطاب ~~يعم كافة أهل الجزاء # واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون # [البقرة: 281] وهذا آخر خطاب الإقبال عليهم ms0062 من دعوة الله لهم ولسان ~~النكير عليهم، ولذلك كانت آية: # واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله # [البقرة: 281] آخر آية أنزلت في القرآن، لأنها نهاية ليس وراءه قول يعم ~~أهل الجزاء؛ والرجع عود الشيء عند انتهاء غايته إلى مبدئها - انتهى. # ولما أجمل سبحانه في أول هذه الآية أول أمرهم وأوسطه وآخره على الوجه ~~الذي تقدم أنه منبه على أن الكفر ينبغي أن يكون من قبيل الممتنع لما عليه ~~من باهر الأدلة شرع يفصله على وجه داع لهم إلى جنابه بالامتنان بأنواع ~~الإحسان بأمر أعلى في إفادة المقصود مما قبله على عادة القرآن في الترقي ~~من العالي إلى الأعلى فساق سبحانه ابتداء الخلق الذي هو من أعظم الأدلة ~~على وحدانيته مساق الإنعام على عباده بما فيه من منافعهم ليكون داعيا ~~إلى توحيده من وجهين: كونه دالا على عظمة مؤثرة وكمال قدرته، وكونه ~~إحسانا إلى عباده ولطفا بهم، وقد جبلت القلوب على حب من أحسن إليها ~~فقال: { هو } ، قال الحرالي: وهي كلمة مدلولها العلي غيب الإلهية القائم ~~بكل شيء الذي لا يظهر لشيء، فذاته أبدا غيب، وظاهره الأسماء المظهرة من ~~علو إحاطة اسم الله إلى تنزل اسم الملك، فما بينهما من الأسماء المظهرة، ~~ثم قال: لما انتهى الخطاب بذكر إرجاعهم إلى الله وكان هذا خطابا خاصا ~~مع المتمادي على كفره اتبع عند إعراضه وإدباره بهذا الحتم تهديدا رمى به ~~بين أكتافهم وتسبيبا نيط بهم ومد لهم كالمرخى له في السبب الذي يراد ~~أن يجذب به، إما بأن يتداركه لطف فيرجع عليه طوعا، أو يراد به قسرا عند ~~انتهاء مدى إدباره، وانتظم به ختم آية الدعوة بنحو من ابتدائها، إلا أن ~~هذه على نهاية الاقتطاع بين طرفيها وتلك على أظهر الاتساق؛ فأبعدوا في ~~هذه كل البعد بإسناد الأمر إلى اسم هو الذي هو غيب اسم الله وأسند إليه ~~خلق ما خلق لهم في الأرض الذي هو أظهر شيء للحس - انتهى. # { الذي خلق لكم } دينا ودنيا لطفا بكم { ما في الأرض } أي بعد أن ~~سواهن ms0063 سبعا، قال الحرالي: وقوله: { جميعا } إعلام بأن حاجة الإنسان لا ~~تقوم بشيء دون شيء وإنما تقوم بكلية ما في الأرض حتى لو بطل منها شيء ~~تداعى سائرها - انتهى. والآية دليل على أن الأصل في الأشياء الإباحة، فلا ~~يمنع شيء إلا بدليل. # ولما كانت السماء أشرف من جهة العلو الذي لا يرام، والجوهر البالغ في ~~الأحكام، والزينة البديعة النظام، المبنية على المصالح الجسام، وكثرة ~~المنافع والأعلام، عبر في أمرها بثم فقال: { ثم استوى إلى السماء } أي ~~وشرف على ذلك جهة العلو بنفس الجهة والحسن والطهارة وكثرة المنافع، ثم ~~علق إرادته ومشيئته بتسويتها من غير أدنى عدول ونظر إلى غيرها، وفخم ~~أمرها بالإبهام ثم التفسير، والإفراد الصالح لجهة العلو تنبيها على ~~الشرف، وللجنس الصالح للكثرة، ولذلك أعاد الضمير جمعا، فكان خلق الأرض ~~وتهيئتها لما يراد منها قبل خلق السماء، ودحوها بعد خلق السماء؛ على أن ~~ثم للتعظيم لا للترتيب فلا إشكال، وتقديم الأرض هنا لأنها أدل لشدة ~~الملابسة والمباشرة. وقال الحرالي: أعلى الخطاب بذكر الاستواء إلى السماء ~~الذي هو موضع التخوف لهم لنزول المخوفات منه عليهم فقيل لهم: هذا المحل ~~الذي تخافون منه هو استوى إليه، ومجرى لفظ الاستواء في الرتبة والمكانة ~~أحق بمعناه من موقعه في المكان والشهادة؛ وبالجملة فالأحق بمجرى الكلم ~~وقوعها نبأ عن الأول الحق، ثم وقوعها نبأ عما في أمره وملكوته، ثم وقوعها ~~نبأ عما في ملكه وإشهاده؛ فلذلك حقيقة اللفظ لا تصلح أن تختص بالمحسوسات ~~البادية في الملك دون الحقائق التي من ورائها من عالم الملكوت، وما به ~~ظهر الملك والملكوت من نبأ الله عن نفسه من الاستواء ونحوه في نبأ الله ~~عن نفسه أحق حقيقة، ثم النبأ به عن الروح مثلا واستوائها على الجسم ثم ~~على الرأس مثلا واستوائه على الجثة فليس تستحق الظواهر حقائق الألفاظ ~~على بواطنها بل كانت البواطن أحق باستحقاق الألفاظ؛ وبذلك يندفع كثير من ~~لبس الخطاب على المقتصرين بحقائق الألفاظ على محسوساتهم { فسواهن } ~~التسوية إعطاء أجزاء الشيء حظه لكمال صورة ذلك الشيء ms0064 { سبع سماوات } أعطى ~~لكل واحدة منهن حظها # وأوحى في كل سماء أمرها # [فصلت: 12] انتهى. وخلق جميع ما فيها لكم، فالآية من الاحتباك؛ حذف ~~أولا كون الأراضي سبعا لدلالة الثاني عليه، وثانيا كون ما في السماء ~~لنا لدلالة الأول عليه؛ وهو فن عزيز نفيس وقد جمعت فيه كتابا حسنا ذكرت ~~فيه تعريفه ومأخذه من اللغة وما حضرني من أمثلته من الكتاب العزيز وكلام ~~الفقهاء وسميته " الإدراك لفن الاحتباك ". # ولما كان الخلق على هذه الكيفية دالا بالبديهة على أتم قدرة لصانعه ~~وكان العلم بأن مبنى ذلك على العلم محتاجا إلى تأمل اغتنى في مقطع الآية ~~بقوله: { وهو بكل شيء عليم } أي فهو على كل شيء قدير. ولما ذكر الحياة ~~والموت المشاهدين تنبيها على القدرة على ما اتبعهما به من البعث ثم دل ~~على ذلك أيضا بخلق هذا الكون كله على هذا النظام البديع وختم ذلك بصفة ~~العلم ذكر ابتداء خلق هذا النوع البشري المودع من صفة العلم ما ظهر به ~~فضله بقوله تعالى عطفا على قوله: { اعبدوا ربكم } وبيانا لقوله: # رب العالمين # [الفاتحة: 2] إذ من البدءة تعلم العودة لمن تدبر، أو يكن عطفا على ما ~~تقديره: اذكر هذا لهم، وذلك أنه سبحانه لما خاطبهم بهذا الاستفهام الذي ~~من معانيه الإنكار ذاكرا الاسم الأعظم الذي هو أعلى الأسماء وأبطنها ~~غيبا والضمير الذي " هو " أبطن منه، وأتبعه بعض ما هم له منكرون أو به ~~جاهلون، وأشار بقوله: " لكم " مثبتة فيما هو ظاهر عندهم ومحذوفة مما هو ~~خفي عنهم، كما نبه عليه في الاحتباك إلى أنه لم يخلق هذا النوع البشري ~~للفناء بل للبقاء بما أبان عن أنه إنما خلق جميع ما في هذه الأكوان ~~لأجلهم، فالبعض رزق لهم والبعض أسباب له، والبعض أسجدهم لأبيهم وهم في ~~صلبه ووكلهم بهم في حفظ أعمالهم وقسم أرزاقهم ونفخ أرواحهم وغير ذلك من ~~تربيتهم وإصلاحهم؛ لم يكونوا أهلا لفهم هذا الخطاب حق فهمه تلقيا عن ~~الله لعلوه سبحانه وعلو هذا الخطاب بالأسماء الباطنة وما نظم بها من ~~المعاني ms0065 اللائقة بها علوا وغيبا فأعلم سبحانه بعطف " إذ " على غير ظاهر ~~أنه معطوف على نحو: اذكر لهم أيها الرسول هذا، لأنه لا يفهمه حق فهمه عنا ~~سواك، وهم إلى الفهم عنك أقرب " وإذ " أي واذكر ما اتفق إذ، وحذف هذا ~~المعطوف عليه لاحتمال المأمور بذكره الإنكار والسياق لإيراد الرفق ~~والبشارة على لسانه صلى الله عليه وسلم استعطافا لهم إليه وتحبيبا فيه ~~وفي حذفه أيضا والدلالة عليها بالعاطف حث على تدبر ما قبله تنبيها على ~~جلالة مقداره ودقة أسراره، ولما علمت الإشارة لكن لأهل البصارة أتبعها ~~قصة آدم عليه السلام دليلا ظاهرا ومثالا بينا لخلاصة ما أريد بهذه ~~الجمل مما نبه عليه بالعاطف من أن النوع الآدمي هو المقصود بالذات من هذا ~~الوجود، وأنه لا يجوز في الحكمة أن يترك بعد موته من غير إحياء يرد به ~~إلى دار لا يكون في شيء من أمورها من أحد نوع من الخلل وتكون الحكمة فيها ~~ظاهرة جدا لا خفاء بها أصلا. # فيظهر الحمد أتم ظهور؛ ولذلك ذكر تفضيل آدم عليه السلام بالعلم، ثم ~~بإسجاد الملائكة له، ثم بإسكانه الجنة، ثم بتلقي أسباب التوبة عند صدور ~~الهفوة؛ وقد روى البيهقي في أواخر الدلائل والحارث بن أبي أسامة والحاكم ~~في المستدرك عن بشر بن شغاف عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال: " إن ~~أكرم خليقة الله على الله أبو القاسم صلى الله عليه وسلم، قلت: رحمك ~~الله! فأين الملائكة؟ فنظر ألي وضحك فقال: يا ابن أخي! وهل تدري ما ~~الملائكة؟ إنما الملائكة خلق كخلق الأرض وخلق السماء وخلق السحاب وخلق ~~الجبال وخلق الرياح وسائر الخلائق التي لا تعصي الله شيئا، وإن أكرم ~~الخلائق على الله أبو القاسم صلى الله عليه وسلم " وقال البيهقي: إنه ليس ~~بموقوف بل حكمه الرفع. وقال الحرالي: لما جعل الله تعالى نور العقل ~~هاديا لآيات ما ظهر في الكون وكان من الخلق مهتد به ومعرض عنه بعث الله ~~النبيين مبشرين لمن اهتدى بنور العقل بمقتضى الآيات المحسوسة وتلك هي ms0066 ~~الحنيفية والملة الإبراهيمية، ومنذرين لمن أعرض عن ذلك وشغلته شهوات ~~دنياه، فترتب لذلك خطاب الكتاب بين ما يخاطب به الأعلين المهتدين وبين ما ~~يخاطب به الأدنين المعرضين، وكذلك تفاوت الخطاب بين ما يخاطب به الأئمة ~~المهتدين والمؤتمون بهم، فكان أعلى الخطاب ما يقبل على إمام الأئمة وسيد ~~السادات وأحظى خلق الله عند الله محمد صلى الله عليه وسلم. فكان أول ~~الخطاب ب الم ذلك الكتاب إقبالا عليه وإيتاء له من الذكر الأول كما قال ~~عليه السلام: # " أوتيت البقرة وآل عمران من الذكر الأول " # وهو أول مكتوب حين كان الله ولا شيء معه، وكتب في الذكر الأول كل شيء، ~~فخاطبه الله عز وجل بما في الذكر الأول وأنزله قرآنا ليكون آخر المنزل ~~الخاتم هو أول الذكر السابق ليكون الآخر الأول في كتابه كما هو في ذاته، ~~فمن حيث كان الخطاب الأول من أعلى خطاب الله لمحمد صلى الله عليه وسلم ~~انتظم به ما هو أدنى خطاب من آيات الدعوة تنبيها لمن أعرض عن الاستضاءة ~~بنور العقل لما بين الطرفين من تناسب التقابل؛ ثم عاد وجه الخطاب إليه ~~صلى الله عليه وسلم بما هو إعلام بغائب الماضي عن كائن الوقت من أمر ~~ابتداء مفاوضة الحق ملائكته في خلق آدم ليكون ذلك ترغيبا للمبشرين في ~~علو الرتب إلى التكامل كما كانت آية الدعوة تنبيها للمعرضين ليعودوا إلى ~~الإقبال، وخصوص الإنزال إنما هو في الإنباء بغيب الكون من ملكوته وغائب ~~أيام الله الماضية ومنتظر أيام الله الآتية، فذلك الذي يخص المهتدين بنور ~~العقل ليترقوا من حد الإيمان إلى رتبة اليقين، وإنما يرد التنبيه ~~والتنزيل بما في نور العقل هدايته من أجل المعرضين؛ فكان ما شمله التنزيل ~~بذلك أربعة أمور: أحدها التنبيه على الآيات بمقتضى أسماء الله من اسمه ~~الملك إلى اسمه الرحمن الرحيم إلى اسمه رب العالمين إلى اسمه العظيم الذي ~~هو الله، والثاني التنبيه على غائب المنتظر الذي الخلق صائرون إليه ~~ترغيبا وترهيبا، والثالث الإعلام بماضي أمر الله جمعا للهمم للجد ~~والانكماش في ms0067 عبادة الله، والرابع التبصير ببواطن كائن الوقت الذي في ~~ظاهره إعلامه؛ فكان أول التنزيل في هذه السورة أمر أول يوم من ذكر الله ~~وهو كتب مقتضى العلم والقدرة في قسمه تعالى عباده بين مؤمن وكافر ومنافق، ~~ثم أنزل الخطاب إلى آية الدعوة من وراء حجاب الستر بسابق التقدير فعم به ~~الناس ونبههم على آيات ربوبيته وحيا أوحاه الله منه إليه، ثم عطف على ~~ذلك إعلاما لابتداء المفاوضة في خلق آدم عطفا على ذلك الذي يعطيه إفهام ~~هذا الإفصاح، فلذلك قال تعالى { وإذ } فإن الواو حرف يجمع ما بعده مع شيء ~~قبله إفصاحا في اللفظ أو إفهاما في المعنى، وإنما يقع ذلك لمن يعلو ~~خطابه ولا يرتاب في إبلاغه. # وإذ اسم مبهم لما مضى من الأمر والوقت، { قال } من القول وهو إبداء صور ~~الكلم نظما بمنزلة ائتلاف الصور المحسوسة جمعا، فالقول مشهود القلب ~~بواسطة الأذن، كما أن المحسوس مشهود القلب بواسطة العين وغيره. # ثم قال: لما أنبأ الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم بما في الذكر من ~~التقدير الذي هو خبء الشرعة ونظم به ما أنزل من دعوة الخلق إلى حكمه ~~فانتظم ذلك رتبتي أمر نظم تعالى بذلك إنزال ذكر خلق معطوفا على ذكر خلق ~~أعلى رتبة منه، نسبته منه كنسبة الدعوة من خبئها، فذكر خلق آدم ظاهر خبء ~~ما عطف عليه وهو والله أعلم ذكر خلق محمد صلى الله عليه وسلم الذي هو خبء ~~خلق آدم، فكأنه تعالى أعلم نبيه صلى الله عليه وسلم بأمر خلقه له بدء وحي ~~سر ثم أعلن بما عطف عليه من ذكر خلق آدم وحي علن ليكون أمر خلق محمد صلى ~~الله عليه وسلم عند الخاصة فهما كما كان أمر خلق آدم عند العامة ~~إفصاحا؛ وكان المفهوم: اذكر يا محمد إذ كان في خلقك كذا وإذ قال: { ربك ~~} أي المحسن إليك برحمة العباد بك الذي خبأك في إظهار خلق آدم { للملائكة ~~} ما أنزل، وتأويل الملائكة عند أهل العربية أنه جمع ملاك مقلوب من ms0068 مألك ~~من الألك وهي الرسالة، فتكون الميم زائدة ويكون وزنه معافلة، ويكون الملك ~~من الملك وهو إحكام ما منه التصوير، من ملكت العجين، وجمعه أملاك، تكون ~~فيه الميم أصلية، فليكن اسم ملائكة جامعا للمعنيين منحوتا من الأصلين، ~~فكثيرا ما يوجد ذلك في أسماء الذوات الجامعة كلفظ إنسان بما ظهر فيه من ~~أنه من الأنس والنسيان معا، وهو وضع للكلم على مقصد أفصح وأعلى مما يخص ~~به اللفظ معنى واحدا، فللكلام رتبتان: رتبة عامة ورتبة خاصة أفصح وأعلى ~~كلما وكلاما. # قال: وفيه أي هذا الخطاب مع ذلك استخلاص لبواطن أهل الفطانة من أن تعلق ~~بواطنهم بأحد من دونه حين أبدى لهم انفراده بإظهارهم خلقا دون ملائكته ~~الأكرمين، حتى لا تعلق قلوبهم بغيره من أهل الاصطفاء فكيف بمن يكون في ~~محل البعد والإقصاء! توطئة لقبيح ما يقع من بعضهم من اتباع خطوات ~~الشيطان؛ وذلك لأن في كل آية معنى تنتظم به بما قبلها ومعنى تتهيأ به ~~للانتظام بما بعدها؛ وبذلك كان انتظام الآي داخلا في معنى الإعجاز الذي ~~لا يأتي الخلق بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا. # { إني } إن حرف يفهم توكيدا من ذات نفس المؤكد وعلمه. والياء اسم علي ~~يخص المضيف إلى نفسه الذي يضيف الأشياء إليه، { جاعل في الأرض } ولما ~~كانت خلافة آدم عليه السلام كاملة في جميع الأرض بنفسه وبذريته وحد لذلك ~~مع أنه يصح أن يراد به الجنس فقال: { خليفة } الخليفة ذات قائم بما يقوم ~~به المستخلف على حسب رتبة ذلك الخليفة منه، فهو خليقة الله في كونه ملكه ~~وملكوته، وهم أيضا بعضهم خلفاء بعض؛ فهو خليفة بالمعنيين - انتهى. # وجعل سبحانه هذا التذكير في سياق داع إلى عبادته وقائد إلى محبته حيث ~~مت إلى هذا النوع الآدمي بنعمه عليهم وإحسانه إليهم قبل إيجادهم، فذكر ~~لهم ما حاج به ملائكته عنهم، وما شرف به أباهم آدم من العلم وأمر ~~الملائكة المقربين بالسجود له، ثم ما وقع لإبليس معه وهما عبدان من عبيده ~~فتاب عليه ولم يتب على إبليس مع ms0069 سبقه له بالعبادة بل أوجب طرده وأبد ~~بعده فقال تعالى حكاية عن الملائكة جوابا لسؤال من كأنه قال ما قالوا ~~حين أخبرهم سبحانه بذلك: { قالوا } طالبين الإيقان على الحكمة في إيجاد ~~من يقع منه شر { أتجعل فيها } أي في الأرض { من يفسد فيها } أي بأنواع ~~المعاصي بالقوة الشهوانية، { ويسفك } من السفك، قال الحرالي: وهو سكب ~~بسطوة { الدماء } أي بغير حقها بالقوة الغضبية، لعدم عصمتهم، وخلقهم ~~جوفا لا يتمالكون، وأصحاب شهوات عليها يتهالكون؛ وكأنهم لما رأوا صورة ~~آدم تفرسوا فيها ذلك لو سألوا عن منافع أعضائه وما أودع فيها من القوى ~~والمعاني أخبرهم تعالى بما تفرسوا منه ذلك والدم. # قال الحرالي: رزق البدن الأقرب إليه المحوط فيه { ونحن } أي والحال إنا ~~نحن، وهذا الضمير كما قال الحرالي: اسم القائل المستتبع لمن هو في طوع ~~أمره لا يخالفه { نسبح } أي نوقع التسبيح أي التنزيه لك والإبعاد عما لا ~~يليق بك ملتبسين في التسبيح { بحمدك } والحاصل إنا نبرئك عن صفات النقص ~~حال إثباتنا لك صفات الكمال، وحذف المفعول للتعميم؛ وقال الحرالي: ~~التسبيح تنزيه الحق تعالى عن بادية نقص في خلق أو رتبة، وحمد الله استواء ~~أمره علوا وسفلا ومحو الذم عنه والنقص منه، وذلك تسبيح أيضا في علو ~~أمر الله، فما سبح بالحمد إلا أهل الحمد من آدم ومحمد صلى الله عليه ~~وسلم، فغاية المسبح الحمد، والحمد تسبيح لمن غايته وراء ذلك الاستواء - ~~انتهى. # { ونقدس } أي نطهر كل شيء نقدر عليه من نفوسنا وغيرها، { لك } أي لا ~~لغيرك لعصمتنا بك، أو المعنى نوقع التقديس أي التطهير لك بمعنى أنك في ~~الغاية من الطهارة والعلو في كل صفة. قال الحرالي: القدس طهارة دائمة لا ~~يلحقها نجس ظاهر ولا رجس باطن، واللام تعلة للشيء لأجله كان ما أضيف به - ~~انتهى. # ولما تضمن تفرسهم هذا نسبتهم أنفسهم إلى العلم المثمر للإحسان، ونسبة ~~الخليفة إلى الجهل المنتج للإساءة أعلمنا سبحانه لنشكره أنه حاج ~~ملائكته عنا، فبين لهم أن الأمر على خلاف ما ظنوا بقوله استئنافا: { قال ~~إني ms0070 أعلم } أي من ذلك وغيره { ما لا تعلمون }. وقال الحرالي: وأعلم تعالى ~~بما أجرى عليه خلقه من القضاء بما ظهر والحكم على الآتي بما مضى حيث أنبأ ~~عن ملائكته بأنهم قضوا على الخليفة في الأرض بحال من تقدمهم في الأرض من ~~الجبلة الأولين من الجن الذين أبقى منهم عزازيل وغيرهم ليتحقق أن أمر ~~الله جديد وأنه كل يوم هو في شأن لا يقضي على آتي وقت بحكم ما فيه ولا ~~بما مضى قبله - انتهى. والأظهر ما ذكرته أنهم إنما قالوا ذلك تفرسا بحكم ~~ما ظهر لهم من صورته ونحو ذلك من إعلامهم بأنه يجمع فيه بين الشهوة ~~والعقل، ومن المعلوم أن الشهوة حاملة على الفساد؛ وعلم سبحانه ما خفي عنه ~~من أنه يوفق من أراد منهم للعمل بمقتضى العقل مع قيام منازع الشهوة ~~والهوى، فيأتي غاية الكمال التي هي فوق درجة العامل بمقتضى العقل من غير ~~منازع له فيظهر تمام القدرة والله أعلم. ### || [2.31-35] # ولما أعلم سبحانه الملائكة أن الأمر على خلاف ما ظنوا شرع في إقامة ~~الدليل عليه فقال عاطفا على قوله: " قال ": { وعلم } أي لإقامة الدليل ~~على ذلك، والتعليم تكرار العلم ليثبت لما في جبلة المعلم من النسيان، { ~~آدم } من الأدم من الأديم وهو جلدة الأرض التي منها جسمه، وحظ ما فيه من ~~أديم الأرض هو اسمه الذي أنبأ عنه لفظ آدم، { الأسماء } أي التي للأشياء ~~{ كلها } وهو جمع اسم وهو ما يجمع اشتقاقين من السمة والسمو؛ فهو بالنظر ~~إلى اللفظ وسم وبالنظر إلى الحظ من ذات الشيء سمو، وذلك السمو هو مدلول ~~الاسم الذي هو الوسم الذي ترادفه التسمية - قاله الحرالي، وقال في كتاب ~~له في أصول الفقه: الاسم يقال على لفظ التسمية ويقال على حظ ونصيب من ~~ذوات الأشياء، وتلك هي المعروضة على الملائكة، واسم التسمية يحاذي به ~~المسمى معلومه من الشيء المسمى الذي هو الاسم المعروض، وهو عند آدم علم ~~وعند الملائكة ومن لا يعلم حقيقة الاسم المعروض توقيف ونبأ - انتهى. # ولما كان العرض على ms0071 الملائكة بالغا في المراد أشار إلى تعظيمه بحرف ~~التراخي فقال: ثم { عرضهم } أي الأشياء. قال الحرالي: أظهرهم عن جانب وهو ~~العرض والناحية { على الملائكة } القائلين لذلك. وقال الحرالي: لما ذكر ~~تعالى مراجعة الملائكة في خلق هذا الخليفة ذكر إبداءه لهم وجه حكمة علية ~~بما أعلى هذا الخليفة من تعليمه إياه حقائق جميع الذوات المشهودة لهم على ~~إحاطتهم بملكوت الله و ملكه شهودا فأراهم إحاطة علم آدم بما شهدوا صورة ~~ولم يشهدوا حقيقة مدلول تسميتها، وعلمه حكمة ما بين تلك الأسماء التي هي ~~حظ من الذوات وبين تسمياتها من النطق ليجتمع في علمه خلق كل شيء صورة ~~وأمره كلمة فيكمل علمه في قبله على سبيل سمعه وبصره، واستخلفه في علم ما ~~له من الخلق والأمر، وذلك في بدء كونه فكيف يحكم حكمة الله فيما يتناهى ~~إليه كمال خلقه إلى خاتمة أمره فيما انتهى إليه أمر محمد صلى الله عليه ~~وسلم مما هو مبهم في قوله تعالى: # وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما # [النساء: 113] فأبدى الله عز وجل لهم بذلك وجه خلافة علمية وعملية في ~~التسمية إعلاء له عندهم، وقد جعلهم الله عز وجل مذعنين مطيعين فانقادوا ~~للوقت بفضل آدم على جميع الخلق وبدا لهم علم أن الله يعلي من يشاء بما ~~يشاء من خلافة أمره وخلقه، وتلك الأسماء التي هي حظوظ من صور الموجودات ~~هي المعروضة التي شملها اسم الضمير في قوله تعالى { ثم عرضهم } وأشار ~~إليه " هؤلاء " عند كمال عرضهم، وأجرى على الجميع ضمير " هم " لاشتمال ~~تلك الكائنات على العاقلين وغيرهم؛ وبالتحقيق فكل خلق ناطق حين يستنطقه ~~الحق، كما قال تعالى # اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم # [يس: 65] وإنما العجمة والجمادية بالإضافة إلى ما بين بعض الخلق وبعضهم ~~- انتهى. # وقال أبو حاتم أحمد بن حمدان الرازي في كتاب الزينة: ويقال إن الاسم ~~مأخوذ من السمو وهو العلو والرفعة، وإنما جعل الاسم تنويها بالدلالة على ~~معنى الاسم لأن المعنى تحت الاسم - هذا قول النحويين؛ والسمة ms0072 تدل على ~~صاحبها، لأنهما حرفان سين وميم، فالسين من السناء والميم من المجد وهو لب ~~الشيء، فكأنه سمى اسما لأنه يضيء لك عن لب الشيء ويترجم عن مكنونه، وليس ~~شيء إلا وقد وسمه الله بسمة تدل على ما فيه من الجوهر؛ فاحتوت الأسماء ~~على جميع العلم بالأشياء، فعلمها الله آدم وأبرز فضيلته على الملائكة ~~عليهم السلام - انتهى. # { فقال } معجزا لهم { أنبئوني } أي أخبروني إخبارا عظيما قاطعا { ~~بأسماء هؤلاء } أي الموجودات بتفرسكم فيها { إن كنتم صادقين } أي فيما ~~تفرستموه في الخليفة وفي أنساله. قال الحرالي: هذه الأسماء المواطئة ~~للتسمية من السمة والأسماء الأول هي الحظوظ من الذوات التي المتسم بها هو ~~المسمى، ومع ذلك فبين التسمية والاسم مناسبة مجعول الحكمة بينهما بمقتضى ~~أمر العليم الحكيم - انتهى. { قالوا } متبرئين من العلم { سبحانك } أي ~~ننزهك تنزيها يجل عن الوصف عن أن ننسب إليك نقصا في علم أو صنع، ونتبرأ ~~إليك مما يلزم قولنا من ادعاء العلم لسواك. # قال الحرالي: وفي هذا المعنى إظهار لفضلهم وانقيادهم وإذعانهم توطئة لما ~~يتصل به من إباء أبليس - انتهى. والحاصل أنه تصريح بتنزيه الله تعالى عن ~~النقص وتلويح بنسبته إليهم اعتذارا منهم عما وقعوا فيه، ولذا قالوا: { ~~لا علم لنا } أي أصلا { إلا ما علمتنا } فهو دليل على أنه لا سبيل إلى ~~علم شيء من الأشياء إلا بتعليم الله. قال الحرالي: ردا لبدء الأمر لمن ~~له البدء، ولذلك ورد في أثارة من علم: من لم يختم علمه بالجهل لم يعلم، ~~وذلك الجهل هو البراءة من العلم إلا ما علم الله - انتهى. # ثم خصوه بما نفوه عن أنفسهم فقالوا: { إنك أنت } أي وحدك { العليم } أي ~~العالم بكل المعلومات { الحكيم } أي فلا يتطرق إلى صنعك فساد بوجه فلا ~~اعتراض أصلا. قال الحرالي: توكيد وتخليص وإخلاص للعلم والحكمة لله وحده، ~~وذلك من أرفع الإسلام، لأنه إسلام القلوب ما حلاها الحق سبحانه به! فإن ~~العلم والحكمة نور القلوب الذي تحيا به كما أن الماء رزق الأبدان الذي ~~تحيا به! فإن العلم والحكمة ms0073 نور القلوب الذي تحيا به كما أن الماء رزق ~~الأبدان الذي تحيا به؛ والحكمة جعل تسبيب بين أمرين يبدو بينهما تقاض من ~~السابق واستناد من اللاحق - انتهى. # وأصلها في اللغة المنع من الفساد ولا يكون ذلك إلا عن تمام العلم. # فلما قالوا ذلك وأراد إشهادهم فضل آدم عليه السلام استأنف في جواب من ~~كأنه قال: ما قال لهم عند ذلك؟ قوله: { قال } مظهرا لفضيلة العلم ~~الموجبة لشرف العالم { يا آدم أنبئهم } أي ليزدادوا بصيرة في أن العالم ~~من علمته والسعيد من أسعدته في أي صورة ركبته { بأسمائهم } فأنبأهم بها. ~~قال الحرالي: ولم يقل: علمهم، فكان آدم عليما بالأسماء وكانوا هم مخبرين ~~بها لا معلميها، لأنه لا يتعلمها من آدم إلا من خلقه محيط كخلق آدم، ~~ليكون من كل شيء ومنه كل شيء، فإذا عرض عليه شيء مما منه آنس علمه عنده؛ ~~فلذلك اختصوا بالإنباء دون التعليم، فلكل شيء عند آدم عليه السلام بما ~~علمه الله وأظهر له علاماته في استبصاره والشيء اسمان جامعان: اسم بيصره ~~من موجود الشيء واسم يذكره لإبداء معنى ذلك الشيء إلى غاية حقيقته، ولكل ~~اسم جامع عنده وجوه متعددة يحاذي كل وجه منها بتسمية تخصه، وبحسب تلك ~~الوجوه تكثرت عنده الألسنة وتكثرت الألسن الأعجمية، فأفصحها وأعربها ~~الاسم الجامع وذلك الاسم هو العربي الذي به أنزل خاتم الكتب على خاتم ~~المرسلين وأبقى دائما في مخاطبة أهل الجنة لمطابقة الخاتمة إحاطة ~~البادئة # حم * والكتاب المبين * إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون * وإنه في ~~أم الكتاب لدينا لعلي حكيم # [الزخرف: 1، 4] وطابق الختم البدء إحاطة لإحاطة - انتهى. وهذا كما كان ~~ولده محمد خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم يكلم كل إنسان بلغته من قبائل ~~العرب ومن العجم بل ومن البهائم العجم لكان علمه لبعض اللغات من غير ~~مخالطة لأهلها ولا إلمام بلسانهم دليلا على علم سائر اللغات، لأنه لا ~~معلم له إلا العالم بكل شيء. { فلما أنبأهم } أي أخبرهم إخبارا عظيما ~~يأخذ بالألباب، و { لما } كلمة تفهم وجوب أمر لأمر ms0074 في حين فتجمع معنى ~~الشرط والظرف - قاله الحرالي { بأسمائهم } عل ما هي عليه. # قال الحرالي في التفسير وكتاب له في أصول الفقه: هذه التسميات ليس ~~الأسماء التي هي موجودة من الذوات، لأن تلك لا ينالها إلا العلم وشهود ~~البصيرة وقد جرى ذلك في وراثة في ولد آدم حتى كان رؤبة وأبوه العجاج ~~يرتجلان اللغة ارتجالا ويتعلمها منهم من سواهم من العرب، لأن التسمية ~~التي ينالها الإنباء للاسم الذي يناله العلم كالمثل له المبدي لصورة ~~معناه للأذن لمناسبة ومواصلة بين خصوص التسمية واسمها من الذات، فيعلم ما ~~يحاذي الشيء المفرد من منتظم الحروف كما يعلم الواصف ما يحاذي الشيء ~~ويحاكيه من منتظم الكلم، فيحاذيه ويحاكيه الواصف بكلام، ويحاذيه ويسميه ~~المسمى له بكلمة واحدة، وكما أنه ليس لكل أحد منة أن يصف فكذلك ليس لكل ~~أحد منة أن يسمى، ومنه ما يجري من ألسنة العامة من النبز والألقاب وقد ~~كان يجب الاكتفاء بما في هذه الآية من العلم ببدء أمر المسميات عما وقع ~~فيها من الاختلاف بين التوقيف والاصطلاح، فقد تبين أنها عن علم علمه الله ~~آدم لا عن توقيف كما هو عند الملائكة من آدم ولا عن اصطلاح كما قيل - ~~انتهى. # { قال } أي الله تعالى مثبتا مدخول النفي كما هو شأن همزة التقرير { ~~ألم أقل لكم } يا ملائكتي! ولما كان هذا خبرا جسيما نبه على بلوغه ~~النهاية في العظمة وأنه مما يستغربه بعض الخلق بالتأكيد فقال: { إني أعلم ~~} علما مستمرا لا انقضاء له { غيب السماوات والأرض } فمن أردت تعليمه ~~شيئا من ذلك كان عالما به، وأما غيري فلا طريق له إلى معرفة المستقبل ~~إلا الفراسة وقد تحظى. قال الحرالي: قررهم حتى لا يكون لهم ثانية وأعلم ~~بذلك عباده من ولد آدم حتى يستنوا بحكم التسليم لله في ما يبديه من غير ~~تعرض ولا اعتراض، فمنهم من آمن ومنهم من كفر - انتهى. # { وأعلم ما تبدون } في كل حين { وما كنتم تكتمون } فيما مضى وفيما يأتي. ~~قال الحرالي: وفي صيغة تكتمون من الدلالة ms0075 على تمادي ذلك في كيانهم ما في ~~صيغة تبدون من تمادي بادى ذلك منهم - انتهى. # ولما أخبرنا سبحانه بهذه النعمة على أبينا ضم إليها الإنعام بإسجاد ~~الملائكة له ونحن في ظهره فقال عاطفا على " إذ " الأولى وعدل عن الغيبة ~~إلى التكلم ثم إلى كونه في مظهر العظمة إعلاما بأنه أمر فصل لا فسحة في ~~المراجعة فيه. وقال الحرالي: لما أنبأ تعالى بأمر مفاوضة الملائكة وما ~~كان من ادعائهم وتسليمهم الأمر لله ولمن علمه الله وهو آدم عليه السلام ~~نظم بذلك نبأ انقيادهم لآدم فعلا كما انقادوا له علما تماما لكمال ~~حالهم في التسليم علما وعملا فقال تعالى - انتهى. { وإذ قلنا } أي على ~~عظمتنا { للملائكة } أي الذين أكرمناهم بقربنا { اسجدوا لآدم } عبدنا ~~اعترافا بفضله لتفضيلنا له. # قال الحرالي: فجعله بابا إليه وكعبة يجلونه بجلاله تعالى ومحرابا ~~وقبلة، يكون سجودهم له سجودا لله تجاه آدم كسجود آدم تجاه الكعبة، وظهر ~~بذلك سوء إباء إبليس عن السجود حين خالفهم في طينة الكيان، لأن الملائكة ~~خلقت من نور والنور طوع لا يحوزه أين ولا يختصه جهة، ولأن الجان خلقت من ~~نار وهي مما يحوزه أين وتختصه جهة لا يرجع عنها إلا بقهر وقسر، فلم ينزل ~~عن رتبة قيامه في جبلته لمخلوق الطين حيث لم يشعر بإحاطة خلق آدم كما ~~تلقته الملائكة - انتهى. فبادروا الامتثال { فسجدوا } أي كلهم له كما ~~امرهم الله تعالى { إلا إبليس } قال الحرالي: من الإبلاس وهو انقطاع سبب ~~الرجاء الذي يكون عنه اليأس من حيث قطع ذلك السبب - انتهى. # فكأنه قيل: ما فعل؟ فقيل: { أبى } ، من الإباء وهو امتناع عما حقه ~~الإجابة فيه - قاله الحرالي. { واستكبر } عن السجود له، من الاستكبار وهو ~~استجلاب الكبر، والكبر بطر الحق وغمض الناس وغمطهم، وموجب ذلك استحقار ~~الغير من وجه واستكمال النفس من ذلك الوجه - قاله الحرالي. # { وكان } أي في أصل جبلته بما أفهمه الاستكبار من نسبتنا إلى ترك الحكمة ~~إما جهلا أو جورا في أمرنا بسجوده لآدم وهو على زعمه خير منه { من } ~~وهي ms0076 كلمة تفهم اقتباس الشيء مما جعل منه - قاله الحرالي. { الكافرين } أي ~~الذين سبق علمنا بشقاوتهم لم يتجدد لنا بذلك علم ما لم نكن نعلمه. # وفي الآيات الثلاث { يا أيها الناس اعبدوا ربكم } و { كيف تكفرون بالله ~~} و { إذ قال ربك للملائكة } أيضا إشارة إلى اختلاف الحال في الخطاب ~~بوصف الربوبية مع الخلص ومع من دونهم وفي الخطاب بأوصاف الذات، وذلك ~~أنه تعالى لما بين أن الضالين في حسن أمثاله هم الخاسرون عجب ممن يكفر به ~~إشارة إلى شدة ظهوره وانتشار نوره في أمثاله وجميع أقواله وأفعاله وأن ~~شهوده في كل اعتبار أوضح من ضياء النهار، لأنه ما ثم إلا ذاته وأفعاله ~~وصفاته: # وفي كل شيء له آية # تدل على أنه واحد # متجليا عليهم باسم الإلهية في أفعاله التي هم لها ناظرون وبها عارفون، ~~فقال: { كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم } إلى أن قال: { هو الذي ~~خلق لكم ما في الأرض جميعا } الآية، وأدرج في ذلك أمر البعث بقوله { ثم ~~إليه ترجعون } تنبيها على مشاركته لبقية ما في الآية من الظهور، لما قدم ~~من الاستدلال عليه بإخراج الثمرات حين تعرف إليهم بوصف الربوبية الناظر ~~إلى العطف والامتنان والتربية والإحسان في مثل ما هنا من أفعاله الظاهرة ~~وآثاره الباهرة فقال: { يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم } إلى ~~آخرها؛ وختم هذه الآية بوصف العلم الشامل لما قام عليه من الدليل ضمن هذا ~~التعجيب إشارة إلى الاستدلال على كمال الأمثال وتحديدا لمن يستمر على ~~الكفران بعد هذا البيان بأنه بمرأى منه ومسمع في كل حال، فلما فرغ من ~~خطابهم بالأمور الظاهرة على قدر فهومهم ومبلغ علومهم رقي الخطاب إلى رتبة ~~نبيه عليه الصلاة والسلام لترقية البيان إلى غيب مقاولته لملائكته فقال: ~~{ وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل } الآية فلكل مقام مقال، ولكل مخاطب حد ~~في الفهم وحال. # قال الأستاذ أبو الحسن الحرالي في المفتاح الباب السابع في إضافة ~~الربوبية ونعت الإلهية في القرآن: اعلم أن الربوبية إقامة المربوب بما ~~خلق له وأريد له، ms0077 فرب كل شيء مقيمه بحسب ما أبداه وجوده، فرب المؤمن ربه ~~ورباه للإيمان، ورب الكافر ربه ورباه للكفران، ورب محمد ربه ورباه للحمد ~~- " أدبني ربي فأحسن تأديبي " ، ورب العالمين ربى كل عالم لما خلق له # أعطى كل شيء خلقه ثم هدى # [طه: 50]؛ فللربوبية بيان في كل رتبة بحسب ما أظهرته آية مربوبه - من ~~عرف نفسه عرف ربه # سبح اسم ربك الأعلى # [الأعلى: 1] # فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك # [الكهف: 18] { اعبدوا ربكم الذي خلقكم } # لهم أجرهم عند ربهم # [البقرة: 262]. # وقال في الباب الذي بعده: فخطاب الإقبال على النبي صلى الله عليه وسلم ~~أعظم إفهام في القرآن # ألم تر إلى ربك كيف مد الظل # [الفرقان: 4] الآية # وهو الذي جعل لكم الليل لباسا # [الفرقان: 47] الآية، تفاوت الخطابين بحسب تفاوت المخاطبين وكما يتضح ~~لأهل التعرف رتب البيان بحسب إضافة اسم الرب فكذلك يتحقق لأهل الفهم وجوه ~~إحاطات البيان بحسب النعوت والتبيان في اسم الله غيبا في متجلى الآيات ~~للمؤمن، وعينا للكامل الموقن، وجمعا وإحاطة عن بادىء الدوام للمحقق ~~الواحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد # وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ومن يعتصم بالله ~~فقد هدي إلى صراط مستقيم # [آل عمران: 101] # قل هو الله أحد # [الإخلاص: 1]؛ والتفطن في رتب البيان في موارد هذا النحو من الخطاب في ~~القرآن من مفاتيح الفهم وبوادىء مزيد العلم - انتهى. # وقد أوقع سبحانه ذكر ابتداء الخلق على ترتيب إيجاده له فقد روى مسلم في ~~صحيحه والنسائي في التفسير من سننه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أخذ ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فقال: # " خلق الله التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر ~~يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث ~~فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم عليه السلام بعد العصر من يوم الجمعة ~~في آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل " # وقال ms0078 المزي في الأطراف قال البخاري في التاريخ: وقال بعضهم: أبو هريرة ~~عن كعب وهو أصح - انتهى. # وما يقال من أنه كان قبل آدم عليه السلام في الأرض خلق يعصون قاس عليهم ~~الملائكة عليهم السلام حال آدم عليه السلام، كلام لا أصل له، والذي يدل ~~عليه حديث مسلم هذا كما ترى أنه أول ساكني الأرض؛ والذي يلوح من اسمه في ~~بدئه بالهمزة التي هي أول الحروف وختمه بالميم التي هي آخرها وختامها أنه ~~أول ساكنيها بنفسه، كما أنه خاتمهم بأولاده، عليهم تقوم الساعة. ورأيت في ~~ترجمة للتوراة وهو أولها: خلق الله ذات السماء وذات الأرض وكانت الظلمة ~~فقال الله: ليكن النور، فكان النور، فأراد أن يفرق بين النور والحندس ~~فسمى النور نهارا والحندس مساء؛ ثم قال: ليكن جلد وسط الماء ويميز ~~بين الماء الأعلى والماء الأسفل. # وفي نسخة: ليكن سقف بين المياه ليفصل بين الماء والماء، فكان كذلك فخلق ~~الله سقفا وفصل به بين الماء الذي تحت الجلد والماء الذي فوق الجلد وسمى ~~الله الجلد سماء؛ وقال الله: لتجتمع المياه التي تحت السماء إلى مكان ~~واحد ولتظهر اليابسة، فكان كذلك فسمى الله اليابسة أرضا وسمى مجامع ~~المياه بحورا؛ وقال: لتخرج الأرض نبت عشب يزرع منه زرع لجنسه وشجر ذات ~~ثمار تثمر لجنسها يغرس منه غرس على الأرض، فأينعت الأرض نبتا عشبا يزرع ~~منه زرع لجوهره وشجر ذات ثمار لجوهرها؛ فقال الله: ليكن نجمان في جلد ~~السماء ليضيئا على الأرض وليميزا بين النهار والليل وليكونا للآيات ~~والأزمان والعدد والأيام والسنين، فخلق الله نورين عظيمين: المصباح ~~الأكبر لسلطان النهار والمصباح الأصغر لسلطان الليل وخلق النجوم، وكان ~~المساء والصباح من اليوم الرابع؛ فقال الله: ليحت الماء حيتانا ذات أنفس ~~حية، وليطر الطير فوق الأرض في جو السماء، فكان كذلك؛ وخلق تنانين عظيمة ~~وكل نفس حية تدب في الماء لأجناسها وكل طيور ذات أجنحة لأصنافها وباركها ~~وقال: انموا واكثروا واملؤوا مياه البحور وليكثر الطير على وجه الأرض؛ ~~وقال الله: لتخرج الأرض أنفسا حية لجنسها دواب ms0079 وسباع الأرض لأجناسها، ~~فكان كذلك؛ وخلق الله سباع الأرض لأجناسها والدواب لأصنافها وجميع هوام ~~الأرض لجواهرها. # فأراد الله أن يخلق خلقا يتسلط على حيتان البحر وطير السماء وعلى ~~الدواب وجميع السباع وعلى الحشرة التي تدب على الأرض فخلق آدم بصورته ~~ذكرا وأنثى وبارك عليهما وقال لهما: انميا وأكثرا وتسلطا على حيتان ~~البحر وطير السماء والدواب وجميع السباع؛ وقال: ها أنا ذا قد أعطيتكما ~~جميع العشب الذي يزرع على وجه الأرض كلها وكل شجر ذات ثمار تغرس فيها ~~ليكون لكما مأكلا ولجميع سباع البر وطيور السماء ولكل ما يدب على الأرض ~~فيه نفس حية، فكان كذلك؛ وكملت السماء والأرض وجميع ما فيهما في اليوم ~~السادس، ولم يكن ظهر على الأرض شيء من عشب الأرض، لأن الله لم يكن أهبط ~~المطر على وجه الأرض بعد، وذلك لأن آدم لم يكن خلق بعد ليعمل في الأرض، ~~وكان ينبوع يظهر في قعر عدن فيسقي جميع وجه الأرض. # فجبل الله الرب آدم من تربة الأرض ونفخ في وجهه نسمة الحياة فصار آدم ذا ~~نفس حية وغرس الله الرب فردوسا بعدن من قبل وأسكنه آدم، وأنبت الله كل ~~شجرة حسنة المنظر شهية المأكل وشجرة الحياة وسط الفردوس وشجرة علم الخير ~~والشر، وكان نهر يخرج من عدن فيسقي الفردوس وكان ينفصل من هناك وينفرق ~~على أربعة أطراف: اسم أحدها سيحون الذي يحيط بجميع أرض الهند وتلك البلاد ~~الكثيرة، وذهب تلك الأرض جيد جدا، هنالك المها وحجر البلور، واسم ~~النهر الثاني جيحون الذي يحيط بجميع أرض الحبشة، واسم النهر الثالث دجلة ~~الذي يخرج قبالة الموصل، والنهر الرابع الفرات؛ فتقدم الرب إلى آدم وقال ~~له: كل من جميع أشجار الفردوس، فأما شجرة علم الخير والشر فلا تأكل منها، ~~لأنك في اليوم الذي تأكل منها تموت موتا. # وقال الله: لا يحسن أن يكون آدم وحده فلنخلق له عونا مثله، فجمع الرب ~~من الأرض جميع سباع البر وطير السماء وأقبل بها إلى آدم ليرى ما يسميها ~~وكل نفس حية سماها آدم ms0080 فذلك اسمها فسمى الجميع، فألقى الله على آدم ~~سباتا فرقد، فنزع ضلعا من أضلاعه وأخلف له بدله لحما، فخلق الله من ~~الضلع الذي أخذ من آدم امرأة، فأقبل بها إلى آدم فقال: هذه الآن التي ~~قرنت إلي! وفي هذه عظم من عظامي ولحم من لحمي! فلتدع امرأة لأنها أخذت ~~من الرجل، ولذلك يدع الرجل أباه وأمه ويلحق بامرأته ويكونان كلاهما جسدا ~~واحدا؛ وكانا كلاهما عريانين آدم وامرأته ولا يستحييان. # وكانت الحية أعز دواب البر كلها فقالت الحية للمرأة: أحق أن الله قال ~~لكما: لا تأكلا من جميع شجر الجنة؟ فقالت المرأة: إنا لنأكل من كل ثمر ~~الجنة، فأما من ثمرة الشجرة التي في وسط الجنة فإن الله قال لنا: لا ~~تأكلا منها ولا تقرباها لكيلا تموتا؛ قالت الحية: لستما تموتان، ولكن ~~الله علم أنكما إن تأكلا منها تنفتح أعينكما وتكونا كالإله تعلمان الخير ~~والشر. فرأت المرأة الشجرة طيبة المأكل شهية في العين فأخذت من ثمرتها ~~فأكلت وأعطت بعلها فأكل، فانفتحت أبصارهما وعلما أنهما عريانان، فوصلا من ~~ورق التين وصنعا مآزر. # ثم ذكر أن الله تعالى سأله عن ذلك فقال آدم: المرأة التي قرنتها معي هي ~~أطعمتني من الشجرة فأكلت، فقال الله الرب للمرأة: ما هذا الذي فعلت؟ ~~فقالت المرأة: إن الحية أعطتني فأكلت، فقال للحية: ملعونة تكونين من جميع ~~الدواب ومن كل ماشية البر، وعلى بطنك تمشين، والتراب تأكلين كل أيام ~~حياتك، وأغرى العداوة بينك وبين المرأة وبين ولدها، وولدها يطأ رأسك وأنت ~~تلدغينهم بأعقابهم! وقال للمرأة: أكثر أوجاعك وإحبالك وبالوجع تلدين ~~البنين، وإلى بعلك تردين وهو مسلط عليك! وقال لآدم: من أجل طاعتك امرأتك ~~وأكلك الشجرة التي نهيتك عنها ملعونة الأرض من أجلك بالشقاء تأكل منها كل ~~أيام حياتك أجاجا وشوكا تنبت لك، وتأكل عشب الأرض، وبرشح جبينك تأكل ~~طعامك حتى تعود في الأرض التي منها أخذت من أجل أنك تراب وإلى التراب ~~تعود. # فدعا آدم اسم امرأته حواء من أجل أنها كانت أم كل حي، وصنع الله الرب ms0081 ~~لآدم وامرأته سرابيل من الجلود وألبسها، فأرسله من جنة عدن ليحرث الأرض ~~التي منها أخذ، فأخرجه الله ربنا وأحاط من مشرق عدن ملكا من الكروبيين ~~بيده حربة يطوف بها ليحرس طريق شجرة الحياة. # ثم قال بعد ذلك: فكان جميع حياة آدم تسعمائة وثلاثين سنة ثم توفي عليه ~~السلام - هذا نص التوراة. والكروب بوزن زبور بلغة العبرانيين الشخص ~~الصغير، فكان الكروبيون الملائكة المنسوبين إلى مخالطة الناس بالوحي ~~أخذا من الكروبين تثنية كروب وهما شخصان في قبة الزمان كان يسمع كلام ~~الله من بينهما، كما يأتي قريبا. # فإن أنكر منكر الاستشهاد بالتوراة أو بالإنجيل وعمي عن أن الأحسن في باب ~~النظر أن يرد على الإنسان بما يعتقد تلوت عليه قول الله تعالى استشهادا ~~على كذب اليهود: # قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين # [آل عمران: 93] وقوله تعالى: # وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه # [المائدة: 48] - في آيات من أمثال ذلك كثيرة؛ وذكرته باستشهاد النبي صلى ~~الله عليه وسلم التوراة في قصة الزاني كما سيأتي إن شاء الله تعالى في ~~سورة المائدة مستوفى. وروى الشيخان عن أبي سعيد رضي الله عنه أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " تكون الأرض يوم القيامة خبزة نزلا لأهل الجنة، فأتى رجل من اليهود ~~فقال: بارك الرحمن عليك يا أبا القاسم! ألا أخبرك بنزل أهل الجنة يوم ~~القيامة؟ قال: بلى. قال: تكون الأرض خبزة واحدة كما قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فنظر النبي صلى الله عليه وسلم إلينا ثم ضحك حتى بدت نواجذه " # وقريب من ذلك حديث الجساسة في أشباهه. هذا فيما يصدقه كتابنا. # وأما ما لا يصدقه ولا يكذبه فقد روى البخاري عن عبد الله بن عمرو رضي ~~الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج " # ورواه مسلم والترمذي والنسائي عن أبي سعيد رضي الله عنه، وهو معنى ما في ~~الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة ms0082 ~~بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا: { آمنا بالذي أنزل إلينا ~~وأنزل إليكم } " # الآية، فإن دلالة هذا على سنية ذكر مثل ذلك أقرب من الدلالة على ~~غيرها، ولذا أخذ كثير من الصحابة رضي الله عنهم عن أهل الكتاب. # فإن فهم أحد من الشافعية منع أئمتهم من قراءة شيء من الكتب القديمة ~~مستندا إلى قول الإمام أبي القاسم الرافعي في شرحه: وكتب التوراة ~~والإنجيل مما لا يحل الانتفاع به، لأنهم بدلوا وغيروا، وكذا قال غيره من ~~الأصحاب؛ قيل له: هذا مخصوص بما علم تبديله، بدليل أن كل من قال ذلك علل ~~بالتبديل فدار الحكم معه، ونص الشافعي ظاهر في ذلك، قال المزني في مختصره ~~في باب جامع السير: وما كان من كتبهم أي الكفار فيه طب وما لا مكروه فيه ~~بيع وما كان فيه شرك أبطل وانتفع بأوعيته. # وقال في الأم في سير الواقدي في باب ترجمته كتب الأعاجم قال الشافعي: ~~وما وجد من كتبهم فهو مغنم كله، وينبغي للإمام أن يدعو من يترجمه، فإن ~~كان علما من طب أو غيره لا مكروه فيه باعه كما يبيع ما سواه من المغانم، ~~وإن كان كتاب شرك شقوا الكتاب فانتفعوا بأوعيته وأداته فباعها، ولا وجه ~~لتحريقه ولا دفنه قبل أن يعلم ما هو - انتهى. # فقوله في الأم: كتاب شرك، مفهم لأنه كله شرك، ولهذا عبر المزني عن ذلك ~~بقوله: وما كان فيه شرك، أي في أبواب الكتاب وفصوله، وأدل من ذلك قولهم ~~في باب الأحداث: إن حكمها في مس المحدث حكم ما نسخت تلاوته من القرآن ~~في أصح الوجهين، والتعبير بالأصح على ما اصطلحوا عليه يدل على أن الوجه ~~القائل بحرمة مس المحدث وحمله لها قوى، وأدل من ذلك ما ذكره محرر المذهب ~~الشيخ محيي الدين النواوي رحمه الله في مسائل ألحقها في آخر باب الأحداث ~~من شرح المهذب وأقره أن المتولي قال: فإن ظن أن فيها شيئا غير مبدل ~~كره ms0083 مسه - انتهى. فكراهة المس للاحترام، والاحترام فرع جواز الإبقاء ~~والانتفاع بالقراءة، وأصرح من ذلك كله قول الشافعي رحمه الله: إن ما لا ~~مكروه فيه يباع، وكذا قول البغوي في تهذيبه في آخر باب الوضوء: وكذلك لو ~~تكلم - أي الجنب - بكلمة توافق نظم القرآن أو قرأ آية نسخت قراءتها أو ~~قرأ التوراة والإنجيل أو ذكر الله سبحانه أو صلى على النبي صلى الله عليه ~~وسلم فجائز، قالت عائشة رضي الله عنها: " كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يذكر الله على كل أحيانه " فإنه لا يتخيل أنه يجوز للجنب ما لا يجوز ~~للمحدث، بل كل ما جاز للجنب قراءته من غير أمر ملجىء جاز للمحدث ولا عكس، ~~وتعليله لذلك بحديث عائشة رضي الله عنها دال على أن ذلك ذكر الله تعالى، ~~ولا يجوز الحمل على العموم لا سيما إذا لوحظ قول القاضي الحسين: إنه يجوز ~~الاستنجاء بهما، لأنه مبني على الوجه القائل بأن الكل مبدل؛ وهو ضعيف أو ~~محمول على المبدل منهما، لأنه لا يخفى على أحد أن مسلما فضلا عن عالم ~~لا يقول: إنه يستنجي بنحو قوله في العشر الكلمات التي صدرت بها الألواح ~~قال الله جميع هذه الآيات كلها: أنا الرب إلهك الذي أصعدتك من أرض مصر من ~~العبودية والرق، لا تكونن لك آلهة غيري، لا تعملن شيئا من الأصنام ~~والتماثيل التي مما في السماء فوق وفي الأرض من تحت ومما في الماء أسفل ~~الأرض، لا تسجدن لها ولا تعبدنها، لأني أنا الرب إلهك إله غيور، لا تقسم ~~بالرب إلهك كذبا، لأن الرب لا يزكي من حلف باسمه كذبا، أكرم أباك وأمك ~~ليطول عمرك في الأرض التي يعطيكها الرب إلهك، لا تقتل، لا تزن، لا تسرق، ~~لا تشهد على صاحبك شهادة زور. # وقد أشبع الكلام في المسألة شيخنا حافظ عصره أبو الفضل بن حجر في آخر ~~شرحه للبخاري، وآخر ما حط عليه التفرقة بين من رسخ قدمه في العلوم ~~الشرعية - فيجوز له النظر في ذلك فإنه يستخرج منه ما ينتفع ms0084 به المهتدون - ~~وبين غيره فلا يجوز له ذلك، وأيده بنظر الأئمة فيهما قديما وحديثا ~~والرد على أهل الكتابين بما يستخرجونه منهما؛ فلولا جواز ذلك ما أقدموا ~~عليه - والله الموفق وقد حررت المسألة في فن المرفوع من حاشيتي على شرح ~~ألفية الشيخ زين الدين العراقي فراجعه إن شئت - والله الهادي؛ ثم صنفت في ~~ذلك تصنيفا حسنا سميته " الأقوال القويمة في حكم النقل من الكتب ~~القديمة ". # تنبيه: اعلم أن التوراة ثلاث نسخ مختلفة اللفظ متقاربة المعنى إلا ~~يسيرا: إحداها تسمى توراة السبعين، وهي التي اتفق عليها اثنان وسبعون ~~حبرا من أحبارهم؛ وذلك أن بعض اليونان من ملوك مصر سأل بعض ملوك اليهود ~~ببيت المقدس أن يرسل إليه عددا من حفاظ التوراة، فأرسل إليه اثنين ~~وسبعين حبرا، فأخلى كل اثنين منهم في بيت ووكل بهم كتابا وتراجمة، ~~فكتبوا التوراة بلسان اليونان، ثم قابل بين نسخهم الستة والثلاثين فكانت ~~مختلفة اللفظ متحدة المعنى، فعلم أنهم صدقوا ونصحوا، وهذه النسخة ترجمت ~~بعد بالسرياني ثم بالعربي وهي في أيدي النصارى؛ والنسخة الثانية نسخة ~~اليهود من الربانيين والقرائين، والنسخة الثالثة نسخة السامرة؛ وقد نبه ~~على مثل ذلك الإمام السمرقندي في الصحائف واستشهد بكثير من نصوص التوراة ~~على كثير من مسائل أصول الدين، وكذا الشيخ سعد الدين التفتازاني في شرح ~~المقاصد والقاضي عياض في كتاب الشفاء وغيرهم. # ثم اعلم أن أكثر ما ذكرته في كتابي هذا من نسخة وقعت لي لم أدر اسم ~~مترجمها. على حواشي فصولها الأوقات التي تقرأ فيها، فالظاهر أنها نسخة ~~اليهود وهي قديمة جدا، فكان في الورقة الأولى منها محو في أطراف الأسطر ~~فكملته من نسخة السبعين، ثم قابلت نسختي كلها مع بعض اليهود الربانيين ~~على ترجمة سعيد الفيومي وهي عندهم أحسن التراجم لو كان هو القارىء، فوجدت ~~نسختي أقرب إلى حقائق لفظ العبراني ومترجمها أقعد من سعيد في لغة العرب، ~~هذا وظاهر القرآن في قوله تعالى: # فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين # [الحجر: 29] أن الأمر بالسجود له كان قبل إتمام ms0085 خلقه وأن السجود كان عقب ~~النفخ، وبه صرح البغوي في تفسيره، وأجاب عن قوله تعالى في سورة الأعراف # ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم # [الأعراف: 11] بأجوبة، منها أن الخلق والتصوير لآدم وحده، وذكره بضمير ~~الجمع لأنه أبو البشر فخلقه خلقهم وتصويره تصويرهم؛ ومنها أن (ثم) بمعنى ~~الواو ليست للترتيب - انتهى. والتصوير شق السمع والبصر والأصابع - قاله ~~يمان، والتسوية تعديل الخلق وإتمامه وتهيئته لنفخ الروح، ويمكن أن يكون { ~~خلقناكم } وما بعده بمعنى قدرنا ذلك تقديرا قريبا من الإخراج من العدم؛ ~~وبذلك يتضح قوله في التوراة: فخلق آدم بصورته ذكرا وأنثى، ثم قال بعد ~~ذلك: لأن آدم لم يكن خلق بعد، ثم حكى خلقه وخلق زوجه منه؛ فهذا خلق بمعنى ~~الإيجاد، وذلك بمعنى التقدير القريب منه - والتهيئة لقبول الغايات - ~~والله أعلم. ومشى البيضاوي على أن الأمر بالسجود كان بعد الإنباء ~~بالأسماء ولم يذكر دليلا يصرف عن هذا الظاهر على أن المشي عليه أولى من ~~جهة المعنى، لأن سجود الملائكة عليهم السلام قبل يكون إيمانا بالغيب على ~~قاعدة التكاليف، وأما بعد إظهار فضيلة العلم فقد كشف الغطاء وصار وجه ~~الفضل من باب عين اليقين؛ وأما الترتيب في الذكر هنا على هذا الوجه وهو ~~جعل السجود بعد الإنباء فهو لنكتة بديعة وهي أنه تعالى لما كان في بيان ~~النعم التي أوجبت شكره باختصاصه بالعبادة لكونه منعما فبين أولا نعمته ~~على كل نفس في خاصتها بخلقها وإفاضة الرزق عليها. ثم ذكر الكل بنعمة ~~تشملهم وهي محاجته لأقرب خلقه إذ ذاك إليه عن أبينا آدم قبل إيجاده ~~اقتضى الأسلوب الحكيم أن يوضح لهم الحجة في فضيلة هذا الخليفة فذكر ما ~~آتاه من العلم، فلما فرغ من محاجتهم بما أوجب إذعانهم ذكر بنيه بنعمة ~~السجود له، فما كان تقديم إظهار فضيلة العلم إلا محافظة على حسن السياق ~~في ترتيب الدليل على أقوم منهاج وأوضح سبيل. ولما فرغ من نعمة التفضيل في ~~الصفات الذاتية بين النعمة بشرف المسكن مع تسخير زوج من الجنس لكمال ~~الأنس ms0086 وما يتبع ذلك فقال تعالى. وقال الحرالي: لما أظهر الله سبحانه ~~فضيلة آدم فيما أشاد به عند الملائكة من علمه وخلافته والإسجاد له وإباء ~~إبليس عنه أظهر تعالى إثر ذلك ما يقابل من أحوال آدم حال ما ظهر للملائكة ~~بما فيه من حظ مخالفة يشارك بها إفراط ما في الشيطان من الإباء لإحاطة ~~خلق آدم بالكون كله علوا وسفلا، وليظهر فضل آدم في حال مخالفته على ~~إبليس في حال إبائه مما يبدو على آدم من الرجوع بالتوبة كحال رجوع ~~الملائكة بالتسليم، فيظهر فيه الجمع بين الطرفين والفضل في الحالين: حال ~~علمه وحال توبته في مخالفته، فجعل تعالى إسكان الجنة توطئة لإظهار ذلك من ~~أمره فقال تعالى: { { وقلنا يا آدم اسكن } ، من السكن وهو الهدوء في ~~الشيء الذي في طيه إقلاق، أن في قوله: { أنت } اسم باطن الذات علما هي ~~المشتركة في أنا وأنت وأنت وأن تفعل كذا، والألف في أنا إشارة ذات ~~المتكلم، وفي مقابلتها التاء إشارة لذات المخاطب ذكرا أو أنثى { وزوجك ~~الجنة } فأجنت لآدم ما فيها من خبء استخراج أمر معصيته ليكون ذلك توطئة ~~لكمال باطنه بإطلاعه على سر من أسرار ربه في علم التقدير إيمانا والكمال ~~ظاهره يكون ذلك توطئة لفضيلة توبته إسلاما ليس لبنيه التوبة إثر المعصية ~~مخالفة لإصرار إبليس بعد إبائه وشهادة عليه بجهله في ادعائه، وجعل له ذلك ~~فيما هو متنزل عن رتبة علمه فلم تلحقه فيه فتنة حفيظة على خلافته وأنزلت ~~معصيته إلى محل مطعمه الذي هو خصوص حال المرء من جهة أجوفية خلقه ليبدو ~~نقص الأجوف ويبدي ذلك إكبار الصمد الذي يطعم ولا يطعم، فكان ذلك من ~~فعله تسبيحا بحمد ربه؛ لا يقضي الله لمؤمن قضاء إلا كان خيرا له انتهى. # ولما كان السياق هنا لمجرد بيان النعم استعطافا إلى المؤالفة كان عطف ~~الأكل بالواو في قوله: { وكلا منها } كافيا في ذلك، وكان التصريح بالرغد ~~الذي هو من أجل النعم عظيم الموقع فقال تعالى: { رغدا } أي واسعا ~~رافها طيبا هنيئا { حيث } أي ms0087 أي مكان { شئتما } بخلاف سياق الأعراف ~~فإنه أريد منه مع التذكير بالنعم التعريف بزيادة التمكين وأنها لم تمنع ~~من الإخراج تحذيرا للمتمكنين في الأرض المتوسعين في المعايش من إحلال ~~السطوات وإنزال المثلاث، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. ثم المقصود من ~~حكاية القصص في القرآن إنما هو المعاني فلا يضر اختلاف اللفظ إذا أدى ~~جميع المعنى أو بعضه ولم يكن هناك مناقضة فإن القصة كانت حين وقوعها ~~بأوفى المعاني الواردة ثم إن الله تعالى يعبر لنا في كل سورة تذكر القصة ~~فيها بما يناسب ذلك المقام في الألفاظ عما يليق من المعاني ويترك ما لا ~~يقتضيه ذلك المقام، وسأبين ما يطلعني الله عليه من ذلك في مواضعه إن شاء ~~الله تعالى. # ولما أباح لهما سبحانه ذلك كله أتبعه بالنهي عن شجرة واحدة. قال ~~الحرالي: وأطلق له الرغد إطلاقا وجعل النهي عطفا ولم يجعله استثناء ~~ليكون آدم أعذر في النسيان لأن الاستثناء أهم في الخطاب من التخصيص وقال: ~~{ ولا تقربا } ولم يقل: ولا تأكلا، نهيا عن حماها ليكون ذلك أشد في ~~النهي - انتهى. { هذه } ولما كان اسم الإشارة لا دلالة له على حقيقة ~~الذات افتقر إلى بيان ذات المشار إليه فقال: { الشجرة } أي فإنكما إن ~~قربتماها تأكلا منها { فتكونا } أي بذلك { من الظالمين } أي الواضعين ~~الشيء في غير موضعه كمن يمشي في الظلام؛ وفي هذا النهي دليل على أن هذه ~~السكنى لا تدوم، لأن المخلد لا يناسب أن يعرض للحظر بأن يحظر عليه شيء ~~ولا أن يؤمر ولا ينهى، ولذلك دخل عليه الشيطان من جهة الخلد، ولا داعي ~~لبيان نوع الشجرة لأن السياق لبيان شؤم المخالفة وبركة التوبة لا لتعيين ~~المنهي عنه فليس بيانه حينئذ من الحكمة. ### || [2.36-39] # ثم بين أنهما أسرعا المواقعة بقضية خلقهما على طبائع الشهوة لما نهيا ~~عنه فقال: { فأزلهما } ، قال الحرالي: من الزلل وهو تزلق الشيء الذي لا ~~يستمسك على الشيء الذي لا مستمسك فيه كتزلل الزلال عن الورق وهو ما يجتمع ~~من الطل فيصير ما على ms0088 الأوراق والأزهار، وأزالهما من الزوال وهو التنحية ~~عن المكان أو المكانة وهو المصير بناحية منه؛ { الشيطان } هو مما أخذ من ~~أصلين: من الشطن وهو البعد الذي منه سمي الحبل الطويل، ومن الشيط الذي هو ~~الإسراع في الاحتراق والسمن، فهو من المعنيين مشتق كلفظ إنسان وملائكة { ~~عنها } أي عن مواقعة الشجرة وعن كلمة تقتضي المجاوزة عن سبب ثابت كقولهم: ~~رميت عن القوس - انتهى. # وتحقيقه فأصدر الشيطان زلتهما أو زوالهما عنها { فأخرجهما } أي فتسبب عن ~~إيقاعهما في الزلل الناشىء عن تلك المواقعة أنه أخرجهما { مما كانا فيه } ~~من النعمة العظيمة التي تجل عن الوصف. قال الحرالي: " في " كلمة تقتضي ~~وعاء مكان أو مكانة، ثم قال: أنبأ الله عز وجل بما في خبء أمره مما هو من ~~وراء علم الملائكة بما أظهر من أمر آدم عليه السلام وبما وراء علم آدم ~~بما أبدى من حال الشيطان باستزلاله لآدم حسن ظن من آدم بعباد الله مطلقا ~~حين قاسمهما على النصيحة، وفيه انتظام بوجه ما بتوقف الملائكة في أمر خلق ~~آدم فحذرت الملائكة إلى الغاية، فجاء من وراء حذرهما حمد أظهره الله من ~~آدم، وجاء من وراء حسن ظن آدم ذنب أظهره الله من الشيطان على سبيل سكن ~~الجنة فرمى بهما عن سكنها بما أظهر له بما فيها من حب الشجرة التي اطلع ~~عليها. ثم قال: وحكمة ذلك أي نسبة هذا الذنب إلى الشيطان بتسببه، إن الله ~~عز وجل يعطي عباده الخير بواسطة وبلا واسطة ولا ينالهم شر إلا بواسطة ~~نفس، كما وقع من الإباء للشيطان، فكانت خطيئته في ذات نفسه أو بواسطة ~~شيطان كما كانت مخالفة آدم، فكانت خطيئته ليست من ذات نفسه وعارضة عليه ~~من قبل عدو تسبب له بأدنى مأمنه من زوجه التي هي من أدنى خلقه فمحت ~~التوبة الذنب العارض لآدم وأثبت الإصرار الإباء النفساني للشيطان؛ وذكر ~~الحق تعالى الإزلال منه باسمه الشيطان لا باسمه إبليس لما في معنى ~~الشيطنة من البعد والسرعة التي تقبل التلافي ولما في معنى الإبلاس من ms0089 قطع ~~الرجاء، فكان في ذلك بشرى استدراك آدم بالتوبة - انتهى. # ولما بين أنه غرهما فضرهما بين إهباط الغار والمغرور وبين أنه أنعم على ~~المغرور دون الغار مع ما سبق له من لزوم العبادة وطول التردد في الخدمة، ~~وفي ذلك نفخيم للنعمة استعطافا إلى الإخلاص في العبادة فقال عاطفا على ~~ما يرشد إليه السياق من نحو أن يقال فتداركناهما بالرحمة وتلافينا خطأهما ~~بالعفو لكونه عارضا منهما بسبب خارج، وأبدنا تلافي الغار بشقائه ~~لعصيانه بالضلال والإضلال عن عمد فكان مغضوبا عليه { وقلنا } أي له ~~وللمغرور: { اهبطوا } وفي ذلك لطف لذريته بالتنفير من الخطأ والترهيب ~~الشديد من جريرته والترغيب العظيم على تقدير الوقوع فيه في التوبة ~~والهبوط. # قال الحرالي: سعى في درك والدرك ما يكون نازلا عن مستوى، فكأنه أمسك ~~حقيقته - أي آدم - في حياطته تعالى وحفظه وتوفيقه لضراعته وبكائه وسر ما ~~أودعه من أمر توبته؛ وأهبط صورته ليظهر في ذلك فرق ما بين هبوط آدم وهبوط ~~إبليس على ما أظهر من ذلك سرعة عود آدم توبة وموتا إلى محله من أنسه ~~المعهود وقربه المألوف له - من ربه، وإنظار إبليس في الأرض مصرا منقطعا ~~عن مثل معاد آدم لما نال إبليس من اللعنة التي هي مقابل التوبة { بعضكم ~~لبعض } البعض ما اقتطع من جملة وفيه ما في تلك الجملة، { عدو } من العداء ~~أي المجاوزة عن حكم المسالمة التي هي أدنى ما بين المستقلين من حق ~~المعاونة - انتهى. فالمعنى فليحذر كل واحد منكم عدوه باتباع الأوامر ~~واجتناب النواهي. # قال الحرالي: وفيه إشعار بما تمادى من عدواء الشيطان على ذرء من ولد آدم ~~حتى صاروا من حزبه، وفيه أيضا بشرى لصالحي ولد آدم بما يسبونه من ذرء ~~إبليس فيلحقون بهم بالإيمان والإسلام والتوبة فيهتدون بهداه من حيث عم ~~بالعداوة، فاعتدى ذو الخير فصارت عدواه على أهل الشر خيرا، واعتدى ذو ~~الشيطنة فصارت عدواه على أهل الخير شرا. { ولكم في الأرض مستقر } تكونون ~~فيه، وهو من القرار وهو كون الشيء فيما له فيه تنام وظهور وعيش ms0090 موافق؛ { ~~ومتاع } تتمتعون به، والمتاع هو الانتفاع بالمنتفع به وقتا منقطعا يعرف ~~نقصه بما هو أفضل منه، يعني ففيه إشعار بانقطاع الإمتاع بما في هذه ~~الدنيا ونقص ما به الانتفاع عن محل ما كانا فيه، من حيث إن لفظ المتابع ~~أطلق في لسان العرب على الجيفة التي هي متاع المضطر وأرزاق سباع الحيوان ~~وكلابها، فكذلك الدنيا هي جيفة متع بها أهل الاضطرار بالهبوط من الجنة ~~وجعلها حظ من لا خلاق له في الآخرة؛ { إلى حين } أي لا يتقدم ولا يتأخر، ~~وفي إبهام الحين إشعار باختلاف الآجال في ذرء الفريقين، فمنهم الذي يناله ~~الأجل صغيرا، ومنهم الذي يناله كبيرا - انتهى. # ولما تسبب عن جزاء آدم عليه السلام بالإهباط الذي هو كفارة له أنه ألهم ~~الدعاء بما رحم به عبر عن ذلك بقوله: { فتلقى } أي فهبطوا فتلقى { آدم } ~~بعد الهبوط، والتلقي ما يتقبله القلب باطنا وحيا، أو كالوحي أبطن من ~~التلقن الذي يتلقنه لفظا وعلما ظاهرا أو كالظاهر - قاله الحرالي: { من ~~ربه } أي المحسن إليه في كل حال { كلمات } أي ترضيه سبحانه بما أفهمه ~~التعبير بالتلقي، وهي جمع كلمة؛ وهي دعاء دعا به ربه أو ثناء أثنى به ~~عليه؛ وتطلق الكلمة أيضا على إمضاء أمر الله من غير تسبيب حكمة ولا ~~ترتيب حكم - قاله الحرالي ثم قال: في عطف الفاء في هذه الآية إشعار بما ~~استند إليه التلقي من تنبيه قلب آدم وتوفيقه مما أثبته له إمساك حقيقته ~~عند ربه، ويعاضد معناه رفع الكلمات وتلقيها آدم في إحدى القراءتين، فكأنه ~~تلقى الكلمات بما في باطنه فتلقته الكلمات بما أقبل بها عليه فكان ~~مستحقا لها، فكانت متلقية له بما جمعت القراءتان من المعنى { فتاب } من ~~التوب وهو رجوع بظاهر باطنه الإنابة وهو رجوع بعلم باطنه الأوبة وهو رجوع ~~بتقوى قلب - انتهى. # { عليه } لذكره إياه بالكلمات مخلصا في نيته، ثم علل بقوله { إنه هو } ~~أي خاصة { التواب } أي البليغ التوبة المكرر لها، ولما كان قد جعل على ~~نفسه المقدس أن يتفضل على المحسن قال: ms0091 { الرحيم } أي لمن أحسن الرجوع ~~إليه وأهله لقربه. # قال الحرالي: وكان إقراره بلفظه أدبا وإذعانا لقيام حجة الله على ~~عباده بما أنبأ عنه من قوله: # ربنا ظلمنا أنفسنا # [الأعراف: 23] الآية، وهذه توبة قلب وعمل لا ينقض مخصوص حال القلب منها ~~ناقض وهي التوبة النصوح التي تبرىء من الذنب بتحقيق توحيد القلب وتوجب ~~تكفير الخطايا الظاهرة التي لا أصل لها في القلب من حجاب دعوى في الأفعال ~~وشرك في أمر الله، فبمقتضى ما في باطنه ظهر فيه اسمه الرحيم الذي هو من ~~الرحمة وهو اختصاص فضله بالمؤمن، وبمقتضى ما ظهر عليه من الضراعة ~~والإقرار ظهر فيه مقتضى اسمه التواب؛ فجمعت توبته الأمرين - انتهى. # ولما أعلموا بالعداوة اللازمة كان كأنه قيل: فما وجه الخلاص منها؟ فقيل: ~~اتباع شرعنا المشروع للتوبة والرحمة فإنا { قلنا } كما تقدم { اهبطوا } ~~ولما كان الهبوط الماضي يحتمل أن يكون من مكان من الجنة إلى أدنى منه ولم ~~يخرجوا منها فكرره هنا للتأكيد تصويرا لشؤم المعصية وتبشيعا لها قال: { ~~منها } أي الجنة { جميعا } أي لا يتخلف منكم أحد سواء كان ذلك قران ~~واحد أو على التعاقب، وعهدنا إليهم عند الهبوط إلى دار التكليف أنا ~~نأتيهم بالهدى ليؤديهم إلى الجنة مرة أخرى واعدين من اتبع متوعدين من ~~امتنع فقلنا: { فإما يأتينكم } ، وقال الحرالي: مورد هذه الآية بغير عطف ~~إشعار بأن ظاهرها افتتاح لم يتقدمه إيجاء بباطن كما تقدم في السابقة، ~~وتكرر الإهباطان من حيث إن الأول إهباط لمعنى القرار في الدنيا والاغتذاء ~~فيها وذرء الذرية وأعمال أمر العداوة التي استحكمت بين الخلقين من آدم ~~وإبليس، وهذا الإهباط الثاني إهباط عن مكانة الرتبة الآمرية الدينية التي ~~كانت خفية في أمر آدم ظاهرة في أمر إبليس، وفي قوله: { جميعا } إشعار ~~بكثرة ذرء الخلقين وكثرة الاحداث في أمر الديانة من النقلين - انتهى. # وخص في إبراز الضمير بمحض الإفراد من غير إيراد بمظهر العظمة إبعادا عن ~~الوهم فقال: { مني هدى } أي بالكتب والرسل، ولما كان الهدى الذي هو ~~البيان لا يستلزم الاهتداء قال: { فمن ms0092 تبع } أي أدنى اتباع يعتد به، ~~ولذلك اكتفى في جزائه بنفي الخوف الذي قد يكون عن توبة من ضلال بخلاف ما ~~في طه كما يأتي إن شاء الله تعالى. والتبع السعي أثر علم الهدى - قاله ~~الحرالي. { هداي } أي المنقول أو المعقول، فالثاني أعم من الأول. لأنه ~~أعم من أن يكون منقولا عن الرسل أو معقولا بالقياس على المنقول عنهم، ~~أو بمحض العقل كما وقع لورقة بن نوفل وزيد بن عمرو بن نفيل وأضرابهما ~~المشار إليهم بالقليل في قوله تعالى: # ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا # [النساء: 83] قال العارف شهاب الدين عمر بن محمد السهروردي في كتابه رشف ~~النصائح الإيمانية: فالعفل حجة الله الباطنة والقرآن حجة الله الظاهرة. ~~قال الحرالي: وجاء { هداي } شائعا ليعم رفع الخوف والحزن من تمسك بحق ما ~~من الحق الجامع، وأدناه من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فيما بينه ~~وبين الحق وفيما بينه وبين الخلق - انتهى. # ولما كان الخوف أشد لأنه يزداد بمر الزمان، والحزن يحف، قدمه فقال: { ~~فلا خوف عليهم } أي من شيء آت فإن الخوف اضطراب النفس من توقع فعل ضار - ~~قاله الحرالي. { ولا هم يحزنون } أي على شيء فات، لأنهم ينجون من النار ~~ويدخلون الجنة والحزن كما قال الحرالي: توجع القلب لأجل نازح قد كان في ~~الوصلة به روح، والقرب منه راحة، وجاء في الحزن بلفظ { هم } لاستبطانه، ~~وبالفعل لأنه باد من باطن تفكرهم في فائتهم، وجاء نفي الخوف منعزلا عن ~~فعلهم لأنه من خوف باد عليهم من غيرهم - انتهى. # ولما بشر المؤمنين الذين اتبعوا الهدى أتبعه إنذار الكافرين الذين ~~نابذوه بقوله: { والذين كفروا } قال الحرالي: هذا من أسوأ الكفر لأنه كفر ~~بالآيات التي جعلها الله عز وجل علما على غيب عهده وهي ما تدركه جميع ~~الحواس من السماء والأرض وما بينهما كما قال تعالى: # ومن آياته خلق السماوات والأرض وما بث فيهما من دابة # [الشورى: 29] لأن الحق تعالى أظهر الكون كتابة دالة على أمره وجعل في ~~العقل نورا يقرأ ms0093 به كتابه، فمن لا نور له فهو من أصحاب النار، فهو إما ~~تابع هدى بنور العقل وتنبيه الإيمان، وإما صاحب نار، فقال: { وكذبوا ~~بآياتنا } لأنه لما كان من الذين كفروا بكتاب الخلق من تقبل الإيمان ~~بتنزيل الأمر اختصت كلمة العذاب بالذين تأكد كفرهم بالآيات المرئية ~~بتكذيبهم بالآيات المنزلة، فكفروا بما رأوا فكانوا عميا، وكذبوا بما ~~سمعوا فكانوا صما - انتهى. # والمعنى أنهم جمعوا بالكفر والتكذيب بين إنكار القلوب والألسنة { أولئك ~~} أي البعداء البغضاء { أصحاب النار } وبين اختصاصهم بالخلود بقوله: { ~~هم فيها خالدون } فعليهم الخوف الدائم لما يأتي من أنكالها والحزن الدائم ~~على فوات الجنة، فالآية من الاحتباك، انتفاء الخوف والحزن من الأول دال ~~على وجودهما في الثاني، ووجود النار في الثاني دال على انتفائها ووجود ~~الجنة في الأول، وقد علم من ذلك مع قوله { مستقر ومتاع إلى حين } أنه لا ~~بد من رجوعهم إلى تلك الدار وكيف تكون منازلهم فيها! فكأنه جواب سائل ~~قال: هل بعد هذا الهبوط من صعود؟ قال الحرالي: وقوله: { هم } فيه إشعار ~~بإشراب العذاب بواطنهم وبلاغه إلى أنفسهم بعذاب الغم والحزن واليأس وغير ~~ذلك من إحراق النار بواطنهم، وفيه إشعار بكونهم فيها في الوقت الحاضر من ~~حيث لا يشعرون " الذي يشرب في آنية الذهب إنما يجرجر في بطنه نار جهنم " ~~والنار أقرب إلى أحدهم من شراك نعله. فهم فيها خالدون وإن لم يحسوا في ~~الدنيا بحقيقتها، كما أن المهتدين في جنة في الدنيا وإن لم يشهدوا ~~عيانها، فكل خالد فيما هو فيه في الدنيا غيبا وفي الآخرة عيانا وفي ~~القبر عرضا # لترون الجحيم * ثم لترونها عين اليقين # [التكاثر: 6، 7] # النار يعرضون عليها غدوا وعشيا # [غافر: 46] وهنا انتهى خطاب الفرقان المخصوص بدعوة العرب الذين هم رأس ~~أهل الدعوة المحمدية صلى الله عليه وسلم: # " الناس كلهم تبع لقريش، مؤمنهم لمؤمنهم، وكافرهم لكافرهم " # انتهى. يعني فهم المرادون بهذا بالقصد الأول، وهو شامل لغيرهم، ومراد به ~~ذلك الغير بالقصد الثاني، وهنا آخر الآيات الخاصة بالنعم العامة لجميع ~~بني آدم دالة على التوحيد ms0094 من حيث إنها حادثة فلها محدث، وعلى النبوة من ~~حيث إنه صلى الله عليه وسلم أخبر عنها موافقا لما في التوراة والإنجيل ~~من غير تعلم، وعلى المعاد من حيث إن من قدر على خلقها ابتداء قدر على ~~إعادتها - ذكره الأصفهاني عن الإمام. وفي الآية إشارة إلى الكتاب الذي هو ~~هدى للمتقين المشتمل على الأحرف السبعة التي من أقبل على حرف منها حق ~~الإقبال كفاه، ومن اشتغل عنها بالمتاع الأدنى خسر دنياه وأخراه. # قال الأستاذ أبو الحسن الحرالي في التمهيد لشرط مثال القراءة لحروفه ~~السبعة وعلمها والعمل بها: اعلم أن الله سبحانه خلق آدم بيده ونفخ فيه من ~~روحه ورزقه نورا من نوره، فلأنه خلقه بيده كان في أحسن تقويم خلقا، ~~ولأنه نفخ فيه من روحه كان أكمل حياة قبضا وبسطا، ولأنه رزقه نورا من ~~نوره كان أصفى عقلا وأخلص لبا وأفصح نطقا وأعرب بيانا جمعا وفصلا، ~~وأطلعه على ما كتب من حروف مخلوقاته إدراكا وحسا، وعقله ما أقام من ~~أمره فهما وعلما، ونبهه على ما أودعه في ذاته عرفانا ووجدا؛ ثم جعل ~~له فيما سخر له من خلقه متاعا وأنسا فأناسه وردده من بين إقبال وإدبار ~~وقبول وإعراض، فمن شغل بالاستمتاع الأدنى عن الاطلاع الأعلى كان سفيها، ~~ومن شغله الاطلاع الأعلى عن الاستمتاع الأدنى كان حنيفا # الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري # [الكهف: 101] # ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه # [البقرة: 130] # إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا # [النحل: 120]. ولما كان متاع الخلق في الأرض إلى حين وشغل أكثرهم أكلهم ~~وتمتعهم وألهاهم أملهم عن حظهم من الحنيفية بما أوتي العقل من التبليغ عن ~~الله نظرا واعتبارا اصطفى الله سبحانه من الحنفاء منبهين على النظر ~~الذي اشتغل عنه المعرضون وأنف منه واستكبر عنه المدبرون، وأكدوا تنبيههم ~~بما أسمعوهم من نبأ ما وراء يوم الدنيا من أمر الله في اليوم الآخر وما ~~تتمادى إليه أيام الله، وذكروهم بما مضى من أيام الله، وأنزل الله سبحانه ~~معهم كتبا يتلونها عليهم ms0095 ويبينونها لهم علما وعملا وحالا، فقبل ما ~~جاؤوا به وصدقه واستبشر به الحنيفيون وأنذر به المدبرون والمعرضون، فمنهم ~~من آمن ومنهم من كفر، آمن من تنبه للنظر والاعتبار وألقى السمع وهو شهيد، ~~وكفر من آثر متاعه بالعاجلة التي تراها الأعين على وعد الله ووعيده في ~~الآجلة التي إنما يعيها القلب وتسمعها الأذن، وكما شغل المدعوين إلى ~~الإسلام كفرهم ودنياهم كذلك شغل المولدين في الإسلام غفلتهم ودنياهم ~~ولعبهم في صباهم ولهوهم في شبابهم وتكاثرهم في الأموال في اكتهالهم ~~وتكاثرهم في الأولاد في شياخهم، فاشترك المدعو إلى الإسلام والمولد فيه ~~الغافل في عدم الإقبال والقبول في ترك الاهتمام في الآجلة واختصارهما على ~~الاهتمام بالعاجلة، وكلاهما جعل القرآن وراء ظهره المدعو لفظا وعلما ~~والمولد الغافل علما وعملا، فلم يسمعه المدعو ولم يفهمه الغافل فجعله ~~بالحقيقة وراء ظهره، ومن جعل القرآن خلفه ساقه إلى النار، وإنما جعله ~~أمامه من قرأه علما وحالا وعملا، ومن جعل القرآن أمامه قاده إلى ~~الجنة؛ ولما قامت الحجة عليهم بقراءته إذا لم يجاوز حناجرهم كانوا أشد من ~~الكفار عذابا في النار - أكثر منافقي أمتي قراؤها، # إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار # [النساء: 145] فإذا لا بد في قراءة القرآن من تجديد إقبال وتهيؤ ~~لقبول وتحقيق تقوى لأنه إنما هو هدى للمتقين، وإجماع على الاهتمام، وكما ~~أن أمور الدنيا لا تحصل لأهلها إلا على قدر عزائمهم واهتمامهم فأحرى أن ~~لا يحصل أمر الأخرى إلا بأشد عزيمة وأجمع اهتمام، فلا يقرأ القرآن من لم ~~يقبل عليه بكلية ظاهره ويجمع اهتمامه له بكلية باطنه # وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء # [الأعراف: 145] فخذها بقوة # يا يحيى خذ الكتاب بقوة # [مريم: 13] # فاستقم كما أمرت ومن تاب معك # [هود: 112] فشرط منال قراءته اهتمام القلب بتفهمه وإقبال الحس على ~~استماعه وتدبره؛ ولكل حرف شرط يخصه - انتهى. # ولما أقام سبحانه دلائل التوحيد والنبوة والمعاد أولا وعقبها بذكر ~~الإنعامات العامة داعيا للناس عامة لا سيما بني إسماعيل العرب الذين هم ~~قوم الداعي صلى ms0096 الله عليه وسلم وكان أحق من دعي بعد الأقارب وأولاه ~~بالتقدم أهل العلم الذين كانوا على حق فزاغوا عنه ولا سيما إن كانت لهم ~~قرابة لأنهم جديرون بالمبادرة إلى الإجابة بأدنى بيان وأيسر تذكير، فإن ~~رجعوا اقتدى بهم الجاهل فسهل أمره وانحسم شره، وإن لم يرجعوا طال جدالهم ~~فبان للجاهل ضلالهم فكان جديرا بالرجوع والكف عن غيه والنزوع، وعرفت من ~~تمادي الكلام معهم الأحكام وبان الحلال والحرام؛ فلذلك لما فرغ من دعوة ~~العرب الجامعة لغيرهم باختصار وختم بأن وعد في اتباع الهدى وتوعد شرع ~~سبحانه يخص العلماء من المنافقين بالذكر وهم من كان أظهر الإسلام من أهل ~~الكتاب على وجه استلزم عموم المصارحين منهم بالكفر، إذ كانوا من أعظم من ~~خص بإتيان ما أشار إليه من الهدى والبيان بما فيه الشفاء، وكان كتابهم ~~المشتمل على الهدى من أعظم الكتب وأشهرها وأجمعها فقص عليهم ما مثله ~~يلين الحديد ويخشع الجلاميد فقال تعالى مذكرا لهم بنعمه الخاصة بهم: { ~~يا بني إسرائيل } ويجوز أن تقرر المناسبات من أول السورة على وجه آخر ~~فيقال: لما كان الكفار قسمين: قسم محض كفره، وقسم شابه بنفاق وخداع، وكان ~~الماحض قسمين: قسم لا علم له من جهة كتاب سبق وهم مشركو العرب، وقسم له ~~كتاب يعلم الحق منه، ذكر تعالى قسم الماحض بما يعم قسميه العالم والجاهل ~~فقال: { إن الذين كفروا سواء عليهم } إلى آخره. ثم أتبعه قسم المنافق، ~~لأنه أهم بسبب شدة الاختلاط بالمؤمنين وإظهارهم أنهم منهم ليكونوا من ~~خداعهم على حذر، فقال: { ومن الناس من يقول آمنا } إلى آخره؛ ولما فرغ من ~~ذلك ومما استتبعه من الأمر بالوحدانية وإقامة دلائلها وإفاضة فضائلها، ~~ومن التعجيب ممن كفر مع قيام الدلائل، والتخويف من تلك الغوائل، ~~والاستعطاف بذكر النعم، شرع في ذكر قسم من الماحض هو كالمنافق في أنه ~~يعرف الحق ويخفيه فالمنافق ألف الكفر ثم أقلع عنه وأظهر التلبس بالإسلام ~~واستمر على الكفر باطنا، وهذا القسم كان على الإيمان بهذا النبي قبل ~~دعوته، فلما دعاهم محوا الإيمان ms0097 الذي كانوا متلبسين به وأظهروا الكفر ~~واستمرت حالتهم على إظهار الكفر وإخفاء المعرفة التي هي مبدأ الإيمان، ~~فحالهم كما ترى أشبه شيء بحال المنافقين، ولهذا تراهم مقرونين بهم في ~~كثير من القرآن، وأخرهم لطول قصتهم وما فيها من دلائل النبوة وأعلام ~~الرسالة بما أبدى مما أخفوه من دقائق علومهم، فإن مجادلة العالم ترسل في ~~ميادين العلم أفراس الأفكار فتسرع في أقطار الأوطار حتى تصير كالأطيار ~~وتأتي ببدائع الأسرار، ولقد نشر سبحانه في غضون مجادلتهم وغضون محاورتهم ~~ومقاولتهم من الجمل الجامعة في شرائع الدين التي فيها بغية المهتدين ما ~~أقام البرهان على أنه هدى للعالمين؛ هذا إجمال الأمر، وفي تفاصيله كما ~~سترى من بدائع الوصف أمور تجل عن الوصف، تذاق بحسن التعليم ويشفى عي ~~جاهلها بلطيف التكليم - والله ولي التوفيق والهادي إلى أقوم طريق. # وقال الحرالي: ثم أقبل الخطاب على بني إسرائيل منتظما بابتداء خطاب ~~العرب من قوله: { يا أيها الناس } وكذلك انتظام القرآن إنما ينتظم رأس ~~الخطاب فيه برأس خطاب آخر يناسبه في جملة معناه وينتظم تفصيله بتفصيله، ~~فكان أول وأولى من خوطب بعد العرب الذين هم ختام بنو إسرائيل الذين هم ~~ابتداء بما هم أول من أنزل عليهم الكتاب الأول من التوراة التي افتتح ~~الله بها كتبه تلو صحفه وألواحه. ثم قال: لما انتظم إقبال الخطاب على ~~العرب التي لم يتقدم لها هدى بما تقدمه من الخطاب للنبي صلى الله عليه ~~وسلم انتظم بخطاب العرب خطاب بني إسرائيل بما تقدم لها من هدى في وقتها # إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور # [المائدة: 44] وبما عهد إليها من تضاعف الهدى بما تقدم لها في ارتقائه ~~من كمال الهدى بمحمد صلى الله عليه وسلم وبهذا القرآن، فكان لذلك الأولى ~~مبادرتهم إليه حتى يهتدي بهم العرب ليكونوا أول مؤمن بما عندهم من علمه ~~السابق - انتهى. ### || [2.40-42] # وابتدأ سبحانه بتذكيرهم بما خصهم به عن النوع الآدمي من النعم التي ~~كانوا يقابلونها بالكفران وما عاملهم به من إمهالهم على مرتكباتهم ~~ومعاملتهم بالعفو والإقالة مما يبين ms0098 سعة رحمته وعظيم حلمه، وابتدأ من ~~أوامرهم بالإيفاء بالعهود التي من أعظمها متابعة هذا النبي الكريم ~~والإيمان بكتابه الذي نفى عنه الريب فقال: { يا بني إسرائيل } أي الذي ~~شرفته وشرفت بنيه من أجله { اذكروا } من الذكر بالكسر والضم بمعنى واحد ~~يكونان باللسان وبالجنان، وقال الكسائي: هو بالكسر باللسان وبالضم ~~بالقلب، والذي بالقلب ضده النسيان، والذي باللسان ضده الصمت - نقله ~~الأصفهاني. وقال الحرالي: من الذكر وهو استحضار ما سبقه النسيان. { نعمتي ~~} وهي إنالة الشخص ما يوافق نفسه وبدنه وعند المتفطن ما يوافق باطنه ~~وظاهره مما بين قلبه وشعوبه من أهله وحشمه { التي } تي منها إشارة لباطن ~~نازل متخيل مبهم تفسره صلته بمنزلة ذي وال منها إشارة لذلك المعنى ~~بالإشارة المتخيلة - انتهى { أنعمت } أي بها ودللت على شرفها بإضافتها ~~إلى { عليكم } وتلك النعمة الشريفة هي الإتيان بالهدى من الكتب والرسل ~~الذي استنقذتكم به من هوان الدنيا والآخرة { وأوفوا } من الوفاء وهو عمل ~~لاحق بمقتضى تقدم علم سابق - قاله الحرالي. { بعهدي } أي الذي أخذته ~~عليكم في لزوم ما أنزل إليكم من متابعة نبيكم ومن آمركم باتباعه من ~~بعده، والعهد التقدم في الشيء خفية اختصاصا لمن يتقدم له فيه - قاله ~~الحرالي، وقال الأصفهاني: حفظ الشيء ومراعاته حالا فحالا، قال الخليل: ~~أصله الاحتفاظ بالشيء وإجداد العهد به، { أوف بعهدكم } أي في جعلكم ممن ~~لا خوف عليهم ولا حزن بسعة العيش والنصر على الأعداء كما يأتي عن نص ~~التوراة في مظانه من هذا الكتاب { وإياي } أي خاصة { فارهبون } أي ولا ~~تزلوا اجعلكم في مصير الكافرين بعد الضرب بأنواع الهوان في الدنيا، ~~والرهب حذر النفس مما شأنها منه الهرب لأذى تتوقعه، وخوطبوا بالرهبة ~~لاستبطانها فيما يختص لمخالفة العلم، قال الحرالي: وأطال سبحانه في ~~حجاجهم جريا على قانون النظر في جدال العالم الجاحد وخطاب المنكر ~~المعاند، وفي قوله تعالى: { وآمنوا بما أنزلت } أي أوجدت إنزاله { مصدقا ~~لما معكم } تقرير لذلك الكتاب لا ريب فيه، وأمروا كما قال الحرالي تجديد ~~الإيمان بالقرآن لما فيه من إنباء بأمور من المغيبات ms0099 التي لم تكن في ~~كتابهم كتفاصيل أمور الآخرة التي استوفاها القرآن، لأنه خاتم ليس وراءه ~~كتاب ينتظر فيه بيان، وقد أبقى لكل كتاب قبله بقية أحيل فيها على ما بعده ~~- ليتناءى البيان إلى غاية ما أنزل به القرآن حين لم يعهد إليهم إلا في ~~أصله على الجملة - انتهى. وفي قوله: { ولا تكونوا أول كافر به } معنى ~~دقيق في تبكيتهم وأمر جليل من تعنيفهم وذلك أنه ليس المراد من { أول } ~~ظاهر معناه المتبادر إلى الذهن فإن العرب كثيرا ما تطلق الأول ولا تريد ~~حقيقته بل المبالغة في السبق، كما قال مقيس بن صبابة وقد قتل شخصا من ~~الصحابة رضوان الله عليهم كان قتل أخاه خطأ ورجع إلى مكة مرتدا. # حللت به وتري وأدركت ثؤرتي # وكنت إلى الأوثان أول راجع # هذا في جانب الإثبات، فإذا نفيت ناهيا فقلت: لا تكن أول فاعل لكذا، ~~فمعناه إنك إن فعلت ذلك لم تكن صفتك إلا كذلك، فهو خارج مخرج المبالغة في ~~الذم بما هو صفة المنهي فلا مفهوم له، وعبر به تنبيها على أنهم لما ~~تركوا اتباع هذا الكتاب كانوا لما عندهم من العلم بصحته في غاية اللجاجة ~~فكان عملهم في كفرهم وإن تأخر عمل من يسابق شخصا إلى شيء، أو يكون ~~المعنى أنهم لم يمنعهم من الإيمان به جهل بالنظر ولا عدم إطلاع على ما ~~أتى به أنبياؤهم من البشر بل مجرد الحسد للعرب أن يكون منهم نبي المستلزم ~~لحسد هذا النبي بعينه، لأن الحكم على الأعم يستلزم الحكم على الأخص بما ~~هو من أفراد الأعم. فصارت رتبة كفرهم قبل رتبة كفر العرب الجاهلين به أو ~~الحاسدين له صلى الله عليه وسلم بخصوصه لا لعموم العرب، فكان أهل الكتاب ~~أول كافر به لا يمكن أن يقع كفرهم إلا على هذا الوجه الذي هو أقبح ~~الوجوه، فالمعنى لا تكفروا به، فإنه إن وقع منكم كفر به كان أول كفر، لأن ~~رتبته أول رتب الكفر الواقع ممن سواكم فكنتم أول كافر فوقعتم في أقبح ~~وجوه الكفر، ms0100 ولذا أفرد ولم يقل: كافرين - والله أعلم. # ولما نهاهم عن الكفر بالآيات نهاهم عن الحامل عليه لقوله: { ولا تشتروا ~~} أي تتكلفوا وتلحوا في أن تستبدلوا { بآياتي } أي التي تعلمونها في ~~الأمر باتباع هذا النبي الكريم { ثمنا قليلا } وهو رياسة قومكم وما ~~تأخذونه من الملوك وغيرهم على حمل الشريعة، والقلة ما قصر عن الكفاية - ~~قاله الحرالي. { وإياي } أي خاصة { فاتقون } أي اجعلوا لكم وقاية من ~~إنزال غضبي، فالتقوى نتيجة الرهبة كما أن هذه الأفعال نتيجة ما في آية ~~الرهبة، { ولا تلبسوا } واللبس إبداء الشيء في غير صورته، ومنه اللباس ~~لإخفائه الأعضاء حتى لا تبين هيئتها - قاله الحرالي: { الحق } أي ما ~~تقرون به على ما هو عليه من التوراة والإنجيل مما لا غرض لكم في تبديله { ~~بالباطل } مما تحرفونه منهما، والحق قال الحرالي ما يقر ويثبت حتى يضمحل ~~مقابله، فكل زوجين فأثبتهما حق وأذهبهما باطل، وذلك الحق فالباطل هو ما ~~أمد إدالته قصير بالإضافة إلى طول أمد زوجه القار - انتهى. # ولما كان اللبس قد يفارق الكتمان بأن يسأل شخص عن شيء فيبديه ملتبسا ~~بغيره أو يكتمه وهو عالم به قال: { وتكتموا الحق } أي عمن لا يعلمه { ~~وأنتم تعلمون } أي مكلفون، وجعله الحرالي على ظاهره فقال: لما طلبهم ~~تعالى بالوفاء بالعهد نهاهم عن سوء العمل وما لبسوا به الأمر عند اتباعهم ~~من ملتهم وعند من استرشدهم من العرب، فلبسوا باتباعهم حق الإيمان بموسى ~~عليه الصلاة والسلام والتوراة بباطل ما اختذلوه من كتابهم من إثبات ~~الإيمان لمحمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن، فكتموا الحق التام الجامع ~~ولبسوا الحق الماضي المعهود بالباطل الأعرق الأفرط، لأن باطل الحق الكامل ~~باطل مفرط معرق بحسب مقابله، وعرفهم بأن ذلك منهم كتمان شهادة عليهم ~~بعلمهم بذلك إفهاما، ثم أعقبه بالشهادة عليهم بالعلم تصريحا - انتهى. # وفي هذه الآية أعظم زاجر لأهل الكتاب عما أظهروا فيه من العناد، ومن لطف ~~الله تعالى زجر القاسي البعيد ونهي العاصي القلق إلى ما دون ذلك من تنبيه ~~الغافل وزيادة الكامل. قال الإمام أبو الحسن ms0101 الحرالي في كتاب العروة: وجه ~~إنزال هذا الحرف - يعني حرف النهي - كف الخلق عما يهلكهم في أخراهم وعما ~~يخرجهم عن السلامة في موتهم وبعثهم مما رضوا به واطمأنوا إليه وآثروه من ~~دنياهم، فمتوجهه للمطمئن بدنياه المعرض عن داعيه إلى اجتناب ما هو عليه ~~يسمى زجرا، ومتوجهه للمتلفت المستشعر ببعض الخلل فيما هو عليه يسمى ~~نهيا، وهما يجتمعان في معنى واحد ومقصود واحد إلا أنه متفاوت، ولذلك ~~رددهما النبي صلى الله عليه وسلم على المعنى الجامع في هذا الحديث يعني ~~المذكور أول البقرة، وأولاهما بالبدئية في الإنزال الزجر لأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم إنما بعثه الله حين انتهى الضلال المبين في الخلق ونظر ~~الله سبحانه إلى جميع أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل ~~الكتاب، كما ورد في الحديث الصحيح إسنادا ومتنا، ولذلك كان أول منزل ~~الرسالة سورة # يا أيها المدثر * قم فأنذر * وربك فكبر * وثيابك فطهر * والرجز فاهجر* # [المدثر: 1-5] وهي أول قوارع الأمر كما أن فجاءة الساعة أول قوارع ~~الخلق، ولذلك انتظم فكرهما في قوله تعالى: # فإذا نقر في الناقور * فذلك يومئذ يوم عسير * على الكافرين غير يسير* # [المدثر: 8-10] وللمزجور حالان إما أن ينفر عند الزجرة توحشا كما قال ~~تعالى: # كأنهم حمر مستنفرة * فرت من قسورة * # [المدثر: 50-51] وإما أن يدبر بعد فكره تكبرا كما قال تعالى: # ثم نظر * ثم عبس وبسر * ثم أدبر واستكبر # [المدثر: 21-23] وربما شارف أن يبصر فصرف، قال عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه: لكنها عقول كادها باريها # سأصرف آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا ~~يؤمنوا بها # [الأعراف: 146] صرفوا عن آيات الحق السماوية على ظهورها عقوبة على ذنب ~~تكبرهم على الخلق مع الإحساس بظهور آية انضمام الأرحام في وضوحها وكل ~~قارعة لنوعي الكافرين النافرين والمدبرين من هذا الحرف وتمام هذا المعنى ~~ينهى المتأنس المحاصر عن الفواحش الظاهرة والباطنة الضارة في العقبى وإن ~~تضرروا بتركها في الدنيا نحو قوله تعالى: { ولا تقربوا } في أكل مال ms0102 ~~اليتيم والزنا وإتيان الحائض - إلى ما دون ذلك من النهي عما يعدونه في ~~دنياهم كيسا، نحو قوله: # ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل # [البقرة: 188] # ولا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة # [آل عمران: 13] # ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا # [الحجرات: 12] و # لا يسخر قوم من قوم # [الحجرات: 11] وما لحق بهذا النمط - إلى ما دون ذلك على اتصال التفاوت ~~من النهي عن سوء التأويل لطية غرض النفس نحو قوله تعالى: # ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا # [النساء: 94] إلى ما دون ذلك من النهي عما يقدح في الفضل وإن كان من حكم ~~العدل نحو قوله تعالى: # ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين ~~والمهاجرين في سبيل الله # [النور: 22] إلى تمام ما لا تحصل السلامة إلا به من النهي عما زاد على ~~الكفاف والبلغة في الدنيا الذي به يصح العمل بالحكمة نحو قوله تعالى: # ولا تمش في الأرض مرحا # [الإسراء: 37] إلى قوله: # ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة # [الإسراء: 39]، ونحو قوله تعالى: # ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا ~~لنفتنهم فيه # [طه: 131]، لأن كل زائد على الكفاف فتنة، وهذا هو أساس ما به تتفاوت ~~درجات العلم في الدنيا ودرحات الجنة في الآخرة، ولا تصح الوجوه والحروف ~~التي بعده أي وهي سائر الحروف علما وعملا وثباتا وقبولا عند التمحيص ~~إلا بحسب الإحكام في قراءة هذا الحرف وجمعه وبيانه لأنه ظهور لما بعده من ~~صلات حرف الأمر وما قصر بعشرات فرق الأمة إلى التقصير في حرف النهي، لأن ~~الملة الحنيفية مبنية على الاكتفاء باليسير من المأمورات والمبالغة في ~~الحمية من عموم ما لا يتناهى من المنهيات لكثرة مداخل الآفات منها على ~~الخلق فيما بعد الموت ويصعب هذا الحرف على الخلق بما استقر في أوهامهم أن ~~دنياهم لا تصلح إلا بالمثابرة على صنوف المنهيات لنظرهم لجدواها في ~~الدنيا وعماهم عن وبالها في الأخرى وما حوفظ على الرياضات والتأديبات ~~والتهذيبات إلا بوفاء الحمية منها، ms0103 والحمية أصل الدواء، فمن لم يحتم عن ~~المنهيات لم ينفعه تداويه بالمأمورات، كالذي يتداوى ولا يحتمي يخسر ~~الدواء ويتضاعف الداء # هل أنبئكم بالأخسرين أعمالا * الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم ~~يحسبون أنهم يحسنون صنعا* # [الكهف: 103، 104] وجاؤوا بحسنات كالجبال وكانوا يصومون ويصلون ويأخذون ~~وهنا من الليل لكن ذلك تداو بغير حمية لما لم يحتموا من الدنيا التي ~~نهوا عن زهرتها، فكانوا إذا لاحت لهم وثبوا عليها فيصيبون منها الشهوات ~~ويعملون المعصيات فلم ينفعهم المداواة، فمن احتمى فقد قرأ هذا الحرف وهو ~~حسبه فاقرؤوا ما تيسر منه، أحب العبادات إلى الله ترك الدنيا وحمية النفس ~~من هوى جاهها ومالها " بل نبيا عبدا " " أجوع يوما وأشبع يوما " # " ومن رغب عن سنتي فليس مني " # ، والقرآن حجة لمن عمل به فصار إمامه يقوده إلى الجنة. وحجة على من لم ~~يعمل به يصير خلفه فيسوقه إلى نار الجبة التي في جب وادي جهنم التي ~~تستعيذ جهنم منها والوادي والجب في كل يوم سبع مرات # ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا # [الشورى: 52] # يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا # [البقرة: 26] { ولا يزيد الظالمين إلا خسارا*] [الإسراء: 82] # " أعوذ بعفوك من عقوبتك، وبرضاك من سخطك، وبك منك، لا أحصي ثناء عليك ~~أنت كما أثنيت على نفسك ". # ثم قال فيما تحصل به قراءة حرف النهي: اعلم أن الموفي بقراءة حرفي ~~الحلال والحرام المنزلين لإصلاح أمر الدنيا وتحسين حال الجسم والنفس تحصل ~~له عادة بالخير تيسر عليه قراءة حرفي صلاح الآخرة من الأمر والنهي، ولما ~~اقتضت الحكمة والعلم إقامة أمر الدنيا بقراءة حرفي صلاحها تماما اقتضى ~~الإيمان بالغيب وتصديق الوعد والوعيد تجارة اشتراء الغيب الموعود من عظيم ~~خلاق الأخرى بما ملك العبد من منقود متاع الدنيا، فكل الحلال ما عدا ~~الكفاف بالسنة متجر للعبد، إن أنفقه ربحه وأبقاه فقدم عليه، وإن استمتع ~~به أفناه فندم عليه # فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم # [التوبة: 69] # لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين* # [المنافقون: 10] # لن ms0104 تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون # [آل عمران: 92] ذلك مال رابح ذلك مال رابح، وكما أن حرف الحلال موسع ~~ليحصل به الشكر فحرف النهي مضيق لمتسع حرف الحلال ليحصل به الصبر ليكون ~~به العبد شاكرا صابرا، فالذي يحصل به قراءة حرفي النهي أما من جهة ~~القلب ورؤيا الفؤاد فمشاهدة البصيرة لموعود الجزاء حتى كأنه ينظر إليه ~~لترتاح النفس بخيره وترتاع من شره، كما قال حارثة: " كأني أنظر إلى أهل ~~الجنة في الجنة ينعمون وإلى أهل النار في النار يعذبون " فأثمر له ذلك ما ~~أحبر به عن نفسه في قوله: # " وعزفت نفسي عن الدنيا فاستوى عندي ذهبها وخزفها " # وخصوصا من أيد بالمبشرات من الرؤيا الصالحة والكشف الصادق ليدع الفاني ~~للباقي على يقين ومشاهدة، وأما من جهة حال النفس فالصبر بحبسها عما ~~تشتهيه طبعا مما هو محلل لها شرعا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لعمر رضي الله عنه لما رثى لحاله: # " أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟ " # واستعينوا بالصبر # ، [البقرة: 45] وصبر النفس عن شهواتها وإن كانت حلالا هو حقيقة ~~تزكيتها، وقتلها بإضنائها منها هو حياتها، وإطلاقها ترتع في شهواتها هو ~~تدسيتها، # قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها* # [الشمس: 9-10] والنفس مطية يقويها إنضاؤها، ويضعفها استمتاعها، وحبسها ~~عن ذلك شائع في جهات وجوه الحلال كلها إلا في شيئين: في النساء بكلمة ~~الله، لأنهم من ذات نفس الرجال ولسن غيرا لهم # هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها # [الأعراف: 189] و # أتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا # [النساء: 20] والثاني في الطيب، لأنه غذاء للروح وتقوية للحواس ونسمة من ~~باطن الملكوت إلى ظاهر الملك، وما عداهما فالاستمتاع به واتباع النفس ~~هواها فيه علامة تكذيب وعد الرحمن وتصديق وعد الشيطان # وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون # [النحل: 26] # يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا # [النساء: 120] هذا من جهة النفس، وأما من جهة العمل وتناول اليد فرفعها ~~عما زاد على الكفاف وتخليته لذوي ms0105 الحاجة ليتخذوه معاشا، وأن يكون التمول ~~من غير القوام تجارة نقل وضرب في الأرض وإرصاد لوقت حاجة لا حكرة ~~وتضييقا، اتخاذ أكثر من لبستين للمهنة والجمعة علامة لضعف الإيمان وخلاف ~~السنة وانقطاع عن آثار النبوة وعدول عن سنة الخلفاء وترك لشعار الصالحين، ~~وكذلك تصفية لباب الطعام وقصد المستحسن في الصورة دون المستحسن في العلم ~~وإيثار الطيب في المطعم على الطيب في الورع وتكثير الأدم وتلوين ~~الأطعمة، وكذلك اتخاذ أكثر من مسكن واحد وأكثر من مزدرع كاف ورفع البناء ~~والاستشراف بالمباني، امتنع النبي صلى الله عليه وسلم من رد السلام على ~~رجل اتخذ قبة في المدينة حتى هدمها وسواها مع بيوت أهل المدينة، وإنما ~~الدنيا للمؤمن سجن إن شعر به وضيق فيه على نفسه طلبت السراح منه إلى ~~الآخرة فيسعد، وإن لم يشعر بأنها سجن فوسع فيها على نفسه طلب البقاء فيها ~~وليست بباقية، والخيل ثلاثة: أجر للمجاهد، ووزر على المباهي، وعفو ~~للمستكفي بها فيما يعنيه من شأنه، والزيادة على الكفاف من النعم السائمة ~~انقطاع عن آثار النبوة وتضييق على ذوي الحاجة وتمول لما وضع لإقامة ~~المعاش وأن يتخذ منه الكفاف، قال صلى الله عليه وسلم: # " لنا غنم مائة لا نريد أن تزيد، فإذا ولد الراعي بهمة ذبحنا مكانها ~~شاة " # والطعام لا يتمول وكذلك ما اتخذ للقوام لا يحتكره إلا خاطىء # " من احتكر طعاما أربعين يوما فقد برىء من الله وبرىء الله منه " # فالأمتعة تجلب وتختزن ويستنمى فيه الدينار والدراهم، والطعام والقوام ~~يجلب ولا يختزن فيستنمى فيه الدينار والدرهم، ومن اختزنه يستنمي فيه ~~الدينار والدرهم فقد احتكره، وما منع فيه من مد العين فأحرى أن يمنع فيه ~~مد اليد # لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا # [الحجر: 88] الآيتين، فبهذه الأمور من إيمان القلب ورؤية الفؤاد وصبر ~~النفس وكف اليد عن الانبساط في التمول فيما به القوام تحصل قراءة حرف ~~النهي، والله ولي التأييد - انتهى. ### || [2.43-50] # ولما فرغ سبحانه من أمر أهل الكتاب بالإيمان بالله والنبي والكتاب الذي ~~هو من الهدى ms0106 الآتي إليهم المشار إلى ذلك كله بالإيفاء بالعهد عطف بقوله: ~~{ وأقيموا الصلاة } أي حافظوا على العبادة المعهود بها في كل يوم بجميع ~~شرائطها وأركانها { وآتوا الزكاة } أي المفروضة في كل حول لتجمعوا أوصاف ~~المتقين المهديين بهذا الكتاب # الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون # [البقرة: 3] المحسنين بذلك فيما بينهم وبين الحق وفيما بينهم وبين ~~الخلق، وهاتان العبادتان إما العبادات البدنية والمالية فخصا بالذكر، لأن ~~من شأنهما استجرار سائر العبادات واستتباعها، والزكاة قال الحرالي نماء ~~في ظاهر حس وفي باطن ذات نفس، { واركعوا } من الركوع وهو توسط بين قيام ~~وسجود يقع في ظاهر من القامة وفي حال من القلب، تخص به الأمة المتوسطة ~~الجامعة للطرفين { مع } معناه الصحبة من الأعلى بالحياطة، ومن الأدنى ~~بحسن التبع، ومن المماثل بحسن النصفة - انتهى. وقوله: الراكعين * مع ~~مصحوبه تأكيد لأمر الصلاة وأمر بالكون في هذا الدين مع الذين اتبعوا ~~محمدا صلى الله عليه وسلم، فإن صلاة اليهود لا ركوع فيها، كما سيأتي ~~بيانه في سورة آل عمران إن شاء الله تعالى. # وقال الحرالي: والمتسق بذلك أي بما مضى خطاب إفهام يفهمه عطف إقامة ~~الصلاة التي هي تلو الإيمان، فكأن خطاب الإفهام: فارجعوا واستدركوا ~~وأعلنوا بما كتمتم وبينوا ما لبستم وانصحوا من استنصحكم وأقيموا وجهتكم ~~لله بالصلاة وتعطفوا على الأتباع بعد تعليمهم بالزكاة وكملوا صلاتكم بما ~~به كمال الصلاة من الركوع العدل في الفعل بين حال قيام الصلاة وسجودها ~~المظهر آية عظمة الله مع الراكعين الذين هم العرب الذين وضعت أول صلاتهم ~~على كمال - انتهى. ويجوز أن يكون المراد بالركوع الصلاة، عبر عنها به لما ~~ذكر من خصوص هذه الأمة به، فكأنه قيل: وصلوا مع المصلين جماعة، لمزيد ~~التوصية بالجماعة. # ولما أمر علماءهم بما تركوا من معالي الأخلاق من الإيمان والشرائع بعد ~~أمرهم بذكر ما خصهم به من النعم، ونهاهم عما ارتكبوا من سفسافها من كفر ~~النعم ونقض العهود وما تبع ذلك وكانوا يأمرون غيرهم بما يزعمون أنه تزكية ~~وينهونه عما يدعون أنه تردية، أنكر ms0107 عليهم ترغيبا فيما ندبهم إليه وحثهم ~~عليه وتوبيخا على تركه بقوله: { أتأمرون } من الأمر وهو الإلزام بالحكم ~~- قاله الحرالي { الناس بالبر } وهو التوسع في أفعال الخير { وتنسون } ~~والنسيان السهو الحادث بعد حصول العلم، { أنفسكم } أي تتركون حملها على ~~ذلك ترك الناسي، ولعله عبر به زيادة في التنفير عن هذا الأمر الفظيع الذي ~~دل العقل دلالة بينة على فحشه، لأن المقصود من أمر الغير بالبر النصيحة ~~أو الشفقة، وليس من العقل أن يشفق الإنسان على غيره أو ينصح غيره وينسى ~~نفسه، والظاهر أن المراد به حكم التوراة، كانوا يحملون عوامهم عليه وهم ~~يعلمون دون العوام أن من حكم التوراة اتباع محمد صلى الله عليه وسلم، فقد ~~نسوا أنفسهم من الأمر بأساس البر الذي لا يصح منه شيء إلا به. # وقال الحرالي: ولما كان فيهم من أشار على من استهداه بالهداية لاتباع ~~محمد صلى الله عليه وسلم ولم يهدوا أنفسهم لما أرشدوا إليه غيرهم أعلن ~~تعالى عليهم بذلك نظما لما تقدم من نقض عهدهم ولبسهم وكتمهم بما ظهر من ~~نقص عقولهم في أن يظهر طريق الهدى لغيره ولا يتبعه فأخرجهم بذلك عن حد ~~العقل الذي هو أدنى أحوال المخاطبين، وزاد في تبكيتهم بجملة حالية حاكية ~~تلبسهم بالعلم والحكمة الناهية عما هم عليه فقال: { وأنتم تتلون الكتاب } ~~من التلاوة، وهو تتبع قول قائل أول من جهة أوليته - قاله الحرالي. وهذه ~~الجملة الحالية أعظم منبه على أن من حكم التوراة اتباعه صلى الله عليه ~~وسلم، ومشير إلى أن المعصية من العالم أقبح. قال الحرالي: فيه إشعار بأن ~~أمر النبي صلى الله عليه وسلم في منطوق تلاوته ليس في خفي إفهامه، فكان ~~في ذلك خروج عن حكم نور العقل - انتهى. # ولما كان هذا في كتابهم وهم به يأمرون وعنه معرضون سبب سبحانه عنه ~~الإنكار في قوله: { أفلا } أي أتتلونه فلا { تعقلون } إشارة إلى أن ما هم ~~عليه من هذا لا يفعله ذو مسكة، والعقل إدراك حقائق ما نال الحس ظاهره - ~~قاله الحرالي. سمي عقلا لأنه ms0108 يعقل عن التورط في الهلكة. # ولما أنكر عليهم اتباع الهوى أرشدهم إلى دوائه بأعظم أخلاق النفس وأجل ~~أعمال البدن فقال عاطفا على ما مضى من الأوامر. وقال الحرالي: فكأنهم ~~إنما حملهم على مخالفة حكم العقل ما تعودت به أنفسهم من الرياسة والتقدم ~~فلما في ذلك عليهم من المشقة أن يصيروا أتباعا للعرب بعد ما كانوا يرون ~~أن جميع الأرض تبع لهم نسق بخطابهم في ذلك الأمر بالاستعانة بالصبر الذي ~~يكره أنفسهم على أن تصير تابعة بعد أن كانت متبوعة فقال تعالى - انتهى. ~~{ واستعينوا } أي على إظهار الحق والانقياد له وهو معنى ما مضى من ~~الأوامر والنواهي { بالصبر } أي على مخالفة الهوى، والصبر حبس النفس عن ~~حاجتها وعادتها وعلى إصلاحها وتزكيتها، هو ضياء للقلوب تبصر به ما يخفيه ~~عنها الجزع من الخروج عن العادة فيما تنزع إليه الأنفس - قاله الحرالي. ~~وهو عام في كل صبر الصوم وغيره، { والصلاة } أي الموصلة إلى المقام ~~الأعلى، وفيه التفات إلى # وإياك نستعين # [الفاتحة: 5] وإشارة إلى أن من لم تنهه صلاته عن ركوب الباطل والتمادي ~~فيه وتأمره بلزوم الحق والرجوع إليه فليس بمصل، فكأن المراد بالصبر ~~تخليص النفس من أشراك الهوى وقسرها على الإخلاص، فمن صلى على هذه الصفة ~~كان لا محالة من الناجين؛ وثنى بالصلاة لأنها استرزاق يغنيهم عن اشتراء ~~ثمن كانوا يأخذونه من أتباعهم في اللبس والكتمان # وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسئلك رزقا نحن نرزقك # [طه: 132] قال الحرالي. ويصح أن يراد بها الدعاء، فمن صبر عن الدنايا ~~وعلى المكاره وأنهى صبره إلى الصوم فأزال عنه كدورات حب الدنيا وأضاف إلى ~~ذلك الصلاة استنار قلبه بأنواع المعارف، فإذا ضم إلى ذلك الدعاء ~~والالتجاء إلى الله تعالى بلغ نهاية البر. # ولما أمر ونهى بما ختمه بالصلاة حث على التفاؤل لعظمته سبحانه بتخصيصها ~~بالضمير فقال: { وإنها لكبيرة } أي ثقيلة جدا، والكبير ما جل قدره أو ~~مقداره في حس ظاهر أو في معنى باطن - قاله الحرالي. { إلا على الخاشعين } ~~أي المخبتين الذين هم في غاية السهولة ms0109 واللين والتواضع لربهم بحيث لا ~~يكون عندهم شيء من كبر وينظرون عواقب الأمر وما أعد عليها من الأجر، ولذا ~~قال صلى الله عليه وسلم: # " وجعلت قرة عيني في الصلاة " # وغيرهم يمنعهم ثقلها من فعلها، وإن فعلها فعلى غير رغبة. قال الحرالي: ~~وهو أي الخشوع هدو الجوارح والخواطر فيما هو الأهم في الوقت، وأنبأ ~~تعالى بكبر قدر الصلاة عن أن يتناول عملها إلا خاشع خرج عن حظ نفسه وألزم ~~نفسه ذل العبودية التي ختمت بها النبوة، وفي إشارة كمال الصلاة إشعار ~~بصلاة العصر التي هي صلاة النبي الخاتم الذي زمنه وقت العصر وحالة ~~العبودية، وذلك مما يكبر على من قرن بنبوته وبملته الملك إلا أن يخشع لما ~~يكبر على النفس، وخصت الصلاة بالكبر دون الصبر لأن الصبر صغار للنفس ~~والصلاة وجهة للحق والله هو العلي الكبير - انتهى. { الذين يظنون } من ~~الظن وهو رجحان في اعتقاد مع بقاء منازع من مقابله - قاله الحرالي. { ~~أنهم ملاقوا ربهم } أي المحسن إليهم، وعبر بالظن عن العلم تهويلا للأمر ~~وتنبيها على أنه يكفي العاقل في الحث على ملازمة الطاعة في ظن لقاء ~~الملك المطاع المرجو المخوف فكيف والأمر متيقن لا مراء فيه ولا تطرق ~~للريب إليه! ويجوز أن يراد ظن الموت في كل لحظة، فإنه إذا كان على ذكر من ~~الإنسان أوجب له السعادة. # ولما كانت هذه الجملة مشيرة مع الترهيب لذوي الهمم العلية والأنفة ~~والحمية من الوقوع فيما يلم بعيب أو يوقع في عتب إلى الاستحياء من المحسن ~~الذي ما قطع إحسانه ساعة من الدهر زاد في الترهيب بقوله: { وأنهم إليه } ~~أي وحده { راجعون } ، والرجوع معاد الذاهب على مدارج مذهبه وترقيه على ~~معارج مهبطه - قاله الحرالي. # وعبر بذلك وإن كانوا لم يزالوا في قبضته، لأن اسمه الظاهر سبحانه يكون ~~في تلك الدار لانقطاع الأسباب في غاية الظهور لا يكون لأحد معه نوع ظهور ~~أصلا، لا كهذه الدار التي الغالب فيها معنى اسمه الباطن إلا عند أولي ~~البصائر؛ وفي الآية تبكيت لأهل الكتاب بأنهم مع تحققهم ms0110 للبعث يملون عمل ~~من لا يظنه فضلا عن أنه يعلمه. وقال الحرالي: ولما كان في الصلاة مناجاة ~~لله على الغيب كانت إنما تتيسر على من يظن القبول الذي يشعر به اللقاء ~~لربه بعد موته وذلك حال من رجحت الآخرة على الدنيا في عمله وحاله، فكان ~~حاله وعمله حال الظان إبقاء على أحوال من دون رتبة اليقين، ومقصود اللقاء ~~ليس البعث لأنهم هم من المؤمنين بالبعث ولكنه من معنى القبول بعد البعث، ~~وفيه إشارة إلى حال الموت ويوم البرزخ وهو الجزاء الأول فعطف على المرجع ~~الآخر بعد البعث - انتهى. # ولما كان الغالب على أكثر الناس الجمود كرر النداء لهم مبالغة في اللطف ~~بهم إثر الترجية والتخويف فقال: { يا بني إسرائيل } أي الذي أكرمته ~~وأكرمت ذريته من بعده بأنواع الكرامة { اذكروا نعمتي } وفخم أمرها بقوله: ~~{ التي أنعمت عليكم } أي بإنزال الكتب وإرسال الرسل وغير ذلك { وإني ~~فضلتكم } والتفضيل الزيادة من خطوة جانب القرب والرفعة فيما يقبل الزيادة ~~والنقصان منه - قاله الحرالي. { على العالمين } وهم من كان قد برز الوجود ~~في ذلك الزمان بالتخصيص بذلك دونهم، ولا يدخل في هذا من لم يكن برز إلى ~~الوجود في ذلك الزمان كما يأتي تحقيقه عن الحرالي قريبا ومما يوجب القطع ~~به قوله تعالى لنا: # كنتم خير أمة أخرجت للناس # [آل عمران: 110]. # ولما ذكرهم بتخصيصهم بالكرامة ونهاهم عن المخالفة وكانت المخالفة مع ~~عظيم النعمة أقبح وأشد وأفحش حذرهم يوما لا ينجي أحدا فيه إلا تقواه ~~فقال. وقال الحرالي: لما دعاهم إلى الوفاء بالعهد تنبيها لهمة من له فضل ~~باطن يرجع إلى فضائل النفس فأجاب من وفق وتمادى على حاله من خذل ثنى ~~الخطاب لهم بالتنبيه على النعمة الظاهرة ليتنبه لذلك من يخاف تغيير ~~النعمة الظاهرة حين لم يخف السقوط عن رتبة الفضيلة في الخطاب فذكرهم ~~بالنعمة والتفضيل الذي فضلهم به على العالمين وهم من ظهرت أعلام وجودهم ~~في زمانهم، وكذلك كل تفضيل يقع في القرآن والسنة، وإنما العالم من شمله ~~الوجود لا ما أحاط به العلم ms0111 بعد، لأن ذلك لم يرفع في الشهود علم وجوده؛ ~~وفيه إشعار بأنهم كما فضلوهم على عالمي زمانهم فليس ذلك بمقصور عليهم بل ~~كذلك يفضل الله العرب في زمان نبوتها على بني إسرائيل وعلى جميع ~~الموجودين في زمانهم، وحيث انتهى الخطاب إلى تذكر ظاهر النعمة بعد ~~التذكير بباطن الفضيلة لم يبق وراء ذلك إلا التهديد بوعيد الآخرة عطفا ~~على تهديد تقتضيه الأفهام بتغيير ما بقي عليهم من النعمة في الدنيا؛ فكان ~~مفهوم الخطاب: فاحذروا أن يصيبكم مثل ما أصاب المؤاخذين في الدنيا - ~~انتهى { واتقوا }. # ولما كان المتقى إنما هو الجزاء الواقع في يوم القيامة حذفه وأقام اليوم ~~مقامه تفخيما له وتنبيها على أن عقابه لا يدفع كما يدفع ما في غيره ~~بأنواع الحيل فقال: { يوما } هو من العظمة بحيث { لا تجزي } أي تفضي ~~وتغني فيه { نفس } أي نفس كانت { عن نفس } كذلك { شيئا } من الجزاء. # قال الحرالي: والنفس لكل امرىء لزمته نفاسة على غيره، فهؤلاء الذين لا ~~يغني بعضهم عن بعض بخلاف من آثر غيره وذهبت نفاسة نفسه، فإنه يغني عمن ~~دونه بالشفاعة والإحسان في الدنيا والآخرة، وفيه إعلام بأن ضعة النفس ~~مبدأ التوفيق ونفاستها مبدأ الخذلان # أذلة على المؤمنين # [المائدة: 54] فذل العبد - بالضم - لله، وذله - بالكسر - لعباد الله ~~بشرى فوزه، وإعراضه عن ذكر الله وصعر خده للناس نذارة هلاكه - انتهى. # ولما كان الإجزاء قد يكون بنفس كون المجزىء موجودا وهو بحيث يخشى أن ~~يسعى في الفكاك بنوع حيلة فتحرك القلوب لإجابته وفك أسيره فيحمل ذلك من ~~أسره على إطلاقه، وقد يحتال بالفعل في التوصل إلى فكه في خفية بسرقته أو ~~فتح سجنه أو نحو ذلك، وكانت وجوه الإجزاء المشهورة ثلاثة عطفها على ~~الإجزاء الأعم منها فقال: { ولا يقبل منها } أي النفس الأولى أو الثانية ~~{ شفاعة } أي لم يؤذن فيها وهي من الشفع وهو إرفاد الطالب بتثنية الرغبة ~~له فيما رغب فيه ليصير كالإمام له في وجهة حاجته - قاله الحرالي { ولا ~~يؤخذ منها عدل } تبذله غير الأعمال الصالحة، وهو ما يعدل ms0112 الشيء ويكون معه ~~كالعدلين المتكافئي القدر على الحمولة، فكأن العدل - بالكسر - في الشيء ~~المحسوس، والعدل - بالفتح - في الشيء المعقول، وكذلك عادة العرب تفرق بين ~~ما في الحس وما في المعنى بعلامة إعراب في ذات نفس الكلمة لا في آخرها - ~~قاله الحرالي. # ولما كان عدم النصرة للجمع يستلزم عدمها للمفرد بطريق الأولى جمع فقال: ~~{ ولا هم ينصرون* } أي يتجدد لهم نصر يوما ما بمن ينقذهم قهرا كائنا ~~من كان، والنصر تأييد المقاوم في الأمر بما هو أقوى من مقاومة وهما طرفان ~~ليصير كالمتقدم له بحكم استقلاله فيما يتوقع عجز المنصور فيه - قاله ~~الحرالي. فانتفى بذلك جميع وجوه الخلاص التي يطمع فيها الظالم في الدنيا. # قال الحرالي: ولما كانت أسباب النجاة للمرء بأحد ثلاث: إما شفاعة من ~~فوقه في العلم والفضل، وإما نصرة من فوقه في الأيد والقوة، وإما فكاك من ~~يده لنفسه إذ من هو مثله لا يغني وأحرى من هو دونه، استوفى الخطاب جميع ~~الوجوه الثلاثة ليسد على ذي النفس المستمسك بنفاسته جميع الوجوه الثلاثة ~~من الشفاعة والفدية والنصرة - انتهى. # ولما تقدم أنه فضلهم وعاهدهم وأن وفاءه بعهدهم مشروط بوفائهم بعهده ناسب ~~تقديم الشفاعة ويأتي إن شاء الله تعالى في الآية الثانية ما يتم به ~~البيان، ولما وصف ذلك اليوم بأنه لا ينفع فيه حيلة لذي ملكة المتردي ~~بالكبرياء المتجلل بالعظمة ذكرهم بما أنعم عليهم من إنجائه لهم بموسى ~~وهارون عليهما السلام حيث شفعا عند الملك الذي كان استعبدهم وسامهم سوء ~~العذاب، فلما لم يشفعهما فيهم قاهراه فانتصرا عليه بأيد مليكهم ~~واستنقذاهم منه بسطوة معبودهم. وقال الحرالي: ولما استوفى خطاب النداء ~~لهم وجهي التذكير بأصل فضيلة النفس الباطنة بالوفاء وغرض النفس الظاهر في ~~النعمة والرئاسة جاء ما بعد ذلك من تفاصيل النعم عطفا من غير تجديد نداء ~~إلى منتهى خاتمة الخطاب معهم حيث ثنى لهم الخطاب الأدنى بالتذكير بالنعمة ~~ختما لمتسق خطابه بما تضمنه تذكيرهم بتكرار قوله: وإذ وإذ، واحدة بعد ~~أخرى إلى جملة منها، ولما ذكرهم بالنعمة الظاهرة فانتبه ms0113 من تداركته ~~الهداية وتمادى من استحق العقوبة ذكر أهل الاستحقاق بما عوقبوا به بما ~~يستلزمه معنى النجاة وبما فسره مما أخذوا به على ذنوب تشاكل ما هم عليه ~~في معاندتهم القرآن، فحين لم ينفع فيهم التذكيران بالعهد والنعمة هددوا ~~بتقريرهم على مواقع ما أصيبوا به من البلاء من عدوهم لما اقترفوه من ~~ذنوبهم # ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به حتى إذا ~~هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا # [غافر: 34] فكان في تكذيبهم بالرسالة الأولى وشكهم ما أصابهم من العقوبة ~~من آل فرعون حتى أنقذهم الله بموسى عليه السلام فقال تعالى: { وإذ } أي ~~واذكروا إذ { نجيناكم } وهو من التنجية وهي تكرار النجاة، والنجاة معناه ~~رفع على النجوة وهو المرتفع من الأرض الذي هو مخلص مما ينال من الوهاد ~~وخبث الأرض من هلاك بسيل ماء ونحوه { من آل } آل الرجل من تبدو فيهم ~~أحواله وأعماله وأفعاله حتى كأنهم هو في غيبه من معنى الآل الذي هو ~~السراب الذي يظهر فيه ما بعد ويتراءى ما لم يكن يرى لولاه، { فرعون } اسم ~~ملك مصر في الجاهلية، علم جنس لملوكها بمنزلة أسماء الأجناس في الحيوان ~~وغيره - انتهى. والمراد بالآل فرعون وأتباعه فإن الآل يطلق على الشخص ~~نفسه وعلى أهله وأتباعه وأوليائه - قاله في القاموس، قال: ولا يستعمل ~~إلا فيما فيه شرف غالبا ثم بين ما أنجاهم منه بقوله: { يسومونكم سوء ~~العذاب } سماه بذلك لأنه أشد البلاء على النفس لما فيه من استحقارها، من ~~السوم وهو تعذيب بتهاون بالمعذب، والسوم ما يشتد، تنكر النفس له وتكرهها، ~~ثم فسر هذا بقوله { يذبحون } من التذبيح وهو تكرار الذبح، والذبح قطع ~~بالغ في العنق - قاله الحرالي. # ولما كان كل من ذبح الابن وحياة المرأة بغير رجل أفحش وكانت البنت إذا ~~بقيت صارت امرأة عبر بالأبناء والنساء فقال { أبناءكم } أي سوقا لكم ~~مساق البهائم { ويستحيون } قال الحرالي: من الاستحياء وهو استبقاء الحياة ~~{ نساءكم } من معنى الاتخاذ للتأهل الملابس في معنى ما جرى ms0114 منه اشتقاق ~~الإنس والإنسان والنسوة باشتراكها في أحد الحروف الثلاثة من الهمزة أو ~~الواو أو الياء مع اجتماعها في النون والسين - انتهى. ثم نبههم على ما ~~فيه من العظم بقوله { وفي ذلكم } فأشار بأداة البعد مقرونة بالميم { بلاء ~~} أي اختبار { من ربكم } أي المحسن إليكم في حالي الشدة والرخاء { عظيم* ~~} قال الحرالي: البلاء الاختبار هو إبداء خبرة الشيء بشدة ومحنة، وفيه ~~إشعار باستحقاقهم ذلك واستصلاحهم بشدته دون ما هو أيسر منه، وذكره بالعظم ~~لشياعه في الأجسام والأنفس والأرواح، وذكر معنى النجاة ثم فصله تفصيلا ~~لكيفيته بعد ذلك تعدادا لنعمة النجاة التي هي تلو رحمة الإنعام التي هي ~~تلو رفعة التقدم بالعهد، فانتهى الخطاب نهايته في المعنى يعني فلما قررهم ~~تعالى على ما اقترفوه قبل موسى عليه السلام حين أصابهم من آل فرعون ما ~~أصابهم استجد لهم تذكيرا بنعمة نجاة من عقوبة متقدم أعمالهم - انتهى. # ولما كان ما فعل بهم في البحر إهلاكا للرجال وإبقاء للنساء طبق ما ~~فعلوا ببني إسرائيل عقبه به فقال { وإذ } أي واذكروا إذ { فرقنا } من ~~الفرق وهو إفراج الواحد لحكمة إظهار التقابل - قاله الحرالي. فصارت لكم ~~مسالك على عدد أسباطكم { بكم } أي بسببكم عقب إخراجنا لكم من أسر القبط { ~~البحر } قال الحرالي: هو المتسع الرحب البراح مما هو ظاهر كالماء، ومما ~~هو باطن كالعلم الذي منه الحبر، تشاركا بحروف الاشتقاق في المعنى. { ~~فأنجيناكم } من الإنجاء وهو الإسراع في الرفعة عن الهلاك إلى نجوة الفوز ~~- انتهى. ومن عجائب ذلك أنه كما كان الإنجاء منه كان به. قال الحرالي: ~~وجعل البحر مفروقا بهم كأنهم سبب فرقة، فكأن نجاتهم هي السبب وضرب موسى ~~عليه السلام بالعصاة هي الأمارة والعلامة التي انفلق البحر عندها بسببهم، ~~وجعل النجاة من بلاء فرعون تنجية لما كان على تدريج، وجعل النجاة من ~~البحر إنجاء لما كان وحيا في سرعة وقت - انتهى. { وأغرقنا آل فرعون } ~~فيه وبه { وأنتم تنظرون } إسراعه إليهم في انطباقه عليهم، وهذا مثل ما ~~خاض العلاء بن الحضرمي رضي الله عنه البحر ms0115 الملح في ناحية البحرين أو ~~انحسر له على اختلاف الروايتين، ومثل ما قطع سعد بن أبي وقاص رضي الله ~~عنه الدجلة في وقائع الفرس عوما بالخيول بجميع عساكره وكانوا زيادة على ~~ثلاثين ألفا لم يفقد منهم أحد، وكان الفرس إذا تعب وثب فصار واقفا على ~~ظهر الماء كأنه على صخر، فإذا استراح عام. # قال الحرالي: { وأغرقنا } من الغرق وهو البلاغ في الشيء إلى غايته ~~بحسبه، فإن كان في الهلاك فهو غاية وظهر معناه في الماء والبحر لبعد ~~قعره، وهو في الماء بمنزلة الخسف في الأرض، والنظر التحديق للصورة من غير ~~تحقق ولا بصر - انتهى. فذكرهم سبحانه بنعمة الإنجاء منه بالرحيل عنه ~~أولا، ثم بإغراقه الذي هو أكبر من ذلك ثانيا بما كان بعينه سبب سلامتهم ~~واستمر يذكرهم بما تابع لهم من النعم حيث كانوا يستحقون النقم. قال ~~الحرالي: وقررهم على نظرهم إليهم، وفيه إشعار بفقد بصرهم لضعف بصائرهم من ~~حيث لم يقل: وأنتم تبصرون، ولذلك عادوا بعدها إلى أمثال ما كانوا فيه من ~~الشك والإباء على أنبيائهم بعد ذلك - انتهى. ### || [2.51-56] # ولما كان فرق البحر للإبقاء البدني وكان إنزال الكتاب للإبقاء الديني ~~عقبه به وكان الطبع السليم والمزاج المستقيم يقتضي إحسان العمل زمن ~~المواعدة واستعطاف المواعد والترفق له والتملق بما تحقق الرجاء في إنجاز ~~وعده لا سيما بعد بليغ إحسانه بالإنجاء من العدو وإهلاكه نعى عليهم عملهم ~~بخلاف ذلك بقوله: { وإذ }. وقال الحرالي: لما ذكرهم تعالى بأمر الوفاء ~~بالعهد الذي هو خاتمة أمرهم وبالتفصيل الذي كان بادية أمرهم نظم ذلك ~~بالأمر المتوسط بين الطرفين الذي أعلاه مواعدة موسى عليه السلام ربه الذي ~~النعمة عليه نعمة عليهم فقال: وإذ { واعدنا } من الوعد وهو الترجية ~~بالخير، ووعدنا من المواعدة وهي التقدم في اللقاء والاجتماع والمفاوضة ~~ونحوه { موسى } كلمة معربة من لفظ العبراني بما تفسيره فيما يقال ماء ~~وشجر، سمي به لما أودع فيه من التابوت المقذوف في اليم { أربعين ليلة } ~~هي كمال وقت الليل والليل وقت انطماس المدركات الظاهرة - انتهى. وخص ~~الليل ms0116 بالذكر إشارة إلى أن ألذ المناجاة فيه وإلى أنه لا نوم في تلك ~~المدة بل المناجاة عامة لليلها ونهارها، وانتصب أربعين بوقوعه موقع ~~المفعول الثاني لوعدنا أي انقضاء أربعين أي الكلام أو إنزال التوراة عند ~~انقضاء الأربعين وهي ذو القعدة وعشر من ذي الحجة وقيل ذو الحجة وعشر من ~~المحرم. قال الحرالي: وفيه إشعار بأن المناجاة إنما يتهيأ لها لميقات حبس ~~النفس عما به قوامها وكمال ذلك إنما هو الصوم وكمال العدد الذي هو طور ~~مصير من حال إلى حال هو الأربعون، وذكر الميقات بالليالي يشعر أن مناجاته ~~صباح من ظلمة الكون في حال خصوص الخلقة من حيث إن الظلمة آية على فوت ~~مرام نور الحق والنهار آية على ظهور نور الحق وأول باد بدأ من الحق ~~للخلق كلامه لمصطفى من خلقه بغير واسطة وهو بعد في دنياه وفي أرضه التي ~~كانت سجنا، فلما جاءها الحق لعبد من عبيده مناجيا له كما يأتيها يوم ~~الجزاء بعد البعث صارت موطن رحمة وهدى ونور وهو مجيء الله سبحانه من ~~سيناء المذكور في الكتاب الأول - انتهى. وهذا دون قصة المعراج التي كانت ~~لنبينا صلى الله عليه وسلم في اختراق السماوات العلى إلى سدرة المنتهى ~~إلى ما لا يعلمه إلا الله تعالى وسمع الكلام من غير واسطة ورجع إلى بيته ~~في ليلته وقد قطع من المسافات ما مسيرته خمسون ألف سنة كما سأبينه إن شاء ~~الله تعالى في سورة السجدة. # ولما كانت الأنفس الأبية والهمم العلية تقتضي النفرة من الظالم والأنفة ~~من كل ما ينسب إليه ويذكر به وكانوا قد اتخذوا من آثار آل فرعون من ~~حليهم ما دخلوا في رقه وعبوديته وكانت مشاهدتهم لما رأوا من الآيات ~~مقتضية لغاية البعد من الكفر عبر عن مواقعتهم له بثم فقال: { ثم اتخذتم } ~~قال الحرالي: من الاتخاذ وهو افتعال مما منه المواخذة كأنه الوخذ، وهو ~~تصيير في المعنى نحو الأخذ في الحس، وفيه تكلف، { العجل } وذكر في هذا ~~التقرير أصل المواعدة وذكر الميقات وتجاوز الخطاب ما ms0117 بعد ذلك من مهل حسب ~~ما تفهمه كلمة ثم، فاقتضى إفهام ذلك ما نالوه من الخير ثم تعقبوا ذلك ~~بالتزام عادتهم في معاودة ما اعتادوه من أعمالهم إلى أدنى عمل من لا عقل ~~له ولا بقية نظر له من اتخاذ جسد عجل إلها بعد معرفة آثار الإلهية على ~~الغيب، ففيه تعجيب من أن موسى عليه السلام إنما واعده الله بالمناجاة بعد ~~ميقات أربعين صوما ونسكا وتحنثا وانقطاعا إلى ربه ثم يرونهم أنهم ~~شهدوا الإله مصورا محسوسا على أن موسى الذي ناجاه ربه منع الرؤية فكيف ~~بهم وذلك هو ظلمهم، فوضعوا الإله محل الشيء المحسوس وهو تعالى قد تعالى ~~عن أن يراه صفيه الذي ناجاه في دنياه وإنما ناجاه بعد ميقاته، وهم يهمون ~~في تأله مرئي من غير مواعدة ولا اختصاص! وفي قوله تعالى { من بعده } أي ~~من بعد إتيانه لميعادنا إضمار لذكر موسى عليه السلام تقريرا لما كان ~~ينبغي أن يكونوا عليه من الارتقاب لما يأتيهم به موسى من فوائد المناجاة، ~~كما يكون من تعلق قلبه بمن هو قدوته، والبعد بعد عن حد يتخذ مبدأ ليكون ~~سابقه قبل ولاحقه بعد - انتهى. # واثبات الجار لأن اتخاذهم ذلك لم يستغرق زمان البعد { وأنتم ظالمون } ~~فاعلون فعل من هو في أظلم الظلام بعد أنجاءكم موسى بالنور المبين. # ولما كان ذلك مقتضيا لأعظم السخط المقتضي من القادر للمعاجلة بالأخذ ~~ذكرهم نعمة الإمهال بعده فقال مشيرا إلى عظم الذنب والنعمة بأداة ~~التراخي: { ثم عفونا }. وقال الحرالي: ثم تجاوز الخطاب ما أصابهم من ~~العقوبة على اتخاذهم إلى ذكر العفو تقريرا على تكرر تلافيهم حالا بعد ~~حال وقتا بعد وقت، كلما أحدثوا خطيئة تداركهم منه عفو، وخصه باسم العفو ~~لما ذكر ذنوبهم، لأن المغفور له لا يذكر ذنبه، فإن العفو رفع العقوبة دون ~~رفع ذكرها، والغفر إماتة ذكر الذنب مع رفع العقوبة - انتهى. { عنكم } ولم ~~نعاجلكم بالأخذ، وفي قوله تعالى { من بعد ذلك } أي الذنب العظيم إشعار ~~بما أصابهم من العقوبة وخطاب لبقية المعفو عنهم، لينتهي الأمر ms0118 فيهم إلى ~~غاية يترجى معها لبقيتهم الشكر - قاله الحرالي. وكان الإشعار من جهة ~~أدخال من، على الظرفية، فاقتضى مهلة بين العفو والذنب لم يشملها العفو بل ~~كان فيها عقوبة، كما اقتضى قوله: من بعده، مهلة بين اتخاذهم العجل وأول ~~ذهاب موسى عليه السلام للمناجاة؛ ويجوز أن يكون أفرد حرف الخطاب إشارة ~~إلى أنه لا يعلم جميع ما في دينهم من الشناعة إلا إمام أهل التوحيد النبي ~~صلى الله عليه وسلم { لعلكم تشكرون * } أي ليكون حالكم حال من يتوقع منه ~~الشكر. # قال الحرالي: وهو ظهور بركة الباطن على الظاهر، يقال: دابة شكور، إذا ~~أنجح مأكلها بظهور سمنها؛ وفيه إشعار بأن منهم من يشكر وفيهم من يتمادى ~~بما في ترجي كلمة لعل، من الإبهام المشعر بالقسمين والمهيىء لإمكان ظهور ~~الفريقين حتى يظهر ذلك لميقاته، لأن كل ما كان في حق الخلق ترددا فهو من ~~الله سبحانه إبهام لمعلومه فيهم؛ على ذلك تجري كلمة لعل وعسى ونحوها - ~~انتهى. # ولما كان في ذلك دليل على سوء طباعهم وعكس مزاجهم وأنهم لا يحفظون عهدا ~~ولا يستقيمون على نهج ذكرهم بنعمة الكتاب الذي من شأنه الضبط في جميع ~~الأحوال بالرجوع إليه عند الضلال فقال: وقال الحرالي: لما ذكر تعالى أمر ~~موسى عليه السلام وهو خاص أمرهم فصل لهم أمر ما جاء به موسى وما كان منهم ~~فميا جاء به - انتهى. فقال { وإذ اتينا } أي بما لنا من العظمة { موسى ~~الكتاب } أي الكامل في نفسه الجامع لكم على طريق الحق. ولما كان الكتاب ~~مع كونه جامعا لما أريد منه فارقا بين الملبسات وصفه بقوله { والفرقان ~~} أي المبين للأشياء على ما هي عليه من غير أن يدع في شيء لبسا. قال ~~الحرالي: فقررهم على أمرين من الكتاب الذي فيه أحكام الأعمال والفرقان ~~الذي فيه أمر العلم وهما ملاك حال إقامة الدين بالعلم والعمل؛ والفرقان، ~~فعلان لفظ مبالغة يفهم استغراقا وامتلاء وعظما فيما استعمل فيه وهو في ~~هذا اللفظ من الفرق وهو إظهار ما ألبسته الحكمة الظاهرة للأعين بالتبيان ms0119 ~~لفرقان لبسه بما تسمعه الأذن، وجاء فيه بكلمة لعل، إشعارا بالإبهام في ~~أمرهم وتفرقتهم بين مثبت لحكم الكتاب عامل به عالم بطية الفرقان خبير به ~~وبين تارك لحكم الكتاب غافل عن علم الفرقان - انتهى. فقال تعالى { لعلكم ~~تهتدون * } أي ليكون حالكم حال من ترجى هدايته فيغلب حلمه جهله وعقله ~~شهوته، ولهذا الختم تلاه بما هداهم به بما ألزمهم من النقمة الزاجرة عن ~~مثل ذلك من قتل الأنفس فقال: { وإذ }. # قال الحرالي: لما تكمل إقبال الخطاب عليهم مرات بما تقدم من ندائهم ~~والعطف على ما في صلته صرف الحق وجه الخطاب عنهم إلى ذكر خطاب نبيه صلى ~~الله عليه وسلم لهم، فإن الله يخاطب العباد بإسقاط الواسطة بينه وبينهم ~~ترفيعا لأقدارهم لديه، فيرفع من شاء فيجيبه بما شاء، ويوقف من شاء فيجعل ~~بينه وبينه في الخطاب واسطة من نبيه، فلما قررهم بما مضى من التذكير على ~~ما واجههم به الحق تعالى ذكر في هذه الآية تقريرهم على ما خاطبهم به ~~نبيهم حين أعرض الحق عن خطابهم بما أصابوه من قبيح خطيئتهم - انتهى. # فقال { وإذ قال موسى لقومه } العابد للعجل والساكت عنه، والقوم قال ~~الحرالي اسم من لهم منة في القيام بما هم مذكورون به، ولذلك يقابل بلفظ ~~النساء لضعفهن فيما يحاولنه؛ وفيه تخويف لهذه الأمة أن يصيبهم مثل ما ~~أصابهم في خطاب ربهم فيعرض عنهم - انتهى. { يا قوم } وأكد لعراقتهم في ~~الجهل بعظيم ما ارتكبوه وتهاونهم به لما أشربوا في قلوبهم من الهوى فقال ~~{ إنكم ظلمتم أنفسكم } ظلما تستحقون به العقوبة { باتخاذكم العجل } أي ~~الها من دون الله، فجعلتم أنفسكم متذللة لمن لا يملك لها شيئا ولمن هي ~~أشرف منه، فأنزلتموها من رتبة عزها بخضوعها لمولاها الذي لا يذل من والاه ~~ولا يعز من عاداه إلى ذلها بخضوعها لمن هو دونكم أنتم، هذا هو أسوأ ~~الظلم، فإن المرء لا يصلح أن يتذلل ويتعبد لمثله فكيف لمن دونه من حيوان! ~~فكيف بما يشبه بالحيوان من جماد الذهب الذي هو من المعادن وهو ms0120 أخفض ~~المواليد رتبة حين لم تبلغها حياتها أن تبدو فوق الأرض كالنبات من النجم ~~والشجر ولما فيه من الانتفاع بما يكون من الحب والثمر الذي ينتفع به ~~غذاء ودواء والمعادن لا ينتفع بها إلا آلات ونقودا منفعتها إخراجها لا ~~إثباتها - قاله الحرالي: { فتوبوا إلى بارئكم } الذي فطركم من قبل أن ~~تتخذوا العجل بريئين من العيب مع إحكام الخلق على الأشكال المختلفة. وقال ~~الحرالي: البارىء اسم قائم بمعنى البرء وهو إصلاح المواد للتصوير، كالذي ~~يقطع الجلد والثوب ليجعله خفا وقميصا، وكالذي يطحن القمح ويعجن الطين ~~ليجعله خبزا وفخارا و - نحو ذلك، ومعناه التدقيق للشيء بحسب التهيؤ ~~لصورته - انتهى. # ولما كانت توبتهم بقتل أقاربهم وإن كانوا آباء أو أبناء عبر عنهم بالنفس ~~لذلك وإشارة إلى خبث ما ارتكبوا فقال { فاقتلوا أنفسكم } أي التي أوجدها ~~فقادتكم إلى غيره. قال الحرالي: والقتل قصل الحيوان قبل انتهاء قوته ~~بمنزلة قصل الزرع قبل استحصاده - انتهى. ولما كان ما أمرهم به أمرا لا ~~يكاد يسمح به عظم الرغبة فيه بقوله { ذلكم } أي الأمر العظيم وهو القتل ~~{ خير لكم } والخير قال الحرالي ما يصلح في الاختيار من محسوس الأشياء ~~وما هو الأصلح وما هو الأخير، وربما استعملت منه خير محذوفة فيقال: هو ~~خير في نفسه، أي مما يختار، ويقال: هذا خير من هذا، أي أخير منه أي أصلح ~~في الاختيار، وكذلك لفظ شر في مقابله وهما مشعران بمتوسط من الأشياء لا ~~يختار لأجل زيادة صلاح ولا يطرح لأجل أذى ولا مضرة { عند } كلمة تفهم ~~اختصاص ما أضيفت إليه بوجه ما عام وأخص منه لدن، فلدن خاصتها وعند ~~عامتها، كالذي يملك الشيء فهو عنده وإن لم يكن في حضرته - انتهى. # { بارئكم } أي القادر على إعدامكم كما قدر على إيجادكم، وفي التعبير ~~بالبارىء ترغيب لهم في طاعته بالتذكير بالإحسان وترهيب بإيقاع الهوان. # ولما كان التقدير ففعلتم التوبة المأمور بها بأن قتل بعضكم بعضا ~~بتوفيقه لكم سبحانه مع ما فيه من عظم المشقة عطف عليه قوله { فتاب عليكم ~~} أي مع عظم ms0121 جرمكم، ولولا توبته عليكم ما تبتم؛ ثم علل ذلك بقوله { إنه } ~~أي لأنه { هو التواب الرحيم } أي ما زال هذا صفة له لا لاستحقاق منكم ~~عليه قال الحرالي: وفي إظهار هو مفصولة من ضمير وصلها إثبات معنى الرحمة ~~لله ثبتا لا يتبدل ولا يتغير إلا أنه من وراء غيب ما شاء الله من أدب ~~وامتحان وعقاب، فلذلك ختمه باسمه الرحيم، لأن الختم أبدى إظهار للمعنى ~~الأخفى من مضمون ما فيه الختم - انتهى. # ولما استتيبوا عن عبادة العجل التي تقيدوا فيها بالمحسوس الذي هو مثل في ~~الغباوة طلبوا رؤية بارئهم بالحس على ما له من صفات الكمال التي تأبى ~~الابتذال ناسين لجميع النعم والنقم مسرعين في الكفر الذي هو من شأن ~~الحائر والحال أن الفرقان الذي لا يدع شبهة ولا يبقى حيرة قائم بين ~~أيديهم، لأنهم من الجمود والوقوف مع الوهم والحس بمكان عظيم، فذكرهم ~~سبحانه ذلك مسليا للنبي صلى الله عليه وسلم في إبائهم للإيمان به بما ~~فعلوا مع موسى عليه السلام وهو أحدهم فقال { وإذ قلتم } أي بعد ما رأيتم ~~من الآيات وشاهدتم من الأمور البينات { يا موسى } فدعوتموه باسمه جفاء ~~وغلظة كما يدعو بعضكم بعضا ولم تخصوه بما يدل على تعظيمه لما رأيتم من ~~إكرام الله له وإكرامكم على يده { لن } وهي كلمة تفهم نفي معنى باطن ~~كأنها لا أن، يسر بالتخفيف لفظها - قاله الحرالي. { نؤمن لك } أي لأجل ~~قولك. قال الحرالي: وجاء باللام لأنهم قد كانوا آمنوا به فتوقفوا عن ~~الإيمان له الذي يتعلق بأمور من تفاصيل ما يأتيهم به، فمن آمن لأحد فقد ~~آمن بأمور لأجله، ومن آمن به فقد قبل أصل رسالته # يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين # [التوبة: 61] { حتى } كلمة تفهم غاية محوطة يدخل ما بعدها في حكم ما ~~قبلها مقابل معنى لكي { نرى } من الرؤية وهي اطلاع على باطن الشيء الذي ~~أظهر منه مبصره الذي أظهره منه منظره، ومنه يقال في مطلع المنام: رؤيا، ~~لأن ذوات المرئي في المنام هي أمثال باطنه في صورة المنظور ms0122 إليه في ~~اليقظة - انتهى. { الله } أي مع ما له من العظمة { جهرة } أي عيانا من ~~غير خفاء ولا نوع لبس. قال الحرالي: من الجهر وهو الإعلان بالشيء إلى حد ~~الشهرة وبلاغه لمن لا يقصد في مقابلة السر المختص بمن يقصد به، وهذا ~~المطلوب مما لا يليق بالجهر لتحقيق اختصاصه بمن يكشف له الحجاب من خاصة ~~من يجوزه القرب من خاصة من يقبل عليه النداء من خاصة من يقع عنه ~~الإعراض، فكيف أن يطلب ذلك جهرا حتى يناله من هو في محل البعد والطرد! ~~وفيه شهادة بتبلدهم عن موقع الرؤية، فإن موسى عليه السلام قال # رب أرني # [الأعراف: 143] وقال تعالى # وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة * # [القيامة: 22-23] وقال عليه الصلاة والسلام: # " إنكم ترون ربكم " # فالاسم المذكور لمعنى الرؤية إنما هو الرب لما في اسم الله تعالى من ~~الغيب الذي لا يذكر لأجله إلا مع ما هو فوت لا مع ما هو في المعنى نيل، ~~وذلك لسر من أسرار العلم بمواقع معاني الأسماء الحسنى فيما يناسبها من ~~ضروب الخطاب والأحوال والأعمال، وهو من أشرف العلم الذي يفهم به خطاب ~~القرآن حتى يضاف لكل اسم ما هو أعلق في معناه وأولى به وإن كانت الأسماء ~~كلها ترجع معاني بعضها لبعض، { فأخذتكم } من الأخذ وهو تناول الشيء ~~بجملته بنوع بطش وقوة - انتهى. أي لقولكم هذا لما فيه من الفظاعة وانتهاك ~~الحرمة، { الصاعقة } قيل: هي صيحة، وقيل: نار نزلت من السماء فأحرقتهم، ~~ويؤيده قوله { وأنتم تنظرون * } أي تلك الصاعقة فأماتتكم، لأنكم كنتم في ~~طلبكم رؤيته على ضرب من حال عبدة العجل، فأماتكم كما أماتهم بالقتل. # ولما كان إحياؤهم من ذلك في الدار في غاية البعد وخرق العادة عبر عنه ~~بأداة التراخي ومظهر العظمة فقال { ثم بعثناكم } أي بما لنا من العظمة ~~بالإحياء. قال الحرالي: من البعث وهو الاستثارة من غيب وخفاء، أشده البعث ~~من القبور، ودونه البعث من النوم؛ قال: وتجاوز الخطاب ما كان من سبب ~~بعثهم، وكذلك كل موضع يقع فيه ثم، ففيه ms0123 خطاب متجاوز مديد الأمد كثير رتب ~~العدد مفهوم لمن استوفى مقاصد ما وقعت كلمة ثم، بينه من الكلامين ~~المتعاطفين؛ ففي معنى التجاوز من الخطاب سؤال موسى عليه السلام ربه في ~~بعثهم حتى لا يكون ذلك فتنة على سائرهم - انتهى. # ولما كان ربما ظن أن البعث من غشى ونحوه حقق معناه مبينا أنه لم يستغرق ~~زمن البعد بقوله: { من بعد موتكم } أي هذا بتلك الصاعقة، وقال دالا على ~~أن البعث إلى هذه الدار لا يقطع ما بنيت عليه من التكليف لأنها دار ~~الأكدار فلا بد من تصفية الأسرار فيها بالأعمال والأذكار { لعلكم تشكرون ~~} أي لتصير حالكم حال من يصح ترجي شكره لهذه النعمة العظيمة، وكل ما جاء ~~من لعل، المعلل بها أفعال الرب تبارك وتعالى ينبغي أن تؤول بنحو هذا، فإن ~~لعل، تقتضي الشك لأنها للطمع والإشفاق فيطمع في كون مدخولها ويشفق من أن ~~لا يكون، وتارة يكون الشك للمخاطب وتارة يكون للمتكلم، ولو قيل: لتشكروا، ~~لم يكن هناك شك - قاله الرماني في سورة يوسف عليه السلام. # وقال الحرالي: وفي لعل، إبهام معلومه فيهم بأن منهم من يشكر ومنهم من لا ~~يشكر - انتهى. وسيأتي في سورة طه إن شاء الله تعالى عن نص سيبويه في ~~كتابه ما يؤيد ما ذكرته. # وفي هذه الآية وما تقدمها من آية { واتقوا يوما لا تجزي نفس } تنبيه ~~للعرب من غفلتهم في إنكار البعث وإرشاد إلى سؤال ممن يغرهم من أهل ~~الكتاب بأنهم أولى بالحق من المسلمين عن هذه القصة التي وقعت لأسلافهم من ~~إحيائهم بعد موتهم، وكذا ما أتى في محاوراتهم من قصة البقرة ونحوها مما ~~فيه ذكر الإحياء في هذه الدار أو في القيامة. قال الحرالي: وفيه أي هذا ~~الخطاب آية على البعث الآخر الذي وعد به جنس بني آدم كلهم فجأة صعق وسرعة ~~بعث، فإن ما صح لأحدهم ولطائفة منهم أمكن عمومه في كافتهم - انتهى. # ولما ذكرت الصاعقة الناشئة غالبا من الغمام كان أنسب الأشياء إيلاءها ~~ذكر تظليل الغمام وناسب التحذير من نقمة ms0124 الإحراق بالصاعقة والتذكير بنعمة ~~الإيجاد من الموت الإتباع بذكر التنعيم في الإبقاء بالصيانة عن حر الظاهر ~~بالشمس والباطن بالجوع. ### || [2.57-59] # وقال الحرالي وعطف تعالى على ذكر البعث ذكر حال من مثل أحوال أهل الجنة ~~الذي ينالونه بعد البعث، فكأن عامتهم الذين لم يموتوا إنما شركوا هؤلاء ~~المبعوثين لكونهم كأنهم ماتوا بموتهم وبعثوا ببعثهم، فذكر ظل الغمام وهو ~~من أمر ما بعد البعث والأرزاق بغير كلفة وهو من حال ما بعد البعث وأفهم ~~ذلك أمورا أخر في أحوالهم كما يقال إن ملابسهم كانت تطول معهم كلما ~~طالوا فكأنهم أخرجوا من أحوال أهل الدنيا بالجملة إلى شبه أحوال أهل ~~الجنة في محل تيههم ومستحق منال العقوبة لهم كل ذلك إنعاما عليهم، ثم لم ~~يزيدوا مع ذلك إلا بعدا عن التبصرة في كل ما أبدي لهم من العجائب - حدث ~~عن بني إسرائيل ولا حرج فقال: { وظللنا } من الظلة وهو وقاية مما ينزل من ~~سماء الموقي و { عليكم الغمام } من الغم وهو ما يغم النور أي يغطيه - ~~انتهى. أي فعلنا ذلك لترفيه أجسامكم وترويح أرواحكم، وعن مجاهد أن الغمام ~~أبرد من السحاب وأرق وأصفى { وأنزلنا عليكم المن } قال الحرالي: هو ما ~~جاء بغير كلفة، الكمأة من المن - انتهى. { والسلوى } أي لطعامكم على أن ~~المن من الغمام، وحشر السلوى إليهم بالريح المثيرة له فنظمها به على غاية ~~التناسب. قال الحرالي: والسلوى اسم صنف من الطير يقال هو السماني أو غيره ~~- انتهى. وسيأتي إن شاء الله تعالى في الأعراف أنه غير السماني وأنهم ~~خصوا به إيذانا بقساوة قلوبهم. # وهذه الخارقة قد كان صحابة نبينا صلى الله عليه وسلم غنيين عنها بما كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم كلما احتاجوا دعا بما عندهم من فضلات الزاد ~~فيدعو، فيكثره الله حتى يكتفوا من عند آخرهم، وأعطى أبا هريرة رضي الله ~~عنه تمرات وأمره أن يجعلها في مزود وقال له: أنفق ولا تنثرها، فأكل منه ~~سنين وأنفق منه أكثر من خمسين وسقا. وبارك لآخر في قليل شعير وأمره أن ms0125 ~~لا يكيله، فلم يزل ينفق منه على نفسه وامرأته وضيفه حتى كاله فنفي، فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # " لو لم تكله لأكلتم منه ولقام لكم " # وكان نحو ذلك لعائشة رضي الله عنها بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم. ~~وكذا لأم مالك رضي الله عنها في عكة سمن لم تزل تقيم لها أدمها حتى ~~عصرتها. ومثل ذلك كثير في دلائل النبوة للبيهقي وغيره. وقيل لكم { وكلوا ~~} ودل على أنه أكثر من كفايتهم بقوله { من طيبات } جمع طيبة. قال ~~الحرالي: والطيب ما خلص من منازع يشارك فيه وطيبه من سوى الأكل له أي لم ~~ينازعه وليس فيه حق لغيره، ومنه الطيب في المذاق وهو الذي لا ينازعه تكره ~~في طعمه، وهذا زاد على ذلك بكونه لم يكن عن عمل حرث ولا معاملة مع خلق - ~~انتهى. # { ما رزقناكم } أي على عظمتنا التي لا تضاهى. # ولما لم يرعوا هذه النعم أعرض عنهم للإيذان باستحقاق الغضب. وقال ~~الحرالي: ثم أعرض بالخطاب عنهم وأقبل به على محمد صلى الله عليه وسلم ومن ~~معه - انتهى. فقال { وما } أي فظلموا بأن كفروا هذه النعم كلها وما { ~~ظلمونا } بشيء من ذلك { ولكن كانوا } أي جبلة وطبعا { أنفسهم } أي خاصة ~~{ يظلمون * } لأن ضرر ذلك مقصور عليهم. قال الحرالي: وفيه إشعار بتحذير ~~هؤلاء أن يروا نحوا مما رأوا فينالهم نحو مما نالوه، لأن قصص القرآن ليس ~~مقصوده مقصورا على ذكر الأولين فقط بل كل قصة منه إنما ذكرت لما يلحق ~~هذه الأمة في أمد يومها من شبه أحوال من قص عليهم قصصه - انتهى. # ولما كان كل من ظل الغمام ولزوم طعام واحد غير مألوف لهم مع كونه نعمة ~~دنيوية وكان المألوف أحب إلى النفوس تلاه بالتذكير بنعمة مألوفة من ~~الاستظلال بالأبنية والأكل مما يشتهى مقرونة بنعمة دينية. وقال الحرالي: ~~لما ذكر تعالى عظيم فضله عليهم في حال استحقاق عقوبتهم في تظليل الغمام ~~وإنزال المن والسلوى وهو مبتدأ أمر تيههم حين أبوا أن يقاتلوا الجبارين ~~نظم به آخر أمر تيههم ms0126 بعد وفاة موسى وهارون عليهما السلام حين دخولهم مع ~~يوشع عليه السلام وما أمروا به من دخول البلد المقدس متذللين بالسجود ~~الذي هو أخص رتب العبادة وكمال عمل العامل ودنو من الحق - انتهى. فقال ~~تعالى { وإذ قلنا } أي لكم { ادخلوا هذه القرية } إشارة إلى نعمة النصر. ~~قال الحرالي: الدخول الولوج في الشيء بالكلية حسا بالجسم ومعنى بالنظر ~~والرأي، والقرية من القرى وهو الجمع للمصالح التي بها يحصل قوام الدنيا ~~لقرى أهل الدنيا والتي تجمع مصالح أهل الآخرة، لقرى أهل الآخرة، قال عليه ~~السلام: # " أمرت بقرية تأكل القرى " # باستيطانها كأنها تستقري القرى تجمعها إليها، وقد تناوبت الياء والهمزة ~~والواو مع القاف والراء على عام هذا المعنى - انتهى. وناسب سياق النعم ~~الدلالة على تعقيب نعمة الدخول بالفاء في قوله: { فكلوا منها حيث شئتم } ~~وأتم النعمة بقوله { رغدا } موسعا عليكم طيبا. قال الحرالي: وفيه أي ~~هذا الخطاب تثنية في ذكر الأرض لما تقدم من نحوه لآدم في السماء، فكان ~~تبديلهم لذلك عن فسق لا عن نسيان كما كان أمر آدم عليه السلام، فكأنهم ~~اقتطعوا عن سنته إلى حال الشيطان الذي كان من الجن ففسق عن أمر ربه، ~~فتحقق ظلمهم حين لم يشبهوا آباءهم وأشبهوا عدو أبيهم - انتهى. وأمرهم ~~بالشكر على نعم النصر والإيواء وإدرار الرزق بأمر يسير من القول والفعل، ~~وقدم الدخول السار للنفوس والسجود الذي هو أقرب مقرب للحضرة الشريفة لأنه ~~في سياق عد النعم على القول المشعر بالذنب فقال { وادخلوا الباب } وهو ~~كما قال الحرالي أول مستفتح الأشياء والأمور المستغلقة حسا أو معنى حال ~~كونكم { سجدا وقولوا } جامعين إلى ندم القلب وخضوع الجوارح الاستغفار ~~باللسان، ولما كان القول تحكى به الجمل فتكون مفعولا بها ويعمل في ~~المفرد إذا كان مصدرا أو صفة لمصدر كقلت حقا أو معبرا به عن جملة كقلت ~~شعرا وما كان على غير هذا كان إسنادا لفظيا لا فائدة فيه غير مجرد ~~الامتثال رفع قوله { حطة } أي عظيمة لذنوبنا. # قال الكشاف: والأصل النصب أي حط عنا ذنوبنا إلا ms0127 أنه رفع ليعطي معنى ~~الثبات. قال الحرالي: من الحط وهو وضع الحمل الثقيل بمنة وجمام قوة ~~يكون في الجسم، والمعنى أمروا بقول ما يحط عنهم ذنوبهم التي عوقتهم من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم مع من معه من المهاجرين والأنصار بشعب من ~~الشعاب مترددا بين الحرمين الشريفين - يعني في عمرة الحديبية - فقال ~~قولوا: " لا إله إلا الله " وعند ذلك دخول الشعب الذي هو باب المدخل من ~~نجد الأرض إلى سهلها " فقالوها، فقال: والذي نفسي بيده! إنها للحطة التي ~~عرضت على بني إسرائيل أن يقولوها فبدلوها " انتهى. وعبر بنون العظمة في ~~قوله { نغفر لكم } إشارة إلى أنه لا يتعاظمه ذنب وإن عظم كاتخاذ العجل ~~إذا جب بالتوبة، وفي قراءة من قرأ بالتحتانية والفوقانية مبنيا ~~للمجهول إشارة إلى تحقير الذنوب إذا أراد غفرانها بحيث إنه بأدنى أمر ~~وأدق إشارة بمحوها وهي أقل من أن يباشرها بنفسه المقدسة، كل ذلك استعطاف ~~إلى التوبة.. والغفر قال الحرالي: ستر الذنب أن يظهر منه أثر على المذنب ~~لا عقوبة ولا ذكر - ثم قال: ففي قراءة { نغفر } تول من الحق ومن هو من ~~حزبه من الملائكة والرسل، وفي قراءة: تغفر، إبلاغ أمر خطابهم بما يفهمه ~~التأنيث من نزول القدر، وفي قراءة الياء توسط بين طرفي ما يفهمه علو ~~قراءة النون ونزول قراءة التاء، ففي ذلك بجملته إشعار بأن خطاياهم كانت ~~في كل رتبة مما يرجع إلى عبادة ربهم وأحوال أنفسهم ومعاملتهم مع غيرهم من ~~أنبيائهم وأمثالهم حتى جمعت خطاياهم جميع جهات الخطايا الثلاث، فكأنهم ~~ثلاثة أصناف: صنف بدلوا، وصنف اقتصدوا، وصنف أحسنوا فيزيدهم الله ما لا ~~يسعه القول و # هل جزاء الإحسان إلا الإحسان # [الرحمن: 60] انتهى. ولما كان السياق هنا لتعداد النعم حسن أن يعبر عن ~~ذنوبهم بجمع الكثرة فقال { خطاياكم } إشارة إلى أنهم أصروا عليها بحيث ~~كادوا أن يجعلوا بإزاء كل نعمة ذنبا، والخطايا جمع خطيئة من الخطأ وهو ~~الزلل عن الحد عن غير تعمد بل مع عزم الإصابة أو ود أن لا يخطىء - ~~هكذا ms0128 قال الحرالي، والظاهر أن المراد هنا ما كان عن عمد كائنا ما كان، ~~لأن ذلك أولى بسياق الامتنان والعقوبة بالعصيان. # قال في القاموس: والخطيئة الذنب أو ما تعمد منه والخطأ ما لم يتعمد، ~~جمعه خطايا، وقرىء شاذا: خطيئاتكم، بالجمع السالم الدال على القلة إشارة ~~إلى أنها وإن تكاثرت فهي في جنب عفوه قليل، وهذا بخلاف الأعراف فإن ~~السياق هناك لبيان إسراعهم في الكفر كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وناسب ~~عد النعم العطف على ما تقدم منها بقوله: { وسنزيد المحسنين * } أي بعد ~~غفران ذنوبهم. قال الحرالي: جمع محسن من الإحسان وهو البلوغ إلى الغاية ~~في حسن العمل، فيكون مع الخلق رؤية المرء نفسه في غيره فيوصل له من البر ~~ما يجب أن يفعل معه، ورؤية العبد ربه في عبادته، فالإحسان فيما بين ~~العبد وربه أن يغيب عن نفسه ويرى ربه، والإحسان فيما بين العبد وغيره أن ~~يغيب عن غيره ويرى نفسه، فمن رأى نفسه في حاجة الغير ولم ير نفسه في ~~عبادة الرب فهو محسن، وذلك بلوغ في الطرفين إلى غاية الحسن في العمل ~~بمنزلة الحسن في الصورة - انتهى. # ولما كان هذا التصريح بالترغيب المتضمن للتلويح بالترهيب مقتضيا ~~للعاقل المبادرة إلى الطاعة بين أنه تسبب عنه أن بعضهم عصوا وكفروا هذه ~~النعمة العظيمة ولم يقتصروا على ترك هذا الأمر بل بدلوه بدخولهم كما في ~~الحديث # " يزحفون على أستاههم قائلين: حبة في شعرة " # أي جنس الحب في جنس الشعرة أي في الغرائر مطلوبنا لا الحطة وهي غفران ~~الذنوب. قال الحرالي: أمروا بالإخلاص لله نظرا إلى حياة قلوبهم فطلبوا ~~الحنطة نظرا إلى حياة جسومهم فقال تعالى { فبدل } من التبديل وهو تعويض ~~شيء مكان شيء - انتهى. { الذين ظلموا } وأسقط: منهم، لما يأتي في الأعراف ~~{ قولا } أي مكان القول الذي أمروا به. # ولما كان التبديل وإن كان يفهم التغيير لكنه يصدق بأدنى تغيير ولو أنه ~~في اللفظ وإن اتحد المعنى بين أنه مضاد له بحيث لا يمكن اجتماعهما ~~بقوله: { غير الذي قيل لهم } فإن ms0129 غيرا كما قال الحرالي كلمة تفهم انتفاء ~~وإثبات ضد ما انتفى، وقال: ذكر تعالى عدولهم عن كل ذلك واشتغالهم ببطونهم ~~وعاجل دنياهم فطلبوا طعام بطونهم التي قد فرغ منها التقدير وأظهر لهم ~~الغناء عنها في حال التيه بإنزال المن والسلوى إظهارا لبلادة طباعهم ~~وغلبة حب العاجلة عليهم فبدلوا كلمة التوحيد وهي لا إله إلا الله وهي ~~الحطة بطلب الحنطة # ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من ~~فوقهم ومن تحت أرجلهم # [المائدة: 66] # ولو أن أهل القرى أمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض # [الأعراف: 96] # " من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين " # انتهى. وبين أنه خص المبدلين بالعتاب نعمة منه مع أن له أن يعم فقال { ~~فأنزلنا } أي بعظمتنا بسبب ذلك { على الذين ظلموا } أي خاصة { رجزا } ~~قال الحرالي: هو أشد العذاب، وما جره أيضا يسمى رجزا مما يجب أن يزجر ~~عنه والزجر كف البهائم عن عدواها - انتهى. ولما كان الإنزال مفهما ~~للسماء حققه تعظيما له بقوله: { من السماء بما } أي بسبب ما { كانوا ~~يفسقون * } أي يجددون الخروج من الطاعة إلى المعصية في كل وقت. ففي ~~إفهامه أنهم يعودون إلى الطاعة بعد الخروج منها وذلك مقتض لأن يكون ~~يظلمون أشد منه كما يأتي. قال الحرالي: فبحق يجب على من دخل من باب جبل ~~أو قرية أن يقول في وصيدها: لا إله إلا الله، ليحط عنه ماضي ذنوبه، ~~فكأن ذكر الله في باب المدينة والشعب ذكاة لذلك المدخل، فمن لم يدخله ~~مذكيا دخله فاسقا # لا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق # [الأنعام: 121] فلذلك ما انختم ذكرهم في الآية بالفسق - انتهى. ### || [2.60-63] # ولما بين سبحانه نعمته عليهم بالإمكان من القرية بالنصر على أهلها ~~والتمتع بمنافعها وختمه بتعذيبهم بما يميت أو يحرق وتبين من ذلك كله أن ~~قلوبهم أشد قسوة من الحجارة كما سيأتي التصريح به من قول الله تعالى في ~~قصة البقرة وأنها لا منفعة فيها اتبعه التذكير بنعمته عليهم في البرية ms0130 ~~بما يبرد الأكباد ويحيي الأجساد فذكر انفجار الماء من الحجر الذي عمهم ~~نفعه وأنقذهم من الموت تبعة ودلهم على التوحيد والرسالة أصله وفرعه بقدرة ~~الصانع وعلمه جمعا لهم بذلك بين نعمتي الدين والدنيا فقال تعالى { وإذ ~~استسقى } أي طلب السقيا. قال الحرالي: والسقيا فعلى صيغة مبالغة فيما ~~يحصل به الري من السقي والسقي إحياء موات شأنه أن يطلب الإحياء حالا أو ~~مقالا؛ قال صلى الله عليه وسلم: # " اللهم اسق عبادك! ثم قال: وأحي بلدك الميت " # انتهى. { موسى لقومه } أي لما خافوا الموت من العطش { فقلنا } أي بما ~~لنا من العظمة حين خفيت عنهم { اضرب } قال الحرالي: من الضرب وهو وقع ~~الشيء على الشيء بقوة { بعصاك } والعصا كأنها ما يكف به العاصي، وهو من ~~ذوات الواو، والواو فيه إشعار بعلو كأنها آلة تعلو من قارف ما تشعر فيه ~~الياء بنزول عمله بالمعصية، كأن العصو أدب العصي، يقال عصا يعصو أي ضرب ~~بالعصا اشتقاق ثان، وعصى يعصي إذا خالف الأمر - انتهى. { الحجر } أي جنسه ~~فضرب حجرا { فانفجرت } وما أنسب ذكر الانفجار هنا بعد ختم ما قبل بالفسق ~~لاجتماعهما في الخروج عن محيط، هذا خروج يحيي وذاك خروج يميت. قال ~~الحرالي: الانفجار انبعاث وحي من شيء موعى أو كأنه موعى انشق وانفلق عنه ~~وعاؤه ومنه الفجر وانشقاق الليل عنه - انتهى. ولأن هذا سياق الامتنان عبر ~~بالانفجار الذي يدور معناه على انشقاق فيه سيلان وانبعاث مع انتشار ~~واتساع وكثرة، ولما لم يكن { منه } أي الحجر الذي ضربه { اثنتا عشرة ~~عينا } لكل سبط عين، والعين قال الحرالي هو باد نام قيم يبدو به غيره، ~~فما أجزأ من الماء في ري أو زرع فهو عين، وما مطر من السماء فأغنى فهو ~~عين، يقال إن العين مطر أيام لا يقلع وإنما هو مطر يغني وينجع، وما تبدو ~~به الموزونات عين، وما تبدو به المرئيات من الشمس عين، وما تنال به ~~الأعيان من الحواس عين، والركية وهي بئر السقيا عين، وهي التي يصحفها ~~بعضهم فيقول: الركبة - بالباء يعني ms0131 الموحدة - وإنما هي الركية - بالياء ~~المشددة - كذا قال، وقد ذكر أهل اللغة عين الركبة؛ وعد في القاموس ~~المعاني التي لهذا اللفظ نحو أربعين، منها نقرة الركبة أي بالموحدة، ~~ومنها مفجر ماء الركية بالتحتانية مشددة. # ولما توقع السامع إخبار المتكلم هل كانت الأعين موزعة بينهم معروفة أو ~~ملبسة قال { قد علم كل أناس } أي منهم. قال الحرالي: وهو اسم جمع من ~~الأنس - بالضم، كالناس اسم جمع من النوس، قال: فلم يسمهم باسم من أسماء ~~الدين لأن الأسماء تجري على حسب الغالب على المسمين بها من أحوال تدين ~~أو حال طبع أو تطبع { مشربهم } مكتفاهم من الشرب المردد مع الأيام ومع ~~الحاجات في كل وقت بما يفهمه المفعل اسم مصدر ثان مشتق من مطلق الشرب أو ~~اسم محل يلزمه التكرار عليه والتردد، فجعل سبحانه سقياهم آية من آياته في ~~عصاه، كما كانت آيته في عصاه على عدوه الكافر، فكان فيها نقمة ورحمة؛ ~~وظهر بذلك كمال تمليكه تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم حين كان ينبع من ~~بين أصابعه الماء غنيا في نبوعه عن آلة ضرب أو حجر، وتمليك الماء من ~~أعظم التمكين، لأنه تمكين فيما هو بزر كل شيء ومنه كل حي وفيه كل مجعول ~~ومصور - انتهى. يعني أن هذه الخارقة دون ما نبع للنبي صلى الله عليه وسلم ~~من الماء من بين أصابعه، ودون ما نبع بوضع أصحابه سهما من سهامه في بئر ~~الحديبية وقد كانت لا ماء فيها، ونحو ذلك كثير. # ولما كان السياق للامتنان وكان الإيجاد لا تستلزم التحليل للتناول قال ~~زيادة على ما في الأعراف ممتنا عليهم بنعمة الإحلال بعد الإيجاد على ~~تقدير القول لأنه معلوم تقديره { كلوا واشربوا من رزق الله } أي الذي ~~رزقكموه من له الكمال كله من غير كد ولا نصب. قال الحرالي: لما لم يكن في ~~مأكلهم ومشربهم جرى العادة حكمته في الأرض فكان من غيب فأضيف ذكره لاسم ~~الله الذي هو غيب { ولا تعثوا } من العثو وهو أشد الفساد وكذلك العثي إلا ~~أنه ms0132 يشعر هذا التقابل بين الواو والياء، إن العثو إفساد أهل القوى ~~بالسطوة والعثى إفساد أهل المكر بالحيلة - انتهى. { في الأرض } أي عامة، ~~لأن من أفسد في شيء منها بالفعل فقد أفسد فيها كلها بالقوة. واتباع ما ~~معناه الفساد قوله { مفسدين } دليل على أن المعنى ولا تسرعوا إلى فعل ما ~~يكون فسادا قاصدين به الفساد، فإن العثي والعيث الإسراع في الفساد، لكن ~~قد يقصد بصورة الفساد الخير فيكون صلاحا في المعنى، كما فعل الخضر عليه ~~السلام في السفينة والغلام، وليس المراد بالإسراع التقييد بل الإشارة إلى ~~أنه لملاءمته للهوى لا يكون إلا كذلك، سيأتي له في سورة هود عليه السلام ~~إن شاء الله تعالى مزيد بيان. قال الحرالي: وفيه إشعار بوقوع ذلك منهم، ~~لأن في كل نهي إشعارا بمخالفته، إلا ما شاء الله، وفي كل أمر إشعارا ~~بموافقته إلا ما شاء الله، لأن ما جبل عليه المرء لا يؤمر به لاكتفاء ~~إجباره فيه طبعا عن أمره، وما منع منه لا ينهى عنه لاكتفاء إجباره عن ~~أمره، وإنما مجرى الأمر والنهي توطئة لإظهار الكيان في التفرقة بين مطيع ~~وعاص، فكان منهم لذلك من العثي ما أوجب ما أخبر به الحق عنهم من الهوان، ~~وأشد الإفساد إفساد بنيان الحق الذي خلقه بيده وهي مباني أجساد بني آدم ~~فكيف بالمؤمنين منهم فكيف بالأنبياء منهم - انتهى. # ولما امتن عليهم بهذه النعمة العظمة من أكل المن والسلوى وشرب هذا ~~الماء الرباني بين أنهم كفروها بالتضجر منها وطلب غيرها وبالتيه كان ~~قريبا منها بل كما أن هذه في غاية العلو كان مطلوبهم في غاية الدناءة ~~والسفول فقال تعالى { وإذ قلتم } أي بعد هذه النعم كلها { يا موسى } ~~منادين له باسمه من غير تعظيم { لن نصبر } أي طويلا { على طعام } قال ~~الحرالي: الطعام ما يقوت المتطعم ويصير جزاء منه { فلينظر الإنسان إلى ~~طعامه * } [عبس: 24] الآية - انتهى. { واحد } أي لا يتبدل وإن كان ~~متعددا وإن كان شريفا لا تعب فيه { فادع لنا } قال الحرالي: من الدعاء ~~وهو نداء لاقتضاء ms0133 غلبة لما تدعو الحاجة إليه من القائم على الداعي بتذلل ~~وافتقار وهو في مقابلة الأمر من الأعلى، لأنه اقتضاء لما لا تدعو إليه ~~حاجة من الآمر لأن الآمر بالحقيقة إنما هو الغني لا المفتقر لما يقضيه - ~~انتهى. { ربك } مضيفين لهذا الاسم إليه دون أنفسكم مع كثرة تجليه لكم ~~بهذا الوصف الناظر إلى الإحسان { يخرج لنا } أي وإن كنت أنت غير ملتفت ~~إلى ذلك { مما تنبت } من الإنبات وهو التغذية والتنمية - قاله الحرالي. { ~~الأرض } ثم بينوا ما أرادوا بقولهم { من بقلها } أي خضرها. قال الحرالي: ~~البقل ما يكثر به الأدم، والأدم الأشياء الدسمة فما يصلح معها من نجم ~~الأرض فهو بقل - انتهى. { وقثائها وفومها } أي الحنطة. وقال الحرالي: ~~يقال هو الحب الذي يخبز - انتهى. { وعدسها وبصلها } فكأنه قيل إن هذا ~~العجب منهم فما قال؟ فقيل قال { قال } منكرا عليهم { أتستبدلون } أي ~~أتأخذون { الذي هو أدنى } أي منزلة { بالذي هو خير } أي بدله. فالباء ~~داخلة هنا على المتروك وهذه المادة أعني الباء والدال المهملة واللام ~~بهذا الترتيب لها استعمالات كثيرة يختلف معناها معها فيشكل فهمها بسبب ~~ذلك، فإنه قد يذكر معها المتقابلان فقط، وقد يذكر معها غيرها، وقد لا ~~يكون كذلك، وقد يكون ذلك مع التبدل والاستبدال مصحوبا أحدهما بالباء، ~~وقد لا يكون كذلك، وقد يذكران مع التبديل والإبدال، وتارة تكون الباء ~~داخلة على المتروك، وتارة على المأخوذ، وقد يعدي الفعل بنفسه إلى ~~المفعولين، وتارة يقتصر به على مفعول واحد؛ ولبعض الاستعمالات معنى غير ~~معنى الآخر وسيأتي تحريره إن شاء الله تعالى في سورة سبأ فكأنه قيل: فهل ~~أجابهم إلى سؤالهم؟ فقيل: نعم، قال { اهبطوا مصرا } أي من الأمصار، قال ~~الحرالي: المصر هو البلد الجامع لما يتعاون عليه من أمور الدنيا الذي ~~يجمع هذه المطالب التي طلبوها لأن ما دون الأمصار لا يكون فيها إلا ~~بعضها، ومنه سميت مصر لجماع أمر ما في الدنيا فيها وغرابة سقياها، وإن ~~وافق ذلك ما يقال إنها سميت مصر باسم رجل فالوفاق في حكمه الله، لأن ms0134 كل ~~دقيق وجليل فيها جار بعلم الله وحكمته حيث كانت من وراء حجاب يخفيها أو ~~ظاهرة بادية لأهل النظر والاستبصار - انتهى. # { فإن لكم } أي فيه { ما سألتم } وينقطع عنكم المن والسلوى، والسؤال قال ~~الحرالي طلب ما تدعو إليه الحاجة وتقع به الكفاية، قال: وذكر تعالى أن ~~مطلبهم إنما يجدونه في الأمصار التي أقر فيها حكمته لا في المفاوز التي ~~تظهر فيها كلمته، ولذلك كثيرا ما تنخرق العدة لأولياء هذه الأمة في ~~المفاوز وقل ما تنخرق في الأمصار والقرى، لما في هذه الآية مضمونة، ولذلك ~~حرص السالكون على السياحة والانقطاع عن العمائر، لما يجدون في ذلك من روح ~~رزق الله عن كلمته دون كلفة حكمته. # ولما نظم سبحانه بنبأ موسى عليه السلام ما كان من نبأهم مع يوشع عليه ~~السلام بعده نظم في هذه الآية بخطاب موسى عليه السلام ما كان منهم بعد ~~يوشع عليه السلام إلى آخر اختلال أمرهم وانقلاب أحوالهم من حسن المظاهرة ~~لنبيهم إلى حال الاعتداء والقتل لأنبيائهم عليهم السلام، وفي جملته إشعار ~~بأن ذلك لم يكن منهم إلا لأجل إيثار الدنيا ورئاستها ومالها على الآخرة ~~إيثارا للعاجلة على الآجلة، وفي طيه أشد التحذير لهذه الأمة في اتباعهم ~~لسنن أهل الكتاب في مثل أحوالهم؛ ولذلك انتظم بها الآية الجامعة وابتدأ ~~بذكر الذين آمنوا من هذه الأمة ثم استوفى الملل التي لها صحة على ما يذكر ~~آنفا إن شاء الله تعالى - انتهى. ولما كان التقدير ففعلوا ما أمروا به ~~من هبوط المصر فكان ما وعدوا به عطف عليه قوله { وضربت عليهم الذلة } ~~ملازمة لهم محيطة بهم من جميع الجوانب كما يحيط البيت المضروب على ~~الإنسان به، وهي اسم من الذل وهو صغار في النفس عن قهر وغلبة. قال ~~الحرالي: وفي عطفه إفهام لمجاوزة أنباء عديدة غايتها في الظهور ما عطف ~~عليها كأن الخطاب يفهم فأنزلناهم حيث أنزلوا أنفسهم ومنعناهم ما لا يليق ~~عن حاله مثل حالهم فظهر منهم وجوه من الفساد، فسلط عليهم العدو فاستأصل ~~منهم من شاء الله ms0135 ومن بقي منهم أخذوا بأنواع من الهوان - انتهى. { ~~والمسكنة } أي كذلك مناسبة لخساسة ما سألوه. # قال الحرالي: وهي ظهور معنى الذل أو التذلل على ظاهر الهيئة والصورة ~~سكونا وانكفاف حراك - انتهى. { وباؤوا } أي رجعوا وكانوا أحقاء { بغضب } ~~من باء فلان بفلان إذا كان حقيقا بأن يقتل به لمساواته له. قال الحرالي: ~~معناه إجماع القاهر على الانتقام في حق مراغمة - انتهى. # { من الله } الملك الأعظم لجرأتهم على هذا المقام الأعظم مرة بعد مرة ~~وكرة إثر كرة. قال الحرالي: وفيه تهديد لهذه الأمة بما غلب على أهل ~~الدنيا منهم من مثل أحوالهم باستبدال الأدنى في المعنى من الحرام ~~والمتشابه بالأعلى من الطيب والأطيب المأخوذ عفوا واقتناعا - انتهى. # ثم ذكر سبب هذا وقال الحرالي: ولما كان الغضب إنما يكون على من راغم ~~الجليل في معصيته ووقعت منهم المراغمة في معصيتهم واعتدائهم ذكر فعلهم - ~~انتهى. فقال { ذلك } أي الأمر العظيم الذي حل بهم من الغضب وما معه، ~~ويجوز أن يرجع إلى اهتمامهم بأمر معاشهم وعنايتهم بأحوال شهواتهم على هذا ~~النحو الأخس الأدنى { بأنهم } أي بسبب أنهم { كانوا } أي جبلة وطبعا { ~~يكفرون } أي مجددين مستمرين { بآيات الله } أي يسترون إذعانهم وتصديقهم ~~بسبب آيات الله الذي له جميع العظمة كتمانا عمن لا يعلم الآيات ~~وتلبيسا، وكان تجديد ذلك والإصرار عليه ديدنا لهم وخلقا قائما بهم. ~~قال الحرالي: والكفر بالآيات أبعد الرتب من الإيمان، لأنه أدنى من الكفر ~~بالله، لأن الكفر بالله كفر بغيب والكفر بآيات الله كفر بشهادة # والذين كفروا بآياتنا هم أصحاب المشئمة * # [البلد: 19] انتهى. { ويقتلون النبيين } أي كان ذلك جبلة لهم وطبعا. ~~قال الحرالي: وهذا جمع نبيء وهو من النبأ وهو الإخبار عن غيب عجز عنه ~~المخبر به من حيث أخبر - انتهى. # ولما كان النبي معصوما دينا ودنيا قال { بغير الحق } أي الكامل ~~تنبيها على أن قتله لا يقع إلا كذلك، لكن هذا لا ينفي أن يكون ثم شبهة ~~كظن التنبؤ فالذم على الإقدام على إراقة الدم بدون الوضوح التام وفاقا ~~لنهي. # ولا تقتلوا ms0136 النفس التي حرم الله إلا بالحق # [الإسراء: 33] فهو أخف مما في آل عمران. ثم علل هذه الجرأة فقال { ذلك } ~~أي الأمر الكبير من الكفر والقتل الذي هو من أعظم الكفر { بما عصوا } وهو ~~من العصيان. قال الحرالي: وهو مخالفة الأمر - انتهى. { وكانوا } أي جبلة ~~وغريزة { يعتدون } أي يتجاوزون الحدود على سبيل التجدد والاستمرار، فإن ~~من فعل ذلك مرد عليه ومرن فاجترأ على العظائم. قال الحرالي: وهو أي ~~الاعتداء تكلف العداء، والعداء مجاوزة الحد، فيما يفسح فيه إلى حد لا عذر ~~لمجاوزه من حيث فسح له سعة ما فسح وحد له ما حد - انتهى. وقد جاء نظم ~~هذه الآيات من قصصهم على غير ترتيبها في الوجود، وفي التوراة لما ذكرت من ~~هذه المناسبات العظيمة والله أعلم شرح أمرها من التوراة قال في آخر السفر ~~الرابع منها في النسخ الموجودة بين أظهر اليهود الآن في هذا القرن التاسع ~~فيما قرأته في نسخة مترجمة بالعربية وخطها كذلك وعليها آثار قراءتهم لها ~~وبيان الأوقات التي يقرأ فيها كل فصل منها ثم قابلتها بالمعنى كما مضى مع ~~شخص منهم وكان هو القارىء ما نصه: وهذه مظاعن بني إسرائيل حيث خرجوا من ~~أرض مصر بأجنادهم على يدي موسى وهارون عليهما السلام وكتب موسى مخارجهم ~~ومراحلهم عن قول الرب ظعنوا من رعمسيس - وفي نسخة: من عين شمس - في ~~خمسة عشر يوما من الشهر الأول من غد الفصح - وفي نسخة: بعد الفصح بيوم ~~- والمراد بالشهر الأول عندهم نيسان وهو شهر الفريك، وخرج بنو إسرائيل ~~بقوة عظيمة تجاه جميع أهل مصر كانوا مشاغيل بدفن الأبكار الذين قتلهم ~~الرب، وبما انتقم الرب من آلهتهم، فظعن بنو إسرائيل من رعمسيس - وفي ~~نسخة: عين شمس - ونزلوا ساحوت وارتحلوا من ساحوت ونزلوا آثم - وفي نسخة: ~~آثام - التي في أقاصى المفازة وظعنوا من آثام ونزلوا في فوهة الخندق الذي ~~في جبال بعلصفون ونزلوا بإزاء مغدول - وفي نسخة: مجدول - وارتحلوا من ~~فوهة الخندق وجازوا في وسط البحر إلى القفر - وفي نسخة: بين البحر والقفر ~~- وساروا ms0137 مسيرة ثلاثة أيام في برية اثام ونزلوا مررا - وفي نسخة: ~~المريرة - وأتوا آليم وفي نسخة: ونزلوا في المراير وارتحلوا من المراير ~~وصاروا إلى آليم - وكان في آليم اثنتا عشرة عينا من ماء وسبعون نخلة ~~ونزلوا هناك على الماء، وارتحلوا من آليم ونزلوا ساحل بحر سوف - وفي ~~نسخة: على البحر الأحمر - وظعنوا من شاطىء بحر سوف - وفي نسخة: من البحر ~~الأحمر - وفي أخرى: بحر القلزم - ونزلوا برية سينين وارتحلوا من قفر ~~سينين ونزلوا ذفقا وظعنوا من ذقفا ونزلوا آلوش وارتحلوا من آلوش ~~ونزلوا رفيدين - وفي نسخة: رفيديم - ولم يكن هناك ماء يشرب الشعب وظعنوا ~~من رفيدين - وفي نسخة: رفيديم - فنزلوا برية - وفي نسخة: قفر سيناء - ~~وظعنوا من قفر سيناء ونزلوا الموضع المعروف بقبور الشهوة وارتحلوا من ~~مقبرة الشهوة - وفي نسخة: قفر قبور الشهوة - فنزلوا حصروث وظعنوا من ~~حصروث فنزلوا رثما - وفي نسخة: الرامة - وارتحلوا من رثما - وفي نسخة: ~~الرامة - فنزلوا رمون فيرص. # وقال في السفر الثاني عند ذكر الإنعام عليهم باستنقاذهم من أيدي القبط ~~بتلك الآيات العظيمة التي ستشرح إن شاء الله تعالى في سورة الأعراف فقال ~~موسى للشعب: اذكروا هذا اليوم الذي خرجتم فيه من مصر من العبودية والرق، ~~لأن الرب أخرجكم من ههنا بيد منيعة فلا يؤكل الخمير في هذا اليوم وهو ذا ~~أنتم خارجون في شهر الفقاخ - وفي نسخة: الفريك - فإذا أدخلكم الرب إلى ~~أرض الكنعانيين والحيثانيين والأمورانيين والجاوانيين واليابسانيين ~~والفرزانيين كالذي أقسم لآبائكم أن يعطيكم الأرض التي تغل السمن والعسل، ~~تعملون هذا العمل في هذا الشهر، كلوا الفطير سبعة أيام ولا يوجدن الخمير ~~عندكم؛ وتعلمون أبناءكم في ذلك اليوم وتقولون لهم إن الله فعل بنا هذا ~~الفعل إذ أخرجنا من أرض مصر، وليكن ذلك آية على يدك وعلامة بين عينيك ~~لتكون سنة الرب وشريعته على لسانك لأن الرب أخرجك من مصر بيد عزيزة منيعة ~~واحتفظ بهذا وهذه الوصية من سنة إلى سنة في وقته، وإذا أدخلك الرب إلى ~~أرض الكنعانيين التي أقسم لك ولآبائك أن يعطيكها فميز ms0138 كل ذكر بفتح الرحم ~~للرب وكل ذكر من البهائم التي تكون لك يفتح الرحم يكون خاصة للرب تفتديه ~~بحمل، فإن لم تفتده فاذبحه، وتفتدي كل بكر ذكر من أولادك، فإذا سألك ابنك ~~غدا وقال لك: ما هذا العمل؟ فقل: إن الرب أخرجنا من أرض مصر من العبودية ~~والرق بيد منيعة عزيزة، لأن فرعون قسا وفظ وأبى أن يرسلنا، فقتل الرب ~~جميع أبكار أرض مصر من بكر البشر إلى بكر البهائم، فمن أجل ذلك أذبح للرب ~~كل ذكر بفتح الرحم وأفتدي جميع أبكار ولدي، فيكون ذلك علامة على يدك ~~وذكرا بين عينيك، لأن الرب أخرجك من مصر بيد منيعة عزيزة. # فلما أرسل فرعون الشعب وانطلقوا لم يرسلهم الله تعالى في طريق أرض ~~فلسطين، لأنه كان قريبا ولأن الله قال: لعل الشعب إذا ما عاينوا القتال ~~أن يخافوا ويرهبوا فيرجعوا إلى مصر، فساس الله الشعب في طريق برية بحر ~~سوف، وخرج بنو إسرائيل من أرض مصر وهم متسلحون، وحمل موسى عليه السلام ~~عظام يوسف عليه السلام معه، لأنه أقسم على بني إسرائيل بأيمان وقال: إن ~~الله سيذكركم فأصعدوا عظامي معكم من ههنا، فظعنوا من ساحوت ونزلوا آثام ~~التي في أقطار البرية، وكان الرب يسير أمامهم بالنهار في عمود السحاب ~~ليسكنهم في الطريق وبالليل في عمود نار ليضيء لهم وكان يسير أمامهم ~~بالليل والنهار، ولم يكن عمود الغمام يزول بالنهار وعمود النار بالليل من ~~بين يدي الشعب، وكلم الرب موسى وقال له: قل لآل إسرائيل أن يرجعوا ~~فينزلوا على شاطىء الخندق وما بين مغرول والبحر أمام بعلصفون، انزلوا ~~هناك إزاء البحر حتى يقول فرعون إن بني إسرائيل غرباء في الأرض، فيظن ~~أنهم قد تاهوا في القفر وأن البر قد انغلق عليهم؛ وقال الرب لموسى: أنا ~~أقسي قلب فرعون فيسير في طلبكم فأمجد بفرعون وجميع جنوده، فيعلم أهل مصر ~~أني أنا الرب، ففعلوا كذلك؛ فأسف فرعون وعبيده لإرسال الشعب وندموا، ~~فألجم خيله وسار في جميع شعبه وظعن في ستمائة ألف راكب مختارة وجميع ~~مواكب ms0139 المصريين أيضا والرجال - وفي نسخة: والقواد - على جميعها، فسار ~~المصريون في طلبهم فرهقوهم وهم حلول على المهرقان، فقرب فرعون ورفع بنو ~~إسرائيل أبصارهم فرأوا المصريين وهم في طلبهم فخافوا خوفا شديدا، فصلى ~~بنو إسرائيل بين يدي الرب وقالوا لموسى: ألقلة القبور بمصر أخرجتنا لنموت ~~في البرية؟ لم فعلت بنا هذا الفعل وأخرجتنا من مصر؟ أليس هكذا كنا نقول ~~لك ونحن بمصر: دعنا نتعبد للمصريين كان خيرا لنا أن نتعبد للمصريين من ~~الموت في هذا القفر؟ فقال موسى للشعب: لا خوف عليكم! انتظروا فأبصروا ~~خلاص الرب إياكم في هذا اليوم، لأنكم عاينتم المصريين يومنا هذا، لا ~~تعودون أن تعاينوهم أيضا إلى الأبد، والرب يجاهد عنكم إذ أنتم في هدوء ~~وطمأنينة؛ فصلى موسى بين يدي الرب فقال: مر بني إسرائيل أن يظعنوا وأنت ~~فارفع عصاك واضرب ماء البحر، فيسير آل إسرائيل في البحر في اليبس، وها ~~أنا ذا أقسي قلوب المصريين وأغلظها ليتبعوهم، فأمجد بفرعون وبجميع جنوده ~~وبمواكبه وفرسانه، فيعلم أهل مصر أني أنا الرب إذا مجدت بفرعون وبجميع ~~جنوده، فظعن ملك الله الذي كان يسير أمام عسكر بني إسرائيل فصار على ~~ساقتهم، فاحتمل السحاب الذي كان أمامهم فوقف خلفهم ودخل بين عسكر ~~المصريين ومحلة بني إسرائيل، وكان السحاب والحندس تلك الليلة بأسرها ~~وكان الضياء والنور لبني إسرائيل تلك الليلة كلها، فلم يقدروا على الدنو ~~إليهم تلك الليلة. # فرفع موسى يده على البحر فزجر الرب البحر بريح سموم - وفي نسخة: قبول ~~عاصف - أليل أجمع، فصير ماء البحر في اليبس، وانقسم الماء، فدخل بنو ~~إسرائيل في وسط البحر في اليبس، فصارت المياه كالسور بين ميامنهم ~~ومياسرهم، فسار المصريون فدخلوا في طلبهم فصار خيل فرعون وجميع مواكبه في ~~البحر، فلما كان عند حريم الغداة تراءى الرب لعسكر المصريين في عمود نار ~~ومزنة غمامة، فأرجف عسكر المصريين وأفتنه وربط مواكبهم وحبسها وجعلوهم ~~يعنقون بالسير عليها، فقال المصريون: سيروا بنا لنهرب بين يدي آل ~~إسرائيل، لأن الرب حارب عنهم بمصر، فقال الرب لموسى: ابسط يدك على ms0140 ~~المهرقان فتؤول المياه على المصريين فتطفح على مواكبهم وفرسانهم، فرفع ~~يده على البحر، فرجع البحر عند وقت الغداة إلى موضعه والمصريون جعلوا ~~يهربون إزاءه، فعذب الرب المصريين في البحر وأكذبهم، فجرت المياه وطفت ~~على المواكب والفرسان وعلى جميع جنود فرعون الذين دخلوا في البحر في ~~طلبهم، ولم ينج منهم واحد، فخلص آل إسرائيل في ذلك اليوم من أيدي ~~المصريين، فنظر بنو إسرائيل إلى المصريين موتى على شاطىء المهرقان، وعاين ~~آل إسرائيل النقمة العظيمة التي أنزلها الله بالمصريين، وخاف الشعب الرب ~~وآمنوا به وصدقوا قول موسى عبده، حينئذ سبح موسى وبنو إسرائيل بهذا ~~التسبيح وقالوا: نسبح الرب ذا الجلال الذي تعالى على المواكب وغرق ~~فرسانها في البحر المنيع، والمحمود الرب الأزلي، فكان لي منجيا، هذا ~~إلهنا فلنحمده ولنمجده، إله آبائنا فلنعظمه ولنجله، الرب ذو الملاحم، ~~جبار اسمه، لأنه قذف بمواكب فرعون وجنوده في البحر وغرق جبابرة في بحر ~~سوف وغطتهم الأمواج وهبطوا في القعر فرسبوا مثل الجنادل، يمينك يا رب ~~بهية بالقوة، يمينك يا رب أهلكت أعداءك بعظم عزك، كبت شانئك أرسلت غضبك ~~فأحرقهم كالسهم بريح وجهك، وأمرك جمدت المياه ووقف جريها كأنه الأطواد، ~~ورسب الأغمار في قعر البحر كالرصاص في الماء المنيع؛ فمن مثلك ومن يفعل ~~كأفعالك أيها البهي في قدسه المرهوب المحمود مظهر العجائب، سست بنعمتك ~~هذا الشعب الذي خلصت، فبلغ ذلك الشعوب فارتجفوا وقلقوا وغشي الخوف ~~والرعب سكان فلسطين، عند ذلك ذعر أشراف ادوم وغشى الرعدة والارتعاش رجال ~~مؤاب وانكسر جميع سكان كنعان فانهزموا فلينزل بهم الخوف والقلق والرجفة ~~بعظمة ذراعك، يغرقون كالجنادل حتى يجوز شعبك الذي خلصت، تقبل بهم ~~فتقدسهم في جبل ميرانك، الرب يملك إلى أبد الآبدين؛ وظعن موسى ببني ~~إسرائيل من بحر سوف، فخرجوا حتى انتهوا إلى برية أسود، ثم ساروا في ~~البرية مسيرة ثلاثة أيام فلم يجدوا هناك ماء، ثم انتهوا إلى مورث فلم ~~يقدروا على أن يشربوا ماء مورث، لأنه كان مرا فتذمر الشعب على موسى ~~وقالوا له: ما الذي نشرب الآن؟ فصلى ms0141 موسى بين يدي الرب، فأظهر الرب له ~~عودا فألقاه في الماء، فعذب الماء هناك، علمه السنن والأحكام، فأتوا حتى ~~انتهوا إلى آليم وكان هناك اثنتا عشرة عينا من ماء وسبعون نخلة فنزلوا ~~هناك على الماء، ثم ظعنوا من آليم فأتوا برية سينين التي بين آليم وسينين ~~في خمسة عشر من الشهر الثاني من الزمان الذي خرجوا من مصر، فتذمر جميع ~~جماعة بني إسرائيل على موسى وهارون وقالوا لهما: قد كنا نحب أن نتوفى في ~~أرض مصر إذ كنا جلوسا بين أيدينا مراجل اللحم وكبار الخبز ونفضل ~~فأخرجتمانا إلى هذه البرية لتقتلا جماعة بني إسرائيل بالجوع! فقال الرب ~~لموسى: ها أنا ذا مهبط لكم الخبز من السماء فليخرج الشعب فليلتقطوا طعام ~~يوم بيوم لكي أمتحنهم هل يسيرون بوصاياي وسنني ويحفظونها أم لا، فإذا كان ~~اليوم السادس فليعدوا فضلا على ما يأتون به وليكن ذلك ضعف ما يلتقطون في ~~كل يوم، فقال موسى وهارون لجميع بني إسرائيل عند الأصيل: تعلمون أن الرب ~~أخرجكم من أرض مصر وبالغداة تعاينون مجد الرب، لأن تذمركم بلغ الرب، ونحن ~~فمن نحن إذ تتذمرون علينا، وقال لهم موسى: إن الرب قد أعطاكم لحما عند ~~الأصيل لتأكلوا ورزقكم خبزا بالغداة لتشبعوا، لأنه قد بلغ الرب تذمركم ~~الذي تراطنون عليه، ونحن فمن نحن وليس إنما تتذمرون علينا بل على الرب، ~~وقال لهارون: مر جميع جماعة بني إسرائيل أن يدنوا فيقفوا بين يدي الرب، ~~فلما قال هارون ذلك لجميع جماعة بني إسرائيل التفتوا فإذا مجد الرب قد ~~اعتلن في السحاب وقال الرب لموسى: قد بلغني تذمر بني إسرائيل فقل: عند ~~مغارب الشمس تأكلون اللحم وبالغداة شرقا تشبعون من الخبز فتعلمون أني ~~أنا الرب إلهكم، فلما كان عند الأصيل صعدت السماني فتغشت العسكر، وكان ~~بالغداة ضبابة تقطر المن فأحاطت بالعسكر، فارتفعت الضبابة فإذا على وجه ~~الأرض دقيق يتقشر وكان شبه صفائح الجليد على الأرض، فقال موسى: هذا الخبز ~~الذي أعطاكم الرب لتأكلوا، وهذا قول الرب الذي أمر به ليلتقط المرء منه ms0142 ~~على قدر قوته مكيالا لكل نفس على عدد رؤوسكم ليأخذ المرء لكل من كان في ~~خيمته، فصنع بنو إسرائيل كما أمرهم موسى والتقطوا، فمنهم من أخذ كثيرا ~~ومنهم من تناول قليلا وكالوا ذلك، فلم يفضل الذي أخذ الكثير والذي أخذ ~~القليل لم يعدمه، فقال لهم موسى: لا تبقين منه للغد شيئا، فلم يطيعوا ~~موسى فأفضل رهط منهم للغد، فدب فيه الدود وأنتن، فغضب موسى، فجعلوا ~~يلتقطونه في كل غداة كل امرىء على قدر قوته، وكان إذا حميت عليه الشمس ~~يميع، فلما كان اليوم السادس التقطوا من الخبز ضعفي ما كانوا يتناولون كل ~~رجل مكيالين، فأتى جميع أشياخ الجماعة فأخبروا موسى، فقال لهم: هكذا قال ~~الرب، إن السبت راحة ودعة وغدا يوم قدس الرب؛ وقال في موضع آخر: لا ~~تعملوا فيه عملا بل يكون سبتا للرب في جميع مساكنكم، وكل ما أردتم أن ~~تختبزوه فاخبزوه واطبخوا ما أردتم طبخه واحتفظوا بما تفضلون باردا للغد، ~~فأبقوا منه للغد كما أمر موسى، فلم ينتن ولم يدب فيه الدود فقال لهم ~~موسى: كلوه يومكم هذا، لأن اليوم يوم سبت للرب ولستم تقدرون عليه اليوم ~~في الحقل، كونوا تلتقطونه ستة أيام واليوم السابع هو سبت لا يؤخذ فيه، ~~فلما كان اليوم السابع خرج رهط من الشعب ليلتقطوا فلم يجدوا فقال الرب ~~لموسى: حتى متى يأبوا أن يقبلوا وصاياي وسنني، فاستراح الشعب في اليوم ~~السابع، فسماه بنو إسرائيل المن وهو كحبة الكزبرة وطعمه كشهد العسل. # وقال في السفر الرابع: والمن كان يشبه حبة الكزبرة وكان منظره أبيض ~~كالمها، وكان الشعب يترددون ويلتقطونه ويطحنونه في الرحى ويهرسونه في ~~المهراس ويطبخونه في القدور ويصيرون منه مليلا ويصير طعمه مثل طعم ~~الخبز الذي يعجن دقيقه بالزيت. رجع إلى الثاني قال: فأكل بنو إسرائيل ~~المن أربعين سنة ولم يزالوا يأكلون المن حتى انتهوا إلى أقطار الأرض ذات ~~السكنى وحتى انتهوا إلى أقطار أرض كنعان، وكان ذلك المكيال عشر جريب أي ~~عشر ويبة، وإن جماعة بني إسرائيل ظعنوا من برية سينين ms0143 في مظاعنهم كما أمر ~~الرب فوردوا رفيدين ولم يكن للشعب ماء يشربون، فضج الشعب على موسى وقالوا ~~له: أعطنا ماء لنشرب، فقال: ما بالكم تضجون وكم تجربون الرب؟ واشتد عطش ~~الشعب هناك فتذمروا على موسى وقالوا له: لم أصعدتنا من أرض مصر لتقتلنا ~~وأبناءنا ومواشينا بالعطش؟ فصلى موسى أمام الرب وقال: ما أصنع بهذا ~~الشعب؟ إنهم كادوا أن يرجموني، فقال الرب لموسى: جز قدام الشعب وانطلق ~~ببعض أشياخ بني إسرائيل والعصا التي ضربت بها البحر ففلقته، خذها بيدك ~~وانطلق وها أنا ذا واقفا بين يديك على حجر الظران بحوريب فاضرب عند ~~ذلك الظران فيخرج الماء ويشرب الشعب، فصنع موسى هذا الصنيع بين أشياخ بني ~~إسرائيل، فسمى ذلك الموضع التجريب والتذمر، لأن بني إسرائيل تنازعوا ~~واصطخبوا ولأنهم جربوا الله وقالوا: هل الله بيننا أم لا؟ ولما كان في ~~الشهر الثالث بعد خروج بني إسرائيل من مصر انتهوا إلى برية سيناء إذ ~~ظعنوا من رفيدين فأتوا برية سيناء وحل هناك إسرائيل قبالة الجبل، فصعد ~~موسى إلى الجبل فدعاه الله من الجبل وقال: هكذا قل لآل يعقوب: قد رأيتم ~~ما صنعت بالمصريين وحملتكم كأنكم على أجنحة النسور وأقبلت بكم إلي، فإن ~~أنتم الآن أطعتم قولي وحفظتم عهدي فأنتم أحب إلي من جميع شعوب الأرض، ~~فأتى موسى فدعا بأشياخ الشعب فقص عليهم جميع هذه الآيات التي أمره بها ~~الرب، فأجاب الشعب كلهم جميعا وقالوا: نحن فاعلون جميع ما أمرنا به ~~الرب، فرد موسى جواب الشعب على الرب فقال الرب لموسى: ها أنا ذا مناجيك ~~في سحابة مظلمة لكي يسمع الشعب كلامي إذا كلمتك فيقبلوا كلامك ويصدقوك ~~إلى الأبد، فقال الرب لموسى: انطلق إلى الشعب وطهرهم اليوم وغدا ~~وليبيضوا ثيابهم ويرحضوها وليستعدوا في اليوم الثالث فناشد الشعب وتقدم ~~إليهم وقل لهم: احذروا أن تصعدوا إلى الجبل ولا تقربوا إلى حافاته، ومن ~~دنا من الجبل فليقتل ولا تصيبه أيدي الناس بل يرجم رجما ويقذف به إلى ~~أسفل به بهيمة كان أو إنسانا، فإذا صمتت أصوات القرون ms0144 فأنتم في حل من ~~الصعود إلى الجبل، فهبط موسى من الجبل إلى الشعب فطهر الشعب وبيضوا ~~ثيابهم، وقال موسى للشعب: كونوا مستعدين في اليوم الثالث، لا تقتربن إلى ~~امرأة، فلما كان في اليوم الثالث باكروا غلسا، فإذا هم بأصوات قرون ~~وبروق وإذا هم أيضا بسحابة عظيمة قد حلت على الجبل، فاشتد صوت القرن ~~جدا واشتد فزع من كان في العسكر، وأخرج موسى الشعب إلى لقاء الرب من ~~العسكر فقاموا في حافات الجبل وكان جبل سيناء يخرج منه القتار والدخان، ~~لأن الرب هبط عليه بالنار وارتفع غباره كغبار الأتون وتزلزل الجبل زلزلة ~~شديدة واشتد صوت القرن، ودعا الرب موسى إلى رأس الجبل، فصعد موسى وقال له ~~الرب: انزل فأنشد بني إسرائيل وإنذرهم أن لا يتزحزحوا عند النظر بين يدي ~~الرب فيهلك منهم كثير، وكان جميع الشعب يسمعون الأصوات ويرون المصابيح ~~ويسمعون أصوات القرون ويرون الدخان يخرج من الجبل. # فرأى ذلك الشعب ففزعوا ووقفوا من بعيد وقالوا لموسى: كلمنا أنت حتى نسمع ~~ولا يكلمنا الله لكيلا نموت، فقال موسى: لا خوف عليكم، لأن الله إنما ~~كلمكم ليمتحنكم ويجربكم لكي تخافوه وترهبوه ولا تخطئوا ولا تأثموا، فوقف ~~الشعب من بعيد ودنا موسى من الضباب التي اعتلن الله فيها، وقال الرب ~~لموسى: هكذا قل لآل إسرائيل: قد رأيتم وعلمتم أني كلمتكم من السماء، لا ~~تتخذوا معي آلهة من ذهب ولا تعملوا لكم آلهة من فضة، ثم قال: ها أنا ذا ~~مرسل إليك الملك بين يديك ليحفظك في سفرك ويوردك البلد الذي أتقنت - وفي ~~نسخة: الذي هيأته - فاحذره واسمع منه، لأن اسمي حال عليه، فإن أنت قبلت ~~قوله وأطعت أمره وعملت بكل ما يأمرك به أبغض مبغضيك ويسير ملكي أمامك ~~فيدخلك على الأمورانيين - وذكر بعدهم خمس فرق - فأقتلهم وأبيدهم وأرسل ~~الرعب والخوف والجزع بين يديك وأبيد جميع الشعوب الذين تسير إليهم ولا ~~أبيدهم في سنة واحدة لكي لا تخرب الأرض بل رويدا رويدا حتى تعتز - وفي ~~نسخة: تكثر - فتصير ذا بطش فترث الأرض واجعل تخومك ms0145 من بحر سوف إلى فلسطين ~~ومن البرية حتى النهر - وفسره في موضع آخر بالفرات - وقال الرب لموسى: ~~اصعد إلى الجبل أنت وهارون وناذاب وآبيهوا وسبعون رجلا من أشياخ بني ~~إسرائيل ويسجدون من بعيد، ويقترب موسى وحده إلى الرب وهم لا يقتربون ولا ~~يصعد الشعب معه. فجاء موسى وقص على الشعب جميع عهود الرب وجميع أحكامه، ~~فنادى الشعب كلهم بصوت عال وقالوا: نحن نفعل ما أمرنا الرب، وكتب موسى ~~جميع كلام الرب، وغدا باكرا فبنى مذبحا في حافة الجبل ونصب اثنتي عشرة ~~نصبة لأسباط بني إسرائيل - ثم ذكر ذبائح وقرابين وغير ذلك ثم قال: ثم أخذ ~~سفر العهد فتلاه على الشعب، فقالوا: نحن سامعون فاعلون ما أمرنا به الرب، ~~فتناول موسى ذلك الدم - يعني دم القربان - فرشه على الشعب وقال: هذا دم ~~العهد الذي عاهدكم في جميع هذه الأقاويل، وصعد موسى ومن ذكر معه ثم تركهم ~~في مكان من الجبل ثم قال لهم امكثوا ههنا، فصعد موسى إلى الجبل وتغشاه ~~السحاب وحل مجد الله على جبل سيناء وستره السحاب ستة أيام، ودعا الرب ~~موسى في اليوم السابع من جوف السحاب ونظر إلى مجد الرب مثل نار تتوقد في ~~رأس الجبل أمام جميع بني إسرائيل، فدخل موسى في جوف السحاب وصعد إلى ~~الجبل فمكث موسى في الجبل أربعين يوما نهارا وأربعين ليلة، وكلم الرب ~~موسى وقال له: قل لبني إسرائيل: فليخصوا لي تزكية أموالهم، وخذ ذلك من كل ~~رجل بلغ أشده - ثم ذكر الأموال التي تزكى إلى أن قال: ويتخذون لي مظهرا ~~حتى أحل بينهم كل شيء أريكه شبه القبة وجميع متاعها كذلك فليصنعوه - ثم ~~قال: واعمل على المثال الذي أريكه في الجبل وليتخذوا تابوتا من خشب ~~الشمشاد طوله ذراعان ونصف وسمكه ذراع ونصف، وصفحه بصفائح الذهب الإبريز ~~من داخله ومن خارجه، واتخذ له طوقا من ذهب يحيط به، وضع له أربع حلقات ~~من ذهب وسمرها في أربع زوايا التابوت حلقتين في شق واحد وحلقتين في ~~الجانب الآخر، واتخذ أصطارا من خشب ms0146 الشمشاد وصفحها بالذهب، وصير الأصطار ~~في الحلق في جانبي التابوت ليحل بها، وليكن الأصطار في حلق التابوت ولا ~~ينزع منها، وتضع الشهادة التي أعطيك في التابوت، وسمي هذا تابوت الشهادة، ~~واتخذ كروبين أي شخصين من ذهب اتخذهما مفرعين مصبوبين فيكونا على جانبي ~~التطهير وتكون أجنحة الكروبين مبسوطة تظل من فوق فتظل بأكنافها على ~~التطهير، وليكن وجه كل واحد منهما إزاء صاحبه وليكن وجها الكروبين من فوق ~~التطهير؛ وقال: واتخذ دارا للقبة من مهب الجنوب واستمر يصف له عمل هذه ~~القبة وأعمدتها وستورها وآلاتها وخدمها وما يقرب فيها ومحل ضربها من ~~العسكر وعلى أي كيفية في نحو خمس عشرة ورقة وسماها قبة الزمان، ثم أمره ~~تعالى في آخر هذا السفر الثاني بأشياء مما يتصل بأمتعها وسرادقاتها وغير ~~ذلك في أزيد من عشر ورقات كما سيأتي؛ وقال في تضاعيف ذلك: وتصير الشهادة ~~التي أعطيك في التابوت وأواعدك إلى هنالك وأكلمك فوق التطهير من بين ~~الكروبين الذين فوق تابوت الشهادة بجميع ما آمرك في بني إسرائيل وقال: ~~ويتخذوا هذا القربان دائما في كل حين في أحقابكم على باب قبة الزمان ~~قدام الرب. # وأواعدكم إلى هناك لأكلمكم وأواعد بني إسرائيل إلى هناك فأتقدس بكرامتي ~~وأحل بين بني إسرائيل فيعلمون أني أنا الرب إلههم الذي أخرجهم من أرض ~~مصر، ثم قال: فليؤد المرء منهم الزكاة عن نفسه إذا عددتهم لكيلا ينزل بهم ~~الوباء، ثم ذكر له تفاصيل ما يؤدى وأن الزكاة على الغني والمسكين، وكلم ~~الرب موسى وقال له: اعلم أني قد انتخبت بصليال بن أوري بن حور من ~~سبط يهودا وأسبغت عليه روح الله وملأته من الحكمة والعلم في كل علم ليعلم ~~الصناعات في عمل آنية الذهب والفضة والنحاس وفي رندجة الحجارة ونظمها ~~وكمالها وفي تجارة الخشب ليعمل كل عمل وقد ضممت إليه آليهب بن اخسمخ ~~من سبط دان وأحللت الحكمة والفهم في قلوب ذوي الحكمة والعقل ليعملوا جميع ~~ما أمرتك به من عمل قبة الأمد وتابوت الشهادة والتطهير الذي فوقها وجميع ~~متاع قبة ms0147 المائدة وجميع متاعها والمنارة وجميع آنيتها ومذبح البخور ومذبح ~~القرابين وجميع آنيتهما والسطل وأسفله ولباس النضائد ولباس القدس لهارون ~~الكاهن يعني الإمام وكسوة بنيه ليكهنوا ودهن المسح وبخور الطيب للقدس ~~فليعملوا جميع ما أمرتك به - إلى أن قال: ودفع إلى موسى: لما فرغ من ~~كلامه له في طور سيناء لوحي الشهادة لوحي حجارة مكتوب عليهما بيد الله، ~~فرأى الشعب أن موسى قد أبطأ عن النزول من الجبل فاجتمع الشعب يعني ~~وقالوا: نتخذ لنا آلهة تسير أمامنا، لأن الرجل موسى الذي أخرجنا من أرض ~~مصر لا علم لنا ما صار من أمره - فذكر اتخاذهم العجل وأنهم ذبحوا له ~~الذبائح وجلسوا يأكلون ويشربون وقاموا يلعبون ويتسافهون وأن هارون عليه ~~السلام ذعر من ذلك وفزع. # وإنما لم أسق نص التوراة عن هذا بلفظه لأن في أول عبارته ما رأيته غضا ~~بالنسبة إلى مقام هارون عليه السلام وحاشاه مما يوهم نقصا فجوزت أن يكون ~~مما بدلوه ثم تأملت ما رواه النسائي وأبو يعلى وابن أبي حاتم وابن جرير ~~عن ابن عباس رضي الله عنهما في حديث الفتون فوجدته ليس بعيدا من تأويله ~~وقد ذكرت محل الحاجة منه في سورة طه والله الموفق؛ ثم قال فقال الرب ~~لموسى: اهبط من ههنا لأن شعبك الذين أخرجتهم من أرض مصر أفسدوا سيرتهم ~~وصدوا وشيكا عن الطريق الذي أمرتهم أن يسلكوه فاتخذوا لهم عجلا مفترغا ~~وسجدوا له بين يديه وذبحوا له الذبائح وقالوا: هذا إلهك يا إسرائيل الذي ~~أخرجك من أرض مصر، وقال الرب لموسى: إني قد رأيت هذا الشعب قاسية قلوبهم ~~فدعني الآن فيشتد غضبي عليهم فأقتلهم وأبيدهم وأصيرك إلى شعب عظيم، فصلى ~~موسى بين يدي الإله وقال: كلا يا رب! لا يشتد غضبك على شعبك الذين أخرجتم ~~من مصر بقوتك المنيعة وبذراعك العلية الرفيعة ولا يقول أهل مصر: إنك إنما ~~أخرجتهم لهلاكهم لتقتلهم بين الجبال وتستأصل شأفتهم وتبيد خضراءهم عن ~~جديد الأرض يا رب ليسكن غضبك ورجزك واغفر ذنب شعبك اذكر إبراهيم وإسحاق ~~ويعقوب عبيدك والأيمان ms0148 التي أقسمت بها لهم وقلت: إني مكثر نسلكم مثل نجوم ~~السماء وجميع الأرض التي وعدت بها نسلهم أن تعطيهموها فيرثوها إلى الأبد؛ ~~فعفا الرب عن شعبه ولم ينزل بهم الشر، فنزل موسى وهبط من الجبل ولوحا ~~الشهادة في يده لوحان كتب عليهما في الوجهين جميعا واللوحان من عمل ~~الله جل ثناؤه وخط الله مكتوب عليهما، فلما دنا من العسكر نظر العجل ~~والصنوج فاشتد غضب موسى فرمى باللوحين من يده فكسرهما في سفح الجبل، ثم ~~أخذ العجل الذي اتخذوه فأحرقه بالنار وسحله بالمبرد حتى صيره مثل التراب ~~ونثر سحالته على وجه الماء، فوقف موسى على الباب قبة الزمان وقال: من كان ~~من حزب الله فليقل إلي، فانحاز إليه بنو لاوى بأجمعهم فقال لهم موسى: ~~هكذا يقول الرب إله إسرائيل ليتقلد المرء منكم سيفه وجوزوا من باب إلى ~~باب وجولوا العسكر وليقتل المرء منكم أخاه وصاحبه وقرابته، فصنع بنو لاوى ~~كما أمرهم موسى، فقتل من الشعب في ذلك اليوم نحو من ثلاثة آلاف رجل فقال ~~لهم موسى: كفوا أيديكم يومكم هذا من الحمية للرب لتحل عليكم البركة يومنا ~~هذا، فلما كان الغد من ذلك اليوم قال موسى للشعب: أنتم خطئتم وارتكبتم ~~هذه الخطيئة العظيمة! فأما الآن فإني أصعد إلى الرب لعله أن يغفر لكم ~~ذنوبكم وإثمكم، فرجع موسى إلى الرب وقال: أطلب إليك بالتضرع اللهم ربي ~~حقا لقد أخطأ هذا الشعب وارتكب إثما عظيما واتخذوا آلهة من ذهب، فالآن ~~إن أنت غفرت خطاياهم وإلا فامحني من سفرك الذي كتبت، فقال الرب: أنا أمحو ~~من سفري من أخطأ وأذنب، فأما الآن فانطلق بهذا الشعب إلى الموضع الذي ~~أقول لك وهذا ملاكي ينطلق أمامك إلى الأرض التي تغل السمن والعسل، لأني ~~لا أصعد معكم؛ لأنهم شعب قاسية رقابهم ولعل غضبي أن يشتد عليهم فأقتلهم ~~في الطريق، فسمع الشعب هذا القول الفظيع فحزنوا، فلم يتسلح المرء منهم ~~بسلاحه، فأخذ موسى خيمته فنصبها خارجا من العسكر وأبعدها من المحلة ~~وسماها قبة الزمان، وكان من سأل الرب ms0149 أمرا يخرج إلى قبة الزمان، وكان ~~إذا خرج موسى إلى قبة الزمان كان جميع الشعب يقفون ويستعد كل امرىء منهم ~~على باب خيمته ينظرون إلى موسى من خلفه حتى يدخل إلى القبة، وإذا دخل ~~موسى إلى القبة كان ينزل عمود السحاب فيقف على باب القبة ويكلم موسى، ~~وكان جميع الشعب ينظرون إلى عمود السحاب واقفا على باب القبة وكان يقف ~~جميع الشعب ويصلي كل امرىء منهم على باب خيمته، وكلم الرب موسى مواجهة ~~كما يكلم المرء أخاه وصاحبه، وكان يرجع إلى العسكر وكان خادمه يشوع بن ~~نون الغلام لم يكن يفارق القبة، وقال موسى للرب: أنت يا رب أمرتني أن ~~أصعد بهذا الشعب ولم تطلعني على من ترسل معي وقلت: إني قد أطلعتك على ~~جميع خلائقي ومجدي وظفرت أيضا مني برحمة ورأفة، فالآن إن كنت قد ظفرت ~~منك برحمة ورأفة فأرني طريقك حتى أعرفك، فقال الرب لموسى: سر أمامي ~~فأواعدك وأريحك، فقال له: إن أنت لم تصعد بيننا فلا تصعدنا من ههنا، ~~فبماذا يعرف أني قد ظفرت منك برحمة ورأقة أنا وشعبك إلا إذا سرت بيننا ~~فنكون أنا وشعبك منفصلين معروفين من جميع الشعوب الذين على وجه الأرض، ~~فقال الرب لموسى: إني فاعل ما سألت، لأنك ظفرت مني برحمة ورأقة، وأصير ~~اسمك معروفا شهيرا إلى الأبد، فقال له: أرني مجدك، فقال: أنا أجيز جميع ~~مجدي وكرامتي بين يديك ويذكر اسم الرب أمامك وأتحنن على من أردت التحنن ~~عليه وأرحم من أردت أرحم، وقال: إنك لا تقدر على النظر إلى وجهي، لأنه لا ~~يراني بشري فيحيا، وقال الرب لموسى: انقر لوحي حجارة مثل اللوحين الأولين ~~اللذين كسرتهما وكن مستعدا بالغداة واصعد باكرا إلى الجبل جبل سيناء ~~وقف هنالك على رأس الجبل، ولا يصعدن أحد معك، ولا يرى أحد في جميع الجبل، ~~ولا ترتعي الغنم والبقر قبالة ذلك الجبل، فنقر موسى لوحين آخرين من حجارة ~~مثل الأولين وغدا باكرا فصعد إلى طور سيناء كما أمره الرب وأخذ اللوحين ~~في يده فنزل استعلان ms0150 الرب أمامه، فقال موسى: يا رب! اللهم ربي الرؤوف ~~الرحيم الطويل الأناة والمهل الكبير نعمته وقسطه حافظ النعمة والعدل إلى ~~ألف حقب وتغفر الذنوب والإثم والخطايا، فاستعجل موسى فخر على وجهه على ~~الأرض ساجدا وقال: إن ظفرت يا رب منك برحمة ورأفة فليسلك الرب الآن ~~بيننا. # لأن هذا الشعب هو شعب قاسية رقابهم، واغفر ذنوبنا وخطايانا وخبث نياتنا؛ ~~فقال له: ها أنا ذا أعهد عهدا أمام جميع الشعب وأظهر عجائب لم أظهر ~~مثلها في الأرض كلها وفي جميع الشعوب فيرى ذلك جميع هذا الشعب الذي أنت ~~فيه فعل الرب الذي أمرك به أنه مخوف مرهوب، احتفظ بما آمرك به في هذا ~~اليوم، ها أنا ذا أقبل وأبيد من بين يديك من الكنعانيين - وسمى من تقدم، ~~وكرر النهي عن السجود لغيره سبحانه، وأوصى بأشياء منها الفطير فقال: ~~واحتفظ بعيد الفطير سبعة أيام كما أمرتك في أوان شهر الفقاج - وفي نسخة: ~~الفريك - لأنك إنما خرجت من مصر في شهر الفقاج، ثم قال: فمكث هناك عند ~~الرب أربعين يوما ولياليها لم يأكل طعاما ولم يشرب شرابا، وكتب الله ~~على لوحي الحجارة كلام العهد وهو العشر الآيات، فلما هبط موسى من جبل ~~سيناء كان لوحا الشهادة في يده ولم يعلم موسى أن بشرة وجهه قد جللت ~~بالبهاء إذ كلمه الله فنظر هارون وجميع بني إسرائيل إلى وجه موسى ففزعوا ~~أن يقتربوا إليه، فدعاهم فأتاه هارون وجميع عظماء الجماعة وكلمهم موسى، ~~فلما فرغ من كلامه لهم بسط على وجهه جلبابا وكان إذا دخل إلى الرب ~~ليكلمه يسفر عن وجهه حتى يخرج، وكان يخرج فيأمر بني إسرائيل بما يؤمر به، ~~وقال لهم: إن الرب أمر أن تعمل عملك ستة أيام واليوم السابع يكون مخصوصا ~~مقدسا، السبت يوم راحة قدس الرب، ومن عمل فيه عملا فليقتل، ولا تشعلوا ~~النار في جميع مساكنكم يوم السبت، ثم أمرهم تعالى بالزكاة من الذهب ~~والفضة والنحاس والقز والجلود وغير ذلك وبأشياء يزيدونها في قبة الزمان ~~في أكثر من عشر ورقات، وقال ms0151 في آخر ذلك: وقال الرب لموسى: أنصب قبة ~~الزمان في أول يوم من الشهر الأول؛ وصير تابوت الشهادة هنالك، وأسبل ~~الجلال على التابوت - إلى أن قال: وادن بهارون وبنيه إلى باب قبة الأمد ~~واغسلهم بالماء، والبس هارون لباس القدس وامسحه فليكهن لي، وادن بنيه ~~وألبسهم السراويل وامسحهم كما مسحت هارون أخاك فليكهنوا لي، وليكن لهم ~~مسحهم للكهنوت إلى الأبد لأحقابهم، فصنع موسى كما أمره الله، فلما كان ~~أول يوم من الشهر الأول من السنة الثانية نصب القبة يوم الأحد وضرب ~~أوتادها وركب ألواحها وزرفن عوابرها وركز أعمدتها وستر الستر على القبة ~~وجللها من فوقها كما أمر الرب، وتناول الشهادة فوضعها في التابوت، وصير ~~الدهوق في التابوت، ووضع التطهير على التابوت من فوق، وأدخل التابوت إلى ~~القبة، وأخذ حجاب وجه الباب فجلل تابوت الشهادة كما أمر الرب، ونصب ~~المنارة عند حافات القبة مما يلي مهب الشمال خارجا من الحجاب، ونضد ~~عليها صفوف الخبز بين يدي الرب كما أمر الرب موسى، ونصب المنارة إزاء ~~المائدة في حافات القبة مما يلي مهب الجنوب، ودلوا مصابيحها قدام الرب ~~كما أمر الرب موسى، ونصب مذبح الذهب في قبة الزمان خارجا من الحجاب، ~~وبخر عليه بخور الطيب كما أمر الرب، وأسبل الستر على باب القبة، ونصب ~~مذبح القرابين على الباب، وقرب عليه القرابين كما أمر الرب، ووضع السطل ~~بين قبة الزمان والمذبح وسكب عليه ماء الغسل، وكان هارون وبنوه يغسلون ~~أيديهم وأقدامهم إذا أرادوا الدخول إلى قبة الزمان، وكانوا إذا دنوا من ~~المذبح يغسلون أيضا كما أمر الرب موسى، ونصب دارا تحيط بالقبة والمذبح، ~~وأسبل الستر على باب الدار، وكمل موسى عملها؛ وتغشت السحابة قبة الزمان ~~وامتلأت القبة مجد الرب وكرامته، ولم يقدر موسى على الدخول إلى قبة ~~الزمان، لأن السحاب حلت عليها. # وامتلأت القبة مجد الرب وكرامته. فكان إذا ارتفع السحاب عن القبة كان ~~بنو إسرائيل يظعنون في جميع مظاعنهم، وإن لم ترتفع الغمامة لم يظعنوا إلي ~~اليوم الذي ترتفع فيه، لأن سحاب الرب كان ms0152 يغشى القبة بالنهار وكانت النار ~~تضيء عليها بالليل وتزهر وتنير أمام جميع بني إسرائيل في جميع مظاعنهم. ~~وقال في أول السفر الرابع: أمر الله بإحصاء بني إسرائيل فكانوا من أبناء ~~عشرين سنة إلى ما فوقها، من خرج منهم للحرب في الأجناد ستمائة ألف وثلاثة ~~آلاف وخمسمائة وخمسين دون سبط لاوى، فإنهم لحفظ قبة الزمان وخدمتها، ~~وتكون منازلهم حولها محدقة بها، وهم من ابن شهر إلى ما فوقه اثنان وعشرون ~~ألفا، ثم قال: وكلم الرب موسى وقال له: إذا أتى على الرجل من اللاويين ~~خمسة وعشرون سنة يتقوى على أن يعمل العمل في قبة الزمان، فإذا أتت عليه ~~خمسون سنة يخرج من العمل ولا يعمل عملا في قبة الآمد، وكان ينزل بنو ~~إسرائيل حول بني لاوى بإنزال الله تعالى لهم، كل له محل من القبة على ~~الاستدارة، وكان ينزل من مشارقها موسى وهارون وبنوه ليحفظوا حفاظ القدس ~~والقرابين على بني إسرائيل ومن دنا من قبة الزمان وأعمالها من الغرباء ~~يؤمر بقتله، فقد علم من هذا ومما قبله من أن كلا يصلي على باب خيمته أن ~~قبلتهم وهم في التيه قبة الزمان، وفي اليوم الذي نصب فيه الخباء أي في ~~قبة الزمان تغشت سحابة من عند الرب قبة الزمان وحجاب باب الشهادة وكانوا ~~يرون في الخباء عند المساء نارا تتوقد إلى الصباح، كذلك كان يكون في ~~الخباء دائما وكانت تغشاه سحابة بالنهار وترى فيه نار بالليل، فإذا ~~ارتفعت السحابة عن القبة ارتحل بنو إسرائيل من مواضعهم وحيث ما نزلت ~~السحابة هناك كان ينزل بنو إسرائيل، وإنما كان ارتحال بني إسرائيل عن قول ~~الرب وبأمره، فربما مكثت السحابة على القبة من المساء حتى الصباح وترتفع ~~بعد الصبح فيرتحلون، وربما مكثت الليل والنهار وربما مكثت أياما وأشهرا ~~وربما مكثت سنة، وكلم الرب موسى وقال له: اتخذ قرنين من قضة يكونان عند ~~حضور الجماعة وارتحال العسكر يهتف بهما الكهنة، فتحشد إليك جماعة بني ~~إسرائيل أجمعون إلى باب قبة الزمان، وإن نفخ في واحد اجتمع إليك ms0153 القواد ~~ورؤساء الألوف، ولما كان في السنة الثانية في عشر خلون من الشهر الثاني ~~ارتفعت السحابة عن قبة الشهادة، وارتحل بنو إسرائيل من برية سيناء. # ونزلت السحابة في قفر فاران، ثم قال: وارتحلوا من عند جبل الرب مسيرة ~~ثلاثة أيام، فأما تابوت عهد الرب فظعن قبلهم مسيرة يوم ليهيء منزلا، ~~وكانت تظلهم سحابة من قبل الرب إذا ارتحلوا لئلا تؤذيهم حرارة الشمس، ~~فلما ارتحل حاملوا التابوت قال موسى: انهض إلينا يا رب لينكسر شانئك ~~ويبيد أعداؤك من بين يديك، وإذا نزل حملة التابوت قال: أقبل يا رب إلي ~~ألوف بني إسرائيل، فتذمر الشعب وساء الرب ذلك وغضب وسمع توشوشهم فاشتد ~~غضبه عليهم واشتعلت فيهم نار من قبل الرب، فأحرقت الذي في أطراف العسكر ~~وحوله، وضج الشعب على موسى فصلى موسى أمام الرب وخمدت النار، ودعا اسم ~~ذلك الموضع الاحتراق، لأن نار الرب اشتعلت فيهم وأحرقتهم هناك، واشتهى ~~الخلط الذين كانوا فيهم من الشعوب شهوة وأقبلوا على بني إسرائيل وقالوا: ~~ليت أنا وجدنا من يطعمنا لحما! ذكرنا السمك الذي كنا نأكله بمصر وأكلنا ~~القثاء والبطيخ والكراث والبصل والثوم والآن أنفسنا قرمة - أي يابسة - لا ~~تقدر على شيء نأكله ما خلا هذا المن الذي قدام أعيننا، وسمع موسى الشعب ~~يبكون في قبائلهم، كل إنسان على باب خيمته، واشتد غضب الرب، وشق ذلك على ~~موسى أيضا، ثم قال من أين أقدر أعطي هذه الأمة كلها لحما؟ إنها تبكي ~~علي وتقول: أعطنا لحما، لست أقدر أحتمل هذه الأمة كلها وحدي، لأنها ~~أقوى مني، إن كان فعلك هذا بي فاقتلني قتلا إن وافيت منك رحمة ولا أعاين ~~شرا ولا أرى سوء. # فقال الرب لموسى: اجمع سبعين شيخا من أشياخ بني إسرائيل الذين تعلم ~~أنهم رؤساء الشعب وكتابه وانطلق بهم إلى قبة الزمان فإني أنزل إليك ~~وأكلمك هناك وأنقص من عطية الروح التي عليك وأصيره عليهم ليحملوا أثقل ~~هذا الشعب ولا يتركوك وحدك، ثم قال موسى للشعب: تهيؤوا غدا لتأكلوا ~~لحما، لأنكم بكيتم أمام الرب وقلتم: ms0154 ليت من يطعمنا لحما! وإن الموت ~~بأرض مصر خير لنا، فسيعطيكم الرب لحما وليس إنما تأكلون منه يوما أو ~~يومين بل تأكلون منه شهرا حتى يخرج من أنوفكم وتصيبكم منه تخمة، وجمع ~~سبعين شيخا من مشايخ الشعب وأقامهم حول الخباء، ونزل الرب سبحانه وكلمه ~~وأخذ من الروح الذي عليه وصيره على السبعين، ودخل موسى العسكر هو وأشياخ ~~بني إسرائيل، وهبت ريح من قبل الرب وأصعدت السلوى من البحور وألقته على ~~العسكر ومسيرة يوم يمنة ويسرة حول العسكر وكان مرتفعا من الأرض نحو ~~ذراعين، وجمعوا ونشروا حول العسكر ليكون لهم قديدا، فبينا اللحم بين ~~أسنانهم قبل أن ينقلع اشتد غضب الرب عليهم وضرب الشعب ضربة عظيمة جدا ~~ودعا اسم ذلك الموضع قبور الشهوة، وارتحل الشعب من قبور الشهوة فأتوا ~~حصروث ونزلوها، وذكر أنهم مكثوا هنالك سبعة أيام ثم قال: ثم ارتحل الشعب ~~من حصروث ونزلوا مفازة فاران وكلم الرب موسى وقال له: أرسل قوما يحسبون ~~الأرض التي أعطى بني إسرائيل - فذكر إرسال النقباء الاثني عشر كما سيأتي ~~إن شاء الله تعالى في سورة المائدة ثم قال: ورجعوا إلى موسى بعد أربعين ~~يوما، فأتوا موسى وهارون وجماعة بني إسرائيل إلى برية فاران إلى رقيم - ~~انتهى شرح ما أشير إليه في هذه السورة من قصص بني إسرائيل من التوراة. # ولما بين سبحانه أنهم لما تعنتوا على موسى عليه السلام كما مر ويأتي عن ~~نصوص التوراة مرة بعد مرة أورثهم كفرا في قلوبهم فمردوا على العصيان ~~والتجرؤ على مجاوزة الحدود فضرب عليهم الذلة والمسكنة وأحلهم الغضب، ~~وكان في ذلك تحذير لمن طلب سلوك ذلك الصراط المستقيم من حالهم، وإعلام ~~بأن المتقين المستجاب لهم في الدعاء بالهداية ليسوا في شيء من ذلك بل ~~قالوا: اهدنا، عن يقين وإخلاص متبرئين من الدعاوى والاعتراض على الرسل ~~نبه على أن من عمل ضد عملهم فآمن منهم أو من غيرهم من جميع الملل كان على ~~ضد حالهم عند ربهم فلا يغضب عليهم بل يوفيهم أجورهم ويورثهم الأمن ~~والسرور المتضمنين ms0155 لضد الذلة والمسكنة فقال تعالى { إن الذين آمنوا } أو ~~يقال إنه سبحانه لما علل إهانة بني إسرائيل بعصيانهم واعتدائهم كان كأنه ~~قيل: فما لمن أطاع؟ فأجيب بجواب عام لهم ولغيرهم، أو يقال إنه لما أخبر ~~تعالى بأنهم ألزموا الخزي طوق الحمامة وكان ذلك ربما أوهم أنه لا خلاص ~~لهم منه وإن تابوا وكانت عادته سبحانه جارية بأنه إذا ذكر وعدا أو عيدا ~~عقبه حكم ضده ليكون الكلام تاما، اعلموا أن باب التوبة مفتوح والرب كريم ~~على وجه عام. # وقال الحرالي: لما أنهى الحق تعالى نبأ أحوال بني إسرائيل نهايته مما ~~بين أعلى تكرمتهم بالخطاب الأول إلى أدنى الغضب عليهم بهذا النبأ الآخر ~~عنهم إعراضا في مقابلة ذلك الإقبال الأول وكانوا هم أول أهل كتاب أشعر ~~تعالى بهذا الختم أن جميع من بعدهم يكون لهم تبعا لنحو مما أصابهم من ~~جميع أهل الملل الأربعة - انتهى. فقيل { إن الذين آمنوا } أي ادعوا ~~الإيمان بما دعا إليهم محمد صلى الله عليه وسلم { والذين هادوا } أي ~~ادعوا أنهم على دين موسى عليه السلام. قال الحرالي: وهو من الهود وهو ~~رجوع بالباطن وثبات فيه - انتهى. وقال أبو عمر وابن العلاء لأنهم يتهودون ~~أي يتحركون عند قراءة التوراة ويقولون: إن السماوات والأرض تحركتا حين ~~آتى الله عز وجل التوراة لموسى عليه السلام { والنصارى } المدعين أنهم ~~تبعوا المسيح عليه السلام. قال الحرالي: جمع نصران فإن كان من النصرة فهو ~~فعلان. # ولما كانت هذه السورة في استعطاف بني إسرائيل ترغيبا وترهيبا قرن هنا ~~بين فريقيهم، ولما كانت ملة الصابئة جامعة لما تفرق من أصول أديان أهل ~~الشرك تلاهم بهم مريدا كل مشرك فقال { والصابئين } المنكرين للرسالة في ~~الصورة البشرية القائلين بالأوثان السماوية والأصنام الأرضية متوسطين إلى ~~رب الأرباب، قال الحرالي: بالهمز من صبأ يصبأ صبأ وبغير همز من صبا يصبوا ~~صبوا، تعاقبت الهمزة والياء مع الصاد والباء لعام معنى هو عود إلى حال ~~صغر بعد كبر - انتهى. { من آمن } أي منهم بدوامه على الإيمان إن كان آمن ~~قبل ms0156 ذلك، ودخوله في الإيمان إن كان كافرا فيكون من الاستعمال في الحقيقة ~~والمجاز { بالله } أي لذاته { واليوم الآخر } الذي الإيمان به متضمن ~~للإيمان بجميع الصفات من العلم والقدرة وغيرهما وحاث على كل خير وصاد ~~عن كل ضير { وعمل صالحا } أي وصدق ما ادعاه من الإيمان باتباع شرع ~~الرسول الذي في زمانه في الأعمال الظاهرة ولم يفرق بين أحد من الرسل ولا ~~أخل بشيء من اعتقاد ما جاءت به الكتب من الصلاح. # قال الحرالي: وهو العمل المراعى من الخلل، وأصله الإخلاص في النية وبلوغ ~~الوسع في المحاولة بحسب علم العامل وإحكامه، وقال: والعمل ما دبر بالعلم ~~- انتهى. # ولما كان الإفراد أدل على تخصيص كل واحد بما له والجمع أدل على إرادة ~~العموم وأقطع للتعنت أفرد أولا وجمع هنا فقال { فلهم أجرهم } الذي وعدوه ~~على تلك الأعمال المشروطة بالإيمان، وهو في الأصل جعل العامل على عمله، ~~كائنا " عند ربهم " فهو محفوظ لا يخشى عليه نسيان ولا يتوجه إليه تلف { ~~ولا خوف عليهم } من آت يستعلي عليهم من جميع الجهات { ولا هم يحزنون * } ~~على شيء فات بل هم في أعظم السرور بما لهم من العز والجدة ضد ما للمعتدين ~~من الذل والمسكنة، وحسن وضع هذه الآية في أثناء قصصهم أنهم كانوا مأمورين ~~بقتل كل ذكر ممن عداهم، وربما أمروا بقتل النساء أيضا، فربما ظن من ذلك ~~أن من آمن من غيرهم لا يقبل. قال في التوراة في قصة مدين: وقتلوا كل ذكر ~~فيها، ثم قال: وغضب موسى فقال لهم: لماذا أبقيتم على الإناث؟ وهن كن ~~عشرة لبني إسرائيل عن قول بلعام ومشورته - يعني بما أفضى إلى الزنا، ثم ~~قال: وقال الرب لموسى: كلم بني إسرائيل وقل لهم: أنتم جائزون الأردن ~~لتهلكوا جميع سكان الأرض ونحو هذا مما لعل بعضه أصرح منه وقد ذكر منه في ~~سورة المائدة، وفي وضعها أيضا في أثناء قصصهم إشارة إلى تكذيبهم في ~~قولهم: # ليس علينا في الأميين سبيل # [آل عمران: 75] وأن المدار في عصمة الدم والمال إنما هو ms0157 الإيمان ~~والاستقامة وذلك موجود في نص التوراة في غير موضع، وفيها تهديدهم على ~~المخالفة في ذلك بالذلة والمسكنة، وسيأتي بعض ذلك عند قوله: # لا تعبدون إلا الله # [البقرة: 83] الآية، بل وفيها ما يقتضي المنع من مال المخالف في الدين ~~فإنه قال في وسط السفر الثاني: وإذا لقيت ثور عدوك أو حماره وعليه حمولة ~~فارددها إليه، وإذا رأيت حمار عدوك جاثما تحت حمله فهممت أن لا توازره ~~فوازره وساعده، ثم رجع إلى قصصهم على أحسن وجه فإنه لما ذكر تعالى ~~للمؤمنين هذا الجزاء الذي فخم أمره ترغيبا بإبهامه ونسبته إلى حضرة الرب ~~المحسن بأنواع التربية وأنه لا خوف معه ولا حزن تلاه بأنهم لم يؤمنوا بعد ~~رؤية ما رأوا من باهر الآيات حتى رفع فوقهم الطور وعلموا أنه دافنهم إن ~~عصوا، فكان قبوله من أعظم النعم عليهم، لأن حقه الرد، لأنه كالإيمان عند ~~رؤية البأس لا إيمان بالغيب، ثم ذكر أنه لما أقلع عنهم تولوا عن الحضرة ~~الشريفة إلى حضرات الشيطان فأكرموا المعاصي إشارة إلى أنهم أغلظ الناس ~~أكبادا وأكثرهم جرأة وعنادا لا يرعوون لرهبة ولا يثبتون لرغبة فقال ~~تعالى { وإذ } وأخصر من هذا أن يقال إنه لما قرر سبحانه قوله للعالم ~~العامل المذعن كائنا من كان تلاه بما لليهود من الجلافة الداعية إلى ~~النفور عن خلال السعادة التي هي ثمرة للعلم وما له سبحانه من التطول ~~عليهم بإكراههم على ردهم إليه فقال وإذ أي اذكروا يا بني إسرائيل إذ { ~~أخذنا } بما لنا من العظمة { ميثاقكم } بالسمع والطاعة من الوثيقة وهي ~~تثنية العهد تأكيدا كإثباته بالكتاب - قاله الحرالي. # { ورفعنا } ولما كان الجبل قد صار فوقهم كالظلة عاما لهم بحيث إنه إذا ~~وقع عليهم لم يفلت منهم إنسان نزع الجار فقال { وفوقكم الطور } ترهيبا ~~لكم لتقبلوا الميثاق الذي هو سبب سعادتكم، وعن ابن عباس رضي الله عنهما ~~أنه كل جبل ينبت، وكل جبل لا ينبت فليس بطور، وقلنا لكم وهو مظل فوقكم { ~~وخذوا ما آتيناكم } من الكتاب للسعادة بطاعتي والتزام أحكامي الموجبة ms0158 ~~للكون في حضرتي " بقوة " أي بجد واجتهاد، والقوة باطن القدرة، من القوى ~~وهي طاقات الحبل التي يمتن بها ويؤمن انقطاعه - قاله الحرالي. { واذكروا ~~ما فيه } من التمسك به وللانتقال عنه عند مجيء الناسخ المنعوت فيه ذكرا ~~يكون بالقلب فكرا وباللسان ذكرا { لعلكم تتقون * } أي لتكونوا على رجاء ~~من أن تتقوا موجبات السخط. ولما كان التقدير: فأخذتم ذلك وأوثقتم العهد ~~به خوفا من أن يدفنكم بالجبل عطف عليه وأشار إلى أنه من حقه البعد عن ~~تركه بأداة البعد. ### || [2.64-73] # قوله: { ثم توليتم } والتولي قال الأصفهاني: أصله الإعراض عن الشيء ~~بالجسم، ثم استعمل في الإعراض عن الأمر والدين - انتهى. وهو هنا الإعراض ~~المتكلف بما يفهمه التفعل - قاله الحرالي. وذلك لأن النفوس إذا توطنت على ~~أمر الله فرأت محاسنه فرجعت بذلك إلى نحو من الفطر الأولى لم ترجع عنه ~~إلا بمنازعة من الهوى شديدة. # ولما كان توليهم لم يستغرق زمن البعد أدخل الجار فقال: { من بعد ذلك } ~~أي التأكيد العظيم عن الوفاء به { فلولا } أي فتسبب عن توليكم أنه لولا { ~~فضل الله } أي الذي له الجلال والإكرام مستعل { عليكم ورحمته } بالعفو ~~والتوبة والإكرام بالهداية والنصر على الأعداء { ولكنتم من الخاسرين * } ~~بالعقوبة وتأبد الغضب، وأيضا فلما كان يمكنهم أن يدعوا الإيمان والعمل ~~الصالح عقبت تلك بآية الميثاق إشارة إلى أنه ليس المنجي الإيمان في ~~الجملة بل الإيمان بجميع ما أخذ عليهم به الميثاق إشارة إلى أنه ليس ~~المنجي الإيمان في الجملة بل الإيمان بجميع ما أخذ عليهم به الميثاق، وهو ~~جميع ما آتاهم في التوراة إيمانا مصحوبا بالقوة، ومما آتاهم صفة عيسى ~~ومحمد عليهما السلام والأمر باتباعهما، فهو مما أخذ عليهم به العهد وقد ~~كفروا به فلم يصح لهم إيمان ولا عمل، لأن التفرقة بين ما أتى منه سبحانه ~~زنذقة. # ثم جاءت قصة المعتدين في السبت مؤكدة لذلك إذ كان حاصلها أنهم لما ضيعوا ~~أمرا واحدا من أوامره واستخفوا به وهو تحريم السبت عذبهم بعذاب لم يعذب ~~به أحدا من العالمين فقال: ولقد وأقرب ms0159 من ذلك أن يقال إنه سبحانه لما ~~ذكرهم بنعمة العفو الحافظ لهم من الخسران قرعهم بحلافة أخرى لهم خذل بها ~~فريقا منهم حتى غلبهم الخسران فما ضروا إلا أنفسهم مقسما على أنهم بها ~~عالمون ولها مستحضرون فقال تعالى عاطفا على ما تقديره: لقد علمتم جميع ~~ذلك من عهودنا وما ذكرنا من الإيقاع بمن نقض من شديد وعيدنا ومن التهديد ~~على ذلك بضرب الذلة وما تبعها من أنواع النكال و { لقد } أي وعزتي لقد { ~~علمتم الذين اعتدوا } أي تعمدوا العدوان { منكم في السبت } بأن استحلوه ~~وأصل السبت القطع للعمل ونحوه { فقلنا } أي فتسبب عن اعتدائهم أن قلنا ~~بما لنا من العظمة. " لهم كونوا " بإرادتنا { قردة خاسئين * } أي صاغرين ~~مطرودين جمع خاسىء من الخسىء وهو طرد بكره واستخباث، وسبب ذلك أن الله ~~تعالى أمرهم بيوم الجمعة فأبوا إلا السبت، فألزمهم الله إياه وجعله لهم ~~محنة وحرم عليهم فيه العمل، فاصطادوا على تهيب وخوف من العقوبة، فلما طال ~~زمن عفوه عنهم وحمله سبحانه فتجاهروا بالمعصية مسخ منهم من عصى بالمباشرة ~~ومن سكت عن النهي عن المنكر { فجعلناها } أي فتسبب عن قولنا إنهم كانوا ~~قردة كما قلنا، فجعلنا هذه العقوبة { نكالا } أي قيدا مانعا { لما بين ~~يديها } من المعاصي من أهل عالمها الشاهدين لها { وما خلفها } ممن جاء ~~بعدهم، روي معناه عن ابن عباس رضي الله عنهما، والنكال إبداء العقوبة لمن ~~يتعظ بها، واليد ما به تظهر أعيان الأشياء وصورها أعلاها وأدناها، فلذلك ~~ثنيت لأنها يد عليا هي اليمنى ويد دنيا هي اليسرى، والخلف ما يخلفه ~~المتوجه في توجهه فينطمس عن حواس إقباله شهوده - قاله الحرالي. # وقال { وموعظة } من الوعظ وهو دعوة الأشياء بما فيها من العبرة للانقياد ~~للإله الحق بما يخوفها في مقابلة التذكير بما يرجيها ويبسطها { للمتقين * ~~} وقد أشعر هذا أن التقوى عصمة من كل محذور وأن النقم تقع في غيرهم وعظا ~~لهم. # ولما بين تعالى قساوتهم في حقوقه عامة ثم خاصة اتبعه بيان جساوتهم في ~~مصالح أنفسهم لينتج أنهم أسفه الناس ms0160 فقال { وإذ قال موسى لقومه } بني ~~إسرائيل { إن الله } أي الذي له الأمر كله { يأمركم أن تذبحوا بقرة } ~~لتعرفوا بها أمر القتيل الذي أعياكم أمره، وتاؤها ليست للتأنيث الحقيقي ~~بل لأنها واحدة من الجنس فتقع على الذكر والأنثى. ولما كان من حقهم ~~المبادرة إلى الامتثال والشكر فلم يفعلوا بين فظاظتهم على طريق ~~الاستئناف معظما لها بقوله حكاية عنهم { قالوا أتتخذنا هزوا } أي مكان ~~هزء ومهزوءا بنا حين نسألك عن قتيل فتأمرنا بذبح بقرة، فجمعوا إلى ما ~~أشير إليه من إساءتهم سوء الأدب على من ثبتت رسالته بالمعجزة فرد كلامه ~~كفر، فذكرهم بما رأوا منه من العلم بالله المنافي للهزء بأن قال { أعوذ ~~بالله } أي أعتصم بمن لا كفوء له من { أن أكون من الجاهلين * } فإنه لا ~~يستهزىء إلا جاهل، والعوذ اللجاء من متخوف لكاف يكفيه، والجهل التقدم ~~في الأمور المنبهمة بغير علم - قاله الحرالي. { قالوا } تماديا في ~~الغلظة { ادع لنا ربك } أي المحسن إليك فكان تخصيصهم له بالإضافة غاية في ~~الجفاء " يبين " من التبيين وهو اقتطاع الشيء، والمعنى مما يلابسه ~~ويداخله - قاله الحرالي. والمراد المبالغة في البيان بما يفهمه صيغة ~~التفعيل " لنا ما هي " تلك البقرة " قال إنه يقول ". ولما كانوا يتعنتون ~~أكد فقال { إنها بقرة لا فارض } أي مسنة فرضت سنها أي قطعتها { ولا بكر } ~~أي فتية صغيرة { عوان } أي نصف وهو خبر مبتدأ محذوف، وبين هذا الخبر ~~بقوله { بين ذلك } أي سني الفارض والبكر { فافعلوا ما تؤمرون * } فإن ~~الاعتراض على من يجب التسليم له كفر فلم يفعلوا بل سألوا بيان اللون بعد ~~بيان السن بأن { قالوا ادع لنا ربك } تماديا في الجفاء بعدم الاعتراف ~~بالإحسان { يبين لنا ما لونها } بعد بيان سنها، واللون تكيف ظاهر الأشياء ~~في العين - قاله الحرالي. # { قال } وأكد لما مضى من تلددهم فقال { إنه يقول } وأكد إشارة إلى مزيد ~~تعنتهم فقال { إنها بقرة صفراء } وأكد شدة صفرتها بالعدول عن فاقعة إلى ~~قوله معبرا باللون { فاقع لونها } أي خالص في صفرته. قال الحرالي: نعت ~~تخليص ms0161 للون الأصفر بمنزلة قانىء في الأحمر فهي إذن متوسطة اللون بين ~~الأسود والأبيض كما كانت متوسطة السن، { تسر الناظرين * } أي تبهج نفوسهم ~~بأنك إذا نظرت إليها خيل إليك أن شعاع الشمس يخرج من جلدها - قاله وهب { ~~قالوا ادع لنا ربك } المحسن إليك بالإجابة في كل ما سألته { يبين لنا ما ~~هي } ثم عللوا تكريرهم لذلك بقولهم { إن البقر } أي الموصوف بما قدمته { ~~تشابه } أي وقع تشابهه { علينا } وذكر الفعل لأن كل جمع حروفه أقل من ~~حروف واحدة فإن العرب تذكره نقل عن سيبويه؛ ثم أدركتهم العناية فقالوا { ~~وإنا إن شاء الله } أي الذي له صفات الكمال وأكدوا لما أوجب توقفهم من ظن ~~عنادهم وقدموا التبرك بالمشية لذلك على خبر إن { لمهتدون } أي إلى المراد ~~فتبركوا بما لا تكون بركة إلا به { قال إنه يقول إنها } أي هذه البقرة ~~التي أطلتم التعنت في أمرها { بقرة لا ذلول } من الذل وهو حسن الانقياد - ~~قاله الحرالي ثم وصف الذلول بقوله { تثير الأرض } أي يتجدد منها إثارتها ~~بالحرث كل وقت من الإثارة قال الحرالي: وهي إظهار الشيء من الثرى، كأنها ~~تخرج الثرى من محتوى اليبس؛ ولما كان الذل وصفا لازما عبر في وصفها ~~بانتفائه بالاسم المبالغ فيه، أي ليس الذل وصفا لازما لها لا أنها بحيث ~~لا يوجد منها ذل أصلا، فإنها لو كانت كذلك كانت وحشية لا يقدر عليها ~~أصلا. # ولما كان لا يتم وصفها بانتفاء الذل إلا بنفي السقي عنها وكان أمرا ~~يتجدد ليس هو صفة لازمة كالذل عبر فيه بالفعل وأصحبه لا عطفا على الوصف ~~لا على تثير لئلا يفسد المعنى فقال واصفا للبقرة { ولا تسقي الحرث } أي ~~لا يتجدد منها سقيه بالسانية كل وقت، ويجوز أن يكون إثبات لا فيه تنبيها ~~على حذفها قبل تثير، فيكون الفعلان المنفيان تفسيرا على سبيل الاستئناف ~~للاذلول، وحذف لا قبل تثير لئلا يظن أنه معها وصف لذلول فيفسد المعنى، ~~والمراد أنها لم تذلل بحرث ولا سقي ومعلوم من القدرة على ابتياعها ~~وتسلمها للذبح أنها ms0162 ليست في غاية الإباء كما آذن به الوصف بذلول، كل ذلك ~~لما في التوسط من الجمع لأشتات الخير { مسلمة } أي من العيوب { لا شية } ~~أي علامة { فيها } تخالف لونها بل هي صفراء كلها حتى قرنها وظلفها { ~~قالوا الآن } أي في هذا الحد من الزمان الكائن الفاصل بين الماضي والآتي ~~{ جئت بالحق } أي الأمر الثابت المستقر البين من بيان وصف البقرة فحصلوها ~~{ فذبحوها } أي فتسبب عما تقدم كله أنهم ذبحوها { وما كادوا } أي قاربوا ~~قبل هذه المراجعة الأخيرة { يفعلون } قال ابن عباس رضي الله عنهما: لو ~~ذبحوا بقرة ما لأجزأتهم لكنهم شددوا في السؤال فشدد الله عليهم - يعني ~~أنهم كلفوا بالأسهل فشددوا فنسخ بالأشق، وهو دليل جواز النسخ قبل الفعل، ~~أو يقال إنه لما كان السبت إنما وجب عليهم وابتلوا بالتشديد فيه ~~باقتراحهم له وسؤالهم إياه بعد إبائهم للجمعة كما يأتى إن شاء الله تعالى ~~بيانه عند قوله تعالى # إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه # [النحل: 124] كان أنسب الأشياء تعقيبه بقصة البقرة التي ما شدد عليهم في ~~أمرها إلا لتعنتهم فيه وإبائهم لذبح أي بقرة تيسرت، ويجوز أن يقال إنه ~~لما كان من جملة ما استخفوا به السبت المسارعة إلى إزهاق ما لا يحصى من ~~الأرواح الممنوعين منها من الحيتان وكان في قصة البقرة التعنت والتباطؤ ~~عن إزهاق نفس واحدة أمروا بها تلاه بها، ومن أحاسن المناسبات أن في كل من ~~آيتي القردة والبقرة تبديل حال الإنسان بمخالطة لحم بعض الحيوانات العجم، ~~ففي الأولى إخراسه بعد نطقه بلحم السمك، وفي الثانية إنطاقه بعد خرسه ~~بالموت بلحم البقر، ولعل تخصيص لحم البقر بهذا الأمر لإيقاظهم من رقدتهم ~~وتنبيههم من غفلتهم عن عظيم قدرة الله تعالى لينزع من قلوبهم التعجب من ~~خوار العجل الذي عبدوه. وقال الإمام أبو الحسن الحرالي: وفي ذلك تشام ~~بين أحوالهم في اتخاذهم العجل وفي طلبهم ذلك، وفي كل ذلك مناسبة بين ~~طباعهم وطباع البقرة المخلوقة للكد وعمل الأرض التي معها التعب والذل ~~والتصرف فيما هو من الدنيا ms0163 توغلا فيها وفيه نسمة مطلبهم ما تنبت الأرض ~~الذي هو أثر الحرث - يعني الذي أبدلوا الحطة به وهو حبة في شعرة، فكأنهم ~~بذلك أرضيون ترابيون لا تسمو طباع أكثرهم إلى الأمور الروحانية العلوية، ~~فإن جبلة كل نفس تناسب ما تنزع إليه وتلهج به من أنواع الحيوان # جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواجا # [الشورى: 11] - انتهى. ولما قسمت القصة شطرين تنبيها على النعمتين: ~~نعمة العفو عن التوقف عن الأمر ونعمة البيان للقاتل بالأمر الخارق، ~~وتنبيها على أن لهم بذلك تقريعين: أحدهما بإساءة الأدب في الرمي ~~بالاستهزاء والتوقف عن الامتثال والثاني على قتل النفس وما تبعه، ولو ~~رتبت ترتيبها في الوجود لم يحصل ذلك، وقدم الشطر الأنسب لقصة السبت اتبعه ~~الآخر. وقال الحرالي: قدم نبأ قول موسى عليه السلام على ذكر تدارئهم في ~~القتيل ابتداء بأشرف القصدين من معنى التشريع الذي هو القائم على أفعال ~~الاعتداء وأقوال الخصومة - انتهى. # فقال تعالى { وإذ } أي واذكروا إذ، وأسند القتل إلى الكل والقاتل واحد ~~لأن ذلك عادة العرب، لأن عادة القبيلة المدافعة عن أحدهم فقال { قتلهم ~~نفسا } فأقبل عليهم بالخطاب توبيخا لهم وإشارة إلى أن الموجودين منهم ~~راضون بما مضى من أسلافهم وأن من ود شيئا كان من عملته. # ولما كانوا قد أنكروا القتل سبب عنه قوله مشيرا إلى إخفائه بالإدغام { ~~فادارأتم فيها } أي تدافعتم فكان كل فريق منكم يرد القتل إلى الآخر فكان ~~لكم بذلك ثلاثة آثام: إثم الكبيرة وإثم الإصرار وإثم الافتراء بالدفع؛ ~~قال الكلبي: وذلك قبل نزول القسامة في التوراة، كأنه يشير إلى ما أذكره ~~عنها قريبا. # ولما كان فعلهم في المدارة فعل غافل عن إحاطة علم الخالق سبحانه قال ~~يحكي حالهم إذ ذاك { والله } أي والحال أن الذي له الأمر كله { مخرج } ~~بلطيف صنعه وعظيم شأنه { وما كنتم تكتمون * } وفي تقديمه أيضا زيادة ~~تبكيت لهم بتوقفهم في ذبح بقرة أمروا بذبحها لمصلحة لهم عظيمة بعد مبادرة ~~بعضهم إلى قتل إنسان مثله بعد النهي الشديد عنه وقال منبها بالالتفات ~~إلى أسلوب ms0164 العظمة على ما في الفعل المأمور به منها { فقلنا } أي بما لنا ~~من العظمة { اضربوه } وأضمر ذكر البقرة ولم يظهر دلالة على اتحاد هذا ~~الشق الأول من القصة الذي جعل ثانيا بالشق الذي قبله في أنهما قصة واحدة ~~فقال { ببعضها } قال الإمام أبو علي الفارسي في كتاب الحجة: قلنا اضربوا ~~المقتول ببعض البقرة فضربوه به فحيي، يعني والدليل على هذا المحذوف قوله ~~{ كذلك } أي مثل هذا الإحياء العظيم على هذه الهيئة الغريبة { يحيي الله ~~} أي الذي له صفات الكمال { الموتى } مثل هذا الإحياء الذي عوين وشوهد - ~~انتهى. روي أنهم لما ضربوه قام وقال: قتلني فلان وفلان لابني عمه ثم سقط ~~ميتا فأخدا وقتلا ولم يورث قاتل بعد ذلك؛ وهذه الخارقة كما أخبر ~~نبينا صلى الله عليه وسلم ذراع الشاة المسمومة بأنه مسموم لما سمته ~~اليهودية التي كانت في قومها هذه الآية، وجعل هذا التنبيه على البعث في ~~قصصهم، لأنه من أعظم الأدلة عليه، وقد وقع منهم ما ساغ معه عدهم منكرين ~~وهو قولهم للمشركين: دينكم خير من دين محمد، أو أن هذا تنبيه مقصود به حث ~~العرب على سؤال من استنصحوهم في السؤال عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~لكونهم أهل العلم الأول، فهو ملزم لهم باعتقاد البعث أو اعتقاد كذب ~~اليهود، وعبر بالاسم العلم لأن الإحياء من أخص الآيات بصفة الإلهية كما ~~أن الإرزاق أخص الآيات بالربوبية { ويريكم آياته } فيما يشهد بصحته { ~~لعلكم تعقلون * } أي لتكونوا برؤية تلك الآيات الشاهدة له على رجاء من أن ~~يحصل لكم عقل فيرشدكم إلى اعتقاد البعث وغيره مما تخبر به الرسل عن الله ~~تعالى. ### || [2.74-82] # ولما كان حصول المعصية منهم بعد رؤية هذه الخارقة مستبعد التصور فضلا ~~عن الوقوع أشار إليه بقوله { ثم قست } من القسوة وهي اشتداد التصلب ~~والتحجر { قلوبكم } ولما كانت لهم حالات يطيعون فيها أتى بالجار فقال { ~~من بعد ذلك } أي من بعدما تقدم وصفه من الخوارق في المراجعات وغيرها ~~تذكيرا لهم بطول إمهاله لهم سبحانه مع توالي كفرهم وعنادهم، ms0165 وتحذيرا من ~~مثل ما أحل بأهل السبت { فهي } أي فتسبب عن قسوتها أن كانت { كالحجارة } ~~التي هي أبعد الأشياء عن حالها، فإن القلب أحيى حي والحجر أجمد جامد، ~~ولم يشبهها بالحديد لما فيه من المنافع، ولأنه قد يلين. # ولما كانت القلوب بالنظر إلى حياتها ألين لين وبالنظر إلى ثباتها على ~~حالة أصلب شيء كانت بحيث تحير الناظر في أمرها فقال { أو } قال الحرالي: ~~هي كلمة تدل على بهم الأمر وخفيته فيقع الإبهام والإيهام - انتهى. وهذا ~~الإبهام بالنسبة إلى الرائين لهم من الآدميين، وأما الله تعالى فهو ~~العالم بكل شيء قبل خلقه كعلمه به بعد خلقه وزاد أشد مع صحة بناء أفعل من ~~قسى للدلالة على فرط القسوة فقال { أشد قسوة } لأنها لا تلين لما حقه أن ~~يلينها والحجر يلين لما حقه أن يلينه وكل وصف للحي يشابه به ما دونه أقبح ~~فيه مما دونه من حيث إن الحي مهيأ لضد تلك المشابهة بالإدراك. # ولما كان التقدير فإن الحجارة تنفعل بالمزاولة عطف عليه مشيرا إلى مزيد ~~قسوتهم وجلافتهم بالتأكيد قوله: { وإن من الحجارة } وزاد في التأكيد ~~تأكيدا لذلك قوله { لما يتفجر } أي يتفتح بالسعة والكثرة { منه الأنهار ~~} ذكر الكثير من ذلك وتذكيرا بالحجر المتفجر لهم منه الأنهار بضرب العصا ~~ثم عطف على ذلك ما هو دونه فقال: { وإن منها لما يشقق } أي يسيرا بتكلف ~~بما يشير إليه الإدغام والتفعل من التشقق وهو تفعل صيغة التكلف من الشق ~~وهو مصير الشيء في الشقين أي ناحيتين متقابلتين - قاله الحرالي. { فيخرج ~~منه الماء } الذي هو دون النهر، ثم عطف على هذا ما هو أنزل من ذلك فقال: ~~{ وإن منها لما يهبط من خشية الله } أي ينتقل من مكانه من أعلى الجبل إلى ~~أسفله لأمر الملك الأعلى له بذلك وقلوبكم لانتقاد لشيء من الأوامر فجعل ~~الأمر في حق القلوب لما فيها من العقل كالإرادة في حق الحجارة لما لها من ~~الجمادية وفي ذلك تذكير لهم بالحجارة المتهافتة من الطور عند تجلي الرب. ~~قال الحرالي: والخشية ms0166 وجل نفس العالم مما يستعظمه. # ولما كان التقدير: فما أعمالكم - أو: فما أعمالهم، على قراءة الغيب - ~~مما يرضي الله؟ عطف عليه { وما } ويجوز أن يكون حالا من قلوبكم أي قست ~~والحال أنه ما { الله } أي الذي له الكمال كله { بغافل } والغفلة فقد ~~الشعور بما حقه أن يشعر به { عما تعملون } فانتظروا عذابا مثل عذاب ~~أصحاب السبت إما في الدنيا وإما في الآخرة، ولم أر ذكر قصة البقرة في ~~التوراة فلعله مما أخفوه لبعض نجاساتهم كما أشير إليه بقوله تعالى: # تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا # [الأنعام: 91] والذي رأيت فيها مما يشبه ذلك ويمكن أن يكون مسببا عنه ~~أنه قال في السفر الخامس منها ما نصه: فإذا وجدتم قتيلا في الأرض التي ~~يعطيكم الله ربكم مطروحا لا يعرف قاتله يخرج أشياخكم وقضاتكم ويذرعون ما ~~بين القتيل والقرية، فأية قرية كانت قريبة من القتيل يأخذ أشياخ تلك ~~القرية عجلا لم يعمل به عمل ولم يحرث به حرث، فينزل أشياخ تلك القرية ~~العجل إلى الوادي الذي لم يزرع ولم يحرث فيه حرث يذبحون العجل في ذلك ~~الوادي ويتقدم الأحبار بنو لاوى الذين اختارهم الله ربكم أن يخدموا ~~ويباركوا اسم الرب وعن قولهم يقضي كل قضاء ويضرب كل مضروب، وجميع أشياخ ~~تلك القرية القريبة من القتيل يغسلون أيديهم فوق العجل المذبوح في الوادي ~~ويحلفون ويقولون: ما سفكت أيدينا هذا الدم وما رأينا من قتله فاغفر يا رب ~~لآل إسرائيل شعبك الذين خلصت، ولا تؤاخذ شعبك بالدم الزكي، ويغفر لهم على ~~الدم وأنتم فافحصوا عن الدم واقضوا بالحق وأبعدوا عنكم الإثم واعملوا ~~الحسنات بين يدي الله ربكم - انتهى. وهو كما ترى يشبه أن يكون فرع هذا ~~الأصل المذكور في القرآن العظيم والله أعلم. # ولما بين سبحانه أن قلوبهم صارت من كثرة المعاصي وتوالي التجرؤ على ~~بارئها محجوبة بالرين كثيفة الطبع بحيث إنها أشد قسوة من الحجارة تسبب عن ~~ذلك بعدهم عن الإيمان فالتفت إلى المؤمنين يؤيسهم من فلاحهم تسلية للنبي ~~صلى الله عليه وسلم عما كان ms0167 يشتد حرصه عليه من طلب إيمانهم في معرض ~~التنكيت عليهم والتبكيت لهم منكرا للطمع في إيمانهم بعد ما قرر أنه تكرر ~~من كفرانهم فقال: { أفتطمعون } والطمع تعلق البال بالشيء من غير تقدم سبب ~~له { أن يؤمنوا } أي هؤلاء الذين بين أظهركم وقد سمعتم ما اتفق لأسلافهم ~~من الكثافة وهم راضون بذلك وإلا لآمنوا بمجرد هذا الإخبار عن هذه القصص ~~من هذا النبي الأمي الذي يحصل التحقيق بأنه لا معلم له بها إلا الله ~~معترفين " لكم وقد " أي والحال أنه قد { كان فريق } أي ناس يقصدون الفرقة ~~والشتات { منهم } قال الحرالي: من الفرق وهو اختصاص برأي وجهة عمن حقه أن ~~يتصل به ويكون معه - انتهى. و { يسمعون كلام الله } المستحق لجميع صفات ~~الكمال والكلام قال الحرالي: هو إظهار ما في الباطن على الظاهر لمن يشهد ~~ذلك الظاهر بكل نحو من أنحاء الإظهار - انتهى. # { ثم يحرفونه } أي يزيلونه عن وجهه برده على حرفه، وفي ذكر الفريق مع ~~المعطوفات عليه تأكيد لعظيم تهمكهم في العصيان بأنهم كانوا بعد ما وصف ~~من أحوالهم الخبيثة فرقا في الكفر والعدوان والتبرء من جلباب الحياء، ~~وقوله: { من بعد ما عقلوه } مع كونه توطية لما يأتي من أمر الفسخ مشيرا ~~إلى أن تحريفهم لم يكن في محل إشكال لكونه مدركا بالبديهة، وأثبت الجار ~~لاختلاف أحوالهم. # ولما كان هذا مع أنه إشارة إلى أنهم على جبلات إبائهم وإلى أن من اجترأ ~~على الله لم ينبغ لعباد الله أن يطمعوا في صلاحه لهم، لأنه إذا اجترأ على ~~العالم بالخفيات كان على غيره أجرأ مشيرا إلى أنه لا يفعله عاقل ختمه ~~بقوله: { وهم يعلمون * } أي والحال أنهم مع العقل حاملون للعلم فاهمون له ~~غير غافلين بل متعمدون. # ولما كان الكلام مرشدا إلى أن التقدير فهم لجرأتهم على الله إذا سمعوا ~~كتابكم حرفوه وإذا حدثوا عباد الله لا يكادون يصدقون عطف عليه قوله { ~~وإذا لقوا الذين آمنوا } بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم { قالوا } ~~نفاقا منهم { آمنا وإذا خلا بعضهم } أي المنافقين ms0168 { إلى بعض قالوا } ~~لائمين لهم ظنا منهم جهلا بالله لما وجدوا كثيرا من أسرارهم وخفي ~~أخبارهم مما هو في كتابهم من الدقائق وغير ذلك عند المؤمنين مع اجتهاده ~~في إخفائها أن بعضهم أفشاها فعلمت من قبله { أتحدثونهم } من التحديث وهو ~~تكرار حدث القول أي واقعه { بما فتح الله } ذو الجلال والجمال { عليكم } ~~من العلم القديم الذي أتاكم على ألسنة رسلكم أو بما عذب به بعضكم. والفتح ~~قال الحرالي توسعة الضيق حسا ومعنى { ليحاجوكم } أي المؤمنون { به عند ~~ربكم } والمحاجة تثبيت القصد والرأي بما يصححه. ولما كان عندهم أن ~~إفشاءهم لمثل هذا من فعل من لا يفعل قالوا إنكارا من بعضهم على بعض { ~~أفلا تعقلون * } ويمكن أن يكون خطابا للمؤمنين المخاطبين يتطمعون، أي ~~أفلا يكون لكم عقل ليردكم ذلك عن تعليق الأمل بإيمانهم. ولما كان ظنهم ~~هذا أقبح الفساد لأنه لو لم يكن علمه من قبل الله لم يقدر غيره أن يعبر ~~عنه بعبارة تعجز الخلائق عن مماثلتها وصل به قوله موبخا لهم { أولا } أي ~~ألا يعلمون أن علم المؤمنين لذلك لم يكن إلا عن الله لما قام عليه من ~~دليل الإعجاز أو لا { يعلمون أن الله } الذي له الإحاطة بكل شيء { يعلم ~~ما يسرون } أي يخفون من قولهم لأصحابهم ومن غيره { وما يعلنون } أي ~~يظهرون من ذلك فيخبر به أولياءه. # ولما ذكر سبحانه هذا الفريق الذي هو من أعلاهم كفرا وأعتاهم أمرا عطف ~~عليه قسما أعتى منه وأفظ لأن العالم يرجى لفته عن رأيه أو تخجيله ~~بالحجاج بخلاف المقلد العاتي الكثيف الجافي فقال { ومنهم أميون } ويجوز ~~أن يراد بهم من لا يحسن الكتابة ومن يحسنها وهو غليظ الطبع بعيد عن ~~الفهم، لأن الأمي في اللغة من لا يكتب أو من على خلقة الأمة لم يتعلم ~~الكتابة وهو باق على جبلته وحال ولادته والغبي الجلف الجافي القليل ~~الكلام، فالمعنى أنهم قسمان: كتبة وغير كتبة، وهم المراد بالأميين، ~~وهؤلاء مع كونهم لا يحسنون الكتاب يجوز أن يتعلموا القراءة تلقينا ولا ~~يفهمون المعاني، ms0169 ويجوز أن يكون المعنى أنهم قسمان: علماء نحارير عارفون ~~بالمعاني وجهلة غبيون لا حظ لهم من التوراة إلا القراءة الخالية عن ~~التدبر المقرونة بالتمني ولذلك قال: { لا يعلمون الكتاب } أي بخلاف القسم ~~الذي أكد فيه كونهم من أهل العلم. # ولما كان المراد سلب العلم عنهم رأسا أبرز الاستثناء مع كونه منقطعا ~~في صورة المتصل فقال: { إلا أماني } جمع أمنية، وهي تقدير الوقوع فيما ~~يترامى إليه الأمل، ويقال إن معناه يجري في التلاوة للفظ كأنها تقدير ~~بالإضافة لمن يتحقق له المعنى - قاله الحرالي. أي إن كانت الأماني مما ~~يصح وصفه بالعلم فهي لهم لا غيرها من جميع أنواعه. ولما أفهم ذلك أن ~~التقدير ما هم ألا يقدرون تقديرات لا علم لهم بها عطف عليه قوله: { وإن ~~هم إلا يظنون } تأكيدا لنفي العلم عنهم. ولما أثبت لهذا الفريق القطع ~~على الله بما لا علم لهم به وكان هذا معلوم الذم محتوم الإثم سبب عنه ~~الذم والإثم بطريق الأولى لفريق هو أردؤهم وأضرهم لعباد الله وأعداهم ~~فقال: { فويل } والويل جماع الشر كله - قاله الحرالي. { للذين يكتبون } ~~أي منهم ومن غيرهم { الكتاب } أي الذي يعلمون أنه من عندهم لا من عند ~~الله { بأيديهم } وأشار إلى قبح هذا الكذب وبعد رتبته في الخبث بأداة ~~التراخي فقال { ثم يقولون } لما كتبوه كذبا وبهتانا { وهذا من عند الله ~~} الملك الأعظم ثم بين بالعلة الحاملة لهم على ذلك خساستهم وتراميهم إلى ~~النجاسة ودناءتهم فقال: { ليشتروا به } أي بهذا الكذب الذي صنعوه { ثمنا ~~قليلا } ثم سبب عنه قوله: { فويل لهم مما كتبت أيديهم } من ذلك الكذب ~~على الله { وويل لهم مما يكسبون * } أي يجدون كسبه مما اشتروه به، وجرد ~~الفعل لوضوح دلالته على الخبث بقرينة ما تقدم وإذا كان المجرد كذلك كان ~~غيره أولى قال الحرالي: والكسب ما يجري من الفعل والقول والعمل والآثار ~~على إحساس بمنة فيه وقوة عليه - انتهى. وفي هذه الآية بيان لما شرف به ~~كتابنا من أنه لإعجازه لا يقدر أحد أن يأتي من عنده ms0170 بما يدسه فيه فيلبس ~~به - فلله المنة علينا والفضل. # ولما أرشد الكلام إلى أن التقدير: فحرفوا كثيرا في كتاب الله وزادوا ~~ونقصوا، عطف عليه ما بين به جرأتهم وجفاهم وعدم اكتراثهم بما يرتكبونه من ~~الجرائم التي هم أعلم الناس بأن بعضها موجب للخلود في النار فقال تعالى: ~~{ وقالوا لن تمسنا } من المس وهو ملاقاة ظاهر الشيء ظاهر غيره { النار } ~~أي المعدة في الآخرة { إلا أياما } ولما كان مرادهم بذلك أنهم لا يخلدون ~~فيها وكان جمع القلة وإن كان يدل على ذلك لكنه ربما استعير للكثرة فدل ~~على ما لا آخر له أو ما يعسر عده زادوا المعنى تأكيدا وتصريحا بقولهم: ~~{ معدودة } أي منقضية، لأن كل معدود منقض. قال الحرالي: والعد اعتبار ~~الكثرة بعضها ببعض، واقتصر على الوصف بالمفرد لكفايته في هذا المعنى ~~بخلاف ما في آل عمران. # ولما ادعوا ذلك ادعوا أن المسلمين يخلفونهم بعد ذلك فيها، روى البخاري ~~في الجزية والمغازي والطب والدارمي في أول المسند عن أبي هريرة رضي الله ~~عنه قال: لما فتحت خيبر أهديت للنبي صلى الله عليه وسلم شاة فيها سم، ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " اجمعوا لي من كان ههنا من يهود، فجمعوا له فقال: إن سائلكم عن شيء فهل ~~أنتم صادقي عنه؟ فقالوا: نعم، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: من ~~أبوكم؟ قالوا فلان، فقال: كذبتم، بل أبوكم فلان، قالوا: صدقت وبررت، قال: ~~فهل أنتم صادقي عن شيء إن سألتكم عنه؟ قالوا: نعم يا أبا القاسم، وإن ~~كذبنا عرفت كذبنا كما عرفته في أبينا، فقال لهم: من أهل النار؟ قالوا: ~~نكون فيها يسيرا ثم تخلفونا فيها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~اخسؤوا فيها! والله لا نخلفكم فيها أبدا، ثم قال: هل أنتم صادقي عن شيء ~~إن سألتكم عنه؟ فقالوا: نعم يا أبا القاسم، قال: هل جعلتم في هذه الشاة ~~سما؟ قالوا: نعم، قال: ما حملكم على ذلك؟ قالوا: أردنا إن كنت كاذبا أن ~~نستريح منك، وإن كنت نبيا لم يضرك ms0171 " # ولما ادعوا ذلك كان كأنه قيل: فيما ذا نرد عليهم؟ فقال { قل } منكرا ~~لقولهم { اتخذتم } في ذلك { عند الله } أي الذي له الأمر كله { عهدا فلن ~~} أي فيتسبب عن ذلك أنه يوفي بعهده، لأنه { يخلف الله } الذي له صفات ~~الكمال { عهده أم } لم يكن ذلك فأنتم { تقولون على الله } المحيط بكل شيء ~~قدرة وعلما { ما لا تعلمون } ومعنى الإنكار في الاستفهام أنه ليس واحد ~~من الأمرين واقعا، لا اتخذتم عهدا ولا قلتم ذلك جهلا، بل قلتموه وأنتم ~~تعلمون خلافه، ولما انتفى الأمران علم أن الكائن غير ما ادعوه فصرح به في ~~قوله: { بلى } أي لتمسنكم على خلاف ما زعمتموه، فإن بلى كلمة تدل على ~~تقرير يفهم من إضراب عن نفي كأنها بل وصلت بها الألف إثباتا لما أضرب عن ~~نفيه - قاله الحرالي. # ونعم جواب لكلام لا جحد فيه. ولما أضرب سبحانه عما قالوه من القضاء في ~~الأعيان قاضيا عليهم بالخسران علل ذلك بوصف هم به متلبسون معلما بأن من ~~حق الجاهل بالغيب الحكم على الأوصاف التي ناط علام الغيوب بها الأحكام ~~فقال: { من كسب سيئة } أي عملا من حقه أن يسوء { وأحاطت به خطيئة } بحيث ~~لم يكن شيء من أحواله خارجا عن الخطيئة بل كانت غامرة لكل ما سواها من ~~أعماله، ولا يكون ذلك إلا للكفر الهادم لأساس الأعمال الذي لا يتأتى ~~بقاء الأعمال بدونه. ولما كان إفراد الضمير أنص على جزاء كل فرد والحكم ~~بالنكال على الكل أنكأ وأروع وأقبح وأفظع وأدل على القدرة أفرد ثم جمع ~~فقال آتيا بالفاء دليلا أن أعمالهم سبب دخولهم النار: { فأولئك } أي ~~البعداء البغضاء { أصحاب النار هم } خاصة { فيها خالدون * }. # ولما بان بهذا مالهم ولكل من شاركهم في هذا الوصف عطف عليه ما لمن ~~ادعوا أنهم يخلفونهم في النار ولكل من شاركهم في وصفهم الذي استحقوا به ~~ذلك فقال: { والذين آمنوا } أي أقروا بالوحدانية بألسنتهم { وعملوا ~~الصالحات } بيانا لأن قلوبهم مطمئنة بذلك { أولئك } العالو المراتب ~~الشريفو المناقب، ولم يأت بالفاء دلالة على أن ms0172 سبب سعادتهم إنما هو ~~الرحمة { أصحاب الجنة } لا غيرهم { وهم } أي خاصة { فيها خالدون * } # . ### || [2.83-87] # ثم شرع سبحانه يقيم الدليل على أنهم ممن أحاطت به خطيئته فقال: { وإذ } ~~أي اذكروا ما تعلمون في كتابكم من حال من كسب سيئة محيطة واذكروا إذ { ~~أخذنا } بما لنا من تلك العظمة التي أشهدناكم كثيرا منها ميثاقكم ولكنه ~~أظهر لطول الفصل بذكر وصف يعمهم وغيرهم فقال: { ميثاق بني إسرائيل } ~~ويجوز أن يكون معطوفا على { نعمتي } في قوله تعالى: { يا بني إسرائيل ~~اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم } لأن الكل في مخاطبتهم وبيان أمورهم. # ولما كان الدين إنما هو الأدب مع الخالق والخلق ذكر المعاهد عليه من ذلك ~~مرتبا له على الأحق فالأحق فقال ذاكرا له في صيغة الخبر مريدا به ~~النهي والأمر وهو أبلغ من حيث إنه كأنه وقع امتثاله ومضى ودل على إرادة ~~ذلك بعطف { وقولوا } عليه: { لا تعبدون إلا الله } المنعم الأول الذي له ~~الأمر كله لتكونوا محسنين بذلك إحسانا هو الإحسان كله { و } أحسنوا أو ~~تحسنون { بالوالدين } ولو كانا كافرين. قال الحرالي: تثنية والد من ~~الولادة لاستبقاء ما يتوقع ذهابه بظهور صورة منه تخلف صورة نوعه - انتهى ~~{ إحسانا } عظيما لا يبلغ كنهه، لكونهما في الرتبة الثانية لجعلهما ~~سبحانه السبب في نعمة الإيجاد الأول والمباشرين للتربية، وغير السياق ~~فلم يقل: ولا تحسنون إلا إلى الوالدين، إفهاما لأن الإحسان إليهما ~~يشركهما فيه من بعدهما، لو جبر فوات هذا الحصر بتقديمهما إيذانا ~~بالاهتمام { وذي القربى } وهم المتوسلون بالوالدين لما لهم من أكيد ~~الوصلة { واليتامى } لضعفهم، واليتم قال الحرالي: فقد الأب حين الحاجة، ~~ولذلك أثبته مثبت في الذكر إلى البلوغ، وفي البنت إلى الثيوبة لبقاء ~~حاجتها بعد البلوغ، والقربى فعلى من القرابة وهو قرب في النسب الظاهر أو ~~الباطن - انتهى { المساكين } لكسرهم. # ولما لم يكن وسع الناس عامة بالإحسان بالفعل ممكنا أمر بجعل ذلك بالقول ~~فقال عطفا على الخبر الذي معناه الإنشاء: { وقولوا للناس } عامة { حسنا ~~} أي حسنا بالتحريك وهو لغة فيه كالبخل والبخل، وذلك بأن ms0173 يأمروهم ~~بما أمر الله به وينهوهم عما نهى عنه. ولما أمرهم بما إن امتثلوه اجتمعت ~~كلمتهم ذكر أعظم جامع على الله من الأعمال فقال: { وأقيموا الصلاة } ثم ~~ذكر ما به تمام الجمع ودوامه فقال: { وآتوا الزكاة } ولما كان الإعراض عن ~~هذه المحاسن في غاية البعد فكيف إذا كانت بعهد فكيف إذا كان من الله أشار ~~إلى ذلك بأداة التراخي فقال: { ثم توليتم } أي عن ذلك أو عن كثير منه، ~~وأشار بصيغة التفعل إلى أن الأمور الدينية لحسنها لا يعرض عنها إلا بعلاج ~~بين الفطرة الأولى والأمارة { إلا قليلا منكم وأنتم } أي والحال أنكم { ~~معرضون } عادتكم ذلك، لم يكن ذلك منكم عن غير علم، والإعراض صرف الشيء ~~إلى العرض التي هي الناحية. # قال السمين: وروى عن أبي عمرو وغيره: إلا قليل - بالرفع، وفيه أقوال، ~~أصحها رفعه على الصفة بتأويل إلا وما بعدها بمعنى غير - انتهى. ويأتي إن ~~شاء الله تعالى بسط هذا الإعراب عند قوله: # فشربوا منه إلا قليلا منهم # [البقرة: 249] ذكر ما يشهد لذلك من التوراة، قال في السفر الثاني منها ~~لما ذكر أمر المناجاة وحضورهم عند الجبل وقال الله جميع هذه الآيات كلها: ~~أنا الرب إلهك الذي أصعدتك من أرض مصر من العبودية والرق، لا تكون لك ~~آلهة غيري، لا تعملن شيئا من الأصنام والتماثيل التي مما في السماء فوق ~~وفي الأرض من تحت ومما في الماء أسفل الأرض، لا تسجدن لها ولا تعبدنها، ~~لأني أنا الرب، إلهك إله غيور، أجازي الأبناء بذنوب الآباء إلى ثلاثة ~~أحقاب وأربعة من أعدائي، وأثبت النعمة إلى ألف حقب لأحبائي وحافظي ~~وصاياي، لا تقسم بالرب إلهك كذبا، لأن الرب لا يزكي من حلف باسمه كذبا. ~~أكرم أباك وأمك ليطول عمرك في الأرض التي يعطيكها الرب إلهك، لا تقتل، لا ~~تزن، لا تسرق، لا تشهد على صاحبك شهادة زور، لا تتمن بنت صاحبك، ولا ~~تشتهين امرأة صاحبك ولا كل شيء لصاحبك - وكان جميع الشعب يسمعون الأصوات ~~ويرون المصابيح. وقال في موضع آخر من السفر ms0174 الثالث: لا تسرقوا، ولا ~~تغدروا، ولا تحلفوا باسمي كذبا، ولا تنجسوا اسم الرب إلهكم، أنا الرب ~~وليس غيري، لا تظلمن صاحبك، ولا تشتمن الأخرس، ولا تضع عثرة بين يدي ~~الضرير، اتق الله ربك، لا تحيفوا في القضاء، ولا تأثموا، ولا تحابين ~~المسكين ولا تحاب الكبير أيضا بل أقض بالبر والعدل، لا تبغض أخاك في ~~قلبك بل بكت صاحبك ووبخه بالحق لكيلا يلزمك خطيئة في سببه، ولا تحقدن ~~على أحد بل أحبب صاحبك كما تحب نفسك، ولا تتطيروا بسنح الطير، ولا يكونن ~~فيكم عراف، ولا تطولن شعر رؤوسكم، ولا تحلقوا عنافق لحاكم، ولا تخدشوا ~~وجوهكم على الميت، ولا تكتبوا على لحومكم بالإبر، أنا الله ربكم، لا ~~تتبعوا العرافين والقافة ولا تنطلقوا إليهم ولا تسألوهم عن شيء لئلا ~~تتنجسوا بهم، أكرم الشيخ وقم إليه إذا رأيته، وأكرم من هو أكبر منك، واتق ~~الله ربك، أنا الله ربكم، وإذا سكن بينكم الذي يقبل إلي فلا تظلموه بل ~~أنزلوه منزلة أحدكم وصيروه منكم، الذين يقبلون إلي ويسكنون معكم أحبوهم ~~كما تحبون أنفسكم لأنكم كنتم سكانا بأرض مصر، أنا الله ربكم، لا تأثموا ~~في القضاء ولا تأثموا في الأوزان والمكاييل بل اتخذوا ميزان الحق واتخذوا ~~مكاييل الحق، أنا الله ربكم الذي أخرجكم من أرض مصر احفظوا جميع وصاياي ~~وأحكامي بها، أنا الرب وليس غيري. # وقال في الثاني: ومن تبع العرافين والقافة وضل بهم أنزل به غضبي الشديد ~~وأهلكه من شعبي، وأي رجل شتم والديه يقتل قتلا ودمه في عنقه؛ ثم قال ~~بعده: وأي رجل أو امرأة صار عرافا أو منجما يقتلان قتلا، ويكون قتلهما ~~الرجم بالحجارة، ودمهما في أعناقهما؛ وقال قبل ذلك: وكل من ضرب رجلا ~~فمات فليقتل قتلا، ومن ضرب أباه وأمه فليقتل قتلا، ومن سرق إنسانا ~~فوجد معه يريد بيعه فليقتل قتلا، ومن شتم أباه وأمه فليقتل قتلا، ثم ~~قال: لا يؤذن الساكن بينكم ولا تعقوهم تحوجوهم، لأنكم كنتم سكانا ~~بأرض مصر، ولا تؤذوا الأرامل والأيتام، فإن آذيتموهم فصلوا بين يدي أسمع ~~صلاتهم ms0175 وأستجيب لهم فيشتد غضبي وأقتلكم في الحرب وتكون نساؤكم أرامل ~~وبنوكم يصيرون يتامى، وإن أسلفت رزقك للمسكين الذي معك من شعبي فلا تكونن ~~له كالغريم، ولا تأخذن منه ربا؛ ثم قال: ولا تقبلن الرشوة، فإن الرشوة ~~تعمي أبصار الحكماء في القضاء وترد فلج الصالحين. # ولما كان أكبر الكبائر بعد الشرك القتل تلاه بالتذكير بما أخذ عليهم فيه ~~من العهد، وقرن به الإخراج من الديار لأن المال عديل الروح والمنزل أعظم ~~المال وهو للجسد كالجسد للروح فقال: { وإذ أخذنا ميثاقكم } يا بني ~~إسرائيل { لا تسفكون دماءكم } أي لا يسفك بعضكم دماء بعض { ولا تخرجون ~~أنفسكم } بإخراج بعضكم لبعض لأن المتواصلين بنسب أو دين كالنفس الواحدة { ~~من دياركم } ، قال الحرالي: وأصلها ما أدارته العرب من البيوت كالحلقة ~~استحفاظا لما تحويه من أموالها - انتهى. # ولما كانوا قد نكصوا عند حقوق الأمر فلم يقبلوا ما أتاهم من الخير حتى ~~خافوا الدمار بسقوط الطور عليهم أشار إلى ذلك بقوله: { ثم أقررتم } أي ~~بذلك كله بعد لي وتوقف، والإقرار إظهار الالتزام بما خفي أمره - قاله ~~الحرالي: { وأنتم تشهدون } بلزومه وتعاينون تلك الآيات الكبار الملجئة ~~لكم إلى ذلك، وقد مضى مما يصدق هذا عن التوراة آنفا ما فيه كفاية ~~للموفق، وسيأتي في المائدة بقيته، إن شاء الله تعالى. ولما كان هذا بما ~~أكد به من ذكر الميثاق في مظهر العظمة وإضافة الجناية إلى نفس الجاني ~~جديرا بالبعد منه أشار إلى ذلك بقوله: { ثم أنتم هؤلاء } الحقيرون ~~المقدور عليهم المجهولون الذين لا يعرف لهم اسم ينادون به، أو الموجودون ~~الآن؛ ثم استأنف البيان عن هذه الجملة فقال: { تقتلون أنفسكم } من غير ~~التفات إلى هذا العهد الوثيق { وتخرجون فريقا منكم } أي ناسا هم أشقاء ~~لكم فهم جديرون منكم بالإحسان لا بالإخراج { من ديارهم }. # ولما كان من المستبعد جدا بعد الاستبعاد الأول أن يقعوا في ذلك على ~~طريق العدوان استأنف البيان لذلك بقوله: { تظاهرون } أي تتعاونون، من ~~التظاهر، وهو تكلف المظاهرة وهي تساند القوة كأنه استناد ظهر إلى ظهر - ~~قاله ms0176 الحرالي: { عليهم بالإثم } أي مصاحبين للإثم وهو أسوأ الاعتداء في ~~قول أو فعل أو حال، ويقال لكذوب: أثوم، لاعتدائه بالقول على غيره، والإثم ~~الخمر لما يقع بها من العدواة والعدوى - قاله الحرالي: { والعدوان } أي ~~والامتلاء في مجاوزة الحدود { وإن يأتوكم } أي هؤلاء الذين تعاونتم أو ~~عاونتم عليهم { أسارى } جمع أسرى جمع أسير، وأصله المشدود بالأسر، وهو ~~القد وهو ما يقد أي يقطع من السير { تفادوهم } أي تخلصوهم بالمال، من ~~الفداء وهو الفكاك بعوض، و { تفادوهم } من المفاداة وهي الاستواء في ~~العوضين. # قاله الحرالي. # ثم أكد تحريم الإخراج بزيادة الضمير والجملة الاسمية في قوله: { وهو ~~محرم } من التحريم وهو تكرار الحرمة بالكسر وهي المنع من الشيء لدنايته، ~~والحرمة بالضم المنع من الشيء لعلوه - قاله الحرالي: { عليكم } ولما كان ~~يظن أن الضمير للفداء عينه فقال: { إخراجهم } ثم أنكر عليهم التفرقة بين ~~الأحكام فقال: { أفتؤمنون ببعض الكتاب } أي التوراة وهو الموجب للمفاداة ~~{ وتكفرون ببعض } وهو المحرم للقتل والإخراج، ثم سبب عن ذلك قوله: { فما ~~جزاء من يفعل ذلك } الأمر العظيم الشناعة { منكم إلا خزي } ضد ما قصدتم ~~بفعلكم من العز، والخزي إظهار القبائح التي يستحي من إظهارها عقوبة - ~~قاله الحرالي: { في الحياة الدنيا } تعجيلا للعقوبة له في الدار التي ~~جعلها محط قصده. وقد فعل سبحانه ذلك بأنواع الذل والقتل فما دونه، { ويوم ~~القيامة } هي فعالة تفهم فيها التاء المبالغة والغلبة، وهو قيام أمر ~~مستعظم، والقيام هو الاستقلال بأعباء ثقيلة { يردون } أي بالبعث، والرد ~~هو الرجوع إلى ما كان منه بدء المذهب - قاله الحرالي: { إلى أشد العذاب } ~~لأنه الخزي الأعظم. # ولما كانت المواجهة بالتهديد أدل على الغضب التفت إليهم في قراءة ~~الجماعة فعطف على ما تقديره ذلك بأن الله عالم بما قصدتموه في ذلك فهو ~~يجازيكم بما تستحقون قوله: { وما الله } أي المحيط علما وقدرة { بغافل ~~عما } أي عن شيء بما { تعملون } من ذلك ومن غيره، وقراءة نافع وابن كثير ~~بالغيب على الأسلوب الماضي. # ولما كانت هذه الآيات كلها كالدليل على قوله تعالى: # وضربت ms0177 عليهم الذلة والمسكنة - ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله # [البقرة: 61] فذلكة ذلك قوله تعالى: { أولئك } أي البعداء البغضاء { ~~الذين اشتروا } أي لجوا فأخذوا { الحياة الدنيا } على خساستها { بالآخرة ~~} مع نفاستها، والدنيا فعلى من الدنو وهو الأنزل رتبة، في مقابلة عليا، ~~ولأنه لزمتها العاجلة صارت في مقابلة الأخرى اللازمة للعلو، ففي الدنيا ~~نزول قدر وتعجل وفي الأخرى علو قدر وتأخر، فتقابلتا على ما يفهم تقابلين ~~من معنى كل واحدة منهما - قاله الحرالي: فالآية من الاحتكاك، ذكر الدنيا ~~أولا يدل على حذف العليا ثانيا، وذكر الآخرة ثانيا يدل على حذف ~~العاجلة أولا. # { فلا } أي فتسبب عن ذلك أنه لا { يخفف } من التخفيف وهو مصير الثقيل ~~والمستفل إلى حال الطافي المستعلي كحال ما بين الحجر والهواء - قاله ~~الحرالي: { عنهم العذاب } في واحدة من الدارين { ولا هم ينصرون } وهو ~~أيضا من أعظم الأدلة على خذلان من غزا لأجل المغنم أو غل، وقد ورد في ~~كثير من الأحاديث والآثار التصريح بذلك، منها ما رواه مالك عن ابن عباس ~~رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ما ظهر الغلول في قوم إلا ألقى الله في قلوبهم الرعب " # وهو أيضا شرع قديم ففي سفر يوشع بن نون عليه الصلاة والسلام أنه لما ~~فتح مدينة أريحا بعد موت موسى عليه السلام بعث إلى مدينة عاي ثلاث آلاف ~~مقاتل ليفتحوها، فقتل منهم أهل عاي جماعة وهزموهم، فاضطربت قلوبهم وصارت ~~كالماء، فسجد يشوع على الأرض أمام تابوت الرب هو ومشيخة بني إسرائيل، ~~فقال له الرب: انهض قائما، وأخبره أن قومه قد غلوا فلا يقدرون الآن أن ~~يثبتوا لأعدائهم حتى ينحوا الحرام عنهم، وقال الله له: وإذا كان غد ~~فقدموا أسباطكم ليقترعوا، والسبط الذي تصيبه قرعة الرب تتقدم عشائره، ~~والعشيرة التي تصيبها القرعة تتقدم بيوتاتها، والبيت الذي يصيبه قرعة ~~الرب ويصاب الحرام عنده يحرق بالنار هو وكل شيء له، لأنه تعدى على أمر ~~الرب ولأنه أثم بإسرائيل؛ ففعل ما أمره الرب فأصابت القرعة عاجار بن كرمى ~~من سبط ms0178 يهودا، فأحضره وبنيه وبناته ومواشيه وخيمته وكل من كان له، ~~فأصعدهم إلى غور عاجار، ورجمهم جميع بني إسرائيل بالحجارة، وأحرقوهم ~~بالنار، وجعلوا فوقه تلا من الحجارة الكبار إلى اليوم، ولذلك دعي اسم ~~ذلك الموضع غور عاجار إلى اليوم، ثم أتوا من الغد إلى عاي فقتلوا جميع من ~~فيها من بني آدم الذكور والإناث وأحرقوها. # ولما بين لهم أنهم نقضوا العهود فأحاطت بهم الخطايا فاستحقوا الخلود في ~~النار توقع السائل الإخبار عن سبب وقوعهم في ذلك هل هو جهل أو عناد فبشع ~~سبحانه ذلك عليهم بما افتتحه بحرف التوقع فقال: { ولقد } باللام التي هي ~~توكيد لمضمون الكلام، و " قد " هي لوقوع مرتقب مما كان خبرا أو مما ~~سيكون علما - قاله الحرالي. { آتينا } أي بعظمتنا { موسى الكتاب } أي ~~نقضتم تلك العهود مع أن عندكم فيها كتاب الله التوراة تدرسونه كل حين، ~~فلم ندعكم هملا بعد موسى عليه السلام بل ضبطنا أمركم بالكتاب { وقفينا } ~~من التقفية وهي متابعة شيء شيئا كأنه يتلو قفاه، وقفاء الصورة منها ~~خلفها المقابل الموجه - قاله الحرالي: { من بعده } أي بعد موسى { بالرسل ~~} أي ثم لم نقتصر على الضبط بالكتاب الذي تركه فيكم موسى بل واترنا من ~~بعده إرسال الرسل مواترة، وجعلنا بعضهم في قفاء بعض ليجددوا لكم أمر ~~الدين ويؤكدوا عليكم العهود والرسالة انبعاث أمر من المرسل إلى المرسل ~~إليه { وآتينا } بما لنا من العظمة { عيسى } اسم معرب. # أصله يسوع { ابن مريم } الذي أرسلناه لنسخ بعض التوراة تجديد ما درس من ~~بقيتها { البينات } من الآيات العظيمة التي لا مرية فيها لذي عقل، ~~والبينة من القول والكون ما لا ينازعه منازع لوضوحه - قاله الحرالي: { ~~وأيدناه } أي قويناه على ذلك كله، من التأييد وهو من الأيد وهو القوة، ~~كأنه يأخذ معه بيده في الشيء الذي يقويه فيه، كأخذ قوة المظاهرة من ~~الظهر، لأن الظهر موضع قوة الشيء في ذاته، واليد موضع قوة تناوله لغيره - ~~قاله الحرالي: { بروح القدس } أي الروح الطاهر وهو جبريل عليه السلام كما ~~أيدنا به غيره من ms0179 أولي العزم. قال الحرالي: والروح لمحة من لمحات أمر ~~الله، وأمر الله قيوميته في كلية خلقه ملكا وملكوتا، فما هو قوام الخلق ~~كله ملكا وملكوتا هو الأمر # ألا له الخلق والأمر # ، [الأعراف: 54]، وما هو قوام صورة من جملة الخلق هو الروح الذي هو لمحة ~~من ذلك الأمر؛ ولقيام عالم الملكوت وخصوصا جملة العرش بعالم الملك ~~وخصوصا أمر الدين الباقي سماهم الله روحا، ومن أخصهم روح القدس، والقدس ~~الطهارة العلية التي لا يلحقها تنجس على ما تقدم، ومن أخص الروح به جبريل ~~عليه السلام بما له من روح الأمر الديني، وإسرافيل عليه السلام بما له من ~~روح النفخ الصوري - انتهى. وقد كان لعيسى عليه السلام بالروح مزيد اختصاص ~~لكثرة ما أحيى من الموتى؛ والمعنى فعلنا بكم يا بني إسرائيل ذلك ولم ~~تزالوا في عهد جميع من ذكر ناقضين للعهود، فلا أحد أحق منكم بالخلود في ~~النار، ثم جاء محمد صلى الله عليه وسلم فلم تصدقوه. # ذكر شيء من الإنجيل يدل على أنه عليه السلام أتى بالبينات مع تأييده ~~بروح القدس مستخلصا من الأناجيل الأربعة وقد جمعت بين ألفاظها، قال متى ~~- ومعظم السياق له: فلما سمع يسوع أن يوحنا - يعني يحيى بن زكريا عليهما ~~السلام - قد أسلم - يعني خذله أصحابه مضى إلى الجليل وترك الناصرة وجاء ~~وسكن كفرناحوم التي على ساحل البحر في تخوم زابلون وبغتاليم ليكمل ما ~~قيل في أشعيا النبي إذ يقول: أرض زابلون أرض بغتاليم طريق البحر عبر ~~الأردن جليل الأمم الشعب الجالس في الظلمة أبصر نورا عظيما الجلوس في ~~الكورة وظلال الموت نورا أشرق عليهم، ومن ذلك بعد حبس يوحنا وافى يسوع ~~إلى الجليل يكرز بإنجيل ملكوت الله قائلا: قد كمل الزمان وقربت ملكوت ~~الله! فتوبوا وآمنوا بالإنجيل. قال متى: وكان يمشي على بحر الجليل فأبصر ~~أخوين سمعان الذي يدعى بطرس واندراوس أخاه يلقيان شباكهما في البحر ~~لأنهما كانا صيادين، فقال لهما: اتبعاني أجعلكما تكونان صيادي الناس ~~وللوقت تركا شباكهما وتبعاه؛ وجاز من هناك فرأى أخوين آخرين يعقوب ms0180 بن ~~زبدي ويوحنا أخاه في سفينة مع أبيهما زبدي يصلحون شباكهم فدعاهما، فللوقت ~~تركا السفينة وأباهما زبدي وتبعاه وفي إنجيل يوحنا بعد قصة يحيى بن زكريا ~~الآتية في آل عمران: هذا كان في بيت عينا في عبر الأردن حيث كان يوحنا ~~يعمد، ومن الغد نظر يسوع مقبلا إليه فقال: هذا حمل الله الذي يرفع خطيئة ~~العالم! هذا ذلك الذي قلت من أجله: إنه يأتي وهو كان قبلي لأنه أقدم مني ~~وأنا لم أكن أعرفه لكن ليظهر لإسرائيل، من أجل هذا جئت أنا لأعمد بالماء؛ ~~وشهد يوحنا وقال: إني رأيت الروح نزل من السماء مثل حمامة وحل عليه ولم ~~أعرفه، لكن من أرسلني لأعمد بالماء هو الذي قال: الذي ترى الروح ينزل ~~ويثبت عليه هو يعمد بروح القدس. # وأنا عاينت وشهدت: وفي الغد كان يوحنا واقفا واثنان من تلاميذه فنظر ~~يسوع فقال: هذا حمل الله! فسمع تلميذاه كلامه فتبعا يسوع، فالتفت يسوع ~~فرآهما يتبعانه فقال لهما: ماذا تريدان؟ قالا له: ربي - الذي تأويله يا ~~معلم - أين تكون؟ فقال لهما: تعاليا لتنظرا، فأتيا وأبصرا موضعه أين ~~يكون، وأقاما عنده يومهما ذلك وكان نحو عشر ساعات، وإن واحدا من اللذين ~~سمعا من يوحنا وتبعا يسوع كان اندراوس أخا سمعان وإنه أبصر أولا سمعان ~~أخاه وقال له: قد وجدنا مسيا - الذي تأويله المسيح - فجاء به إلى يسوع؛ ~~فلما نظر إليه يسوع قال له: أنت سمعان بن يونان الذي يدعى الصفا - الذي ~~تأويله بطرس ومن الغد أراد الخروج إلى الجليل فلقي فيليس ناتاناييل وقاله ~~له: الذي كتب موسى من أجله في الناموس والأنبياء وجدناه وهو يسوع الذي من ~~الناصرة، فقال له: ناتاناييل هل يمكن أن يخرج من الناصرة شيء فيه صلاح؟ ~~فقال له فيليس: تعال وانظر، فلما رأى يسوع ناتاناييل مقبلا إليه قال: من ~~أجله هذا حقا إسرائيلي لا غش فيه، فقال له ناتاناييل: من أين تعرفني؟ ~~فقال له يسوع: قبل أن يدعوك فيليس وأنت تحت التينة رأيتك فقال له: يا ~~معلم! أنت هو ملك ms0181 إسرائيل، قال له يسوع: لأني قلت لك إني رأيتك تحت ~~التينة آمنت سوف تعاين ما هو أعظم من هذا، وقال له: الحق الحق أقول لكم، ~~إنكم من الآن ترون السماء مفتحة وملائكة الله ينزلون ويصعدون على ابن ~~البشر. وفي اليوم الثالث كان عرش في قانا الجليل وكانت أم يسوع هناك ~~ودعي يسوع وتلاميذه إلى العرش وكان الخمر قد فرغ، فقالت أم يسوع له: ليس ~~لهم خمر، فقال لها يسوع: ما لي ولك أيتها المرأة لم تأت ساعتي بعد؟ فقالت ~~أمه للخدام: افعلوا ما يأمركم به، وكان هناك ستة أجاجين من حجارة موضوعة ~~لتطهير اليهود تسع كل واحدة مطرين أو ثلاثة، فقال لهم يسوع: املؤوا ~~الأجاجين ماء، فملؤوها إلى فوق، وقال لهم: اغرفوا الآن وناولوا رئيس ~~السقاة، فلما ذاق رئيس السقاة ذلك الماء المتحول خمرا لم يعلم من أين ~~هو، فدعا رئيس السقاة العريس وقال له: كل إنسان إنما يأتي بالشراب الجيد ~~أولا فإذا سكروا عند ذلك يأتي بالدون وأنت أبقيت الجيد إلى الآن! هذه ~~الآية الأولى التي فعلها يسوع في قانا الجليل وأظهر مجده وآمن به ~~تلاميذه. # وبعد هذا انحدر إلى كفرناحوم هو وأمه وإخوته وتلاميذه فأقاموا هناك ~~أياما يسيرة؛ ثم قال: وعلم السيد يسوع أن الفريسيين سمعوا أنه قد اتخذ ~~تلاميذ كثيرة وأنه يعمد أكثر من يوحنا إذ ليس هو يعمد بل تلاميذه فترك ~~اليهودية ومضى إلى الجليل وكان قد أزمع أن يعبر على موضع السامرة، فأقبل ~~إلى مدينة السامرة التي تسمى بسوخار إلى جانب القرية التي كان يعقوب ~~وهبها ليوسف ابنه وكان هناك بئر يعقوب وكان يسوع قد عيى من تعب الطريق، ~~فجلس على البئر في ست ساعات، فجاءت امرأة من السامرة تستقي ماء، فقال لها ~~يسوع أعطيني أشرب - وكان تلاميذه قد دخلوا إلى المدينة ليبتاعوا لهم ~~طعاما - فقالت له تلك المرأة: كيف وأنت يهودي تستقي الماء وأنا امرأة ~~سامرية واليهود لا يختلطون بالسامرة! أجاب يسوع وقال لها: لو كنت تعرفين ~~عطية الله ومن هذا الذي قال لك: ms0182 ناوليني أشرب، لكنت أنت تسألينه أن يعطيك ~~ماء الحياة! قالت المرأة: يا سيد! إنه لا دلو لك والبئر عميقة فمن أين لك ~~ماء الحياة؛ لعلك أعظم من أبينا يعقوب الذي أعطانا هذه البئر ومنها شرب ~~هو وبنوه وماشيته! فقال لها: كل من يشرب من هذا الماء يعطش أيضا، فأما ~~من يشرب من الماء الذي أعطيه لا يعطش إلى الأبد، قالت المرأة: يا سيد! ~~أعطني من هذا الماء لئلا أعطش ولا أجيء ولا أستقي من ههنا، فقال: انطلقي ~~وادعي زوجك وتعالي إلى هاهنا، قالت: ليس لي زوج، قال لها: حسنا قلت: إنه ~~لا بعل لي، لأنه قد كان لك خمسة بعولة والذي هو لك الآن ليس هو زوجك، أما ~~هذا فحقا قلت، قالت: يا سيد! إني أرى أنك نبي، آباؤنا سجدوا في هذا ~~الجبل وأنتم تقولون: إنه ياروشليم المكان الذي ينبغي أن يسجد فيه، قال: ~~أيتها المرأة! آمني به، إنه ستأتي ساعة لا في هذا الجبل ولا في يروشليم ~~يسجدون للأب، أنتم تسجدون لما لا تعلمون ونحن نسجد لما نعلم، لكن ستأتي ~~ساعة وهي الآن لكيما الساجدون المحقون يسجدون بالروح والحق، والرب إنما ~~يريد مثل هؤلاء الساجدين، والذين يسجدون له بالروح والحق ينبغي أن ~~يسجدوا، قالت المرأة: قد علمت أن مسيا الذي هو المسيح يأتي، فإذا جاء ~~ذاك فهو يعلمنا كل شيء، فقال: أنا هو الذي أكلمك وفي هذا جاء تلاميذه ~~وتعجبوا من كلامه مع امرأة ولم يقل أحد: ماذا تريد ولم تكلمها فتركت ~~المرأة جرتها ومضت إلى المدينة وقالت للناس: تعالوا انظروا رجلا أعلمني ~~كل ما فعلت، لعل هذا هو المسيح، فخرجوا من المدينة وأقبلوا نحوه؛ وفي هذا ~~سأله تلاميذه قائلين: يا معلم! كل، فقال: إن لي طعاما لا تعرفونه أنتم، ~~فقالوا فيما بينهم: لعل إنسانا وافاه بشيء فطعمه، فقال: طعامي أنا أن ~~أعمل مسرة من أرسلني وأتم عمله أليس أنتم تقولون: إن الحصاد يأتي بعد ~~أربعة أشهر، وأنا قائل لكم: ارفعوا أعينكم وانظروا إلى الكور قد ابيضت ~~وبلغت الحصاد، ms0183 والذي يحصد يأخذ الأجرة ويجمع ثمار الحياة الدائمة، ~~والزارع والحاصد يفرحان معا، لأنه في هذا توجد كلمة الحق، إن واحدا ~~يزرع وآخر يحصد، أنا أسألكم تحصدون شيئا ليس أنتم تعبتم فيه بل آخرون ~~تعبوا فيه وأنتم دخلتم على تعب أولئك؛ فآمن به في تلك المدينة سامريون ~~كثيرون من أجل كلمة تلك المرأة، ولما صار إليه السامريون طلبوا إليه أن ~~يقيم عندهم، فمكث عندهم يومين فآمن به كثير، وكانوا يقولون للمرأة: لسنا ~~من أجل قولك نؤمن به لكنا قد سمعنا وعلمنا أن هذا هو المسيح بالحقيقة ~~مخلص العالم. # وبعد يومين خرج يسوع إلى الجليل ومضى من هناك، لأنه شهد أن النبي لا ~~يكرم في مدينته، ولما صار إلى الجليل قبله الجليليون، لأنهم عاينوا كل ما ~~عمل بايروشليم في العيد؛ ثم جاء يسوع حيث صنع الماء خمرا وكان في ~~كفرناحوم عند الملك ابن مريض فسمع أن يسوع قد جاء من يهودا إلى الجليل، ~~فمضى إليه وسأله أن ينزل ويبرىء ولده، لأنه قد كان قارب الموت، فقال له ~~يسوع: إن لم تعاينوا الآيات الأعاجيب لا تؤمنون، فقال له الملك: انزل يا ~~سيد قبل أن يموت فتاي، قال له يسوع: امض فابنك حي، فآمن الرجل بالكلمة ~~التي قالها يسوع ومضى، وفيما هو ماض استقبله علمانه وبشروه بأن ابنه قد ~~عاش، فسألهم: في أي وقت؟ فقالوا له: أمس في الساعة السابعة تركته الحمى، ~~فعلم أبوه أنه في تلك الساعة التي قال له يسوع فيها: إن ابنك قد حيي، ~~فآمن هو وبيته بأسره؛ وهذه أيضا آية ثانية عملها يسوع لما جاء من يهودا ~~إلى الجليل. قال مرقس: فأقبل إلى كفرناحوم وبقي يعلم في مجامعهم يوم ~~السبت، فتعجبوا من تعليمه لأنه كان كالمسلط. قال متى: وكان يسوع يطوف في ~~كل الجليل ويعلم في مجامعهم ويكرز ببشارة الملكوت ويبرىء كل برص ووجع في ~~الشعب، فخرج خبره في جميع الشام فقدم إليه كل من به أصناف الأمراض ~~والأوجاع المختلفة والذين بهم الشياطين والمعترين في رؤوس الأهلة ~~والمخلعين فأبرأهم، وتبعه ms0184 جموع كثيرة من الجليل والعشرة المدن ويروشليم ~~واليهودية وعبر الأردن، فلما أبصر الجميع صعد إلى الجبل وجلس، وجاء إليه ~~تلاميذه وفتح فاه يعلمهم قائلا: طوبى للمساكين بالروح! فإن لهم ملكوت ~~السماوات، طوبى للحزانى! فإنهم يعزون، طوبى للمتواضعين! فإنهم يرثون ~~الأرض، طوبى للجياع والعطاش من أجل البر! فإنهم يشبعون، طوبى للرحماء! ~~فإنهم يرحمون، طوبى للنقية قلوبهم! فإنهم يعاينون الله، طوبى لفاعلي ~~السلامة! فإنهم بني الله يدعون، طوبى للمطرودين من أجل البر! فإن لهم ~~ملكوت السماوات طوبى لكم إذا طردوكم وعيروكم وقالوا فيكم كل كلمة شر ~~من أجلي؛ افرحوا وتهللوا، فإن أجركم عظيم في السماوات، لأن هكذا طردوا ~~الأنبياء الذين قبلكم. # وقال لوقا: هكذا كان آباؤكم يصنعون بالأنبياء الويل لكم أيها الأغنياء! ~~لأنكم قد أخذتم عزاكم، الويل لكم أيها الشباعى الآن! فإنكم ستجوعون؛ ~~الويل لكم أيها الضاحكون الآن! فإنكم ستبكون وتحزنون، الويل لكم إذا قال ~~الناس فيكم قولا حسنا! لأن آباءهم كذلك فعلوا بالأنبياء الكذبة - يعني ~~المتنبئين - وفيه من الألفاظ التي لا يجوز إطلاقها في شرعنا حمل الله ~~والأب، وقوله: بني الله، وسيأتي إن شاء الله تعالى في آل عمران تأويل مثل ~~هذا على تقدير صحته عنه وأنه يرد إلى المحكم على أوضح وجه مثل الألفاظ ~~التي وردت في شرعنا ورددناها إلى المحكم، وضل بها من حملها على ظاهرها ~~ممن يدعي الإسلام والله الموفق. # ولما كان هذا حالهم مع الرسل مع أنسهم بهم ومعرفتهم بأحوالهم واتصالهم ~~بالله وكمالهم علم أنهم في منابذتهم لهم عبيد الهوى وأسرى الشهوات، فتسبب ~~عن ذلك الإنكار عليهم فقال: { أفكلما } أي أفعلتم ما فعلتم من نقض العهود ~~مع مواترة الرسل ووجود الكتاب فكلما { جاءكم رسول } أي من عند الله ربكم ~~{ بما لا تهوى أنفسكم } من الهوى وهو نزوع النفس لسفل شهوتها في مقابلة ~~معتلى الروح لمنبعث انبساطه، كأن النفس ثقيل الباطن بمنزلة الماء ~~والتراب، والروح خفيف الباطن بمنزلة الهواء والنار، وكأن العقل متسع ~~الباطن بمنزلة اتساع النور في كلية الكون علوا وسفلا - قاله الحرالي: ~~وقد دل على أن ms0185 المراد الباطل بالتعبير بالهوى والنفس { استكبرتم } أي ~~طلبتم الكبر وأوجدتموه بما لكم من الرئاسة على قومكم عن قبول الحق ميلا ~~إلى سنة إبليس مع إعطائكم العهد قبل ذلك على الدوام على اتباعه { ففريقا ~~} أي فتسبب عن طلبكم الكبر أنكم فريقا { كذبتم } كعيسى ومحمد عليهما ~~الصلاة والسلام { وفريقا تقتلون } أي قتلتم ولم تندموا على قتلهم بل ~~عزمتم على مثل ذلك الفعل كلما جاءكم أحد منهم بما يخالف الهوى وهم لم ~~يبعثوا إلا لصرف الأنفس عن الهوى لأن دعوة الرسول إلى الأعلى الذي هو ضد ~~هوى النفس؛ والظاهر أنه سبحانه أشار بهذه الصيغة المستقبلة إلى قتلهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم بالسم في خيبر كما أشار إليه الحديث الماضي ~~آنفا. ### || [2.88-92] # ولما بين سبحانه مخازيهم حتى ختمها بعظيم ما ارتكبوا من الرسل من القتل ~~المعنوي بالتكذيب والحسي بإزهاق الروح مع العلم بأنهم أتوا بالبينات ~~والآيات المعجزات فأرشد المقام إلى أن التقدير فقالوا للأنبياء لما أتوهم ~~أمورا كثيرة يعجب من صدورها عن عاقل وأتوا في الجواب عن تكذيبهم وقتلهم ~~من التناقضات بما لا يرضاه عالم ولا جاهل عطف عليه أو على # وقالوا لن تمسنا النار # [البقرة: 80] قوله - بيانا لشدة بهتهم وقوة عنادهم: { وقالوا } في جواب ~~ما كانوا يلقون إليهم من جواهر العلم التي هي أوضح من الشمس { قلوبنا غلف ~~} جمع أغلف وهو المغشى الذكر بالقلفة التي هي جلدته، كأن الغلفة في طرفي ~~المرء: ذكره وقلبه، حتى يتم الله كلمته في طرفيه بالختان والإيمان - قاله ~~الحرالي. فالمعنى: علهيا أغطية فهي لا تفهم ما تقولون. فكان المراد بذلك ~~مع أنهم أعلم الناس أن ما يقولونه ليس بأهل لأن يوجه إليه الفهم، ولذلك ~~أضرب الله سبحانه عنه بقوله: { بل } أي ليس الأمر كما قالوا من أن هناك ~~غلفا حقيقة بل { لعنهم الله } أي طردهم الملك الأعظم عن قبول ذلك لأنهم ~~ليسوا بأهل للسعادة بعد أن خلقهم على الفطرة الأولى القويمة لا غلف على ~~قلوبهم، لأن اللعن إبعاد في المعنى والمكانة إلى أن يصير الملعون بمنزلة ~~النعل ms0186 في أسفل القامة يلاقي به ضرر الموطي - قاله الحرالي. # ثم بين علة ذلك بقوله: { بكفرهم }. قال الحرالي: أعظم الذنوب ما تكون ~~عقوبة الله تعالى عليها الإلزام بذنوب أشد منها، فأعقب استكبارهم اللعن ~~كما كان في حق إبليس مع آدم عليه السلام، فانتظم صدر هذه السورة إظهار ~~الشيطنتين من الجن والإنس الذي انختم به القرآن في قوله: # من الجنة والناس # [الناس: 6] ليتصل طرفاه، فيكون ختما لا أول له ولا آخر، والفاتحة محيطة ~~به لا يقال: هي أوله ولا آخره، ولذلك ختم بعض القراء بوصله حتى لا يتبين ~~له طرف، كما قالت العربية لما سئلت عن بنيها: هم كالحلقة المفرغة لا يدرى ~~أين طرفاها. ولما أخبر بلعنهم سبب عنه قوله: { فقليلا ما يؤمنون } ، ~~فوصفه بالقلة وأكده بما إيذانا بأنه مغمور بالكفر لا غناء له. # ولما ذكر سبحانه من جلافتهم ما ختمه بلعنهم وكان قد قدم ذكر كتابهم ~~مرارا وأشار إلى الإنجيل بإيتاء عيسى عليه السلام البينات ذكر سبحانه ~~كفرهم بهذا الكتاب الذي مقصود السورة وصفه بالهدى وبهذا الرسول الآتي به ~~دليلا على إغراقهم في الكفر، لأنهم مع استفتاحهم به صلى الله عليه وسلم ~~قبل مبعثه على من يعاديهم واستبشارهم به وإشهادهم أنفسهم بالسرور بمجيئه ~~كانوا أبعد الناس من دعوته تماديا في الكفر وتقيدا بالضلال، فكان هذا ~~الدليل أبين من الأول عند أهل ذلك العصر وذلك قوله تعالى: { ولما جاءهم ~~كتاب } أي جامع لجميع الهدى لعظمته لكونه { من عند الله } الجامع لجميع ~~صفات الكمال، ثم ذكر من المحببات لهم في اتباعه قوله { مصدقا لما معهم } ~~على لسان نبي يعرفون صحة أمره بأمور يشهد بها كتابهم، وبتصديق هذا الكتاب ~~له بإعجاز نظمه وتصديق معناه لكتابهم، والجواب محذوف ودل ما بعد على أنه ~~كفروا به، وفي ذلك قاصمة لهم لأن كتابهم يكون شاهدا على كفرهم، ولما بين ~~شهادة كتابهم أتبعه شهادتهم لئلا يحرفوا معنى ذلك فقال { وكانوا } أي ~~والحال أنهم كانوا، ولما كان استفتاحهم في بعض الزمان أثبت الجار فقال: { ~~من قبل } أي قبل مجيئه ms0187 { يستفتحون } أي يسألون الله الفتح بالاسم الآتي ~~به تيمنا بذكره!! { على الذين كفروا } يعني أنهم لم يكونوا في غفله عنه ~~بل كانوا أعلم الناس به وقد وطنوا أنفسهم على تصديقه ومع ذلك كله { فلما ~~جاءهم } برسالة محمد صلى الله عليه وسلم علم { ما عرفوا } أي ما صدقه بما ~~ذكر من نعوته في كتابهم { كفروا به } اعتلالا بأنواع من العلل البينة ~~الكذب، منها زعمهم أن جبريل عليه السلام عدوهم وهو الآتي به؛ قال الثعلبي ~~والواحدي: " روى ابن عباس رضي الله عنهما أن عبد الله بن صوريا حاج رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن أشياء، فلما اتجهت الحجة عليه قال: أي ملك ~~يأتيك من السماء؟ قال: جبريل، ولم يبعث الله نبيا إلا وهو وليه - وفي ~~رواية: وسأله عمن يهبط عليه بالوحي، فقال: جبريل - فقال: ذاك عدونا، ولو ~~كان غيره لآمنا بك " وقال ابن إسحاق في السيرة: حدثني عبد الله ابن عبد ~~الرحمن بن أبي حسين المكي عن شهر بن حوشب الأشعري " أن نفرا من أحبار ~~يهود جاؤوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: خبرنا عن أربع نسألك ~~عنهن، فإن فعلت اتبعناك وصدقناك وآمنا بك، فقال لهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: عليكم بذلك عهد الله وميثاقه لئن أنا أخبرتكم بذلك لتصدقني، ~~قالوا: نعم، قال: فاسألوا عما بدا لكم! قالوا: فأخبرنا: كيف يشبه الولد ~~أمه وإنما النطفة من الرجل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنشدكم ~~بالله وبأيامه عند بني إسرائيل هل تعلمون أن نطفة الرجل بيضاء غليظة ~~ونطفة المرأة صفراء رقيقة فأيتهما علت صاحبتها كان الشبه لها؟ قالوا: ~~اللهم نعم، قالوا: فأخبرنا عن كيف نومك؟ قال: أنشدكم بالله وبأيامه عند ~~بني إسرائيل هل تعلمون أن نوم الذي تزعمون أني لست به تنام عينه وقلبه ~~يقظان؟ قالوا: اللهم نعم، قال: فكذلك نومي، تنام عيني وقلبي يقظان، ~~قالوا: فأخبرنا عما حرم إسرائيل على نفسه، قال: أنشدكم بالله وبأيامه عند ~~بني إسرائيل هل تعلمون أنه كان أحب الطعام والشراب إليه ألبان ms0188 الإبل ~~ولحومها وأنه اشتكى شكوى فعافاه الله منها فحرم على نفسه أحب الطعام ~~والشراب إليه شكرا لله فحرم على نفسه لحوم الإبل وألبانها؟ قالوا: اللهم ~~نعم؛ قالوا: فأخبرنا عن الروح، قال: أنشدكم بالله وبأيامه هل تعلمون ~~جبريل وهو الذي يأتيني؟ قالوا: اللهم نعم ولكنه يا محمد لنا عدو، وهو ملك ~~إنما يأتي بالشدة وسفك الدماء، ولولا ذلك لاتبعناك. # وفي رواية " الحوت " # " وأما الشبه في الولد فإن الرجل إذا غشي المرأة فسبقها ماؤه كان الشبه ~~له، وإذا سبقت كان الشبه لها " # وفي رواية: # " وإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد، وإذا سبق ماء المرأة نزعت " # " قال: اشهد أنك رسول الله! ثم قال: يا رسول الله! إن اليهود قوم بهت، ~~إن علموا بإسلامي قبل أن تسألهم بهتوني عندك، فأرسل نبي الله صلى الله ~~عليه وسلم فدخلوا عليه " # وفي رواية: # " فجاءت اليهود ودخل عبد الله البيت - فقال لهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: يا معشر اليهود! ويلكم اتقوا الله، فوالله الذي لا إله إلا هو! ~~إنكم لتعلمون أني رسول الله وأني جئتكم بحق فأسلموا، قالوا: ما نعلمه - ~~قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم وقالها ثلاث مرار، قال: فأي رجل فيكم عبد ~~الله بن سلام؟ قالوا: ذاك سيدنا وابن سيدنا وأعلمنا وابن أعلمنا وأخيرنا ~~وابن أخيرنا، قال: أفرأيتم إن أسلم! قالوا: حاشا لله! ما كان ليسلم " # وفي رواية: # " أعاذه الله من ذلك " # قال: # " " يا ابن سلام! اخرج عليهم " ، فخرج فقال: أشهد أن لا إله إلا الله ~~وأن محمدا رسول الله، يا معشر اليهود! اتقوا الله فوالله الذي لا إله ~~إلا هو إنكم لتعلمون أنه رسول الله وأنه جاء بحق، قالوا: كذبت، وقالوا: ~~شرنا وابن شرنا، ووقعوا فيه فانتقصوه، قال: فهذا الذي كنت أخاف يا رسول ~~الله! فأخرجهم رسول الله صلى الله عليه وسلم " # وللواحدي في أسباب النزول عن عمر رضي الله عنه قال: " كنت آتي اليهود ~~عند دراستهم التوراة فأعجب من موافقة القرآن التوراة وموافقة التوراة ~~القرآن، فقالوا: يا عمر! ما أحد ms0189 أحب إلينا منك، قلت: ولم؟ قالوا: لأنك ~~تأتينا وتغشانا، قلت: إنما أجيء لأعجب من تصديق كتاب الله بعضه بعضا ~~وموافقة التوراة القرآن وموافقة القرآن التوراة، فبينا أنا عندهم ذات يوم ~~إذ مر رسول الله صلى الله عليه وسلم خلف ظهري فقالوا: إن هذا صاحبك فقم ~~إليه، فالتفت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد دخل خوخة من المدينة، ~~فأقبلت عليهم فقلت: أنشدكم الله وما أنزل عليكم من كتاب أتعلمون أنه رسول ~~الله؟ قال سيدهم: قد نشدكم بالله فأخبروه، فقالوا: أنت سيدنا فأخبره، ~~فقال سيدهم: نعلم أنه رسول الله، قلت: فأني أهلككم إن كنتم تعلمون أنه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لم تتبعوه، فقالوا: إن لنا عدوا من ~~الملائكة وسلما من الملائكة، فقلت: من عدوكم ومن سلمكم؟ قالوا: عدونا ~~جبريل، قلت: ومن سلمكم؟ قالوا: ميكائيل، قلت: فإني أشهد ما يحل لجبريل أن ~~يعادي سلم ميكائيل، وما يحل لميكائيل، أن يسالم عدو جبريل، وإنهما جميعا ~~ومن معهما أعداء لمن عادوا وسلم لمن سالموا، ثم قمت فاستقبلني - يعني ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم - فقالوا: يا ابن الخطاب! ألا أقرئك آيات؟ ~~فقرأ # من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك } حتى بلغ { وما يكفر بها إلا ~~الفاسقون # [البقرة: 99] قلت والذي بعثك بالحق ما جئتك إلا أخبرك بقول اليهود فإذا ~~اللطيف الخبير قد سبقني بالخبر! قال عمر: " فلقد رأيتني في دين الله أشد ~~من حجر " انتهى. وقد سألت بعض فضلاء اليهود الموجودين في زماننا عن ~~عداوتهم لجبريل عليه السلام فلم يسمح بالتصريح وقال: ما يعطى ذلك. وقد ~~روى هذا الحديث أيضا إسحاق بن راهويه في مسنده عن الشعبي عن عمر رضي ~~الله عنه، قال شيخنا البوصيري: وهو مرسل صحيح الإسناد وفيه: أنه قال لهم: ~~" وكيف منزلتهما من ربهما؟ قالوا: أحدهما عن يمينه والآخر من الجانب ~~الآخر، وإني أشهد أنهما وربهما سلم لمن سالموا وحرب لمن حاربوا ". ولما ~~بين سبحانه بهذا أنهم أعتى الناس وأشدهم تدليسا وبهتا بل كذبا وفسقا ~~كانوا أحق ms0190 الناس بوصف الكفر فسبب عن ذلك قوله: { فلعنة الله } أي الذي له ~~الأمر كله { على الكافرين } فأظهر موضع الإضمار تعليقا للحكم بالوصف ~~ليعم وإشعارا بصلاح من شاء الله منهم. ولما استحقوا بهذا وجوه المذام ~~كلها وصل به قوله { بئسما } فأتى بالكلمة الجامعة للمذام المقابلة لنعم ~~الجامعة لوجوه المدائح كلها أي بئس شيء { اشتروا به أنفسهم } أي حظوظهم، ~~فقدموها وآثروها فكان ذلك عين فأخبرها عكس ما فعل المؤمنون من بيعهم ~~لأنفسهم وخروجهم عنها بتعبدهم لله بإيثار ما يرضيه على هوى أنفسهم، فكان ~~ذلك عين تحصيلها وتقديمها، ثم فسر الضمير العائد على المبهم المأخوذ في ~~إحراز النفس فقال: { أن يكفروا } أي يستروا على التجدد والاستمرار علمهم ~~{ بما أنزل الله } الذي لا كفؤ له، أي اشتروا أنفسهم فأبقوها لهم على ~~زعمهم بالكفر ولم يجعلوها تابعة؛ ويجوز أن يكون { اشتروا } بمعنى باعوا، ~~لأنهم بذلوها للشيطان بالكفر كما بذل المؤمنون أنفسهم لله بالإيمان. # ثم علل كفرهم بقوله: { بغيا } أي حسدا وظلما لأن تكون النبوة في بني ~~إسماعيل عليه السلام. وقال الحرالي: هو اشتداد في طلب شيء ما - انتهى. ~~وأصله مطلق الطلب والإرادة، كأن الإنسان لما كان مجبولا على النقصان ~~ومطبوعا على الشر والعصيان إلا من عصم الله وأعان كان مذموما على مطلق ~~الإرادة، لأن من حقه أن لا تكون له خيرة ولا إرادة بل تكون إرادته تابعة ~~لإرادة مولاه كما هو شأن العبد - والله الموفق. ثم علل بغيهم بقوله: { أن ~~ينزل الله } ذو الجلال والإكرام { من فضله } وفي صيغة { ينزل } إشعار ~~بتمادي ما يغيظهم فيما يستقبل، وبشرى للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ~~{ على من يشاء من عباده } من العرب الذين حسدوهم. # ثم سبب عن ذلك قوله { فباؤوا } أي رجعوا لأجل ذلك { بغضب } في حسدهم ~~لهذا النبي صلى الله عليه وسلم لكونه من العرب { على غضب } كانوا استحقوه ~~بكفرهم بأنبيائهم عنادا. ثم علق الحكم الذي استحقوه بوصفهم تعميما ~~وإشارة إلى أنه سيؤمن بعضهم فقال: { وللكافرين } أي الذين هم راسخون في ~~هذا الوصف منهم ومن غيرهم ms0191 { عذاب مهين } من الإهانة وهي الإطراح إذلالا ~~واحتقارا. # ولما أقام سبحانه الدليل على استحقاقهم للخلود في النار بكفرهم بالكتاب ~~الذي كانوا يستفتحون بالآتي به أقام دليلا آخر على ذلك أبين منه وذلك ~~بكفرهم بكتابهم نفسه فقال: { وإذا قيل لهم } أي هؤلاء الذين نقضوا عهود ~~كتابهم { آمنوا بما أنزل الله } أي الملك الذي له الأمر كله مطلقا. وعلى ~~جهة العموم من الكتب والصحف. ولما رفع مقدارهم بالدعاء إلى الإيمان بما ~~أسند إلى هذا الاسم الأعظم { قالوا } تسفيلا لأنفسهم { نؤمن بما أنزل ~~علينا } فأسقطوا اسم من يتشرف بذكره ويتبرك باسمه وخصوا بعض ما أنزله. ثم ~~عجب من دعواهم هذه بقوله: { ويكفرون } أي قالوا ذلك والحال أنهم يكفرون { ~~بما وراءه } أي وراء ما أنزل عليهم مما أنزل الله على رسله، وهو يشمل ما ~~قبل التوراة وما بعدها، لأن وراء يراد بها تارة خلف وتارة قدام، فإذا ~~قلت: زيد ورائي، صح أن يراد في المكان الذي أورايه أنا بالنسبة إلى من ~~خلفي فيكون أمامي، وأن يراد في المكان الذي هو متوار عني فيكون خلفي. ~~وقال الحرالي: وراء ما لا يناله الحس ولا العلم حيث ما كان من المكان، ~~فربما اجتمع أن يكون الشيء وراء من حيث إنه لا يعلم ويكون أماما في ~~المكان - انتهى. { وهو } أي والحال أن ذلك الذي وراءه هو { الحق } الواصل ~~إلى أقصى غاياته بما دلت عليه " أل " قال الحرالي: فأنهاه لغاية الحق ~~بكلمة " أل " لأن ما ثبت ولا زوال له لانتهائه هو { الحق } وما ثبت وقتا ~~ما ثم يتعقبه تكملة أو يقبل زيادة فإنما هو " حق " منكر اللفظ، فإن بين ~~المعروف بكلمة " أل " وبين المنكر أشد التفاوت في المعنى - انتهى. { ~~مصدقا لما معهم } فصح أنهم كافرون بما عندهم، لأن المكذب بالمصدق لشيء ~~مكذب بذلك الشيء. # ثم كشف ستر مقالتهم هذه بأبين نقض فقال { قل فلم } أي تسبب عن دعواكم ~~هذه أن يقال لكم: لم { تقتلون أنبياء الله } الملك الأعظم مع أن كتابكم ~~محرم لمطلق القتل فكيف بقتل الأنبياء! ثم بين ms0192 أن كفرهم بهذا القتل إنما ~~هو بطريق الرضى بقتل أسلافهم بقوله مثبتا الجار لأن ذلك كان منهم في بعض ~~الأزمان الماضية { من قبل } وفي صيغة المضارع تصوير لشناعة هذا القتل ~~بتلك الحال الفظيعة ورمز إلى أنهم لو قدروا الآن فعلوا فعلهم، لأن ~~التقدير: وتصرون على قتلهم من بعد؛ وفيه إيماء إلى حرصهم على قتل النبي ~~صلى الله عليه وسلم تحذيرا منهم، ولقد صدق هذا الإيماء الواقع، فقد عزم ~~بنو النضير على أن يلقوا عليه صخرة، وسمه أهل خيبر. # ثم أورد مضمون دعواهم بأداة الشك فقال { إن كنتم مؤمنين } إشعارا بأن ~~مثل ذلك لا يصدر من متلبس بالإيمان. # ولما دل على كذبهم في دعوى الإيمان بما فعلوا بعد موسى مما استحقوا به ~~الخلود في النار أقام دليلا آخر أقوى من كل ما تقدمه، فإنه لم يعهد ~~إليهم في التوراة ما عهد إليهم في التوحيد والبعد عن الإشراك وهو في ~~النسخ الموجودة بين أظهرهم الآن، وقد نقضوا جميع ذلك باتخاذ العجل في ~~أيام موسى وبحضرة هارون عليهما السلام كما هو منصوص الآن فيما بين أيديهم ~~منها فقال تعالى: { ولقد جاءكم موسى بالبينات } من الآيات. # ولما كان كفرهم مع ذلك في غاية الاستبعاد عبر عنه بأداته مصورا لزيادة ~~قبحه بترتبه على أظهر البيان وموبخا لهم فقال: { ثم اتخذتم } أي مع ~~العلاج لفطركم الأولى وعقولكم السليمة { العجل } ونبه بالجار على أن ~~الاتخاذ في بعض زمن البعد فقال: من بعده أي بعد مفارقة موسى لكم إلى ~~الطور كما في الآية الأخرى # فتنا قومك من بعدك # [طه: 85] { وأنتم } أي والحال أنكم { ظالمون * } أي لم تزعموا أنه إلهكم ~~على جهل منكم بل بعد مجيء البينات إليكم أن إلهكم إنما هو الله الذي ~~أنقذكم من العبودية وأراكم من العجائب الخوارق ما لا يقبل شكا وسمعتم ~~كلامه فعلمتم أنه ليس بجسم ولا يشبه الجسم، فلم تفعلوا ذلك إلا لأن الظلم ~~وهو المشي على غير نظام خبط عشواء وصف لكم لازم. ### || [2.93-100] # ثم ذكر أمرا آخر هو أبين في عنادهم ms0193 وأنهم إنما هم مع الهوى فقال مقبلا ~~على خطابهم لأنه أشد في التقريع { وإذ أخذنا } وأظهره في مظهر العظمة ~~تصويرا لمزيد جرأتهم { ميثاقكم } على الإيمان والطاعة { ورفعنا فوقكم ~~الطور } الجبل العظيم الذي جعلناه زاجرا لكم عن الرضى بالإقامة في حضيض ~~الجهل ورافعا إلى أوج العلم وقلنا لكم وهو فوقكم { خذوا ما آتيناكم } من ~~الأصول والفروع في هذا الكتاب العظيم { بقوة }. # ولما كانت فائدة السماع القبول ومن سمع فلم يقبل كان كمن لم يسمع قال { ~~واسمعوا } وإلا دفناكم به، وذلك حيث يكفي غيركم في التأديب رفع الدرة ~~والسوط عليه فينبعث للتعلم الذي أكثر النفوس الفاضلة تتحمل فيه المشاق ~~الشديدة لما له من الشرف ولها به من الفخار؛ ولما ضلوا بعد هذه الآية ~~الكبرى وشيكا مع كونها مقتضية للثبات على الإيمان بعد أخذ الميثاق الذي ~~لا ينقضه ذو مروءة فكان ضلالهم بعده منبئا عن أن العناد لهم طبع لازم ~~فكانوا كأنهم عند إعطاء العهد عاصون قال مترجما عن أغلب أحوال أكثرهم في ~~مجموع أزمانهم وهو ما عبر عنه في الآية السالفة بقوله: # ثم توليتم # [البقرة: 83] مؤذنا بالغضب عليهم بالإعراض عن خطابهم بعد إفحامهم ~~بالمواجهة في تقريعهم حيث ناقضوا ما قال لهم من السماع النافع لهم ~~فأخبروا أنهم جعلوه ضارا { قالوا سمعنا } أي بآذاننا { وعصينا } أي ~~وعملنا بضد ما سمعنا؛ وساقه لغرابته مساق جواب سائل كأنه قال: رفع الطور ~~فوقهم أمر هائل جدا مقتض للمبادرة إلى إعطاء العهد ظاهرا وباطنا ~~والثبات عليه فما فعلوا؟ فقيل: بادروا إلى خلاف ذلك { وأشربوا } فأعظم ~~الأمر بإسناد الفعل إليهم ثم إلى قلوبهم، وهو من الإشراب وهو مداخلة ~~نافذة سائغة كالشراب وهو الماء المداخل كلية الجسم للطافته ونفوذه - قاله ~~الحرالي: وقال الكشاف: وخلط لون بلون { في قلوبهم العجل } أي حبه وحذفه ~~للإيذان بشدة التمكن بحيث صار المضاف هو المضاف إليه { بكفرهم } وفيه ~~إشارة إلى أن من أعرض عن امتثال الأمر استحق الإبعاد عن مقام الأنس. # قال الإمام أبو الحسن الحرالي في المفتاح الباب الثامن في وجوه بيان ~~الإقبال ms0194 والإعراض في القرآن: اعلم أن كل مربوب يخاطب بحسب ما في وسعه ~~لقنه وينفى عنه ما ليس في وسعه لقنه فلكل سن من أسنان القلوب خطاب إقبال ~~بحسب لقنه، وربما كان له إباء عن بعض ذلك فيقع عنه الإعراض بحسب بادي ذلك ~~الإباء، وربما تلافته النعمة فعاد الإقبال إليه بوجه ما دون صفاء الإقبال ~~الأول، وربما تناسقت الإقبالات مترتبة فيعلو البيان والإفهام بحسب رتبة ~~من توجه إليه الإقبال، ويشتد الإدبار بحسب بادي الإدبار، وربما تراجع لفف ~~البيان فيها بعضها على بعض، فخطاب الإقبال على النبي صلى الله عليه وسلم ~~أعظم إفهام في القرآن # ألم تر إلى ربك كيف مد الظل # [الفرقان: 45] الآية # وهو الذي جعل لكم الليل لباسا # [الفرقان: 47] الآية: تفاوت الخطابين بحسب تفاوت المخاطبين، # أو لم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما # [الأنبياء: 30] أعرض عنهما الخطاب ونفى عنهم ما ليس في حالهم رؤيته. { ~~خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا قالوا سمعنا وعصينا وأشربوا في قلوبهم ~~العجل بكفرهم قل بئسما يأمركم به إيمانكم } خاطبهم وأمرهم، فلما عصوا ~~أعرض وجه الخطاب عنهم ثم تلافاهم بخطاب لسان نبي الرحمة لهم، واستمر ~~إعراضه هو تعالى عنهم في تمادي الخطاب # يا أيها النبي إذا طلقتم النساء # [الطلاق: 1] تنزل الخطاب في الرتبتين ليبين للأعلى ما يبينه للأدنى # ذلك خير لكم وأطهر # [المجادلة: 12] وهذا الباب عظيم النفع في الفهم لمن استوضح بيانه ~~والتفاف موارده في القرآن - انتهى. # والدليل الوجودي على إشرابهم حب العجل مسارعتهم إلى عبادة ما يشبهه في ~~عدم الضر والنفع والصورة، ففي السفر الرابع من التوراة في قصة بالاق ملك ~~الأمورانيين الذي استنجد بلعام بن بعور ما نصه: وسكن بنو إسرائيل ساطيم ~~وبدأ الشعب أن يسفح ببنات مواب ودعين الشعب إلى ذبائح آلهتهم وأكل الشعب ~~من ذبائحهم وسجدوا لآلهتهم وكمل بنو إسرائيل العبادة بعليون الصنم واشتد ~~غضب الله على بني إسرائيل - انتهى. # ولما بين سبحانه عظيم كفرهم وعنادهم مع وقاحتهم بادعاء الإيمان ~~والاختصاص بالجنان أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول ms0195 لهم على وجه ~~التهكم بهم مؤكدا لذمهم بالتعبير بما وضع لمجامع الذم فقال { قل بئسما } ~~أي بئس شيئا الشيء الذي { يأمركم به } من الكفر { إيمانكم } هذا الذي ~~ادعيتموه؛ وأوضح هذا التهكم بقوله على سبيل الفرض والتشكيك { إن كنتم ~~مؤمنين } على ما زعمتم، فحصل من هذا أنهم إما كاذبون في دعواهم، وإما ~~أنهم أجهل الجهلة حيث عملوا ما لا يجامعه الإيمان وهم لا يعلمون. # ولما نهضت الأدلة على أنه لا حظ لهم في الآخرة غير النار وذلك نقيض ~~دعواهم أنها لهم فقط في قولهم # لن تمسنا النار إلا أياما معدودة # [البقرة: 80] تفسيرهم ذلك بأنها سبعة أيام وأنا نخلفهم فيها ختم سبحانه ~~ذلك بدليل قطعي بديهي فقال { قل إن كانت } وقدم الجار إشعارا بالاختصاص ~~فقال: { لكم الدار الآخرة } أي كما زعمتم، وميزها بقوله: { عند الله } ~~الذي له الكمال كله وبين المراد بقوله { خالصة } ولما ذكر الخلوص تأكيدا ~~للمعنى زاده تأكيدا بقوله { من دون الناس } أي سائرهم لا يشرككم فيها ~~أحد منهم من الخلوص وهو تصفية الشيء مما يمازجه في خلقته مما هو دونه - ~~قاله الحرالي. { فتمنوا الموت } لأن ذلك علم على صلاح حال العبد مع ربه ~~وعمارة ما بينه وبينه ورجائه للقائه. # قال الحرالي: فعلى قدر نفرة النفس من الموت يكون ضعف منال النفس مع ~~المعرفة التي بها تأنس بربها فتتمنى لقاءه وتحبه، ومن أحب لقاء الله أحب ~~الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه، يقع ذلك لعامة المؤمنين ~~عند الكشف حال الغرغرة، ولخاصة المؤمنين في مهل الحياة لأنهم لو كشف لهم ~~الغطاء لم يزدادوا يقينا، فما هو للمؤمن بعد الكشف من محبة لقاء الله ~~فهو للموقن في حياته ويقظته، لكمال الكشف له مع وجود حجاب الملك الظاهر؛ ~~ولذلك ما مات نبي حتى يخير فيختار لقاء الله، لتكون وفادته على الله ~~وفادة محب مبادر، ولتقاصر المؤمن عن يقين النبي يتولى الله الخيرة في ~~لقائه، لأنه وليه، ومنه ما ورد: " ما ترددت في شيء ترددي في قبض روح عبدي ~~المؤمن يكره ms0196 الموت، وأنا أكره مساءته ولا بد له منه " ففي ضمن ذلك اختيار ~~الله للمؤمن لقاءه، لأنه وليه يختار له فيما لا يصل إليه إدراكه - انتهى. # ثم سجل عليهم بالكذب فقال: { إن كنتم صادقين } أي معتقدين للصدق في ~~دعواكم خلوصها لكم، ولما كان التقدير: فقال لهم فما تمنوه؟ عطف عليه قوله ~~- إخبارا بالغيب قطعا للعناد مؤكدا لأن ادعاءهم الخلوص أعظم من ~~ادعائهم الولاية كما في سورة الجمعة: { ولن يتمنوه أبدا } ، ثم ذكر ~~السبب في عدم التمني فقال: { بما قدمت } وهو من التقدمة وهي وضع الشيء ~~قداما وهو جهة القدم الذي هو الأمم والتجاه أي قبالة الوجه - قاله ~~الحرالي: وعبر باليد التي بها أكثر الأفعال إشارة إلى أن أفعالهم ~~لقباحتها كأنها خالية عن القصد فقال: { أيديهم } أي من الظلم وإلى ذلك ~~أشار قوله: عاطفا على ما تقديره: فالله عليم بذلك؟ { والله } الذي لا ~~كفؤ له { عليم بالظالمين } أي كلهم حيث أظهر تنبيها على الوصف الموجب ~~للحكم وتعميما وتهديدا. # ولما بين أنهم لا يتمنونه أثبت لهم ما هو فوق ذلك من تمني الضد الدال ~~على علمهم بسوء منقلبهم فقال: { ولتجدنهم } أي بما تعلم من أحوالهم مما ~~منه الوجدان. وهو إحساس الباطن بما هو فيه والإصابة أيضا لما له علقة ~~الباطن، كأنه فيه { أحرص } صيغة مبالغة من الحرص، وهو طلب الاستغراق فيما ~~يختص فيه الحظ - قاله الحرالي: { الناس على حياة } على أي حالة كانت وهم ~~قاطعون بأنه لا يخلو يوم منها عن كدر فإنهم يعلمون أنها وإن كانت في غاية ~~الكدر خير لهم مما بعد الموت { ومن } أي وأحرص من { الذين أشركوا } الذين ~~لا بعث عندهم على الحياة علما منهم بأنهم صائرون إلى العذاب الدائم ~~بالسيئات المحيطة والشرك. قال الحرالي: إسناد الأمر المختص بواحد إلى من ~~ليس له معه أمر - انتهى. # ثم بين مقدار ما يتمنونه فقال: { يود } من الود وهو صحة نزوع النفس ~~للشيء المستحق نزوعها له - قاله الحرالي. { أحدهم } أي أحد من تقدم من ~~اليهود والمشركين بجميع أصنافهم، أو من اليهود خاصة، ms0197 أو من المشركين ~~فتكون ودادة اليهود من باب الأولى. قال الحرالي: وهو نحو من خطاب القرآن ~~لا يصل إليه إبلاغ الخلق { لو يعمر } من التعمير وهو تمادي العمر كأنه ~~تكرار، والعمر أمد ما بين بدو الشيء وانقطاعه - قاله الحرالي. { ألف سنة ~~} خوفا من الموت أو ما بعده، والألف كمال العدد بكمال ثالثة رتبة؛ ~~والسنة أمد تمام دورة الشمس وتمام ثنتي عشرة دورة القمر - قاله الحرالي. ~~وهذا المعنى وإن كان موجودا في الحول والعام والحجة غير أن مأخذ ~~الاشتقاق ملاحظ في الجملة، فلبلاغة القرآن لا يطلق واحد من هذه الألفاظ ~~إلا فيما يناسب السياق من أصل اشتقاق هذه الألفاظ، فهذا السياق لما كان ~~المراد به ذمهم بتهالكهم على بقائهم في الدنيا على أي حالة كانت علما ~~منهم بأنها ولو كانت أسوأ الأحوال خير لهم مما بعد الموت لتحقق شقائهم ~~عبر بما منه الإسنات وهو القحط وسوء الزمان. أو ما منه الدوران الذي فيه ~~كد وتعب إن كان أصلها من سنا يسنو إذا دار حول البئر قال السهيلي في ~~الروض: وقد تسمى السنة دارا في الخبر: إن بين آدم ونوح ألف دار - أي ~~سنة، ثم قال: فتأمل هذا فإن العلم بتنزيل الكلام ووضع الألفاظ في مواضعها ~~اللائقة بها يفتح بابا من العلم بإعجاز القرآن والله المستعان. { وما هو ~~} أي تعميره { بمزحزحه } والزحزحة إبعاد الشيء المستثقل المترامي لما ~~يبعد عنه - قاله الحرالي: { من العذاب } أي زحزحة مبتدأة من العذاب، وعبر ~~بمن دون عن إعلاما بأنهم لم يفارقوا العذاب دنيا ولا آخرة وإن لم يحسوا ~~به في الدنيا، ثم فسر الضمير بقوله: { أن يعمر } إنما تزحزحه الطاعة ~~المقرونة بالإيمان الصحيح الذي ليس فيه تفرقة. ولما كان التقدير: لأنهم ~~يعملون في أعمارهم الأعمال السيئة المحيطة، عطف عليه قوله: { والله } ~~الذي له الأمر كله { بصير بما يعملون }. # ولما ذكر عداوتهم لأخص البشر واجتراءهم عليه بالتكذيب والقتل، وختم ذلك ~~بعداوتهم لأكمل الخلق وأخصهم حسدا لنزول هذا الذكر عليه عبارة ثم إشارة ~~بما رمزه إلى نصبهم لقتله وأنهى ms0198 ذلك بأنه لا محيص لهم من العذاب، لأنه ~~بصير بأعمالهم الموجبة له ذكر ما هو من دقيق أعمالهم في عراقتهم في الكفر ~~بعداوتهم لخواص الملائكة الذين هم خير محض لا حامل أصلا على بغضهم إلا ~~الكفر، وبدىء بذكر المنزل للقرآن، لأن عداوتهم للمنزل عليه لأجل ما نزل ~~عليه عداوة لمنزله، لأنه سبب ما كانت العداوة لأجله، فقال آمرا له صلى ~~الله عليه وسلم إعلاما بما أبصره من خفي مكرهم القاضي بضرهم: { قل } أو ~~يقال - وهو أحسن وأبين وأمتن: و لما أمره صلى الله عليه وسلم بما دل على ~~كذبهم في ادعائهم خلوص الآخرة لهم وأخبر بأنه لا بد من عذابهم أمره بدليل ~~آخر على كلا الأمرين، فعلى تقدير كونه دليلا على الأول يكون منسوقا على ~~{ قل } الأولى بغير عاطف إشعار بأن كلا من الدليلين كاف فيما سيق له: ~~على تقدير كونه دليلا على الثاني الذي خصه يكون جوابا لمن كأنه قال: لم ~~لا يزحزحهم عن التعمير عن العذاب؟ { قل } أي لهؤلاء الذين ادعوا أن دار ~~الملك خالصة لهم وهم يعادون خواص جنده { من } وهي اسم مبهم يشمل الذوات ~~العاقلة آحادا وجموعا واستغراقا - قاله الحرالي: { كان عدوا لجبريل } ~~أي فإنه لا يضر إلا نفسه، لأنه لا يبلغ ضره بوجه من الوجوه ولعداوته ~~بعداوته له لله الذي خصه بقربه واختياره لرسالته، فكفر حينئذ هذا المعادي ~~له بجميع كتب الله ورسله؛ وجبريل قال الحرالي: يقال هو اسم عبودية، لأن ~~إيل اسم من أسماء الله عز وجل في الملأ الأعلى وهو يد بسط لروح الله في ~~القلوب بما يحييها الله به من روح أمره إرجاعا إليه في هذه الدار قبل ~~إرجاع روح الحياة بيد القبض من عزرائيل عليه السلام - انتهى. # ثم علل هذا الخبر المحذوف بما أرشد إليه فقال: { فإنه } أي جبريل { نزله ~~} أي القرآن الذي كفروا به، لحسدهم للذي أنزل عليه بعد ما كانوا يستفتحون ~~به. الآتي بما ينفعهم، الداعي إلى ما يصلحهم فيرفعهم، ولما كان المراد ~~تحقيق أنه كلام الله وأنه أمر ms0199 بإبلاغه جمع بين { قل } وبين { على قلبك } ~~أي وهو أكمل القلوب، دون أن يقال: على قلبي - المطابق لقل؛ وأداة ~~الاستعلاء دالة على أن المنزل تمكن في القلب فصارت مجامعه مغمورة به، ~~فكان مظهرا له { بإذن الله } الملك الأعظم الذي له الأمر كله. فليس لأحد ~~إنكار ما أذن فيه. والنازل به لم يتعد شيئا مما أمر به؛ والإذن رفع ~~المنع وإيتاء المكنة كونا وخلقا ما لم يمنعه حكم تصريف - قاله الحرالي: ~~{ مصدقا لما بين يديه } من كتب الله التي أعظمها كتابهم. فكانوا أحق ~~الناس بالإيمان به وكان جبريل عليه السلام أحق الملائكة بمحبتهم له ~~لإنزاله، وكان كفرهم به كفرا بما عندهم، فلا وجه لعداوتهم له؛ والبين حد ~~فاصل في حس أو معنى - قاله الحرالي: { وهدى } إلى كل خير، لأنه بيان ما ~~وقع التكليف به من أفعال القلوب والجوارح { وبشرى } أي ببيان الثواب { ~~للمؤمنين } أي الذين لهم الإيمان وصف لازم، فلا يفرقون بين كتب الله ولا ~~بين رسله، بل حيثما قادهم الحق انقادوا؛ فلا يدخل في ذلك الذين آمنوا ~~بألسنتهم # فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به # [البقرة: 89] ولا من علم الله منه ذلك ولو كان قبل مبعثه صلى الله عليه ~~وسلم - الله أعلم بما كانوا عاملين؛ فلو أنهم مؤمنون لما عادوا من نزل به ~~بشرى لهم ولكنهم كفرة فهم في العذاب، والآخرة ليست لهم بل عليهم. # ولما كانت عداوة واحد من الحزب لكونه من ذلك الحزب عداوة لجميع ذلك ~~الحزب تلاه بقوله: { من كان عدوا لله } ذي الجلال والإكرام لعداوته ~~واحدا من أوليائه لكونه من أوليائه { وملائكته } النازلين بأمره { ورسله ~~} من البشر وغيرهم، وخص من بينهم بالذكر من حباه بالفضل فقال: { وجبريل ~~وميكال } ، فإنه قد كفر فأهلك نفسه بكفره، وعلى ذلك دل قوله: { فإن الله ~~} الملك الأعلى: { عدو للكافرين } حيث أظهر ولم يضمر، وعبر بالوصف اللازم ~~صرفا للخطاب عمن يتعظ منهم فيرجع فلا تلحقه المعاداة لذلك؛ وميكال يقال ~~هو اسم عبودية أيضا وهو يد بسط للأرزاق المقيمة للأجسام كما أن إسرافيل ~~يد ms0200 بسط للأرواح التي بها الحياة - قاله الحرالي. # ولما فرغ من ترغيبهم في القرآن بأنه من عند الله وأنه مصدق لكتابهم وفي ~~جبريل بأنه الآتي به بإذن الله ومن ترهيبهم من عداوته أتبعه مدح هذا ~~القرآن وأنه واضح الأمر لمريد الحق وإن كفر به منهم أو من غيرهم فاسق أي ~~خارج عما يعرف من الحق فإنه بحيث لا يخفى على أحد فقال تعالى - عطفا على ~~قوله: # فإنه نزله على قلبك بإذن الله # [البقرة: 97]، أو قوله: # ولقد جاءكم موسى بالبينات # [البقرة: 92]، أو على ما تقديره: فلقد بان بهذا الذي نزله جبريل عليه ~~السلام أن الآخرة ليست خالصة لهم وأنهم ممن أحاطت به خطيئته لكفره -: { ~~ولقد أنزلنا } بعظمتنا في ذلك وغيره { إليك } وأنت أعظم الخلق { آيات ~~بينات } في الدلالة على صدقك وصحة أمرك، والبينة الدلالة الفاصلة بين ~~القصة الصادقة والكاذبة، ففسقوا بكفرهم بها { وما يكفر بها } منهم ومن ~~غيرهم { إلا الفاسقون } الذين الفسق لهم صفة لازمة، وعن الحسن أن الفسق ~~إذا استعمل في نوع من المعاصي وقع على أعظمه من كفر وغيره وفي ذلك رجوع ~~إلى وصف الكتاب الذي هو مقصود السورة. # ولما أنكر عليهم أولا ردهم للرسل لأمرهم بمخالفة الهوى في قوله: # أفكلما جاءكم رسول # [البقرة: 87] وأتبعه بما يلائمه إلى أن ختم بأن آيات هذا الرسول من ~~الأمر البين الذي يشهد به كتابهم وقد أخذ عليهم العهد باتباعه كما أرشد ~~إلى قوله تعالى: # فإما يأتينكم مني هدى # [البقرة: 38] الآية، أنكر عليهم ثانيا كفرهم بما أتى به الرسل بقوله: { ~~أو كلما عاهدوا عهدا نبذه } أي طرحه محتقرا له { فريق منهم } أي ناس ~~شأنهم السعي في الفرقة. ولما كان هذا مترددا بين التقليل والتكثير لتردد ~~التنوين بين التعظيم والتحقير رد احتمال التقليل بقوله: { بل } أي وليس ~~الفريق الكافر بالنبذ أقلهم بل { أكثرهم لا يؤمنون } حالا ولا مآلا. ### || [2.101-105] # ثم أتبع هذا الإنكار ذكر الكتاب والرسول كما فعل في الإنكار الأول غير ~~أنه صرح هنا بما طواه هناك فقال: { ولما جاءهم رسول } أي عظيم محيطة ms0201 ~~دعوته بما أشعر به الاسم الأعظم في قوله { من عند الله } أي الملك الذي ~~له جميع الملك والأمر { مصدق لما معهم } لكونه أتى بكتاب محقق أنه من عند ~~الله لإعجاز نظمه وتصديق معناه لكتابهم { نبذ } أي رمى رمي استخفاف { ~~فريق من الذين أوتوا الكتاب } الأول { كتاب الله } الملك الأعلى الذي أخذ ~~عليهم فيه الميثاق على لسان نبيهم باتباع النبي الأمي أسوأ النبذ بجعله ~~لاستخفافهم به { وراء ظهورهم } بتركهم العمل به وإن حلوه بالذهب ووضعوه ~~على الكراسي بين أيديهم. وأشعر بعنادهم بقوله: { كأنهم لا يعلمون } ولما ~~كانت سنة الله جارية بأنه ما أمات أحد سنة إلا زاد في خذلانه بأن أحيى ~~على يده بدعة أعقبهم نبذهم لكلام الله أولى الأولياء إقبالهم على كلام ~~الشياطين الذين هم أعدى الأعداء فقال تعالى: { واتبعوا ما تتلوا } أي ~~تقرأ أو تتبع، وعبر بالمضارع إشارة إلى كثرته وفشوه واستمراره { الشياطين ~~على ملك } أي زمن ملك { سليمان } من السحر الذي هو كفر. قال الحرالي: من ~~حيث إن حقيقته أمر يبطل بذكر اسم الله ويظهر أثره فيما قصر عليه من ~~التخييل والتمريض ونحوه بالاقتصار به من دون اسم الله الذي هو كفر - ~~انتهى. وكأن السحر كان في تلك الأيام ظاهرا عاليا على ما يفهمه التعبير ~~بعلى، وأحسن من هذا أن يضمن { تتلوا } تكذب، فيكون التقدير: تتلو كذبا ~~على ملكه، كما أشار إليه ما رواه البغوي وغيره عن الكلبي وكذا ما روي عن ~~السدي، وقال أبو حاتم أحمد بن حمدان الرازي في كتاب الزينة: وروى في ~~الحديث: # " أنه لما مات سليمان عليه السلام عمدت الشياطين فكتبت أصناف السحر: من ~~كان يحب أن يبلغ كذا فليفعل كذا، وجعلوه في كتاب ثم ختموه بخاتم سليمان ~~وكتبوا في عنوانه: هذا كتاب آصف بن برخيا الصديق لسليمان بن داود عليهما ~~السلام من ذخائر كنوز العلم، ثم دفنوه تحت كرسيه؛ فاستخرجه بعد ذلك بقايا ~~بني إسرائيل حين أحدثوا ما أحدثوا، فلما عثروا عليه قالوا: ما كان ملك ~~سليمان إلا بهذا، فأفشوا السحر في الناس، ms0202 فليس هو في أحد أكثر منه في ~~يهود " # انتهى. # وسليمان - على ما ذكر في أول إنجيل متى أثناء إنجيل لوقا - هو ابن داود ~~بن لسى ابن عونيد بن باعاز بن سلمون بن يصون بن عميناداب بن أرام بن ~~يورام بن حصرون بن فارض بن يهودا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم ~~السلام والحاصل أنهم مع تركهم للكتب المصدقة لما معهم، الكفيلة بكل هدى ~~وبركة، الآتية من عند الله المتحبب إلى عباده بكل جميل، على ألسنة رسله ~~الذين هم أصدق الناس وأنصحهم وأهداهم، لا سيما هذا الكتاب المعجز الذين ~~كانوا يتباشرون بقرب زمن صاحبه، اتبعوا السحر الذي هو أضر الأشياء ~~وأبشعها، الآتي به الشياطين الذين هم أعدى الأعداء وأفظعها، وأعجب ما في ~~ذلك أنهم نسبوا السحر إلى سليمان عليه السلام كذبا وفجورا وكفروه به ثم ~~كانوا هم أشد الناس تطلبا له ومصاحبة علما وعملا وأكثر ما يوجد فيهم، ~~فكانوا بذلك شاهدين على أنفسهم بالكفر؛ ومن المحاسن أيضا أنه لما كان ~~قوله: # ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل # [البقرة: 87] وما بعده في الكتب والأنبياء والرسل من البشر والملائكة ~~كانت فذلكته أن الكفرة من أهل الكتاب نبذوا ذلك كله ونابذوه وأقبلوا على ~~السحر الذي كان إبطاله من أول معجزات نبيهم وأعظمها؛ فهو أشد شيء منافاة ~~لشرعهم مع علمهم بأن ذلك يضرهم في الدارين ولا ينفعهم. # ولما اعتقد أهل الكتاب بعد موت سليمان عليه السلام أن السحر منه، وأن ~~انتظام ملكه على الإنس والجن والطير والوحش والريح إنما كان به، نفى الله ~~تعالى ذلك عنه بقوله: { وما كفر سليمان } ، قال الحرالي: يقال هو من ~~السلامة، فإنه من سلامة صدره من تعلقه بما خوله الله تعالى من ملكه # هذا من فضل ربي ليبلوني ءأشكر أم أكفر # [النمل: 40] وهو واحد كمال في ملك العالم المشهود من الأركان الأربعة ~~وما منها من المخلوقات - انتهى. أي ما وقع منه كفر ما فضلا عن أن يكون ~~بالسحر الذي هو أبعد الأشياء عن آيات الأنبياء { ولكن الشياطين ms0203 كفروا }. # ثم بين كفرهم بقوله: { يعلمون الناس } أي المضطرين الذين لم يصلوا إلى ~~سن الذين آمنوا { السحر } أي الذي ولدوه هم بما يزينونه من حاله ليعتقد ~~أنه مؤثر بنفسه ونحو ذلك، كما أن الأنبياء وأتباعهم يعلمون الناس الحق ~~بما يبينونه من أمره. والسحر قال الحرالي: هو قلب الحواس في مدركاتها عن ~~الوجه المعتاد لها في صحتها عن سبب باطل لا يثبت مع ذكر الله عليه. وقال ~~الكرماني: أمر خارق للعادة صادر عن نفس شريرة لا تتعذر معارضته. وقال ~~الأصفهاني: اختلفوا في تعلمه على ثلاثة أوجه: أحدها أنه حرام، الثاني أنه ~~مكروه، الثالث أنه مباح، والحق أنه إن كان تعلمه للعمل فهو حرام، وإن كان ~~لتوقيه وعدم الاغترار به فهو مباح، وقال: والمراد بالسحر ما يستعان في ~~تحصيله بالتقرب إلى الشيطان مما لا يستقل به الإنسان، وذلك لا يستتب إلا ~~لمن يناسبه في الشرارة وخبث النفس، فإن التناسب شرط في التضام والتعاون ~~وبهذا يميز الساحر عن الولي والنبي؛ وأما ما يتعجب منه كما يفعله أصحاب ~~الحيل بمعونة الآلات والأدوية أو يريه صاحب خفة اليد فغير حرام، وتسميته ~~سحرا على التجوز لما فيه من الدقة، لأنه في الأصل لما خفي سببه. # وقوله: { وما } ، أي واتبعوا أو ويعلمون { ما أنزل على الملكين } قال ~~الحرالي: فيه إنباء بأن هذا التخييل ضربان: مودع في الكون هو أمر ~~الشياطين، ومنزل من غيب هو المتعلم من الملكين؛ وقال: { ببابل } تحقيقا ~~لنزولهما إلى الأرض { هاروت وماروت } بدل من الملكين، كأنهما لما كانا مع ~~الحاجة إليهما لا يحتاجان إلى أحد وصفا أيضا بكونهما ملكين - بكسر ~~اللام، وعبارة الحرالي: ملكان جعلا ملكين في الأرض، والآية من إظهار ~~الله للملائكة أفضل الخليفة. ثم بين نصيحة الملكين بقوله: { وما } فأنبأ ~~أن التقدير: وما كفر الملكان كما كفر الشياطين فإنهما ما { يعلمان } ، ~~وزيادة من في قوله: { من أحد } لتأكيد الاستغراق { حتى يقولا إنما نحن ~~فتنة } أي على صورة الاختبار من الله لعباده، فإنه يعلم نبأ من يختار ~~السحر لما فيه من النفع العاجل ms0204 على أمر النبوة فيكفر، ومن يعلم حقيقته ~~لئلا يقع فيه وهو لا يشعر ثم يتركه إقبالا على دين الله؛ ووحد والمخبر ~~عنه اثنان لأنها مصدر وهو لا يثنى ولا يجمع. قال الحرالي: وأصل معناها من ~~فتن الذهب وهو تسخيره ليظهر جوهره ويتخلص طيبه من خبيثه - انتهى. { فلا ~~تكفر } بالعمل بما نعلمكه، فإن العمل به كفر، أو باعتقاد أنه حق مغن عما ~~جاء عن الله، أو مؤثر بنفسه { فيتعلمون منهما ما يفرقون به } مخالفة ~~للملكين في النهي عن ذلك، وذكر الفرقة في أشد الاتصال ليفهم منه ما دونه ~~فقال: { بين المرء وزوجه } ، والمرء اسم سن من أسنان الطبع يشارك الرجل ~~به المرأة ويكون له فيه فضل ما ويسمى معناه المروة - قاله الحرالي. # ولما ذكر السبب القريب للضرر رده إليه ترقية للذهن الثاقب إلى أعلى ~~المراتب وصونا له عن اعتقاده ما لا يناسب فقال: { وما هم بضارين } وهو ~~من الضر - بالفتح والضم - وهو ما يؤلم الظاهر من الجسم وما يتصل بمحسوسه، ~~في مقابلة الأذى وهو إيلام النفس وما يتصل بأحوالها، وتشعر الضمة في الضر ~~بأنه عن علو وقهر، والفتحة بأنه ما يكون عن مماثل ونحوه، وقل ما يكون عن ~~الأدنى إلا أذى ومنه # لن يضروكم إلا أذى # [آل عمران: 111] قاله الحرالي: { به من أحد }. ولما أكد استغراقه بضروب ~~من التأكيد تلاه بمعيار العموم فقال: { إلا بإذن الله } المحيط بكل شيء ~~قدرة وعلما ولا كفؤ له، وفيه إعلام لهم بأن ضرره لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ذلك الضرر الضعيف حيث سحره لبيد بن الأعصم إنما هو كضرر غيره ~~من الأسباب التي قد تخفى فيضاف الأمر في ضررها إلى الله تعالى، وقد تعرف ~~فيضاف الضرر إليها كما كان يحصل لغيره من إخوانه من الأنبياء منهم ومن ~~غيرهم، والعلم حاصل بأن المؤثر في الجميع في الحقيقة هو الله تعالى، ~~وسيأتي عند قوله تعالى: # وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها # [الأنعام: 97] في سورة الأنعام ما ينفع استحضاره هنا. # ولما كان هذا الذي تقدم وإن ms0205 كان للعامل به نفع على زعمه فضره أكبر من ~~نفعه اتبعه قسما آخر ليس للعامل به شيء غير الضر؛ فليس الحامل على تعلمه ~~إلا إيثارا للحاق بإبليس وحزبه فقال: { ويتعلمون } ، أي من السحر الذي ~~ولده الشياطين لا من الملكين { ما يضرهم } لأن مجرد العمل به كفر أو ~~معصية ثم حقق أنه ضرر كله لا شائبة للنفع فيه بقوله: { ولا ينفعهم } لأنه ~~لا تأثير له أصلا، والنفع وصول موافق الجسم الظاهر وما يتصل به في ~~مقابلة الضر، ولذلك يخاطب به الكفار كثيرا لوقوع معنيهما في الظاهر الذي ~~هو مقصدهم من ظاهر الحياة الدنيا - قاله الحرالي. # ثم أتبعه ما يعرف أنهم ارتكبوه على علم فقال محققا مؤكدا: { ولقد ~~علموا } ، بيانا لأنهم أسفه الناس { لمن اشتراه } أي آثره على ما يعلم ~~نفعه من الإيمان { ما له في الآخرة } الباقية الباقي نفعها { من خلاق } ~~أي نصيب موافق أصلا، والخلاق الحظ اللائق لمن يقسم له النصيب من الشيء ~~كأنه موازن به خلق نفسه وخلق جسمه - قاله الحرالي. # ثم جمع لهم المذام على وجه التأكيد فقال: { ولبئس ما شروا } ، أي باعوا ~~على وجه اللجاجة { به أنفسهم } إشارة إلى أنه مما أحاط بهم فاجتثت نفوسهم ~~من أصلها فأوجب لهم الخلود في النار، ثم قال بعد إثبات العلم لهم: { لو ~~كانوا يعلمون } ، أي لو كان لهم قابلية لتلقي واردات الحق، إشارة إلى أن ~~هذا لا يقدم عليه من له أدنى علم، فعلمهم الذي أوجب لهم الجرأة على هذا ~~عدم بل العدم خير منه. # ولما بين ما عليهم فيما ارتكبوه من المضار اتبعه ما في الإعراض عنه من ~~المنافع فقال: { ولو أنهم آمنوا } أي بما دعوا إليه من هذا القرآن، ومن ~~اعتقاد أن الفاعل في كل شيء إنما هو الله لا السحر { واتقوا } ما يقدح في ~~الإيمان من الوقوف مع ما كان حقا فنسخ من التوراة فصار باطلا، ومن ~~الإقدام على ما لم يكن حقا أصلا من السحر لأثيبوا خيرا مما تركوا، لأن ~~من ترك شيئا عوضه الله خيرا ms0206 منه؛ هكذا الجواب ولكنه عبر عنه بما يقتضي ~~الثبوت والدوام والشرف إلى غير ذلك مما يقصر عنه الأذهان من بلاغات ~~القرآن فقال: { لمثوبة } صيغة مفعلة من الثواب وهو الجزاء بالخير، وفي ~~الصيغة إشعار بعلو وثبات - قاله الحرالي، وشرفها بقوله: { من عند الله } ~~الذي له جميع صفات الكمال، وزادها شرفا بقوله: { خير } ، مع حذف المفضل ~~عليه. # قاله الحرالي: وسوى بين هذه المثوبة ومضمون الرسالة في كونهما من عند ~~الله تشريفا لهذه المثوبة وإلحاقا لها بالنمط العلي من علمه وحكمته ~~ومضاء كلمته - انتهى. وهذه المثوبة عامة لما يحصل في الدنيا والأخرى من ~~الخيرات التي منها ما يعطيه الله لصالحي عباده من التصرف بأسماء الله ~~الحسنى على حسب ما تعطيه مفهوماتها من المنافع، ومن ذلك واردات الآثار ~~ككون الفاتحة شفاء وآية الكرسي حرز من الشيطان ونحو ذلك من منافع القرآن ~~والأذكار والتبرك بآثار الصالحين ونحوه. # ثم أكد الخبر بأن علمهم جهل بقوله: { لو كانوا يعلمون } وقال الحرالي: ~~فيه إشعار برتبة من العلم أعلى وأشرف من الرتبة التي كانت تصرفهم عن أخذ ~~السحر، لأن تلك الرتبة تزهد في علم ما هو شر وهذه ترغب في منال ما هو ~~خير؛ وفيه بشرى لهذه الأمة بما في كيانها من قبول هذا العلم الذي هو علم ~~الأسماء ومنافع القرآن يكون لهم عوضا من علم السيميا الذي هو باب من ~~السحر، وعساه أن يكون من نحو المنزل على الملكين، قال صلى الله عليه ~~وسلم: # " من اقتبس علما من النجوم اقتبس بابا من السحر، زاد ما زاد ". # وحقيقة السيميا أمر من أمر الله أظهر آثاره في العالم الأرضي على سبيل ~~أسماء وأرواح خبيثة من مواطن الفتن في العلويات من النيرات والكواكب ~~والصور، وما أبداه منه في علوم وأعمال لا يثبت شيء منه مع اسمه تعالى، بل ~~يشترط في صحته إخلاؤه عن اسم الله وذكره والقيام بحقه وصرف التحنثات ~~والوجهة إلى ما دونه، فهو لذلك كفر موضوع فتنة من الله تعالى لمن شاء أن ~~يفتنه به، حتى كانت فتنة اسم ms0207 السيميا من هدى الاسم بمنزلة اسم اللات ~~والعزى من هداية اسم الله العزيز، ولله كلية الخلق والأمر هدى وإضلالا ~~إظهارا لكلمته الجامعة الشاملة لمتقابلات الأزواج التي منتهاها قسمة إلى ~~دارين: دار نور رحماني من اسمه العزيز الرحيم، ودار نار انتقامي من اسمه ~~الجبار المنتقم # ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون # [الروم: 14]. # ولما جعل سبحانه من المضرة في السحر ونحوه كان من المثوبة لمن آمن واتقى ~~من هذه الأمة سورة الفلق والناس والمعوذتان حرزا وإبطالا وتلقفا لما ~~يأفك سحر الساحرات عوضا دائما باقيا لهذه الأمة من عصا موسى، فهما عصا ~~هذه الأمة التي تلقف ما يأفك سحر الساحرات عوضا دائما بما فيهما من ~~التعويذ الجامع للعوذة من شر الفلق الذي من لمحة منه كان السحر مفرقا، ~~فهما عوذتان من وراء ما وراء السحر ونحوه، وذلك من مثوبة الدفع مع ما ~~أوتوا من مثوبة النفع، ويكاد أن لا يقف من جاءه هذه الآية لهذه الأمة عند ~~غاية من منال الخيرات ووجوه الكرامات - انتهى. # ولما كان من الحق كما قال الحرالي إجراء الأمور على حكم ما أثبتها الحق ~~لأنها بذلك حق هو مثال للحق المبين وصرفها إلى من لم يثبتها الحق في حيزه ~~إفك وقلب عن وجهه فهو خيال باطل هو في باب الرأي بمنزلة السحر في الحس ~~فهو خيال لما صحة النسبة فيه مثال اتبع الآيات الذامة للسحر الحقيقي ~~التنبيه على السحر المجازي الذي حيلوا به الخير وقصدوا به الشر ليكون ~~النهي عنه نهيا عن الأول بطريق الأولى فقال ملتفتا عن ذكرهم إلى خطاب ~~المؤمنين الذي هو أخص من { يا بني إسرائيل } الأخص من # يا أيها الناس اعبدوا ربكم # [البقرة: 21] { يا أيها الذين آمنوا } ، أي أقروا بالإيمان صدقوا ~~إقراركم به بأن { لا تقولوا } للنبي صلى الله عليه وسلم: { راعنا } التي ~~تقصدون بها الرعاية والمراقبة لمقصد الخير وخفض الجانب، فاغتنمها اليهود ~~لموافقة كلمة سيئة عندهم فصاروا يلوون بها ألسنتهم ويقصدون بها الرعونة ~~وهي إفراط الجهالة فنهاهم عن موافقتهم في القول منعا للصحيح الموافق في ms0208 ~~الصورة لشبهه من القبيح وعوضهم منها ما لا يتطرق إليه فساد فقال: { ~~وقولوا انظرنا } فأبقى المعنى وصرف اللفظ. قال الحرالي: ففيه إلزام تصحيح ~~الصور لتطابق تصحيح المقاصد وليقع الفرق بين الصورتين كما وقع الفرق بين ~~المعنيين فهي آية فرقان خاصة بالعرب. قال الأصفهاني: وهذا النهي اختص ~~بهذا الوقت، قال الواحدي لإجماع الأمة على جواز المخاطبة بهذا اللفظ الآن ~~وقال: { واسمعوا } أي قولوا ما أمرتكم به وامتثلوا جميع أوامري ولا ~~تكونوا كاليهود في حملهم السماع على حقيقته وقولهم { سمعنا وعصينا } وعطف ~~{ وللكافرين } على غير معطوف عليه مذكور مرشد إلى أن التقدير: فإن السماع ~~أي القبول إيمان وللسامعين نعيم كريم والإعراض كفر وللكافرين من اليهود ~~وغيرهم { عذاب أليم }. # ولما أرشد ختم الآية إلى العلة الحاملة على الامتثال علل بعلة أخرى ~~فقال: { ما يود الذين كفروا } مطلقا { من أهل الكتاب } اليهود والنصارى ~~{ ولا } من المشركين بأي نوع كان من أنواع الشرك بغضا فيكم حسدا لكم { ~~أن ينزل عليكم } وأكد الاستغراق بقوله: { من خير من ربكم } أي المحسن ~~إليكم، فكأنه قيل: للسماع علتان حاملتان عليه داعيتان إليه: إحداهما ~~أخروية وهي النعيم للمطيع والعذاب للعاصي، والأخرى دنيوية وهي مخالفة ~~الأعداء، فإنهم ما يودون أن ينزل عليكم شيء لكم فيه خير فضلا عن أن ~~تمتثلوه، ومخالفة الأعداء من الأغراض العظيمة للمتمكنين في الأخلاق ~~الفاضلة من ذوي الأدوات الكاملة، ولم يعطف { ما يود } لأنه مع ذلك علة ~~للعلة، فكأنه قيل: لهم عذاب أليم لأنهم يودون لكم خيرا؛ فسماعكم من جملة ~~عذابهم، لأنه واقع على خلاف ودادتهم مع ما يدخر لهم في الآخرة بكفرهم ~~وتمنيهم كفركم، ولا يخفى ما فيها وفي التي بعدها من التحريض على الكتاب ~~الذي لا ريب فيه. # ولما بين سبحانه ما يودون أتبعه التعريف بأن له التصرف التام، رضي من ~~رضي وسخط من سخط فقال معلقا الأمر بالاسم الأعظم الجامع: { والله } أي ~~ما يودون والحال أن ذا الأسماء الحسنى { يختص } ولما كان المنزل أتم ~~الرحمة عبر عنه بقوله: { برحمته } التي وسعت كل شيء من ms0209 الهداية والعلم ~~وغير ذلك { من يشاء } أي يجعله مختصا أي منفردا بها من بين الناس، ولو ~~كان عند غيره بمحل الاحتقار كما كان العرب عند بني إسرائيل لما كانوا ~~يرون من جهلهم وضلالهم وجفائهم واختلال أحوالهم؛ و " الاختصاص " عناية ~~تعين المختص لمرتبة ينفرد بها دون غيره، و " الرحمة " نحلة ما يوافي ~~المرحوم في ظاهره وباطنه، أدناه كشف الضر وكف الأذى، وأعلاه الاختصاص ~~برفع الحجاب - قاله الحرالي. ولما كان ذلك ربما أوهم أنه إذا فعله لم يبق ~~من رحمته ما يسع غير المختص نفاه بقوله مصدرا له بالاسم الأعظم أيضا ~~عاطفا على ما أفهمه الاختصاص من نحو أن يقال تعريضا باليهود: فالله بمن ~~يزوي عنه الرحمة عليم { والله } أي الملك الأعلى الذي له جميع العظمة ~~والرحمة فلا كفؤ له { ذو الفضل العظيم } أي الذي لا يحصر بحد ولا يدخل ~~تحت عد. ### || [2.106-109] # ولما حرم سبحانه قوله { راعنا } بعد حله وكان ذلك من باب النسخ وأنهى ما ~~يتعلق به بالوصف بالفضل العظيم بعد التخصيص الذي من مقتضاه نقل ما يكون ~~من المنافع من ملك أو دين أو قوة أو علم من ناس إلى ناس، وكان اليهود ~~يرون أن دينهم لا ينسخ، فكان النسخ لذلك من مطاعنهم في هذا الدين وفي كون ~~هذا الكتاب هدى للمتقين، لأنه على زعمهم لا يجوز على الله، قالوا: لأنه ~~يلزم منه البدا - أي بفتح الموحدة مقصورا - وهو أن يبدو الشيء أي يظهر ~~بعد أن لم يكن، وذلك لا يجوز على الله تعالى، هذا مع أن النسخ في كتابهم ~~الذي بين أظهرهم، فإن فيه أنه تعالى أمرهم بالدخول إلى بيت المقدس بعد ~~مقاتلة الجبارين، فلما أبوا حرم عليهم دخولها ومنعهم منه ومن القتال ~~بالقدرة والأمر، كما ستراه عن نص التوراة في سورة المائدة إن شاء الله ~~تعالى، وأمرهم بالجمعة فاختلفوا فيه، كما قاله النبي صلى الله عليه وسلم ~~ويأتي في قوله تعالى: # إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه # [النحل: 124] واختاروا السبت، ففرض عليهم وشدد عليهم فيه وأحل ms0210 لهم جميع ~~اللحوم والشحوم، لما اتخذوا العجل حرم عليهم الشحوم؛ وأعظم من ذلك ~~تعاطيهم من النسخ ما لم يأذن به الله في تحريفهم الكلم عن مواضعه، وتحريم ~~الأحبار والرهبان وتحليلهم لهم ما شاؤوا من الأحكام التي تقدم عد جملة ~~منها أصولا وفروعا، كما قال تعالى: # اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله # [التوبة: 31]، ولما قال عدي بن حاتم للنبي صلى الله عليه وسلم: " يا ~~رسول الله! إنهم لم يكونوا يعبدونهم، قال: أليسوا يحلون لهم ويحرمون؟ ~~قال: بلى، قال: فتلك عبادتهم لهم " كما هو مبين في السيرة في وفادة عدي؛ ~~وكما فعلوا في إبدال الرجم في الزنا بالتحميم والجلد؛ وفي اتباع ما تتلو ~~الشياطين مع أن فيه إبطال كثير من شرعهم؛ وفي نبذ فريق منهم كتاب الله؛ ~~وفي قولهم: # سمعنا وعصينا # [البقرة: 93]، وفي اتخاذهم العجل مع النهي عن ذلك - وكل ما شاكله في ~~كثير من فصول التوراة وفيما أشير إليه بقوله: # أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض # [البقرة: 85] إلى غير ذلك، لما كان ذلك قال تعالى جوابا عن طعنهم ~~سابقا له في مظهر العظمة معلما أنه قد ألبس العرب المحسودين ما كان قد ~~زين به أهل الكتاب دهورا فابتذلوه ودنسوا محياه ورذلوه وغيروه وبدلوه ~~إشارة إلى أن الحسد لكونه اعتراضا على المنعم يكون سببا لإلباس المحسود ~~ثوب الحاسد: { ما ننسخ } والنسخ قال الحرالي: نقل باد من أثر أو كتاب ~~ونحوه من محله بمعاقب يذهبه. # أو باقتباس يغني عن غيبته وهو وارد الظهور في المعنيين في موارد الخطاب؛ ~~والمعاقبة في هذا أظهر - انتهى. وساقها بغير عطف لشدة التباسها بما قبلها ~~لاختصاصنا لأجل التمشية على حسب المصالح بالفضل والرحمة، لأنه إن كان ~~المراد نسخ جميع الشرائع الماضية بكتابنا فلما فيه من التشريف بالانفراد ~~بالذكر وعدم التبعية والتخفيف للأحمال التي كانت، وإن كان المراد نسخ ما ~~شرع لنا فللنظر في المصالح الدنيوية والأخروية بحسب ما حدث من الأسباب { ~~من آية } أي فنرفع حكمها، أو تلاوتها بعد إنزالها، أو نأمر بذلك على أنها ~~من النسخ على ms0211 قراءة ابن عامر، سواء كانت في شرع من قبل كاستقبال بيت ~~المقدس أو لم تكن؛ وفي صيغة نفعل إشعار بأن من تقدم ربما نسخ عنهم ما لم ~~يعوضوا به مثلا ولا خيرا، ففي طيه ترغيب للذين آمنوا في كتابهم الخاص ~~بهم وأن يكون لهم عند النسخ حسن قبول فرحا بجديد أو اغتباطا بما هو خير ~~من المنسوخ، ليكون حالهم عند تناسخ الآيات مقابل حال الآبين من قبوله ~~المستمسكين بالسابق المتقاصرين عن خير لاحق وجدته - قاله الحرالي: { أو ~~ننسأها } أي نؤخرها، أي نترك إنزالها عليكم أصلا، وكذا معنى { أو ننسها ~~} من أنسى في قراءة غير ابن كثير وأبي عمرو، أي نأمر بترك إنزالها { نأت ~~بخير منها أو مثلها } كما فعلنا في { راعنا } وغيرها. أو يكون المعنى { ~~ما ننسخ من آية } فنزيل حكمها أو لفظها عاجلا كما فعلنا في { راعنا } أو ~~{ ننسأها } بأن نؤخر نسخها أو نتركه - على قراءة { ننسها } زمنا ثم ~~ننسخها كالقبلة { نأت } عند نسخها { بخير منها أو مثلها } ، ، وقال ~~الحرالي: وهو الحق إن شاء الله تعالى. والنسء تأخير عن وقت إلى وقت، ففيه ~~مدار بين السابق واللاحق بخلاف النسخ، لأن النسخ معقب للسابق والنسء ~~مداول للمؤخر، وهو نمط من الخطاب علي خفي المنحى، لم يكد يتضح معناه ~~لأكثر العلماء إلا للأئمة من آل محمد صلى الله عليه وسلم لخفاء الفرقان ~~بين ما شأنه المعاقبة وما شأنه المداولة. ومن أمثاله ما وقع في النسء من ~~نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن لحوم الأضاحي فتقبله الذين آمنوا نسخا، ~~وإنما كان إنساء وتأخيرا لحكم الاستمتاع بها بعد ثلاث إلى وقت زوال ~~الدافة التي كانت دفت عليهم من البوادي، فلم يلقن ذلك عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم حتى فسره فقال: " إنما نهيتكم من أجل الدافة " ، ففي متسع فقهه ~~أن أحكاما تؤخر فتشابه النسخ من وجه ثم تعاد فتخالفه من هذا الوجه من ~~حيث إن حكمة المنسوخ منقطعة وحكمة المنسء متراجعة. ومنه المقاتلة للعدو ~~عند وجدان المنة والقوة والمهادنة عند الضعف عن ms0212 المقاومة هو من أحكام ~~المنسء، وكل ما شأنه أن يمتنع في وقت لمعنى ما ثم يعود في وقت لزوال ذلك ~~المعنى فهو من المنسء الذي أهمل علمه أكثر الناظرين وربما أضافوا أكثره ~~إلى نمط النسخ لخفاء الفرقان بينهما؛ فبحق أن هذه الآية من جوامع آي ~~الفرقان، فهذا حكم النسء والإنساء وهو في العلم بمنزلة تعاقب الفصول بما ~~اشتملت عليه من الأشياء المتعاقبة في وجه المتداولة في الجملة. # قلت: وحاصله تأخير الحل كما ذكر أو الحرمة كما في المتعة ونحو ذلك إلى ~~وقت آخر وذلك هو مدلول النسء على ما كانت العرب تتعارفه كما سيأتي تحريره ~~في سورة براءة عند # إنما النسيء زيادة في الكفر # [التوبة: 37] قال: وأما النسيان والتنسية فمعناه أخفى من النسيء وهو ما ~~يظهره الله من البيانات على سبيل إدخال النسيان على من ليس شأنه أن ينسء ~~كالسنن التي أبداها النبي صلى الله عليه وسلم عن تنسيته كما ورد من قوله: ~~إني لأنسى لأسن. وقال عليه الصلاة والسلام في إفصاح القول فيه: # " بئسما لأحدكم أن يقول: نسيت، بل هو نسي " # ومنه قيامه من اثنتين وسلامه من اثنتين حتى أظهر الله سنة ذلك لأمته، ~~وكانت تلك الصلاة بسهوها ليست بدونها من غير سهو بل هي مثلها أو خير؛ ومن ~~نحوه منامه عن الصلاة حتى أظهر الله توقيت الصلاة بالذكر كما كان قد ~~أظهرها بالوقت الزماني، فصار لها وقتان: وقت نور عياني من مدارها مع ~~الشمس، ووقت نور وجداني من مدارها مع الذكر، ولصحة وقوعها للوقتين كانت ~~الموقتة بالذكر أداء بحسبه، قضاء بحسب فوت الوقت الزماني؛ فلله تعالى ~~على هذه الأمة فضل عظيم فيما يكمل لها على طريق النسخ وعلى سبيل النسء ~~وعلى جهة النسيان الذي ليس عن تراخ ولا إهمال وإنما يوقعه إجبارا مع ~~إجماع العزم، وفي كل ذلك إنباء بأن ما وقع من الأمر بعد هذا النسيان خير ~~من موقع ذلك الأمر الذي كان يقع على إجماع ورعاية لتستوي أحوال هذه الأمة ~~في جميع تقلبات أنفسها، كل ذلك ms0213 من اختصاص رحمته وفضله العظيم - انتهى. ~~واستدل سبحانه على إتيانه بذلك بقدرته، والقدرة الشاملة التامة مستلزمة ~~للعلم أي وليس هو كغيره من الملوك إذا أمر بشيء خاف غائلة أتباعه ورعاياه ~~في نقضه، واستدل على القدرة بأن له جميع الملك وأنه ليس لأحد معه أمر، ~~وحاصل ذلك أنه لما ذكر سبحانه هذا الكتاب وأكد أمره مرارا وكان ناسخا ~~لفروع شريعتهم ولا سيما ما فيها من الآصار والأغلال أشار سبحانه إلى أن ~~من أعظم ضلالهم وغيهم ومحالهم، ادعاؤهم أن النسخ لا يجوز على الله، ~~فمنعوا من # لا يسأل عما يفعل # [الأنبياء: 23] مما هو موجود في كتابهم كما أمر آنفا، ومما سوغوه ~~لأنفسهم بالتحريف والتبديل، ولزم من ذلك تكذيب كل رسول أتاهم بما لا تهوى ~~أنفسهم، وفعلوا خلاف حال المؤمنين المصدقين بما أنزل إلى نبيهم وما أنزل ~~إلى غيره، وضمن ذلك عيبهم بالقدح في الدين بالأمر بالشيء اليوم والنهي ~~عنه غدا، وأنه لو كان من عند الله لما تغير لأنه عالم بالعواقب، ولا ~~يخلو إما أن يعلم أن الأمر بذلك الشيء مصلحة فلا ينهى عنه بعد، أو مفسدة ~~فلا يأمر به اليوم، جوابهم عن ذلك معرضا عن خطابهم تعريضا بغباوتهم إلى ~~خطاب أعلم الخلق بقوله: { ألم تعلم أن الله } أي الحائز لجميع أوصاف ~~الكمال { على كل شيء قدير } على وجه الاستفهام المتضمن للإنكار والتقرير ~~المشار فيه للتوعد والتهديد، فيخلق بقدرته من الأسباب ما يصير الشيء في ~~وقت مصلحة وفي وقت آخر مفسدة لحكم ومصالح دبرها لتصرم هذا العالم. # ويقضي هذا الكون بشمول علمه بكل ما تقدم وما تأخر. ولو أراد لجعل الأمر ~~على سنن واحد والناس على قلب رجل واحد # ولو شاء ربك لأمن من في الأرض كلهم جميعا # [يونس: 99] # لجعل الناس أمة واحدة # [هود: 118] ولكنه مالك الملك وملك السماوات والأرض، يتصرف على حسب ما ~~يريد، لا راد لأمره ولا معقب لحكمه، ولا يسوغ الاعتراض عليه بوجه، وهل ~~يجوز أن يعترض العبد الذي لا ينفك أصلا من الرق على السيد الثابت السودد ~~على ms0214 أنه لا يلزمه شيء أصلا فلا يلزمه الأمر على حسب المصالح؛ ثم أتبع ~~ذلك بما هو كالدليل على شمول القدرة فقال: { ألم تعلم أن الله } الجامع ~~لأنواع العظمة { له ملك السماوات والأرض } يفعل في ذواتهما وأحوالهما ما ~~يشاء. قال الحرالي: فهو بما هو على كل شيء قدير يفصل الآيات، وهو بما له ~~ملك السماوات والأرض يدبر الأمر - انتهى. # ولما أتم سبحانه ما أراد من إظهار قدرته وسعة ملكه وعظمته بالاسم العلم ~~الذي هو أعظم من مظهر العظمة في ننسخ وننسا بالإقبال على خطاب من لا يعلم ~~ذلك حق علمه غيره فتهيأت قلوب السامعين وصغت لفت الخطاب إليهم ترهيبا في ~~إشارة إلى ترغيب فقال: { وما لكم من دون الله } المتصف بجمع صفات العظمة ~~{ من ولي } يتولى أموركم، وهو من الولاية، قال الحرالي: وهي القيام ~~بالأمر عن وصلة واصلة { ولا نصير } فأقبلوا بجميع قلوبكم إليه ولا ~~تلفتوها عنه، وفي ذلك تعريض بالتحذير للذين آمنوا ولم يبلغوا درجة ~~المؤمنين من مخالفة أمره إذا حكم عليهم بما أراد كائنا ما كان لئلا تلقن ~~بواطنهم عن اليهود نحوا مما لقنت ظواهر ألسنتهم، بأن تستمسك بسابق ~~فرقانها فتتثاقل عن قبول لاحقه ومكمله، فيكون ذلك تبعا لكثرة أهل الكتاب ~~في إبائها نسخ ما لحقه التغيير من أحكام كتابها - أفاده الحرالي وقال: ~~وهو في الحقيقة خطاب جامع لتفصيل ما يرد من النسخ في تفاصيل الأحكام ~~والأحوال بمنزلة الخطاب المتقدم في صدر السورة المشتمل على جامع ضرب ~~الأمثال في قوله تعالى: # إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا ما # [البقرة: 26] الآية، وذلك لأن هذه السورة هي فسطاط القرآن الجامعة لجميع ~~ما تفصل فيه؛ وهي سنام القرآن، وسنام الشيء أعلاه؛ وهي سيدة سور القرآن؛ ~~ففيها لذلك جوامع ينتظم بعضها ببعض أثر تفاصيله خلالها في سنامية معانيها ~~وسيادة خطابها نحوا من انتظام آي سورة الفاتحة المنتظمة من غير تفصيل ~~وقع أثناءها ليكون بين المحيط الجامع والابتداء الجامع مشاكلة ما - ~~انتهى. ولما كان رسخ ما ذكره سبحانه من تمام قدرته وعظيم مملكته ms0215 وما أظهر ~~لذاته المقدس من العظم بتكرير اسمه العلم وإثبات أن ما سواه عدم فتأهلت ~~القلوب للوعظ صدعها بالتأديب بالإنكار الشديد فقال: { أم } أي أتريدون أن ~~تردوا أمر خالقكم في النسخ أم { تريدون أن } تتخذوا من دونه إلها لا ~~يقدر على شيء بأن { تسألوا رسولكم } أن يجعل لكم إلها غيره { كما سئل ~~موسى } ذلك. ولما كان سؤالهم ذلك في زمن يسير أثبت الجار فقال: { من قبل ~~} أي قبل هذا الزمان إذ قال قومه بعد ما رأوا من الآيات وقد مروا بقوم ~~يعكفون على أصنام لهم: # اجعل لنا إلها كما لهم آلهة # [الأعراف: 138] وقالوا: # أرنا الله جهرة # [النساء: 153]. وقالوا: # لن نصبر على طعام واحد # [البقرة: 61] وكانوا يتعنتون عليه في أحكام الله بأنواع التعنتات كما ~~تقدم. و " الإرادة " في الخلق نزوع النفس لباد تستقبله - قاله الحرالي. ~~وأدل دليل على ما قدرته قوله عطفا على ما تقديره: فيكفروا فإنه من سأل ~~ذلك فقد تبدل الكفر بالإيمان { ومن يتبدل الكفر بالإيمان } أي يأخذ الكفر ~~بدلا من الإيمان بالإعراض عن الآيات وسؤال غيرها أو التمسك بما نسخ منه، ~~وعبر بالمضارع استجلابا لمن زل بسؤال شيء من ذلك إلى الرجوع بالتوبة ~~ليزول عنه الاستمرار فيزول الضلال { فقد ضل سواء السبيل } أي عدله ووسطه ~~فلم يهتد إليه وإن كان في بينات منه، فإن من حاد عن السواء أوشك أن يبعد ~~بعدا لا سلامة معه # وإن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله # [الأنعام: 153] وكثيرا ما كان يتزلزل طوائف من الناس عند تبدل الآيات ~~وتناسي الأحكام وبحسب ما يقع في النفس من تثاقل عنه أو تحامل على قبوله ~~يلحقه من هذا الضلال عن سواء هذا السبيل؛ وفيه إشعار بأن الخطاب للذين ~~آمنوا، لأن المؤمنين المعرفين بالوصف لا يتبدل أحوالهم من إيمان الكفر، ~~لأن أحدا لا يرتد عن دينه بعد أن خالط الإيمان بشاشة قلبه # فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها # [البقرة: 256] # ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن ms0216 فقد استمسك بالعروة الوثقى # ؛ [لقمان: 22] وقال عليه الصلاة والسلام: # " إن الله لا ينتزع العلم انتزاعا بعد أن أعطاكموه " # فبذلك يتضح مواقع خطاب القرآن مع المترتبين في أسنان القلوب بحسب الحظ ~~من الإيمان والإسلام والإحسان - قاله الحرالي. وعرف { السبيل } بأنه ~~المشتمل على قوام السائر فيه والسالك له من نحو الرعي والسقي وشبهه، ~~والسواء بأنه من الشيء أسمحه بالأمر الذي قصد له، قال: ويقال هو وسطه ~~وخياره. # ولما كان أكثر المثيرين لهذه الشكوك في صور أهل الإسلام قال تعالى ~~مخاطبا للمؤمنين وهم في غمارهم تنفيرا لهم عن الضلال الذي هو في نفسه ~~أهل لأن ينفر عنه فكيف وهو شماتة العدو وبتخييله وودادته تحذيرا لهم من ~~مخالطتهم: { ود كثير } وهو تعليل لمعنى الكلام وهو: فلا تتبدلوا الكفر ~~بالإيمان، بعد تعليله بالضلال؛ وذلك كما مضى في # ما يود الذين كفروا # [البقرة: 105] سواء. # ولما كان المشركون عربا عالمين بأن طبع العرب الثبات لم يدخلهم معهم في ~~هذا الود وقال: { من أهل الكتاب } فأنبأ أن المصافي منهم قليل وبشر ~~سبحانه بأن ما يودونه من قسم المحال بسوقه سوق المتمني فقال: { لو ~~يردونكم } أي بأجمعكم؛ ثم حقق أمر التمني في كونه محالا مشيرا بإثبات ~~الجار إلى قناعتهم به ولو في زمن يسير فقال: { من بعد إيمانكم } أي ~~الراسخ { كفارا } أي لتكونوا مثلهم فتخلدوا معهم في النار { حسدا } على ~~ما آتاكم الله من الخير الهادي إلى الجنة، والحسد قلق النفس من رؤية ~~النعمة على الغير، وعبر عن بلوغ الحسد إلى غاية لا حيلة معها في تركه ~~بقوله: { من عند أنفسهم } أي إنه راسخ في طبائعهم فلا تطمعوا في صرفه ~~بشيء، فإن أنفسهم غالبة على عقولهم، ثم زاده تأكيدا بقوله مشيرا بإثبات ~~الجار إلى ذمهم بأنهم استمروا على الضلال بعد الدعوة، لا يطلبون الحق مع ~~القدرة على تعرفه، حتى هجم عليهم بيانه وقهرهم عرفانه، ثم لم يرجعوا ~~إليه؛ وما كفاهم ضلالهم في أنفسهم حتى تمنوا إضلال غيرهم بالرجوع عنه { ~~من بعد ما تبين } أي بيانا عظيما بوضوحه في نفسه ms0217 { لهم الحق } أي من ~~صحة رسالة محمد صلى الله عليه وسلم وأنه خاتم النبيين المرسل إلى الناس ~~كافة بشهادة ما طابقه من التوراة، ومن أنهم خالدون في النار، لأنهم ممن ~~أحاطت به خطيئته بما دل عليه سبحانه في جميع هذه الآيات إبطالا لدعواهم ~~في مس النار لهم أياما معدودة. # ثم أرشد إلى الدواء بقوله مسببا عن الإخبار بأن ودهم محال وبعدم ~~رجوعهم: { فاعفوا } أي عاملوهم معاملة العافي بأن لا تذكروا لهم شيئا ~~مما تظهره تلك الودادة الناشئة عن هذا الحسد من الأقوال والأفعال ولا ~~تأخذوا في مؤاخذتهم به، فإنهم لا يضرونكم ولا يرجعون إليكم، { واصفحوا } ~~أي أظهروا لهم أنكم لم تطلعوا على شيء من ذلك، وأصل معناه من الإعراض ~~بصفحة العنق عن الشيء كأنه لم يره، وأمرهم بمطلق الصفح ولم يفيده بالجميل ~~الذي اختص به خطاب نبيهم صلى الله عليه وسلم في قوله: # فاصفح الصفح الجميل # [الحجر: 85] لتنزل الخطاب على مراتبه ومستحق مواقعه. وحثهم على أن يكون ~~فعلهم ذلك اعتمادا على تفريجه سبحانه بقوله: { حتى يأتي الله } الذي لا ~~أمر لأحد معه { بأمره } فبشرهم بذلك بظهورهم على من أمروا بالصفح والعفو ~~عنهم، وقد كان مبدأ ذلك ويتم في زمن عيسى عليه السلام. ### || [2.110-117] # ولما كان النصر وهم في القلة والضعف بحال عظيم وقوة عدوهم وكثرتهم أعظم ~~مستبعدا قال: { إن الله } وأظهر موضع الإضمار تحقيقا للبشرى بالإيماء ~~إلى استحضار ما يدل عليه هذا الاسم الأعظم من صفات الجلال والإكرام { على ~~كل شيء قدير } ففي هذا الختم بشرى للمؤمنين بتقديرهم كما أن في الختم ~~بالعلم بشرى بتعليمهم. وفي إفهامه نذارة للكافرين بمقابل ذلك. # ولما أمرهم بالثقة بهذا الكتاب ما نسخ منه وما لم ينسخ وأن لا يعوقهم ~~عنه طعن الطاعنين ولا حسد الحاسدين وأمرهم بالإعراض عن الغير أمرهم ~~بالإقبال على إصلاح النفس والإحسان إلى الغير مما اتصف به المهتدون في ~~قوله تعالى: # ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون # [البقرة: 2] ولما كان المقصود من الصلاة قصر الهمة والنية على الحضرة ~~الإلهية وتفريغ البال من ms0218 جميع الشواغل علم أن التقدير بعد الختم بشمول ~~القدرة فاعلموا ذلك وثقوا به { وأقيموا الصلاة } التي هي مع كونها ~~سنبتليكم في قبلتها بالنسخ قوام الدين والمعينة على جميع النوائب بإعانة ~~الخالق الذي قصد بها الإقبال عليه والتقرب إليه { وآتوا الزكاة } التي هي ~~قرينة الصلاة، فمن فرق بينهما فقد نسخ ما أثبت الله فاستحق القتال ليرجع ~~عما ارتكب من الضلال، وهي من أعظم نفقات المؤمنين إحسانا إلى الخلائق إن ~~كنتم مصلين بالحقيقة، فإن المال بعض ما صرفت عنه الصلاة من أعراض الدنيا. # ولما كان قوله: # يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا # [البقرة: 104] وما بعده خطابا للمؤمنين تحذيرا من كيد أعدائهم بالنهي ~~عما يرديهم والأمر بما ينجيهم وختمه بهذه الآية فذلكة لذلك كله جميعا ~~لمعانيه وفتحها برأس العبادات البدنية والمالية وكانت " أل " مشيرة إلى ~~الواجب من ذلك ختم الآية نفسها بالأمر العام الجامع فقال: { وما تقدموا ~~لأنفسكم من خير } أي من الصلاة والزكاة وغيرهما فرضا ونفلا { تجدوه } ~~وزاد ترغيبا فيه بقوله: { عند الله } أي الجامع لصفات الكمال. فهو يحفظه ~~بما له من العلم والقدرة ويربيه بما له من الكرم والرحمة - إلى غير ذلك ~~من أمور الفضل. # ولما كان الشيء قد يهمل لكونه صغيرا وقد لا يطلع عليه لكونه خفيا ~~حقيرا قال مرغبا مرهبا: { إن الله } المحيط قدرة وعلما { بما تعملون ~~بصير } وأظهر الاسم في موضع الإضمار إشعارا بالاستئناف للخير ليكون ~~ختما جامعا. لأنه لو عاد على خصوص هذا الخطاب لكان " إنه " ، وذلك لأن ~~تجديد الإظهار يقع بمعنى رد ختم الخطاب على إحاطة جملته - قاله الحرالي. ~~والمعنى أنه لو أضمر لكان ربما أفهم تقيد علمه بحيثية ما تقدم من عمل ~~الخير؛ وعلى مثل هذا دل قول العلامة شمس الدين الغزي في أول شرحه ~~لإيساغوجي: الغالب في المضمر إرادة المعنى الأول، وأما حديث: إعادة الشيء ~~معرفة. # فأصل يعدل عنه كثيرا للقرائن. # ولما ذكر دعواهم في مس النار وأبطلها من وجوه كثيرة أحاطت بهم فيها ~~الخطايا إحاطة اقتضت خلودهم فيها من جهة ضلالهم إلى ms0219 آية النسخ مرقيا ~~الخطاب من سيئة إلى أسوأ منها ثم من جهة إضلالهم لغيرهم من آية النسخ عطف ~~على تلك الدعوى الإخبار بدعواهم في دخول الجنة تصريحا بما أفهمته الدعوى ~~الأولى تلويحا وقرن بذلك مثل ما ختم به ما قبلها من أن من فعل خيرا وجد ~~على وجه بين فيه أن ذلك الخير الإسلام والإحسان فقال تعالى: { وقالوا } ~~أي أهل الكتاب من اليهود والنصارى حسدا منهم على المسبب الذي هو الجنة ~~كما حسدوا على السبب وهو إنزال ما اقتضى الإيمان الموصل إلى الرضوان الذي ~~به تستباح الجنان { لن يدخل الجنة } المعدة لأولياء الله { إلا من كان ~~هودا } هذا قول اليهود منهم { أو نصارى } وهذا قول النصارى نشرا لما ~~لفته الواو في { وقالوا }. # ولما كانوا أبعد الناس عن هذه الأماني التي تمنوها لأنفسهم لمنابذتهم ~~لما عندهم من العلم والتي حسدوا فيها المؤمنين لأن ذلك فضل الله يؤتيه من ~~يشاء قال مشيرا إلى بعدهم عن ذلك على وجه الاستئناف معترضا بين الدعوى ~~وطلب الدليل عليها تعجيلا لتوهيتها: { تلك } بأداة البعد { أمانيهم } ~~تهكما بهم، أي أمثال هذه الشهوة من ودهم أن لا ينزل على المؤمنين خير من ~~ربهم، وأن يردوهم كفارا، وأن لا يدخل الجنة غيرهم - وأمثال ذلك من ~~شهواتهم. # ولما كان كل مدع لغيب مفتقرا في تصحيح دعواه إلى دليل وكان مثل هذا لا ~~يقنع فيه إلا بقاطع أمر أعلم الخلق لأنه لا ينهض بأخراسهم في علمهم ~~ولددهم غيره بمطالبتهم بذلك ناقضا لدعواهم فقال: { قل هاتوا برهانكم } ~~بلفظ البرهان. قال الحرالي: وهو علم قاطع الدلالة غالب القوة بما تشعر به ~~صيغة الفعلان ضم أولها وزيادتا آخرها، وهذا كما افتتح تلك بالنقض بقوله: ~~{ قل أتخذتم } وفي ذلك إعلام بأنه تعالى ما غيب شيئا إلا وأبدى عليه ~~علما ليكون في العالم المشهود شفاف عن العالم الغائب - قاله الحرالي. ~~قالوا: وهذا أهدم شيء لمذهب المقلدين ودليل على أن كل قول لا برهان عليه ~~باطل. # ولما نادى عليهم بالكذب في قوله: { إن كنتم صادقين } أثبت لغيرهم ms0220 بقوله: ~~{ بلى } ما ادعوا الاختصاص به، ثم بين أهل الجنة بقوله: { من أسلم وجهه } ~~أي كليته، لأن الوجه أشرف ما ظهر من الإنسان، فمن أسلمه أسلم كله، كما أن ~~" الإيمان " إذعان القلب الذي هو أشرف ما بطن وإذعانه إذعان جميع ~~الأعضاء؛ و " الإسلام " قال الحرالي: الإلقاء بما يكون من منة في باطن أو ~~ظاهر؛ و " الوجه " مجتمع حواس الحيوان، وأحسن ما في الموتان - وهو ما عد ~~الحيوان، وموقع الفتنة من الشيء الفتان؛ وهو أول ما يحاول إبداؤه من ~~الأشياء لذلك { لله } من أجل أنه الله الجامع للكمال. # ولما كان ذكر الأجر لكل واحد بعينه أنص على المقصود وأنفى للتعنت، أفرد ~~الضمير فقال: { وهو محسن } في جانب الحق بإذعان القلب، وفي جانب الخلق ~~بما يرضي الرب، فصار يعبد الله كأنه يراه، فطابق سره علنه. ولما نفوا ~~الأجر عن غيرهم وأثبته سبحانه للمتصف بالإسلام منهم وممن سواهم وكان ربما ~~قيل إنه أعطى غيرهم لكونه الملك المطلق بغير سبب ربط الأجر بالفاء دليلا ~~على أن إسلامهم هو السبب فقال: { فله } خاصة { أجره عند ربه } إحسانا ~~إليه بإثبات نفعه على حسب ما ربه به في كل شريعة. # ولما كان ربما ادعى أنه ما أفرد الضمير إلا لأن المراد واحد بعينه فلا ~~يقدح ذلك في دعوى أنه لن يدخل الجنة إلا اليهود أو النصارى جمع فقال: { ~~ولا خوف عليهم } من آت { ولا هم يحزنون } على شيء فات دفعا لضرهم، وهذا ~~كما أثبت سبحانه خلاف دعواهم في مس النار بقوله: # بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته # [البقرة: 81] الآية، فالتحم الكلام بذلك أشد التحام وانتظم أي انتظام. # ولما أبطل دعوى اختصاصهم بالرحمة قدحا منهم في غيرهم وأثبتها للمحسنين ~~أتبع ذلك قدح كل فريق منهم في الآخر وبيان انتفائها عنهم بإساءتهم بإبطال ~~كل فرقة منهم دعوى الأخرى مع ما يشهد به كتاب كل من بطلان قوله فقال: { ~~وقالت اليهود ليست } أنث فعلهم لضعف قولهم وجمع أمرهم { النصارى على شيء ~~} أي يعتد به لكونه صحيحا، وليس مخففة من ms0221 وزن فرح، ومعناها مطلق النفي ~~لمتقدم إثبات أو مقدره - قاله الحرالي. { وقالت النصارى } كذلك { ليست ~~اليهود على شيء } فعجب منهم في هذه الدعوى العامة لما قبل التبديل والنسخ ~~وما بعده بقوله: { وهم } أي والحال أنهم { يتلون الكتاب } أي مع أن في ~~كتاب كل منهم حقية أصل دين الآخر. # ثم شبه بهم في نحو هذا القول الجهلة الذين ليس لهم كتاب الذين هم عندهم ~~ضلال، وفي ذلك غاية العيب لهم لتسوية حالهم مع علمهم بحال الجهلة في ~~القطع في الدين بالباطل كما سوى حالهم بهم في الحرص على الحياة في الدنيا ~~ومنهم عبدة الأصنام الذين منهم العرب الذين أخرجوا الرسول صلى الله عليه ~~وسلم من بلده ومنعوه من مسجد أبيه إبراهيم عليهما الصلاة والسلام الذي هو ~~الحقيق به دونهم، وساق ذلك جواب سائل كأنه قال: هذا قول العلماء بالكتاب ~~فما حال من لا علم له؟ فقال: { كذلك } أي مثل هذا القول البعيد عن القصد ~~{ قال الذين لا يعلمون } ولما كان صدور هذا من أهل العلم في غاية الغرابة ~~وصدوره من الجهلة أغرب نبه تعالى على أن سامعه جدير بأن يقول لعده له ~~عداد ما لا يصدق: كيف قال الجهلة؟ فقال أو يقال: ولما كان قولهم هذا لا ~~يكاد يصدق من شدة غرابته كان كأنه قيل: أحق كان هذا منهم حقيقة أم كنى به ~~عن شيء آخر؟ فأجيب بقوله: { كذلك } أي الأمر كما ذكرنا عنهم حقيقة لا ~~كناية عن شيء غيره، فلما استقر في النفس كان كأنه قيل: هل وقع هذا لأحد ~~غيرهم؟ فقيل: نعم، وقع أعجب منه وهو أنه قال الجهلة " كعبدة الأصنام ~~والمعطلة " { مثل قولهم } فعاندوا وضللوا المؤمنين أهل العلم بالكتاب ~~الخاتم الذي لا كتاب مثله وضللوا أهل كل دين. # ولما وقع الخلاف بين هذه الفرق تسبب عنه حكم الملك الذي لم يخلقهم سدى ~~بينهم فقال: { فالله } " الملك الأعظم " { يحكم بينهم } والحكم قصر ~~المصرف على بعض ما يتصرف فيه وعن بعض ما تشوف إليه - قاله الحرالي. ~~وحقق أمر البعث بقوله: ms0222 { يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون } والآختلاف ~~افتعال من الخلاف وهو تقابل بين رأيين فيما ينبغي انفراد الرأي فيه - ~~قاله الحرالي. # ولما اشتركت جميع هذه الفرق في الظلم وزاد الجهلة منع حزب الله من عمارة ~~المسجد الحرام بما يرضيه من القول والفعل فازدادوا بذلك ظلما آخر وكان ~~من منع مسجدا واحدا لكونه مسجدا مانعا لجميع المساجد قال: { ومن أظلم ~~} أي منهم، وإنما أبدل الضمير بقوله: { ممن منع مساجد الله } أي " الجامع ~~لصفات الكمال التي هي جنان الدنيا لكونها أسباب الجنة التي قصروها عليهم، ~~ثم أبدل من ذلك تفخيما له تذكرة مرة بعد أخرى " قوله: { أن يذكر فيها ~~اسمه } وعطف بقوله: { وسعى في خرابها } أي بتعطيلها عن ذكر الله لبعد ~~وجوه ظلمهم زيادة في تبكيتهم. والمنع الكف عما يترامى إليه. والمسجد مفعل ~~لموضع السجود وهو أخفض محط القائم. والسعي الإسراع في الأمر حسا أو ~~معنى. والخراب ذهاب العمارة، والعمارة إحياء المكان وإشغاله بما وضع له - ~~قاله الحرالي. # ثم ذكر سبحانه ما رتبه على فعلهم من الخوف في المسجد الذي أخافوا فيه ~~أولياءه وفي جميع جنسه والخزي في الدنيا والآخرة ضد ما رتبه لمن أحسن ~~فقال: { أولئك } أي البعداء البغضاء { ما كان لهم } أي ما صح وما انبغى { ~~أن يدخلوها } أي المساجد الموصوفة { إلا خائفين } وما كان أمنهم فيها إلا ~~بسبب كثرة المساعد على ما ارتكبوه من الظلم والتمالؤ على الباطل وسنزيل ~~ذلك، ثم عمم الحكم بما يندرج فيه هذا الخوف فقال: { لهم في الدنيا خزي } ~~أي عظيم بذلك وبغيره، ثم زاده بأن عطف عليه قوله: { ولهم في الآخرة } ~~التي هم لها منكرون بالاعتقاد أو الأفعال { عذاب عظيم } فدل بوصف العذاب ~~على وصف الخزي الذي أشار إليه بالتنوين. # قال الحرالي: وفيه إنباء بإحباط ما يصرف عنهم وجها من وجوه العذاب، ~~فنالهم من العذاب العظيم ما نال الكافرين حتى كان ما كان لهم من ملة ~~وكتاب لم يكن، وذلك أسوأ الخسار؛ قال: ومن الموعود أن من أعلام قيام ~~الساعة تضييع المساجد لذلك كل ms0223 أمة وكل طائفة وكل شخص معين تطرق بجرم في ~~مسجد يكون فعله سببا لخلائه فإن الله عز وجل يعاقبه بروعة ومخافة تناله ~~في الدنيا، حتى ينتظم بذلك من خرب مدينة من مدن الإسلام أو كانت أعماله ~~سبب خرابها، وفي ضمن ذلك ما كان من أحداث المسلطين على البيت المقدس بما ~~جرت إليه أعمال يهود فيه؛ قال: كذلك أجرى الله سنته أن من لم يقم حرمة ~~مساجده شرده منها وأحوجه لدخولها تحت رقبة وذمة من أعدائه، كما قد شهدت ~~مشاهدة بصائر أهل التبصرة وخصوصا في الأرض المقدسة المتناوب فيها دول ~~الغلب بين هذه الأمة وأهل الكتاب # الم * غلبت الروم * في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون * في بضع ~~سنين # [الروم: 1-3] فكل طائفة في بضعها إذا ساء عملها في مسجدها شردت منه ~~ودخلته في بضع الأخرى خائفة كذلك حتى تكون العاقبة للمتقين حين يفرح ~~المؤمنون بنصر الله، قال: وفي إشعاره تحذير من غلق المساجد وإيصادها ~~وحجرها على القاصدين للتحنث فيها والخلوة بذكر الله، وليس رفع المساجد ~~منعها بل رفعها أن لا يذكر فيها غير اسم الله، قال تعالى: # في بيوت أذن الله أن ترفع # [النور: 36] قال عمر رضي الله عنه لما بنى الرحبة: من أراد أن يلغط أو ~~يتحدث أو ينشد شعرا فليخرج إلى هذه الرحبة، وقال صلى الله عليه وسلم: # " جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم وسل سيوفكم وبيعكم وشراءكم، وابنوا ~~على أبوابها المطاهر " # ففي حل ذلك إنباء بأن من عمل في مساجد الله بغير ما وضعت له من ذكر الله ~~كان ساعيا في خرابها وناله الخوف في محل الأمن - انتهى. # ولما أفهمت الآية أنه حصل لأولياء الله منع من عمارة بيت الله بذكره ~~وكان الله تعالى قد من على هذه الأمة بأن جعل الأرض كلها لها مسجدا ~~سلى المؤمنين بأنهم أينما صلوا بقصد عبادته لقيهم ثوابه، لأنه لا يختص ~~به جهة دون جهة، لأن ملكه للكل على حد سواء؛ فكان كأنه قيل: فأقيموا ~~الصلاة التي هي أعظم ذكر الله حيثما ms0224 كنتم فإنه لله، كما أن المسجد الذي ~~منعتموه لله؛ وعطف عليه قوله: { ولله } أي الذي له الكمال كله { المشرق ~~} أي موضع الشروق وهو مطلع الأنوار { والمغرب } وهو موضع أفولها، فأنبأ ~~تعالى كما قال الحرالي بإضافة جوامع الآفاق إليه إعلاما بأن الوجهة ~~لوجهه لا للجهة، من حيث إن الجهة له - انتهى. # ولما كان هذان الأفقان مدارا للكواكب من الشمس وغيرها عبر بهما عن جميع ~~الجهات، لتحول الأفلاك حال الدوران إلى كل منهما. فلذلك تسبب عن ذكرهما ~~قوله: { فأينما تولوا } أي فأي مكان أوقعتم فيه التولية للصلاة إلى ~~القبلة التي أمرتم بالتولية إليها من بيت المقدس أو الكعبة أو غيرهما في ~~النافلة { فثم } أي فذلك الموضع، لأن " ثم " إشارة لظرف مكان { وجه ~~الله } أي جهته التي وجهكم إليها أو مكان استقباله والتوجه إليه وما ~~يستقبلكم من جلاله وجماله ويتوجه إليكم من بره وإفضاله. فإن نسبة جميع ~~الأماكن والجهات في الإبداع والقرب والبعد وغير ذلك إليه واحدة. قال ~~الحرالي: وأبهم المولى ليقع تولي القلب لوجه الله حين تقع محاذاة وجه ~~الموجه الظاهر للجهة المضافة لله - انتهى. # ولما أخبر من سعة فضله مبثوثا في واسع ملكه بما وقفت العقول عن منتهى ~~علمه علله بما صغر ذلك في جنبه فقال: { إن الله } فذكره بالاسم الأعظم ~~الجامع لجميع الأسماء { واسع } أي محيط بما لا تدركه الأوهام، فلا يقع ~~شيء إلا في ملكه؛ وأصل الوسع تباعد الأطراف والحدود { عليم } فلا يخفى ~~عليه فعل فاعل أي ما كان وكيف ما كان، فهو يعطي المتوجه إليه على قدر ~~نيته بحسب بلوغ إحاطته وشمول علمه وقدرته. # قال الحرالي في شرح الأسماء: والسعة المزيد على الكفاية من نحوها إلى أن ~~ينبسط إلى ما وراء امتدادا ورحمة وعلما # ورحمتي وسعت كل شيء # [الأعراف: 156] # للذين أحسنوا الحسنى وزيادة # [يونس: 26] # لهم ما يشاؤون فيها ولدينا مزيد # [المائدة: 35] ولا تقع السعة إلا مع إحاطة العلم والقدرة وكمال الحلم ~~وإفاضة الخير والنعمة لمقتضى كمال الرحمة، ولمسرى النعمة في وجوه ~~الكفايات ظاهرا وباطنا خصوصا وعموما لم يكد ms0225 يصل الخلق إلى حظ من ~~السعة، أما ظاهرا فلا تقع منهم ولا تكاد " إنكم لن تسعوا الناس بمعروفكم ~~" ، وأما باطنا بخصوص حسن الخلق فعساه يكاد. وقال في تفسيره: قدم تعالى: ~~{ المشرق } لأنه موطن بدو الأنوار التي منها رؤية الأبصار، وأعقبه ~~بالمغرب الذي هو مغرب الأنوار الظاهرة وهو مشرق الأنوار الباطنة، فيعود ~~التعادل إلى أن مشرق الأنوار الظاهرة هو مغرب الأنوار الباطنة # " الفتنة ههنا من حيث يطلع قرن الشيطان - وأشار بيده نحو المشرق " # " لا يزال أهل المغرب ظاهرين على الحق " # انتهى. قلت: ومن ذلك حديث صفوان بن عسال رضي الله عنه أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " إن لله بالمغرب بابا - وفي رواية: باب التوبة مفتوح من قبل المغرب - ~~مسيرة عرضه سبعون عاما، لا يغلق ما لم تطلع الشمس من قبله " # أخرجه الطبراني والبغوي في تفسيره، وقد ظهر أن المغرب في الحديث المتقدم ~~هو في الصحيح ما عدا المشرق الذي أشار إليه بالفتنة في الحديث الآخر، ~~فالمغرب حينئذ المدينة وما ينسب إليها من جهة المشرق وما وراء ذلك من جهة ~~الجنوب والشمال وما وراء ذلك من جهة الغرب إلى منتهى الأرض، فلا يعارض ~~حينئذ حديث " وهم بالشام " فإنها من جملة المغرب على هذا التقدير، فدونك ~~جمعا طال ما دارت فيه الرؤوس وحارت فيه الأفكار في المحافل والدروس - ~~والله الموفق. # ولما أفاد ما تقدم وصفه تعالى بتمام القدرة واتساع الملك والفضل وشمول ~~العلم كان من المحال افتقاره إلى شيء ولد أو غيره قدم أهل الأديان ~~الباطلة كلهم بافترائهم في الولد اليهود في عزير والنصارى في المسيح ~~وعبدة الأوثان في الملائكة فقال معجبا ممن اجترأ على نسبة ذلك إليه مع ~~معرفة ما تقدم عاطفا على ما سبق من دعاويهم: { وقالوا اتخذ الله } الذي ~~له الكمال كله وعبر بقوله: { ولدا } الصالح للذكر والأنثى لينظم بذلك ~~مقالات الجميع. ولما كان العطف على مقالات أهل الكتاب ربما أوهم اختصاص ~~الذم بهم حذفت واو العطف في قراءة ابن عامر على طريق الاستئناف في جواب ~~من كأنه ms0226 قال: هل انقطع حبل افترائهم؟ إشارة إلى ذم كل من قال بذلك، وذلك ~~إشارة إلى شدة التباسها بما قبلها كما قال الإمام أبو علي الفارسي في ~~كتاب الحجة، لأن جميع المتحزبين على أهل الإسلام مانعون لهم من إحياء ~~المساجد بالذكر لشغلهم لهم بالعداوة عن لزومها، والحاصل أنه إن عطف كان ~~انصباب الكلام إلى أهل الكتاب وأما غيرهم فتبع لهم للمساواة في المقالة، ~~وإذا حذفت الواو انصب إلى الكل انصبابا واحدا. # ونزه نفسه الشريفة استئنافا بقوله: { سبحانه } فذكر علم التسبيح الجامع ~~لإحاطة المعنى في جوامع التنزيه كله، ثم جاء بكلمة الإضراب المفهمة الرد ~~بالنفي فكأن الخطاب يفهم: ما اتخذ الله ولدا ولا له ولد { بل له ما } ~~فعبر بالأداة التي هي لغير العاقل تصلح له تعميما وتحقيرا لهم { في ~~السماوات والأرض } مما ادعت كل فرقة منهم فيه الولدية وغير ذلك. # ثم علله بقوله معبرا بما يفهم غاية الإذعان: { كل له قانتون } أي ~~مخلصون خاشعون متواضعون، لاستسلامهم لقضائه من غير قدرة على دفاع، ولا ~~تطلع إلى نوع امتناع العاقل، غيره، حتى كأنهم يسعون في ذلك ويبادرون إليه ~~مبادرة اللبيب الحازم. قال الحرالي: فجاء بالجمع المشعر كما يقال بالعقل ~~والعلم لما تقدم من أنه لا عجمة ولا جمادية بين الكون والمكون، إنما يقع ~~جمادية وعجمة بين آحاد من المقصرين في الكون عن الإدراك التام؛ والقنوت ~~ثبات القائم بالأمر على قيامه تحققا بتمكنه فيه. # انتهى. # ثم علل ذلك بما هو أعظم منه فقال: { بديع السماوات والأرض } أي خالقهما ~~على غير مثال سبق، وما أبدع كلية أمر كان أحرى أن يكون ما في طيه وإحاطته ~~وإقامته من الأشياء المقامة به من مبدعه فكيف يجعل له شبيه منه؟ لأن ~~الولد مستخرج شبيه بما استخرج من عينه - ذكره الحرالي. { وإذا قضى } أي ~~أراد { أمرا } منهما أو من غيرهما، والقضاء إنفاذ المقدر. والمقدر ما ~~حد من مطلق المعلوم - قاله الحرالي. { فإنما يقول له كن } من الكون وهو ~~كمال البادي في ظاهره وباطنه { فيكون } فهو منزه عن حاجة التوالد ms0227 وكل ~~حاجة، وسر التعبير بالمضارع يذكر إن شاء الله تعالى في آل عمران. قال ~~الحرالي: وصيغته تمادي الكائن في أطوار وأوقات وأسنان يمتد توالها في ~~المكون إلى غاية الكمال - انتهى. قالوا: ورفع " يكون " للاستئناف أي فهو ~~يكون، أو العطف على { يقول } إيذانا بسرعة التكوين على جهة التمثيل، ومن ~~قال بالأول منع العطف على { يقول } لاقتضاء الفاء أن القول مع التكوين ~~فيلزم قدم التكوين، وقال الإمام أبو علي الفارسي في كتاب الحجة: إن ذلك ~~لا يطرد في مثل ثاني حرفي آل عمران وهو قوله: # ثم قال له كن فيكون # [آل عمران: 59] لأنه لا يحسن تخالف الفعلين المتعاطفين بالمضي وغيره، ~~وأول قوله: # ولقد أمر على اللئيم يسبني # فمضيت ثم أقول لا يعنيني # بأن معناه: مررت ماضيا، وطعن فيه أبو شامة بأن يكون في الآية ماض مثله ~~وقد صرح أبو علي والحق معه بأنه على بابه يعني؛ وفائدة التعبير به ~~مضارعا، تصوير الحال والإرشاد إلى أن التقدير: كن فكان، لأنه متى قضى ~~شيئا قال له: كن، فيكون، وجعل الأحسن عطفه على { كن } لأنه وإن كان بلفظ ~~الأمر فمعناه الخبر أي يكون؛ وقال: إن ذلك أكثر اطرادا لانتظامه لمثل ~~قوله: # ثم قال له كن فيكون # [آل عمران: 59]. وهذا الموضع مجمع على رفعه، وكذا قوله تعالى في ~~الأنعام: # ويوم يقول كن فيكون # [الأنعام: 73]. وإنما الخلاف في ستة مواضع اختص ابن عامر منها بأربعة: ~~وهي هذا الموضع، وقوله تعالى في آل عمران: # إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون # [آل عمران: 47]، وفي مريم مثله سواء، وفي غافر: # فإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون # [غافر: 68]؛ ووافقه الكسائي في حرفين في النحل: # إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون # [النحل: 40] وفي يس: # إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون # [يس: 82] فجعلوا النصب في هذين عطفا على { يقول } وفي الأربعة الأولى ~~جوابا للأمر في قوله: { كن } اعتبارا بصورة اللفظ وإن لم يكن المعنى ~~على الأمر فالتقدير: يقول له يكون فيكون، ms0228 أي فيطاوع، فطاح قول من ضعفه ~~بأن المعنى على الخبر وأنه لا يصح النصب إلا إذا تخالف الأمر وجوابه، ~~وهذا ليس كذلك بل يلزم فيه أن يكون الشيء شرطا لنفسه، لأن التقدير: إن ~~يكن يكن؛ وصرح ابن مجاهد بوهم ابن عامر وأن هذا غير جائز في العربية، كما ~~نقله عنه الإمام أبو شامة في شرح الشاطبية؛ فأمعنت النظر في ذلك لوقوع ~~القطع بصحة قراءة ابن عامر لتواترها نقلا عمن أنزل عليه القرآن، فلما ~~رأيته لم ينصب إلا ما في حيز { إذا } علمت أن ذلك لأجلها لما فيها من ~~معنى الشرط، فيكون مثل قوله تعالى في الشورى: # ويعلم الذين يجادلون في آياتنا # [الشورى: 35] بنصب " يعلم " في قراءة غير نافع وابن عامر على بعض ~~التوجيهات، وذلك ماش على نهج السداد من غير كلفة ولا استبعاد إذا تؤمل ~~الكلام على " إذا " قال الرضي وهو العلامة نجم الدين محمد بن حسن ~~الإستراباذي في الظرف من شرحه لقول العلامة أبي عمرو عثمان بن الحاجب في ~~كافيته: ومنها " إذا " وهي للمستقبل وفيها معنى الشرط، فلذلك اختير بعدها ~~الفعل، والأصل في استعمال " إذا " أن تكون لزمان من أزمنة المستقبل مختص ~~من بينها بوقوع حدث فيه مقطوع به، ثم قال: وكلمة الشرط ما يطلب جملتين ~~يلزم من وجود مضمون أولاهما فرضا حصول مضمون الثانية، فالمضمون الأول ~~مفروض ملزوم، والثاني لازمه؛ ثم قال: و " إن " موضوعة لشرط مفروض وجوده ~~في المستقبل مع عدم قطع المتكلم لا بوقوعه ولا بعدم وقوعه، وذلك لعدم ~~القطع في الجزاء لا بالوجود ولا بالعدم، سواء شك في وقوعه كما في حقنا، ~~أو لم يشك كان الواقعة في كلامه تعالى؛ وقال: ولا يكون الشرط في اسم إلا ~~بتضمن معناها؛ ثم قال: فنقول: لما كان " إذا " للأمر المقطوع بوجوده في ~~اعتقاد المتكلم في المستقبل لم يكن لمفروض وجوده، لتنافي القطع والفرض في ~~الظاهر، فلم يكن فيه معنى " إن " الشرطية، لأن الشرط كما بينا هو المفروض ~~وجوده، لكنه لما كان ينكشف لنا الحال كثيرا في الأمور التي ms0229 نتوقعها ~~قاطعين بوقوعها عن خلاف ما نتوقعه جوزوا تضمين " إذا " معنى " إن " كما ~~في " متى " وسائر الأسماء الجوازم، فيقول القائل: إذا جئتني فأنت مكرم - ~~شاكا في مجيء المخاطب غير مرجح وجوده على عدمه بمعنى متى جئتني سواء؛ ثم ~~قال: ولما كثر دخول معنى الشرط في " إذا " وخروجه عن أصله من الوقت ~~المعين جاز استعماله وإن لم يكن فيه معنى " إن " الشرطية، وذلك في الأمور ~~القطعية استعمال " إذا " المتضمنة لمعنى " إن " ، وذلك لمجيء جملتين بعده ~~على طرز الشرط والجزاء وإن لم يكونا شرطا وجزاء، ثم قال في الكلام على ~~الفاء في نواصب الفعل، وقد تضمر " أن " بعد الفاء والواو الواقعتين بعد ~~الشرط قبل الجزاء، نحو إن تأتيني فتكرمني - أو لو. # تكرمني - آتك، أو بعد الشرط والجزاء، نحو إن تأتني آتك فأكرمك - أو: ~~وأكرمك - وذلك لمشابهة الشرط في الأول والجزاء في الثاني المنفي، إذ ~~الجزاء مشروط وجوده بوجود الشرط، ووجود الشرط مفروض، فكلاهما غير موصوفين ~~بالوجود حقيقة، وعليه حمل قوله تعالى: { إن يشأ يسكن الريح فيظللن } - ~~إلى قوله: # ويعلم الذين يجادلون # [الشورى: 35] على قراءة النصب؛ ثم قال: وإنما صرفوا ما بعد فاء السببية ~~من الرفع إلى النصب لأنهم قصدوا التنصيص على كونها سببية والمضارع ~~المرتفع بلا قرينة مخلصة للحال والاستقبال ظاهر في معنى الحال، كما تقدم ~~في باب المضارع، فلو أبقوه مرفوعا لسبق إلى الذهن أن الفاء لعطف جملة ~~حالية الفعل على الجملة التي قبل الفاء، يعني فكان يلزم أن يكون الكون ~~قديما كالقول، فصرفه إلى النصب منبه في الظاهر على أنه ليس معطوفا، إذ ~~المضارع المنصوب بأن مفرد، وقبل الفاء المذكورة جملة، ويتخلص المضارع ~~للاستقبال اللائق بالجزائية كما ذكرنا في المنصوب بعد إذن، فكان فيه ~~شيئان: رفع جانب كون الفاء للعطف. وتقوية كونه للجزاء؛ فيكون إذن ما بعد ~~الفاء مبتدأ محذوف الخبر وجوبا - انتهى. فالتقدير هنا والله أعلم: فكونه ~~واقع حق ليس بخيال كالسحر والتمويهات، فعلى هذا قراءة النصب أبلغ لظهورها ~~في الصرف عن الحال إلى الاستقبال مع ما دلت عليه ms0230 من سرعة الكون وأنه حق، ~~ثم رأيت البرهان بن إبراهيم بن محمد السفاقسي حكى في إعرابه ما خرجته عن ~~ابن الضائع - يعني بالضاد المعجمة والعين المهملة - وهو الأستاذ أبو ~~الحسن علي بن محمد بن يوسف الكتامي شيخ أبي حيان فقال ما نصه: زاد ابن ~~الضائع في نصب { فيكون } وجها حسنا وهو نصبه في جواب الشرط وهو إذا، ~~وكان مراده التسبيب عن الجواب كما ذكرت، قال السفاقسي: ويصح فيه وجه ثالث ~~على مذهب الكوفيين وهو نصبه في جواب الحصر بإنما، لأنهم أجازوا: إنما هي ~~ضربة أسد فيتحطم ظهره. ### || [2.118-125] # ولما تقرر بما أنبأ من بديع آياته في منبث مصنوعاته أن عظمته تقصر عنها ~~الأوهام وتنكص خاسئة دونها نوافذ الأفهام عجب من الجرأة عليه بما استوى ~~فيه حال الجهلة من العرب بالعلماء من أهل الكتاب تبكيتا لهم وتنفيرا ~~منهم بأنه لا حامل لهم على الرضى لأنفسهم بالنزول من أوج العلم إلى حضيض ~~أهل الجهل إلا اتباع الهوى فقال: { وقال الذين لا يعلمون } أي ليس لهم ~~علم من العرب { لولا } أي هلا { يكلمنا الله } أي يوجد كلامه لنا على ما ~~له من جميع الصفات { أو تأتينا آية } أي على حسب اقتراحنا عادين ما ~~آتاهم من الآيات - على ما فيها من آية القرآن التي لا يوازيها آية أصلا ~~- عدما. # ولما كان قولهم هذا جديرا بأن لا يصدق نبه عليه بقوله: { كذلك } أي ~~الأمر كما ذكرنا عنهم. ولما كان كأنه قيل: هل وقع مثل هذا قط؟ قيل: نعم، ~~وقع ما هو أعجب منه، وهو أنه { قال الذين } ولما كان المراد بعض من تقدم ~~أدخل الجار فقال: { من قبلهم } ممن ينسب إلى العلم من أهل الكتاب { مثل ~~قولهم } ، ثم علله بقوله: { تشابهت قلوبهم } في هذا وإن كانت مختلفة ~~باعتبار العلم، وفي ذلك تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم بأنه كما تعنت ~~عليه تعنت على من قبله. ولما كان ذلك توقع السامع الإخبار عن البيان ~~فكان كأنه قيل: هل قالوا ذلك جهلا أو عنادا؟ فقيل: بل عنادا ms0231 لأنا { قد ~~بينا الآيات } في كل آية في الكتاب المبين المسموع والكتاب الحكيم ~~المرئي. ولما كان يقع البيان خاصا بأهل الإيقان قال: { لقوم يوقنون } ~~وفيه بعث للشاك على تعاطي أسباب الإيقان، وهو صفاء العلم عن كدر بطرق ~~الريب لاجتماع شاهدي السمع والعين. قال الحرالي: وفيه إشارة لما حصل ~~للعرب من اليقين، كما قال سيد العرب علي رضي الله عنه: لو كشف الغطاء ما ~~ازددت يقينا. استظهارا لما بطن من عالم الملكوت على ظاهر عالم الملك ~~إكمالا للفهم عن واضح هذا البيان الذي تولاه الله ومن اصطفاه الذي اشتمل ~~عليه استتباع ضمير { بينا }؛ وفي استواء العالم وغيره في الجهل بعد ~~البيان دليل على مضمون التي قبلها في أن ما أراد كان. ولما تضمن هذا ~~السياق الشهادة بصحة رسالته صلى الله عليه وسلم وأنه ليس عليه إلا البيان ~~صرح بالأمرين في قوله مؤكدا لكثرة المنكرين { إنا أرسلناك } هذا على أن ~~يكون المراد بذلك جميع الأمم، أما إذا أريد هذه الأمة فقط فيكون المعنى: ~~قد بينا الآيات الدالات على طريق الحق بأعظم برهان وبالإخبار عن دقائق لا ~~يعلمها إلا حذاق أهل الكتاب لقوم يحق عليهم الإيقان لما وضح لهم من ~~الأدلة، ثم علل ذلك لقوله: { إنا أرسلناك } إرسالا ملتبسا { بالحق } أي ~~بالأمر الكامل الذي يطابقه الواقع في كل جزئية يخبر بها. # قال الحرالي: والحق التام المكمل بكلمة " أل " هو استنطاق الخلق عن أمر ~~الله فيهم على وجه أعلى لرسالته العلية الخاصة به عن عموم ما وقعت به ~~رسالة المرسلين من دون هذا الخصوص، وذلك " حق " منكر، كما تقدم أي عند ~~قوله: # وهو الحق مصدقا لما معهم # [البقرة: 91] لأن ما أحق غيبا مما أنزله الله فهو " حق " حتى السحر، ~~وما أظهر غيب القضاء والتقدير وأعلن بإبداء حكمة الله على ما أبداها من ~~نفوذ مشيئته في متقابل ما أبداه من خلقه فهو " الحق " الذي خلقت به ~~السماوات والأرض ابتداء وبه ختمت الرسالة انتهاء لتطابق الأول والآخر ~~كمالا، حال كونك { بشيرا ونذيرا } وقال الحرالي: لما أجرى ms0232 الله سبحانه ~~من الخطاب عن أهل الكتاب والعرب نبأ ردهم لما أنزل أولا وآخرا ونبأ ما ~~افتروه مما لا شبهة فيه دعواه أعرض بالخطاب عن الجميع وأقبل به على النبي ~~صلى الله عليه وسلم تسلية له وتأكيدا لما أعلمه به في أول السورة من أن ~~الأمر مجرى على تقديره وقسمته الخلق بين مؤمن وكافر ومنافق، فأنبأه تعالى ~~أنه ليس مضمون رسالته أن يدعو الخلق إلى غير ما جبلوا عليه، وأن مضمون ~~رسالته أن يستظهر خبايا الأفئدة والقلوب على الألسنة والأعمال، فيبشر ~~المهتدي والثابت على هدى سابق، وينذر الأبي والمنكر لما سبق إقراره به ~~قبل، فعم بذلك الأولين والآخرين من المبشرين والمنذرين - انتهى - أي فليس ~~عليك إلا ذلك فبشر وأنذر فإنما عليك البلاغ وليس عليك خلق الهداية في ~~قلوب أهل النعيم { ولا تسأل } ويجوز أن يكون حالا من { أرسلناك } أو من ~~{ بشيرا } { عن أصحاب الجحيم } والمراد بهم من ذكر في الآية السابقة من ~~الجهلة ومن قبلهم، أي عن أعمالهم لتذهب نفسك عليهم حسرات لعدم إيمانهم، ~~كما قال تعالى # ولا تسألون عما كانوا يعملون # [البقرة: 141] أي فحالك مستو بالنسبة إلينا وإليهم. لأنك إن بلغتهم جميع ~~ما أرسلت به إليهم لم نحاسبك بأعمالهم، وإن تركت بعض ذلك محاسنة لهم لم ~~يحبوك ما دمت على دينك فأقبل على أمرك ولا تبال بهم، وهو معنى قراءة ~~نافع { ولا تسأل } على النهي، أي احتقرهم فإنهم أقل من أن يلتفت إليهم، ~~فبلغهم جميع الأمر فإنهم لا يحبونك إلا إذا انسخلت مما أنت عليه؛ وفي ~~الحكم بكونهم أصحابها إثبات لما نفوه عن أنفسهم بقوله: # لن تمسنا النار # [البقرة: 80] ونفى لما خصصوا به أنفسهم في قولهم: # لن يدخل الجنة # [البقرة: 111] الآية، والجحم قال الحرالي: انضمام الشيء وعظم فيه، ومن ~~معنى حروفه الحجم وهو التضام وظهور المقدار إلا أن الحجم فيما ظهر ~~كالأجسام والجحم - بتقديم الجيم - فيما يلطف كالصوت والنار. # ولما جرت العادة بأن المبشر يسر بالبشير أخبر تعالى أن أهل الكتاب في ~~قسم المنذرين فهم لا يزالون عليه غضابا ms0233 فقال عطفا على ما اقتضاه ما ~~قبله: { ولن ترضى } من الرضى وهو إقرار ما ظهر عن إرادة - قاله الحرالي: ~~{ عنك اليهود ولا النصارى } لشيء من الأشياء { حتى تتبع ملتهم } أي حتى ~~تكون بشيرا لهم، ولن تكون بشيرا لهم حتى توافقهم فيما أحدثوه من ~~أهوائهم بأن تتبع كتابهم على ما بدلوا فيه وحرفوا وأخفوا على ما أفهمته ~~إضافة الملة إليهم لا إلى صاحبها المعصوم وهو إبراهيم عليه السلام، ويكون ~~ذلك برغبة منك تامة على ما أفهمته صيغة الافتعال وتترك كتابك الناسخ ~~لفروع كتابهم، والملة قال الحرالي: الأخذ والعمل بما في العقل هدايته من ~~إعلام المحسوسات. ولما قيل ذلك اقتضى الحال سؤالا وهو: فما أقول؟ فقال: ~~{ قل } ولم يقيده بلهم إعراضا عنهم { إن هدى الله } الذي هو جميع ما ~~أنزل الجامع لصفات الكمال على رسله من كتابي وكتابكم { هو } أي خاصة { ~~الهدى } أي كله مشيرا بأداة التعريف إلى كمال معناه، وبالحصر إلى أن ~~غيره هو الهوى؛ وأضافه إلى الاسم الأعظم وأكده بأن وأعاده بلفظه وعبر عنه ~~بالمصدر واستعمل فيه ضمير الفصل ردا لإنكارهم له، فإن اتبعوه كله فآمنوا ~~بأن كتابهم داع إلى كتابك فبشرهم، وإن لم يتبعوه فالزم إنذارهم، وفي ~~الآية إشارة إلى ذلك الكتاب لا ريب فيه. # ثم عطف على ما أفهمه السياق من نحو: فلئن زغت عنه لتتركن الهدى كله ~~باتباع الهوى، قوله: { ولئن اتبعت أهواءهم } الداعية لهم إلى تغيير ~~كتابهم. قال الحرالي: فأظهر إفصاحا ما أفهمته إضافة الملة إليهم من حيث ~~كانت وضعا بالهوى لا هداية نور عقل كما هي في حق الحنيفيين - انتهى. ~~ولما كان الكلام هنا في أمر الملة التي هي ظاهرة للعقل أسقط من وأتى ~~بالذي بخلاف ما يأتي في القبلة فقال: { بعد الذي } قال الحرالي: أشارت ~~كلمة { الذي } إلى معنى قريب من الظاهر المحسوس كأنه علم ظاهر، ففيه ~~إنباء بأن أدنى ما جاءه من العلم مظهر لإبطال ما هم عليه في وجوه تلبيسهم ~~وأهوائهم { جاءك من العلم } بأنهم على ضلال وأنك على جميع الهدى. وخاطبهم ms0234 ~~بذلك صلى الله عليه وسلم والمراد والله أعلم من اتبع أهواءهم بعد الإسلام ~~من المنافقين تمسكا بولايتهم طمعا في نصرتهم ولذا ختم بقوله: { ما لك ~~من الله } الذي له الأمر كله ولا كفؤ له، وأكد النفي بالجار فقال: { من ~~ولي ولا نصير }. # ولما أفصح بمن يستحق النذارة منهم بتغيير الدين بأهوائهم فأفهم من يستحق ~~البشارة تلاه بالإفصاح بالقسمين: من يستحق البشارة منهم، ومن يستحق ~~النذارة، فقال: { الذين آتيناهم الكتاب } أي التوراة والإنجيل { يتلونه ~~حق تلاوته } قال ابن عباس رضي الله عنهما: يتبعونه حق اتباعه، من تلا ~~فلان فلانا إذا تبعه - رواه عنه أبو عبيد. # وهي ناظرة إلى قوله قريبا: { وهم يتلون الكتاب } أي لا حق تلاوته بل ~~تلاوة ليس فيها تدبر لمعانيه ولا عمل بما فيه؛ هذا إذا جعلناه حالا، ~~وإن جعلناه خبرا وقوله: { أولئك } أي العظيمو الرتبة خاصة { يؤمنون به } ~~خبرا ثانيا فالمعنى أن من لم يؤمن بالكتاب حق الإيمان من غير تحريف له، ~~لا إخفاء لشيء فيه لما انتفى عنهم المقصود بالذات وهو الانتفاع بالكتاب ~~المؤتى انتفى عنهم أصل الإيتاء لأنه تجرد عن الفائدة؛ والضمير في { به } ~~يصح أن يكون للهدى. قال الحرالي: وحقية الأمر هي وفاؤه إلى غايته، ~~والإحاطة به إلى جماع حدوده حتى لا يسقط منه شيء ولا يقصر فيه غاية ~~إشعارا باشتمال الكتاب على أمر محمد صلى الله عليه وسلم. # ولما وصف المؤمنين به ولم يبين ما لهم أتبعه بالكافرين فقال: { ومن يكفر ~~به } أي بالكتاب، ثم حصر الخسر فيهم بقوله: { فأولئك } أي البعداء ~~البغضاء { هم } خاصة { الخاسرون } فافهم أن المؤمنين به هم الرابحون؛ ومن ~~الوصف بالخسار يعلم أنهم كانوا على حق وشيء يمكن الربح فيه بتكملة ~~الإيمان بكتابهم بالإيمان بالكتاب الخاتم فضيعوه فخسروا، فإنه لا يخسر ~~إلا من له أصل مال متهيىء للنماء والربح - والله أعلم. # ولما طال المدى في استقصاء تذكيرهم بالنعم ثم في بيان عوارهم وهتك ~~أستارهم وختم ذلك بالترهيب بخسارهم لتضييع أديانهم بأعمالهم وأحوالهم ~~وأقوالهم أعاد ما صدر به قصتهم من ms0235 التذكير بالنعم والتحذير من حلول النقم ~~يوم يجمع الأمم ويدوم فيه الندم لمن زلت به القدم، ليعلم أن ذلك فذلكة ~~القصة والمقصود بالذات في الحث على انتهاز الفرصة في التفصي عن حرمة ~~النقص إلى لذة الربح بدوام الشكر. قال الحرالي: فلبعده بالتقدم كرره ~~تعالى إظهارا لمقصد التئام آخر الخطاب بأوله وليتخذ هذا الإفصاح ~~والتعليم أصلا لما يمكن أن يرد من نحوه في سائر القرآن حتى كأن الخطاب ~~إذا انتهى إلى غاية خاتمة يجب أن يلحظ القلب بداية تلك الغاية فيتلوها ~~ليكون في تلاوته جامعا لطرفي البناء وفي تفهمه جامعا لمعاني طرفي ~~المعنى؛ انتهى - فقال تعالى: { يا بني إسرائيل } أي ولد الأنبياء ~~الأصفياء ووالد الأنبياء السعداء { اذكروا نعمتي } أي الشريفة بالنسبة ~~إلي { التي أنعمت عليكم } بها في الدنيا { وأني فضلتكم } واقتصر هنا على ~~نعمة التفضيل ولم يذكر الوفاء الذي هو فضيلة النفس الباطنة إشارة إلى ~~جمودهم باقتصارهم على النظر في الظاهر على { العالمين } في تلك الأزمان ~~كلها بإتمام نعمة الدنيا بشرع الدين المقتضى للنعمة في الأخرى، فإنكم إذا ~~ذكرتم النعمة شكرتموها فقيدتموها واستوجبتم من الله الزيادة في الدنيا ~~والرضى في العقبى { واتقوا يوما لا تجزي } أي تقضى، أي يصنع فيه { نفس ~~عن نفس شيئا } أي من الجزاء. # ولما ختمت الآية الماضية بحصر الخسارة فيهم ناسب تقديم نفي القبول فقال: ~~{ ولا يقبل منها عدل } يبذل في فكاكها من غير الأعمال الصالحة { ولا ~~تنفعها شفاعة } غير مأذون فيها { ولا هم ينصرون } وإن كثرت جموعهم. قال ~~الحرالي: أجراها تعالى في هذا التكرار على حدها في الأول إلا ما خالف بين ~~الإيرادين في قوله { واتقوا يوما } إلى آخره ليجمع النبأ في كل واحد من ~~الشفاعة والعدل بين مجموع الردين من الأخذ والقبول فيكون شفاعتها لا ~~مقبولة ولا نافعة، ويكون عدلها لا مأخوذا ولا مقبولا، ذلك لأن المعروض ~~للقبول أول ما يؤخذ أخذا بحسبه من أخذ سمع أو عين، ثم ينظر إليه نظر ~~تحقيق في المسموع وتبصر في المنظور، فإذا صححه التحقيق والتبصير قبل، ~~وإذا لم ms0236 يصححه رد، وإنما يكون ذلك لمن في حاله حظ صحة ظاهرة لا يثبت مع ~~الخبرة، فأنبأ تعالى بمضمون الآيتين الفاتحة والخاتمة أن هؤلاء ليس في ~~حالهم حظ صحة البتة لا في شفاعة ولا في عدل فلا يقبل ولا يؤخذ إنباء ~~بغرائه عن لبسه ظاهر صحة يقتضي أخذه بوجه ما، ففيه تبرئة ممن حاله حال ~~ما نبىء به عنهم على ما تقدم معناه في مضمون الآية، وبهذه الغاية انصرف ~~الخطاب عنهم على خصوص ما أوتوا من الكتاب الذي كان يوجب لهم أن يتدينوا ~~بقبول ما جاء مصدقا لما معهم فاتخذوا لهم بأهوائهم ملة افتعلتها ~~أهواؤهم، فنظم تعالى بذلك ذكر صاحب الملة التي يرضاها وافتتح بابتداء ~~أمره في ابتلائه ليجتمع عليهم الحجتان السابقة بحسب الملة الحنيفية ~~الإبراهيمية واللاحقة بحسب الدين المحمدي، كان صلى الله عليه وسلم يقول ~~في الصباح: # " أصبحنا على فطرة الإسلام وكلمة الإخلاص وعلى دين نبينا محمد صلى الله ~~عليه وسلم وعلى ملة أبينا إبراهيم صلى الله عليه وسلم " # فخص المحمدية بالدين والإبراهيمية بالملة لينتظم ابتداء الأبوة ~~الإبراهيمية بطوائف أهل الكتاب سابقهم ولاحقهم بنبأ ابتداء الأبوة ~~الآدمية في متقدم قوله تعالى: { وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض ~~خليفة } - الآيات لينتظم رؤوس الخطابات بعضها ببعض وتفاصيلها بتفاصيلها، ~~وليكون إظهار ذلك في سورة سنام القرآن أصلا لما في سائره من ذلك، وذكر ~~قبل ذلك أن الملة ما يدعو إليه هدى العقل المبلغ عن الله توحيده من ذوات ~~الحنيفيين، وأن الدين الإسلام، والإسلام إلقاء ما باليد ظاهرا وباطنا، ~~وذلك إنما يكون عن بادي غيب التوحيد - انتهى. # ولما عاب سبحانه أهل الضلال وكان جلهم من ذرية إبراهيم عليه السلام ~~وجميع طوائف الملل تعظمه ومنهم العرب وبيته الذي بناه أكبر مفاخرهم وأعظم ~~مآثرهم ذكر الجميع ما أنعم به عليه تذكيرا يؤدي إلى ثبوت هذا الدين ~~باطلاع هذا النبي الأمي الذي لم يخالط عالما قط على ما لا يعلمه إلا ~~خواص العلماء، وذكر البيت الذي بناه فجعله الله عماد صلاحهم، وأمر بأن ~~يتخذ بعض ms0237 ما هناك مصلى تعظيما لأمره وتفخيما لعلي قدره؛ وفي التذكير ~~بوفائه بعد ذكر الذين وفوا بحق التلاوة وبعد دعوة بني إسرائيل عامة إلى ~~الوفاء بالشكر حث على الاقتداء به، وكذا في ذكر الإسلام والتوحيد هز ~~لجميع من يعظمه إلى اتباعه في ذلك. # وقال الحرالي: لما وصل الحق تعالى بالدعوة العامة الأولى في قوله تعالى: ~~{ يا أيها الناس } ذكر أمر آدم وافتتاح استخلافه ليقع بذلك جمع الناس ~~كافة في طرفين في اجتماعهم في أب واحد ولدين واحد نظم تعالى بذلك وصل ~~خطاب أهل الكتاب بذكر إبراهيم، ليقع بذلك اجتماعهم أيضا في أب واحد وملة ~~واحدة اختصاصا بتبعية الإمامة الإبراهيمية من عموم تبعية الخلافة ~~الآدمية تنزيلا للكتاب وترفيعا للخلق إلى علو اختصاص الحق، فكما ذكر ~~تعالى في الابتداء تذكيرا معطوفا على أمور تجاوزها الإفصاح من أمر آدم ~~عطف أيضا التذكير بابتداء أمر إبراهيم عليه السلام على أمور تجاوزها ~~الإفصاح هي أخص من متجاوز الأول كما أن إفصاحها أخص من إفصاحها وأعلى ~~رتبة من حيث إن الخلق والأمر مبدوء من حد لم يزل ولا يزال يتكامل إلى ~~غاية ليس وراءها مرمى فقال تعالى: { وإذ ابتلى إبراهيم } انتهى. والمعنى ~~أنه عامله بالأمر بأمور شاقة معاملة المختبر الممتحن، وقال: { ربه } أي ~~المحسن إليه إشعارا بأن تكليف العباد هو غاية الإحسان إليهم وفي ابتداء ~~قصته بقوله: { بكلمات فأتمهن } بيان لأن أسنى أحوال العباد الإذعان ~~والتسليم لمن قامت الأدلة على صدقه والمبادرة لأمره دون اعتراض ولا توقف ~~ولا بحث عن علة، وفي ذلك إشارة إلى تبكيت المدعين لاتباعه من بني إسرائيل ~~حيث اعترضوا في ذبح البقرة وارتكبوا غاية التعنت مع ما في ذبحها من وجوه ~~الحكم بعد أن أساؤوا الأدب على نبيهم في ذلك وفي غيره في أول أمرهم ~~وأثنائه وآخره فأورثهم ذلك نكالا وبعدا، فظهر أن الصراط المستقيم حال ~~إبراهيم ومن ذكر معه من الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وأنهم ~~المنعم عليهم؛ والظاهر عطف { إذ } على { نعمتي } في قوله { يا بني ~~إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت ms0238 عليكم } [البقرة: 122] أي واذكروا إذ ~~ابتلى أباكم إبراهيم فأتم ما ابتلاه به فما لكم أنتم لا تقتدون به ~~فتفعلوا عند الابتلاء فعله في إيفاء العهد والثبات على الوعد لأجازيكم ~~على ذلك جزائي للمحسنين، والإتمام التوفية لما له صورة تلتئم من أجزاء ~~وآحاد - قاله الحرالي. # فكأنه قيل: فما جوزي على شكره بالإتمام قبل؟ { قال } له ربه، ويجوز أن ~~يكون " قال " بيانا لابتلى { إني جاعلك للناس } أي كافة { إماما } كما ~~كانت خلافة أبيه آدم لبنيه كافة، والإمام ما يتبع هداية إلى سداد - قاله ~~الحرالي. واستأنف قوله: { قال } أي إبراهيم { ومن } أي واجعل من { ذريتي ~~} أئمة { قال لا ينال } أي قد أجبتك وعاهدتك بأن أحسن إلى ذريتك لكن لا ~~ينال { عهدي } الذي عهدته إليك بالإمامة { الظالمين } منهم، لأنهم نفوا ~~أنفسهم عنك في أبوة الدين؛ وفي ذلك أتم ترغيب في التخلق بوفائه لا سيما ~~للذين دعوا قبلها إلى الوفاء بالعهد، وإشارة إلى أنهم إن شكروا أبقى ~~رفعتهم كما أدام رفعته، وإن ظلموا لم تنلهم دعوته فضربت عليهم الذلة وما ~~معها ولا يجزي أحد عنهم شيئا ولا هم ينصرون؛ والذرية مما يجمع معنى ~~الذر والدرء، والذري مختلف كونه على وجوه اشتقاقه، فيكون فعلولة كأنه ~~ذرورة ثم خفف بقلب الراء ياء استثقالا للتضعيف ثم كسر ما قبل الياءين ~~تحقيقا لهما. لأنه اجتمع بعد القلب واو وياء سبقت إحداهما بالسكون فقلبت ~~الواو ياء، أو تكون فعلية من الذر منسوبا، ومن الذر مخفف فعولة بقلب ~~الهمزة ياء ثم الواو ياء لاجتماعها معها سابقة إحداهما بالسكون ثم ~~الإدغام، أو فعيلة إن يكن في الكلام لما فيه من ثقل اجتماع الضم والكسر - ~~قاله الحرالي، وفيه تصرف. # ولما كان من إمامته اتباع الناس له في حج البيت الذي شرفه الله ببنائه ~~قال إثر ذلك ناعيا على أهل الكتاب مخالفته وترك دينه وموطئا لأمر ~~القبلة: { وإذ جعلنا البيت } أي الذي بناه إبراهيم بأم القرى { مثابة ~~للناس } أي مرجعا يرجعون إليه بكلياتهم. كلما تفرقوا عنه اشتاقوا إليه ~~هم أو غيرهم آية على رجوعهم ms0239 من الدنيا إلى ربهم. قال الحرالي: وهو مفعلة ~~من الثوب وهو الرجوع تراميا إليه بالكلية. وفي صيغة المفعلة دوام ~~المعاودة مثابرة { وأمنا } لكونه بيت الملك. من حرب الدنيا ومن عذاب ~~الآخرة إلا في حق من استثناه الله من الكافرين فعلا بالشرك وقوة ~~بالإلحاد، والأمن براءة عيب من تطرق أذى إليه - قاله الحرالي. وقد كانوا ~~في الجاهلية يرى الرجل قاتل أبيه في الحرم فلا يتعرض له. قال الأصبهاني: ~~وهذا شيء توارثوه من زمن إسماعيل عليه السلام فقرأ عليه إلى أيام النبي ~~صلى الله عليه وسلم، فاليوم من أصاب في الحرم جريرة أقيم عليه الحد ~~بالإجماع. # ولما كان التقدير: فتاب الناس عليه ائتماما ببانيه وآمنوا بدعوته فيه ~~عطف عليه قوله: { واتخذوا } ، وعلى قراءة الأمر يكون التقدير: فتوبوا ~~إليه أيها الناس ائتماما به واتخذوا { من مقام إبراهيم } خليلنا { مصلى ~~} وهو مفعل لما تداوم فيه الصلاة، ومقام إبراهيم هو الحجر الذي قام عليه ~~حين جاء لزيارة ولده إسماعيل عليهما الصلاة والسلام فلم يجده، فغسلت ~~امرأة إسماعيل رأسه وهو معتمد برجله عليه وهو راكب، غسلت شق رأسه الأيمن ~~وهو معتمد على الحجر برجله اليمنى، ثم أدارت الحجر إلى الجانب الأيسر ~~وغسلت شقه الأيسر، فغاصت رجلاه فيه؛ ولهذا أثر قدميه مختلف، أصابع هذه ~~عند عقب هذه، وهو قبل أن يبني البيت - والله أعلم بمراده. # { وعهدنا } عطف على قوله { جعلنا } { إلى إبراهيم } الوفي { وإسماعيل } ~~ابنه الصادق الوعد، وفي ذكره إفصاح بإجابة دعوته فيه في قوله: # ومن ذريتي # [البقرة: 124] و [إبراهيم: 37] وإشارة إلى أن في ذريته من يختم الأمم ~~بأمته ويكون استقباله بيته في أجل العبادات من شرعته وأتم الإشارة بقوله: ~~{ أن طهرا بيتي } أي عن كل رجس حسي ومعنوي، فلا يفعل بحضرته شيء لا يليق ~~في الشرع؛ والبيت موضع المبيت المخصوص من الدار المخصوصة من المنزل ~~المختص من البلد - قاله الحرالي. { للطائفين } به الذين فعلهم فعل العارف ~~بأنه ليس وراء الله مرمى ولا مهرب منه إلا إليه { والعاكفين } فيه، ~~والعكوف الإقبال على الشيء وملازمته والاقتصار عليه، والطواف ms0240 التحليق ~~بالشيء في غيب أو لمعنى غيب - قاله الحرالي. { والركع السجود } قال ~~الحرالي: وفي ذكر الركوع تخصيص للعرب الذين إنما شرع الركوع في دينهم، ~~وفي ذلك تبكيت لمن أخرج المؤمنين ومنعهم من البيت، وفي تكرير تفصيل هذه ~~الآيات بإذ تنبيه على توبيخهم بترك دينه وهو الخليل واتباع من لا يعلم ~~وهو العدو. ### || [2.126-133] # ولما ذكر أمر البيت الشريف فيما تكفل به سبحانه وفيما أمر به الخليل ~~وولده عليهما السلام من تطهيره ذكر باهتمامه بأهله ودعائه لهم مبكتا لمن ~~عقه من ذريته بالتصريح بكفرهم بيوم الجزاء الأمر بكل خير الزاجر عن كل ~~ضير فقال: وإذ قال إبراهيم رب } فأسقط أداة البعد إنباء بقربه كما هو حال ~~أهل الصفوة { اجعل هذا } أي الموضع الذي جعلت فيه بيتك وأمرتني بأن ~~أسكنته من ذريتي. # ولما كان السياق للمنع من المسجد وللسعي في خرابه وكان ذلك شاملا ~~بعمومه للبادي ولذلك قرر أنه مثابة للناس عامة وأمن كان الأنسب تنكير ~~البلد فقال: { بلدا } يأنس من يحل به { آمنا } إفصاحا بما أفهمه # وإذ جعلنا البيت # [البقرة: 125] الآية، والمعنى أنكم عققتم أعظم آبائكم في دعوتيه ~~كلتيهما: في كونه بلدا فإنه إذا انقطع الناس عن أهله خرب، وفي كونه ~~آمنا، وهذا بخلاف ما يأتي في سورة إبراهيم عليه السلام. # ولما ذكر القرار والأمن أتبعه الرزق وقال: { وارزق أهله } وقال: { من ~~الثمرات } ، ولم يقل: من الحبوب، لما في تعاطيها من الذل المنافي للأمن، ~~لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى سكة حرث فقال: # " ما دخلت هذه بيتا إلا ذل " # وقال: { من آمن منهم بالله } الجامع لصفات الكمال { واليوم الآخر } ~~تقييدا لدعوة الرزق بما قيدت به دعوة الإمامة تأدبا معه حيث قال: # لا ينال عهدي الظالمين # [البقرة: 124] { قال } الله تعالى معلما أن شمول الرحمانية بأمن الدنيا ~~ورزقها لجميع عمرة الأرض { ومن كفر } أي أنيله أيضا ما ألهمتك من الدعاء ~~بالأمن والرزق، وعبر عن ذلك بقوله: { فأمتعه } تخسيسا له بما أفهمه لفظ ~~المتاع بكونه كما مضى من أسماء الجيفة التي ms0241 إنما هي منال المضطر على شعور ~~يرفضه على قرب من مترجي الغناء عنها، وأكد ذلك بقوله: { قليلا } لكن فيه ~~إيماء إلى أنه يكون أطيب حالا في الدنيا وأوسع رزقا من المؤمن، وكذا في ~~قوله: { ثم أضطره } بما لي من العظمة الباهرة { إلى عذاب النار } أي بما ~~أستدرجه به من النعم الحاملة له على المعاصي التي هي أسباب النقم، وفي ~~التعبير بلفظ الاضطرار إلى ما لا يقدم عليه أحد باختيار إشعار بإجبار ~~الله خلقه على ما يشاء منهم من إظهار حكمته وأن أحدا لا يقدر على حركة ~~ولا سكون إلا بمشيئته؛ والاضطرار الإلجاء إلى ما فيه ضرر بشدة وقسر. ولما ~~كان التقدير: فبئس المتاع ما ذكر له في الدنيا، عطف عليه قوله: { وبئس ~~المصير } أي العذاب له في الآخرة، وهو مفعل مما منه التصيير وهو التنقيل ~~في أطوار وأحوال ينتهي إلى غاية تجب أن تكون غير حالة الشيء الأولى بخلاف ~~المرجع. # ولما ذكر بما مهده من أمر البيت دينا ودنيا أتبعه ببنائه مشيرا إلى ما ~~حباهم به من النعمة وما قابلوه به من كفرها باختيارهم لأن يكونوا من غير ~~الأمة المسلمة التي دعا لها لما دعا للرسول فقال عاطفا على { إذ ابتلى } ~~تعديدا لوجوه النعم على العرب بأبيهم الأعظم استعطافا إلى التوحيد { ~~وإذ يرفع إبراهيم } أي اذكر الوقت الذي يباشر بالرفع { القواعد من البيت ~~} قال الحرالي: عدد تعالى وجوه عنايته بسابقة العرب في هذه الآيات كما ~~عدد وجوه نعمته على بني إسرائيل في سابقة الخطاب، فكانت هذه في أمر إقامة ~~دين الله، وكانت تلك في محاولة مدافعته، ليظهر بذلك تفاوت ما بين ~~الاصطفاء والعناية، والقاعدة ما يقعد عليه الشيء أي يستقر ويثبت ويجوز أن ~~يراد بها سافات البناء، لأن كل ساف قاعدة للذي يبنى عليه - قاله ~~الأصبهاني. # ولما أفرد الخليل عليه السلام بهذا الرفع إظهارا لشرفه بكونه هو السبب ~~الأعظم في ذلك عطف عليه ولده فقال: { وإسماعيل } أي يرفع القواعد أيضا، ~~ووصل بهذا العمل الشريف قوله: { ربنا } مرادا فيه القول محذوفا ms0242 منه ~~أداة البعد: أي يقولان: { ربنا تقبل منا } أي عملنا بفضلك ولا ترده ~~علينا، إشعارا بالاعتراف بالتقصير لحقارة العبد وإن اجتهد في جنب عظمة ~~مولاه. ولما تضمن سؤال القبول المشعر بخوف الرد علم الناقد البصير ~~بالتقصير علله بقوله: { إنك } وأكده بقوله: { أنت السميع العليم } أي فإن ~~كنت سمعت أو علمت منا حسنا فرده حسنا، وإن كنت سمعت أو علمت غير ذلك من ~~نحو قول ناشىء عن اختلاج في النفس بما سببه كلال أو إعياء فاغفره. # ولما سأل القبول سأل الزيادة عليه بقوله: { ربنا } على ما مضى من طرز ~~دعاء المقربين بإسقاط أداة البعد { واجعلنا } أي أنا وابني هذا الذي ~~أعانني { مسلمين لك ومن ذريتنا } قال الحرالي: لما تحقق مرجو الإيمان في ~~ذريته في قوله: { من آمن منهم } [البقرة: 126] طلب التكملة بإسلام الوجه ~~والمسألة له ولابنه ولمن رزق الإيمان من ذريته وذرية ابنه، فإن الإسلام ~~لما كان ظاهر الدين كان سريع الانثلام لأجل مضايقة أمر الدنيا، وإنما يتم ~~الإسلام بسلامة الخلق من يد العبد ولسانه والإلقاء بكل ما بيده لربه مما ~~ينازع فيه وجود النفس ومتضايق الدنيا، ولذلك هو مطلب لأهل الصفوة في ~~خاتمة العمر ليكون الخروج من الدنيا عن إلقاء للحق وسلام للخلق كما قال ~~يوسف عليه السلام # توفني مسلما # [يوسف: 101] وطلب بقوله: { أمة مسلمة لك } أن يكونوا بحيث يؤم بعضهم ~~بعضا. # ولما كان المسلم مضطرا إلى العلم قال: { وأرنا مناسكنا } وفي ذلك ظهور ~~لشرف عمل الحج حيث كان متلقي عن الله بلا واسطة لكونه علما على آتي يوم ~~الدين حيث لا واسطة هناك بين الرب والعباد. # والمنسك مفعل من النسك وهو ما يفعل قربة وتدينا. تشارك حروفه حرف ~~السكون - قاله الحرالي. ولما كان الإنسان محل العجز فهو أضر شيء إلى ~~التوفيق قال: { وتب علينا } إنباء بمطلب التوبة أثر الحسنة كما هو مطلب ~~العارفين بالله المتصلين بالحسنات رجعا بها إلى من له الخلق والأمر، ثم ~~علل طمعه في ذلك بأن عادته تعالى التطول والفضل فقال: { إنك أنت التواب } ~~أي الرجاع ms0243 بعباده إلى موطن النجاة من حضرته بعد ما سلط عليهم عدوهم ~~بغوايته ليعرفوا فضله عليهم وعظيم قدرته ثم أتبعه وصفا هو كالتعليل له ~~فقال: { الرحيم }. # ولما طلب ما هو له في منصب النبوة من تعليم الله له المناسك بغير واسطة ~~طلب لذريته مثل ذلك بواسطة من جرت العادة به لأمثالهم فقال: { ربنا وابعث ~~فيهم } أي الأمة المسلمة التي من ذريتي وذرية ابني إسماعيل { رسولا منهم ~~} ليكون أرفق بهم وأشفق عليهم ويكونوا هم أجدر باتباعه والترامي في نصره، ~~وذلك الرسول هو محمد صلى الله عليه وسلم، فإنه لم يبعث من ذريتهما ~~بالكتاب غيره، فهو دعوة إبراهيم عليه السلام أبي العرب وأكرم ذريته؛ ففي ~~ذلك أعظم ذم لهم بعداوته مع كونه مرسلا لتطهيرهم بالكتاب الذي هو الهدى ~~لا ريب فيه، وإليه الإشارة بقوله: { يتلوا } أي يقرأ متابعا مواصلا { ~~عليهم آياتك } أي علاماتك الدالات عليك أعم من أن يكون نزل بها الكتاب أو ~~استنبطت منه { ويعلمهم الكتاب } الكامل الشامل لكل كتاب " أوتيت جوامع ~~الكلم " { والحكمة } وهي كل أمر يشرعه لهم فيحفظهم في صراطي معاشهم ~~ومعادهم من الزيغ المؤدي إلى الضلال الموجب للهلاك. # ولما كان ظاهر دعوته عليه السلام أن البعث في الأمة المسلمة كانوا إلى ~~تعليم ما ذكر أحوج منهم إلى التزكية فإن أصلها موجود بالإسلام فأخر قوله: ~~{ ويزكيهم } أي يطهر قلوبهم بما أوتي من دقائق الحكمة، فترتقي بصفائها، ~~ولطفها من ذروة الدين إلى محل يؤمن عليها فيه أن ترتد على أدبارها وتحرف ~~كتابها كما فعل من تقدمها، والتزكية إكساب الزكاة، وهي نماء النفس بما هو ~~لها بمنزلة الغذاء للجسم - قاله الحرالي. # ولما ذكر سبحانه في سورة الجمعة بعثه في الأميين عامة اقتضى المقام ~~تقديم التزكية التي رأسها البراءة من الشرك الأكبر ليقبلوا ما جاءهم من ~~العلم، وأما تقديمها في آل عمران مع ذكر البعث للمؤمنين فلاقتضاء الحال ~~بالمعاتبة على الإقبال على الغنائم الذي كان سبب الهزيمة لكونها إقبالا ~~على الدنيا التي هي أم الأدناس؛ ثم علل ذلك بقوله: { إنك أنت العزيز } أي ms0244 ~~الذي يغلب كل شيء ولا يغالبه شيء، لأن العزة كما قال الحرالي: الغلبة ~~الآتية على كلية الظاهر والباطن، { الحكيم } أي الذي يتيقن ما أراد فلا ~~يتأتى نقضه، ولا متصف بشيء من ذلك غيرك؛ وفي ذلك إظهار عظيم لشرف العلم ~~وطهارة الأخلاق، وأن ذلك لا ينال إلا بمجاهدات لا يطيقها البشر ولا تدرك ~~أصلا إلا بجد تطهره العزة وترتيب أبرمته الحكمة؛ هذا لمطلق ذلك فكيف ~~بما يصلح منه للرسالة؟ وفيه إشارة إلى أنه يكبت أعداء الرسل وإن زاد عدهم ~~وعظم جدهم. # ويحكم أمورهم فلا يستطيع أحد نقض شيء منها. # ولما كان التقدير: فمن يرغب في مخالفة من يرسله من هو بهذه الصفة عطف ~~عليه قوله: { ومن يرغب عن ملة إبراهيم } المستقيم الطريقة، الطاهر ~~الخليقة، الشفيق على ذريته، الباني لهم أعظم المفاخر، المجتهد لهم في ~~جليل المناقب والمآثر { إلا من سفه نفسه } أي امتهنها واحتقرها واستخف ~~بها، أي فعل بها ما أدى إلى ذلك؛ وفي ذلك تعريض بمعاندي أهل الكتاب. قال ~~الحرالي: والسفاهة خفة الرأي في مقابلة ما يراد منه من المتانة والقوة، ~~وفي نصب النفس إنباء بلحاق السفاهة بكلية ذي النفس، لأن من سفهت نفسه ~~اختص السفه بها، ومن سفه نفسه - بالنصب - استغرقت السفاهة ذاته وكليته ~~وكان بدء ذلك وعاديته من جهة نفسه، يفهم ذلك نصبها، وذلك لأن الله عز وجل ~~جعل النفس مبدأ كل شر أبداه في ذات ذي النفس، فإنه تعالى يعطي الخير ~~بواسطة وبغير واسطة، ولا يحذى الشر إلا بواسطة نفس ليكون في ذلك حجة ~~الله على خلقه؛ وإنما استحق السفاهة من يرغب عن ملة إبراهيم لظهور شاهدها ~~في العقل وعظيم بركتها في التجربة، لأن من ألقى بيده لم يؤاخذ في كل ~~مرتبة من رتب الدنيا والآخرة، فلا عذر لمن رغب عن ذلك، لظهوره في شاهدي ~~العقل والحس اللذين هما أظهر حجج الله على خلقه # وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه # [الأنعام: 83]. # ولما كان التقدير: فلقد آتيناه من المزايا ما قدمنا لكم مما لا يعدل ~~عنه ذو مسكة ms0245 عطف عليه قوله: { ولقد اصطفيناه } فذكره بمظهر العظمة ~~تعظيما له، فإن العبد يشرف بشرف سيده، وتشريفا لاصطفائه فإن الصنعة تجل ~~بجلالة مبدعها { في الدنيا } بما ذكرناه من كريم المآثر التي يجمعها ~~إسلامه؛ وهو افتعال من الصفوة وهي ما خلص من اللطيف عن كثيفه ومكدره، وفي ~~صيغة الافتعال من الدلالة على التعمد والقصد ما يزيد فيما أشير إليه من ~~الشرف { وإنه في الآخرة لمن الصالحين } وفي هذا أكبر تفخيم لرتبة الصلاح ~~حيث جعله من المتصفين بها، فهو حقيق بالإمامة لعلو رتبته عند الله في ~~الدارين، ففي ذلك أعظم ترغيب في اتباع دينه والاهتداء بهديه، وأشد ذم لمن ~~خالفه؛ وكل ذلك تذكير لأهل الكتاب بما عندهم من العلم بأمر هذا النبي ~~الكريم وما هو سبب له، وإقامة للحجة عليهم، لأن أكثر ذلك معطوف على { ~~اذكروا } قوله: # يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي # [البقرة: 122]. # ولما ذكر إمامته ذكر ما يؤتم به فيه وهو سبب اصطفائه وصلاحه وذلك دينه، ~~وما أوصى به عليه السلام بنيه، وما أوصى به بنوه بنيهم سلفا لخلف ولا ~~سيما يعقوب عليه السلام المنوه بنسبة أهل الكتاب إليه فقال: { إذ } أي ~~اصطفيناه بعظمتنا لأنه قال له ربه أسلم } أي لإحسان ربك إليك، وحذف ~~المفعول ليتناول كل ما يصح إسلامه إلى المسلم إليه وقصره عليه وتخلى ~~المسلم عنه { قال أسلمت لرب العالمين } أي المحسن إلي وإلى جميع الخلائق ~~{ ووصى بها } أي بهذه المقالة أو الوصية أو الخصلة التي اصطفاه الله بها، ~~ولعله لم يذكر الضمير لئلا يوهم الرجوع إلى ربه؛ وقرىء " وأوصى " فهو من ~~إيصاء والوصية وهي التقدم في الشيء النافع المحمود عاقبته، وقراءة ~~التشديد أبلغ لدلالتها على التكرر والتكثر { إبراهيم بنيه ويعقوب } وصى ~~بها أيضا بنيه فقال كل منهم: { يا بني إن الله } بعظمته وكماله { اصطفى ~~لكم الدين } وهو الإسلام، فأغناكم عن تطلبه وإجالة الفكر فيه رحمة منه ~~لكم { فلا } أي فتسبب عن ذلك أني أقول لكم: لا { تموتن } على حالة من ~~الحالات { إلا وأنتم } أي والحال أنكم { مسلمون } أي ملقون ms0246 بأيديكم وجميع ~~ما ينسب إليكم لله لا حظ لكم في شيء أصلا ولا التفات إلى غير مولاكم، ~~فإن من كمل افتقاره إلى الغني الحكيم أغناه بحسب ذلك. وقرر سبحانه ~~بالآيات الآتية بطلان ما عليه المتعنتون من اليهودية والنصرانية، وبرأ ~~خليله والأنبياء من ذلك على وجه أوجب القطع بأنهم عالمون ببطلانه. # ذكر قصة إبراهيم عليه السلام من التوراة: ذكر في السفر الأول منها أنه ~~إبراهيم بن تارح بن ناحور بن شارغ بن آرغو بن فالغ بن عابر بن شالخ بن ~~أرفخشد بن سام بن نوح؛ لأنه قال في التوراة: لما أتت على سام مائة سنة ~~ولد له أرفخشد فأتت عليه خمس وثلاثون سنة فولد له شالاح وسماه في موضع ~~آخر شالح، فأتت عليه ثلاثون سنة فولد له عابر فأتت عليه أربع وثلاثون سنة ~~فولد له فالغ، فأتت عليه ثلاثون سنة فولد له آرغو، فأتت عليه اثنتان ~~وثلاثون سنة فولد له شارغ فأتت عليه ثلاثون سنة فولد له ناحور، فأتت عليه ~~تسع وعشرون سنة فولد له تارح فأتت عليه خمس وسبعون سنة فولد له إبرم ~~وناحور وهاران. وخالفه في الإنجيل بعض المخالفة فقال في إنجيل لوقا: ~~ناحور بن شارغ بن أرغو بن فالغ بن عابر بن صالا بن قينان بن أرفخشد بن ~~سام بن نوح؛ ونوح على ما قال في التوراة ابن لمك بن متوشلح بن خنوخ بن ~~يارذ بن هليل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم عليه السلام. # وهكذا قال في أثناء إنجيل لوقا إلا أنه قال في لمك: لامك، وفي يارذ: يرذ ~~بن مهلالاييل. ثم قال في التوراة: وولد هاران لوطا، ومات هاران في حياة ~~أبيه تارح في الأرض التي ولد فيها وهي أور الكلدانيين - وفي نسخة: ~~الكزدانيين - " فتزوج إبرم سرى وكانت عاقرا فلم يولد لها ولد، فانطلق ~~تارح بابنه إبرم وبلوط ابن ابنه هاران وبكنته سرى من أور الكلدانيين ~~متيمما أرض كنعان، فانتهوا إلى حران فسكنوها، فتوفي تارح بحران عن ~~مائتي سنة وخمس سنين؛ وقال الرب لإبرم: ms0247 اخرج من أرضك من حيث ولدت ومن آل ~~أبيك إلى الأرض التي أريك فأجعلك لشعب عظيم وأباركك وأعظم اسمك وكن ~~مباركا وأبارك بنيك وألعن لاعنيك ويتبارك بك جميع قبائل الأرض وبزرعك، ~~فصنع إبرم كما أمره الرب وانطلق معه لوط ابن أخيه وسرى زوجته وكان إذ ذاك ~~ابن خمس وسبعين سنة ومعهم جميع مواشيهم وما اتخذوا بحران من ولدان وخدم، ~~فخرجوا يريدون أرض كنعان فأتوها، فجاء إبرم حتى أتى بلاد سحام وإلى ~~بلوط ممرى وكان الكنعانيون بعد سكانا في الأرض فاعتلن الرب لإبرم ~~وقال له: إني معط ذريتك هذه الأرض، وبنى إبرم هنالك مذبحا للرب إذ ظهر ~~له وانتقل من هنالك إلى الجبل من المشرق إلى بيت إيل، فنصب خيمته في بيت ~~إيل من غربها قبالة الحرب وعاي من شرقها، وبنى ثم لرب مذبحا ودعا باسم ~~الرب، ثم ظعن منطلقا وكان مظعنه إلى مهب الجنوب وكان جوع في الأرض، فهبط ~~إبرم إلى مصر ليسكنها لأن الجوع اشتد في الأرض، فلما دنا من مصر قال لسرى ~~امرأته: إني عالم أنك امرأة حسناء، فإن رآك المصريون يقولون: امرأته، ~~فيقتلونني؛ قولي: إني أخته - فذكر قصة أخذ فرعون مصر لها والقوارع التي ~~أصابته فحالت بينه وبينها فخلى سبيلها وأحسن إليها وإلى إبراهيم - إلى أن ~~قال: فخرج إبرم من مصر هو وامرأته ولوط معه إلى أرض التيمن - وفي نسخة: ~~إلى القبلة - وهي جهة الجنوب فاستغنى إبرم جدا، فظعن لمظعنه من الجنوب ~~حتى أتى بيت إيل إلى الموضع الذي كان نصب فيه خيمته من قبل ولوط معه كان ~~له غنم وبقر وخير كثير جدا وأخبية، ولم تكن تلك الأرض تسعهما كليهما لأن ~~مواشيهما كثرت جدا؛ فذكر أن لوطا رفع بصره فنظر إلى أرض الأردن فإذا هي ~~كلها أرض سقي وشرب مثل فردوس الله ومثل أرض مصر التي في مدخل صاغار - وفي ~~نسخة: زغر فاختار لوط أرض الأردن؛ فسكن إبرم أرض كنعان، وسكن لوط قرى ~~عاجار وورث - وفي نسخة: قرى المرج - وخيم إلى سدوم وكان أهل سدوم ~~أشرارا ms0248 خطأة جدا، فقال الرب لإبرم بعدما اعتزله لوط: مد بصرك فانظر من ~~المكان الذي أنت فيه إلى الجرنيا والتيمن - وفي نسخة: إلى الشمال والجنوب ~~والمشرق والمغرب - لأن جميع الأرض التي ترى إياك أعطيها وذريتك من بعدك ~~إلى الأبد، واجعل ذريتك مثل ثرى الأرض، فإن قدرت أن تحصي تراب الأرض فإن ~~زرعك يحصى، فأتى إبرم فسكن بين بلوط - وفي نسخة: في مرج ممرى الأموراني ~~التي بحبرون - وبنى هنالك مذبحا للرب، وكان على عهد أمرقال ملك شنعار - ~~وفي نسخة: شنوار - وأرنوخ ملك ذي اللاشار - وفي نسخة: الخزر - وكدر لعمر، ~~ملك عيلم - وفي نسخة: خوزستان وترغيل ملك جيلان - وفي نسخة: الأمم - ~~اجتمع هؤلاء في قاع السدوميين وهو البحر المالح فقتلوا الجبابرة الذين في ~~العشرة القرى والأبطال الذين بها والحورانيين الذين في جبال ساعير - وفي ~~نسخة: شراة - إلى بطمة فاران التي في البرية، ورجعوا وأتوا عين الدنيا - ~~وفي نسخة: الحكم - وهي رقيم وقتلوا كل رؤساء العمالقة والأمورانيين سكان ~~عين جاد، وخرج بارع ملك سدوم وبرشع ملك عامرا وشنآب ملك أدوما وشاليم ~~ملك صبويم وملك بالاع التي هي صاغر - وفي نسخة: زغر - خمسة ملوك، قاتلوا ~~الأربعة بقاع السدوميين، فهرب ملك سدوم وملك عامرا فوقعوا هناك، وهرب ~~البقية إلى الجبل فاستباحوا جميع مواشي سدوم وعامرا وجميع طعامهم ~~واستاقوا لوطا ابن أخي إبرم وماشيته وانطلقوا، فأتى من نجا منهم وأخبر ~~إبرم العبراني، فعبى فتيانه ومولديه ثلاثمائة وثمانية عشر رجلا وسار في ~~طلبهم إلى داريا - وفي نسخة: بانياس - فأحاط بهم ليلا، فقاتلهم وهزمهم ~~إلى الجوف - وفي نسخة: المزة - التي عن شمال دمشق وهي قرية يقال لها ~~حلبون ورد لوطا ابن أخيه وماشيته وجميع المواشي والنساء والشعب، فخرج ~~ملك سدوم فتلقاه فرد إليه جميع ما سلب منه؛ ومن بعد هذا حل وحي الله على ~~إبرم في الرؤيا وقال له: يا إبرم! أنا أكانفك وأساعدك، لأن ثوابك قد جزل ~~جدا، فقال إبرم: اللهم! رب ما الذي تنحلني وأنا خارج من الدنيا بلا نسب ~~ويرثني اليعازر غلامي الدمشقي؟ فقال له الرب: ms0249 لا يرثك هذا بل ابنك الذي ~~يخرج من صلبك فهو يرثك، وقال له: انظر إلى السماء واحص النجوم إن كنت ~~تقدر أن تحصيها، ثم قال له: كذلك تكون ذريتك، فآمن إبرم بالله، وقال له ~~الرب: أنا الرب إلهك الذي أخرجك من أور الكلدانيين - وفي نسخة: أتون ~~الكزدانيين - لأعطينك هذه الأرض لترثها، فلما كان غروب الشمس وقع الصمت ~~على إبرم وغشيه خوف وظلمة عظيمة فقال الرب لإبرم: اعلم علما يقينا أن ~~نسلك سيسكنون في أرض ليست لهم، فيتعبدونهم ويكدونهم أربعمائة سنة، والشعب ~~الذين يتعبدونهم فإني أدينهم ويخرجون من هناك بعد ذلك بمال عظيم، وأنت ~~تنتقل إلى آبائك بسلام وتدفن بشيخوخة خير وصلاح، والحقب الرابع يرجعون ~~إلى ههنا، لأن إثم الأمورانيين لم يكمل بعد، فلما غربت الشمس صار دجى ~~حندسة وإذا بتنور يدخن ومصباح نار يلتهب ويتردد بين تلك الأنصبة، وفي ذلك ~~اليوم عاهد الرب إبرم عهدا وقال: إني معط ذريتك هذه الأرض من نهر مصر ~~وإلى الفرات النهر الأعظم، وإن سرى امرأة إبر لم تكن تلد وكانت لها أمة ~~مصرية اسمها هاجر فقالت سرى لإبرم وهما بأرض كنعان: إن الرب قد حرمني ~~الولد فإدخل على أمتي وابن بها لعلي أتعزى بولد منها، تسمع إبرم قول سرى ~~وأطاعها، وذلك بعدما سكن أرض كنعان عشر سنين، فحبلت فقالت سرى لإبرم: أنت ~~صاحب ظلامتي، أنا وضعت أمتي في حضنك، فلما حبلت هنت عليها بحكم الرب بيني ~~وبينك، فقال: هذه أمتك مسلمة إليك. # اصنعي بها ما أحببت، فأهانتها سرى سيدتها فهربت منها، فلقيها ملاك الرب ~~على عين ماء في البرية في طريق سور - وفي رواية: في طريق حذر، وفي نسخة: ~~على العين التي بطريق الجفار - فقال لها: يا هاجر أمة سرى! ارجعي إلى ~~سيدتك واستكدي تحت يدها، ثم قال لها ملاك الله: لأكثرن نسلك حتى لا ~~يحصى، ثم قال لها: ها أنت حامل - وفي نسخة: إنك حبلى - وستلدين ابنا ~~وتدعين اسمه إسماعيل، لأن الرب قد عرف لك خضوعك، ويكون ابنك هذا رجلا ~~يأوي البرية ويده ms0250 في جميع الناس - وفي نسخة: وحشى الناس - يده على كل ويد ~~كل به، وسيحل على جميع حدود إخوته، فدعت اسم الرب الذي كلمها فقالت: أنت ~~الله ذو الوحي والرؤيا، وذلك لأنها قالت: إني رأيت رؤيا، ولذلك دعت تلك ~~الطوى بئر الحي وهي بئر رقيم وحذر - وفي نسخة: فيما بين قادس وبارد - ثم ~~ولدت هاجر لإبرم ابنا فدعا إبرم اسمه إسماعيل، وكان إبرم ابن ست وثمانين ~~سنة إذ ولدت هاجر له إسماعيل، فلما أتى على إبرم تسع وتسعون سنة اعتلن له ~~الرب وقال له: أنا الله إله المواعيد، أرضني تكن غير ذي عيب وأثبت عهدي ~~بيني وبينك - وفي رواية: فأحسن أمامي ولا تكن ملوما فإني جاعل بيني ~~وبينك ميثاقا، وأكثرك جدا جدا، فخر إبراهيم على وجهه فكلمه الله وقال ~~له: أنا أثبت لك عهدي - وفي نسخة: فأوحى الله إليه قائلا له: إني قد ~~جعلت ميثاقي معك - وتكون أبا لشعوب كثيرة، ولا يدعى اسمك فيما بعد إبرم ~~بل يكون اسمك إبراهيم، لأني جعلتك أبا لشعوب كثيرة، وأنميك وأثريك جدا ~~جدا، وأجعلك للشعوب رئيسا، والملوك من صلبك يخرجون، وأثبت العهد - وفي ~~نسخة: وأفي بميثاقي - بيني وبينك وبين نسلك من بعدك عهدا دائما، وأكون ~~لك إلها ولزرعك من بعدك، وأعطيك وذيتك من بعدك أرض سكناك وجميع أرض ~~كنعان ميراثا إلى الأبد وأكون لهم إلها، وقال الله لإبراهيم: احفظ عهدي ~~أنت وزرعك من بعدك لأحقابهم، هذا عهدي الذي آمركم به لتحفظوه ليكون بيني ~~وبين نسلك من بعدك أن تختنوا كل ذكر وتختنوا لحم غرلكم ويكون علامة ~~العهد بيني وبينكم، وليختن كل ذكر منكم ابن ثمانية أيام لأحقابكم ولاد ~~البيت والمبتاع بالمال. # وكل من كان من أبناء الغرباء الذين ليسوا من زرعك فليختتن اختتان ~~المولود في بيتك والمبتاع بمالك، ويكون عهدي ميسما في أجسادكم عهدا ~~دائما إلى الأبد؛ وكل ذكر ذي غرلة لا تختن غرلته في اليوم الثامن فلتهلك ~~تلك النفس من شعبها، لأنها أبطلت عهدي. وقال الله لإبراهيم: سرى صاحبتك، ~~لا تدع اسمها سرى لأن ms0251 اسمها سارة وأبارك فيها، وأعطيك منها ابنا ~~وأباركه، ويكون رئيسا لشعوب كثيرة وملوك الشعوب من نسله يخرجون؛ فخر ~~إبراهيم على وجهه ضاحكا وقال في قلبه - وفي رواية متعجبا يقول في نفسه ~~- وهل يولد لابن مائة سنة ابن وسارة تلد وقد أتى عليها تسعون سنة! وقال ~~إبراهيم لله: يا ليت إسماعيل يحيى بين يديك! وقال الله لإبراهيم: حقا - ~~وفي نسخة: نعم - إن سارة صاحبتك ستلد ابنا وتسميه إسحاق، وأثبت العهد ~~بيني وبينه إلى الأبد ولذريته من بعده، وقد استجبت لك في إسماعيل فباركته ~~وكثرته وأنميته جدا جدا، ويولد له اثنا عشر عظيما، وأجعله رئيسا لشعب ~~عظيم؛ وأثبت عهدي لإسحاق الذي تلد لك سارة في هذا الحين من قابل. فلما ~~فرغ من كلامه ارتفع استعلان الرب عن إبراهيم، فانطلق إبراهيم بإسماعيل ~~ابنه وجميع أولاد بيته والمبتاعين بما له كل ذكر من بيت إبراهيم فختن ~~غرلهم في ذلك اليوم كما أمره الله، وكان قد أتى على إبراهيم تسع وتسعون ~~سنة إذ ختن غرلته وكان قد أتى إسماعيل ابنه إذ اختتن ثلاث عشرة سنة، وختن ~~أيضا معه أبناء الغرباء المشايعين ثم أكمل البشارة بإسحاق، كما سيأتي في ~~سورة هود إن شاء الله تعالى - إلى أن قال: وذكر الرب سارة كما قال: وصنع ~~الله تبارك وتعالى بسارة كما وعد، فحبلت وولدت لإبراهيم ابنا على كبره ~~في الوقت الذي وعد الله، فسمى إبراهيم ابنه من سارة إسحاق، فختن إبراهيم ~~إسحاق ابنه في اليوم الثامن كما أمره الرب، وكان إبراهيم ابن مائة سنة، ~~فقالت سارة: لقد أنعم الله علي وفرحني فرحا عظيما، فمن سمع فليفرح لي، ~~وقالت: من كان يقول لإبراهيم: إن سارة ترضع غلاما وتلد ابنا بعد الكبر؛ ~~فشب الغلام وفطم وصنع إبراهيم يوم فطم مأدبة عظيمة - ثم أعاد ذكر أمر ~~سارة بإخراج هاجر وإبعادها وأن هذا شق على إبراهيم جدا وقال: فقال الله ~~لإبراهيم: لا يشقن عليك حال الصبي وأمتك، فغدا إبراهيم باكرا وأخذ خبزا ~~وإداوة من ماء فأعطاها هاجر وحملها والصبي والطعام فانطلقت وتاهت ms0252 في برية ~~بئر سبع - وفي نسخة بئر الحلف، لأن إبراهيم حالف صاحب تلك الأرض عندها - ~~ونفد الماء من الإداوة فألقت الصبي تحت شجرة من الشيح وانطلقت وجلست ~~قبالته وتباعدت عنه كرمية بسهم كيلا تعاين موته، فلما صرخ الغلام وبكى ~~سمع الرب صوته فدعا ملاك الرب هاجر من السماء وقال لها: ما لك يا هاجر؟ ~~لا تخافي، لأن الرب قد سمع صوت الصبي حيث هو، قومي فاحملي الصبي وشدي به ~~يديك، لأني أجعله رئيسا لشعب عظيم، فجلى الله عن بصرها فرأت بئر ماء، ~~فانطلقت فملأت الإدواة وسقت الغلام، وكان الله مع الغلام فشب وسكن برية ~~فاران وكان يتعلم الرمي في تلك البرية وزوجته أمه امرأة - انتهى. # وفيه إن هذا الكلام في إخراج هاجر وولدها ظاهره مناقض لما تقدم في ختان ~~إسماعيل عليه السلام، فإن فيه أنه كان ابن ثلاث عشرة سنة، وهذا ظاهره أنه ~~كان رضيعا، وفي الحديث الصحيح # " أنه وضعه عند البيت وهو يرضع " # ويمكن حمل هذا عليه بهذا الكلام الأخير. وأما الأول فلم يقل فيه إنه كان ~~عند الختان ببيت المقدس، فيمكن أن إبراهيم عليه السلام طوى له الله الأرض ~~بالبراق أو غيره فذهب إلى مكة المشرفة فختنه ثم رجع. وفيه بشارة بنبينا ~~محمد صلى الله عليه وسلم أصرح مما ذكروه وهي قوله: ويتبارك بك جميع قبائل ~~الأرض، لأن ذلك لم يحصل بأحد من أولاد إبراهيم عليه السلام إلا بالنبي ~~صلى الله عليه وسلم، فقد أثبت البركة به صلى الله عليه وسلم والخير في ~~غالب قبائل الأرض، ويكون الباقي بعد نزول عيسى عليه السلام. وكذا قوله: ~~ويده في جميع الناس - إلى آخره، لأن إسماعيل عليه السلام لم ينقل أحد أن ~~يده كانت على جميع الناس، ولا حل على جميع حدود إخوته، ولا اتصف من ~~أولاده أحد بهذا الوصف إلا النبي صلى الله عليه وسلم؛ ثم رأيت في شرح ~~المقاصد للشيخ سعد الدين التفتازاني وشرح الصحائف للإمام السمرقندي ~~التنبيه على هذا النص. # ولما قرر سبحانه لبني إسرائيل أن أباهم يعقوب ms0253 ممن أوصى بنيه بالإسلام ~~قال مبكتا لهم: { أم } فعلم قطعا من ذكر حرف العطف أن المعطوف عليه ~~محذوف كما قالوا في أحد التقادير في هذه الآية وفي # أمن هو قانت آناء الليل # [الزمر: 9] في سورة الزمر فكان التقدير هنا لتوبيخهم وتقريعهم بأن أي ~~شق اختاروه لزمهم به ما يكرهون: أكنتم غائبين عن هذه الوصية من إبراهيم ~~ويعقوب عليهما السلام أم حاضرين وكنتم غائبين في أمر يعقوب عليه السلام ~~خاصة أم { كنتم شهداء } الآية، أي أكنتم غائبين عن علم ذلك أم لا حين ~~حكمتم بتخصيص أنفسكم بالجنة ليمنعكم ذلك عن مثل هذا الحكم؛ وعلى كل تقدير ~~لا يضركم جهله، لأن عندكم في كتاب الله المنزل على بيتكم من الأمر بمثله ~~عن الله ما يغنيكم عنه، وهو مانع لكم أيضا من هذا الحكم على وجه قطعي؛ ~~وفي ذلك إشارة إلى عدم وجوب التقيد بالآباء، وإرشاد إلى توسيع الفكر إلى ~~المنعم الأول وهو رب الآباء للتقيد بأوامره والوقوف عند زواجره سواء كان ~~ذلك موافقا لشرع الآباء أو مخالفا؛ ولما كان هذا لازما لمضمون قوله ~~تعالى: # تلك أمة قد خلت # [البقرة: 134] أتبعه بها، أي فما لكم وللسؤال عنها في ادعائكم أنهم ~~كانوا هودا أو نصارى؟ كما سيأتي النص بالتوبيخ على ذلك وإتباعه مثل هذه ~~الآية، لأنه إما أن يكون السؤال عن النسب أو عن العمل ولا ينفعكم شيء ~~منهما، لأنه ليس للإنسان إلا ما سعى، فليس السؤال عنهم حينئذ لمن عنده ~~علم ما يأتي وما يذر إلا فضولا، وفيه تنبيه على أنهم قطعوا أنفسهم عنهم، ~~لأنهم لما لم يتبعوهم في الإسلام فصلوا ما بينهم وبينهم من الوصلة بالنسب ~~وحصلت براءتهم منهم، لأن نسب الدين أعظم من نسب الماء والطين، أو يقال ~~وهو أحسن: لما ادعى أهل الكتاب أن الجنة خاصة بهم ورد ذلك سبحانه عليهم ~~بأنها لمن أسلم محسنا وذكرهم بأحوال الخليل عليه السلام حتى ختم بأنه من ~~رؤوس المتصفين بهذا الوصف وأنه أوصى بنيه به فكان كأنه قيل إنكارا عليهم ~~في دعواهم الاختصاص ms0254 بالجنة وتقريرا لهم: أكنتم شهداء لذلك منه حتى ~~تكونوا ممن ائتمر بأمره في وصيته فتكونوا أهلا للجنة أم كنتم شهداء يا ~~بني يعقوب { إذ حضر يعقوب } صاحب نسبكم الأشهر { الموت } وهو على ما أوصى ~~به إبراهيم بنيه { إذ قال } أي يعقوب { لبنيه }. # ولما كان مراده صلى الله عليه وسلم التعميم في كل شيء ليقع التخصيص ~~موقعه فلا يحتاج إلى سؤال آخر عبر بما العامة للعاقل وغيره فقال: { ما ~~تعبدون } ولو عبر بمن لم يفد جوابهم هذا التصريح ينفي عبادة شيء مما لا ~~يعقل، وقيده بقوله: { من بعدي } لأن الخليفة كثيرا ما يخلف الغائب بسوء ~~وإن كان مصلحا في حضوره، وأدخل الجار لأن أعمارهم لا تستغرق الزمان { ~~قالوا نعبد إلهك } الذي خلقك { وإله آبائك } الذي خلقهم وبقي بعدهم ويبقى ~~بعد كل شيء ولا بعد له، كما كان قبل كل شيء ولا قبل له؛ ثم بينوا الآباء ~~بقولهم: { إبراهيم } أي جدك { وإسماعيل } لأنه عم والعم صنو الأب فهو أب ~~مجازا { وإسحاق }. # ولما تقدم ذكر الإله في إضافتين بينوا أن المراد به فيهما واحد تحقيقا ~~للبراءة من الشرك وتسجيلا على أهل الكتاب بتحتم بطلان قولهم فقالوا: { ~~إلها واحدا } ثم أخبروا بعد توحيدهم الذي تقدم أنه معنى الإحسان في ~~قوله: # وهو محسن # [البقرة: 112] بإخلاصهم في عبادتهم بقولهم { ونحن له } أي وحده لا للأب ~~ولا غيره { مسلمون } أي لا اختيار لنا معه بل نحن له كالجمل الآنف حيثما ~~قادنا انقدنا، أي أم كنتم شهداء له في هذه الوصية لنشهد لكم بما شهدنا ~~لبنيه الموجودين إذ ذاك من الإسلام فتكونوا من أهل الجنة. ### || [2.134-141] # ولما كان في ذلك أعظم تسجيل عليهم بأنهم نابذوا وصية الأصفياء من ~~أسلافهم ومرقوا من دينهم وتعبدوا بخلافهم وكان من المعلوم قطعا أن ~~الجواب أنهم ما شهدوا ذلك ولا هم مسلمون عبر عنه بقوله: { تلك أمة قد خلت ~~} أي قبلكم بدهور لم تشهدوها، ونبه على أنهم عملوا بغير أعمالهم بقوله: { ~~لها } أي الأمة { ما كسبت } أي من دين الإسلام خاص بها لا ms0255 شركة لكم فيه { ~~ولكم ما كسبتم } أي مما أنتم عليه من الهوى خاص بكم لا يسألون هم عن ~~أعمالكم { ولا تسألون } أي أنتم { عما كانوا يعملون } ولما أخبر تعالى ~~أنهم تركوا السنة في تهذيب أنفسهم بالاقتداء في الاهتداء بالأصفياء من ~~أسلافهم وبين بطلان ما هم عليه الآن من كل وجه وأوضح أنه محض الضلال بين ~~أنه عاقبهم على ذلك بأن صيرهم دعاة إلى الكفر، لأن سنته الماضية سبقت ولن ~~تجد لسنته تحويلا أن من أمات سنة أحيى على يديه بدعة عقوبة له. قال ~~الحرالي: لأنهما متناوبان في الأديان تناوب المتقابلات في الأجسام فقال ~~تعالى معجبا منهم عاطفا على قوله: # وقالوا لن يدخل # [البقرة: 111] { وقالوا } أي الفريقان من أهل الكتاب لأتباع الهدى { ~~كونوا هودا أو نصارى تهتدوا } أي لم يكفهم ارتكابهم للباطل وسلوكهم طرق ~~الضلال حتى دعوا إلى ما هم عليه ووعدوا بالهداية الصائرة إليه فأمره ~~تعالى بأن يجيبهم أنه مستن بسنة أبيهم لا يحول عنها كما حالوا فقال ~~موجها الخطاب إلى أشرف خلقه لعلو مقام ما يخبر به وصعوبة التقيد به على ~~النفس: { قل بل } مضربا عن مقالهم، أي لا يكون شيئا مما ذكرتم بل نكون ~~أو نلابس أنا ومن لحق بي من كمل أهل الإسلام { ملة إبراهيم } ملابسة نصير ~~بها إياها كأننا تجسدنا منها، وهو كناية عن عدم الانفكاك عنها، فهو أبلغ ~~مما لو قيل: بل أهل ملة إبراهيم. قال الحرالي: ففيه كمال تسنن محمد صلى ~~الله عليه وسلم في ملته بملة إبراهيم عليه السلام الذي هو الأول لمناسبة ~~ما بين الأول والآخر، وقد ذكر أن الملة ما أظهره نور العقل من الهدى في ~~ظلم ما التزمه الناس من عوائد أمر الدنيا، فكان أتم ما أبداه نور العقل ~~ملة إبراهيم { حنيفا } أي لينا هشا سهلا قابلا للاستقامة مائلا مع ~~داعي الحق منقادا له مسلما أمره إليه، لا يتوجه إليه شيء من العشاوة ~~والكثافة والغلظة والجمود التي يلزم منها العصيان والشماخة والطغيان، ~~وذلك لأن مادة حنف بكل ترتيب تدور على ms0256 الخفة واللطافة، ويشبه أن تكون ~~الحقيقة الأولى منها النحافة، ويلزم هذا المعنى الانتشار والضمور والميل، ~~فيلزمه سهولة الانقياد والاستقامة، ويكشفه آية آل عمران # ولكن كان حنيفا مسلما # [آل عمران: 67] فبذلك حاد عن بنيات طرق الخلق في انحرافهم عن جادة طريق ~~الإسلام. وقال الحرالي: الحنيف المائل عن متغير ما عليه الناس عادة إلى ~~ما تقتضيه الفطرة حنان قلب إلى صدق حسه الباطن. # ولما أثبت له الإسلام بالحنيفية نفى عنه غيره بقوله: { وما كان من ~~المشركين } قال الحرالي: فيه إنباء بتبرئة كيانه من أمر الشرك في ثبت ~~الأمور والأفعال والأحوال وفي إفهامه أنه من أمر محمد صلى الله عليه وسلم ~~في الكمال الخاتم كما أن محمدا صلى الله عليه وسلم منه في الابتداء ~~الفاتح، قال تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم: # قل إن صلاتي # [الأنعام: 162] إلى قوله: # وأنا أول المسلمين # [الأنعام: 163] فهذه أولية رتبة الكمال التي هي خاصة به ومن سواه فهو ~~منه فيها، لأن نفي الشيء يفهم البراءة واللحاق بالمتأصل في مقابله، فمن ~~لم يكن مثلا من الكافرين فهو من المؤمنين، لأنه لو كان هو المؤمن لذكر ~~بالصفة المقابلة لما نفى عنه، لما في ذلك من معنيي إثبات الوصف ونفي ~~مقابله، ومثل هذا كثير الدور في خطاب القرآن، وبين من له الوصف ومن هو ~~منه تفاوت ما بين السابق واللاحق في جميع ما يرد من نحوه يعني ومثل هذا ~~التفاوت ظاهر للفهم خفي عن مشاهد العلم، لأن العلم من العقل بمنزلة ~~النفس؛ والفهم من العقل بمنزلة الروح، فللفهم مدرك لا يناله العلم، كما ~~أن للروح معتلى لا تصل إليه النفس، لتوجه النفس إلى ظاهر الشهود ووجهة ~~الروح إلى على الوجود - انتهى. # ولما قيل ذلك توجهت النفس إلى ما به يوصل إلى ملة إبراهيم. # فصرف الخطاب الذي كان عند الحجاج للأكل على وجه يشمل من قاربه إلى من ~~دونه بما يشمله، لأن المراد العموم، وساقه تعالى في جواب من كأنهم قالوا: ~~ما نقول: حتى نكون إياها فقال: { قولوا } أي يا أيها الذين ms0257 آمنوا { آمنا ~~بالله } الذي له جميع صفات الكمال. # ولما كان المأمور المؤمنين وكانت تعدية الإنزال بإلى تقتضي الانتهاء ~~وكان ذلك يقتضي واسطة قبل الانتهاء وكان الانتهاء إلى الاتباع إنما هو ~~بالقصد الثاني كان الأنسب في هذه الآية لتوجيه الأمر إليهم التعبير بإلى ~~بخلاف آية آل عمران كما سيأتي إن شاء الله تعالى فقال: { وما أنزل إلينا ~~} أي من الكتاب الذي تقدم أنه الهدى على أي وجه كان من الأحكام والنسخ ~~والنسيء وغير ذلك وقيل { وما أنزل إلى إبراهيم } ليكون المهيع واحدا { ~~وإسماعيل وإسحاق } ابنيه. قال الحرالي: فلقن العرب الأميين المحسودين على ~~ما آتاهم الله من فضله نسق ما أجرى من لفظ بني إسرائيل في عهده لهم، فكان ~~فيه وصل العرب الذين هم أبناء إسماعيل بإبراهيم وبنيه وقطع بني إسرائيل ~~عنهم، وفيه إظهار لمزية فضل الله على العرب حين يلقنهم ولا يستنطقهم ~~فيقصروا في مقالهم فأغناهم بما لقنهم فتلوه عما كانوا يقولونه لو وكلوا ~~إلى أنفسهم فسكنهم ربهم فأقرأهم ما يصلح من القول لهم وقال: { ويعقوب ~~والأسباط } تكملة لما تقدم في العهد السابق - انتهى. # { وما أوتي موسى وعيسى } أي من ربهم من المنزل من التوراة والإنجيل وغير ~~المنزل، وغير الأسلوب تفضيلا لما لهما من الكتابين والمعجزات وغير ذلك ~~من المكنة؛ ثم أسند الإيتاء إلى الجميع لكون أهل الكتب العظيمة فيهم على ~~سبيل التغليب فقال مؤكدا الكلام لأنه على لسان الأتباع وهم بالتأكيد ~~أحق: { وما أوتي النبيون } أي قاطبة من تقدم وغيرهم من المنزل من كتاب ~~وغيره { من ربهم } المحسن إليهم بذلك { لا نفرق بين أحد منهم } في أمر ~~الإيمان باصطفائهم مع توجيه الأوامر إليهم { ونحن له } أي لربهم المحسن ~~إلينا بإحسانه إليهم وحده { مسلمون } أي منقادون في الظاهر بعد انقياد ~~الباطن، لا آمر لنا معه أصلا، قال الحرالي: فأجرى على ألسنة الذين آمنوا ~~من هذه الأمة تلقينا لهم ما أجراه على ألسنة الأسباط قولا منهم، فكانت ~~العرب أحق بهم من أبناء إسرائيل بما استووا في الدين وإن افترقوا في نسب ~~الإسرائيلية ms0258 - انتهى. والأسباط جمع سبط، قال في القاموس: والسبط - بالكسر ~~- ولد الولد والقبيلة من اليهود وجمعه أسباط. وقال البيضاوي: والأسباط ~~جمع سبط وهو الحافد، يريد به حفدة يعقوب وأبناءه وذراريهم فإنهم حفدة ~~لإبراهيم وإسحاق. وقال الأصبهاني: قيل أصل السبط في اللغة شجرة ملتفة ~~كثير الأغصان من شجرة واحدة، وقال البغوي: والأسباط يعني أولاد يعقوب، ~~واحدهم سبط، وهم اثنا عشر سبطا، وسبط الرجل حافده، ومنه قيل للحسن ~~والحسين: سبطا رسول الله صلى الله عليه وسلم. والأسباط من بني إسرائيل ~~كالقبائل من العرب من بني إسماعيل، والشعوب من العجم، وكان في الأسباط ~~أنبياء فلذلك قال: # وما أنزل إليهم # [آل عمران: 199] وقيل: هم بنو يعقوب من صلبه صاروا كلهم أنبياء - انتهى. ~~قلت: وهذا هو الذي يظهر إذا تأملت هذه الآية مع التي بعدها وآية النساء، ~~فإن الأسباط - أعني القبائل - كانت منهم الضلال، وقد أنكر الله على من ~~قال: إنهم كانوا هودا أو نصارى، وأخبر في آية النساء أنه أوحى إليهم، ~~وقد عد الأسباط - أعني أولاد يعقوب - جماعة، فاختلفت عباراتهم عنهم، ~~والذي حررته أنا من التوراة من عدة نسخ أصح، عدهم في آخر السفر الأول ~~منها ثم قال في أول السفر ثاني: وهذه أسماء بني إسرائيل الذين دخلوا مصر ~~مع يعقوب أبيهم، دخل كل أمرىء منهم وأهل بيته، روبيل وشمعون ولاوى ويهودا ~~وايساخار وزبلون وبنيامين ودان ونفتالي وجاد وأشير، ويوسف كان بمصر - ~~انتهى. # قلت: وبنيامين شقيق يوسف عليهما السلام وربما قيل فيه: بنمن، وفي روبيل: ~~روبال، وفي شمعون: شمعان، وفي ايساخار: ايساخر، وفي زبلون: زبلون وزبولون ~~- والله أعلم. # ولما قدم تعالى ما أمرهم به وكان عين الهدى تسبب عنه قوله معبرا بأداة ~~الشك إشارة إلى أن إيمانهم لما لهم من الكثافة والغلظة والجلافة في غاية ~~البعد: { فإن آمنوا } أي أهل الكتاب الذين أرادوا أن يستتبعوكم { بمثل } ~~أي بنفس وحقيقة { ما آمنتم به } كما يأتي بيانه في # ليس كمثله شيء # [الشورى: 11] من الشورى، فكانوا تبعا لكم { فقد اهتدوا } عكس ما قالوا ~~مثلنا تهتدوا، وعبر بفعل المطاوعة ms0259 لكون الإيمان مع ظهوره بظهور دلائله ~~موافقا للفطرة الأولى، وأما الكفر فإنه لما كان لأجل ظهور الإيمان ~~وانطباعه في الجنان بعيدا عن المزاج لا يكون إلا بنوع من العلاج بين ~~الهوى والعقل وكان لا يكون إلا بعد الإعراض عن الإيمان وغيبته عن العيان ~~عبر عن ارتكابه بما يشعر بذلك بصيغة التفعل فقال: { وإن تولوا } قال ~~الحرالي: فيه إشعار بإيمان مؤمن منهم وتولي متول منهم، لأن الله تعالى ~~إذا صنف الخطاب كان نبأ عن تصنيف الكيان، فهو تعالى لا يخرج نبأه على غير ~~كائن فيكون نبأ لا كون له، إنما ذلك أدنى أوصاف بعض الخلق { فإنما هم في ~~شقاق } أي يريدون أن يكونوا في شق غير شقكم، لأنهم يعلمون أن الهدى ليس ~~في شيء غيره كما اقتضته " إنما ". # ولما كان اللازم لمشاقتهم على هذا الحال المكايدة والمحاربة وكان ذلك ~~على وجه العناد لم يكل سبحانه كفاية أوليائه إلى غيره فسبب ذلك قوله: { ~~فسيكفيكهم الله }؛ أي بوعد لا خلف فيه أصلا وإن تأخر شيئا من تأخر بما ~~له من قدرة وغيرها من صفات الكمال التي أفهمها الاسم الشريف، والكفاية ~~إغناء المقاوم عن مقاومة عدوه بما لا يحوجه إلى دفع له - قاله الحرالي. ~~ولما كان المناوىء لشخص إما أن يكيده بقوله أو بفعله وكان الفعل مسبوقا ~~بالارتسام في الضمير وكان الكافي لشخص إنما يتوقف كفايته على العلم بما ~~يصلحه قال: { وهو السميع } أي لما يقول أعداؤكم { العليم } بما يضمرون ~~فهو يسبب لكل قول وضمير منهم ما يرد ضرره عليه، فحظكم منهم مقصور على أذى ~~في القول وسوء في ود في الضمير، وحظهم منكم قهرهم وسبيهم والاستيلاء ~~على ديارهم وأموالهم. وجعل الحرالي { صبغة الله } أي هيئة صبغ الملك ~~الأعلى التي هي حلية المسلم وفطرته كما أن الصبغة حلية المصبوغ حالا ~~تقاضاها معنى الكلام، وعاب على النحاة كونهم لا يعرفون الحال إلا من ~~الكلم المفردة ولا يكادون يتفهمون الأحوال من جملة الكلام، وقال: الصيغة ~~تطوير معاجل بسرعة وحيه، وقال: فلما كان هذا التلقين تلقينا وحيا ms0260 سريع ~~التصيير من حال الضلال المبين الذي كانت فيه العرب في جاهليتها إلى حال ~~الهدى المبين الذي كانت فيه الأنبياء في هدايتها من غير مدة جعله تعالى ~~صبغة كما يصبغ الثوب في الوقت فيستحيل من لون إلى لون في مقابلة ما يصبغه ~~أهل الكتاب بأتباعهم المتبعين لهم في أهوائهم في نحو الذي يسمونه الغطاس ~~{ ومن أحسن من الله } أي الذي له الكمال كله { صبغة } لأنها صبغة قلب لا ~~تزول لثباتها بما تولاها الحفيظ العليم، وتلك صبغة جسم لا تنفع، وفيه ~~إفهام بما يختص به الذين آمنوا من انقلاب جوهرهم نورا، كما قال عليه ~~الصلاة والسلام: اللهم اجعلني نورا! فكان ما انقلب إليه جوهر الأئمة ~~انصبغت به قلوب الأمة { ونحن له } أي خاصة { عابدون } تكملة لرد الخطاب ~~على خطاب عهد إسرائيل حيث قال: # ما تعبدون من بعدي # [البقرة: 133] إلا أن العبادة في عهد إسرائيل سابقة والإسلام حتم، ~~والإسلام في هذا التلقين بدء لتقع العبادة شكرا - يختص برحمته من يشاء، ~~وجاء به بالوصف الثابت الدائم ففيه إشعار بأن أحدا منهم لا يرتد عن دينه ~~سخطة له بعد أن خالط الإيمان بشاشة قلبه، وهو حظ عام من العصمة الثابت ~~خاصها للنبي صلى الله عليه وسلم في علي أمره - انتهى. # ولما أمر تعالى بقوله: { قل بل ملة إبراهيم } [البقرة: 135] وما بعده ~~بإعلام الخصم بالمخالفة وأن لا موافقة إلا بترك الهوى واتباع الهدى أمر ~~بمجادلتهم بما يوهي أقوالهم ويزيح شبههم فقال معرضا بالخطاب عن الجمع ~~موجها له إلى رسوله صلى الله عليه وسلم رفعا لمقامه وتعريفا بعلي ~~منصبه إعلاما بأنه لا ينهض بذلك غيره لما لهم من العلم مع ما عندهم من ~~الجدل واللدد: { قل } منكرا لمحاجتهم وموبخا لهم عليها { أتحاجوننا } ~~ولما كان الأنسب في المقارعة إعلام الخصم بالمخالفة لأنه أقطع لطمعه ~~وأمكن لغيظه مع أنه هنا أقرب إلى رضى الخالق قدم على المجادلة، ومعنى ~~قوله: { في الله } في اختصاصكم بالملك الذي لا ملك سواه، لأن له الكمال ~~كله المشار إلى إبطاله فيما سبق بقوله: ms0261 # قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة # [البقرة: 94] أي أتحاجوننا في ذلك ولا وجه لاختصاصكم به { وهو } أي ~~والحال أنه { ربنا وربكم } نحن وأنتم في العبودية له سواء { ولنا أعمالنا ~~} نختص به دونكم { ولكم أعمالكم } تختصون بها دوننا، لا نخاف منه أن ~~يخصكم بأعمالنا ولا بشيء منها لتختصوا بها عنده ولا أن يخصنا بأعمالكم ~~ولا بشيء منها لنبعد بها عنه ظلما ولا غلطا، لأنه السميع العليم الغني ~~الحميد { ونحن } أحسن أعمالا منكم لأنا دونكم { له } وحده { مخلصون } لا ~~نشرك به شيئا وأنتم تشركون به عزيرا والمسيح والأحبار والرهبان، وأنتم ~~تعلمون ذلك في باطن الأمر وإن أظهرتم خلافه، فلزم قطعا أنا أخص به منكم؛ ~~والإخلاص عزل النفس جملة، فلا يبلغ عبد حقيقته حتى لا يحب أن يحمد على ~~عمل. # ولما كان قد بقي من مباهتاتهم أنهم يدعون أن أسلافهم كانوا على دينهم ~~فيكون دعواهم الاختصاص بالجنة صحيحة أبطلها سبحانه بقوله: { أم } أي ~~أرجعوا عن قولهم: { كونوا هودا أو نصارى تهتدوا } [البقرة: 135] لما ثبت ~~من مخالفة ذلك لملة إبراهيم وآله أم { تقولون } ولا يخفى أن التقدير على ~~قراءة ابن عامر وحمزة والكسائي وخلف وحفص ورويس بالخطاب: أرجعتم عن ~~قولكم: { إن إبراهيم } خليل الله { وإسماعيل وإسحاق } ابنيه { ويعقوب } ~~ابن إسحاق { والأسباط } أولاد يعقوب { كانوا هودا أو نصارى } لتصح ~~دعواهم في أن الجنة خالصة لأهل ملتهم، فكأنه قيل: فما يقال لهم إن قالوا ~~ذلك؟ فقيل: { قل أنتم أعلم } بذلك وبغيره { أم الله } الذي له الإحاطة ~~كلها أعلم، فلا يمكنهم أن يقولوا: نحن، وإن قالوا: الله، فقد برأ ~~إبراهيم من ذلك فبطل ما ادعوا. # ولما كان العلم عندهم عن الله بأن الخليل ومن ذكر معه عليهم السلام على ~~دين الإسلام وكانوا يكتمون ما عندهم من ذلك مع تقرير الله لهم واستخبارهم ~~عنه ونهيه لهم عن كتمانه وما يقاربه بقوله: # ولا تلبسوا الحق بالباطل # [البقرة: 42] وكان التقدير: فمن أظلم ممن ادعى أنه أعلم من الله بدعواه ~~ذلك صريحا أو لزومه له بإخباره بخلاف ما ms0262 ثبت في القرآن المعلوم صدقه ~~بإعجازه! قال تعالى عطفا على هذا المقدور: { ومن أظلم ممن كتم شهادة ~~عنده } أي موجودة ومودعة عنده { من الله } أي كتمها من الملك الأعظم، أو ~~هي عنده منه وهو يستخبره عنها مع علمه بأنه فاضحه لأنه العالم بالسرائر. ~~ولما كان التقدير: فإنه يعلم ما عمله من كتمانه عطف عليه ما هو أعم منه ~~فقال: { وما الله } المحيط بكل شيء قدرة وعلما { بغافل عما تعملون } ~~إشعارا بصيغة المضارع بتماديهم بعد هذا كله على سوء أعمالهم وتحذيرا من ~~مثل ذلك. ولما لم يدع لهم متمسكا من جهة إبراهيم عليه السلام أتبع ذلك ~~الإشارة على تقدير صحة دعواهم إلى أن الدين دائر مع أمره في كل زمان لا ~~مع ما قرره لأحد من خلقه فإنه لا حجر عليه ولا اعتراض بل له أن يأمر ~~اليوم بأمر وغدا مثلا بضده وأن يفعل ما يشاء من إحكام ونسخ ونسيء ~~وإنساء فقال: { تلك أمة } أي إبراهيم وآله { قد خلت } أي فهب أنهم على ما ~~زعمتم فقد مضوا وقدم زمانهم فلا ينفعكم إلا ما تستجدونه في وقتكم هذا ~~بحكم ما تجدد من المنزل المعجز لكافة أهل الأرض أحمرهم وأسودهم، ويجوز أن ~~يقال: لما كان مضمون ما سبق من إثبات الأعلمية لله وكتمانهم الشهادة بما ~~عندهم ثبوت ما أخبر به سبحانه على لسان هذا النبي الكريم من كون أصفيائه ~~على دينه الإسلام فهم برآء منهم كان المعنى: إن ادعيتم بهتا أن العلم ~~جاءكم عن الله بما ادعيتموه قيل: إن من تدعون عليه ذلك من الأنبياء قد ~~انقضت معجزته بموته، وكتابكم غير مأمون عليه التحريف والتبديل لكونه غير ~~معجز، وهذا النبي الآتي بالقرآن قائم بين أظهركم وهو يخبركم عن الله بكذب ~~دعواكم، ويؤيد قوله بالمعجزات التي منها هذا القرآن الذي عجزت العرب كلها ~~عن الإتيان بسورة من مثله وأنتم كذلك مع مشاركتكم لهم في الفصاحة نظما ~~ونثرا واختصاصكم عنهم بالعلم فلزمكم قبوله، لأنكم لا تستندون في ترويج ~~كذبكم بعد الجهد إلا إلى من ثبت ms0263 صدقه بثبوت رسالته، وثبتت رسالته بظهور ~~معجزته، فوجب عليكم قبول أمره، وذلك ينتج قطعا أنه يجب عليكم قبول هذا ~~الداعي بهذا القرآن لمثل ذلك سواء، وإلا كان قبول بعض من ثبت له هذا ~~الوصف دون البعض تحكما واتباعا للهوى المذموم في كل شرعة المنعي عليكم ~~بقوله تعالى: # أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم # [البقرة: 87] هذا مع أن رد قولكم هذا فيهم أظهر ظاهر من حيث إنه لا يعقل ~~أن يكون السابق على نسبة اللاحق ما حدثت به إلا بعده بمدد متطاولة، ~~وسيأتي النص الصريح بإبطال ذلك في آل عمران إن شاء الله تعالى والإشارة ~~إلى منابذته للعقل بقوله: # أفلا تعقلون # [آل عمران: 65] ليتطابق على إبطاله صادق النقل وحاكم العقل، وإلى هذا ~~كله الإشارة بقوله: { تلك أمة قد خلت } أي من قبلكم بدهور ولا يقبل ~~الإخبار عنهم بعدها إلا بقاطع، ولا سبيل لكم إليه وقد قام القاطع على ~~مخالفتكم لهم بهذا القرآن المقطوع بصدقه بإعجازه بما تقدم وبما أشار إليه ~~قوله تعالى: { لها ما كسبت } أي من أعمالها { ولكم ما كسبتم } أي من ~~أعمالكم، فلا يسألون هم عن أعمالكم { ولا تسألون } أي أنتم { عما كانوا ~~يعملون } # . ### || [2.142-144] # ولما كان ادعاؤهم أن أسلافهم على دينهم لئلا تنتقض دعواهم أن الجنة خاصة ~~بهم مع كونه فضولا لا سند له يثبت به شيء محاولة لعدم جواز النسخ وكان ~~إبطال الله تعالى لقولهم وعيبهم بما أحدثوا في دينهم وتقريعهم به ملزوما ~~لأن يكونوا أباحوا أنفسهم منه ما منعوا منه خالقهم وهو لا يسأل عما يفعل ~~كانوا أسفه الناس فعقبه بالتصريح بعيبهم والتعجيب منهم في إنكارهم لنسخ ~~القبلة وخفتهم بالاعتراض على ربهم فقال واصلا له بما قبله على وجه أعم. ~~{ سيقول } إلى آخره، لأنهم إذا لم يكونوا يعلمون حقية ذلك فلم يتبعوهم ~~فلا أقل من أن يكفوا عن عيبهم فكيف وهم عالمون بأنه الحق! وقال: { ~~السفهاء } ولم يقل: سيقولون، إظهارا للوصف الذي استخفهم إلى هذا القول ~~الظاهر عواره لأهل كل دين والسفيه الذي يعمل بغير ms0264 دليل، إما بأن لا يلتفت ~~إلى دليل فلا يتوقف إلى أن يلوح له بل يتبع هواه، أو يرى غير الدليل ~~دليلا، وأكد الوصف بالطيش بقوله: { من الناس } المأخوذ من النوس وهو ~~التحرك، دون أن يقول: من أهل الكتاب، أو بني إسرائيل - ونحو ذلك تصريحا ~~بذمهم وتعميما لكل من مالأهم على ذلك { ما ولاهم } ولم يقولوا: من، ~~زيادة في الأذى بالاحتقار { عن قبلتهم }. قال الحرالي: القبلة ما تجعل ~~قبالة الوجه، والقبل ما أقبل من الجسد في مقابلة الدبر لما أدبر منه { ~~التي كانوا عليها } أي بيت المقدس، ولعله ترك الإفصاح ليصلح ذلك لإرادة ~~الكعبة أيضا ليصير المعنى: إن كانوا انتقلوا عن الكعبة بأمر الله فهم ~~مبطلون في رجوعهم وإلا فهم في كل حال أتباع الهوى؛ وفي ذلك إشارة إلى أنه ~~لما انقطعت حججهم ألقوا هذه الشبهة إلى من اختدعوه من المنافقين ولم ~~يقدروا أن يواجهوا بها أحدا من الثابتي الإيمان، كما قالوا فيما تقدم: # كونوا هودا أو نصارى # [البقرة: 135] ونحوه علما منهم بأن المحاج لهم عن المؤمنين من له الحجة ~~البالغة؛ ولذا جاء جوابهم بقوله: { قل } خاليا عن خطاب لا كما مضى في ~~قوله: # قل أتخذتم عند الله عهدا # [البقرة: 80] # قل هاتوا برهانكم # [البقرة: 111] ونحوه؛ وساق سبحانه الإخبار عنهم بذلك على طريق هو من ~~أعلام النبوة وجلائل الرسالة؛ فإنه إخبار عما سيكون من الأعداء، فكان ~~منهم على وفق الخبر؛ ولم يقدروا مع شدة عداوتهم واجتهادهم في القدح بأدنى ~~شبهة في التكذيب على تكذيبه بالكف عن ذلك؛ هذا مع توطئة لذلك فيما سلف في ~~خمسة مواضع: تحريفهم لكلام الله، وإيقاعه النسخ واستدلاله على حسن فعله، ~~وإخباره بظلم مانع المسجد، وإخباره بأنه لا يختص به جهة دون أخرى، وذكره ~~بناء البيت وما أمر به من تعظيمه واتخاذه مصلى؛ مع ما في ذلك من توطين ~~نفوس أهل الإسلام وإكرامهم بتعليم الجواب قبل الحاجة، ليكون أقطع للخصم ~~وأكسر لشوكته وأرد لشغبه. # وتسميتهم سفهاء ناظر إلى قوله فيما مضى عمن نافق منهم ومن غيرهم # ألا إنهم ms0265 هم السفهاء # [البقرة: 13]، لأنهم وإن كانوا مصارحين بالكفر فاسم النفاق منطبق عليه ~~من جهة أخرى وهو أنهم أظهروا الكفر وأبطنوا معرفة الإيمان، أظهروا ~~التكذيب وأبطنوا ما هم عارفون به من صدقه، وأيضا فإذا كان المنافقون ~~الذين أظهروا حسنا سفهاء لما أبطنوه من القبيح فالذين عمهم القبح ظاهرا ~~وباطنا أسفه: وإلى قوله قريبا # ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه # [البقرة: 130] لما تقرر من مخالفتهم له وإن ادعوا الموافقة. وقال: { لله ~~} أي الملك المحيط بكل شيء عظمة وعلما { المشرق والمغرب } مخصصا لهما ~~لكونهما مجمعي الآفاق كما مضى فلا تختص بالوجهة إليه جهة دون أخرى فما ~~أمر به فهو الحق. # ولما قرر أن الجهات كلها بالنسبة إليه سواء لأنها ملكه، على أن من توجه ~~إلى شيء منها بأمره أصاب رضاه وذلك هو الوصول إليه فعبر عن ذلك مستأنفا ~~بقوله معظما لأهل الإسلام ومعرفا بعنايته بهم: { يهدي إليه من يشاء } ~~أي من عباده، وعظم الكعبة بقوله: { إلى صراط المستقيم } في أي جهة كانت، ~~فمتى سلكه وصل إلى المقصود من غير ضلال، ونكره لأن المراد به جزئيات من ~~الشريعة؛ وأما الصراط المعرف في الفاتحة فالمراد به الشريعة كلها بما دلت ~~عليه " أل " من الكمال. # ولما بين استقامة القبلة التي وجههم إليها عرف أنها وسط لا جور فيها ~~فاتبع ذلك قوله: { وكذلك } أي ومثل ما جعلنا قبلتكم وسطا لأنها إلى ~~البيت العتيق الذي هو وسط الأرض وهو بناء إبراهيم عليه السلام هو أوسط ~~الأنبياء وهو مع ذلك خيار البيوت فهو وسط بكل معنى { جعلناكم } بالهداية ~~إليه في الاستقبال وإلى غيره مما نأمركم به { أمة }. قال الحرالي: من ~~الأم وهو تتبع الجملة والعدد بعضها لبعض إلى أن ينتهي لإمام أول، فالإمام ~~والأمة كالمتقابلين، الإمام قاصد أمما، والأمة قاصدة إمامها الذي هو ~~أممها، والإمام ما بين اليدين بمشهد الحس وسبيل القصد - انتهى. { وسطا } ~~أي شريفة خيارا، لأن الوسط العدل الذي نسبة الجوانب كلها إليه سواء، فهو ~~خيار الشيء. قال أبو تمام الطائي. # كانت هي الوسط ms0266 المحمي فاكتنفت # بها الحوادث حتى أصبحت طرفا # وسالك الوسط من الطريق محفوظ من الغلط، ومتى زاغ عن الوسط حصل الجور ~~الموقع في الضلال عن القصد؛ ففي هذا أنهم لما ادعوا الخصوصية كذبوا وردت ~~حججهم ثم أثبتت الخصوصية لهذه الأمة؛ والوسط بالتحريك اسم لعين ما بين ~~طرفي الشيء كمركز الدائرة، وبالسكون اسم مبهم لداخل الدائرة مثلا، وكذا ~~كان ظرفا، فالأول يجعل مبتدأ وفاعلا ومفعولا به، ولا يصح شيء من هذا ~~في الساكن - قاله الأصبهاني. # ومادة وسط مهموزة وغير مهموزة واوية ويائية بتراكيبها الأحد عشر: وسط، ~~وطس، سوط، سطو، طوس، طسو، طيس، طسى، سيط سطأ طسأ، تدور على العدل السواء ~~الذي نسبته إلى كل جانب على التساوي، ويلزم أن يكون أعلى من غيره، لأن ~~أكثر المخلوقات كري؛ وكل ما كان في وسط الكرة كان أعلى، ولأن كل جزء ~~بعد الوسط إذا نسبته إلى الطرف الذي يليه كان ما بينه وبينه أقل مما بينه ~~وبين الوسط؛ ويلزم العدل الجودة ويلزم العلو الغلبة والسطوة والكثرة ~~والشدة، وقد يلزم العلو الاضطراب فيأتي الاختلاط والاقتطاع والضعف؛ فمن ~~الأصل الوسط من كل شيء أعدله، ووسط الشيء ما بين طرفيه، فإذا سكنت السين ~~كان ظرفا أو هو فيما هو مصمت فإذا كانت أجزاؤه متخلصة متباينة ~~فبالإسكان؛ ووسطه قطعه نصفين، وتوسط بينهم عمل الوساطة وأخذ الوسط بين ~~الرديء والجيد، ووسط القوم وتوسطهم هو وسط فيهم أوسطهم نسبا وأرفعهم ~~محلا وهو المتوسط بين القوم، وواسطة الرحل ما بين قادمته وآخرته، وأوطاس ~~واد بديار هوازن لما وصفه به دريد بن الصمة من أنه لا حزن ضرس ولا سهل ~~دهس، أي يثقل المشي فيه بكونه شبه الرمل وما هو برمل ولا تراب. ومن ~~الجودة وهي ملزومة لحسن الوسط الباب، والصلاة الوسطى أفضل الصلوات، ~~والطاووس طائر حسن، والجميل من الرجال والفضة، والأرض المخضرة فيها كل ~~ضرب من النبت، والمطوس كمعظم الشيء الحسن، والطوس بالفتح القمر وحسن ~~الوجه ونضارته بعد علة، وتطوست المرأة تزينت، وطواس كسحاب ليلة من ليالي ~~المحاق كأنه من باب الإزالة ms0267 أو بالنظر إلى أن النجوم في شدة الظلام أحسن. ~~ومن العلو: سطا الفرس أبعد الخطو، والساطىء الفرس البعيد الخطوة والذي ~~يرفع ذنبه في حضره، والطويل وواسط الكور مقدمه، ومن الشدة والغلبة: صار ~~الماء وسيطه غلب على الطين، وسطا عليه وبه صال أو قهر بالبطش، والراعي ~~على الناقة أدخل يده في رحمها ليخرج ما فيها من ماء الفحل، والفرس ركب ~~رأسه، وساطاه شدد عليه؛ والساطي الفحل المغتلم يخرج من إبل إلى إبل، ~~وسطأها مهموزا كمنع جامعها؛ والوطس كالوعد الضرب الشديد والكسر، والوطيس ~~التنور وحر الحرب، والوطيس شدة الأمر، وككتاب الراعي، وتواطسوا علي ~~أي تواطحوا أي تداولوا الشر بينهم، والموج تلاطم، وأوطاس واد بديار هوازن ~~لأنه أشد مما هو رمل صرف، والسوط الذي يضرب به والشدة والضرب، والمسواط ~~فرس لا يعطى حضره إلا بالسوط، والسياط قضبان الكراب الذي عليه دماليقه أي ~~عراجينه والكراب أصول السعف الغلاظ العراض، وسوط أخرج ذلك، والطوس ~~بالفتح الوطء وبالضم دوام الشيء ودواء يشرب للحفظ، وطواس كسحاب ليلة من ~~ليالي المحاق، وما أدري أين طوس به أي ذهب به وطسى كرضى طسا غلب الدسم ~~على قلبه فاتخم كطسا أي واويا؛ وطسيء مهموزا أيضا كفرح وجمع طسأ ~~وطساء فهو طسيء اتخم أو تغير من أكل الدسم، وأطسأه الشبع ونفسي طاسئة ~~ويدخل هذا في الاضطراب والاختلاط والضعف. # ومن الكثرة الوسط وهي الناقة تملأ الإناء ويدخل في الجيد، الطيس العدد ~~الكثير، وكل ما في وجه الأرض من تراب وقمام أو خلق كثير النسل كالذباب ~~والنمل والهوام أو دقاق التراب كالطيسل في الكل وكثرة كل شيء من الرمل ~~والماء وغيرهما؛ وسطا الماء كثر؛ والسويطاء مرقة كثيرة الماء، ومن ~~الاختلاط سياط ككتاب مغن مشهور؛ وسطا الطعام ذاقه؛ والساطىء الفحل ~~المغتلم يخرج من إبل إلى إبل، وسطا الراعي على الناقة أدخل يده في رحمها ~~ليخرج ما فيها من ماء الفحل؛ والسوط الذي يضرب به والخلط والضرب، والسياط ~~قضبان الكراب الذي عليه دماليقه، وسوط باطل ضوء يخرج من الكوة، وسطت ~~الشيء بالسوط ضربته به، والسوط ms0268 أيضا ما يخلط به كالمسواط وولد لإبليس، ~~والمسواط فرس لا يعطى حضره إلا بالسوط، واستوط أمره اضطرب واختلط، ~~وأموالهم سويطة بينهم مختلطة، والطوس بالضم دواء يشرب للحفظ، والطاووس ~~طائر والأرض المخضرة فيها كل ضرب من النبت، ومن الاقتطاع الطاس أي الإناء ~~يشرب فيه، والسوط النصيب والفضلة من الغدير. ومن الضعف الوسط من بيوت ~~الشعراء وهو أصغرها، وطسأ كمنع مهموزا استحيى. # ولما أثبت لهم الوسط الذي من حله كان جديرا بأن لا يخفى عليه شيء من ~~الجوانب واستلزم ذلك كونه خيارا قال: { لتكونوا } أي أنتم لا غيركم { ~~شهداء } كما أفاده التعبير بهذا دون أن يقال: لتشهدوا، وقال: { على الناس ~~} أي كافة. ولما كان الرسول صلى الله عليه وسلم أوسطهم قال: { ويكون ~~الرسول } أي لا غيره بما اقتضاه اختصاصه بكونه وسط الوسط { عليكم } خاصة ~~{ شهيدا } بأنكم تابعتموه وصدقتموه فكنتم خير أمة أخرجت للناس، وبأنه قد ~~بلغكم مدة حياته، فلما مات خلف فيكم كتابا معجزا متواترا لا يغسله ~~الماء ولا تحرقه النار، لأنه محفوظ في الصدور متلو بالألسن إلى أن يأتي ~~أمر الله، ولذلك عبر بأداة الاستعلاء فافهم صوغ الكلام هكذا: إنهم حازوا ~~شرفين أنه لا يشهد عليهم إلا الرسول، وأنه لا يحتاج في الشهادة على سائر ~~الأمم إلى غير شهادتهم دفعا لتوهم أن غيرهم يشهد عليهم كما شهدوا عليهم، ~~ولتوهم أن غيرهم لا يكتفى في الشهادة عليه إلا بشهادة الرسول كما لم يكتف ~~فيهم إلا بذلك. # ولما أعلم بما { سيقول السفهاء } [البقرة: 142] وعلم جوابهم وبين سر ~~التحويل بين علة التوجيه إلى قبلتين بقوله: { وما جعلنا } أي بعظمتنا ~~التي لا يقاويها أحد { القبلة } قال الحرالي: في جملته إنباء بأن القبلة ~~مجعولة أي مصيرة عن حقيقة وراءها ابتلاء بتقليب الأحكام ليكون تعلق القلب ~~بالله الحكيم لا بالعمل المحكم، فالوجهة الظاهرة ليكون ذلك علما على ~~المتبع عن صدق فيثبت عند تقلب الأحكام بما في قلبه من صدق التعلق بالله ~~والتوجه له أيان ما وجهه، وعلى المجيب عن غرض ظاهر ليس يسنده صدق باطن ~~فيتعلق من ms0269 الظاهر بما لا يثبت عند تغيره - انتهى. # وبين أنها الأولى بقوله: { التي كنت عليها } وبين أن العلة التمييز بين ~~الناس بقوله: { إلا لنعلم } أي بما لنا من العظمة بالجنود والرسل وغيرهم ~~حين وجود الأمر بالتحول عنها { من يتبع الرسول } في كل ما يأمر به ~~اتباعا دالا على تمكن إيمانه { ممن ينقلب } أي يرتد فيدبر بعد إقباله ~~متنكسا { على عقبيه } علما متعلقا بموجود تقوم به الحجة في مجاري ~~عاداتكم، والعقب مؤخر القدم. وقال الحرالي: لنجعل علما ظاهرا على ~~الصادق وغيره يشتمل العلم به من علم الغيب قبل كونه وبعد كونه، ومن لم ~~يعلم الغيب إلا عن علم بما ينبئني عنه نون الاستتباع فهذا وجهه ووجه ما ~~يرد من نحوه في القرآن والسنة - انتهى. # ثم بين شدتها على من أخلد إلى العادة لغلبة القوة الحيوانية البهيمية ~~ولم يتمرن في الانقياد للأوامر الإلهية على خلع الإلف وذل النفس فقال: { ~~وإن كانت } أي الجعلة { لكبيرة } أي ثقيلة شاقة جدا لأن مفارقة الألف ~~بعد طمأنينة النفس إليه أمر شاق جدا، ثم استثنى من أيده سبحانه بروح منه ~~وسكينة فقال: { إلا على الذين هدى الله } أي خلق الذي له الأمر كله ~~الهداية في قلوبهم فانقادوا لما هداهم إليه بنصيب الأدلة. # ولما كان قبولهم لهذا الأمر وثباتهم عند تغير الأحكام إنما كان عن إيمان ~~وعلم محيط جعل الله عز وجل أعمالهم وتوجههم للقبلة الأولى من الإيمان ~~فقال: { وما كان الله } الذي له الكمال المطلق { ليضيع } قال الحرالي: ~~مما منه الضياع والضيعة وهو التفريط فيما له غناء وثمرة إلى أن لا يكون ~~له غناء ولا ثمرة { إيمانكم } أي المصرح به في قولكم: # آمنا بالله # [البقرة: 8] المشار إلى صدق الدعوى فيه بقولكم: # ونحن له مخلصون # [البقرة: 139] في شيء من الأشياء لا في صلاتكم إلى القبلة الأولى، ولا ~~في تمييز الصادق منكم من المنافق بالامتحان بتغيير الأحكام من القبلة ~~وغيرها ولا في اختصاصكم به سبحانه دون أهل الكتاب الجاحدين لآياته ~~الناكبين عن مرضاته الناكثين لعهوده. # ولما نزه نفسه المقدسة عن ms0270 جميع هذه الإضاعة علل ذلك بما هو أعم فقال: { ~~إن الله } أي المحيط بجميع صفات الكمال { بالناس } أي الذين هم أعم من ~~المؤمنين وغيرهم ممن ينوسون بين حال الهدى والفتنة { لرءوف } أي فيرحم من ~~يشاء ممن توصل إليه بعمل صالح رأفة منه به، فإن الرأفة كما قال الحرالي ~~في التفسير عطف العاطف على من لم يجد عنده منه وصلة، فهي رحمة ذي الصلة ~~بالراحم، قال: والرحمة تعم من لا صلة له بالراحم، وقال في شرح الأسماء: ~~إن المرؤوف به تقيمه عناية الرأفة حتى تحفظ بمسراها في سره ظهور ما ~~يستدعى العفو لأجله على علنه - انتهى. # وذلك مقتضى لكونها أشد الرحمة وأبلغها وألطفها كما قالوه { رحيم } لمن ~~يشاء ولو لم يكن منه سعي في الوصلة فتقتلعه من ذنوبه اقتلاعا أشد ما كان ~~بها اعتلاقا فتقيمه فيما ترضاه الإلهية وذلك مع موافقته لما قاله ~~العلماء ترق من العالي إلى الأعلى، فإن رحمة من لا سبب منه تقتضي العطف ~~عليه أبلغ في نوعها من حيث كونها ابتداء والأولى أبلغ في نفسها لما ~~اقتضاها من السبب، فإن كان المراد بالناس العرب فهو بشارة له صلى الله ~~عليه وسلم بأنه يقر عينه بجعلهم من حزبه بالتثبيت لمن كان إذ ذاك مقبلا ~~والإقبال لمن كان مدبرا. وإن كان المراد أعم منهم فهو بشارة باتباع أكثر ~~الخلائق له صلى الله عليه وسلم، فإذا نزل عيسى عليه السلام وقع العموم ~~الحقيقي في الطريق المحمدي باتباع الكل له صلى الله عليه وسلم والله ~~أعلم؛ ويجوز أن يكون تعليلا للكلام من أوله فيكون المعنى أن صفتي رأفته ~~ورحمته مقتضيتان للتمييز بين المؤمنين وغيرهم للعدل بين الناس، لأن تسوية ~~المصلح بالمفسد يؤلم المصلح وسيأتي إن شاء الله تعالى في آخر براءة ما ~~ينفع استحضاره هنا. # ولما أشعر الكلام السابق أهل البلاغة بإحداث أمر في القبلة فتوقعوا ~~الخبر عن ذلك وبين رأفته ورحمته بالناس عموما بين ذلك برسوله خصوصا بأن ~~تحويله إلى الكعبة رأفة منه به ورحمة له مع ما تقدم من ms0271 فوائده فقال ~~تعالى: { قد نرى تقلب وجهك } قال الحرالي: فيه نبأ إسماع لمن يرتقب أمرا ~~أو خبرا يفيد مع المستقبل ندرة الوقوع، ففيه إعلام بأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لما انطوى ضميره على إرادة التوجه للكعبة التي هي قيام للناس ~~حين كان هو رسولا لكافة الناس وكان صلى الله عليه وسلم على ملة أبيه ~~إبراهيم عليه السلام يكتفي بعلم الله به عن مسألته، لأن الدعاء للطالبين ~~قضاء حاجة وللمكتفين بعلم الله عبادة أجاب الله تقلب وجهه على قلة وقوع ~~ذلك منه على ما تشعر به { قد } بالتقليل للتقلب وللرؤية { في السماء } ~~فيه إعلام بما جعله من اختصاص السماء بوجه الداعي، كما اختص غيب القلوب ~~بوجهه المصلي، فالمصلي يرجع إلى غيب قلبه، ولا يرفع طرفه إلى السماء # " ولينتهين أقوام عن رفع أبصارهم إلى السماء في الصلاة أو لتخطفن ~~أبصارهم " # والداعي يتوجه إلى السماء ويمد يديه كما قال: # " حتى رأينا عفرة إبطيه " # - انتهى ملخصا. { فلنولينك } أي فتسبب عن تلك الرؤية أنا نوليك من ~~غير شك { قبلة } قال الحرالي: نكرها لما كان من ورائها قبلة التوجه ~~العام في تنقله، فتلك هي القبلة التي هي توجه لوجه الله لا توجه لمنظر ~~باد من خلق الله، فكان متسع القبلة ما بين اختصاص القبلة الشامية إلى ~~قيام القبلة الحجازية إلى إحاطة القبلة العامة الآفاقية؛ وفي قوله: { ~~ترضاها } إنباء بإقراره للتوجه لهذه القبلة، لأن الرضى وصف المقر لما ~~يريد، فكل واقع بإرادة لا يكون رضى إلى أن يستدركه الإقرار، فإن تعقبه ~~الرفع والتغيير فهو مراد غير مرضي - انتهى. ودل على أن مرضيه الكعبة بفاء ~~السبب في قوله: { فول وجهك } ، وأما قلبك فإنما توجهه إلى الله، الغيب ~~للغيب والظاهر للظاهر، { شطر } أي عين { المسجد } كما استدل الشافعي رحمه ~~الله في الرسالة على ذلك بجملة من أشعار العرب وقال: وهذا كله من أشعارهم ~~يبين أن شطر الشيء قصد عين الشيء، إذا كان معاينا فبالصواب وإن كان ~~مغيبا فبالاجتهاد { الحرام } وتعبيره بهذا دون الكعبة فيه توسعة. قال ~~الحرالي: سماه ms0272 الله حراما لحرمته حيث لم يوطأ قط إلا بإذنه ولم يدخل إلا ~~دخول تعبد وذلة فكان حراما على من يدخله دخول متكبر أو متحير - انتهى. ~~وعن الإمام الماوردي أن كل موضع ذكر الله فيه المسجد الحرام فالمراد به ~~الحرم إلا هذا فالمراد به الكعبة - انتهى. وعبر عنه بذلك لأن السياق ~~للصلاة التي أعظم مقصودها السجود، وسيأتي عند # يسألونك عن الشهر الحرام # [البقرة: 217] زيادة على هذا، وفي الموطأ عن سعيد بن المسيب أنه قال: # " صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن قدم المدينة ستة عشر شهرا ~~نحو بيت المقدس، ثم حولت القبلة قبل بدر بشهرين " # ولما بشره سبحانه بالتحويل أولا وأوقع المبشر به ثانيا أشار إلى بشارة ~~ثالثة بتكثير أمته ونشرهم في أقطار الأرض فجمعهم إليه في قوله: { وحيث ما ~~كنتم } أي من جهات الأرض التي أورثكم إياها { فولوا وجوهكم شطره } بتوجيه ~~قلوبكم إلي. # ولما حرر ذلك وقرره بين أن العائبين لدينه بذلك من أهل الكتاب عالمون ~~بحقية هذا التحويل وأنه من أعلام نبوته فقال: { وإن الذين أوتوا الكتاب } ~~أي من اليهود والنصارى، ولم يصفهم هنا بالسفه لإثبات العلم في قوله: { ~~ليعلمون أنه } أي هذا التحويل { الحق } أي ليس بعده في أمر القبلة حق آخر ~~يرفعه أصلا { من ربهم } أي المحسن إليهم بإرسال هذا الرسول الذي يرفع ~~عنهم إصرهم وكانوا ينتظرون رسالته، فعندما أتاهم ردوا رحمته، وجعل ذلك ~~سبحانه في سياق مهدد له مرج له ولأتباعه تسلية لهم وتثبيتا وتقوية ~~لعزائمهم وتمكينا حيث ختم الآية بقوله: { وما الله } أي المحيط بكل شيء ~~قدرة وعلما { بغافل عما يعملون } قال الحرالي: بالياء أي التحتانية ~~إعراضا عنهم، وبالتاء إقبالا عليهم، ففيه إنباء بتماديهم على سوء ~~أحوالهم في رتبتين: في متماد على سوء هدد فيه لما أقبل عليه، وفي متماد ~~على أسوأ منه أوجب في تهديده الإعراض عنه والإقبال على غيره ممن لم يصل ~~في السوء والمكائدة إلى ما وصل إليه المعرض عنه. ### || [2.145-151] # ولما أطمع أول الآية في أهل الكتاب وقطع عنهم ms0273 آخرها صرح بما لوح إليه ~~هذا الأخير وأعلمه صلى الله عليه وسلم بعاقبة أمرهم وأنه لا اتفاق بينه ~~وبينهم أصلا ولا اتفاق بين فريقيهم مع كون الكل من بني إسرائيل ليريحه ~~صلى الله عليه وسلم من التطلع إلى هدى بعضهم فقال تعالى: { ولئن أتيت ~~الذين أوتوا } بناه للمجهول تنبيها على هوانهم { الكتاب } أي من اليهود ~~والنصارى { بكل آية } أي من الآيات المسموعة مرغبة ومرهبة ومن الآيات ~~المرئية مغربة ومقربة { ما تبعوا قبلتك } أي هذه التي حولت إليها وكنت ~~الحقيق بها لكونها قياما للناس كما أنت رسول إلى جميع الناس، لأن ~~إعراضهم ليس عن شبهة إذا زالت زال بل عن عناد. ثم أومأ إلى أنهم ينصبون ~~له الحبائل ليعود ولو ساعة من نهار إلى قبلتهم ليقدحوا بذلك فيه فقال: { ~~وما أنت بتابع قبلتهم } ثم أشار إلى عيبهم باختلافهم وتفرقهم مع نهيهم ~~عنه فقال: { وما بعضهم } أي أهل الكتاب { بتابع قبلة بعض } مع تقاربهم في ~~النسب، وذلك حثا للعرب على الثبات على مباعدتهم والحذر من مخادعتهم. # ولما كان دينهم قد نسخ أعلم سبحانه بأن ثباتهم على قبلتهم مع ذلك مجرد ~~هوى فقال منفرا للأمة عنهم ومحذرا لهم منهم بخطاب الرأس ليكون ذلك أدعى ~~لقبول الاتباع { ولئن اتبعت أهواءهم }. ولما كان هذا السياق لأمر القبلة ~~فقط قال: { من بعد ما جاءك من العلم } قال الحرالي: فأبهمه ولم يكن نحو ~~الأول الذي قال فيه " بعد الذي " لظهور ما ذكر في الأول وخفاء ما وقعت ~~إليه الإشارة في هذا وجاءت فيه " من " التي هي لابتداء من أولية لخفاء ~~مبدأ أمر ما جاء من العلم هنا وظهور ذلك الأول، لأن ذلك كان في أمر الملة ~~التي مأخذها العقل، وهذه في أمر التوجيه الذي مأخذه الدين والغيب، قال ~~الحرالي: قال تعالى: { إنك إذا لمن الظالمين } على حد ما ذكر من أنه من ~~لمح لمحا من وصف كان من الموصوف به بألطف لطف ووصف كل رتبة بحسبها، فما ~~يرفع عنه النبي صلى الله عليه وسلم من باب إظهار ms0274 رغبته وحرصه على هداية ~~الخلق الذي جبل على الرحمة فيه وطلب المسامحة في التقاصر عنه نظرا منه ~~إلى حق الله تعالى ومضمون وصية الله تعالى له حين أوصاه بغير ترجمان ولا ~~واسطة أن يصفح عمن ظلمه ويصل من قطعه، فكان صلى الله عليه وسلم يطلب وصل ~~المنقطع عنه حتى يعلن عليه بالإكراه في ترك ذلك وودعه فيجيبه حكما وإن ~~كان معه علما، ومنه قوله: # " اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون " # ففي طي كل خطاب له يظهر الله عز وجل فيه إكراهه على أخذ حكم الحق ~~وإمضاء العدل أعظم مدحة له والتزام لوصيته إياه، فهو ممدوح بما هو مخاطب ~~بخطاب الإكراه على إمضاء العدل والاختصار في أمر رحمته للعالمين، فرفعه ~~الله أن يكون ممن يضع رحمة في موضع استحقاق وضع النقمة، فذلك الذي بجمع ~~معناه بين متقابل الظالمين فيمن يضع النقمة موضع الرحمة فيكون أدنى ~~الظلم، أو من يضع الرحمة في موضع النقمة فيكون منه بتغيير الوضع بوضع ~~الفضل موضع العدل؛ وعلى ذلك جميع ما ورد في القرآن من نحو قوله: { فإن ~~كنت في شك مما أنزلنا إليك فسئل الذين يقرءون الكتاب من قبلك لقد جاءك ~~الحق من ربك } أي في إمضاء العدل # فلا تكونن من الممترين # [يونس: 94] في طلب الفضل لأهل العدل فإن الله يمضي عدله كما يفيض فضله، ~~وكذلك قوله: # عبس وتولى أن جاءه الأعمى # [عبس: 1-2] فيه إظهار لمدحته بحرصه على تألف الأبعدين ووصل القاطعين حتى ~~ينصرف عنهم بالحكم وإشادة الإكراه عليه في ذلك، فلا ينصرف عن حكم الوصية ~~إلى حكم الكتاب بالحق إلا عن إشادة بإكراهه عليه، فهو محمود بما هو منهي ~~عنه، لأن خطابه أبدا في ذلك في القرآن فيما بين الفضل والعدل، وخطاب ~~سائر الخلق جار فيما بين العدل والجور، فبين الخطابين ما بين درج العلو، ~~ودرك السفل في مقتضى الخطابين المتشابهين في القول المتباينين في العلم - ~~انتهى. وسيأتي في قوله تعالى: # عفا الله عنك لم أذنت لهم # [التوبة: 43] في سورة التوبة ما يوضحه. # ولما ms0275 ختم الخطاب بالإشارة بقوله: { أهواءهم } إلى علمهم بحقية هذا ~~التحويل تلويحا كما فتحه بالإعلام به تصريحا كر على تأكيد الإعلام بما ~~هم عليه في أمرها من التحقق إشارة إلى ما تبطنوه من العناد الموجب ~~للتمادي في الفساد فقال مضمرا له على وجه يصلح أن يكون للنبي صلى الله ~~عليه وسلم معظما لهذه المعرفة بإسناد الإيتاء إليه سبحانه: { الذين ~~آتيناهم } أي بما لنا من العظمة التي هم بها عارفون { الكتاب يعرفونه } ~~أي التحويل المتضمن لزيادة تحققهم لصدق الرسول صلى الله عليه وسلم وكمال ~~علمهم به { كما يعرفون أبناءهم } لا يشكون في حقية ذلك بوجه لظهور دلائله ~~عندهم، لأنهم يعرفون الرسول صلى الله عليه وسلم بجميع نعوته معرفة لا ~~يشكون فيها لكونها عن الله الذي لا خلف في قوله، فبذلك صاروا يعرفون صحة ~~هذا التحويل هذه المعرفة، وذلك كما أنهم لا يشكون في شيء مما تقع به ~~المعرفة لأبنائهم لشدة ملابستهم لهم؛ والحاصل أن معرفتهم بنبوته تزيدهم ~~في المعرفة بحقية التحويل بصيرة لأنه من نعته، ومعرفتهم بأمر التحويل ~~يثبتهم في حقية نبوته لكونه مما ثبت منها، ولذلك قال الحرالي: في إنبائه ~~تحققهم بعيان ما ذكر لهم من أمره، لأن العارف بالشيء هو الذي كان له به ~~إدراك ظاهر بأدلة ثم أنكره لاشتباهه عليه ثم عرفه لتحقق ذكره لما تقدم من ~~ظهوره في إدراكه، فلذلك معنى المعرفة لتعلقها بالحس وعيان القلب أتم من ~~العلم المأخوذ عن علم بالفكر؛ وإنما لم تجز في أوصاف الحق لما في معناها ~~من شرط النكرة، ولذلك يقال المعرفة حد بين علمين: علم على تشهد الأشياء ~~ببواديها، وعلم دون يستدل على الأشياء بأعلامها؛ وفيه أي التشبيه ~~بالأبناء إنباء باتصال معرفتهم به كيانا كيانا إلى ظهوره، ولو لم يكن ~~شاهده عليهم إلا ارتحالهم من بلادهم من الشام إلى محل الشدائد من أرض ~~الحجاز لارتقابه وانتظاره # فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به # [البقرة: 89] وأجرى المثل بذكر الأبناء لاشتداد عناية الوالد بابنه ~~لاعتلاقه بفؤاده، ففيه إنباء بشدة اعتلاقهم به قبل كونه { وإن ms0276 فريقا ~~منهم } أي أهل الكتاب { ليكتمون الحق } أي يخفونه ولا يعلنونه. # ولما كان لا يلزم من ذلك علمهم به ولا يلزم من علمهم به استحضاره عند ~~الكتمان قال: { وهم يعلمون } أي إنه حق وأنهم آثمون بكتمانه، فجعلهم ~~أصنافا: صنفا عرفوه فاتبعوه، وصنفا عرفوه فأنكروه كما في إفهامه ~~وفريقا علموه فكتموه؛ وفي تخصيص هذا الفريق بالعلم إشعار بفرقان ما بين ~~حال من يعرف وحال من يعلم، فلذلك كانوا ثلاثة أصناف: عارف ثابت، وعارف ~~منكر هو أردؤهم، وعالم كاتم لاحق به؛ وفي مثال يكتمون ويعلمون إشعار ~~بتماديهم في العالم وتماديهم في الكتمان. # ولأن هذا المجموع يفيد قهر الحق للخلق بما شاء منهم من هدى وفتنة لتظهر ~~فيها رحمته ونقمته وهو الحق الذي هو ماضي الحكم الذي جبلة محمد صلى الله ~~عليه وسلم تتقاضى التوقف فيه لما هو عليه من طلب الرحمة ولزوم حكم الوصية ~~خاطبه الحق بقوله: { الحق } أي هذا التفريق والتصنيف الموجب لعمارات ~~درجات الجنة وعمارات دركات النار هو الحق، أو يكون المعنى: الحق الذي ~~أخبرت به في هذه السورة أو الآيات، أو جنس الحق كائن { من ربك } أي ~~المحسن إليك بطرد من يضر اتباعه كما هو محسن إليك بالإقبال بمن ينفع ~~اتباعه { فلا تكونن من الممترين } فيما فسر نحوه من اشتباه المرتبتين ~~الواقعة منه فيما بين الفضل والعدل والواقعة من غيره فيما بين الجور ~~والعدل انتهى. وفيه زيادة وتغيير، وفي تأكيد الأمر تارة بالعلم وتارة ~~بالمعرفة وتارة بغيرهما تأكيد لوجوب اتباعه صلى الله عليه وسلم وإزاحة ~~لما يلقيه السفهاء العالمون به من الشبه. قال الحرالي: والممتري من ~~الامتراء وهو تكلف المرية وهي مجادلة تستخرج السوء من خبيئة المجادل، من ~~امتراء ما في الضرع وهو استيصاله حلبا، ولأنه حال الشاك ربما أطلق عليه. # ولما بين أن أحدا من هؤلاء الفرق لا يتبع قبلة الآخر وتضمن ذلك أن لكل ~~منهم قبلة وقرر أن ذلك من أهل الكتاب على وجه العناد أثبت ما تضمنه ~~الكلام السابق على وجه أعم منه وسبب عنه النتيجة ms0277 فقال تعالى: { ولكل } أي ~~لكل فريق من المذكورين وغيرهم { وجهة } أي مقصد يقصده ويوجه وجهه إليه ~~ويقبل بقلبه عليه من القبلة للصلاة وغيرها من جميع المقاصد { هو موليها } ~~إن كسر اللام كان المعنى هو متوليها أي فاعل التولي أي مائل إليها بوجهه ~~لأن المادة تدور بكل ترتيب على الميل كما يأتي إن شاء الله تعالى في آخر ~~الأنفال، فيكون ولي بمعنى تولى كقدم بمعنى تقدم، ومن المعلوم الفرق بين ~~تولاه وتولى عنه، وإن فتح فالمعنى: هو ممال إليها. # قال الحرالي: وفي قراءة موليها - بالكسر - إشعار باختلاف جبلات أهل ~~الملل وإقامة كل طائفة منهم بما جبلت عليه، وفي قراءة " مولاها " إظهار ~~حقيقة ذلك وأنه ليس ذلك منهم بل بما أقامهم فيه المولى لهم حيث شاء، ~~وأبهم فيه المولى لما كان في طوائف منهم حظ هوى، وهو من التولية وهو ما ~~يجعل مما يلي الجسد، أو القصد أي يكون ميالا بين يديه ملاصقا له - ~~انتهى. # ولما كان فعلهم هذا إنما هو لأجل تزكية النفس وخلاصها وكان ذلك لا يحصل ~~إلا بفعل الخير واجتناب الشر سبب عنه قوله: { فاستبقوا الخيرات } أي ~~فاجعلوا أنتم مقصدكم أنواع الخير من القبلة وغيرها وتسابقوا في قصدكم ~~إليها، أي كانوا في المبادرة إلى أفعال الخير كمن يسابق خصما فهو يجتهد ~~في سبقه، فإن الاستباق تكلف السبق والسبق بروز أحد المتحاربين، ثم حثهم ~~على ذلك وحذرهم من تركه بقوله على وجه التعليل: { أين ما تكونوا } أي من ~~الجهات التي استبقتم إليها الحسية والمعنوية { يأت بكم الله } أي الملك ~~الأعظم { جميعا } منها إليه في يوم البعث، ثم علل هذه العلة بقوله: { إن ~~الله } أي الذي له الأمر كله { على كل شيء قدير } وفي ذكر البعث هنا ~~معادلة بين القبلتين: قبلة أهل الفضل الأمة الوسط التي جعلت محل الأمن، ~~والقبلة الأولى، قال الحرالي: من حيث يرد الخلق في البعث إلى موطن القبلة ~~السابقة من أرض الشام، فيكون موطن الحق والعدل أولى القبلتين بذلك، لأن ~~أعلى القبلتين موطن أمنة من حيث إن ms0278 من دخله كان آمنا، فكان المحشر إلى ~~قبلتهم الأولى التي هي بداية الأمر ليطابق الآخر من القبلتين الأولى من ~~حيث كان الآخر في الدنيا للفضل والأول في الآخر للعدل ومن الدعوتين من ~~حيث كانت الدعوة الأولى في الأول حكما وعلما والإتيان الآخر في العقبى ~~قهرا وملكا. # ولما عظم في شأن القبلة انتشار أقوالهم في تنويع شغبهم وجدالهم وكانوا ~~أهل علم وكتاب، وقد مرت لهم دهور وهو موسومون بأنهم على صواب، فاشرأب ~~لذلك النفاق، ودارت رحى الباطل والشقاق، وقامت سوق الفسوق فيما هنالك على ~~ساق، كان الحال مقتضيا لمزيد تأكيد لأمرها تعظيما لشأنها وتوهية لشبه ~~السفهاء فقال تعالى ثانيا معبرا بعبارة مشعرة بإمامته صلى الله عليه ~~وسلم وانتظار المصلين له، { ومن حيث خرجت } أي للصلاة المفروضة باتباعك ~~من هذه الجهة التي أنت بها الآن بالمدينة الشريفة التي هي شمال الكعبة ~~المشرفة أو من غيرها من الجهات من الشرق والغرب والجنوب { فول وجهك شطر } ~~أي عين { المسجد الحرام } وأما قلبك فهو إلى الله # ولما كان التقدير فإنك مأمور بذلك لئلا يظن أن ذلك إنما عمل لتطلعه صلى ~~الله عليه وسلم إليه وهو فيه بالخيار فيظن أن الرجوع إلى القبلة الأولى ~~مصلحة لما انتشر في ذلك من الكلام الذي نفذ في القلوب نفوذ السهام عطف ~~عليه قوله: { وإنه للحق من ربك } مؤكدا له بأنواع التأكيد مضيفا له إلى ~~صفة الإحسان بإحسان التربية والنظر في أدبار الأمور وأحكامها. # ولما كان التقدير: وإن ربك عالم بما قالوا من الشبه التي دارت بين الناس ~~وخيفت عاقبتها عطف عليه ما هو أعم منه فقال: { وما الله } أي الذي له ~~الإحاطة الكاملة { بغافل عما } أي عن شيء مما { يعملون } أي السفهاء من ~~اليهود وغيرهم في مستقبل الزمان فيوهيه ويبطل أذاه ويرميه ويبعده ويقصيه، ~~وعلى قراءة الخطاب أنتم في هذا الوقف وبعده فيغلبه ويثبته ويبقيه إن كان ~~خالصا لوجهه وإلا جعله هباء منثورا. قال الحرالي: ومن التفت بقلبه في ~~صلاته إلى غير ربه لم تنفعه وجهة وجه بدنه إلى ms0279 الكعبة، لأن ذلك حكم حق ~~حقيقته توجه القلب ومن التفت بقلبه إلى شيء من الخلق في صلاته فهو مثل ~~الذي استدبر بوجهه عن شطر قبلته، فكما يتداعى الإجزاء الفقهي باستدبار ~~الكعبة حسا فكذلك يتداعى القبول باستدبار وجه القلب عن الرب غيبا، ~~فلذلك أقبل هذا الخطاب على الذين آمنوا والذين أسلموا، لأنه هو صلى الله ~~عليه وسلم مبرأ عن مثله - انتهى. { ومن حيث خرجت } أي من بقاع الأرض ~~للصلاة بأمتك { فول وجهك } أي اجعله يلي { شطر } أي عين { المسجد الحرام ~~}. # ولما تقرر بما تكرر أن هذا التحويل فرض قي حقه صلى الله عليه وسلم حتم ~~لا فتور عنه ولا رخصة فيه إلا ما استثنى في النفل أدخل معه أمته ليعمهم ~~الحكم وربأ بمنصبه المنيف وقدره الشريف عن أن يكون لأحد عليه ما يسمى حجة ~~بحق أو باطل فقال: { وحيث ما كنتم } أي أيتها الأمة من جميع جهات الكعبة ~~في جميع أقطار الأرض الدانية والقاصية. قال الحرالي: وذكر في أمته بالكون ~~لا بالخروج إشعارا يتقاصر الأمة عن علو أحوال الأئمة وأن حال الأمة في ~~خلوتهم كحالهم في جولتهم - انتهى. # { فولوا وجوهكم } أي اجعلوها والية { شطره } للصلاة. قال الحرالي: وفيه ~~إشعار يلحظ صحة صلواتكم فرادى وفي بيوتكم، كما قال: إذا جئت فصل مع الناس ~~وإن كنت قد صليت في أهلك، بخلافه هو صلى الله عليه وسلم فإن صلاته لا تقع ~~إلا جمعا من حيث إنه يصلي لهم وأنه إمام لا تقع صلاته فذا - انتهى. # ولما كان ربما ظن أن الرجوع إلى القبلة الأولى يزيل الكلام بين سبحانه ~~وتعالى أن الأمر بخلاف ذلك فقال: { لئلا يكون للناس } أي لأحد منهم { ~~عليكم حجة } بأن يقولوا: النبي المبشر به يستقبل بيت إبراهيم عليه الصلاة ~~والسلام ثم لا يتحول عنه وهذا لم يفعل، أو يقولوا: ما جاء بشيء جديد ~~وإنما هو تبع لنا في قبلتنا. # ولما كانت الحجة كلاما ينشأ عن مقدمات يقينية مركبة تركيبا صحيحا وقع ~~الاستثناء باعتبار تلبس المستثنى بجزء المعنى الذي نفى عن المستثنى ms0280 منه ~~بدلالة التضمن فهو قريب من الاستخدام فقال: { إلا الذين } أي الناس الذين ~~{ ظلموا منهم } فإنهم لعنادهم ولددهم لا يرجعون إلى الحق الذي يعرفونه بل ~~يكون لهم عليكم مجرد كلام هو مادة الحجة لا حجة بما دل عليه وصفهم بالظلم ~~الذي هو وضع الشيء في غير محله كما هو شأن كل ماش في مأخذ الاشتقاق الذي ~~هو الظلام، ويكون الاستثناء على هذا منقطعا بمعنى: لئلا يحتج أحد عليكم ~~لكن الذين ظلموا يقولون أو يظهرون فجورا ولددا في ذلك كلاما يسمونه ~~حجة، ولعل السر في تصويره على تقدير الانقطاع بصورة الاستثناء الحث على ~~الثبات على أمر الله سبحانه وتعالى والإعراض عمن خالفه نظرا إلى ما تأصل ~~من إبطاله واستحضارا لما ظهر من فاسد أحواله وإن أبدى من الشبه ما يخفى ~~أمره ويصعب على بعض المحقين حله حتى يظن حجة؛ ويجوز أن يراد بالحجة أعم ~~من القطعي والظني فيكون الاستثناء متصلا، قال السفاقسي: ومثار الخلاف هل ~~الحجة الدليل الصحيح والاستثناء منقطع أو الاحتجاج والخصومة فهو متصل - ~~انتهى. ووصفها بالاستعلاء عليهم لما يحصل بها من الأذى بدلالتها على ~~العداوة والشقاق لا بتغييرها في وجه شيء من الأدلة، و { الذين ظلموا } إن ~~أريد بهم اليهود فهم يقولون: ما رجع إلى الكعبة إلا محبة لبلده، ولو كان ~~في قبلتنا على أمر من الله سبحانه ما تحول عنه، وإن كان المشركين فهم ~~يقولون: قد استقبل بلدكم ومسجدكم فيوشك أن يدين دينكم. ولما نفى عن أهل ~~هذه القبلة بالثبات عليها كل سبيل تسبب عنه قوله: { فلا تخشوهم } أي في ~~هذا الأمر ولا غيره، فإني أريد عنكم كيدهم وأوهن أمرهم. ولما تبين أحكام ~~فعله ومضى ما يريد من ربطه وحله حثهم على لزوم هذه القبلة محذرا من ~~مخالفته في شيء من الأشياء فقال: { واخشوني } ثم عطف على علة الاستقبال ~~قوله: { ولأتم } أي بهذا الدين المفيد لعز الدارين ونعيمها الذي من جملته ~~هذا الاستقبال { نعمتي عليكم } بالتمكين من الحجج وغيره من أمور الدين ~~حين أنزل عليكم آية # اليوم أكملت ms0281 لكم دينكم # [المائدة: 3] كما أتممتها على إبراهيم خليلي صاحب هذا البيت الذي وجهتكم ~~إليه. قال الحرالي: وفي طيه بشرى بفتح مكة واستيلائه على جزيرة العرب ~~كلها وتمكنه بذلك من سائر أهل الأرض لاستغراق الإسلام لكافة العرب الذين ~~فتح الله بهم له مشارق الأرض ومغاربها التي انتهى إليها ملك أمته - ~~انتهى. { ولعلكم تهتدون } أي ولتكونوا على رجاء عند أنفسكم ومن يراكم ممن ~~لا يعلم العواقب من أن تهتدوا إلى الثبات على هذه القبلة وغيرها من أمر ~~هذا الدين سبب خشيتي فإنها جالبة لكل خير ودافعة لكل ضير. قال الحرالي: ~~وفي كلمة { لعل } على ما تقدم إبهام يشعر بتصنيفهم صنفين: مهتد للثبات ~~على السنة، ومتغير فيه بوجه من وجوه البدعة، لما ذكر من أن ما هو للخلق ~~تردد فهو من الحق تقسيم وإبهام في تعيين ذلك التقسيم والتصنيف، ففيه ~~إعلام لقوم بالاهتداء الدائم بما تفهمه صيغة الدوام وإشعار بانقطاع قوم ~~عن ذلك التمادي بما يفهمه ما هو للخلق بموضع الترجي، وفي طيه إشعار ~~باستبدادهم بالأمر بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وانقسامهم فيه بين ~~ثابت عليه دائم الاهتداء فيه ومتغير عنه كما ظهر فيما كان من ثبات من ثبت ~~بعده وردة من ارتد - انتهى. { كما } أي وجهناكم إلى الكعبة لهذه العلل { ~~أرسلنا } أي بعظمتنا { فيكم } لأجل ذلك بعينه ولئلا تقولوا ما كانوا ~~يقولون من أنكم لا حرمة لكم لإشراككم ولا إثم على من آذاكم فيتم عليكم ~~النعمة بإرسال من يستنقذكم اتباعه من الجهل والذل في الدنيا ومن العذاب ~~في الأخرى { رسولا } متصفا بأنه { منكم } تعرفون من صفته العلية وهممه ~~الشم الحاملة على اتباعه والتيمن برأيه ما لا يعرفه غيركم { يتلوا عليكم ~~آياتنا } الحافظة لمن رعاها حق رعايتها على الصراط المستقيم عوضا من ~~تناشدكم الأشعار. قال الحرالي: وفيه أخذهم بما هو في طباعهم من إيثار أمر ~~السمع على أمر العين الذي عليه جبلت العرب، لأنها أمة تؤثر مسموع المدح ~~والثناء من الخلق على ما تناله من الراحة فتجهد في طلب الثناء من ms0282 الخلق ~~ما لم تجهد أمة غيرها، فكيف بها إذا كان ما دعيت إليه ثناء الحق عليها ~~وتخليد ذلك لها في كلام هو كلام ربها. فتنال بذلك ما هو فوق مقصودها مما ~~جبلت عليه من إيثار السماع على العين بخلاف ما عليه سائر الأمم؛ ثم قال: ~~وفيه إغناء العرب عن إعمال أفكارها في تكسب العلم والحكمة لتستخرج منه ~~أحكاما، فكان في تلاوة الآيات عليهم إغناؤهم عن الاستدلال بالدلائل وأخذ ~~الأمور بالشواهد وتولي الله ورسوله تعليمهم ليكون شرف المتعلم بحسب علاء ~~من علمه، ففضل علماء العرب على سائر العلماء كفضل النبي صلى الله عليه ~~وسلم على معلمهم ممن سواه صلى الله عليه وسلم. # انتهى. # ولما كان السياق لفعل من الأفعال وهو التوجه إلى البيت للصلاة وكانت ~~الصلاة أعظم مطهر للقبول من أوضار الأدناس قدم قوله: { ويزكيكم } أي ~~يطهركم في أقوالكم وأفعالكم وينميكم بإنعاش قلوبكم لتشرف بالمعاني ~~الصالحة والأخلاق الطاهرة الموجبة للفوز الدائم والنجاة عما دنس اليهود ~~وأوجب لهم الضلال من مرض القلب بإنكار النسخ وكتم الحق وإفشاء الباطل ~~المثمر مع الضلال للإضلال. قال الحرالي: أنبأهم بأن هذا التنزيل لأنفسهم ~~بمنزلة الغذاء للأبدان، فكما تتنامى أجسادهم بماء المزن وما منه فكذلك ~~تتنامى أنفسهم بأحكام الكتاب وتلاوة الآيات، وذلك زكاؤها ونماؤها، لتتأكد ~~فيه رغبتهم، لأن للمغتذي رغبة في الغذاء إذا تحققه، فمن علم أن التزام ~~الأحكام غذاء لنفسه حرص عليها، ومتى نمت النفس وزكت قويت على ما شأنها أن ~~تناله قواها، كما أن البدن إذا قوي بالغذاء تمكن مما شأنه عمله - انتهى. ~~{ ويعلمكم الكتاب } المقيم للدين والدنيا. قال الحرالي: أي الفقه فيه { ~~والحكمة } دقائق الإشارات الشافية لأمراض القلوب المانعة من اتباع الهوى. ~~قال الحرالي: فخص تعليم الحكمة من عموم تعليم الكتاب، لأن التوسل ~~بالأحكام جهد عمل والتوسل بعلم الحكمة يسر منال عقل، لأن الحكمة منال ~~الأمر الذي فيه عسر بسبب فيه يسر فينال الحكيم بحكمته لاطلاعه على إفضاء ~~مجعول الأسباب بعضها لبعض مما بين أسباب عاجل الدنيا ومسببات آجل الآخرة ~~ما لا يصل إليه ms0283 جهد العامل الكادح وفي تكملة الكتاب والحكمة بكلمة " أل " ~~إنهاء إلى الغاية الجامعة لكل كتاب وحكمة بما يعلمه الأولون والآخرون. ثم ~~قال: وبذلك كان صلى الله عليه وسلم يتكلم في علوم الأولين بكلمات يعجز ~~عنها إدراك الخلق نحو قوله صلى الله عليه وسلم: # " استاكوا بكل عود ما خلا الآس والرمان فإنهما يهيجان عرق الجذام " # لأن الخلق لا يستطيعون حصر كليات المحسوسات، غاية إدراكهم حصر كليات ~~المعقولات، ومن استجلى أحواله صلى الله عليه وسلم علم اطلاع حسه على ~~إحاطة المحسوسات وإحاطة حكمها وألسنتها ناطقها وأعجمها حيها وجمادها ~~جمعا، لما في العادة حكمة ولما في خرق العادة آية؛ ثم قال: فعلى قدر ما ~~وهب الله سبحانه وتعالى العبد من العقل يعلمه من الكتاب والحكمة، يؤثر عن ~~عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يكلم أبا بكر رضي الله عنه فكأنما يتكلمان بلسان أعجمي لا أفهم مما ~~يقولان شيئا " ولما كان انتهاء ما في الكتاب عند هذه الغاية أنبأ تعالى ~~أن رسوله صلى الله عليه وسلم يعلمهم ما لم يكن في كتابهم مثال علمه. ففيه ~~إشعار بفتح وتجديد فطرة يترقون لها إلى ما لم يكن في كتابهم علمه - ~~انتهى. وذلك لأن استعمال الحكمة موجب للترقي فقال تعالى: { ويعلمكم ما لم ~~تكونوا تعلمون } أي من الاستنباط من الكتاب من المعارف بما يدريكم به من ~~الأقوال والأفعال ويسلككم فيه من طرق الخير الكاشفة لظلام الظلم الجالية ~~لمرأى الأفكار المنورة لبصائر الاعتبار. ### || [2.152-159] # ولما كان من المعلوم أن هذا الخير الذي يفتر عنه ذو بصيرة ولا يقصر دونه ~~من له أدنى همة إنما كان يذكر الله سبحانه وتعالى للعرب تفضلا منه عليهم ~~بعد طول الشقا وتمادي الجهل والجهد والعناء رغبهم فيما يديم ذلك مسببا ~~له عما تقدم فقال: { فاذكروني } أي لأجل إنعامي عليكم بهذا وبغيره { ~~أذكركم } فأفتح لكم من المعارف وأدفع عنكم من المخاوف ما لا يدخل تحت حد ~~{ واشكروا لي } وحدي من غير شريك تشركون معي أزدكم، وأكد ms0284 هذه الإشارة ~~بقوله { ولا تكفرون } أي أسلبكم. قال الحرالي: ولما كان للعرب ولع بالذكر ~~لآبائهم ولوقائعهم ولأيامهم جعل سبحانه وتعالى ذكره لهم عوض ما كانوا ~~يذكرون، كما جعل كتابه عوضا من إشعارهم وهز عزائهم لذلك بما يسرهم به من ~~ذكره لهم - انتهى. # ولما ختم الآيات الآمرة باستقبال البيت في الصلاة بالأمر بالشكر ومجانبة ~~الكفر وكان ذلك رأس العبادة وفاعله شديد الافتقار إلى المعونة التفت إلى ~~قوله تعالى في أم الكتاب: # إياك نعبد وإياك نستعين # [الفاتحة: 5] فأمرهم بما تضمن ذلك من الصبر والصلاة # إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر # [العنكبوت: 45] عالما بأنهم سيمتثلون حيث عصى بنو إسرائيل حين أمرهم ~~بمثل ذلك في أول قصصهم بقوله: # وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين # [البقرة: 43] إلى أن قال: # واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين # [البقرة: 45] فكان في ذلك إشارة إلى أنهم هم الخاشعون وحسن موقع هذه ~~الآية كونها بعد أذى أهل الكتاب بنسبهم لهم إلى بطلان الدين بتغيير ~~الأحكام ونحو ذلك من مر الكلام كما في الآية الأخرى # ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا ~~وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور # [آل عمران: 186] وكونها عقب الأمر بالذكر والشكر إيماء إلى أن ملاك كل ~~منهما الصبر والصلاة فكأنه قيل: لا تلتفتوا إلى طعن الطاعنين في أمر ~~القبلة فيشغلكم ذلك عن ذكري وشكري بل اصبروا وصلوا إلي متوجهين إلى ~~القبلة التي أمرتكم بها عالمين أن الصبر والصلاة نعم العون على كل ما ~~ينوب من دين ودنيا، وأرشق من هذا أن يقال: ولما علم من هذه الآيات إعضال ~~ما بينهم وبين السفهاء وأمرهم بالدواء المنجح من الإعراض عنهم والإقبال ~~على ذكره وشكره أتبع ذلك للإشارة إلى أن الأمر يصل إلى أشد مما توهموه ~~فقال: يا أيها الذين آمنوا } مخاطبا لهم على وجه يشمل الكامل صلى الله ~~عليه وسلم ولعله صرف الخطاب عنه لما في السياق مما يحمي عنه صلى الله ~~عليه وسلم مقامه العالي { استعينوا بالصبر } أي ms0285 على ما تلقون منهم وعلى ~~الإقبال إلي لأكفيكم كل مهم { والصلاة } فإنها أكبر معين لأنها أجمع ~~العبادات، فمن أقبل بها على مولاه حاطه وكفاه لإعراضه عن كل ما سواه، لأن ~~ذلك شأن كل كبير فيمن أقبل بكليته عليه. # ولما كانت الصلاة لا تقوم إلا بالصبر اقتصر على التعليل به فقال: { إن ~~الله } أي الذي له الكمال كله { مع الصابرين } أي ومعلوم أن من كان الله ~~سبحانه وتعالى معه فاز. قال الحرالي: وأيسر الصبر صبر النفس عن كسلها ~~بأخذها بالنشاط فيما كلفت به # لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها # [الطلاق: 7] و # لا يكلف الله نفسا إلا وسعها # [البقرة: 286] فمتى يسر الله سبحانه وتعالى عليها الجد والعزيمة جعل لها ~~فيما كانت تصبر عليه في الابتداء الاستحلاء فيه وخفت عنها وظيفة الصبر، ~~ومتى لم تصبر عن كسلها وعلى جدها تدنست فنالها عقوبات يكون الصبر عليها ~~أشد من الصبر الأول، كما أن من صبر عن حلو الطعام لم يحتج أن يصبر على مر ~~الدواء، فإن تحملت الصبر على عقوبات ضياع الصبر الأول تداركها نجاة من ~~اشتداد العقوبة عليها، وإن لم تتصبر على تلك العقوبات وقعت في مهالك ~~شدائد العذاب فقيل لأهلها # فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم # [الطور: 16] ثم قال: فبداية الدين صبر وخاتمته يسر، فإن من كان الله ~~سبحانه وتعالى معه رفع عنه مرارة الصبر بوضع حلاوة الصحبة التي تشعر بها ~~كلمة مع - انتهى. # ولما أشار لهم إلى ما يستقبلونه من حال الطاعنين في دينهم ورقاهم في ذلك ~~درجة بعد درجة أتبعه ما دل على أن الأمر يصل إلى القتل وما داناه ليأخذوا ~~لذلك أهبته ويعتدوا له عدته. # وقال الحرالي: ولما كان الصبر لله إنما هو حمل النفس على ما تعهد فيه ~~كرهها أنبأهم الحق تعالى أن الصبر له ليس على المعهود وأنه يوجد فيه عند ~~تجشمه حلاوة لذة الحياة وإن كان ذلك مما لا يناله شعور الذين آمنوا ~~لخفائه عن إدراك المعقول فأنبأهم بما يحملهم على تجشم الصبر في الجهاد في ms0286 ~~سبيل الله فقال: { ولا تقولوا } عطفا على متجاوز أمور تقتضيها بركة ~~الجهاد - انتهى. أي وجاهدوهم لتقتلوهم ويقتلوكم وتسلبوهم ويسلبوكم ولا ~~تقولوا، أو يقال: ولما كان الصبر واقعا على أمور أشقها الجهاد ثم الحج ~~ثم الصوم وكان بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم قد سألوا عمن مات منهم ~~على قبلة بيت المقدس فبين لهم ما صاروا إليه بقوله تعالى: # وما كان الله ليضيع إيمانكم # [البقرة: 143] تلو آية الصبر بتبيين حال الشهداء المقتولين في الجهاد ~~من المؤمنين دفعا لظن أنهم أموات والتفاتا إلى ما أشار به إلى صيرورة ~~الأمر إلى الحرب حيث عاب المانعين للمسجد وأخبر بأنه سيحصل لهم خزي في ~~الدنيا بالقتل والأسر وعذاب عظيم في الآخرة بالنار والسخط، وإيماء إلى ~~أنه سيأذن لهم في مقارعة من أمرهم بالصبر على أذاهم من أهل الكتاب حتى ~~يمحقهم السيف ويسكنهم الذل والخوف، فالمعنى: اصبروا على كل ما يقوله أهل ~~الكتاب وغيرهم في أمر القبلة وغيره وعلى كل ما يغير به الشيطان في وجه ~~الإيمان وصلوا إلى البيت الذي وجهتكم إليه وجاهدوا كل من خالفكم حتى يكون ~~الدين لله صابرين على كل ما ينوب في ذلك من القتل والنهب وغيره ولا ~~تقولوا إذا قاتلتم الكفار المناصبين لكم من العرب وغيرهم من أهل الكتاب ~~وغيرهم { لمن يقتل } منكم { في سبيل الله } أي الذي له جميع صفات الكمال ~~بأن يقاتلوا لتكون كلمة الله هي العليا لا لشيء غير ذلك من دنيا أو ~~عصبية، فإنا سنكتب عليكم الجهاد، ونستشهد منكم شهداء: إنهم { أموات } بل ~~قولوا: إنهم شهداء، فإنهم ليسوا بأموات { بل } هم { أحياء } وسيأتي في آل ~~عمران أن ذلك معنى الشهيد. # قال الحرالي: فكأنه تعالى ينفي عن المجاهد مثال المكروه من كل وجه حتى ~~في أن يقال عنه إنه ميت، فحماه من القول الذي هو عندهم من أشد غرض أنفسهم ~~لاعتلاق أنفسهم بجميل الذكر، ثم قال وأبهم أمرهم في هذه السورة ونفى عنهم ~~القول، لأن هذه سورة الكتاب المدعو به الخلق وصرح بتفضيله في آل عمران ~~لأنها ms0287 سورة قيام الله الذي به تجلى الحق فأظهر غيب أمره في سورة إظهار ~~أمره وأخفاه في سورة ظاهر دعوتهم - انتهى. # ولما كان الحس قاصرا عما أخبر به سبحانه وتعالى قال منبها على ذلك { ~~ولكن لا تشعرون } أنهم أحياء كما ترون النيام همودا لا يتحركون ولا شعور ~~لكم بمن فيهم ينظر، أحلاما من غيره، فلا فخر أعظم من ذلك في الدنيا ولا ~~عيش أرغد منه في الآخرة، وأما المقتول من أعدائكم فليس له في الدنيا إلا ~~الخزي والفضيحة بالقهر والذل والهوان والعذاب الذي لا آخر له في الآخرة. ~~قال الحرالي: قال ذلك نفيا بكلمة لا ومثال الدوام ففيه إعلام بأن الذين ~~آمنوا ليس في رتبتهم الشعور به أصلا إلا أن يرقيهم الله بنماء سن القلوب ~~وصفاء الأنفس إلى ما فوق ذلك من سن المؤمنين إلى سن المحسنين الذين ~~يشهدون من الغيب ما لا يشهده من في رتبة الذين آمنوا - انتهى. وفي هذا ~~إشارة إلى أن كون الله معهم لا يمنع أن يستشهد منهم شهداء، بل ذلك من ~~ثمرات كون الله معهم حيث يظفر من استشهد منهم بسعادة الأخرى ومن بقي ~~بسعادة الدارين، وتلخيص ذلك أن يقال إنه لما كان حاصل ما تقدم في هذه ~~السورة أن أهل الأرض كلهم قريبهم وبعيدهم وثنيهم وكتابيهم مطبقون على ~~عداوة أهل هذا الدين وكان كثيرا ما يأمرهم بالصبر على أذاهم اشتد تشوف ~~النفوس إلى أنه هل بعد هذا الكف من فعل، فأشار إلى أنه سيأمر بعد الصبر ~~على أذى اللسان بالصبر على جلاد السيف والسنان أمرا عاما فقال عاطفا ~~هذا النهي على الأمر بالصبر، أي اصبروا الآن على هذا الأذى ثم اصبروا إذا ~~أمرتكم بالجهاد على وقع السيوف واقتحام الحتوف وفقد من يقتل منكم ولا ~~تصفوهم بالموت، ولعله فاجأهم بما تضمنته هذه الآية توطينا لهم على القتل ~~في سبيله وكان استشرافهم إلى الحرب قد كثر وبشرهم بأن القتيل فيه حي وإن ~~رئي ميتا تسلية لهم عن هذا الحادث العظيم والخطب الجسيم. # ولما كان من شأن ms0288 الطين الذي منه البشر وما تولد منه أن لا يخلص عن ~~الشوائب إلا بعد معاناة شديدة، ألا ترى أن الذهب أصفاه وهو لا يخلو عن ~~الغش ولا يعرى عما خالطه من الدنس إلا بالامتحان بشديد النيران! قال ~~تعالى معلما لهم بالتربية بما تحصل به التصفية بما تؤدي إليه مناصبة ~~الكفار ومقارعة أهل دار البوار: { ولنبلونكم } عطفا على ما أرشد إليه ~~التقدير من نحو قوله: فلنأمركم بمقارعة كل من أمرناكم من قبل بمجاملته ~~وليتمالأن عليكم أهل الأرض ولنبلونكم أي يصيبكم بأشياء إصابة تشبه فعل ~~المختبر لأحوالكم ليظهر الصابر من الجزع. قال الحرالي: فالصبر الأول أي ~~في { أن الله مع الصابرين } عن الكسل وعلى العمل، والصبر الثاني أي في { ~~وبشر الصابرين } على مصائب الدنيا، فلذلك انتظم بهذه الآيات آية { ~~ولنبونكم } عطفا وتجاوزا لأمور يؤخذ بها من لم يجاهد في سبيل الله ~~ضعفا عن صبر النفس عن كره القتال # يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القتال وهو كره لكم # [البقرة: 216] فمن لم يحمل الصبر الأول على الجهاد أخذ بأمور هي بلايا ~~في باطنه تجاوزها الخطاب فانعطف عليها { ولنبلونكم بشيء من الخوف } وهو ~~حذر النفس من أمور ظاهرة تضرها { والجوع } وهو غلبة الحاجة إلى الغذاء ~~على النفس حتى تترامى لأجله فيما لا تتأمل عاقبته، فإذا كان على غير غلبة ~~مع حاجة فهو الغرث، فلذلك في الجوع بلاء ما والغرث عادة جارية. وقال ~~أيضا: الجوع فراغ الجسم عما به قوامه كفراغ النفس عن الأمنة التي لها ~~قوام ما، فأفقدها القوامين في ذات نفسها بالخوف وفي بدنها بالجوع لما لم ~~تصبر على كره الجهاد، وقد كان ذلك لأهل الصبر عليه أهون من الصبر على ~~الخوف والجوع، وأيما كان أول نائلهم من هذا الابتلاء الخوف حيث خافوا ~~الأعداء على أنفسهم فجاءهم إلى مواطنهم، من لم يمش إلى طبيبه ليستريح جاء ~~الطبيب لهلاكه، وشتان بين خوف الغازي للعدو في عقره وبين خوف المحصر في ~~أهله، وكذلك شتان بين أرزاق المجاهد وتزويده وخير الزاد التقوى في سبيله ~~لجهاده وبين ms0289 جوع المتخلف في عيلته - انتهى. ونكر الشيء وما بعده حثا على ~~الشكر بالإشارة إلى أن كل ما أصاب منها ففي قدرة الله ما هو أعظم منه، ~~فعدم الإصابة به نعمة. # ولما كان الجوع قد يكون عن رياضة بين أنه عن حاجة بقوله: { ونقص } وهو ~~التقاصر عن الكفاف { من الأموال } أي النعم التي كانت منها أغذيتهم. قال ~~الحرالي: لأن ذلك عرف استعمالهم في لفظ المال. وقال أيضا: والمال ما هو ~~للمتمول بمنزلة الجزء منه عنده لماله لذلك منه، فضاعف تعالى مثال البلاء ~~في ذوات أنفسهم وأبدانهم ليقطع عنهم راحة تطلع الكفاية من الأموال في ~~مقابلة ما ينال المجاهد من الغناء والرزق، فالمجاهد آمن في جيشه متزود في ~~رحله غانم من عدوه، والمتخلف خائف في أهله جائع في عيلته ناقص المال من ~~ذات يده - انتهى. # ولما كان ذلك قد يكون عن إفراط في الكثرة قال: { والأنفس } قال الحرالي: ~~فيه إشعار بأن من جاهد كثر عدده ونما ولده، وأن من تكاسل قل عدده ودرج ~~خلفه، وفي ضمنه إشعار بمنال المتكاسل حواصد من جوارف الآجال من الوباء ~~والطاعون وغيره - انتهى. وقال: { والثمرات } التي هي نفس الأشجار التي ~~بها قوام أنفس الأبدان تخصيصا لها بالذكر، لأنها أعظم أموال الأنصار ~~الذين هم من أخص الناس بهذا الذكر لا سيما في وقت نزول هذه الآيات وهو ~~أول زمان الهجرة. # ولما كان السياق مرشدا إلى أن التقدير: فأنذر من لم يصبر، ولكنه طوى ~~إشارة إلى إجلال الذين آمنوا عن أن يكون فيهم من لم يصبر عطف عليه ~~إرشادا إليه وحثا على الصبر ثم ذكر الموجبين للنصر قوله: { وبشر ~~الصابرين } وقال الحرالي: ولما كان هذا البلاء عن تكاسل من الصبر الأول ~~كما قال تعالى: # إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم # [الرعد: 11] وكان مما يتداركه صبر عليه تدارك تعالى هذه الرتبة ببشرى ~~الصابرين من هلكه ما ينال من لم يصبر على هذه المصيبة وضجر منها وتسخط ~~فيها، فكان للصابر الأول الصحبة بقوله: { إن الله مع الصابرين ms0290 }. # ولما كان للصابر الثاني البشرى بالسلامة من عقوبة الآخرة ومنالهم لما ~~نولهم وشتان بين من كان الله معه وبين من قيل لنبيه بشره بصبره على بلاء ~~التخلف، وما كان للأنفس مدخل في تحمل الصبر شرفا وحفيظة على الأحساب ~~والرتب الدنيوية خلص تعالى الصابرين له من الصابرين تطبعا وتحاملا ~~فقال: { الذين إذا أصابتهم } من الإصابة وهو وقوع المسدد على حد ما سدد ~~له من موافق لغرض النفس أو مخالف لها { مصيبة } خصيصة عرف الاستعمال بما ~~لا يوافق نكرها لخصوص ذكره - انتهى. والمراد أي مصيبة كانت ولو قلت ~~وضعفت بما أفهمه تأنيثه الفعل { قالوا إنا لله } أي الملك المحيط بكل شيء ~~إسلاما بأنفسهم لربهم فهو يفعل بنا من هذه المصيبة وغيرها ما يريد فهو ~~المسؤول في أن يكون ذلك أصلح لنا. # ولما كان التقدير بيانا لكونهم لله تقريرا للاستسلام به: نحن مبتدئون، ~~عطف عليه { وإنا إليه } أي لا إلى غيره { راجعون } معنى في أن جميع ~~أمورنا لا يكون شيء منها إلا به وحسابا لبعث وظهور ذلك بعده ظهورا ~~تاما. قال الحرالي: لتكون ذلك غاية في إسلام ثمراتهم وأموالهم وما نقصوا ~~من أنفسهم، فحين لم يجاهدوا في سبيل الله فأصابتهم المصائب كان تلافيهم ~~أن يسلموا أمرهم لله ويذكروا مرجعهم إليه ويشعروا أن ما أخذ من أنفسهم ~~وما معها ذخيرة عنده، فيكون ذلك شاهد إيمانهم ورجائهم للقائهم فتقع ~~مجاهدتهم لأنفسهم في ذلك بموقع جهادهم في سبيل الله الذي فاتهم وجعلها ~~جامعة مطلقة لكل من أصابته مصيبة فاسترجع بها ثبت أجره بما أصيب وتلاقاه ~~الله بالاهتداء إلى ما تقاصر عنه ذلك قال: { أولئك } خطابا لنبيه ~~واستحضارا لهم بمحل بعد عن قربه وغيبة عن إقباله عليهم. قال: { عليهم ~~صلوات } صلاة الله على عباده هي إقباله عليهم بعطفه إخراجا لهم من حال ~~ظلمة إلى رفعة نور، قال: # هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور # [الأحزاب: 43] فبصلاتهم عليهم إخراجهم من جهات ما أوقعهم في وجوه تلك ~~الابتلاءات، فلذلك كان ذلك صلوات بالجمع ولم يكن صلاة ms0291 ليعدد ما أصابهم ~~منه عدد تلك الابتلاءات، وفي قوله تعالى: { من ربهم } إشعار بتدريجهم في ~~ذلك بحكم تربية وتدارك الأحوال ما أصابهم، قال تعالى: { ورحمة } إفراد ~~لمنالها لهم بعد متقدم الصلوات عليهم، فنالتهم الرحمة جمعا حين أخرجتهم ~~الصلوات أفرادا. قال تعالى: { وأولئك } إشارة إلى الذين نالتهم الصلوات ~~والرحمة فأبقاهم مع ذلك في محل بعد في الحضرة وغيبة في الخطاب { هم ~~المهتدون } فجاء بلفظ { هم } إشعارا بصلاح بواطنهم عما جره الابتلاء من ~~أنفسهم - انتهى. والذي يلوح لي أن أداة البعد في { أولئك } إشارة إلى علو ~~مقامهم وعز مرامهم، ولذا عبر عن هدايتهم بالجملة الاسمية على وجه يفهم ~~الحصر؛ والصلاة الإنعام بما يقتضي التشريف، والرحمة الإنعام بما يقتضي ~~العطف والتحنن - والله سبحانه وتعالى الموفق؛ وفي ذلك إشارة إلى الأمر ~~بالإعراض عن أهل الكتاب فيما يطعنون عليهم به بألسنتهم والإملاء لهم إلى ~~حين الإذن في مطاعنتهم بالرماح ومصالتتهم ببيض الصفاح، كما في الآية ~~الأخرى # لتبلون في أموالكم وأنفسكم # [الأعراف: 186] إلى آخرها ويمكن أن يراد " بالخوف الجهاد ". وبالجوع ~~الصوم، وبنقص الأموال زكاة الصامت من المال، وبالأنفس زكاة الحيوان، ~~وبالثمرات زكاتها؛ لكن الأنسب لافتتاح الآية واختتامها وما تقدمها وتلاها ~~أن تكون مقصورة على الجهاد. # ولما فرغ مما أراد من أحوال الطاعنين في القبلة التي هي قيام للناس وما ~~استتبع ذلك مما يضطره إليه في إقامة الدين من جدالهم وجلادهم وختم ذلك ~~بالهدى شرع في ذكر ما كان البيت به قياما للناس من المشاعر القائدة إلى ~~كل خير الحامية عن كل ضير التي جعلت مواقفها أعلاما على الساعة لا سيما ~~والحج أخو الجهاد في المشقة والنزوح عن الوطن وقد سماه النبي صلى الله ~~عليه وسلم أحد الجهادين مع أنه من أعظم مقاصد البيت المذكورة في هذه ~~الآيات مناقبه المتلوة مآثره المنصوبة شعائره التي هي في الحقيقة دعائمه ~~من الاعتكاف والصلاة والطواف المشار إلى حجه واعتماره بقوله: # مثابة للناس وأمنا # [البقرة: 125] فأفصح به بعد تلك الإشارة بعض الإفصاح إذ كان لم يبق من ~~مفاخره العظمى غيره وضم ms0292 إليه العمرة الحج الأصغر لمشاركتها له في إظهار ~~فخاره وإعلاء مناره فقال: { إن الصفا والمروة } فهو كالتعليل لاستحقاق ~~البيت لأن يكون قبلة، وعرفهما لأنهما جبلان مخصومان معهودان تجاه الكعبة، ~~اسم الصفا من الصفوة وهو ما يخلص من الكدر، واسم المروة من المرو وهو ما ~~تحدد من الحجارة - قاله الحرالي. وخصهما هنا بالذكر إشارة إلى أن بركة ~~الإقبال عليهما على ما شرع الله سبحانه وتعالى مفيدة لحياة القلوب بما ~~أنزل على هذا الرسول صلى الله عليه وسلم من الكتاب والحكمة الباقيين إلى ~~آخر الدهر شفاء للقلوب وزكاة للنفوس زيادة للنعمة بصفة الشكر وتعليما ~~بصفة العلم كما كان الإقبال على السعي بينهما تسليما لأمر الله مفيدا ~~لحياة أبيه إسماعيل عليه الصلاة والسلام ونفع من بعده بما أنبع له من ماء ~~زمزم الباقي إلى قيام الساعة طعام طعم وشفاء سقم، وفي ذلك مع تقديم الصفا ~~إشارة للبصراء من أرباب القلوب إلى أن الصابر لله المبشر فيما قبلها ~~ينبغي أن يكون قلبه جامعا بين الصلابة والصفا، فيكون بصلابته الحجرية ~~مانعا من القواطع الشيطانية، وبرقته الزجاجية جامعا للوامع الرحمانية، ~~بعيدا عن القلب المائي بصلابته، وعن الحجري بصفائه واستنارته. ومن أعظم ~~المناسبات أيضا كون سبيل الحج إذ ذاك كان ممنوعا بأهل الحرب، فكأنها ~~علة لما قبلها وكأنه قيل: ولنبلونكم بما ذكر لأن الحج من أعظم شعائر هذا ~~البيت الذي أمرتم باستقباله وهو مما يفرض عليكم وسبيله ممنوع بمن تعلمون، ~~فلنبلونكم بقتالهم لزوال مانع الحج وقتال غيرهم من أهل الكتاب وغيرهم ~~لإتمام النعمة بتمام الدين وظهوره على كل دين. ومن أحسنها أيضا أنه ~~تعالى لما ذكر البلايا بنقص الأموال بسبب الذنوب # وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم # [الشورى: 30] أتبعها الدواء الجابر لذلك النقص دينا ودنيا، # " فإن الحج والعمرة ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الذهب ~~والفضة " # رواه الإمام أحمد والترمذي والنسائي وابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما عن ~~عبد الله ابن مسعود رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم وروي ~~أيضا عن ms0293 عدة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم كما بينته في كتابي الاطلاع ~~على حجة الوداع. # وقال الحرالي: لما تقدم ذكر جامعة من أمر الحج في قوله سبحانه وتعالى # ولأتم نعمتي عليكم # [البقرة: 150] من حيث أن النعمة المضافة إليه أحق بنعمة الدين وفي ضمنها ~~نعمة الدنيا التي لم يتهيأ الحج إلا بها من الفتح والنصر والاستيلاء على ~~كافة العرب كما قال تعالى فيما أنزل يوم تمام الحج الذي هو يوم عرفة # اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي # [المائدة: 3] وذلك بما أتم الله سبحانه وتعالى عليهم من نعمة تمام معالم ~~الدين وتأسيس الفتح بفتح أم القرى التي في فتحها فتح جميع الأرض لأنها ~~قيام الناس نظم تعالى بما تلاه من الخطاب تفصيلا من تفاصيل أمر الحج ~~انتظم بأمر الذين آمنوا من حيث ما في سبب إنزاله من التحرج للذين أعلموا ~~برفع الجناح عنهم وهم طائفة من الأنصار كانوا يهلون لمناة وكانت مناة حذو ~~قديد فتحرجوا من التطوف بين الصفا والمروة. وطائفة أيضا خافوا أن يلحقهم ~~في الإسلام بعملهم نحو ما كانوا يعملونه في الجاهلية نقص في عمل الإسلام، ~~فأعلمهم الله سبحانه وتعالى أن ذلك موضوع عنهم لمختلف نياتهم فإن الأعمال ~~بالنيات، فما نوي لله كان لله ولم يبل فيه بموافقة ما كان من عاداتهم في ~~الجاهلية، وفي فقهه صحة السجود لله سبحانه وتعالى لمن أكره على السجود ~~للصنم، وفي طي ذلك صحة التعبد لله بكلمة الكفر لمن أكره عليها، أذن صلى ~~الله عليه وسلم غير مرة في أن يقول فيه قائل ما يوافق الكفار بحسن نية ~~للقائل فيه ذلك ولقضاء حاجة له من حوائح دنياه عند الكفار، فظهر بذلك ~~كونه صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين، يقبل الضمائر ولا يبالي بالظواهر ~~في أحوال الضرائر، فرفع الله سبحانه وتعالى عنهم الجناح بحسن نياتهم ~~وإخلاصهم لله سبحانه وتعالى عملهم، فبهذا النحو من التقاصر في هذه الرتبة ~~انتظم افتتاح هذا الخطاب بما قبله من أحوال الذين آمنوا من المبتلين بما ~~ذكر - انتهى. { من شعائر ms0294 الله } أي أعلام دين الملك الأعلى الذي دان كل ~~شيء لجلاله. وقال الحرالي: وهي أي الشعائر ما أحست به القلوب من حقه، ~~وقال: والشعيرة ما شعرت به القلوب من أمور باطنة # ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب # [الحج: 32] وإنما ذكرها تعالى بالشعائر وعملها معلم من معالم الإسلام ~~وحرمة من حرم الله لما كان حكم في أمر القلوب التي كان في ضمائرها تحرجهم ~~فمن حيث ذكرها بالشعيرة صححها الإخلاص والنية { فمن حج } من الحج وهو ~~ترداد القصد إلى ما يراد خيره وبره. وقال الأصفهاني: أصله زيادة شيء ~~تعظمه - انتهى. { البيت } ذكر البيت في الحج والمسجد الحرام في التوجه ~~لانتهاء الطواف إلى البيت واتساع المصلى من حد المقام إلى ما وراءه لكون ~~الطائف منتهيا إلى البيت وكون المصلي قائما بمحل أدب يؤخره عن منتهى ~~الطائف مداناة البيت، وذكره تعالى بكلمة " من " المطلقة المستغرقة لأولي ~~العقل تنكبا بالخطاب عن خصوص المتحرجين، ففي إطلاقه إشعار بأن الحج لا ~~يمنعه شيء مما يعرض في مواطنه من مكروه الدين لاشتغال الحاج بما هو فيه ~~عما سواه، ففي خفي فقهه إعراض الحاج عن مناكر تلك المواطن التي تعرض فيها ~~بحسب الأزمان والأعصار، ويؤكد ذلك أن الحج آية الحشر وأهل الحشر # لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه # [عبس: 37] فكذلك حكم ما هو آيته؛ وحج البيت إتيانه في خاتمة السنة من ~~الشهور الذي هو شهر ذي الحجة أنه ختم العمر، كما كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم حيث ختم الله سبحانه وتعالى عمره بعمل الحج؛ قال سبحانه وتعالى { أو ~~اعتمر } فذكر العمرة مع الحج لما كان الطواف بين الصفا والمروة من شعائر ~~العملين { فلا جناح } وهو المؤاخذة على الجنوح، والجنوح الميل عن جادة ~~القصد - انتهى { عليه أن يطوف } أي يدور بهمة وتعمد ونشاط { بهما } ~~باديا بما بدأ الله. قال الحرالي: رفع الجناح عن لفعل حكم يشترك فيه ~~الجائز والواجب والفرض والمباح حتى يصح أن يقال: لا جناح عليك أن تصلي ~~الظهر، كما يقال: لا جناح عليك ms0295 أن تطعم إذا جعت؛ وإنما يشعر بالجواز ~~والتخيير نفي الجناح عن الترك لا عن الفعل، كما قال عليه الصلاة والسلام ~~للذين سألوه عن العزل: # " لا جناح عليكم أن لا تفعلوا " # أي أن لا تنزلوا، لأن الفعل كناية عن الثبوت لا عن الترك الذي هو معنى ~~العزل " وهو الذي قررته عائشة رضي الله تعالى عنها لما قال عروة: ما أرى ~~على أحد شيئا أن لا يطوف بهما، فقالت: لو كان كما تقول كان: فلا جناح ~~عليه أن لا يطوف بهما الحديث. قلت: ولعل التعبير بالنفي إنما اختير ليدل ~~على نفي ما توهموه بالمطابقة، وتقع الدلالة على الوجوب بإفهام الجزاء لأن ~~من حج أو اعتمر ولم يتطوف بهما كان عليه حرج، وبالسنة التي بينته من قوله ~~صلى الله عليه وسلم: # " اسعوا فإن الله قد كتب عليكم السعي " # ومن فعله صلى الله عليه وسلم مع قوله. # " خذوا عني مناسككم " # ومن عدهما من الشعائر ونحو ذلك. قال الحرالي: وما روي من قراءة من قرأ { ~~أن لا يطوف بهما } فليست { لا } نافية على حد ما نفت معناه عائشة رضي ~~الله تعالى عنها وإنما هي مؤكدة للإثبات بمنزلة # ما منعك ألا تسجد # [الأعراف: 12] و # لئلا يعلم أهل الكتاب # [الحديد: 29] لأن من تمام المبهم استعماله في المتقابلين من النفي ~~والإثبات كاستعماله في وجوه من التقابل كما تستعمل { ما } في النفي ~~والإثبات، وكذلك جاءت " لا " في لسان العرب بمنزلتها في الاستعمال وإن ~~كان دون ذلك في الشهرة، فوارد القرآن معتبر بأعلى رتبة لغة العرب ~~وأفصحها، لا يصل إلى تصحيح عربيته من اقتصر من النحو والأدب على ما دون ~~الغاية لعلوه في رتبة العربية # إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون # [الزخرف: 2] انتهى. والذين قرؤوا بزيادة " لا " علي وابن عباس - بخلاف ~~عنه - وأبي بن كعب وابن مسعود وأنس بن مالك رضي الله تعالى عنهم وسعيد بن ~~جبير ومحمد بن سيرين وميمون بن مهران، كما نقل ذلك الإمام أبو الفتح ~~عثمان بن جني في كتابه المحتسب في توجيه القراءات - الشواذ؛ ومعنى ms0296 قول ~~عائشة رضي الله تعالى عنها لكان أن لا يطوف خاصة، ولم ترد قراءة ~~بالإثبات؛ وأما مع قراءة الإثبات فإن المعنى يرشد إلى أن قراءة النفي ~~مثلها، لأن كونهما من الشعائر يقتضي التطوف بهما لا إهمالهما - والله ~~سبحانه وتعالى أعلم. قال الحرالي: وذكره تعالى بالتطوف الذي هو تفعل أي ~~تشبه بالطواف، ومع البيت بالطواف في قوله تعالى: # أن طهرا بيتي للطائفين # [البقرة: 125] لما كان السعي ترددا في طول، والمراد الإحاطة بهما، فكان ~~في المعنى كالطواف لا في الصورة، فجعله لذلك تطوفا أي تشبها بالطواف - ~~انتهى. # ولما كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم لم يقصدوا بترك الطواف بينهما إلا ~~الطاعة فأعلموا أن الطواف بينهما طاعة، عبر بما يفيد مدحهم فقال تعالى: { ~~ومن تطوع } قال الحرالي: أي كلف نفسه معاهدة البر والخير من غير ~~استدعاء له { خيرا } فيه إعلام بفضيلة النفقة في الحج والعمرة بالهدي ~~ووجوه المرافق للرفقاء بما يفهمه لفظ الخير، لأن عرف استعماله في خير ~~الرزق والنفقة، كما قال تعالى: # وإنه لحب الخير لشديد * # [العاديات: 8] و # إن ترك خيرا # [البقرة: 180]؛ ولما كان رفع الجناح تركا عادلها في الخطاب بإثبات عمل ~~خير ليقع في الخطاب إثبات يفيد عملا حين لم يفد الأول إلا تركا، فمن ~~تحقق بالإيمان أجزل نفقاته في الوفادة على ربه واختصر في أغراض نفسه، ومن ~~حرم النصف من دنياه اقتصر في نفقاته في وفادته على ربه وأجزل نفقاته في ~~أغراض نفسه وشهوات عياله، فذلك من أعلام المؤمنين وأعلام الجاهلين، من ~~وفد على الملك أجزل ما يقدم بين يديه، وإنما قدمه بالحقيقة لنفسه لا ~~لربه، فمن شكر نعمة الله بإظهارها حين الوفادة، عليه في آية بعثة إليه ~~ولقائه له شكرا لله له ذلك يوم يلقاه، فكانت هدايا الله له يوم القيامة ~~أعظم من هديه إليه يوم الوفادة عليه في حجه وعمرته { فإن الله } أي ~~المحيط بجميع صفات الكمال { شاكر } أي مجاز بالأعمال مع المضاعفة ~~لثوابها؛ قال الحرالي: وقوله: { عليم * } فيه تحذير من مداخل الرياء ~~والسمعة في إجزال النفقات لما ms0297 يغلب على النفس من التباهي في إظهار الخير ~~- انتهى. # ولما تقدم أن بعض أهل الكتاب يكتمون ما يعلمون من هذا لحق وختم ما اتبعه ~~له بصفتي الشكر والعلم ترغيبا وترهيبا بأنه يشكر من فعل ما شرعه له ~~ويعلم من أخفاه وإن دق فعله وبالغ في كتمانه انعطف الكلام إلى تبكيت ~~المنافقين منهم والمصارحين في لعنهم على كتمانهم ما يعلمون من الحق إذ ~~كانت هذه كلها في الحقيقة قصصهم والخروج إلى غيرها إنما هو استطراد على ~~الأسلوب الحكيم المبين لأن هذا الكتاب هدى وكان السياق مرشدا إلى أن ~~التقدير بعد { شاكر عليم } ومن أحدث شرا فإن الله عليم قدير، فوصل به ~~استئنافا قوله على وجه يعمهم وغيرهم: { إن الذين يكتمون } بيانا ~~لجزائهم { ما أنزلنا } أي بعظمتنا. قال الحرالي: فانتظمت هذه الآية أي في ~~ختمها لهذا الخطاب بما مضى في أوله من قوله: # ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون # [البقرة: 42] فكانت البداية خاصة وكان الختم عاما، ليكون ما في كتاب ~~الله أمرا على نحو ما كان أمر محمد صلى الله عليه وسلم ومن تقدمه من ~~الرسل خلقا لينطبق الأمر على الخلق بدءا وختما انطباقا واحدا، فعم ~~كل كاتم من الأولين والآخرين - انتهى { من البينات } أي التي لا يحتاج ~~سامعها المجرد عن الهوى في فهمها إلى شيء معها. قال الحرالي: ففي إفهامه ~~إذن في كتم ما يخفى من العلم عن عقول لم تصل إليه - انتهى. { والهدى } أي ~~الذي من شأنه أن يقود من أحبه إلى صراط مستقيم. # ولما كان المراد الترهيب من الكتمان في وقت ما ولو قل أثبت الجار فقال { ~~من بعد ما بيناه } أي بما لنا من العظمة { للناس } أي الذين هم في أدنى ~~طبقات المخاطبين، وفيه تبكيت عظيم لبني إسرائيل فإنهم من أعظم المقصودين ~~بذلك لكتمانهم ما عندهم. قال الحرالي: لأن المسمين بالناس من أصاغر سن ~~القلوب لما ذكر من نوسهم وأكثر ما يخص به كما تقدم الملوك ورؤساء القبائل ~~وأتباعهم الذين زين لهم حب الشهوات - انتهى. { في ms0298 الكتاب } أي الجامع لكل ~~خير قال الحرالي: فما بينه الله سبحانه وتعالى في الكتاب لا يحل كتمه، ~~لما ذكر من أن الكتاب هو ما احتوى على الأحكام والحدود بخلاف ما يختص ~~بالفرقان أو يعلو إلى رتبة القرآن انتهى. # ولما كان المضارع دالا على التجديد المستمر وكان الإصرار المتصل بالموت ~~دالا على سوء الجبلة أسقط فاء السبب إشارة إلى استحقاقهم للخزي في نفس ~~الأمر من غير نظر إلى سبب فقال: { أولئك } أي البعداء البغضاء { يلعنهم ~~الله } أي يطردهم الملك الأعظم طرد خزي وذل { ويلعنهم اللاعنون * } أي كل ~~من يصح منه لعن؛ أي هم متهيؤن لذلك ثم يقع لهم ذلك بالفعل عند كشف ~~الغطاء، واللعن إسقاط الشيء إلى أردى محاله حتى يكون في الرتبة بمنزلة ~~الفعل من العامة - قاله الحرالي: وأخص من ذلك وأسهل تناولا أن يقال: لما ~~كان أشق الصبر ما على فقد المحبوب من الألف والأمن والسعة وكان العلم ~~واقعا بأن عداوة الكفار لهم ستؤول إلى ابتلائهم بذلك أتبع آية الصبر ~~بقوله: { ولا تقولوا } الآيتين فكأنه قيل: ولا تقولوا كذا فليكتبن عليكم ~~الجهاد عموما { ولنبلونكم } فيه { بشيء من الخوف } الآية لأن الصفا ~~والمروة من شعائر الله ووصولكم إليهما ممنوع بالكفار فلا بد في الفتح من ~~قتالهم وقد جرت العادة في القتال بمثل ذلك البلاء. ### || [2.160-164] # ولما تم أمر القبلة وما استتبعه وختم بشريعة الحج المكتوبة على الناس ~~عامة الأمر لهم بها باني البيت إبراهيم عليه الصلاة والسلام عن أمر الله ~~سبحانه وتعالى بقوله إذ قام المقام: يا أيها الناس! كتب عليكم الحج ~~فحجوا، فأجابه من علم الله سبحانه وتعالى أنه يحج ثم حجت الأنبياء من بني ~~إسرائيل بن إبراهيم عليهما السلام ثم أخفاها أهل الكتاب فيما أخفوه من ~~كتابهم حسدا للعرب وختمت آية الحج بعليم رجع إلى أمر الكاتمين الذين ~~يكتمون الحق وهم يعلمون، وأعظم ما كتموه أمر هذا الكتاب الذي هو الهدى ~~المفتتح به السورة، ولما بين جزاءهم استثنى منهم التائبين مبينا لشرائط ~~التوبة الثلاثة فقال { إلا الذين تابوا ms0299 } بالندم على ارتكاب الذنب { ~~وأصلحوا } بالعزم على عدم العود { وبينوا } ما كانوا كتموه فظهرت توبتهم ~~بالإقلاع. # ولما كان الإنسان يحب ما كان بسبب منه رغبهم في المتاب بعد توبتهم سببا ~~لتوبته ورحمته وإن كان ذلك كله منا منه في نفس الأمر فقال معبرا ~~بالفاء: { فأولئك } العالو الرتبة { أتوب عليهم } أي أقبل توبتهم فأحفظهم ~~بما يشعر به مثال الفعل الدائم فيما وفقتهم لابتدائه، وفي الربط بالفاء ~~إشارة إلى إسراع استنقاذ توبة الله عليهم من نار الخوف والندم رحمة منه ~~لهم برفعهم إلى موطن الإنس، لأن نار الخوف في الدنيا للمقترف رحمة من ~~عذاب النار تفديه من نار السطوة في الآخرة، من لم يحترق بنار المجاهدة ~~أحرقته نار الخوف، فمن لم يحترق بنار الخوف أحرقته نار السطوة - أفاده ~~الحرالي. ولما كان من شأن الإنسان معاودة الذنوب لصفة النسيان ختم الآية ~~بما دل على أن التقدير: فإني أحب التوابين فقال: { وأنا التواب } أي مرة ~~بعد مرة لمن كر على الذنب ثم راجع التوبة كرة إثر كرة { الرحيم * } لمن ~~فعل ما يرضيني. # ولما لعن الكاتمين واستثنى منهم التائبين ذكر المصرين معبرا عن ~~كتمانهم بالكفر لتعم العبارة كل كفر فقال: { إن الذين كفروا } أي بهذا ~~الكتمان وغيره { وماتوا وهم كفار } قال الحرالي: ففي إشعاره يسر توبة ~~الكافرين وعسر توبة المنافقين من حيث صرح بذكر توبة الكاتم وتجاوز في ~~الذكر توبة الكافر، فكان الذين كفروا يتوبون إلا الأقل والذين يكتمون ~~يتمادون إلا الأقل، فلذلك وقع الاستثناء في الكاتم والتخصيص من الكافر - ~~انتهى. # ولما كان الموت على شيء دالا على أصل الجبلة فالميت كافرا مجبول جبلة ~~شر بين سبحانه وتعالى أنه مستحق في نفس الأمر لكل خزي لذلك لا لسبب ~~جدده، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه، ~~لأنه سبحانه وتعالى لا يسأل عما يفعل، فأسقط فاء السبب وعبر عنهم بأداة ~~البعد إشارة إلى طردهم فقال: { أولئك } الذين هم في غاية السفول { عليهم ~~لعنة الله } أي طرد الملك الذي لا ملك ms0300 سواه وإبعاده، ثم بين اللاعنين في ~~التي قبلها فقال { والملائكة والناس أجمعين * } أي هم أهل لذلك وكل أحد ~~يلعن الظالم وأظلم الظالمين الكافر { خالدين فيها } أي اللعنة. # ولما كان اللعن دالا على العذاب صرح به فقال: { لا يخفف عنهم العذاب } ~~لاستعلاء اللعن عليهم وإحاطته بهم. وقال الحرالي: ذكر وصف العذاب بذكر ما ~~لزمهم من اللعنة ليجمع لهم بين العقابين: عقابا من الوصف وعقابا من ~~الفعل، كما يكون لمن يقابله نعيم ورضى - انتهى. { ولا هم ينظرون * } قال ~~الحرالي: من النظرة وهو التأخير المرتقب نجازه فالمعنى أنهم لا يمهلون من ~~ممهل ما أصلا كما يمهلون في الدنيا - بل يقع عليهم العذاب حال فراقهم ~~للحياة ثم لا يخفف عنهم. قال الحرالي: ففيه إشعار بطائفة أي من عصاة ~~المؤمنين يؤخر عذابهم، وفي مقابلة علم الجزاء بأحوال أهل الدنيا تصنيفهم ~~بأصناف في اقتراف السوء، فمن داومه داومه العذاب ومن أخره وقتا ما في ~~دنياه أخر عنه العذاب، ومن تزايد فيه تزايد عذابه، وذلك لكون الدنيا ~~مزرعة الآخرة وأن الجزاء بحسب الوصف # سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم * # [الأنعام: 136] انتهى. # ولما أفاض عليهم سبحانه وتعالى ما أفاض من بحار الحجاج المفرقة بالأمواج ~~وقرر ما أراد من شرائع الإسلام على وجه الإتقان والإحكام وأرشد هذا ~~السياق المذكور فيه ثواب المطيع وعقاب العاصي إلى أن التقدير: فإلهكم إله ~~واحد لا شريك له يدافعه عما يريد لا إله إلا هو المنتقم من أعدائه العظيم ~~في كبريائه، عطف عليه مكررا الزاجر لكل منافق وكافر ومذكرا بالعاطف لكل ~~موافق مؤالف قوله تعالى: { وإلهكم } ولما كان المراد أن الوحدة معتبرة في ~~نفس الأمر في الإله الحق، فلا يصح أصلا أن يكون الإله الحق منقسما ~~بالنوع ولا بالشخص ولا بالوصف ولا بالفعل ولا بغير ذلك بوجه من الوجوه ~~أعاد لفظ الإله فقال: { إله واحد } أي لا ينقسم بوجه من الوجوه لا ~~بمجانسة ولا بغيرها وهو مع ذلك { لا إله إلا هو } فهذا تقرير للوحدانية ~~بنفي غيره وإثباته فلا يصح بوجه ولا يمكن في عقل ms0301 أن يصلح للإلهية غيره ~~أصلا فلا يستحق العبادة إلا هو لأنه { الرحمن } أي العام الرحمة بالنعم ~~الزائلة لأوليائه وأعدائه { الرحيم * } أي المخصص بالنعم الباقية ~~لأوليائه، فثبت بالتفرد بالألوهية أنه حائز بجميع العظمة وبيده مجامع ~~الكبرياء والقهر، وبوصفي الرحمة أنه مفيض لجلائل النعم ودقائقها فكل ما ~~سواه إما نعمة أو منعم عليه، فهو المخشي سطوته المرجو رحمته يغفر لمن ~~يشاء ويلعن من كفر ويخلده في العذاب من غير أن يقدر غيره أن يعترض عليه ~~في شيء من ذلك؛ ولا يبعد عندي وإن بعد المدى أن تكون الواو في قوله { ~~وإلهكم } عاطفة على قوله في أوائل السورة # وهو بكل شيء عليم # [البقرة: 29] قبل قوله # وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة # [البقرة: 30] فإن التوحيد هو المقصود بالذات وعنه تنشأ جميع العبادات، ~~فلما قال أولا # يا أيها الناس اعبدوا ربكم # [البقرة: 21] أتبعه في قوله # الذي خلقكم # [البقرة: 21] إلى آخره بوصف هو دليل استحقاقه للعبادة، فلما قام الدليل ~~قال: # فلا تجعلوا لله أندادا # [البقرة: 22] إعلاما بأنه لا شريك له في العبادة كما أنه قد تبين أنه ~~لا شريك له في الخلق، ثم أتبعه بما يليق لذلك المقام مما تقدم التنبيه ~~عليه، ثم رجع إليه قائلا ثانيا # كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم # [البقرة: 28] إلى آخرها فأعاد الدليل على وجه أبين من الأول وأبسط، فلما ~~تقرر على وجه لا مطعن فيه أمر الوحدانية والإعادة كان الأنسب ما أولاه من ~~الآيات السابقة لما ذكر فيها من غير ذلك من المهمات إلى أن صار إلى ذكر ~~الكاتمين والتائبين والمصرين وذكر ما أعد لكل من الجزاء فأتبع ذلك هذه ~~الآية عاطفا لها على ما ذكرته على وجه أصرح مما تقدم في إثبات التوحيد ~~بيانا لما هو الحق وإشارة إلى أنه تعالى ليس كملوك الدنيا الذين قد يحول ~~بينهم وبين إثابة بعض الطائعين وعقوبة بعض العاصين بعض أتباعهم، فإنه ~~واحد لا كفؤ له بل ولا مداني فلا مانع لنفوذ أمره؛ ولا يستنكر تجويز هذا ~~العطف لأنه جرت ms0302 عادة البلغاء أن أحدهم إذا أراد إقامة الحج على شيء لأمر ~~يرتبه عليه أن يبدأ بدليل كاف ثم يتبعه تقريب الثمرات المجتناة منه ثم ~~يعود إلى تأكيده على وجه آخر لتأنس به النفوس وتسر به القلوب، وربما كان ~~الدليل طويل الذيول كثير الشعب، فيشرح كل ما يحتاج إليه من ذيوله وما ~~يستتبعه من شعبه، فإذا استوفى ذلك ورأى أن الخصم لم يصل إلى غاية الإذعان ~~أعاد له الدليل على وجه آخر عاطفا له على الوجوه الأول تذكيرا بما ليس ~~بمستنكر ذلك في مجاري عاداتهم ومباني خطاباتهم؛ ومن تأمل مناظرات ~~الباقلاني وأضرابه من أولي الحفظ الواسع والتبحر في العلم علم ذلك وقال ~~الحرالي: ولما كان مضمون الكتاب دعوة الخلق إلى الحق، والتعريف بحق الحق ~~على الخلق، وإظهار مزايا من اصطفاه الله تعالى ممن شملهم أصل الإيمان من ~~ملائكته وأنبيائه ورسله ومن يلحق بهم من أهل ولايتهم، وإظهار شواهد ذلك ~~منهم وإقامة الحجة بذلك على من دونهم في إلزامهم أتباعهم، وكان الضار ~~للخلق إنما هو الشتات كان النافع لهم إنما هو الوحدة، فلما أظهر لهم ~~تعالى مرجعهم إلى وحدة أبوة آدم عليه الصلاة والسلام في جمع الذرية ووحدة ~~أبوة إبراهيم عليه الصلاة والسلام في جمع الإسلام ووحدة أحمدية محمد صلى ~~الله عليه وسلم في جمع الدين فاتضح لهم عيب الشتات والتفرق وتحقق لهم ~~شاهد النفع في الجمع إلى وحدات كان ذلك آية على أعظم الانتفاع بالرجوع ~~إلى وحدة الإلهية في أمر الحق وفي إفهام ذلك وحدات ما يظن في ظاهر ~~الوحدات الظاهرة من وحدة الروح ووحدة النفس والعقل فقال تعالى عطفا على ~~ما ظهر بناؤه من الوحدات الظاهرة وما أفاده إفهامها من الوحدات الباطنة: ~~{ وإلهكم إله واحد } فإذا قبح الشتات مع وحدة الأب الوالد فكيف به مع ~~وحدة الأب المدين! فكيف به مع وحدة النبي المكمل! فكيف به مع وحدة الإله ~~الذي هو الرحمن الذي شمل خلقه رحمانية! الرحيم الذي اختص أولياءه ~~وأصفياءه عناية فجمعهم بوحدته التي هي قائم كل وحدة دونه! ms0303 فجميع أسمائه ~~لها وحدة تنتهي وحدتها إلى وحدة الإله الذي انتهى إليه الإله وهو تعبد ~~الظاهر لإلجاء المتعبد إليه في كل حاجاته وإقاماته الظاهرة والباطنة، ولا ~~أتم من وحدة ما لا يتصوره العقل ولا يدركه الحس في علو وحدة الغيب الذي ~~لا يبدو فيه ذات فيكون لها أو فيها كميات ولا كيفيات؛ ثم قال: وقد صح ~~بالتجربة أن الراحة في حصبة الواحد وأن التعب في اتباع العدد لاختصاص كل ~~واحد بقصد في التابع يتشاكس عليه لذلك حال اتباعهم، فكان أعظم دعوة إلى ~~جمع الخلق دعوتهم إلى جمع توحيد الإلهية انتظاما بما دعوا إليه من ~~الاجتماع في اسم الربوبية في قوله تعالى متقدما # يا أيها الناس اعبدوا ربكم # [البقرة: 21] فإعلاء الخطاب من رتبة الربوبية إلى رتبة هذه الدعوة ~~بالإلهية لتعلو من هذا الحد إلى الدعوة إلى الله الأحد الذي أحديته ~~مركوزة في كافة فطر الخلق وجبلاتهم حين لم يقع الشرك فيه بوجه وإنما وقع ~~في رتبة الإلهية، فكان هذا أوسط الدعوة بالاجتماع في وحدة الإلهية وفي ~~إضافة اسم الإله إليهم أتم تنزل بمقدار معقولهم من تعبدهم الذي هو ~~تألههم؛ ولما كان في الإلهية دعوى كثرة توهم الضلال المبين أتبع ذلك ~~بكلمة التوحيد بناء على اسمه المضمر في باطن ظاهر الإلهية فقال تعالى: { ~~لا إله إلا هو } ردا على إضمار ما في الأول ولم يذكر اسمه المظهر ليكون ~~للدعوة إليه رتبة عالية تكون هذه متوقلا إليها، ولما كان هذا التوحيد ~~الإلهي أمر غيب من الإله أظهره سبحانه وتعالى بمظهر الرحمانية المحيطة ~~الشاملة والرحيمية الاختصاصية لما عند الخلق من شاهد ذلك فيما يجدونه من ~~أثر الرحمانية في دنياهم وآثارهم وما يجدون من آثار الرحيمية في اختصاصهم ~~المزية في تضاعف رحمته، فكان في مجموع هذه الآية أعظمية من غيب الإلهية ~~إلى تمام اختصاص الرحيمية، فلذلك كانت هذه الآية مع آية الإحاطة في أول ~~آل عمران الجامعة لمقابلة ما في هذه الآية من خصوص الرحيمية مع خصوص ~~مقابلها من وصف الانتقام الظاهر عن وصف العزة ms0304 الذي أبداه قوله سبحانه ~~وتعالى: # والله عزيز ذو انتقام # [آل عمران: 4] فكانت هذه الآية لذلك مع # الم * الله لا إله إلا هو الحي القيوم * # [آل عمران: 1-2] اسم الله الأعظم المحيط بالغيب والشهادة جمعا للرحمة ~~والنقمة في الظاهر وإحاطة عظمة في الباطن، فكان هذا الحد من علو الخطاب ~~ابتداء رفع الخلق إلى التعلق باسم الله الأعظم الذي يرفعهم عن سفل تقيدهم ~~بأنفسهم المحقرة إظهارا لمبدأ العناية بهذه الأمة الخاتمة - انتهى. # ولما كان هذا المقام لا يصح إلا بتمام العلم وكمال القدرة نصب الأدلة ~~على ذلك في هذه الآية الثالثة بأبسط مما في الآية الثانية كما كانت ~~الثانية أبسط من الأولى وأجلى تبصيرا للجهال وتذكيرا للعلماء؛ فكانت ~~هذه الآية تفصيلا لتينك الآيتين السابقتين ولم تدع حاجة إلى مثل هذه ~~التفصيل في آية آل عمران، لأن معظم المراد بها الدلالة على شمول القدرة ~~وأما هذه فدليل على التفرد، فكان لا بد من ذكر ما ربما أضيف إلى أسبابه ~~القريبة تنبيها على أنه لا شريك له في شيء من ذلك وأن الكل بخلقه وإن ~~أقام لذلك أسبابا ظاهرية فقال تعالى { إن في خلق السماوات والأرض } أي ~~واختلافهما فإن خلق ما ذكر في الآية من نعمته على عباده كما ذكر في أول ~~السورة، ثم ذكر ما ينشأ عنهما فقال: { واختلاف } وهو افتعال من الخلف، ~~وهو ما يقع من افتراق بعد اجتماع في أمر من الأمور { الليل } قدمه لأنه ~~الأصل والأقدم # وآية لهم الليل # [يس: 37] { والنهار } وخلقهما، فالآية من الاحتباك، ذكر الخلق أولا ~~دليلا على حذفه ثانيا والاختلاف ثانيا على حذفه أولا. وقال الحرالي: ~~ولما كان من سنة الله أن من دعاه إليه وإلى رسله بشاهد خرق عادة في خلق ~~أو أمر عاجله بالعقوبة في الدنيا وجدد بعده أمة أخرى كما قال سبحانه ~~وتعالى: # وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون # [الإسراء: 59] وكانت هذه الأمة خاتمة ليس بعدها أمة غيرها أعفاها ربها ~~من احتياجها إلى خرق العوائد، قال عليه الصلاة والسلام # " ما ms0305 من نبي إلا وقد أوتي من الآيات ما مثله أمن عليه البشر، وإنما كان ~~الذي آتاني الله وحيا أوحاه الله سبحانه وتعالى إلي، فأرجو أن أكون ~~أكثرهم تابعا " # فكان أمر الاعتبار أعم إجابة وأسمح مخالفة وكفاها بما قد أظهره لها في ~~خلقه بالإبداء والتسخير من الشواهد، ليكونوا علماء منقادين لروح العلم لا ~~لسلطان القهر، فيكون ذلك من مزاياهم على غيرهم، ولم يجبها إلى ما سألته ~~من ذلك، فلما وصل تعالى بدعوة الربوبية ذكر الخلق والرزق وذكر الأرض ~~بأنها فراش والسماء بأنها بناء على عادة العرب في رتبة حس ظاهر أعلاهم في ~~هذا الخطاب بإيراد آياته وشواهده على علو رتبة معنى معقول فوق رتبة الأمر ~~المحسوس السابق فقال: { إن في خلق السماوات والأرض } خطابا مع من له نظر ~~عقلي يزيد على نظر الحس باعتبار السماوات أفلاكها وعددها بشواهد نجومها ~~حتى يتعرف أنها سماوات معدودة، وذلك مما يظهر موقعه عند من له اعتبار في ~~مخلوق السماوات؛ ولما لم يكن للأرضين شواهد محسوسة بعددها كما في ~~السماوات لم يجر ذكرها في القرآن إلا مفردة وجاء ذكر السماوات معددة لأهل ~~النظر العقلي ومفردة لأهل النظر الحسي، وأيسر معتبر ما بين السماوات ~~والأرض في مقابلة حظيهما في كون السماوات في حد من العلو والصفاء ~~والنورانية والحركة والأرض في مقابل ذلك من السفل والكثافة والظلمانية ~~والسكون، فيقع الاعتبار بحصول مشهود التعاون من مشهود التقابل، وذلك مما ~~يعجز الخلق فيعلمون أنه من أمر الحق، لأن الخلق إنما يقع لهم التعاون ~~بالمتناسب لا بالمتقابل، فمن آلته الماء مثلا تفسد عليه النار، ومن آلته ~~النار يفسد عليه الماء، والحق سبحانه وتعالى أقام للخلق والموجودات ~~والموالد آحادا مجتمعة قد قهر فيها متنافرات موجودات الأركان وموجود خلق ~~السماء والأرض المشهود تقابلهما، فما وقع اجتماع النار بالماء على تقابل ~~ما بين الحار والبارد، واجتماع الهواء بالأرض على تقابل ما بين الكثيف ~~واللطيف، واجتماع الكل في شيء واحد من جسم واحد وعضو واحد حتى في جزء ~~واحد من أدق أجزائه إلا بأمر يعجز ms0306 عنه الخلق ولا يقدر عليه إلا الحق الذي ~~يحار فيه الخلق، فهو إذن إلههم الذي هو إله واحد، آثاره موجودة في ~~أنفسهم، وشواهده مبصرة بأعينهم وحقائق تلك الشواهد بادية لعقولهم، فكأنه ~~سبحانه وتعالى أقرأهم ذكره الحكيم المرئي لأعينهم كشفا لغطاء أعينهم ~~ليتميزوا عن الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكره. # ولما ذكر سبحانه وتعالى خلق متقابل العلو والسفل في ذكر السماوات والأرض ~~نظم بها اختلاف الأفقين اللذين فيهما ظهور مختلفي الليل والنهار ليتريع ~~اعتبارهم بين اعتبار الأعلى والأسفل والمشرق والمغرب فيقع شواهد الإحاطة ~~بهم عليهم في توحيد ربهم وإرجاع ذلك إليه دون أن يعزي ذلك إلى شيء من ~~دونه مما هو داخل في حصر موجود هذه الإحاطة من المحيط الأعلى والمحيط ~~الأسفل والمحيط بالجوانب كلها من ملبس الآفاق من الليل والنهار خطاب ~~إجمال يناسب مورد السورة التي موضوعها إجمالات ما يتفسر فيها وفي سائر ~~القرآن من حيث إنها فسطاطه وسنامه - انتهى. # ولما ذكر تعالى ما أنشأه سير الكواكب في ساحة الفلك أتبعه سير الفلك في ~~باحة البحر فقال: { والفلك } وهو ما عظم من السفن في مقابلة القارب وهو ~~المستخف منها. قال الحرالي: استوى واحده وجمعه، حركات الواحد أولى في ~~الضمير وحركات الجمع ثوان في الضمير من حيث إن الواحد أول والجمع ثان ~~مكسر انتهى. # ولما أراد هنا الجمع لأنه أدل على القدرة وصف بأداة التأنيث فقال { التي ~~تجري } بتقدير الله، وحقق الأمر بقوله: { في البحر } أسند الجري إليها ~~ومن المعلوم أنه لا جري لها حقيقة ولا فعل بوجه ترقية إلى اعتقاد مثل ذلك ~~في النجوم إشارة إلى أنه لا فعل لها ولا تدبير كما يعتقد بعض الفلاسفة. ~~وقال الحرالي: ولما ذكر سبحانه وتعالى جملة الخلق وجملة الاختلاف في ~~الوجهين وصل بذلك إحاطة البحر بالأرض وتخلل البحار فيها لتوصل المنافع ~~المحمولة في الفلك مما يوصل من منافع المشرق للمغرب ومنافع المغرب للمشرق ~~ومنافع الشمال للجنوب وبالعكس، فما حملت جارية شيئا ينتفع به إلا قد ~~تضمن ذكره مبهم كلمة { ما } في قوله ms0307 تعالى: { بما ينفع الناس } وذكرهم ~~باسم الناس الذي هو أول من يقع فيه الاجتماع والتعاون والتبصر بوجه ما ~~أدنى ذلك في منافع الدنيا الذي هو شاهد هذا القول - انتهى. # ولما ذكر نفع البحر بالسفن ذكر من نفعه ما هو أعم من ذلك فقال: { وما ~~أنزل الله } الذي له العظمة التامة { من السماء } أي جهتها باجتذاب ~~السحاب له. ولما كان النازل منها على أنواع وكان السياق للاستعطاف إلى ~~رفع الخلاف ذكر ما هو سبب الحياة فقال: { من ماء فأحيا به الأرض } بما ~~ينبت منها ولما كان الإحياء يستغرق الزمن المتعقب للموت نفى الجار فقال: ~~{ بعد موتها } بعدمه. # ولما ذكر حياة الأرض بالماء أشار إلى أن حياة كل ذي روح به فقال { وبث } ~~من البث وهو تفرقة أحاد مستكثرة في جهات مختلفة { فيها } بالخضب { من كل ~~دابة } من الدبيب وهو الحركة بالنفس قال الحرالي: أبهم تعالى أمر الخلق ~~والاختلاف والإجراء فلم يسنده إلى اسم من أسمائه يظهره، وأسند إنزال ~~الماء من السماء إلى اسمه العظيم الذي هو الله لموقع ظهور القهر على ~~الخلق في استدرار أرزاق الماء واستجداده وقتا بعد وقت بخلاف مستمر ما ~~أبهم من خلق السماوات والأرض الدائم على حالة واختلاف الليل والنهار ~~المستمر على وجهة واحتيال إجراء الفلك الماضي على حكم عادته، فأظهر اسمه ~~فيما يشهد به عليهم ضرورتهم إليه في كل حول ليتوجهوا في العبادة إلى علو ~~المحل الذي منه ينزل الماء فينقلهم بذلك من عبادة ما في الأرض إلى عبادة ~~من في السماء # ءأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض # [الملك: 16] وقال عليه الصلاة والسلام للأمة: # " أين الله؟ قالت: في السماء، قال: أعتقها فإنها مؤمنة " # فأذن أدنى الإيمان التوجه إلى عبادة من في السماء ترقيا إلى علو ~~المستوى على العرش إلى غيب الموجود في أسرار القلوب، فكان في هذه التوطئة ~~توجيه الخلق إلى الإله الذي ينزل الماء من السماء وهو الله الذي لم يشرك ~~به أحد سواه ليكون ذلك توطئة لتوحيد الإله، ولذلك ذكر تعالى آية ms0308 الإلهية ~~التي هي الإحياء، والحياة كل خروج عن الجمادية من حيث إن معنى الحياة في ~~الحقيقة إنما هو تكامل في الناقص، فالمهتز حي بالإضافة إلى الجماد ~~ترقيا إلى ما فوق ذلك من رتب الحياة من نحو حياة الحيوان ودواب الأرض، ~~فلذلك ذكر تعالى الإحياءين بالمعنى، وأظهر الاسم مع الأرض لظهوره في ~~الحيوان، فأظهر حيث خفي عن الخلق، ولم يذكره حيث هو ظاهر للخلق، فنبههم ~~على الاعتبارين إنزال الماء الذي لهم منه شراب ومنه شجر وبه حياة الحيوان ~~ومنه مرعاهم. # ولما ذكر سبحانه وتعالى بث ما هو السبب للنبات المسبب عن الماء ذكر بث ~~ما هو سبب للسحاب السبب للمطر السبب للحياة فقال تعالى: { وتصريف الرياح ~~} أي تارة صبا وأخرى دبورا ومرة شمالا وكرة جنوبا، والتصريف إجراء ~~المصرف بمقتضى الحكم عليه، والريح متحرك الهوى في الأقطار { والسحاب } ~~وهو المتراكم في جهة العلو من جوهر ما بين الماء والهواء المنسحب في الجو ~~{ المسخر } أي بها، من التسخير وهو إجراء الشيء على مقتضى غرض ما سخر له ~~{ بين السماء والأرض } لا يهوى إلى جهة السفل مع ثقله بحمله بخار الماء، ~~كما تهوى بقية الأجرام العالية حيث لم يكن لها ممسك محسوس ولا ينقشع مع ~~أن الطبع يقتضي أحد الثلاثة: فالكثيف يقتضي النزول واللطيف يقتضي الصعود، ~~والمتوسط يقتضي الانقشاع { لآيات } وقال الحرالي: لما ذكر تعالى الأعلى ~~والأسفل ومطلع الليل والنهار من الجانبين وإنزال الماء أهواء ذكر ما ~~يملأ ما بين ذلك من الرياح والسحب الذي هو ما بين حركة هوائية إلى ~~استنارة مائية إلى ما يلزم ذلك من بوادي نيراته من نحو صواعقه وجملة ~~أحداثه، فكان في هذا الخطاب اكتفاء بأصول من مبادىء الاعتبار، فذكر ~~السماء والأرض والآفاق وما بينهما من الرياح والسحب والماء المنزل الذي ~~جملته قوام الخلق في عاجل دنياهم، ليجعل لهم ذلك آية على علو أمر وراءه ~~ويكون كل وجه منه آية على أمر من أمر الله فيكون آيات، لتكون السماء آية ~~على علو أمر الله فيكون أعلى من الأعلى، وتكون ms0309 الأرض آية على باطن أمر ~~الله فيكون أبطن من الأبطن، ويكون اختلاف الليل والنهار آية على نور بدوه ~~وظلمة غيبته مما وراء أمر الليل والنار، ويكون ما أنزل من الماء لإحياء ~~الأرض وخلق الحيوان آية ما ينزل من نور علمه على القلوب فتحيا بها حياة ~~تكون حياة الظاهر آية عليه، ويكون تصريف الرياح والسحاب المسخر بين ~~السماء والأرض آيات على تصريف ما بين أرض العبد الذي هو ظاهره وسمائه ~~الذي هو باطنه، وتسخير بعضه لبعض ليكون ذلك آية على علو الله على سمائه ~~العلى في الحس وعلى سماء القلوب العلية في الوجدان؛ فلجملة ذلك جعل تعالى ~~صنوف هذه الاعتبارات { لآيات لقوم } وهم الذين يقومون في الأمر حق ~~القيام، ففيه إشعار بأن ذلك لا يناله من هو في سن الناس حتى يتنامى طبعه ~~وفضيلة عقله إلى أن يكون من قوم يقومون في الاعتبار قيام المنتهضين في ~~أمور الدنيا، لأن العرب عرفت استعمالها في القوم إنما هو لأجل النجدة ~~والقوة حتى يقولون: قوم أو نساء. # تقابلا بين المعنيين؛ وذكر تعالى العقل الذي هو نور من نوره هدى لمن ~~أقامه من حد تردد حال الناس إلى الاستضاءة بنوره في قراءة حروف كتابه ~~الحكيم التي كتبها بيده وأغنى الأميين بقراءة ما كتب لهم عن قراءة كتاب ~~ما كتبه الخلق - انتهى؛ فقال: { يعقلون * } أي فيعلمون أن مصرف هذه ~~الأمور على هذه الكيفيات المختلفة والوجوه المحكمة فاعل مختار وهو قادر ~~بما يشاهد من إحياء الأرض وغيرها مما هو أكبر منه على بعث الموتى وغيره ~~مما يريده وأنه مع ذلك كله واحد لا شريك له يمانعه العقلاء من الناس، ~~يعلمون ذلك بذلك فلا يتخذون أندادا من دونه ولا يميلون عن جنابه الأعلى ~~إلى سواه، وقد اشتملت هذه الآية على جميع ما نقل البيهقي في كتاب الأسماء ~~والصفات عن الحليمي أنه مما يجب اعتقاده في الله سبحانه وتعالى وهو خمسة ~~أشياء: الأول إثباته سبحانه وتعالى لتقع به مفارقة التعطيل، والثاني ~~وحدانيته لتقع به البراءة عن الشرك - وهذان من ms0310 قوله { وإلهكم إله واحد } ~~[البقرة: 163] والثالث إثبات أنه ليس بجوهر ولا عرض لتقع به البراءة من ~~التشبيه وهذا من قوله { لا إله إلا هو } [البقرة: 163] لأن من لا يسد ~~غيره مسده لا شبيه له، والرابع إثبات أن وجود كل ما سواه كان بإبداعه له ~~واختراعه إياه لتقع به البراءة من قول من يقول بالعلة والمعلول وهذا من ~~قوله { الرحمن الرحيم } [البقرة: 163] { إن في خلق السماوات والأرض } ~~[البقرة: 164]، والخامس أنه مدبر ما أبدع ومصرفه على ما يشاء لتقع به ~~البراءة من قوله القائلين بالطبائع أو تدبير الكواكب أو تدبير الملائكة ~~وهذا من قوله { وما أنزل الله من السماء من ماء } [البقرة: 164] إلى ~~آخرها قال البيهقي: كان أسماء الله سبحانه وتعالى جده التي ورد بها ~~الكتاب والسنة وأجمع العلماء على تسميته بها منقسمة بين العقائد الخمس، ~~فليلحق بكل واحدة منهن بعضها، وقد يكون منها ما يلتحق بمعنيين ويدخل في ~~بابين أو أكثر - انتهى. وسبب تكثير الأدلة أن عقول الناس متفاوتة، فجعل ~~سبحانه وتعالى العالم وهو الممكنات الموجودة وهي جملة ما سواه الدالة على ~~وجوده وفعله بالاختيار على قسمين: قسم من شأنه أن يدرك بالحواس الظاهرة ~~ويسمى في عرف أهل الشرع الشهادة والخلق والملك، وقسم لا يدرك بالحواس ~~الظاهرة ويسمى الغيب والأمر والملكوت، والأول يدركه عامة الناس والثاني ~~يدركه أولو الألباب الذين عقولهم خالصة عن الوهم والوساوس، فالله سبحانه ~~وتعالى بكمال عنايته ورأفته ورحمته جعل العالم بقسميه محتويا على جمل ~~وتفاصيل من وجوه متعددة وطرق متكثرة تعجز القوى البشرية عن ضبطها يستدل ~~بها على وحدانيته بعضها أوضح من بعض ليشترك الكل في المعرفة، فيحصل لكل ~~بقدر ما هيىء له، اللهم إلا أن يكون ممن طبع على قلبه، فذلك والعياذ ~~بالله سبحانه وتعالى هو الشقي. ### || [2.165-169] # ولما نهضت الأدلة وسطعت البراهين وزاحت العلل والشكوك عاب من عبد سواه ~~وفزع إلى غيره كما نهى عن الأنداد عقب الآية الأولى الداعية إلى العبادة ~~مشيرا بختم التي قبل بيعقلون، إلى أن هؤلاء ناس ضلت عقولهم وفالت آراؤهم ms0311 ~~وبين أنهم يتبرأ بعضهم من بعض يوم ينكشف حجاب الغفلة عن سرادق العظمة ~~ويتجلى الجبار في صفة النقمة فقال سبحانه وتعالى عاطفا على ما قدرته مما ~~أرشد إليه المعنى: ومن، أو يكون التقدير فمن الناس من عقل تلك الآيات ~~فآمن بربه وفنى في حبه { ومن الناس من يتخذ } وهم من لا يعقل { من دون ~~الله } الذي لا كفؤ له مع وضوح الأدلة { أندادا } مما خلقه، ادعوا أنهم ~~شركاؤه، أعم من أن يكونوا أصناما أو رؤساء يقلدونهم في الكفر بالله ~~والتحريم والتحليل من غير أمر الله { يحبونهم } من الحب وهو إحساس بوصلة ~~لا يدرى كنهها { كحب الله } الذي له الجلال والإكرام بأن يفعلوا معهم من ~~الطاعة والتعظيم فعل المحب كما يفعل من ذلك مع الله الذي لا عظيم غيره، ~~هذا على أنه من المبني للمفعول ويجوز أن يكون للفاعل فيكون المعنى كحبهم ~~لله لأنهم مشركون { والذين آمنوا أشد حبا لله } الذي له الكمال كله من ~~حب المشركين لأندادهم فأفاض عليهم من كماله، لأنهم لا يعدلون به شيئا في ~~حالة من الحالات من ضراء أو سراء في بر أو بحر، بخلاف المشركين فإنهم ~~يعدلون في الشدائد إليه سبحانه وتعالى، وإذا رأوا في الرخاء حجرا أحسن ~~تركوا الأول وعبدوه، وحبهم هوائي وحب المؤمنين عقلي. وقال الحرالي: ولما ~~استحق القوم القائمون في أمر الله سبحانه وتعالى هذا الاعتبار بما آتاهم ~~الله من العقل لم يكن من اتخذ من دون الله أندادا مما يقال فيهم: قوم، ~~بل يقصرون إلى اسم النوس الذي هو تردد وتلدد فكأنه سبحانه وتعالى عجب ~~ممن لم يلحق بهؤلاء القوم في هذا الاعتبار الظاهرة شواهده البينة آثاره، ~~فأنبأ أن طائفة من الناس على المقابلة من ذلك الاعتبار الظاهر لنور العقل ~~في أخذهم لمقابل العقل من الحزق الذي يقدم في موضع الإحجام ويحجم في موضع ~~الإقدام، ثم غلب ذلك عليهم حتى وصل إلى بواطنهم فصار حبا كأنه وصلة بين ~~بواطنهم وقلوبهم وما اتخذوه من دون الله أندادا، ففيه إشعار بنحو مما ~~أفصح ms0312 به لبني إسرائيل في كون قلوبهم كالحجارة أو أشد قسوة، ففي كرم هذا ~~الخطاب في حق العرب ستر عليهم رعاية لنبيهم في أن يصرح عليهم بما صرح على ~~بني إسرائيل، ففي لحنه إشعار بأن من اتخذ ندا من دون الله فتلك لوصلة ~~بين حال قلبه وحال ما اتخذ من دون الله، فمن عبد حجرا فقلبه في القلوب ~~حجر ومن عبد نباتا فقلبه في القلوب نبات، وكذا من عبد دابة # وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم # [البقرة: 93] كذلك إلى ما يقع معبودا من دون الله ما بين أعلى النيرين ~~الذي هو الشمس إلى أدنى الأوثان إلى ما يقع في الخلق من عبادة بعضهم ~~بعضا من نحو عبادة الفراعنة والنماردة إلى ما يلحق بذلك من نحو رتبة ~~العبادة باتباع الهوى الشائع موقعه في الأمم وفي هذه الأمة، لأن من غلب ~~عليه هوى شيء فقد عبده، فكأن عابد الشمس قلبه سعير وعابد النار قلبه نار ~~وعابد القمر قلبه زمهرير، ومن عبد مثله من الخلق فقد عبد هواه # أرأيت من اتخذ إلهه هواه # [الفرقان: 43] فمن عبد الله فهو الذي علا عن سواه من المخلوقات فعادل ~~سبحانه وتعالى خطاب الأولين المعتبرين العقلاء بهذا الصنف الذي انتهى ~~أمرهم في الكفر إلى الحب من حيث اعتقلت بواطنهم بهم فيما شأنه أن يختص ~~بالله من الخوف والرجاء والنصرة على الأعداء والإعانة للأولياء، فلما ~~توهموا فيهم مرجى الإلهية، ومخافتها أحبوهم لذلك كحب الله لأن المتعبد ~~مؤتمر ومبادر فالمبادر قبل الأمر محب، والمجيب للأمر مطيع، فالمحب أعلى ~~في الطرفين - انتهى. ولما عجب من حالهم حذر من سوء منقلبهم ومآلهم فقال: ~~{ ولو يرى الذين ظلموا } أي ولو يرون أي المتخذون للأنداد ولكنه أظهر ~~لأجل التعميم الوصف الذي استحقوا به ما يذكر، وهو وضعهم الشيء في غير ~~محله كفعل من يمشي في مأخذ الاشتقاق وهو الظلمة، وذلك هنا تسويتهم ممن لا ~~يملك شيئا أصلا بمن يملك كل شيء { إذ يرون العذاب } أي يتخذون أندادا ~~والحال أنهم لو يعلمون حين إهانتهم ولين ما غلظ ms0313 من أكبادهم ورؤية ما لا ~~يستحق غيره بالنسبة إليه يسمى عذابا { أن القوة لله } الذي له مجامع ~~الكمال { جميعا } حين يشاهدون العذاب قد أحاط بهم { وأن الله } الذي لا ~~ملك سواه { شديد العذاب } لم يتخذوا أندادا ولم يعدلوا بالله أحدا، أو ~~يكون التقدير: ولو ترى بالتاء والياء، أي لو أبصرت أو أبصر الذين ظلموا ~~أنفسهم باتخاذهم الأنداد - إلى آخره. وقال الحرالي: قال تعالى: { ولو يرى ~~} عطفا على متجاوز أمور من أمور جزائهم مما نالهم من عقوبات أثر كفرهم ~~في الدنيا، قال عليه الصلاة والسلام: # " إذا أذنب العبد نكتت في قلبه نكتة سوداء " # إلى متمادي غاية رؤيتهم العذاب، وفي قوله " ترى " بالتاء إقبالا على ~~النبي صلى الله عليه وسلم تعجيب له بما ينالهم مما أصابوه، وفيه إشعار ~~بأن ذلك من أمر يعلو أمره إلى محل رؤيته التي هي أتم الرؤية، وفي قوله { ~~يرى } بالياء تحسر عليهم يشعر بأن منالهم من رؤية العذاب مما كان يزجرهم ~~عما هم عليه لو رأوه - انتهى. # { إذ يرون } أي الوقت الذي يبصرون فيه العذاب، أي الأكبر الذي لا عذاب ~~مثله؛ كما أفهمه تعريفه بأل، ثم بينه بقوله { إن القوة } وهي منة ~~الباطن التي يجدها المقتدر منشأ لما يبديه ظاهره وما يبديه ظاهره قدرة ~~القوى جمعها وأصلها والقدرة ظاهرها وتفصيل إنشائها لله جميعا، فإنه لا ~~شيء أشق على الإنسان من أن يرى خصمه نافذ الأمر منفردا بالعز في كل معنى ~~لا سيما إذا كان جبارا متكبرا شديد البطش ممن عصاه، كما يشير إليه ~~قوله: { وإن الله شديد العذاب } ولا سيما إذا كان العاصي له قد أساء إليه ~~بالإساءة إلى أوليائه وبالغ حتى لم يدع للصلح موضعا. وقال الحرالي: موضع ~~الرؤية في الحقيقة هو أن القوة لله جميعا سلبا عن جميع أندادهم الذين ~~أحبوهم وعن أنفسهم، كما قال قائلهم # نحن أولو قوة وأولو بأس شديد # [النمل: 33] لكن لما كان رؤيتهم لذلك عن رؤية مشهود العذاب الذي هو أتم ~~العذاب ذكر العذاب الذي هو ظاهر مرأى أن القوة لله ms0314 جميعا، وفي { إن ~~القوة } إعلام باطلاعهم يوم هذه الرؤية على بواطن أندادهم وسلبها ما شأن ~~البواطن أن تتحلى به من القوة من حيث وصفهم لهم بالحب الباطن أطلعهم على ~~سلب قواهم الباطنة بالرؤية التي هي باطن البصر الذي هو باطن النظر، ولما ~~ذكر أمر القوة عطف عليه ما هو أمر القدرة فقال { وإن الله شديد العذاب } ~~إكمالا للخطاب بظاهره، واستأنف معه الاسم العظيم لإظهار ما بين غايتي ~~الباطن والظاهر في أمر القدرة والقوة، ليكون مع المنظر الظاهر بالقدرة ~~اسم أظهره واستأنفه وقدم ذكره كما كان مع المرأى الباطن بالقوة اسما ~~أضاف إليه وأنهى له ليقع ماولى أول الخطاب مقابل ما ختم به الخطاب، ~~فينعطف أوله على آخره وآخره على أوله باطنا لظاهر وظاهرا لباطن في ~~المتعاطفين جميعا في قوله { إن القوة لله جميعا وإن الله شديد العذاب } ~~انتهى أو يقال: إذ يرون العذاب الذي يتوعدون به الآن لأن القوة لله ~~جميعا فلا مانع له من إتيانهم به، كما تبين في الآيتين قبلها أنه لا كفؤ ~~له وأنه كامل القدرة شامل العلم، والجواب محذوف لتهويله لذهاب وهم ~~المتوعد إلى كل ضرب من أنواع التوعد، ولو ذكر ضرب منه لأمكن أن يوطن نفسه ~~عليه، فالتقدير: لو رأيت أو رأوا ذلك الوقت الذي يشاهدون فيه تلك العظمة ~~لرأيت أو لرأوا أمرا فظيعا هائلا شاغلا لهم عن اتخاذ الأنداد ومحبتها ~~وغير ذلك من الظلم، وحذف الجواب للعلم به كما حذف من أمثاله؛ ثم أبدل من ~~{ إذ يرون } قوله: { إذ تبرأ } وهو من التبرؤ الذي هو طلب البراءة ~~وإيقاعها بجد واجتهاد، وهي إظهار التخلص من وصلة أو اشتباك { الذين ~~اتبعوا } أي مع اتباع غيرهم لهم، وهم الرؤساء { من الذين اتبعوا } مع ~~نفعهم لهم في الدنيا بالاتباع لهم والذب عنهم. # وقال الحرالي: قال ذلك إظهارا لإفصاح ما أفهمه مضمون الخطاب الأول ~~لتتسق الآيات بعضها ببعض، فتظهر الآية ما في ضمن سابقتها، وتجمع الآية ما ~~في تفصيل لاحقتها وإعلاء للخطاب بما هو المعقول علمه المتقدم إلى ما ms0315 في ~~الإيمان نبأه ليتم نور العقل الذي وقع به الاعتبار بنور الإيمان الذي يقع ~~به القبول لما في الآخرة عيانه، فمن عقل عبرة الكون الظاهر استحق إسماع ~~نبأ الغيب الآتي؛ ثم قال: بذا يتبرأ المتبوع في الذكر لأنه الآخر في ~~الكون، فكأنه في المعنى: إنما تعلق التابع بالمتبوع ليعيذه في الآخرة كما ~~كان عهد منه أن يعيذه في الدنيا فيتبرأ منه لما ذكر تعالى من { أن القوة ~~لله جميعا } ولذلك اتصل ذكر التبرؤ بذكر قبض القوة والقدرة عنهم - ~~انتهى. # قال تعالى { ورأوا } أي الكل { العذاب } أي الذي لا محيص لهم عنه. وقال ~~الحرالي: قاله ردا للإضمار على الجميع، وفيه إشعار بأن ذلك قبل غلبة ~~العذاب عليهم وفي حال الرؤية، ففيه إنباء بأن بين رؤيتهم العذاب وبين ~~أخذهم به مهل يقع فيه خصومتهم وتبرؤهم وإدراكهم للحق الذي كان متغيبا ~~عنهم في الدنيا بما فتن بعضهم بعضا - انتهى. { وتقطعت } أي تكلفت وتعمدت ~~القطع وهو بين المتصل، أشار إليه الحرالي، ومعناه أنه قطع بقوة عظيمة، ~~ويجوز أن تكون صيغة التفعل إشارة إلى تكرر القطع في مهلة بأن يظهر لهم ~~انقطاع الأسباب شيئا فشيئا زيادة في إيهانهم وإيلامهم وهو أنهم { بهم } ~~أي كلهم جميع { الأسباب * } أي كلها، وهي الوصل التي كانت بينهم في ~~الدنيا، والسبب ما يتوصل به إلى حصول، في الأصل الحبل، ثم قيل لكل مقصد. ~~قال الحرالي: وفيه إشعار بخلو بواطنهم من التقوى ومن استنادهم إلى الله ~~سبحانه وتعالى في دنياهم، وأنهم لم يكونوا عقلوا إلا تسبب بعضهم ببعض ~~فتقطعت بهم الأسباب ولم يكن لهم، لأن ذلك واقع بهم في أنفسهم لا واقع لهم ~~في غيرهم، فكأنهم كانوا نظام أسباب تقطعت بهم فانتثروا منها، وأسبابهم ~~وصل ما بينهم في الدنيا التي لم تثبت في الآخرة، لأنها من الوصل الفانية ~~لا من الوصل الباقية لأن متقاضى ما في الدنيا ما كان منه بحق فهو من ~~الباقيات الصالحات وما كان منه عن هوى فهو من الفاني الفاسد - انتهى. # { وقال الذين اتبعوا } وهم الأذناب متمنين ms0316 للمحال ندما على اتباع من لا ~~ينفع حيث لا ينفع الندم { لو أن لنا كرة } أي رجعة إلى الدنيا. وقال ~~الحرالي: هي رجع وعودة عند غاية فرة - انتهى. ولما كانت " لو " بمعنى ~~التمني نصب جوابها فقال { فتبرأ منهم } أي الرؤساء هناك ونذلهم { كما ~~تبرؤوا منا } وأذلونا هنا. # وقال الحرالي: فيه إنباء عن تأسفهم على اتباع من دون ربهم ممن اتبعوا ~~وإجراء لتأسفهم على وجه متوهم غير محقق على حد ما كان تمسكهم بهم متوهم ~~انتفاع غير محقق، ففيه إثبات لحالهم في الآخرة على ما كان ينالهم في ~~الدنيا من الأخذ بالموهوم والغيبة عن المعلوم - انتهى. # ولما كانت هذه الأشياء بعضها ثمرة أعمالهم وبعضها حكاية أقوالهم قال ~~تعالى: على طريق الاستئناف جوابا لمن يقول: لقد رأوا جزاء عقائدهم فهل ~~يرون جزاء أعمال الجوارح { كذلك } أي الأمر الفظيع المهول { يريهم الله } ~~الذي له القدرة التامة والعظمة الكاملة { أعمالهم } الخبيثة وغيرها { ~~حسرات عليهم } أي تلهفا على ما فات، إطلاقا للمسبب على السبب وأشار ~~بأداة الاستعلاء إلى غلبتهم وشدة هوانهم فقال: { عليهم } وقال الحرالي: ~~لما كانت عقائدهم فيهم حسرات أراهم أعمالهم التي عملوها لابتغاء الخير في ~~الدنيا حسرات # وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا * # [الفرقان: 23] كما كان عمل من قلبه محب ومتأله لما دون الله، وفيه إشعار ~~بأن عمل كل عامل مردود إنى ما اطمأن به قلبه وسكنت إليه نفسه وتعلق به ~~خوفه ورجاؤه، فمن غلب على سره شيء فهو ربه الذي يصرف عمله إليه، فلا يجد ~~عنده جزاء لتبرؤه منه فيصير حسرة عليه، فأنبأ سبحانه وتعالى بأنهم لا ~~ينصرونهم في الآخرة ولا يجزونهم على أعمالهم، فلم ينفعهم تألههم إياهم، ~~والمتبوع منهم متأله لنفسه فلم يجد عندها جزاء عمله، فتحسر كل منهم على ~~ما عمل من عمل الخير لإحباطه # ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك # [الزمر: 65] والحسرة أشد الأسف على الفائت الذي يحسر المتلهف أي يقطعه ~~عما تحسر عليه - انتهى. ويدخلون بأعمالهم النار { وما هم } أي ms0317 بفائت ~~خروجهم بل هم وإن خرجوا من السعير إلى الزمهرير يعودون إليه { بخارجين من ~~النار * } يوما من الأيام ولا ساعة من الساعات بل هم خالدون فيها على ~~طول الآباد ومر الأحقاب، بخلاف عصاة المؤمنين فإنهم إذا خرجوا منها لم ~~يعودوا إليها. قال الحرالي: وفيه إشعار بقصدهم الفرار منها والخروج كما ~~قال سبحانه وتعالى: # كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها # [السجدة: 20] فأنبأ تعالى أن وجهتهم للخروج لا تنفعهم، فلم تبق لهم منة ~~تنهضهم منها حتى ينتظم قطع رجائهم من منة أنفسهم بقطع رجائهم ممن اعتلقوا ~~به من شركائهم ولم يكن # وما هم منها بمخرجين # [الحجر: 48] كما قال في أهل الجنة للإشعار بأن اليأس والانقطاع واقع ~~منهم على أنفسهم، فكما كان بوادي أعمالهم في الدنيا من أنفسهم عندهم جرى ~~نبأ جزائها على حد ذلك في المعنى كما قال: أعمال أهل الجنة عندهم من ~~توفيق ربهم جرى ذكر جزائهم على حد ذلك من المعنى بحسب ما يقتضيه اختلاف ~~الصيغتين - انتهى. # ولعل الآية ناظرة إلى قوله أول السورة # ومن الناس من يقول آمنا بالله واليوم الآخر وما هم بمؤمنين # [البقرة: 8] يعني كما أن في أهل الكتاب منافقين ومصارحين فكذلك في ~~العرب، فصار قوله: # إن الذين كفروا سواء عليهم # [البقرة: 6] شاملا للأقسام الأربعة، ثم أتبع ذلك المنافقين من العرب ثم ~~المنافقين والمشاققين من أهل الكتاب ثم المجاهرين من العرب فصار قسما ~~العرب مكتنفين لقسمي أهل الكتاب إشارة إلى أنهم المقصودون بالذات وأنه ~~سيؤمن أكثرهم ويغلبون أهل الكتاب ويقتلونهم قتل الكلاب؛ ولما عجب سبحانه ~~وتعالى من الضالين وبين من مآلهم ما يزجر مثله من له أدنى عقل فكانوا ~~بذلك في عداد المقبل بعد الإدبار والمذعن بعد الاستكبار أقبل على الكل ~~كما فعل في آية التوحيد الأولى فقال { يا أيها الناس اعبدوا ربكم } إقبال ~~متلطف بعموم الإذن في تناول ما أبدعه لهم ورحمهم به في هذا الملكوت ~~المذكور في ضمن ما نصب من الأدلة تذكيرا لهم بالنعمة وتوددا إليهم ~~بجميع ما يوجب المحبة وإشارة إلى أنه ms0318 هو الذي خلق لهم ما تقربوا به إلى ~~غيره مما ادعوه ندا من البحيرة والسائبة والوصيلة وما شاكلها فقال { يا ~~أيها الناس } وإن اختصرت فقل: لما أقام سبحانه وتعالى الدليل على ~~الوحدانية بما خلق من المنافع وصنف الناس صنفين ضال معطوف دال بعطفه على ~~غير مذكور على مهتد معطوف عليه وختم بتأبيد عذاب الضال أقبل على الصنفين ~~إقبال متلطف مترفق مستعطف مناديا لهم إلى تأبيد نفعهم قائلا: { يا أيها ~~الناس } أي كافة. وقال الحرالي: لما استوفى سبحانه وتعالى ذكر أمر الدين ~~إلى أنهاه من رتبة دين الإسلام الذي رضيه وكان الدين هو غذاء القلوب ~~وزكاة الأنفس نظم به ذكر غذاء الأبدان من الأقوات ليتم بذكر النماءين ~~نماء الذوات ظاهرها البدني وباطنها الديني، لما بين تغذي الأبدان وقوام ~~الأديان من التعاون على جمع أمري صلاح العمل ظاهرا وقبوله باطنا، قال ~~عليه الصلاة والسلام: " لا يقبل الله عملا إلا بالورع الشافي "؛ وكما ~~قيل: ملاك الدين الورع، وهلاكه الترف، ونقصه السرف؛ فكما انتظم الكتاب ~~قصر الخلق على أفضل متصرفاتهم في التدين اتصل به قصرهم على أفضل مأكلهم ~~في التقوت، ولما ذكر الدين في رتبتي صنفين من الناس والذين آمنوا انتظم ~~به ذكر المأكل في صنفيهما فقال { يا أيها الناس } فانتظم بخطاب قوله ~~تعالى { يا أيها الناس اعبدوا ربكم } لما بين العبادة والمأكل من ~~الالتزام - انتهى. # ولما كانت رتبة الناس من أدنى المراتب في خطابهم أطلق لهم الإذن تلطفا ~~بهم ولم يفجأهم بالتقييد فقال مبيحا لهم ما أنعم به عليهم { كلوا } ولما ~~كان في الأرض ما لا يؤكل قال: { مما في الأرض } أي مما بينا لكم أنه من ~~أدلة الوحدانية. # ولما كان في هذا الإذن تنبيه على أن الكل له والانتفاع به يتوقف على إذن ~~منه دلهم على أن فيه ما أباحه وفيه ما حظره فقال: { حلالا } قال ~~الحرالي: وهو ما انتفى عنه حكم التحريم فينتظم بذلك ما يكره وما لا يكره، ~~والتحريم المنع مما يلحق الأكل منه ضرر في جسمه كالميتة، أو في ms0319 نفسه كلحم ~~الخنزير، أو رين على قلبه كما أهل لغير الله به؛ ثم أشار إلى أن ما حرم ~~خبيث بقوله: { طيبا } أي غير خبيث مستقذر، والأصل فيه ما يستلذ؛ ويوصف ~~به على جهة التشبيه الطاهر لأن النجس تكرهه النفس لقذره، والحلال لأن ~~الحرام يقذره العقل لزجر الشرع عنه. وقال الحرالي: الحلال مطلوب ليكتسب ~~لا ليؤكل حتى يطيب، والطيب ما لا منازغ فيه - انتهى. # ولما كان هذا الصنف أدنى المتدينين قرن سبحانه وتعالى بإطعامهم مما في ~~الأرض لكونهم أرضيين نهاهم عن اتباع العدو المبني أمره على المنافرة ~~فقال: { ولا تتبعوا } وأشار بصيغة الافتعال إلى انهماك هذا الصنف على ~~اللحاق به وأنهم غير واصلين ما داموا في هذا الحيز إلى تمام منابذته ~~وإنما عليهم الجهد لأن مخالفته لا تكون إلا بمجاهدة كثيرة لا يقدرون ~~عليها ما داموا في هذه الرتبة { خطوات } جمع خطوة وهي ما بين القدمين في ~~المشي { الشيطان } أي طرقه في وساوسه في اتخاذ الأنداد وتحريم الحلال ~~كالسوائب وتحليل الحرام كالميتات، فإن ذلك كله من أمره كما يأتي في قوله: # ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام # [النساء: 119] الآية وهو من شطن إذا بعد، وشاط إذا احترق، فهو يبعدهم - ~~كما قال الحرالي - عن وطن ما هم عليه من الائتمار في مآكلهم إلى التناول ~~بشهواتهم ليستدرجهم لذلك من خطوة الأكل بالشهوة إلى الأكل بالهوى فيتداعى ~~منها إلى المحرمات - انتهى. ثم علل ذلك بقوله: { إنه لكم عدو } بتكبره ~~على أبيكم ومكره به وسؤاله الإنظار لإضلالكم { مبين * } أي ظاهر العداوة ~~فلا تتبعوا العدو في منابذة الولي. ثم علل إبانة عداوته والنهي عن اتباعه ~~بقوله: { إنما } فحصر لينتفي عنه الأمر بشيء فيه رشد؛ وفي قوله: { يأمركم ~~} كما قال الحرالي إنباء بما مكنه الله سبحانه وتعالى حتى صار أمرا { ~~بالسوء } وهو خبائث الأنفس الباطنة التي يورث فعلها مساءة { والفحشاء } ~~قال الحرالي: وهو ما يكرهه الطبع من رذائل الأعمال الظاهرة كما ينكره ~~العقل ويستخبثه الشرع، فيتفق في حكمه آيات الله الثلاث من الشرع والعقل ~~والطبع، بذلك يفحش الفعل { وأن ms0320 تقولوا على الله } الحائز أقصى مراتب ~~العظمة { ما لا تعلمون * } مما تستفتحون قوله في أقل الموجودات من إشراك ~~أو ادعاء ولد أو تحليل وتحريم أو غير ذلك، ولقد أبلغ سبحانه وتعالى في ~~هذه الآية في حسن الدعاء لعباده إليه لطفا منه بهم ورحمة لهم بتذكيرهم ~~في سياق الاستدلال على وحدانيته بما أنعم عليهم بخلقه لهم أولا وبجعله ~~لهم ملائما ثانيا وإباحته لهم ثالثا وتحذيره لهم من العدو رابعا - ~~إلى غير ذلك من دقائق الألطاف وجلائل المنن في سياق مشير إلى جميع أصناف ~~الحلال وسبب تحليله. # قال الأستاذ أبو الحسن الحرالي في كتاب العروة في حرف الحلال: وجه إنزال ~~هذا الحرف توسيع الاستمتاع بما خلق الله في الأرض من نعمة وخيره الموافقة ~~لطباعهم وأمزجتهم وقبول نفوسهم في جميع جهات الاستمتاع من طعام وشراب ~~ولباس ومركب ومأوى وسائر ما ينتفع به مما أخرج الله سبحانه وتعالى ومما ~~بثه في الأرض وما عملت أيديهم في ذلك من صنعة وتركيب ومزج ليشهدوا دوام ~~لبس الخلق الجديد في كل خلق على حسب ما منه فطر خلقه؛ ولما كان الإنسان ~~مخلوقا من صفاوة كل شيء توسع له بجهات الانتفاع بكل شيء إلا ما استثنى ~~منه بحرف الحرام ووجهه كما استثنى لآدم أكل الشجرة من متسع رغد الجنة ~~فكان له المتاع بجميعه إلا ما أضر ببدنه أو خبث نفسه أو ران على علم قلبه ~~وذلك بأن يسوغ له طبعا وتحسن مغبته في أخلاق نفسه ويسنده قلبه لمنعمه ~~الذي يشهد منه بداياته وتكملاته تجربة ثم كمل القرآن ذلك بإخلاصه للمنعم ~~من غير أثر لما سواه فيه وجامع منزله بحسب ترتيب القرآن قوله تعالى # هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا # [البقرة: 29] ومن أوائله بحسب ترتيب - البيان والله سبحانه وتعالى أعلم # هو الذي أنزل لكم من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون # [النحل: 10] الآية وسائر الآيات الواردة في سورة النحل وفي سورة يس إذ ~~هي القلب الذي منه مداد القرآن كله في قوله تعالى: # وآية ms0321 لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون # [يس: 23] الآيات إلى سائر ما في القرآن من نحوه، ومن متسع خلال هذا ~~الحرف وقعت الفتنة على الخلق بما زين لهم منه # زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين # [آل عمران: 14] الآية ووجه فتنته أن على قدر التبسط فيه يحرم من طيب ~~الآخرة # أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها # [الأحقاف: 20] # " إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة " # فاستمتعوا بخلاقهم # [التوبة: 69] ومن رؤية سوء هذا المخبر نشأ زهد الزاهدين، ومن رؤية حسن ~~المتجر وربحه وتضاعفه إلى ما لا يدرك مداه ونعيمه في بيع خلاق الدنيا ~~بخلاق الآخرة نشأ ورع المتورعين؛ فاستراحت قلوبهم بالزهد، وانكفؤوا ~~بالورع عن الكد، وتفرغت قلوبهم وأعمالهم لبذل الجد في سبيل الحمد، وتميز ~~الشقي من السعيد بالرغبة فيه أو عنه، فمن رغب في الحلال شقي ومن رغب عنه ~~سعد؛ وهو الحرف الذي قبض بسطه حرف النهي حتى لم يبق لابن آدم حظ فيما زاد ~~على جلف الطعام وهي كسرة وثوب يستره وبيت يكنه، وما زاد عليه متجر إن ~~أنفقه ربحه وقدم عليه وإن ادخره خسره وندم عليه؛ ولذلك لم يأذن الله ~~سبحانه وتعالى لأحد في أكله حتى يتصف بالطيب للناس الذين هم أدنى ~~المخاطبين بانسلاخ أكثرهم من العقل والشكر والإيمان { يا أيها الناس كلوا ~~مما في الأرض حلالا طيبا } [البقرة: 168] ومحا اسمه عن الذين آمنوا وهم ~~الذين لا يثبتون ولا يدومون على خير أحوالهم بل يخلصون وذلك في قوله ~~تعالى # يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم # [البقرة: 172] وهو ما طيبه حرف النهي علما، وبرىء من حواد القلوب ~~طمأنينة، وتمم وأنهى صفوة للمرسلين فقال # يا أيها الرسل كلوا من الطيبات # [المؤمنون: 51] وورد جوابا لسؤالهم في قوله تعالى # يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات # [المائدة: 4]؛ فمن آثر حرف النهي على حرف الحلال فقد تزكى واتبع الأحسن ~~وصح هداه وصفا لبه ومن آثر حرف الحلال على حرف النهي فقد تدسى وحرم هدى ~~الكتب وعلم ms0322 الحكمة ومزيد التأبيد بما فاته من التزكية وتورط فيه من ~~التدسية والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. ثم قال فيما به تحصل قراءته: ~~اعلم أن الإنسان لما كان جامعا كان بكل شيء منتفعا أما في حال السعة ~~فمع استثناء أشياء يسيرة مما يضره من جهة نفسه أو غيره أو ربه على ما ذكر ~~في الفصل الأول أي حرف الحرام # هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا # [البقرة: 29] # قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما # [الأنعام: 145] الآية: وأما في حال الضرورة فبغير استثناء البتة # فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه # [البقرة: 173]؛ # فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم # [المائدة:3]؛ والذي تحصل به قراءة هذا الحرف أما من جهة القلب فمعرفة ~~حكمة الله في المتناول من مخلوقاته ومعرفة أخص منافعها مما خلقه، ليكون ~~غذاء في سعة أو ضرورة وإداما أو فاكهة أو دواء كذلك؛ ومعرفة موازنة ما ~~بين الانتفاع بالشيء ومضرته واستعماله على حكم الأغلب من منفعته، أو ~~اجتنابه على حكم الأغلب من مضرته # قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما # [البقرة: 219] وذلك مدرك عن الله سبحانه وتعالى باعتبار العقل وإدراك ~~الحس في مخلوقاته كما أدركه الحنيفيون، كان الصديق رضي الله تعالى عنه قد ~~حرم الخمر على نفسه في الجاهلية، وكان إذا أخذ عليه في ذلك يقول: والله ~~لو أصبت شيئا أشتريه بمالي كله يزيد في عقلي لفعلت فكيف أشتري بمالي ~~شيئا ينقص من عقلي! وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرا ما ينبه ~~على حكمة الله سبحانه وتعالى في الأشياء التي بها تتناول أو تجتنب عملا ~~بقوله تعالى # يزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة # [آل عمران: 164] فقال لطلحة رضي الله تعالى عنه وقد ناوله سفرجلة " تذهب ~~بطخاء الفؤاد " وقال لأبي هريرة رضي الله تعالى عنه وهو رمد في خبز ~~الشعير والسلق: # " كل من هذا فإنه أوفق لك " # وقال في التمر والقثاء: # " حر هذا يكسر برد هذا " # وقال لرمد: # " أتأكل التمر وأنت ms0323 رمد " # وقال لعائشة رضي الله تعالى عنها في الماء المشمس: # " لا تفعلي يا حميراء! فإنه يولد البرص " # وقال: # " استاكوا بكل عود ما خلا الآس والرمان فإنهما يهيجان عرق الجذام " # وقال لامرأة استطلقت بالشبرم: # " حار جار، ألا استطلقت بالسنا؟ فإنه لو كان شيء يذهب الداء لأذهبه ~~السنا " # إلى غير ذلك مما إذا أباحه أو حظره نبه على حكمته. وكانت عائشة رضي الله ~~تعالى عنها تقول للمريض: اصنعوا له خزيرة فإنها مجمة لفؤاد المريض ~~وتذهب بعض الحزن. ومثل ذلك كثير من كلام العلماء رضي الله تعالى عنهم ~~ومجربات الحكماء ومعارف الحكماء الحنفاء، قال الشافعي رحمه الله تعالى في ~~قوله سبحانه وتعالى # يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث # [الأعراف: 157] الطيبات ما استطابته نفوس العرب، والخبائث ما استخبثته ~~نفوس العرب؛ هذا من جهة القلب وأما من جهة النفس فسخاؤها بما يقع فيه ~~الاشتراك من المنتفعات المحللات، لأن الشح بالحلال عن مستحقه محظر له ~~على المختص به الضيافة على أهل الوبر # وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه # [النساء: 8] # وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل # [الروم: 38] # فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر # [الحج: 36] وكذلك صبرها عما تشتهيه من المضرات من الوجوه المذكورة # إنما الخمر والميسر # [المائدة: 90] إلى قوله # لعلكم تفلحون # ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم # [النساء: 2] # ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون # [الحشر: 9 والتغابن: 16] وكذلك التراضي وطيب النفس فيما يقع فيه ~~الاشتراك # إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم # [النساء: 29] # فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا # [النساء: 4] هذه الشروط الثلاثة من السخاء والصبر والتراضي في النفس، ~~وأما في العمل وتناول اليد فأول ذلك ذكر الله والتسمية عند كل متناول، ~~لأن كل شيء لله فما تنوول باسمه أخذ بإذنه وما تنوول بغير اسمه أخذ ~~تلصصا على غير وجهه وشارك الشيطان في تناوله فتبعه المتناول معه في ~~خطواته وشاركهم في الأموال والأولاد؛ جاء أعرابي وصبي ليأكلا طعاما بين ~~أيدي النبي صلى الله عليه وسلم بغير تسمية فأخذ بأيديهما وقال ms0324 # " إن الشيطان جاء ليستحل بهما هذا الطعام، والذي نفسي بيده! إن يده في ~~يدي مع أيديهما " # فسمى النبي صلى الله عليه وسلم وأكل ثم أطلقها وقال: # " كلا باسم الله " # وقال لغلام آكل: # " يا غلام! سم الله " # والثاني التناول باليمين، لأن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله، ~~واليمين خادم ما علا من الجسد والشمال خادم ما سفل منه. والثالث أن ~~يتناول تناول تقنع وترفع عن تناول النهبة # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل بثلاثة أصابع " # " ويشرب مصا في ثلاث " # وقال: # " هو أبرأ وأمرأ وأهنأ " # وقال: # " الكباد من العب " # والرابع الاكتفاء بما دون الشبع لما في ذلك من حسن اغتذاء البدن وحفظ ~~الحواس الظاهرة والباطنة؛ ومن علامات الساعة ظهور السمن عن الأكل في ~~الرجال؛ و # " ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطن " # و # " ما دخلت الحكمة معدة ملئت طعاما " # و # " المؤمن يأكل في معى واحد والكافر يأكل في سبعة أمعاء " # لتوكل المؤمن في قوامه ولا تكال الكافر على الغذاء في قوته: " وحسب ~~المؤمن لقيمات يقمن صلبه، فإن كان ولا بد فاعلا فثلث للطعام وثلث للشراب ~~وثلث للنفس " انتهى. قلت: ولعل المراد أن الكافر يأكل شبعا فيأكل ملأ ~~بطنه لأن الأمعاء كما قالوا سبعة، والمؤمن يأكل تقوتا فيأكل في معى ~~واحد وهو سبع بطنه، فإن لم يكن ففي معاءين وشيء وهو الثلث - والله سبحانه ~~وتعالى أعلم. قال الحرالي: والخامس حمد الله تعالى في الختام، لأن من لم ~~يحمد الله في الختام كفر بنعمته. ومن حمد غير الله آمن بطاغوته؛ فبهذه ~~الأمور معرفة في القلب وحالا في النفس وآدابا في العمل تصح قراءة حرف ~~الحلال ويحصل خير الدنيا ويتمدد الأساس لبناء خير الآخرة، والله سبحانه ~~وتعالى ولي التوفيق - انتهى. ### || [2.170-176] # ولما نهاهم سبحانه وتعالى عن متابعة العدو ذمهم بمتابعته مع أنه عدو من ~~غير حجة بل بمجرد التقليد للجهلة فقال عاطفا على { ومن الناس } معجبا ~~منهم: { وإذا قيل } أي من أي قائل كان. ولما كان الخطاب للناس عامة وكان ~~أكثرهم مقلدا ولا ms0325 سيما للآباء أعاد الضمير والمراد أكثرهم فقال: { لهم ~~اتبعوا } أي اجتهدوا في تكليف أنفسكم الرد عن الهوى الذي نفخه فيها ~~الشيطان، وفي قوله له { ما أنزل الله } أي الذي له العلم الشامل والقدرة ~~التامة انعطاف على ذلك الكتاب لا ريب فيه وما شاكله { قالوا بل } أي لا ~~نتبع ما أنزل الله بل { نتبع } أي نجتهد في تبع { ما ألفينا } أي وجدنا، ~~قال الحرالي: من الإلفاء وهو وجدان الأمر على ما ألفه المتبصر فيه أو ~~الناظر إليه { عليه آباءنا } أي على ما هم عليه من الجهل والعجز، قال: ~~ففيه إشعار بأن عوائد الآباء منهية حتى يشهد لها شاهد أبوة الدين ففيه ~~التحذير في رتب ما بين حال الكفر إلى أدنى الفتنة التي شأن الناس أن ~~يتبعوا فيها عوائد آبائهم - انتهى. # ولما أبوا إلا إلف وهاد التقليد فدنوا عن السمو إلى عداد أولي العلم ~~بالنظر السديد أنكر عليهم سبحانه وتعالى ذلك فقال مبكتا لهم: { أولو } ~~أي أيتبعون أباءهم والحال أنه { كان آباؤهم لا يعقلون } ببصائر قلوبهم { ~~شيئا } من الأشياء المعقولة { ولا يهتدون * } بأبصار عيونهم إلى شيء من ~~الأشياء المحسوسة. # ولما كان التقدير: فمثلهم حينئذ كمن تبع أعمى في طريق وعر خفي في فلوات ~~شاسعة كثيرة الخطر عطف عليه ما يرشد إلى تقديره من قوله منبها على أنهم ~~صاروا بهذا كالبهائم بل أضل لأنها وإن كانت لا تعقل فهي تسمع وتبصر ~~فتهتدي إلى منافعها { ومثل } وبين الوصف الذي حملهم على هذا الجهل بقوله: ~~{ الذين كفروا } أي ستروا ما يعلمون من عظمة الله سبحانه وتعالى وقدرته ~~وعلمه وحكمته بما عندهم من الهوى في أنهم لا يسمعون من الدعاء إلا جرس ~~النغمة ودوي الصوت من غير إلقاء أذهان ولا استبصار { كمثل } قال الحرالي: ~~المثل ما يتحصل في باطن الإدراك من حقائق الأشياء المحسوسة فيكون ألطف من ~~الشيء المحسوس فيقع لذلك جاليا لمعنى مثل المعنى المعقول ويكون الأظهر ~~منهما مثلا للأخفى، فلذلك يأتي استجلاء المثل بالمثل، ليكون فيه تلطيف ~~للظاهر المحسوس وتنزيل للغائب المعلوم؛ ففي هذه ms0326 الآية يقع الاستجلاء بين ~~المثلين لا بين الممثولين لتقارب المثلين يعني وهو وجه الشبه وتباعد ~~الممثولين، وفي ذكر هذين المثلين تقابل يفهم مثلين آخرين، فاقتضى ذلك ~~تمثيلين في مثل واحد كأن وفاء اللفظ الذي أفهمه هذا الإيجاز مثل الذين ~~كفروا ومثل راعيهم كمثل الراعي ومثل ما يرعى من البهائم وهو من أعلى خطاب ~~فصحاء العرب، ومن لا يصل فهمه إلى جمع المثلين يقتصر على تأويله بمثل ~~واحد فيقدر في الكلام: ومثل داعي الذين كفروا { كمثل الذي ينعق } أي ~~يصيح، وذلك لأن التأويل يحمل على الإضمار والتقدير، والفهم يمنع منه ~~ويوجب فهم إيراد القرآن على حده ووجهه؛ وقال: { بما } أي بسبب شيء من ~~البهائم التي { لا } عقل لها فهو { يسمع إلا دعاء } أي من الناطق فيما ~~يدعي إليه من قوام غذائه ونسله { ونداء } فيما ساق إليه بمحل دعائه من ~~حيث إن النداء يشعر بالبعد والدعاء يشعر بالشروع في القصد - انتهى. # فالكافرون في كونهم لا يرجعون عن غيهم لما يسمعون من الأدلة وهم أولو ~~عقل وسمع وبصر كالبهم التي تسمع وتبصر ولكنها لكونها لا تعقل لا ترجع ~~بالكلام لأنها لا تسمع إلا ظاهر الصوت ولا تفهم ما تحته بل بالحجر ~~والعصا، فإن الراعي إذا أراد رجوعها عن ناحية صاح بها ورمى بحجر إلى ما ~~أمامها فترجع، فهي محل مثلهم الذي هو عدم الإدراك، والبهم في كونها لا ~~ترجع بالنداء بل بقارع كالأصم الأبكم الأعمى الذي لا يرجع إلا بقارع يصكه ~~في وجهه فينكص على عقبه فهو محل مثلها، وداعيهم في كونه يتكلم فلا يؤثر ~~كلامه مع المبالغة فيه كراعي البهم فهو موضع مثله، وراعي البهم من حيث إن ~~بهمه لا ترجع إلا بضربة بالحجر أو غيره كالسوط الذي يقمع به الأصم أو ~~كضارب الأصم المذكور فهو محل مثله؛ فلذلك كانت نتيجة التمثيل قوله: { صم ~~} أي لا يسمعون { بكم } أي لا ينطقون { عمي } أي لا يبصرون، وقد علم بهذا ~~أن الآية من الاحتباك حذف من الأول مثل الداعي لدلالة الناعق عليه ومن ~~الثاني ms0327 المنعوق به لدلالة المدعوين عليه. ولما كان موجود إدراك العقل هو ~~حقائق المحسوسات وقد نفى عنهم الحس المدرك للمحسوسات ترتب عليه قوله { ~~فهم } بالفاء ربطا وتعقيبا وتسبيبا { لا يعقلون * } لأنهم لا ينتفعون ~~بعقولهم كما أن هذا الأصم كذلك، ونفاه بلا النافية للممتنع وصيغة المضارع ~~المنبئة عن الدوام - قاله الحرالي. # ولما أخبر سبحانه وتعالى أن الدعاء لا يزيدهم إلا نفورا رقي الخطاب من ~~الناس إلى أعلى منهم رتبة فقال آمرا لهم أمر إباحة أيضا وهو إيجاب في ~~تناول ما يقيم البينة ويحفظها: { يا أيها الذين آمنوا كلوا }. وقال ~~الحرالي: لما كان تقدم الخطاب في أمر الدين في رتبتين أولاهما # يا أيها الناس اعبدوا ربكم # [البقرة: 21] وثانيتهما # يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا # [البقرة: 104] فأمر الناس فيه بالعبادة وأمر الذين آمنوا بحسن الرعاية ~~مع النبي صلى الله عليه وسلم، كذلك هنا أمر الناس بالأكل مما في الأرض ~~ونهى عن اتباع خطوات الشيطان، وأشعر الخطاب بأنهم ممن يتوجه الشيطان ~~نحوهم للأمر بالسوء والفحشاء والقول بالهوى، وأمر الذين آمنوا بالأكل { ~~من طيبات } فأعرض في خطابهم عن ذكر الأرض لتناولهم الرزق من السماء، فإن ~~أدنى الإيمان عبادة من في السماء واسترزاق من في السماء كما قال للسوداء: # " أين الله؟ قالت: في السماء، قال: أعتقها فإنها مؤمنة " # قال سبحانه وتعالى: # وفي السماء رزقكم # [الذاريات: 22]، فأطعم الأرضيين وهم الناس مما في الأرض وأطعم السماويين ~~وهم الذين آمنوا من رزق السماء كذلك، وخص هذا الخطاب بلفظ الحلال لما كان ~~آخذا رزقه من السماء متناولا طيبة لبراءته من حال مما في الأرض مما ~~شأنه ضر في ظاهر أو أذى في باطن، ولذلك " ولو كانت الدنيا دما عبيطا ~~لكان قوت المؤمن منها حلالا " ، فالمسترزق من السماء يصير المحرم له ~~حلالا لأخذه منه عند الضرورة تقوتا لا تشهيا، ويصير الحلال له طيبا ~~لاقتناعه منه بالكفاف دون التشهي # يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات # [المائدة: 4] وفي مورد هذين الخطابين بيان أن كلمة { للناس } واقعة على ~~سن من أسنان القلوب ms0328 وكلمة { الذين آمنوا } واقعة على سن فوقه وليس يقع ~~على عموم يشمل جميع الأسنان القلبية، فتوهم ذلك من أقفال القلوب التي ~~تمنع تدبر القرآن، لأن خطاب القرآن يتوجه لكل أولي سن على حسب سن قلوبهم، ~~لا يصلح خطاب كل سن إلا له يتقاصر عنه من دونه ولا يحتاج إليه من فوقه، ~~وهي أسنان متعددة: سن الإنسان ثم سن الناس، ثم سن الذين آمنوا، ثم سن ~~الذين يؤمنون، ثم سن المؤمنين، ثم سن المؤمنين حقا، ثم سن المحسنين؛ هذه ~~أسنان سبعة خطاباتها مترتبة بعضها فوق بعض، ومن وراء ذلك أسنان فوقها من ~~سن الموقنين وما وراء ذلك إلى أحوال أثناء هذه الأسنان من حال الذين ~~أسلموا والمسلمين ومن يوصف بالعقل والذكر والفكر والسماع وغير ذلك من ~~الأوصاف التي تلازم تلك الأسنان في رتب متراقية لا يشمل أدناها أعلاها ~~ولا ينهض أدناها لرتبة خطاب أعلاها إلى ما وراء ذلك من خصوص خطاب النبي ~~صلى الله عليه وسلم فيه بما لا يليق إلا به وبمن هو منه من إله، وفي ~~انتظام تفصيل هذه الرتب جامعة لما يقع من معناه في سائر القرآن - انتهى. ~~ولما كانت هذه الرتبة كما تقدم أرفع من رتبة الناس خص في خطابهم بعد بيان ~~أن ما لم يحل خبيث فقال: { من طيبات } ولم يأت بذلك العموم الذي تألف به ~~{ الناس }. # ولما كانوا في أول طبقات الإيمان نبههم على الشكر بقوله في مظهر العظمة: ~~{ ما رزقناكم } وأخلصناه لكم من الشبه، ولا تعرضوا لما فيه دنس كما أحله ~~المشركون من المحرمات، ولا تحرموا ما أحلوا منها من السائبة وما معها ثم ~~صرح به في قوله آمرا أمر إيجاب: { واشكروا لله } أي وخصوا شكركم بالمنعم ~~الذي لا نعمة إلا منه، وهذا بخلاف ما يأتي في سورة المؤمنين خطابا لأعلى ~~طبقات الخلص وهم الرسل. # ولما كان الشكر لا يصح إلا بالتوحيد علقه باختصاصهم إياه بالعبادة فقال: ~~{ إن كنتم إياه } أي وحده { تعبدون * } فإن اختصاصه بذلك سبب للشكر، فإذا ~~انتفى الاختصاص الذي هو السبب ms0329 انتفى الشكر، وأيضا إذا انتفى المسبب الذي ~~هو الشكر انتفى الاختصاص لأن السبب واحد، فهما متساويان يرتفع كل واحد ~~منهما بارتفاع الآخر. وقال الحرالي: ولما كان هذا الخطاب منتظما لتناول ~~الطيب والشكر وحقيقته البذل من الطيب فشكر كل نعمة إظهارها على حدها من ~~مال أو جاه أو علم أو طعام أو شراب أو غيره وإنفاق فضلها والاقتناع منها ~~بالأدنى والتجارة بفضلها لمبتغى الأجر وإبلاغها إلى أهلها لمؤدي الأمانة ~~لأن أيدي العباد خزائن الملك الجواد " دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض ~~". فلما كان ذلك لا يتم إلا بمعرفة الله سبحانه وتعالى المخلف على من ~~أنفق كما قال { وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه } نبهوا على عهدهم الذي ~~لقنوه في سورة الفاتحة في قوله { إياك نعبد وإياك نستعين } فقيل لهم: ~~كلوا واشكروا إن كنتم إياه تعبدون؛ فمن عرف الله بالكرم هان عليه أن ~~يتكرم ومن عرف الله بالإنعام والإحسان هان عليه أن يحسن وهو شكره لله، من ~~أيقن بالخلف جاد بالعطية - انتهى. # ولما قيد الإذن لهم بالطيب من الرزق افتقر الأمر إلى بيان الخبيث منه ~~ليجتنب فبين صريحا ما حرم عليهم مما كان المشركون يستحلونه ويحرمون غيره ~~وأفهم حل ما عداه وأنه كثير جدا ليزداد المخاطب شكرا فقال: { إنما حرم ~~عليكم }. وقال الحرالي: ولما كان إدراك المؤمنين لمقتضى الخطاب فوق إدراك ~~الناس خاطبهم تعالى بذكر ما حرم عليهم فناظر ذلك ما نهى عنه الناس من ~~اتباع خطوات الشيطان فقال: { إنما حرم } [البقرة: 173] وأجرى إضماره على ~~الاسم العظيم الأول إعلاما بأن الذي أذن لهم إنما حرم عليهم ما لا يصلح ~~لهم بكل وجه لشدة مضرته عليهم في إحاطة ذواتهم ظاهرها وباطنها، لما ذكر ~~أن المحرم إما لحرمته علوا كالبلد الحرام وتحريم الأمر، أو لحرمته دناءة ~~كتحريم هذه المحرمات، ففي كلمة " إنما " نفي لمتوهمات ما يلحقه التحريم ~~بما دون المذكور هنا كأن قائلا يقول: حرم كذا وحرم كذا من نحو ما حرمته ~~الكتب الماضية أو حرمته الأهواء المختلفة أو حرمه نظر علمي كالذي ms0330 حرمه ~~إسرائيل على نفسه، فكان الإفهام لرد تلك المحرمات كلها - انتهى. فالمعنى ~~والله سبحانه وتعالى أعلم أنكم حرمتم الوصيلة والسائبة وغيرهما مما أحله ~~الله وأحللتم الميتة والدم وغيرهما حرمه الله سبحانه وتعالى ولم يحرم ~~الله عليكم من السائبة وما معها مما حرمتموه ولا غيره مما استحللتموه إلا ~~ما ذكرته هذه الآية؛ وإذا راجعت ما في قوله سبحانه وتعالى في الأنعام # فكلوا مما ذكر اسم الله عليه # [الأنعام: 118] وقوله # ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه # [الأنعام: 121] وقوله # قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما # [الأنعام: 145] من كتابي هذا عرفت المراد من هذه الآية. وقال { الميتة } ~~أي التي سماها بذلك أهل العرف، وهي ما فارقه الروح من غير ذكاة شرعية وهو ~~مما يذكى. قال الحرالي: وهي ما أدركه الموت من الحيوان عن ذبول القوة ~~وفناء الحياة، وهي أشد مفسد للجسم لفساد تركيبها بالموت وذهاب تلذذ ~~أجزائها وعتقها وذهاب روح الحياة والطهارة منها. { والدم } أي الجاري ~~لأنه جوهر مرتكس عن حال الطعام ولم يبلغ بعد إلى حال الأعضاء، فهو ميتة ~~من خاص حياته مرتكس في جوهره إلا من طيب الله كليته كما في محمد صلى ~~الله عليه وسلم وفيمن نزع عنه خبث الظاهر والباطن طبعا ونفسا. { ولحم ~~الخنزير } لأذاه للنفس كما حرم ما قبله لمضرتهما في الجسم، لأن من حكمة ~~الله في خلقه أن من اغتذى جسمه بجسمانية شيء اغتذت نفسه بنفسانية ذلك ~~الشيء " الكبر والخيلاء في الفدادين أهل الوبر، والسكينة في أهل الغنم " ~~فلما جعل في الخنزير من الأوصاف الذميمة حرم على من حوفظ على نفسه من ~~ذميم الأخلاق؛ واللحم ما لحم بين أخفى ما في الحيوان من وسط عظمه وما ~~انتهى إليه ظاهره من سطح جلد، وعرف غلبة استعماله على رطبة الأحمر، وهو ~~هنا على أصله في اللغة يجمع اللحم الأحمر والشحم والأعصاب والعروق إلى حد ~~الجلد وما اشتمل عليه ما بين الطرفين من أجزاء الرطوبات، وإذا حرم لحمه ~~الذي هو المقصود بالأكل وهو أطيب ما فيه كان غيره ms0331 من أجزائه أولى ~~بالتحريم. # ولما حرم ما يضر الجسم ويؤذي النفس حرم ما يرين على القلب فقال: { وما ~~أهل } والإهلال رفع الصوت لرؤية أمر مستعظم { به } أي رفع رافع الصوت ~~بسببه ذابحا { لغير الله } أي الذي لا كفؤ له بوجه. قال الحرالي: لأن ما ~~لم يذكر عليه اسم الله أخذ من يد من ذكر عليه اسمه وليس ذلك خالقه ~~ومالكه، إنما خالقه ومالكه الله الذي جعل ذكر اسمه عليه إذنا في ~~الانتفاع به وذكر على إزهاق الروح من هي من نفخته لا من لا يجد للدعوى ~~فيها سبيلا من الخلق. وذكر الإهلال إعلام بأن ما أعلن عليه بغير اسم ~~الله هو أشد المحرم، ففي إفهامه تخفيف الخطاب عما لا يعلم من خفي الذكر # " قالوا: يا رسول الله! إن ناسا يأتوننا بلحام لا ندري أسموا الله ~~عليها أم لا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " سموا الله أنتم وكلوا ~~" # فكان المحرم ليس ما لم يعلم أن اسم الله ذكر عليه بل الذي علم أن غير ~~اسم الله قد أعلن به عليه، وفي تقدم إضمار المحرم في قوله { به } تأكيد ~~لمعناه لأنهم يقدمون ما هم به أهم وهم ببيانه أعنى، قال صلى الله عليه ~~وسلم: # " ابدؤوا بما بدأ الله به " # ، فلما كانت هذه الآية جامعة أي التحريم أظهر فيها تقديم العناية ~~بالمحرم وهي في الإبلاغ أنهى معنى من الذي أخر فيها هذا الضمير. # ولما كان هذا الدين يسرا لا عسر فيه ولا حرج ولا جناح رفع حكم هذا ~~التحريم عن المضطر، ولما كان شأن الاضطرار أن يشمل جمعا من الخلق أنبأهم ~~تعالى بأن هذا الذي رفع عنهم من التحريم لا يبرأ من كلية الأحكام بل يبقى ~~مع هذه الرخصة موقع الأحكام في البغي والعدوان فقال: { فمن اضطر } أي ~~أحوجه محوج وألجأه ملجىء بأي ضرورة كانت إلى أكل شيء مما حرم بأن أشرف ~~على التلف فأكل من شيء منه حال كونه { غير باغ } أي قاصد فسادا بمكيدة ~~يكيد بها لضعفه آخذا من ms0332 تلك الميتة هو أقوى منه كأن يحيله على غيرها ~~خداعا منه ليستأثر عليه بالأحسن منها { ولا عاد } على غيره بأن يكون ~~أقوى منه فيدفعه عنها، ولا مجاوز لسد الرمق وإزالة الضرورة؛ ويدخل في ~~الآية أن من بغى على إمام أو قصد بضربه في الأرض فسادا أو عدا على أحد ~~ظلما فحصل له بسبب ذلك مخمصة لا يحل له ما كان حراما لأن في ذلك إعانة ~~له على معصيته، فإن تاب استباح { فلا إثم عليه } لا من التحريم الأول ولا ~~من الحكم الآخر، ولو كان رفع الإثم دون هذين الاشتراطين لوقع بين ~~المضطرين من البغي والتسلط ما مثله لا يحل لغير المضطرين، فانتفى الإثم ~~على صحة من الأمرين وارتفاع الحكمين، ففي السعة يجتنب ما يضر وفي الضرورة ~~يؤثر ضرورة الجسم لقوامه على حكم الكتاب في إقامته؛ وفي إفهامه أن من ~~اضطر لشيء مما حرم عليه فأكله لم تنله مضرة، لأن الله سبحانه وتعالى إذا ~~أباح شيئا أذهب ضره # " إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها " # ففيه تنبيه لتغيير هذه الأعيان للمضطر عما كانت عليه حتى تكون رخصة في ~~الظاهر وتطييبا في الباطن، فكما رفع عنه حكمها الكتابي يتم فضله فيرفع ~~عنه ضرها الطبيعي. # ثم علل هذا الحكم مرهبا مرغبا بقوله: { إن الله } فأتى بهذا الاسم ~~المحيط إشارة إلى عموم هذا الحكم للمضطر والموسع، وفي قوله: { غفور } ~~إشعار بأنه لا يصل إلى حال الاضطرار إلى ما حرم عليه أحد إلا عن ذنب ~~أصابه، فلولا المغفرة لتممت عليه عقوبته، لأن المؤمن أو الموقن لا تلحقه ~~ضرورة، لأن الله سبحانه وتعالى لا يعجزه شيء وعبد الله لا يعجزه ما لا ~~يعجز ربه # وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين # [الروم: 49] فاليأس الذي يحوج إلى ضرورة إنما يقع لمن هو دون رتبة ~~اليقين ودون رتبة الإيمان # " جهز رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشا ففنيت أزوادهم فأقاموا أياما ~~يتقوتون بيسير حتى تقوتوا بتمرة تمرة فأخرج الله لهم العنبر دابة من ms0333 ~~البحر " # فلم يحوجهم في ضرورتهم إلى ما حرم عليهم بل جاءهم في ضرورتهم بما هو ~~أطيب ماكلهم في حال السعة من صيد البحر الذي # " هو الطهور ماؤه الحل ميتته " # وفي قوله: { رحيم } إنباء بأن من اضطر فأصاب مما اضطر إليه شيئا لم يبغ ~~فيه ولم يعد تناله من الله رحمة توسعه من أن يضطر بعدهاه إلى مثله فيغفر ~~له الذنب السابق الذي أوجب الضرورة ويناله بالرحمة الموسعة التي ينال بها ~~من لم يقع منه ما وقع ممن اضطر إلى مثله - انتهى؛ وتصرفت فيه. ولما كان ~~في بيان هذه المحرمات الإشارة إلى عيب من استحلها من العرب وترك ما أمر ~~به من الطيبات جهلا وتقليدا تلاها بتكرير عيب الكاتمين لما عندهم من ~~الحق مما أنزل في كتابهم من صفة النبي صلى الله عليه وسلم وأمر الحج وأمر ~~القبلة وغيرها مما يصدق هذا الكتاب الذي لا ريب فيه خوفا على انقطاع ما ~~كان يهدي إليهم لرئاستهم من دينهم على وجه عائب لهم لاستحلالهم أكل السحت ~~على علم مبين أنهم استحقوا الذم من وجهين: أحدهما نفس الأكل على هذا ~~الوجه المؤدي إلى الإعراض عن الطيبات والموافقة للعرب، الثاني كونه على ~~كتمان ما يعلمون من الحق فقال: { إن الذين يكتمون } مؤكدا لذمهم بأنواع ~~التأكيد، ولقد بدع إيلاؤه لصفتي المغفرة والرحمة كما ختم آية الكتمان ~~الأولى بوصفي التوبة والرحمة، فكان مع ما فيه من الترغيب من قبيل ~~الاحتراس أي إنه إعانة لا يغفر لمثل هؤلاء إلا أن اتصفوا بما أشارت إليه ~~الآية الأولى من التوبة. قوله: { ما أنزل الله } بإسناد الإنزال إلى اسمه ~~الأعظم لإحاطة الكتاب بمختلفات الأحكام { من الكتاب } أي من حدوده ~~وأحكامه وغير ذلك مما أشارت إليه الآية الأولى بالبينات والهدى من الحكم ~~والأحكام. # ولما كان من الكتم ما يكون لقصد خير، فكم من كلمة حق أريد بها باطل! ~~قيده بقوله: { ويشترون به ثمنا } قال الحرالي: والثمن ما لا ينتفع بعينه ~~حتى يصرف إلى غيره من الأعواض، فالإيعاد على ما يتضمن جهل الكاتم ms0334 وحرصه ~~باستكسابه بالعلم وإجرائه في غير ما أجراه الله تعالى على ألسنة أنبيائه # وما أسألكم عليه من أجر # [الشعراء: 109] ولما كان كل ما لم يثبت من خير الدنيا في الآخرة وإن جل ~~حقيرا قال: { قليلا } هذا المراد لا تقييده بالقليل. # ولما كانوا قد بعدوا عن مواطن الرحمة ببخلهم بما لا ينقصه الإنفاق أشار ~~إليهم بأداة البعد فقال: { أولئك } وفي خطاب النبي صلى الله عليه وسلم به ~~إشعار بوقوع ذلك من طائفة من أمته حرصا على الدنيا { ما يأكلون } أي في ~~هذه الحال على ما دلت عليه ما. ولما كان الأكل يطلق على مجرد الإفساد حقق ~~معناه بقوله: { في بطونهم } جمع بطن وهو فضاء جوف الشيء الأجوف لغيبته عن ~~ظاهره الذي هو ظهر ذلك البطن { إلا النار } كما أحاط علمه سبحانه وتعالى ~~بالغيب إن ذلك على الحقيقة وبصره لعيون أهل الكشف الذين يرون العواقب في ~~الأوائل والغيب في الشهادة، وفي ذكره بصيغة الحصر نفي لتأويل المتأول ~~بكونه سببا وصرف له إلى وجه التحقيق الذي يناله الكشف ويقصر عنه الحس، ~~فكانوا في ذلك كالحذر الذي يجعل يده في الماء الحار ولا يحس به فيشعر ذلك ~~بموت حواس هؤلاء عن حال ما تناولوه. # ولما قدم الوعيد في الثمن لكونه الحامل على الكتم أتبعه وعيد نفس الكتم ~~فقال: { ولا يكلمهم الله } أي الملك الأعظم الذي من كلمه أقبل كل شيء ~~عليه كلاما يدل على مرضى لكونهم لم يكلموا الناس بما كتب عليهم وقال: { ~~يوم القيامة } تأكيدا لما أشارت إليه ما من أن المراد بالذي قبله الحال ~~{ ولا يزكيهم } أي يطهرهم من دنس الذنوب أو يثنى عليهم أو ينمي أعمالهم ~~بما يحصل لهم من الميثاق في يوم التلاق كما يزكي بذلك من يشاء من عبادة ~~لأنهم كتموا عن العباد ما يزكيهم وفي هذا تعظيم لذنب كتموا العلم { ولهم ~~} مع هذا العذاب { عذاب أليم } لما أوقعوا فيه الناس من التعب بكتمهم ~~عنهم ما يقيمهم على المحجة السهلة. # ولما ذكر جزاءهم أتبعه ترجمة حالهم مؤكدا لبعدهم فقال: ms0335 { أولئك الذين ~~اشتروا } أي لجاجا وتماديا في الغي { الضلالة } عن طريق الخير { بالهدى ~~} ولما ذكر حالهم في الدنيا أتبعه أمر الآخرة فقال: { والعذاب } ~~بارتكابهم هذه الموبقة { بالمغفرة } التي كانت تنجيهم إذا محت صغائرهم لو ~~سلموا من هذه العضلة التي كانت سببا لضلال خلق كثير فكان عليهم وزرهم. ~~ولما جعل سبحانه وتعالى أول مأكلهم نارا وآخر أمرهم عذابا وترجمة حالهم ~~عدم المغفرة فكان بذلك أيضا أوسط حالهم نارا سبب عنه التعجيب من أمرهم ~~بحبسهم أنفسهم في ذلك الذي هو معنى الصبر لالتباسهم بالنار حقيقة أو ~~بموجباتها من غير مبالاة فقال: { فما أصبرهم } أي ما أشد حبسهم أنفسهم أو ~~ما أجرأهم { على النار } التي أكلوها في الدنيا فأحسوا بها في الأخرى - ~~ذكر كثيرا من ذلك الحرالي غير أني تصرفت فيه؛ وإذا جعلته مجازا كان مثل ~~قولك لمن عاند السلطان: ما أصبرك على السجن الطويل والقيد الثقيل! ~~تهديدا له. # ولما ذكر جزاءهم وشرح حالهم والتعجيب من أمرهم ذكر السبب الموجب لهذا ~~الإبعاد العظيم والتهديد الكبير فقال: { ذلك } مشيرا بأداة البعد { بأن ~~الله } فذكر الاسم الأعظم أيضا الذي معناه أن له جميع صفات الكمال ~~تعظيما للمقام { نزل الكتاب } أي الجامع لأنواع الهدى { بالحق } منجما ~~تقريبا للأفهام وتدريبا للخاص والعام، وهو صالح لإرادة القرآن والتوراة ~~أي الثابت الكامل في الثبات، فمن كتمه فقد حاول نفي ما أثبته الله تعالى ~~فقد ضاد الله في ملكه، ومن خالف فيه وهو الذي لا شبهة تلحقه فقد عد ~~الواضح ملبسا فقد أبعد المرمى. # ولما كان التقدير: فاختلفوا، أتبعه قوله: { وإن الذين اختلفوا } أي خالف ~~بعضهم بعضا { في الكتاب } نفسه أي لا في فهمه، وهذه العبارة تدل على أن ~~الاختلاف قول بعض في الكتاب كله أو في شيء منه هو باطل والإقرار ببعض ~~أحكامه والإنكار لبعضها وتحريف الكلم عن مواضعه ونحو هذا { لفي شقاق } ~~لكون كل واحد منهم في شق { بعيد } جدا عن شق أهل الحق، ولذلك خاف ~~الصحابة رضوان الله تعالى عليهم من اختلاف أهل هذا الدين في القرآن ms0336 كما ~~اختلف اليهود والنصارى فجمعوهم على مصحف واحد، فليس الاختلاف في وجوه ~~الروايات وأنحاء الفهم من ذلك؛ وقد وقع كما ترى تنبيه المشركين من العرب ~~بدون ما تضمنه تنبيه بني إسرائيل من التقريع والتوبيخ لفرقان ما بينهم، ~~لأن كفر المشركين عن جهل وكفر أولئك عن تعنت بعد تكرر مشاهدة الآيات، ومن ~~تدبر القرآن وطالع التوراة علم طول مكث موسى عليه الصلاة والسلام فيهم ~~يتلو عليه التوراة على حسب تنزيلها شيئا فشيئا وأنهم كانوا مع ذلك كلما ~~شاهدوا آية أحدثوا كفرا وخلعوا شكرا وسألوا غيرها عنادا ومكرا # وجعلنا قلوبهم قاسية # [المائدة: 13] وقد مر من أول السورة عن التوراة كثير من ذلك وسيأتي إن ~~شاء الله تعالى بقيته في المواضع اللائقة به من آيات القرآن. وقال الإمام ~~أبو جعفر بن الزبير: ومتى بين شيء في الكتاب العزيز من أحوال النصارى ~~فليس على ما ورد من مثله في اليهود لما ذكر أي من أن كفرهم تعنت، وخطاب ~~مشركي العرب فيما أشير إليه دون خطاب الفريقين إذ قد تقدم لهم ما لم ~~يتقدم للعرب وبشروا في كتبهم وليس لمشركي العرب مثل ذلك؛ والزيغ عن الهدى ~~شامل للكل وليسوا في شيء من الصراط المستقيم مع أن أسوأ الأحوال حال من ~~أضله الله على علم؛ وهنا انتهى ذكر ما حذر منه ونهى عنه من أراد سلوك ~~الصراط المستقيم وبيان حال من حاد عنه وتنكبه وظن أنه على شيء وضم مفترق ~~أصناف الزائغين في أصناف ثلاثة وهم اليهود والنصارى وأهل الشرك، وبهم ~~يلحق سائر من تنكب فيلحق باليهود منافقو أمتنا ممن ارتاب بعد إظهار ~~إيمانه وفعل أفاعيلهم من المكر والخديعة والاستهزاء، ويلحق بالنصارى من ~~اتصف بأحوالهم، وبالمشركين من جعل لله سبحانه وتعالى ندا واعتقد فعلا ~~لغيره على غير طريقة الكسب. ### || [2.177-178] # ولما بين سبحانه وتعالى كفر أهل الكتاب الطاعنين في نسخ القبلة بتكذيب ~~الرسول صلى الله عليه وسلم وكتمان الحق وغير ذلك إلى أن ختم بكفرهم ~~بالاختلاف في الكتاب وكتمان ما فيه من مؤيدات الإسلام اتبعه الإشارة ms0337 إلى ~~أن أمر الفروع أحق من أمر الأصول لأن الفروع ليست مقصودة لذاتها، ~~والاستقبال الذي جعلوا من جملة شقاقهم أن كتموا ما عندهم من الدلالة على ~~حقيته وأكثروا الإفاضة في عيب المتقين به ليس مقصودا لذاته، وإنما ~~المقصود بالذات الإيمان فإذا وقع تبعته جميع الطاعات من الصلاة المشترط ~~فيها الاستقبال وغيرها فقال تعالى: { ليس البر } أي الفعل المرضي الذي هو ~~في تزكية النفس كالبر في تغذية البدن { أن تولوا وجوهكم } أي في الصلاة { ~~قبل المشرق } الذي هو جهة مطالع الأنوار { والمغرب } الذي هو جهة أفوالها ~~أي وغيرهما من الجهات المكانية، فإن ذلك كله لله سبحانه وتعالى كما مضى ~~عند أول اعتراضهم التصريح بنسبة الكل إليه # فأينما تولوا فثم وجه الله # [البقرة: 115] # ولما كان قد تبين للمتقين كما ذكر قبل ما يخرج عن الصراط المستقيم ~~وحذروا منه ليجتنبوه عقبه بما يلزمهم ليعملوه فابتدأ من هنا بذكر الأحكام ~~إلى قوله # آمن الرسول # [البقرة: 258] وبدأ ذلك بما بدأ به السورة وفصل لهم كثيرا مما كلفوه ~~مما أجمله قبل ذلك ففصل الإيمان تفصيلا لم يتقدم فقال: { ولكن البر من } ~~أي إيمان من، ولعله عبر بذلك إفهاما لأن فاعل ذلك نفسه بر أي أنه زكى ~~حتى صار نفس الزكاة { آمن بالله } الذي دعت إليه آية الوحدانية فأثبت له ~~صفات الكمال ونزهه عن كل شائبة نقص مما على ذلك من دلائل أفعاله. ولما ~~كان من أهم خلال الإيمان القدرة على البعث والتصديق به لأنه يوجب لزوم ~~الخير والبعد عن الشر قال: { واليوم الآخر } الذي كذب به كثير من الناس ~~فاختل نظامهم ببغي بعضهم على بعض، فالأول مبرأ عن الأنداد وهذا مبعد عن ~~أذى العباد. # ولما كان هذا إيمان الكمل وكان أكثر الناس نيام العقول لا يعرفون شيئا ~~إلا بالتنبيه وضلال البصائر يفترقون إلى الهداية ذكر سبحانه وتعالى ~~الهداة الذين جعلهم وسائط بينه وبين عباده بادئا بالأول فالأول فقال: { ~~والملائكة } أي الذين أقامهم فيما بينه وبين الناس وهم غيب محض { والكتاب ~~} الذي ينزلون به على وجه لا ms0338 يكون فيه ريب أعم من القرآن وغيره { ~~والنبيين } الذين تنزل به عليهم الملائكة، لكونهم خلاصة الخلق، فلهم جهة ~~ملكية يقدرون بها على التلقي من الملائكة لمجانستهم إياهم بها، وجهة ~~بشرية يتمكن الناس بها من التلقي منهم، ولهم من المعاني الجليلة الجميلة ~~التي صرفهم الله فيها بتكميل أبدانهم وأرواحهم ما لا يعلمه إلا هو فعليهم ~~الصلاة والسلام والتحية والإكرام. # قال الحرالي: ففيه أي الإيمان بهم وبما قبلهم قهر النفس للإذعان لمن هو ~~من جنسها والإيمان بغيب من ليس من جنسها ليكون في ذلك ما يزع النفس عن ~~هواها - انتهى. وكذا فضل سبحانه وتعالى الصدقة، وفي تعقيب الإيمان بها ~~إشعار بأنها المصدقة له فمن بخل بها كان مدعيا للإيمان بلا بينة، وإرشاد ~~إلى أن في بذلها سلامة من فتنة المال # إنما أموالكم وأولادكم فتنة # [التغابن: 15] لأن من آمن وتصدق كان قد أسلم لله روحه وماله الذي هو ~~عديل روحه فصار عبد الله حقا، وفي ذلك إشارة إلى الحث على مفارقة كل ~~محبوب سوى الله سبحانه وتعالى في الله. قال الحرالي: فمن ظن أن حاجته ~~يسدها المال فليس برا، إنما البر الذي أيقن أن حاجته إنما يسدها ربه ~~ببره الخفي - انتهى. فلذلك قال: { وآتى المال } أي الذي أباحه بعد جعله ~~دليلا عليه كرم نفس وتصديق إيمان بالاعتماد في الخلف على من ضمن الرزق ~~وهو على كل شيء قدير؛ وأشار إلى أن شرط الإيمان به إيثاره سبحانه ~~وتعالىعلى كل شيء بقوله: { على حبه } أي إيتاء عاليا فيه حب الله على ~~حبه المال إشارة إلى التصدق في حال الصحة والشح بتأميل الغنى وخشية ~~الفقر؛ وأشار إلى أنه لوجهه لا لما كانوا يفعلونه في الجاهلية من التفاخر ~~فقال: { ذوي القربى } أي لأنهم أولى الناس بالمعروف لأن إيتاءهم صدقة ~~وصلة { واليتامى } من ذوي القربى وغيرهم لأنهم أعجز الناس { والمساكين } ~~لأنهم بعدهم في العجز ويدخل فيهم الفقراء بالموافقة { وابن السبيل } ~~لعجزهم بالغربة، وإذا جعلنا ذلك أعم من الحال والمآل دخل فيه الغازي { ~~والسآئلين } لأن الأغلب أن يكون سؤالهم ms0339 عن حاجة ويدخل الغارم { وفي ~~الرقاب } قال الحرالي: جمع رقبة وهو ما ناله الرق من بني آدم فالمراد ~~الرقاب المسترقة التي يرام فكها بالكتابة وفك الأسرى منه، وقدم عليهم ~~أولئك لأن حاجتهم لإقامة البينة. # ولما ذكر سبحانه وتعالى مواساة الخلق وقدمها حثا على مزيد الاهتمام بها ~~لتسمح النفس بما زين لها حبه من المال اتبعها حق الحق فقال: { وأقام ~~الصلاة } التي هي أفضل العبادات البدنية ولا تكون إلا بعد سد أود الجسد ~~ولا تكون إقامتها إلا بجميع حدودها والمحافظة عليها. ولما ذكر ما يزكي ~~الروح بالمثول بين يدي الله سبحانه وتعالى والتقرب بنوافل الصدقات ذكر ما ~~يطهر المال وينميه وهو حق الخلق فقال: { وآتى الزكاة } وفي الاقتصار فيها ~~على الإيتاء إشعار بأن إخراج المال على هذا الوجه لا يكون إلا من ~~الإخلاص. # ولما أتم الإيمان وما يصدق دعواه في الجملة شرع في كمال ذلك فعطف على ~~أول الكلام ما دل بعطفه كذلك على أنه مقصود لذاته فإنه جامع لدخوله في ~~جميع ما تقدمه فقال: { والموفون بعهدهم } قال الحرالي: من الإيفاء وهو ~~الأخذ بالوفاء نجاز الموعود في أمر المعهود - انتهى. # وبين قوله: { إذا عاهدوا } أن المطلوب ما ألزموا أنفسهم به للحق أو ~~الخلق تصريحا بما أفهمه ما قبله. ولما قطع الوفاء تعظيما له لدخوله فيما ~~قبل فعل كذلك في الصبر لذلك بعينه فقال: { والصابرين } وفيه رمز إلى ~~معاملته بما كان من حقه لو عطف على { من آمن } لو سيق على الأصل. قال ~~الحرالي: وفيه إشعار بأن من تحقق بالصبر على الإيثار فكان شاكرا تحقق ~~منه الصبر في الابتلاء والجهاد تأييدا من الله سبحانه وتعالى لمن شكره ~~ابتداء بإعانته على الصبر والمصابرة انتهاء، كأنه لما جاد بخير الدنيا ~~على حبه أصابه الله ببلائها تكرمة له ليوفيه حظه من مقدوره في دنياه ~~فيكون ممن يستريح عند موته وبأنه إن جاهد ثبت بما يحصل في نفس الشاكر ~~الصابر من الشوق إلى لقاء الله سبحانه وتعالى تبرؤا من الدنيا وتحققا ~~بمنال الخير من الله - انتهى. ms0340 # وعين أشد ما يكون الصبر فيه فقال: { في البأسآء } أي عند حلول الشدة بهم ~~في أنفسهم من الله سبحانه وتعالى بلا واسطة أو منه بواسطة العباد { ~~والضرآء } بحصول الضر في أموالهم وبقية أحوالهم من احتقار الناس لهم ~~ونحوه، وفسرها في القاموس بالشدة والنقص في الأموال والأنفس فهو حينئذ ~~أعم ليكون الأخص مذكورا مرتين. وقال الحرالي: البأساء فعلاء من البؤس ~~وهو سوء الحال والفاقة وفقد المنة عن إصلاحه، والضراء مرض البدن وآفاته، ~~فكان البأساء في الحال والضراء في البدن - انتهى. { وحين البأس } أي ~~الحرب الجامع للأنفس والأموال. وقال الحرالي: البأس الشدة في الحرب. ولما ~~كانت هذه الخلال أشرف خلال أشار إلى شرفها بشرف أهلها فقال مستأنفا ~~بيانا لأنه لا يستحق اسم البر إلا من اجتمعت فيه هذه الخلال: { أولئك } ~~أي خاصة الذين علت هممهم وعظمت أخلاقهم وشيمهم { الذين صدقوا } أي فيما ~~ادعوه من الإيمان، ففيه إشعار بأن من لم يفعل أفعالهم لم يصدق في دعواه { ~~وأولئك هم } خاصة { المتقون * } ليوم الجزاء، وفي جعله نعتا لهم إشعار ~~بأنهم تكلفوا هذه الأفعال لعظيم الخوف. وقال ابن الزبير في برهانه: ثم ~~ذكر الزكاة والصيام والحج والجهاد إلى غير ذلك من الأحكام كالنكاح ~~والطلاق والعدد والحيض والرضاع والحدود والربا والبيوع إلى ما تخلل هذه ~~الآيات من تفاصيل الأحكام ومجملها وقدم منها الوفاء بالعهد والصبر، لأن ~~ذلك يحتاج إليه في كل الأعمال، وما تخلل هذه الآيات من لدن قوله { ليس ~~البر } إلى قوله: { آمن الرسول } مما ليس من قبيل الإلزام والتكليف ~~فلتسبب أوجب ذكره ولتعلق استدعاه - انتهى. والحاصل أنه سبحانه وتعالى لما ~~طهرهم من أوصار المحارم بقوارع الزواجر شرع في تزكيتهم بالإقحام في غمرات ~~الأوامر ليكمل تعبدهم بتحليهم بأمره بعد تخليهم من سخطه بصادع زجره فذكر ~~في هذه السورة جميع أركان هذا الحرف وحظيرته. # قال الإمام أبو الحسن الحرالي في العروة: وجه إنزال هذا الحرف حمل الخلق ~~على صدق التذلل لله سبحانه وتعالى إثر التطهير من رجزهم ليعود بذلك وصل ~~ما انقطع وكشف ما انحجب وهو ms0341 حرف العبادة المتلقاة بالإيمان المثابر عليها ~~بسابق الخوف المبادر لها تشوقا بصدق المحبة، فالعابد من ساقه الخوف ~~إليها والعارف من قاده الحب لها وهو بناء ذو عمود وأركان وله حظيرة ~~تحوطه، فأما عموده فافراد التذلل لله سبحانه وتعالى توحيدا وطليعته آية ~~ما كان نحو قوله سبحانه وتعالى # اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا # [النساء: 36] طهرهم حرف الزجر من رجز عبادة إله آخر فأثبت لهم حرف الأمر ~~التفريد حتى لا يشركوا معه في التذلل شيئا أي شيء كان آخر، وهو أول ما ~~أقام الله من بناء الدين ولم يفرض غيره نحو العشر من السنين في إنزال ما ~~أنزل بمكة وسن مع فرضه الركن الأول وهو الصلاة، وبدئت بالوضوء عملا من ~~حذو تطهير القلب والنفس بحرف النهي وأعقب بالصلاة عملا من حذو طهور ~~القلب بالتوحيد بين يدي الرب سبحانه وتعالى، فالوضوء وجه عمل حرف الزجر ~~والصلاة وجه عمل حرف الأمر، وسن على تأسيس بدار الحب لتبدو قوة الإيمان ~~في مشهود ملازمة خدمة الأبدان. فكان أقواهم إيمانا أكثرهم وأطولهم صلاة ~~وقنوتا، من أحب ملكا خدمه ولازمه، ولا تخدم الملوك بالكسل والتهاون ~~وإنما تخدم بالجهد والتذلل، فكانت الصلاة علم الإيمان تكثر بقوته وتقل ~~بضعفه، لأنها لو فرضت لم يظهر فيها تفاوت قوة الإيمان وصدق الحق كما لا ~~يظهر بعد فرضها إلا في النوافل، ولإجهاد النبي صلى الله عليه وسلم نفسه ~~وبدنه في ذلك أنزل عليه # ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى * إلا تذكرة لمن يخشى * تنزيلا ممن خلق ~~الأرض والسماوات العلى * الرحمن على العرش استوى # [طه: 2-5] - إلى قوله # الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى* # [طه: 8] هذا التوحيد وإظهاره هو كان يومئذ المقصود الأول وذلك قبل إسلام ~~عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وعمر موفي أربعين من عدد المؤمنين، ~~فلما دخل الإسلام من لا يبعثه الحب والاستراحة على الصلاة بعد عشر أو ~~نحوها فرضت الصلاة فاستوى في فرضها المحب والخائف، وسن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم التطوع على ما كان أصلها، ms0342 وذلك صبيحة ليلة الإسراء، وأول ~~منزل هذا الحرف والله سبحانه وتعالى أعلم في فرض هذا الركن أو من أول ~~منزله قوله تعالى: # أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر # [الإسراء: 78] اختص لهم بها أوقات الرحمة وجنبهم به أوقات الفتنة ومنه ~~جميع آي إقامة الصلاة وإتمامها. # الركن الآخر الصوم وهو إذلال النفس لله سبحانه وتعالى بإمساكها عن كل ما ~~تشوف إليه من خاص أمرها نهارا للمقتصر ودواما للمعتكف، وهو صلة بين ~~العبد وبين نفسه ووصل لشتاته في ذاته، وأول ما أنزل هذا الركن من هذا ~~الحرف بالمدينة بعد مدة من الهجرة وأول منزله # يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم # [البقرة: 183] وإنما فرض والله سبحانه وتعالى أعلم بالمدينة لأنهم لما ~~آمنوا من عداوة الأمثال والأغيار وعام الفتنة بالمدينة عادت الفتنة خاصة ~~في الأنفس بالتبسط في الشهوات وذلك لا يليق بالمؤمنين المؤثرين للدين على ~~الدنيا، ثم أنزل الله سبحانه وتعالى إتمامه بقوله تعالى: # شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن # [البقرة: 185] إلى ما # يختص من الآي بأحكام الصيام. الركن الآخر الزكاة وهو كسر نفس الغني بما ~~يؤخذ بأخذه منه من حق أصنافها إظهارا لأن المشتغلين بالدين آثر عند الله ~~سبحانه وتعالى من المقيمين على الأموال وليميز بها الذين آمنوا من ~~المنافقين لتمكنهم من الرياء في العمود والركنين، ولم يشهد الله سبحانه ~~وتعالى بالنفاق جهرا أعظم من شهادته على مانع الزكاة، ومن منع زكاة ~~المال عن الخلق كان كمن امتنع عن زكاة قواه بالصلاة من الحق، فلذلك لا ~~صلاة لمن لا زكاة له، وكما كانت الزكاة حبا قبل فرضها كذلك كان الإنفاق ~~لما زاد على الفضل عزما مشهورا عندهم لا يعرفون غيره ولا يشعرون في ~~الإسلام بسواه، فلما شمل الإسلام أخلاط وشحت النفوس فرضت الزكاة وعين ~~أصنافها، وذلك بالمدينة حين اتسعت أموالهم وكثر خير الله عندهم وحي عم ~~نفاق قوم بها أنفة من حط رئاستهم بتذلل الإسلام لله والنصفة بخلق الله ~~وتبين فيها الخطاب مرة لأرباب ms0343 الأموال بقوله تعالى: # وآتوا الزكاة # [البقرة: 43] لتكون لهم قربة إذا آتوها سماحا ومرة للقائم بالأمر بقوله ~~تعالى: # خذ من أموالهم صدقة # [التوبة: 103] حين يؤنس من نفوسهم شح وشدد الله سبحانه وتعالى فيها ~~الوعيد في القرآن جبرا لضعف أصنافها ونسق لذلك جميع ما أنزل في بيان ~~النفقات والصدقات بدارا عن حب أو ائتمارا عن خوف. الركن الآخر الحج وهو ~~حشر الخلق من أقطار الأرض للوقوف بين يدي ربهم في خاتم منيتهم ومشارفة ~~وفاتهم ليكون لهم أمنة من حشر ما بعد مماتهم، فكمل به بناء الدين وذلك في ~~أواخر سني الهجرة ومن آخر المنزل بالمدينة، وأول خطابه # ولله على الناس حج البيت # [آل عمران: 97] بتنبيهه على أذان إبراهيم عليه الصلاة والسلام # وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا # [الحج: 27] إلى ما أنزل في أمر الحج وأحكامه الحظيرة الحائط وهي الجهاد، ~~ولم تزل مصاحبة الأركان كلها إما مع ضعف كما بمكة أو مع قوة كما في ~~المدينة، ومن أول تصريح منزله # أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا # [الحج: 39] إلى قوله # وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة # [التوبة: 36] # قاتلوا الذين يلونكم من الكفار # [التوبة: 123] إلى قوله: # جاهد الكفار والمنافقين # [التوبة: 73] إلى انتهاء قتال أهل الكتاب في قوله تعالى # قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر # [التوبة: 29] الآية إلى تمام المنزل في شأنه في قوله تعالى # وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله # [الأنفال: 39] وهذا تمام حرف الأمر؛ ولكل في ذلك الظاهر في الإسلام موقع ~~حدوده في الإيمان وموقع في الإحسان لدى ثلاثتها الذي هو كمال الدين كله، ~~ذلك من تنزل القرآن من بين إفصاح وإفهام في هذا الحرف، وهو وفاء الدين ~~والتعبد لله رب العالمين. ثم قال فيما به تحصل قراءة حرف الأمر: اعلم أن ~~الوفاء بقراءة حرف النهي تماما يفرغ لقراءة حرف الأمر، لأن المقتنع في ~~معاش الدنيا يتيسر له التوسع في عمل الأخرى، والمتوسع في متاع الدنيا لا ~~يمكنه التوسع في عمل الأخرى لما بينهما من التضار والتضاد، والذي تحصل به ms0344 ~~قراءة هذا الحرف أما من جهة القلب فالتوحيد والإخلاص، وأعم ذلك البراءة ~~من الشرك العظيم لئلا يتخذ مع الله إلها آخر، لأن المشرك في الإلهية لا ~~تصح منه المعاملة بالعبادة # مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا ~~يقدرون مما كسبوا على شيء # [إبراهيم: 18] وأخص منه الإخلاص بالبراءة من الشرك الجلي بأن لا يرى لله ~~سبحانه وتعالى شريكا في شيء من أسمائه الظاهرة، لأن المشرك في سائر ~~أسمائه الظاهرة لا يصح له القبول، والذي يحلف به عبد الله بن عمر رضي ~~الله تعالى عنه: لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا فأنفقه ما قبل الله منه حتى ~~يؤمن بالقدر، ولكل عمل من المأمورات خصوص اسم في الإخلاص كإخلاص المنفق ~~بأن الإنعام من الله سبحانه وتعالى لا من العبد المنفق، وكإخلاص المجاهد ~~بأن النصر من الله سبحانه وتعالى لا من العبد المجاهد # وما النصر إلا من عند الله # [آل عمران: 126 والأنفال: 10] وكذلك سائر الأعمال يخصها الإخلاص في اسم ~~من الأسماء يكون أملك بذلك العمل، وأما من جهة أحوال النفس فأولها ~~وأساسها طمأنينة النفس بربها في قوامها من غير طمأنينة لشيء سواه، فمتى ~~اطمأنت النفس بما تقدر عليه وما لها من منة أو بما تملكه من مملوك أو بما ~~تستند إليه من غير ردت جميع عباداتها لما اطمأنت إليه وكتب اسمها على ~~وجهه وكانت أمته لا أمة ربها وكان المرء عبده لا عبد ربه # " تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة " # وهذا هو الذي أحبط عمل العاملين من حيث لا يشعرون، وأما من جهة ما يخص ~~كل واحد من الأوامر في أحوال النفس فما يناسبه من أحوالها وأخلاقها ~~كاجتماعها في الصلاة بأن لا تصغي لوسواس الشيطان وأن لا تتحدث في ~~تسويلها، وكسماحها وسخائها في الإنفاق وإيتاء الزكاة، وكصبرها في الصوم ~~والصوم الصبر كله، ويصحبها كل ذلك في الحج مع زيادة اليقين، ويصحبها ~~الجميع في الجهاد مع غريزة الشجاعة، هذا من جهة حال النفس وأما من جهة ~~العمل ms0345 وأحوال الجوارح فإن أدب الناطق بكلمة الشهادة أن يجمع حواسه إلى ~~قلبه ويحضر في قلبه كل جارحة فيه وينطق بلسانه عن جميع ذاته أحوال نفس ~~وجوارح بدن حتى يأخذ كل عضو منه وكل جارحة فيه وكل حال لنفسه قسطه منها ~~كما أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم واعلم أن بذلك # " تتحات عنه الذنوب كما يتحات الورق عن الشجر " # فلم يقرأ تهليل القرآن من لم يكن ذلك حاله فيه وكذلك في تشهد الأذان، ~~وبذلك يهدم التهليل سيئاته في الإسلام كما هدم من المخلص به جرائم ~~الكفران، # " سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يؤذن فلما قال: الله أكبر الله ~~أكبر، قال: على الفطرة، فلما قال: لا إله إلا الله، قال: خرجت من النار ~~" # وأما أدب الصلاة فخشوع الجوارح والهدو في الأركان وإتمام كل ركن بأذكاره ~~المخصوصة به وجمع الحواس إلى القلب كحاله في الشهادة حتى لا يحقق مدرك ~~حاسة غفلة، وأما أدب الإنفاق فحسن المناولة، كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم يناول السائل بيده ولا يكله إلى غيره الإسرار أتم # وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم # [البقرة: 271] وينفق من كل شيء بحسب ما رزقه مياومة أو مشاهرة أو مسانهة # ومما رزقناهم ينفقون # [البقرة: 3] وأما أدب الصوم فالسحور مؤخرا والفطر معجلا، وصوم الأعضاء ~~كلها عن العدل فأحرى عن الجور وترك العناية بما يفطر عليه إلى ما بعد ~~الزوال والأخذ فيه لشهوة العيال؛ وأما أدب الحج فاستطابة الزاد والاعتماد ~~على ما بيد الله لا على حاصل ما بيد العبد، وهو تزود التقوى والرفع مع ~~الرفيق والرفق بالظهر وتحسين الأخلاق والإنفاق في الهدي وهو الثج ~~والإعلان بالتلبية وهو العج، وتتبع أركانه على ما تقتضيه أحكامه وإقامة ~~شعائره على معلوم السنة لا على معهود العادة، وأما أدب الجهاد فاستطابة ~~الزاد وإصلاح العدة ومياسرة الخلطاء وحسن القيام على الخيل وتطييب علفها ~~تصفية وورعا وتناوله بيده " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتناول ~~علف فرسه بيده ويمسحه بردائه " والتزام ما يجد معه المنة ms0346 من أن يكون ~~فارسا أو راجلا أو رامحا أو نابلا، من تكلف غير ما يجد منته فقد ضيع ~~الحق وعمل بالتكليف، والصمت عند اللقاء وغض البصر عن النظر إلى الأعداء، ~~وقال صلى الله عليه وسلم # " إذا أكثبوكم فارموهم ولا تسلوا السيوف حتى يغشوكم " # ، وكف اليد عما للغير فيه حق وهو الغلول، وأن لا يدعوا للبراز وأن يجيب ~~إذا دعي وقال صلى الله عليه وسلم: # " يقول الله عز وجل: عبدي كل عبدي الذي يذكر الله وهو ملاق قرنه " # ولكل أمر وتلبس بمأمور أدب يخصه على ما يستقرأ من السنن النبوية وآثار ~~الخلفاء وصالحي الأمراء فبهذه الأمور من إخلاص القلب وطيب النفس وأدب ~~الجوارح، فيصح قراءة حرف الأمر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ~~- انتهى. # ولما تقدم أن شرط رفع الإثم عن المضطر ترك العدوان وكان العدوان في ذلك ~~وفي غيره ربما أدى إلى القتل وتلا ذلك بما استتبعه كما تقدم إلى أن ختم ~~بهذه الآية وختمها بمدح الصبر والصدق في دعوى الإيمان والوفاء بالعهد وكل ~~شيء وكان من جملة ما خاف فيه أهل الكتاب العهد أمر سفك الدماء فغيروه كله ~~أو بعضه على ما أشار إليه تعالى بقوله # وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم # [البقرة: 84] الآيات وكان الصبر على بذل الروح أعظم الصبر وفعله أعظم ~~مصدق في الإيمان والاستسلام للقصاص أشد وفاء بالعهد أخبر المؤمنين بما ~~أوجب عليهم من ذلك وما يتبعه فقال تعالى ملذذا لهم بالإقبال عليهم ~~بالخطاب { يا أيها الذين آمنوا } أي ادعوا الإيمان بألسنتهم، ولما حصل ~~التعديل بها وقع سابقا من التأديب فعلم المخاطبون أن الحكم إنما هو لله ~~بني للمجهول قوله: { كتب عليكم } أي فرض في الكتاب وقد سمعتم إنذاري ~~للذين اختلفوا في الكتاب، والذي عين إرادة الفرض أن الكتب استفاض في ~~الشرع في معناه وأشعر به التعبير بعلى { القصاص } أي المساواة في القتل ~~والجراحات لأنه من القص وهو تتبع الأثر. قال الحرالي: كأنه يتبع بالجاني ~~إثر ما جنى فيتبع إثر عقوبته إثر جنايته - انتهى. ms0347 { في القتلى } أي في ~~سائر أمور القتل فمن قتل بشيء قتل به، ومن قتل على كيفية قتل بمثلها، كان ~~قطع يدا فسرى إلى النفس فتقطعه، فإن سرى وإلا جززنا رقبته لتكون الآية ~~عامة مخصوصة في بعض الصور، ومتى لم يقل بالعموم كانت مجملة والتخصيص أولى ~~من الإجمال، فصدقوا دعواكم الإيمان مما يعمل الأئمة الاستيفاء وغيرهم ~~بالانقياد فيه ولا تكونوا كأهل الكتاب الذين اختلفوا في كتابهم فآمنوا ~~ببعضه وكفروا ببعضه، وأيضا لما ذكر إيتاء المال على حبه وكان قد ذكر أن ~~البار هو المؤمن بالكتاب وكان من الكتاب بذل الروح المعلوم حبها عقبه به ~~إشارة إلى أن المال عديلها لا يؤتى لأجل الله إلا بمحض الإيمان كما أن ~~الروح لا تبذل إلا بذلك. # ولما كان أهل الكتاب قد بدلوا حكم التوراة في القصاص الذي أشير بآية ~~المائدة إلى أنه كتب عليهم العدل فيه فكان من كان منهم أقوى جعل لقومه في ~~ذلك فضلا فكان بنو النضير كما نقله ابن هشام في السيرة يأخذون في قتلاهم ~~الدية كاملة وبنو قريظة نصف الدية وكان بعضهم كما نقله البغوي في سورة ~~المائدة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يقتل النفس بالنفس أشار سبحانه ~~وتعالى إلى مخالفتهم في هذا الجور مبينا للمساواة: { الحر بالحر } ولا ~~يقتل بالعبد لأن ذلك ليس بأولى من الحكم المذكور ولا مساويا بقتل العبد ~~به لأنه أولى ولا بالحكم فهو مفهوم موافقة. # ولما قدم هذا لشرفه تلاه بقوله: { والعبد بالعبد } تعظيما للذكورية، ~~وكذا يقتل بالحر لأنه أولى، ولا يقتل الحر بالعبد لأنه ليس مساويا للحكم ~~{ والأنثى بالأنثى } وتقتل الأنثى بالذكر والذكر بها، لأن كل منهما ~~مساو للآخر وفاقا للأصل المؤيد بقوله صلى الله عليه وسلم # " النساء شقائق الرجال " # احتياطا للدماء التي انتهاكها أكبر الكبائر بعد الشرك، ونقصت الدية ~~النصف إن كانت بدل الدم وفاقا لقوله تعالى # وللرجال عليهن درجة # [البقرة: 228] وتنبيها على انحطاط حرمة الأموال عن حرمة الدماء على أن ~~تصيب مفهوم الآية أنه لا يقتل بالمقتول إلا قاتله، وإذا ms0348 تأملت قوله { ~~القتلى } دون أن يقول: القتل. علمت ذلك. قال الحرالي: لأن أخذ غير الجاني ~~ليس قصاصا بل اعتداء ثانيا ولا ترفع العدوى بالعدوى إنما ترفع العدوى ~~بالقصاص على نحوه وحده - انتهى. وكذا أخذ غير المساوي اعتداء فلا يقتل ~~مسلم بكافر بما أفهمه القصاص، وتقييد الحكم بأهل الإيمان مع قوله سبحانه ~~وتعالى # لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة # [الحشر: 20] في أمثالها من الآيات. # ولما فتح سبحانه وتعالى لنا باب الرحمة بالقصاص منبها على تبكيت أهل ~~الكتاب وكان ذلك من حكم التوراة لكن على سبيل الحتم وكان العفو على ~~النصارى كذلك أظهر في الفرقان زيادة توسعة بوضع هذا الإصر عنا بالتخيير ~~بينهما. قال الحرالي: نقلا من عقاب الآخرة إلى ابتلاء الدنيا ونقلا من ~~ابتلاء الدنيا في الدم إلى الكفارة بأخذ حظ من المال كما كان في الفداء ~~الأول لذبح إبراهيم عليه الصلاة والسلام من ولده فقال: { فمن عفي له } عن ~~جنايته من العفو وهو ما جاء بغير تكلف ولا كره - انتهى. وعبر بالبناء ~~للمفعول إشارة إلى أن الحكم يتبع العفو من أي عاف كان له العفو في شيء من ~~الحق ولو كان يسيرا وهو معنى قوله: { من أخيه شيء } أي أي شيء كان من ~~العفو بالنزول عن طلب الدم إلى الدية، وفي التعبير بلفظ الأخ كما قال ~~الحرالي تأليف بين الجاني والمجني عليه وأوليائه من حيث # ما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ # [النساء: 92] وإن لم يكن خطأ الطبع فهو خطأ القصد من حيث لم يقصد أن ~~يقتل مؤمنا إنما قصد أن يقتل عدوا وشاتما أو عاديا على أهله وماله ~~أو ولده. # فإذا انكشف حجاب الطبع عاد إلى أخوة الإيمان { فاتباع } أي فالأمر في ~~ذلك اتباع من ولي الدم { بالمعروف } فيه توطين النفس على كسرها عن حدة ما ~~تجره إليها أحقاد الجنايات، والمعروف ما شهد عيانة لموافقته وبقبول موقعه ~~بين الأنفس فلا يلحقها منه تنكر. # ولما أمر المتبع أمر المؤدي فقال { وأدآء إليه بإحسان } لئلا يجمع بين ~~جنايته أو جناية ms0349 وليه وسوء قضائه، وفي إعلامه إلزام لأولياء الجاني ~~بالتذلل والخضوع والإنصاف لأولياء المقتول بما لهم من السلطان # فقد جعلنا لوليه سلطانا # [الإسراء: 22] فيراقبون فيهم رحمة الله التي رحمهم بها فلم يأخذ الجاني ~~بجنايته - انتهى. # ولما وسع لنا سبحانه وتعالى بهذا الحكم نبه على علته تعظيما للمنة ~~فقال: { ذلك } أي الأمر العظيم الرفق وهو التخيير بين القصاص والعفو ~~مجانا وعلى الدية { تخفيف } أي عن القتال وأوليائه { من ربكم } المحسن ~~إليكم بهذه الحنيفية السمحة وهذا الحكم الجميل، وجمع الضمير مراعاة كما ~~قال الحرالي للجانبين لأن كل طائفة معرضة لأن تصيب منها الأخرى - انتهى. ~~{ ورحمة } لأولياء القتيل بالدية وللآخرين بالعفو عن الدم، روى البخاري ~~في التفسير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: # " كان في بني إسرائيل القصاص ولم تكن فيهم الدية، فمن عفي له من أخيه ~~شيء أي يقبل الدية في العمد ذلك تخفيف من ربكم ورحمة مما كتب على من كان ~~قبلكم فمن اعتدى بعد ذلك قتل بعد قبول الدية " # انتهى. وقال أهل التفسير: كتب على اليهود القصاص وحرم عليهم الدية ~~والعفو وعلى النصارى العفو وحرم عليهم الدية ولما كانت هذه منة عظيمة ~~تسبب عنها تهديد من أباها فقال تعالى: { فمن اعتدى } أي بالقتل { بعد ذلك ~~} أي التخيير والعفو ولو كان العافي غيره { فله عذاب أليم * } بقتله أو ~~أخذ الدية منه جزاء على عداوته بقدره وتعديه بما أشعر بإبائه لهذه الرخصة ~~التي حكم بها المالك في عبيده الملك الذي لا تسوغ مخالفته، وفي تسمية ~~جزائه بالعذاب وعدم تخصيصه بإحدى الدارين إعلام بشياعه في كليهما تغليظا ~~عليه. قال الحرالي: وفي الآية دليل على أن القاتل عمدا لا يصير بذلك ~~كافرا، قال الأصبهاني: قال ابن عباس: سمي القاتل في أول الآية مؤمنا ~~وفي وسطها أخا ولم يؤيسه آخرها من التخفيف والرحمة. ### || [2.179-184] # ولما أخبر سبحانه وتعالى بفائدة العفو أخبر بفائدة مقابله تتميما ~~لتأنيب أهل الكتاب على عدولهم عن النص وعماهم عن الحكمة فقال: { ولكم } ~~أي يا أيها الذين آمنوا { في القصاص } أي ms0350 هذا الجنس وهو قتل النفس ~~القاتلة بالنفس المقتولة من غير مجاوزة ولا عدوان { حياة } أي عظيمة ~~بديعة لأن من علم أنه يقتل لا يقتل. وقال الحرالي: فالحياة لمن سوى ~~الجاني من عشيرته ممن كان يعتدى عليه بجناية غيره في الدنيا، والحياة ~~للجاني بما اقتص منه في الأخرى، لأن من يكفر ذنبه حيي في الآخرة، ومن ~~بقي عليه جناية فأخذ بها فهو في حال ذلك ممن لا يموت فيها ولا يحيى، لأن ~~المعاقب في حال عقوبته لا يجد طعم الحياة لغلبة ألمه ولا هو في الموت ~~لإحساسه بعقوبته - انتهى. وأما مطلق القتل كما كان أهل الجاهلية يقولون: ~~القتل أنفى للقتل وليس كذلك، لأن من علموا أنهم إذا قتلوا اثنين لا يقتل ~~بهما إلا واحد ربما كان ذلك مجريا لهم على القتل ويدخل فيه القتل ~~ابتداء وهو أجلب للقتل لا أنفى له، وقد كانوا مطبقين على استجادة معنى ~~كلمتهم واسترشاق لفظها، ومن المعلوم لكل ذي لب أن بينها وبين ما في ~~القرآن كما بين الله وخلقه فإنها زائدة على عبارة القرآن في الحروف ~~وناقصة في المعنى، فإذا أريد تصحيحها قبل القتل قصاصا أنفى للقتل ظلما ~~فكثرت الزيادة ولم تصل إلى رشاقة ما في القرآن وعذوبته - والله سبحانه ~~وتعالى الموفق. # ولما كانت هذه العبارة كما ترى معجزة في صحة معناها ودقة إشارته وغزير ~~مفهوماته قال سبحانه وتعالى مرغبا في علو الهمم { يا أولي الألباب } أي ~~العقول التي تنفع أصحابها بخلوصها مما هو كالقشر لأنه جمع لب. قال ~~الحرالي: وهو باطن العقل الذي شأنه أن يلحظ أمر الله في المشهودات كما ~~شأن ظاهر العقل أن يلحظ الحقائق من المخلوقات، فهم الناظرون إلى ربهم في ~~آياته - انتهى. ثم علل ذلك بقوله: { لعلكم تتقون * } أي الله بالانقياد ~~لما شرع فتتحامون القتل. قال الحرالي: وفي إبهام لعل التي هي من الخلق ~~كما تقدم تردد إعلام بتصنيفهم صنفين بين من يثمر ذلك له تقوى وبين من ~~يحمله ذلك ويزيده في الاعتداء - انتهى. ولما حث سبحانه وتعالى على بذل ms0351 ~~المال ندبا وإيجابا في حال الصحة والشح وتأميل الغنى وخشية الفقر ~~تصديقا للإيمان وأتبعه بذل الروح التي هو عديلها بالقتل الذي هو أحد ~~أسباب الموت أتبع ذلك بذله في حال الإشراف على النقلة والأمن من فقر ~~الدنيا والرجاء لغنى الآخرة استدراكا لما فات من بذله على حبه فقال - ~~وقال الحرالي: لما أظهر سبحانه وتعالى وجوه التزكية في هذه المخاطبات وما ~~ألزمه من الكتاب وعلمه من الحكمة وأظهر استناد ذلك كله إلى تقوى تكون ~~وصفا ثابتا أو استجدادا معالجا حسب ما ختم به آية { ليس البر } من ~~قوله { هم المتقون } وما ختم به آية القصاص في قوله: { لعلكم تتقون } رفع ~~رتبة الخطاب إلى ما هو حق على المتقين حين كان الأول مكتوبا على ~~المترجين لأن يتقوا تربية وتزكية بخطاب يتوسل به إلى خطاب أعلى في ~~التزكية لينتهي في الخطاب من رتبة إلى رتبة إلى أن يستوفي نهايات رتب ~~أسنان القلوب وأحوالها كما تقدمت الإشارة إليه، ولما كان في الخطاب ~~السابق ذكر القتل والقصاص الذي هو حال حضرة الموت انتظم به ذكر الوصية ~~لأنه حال من حضره الموت، انتهى - فقال: { كتب عليكم } أي فرض كما استفاض ~~في الشرع وأكد هنا بعلى، ثم نسخ بآية المواريث وجوبه فبقي جوازه، وبينت ~~السنة أن الإرث والوصية لا يجتمعان، فالنسخ إنما هو في حق القريب الوارث ~~لا مطلقا فقال صلى الله عليه وسلم: # " إن الله سبحانه وتعالى أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث " # رواه أحمد والأربعة وغيرهم عن عمرو بن خارجة وأبي أمامة رضي الله تعالى ~~عنهما { إذا حضر أحدكم الموت } أي بحضور أسبابه وعلاماته { إن ترك خيرا ~~} أي ما لا ينبغي أن يوصى فيه قليلا كان أو كثيرا، أما إطلاقه على ~~الكثير فكثير، وأطلق على القليل في # إني لما أنزلت إلي من خير فقير # [القصص: 24] ثم ذكر القائم مقام فاعل كتب بعد أن اشتد التشوف إليه فقال: ~~{ الوصية } وذكر الفعل الرافع لها لوجود الفاصل إفهاما لقوة طلبه { ~~للوالدين } بدأ بهما لشرفهما وعظم حقهما ms0352 { والأقربين بالمعروف } أي العدل ~~الذي يتعارفه الناس في التسوية والتفضيل. قال الحرالي: وكل ذلك في ~~المحتضر، والمعروف ما تقبله الأنفس ولا تجد منه تكرها - انتهى. وأكد ~~الوجوب بقوله: { حقا } وكذا قوله: { على المتقين * } فهو إلهاب وتهييج ~~وتذكير بما أمامه من القدوم على من يسأله على النقير والقطمير. # ولما تسبب عن كونه فعل ما دعت إليه التقوى من العدل وجوب العمل به قال: ~~{ فمن بدله } أي الإيصاء الواقع على الوجه المشروع أو الموصى به بأن غير ~~عينه إن كان عينيا أو نقصه إن كان مثليا. وقال الحرالي: لما ولي ~~المتقين إيصال متروكهم إلى والديهم وقراباتهم فأمضوه بالمعروف تولى عنهم ~~التهديد لمن بدل عليهم، وفي إفهامه أن الفرائض إنما أنزلت عن تقصير وقع ~~في حق الوصية فكأنه لو بقي على ذلك لكان كل المال حظا للمتوفى، فلما ~~فرضت الفرائض اختزل من يديه الثلثان وبقي الثلث على الحكم الأول، وبين أن ~~الفرض عين الوصية فلا وصية لوارث لأن الفرض بدلها - انتهى. # { بعد ما سمعه } أي علمه علما لا شك فيه، أما إذا لم يتحقق فاجتهد فلا ~~إثم، وأكد التحذير من تغيير المغير وسكوت الباقين عليه بقوله: { فإنمآ ~~إثمه } أي التبديل { على الذين يبدلونه } بالفعل أو التقدير لا يلحق ~~الموصى منه شيء. ولما كان للموصي والمبدل أقوال وأفعال ونيات حذر بقوله: ~~{ إن الله } أي المحيط بجميع صفات الكمال { سميع } أي لما يقوله كل منهما ~~{ عليم * } بسره وعلنه في ذلك، فليحذر من عمل السوء وإن أظهر غيره ومن ~~دعاء المظلوم فإن الله يجيبه. # ولما كان التحذير من التبديل إنما هو في عمل العدل وكان الموصي ربما جار ~~في وصيته لجهل أو غرض تسبب عنه قوله: { فمن خاف } أي علم وتوقع وظن، ~~أطلقه عليه لأنه من أسبابه، ولعله عبر بذلك إشارة إلى أنه يقنع فيه بالظن ~~{ من موص جنفا } أي ميلا في الوصية خطأ { أو إثما } أي ميلا فيها ~~عمدا. قال الحرالي: وكان حقيقة معنى الجنف إخفاء حيف في صورة بر - ~~انتهى. { فأصلح بينهم } أي بين ms0353 الموصي والموصي لهم إن كان ذلك قبل موته ~~بأن أشار عليه بما طابت به الخواطر، أو بين الموصي لهم والورثة بعد موته ~~إن خيف من وقوع شر فوفق بينهم على أمر يرضونه. وقال الحرالي: وفي إشعاره ~~بذكر الخوف من الموصي ما يشعر أن ذلك في حال حياة الموصي ليس بعد قرار ~~الوصية على جنف بعد الموت، فإن ذلك لا يعرض له مضمون هذا الخطاب، وفي ~~إيقاع الإصلاح على لفظة " بين " إشعار بأن الإصلاح نائل البين الذي هو ~~وصل ما بينهم فيكون من معنى ما يقوله النحاة مفعول على السعة حيث لم يكن ~~فأصلح بينه وبينهم - انتهى. { فلا إثم عليه } أي بهذا التبديل. ولما كان ~~المجتهد قد يخطىء فلو أوخذ بخطئه أحجم عن الاجتهاد جزاه الله سبحانه عليه ~~بتعليل رفع الإثم بقوله إعلاما بتعميم الحكم في كل مجتهد: { إن الله } ~~أي المختص بإحاطة العلم { غفور } أي لمن قصد خيرا فأخطأ { رحيم * } أي ~~يفعل به من الإكرام فعل الراحم بالمرحوم. # ولما أباح سبحانه الأكل مما خلقه دليلا على الوحدانية والرحمة العامة ~~والخاصة وكان من طبع الإنسان الاستئثار وكان الاستئثار جارا إلى الفتن، ~~وأتبعه حكم المضطر وأشار إلى زجره عن العدوان بتقييده عنه في حال التلف ~~فكان في ذلك زجر لغيره بطريق الأولى، وأولاه الندب إلى التخلي عما دخل في ~~اليد من متاع الدنيا للأصناف الستة ومن لافهم، ثم الإيجاب بالزكاة ~~تزهيدا في زهرة الحياة الدنيا ليجتث العدوان من أصله، وقفي ذلك بحكم من ~~قد يعدو، ثم بما تبعه من التخلي عن المال في حضرة الموت فتدربت النفس في ~~الزهد بما هو معقول المعنى بادىء بدء من التخلي عنه لمن ينتفع به أتبعه ~~الأمر بالتخلي عنه لا لمحتاج إليه بل لله الذي أوجده لمجرد تزكية النفس ~~وتطهيرها لتهيئها لما يقتضيه عليها صفة الصمدية من الحكمة، هذا مع ما ~~للقصاص والوصية من المناسبة للصوم من حيث إن في القصاص قتل النفس حسا ~~وفي الصوم قتل الشهوة السبب للوطء السبب لإيجاد النفس حسا وفيه حياة ms0354 ~~الأجساد معنى وفي الصوم حياة الأرواح بطهارة القلوب وفراغها للتفكر ~~وتهيئها لإفاضة الحكمة والخشية الداعية إلى التقوى وإماتة الشهوة وشهره ~~شهر الصبر المستعان به على الشكر، وفيه تذكير بالضر الحاث على الإحسان ~~إلى المضرور وهو مدعاة إلى التخلي من الدنيا والتحلي بأوصاف الملائكة ~~ولذلك نزل فيه القرآن المتلقى من الملك، فهو أنسب شيء لآية الوصية ~~المأمور بها المتقون بالتخلي من الدنيا عند مقاربة الاجتماع بالملائكة، ~~وختمها بالمغفرة والرحمة إشارة إلى الصائم من أقرب الناس إليهما فقال ~~تعالى: { يا أيها الذين آمنوا } فخاطب بما يتوجه بادىء بدء إلى أدنى ~~الطبقات التي التزمت أمر الدين لأنه لم يكن لهم باعث حب وشوق يبعثهم على ~~فعله من غير فرض بخلاف ما فوقهم من رتبة المؤمنين والمحسنين فإنهم كانوا ~~يفعلون معالم الإسلام من غير إلزام فكانوا يصومون على قدر ما يجدون من ~~الروح فيه - قاله الحرالي، وقال: فلذلك لم ينادوا في القرآن نداء بعد ~~ولا ذكروا إلا ممدوحين، والذين ينادون في القرآن هم الناس الذين انتبهوا ~~لما أشار به بعضهم على بعض والذين آمنوا بما هم في محل الائتمار متقاصرين ~~عن البدار، فلذلك كل نداء في القرآن متوجه إلى هذين الصنفين إلا ما توجه ~~للإنسان بوصف ذم في قليل من الآي - انتهى. # { كتب } أي فرض بما استفاض في لسان الشرع وتأيد بأداة الاستعلاء { عليكم ~~الصيام } وهو الإمساك عن المفطر من طلوع الفجر إلى غروب الشمس بالنية ~~وقال الحرالي: فرض لما فيه من التهيؤ لعلم الحكمة وعلم ما لم تكونوا ~~تعلمون وهو الثبات على تماسك عما من شأن الشيء أن يتصرف فيه ويكون شأنه ~~كالشمس في وسط السماء، يقال: صامت - إذا لم يظهر لها حركة لصعود ولا ~~لنزول التي هي من شأنها، وصامت الخيل - إذا لم تكن مركوضة ولا مركوبة، ~~فتماسك المرء عما شأنه فعله من حفظ بدنه بالتغذي وحفظ نسله بالنكاح وخوضه ~~في زور القول وسوء الفعل هو صومه، وفي الصوم خلاء من الطعام وانصراف عن ~~حال الأنعام وانقطاع شهوات الفرج، وتمامه الإعراض عن ms0355 أشغال الدنيا ~~والتوجه إلى الله والعكوف في بيته ليحصل بذلك نبوع الحكمة من القلب، وجعل ~~كتبا حتى لا يتقاصر عنه من كتب عليه إلا انشرم دينه كما ينشرم خرم ~~القربة المكتوب فيها - انتهى. # { كما كتب } أي فرض، فالتشبيه في مطلق الفرض { على الذين } وكأنه أريد ~~أهل الكتابين فقط وأثبت الحال فقال: { من قبلكم } فيه إشعار بأنه مما ~~نقضوا فيه العهد فكتموه حرصا على ضلال العرب، ولما كان في التأسي إعلاء ~~للهمة القاصرة وإسعار وإغلاء للقلوب الفاترة لأن الشيء الشاق إذا عم سهل ~~تحمله قال: { لعلكم تتقون * } أي تجعلون بينكم وبين إسخاط الله وقاية ~~بالمسارعة إليه والمواظبة عليه رجاء لرضى ربكم وخوفا ممن سبق من قبلكم، ~~لتكون التقوى لكم صفة راسخة فتكونوا ممن جعلت الكتاب هدى لهم، فإن الصوم ~~يكسر الشهوة فيقمع الهوى فيروع عن موافقة السوء. قال الحرالي: وفي إشعاره ~~تصنيف المأخوذين بذلك صنفين: من يثمر له صومه على وجه الشدة تقوى، ومن لا ~~يثمر له ذلك. # ولما كان لهذه الأمة جمع لما في الكتب والصحف كانت مبادىء أحكامها على ~~حكم الأحكام المتقدمة فكما وجهوا وجهة أهل الكتاب ابتداء ثم لهم بالوجهة ~~إلى الكعبة انتهاء كذلك صوموا صوم أهل الكتاب { أياما معدودات } أي ~~قلائل مقدرة بعدد معلوم ابتداء ثم رقوا إلى صوم دائرة الشهر وحدة قدر ~~انتهاء، وذلك أنه لما كان من قبلهم أهل حساب لما فيه حصول أمر الدنيا ~~فكانت أعوامهم شمسية كان صومهم عدد أيام لا وحدة شهر، وفي إعلامه إلزام ~~بتجديد النية لكل يوم حيث هي أيام معدودة، وفي إفهامه منع من تمادي الصوم ~~في زمن الليل الذي هو معنى الوصال الذي يشعر صحته رفع رتبة الصوم إلى صوم ~~الشهر الذي هو دورة القمر يقنع الفطر في ليلة رخصة للضعيف لا عزما على ~~الصائم، وكان فيه من الكلفة ما في صوم أهل الكتاب من حيث لم يكن فيه أكل ~~ولا نكاح بعد نوم، فكان فيه كلفة ما في الكتب لينال رأس هذه الأمة ~~وأوائلها حظا من منال ms0356 أوائل الأمم ثم يرقيها الله إلى حكم ما يخصها ~~فتكون مرباة تجد طعم اليسر بعد العسر - انتهى وفيه تصرف. ومذهب الشافعي ~~رضي الله تعالى عنه تحريم الوصال، قالوا: يا رسول الله! إنك تواصل! قال: # " إني لست كهيئتكم " # وقال: # " من كان مواصلا فليواصل إلى السحر " # قال الحرالي: فأنبأ بتمادي الصوم إلى السحر لتنتقل وجبة الفطر التي ~~توافق حال أهل الكتاب إلى وجبة السحر التي هي خصوص أهل الفرقان - انتهى. ~~وفي مواصلة النبي صلى الله عليه وسلم بهم لما أبوا إلا الوصال أياما ما ~~يشهد لمن أباح ذلك والله سبحانه وتعالى أعلم. قال الحرالي: وفي تأسيسه ~~على العدد ملجأ يرجع إليه عند إغماء الشهر الذي هو الهلال كما سيأتي ~~التصريح به، فصار لهم العدد في الصوم بمنزلة التيمم في الطهور يرجعون ~~إليه عند ضرورة فقد إهلال الرؤية كما يرجعون إلى الصعيد عند فقد الماء. # ولما كان للمريض حاجة للدواء والغذاء بحسب تداعي جسمه رفع عنه الكتب ~~فتسبب عما مضى قوله سبحانه وتعالى: { فمن كان منكم مريضا } أي مرضا ~~يضره عاجلا أو يزيد في علته آجلا. قال الحرالي: فبقي على حكم التحمل ~~بيقين مما يغذو المؤمن ويسقيه من غيب بركة الله سبحانه وتعالى، كما قال ~~عليه الصلاة والسلام: # " أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني " # فللمؤمن غذاء في صومه من بركة ربه بحكم يقينه فيما لا يصل إليه من لم ~~يصل إلى محله، فعلى قدر ما تستمد بواطن الناس من ظواهرهم يستمد ظاهر ~~الموقن من باطنه حتى يقوى في أعضائه بمدد نور باطنه كما ظهر ذلك في أهل ~~الولاية والديانة، فكان فطر المريض رخصة لموضع تداويه واغتذائه. # ولما كان المرض وصفا جاء بلفظ الوصف ولما كان السفر وهو إزالة الكن عن ~~الرأس تمام دورة يوم وليلة بالمسير عنه بحيث لا يتمكن من عوده لمأواه في ~~مدار يومه وليلته نسبة بين جسمانيين جاء بحرف الإضافة مفصولا فقال: { أو ~~على سفر } لما يحتاج إليه المسافر من اغتذاء لوفور نهضته في عمله في سفره ~~وأن وقت اغتذائه بحسب ms0357 البقاع لا بحسب الاختيار إذ المسافر ومتاعه على قلب ~~إلا ما وقى الله # " السفر قطعة من العذاب " # وذلك لئلا يجتمع على العبد كلفتان فيتضاعف عليه المشقة دينا ودنيا فإذا ~~خف عنه الأمر من وجه طبيعي أخذ بالحكم من وجه آخر ديني { فعدة } نظمه ~~يشعر أن المكتوب عدة { من أيام } أي متتابعة أو متفرقة { أخر } لانتظام ~~مقاطع الكلام بعضها ببعض رؤوسا وأطرافا، ففي إفهامه أن مكتوب المريض ~~والمسافر غير مكتوب الصحيح والمقيم، فبذلك لا يحتاج إلى تقدير: فأفطر، ~~لأن المقصد معنى الكتب ويبقى ما دون الكتب على حكم تحمله، فكأنه يقال ~~للمريض والمسافر: مكتوبك أياما أخر لا هذه الأيام، فتبقى هذه الأيام ~~خلية عن حكم الكتب لا خلية عن تشريع الصوم. # ولما كانوا قوما لم يتعودوا الصوم وكانت عناية الله محيطة بهم تشريفا ~~لرسولهم صلى الله عليه وسلم قال مخيرا في أول الأمر: { وعلى الذين ~~يطيقونه } أي الصوم، من الطوق وهو ما يوضع في العنق حلية، فيكون ما ~~يستطيعه من الأفعال طوقا له في المعنى { فدية طعام } بالإضافة أو الفصل ~~{ مسكين } بالإفراد إرجاعا إلى اليوم الواحد، وبالجمع إرجاعا إلى مجموع ~~الأيام لكل يوم طعام واحد، وهو مد وحفنتان بالكفين هما قوت الحافن غداء ~~وعشاء كفافا لا إقتارا ولا إسرافا، في جملته توسعة أمر الصوم على من ~~لا يستطيعه ممن هو لغلبة حاجة طبعه إلى الغذاء بمنزلة المريض والمسافر ~~فهو ممراض بالنهمة كأنها حال مرض جبل عليه الطبع، فكان في النظر إليه ~~توفية رحمة النظر إلى المريض والمسافر إلا ما بين رتبتي الصنفين من كون ~~هذا مطيقا وذينك غير مطيق أو غير متمكن، و في إعلامه بيان أن من لم يقدر ~~على التماسك عن غذائه فحقه أن يغذو غيره ليقوم بذل الطعام عوضا عن ~~التماسك عن الطعام لمناسبة ما بين المعنيين لذلك؛ ولم يذكر هنا مع الطعام ~~عتق ولا صوم { فمن تطوع خيرا } أي فزاد في الفدية { فهو خير له } لأنه ~~فعل ما يدل على حبه لربه. # ولما ساق سبحانه وتعالى الإفطار ms0358 عند الإطاقة والفدية واجبها ومندوبها ~~مساق الغيبة وترك ذكر الفطر وإن دل السياق عليه إشارة إلى خساسته تنفيرا ~~عنه جعل أهل الصوم محل حضرة الخطاب إيذانا بما له من الشرف على ذلك كله ~~ترغيبا فيه وحضا عليه فقال: { وأن تصوموا } أيها المطيقون { خير لكم } ~~من الفدية وإن زادت، قال الحرالي: ففيه إشعار بأن الصائم يناله من الخير ~~في جسمه وصحته ورزقه حظ وافر مع عظم الأجر في الآخرة، كما أشار إليه ~~الحديث القدسي: # " وكل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي " # وذلك لأنه لما كانت الأعمال أفعالا وإنفاقا وسيرا وأحوالا مما شأن ~~العبد أن يعمله لنفسه ولأهله في دنياه وكان من شأنه كانت له، ولما كان ~~الصوم ليس من شأنه لم يكن له، فالصلاة مثلا أفعال وأقوال وذلك من شأن ~~المرء والزكاة إنفاق وذلك من شأنه، والحج ضرب في الأرض وذلك من شأنه وليس ~~من شأنه أن لا يأكل ولا يشرب ولا ينكح ولا ينتصف ممن يعتدي عليه فإن امرؤ ~~شاتمه أو قاتله فليقل: إني صائم، فليس جملة مقاصد الصوم من شأنه وحقيقته ~~إذبال جسمه وإضعاف نفسه وإماتته، ولذلك كان الصوم كفارة للقتل خطأ لينال ~~بالصوم من قتل نفسه بوجه ما ما جرى على يده خطأ من القتل، فكان في الصوم ~~تنقص ذات الصائم فلذلك قال تعالى: " فإنه لي " حين لم يكن من جنس عمل ~~الآدمي، قال سبحانه وتعالى: " وأنا أجزي به " ففي إشارته أن جزاءه من غيب ~~الله مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، كل ذلك في مضمون ~~قوله { إن كنتم تعلمون * } انتهى. وجوابه والله سبحانه وتعالى أعلم: صمتم ~~وتطوعتم، فإنهم إن لم يعلموا أنه خير لهم لم يفعلوا فلم يكن خيرا لهم. ~~قال الحرالي: كان خيرا حيث لم يكن بين جمع الصوم والإطعام تعاند بل ~~تعاضد لما يشعر به لفظ الخير - انتهى. روى البخاري رضي الله تعالى عنه في ~~التفسير ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن سلمة بن الأكوع رضي الله ms0359 ~~تعالى عنه قال: لما نزلت { وعلى الذين يطيقونه } الآية كان من أراد أن ~~يفطر ويفتدي حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها وفي رواية: حتى نزلت هذه ~~الآية # فمن شهد منكم الشهر فليصمه # [البقرة: 185] وللبخاري عن ابن عمر عن أصحاب محمد رضي الله تعالى عنهم ~~قالوا: أنزل { شهر رمضان } فشق عليهم فكان من أطعم كل يوم مسكينا ترك ~~الصوم من يطيقه ورخص لهم في ذلك فنسختها { وأن تصوموا خير لكم } فأمروا ~~بالصوم. ### || [2.185-186] # ولما أبهم الأمر أولا في الأيام وجعله واجبا مخيرا على المطيق عين ~~هنا وبت الأمر فيه بقوله تعالى: { شهر رمضان } لأن ذلك أضخم وآكد من ~~تعيينه من أول الأمر. قال الحرالي: والشهر هو الهلال الذي شأنه أن يدور ~~دورة من حين أن يهل إلى أن يهل ثانيا سواء كانت عدة أيامه تسعا وعشرين ~~أو ثلاثين، كلا العددين في صحة التسمية بالشهر واحد، فهو شائع في فردين ~~متزايدي العدد بكمال العدة كما يأتي أحد الفردين لمسماه رمضان، يقال: هو ~~اسم من أسماء الله سبحانه وتعالى، واشتقاقه من الرمضاء وهو اشتداد حر ~~الحجارة من الهاجرة، كأن هذا الشهر سمي بوقوعه زمن اشتداد الحر بترتيب أن ~~يحسب المحرم من أول فصل الشتاء أي ليكون ابتداء العام أول ابتداء خلق ~~بإحياء الأرض بعد موتها، قال: وبذلك يقع الربيعان في الربيع الأرضي ~~السابق حين تنزل الشمس الحوت والسماوي اللاحق حين تنزل الشمس الحمل، ~~وقال: إنه لما وقع لسابقة هذه الأمة صوم كصوم أهل الكتاب كما وجهوا إلى ~~القبلة أولا بوجه أهل الكتاب تداركه الإرفاع إلى حكم الفرقان المختص ~~بهم، فجعل صومهم القار لهم بالشهر لأنهم أهل شهور ناظرون إلى الأهلة ~~ليسوا بالمستغرقين في حساب الشمس، فجعل صومهم لرؤية الشهر وجعل لهم الشهر ~~يوما واحدا فكأنهم نقلوا من صوم أيام معدودات إلى صوم يوم واحد غير ~~معدود لوحدته، لأنهم أمة أمية # وواعدنا موسى ثلاثين ليلة # [الأعراف: 142] هي ميقات أمة محمد صلى الله عليه وسلم # وأتممناها بعشر # [الأعراف: 142] هي ميقات موسى عليه الصلاة والسلام وأمته ms0360 ومن بعده من ~~الأمم إلى هذه الأمة - انتهى. # ولما كان هذا خطاب إرقاء مدحه سبحانه وتعالى بإنزال الذكر فيه جملة إلى ~~بيت العزة وابتدىء من إنزاله إلى الأرض. قال الحرالي: وأظهر فيه وجه ~~القصد في الصوم وحكمته الغيبية التي لم تجر في الكتب الأول الكتابي فقال: ~~{ الذي أنزل فيه القرآن } فأشعر أن في الصوم حسن تلق لمعناه ويسرا ~~لتلاوته، ولذلك جمع فيه بين صوم النهار وتهجد الليل، وهو صيغة مبالغة من ~~القرء وهو ما جمع الكتب والصحف والألواح - انتهى. وفي مدحه بإنزاله فيه ~~مدح للقرآن به من حيث أشعر أن من أعظم المقاصد بمشروعيته تصفية الفكر ~~لأجل فهم القرآن ليوقف على حقيقة ما أتبع هذا به من أوصافه التي قررت ما ~~افتتحت به السورة من أنه # لا ريب فيه # [البقرة: 2] وأنه # هدى # البقرة: 2] على وجه أعم من ذلك الأول فقال سبحانه وتعالى: { هدى للناس } ~~قال الحرالي: فيه إشعار بأن طائفة الناس يعليهم الصوم أي بالتهيئة للتدبر ~~والفهم وانكسار النفس إلى رتبة الذين آمنوا والمؤمنين ويرقيهم إلى رتبة ~~المحسنين، فهو هدى يغذو فيه فقد الغذاء القلب كما يغذو وجوده الجسم ولذلك ~~أجمع مجربة أعمال الديانة من الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون ~~وجهه أن مفتاح الهدى إنما هو الجوع وأن المعدة والأعضاء متى أوهنت لله ~~نور الله سبحانه وتعالى القلب وصفى النفس وقوى الجسم ليظهر من أمر ~~الإيمان بقلب العادة جديد عادة هي لأوليائه أجل في القوة والمنة من عادته ~~في الدنيا لعامة خلقه؛ وفي إشارته لمح لما يعان به الصائم من سد أبواب ~~النار وفتح أبواب الجنة وتصفيد الشياطين، كل ذلك بما يضيق من مجاري ~~الشيطان من الدم الذي ينقصه الصوم، فكان فيه مفتاح الخير كله؛ وإذا هدى ~~الناس كان للذين آمنوا أهدى وكان نورا لهم وللمؤمنين أنور، كذلك إلى ~~أعلى رتب الصائمين العاكفين الذاكرين الله كثيرا الذين تماسكوا بالصوم ~~عن كل ما سوى مجالسة الحق بذكره. # وفي قوله: { وبينات } إعلان بذكر ما يجده الصائم من نور قلبه وانكسار ~~نفسه ms0361 وتهيئة فكره لفهمه ليشهد تلك البينات في نفسه وكونها { من الهدى } ~~الأعم الأتم الأكمل الشامل لكافة الخلق { والفرقان } الأكمل، وفي حصول ~~الفرقان عن بركة الصوم والذي هو بيان رتب ما أظهر الحق رتبه على وجهه ~~إشعار بما يؤتاه الصائم من الجمع الذي هو من اسمه الجامع الذي لا يحصل ~~إلا بعد تحقق الفرقان، فإن المبني على التقوى المنولة للصائم في قوله في ~~الكتب الأول لعلكم تتقون } فهو صوم ينبني عليه تقوى ينبني عليها فرقان ~~كما قال تعالى # إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا # [الأنفال: 29] ينتهي إلى جمع يشعر به نقل الصوم من عدد الأيام إلى وحدة ~~الشهر - انتهى. فعلى ما قلته المراد بالهدى الحقيقة، وعلى ما قاله ~~الحرالي هو مجاز علاقته السببية لأن الصوم مهيىء للفهم وموجب للنور، { ~~الهدى } المعرف الوحي أعم من الكتاب والسنة أو أم الكتاب أو غير ذلك، ~~وعلى ما قال الحرالي يصح أن يراد به القرآن الجامع للكتب كلها فيعم الكتب ~~الأول للأيام، والفرقان هو الخاص بالعرب الذي أعرب عن وحدة الشهر. ولما ~~أتم ما في ذكر الشهر من الترغيب إثر التعيين ذكر ما فيه من عزيمة ورخصة ~~فقال: { فمن شهد } أي حضر حضورا تاما برؤية بينة لوجود الصحو من غير ~~غمام أو بإكمال عدة شعبان إن كان غيم ولم يكن مريضا ولا مسافرا. قال ~~الحرالي: وفي شياعه إلزام لمن رأى الهلال وحده بالصوم. وقوله: { منكم } ~~خطاب الناس ومن فوقهم حين كان الصيام معليا لهم { الشهر } هو المشهود ~~على حد ما تقول النحاة مفعول على السعة، لما فيه من حسن الإنباء وإبلاغ ~~المعنى، ويظهر معناه قوله تعالى: { فليصمه } فجعله واقعا على الشهر لا ~~واقعا على معنى: فيه، حيث لم يكن: فليصم فيه؛ وفي إعلامه صحة صوم ليلة ~~ليصير ما كان في الصوم الأول من السعة بين الصوم والفطر للمطيق واقعا ~~هنا بين صوم الليل وفطره لمن رزق القوة بروح من الله تعالى - انتهى. # ولما نسخ بهذا ما مر من التخيير أعاد ما للمريض والمسافر لئلا يظن ms0362 نسخه ~~فقال: { ومن كان مريضا } أي سواء شهده أولا { أو على سفر } أي سواء كان ~~مريضا أو صحيحا وهو بين بأن المراد شهوده في بلد الإقامة { فعدة } قال ~~الحرالي: فمرد هذا الخطاب من مضمون أوله فمعناه: فصومه عدة، من حيث لم ~~يذكر في هذا الخطاب الكتب، ليجري مرد كل خطاب على حد مبدئه. وفي قوله: { ~~من أيام أخر } إعلام بأن القضاء لم يجر على وحدة شهر لاختصاص الوحدة بشهر ~~رمضان ونزول قضائه منزلة الصوم الأول، وفي عدده وفي إطلاقه إشعار بصحة ~~وقوعه متتابعا وغير متتابع - انتهى. ولما رخص ذلك علل بقوله: { يريد ~~الله } أي الذي لا يستطيع أحد أن يقدره حق قدره { بكم اليسر } أي شرع ~~السهولة بالترخيص للمريض والمسافر وبقصر الصوم على شهر { ولا يريد بكم ~~العسر } في جعله عزيمة على الكل وزيادته على شهر. قال الحرالي: اليسر عمل ~~لا يجهد النفس ولا يثقل الجسم، والعسر ما يجهد النفس ويضر الجسم. وقال: ~~فيه إعلام برفق الله بالأجسام التي يسر عليها بالفطر، وفي باطن هذا ~~الظاهر إشعار لأهل القوة بأن اليسر في صومهم وأن العسر في فطر المفطر، ~~ليجري الظاهر على حكمته في الظهور ويجري الباطن على حكمته في البطون، إذ ~~لكل آية منه ظهر وبطن، فلذلك والله سبحانه وتعالى أعلم " كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم يصوم في رمضان في السفر ويأمر بالفطر " وكان أهل القوة من ~~العلماء يصومون ولا ينكرون الفطر - انتهى. قال الشعبي: إذا اختلف عليك ~~أمران فإن أيسرهما أقربهما إلى الحق لهذه الآية. # ولما كانت علة التيسير المؤكد بنفي التعسير الإطاقة فكان التقدير: ~~لتطيقوا ما أمركم به ويخف عليكم أمره، عطف عليه قوله: { ولتكملوا } من ~~الإكمال وهو بلوغ الشيء إلى غاية حدوده في قدر أو عد حسا أو معنى { ~~العدة } أي عدة أيام رمضان إلى رؤية الهلال إن رأيتموه وإلى انتهاء ~~ثلاثين التي لا يمكن زيادة الشهر عليها إن غم عليكم بوجود الغمام فلم ~~تشهدوه، فإنه لو كلفكم أكثر منه أو كان إيجابه على كل حال ms0363 كان جديرا بأن ~~تنقصوا من أيامه إما بالذات بأن تنقصوا من عدتها أو بالوصف بأن تأكلوا في ~~أثنائها كما تفعل النصارى، فيؤدي ذلك إلى إعدامها أصلا ورأسا. وقال ~~الحرالي: التقدير: لتوفوا الصوم بالرؤية ولتكملوا إن أغمي عليكم، ففي هذا ~~الخطاب تعادل ذكر الصحو في الابتداء بقوله: { شهد } وذكر الغيم في ~~الانتهاء بالإكمال - انتهى. # وفيه إشارة إلى احتباك، فإن ذكر الشهود أولا يدل على عدمه ثانيا وذكر ~~الإكمال لأجل الغمام ثانيا يدل على الصحو أولا. # ولما كان العظيم إذا يسر أمره كان ذلك أجدر بتعظيمه قال: { ولتكبروا } ~~والتكبير إشراف القدر أو المقدار حسا أو معنى - قاله الحرالي. وقرن به ~~الاسم الأكبر لاقتضاء المقام له فقال: { الله } أي الذي تقف الأفهام ~~خاسئة دون جلاله وتخضع الأعناق لسبوغ جماله لتعتقدوا عظمته بقلوبكم ~~وتذكروها بألسنتكم في العيد وغيره ليكون ذلك أحرى بدوام الخضوع من ~~القلوب. قال الحرالي: وفيه إشارة إلى ما يحصل للصائم بصفاء باطنه من شهود ~~ما يليح له أثر صومه من هلال نوره العلي، فكما كبر في ابتداء الشهر لرؤية ~~الهلال يكبر في انتهائه لرؤية باطنه مرأى من هلال نور ربه، فكان عمل ذلك ~~هو صلاة ضحوة يوم العيد، وأعلن فيها بالتكبير وكرر لذلك، وجعل في براح من ~~متسع الأرض لمقصد التكبير لأن تكبير الله سبحانه وتعالى إنما هو بما جل ~~من مخلوقاته، فكان في لفظه إشعار لما أظهرته السنة من صلاة العيد على ~~اختصاصها بتكبير الركعتين والجهر لمقصد موافقة معنى التكبير الذي إنما ~~يكون علنا - انتهى. ومن أعظم أسراره أنه لما كان العيد محل فرح وسرور ~~وكان من طبع النفس تجاوز الحدود لما جبلت عليه من الشره تارة غفلة وتارة ~~بغيا أمر فيه به ليذهب من غفلتها ويكسر من سورتها، ولما كان للوترية أثر ~~عظيم في التذكير بالوتر الصمد الواحد الأحد وكان للسبعة منها مدخل عظيم ~~في الشرع جعل تكبير صلاته وترا وجعل سبعا في الأولى لذلك وتذكيرا ~~بأعمال الحج السبعة من الطواف والسعي والجمار تشويقا إليها لأن النظر ~~إلى العيد ms0364 الأكبر أكثر وتذكيرا بخالق هذا الوجود بالتفكر في أفعاله ~~المعروفة من خلق السماوات السبع والأرضين السبع وما فيهما في الأيام ~~السبع لأنه خلقهما في ستة وخلق آدم في اليوم السابع يوم الجمعة، ولما جرت ~~عادة الشارع بالرفق بهذه الأمة ومنه تخفيف الثانية على الأولى وكانت ~~الخمسة أقرب وترا إلى السبعة من دونها جعل تكبير الثانية خمسا لذلك، ~~ولأنه لما استحضرت عظمة الخالق بإشارة الأولى للعلم بأنه المتفرد بالعظمة ~~والقهر والملك بجميع الأمر فأقبلت القلوب إليه وقصرت الهمم عليه أشير ~~بتكبير الثانية إلى عبادته بالإسلام المبني على الدعائم الخمس وخصوصا ~~بأعظم دعائمه الصلوات الخمس - والله سبحانه وتعالى الموفق. # ولما كانت الهداية تطلق تارة على مجرد البيان وتارة عليه مع الحمل على ~~لزوم المبين وكان تخفيف المأمور به وتسهيله أعون على لزومه قال: { على } ~~أي حامدين له على { ما هداكم } أي يسر لكم من شرائع هذا الدين فهيأكم ~~للزومها ودوام التمسك بعراها، ولعل هذا سر الاهتمام بالصيام من الخاص ~~والعام حتى لا يكاد أحد من المسلمين يخل به إلا نادرا - والله سبحانه ~~وتعالى الموفق. # وقال الحرالي: إن الهداية إشارة إلى تلك الموجدة التي يجدها الصائم وما ~~يشهده الله من بركاته من رؤية ليلة القدر بكشف خاص لأهل الخلوة أو آيات ~~بينة لأهل التبصرة أو بآية بادية لأهل المراقبة كلا على حكم وجده من ~~استغراق تماسكه وخلوته واستغراق ذكره في صومه، فأعظم الهدى هدى المرء لأن ~~يذبل جسمه ونفسه وتفنى ذاته في حق ربه، كما يقول: # " يدع طعامه وشرابه من أجلي " # فكل عمل فعل وثبت إلا الصوم فإنه محو وفقد، فناسب تحقيق ما هو الإسلام ~~والتقوى من إلقاء منة الظاهر وقوة الباطن - انتهى. # ولما كان الشكر صرف ما أنعمه المنعم في طاعته وكان العمل إذا خف أقرب ~~إلى لزوم الطاعة بلزومه ولو ثقل لأوشك أن يعصي بتركه قال: { ولعلكم ~~تشكرون * } أي ولتكونوا في حالة يرجى معها لزوم الطاعة واجتناب المعصية. ~~وقال الحرالي: فيه تصنيف في الشكر نهاية كما كان فيه تصنيف للتقوى بداية، ms0365 ~~كما قال: { ولعلكم تتقون } فمن صح له التقوى ابتداء صح منه الشكر انتهاء؛ ~~وفي إشعاره إعلام بإظهار نعمة الله وشكر الإحسان الذي هو مضمون فرض زكاة ~~الفطر عن كل صائم وعمن يطعمه الصائم، فكان في الشكر إخراجه فطره بختم ~~صومه واستقبال فطره بأمر ربه وإظهار شكره بما خوله من إطعام عيلته، فلذلك ~~جرت فيمن يصوم وفيمن يعوله الصائم - انتهى. # ولما كان دعاء الصائم مجابا وكان هذا الشهر بالخصوص مظنة الإجابة ~~للصيام ولمكان ليلة القدر وكان ذكر كبريائه سبحانه وتعالى مهيئا لعباده ~~للإحساس بالبعد فكان ربما أوقع في وهم أنه على عادة المتكبرين في بعد ~~المسافة عن محال العبيد وأنه إن كان بحيث يسمع لم يكن لأحد منهم أن ~~يسأله إلا بواسطة رفع هذا الوهم بقوله: { وإذا } دالا بالعطف على غير ~~مذكور أن التقدير: فإذا سألك عبادي عني فإني مع علو شأني رقيب على من ~~أطاعني ومن عصاني " وإذا ". وقال الحرالي: لما أثبت الحق سبحانه وتعالى ~~كتاب الصيام لعباده لما أرادهم له من إعلائهم إلى خبء جزائه وأطلعهم على ~~ما شاء في صومهم من ملكوته بحضور ليلة القدر فأنهاهم إلى التكبير على ~~عظيم ما هداهم إليه واستخلفهم في فضله وشكر نعمته بما خولهم من عظيم فضله ~~وأظهر عليهم من رواء بركاته ما يدعو الناظرين لهم إلى سؤالهم عما نالوه ~~من ربهم فيليحون لمن دونهم ما به يليق بهم رتبة رتبة؛ يؤثر عن عمر رضي ~~الله تعالى عنه أنه قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكلم أبا ~~بكر رضي الله تعالى عنه فكأنما يتكلمان بلسان أعجم لا أفهم مما يقولان ~~شيئا " إلى أن ينتهي الأمر إلى أدنى السائلين الذين هم في رتبة حضرة بعد ~~فيبشرون بمطالعة القرب فقال: و { إذا } عطفا على أمور متجاوزة كأنه ~~يقول: إذا خرجت من معتكفك فصليت وظهرت زينة الله التي باهى بها ملائكته ~~ليست زينة الدنيا التي يتمقتها أهل حضرته من ملائكته فإذا سألك من حاله ~~كذا فأنبئه بكذا وإذا سألك من حاله كذا فأنبئه ms0366 بكذا وإذا { سألك عبادي ~~عني } أي هل أنا على حال المتكبرين من ملوك الدنيا في البعد عمن دونهم ~~فأخبرهم أني لست كذلك. # ولما كان لا يسأل عن الشيء إلا إن كان معظما له متشوقا إلى تعجيل ~~الإخبار به كان الأنسب للمقام والأقر لعيون العباد والأزجر لأهل العناد ~~تقريب الجواب وإخباره سبحانه وتعالى بنفسه الشريفة دون واسطة إشعارا ~~بفرط قربه وحضوره مع كل سائل فقال: { فإني } دون فقل إني، فإنه لو أثبت ~~قل، لأوهم بعدا وليس المقام كذلك، ولكان قوله إني، موهما فيحتاج إلى ~~أن يقال إن الله أو نحوه، ومع ذلك فلا ينفك عن إشكال؛ وإذا كان هذا ~~التلطف بالسائلين فما ظنك بالسالكين السائرين! وقال الأستاذ أبو القاسم ~~القشيري ما معناه: الذين يسألون عن الجبال وعن اليتامى وعن المحيض وعن ~~الأهلة ونحوها يجابون بالواسطة، وأما الذين يسألون عني فإني أرفع الوسائط ~~بيني وبينهم. وقال الإمام قاضي القضاة ناصر الدين بن ميلق ما معناه: إنه ~~سبحانه وتعالى لما كان قد تعرف إلى عباده بأفعاله وآياته وما ركز في ~~العقول من معرفته كان حذف الواسطة في الإخبار عنه أنسب بخلاف الأهلة ~~ونحوها فإن العقول لا تستقل بمعرفتها، فكان الإخبار عنها بواسطة الرسول ~~الذي لا تعرف إلا من جهته أنسب. { قريب } فعيل من القرب وهو مطالعة الشيء ~~حسا أو معنى أي من طلبني بعقله وجدني وعرفني وإنما أرسلت الرسل زيادة في ~~التعرف ورفعا للحرج بسر التلطف، وإسقاط قل، أسرع في التعرف فهو أجدر ~~بتعظيم الواسطة لأن الإسراع في الإجابة أقرب دلالة على صدقه في الرسالة. ~~قال الحرالي: بشر أهل حضرة البعد بالقرب لما رقي أهل القرب إلى الوصول ~~بالقرب فكان المبشر واصلا وكان المتقاصر عن القرب مبشرا به، ومعلوم أن ~~قرب الله وبعد المخلوق منه ليس بعد مسافة ولا قرب مسافة، فالذي يمكن ~~إلاحته من معنى القرب أن من سمع فيما يخاطب به خطاب ربه فهو قريب ممن كان ~~ذلك الخطاب منه، ومن كان إنما يسمع الخطاب ممن واجهه بالخطاب في حسه ~~ومحسوسه ms0367 فسمعه ممن دون ربه كان بعيدا بحسب تلك الواسطة من بعد دون بعد ~~إلى أبعد البعد، ولذلك يعلن للنبي صلى الله عليه وسلم # إنما عليك البلاغ # [الرعد: 40] وكان أن ما يتلوه لأمته إنما هو كلام ربه يتلو لهم كلام ~~ربهم ليسمعوه من ربهم لأمته حتى لا يكون صلى الله عليه وسلم واسطة بين ~~العبد وربه بل يكون يوصل العبد إلى ربه، وللإشارة بهذا المعنى يتلى كلمة ~~قل، في القرآن ليكون إفصاحا لسماع كلام الله سبحانه وتعالى ممن سمع ~~كائنا من كان، وفي إشعاره إهزاز القلوب والأسماع إلى نداء الحج إثر ~~الصوم، لأنه جعل تعالى أول يوم من شهور الحج إثر يوم من أيام الصوم، فكأن ~~منادي الله ينادي يوم الفطر بالحج، ففي خفي إشارته إعلاء نداء إبراهيم ~~عليه الصلاة والسلام الذي تقدم أساس أمر الإسلام على حنيفيته وملته، ~~وليكون في هذه الآية الجامعة توطئة لذكر الحج لما تقدم من أن هذه السورة ~~تنتظم جوامعها خلال تفاصيلها انتظاما عجيبا يليح المعنى لأهل الفهم ~~ويفصله لأهل العلم ثم يحكم به على أهل الحكم قال: { أجيب } من الإجابة ~~وهي اللقاء بالقول ابتداء شروع لتمام اللقاء بالمواجهة { دعوة الداع } ~~ففيه إشعار بإجابة الداعي أي للحج عند خاتمة الصوم يعني لما بين ~~العبادتين من تمام المناسبة، فإن حال الصوم التابع لآية الموت في كونه ~~محوا لحال البرزخ وحال الحج في كونه سفرا إلى مكان مخصوص على حال ~~التجرد كحال الحشر؛ قال: وجاء الفطر يعني بعد إكمال الصوم بما يعين على ~~إجابة دعوة الوفادة على الله سبحانه وتعالى إثر الخلوة في بيت الله ليكون ~~انتقالهم من بيت خلوته بالعكوف إلى موقف تجليه في الحج، وفيه تحقيق ~~للداعي من حاله ليس الداعي من أغراضه وشهواته، فإن الله سبحانه وتعالى ~~يجيب دعوة العبد إذا كان فيه رشد وإلا ادخرها له أو كفر بها عنه كما بينه ~~صلى الله عليه وسلم. # ولما كان كل خلق داعيا لحاجته وإن لم ينطق بها أشار تعالى إلى مقصد ~~إظهار الدعاء مقالا وابتهالا ms0368 فقال: { إذا دعان } ليكون حاله صدقا ~~بمطابقة حاله مقالا، وفي قراءة الاكتفاء بكسرة { الداع } و { دعان } عن ~~ياءيهما وقراءة تمكينهما توسعة القراءة بما تيسر على قبائل العرب بحسب ما ~~في ألسنة بعضها من التمكين وما في ألسنة بعضها من الحذف # ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر # [القمر: 17] وفي إجابته حجة عليهم بأن السيد إذا التزم إجابة عبده كان ~~إجابة العبد لسيده أوجب التزاما لاستغناء السيد وحاجة العبد، فحين كان ~~الغني مجيبا كان أولى بأن يكون المحتاج مستجيبا يعني فلذلك سبب عنه ~~قوله إشارة إلى شرط الإجابة { فليستجيبوا لي } إنباء عما قد دعاهم إليه ~~من قربه وقصد بيته بما جبلهم عليه من حاجتهم إليه، وجاء بصيغة الاستفعال ~~المشعر باستخراج الإجابة مما شأنه الإباء لما في الأنفس من كره فيما تحمل ~~عليه من الوصول إلى بيت لم يكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس - انتهى وفيه ~~تصرف. ولما أوجب استجابته سبحانه في كل ما دعا إليه وكانت الاستجابة ~~بالإيمان أول المراتب وأولاها وكانت مراتب الإيمان في قوته وضعفه لا تكاد ~~تتناهى قال مخاطبا لمن آمن وغيره: { وليؤمنوا بي } أي مطلق الإيمان أو ~~حق الإيمان، ثم علل ذلك بقوله: { لعلهم يرشدون * } أي ليكونوا على رجاء ~~من الدوام على إصابة المقاصد والاهتداء إلى طريق الحق. # قال الحرالي: والرشد حسن التصرف في الأمر حسا أو معنى في دين أو دنيا، ~~ومن مقتضى هذه الآية تتفضل جميع أحوال السالكين إلى الله سبحانه وتعالى ~~من توبة التائب من حد بعده إلى سلوك سبيل قربه إلى ما يؤتيه الله من وصول ~~العبد إلى ربه - انتهى. ### || [2.187-188] # ولما تصوروا لهذه الآية الشريفة قربه وحبه على عظمته وعلوه فتذكروا لذيذ ~~مخاطبته فيما قبل فاشتاقوا إليها وكان قد يسر لهم أمر الصوم كما على ~~جميعهم وكيفا على أهل الضرورة منهم كانوا كأنهم سألوه التيسير على أهل ~~الرفاهية فيما حرم عليهم كما حرم على أهل الكتاب والوطء في شهر الصوم ~~والأكل بعد النوم فقال تحقيقا للإجابة والقرب: { أحل لكم } فأشعر ذلك ~~بأنه كان ms0369 حراما { ليلة } أي في جميع ليلة { الصيام الرفث } وهو ما يواجه ~~به النساء في أمر النكاح، فإذا غير فلا رفث عند العلماء من أهل اللغة، ~~ويدل عليه وصله بحرف الانتهاء بيانا لتضمين الإفضاء أي مفضين { إلى ~~نسائكم } بالجماع قولا وفعلا، وخرج بالإضافة نساء الغير. # ولما كان الرفث والوقاع متلازمين غالبا قال مؤكدا لإرادة حقيقة الرفث ~~وبيان السبب في إحلاله: { هن } أي نساؤكم { لباس لكم } تلبسونهن، ~~والمعنى: أبيح ذلك في حالة الملابسة أو صلاحيتها، وهو يفهم أنه لا يباح ~~نهارا - والله سبحانه وتعالى أعلم؛ ويجوز أن يكون تعليلا لأن اللباس لا ~~غنى عنه والصبر يضعف عنهن حال الملابسة والمخالطة. # ولما كان الصيام عاما للصنفين قال: { وأنتم لباس لهن } يلبسنكم، ثم ~~علل ذلك بقوله مظهرا لعظمة هذه الأمة عنده في إرادته الرفق بها { علم ~~الله } أي المحيط علمه ورحمته وله الإحاطة الكاملة كما قدم من كونه ~~قريبا اللازم منه كونه رقيبا { أنكم كنتم تختانون } أي تفعلون في ~~الخيانة في ذلك من المبادرة إليه فعل الحامل نفسه عليه، والخيانة التفريط ~~في الأمانة، والأمانة ما وضع ليحفظ، روى البخاري في التفسير عن البراء ~~رضي الله تعالى عنه قال: # " لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله وكان رجال يخونون ~~أنفسهم فأنزل الله عز وجل { علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم } " # ، روى البخاري والترمذي والنسائي عن البراء أيضا رضي الله تعالى عنه ~~قال: # " كان الرجل إذا صام فنام لم يأكل إلى مثلها " # وإن صرمة بن قيس الأنصاري رضي الله تعالى عنه - فذكر حديثه في نومه قبل ~~الأكل وأنه غشي عليه قبل انتصاف النهار فنزلت الآية. # ولما كان ضرر ذلك لا يتعداهم قال: { أنفسكم } ، ثم سبب عنه قوله: { فتاب ~~عليكم }. قال الحرالي: ففيه يسر من حيث لم يؤاخذوا بذنب حكم خالف شرعة ~~جبلاتهم فعذرهم بعلمه فيهم ولم يؤاخذهم بكتابه عليهم، وفي التوب رجوع إلى ~~مثل الحال قبل الذنب # " التائب من الذنب كمن لا ذنب له " # وكانت هذه الواقعة لرجل من المهاجرين ورجل من الأنصار ms0370 ليجتمع اليمن في ~~الطائفتين، فإن أيمن الناس على الناس من وقع في مخالفة فيسر الله حكمها ~~بوسيلة مخالفته، كما في هذه الآية التي أظهر الله سبحانه وتعالى الرفق ~~فيها بهذه الأمة من حيث شرع لها ما يوافق كيانها وصرف عنها ما علم أنها ~~تختان فيه لما جبلت عليه من خلافه، وكذلك حال الآمر إذا شاء أن يطيعه ~~مأموره يأمره بالأمور التي لو ترك ودواعيه لفعلها وينهاه عن الأشياء التي ~~لو ترك ودواعيه لاجتنبها، فبذلك يكون حظ حفظ المأمور من المخالفة، وإذا ~~شاء الله تعالى أن يشدد على أمة أمرها بما جبلها على تركه ونهاها عما ~~جبلها على فعله، فتفشوا فيها المخالفة لذلك، وهو من أشد الآصار التي كانت ~~على الأمم فخفف عن هذه الأمة بإجراء شرعتها على ما يوافق خلقتها، فسارع ~~سبحانه وتعالى لهم إلى حظ من هواهم، كما قالت عائشة رضي الله تعالى عنها ~~للنبي صلى الله عليه وسلم: " إن ربك يسارع إلى هواك " ليكون لهم حظ مما ~~لنبيهم كليته، وكما قال عليه الصلاة والسلام لعلي رضي الله تعالى عنه: # " اللهم! أدر الحق معه حيث دار " # كان صلى الله عليه وسلم يأمر الشجاع بالحرب ويكف الجبان عنه، حتى لا ~~تظهر فيمن معه مخالفة إلا عن سوء طبع لا يزعه وازع الرفق، وذلك قصد ~~العلماء الربانيين الذين يجرون المجرب والمدرب على ما هو أليق بحاله ~~وجبلة نفسه وأوفق لخلقه وخلقه، ففيه أعظم اللطف لهذه الأمة من ربها ومن ~~نبيها ومن أئمة زمانها، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: # " لقد هممت أن أنهى عن الغيلة حتى سمعت أن فارس والروم يصنعون ذلك فلا ~~يضر ذلك أولادهم شيئا " # لتجري الأحكام على ما يوافق الجبلات وطباع الأمم لكونه رسولا إلى الناس ~~كافة على اختلاف طباعهم، وما في السنة والفقه من ذلك فمن مقتبسات هذا ~~الأصل العلي الذي أجرى الله سبحانه وتعالى الحكم فيه لأمة محمد صلى الله ~~عليه وسلم على وفق ما تستقر فيه أمانتهم وتندفع عنهم خيانتهم. وفي قوله { ~~وعفا عنكم } أي بمحو ms0371 أثر الذنب إشعار بما كان يستحق ذلك من تطهر منه من ~~نحو كفارة وشبهها، ولما كان ما أعلى إليه خطاب الصوم صوم الشهر على حكم ~~وحدته الآتية على ليلة ونهاره إعلاء عن رتبة الكتب الأول التي هي أيام ~~معدودات مفصول ما بين أيامها بلياليها ليجري النهار على حكم العبادة ~~والليل على حكم الطبع والحاجة فكان في هذا الإعلاء إطعام الضعيف مما ~~يطعمه الله ويسقيه لا لأنه منه أخذ بطبع بل بأنه حكم عليه حكم بشرع حين ~~جعل الشرعة على حكم طباعهم، كما قال في الساهي: # " إنما أطعمه الله وسقاه " # ، وفيه إغناء القوي عن الطعام والشراب كما قال عليه الصلاة والسلام: # " إني لست كهيئتكم " # ، فكان يواصل، وأذن في الوصال إلى السحر، فكما أطعموا وسقوا شرعة مع ~~تمادي حكم الصوم فكذلك أنكحوا شرعة مع تمادي حكمه، فصار نكاحهم ائتمارا ~~بحكم الله لا إجابة طبع ولا غرض نفس فقال: { فالآن } أي حين أظهر لكم ~~إظهار الشرعة على العلم فيكم وما جبلت عليه طباعكم فسدت عنكم أبواب ~~المخالفة التي فتحت على غيركم { باشروهن } حكما، حتى استحب طائفة من ~~العلماء النكاح للصائم ليلا حيث صار طاعة، وهو من المباشرة وهي التقاء ~~البشرتين عمدا { وابتغوا } أي اطلبوا بجد ورغبة { ما كتب الله } أي الذي ~~له القدرة الكاملة فلا يخرج شيء عن أمره { لكم } أي من الولد أو المحل ~~الحل، وفيه إشعار بأن ما قضي من الولد في ليالي رمضان نائل بركة ذرئه على ~~نكاح أمر به حتى كان بعض علماء الصحابة يفطر على النكاح. # { وكلوا واشربوا } كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفطر على رطبات، # " فإن لم يجد فعلى تمرات، فإن لم يجد حسا حسوات من ماء " # وقال: # " إن الماء طهور " # ، وفي تقديم الأكل إجراء لحكم هذا الشرع على وفق الطبع - انتهى. ولأنه ~~سبب العطش، ودل على وجوب تبييت النية وجواز تأخير الغسل إلى النهار، ~~بقوله { حتى } فإن في جعل تبين الفجر غاية لحل المفطرات إيجابا لمراقبته ~~للكف عنها، وذلك هو حقيقة النية، ومن استمر ms0372 مباشرا إلى الفجر لم يمكنه ~~الاغتسال ليلا وقال: { يتبين } قال الحرالي: بصيغة يتفعل وهو حيث يتكلف ~~الناظر نظره، وكأن الطالع، يتكلف الطلوع، ولم يقل: يبين، لأن ذلك يكون ~~بعد الوضوح - انتهى. وفي قوله: { لكم } بيان لأن الأحكام بحسب الظاهر وأن ~~التكليف بما في الوسع { الخيط الأبيض } قال الأصبهاني: وهو أول ما يبدو ~~من الفجر المعترض في الأفق كالخيط الممدود. وقال الحرالي: فمد إلى غاية ~~انتهاء الليل وتبين حد النهار بأرق ما يكون من مثل الخيط { من الخيط ~~الأسود } قال الأصبهاني: وهو ما يمتد معه من غبش الليل أي البقية من ~~الليل، وقيل: ظلمة آخر الليل، شبها بخطين أبيض وأسود. وقال الحرالي: ففيه ~~إنهاض لحسن الاستبصار في ملتقى الليل والنهار حتى يؤتى العبد نور حسن ~~بتبين ذلك على دقته ورقته وقد كان أنزل هذا المثل دون بيان ممثوله حتى ~~أخذ أعرابي ينظر إلى خيطين محسوسين فأنزل { من الفجر } يعني فبين الأبيض، ~~فأخرجه بذكر المشبه من الاستعارة إلى التشبيه لأن من شرائطها أن يدل ~~عليها الحالة أو الكلام، وهذه الاستعارة وإن كانت متعارفة عندهم قد نطقت ~~بها شعراؤهم وتفاوضت بها فصحاؤهم وكبراؤهم لم يقتصر عليها، وزيد في ~~البيان لأنها خفيت على بعض الناس منهم عدي بن حاتم رضي الله تعال عنه، ~~فلم تكن الآية مجملة ولا تأخر البيان عن وقت الحاجة، ولو كان الأمر كذلك ~~ما عاب النبي صلى الله عليه وسلم على عدي رضي الله تعالى عنه عدم فهمها. # وقال الحرالي في كتاب له في أصول الفقه بناء على أنها مجملة: والخطاب ~~بالإجمال ممكن الوقوع وليس يلزم العمل به فالإلزام تكليف ما لا يطاق ~~وإلزام العمل يستلزم البيان وإلا عاد ذلك الممتنع، وتأخير بيان المجمل ~~إلى وقت الإلزام ممكن، لأن في ذلك تناسب حكمة الوحي المنزل بحكمة العالم ~~المكون، فإن الإجمال في القرآن بمنزلة نطق الأكوان والبيان فيه بمنزلة ~~تخطيط الصور وذلك ظاهر عند من زاوله، وحينئذ فلا يقال: خطاب الإجمال عديم ~~الفائدة لأنه يفيد تدريج حكمة التنزيل وتحصيل بركة التلاوة، ms0373 وفي الاقتصار ~~على بيانه نمط من فصاحة الخطاب العربي حيث لم يكن فيه ذكر الممثولين ~~اكتفاء بأحدهما عن الآخر، ففيه تأصيل لأصل البيان من الإفهام حيث لم يقل: ~~من الليل، كما قال: من الفجر، اكتفاء بما في الفهم من الذكر، وفي وقوع ~~المبين إثر غير مثله نمط آخر من فصاحة الخطاب العربي لأن العرب يردون ~~الثالث إلى الأول لا إلى الثاني ليتعلق بالأول في المعنى وينتظم بالثاني ~~في اللفظ فيكون محرز المحل المفهوم راجعا إلى الأول بالمعنى - انتهى. ~~وأوضح دليل على إيجاب التبييت أمره بالإتمام، فإنه لما وقع الشروع فيه ~~فالتقدير: فإذا تبين الفجر الذي أمرتم بمراقبته لكونه غاية لما أحل لكم ~~فصوموا أي أمسكوا عن المفطر { ثم أتموا } ذلك { الصيام إلى الليل } ~~والتعبير بثم إشارة إلى بعد ما بين طرفي الزمان الذي أحل فيه المفطر. ~~وقال الحرالي: فكان صوم النهار إتماما لبدء من صوم ليلة فكأنه في الليل ~~صوم ليس بتام لانثلامه للحس وإن كان في المعنى صوما، ومن معناه رأى بعض ~~العلماء الشروع في الاعتكاف قبل الغروب لوجه مدخل الليل في الصوم التام ~~بالعكوف وإضافة الليل للنهار في حكم صوم ما وهو في النهار تمام بالمعنى ~~والحس، وإنما ألزم بإتمام الصوم نهارا واعتد به ليلا وجرى فيه الأكل ~~والنكاح بالأمر لأن النهار معاش فكان الأكل فيه أكلا في وقت انتشار ~~الخلق وتعاطي بعضهم من بعض فيأنف عنه المرتقب، ولأن الليل سبات ووقت توف ~~وانطماس، فبدأ فيه من أمر الله ما انحجب ظهوره في النهار، كأن المطعم ~~بالليل طاعم من ربه الذي هو وقت تجليه # " ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا " # فكأن الطاعم في الليل إنما أطعمه الله وسقاه، فلم يقدح ذلك في معنى صومه ~~وإن ظهر صورة وقوعه في حسه كالناسي بل المأذون له أشرف رتبة من الناسي - ~~انتهى. # ولما كان الصوم شديد الملابسة للمساجد والاعتكاف وكانت المساجد مظنة ~~للاعتكاف وكان سبحانه قد أطلق في صدر الآية الإذن في الوطء في جميع ~~الأماكن والأحوال غير حال الصوم ms0374 خص من سائر الأحوال الاعتكاف ومن الأماكن ~~المساجد فعقب ذلك بأن قال: { ولا تباشروهن } أي في أي مكان كان { وأنتم ~~عاكفون } أي بايتون مقيمون أو معتكفون، ومدار مادة عكف على الحبس أي ~~وأنتم حابسون أنفسكم لله { في المساجد } عن شهواتها بنية العبادة و { في ~~المساجد } ظرف لعاكفون، فتحرم المباشرة في الاعتكاف ولو في غير المسجد، ~~وتقييد الاعتكاف بها لا يفهم صحته في غير مسجد، فإنه إنما ذكر لبيان ~~الواقع وليفهم حرمة الجماع في المساجد، لأنه إذا حرم تعظيما لما هي سبب ~~لحرمته ومصححة له كانت حرمته تعظيما لها لنفسها أولى، أو يقال وهو أحسن: ~~لما كان معنى العكوف مطلق الحبس قيده بالمسجد ليفهم خصوص الاعتكاف الذي ~~هو الحبس عبادة، فصار كأنه قال: وأنتم معتكفون، هذا معنى المبتدأ والخبر ~~وما تعلق به، وكأنه جرد الفعل ليشمل ما إذا كان اللبث في المسجد بغير ~~نية، والحاصل أنه سبحانه وتعالى سوى بين حال الصوم حال الاعتكاف في المنع ~~من الجماع، فإن اجتمعا كان آكد، فإن الاعتكاف من كمال الصوم وذلك على وجه ~~منع من المباشرة في المسجد مطلقا. # قال الحرالي: وإنما كان العاكف في المسجد مكملا لصومه لأن حقيقة الصوم ~~التماسك عن كل ما شأن المرء أن يتصرف فيه من بيعه وشرائه وجميع أغراضه ~~فإذا المعتكف المتماسك عن التصرف كله إلا ما لا بد له من ضرورته والصائم ~~المكمل صيامه والمتصرف الحافظ للسانه الذي لا ينتصف بالحق ممن اعتدى عليه ~~هو المتمم للصيام، ومن نقص عن ذلك فانتصف بالحق ممن اعتدى عليه فليس ~~بمتمم للصيام، فمن أطلق لسانه وأفعاله فليس لله حاجة في أن يدع طعامه ~~وشرابه، فإذا حقيقة الصوم هو الصوم لا صورته حتى ثبت معناه للأكل ليلا ~~ونهارا، قال صلى الله عليه وسلم: # " من صام رمضان وأتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر " # وقال صلى الله عليه وسلم: # " ثلاثة أيام من كل شهر فذلك صوم الدهر " # وكان بعض أهل الوجهة من الصحابة يقول قائلهم: أنا صائم، ثم يرى يأكل من ~~وقته ms0375 فيقال له في ذلك فيقول: قد صمت ثلاثة أيام من هذا الشهر، فأنا صائم ~~في فضل الله مفطر في ضيافة الله، كل ذلك اعتداد من أهل الأحلام والنهى ~~بحقيقة الصوم أكثر من الاعتداد بصورة ظاهرة - انتهى بمعناه. # ولما قدم سبحانه وتعالى ذكر هذه الحرمات ضمن ما قدم في الأحكام أما في ~~المناهي فصريحا وأما في الأوامر فلزوما وتقدم فيها لأن حمله سبحانه ~~وتعالى في الأرض محارمه نبه على تعظيمها وتأكيد تحريمها باستئناف قوله ~~مشيرا بأداة البعد: { تلك } أي الأحكام البديعة النظام العالية المرام { ~~حدود الله } وذكر الاسم الأعظم تأكيدا للتعظيم، وحقيقة الحد الحاجز بين ~~الشيئين المتقابلين ليمنع من دخول أحدهما في الآخر، فأطلق هنا على الحكم ~~تسمية للشيء باسم جزئه بدلالة التضمن وأعاد الضمير على مفهومه المطابق ~~استخداما فقال: { فلا تقربوها } معبرا بالقربان، لأنه في سياق الصوم ~~والورع به أليق، لأن موضوعه فطام النفس عن الشهوات فهو نهي عن الشبهات من ~~باب " من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه " فيدخل فيه مقدمات الجماع ~~فالورع تركها. # ولما علا هذا البيان إلى حد لا يدركه حق إدراكه الإنسان كان كأنه قال ~~دهشا: هل يحصل بيان مثله لشيء غير هذا؟ فقيل بيانا للواقع وتشويقا إلى ~~التلاوة وحثا على تدبر الكتاب الذي هو الهدى لا ريب فيه: { كذلك } أي ~~مثل هذا البيان العلي الشأن { يبين الله } لما له من العظمة التي لا تحصر ~~بحد ولا تبلغ بعد { آياته } التي يحق لعظمتها أن تضاف إليه وقال: { للناس ~~} إشارة إلى العموم دلالة على تمام قدرته بشمول علمه إلى أن يصل البيان ~~إلى حد لا يحصل فيه تفاوت في أصل الفهم بين غبي وذكي، وعلل ذلك بقوله: { ~~لعلهم يتقون * } أي ليكون حالهم حال من يرجى منه خوف الله تعالى لما ~~علموا من هذا البيان من عظمته، وأشعر هذا الإبهام أن فيهم من لا يتقي. # ولما أذن سبحانه وتعالى فيما كان قد منع منه من المطعم والمنكح للصائم ~~وقدم المنكح لأنه أشهى إذ الطبع إليه أدعى ولأن المنع ms0376 منه كان في جميع ~~الشهر فالضرر فيه أقوى، وأتبعه الإذن في الأكل لأنه قوام الجسم وأولاه ~~المنع من النكاح في بعض الأحوال، فعل كذلك في المال الذي منه الأكل لأنه ~~قد كان مما خان فيه أهل الكتاب عهد كتابهم واشتروا به ثمنا قليلا ~~كثيرا من أمره لا سيما تحريم الرشوة فإنهم أخفوه واستباحوها حتى صارت ~~بينهم شرعا متعارفا وكان طيب المطعم محثوثا عليه لا سيما في الصوم ~~فنهى عن بعض أسباب تحصيل المال أعم من أن تكون رشوة أو غيرها فقال: { ولا ~~تأكلوا } أي يتناول بعضكم مال بعض، ولكنه عبر بالأكل لأنه المقصد الأعظم ~~من المال. # ولما كان المال ميالا يكون في يد هذا اليوم وفي يد غيره غدا فمن صبر ~~وصل إليه ما كتب له مما في يد غيره بالحق ومن استعجل وصل إليه بالباطل ~~فحاز السخط ولم ينل أكثر مما قدر له قال: { أموالكم } وقال: { بينكم } ~~تقبيحا لهذه المعصية وتهييجا على الأمر بالمعروف { بالباطل } وهو ما لم ~~يأذن به الله بأي وجه كان سواء كان بأصله أو بوصفه. # ولما كان من وجوه أكله بالباطل التوصل بالحاكم بحجة باطلة يعجز الخصم عن ~~دفعها كما قال صلى الله عليه وسلم: # " ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على حسب ما أسمع منه، ~~فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فإنما أقطع له قطعة من النار " # فيكون الإثم خاصا بالأكل دون الحاكم عطف عليه ما يشاركه فيه الحاكم ~~فقال عاطفا على { تأكلوا } { وتدلوا } أي ولا تتواصلوا في خفائها { بها ~~إلى الحكام } بالرشوة العمية للبصائر، من الإدلاء. قال الحرالي وهو من ~~معنى إنزال الدلو خفية في البئر ليستخرج منه ماء فكأن الراشي يدلي دلو ~~رشوته للحاكم خفية ليستخرج جوره ليأكل به مالا - انتهى. { لتأكلوا ~~فريقا } أي شيئا يفرق بينه وبين صاحبه { من أموال الناس } من أي طائفة ~~كانوا { بالإثم } أي الجور العمد، ومن مدلولاته الذنب وأن يعمل ما لا يحل ~~{ وأنتم } أي والحال أنكم { تعلمون * } أي من أهل العلم ms0377 مطلقا فإن ~~الباطل منهم أشنع ويلزم منه العلم بأن ذلك التوصل لا يفيد الحل، ولعله ~~إيماء إلى جواز التوصل إلى ماله عند جاحد لم يجد طريقا إلى خلاصه إلا ~~ذلك. وقال الحرالي في مناسبة هذه الآية لما قبلها: لما كان منزل القرآن ~~لإقامة الأمور الثلاثة التي بها قيام المخاطبين به وهو صلاح دينهم وهو ما ~~بين العبد وربه من عمل أو إلقاء بالسلم إليه وإصلاح دنياهم وهو ما فيه ~~معاش المرء وإصلاح آخرتهم وهو ما إليه معاده كان لذلك منزل القرآن مفصلا ~~بأحكام تلك الأمور الثلاثة فكان شذرة للدين وشذرة للدنيا وشذرة للآخرة، ~~فلما كان في صدر هذا الخطاب # يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا # [البقرة: 168] وهو خطاب للملوك ومن تبعهم من رؤساء القبائل ومن تبعهم ~~انتظم به بعد ذلك حكم من أحكام أهل العلم ومن تبعهم في قوله تعالى: # إن الذين يكتمون # [البقرة: 159]، ثم انتظم به ذكر الوصية من أهل الجدة، ثم انتظم به ذكر ~~أحوال الرشى من الراشي والمرتشي، ليقع نظم التنزيل ما بين أمر في الدين ~~ونهي في الدنيا ليكون ذلك أجمع للقلب في قبول حكم الدنيا عقب حكم الدين ~~ويفهم حال المعاد من عبرة أمر الدنيا، فلذلك تعتور الآيات هذه المعاني ~~ويعتقب بعضها لبعض ويتفصل بعضها ببعض، كما هو حال المرء في يومه وفي مدة ~~عمره حيث تعتور عليه أحوال دينه ودنياه ومعاده، يطابق الأمر الخلق في ~~التنزيل والتطور - انتهى. ### || [2.189-192] # ولما أتم سبحانه وتعالى البيان لما أراده مما شرعه في شهر الصوم ليلا ~~ونهارا وبعض ما تبع ذلك وكان كثير من الأحكام يدور على الهلال لا سيما ~~أحد قواعد الإسلام الحج الذي هو أخو الصوم وكانت الأهلة كالحكام توجب ~~أشياء وتنفي غيرها كالصيام والديون والزكوات وتؤكل بها الأموال حقا أو ~~باطلا وكان ذكر الشهر وإكمال العدة قد حرك العزم للسؤال عنه بين ذلك ~~بقوله تعالى: { يسئلونك } وجعل ذلك على طريق الاستئناف جوابا لمن كأنه ~~قال: هل سألوا عن الأهلة؟ فقيل: نعم، وذلك ms0378 لتقدم ما يثير العزم إلى ~~السؤال عنها صريحا فكان سببا للسؤال عن السؤال عنها، وكذا ما يأتي من ~~قوله # يسئلونك ماذا ينفقون # [البقرة: 215] # يسئلونك عن الشهر الحرام # [البقرة: 217] # يسئلونك عن الخمر والميسر # [البقرة: 219] بخلاف ما عطف على ما قبله بالواو كما يأتي، وسيأتي إن شاء ~~الله تعالى في سورة الأنعام ما ينبغي من علم النجوم وما لا ينبغي { عن ~~الأهلة } أي التي تقدم أنه ليس البر تولية الوجه قبل مشارقها ومغاربها: ~~ما سبب زيادتها بعد كونها كالحظ أو الخيط حتى تتكامل وتستوي ونقصها بعد ~~ذلك حتى تدق وتنمحق؟ قال الحرالي: وهي جمع هلال وهو ما يرفع الصوت عند ~~رؤيته فغلب على رؤية الشهر الذي هو الهلال - انتهى. # ولما كان كأنه قيل: ما جوابهم؟ قيل: { قل } معرضا عنه لما لهم فيه من ~~الفتنة لأنه ينبني على النظر في حركات الفلك وذلك يجر إلى علم تسيير ~~النجوم وما يتبعه من الآثار التي تقود إلى الكلام في الأحكام المنسوبة ~~إليها فتستدرج إلى الإلحاد وقد ضل بذلك كثير من الأمم السالفة والقرون ~~الماضية فاعتقدوا تأثيرها بذواتها وقد قال عليه الصلاة والسلام ناهيا عن ~~ذلك لذلك: # " من اقتبس علما من النجوم اقتبس بابا من السحر زاد ما زاد " # أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما؛ وقال ~~علي رضي الله تعالى عنه: " من طلب علم النجوم تكهن " مرشدا سبحانه ~~وتعالى إلى ما فيه صلاحهم: { هي مواقيت } جمع ميقات من الوقت وهو الحد ~~الواقع بين أمرين أحدهما معلوم سابق والآخر معلوم به لاحق. وقال ~~الأصبهاني: والفرق بين الوقت والمدة والزمان أن المدة المطلقة امتداد ~~حركة الفلك من مبدئها إلى الزمان، والزمان مدة مقسومة، والوقت الزمان ~~المفروض لأمر ما. { للناس } في صومهم كما تقدم ومعاملاتهم ليعلموا عدد ~~السنين والحساب { والحج } صرح به لأنه من أعظم مداخلها. قال الحرالي: وهو ~~حشر العباد إلى الموقف في شهور آخر السنة، فهو أمر ديني مشعر بختم الزمان ~~وذهابه لما فيه من آية المعاد - انتهى. # ولما كانوا ms0379 قد اعتادوا في الحج فعلا منكرا وكان ترك المألوفات أشق شيء ~~على النفوس، ولذلك قال أهل الطريق وسادات أهل التحقيق: ملاك القصد إلى ~~الله تعالى خلع العادات واستجداد قبول الأمور المنزلات من قيوم السماوات ~~والأرض، وبذلك كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم سادات أهل الإسلام، قال ~~تعالى عاطفا على { ليس البر } مقبحا لذلك الفعل عليهم منبها على أنهم ~~عكسوا في سؤالهم كما عكسوا في فعالهم، ويجوز أن يكون معطوفا على حال دل ~~عليها السياق تقديرها: والحال أنه ليس البر سؤالكم هذا عنها { وليس البر ~~} وأكد النفي بزيادة الباء في قوله: { بأن تأتوا البيوت } أي لا الحسية ~~ولا المعنوية { من ظهورها } عند القدوم من الحج أو غيره كما أنه ليس البر ~~بأن تعكسوا في مقالكم بترك السؤال عما يعنيكم والسؤال عما لا يعنيكم بل ~~يعنيكم. # ولما نفي البر عن ذلك كما نفي في الأول استدرك على نهج الأول فقال: ولكن ~~البر } قال الحرالي: بالرفع والتخفيف استدراكا لما هو البر وإعراضا عن ~~الأول، وبالنصب والتشديد مع الالتفات إلى الأول لمقصد طرحه - انتهى. { من ~~اتقى } فجعل المتقي نفس البر إلهابا له إلى الإقبال على التقوى لما كانت ~~التقوى حاملة على جميع ما مضى من خلال الإيمان الماضية اكتفى بها. ولما ~~كان التقدير: فاتقوا فلا تسألوا عما لا يهمكم في دينكم عطف عليه: { وأتوا ~~البيوت من أبوابها } حسا في العمل ومعنى في التلقي، والباب المدخل للشيء ~~المحاط بحائط يحجزه ويحوطه - قاله الحرالي. وتقدم تعريفه له بغير هذا. # ولما كان الأمر بالتقوى قد تقدم ضمنا وتلويحا أتى به دالا على عظيم ~~جدواها ذكرا وتصريحا دلالة على التأكيد في تركهم تلك العادة لاقتضاء ~~الحال ذلك لأن من اعتاد شيئا قل ما يتركه وإن تركه طرقه خاطره وقتا ما ~~فقال: { واتقوا الله } أي الملك الأعظم في كل ما تأتون وما تذرون ووطنوا ~~النفوس واربطوا القلوب على أن جميع أفعاله تعالى حكة وصواب من غير اختلاج ~~شبهة ولا اعتراض شك في ذلك حتى لا يسأل عنه لما في ms0380 السؤال من الإيهام ~~بمفارقة الشك، ثم علله بقوله: { لعلكم تفلحون * } أي لتكون حالكم حال من ~~يرجى دوام التجدد لفلاحه وهو ظفره بجميع مطالبه من البر وغيره، فقد دل ~~سياق لآية على كراهة هذا السؤال؛ وذكر الحرالي أن أكثر ما يقع فيه سؤال ~~يكون مما ألبس فتنة أو شرب محنة أو أعقب بعقوبة ولذلك قال تعالى: # لا تسألوا عن أشياء # [المائدة: 101] وكره رسول الله صلى الله عليه وسلم المسائل وعابها وقال: # " دعوني ما تركتكم فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم " # الحديث ومنه كره الرأي وتكلف توليد المسائل لأنه شغل عن علم التأصيل ~~وتعرض لوقوعه كالذي سأل عن الرجل يبتلي في أهله فابتلى به، ويقال: كثرة ~~توليد مسائل السهو أوقع فيه. # وقال: وهذه الآية كالجامعة الموطئة لما ذكر بعدها من أمر توقيت القتال ~~الذي كانوا عليه كما كان من أمر الجاهلية حكم التحرج من القتال في الأشهر ~~الحرم والتساهل فيه في أشهر الحل مع كونه عدوى بغير حكم حق فكان فيه عمل ~~بالفساد وسفك الدماء - انتهى وفيه تصرف. فمحا سبحانه ما أصلوه من ذلك بما ~~شرعه من أمر القتال لكونه جهادا فيه لحظ من حظوظ الدنيا. # ولما ذكر سبحانه الحج في هذه السورة المدنية وكان سبيله إذ ذاك ممنوعا ~~عن أهل الإسلام بأهل الحرب الذين أخرجوهم من بلدهم ومنعوهم من المسجد ~~الذي هم أحق به من غيرهم وكان الحج من الجهاد وكان كل من الصوم والجهاد ~~تخليا من الدنيا # " سياحة أمتي الصوم، ورهبانية أمتي الجهاد " # وكانت أمهات العبادات موقتة وهي الصلاة والزكاة والصوم والحج وغير موقتة ~~وهي الذكر والجهاد وهو قتال أهل الحرب خلافا لما كان عند أهل الجاهلية ~~من توقيته مكانا بغير الحرم وزمانا بغير الأشهر الحرم وكان القتال في ~~الأشهر الحرم وفي الحرم في غاية المنع فكيف عند المسجد وكان سبحانه قد ~~ذكر العبادات الموقتة أتبعها بغير الموقتة وهي الجهاد الذي هو حظيرة ~~الموقتة الذي لا سلامة لها بدونه التفاتا إلى الظالمين بالمنع عن المسجد ~~الحرام والإخراج منه فأمر ms0381 بأن يفعل معهم مثل ما فعلوا من القتال والإخراج ~~فعل الحكيم الذي يوصي بالشيء العظيم فهو يلقيه بالتدريج في أساليب ~~البلاغة وأفانين البيان تشويقا إليه وتحريضا عليه بعد أن أشار لأهل هذا ~~الدين أولا بأنه يخزي ظالميهم وثانيا بأن المقتول منهم حي يرزق وثالثا ~~بمدحهم على الصبر في مواطن البأس بأنهم الذين صدقوا وأنهم المتقون فلما ~~شوقهم إلى جهاد أهل البغي والعناد ألزمهم القتال بصيغة الأمر لتيسير باب ~~الحج الذي افترضه وسبيله ممنوع بأهل الحرب فقال تعالى وقيل: إنها أول آية ~~نزلت في القتال، قاله الأصبهاني: { وقاتلوا في سبيل الله } أي الذي لا ~~كفوء له إشعارا بذكره على سبيل الإطلاق بعد الموقت بالهلال إلى أنه غير ~~موقت به. قال الحرالي: من حيث إنه حظيرة على دين الإسلام المقيد ~~بالمواقيت من حيث إن الإسلام عمل يقيده الوقت، والدفع عنه أمر لا يقيده ~~وقت بل أيان طرق الضر لبناء الإسلام دفع عنه كما هو حكم الدفع في الأمور ~~الدينية، فكانت الصلاة لمواقيت اليوم والليلة، والصوم والحج لمواقيت ~~الأهلة، والزكاة لميقات الشمس، والجهاد لمطلق الميقات حيث ما وقع من مكان ~~وزمان ناظرا بوجه ما لما يقابله من عمود الإسلام الذي هو ذكر كلمة ~~الإخلاص وهي لا إله إلا الله على الدوام # يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا # [الأحزاب: 41] # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # [التوبة: 5] انتهى. وقال { الذين يقاتلونكم } أي من شأنهم قتالكم لا من ~~ليس شأنه ذلك كالصبيان؛ وفيه إشعار بأن القتال عن سبب المقاتلة فهو مما ~~يفعل عن سبب لا مما يفعل لوقت، وصيغة المضارع لم يقصد بها إلا صدور الفعل ~~من غير نظر إلى زمان مخصوص كما قالوه في أمثاله. # ولما كان الله سبحانه وتعالى قد أوجب العدل في كل شيء حتى في حق أعدائه ~~قال: { ولا تعتدوا } فنظم ذلك ابتداء القتال لمن لم يبح له ابتداءه به ~~إما بعهد أو بغير دعوة لمن لم يبلغه أمر الدين أو بغير ذلك من أنواع ~~الخيانة والغدر وقتل النساء والصبيان والشيوخ الفانين ms0382 الذين لا منعة فيهم ~~ولا رأي لهم، ودوام القتال لمن ألقى السلم بعد الابتداء به، فحذف المتعلق ~~اختصارا فأفاد زيادة المعنى وهو من غريب أفانين البلاغة وكأنه أفهم ~~بصيغة الافتعال التقييد بالتعمد، ثم علل ذلك بقوله: { إن الله } أي لما ~~له من صفات الكمال { لا يحب المعتدين * } مطلقا في هذا وغيره، أي لا ~~يفعل بهم من الخير فعل المحب. # ولما حرم الاعتداء صرح بإباحة أصل القتال فقال: { واقتلوهم } أي الذين ~~يقاتلونكم { حيث ثقفتموهم } أي وجدتموهم وأنتم تطمعون في أن تغلبوا أو ~~حيث تمكنتم من قتلهم - قاله الأصبهاني، لأنه من ثقف بالضم ثقافة إذا صلب ~~وثقف أي بالكسر كذلك، وأيضا صار حاذقا فطنا، وثقفت الشيء ثقفا إذا ~~أخذته والشيء صادفته - قاله ابن القطاع. وقال الأصبهاني: والثقف وجوده ~~على وجه الأخذ والغلبة، وأطلق الوجدان فشمل الحل والحرم من الزمان ~~والمكان لأنهم كذلك يفعلون بالمسلمين، كانوا يؤذونهم ويفتنونهم عند البيت ~~في كل وقت؛ وفي التعبير بالفعل ما يشعر بالنصر بحزب الله وبشرى بضعف ~~العدو عن مداومة المقاومة للمجاهدين وقد ظهرت التجربة مثل ذلك وأقله أنهم ~~إذا فروا لم يكروا. # ولما كانت الآية ناظرة إلى قصاص قال: { وأخرجوهم } أي فإن لم يقاتلوكم { ~~من حيث أخرجوكم } أي مكة التي هي موطن الحج والعمرة ومحل الشعائر ~~المقصودة لأهل الإسلام. ولما كان هذا مشعرا بأنهم لم يكن منهم إليهم ~~قتال في مكة لغير الأذى المحوج إلى الخروج من الديار على أن التقدير: فإن ~~الإخراج من السكن أشد فتنة وقد فتنوكم به، فعطف عليه قوله: { والفتنة } ~~أي العذاب بالإخراج أو غيره من أنواع الإخافة { أشد } تليينهم للإسلام { ~~من القتل } أعم من أن يكون المراد من قتلكم إياهم في الحرم أو غيره أو ~~قتلهم إياكم أو غير ذلك لما فيه من مواصلة الغم القابض للنفس عن ~~مراداتها، فلذلك سوغنا لكم قتلهم قصاصا بسبب إخراجكم، فكان المراد ~~بالذات إخراجهم لتمكن الحج والاعتمار ولكنه لما لم يمكن إلا بقتالهم ~~وقتلهم أذن فيهما وقد كشف الواقع في أمر: عكرمة بن أبي جهل ms0383 وصفوان بن ~~أمية وعبد الله بن أبي ربيعة أن الإخراج من مكة لينهم للإسلام أكثر من ~~تليين القتل فإنهم أسلموا لما أشرفوا على فراق مكة بظهور الإسلام فيها ~~ولم يسلم أحد من قريش خوفا من القتل، فلكون السياق لإخراجهم عبر هنا ~~أشد. # ولما كان الإذن في الإخراج مستلزما في العادة للقتال وكان قد أذن في ~~الابتداء به حيث ثقفوا خصص ذلك فقال ناظرا إلى المقاصة أيضا ومشيرا ~~إلى ما سيقع في غزوة الفتح المشار إليها بقوله بعد # وكفر به والمسجد الحرام # [البقرة: 217] { ولا تقاتلوهم } أي هؤلاء الذين أذن لكم في إخراجهم { ~~عند المسجد الحرام } أي الحرم إذا أردتم إخراجهم فمانعوكم { حتى يقاتلوكم ~~فيه } أي في ذلك الموضع الذي هو عند المسجد، وكأنه عبر بفيه في الثاني ~~وعند في الأول والمراد الحرم في كل منهما كفا، عن القتال فيه مهما وجد ~~إلى الكف سبيل تعظيما له وإجلالا لمحله لأنه موضع للصلاة التي أعظم ~~مقاصدها السجود لا لغيره فضلا عن القتال. { فإن قاتلوكم } أي في ذلك ~~المكان { فاقتلوهم } أي لا تقصروا على مدافعتهم بل اصدقوهم في الضرب ~~المجهز ولا حرج عليكم من جهة المسجد فإن الانتهاك لحرمته منسوب إلى ~~البادىء، وفي التعبير بالفعل في جواب المفاعلة في قراءة الجمهور أو الفعل ~~في قراءة حمزة والكسائي بشارة بنصرة المبغي عليه وقوة إدالته، ولما كان ~~هذا مفهما أنه خاص بهم عمم بقوله: { كذلك } أي مثل هذا الفعل العظيم ~~الجدوى { جزاء الكافرين * } كلهم. # ولما كان النزوع بعد الشروع لا سيما حالة الإشراف على الظفر عسرا على ~~الأنفس الأبية والهمم العلية قال: { فإن انتهوا } أي عن القتال ومقدماته، ~~وفيه إشعار بأن طائفة منهم تنتهي فإن العالم بكل شيء لا يعبر بأداة الشك ~~إلا كذلك. ولما كان التقدير: فكفوا عنهم ولا تعرضوا لهم فإن الله قد غفر ~~لهم علله بأمر عام فقال: { فإن الله } أي المحيط بجميع صفات الكمال { ~~غفور رحيم * } أي له هاتان الصفتان أزلا وأبدا فكل من تاب فهذا شأنه ~~معه. ### || [2.193-196] # ولما كان المراد ms0384 بما مضى من قتالهم كف أذاهم بأي فعل كان حققه بقوله: { ~~وقاتلوهم } أي هؤلاء الذين نسبناهم إلى قتالكم وإخراجكم وفتنتكم أعم من ~~أن يكونوا كفارا أو لا { حتى لا تكون فتنة } أي توجد فتنة بأن لا يقدروا ~~أن يؤذوا أحدا من أهل الإسلام ليردوه عن دينه أو يخرجوه من داره أو ~~يخلعوه من ماله أو يغلبوه على حقه، فقتال كل من وقع منه ذلك كفرا أو ~~بغيا في سبيل الله حتى يفيء إلى أمر الله { ويكون الدين } أي الطاعة ~~والعبادة. ولما كان هذا في أوائل ما بعد الهجرة قبل أن يروا من نصر الله ~~لهم ما يقوي عزائمهم أعراه من التأكيد فقال: { الله } أي الذي لا كفوء له ~~خاصا به بأن يكون أمر المسلمين ظاهرا، ليس للشيطان فيه نصيب، لا يقدر ~~أحد من أهل الكفر ولا أهل البغي على التظاهر بأذى أحد منهم، وذلك بأن لا ~~يبقى مشرك أصلا ولا يبقى كتابي إلا ألزم الصغار بالجزية، والحكمة في ~~إبقائهم دون المشركين أن لهم كتبا أمهلوا لحرمتها ولينظروا فيها فيقفوا ~~على الحق منها فإنها وإن كانت قد وقع فيها التحريف قد بقي فيها ما يهدي ~~الموفق لأنها لم يعمها التحريف، وأما أهل الأوثان فليس لهم ما يرشدهم إلى ~~الحق فكان إمهالهم زيادة في شركهم مقطوعا بها من غير فائدة تنتظر. قال ~~الحرالي: ففي طيه إشعار بما وقع وهو واقع وسيقع من قتال طائفة الحق ~~لطائفة البغي سائر اليوم المحمدي بما تخلص من الفتنة ويخلص الدين لله ~~توحيدا ورضى وثباتا على حال السلف الصالح وزمان الخلافة والنبوة - ~~انتهى. { فإن انتهوا } أي كلفوا أنفسهم الرجوع عما استوجبوا به القتال ~~فقد تركوا الظلم، والنهي قال الحرالي الحكم المانع من الفعل المترامي ~~إليه بمنزلة أثر العقل المسمى نهى لمنعه عما تهوي إليه النفس مما يستبصر ~~فيه النهى، قال عليه الصلاة والسلام: # " ليليني منكم أولو الأحلام والنهى " # فمن لم يكن من أهل النهى كان نهاه النهى وهو الحكم المذكور - انتهى. { ~~فلا عدوان } أي فلا سبيل يقع ms0385 فيه العدو الشديد للقتال عليهم، فإنه لا ~~عدوان { إلا على الظالمين * } قال الحرالي: فذكر الظلم الشامل لوجوه ~~إيقاع الأمر في غير موضعه من أعلى الدين إلى أدناه - انتهى. ويجوز أن ~~يكون التقدير: فإن انتهوا عن الشرك فقد انتفى عنهم اسم الظلم فلا تعتدوا ~~عليهم، فإن اعتديتم عليهم سلطانا عليكم لظلمكم لهم من يعتدي عليكم، فإنه ~~لا عدوان إلا على الظالمين الذين دخلتم في مسماهم وخرجوا من مسماهم ~~بالانتهاء، فلا عدوان إلا عليكم لا عليهم، ومعنى العدوان القتال بغاية ~~العدو والشدة والعزم. # ولما أباح تعالى القتال في كل مكان حتى في الحرم وكان فعله في الأشهر ~~الحرم عندهم شديدا جدا ثار - العزم للسؤال عنه فقال معلما لهم ما ~~يفعلون في عمرة القضاء إن احتاجوا على وجه عام: { الشهر الحرام } وهو ذو ~~القعدة من سنة سبع إن قاتلتموهم فيه لكونهم قاتلوكم في شهر حرام { بالشهر ~~الحرام } الذي قاتلوكم فيه وهو ذو القعدة سنة ست حيث صدوكم فيه عن عمرة ~~الحديبية. ولما أشعر ما مضى بالقصاص أفصح به على وجه أعم فقال: { ~~والحرمات } أي كلها وهي جمع حرمة وهي ما يحفظ ويرعى ولا ينتهك { قصاص } ~~أي تتبع للمساواة والمماثلة { فمن } أي فتسبب عن هذا أنه من { اعتدى ~~عليكم } أي تعمد أذاكم في شيء من الأشياء في أي زمان أو مكان كان { ~~فاعتدوا عليه } أي فجاوزوه، سمي اعتداء مشاكلة تقوية لعزائمهم وتوطينا ~~لهممهم أي افعلوا وإن سماه المتعنت بغير ما يحق له { بمثل ما اعتدى } أي ~~عدوانه { عليكم } أي بمثل الذي اعتدى عليكم به، ولعله أعاد الظرف وإن ~~أفهمه الأول لدفع تعنت من لعله يقول: الكلام شامل لاعتدائه علي وعلى غيري ~~فلي أن أقابله بأعلى ما وقع له من ذلك، لأن المراد ردعه ولو لم يرد الحكم ~~هذا لقيد بما ينفيه. ولما جعل المماثلة حدا وكان أمرها خفيا والوقوف ~~عنده بعد استرسال النفس بإرسالها صعبا حذر من تعديه بعد الإذن في القصاص ~~الذي جر أغلبه بتسميته اعتداء على وجه نادب إلى العفو للمستبصر فقال: ms0386 { ~~واتقوا الله } أي المحيط علما بكل شيء بالتحري في القصاص حتى لا ~~تتجاوزوا { واعلموا } وأظهر ولم يضمر لئلا يقيد بالتقوى في باب الاعتداء ~~مثلا فقال: { أن الله } أي الذي له جميع صفات الكمال معكم إن اتقيتم ~~بالتحري فيه أو بالعفو فإن الله { مع المتقين * } ومن كان الله معه أفلح ~~كل الفلاح " وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا ". قال الحرالي: ففي ضمنه ~~إشعار وتطريق لمقصد السماح الذي هو خير الفضائل من وصل القاطع والفعو عن ~~الظالم، ولما كان في هذه التقوى خروج عن حظ النفس أعلمهم أنه تعالى يكون ~~عوضا لهم من أنفسهم بما اتقوا وداوموا على التقوى حتى كانت وصفا لهم ~~فأعلمهم بصحبته لهم - انتهى. # ولما كانت النفقة من أعظم دعائم الجهاد وكان العيش في أول الإسلام ضيقا ~~والمال قليلا فكان ذلك موجبا لكل أحد أن يتمسك بما في يده ظنا أن في ~~التمسك به النجاة وفي إنفاقه الهلاك أخبرهم أن الأمر على غير ما يسول به ~~الشيطان من ذلك # الشيطان يعدكم الفقر # [البقرة: 268] وقال الحرالي: ولمكان ما لزم العفو من العز الذي جاء على ~~خلاف غرض النفس نظم به تعالى ما يجيء على خلاف مدرك الحس في الإنفاق الذي ~~يحصل به الزكاء والنماء، وأيضا لما أسس تعالى حكم الجهاد الذي هو أشق ~~الأعمال على النفس نظم به أمر الجود والإنفاق الذي هو أشق منه على ~~الأنفس، ومن حيث إن القتال مدافعة يشتمل على عدة وزاد لم يكن أمره يتم ~~إلا بأعمال الغريزتين: الشجاعة والجود، ولذلك كان أشد الآفات في الدين ~~البخل والجبن، انتهى - فقال تعالى: { وأنفقوا } وأظهر ولم يضمر إظهارا ~~للاعتناء بأمر النفقة ولئلا يقيد بحيثية من الحيثيات فقال: { في سبيل ~~الله } أي الملك الذي كل شيء تحت قهره كما قال: # وقاتلوا في سبيل الله # [البقرة: 190] وهو كل ما أمر به الله وإن كان استعماله في الجهاد أكثر، ~~أي ولا تخافوا العيلة والضيعة فإن الله ربكم هو الذي أمركم بذلك # والله يعدكم مغفرة منه وفضلا # [البقرة: 265] قال الحرالي: ms0387 فالنظر للأموال بإنفاقها لا بإصلاحها ~~وإثباتها فانتظم الخطابان ما في العفو من العز وما في الإنفاق من النماء، ~~وأكد ذلك بالإعلام بما لا تصل إليه مدارك الأنفس من أن إصلاح الأموال ~~وإمساكها تهلكة - انتهى. فقال تعالى: { ولا تلقوا بأيديكم } أي تسرعوا ~~بوضعها إسراع من يلقي الشيء بعدم الإنفاق { إلى التهلكة } من الهلاك وهو ~~تداعي الشيء إلى أن يبطل ويفنى فإن في ذلك الإخلاد إلى الدعة والتواكل ~~فيجترىء عليكم العدو فلا يقوم لكم قائمة فإن البخل أسرع شيء إلى الهلاك، ~~وهي تفعلة بضم العين مصدر هلك، وقيل: إنه لا ثاني له في كلامهم، وحقيقة ~~أوقع الإلقاء لما ينفعه من نفسه وغيرها بيده أي بنفسه فجعل التهلكة آخذة ~~بها مالكة لصاحبها. وقال الحرالي: إحاطة الخطاب تقتضي أن التهلكة تضييع ~~القتال والإنفاق اللذين بتركهما تقع الاستطالة على مبنى الإسلام فيتطرق ~~إلى هدمه، ولما كان أمر الإنفاق أخص بالأنصار الذين كانوا أهل الأموال ~~لتجرد المهاجرين عنها كان في ضمنه أن أكثر فصل الخطاب فيه للأنصار - ~~انتهى. وقد روى أبو داود والترمذي - وهذا لفظه وقال: حسن صحيح - والنسائي ~~عن أبي أيوب رضي الله تعالى عنه: " إنما نزلت هذه الآية فينا معشر ~~الأنصار لما أعز الله الإسلام وكثر ناصروه وقال بعضنا لبعض سرا دون رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: إن أموالنا قد ضاعت، فلو أقمنا في أموالنا! ~~فأنزل الله هذه الآية، فكانت التهلكة الإقامة على الأموال وإصلاحها ~~وتركنا الغزو " وروى البخاري في التفسير عن حذيفة رضي الله تعالى عنه { ~~وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } قال: نزلت في ~~النفقة ". # ولما كانت التوسعة في أمر القتال قد تجر إلى الاعتداء فختمه بالنهي عنه ~~وبأن الله لا يحب المعتدين وكانت التوسعة في الإنفاق في سبيل الله من ~~أعلى خلال الإيمان قال تعالى: { وأحسنوا } أي أوقعوا الإحسان على العموم ~~بما أفهمه قصر الفعل وترك المتعلق بالإكثار من الإنفاق وظنوا بالله الحسن ~~الجميل، وأظهر من غير إضمار لطول الفصل ولنحو ما تقدم { إن الله } الملك ~~العظيم ms0388 { يحب المحسنين } أي يفعل معهم كل ما يفعله المحب مع من يحبه من ~~الإكرام والإعلاء والنصر والإغناء وغير ذلك من جميع ما يحتاجه كما أنه لا ~~يحب المعتدين. # قال الحرالي: فانتظم ختم الخطابين بأن لا يقع الاعتداء في القتل وأن يقع ~~الإحسان في المال، وفي إشعاره حض الأنصار على إنفاق أموالهم يتلون به حال ~~المهاجرين في التجرد عنها، فكما كان أمر المهاجرين أن لا ينقضوا الهجرة ~~كان أمر الأنصار أن لا يلتفتوا إلى الدنيا، فما خرج المهاجرون عن أصله ~~خرج الأنصار عند التمسك به عن وصفه، فكان إعراضهم تابعا لترك المهاجرين ~~أموالهم. # ولما ختم آيات القتال بالنفقة في سبيل الله لشدة حاجة الجهاد إليها وكان ~~سبيل الله اسما يقع على الحج كما يقع على الجهاد كما ورد في الحديث # " الحج من سبيل الله " # رجع إلى الحج والعمرة المشير إليهما # مثابة للناس # [البقرة: 125] و # إن الصفا والمروة # [البقرة: 158] الآية، و { مواقيت للناس والحج } ولا سيما وآيات القتال ~~هذه إنما نظمت ههنا بسببهما توصيلا إليهما وبعضها سببه عمرة الحديبية ~~التي صد المشركون عنها، فكان كأنه قيل: مواقيت للناس والحج فحجوا ~~واعتمروا أي تلبسوا بذلك وإن صددتم عنه وقاتلوا في سبيل الله من قاتلكم ~~في وجهكم ذلك لينفتح لكم السبيل، ولما كان ذلك بعد الفتح ممكنا لا صاد ~~عنه عبر بالإتمام فقال: { وأتموا * } أي بعد فتح السبيل بالفتح { الحج ~~والعمرة } بمناسكهما وحدودهما وشرائطهما وسننهما. ولما تقدم الإنفاق في ~~سبيل الله والقتال في سبيل الله نبه هنا على أن ذلك كله إنما هو لتقام ~~العبادات التي هي مبنى الإسلام له سبحانه وتعالى فقال: { لله } الملك ~~الذي لا كفوء له أي لذاته، ولم يضمر لئلا يتقيد بقيد. # ولما كان سبحانه وتعالى قد أعز هذه الأمة إكراما لنبيها صلى الله عليه ~~وسلم فلا يهلكها بعامة ولا يسلط عليها عدوا من غيرها بل جعل كفارة ~~ذنوبها في إلقاء بأسها بينها أومأ إلى أنه ربما يقطعها عن الإتمام قاطع ~~من ذلك بقوله بانيا للمفعول لأن الحكم دائر مع ms0389 وجود الفعل من غير نظر ~~إلى فاعل معين معبرا بأداة الشك إشارة إلى أن هذا مما يقل وقوعه: { فإن ~~أحصرتم } أي منعتم وحبستم عن إتمامها، من الإحصار وهو منع العدو المحصر ~~عن متصرفه كالمرض يحصره عن التصرف في شأنه - قاله الحرالي { فما } أي ~~فالواجب على المحصر الذي منع عن إكماله تلافيا لما وقع له من الخلل في ~~عملهما { استيسر } أي وجد يسرة على غاية السهولة حتى كأنه طالب يسر نفسه، ~~واليسر حصول الشيء عفوا بلا كلفة { من الهدي } إذا أراد التحلل من الحج ~~والعمرة من الإبل والبقر والغنم يذبحه حيث أحصر ويتصدق به وقد رجع حلالا ~~ولما كان الحاج هو الشعث التفل أشار إلى حرمة التعرض لشعره بقوله: { ولا ~~تحلقوا رؤوسكم } أي شعرها إذا كنتم محرمين بحج أو عمرة، من الحلق. # قال الحرالي: وهو إزالة ما يتأتى للزوال بالقطع من الآلة الماضية في ~~عمله، والرأس مجتمع الخلقة ومجتمع كل شيء رأسه - انتهى. { حتى يبلغ } من ~~البلاغ وهو الانتهاء إلى الغاية { الهدي } أي إن كان معكم هدي { محله } ~~أي الموضع الذي يحل ذبحه فيه، إن كنتم محصرين فحيث أحصرتم وإلا فعند ~~المروة أو في منى ونحوهما. قال الحرالي: والهدي ما تقرب به الأدنى للأعلى ~~وهو اسم ما يتخذ فداء من الأنعام بتقديمه إلى الله سبحانه وتعالى وتوجيهه ~~إلى البيت العتيق، وفي تعقيب الحلق بالهدي إشعار باشتراكهما في معنى واحد ~~وهو الفداء، والهدي في الأصل فداء لذبح الناسك نفسه لله سنة إبراهيم في ~~ولده عليهما الصلاة والسلام، وإزالة الشعر فداء من جزاء لرأس لله، ولذلك ~~لما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن تقديم أحدهما على الآخر قال: # " افعل ولا حرج " # ، لأن الجميع غاية بالمعنى الشامل للفداء - انتهى. # ولما كان الإنسان محلا لعوارض المشقة وكان الله سبحانه وتعالى قد وضع ~~عنا الآصار ببركة النبي المختار صلى الله عليه وسلم فجعل دينه يسرا قال: ~~{ فمن كان } وقيده بقوله: { منكم } أيها المحرمون { مريضا } يرجى له ~~بالحلق خير { أو به أذى } ولو قل، والأذى ما ms0390 تعلق النفس أثره { من رأسه } ~~بقمل أو غيره { ففدية } أي فعلية بحلق رأسه أو المداواة بما نهى المحرم ~~عنه فدية { من صيام } لثلاثة أيام { أو صدقة } لثلاثة آصع من طعام على ~~ستة مساكين، لأن الصدقة كما قال الحرالي عدل الصيام عند فقده كما تقدم. ~~ولليوم وجبتا فطر وسحور، لكل وجبة مدان فلكل يوم صاع { أو نسك } أي ~~تقرب بذبح شيء من الأنعام وهذه فدية مخيرة. # ولما كان الله سبحانه وتعالى بسعة حمله وعظيم قدرته وشمول علمه قد أقام ~~أسبابا تمنع المفسدين على كثرتهم من التمكن من الفساد أشار إلى ذلك ~~بأداة التحقيق بعد تعبيره عن الإحصار بأداة الشك فقال: { فإذا أمنتم } أي ~~حصلتم في الأمن فزال الإحصار والمرض، و بني الفعل هنا للفاعل إشارة إلى ~~أنه كأنه آت بنفسه تنبيها على أنه الأصل بخلاف الإحصار حثا على الشكر { ~~فمن تمتع } أي تلذذ باستباحة دخوله إلى الحرم بإحرامه في أشهر الحج على ~~مسافة القصر من الحرم { بالعمرة } ليستفيد الحل حين وصوله إلى البيت ~~ويستمر حلالا في سفره ذلك { إلى الحج } أي إحرامه به من عامة ذلك من مكة ~~المشرفة من غير رجوع إلى الميقات { فما } أي فعليه ما { استيسر } وجد ~~اليسر به { من الهدي } من النعم يكون هذا الهدي لأجل ما تمتع به بين ~~النسكين من الحل وهو مسافر، هذا للمتمتع وأما القارن فلجمعه بين النسكين ~~في سفر واحد وشأنهما أن يكونا في وقتين وقت حل ووقت حرم، وفي العبارة ~~إشعار بصحة إرداف الحج على العمرة لأنه ترق من إحرام أدنى إلى إحرام ~~أعلى. # ولما أفهم التقييد باليسر حالة عسر بينها بقوله: { فمن لم يجد } أي ~~هديا، من الوجد وهو الطول والقدرة { فصيام } أي فعليه بدل الهدي صيام { ~~ثلاثة أيام في الحج } أي في أيام تلبسه به فلا يصح قبله ويجب أن يكون قبل ~~يوم عرفة بحيث يكون فيه مفطرا، { و } صيام { سبعة } أي من الأيام { إذا ~~رجعتم } إلى بلادكم فلا تصح قبل الوصول، ولم يفرد ليفهم أن العبرة إمكان ~~الرجوع ms0391 لا حقيقة رجوعه، فلو أقام بمكة مثلا صام بها، ولو فاتته الثلاثة ~~في الحج فرق بينها وبين السبعة في الوطن بقدر مدة إمكان العود وزيادة ~~أربعة أيام التشريق والعيد ليحكي القضاء الأداء. قال الحرالي: فيكون ~~الصوم عدلا للهدي الذي يطعمه المهدي كما كان الإطعام عدلا للصوم في آية ~~{ وعلى الذين يطيقونه } انتهى. # ولما كان للتصريح مزية ليست لغيره قال: { تلك } أي العدة النفسية ~~المأمور بصومها { عشرة } دفعا لاحتمال أن تكون الواو بمعنى " أو " أو أن ~~يكون المراد بالسبع المبالغة دون الحقيقة وليحضر العدد في الذهن جملة كما ~~أحضره تفصيلا؛ والعشرة: قال الحرالي: معاد عد الآحاد إلى أوله. # ولما كان زمن الصومين مختلفا قال: { كاملة } نفيا لتوهم أن الصوم بعد ~~الإحلال دون ما في الإحرام، والكمال: قال الحرالي: الانتهاء إلى الغاية ~~التي ليس وراءها مزيد من كل وجه، وقال: فكما استوى حال الهدي في انتهائه ~~إلى الحرم أو الحل كذلك استوى حال الصوم في البلد الحرام والبلد الحلال ~~ليكون في إشارته إشعار بأن الأرض لله مسجد كما أن البيت الحرام لله مسجد ~~فأظهر معنى استوائهما في الكمال في حكم الأجر لأهل الأجور والقبول لأهل ~~القبول والرضاء لأهل الرضاء والوصول لأهل الوجهة كل عامل على رتبة عمله - ~~انتهى. ولو قال: تامة، لم يفد هذا لأن التمام قد يكون في العدد مع خلل ~~بعض الأوصاف. # ولما كان ربما وقع في الفكر السؤال عن هذا الحكم هل هو خاص أو عام ~~استأنف تخصيصه بمن هو غائب عن حرم مكة على مسافة القصر فقال: { ذلك } أي ~~الحكم المذكور العلي في نفعه الحكيم في وضعه { لمن لم يكن أهله } من ~~زوجته أو أقاربه أو سكان وطنه. وقال الحرالي: والأهل سكن المرء من زوج ~~ومستوطن { حاضري } على مسافة الحضر بأن يكون ساكنا في الحرم أو من الحرم ~~على دون مسافة القصر وكل من كان هكذا فهو حاضر من الحضور وهو ملازمة ~~الوطن لا على مسافة السفر من { المسجد الحرام } أي الحرم بل كان أهله على ~~مسافة الغيبة ms0392 منه وهي مسافة القصر. # قال الحرالي إفصاحا بما أفهمه معنى المتعة: وذلك لأن الله عز وجل إذا ~~تولى إبانة عمل أنهاه إلى الغاية في الإفصاح - انتهى. وعبر عن الحرم ~~بالمسجد إجلالا وتعظيما لما قرب من الحرم، كما عظم الحرم بقربه من ~~المسجد، وعظم المسجد بمجاورة الكعبة؛ لأنه جرت عادة الأكابر أن يكون ~~لبيوتهم دور، ولدورهم أفنية، وحول تلك الأفنية بيوت خواصهم؛ وأما حاضروه ~~فلا دم عليهم في تمتع ولا قران فرقا بين خاصة الملك وغيرهم. # ولما كثرت الأوامر في هذه الآيات وكان لا يحمل على امتثالها إلا التقوى ~~أكثر تعالى فيها من الأمر بها. قال الحرالي: لما تجره النفوس من مداخل ~~نقص في النيات والأعمال والتنقلات من الأحكام إلى أبدالها فما انبنى على ~~التقوى خلص ولو قصر - انتهى. ولما كان من الأوامر ما هو معقول المعنى ~~ومنها ما هو تعبدي وكان عقل المعنى يساعد على النفس في الحمل على امتثال ~~الأمر ناسب اقتران الأمر به بالترغيب كما قال: { واتقوا الله واعلموا أن ~~الله شديد العقاب } [البقرة: 196] ولما كان امتثال ما ليس بمعقول المعنى ~~من عند قوله: { وأتموا الحج والعمرة لله } [البقرة: 196] شديدا على ~~النفس مع جماحها عن جميع الأوامر ناسب اقترانه بالتهديد فكان ختامه ~~بقوله: { واتقوا } أي فافعلوا جميع ذلك واحملوا أنفسكم على التحري فيه ~~والوقوف عند حدوده ظاهرا وباطنا واتقوا { الله } أي اجعلوا بينكم وبين ~~غضب هذا الملك الأعظم وقاية، وأكد تعظيم المقام بالأمر بالعلم وتكرير ~~الاسم الأعظم ولئلا يفهم الإضمار تقييد شديد عقابه بخشية مما مضى فقال: { ~~واعلموا } تنبيها على أن الباعث على المخافة إنما هو العلم، { أن الله } ~~أي الذي لا يداني عظمته شيء { شديد العقاب } وهو الإيلام الذي يتعقب به ~~جرم سابق؛ هذا مع مناسبة هذا الختام لما بعده من النهي عن الرفث وما في ~~حيزه، ومن تدبر الابتداء عرف الختم ومن تأمل الختم لاح له الابتداء. قال ~~الأستاذ أبو الحسن الحرالي في كتاب المفتاح في الباب الخامس في تنزلات ~~القرآن بحسب الأسماء: اعلم أن خطاب ms0393 الله يرد بيانه بحسب أسمائه ويجمعها ~~جوامع أظهرها ما ترى آياته وهو اسمه الملك وما يتفصل إليه من الأسماء ~~القيمة لأمر الحكم والقضاء والجزاء نحو العزيز الحكيم الذي يختم به آيات ~~الأحكام # نكالا من الله والله عزيز حكيم # [المائدة: 38] ثم ما تسمع آياته من اسمه الرحمن الرحيم وما يتفصل من ~~الأسماء من معنى الرحمة المنبئة عن الصفح والمغفرة الذي تختم به آيات ~~الرحمة # ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما # [الأحزاب: 73] فلكل تفصيل في مورد وجهي العدل والفضل أسماء يختص به ~~بناؤها ولذلك قال عليه الصلاة والسلام ما لم يختم آية رحمة بعذاب أو آية ~~عذاب برحمة، ثم ما توجد آياته وجدانا في النفس وهي الربوبية وما ينتهي ~~إليه معنى سواء أمرها من # الحمد لله رب العالمين # [الفاتحة: 2] وما يتفصل إليه من الأسماء الواردة في ختم الإحاطات نحو { ~~الواسع العليم } ، فمن تفطن لذلك استوضح من التفصيل الختم واستشرح من ~~الختم التفصيل. وقد كان ذلك واضحا عند العرب فاستعجم عند المتعربين إلا ~~ما كان ظاهر الوضوح منه ولتكرار الأسماء بالإظهار والإضمار بيان متين ~~الإفهام في القرآن - انتهى. ### || [2.197-202] # ولما ذكر سبحانه وتعالى أن الحج موقت بالأهلة ولم يعين له وقتا من شهور ~~السنة وختم ذلك بالتفرقة في بعض أحكام الحج بسبب الأماكن تشوفت النفس إلى ~~تعيين وقته وأنه هل هو كالمكان أو عام الحكم فقال { الحج } أي وقته { ~~أشهر } فذكره بصيغة من جموع القلة الذي أدناه ثلاث وهي ثلاث بجر المنكسر: ~~شوال وذو القعدة وتسع من ذي الحجة وليلة العيد بدليل أنه يفوت بطلوع ~~الفجر يوم النحر؛ ولما أبهم عين فقال: { معلومات } أي قبل نزول الشرع ~~فأذن هذا أن الأمر بعد الشرع على ما كان عليه ولا شك أن في الإبهام ثم ~~التعيين إجلالا وإعظاما للمحدث عنه. # ولما ختم الآية التي قبلها بالتحذير من سطواته أمر بإخلاص الحج عن ~~الشوائب ناهيا بصيغة النفي تفخيما له وتأكيدا للنهي ولما كان الحج لا ~~يقع إلا فرضا قال: { فمن فرض } أي أوجب ms0394 بالإحرام، وهو من الفرض وهو الحز ~~في الشيء لينزل فيه ما يسد فرضته حسا أو معنى فمن تعظيمه سبحانه وتعالى ~~له أنه جعله دون سائر العبادات لا نفل فيه بعد التلبس به. قال الحرالي: ~~لأن الفرائض من لم يقمها تساقط عضوا عضوا قائم دينه كما أن النوافل من ~~لم يأت بها عري نم زينتها فكانت الفروض صحة والنوافل زينة. وفي قوله: { ~~فيهن } إشعار بصحة وقوع الحج في بعضهن وأن الحج ليس كالصوم طبق زمانه، ~~فكان من العبادات ما هو طبق زمانه كالصوم، وما يتسع فيه كالصلاة، وما لا ~~بد أن ينتهي إلى خاتمته كالحج وتقع التوسعة في الشروع - انتهى { الحج } ~~أي تلبس به كيف كان. # ولما كان في الإنسان قوى أربع: شهوانية بهيمية، وغضبية سبعية ووهمية ~~شيطانية تبعث مع مساعدة القوتين الأخريين على المنازعة والمغالبة في كل ~~شيء، وعقلية ملكية؛ وكان المقصود من جميع العبادات قهر القوى الثلاث لأن ~~منشأ الشرور كلها محصور فيها بالعقلية قال دالا عليها محذرا منها ~~مرتبة: { فلا رفث } أي مواجهة للنساء بشيء من أمور النكاح. ولما كان ~~الرفث هو داعيا إلى الوقاع الذي هو فسق بالخروج عن الإحرام الصحيح قال ~~ضاما إليه كل ما دخل في هذا الاسم: { ولا فسوق } قال الحرالي: هو الخروج ~~عن إحاطة العلم والعقل والطبع - انتهى. ولما كان المراء قد يجر إلى الفسق ~~بما يثير من الإحن وتوعير الصدور فكان فسقا خاصا عظيما ضرره قال: { ~~ولا جدال } أي مدافعة بالقول بفتل عن القصد كمدافعة الجلاد باليد أو ~~السيف ولعله عبر بهذا المصدر الذي شأنه أن يكون مزيدا دون الجدل الذي ~~معناه الدرء في الخصومة لأن ينصب النفي على المبالغة فيفهم العفو عن أصله ~~لأنه لا يكاد يسلم منه أحد، وكذا الحال في الفسوق { في الحج } فصار الفسق ~~واسطة بين أمرين جارين إليه والجدال لكونه قد يفسد ذات البين أعظمها ~~خطرا ويجمع ما في الرفث من الشهوة وقد يكون فسقا فقد اشتمل على قبائح ~~الكل؛ فلذلك أجمع القراء السبعة على بنائه مع ms0395 لا على الفتح دون ما قبله ~~لأن البناء دال على نفي الماهية ونفيها موجب لنفي جميع أفرادها، وأما ~~الرفع فإنما يدل على نفي فرد منكر من تلك الماهية وهو لا يوجب نفي جميع ~~الأفراد، ولأن العرب كانوا يبنون الحج على النسيء ويتخالفون فيه في ~~الموقف، فزال الجدال فيه بعد البيان بكل اعتبار من جهة الخدم والعيال ~~وغيرهم والنسيء والموقف وغيرهما من حيث إنه قد علمت مشاعره وتقررت شرائعه ~~وأحكمت شعائره وأوضحت جميع معالمه فارتفع النزاع أصلا في أمره. # قال الحرالي: فمنع في الحج من الإقبال على الخلق بما فيه كره من رفث ~~ومسابة وجدال حتى لا يقبل الخلق على الخلق في الحج إلا بما الإقبال فيه ~~إقبال على الحق بالحقيقة فما ينزه الحق تعالى عن مواجهته بما يتحامى مع ~~الخلق في زمن الحج كما تحومي ما يختص بالنفس من الأحداث في عمل الصلاة؛ ~~وفي وروده نفيا لا نهيا إعلام بأنه مناقض لحال الحج حين نفى لأن شأن ما ~~يناقض أن ينفى وشأن ما لا يناقض ويخالف أن ينهى عنه، كما قال فيما هو ~~قابل للجدال # ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن # [العنكبوت: 46] وبين خطاب النهي والنفي فوت في الأحكام الشرعية ينبني ~~الفقه في الأحكام على تحقيقه في تأصيلها والتفريع عليها - انتهى. # ولما كانت هذه المنفيات شرا وكان التقدير: فما فعلتم من هذه المنهيات ~~على هذا الوجه الأبلغ عوقبتم عليه عطف عليه: { وما } وقال الحرالي: ولما ~~حمي من سوء معاملة الخلق مع الخلق عرض بأن يوضع موضع ذلك الإحسان فيقع في ~~محل إخراج الأنفس أن يتودد إليها بإسداء الخير وهو الإحسان من خير ~~الدنيا، ففي إعلامه تحريض على إحسان الحج بعضهم لبعض لما يجمع وفده من ~~الضعيف والمنقطع فقال: وما { تفعلوا } انتهى. أي يوجد لكم فعله في وقت من ~~الأوقات { من خير } في الحج أو غيره بتوكل في تجرد أو تزود في تزهد أو ~~غير ذلك من القول الحسن عوض الرفث، والبر والتقوى مكان الفسق، والأخلاق ~~الجميلة واليسر والوفاق ms0396 مكان الجدال { يعلمه الله } الذي له جميع صفات ~~الكمال فيجازيكم عليه فهو أشد ترغيب وترهيب. # ولما عمم في الحث على الخير على وجه شامل للتزود وتركه بعد التخصيص أشار ~~إلى أن الخير هو الزاد على وجه يعم الحسي والمعنوي زيادة في الحث عليه إذ ~~لا أضر من إعواز الزاد لأكثر - العباد فقال: { وتزودوا } أي التقوى ~~لمعادكم الحاملة على التزود الحسي لمعاشكم الحامل على الزهد فيما في أيدي ~~الناس، و المواساة لمحتاجهم الواقية للعبد من عذاب الله # " اتقوا النار ولو بشق تمرة " # وذلك هو ثمرة التقوى؛ والزاد هو متعة المسافر. ثم علل ذلك بما أنتجه ~~بقوله { فإن خير } ، ويجوز أن يكون التقدير: وتزودوا واتقوا الله في ~~تزودكم { فإن خير الزاد التقوى } وفي التجرد مداخل خلل في بعض نيات ~~الملتبسين بالمتوكلين من الاتكال على الخلق، فأمر الكل بالتزود سترا ~~للصنفين، إذ كل جمع لا بد فيه من كلا الطرفين - قاله الحرالي وقال: وفي ~~ضمنه تصنيفهم ثلاثة أصناف: متكل لا زاد معه فمعه خير الزادين، ومتمتع لم ~~يتحقق تقواه فلا زاد له في الحقيقة، وجامع بين التقوى والمتعة فذلك على ~~كمال السنة؛ كما قال عليه الصلاة والسلام: # " قيدها وتوكل " # لأن ذلك أستر للطرفين؛ وحقيقة التقوى في أمر التزود النظر إلى الله ~~تعالى في إقامة خلقه وأمره، قال بعض أهل المعرفة: من عوده الله سبحانه ~~وتعالى دوام النظر إليه بالغيبة عما سواه فقد ملك الزاد فليذهب حيث شاء ~~فقد استطاع سبيلا - انتهى. # ولما علم من ذلك أن التقدير: فأكثروا من الزاد مصحوبا بالتقوى وكان ~~الإنسان محل النقصان فكان الإكثار حاملا له في العادة على الطغيان إلا ~~من عصم الله وقليل ما هم قال سبحانه وتعالى مؤكدا لأمر التقوى مشرفا ~~لها بالإضافة إلى نفسه الشريفة تنبيها على الإخلاص لأجل ذاته السنية لا ~~بالنظر إلى شيء من رجاء أو خوف أو اتصاف بحج أو غيره عاطفا على ما أرشد ~~إلى تقديره السياق: { واتقون } أي في تقواكم بالتزود، وزاد الترغيب فيها ~~بقوله: { يا أولي الألباب * } أي العقول ms0397 الصافية والأفهام النيرة الخالصة ~~التي تجردت عن جميع العلائق الجسمانية فأبصرت جلالة التقوى فلزمتها. # ولما فهم من هذا الحث على الإكثار من الزاد تحركت نفوس أولي الهمم ~~الزاكية القابلة للتجرد عن الأعراض الفانية إلى السؤال عن المتجر لإنفاقه ~~في وجوه الخير هل يكره في زمان أو مكان لا سيما عند تذكر أن أناسا كانوا ~~في الجاهلية يكرهون التجارة للحاج فأجيب بقوله معلما أن قطع العلائق لمن ~~صدق عزمه وشرفت همته أولى: { ليس عليكم جناح } أي إثم في { أن تبتغوا } ~~أي تطلبوا بجد واجتهاد { فضلا } أي إفادة بالمتجر في مواسم الحج وغيرها ~~{ من ربكم } المحسن إليكم في كل حال فلا تعتمدوا في الفضل إلا عليه، وروى ~~البخاري في التفسير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: " كانت عكاظ ~~ومجنة وذو المجاز أسواقا في الجاهلية فتأثموا أن يتجروا في ~~المواسم فنزلت { ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم } في مواسم الحج ~~". # ولما كان الاستكثار من المال إنما يكره للشغل عن ذكر الله سبب عنه الآمر ~~بالذكر في قوله { فإذا } أي فاطلبوا الفضل من ربكم بالمتجر { أفضتم } أي ~~أوقعتم الإفاضة، ترك مفعوله للعلم به أي دفعتم ركابكم عند غروب الشمس ~~ففاضت في تلك الوهاد كما يفيض الماء المنساب في منحدر الشعاب، وأصل ~~الإفاضة الدفع بكثرة { من عرفات } الجبل الذي وقفتم فيه بباب ربكم الموقف ~~الأعظم الذي لا يدرك الحج إلا به من معنى التعرف لما تقدمته نكرة، وليست ~~تاؤه للتأنيث فتمنعه الصرف بل هي علامة جمع المؤنث، قاصدي المبيت ~~بالمزدلفة، وهو علم على الموقف سمي بجمع { فاذكروا الله } ذا الجلال ~~لذاته بأنواع الذكر { عند } أي قريبا من { المشعر } أي المعلم ولما كان ~~بالحرم، قال: { الحرام } وهو الجبل المسمى قزح، وهو من الشعور وهو خفي ~~الإدراك الباطن فالموقف الأول آية على نغوض الدنيا ومحوها وزوالها، ~~والثاني دال بفجره وشمسه على البعث لمجازاة الخلائق بأعمالها؛ والتعبير ~~بعند للإعلام بأن مزدلفة كلها موقف غير محسر فإنها كلها تقاربه، ويفهم ~~ذلك صحة الوقوف عليه بطريق ms0398 الأولى. قال الحرالي: وذلك حظ من الوقوف هنيهة ~~وقت في البلد الحرام عند إقبال النهار معادلة للوقوف بعرفة من الحل إلى ~~إقبال الليل ليتثنى الوقوف في الحل والحرم. فكان فيه موقف نهار ينتهي إلى ~~الليل في عرفة وموقف ليل ينتهي إلى النهار في المشعر؛ فوقف فيه صلى الله ~~عليه وسلم بعد صلاة الفجر وقبل طلوع الشمس، وهو ذكره عنده، لأن الذكر ~~بحسب الذاكر، فذكر اللسان القول، وذكر البدن العمل، وذكر النفس الحال ~~والانفعال، وذكر القلب المعرفة والعلم واليقين ونحو ذلك، ولكل شيء ذكر ~~بحسبه؛ وفي جمع الموقفين في الحل والحرم في معلم الحج الذي هو آية الحشر ~~إيذان وبشرى بأن أهل الموقف صنفان: صنف يقفون في موطن روع ومخافة وقوفا ~~طويلا اعتبارا بوقوف الواقفين بعرفة من حين زوال الشمس إلى غروبها ست ~~ساعات، وصنف حظهم من الوقوف قرار في أمنة ظل العرش الذي هو حرم يوم ~~القيامة وكعبته فتشعر خفة الوقوف بالمشعر الحرام أن أمد طول ذلك اليوم ~~يمر على المستظلين بظل العرش فيه كأيسر مدة كما قال عليه الصلاة والسلام ~~بمقدار صلاة مكتوبة، فكان في ذلك فضل ما بين موقف الحرم على موقف الحل - ~~انتهى. # ولما - علم من ذكر الاسم الأعظم أن التقدير: كما هو مستحق للذكر لذاته، ~~عطف عليه قوله { واذكروه } أي عند المشعر وغيره { كما } أي على ما ولأجل ~~ما { هداكم } أيها الناس كافة للإسلام وأيها الخمس خاصة لترك الوقوف به ~~والوقوف مع الناس في موقف أبيكم إبراهيم عليه الصلاة والسلام. ولما كان ~~التقدير: فإنه بين لكم بيانا لم يبينه لأحد كان قبلكم ووفقكم للعمل عطف ~~عليه قوله: { وإن } أي فإنكم { كنتم } ولما كانوا قبل عمرو بن لحي على ~~هدى فكان منهم بعد ذلك المهتدي كزيد ابن عمرو و ورقة بن نوفل فلم يستغرق ~~زمانهم بالضلال أثبت الجار فقال: { من قبله } أي الهدى الذي جاءكم به ~~محمد صلى الله عليه وسلم { لمن الضآلين * } عن سنن الهدى ومواقف الأنبياء ~~علما وعملا حيث كنتم تفيضون من المشعر الحرام. # ولما ms0399 قبح عليهم ما كانوا عليه من المخالفة في الوقوف بالنسبة إلى الضلال ~~بالجملة الاسمية مؤكدة بأنواع التأكيد وكان ما مضى من ذكر الإفاضة ليس ~~بقاطع في الوجوب أشار لهم إلى تعظيم ما هداهم له من الموافقة بأداة ~~التراخي فقال عاطفا على ما تقديره: فلا تفيضوا من المشعر الحرام الإفاضة ~~التي كنتم تخالفون فيها الناس دالا على تفاوت الإفاضتين وبعد ما بينهما ~~على وجه معلم بالوجوب: { ثم } أي بعد طول تلبسكم بالضلال أنزلت عليكم في ~~هذا الذكر الحكيم الذي أبيتموه وهو عزكم وشرفكم لا ما ظننتم أنه شرف لكم ~~بالتعظم على الناس بمخالفة الهدى في الوقوف بالمزدلفة والإفاضة منها { ~~أفيضوا } أي إذا قضيتم الوقوف. وقال الحرالي: لما كان للخطاب ترتيب للأهم ~~فالأهم كما كان للكيان ترتيب للأسبق فالأسبق كان حرف المهلة الذي هو ثم، ~~يقع تارة لترتيب الكيان وتارة لترتيب الإخبار فيقول القائل مثلا: امش ~~إلى حاجة كذا - تقديما في الخبر الأهم - ثم ليكن خروجك من موضع كذا، ~~فيكون السابق في الكيان متأخرا بالمهلة في الإخبار، فمن معنى ذلك قوله - ~~انتهى. ثم أفيضوا أيها الحمس! { من حيث أفاض الناس } أي معظمهم وهو ~~عرفات، إلى المشعر الحرام لتبيتوا به، وروى البخاري في التفسير عن عائشة ~~رضي الله تعالى عنها قالت: " كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة ~~وكانوا يسمعون الحمس وكان سائر العرب يقفون بعرفات فلما جاء الإسلام أمر ~~الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأتي عرفات ثم يقف بها ثم يفيض ~~منها فذلك قوله سبحانه وتعالى { ثم أفيضوا } " الآية، { واستغفروا الله } ~~أي اطلبوا من ذي الجلال والإكرام أن يغفر لكم ما كنتم تفعلونه أيام ~~جاهليتكم من مخالفة الهدى في الوقوف وما يبقى في الأنفس من آثار تلك ~~العادة ومن غير ذلك من النقائص التي يعلمها الله منكم. قال الحرالي: ~~والعادات أشد ما على المتعبدين والطريق إلى الله تعالى بخلعها، وقد كان ~~جدالهم أي في وقوفهم في الحرم بغير علم لأن العلم يقتضي أن الواقف خائف ~~والخائف لا يخاف في ms0400 الحرم لأن الله سبحانه وتعالى جعل الحرم آمنا، فمن ~~حق الوقوف أن يكون في الحل فإذا أمن دخل الحرم وإذا دخل الحرم أمن - ~~انتهى. وأظهر الاسم الشريف تعريفا للمقام وإعلاما بأنه موصوف بما يصفه ~~به على وجه العموم من غير نظر إلى قيد ولا حيثية فقال: { إن الله } ذا ~~الكمال { غفور } أي ستور ذنب من استغفره { رحيم * } أي بليغ الرحمة يدخل ~~المستغفر في جملة المرحومين الذين لم يبد منهم ذنب فهو يفعل بهم من ~~الإكرام فعل الراحم بالمرحوم ليكون التائب من الذنب كمن لا ذنب له. # ولما أمرهم بالذكر في المناسك وكان الإنسان فيها بصدد الذكر أمرهم ~~بالذكر بعد قضائها لأن من فرغ من العبادة كان بصدد أن يستريح فيفتر عن ~~الذكر إلى غيره وكانت عادتهم أن يذكروا بعد فراغهم مفاخر آبائهم فقال: { ~~فإذا قضيتم } أي أنهيتم إنهاء بينا لا شبهة فيه { مناسككم } أي أركان ~~الحج، وأعاد الاسم الأعظم بمثل ما مضى من التعظيم وتعميم الذكر في جميع ~~الوجوه فقال: { فاذكروا الله } الذي لا نعمة عليكم إلا منه وهو الذي ~~هداكم، ذكرا { كذكركم آباءكم } لكونهم أحسنوا إليكم بالتربية التي هي في ~~الحقيقة من فضل الله تعالى، على أنهم فعلوا بكم كل محنة لا توازيها نعمة ~~فإنهم أضلوكم، فسبحان من رضي وهو المنعم المطلق الهادي بأن يذكر مثل ذكر ~~من كان سببا لنعمة خاصة هو سبحان الذي أفاضها عليه مع أنه كان سببا في ~~الضلال! قال الحرالي: فانتظم ذكر إخراجهم عن قولهم المعهود بإخراجهم عن ~~موقفهم المعهود إخراجا لهم عن معتادهم في أعمالهم وأحوالهم، وفي إعلامه ~~أخذ للخلق بأن يعاملوا الحق معاملة من يجلونه من الخلق وذلك عن بلية ما ~~غلب عليهم من التقيد بما يرون وضعف الإيمان بما سمعوا أو علموا. # ولما كان في هذه التربية بخس جرى عليه هذا الخطاب كما ورد " استحي من ~~الله كما تستحيي رجلا جليلا من قومك " قال تعالى: { أو أشد ذكرا } ~~انتهى. أي اذكروا الله ذكرا أعلى من ذلك بأن تذكروه ذكرا أشد من ms0401 ذكركم ~~لآبائكم لما له من الفضل العام، ومما يدخل تحت هذا الذكر أن يأنف من أن ~~يكون لله في عبادته أو شيء من أموره شريك كما يستنكف ابن أن يكون لأبيه ~~فيه شريك بل يكون في أمر الشرك أشد أنفة. قال الحرالي: فرفع الخطاب إلى ~~ما هو أليق بالحق من إيثار ما يرجع إليه على ما يرجع إلى الخلق انتهى. # ولما أمر تعالى بما أمر من ذكره لذاته ثم لإحسانه على الإطلاق ثم قيد ~~بإفراده بذلك وترك ذكر الغير سبب عنه تقسيم الناس في قبول الأمر فقال ~~صارفا من القول عن الخطاب دلالة على العموم: { فمن الناس من } تكون ~~الدنيا أكبر همه فلا التفات له إلى غيرها فهو { يقول } أفرد الضمير رعاية ~~للفظ من بشارة بأن الهالك في هذه الأمة إن شاء الله قليل { ربنا } أيها ~~المحسن إلينا { آتنا في الدنيا } ومفعوله محذوف تقديره: ما نريد - { و } ~~الحال أنه { ما له } ويجوز أن يكون عطفا على ما تقديره: فيعطيه ما شاء ~~سبحانه منها لا ما طلب هو، وليس له { في الآخرة من خلاق * } أي نصيب لأنه ~~لا رغبة له فيها فهو لا يطلبها ولا يسعى لها سعيها. # قال الحرالي: والخلاق الحظ اللائق بالخلق والخلق. { ومنهم من } يجعل ~~عبادته وحجه وسيلة إلى الرغبة إلى ربه ويذكر الله تعالى كما أمر فهو { ~~يقول ربنا } بإحسانك { آتنا في الدنيا } حالة وعيشة { حسنة } لا توصل بها ~~إلى الآخرة على ما يرضيك. قال الحرالي: وهي الكفاف من المطعم والمشرب ~~والملبس والمأوى والزوجة على ما كانت لا شرف فيها - انتهى. { وفي الآخرة ~~حسنة } أي من رحمتك التي تدخلنا بها الجنة. ولما كان الرجاء لا يصلح إلا ~~بالخوف وإعطاء الحسنة لا ينفي المس بالسيئة قال: { وقنا عذاب النار * } ~~أي بعفوك ومغفرتك. ولما كان هؤلاء على منهاج الرسل لأنهم عبدوا الله ~~أولا كما أشار إليه السياق فانكسرت نفوسهم ثم ذكروه على تلك المراتب ~~الثلاث فنارت قلوبهم بتجلي نور جلاله سبحانه وتعالى فتأهلوا بذلك للدعاء ~~فكان دعاؤهم كاملا، كما ms0402 فعل الخليل عليه الصلاة والسلام حيث قال: # الذي خلقني فهو يهدين # [الشعراء: 78] الآيات حتى قال # رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين # [الشعراء: 83] فقدم الذكر على الدعاء وكما هدى إليه آخر آل عمران في ~~قوله: # ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر ~~لنا # [آل عمران: 193] الآيات، فقدموا الطاعة عظم شأنهم بقوله على سبيل ~~الاستئناف جامعا على معنى من بشارة بكثرة الناجي في هذه الأمة أو يكون ~~الجمع لعظم صفاتهم: { أولئك } أي العالو المراتب العظيمو المطالب { لهم } ~~أي هذا القسم فقط لأن الأول قد أخبر أن الأمر عليه لا له. # ولما كان غالب أفعال العباد على غير السداد وأقل ما فيها أن تكون خالية ~~عن نية حسنة قال مشيرا إلى ذلك: { نصيب } وهو اسم للحظ الذي أتت عليه ~~القسمة بين جماعة، كائن { مما } لو قال: طلبوا - مثلا، لم يعم جميع ~~أفعالهم؛ ولو قال: فعلوا، لظن خروج القول فعدل إلى قوله: { كسبوا } أي ~~طلبوا وأصابوا وتصرفوا واجتهدوا فيه وجمعوا من خلاصة أعمالهم القولية ~~والفعلية ومنها الاعتقادية وهو ما أخلصوا فيه فهو الذي يثابون عليه وهو ~~قليل بالنسبة إلى باقي أعمالهم. # ولما كان أسرع الناس حسابا أعلمهم بفنونه خطأ وصوابا وكان التقدير: ~~فالله عالم بخفي أعمالهم وجليها وتمييز جيدها من رديئها فهو يجازيهم على ~~حسب ذلك عطف عليه قوله: { والله } أي المحيط علما وقدرة { سريع الحساب * ~~} وهو أحصى الأعمال وبيان ما يجب لكل منها الجزاء واتصاله إلى العامل لما ~~له من سعة العلم وشمول القدرة، قيل لبعضهم: كيف يحاسب الله الخلق في وقت ~~واحد؟ قال: كما يرزقهم في وقت واحد، وفيه ترغيب بأنه لا ينسى عملا، ~~وترهيب بأنه لا يمشي عليه باطل ولا يقدر على مدافعته مطاول. ### || [2.203-210] # ولما كان قد أمرهم بذكره عند قضاء الأركان وكان ربما فهم اقتصارهم عليه ~~في الوقت الذي كانوا يذكرون فيه آباءهم قال معمما وليكون الحث عليه آكد ~~لتكرير الندب إليه بصيغة الأمر فيكون أضخم لشأنه: { واذكروا } بالرمي، ~~أمر بالرمي وعبر عنه بالذكر ms0403 ليشمل كل ذكر لسانيا كان أو غيره { الله } ~~أي لما يستحقه في ذاته من الكمال { في أيام } ولما كانت لا تحتاج إلى غير ~~العد لكونها قليلة وبعد الأيام التي يحتاط في أمرها بالرأي وغيره حتى ~~تكون معلومات قال جامعا صفة ما لا يعقل بما اطرد فيها من الألف والتاء ~~إذا كان موصوفها جمع قلة: { معدودات } وهي أيام إقامتكم بمنى في ضيافته ~~سبحانه لفعل بقية ما عليكم من تتمات العبادات الحجية أولها يوم القر، وهو ~~الحادي عشر ليستقر الناس فيه بمنى، ثانيها يوم النفر الأول، ثالثها يوم ~~النفر الأعظم، والثلاثة تسمى أيام التشريق، وهى مع يوم العيد تسمى أيام ~~النحر. والأربعة مع يوم عرفة أيام التكبير والذكر، ولما فهم من هذا أنه ~~لا بد من الإقامة بها - في مدة الثلاثة الأيام نفى ذلك ميسرا لأن الحج ~~يجمع القوي والضعيف والخادم والمخدوم، والضعيف في هذا الدين أمير على ~~القوي فقال مشيرا إلى أن الإنسان في ذلك الجمع الأعظم له نازعان نازع ~~ينزع إلى الإقامة في تلك الأماكن المرضية والجماعات المغفورة ونازع ينزعه ~~إلى أهله وأوطانه وعشائره وإخوانه: { فمن تعجل } منكم النفر للرجوع إلى ~~أوطانه { في يومين } منها { فلآ إثم عليه } والعجلة فعل الشيء قبل وقته ~~الأليق به، وقيد باليومين إعلاما بأن من أدركه غروب اليوم الثاني بمنى ~~وهو مقيم لزمه مبيت الليلة الثالثة ورمى اليوم الثالث، فإن نفر قبل غروبه ~~سقط عنه المبيت والرمي، قال في شرح المهذب: بلا خلاف، وكذا إن أدركه ~~الغروب وهو راحل قبل أن ينفصل منها، ولم يقيد التأخر لأن نهايته باليوم ~~الثالث معروفة من أن الأيام ثلاثة. # ولما كان ذلك ربما أفهم أن المتأخر يلحقه إثم كما كان أهل الجاهلية ~~يقولون وكان الصحابة رضي الله تعالى عنهم قوما يسابقون إلى المعالي وكان ~~سبحانه وتعالى يريد الرفق بأهل هذا الدين ستر التصريح بالترغيب في التأخر ~~فعبر عنه أيضا بنفي الإثم كالأول بعد أن أشار إلى الترغيب فيه بالتعبير ~~عن النفر الأول بالتعجل فقال: { ومن تأخر } أي فأقام في ms0404 منى إلى تمام ~~الثلاثة فرمى اليوم الثالث { فلآ إثم عليه } والتأخر إبعاد الفعل من الآن ~~الكائن. قال الشيخ محيي الدين في شرح المهذب: قال الشافعي رضي الله تعالى ~~عنه والأصحاب: يجوز النفر في اليوم الثاني من التشريق ويجوز في الثالث، ~~وهذا مجمع عليه لقوله تعالى: { فمن تعجل } - الآية، قالوا: والتأخر إلى ~~اليوم الثالث أفضل للأحاديث الصحيحة # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نفر في اليوم الثالث ". # ولما كان مدار الأعمال البدنيات على النيات قيد ذلك بقوله: { لمن } أي ~~هذا النفي للإثم عن القسمين لمن { اتقى } من أهلهما فأدار أفعاله على ما ~~يرضي الله. ولما كان التقدير: فافعلوا ما شئتم من التعجل والتأخر عطف ~~عليه ما علم أنه روحه فقال: { واتقوا الله } أي الذي له الإحاطة الشاملة. ~~ولما كان الحج حشرا في الدنيا والانصراف منه يشبه انصراف أهل الموقف بعد ~~الحشر عن الدنيا فريقا إلى الجنة وفريقا إلى السعير ذكرهم بذلك بقوله: ~~{ واعلموا أنكم } جميعا { إليه } لا إلى غيره { تحشرون * } بعد البعث، ~~والحشر الجمع بكره، وهو واقع على أول خروجهم من الأجداث إلى انتهاء ~~الموقف، فاعلموا لما يكون سببا في انصرافكم منه إلى دار كرامته لا إلى ~~دار إهانته. قال الحرالي: وكلية الحج ومناسكه مطابق في الاعتبار لأمر يوم ~~الحشر ومواقفه من خروج الحاج من وطنه متزودا كخروج الميت من الدنيا ~~متزودا بزاد العمل، ووصوله إلى الميقات وإهلاله متجردا كانبعاثه من ~~القبر متعريا، وتلبيته في حجه كتلبيته في حشره # مهطعين إلى الداع # [القمر: 80] كذلك اعتباره موطنا إلى غاية الإفاضة والحلول بحرم الله في ~~الآخرة التي هي الجنة، والشرب من ماء زمزم التي هي آية نزل الله لأهل ~~الجنة على وجوه من الاعتبارات يطالعها أهل الفهم واليقين، فلأجل ذلك كان ~~أتم ختم لأحكام الحج ذكر الحشر - انتهى. وهنا تم ما أراد سبحانه وتعالى ~~من بيان قواعد الإسلام الخمس: الإيمان والصلاة والزكاة والصوم والحج، ~~المشار إلى الثلاث الأول منها بقوله تعالى أول السورة: # يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون # [البقرة: 3] وذكر ms0405 الحج لمزيد الاعتناء به لاحقا للصوم بعد ذكره سابقا ~~عليه، ولعل ذلك هو السبب في تقديم الصوم على الحج تارة وتأخيره أخرى في ~~روايات حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما في الصحيح # " بني الإسلام على خمس ". # ولما كان قد ذكر سبحانه وتعالى الراغب في الدنيا وحدها والراغب في ~~الدارين وكان قد بقي من الأقسام العقلية المعرض عنهما وهو مفقود فلم ~~يذكره والراغب في الآخرة فقط، وكل من الأقسام تارة يكون مسرا وتارة ~~يكون معلنا وكان المحذور منها - إنما هو المسر لإرادة الدنيا بإظهاره ~~لإرادة الآخرة وكان هذا هو المنافق بدأ به بعد ذكر التقوى والحشر ليكون ~~مصدوعا بادىء بدء بذلك الأمر مقصودا بالتهديد بالحشر وساقه بصيغة ما في ~~أول السورة من ذكر المنافقين ليتذكر السامع تلك القصص ويستحضرها بتلك ~~الأحوال وحسن ذلك طول الفصل وبعد العهد فقال: { ومن الناس من } أي شخص أو ~~الذي { يعجبك } أي يروقك ويأخذ بمجامع قلبك أيها المخاطب { قوله } كما ~~ذكرنا أول السورة أنه يخادع، ويعجب من الإعجاب وهو من العجب وهو كون ~~الشيء خارجا عن نظائره من جنسه حتى يكون ندرة في صنعه - قاله الحرالي. # وقال الأصبهاني: حالة تغشى الإنسان عند إدراك كمال مجهول السبب، وعن ~~الراغب أنه قال: وليس هو شيئا له في ذاته حالة بل هو بحسب الإضافات إلى ~~من يعرف السبب ومن لا يعرفه، وحقيقة أعجبني كذا: ظهر لي ظهورا لم أعرف ~~سببه. # ولما كان ذكر هذا بعد ذكر الحشر ربما أوهم أن يكون القول أو الإعجاب ~~واقعا في تلك الحالة قيده بقوله: { في } أي الكائن في { الحياة الدنيا } ~~لا يزداد في طول مدته فيها إلا تحسينا لقوله وتقبيحا لما يخفى من فعله ~~و أما في الآخرة فكلامه غير حسن ولا معجب { ويشهد الله } المستجمع لصفات ~~الكمال { على ما في قلبه } أنه مطابق لما أظهره بلسانه { وهو } أي والحال ~~أنه { ألد الخصام * } أي يتمادى في الخصام بالباطل لا ينقطع جداله كل ~~ذلك وهو يظهر أنه على الحسن الجميل ويوجه لكل شيء ms0406 من خصامه وجها يصرفه ~~عما أراد به من القباحة إلى الملاحة، واللدد شدة الخصومة، والخصام القول ~~الذي يسمع المصيح ويولج في صماخه ما يكفه عن مزعمه ودعواه - قاله ~~الحرالي. وقال الأصبهاني: هو التعمق في البحث عن الشيء والمضايقة فيه ~~ويجوز أن يجعل الخصام ألد على المبالغة - انتهى. # ولما ذكر أنه ألد شرع يذكر وجه لدده فقال عاطفا على ما تقديره: فإذا ~~واجهك اجتهد في إظهار أنه مصلح أو تكون جملة حالية { وإذا تولى } أي أعرض ~~بقلبه أو قاله عمن خدعه بكلامه، وكنى بالتعبير بالسعي عن الإسراع في ~~إيقاع الفتنة بغاية الجهد فقال: { سعى } ونبه على كثرة فساده بقوله: { في ~~الأرض } أي كلها بفعله وقوله عند من يوافقه { ليفسد } أي ليوقع الفساد ~~وهو اسم لجميع المعاصي { فيها } أي في الأرض في ذات البين لأجل الإهلاك ~~والناس أسرع شيء إليه فيصير له مشاركون في أفعال الفساد، فإذا فعل منه ما ~~يريد كان معروفا عندهم فكان له عليه أعوان وبين أنه يصل بإفساده إلى ~~الغاية بقوله مسميا المحروث حرثا مبالغة: { ويهلك الحرث } أي المحروث ~~الذي يعيش به الحيوان، قال الحرالي سماه حرثا لأنه الذي نسبه إلى الخلق، ~~ولم يسمه زرعا لأن ذلك منسوب إلى الحق - انتهى. ولأنه إذا هلك السبب هلك ~~المسبب من غير عكس { والنسل } أي المنسول الذي به بقاء نوع الحيوان. قال ~~الحرالي: وهو استخراج لطيف الشيء من جملته - انتهى. وفعله ذلك للإفساد ~~ونظمت الآية هكذا إفهاما لأن المعنى أن غرضه أولا بإفساد ذات البين ~~التوصل إلى الإهلاك وثانيا بالإهلاك التوصل إلى الإفساد { والله } أي ~~والحال أن الملك الأعظم { لا يحب الفساد * } أي لا يفعل فيه فعل المحب ~~فلا يأمر به بل ينهى عنه ولا يقر عليه بل يغيره وإن طال المدى ويعاقب ~~عليه، ولم يقل: الهلاك، لأنه قد يكون صورة فقط فيكون صلاحا كما إذا كان ~~قصاصا ولا قال: الإفساد يشمل ما إذا كان الفساد عن غير قصد، والآية من ~~الاحتباك، ذكر أولا الإفساد ليدل على حذفه ثانيا وثانيا الإهلاك ms0407 ليدل ~~على حذفه أولا، وذكر الحرث الذي هو السبب دلالة على الناسل والنسل الذي ~~هو المسبب دلالة على الزرع فهو احتباك ثان. # ولما كان من الناس من يفعل الفساد فإذا نهى عنه انتهى بين أن هذا على ~~غير ذلك تحقيقا لألديته فقال مبشرا بأداة التحقيق بأنه لا يزال في ~~الناس من يقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: { وإذا قيل له } من أي ~~قائل كان { اتق الله } أي الملك الأعظم الذي كل شيء تحت قهره واترك ما ~~أنت عليه من الفساد { أخذته } أي قهرته لما له من ملكة الكبر { العزة } ~~في نفسه لما فيها من الكبرياء والاستهانة بأمر الله، وليس من شأن الخلق ~~الاتصاف بذلك فإن العزة لله جميعا { بالإثم } أي مصاحبا للذنب، وهو ~~العمل الرذل السافل وما - لا يحل ويوجب العقوبة باحتقار الغير والاستكبار ~~عليه. # ولما كان هذا الشأن الخبيث شأنه دائما يمهد به لنفسه التمكين مما يريد ~~سبب عنه قوله: { فحسبه } أي كفايته { جهنم } تكون مهادا له كما مهد ~~للفساد، وتخصيص هذا الاسم المنبىء عن الجهامة في المواجهة أي الاستقبال ~~بوجه كريه لما وقع منه من المواجهة لمن أمره من مثله. قال الحرالي: ~~فلمعنى ما يختص بالحكم يسمي تعالى النار باسم من أسمائها - انتهى. { ~~ولبئس المهاد * } هي والمهاد موطن الهدوء والمستطاب مما يستفرش ويوطأ - ~~قاله الحرالي، وقال: فيه إشعار بإمهال الله عز وجل لهذه الأمة رعاية ~~لنبيها فأحسب فاجرها وكافرها بعذاب الآخرة، ولو عاجل مؤمنها بعقوبة ~~الدينا فخلص لكافرها الدنيا ولمؤمنها الآخرة وأنبأ بطول المقام والخلود ~~فيها. # ولما أتم الخبر عن هذا القسم الذي هو شر الأقسام أتبعه خيرها ليكون ~~ختاما وبينهما تباين فإن الأول من يهلك الناس لاستبقاء نفسه وهذا يهلك ~~نفسه لاستصلاح الناس فقال: { ومن الناس من } أي شخص أو الذي { يشري } أي ~~يفعل هذا الفعل كلما لاح له وهو أنه يبيع بغاية الرغبة والانبعاث { نفسه ~~} فيقدم على إهلاكها أو يشتريها بما يكون سبب إعتاقها وإحيائها بالاجتهاد ~~في أوامر الله بالنهي لمثل هذا الألد عن فعله الخبيث ms0408 والأمر له بالتقوى ~~والتذكير بالله، وروي أنها نزلت في صهيب رضي الله تعالى عنه لأنه لما ~~هاجر أرادت قريش رده فجعل لهم ماله حتى خلوا سبيله فقال له النبي صلى ~~الله عليه وسلم: # " ربح البيع " # فعلى هذا يكون شرى بمعنى اشترى، ثم علل ذلك بقوله: { ابتغآء } أي تطلب ~~وتسهل وتيسر بغاية ما يمكن أن يكون كل من ذلك { مرضات الله } أي رضى ~~المحيط بجميع صفات الكمال وزمان الرضى ومكانه بما دل عليه كون المصدر ~~ميميا ويكون ذلك غاية في بابه بما دل عليه من وقفه بالتاء الممدودة لما ~~يعلم من شدة رحمة الله تعالى به { والله رؤوف } أي بالغ الرحمة، وأظهر ~~موضع الإضمار دلالة على العموم وعلى الوصف المقتضي للرحمة والشرف فقال: { ~~بالعباد * } كلهم حيث أسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة مع كفرهم به أو ~~تقصيرهم في أمره، وبين لهم الطريق غاية البيان بالعقل أولا والرسل ~~ثانيا والشرائع ثالثا والكتب الحافظة لها رابعا، ولعل الفصل بين ~~الأقسام الأربعة بالأيام المعدودات اهتماما بأمرها لكونها من فعل الحج ~~وتأخيرها عن أخواتها إشارة إلى أنها ليست من دعائم المناسك بل تجبر بدم. # ولما ختم هذين القسمين بالساعي في رضى الله عنه مشاكلة للأولين حسن جدا ~~تعقيبه بقوله: { يا أيها الذين آمنوا } ليكون هذا النداء واقعا بادىء ~~بدء في أذن هذا الواعي كما كان المنافق مصدوعا بما سبقه من التقوى ~~والحشر مع كونه دليلا على صفة الرأفة، وتكرير الأمر بالإيمان بين طوائف ~~الأعمال من أعظم دليل على حكمة الآمر به فإنه مع كونه آكد لأمره وأمكن ~~لمجده وفخره يفهم أنه العماد في الرشاد الموجب للإسعاد يوم التناد فقال: ~~{ ادخلوا في السلم } أي الإيمان الذي هو ملزم لسهولة الانقياد إلى كل ~~خير، وهو في الأصل بالفتح والكسر الموادعة في الظاهر بالقول والفعل أي يا ~~من آمن بلسانه كهذا الألد ليكن الإيمان أو الاستلام بكلية الباطن والظاهر ~~ظرفا محيطا بكم من جميع الجوانب فيحيط بالقلب والقالب كما أحاط باللسان ~~ولا يكون لغرامة الجهل وجلافة الكفر إليكم سبيل ms0409 { كآفة } أي وليكن جميعكم ~~في ذلك شرعا واحدا كهذا الذي يشري نفسه، ولا تنقسموا فيكون بعضكم هكذا ~~وبعضكم كذلك الألد، فإن ذلك دليل الكذب في دعوى الإيمان. # ولما كان الإباء والعناد الذي يحمل عليه الأنفة والكبر فعل الشيطان ~~وثمرة كونه من نار قال: { ولا تتبعوا } أي تكلفوا أنفسكم من أمر الضلال ~~ضد ما فطرها الله تعالى عليه وسهله لها من الهدى { خطوات الشيطان } أي ~~طرق المبعد المحترق في الكبر عن الحق. قال الحرالي: ففي إفهامه أن ~~التسليط في هذا اليوم له، وفيه إشعار وإنذار بما وقع في هذه الأمة وهو ~~واقع وسيقع من خروجهم من السلم إلى الاحتراب بوقوع الفتنة في الألسنة ~~والأسنة على أمر الدنيا وعودهم إلى أمور جاهليتهم، لأن الدنيا أقطاع ~~الشيطان كما أن الآخرة خلاصة الرحمن، فكان ابتداء الفتنة منذ كسر الباب ~~الموصد على السلم وهو عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فلم يزل الهرج ~~ولا يزال إلى أن تضع الحرب أوزارها. # ثم علل ذلك سبحانه وتعالى بقوله: { إنه لكم عدو مبين * } أي بما ~~أخبرناكم به في أمر أبيكم آدم عليه الصلاة والسلام وغير ذلك مما شواهده ~~ظاهرة، وما أحسن هذا الختم المضاد لختم التي قبلها! فإن تذكر الرأفة منه ~~سبحانه على عظمته والعبودية منا الذي هو معنى الولاية التي روحها ~~الانقياد لكل ما يحبه الولي وتذكر عداوة المضل أعظم منفر منه وداع إلى ~~الله سبحانه وتعالى. # ولما أقام سبحانه وتعالى الأدلة على عظمته التي منها الوحدانية وأزال ~~الشبه ومحا الشكوك وذكر بأنواع اللطف والبر إلى أن ختم الآيتين بما ذكر ~~من ولايته وعداوة المضل عن طريقه سبب عن ذلك قوله { فإن زللتم } مشيرا ~~بأداة الشك إلى أنهم صاروا إلى حالة من وضوح الطريق الواسع الأمكن الأمين ~~المستقيم الأسلم يبعد معها كل البعد أن يزلوا عنه ولذلك قال: { من بعد ما ~~جاءتكم البينات } أي بهذا الكتاب الذي لا ريب فيه. قال الحرالي: بينات ~~التجربة شهودا ونبأ عما مضى وتحققا بما وقع، وقال: إن التعبير بأن يشعر ms0410 ~~بأنهم يستزلون، والتعبير بالماضي إشعار بالرجوع عنه رحمة من الله لهم ~~كرحمته قبل لأبويهم حين أزلهما الشيطان فكما أزل أبويهم في الجنة عن محرم ~~الشجرة أزلهم في الدنيا عن شجرة المحرمات من الدماء والأموال والأعراض - ~~انتهى. # ولما كان الخوف حاملا على لزوم طريق السلامة قال: { فاعلموا } فإن ~~العلم أعون شيء على المقاصد { أن الله } الحاوي لصفات الكمال { عزيز } لا ~~يعجزه من زل ولا يفوته من ضل { حكيم } يبرم ما لا يقدر أحد على نقض شيء ~~منه. # ولما كان هذا الختم مؤذنا بالعذاب وكان إتيان العذاب من محل تتوقع منه ~~الرحمة أفظع وكان أنفع الأشياء السحاب لحمله الغيث والملائكة الذين هم ~~خير محض وكان الذين شاهدوا العذاب من السحاب الذي هو مظنة الرحمة ليكون ~~أهول عادا وبني إسرائيل وكان عاد قد مضوا فلا يمكن عادة سؤالهم وكان من ~~زل بعد هذا البيان قد أشبه بني إسرائيل في هذا الحال فكان جديرا بأن ~~يشبههم في المآل فيما صاروا إليه من ضرب الذلة والمسكنة وحلول الغضب ~~والوقوع في العطب قال تعالى: { هل ينظرون } أي ينتظرون إذا زلوا. سائقا ~~له في أسلوب الإنكار، وصيغة الغيبة مجردة عن الافتعال تنبيها على أن ~~الزالين في غاية البعد عن مواطن الرأفة والاستحقاق بمظهر الكبر والنقمة ~~بإعراض السيد عن خطابهم وإقباله من عذابهم على ما لم يكن في حسابهم { إلا ~~أن يأتيهم الله } أي مجد الذي لا يحتمل شيء تجلى عظمته وظهور جلاله، ~~كائنا مجده { في ظلل من الغمام } ظلة في داخل ظلة، وهي ما يستر من الشمس ~~فهي في غاية الإظلام والهول والمهابة لما لها من الكثافة التي تغم على ~~الرائي ما فيها وتدمر ما أتت عليه - إلى غير ذلك من أنواع المجد الذي لا ~~يقدره حق قدره إلا الله { والملائكة } أي ويأتي جنده الذين لا يعصون الله ~~ما أمرهم، هذا على قراءة الجماعة، وعلى قراءة أبي جعفر بالخفض، المعنى ~~وظلل من الملائكة أي جماعات يملؤون الأقطار ليتبادروا إلى امتثال أوامره؛ ~~وهل ينتظرون من القوي المحكم لما ms0411 يفعل العزيز الذي يعلو أمره كل أمر إلا ~~إتيانه بالبأس إذا غضب بعد طول الحلم وتمادي الأناة فلا يرد بأسه ولا ~~يعارض أمره وهو المراد من قوله: { وقضي } أي والحال أنه قد قضي { الأمر } ~~أي نفذ بإهلاكهم سريعا فرجعوا إلى الله سبحانه وتعالى بأسرهم لا يملكون ~~لأنفسهم شيئا { وإلى الله } الذي له الإحاطة الكاملة وحده { ترجع الأمور ~~} كلها دنيا وأخرى، فإن حكمه لا يرد وقدرته لا تحد. # قال الحرالي: وإتيان الله في محل الإيمان أمر مبهم لا يناله علم ~~العالمين ويقف دونه إيمان المؤمنين، لا يأخذونه بكيف ولا يتوهمونه بوهم، ~~وإتيان الله في أوائل فهم الفاهمين بدو أمره وخطابه في محل ما من السماء ~~والأرض أو العرش أو الكرسي أو ما شاء من خلقه؛ فهو تعالى يجل أن يحجبه ~~كون، فحيث ما بدأ خطابه كفاحا لا بواسطة فهناك هو # وناديناه من جانب الطور الأيمن # [مريم: 52] إلى: # إني أنا الله # [طه: 14] وفي الكتاب الأول: جاء الله من سيناء - انتهى. وتمامه: وشرق من ~~جبل ساعير وظهر لنا من جبال فاران؛ والمراد بالأول نبوة موسى عليه الصلاة ~~والسلام وهو واضح، وبالثاني نبوة عيسى عليه الصلاة والسلام، فإن جبل ~~ساعير هو جبل الجليل وهو الذي بين طبرية ومرج بني عامر، وبالثالث نبوة ~~محمد صلى الله عليه وسلم فإن فاران هي مكة المشرفة. ### || [2.211-214] # ولما كان بنو إسرائيل أعلم الناس بظهور مجد الله في الغمام لما رأى ~~أسلافهم منه عند خروجهم من مصر وفي جبل الطور وقبة الزمان وما في ذلك على ~~ما نقل إليهم من وفور الهيبة وتعاظم الجلال قال تعالى: جوابا لمن كأنه ~~قال: كيف يكون هذا؟ { سل } بنقل حركة العين إلى الفاء فاستغنى عن همزة ~~الوصل { بني إسرائيل } أي الذين هم أحسد الناس للعرب ثم استفهم أو استأنف ~~الإخبار { كم آتيناهم } من ذلك ومن غيره { من آية بينة } بواسطة أنبيائهم ~~فإنهم لا يقدرون على إنكار ذلك، وسكوتهم على سماعه منك إقرار منهم. وقال ~~الحرالي: ولما كان هذا الذي أنذروا به أمرا مجملا ms0412 أحيلوا في تفاصيل ~~الوقائع وتخصيص الملاحم ووقوع الأشباه والنظائر على ما تقدم ووقع مثاله ~~في بني إسرائيل لتكرار ما وقع فيهم من هذه الأمة حذو النعل بالنعل والقذة ~~بالقذة فقال: { سل } ، استنطاقا لحالهم لا لإنبائهم وإخبارهم، فالتفات ~~النبي صلى الله عليه وسلم إلى ما يشهده الله من أحوال بني إسرائيل وأحوال ~~ملوكهم وأحبارهم وأيامهم وتفرقهم واختلافهم وصنوف بلاياهم هو سؤاله ~~واستبصاره لا أن يسأل واحدا فيخبره؛ انتهى - كذا قال، والظاهر أنه إباحة ~~لسؤالهم فإنه صلى الله عليه وسلم ما سألهم عن شيء وكذبوا في جوابه فبين ~~كذبهم إلا عرفوا بالكذب، كقصة حد الزنا وقضية سؤالهم عن أبيهم وقضية سم ~~الشاة ونحو هذا، وفي ذلك زيادة لإيمان من يشاهده وإقامة للحجة عليهم وغير ~~هذا من الفوائد. # ولما كان التقدير: فكانوا إذا بدلوا شيئا من آياتنا واستهانوا به ~~عاقبناهم فشددنا عقابهم، كما دل عليه ما سقته من التوراة في هذا الديوان ~~لمن تدبر عطف عليه قوله: { ومن يبدل } من التبديل وهو تصيير الشيء على ~~غير ما كان { نعمة الله } أي الذي لا نعمة إلا منه التي هي سبب الهدى ~~فيجعلها سببا لضلال أو سببا لشكر فيجعلها سبب الكفر كائنا من كان. قال ~~الحرالي: وأصل هذا التبديل رد علم العالم عليه ورد صلاح الصالح إليه وعدم ~~الاقتداء بعلم العالم والاهتداء بصلاح الصالح وذلك المشاركة التي تقع بين ~~العامة وبين العلماء والصلحاء وهو كفر نعمة الله وتبديلها - انتهى. # ولما كان الفطن من الناس يستجلب النعم قبل إتيانها إليه والجامد الغبي ~~يغتبط بها بعد سبوغها عليه وكان المحذور تبديلها في وقت ما لا في كل وقت ~~قال تعالى: { من بعد ما جآءته } أي وتمكن من الرسوخ في علمها تنبيها على ~~أن من بدلها في تلك الحال فقد سفل عن أدنى الإنسان والتحق بما لا يعقل من ~~الحيوان. ولما كان التقدير: يهلكه الله، علله بقوله: { فإن الله } أي ~~العظيم الشأن { شديد العقاب * } وهو عذاب يعقب الجرم، وذكر بعض ما يدل ~~على صدق الدعوى في معرفة بني ms0413 إسرائيل بما في ظهور المجد في الغمام من ~~الرعب وما آتاهم من الآيات البينات، قال في أوائل السفر الخامس من ~~التوراة: فاسمعوا الآن يا بني إسرائيل السنن والأحكام التي أعلمكم ~~لتعملوا بها وتعيشوا وتدخلوا وترثوا الأرض التي يعطيكم الله رب آبائكم، ~~لا تزيدوا على الوصية التي أوصيكم بها، قد رأيتم ما صنع الله ببعلصفون من ~~أجل أن كل رجل اتبع بعلصفون أهلكه الله ربكم من بينكم وأنتم الذين تبعتم ~~الله ربكم أنتم أحياء - سالمون إلى اليوم، انظروا أني قد علمتكم السنن ~~والأحكام كما أمرني الله لتعملوا بها الأرض التي تدخلونها وتحفظوها ~~وتعملوا بها، لأنها حكمتكم وفهمكم تجاه الشعوب التي تسمع منكم هذه السنن ~~كلها ويقولون إذا سمعوها: ما أحكم هذا الشعب العظيم! وما أحسن فهمه! أي ~~شعب عظيم إلهه قريب منه مثل الله ربنا فيما دعوناه! وأي شعب عظيم له سنن ~~وأحكام معتدلة مثل هذه السنة التي أتلو عليكم اليوم! ولكن احتفظوا ~~واحترسوا بأنفسكم ولا تنسوا جميع الآيات التي رأيتم ولا تزل عن قلوبكم كل ~~أيام حياتكم بل علموها بنيكم وبني بنيكم وأخبروهم بما رأيتم يوم وقفتم ~~أمام الله ربكم في حوريب يوم قال الرب: اجمع هذا الشعب أمامي لأسمعهم ~~آياتي ويتعلموا أن يتقوني كل أيام حياتهم على الأرض ويعلموا بنيهم أيضا ~~وتقدمتم وقمتم في سفح الجبل والجبل يشتعل نارا يرتفع لهيبها إلى جو ~~السماء ورأيتم الظلة والضباب والسحاب فكلمكم الرب في الجبل من النار، ~~كنتم تسمعون صوت الكلام ولم تكونوا ترون شبها، فأظهر لكم عهده وأمركم أن ~~تعلموا العشر آيات. # وكتبها على لوحين من حجارة، احترسوا واحتفظوا بأنفسكم جدا لأنكم لم ~~تروا شبها في اليوم الذي كلمكم الله ربكم من الجبل من النار، احتفظوا، ~~لا تفسدوا ولا تتخذوا أصناما وأشباهها من كل جنس شبه ذكر أو أنثى أو شبه ~~بهيمة في الأرض أو شبه كل طير في الهواء أو شبه كل هوام الأرض، ولا ~~ترفعوا أعينكم إلى السماء وتنظروا إلى الشمس والقمر والكواكب وإلى كل ~~أجناد السماء وتضلوا بها ms0414 وتسجدوا لها وتعبدوها، التي اتخذها جميع الشعوب ~~الذين تحت السماء؛ فأما أنتم فقربكم الله وأخرجكم من كور الحديد من أرض ~~مصر لتصيروا له ميراثا كاليوم - هذا نصه وقد تقدم ذلك مستوفى من السفر ~~الثاني من التوراة عند قوله تعالى: # وإذ استسقى موسى لقومه # [البقرة: 60] فكان الرجوع إلى قص ما يريد الله سبحانه وتعالى من أحوال ~~بني إسرائيل للأغراض الماضية على غاية ما يكون من الأحكام وفي الذروة ~~العليا من حسن الانتظام وتجلي الملائكة في ظلل الغمام أمر مألوف منه ما ~~في الصحيح عن البراء رضي الله تعالى عنه قال: # " كان رجل يقرأ سورة الكهف وإلى جانبه حصان مربوط بشطنين فتغشته سحابة ~~فجعلت تدنو وتدنو وجعل فرسه ينفر؛ فلما أصبح أتى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فذكر له، فقال: تلك السكينة تنزلت بالقرآن " # وعن عمران بن حصين رضي الله تعالى عنه # " أنه بينما هو يقرأ سورة البقرة وفرسه مربوط عنده إذ جالت الفرس، فسكت ~~وسكنت، ثم قرأ فجالت، فانصرف؛ فلما أصبح حدث النبي صلى الله عليه وسلم ~~وقال: فرفعت رأسي إلى السماء فإذا مثل الظلة فيها أمثال المصابيح فرفعت ~~حتى لا أراها، قال: وتدري ما ذاك؟ قال: لا، قال: تلك الملائكة دنت لصوتك، ~~ولو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها لا تتوارى منهم ". # ولما تقدم من الأمر بالسلم والتهديد على الزلل عنه ما يقتضي لزومه حتما ~~كان كأنه قيل: ما فعل من خوطب بهذه الأوامر وقمع بتلك الزواجر؟ فقيل: أبى ~~أكثرهم، فقيل: إن هذا لعجب! ما الذي صدهم؟ فقيل: تقدير العزيز الذي لا ~~يخالف مراده الحكيم الذي يدق عن الأفكار استدراجه، فقيل: كيف يتصور من ~~العاقل كفر النعمة؟ فبين أن سبب ذلك غالبا الترفع والتعظم والكبر والبطر ~~فرحا بما في اليد وركونا إليه وإعراضا عما خبىء في خزائن الله في حجب ~~القدرة فقال مستأنفا بانيا للمفعول دلالة على ضعف عقولهم بأنهم يغترون ~~بكل مزين { زين } قال الحرالي: من التزيين بما منه الزينة. وهي بهجة ~~العين التي لا تخلص إلى باطن المزين - انتهى. ms0415 { للذين كفروا } حتى بدلوا ~~النعمة { الحياة الدنيا } لحضورها فألهتهم عن غائب الآخرة. قال الحرالي: ~~ففي ضمنه إشعار بأن استحسان بهجة الدنيا كفر ما من حيث إن نظر العقل ~~والإيمان يبصر طيتها ويشهد جيفتها فلا يغتر بزينتها وهي آفة الخلق في ~~انقطاعهم عن الحق، وأبهم تعالى المزين في هذه الآية ليشمل أدنى التزيين ~~الواقع على لسان الشيطان وأخفى التزيين الذي يكون من استدراج الله كما في ~~قوله تعالى: # كذلك زينا لكل أمة عملهم # [الأنعام: 108]. # ولما ذكر ذلك بين حالهم عنده فقال: { ويسخرون } أي والحال أنهم لا ~~يزالون يسخرون أي يوقعون السخرية، وهي استزراء العقل هزؤا. وقال ~~الحرالي: هي استزراء العقل معنى بمنزلة الاستسخار في الفعل حسا { من ~~الذين آمنوا } لما هم فيه من الضعف والحاجة لإعراضهم عن الدنيا رغبة فيما ~~عند الله لما وهبهم الله سبحانه وتعالى من العلم الخارق لتلك الحجب ~~الكاشف لأستار المغيب ولأن الله يزوي عنهم الدنيا ويحميهم منها رغبة بهم ~~عنها لكرامتهم عليه كما يحمي الإنسان حبيبه الطعام والشراب إن كان مريضا ~~لكرامته عليه فصار الكفار بهذا التزيين مع ما بوأناهم من الهوان بأنواع ~~التهديد التي لا مرية في قدرتنا عليها مشغولين بلعاعة من العيش فهم راضون ~~بأحوالهم مسرورون بها بحيث إنهم لا ينظرون في عاقبة بل مع الحالة الراهنة ~~فيهزؤون بأهل الحق متعامين عن البينات معرضين عن التهديد تاركين ~~الاستبصار بأحوال بني إسرائيل. # ولما كان الاستسخار بذوي الأقدار مرا وللنفوس مضرا قال تعالى مبشرا ~~بانقلاب الأمر في دار الخلد مرغبا في التقوى بعد الإيمان: { والذين ~~اتقوا } أي آمنوا خوفا من الله تعالى، فأخرج المنافقين والذين يمكن ~~دخولهم في الجملة الماضية { فوقهم } في الرزق والرتبة والمكان بدليل # أفيضوا # [الأعراف: 50] وآية # إني كان لي قرين # [الصافات: 51] وكل أمر سار { يوم القيامة } فهم يضحكون منهم جزاء بما ~~كانوا يفعلون. # ولما كان تبدل الأحوال قريبا عندهم من المحال كان كأنه قيل في تقريب ~~ذلك: برزق من عند الله يرزقهموه { والله } بعز سلطانه وجلال عظمته وباهر ~~كرمه { يرزق من يشاء } أي ms0416 في الدنيا وفي الآخرة ولو كان أفقر الناس ~~وأعجزهم. ولما كان الإعطاء جزافا لا يكون إلا عن كثرة وبكثرة قال: { ~~بغير حساب * } أي رزقا لا يحد ولا يعد، لأن كل ما دخله الحد فهو محصور ~~متناه يعد، وفي هذه الأمة من لا يحاسبه الله على ما آتاه فهي في حقه على ~~حقيقتها من هذه الحيثية. # ولما كان كأنه قيل: هل كان هذا الكفر والتزيين من بدء الأمر أم هو شيء ~~حدث فيكون حدوثه أعجب؟ فقيل: لا فرق عند الحكيم بين هذا وذاك، فإن قدرته ~~على الكبير والصغير والجاهل والعليم والطائش والحليم على حد سواء على أن ~~الواقع أن ذلك شيء حدث بعد البيان والواضح { كان الناس } أي كلهم { أمة } ~~أي مجتمعين على شيء واحد يؤم بعضهم بعضا ويقتدي بعضهم بعضا ثم أكد ~~اجتماعهم فقال: { واحدة } أي على الصراط المستقيم فزل بعضهم فاختلفوا ~~وتفرقت بهم السبل كما في آية يونس # وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا # [يونس: 19] وعلى هذا أكثر المحققين كما قاله الأصفهاني وقد رواه أبو ~~يعلى الموصلي في مسنده بسند متصل عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه ~~قال: على الإسلام كلهم { فبعث الله } أي الذي لا حكم لغيره { النبيين } ~~الذين رفعهم الله تعالى على بقية خلقه فأنبأهم بما يريد من أمره وأرسلهم ~~إلى خلقه { مبشرين } لمن أطاع، وهو جار مجرى حفظ الصحة، ولأنه مقصود ~~بالذات قدم { ومنذرين } لمن عصى، وذلك جار مجرى إزالة المرض بالدواء. قال ~~الحرالي: فيه إعلام بأنه ليس للأنبياء من الهداية شيء وإنما هم مستجلون ~~لأمر جبلات الخلق وفطرهم فيبشرون من فطر على خير وينذرون من جبل على شر، ~~لا يستأنفون أمرا لم يكن بل يظهرون أمرا كان مغيبا، وكذلك حال كل إمام ~~وعالم في زمانه يميز الله الخبيث من الطيب - انتهى. { وأنزل معهم الكتاب ~~} أي كلامه الجامع للهداية. # قال الحرالي: إبراما لثني الأمر المضاعف ليكون الأمر بشاهدين أقوى منه ~~بشاهد واحد فقد كان في الرسول كفاية وفي الكتاب وحده كفاية لكن الله ms0417 ~~تعالى ثنى الأمر وجمع الكتاب والرسول لتكون له الحجة البالغة - انتهى. { ~~بالحق } أي الثابت كل ثبات { ليحكم } أي الله بواسطة الكتاب { بين الناس ~~فيما اختلفوا فيه } من الدين الحق الذي كانوا عليه قبل ذلك أمة واحدة ~~فسلكوا بهم بعد جهد السبيل الأقوم ثم ضلوا على علم بعد موت الرسل ~~فاختلفوا في الدين لاختلافهم في الكتاب { وما اختلف فيه } أي الكتاب ~~الهادي للحق الذي لا لبس فيه المنزل لإزالة الاختلاف { إلا الذين } ولما ~~كان العالم يقبح منه مخالفة العلم مطلقا لا بقيد كونه من معلم مخصوص بني ~~للمفعول { أوتوه } أي فبدلوا نعمة الله بأن أوقعوا الخلاف فيما أنزل لرفع ~~الخلاف، ففي هذا غاية التعجيب وإظهار القدرة الباهرة التي حملتهم على ~~ذلك. # ولما كان الخلاف ربما كان عن أمر غامض بين أن الأمر على غير ذلك فقال ~~مشيرا بإثبات الجار إلى أنه لم يستغرق الزمان { من بعد ما جاءتهم ~~البينات } أي الدلائل العقلية والنقلية التي ثبتت بها النبوة التي ثبت ~~بها الكتاب. قال الحرالي: الجامعة لآيات ما في المحسوس وآيات ما في ~~المسموع، فلذلك كانت البينات مكملة لاجتماع شاهديها - انتهى. # ولما كان هذا محل السؤال عن السبب بين أنه الحسد والاستطالة عدولا عن ~~الحق محبة لما زين من الدنيا وتنافسا فيها فقال: { بغيا } قال الحرالي: ~~والبغي أعمال الحسد بالقول والفعل قال عليه الصلاة والسلام: # " ثلاث لا يسلم منهن أحد " # ومنهن متحلي الحسد والطيرة والظن، فإذا حسدت فلا تبغ لأن الحسد واقع في ~~النفس كأنها مجبولة عليه فلذلك عذرت فيه؛ فإذا استعملت بحسبه مقالها ~~وفعالها كانت باغية - انتهى. وزاده عجبا بقوله { بينهم } أي لا بغيا ~~على غيرهم فبدلوا من كل جهة. # ولما ذكر إنزال الكتاب وسببه ذكر ما تسبب عنه فقال عاطفا على ما ~~تقديره: فعموا عن البينات: { فهدى الله } في إسناده إلى الاسم الأعظم كما ~~قال الحرالي إعلام بأنه ليس من طوق الخلق إلا بعون وتوفيق من الحق - ~~انتهى. { الذين آمنوا } أي بالنبيين ببركة إيمانهم { لما اختلفوا } أي ~~أهل الضلالة { فيه } ثم ms0418 بينه بقوله: { من الحق } ويجوز أن تكون تبعيضية ~~لما عموا عنه من الحق الذي نزل به الكتاب الذي جاء به النبيون { بإذنه } ~~أي بما ارتضاه لهم من علمه وإرادته وتمكينه. قال الحرالي: فيه إشعار بما ~~فطرهم عليه من التمكين لقبوله لأن الإذن أدناه التمكين وإزالة المنع - ~~انتهى. { والله } أي المحيط علما وقدرة { يهدي من يشاء } أي بما له من ~~أوصاف الكمال { إلى صراط مستقيم * } قال الحرالي: هذا هدى أعلى من الأول ~~كأن الأول هدى إلى إحاطة علم الله وقدرته وهذا هدى إليه، وفي صيغة ~~المضارع بشرى لهذه الأمة بدوام هداهم إلى ختم اليوم المحمدي # " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى يأتي أمر الله " # انتهى. ولما أفهم ما صرح به الكلام السابق من الاختلاف وقوع العداوات ~~وكان في العداوات خطر الأموال والأنفس وكان ذلك أشق ما يكون وكانت العادة ~~قاضية بأن المدعوين إلى ذلك إن لم يصممواعلى الآيات كانوا بين مستثقلين ~~لأمر الرسل يرون أنهم يفرقون ما اتفق من الكلمة ورضي به الناس لأنفسهم ~~ويشتتون أمرهم مستثقلين لطول انتظار الانتصار كان حالهم حال من يطلب ~~الراحات في ذرى الجنات بلا مشقات وذلك محال ومحض ضلال، فإن الثبات على ~~الصراط المستقيم لا يكون إلا باحتمال شدائد التكاليف فكان كأنه قيل في ~~جواب ذلك عدولا عن خطاب النبي صلى الله عليه وسلم المقول له { سل بني ~~إسرائيل } [البقرة: 212] إلى خطاب الأتباع تشريفا له عن ذلك ورفعا ~~لهممهم بالمواجهة بالخطاب والتأسية بمن مضى من أولي الألباب تنشيطا لهم ~~وتقوية لعزائمهم: أحسبتم أنا لا نرسل الرسل لتمييز الخبيث من الطيب { أم ~~حسبتم } بعد إرسالهم أن الأمر هين بأن تنالوا السعادة بلا اجتهاد في ~~العبادة. قال الحرالي: هو مما منه الحسبان وهو ما تقع غلبته فيما هو من ~~نوع المفطور عليه المستقر عادته، والظن الغلبة فيما هو من المعلوم ~~المأخوذ بالدليل والعلم؛ فكأن ضعف علم العالم ظن وضعف عقل العاقل حسبان - ~~انتهى. وهذا الذي قدرته هو معنى { أن تدخلوا الجنة } أي التي هي ms0419 نعيم ~~دائم { و } الحال أنه { لما يأتكم مثل } أي وصف { الذين خلوا } ولما كان ~~القرب في الزمان أشد في التأسية أثبت الجار فقال: { من قبلكم } أي يقص ~~عليكم لتعلموا به أو يصيبكم ما أصابهم من الأحوال الغريبة والقضايا ~~العجيبة التي هي في غرابتها كالأمثال. وقال الحرالي: وأم عطف على أمور ~~يفهمها مبدأ الخطاب كأنه يقول: أحسبتم أن تفارق أحوالكم أحوال الأمم ~~الماضية في حكمة الله وسنته ولن تجد لسنة الله تبديلا إلى ما يستجره ~~معنى الخطاب إجمالا وتفصيلا في واقع الدنيا من شدائدها وحرها وبردها ~~وضيق عيشها وأنواع أذاها وحال البرزخ وحال النشر والحشر إلى ما وراء ذلك ~~إلى غاية دخول الجنة فكان عند انتهاء ذلك بادئة خطاب { أم حسبتم } ~~تجاوزا لما بين أول البعث وغاية دخول الجنة - انتهى. ونبهت لما التي ~~فيها معنى التوقع لأنها في النفي نظيرة قد في الإثبات على أنه كان ينبغي ~~لهم أن يكون دخولهم في الدين على بصيرة من حصول الشدائد لكثرة المخالف ~~والمعاند فيكونوا متوقعين في كل وقت مكابدة القوارع وحلول الصوادع ~~والصوارع ليكون ذلك أجد في أمرهم وأجدر لهم بالثبات والارتقاء إلى أعلى ~~الدرجات. # ولما كان كأنه قيل: ما ذلك المثل؟ أجيب بيانا بقوله: { مستهم البأساء } ~~أي المصائب في الأموال { والضراء } أي في الأنفس - نقله أبو عبيد الهروي ~~عن الأزهري، والأحسن عندي عكسه، لأن البأس كثير الاستعمار في الحرب والضر ~~كثير الاستعمال في الفقر؛ أي جزاء لهم كما قال الحرالي على ما غيروا مما ~~يجلب كلا منهما ولكل عمل جزاء { وزلزلوا } لأمور باطنة من خفايا القلوب ~~انتهى. والمعنى أنهم أزعجوا بأنواع البلايا والرزايا والأهوال والأفزاع ~~إزعاجا شديدا شبيها بالزلزلة التي تكاد تهد الأرض وتدك الجبال { حتى ~~يقول } رفعه نافع على حكاية الحال في وقتها بمعنى أن الغاية والمغيا قد ~~وجدا ومضيا فهما ماضيان وكأنك تحكي ذلك حين وقوعه مثل من يقول عن مريض ~~يشاهده: مرض حتى لا يرجونه، فإن النصب بتقدير أن وهي علم الاستقبال فهي ~~لا تنصب إلا مضارعا بمعناه؛ ونصبه ms0420 الجماعة على حكاية الحال أيضا لكن ~~بتقدير أن الزلزال مشاهد والقول منتظر حقق ذلك المتبين حتى يقول: { ~~الرسول } وهو أثبت الناس { والذين آمنوا معه } وهم الأثبت بعده لطول ~~تمادي الزمان فيما مسهم وعبر بالمضارع تصويرا لحالهم وإشارة إلى تكرير ~~ذلك من مقالهم. وقال الحرالي: فذكر قول الرسول الواقع في رتبة الذين ~~آمنوا معه لا قوله فيما يخصه في ذاته وحده ومن هو منه أو متبعه، لأن ~~للنبي ترتبا فيما يظهر من قول وفعل مع رتب أمته، فكان قول الرسول ~~المنبىء عن حالهم { متى نصر الله } فكأنهم في مثل ترقب المتلدد الحائر ~~الذي كأنه وإن وعد بما هو الحق يوقع له التأخير صورة الذي انبهم عليه ~~الأمر لما يرى من اجتثاث أسباب الفرج، ففي إشعاره إعلام بأن الله سبحانه ~~وتعالى إنما يفرج عن أنبيائه ومن معهم بعد انقطاع أسبابهم ممن سواه ~~ليمتحن قلوبهم للتقوى فتتقدس سرائرهم من الركون لشيء من الخلق وتتعلق ~~ضمائرهم بالله تعالى وحده حتى يقول صلى الله عليه وسلم: # " لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده " # إعلاما بأن الله سبحانه وتعالى ناصره دون حجاب ولا وسيلة شيء من خلقه، ~~كذلك سنته مع رسله # إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا # [غافر: 51] وعلى ذلك جرت خوارق العادات للأولياء وأهل الكرامات لا يكاد ~~يقع لهم إلا عن ضرورة قطع الأسباب، وفي قراءة النصب إعراب بأن غاية ~~الزلزال القول، وفي الرفع إعراب عن غاية الزلزال وأنه أمر مبهم، له وقع ~~في البواطن والظواهر، أحد تلك الظواهر وقوع هذا القول، ففي الرفع إنباء ~~باشتداد الأمر بتأثيره في ظاهر القول وما وراءه - انتهى. وهو في النصب ~~واضح فإن حتى مسلطة على الفعل، وأما في الرفع فهي مقطوعة عن الفعل لأنها ~~لم تعمل فيه لمضيه لتذهب النفس في الغاية كل مذهب ثم استؤنف شيء من ~~بيانها بالفعل. # ولما كان معنى الكلام طلب النصر واستبطاء الأمر أجابهم تعالى إجابة ~~المنادي في حال اشتداد الضر بقوله: { ألا } قال الحرالي: استفتاحا ms0421 ~~وتنبيها وجمعا للقلوب للسماع { إن } تأكيدا وتثبيتا { نصر الله } ~~الذي لا سبب له إلا العناية من ملك الملوك بعد قطع كل سبب من دونه { قريب ~~* } لاستغنائه عن عدة ومدة، ففي جملته بشرى بإسقاط كلفة النصر بالأسباب ~~والعدد والآلات المتعية، والاستغناء بتعلق القلوب بالله، ولذلك إنما ينصر ~~الله هذه الأمة بضعفائها، لأن نصرتها بتقوى القلوب لا بمدافعة الأجسام، ~~فلذلك تفتح خاتمة هذه الأمة " قسطنطينية الروم بالتسبيح والتكبير " قال ~~صلى الله عليه وسلم: # " إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين " # فانعطف ذلك على ما أراده الله تبارك وتعالى بأنبيائه وأصفيائه من اليسر ~~الذي كماله لهذه الأمة فأراد بهم اليسر في كل حال - انتهى. وفي بعض ~~الآثار: إنما تقاتلون الناس بأعمالكم، والحاصل أنه لا يكفي مجرد ادعائهم ~~الدخول في السلم بل لا بد من إقامة البينة بالصبر على ما يمتحنهم كما ~~امتحن الأمم الخالية والقرون الماضية، فانظر هذا التدريب في مصاعد ~~التأديب، وتأمل كيف ألقي إلى العرب وإن كان الخطاب لمن آمن ذكر القيامة ~~في قوله: { والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة } [البقرة: 212] والجنة في ~~قوله: { أن تدخلوا الجنة } [البقرة: 214] وهم ينكرونهما إلقاء ما كأنه ~~محقق لا نزاع فيه تأنيسا لهم بذكرهما، وانظر ما في ذلك من بدائع الحكم. ### || [2.215-217] # ولما كانت النفقة من أصول ما بنيت عليه السورة من صفات المؤمنين # ومما رزقناهم ينفقون # [البقرة: 3] ثم كرر الترغيب فيها في تضاعيف الآي إلى أن أمر بها في أول ~~آيات الحج الماضية آنفا مع أنها من دعائم بدايات الجهاد إلى أن تضمنتها ~~الآية السالفة مع القتل الذي هو نهاية الجهاد كان هذا موضع السؤال عنهما ~~فأخبر تعالى عن ذلك على طريق النشر المشوش وذلك مؤيد لما فهمته في ~~البأساء والضراء فإن استعماله في القرآن أكثر من المرتب فقال معلما لمن ~~سأل: هل سأل المخاطبون بذلك عنهما؟ { يسئلونك ماذا } أي أي شيء { ينفقون ~~} من الأموال. وقال الحرالي: لما كان منزل القرآن على نحو متصرف المرء في ~~الأزمان كان انتظام خطابه متراجعا بين خطاب دين ms0422 يتلقى عن الله وبين ~~إقامة بحكم يكون العبد فيه خليفة الله في نفاذ أمره وبين إنفاق يكون فيه ~~خليفة في أيصال فضله، لأن الشجاعة والجود - خلافة والجبن والبخل عزل ~~عنها، فكان في طي ما تقدم من الخطاب الإحسان والإنفاق، وكان حق ذلك أن لا ~~يسأل عماذا ينفق، لأن المنفق هو الفضل كله، قال صلى الله عليه وسلم: # " يا ابن آدم! إن تبذل الفضل خير لك وإن تمسكه شر لك " # ففي هذا السؤال ممن سأله له نوع تلدد من نحو ما تقدم لبني إسرائيل في ~~أمر البقرة من مرادة المسألة، لم يستأذن الصديق رضي الله تعالى عنه حين ~~أتى بماله كله ولا استأذن عمر رضي الله عنه حين أتى بشطر ماله ولا استأذن ~~سعد بن الربيع حين خرج لعبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنهما عن شطر ~~ماله وإحدى زوجتيه؛ فكان في هذا السؤال إظهار مثل الذين خلوا من قبلهم ~~ولولا أن الله رحيم لكان جوابهم: تنفقون الفضل، فكان يقع واجبا ولكن ~~الله لطف بالضعيف لضعفه وأثبت الإنفاق وأبهم قدره في نكس الإنفاق بأن ~~يتصدق على الأجانب مع حاجة من الأقارب فقال تعالى خطابا للنبي صلى الله ~~عليه وسلم وإعراضا منه عن السائلين لما في السؤال من التبلد الإسرائيلي ~~- انتهى. فقال: { قل ما أنفقتم من خير } أي من مال وعدل عن بيان المنفق ~~ما هو إلى بيان المصرف لأنه أنفع على وجه عرف منه سؤالهم وهو كل مال ~~عدوه خيرا فقال معبرا بالماضي ليكون أشمل: { ما أنفقتم من خير } فعمم ~~المنفق منه وهو كل ماله تعدونه خيرا وخص المصرف مبينا أهمه لأن النفقة ~~لا يعتد بها إلا أن تقع موقعها فقال: فللوالدين } لأنهما أخرجاه إلى ~~الوجود في عالم الأسباب { والأقربين } لما لهم من الحق المؤكد بأنهم ~~كالجزء لما لهم من قرب القرابة { واليتامى } لتعرضهم للضياع لضعفهم. # وقال الحرالي: لأنهم أقارب بعد الأقارب باليتم الذي أوجب خلافة الغير ~~عليهم - انتهى { والمساكين } لمشاركتهم الأيتام في الضعف وقدرتهم في ~~الجملة على نوع كسب. ms0423 قال الحرالي: وهم المتعرضون لغة والمستترون الذين لا ~~يفطن لهم ولا يجدون ما يغنيهم شرعا ولغة نبوية - انتهى. { وابن السبيل } ~~لضعفه بالغربة والآية محكمة فحمل ما فيها على ما يعارض غيرها. # ولما خص من ذكر عمم وبشر بقوله: { وما تفعلوا من خير } أي مما يعد خيرا ~~من عين أو معنى من هذا أو غيره مع هؤلاء أو غيرهم { فإن الله } المحيط ~~علما وقدرة بكل شيء. ولما كان على طريق الاستئناف في مقام الترغيب ~~والترهيب لكونه وكل الأمر إلى المنفقين وكان سبحانه عظيم الرفق بهذه ~~الأمة أكد علمه بذلك فقدم بذلك فقدم الظرف إشارة إلى أن له غاية النظر ~~إلى أعمالهم الحسنة فقال: { به عليم * } أي بالغ العلم وهو أولى من جازى ~~على الخير. وقال الحرالي: ختم بالعلم لأجل دخول الخلل على النيات في ~~الإنفاق لأنه من أشد شيء تتباهى به النفس فيكاد لا يسلم لها منه إلا ما ~~لا تعلمه شمالها التي هي التفاتها وتباهيها ويختص بيمينها التي هي صدقها ~~وإخلاصها - انتهى. ولما أخبروا بما سألوا عنه من إحدى الخصلتين المضمنتين ~~لآية الزلزال كان ذلك موضع السؤال عن الأخرى فأجيبوا على طريق الاستئناف ~~بقوله: { كتب }. وقال الحرالي: لما التف حكم الحج بالحرب تداخلت آيات ~~اشتراكهما وكما تقدم تأسيس فرض الحج في آية # فمن فرض فيهن الحج # [البقرة: 197] انتظم به كتب القتال، والفرض من الشيء ما ينزل بمنزلة ~~الجزء منه، والكتب ما خرز بالشيء فصار كالوصلة فيه، كما جعل الصوم لأن ~~في الصوم جهاد النفس كما أن في القتال جهاد العدو، فجرى ما شأنه المدافعة ~~بمعنى الكتب وما شأنه العمل والإقبال بمعنى الفرض، وهما معنيان مقصودان ~~في الكتاب والسنة تحق العناية بتفهمهما لينزل كل من القلب في محله ويختص ~~النية في كل واحد على وجهه وقد كان من أول منزلة آي القتال # أذن للذين يقاتلون # [الحج: 39] فكان الأول إذنا لمن شأنه المدافعة عن الدين بداعية من نفسه ~~من نحو ما كانت الصلاة قبل الفرض واقعة من الأولين بداعية من حبهم لربهم ms0424 ~~ورغبتهم إليه في الخلوة به والأنس بمناجاته فالذين كانت صلاتهم حبا كان ~~الخطاب لهم بالقتال إذنا لتلفتهم إليه في بذل أنفسهم لله الذين كان ذلك ~~حبا لهم يطلبون الوفاء به حبا للقاء ربهم بالموت كما أحبوا لقاء ربهم ~~بالصلاة " حين عقلوا " وأيقنوا أنه لا راحة لمؤمن إلا في لقاء ربه، فكان ~~من عملهم لقاء ربهم بالصلاة في السلم، وطلب لقائه بالشهادة " في الحرب " ~~، فلما اتسع أمر الدين ودخلت الأعراب والأتباع الذين لا يحملهم صدق ~~المحبة للقاء الله على البدار للجهاد نزل كتبه كما نزل فرض الصلاة ~~استدراكا فقال: { كتب عليكم القتال } أي أيتها الأمة! وكان في المعنى ~~راجعا لهذا الصنف الذين يسألون عن النفقة، وبمعنى ذلك انتظمت الآية بما ~~قبلها فكأنهم يتبلدون في الإنفاق تبلدا إسرائيليا ويتقاعدون عن الجهاد ~~تقاعد أهل التيه منهم الذين قالوا: # اذهب أنت وربك فقاتلا # [المائدة: 24] انتهى. { وهو كره } وهو ما يخالف غرض النفس وهواها، ولعله ~~لكونه لما كان خيرا عبر باللام في { لكم } وهذا باعتبار الأغلب وهو كما ~~قال الحرالي عند المحبين للقاء الله من أحلى ما تناله أنفسهم حتى كان ~~ينازع الرجل منهم في أن يقف فيقسم على الذي يمسكه أن يدعه والشهادة، قال ~~بعض التابعين: لقد أدركنا قوما كان الموت لهم أشهى من الحياة عندكم ~~اليوم وإنما كان ذلك لما خربوه من دنياهم وعمروه من أخراهم فكانوا يحبون ~~النقلة من الخراب إلى العمارة - انتهى. # ولما كان هذا مكروها لما فيه على المال من المؤونة وعلى النفس من ~~المشقة وعلى الروح من الخطر من حيث الطبع شهيا لما فيه من الوعد بإحدى ~~الحسنيين من حيث الشرع أشار إلى ذلك بجملة حالية فقال: { وعسى أن } ~~وسيأتي إن شاء الله تعالى في سورة براءة من شرح معاني { عسى } ما يوضح أن ~~المعنى: وحالكم جدير وخليق لتغطية علم العواقب عنكم بأن { تكرهوا شيئا } ~~أي كالغزو فتعرضوا عنه لظنكم أنه شر لكم { وهو } أي والحال أنه { خير لكم ~~} لما فيه من الظفر والغنيمة أو الشهادة والجنة فإنكم لا ms0425 تعلمون والذي ~~كلفكم ذلك عالم بكل شيء غير محتاج إلى شيء وما كلفكم ذلك إلا لنفعكم. قال ~~الحرالي: فشهد - لهم لما لم يشهدوا مشهد الموقنين الذين يشاهدون غيب ~~الإيمان كما يشهدون عن الحس، كما قال ثعلبة: " كأني أنظر إلى أهل الجنة ~~في الجنة ينعمون وأنظر إلى أهل النار في النار يعذبون " ولم يبرم لهم ~~الشهادة ولكن ناطها بكلمة { عسى } لما علمه من ضعف قبول من خاطبه بذلك، ~~وفي إعلامه إلزام بتنزل العلي الأدنى رتبة لما أظهر هذا الخطاب من تنزل ~~الحق في مخاطبة الخلق إلى حد مجاوزة المترفق في الخطاب - انتهى. # ولما رغبهم سبحانه وتعالى في الجهاد بما رجالهم فيه من الخير رهبهم من ~~القعود عنه بما يخشى فيه من الشر. قال الحرالي: فأشعر أن المتقاعد له في ~~تقاعده آفات وشر في الدنيا والآخرة ليس أن لا ينال خير الجهاد فقط بل ~~وينال شر التقاعد والتخلف - انتهى. فقال تعالى: { وعسى أن تحبوا شيئا } ~~أي كالقعود فتقبلوا عليه لظنكم أنه خير لكم { وهو } أي والحال أنه { شر ~~لكم } لما فيه من الذل والفقر وحرمان الغنيمة والأجر وليس أحد منكم إلا ~~قد جرب مثل ذلك مرارا في أمور دنياه، فإذا صح ذلك في فرد صار كل شيء ~~كذلك في إمكان خيريته وشريته فوجب ترك الهوى والرجوع إلى العالم المنزه ~~عن الغرض ولذلك قال عاطفا على ما تقديره: فالله قد حجب عنكم سر التقدير ~~{ والله } أي الذي له الإحاطة الكاملة { يعلم } أي له علم كل شيء وقد ~~أخبركم في صدر هذا الأمر أنه رؤوف بالعباد فهو لا يأمركم إلا بخير. # وقال الحرالي: شهادة بحق العلم يرجع إليها عند الأغبياء في تنزل الخطاب ~~- انتهى. # والآية من الاحتباك ذكر الخير أولا دال على حذفه ثانيا وذكر الشر ~~ثانيا دال على حذفه مثله أولا. # ولما أثبت سبحانه وتعالى شأنه العلم لنفسه نفاه عنهم فقال: { وأنتم لا ~~تعلمون *] أي ليس لكم من أنفسكم علم وإنما عرض لكم ذلك من قبل ما علمكم ~~فثقوا به وبادروا إلى كل ms0426 ما يأمركم به وإن شق. وقال الحرالي: فنفى العلم ~~عنهم لكلمة " لا " أي التي هي للاستقبال حتى تفيد دوام الاستصحاب # وما أوتيتم من العلم إلا قليلا # [الإسراء: 85] قال من حيث رتبة هذا الصنف من الناس من الأعراب وغيرهم، ~~وأما المؤمنون أي الراسخون فقد علمهم الله من علمه ما علموا أن القتال ~~خير لهم وأن التخلف شر لهم - انتهى. حتى أن علمهم ذلك أفاض على ألسنتهم ~~ما يفيض الدموع وينير القلوب، # " حتى شاورهم النبي صلى الله عليه وسلم في التوجه إلى غزوة بدر " فقام ~~أبو بكر رضي الله تعالى عنه فقال وأحسن، ثم قام عمر رضي الله تعالى عنه ~~فقال وأحسن، ثم قام المقداد رضي الله تعالى عنه فقال: يا رسول الله! امض ~~لما أراك الله فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: { ~~فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون } [المائدة: 24] ولكن اذهب أنت ~~وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق! لو سرت إلى برك ~~الغماد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه؛ فقال له رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم خيرا ودعا له، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أشيروا علي ~~أيها الناس! فقال سعد بن معاذ الأنصاري رضي الله تعالى عنه: والله لكأنك ~~تريدنا يا رسول الله؟ قال: أجل، قال: فقد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما ~~جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، ~~فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك. فوالذي بعثك بالحق! لو استعرضت بنا ~~هذا البحر فخضته لخضناه معك! ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا ~~عدونا غدا! إنا لصبر في الحرب صدق في اللقاء، لعل الله يريك منا ما تقر ~~به عينك، فسر بنا على بركة الله تعالى ". # ولما أخبرهم سبحانه وتعالى بإيجاب القتال عليهم مرسلا في جميع الأوقات ~~وكان قد أمرهم فيما مضى بقتلهم حيث تقفوهم ثم قيد عليهم في القتال في ~~المسجد الحرام كان بحيث يسأل هنا: هل ms0427 الأمر في الحرم والحرام كما مضى أم ~~لا؟ وكان المشركون قد نسبوهم في سرية عبد الله بن جحش التي قتلوا فيها من ~~المشركين عمرو بن الحضرمي إلى التعدي بالقتال في الشهر الحرام واشتد ~~تعييرهم لهم به فكان موضع السؤال: هل سألوا عما عيرهم به الكفار من ذلك؟ ~~فقال مخبرا عن سؤالهم مبنيا لحالهم: { يسئلونك } أي أهل الإسلام لا ~~سيما أهل سرية عبد الله بن جحش رضي الله تعالى عنهم { عن الشهر الحرام } ~~فلم يعين الشهر وهو رجب ليكون أعم، وسميت الحرم لتعظيم حرمتها حتى حرموا ~~القتال فيها، فأبهم المراد من السؤال ليكون للنفس إليه التفات ثم بينه ~~ببدل الاشتمال في قوله: { قتال فيه } ثم أمر بالجواب في قوله: { قل قتال ~~فيه } أي قتال كان فالمسوغ العموم. # ولما كان مطلق القتال فيه في زعمهم لا يجوز حتى ولا لمستحق القتل وكان ~~في الواقع القتال عدوانا فيه أكبر منه في غيره قال: { كبير } أي في ~~الجملة. # ولما كان من المعلوم أن المؤمنين في غاية السعي في تسهيل سبيل الله ~~فليسوا من الصد عنه ولا من الكفر في شيء لم يشكل أن ما بعده كلام مبتدأ ~~هو للكفار وهو قوله: { وصد } أي صد كان { عن سبيل الله } الملك الذي له ~~الأمر كله أي الذي هو دينه الموصل إليه أي إلى رضوانه، أو البيت الحرام ~~فإن النبي صلى الله عليه وسلم سمى الحج سبيل الله. قال الحرالي: والصد ~~صرف إلى ناحية بإعراض وتكره، والسبيل طريق الجادة السابلة عليه الظاهر ~~لكل سالك منهجه { وكفر به } أي كفر كان، أي بالدين، أو بذلك الصد أي ~~بسببه فإنه كفر إلى كفرهم، وحذف الخبر لدلالة ما بعده عليه دلالة بينة ~~لمن أمعن النظر وهو أكبر أي من القتال في الشهر الحرام، والتقييد فيما ~~يأتي بقوله: { عند الله } يدل على ما فهمته من أن المراد بقوله: { كبير } ~~في زعمهم وفي الجملة لا أنه من الكبائر. # ولما كان في تقدم الإذن بالقتال في الشهر الحرام وفي المسجد الحرام بشرط ~~كما ms0428 مضى كان مما يوجب السؤال عن القتال فيه في الجملة بدون ذلك الشرط أو ~~بغيره توقعا للإطلاق لا سيما والسرية التي كانت سببا لنزول هذه الآية ~~وهي سرية عبد الله بن جحش كان الكلام فيها كما رواه ابن إسحاق عن الأمرين ~~كليهما فإنه قال: إنهم لقوا الكفار الذين قتلوا منهم وأسروا وأخذوا عيرهم ~~في آخر يوم من رجب فهابوهم فلطفوا لهم حتى سكنوا فتشاوروا في أمرهم ~~وقالوا: لئن تركتموهم هذه الليلة ليدخلن الحرم ولئن قتلتموهم لتقتلنهم في ~~الشهر الحرام، فترددوا ثم شجعوا أنفسهم ففعلوا ما فعلوا فعيرهم المشركون ~~بذلك فاشتد تعييرهم لهم واشتد قلق الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين لا ~~سيما أهل السرية من ذلك ولا شك أنهم أخبروا النبي صلى الله عليه وسلم بكل ~~ذلك فإخبارهم له على هذه الصورة كاف في عدة سؤالاتهم فضلا عن دلالة ما ~~مضى على التشوف إلى السؤال عنه لما كان ذلك قال تعالى: { والمسجد } أي ~~ويسألونك عن المسجد { الحرام } أي الحرم الذي هو للصلاة والعبادة بالخضوع ~~لا لغير ذلك " قتال فيه قل قتال فيه كبير " عندكم على نحو ما مضى ثم ~~ابتدأ قائلا: { وإخراج } كما ابتدأ قوله: { وصد عن سبيل الله } وقال: { ~~أهله } أي المسجد الذي كتبه الله لهم في القدم وهم أولى الناس به { منه ~~أكبر } أي من القتال في الشهر الحرام خطأ وبناء على الظن والقتل فيه { ~~عند الله } أي المحيط بكل شيء قدرة وعلما فقد حذف من كل جملة ما دل عليه ~~ما ثبت في الأخرى فهو من وادي الاحتباك، وسر ما صنع في هذا الموضع من ~~الاحتباك أنه لما كان القتال في الشهر الحرام قد وقع من المسلمين حين هذا ~~السؤال في سرية عبد الله بن جحش أبرز السؤال عنه والجواب، ولما كان ~~القتال في المسجد الحرام لم يقع بعد وسيقع من المسلمين أيضا عام الفتح ~~طواه وأضمره، ولما كان الصد عن سبيل الله الذي هو البيت والكفر الواقع ~~بسببه لم يقع وسيقع من الكفار عام الحديبية أخفى خبره ms0429 وقدره، ولما كان ~~الإخراج قد وقع منهم ذكر خبره وأظهره؛ فأظهر سبحانه وتعالى ما أبرزه على ~~يد الحدثان، وأضمر ما أضمره في صدر الزمان، وصرح بما صرح به لسان الواقع، ~~ولوح إلى ما لوح إليه صارم الفتح القاطع - والله الهادي. # والمراد بالمسجد الحرام الحرم كله، قال الماوردي من أصحابنا: كل موضع ~~ذكر الله فيه المسجد الحرام فالمراد به الحرم إلا قوله تعالى: # فول وجهك شطر المسجد الحرام # [البقرة: 149] فإن المراد به الكعبة - نقله عن ابن الملقن. وقال غيره: ~~إنه يطلق أيضا على نفس مكة مثل # سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام # [الإسراء: 1] فإن في بعض طرق البخاري: # " فرج سقف بيتي وأنا بمكة فنزل جبريل ففرج صدري ثم غسله بماء زمزم ثم ~~جاء بطست - إلى أن قال: ثم أخذ بيدي فعرج بي إلى السماء " # ويطلق أيضا على نفس المسجد نحو قوله تعالى: # ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه ~~والباد # [الحج: 25]. # ولما كان كل ما تقدم من أمر الكفار فتنة كان كأنه قيل: أكبر، لأن ذلك ~~فتنة { والفتنة } أي بالكفر والتكفير بالصد والإخراج وسائر أنواع الأذى ~~التي ترتكبونها بأهل الله في الحرم والأشهر الحرم { أكبر من القتل } ولو ~~كان في الشهر الحرام لأن همه يزول وغمها يطول. # ولما كان التقدير: وقد فتنوكم وقاتلوكم وكان الله سبحانه وتعالى عالما ~~بأنهم إن تراخوا في قتالهم ليتركوا الكفر لم يتراخوا هم في قتالهم ~~ليتركوا الإسلام وكان أشد الأعداء من إذا تركته لم يتركك قال تعالى ~~عاطفا على ما قدرته: { ولا يزالون } أي الكفار { يقاتلونكم } أي يجددون ~~قتالكم كلما لاحت لهم فرصة. # ولما كان قتالهم إنما هو لتبديل الدين الحق بالباطل علله تعالى بقوله: { ~~حتى } ولكنهم لما كانوا يقدرون أنه هين عليهم لقلة المسلمين وضعفهم ~~تصوروه غاية لا بد من انتهائهم إليها، فدل على ذلك بالتعبير بأداة ~~الغاية، { يردوكم } أي كافة ما بقي منكم واحد { عن دينكم } الحق، ونبه ~~على أن " حتى " تعليلية بقوله مخوفا من التواني عنهم ms0430 فيستحكم كيدهم ~~ملهبا للأخذ في الجد في حربهم وإن كان يشعر بأنهم لا يستطيعون: { إن ~~استطاعوا } أي إلى ذلك سبيلا، فأنتم أحق بأن لا تزالوا كذلك، لأنكم ~~قاطعون بأنكم على الحق وأنكم منصورون وأنهم على الباطل وهم مخذولون؛ ولا ~~بد وإن طال المدى لاعتمادكم على الله واعتمادهم على قوتهم، ومن وكل إلى ~~نفسه ضاع؛ فالأمر الذي بينكم وبينهم أشد من الكلام فينبغي الاستعداد له ~~بعدته والتأهب له بأهبته فضلا عن أن يلتفت إلى التأثر بكلامهم الذي ~~توحيه إليهم الشياطين طعنا في الدين وصدا عن السبيل وشبههم التي أضلوا ~~عليهم دينهم ولا أصل لها، وفي الآية إشارة إلى ما وقع من الردة بعد موت ~~النبي صلى الله عليه وسلم فإن القتال على الدين لم ينقض إلا بعد الفروغ ~~من أمرهم. قال الحرالي: الاستطاعة مطاوعة النفس في العمل وإعطاؤها ~~الانقياد فيه، ثم قال: فيه إشعار بأن طائفة ترتد عن دينها وطائفة تثبت، ~~لأن كلام الله لا يخرج في بته واشتراطه إلا لمعنى واقع لنحو ما ويوضحه ~~تصريح الخطاب في قوله: { ومن يرتدد } إلى آخره؛ وهو من الردة ومنه الردة ~~وهو كف بكره لما شأنه الإقبال بوفق - انتهى. وكان صيغة الافتعال المؤذنة ~~بالتكلف والعلاج إشارة إلى أن الدين لا يرجع عنه إلا بإكراه النفس لما في ~~مفارقة الإلف من الألم؛ وإجماع القراء على الفك هنا للإشارة إلى أن ~~الحبوط مشروط بالكفر ظاهرا باللسان وباطنا بالقلب فهو مليح بالعفو عن ~~نطق اللسان مع طمأنينة القلب، وأشارت قراءة الإدغام في المائدة إلى أن ~~الصبر أرفع درجة من الإجابة باللسان وإن كان القلب مطمئنا. # ولما حماهم سبحانه وتعالى بإضافة الدين إليهم بأنهم يريدون سلبهم ما ~~اختاروه لأنفسهم لحقيته وردهم قهرا إلى ما رغبوا عنه لبطلانه خوفهم من ~~التراخي عنهم حتى يصلوا إلى ذلك فقال: { ومن يرتدد منكم } أي يفعل ما ~~يقصدونه من الردة { عن دينه } وعطف على الشرط قوله: { فيمت } أي فيتعقب ~~ردته أنه يموت { وهو } أي والحال أنه { كافر }. # ولما أفرد الضمير على اللفظ نصا ms0431 على كل فرد فرد جمع لأن إخزاء الجمع ~~إخزاء لكل فرد منهم ولا عكس، وقرنه بفاء السبب إعلاما بأن سوء أعمالهم ~~هو السبب في وبالهم فقال: { فأولئك } البعداء البغضاء { حبطت أعمالهم } ~~أي بطلت معانيها وبقيت صورها؛ من حبط الجرح إذا برأ ونفي أثره. وقال ~~الحرالي: من الحبط وهو فساد في الشيء الصالح يأتي عليه من وجه يظن به ~~صلاحه وهو في الأعمال بمنزلة البطح في الشيء القائم الذي يقعده عن قيامه ~~كذلك الحبط في الشيء الصالح يفسده عن وهم صلاحه { في الدنيا } بزوال ما ~~فيها من روح الأنس بالله سبحانه وتعالى ولطيف الوصلة به وسقوط إضافتها ~~إليهم إلا مقرونة ببيان حبوطها فقط بطل ما كان لها من الإقبال من الحق ~~والتعظيم من الخلق { والآخرة } بإبطال ما كان يستحق عليها من الثواب ~~بصادق الوعد. ولما كانت الردة أقبح أنواع الكفر كرر المناداة بالبعد على ~~أهلها فقال: { وأولئك أصحاب النار } فدل بالصحبة على أنهم أحق الناس بها ~~فهم غير منفكين منها. # ولما كانوا كذلك كانوا كأنهم المختصون بها دون غيرهم لبلوغ ما لهم فيها ~~من السفول إلى حد لا يوازيه غيره فتكون لذلك اللحظ لهم بالأيام من غيرهم ~~فقال تقريرا للجملة التي قبلها: { هم فيها خالدون * } أي مقيمون إقامة ~~لا آخر لها، وهذا الشرط ملوح إلى ما وقع بعد موت النبي صلى الله عليه ~~وسلم من الردة لأن الله سبحانه وتعالى إذا ساق شيئا مساق الشرط اقتضى ~~أنه سيقع شيء منه فيكون المعنى: ومن يرتد فيتب عن ردته يتب الله عليه كما ~~وقع لأكثرهم، وكان التعبير بما قد يفيد الاختصاص إشارة إلى أن عذاب غيرهم ~~عدم بالنسبة إلى عذابهم لأن كفرهم أفحش أنواع الكفر. ### || [2.218-219] # ولما بين سبحانه وتعالى المقطوع لهم بالنار بين الذين هم أهل لرجاء ~~الجنة لئلا يزال العبد هاربا من موجبات النار مقبلا على مرجئات الجنة ~~خوفا من أن يقع فيما يسقط رجاءه - وقال الحرالي: لما ذكر أمر المتزلزلين ~~ذكر أمر الثابتين؛ انتهى - فقال: { إن الذين آمنوا } أي أقروا ms0432 بالإيمان. # ولما كانت الهجرة التي هي فراق المألوف والجهاد الذي هو المخاطرة بالنفس ~~في مفارقة وطن البدن والمال في مفارقة وطن النعمة أعظم الأشياء على النفس ~~بعد مفارقة وطن الدين كرر لهما الموصول إشعارا باستحقاقهما للاصالة في ~~أنفسهما فقال مؤكدا للمعنى بالإخراج في صيغة المفاعلة: { والذين هاجروا ~~} أي أوقعوا المهاجرة بأن فارقوا بغضا ونفرة تصديقا لإقرارهم بذلك ~~ديارهم ومن خالفهم فيه من أهلهم وأحبابهم. قال الحرالي: من المهاجرة وهو ~~مفاعلة من الهجرة وهو التخلي عما شأنه الاغتباط به لمكان ضرر منه { ~~وجاهدوا } أي أوقعوا المجاهدة، مفاعلة من الجهد - فتحا وضما، وهو ~~الإبلاغ في الطاقة والمشقة في العمل { في سبيل الله } أي دين الملك ~~الأعظم كل من خالفهم { أولئك } العالو الرتبة العظيمو الزلفى والقربة ~~ولما كان أجرهم إنما هو من فضل الله قال: { يرجون } من الرجاء وهو ترقب ~~الانتفاع بما تقدم له سبب ما - قاله الحرالي { رحمت الله } أي إكرامه لهم ~~غير قاطعين بذلك علما منهم أن له أن يفعل ما يشاء لأنه الملك الأعظم فلا ~~كفوء له وهم غير قاطعين بموتهم محسنين، قاطعون بأنه سبحانه وتعالى لو ~~أخذهم بما يعلم من ذنوبهم عذبهم. # ولما كان الإنسان محل النقصان فهو لا يزال في فعل ما إن أوخذ به هلك قال ~~مشيرا إلى ذلك مبشرا بسعة الحلم في جملة حالية من واو { يرجون } ويجوز ~~أن يكون عطفا على ما تقديره: ويخافون عذابه فالله منتقم عظيم: { والله } ~~أي الذي له صفات الكمال { غفور } أي ستور لما فرط منهم من الصغائر أو ~~تابوا عنه من الكبائر { رحيم * } فاعل بهم فعل الراحم من الإحسان ~~والإكرام والاستقبال بالرضى. قال الحرالي: وفي الختم بالرحمة أبدا في ~~خواتم الآي إشعار بأن فضل الله في الدنيا والآخرة ابتداء فضل ليس في ~~الحقيقة جزاء العمل فكما يرحم العبد طفلا ابتداء يرحمه كهلا انتهاء ~~ويبتدئه برحمته في معاده كما ابتدأه برحمته في ابتدائه - انتهى بالمعنى. # ولما كان الشراب مما أذن فيه في ليل الصيام وكان غالب شرابهم النبيذ من ~~التمر والزبيب ms0433 وكانت بلادهم حارة فكان ربما اشتد فكان عائقا عن العبادة ~~لا سيما الجهاد لأن السكران لا ينتفع به في رأي ولا بطش ولم يكن ضروريا ~~في إقامة البدن كالطعام آخر بيانه إلى أن فرغ مما هو أولى منه بالإعلام ~~وختم الآيات المتخللة بينه وبين آيات الإذن بما بدأها به من الجهاد ونص ~~فيها على أن فاعل أجد الجد وأمهات الأطايب من الجهاد وما ذكر معه في محل ~~الرجاء للرحمة فاقتضى الحال السؤال: هل سألوا عن أهزل الهزل وأمهات ~~الخبائث؟ فقال معلما بسؤالهم عنه مبينا لما اقتضاه الحال من حلمه فيبقى ~~ما عداه على الإباحة المحضة: { يسئلونك عن الخمر } الذي هو أحد ما غنمه ~~عبد الله بن جحش رضي الله تعالى عنه في سريته التي أنزلت الآيات السالفة ~~بسببها. # قال الحرالي: وهو مما منه الخمر - بفتح الميم - وهو ما وارى من شجر ~~ونحوه، فالخمر - بالسكون - فيما يستبطن بمنزلة الخمر - بالفتح - فيما ~~يستظهر، كأن الخمر يواري ما بين العقل المستبصر من الإنسان وبهيميته ~~العجماء، وهي ما أسكر من أي شراب كان سواء فيه القليل والكثير { والميسر ~~} قال الحرالي: اسم مقامرة كانت الجاهلية تعمل بها لقصد انتفاع الضعفاء ~~وتحصيل ظفر المغالبة - انتهى. وقرنهما سبحانه وتعالى لتآخيهما في الضرر ~~بالجهاد وغيره بإذهاب المال مجانا عن غير طيب نفس ما بين سبحانه وتعالى ~~من المؤاخاة بينهما هنا وفي المائدة وإن كان سبحانه وتعالى اقتصر هنا على ~~ضرر الدين وهو الإثم لأنه أس يتبعه كل ضرر فقال في الجواب: { قل فيهما } ~~أي في استعمالهما { إثم كبير } لما فيهما من المساوي المنابذة لمحاسن ~~الشرع من الكذب والشتم وزوال العقل واستحلال مال الغير فهذا مثبت للتحريم ~~بإثبات الإثم ولأنهما من الكبائر. قال الحرالي: في قراءتي الباء الموحدة ~~والمثلثة إنباء عن مجموع الأمرين من كبر المقدار وكثرة العدد وواحد من ~~هذين مما يصد ذا الطبع الكريم والعقل الرصين عن الإقدام عليه بل يتوقف عن ~~الإثم الصغير القليل فكيف عن الكبير الكثير - انتهى. { ومنافع للناس } ~~يرتكبونهما لأجلها من التجارة في ms0434 الخمر واللذة بشربها، ومن أخذ المال ~~الكثير في الميسر وانتفاع الفقراء وسلب الأموال والافتخار على الأبرام ~~والتوصل بهما إلى مصادقات الفتيان ومعاشراتهم والنيل من مطاعمهم ومشاربهم ~~وأعطياتهم ودرء المفاسد مقدم فكيف { وإثمهما أكبر من نفعهما } وفي هذا ~~كما قال الحرالي تنبيه على النظر في تفاوت الخيرين وتفاوت الشرين - ~~انتهى. قال أبو حاتم أحمد بن أحمد الرازي في كتاب الزينة: وقال بعض أهل ~~المعرفة: والنفع الذي ذكر الله في الميسر أن العرب في الشتاء والجدب ~~كانوا يتقامرون بالقداح على الإبل ثم يجعلون لحومها لذوي الفقر والحاجة ~~فانتفعوا واعتدلت أحوالهم؛ قال الأعشى في ذلك: # المطعمو الضيف إذا ما شتوا # والجاعلو القوت على الياسر # انتهى. وقال غيره: وكانوا يدفعونها للفقراء ولا يأكلون منها ويفتخرون ~~بذلك ويذمون من لم يدخل فيه ويسمونه البرم، وبيان المراد من الميسر عزيز ~~الوجود مجتما وقد استقصيت ما قدرت عليه منه إتماما للفائدة قال المجد ~~الفيروز آبادي في قاموسه: والميسر اللعب بالقداح، يسر ييسر، أو الجزور ~~التي كانوا يتقامرون عليها، أو النرد أو كل قمار - انتهى. # وقال صاحب كتاب الزينة: وجمع الياسر يسر وجمع اليسر أيسار فهو جمع الجمع ~~مثل حارس وحرس وأحراس - انتهى. والقمار كل مراهنة على غرر محض وكأنه ~~مأخوذ من القمر آية الليل، لأنه يزيد مال المقامر تارة وينقصه أخرى كما ~~يزيد القمر وينقص؛ وقال أبو عبيد الهروي في الغريبين وعبد الحق الإشبيلي ~~في كتابه الواعي: قال مجاهد: كل شيء فيه قمار فهو الميسر حتى لعب الصبيان ~~بالجوز، وفي تفسير الأصبهاني عن الشافعي: إن الميسر ما يوجب دفع مال أو ~~أخذ مال، فإذا خلا الشطرنج عن الرهان واللسان عن الطغيان والصلاة عن ~~النسيان لم يكن ميسرا. وقال الأزهري: الميسر الجزور الذي كانوا يتقامرون ~~عليه، سمي ميسرا لأنه يجزأ أجزاء فكأنه موضع التجزئة، وكل شيء جزأته فقد ~~يسرته، والياسر الجازر لأنه يجزىء لحم الجزور، قال وهذا الأصل في الياسر ~~ثم يقال للضاربين بالقداح والمتقامرين على الجزور: ياسرون، لأنهم جازرون ~~إذ كانوا سببا لذلك، ويقال: يسر القوم - إذا ms0435 قامروا، ورجل يسر وياسر ~~والجمع أيسار؛ القزاز: فأنت ياسر وهو ميسور برجع والمفعول ميسور - يعني ~~الجزور، وأيسار جمع يسر ويسر جمع ياسر، وقال القزاز: واليسر القوم الذين ~~يتقامرون على الجزور، واحدهم ياسر كما تقول: غائب وغيب، ثم يجمع أيسر ~~فيقال: أيسار، فيكون الأيسار جمع الجمع، ويقال للضارب بالقداح: يسر، ~~والجمع أيسار، ويقال للنرد: ميسر، لأنه يضرب عليها كما يضرب على الجزور، ~~ولا يقال ذلك في الشطرنج لمفارقتها ذلك المعنى؛ وقال عبد الحق في الواعي: ~~والميسر موضع التجزئة؛ أبو عبد الله: كان أمر الميسر أنهم كانوا يشترون ~~جزورا فينحرونها ثم يجزئونها أجزاء، قال أبو عمرو: على عشرة أجزاء، وقال ~~الأصمعي: على ثمانية وعشرين جزءا، ثم يسهمون عليها بعشرة قداح، لسبعة ~~منها أنصباء وهي الفذ والتوأم والرقيب والحلس والنافس والمسبل والمعلي، ~~وثلاثة منها ليس لها أنصباء وهي المنيح والسفيح والوغد، ثم يجعلونها على ~~يد رجل عدل عندهم يجيلها لهم باسم رجل رجل، ثم يقسمونها على قدر ما يخرج ~~لهم السهام، فمن خرج سهمه من هذه السبعة أخذ من الأجزاء بحصة ذلك، ومن ~~خرج له واحد من الثلاثة فقد اختلف الناس في هذا الموضع فقال بعضهم: من ~~خرجت باسمه لم يأخذ شيئا ولم يغرم ولكن تعاد الثانية ولا يكون له نصيب ~~ويكون لغوا؛ وقال بعضهم: بل يصير ثمن الجزور كله على أصحاب هؤلاء ~~الثلاثة فيكونون مقمورين ويأخذ أصحاب السبعة أنصباء على ما خرج لهم ~~فهؤلاء الياسرون. قال أبو عبيد: ولم أجد علماءنا يستقصون علم معرفة هذا ~~ولا يدعونه، ورأيت أبا عبيدة أقلهم ادعاء له، قال أبو عبيدة: وقد سألت ~~عنه الأعراب فقالوا: لا علم لنا بهذا، هذا شيء قد قطعه الإسلام منذ جاء ~~فلسنا ندري كيف كانوا ييسرون. # قال أبو عبيد: وإنما كان هذا منهم في أهل الشرف والثروة والجدة - انتهى. ~~ولعل هذا سبب تسميته ميسرا. وقال صاحب الزينة: فالتي لها الغنم وعليها ~~الغرم أي من السهام يقال لها: موسومة، لأجل الفروض فإنها بمنزلة السمة، ~~ويكون عدد الأيسار سبعة أنفس يأخذ كل رجل ms0436 قدحا، وربما نقص عدد الرجال عن ~~السبعة فيأخذ الرجل منهم قدحين، فإذا فعل ذلك مدح به وسمي مثنى الأيادي، ~~قال النابغة: # إني أتمم إيثاري وأمنحهم # مثنى الأيادي وأكسو الحفنة الأدما # وقال: ويقال للذي يضرب بالقداح: حرضة، وإنما سمي بذلك لأنه رجل يجيل لا ~~يدخل مع الأيسار ولا يأخذ نصيبا ولذلك يختارونه لأنه لا غنم له ولا غرم ~~عليه، والذي لا يضرب القداح ولا يدخل مع الأيسار في شيء من أمورهم يقال ~~له: البرم، وتجمع القداح في جلدة، وقال بعضهم: في خرقة، وتسمى تلك الجلدة ~~الربابة، أي بكسر الراء المهملة وموحدتين، ثم تجمع أطرافها ويعدل بينها ~~وتكسى يده أديما لكي لا يجد مس قدح له فيه رأي وتشد عيناه، فيجمع أصابعه ~~عليها ويضمها كهيئة الضغث ثم يضرب رؤوسها بحاق راحته فأيها طلع من ~~الربابة كان فائزا؛ قال: وقال غيره: تكون الربابة شبه الخريطة تجمع فيها ~~القداح ثم يؤمر الحرضة أن يجيلها، فمنها ما يعترض في الربابة فلا يخرج ~~ومنها ما لا يعترض فيطلع، فذاك يكون فائزا، ويقعد رجل أمين على الحرضة ~~يقال له: الرقيب، ويقال للذي يضرب بالقداح: مفيض، والإفاضة الدفع وهو أن ~~يدفعها دفعة واحدة إلى قدام ويجيلها ليخرج منها قدح؛ وكذلك الإفاضة من ~~عرفة هو الدفع منها إلى جمع - انتهى. وقال في القاموس: كانوا إذا أرادوا ~~أن ييسروا اشتروا جزورا نسيئة ونحروه قبل أن ييسروا وقسموه ثمانية ~~وعشرين سهما أو عشرة أقسام، فإذا خرج واحد واحد باسم رجل رجل ظهر فوز من ~~خرج لهم ذوات الأنصباء وغرم من خرج له الغفل - انتهى. وقال عبد الغافر ~~الفارسي في مجمع الغرائب: الياسر هو الضارب في القداح، وهو من الميسر وهو ~~القمار الذي كان أهل الجاهلية يفعلونه، وكانوا يتقامرون على الجزور أو ~~غيره ويجزئونه أجزاء ويسهمون عليها مثلا بعشرة لسبعة منها أنصباء وهي ~~الفذ - إلى آخره، ثم يخرجون ذلك، فمن خرج سهمه من السبعة أخذ بحصته، ومن ~~خرج له واحد من الثلاثة لم يأخذ شيئا؛ ولهم في ذلك مذاهب ما عرفها أهل ms0437 ~~الإسلام ولم يكن أحد من أهل اللغة على ثبت في كيفية ذلك - انتهى. # هذا ما قالوه في مادة يسر وقد نظمت أسماء القداح تسهيلا لحفظها في ~~قولي: # الفذ والتوأم والرقيب # والحلس والنافس يا ضريب # ومسبل مع المعلى عدوا # ثم منيح وسفيح وغد # وأما ما قالوه في مادة كل اسم منها فقال في القاموس: الفذ أي بفتح الفاء ~~وتشديد الذال المعجمة: أول سهام الميسر، والتوأم أي بفتح الفوقانية ~~المبدلة من الواو وإسكان الواو وفتح الهمزة - وزن كوكب: سهم من سهام ~~الميسر أو ثانيها، والرقيب أمين أصحاب الميسر أو الأمين على الضريب ~~والثالث من قداح الميسر، وقال في مادة ضرب: والضريب الموكل بالقداح أو ~~الذي يضرب بها كالضارب والقدح الثالث؛ وقال في الجمع بين العباب والمحكم: ~~والرقيب الحافظ ورقيب القداح الأمين على الضريب، وقيل: هو أمين أصحاب ~~الميسر، وقيل: هو الرجل الذي يقوم خلف الحرضة في الميسر ومعناه كله سواء، ~~وإنما قيل للعيوق: رقيب الثريا، تشبيها برقيب الميسر، والرقيب الثالث من ~~قداح الميسر، وفيه ثلاثة فروض، وله غنم ثلاثة أنصباء إن فاز، وعليه غرم ~~ثلاثة إن لم يفز؛ وقال في مادة ضرب: وضرب بالقداح والضريب الموكل ~~بالقداح، وقيل: الذي يضرب بها، قال سيبويه: فعيل بمعنى فاعل، والضريب ~~القدح الثالث من قداح الميسر، قال اللحياني: وهو الذي يسمى الرقيب، قال: ~~وفيه ثلاثة فروض إلى آخر ما في الرقيب؛ وقال في القاموس: والحرضة أي ~~بضم المهملة وإسكان المهملة ثم معجمة أمين المقامرين، والحلس بكسر ~~المهملة وإسكان اللام ثم مهملة وككتف الرابع من سهام الميسر، والنافس ~~بنون وفاء مكسورة ومهملة اسم فاعل خامس سهام الميسر، ومسبل أي بسين مهملة ~~وموحدة قال: بوزن محسن، السادس أو الخامس من قداح الميسر؛ وقال في مجمع ~~البحرين: وهو المصفح أيضا يعني بفتح الفاء، والمعلى كمعظم سابع سهام ~~الميسر، والمنيح كأمير أي بنون وآخره مهملة قدح بلا نصيب، والسفيح أي ~~بوزنه وبمهملة ثم فاء وآخره مهملة قدح من الميسر لا نصيب له، والوغد أي ~~بفتح ثم سكون المعجمة ثم مهملة ms0438 الأحمق الضعيف الرذل الدنيء وقدح لا نصيب ~~له؛ وقال صاحب الزينة: وكانوا يبتاعون الجزور ويتضمنون ثمنه ثم يضربون ~~بالقداح عليه ثم ينحرونه ويقسمونه عشرة أجزاء على ما حكاه أكثر علماء ~~اللغة، ثم يجيلون عليها القداح فإن خرج المعلى أخذ صاحبه سبعة أنصباء ~~ونجا من الغرم، ثم يجيلون عليها ثانيا فإن خرج الرقيب أخذ صاحبه ثلاثة ~~أنصباء ونجا من الغرم، ثم يجيلون عليها ثانيا فإن خرج الرقيب أخذ صاحبه ~~ثلاثة أنصباء ونجا من الغرم ونفدت أجزاء الجزور، وغرم الباقون على عدد ~~أنصبائهم فغرم صاحب الفذ نصيبا واحدا وصاحب التوأم نصيبين فعلى ذلك ~~يقسمون الغرم بينهم. وذكر عن الأصمعي أنه قال: كانوا يقسمون الجزور على ~~ثمانية وعشرين جزءا: للفظ جزء، وللتوأم جزءان، وللرقيب ثلاثة أجزاء - ~~فعلى هذا حتى تبلغ ثمانية وعشرين جزءا؛ وخالفه في ذلك أكثر العلماء ~~وخطؤوه وقالوا: إذا كان ذلك كذلك وأخذ كل قدح نصيبه لم يبق هنالك غرم فلا ~~يكون إذا قامر ولا مقمور، ومن أجل ذلك قالوا لأجزاء الجزور: أعشار، ~~لأنها عشرة أجزاء، قال امرؤ القيس. # وما ذرفت عيناك إلا لتضربي # بسهميك في أعشار قلب مقتل # جعل القلب بدلا لأعشار الجزور وجعل العينين مثلا للقدحين أي سبت قلبه ~~ففازت به كما يفوز صاحب المعلى والرقيب؛ وقال القزاز في التاء الفوقانية ~~من ديوانه: والتوأم أحد أقداح الميسر وهو الثاني منها، وإنما سمي توأما ~~بما عليه من الحظوظ، وعليه حظان وله من أنصباء الجزور نصيبان، وإن قمرت ~~أنصباء الجزور غرم من خرج له التوأم نصيبين، وذلك أنها عشرة قداح أولها ~~الفذ وعليه فرض وله نصيب، والثاني التوأم وعليه فرضان وله نصيبان، ~~والثالث الرقيب وعليه ثلاثة فروض وله ثلاثة أنصباء، والرابع الحلس وعليه ~~أربعة فروض وله أربعة أنصباء، والخامس النافس وعليه خمسة فروض وله خمسة ~~أنصباء، والسادس المسبل وعليه ستة فروض وله ستة أنصباء، والسابع المعلى ~~وعليه سبعة فروض وله سبعة أنصباء، ومنها ثلاثة لا حظوظ لها وهي السفيح ~~والمنيح والوغد، وربما سموها بأسماء غير هذه لكن ذكرنا المستعمل منها ~~هاهنا ms0439 ونذكرها بأسمائها في مواضعها من الكتاب إن شاء الله تعالى؛ وهذه ~~التي لا حظوظ لها ليس عليها فرض، ولذلك تدعى أغفالا لأن الغفل من الدواب ~~الذي لا سمة له. وهيئة ما يفعلون في القمار هو أن تنحر الناقة وتقسم عشرة ~~أجزاء فتعجل إحدى الوركين جزءا، والورك الأخرى جزء وعجزها جزء، والكاهل ~~جزء، والزور وهو الصدر جزء، والملحا أي ما بين الكاهل والعجز من الصلب ~~جزء، والكتفان وفيهما العضدان جزءان، والفخذان جزءان، وتقسم الرقبة ~~والطفاطف بالسواء على تلك الأجزاء، وما بقي من عظم أو بضعة فهو الريم ~~وأصله من الزيادة على الحمل وهي التي تسمى علاوة فيأخذ الجازر؛ وربما ~~استثنى بائع الناقة منها شيئا لنفسه وأكثر ما يستثنى الأطراف والرأس، ~~فإذا صارت الجزور على هذه الهيئة أحضروا رجلا يضرب بها بينهم يقال له ~~الحرضة فتشد عيناه ويجعل على يديه ثوب لئلا يحس القداح ثم يؤتى بخريطة ~~فيها القداح واسعة الأسفل ضيقة الفم قدر ما يخرج منها سهم أو سهمان ~~والقداح فيها كفصوص النرد الطوال غير أنها مستديرة فتجعل الخريطة على يدي ~~الحرضة، ويؤتى برجل يجعل أمينا عليه يقال له الرقيب فيقال له: جلجل ~~القداح، فيجلجلها في الخريطة مرتين أو ثلاثا، فإذا فعل ذلك أفاض بها وهو ~~أن يدفعها دفعة واحدة فتندر من مخرجها ذلك الضيق، فإذا خرج قدح أخذه ~~الرقيب، فإن كان من الثلاثة التي لا فروض عليها رده إلى الخريطة وقال: ~~أعد، وإن كان من السبعة ذوات الحظوظ دفعه إلى صاحبه وقال له: اعتزل ~~القوم، وذاك أن الذين يتقامرون قد أخذ كل واحد منهم قدحا على ما يحب، ~~فإن كان الذي خرج الفذ أخذ صاحبه جزءا وسلم من الغرم وأعاد الحرضة ~~الإفاضة، وإن كان الذي خرج التوأم أخذ صاحبه نصيبين واعتزل القوم وسلم من ~~الغرم أيضا، وكذا كل واحد منهم يأخذ ما خرج له ويعتزل القوم ويسلم من ~~الغرم، فإذا خرج في الثانية قدح أخذ صاحبه ما خرج له وكذا الثالث يأخذ ما ~~خرج له ويعتزل القوم ما لم يستغرق ms0440 الأول والثاني أنصباء الجزور، مثل أن ~~يخرج للأول الرقيب فيأخذ ثلاثة أنصباء، ثم يخرج للثاني المعلى فيأخذ سبعة ~~أنصباء ويغرم الباقون ثمن الجزور. # أو يخرج في الأول الفذ وفي الثاني التوأم وفي الثالث المعلى فيذهب أيضا ~~سائر الأنصباء ويغرم باقي القوم ثمن الجزور، وكذا ما كان مثل هذا؛ فإن ~~زادت سهام من خرج له قدح على ما بقي من الجزور غرم له من بقي ما زاد ~~سهمه؛ وذلك مثل أن يخرج للأول المعلى فيأخذ سبعة أنصباء ثم يخرج للثاني ~~النافس وحظه خمسة وإنما بقي من الجزور ثلاثة فيأخذها ويغرم له الباقون ~~خمسي الجزور، وكذا لو خرج للأول النافس وأخذ خمسة أنصباء ثم خرج للثاني ~~الحلس فأخذ أربعة أنصباء وخرج للثالث المعلى أخذ النصيب الذي بقي وغرم له ~~الباقون ثلاثة أخماس الجزور، وعلى هذا سائر قمارهم، إذا تدبرته علمت كيف ~~يجري جميعه ويغرم القوم ما يلزمهم على قدر سهامهم الباقية يفرضون ما ~~لزمهم على عدد ما في أنصبائهم من الفرض، وقد ذكر أن الجزور تجزأ على عدد ~~ما في القداح من الفروض وهي ثمانية وعشرون جزءا، ولا معنى لهذا القول ~~لأنه يلزم أن لا يكون في هذا قمار ولا فوز ولا خيبة إذ كل واحد يختار ~~لنفسه ما أحب من السهام ثم يأخذ ما خرج له ثم لا تفرغ أجزاء الجزور إلا ~~بفراغ القداح، فلا معنى للتقامر عليها، والأول أصح ويدل عليه شعر العرب، ~~وذلك لأن الرجل ربما أخذ في الميسر قدحين فيفوز بأجزاء الجزور، مثل أن ~~يأخذ المعلى والرقيب فإذا ضرب له الحرضة خرج له أحدهما ففاز بحظه ثم إذا ~~ضرب الثانية خرج له الآخر فيفوز بسائر الجزور، ولو كان السهام والأنصباء ~~على ما ذكروا لم يفز صاحب سهمين بسائر الأنصباء إذ لا تذهب الأنصباء إلا ~~بفراغ القداح، ومما يدل على فوز صاحب السهمين بالكل قول امرىء القيس: # وما ذرفت عيناك إلا لتضربي # بسهميك في أعشار قلب مقتل # يقول: تضرب بسهميها المعلى والرقيب فتحوز القلب كله، ومن هذا قول كثير ms0441 ~~ووصف ناقة هزلها السير حتى أذهب لحمها: # وتؤبن من نص الهواجر والسرى # بقدحين فازا من قداح المقعقع # يقول: هذه الناقة هزلها السير حتى لم يبق من لحمها شيء فكأنه ضرب عليها ~~بالقداح ففاز منها قدحان فاستوليا على أعشارها وهو الرقيب والمعلى - ~~انتهى. هكذا ذكر شرح قول كثير ورأيت على حاشية نسخة من كتابه ما لعله ~~أليق، وذلك لأنه قال أي يظن بها فضل على الإبل في سيرها بعد نص الهواجر ~~والسرى لصبرها وكرمها وشدتها كفضل رجل فاز قدحه مرتين على قداح أصحابه؛ ~~والمقعقع هو الذي يجيل القداح - انتهى. وهو أقرب مما قاله لأن قوله: تؤبن ~~بقدحين فازا، ظاهر في أن القدحين لها وأنها هي الفائزة؛ والله سبحانه ~~وتعالى الموفق - هذا. وقوله: لا معنى للتقامر عليها، على تقدير التجزئة ~~بثمانية وعشرين ليس كذلك بل تظهر ثمرته في التفاوت في الأنصباء، وذلك بأن ~~تكون السهام وهي القداح عشرة، فإنه لما قال: إن الأجزاء تكون ثمانية ~~وعشرين، لم يقل: إنها على عدد السهام، حتى تكون السهام ثمانية وعشرين، بل ~~قال: إنها على عدد الفروض التي في السهام، وقد علم أنها عشرة؛ وقد صرح ~~صاحب الزينة وغيره عن الأصمعي كما مضى وهو ممن قال بهذا القول، فحينئذ من ~~خرج له المعلى مثلا أخذ سبعة أنصباء من ثمانية وعشرين فيكون أكثر حظا ~~ممن خرج له ما عليه ستة فروض فما دونها للضربات؛ وقوله: إن الرجل ربما ~~أخذ قدحين - إلى آخره، يبين وجها آخر من التفاوت، وهو أن الرجل ربما خرج ~~له سهم واحد لاعتراض السهام وتحرفها عن سنن الاستقامة حال الخروج، وربما ~~خرج له سهمان أو ثلاثة في إفاضة واحدة لاستقامة السهام واعتدالها للخروج ~~ففاز بمعظم الجزور، وذلك بأن يكون الرجال أقل من السهام، وربما خرج له ~~أكثر من ذلك مع الوفاء للثمن بينهم على السواء، وهذا الوجه يتأتى أيضا ~~بتقدير أن تكون السهام والرجال على عدد الأجزاء، لانحصار العد فيمن خرج ~~له سهام سواء كان على عددهم أو أكثر وانحصار الغرم فيمن لم يخرج ms0442 له سهم ~~على تقدير أن يخرج لغيره عدد من السهام؛ وبتقدير أن لا يخرج لكل واحد ~~واحد يكون قمارا أيضا، لأن كل واحد منهم غير واثق بالفوز ويكون فائدة ~~ذلك حينئذ للفقراء، ومن قال: إن من خرج له شيء من السهام الثلاثة الأغفال ~~يغرم، كان القمار عنده لازما في كل صورة بكل تقدير. وقال في الكشاف: ~~إنهم كانوا يعطون الأنصباء للفقراء ولا يأخذون منها شيئا، وقد تقدم نقل ~~ذلك عن صاحب الزينة والله سبحانه وتعالى أعلم. # ولما ذكر ما يذهب ضياء الروح وقوام البدن وذم النفقة فيهما اقتضى الحال ~~السؤال عما يمدح الإنفاق فيه فقال عاطفا على السؤال عن المقتضي لتبذير ~~المال { ويسئلونك ماذا ينفقون } وأشعر تكرير السؤال عنها بتكرير الواردات ~~المقتضية لذلك، فأنبأ ذلك بعظم شأنها لأنها أعظم دعائم الجهاد وساق ذلك ~~سبحانه وتعالى على طريق العطف لأنه لما تقدم السؤال عنه والجواب في قوله: # قل ما أنفقتم من خير فللوالدين # [البقرة: 215]، منع من توقع سؤال آخر، وأما اليتامى والمحيض فلم يتقدم ~~ما يوجب توقع السؤال عن السؤال عنهما أصلا، وادعاء أن سبب العطف النزول ~~جملة وسبب القطع النزول مفرقا مع كونه غير شاف للغلة بعدم بيان الحكمة ~~يرده ما ورد أن آخر آية نزلت # واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله # [البقرة: 281] وهي بالواو أخرجه البيهقي في الدلائل والواحدي من وجهين ~~في مقدمة أسباب النزول وترجم لها البخاري في الصحيح ومن تتبع أسباب ~~النزول وجد كثيرا من ذلك. وقال الحرالي: في العطف إنباء بتأكد التلدد ~~مرتين كما في قصة بني إسرائيل، لكن ربما تخوفت هذه الأمة من ثالثتها فوقع ~~ضمهم عن السؤال في الثالثة لتقاصر ما يقع في هذه الأمة عما وقع في بني ~~إسرائيل بوجه ما، وقال سبحانه وتعالى في الجواب: { قل العفو } وهو ما ~~سمحت به النفس من غير كلفة قال: فكأنه ألزم النفس نفقة العفو وحرضها على ~~نفقة ما تنازع فيه ولم يلزمها ذلك لئلا يشق عليها لما يريده بهذه الأمة ~~من اليسر، فصار المنفق على ms0443 ثلاث رتب: رتبة حق مفروض لا بد منه وهي الصدقة ~~المفروضة التي إمساكها هلكة في الدنيا والآخرة، وفي مقابلته عفو لا ينبغي ~~الاستمساك به لسماح النفس بفساده فمن أمسكه تكلف إمساكه، وفيما بينهما ما ~~تنازع النفس إمساكه فيقع لها المجاهدة في إنفاقه وهو متجرها الذي تشتري ~~به الآخرة من دنياها # " قالت امرأة للنبي صلى الله عليه وسلم: ما يحل لنا من أموال أزواجنا - ~~تسأل عن الإنفاق منها، قال: الرطب - بضم الراء وسكون الطاء - تأكلينه ~~وتهدينه " # لأنه من العفو الذي يضر إمساكه بفساده؛ لأن الرطب هو ما إذا أبقي ين يوم ~~إلى يوم تغير كالعنب والبطيخ وفي معناه الطبائخ وسائر الأشياء التي تتغير ~~بمبيتها - انتهى. وفي تخصيص المنفق بالعفو منع لمتعاطي الخمر قبل حرمتها ~~من التصرف، إذ كان الأغلب أن تكون تصرفاته لا على هذا الوجه، لأن حالة ~~السكر غير معتد بها والتصرف فيها يعقب في الأغلب عند الإفاقة أسفا وكذا ~~الميسر بل هو أغلظ. ولعل تأخير بيان أن المحثوث عليه من النفقة إنما هو ~~الفضل إلى هذا المحل ليحمل أهل الدين الرغبة فيه مع ما كانوا فيه من ~~الضيق على الإيثار على النفس من غير أمر به رحمة لهم، ومن أعظم الملوحات ~~إلى ذلك أن في بعض الآيات الذاكرة له فيما سلف # وآتى المال على حبه # [البقرة: 177]. قال الأصبهاني: قال أهل التفسير: كان الرجل بعد نزول هذه ~~الآية إذا كان له ذهب أو فضة أو زرع أو ضرع ينظر ما يكفيه وعياله لنفقة ~~سنة أمسكه وتصدق بسائره، فإن كان ممن يعمل بيده أمسك ما يكفيه وعياله ~~يومه ذلك وتصدق بالباقي حتى نزلت آية الزكاة فنسختها هذه الآية. # لما بين الأحكام الماضية في هذه السورة أحسن بيان وفصل ما قص من جميع ~~ما أراد أبدع تفصيل لا سيما أمر النفقة فإنها بينها مع أول السورة إلى ~~هنا في أنواع من البيان على غاية الحكمة والإتقان كان موضع سؤال: هي يبين ~~لنا ربنا غير هذا من الآيات كهذا البيان؟ فقال: { كذلك } أي ms0444 مثل ما مضى ~~من هذا البيان العلي الرتبة البعيد المنال عن منازل الأرذال { يبين الله ~~} الذي له جميع صفات الكمال { لكم } جميع { الآيات } قال الحرالي: فجمعها ~~لأنها آيات من جهات مختلفات لما يرجع لأمر القلب وللنفس وللجسم ولحال ~~المرء مع غيره - انتهى. وأفرد الخطاب أولا وجمع ثانيا إعلاما بعظمة ~~هذا القول للإقبال به على الرأس، وإيماء إلى أنه صلى الله عليه وسلم قد ~~امتلأ علما من قبل هذا بحيث لا يحتاج إلى زيادة وأن هذا البيان إنما هو ~~للأتباع يتفهمونه على مقادير أفهامهم وهممهم، ويجوز أن يكون الكلام تم ~~بكذلك أي البيان ثم استأنف ما بعده فيكون البيان مذكورا مرتين: مرة في ~~خطابه تلويحا، وأخرى في خطابهم تصريحا؛ أو يقال: أشار إلى علو الخطاب ~~بالإفراد وإلى عمومه بالجمع انتهى { لعلكم تتفكرون * } أي لتكونوا على ~~حالة يرجى لكم معها التفكر، وهو طلب الفكر وهو يد النفس التي تنال بها ~~المعلومات كما تنال بيد الجسم المحسوسات - قاله الحرالي. ### || [2.220-224] # ولما كان البيان من أول السؤال إلى هنا قد شفي في أمور الدارين وكفى ~~وأوضح ثمرات كل منهما وكان العرب ينكرون الآخرة ساق ذكرها مساق ما لا ~~نزاع فيه لكثرة ما دل عليها فقال: { في الدنيا والآخرة } أي في أمورهما ~~فتعلموا بما فتح الله لكم سبحانه وتعالى من الأبواب وما أصل لكم من ~~الأصول ما هو صالح وما هو أصلح وما هو شر وما هو أشر لتفعلوا الخير ~~وتتقوا الشر فيؤول بكم ذلك إلى فوز الدارين. # ولما كان العفو غير مقصور على المال بل يعم القوى البدنية والعقلية وكان ~~النفع لليتيم من أجل ما يرشد إليه التفكر في أمور الآخرة وكان الجهاد من ~~أسباب القتل الموجب لليتم وكانوا يلون يتاماهم فنزل التحريج الشديد في ~~أكل أموالهم فجانبوهم واشتد ذلك عليهم سألوا عنهم فأفتاهم سبحانه وتعالى ~~فيهم وندبهم إلى مخالطتهم على وجه الإصلاح الذي لا يكون لمن يتعاطى الخمر ~~والميسر فقال: { ويسئلونك عن اليتامى } أي في ولايتهم لهم وعملهم في ~~أموالهم وأكلهم منها ونحو ms0445 ذلك مما يعسر حصره؛ وأمره بالجواب بقوله: { قل ~~إصلاح لهم خير } أي من تركه، ولا يخفى الإصلاح على ذي لب فجمع بهذا ~~الكلام اليسير المضبوط بضابط العقل الذي أقامه تعالى حجة على خلقه ما لا ~~يكاد يعد، وفي قوله: { لهم } ما يشعر بالحث على تخصيصهم بالنظر في ~~أحوالهم ولو أدى ذلك إلى مشقة على الولي. # ولما كان ذلك قد يكون مع مجانبتهم وكانوا قد يرغبون في نكاح يتيماتهم ~~قال: { وإن تخالطوهم } أي بنكاح أو غيره ليصير النظر في الصلاح مشتركا ~~بينكم وبينهم، لأن المصالح صارت كالواحدة. قال الحرالي: وهي رتبة دون ~~الأولى، والمخالطة مفاعلة من الخلطة وهي إرسال الأشياء التي شأنها ~~الانكفاف بعضها في بعض كأنه رفع التحاجز بين ما شأنه ذلك { فإخوانكم } ~~جمع أخ وهو الناشىء مع أخيه من منشأ واحد على السواء بوجه ما - انتهى. أي ~~فعليكم من مناصحتهم ما يقودكم الطبع إليه من مناصحة الإخوان ويحل لكم من ~~الأكل من أموالهم بالمعروف وما يحل من أموال إخوانكم؛ قالت عائشة رضي ~~الله عنها: إني لأكره أن يكون مال اليتيم عندي كالغدة حتى أخلط طعامه ~~بطعامي وشرابه بشرابي. قالوا: وإذا كان هذا في أموال اليتامى واسعا كان ~~في غيرهم أوسع، وهو أصل شاهد لما يفعله الرفاق في الأسفار، يخرجون ~~النفقات بالسوية ويتباينون في قلة المطعم وكثرته - نقله الأصبهاني. # ولما كان ذلك مما قد يدخل فيه الشر الذي يظهر فاعله أنه لم يرد به إلا ~~الخير وعكسه قال مرغبا مرهبا: { والله } أي الذي له الإحاطة بكل شيء { ~~يعلم } أي في كل حركة وسكون. # ولما كان الورع مندوبا إليه محثوثا عليه لا سيما في أمر اليتامى فكان ~~التحذير بهذا المقام أولى قال: { المفسد } أي الذي الفساد صفة له { من ~~المصلح } فاتقوا الله في جميع الأمور ولا تجعلوا خلطتكم إياهم ذريعة إلى ~~أكل أموالهم. # ولما كان هذا أمرا لا يكون في بابه أمر أصلح منه ولا أيسر من عليهم ~~بشرعه في قوله: { ولو شاء الله } أي بعظمة كماله { لأعنتكم } أي كلفكم في ms0446 ~~أمرهم وغيره ما يشق عليكم مشقة لا تطاق فحد لكم حدودا وعينها يصعب لوقوف ~~عندها وألزمكم لوازم يعسر تعاطيها، من الإعنات وهو إيقاع العنت وهو أسوأ ~~الهلاك الذي يفحش نعته - قاله الحرالي. ثم علل ذلك بقوله: { إن الله } أي ~~الملك الأعظم { عزيز } يقدر على ما يريد { حكيم * } يحكمه بحيث لا يقدر ~~أحد على نقض شيء منه. ولما ذكر تعالى فيما مر حل الجماع في ليل الصيام ~~وأتبع ذلك من أمره ما أراد إلى أن ذكر المخالطة على وجه يشمل النكاح في ~~سياق مانع مع الفساد داع إلى الصلاح وختم بوصف الحكمة ولما كان النكاح من ~~معظم المخالطة في النفقة وغيرها وكان الإنسان جهولا تولى سبحانه وتعالى ~~بحكمته تعريفه ما يصلح له وما لا يصلح من ذلك، وأخر أمر النكاح عن بيان ~~ما ذكر معه من الأكل والشرب في ليل الصيام لأن الضرورة إليهما أعظم، ~~وقدمه في آية الصيام لأن النفس إليه أميل فقال عاطفا على ما دل العطف ~~على غير مذكور على أن تقديره: فخالطوهم وأنكحوا من تلونه من اليتيمات على ~~وجه الإصلاح إن أردتم { ولا تنكحوا } قال الحرالي: مما منه النكاح وهو ~~إيلاج نهد في فرج ليصيرا بذلك كالشيء الواحد - انتهى. وهذا أصله لغة، ~~والمراد هنا العقد لأنه استعمل في العقد في الشرع وكثر استعماله فيه وغلب ~~حتى صار حقيقة شرعية فهو في الشرع حقيقة في العقد مجاز في الجماع وفي ~~اللغة بالعكس وسيأتي عند # حتى تنكح زوجا غيره # [البقرة: 230] عن الفارسي قرينة يعرف بها مراد أهل اللغة { المشركات } ~~أي الوثنيات، والأكثر على أن الكتابيات مما شملته الآية ثم خصت بآية # والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم # [المائدة: 5] { حتى يؤمن } فإن المشركات شر محض { ولأمة } رقيقة { مؤمنة ~~} لأن نفع الإيمان أمر ديني يرجع إلى الآخرة الباقية { خير } على سبيل ~~التنزيل { من مشركة } حرة { ولو أعجبتكم } أي المشركة لأن نفع نسبها ~~ومالها وجمالها يرجع إلى الدنيا الدنية الفانية. قال الحرالي: فانتظمت ~~هذه الآيات في تبيين خير الخيرين وترجيح أمر ms0447 الغيب في أمر الدين والعقبى ~~في أدنى الإماء من المؤمنات خلقا وكونا وظاهر صورة على حال العين في ~~أمر العاجلة من الدنيا في أعلى الحرائر من المشركات خلقا وظاهر صورة ~~وشرف بيت - انتهى { ولا تنكحوا } أيها الأولياء { المشركين } أي الكفار ~~بأي كفر كان شيئا من المسلمات { حتى يؤمنوا } فإن الكفار شر محض { ولعبد ~~} أي مملوك { مؤمن خير } على سبيل التنزيل { من مشرك } حر { ولو أعجبكم } ~~أي المشرك وأفهم هذا خيرية الحرة والحر المؤمنين من باب الأولى مع ~~التشريف العظيم لهما بترك ذكرهما إعلاما بأن خيريتهما أمر مقطوع به لا ~~كلام فيه وأن المفاضلة إنما هي بين من كانوا يعدونه دنيا فشرفه الإيمان ~~ومن يعدونه شريفا فحقره الكفران، وكذلك ذكر الموصوف بالإيمان في ~~الموضعين ليدل على أنه وإن كان دنيا موضع التفضيل لعلو وصفه، وأثبت الوصف ~~بالشرك في الموضعين مقتصرا عليه لأنه موضع التحقير وإن علا في العرف ~~موصوفه. # ولما كانت مخالطة أهل الشرك مظنة الفساد الذي ربما أدى إلى التهاون ~~بالدين فربما دعا الزوج زوجته إلى الكفر فقاده الميل إلى اتباعه قال ~~منبها على ذلك ومعللا لهذا الحكم: { أولئك } أي الذين هم أهل للبعد من ~~كل خير { يدعون إلى النار } أي الأفعال المؤدية إليها ولا بد فربما أدى ~~الحب الزوج المسلم إلى الكفر ولا عبرة باحتمال ترك الكافر للكفر وإسلامه ~~موافقة للزوج المسلم لأن درء المفاسد مقدم؛ وسيأتي في المائدة عند قوله ~~تعالى: # ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله # [المائدة: 5] لذلك مزيد بيان. # ولما رهب من أهل الشرك حثا على البغض فيه رغب في الإقبال إليه سبحانه ~~وتعالى بالإقبال على أوليائه بالحب فيه وبغير ذلك فقال: { والله } أي بعز ~~جلاله وعظمة كماله { يدعوا } أي بما يأمر به { إلى الجنة } أي الأفعال ~~المؤدية إليها. ولما كان ربما لا يوصل إلى الجنة إلا بعد القصاص قال: { ~~والمغفرة } أي إلى أن يفعلوا ما يؤدي إلى أن يغفر لهم ويهذب نفوسهم بحيث ~~يصيرون إلى حالة سنية يغفرون فيها للناس ما أتوا إليهم. ولما كان ms0448 الدعاء ~~قد يكون بالحمل على الشيء وقد يكون بالبيان بحيث يصير المدعو إليه ~~متهيئا للوصول إليه قال: { بإذنه } أي بتمكينه من ذلك لمن يريد سعادته { ~~ويبين آياته } في ذلك وفي غيره { للناس } كافة من أراد سعادته وغيره { ~~لعلهم يتذكرون * } أي ليكونوا على حالة يظهر لهم بها بما خلق لهم ربهم من ~~الفهم وما طبع في أنفسهم من الغرائز حسن ما دعاهم إليه وقبح ما نهاهم عنه ~~غاية الظهور بما أفهمه الإظهار. # ولما كان في ذكر هذه الآية رجوع إلى تتميم ما أحل من الرفث في ليل ~~الصيام على أحسن وجه تلاها بالسؤال عن غشيان الحائض ولما كان في النكاح ~~شائبة للجماع تثير للسؤال عن أحواله وشائبة للانس والانتفاع تفتر عن ذلك ~~كان نظم آية الحرث بآية العقد بطريق العطف أنسب منه بطريق الاستئناف ~~فقال: { ويسئلونك عن المحيض } أي عن نكاح النساء فيه مخالفة لليهود. # قال الحرالي: وهو مفعل من الحيض وهو معاهدة اندفاع الدم العفن الذي هو ~~في الدم بمنزلة البول والعذرة في فضلتي الطعام والشراب من الفرج { قل هو ~~أذى } أي مؤذ للجسم والنفس لأن فيه اختلاط النطفة بركس الدم الفاسد العفن ~~- قاله الحرالي، وقال: حتى أنه يقال إن التي توطأ وهي حائض يقع في ولدها ~~من الآفات أنواع - انتهى. ولهذا سبب سبحانه وتعالى عنه قوله: { فاعتزلوا ~~النساء } أي كلفوا أنفسكم ترك وقاعهن، من الاعتزال وهو طلب العزل وهو ~~الانفراد عما شأنه الاشتراك - قاله الحرالي. { في المحيض } أي زمنه، ~~وأظهره لئلا يلبس لو أضمر بأن الضمير لمطلق المراد بالأذى من الدم فيشمل ~~الاستحاضة وهي دم صالح يسيل من عرق ينفجر من عنق الرحم فلا يكون أذى ~~كالحيض الذي هو دم فاسد يتولد من طبيعة المرأة من طريق الرحم ولو احتبس ~~لمرضت المرأة، فهو كالبول والغائط فيحل الوطء معه دون الحيض لإسقاط العسر ~~- قاله الإمام. { ولا تقربوهن } أي في محل الإتيان بجماع ولا مباشرة في ~~ما دون الإزار وإنما تكون المباشرة في ما علا عن الإزار { حتى } ولما كان ~~فيه ms0449 ما أشير إليه من الركس قال: { يطهرن } أي بانقطاعه وذهاب إبانه ~~والغسل منه، والذي يدل على إرادة ذلك مع قراءة التشديد قوله تعالى: { ~~فإذا تطهرن } أي اغتسلن، فالوطء له شرطان: الانقطاع والاغتسال وربما دلت ~~قراءة التخفيف على جواز القربان لا الإتيان وذلك بالمباشرة فيما سفل عن ~~الإزار { فأتوهن } أي جماعا وخلطة مبتدئين { من حيث أمركم الله } أي ~~الذي له صفات الكمال، وهو القبل على أي حالة كان ذلك؛ ولما دل ما في ~~السياق من تأكيد على أن بعضهم عزم أو أحب أن يفعل بعض ما تقدم النهي عنه ~~علل بقوله: { إن الله } مكررا الاسم الأعظم تعظيما للمقام ولم يضمره ~~إعلاما بأن هذا حكم عام لما يقع من هفوة بسبب الحيض أو غيره { يحب } أي ~~بما له من الاختصاص بالإحاطة بالإكرام وإن كان مختصا بالإحاطة بالجلال { ~~التوابين } أي الرجاعين عما كانوا عزموا عليه من ذلك ومن كل ذنب أوجب لهم ~~نقص الإنسانية ولا سيما شهوة الفرج الإلمام به، كلما وقعت منهم زلة ~~أحدثوا لها توبة لأن ذلك من أسباب إظهاره سبحانه صفة الحلم والفعو والجود ~~والرحمة والكرم # " لو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم " # أخرجه مسلم والترمذي عن أبي أيوب رضي الله تعالى عنه. وإذا أحب من يتكرر ~~منه التوبة بتكرار المعاصي فهو في التائب الذي لم يقع منه بعد توبته زلة ~~إن كان ذلك يوجد أحب وفيه أرغب وبه أرحم، ولما كان ذلك مما يعز التخلص من ~~إشراكه إما في تجاوز ما في المباشرة أو في الجماع أولا أو آخرا أتى ~~بصيغة المبالغة. # قال الحرالي: تأنيسا لقلوب المتحرجين من معاودة الذنب بعد توبة منه، أي ~~ومن معاودة التوبة بعد الوقوع في ذنب ثان لما يخشى العاصي من أن يكتب ~~عليه كذبه كلما أحدث توبة وزل بعدها فيعد مستهزئا فيسقط من عين الله ثم ~~لا يبالي به فيوقفه ذلك عن التوبة. # ولما كانت المخالطة على الوجه الذي نهى الله عنه قذره جدا أشار إلى ذلك ~~بقوله: { ويحب } ولما ms0450 كانت شهوة النكاح وشدة الشبق جديرة بأن تغلب ~~الإنسان إلا بمزيد مجاهدة منه أظهر تاء التفعل فقال: { المتطهرين * } أي ~~الحاملين أنفسهم على ما يشق من أمر الطهارة من هذا وغيره، وهم الذين ~~يبالغون ورعا في البعد عن كل مشتبه فلا يواقعون حائضا إلا بعد كمال ~~التطهر؛ أي يفعل معهم من الإكرام فعل المحب وكذا كل ما يحتاج إلى طهارة ~~حسية أو معنوية. # ولما بين سبحانه وتعالى المأتي في الآية السابقة نوع بيان أوضحه مشيرا ~~إلى ثمرة النكاح الناهية لكل ذي لب عن السفاح فقال: { نساؤكم } أي اللاتي ~~هن حل لكم بعقد أو ملك يمين ولما كان إلقاء النطفة التي يكون منها النسل ~~كإلقاء البذر الذي يكون منه الزرع شبههن بالمحارث دلالة على أن الغرض ~~الأصيل طلب النسل فقال مسميا موضع الحرث باسمه موقعا اسم الجزء على ~~الكل موحدا لأنه جنس { حرث لكم } فأوضح ذلك. قال الحرالي: ليقع الخطاب ~~بالإشارة أي في الآية الأولى لأولي الفهم وبالتصريح أي في هذه لأولي ~~العلم لأن الحرث كما قال بعض العلماء إنما يكون في موضع الزرع - انتهى. ~~وفي تخصيص الحرث بالذكر وتعميم جميع الكيفيات الموصلة إليه بقوله: { ~~فأتوا حرثكم } أي الموضع الصالح للحراثة { أنى شئتم } أي من أين وكيف ~~إشارة إلى تحريم ما سواه لما فيه من العبث بعدم المنفعة. قال الثعلبي: ~~الأدبار موضع الفرث لا موضع الحرث. # ولما كانت هذه أمورا خفية لا يحمل على صالحها وتحجر عن فاسدها إلا محض ~~الورع قال: { وقدموا } أي أوقعوا التقديم. ولما كان السياق للجمع وهو من ~~شهوات النفس قال مشيرا إلى الزجر عن اتباعها كل ما تهوي: { لأنفسكم } أي ~~من هذا العمل وغيره من كل ما يتعلق بالشهوات ما إذا عرض على من تهابونه ~~وتعتقدون خيره افتخرتم به عنده وذلك بأن تصرفوا مثلا هذا العمل عن محض ~~الشهوة إلى قصد الإعفاف وطلب الولد الذي يدوم به صالح العمل فيتصل ~~الثواب، ومن التقديم التسمية عند الجماع على ما وردت به السنة وصرح به ~~الحبر ابن عباس رضي ms0451 الله تعالى عنهما على ما نقل عنه. # ولما كانت أفعال الإنسان في الشهوات تقرب من فعل من عنده شك احتيج إلى ~~مزيد وعظ فقال: { واتقوا الله } أي اجعلوا بينكم وبين ما يكرهه الملك ~~الأعظم من ذلك وغيره وقاية من الحلال أو المشتبه. # وزاد سبحانه وتعالى في الوعظ والتحذير بالتنبيه بطلب العلم وتصوير العرض ~~فقال: { واعلموا أنكم ملاقوه } وهو سائلكم عن جميع ما فعلتموه من دقيق ~~وجليل وصالح وغيره فلا تقعوا فيما تستحيون منه إذا سألكم فهو أجل من كل ~~جليل. قال الحرالي: وفيه إشعار بما يجري في أثناء ذلك من الأحكام التي لا ~~يصل إليها أحكام حكام الدنيا مما لا يقع الفصل فيه إلا في الآخرة من حيث ~~إن أمر ما بين الزوجين سر لا يفشى، قال عليه الصلاة والسلام: # " لا يسأل الرجل فيم ضرب امرأته " # وقال: # " لا أحب للمرأة أن تشكو زوجها " # فأنبأ تعالى أن أمر ما بين الزوجين مؤخر حكمه إلى لقاء الله عز وجل ~~حفيظة على ما بين الزوجين ليبقى سرا لا يظهر أمره إلا الله تعالى، وفي ~~إشعاره إبقاء للمروة في أن لا يحتكم الزوجان عند حاكم في الدنيا وأن يرجع ~~كل واحد منهما إلى تقوى الله وعلمه بلقاء الله - انتهى. # ولما كان هذا لا يعقله حق عقله كل أحد أشار إلى ذلك بالالتفات إلى أكمل ~~الخلق فقال عاطفا على ما تقديره: فأنذر المكذبين فعلا أو قولا، قوله ~~تعالى: { وبشر المؤمنين * } أي الذين صار لهم الإيمان وصفا راسخا ~~تهيؤوا به للمراقبة، وهو إشارة إلى أن مثل هذا من باب الأمانات لا يحجز ~~عنه إلا الإخلاص في الإيمان والتمكن فيه. # ولما أذن في إتيان النساء في محل الحرث كيف ما اتفق ومنع مما سوى ذلك ~~ومنع من محل الحرث في حال الحيض بين حكم ما إذا منع الإنسان نفسه من ذلك ~~بالإيلاء أو بمطلق اليمين ولو على غير سبيل الإيلاء لأنه نقل عن كثير ~~منهم شدة الميل إلى النكاح فكان يخشى المواقعة في حال المنع فتحمله شدة ms0452 ~~الورع على أن يمنع نفسه بمانع مظاهرة كما بين في سورة المجادلة أو غيرها ~~من الأيمان فمنعهم من ذلك بقوله تعالى عادلا عن خطاب نبيه صلى الله عليه ~~وسلم تعظيما لمقامه: { ولا تجعلوا الله } أي الذي لا شيء يداني جلاله ~~وعظمته وكماله { عرضة } أي معرضا { لأيمانكم } فيكون في موضع ما يمتهن ~~ويبتذل فإن ذلك إذا طال حمل على الاجتراء على الكذب فجر إلى أقبح ~~الأشياء. قال الحرالي: والعرضة ذكر الشيء وأخذه على غير قصد له ولا صمد ~~نحوه بل له صمد غيره { أن } أي لأجل أن { تبروا } في أموال اليتامى ~~وغيرها مما تقدم الأمر به أو النهي عنه { وتتقوا } أي تحملكم أيمانكم على ~~البر وهو الاتساع في كل خلق جميل والتقوى وهي التوغل في خوف الله سبحانه ~~وتعالى { وتصلحوا بين الناس } فتجعلوا الأيمان لكم ديدنا فتحلفون تارة ~~أن تفعلوا وتارة أن لا تفعلوا لإلزام أنفسكم بتلك الأشياء فإن من لا ~~ينقاد إلى الخير إلا بقائد من يمين أو غيرها ليس بصادق العزيمة، وفي ~~الأمثال: فرس لا تجري إلا بمهماز بئس الفرس. # ولما أرشد السياق والعطف على غير مذكور إلى أن التقدير: فالله جليل عظيم ~~عطف عليه قوله: { والله } أي بما له من العز والعظمة { سميع } لجميع ما ~~يكون من ذلك وغيره { عليم * } بما أسر منه وما أعلن، فاحذروه في جميع ما ~~يأمركم به وينهاكم عنه، ويجوز أن يكون الجملة حالا من واو { تجعلوا } ~~فلا يكون هناك مقدر ويكون الإظهار موضع الإضمار لتعظيم المقام. ### || [2.225-229] # ولما تقدم إليهم سبحانه وتعالى في هذا وكانت ألسنتهم قد مرنت على ~~الأيمان من غير قصد بحيث صاروا لا يقدرون على ترك ذلك إلا برياضة كبيرة ~~ومعالجة طويلة وكان مما رحم الله به هذه الأمة العفو عما أخطأت به ولم ~~تتعمده قال في جواب من كأنه سأل عن ذلك: { لا يؤاخذكم } أي لا يعاقبكم، ~~وحقيقته يعاملكم معاملة من يناظر شخصا في أن كلا منهما يريد أخذ الآخر ~~بذنب أسلفه إليه { الله } فكرر في الإطلاق والعفو الاسم ms0453 الأعظم الذي ذكره ~~في التقييد والمنع إيذانا بأن عظمته لا تمنع من المغفرة { باللغو } وهو ~~ما تسبق إليه الألسنة من القول على غير عزم قصد إليه - قاله الحرالي. { ~~في أيمانكم } فإن ذلك لا يدل على الامتهان بل ربما دل على المحبة ~~والتعظيم. ولما بين ما أطلقه بين ما منعه فقال: { ولكن يؤاخذكم } ~~والعبارة صالحة للإثم والكفارة. ولما كان الحامل على اليمين في الأغلب ~~المنافع الدنيوية التي هي الرزق وكان الكسب يطلق على طلب الرزق وعلى ~~القصد والإصابة عبر به فقال: { بما كسبت } أي تعمدت { قلوبكم } فاجتمع ~~فيه مع اللفظ النية. قال الحرالي: فيكون ذلك عزما باطنا وقولا ظاهرا ~~فيؤاخذ باجتماعهما، ففي جملته ترفيع لمن لا يحلف بالله في عزم ولا لغو، ~~وذلك هو الذي حفظ حرمة الحلف بالله، وفي مقابلته من يحلف على الخير أن لا ~~يفعله - انتهى. ولم يبين هنا الكفارة صريحا إشارة إلى أنهم ينبغي أن ~~يكونوا أتقى من أن يمنعوا من شيء فيقارفوه، وأشار إليها في الإيلاء كما ~~يأتي. # ولما كان ذكر المؤاخذة قطعا لقلوب الخائفين سكنها بقوله مظهرا موضع ~~الإضمار إشارة إلى أن رحمته سبقت غضبه: { والله } أي مع ما له من العظمة ~~{ غفور } أي ستور لذنوب عباده إذا تابوا. ولما كان السياق للمؤاخذة التي ~~هي معالجة كل من المتناظرين لصاحبه بالأخذ كان الحلم أنسب الأشياء لذلك ~~فقال { حليم * } لا يعاجلهم بالأخذ، والحلم احتمال الأعلى للأذى من ~~الأدنى، وهو أيضا رفع المؤاخذة عن مستحقها بجناية في حق مستعظم - قاله ~~الحرالي. ولما كان الإيلاء حلفا مقيدا وبين حكم مطلق اليمين قبله لتقدم ~~المطلق على المقيد بانفكاكه عنه بينه دليلا على حلمه حيث لم يؤاخذهم به ~~فقد كانوا يضارون به النساء في الجاهلية بأن يحلفوا على عدم الوطء أبدا ~~فتكون المرأة لا أيما ولا ذات بعل وجعل لهم فيه مرجعا يرجعون إليه فقال ~~في جواب من كأنه سأل عنه لما أشعر به ما تقدم: { للذين يؤلون } أي يحلفون ~~حلفا مبتدئا { من نسائهم } في صلب النكاح أو علقة الرجعة ms0454 بما أفادته ~~الإضافة بأن لا يجامعوهن أبدا أو فوق أربعة أشهر فالتعدية بمن تدل على ~~أخذ في البعد عنهن. # قال الحرالي: والإيلاء تأكيد الحلف وتشديده سواء كانوا أحرارا أو ~~عبيدا أو بعضا وبعضا في حال الرضى أو الغضب محبوبا كان أو لا لأن ~~المضارة حاصلة بيمينه { تربص } أي إمهال وتمكث يتحمل فيه الصبر الذي هو ~~مقلوب لفظه - انتهى. { أربعة أشهر } ينتظر فيها رجوعهم إليهن حلما من ~~الله سبحانه وتعالى حيث لم يجعل الأمر بتاحين الحلف بفراق أو وفاق. قال ~~الحرالي: ولما كان لتخلص المرأة من الزوج أجل عدة كان أجلها مع أمد هذا ~~التربص كأنه - والله سبحانه وتعالى أعلم - هو القدر الذي تصبر المرأة عن ~~زوجها، يذكر أن عمر رضي الله تعالى عنه سأل النساء عن قدر ما تصبر المرأة ~~عن الزوج، فأخبرنه أنها تصبر ستة أشهر، فجعل ذلك أمد البعوث فكان التربص ~~والعدة قدر ما تصبره المرأة عن زوجها، وقطع سبحانه وتعالى بذلك ضرار ~~الجاهلية في الإيلاء إلى غير حد - انتهى وفيه تصرف. # ولما كان حالهم بعد ذلك مرددا بين تعالى قسميه فقال مفصلا له { فإن ~~فاؤوا } أي رجعوا في الأشهر، وأعقبها عن المفاصلة إلى المواصلة، من الفيء ~~وهو الرجوع إلى ما كان منه الانبعاث { فإن الله } يغفر لهم ما قارفوه في ~~ذلك من إثم ويرحمهم بإنجاح مقاصدهم لأنه { غفور رحيم * } له هاتان ~~الصفتان ينظر بهما إلى من يستحقهما فيغفر ما في ذلك من جناية منهما أو من ~~أحدهما إن شاء ويعامل بعد ذلك بالإكرام. قال الحرالي: وفي مورد هذا ~~الخطاب بإسناده للأزواج ما يظافر معنى إجراء أمور النكاح على سترة وإعراض ~~عن حكم الحكام من حيث جعل التربص له والفيء منه، فكأن الحكم من الحاكم ~~إنما يقع على من هتك حرمة ستر أحكام الأزواج التي يجب أن تجري بين ~~الزوجين من وراء ستر كما هو سر النكاح الذي هو سبب جمعهما ليكون حكم السر ~~سرا وحكم الجهر جهرا - انتهى. # ولما كان الحال في مدة الإيلاء شبيها بحال الطلاق ms0455 وليس به قال مبينا ~~أن الطلاق لا يقع بمجرد مضي الأربعة الأشهر بل إما أن يفيء أو يطلق فإن ~~أبى طلق عليه الحاكم: { وإن عزموا الطلاق } فأوقع عليه العزم من غير حرف ~~جر بمعنى أنهم تركوا ما كانوا فيه من الذبذبة وجعلوا الطلاق عزيمة واقعا ~~من غير مجمجة ولا ستر، والعزم الإجماع على إنفاذ الفعل، والطلاق هو في ~~المعنى بمنزلة إطلاق الشيء من اليد الذي يمكن أخذه بعد إطلاقه - قاله ~~الحرالي. # ولما كان المطلق ربما ندم فحمله العشق على إنكار الطلاق رهبه بقوله: { ~~فإن الله } أي الملك الذي له الجلال والإكرام { سميع } أي لعبارتهم عنه. ~~قال الحرالي: في إشارته إعلام بأن الطلاق لا بد له من ظاهر لفظ يقع ~~مسموعا - انتهى. # { عليم } أي به وبنيتهم فيه. قال الحرالي: وفيه تهديد بما يقع في الأنفس ~~والبواطن من المضارة والمضاجرة بين الأزواج في أمور لا تأخذها الأحكام ~~ولا يمكن أن يصل إلى علمها الحكام فجعلهم أمناء على أنفسهم فيما بطن ~~وظهر، ولذلك رأى العلماء أن الطلاق أمانة في أيدي الرجال كما أن العدد ~~والاستبراء أمانة في أيدي النساء، فلذلك انتظمت آية تربص المرأة في عدتها ~~بآية تربص الزوج في إيلائه - انتهى. وبقي من أحكام الإيلاء قسم ثالث ترك ~~التصريح به إشارة إلى أنهم ينبغي أن يكونوا في غاية النزاهة عنه وهو ~~الإصرار على الإضرار، وأشار بصفتي المغفرة والرحمة لفاعل ضده إلى أن ~~مرتكبه يعامل بضدهما مما حكمه معروف في الفقه والله الموفق. # ولما ختم آيتي الإيلاء بالطلاق بين عدته فقال: - وقال الحرالي: لما ذكر ~~تربص الزوج - سبحانه وتعالى في أمر الطلاق الذي هو أمانته ذكر تربص ~~المرأة في أمر العدة التي هي أمانتها؛ انتهى - فقال: { والمطلقات } أي ~~المدخول بهن بما أفهمه الإيلاء من أن الكلام فيهن غير الحوامل لأن عدتهن ~~بالولادة وغير ذوات الأشهر لصغر أن كبر. ولما أريد التأكيد لأمرهن بالعدة ~~سبق بعد تأكيده ببنائه على المبتدأ في صيغة الخبر الذي من شأنه أن يكون ~~قد وجد وانقضى إيماء إلى المسارعة ms0456 إلى امتثاله فقيل: { يتربصن } أي ~~ينتظرن اعتدادا. # ولما كانت النفس داعية إلى الشهوات لا سيما أنفس النساء إلى الرجال وكان ~~التربص عاما في النفس بالعقد لزوج آخر وفي التعرض له باكتحال وتزين ~~وتعريض بكلام مع البينونة وبغير ذلك خص الأول معبرا لها بالنفس هزا إلى ~~الاحتياط في كمال التربص والاستحياء مما يوهم الاستعجال فقال: { بأنفسهن ~~} فلا يطمعنها في مواصلة رجل قبل انقضاء العدة. # ولما كان القرء مشتركا بين الطهر والحيض وكان الأقراء مشتركا بين جمع ~~كل منهما وكان الطهر مختصا عند جمع من أهل اللغة بأن يجمع على قروء كان ~~مذكرا يؤنث عدده وكانت الحيضة مؤنثة يذكر عددها دل على أن المراد ~~الإظهار بما يخصه من الجمع وبتأنيث عدده فقال ذاكرا ظرف التربص: { ثلاثة ~~قروء } أي جموع من الدم وسيأتي في أول سورة الحجر أن هذه المادة بأي ~~ترتيب كان تدور على الجمع وأن المراد بالقروء الأطهار لأنها زمن جمع الدم ~~حقيقة، وأما زمن الحيض فإنما يسمى بذلك لأنه سبب تحقق الجمع، والمشهور من ~~كلام أهل اللغة أن جمع القرء بمعنى الطهر أقراء وقروء، وأن جمعه إذا أطلق ~~على الحيض أقراء فقط؛ وذلك لأن المادة لما كانت للجمع كانت أيام الطهر هي ~~المتحققة بذلك وكان جمع الكثرة أعرف في الجمع كان بالطهر أولى. # وقال الحرالي: قروء جمع قرء وهو الحد الفاصل بين الطهر والحيض الذي يقبل ~~الإضافة إلى كل واحد منهما، ولذلك ما تعارضت في تفسير لغته تفاسير ~~اللغويين واختلف في معناه أقوال العلماء لخفاء معناه بما هو حد بين ~~الحالين كالحد الفاصل بين الظل والشمس فالقروء الحدود، وذلك حين تطلق ~~المرأة لقبل عدتها في طهر لم تمس فيه ليطلقها على ظهور براءة من علقتهما ~~لئلا يطلق ما لم تنطلق عنه، فإذا انتهى الطهر وابتدأ الحيض كان ما بينهما ~~قرءا لأن القرء استكمال جمع الحيض حين يتعفن فما لم ينته إلى الخروج لم ~~يتم قرءا، فإذا طهرت الطهر الثاني وانتهى إلى الحيض كانا قرءين، فإذا ~~طهرت الطهر الثالث وانتهى إلى ms0457 الحيض شاهد كمال القرء كان ثلاثة أقراء، ~~فلذلك يعرب معناه عن حل المرأة عند رؤيتها الدم من الحيضة الثالثة لتمام ~~عدة الأقراء الثلاثة، فيوافق معنى من يفسر القرء بالطهر ويكون أقرب من ~~تفسيره بالحيض فأمد الطهر ظاهرا هو أمد الاستقراء للدم باطنا فيبعد ~~تفسيره بالحيض عما هو تحقيقه من معنى الحد بعدا ما - انتهى. # ولما كان النكاح أشهى ما إلى الحيوان وكان حبك للشيء يعمي ويصم وكان ~~النساء أرغب في ذلك مع ما بهن من النقص في العقل والدين فكان ذلك ربما ~~حملهن على كتم ولد لإرادة زوج آخر تقصيرا للعدة وإلحاقا للولد به، أو ~~حيض لرغبة في رجعة المطلق قال سبحانه وتعالى: { ولا يحل لهن } أي ~~المطلقات { أن يكتمن ما خلق الله } أي الذي له الأمر كله من ولد أو دم { ~~في أرحامهن } جمع رحم. قال الحرالي: وهو ما يشتمل على الولد من أعضاء ~~التناسل يكون فيه تخلقه من كونه نطفة إلى كونه خلقا آخر - انتهى. وليس ~~فيه دليل على أن الحمل يعلم، إنما تعلم أماراته. # ولما كان معنى هذا الإخبار النهي ليكون نافيا للحل بلفظه مثبتا للحرمة ~~بمعناه تأكيدا له فكان التقدير: ولا يكتمن، قال مرغبا في الامتثال ~~مرهبا من ضده: { إن كن يؤمن بالله } أي الذي له جميع العظمة { واليوم ~~الآخر } الذي تظهر فيه عظمته أتم ظهور ويدين فيه العباد بما فعلوا، أي ~~فإن كتمن شيئا من ذلك دل على عدم الإيمان. وقال الحرالي: ففي إشعاره ~~إثبات نوع نفاق على الكاتمة ما في رحمها؛ انتهى - وفيه تصرف. # ولما كان الرجعي أخف الطلاق بين الرجعة تنبيها على أنه إن كان ولا بد ~~من الطلاق فليكن رجعيا فقال تعالى: { وبعولتهن } أي أزواجهن، جمع بعل. ~~قال الحرالي: وهو الرجل المتهيىء لنكاح الأنثى المتأتي له ذلك، يقال على ~~الزوج والسيد - انتهى. ولما كان للمطلقة حق في نفسها قال: { أحق بردهن } ~~أي إلى ما كان لهم عليهن من العصمة لإبطال التربص فله حرمة الاستمتاع من ~~المطلقات بإرادة السراح { في ذلك } أي في ms0458 أيام الأقراء فإذا انقضت صارت ~~أحق بنفسها منه بها لانقضاء حقه والكلام في الرجعية بدليل الآية التي ~~بعدها. # ولما أثبت الحق لهم وكان منهم من يقصد الضرر قيده بقوله: { إن أرادوا } ~~أي بالرجعة { إصلاحا } وهذا تنبيه على أنه إن لم يرد الإصلاح وأرادت هي ~~السراح كان في باطن الأمر زانيا. قال الحرالي: الإصلاح لخلل ما بينهما ~~أحق في علم الله وحكمته من افتتاح وصلة ثانية لأن تذكر الماضي يخل ~~بالحاضر، مما حذر النبي صلى الله عليه وسلم نكاح اللفوت وهي التي لها ولد ~~من زوج سابق، فلذلك كان الأحق إصلاح الأول دون استفتاح وصلة لثان - ~~انتهى. # ولما اخرج أمر الرجعة عنهن جبرهن بقوله: { ولهن } أي من الحقوق { مثل ~~الذي عليهن } أي في كونه حسنة في نفسه على ما يليق بملك منهما لا في ~~النوع، فكما للرجال الرجعة قهرا فلهن العشرة بالجميل، وكما لهم حبسهن ~~فلهن ما يزيل الوحشة بمن يؤنس ونحو ذلك. ولما كان كل منهما قد يجور على ~~صاحبه قال: { بالمعروف } أي من حال كل منهما. قال الحرالي: والمعروف ما ~~أقره الشرع وقبله العقل ووافقه كرم الطبع - انتهى. # ولما ذكر الرجعة له بصيغة الأحق وبين الحق من الجانبين بين فضل الرجال ~~بقوله: { وللرجال } أعم من أن يكونوا بعولة { عليهن } أي أزواجهم { درجة ~~} أي فضل من جهات لا يخفى كالإنفاق والمهر لأن الدرجة المرقى إلى العلو. ~~وقال الحرالي: لما أوثروا به من رصانة العقل وتمام الدين - انتهى. فالرجل ~~يزيد على المرأة بدرجة من ثلاث لأن كل امرأتين بمنزلة رجل. # ولما أعز سبحانه وتعالى الرجل وصف نفسه بالعزة مبتدئا بالاسم الأعظم ~~الدال على كل كمال فقال عطفا على ما تقديره: لأن الله أعزهم عليهن ~~بحكمته: { والله } أي الذي له كمال العظمة { عزيز } إشارة إلى أنه أعز بل ~~لا عزيز إلا هو ليخشى كل من أعاره ثوب عزة سطوته؛ وقال: { حكيم } تنبيها ~~على أنه ما فعل ذلك إلا لحكمة بالغة تسلية للنساء وإن ما أوجده بعزته ~~وأتقنه بحكمته لا يمكن نقضه. ولما ms0459 ذكر الرجعة ولم يبين لها غاية تنتهي ~~بها فكانت الآية كالمجمل عرض سؤال: هل هي ممتدة كما كانوا يفعلون في ~~الجاهلية متى راجعها في العدة له أن يطلقها ما دام يفعل ذلك ولو ألف مرة ~~أو منقطعة؟ فقال: { الطلاق } أي المحدث عنه وهو الذي تملك فيه الرجعة. ~~قال الحرالي: لما كان الطلاق لما يتهيأ رده قصره الحق تعالى على المرتين ~~اللتين يمكن فيهما تلافي النكاح بالرجعة - انتهى. وقال تعالى: { مرتان } ~~دون طلقتان تنبيها - على أنه ينبغي أن تكون مرة بعد مرة كل طلقة في مرة ~~لا أن يجمعهما في مرة. # ولما كان له بعد الثانية في العدة حالان إعمال وإهمال وكان الإعمال إما ~~بالرجعة وإما بالطلاق بدأ بالإعمال لأنه الأولى بالبيان لأنه أقرب إلى أن ~~يؤذي به وأخر الإهمال إلى أن تنقضي العدة لأنه مع فهمه من آية الأقراء ~~سيصرح به في قوله في الآية الآتية # أو سرحوهن بمعروف # [البقرة: 231] فقال معقبا بالفاء { فإمساك } أي إن راجعها في عدة ~~الثانية. قال الحرالي: هو من المسك وهو إحاطة تحبس الشيء، ومنه المسك - ~~بالفتح - للجلد { بمعروف } قال الحرالي فصرفهم بذلك عن ضرار الجاهلية ~~الذي كانوا عليه بتكرير الطلاق إلى غير حد فجعل له حدا يقطع قصد الضرار ~~- انتهى { أو تسريح } أي إن طلقها الثالثة، ولا يملك بعد هذا التسريح ~~عليها الرجعة لما كان عليه حال أهل الجاهلية. قال الحرالي: سمى الثالثة ~~تسريحا لأنه إرسال لغير معنى الأخذ كتسريح الشيء الذي لا يراد إرجاعه. ~~وقال أيضا: هو إطلاق الشيء على وجه لا يتهيأ للعود، فمن أرسل البازي ~~مثلا ليسترده فهو مطلق، ومن أرسله لا ليسترجعه فهو مسرح انتهى. ويجوز أن ~~يراد بالتسريح عدم المراجعة من الثانية لا أنه طلقة ثالثة، ولما كان ~~مقصود النكاح حسن الصحبة وكانت من الرجل الإمتاع بالنفس والمال وكان ~~الطلاق منعا للإمتاع بالنفس قال: { بإحسان } تعريضا بالجبر بالملل لئلا ~~يجتمع منعان: منع النفس وذات اليد - أفاده الحرالي وقال: ففيه بوجه ما ~~تعريض بما صرحت به آية المتعة الآتية - انتهى. ms0460 ومن ذلك بذل الصداق كاملا ~~وأن لا يشاححها في شيء لها فيه حق مع طيب المقال وكرم الفعال. # ولما كان سبحانه وتعالى قد خيره بين شيئين: الرجعة والتسريح الموصوفين ~~وكانت الرجعة أقرب إلى الخير بدأ بها ولكنها لما كانت قد تكون لأجل ~~الافتداء بما أعطيته المرأة وكان أخذه أو شيئا منه مشاركا للسراح في ~~أنه يقطع عليه ما كان له من ملك الرجعة ولا يملك بعد هذا التسريح عليها ~~الرجعة كما كان عليه حال أهل الجاهلية وكان الافتداء قد يكون في الأولى ~~لم يفرعها بالقابل قال مشيرا إلى أن من إحسان التسريح سماح الزوج بما ~~أعطاها عاطفا على ما تقديره: فلا يحل لكم مضارتهن: { ولا يحل لكم } أي ~~أيها المطلقون أو المتوسطون من الحكام وغيرهم لأنهم لما كانوا آمرين عدوا ~~آخذين { أن تأخذوا } إحسانا في السراح { مما آتيتموهن } من صداق وغيره { ~~شيئا } أي بدون مخالفة. قال الحرالي: لأن إيتاء الرجل للمرأة إيتاء نحلة ~~لإظهار مزية الدرجة لا في مقابلة الانتفاع فلذلك أمضاه ولم يرجع منه ~~شيئا ولذلك لزم في النكاح الصداق لتظهر مزية الرجل بذات اليد كما ظهرت ~~في ذات النفس - انتهى. # ولما كان إسناد الخوف إلى ضمير الجمع ربما ألبس قال: { إلا أن يخافا } ~~نصا على المراد بالإسناد إلى الزوجين، وعبر عن الظن بالخوف تحذيرا من ~~عذاب الله، وعبر في هذا الاستثناء إن قلنا إنه منقطع بأداة المتصل ~~تنفيرا من الأخذ ومعنى البناء للمفعول في قراءة حمزة وأبي جعفر ويعقوب ~~إلا أن يحصل لهما أمر من حظ أو شهوة يضطرهما إلى الخوف من التقصير في ~~الحدود، ولا مفهوم للتقييد بالخوف لأنه لا يتصور من عاقل أن يفتدي بمال ~~من غير أمر محوج ومتى حصل المحوج كان الخوف ومتى خاف أحدهما خافا لأنه ~~متى خالفه الآخر حصل التشاجر المثير للحظوظ المقتضية للإقدام على ما لا ~~يسوغ والله سبحانه وتعالى أعلم { ألا يقيما } أي في الاجتماع { حدود الله ~~} العظيم فيفعل كل منهما ما وجب عليه من الحق. # قال الحرالي: وفي إشعاره ms0461 أن الفداء في حكم الكتاب مما أخذت الزوجة من ~~زوجها لا من غير ذلك من مالها، والحدود جمع حد وهو النهاية في المتصرف ~~المانع من الزيادة عليه - انتهى. ثم زاد الأمر بيانا لأنه في مقام ~~التحديد فقال مسندا إلى ضمير الجمع حثا على التحقق ليحل الفداء حلا ~~نافيا لجميع الحرج: { فإن خفتم } أي أيها المتوسطون بينهما من الحكام ~~وغيرهم من الأئمة بما ترون منهما وما يخبرانكم به عن أنفسهما { ألا يقيما ~~حدود الله } وتكرير الاسم الأعظم يدل على رفعة زائدة لهذا المقام، وتعظيم ~~كبير لهذه لأحكام، وحث عظيم على التقيد في هذه الرسوم بالمراعاة ~~والالتزام، وذلك لأن كل إنسان مجبول على تقديم نفسه على غيره، والشرع كله ~~مبني على العدل الذي هو الإنصاف ومحبة المرء لغيره ما يحب لنفسه { فلا ~~جناح } أي ميل بإثم { عليهما } وسوغ ذلك أن الظن شبهة فإنك لا تخاف ما لا ~~تظنه { فيما افتدت به } أي لا على الزوج بالأخذ ولا عليها بالإعطاء سواء ~~كان ذلك مما آتاها أو من غيره أكثر منه أو لا لأن الخلع عقد معاوضة فكما ~~جاز لها أن تمتنع من أول العقد حتى ترضى ولو بأكثر من مهر المثل فكذا في ~~الخلع يجوز له أن لا يرضى إلا بما في نفسه كائنا ما كان ويكون ذلك عما ~~كان يملكه عليها من الرجعة، فإذا أخذه بانت المرأة فصارت أحق بنفسها فلا ~~سبيل عليها إلا بإذنها. # ولما كانت أحكام النساء تارة بالمرافقة وتارة بالمفارقة وكانت مبنية على ~~الشهوات تارة على البهيمية وتارة على السبعية وكان سبحانه وتعالى قد حد ~~فيها حدودا تكون بها المصالح وتزول المفاسد منع سبحانه وتعالى من تعدى ~~تلك الحدود أي الأحكام التي بينها في ذلك ولم يذكر قربانها كما مضى في ~~آية الصوم فقال: { تلك } أي الأحكام العظيمة التي تولى الله بيانها من ~~أحكام الطلاق والرجعة والخلع وغيرها { حدود الله } أي شرائع الملك الأعظم ~~الذي له جميع العزة من الأوامر والنواهي التي بينها فصارت كالحدود ~~المعروفة في الأراضي. # ولما ms0462 كانت شرائع الله ملائمة للفطرة الأولى السليمة عن نوازع النقائص ~~وجواذب الرذائل أشار إلى ذلك سبحانه بصيغة الافتعال في قوله: { فلا ~~تعتدوها } أي لا تتكلفوا مجاوزتها، وفيه أيضا إشارة إلى العفو عن ~~المجاوزة من غير تعمد. # ولما أكد الأمر تارة بالبيان وتارة بالنهي زاد في التأكيد بالتهديد فقال ~~عاطفا على ما تقديره: فمن تعدى شيئا منها فقد ظلم: { ومن يتعد } أي ~~يتجاوز { حدود الله } أي المحيط بصفات الكمال التي بينها وأكد أمرها وزاد ~~تعظيمها بتكرير اسمه الأعظم. قال الحرالي: ففيه ترجية فيما يقع من تعدي ~~الحدود من دون ذلك من حدود أهل العلم ووجوه السنن وفي إعلامه إيذان بأن ~~وقوع الحساب يوم الجزاء على حدود القرآن التي لا مندوحة لأحد بوجه من ~~وجوه السعة في مخالفتها ولذلك تتحقق التقوى والولاية مع الأخذ بمختلفات ~~السنن ومختلفات أقوال العلماء - انتهى. وإليه يرشد الحصر في قوله: { ~~فأولئك } أي المستحقون للابعاد { هم الظالمون * } أي العريقون في الظلم ~~بوضع الأشياء في غير مواضعها فكأنهم يمشون في الظلام. قال الحرالي: وفي ~~إشعاره تصنيف الحدود ثلاثة أصناف: حد الله سبحانه وتعالى، وحد النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وحد العالم؛ قال صلى الله عليه وسلم: # " ما جاء من الله فهو الحق، وما جاء مني فهو السنة، وما جاء من أصحابي ~~فهو السعة " # فأبرأ العباد من الظلم من حافظ على أن لا يخرج عن حدود العلماء ليكون ~~أبعد أن يخرج من حدود السنة ليكون أبعد أن يخرج من حدود الكتاب، فالظالم ~~المنتهي ظلمه الخارج عن الحدود الثلاثة: حد العالم، وحد السنة، وحد الله ~~- انتهى. ولما بين قسمي الطلاق البائن - وكان نظر الطلاق إلى العدد أشد ~~من نظره إلى العوض قدم قسمه في قوله { أو تسريح بإحسان } ثم فرع عليه ~~فقال موحدا لئلا يفهم الحكم على الجمع أن الجمع قيد في الحكم وأفهم ~~التكرير للجمع شدة الذم لما كانوا يفعلون في الجاهلية من غير هذه ~~الأحكام: ### || [2.230-233] # { فإن طلقها } أي الثالثة التي تقدم التخيير فيها بلفظ التسريح فكأنه ~~قال: فإن ms0463 اختار الطلاق البات بعد المرتين إما في العدة من الطلاق الرجعي ~~أو بعد الرجعة بعوض أو غيره ولا فرق في جعلها ثالثة بين أن تكون بعد تزوج ~~المرأة بزوج آخر أو لا. قال الحرالي: فردد معنى التسريح الذي بينه في ~~موضعه بلفظ الطلاق لما هيأها بوجه إلى المعاد، وذلك فيما يقال من خصوص ~~هذه الأمة وإن حكم الكتاب الأول أن المطلقة ثلاثا لا تعود أبدا فلهذا ~~العود بعد زوج صار السراح طلاقا - انتهى. { فلا تحل له } ولما كان إسقاط ~~الحرف والظرف يوهم أن الحرمة تختص بما استغرق زمن البعد فيفهم أن نكاحه ~~لها في بعض ذلك الزمن يحل قال: { من بعد } أي في زمن ولو قل من أزمان ما ~~بعد استيفاء الدور الذي هو الثلاث بما أفاده إثبات الجار، وتمتد الحرمة { ~~حتى } أي إلى أن { تنكح } أي تجامع بذوق العسيلة التي صرح بها النبي صلى ~~الله عليه وسلم، قال الفارسي: إذا قال العرب: نكح فلان فلانة، أرادوا عقد ~~عليها؛ وإذا قالوا: نكح امرأته أو زوجته، أرادوا جامعها؛ وقال الإمام: إن ~~هذا الذي قاله أبو علي جار على قوانين الأصول وإنه لا يصح إرادة غيره ودل ~~على ذلك بقياس رتبة، فالآية دالة على أنه لا يكتفى في التحليل بدون ~~الجماع كما بينته السنة وإلا كانت السنة ناسخة، لأن غاية الحرمة في الآية ~~العقد وفي الخبر الوطء وخبر الواحد لا ينسخ القرآن، وأشار بقوله: { زوجا ~~} إلى أن شرط هذا الجماع أن يكون حلالا في عقد صحيح { غيره } أي المطلق، ~~وفي جعل هذا غاية للحل زجر لمن له غرض ما في امرأته عن طلاقها ثلاثا لأن ~~كل ذي مروة يكره أن يفترش امرأته آخر ومجرد العقد لا يفيد هذه الحكمة ~~وذلك بعد أن أثبت له سبحانه وتعالى من كمال رأفته بعباده الرجعة في ~~الطلاق الرجعي مرتين لأن الإنسان في حال الوصال لا يدري ما يكون حاله ~~بعده ولا تفيده الأولى كمال التجربة فقد يحصل له نوع شك بعدها وفي ~~الثانية يضعف ذلك جدا ms0464 ويقرب الحال من التحقق فلا يحمل على الفراق بعدها ~~إلا قلة التأمل ومحض الخرق بالعجلة المنهي عنها { فإن طلقها } أي الثاني ~~وتعبيره بإن التي للشك للتنبيه على أنه متى شرط الطلاق على المحلل بطل ~~العقد بخروجه عن دائرة الحدود المذكورة. لأن النكاح كما قال الحرالي عقد ~~حرمة مؤبدة لا حد متعة مؤقتة فلذلك لم يكن الاستمتاع إلى أمد محللا في ~~السنة وعند الأئمة لما يفرق بين النكاح والمتعة من التأبيد والتحديد - ~~انتهى. # { فلا جناح عليهما } أي على المرأة ومطلقها الأول { أن يتراجعا } بعقد ~~جديد بعد عدة طلاق الثاني المعلومة مما تقدم من قوله: { والمطلقات يتربصن ~~} وهذه مطلقة إلى ما كانا فيه من النكاح { إن ظنا } أي وقع في ظن كل ~~منهما { أن يقيما حدود الله } أي الذي له الكمال كله التي حدها لهما في ~~العشرة. قال الحرالي: لما جعل الطلاق سراحا جعل تجديد النكاح مراجعة كل ~~ذلك إيذانا بأن الرجعة للزوج أولى من تجديد الغير - انتهى. # ولما كان الدين مع سهولته ويسره شديدا لن يشاده أحد إلا غلبه وكانت ~~الأحكام مع وضوحها قد تخفى لما في تنزيل الكليات على الجزئيات من الدقة ~~لأن الجزئي الواحد قد يتجاذبه كليان فأكثر فلا تجردها من مواقع الشبه إلا ~~من نور الله بصيرته عطف على تلك الماضية تعظيما للحدود قوله: { وتلك } ~~أي الأحكام المتناهية في مدارج العظم ومراتب الحكم { حدود الله } أي ~~العظيمة بإضافتها إليه سبحانه وتعالى وبتعليقها بالاسم الأعظم { يبينها } ~~أي يكشف اللبس عنها بتنوير القلب { لقوم } فيهم نهضة وجد في الاجتهاد ~~وقيام وكفاية { يعلمون * } أي يجددون النظر والتأمل بغاية الاجتهاد في كل ~~وقت فبذلك يعطيهم الله ملكة يميزون بها ما يلبس على غيرهم # أن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا # [الأنفال: 29] # واتقوا الله ويعلمكم الله # [البقرة: 282]. # ولما ذكر الطلاق رجعية وبائنة عقبه ببيان وصف الرجعة من الحل والحرمة ~~وبيان وقتها وتحديده والإشارة إلى تصوير بعض صور المضارة ترهيبا منها ~~فليست الآية مكررة فقال: { وإذا طلقتم النساء } أي طلاقا رجعيا والمراد ~~من يملك نكاحها ms0465 من هذا النوع الشامل للقليل والكثير ولم يقل: نساءكم، ~~لئلا تفهم الإضافة أن لطلاقهم غير نسائهم حكما مغائرا لهذا في بلوغ ~~الأجل مثلا ونحوه. # ولما كانت إباحة الرجعة في آخر العدة دالة على إباحتها فيما قبل ذلك ~~بطريق الأولى وكان من المقطوع به عقلا أن لما بعد الأجل حكما غير الحكم ~~الذي كان له قبله لم يكن التعبير بالبلوغ ملبسا وكان التعبير به مفيدا ~~أقصى ما يمكن به المضارة فقال: { فبلغن أجلهن } أي شارفن انقضاء العدة، ~~بدليل الأمر بالإمساك لأنه لا يتأتى بعد الأجل. وقال الحرالي: ولما كان ~~للحد المحدود الفاصل بين أمرين متقابلين بلوغ وهو الانتهاء إلى أول حده ~~وقرار وهو الثبات عليه ومجاوزة لحده ذكر سبحانه وتعالى البلوغ الذي هو ~~الانتهاء إلى أول الحد دون المجاوزة والمحل، والأجل مشارفة انقضاء أمد ~~الأمر حيث يكون منه ملجأ الذي هو مقلوبه كأنه مشارفة فراغ المدة - انتهى ~~{ فأمسكوهن } أي بالمراجعة إن أردتم ولو في أخر لحظة من العدة { بمعروف } ~~أي بحال حسنة تحمد عاقبتها، ونكره إشعارا بأنه لا يشترط فيه رضى المرأة ~~{ أو سرحوهن بمعروف } بأن تتركوهن حتى تنقضي العدة فيملكن أنفسهن من غير ~~تلبيس بدعوى ولا تضييق في شيء من الأشياء. # وقال الحرالي: هذا معروف الإمتاع والإحسان وهو غير معروف الإمساك، ولذلك ~~فرقه الخطاب ولم يكن: فأمسكوهن أو سرحوهن بمعروف - انتهى. # ولما كان المعروف يعم كل خير وكان الأمر به لا يفيد التكرار خص ترك الشر ~~اهتماما به معبرا بما يتناول جميع الأوقات فقال: { ولا تمسكوهن } أي ~~بالمراجعة في آخر العدة { ضرارا } كما كان في الجاهلية { لتعتدوا } أي ~~قاصدين بذلك التوصل إلى شيء من مجاوزة الحدود التي بينت لكم مثل أن يريد ~~تطويل العدة عليها فإنه قد يفضي إلى اعتدادها تسعة أشهر. # ولما كان التقدير: فمن يفعل ذلك فقد ظلم زوجه عطف عليه زيادة في التنفير ~~عنه قوله: { ومن يفعل ذلك } أي الفعل البعيد عن الخير، وفي التعبير ~~بالمضارع إشعار بأن في الأمة من يتمادى على فعله { فقد ظلم نفسه ms0466 } أي ~~بتعريضها لسخط الله عليه ونفرة الناس منه. # ولما كان قد لا يقصد شيئا من انتهاك الحرمات ولا من المصالح فكان ~~مقدما على ما لا يعلم أو يظن له عاقبة حميدة تهاونا بالنظر وكان فاعل ~~ذلك شبيها بالهازىء كما يقال لمن لا يجد فى أمر: هو لاعب، قال: { ولا ~~تتخذوا آيات الله } أي مع ما تعلمون من عظمتها بعظمة ناصبها { هزوا } ~~بإهمالها عن قصد المصالح الذي هو زوجها. # ولما كان على العبد أن يقتفي أثر السيد في جميع أفعاله قال: { واذكروا ~~نعمة الله } أي الذي له الكمال كله ثم عبر بأداة الاستعلاء إشارة إلى ~~عموم النعم وغلبتها فقال: { عليكم } هل ترون فيها شيئا من وادي العبث ~~بخلوه عن حكمة ظاهرة { وما } أي وخصوا بالذكر الذي { أنزل عليكم من ~~الكتاب } الذي فاق جميع الكتب وعلا عن المعارضة فغلب جميع الخلق بما ~~أفادته أداة الاستعلاء { والحكمة } التي بثها فيه وفي سنة نبيه صلى الله ~~عليه وسلم حال كونه { يعظكم } أي يذكر بما يرقق قلوبكم { به } أي بذلك ~~كله { واتقوا الله } أي بالغوا في الخوف ممن له الإحاطة بجميع صفات ~~الكمال باستحضار ما له من العظمة التي لا تتناهى ونبه على عظيم أمره ~~بقوله: { واعلموا } وبتكرير الاسم الأعظم في قوله: { أن الله } فلم يبق ~~وراء ذلك مرمى { بكل شيء } أي من أمور النكاح وغيرها { عليم * } أي بالغ ~~العلم فاحذروه حذر من يعلم أنه بحضرته وكل ما يعمله من سر وعلن فبعينه. ~~قال الحرالي: والتهديد بالعلم منتهى التحديد - انتهى. # ولما نهى عن الضرار في العصمة وفي أثرها الذي هو العدة أتبعه النهي عما ~~كان منه بعد انقضائها بالعضل من كل من يتصور منه عضل لكن لما كان نهي ~~الأولياء إذا كانوا أزواجا نهيا لغيرهم بطريق الأولى أسنده إلى الأزواج ~~وهم في غمارهم فقال: { وإذا طلقتم } أي أيها الأزواج، وأظهر ولم يضمر لأن ~~المذكور هنا أعم من الأول فقال: { النساء } أي طلاق كان { فبلغن أجلهن } ~~أي انقضت عدتهن فقد دل سياق الكلامين على اختلاف البلوغين ms0467 - نقله ~~الأصبهاني عن الشافعي يعني أن الأول دل على المشارفة للأمر بالإمساك وهذا ~~على الحقيقة للنهي عن العضل { فلا تعضلوهن } أي تمنعوهن أيها الأولياء ~~أزواجا كنتم أو غير أزواج، والعضل قال الحرالي هو أسوأ المنع، من عضلت ~~الدجاجة إذا نشبت بيضتها فيها حتى تهلك - انتهى. # { أن ينكحن أزواجهن } أي الذين طلقوهن وغيرهم، وسموا أزواجا لمآل أمرهم ~~إلى ذلك كما أن المطلقين سموا أزواجا بما كان؛ واستدل الشافعي رضي الله ~~تعالى عنه ورحمه بها على أنه لا نكاح إلا بولي، لأن التعبير بالعضل دال ~~على المنع الشديد المعبر من الداء العضال، وإن عضل من غير كفوء جاز ولم ~~تزوج منه ولو كانت المرأة تزوج نفسها لما كان إعياء ولا يثبت عضله ~~الممنوع ليحصل عزله إلا إذا منع عند الحاكم وقد بينت ذلك السنة. وهذه ~~الآية من عجائب أمر الاحتباك { طلقتم } يفهم الأزواج من { تعضلوهن } و { ~~تعضلوهن } يفهم الأولياء من { طلقتم } وقد بينت ذلك في كتابي الإدراك { ~~إذا تراضوا } أي النساء والأزواج الأكفاء بما أفهمته الإضافة دون أن ~~يقال: أزواجا لهن مثلا. ولما كان الرضى ينبغي أن يكون على العدل أشار ~~إليه بقوله: { بينهم } ولما كانا قد يتراضيان على ما لا ينبغي قيده ~~بقوله: { بالمعروف } فإن تراضوا على غيره كما لو كان الزوج غير كفوء ~~فاعضلوهن، وعرفه كما قال الحرالي لاجتماع معروفين منهما فكان مجموعهما ~~المعروف التام وأما المنكر فوصف أحدهما - انتهى. # ولما ذكر الأحكام مبينا لحكمها فكان { ذلك } وعظا وكان أكثر الناس يظن ~~أن الوعظ مغائر للأحكام أقبل على المختار للكمال فقال: ذلك الأمر العظيم ~~يا أيها الرسول { يوعظ } أي يرقق { به } قلوب { من كان } والوعظ قال ~~الحرالي إهزاز النفس بموعود الجزاء ووعيده - انتهى. فهو تهديد لمن تشق ~~عليه الأحكام وهم الأكثر. # ولما كان من أتباعه صلى الله عليه وسلم من جاهد نفسه حتى صار أهلا لفهم ~~الدقائق وإدراك الإشارات والرقائق فألقى كليته للسماع لحظه بقوله: { منكم ~~} معلما أن الخطاب في الحقيقة لكل فاهم، وإنما قيد بهم لأنهم المنتفعون ~~به الفاهمون ms0468 له لما لهم من رقة القلوب الناشئة عن الإذعان لأن الخطاب وإن ~~كان بالأحكام فهو وعظ يتضمن الترهيب كما يتضمن الترغيب ولما كان من ~~الحكمة أن من لا ينتفع بشيء لا يقصد به أشار إلى ذلك بقوله: { يؤمن بالله ~~} أي لما له من العظمة { واليوم الآخر } خوفا من الفضيحة فيه، وفي ~~تسميته وعظا إفهام بأن من تجاوز حدا في غيره سلط عليه من يتجاوز فيه ~~حدا. # قال الحرالي: لأن من فعل شيئا فعل به نحوه كأنه من عضل عن زوج عضل ولي ~~آخر عنه حين يكون هو زوجا، ومن زنى زنى به # سيجزيهم وصفهم # [الأنعام: 139]. # فلما وقع ما هيجوا إليه من كمال الإصغاء قال مقبلا عليهم: { ذلكم } أي ~~الأمر العظيم الشأن { أزكى لكم } أي أشد تنمية وتكثيرا وتنقية وتطهيرا ~~بما يحصل منه بينكم من المودة والبركة من الله سبحانه وتعالى { وأطهر } ~~للقلوب. ولما كان وصف المتكلم بالعلم أدعى لقبول من دونه منه قال مظهرا ~~ومعيدا للاسم الأعظم تعظيما للأمر: { والله } أي أشير إليكم بهذا ~~والحال أن الملك الأعظم { يعلم } أي له هذا الوصف { وأنتم لا تعلمون* } ~~أي ليس لكم هذا الوصف بالذات لا في الحال ولا في الاستقبال لما أفهمه ~~النفي بكلمة لا وصيغة الدوام. # ولما كان النكاح قد يكون عنه ولادة فيكون عنها رضاع وقد تكون المرضعة ~~زوجة وقد تكون أجنبية والزوجة قد تكون متصلة وقد تكون منفصلة وكان الفراق ~~بالطلاق أكثر منه بالموت وسطه بين عدتي الطلاق والوفاة لإدلائه إلى كل ~~بسبب واهتماما بشأنه وحثا على الشفقة على الصغير وشدة العناية بأمره ~~لأن الأم ربما كانت مطلقة فاستهانت بالولد إيذاء للزوج إن كان الطلاق عن ~~شقاق أو رغبة في زوج آخر، وكذا الأب فقال تعالى عاطفا على ما تقديره ~~مثلا: فالنساء لهن أحكام كثيرة وقد علمتم منها هنا أصولا تفهم من بصره ~~الله كثيرا من الفروع، والمطلقات إن لم يكن بينكم وبينهن علقة بولادة أو ~~نحوها فلا سبيل لكم عليهن. وقال الحرالي: لما ذكر سبحانه وتعالى أحكام ~~الاشتجار ms0469 بين الأزواج التي عظم متنزل الكتاب لأجلها وكان من حكم تواشج ~~الأزواج وقوع الولد وأحكام الرضاع نظم به عطفا أيضا على معاني ما ~~يتجاوزه الإفصاح ويتضمنه الإفهام لما قد علم من أن إفهام القرآن أضعاف ~~إفصاحه بما لا يكاد ينتهي عده فلذلك يكثر فيه الخطاب عطفا أي على غير ~~مذكور ليكون الإفصاح أبدا مشعرا بإفهام يناله من وهب روح العقل من ~~الفهم كما ينال فقه الإفصاح من وهبه الله نفس العقل الذي هو العلم؛ انتهى ~~- فقال تعالى: { والوالدات } أي من المطلقات وغيرهن، وأمرهن بالإرضاع في ~~صيغة الخبر الذي من شأنه أن يكون قد فعل وتم تنبيها على تأكيده وإن كان ~~الندب بما أفهمه إيجاب الأجرة لهن هنا وفي سورة الطلاق وما يأتي من ~~الاسترضاع فقال: { يرضعن أولادهن } قال الحرالي: جعل تعالى الأم أرض ~~النسل الذي يغتذي من غذائها في البطن دما كما يغتذي أعضاؤها من دمها ~~فكان لذلك لبنها أولى بولدها من غيرها ليكون مغذاه وليدا من مغذاه ~~جنينا فكان الأحق أن يرضعن أولادهن، وذكره بالأولاد ليعم الذكور ~~والإناث؛ وقال: الرضاعة التغذية بما يذهب الضراعة وهو الضعف والنحول ~~بالرزق الجامع الذي هو طعام وشراب وهو اللبن الذي مكانه الثدي من المرأة ~~والضرع من ذات الظلف - انتهى. # ولما ذكر الرضاع ذكر مدته ولما كان المقصود مجرد تحول الزمان بفصوله ~~الأربعة ورجوع الشمس بعد قطع البروج الاثني عشر إلى البرج الذي كانت فيه ~~عند الولادة وليس المراد الإشعار بمدح الزمان ولا ذمه ولا وصفه بضيق ولا ~~سعة عبر بما يدل على مطلق التحول فقال: { حولين } والحول تمام القوة في ~~الشيء الذي ينتهي لدورة الشمس وهو العام الذي يجمع كمال النبات الذي يتم ~~فيه قواه - قاله الحرالي. وكأنه مأخوذ مما له قوة التحويل. ولما كان ~~الشيء قد يطلق على معظمه مجازا فيصح أن يراد حول وبعض الثاني بين أن ~~المراد الحقيقة قطعا لتنازع الزوجين في مدة الرضاع وإعلاما بالوقت ~~المقيد للتحريم كما قال صلى الله عليه وسلم # " إنما الرضاعة من المجاعة " # بقوله: { كاملين ms0470 } ولما كان ذلك ربما أفهم وجوب الكمال نفاه بقوله: { ~~لمن } أي هذا الحكم لمن { أراد أن يتم الرضاعة } فأفهم أنه يجوز الفطام ~~للمصلحة قبل ذلك وأنه لا رضاع بعد التمام. وقال الحرالي: وهو أي الذي ~~يكتفى به دون التمام هو ما جمعه قوله تعالى: # وحمله وفصاله ثلاثون شهرا # [الأحقاف: 15] فإذا كان الحمل تسعا كان الرضاع أحدا وعشرين شهرا، ~~وإذا كان حولين كان المجموع ثلاثا وثلاثين شهرا فيكون ثلاثة آحاد ~~وثلاثة عقود فيكون ذلك تمام الحمل والرضاع ليجتمع في الثلاثين تمام ~~الرضاع وكفاية الحمل - انتهى. # ولما أوهم أن ذلك يكون مجانا نفاه بقوله: { وعلى } ولما كانت الوالدية ~~لا تتحقق في الرجل كما تتحقق في المرأة وكان النسب يكتفى فيه بالفراش ~~وكان للرجل دون المرأة فقال: { المولود له } أي على فراشه { رزقهن } أي ~~المرضعات لأجل الرضاع سواء كن متصلات أو منفصلات فلو نشزت المتصلة لم ~~يسقط وإن سقط ما يخص الزوجية. فلما كان اشتغالها بالرضاع عن كل ما يريده ~~الزوج من الاستمتاع ربما أوهم سقوط الكسوة ذكرها فقال: { وكسوتهن } أجرة ~~لهن. قال الحرالي: الكسوة رياش الآدمي الذي يستر ما ينبغي ستره من الذكر ~~والأنثى وقال: فأشعرت إضافة الرزق والكسوة إليهن باعتبار حال المرأة فيه ~~وعادتها بالسنة لا بالبدعة - انتهى. # ولما كان الحال مختلفا في النفقة والكسوة باختلاف أحوال الرجال والنساء ~~قال: { بالمعروف } أي - من حال كل منهما. قال الحرالي: فأكد ما أفهمته ~~الإضافة وصرح الخطاب بإجماله - انتهى. ثم علله أو فسره بالحنيفية التي ~~من علينا سبحانه وتعالى بها فقال: { لا تكلف } قال الحرالي: من التكليف ~~وهو أن يحمل المرء على أن يكلف بالأمر كلفة بالأشياء التي يدعوه إليها ~~طبعه { نفس } أي لا يقع تكليفها وإن كان له سبحانه وتعالى أن يفعل ما ~~يشاء { إلا وسعها } أي ما تسعه وتطيقه لا كما فعل سبحانه بمن قبل، كان ~~أحدهم يقرض ما أصاب البول من جلده بالمقراض والوسع قال الحرالي ما يتأتى ~~بمنة وكمال قوة. # ولما كانت نتيجة ذلك حصول النفع ودفع الضر قال: { لا ms0471 تضآر والدة بولدها ~~} أي لا تضر المنفق به ولا يضرها، وضم الراء ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب ~~على الخير وهو آكد، وفتح الباقون على النهي، ويحتمل فيها البناء للفاعل ~~والمفعول { ولا مولود له بولده } أي المولود على فراشه ليس له أن يضر ~~الوالدة به وليس لها أن تضره به ولا أن تضر الولد بتفريط ونحوه حملا ~~للمفاعلة على الفعل المجرد، وكل من أسند سبحانه وتعالى المضارة إليه أضاف ~~إليه الولد استعطافا له عليه وتحريكا لطبعه إلى مزيد نفعه. قال ~~الحرالي: ففيه إيذان بأن لا يمنع الوالد الأم أن ترضع ولدها فيضرها في ~~فقدها له ولا يسيء معاملتها في رزقها وكسوتها بسبب ولدها، فكما لم يصلح ~~أن يمسكها زوجة إلا بمعروف لم يصلح أن يسترضعها إلا بالمعروف ولا يتم ~~المعروف إلا بالبراءة من المضارة. وفي إشعاره تحذير الوالدات من ترك ~~أولادهن لقصد الإضرار مع ميل الطبع إلى القيام بهم وكذلك في إشعاره أن لا ~~تضره في سرف رزق ولا كسوة - انتهى. # ولما تم الأمر بالمعروف وما تبعه من تفسيره وكان ذلك على تقدير وجود ~~الوالد إذ ذاك بين الحال بعده فقال: { وعلى الوارث } أي وارث الوالد وهو ~~الرضيع { مثل ذلك } أي المأمور به من المعروف على ما فسره به في ماله إن ~~مات والده والوارث. قال الحرالي: المتلقى من الأحياء عن الموتى ما كان ~~لهم من حق أو مال - انتهى. وقيل في الوارث غير ذلك لأنه تقدم ذكر ~~الوالدات والولد والمولود له فاحتمل أن يضاف الوارث إلى كل منهم. # ولما بين أمد الرضاع وأمر النفقة صرح بما أفهمه الكلام من جواز الفطام ~~قبل التمام فقال مسببا عما أفهمته العبارة: { فإن أرادا } أي الوالدان { ~~فصالا } أي فطاما قبل تمام الحولين للصغير عن الرضاع. قال الحرالي: وهو ~~من الفصل وهو عود المتواصلين إلى بين سابق - انتهى. وهو أعم من الفطم ~~فلذا عبر به. ولما بين ذلك نبه على أنه لا يجوز إلا مع المصلحة فقال: { ~~عن تراض منهما } ثم بين أن الأمر خطر ms0472 يحتاج إلى تمام النظر بقوله: { ~~وتشاور } أي إدارة للكلام في ذلك ليستخرج الرأي الذي ينبغي أن يعمل به. ~~قال الحرالي: فأفصح بإشعار ما في قوله: { أن يتم } وأن الكفاية قد تقع ~~بدون الحولين فجعل ذلك لا يكون بريا من المضارة إلا باجتماع إرادتهما ~~وتراضيهما وتشاورهما لمن له تبصرة لئلا تجتمعا على نقص الرأي، قال عليه ~~الصلاة والسلام # " ما خاب من استخار ولا ندم من استشار " # والمشورة أن تستخلص حلاوة الرأي وخالصه من خلايا الصدور كما يشور العسل ~~جانيه - انتهى. { فلا جناح عليهما } فيما نقصاه عن الحولين لأنهما غير ~~متهمين في أمره واجتماع رأيهما فيه ورأي من يستشيرانه قل ما يخطىء. قال ~~الحرالي: فيه إشعار بأنها ثلاث رتب: رتبة تمام فيها الخير والبركة، ورتبة ~~كفاية فيها رفع الجناح، وحالة مضارة فيها الجناح - انتهى. وقد أفهم تمام ~~هذه العناية أن الإنسان كلما كان أضعف كانت رحمة الله له أكثر وعنايته به ~~أشد. # ولما بين رضاع الوالدات وقدمه دليلا على أولويته أتبعه ما يدل على جواز ~~غيره فقال: { وإن أردتم } أي أيها الرجال { أن تسترضعوا } أي أن تطلبوا ~~من يرضع { أولادكم } من غير الأمهات { فلا جناح } أي ميل بإثم { عليكم ~~إذا سلمتم } أي إلى المراضع { ما آتيتم } أي ما جعلتم لهن من العطاء { ~~بالمعروف } موفرا طيبة به أنفسكم من غير تشاحح ولا تعاسر لأن ذلك أقطع ~~لمعاذير لمراضع فهو أجدر بالاجتهاد في النصيحة وعدم التفريط في حق ~~الصغير. # ولما كان التقدير: فافعلوا جميع ما أمرتكم به وانتهوا عن جميع ما نهيتكم ~~عنه فقد جمعت لكم مصالح الدارين في هذا الكتاب الذي هو هدى للمتقين، عطف ~~عليه قوله: { واتقوا الله } أي الذي له القدرة الشاملة والعلم الكامل ثم ~~خوفهم سطواته بقوله منبها على عظم هذه الأحكام { واعلموا } وعلق الأمر ~~بالاسم الأعظم الجامع لجميع الأسماء الحسنى فقال: { أن الله } أي المحيط ~~بصفات الكمال تعظيما للمقام ولذلك أكد علمه سبحانه وتعالى هنا على نحو ~~ما مضى في # وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم # [البقرة: ms0473 215] بتقديم قوله للإعلام بمزيد الاهتمام { بما تعملون } أي من ~~سر وعلن. # ولما كانت هذه الأحكام أدق مما في الآية التي بعدها وكثير منها منوط ~~بأفعال القلوب ختمها بما يدل على البصر والعلم فقال: { بصير * } أي بالغ ~~العلم به فاعملوا بحسب ذلك. ### || [2.234-237] # ولما ذكر الرضاع وكان من تقاديره ما إذا مات الأب ذكر عدة الوفاة لذلك ~~وتتميما لأنواع العدد فقال. وقال الحرالي: لما ذكر عدة الطلاق الذي هو ~~فرقة الحياة انتظم برأس آيته ذكر عدة الوفاة الذي هو فراق الموت واتصل ~~بالآية السابقة لما انجر في ذكر الرضاع من موت الوالد وأمر الوارث وكذلك ~~كل آية تكون رأسا لها متصلان متصل بالرأس النظير لها المنتظمة به ومتصل ~~بالآية السابقة قبلها بوجه ما- انتهى. فقال: { والذين } أي وأزواج الذين ~~{ يتوفون منكم } أي يحصل وفاتهم بأن يستوفي أنفسهم التي كانت عارية في ~~أبدانهم الذي أعارهم إياها. قال الحرالي: من الوفاة وهو استخلاص الحق من ~~حيث وضع، إن الله عز وجل نفخ الروح وأودع النفس ليستوفيها بعد أجل من حيث ~~أودعها فكان ذلك توفيا تفعلا من الوفاء وهو أداء الحق { ويذرون } من ~~الوذر وهو أن يؤخذ المرء عما شأنه إمساكه { أزواجا } بعدهم. ولما أريد ~~تأكيد التربص مراعاة لحق الأزواج وحفظا لقلوب الأقارب واحتياطا للنكاح ~~أتى به في صيغة الخبر الذي من شأنه أن يكون قد وجد وتم فقال: { يتربصن } ~~أي ينتظرن أزواجهن لانقضاء العدة. ولما كان الممنوع إنما هو العقد ~~والتعرض له بالأفعال دون طلبه بالتعريض قال معبرا بالنفس لذلك وللتنبيه ~~على أن العجلة عن ذلك إنما تكون شهوة نفسانية بهيمية ليكون ذلك حاويا ~~على البعد عنها: { بأنفسهن } فلا يبذلنها لزوج ولا يخرجن من منزل الوفاة ~~ويتركن الزينة وكل ما للنفس فيه شهوة تدعو إلى النكاح كما بينت ذلك ~~السنة { أربعة أشهر وعشرا } إن كن حرائر ولم يكن حمل سواء كانت صغيرة ~~أو كبيرة تحيض أو لا، ابتداؤها من حين الوفاة لأنها السبب وغلب الليالي ~~فأسقط التاء لأن أول الشهر الليل { فإذا بلغن أجلهن ms0474 } ولما كان الله ~~سبحانه وتعالى قد جعل المسلمين كالجسد الواحد وكان الكلام في أزواج ~~الموتى أعلم سبحانه وتعالى بأنه يجب على إخوانهم المسلمين من حفظ حقوقهم ~~ما كانوا يحفظونه لو كانوا أحياء بقوله: { فلا جناح عليكم } أي يا أهل ~~الدين { فيما } ولما كان لا بد من إذن المرأة وقد تأذن للقاضي على رغم ~~الولي عند عضله مثلا أسند الفعل إليهن فقال: { فعلن في أنفسهن } أي من ~~النكاح ومقدماته التي كانت ممنوعة منها بالإحداد، ولا يحمل هذا على ~~المباشرة ليكون دليلا على - إنكاح المرأة نفسها لمعارضة آية { ولا ~~تعضلوهن } المتأيدة بالسنة. ولما كان ذلك قد لا يكون على وجه شرعي قال: ~~{ بالمعروف } لينصرف إلى الكامل فلا يكون في ذلك شوب نكارة، فإن فعلن ما ~~ينكر كان على الناس الجناح بترك الأمر كما عليهن بالفعل؛ وأجمع الفقهاء ~~غير أبي مسلم الأصفهاني على أن هذه الآية ناسخة لآية العدة بالحول، ~~والتقدم في التلاوة لا يمنع التأخر في النزول لأن الترتيب ليس على ترتيب ~~النزول - نقل ذلك الشمس الأصفهاني، ويرد عليه ما سيأتي نقله له عن مجاهد. # ولما كان التقدير: فالله حد لكم هذه الحدود فاحفظوها عطف عليه قوله ~~محذرا من التهاون في شيء منها في أنفسهم أو من الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر في حق غيرهم: { والله } أي الذي له صفات الكمال { بما تعملون } من ~~سر وعلانية. ولما كان هنا من أمر العدة ما لم تعرفه العرب قبل فربما ~~أنكرته القلوب لكونها لم تفهم سره وكان أمر النكاح إن قيد بالمعروف ~~باطنا ختم بقوله { خبير * } أي يعلم خفايا البواطن كما يعلم ظواهرها ~~فاحذروا مخالفته وأطيعوا أمره. # ولما حد سبحانه وتعالى هذه المدة لمنعهن عن الرجال بين أن التعريض ~~بالخطبة ليس داخلا في المنع فقال: { ولا جناح عليكم } أي إثم يميل { ~~فيما عرضتم به } أي قلتموه وأنتم تقصدون ما هو بعيد عنه كأنه في جانب وهو ~~في جانب آخر لا يتأدى إليه إلا بدورة كأنت جميلة أو نافعة، وأنا عازم على ~~أن أتزوج، وعسى ms0475 أن ييسر الله لي قرينة صالحة وقال الحرالي: من التعريض ~~وهو تفعيل من العرض والعرض وهو إلقاء القول عرضا أي ناحية على غير قصد ~~إليه وصمد نحوه - انتهى. والفرق بينه وبين الكناية أنه كلام ظاهر في معنى ~~يقصد به غير معناه الظاهر فلا يفهم المراد إلا بالقرائن، كقول المحتاج: ~~جئت لأسلم عليك وأنظر وجهك الكريم، ويسمى التلويح أيضا، والكناية ذكر ~~اللازم وإرادة الملزوم، وقد أفهم نوط الحل بالتعريض تحريم التصريح ~~المقابل له وللكناية، والصريح اسم لما هو ظاهر المراد عند السامع بحيث ~~يسبق إلى فهمه المراد ولا يسبق غيره عند الإطلاق { من خطبة } وهي الخطاب ~~في قصد التزوج. وقال الحرالي: هي هيئة الحال فيما بين الخاطب والمخطوبة ~~التي النطق عنها هو الخطبة بالضم { النساء } المتوفى عنهن أزواجهن ومن ~~أشبههن في طلاق بائن بالثلاث أو غيرها. # ولما أحل له التعريض وكان قد يعزم على التصريح إذا حل له ذلك نفى عنه ~~الحرج فيه بقوله { أو أكننتم } أي أضمرتم { في أنفسكم } من تصريح وغيره ~~سواء كان من شهوات النفس أو لا. قال الحرالي: من الكن - بالفتح - وهو ~~الذي من معناه الكن - بالكسر - وهو ما وارى بحيث لا يوصل به إلى شيء. # ولما كان لله سبحانه وتعالى بهذه الأمة عناية عظيمة في التخفيف عنها ~~أعلمها بذلك بقوله على سبيل التعليل: { علم الله } أي بما له من صفات ~~الكمال { أنكم ستذكرونهن } أي في العدة فأذن لكم في ذلك على ما حد لكم. # قال الحرالي: ففيه إجراء الشرعة على الحيلة الخاص بهذه الأمة انتهى. # ولما كان التقدير: فاذكروهن، استثنى منه قوله: { ولكن لا تواعدوهن } أي ~~في ذكركم إياهن { سرا } ولما كان السر يطلق على ما أسر بالفعل وما هو ~~أهل أن يسر به وإن جهر بين أن المراد الثاني وهو السر بالقوة فقال: { إلا ~~أن تقولوا } أي في الذكر لهن { قولا معروفا } لا يستحيي منه عند أحد من ~~الناس، فآل الأمر إلى أن المعنى لا تواعدوهن إلا ما لا يستحيي من ذكره ~~فيسر وهو التعريض؛ ms0476 فنصت هذه الآية على تحريم التصريح بعد إفهام الآية ~~الأولى لذلك اهتماما به لما للنفس من الداعية إليه. # ولما كانت عدة الوفاة طويلة فكان حبس النفس فيها عن النكاح شديدا وكانت ~~إباحة التعريض قريبة من الرتع حول الحمى وكان من يرتع حول الحمى يوشك أن ~~يواقعه خصها باتباعها النهي عن العقد قبل الانقضاء حملا على التحري ~~ومنعا من التجري فقال: { ولا تعزموا } أي تبتوا أي تفعلوا فعلا بتا ~~مقطوعا به غير متردد فيه { عقدة النكاح } أي النكاح الذي يصير معقودا ~~للمعتدة عدة هي فيها بائن فضمن العزم البتة ولذلك أسقط " على " وأوقعه ~~على العقدة التي هي من آثاره ولا تتحقق بدونه فكأنه قال: ولا تعزموا على ~~النكاح باقين عقدته، وهو أبلغ مما لو قيل: ولا تعقدوا النكاح، فإن النهي ~~عن العزم الذي هو سبب العقد نهي عن العقد بطريق الأولى. قال الحرالي: ~~والعقدة توثيق جمع الطرفين المفترقين بحيث يشق حلها وهو معنى دون الكتب ~~الذي هو وصلة وخرز { حتى يبلغ الكتاب } أي الذي تقدم فيما أنزلت عليكم ~~منه بيان عدة من زالت عصمتها من رجل بوفاه أو طلاق، أو ما كتب وفرض من ~~العدة { أجله } أي أخر مدته التي ضربها للعدة. # ولما أباح سبحانه وتعالى التعريض وحظر عزم العقدة وغلظ الأمر بتعليقه ~~بالكتاب وبقي بين الطرفين أمور كانت الشهوة في مثلها غالبة والهوى مميلا ~~غلظ سبحانه وتعالى الزواجر لتقاوم تلك الدواعي فتولى تلك الأمور تهديد ~~قوله تعالى: { واعلموا } أي أيها الراغبون في شيء من ذلك { أن الله } وله ~~جميع الكمال { يعلم ما في أنفسكم } كله { فاحذروه } ولا تعزموا على شر ~~فإنه يلزم من إحاطة العلم إحاطة القدرة. # ولما هددهم بعلمه وكان ذلك النهاية في التهديد وكان كل أحد يعلم من نفسه ~~في النقائص ما يجل عن الوصف أخبرهم بما أوجب الإمهال على ذلك من منه ~~بغفرانه وحلمه حثا على التوبة وإقامة بين الرجاء والهيبة فقال: { ~~واعلموا أن الله } أي كما اقتضى جلاله العقوبة اقتضى جماله العفو فهو ~~لذلك { غفور } أي ms0477 ستور لذنوب الخطائين إن تابوا { حليم * } لا يعاجل أحد ~~العقوبة فبادروا بالتوبة رجاء غفرانه ولا تغتروا بإمهاله فإن غضب الحليم ~~لكونه بعد طول الأناة لا يطاق، ويجوز أن يكون التقدير: ولا تصرحوا للنساء ~~المعتدات بعقدة النكاح في عدة من العدد؛ والسر في تفاوتها أن عدة الوفاة ~~طولت مراعاة للورثة إلى حد هو أقصى دال على براءة الرحم، لأن الماء يكون ~~فيه أربعين يوما نطفة ومثلها علقة ومثلها مضغة ثم ينفخ فيه الروح فتلك ~~أربعة أشهر، وقد تنقص الأشهر أربعة أيام فزيدت عليها وجبرت بما أتم أقرب ~~العقود إليها؛ وفي صحيح مسلم رضي الله تعالى عنه تقدير المدة الأولى " ~~باثنين وأربعين يوما " وفي رواية: " خمس وأربعين " وفي رواية: " بضع ~~وأربعين " فإذا حمل البضع على ست وزيد ما قد تنقصه الأشهر صارت أربعة ~~أشهر وعشرا؛ ولم تزد على ذلك مراعاة للمرأة لما قيل: إنه يقل صبر النساء ~~بعد ذلك، واقتصر في الاستبراء على قرء وهو أقل دال على براءة الرحم لأن ~~السيد يكون مخالطا للأمة غالبا فيشق الصبر، وثلثت عدة الحرة جريا على ~~سنة الشارع في الاستظهار بالتثليث مع زوال علة الإسراع من المخالطة، ولأن ~~أكثر الطلاق رجعي فربما كان عن غيظ فمدت ليزول فيتروى، وكانت عدة الأمة ~~من الطلاق بين الاستبراء وعدة الحرة لما تنازعها من حق السيد المقتضي ~~للقصر وحق الزوج المقتضي للطول مع عدم إمكان التصنيف - والله سبحانه ~~وتعالى أعلم. # ولما تمت أحكام العدد وما يتبعها مما حق الرجال فيه أغلب أتبعها أحكام ~~الأصدقة، ولما كان الكلام قد طال في أحكام الطلاق والموت ولم يذكر الصداق ~~وكان قد ختم تلك الأحكام بصفتي الغفر والحلم وكان الصداق معلوما عندهم ~~قبل الإسلام اقتضى ذلك السؤال: هل يجب للمفارقة صداق أو هو مما دخل تحت ~~المغفرة والحلم فلا يجب؟ فقيل: { لا جناح عليكم } أي لا تبعة من مهر ولا ~~غيره إلا ما يأتي من المتعة، وأصل الجناح الميل من الثقل { إن طلقتم ~~النساء } أي إن طلق أحد منكم ما يملك عصمته منهن ms0478 { ما لم تمسوهن } أي ~~تجامعوهن. من المس ومن المماسة في القراءة الأخرى وهو ملاقاة الجرمين ~~بغير حائل بينهما - قاله الحرالي { أو تفرضوا لهن فريضة } أي تسموا لهن ~~مهرا معلوما. أي لا جناح عليكم ما لم يقع أحد الأمرين أي مدة انتفائه ~~ولا ينتفي الأحد المبهم إلا بانتفاء الأمرين معا فإذا انتفيا انتفى ~~الجناح وإن وجدا أو أحدهما وجد، فإن وجد المسيس وجب المسمى أو مهر المثل. ~~وإن وجد الفرض وجب نصفه إن خلا عن مسيس. قال الحرالي: ففي إنبائه صحة عقد ~~النكاح مع إهمال ذكر الصداق لا مع إبطاله، ففيه صحة نكاح التفويض ونكاح ~~التأخير لذكر الصداق، فبان به أن الصداق ليس ركنا فيه وأن إبطاله مانع ~~من بنائه، فيكون له ثلاثة أحوال من رفع الجناح فيه عن المهمل الذي لم يمس ~~فيه كأنه كان يستحق فرضا ما فرفع عنه جناحه من حيث إن على الماس كلية ~~النحلة وعلى الفارض شطر النحلة فرفع عنه جناح الفرض وجبر موضع الفرض ~~بالإمتاع، ولذلك ألزمت المتعة طائفة من العلماء - انتهى. # ولما كان التقدير: وطلقوهن إن أردتم وراعوا فيهن ما أوجبت من الحقوق لكم ~~وعليكم عطف عليه قوله: { ومتعوهن } أي جبرا لما وقع من الكسر بالطلاق ~~على حسب حال المطلقين، والمطلقة من غير مس ولا فرض تستحقه للمتعة ~~بالإجماع - نقله الأصبهاني. و { على الموسع } منهم أي الذي له في حاله ~~سعة. وقال الحرالي: هو من الإيساع وهو المكنة في السعة التي هي أكثر من ~~الكفاية { قدره } من القدر وهو الحد المحدود في الشيء حسا أو معنى { ~~وعلى المقتر } أي الذي في حاله ضيق. قال الحرالي: هو من الإقتار وهو ~~النقص من القدر الكافي - انتهى { قدره } أي ما يقدر عليه ويطيقه، وقراءة ~~فتح الدال كقراءة إسكانها فإنهما لغتان أو أن الفتح مشير إلى التفضل ~~بتحمل شيء ما فوق القدرة { متاعا } أي تمتيعا { بالمعروف } وهو ما ليس ~~فيه في الشرع نكارة { حقا على المحسنين * } أي الذين صار الإحسان لهم ~~وصفا لازما، والإحسان غاية رتب الدين كأنه ms0479 كما قال الحرالي إسلام ظاهر ~~يقيمه إيمان باطن يكمله إحسان شهودي - انتهى. فالكلام على هذا النظام ~~إلهاب وتهييج لا قيد، وإنما كانت إحسانا لأن ملاك القصد فيها كما قال ~~الحرالي ما تطيب به نفس المرأة ويبقى باطنها وباطن أهلها سلما أو ذا ~~مودة # لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا # [الطلاق: 1] انتهى. ولا شك في أن هذا إحسان. # ولما نفي الجناح بانتفاء المسيس والفرض فأفهم أنهما إذا وجدا وجد الجناح ~~بوجوب المفروض كله أتبعه ما إذا انتفى أحدهما فقط فذكر الحكم عند انتفاء ~~المسيس وحده صريحا في ضد المفوضة السابقة وأفهم بذلك ما إذا انتفى الفرض ~~وحده تلويحا فقال: { وإن طلقتموهن } أي الزوجات { من قبل أن تمسوهن } أي ~~تجامعوهن سواء كانت هناك خلوة أو لا { وقد } أي والحال أنكم { فرضتم } أي ~~سميتم { لهن فريضة } أي مهرا مقدرا { فنصف } أي فالمأخوذ نصف { ما ~~فرضتم } أي سميتم لهن من الصداق لا غير. # ولما أوجب لها ذلك بعثها على تركه لأن الزوج لم ينتفع منها بشيء ~~بالتعبير بالعفو فقال: { إلا أن يعفون } أي النساء فإن النون ضميرهن ~~والواو لام الفعل فلا يؤخذ منكم شيء { أو يعفوا الذي بيده } أي إليه ولكن ~~لما كان أغلب الأعمال باليد أسندت كلها إليها فصارت كناية عن القدرة { ~~عقدة النكاح } وهو الزوج الذي إن شاء أبقاها وإن شاء حلها فيسمح لها ~~بالجميع كان التعبير بهذا هزا للزوج إلى العفو في نظير ما جعل إليه من ~~هذا دونها. # قال الحرالي: إذا قرن هذا الإيراد بقوله: { ولا تعزموا عقدة النكاح } ~~خطابا للأزواج قوي فسر من جعل الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج معادلة ~~للزوجات، ومن خص عفوهن بالمالكات أي الراشدات خص هذا بالأولياء فكان هذا ~~النمط من التهديف للاختلاف ليس عن سعة إيهام وكأنه عن تبقية بوجه ما من ~~نهاية الإفصاح فمنشأ الخلاف فيه دون منشأ الخلاف من خطابات السعة ~~بالإيهام - انتهى. وجعل الإمام هذا مفهوما من التعبير بالعقدة لأنها تدل ~~على المفعول كالأكلة واللقمة والذي بيده ذلك الزوج والذي بيد ms0480 الولي العقد ~~وهو المصدر كالأكل واللقم لا العقدة الحاصلة بعد العقد { وأن تعفوا } ~~أيها الرجال والنساء { أقرب } أي من الحكم بالعدل الذي هو السواء. # ولما كان المقام للترغيب عبر باللام الدالة على مزيد القرب دون إلى ~~فقال: { للتقوى } أما من المرأة فلأجل أن الزوج لم ينل منها شيئا ولا ~~حظي بطائل فهو أقرب إلى رضاه، وأما من الرجل فلما أشار إليه بجعل العقدة ~~بيده فإنه كما ربطها باختياره حلها باختياره فدفعه الكل أقرب إلى جبر ~~المرأة ورضاها، ومن فعل الفضل كان بفعله ذلك أقرب إلى أن يفعل الواجب بمن ~~لم يفضل. # ولما كان العفو فضلا من العافي وإحسانا لها منه وكانوا إنما يتفاخرون ~~بالفضائل أكده بقوله: { ولا تنسوا } أي تتركوا ترك المنسي، والتعبير ~~بالنسيان آكد في النهي { الفضل } أي أن تكونوا مفضلين في جميع ما مضى لا ~~مفضلا عليكم، فإن اليد العليا خير من اليد السفلى، وزاده تأكيدا بقوله: ~~{ بينكم } أي حال كونه واقعا فيكم من بعضكم لبعض ليس شيء منه خارجا ~~عنكم، ولن ينال الله منه شيء لأنه غني عن كل شيء، فما أمركم به إلا ~~لنفعكم خاصة، لئلا يتأذى الزوج ببذل لم ينتفع في مقابله من المرأة بشيء، ~~ولا المرأة بطلاق لم يحصل لها في نظير ما يلحقها من الكسر بسببه شيء، وهو ~~يصح أن يكون بالتغليب خطابا للقبيلين. وخصه الحرالي بالرجال فقال: فمن ~~حق الزوج الذي له فضل الرجولة أن يكون هو العافي وأن لا يؤاخذ النساء ~~بالعفو، ولذلك لم يأت في الخطاب أمر لهن ولا تحريض، فمن أقبح ما يكون حمل ~~الرجل على المرأة في استرجاع ما آتاها بما يصرح به قوله: # أو آتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا # [آل عمران: 20] فينبغي أن لا تنسوا ذلك الفضل فتجرون عليه حيث لم تلزموا ~~به - انتهى. # ثم علل ذلك مرغبا مرهبا بقوله: { إن الله } أي الذي له الكمال كله { ~~بما تعملون } أي وإن دق { بصير * } وأفهم ذلك: وإن طلقتموهن بعد المسيس ~~وقبل الفرض فجميع مهر المثل. ### || [2.238-240] ms0481 # ولما ذكرت أحكام النساء وشعبت حتى ضاق فسيح العقل بانتشارها وكاد أن ~~يضيع في متسع مضمارها مع ما هناك من مظنة الميل بالعشق والنفرة بالبغض ~~الحامل على الإحن والشغل بالأولاد وغير ذلك من فتن وبلايا ومحن يضيق عنها ~~نطاق الحصر ويكون بعضها مظنة للتهاون بالصلاة بل وبكل عبادة اقتضى الحال ~~أن يقال: يا رب! إن الإنسان ضعيف وفي بعض ذلك له شاغل عن كل مهم فهل بقي ~~له سعة لعبادتك؟ فقيل: { حافظوا } بصيغة المفاعلة الدالة على غاية ~~العزيمة أي ليسابق بعضكم بعضا في ذلك ويجوز أن يكون ذلك بالنسبة إلى ~~العبد وربه فيكون المعنى: احفظوا صلاتكم له ليحفظ صلاته عليكم فلا يفعل ~~فيها فعل الناسي فيترك تشريفكم بها، وأخصر منه أن يقال: لما ذكر سبحانه ~~وتعالى ما بين العباد خاصة ذكر ما بينه وبينهم فقال: - وقال الحرالي: لما ~~كان ما أنزل له الكتاب إقامة ثلاثة أمور: إقامة أمر الدين الذي هو ما بين ~~العبد وربه، وتمشية حال الدنيا التي هي دار محنة العبد، وإصلاح حال ~~الآخرة والمعاد الذي هو موضع قرار العبد، صار ما يجري ذكره من أحكام ~~تمشية الدنيا غلسا نجوم إنارته أحكام أمر الدين فلذلك مطلع نجوم خطابات ~~الدين أثناء خطابات أمر الدنيا فيكون خطاب الأمر نجما خلال خطابات ~~الحرام والحلال في أمر الدنيا؛ وإنما كان نجم هذا الخطاب للمحافظة على ~~الصلاة لأن هذا الاشتجار المذكور بين الأزواج فيما يقع من تكره في الأنفس ~~وتشاح في الأموال إنما وقع من تضييع المحافظة على الصلوات لأن الصلاة ~~بركة في الرزق وسلاح على الأعداء وكراهة الشيطان؛ فهي دافعة للأمور التي ~~منها تتضايق الأنفس وتقبل الوسواس ويطرقها الشح، فكان في إفهام نجم هذا ~~الخطاب أثناء هذه الأحكام الأمر بالمحافظة على الصلوات لتجري أمورهم على ~~سداد يغنيهم عن الارتباك في جملة هذه الأحكام - انتهى. فقال تعالى: { ~~حافظوا } قال الحرالي: من المحافظة مفاعلة من الحفظ وهو رعاية العمل ~~علما وهيئة ووقتا وإقامة بجميع ما يحصل به أصله ويتم به عمله وينتهي ~~إليه كماله، ms0482 وأشار إلى كمال الاستعداد لذلك بأداة الاستعلاء فقال: { على ~~الصلوات } فجمع وعرف حتى يعم جميع أنواعها، أي افعلوا في حفظها فعل من ~~يناظر آخر فيه فإنه لا مندوحة عنها في حال من الأحوال حتى ولا في حال خوف ~~التلف، فإن في المحافظة عليها كمال صلاح أمور الدنيا والآخرة لا سيما ~~إدرار الأرزاق وإذلال الأعداء # وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها # [طه: 132] و # استعينوا بالصبر والصلاة # [البقرة: 193] # " كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة " # ولا شك أن اللفظ صالح لدخول صلاة الجنازة فيه، ويزيده وضوحا اكتناف ~~آيتي الوفاة لهذه الآية سابقا ولاحقا. # وقال الحرالي: إن الله سبحانه وتعالى يعطي الدنيا على نية الآخرة وأبى ~~أن يعطي الآخرة على نية الدنيا، خلل حال المرء في دنياه ومعاده إنما هو ~~عن خلل حال دينه، وملاك دينه وأساسه إيمانه وصلاته، فمن حافظ على الصلوات ~~أصلح الله حال دنياه وأخراه، وفي المحافظة عليها تجري مقتضيات عملها ~~عملا إسلاميا وخشوعا وإخباتا إيمانيا ورؤية وشهودا إحسانيا فبذلك ~~تتم المحافظة عليها، وأول ذلك الطهارة لها باستعمال الطهور على حكم السنة ~~وتتبع معاني الحكمة، كما في مسح الأذنين مع الرأس، لأن من فرق بينهما لم ~~يكد يتم له طهور نفسه بما أبدته الحكمة وأقامته السنة وعمل العلماء فصد ~~عنه عامة الخلق الغفلة؛ ثم التزام التوبة عندها لأن طهور القلب التوبة ~~كما أن طهور البدن والنفس الماء والتراب، فمن صلى على غير تجديد توبة صلى ~~محدثا بغير طهارة؛ ثم حضور القلب في التوحيد عند الأذان والإقامة، فإن ~~من غفل قلبه عند الأذان والإقامة عن التوحيد نقص من صلاته روحها فلم يكن ~~لها عمود قيام، من حضر قلبه عند الأذان والإقامة حضر قلبه في صلاته، ومن ~~غفل قلبه عندهما غفل قلبه في صلاته؛ ثم هيئتها في تمام ركوعها وسجودها؛ ~~وإنطاق كل ركن عملي بذكر الله يختص به أدنى ما يكون ثلاثا فليس في ~~الصلاة عمل لا نطق له؛ ولا يقبل الله صلاة من لم يقم صلبه في ms0483 ركوعه ~~وسجوده وقيامه وجلوسه؛ فبالنقص من تمامها تنقص المحافظة عليها وبتضييع ~~المحافظة عليها يتملك الأعداء النفس ويلحقها الشح فتنتقل عليها الأحكام ~~وتتضاعف عليها مشاق الدنيا، وما من عامل يعمل عملا في وقت صلاة أو حال ~~أذان إلا كان وبالا عليه وعلى من ينتفع به من عمله، وكان ما يأخذه من ~~أجر فيه شقى خبث لا يثمر له عمل بر ولا راحة نفس في عاجلته ولا آجلته، ~~وخصوصا بعد أن أمهل الله الخلق من طلوع شمس يومهم إلى زوالها ست ساعات ~~فلم يكن لدنياهم حق في الست الباقية فكيف إذا طولبوا منها بأويقات الأذان ~~والصلاة وما نقص عمل من صلاة، فبذلك كانت المحافظة على الصلوات ملاكا ~~لصلاح أحوال الخلق مع أزواجهم في جميع أحوالهم - انتهى. { والصلاة الوسطى ~~} أي خصوصا فإنها أفضل الصلوات لأنها أخصها بهذا النبي الخاتم كما مضى ~~بيانه في أول السورة في قوله: # استعينوا بالصبر والصلاة # [البقرة: 193] فخصها سبحانه وتعالى بمزيد تأكيد وأخفاها لأداء ذلك إلى ~~المحافظة على الكل ولهذا السبب أخفى ليلة القدر في رمضان، وساعة الإجابة ~~في يوم الجمعة، والاسم الأعظم في جميع الأسماء، ووقت الموت حملا على ~~التوبة في كل لحظة. وقال الحرالي: وما من جملة إلا ولها زهرة فكان في ~~الصلوات ما هو منها بمنزلة الخيار من الجملة وخيارها وسطاها فلذلك خصص ~~تعالى خيار الصلوات بالذكر، وذكرها بالوصف إبهاما ليشمل الوسطى الخاصة ~~بهذه الأمة وهي العصر التي لم تصح لغيرها من الأمم، ولينتظم الوسطى ~~العامة لجميع الأمم ولهذه الأمة التي هي الصبح، ولذلك اتسع لموضع أخذها ~~بالوصف مجال العلماء فيها ثم تعدت أنظارهم إلى جميعها لموقع الإبهام في ~~ذكرها حتى تتأكد المحافظة في الجميع بوجه ما، وفي قراءة عائشة رضي الله ~~تعالى عنها: وصلاة العصر - عطفا ما يشعر بظاهر العطف باختصاص الوسطى ~~بالصبح على ما رآه بعض العلماء، وفيه مساغ لمرجعه على { الصلاة الوسطى } ~~بنفسها ليكون عطف أوصاف، وتكون تسميتها بالعصر مدحة ووصفا من حيث إن ~~العصر خلاصة الزمان كما أن عصارات الأشياء خلاصاتها # ثم ms0484 يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون # [يوسف: 49] فعصر اليوم هو خلاصة لسلامته من وهج الهاجرة وغسق الليل، ~~ولتوسط الأحوال والأبدان والأنفس بين حاجتي الغداء والعشاء التي هي ~~مشغلتهم بحاجة الغذاء؛ ومن إفصاح العرب عطف الأوصاف المتكاملة فيقال: ~~فلان كريم وشجاع - إذا تم فيه الوصفان، فإذا نقصا عن التمام قيل: كريم ~~شجاع - بالاتباع، فبذلك يقبل معنى هذه القراءة أن تكون الوسطى هي العصر ~~عطفا لوصفين ثابتين لأمر واحد - انتهى. ويوضح ما قاله رحمه الله تعالى ~~قولهم في الرمان المز: حلو حامض - من غير عطف، وبرهانه أنهم قالوا: إن ~~الجمل إذا تتابعت من غير عطف كان ذلك مؤذنا بتمام الاتصال بينها فتكون ~~الثانية إما علة للأولى وإما مستأنفة على تقدير سؤال سائل ونحو ذلك مما ~~قاله البيانيون في باب الفصل والوصل، ولولا إشعار الكلام الأول بالجملة ~~الثانية لاحتياجه إليها لم يوجد محرك للسؤال بخلاف ما إذا تعاطفت كان ذلك ~~يؤذن بأن كل واحدة منها غنية عما بعدها وذلك مؤذن بالتمام: وأما أسماء ~~الله تعالى فتتابعها دون عطف، لأن شيئا منها لا يؤدي جميع مفهوم اسم ~~الذات العلم ولذلك ختم سبحانه وتعالى آيات سورة الحشر بقوله: # له الأسماء الحسنى # [الحشر: 24] أي أن هذه الأسماء التي ذكرت هي مما أفهمه مدلول الاسم ~~العلم المبتدأ به سواء قلنا إنه مشتق أو لا، ومهما اطلعت على وصف حسن ~~يليق به سبحانه وتعالى فهو مما دل عليه الاسم الأعظم، لأن من يستحق ~~العبادة لا يكون إلا كذلك جامعا لأوصاف الكمال، أو لأنه لما جبلت النفوس ~~وطبعت القلوب على المعرفة بأنه سبحانه وتعالى منزه عن شوائب النقص ومتصف ~~بأوصاف الكمال كان الإعراء من العطف فيها للإيذان بذلك وما عطف منها ~~فلمعنى دعا إليه كما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى في مواضعه، وأنا لا ~~أشك أن المعطل إذا وقع في ضيق أخرجه ودهمه من البلاء ما أعجزه وأحرق قلبه ~~وأجرى دمعه التفت قلبه ضرورة إلى الله سبحانه وتعالى في كشفه وضرع إليه ~~في إزالته ms0485 لما ركز في جبلته من كماله وعظمته وجلاله ذاهلا عما تكسبه من ~~قرناه السوء من سوء الاعتقاد وجر نفسه إليه من العناد - والله سبحانه ~~وتعالى أعلم؛ فدونك قاعدة نفيسة طال ما تطلبتها وسألت عنها الفضلاء فما ~~وجدتها وضربت بفكري في رياض الفنون ومهامه العلوم حتى تصورتها ثم بعد ~~فراغي من تفسيري رأيت الكشاف أشار إليها في آية " والمستغفرين بالأسحار " ~~في آل عمران - والله سبحانه وتعالى الموفق. # ولما أمر بالمحافظة عليها أتبعه جامع ذلك فقال: { وقوموا لله } أي الذي ~~له الجلال والإكرام { قانتين * } أي مطيعين - قاله الحسن وسعيد بن جبير ~~والشعبي وعطاء وقتادة وطاوس. وروى الطبراني في الأوسط والإمام أحمد وأبو ~~يعلى الموصلي في مسنديهما وابن حبان في صحيحه عن أبي سعيد رضي الله تعالى ~~عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " كل حرف ذكر من القنوت في القرآن فهو الطاعة " # وقيل: القنوت السكوت، ففي الصحيحين عن زيد بن أرقم رضي الله تعالى عنه ~~قال: # " كنا نتكلم في الصلاة، يكلم الرجل صاحبه وهو إلى جنبه في حاجته حتى ~~نزلت { وقوموا لله قانتين } فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام " # وقال مجاهد: خاشعين، وقيل غير ذلك؛ وإذا علم أصل معنى هذه الكلمة لغة ~~علم أن المراد: مخلصين، وإليه يرجع جميع ما قالوه، وذلك أن مادة قنت بأي ~~ترتيب كان تدور على الضمور من القتين للقليل اللحم والطعم، وقتن المسك ~~إذا يبس، فيلزمه الاجتذاب والخلوص، فإنه لولا تجاذب الأجزاء لزوال ما ~~بينها من المانع لم يضمر، ومنه امرأة ناتق إذا كانت ولودا كأنها تجتذب ~~المني كله فتظفر بما يكون منه الولد، أو أنه لما كان المقصود الأعظم من ~~الجماع الولد كانت كأنها المختصة بجذب المني وكأن اجتذاب غيرها عدم، أو ~~كأنها تجتذب الولد من رحمها فتخرجه، وذلك من نتق السقاء وهو نفضه، حتى ~~يقتلع ما فيه فيخلص، ومن ذلك: البيت المعمور نتاق الكعبة، أي مطل عليها ~~من فوق فلو أنه جاذب شيئا من الأرض لكان إياها لأنه تجاهها، ومن الضمور: ~~التقن - لرسابة الماء؛ ms0486 وهو الكدر الذي يبقى في الحوض فإنه متهيىء لاجتذاب ~~العكولة؛ ويلزم الضمور الإحكام لجودة التراص في الأجزاء لخلوصها عن مانع، ~~ومنه: أمر متقن، أي محكم، و: رجل تقن - إذا كان حاذقا بالأشياء، فهو ~~خالص الرأي؛ ويلزمه الإخلاص والخشوع والتواضع فتأتي الطاعة بالدعاء وغيره ~~فإنها جمع الهم على المطاع # أمن هو قانت آناء الليل # [الزمر: 9] ونحو ذلك، والتقن أيضا الطبيعة فإنها سر الشيء وخالصه، ومنه ~~الفصاحة من: تقن فلان، أي طبعه؛ ويلزم الضمور القيام فإنه ضمور بالنسبة ~~إلى بقية الهيئات؛ ومنه: أفضل الصلاة طول القنوت. # والسكوت ضمور بالنسبة إلى الكلام؛ ويلزم الضمور اليبس والذبول ومنه ~~التقن للطين الذي يذهب عنه الماء فييبس ويتشقق؛ والقلة ومنه: قراد قتين، ~~أي قليل الدم، فيأتي أيضا السكوت والإحكام؛ وإذا راجعت معاني هذه المادة ~~وهي قنت وقتن وتقن ونتق من كتب اللغة ازددت بصيرة في هذا، وإذا علم ذلك ~~علم أن الآية منطبقة على الحديث محتملة لجميع أقوال العلماء رضي الله ~~تعالى عنهم، وذلك أن الصلاة إذا أخلصت لم يكن فيها قول ولا فعل ليس منها ~~وذلك محض الطاعة والخشوع. وقال الحرالي: القنوت الثبات على أمر الخير ~~وفعله، وذلك أن فعل الخير والبر يسير على الأكثر ولكن الثبات والدوام ~~عسير عليهم، وكان من القنوت مداومة الحق فيما جاء به في الصلاة حتى لا ~~يقع التفات للخلق، فلذلك لزم الصمت عن الخلق من معناه، لأن كلام الناس ~~قطع لدوام المناجاة، ففي إشعاره أن من قام لله سبحانه وتعالى قانتا في ~~صلاته أقام الله سبحانه وتعالى في دنياه حاله في إقامته ومع أهله، كما ~~يشير إليه معنى آية # وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسئلك رزقا نحن نرزقك # [طه: 32] ففيه إيذان بأن الصلاة تصلح الحال مع الأهل وتستدر البركة في ~~الرزق - انتهى. وحديث زيد هذا صريح في أن الصلاة في أول الأمر لم تكن على ~~الحدود التي صارت إليها آخرا؛ فيحتمل أن الفعل كان مباحا فيها كما كان ~~الكلام، ويؤيده أن الأصل في الأشياء الإباحة حتى يأتي نص ms0487 بالمنع، وبهذا ~~يزول ما في حديث ذي اليدين من الإشكال من أنه يقتضي إباحة القول والفعل ~~للمصلي إذا ظن أنه أكمل الصلاة أو نسي أنه فيها، " لأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم صلى إحدى صلاتي العشي فسلم من ركعتين ثم قام إلى خشبة في ناحية ~~المسجد فاتكأ عليها وخرج سرعان الناس، فلما أعلمه ذو اليدين بالحال سأل ~~الناس فصدقوه، فرجع فأكمل الصلاة " فإن الحديث غير مؤرخ فيحتمل أنه كان ~~قبل تحريم الأفعال والأقوال بهذه الآية. ويؤيد احتمال إباحة الأفعال ~~أولا اتباع الآية بقوله تعالى: { فإن خفتم } أي بحال من أحوال الجهاد ~~الذي تقدم أنه { كتب عليكم } أو نحو ذلك من عدو أو سبع أو غريم يجوز ~~الهرب منه أو غير ذلك { فرجالا } أي قائمين على الأرجل، وهو جمع راجل من ~~حيث إنه أقرب إلى صورة الصلاة. قال البغوي: أي إن لم يمكنكم أن تصلوا ~~قانتين موفين للصلاة حقها لخوف فصلوا مشاة على أرجلكم { أو ركبانا } أي ~~كائنين على ظهور الدواب على هيئة التمكن. وقال الحرالي: ما من حكم شرعه ~~الله في السعة إلا وأثبته في الضيق والضرورة بحيث لا يفوت في ضيقه بركة ~~من حال سعته ليعلم أن فضل الله لا ينقصه وقت ولا يفقده حال، وفيه إشعار ~~بأن المحافظة على الصلاة في التحقيق ليس إلا في إقبال القلب بالكلية على ~~الرب، فما اتسع له الحال ما وراء ذلك فعل وإلا اكتفى بحقيقتها، ولذلك ~~انتهت الصلاة عند العلماء في شدة الخوف إلى تكبيرة واحدة يجتمع إليها ~~وحدها بركة أربع الركعات التي تقع في السعة، وفيها على حالها من البركة ~~في اتساع الرزق وصلاح الأهل ما في الواقعة في السعة مع معالجة النصرة ~~لعزيمة إقامتها على الإمكان في المخافة، وقد وضح باختلاف أحوال صلاة ~~الخوف أن حقيقتها أنها لا صورة لها، فقد صح فيها عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أربع عشرة صورة وزيادة صور في الأحاديث الحسان - انتهى. # وروى البخاري في التفسير عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى ms0488 عنهما كيفية ~~في صلاة الخوف ثم قال: فإن كان خوف أشد من ذلك صلوا رجالا قياما على ~~أقدامهم أو ركبانا مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها. قال مالك: قال ~~نافع: لا أرى عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما ذكر ذلك إلا عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم - يعني لأن مثل ذلك لا يقال من قبل الرأي { فإذا ~~أمنتم } أي حصل لكم الأمن مما كان أخافكم. # ولما كان المراد الأعظم من الصلاة الذكر وهو دوام حضور القلب قال مشيرا ~~إلى أن صلاة الخوف يصعب فيها ذلك منبها بالاسم الأعظم على ما يؤكد ~~الحضور في الصلاة وغيرها من كل ما يسمى ذكرا { فاذكروا الله } أي الذي ~~له الأمر كله. قال البغوي: أي فصلوا الصلوات الخمس تامة بحقوقها. وقال ~~الحرالي: أظهر المقصد في عمل الصلاة وأنه إنما هو الذكر الذي هو قيام ~~الأمن والخوف - انتهى: فكأنه سبحانه وتعالى لما منع مما ليس من الصلاة من ~~الأقوال والأفعال استثنى الأفعال حال الخوف فأبقيت على الأصل لكن قد روى ~~الشافعي رضي الله تعالى عنه وصرحه في كتاب اختلاف الحديث من الأم وأبو ~~داود والنسائي من طريق عاصم بن أبي النجود عن أبي وائل عن ابن مسعود رضي ~~الله تعالى عنه قال: كنا نسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في ~~الصلاة - الحديث في أنه لما رجع من الحبشة قال له النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " إن الله يحدث من أمره ما شاء وإن مما أحدث أن لا تتكلموا في الصلاة " # وحكم بأنه قيل حديث ذي اليدين لما في بعض طرقه مما يقتضي أن رجوعه كان ~~قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وهو كذلك، لكن عاصم له ~~أوهام في الحديث وإن كان حجة في القراءة فلا يقوى حديثه لمعارضة ما في ~~الصحيحين من حديث زيد الماضي المغيا بنزول الآية. # والبقرة مدنية كما في الصحيح في فضائل القرآن عن عائشة رضي الله تعالى ~~عنها أنها قالت: ما نزلت سورة البقرة ms0489 والنساء إلا وأنا عند النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وفيه في النكاح وغيره أنه صلى الله عليه وسلم بنى بها ~~وهي بنت تسع سنين وأقامت عنده تسعا، فيكون ذلك في السنة الثانية من ~~الهجرة. وقال الشافعي رضي الله تعالى عنه في الرسالة في باب وجه آخر من ~~الناسخ والمنسوخ: أخبرنا محمد بن أبي فديك عن ابن أبي ذئب عن المقبري عن ~~عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه ~~قال: " حبسنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق عن الصلاة حتى ~~كان بعد المغرب يهوي من الليل حتى كفينا وذلك قول الله سبحانه وتعالى: # وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا # [الأحزاب: 25] قال: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالا فأمره ~~فأقام الظهر فصلاها فأحسن صلاتها كما كان يصليها في وقتها، ثم أقام العصر ~~كذلك، ثم أقام المغرب فصلاها كذلك، ثم أقام العشاء فصلاها كذلك أيضا؛ ~~وذلك قبل أن ينزل الله تعالى في صلاة الخوف { فإن خفتم فرجالا أو ~~ركبانا } [البقرة: 239] " وقد روى الشيخان أيضا حديث ابن مسعود رضي ~~الله تعالى عنه بلفظ: كنا نسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في ~~الصلاة فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه فلم يرد علينا ~~وقال: # " إن في الصلاة شغلا " # لكنه ليس صريحا في تحريم الكلام فيعود الاحتمال السابق، فإن كان الواقع ~~أن حديث زيد متأخر كان ما قلت وإلا كان الذي ينبغي القول به أنه لا فرق ~~بين القول والفعل لأن اشتمال حديث ذي اليدين عليهما على حد سواء، كما ~~صححه صاحب التتمة من أصحاب الشافعي ونقل عن اختيار الشيخ محيي الدين ~~النواوي في كتابه التحقيق وتبعه عليه السبكي وغيره من المتأخرين، وكلام ~~الشافعي ظاهر فيه فإنه قال في الرد على من نسبه إلى أنه خالف في التفريع ~~على الحديث المذكور: فأنت خالفت أصله وفرعه ولم نخالف نحن من أصله ولا من ~~فرعه حرفا واحدا - هذا نصه في ms0490 كتاب الرسالة. # ولما أمر سبحانه وتعالى بالذكر عند الأمن علله بقوله: { كما علمكم } أي ~~لأجل إنعامه عليكم بأن خلق فيكم العلم المنقذ من الجهل، فتكون الكاف ~~للتعليل وقد جوزه أبو حيان في النهر ونقله في موضع آخر منه عن النحاة - ~~والله سبحانه وتعالى أعلم { ما لم تكونوا تعلمون * } بما آتاكم على لسان ~~هذا النبي الكريم من الأحكام التي تقدمت في هذه السورة المفصلة ببدائع ~~الأسرار من الأصول ودقائق العلوم كلها. # وقال الحرالي: من أحكام هيئة الصلاة في الأعضاء والبدن وحالها في النفس ~~من الخشوع والإخبات والتخلي من الوسواس وحالها في القلب من التعظيم ~~والحرمة، وفي إشارته ما وراء ظاهر العلم من أسرار القلوب التي اختصت بها ~~أئمة هذه الأمة - انتهى. # ولما كان ذكر أحكام عشرة النساء على هذا الوجه مظنة سؤال سائل كما تقدم ~~يقول: قد استغرق الاشتغال بهن الزمان وأضر بالفراغ للعبادة وكان هذا ~~السؤال إيماء إلى الاستئذان في الرهبانية والاختصاء الذي سأل فيه من سأل ~~كما سيبين إن شاء الله سبحانه وتعالى في المائدة في قوله: # ولا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم # [المائدة: 87] وكان الإعراض عن جواب السائل بالأمر بالمحافظة على الصلاة ~~ربما أشعر بالإقرار على مضمون السؤال والإذن في الترهب بقرينة الإعراض ~~عن السؤال وربما كان مشيرا إلى النهي عن الترهب بقرينة السكوت على ما ~~تقدم من الأمر بعشرتهن من غير نهي عنه عقب الأمر بذلك ببعض آيات النساء ~~تأكيدا لما أفهمته تلك الإشارة أي اتركوا الترهب وكونوا رجالا في ~~الاقتداء بنبيكم صلى الله عليه وسلم في القيام بحقوق الله وحقوق نفسه ~~وغيره من سائر العباد وجعل ما تعقب آية الصلاة من تعلق النكاح آيتين فقط ~~أولاهما في حكم من أحكام الموت وهي منسوخة كما قال الأكثر ليست من دعائم ~~أحكام هذا الباب إشارة إلى أنه ينبغي أن يكون الإقبال على العبادة أكثر ~~وأن يكون الاشتغال بأمر النساء والأولاد إنما هو على وجه التزود للموت ~~وما بعده فقال تعالى: { والذين } وقال الحرالي: لما ذكر سبحانه وتعالى ms0491 ~~أحكام الأزواج في الطلاق والوفاة وحكم الفرض والمتعة في المطلقات قبل ~~الدخول ختم هذه الأحكام المؤكدة بالفرض والأمر بما هو من نحوها فنظم ~~بالمتعة من النفقة والكسوة والإخدام وما في معناه المتعة بالسكنى للمتوفى ~~عنها زوجها إلى حد ما كانت العدة في الجاهلية ليكون للخير والمعروف بقاء ~~في الإسلام بوجه ما أيما عقد وعهد كان في الجاهلية فلن يزيده الإسلام إلا ~~شدة - انتهى. فقال تعالى: { يتوفون منكم } أي يقاربون أن يستوفي أرواحهم ~~من أعارها أبدانهم فيخلصها منها كاملة لا يغادر منها شيئا ولا يأخذ ~~شيئا من الجسم معها مع ما بينهما من كمال الامتزاج الذي لا يقدر معه على ~~تمييز أحدهما عن الآخر إلا هو سبحانه وتعالى { ويذرون أزواجا } بعد ~~موتهم، فليوصوا { وصية } ومن رفع فالتقدير عندهم: فعليهم وصية، ويجوز أن ~~تحمل الوفاة على حقيقتها ويكون التقدير: وصية من الله لأزواجهم، أو ~~يوصيكم الله وصية { لأزواجهم } بالسكنى في بيوتهم { متاعا } لهن { إلى } ~~رأس { الحول } من حين الوفاة. قال الحرالي: وهو غاية العمر وجامع لجملة ~~الفصول التي بوفائها تظهر أحوال الصبر عن الشيء والحرص عليه وإنما الحول ~~الثاني استدراك - انتهى. # { غير إخراج } أي غير مصاحب ذلك المتاع بنوع إخراج أو غير ذوي إخراج. ~~قال الحرالي: لتكون الأربعة الأشهر والعشر فرضا وباقي الحول متاعا ~~لتلحق أنواع المتعة بأنواع اللازم في الزوجية من نفقة وكسوة وإخدام ~~وسكنى، ولما كان هذا المتاع الزائد إنما هو تقرير للزوجة في حال ما كانت ~~عليه مع زوجها إشعارا ببقاء العصمة وإلاحة من الله تعالى بحسن صبر ~~المرأة المتوفى عنها زوجها على زوجها، لا تتزوج عليه غيره حتى تلقاه ~~فتكون معه على النكاح السابق ليكون للأمة في أزواجهم لمحة حظ من تحريم ~~أزواج نبيهم بعده اللاتي يقمن بعده إلى أن يلقينه أزواجا بحالهن، فيكون ~~ذلك لمن يستشرف من خواص أمته إلى اتباعه في أحكامه وأحكام أزواجه لأن ~~الرجال مما يستحسنون ذلك لأزواجهم، فمن أشد ما يلحق الرجل بعد وفاته تزوج ~~زوجه من بعده لأنها بذلك كأنها هي المطلقة ms0492 له، ولذلك ورد أن المرأة إنما ~~تكون لآخر زوج. لأنها تركت الزوج ولم يتركها هو، قال صلى الله عليه وسلم: # " أنا وسفعاء الخدين حبست نفسها على يتاماها حتى ماتوا - أو: بانوا - ~~كهاتين في الجنة " # كأنه صلى الله عليه وسلم أكد ذلك المعنى على من ترك لها المتوفى ذرية ~~لأنه أثبت عهد معه - انتهى. روى البخاري في التفسير عن مجاهد # والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا # [البقرة: 234] قال: كانت هذه العدة تعتد عند أهل زوجها واجب فأنزل الله ~~عز وجل: { والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى ~~الحول غير إخراج } [البقرة: 240] قال: جعل الله سبحانه وتعالى لها تمام ~~السنة سبعة أشهر وعشرين ليلة وصية، إن شاءت سكنت في وصيتها وإن شاءت خرجت ~~وهو قول الله سبحانه وتعالى: { غير إخراج } فالعدة كما هي واجب عليها. # ولما كان هذا المتاع الواجب من جهة الزوج جائزا من جهة المرأة نبه عليه ~~بقوله { فإن خرجن } أي من أنفسهن من غير مزعج ولا مخرج { فلا جناح عليكم ~~} يا أهل الدين الذين يجب عليهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر { فيما ~~فعلن في أنفسهن } من النكاح ومقدماته. ولما كانت لهن في الجاهلية أحوال ~~منكرة في الشرع قيده بقوله: { من معروف } أي عندكم يا أهل الإسلام. # ولما كان في هذا حكمان حكم من جهة الرجال فضل وآخر من جهة النساء عفو ~~فكان التقدير: فالله غفور حليم، عطف عليه قوله: { والله } أي الذي لا ~~كفوء له { عزيز حكيم * } وفي ضمنه كما قال الحرالي تهديد شديد للأولياء ~~إن لم ينفذوا ويمضوا هذه الوصية بما ألزم الله، ففي إلاحته أن من أضاع ~~ذلك ناله من عزة الله عقوبات في ذات نفسه وزوجه ومخلفيه من بعده ويجري ~~مأخذ ما تقتضيه العزة على وزن الحكمة جزاء وفاقا وحكما قصاصا، وهذه ~~الآية مما ذكر فيها بعض الناس النسخ وإنما هي مما لحقها نسيان أوقعه الله ~~تعالى على الخلق حتى لا يكاد أن يكون عمل بها أحد إلا أحدا لم يذكر به ~~ولم يشتهر منه ms0493 فهي مما أنسى فران عليه النسيان لأمر شاءه الله سبحانه ~~وتعالى والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، وقد ورد " أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنفذ لامرأة من تركة زوجها نفقة سنة " وذلك والله سبحانه ~~وتعالى أعلم قبل نزول آية الفرائض حين كانت الوصية للوالدين والأقربين ~~بالمعروف - انتهى. # وبما قال الحرالي من أنها غير منسوخة قال مجاهد كما تقدم في رواية ~~البخاري عنه أن الزوجة إن اختارت هذا فعدتها الحول وإلا فعدتها الآية ~~الأولى، ونقله الشمس الأصفهاني عنه في تفسيره، ونقل عن بلديه أبي مسلم ~~قريبا منه فإنه قال بعد أن نقل عنه أنها غير منسوخة: ليس التقدير ما ~~يفيد الوجوب على الزوج مثل: فليوصوا بل التقدير: وقد وصوا، أو: ولهم ~~وصية. وحسن تعقيب آية المحافظة على الصلاة بعدة الوفاة كون الخوف المذكور ~~فيها من أسباب القتل، ولعل إثباتها في التلاوة مع كونها منسوخة الحكم على ~~ما قال الجمهور تذكيرا للنساء بما كان عدة لهن في أول الأمر لئلا يستطلن ~~العدة الثابتة بأربعة أشهر وعشر فينتهكن شيئا من حرماتها، كما أشار إليه ~~ما في الصحيحين وغيرهما عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها " # " أن امرأة استأذنت النبي صلى الله عليه وسلم أن تكحل ابنتها لوجع ~~أصابها، فأبى وقال: " قد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس ~~الحول " ". ### || [2.241-247] # ولما ذكر سبحانه وتعالى متاع المتوفى عنهن عقبه متاع المطلقات تأكيدا ~~للحكم بالتكرير وتعميما بعد تخصيص بعض أفراده فقال تعالى: { وللمطلقات } ~~أي أي المدخول بهن بأي طلاق كان { متاع } أي من جهة الزوج يجبر ما حصل ~~لها من الكسر { بالمعروف } أي من حالهما { حقا على المتقين * } قال ~~الحرالي: حيث كان الذي قبل الدخول حقا على المحسنين كان المحسن يمتع ~~بأيسر وصلة في القول دون الإفضاء والمتقي يحق عليه الإمتاع بمقدار ما وقع ~~له من حرمة الإفضاء ولما وقع بينهم من الإرهاق والضجر فيكون في المتعة ~~إزالة لبعض ذلك وإبقاء بسلام أو مودة - انتهى. وفيه إشارة إلى أن الطلاق ~~كالموت لانقطاع حبل ms0494 الوصلة الذي هو كالحياة وأن المتاع كالإرث. # ولما بين سبحانه وتعالى هذه الأحكام هذا البيان الشافي كان كأن سائلا ~~قال: هل يبين غيرها مثلها؟ فقال: { كذلك } أي مثل هذا البيان { يبين الله ~~} أي الذي له الحكمة البالغة لأنه المحيط بكل شيء { لكم آياته } أي ~~المرئية بما يفصل لكم في آياته المسموعة { لعلكم تعقلون * } أي لتكونوا ~~على حال يرجى لكم معها التفكر في الآيات المسموعات والآيات المرئيات كما ~~يفعل العقلاء فيهديكم ذلك إلى سواء السبيل؛ وقد كرر مثل هذا القول كثيرا ~~وفصلت به الآيات تفصيلا وكان لعمري يكفي الفطن السالم من مرض القلب وآفة ~~الهوى إيراده مرة واحدة في الوثوق بمضمونه والركون إلى مدلوله، وإنما كرر ~~تنبيها على بلاغة الآيات المختومة به وخروجها عن طوق البشر وقدرة ~~المخلوق، وذلك أنهم كلما سمعوا شيئا من ذلك وهم أهل السبق في البلاغة ~~والظفر على جميع أرباب الفصاحة والبراعة فرأوه فائتا لقواهم وبعيدا من ~~قدرهم خطر لهم السؤال عن مثل ذلك البيان ناسين لما تقدم من صادق الوعد ~~وثابت القول بأن الكل على هذا المنوال البديع المثال البعيد المنال، لما ~~اعتراهم من دهش العقول وانبهار الألباب والفهوم. # ولما انقضى ما لا بد منه مما سيق بعد الإعلام بفرض القتال المكروه ~~للأنفس من تفصيل ما أحمل في ليل الصيام من المشارب والمناكح وما تبعها ~~وكان الطلاق كما سلف كالموت وكانت المراجعة كالإحياء وختم ذلك بالصلاة ~~حال الخوف الذي أغلب صورة الجهاد ثم بتبيين الآيات أعم من أن تكون في ~~الجهاد أو غيره عقب ذلك بقوله دليلا على آية كتب القتال المحثوث فيها ~~على الإقدام على المكاره لجهل المخلوق بالغايات: { ألم تر } وقال ~~الحرالي: لما كان أمر الدين مقاما بمعالمه الخمس التي إقامة ظاهرها تمام ~~في الأمة وإنما تتم إقامتها بتقوى القلوب وإخلاص النيات كان القليل من ~~المواعظ والقصص في شأنه كافيا، ولما كان حظيرة الدين إنما هو الجهاد ~~الذي فيه بذل الأنفس وإنفاق الأموال كثرت فيه مواعظ القرآن وترددت وعرض ~~لهذه الأمة بإعلام بما يقع ms0495 فيه فذكر ما وقع من الأقاصيص في الأمم السالفة ~~وخصوصا أهل الكتابين بني إسرائيل ومن لحق بهم من أبناء العيص فكانت ~~وقائعهم مثلا لوقائع هذه الأمة فلذلك أحيل النبي صلى الله عليه وسلم على ~~استنطاق أحوالهم بما يكشفه الله سبحانه وتعالى له من أمرهم عيانا وبما ~~ينزله من خبرهم بيانا وكان من جامعة معنى ذلك ما تقدم من قوله سبحانه ~~وتعالى: # سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة # [البقرة: 211] وكان من جملة الآيات التي يحق الإقبال بها على النبي صلى ~~الله عليه وسلم لعلو معناها فأشرف المعاني ما قيل فيه { ألم تر } إقبالا ~~على النبي صلى الله عليه وسلم وعموم المعاني ما قيل فيه # ألم تروا # [لقمان: 20] إقبالا على الأمة ليخاطب كل على قدر ما قدم لهم من تمهيد ~~موهبة العقل لتترتب المكسبة من العلم على مقدار الموهبة من العقل فكان من ~~القصص العلي العلم اللطيف الاعتبار ما تضمنته هذه الآيات من قوله: { ألم ~~تر } ليكون ذلك عبرة لهذه الأمة حتى لا يفروا من الموت فرار من قبلهم، ~~قال عليه الصلاة والسلام: # " إذا نزل الوباء بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه " # وذلك لتظهر مزيتهم على من قبلهم بما يكون من عزمهم كما أظهر الله تعالى ~~مزيتهم على من قبلهم بما آتاهم من فضله ورحمته التي لم ينولها لمن قبلهم ~~- انتهى. # ولما كانت مفارقة الأوطان مما لا يسمح به نبه بذكره على عظيم ما دهمهم ~~فقال: { إلى الذين خرجوا } أي ممن تقدمكم من الأمم { من ديارهم } التي ~~ألفوها وطال ما تعبوا حتى توطنوها لما وقع فيها مما لا طاقة لهم به على ~~الموت { وهم ألوف } أي كثيرة جدا تزيد على العشرة بما أفهمه جمع ~~التكثير. قال الحرالي: فيه إشعار بأن تخوفهم لم يكن من نقص عدد وإنما كان ~~من جزع أنفس فأعلم سبحانه وتعالى أن الحذر لا ينجي من القدر وإنما ينجى ~~منه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم الدعاء # " إن الدعاء ليلقي القدر فيعتلجان إلى يوم القيامة ms0496 " # انتهى. { حذر الموت } فرارا من طاعون وقع في مدينتهم أو فرارا من عدو ~~دعاهم نبيهم إلى قتاله - على اختلاف الرواية - ظنا منهم أن الفرار ~~ينجيهم. # ودل سبحانه وتعالى على أن موتهم كان كنفس واحدة بأن جعلهم كالمأمور الذي ~~لم يمكنه التخلف عن الامتثال بقوله مسببا عن خروجهم على هذا الوجه: { ~~فقال لهم الله } أي الذي لا يفوته هارب ولا يعجزه طالب لأن له الكمال كله ~~{ موتوا } أي فماتوا أجمعون موت نفس واحدة لم ينفعهم حذرهم ولا صد القدر ~~عنهم علمهم بالأمور وبصرهم إعلاما بأن من هاب القتال حذر الموت لم يغنه ~~حذره مع ما جناه من إغضاب ربه ومن أقدم عليه لم يضره إقدامه مع ما فاز به ~~من مرضاة مولاه. # قال الحرالي: في إشعاره إنباء بأن هذه الإماتة إماتة تكون بالقول حيث لم ~~يقل: فأماتهم الله، فتكون إماتة حاقة لا مرجع منها، ففيه إبداء لمعنى ~~تدريج ذات الموت في أسنان متراقية من حد ضعف الأعضاء والقوى بالكسل إلى ~~حد السنة إلى حد النوم إلى حد الغشي إلى حد الصعق إلى حد هذه الإماتة ~~بالقول إلى حد الإماتة الآتية على جملة الحياة التي لا ترجع إلا بعد ~~البعث وكذلك الإماتة التي يكون عنها تبدد الجسم مع بقائه على صورة أشلائه ~~أشد إتيانا على الميت من التي لا تأتي على أعضائه " إن الله حرم على ~~الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء والشهداء والعلماء والمؤذنين " فكما للحياة ~~أسنان من حد ربو الأرض إلى حد حياة المؤمن إلى ما فوق ذلك من الحياة كذلك ~~للموت أسنان بعدد أسنان الحياة مع كل سن حياة موت إلى أن ينتهي الأمر إلى ~~الحي الذي لا يموت # وإن إلى ربك المنتهى # [النجم: 42]، فبذلك يعلم ذو الفهم أن ذلك توطئة لقوله: { ثم أحياهم } ~~وفي كلمة { ثم } إمهال إلى ما شاء الله - انتهى. وجعل سبحانه وتعالى ذلك ~~تقريرا له صلى الله عليه وسلم بالرؤية إما لأنه كشف له عنهم في الحالتين ~~وإما تنبيها على أنه في القطع بإخبار الله تعالى ms0497 له على حالة هي كالرؤية ~~لغيره تدريبا لأمته؛ ولعل في الآية حضا على التفضل بالمراجعة من الطلاق ~~كما تفضل الله على هؤلاء بالإحياء بعد أن أدبهم بالإماتة وختم ما قبلها ~~بالإقامة في مقام الترجي للعقل فيه إشارة إلى أن الخارجين من ديارهم لهذا ~~الغرض سفهاء فكأنه قيل: لتعقلوا فلا تكونوا كهؤلاء الذين ظنوا أن فرارهم ~~ينجيهم من الله بل تكونون عالمين بأنكم أينما كنتم ففي قبضته وطوع مشيئته ~~وقدرته فيفيدكم ذلك الإقدام على ما كتب عليكم مما تكرهونه من القتال، أو ~~يقال: ولما كان المتوفى قد يطلق زوجه في مرض موته فرارا من إرثها وقد ~~يخص بعض وارثيه مما يضار به غيره وقد يحتال على المطلقة ضرارا بما يمنع ~~حقها ختم آية الوفاة عن الأزواج والمطلقات بترجية العقل بمعنى أنكم إذا ~~عقلتم لم تمنعوا أحدا من فضل الله الذي آتاكم علما منكم بأنه تعالى ~~قادر على أن يمنع المراد إعطاؤه ويمنح المراد منعه بأسباب يقيمها ودواعي ~~يخلقها أو يشفي فاعل ذلك من مرضه ثم يسلبه فضله فيفقره بعد غناه ويضعفه ~~بعد قواه، فإنه لا ينفع من قدره حذر، ولا يدفع مراده كيد ولا حيل وإن كثر ~~العدد وجل المدد، { ألم تر } إلى أن قال: { إن الله } أي الذي له الإحاطة ~~بالجلال والإكرام { لذو فضل } { على الناس } أي عامة فليذكر كل واحد ما ~~له عليه من الفضل، وليرغبوا في العفو عمن يرون أن منعه عدل لأن ذلك أقرب ~~إلى الشكر وأبعد عن الكفر، فطلاق الفار إخراج الزوجة عن دائرة عصمته ~~حذرا من إماتة ماله بأخذ ما يخصها منه وخروج الزوج عن دائرة النكاح ~~حذرا من موت مقيد بكونها في عصمته وخروج الألوف من دار الإقامة حذرا من ~~موت مطلق، ومن المناسبات البديعة أنه لما كانت حقيقة حال العرب أنهم ~~انتقلوا بعد أبيهم إسماعيل عليه الصلاة والسلام والتابعين له بإحسان من ~~ضيق دار العلم والإيمان حذرا من هلاك الأبدان بتكاليف الأديان إلى قضاء ~~الشهوات والعصيان فوقعوا في موت الجهل والكفران فلما نزل ms0498 عليهم القرآن ~~وكان أكثر هذه السورة في الرد على أهل الكتاب وكرر فيها هداية العرب من ~~الكفر والجهل بكلمة الإطماع في غير موضع نحو # ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون # [البقرة: 150] # لعلكم تتقون # [البقرة: 21] # لعلهم يرشدون # [البقرة: 186] # لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة # [البقرة: 219، 220] وغير ذلك إلى أن ختم هذه الآيات بترجي العقل وكان ~~أهل الكتاب قد اشتد حسدهم لهم بجعل النبي الذي كانوا ينتظرونه منهم وكان ~~الحاسد يتعلق في استبعاد الخير عن محسوده بأدنى شيء كانوا كأنهم قالوا: ~~أيحيي هؤلاء العرب على كثرتهم وانتشارهم في أقطار هذه الجزيرة من موت ~~الكفر والجهل بالإيمان والعلم بعد أن تمادت بهم فيهما الأزمان وتوالت ~~عليهم الليالي والأيام حتى عتوا فيهما وعسوا ومردوا عليهما وقسوا؟ ~~فأجيبوا بنعم وما استبعدتموه غير بعيد، فقالوا: فإن كان لله بهم عناية ~~فلم تركهم يجهلون ويكفرون بعد ما شرع لهم أبوهم إسماعيل عليه الصلاة ~~والسلام دين أبيه إبراهيم عليه الصلاة والسلام؟ فأجيبوا بأنه فعل بهم ذلك ~~لذنب استحقوه لحكمة اقتضاها سابق علمه ثم ذكرهم قدرته في مثل ذلك من ~~العقوبة واللطف بما هم به عالمون فقال تعالى مخاطبا لنبيه صلى الله عليه ~~وسلم والمراد هم - كما يقال: الكلام لك واسمعي يا جارة - { ألم تر } ~~ويجوز أن يكون الخطاب لكل فاهم أي تعلم بقلبك أيها السامع علما هو ~~كالرؤية ببصرك لما تقدم من الأدلة التي هي أضوأ من الشمس على القدرة على ~~البعث ويؤيد أنه لمح فيه الإبصار تعديته بإلى في قوله: { إلى الذين خرجوا ~~} وقال: { فقال لهم الله } أي الذي له العظمة كلها عقوبة لهم بفرارهم من ~~أمره { موتوا ثم أحياهم } بعد أن تطاول عليهم الأمد وتقادم بهم الزمن كما ~~أفهمه العطف بحرف التراخي تفضلا منه، فكما تفضل على أولئك بحياة أشباههم ~~بعد عقوبتهم بالموت فهو يتفضل على هؤلاء بحياة أرواحهم من موت الكفر ~~والجهل إظهارا لشرف نبيهم صلى الله عليه وسلم، ثم علل ذلك بقوله: { إن ~~الله } أي الذي له العظمة كلها بما له من الجلال والعظمة والكمال { لذو ms0499 ~~فضل } أي عظيم { على الناس } أي كافة مطيعهم وعاصيهم. # قال الحرالي: بما ينسبهم تارة إلى أحوال مهوية ثم ينجيهم منها إلى أحوال ~~منجية بحيث لو أبقى هؤلاء على هذه الإماتة ومن لحق بسنتهم من بعدهم لهلكت ~~آخرتهم كما هلكت دنياهم ولكن الله سبحانه وتعالى أحياهم لتجدد فضله عليهم ~~- انتهى. كما تفضل عليكم يا بني إسرائيل بأن أحياكم من موت العبودية وذلك ~~الذل بعد أن كان ألزمكموه بذنوبكم دهورا طويلة وكما تفضل عليكم أيها ~~العرب بقص مثل هذه الأخبار عليكم لتعتبروا { ولكن أكثر الناس } كرر ~~الإظهار ولم يضمر ليكون أنص على العموم لئلا يدعي مدع أن المراد بالناس ~~الأول أهل زمان ما فيخص الثاني أكثرهم { لا يشكرون * } وذلك تعريض ببني ~~إسرائيل في أنهم لم يشكروه سبحانه وتعالى في الوفاء بمعاهدته لهم في ~~اتباع هذا النبي الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام، وفي هذا الأسلوب بعد ~~هذه المناسبات إثبات لقدرته سبحانه وتعالى على الإعادة وجر لمنكر ذلك ~~إلى الحق من حيث لا يشعر. قال الحرالي: والشكر ظهور باطن الأمر على ظاهر ~~الخلق بما هو باطن فمن حيث إن الأمر كله لله قسرا فالشكر أن يبدو الخلق ~~كله بالله شكرا، لأن أصل الشكور الدابة التي يظهر عليها ما تأكله سمنا ~~وصلاحا، فمن أودع خلق أمر لم يبد على خلقه فهو كفور. فلما أودعه سبحانه ~~وتعالى في ذوات الأشياء من معرفته وعلمه وتكبيره كان من لم يبد ذلك على ~~ظاهر خلقه كفورا، ومن بدا ما استسر فيه من ذلك شكورا، وليس من وصف ~~الناس ذلك لترددهم بين أن يكون البادي عليهم عندهم تارة من الله سبحانه ~~وتعالى وتارة من أنفسهم وممن دون الله ممن اتخذوه أولياء على حد كفر أو ~~هوى أو بدعة أو خطيئة وعلى حد رين كسبهم على قلوبهم، ففي اعتبار هذه ~~الآية تحذير لهذه الأمة من أن يحذروا الموت. قال بعض التابعين رضي الله ~~تعالى عنهم: لقد رأينا أقواما يعنون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم الموت إلى أحدهم أشهى ms0500 من الحياة عندكم اليوم؛ وإنما ذلك لما تحققوا ~~من موعود الآخرة حتى كأنهم يشاهدونه فهان عليهم الخروج من خراب الدنيا ~~إلى عمارة آخرتهم - انتهى. وما أحسن الرجوع إلى قصص الأقدمين والالتفات ~~إلى قوله: # كتب عليكم القتال وهو كره لكم # [البقرة: 216] على هذا الوجه وهؤلاء الذين أماتهم الله ثم أحياهم؛ قال ~~أهل التفسير: إن إحياءهم كان على يد حزقيل أحد أنبياء بني إسرائيل عليهم ~~الصلاة والسلام؛ وقال البغوي: إنه ثالث خلفائهم، والذي رأيته في سفر ~~الأنبياء المبعوثين منهم بعد موسى عليه الصلاة والسلام لتجديد أمر ~~التوراة وإقامة ما درس من أحكامها وهم ستة عشر نبيا أولهم يوشع بن نون ~~وآخرهم دانيال على جميعهم الصلاة والسلام والتحية والإكرام أن حزقيل خامس ~~عشرهم عليه الصلاة والسلام. # قال في الإصحاح الحادي والعشرين من نبوته: وكانت على يد الرب وأخرجني ~~روح الرب إلى صحراء مملوءة عظام موتى وأمرني أجوز عليها وأدور حولها، ~~فرأيتها كثيرة في الصحراء يابسة وقال لي: يا ابن الإنسان! هل تعيش هذه ~~العظام؟ فقلت: أنت تعلم يا رب الأرباب! قال لي: تنبأ على هذه العظام وقل ~~لها: أيتها العظام البالية! اسمعوا كلام الله أن هكذا يقول رب الأرباب ~~لهذه العظام: إني أرد فيكم الروح فتحيون وتعلمون أني أنا الرب، آتي ~~بالعصب والجلد واللحم أنبته، وأرد فيكم الأرواح فتحيون، فلما تنبأت بهذا ~~صار صوت عظيم وزلزلة، واقتربت العظام كل عظم إلى مفصله، ورأيت قد صعد ~~عليها العصب ونبت اللحم ورد عليها الجلد من فوق ذلك ولم يكن فيهم روح، ~~وقال الرب: يا ابن الإنسان! هذه العظام كلها من بني إسرائيل ومن الأنبياء ~~الذين كانوا يقتلون وقد بليت عظامهم وكل رجل بطل، تنبأ أيها الإنسان وقل ~~للروح: هكذا يقول رب الأرباب: تعالوا أيها الأرواح، وأنفخ في هؤلاء ~~القتلى فيعيشوا، فتنبأت كالذي أمرني الرب، فدخلت فيهم الروح وعاشوا ~~وقاموا على أرجلهم جيش عظيم جدا، وقال لي الرب: يا ابن الإنسان! هذه ~~العظام كلها من بني إسرائيل ومن الأنبياء الذين كانوا يقتلون وقد بليت ~~عظامهم وكل ms0501 رجل بطل، فمن أجل هذا تنبأ وقل: هكذا يقول رب الأرباب: هو ذا ~~أفتح قبوركم وأصعدكم من قبوركم وآتي بكم إلى أرض إسرائيل وتعلمون أني أنا ~~الرب أنفخ فيكم روحي فتعيشون وأترككم تعملون؛ قد قلت هذا وأنا أفعله - ~~انتهى. ولما بين سبحانه وتعالى أن الموت لا يصون منه فرار أمر بالجهاد ~~الذي هو المقصود الأعظم بهذه السياقات ولفت القول إلى من يحتاج إلى الأمر ~~به وصدره بالواو فأفهم العطف على غير معطوف عليه مذكور أن التقدير: فلا ~~تفروا من أسباب الموت بل اثبتوا في مواطن البأساء { وقاتلوا } وعبر بفي ~~الظرفية إشارة إلى وجوب كونهم في القتال وإن اشتدت الأحوال مظروفين للدين ~~مراعين له لا بخرجون عنه بوجه ما فيصدقون في الإقدام على من لج في ~~الكفران ويسارعون إلى الإحجام عمن بدا منه الإذعان ونحو ذلك من مراعاة ~~شرائع الإيمان، وعبر بالسبيل إشارة إلى يسر الدين ووضوحه فلا عذر في ~~الخروج عن شيء منه بحال فقال: { في سبيل الله } أي الذي لا كفوء له كما ~~كتبه عليكم وإن كنتم تكرهون القتال. # ولما أمرهم بعد ما حذرهم رغبهم ورهبهم بقوله: { واعلموا } منبها لهم ~~لأن يلقوا أسماعهم ويحضروا أفهامهم لما يلقى عليهم { أن الله } أي الذي ~~له القدرة الكاملة والعلم المحيط { سميع } لما تقولون إذا أمرتم بما يكره ~~من القتال { عليم * } بما تضمرون من الإعراض عنه والإقبال فهو يجازيكم ~~على الخير قولا وعملا ونية، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعين ضعفا إلى ~~سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة وعلى السيئة بمثلها إن شاء # ولا يظلم ربك أحدا # [الكهف: 49]. # ولما كانت النفقة التي هي من أعظم مقاصد السورة أوثق دعائم الجهاد وأقوى ~~مصدق للإيمان ومحقق لمبايعة الملك الديان كرر الحث عليها على وجه أبلغ ~~تشويقا مما مضى فقال على هيئه الممتحن للصادق ممن أمره وحذره وأنذره: { ~~من ذا الذي } منكم يا من كتب عليهم القتال والخروج عن الأنفس والأموال { ~~يقرض الله } الذي تفرد بالعظمة، وهو من الإقراض أي إيقاع القرض ولذا قال: ~~{ قرضا } وشبه سبحانه وتعالى ms0502 العمل به لما يرجى عليه من الثواب فهو ~~كالقرض الذي هو بذل المال للرجوع بمثله، وعبر به لدلالته على المحبة لأنه ~~لا يقرضك إلا محب، ولأن أجره أكثر من أجر الصدقة { حسنا } أي جامعا ~~لطيب النفس وإخلاص النية وزكاء المال. وقال الحرالي: القرض الجز من ~~الشيء والقطع منه، كأنه يقطع له من ماله قطعة ليقطع له من ثوابه أقطاعا ~~مضاعفة، والقرض بين الناس قرضا بقرض مثلا بمثل فمن ازداد فقد أربى ومن ~~زاد من غير عقد ولا عهد فقد وفى، فالقرض مساواة والربا ازدياد، ووصف ~~سبحانه وتعالى القرض الذي حرض عليه بالحسن لتكون المعاملة بذلة على وجه ~~الإحسان الذي هو روح الدين وهو أن يعامل الله به كأنه يراه - انتهى. # ولما كانت الأنفس مجبولة على الشح بما لديها إلا لفائدة رغبها بقوله ~~مسببا عن ذلك: { فيضاعفه } قال الحرالي: من المضاعفة مفاعلة من الضعف - ~~بالكسر - وهي ثني الشيء بمثله مرة أو مرات، وأزال عنه ريب الاحتمال ~~بقوله: { له } أي في الدنيا والآخرة. قال الحرالي: هذه المضاعفة أول ~~إنبائها أن الزائد ضعف ليس كسرا من واحد المقرض ليخرج ذلك عن معنى وفاء ~~القضاء فإن المقترض تارة يوفي على الواحد كسرا من وزنه، # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقترض قرضا إلا وفى عليه زيادة، ~~وقال: خير الناس أحسنهم قضاء " # فأنبأ تعالى أن اقتراضه ليس بهذه المثابة بل بما هو فوق ذلك لأنه يضعف ~~القرض بمثله وأمثاله إلى ما يقال فيه الكثرة؛ وفي قوله: { أضعافا } ما ~~يفيد أن الحسنة بعشر، وفي قوله: { كثيرة } ما يفيد البلاغ إلى فوق العشر ~~وإلى المائة كأنه المفسر في قوله بعد هذا # مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله # [البقرة: 261]، فأوصل تخصيص هذه الكثرة إلى المئين ثم فتح باب التضعيف ~~إلى ما لا يناله علم العالمين في قوله: # والله يضاعف لمن يشاء # [البقرة: 261] - انتهى. # ولما رغب سبحانه وتعالى في إقراضه أتبعه جملة حالية من ضمير يضاعف مرهبة ~~مرغبة فقال: { والله } أي المحيط علما وقدرة { يقبض } أي ms0503 له هذه الصفة ~~وهي إيقاع القبض والإقتار بمن يشاء وإن جلت أمواله. قال الحرالي: والقبض ~~إكمال الأخذ، أصله القبض باليد كله، والقبض - بالمهملة - أخذ بأطراف ~~الأصابع وهو جمع عن بسط فلذلك قوبل به { ويبصط } أي لمن يشاء وإن ضاقت ~~حاله، والبسط توسعة المجتمع إلى حد غاية { وإليه ترجعون * } حسا بالبعث ~~ومعنى في جميع أموركم، فهو يجازيكم في الدارين على حسب ما يعلم من ~~نياتكم. # ولما كان الصحابة رضوان الله تعالى عليهم يتمنون في مكة المشرفة الإذن ~~في مقارعة الكفار ليردوهم عما هم عليه من الأذى والغي والعمى عجب من حال ~~بني إسرائيل حيث سألوا الأمر بالقتال ثم لم ينصفوا إذ أمروا تحذيرا من ~~مثل حالهم، وتصويرا لعجيب قدرته على نقض العزائم وتقليب القلوب، ~~وإعلاما بعظيم مقادير الأنبياء وتمكنهم في المعارف الإلهية، ودليلا على ~~ختام الآية التي قبلها فقال مقبلا على أعلى الخلق إشارة إلى أن للنفوس ~~من دقائق الوساوس ما لا يفهمه إلا البصراء: { ألم تر } قال الحرالي: أراه ~~في الأولى حال أهل الحذر من الموت بما في الأنفس من الهلع الذي حذرت منه ~~هذه الأمة ثم أراه في هذه مقابل ذلك من الترامي إلى طلب الحرب وهما طرفا ~~انحراف في الأنفس، قال صلى الله عليه وسلم: # " لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموه فاصبروا ~~واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف " # ففيه إشعار لهذه الأمة بأن لا تطلب الحرب ابتداء وإنما تدافع عن منعها ~~من إقامة دينها كما قال سبحانه وتعالى: # أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا # [الحج: 39] وقال عليه الصلاة والسلام: # " والمشركون قد بغوا علينا # إذا أرادوا فتنة أبينا " # فحق المؤمن أن يأبى الحرب ولا يطلبه فإنه إن طلبه فأوتيه عجز كما عجز ~~هؤلاء حين تولوا إلا قليلا فهذه الأقاصيص ليس المراد منها حديثا عن ~~الماضين وإنما هو إعلام بما يستقبله الآتون، إياك أعني واسمعي يا جارة! ~~فلذلك لا يسمع القرآن من لم يأخذه بجملته خطابا لهذه الأمة بكل ما قص له ~~من أقاصيص الأولين - انتهى. ويجوز أن ms0504 يكون الخطاب لكل من ألقى السمع وهو ~~شهيد. # ولما كان الإخلال من الشريف أقبح قال { إلى الملإ } أي الأشراف، قال ~~الحرالي: الذين يملؤون العيون بهجة والقلوب هيبة - انتهى. ولما كان ذلك ~~من أولاد الصلحاء أشنع قال: { من بني إسراءيل } ولما كان ممن تقرر له ~~الدين واتضحت له المعجزات واشتهرت عنده الأمور الإلهيات أفحش قال { من ~~بعد موسى } أي الذي أتاهم من الآيات بما طبق الأرض كثرة وملأ الصدور عظمة ~~وأبقى فيهم كتابا عجبا ما بعد القرآن من الكتب السماوية مثله. # قال الحرالي: وفيه إيذان بأن الأمة تختل بعد نبيها بما يصحبها من نوره ~~زمن وجوده معهم، قالوا: ما نفضنا أيدينا من تراب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حتى أنكرنا قلوبنا - انتهى. { إذ قالوا } ولما كان الإخلاف مع ~~الأكابر لا سيما مع الأنبياء أفظع قال: { لنبي لهم } ونكره لعدم مقتض ~~لتعريفه. قال الحرالي: لأن نبيهم المعهود الآمر لهم إنما هو موسى عليه ~~الصلاة والسلام، ومن بعده إلى عيسى عليهم الصلاة والسلام إنما هم أنبياء ~~بمنزلة الساسة والقادة لهم كالعلماء في هذه الأمة منفذون وعالمون بما ~~أنزل على موسى عليه الصلاة والسلام كذلك كانوا إلى حين تنزيل الإنجيل ~~فكما قص في صدر السورة حالهم مع موسى عليه الصلاة والسلام قص في خواتيمها ~~حالهم من بعد موسى لتعتبر هذه الأمة من ذلك حالها مع نبيها صلى الله عليه ~~وسلم وبعده انتهى. # ولما كان عندهم من الغلظة ما لا ينقادون به إلا لإنالة الملك وكان ~~القتال لا يقوم إلا برأس جامع تكون الكلمة به واحدة قالوا: { ابعث لنا } ~~أي خاصة { ملكا } أي يقيم لنا أمر الحرب { نقاتل } أي عن أمره { في سبيل ~~الله } أي الملك الأعلى. قال الحرالي في إعلامه أخذهم الأمر بمنة الأنفس ~~حيث لم يظهر في قولهم إسناد إلى الله سبحانه وتعالى الذي لا تصح الأعمال ~~إلا بإسنادها إليه فما كان بناء على تقوى تم، وما كان على دعوى نفس انهد ~~{ قال } أي ذلك النبي { هل } كلمة تنبىء عن تحقيق الاستفهام ms0505 اكتفي ~~بمعناها عن الهمزة - انتهى. { عسيتم } أي قاربتم ولما كانت العناية ~~بتأديب السائلين في هذا المهم أكثر قدم قوله: { إن كتب } أي فرض - كذا ~~قالوا، والأحسن عندي كما يأتي إن شاء الله تعالى تحقيقه في سورة براءة أن ~~يكون المعنى: هل تخافون من أنفسكم، ولما كان القصد التنبيه على سؤال ~~العافية والبعد عن التعرض للبلاء لخطر المقام بأن الأمر إذا وجب لم تبق ~~فيه رخصة فمن قصر فيه هلك وسط بين عسى وصلتها قوله: { عليكم القتال } ~~فرضا لازما، وبناه للمفعول صيانة لاسم الفاعل عن مخالفة يتوقع تقصيرهم ~~بها { ألا تقاتلوا } فيوقعكم ذلك في العصيان، قال الحرالي: بكسر سين عسى ~~وفتحها لغتان، عادة النحاة أن لا يلتمسوا اختلاف المعاني من أوساط الصيغ ~~وأوائلها، وفي فهم اللغة وتحقيقها إعراب في الأوساط والأوائل كما اشتهر ~~إعراب الأواخر عند عامة النحاة، فالكسر حيث كان مبنى عن باد عن ضعف ~~وانكسار، والفتح معرب عن باد عن قوة واستواء - انتهى. فكأنه صلى الله ~~عليه وسلم فهم أن بعضهم يترك القتال عن ضعف عنه وبعضهم يتركه عن قوة ~~ولذلك نفى الفعل ولم يقل: أن تعجزوا. # قال الحرالي: فأنبأهم بما آل إليه أمرهم فلم يلتفوا عنه وحاجوه وردوا ~~عليه بمثل سابقة قولهم، ففي إشعاره إنباء بما كانوا عليه من غلظ الطباع ~~وعدم سرعة التنبه - انتهى. # ولما كان مضمون هذا الاستفهام: إني أخشى عليكم القعود عن القتال أعلمنا ~~الله عن جوابهم بقوله: { قالوا } أي لموسى في المخالفة ولما أرشد العطف ~~على غير مذكور أن التقدير: ما يوجب لنا القعود وإنا لا نخاف ذلك على ~~أنفسنا بل نحن جازمون بأنا نقاتل أشد القتال! عطف عليهم قولهم: { وما } ~~أي وأي شيء { لنا } في { ألا نقاتل } ولما كانت النفس فيما لله أجد وإليه ~~أنهض قالوا: { في سبيل الله } أي الذي لا كفوء له إلهابا وتهييجا { وقد ~~} أي والحال أنا قد { أخرجنا } أعم من أن يكون مع لإخراج إبعاد أو لا، ~~وبناه للمجهول لأن موجب الإحفاظ والإخراج نفس الإخراج لا نسبة إلى حد ms0506 ~~بعينه { من ديارنا } التي هي لأبداننا كأبداننا لأرواحنا. ولما كان في { ~~أخرجنا } معنى أبعدنا عطف عليه { وأبنائنا } فخلطوا بذلك ما لله بما ~~لغيره وهو أغنى الشركاء لا يقبل إلا خالصا. قال الحرالي: فأنبأ سبحانه ~~وتعالى أنهم أسندوا ذلك إلى غضب الأنفس على الإخراج وإنما يقاتل في سبيل ~~الله من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا - انتهى. ولما كان إخلاف الوعد ~~مع قرب العهد أشنع قال: { فلما } بالفاء المؤذنة بالتعقيب { كتب عليهم } ~~أي خاصة { القتال } أي الذي سألوه كما كتب عليكم بعد أن كنتم تمنونه إذ ~~كنتم بمكة كما سيبين إن شاء الله تعالى في النساء عند قوله تعالى: # ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم # [النساء: 77]، { تولوا } فبادروا الإدبار بعد شدة ذلك الإقبال { إلا ~~قليلا منهم } أي فقاتلوا والله عليم بهم { والله } أي الذي له الإحاطة ~~بكل كمال { عليم } بالمتولين، هكذا كان الأصل ولكنه قال: { بالظالمين * } ~~معلما بأنهم سألوا البلاء وكان من حقهم سؤال العافية، ثم لما أجيبوا إلى ~~ما سألوا أعرضوا عنه فكفوا حيث ينبغي المضاء ومضوا حيث كان ينبغي الكف ~~فعصوا الله الذي أوجبه عليهم، فجمعوا بين عار الإخلاف وفضيحة العصيان ~~وخزي النكوص عن الأقران وقباحة الخذلان للإخوان. # ولما أرشد العطف على غير مذكور إلى أن التقدير: فقال لهم نبيهم: ألم ~~أقل لكم: لا تسألوا البلاء ولا تدانوا أمر القضاء فإن أكثر قول النفس كذب ~~وجل أمانيها زور وأما أمر الله فمتى برز يجب، عطف عليه قوله: { وقال لهم ~~} أي خاصة لم يكن معهم أحد غيرهم يحال عليهم جوابهم الذي لا يليق وصرح ~~بالمقصود لئلا يظن أن القائل الله وأنهم واجهوه بالاعتراض فقال: { نبيهم ~~} أي الذي تقدم أنهم سألوه ذلك مؤكدا معظما محققا بأداة التوقع لأن ~~سؤالهم على لسان نبي يقتضي توقع الإجابة { إن الله } أي بجلاله وعز ~~كماله { قد } ولما كان إلباس الشخص عز الملك مثل إعزاز الجماد بنفخ ~~الروح كان التعبير عن ذلك بالبعث أليق فقال: { بعث لكم } أي خاصة لأجل ~~سؤالكم { طالوت } اسم ملك ms0507 من بني إسرائيل من سبط لم يكن الملك فيهم { ~~ملكا } تنتهون في تدبير الحرب إلى أمره. # قال الحرالي: فكان أول ما ابتلوا به أن ملك عليهم من لم يكن من أهل بيت ~~الملك عندهم فكان أول فتنتهم بما طلبوا ملكا فأجيبوا فلم يرضوا بما بعث ~~لهم - انتهى. ولما أجابهم إلى ما سألوا كان من أول جلافتهم اعتراضهم على ~~أمر الملك الديان الذي أورده لهم باسمه الأعظم الدال على جميع الكمال من ~~الجلال والجمال ليكون أجدر لهم بقبول أمره والوقوف عند زجره وأورد ~~اعتراضهم في جواب من كأنه قال: ما فعلوا إذ أجابهم إلى ما سألوا؟ فقال: { ~~قالوآ } أي هم لا غيرهم { أنى } أي من أين وكيف { يكون له } أي خاصة { ~~الملك علينا ونحن } أي والحال أنا نحن { أحق بالملك منه } لأن فينا من هو ~~من سبط الملوك دونه. قال الحرالي: فثنوا اعتراضهم بما هو أشد وهو الفخر ~~بما ادعوه من استحقاق الملك على من ملكه الله عليهم فكان فيه حظ من فخر ~~إبليس حيث قال حين أمر بالسجود لآدم: # أنا خير منه # [ص: 76] انتهى. { ولم } أي والحال أنه لم { يؤت سعة من المال } أي فصار ~~له مانعان: أحدهما أنه ليس من بيت المملكة، والثاني أنه مملق والملك لا ~~بد له من مال يعتضد به. قال الحرالي: فكان في هذه الثالثة فتنة استصنام ~~المال وأنه مما يقام به ملك وإنما الملك بايتاء الله فكان في هذه الفتنة ~~الثالثة جهل وشرك، فتزايدت صنوف فتنتهم فيما انبعثوا إلى طلبه من أنفسهم ~~- انتهى. # ولما كان الخلق كلهم متساوين في أصل الجسمية وإنما جاء تفضيل بعضهم على ~~بعض من الله فكان هو المدار علق الأمر به في قوله: { قال } أي النبي لا ~~غيره مؤكدا لأجل إنكارهم معظما عليهم الحق بإعادة الاسم الأعظم { إن ~~الله } أي الذي له جميع الأمر فلا اعتراض عليه وهو أعلم بالمصالح { ~~اصطفاه } قال الحرالي: والاصطفاء أخذ الصفوة - انتهى. ولما كان ذلك ~~مضمنا معنى ملكه قال في تعديته { عليكم } ثم أتبع ذلك ms0508 ما أودعه سبحانه ~~مما اقتضى ذلك فقال: { وزاده } أي عليكم { بسطة في العلم } الذي به تحصل ~~المكنة في التدبير والنفاذ في كل أمر، وهو يدل على اشتراط العلم في ~~الملك، وفي تقديمه أن الفضائل النفسانية أشرف من الجسمانية وغيرها، وأن ~~الملك ليس بالإرث { والجسم } الذي به يتمكن من الظفر بمن بارزه من ~~الشجعان وقصده من سائر الأقران. # ولما كان من إليه شيء كان له الخيار في إسناده إلى غيره قال: والله } أي ~~اصطفاه والحال أن الملك الذي لا أمر لغيره { يؤتي ملكه } أي الذي هو له ~~وليس لغيره فيه شيء { من يشاء } كما آتاكموه بعد أن كنتم مستعبدين عند آل ~~فرعون { والله } الذي له الإحاطة الكاملة فلا يجوز الاعتراض عليه { واسع ~~} أي في إحاطة قدرته وشمول عظمته وكثرة جنوده ورزقه { عليم * } أي بالغ ~~العلم، فما اختاره فهو المختار وليس لأحد معه خيرة فهو يفعل بما له من ~~السعة في القدرة والعلم ما قد لا تدركه العقول ولا تحتمل وصفه الألباب ~~والفهوم ويؤتي من ليس له مال من خزائن رزقه ما يشاء. ### || [2.248-252] # ولما كان أغلبهم واقفا مع المشاهدات غير ثابت القدم في الإيمان بالغيب ~~قال: { وقال لهم نبيهم } مثبتا لأمر طالوت { إن آية } أي علامة { ملكه } ~~قال الحرالي: وقل ما احتاج أحد في إيمانه إلى آية خارقة إلا كان إيمانه ~~إن آمن غلبة يخرج عنه بأيسر فتنة، ومن كان إيمانه باستبصار ثبت عليه ولم ~~يحتج إلى آية، فإن كانت الآية كانت له نعمة ولم تكن عليه فتنة # وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون - وما نرسل بالآيات ~~إلا تخويفا # [الإسراء: 59] فإن الآيات طليعة المؤاخذة والاقتناع بالاعتبار طليعة ~~القبول والثبات - انتهى. { أن يأتيكم } أي من غير آت به ترونه { التابوت ~~} قال الحرالي: ويعز قدره - انتهى. وهو والله سبحانه وتعالى أعلم الصندوق ~~الذي وضع فيه اللوحان اللذان كتب فيهما العشر الآيات التي نسبتها من ~~التوراة نسبة فاتحة الكتاب من القرآن وهو يسمى تابوت الشهادة كما تقدم ~~ذكره في وصف ms0509 قبة الزمان فيما مضى أول قصة بني إسرائيل وكانوا إذا حاربوا ~~حمله جماعة منهم موظفون لحمله ويتقدمون به أمام الجيش فيكون ذلك سبب ~~نصرهم وكان العمالقة أصحاب جالوت لما ظهروا عليهم أخذوه في جملة ما أخذوا ~~من نفائسهم وكأن عهدهم به كأن قد طال فذكرهم بماثره ترغيبا فيه وحملا ~~على الانقياد لطالوت فقال: { فيه سكينة } أي شيء يوجب السكون والثبات في ~~مواطن الخوف. وقال الحرالي: معناه ثبات في القلوب يكون له في عالم ~~الملكوت صورة بحسب حال المثبت، ويقال: كانت سكينة بني إسرائيل صورة هر ~~من ياقوت ولؤلؤ وزبرجد ملفق منه أعضاء تلك الصورة تخرج منه ريح هفافة ~~تكون علم النصر لهم - انتهى. وزاده مدحا بقوله: { من ربكم } أي الذي ~~طال إحسانه إليكم وتربيته باللطف لكم. وقال الحرالي وغيره: إنه كان في ~~التابوت صورة يأتي منها عند النصر ريح تسمع. قال الحرالي: كما كانت الصبا ~~تهب لهذه الأمة بالنصر، قال صلى الله عليه وسلم: # " نصرت بالصبا " # فكانت سكينتها كلية آفاقها وتابوتها كلية سمائها حتى لا تحتاج إلى محمل ~~يحملها ولا عدة تعدها لأنها أمة أمية تولى الله لها إقامة علمها وأعمالها ~~- انتهى. # ولما كان الكليم وأخوه عليهما الصلاة والسلام أعظم أنبيائه قال: { وبقية ~~} قال الحرالي: فضلة جملة ذهب جلها { مما ترك } من الترك وهو أن لا يعرض ~~للأمر حسا أو معنى { آل موسى وهارون } أي وهي لوحا العهد. قال الحرالي: ~~وفي إشعار تثنية ذكر الآل ما يعلم باختصاص موسى عليه الصلاة والسلام بوصف ~~دون هارون عليه السلام بما كان فيه من الشدة في أمر الله وباختصاص هارون ~~عليه الصلاة والسلام بما كان فيه من اللين والاحتمال حيث لم يكن آل موسى ~~وهارون، لأن الآل حقيقة من يبدو فيه وصف من هو آله. # وقال: الآل أصل معناه السراب الذي تبدو فيه الأشياء البعيدة كأنه مرآة ~~تجلو الأشياء فآل الرجل من إذا حضروا فكأنه لم يغب - انتهى. ثم صرح بما ~~أفهمه إسناد الإتيان إليه فقال: { تحمله } من الحمل وهو ما استقل به ms0510 ~~الناقل { الملائكة } وما هذا بأغرب من قصة سفينة رضي الله تعالى عنه قال: # " خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه أصحابه رضي الله تعالى عنهم ~~فثقل عليهم متاعهم فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ابسط كساءك، ~~فبسطته فجعلوا فيه متاعهم فحملوه علي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~احمل فإنما أنت سفينة! قال: فلو حملت من يومئذ وقر بعير أو بعيرين أو ~~ثلاثة أو أربعة أو خمسة أو ستة أو سبعة ما ثقل علي " # وأما مقاتلة الملائكة صلوات الله وسلامه عليهم في غزوة بدر فأمر شهير، ~~كان الصحابي يكون قاصدا الكافر ليقاتله فإذا رأسه قد سقط من قبل أن يصل ~~إليه، ولما كان هذا أمرا باهرا قال منبها على عظمته: { إن في ذلك } أي ~~الأمر العظيم الشأن { لآية } أي باهرة { لكم إن كنتم مؤمنين * } فإن ~~المواعظ لا تنفع غيرهم. قال الحرالي: ولما ضعف قبولهم عن النظر ~~والاستبصار صار حالهم في صورة الضعف الذي يقال فيه: إن كان كذا، فكان في ~~إشعاره خللهم وفتنتهم إلا قليلا - انتهى. وفي هذه القصة توطئة لغزوة بدر ~~وتدريب لمن كتب عليهم القتال وهو كره لهم وتأديب لهم وتهذيب وإشارة عظيمة ~~واضحة إلى خلافة الصديق رضي الله تعالى عنه بما دل عليه من أمر استخلافه ~~في الإمامة في الصلاة التي هي خلاصة هذا الدين كما أن ما في تابوت ~~الشهادة كان خلاصة ذلك الدين، وتحذير لمن لعله يخالف فيها أو يقول إنه ~~ليس من بني هاشم ولا عبد مناف الذين هم بيت الإمامة والرئاسة ونحو ذلك ~~مما حمى الله المؤمنين منه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " يأبى الله ذلك والمؤمنون " # وفي توجيه الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم إعلام بأن أول مقصود به ~~الأقرب منه صلى الله عليه وسلم فالأقرب، وفيها تشجيع للصحابة رضوان الله ~~تعالى عليهم فيما يندبهم إليه الصديق رضي الله عنه من قتال أهل الردة وما ~~بعده إلى غير ذلك من الإشارات التي تقصر عنها العبارات ms0511 - والله سبحانه ~~وتعالى الموفق. # ولما كان التقدير: فأتاهم التابوت على الصفة المذكورة فأطاعوا نبيهم فيه ~~فملكوه وانتدبوا معه فخرج بهم إلى العدو وفصل بالجنود من محل السكن، عطف ~~عليه قوله: { فلما فصل } من الفصل وهو انقطاع بعض من كل، وأصله: فصل نفسه ~~أو جنده - أو نحو ذلك، ولكنه كثر حذف المفعول للعلم به فصار يستعمل ~~استعمال اللازم { طالوت } أي الذي ملكوه { بالجنود } أي التي اختارها ~~وخرجوا للقاء من سألوا لقاءه لكفره بالله مع ما قد أحرقهم به من أنواع ~~القهر. # قال الحرالي: وهو جمع جند وهم أتباع يكونون نجدة للمستتبع { قال } أي ~~ملكهم { إن الله } أي الذي لا أعظم منه وأنتم خارجون في مرضاته { مبتليكم ~~بنهر } من الماء الذي جعله سبحانه وتعالى حياة لكل شيء، فضربه مثلا ~~للدنيا التي من ركن إليها ذل ومن صدف عنها عز. قال الحرالي: فأظهر الله ~~على لسانه ما أنبأ به نبيهم في قوله # وزاده بسطة في العلم # [البقرة: 247] - انتهى. { فمن شرب منه } أي ملأ بطنه { فليس مني } أي ~~كمن انغمس في الدنيا فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون { ومن لم يطعمه ~~فإنه مني } كمن عزف عنها بكليته ثم تلا هذه الدرجة العلية التي قد قدمت ~~للعناية بها بما يليها من الاقتصاد فقال مستثنيا من { فمن شرب }: { إلا ~~من اغترف } أي تكلف الغرف { غرفة بيده } ففي قراءة فتح الغين إعراب عن ~~معنى إفرادها أخذة ما أخذت من قليل أو كثير، وفي الضم إعلام بملئها، ~~والغرف بالفتح الأخذ بكلية اليد، والغرفة الفعلة الواحدة منه، وبالضم اسم ~~ما حوته الغرفة، فكان في المغترفين من استوفى الغرفة ومنهم من لم يستوف - ~~قاله الحرالي وقال: فكان فيه إيذان بتصنيفهم ثلاثة أصناف: من لم يطعمه ~~البتة وأولئك الذين ثبتوا وظنوا أنهم ملاقو الله، ومن شرب منهم وأولئك ~~الذين افتتنوا وانقطعوا عن الجهاد في سبيل الله ومن اغترف غرفة وهم الذين ~~ثبتوا وتزلزلوا حتى ثبتهم الذين لم يطعموا. ولما كان قصص بني إسرائيل ~~مثالا لهذه الأمة كان مبتلى هذه الأمة ms0512 بالنهر ابتلاهم بنهر الدنيا ~~الجاري خلالها، فكانت جيوشهم بحكم هذا الإيحاء الاعتباري إذا مروا بنهر ~~أموال الناس وبلادهم وزروعهم وأقطارهم في سبيلهم إلى غزوهم، فمن أصاب من ~~أموال الناس ما لم ينله الإذن من الله انقطع عن ذلك الجيش ولو حضره. فما ~~كان في بني إسرائيل عيانا يكون وقوعه في هذه الأمة استبصارا سترة لها ~~وفضيحة لأولئك، ومن لم يصب منها شيئا بتا كان أهل ثبت ذلك الجيش الثابت ~~المثبت، قيل لعلي رضي الله تعالى عنه: يا أمير المؤمنين! ما بال فرسك لم ~~يكب بك قط؟ قال: ما وطئت به زرع مسلم قط. ومن أصاب ما له فيه ضرورة من ~~منزل ينزله أو غلبة عادة تقع منه ويوده أن لا يقع فهؤلاء يقبلون التثبيت ~~من الذين تورعوا كل الورع، فملاك هذا الدين الزهد في القلب والورع في ~~التناول باليد، قال صلى الله عليه وسلم: # " إنما تنصرون بضعفائكم " # وفي إلاحة هذا التمثيل والاعتبار أن أعظم الجيوش جيش يكون فيه من أهل ~~الورع بعدد الثابتين من أصحاب طالوت الذين بعددهم كان أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يوم بدر وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر عدد المرسلين من ~~كثرة عدد النبيين، قال: وفي إفراد اليد إيذان بأنها غرفة اليد اليمنى ~~لأنها اليد الخاصة للتعريف، ففي اعتباره أن الأخذ من الدنيا إنما يكون ~~بيد لا بيدين لاشتمال اليدين على جانبي الخير والشر - انتهى. فعرض لهم ~~النهر كما أخبرهم به { فشربوا منه } مجاوزين حد الاقتصاد { إلا قليلا ~~منهم } فأطاعوا فأرواهم الله وقوى قلوبهم، ومن عصى في شربه غلبه العطش ~~وضعف عن اللقاء فبقي على شاطىء النهر. قال الحرالي: وفيما يذكر أنه قرىء ~~بالرفع وهو إخراج لهم من الشاربين بالاتباع كأن الكلام مبني عليه حيث صار ~~تابعا وإعرابه مما أهمله النحاة فلم يحكموه وحكمه أن ما بني على إخراج ~~اتبع وما لم يبن على إخراجه وكأنه إنما انثنى إليه بعد مضار الكلام الأول ~~قطع ونصب - انتهى. وكان المعنى في النصب أنه لما استقر الفعل للكل رجع ms0513 ~~الاستثناء إلى البعض، وفي الاتباع نوى الاستثناء من الأول فصار كالمفرغ ~~وهذه القراءة عزاها الأهوازي في كتاب الشواذ إلى الأعمش وعزاها السمين في ~~إعرابه إلى عبد الله وأبي رضي الله تعالى عنهما، وعقد سيبويه رحمه الله ~~تعالى في نحو نصف كتابه لاتباع مثل هذا بابا ترجمه بقوله: باب ما يكون ~~فيه إلا وما بعده وصفا بمنزلة غير ومثل، ودل عليه بأبيات كثيرة منها: # وكل أخ مفارقه أخوه # لعمر أبيك إلا الفرقدان # قال كأنه قال: وكل أخ غر الفرقدين، وسوى بين هذا وبين آية # لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر # [النساء: 95] بالرفع # وغير المغضوب عليهم # [الفاتحة: 7]، وجوز في ما قام القوم إلا زبد، - بالرفع البدل والصفة، ~~قال الرضي تمسكا بقوله: وكل أخ - البيت، وقوله صلى الله عليه وسلم: # " الناس كلهم هلكى إلا العالمون، والعالمون كلهم هلكى إلا العاملون ~~والعاملون كلهم هلكى إلا المخلصون، والمخلصون على خطر عظيم " # وقال السمين: والفرق بين الوصف بإلا والوصف بغيرها أن لا يوصف بها ~~المعارف والنكرات والظاهر والمضمر، وقال بعضهم: لا يوصف بها إلا النكرة ~~والمعرفة بلام الجنس فإنه في قوة النكرة. # ولما ذكر فتنتهم بالنهر أتبعه فتنة اللقاء ببحر الجيش وما فيه من عظيم ~~الخطر المزلزل للقلوب حثا على سؤال العافية وتعريفا بعظيم رتبتها كما ~~قال صلى الله عليه وسلم يوم عرض نفسه الشريفة على أهل الطائف ومسه منهم ~~من عظيم الأذى ما مسه: إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي ولكن هي أوسع ~~لي! فقال سبحانه وتعالى: { فلما جاوزه } أي النهر من غير شرب، من ~~المجاوزة مفاعلة من الجواز وهو العبور من عدوة دنيا إلى عدوة قصوى { هو ~~والذين آمنوا } أي أقروا بالإيمان وجاوزوا { معه } وتراءت الفئتان { ~~قالوا } أي معظمهم. # قال الحرالي: رد الضمير مردا عاما إيذانا بكثرة الذين اغترفوا وقلة ~~الذين لم يطعموا كما آذن ضمير شربوا بكثرة الذين شربوا منه - انتهى. { لا ~~طاقة } مما منه الطوق وهو ما استقل به الفاعل ولم يعجزه { لنا اليوم } أي ~~على ما نحن ms0514 فيه من الحال { بجالوت وجنوده } لما هم فيه من القوة والكثرة. ~~قال الحرالي: ففيه من نحو قولهم { ولم يؤت سعة من المال } اعتمادا على ~~أن النصر بعدة مال أو قوة، وليس إلا بنصر الله، ثم قال: فإذا نوظر هذا ~~الإنباء منهم والطلب أي كما يأتي في { ربنا أفرغ } بما تولى الله من أمر ~~هذه الأمة في جيشهم الممثول لهذا الجيش في سورة الأنفال من نحو قوله # إذ يغشيكم النعاس أمنة منه # [الأنفال: 11] - الآيات، علم عظيم فضل الله على هذه الأمة واستشعر بما ~~يكون لها في خاتمتها مما هو أعظم نبأ وأكمل عيانا فلله الحمد على ما ~~أعظم من فضله ولطفه - انتهى. # ولما أخبر عنهم بهذا القول نبه على أنه لا ينبغي أن يصدر ممن يظن أن ~~أجله مقدر لا يزيد بالجبن والإحجام ولا ينقص بالجرأة والإقدام وأنه يلقى ~~الله فيجازيه على عمله وأن النصر من الله لا بالقوة والعدد فقال: { قال ~~الذين يظنون } أي يعلمون ولكنه عبر بالظن لما ذكر { أنهم ملاقوا الله } ~~أي الذي له الجلال والإكرام إشارة إلى أنه يكفي في الخوف من الله والرجاء ~~له الظن لأنه يوجب فرار العقل مما يظن أنه يكرهه سبحانه وتعالى إنقاذا ~~لنفسه من الهلاك بذلك كما أسرف هؤلاء في الشرب لظن الهلاك بعدمه ورجعوا ~~لظن الهلاك باللقاء؛ ويجوز أن يكون الظن على بابه ويأول اللقاء بالحالة ~~الحسنة { كم من فئة قليلة } كما كان في هذه الأمة في يوم بدر { غلبت فئة ~~كثيرة } ثم نبه على أن سبب النصر الطاعة والذكر لله بقوله: { بإذن الله } ~~أي بتمكين الذي لا كفوء له، فلا ينبغي لمن علم ذلك أن يفتر عن ذكره ويرضى ~~بقضائه. ثم بين أن ملاك ذلك كله الصبر بقوله: { والله } أي الملك الأعظم ~~{ مع الصابرين * } ولا يخذل من كان معه. # ثم بين أنهم صدقوا قولهم قبل المباشرة بالفعل عندها فقال عاطفا على ما ~~تقديره: فلما قالوا لهم ذلك جمع الله كلمتهم فاعتمدوا عليه وبرزوا للقتال ~~بين يديه: { ولما برزوا } وهم على ms0515 ما هم عليه من الضعف والقلة، والبروز ~~هو الخروج عن كل شيء يوارى في براز من الأرض وهو الذي لا يكون فيه ما ~~يتوارى فيه عن عين الناظر { لجالوت } اسم ملك من ملوك الكنعانيين كان ~~بالشام في زمن بني إسرائيل { وجنوده } على ما هم عليه من القوة والكثرة ~~والجرأة بالتعود بالنصر { قالوا ربنا أفرغ } من الإفراغ وهو السكب المفيض ~~على كلية المسكوب عليه { علينا صبرا } حتى نبلغ من الضرب ما نحب في مثل ~~هذا الموطن { وثبت } من التثبيت تفعيل من الثبات وهو التمكن في الموضع ~~الذي شأنه الاستزلال { أقدامنا } جمع قدم وهو ما يقوم عليه الشيء ~~ويعتمده، أي بتقوية قلوبنا حتى لا نفر وتكون ضرباتنا منكبة موجعة وأشاروا ~~بقولهم { وانصرنا على القوم الكافرين* } موضع قولهم: عليهم، إلى أنهم ~~إنما يقاتلونهم لتضييعهم حقه سبحانه وتعالى لا لحظ من حظوظ النفس كما كان ~~من معظمهم أول ما سألوا وإلى أنهم أقوياء فلا بد لهم من معونته عليهم ~~سبحانه وتعالى، ثم رتب على ذلك النتيجة حثا على الاقتداء بهم لنيل ما ~~نالوا فقال عاطفا على ما تقديره: فأجاب الله سبحانه وتعالى دعاءهم: { ~~فهزموهم } مما منه الهزيمة وهو فرار من شأنه الثبات - قاله الحرالي، ~~وقال: ولم يكن فهزمهم الله، كما لهذه الأمة في # ولكن الله قتلهم # [الأنفال: 17] انتهى. { بإذن الله } أي الذي له الأمر كله. ثم بين ما خص ~~به المتولي لعظم الأمر بتعريض نفسه للتلف في ذات الله سبحانه وتعالى من ~~الخلال الشريفة الموجبة لكمال الحياة الموصلة إلى البقاء السرمدي فقال: { ~~وقتل داود } وكان في جيش طالوت { جالوت } قال الحرالي: مناظرة قوله # وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى # [الأنفال: 17] وكان فضل الله عليك عظيما - انتهى. وفي الزبور في ~~المزمور الحادي والخمسين بعد المائة وهو آخره: صغيرا كنت في إخوتي، ~~حدثا في بيت أبي، راعيا غنمه، يداي صنعتا الأرغن، وأصابعي عملت ~~القيثار، من الآن اختارني الرب إلهي واستجاب لي وأرسل ملاكه وأخذني من ~~غنم أبي ومسحني بدهن مسحته إخوتي حسان وأكرمني ولم يسر ms0516 بهم الرب، خرجت ~~ملتقيا الفلسطيني الجبار الغريب فدعا علي بأوثانه فرميته بثلاثة أحجار ~~في جبهته بقوة الرب فصرعته واستللت سيفه وقطعت به رأسه ونزعت العار عن ~~بني إسرائيل. { وآتاه الله } بجلاله وعظمته { الملك } قال الحرالي: كان ~~داود عليه الصلاة والسلام عندهم من سبط الملك فاجتمعت له المزيتان من ~~استحقاق البيت وظهور الآية على يديه بقتل جالوت، قال تعالى: { والحكمة } ~~تخليصا للملك مما يلحقه بفقد الحكمة من اعتداء الحدود انتهى. فكان داود ~~عليه الصلاة والسلام أول من جمع له بين الملك والنبوة { وعلمه } أي زيادة ~~مما يحتاجان إليه { مما يشاء } من صنعة الدروع وكلام الطير وغير ذلك. # ولما بين سبحانه وتعالى هذه الواقعة على طولها هذا البيان الذي يعجز عنه ~~الإنس والجان بين حكمة الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بل ما هو ~~أعم من ذلك من تسليط بعض الناس على بعض بسبب أنه جبل البشر على خلائق ~~موجبة للتجبر وطلب التفرد بالعلو المفضي إلى الاختلاف فقال - بانيا له ~~على ما تقديره: فدفع الله بذلك عن بني إسرائيل ما كان ابتلاهم به -: { ~~ولولا دفع الله } المحيط بالحكمة والقدرة بقوته وقدرته { الناس } وقرىء: ~~دفاع. # قال الحرالي: فعال من اثنين وما يقع من أحدهما دفع وهو رد الشيء بغلبة ~~وقهر عن وجهته التي هو منبعث إليها بأشد منته، وهو أبلغ من الأول إشارة ~~إلى أنه سبحانه وتعالى يفعل في ذلك فعل المبالغ. # ولما أثبت سبحانه وتعالى أن الفعل له خلقا وإيجادا بين أنه لعباده ~~كسبا ومباشرة فقال: { بعضهم ببعض } فتارة ينصر قويهم على ضعيفهم كما هو ~~مقتضى القياس، وتارة ينصر ضعيفهم - كما فعل في قصة طالوت - على قويهم حتى ~~لا يزال ما أقام بينهم من سبب الحفظ بهيبة بعضهم لبعض قائما { لفسدت ~~الأرض } بأكل القوي الضعيف حتى لا يبقى أحد { ولكن الله } تعالى بعظمته ~~وجلاله وعزته وكماله يكف بعض الناس ببعض ويولي بعض الظالمين بعضا وقد ~~يؤيد الدين بالرجل الفاجر على نظام دبره وقانون أحكمه في الأزل يكون ~~سببا لكف القوي عن الضعيف ms0517 إبقاء لهذا الوجود على هذا النظام إلى الحد ~~الذي حده ثم يزيل الشحناء على زمن عيسى عليه الصلاة والسلام ليتم العلم ~~بكمال قدرته واختياره وذلك من فضله على عباده وهو { ذو فضل } عظيم جدا { ~~على العالمين * } أي كلهم أولا بالإيجاد وثانيا بالدفاع فهو يكف من ظلم ~~الظلمة إما بعضهم ببعض أو بالصالحين وقليل ما هم ويسبغ عليهم غير ذلك من ~~أثواب نعمه ظاهرة وباطنة، ومما يشتد اتصاله بهذه القصة ما أسنده الحافظ ~~أبو القاسم بن عساكر في الكنى من تاريخ دمشق في ترجمة أبي عمرو بن العلاء ~~عن الأصمعي قال: أنشدنا أبو عمرو بن العلاء قال: سمعت أعرابيا ينشد وقد ~~كنت خرجت إلى ظاهر البصرة متفرجا مما نالني من طلب الحجاج واستخفائي ~~منه: # صبر النفس عند كل ملم # إن في الصبر حيلة المحتال # لا تضيقن في الأمور فقد # يكشف لأواؤها بغير احتيال # ربما تجزع النفوس من # الأمر له فرجة كحل العقال # قد يصاب الجبان في آخر # الصف وينجو مقارع الأبطال # فقلت ما وراءك يا أعربي؟ فقال: مات الحجاج، فلم أدر بأيهما أفرح بموت ~~الحجاج أو بقوله: له فرجة! لأني كنت أطلب شاهدا لاختياري القراءة في ~~سورة البقرة { إلا من اغترف غرفة } [البقرة: 249] - انتهى. ولعل ختام قصص ~~بني إسرائيل بهذه القصة لما فيها للنبي صلى الله عليه وسلم من واضح ~~الدلالة على صحة دعواه الرسالة لأنها مما لا يعلمه إلا القليل من حذاق ~~علماء بني إسرائيل ثم عقبها بآية الكرسي التي هي العلم الأعظم من دلائل ~~التوحيد فكان ذلك في غاية المناسبة لما في أوائل السورة في قوله تعالى # يا أيها الناس اعبدوا ربكم # [البقرة: 21] إلى آخر تلك الآيات من دلائل التوحيد المتضمنة لدلائل ~~النبوة المفتتح بها قصص بني إسرائيل فكانت دلائل التوحيد مكتنفة قصتهم ~~أولها وآخرها مع ما في أثنائها جريا على الآسلوب الحكيم في مناضلة ~~العلماء ومجادلة الفضلاء، فكان خلاصة ذلك كأنه قيل: { ألم } تنبيها ~~للنفوس بما استأثر العليم سبحانه وتعالى بعلمه فلما ألقت الأسماع وأحضرت ~~الأفهام قيل يا ms0518 أيها الناس فلما عظم التشوف قال # اعبدوا ربكم # [البقرة: 21] ثم عينه بعد وصفه بما بينه بقوله # الله لا إله إلا هو الحي القيوم # [البقرة: 255] كما سيجمع ذلك من غير فاصل أول سورة التوحيد آل عمران ~~المنزلة في مجادلة أهل الكتاب من النصارى وغيرهم، وتختم قصصهم بقوله: # ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم # [آل عمران: 193] يعني بالمنادي والله سبحانه وتعالى أعلم القائل # يا أيها الناس اعبدوا ربكم # [البقرة: 21] - إلى آخرها، ومما يجب التنبه له من قصتهم هذه ما فيها ~~لأنها تدريب لمن كتب عليهم القتال وتأديب في ملاقاة الرجال من الإرشاد ~~إلى أن أكثر حديث النفس وأمانيها الكذب لا سيما بالثبات في مزال الأقدام ~~فتشجع الإنسان، فإذا تورط أقبلت به على الهلع حتى لا يتمنوا لقاء العدو ~~كما أدبهم به نبيهم صلى الله عليه وسلم، وذلك أن بني إسرائيل مع كونهم لا ~~يحصون كثرة سألوا نبيهم صلى الله عليه وسلم بعث ملك للجهاد، فلما بعث ~~فخالف أغراضهم لم يفاجئوه إلا بالاعتراض، ثم لما استقر الحال بعد نصب ~~الأدلة وإظهار الآيات ندبهم، فانتدب جيش لا يحصى كثرة، فشرط عليهم الشاب ~~الفارغ بناء دار وبناء بامرأة، فلم يكن الموجود بالشرط إلا ثمانين ألفا؛ ~~ثم امتحنوا بالنهر فلم يثبت منهم إلا ثلاثمائة وثلاثة عشر وهم دون الثلث ~~من ثمن العشر من المتصفين بالشرط من الذين هم دون الدون من المنتدبين ~~الذين هم دون الدون من السائلين في بعث الملك، فكان الخالصون معه، كما ~~قال بعض الأولياء المتأخرين لآخر قصده بالزيارة: # ألم تعلم بأني صيرفي # أحك الأصدقاء على محك # فمنهم بهرج لا خير فيه # ومنهم من أجوزه بشك # وأنت الخالص الذهب المصفى # بتزكيتي ومثلي من يزكي # وهذا سر قول الصادق عليه الصلاة والسلام # " أمتي كالإبل المائة لا تكاد تجد فيها راحلة " # وقوله صلى الله عليه وسلم # " لا تمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا " # فالحاصل أنه على العاقل المعتقد جهله بالعواقب وشمول قدرة ربه أن لا يثق ~~بنفسه في شيء ms0519 من الأشياء، ولا يزال يصفها بالعجز وإن ادعت خلاف ذلك، ~~ويتبرأ من حوله وقوته إلى حول مولاه وقوته ولا ينفك يسأله العفو ~~والعافية. # ولما علت هذه الآيات عن أقصى ما يعرفه البصراء البلغاء من الغايات، ~~وتجاوزت إلى حد تعجز العقول عن مناله، وتضاءل نوافذ الأفهام عن الإتيان ~~بشيء من مثاله، نبه سبحانه وتعالى على ذلك بقوله: { تلك } أي الآيات ~~المعجزات لمن شمخت أنوفهم، وتعالت في مراتب الكبر هممهم ونفوسهم؛ ~~والإشارة إلى ما ذكر في هذه السورة ولا سيما هذه القصة من أخبار بني ~~إسرائيل والعبارة عن ذلك في هذه الأساليب الباهرة والأفانين المعجزة ~~القاهرة { آيات الله } أي الذي علت عظمته وتمت قدرته وقوته، ولما كانت ~~الجلالة من حيث إنها اسم للذات جامعة لصفات الكمال والجمال ونعوت الجلال ~~لفت القول إلى مظهر العظمة إشارة إلى إعجازهم عن هذا النظم بنعوت الكبر ~~والتعالي فقال: { نتلوها } أي ننزلها شيئا في إثر شيء بما لنا من العظمة ~~{ عليك } تثبيتا لدعائم الكتاب الذي هو الهدى، وتشييدا لقواعده { بالحق ~~} قال الإمام سعد الدين التفتازاني في شرح العقائد: الحق الحكم المطابق ~~للواقع، يطلق على الأقوال والعقائد والأديان والمذاهب باعتبار اشتمالها ~~على ذلك ويقابله الباطل، وأما الصدق فقد شاع في الأقوال خاصة ويقابله ~~الكذب، وقد يفرق بينهما بأن المطابقة تعتبر في الحق من جانب الواقع. وفي ~~الصدق من جانب الحكم؛ فمعنى صدق الحكم مطابقته الواقع. ومعنى حقيته ~~مطابقة الواقع إياه - انتهى. فمعنى الآية على هذا: إنا عالمون بالواقع من ~~هذه الآيات فأتينا بعبارة يطابقها ذلك الواقع لا يزيد عنها ولا ينقص، ~~فتلك العبارة ثابتة ثبات الواقع لا يتمكن منصف عالم من إنكارها ولا إنكار ~~شيء منها، كما لا يتمكن من إنكار الواقع المعلوم وقوعه، ويكون الخبر عنها ~~صدقا لأنه مطابق لذلك الواقع بغير زيادة ولا نقص؛ والحاصل أن الحق يعتبر ~~من جانب المخبر، فإنه يأتى بعبارة يساويها الواقع فتكون حقا، وأن الصدق ~~يعتبر من جانب السامع، فإنه ينظر إلى الخبر، فإن وجده مطابقا للواقع ~~قال: هذا صدق، وليس ms0520 ببعيد أن يكون من الشواهد على ذلك هذه الآية وقوله ~~سبحانه وتعالى # والذي جاء بالصدق وصدق به # [الزمر: 33] وقوله # قال فالحق والحق أقول # [ص: 84] # بل جاء بالحق وصدق المرسلين # [الصافات: 37] و # هو الحق مصدقا لما بين يديه # [فاطر: 31]، وكذا # وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق # [الحجر: 85] أي أن هذا الفعل وهو خلقنا لها لسنا متعدين فيه، وهذ الواقع ~~يطابق خلقها لا يزيد عليه بمعنى أنه كان علينا أن نزيد فيها شيئا وليس ~~لنا الاقتصار على ما وجد ولا ننقص عنه بمعنى أنه كان علينا أن نجعلها ~~ناقصة عما هي عليه ولم يكن لنا إتمامها هكذا؛ أو بالحق الذي هو قدرتنا ~~واختيارنا لا كما يدعيه الفلاسفة من الفعل بالذات من غير اختيار: أو بسبب ~~الحق أي إقامته وإثباته وإبطال الباطل ونفيه، وقوله # وآتيناك بالحق وإنا لصادقون # [الحجر: 64] أي أتيناك بالخبر بعذابهم وهو ثابت، لأن مضمونه إذا وقع ~~فنسبته إلى الخبر علمت مطابقته له أي مطابقة الواقع إياه وإخبارنا عنه ~~على ما هو به فنحن صادقون فيه، أي نسبنا وقوع العذاب إليهم نسبة تطابق ~~الواقع فإذا وقع نظرت إلى إخبارنا فرأيته مطابقا له فعلمت صدقنا فيه؛ ~~والذي لا يدع في ذلك لبسا قوله سبحانه وتعالى حكاية عن يوسف عليه الصلاة ~~والسلام # قد جعلها ربي حقا # [يوسف: 100] أتى بمطابقة الواقع لتأويلها، وأما صدقه صلى الله عليه وسلم ~~فهو بنسبة الخبر إلى الواقع وهو أنه رأى ما أخبر به وذلك موجود من حين ~~إخباره صلى الله عليه وسلم فإن خبره كان حين إخباره به مطابقا للواقع، ~~وأما صدق الرؤيا فباعتبار أنه كان لها واقع طابقه تأويلها؛ فإن قيل: ~~تأسيس المفاعلة أن تكون بين اثنين فصاعدا يفعل أحدهما بالآخر ما يفعل ~~الآخر به، فهب أنا اعتبرنا المطابقة من جانب واحد فذلك لا ينفي اعتبارها ~~من الجانب الآخر فماذا يغني ما ادعيته، قيل إنها وإن كان لا بد فيها من ~~مراعاة الجانبين لكنها تفهم أن الذي أسند إليه الفعل هو الطالب، بخلاف ~~باب التفاعل ms0521 فإنه لا دلالة لفعله على ذلك، وجملة الأمر أن الواقع أحق ~~باسم الحق لأنه الثابت والخبر أحق باسم الصدق، والواقع طالب لخبر يطابقه ~~ليعرف على ما هو عليه والخبر طالب لمطابقة الواقع له فيكتسب الشرف ~~بتسميته صدقا. وأول ثابت في نفس الأمر هو الواقع فإنه قبل الخبر عنه ~~بأنه وقع، فإذا كان مبدأ الطلب من الواقع سمي الخبر باسمه، إذا كان مبدأ ~~الطلب من الخبر سمي باسمه الحقيق به، ولعلك إذا اعتبرت آيات الكتاب ~~الناطق بالصواب وجدتها كلها على هذا الأسلوب - والله سبحانه وتعالى ~~الموفق. ولما ثبت أن التلاوة عليه صلى الله عليه وسلم حق قال تعالى: { ~~وإنك } أي والحال أنك { لمن المرسلين * } بما دلت هذه الآيات عليه من ~~علمك بها من غير معلم من البشر ثم بإعجازها الباقي على مدى الدهر. ### || [2.253-254] # ولما تقدم في هذه السورة ذكر رسل كثيرة وختم هذه الآيات بأنه صلى الله ~~عليه وسلم منهم تشوفت النفس إلى معرفة أحوالهم في الفضل هل هم فيه سواء ~~أو هم متفاضلون، فأشار إلى علو مقادير الكل في قوله: { تلك الرسل } بأداة ~~البعد إعلاما ببعد مراتبهم و علو منازلهم وأنها بالمحل الذي لا ينال ~~والمقام الذي لا يرام، وجعل الحرالي التعبير بتلك التي هي أداة التأنيث ~~دون أولئك التي هي إشارة المذكر توطئة وإشارة لما يذكر بعد من اختلاف ~~الأمم بعد أنبيائها وقال: يقول فيه النحاة إشارة لجماعة المؤنث وإنما هو ~~في العربية لجماعة ثانية في الرتبة، لأن التأنيث أخذ الثواني عن أولية ~~تناسبه في المعنى وتقابله في التطرق، قال: ومن لسن العرب وإشارة تأسيس ~~كلمها أن المعنى متى أريد إرفاعه أطلق عن علامة الثاني في الرتبة ~~وإشارته، ومتى أريد إنزاله قيد بعلامة الثاني وإشارته، ثم قال: ففي ضمن ~~هذه الإشارة لأولي التنبه إشعار بما تتضمنه الآية من الإخبار النازل عن ~~رتبة الثبات والدوام إلى رتبة الاختلاف والانقطاع كما أنه لما كان الذكر ~~واقعا في محل إعلاء في آية الأنعام قيل: # أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده # [الأنعام: ms0522 90] ولما كان شأن الاختلاف والانقطاع غير مستغرب في محل النقص ~~والإشكال وطأ لهذا الواقع بعد الرسل بأنه ليس من ذلك وأنه من الواقع بعد ~~إظهار التفضيل وإبلاغ البينات لما يشاؤه من أمره - انتهى. ثم أتبع هذه ~~الإشارة حالا منها أو استئنافا قوله: { فضلنا بعضهم على بعض } أي ~~بالتخصيص بمآثر لم تجتمع لغيره بعد أن فضلنا الجميع بالرسالة. # ولما كان أكثر السورة في بني إسرائيل وأكثر ذلك في أتباع موسى عليه ~~الصلاة والسلام بدأ بوصفه وثنى بعيسى عليه الصلاة والسلام لأنه الناسخ ~~لشريعته وهو آخر أنبيائهم فقال مبينا لما أجمل من ذلك التفضيل بادئا ~~بدرجة الكلام لأنها من أعظم الدرجات لافتا القول إلى مظهر الذات بما لها ~~من جميع الصفات لأنه أوفق للكلام المستجمع للتمام { منهم من كلم الله } ~~أي بلا واسطة بما له من الجلال كموسى ومحمد وآدم عليهم الصلاة والسلام { ~~ورفع بعضهم } وهو محمد صلى الله عليه وسلم على غيره، ومن فوائد الإبهام ~~الاستنباط بالدليل ليكون مع أنه أجلى أجدر بالحفظ وذلك الاستنباط أن يقال ~~إنه سبحانه وتعالى قد عمهم بالتفضيل بالرسالة أولا، ثم بين أنه فضل ~~بعضهم على غيره، وذلك كله رفعة فلو كانت هذه مجرد رفعة لكان تكريرا فوجب ~~أن يفهم أنها رفعة على أعلاهم، وأسقط الفوقية هنا إكراما للرسل بخلاف ما ~~في الزخرف فقال معينا بعض ما اقتضاه التفضيل: { درجات } أي عظيمة ~~بالدعوة العامة والمعجزات الباقية؛ والأتباع الكثيرة في الأزمان الطويلة، ~~من غير تبديل ولا تحريف، وبنسخ شرعه لجميع الشرائع، وبكونه رحمة ~~العالمين، وأمته خير أمة أخرجت للناس، وكونه خاتما للنبيين الذين أرسلهم ~~سبحانه وتعالى عند الاختلاف مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب، فلا نبي ~~بعده ينسخ شريعته، وإنما يأتي النبي الناسخ لشريعة موسى عليه الصلاة ~~والسلام مقررا لشريعته مجددا لما درس منها كما كان من أنبياء بني ~~إسرائيل الذين بينه وبين موسى عليهم الصلاة والسلام، ولما كان الشخص لا ~~يبين فضله إلا بآثاره وكانت آيات موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام أكثر ~~من آيات من سبقهما خصهما ms0523 بالذكر إشارة إلى ذلك، فكان فيه إظهار الفضل ~~لنبينا صلى الله عليه وسلم، لأنه لا نسبة لما أوتي أحد من الأنبياء إلى ~~ما أوتي، وإبهامه يدل على ذلك من حيث إنه إشارة إلى أن إبهامه في الظهور ~~والجلاء كذكره، لأن ما وصف به لا ينصرف إلا إليه. # ولما كان الناس واقفين مع الحس إلا الفرد النادر وكان لعيسى صلى الله ~~عليه وسلم من تكرر الآيات المحسوسات كالإحياء والإبراء ما ليس لغيره ومع ~~ذلك ارتد أكثرهم بعد رفعه عليه الصلاة والسلام قال صارفا القول إلى مظهر ~~العظمة تهديدا لمن كفر بعد ما رأى أو سمع من تلك الآيات الكبر: { ~~وءاتينا } بما لنا من العظمة بالقدرة على كل شيء من الخلق والتصوير كيف ~~نشاء وعلى غير ذلك { عيسى } ونسبه إلى أمه إشارة إلى أنه لا أب له فقال: ~~{ ابن مريم } أي الذي خلقناه منها بغير واسطة ذكر أصلا { البينات } من ~~إحياء الموتى وغيره. قال الحرالي: والبينة ما ظهر برهانه في الطبع والعلم ~~والعقل بحيث لا مندوحة عن شهود وجوده، وذلك فيما أظهر الله سبحانه وتعلى ~~على يديه من الإحياء والإماتة الذي هو من أعلى آيات الله، فإن كل باد في ~~الخلق ومتنزل في الأمر فهو من آيات الله، فما كان أقرب إلى ما اختص الله ~~تعالى به كان أعلى وأبهر، وما كان مما يجري نحوه على أيدي خلقه كان أخفى ~~وألبس إلا على من نبه الله قلبه لاستبصاره فيه { وأيدناه } أي بعظمتنا ~~البالغة { بروح القدس } في إعلامه ذكر ما جعل تعالى بينه وبين عيسى عليه ~~الصلاة والسلام في كيانه فجرى نحوه في عمله من واسطة الروح كما قال ~~سبحانه وتعالى: # فأرسلنا إليها روحنا # [مريم: 17] كذلك كان فعله مع تأييده؛ وفي ذلك بينه وبين موسى عليهما ~~الصلاة والسلام موازنة ابتدائية، حيث كان أمر موسى من ابتداء أمر التكليم ~~الذي هو غاية سقوط الواسطة، وكان أمر عيسى عليه الصلاة والسلام من ابتداء ~~أمر الإحياء الذي هو غاية تصرف المتصرفين - انتهى. # ذكر شيء مما في ms0524 الإنجيل من بيناته وحكمه وآياته # قال متى: أنتم ملح الأرض، فإذا فسد الملح فبماذا يملح! لا يصلح لشيء لكن ~~يطرح خارجا وتدوسه الناس. # وقال لوقا: جيد هو الملح فإن فسد بماذا يملح! لا يصلح للأرض ولا المزبلة ~~لكن خارجا، من كان له أذنان سامعتان فليسمع. وقال متى: أنتم نور العالم، ~~لا تستطيع مدينة تخفي وهي موضوعة على رأس جبل، ولا يوقد سراج فيوضع تحت ~~مكيال لكن يوضع على منارة و يضيء لكل من في البيت، هكذا فليضىء نوركم ~~قدام الناس ليروا أعمالكم الحسنة ويمجدوا أباكم الذي في السماوات، لا ~~تظنوا أني جئت لأخل الناموس أو الأنبياء، لم آت لأخل بل لأكمل الحق، أقول ~~لكم إن السماء والأرض تزولان، وخطة واحدة لا تزول من الناموس حتى يكون ~~هذا كله؛ فمن أخل إحدى هذه الوصايا الصغار وعلم الناس هكذا يدعى في ملكوت ~~السماوات صغيرا، والذي يعمل ويعلم هذا يدعى عظيما في ملكوت السماء؛ ثم ~~قال: وإذا صليتم فلا تكونوا كالمرائين، لأنهم يحبون القيام في المجامع ~~وزوايا الأزقة يصلون ليظهروا للناس الحق، أقول لكم: لقد أخذوا أجرهم، ~~وإذا صليت فادخل إلى مخدعك وأغلق بابك عليك، وصل لأبيك سرا وأبوك يرى ~~السر فيعطيك علانية، وإذا صليتم فلا تكثروا الكلام مثل الوثنيين، لأنهم ~~يظنون أنهم سيسمع لهم لكثرة كلامهم، فلا تتشبهوا بهم، لأن أباكم عالم ما ~~تحتاجون إليه قبل أن تسألوه، وهكذا تصلون أنتم: أبانا الذي في السماوات! ~~قدوس اسمك، يأتي ملكوتك، تكون مشيئتك كما في السماء على الأرض، خبزنا ~~كفافنا أعطنا في اليوم، واغفر لنا ما يجب علينا كما غفرنا لمن أخطأ ~~إلينا، ولا تدخلنا التجارب لكن نجنا من الشرير، لأن لك المجد والقوة إلى ~~الأبد - آمين. وقال مرقس: وإذا قمتم تصلون اغفروا لكل من لكم عليه لكيما ~~أبوكم الذي في السماوات يترك لكم هفواتكم. وقال متى: فإن غفرتم للناس ~~خطاياهم غفر لكم أبوكم السمائي خطاياكم، وإن لم تغفروا للناس سيئاتهم لم ~~يغفر لكم خطاياكم. وقال لوقا وكان يصلي في قفر فلما فرغ قال ms0525 واحد من ~~تلاميذه: يا رب! علمنا نصلي كما علم يوحنا تلاميذه، فقال لهم: إذا صليتم ~~فقولوا: أبانا الذي في السماوات! يتقدس اسمك، يأتي ملكوتك، تكون إرادتك ~~كما في السماء كذلك على الأرض، خبزنا كفافنا أعطنا كل يوم، اغفر لنا ~~خطايانا لأنا نغفر لمن لنا عليه، ولا تدخلنا التجارب لكن نجنا من الشرير؛ ~~ثم قال لهم: من منكم له صديق يمضي إليه نصف الليل فيقول له: يا صديقي! ~~هبني ثلاث خبزات فإن صديقا لي جاء إلي من طريق وليس لي ما أقدم إليه، ~~فيجيبه ذلك من داخل ويقول: لا تتعبني قد أغلقت بابي، وأولادي معي على ~~مرقدي ولا أقدر أقوم فأعطيك، أقول لكم: إن لم يقم ويعطيه من أجل الصداقة ~~فيقوم ويعطيه من أجل الحاجة ما يحتاج إليه، وأنا أيضا أقول لكم: سلوا ~~تعطوا، اطلبوا تجدوا، اقرعوا يفتح لكم، كل من سأل أعطي، ومن طلب وجد، ومن ~~يقرع يفتح له. # وقال متى: وإذا صمتم فلا تكونوا كالمرائين لأنهم يعبسون وجوههم ~~ويغيرونها ليظهروا للناس صيامهم، الحق أقول لكم، لقد أخذوا أجرهم، وأنت ~~إذا صمت ادهن رأسك واغسل وجهك لئلا يظهر للناس صيامك. وقال لوقا: من منكم ~~له عبد يحرث أو يرعى فإذا جاء من الحقل يقول له للوقت: اصعد واجلس، أو ~~ليس يقول له: أعد لي ما آكله وشد حقويك، واخدمني حتى آكل وأشرب، ومن بعد ~~ذلك تأكل وتشرب أنت، هل لذلك العبد فضل عند ما فعل ما أمر به! كذلك أنتم ~~إذا فعلتم كل شيء أمرتم به قولوا: إنا عبيد بطالون، إنما عملنا ما يجب ~~علينا؛ وقال أيضا: فقال له واحد من الجمع: يا معلم! قل لأخي: يقاسمني ~~الميراث، فقال له: يا إنسان! من أقامني عليكم حاكما أو مقسما! وقال ~~لهم: انظروا وتحفظوا من كل الشره لأن الحياة ليست للإنسان بكثرة ماله، ~~وقال لهم مثلا: إنسان غني أخصبت له كورة ففكر وقال: ماذا أصنع إذ ليس لي ~~حيث أضع غلاتي، أهدم أهرائي وأبنيها وأوسعها وأخزن هناك وأقول لنفسي: يا ~~نفس! لك ms0526 خيرات كثيرة موضوعة لسنين كثيرة، استريحي وكلي واشربي وافرحي، ~~فقال له الله سبحانه وتعالى: يا جاهل! في هذه الليلة تنزع نفسك وهذا الذي ~~أعددته لمن يكون هكذا، من يدخر ذخائر وليس هو غنيا بالله. وقال متى: لا ~~تكنزوا لكم كنوزا في الأرض حيث الآكلة والسوس يفسد ولا ينقب السارقون ~~يتحيلون فيسرقون، اكنزوا لكم كنوزا في السماء حيث لا آكلة ولا سوس يفسد ~~ولا ينقب السارقون فيسرقون. وقال لوقا: بيعوا أمتعتكم وأعطوا رحمة ~~فاجعلوا لكم أكياسا لا تبلى وكنوزا في السماوات لا تفنى حيث لا يصل ~~إليه سارق ولا يفسده سوس. وقال متى: لأنه حيث تكون كنوزكم هناك تكون ~~قلوبكم، سراج الجسد العين، فإن كانت عينك بسيطة فجسدك كله يكون نيرا، ~~وإن كانت عينك شريرة فجسدك كله يكون مظلما، فإذا كان النور الذي فيك ~~ظلاما فالظلام ما هو! ليس يستطيع إنسان يعبد ربين إلا أن يبغض الواحد ~~ويحب الآخر أو يجل الواحد ويحتقر الآخر، لا تقدرون أن تعبدوا الله ~~والمال، فلهذا أقول لكم: لا تهتموا لنفوسكم بما تأكلون أو بما تشربون ولا ~~لأجسادكم بما تلبسون، ألبس النفس؛ وقال قوقا: لأن النفس أفضل من المآكل، ~~والجسد من اللباس، انظروا إلى طيور السماء التي لا تزرع ولا تحصد ولا ~~تخزن في الأهراء وأبوكم السمائي يقوتها، أليس أنتم بالحريين أن تكونوا ~~أفضل منها؛ وقال لوقا فيكم: أنتم أفضل من الطيور، من منكم يهتم فيقدر أن ~~يزيد على قامته ذراعا واحدا! فلماذا تهتمون باللباس! اعتبروا بزهر ~~الحقل كيف يتربى ولا يتعب؛ وقال لوقا: تأملوا الزهر كيف ينمو بغير تعب ~~ولا عمل - انتهى. # أقول لكم إن سليمان في كل مجده لم يلبس كواحدة منها، فإذا كان زهر الحقل ~~يكون اليوم وفي غد يطرح في التنور يلبسه الله هكذا فيكم أنتم أحرى يا ~~قليلي الإيمان فلا تهتموا وتقولوا: ماذا نأكل ونشرب وماذا نلبس؟ هذا كله ~~يطلبه الأمم البرانية وأبوكم يعلم أنكم تحتاجون إلى هذا جميعه، اطلبوا ~~أولا ملكوت الله وبره وهذا كله تزادونه، لا تهتموا بالغد، فالغد ms0527 يهتم ~~بشأنه، ويكفي كل يوم شره؛ وقال لوقا: تكون أوساطكم مشدودة وسرجكم موقودة، ~~كونوا متشبهين بأناس ينتظرون سيدهم متى يأتيهم من العرش لكي إذا جاء وقرع ~~يفتحون له، طوبى لأولئك العبيد الذين يأتي سيدهم فيجدهم مستيقظين! الحق ~~أقول لكم إنه يشد وسطه ويتكئون هم ويقف يخدمهم لذلك، فطوبى لأولئك ~~العبيد! ثم قال: فقال له بطرس: يا رب! من أجلنا تقول هذا المثل أم ~~للجميع؟ فقال: من ترى الوكيل الأمين الحكيم الذي يقيمه سيده على حشمه ~~يعطيهم طعامهم في حينه؟ فطوبى لذلك العبد الذي يأتي سيده فيجده فعل هكذا! ~~الحق أقول لكم إنه يقيمه على جميع ماله، فإن قال ذلك العبد الشرير في ~~قلبه: إن سيدي يبطىء قدومه ويأخذ في ضرب عبيد سيده وإمائه ويأكل ويشرب ~~ويسكر فيأتي سيده في يوم لا يظن وساعة لا يعلم فيشقه من وسطه ويجعل نصيبه ~~مع الغير مؤمنين، فأما العبد الذي يعلم إرادة سيده ولا يستعد ويعمل إرادة ~~سيده فيضرب كثيرا، والذي لا يعلم ويعمل ما يستوجب به الضرب يضرب يسيرا، ~~لأن من أعطى كثيرا يطلب كثيرا والذي استودع كثيرا يطلب بكثير؛ وقال في ~~موضع آخر: الأمين في القليل يكون أمينا في الكثير، والظالم في القليل ~~ظالم في لكثير، فإن كنتم غير أمناء في مال الظلم فمن يأتمنكم في الحق! ~~وإن كنتم غير أمناء فيما ليس لكم فمن يعطيكم مالكم! جئت لألقي نارا في ~~الأرض وما أريد إلا اضطرامها، ولي صبغة أصطبغها، وأنا مجد لتكمل، هل ~~تظنون أني جئت لألقي سلامة في الأرض! أقول لكم: يكون افتراق من الآن، ~~يكون خمسة في بيت، واحد يخالف اثنين واثنان ثلاثة، يخالف الأب ابنه، ~~والابن أباه، والأم ابنتها، والابنة أمها، والحمأة كنتها، والكنة حمأتها. ~~وقال متى: لا تدينوا لئلا تدانوا، وبالكيل الذي تكيلون يكال لكم. وقال ~~لوقا: لا تحبوا الحكم على أحد لئلا يحكم عليكم، اغفروا يغفر لكم، أعطوا ~~تعطوا بمكيال صالح مملوء فائض ملقى في حضونكم، لأنه بالكيل الذي تكيلون ~~يكال لكم، هل يستطيع أعمى أن يقود ms0528 أعمى! أليس يقعان كلاهما في حفرة! وقال ~~متى: لماذا تنظر القذى الذي في عين أخيك ولا تفطن بالخشبة التي في عينك، ~~وكيف تقول لأخيك: دعني أخرج القذى من عينك. # وفي عينك خشبة يا مرائي! أخرج أولا الخشبة من عينك وحينئذ تنظر أن تخرج ~~القذى من عين أخيك، لا تعطوا القدس للكلاب، ولا تلقوا جواهركم أمام ~~الخنازير لئلا تدوسها بأرجلها وترجع فتزمنكم، سلوا تعطوا، اطلبوا تجدوا، ~~اقرعوا يفتح لكم. لأن كل من يطلب يجد، ومن سأل يعط ومن يقرع يفتح له، أي ~~إنسان منكم يسأله ابنه خبزا فيعطيه حجرا! أو يسأله سمكة فيعطيه حية! ~~فإذا كنتم أنتم الأشرار تعرفون تمنحون العطايا الصالحة لأبنائكم فكم ~~بالحري أبوكم الذي في السماوات يعطي الخيرات لمن يسأله! وكل ما تريدون أن ~~يفعل الناس افعلوه أنتم بهم؛ فهذا هو الناموس والأنبياء. # قال لوقا: وزوال السماء والأرض أسهل من أن يبطل من الناموس حرف واحد؛ ~~وقال أيضا وقال لهم مثلا: لكي يصلوا كل حين ولا يملوا؛ قال: كان قاض في ~~مدينة لا يخاف الله تعالى ولا يستحيي من الناس وكان في تلك المدينة أرملة ~~وكانت تأتي إليه وتقول: أنصفني من خصمي، ولم يكن يشاء إلى زمان، وبعد ذلك ~~قال في نفسه: إن كنت لا أخاف الله سبحانه وتعالى ولا أستحيي من الناس لكن ~~من أجل هذه المرأة أحكم لها ولا تعود تعنفني وتأتي إلي في كل حين ~~لتتعبني! قال الرب سبحانه وتعالى: اسمعوا ما قال قاضي الظلم، أفليس الله ~~أحرى أن ينتقم لمختاريه الذين يدعونه النهار والليل! نعم أقول لكم إنه ~~ينتقم لهم سريعا. # وقال متى: ادخلوا من الباب الضيق، فإن المسلك واسع، والطريق المؤدية إلى ~~الهلاك رحبة، والداخلين فيها كثيرهم، ما أضيق الباب وأكرب الطريق التي ~~تؤدي إلى الحياة! وقليل هم الذين يجدونها احذروا من الأنبياء الكذبة ~~الذين يأتونكم بلباس الحملان وداخلهم ذئاب خطفة، ومن ثمارهم فاعرفوهم، هل ~~يجمع من الشوك عنب ومن العوسج تين! هكذا كل شجرة صالحة تخرج ثمرة جيدة، ~~والشجرة الرديئة تخرج ثمرة ms0529 شريرة، لا تقدر شجرة صالحة تخرج ثمرة شريرة، ~~ولا شجرة رديئة تخرج ثمرة جيدة. # وقال لوقا: وكل شجرة تعرف من ثمرتها ليس يجمع من الشوك تين، ولا يقطف من ~~العليق عنب، الرجل الصالح من الذخائر التي في قلبه يخرج الصالحات، ~~والشرير من ذخائره الشريرة يخرج الشر، لأن من فضل ما في القلب ينطق الفم. # وقال متى: وكل شجرة لا تثمر ثمرة جيدة تقطع وتلقى في النار، فمن ثمارهم ~~تعرفونهم، ليس كل من يقول: يا رب! يا رب! يدخل ملكوت السماوات، لكن الذي ~~يعمل إرادة الذي في السماوات أي أمره، كثيرون يقولون لي في ذلك اليوم: يا ~~رب! يا رب! أليس باسمك تنبأنا وباسمك أخرجنا الشياطين وباسمك صنعنا آيات ~~كثيرة! فحينئذ أعترف لهم أني ما أعرفكم قط، اذهبوا عني يا فاعلي الإثم. # وقال لوقا: فقال له واحد: يا رب! قليل هم الذين ينجون! فقال: احرصوا على ~~الدخول من الباب الضيق، فإني أقول لكم إن كثيرا يريدون الدخول منه فلا ~~يستطيعون، فإذا قام رب البيت يغلق الباب فعند ذلك يقفون خارجا ويقرعون ~~الباب ويقولون: يا رب! يا رب! افتح لنا، فيجيب: لا أعرفكم، من أين أنتم؟ ~~فيقولون: أكلنا قدامك وشربنا، فيقول: ما أعرفكم، من أين أنتم؟ تباعدوا ~~عني بأعمال الظلم، هناك يكون البكاء وصرير الأسنان. # قال متى: كل من يسمع كلماتي هذه ويعمل بها يشبه رجلا عاقلا بنى بيته ~~على الصخرة. # وقال لوقا: بنى بيتا وحفر وعمق ووضع الأساس على صخرة، فنزل المطر وجرت ~~الأنهار وهبت الرياح وضربت ذلك البيت فلم يسقط، لأن أساسه ثابت على ~~الصخرة، وكل من يسمع كلماتي هذه ولا يعمل بها يشبه رجلا جاهلا بنى بيته ~~على الرمل، فنزل المطر وجرت الأنهار وهبت الرياح وضربت ذلك البيت فسقط ~~وكان سقوطه عظيما. وكان لما أكمل يشوع هذه الكلمات بهت الجميع من ~~تعليمه، لأنه كان يعلمهم كمن له سلطان وليس كمثل كتابهم. # وفيه مما يمتنع إطلاقه في شرعنا لفظ الأب والرب وسيأتي في آل عمران ما ~~يشفي العليل في تأويل ms0530 مثل ذلك على تقرير صحته. وكل ما ورد من وصف ~~الأنبياء بالكذبة فالمراد به المدعي للنبوة كذبا. # ولما تقدم أن الله سبحانه وتعالى أرسل رسلا وأنزل معهم كتبا، وأنهم ~~تعبوا ومستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى جمعوا الناس على الحق، وأن ~~أتباعهم اختلفوا بعد ما جاءتهم البينات كان مما يتوجه النفس للسؤال عنه ~~سبب اختلافهم، فبين أنه مشيئته سبحانه وتعالى لا غير إعلاما بأنه الفاعل ~~المختار فكان التقدير: ولو شاء الله سبحانه وتعالى لساوى بين الرسل في ~~الفضيلة، ولو شاء لساوى بين أتباعهم في قبول ما أتوا به فلم يختلف عليهم ~~اثنان، ولكنه لم يشأ ذلك فاختلفوا عليهم وهم يشاهدون البينات، وعطف عليه ~~قوله تسلية لنبيه صلى الله عليه وسلم لافتا القول إلى التعبير بالجلالة ~~إشارة إلى أن الاختلاف مع دلالة العقل على أنه لا خير فيه شاهد للخالق ~~بجميع صفات الجلال والجمال { ولو شاء الله } أي الذي له جميع الأمر. قال ~~الحرالي: وهي كلمة جامعة قرآنية محمدية تشهد الله وحده وتمحو عن الإقامة ~~ما سواه - انتهى. { ما اقتتل } أي ما تكلف القتال مع أنه مكروه للنفوس { ~~الذين من بعدهم } لاتفاقهم على ما فارقوا عليه نبيهم من الهدى. قال ~~الحرالي: فذكر الاقتتال الذي إنما يقع بعد فتنة المقال بعد فتنة الأحوال ~~بالضغائن والأحقاد بعد فقد السلامة بعد فقد الوداد بعد فقد المحبة ~~الجامعة للأمة مع نبيها - انتهى { من بعد ما جآءتهم البينات } أي على ~~أيدي رسلهم. # قال الحرالي: فيه إيذان بأن الوسائل والأسباب لا تقتضي آثارها إلا ~~بإمضاء كلمة الله فيها - انتهى. { ولكن اختلفوا } لأنه سبحانه وتعالى لم ~~يشأ اتفاقهم على الهدى { فمنهم } أي فتسبب عن اختلافهم أن كان منهم { من ~~آمن } أي ثبت على ما فارق عليه نبيه حسبما دعت إليه البينات فكان إيمانه ~~هذا هو الإيمان في الحقيقة لأنه أعرق في أمر الغيب { ومنهم من كفر } ~~ضلالا عنها أو عنادا. # ولما كان من الناس من أعمى الله قلبه فنسب أفعال المختارين من الخلق ~~إليهم استقلالا قال تعالى معلما أن ms0531 الكل بخلقه تأكيدا لما مضى من ذلك ~~معيدا ذكر الاسم الأعظم إشارة إلى عظم الحال في أمر القتال الكاشف لمن ~~باشره في ضلال عن أقبح الخلال: { ولو شاء الله } الذي لا كفوء له { ما ~~اقتتلوا } بعد اختلافهم بالإيمان والكفر، وكرر الاسم الأعظم زيادة في ~~الإعلام بعظم المقام { ولكن الله } أي بجلاله وعز كماله شاء اقتتالهم ~~فإنه { يفعل ما يريد * } فاختلفوا واقتتلوا طوع مشيئته على خلاف طباعهم ~~وما يناقض ما عندهم من العلم والحكمة. # ولما كان الاختلاف على الأنبياء سببا للجهاد الذي هو حظيرة الدين وكان ~~عماد الجهاد النفقة أتبع ذلك قوله رجوعا إلى أول السورة من هنا إلى ~~آخرها وإلى التأكيد بلفظ الأمر لما تقدم الحث عليه من أمر النفقة: { يا ~~أيها الذين آمنوا } أي أقروا بألسنتهم بالإيمان { أنفقوا } تصديقا ~~لدعواكم في جميع أبواب الجهاد الأصغر والأكبر ولا تبخلوا فأي داء أدوأ من ~~البخل # ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون # [الحشر: 9] # ولما أمر بذلك هونه عليهم بالإعلام بأنه له لا لهم فقال: { مما } أي ~~الشيء الذي ورد القول إلى مظهر العظمة حثا على المبادرة إلى امتثال ~~الأمر وتقبيحا بحال من أبطأ عنه فقال: { رزقناكم } بما لنا من العظمة، ~~وجزم هنا بالأمر لأنه لما رغب في النفقة من أول السورة إلى هنا مرة بعد ~~أخرى في أساليب متعددة صارت دواعي العقلاء في درجة القبول لما تندب إليه ~~من أمرها وإن كان الخروج عما في اليد في غاية الكراهة إلى النفس، وصرف ~~الأمر بالتبعيض إلى الحلال الطيب، فمنع احتجاج المعتزلة بها في أن الرزق ~~لا يكون إلا حلالا لكونه مأمورا به، وأتبعه بما يرغب ويرهب من حال يوم ~~التناد الذي تنقطع فيه الأسباب التي أقامها سبحانه وتعالى في هذه الدار ~~فقال: { من قبل أن يأتي يوم } موصوف بأنه { لا بيع فيه } موجود { ولا خلة ~~} قال الحرالي: هي مما منه المخاللة وهي المداخلة فيما يقبل التداخل حتى ~~يكون كل واحد خلال الآخر، وموقع معناها الموافقة في وصف الرضى والسخط، ~~فالخليل من رضاه ms0532 رضى خليله وفعاله من فعاله - انتهى. # { ولا شفاعة } والمعنى أنه لا يفدى فيه أسير بمال، ولا يراعى لصداقة من ~~مساو ولا شفاعة من كبير، لعدم إرادة الله سبحانه وتعالى لشيء من ذلك ولا ~~يكون إلا ما يريد، وفي الآية التفات شديد إلى أول السورة حيث وصف ~~المؤمنين بالإنفاق مما رزقهم والإيقان بالآخرة، وبيان لأن المراد ~~بالإنفاق أعم من الزكاة وأن ذلك يحتمل جميع وجوه الإنفاق من جميع المعادن ~~والحظوظ التي تكسب المعالي وتنجي من المهالك، وسيأتي في الآيات الحاثة ~~على النفقة ما يرشد إلى ذلك كقوله تعالى # إن تبدوا الصدقات # [البقرة: 271] وغيرها وقال الحرالي: فانتظم هذا الانتهاء في الخطاب بما ~~في ابتداء السورة من # الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة # [البقرة: 3] إلى قوله # المفلحون # [البقرة: 5] فلذلك وقع بعد هذا الانتهاء افتتاح آية هي سيدة آي هذه ~~السورة المنتظمة بأولها انتظاما معنويا برأس # الم ذلك الكتاب # [البقرة: 1 2] فكان في إشارة هذا الانتظام توطئة لما أفصح به الخطاب في ~~فاتحة سورة آل عمران، لما ذكر من أن القرآن مثاني إفهام وحمد. فكان أوله ~~حمدا وآخره حمدا ينثني ما بين الحمدين على أوله، كما قال " حمدني عبدي، ~~أثنى علي عبدي " فجملته حمد وتفاصيله ثناء - انتهى. # ولما حث سبحانه وتعالى على الإنفاق ختم الآية بذم الكافرين لكونهم لم ~~يتحلوا بهذه الصفة لتخليهم من الإيمان وبعدهم عنه وتكذيبهم بذلك اليوم ~~فهم لا ينفقون لخوفه ولا رجائه فقال بدل - ولا نصرة لكافر: { والكافرون } ~~أي المعلوم كفرهم في ذلك اليوم، وهذا العطف يرشد إلى أن التقدير: فالذين ~~آمنوا يفعلون ما أمرناهم به لأنهم المحقون، والكافرون { هم } المختصون ~~بأنهم { الظالمون * } أي الكاملون في الظلم لا غيرهم، ومن المعلوم أن ~~الظالم خاسر وأنه مخذول غير منصور، لأنه يضع الأمور في غير مواضعها، ومن ~~كان كذلك لا يثبت له أمر ولا يرتفع له شأن بل هو دائما على شفا جرف هار، ~~ولأجل ذلك يختم سبحانه وتعالى كثيرا من آياته بقوله # وما للظالمين من أنصار # [البقرة: 270] فقد انتفى بذلك جميع أنواع ms0533 الخلاص المعهودة في الدنيا في ~~ذلك اليوم من الافتداء بالمال والمراعاة لصداقة أو عظمة ذي شفاعة أو نصرة ~~بقوة. ### || [2.255-258] # ولما أبتدأ سبحانه وتعالى الفاتحة كما مضى بذكر الذات، ثم تعرف بالأفعال ~~لأنها مشاهدات، ثم رقي الخطاب إلى التعريف بالصفات، ثم أعلاه رجوعا إلى ~~الذات للتأهل للمعرفة ابتدأ هذه السورة بصفة الكلام لأنها أعظم المعجزات ~~وأبينها وأدلها على غيب الذات وأوقعها في النفوس لا سيما عند العرب، ثم ~~تعرف بالأفعال فأكثر منها. فلما لم يبق لبس أثبت الوحدانية بآيتها ~~السابقة مخللا ذلك بأفانين الحكم ومحاسن الأحكام وأنواع الترغيب ~~والترهيب في محكم الوصف والترتيب فلما تمت الأوامر وهالت تلك الزواجر ~~وتشوقت الأنفس وتشوفت الخواطر إلى معرفة سبب انقطاع الوصل بانبتار ~~الأسباب وانتفاء الشفاعة في ذلك اليوم، إذ كان المألوف من ملوك الدنيا ~~أنهم لا يكادون يتمكنون من أمر من الأمور حق التمكن من كثرة الشفعاء ~~والراغبين من الأصدقاء، إذ كان الملك منهم لا يخلو مجلسه قط عن جمع كل ~~منهم صالح للقيام مقامه ولو خذله أو وجه إليه مكره ضعضع أمره وفت في ~~عضده فهو محتاج إلى مراعاتهم واسترضائهم ومداراتهم، بين سبحانه وتعالى ~~صفة الآمر بما هو عليه من الجلال والعظمة ونفوذ الأمر والعلو عن الصد ~~والتنزه عن الكفر والند والتفرد بجميع الكمالات والهيبة المانعة بعد ~~انكشافها هناك أتم انكشاف لأن تتوجه الهمم لغيره وأن تنطق بغير إذنه وأن ~~يكون غير ما يريد ليكون ذلك أدعى إلى قبول أمره والوقوف عند نهيه وزجره، ~~ولأجل هذه الأغراض ساق الكلام مساق جواب السؤال فكأنه قيل: هذا ما لا ~~يعرف من أحوال الملوك فمن الملك في ذلك اليوم؟ فذكر آية الكرسي سيدة آي ~~القرآن التي ما اشتمل كتاب على مثلها مفتتحا لها بالاسم العلم الفرد ~~الجامع الذي لم يتسم به غيره، وذلك لما تأهل السامع بعد التعرف بالكلام ~~والتودد بالأفعال لمقام المعرفة فترقى إلى أوج المراقبة وحضرة المشاهدة ~~فقال عائدا إلى مظهر الجلال الجامع لصفات الجلال والإكرام لأنه من أعظم ~~مقاماته: { الله } أي هو ms0534 الملك في ذلك اليوم ثم أثبت له صفات الكمال ~~منزها عن شوائب النقص مفتتحا لها بالتفرد فقال: { لا إله إلا هو } ~~مقررا لكمال التوحيد، فإنه المقصود الأعظم من جميع الشرائع ولكن الإنسان ~~لما جبل عليه من النقصان لا بد له من ترغيب يشده وترهيب يرده ومواعظ ~~ترفقه وأعمال تصدقه وأخلاق تحققه، فخلل سبحانه وتعالى أي التوحيد ~~بالأحكام والقصص، والأحكام تفيد الأعمال الصالحة فترفع أستار الغفلة عن ~~عيون القلوب وتكسب الأخلاق الفاضلة لتصقل الصدأ عن مرائي النفوس فتتجلى ~~فيها حقائق التوحيد، والقصص تلزم بمواعظها واعتباراتها بالأحكام وتقرر ~~دلائل المعارف فيرسخ التوحيد، وكان هذا التفصيل لأنه أنشط للنفس ~~بالانتقال من نوع إلى آخر مع الهز بحسن النظم وبلاغة التناسب والإلهاب ~~ببداعة الربط وبراعة التلاحم. # وقال الحرالي: لما أتى بالخطاب على بيان جوامع من معالم الدين وجهات ~~الاعتبار وبيان أحكام الجهاد والإنفاق فيه فتم الدين بحظيرته معالم إسلام ~~وشعائر إيمان ولمحة إحسان أعلى تعالى الخطاب إلى بيان أمر الإحسان كما ~~استوفى البيان في أمر الإيمان والإسلام فاستفتح هذا الخطاب العلي الذي ~~يسود كل خطاب ليعلي به الذين آمنوا فيخرجهم به من ظلمة الإيمان بالغيب ~~الذي نوره يذهب ظلمة الشك والكفر إلى صفاء ضياء الإيقان الذي يصير نور ~~الإيمان بالإضافة إليه ظلمة كما يصير نور القمر عند ضياء الشمس ظلمة، ~~فكانت نسبة هذه الآية من آية الإلهية في قوله سبحانه وتعالى # وإلهكم إله واحد # [البقرة: 163] وما بعدها من الاعتبار في خلق السماوات والأرض نسبة ما ~~بين علو اسمه الله الذي لم يقع فيه شرك بحق ولا بباطل إلى اسمه الإله ~~الذي وقع فيه الشرك بالباطل فينقل تعالى المؤمنين الذين استقر لهم إيمان ~~الاعتبار بآية # وإلهكم إله واحد # [البقرة: 163] وما بعدها من الاعتبار في خلق السماوات والأرض إلى يقين ~~العيان باسمه { الله } وما يلتئم بمعناه من أوصافه العظيمة - انتهى. # ولما وحد سبحانه وتعالى نفسه الشريفة أثبت استحقاقه لذلك بحياته وبين ~~أن المراد بالحياة الأبدية بوصف القيومية فقال: { الحي } أي الذي له ~~الحياة وهي صفة توجب ms0535 صحة العلم والقدرة أي الذي يصح أن يعلم ويقدر { ~~القيوم } أي القائم بنفسه المقيم لغيره على الدوام على أعلى ما يكون من ~~القيام والإقامة. قال الحرالي: فيعول زيدت في أصوله الياء ليجتمع فيه لفظ ~~ما هو من معناه الذي هو القيام بالأمر مع واوه التي هي من قام يقوم ~~فأفادت صيغته من المبالغة ما في القيام والقوام على حد ما تفهمه معاني ~~الحروف عند المخاطبة بها من أئمة العلماء الوالجين في مدينة العلم ~~المحمدي من بابه العلوي - انتهى. # ثم بين قيوميته وكمال حياته بقوله: { لا تأخذه سنة } قال الحرالي: هي ~~مجال النعاس في العينين قبل أن يستغرق الحواس ويخامر القلب { ولا نوم } ~~وهو ما وصل من النعاس إلى القلب فغشيه في حق من ينام قلبه وما استغرق ~~الحواس في حق من لا ينام قلبه - انتهى، ولما عبر بالأخذ الذي هو بمعنى ~~القهر والغلبة وجب تقديم السنة، كما لو قيل: فلان لا يغلبه أمير ولا ~~سلطان، ثم بين هذه الجملة بقوله: { له } أي بيده وفي تصرفه واختصاصه { ما ~~في السماوات } الذي من جملته الأرض { وما في الأرض } أي من السنة والنوم ~~وغيرهما إبداعا ودواما وما هو في قبضته وتصرفه لا يغلبه. قال الحرالي: ~~وسلب بالجملة الأولى أمر الملكوت من أيدي الملائكة إلى قهر جبروته ~~والآثار من نجوم الأفلاك إلى جبره، وسلب بالجملة الثانية الآثار والصنائع ~~من أيدي خليفته وخليقته إلى قضائه وقدره وظهور قدرته، فكان هذا الخطاب ~~بما أبدى للفهم إقامة قيامه على مجعول الحكمة الأرضية والسمائية التي هي ~~حجاب قيوميته سلبا لقيام ما سواه - انتهى. # ثم بين ما تضمنته هذه الجملة بقوله منكرا على من ربما توهم أن شيئا ~~يخرج عن أمره فلا يكون مختصا به { من ذا الذي يشفع } أي مما ادعى الكفار ~~شفاعته وغيره { عنده إلا بإذنه } أي بتمكينه لأن من لم يقدر أحد على ~~مخالفته كان من البين أن كل شيء في قبضته، وكل ذلك دليل على تفرده ~~بالإلهية. قال الحرالي: وحقيقة الشفاعة وصلة بين الشفيع والمشفوع ms0536 له ~~لمزية وصلة بين الشفيع والمشفوع عنده، فكان الإذن في باطن الشفاعة حظا ~~من سلب ما للشفعاء ليصير بالحقيقة إنما الشفاعة لله سبحانه وتعالى عند ~~الله سبحانه وتعالى، فهو سبحانه وتعالى بالحقيقة الذي شفع عند نفسه ~~بنفسه، فبإخفائه تعالى شفاعته في شفاعة الشفعاء كان هو الشفيع في ~~الابتداء من وراء حجاب لأن إبداءه كله في حجاب وإعادته من غير حجاب، ~~فلذلك هو سبحانه وتعالى خاتم الشفعاء حيث يقول كما ورد في الخبر # " شفع الأنبياء والمرسلون ولم يبق إلى الحي القيوم " # انتهى. ثم بين جميع ما مضى بقوله: { يعلم ما بين أيديهم } أي ما في ~~الخافقين ممن ادعت شفاعته وغيرهم. قال الحرالي: أي ما أتاهم علمه من أمر ~~أنفسهم وغيرهم، لأن ما بين يدي المرء يحيط به حسه، وما علمه أيضا فكأنه ~~بين يدي قلبه يحيط به علمه { وما خلفهم } وهو ما لم ينله علمهم، لأن ~~الخلف هو ما لا يناله الحس، فأنبأ أن علمه من وراء علمهم محيط بعلمهم ~~فيما علموا وما لم يعلموا - انتهى. # ولما بين قهره لهم بعلمه بين عجزهم عن كل شيء من علمه إلا ما أفاض عليهم ~~بحلمه فقال: { ولا يحيطون بشيء } أي قليل ولا كثير { من علمه إلا بما شاء ~~} فبان بذلك ما سبقه، لأن من كان شامل العلم ولا يعلم غيره إلا ما علمه ~~كان كامل القدرة، فكان كل شيء في قبضته، فكان منزها عن الكفوء متعاليا ~~عن كل عجز وجهل، فكان بحيث لا يقدر غيره أن ينطق إلا بإذنه لأنه يسبب له ~~ما يمنعه مما لا يريده. # ثم بين ما في هذه الجملة من إحاطة علمه وتمام قدرته بقوله مصورا لعظمته ~~وتمام علمه وكبريائه وقدرته بما اعتاده الناس في ملوكهم: { وسع كرسيه } ~~ومادة كرس تدور على القوة والاجتماع والعظمة والكرس الذي هو البول والبعر ~~الملبد مأخوذ من ذلك. وقال الأصفهاني: الكرسي ما يجلس عليه ولا يفضل عن ~~مقعد القاعد. وقال الحرالي: معنى الكرس هو الجمع، فكل ما كان أتم جمعا ~~فهو أحق بمعناه، ms0537 ويقال على المرقى للسرير الذي يسمى العرش الذي يضع ~~الصاعد عليه قدمه إذا صعد وإذا نزل وحين يستوي إن شاء: كرسي، ثم قال: ~~والكرسي فيه صور الأشياء كلها كما بدت آيته في الأرض التي فيها موجودات ~~الأشياء كلها، فما في الأرض صورة إلا ولها في الكرسي مثل، فما في العرش ~~إقامته ففي الكرسي أمثلته، وما في السماوات إقامته ففي الأرض صورته، فكان ~~الوجود مثنيا كما كان القرآن مثاني إجمالا وتفصيلا في القرآن ومدادا ~~وصورا في الكون، فجمعت هذه الآية العلية تفصيل المفصلات وانبهام صورة ~~المداديات بنسبة ما بين السماء وما منه، وجعل وسع الكرسي وسعا واحدا ~~حيث قال: { السماوات والأرض } ولم يكن وسعان لأن الأرض في السماوات ~~والسماوات في الكرسي والكرسي في العرش والعرش في الهواء - انتهى. # فبان بذلك ما قبله لأن من كان بهذه العظمة في هذا التدبير المحكم والصنع ~~المتقن كان بهذا العلم وهذه القدرة التي لا يثقلها شيء ولذا قال: { ولا ~~يؤوده } أي يثقله. قال الحرالي: من الأود أي بلوغ المجهود ذودا، ويقابله ~~ياء من لفظ لايد أي وهو القوة، وأصل معناه والله سبحانه وتعالى أعلم أنه ~~لا يعجزه علو أيده ولذلك يفسره اللغويون بلفظة يثقله { حفظهما } في ~~قيوميته كما يثقل غيره أو يعجزه حفظ ما ينشئه بل هو عليه يسير لأنه لو ~~أثقله لاختل أمرهما ولو يسيرا ولقدر غيره ولو يوما ما على غير ما ~~يريده. والحفظ قال الحرالي: الرعاية لما هو متداع في نفسه فيكون تماسكه ~~بالرعاية له عما يوهنه أو يبطله - انتهى. ولما لم يكن علوه وعظمته بالقهر ~~والسلطان والإحاطة بالكمال منحصرا فيما تقدم عطف عليه قوله: { وهو } أي ~~مع ذلك كله المتفرد بأنه { العلي } أي الذي لا رتبة إلا وهي منحطة عن ~~رتبته { العظيم * } كما أنبأ عن ذلك افتتاح الآية بالاسم العلم الأعظم ~~الجامع لجميع معاني الأسماء الحسنى علوا وعظمة تتقاصر عنهما الأفهام لما ~~غلب عليها من الأوهام، ونظم الاسمين هكذا دال على أنه أريد بالعظم علو ~~الرتبة وبعد المنال عن إدراك العقول، ms0538 وقد ختمت الآية بما بدئت به غير أن ~~بدأها بالعظمة كما قال الحرالي كان باسم { الله } إلاحة وختمها كان بذلك ~~إفصاحا لما ذكر من أن الإبداء من وراء حجاب والإعادة بغير حجاب، كذلك ~~تنزل القرآن، مبدأ الخطاب إلاحة وخاتمته إفصاح ليتطابق الوحي والكون ~~تطابق قائم ومقام # ألا له الخلق والأمر # [الأعراف: 54] ولما في العلو من الظهور وفي العظمة من الخفاء لموضع ~~الإحاطة لأن العظيم هو ما يستغرق كما يستغرق الجسم العظيم جميع الأقطار # وله المثل الأعلى # [الروم: 27] وذلك حين كان ظاهر العلو هو كبرياؤه الذي شهد به كبير خلقه، ~~قال سبحانه وتعالى فيما أنبأ عنه نبيه صلى الله عليه وسلم # " الكبرياء ردائي " # لأن الرداء هو ما على الظاهر # " والعظمة إزاري " # والإزار ما ستر الباطن والأسفل، فإذا في السماء كبرياؤه وفي الأرض ~~عظمته، وفي العرش علوه وفي الكرسي عظمته، فعظمته أخفى ما يكون حيث ~~التفصيل، وكبرياؤه وعلوه أجلى ما يكون حيث الإبهام والانبهام، فتبين بهذا ~~المعنى علو رتبة هذه الآية بما علت على الإيمان علو الإيمان على الكفران، ~~ولما ألاحته للأفهام من قيوميته تعالى وعلوه وعظمته وإبادة ما سواه في أن ~~ينسب إليهم شيء لأنه سبحانه وتعالى إذا بدا باد ما سواه كان في إلاحة هذه ~~الآية العلية العظيمة تقرير دين الإسلام الذي هو دين الإلقاء كما كان ~~فيما تقدم من إيراد السورة تقرير دين القيمة الذي ما أمروا إلا ليعبدوا ~~به مخلصين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، ولذلك كان ذكر دين ~~الإسلام في سورة الإفصاح بمعاني هذه السورة آل عمران إثر قوله # شهد الله أنه لا إله إلا هو # [آل عمران: 18] - انتهى. وقد علم من هذا التقرير أن كل جملة استؤنفت فهي ~~علة لما قبلها وأن الأخيرة شارحة للازم العلم المحيط وهو القدرة التامة ~~التي أقمت دليل لزومها في طه، فمن ادعى شركة فليحفظ هذا الكون ولو في عام ~~من الأعوام وليعلم بما هو فاعل في ذلك العام ليصح قوله: وأنى له ذلك ~~وأنى! واتضح بما تقرر له سبحانه وتعالى ms0539 من العلو والعظمة أن الكافر به هو ~~الظالم، وأن يوم تجليه للفصل لا تكون فيه شفاعة ولا خلة، وأما البيع فهم ~~عنه في أشغل الشغل، وإن كان المراد به الفداء فقد علم أنه لا سبيل إليه ~~ولا تعريج عليه، وبهذه الأسرار اتضح قول السيد المختار صلى الله عليه ~~وسلم: # " إن هذه الآية سيدة آي القرآن " # وذلك لما اشتملت عليه من أسماء الذات والصفات والأفعال، ونفي النقص ~~وإثبات الكمال، ووفت به من أدلة التوحيد على أتم وجه في أحكم نظام وأبدع ~~أسلوب متمحضة لذلك، فإن فضل الذكر والعلم يتبع المذكور والمعلوم، وقد ~~احتوت على الصفات السبع: الحياة والعلم والقدرة والإرادة والكلام صريحا، ~~فإن الإذن لا يكون إلا بالكلام والإرادة، وعلى السمع والبصر من لازم { له ~~ما في السماوات وما في الأرض } ومن لازم { الحي } لأن المراد الحياة ~~الكاملة؛ وكررت فيها الأسماء الشريفة ظاهرة ومضمرة سبع عشرة مرة بل إحدى ~~وعشرين، ولم يتضمن هذا المجموع آية غيرها في كتاب الله، وهي خمسون كلمة ~~على عدد الصلوات المأمور بها أولا في تلك الحضرة السماء حضرة العرش ~~والكرسي فوق سدرة المنتهى، وبعدد ما استقرت عليه من رتبة الأجر آخرا، ~~فكأنها مراقي لروح قارئها إلى ذلك المحل الأسمى الذي هو آتيه الذي تعرج ~~الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ولعل هذا سر ما ~~ثبت من أنه لا يقرب من يقرؤها عند النوم شيطان، لأن من كان في حضرة ~~الرحمن عال عن وساوس الشيطان - والله سبحانه وتعالى الموفق. # ولما اتضحت الدلائل لكل عالم وجاهل صار الدين إلى حد لا يحتاج فيه منصف ~~لنفسه إلى إكراه فيه فقال: { لا إكراه في الدين } وقال الحرالي: لما نقل ~~سبحانه وتعالى رتبة الخطاب من حد خطاب الأمر والنهي والحدود وما ينبني ~~عليه المقام به دين القيمة الذي أخفى لهم أمر العظمة والجبروت الجابر ~~لأهل الملكوت والملك فيما هم فيه مصرفون إلى علو رتبة دين الله المرضي ~~الذي لا لبس فيه ولا حجاب عليه ولا عوج له، ms0540 وهو اطلاعه سبحانه وتعالى ~~عبده على قيوميته الظاهرة بكل باد وفي كل باد وعلى كل باد وأظهر من كل ~~باد وعظمته الخفية التي لا يشير إليها اسم ولا يجوزها رسم وهي مداد كل ~~مداد بين سبحانه وتعالى وأعلن بوضع الإكراه الخفي موقعه في دين القيمة من ~~حيث ما فيه من حمل الأنفس على كرهها فيما كتب عليها مما هو علم عقابها ~~وآية عذابها، فذهب بالاطلاع على أمر الله في قيوميته وعظمته كره النفس ~~بشهودها جميع ما تجري فيه لها ما عليها. فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ~~بما استشعرته قلوبهم من ماء التوحيد الجاري تحت مختلفات أثمار أعمالهم ~~فعاد حلوه ومره بذلك التوحيد حلوا، كما يقال في الكبريت الأحمر الذي ~~يقلب أعيان الأشياء الدنية إلى حال أرفعها - انتهى. # ثم علل سبحانه وتعالى انتفاء الإكراه عنه بقوله: { قد تبين الرشد } قال ~~الحرالي: وهو حسن التصرف في الأمر والإقامة عليه بحسب ما يثبت ويدوم { من ~~الغي } وهو سوء التصرف في الشيء وإجراؤه على ما تسوء عاقبته - انتهى. أي ~~فصار كل ذي لب يعرف أن الإسلام خير كله وغيره شر كله، لما تبين من ~~الدلائل وصار بحيث يبادر كل من أراد نفع نفسه إليه ويخضع أجبر الجبابرة ~~لديه فكأنه لقوة ظهوره وغلبة نوره قد انتفى عنه الإكراه بحذافيره، لأن ~~الإكراه الحمل على ما لم يظهر فيه وجه المصلحة فلم يبق منه مانع إلا حظ ~~النفس الخبيث في شهواتها البهيمية والشيطانية { فمن } أي فكان ذلك سببا ~~لأنه من { يكفر بالطاغوت } وهو نفسه وما دعت إليه ومالت بطبعها الرديء ~~إليه. وقال الحرالي: وهو ما أفحش في الإخراج عن الحد الموقف عن الهلكة ~~صيغة مبالغة وزيادة انتهاء مما منه الطغيان - انتهى. { ويؤمن بالله } أي ~~الملك الأعلى ميلا مع العقل الذي هو خير كله لما رأى بنوره من الأدلة ~~القاطعة والبراهين الساطعة وداوم على ذلك بما أفادته صيغة المضارع من ~~يكفر ويؤمن { فقد استمسك } على بصيرة منه { بالعروة الوثقى } أي التي لا ~~يقع شك في أنها أوثق الأسباب ms0541 في نجاته بما ألقى بيده واستسلم لربه # ومن يسلم وجهه إلى الله # [الحج: 31]، والعروة ما تشد به العياب ونحوها بتداخلها بعضها في بعض ~~دخولا لا ينفصم بعضه من بعض إلا بفصم طرفه فإذا انفصمت منه عروة انفصم ~~جميعه، والوثقى صيغة فعلى للمبالغة من الثقة بشدة ما شأنه أن يخاف وهنه، ~~ثم بين وثاقتها بقوله: { لا انفصام لها } أي لا مطاوعة في حل ولا صدع ولا ~~ذهاب. قال ابن القطاع: فصمت الشيء صدعته، والعقدة حللتها، والشيء عنه ~~ذهب. وقال الحرالي: من الفصم وهو خروج العرى بعضها من بعض، أي فهذه ~~العروة لا انحلال لها أصلا، وهو تمثيل للمعلوم بالنظر والاحتجاج ~~بالمشاهد المحسوس ليتصوره السامع كأنه ينظر إليه بعينه فيحكم اعتقاده فيه ~~ويجل اغتباطه به، فعلم من هذا أنه لم يبق عائق عن الدخول في هذا الدين ~~إلا القضاء والقدر، فمن سبقت له السعادة قيض الله سبحانه وتعالى له من ~~الأسباب ما يخرجه به من الظلمات إلى النور، ومن غلبت عليه الشقاوة سلط ~~عليه الشياطين فأخرجته من نور الفطرة إلى ظلمات الكفر والحيرة. # ولما كان كل من الإيمان والكفر المتقدمين قولا وفعلا واعتقادا قال ~~مرغبا فيهما ومرهبا من تركهما: { والله } الذي له صفات الكمال { سميع } ~~أي لما يقال مما يدل على الإيمان { عليم * } أي بما يفعل أو يضمر من ~~الكفر والطغيان ومجاز عليه، ولعل في الآية التفاتا إلى ما ذكر أول ~~السورة في الكفار من أنه سواء عليهم الإنذار وتركه وإلى المنافقين وتقبيح ~~ما هم عليه مما هو في غاية المخالفة لما صارت أدلته أوضح من الشمس وهي ~~مشعرة بالإذن في الإعراض عن المنافقين، ولما قرر ذلك وأرشد السياق إلى ~~شيء اقتضت البلاغة طيه إرشادا إلى البعد منه والهرب عنه لبشاعته وسوء ~~مغبته وهو ومن يؤمن بالطاغوت ويكفر بالله فلا يتمسك له والله يهويه إلى ~~الجحيم، كأنه قيل: فمن يخلص النفس من ظلمات الهوى والشهوة ووساوس ~~الشيطان؟ فقال مستأنفا: { الله } أي بما له من العظمة والأسماء الحسنى { ~~ولي الذين آمنوا } أي يتولى ms0542 مصالحهم، ولذلك بين ولايته بقوله: { يخرجهم ~~من الظلمات } أي المعنوية جمع ظلمة وهو ما يطمس الباديات حسا أو معنى، ~~وجمعها لأن طرق الضلال كثيرة فإن الكفر أنواع { إلى النور } أي المعنوي ~~وهو ما يظهر الباديات حسا أو معنى - قاله الحرالي، ووحده لأن الصراط ~~المستقيم واحد # ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله # [الأنعام: 153] ومن المحامل الحسنة أن يشار بالجمع إلى ما ينشأ من الجهل ~~عن المشاعر التي أخبر بالختم عليها، فصار البصر عريا عن الاعتبار، ~~والسمع خاليا عن الفهم والاستبصار، والقلب معرضا عن التدبر والافتكار، ~~وبالوحدة في النور إلى صلاح القلب فإنه كفيل بجلب كل سار ودفع كل ضار، ~~والنور الذي هو العقل والفطرة الأولى ذو جهة واحدة وهي القوم، والظلمة ~~الناشئة عن النفس ذات جهات هي في غاية الاختلاف. # ولما ذكر عباده الخلص ذكر عباد الشهوات فقال: { والذين كفروا } أي ~~ستروا ما دلت عليه أدلة العقول أولا والنقول ثانيا بشهوات النفوس { ~~أولياؤهم الطاغوت } من شهواتهم وما أدت إليه من اتباع كل ما أطغى من ~~الشياطين والعكوف على الأصنام وغير ذلك، ثم بين استيلاءهم عليهم بقوله: { ~~يخرجونهم } وإسناده إلى ضمير الجمع يؤيد أن جمع الظلمات لكثرة أنواع ~~الكفر { من النور } أي الفطرى { إلى الظلمات } قال الحرالي: وفيه بيان ~~استواء جميع الخلق في حقيقة النور الأول إلى الروح المجندة إلى الفطرة ~~المستوية # " كل مولود يولد على الفطرة " # انتهى. # ولما ذكر استيلاء الشهوات عليهم الداعي إليها الطيش والخفة الناشىء عن ~~عنصر النار التي هي شعبة من الشيطان بين أن أجزاءهم من جنس مرتكبهم فقال: ~~{ أولئك } أي الحالون في محل البعد والبغض { أصحاب النار } قال الحرالي: ~~الذين اتبعوها من حيث لم يشعروا من حيث إن الصاحب من اتبع مصحوبه - ~~انتهى. ولما علم من ذكر الصحبة دوامهم فيها صرح به تأكيدا بقوله مبينا ~~اختصاصهم بها: { هم } أي خاصة { فيها خالدون * } إلى ما لا آخر له. قال ~~الحرالي: وجعل الخلود وصفا لهم إشعارا بأنهم فيها وهم في دنياهم - ~~انتهى. # ولما ذكر ما له سبحانه وتعالى ms0543 من الإحاطة والعظمة وأتبعه أمر الإيمان ~~وتوليه حزبه وأمر الكفران وخذلانه أهله أخذ يدل على ذلك بقصة المحاج ~~للخليل والمار على القرية مذكرا بقصة الذين قال لهم موتوا ثم أحياهم في ~~سياق التعجيب من تلك الجرأة - قال الحرالي: ولما كان ما أظهره الحق في ~~آية عظمته وما اتصل بها في خاصة عباده اختص هذا الخطاب بالنبي صلى الله ~~عليه وسلم لعلو مفهوم مغزاه عمن دونه، انتهى - فقال تعالى: { ألم تر } أي ~~تعلم بما نخبرك به علما هو عندك كالمشاهدة لما لك من كمال البصيرة وبما ~~أودعناه فيك من المعاني المنيرة. ولما كان هذا المحاج بعيدا من الصواب ~~كثيف الحجاب أشار إلى بعده بحرف الغاية فقال: { إلى الذي حآج إبراهيم } ~~أي الذي هو أبو العرب وهم أحق الناس بالاقتداء به { في ربه } الضمير يصح ~~أن يعود على كل منهما أي فيما يختص به خالقه المربي له المحسن إليه بعد ~~وضوح هذه الأدلة وقيام هذه البراهين إشارة إلى أنه سبحانه أوضح على لسان ~~كل نبي أمره وبين عظمته وقدره مع أنه ركز ذلك في جميع الفطر وقادها إلى ~~بحور جلاله بأدنى نظر فكأن نمرود المحاج للخليل ممن أخرجته الشياطين من ~~النور إلى الظلمات، ولما كان ذلك أمرا باهرا معجبا بين أن علته الكبر ~~الذي أشقى إبليس فقال: { أن } أي لأجل أن { آتاه الله } أي الملك الأعلى ~~بفيض فضله { الملك } الفاني في الدنيا الدنيئة، فجعل موضع ما يجب عليه من ~~شكر من ملكه ذلك محاجته فيه وكبره رغم عليه، وعرفه إشارة إلى كماله ~~بالنسبة إلى الآدميين بالحكم على جميع الأرض. # قال الحرالي: وفي إشعاره أن الملك فتنة وبلاء على من أوتيه - انتهى. ~~فتكبر بما خوله الله فيه على عباد الله وهم يطيعونه لما مكن الله له من ~~الأسباب إلى أن رسخت قدمه في الكبر المختص بالملك الأعظم مالك الملك ~~ومبيد الملوك فظن جهلا أنه أهل له. # ولما أخبر سبحانه وتعالى بمحاجته بين ما هي تقريرا لآية # فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم # [البقرة: ms0544 243] دلالة على البعث ليوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة فقال: ~~{ إذ } أي حاجه حين { قال إبراهيم ربي } أي الذي أحسن إلي بخلقي وإدامة ~~الهداية لي { الذي يحيي ويميت } أي وحده، وهذه العبارة تدل على تقدم كلام ~~في هذا وادعاء أحد لمشاركة في هذه الصفة. # ولما كان كأنه قيل: هذا أمر ظاهر مجمع عليه فما ذا الذي يحاج المحاج ~~فيه؟ أجيب بقوله: { قال } أي ذلك المحاج بجرأة وعدم تأمل لما ألفه من ذل ~~الناس له وطواعيتهم لجبروته { أنا } أي أيضا { أحيي وأميت } بأن أمن ~~على من استحق القتل وأقتل من لا يستحق القتل. # فلما رأى إبراهيم عليه الصلاة والسلام أنه قد اجترأ على عظيم وأن محاجته ~~في نفس الإحياء ربما خفيت أو طالت رأى أن يعجل إبهاته مع بيان حقارته بما ~~هو أجلى من ذلك، وفيه أنه دون ما ادعاه بمراتب لأن الإحياء إفاضة الروح ~~على صورة بعد إيجادها من العدم بأن { قال إبراهيم } وقال الحرالي: ولما ~~كان من حسن الاحتجاج ترك المراء بمتابعة الحجة الملبسة كما قال تعالى # فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا # [الكهف: 53] نقل المحاج من الحجة الواقعة في الأنفس إلى الحجة الواقعة ~~في الآفاق بأعظم كواكبها الشمس # سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم # [فصلت: 53] ففي ظاهر الاحتجاج انتقال وفي طيه تقرير الأول لأن الروح شمس ~~البدن فكأنه ضرب مثل من حيث إن الإحياء إنما هو أن يؤتى بشمس الروح من ~~حيث غربت فكان في ظاهر واستقبال حجة قاطعة باطنه تتميم للحجة الأولى قال ~~تعالى: { فإن } بالفاء الرابطة بين الكلامين إشعارا لتتمة الحجة الأولى ~~بالحجة الثانية - انتهى. أي تسبب عن دعواك هذه أو أقول لك: إن { الله } ~~بما له من العظمة والجلال باستجماع صفات الكمال { يأتي بالشمس } أي وهو ~~الذي أوجدها { من المشرق } أي في كل يوم من قبل أن توجد أنت بدهور { فأت ~~بها } أنت { من المغرب } ولو يوما واحدا. # قال الحرالي: إظهارا لمرجع العالم بكليته إلى واحد، وأن قيوم الإنسان ~~في الإحياء والإماتة هو ms0545 قيوم الآفاق في طلوع الشمس وغروبها، وفي لحنه ~~إشعار بأن الله سبحانه وتعالى لا بد وأن يأتي بالشمس من المغرب ليكون في ~~ذلك إظهار تصريفه لها حيث شاء حتى يطلعها من حيث غربت كما يطلع الروح من ~~حيث قبضت ليكون طلوع الشمس من مغربها آية مقاربة قيام الساعة وطلوع ~~الأرواح من أبدانها - انتهى. { فبهت } قال الحرالي: من البهت وهو بقاء ~~الشيء على حاله وصورته لا يتغير عنها لأمر يبهره وقعه أي فتسبب عن ذلك ~~أنه بهت { الذي كفر } أي حصل له الكفر بتلك الدعوى التي لزمه بها إنكاره ~~لاختصاصه سبحانه وتعالى بالقدرة على ذلك وادعاؤه لنفسه الشركة، فبين له ~~الخليل عليه الصلاة والسلام بهذا المثال أنه عاجز عن تحويل صورة صورها ~~الله سبحانه وتعالى ووضعها في جهة إلى غير تلك الجهة فكيف له بأن يوجد ~~صورة من العدم فكيف ثم كيف بإفاضة الروح عليها فكيف بالروح الحساسة فكيف ~~بالروح الناطقة! وسيأتي لهذا الشأن في سورة الشعراء مزيد بيان، فيالله ما ~~أعلى مقامات الأنبياء! وما أصفى بصائرهم! وما أسمى درجاتهم وأزكى ~~عناصرهم! عليهم أجمعين مني أعظم الصلاة والسلام وأعلى التحية والإكرام. ~~وقال الحرالي: فعرفه أي في قوله: { كفر } بوصفه من حيث دخل عليه البهت ~~منه - انتهى. أي لأنه ستر ما يعلمه من عجز نفسه وقدرة خالقه، فكشف سبحانه ~~وتعالى بلسان خليله صلى الله عليه وسلم الستر الذي أرخاه كشفا واضحا ~~وهتكه بعظيم البيان هتكا فاضحا. # ولما كان التقدير: لأنه ظلم في ادعائه ذلك وفي الوجه الذي ادعى ذلك بسبه ~~من قتل البريء وترك المجترىء، قال سبحانه وتعالى: { والله } أي الذي لا ~~أمر لأحد معه { لا يهدي القوم } أي الذين أعطاهم قوة المقاومة للأمور { ~~الظالمين * } عامة لوضعهم الأشياء بإرادته وتقديره في غير مواضعها، لأنه ~~أظلم قلوبهم فجعلها أحلك من الليل الحالك فلم يبق لهم ذلك وجها ثابتا ~~يستمسكون به، فأين منهم الهداية وقد صاروا بمراحل عن مواطن أهل العناية! ~~وقصر فعل الهداية لإفادة العموم، قال الإمام: فاختصر اللفظ إفادة لزيادة ~~المعنى وهو ms0546 من اللطائف القرآنية. ### || [2.259-260] # ولما كان الإحياء والإماتة من أظهر آيات الربانية وأخصها بها أظهر ~~سبحانه وتعالى الغيرة عليها تارة بإبهات المدعي للمشاركة، وتارة بإشهاد ~~المستبعد في نفسه وغيره بفعل ربه، وتارة بإشهاد المسترشد في غيره بنفسه ~~معبرا في كل منها بما اقتضاه حاله وأشعر به سؤاله، فعبر في الكافر بإلى ~~إشارة إلى أنه في محل البعد عن المخاطب صلى الله عليه وسلم، وفي المتعجب ~~بإسقاطها إسقاطا لذلك البعد، وفي المسترشد المستطلع بإذ كما هي العادة ~~المستمرة في أهل الصفاء والمحبة والوفاء فأتبع التعجيب من حال المحاجج ~~التعجيب أيضا من حال من استعظم إحياءه تعالى لتلك القرية. ولما كان معنى ~~{ ألم تر } هل رأيت لأن هل كما ذكر الرضي وغيره تختص مع كونها للاستفهام ~~بأن تفيد فائدة النافي حتى جاز أن يجيء بعدها { إلا } قصدا للايجاب ~~كقوله سبحانه تعالى # هل جزاء الإحسان إلا الإحسان # [الرحمن: 60] وقوله سبحانه وتعالى # هل هذا إلا بشر مثلكم # [الأنبياء: 3] كان كأنه قيل: هل رأيت الذي حاج إبراهيم { أو } هل رأيت { ~~كالذي } ويجوز أن يكون التقدير لأن أخبار الأولين إنما هي مواعظ لنا: ~~أقومك كهذا المحاج لأعظم إبائهم فهم يقولون: إن الإحياء ليس على حقيقته ~~بالبعث بعد الموت، أو هم كالذي { مر } قال الحرالي: من المرور وهو جعل ~~الشيء على مسلك إلى غيره مع التفات إليه في سبيله { على قرية } وهي التي ~~خرج منها الألوف أو بيت المقدس { وهي خاوية } أي متهدمة ساقطة جدرانها { ~~على عروشها } أي سقوفها، أو خالية على بقاء سقوفها. قال الحرالي: من ~~الخوا وهو خلو الشيء عما شأنه أن يعينه حسا أو معنى، والعروش جمع عرش ~~من نحو معنى العريش وهو ما أقيم من البناء على حالة عجالة يدفع سورة الحر ~~والبرد ولا يدفع جملتها كالكن المشيد، فكان المشيد في الحقيقة عريشا ~~لوهاء الدنيا بجملتها في عين الاستبصار - انتهى. # ولما كان كأنه قيل: ما الذي في حاله ذلك مما يعجب منه؟ قيل: { قال أنى ~~يحيي هذه } أي القرية { الله } أي الذي له ms0547 الأمر كله { بعد موتها } أي ~~بما صارت إليه من الخراب وذهاب الأهل فيعيدها إلى ما كانت عليه عامرة ~~آهلة. قال الحرالي: وفي لفظة " أنى " لشمول معناها لمعنى كيف وحيث ومتى ~~استبعاده الإحياء في الكيف والمكان والزمان، ومنشأ هذا الاستبعاد إنما ~~يطوق النفس من طلبها لمعرفة تكييف ما لا يصل إليه علمها - انتهى. # ولما كان هذا المستبعد قاصرا عن رتبة الخليل عليه الصلاة والسلام في ~~التهيؤ للطمأنينة بل كان إيقانه على الكيفية متوقفا في الحكمة على تركه ~~في عالم الغيب المدة التي ضربت لبقائه ميتا ليكون ذلك كالتخمير في الطين ~~لتتهيأ نفسه لعلم ذلك والإيقان به قال: { فأماته } أي فتسبب عن ذلك أن ~~أماته { الله } أي الذي لا كفوء له فمهما أراد كان لإيقانه على علم ذلك ~~عناية من الله به { مائة } ولما كان المراد أن مدة موته كانت طويلة ليكون ~~قد بلي فيها فتكون إعادته أمكن في القدرة على ما تستبعده العرب وأن ذلك ~~الزمان كان حسنا طيبا لقبوله الإحياء والعمارة عبر عنه بما يدل على ~~السعة فقال: { عام } حتى بلي حماره وحفظ طعامه وشرابه من التغير ليتحقق ~~كمال القدرة بحفظ ما شأنه التغير وتغير ما شأنه البقاء وإعادة ما فني. # قال الحرالي: وخص المائة لكمالها في العد المثلث من الآحاد والعشرات ~~وعشرها وتر الشفع لأن ما تم في الثالث كان ما زاد عليه تكرارا يجزىء عنه ~~الثلاث { ثم بعثه } في بيانه إشعار بأن بدنه لم يتغير ولا فني فناء حماره ~~حيث لم يكن ثم نشره والله سبحانه وتعالى أعلم كما قال # ثم إذا شاء أنشره # [عبس: 22] - انتهى. # ولما أحاط العلم بأن هذا العمل لأجل إيقانه على القدرة تشوفت النفس إلى ~~ما حصل له بعد البعث فأجيبت بقوله تنبيها له ولكل سامع على ما في قصته ~~من الخوارق: { قال } أي له الله سبحانه وتعالى أو من شاء ممن خطابه ناشىء ~~عنه { كم لبثت } أي في رقدتك هذه { قال } لنظره إلى سلامة طعامه وشرابه { ~~لبثت يوما } ثم تغير ظنه بحسب الشمس ms0548 أو غيرها فقال: { أو بعض يوم } ~~وكأنه استعجل بهذا الجواب - كما هي عادة الإنسان - قبل النظر إلى حماره { ~~قال } أي الذي خاطبه مضربا عن جوابه بيانا لأنه غلط ظاهر { بل لبثت ~~مائة عام } معبرا عن الحول بلفظ يدور على معنى السعة والامتداد والطول ~~ودله على ذلك وعلى كمال القدرة بقوله: { فانظر إلى طعامك وشرابك } أي ~~الذي كان معك لما رقدت وهو أسرع الأشياء فسادا تين وعصير { لم يتسنه } ~~من السنة أي يتغير بمر السنين على طول مرورها وقوة تقلباتها وتأثيرها، ~~ومعنى القراءة بهاء السكت أن الخبر بذلك أمر جازم مقنع لا مرية فيه ولا ~~تردد أصلا { وانظر إلى } { حمارك } باليا رميما، فجمع الله له سبحانه ~~وتعالى بين آيتي الرطب في حفظه واليابس في نقضه. # ولما كان التقدير: فعلنا ذلك لنجعله آية لك على كمال القدرة أو لتعلم ~~أنت قدرتنا، عطف عليه قوله: { ولنجعلك } أي في مجموع خبرك { آية للناس } ~~أي كافة فكان أمره إبقاء وتثبيتا آية في موجود الدنيا على ما سيكون في ~~أمر الآخرة قيام ساعة وبعثا ونشورا - قاله الحرالي. # ولما أمره بالنظر إلى ما جعله له آية على لبثه ذلك الزمن الطويل أمره ~~بالنظر إلى ما جعله له آية على اقتداره على الإحياء كيف ما أراد فقال: { ~~وانظر إلى العظام } أي من حمارك وهي جمع عظم وهو عماد البدن الذي عليه ~~مقوم صورته { كيف ننشزها } قال الحرالي: بالراء من النشر وهو عود الفاني ~~إلى صورته الأولى وبالضم جعل وتصيير إليه، وبالزاي من النشز وهو إظهار ~~الشيء وإعلاؤه، من نشز الأرض وهو ما ارتفع منها وظهر - انتهى. # وضم بعضها إلى بعض على ما كانت عليه ينظم ذلك كله { ثم نكسوها لحما } ~~قال الحرالي: جعل حياته بعثا وحياة حماره نشورا وأراه النشر، واللحم ~~الذي لحم بين العظام حتى صارت صورة واحدة ليتبين أمر الساعة عيانا فيكون ~~حجة على الكافر والمستبعد { فلما تبين له } أي هذا الأمر الخارق الباهر ~~الدال على ما وصف سبحانه وتعالى به نفسه المقدسة في آية الكرسي. ms0549 قال ~~الحرالي: وفي صيغة تفعل إشعار بتردده في النظر بين الآيتين حتى استقر ~~عنده أمر ما أعلم به واضمحل عنده ما قدره { قال أعلم } بصيغة الفعل بناء ~~على نفسه وبصيغة الأمر إفادة لغيره ما علم لتدل القراءتان على أنه علم ~~وعلم لأن العلم إنما يتم حين يصل إلى غير العالم فيجمع فضل العلم ~~والتعليم - انتهى. ويجوز أن يدل التعبير بالمضارع في أعلم على أنه لم يزل ~~متصفا بهذا العلم من غير نظر إلى حال ولا استقبال ويكون ذلك اعتذارا عن ~~تعبيره في التعجيب بما دل على الاستبعاد بأنه إنما قاله استبعادا لتعليق ~~القدرة بذلك لا للقدرة عليه { أن الله } أي لما أعلم من عظمته { على كل ~~شيء } أي من هذا وغيره { قدير * } قال الحرالي: في إشعاره إلزام البصائر ~~شهود قدرة الله سبحانه وتعالى في تعينها في الأسباب الحكمية التي تتقيد ~~بها الأبصار إلحاقا لما دون آية الإحياء والإماتة بأمرها ليستوي في ~~العلم أن محييك هو مصرفك، فكما أن حياتك بقدرته فكذلك عملك بقدرته فلاءم ~~تفصيل افراد القدرة لله بما تقدم من إبداء الحفظ بالله والعظمة لله، ~~فكأنها جوامع وتفاصيل كلها تقتضي إحاطة أمر الله سبحانه وتعالى بكلية ما ~~أجمل وبدقائق تفاصيل ما فصل - انتهى. وفي الآية بيان لوجه مغالطة الكافر ~~لمن استخفه من قومه في المحاجة مع الخليل صلوات الله وسلامه عليه بأن ~~الإحياء الذي يستحق به الملك الألوهية هو هذا الإحياء الحقيقي لا التخلية ~~عمن استحق القتل. # ولما كان الإيمان بالبعث بل الإيقان من المقاصد العظمى في هذه السورة ~~وانتهى إلى هذا السياق الذي هو لتثبيت دعائم القدرة على الإحياء مع تباين ~~المناهج واختلاف الطرق فبين أولا بالرد على الكافر ما يوجب الإيمان ~~وبإشهاد المتعجب ما ختم الإيقان علا عن ذلك البيان في قصة الخليل صلوات ~~الله وسلامه عليه إلى ما يثبت الطمأنينة، وقد قرر سبحانه وتعالى أمر ~~البعث في هذه السورة بعد ما أشارت إليه الفاتحة بيوم الدين أحسن تقرير، ~~فبث نجومه فيها خلال سماوات آياتها وفرق رسومه ms0550 في أرجائها بين دلائلها ~~وبيناتها فعل الحكيم الذي يلقي ما يريد بالتدريج غير عجل ولا مقصر، فكرر ~~سبحانه وتعالى ذكره بالآخرة تارة والإحياء أخرى تارة في الدنيا وتارة في ~~الآخرة في مثل قوله # وبالآخرة هم يوقنون # [البقرة: 4] # كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم # [البقرة: 28] # ثم بعثناكم من بعد موتكم # [البقرة: 56] # كذلك يحيي الله الموتى # [البقرة: 73] # فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم # [البقرة: 243] وما كان من أمثاله ونظائره وأشكاله في تلك الأساليب ~~المرادة غالبا بالذات لغيره فاستأنست أنفس المنكرين له به، فصار لها ~~استعداد لسماع الاستدلال عليه حتى ساق لهم أمر خليله عليه الصلاة والسلام ~~والتحية والإكرام، فكان كأنه قيل: يا منكري البعث ومظهري العجب منه ~~ومقلدي الآباء في أمره بالأخبار التي أكثرها كاذب! اسمعوا قصة أبيكم ~~إبراهيم صلى الله عليه وسلم التي لقاكم بها الاستدلال على البعث وجمع ~~المتفرق وإعادة الروح باخبار من لا يتهم بشهادة القرآن الذي أعجزكم عن ~~الإتيان بمثل شيء منه فشهادته شهادة الله لتصيروا من ذلك على علم اليقين ~~بل عين اليقين فقال تعالى: { وإذ } عطفا على نحو اذكروا ما تلي عليكم من ~~أمر البعث واذكروا قصة أبيكم إبراهيم فيما يدل عليه إذ. وقال الحرالي: ~~ولما كان أمر منزل القرآن إقامة الدين بمكتوبه وحدوده فأنهاه تعالى منتهى ~~منه ثم نظم به ما نظم من علنه في آية الكرسي ورتب على ذلك دين الإسلام ~~الذي هو إلقاء كإلقاء اليد عند الموت انتظم به أمر المعاد الذي لا مدخل ~~للعباد في أمره فرتب سبحانه وتعالى ذكر المعاد في ثلاثة أحوال: حال ~~الجاحد الذي انتهت غايته إلى بهت، ثم حال المستبعد الذي انتهت غايته إلى ~~علم وإيمان، وأنهى الخطاب إلى حال المؤمن الذي انتهى حاله إلى يقين ~~وطمأنينة ورؤية ملكوت في ملكوت الأرض - انتهى، فقال سبحانه وتعالى: واذ { ~~قال إبراهيم } ولقد استولى الترتيب والتعبير في هذه الآيات الثلاث على ~~الأمد الأقصى من الحسن، فإنها بدئت بمن أراد أن يخفي ما أوضحته البراهين ~~من أمر الإله في الإحياء بأن ادعى ms0551 لنفسه المشاركة بإحياء مجازي تلبيسا ~~بلفظ إلى الدال على بعده ولعنه وطرده، ثم بمن استبعد إحياء القرية فأراه ~~الله سبحانه وتعالى كيفية الإحياء الحقيقي آية له وتتميما للرد على ذلك ~~مع الإقبال عليه بالمخاطبة ولذة الملاطفة ثم بمن سأل إكرام الله تعالى له ~~بأن يريه كيف يحيي فيثبت ثم أثبتت ثم أكدت، ومناسبة الثلاث بكونها في ~~إحياء الأشباح بالأرواح لما قبلها وهو في إحياء الأرواح بأسرار الصلاح ~~أجل مناسبة، فالمراد التحذير عن حال الأول والندب إلى الارتقاء عن درجة ~~الثاني إلى مقام الثالث الذي حقيقته الصدق في الإيمان لرجاء الحيازة مما ~~أكرم به، ولذلك عبر في قصته بقوله واذ ولم يسقها مساق التعجيب كالأول { ~~رب } أي أيها المحسن إلي { أرني كيف تحيي الموتى } قال الحرالي: طلب ما ~~هو أهله بما قال تعالى # وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض # [الأنعام: 75] فمن ملكوت الأرض الإحياء، فقرره سبحانه وتعالى على تحقيق ~~ابتداء حاله من تقرر الإيمان فقال مستأنفا: { قال } ولما كان التقدير: ~~ألم تعلم أني قادر على الإحياء لأني قادر على كل شيء عطف عليه قوله: { أو ~~لم تؤمن } فإن الإيمان يجمع ذلك كله { قال بلى } فتحقق أن طلبه كيفية ~~الإحياء ليس عن بقية تثبت في الإيمان، فكان في إشعاره أن أكثر طالبي ~~الكيف في الأمور إنما يطلبونه عن وهن في إيمانهم، ومن طلب لتثبت الإيمان ~~مع أن فيما دون الكيف من الآيات كفايته لم ينتفع بالآية في إيمانه، لأن ~~كفايتها فيما دونه ولم يعل لليقين لنقص إيمانه عن تمام حده، فإذا تم ~~الإيمان بحكم آياته التي في موجود حكمة الله في الدنيا بيناته ترتب عليه ~~برؤية ملكوت شهود الدنيا رتبة اليقين، كما وجد تجربته أهل الكشف من ~~الصادقين في أمر الله حيث أورث لهم اليقين، ومتى شاركهم في أمر من رؤية ~~الكشف أو الكرامات ضعيف الإيمان طلب فيه تأويلا، وربما كان عليه فتنة ~~تنقصه مما كان عنده من حظ من إيمانه حتى ربما داخله نفاق لا ينفك منه إلا ~~أن يستنقذه الله، ms0552 فلذلك أبدى تعالى خطاب تقريره لخليله صلى الله عليه ~~وسلم على تحقيق الإيمان ليصح الترقي منه إلى رتبة الإيقان، وهو مثل نحو ~~ما تقدم في مطلق قوله سبحانه وتعالى # الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور # [البقرة: 257] وذكر عن الخليل عليه الصلاة والسلام أنه نظر إلى بدن دابة ~~توزعها دواب البحر ودواب البر وطير الهواء، فتعجب منها وقال: يا رب! قد ~~علمت لتجمعنها فأرني كيف تحييها لأعاين ذلك، فإنما ينبني يقين العيان على ~~تحقيق الإيمان { ولكن } أريد المعاينة { ليطمئن } من الطمأنينة وهي الهدو ~~والسكون على سواء الخلقة واعتدال الخلق { قلبي } من فطر على نيل شيء جبل ~~على الشوق له، فلما كان إبراهيم عليه الصلاة والسلام متهيئا لقبول ~~الطمأنينة قذف في قلبه طلبها، فأجابه الله بما قد هيأه له، فضرب سبحانه ~~وتعالى له مثلا أراه إياه، جعله جري العيان جلي الإيقان، وذلك أن الله ~~تعالى سبحانه هو الأحد الذي لا يعد ولا يحد وكان من تنزل تجليه لعباده ~~أنه الإله الواحد، والواحد بريء من العد، فكان أول ظهور الخلق هو أول ~~ظهور العد، فأول العد الاثنان # ومن كل شيء خلقنا زوجين # [الذاريات: 49] فالاثنان عد هو خلق كل واحد منهما واحد، فجعل تعالى ~~اثنين كل واحد منهما اثنان لتكون الاثنينية فيه كلا وجزءا فيكون زوجا ~~من زوج، فكان ذلك العد هو الأربع، فجعله الله سبحانه وتعالى أصلا ~~لمخلوقاته فكانت جملتها وتره، فجعل الأقوات من أربع # وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام # [فصلت: 10] وجعل الأركان التي خلق منها صور المخلوقات أربعا، وجعل ~~الأقطار أربعا، وجعل الأعمار أربعا، وقال عليه الصلاة والسلام: # " خير الرفقاء أربعة، وخير البعوث أربعون، وخير السرايا أربعمائة وخير ~~الجيوش أربعة آلاف " # والمربعات في أصول الخلق كثيرة تتبعها العلماء واطلع عليها الحكماء # هو الذي بعث في الأميين رسولا # [الجمعة: 2] ولما كان خلق آدم وسائر المخلوقات من مداد الأركان التي هي ~~الماء والتراب والهواء والنار فأظهر منها الصور # وصوركم فأحسن صوركم # [غافر: 64] ثم أظهر سبحانه وتعالى قهره بإماتته وإفناء صوره، ms0553 # " كل ابن آدم يأكله التراب إلا عجب الذنب، منه خلق وفيه يركب " # فكان بددها في أربعة أقطار شرقا وغربا وشمالا وجنوبا، أرى خليله ~~عليه الصلاة والسلام كيف يدعو خلقه من أقطار آفاقه الأربعة بعد بددها ~~واختلاطها والتئام أجزائها على غير حدها، يقال إن عليا رضي الله تعالى ~~عنه ضرب بيده على قدح من فخار فقال: كم فيه من خد أسيل وعين كحيل! # قد علمنا ما تنقص الأرض منهم # [ق: 4] فأرى تعالى خليله عليه الصلاة والسلام مثلا من جملة ذلك { قال ~~فخذ } بالفاء تحقيقا لمقاله وتصديقا فيما تحقق من إيمانه وإبداء ~~لاستحقاقه اليقين والطمأنينة بتقرر إيمانه { أربعة من الطير } هو اسم جمع ~~من معنى ما منه الطيران وهو الخفة من ثقل ما ليس من شأنه أن يعلو في ~~الهواء، جعل تعالى المثل من الطير لأن الأركان المجتمعة في الأبدان طوائر ~~تطير إلى أوكارها ومراكزها التي حددها الله تعالى لها جعلا فيها لا ~~طبعا واجبا منها، فإن الله عز وجل هو الحكيم الذي جعل الحكمة، فمن ~~أشهده الحكمة وأشهده أنه جاعلها فهو حكيمها، ومن أشهده الحكمة الدنياوية ~~ولم يشهده أنه جاعلها فهو جاهلها، فالحكمة شهود الحكمة مجعولة من الله كل ~~ماهية ممهاة، وكل معنوية ممعناة، وكل حقيقة محققة، فالطبع وما فيه جعل من ~~الله، من جهله ألحد ومن تحققه وحد. كذلك المعقول وما فيه إقباس من الله ~~وإراءة من أمر الله، من تقيد به واعتقده لا ينفك نسبة الحد في الطبع ~~واحتاج إلى ملجأ فتن التأويل في غيب الشرع، وكل ما سوى الحق موضوع معطي ~~حظا وحدا ينال ما أعطى ويعجز عما فوقه، للعقول حد تقف عنده لا تتعداه، ~~فلذلك جعلها تعالى طوائر يقهرها قفص الصورة وتمام التسوية، ويظهر تماسكها ~~نفخ الروح انتهى. وقوله سبحانه وتعالى، { فصرهن } أي اضممهن { إليك } أي ~~لتعرف أشكالها فيكون ذلك أثبت في أمرها. قال الحرالي: من الصور وهو ~~استمالة القلوب بالإحسان حتى يشتد إلى المستميل صغوها وميلها، وإشعاره ~~ينبىء والله سبحانه وتعالى أعلم أن إبراهيم عليه الصلاة ms0554 والسلام رباهن ~~وغذاهن حتى عرفنه ليكون ذلك مثلا لما لله سبحانه وتعالى في خلقه من ~~تربيتهم بخلقهم ورزقهم حتى عرفوه بما احتاجوا إليه، فوجدوه معرفة عجز عنه ~~لا معرفة نيل له، فمتى دعاهم من أقطار الآفاق أجابوه إجابة هذه الطوائر ~~لخليله بحظ يسير من تربيته لهن، وإذا كانت هذه الأربع مجيبة للخليل عليه ~~السلام بهذا الحظ اليسير من الصور والصغو فكيف تكون إجابة الجملة للجليل ~~العزيز الحكيم! قال تعالى: { ثم اجعل } عطفا بكلمة المهلة تجاوزا بعد ~~تربيتهن عن ذبحهن ودرسهن وخلطهن حتى صرن لحمة واحدة لا يبين في جملتها ~~شيء من الصور الذاهبة، كما تصير المواليد ترابا عند موتها وتبددها صورة ~~واحدة ترابية ليتطابق المثل والممثول مطابقة تامة إلى ما وراء ذلك من ~~مجاوزة عبرة وروية { على كل جبل } من الجبال القريبة إليك { منهن جزءا } ~~والجزء بعض من كل يشابهه كالقطعة من الذهب ونحوه، فجعل الجبال مثل ~~الأقطار وهي لارتفاعها أمكن في الرؤية وأبعد من الاشتباه # إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون # [يس: 53] # فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة # [النازعات: 13] فما كان بالصيحة والزجرة من الممثول كان بالدعاء في ~~المثل، كما أن ما كان بالخلق والرزق في الممثول كان بالصور في المثل ~~وجعله جزءا حيث كان يشبه بعضه بعضا { ثم ادعهن يأتينك سعيا } والسعي ~~هو العدو والقصد المسرع يكون في الحس، والمعنى في إتيان الطائر طائرا حظ ~~من منته وفي إتيانه سعيا حظ من ذلته، فلذلك جلبهن عليه سعيا بحال ~~المتذلل الطالب للرزق والأمنة من اليد التي عهد منها الرزق والجنبة التي ~~ألف منها الأمن فبدأ المثل مطابقا للمثول وغايته مرأى عين، فصار موقنا ~~مطمئنا وليس ذلك بأعجب من مشي الأحجار تارة والأشجار كرة وأغصانها أخرى ~~إلى خدمة ولده المصطفى صلى الله عليه وسلم، # " وكذا إلحام يد معوذ بن عفراء بعد ما قطعت وجاء يحملها كما ذكر في ~~السير في غزوة بدر، فصارت مثل أختها " # في أشياء من أمثال ذلك، على أنه قد كان له ms0555 من إحياء الموتى ما أذكره في ~~آل عمران، وكان لآحاد أمته من ذلك ما ذكره البيهقي في الدلائل منه عددا ~~كثيرا، وإنما لم يكثر ذلك على يده صلى الله عليه وسلم لأنه مرسل إلى قوم ~~لا يقرون بالبعث، ومحط الإيمان التصديق بالغيب، فلو كثر وقوع ذلك له صلى ~~الله عليه وسلم لكشف الغطاء، وإذا كشف الغطاء عوجل من تخلف عن الإيمان ~~بالعذاب وهو نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم، وأما عيسى عليه الصلاة ~~والسلام فكان في قوم يؤمنون بالآخرة ففعله ذلك لإظهار المعجزة بنوع أعلى ~~مما كانوا يصلون إليه بالطب، على أنه لا فرق في إظهار الخارق بين واحد ~~وأكثر - والله سبحانه وتعالى الموفق. # ولما أراه سبحانه وتعالى ملكوت الأرض صارت تلك الرؤية علما على عزة ~~الله من وراء الملكوت في محل الجبروت فقال: { واعلم أن الله } أي المحيط ~~علما وقدرة { عزيز } ولما كان للعزة صولة لا تقوى لها فطر المخترعين نزل ~~تعالى الخطاب إلى محل حكمته فقال: { حكيم * } فكان فيه إشعار بأنه سبحانه ~~وتعالى جعل الأشياء بعضها من بعض كائنة وبعضها إلى بعض عامدة وبعضها من ~~ذلك البعض معادة # منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى # [طه: 55] وهذه الحكمة التي أشار إليها اسمه الحكيم حكمة ملكوتية جامعة ~~لوصلة ما بين حكمة الدنيا وحكمة الآخرة، لأن الحكيم بالحقيقة ليس من علمه ~~الله حكمة الدنيا وألبس عليه جعله لها بل ذلك جاهلها كما تقدم، إنما ~~الحكيم الذي أشهده الله حكمة الدنيا أرضا وأفلاكا ونجوما وآفاقا ~~وموالد وتوالدا، وأشهده أنه حكيمها، ومزج له علم حكمة موجود الدنيا بعلم ~~حكمة موجود الآخرة، وأراه كيفية توالج الحكمتين بعضها في بعض ومآل بعضها ~~إلى بعض حتى يشهد دوران الأشياء في حكمة أمر الآخرة التي هي غيب الدنيا ~~إلى مشهود حكمة الدنيا ثم إلى مشهود حكمة الآخرة كذلك عودا على بدء ~~وبدءا على عود في ظهور غيب الإبداء إلى مشهوده وفي عود مشهوده إلى غيبه # قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين # [غافر: 11] كذلك إلى المعاد ms0556 الأعظم الإنساني # يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغابن # [التغابن: 9] فهذا هو الحكيم المتوسط الحكمة، ثم وراء ذلك أمر آخر من ~~على أمر الله في متعالي تجلياته بأسماء وأوصاف يتعالى ويتعاظم للمؤمنين ~~ويتبارك ويستعلن للموقنين الموحدين، فله سبحانه وتعالى العزة في خلقه ~~وأمره وله الحكمة في خلقه وأمره ومن ورائها كلمته التي لا ينفد تفصيل ~~حكمها # قل لو كان البحر مدادا # [الكهف: 109] وكلماته لا تحد ولا تعد # ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام # [لقمان: 27]، فهو العزيز الحكيم العلي العظيم - انتهى. وهو أعلى من ~~الجوهر الثمين وقد لاح بهذا أن قصد الخليل عليه أفضل الصلاة والسلام ~~الانتقال من علم اليقين إلى عين اليقين بل إلى حق اليقين، وكأنه عد ~~المرتبة الدنيا من الطمأنينة بالنسبة إلى العليا عدما، وقيل: بل كان ~~قصده بالسؤال رؤية المحيي ولكنه طلبها تلويحا فأجيب بالمنع منها بوصف ~~العزة تلويحا، وموسى عليه الصلاة والسلام لما سأل تصريحا أجيب تصريحا، ~~وسؤال الخليل عليه الصلاة والسلام ليس على وجه الشك، وقول النبي صلى الله ~~عليه وسلم # " نحن أحق بالشك من إبراهيم " # يرشد إلى ذلك، لأنه صلى الله عليه وسلم لم يشك، وإذا انتفى الشك عن ~~الأحق انتفى الشك عن غيره من باب الأولى، ولئن سلمنا فالمراد أنه فعل مثل ~~ما يفعل الشاك إطلاقا لاسم الملزوم على اللازم في الجملة، وأما نفس الشك ~~فقد نفاه القرآن عنه صلى الله عليه وسلم تصريحا بقوله " بلى " وتلويحا ~~بكون هذه الآية عقب آية محاجته لذلك الذي بهت، نقل أن الشيخ أحمد أخا حجة ~~الإسلام الغزالي سئل أيما أعلى المقام الإبراهيمي في سؤال الطمأنينة أو ~~المقام العلوي القائل: لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا؟ فقال: الإبراهيمي ~~لقوله تعالى # وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم # [النمل: 14]. ### || [2.261-268] # ولما انقضى جواب السؤال عن الملك الذي لا تنفع عنده شفاعة بغير إذنه ولا ~~خلة ولا غيرهما وما تبع ذلك إلى أن ختم بقصة الأطيار التي صغت إلى الخليل ~~بالإنفاق عليها والإحسان إليها ثنى الكلام إلى الأمر بالنفقة قبل ms0557 ذلك ~~اليوم الذي لا تنفع فيه الوسائل إلا بالوجه الذي شرعه بعد قوله: # من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له # [الحديد: 11] نظرا إلى أول السورة تذكيرا بوصف المتقين حثا عليه، ~~فضرب لذلك مثلا صريحة لمضاعفتها فاندرج فيه مطلق الأمر بها اندراج ~~المطلق في المقيد وتلويحه الذي هو من جملة المشار إليه بحكيم للاحياء، ~~فصرح بأن النفقة المأمور بها من ذخائر ذلك اليوم الذي لا ينفع فيه إلا ما ~~شرعه وهو من جليل العزة، وساقه على وجه يتضمن إحياء الموات الذي هو أنسب ~~الأشياء لما قبله من نشر الأموات، فهو إيماء إلى الاستدلال على البعث ~~بأمر محسوس، وذلك من دقيق الحكمة، فكأنه سبحانه وتعالى يقول: إن خليلي ~~عليه الصلاة والسلام لما كان من الراسخين في رتبة الإيمان أهلته لامتطاء ~~درجة أعلى من درجة الإيقان بخرق العادة في رفع الأستار على يده عن إحياء ~~الأطيار وأقمت نمطا من ذلك لعامة الخلق مطويا في إحياء النبات على وجه ~~معتاد فمن اعتبر به أبصر ومن عمي عنه انعكس حاله وأدبر فقال سبحانه ~~وتعالى: { مثل } فكان كأنه قيل: # من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا # [الحديد: 11] # يا أيها الذين آمنوا أنفقوا # [البقرة: 254] فإنه مثل { الذين ينفقون } أي يبذلون { أموالهم } بطيب ~~نفس { في سبيل الله } أي الذي له الكمال كله كمثل زارع مثل ما ينفقون { ~~كمثل حبة } مما زرعه. قال الحرالي: من الحب وهو تمام النبات المنتهي إلى ~~صلاحية كونه طعاما للآدمي الذي هو أتم الخلق، فالحب أكمل من الثمرة ~~طعامية والثمرة إدامية { أنبتت } أي بما جعل الله سبحانه وتعالى لها من ~~قوة الإنبات بطيب أرضها واعتدال ريها { سبع سنابل } بأن تشعب منها سبع ~~شعب في كل شعبة سنبلة وهو من السنبل. قال الحرالي: وهو مجتمع الحب في ~~أكمامه، كأنه آية استحقاق اجتماع أهل ذلك الرزق في تعاونهم في أمرهم، ~~وتعريف بأن الحب يجمعه لا بوحدته { في كل سنبلة مائة حبة } فصارت الحبة ~~سبعمائة حبة بمضاعفة الله لها. قال الحرالي: فضرب المثل للإنفاق في ms0558 سبيل ~~الله وذكر السبع لما فيه من التمام بالحرث الذي هو كيميا عباده يشهدون من ~~تثميره حيث تصير الحبة أصلا ويثمر الأصل سنابل ويكون في كل سنبلة أعداد ~~من الحب، فكان ما ذكر تعالى هو أول الإنفاق في سبيل الله وذكر السبع لما ~~فيه من التمام وما يقبله من التكثير، فإن ما أنبت أكثر من سبع إذا قصد ~~بالتكثير أنبأ عنه بالسبع، لأن العرب تكثر به ما هو أقل منه أو أكثر، ~~فجعل أدنى النفقة في سبيل الله سبعمائة ضعف، ثم فتح تعالى باب التضعيف ~~إلى ما لا يصل إليه عد - انتهى. # فالآية من الاحتباك وتقديرها: مثل الذين ينفقون ونفقتهم كمثل حبة ~~وزارعها، فذكر المنفق أولا دليل على حذف الزارع ثانيا، وذكر الحبة ~~ثانيا دليل على حذف النفقة أولا. # ولما كان التقدير: فكما ضاعف سبحانه وتعالى للزارع حبته فهو يضاعف ~~للمنفق نفقته، عطف عليه قوله: { والله يضاعف لمن يشاء } بما له من السعة ~~في القدرة وكل صفة حسنى { والله } أي بما له من الكمال في كل صفة { واسع ~~} لا يحد في صفة من صفاته التي تنشأ عنها أفعاله { عليم * } فهو يضاعف ~~لأهل النفقة على قدر ما علمه من نياتهم؛ ولما ختم أول آيات هذه الأمثال ~~بهاتين الصفتين ختم آخرها بذلك إشارة إلى أن سعته قد أحاطت بجميع ~~الكائنات فهو جدير بالإثابة في الدارين، وأن علمه قد شمل كل معلوم فلا ~~يخشى أن يترك عملا. # ولما كان الإنسان قد يزرع ما يكون لغيره بين أن هذا لهم بشرط فقال: - ~~وقال الحرالي: ولما كان للخلافة وخصوصا بالإنفاق موقع من النفس بوجوه ~~مما ينقص التضعيف أو يبطله كالذي يطرأ على الحرث الذي ضرب به المثل مما ~~ينقص نباته أو يستأصله نبه تعالى على ما يبطل؛ انتهى. فقال سبحانه ~~وتعالى: { الذين ينفقون } ورغبهم في إصلاحها ورهبهم من إفسادها بإضافتها ~~إليهم فقال: { أموالهم } وحث على الإخلاص في قوله: { في سبيل الله } أي ~~الذي له الأسماء الحسنى. # ولما كانت النفس مطبوعة على ذكر فضلها وكان من ms0559 المستبعد جدا تركها له ~~نبه عليه بأداة البعد إعلاما بعظيم فضله فقال: { ثم لا يتبعون ما أنفقوا ~~} بما يجاهدون به أنفسهم { منا } قال الحرالي: وهو ذكره لمن أنفق عليه ~~فيكون قطعا لوصله بالإغضاء عنه لأن أصل معنى المن القطع { ولا أذى } ~~وهو ذكره لغيره فيؤذيه بذلك لما يتعالى عليه بإنفاقه - انتهى. وكذا أن ~~يقول لمن شاركه في فعل خير: لو لم أحضر ما تم، وتكرير { لا } تنبيه على ~~أن انتفاء كل منهما شرط لحصول الأجر { لهم } ولم يقرنه بالفاء إعلاما ~~بأنه ابتداء عطاء من الله تفخيما لمقداره وتعظيما لشأنه حيث لم يجعله ~~مسببا عن إنفاقهم { أجرهم } أي الذي ذكره في التضعيف فأشعر ذلك أنه إن ~~اقترن بما نهي عنه لم يكن لهم، ثم زادهم رغبة بقوله: { عند ربهم } أي ~~المحسن إليهم بتربيتهم القائم على ما يقبل من النفقات بالحفظ والتنمية ~~حتى يصير في العظم إلى حد يفوت الوصف { ولا خوف عليهم } من هضيمة تلحقهم ~~{ ولا هم يحزنون * } على فائت، لأن ربهم سبحانه وتعالى لم يترك شيئا من ~~الفضل اللائق بهم إلا أوصله إليهم. # ولما أفهم هذا وهي ما لا يقترن بالشرط من الإنفاق فتشوقت النفس إلى ~~الوقوف على الحقيقة من أمره صرح به في قوله: { قول معروف } قال الحرالي: ~~وهو ما لا يوجع قلب المتعرض بحسب حاله وحال القائل. ولما كان السائل قد ~~يلح ويغضب من الرد وإن كان بالمعروف من القول فيغضب المسؤول قال: { ~~ومغفرة } للسائل إذا أغضب من رده { خير من صدقة } وهي الفعلة التي يبدو ~~بها صدق الإيمان بالغيب من حيث إن الرزق غيب فالواثق منفق تصديقا بالخلف ~~إعلاما بعظم فضله { يتبعها أذى } بمن أو غيره، لأنه حينئذ يكون جامعا ~~بين نفع وضر وربما لم يف ثواب النفع بعقاب الضر { والله } أي والحال أن ~~الملك الذي لا أعظم منه { غني } فهو لا يقبل ما لم يأذن فيه. ولما رهب ~~المتصدق بصفة الغني رغبة في الحلم عمن أغضبه بكفران الإحسان أو الإساءة ~~في القول عند الرد بالجميل فقال: ms0560 { حليم * } أي لا يعاجل من عصاه بل ~~يرزقه وينصره وهو يعصيه ويكفره. ولما شرط لقبولها شرطا ووهى ما عري ~~منها عنه أتبعه التصريح بالنهي عن إهماله والنص على محقه لها وإبطاله ~~وضرب لذلك مثلا وضرب للمثل مثلا مبالغة في الزجر عن ذلك فقال: { يا ~~أيها الذين آمنوا } أي أقروا بذلك صدقوا إقراركم بأن { لا تبطلوا } قال ~~الحرالي: فبين أن ما اشترطه في الأجر المطلق مبطل للإنفاق - انتهى { ~~صدقاتكم بالمن والأذى } فربما وازى عقابهما ثواب الصدقة أو زاد فكان ~~كالإبطال لأوله إلى أن لا ثواب. قال الحرالي: فألحق عمل الإخلاص بآفة ما ~~تعقبه بما بني على أصل الرياء - انتهى. فقال: { كالذي ينفق ماله } لغير ~~الله، إنما ينفقه { رئاء الناس } أي لقصد أن يروه. قال الحرالي: هو الفعل ~~المقصود به رؤية الخلق غفلة عن رؤية الحق وعماية عنه. # ولما شبه المان والمؤذي بالمرائي لأنه أسقط الناس وأدناهم همة وأسوؤهم ~~نظرا وأعماهم قلبا فأولو الهمم العلية لا سيما العرب أشد شيء نفرة منه ~~وأبعده عنه وكان لمن يرائي حالان ألحقه بأشدهما فقال: { ولا يؤمن بالله } ~~أي الذي له صفة الكمال { واليوم الآخر } الذي يقع فيه الجزاء بعد نقد ~~الأعمال جيدها من رديئها. قال الحرالي: ولما ضرب مثلا لنماء النفقة ~~بالحرث ضرب مثلا لإبطالها بخطأ الحارث في الحرث فقال: { فمثله } في ~~إنفاقه مقارنا لما يفسده، ومثل نفقته { كمثل صفوان } وما زرع عليه، وهو ~~صيغة مبالغة من الصفا وهي الحجارة الملس الصلبة التي لا تقبل انصداعها ~~بالنبات - انتهى. { عليه تراب } فاغتر به بعض الجهلة فزرع عليه. # ولما كانت إزالة التراب عما وقع عليه عقب وقوعه أجدر ما زالت بحذافيره ~~ولا سيما إن كان حجرا أملس قال إبلاغا في إبطال الرياء للعمل: { فأصابه ~~} أي عقب كون التراب عليه من غير مهمة بخلاف ما يأتي من الربوة فإنها صفة ~~لازمة فلو تعقبها المطر لدام بدوامها فأفسدها { وابل } أي مطر كثير فأزال ~~التراب عنه { فتركه صلدا } أي صخرا لا يقبل النبات بوجه بل يخيب من ~~يأمله كما يقال ms0561 أصله الزند إذا لم يور، فجعل قلب المؤذي المان بمنزلة ~~الصفوان الذي أصابه وابل المطر، فأذهب عائد نفقته كما أذهب بذر الحارث ~~على الصفوان وابل المطر الذي شأنه أن يصلح البذر - قاله الحرالي وفيه ~~تصرف. # ولما بان بهذا بطلان العمل في المثل والممثول ترجمة بقوله: { لا يقدرون ~~} أي الممثل لهم والممثل بهم { على شيء مما كسبوا } فالآية من الاحتباك ~~ولما كان الزارع على مثل هذا عجبا في الضلال والغباوة وكان التقدير: فإن ~~الله لا يقبل عمل المؤذين كما لا يقبل عمل المرائين، عطف عليه معلما أنه ~~يعمي البصراء عن أبين الأمور إذا أراد ومهما شاء فعل قوله: { والله } ~~الذي له الحكمة كلها { لا يهدي } أي لوجه مصلحة. ولما كان كل من المؤذي ~~والمرائي قد غطى محاسن عمله بما جره من السوء قال: { القوم الكافرين } ~~وفي ذكره ولهذه الجملة وحدها أشد ترهيب للمتصدق على هذا الوجه. # ولما فرغ من مثل العاري عن الشرط ضرب للمقترن بالشرط من الإنفاق مثلا ~~منبها فيه على أن غيره ليس مبتغى به وجه الله فقال: { ومثل } قال ~~الحرالي: عطفا على { الذي ينفق ماله رئاء الناس } { ولا يؤمن بالله ~~واليوم الآخر } عطف مقابلة وعلى { مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ~~} [البقرة: 261] عطف مناسبة - انتهى. { الذين ينفقون أموالهم } أي مثل ~~نفقاتهم لغير علة دنياوية ولا شائبة نفسانية بل { ابتغاء مرضات الله } أي ~~الذي له الجلال والإكرام فلذلك صلح كل الصلاح فعري عن المن والأذى ~~وعيرهما من الشوائب الموجبة للخلل قال الحرالي: والمرضاة مفعلة لتكرر ~~الرضى ودوامه - انتهى. { وتثبيتا من أنفسهم } بالنظر في إصلاح العمل ~~وإخلاصه بالحمل على الحلم والصفح والصبر على جميع مشاق التكاليف فإن من ~~راض نفسه بحملها على بذل المال الذي هو شقيق الروح وذلت له خاضعة وقل ~~طمعها في اتباعه لشهواتها فسهل عليه حملها على سائر العبادات، ومتى تركها ~~وهي مطبوعة على النقائص زاد طمعا في اتباع الشهوات ولزوم الدناءات، فمن ~~للتبعيض مفعول به مثلها في قولهم: لين من عطفه وحرك من نشاطه { كمثل ms0562 جنة ~~} أي بستان ومثل صاحبها. قال الحرالي: ولما كان حرث الدنيا حبا وثمرا ~~جعل نفقات الأخرى كذلك حبا وتمرا. فمن أنفق في السبيل جعل مثله كالحب، ~~ومن أنفق ابتغاء لمرضاة الله جعل مثله كالجنة التي لها أصل ثابت تدور ~~عليها الثمرات وهي ثابتة وتستغني من الماء بما لا يستغني به الحرث لأن ~~الحرث مستجد في كل وقت، كما أن الجهاد واقع عند الحاجة إليه والمنفق ~~ابتغاء مرضاة الله ينفق في كل وجه دائم الإنفاق، فكان مثله مثل الجنة ~~الدائمة ليتطابق المثلان بالممثولين، فعمت هذه النفقة جهات الإنفاق كلها ~~في جميع سبل الخير - انتهى. # { بربوة } أي مكان عال ليس بجبل. قال الحرالي: في إعلامه أن خير الجنات ~~ما كان في الربوة لتنالها الشمس وتخترقها الرياح اللواقح، فأما ما كان من ~~الجنان في الوهاد تجاوزتها الرياح اللواقح من فوقها فضعفت حياتها، لأن ~~الرياح هي حياة النبات " الريح من نفس الرحمن " انتهى. ثم وصفها بقوله: { ~~أصابها وابل } أي مطر كثير { فأتت أكلها } أي أخرجته بإذن الله سبحانه ~~وتعالى حتى صار في قوة المعطي { ضعفين } أي مثل ما كانت تخرجه لو أصابها ~~دون الوابل - كذا قالوا: مثلين، والظاهر أن المراد أربعة أمثاله، لأن ~~المراد بالضعف قدر الشيء ومثله معه فيكون الضعفان أربعة - والله سبحانه ~~وتعالى أعلم؛ والآية من الاحتباك، ذكر المنفق أولا دال على حذف صاحب ~~الجنة ثانيا، وذكر الجنة ثانيا دال على حذف النفقة أولا. # ولما كان الوابل قد لا يوجد قال: { فإن لم يصبها وابل فطل } أي فيصيبها ~~لعلوها طل، وهو الندى الذي ينزل في الضباب. وقال الحرالي: الطل سن من ~~أسنان المطر خفي لا يدركه الحس حتى يجتمع، فإن المطر ينزل خفيا عن الحس ~~وهو الطل، ثم يبدو بلطافة وهو الطش، ثم يقوى وهو الرش، ثم يتزايد ويتصل ~~وهو الهطل، ثم يكثر ويتقارب وهو الوابل، ثم يعظم سكبه وهو الجود؛ فله ~~أسنان مما لا يناله الحس للطافته إلى ما لا يحمله الحس كثرة - انتهى. ~~والمعنى أن أهل هذا الصنف لا يتطرق ms0563 إلى أعمالهم فساد، غايتها أن يطرقها ~~النقص باعتبار ضعف النيات، ولذلك كان التقدير تسبيبا عن ذلك: فالله بما ~~تستحقون على نياتكم عليم، فعطف عليه قوله: { والله } أي المحيط علما ~~وقدرة { بما تعملون } أي بما ظهر منه { بصير * } كما هو كذلك بما بطن، ~~فاجتهدوا في إحسان الظاهر والباطن. وقدم مثل العاري عن الشرط عليه لأن ~~درء المفاسد أولى من جلب المصالح. # ولما قدم سبحانه وتعالى أن المن مبطل للصدقة ومثله بالرياء وضرب لهما ~~مثلا ورغب في الخالص وختم ذلك بما يصلح للترهيب من المن والرياء رجع ~~إليهما دلالة على الاهتمام بهما فضرب لهما مثلا أوضح من السالف وأشد في ~~التنفير عنهما والبعد منهما فقال - وقال الحرالي: ولما تراجع خبر ~~الإنفاقين ومقابلهما تراجعت أمثالها فضرب لمن ينفق مقابلا لمن يبتغي ~~مرضاة الله تعالى مثلا بالجنة المخلفة، انتهى. # فقال - منكرا على من يبطل عمله كأهل مثل الصفوان بعد كشف الحال بضرب ~~هذه الأمثال: { أيود أحدكم } أي يحب حبا شديدا { أن تكون له جنة } أي ~~حديقة تستر داخلها وعين هنا ما أبهمه في المثل الأول فقال: { من نخيل } ~~جمع نخلة وهي الشجرة القائمة على ساق الحية من أعلاها أشبه الشجر ~~بالآدمي، ثابت ورقها، مغذ مؤدم ثمرها، في كليتها نفعها حتى في خشبها طعام ~~للآدمي بخلاف سائر الشجر، مثلها كمثل المؤمن الذي ينتفع به كله { وأعناب ~~} جمع عنب وهو شجر متكرم لا يختص ذهابة بجهة العلو اختصاص النخلة بل ~~يتفرع علوا وسفلا ويمنة ويسرة، مثله مثل المؤمن المتقي الذي يكرم ~~بتقواه في كل جهة - قاله الحرالي. # ولما كانت الجنان لا تقوم وتدومها إلا بالماء قال: { تجري من تحتها ~~الأنهار } أي لكرم أرضها. وقال الحرالي: وفي إشعاره تكلف ذلك فيها بخلاف ~~الأولى التي هي بعل فإن الجائحة في السقي أشد على المالك منها في البعل ~~لقلة الكلفة في البعل ولشدة الكلف في السقي - انتهى. # ولما وصفها بكثرة الماء ذكر نتيجة ذلك فقال: { له فيها من كل الثمرات } ~~أي مع النخل والعنب. ولما ذكر كرمها ذكر شدة ms0564 الحاجة إليها فقال: { وأصابه ~~} أي والحال أنه أصابه { الكبر } فصار لا يقدر على اكتساب { وله ذرية ~~ضعفاء } بالصغر كما ضعف هو بالكبر { فأصابها } أي الجنة مرة من المرات { ~~إعصار } أي ريح شديدة جدا. قال الحرالي: صيغة اشتداد بزيادة الهمزة ~~والألف فيه من العصر وهو الشدة المخرجة لخبء الأشياء، والإعصار ريح شديدة ~~في غيم يكون فيها حدة من برد الزمهرير، وهو أحد قسمي النار، نظيره من ~~السعير السموم. وقال الأصفهاني: ريح تستدير في الأرض ثم تسطع نحو السماء ~~كالعمود { فيه نار، فاحترقت } تلك الجنة وبقي صاحبها بمضيعة مع ضعفه وثقل ~~ظهره بالعيال وقلة المال. قال الحرالي: من الاحتراق وهو ذهاب روح الشيء ~~وصورته ذهابا وحيا بإصابة قاصف لطيف يشيع في كليته فيذهبه ويفنيه؛ فجعل ~~المثل الأول في الحب أي الذي على الصفوان لآفة من تحته. وجعل المثل في ~~الجنة بجائحة من فوقه كأنهما جهتا طرو العلل والآفات من جهة أصل أو فرع - ~~انتهى. فحال من رأى في أعماله أو آذى في صدقة ماله في يوم القيامة ~~وأهواله كحال هذا في نفسه وعياله عند خيبة آماله، وروى البخاري رضي الله ~~تعالى عنه في التفسير عن عبيد بن عمير قال قال عمر رضي الله تعالى عنه ~~لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: " فيم ترون هذه الآية نزلت { أيود ~~أحدكم } إلى أن قال: قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه: ضربت مثلا لعمل، ~~قال عمر رضي الله تعالى عنه: أي عمل؟ قال ابن عباس: لعمل، قال عمر رضي ~~الله تعالى عنه: لرجل غني يعمل بطاعة الله سبحانه وتعالى ثم بعث الله له ~~الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله ". # ولما بين لهم هذا البيان الذي أبهت بلغاء الإنس والجان نبههم على تعظيمه ~~لتبجيله وتكريمه بقوله مستأنفا: { كذلك } أي مثل هذا البيان { يبين الله ~~} أي الذي له الكمال كله { لكم الآيات } أي كلها { لعلكم تتفكرون * } أي ~~ليكون حالكم حال من يرجى أن يحمل نفسه على الفكر، ومن يكون كذلك ينتفع ~~بفكره. وقال الحرالي: فتبنون الأمور على ms0565 تثبيت، لا خير في عبادة إلا ~~بتفكر، كما أن الباني لا بد أن يفكر في بنائه، كما قال الحكيم: أول ~~الفكرة آخر العمل وأول العمل آخر الفكرة، كذلك من حق أعمال الدين أن لا ~~تقع إلا بفكرة في إصلاح أوائلها السابقة وأواخرها اللاحقة، فكانوا في ذلك ~~صنفين بما يشعر به { لعلكم } مطابقين للمثل متفكر مضاعف حرثه وجنته وعامل ~~بغير فكرة تستهويه أهواء نفسه فتلحقه الآفة في عمله في حرثه وجنته من ~~سابقه أو لاحقه - انتهى. # ولما رغب في الفعل وتخليصه عن الشوائب أتبعه المال المنفق منه فأمر ~~بطيبه فقال: { يا أيها الذين آمنوا } أي أقروا بالإيمان { أنفقوا } أي ~~تصديقا لإيمانكم { من طيبات ما كسبتم } وإنما قدم الفعل لأنه ألصق ~~بالإنسان وتطييبه أعم نفعا، ولما ذكر ما أباحه سبحانه وتعالى من أرباح ~~التجارات ونحوها أتبعه ما أباحه من منافع النباتات ونحوها منبها بذلك ~~على أن كل ما يتقلب العباد فيه من أنفسهم وغيرها نعمة منه أنشأها من ~~الأرض التي أبدعها من العدم ترغيبا في الجود به وفي جعله خيارا حلالا ~~وترهيبا من الشح به وجعله دينا أو حراما فقال: { ومما أخرجنا } أي ~~بعظمتنا { لكم } نعمة منا عليكم { من الأرض } قال الحرالي: قدم خطاب ~~المكتسبين بأعمالهم كأنهم المهاجرون وعطف عليهم المنفقين من الحرث والزرع ~~كأنهم الأنصار - انتهى. # ولما أمر بذلك أكد الأمر به بالنهي عن ضده فقال: { ولا تيمموا } أي لا ~~تتكلفوا أن تقصدوا { الخبيث منه } أي خاصة { تنفقون } قال الحرالي: ~~الخبيث صيغة مبالغة بزيادة الياء من الخبث وهو ما ينافر حس النفس: ظاهره ~~وباطنه، في مقابله ما يرتاح إليه من الطيب الذي ينبسط إليه ظاهرا ~~وباطنا، وقال: ففي إلاحته معنى حصر كأنهم لا ينفقون إلا منه ليتجاوز ~~النهي من ينفق من طيبه وخبيثه على غير قصد اختصاص النفقة من الخبيث - ~~انتهى. ثم أوضح قباحة ذلك بقوله: { ولستم بآخذيه } أي إذا كان لكم على ~~أحد حق فأعطاكموه { إلا أن تغمضوا } أي تسامحوا { فيه } بالحياء مع ~~الكراهة. قال الحرالي: من الإغماض وهو الإغضاء ms0566 عن العيب فيما يستعمل، ~~أصله من الغمض وهي نومة تغشي الحس ثم تنقشع، وقال: ولما كان الآخذ هو ~~الله سبحانه وتعالى ختم بقوله: { واعلموا } انتهى. # وعبر بالاسم الأعظم فقال: { أن الله } المستكمل لجميع صفات الكمال من ~~الجلال والجمال { غني } يفضل على من أسلف خيرا رغبة فيما عنده وليست به ~~حاجة تدعوه إلى أخذ الرديء ولا رغبكم في أصل الإنفاق لحاجة منه إلى شيء ~~مما عندكم وإنما ذلك لطف منه بكم ليجري عليه الثواب والعقاب { حميد * } ~~يجازي المحسن أفضل الجزاء على أنه لم يزل محمودا ولا يزال عذب أو أثاب. ~~قال الحرالي: وهي صيغة مبالغة بزيادة ياء من الحمد الذي هو سواء أمر الله ~~الذي لا تفاوت فيه من جهة إبدائه وافق الأنفس أو خالفها. # ولما رغب سبحانه وتعالى في الإنفاق وختم آياته بما يقتضي الوعد من أصدق ~~القائلين بالغنى والإثابة في الدارين أتبعه بما للعدو الكاذب من ضد ذلك ~~فقال محذرا من البخل - في جواب من كأنه قال: هذا ما لا يشك فيه فما ~~للنفوس لا توجد غالبا إلا شحيحة بالإنفاق-: { الشيطان } أي الذي اسمه ~~أسوأ الأسماء، فإنه يقتضي الهلاك والبعد، وأحد الوصفين كاف في مجانبته ~~فكيف إذا اجتمعا! { يعدكم الفقر } المانع من الإنفاق. قال الحرالي: الذي ~~لخوفه تقاطع أهل الدنيا وتدابروا وحرصوا وادخروا. وكل ذلك لا يزيل الفقر، ~~كل حريص فقير ولو ملك الدنيا، وكل مقتنع غني، ومن حق من كان عبدا لغني ~~أن يتحقق أنه غني يغني سيده، ففي خوف الفقر إباق العبد عن ربه؛ والفقر ~~فقد ما إليه الحاجة في وقت من قيام المرء في ظاهره وباطنه - انتهى. { ~~ويأمركم بالفحشاء } المبطلة له من المن والأذى وغيرهما من مستلذات الأنفس ~~وربما كان فيها إتلاف الأموال وإذهاب الأرواح. وقال الحرالي: وكل ما ~~اجتمعت عليه استقباحات العقل والشرع والطبع فهو فحشاء، وأعظم مراد بها ~~هنا البخل الذي هو أدوأ داء، لمناسبة ذكر الفقر، وعليه ينبني شر الدنيا ~~والآخرة ويلازمه الحرص ويتابعه الحسد ويتلاحق به الشر كله انتهى وفيه ~~تصرف. # ولما ms0567 ذكر ما للعدو من الشر أتبعه سبحانه وتعالى بما له من الخير فقال ~~مصرحا بما تقدم التلويح به: { والله } أي الذي له الأسماء الحسنى ~~والصفات العلى الرحيم الودود { يعدكم مغفرة منه } لما وقع منكم من تقصير، ~~وفيه إشعار بأنه لا يقدر أحد أن يقدر الله حق قدره لما له من الإحاطة ~~بصفات الكمال ولما جبل عليه الإنسان من النقص { وفضلا } بالزيادة في ~~الدارين، وكل نعمة من فضل؛ ثم أكد ذلك بقوله: { والله } أي المحيط بكل ~~كمال { واسع } لتضمنه معنى حليم غني، وأتبعه بقوله: { عليم * } إشارة إلى ~~أنه لا يضيع شيئا وإن دق. قال الحرالي: وفي إشعاره توهين لكيد الشيطان ~~ووعد كريم للمفتون بخوف الفقر وعمل الفحشاء لما علمه من ضعف الأنفس وسرعة ~~قبولها من الوسواس - انتهى. فختم آخر آيات الأمثال بما ختم به أولها ~~ترغيبا وترهيبا. ### || [2.269-274] # ولما انقضى الكلام في الإنفاق والمال المنفق على هذا الأسلوب الحكيم ~~تصريحا وتلويحا وختم ذلك بهاتين الصفتين وتضمن ذلك مع التصريح بأنه ~~عليم أنه حكيم أتبع ذلك الوصف بأن من سعته وعلمه وحكمته أنه يهب من صفاته ~~ما يشاء لمن يشاء بأن يؤتيه الحكمة فيوقفه على علم ما خفي من هذه الأمثال ~~المتقنة والأقوال الحسنة تصريحا وتلويحا ويوفقه للعمل بذلك إنشاء ~~وتصحيحا فقال تعالى منبها على ترجيح العمل بأمر الرحمن وقبول وعده بأنه ~~على مقتضى العقل والحكمة وأن أمر الشيطان ووعده على وفق الهوى والشهوة: - ~~وقال الحرالي: ولما أبدى سبحانه وتعالى أمر الآخرة وأظهر ما فيها وبين ~~أمر الدنيا من الترتيب والتسبيب ورجع بعضها على بعض عودا على بدء أنبأ ~~تعالى أن ذلك من حكمته وأنهى الحكمة لما فيها من استيفاء حكمة الدارين ~~فليس الحكيم من علم أمر الدنيا بل من علم أمر ما بين الدنيا والآخرة ~~فداوى أدواء الدنيا بدواء الآخرة وداوى النفس بدواء الدارين وضم جوامعها ~~في تيسير الكلم كما ضمها لمن اصطفاه # ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة # [النحل: 39] فقال سبحانه وتعالى: { يؤتي الحكمة } انتهى. وفي ترتيبها ~~على واسع ms0568 عليم بعد غني حميد بعد عزيز حكيم التحذير من التعريض لإنفاق ما ~~يرده لعزته وغناه وسعته ويذم عليه لعلمه لرداءته أو فساد في نيته وإن خفي ~~فإن ذلك خارج عن منهاج الحكمة منا ومقتضى الحكمة منه سبحانه وتعالى كما ~~وقع لقابيل إذ قرب رديئا كما هو مشهور في قصته، ولعله لوح إليه بالتذكر ~~في ختام هذه الآية ثم بقوله: { وما للظالمين من أنصار } فصار كأنه قال ~~سبحانه وتعالى: واعلم أن الله عزيز حكيم يؤتي الحكمة وهي العلم بالأشياء ~~على ما هي عليه المزين بالعمل والعمل المتقن بالعلم { من يشاء } من ~~عباده، ثم مدح من حلاه بها فقال مشيرا ببناء الفعل للمفعول إلى أنها ~~مقصودة في نفسها: { ومن يؤت الحكمة } أي التي هي صفة من صفاته، وأشار ~~بالتعريف إلى كمالها بحسب ما تحتمله قوى العبيد، والحكمة قوة تجمع أمرين: ~~العلم المطابق وفعل العدل وهو العمل على وفق العلم. قال الأصبهاني: ~~والقرآن مملوء من الآيات الدالة على أن كمال الإنسان ليس إلا هاتين ~~القوتين { فقد أوتي خيرا كثيرا } قال الحرالي ما معناه: إنه نكرة لما ~~في الحكمة من التسبب الذي فيه كلفة ولو يسرت فكان الخير الكثير المعرف في ~~الكلمة لما فيها من اليسر والحياطة والإنالة الذي لا ينال منه منال بسبب ~~وإنما هو فضله يؤتيه من يشاء فيصير سبحانه وتعالى سمعه وبصره - إلى آخره. # ولما كان التقدير: فإن ذلك الذي أوتي الحكمة يصير ذا لب فيتأهل لأن ~~يتذكر بما يلقيه الله سبحانه وتعالى من كلمته ما بث في الأنفس والآفاق ~~من حكمته وصل به قوله: { وما يذكر } أي بكلام الله سبحانه وتعالى حكمه { ~~إلا أولوا الألباب * } أي أصحاب العقول الصافية عن دواعي الهوى المنبعثة ~~من التوهمات الحاصلة عن الوسوسة فهم يترقون بالتذكر بأنهم لا حول لهم عن ~~المسببات إلى أسبابها إلى أن يصلوا إلى مسببها فيعرفوه حق معرفته. # وقال الحرالي: الذين لهم لب العقل الذي ينال لب الحس كأن الدنيا قشر ~~تنال بظاهر العقل، والآخرة لب تنال بلب العقل ظاهرا لظاهر ms0569 وباطنا ~~لباطن، من تذكر ابتداء من الابتداءات السابقة ورد عليه فضل الله منه، من ~~رجع من حسه إلى نفسه تنشأت له أوصاف الفضائل النفسانية وترقى عما في ~~محسوسه من المهاوي الشهوانية، ومن تخلص من نفسه إلى روحه تحسس بالوصلة ~~الرحمانية والمحبة الربانية، كذلك من ترقى من روحه إلى أمره تحقق ~~بالإحاطة الوحدانية، ومن استبطن من أمره إلى سره اجتمع إلى الأولية ~~الفردانية؛ فهذا الترتيب من كمالات هذه الحكمة المؤتاة المنزلة بالوحي في ~~هذا الكتاب الجامع لنبأ ما سبق وخبر ما لحق وباطن ما ظهر أنهى تعالى إلى ~~ذكرها أعمال الخلق وخصوصا في الجود بالموجود كما أنهى إقامة مبنى الدين ~~بظهور وجوده، فأنهى تنزيل أمره بظهور وجوده وأنهى استخلاف عباده ~~بالانتهاء إلى مدد جوده، فكان أعلى الحكمة الجود بالموجود فبذلك - والله ~~سبحانه وتعالى أعلم - اتصل ذكر آية الحكمة بالإنفاق نظما وبآية الكرسي ~~مناظرة - انتهى. # ولما كان السياق سابقا ولاحقا للإنفاق علم أن التقدير: فما جمعتم من ~~شيء فإن الله مطالبكم في وضعه وجمعه بوجه الحكمة ومحاسبكم على ذلك، فعطف ~~عليه حثا على الإسرار بالنفقة في الخير والوفاء بالنذر وتحذيرا من ~~الإنفاق في المعصية ولو على أدق الوجوه بأنه يعلم ذلك كله ويجازي عليه ~~قوله: { وما أنفقتم من نفقة } أي في وجه من الوجوه، فدخل فيه جميع ~~التوسعات المشروعات عند النكاح والختان والولادة واتخاذ المسكن وفي ~~الدعوات للإخوان وغير ذلك. # ولما كان الإنسان كثيرا ما يخشى فوات أمر فينذر إن حصل بنفقة في وجه ~~خير ونحو ذلك ولكن ربما ظن أن الترغيب في الإنفاق خاص بما ندب الله إليه ~~ابتداء لا بما ألزمه الإنسان نفسه قال { أو نذرتم من نذر } وإدخال من ~~لتأكيد الاستغراق. قال الحرالي: والنذر إبرام العدة بخير يستقبل فعله أو ~~يرتقب له ما يلتزم به وهو أدنى الإنفاق لا سيما إذا كان على وجه ~~الاشتراط، قال صلى الله عليه وسلم: # " إنما يستخرج به من البخيل " # انتهى. { فإن الله } عظم الأمر بهذا الاسم الأعظم { يعلمه } ذكر الضمير ~~لأنه مع وضوح ms0570 عوده إلى المتقدم أشد تعظيما للنذر لما قد يتوهم فيه من ~~النقص عن مندوب الشرع فتحروا في طيب ذلك والوفاء به وجميع ما يدخل فيه من ~~الأوامر والنواهي تحري من يطلب إرضاء ملك عظيم بما يهدي إليه ويعرضه ~~عليه، فما تصرفتم فيه بالحكمة من إنفاق أو غيره فالله سبحانه وتعالى ~~يجازيكم عليه على حسب ما ذكر لكم من التضعيف، ومن فعل منكم شيئا منه على ~~غير وجه الحكمة فهو ظالم واضع للشيء في غير موضعه فهو مردود عليه ومعاقب ~~به وما له من ناصر، هكذا كان الأصل ولكنه سبحانه وتعالى عم وعلق الحكم ~~بالوصف فقال: { وما للظالمين } أي الواضعين للشيء في غير موضعه { من ~~أنصار * } قال الحرالي: ففي إفهامه أن الله آخذ بيد السخي وبيد الكريم ~~كلما عثر فيجد له نصيرا ولا يجد الظالم بوضع القهر موضع البر ناصرا، ~~وفيه استغراق نفي بما تعرب عنه كلمة من - انتهى. # ولما كان حال الإنفاق المحثوث عليه يختلف بالسر والجهر فكان مما يسأل ~~عنه قال سبحانه وتعالى حاثا على الصدقة في كلتا الحالتين مع ترجيح ~~الإسرار لما فيه من البعد عن الرياء: { إن تبدوا الصدقات } أي المتطوع ~~بها، قال الحرالي: وهي من أدنى النفقة ولذلك لا تحل لمحمد ولا لآل محمد ~~لأنها طهرة وغسول يعافها أهل الرتبة العلية والاصطفاء، وقال: والهدية أجل ~~حق المال لأنها لمن فوق رتبة المهدي والهبة لأنها للمثل { فنعما هي } ~~فجمع لها الأمداح المبهمة لأن نعم كلمة مبالغة تجمع المدح كله وما كلمة ~~مبهمة تجمع الممدوح فتطابقتا في الإبهام؛ وقال أبو طالب العبدي في شرح ~~الإيضاح: إن نعم،، وبئس للمبالغة فالمراد بهما التناهي في المدح ~~والذم ولاختصاصهما بهذا المعنى منعتا التصرف، واقتصر بهما على المعنى لأن ~~المدح والذم إنما يكونان متعلقين بما ثبت واستقر، لا يمدح الإنسان بما لم ~~يقع منه - انتهى. { وإن تخفوها } حتى لا يعلم بها إلا من فعلتموها له. ~~ولما كان المقصود بها سد الخلة قال: { وتؤتوها الفقراء فهو } أي فذلك ~~الإخفاء والقصد للمحتاج { خير لكم ms0571 } لأنه أبعد عن الرياء وأقرب إلى ~~الإخلاص الذي هو روح العبادات، وفي تعريفها وجمعها ما ربما أشعر بعموم ~~الفرض والنفل لما في إظهار المال الخفي من التعرض للظلم والحسد وفي إفهام ~~السياق أن الصدقة تجوز على الغني. ولما كان التقدير: فإنا نرفع بها ~~درجاتكم، عطف عليه قوله: { ويكفر عنكم من سيئاتكم } أي التي بيننا ~~وبينكم. # ولما كان التقدير: فلا تخافوا من إخفائها أن يضيع عليكم شيء منها فإن ~~الله بكل ما فعلتموه منها عليم، عطف عليه تعميما وترغيبا وترهيبا: { ~~والله } أي الذي له كل كمال { بما تعملون } أي من ذلك وغيره { خبير * } ~~فلم يدع حاجة أصلا إلى الإعلان فعليكم بالإخفاء فإنه أقرب إلى صلاح ~~الدين والدنيا فأخلصوا فيه وقروا عينا بالجزاء عليه. # ولما حث سبحانه وتعالى على وجوه الخير ورغب في لزوم الهدى وكان أكثرهم ~~معرضين، لأن ما دعا إليه هادم لما جبلوا عليه من الحب لتوفير المال ~~والحفيظة على النفس، وكان صلى الله عليه وسلم شديد الأسف عليهم دائم ~~القلق من أجلهم لعظيم رحمته لهم وشفقته عليهم، فكان يجد من تقاعدهم عما ~~يدعوهم إليه من هذه الحالة العلية التي هي حكمة الله التي رأسها الإيمان ~~بالله واشتراء الآخرة بكلية الدنيا وجدا شديدا، خفض سبحانه وتعالى عليه ~~الأمر وخفف عليه الحال فقال: { ليس عليك } أي عندك { هداهم } حتى تكون ~~قادرا عليه، فما عليك إلا البلاغ، وأما خلق الهداية لهم فليس عليك ولا ~~تقدر عليه { ولكن الله } الذي لا كفوء له هو القادر على ذلك وحده فهو { ~~يهدي من يشاء } فظهر من هذا أنه يتعين أن يكون عليك بمعنى عندك ومعك ونحو ~~ذلك، لأن لكن للاستدراك وهو أن يكون حكم ما بعدها مخالفا لما قبلها ~~وكلام أهل اللغة يساعد على ذلك، قال الإمام عبد الحق في كتابه الواعي: في ~~حديث عمران بن حصين رضي الله تعالى عنهما: كنت أضحي بالجذع وعلينا ألف ~~شاة، معناه: وعندنا ألف شاة، تقول العرب: علينا كذا وكذا، أي مننا - فسره ~~قاسم؛ انتهى. وهو يرجع إلى القدرة ms0572 كما تقول: علي رضى فلان، أي أنا مطيق ~~لذلك قادر على حمله، فالمعنى: لست تقدر على إيجاد الاهتداء فيهم أصلا ~~وإنما ذلك إلى الله سبحانه وتعالى فهو يهدي من يشاء فيفعل ما يقدره ~~سبحانه له من وجوه الهدى من نفقة وغيرها. قال الحرالي ما معناه: إن ~~الأنصار رضي الله تعالى عنهم من أول مراد بهذه الجملة لأنه سبحانه وتعالى ~~جعل فيهم نصرة دينه. # ولما كان المقصود الأعظم في هذه الحكمة وهذا الهدى إنما هو الهدى للتوسل ~~إلى الجواد بالجود بالنفس والمال النائل عموما القريب والبعيد والمؤمن ~~والكافر بمنزلة المطر الجود الذي يأخذ السهل والجبل حتى كان هذا الخطاب ~~صارفا لقوم تحرجوا من الصدقة على فقراء الكفار وصلة قراباتهم منهم ~~فحملوا على عموم الإنفاق - انتهى. فقال سبحانه وتعالى: { وما تنفقوا من ~~خير } أي مال ومعروف على مؤمن أو كافر يحل فعل ذلك معه ولو قل " لا تحقرن ~~جارة لجارتها ولو فرسن شاة " { فلأنفسكم } كما قيل له صلى الله عليه وسلم ~~عن شاة ذبحت: ذهبت أي بالهدية والصدقة إلا رقبتها! فقال: بقيت إلا ~~رقبتها! فهو يفهم أنكم إن بخلتم أو مننتم فإنما تفعلون ذلك بأنفسكم. # ولما كان الكلام في النفقة مع المؤمنين المنفقين وفي سبيل الله وعبر ~~عنها بالخير وكل ذلك إشارة إلى الإخلاص الحري بحال المؤمن فقال: { وما } ~~أي والحال أنكم ما { تنفقون إلا ابتغاء } أي إرادة. # ولما كان تذكر الوجه لما له من الشرف أدعى إلى الاجتهاد في تشريف العمل ~~بإحسانه وإخلاصه قال: { وجه الله } أي الملك الأعظم من سد خلة فقير أو ~~صلة رحم مسلم أو كافر تجوز الصدقة عليه لا لأنفسكم ولا غيرها بل تخلصا ~~من إمساك المال بأداء الأمانة فيه إلى عباد الله لأنهم عباده، هذا هو ~~الذي يدعو إليه الإيمان فلا يظن لمؤمن أن يفعل غيره وذلك يقتضي البعد ~~جدا عن الأذى والرياء وكل نقيصة والملابسة لكل ما يوجب القبول من الكمال ~~الحسي والمعنوي. # ولما كان الإيقان بالوفا مرغبا في الإحسان ومبعدا من الإساءة ~~والامتنان خوفا ms0573 من جزاء الملك الديان قال { وما تنفقوا من خير } أي على ~~أي وجه كان وبأي وصف كان التصدق والمتصدق عليه { يوف } أي يبالغ في وفائه ~~بالتضعيف واصلا { إليكم وأنتم لا تظلمون * } أي لا يقع عليكم ظلم في ترك ~~شيء مما أنفقتموه ولا في نقص مما وعدتموه من التضعيف إن أحسنتم والمماثلة ~~إن أسأتم. # ولما كان غالب هذه الأحكام التي ذكرت في الإنفاق من أجل المحاويج وكان ~~ما مضى شاملا للمؤمن وغيره بين أن محط القصد في الحث عليها المؤمن قال ~~سبحانه وتعالى: { للفقراء } أي هذه الأحكام لهم { الذين أحصروا } أي ~~منعوا عن التكسب، وأشار بقوله: { في سبيل الله } أي الذي له الجلال ~~والإكرام إلى أن المقعد لهم عن ذلك الاشتغال بإقامة الدين بالجهاد وغيره ~~{ لا يستطيعون ضربا في الأرض } بالتجارة لأجل ذلك وأشار إلى شدة رضاهم ~~عن الله سبحانه وتعالى بعدم شكايتهم فقال: { يحسبهم الجاهل } أي الذي ليس ~~عنده فطنة الخلص { أغنياء من } أجل { التعفف } عن المسألة والتلويح بها ~~قناعة بما أعطاهم الله سبحانه وتعالى مولاهم ورضي عنه وشرف نفس، والتعفف ~~تكلف العفة وهي كف ما ينبسط للشهوة من الآدمي إلا بحقه ووجهه - قاله ~~الحرالي. # ولما ذكر خفاءهم على الغبي ذكر جلاءهم عند المتوسم فقال: { تعرفهم } أي ~~يا أبصر الموقنين وأفطنهم أنت ومن رسخت قدمه في متابعتك { بسيماهم } قال ~~الحرالي: وهي صيغة مبالغة من السمة والوسم وهي العلامة الخفية التي ~~تتراءى للمستبصر - انتهى. وتلك العلامة والله سبحانه وتعالى أعلم هي ~~السكينة والوقار وضعف الصوت ورثاثة الحال مع علو الهمة والبراءة من ~~الشماخة والكبر والبطر والخيلاء ونحو ذلك { لا يسئلون } لطموح أبصار ~~بصائرهم عن الخلق إلى الخالق { الناس } من ملك ولا غيره { إلحافا } سؤال ~~إلزام، أخذا من اللحاف الذي يتغطى به للزومه لما يغطيه، ومنه لاحفه أي ~~لازمه. وقال الحرالي: هو لزوم ومداومة في الشيء من حروف الحلف الذي هو ~~إنهاء الخبر إلى الغاية كذلك اللحف إنهاء السؤال إلى الغاية - انتهى. ~~وإنما يسألون إن سألوا على وجه العرض والتلويح الخفي، كما ms0574 كان أبو هريرة ~~رضي الله تعالى عنه يستقرىء غيره الآية ليضيفه وهو أعرف بها ممن يستقرئه ~~فلا يفهم مراده إلا النبي صلى الله عليه وسلم؛ فالتعبير بالتعفف يفيد ~~الاجتهاد في العفة والمبالغة فيها، والتقيد بالإلحاف يدل على وقوع السؤال ~~قليلا جدا أو على وجه التلويح لا التصريح كما يؤيده ويؤكده المعرفة ~~بالسيما. # ولما ذكر سبحانه وتعالى أخفى مواضع النفقة أشار إلى إخفائها لا سيما في ~~ذلك الموضع فقال: { وما تنفقوا من خير } أي في أي وقت أنفقتموه { فإن ~~الله } أي المستجمع لصفات الكمال { به عليم * } وإن اجتهدتم في إخفائه ~~بإعطائه لمن لا يسأل بأن لا يعرف أو بغير ذلك، وذكر العلم في موضع الجزاء ~~أعظ مرغب وأخوف مرهب كما يتحقق ذلك بإمعان التأمل لذلك. # ولما حض على النفقة فأكثر وضرب فيها الأمثال وأطنب في المقال ولم يعين ~~لها وقتا كان كأن سائلا قال: في أي وقت تفعل؟ فبين في آية جامعة لأصناف ~~الأموال والأزمان والأحوال أنها حسنة في كل وقت وعلى كل حال فقال: { ~~الذين ينفقون أموالهم } أي في الوجوه الصالحة التي تقدم التنبيه عليها ~~وقدم من المتقابلين ما كان أقرب إلى الإخلاص اهتماما به دلالة على فضله ~~فقال: { بالليل } إن اقتضى ذلك الحال { والنهار } إن دعتهم إلى ذلك خطة ~~رشد { سرا وعلانية } كذلك. # ولما كان الانتهاء عن المن والأذى في بعض الأحوال أشد ما يكون على النفس ~~لما يرى من المنفق عليه من الغض ونحو ذلك فلا يكاد يسلم منه أحد. # ابتدأ الجزاء في آيته من غير ربط بالفاء إشارة إلى العفو عما يغلب النفس ~~منه تنزيلا له منزلة العدم، وإيماء إلى تعظيمه بكونه ابتداء عطية من ~~الملك، ترغيبا في الكف عنه، لأنه منظور إليه في الجملة، وربط الجزاء في ~~هذه إعلاما بأنه مسبب عن هذه الأحوال، لأن الأفعال أيسر من التروك ~~فحصوله متوقف على حصولها، حثا على الإتيان بها كلها للسهولة في ذلك، لأن ~~من سمح بالإنفاق لله سبحانه وتعالى استوت عنده فيه الأوقات فقال: { فلهم ~~أجرهم } وسببيته ms0575 كونه علامة لحصول الأجر، لا أنه سبب حقيقي، إنما السبب ~~الحقيقي رحمة الله بالتوفيق للعمل والاعتداد به، وأعلم بأنه محفوظ مضاعف ~~مربي لا يضيع أصلا بقوله: { عند ربهم } أي فهو يربي نفقاتهم ويزكيها كما ~~رباهم، ثم ختم آي النفقات بما بدأها به من الأمن والسرور فقال: { ولا خوف ~~عليهم } كما فرحوا بها عن غيرهم { ولا هم يحزنون * } لأنه لا ثواب أعظم ~~من ذلك، إذ لا عيشة لحزين ولا خائف؛ ولشدة مشاق الإنفاق على الأنفس لا ~~سيما في أول الإسلام لما كانوا فيه من الضيق أكد تعالى فيه هذا التأكيد ~~بجملته وبينه هذا البيان الواضح حتى لم يبق فيه خفية وجه إلا أظهرها وحذر ~~منها وقررها - أشار إلى ذلك الأستاذ أبو الحسن الحرالي فقال: فأفضلهم ~~المنفق ليلا سرا. وأنزلهم المنفق نهارا علانية؛ فهم بذلك أربعة أصناف ~~- انتهى. ### || [2.275-276] # ولما كان سبحانه وتعالى قد ذكر النفقة مما أفاض عليهم من الرزق من أول ~~السورة إلى هنا في غير آية، ورغب فيها بأنواع من الترغيب في فنون من ~~الأساليب، وكان الرزق يشمل الحلال والحرام، وكان مما يسترزقون به قبل ~~الإسلام الربا، وهو أخذ مجانا، وهو في الصورة زيادة وفي الحقيقة نقص ~~وعيب، ضد ما تقدم الحث عليه من الإعطاء مجانا، وهو في الظاهر نقص وفي ~~الباطن زيادة وخير؛ نهاهم عن تعاطيه ونفرهم منه، وبين لهم حكمه وأنه خبيث ~~لا يصلح لأكل ولا صدقة، وجعل ذلك في أسلوب الجواب لمن قال هل يكون النفقة ~~المحبوبة المحثوث عليها من كل مال؟ فأجاب بقوله:- وقال الحرالي: ولما كان ~~حال المنفق لا سيما المبتغي وجه الله سبحانه وتعالى أفضل الأحوال، وهو ~~الحال الذي دعوا إليه؛ نظم به أدنى الأحوال، وهو الذي يتوسل به إلى ~~الأموال بالربا، فأفضل الناس المنفق، وشر الناس المربي؛ فنظم به خطاب ~~الربا فقال:- { الذين } ولما كان من الصحابة من أكل الربا عبر بالمضارع ~~إشارة إلى أن هذا الجزاء يخص المصر فقال: { يأكلون الربا } وهو الزيادة ~~من جنس المزيد عليه المحدود بوجه ما - انتهى. فجرى على ms0576 عادة هذا الذكر ~~الحكيم في ذكر أحد الضدين بعد الآخر، وعبر بالأكل عن التناول، لأنه أكبر ~~المقاصد وأضرها ويجري من الإنسان مجرى الدم كالشيطان { لا يقومون } أي ~~عند البعث يظهر ثقله في بطونهم فيمنعهم النشاط ويكون ذلك سيماهم يعرفون ~~به بين أهل الموقف هتكا لهم وفضيحة. وقال الحرالي: في إطلاقه إشعار ~~بحالهم في الدنيا والبرزخ والآخرة، ففي إعلامه إيذان بأن آكله يسلب عقله ~~ويكون بقاؤه في الدنيا بخرق لا بعقل، يقبل في محل الإدبار ويدبر في محل ~~الإقبال انتهى. وهو مؤيد بالمشاهدة فإنا لم نر ولم نسمع قط بآكل ربا ينطق ~~بالحكمة ولا يشهر بفضيلة بل هم أدنى الناس وأدنسهم { إلا كما يقوم } ~~المصروع { الذي يتخبطه } أي يتكلف خبطه ويكلفه إياه ويشق به عليه { ~~الشيطان } ولما كان ذلك قد يظن أنه يخبط الفكر بالوسوسة مثلا قال: { من ~~} أي تخبطا مبتدئا من { المس } أي الجنون، فأشار سبحانه وتعالى بذلك ~~إلى المنع من أن تكون النفقة من حرام ولا سيما الربا، وإلى أن الخبيث ~~المنهي عن تيمم إنفاقه قسمان: حسي ومعنوي، والنهي في المعنوي أشد. وقال ~~البيضاوي تبعا للزمخشري: وهو أي التخبط والمس وارد على ما يزعمون أي ~~العرب أن الشيطان يخبط الإنسان فيصرع وأن الجني يمسه فيختلط عقله - ~~انتهى. وظاهره إنكار ذلك وليس بمنكر بل هو الحق الذي لا مرية فيه، قال ~~المهدوي في تفسيره: وهذا دليل على من أنكر أن الصرع من جهة الجن وزعم أنه ~~فعل الطبائع. # وقال الشيخ سعد الدين التفتازاني في شرح المقاصد: وبالجملة فالقول بوجود ~~الملائكة والجن والشياطين مما انعقد عليه إجماع الآراء ونطق به كلام الله ~~سبحانه وتعالى وكلام الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وحكي مشاهدة الجن عن ~~كثير من العقلاء وأرباب المكاشفات من الأولياء، فلا وجه لنفيها؛ وقال: ~~الجن أجسام لطيفة هوائية تتشكل بأشكال مختلفة ويظهر منها أحوال عجيبة، ~~والشياطين أجسام نارية شأنها إلقاء الناس في الفساد والغواية؛ ولكون ~~الهواء والنار في غاية اللطافة والتشفيف كانت الملائكة والجن والشياطين ~~يدخلون المنافذ الضيقة حتى أجواف الناس ms0577 ولا يرون بحس البصر إلا إذا ~~اكتسبوا من الممتزجات - انتهى. وقد ورد في كثير من الأحاديث عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أن # " الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم " # وورد " أنه صلى الله عليه وسلم أخرج الصارع من الجن من جوف المصروع في ~~صورة كلب " ونحو ذلك؛ وفي كتب الله سبحانه وتعالى المتقدمة ما لا يحصى من ~~مثل ذلك، فأما مشاهدة المصروع يخبر بالمغيبات وهو مصروع غائب الحس، وربما ~~كان يلقى في النار وهو لا يحترق، وربما ارتفع في الهواء من غير رافع، ~~فكثير جدا لا يحصى مشاهدوه - إلى غير ذلك من الأمور الموجبة للقطع أن ~~ذلك من الجن أو الشياطين؛ وها أنا أذكر لك من أحاديث النبي صلى الله عليه ~~وسلم ثم من كتب الله القديمة ما فيه مقنع لمن تدبره - والله سبحانه ~~وتعالى الموفق: روى الدارمي في أوائل مسنده بسند حسن عن ابن عباس رضي ~~الله تعالى عنهما: # " أن امرأة جاءت بابن لها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول ~~الله! إن ابني به جنون وإنه يأخذه عند أغدائنا وعشائنا فيخبث علينا، فمسح ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم صدره ودعا فثع ثعة وخرج من صدره مثل الجرو ~~الأسود " # فثع ثعة بمثلثة ومهملة أي قاء وللدارمي أيضا وعبد بن حميد بسند صحيح ~~حسن أيضا عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: # " خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فركبنا مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بيننا كأنما على رؤوسنا ~~الطير تظلنا، فعرضت له امرأة معها صبي لها فقالت: يا رسول الله! إن ابني ~~هذا يأخذه الشيطان كل يوم ثلاث مرار، فتناول الصبي فجعله بينه وبين مقدم ~~الرحل ثم قال: اخسأ عدو الله أنا رسول الله ثلاثا! ثم دفعه إليها " # وأخرجه الطبراني من وجه آخر وبين أن السفر غزوة ذات الرقاع وأن ذلك في ~~حرة واقم، قال جابر: # " فلما قضينا سفرنا مررنا بذلك المكان فعرضت لنا المرأة ms0578 ومعها صبيها ~~ومعها كبشان تسوقهما فقالت: يا رسول الله! اقبل مني هديتي، فوالذي بعثك ~~بالحق ما عاد إليه بعد ذلك! فقال: خذوا منها واحدا وردوا عليها الآخر " # وروى البغوي في شرح السنة عن يعلى بن مرة رضي الله تعالى عنه. وفي ~~الإنجيل من ذلك كثير جدا، قال في إنجيل متى ولوقا ومرقس يزيد أحدهم ~~على الآخر وقد جمعت بين ألفاظهم: وجاء يعني عيسى عليه الصلاة والسلام إلى ~~عبر البحر إلى كورة الجرجسيين، وقال في إنجيل لوقا: التي هي مقابل عبر ~~الجليل، فلما خرج من السفينة استقبله مجنون، قال لوقا: من المدينة معه ~~شياطين، وقال متى مجنونان جائيان من المقابر رديئان جدا حتى أنه لم يقدر ~~أحد أن يجتاز من تلك الطريق فصاحا قائلين: ما لنا ولك يا يسوع! جئت ~~لتعذبنا قبل الزمان؛ قال لوقا: وكان يربط بالسلاسل والقيود ويحبس، وكان ~~يقطع الرباط ويقوده الشيطان إلى البراري، فسأله يسوع: ما اسمك؟ فقال: ~~لاجاون، لأنه دخل فيه شياطين كثيرة؛ وقال مرقس: فقال له: اخرج أيها الروح ~~النجس! اخرج من الإنسان، ثم قال له: ما اسمك؟ فقال: لاجاون اسمي لأنا ~~كثير، وطلب إليه أن يرسلهم خارجا من الكورة؛ وكان هناك نحو الجبل قطيع ~~خنازير كثيرة يرعى بعيدا منهم، فطلب إليه الشياطين قائلين: إن كنت ~~تخرجنا فأرسلنا إلى قطيع الخنازير فقال لهم: اذهبوا، وقال مرقس: فأذن لهم ~~يسوع، فللوقت خرجت الأرواح النجسة ودخلت في الخنازير وقال: متى: فلما ~~خرجوا ومضوا في الخنازير وإذا بقطيع خنازير قد وثب على جرف وتواقع في ~~البحر ومات جميعه في المياه، وأن الرعاة هربوا ومضوا إلى المدينة ~~وأخبروهم بكل شيء وبالمجنونين، فخرج كل من في المدينة للقاء يسوع؛ قال ~~مرقس: وأبصروا ذلك المجنون جالسا لابسا عفيفا فخافوا، فلما أبصروه - ~~يعني عيسى عليه الصلاة والسلام - طلبوا إليه أن يتحول عن تخومهم؛ قال ~~لوقا: لأنهم خافوا عظيما، وقال مرقس: فلما صعد السفينة طلب إليه المجنون ~~أن يكون معه فلم يدعه يسوع لكن قال له امض إلى بيتك وعرفهم صنع الرب بك ms0579 ~~ورحمته إياك، فذهب وكرز في العشرة مدن، وقال كل ما صنع به يسوع فتعجب ~~جميعهم؛ وفي إنجيل لوقا معناه، وفي آخره: فذهب وكان ينادي في المدينة ~~كلها بكل ما صنعه معه يسوع؛ وفي إنجيل متى: فلما خرج يسوع من هناك قدموا ~~إليه أخرس به شيطان، فلما خرج الشيطان تكلم الأخرس، فتعجب الجميع قائلين: ~~لم يظهر قط هكذا في بني إسرائيل، فقال الفريسيون: إنه باركون الشياطين ~~يخرج الشياطين. # ثم قال: حينئذ أتى إليه بأعمى به شيطان أخرس، فأبرأه حتى أن الأخرس تكلم ~~وأبصر، فبهت الجمع كلهم وقالوا: لعل هذا هو ابن داود، فتسمع الفريسيون ~~فقالوا: هذا لا يخرج الشياطين إلا بباعل زبول رئيس الشياطين. # وفيه بعد ذلك: فلما جاء إلى الجمع جاء إليه إنسان ساجدا له قائلا: يا ~~رب! وفي إنجيل لوقا: يا معلم! ارحم ابني، فإنه يعذب في رؤوس الأهلة، ~~ومرارا كثيرة يريد أن ينطلق في النار، ومرارا كثيرة في الماء؛ وفي ~~إنجيل مرقس: قد أتيتك يا بني! وبه روح نجس وحيث ما أدركه صرعه وأزبده ~~وضرر أسنانه فتركه يابسا، وفي إنجيل لوقا: أضرع إليك أن تنظر إلى ابني، ~~لأنه وحيدي، وروح يأخذه فيصرخ بغتة ويلبطه بجهل، ويزيد عند انفصاله عنه ~~ويرضضه، وضرعت لتلاميذك أن يخرجوه فلم يقدروا؛ وفي إنجيل متى: وقدمته إلى ~~تلاميذك فلم يقدروا أن يبرئوه، أجاب يسوع: أيها الجيل الأعوج الغير مؤمن! ~~إلى متى أكون معكم! وحتى متى أحتملكم! قدمه إلى هنا؛ وفي إنجيل لوقا: ~~وفيما هو جاء به طرحه الشيطان ولبطه؛ وفي إنجيل مرقس: فلما رأته الروح ~~النجسة من ساعته صرعته وسقط على الأرض مضطربا مزبدا؛ ثم قال لأبيه: من ~~كم أصابه هذا؟ فقال: منذ صباه، ثم قال ما معناه: افعل معه ما استطعت ~~وتحنن علينا، فقال له يسوع: كل شيء مستطاع للمؤمن، فصاح أبو الصبي وقال: ~~أنا أومن فأعن ضعف إيماني، فلما رأى يسوع تكاثر الجمع انتهر الروح النجس ~~وقال: يا أيها الروح الأصم الغير ناطق! أنا آمرك أن تخرج منه ولا تدخل ~~فيه، فصرخ ms0580 ولبطه كثيرا وخرج منه وصار كالميت، وقال كثير: إنه مات، فأمسك ~~يسوع بيده وأقامه فوقف؛ وفي إنجيل متى: فانتهره يسوع فخرج منه الشيطان ~~وبرىء الفتى في تلك الساعة، حينئذ أتى التلامذة إلى يسوع منفردين وقالوا ~~له: لماذا لم نقدر نحن نخرجه؟ فقال لهم يسوع: من أجل قلة إيمانكم، الحق ~~أقول لكم أن لو كان لكم إيمان مثل حبة خردل لقلتم لهذا الجبل: انتقل من ~~هاهنا إلى هناك، فينتقل ولا يعسر عليكم شيء، وهذا الجنس لا يخرج إلا ~~بالصوم والصلاة؛ وقال مرقس: لا يستطاع أن يخرج بشيء إلا بصلاة وصوم؛ وقال ~~في إنجيل مرقس: إنه كان يعلم في كفرناحوم مدينة في الجليل، قال: وكان في ~~مجمعهم رجل فيه روح شيطان نجس فصاح بصوت عظيم قائلا: ما لنا ولك يا يسوع ~~الناصري! أتيت لتهلكنا! قد عرفنا من أنت يا قدوس الله! فنهره يسوع ~~قائلا: اسدد فاك واخرج منه! فأقلقته الروح النجسة وصاح بصوت عظيم وخرج ~~منه؛ وفي إنجيل لوقا: فطرحه الشيطان في وسطهم وخرج منه ولم يؤلمه وخاف ~~الجمع مخاطبين بعضهم بعضا قائلين: ما هو هذا العلم الجديد الذي سلطانه ~~يأمر الأرواح النجسة فتطيعه! وخرج خبره في كل كورة الجليل؛ وفيه: ثم قام ~~من هناك وذهب إلى تخوم صور وصيدا ودخل إلى بيت فأراد أن لا يعلم أحد ~~به، فلم يقدر أن يختفي، فلما سمعت امرأة كانت بابنة لها روح نجس جاءت ~~إليه وسجدت قدام قدميه، وكانت يونانية صورية، وسألته أن يخرج الشيطان من ~~ابنتها، فقال لها: دعي البنين حتى يشبعوا أولا، لا تحسبن أن يؤخذ خبز ~~البنين يدفع للكلاب، وأجابت بنعم يا رب! والكلاب أيضا تأخذ مما يسقط من ~~المائدة من فتات الأطفال، فقال لها من أجل هذه الكلمة: اذهبي قد خرج ~~الشيطان من ابنتك، فذهبت إلى بنتها فوجدت الصبية على السرير والشيطان قد ~~خرج منها؛ وفي آخر إنجيل مرقس: إنه أخرج من مريم المجدلانية سبعة شياطين؛ ~~وفي إنجيل لوقا: وكان بعد ذلك يسير إلى كل مدينة وقرية ويكرز ويكبر ~~بملكوت ms0581 الله ومعه الاثنا عشر ونسوة كن أبرأهن من الأمراض والأرواح ~~الخبيثة: مريم التي تدعى المجدلانية التي أخرج منها سبعة شياطين ومرثا ~~امراة خوزي خازن هين ودس وسوسنة وأخوات كثيرات؛ وفي إنجيل لوقا: وفيما هو ~~يعلم في أحد المجامع في السبت فإذا امرأة معها روح مزمن منذ ثمان عشرة ~~سنة وكانت منحنية لا تقدر أن تستوي البتة، فنظر إليها يسوع وقال: يا ~~امرأة! أنت محلولة من مرضك ووضع يده عليها، فاستقامت للوقت ومجدت الله، ~~فأجاب رئيس الجماعة وهو مغضب وقال للجميع: لكم ستة أيام ينبغي العمل فيها ~~وفيها تأتون وتستشفعون إلا في السبت! فقال: يا مراؤون! واحد منكم يحل ~~ثوره أو حماره من المدود في السبت ويذهب فيسقيه وهذه ابنة إبراهيم كان ~~الشيطان قد ربطها منذ ثمان عشرة سنة! أما كان يحل أن تطلق من هذا الرباط ~~في يوم السبت؟ فلما قال هذا الكلام أخزى كل من كان يقاومه. # وكل الشعب كانوا يفرحون بالأعمال الحسنة التي كانت منه - انتهى. # وإنما كتبت هذا مع كون ما نقل عن نبينا صلى الله عليه وسلم كافيا لأنه ~~لا يدفع أن يكون فيه إيناس له ومصادقة تزيد في الإيمان مع أن فيه دلائل ~~رادة على النصارى في ادعائهم التثليث والاتحاد وأحسن ما رد على الإنسان ~~من كلامه وبما يعتقده، وسيأتي إن شاء الله سبحانه وتعالى في المائدة عند ~~قوله سبحانه وتعالى: { وما من إله إلا الله } ما يلتفت إلى بعض هذا ~~ويشرحه شرحا جيدا نافعا وكذا في جميع ما أنقله من الإنجيل كما ستراه ~~إن شاء الله تعالى في مواضعه، وكل ما فيه من متشابه لم تألفه مما يوهم ~~اتحادا أو تثليثا فلا تزدد نفرتك منه وراجع ما سيقرر في آل عمران ~~وغيرها يرجع معك إلى المحكم رجوعا جليا، على أن أكثره إذا تؤملت أطرافه ~~وجدته لا شبهة فيه أصلا، وإن لم تكن أهلا للجري في مضمار ما ينسب إلى ~~أمير المؤمنين علي رضي الله تعالى عنه: كن ممن يعرف الرجال بالحق ولا تكن ~~ممن ms0582 يعرف الحق بالرجال، فانظر كتاب الرد الجميل لإلهية عيسى بصريح ~~الإنجيل لحجة الإسلام أبي حامد الغزالي رحمه الله تعالى تجده أول كثيرا ~~مما ذكرته بمثل تأويلي أو قريب منه، ولم أر كتابه إلا بعد كتابتي لذلك - ~~والله سبحانه وتعالى الموفق. # وفي الآية إشارة إلى أنه سبحانه وتعالى قضى بنزع نور العقل من المربي ~~ودل على ذلك بقوله: { ذلك } أي الأمر البعيد من الصواب { بأنهم } أي ~~المربون { قالوا } جدالا لأهل الله { إنما البيع } أي الذي تحصرون الحل ~~فيه يا أهل الإسلام { مثل الربا } في أن كلا منهما معاوضة، فنحن نتعاطى ~~الربا كما تتعاطون أنتم البيع، فما لكم تنكرونه علينا؟ فجعلهم الربا ~~أصلا انسلاخ مما أودعه الله في نور العقل وحكم الشرع وسلامة الطبع من ~~الحكمة؛ والبيع كما عرفه الفقهاء نقل ملك بثمن. وقال الحرالي: هو رغبة ~~المالك عما في يده إلى ما في يد غيره، والشراء رغبة المستملك فيما في يد ~~غيره بمعاوضة بما في يده مما رغب عنه، فلذلك كل شار بائع { وأحل } أي ~~والحال أنه أحل { الله } الذي له تمام العظمة المقتضية للعدل { البيع } ~~أي لما فيه من عدل الانتفاع، لأنه معاوضة على سبيل النصفة للتراضي من ~~الجانبين، لأن الغبن فيه غير محقق على واحد منهما، لأن من اشترى ما يساوي ~~درهما بدرهمين يمكن أن يبيعه بعد ذلك لرواجه أو وجود راغب فيه لأمر دعاه ~~إليه بثلاثة { وحرم الربا } لما فيه من اختصاص أحد المتعاملين بالضرر ~~والغبن والآخر بالاستئثار على وجه التحقيق، فإن من أخذ درهما بدرهمين لا ~~يرجى خير ما فاته من ذلك الوجه أصلا، وكذلك ربا المضاعفة وهو ما إذا طلب ~~دينه فكان الغريم معسرا فألزمه بالدفع أو الزيادة في الدين فإنه ليس في ~~مقابلة هذا الزائد شيء ينتفع به المدين. قال الحرالي: فيقع الإيثار قهرا ~~وذلك الجور الذي يقابله العدل الذي غايته الفضل، فأجور الجور في الأموال ~~الربا، وأجور الجور في الربا الربا كالذي يقتل بقتيل قتيلين، وكل من طفف ~~في ميزان فتطفيفه ربا بوجه ما؛ ms0583 ولذلك تعددت أبواب الربا وتكثرت؛ قال قال ~~صلى الله عليه وسلم: " الربا بضع وسبعون بابا، والشرك مثل ذلك وهذا رأسه ~~" وهو ما كانت تتعامل به أهل الجاهلية، من قولهم: إما أن تربي وإما أن ~~تقضي، ثم لحق به سائر أبوابه، فهو انتفاع للمربي وتضرر للذي يعطي الربا، ~~وهذا أشد الجور بين العبيد الذين حظهم التساوي في أمر بلغة الدنيا؛ فكما ~~أعلمهم سبحانه وتعالى أثر حكمة الخير في الإنفاق أعلمهم أثر حكمة الشر في ~~الربا في دار الآخرة وفي غيب أمر الدنيا وكما أنه يعجل للمنفق خلفا في ~~الدنيا كذلك يعجل للمربي محقا في الدنيا حسب ما صرح به الخطاب بعد هذا ~~الإشعار - انتهى. # ومادة بيع بجميع تقاليبها التسعة يائية وواوية مهموزة وغير مهموزة: بيع ~~وعيب وعبي وبوع وبعو ووبع ووعب وعبو وعبا - تدور على الاتساع، فالبيع ~~يدور على التصرف التام بالقوة تارة وبالفعل أخرى، والذي بالفعل يكون ~~بالملك تارة وبغيره أخرى، والذي بالملك يكون بالتحصيل تارة وبالإزالة ~~أخرى، ولا يخفى أن كل ذلك من الاتساع فمن الذي بالقوة: باعه من السلطان ~~سعى به إليه، وامرأة بائع إذا كانت نافقة لجمالها، والبياعة السلعة، ~~والبيع كسيد: المساوم، وأبعته بمعنى عرضته للبيع؛ ومن الذي بالفعل من ~~غير ملك: باع على بيعه أي قام مقامه في المنزلة والرفعة وظفر به، وكذا ~~أبعت الرجل فرسا أي أعرته إياه ليغزو عليه؛ ومن الذي بالملك إزالة: بعته ~~وأبعته أي أزلت ملكي عنه بثمن، واستباعه سأله أن يبيعه منه، وانباع نفق، ~~وانباع لي في سلعته سامح في بيعها وامتد إلى الإجابة إليه؛ ومن الذي ~~بالملك تحصيلا: باع الشيء بمعنى اشتراه. قال الفارابي في ديوان الأدب: ~~قال أبو ثروان: بع لي تمرا بدرهم - يريد اشتر، وهذا الحرف من الأضداد، ~~وابتاعه: اشتراه. والعيب بمعنى الوصمة توسع الكلام في العرض وسببه توسع ~~الإنسان في قول أو فعل على غير منهاج العقل، والعيبة وعاء من أدم يوضع ~~فيه المتاع وهي أيضا الصدر والقلب وموضع السر، والعائب من اللبن الخادر ~~أي الآخذ طعم ms0584 حموضة إما من العيب وإما لأنه انتشر عن طعمه الأول؛ ~~والعباية ضرب من الأكسية لاتساعه عن الأزر ونحوها طولا وعرضا والرجل ~~الجافي الثقيل تشبيها بها في الخشونة والثقالة، وتعبئة الجيش تهيئته من ~~موضعه كأن مراكزه عياب له وضعت كل فرقة منه في عيبتها، وعيبك من الجزور ~~نصيبك، والتعابي أن يميل رجل مع قوم وآخر مع آخرين لأن ذلك اتساع ~~بالفريقين وانتشار من الرجلين؛ ومن المهموز العبء - بالكسر وهو الحمل ~~الثقيل من أي شيء كان لأنه بقدر وسع الحامل أو فوق وسعه وهو أوسع مما ~~دونه من الأحمال، وهو أيضا العدل لأنه يسع ما يوضع فيه والمثل، ويفتح ~~لأن الاثنين أوسع من الواحد، والعبء بالفتح ضياء الشمس وهو واضح في ~~السعة، وعبأ المتاع والأمر كمنع هيأ كعبأه تعبئة لأنه أعطاه ما يسعه ~~ووضعه في مواضع تسعه، والطيب صنعه وخلطه فاتسع بالخلط وانتشرت رائحته ~~بالصنعة؛ والعباء كساء معروف وهو يسع ما يلف به كالعباية، والأحمق الثقيل ~~الوخم وتقدم تخريجه ويمكن جعله من العبء بمعنى الحمل وبمعنى الثقيل ~~والمعبأة كمكنسة خرقة الحائض لأنها بقدر ما يسعه الفرج، والمعبأ كمقعد ~~المذهب لاتساعه للذاهب فيه، وما أعبأ به ما أصنع، وبفلان: ما أبالي أي ما ~~أوسع الفكر فيه - انتهى المهموز؛ والباع قدر مد اليدين والشرف والكرم، ~~والبوع أبعاد خطو الفرس في جريه، وبسط اليد بالمال، والمكان المنهضم أي ~~المطمئن في لصب الجبل - واللصب بالكسر الشعب الصغير من الجبل أضيق من ~~اللهب وأوسع من الشقب، واللهب مهواة ما بين كل جبلين أو الصدع في الجبل ~~أو الشعب الصغير، والشعب بالعين الطريق في الجبل ومسيل الماء في بطن أرض ~~أو ما انفرج بين الجبلين، والشقب بالقاف صدع يكون في لهوب الجبال ولصوب ~~الأودية دون الكهف توكر فيه الطير - وباعة الدار ساحتها، والبائع ولد ~~الظبي إذا باع في مشيه، وانباع العرق سال، والحية بسطت نفسها بعد تحويها ~~لتساور؛ والوباعة الاست لاتساعها بخروج الخارج منها، وكذبت وباعته أي ~~حبق يعني ضرط، والوباعة من الصبي ما يتحرك من يافوخه لامتداده ms0585 إلى ~~الحركة، ووعبه كوعده أخذه أجمع، كأوعبه واستوعبه، وأوعب جمع، والشيء في ~~الشيء أدخله كله أي وسعه حتى دخل فيه، والوعب من الطرق: الواسعة، وبيت ~~وعيب واسع؛ والبعو الجناية والجرم لأن ذلك يوسع الكلام في العرض، وهو ~~أيضا العارية، وبعاه قمره وأصاب منه، وبعاه بالعين أصابه بها كأنه وسع ~~لعينه فيه حظا. # ولما كان الوعظ كما قال الحرالي دعوة الأشياء بما فيها من العبرة ~~للانقياد للإله الحق بما يخوفها ويقبضها في مقابلة التذكير بما يرجيها ~~ويبسطها، وكان فيما أخبر به سبحانه وتعالى عن حال المربي أتم زاجر لأن ~~أجل ما للإنسان بعد روحه عقله سبب عن ذلك قوله: { فمن جاءه } قال ~~الحرالي: أطلق الكلمة من علامة التأنيث النازل الرتبة ترفيعا لقدر هذه ~~الموعظة الخفية المدرك العظيمة الموقع { موعظة } بناء مبالغة وإعلاء لما ~~أشعرت المفعلة الزائدة الحروف على أصل لفظ الوعظ بما يشعر به الميم من ~~التمام والهاء من الانتهاء، فوضع الأحكام حكمة، والإعلام بثمراتها في ~~الآخرة موعظة تشوق النفس إلى رغبتها ورهبتها - انتهى. # ولما كان التخويف من المحسن أردع لأن النفس منه أقبل قال: { من ربه } أي ~~المربي له المحسن إليه بكل ما هو فيه من الخير. قال الحرالي: في إشعاره ~~أن من أصل التربية الحمية من هذا الربا - انتهى. { فانتهى } أي عما كان ~~سببا للوعظ. قال الحرالي: أتى بالفاء المعقبة فلم يجعل فيه فسحة ولا ~~قرارا عليه لما فيه من خبل العقل الذي هو أصل مزية الإنسانية وإن لم ~~يشعر به حكماء الدنيا ولا أطباؤها - انتهى. # ولما كان السياق بما أرشد إليه التعليل بقوله: { ذلك بأنهم قالوا } ~~دالا على أن الآية في الكفرة وأن المراد بالأكل الاستحلال أكد ذلك ~~بقوله: { فله ما سلف } أي من قبيح ما ارتكبه بعد أن كان عليه ولا يتبعه ~~شيء من جريرته لأن الإسلام يجب ما قبله وتوبة المؤمن لا تجب المظالم. قال ~~الحرالي: والسلف هو الأمر الماضي بكليته الباقي بخلفه، وقال: في إعلامه ~~إيذان بتحليل ما استقر في أيديهم من ربا الجاهلية ببركة ms0586 توبتهم من ~~استئناف العمل به في الإسلام لما كان الإسلام يجب ما قبله، وفي طي ~~إشعاره تعريض برده لمن يأخذ لنفسه بالأفضل ويقوي إشعاره قوله { وأمره إلى ~~الله } انتهى، أي فهو يعامله بما له من الجلال والإكرام بما يعلمه من ~~نيته من خلوص وغيره. # ولما كان المربون بعد هذه الزواجر بعيدين من رحمة الله عبر عنهم سبحانه ~~وتعالى بأداة البعد في قوله: { ومن عاد } أي إلى تحليل الربا بعد انتهائه ~~عنه نكوبا عن حكمة ربه { فأولئك } أي البعداء من الله { أصحاب النار } ~~ولما كانت نتيجة الصحبة الملازمة قال: { هم فيها خالدون* }. # ولما كان المرغب في الربا ما فيه من الربح الناجز المشاهد، والمفتر عن ~~الصدقة كونها نقصا محققا بالحس بين أن الربا وإن كان بصورة الزيادة ~~فهو نقص وأن الصدقة وإن كانت بصورة النقص فهي زيادة لأن ذلك إنما هو بيده ~~سبحانه وتعالى فما شاء محقه وإن كان كثيرا أو ما أراد نماه وإن كان ~~يسيرا فقال كالتعليل للأمر بالصدقة والنهي عن الربا ولكون فاعله من أهل ~~النار: { يمحق الله } أي بما له من الجلال والقدرة { الربا } بما يفتح له ~~من أبواب المصارف. قال الحرالي: والمحق الإذهاب بالكلية بقوة وسطوة { ~~ويربي الصدقات } أي يزيد الصدقات بما يسد عنها مثل ذلك ويربح في ~~تقلباتها؛ ويجوز كونه استئنافا وذلك أنه لما تقرر أن فاعليه من أصحاب ~~النار ساقه مساق الجواب لمن كأنه قال: وإن تصدقوا من أموال الربا وأنفقوا ~~في سبيل الخير! إعلاما بأن الربا مناف للخير فهو مما يكون هباء منثورا. ~~ولما آذن جعلهم من أصحاب النار أن من لم ينته عن الربا أصلا أو انتهى ~~وعاد إلى فعله مرتبك في شرك الشرك قاطع نحوه عقبات: ثنتان منها في انتهاك ~~حرمة الله: ستر آياته في عدم الانتهاء، والاستهانة بها في العود إليه، ~~الثالثة انتهاك حرمة عباد الله فكان إثمه متكررا مبالغا فيه لا يقع إلا ~~كذلك عبر سبحانه وتعالى بصيغة المبالغة في قوله عطفا على ما تقديره ~~تعليلا لما قبله: فالمتصدق ms0587 مؤمن كريم والمربي كفار أثيم: { والله } ~~المتصف بجميع صفات الكمال { لا يحب كل كفار } أي في واجب الحق بجحد ما ~~شرع من آياته وسترها والاستهانة بها، أو كفار لنعمته سبحانه وتعالى ~~بالاستطالة بما أعطاه على سلب ما أعطى عباده { أثيم * } في واجب الخلق، ~~أي منهمك في تعاطي ما حرم من اختصاصاتهم بالربا وغيره، فلذا لا يفعل معهم ~~سبحانه وتعالى فعل المحب لا بالبركة في أموالهم ولا باليمن في أحوالهم، ~~وهذا النفي من عموم السلب، وطريقه أنك تعتبر النفي أولا ثم تنسبه إلى ~~الكل، فيكون المعنى: انتفى عن كل كفار أثيم حبه، وكذا كل ما ورد عليك من ~~أشباهه إن اعتبرت النسبة إلى الكل أولا ثم نفيت فهو لسلب العموم، وإن ~~اعتبرت النفي أولا ثم نسبته إلى الكل فلعموم السلب، وكذلك جميع القيود؛ ~~فالكلام المشتمل على نفي وقيد قد يكون لنفي التقييد وقد يكون لتقييد ~~النفي، فمثل: ما ضربته تأديبا، أي بل إهانة، سلب للتعليل والعمل للفعل، ~~وما ضربته إكراما له، أي تركت ضربه للإكرام، تعليل للسلب والعمل للنفي، ~~وما جاءني راكبا، أي بل ماشيا، نفي للكيفية، وما حج مستطيعا، أي ترك ~~الحج مع الاستطاعة، تكييف للنفي؛ وقد أشبع الشيخ سعد الدين التفتازاني ~~رحمه الله تعالى الكلام في ذلك في شرحه للمقاصد في بحث الرؤية عند ~~استدلال المعتزلة بقوله تعالى: # لا تدركه الأبصار # [الأنعام: 104]. ### || [2.277-282] # ولما بين تعالى ما سلبه عن الكافرين من محبته أتبعه ما أثبته للمؤمنين ~~المصدقين من رحمة الملوح إليهم فيما قبل بالعطف على غير معطوف عليه ظاهر ~~كما تقدم آنفا على وجه لم يخله من ذكر النفقة فقال تعالى مشيرا إلى ~~قسيم { ومن عاد } { إن الذين آمنوا } أي صدقوا بجميع ما أتتهم به الرسل ~~صلوات الله وسلامه عليهم عن الله سبحانه وتعالى { وعملوا } تصديقا ~~لإيمانهم { الصالحات } ائتمارا وانتهاء لا سيما ترك الربا. # ولما كانت الصلاة زبدة الدين فيما بين الحق والخلق خصها بالذكر فقال: { ~~وأقاموا الصلاة } بجميع حدودها # إن الصلاة تنهى عن الفحشآء والمنكر # [العنكبوت: 45]. ولما كان ms0588 الإيثار أجل ما بين الحق والخلق وزبدته إخراج ~~الواجب من المال عن طيب نفس قال: { وآتوا الزكاة } فضلا عن أن يبخلوا ~~فضلا عن أن يربوا ودل على أن جزاءهم بحسب النيات لثباتهم في فتنة الردة ~~بقوله: { لهم أجرهم } وأعلم بحفظه وتنميمته بقوله: { عند ربهم } وآذن ~~بتمام الانتفاع بقوله: { ولا خوف عليهم } أي من طارق يطرقهم بغير ما ~~يلائمهم لأنهم في كنف العزيز العليم { ولا هم يحزنون } على شيء فاتهم فهم ~~في غاية الرضى بما هم فيه، ولعظيم الجدوى في ذلك كرره في هذه الآيات غير ~~مرة ونوه به كرة في أثر كرة. # ولما كانت نتيجة الآية الماضية في الاعتماد على ما عند الله سبحانه ~~وتعالى من الأجر وعدم الحزن على ما فات من ربا وغيره والخوف من شيء آت من ~~فقر أو غيره ترك كل شيء ينسب إلى الربا وكان بين أهل الإسلام وأهل ~~الجاهلية وبين بعضهم وبعض معاملات في الجاهلية ربوية لم تتم بعد بين ~~أمرها نفيا لما قد يتوهم من قوله سابقا { فله ما سلف } من تحليل بقايا ~~الربا وأن النهي خاص بما تجدد منه فقال مخاطبا لأقرب من ذكره ممن تلبس ~~بالإيمان ولم يلتفت إلى غيرهم تشريفا لهم: { يا أيها الذين آمنوا } أي ~~أقروا بالتصديق بألسنتهم. ولما كان الربا قد يكون مؤجلا فيكون صاحبه قد ~~مضت عليه مدد وهو موطن نفسه على أخذه فيصير الكف عنه يعدل الموت عنده ~~أبلغ سبحانه وتعالى في التشديد في هذه المواعظ فقال: { اتقوا الله } أي ~~الذي له جميع العظمة تصديقا لإقراركم { وذروا } أي اتركوا أي ترك كان { ~~ما بقي من الربا } أي الذي كنتم تتعاملون به فلا تستحلوه ولا تأكلوه. # ولما لوح في أول الآية إلى أن من أصر فهو غير صادق في دعوى الإيمان صرح ~~بذلك في آخرها فقال: { إن كنتم مؤمنين } أي متصفين بما ذكرتموه بألسنتكم. ~~قال الحرالي: فبين أن الربا والإيمان لا يجتمعان وأكثر بلايا هذه الأمة ~~حتى أصابها ما أصاب بني إسرائيل من البأس الشنيع والانتقام بالسنين ms0589 إنما ~~هو من عمل من عمل بالربا، وهذه الآية أصل عظيم في أحكام الكفار إذا ~~أسلموا فما مضى منها لم ينقص وما لم يمض لم يفعل - نبه عليه الأصبهاني. # ولما كان من حق من عاند السيد الأخذ سبب عن ذلك قوله: { فإن لم تفعلوا } ~~أي ترك الربا. قال الحرالي: في إشعاره أن طائقة منهم لا يذرونه بعد ~~تحريمه بما أنهم ليسوا من الذين كانوا مؤمنين - انتهى. { فأذنوا بحرب } ~~أي عظيمة. قال الحرالي: والحرب مدافعة بشدة عن اتساع، المدافع بما يطلب ~~منه الخروج عنه فلا يسمح به ويدافع عنه بأشد مستطاع؛ ثم عظم أمرها بإيراد ~~الاسم الأعظم فقال: { من الله } العظيم الجليل { ورسوله } صلى الله عليه ~~وسلم الذي هو أعظم الخلائق بتشريفه بالإضافة إليه. وقال الحرالي: الذي ~~هيأه للرحمة، فكان نبي الرحمة محاربا له، فانقطعت وصلته من الرحيم ~~والشفيع - انتهى. { وإن تبتم } أي فعلتم بعد الإذن بالقتال أو قبله ما ~~أمركم الله به من ترك ما بقي منه { فلكم رؤوس أموالكم } أي كما هو حال ~~البيع. ولما كان ذلك هو العدل لأنه الحق قال: { لا تظلمون } أي بأخذ شيء ~~مما بقي من الربا { ولا تظلمون } بنقص من رأس المال أو دفع بمطال لأنه ~~الحق. ولما كان الناس منقسمين إلى موسر ومعسر أي غني وفقير كان كأنه قيل: ~~هذا حكم الموسر { وإن كان } أي وجد من المدينين { ذو عسرة } لا يقدر على ~~الأداء في هذا الوقت { فنظرة } أي فعليكم نظرة له. قال الحرالي: وهو ~~التأخير المرتقب نجازه { إلى ميسرة } إن لم ترضوا إلا بأخذ أموالكم؛ وقرأ ~~نافع وحمزة بضم السين؛ قال الحرالي: إنباء عن استيلاء اليسر وهي أوسع ~~النظرتين، والباقون بالفتح إنباء عن توسطها ليكون اليسر في مرتبتين، فمن ~~انتظر إلى أوسع اليسرين كان أفضل توبة - انتهى. { وأن تصدقوا } أي ~~وصدقتكم على المعسر بتركه له، ذلكم { خير } في الدنيا بما يبارك الله ~~سبحانه وتعالى { لكم } ويعوضكم وفي الآخرة بما يجزل لكم من الأجر. # ولما كان كل أحد يدعي العلم ويأنف أشد أنفة ms0590 من النسبة إلى الجهل قال: { ~~إن كنتم تعلمون } أي إن كنتم من ذوي العلم فأنتم تعرفون صحة ما دعوتكم ~~إليه مما يقتضي الإدبار عنه أو الإقبال عليه، فإذا تحققتم ذلك فامتثلوه ~~فإنه يقبح على العلم بقبح الشيء الإصرار عليه وإلا فبينوا أنه ليس بخير ~~وإلا فأنتم من أهل الاعوجاج بالجهل تقومون بالحرب والضرب والطعن كالسباع ~~الضارية والذئاب العاوية. وقال الحرالي: فأعلم سبحانه وتعالى أن من وضع ~~كيانه للعلم فكان ممن يدوم علمه؟ تنبه لأن خير الترك خير من خير الأخذ ~~فأحسن بترك جميعه - انتهى. # وروى البخاري في التفسير عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: # " لما أنزلت الآيات الأواخر - وفي رواية: من آخر سورة البقرة في الربا - ~~قرأهن النبي صلى الله عليه وسلم وفي رواية: على الناس في المسجد - ثم حرم ~~التجارة في الخمر " # وله عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: # " آخر آية نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم آية الربا " # ولأبي عبيد عن ابن شهاب قال: آخر القرآن عهدا بالعرش آية الربا وآية ~~الدين. وله عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: آخر آية نزلت من ~~القرآن { واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله } [البقرة: 281] قال: زعموا ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكث بعدها تسع ليال وبدىء به يوم السبت ~~ومات يوم الاثنين - انتهى. ولا مخالفة لأنها من آية الربا والدين. وروى ~~الحديث أبو عمرو الداني في كتاب " البيان في عدد آي القرآن " وقال فيه: " ~~قال الملك: اجعلها على رأس ثمانين ومائتين من البقرة ". # ولما كان من المعلوم أنه لا يدفعه حجة كان التقدير: فامتثلوا ما أمرتم ~~به واجتنبوا ما نهيتم عنه، فعطف عليه تخويفا من يوم العرض عليه ~~والمجازاة بين يديه فقال - وقال الحرالي: لما أنهي الخطاب بأمر الدين ~~وعلنه وأمر الآخرة على وجوهها وإظهار حكمتها المرتبطة بأمر الدنيا وبين ~~أمر الإنفاق والربا الذي هو غاية أمر الدين والدنيا في صلاحهما وأنهى ذلك ~~إلى الموعظة بموعود جزائه في الدنيا والآخرة أجمل الموعظة بتقوى ms0591 يوم ~~الرجعة إلى إحاطة أمره ليقع الختم بأجمل موعظة وأشملها ليكون انتهاء ~~الخطاب على ترهيب الأنفس لتجتمع عزائمها على ما هو ملاك أمرها من قبول ~~صلاح دينها ودنياها ومعادها من خطاب الله سبحانه وتعالى لها فختم ذلك ~~بكمال معناه بهذه الآية كما أنها هي الآية التي ختم بها التنزيل أنزلت ~~على النبي صلى الله عليه وسلم هو في الشكاية وهي آخر آية أنزلت على النبي ~~صلى الله عليه وسلم في مقابلة # اقرأ باسم ربك # [العلق: 1] الذي هو أول منزل النبوة و # يا أيها المدثر # [المدثر: 1] الذي هو أول منزل الرسالة فكان أول الأمر نذارة وآخره موعظة ~~تبعث النفس على الخوف وتبعث القلب على الشوق من معنى ما انختم به أمر ~~خطاب الله سبحانه وتعالى في آية # مالك يوم الدين # [الفاتحة: 4] انتهى - فقال تعالى: { واتقوا يوما } أي في غاية العظم { ~~ترجعون فيه } حسا بذواتكم كما أنتم في الدنيا ومعنى بجميع أموركم رجوعا ~~ظاهرا لا يحجبه شيء من الأسباب ولا يحول دونه عارض ارتياب { إلى الله } ~~الذي لا يحصر عظمته وصف ولا يحيط بها حد، فيكون حالكم بعد النقلة من ~~الدنيا كحالكم قبل البروز إليها من البطن لا تصرف لكم أصلا ولا متصرف ~~فيكم إلا الله ويكون حالكم في ذلك اليوم الإعسار، لأنه لا يمكن أحد أن ~~يكافىء ما لله سبحانه وتعالى عليه من نعمه، فمن نوقش الحساب عذب؛ فإن ~~كنتم تحبون المجاوزة عنكم هنالك فتجاوزوا أنتم عن إخوانكم اليوم، وتصدقوا ~~ما دمتم قادرين على الصدقة، واتقوا النار في ذلك اليوم ولو بشق تمرة؛ ~~وأشار سبحانه وتعالى إلى طول وقوفهم ذلك الموقف في مقام الهيبة وتمادي ~~حبسهم في مشهد الجلال والعظمة بأداة التراخي في قوله { ثم } قال الحرالي ~~وقيل: # " يا رسول الله! أين يكون الناس { يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات } ~~[إبراهيم: 48]؟ قال: في الظلمة دون الجسر " # وقال صلى الله عليه وسلم: # " يقيمون في الظلمة ألف سنة " # وورد عن علي رضي الله تعالى عنه في تفصيل مواقف يوم الجزاء أن الخلق ~~يوقفون ms0592 على قبورهم ألف سنة ويساقون إلى المحشر ألف سنة، ويوقفون في ~~الظلمة ألف سنة؛ ثم يكون انشقاق السماوات السبع وتبديل الأرض وما شاء ~~الله سبحانه وتعالى من أمره انتظارا لمجيئه؛ ففي عبرة مقاله والله ~~سبحانه وتعالى أعلم أن ذلك يكون ستة آلاف سنة وأنها كما بنيت في ستة أيام ~~تهدم في ستة أيام # كما بدأنا أول خلق نعيده # [الأنبياء: 104]، فيكون ذلك تسعة أيام؛ ويكون مجيئه في اليوم العاشر ~~الذي هو يوم عاشوراء ذلك اليوم الذي تكرر مجيء أمره فيه في يوم الدنيا - ~~ثم وصف صلى الله عليه وسلم المواقف إلى منتهاها - انتهى. # ولما كان إيقاف الإنسان على كل ما عمل من سر وعلن في غاية الكراهة إليه ~~فضلا عن جزائه على كل شيء منه لا بالنسبة إلى موقف معين بني للمفعول ~~قوله: { توفى } أي تعطى على سبيل الوفاء { كل نفس ما كسبت } من خير وشر. ~~قال الحرالي: جاء بصيغة فعل المشعر بجري العمل على غير تكلف وتحمل، ففي ~~إشعاره أنها توفى ما كسبت من الخير وما كونت له من الشر وأن ما تكلفته من ~~الشر وفي دخلتها كراهية ربما غفر لها حيث لم تكن توفى ما كسبت وما اكتسبت ~~كما قال في الآية التي بعدها # لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت # [البقرة: 286] فكان مكتسبها عليها وربما غفر لها فإنها وفيت ما كسبته من ~~الشر واشتمل عليه ظاهرها وباطنها حتى يسرت له - انتهى. # ولما كانت عادة الناس أنه إذا بقي شيء يسير وقع في محل المسامحة وكان ~~اليسير يختلف باختلاف الأصل فالألف مثلا يتسامح فيه بمائة مثلا بين أن ~~الأمر عنده على غير ذلك فقال: { وهم لا يظلمون * } شيئا من الأشياء ولو ~~قل، وهذا إشارة إلى العدل بين عباده قال الحرالي: وهذه الآية ختم ~~للتنزيل وختم لتمام المعنى في هذه السورة التي هي سنام القرآن وفسطاطه ~~وختم لكل موعظة وكل ختم، فهو من خواص المحمدية الجامعة المفصلة من سورة ~~الحمد المشيرة إلى تفاصيل عظيم أمر الله في حقه وفي خلقه وفيما ms0593 بينه وبين ~~خلقه - انتهى. # ولما نهى سبحانه وتعالى عن الربا وكان أحد مدايناتهم وكان غيره من الدين ~~مأذونا فيه وهو من أنواع الإنفاق مع دخوله في المطالبة برؤوس الأموال ~~عقب ذلك بآية الدين. وأيضا فإنه سبحانه وتعالى لما ذكر في المال أمرين ~~ينقصانه ظاهرا ويزكيانه باطنا: الصدقة وترك الربا، وأذن في رؤوس ~~الأموال وأمر بالإنظار في الإعسار وختم بالتهديد فكان ذلك ربما أطمع ~~المدين في شيء من الدين ولو بدعوى الإعسار اقتضى حال الإنسان لما له من ~~النقصان الإرشاد إلى حفظ المال الحلال وصونه عن الفساد والتنبيه على ~~كيفية التوثق فقال: { يا أيها الذين آمنوا } كالذي تقدمه { إذا تداينتم } ~~من التداين تفاعل بين اثنين من الدين، والدين في الأمر الظاهر معاملة على ~~تأخير كما أن الدين بالكسر فيما بين العبد وبين الله سبحانه وتعالى ~~معاملة على تأخير - قاله الحرالي. أي أوقعتم بينكم ذلك. والدين مال مرسل ~~في الذمة سواء كان مؤجلا أو لا، وهو خلاف الحاضر والعين، وقال: { بدين } ~~مع دلالة الفعل عليه ليخرج بيع الدين بالدين، لأنه مداينة بدينين. قال ~~الحرالي: فكان في إعلامه أي بالإتيان بصيغة إذا أنهم لا بد أن يتداينوا ~~لأنها حين منتظر في أغلب معناها - انتهى. وأرشد إلى ضبطه بالوقت إشارة ~~إلى أنه يجوز كونه حالا وإلى أن الأجل وهو الوقت المحدود وأصله التأخير ~~إن كان مجهولا كان باطلا بقوله: { إلى أجل مسمى } قال الحرالي: من ~~التسمية وهي إبداء الشيء باسمه للسمع في معنى المصور - وهو إبداء الشيء ~~بصورته في العين. # ولما كان الله سبحانه وتعالى وهو العليم الخبير قد أجرى سنته في دينه ~~بالكتابة فأمر ملائكته وهم الأمناء العدول بإثبات أعمال الخلق لحكم ~~ومصالح لا تخفى وأنزل كتابه الشريف شهادة لهم وعليهم بما يوفونه في يوم ~~الدين من ثواب وعقاب قطعا لحججهم أمرهم أن يكون عملهم في الدين كما كان ~~فعله في الدين فأرشدهم إلى إثبات ما يكون دينهم من المعاملات لئلا يجر ~~ذلك إلى المخاصمات فقال سبحانه وتعالى أمرا للإرشاد لا للإيجاب { ~~فاكتبوه ms0594 } وفي ذكر الأجل إشارة إلى البعث الذي وقع الوعد بالوفاء فيه # أفحسبتم إنما خلقناكم عبثا وإنكم إلينا لا ترجعون * # [المؤمنون: 115] # ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده # [الأنعام: 2] ولما أمر بالكتابة وكان المراد تحصيلها في الجملة لا من ~~أحد بعينه لأن أغلب الناس لا يحسنها أتبعها الإرشاد إلى تخير الكاتب ~~بقوله: { وليكتب بينكم } أي الدين المذكور { كاتب } وإن كان صبيا أو ~~عبدا كتابة مصحوبة { بالعدل } استنانا به سبحانه وتعالى في ملائكته # وإن عليكم لحافظين * كراما كاتبين * # [الانفطار: 10] # بأيدي سفرة * كرام بررة * # [عبس:15]. # ولما أرشد إلى تخير الكاتب تقدم إليه بالنهي تقديما لدرء المفاسد ثم ~~الأمر فقال: { ولا يأب كاتب أن يكتب } أي ما ندب إليه من ذلك { كما علمه ~~الله } أي لأجل الذي هو غني عنه وعن غيره من خلقه شكرا له على تلك ~~النعمة وكتابة مثل الكتابة التي علمها الله سبحانه وتعالى لا ينقص عنها ~~شيئا { فليكتب } وفي ذلك تنبيه على ما في بذل الجهد في النصيحة من ~~المشقة. # ولما كان ذلك وكان لا بد فيه من ممل بين من يصح إملاؤه للمكتوب فقال: { ~~وليملل } من الإملال وهو إلقاء ما تشتمل عليه الضمائر على اللسان قولا ~~وعلى الكتاب رسما - قاله الحرالي { الذي عليه الحق } ليشهد عليه ~~المستملي ومن يحضره. # ولما كانت الأنفس مجبولة على محبة الاستئثار على الغير حذرها مما لا يحل ~~من ذلك فقال: { وليتق الله } فعبر بالاسم الأعظم ليكون أزجر للمأمور ثم ~~قال: { ربه } تذكيرا بأنه لإحسانه لا يأمر إلا بخير، وترجية للعوض في ~~ذلك إذا أدى فيه الأمانة في الكم والكيف من الأجل وغيره؛ وأكد ذلك بقوله: ~~{ ولا يبخس } من البخس وهو أسوأ النقص الذي لا تسمح به الأنفس لبعده عن ~~محل السماح إلى وقوعه في حد الضيم { منه شيئا }. # ولما كان هذا المملي قد يكون لاغي العبارة وكان الإملاء لا يقدر عليه كل ~~أحد قال سبحانه وتعالى: { فإن كان الذي عليه الحق سفيها } فلا يعتبر ~~إقراره لضعف رأيه ونظره ونقص حظه من حكمة الدنيا { أو ضعيفا ms0595 } عن ~~الإملاء في ذلك الوقت لمرض أو غيره من صبا أو جنون أو هرم من الضعف وهو ~~وهن القوى حسا أو معنى { أو لا يستطيع أن يمل هو } كعي أو حياء أو عجمة ~~ونحوه { فليملل وليه } القائم لمصالحه من أب أو وصي أو حاكم أو ترجمان أو ~~وكيل { بالعدل } فلا يحيف عليه ولا على ذي الحق. قال الحرالي: فجعل لسان ~~الولي لسان المولى عليه، فكان فيه مثل لما نزل به الكتاب من إجراء كلام ~~الله سبحانه وتعالى على ألسنة خلقه في نحو ما تقدم من قوله: # إياك نعبد وإياك نستعين # [الفاتحة: 5] وما تفصل منها # الله ولي الذين آمنوا # [البقرة: 257] أمل ما عليهم من الحقوق له فجعل كلاما من كلامه يتلونه، ~~فكان الإملال منه لهم لتقاصرهم عن واجب حقه تقاصر السفيه ومن معه عن ~~إملال وليه عنه لرشده وقوته وتمكن استطاعته - انتهى. # ولما لم يكن بين الكتابة والشهادة ملازمة نص عليها وبين أهلها فقال: { ~~واستشهدوا } أي اطلبوا الشهادة وأوجدوها مع الكتابة ودونها { شهيدين } ~~قال الحرالي فجعل شهادة الدين باثنين كما جعل الشاهد في الدين اثنين: ~~شاهد التفكر في الآيات المرئية وشاهد التدبر للآيات المسموعة، وفي صيغة ~~فعيل مبالغة في المعنى في تحقق الوصف بالاستبصار والخبرة - انتهى. # ولما بين عدد الشاهد بين نوعه فقال: { من رجالكم } وأعلم بالإضافة ~~اشتراط كونه مسلما وإطلاق هذا الذي ينصرف إلى الكامل مع ما يؤيده في ~~الآية يفهم الحرية كقوله { ولا يأب الشهداء } والإتيان بصيغة المبالغة ~~في الشاهد وتقييده مع ذلك بالرضى وتعريف الشهداء ونحوه. قال الحرالي: ~~ولكثرة المداينة وعمومها وسع فيها الشهادة فقال: { فإن لم يكونا } أي ~~الشاهدان { رجلين } أي على صفة الرجولية كلاهما { فرجل وامرأتان } وفي ~~عموم معنى الكون إشعار بتطرق شهادة المرأتين مع إمكان طلب الرجل بوجه ما ~~من حيث لم يكن، فإن لم تجدوا ففيه تهدف للخلاف بوجه ما من حيث إن شمول ~~الكتاب توسعة في العلم سواء كان على تساو أو على ترتب؛ ولما كن ناقصات ~~عقل ودين جعل ثنتان منهن مكان ms0596 رجل - انتهى. ولما بين العدد بين الوصف ~~فقال: { ممن ترضون } أي في العدالة { من الشهداء } هذا في الديون ونحوها. ~~قال الحرالي: وفي مفهوم الشهادة استبصار نظر الشاهد لما في الشهود من ~~إدراك معنى خفي في صورة ظاهر يهدي إليها النظر النافذ - انتهى. # ولما شرط في القيام مقام الواحد من الرجال العدد من النساء علله بما ~~يشير إلى نقص الضبط فيهن فقال: { أن تضل إحداهما } أي تغيب عنها الشهادة ~~فتنساها أو شيئا منها { فتذكر إحداهما الأخرى } فتهتدي إلى ما ضلت عنه ~~بواسطة الذاكرة. قال الحرالي: بما هي أعرف بمداخل الضلال عليها، لأن ~~المتقاربين أقرب في التعاون، وفي قراءتي التخفيف والتثقيل إشعار بتصنيف ~~النساء صنفين في رتبة هذه الشهادة من يلحقها الضلال عن بعض ما شهدت فيه ~~حتى تذكر بالتخفيف ولا يتكرر عليها ذلك ومن شأنها أن يتكرر عليها ذلك، ~~وفي إبهامه بلفظ إحدى أي من غير اقتصار على الضمير الذي يعين ما يرجع ~~إليه إشعار أن ذلك يقع بينهما متناوبا حتى ربما ضلت هذه عن وجه وضلت تلك ~~عن وجه آخر فأذكرت كل واحدة منهما صاحبتها فلذلك يقوم بهما معا شاهد ~~واحد حافظ - انتهى. وفي ذكر الإذكار منع من الشهادة بدون الذكر، والآية ~~من الاحتباك. ولما أفهم ذلك الحث على الشهادة صرح به في قوله: { ولا يأب ~~الشهداء } أي تحمل الشهادة وأدائها بعد التحمل { إذا ما دعوا } دعاء ~~جازما بما أفهمته زيادة ما. # ولما تم ذلك وكان صغير الحق وكبيره ربما تركت تهاونا بالصغير ومللا ~~للكبير حذر من ذلك ولم يجعله في صلب الأمر قبل الإشهاد بل أفرده بالذكر ~~تعظيما لشأنه فقال: { ولا تسئموا } من السآمة. قال الحرالي: بناء مبالغة ~~وهو أشد الملالة { أن تكتبوه } أي لا تفعلوا فعل السئيم فتتركوا كتابته { ~~صغيرا } كان الدين { أو كبيرا } طالت الكتابة أو قصرت. # قال الحرالي: ولم يكن قليلا أو كثيرا، لأن الكثرة والقلة واقعة ~~بالنسبة إلى الشيء المعدود في ذاته، والصغير والكبير يقع بالنسبة إلى ~~المداين، فربما كان الكثير في العدد صغير القدر ms0597 عند الرجل الجليل ~~المقدار، وربما كان القليل العدد كثيرا بالنسبة إلى الرجل المشاحح فيه، ~~فكان الصغر والكبر أشمل وأرجع إلى حال المداين الذي هو المخاطب بأن يكتب ~~انتهى. { إلى أجله } أي الذي توافقتم وتواثقتم عليه. # ولما كان كأنه قيل: ما فائدة ذلك؟ فقيل: { ذلكم } إشارة بأداة البعد ~~وميم الجمع إلى عظم جدواه. قال الحرالي: ولبيانه ووضوحه عندهم لم يكن ~~إقبالا على النبي صلى الله عليه وسلم الذي يقبل عليه في الأمور الخفية - ~~انتهى. { أقسط } أي أعدل فقد نقل عن ابن السيد أنه قال في كتابه ~~الاقتضاب: إن قسط بمعنى جار وبمعنى عدل. وقال الحرالي: { أقسط } من ~~الإقساط وهو وضع القسط وهو حفظ الموازنة حتى لا تخرج إلى تطفيف. ثم زاد ~~تعظيمه بقوله: { عند الله } أي الذي هو محيط بصفات الكمال بالنسبة إلى كل ~~صفة من صفاته، لأنه يحمل على العدل بمنع المغالطة والتلون في شيء من ~~أحوال ذلك الدين { وأقوم للشهادة } أي وأعدل في قيام الشهادة إذا طلب من ~~الشاهد أن يقيمها بما هو مضبوط له وعليه { وأدنى } أي أقرب في { ألا ~~ترتابوا } أي تشكوا في شيء من الأمر الذي وقع. قال الحرالي: ففي إشعاره ~~أنه ربما داخل الرجل والرجلين نحو ما داخل المرأتين فيكون الكتاب مقيما ~~لشهادتهما، فنفى عن الرجال الريبة بالكتاب كما نفى عن النساء الضلال ~~بالذكر - انتهى. # ولما كان الدين المؤجل أعم من أن يكون قرضا أو تجارة ينمي بها المال ~~المأمور بالإنفاق منه في وجوه الخير النافعة يوم الدين وكان قد أكد في ~~أمر الكتابة تأكيدا ربما ظن معه الحث عليها ولو لم يكن أجل نبه على أن ~~العلة فيها الأجل الذي هو مظنة النسيان المستولي على الإنسان بقوله: { ~~إلا أن تكون } أي المداينة { تجارة حاضرة } هذا على قراءة عاصم، وكان في ~~قراءة غيره تامة { تديرونها بينكم } أي يدا بيد، من الإدارة. قال ~~الحرالي: من أصل الدور وهو رجوع الشيء عودا على بدئه { فليس عليكم } ~~حينئذ { جناح } أي اعتراض في { ألا تكتبوها } أي لأنها مناجزة وهي ms0598 عرض ~~زائل لا يكاد يستقر في يد أحد لأن القصد به المتجر لا الاستبقاء فبعد ما ~~يخشى من التجاحد. # ولما كان البيع أعم من أن يقصد به المتجر أو غير ذلك من وجوه الانتفاع ~~قال: { وأشهدوا } سواء كانت كتابة أو لا { إذا تبايعتم } أي على وجه ~~المتجر عاجلا أو آجلا أو لا للمتجر، لأن الإشهاد أبعد من الخلاف وأقرب ~~إلى التصادق بما فيه من الإنصاف، والأمر للإرشاد فلا يجب. # ولما ألزم في صدر الخطاب الكاتب أن يكتب والشهيد أن يجيب ولا يأبى وأكد ~~ذلك بصيغة تشمل المستكتب والمستشهد فقال ناهيا: { ولا يضار } يصح أن ~~يكون للفاعل والمفعول وهو صحيح المعنى على كل منهما { كاتب ولا شهيد } أي ~~لا يحصل ضرر منهم ولا عليهم. قال الحرالي: ففي إلاحته تعريض بالإحسان منه ~~للشهيد والكاتب ليجيبه لمراده ويعينه على الائتمار لأمر ربه بما يدفع عنه ~~من ضرر عطلته واستعماله في أمر من أمور دنياه، ففي تعريضه إجازة لما ~~يأخذه الكاتب ومن يدعي لإقامة معونة في نحوه ممن يعرض له فيما يضره ~~التخلي عنه - انتهى. { وإن تفعلوا } أي ما نهيتم عنه من الضرار وغيره { ~~فإنه فسوق } أي خروج { بكم } عن الشرع الذي نهجه الله لكم. قال الحرالي: ~~وفي صيغة فعول تأكيد فيه وتشديد في النذارة - انتهى. # وختم آيات هذه المعاملات بصفة العلم بعد الأمر بالتقوى في غاية المناسبة ~~لما يفعله المتعاملون من الحيل التي يجتلب كل منهم بها الحظ لنفسه، ~~والترغيب في امتثال ما أمرهم به في هذه الجمل بأنه من علمه وتعليمه فقال ~~تعالى - عاطفا على ما تقدم من أمر ونهي، أو على ما تقديره: فافعلوا ما ~~أمرتم به وانتهوا عما نهيتم عنه-: { واتقوا الله } أي خافوا الذي له ~~العظمة كلها فيما أمركم به ونهاكم من هذا وغيره. ولما كان التقدير ~~استئنافا لبيان فخامة هذه التنبيهات يرشدكم الله إلى مثل هذه المراشد ~~لإصلاح ذات بينكم، عطف عليه قوله: { ويعلمكم الله } أي يدريكم الذي له ~~الكمال كله بذلك على العلم. وقال الحرالي: وفي قوله: ms0599 { يعلم } بصيغة ~~الدوام إيذان بما يستمر به التعليم من دون هذا المنال انتهى. # وأظهر الاسم الشريف هنا وفي الذي بعده تعظيما للمقام وتعميما للتعليم ~~فقال: { والله } أي الذي له الإحاطة الكاملة { بكل شيء عليم * } وهذا ~~الختم جامع لبشرى التعليم ونذارة التهديد. ### || [2.283-286] # ولما كان التقدير: هذا إذا كنتم حضورا يسهل عليكم إحضار الكاتب ~~والشاهد، عطف عليه قوله: { وإن كنتم } ولما كان الإنسان في السفر يكون ~~مستجمع القوى كامل الآلات تام الأهبة عبر بأداة الاستعلاء فقال: { على ~~سفر } يعوز مثله إحضار كاتب { ولم تجدوا كاتبا فرهان } أي فيغنيكم عن ~~الكتب رهن يكون بدلا عنه، وقرىء: فرهان، وكلاهما جمع رهن - بالفتح ~~والإسكان، وهو التوثقة بالشيء مما يعادله بوجه ما. وأشار بأن بدليتها لا ~~تفيد إلا بما وصفها من قوله: { مقبوضة } أي بيد رب الدين وثيقة لدينه. # ولما كان التقدير: هذا إن تخوفتم من المداين، عطف عليه قوله: { فإن أمن ~~} ولما كان الائتمان تارة يكون من الدائن وتارة يكون من الراهن قال: { ~~بعضكم بعضا } أي فلم تفعلوا شيئا من ذلك { فليؤد } أي يعط، من الأداء ~~وهو الإتيان بالشيء لميقاته. ولما كان المراد التذكير بالإحسان بالائتمان ~~ليشكر ولم يتعلق غرض بكونه من محسن معين بني للمفعول قوله: { الذي اؤتمن ~~} من الائتمان وهو طلب الأمانة وهو إيداع الشيء لحفيظته حتى يعاد إلى ~~المؤتمن - قاله الحرالي: { أمانته } وهو الدين الذي ترك المؤتمن التوثق ~~به من المدين إحسانا إليه وحسن ظن به، وكذا إن كان الائتمان من جهة ~~الراهن { وليتق الله } المستجمع لصفات العظمة { ربه } أي الذي رباه في ~~نعمه وصانه من بأسه ونقمه وعطف عليه قلب من أعطاه وائتمنه ليؤدي الحق ~~على الصفة التي أخذه بها فلا يخن في شيء مما اؤتمن عليه. # ولما كانت الكتابة لأجل إقامة الشهادة وكانت الأنفس مجبولة على الشح ~~مؤسسة على حب الاستئثار فيحصل بسبب ذلك مخاصمات ويشتد عنها المشاحنات ~~وربما كان بعض المخاصمين ممن يخشى أمره ويرجى بره فيحمل ذلك الشهود على ~~السكوت قال سبحانه وتعالى: { ولا تكتموا الشهادة } أي ms0600 سواء كان صاحب الحق ~~يعلمها أو لا. ولما نهى أتبع النهي التهديد فقال: { ومن يكتمها فإنه آثم ~~} ولما كان محلها القلب الذي هو عمدة البدن قال: { قلبه } ومن أثم قلبه ~~فسد، ومن فسد قلبه فسد كله، لأن القلب قوام البدن، إذا فسد فسد سائر ~~الجسد. # ولما كان التقدير: فإن الله سبحانه وتعالى عالم بأنه كتم وكان للشهداء ~~جهات تنصرف بها الشهادة عن وجه الإقامة عطف عليه قوله - ليشمل التهديد ~~تلك الأعمال بإحاطة العلم: { والله } أي المحيط بجميع صفات الكمال. ولما ~~كان الإنسان هو المقصود الأعظم من سائر الأكوان فكانت أحواله مضبوطة ~~بأنواع من الضبط كأن العلم البليغ مقصور عليه فلذلك قدم قوله: { بما ~~تعملون } أي كله وإن دق سواء كان فعل القلب وحده أو لا { عليم * } قال ~~الحرالي: فأنهى أمر ما بين الحق والخلق ممثولا وأمر ما بين الخلق والخلق ~~مثلا - انتهى. # ولما أخبر عن سعة علمه دل عليه بسعة ملكه المستلزم لسعة قدرته ليدل ذلك ~~على جميع الكمال لأنه قد ثبت كما قال الأصبهاني إن الصفات التي هي كمالات ~~حقيقة ليست إلا القدرة والعلم المحيط فقال واعدا للمطيع متوعدا للعاصي ~~مصرحا بأن أفعال العباد وغيرها مخلوق له: - وقال الحرالي: ولما كان أول ~~السورة إظهار كتاب التقدير في الذكر الأول كان ختمها إبداء أثر ذلك ~~الكتاب الأول في الأعمال والجزاء التي هي الغاية في ابتداء أمر التقدير ~~فوقع الختم بأنه سلب الخلق ما في أيديهم مما أبدوه وما أخفوه من أهل ~~السماوات و الأرض؛ انتهى - فقال: { لله } أي الملك الأعظم. ولما كانت ما ~~ترد لمن يغفل وكان أغلب الموجودات والجمادات عبر بها فقال: { ما في ~~السماوات } أي كله على علوها واتساعها من ملك وغيره { وما في الأرض } مما ~~تنفقونه وغيره من عاقل وغيره، يأمر فيهما ومنهما بما يشاء وينهى عما يشاء ~~ويعطي من يشاء ويمنع من يشاء ويضاعف لمن يشاء. # ولما كان التقدير: فهو يعلم جميع ما فيهما من كتمانكم وغيره ويتصرف فيه ~~بما يريد، عطف عليه محذرا من يكتم ms0601 الشهادة أو يضمر سوءا غيرها أو يظهره ~~قوله تعالى: { وإن تبدوا } أي تظهروا { ما في أنفسكم } من شهادة أو غيرها ~~{ أو تخفوه } مما وطنتموه في النفس وعزمتم عليه وليس هو من الخواطر التي ~~كرهتموها ولم تعزموا عليها. قال الحرالي: من الإخفاء وهو تغييب الشيء وأن ~~لا يجعل عليه علم يهتدي إليه من جهته { يحاسبكم } من المحاسبة مفاعلة من ~~الحساب والحسب، وهو استيفاء الأعداد فيما للمرء وعليه من الأعمال الظاهرة ~~والباطنة يعني ليجازي بها { به الله } أي بذكره لكم وأنتم تعلمون ما له ~~من صفات الكمال. قال الحرالي: وفي ضمن هذا الخطاب لأولي الفهم إنباء بأن ~~الله سبحانه وتعالى إذا عاجل العبد بالحساب بحكم ما يفهمه ترتيب الحساب ~~على وقوع العمل حيث لم يكن فيحاسبكم مثلا فقد أعظم اللطف به، لأن من ~~حوسب بعمله عاجلا في الدنيا خف جزاؤه عليه حيث يكفر عنه بالشوكة يشاكها ~~حتى بالقلم يسقط من يد الكاتب، فيكفر عن المؤمن بكل ما يلحقه في دنياه ~~حتى يموت على طهارة من ذنوبه وفراغ من حسابه كالذي يتعاهد بدنه وثوبه ~~بالتنظيف فلا يتسخ ولا يدرن ولا يزال نظيفا - انتهى وفيه تصرف. # ولما كان حقيقة المحاسبة ذكر الشيء والجزاء عليه وكان المراد بها هنا ~~العرض وهو الذكر فقط بدلالة التضمن دل عليه بقوله مقدما الترجئة معادلة ~~لما أفهمه صدر الآية من التخويف: { فيغفر لمن يشاء } أي فلا يجازيه على ~~ذلك كبيرة كان أو لا { ويعذب من يشاء } بتكفير أو جزاء. # ولما أخبر سبحانه وتعالى بهذا أنه مطلق التصرف ختم الكلام دلالة على ذلك ~~بقوله مصرحا بما لزم تمام علمه من كمال قدرته: { والله } أي الذي لا أمر ~~لأحد معه { على كل شيء قدير * } أي ليس هو كملوك الدنيا يحال بينهم وبين ~~بعض ما يريدون بالشفاعة وغيرها. قال الحرالي: فسلب بهذه الآية القدرة عن ~~جميع الخلق - انتهى. وقد ذهب بعض العلماء إلى أن هذه الآية خاصة بأمر ~~الشهادة، وقال الأكثرون: هي عامة كما فهمها الصحابة رضوان الله سبحانه ~~وتعالى عليهم في ms0602 الوسوسة وحديث النفس المعزوم عليه وغيره ثم خففت بما ~~بعدها، روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: # " لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم { لله ما في السماوات } ~~الآية إلى { قدير } اشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ~~بركوا على الركب فقالوا: يا رسول الله! كلفنا من الأعمال ما نطيق: ~~الصلاة والصيام والجهاد والصدقة وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أترون أن تقولوا كما قال أهل ~~الكتابين من قبلكم: { سمعنا وعصينا } [البقرة: 93]، قولوا: { سمعنا ~~وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير } قالوا: { سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا ~~وإليك المصير }. # فلما اقترأها القوم وذلت بها ألسنتهم أنزل الله في إثرها { آمن الرسول ~~بما أنزل إليه } إلى { المصير } فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى وأنزل { ~~لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } إلى { أو أخطأنا } قال: نعم " # قال البغوي: وفي رواية عن ابن عباس رضي الله عنهما: قد فعلت، واستمر إلى ~~آخر السورة كلما قرؤوا جملة قال: نعم. فقد تبين من هذا تناسب هذه الآيات، ~~وأما مناسبتها لأول السورة ردا للمقطع على المطلع فهو أنه لما ابتدأ ~~السورة بوصف المؤمنين بالكتاب الذي لا ريب فيه على الوجه الذي تقدم ختمها ~~بذلك بعد تفصيل الإنفاق الذي وصفهم به أولها على وجه يتصل بما قبله من ~~الأوامر والنواهي والاتصاف بأوصاف الكمال أشد اتصال، وجعل رأسهم الرسول ~~عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام تعظيما للمدح وترغيبا في ذلك الوصف ~~فأخبر بإيمانهم بما أنزل إليه بخصوصه وبجميع الكتب وجميع الرسل وبقولهم ~~الدال على كمال الرغبة وغاية الضراعة والخضوع فقال استئنافا لجواب من ~~كأنه قال: ما فعل من أنزلت عليه هذه الأوامر والنواهي وغيرها؟ { آمن ~~الرسول } أي بما ظهر له من المعجزة القائمة على أن الآتي إليه بهذا الوحي ~~ملك من عند الله سبحانه وتعالى كما آمن الملك به بما ظهر له من المعجزة ~~الدالة على أن الذي أتى به كلام الله أمره ms0603 الله سبحانه وتعالى بإنزاله ~~فعرفه إشارة إلى أنه أكمل الرسل في هذا الوصف باعتبار إرساله إلى جميع ~~الخلائق الذين هم لله سبحانه وتعالى، وأنه الجامع لما تفرق فيهم من ~~الكمال، وأنه المخصوص بما لم يعطه أحد منهم من المزايا والأفضال { بما ~~أنزل إليه } أي من أن الله سبحانه وتعالى يحاسب بما ذكر وغير ذلك مما أمر ~~بتبليغه ومما اختص هو به ورغب في الإيمان بما آمن به بقوله: { من ربه } ~~أي المحسن إليه بجليل التربية المزكي له بجميل التزكية فهو لا ينزل إليه ~~إلا ما هو غاية في الخير ومنه ما حصل له في دنياه من المشقة. # قال الحرالي: فقبل الرسول هذا الحساب الأول العاجل الميسر ليستوفي أمره ~~منه وحظه في دنياه، قال صلى الله عليه وسلم لما قالت له فاطمة رضي الله ~~تعالى عنها عند موته: واكرباه!: # " لا كرب على أبيك بعد اليوم " # وقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو نعيم في الحلية عن أنس رضي الله ~~تعالى عنه # " ما أوذي أحد في الله ما أوذيت " # فنال حظه من حكمة ربه في دنياه حتى كان يوعك كما يوعك عشرة رجال، وما ~~شبع من خبز بر ثلاثا تباعا عاجلا حتى لقي الله؛ وكذلك المؤمن لا راحة ~~له دون لقاء ربه ولا سجن عليه بعد خروجه من دنياه، " الحمى حظ كل مؤمن من ~~النار " انتهى. ولما أخبر عن الرأس أخبر عمن يليه فقال: { والمؤمنون } ~~معبرا بالوصف الدال على الرسوخ أي آمنوا بما ظهر لهم من المعجزة التي ~~أثبتت أنه كلام الله سبحانه وتعالى بما دلت على أن الآتي به رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. # ولما أجمل فصل فقال مبتدئا: { كل } أي منهم. قال الحرالي: فجمعهم في ~~كلية كأن قلوبهم قلب واحد لم يختلفوا، لأن القبول واحد والرد يقع مختلفا ~~- انتهى. ثم أخبر عن ذلك المبتدأ بقوله: { آمن بالله } أي لما يستحقه من ~~ذلك لذاته لما له من الإحاطة بالكمال { وملائكته } الذين منهم النازلون ~~بالكتب، لأن الإيمان بالمنزل يستلزم ذلك ms0604 { وكتبه } أي كلها { ورسله } ~~كلهم، من البشر كانوا أو من الملائكة، فإن فيما أنزل إليه صلى الله عليه ~~وسلم الإخبار بذلك. قال الحرالي: انقيادا لامتثال من البشر. # ولما كان في الناس من يؤمن ببعض الأنبياء ويكفر ببعض قال مؤكدا لما ~~أفهمته صيغة الجمع المضاف من الاستغراق أي قالوا: { لا نفرق } كما فعل ~~أهل الكتاب وعبر بما يشمل الاثنين فما فوقهما فقال: { بين أحد } أي واحد ~~وغيره { من رسله } أي لا نجعل أحدا منهم على صفة الفرقة البليغة من ~~صاحبه في ذلك بل نؤمن بكل واحد منهم، والذي دل على تقدير " قالوا " دون ~~غيره أنه لما أكمل قولهم في القوة النظرية الكفيلة باعتقاد المبدأ أتبعه ~~قولهم في القوة العملية الكائنة في الوسط عطفا عليها: { وقالوا سمعنا } ~~أي بآذان عقولنا كل ما يمكن أن يسمع عنك وعلمناه وأذعنا له { وأطعنا } أي ~~لكل ما فيه من أمرك. # قال الحرالي: فشاركوا أهل الكتاب في طليعة الإباء وخالفوهم في معاجلة ~~التوبة والإقرار بالسمع والطاعة فكان لهؤلاء ما للتائب وعلى أولئك ما على ~~المصر - انتهى. # ولما كان الإنسان محل الزلل والنقصان أشاروا إلى ذلك تواضعا منهم كما ~~هو الأولى بهم لمقام الألوهية فقالوا مع طاعتهم معترفين بالمعاد: { ~~غفرانك } أي اغفر لنا أو نسألك غفرانك الذي يليق إضافته إليك لما له من ~~الكمال والشرف والجلال ما قصرنا فيه ولا تؤاخذنا به فإنك إن فعلت ذلك ~~هلكنا، والحاصل أنهم طلبوا أن يعاملهم بما هو أهله لا بما هم أهله فجرى ~~بما جراهم عليه في قوله: { فيغفر لمن يشاء }. قال الحرالي: فهذا القول من ~~الرسول صلى الله عليه وسلم كشف عيان، ومن المؤمنين نشء إيمان، ومن ~~القائلين للسمع والطاعة قول إذعان، فهو شامل للجميع كل على رتبته - ~~انتهى. وزادوا تملقا بقولهم: { ربنا } ذاكرين وصف الإحسان في مقام طلب ~~الغفران. قال الحرالي: وهو خطاب قرب من حيث لم يظهر فيه أداة نداء، ولم ~~يجر الله سبحانه وتعالى على ألسنة المؤمنين في كتابه العزيز نداء بعد ~~قط؛ والغفران فعلان صيغة مبالغة ms0605 تعطي الملء ليكون غفرا للظاهر والباطن ~~وهو مصدر محيط المعنى نازل منزلة الاستغفار الجامع لما أحاط به الظاهر ~~والباطن مما أودعته الأنفس التي هي مظهر حكمة الله سبحانه وتعالى التي ~~وقع فيها مجموع الغفران والعذاب { فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء } ففي ~~ضمنه بشرى بتعيين القائلين المذعنين ومن تبعهم بالقول لحال المغفرة، لأن ~~هذه الخواتيم مقبولة من العبد بمنزلة الفاتحة لاجتماعهما في كونهما من ~~الكنز الذي تحت العرش، وعلى ما ورد من قوله: " حمدني عبدي - إلى أن قال: ~~ولعبدي ما سأل " وعلى ما ورد في دعاء هذا الختم في قوله: " قد فعلت قد ~~فعلت " وبما ابتدأ تعالى به آية هذا الحساب وختمها به من سلب الأمر أولا ~~وسلب القدرة عما سواه آخرا، وكان في الابتداء والختم إقامة عذر ~~القائلين، فوجب لهم تحقق الغفران كما كان لأبيهم آدم حيث تلقى الكلمات من ~~ربه - انتهى. # ولما كان التقدير بما أرشد إليه { ربنا }: فإنه منك مبدأنا، عطف عليه ~~قوله حثا على الاجتهاد في كل ما أمر به ونهى عنه على وجه الإخلاص: { ~~وإليك } أي لا إلى غيرك { المصير } أي مطلقا لنا ولغيرنا. وقال ابن ~~الزبير: ولما بين سبحانه وتعالى أن الكتاب هو الصراط المستقيم ذكر افتراق ~~الأمم كما يشاء وأحوال الزائغين والمتنكبين تحذيرا من حالهم ونهيا عن ~~مرتكبهم وحصل قبيل النزول بجملته وانحصار التاركين وأعقب بذكر ملتزمات ~~المتقين وما ينبغي لهم امتثاله والأخذ به من الأوامر والأحكام والحدود ~~وأعقب ذلك بأن المرء يجب أن ينطوي على ذلك ويسلم الأمر لمالكه فقال ~~سبحانه وتعالى: { آمن الرسول بما أنزل } فأعلم أن هذا إيمان الرسول ومن ~~كان معه على إيمانه وأنهم قالوا: { سمعنا وأطعنا } لا كقول بني إسرائيل. # سمعنا وعصينا # [البقرة: 93] وأنه أثابهم على إيمانهم رفع الإصر والمشقة والمؤاخذة ~~بالخطأ والنسيان فقال: { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } ، فحصل من هذه ~~السورة بأسرها بيان الصراط المستقيم على الاستيفاء والكمال أخذا وتركا ~~وبيان شرف من أخذ به وسوء حال من تنكب عنه. وكان العباد لما علموا # اهدنا ms0606 الصراط المستقيم # [الفاتحة: 6] - إلى آخر السورة قيل لهم: عليكم بالكتاب - إجابة لسؤالهم؛ ~~ثم بين لهم حال من سلك ما طلبوا فكان قيل لهم: أهل الصراط المستقيم ~~وسالكوه هم الذين بين شأنهم وأمرهم، والمغضوب عليهم من المتنكبين هم ~~اليهود الذين بين أمرهم وشأنهم، والضالون هم النصارى الذين بين أمرهم ~~وشأنهم؛ فيجب على من رغب في سلوك الصراط المستقيم أن يحذر ما أصاب هؤلاء ~~مما نبه عليه وأن يأخذ نفسه بكذا وكذا وأن ينسحب إيمانه على كل ذلك، وأن ~~يسلم الأمر لله الذي تطلب منه الهداية، ويتضرع إليه بأن لا يؤاخذه بما ~~يثمره الخطأ والنسيان، وأن لا يحمله ما ليس في وسعه، وأن يعفو عنه - إلى ~~آخر السورة؛ انتهى. # ولما منوا بالإيمان في سؤال الغفران عللوا السؤال بقولهم: { لا يكلف ~~الله } أي الملك الأعظم الرحيم الأكرم الذي له جميع صفات الكمال { نفسا ~~إلا وسعها } أي ما تسعه وتطيقه ولا تعجز عنه، وذلك هو الممكن لذاته الذي ~~يتعلق اختيار العبد بفعله، ولم يخبر الله تعالى بأنه لا يقع لا المحال ~~لذاته ولا الممكن لذاته سواء كان مما لا مدخل للإنسان في اختياره كالنوم ~~أو كان له مدخل فيه وقد تعلق العلم الأزلي بعدم وقوعه وأخبر سبحانه ~~وتعالى بعدم وقوعه معينا لصاحبه، فهذا لا يقع التكليف به ويجوز التكليف ~~به؛ وهذا الكلام من جملة دعائهم على وجه الثناء طلبا للوفاء بما أخبرهم ~~به الرسول صلى الله عليه وسلم عنه سبحانه وتعالى خوفا من أن يكلفوا بما ~~لله سبحانه وتعالى كما دلت عليه الآية وقول المؤمنين عند نزولها وجواب ~~النبي صلى الله عليه وسلم لهم أن يكلف به من المؤاخذة بالوساوس التي لا ~~يقع العزم عليها لأنه مما تخفيه النفوس ولا طاقة على دفعه فهو من باب: # إذا أثنى عليك المرء يوما # كفاه من تعرضه الثناء # ولعل العدول عن الخطاب إلى الغيبة بذكر الاسم الأعظم من باب التملق بأن ~~له من صفات العظمة ما يقتضي العفو عن ضعفهم ومن صفات الحلم والرحمة ~~والرأفة ما يرفه ms0607 عنهم ويحتمل أن يكون ذلك من قول الله سبحانه وتعالى جزاء ~~لهم على قولهم { سمعنا وأطعنا } - الآية، فأفادهم بذلك أنه لا يحاسبهم ~~بحديث النفس الذي لا عزم فيه؛ فانتفى ما شق عليهم من قوله { وإن تبدوا ما ~~في أنفسكم } - الآية، بخلاف ما أفاد بني إسرائيل قولهم # سمعنا وعصينا # [البقرة: 93] من الآصار في الدنيا والآخرة، فيكون حينئذ استئنافا ~~جوابا لمن كأنه قال: هل أجاب دعاءهم؟ ويكون شرح قوله أول السورة: # أولئك على هدى من ربهم # [البقرة: 5] ويؤيد هذا الاحتمال اتباعه لحكم ما في الوسع على طريق ~~الاستئناف أو الاستفتاح بقوله: { لها } أي خاصا بها { ما كسبت } وذكر ~~الفعل مجردا في الخير إيماء إلى أنه يكفي في الاعتداد به مجرد وقوعه ولو ~~مع الكسل بل ومجرد نيته. قال الحرالي: وصيغة فعل مجردة تعرب عن أدنى ~~الكسب فلذلك من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة - انتهى. { وعليها } ~~أي بخصوصها { ما اكتسبت } فشرط في الشر صيغة الافتعال الدالة على ~~الاعتمال إشارة إلى أن من طبع النفس الميل إلى الهوى بكليتها وإلى أن ~~الإثم لا يكتب إلا مع التصميم والعزم القوي الذي إن كان عنه عمل ظاهر ~~كان بجد ونشاط ورغبة وانبساط، فلذلك من هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب ~~عليه، وربما جاءت العبارة بخلاف ذلك لمعنى في ذلك السياق اقتضاه المقام. # ولما بشرهم بذلك عرفهم مواقع نعمه في دعاء رتبه على الأخف فالأخف على ~~سبيل التعلي إعلاما بأنه لم يؤاخذهم بما اجترحوه نسيانا ولا بما قارفوه ~~خطأ ولا حمل عليهم ثقلا بل جعل شريعتهم حنيفية سمحا ولا حملهم فوق ~~طاقتهم مع أن له جميع ذلك، وأنه عفا عن عقابهم ثم سترهم فلم يخجلهم بذكر ~~سيئاتهم، ثم رحمهم بأن أحلهم محل القرب فجعلهم أهلا للخلافة؛ فلاح بذلك ~~أنه يعلي أمرهم على كل أمر ويظهر دينهم على كل دين، إذ كان سبحانه وتعالى ~~هو الداعي عنهم، وليكون الدعاء كله محمولا على الإصابة ومشمولا ~~بالإجابة فقال سبحانه وتعالى: { ربنا لا تؤاخذنا } أي لا تفعل معنا فعل ms0608 ~~من يناظر خصما فهو يناقشه على كل صغير وكبير { إن نسينآ } أي ففعلنا ما ~~نهيتنا عنه { أو أخطأنا } أي فعلناه ذاكرين له لكنا لم نتعمد سوءا. قال ~~الحرالي: والخطأ هو الزلل عن الحد عن غير تعمد بل مع عزم الإصابة أو ود ~~أن لا يخطىء، وفي إجرائه من كلام الله سبحانه وتعالى على لسان عباده ~~قبوله - انتهى. وإعادة ربنا في صدر كل جملة من هذا الطراز كما تقدمت ~~الإشارة إليه في التذكير بعظم المقام في حسن التربية ولطف الإحسان ~~والرأفة. # ولما كان ذلك قد يكون فإن له أن يكلف بما يشاء مع تحميل ما تعظم مشقته ~~من التكاليف فإنه لا يسأل عما يفعل قال: { ربنا ولا تحمل علينا إصرا } ~~أي ثقلا. # قال الحرالي: هو العهد الثقيل أي الذي في تحمله أشد المشقة - انتهى. ثم ~~عظم المنة بقوله: { كما حملته على الذين من قبلنا } إشارة إلى أنه كان ~~حمل على من سبق من الأحكام ما يهد الأركان تأكيدا لما يحمل على الشكر ~~على تخفيف ذلك عنا، وأصل الإصر العاطف، أصره الشيء يأصره: عطفه، ويلزمه ~~الثقل لأن الغصن إذا ثقل مال وانعطف وهو المقصود هنا؛ وتلك الآصار المشار ~~إليها كثيرة جدا، منها ما في السفر الثاني من التوراة في القربان أنه ~~ينضح من دك الذبيحة على زوايا المذبح، ثم قال: ومن تقرب بذبح ثور أو غيره ~~في مكان غير باب قبة الزمان بيت الرب يعاقب ذلك الرجل عقوبة من قتل ~~قتيلا لأنه سفك دما ويهلك ذلك الرجل من شعبه، ومن أكل دما نزل به ~~الغضب وهلك لأن أنفس البهائم هي الدم، وإنما أمروا أن يقربوه على المذبح ~~لغفران خطاياهم وتطهير أنفسهم لأنه إنما يغفر للنفس بالدم، ومن قرب ~~قربانا أكل منه يوم ذبحه وثانيه، وما بقي في الثالث أحرق بالنار، ومن ~~أكل منه هلك من شعبه؛ ومن ذلك في ذوي العاهات أن من برص من الآدميين يجلس ~~وحده ولا يختلط مع الناس ويكون سكنه خارجا من محلة بني إسرائيل - حتى ~~ذكر البرص ms0609 في الثياب والبيوت وغيرها، فما برص من الجلود والثياب يقطع ~~موضع البرص منه، فإن ظهر فيه بعد القطع أحرق كله بالنار، وإن ظهر في بيت ~~برص يهدم وتجمع حجارته وخشبه وترابه خارجا من القرية ويحرق بالنار؛ وكذا ~~مرض السلس فيه تشديدات كثيرة، منها أن من جلس على ثوب عليه مسلوس يغسل ~~ثيابه ويستحم بالماء ويكون نجسا إلى الليل - ونحو هذا؛ ثم قال: وكلم ~~الرب موسى وقال له: هذه سنة الأبرص الذي يتطهر: يقدم إلى الكاهن ويخرجه ~~خارجا من العسكر وينظر الحبر إن كانت ضربة البرص قد برأت وتطهر منها ~~يأمر الحبر فيقدم، ويؤتى بعصفورين حيين زكيين، وعود من خشب الأرز، وعهنة ~~حمراء - وعد أشياء أخرى؛ وقربانا على كيفية مخصوصة صعبة على عين ماء، ~~ويغسل ثيابه وبدنه، ويحلق شعر رأسه ولحيته وحاجبيه وكل شعر جسده، وأنه ~~يمكث خارجا من بيته سبعة أيام، وفي اليوم الثامن يأتي بقربان آخر فيقرب ~~على كيفية مخصوصة، وينضح الكاهن من دمه على ثياب وبدن هذا الذي تطهر من ~~البرص، وكذا من زيت قربانه، ويصب بقيته على رأسه. وكذا في مرض السلس إذا ~~برأ المسلوس يمكث سبعة أيام، ثم يتطهر ويغسل ثيابه، ويقرب قربانا في باب ~~قبة الزمان. وقال: وأي رجل أمذى أو خرج منه منيه يغسل جسده كله بالماء، ~~ويكون نجسا إلى الليل؛ ومن دنا من الحائض يكون نجسا إلى الليل وأي ثوب ~~أو فراش وقعت عليه جنابة يغسل بالماء ويكون نجسا إلى الليل وأي ثوب رقدت ~~عليه وهي حائض كان نجسا، ومن دنا من فراشها يغسل ثيابه ويستحم بالماء ~~ويكون نجسا إلى الليل، وكذا المستحاضة. # وفيه أيضا: وكلم الرب موسى وقال له: كلم بني إسرائيل وقل لهم: المرأة ~~إذا حبلت وولدت ذكرا تكون نجسة سبعة أيام كما تكون في أيام حيضها، وفي ~~اليوم الثامن يختن الصبي، وتكون نجسة وتجلس مكانها ثلاثة وثلاثين يوما، ~~لا تدنو من شيء مقدس، ولا تدخل بيت الله سبحانه وتعالى لأن الصلاة محرمة ~~عليها حتى تتم أيام تطهيرها؛ فإن ولدت جارية ms0610 تكون مثل نجاستها في أيام ~~حيضها أربعة عشر يوما وتجلس مكانها على الدم الزكي ستة وستين يوما، ~~فإذا كملت أيام تطهيرها ابنا ولدت أو بنتا تجيء بحمل حول - فذكر ~~قربانا في قبة الزمان على يد الكاهن لتطهر مما كان يجري منها من الدم. ~~ومن الآصار ما في السفر الثاني أيضا من أنهم إذا حصدوا أرضا أو قطفوا ~~كرما حرم عليهم الاستقصاء وأمروا أن يتركوا للمساكين، ثم قال: ولا ~~تلتقطوا ما ينتثر من زيتونكم بل دعوه للمساكين والذين يقبلون إلي لأني ~~أنا الله ربكم، ثم قال: فإذا دخلتم الأرض وغرستم فيها كل شجر يثمر ثمارا ~~تؤكل فدعوها ثلاث سنين ولا تأكلوا من ثمارها، فإذا كان في السنة الرابعة ~~صيروا جميع ثمار شجركم حرمة للرب ومجدا لإكرامه، وفي السنة الخامسة كلوا ~~ثمارها فإنها تنمو وتزداد لكم غلاتها، أنا الله ربكم! وقال في أواخر ~~السفر الخامس وهو آخر أسفارها: لا تحيفوا على المسكين واليتيم والساكن ~~بينكم في القضاء، ولا تأخذوا ثوب الأرملة رهنا، واذكروا أنكم كنتم ~~عبيدا بأرض مصر وأنقذكم الرب من هناك، لذلك آمركم وأقول لكم إنه واجب ~~عليكم أن تفعلوا مثل هذا الفعل، وإذا حصدتم حقل أرضكم ونسيتم حزمة لا ~~ترجعوا في طلب أخذها بل تكون للساكن ولليتيم والأرملة، ليبارك الله ربكم ~~في جميع أعمال أيديكم؛ وإذا نثرتم زيتونكم فلا تطلبوا ما نسيتم في حقلكم ~~بل يكون لليتيم والساكن والأرملة؛ وإذا قطعتم كرومكم لا تستقصوا ما فيها ~~بل دعوها ما يعيش به الساكن واليتيم والأرملة؛ واذكروا أنكم كنتم عبيدا ~~بأرض مصر، لذلك آمركم أن تفعلوا هذا الفعل - وأما ما على النصارى من ذلك ~~فسيأتي كثير منه إن شاء الله تعالى في المائدة عند قوله تعالى # وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه # [المائدة: 47]. # ولما دعوا بما تضمن الإيمان بما نزل إليهم مما حمل من كان قبلهم من ~~الثقل أتبعوه ما يدل على اعتقادهم أن ذلك عدل منه في القضاء، وأنه له أن ~~يفعل فوق ذلك فيكلف بما ليس في الوسع، لأنه ms0611 المالك التام الملك والملك ~~المنفرد بالملك، وسألوا التخفيف برفع ذلك فقالوا: { ربنا ولا } وعبر ~~بالتفعيل لما فيه بما يفهم من العلاج من مناسبة التكليف بما لا يطاق ~~فقال: { تحملنا ما لا طاقة } أي قدرة { لنا به }. # ولما كان الإنسان قد يتعمد الذنب لشهوة تدعوه إليه وغرض يحمله عليه ~~أتبعوا ذلك دعاء عاما فقالوا: { واعف عنا } أي ارفع عنا عقاب الذنوب ~~كلها { واغفر لنا } أي ولا تذكرها لنا أصلا، فالأول العفو عن عقاب ~~الجسم، والثاني العفو عن عذاب الروح. وقال الحرالي: ولما كان قد يلحق من ~~يعفى عنه ويغفر له قصور في الرتبة عن منال الحظ من الرحمة ألحق تعالى ~~المعفو عنه المغفور له بالمرحوم ابتداء بقوله: { وارحمنا } أي حتى يستوي ~~المذنب التائب والذي لم يذنب قط في منال الرحمة. # ولما ضاعف لهم تعالى عفوه ومغفرته ورحمته أنهاهم بذلك إلى محل الخلافة ~~العاصمة # لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم # [هود: 43] فلما صاروا خلفاء تحقق منهم الجهاد لأعداء الله والقيام بأمر ~~الله ومنابذة من تولى غير الله، فتحقق أنه لا بد أن يشاققهم أعداء ~~وينابذوهم، فعلمهم الذي رحمهم سبحانه إسناد أمرهم بالولاية إليه قائلا ~~عنهم: { أنت مولانا } والمولى هو الولي اللازم الولاية القائم بها الدائم ~~عليها لمن تولاه بإسناد أمره إليه فيما ليس هو بمستطيع لها - انتهى ~~بالمعنى. وكان حقيقته الفاعل لثمرة الولاية وهي القرب والإقبال، وذلك ~~أنهم لما سألوا العفو عن عذاب الجسم والروح سألوا ثوابهما، فثواب الجسم ~~الجنة وثواب الروح لذة الشهود وذلك ثمرة الولاية وهي الإقبال على الولي ~~بالكلية، ثم جعل ختام توجه المؤمنين إلى ربهم الدعاء بثمرة الولاية فقال: ~~{ فانصرنا } باللسان والسنان، وأشار إلى قوة المخالفين حثا على تصحيح ~~الالتجاء والصدق في الرغبة بقوله: { على القوم } وأشار إلى أن الأدلة ~~عليه سبحانه في غاية الظهور لكل عاقل بقوله: { الكافرين } أي الساترين ~~للأدلة الدالة لهم على ربهم المذكورين أول السورة، فتضمن ذلك وجوب قتالهم ~~وأنهم أعدى الأعداء، وأن قوله تعالى # لا إكراه في الدين # [البقرة: 256] ليس ms0612 ناهيا عن ذلك وإنما هو إشارة إلى أن الدين صار في ~~الوضوح إلى حد لا يتصور فيه إكراه بل ينبغي لكل عاقل أن يدخل فيه بغاية ~~الرغبة فضلا عن الإحواج إلى إرهاب، فمن نصح نفسه دخل فيه بما دله عليه ~~عقله، ومن أبى أدخل فيه قهرا بنصيحة الله التي هي الضرب بالحسام ونافذ ~~السهام. ولما كان الختم بذلك مشيرا إلى أنه تعالى لما ضاعف لهم عفوه عن ~~الذنب فلا يعاقب عليه ومغفرته له بحيث يجعله كأن لم يكن فلا يذكره أصلا ~~ولا يعاقب عليه ورحمته في إيصال المذنب المعفو عنه المغفور له إلى ~~المنازل العالية أنهاهم إلى رتبة الخلافة في القيام بأمره والجهاد ~~لأعدائه وإن جل أمرهم وأعنى حصرهم كان منبها على أن بداية هذه الصورة ~~هداية وخاتمتها خلافة، فاستوفت تبيين أمر النبوة إلى حد ظهور الخلافة ~~فكانت سناما للقرآن، وكان جماع ما في القرآن منضما إلى معانيها إما لما ~~صرحت به أو لما ألاحته وأفهمه إفصاح من إفصاحها كما تنضم هي مع سائر ~~القرآن إلى سورة الفاتحة فتكون أما للجميع - أفاد ذلك الأستاذ أبو الحسن ~~الحرالي. # وقد بان بذكر المنزل والإيمان به والنصرة على الكفار بعد تفصيل أمر ~~النفقة والمال الذي ينفق منه رد مقطعها على مطلعها وآخرها على أولها، ومن ~~الجوامع العظيمة في أمرها وشمول معناها المبين لعلو قدرها ما قال الحرالي ~~إنه لما كان منزل هذا القرآن المختص بخاتم النبيين صلوات الله وسلامه ~~عليه وعليهم أجمعين منزلا حروفا محيطة المعاني مخاطبا بها النبي ~~والأئمة وتفصيل آيات مخاطبا به عامة الأمة انتظمت هذه السورة صنفي ~~الخطابين فافتتحت بالم حروفا منبئة عن إحاطة بما تضمنته معانيها من ~~إحاطة القائم من معنى الألف وإحاطة المقام من معنى الميم وإحاطة الوصلة ~~من معنى اللام؛ ولما كانت الإحاطة في ثلاث رتب إحاطة إلهية قيومية وإحاطة ~~كتابية وإحاطة تفصيلية كانت الإحاطة الخاصة بهذه الأحرف التي افتتحت بها ~~هذه السورة إحاطة كتابية متوسطة، فوقع الافتتاح فيما وقع عليه أمر القرآن ~~في تلاوته في الأرض ms0613 بالرتبة المتوسطة من حيث هي أقرب للطرفين وأيسر ~~للاطلاع على الأعلى والقيام بالأدنى، فكان ما كان في القرآن من # الم تلك آيات الكتاب الحكيم # [لقمان: 26] ونحوه تفصيل إحاطة من إحاطة الكتاب التي أنزلت فيها سورة ~~البقرة، فكانت مشتملة على إحاطات الكتب الأربعة: كتاب التقدير الذي كتبه ~~الله سبحانه وتعالى قبل أن يخلق الخلائق بما شاء الله من أمد وعدد، ورد # " أن الله كتب الكتاب وقضى القضية وعرشه على الماء " # ، و # " أن الله سبحانه وتعالى قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلقهم بخمسين ألف ~~عام " # وأنه قدر الأرزاق قبل أن يخلق الصور بألفي عام - وكثير من ذلك مما ورد ~~في الأخبار؛ وفي مقابلة هذا الكتاب السابق بالتقدير الكتاب اللاحق ~~بالجزاء الذي كتبه الله سبحانه وتعالى ويكتبه أثر تمام الإبداء باستبقاء ~~الأعمال البادية على أيدي الخلق الذين ينالهم النعيم والجحيم والأمن ~~والروع والكشف والحجاب؛ وهذا الكتاب الآخر مطابق للكيان الأول، ويبين ~~بتطرقهما كتاب الأحكام المتضمن لأمر الدين والدعوة الذي وقعت فيه الهداية ~~والفتنة، ثم كتاب الأعمال الذي كتبه الله سبحانه وتعالى في ذوات المكلفين ~~من أفعالهم وأحوال أنفسهم وما كتب في قلوبهم من إيمان أو طبع علهيا أو ~~ختم عليها بفجور أو طغيان؛ فتطابقت الأوائل والأواخر واختلف كتاب الأحكام ~~وكتاب الأعمال بما أبداه الله سبحانه وتعالى من وراء حجاب من معنى الهدى ~~والفتنة والإقدام والإحجام، فتضمنت سورة البقرة إحاطات جميع هذه الكتب ~~واستوفت كتاب الأقدار بما في صدرها من تبيين أمر المؤمنين والكافرين ~~والمنافقين، وكتاب الأفعال كما ذكر سبحانه وتعالى أمر الختم على الكافرين ~~والمرض في قلوب المنافقين، وما يفصل في جميع السورة من أحكام الدين وما ~~يذكر معها مما يناسبها من الجزاء من ابتداء الإيمان إلى غاية الإيقان ~~الذي انتهى إليه معنى السورة فيما بين الحق والخلق من أمر الدين، وفيما ~~بين الخلق والخلق من المعاملات والمقاومات، وفيما بين المرء ونفسه من ~~الأيمان والعهود، إلى حد ختمها بما يكون من الحق للخلق في استخلاف ~~الخلفاء الذين ختم بذكرهم هذه السورة الذين قالوا: ms0614 { غفرانك ربنا } إلى ~~انتهائها؛ ولما كان مقصود هذه السورة الإحاطة الكتابية كان ذلك إفصاحها ~~ومعظم آياتها وكانت الإحاطة الإلهية القيومية إلاحتها ونور آياتها، فكان ~~ذلك في آية الكرسي تصريحا وفي سائر آيها الإحة بحسب قرب الإحاطة ~~الكتابية من الإحاطة الإلهية، وفي بدء سابق أو ختم لاحق أو حكمة جامعة، ~~فلذلك انتظم بالسورة التي ذكرت فيها البقرة السورة التي يذكر فيها آل ~~عمران، لما نزل في سورة آل عمران من الإحاطة الإلهية حتى كان في مفتتحها ~~اسم الله الأعظم، فكان ما في البقرة إفصاحا في سورة آل عمران إلاحة، ~~وكان ما في البقرة إلاحة في سورة آل عمران إفصاحا، إلا ما اطلع في كل ~~واحدة منهما من تصريح الأخرى؛ فلذلك هما سورتان مرتبطتان وغيايتان ~~وغمامتان تظلان صاحبهما يوم القيامة، وبما هما من الذكر الأول وبينهما من ~~ظاهر التفاوت ما بين الإحاطة الكتابية وبين الإحاطة الإلهية فلذلك كانت ~~سورة البقرة سناما له والسنام أعلى ما في الحيوان المنكب وأجمله جملة ~~وهو البعير، وكانت سورة آل عمران تاج القرآن والتاج هو أعلى ما في ~~المخلوقات من الخلق القائم المستخلف في الأرض ظاهره وفي جميع المكون ~~إحاطته؛ فوقع انتظام هاتين السورتين على نحو من انتظام الآي يتصل الإفصاح ~~في الآية بإلاحة سابقتها كما تقدم التنبيه عليه في مواضع - انتهى. # وسر ترتيب سورة السنام على هذا النظام أنه لما افتتحها سبحانه وتعالى ~~بتصنيف الناس الذين هم للدين كالقوائم الحاملة لذي السنام فاستوى وقام ~~ابتداء المقصود بذكر أقرب السنام إلى أفهام أهل القيام فقال مخاطبا ~~لجميع الأصناف التي قدمها # يا أيها الناس اعبدوا ربكم # [البقرة: 21] واستمر إلى أن بان الأمر غاية البيان فأخذ يذكر مننه ~~سبحانه على الناس المأمورين بالعبادة بما أنعم عليهم من خلق جميع ما في ~~الوجود لهم بما أكرم به أباهم آدم عليه الصلاة والسلام، ثم خص العرب ومن ~~تبعهم ببيان المنة عليهم في مجادلة بني إسرائيل وتبكيتهم، وهو سبحانه ~~وتعالى يؤكد كل قليل أمر الربوبية والتوحيد بالعبادة من غير ذكر شيء من ms0615 ~~الأحكام إلا ما انسلخ منه بنو إسرائيل، فذكره على وجه الامتنان به على ~~العرب وتبكيت بني إسرائيل بتركه لا على أنه مقصود بالذات، فلما تزكوا ~~فترقوا فتأهلوا لأنواع المعارف قال معليا لهم من مصاعد الربوبية إلى ~~معارج الإلهية # وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو # [البقرة: 163] فلما تسنموا هذا الشرف لقنهم العبادات المزكية ونقاهم ~~أرواحها المصفية فذكر أمهات الأعمال أصولا وفروعا الدعائم الخمس ~~والحظيرة وما تبع ذلك من الحدود في المآكل والمشارب والمناكح وغير ذلك من ~~المصالح فتهيؤوا بها وأنها المواردات الغر من ذي الجلال فقال مرقيا لهم ~~إلى غيب حضرته الشماء ذاكرا مسمى جميع الأسماء # الله لا إله إلا هو الحي القيوم # [البقرة: 255] ولما كان الواصل إلى أعلى مقام الحرية لا بد عند القوم من ~~رجوعه إلى ربقة العبودية ذكر لهم بعض الأعمال اللائقة بهم، فحث على أشياء ~~أكثرها من وادي الإحسان الذي هو مقام أولي العرفان، فذكر مثل النفقة التي ~~هي أحد مباني السورة عقب ما ذكر مقام الطمأنينة إيذانا بأن ذلك شأن ~~المطمئن، ورغب فيها إشارة إلى أنه لا مطمع في الوصول إلا بالانسلاخ من ~~الدنيا كلها، وأكثر من الحث على طيب المطعم الذي لا بقاء بحال من الأحوال ~~بدونه، ونهى عن الربا أشد نهي إشارة إلى التقنع بأقل الكفاف ونهيا عن ~~مطلق الزيادة للخواص وعن كل حرام للعوام، وأرشد إلى آداب الدين الموجب ~~للثقة بما عند الله المقتضي بصدق التوكل المثمر للعون من الله سبحانه ~~وتعالى والإرشاد إلى ذلك، توفي النبي صلى الله عليه وسلم وهو متلبس به؛ ~~وبنى سبحانه وتعالى كل ثلث من هذه الأثلاث على مقدمة في تثبيت أمره وتوجه ~~بخاتمة في التحذير من التهاون به، وزاد الثالث لكونه الختام وبه بركة ~~التمام أن أكد عليهم بعد خاتمته في الإيمان بجميع ما في السورة، وختم ~~بالإشارة إلى أن عمدة ذلك الجهاد الذي لذوي الغي والعناد، والاعتماد فيه ~~على مالك الملك وملك العباد، وذلك هو طريق أهل الرشاد، والهداية والسداد ~~والله سبحانه وتعالى هو الموفق ms0616 للصواب. ### | [3 - سورة آل عمران] ### || [3.1-5] # { بسم الله } الواحد المتفرد بالإحاطة بالكمال { الرحمن } الذي وسعت ~~رحمة ايجاد كل مخلوق وأوضح للمكلفين طريق النجاة { الرحيم } الذي اختار ~~أهل التوحيد لمحل أنسه وموطن جمعه وقدسه { الم * } المقاصد التي سيقت لها ~~هذه السورة إثبات الوحدانية لله سبحانه وتعالى، والإخبار بأن رئاسة ~~الدنيا بالأموال والأولاد وغيرهما مما آثره الكفار على الإسلام غير مغنية ~~عنهم شيئا في الدنيا ولا في الآخرة، وأن ما أعد للمتقين من الجنة ~~والرضوان هو الذي ينبغي الأقبال عليه والمسارعة اليه وفي وصف المتقين ~~بالإيمان والدعاء والصبر والصدق والقنوت والإنفاق والاستغفار ما يتعطف ~~عليه كثير من أفانين أساليب هذه السورة هذا ما كان ظهر لي أولا، وأحسن ~~منه أن نخص القصد الأول وهو التوحيد بالقصد فيها فإن الأمرين الآخرين ~~يرجعان إليه، وذلك لأن الوصف بالقيومية يقتضي القيام بالاستقامة، فالقيام ~~يكون على كل نفس، والاستقامه العدل كما قال: # قائما بالقسط # [آل عمران: 18] أي بعقاب العاصي وثواب الطائع بما يقتضي للموفق ترك ~~العصيان ولزوم الطاعة؛ وهذا الوجه أوفق للترتيب، لأن الفاتحة لما كانت ~~جامعة للدين إجمالا جاء به التفصيل محاذيا لذلك، فابتدىء بسورة الكتاب ~~المحيط بأمر الدين، ثم بسورة التوحيد الذي هو سر حرف الحمد وأول حروف ~~الفاتحة، لأن التوحيد هو الأمر الذي لا يقوم بناء إلا عليه، ولما صح ~~الطريق وثبت الأساس جاءت التي بعدها داعية إلى الاجتماع على ذلك؛ وأيضا ~~فلما ثبت بالبقرة أمر الكتاب في أنه هدى وقامت به دعائم الإسلام الخمس ~~جاءت هذه لإثبات الدعوة الجامعة في قوله سبحانه وتعالى: # يا أيها الناس اعبدوا ربكم # [ البقرة: 21] فأثبت الوحدانيه له بإبطال إلهيه غيره بإثبات أن عيسى ~~عليه الصلاة والسلام الذي كان يحيي الموتى عبده فغيره بطريق الأولى، فلما ~~ثبت أن الكل عبيده دعت سورة النساء إلى إقبالهم إليه واجتماعهم عليه؛ ~~ومما يدل على أن القصد بها هو التوحيد تسميتها بآل عمران، فإن لم يعرب ~~عنه في هذه السورة ما أعرب عنه ما ساقه سبحانه وتعالى فيها من أخبارهم ~~بما فيها ms0617 من الأدلة على القدرة التامة الموجبة للتوحيد الذي ليس في درج ~~الإيمان أعلى منه، فهو التاج الذي هو خاصة الملك المحسوسة، كما أن ~~التوحيد خاصته المعقولة، والتوحيد موجب لزهرة المتحلي به فلذلك سميت ~~الزهراء. # القصد الأول التوحيد # ومناسبه هذا الأول بالإبتدائيه لآخر ما قبلها أنه لما كان آخر البقرة في ~~الحقيقة آية الكرسي وما بعدها إنما هو بيان، لأنها أوضحت أمر الدين بحيث ~~لم يبقى وراءها مرمى لمتنعت، أو تعجب من حال من جادل في الإلهية أو ~~استبعد شيئا من القدرة ولم ينظر فيما تضمنته هذه الآية من الأدله مع ~~وضوحه، أو إشارة إلى الاستدلال على البعث بأمر السنابل في قالب الإرشاد ~~إلى ما ينفع في اليوم الذي نفى فيه نفع البيع والخلة والشفاعة من ~~النفقات، وبيان بعض ما يتعلق بذلك، وتقرير أمر ملكه لما منه الإنفاق من ~~السماوات و الأرض، والإخبار بإيمان الرسول وأتباعه بذلك، وبأنهم لا ~~يفرقون بين أحد من الرسل المشار إليهم في السورة، وبصدقهم في التضرع برفع ~~الأثقال التي كانت على من قبلهم من بني إسرائيل وغيرهم، وبالنصرة على ~~عامة الكافرين؛ لما كان ذلك على هذا الوجه ناسب هذا الاختتام غايه ~~المناسبة ابتداء هذه السورة بالذي وقع الإيمان به سبحانه وتعالى ووجهت ~~الرغبات آخر تلك إليه؛ وأحسن منه أنه لما نزل إلينا كتابه فجمع مقاصده في ~~الفاتحه على وجه أرشد فيه إلى سؤال الهداية ثم شرع في تفصيل ما جمعه في ~~الفاتحة، فأرشد في أول البقرة إلى أن الهدايه في هذا الكتاب، وبين ذلك ~~بحقية المعنى والنظم كما تقدم إلى أن ختم البقرة بالإخبار عن خلص عباده ~~بالإيمان بالمنزل بالسمع والطاعة، وأفهم ذلك مع التوجه بالدعاء إلى ~~المنزل له أن له سبحانه وتعالى كل شيء وبيده النصر، علم أنه واحد لا شريك ~~له حي لا يموت قيوم لا يغفل وأن ما أنزل هو الحق، فصرح أول هذه بما أفهمه ~~آخر تلك، كما يصرح بالنتيجة بعد المقدمات المنتجة لها فقال: { الله } أي ~~الذي لا يذل من والاه ms0618 ولا يعز من عاداه لأن له الإحاطة بجميع أوصاف ~~الكمال والنزاهة الكاملة من كل شائبة نقص. # وقال الحرالي مشيرا إلى القول الصحيح في ترتيب السور من أنه باجتهاد ~~الصحابة رضوان الله تعالى عليهم إقرارا لله سبحانه وتعالى لهذا الانتظام ~~والترتيب السوري في مقرر هذا الكتاب: هو ما رضيه الله سبحانه وتعالى ~~فأقره؛ فلما كانت سورة الفاتحة جامعة لكلية أمر الله سبحانه وتعالى فيما ~~يرجع إليه، وفيما يرجع إلى عبده، وفيما بينه وبين عبده، فكانت أم القرآن ~~وأم الكتاب؛ جعل مثنى تفصيل ما يرجع منها إلى الكتاب المنبأ عن موقعه في ~~الفاتحة مضمنا سورة البقرة إلى ما أعلن به، لألأ نور آية الكرسي فيها، ~~وكان منزل هذه السورة من مثنى تفصيل ما يرجع إلى خاص علن الله سبحانه ~~وتعالى في الفاتحة، فكان منزلة سورة آل عمران منزله تاج الراكب وكان ~~منزله سورة البقرة منزلة سنام المطية؛ قال صلى الله عليه وسلم: # " لكل شيء سنام وسنام القرآن سورة البقرة، لكل شيء تاج وتاج القرآن سورة ~~آل عمران " # وإنما بدىء هذا الترتيب لسورة الكتاب لأن علم الكتاب أقرب إلى المخاطبين ~~من تلقي علن أمر الله، فكان في تعلم سورة البقرة والعمل بها تهيؤ لتلقي ~~ما تضمنته سورة آل عمران ليقع التدرج والتدرب بتلقي الكتاب حفظا وبتلقيه ~~على اللقن منزل الكتاب بما أبداه علنه في هذه السورة؛ وبذلك يتضح أن ~~إحاطة { الم } المنزلة في أول سورة البقرة إحاطة كتابية بما هو قيامه ~~وتمامه، ووصلة ما بين قيامه وتمامه، وأن إحاطة { الم } المنزلة في أو هذه ~~السورة إحاطة إلهية حيايية قومية مما بين غيبة عظمة اسمه { الله } إلى ~~تمام قيوميته البادية في تبارك ما أنبأ عنه اسمه { الحي القيوم } وما ~~أوصله لطفه من مضمون توحيده المنبىء عنه كلمه الإخلاص في قوله: { لا إله ~~الا هو } فلذلك كان هذا المجموع في منزله قرآنا حرفيا وقرآنا كلميا ~~اسميا وقرآنا كلاميا تفصيليا مما هو اسمه الأعظم كما تقدم من قوله صلى ~~الله عليه وسلم: # " اسم الله الأعظم في ms0619 هاتين الآيتين: { وإلهكم أله واحد لا إله إلا هو ~~الرحمن الرحيم } [ البقرة: 163]، { الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم } ~~" # وكما وقعت إلاحة في سورة البقرة لما وقع بها الإفصاح في سورة آل عمران ~~كذلك وقع في آل عمران من نحو ما وقع تفصيله في سورة البقرة ليصير منزلا ~~واحدا بما أفصح مضمون كل سورة بالإحة الأخرى، فلذلك هما غمامتان ~~وغيايتان على قارئهما يوم القيامة كما تقدم لا تفترقان، فأعظم { الم ~~} هو مضمون { الم } الذي افتتحت به هذه السورة ويليه في الرتبة ما افتتحت ~~به سورة البقرة، ويليه في الرتبة ما افتتحت به سور الآيات نحو قوله ~~سبحانه وتعالى # الم تلك آيات الكتاب الحكيم # [لقمان: 2] فللكتاب الحكيم إحاطة قواما وتماما ووصلة، ولمطلق الكتاب ~~إحاطة كذلك، وإحاطه الإحاطات وأعظم العظمة إحاطة افتتاح هذه السورة؛ ~~وكذلك أيضا اللواميم محيطة بإحاطة الطواسيم لما تتخصص به معاني حروفها ~~من دون إحاطات حروف اللواميم، وإحاطة الحواميم من دون إحاطة الطواسيم لما ~~تتخصص به معاني حروفها من دون إحاطات حروف الطواسيم على ما يتضح تراتبه ~~وعلمه لمن آتاه الله فهما بمنزله قرآن الحروف المخصوص بإنزاله هذه الأمة ~~دون سائر الأمم، الذي هو من العلم الأزلي العلوي؛ ثم قال: ولما كانت أعظم ~~الإحاطات إحاطة عظمة اسمه " الله " الذي هو مسمى التسعة والتسعين أسماء ~~التي أولها { إله } كان ما أفهمه أول الفهم هنا اسم ألف بناء في معنى ~~إحاطات الحروف على نحو إحاطة اسمه " الله " في الأسماء، فكانت هذه الألف ~~مسمى كل ألف كما كان اسمه { الله } سبحانه وتعالى مسمى كل اسم سواه حتى ~~أنه مسمى سائر الأسماء الأعجمية التي هي أسماؤه سبحانه وتعالى في جميع ~~الألسن كلها مع أسماء العربية أسماء لمسمى هو هذا الاسم العظيم الذي هو { ~~الله } الأحد الذي لم يتطرق إليه شرك، كما تطرق إلى أسمائه من اسمه { إله ~~} إلى غايه اسمه " الصبور " وكما كان إحاطة هذا الألف أعظم إحاطة حرفية ~~وسائر الألفات أسماء لعظيم إحاطتة؛ وكذلك هذه الميم أعظم إحاطة ميم تفصلت ~~فيه ms0620 وكانت له أسماء بمنزلة ما هي سائر الألفات أسماء لمسمى هذا الألف ~~كذلك سائر الميمات اسم لمسمى هذا الميم، كما أن اسمه { الحي القيوم } ~~أعظم تمام كل عظيم من أسماء عظمته؛ وكذلك هذه اللام بمنزلة ألفه وميمه، ~~وهي لام الإلهية الذي أسراره لطيف التنزل إلى تمام ميم قيوميته؛ فمن لم ~~ينته إلى فهم معاني الحروف في هذه الفاتحة نزل له الخطاب إلى ما هو إفصاح ~~إحاطتها في الكلم والكلام المنتظم في قوله: { الله لا إله إلا هو الحي ~~القيوم } ، فهو قرآن حرفي يفصله قرآن كلمي يفصله قرآن كلامي انتهى. # فقوله: { الله } أي الذي آمن به الرسول وأتباعه بما له من الإحاطة بصفات ~~الكمال { لا إله إلا هو } أي متوحد لا كفوء له فقد فاز قصدكم إليه ~~بالرغبة وتعويلكم عليه في المسألة. قال الحرالي: فما أعلن به هذا الاسم ~~العظيم أي الله في هذه الفاتحة هو ما استعلن به في قوله تعالى: # قل هو الله أحد # [الإخلاص: 1]، ولما كان إحاطة العظمة أمرا خاصا لأن العظمة إزاء الله ~~الذي لا يطلع عليه إلا صاحب سر كان البادي لمن دون أهل الفهم من رتبة أهل ~~العلم اسمه " الله الصمد " الذي يعنى اليه بالحاجات والرغبات المختص ~~بالفوقية والعلو الذي يقال للمؤمن عنه: أين الله؟ فيقول: في السماء، إلى ~~حد علو أن يقول: فوق العرش، فذلك الصمد الذي أنبأ عنه اسمه { إله } الذي ~~أنزل فيه إلزام الإخلاص والتوحيد منذ عبدت في الأرض الأصنام، فلذلك نضم ~~توحيد اسمه الإله بأحدية مسمى هو من اسمه العظيم " الله " ، ورجع عليه ~~باسم المضمر الذي هو في جبلات الأنفس وغرائز القلوب الذي تجده غيبا في ~~بواطنها فتقول فيه: هو، فكان هذا الخطاب مبدوءا بالاسم العظيم المظهر ~~منتهيا إلى الاسم المضمر، كما كان خطاب # قل هو الله أحد # [ الإخلاص: 1] مبدوءا بالاسم المضمر منتهيا إلى الاسم العظيم المظهر، ~~وكذلك أيضا اسم الله الأعظم في سورة # قل هو الله أحد # [الإخلاص: 1] كما هو في هذه الفاتحة. # ولما كان لبادي الخلق افتقار إلى قوام ms0621 لا يثبت طرفة عين دون قوامه كان ~~القوام البادي آيته هي الحياة فما حيي ثبت وما مات فني وهلك؛ انتهى ~~ولما كان المتفرد بالملك من أهل الدنيا يموت قال: { الحي } أي الحياة ~~الحقيقية التي لا موت معها. ولما كان الحي قد يحتاج في التدبير إلى وزير ~~لعجزه عن الكفاية بنفسه في جميع الأعمال قال: { القيوم * } إعلاما بأن ~~به قيام كل شيء وهو قائم على كل شيء. قال الحرالي: فكما أن الحياة بنفخة ~~من روح أمره فكل متماسك على صورته حي بقيوميته انتهى. # وفي وصفه بذلك إعلام بأنه قادر على نصر جنده وإعزاز دينه وعون وليه، وحث ~~على مراقبته بجهاد أعدائه ودوام الخضوع لديه والضراعة اليه. ولما كان من ~~معنى القيوم أنه المدبر للمصالح اتصل به الإعلام بتنزيل ما يتضمن ذلك، ~~وهو الكتاب المذكور في قوله: # بما أنزل إليه من ربه # [البقرة: 285] والكتب المذكورة في أول البقرة في قوله: # بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك # [البقرة: 4] وفي آخرها بقوله # وكتبه ورسله # [البقرة: 285] التي من جملتها التوراة والإنجيل اللذان فيهما الآصار ~~المرفوعة عنا، ثم شرح بعده أمر التصوير في الأحشاء، وذلك لأن المصالح ~~قسمان: روحانية وجسمانية، وأشرف المصالح الروحانية العلم الذي هو الروح ~~كالروح للبدن فإنها تصير به مرآة مجلوة ينجلي فيها صور الحقائق، وأشرف ~~المصالح الجسمانية تعديل المزاج وتسوية البنية في أحسن هيئة، وقدم ~~الروحانية المتكفل بها الكتاب لأنها أشرف. # ولما كانت مادة " كتب " دائرة على معنى الجمع عبر بالتنزيل الذي معناه ~~التفريق لتشمل هذه الجملة على وجازتها من أمره على إجمال وتفصيل فقال: ~~وقال الحرالي: ولما كانت إحاطة الكتاب أي في البقرة ابتداء وأعقبها أي في ~~أول هذه السورة إحاطة الإلهية جاء هذا الخطاب ردا عليه، فتنزل من ~~الإحاطة الإلهية إلى الأحاطة الكتابية بالتنزيل الذي هو تدرج من رتبة إلى ~~رتبة دونها؛ انتهى فقال: { نزل } أي شيئا فشيئا في هذا العصر { عليك ~~} أي خاصة بما اقتضاه تقديم الجار من الحصر، وكأن موجب ذلك ادعاء بعضهم ~~أنه يوحي إليه وأنه ms0622 يقدر على الإتيان بمثل هذا الوحي { الكتاب } أي ~~القرآن الجامع للهدى منجما بحسب الوقائع، لم يغفل عن واحدة منها ولا قدم ~~جوابها ولا أخره عن محل الحاجة، لأنه قيوم لا يشغله شأن عن شأن. # قال الحرالي: وهذا الكتاب هو الكتاب المحيط الجامع الأول الذي لا ينزل ~~إلا على الخاتم الآخر المعقب لما أقام به حكمته من أن صور الأواخر مقامة ~~بحقائق الأوائل، فأول الأنوار الذي هو نور محمد صلى الله عليه وسلم هو ~~قثم خاتم الصور التي هي صورة محمد انتهى. تنزيلا ملتبسا { بالحق } أي ~~الأمر الثابت، فهو ثابت في نفسه، وكل ما ينشأ عنه من قول وفعل كذلك. قال ~~الحرالي: وكما أن هذا الكتاب هو الكتاب الجامع الأول المحيط بكل كتاب ~~كذلك هو الحق المنزل به هذا الكتاب هو الحق الجامع المحيط الذي كل حق ~~منه، وهو الحق الذي أقام به حكمته فيما رفع ووضع انتهى. حال كونه { ~~مصدقا } ولما كان العامل مرفوعا لأنه أمر فاعل قواه في اللام فقال: { ~~لما بين يديه } أي من الكتب السماوية التي أتت بها الأنبياء صلوات الله ~~وسلامه عليهم عن الحضرة الإلهية. # قال الحرالي: لما كان هذا الكتاب أولا وجامعا ومحيطا كان كل كتاب بين ~~يديه ولم يكن من ورائه كتاب انتهى. # ولما كان نزاع وفد ونجران في الإله أو النبي أو فيهما كان هذا الكلام ~~كفيلا على وجازتة بالرد عليهم في ذلك ببيان الحق في الإله بالقيومية، ~~وفي المعنى بالكتاب المعجز، ولما كانوا مقرين بالكتب القديمة أشار إلى أن ~~ليس لهم إنكار هذا الكتاب وهو أعلى منها في كل أمر أوجب تصديقها وإلى أن ~~من أنكره بعد ذلك كان من الأمر الظاهر أنه معاند لا شك في عناده فقال: { ~~وأنزل التوراة } وهو " فوعلة " لو صرفت من الورى وهو قدح النار من الزند، ~~استثقل اجتماع الواوين فقلب أولهما تاء كما في اتحاد و اتلاج واتزار ~~واتزان ونحوه قال الحرالي: فهي توراة بما هي نور أعقبت ظلام ما وردت ~~عليه من كفر دعي إليها ms0623 من الفراعنة، فكان فيها هدى ونور { والإنجيل * } ~~من النجل، وضع على زيادة " إفعيل " لمزيد معنى ما وضعت له هذة الصيغة، ~~وزيادتاها مبالغه في المعنى، وأصل النجل استخراج خلاصه الشيء، ومنه يقال ~~للولد: نجل أبيه. كان الإنجيل استخلص خلاصه نور التوراة فأظهر باطن ما ~~شرع في التوراة ظاهرة، فإن التوراة كتاب إحاطة لأمر الظاهر الذي يحيط ~~بالأعمال وإصلاح أمر الدنيا وحصول الفوز من عاقبة يوم الأخرى فهو جامع ~~إحاطة الظواهر، وكل آية ظاهرة فمن كتاب التوراة والإنجيل كتاب إحاطة لأمر ~~البواطن يحيط بالأمور النفسانية التي بها يقع لمح موجود الآخرة مع ~~الإعراض عن إصلاح الدنيا بل مع هدمها، فكان الإنجيل مقيما لأمر الآخرة ~~هادما لأمر الدنيا مع حصوله أدنى بلغة، وكانت التوراة مقيمة لإصلاح ~~الدنيا مع تحصيل الفوز في الآخرة، فجمع هذان الكتابان إحاطتي الظاهر ~~والباطن، فكان منزل التوراة من مقتضى اسمه الظاهر، وكان منزل الإنجيل من ~~مقتضى اسمه الباطن، كما كان منزل الكتاب الجامع من مقتضى ما في أول هذه ~~السورة من أسمائه العظيمة مع لحظ التوحيد ليعتبر الكتاب والسورة بما نبه ~~بتنزيله من اسمه الله وسائر أسمائه على وجوه إحاطاتها انتهى وفيه تصرف؛ ~~فأحاط هذا الكتاب إحاطة ظاهرة بأمري الظاهر والباطن بما أذن منه تصديقه ~~للكتابين، وخصهما سبحانه وتعالى بالتنويه بذكرهما إعلاما بعلي قدرهما. # ولما لم يكن إنزالهما مستغرقا للماضي لأنه لم يكن في أول الزمان أدخل ~~الجار معريا من التقيد بمن نزلا عليه لشهرته وعدم النزاع بخلاف القرآن { ~~من قبل } أي من قبل هذا الوقت إنزالا انقضى أمره ومضى زمانه حال كون ~~الكل { هدى } أي بيانا، ولذا عم فقال: { للناس } وأما في أول البقرة ~~فبمعنى خلق الهداية في القلب، فلذا خص المتقين؛ والحاصل أن هذه الآية ~~كالتعليل لآخر البقرة فكأنه قيل: كل آمن بالله لأنه متفرد بالألوهية، ~~لأنه متفرد بالحياة، لأنه متفرد بالقيومية؛ وآمن برسله الذين جاؤوا بكتبه ~~المنزلة بالحق من عنده بواسطة ملائكته. # ولما كانت مادة " فرق " للفصل عبر بالإنزال الذي لا يدل على التدريج لما ~~تقدم ms0624 من إرادة الترجمة بالإجمال والتفصيل على غاية الإيجاز لاقتضاء ~~الإعجاز، وجمع الكتابين في إنزال واحد واستجد لكتابنا إنزالا تنبيها ~~على علو رتبته عنهما بمقدار علو رتبه المتقين الذين هو هدى لهم، وبتقواهم ~~يكون لهم فرقان على رتبة الناس الذين هما هدى لهم فقال تعالى: { وأنزل ~~الفرقان * } أي الكتاب المصاحب للعز الذي يكسب صاحبه قوة التصرف فيما ~~يريد من الفصل والوصل الذي هو وظيفه السادة المرجوع إليهم عند الملمات، ~~المقترن بالمعجزات الفارقة بين الحق والباطل، وسترى هذا المعنى إن شاء ~~الله سبحانه وتعالى في سورة الأنفال بأوضح من هذا؛ فعل ذلك لينفذ قائله ~~أمر الكتاب المقرر فيه الشرع الحق المباين لجميع الملل الباطلة والأهواء ~~المضلة والنحل الفاسدة، وذلك هو روح النصر على أعداء الله المرشد إلى ~~الدعاء به ختام البقرة. قال الحرالي: فكان الفرقان جامعا لمنزل ظاهر ~~التوراة ومنزل باطن الإنجيل جمعا يبدي ما وراء منزلهما بحكم استناده ~~للتقوى التي هي تهيؤ لتنزل الكتاب # إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا # [ الانفال: 29] فكان الفرقان أقرب الكتب للكتاب الجامع، فصار التنزيل في ~~ثلاث رتب: رتبة الكتاب المنزل بالحق الجامع، ثم رتبة الفرقان المظهر لمحل ~~الجمع بين الظاهر والباطن، ثم منزل التوراة والإنجيل المختفي فيه موضع ~~ظاهر التوراة بباطن الإنجيل انتهى. # ومناسبة ابتدائها بالتوحيد لما في أثنائها أنه لما خلق عيسى عليه الصلاة ~~والسلام من أنثى فقط وهي أدنى أسباب النماء كان وجوده إشارة إلى أن ~~الزيادة قد انتهت، وأن الخلق أخذ في النقصان، وهذا العالم أشرف على ~~الزوال، فلم يأت بعده من قومه نبي بل كان خاتم أنبياء بني إسرائيل، وكان ~~هذا النبي الذي أتى بعده من غير قومه خاتم الأنبياء مطلقا، وكان مبعوثا ~~مع نفس الساعة، وكان نزوله هو آخر الزمان علما على الساعة، وصدرت هذه ~~السورة التي نزل كثير منها بسببه بالوحدانية إشارة إلى أن الوارث قد دنا ~~زمان إرثه، وأن يكون ولا شيء معه كما كان، وأن الحين الذي يتمحض فيه ~~تفرد الواحد قد حان، والآن الذي يقول فيه سبحانه ms0625 له الملك اليوم قد آن؛ ~~ويوضح ذلك أنه لما كان آدم عليه الصلاه والسلام مخلوقا من التراب الذي ~~هو أمتن أسباب النماء، وهو غالب على كل ما جاوره، وكانت الأنثى مخلوقة من ~~آدم الذي هو الذكر وهو أقوى سببي التناسل كان ذلك إشارة إلى كثرة الخلائق ~~ونمائهم وازديادهم، فصدر أول سورة ذكر فيها خلقه وابتداء أمره بالكتاب ~~إشارة إلى أن ما يشير إليه ذكره من تكثر الخلائق وانتشار الأمم والطوائف ~~داع إلى إنزال الشرائع وإرسال الرسل بالأحكام والدلائل، فالمعنى أن آدم ~~عليه الصلاة والسلام لما كان منه الابتداء وعيسى عليه الصلاة والسلام لما ~~كان دليلا على الانتهاء اقتضت الحكمة أن يكون كل منهما مما كان منه، وأن ~~تصدر سورة كل بما صدرت به والله سبحانه وتعالى الموفق. # وقال ابن الزبير ما حاصله: إن اتصالها بسورة البقرة والله سبحانه ~~وتعالى أعلم من جهات: إحداها ما تبين في صدر السورة مما هو إحالة على ~~ما ضمن في سورة البقرة بأسرها، ثانيها الإشارة في صدر السورة أيضا إلى ~~أن الصراط المستقيم قد تبين شأنه لمن تقدم في كتبهم، فإن هذا الكتاب جاء ~~مصدقا لما نزل نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه، فهو بيان ~~لحال الكتاب الذي هو هدى للمتقين، ولما بين افتراق الأمم بحسب السابقة ~~إلى أصناف ثلاثة، وذكر من تعنت بني إسرائيل وتوقفهم ما تقدم أخبر سبحانه ~~وتعالى هنا أنه أنزل عليهم التوراة، وأنزل بعدها الإنجيل، وأن كل ذلك هدى ~~لمن وفق، إعلاما منه سبحانه وتعالى لأمه محمد صلى الله عليه وسلم أن من ~~تقدمهم قد بين لهم # وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا # [الإسراء: 15]؛ والثالثة قصة عيسى عليه الصلاة والسلام وابتداء أمره من ~~غير أب والاعتبار به نظير الاعتبار بآدم عليه الصلاة والسلام ولهذا أشار ~~قوله سبحانه وتعالى # إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم # [ آل عمران: 59] انتهى. # ولما علم بذلك أمر القيوم سبحانه وتعالى بالحق وهو الإيمان علم أن ~~لمخالفي أمره من أضداد المؤمنين الموصوفين وهم الكفرة المدعو ms0626 بخذلانهم ~~المنزل الفرقان لمحو أديانهم الويل والثبور، فاتصل بذلك بقوله: { إن ~~الذين كفروا } أي غطوا ما دلتهم عليه الفطرة الأولى التي فطرهم الله ~~سبحانه وتعالى عليها، ثم ما بينت لهم الرسل عليهم الصلاة والسلام عنه ~~سبحانه وتعالى من البيان الذي لا لبس معه { بآيات الله } المستجمع لصفات ~~الكمال إقبالا منهم على ما ليس له أصلا صفة كمال، وهذا الكفر كما قال ~~الحرالي دون الكفر بأسماء الله الذي هو دون الكفر بالله، قال: فكما بدأ ~~خطاب التنزيل من أعلاه نظم به ابتداء الكفر من أدناه انتهى. { لهم عذاب ~~شديد } كما تقتضيه صفتا العزة والنقمة، وفي وصفه بالشدة إيذان بأن من كفر ~~دون هذا الكفر كان له مطلق عذاب. قال الحرالي: ففي إشعاره أن لمن داخله ~~كفر ما حط بحسب خفاء ذلك الكفر، فأفصح الخطاب بالأشد وألاح بالأضعف ~~انتهى. والآية على تقدير سؤال ممن كأنه قال: ماذا يفعل بمن أعرض عن الكتب ~~الموصوفة؟ أو يقال: إنه لما قال: { وأنزل الفرقان } [آل عمران: 4] أي ~~الفارق بين الحق والباطل من الآيات والأحكام عليك وعلى غيرك من الأنبياء ~~لم يبق لأحد شبهة فقال: وأحسن من ذلك كله أنه سبحانه وتعالى ولما أنزل ~~سورة البقرة على طولها في بيان أن الكتاب هدى للمتقين، وبين أن أول هذه ~~وحدانيته وحياته وقيوميته الدالة على تمام العلم وشمول القدرة، فأنتج ذلك ~~صدق ما أخبر به سبحانه وتعالى، أيد ذلك بالإعلام بأن ذلك الكتاب مع أنه ~~هاد اليه حق، ودل على ذلك لمصادقته لما قبله من الكتب. # ولما ختم أوصافه بأنه فرقان لا يدع لبسا ولا شبهة أنتج ذلك قطعا أن ~~الذين قدم أول تلك أنهم أصروا على الكفر به خاسرون، فأخبر سبحانه وتعالى ~~بما أعد لهم من العذاب فقال: { إن الذين } مؤكدا مظهرا لما كان من حقه ~~الإضمار، لولا إرادة تعليق الحكم بالوصف وهو الكفر أي الستر لما تفضل ~~عليهم به من الآيات؛ ثم قرر قدرته على ما هدد به وعبر به فقال: عاطفا ~~على ما أرشد السياق مع ms0627 العطف على غير مذكور إلى أنه: فالله سبحانه وتعالى ~~عالم بما له من القيومية بجميع أحوالهم : { والله } أي الملك العظيم مع ~~كونه رقيبا { عزيز } لا يغلبه شيء وهو يغلب كل شيء { ذو انتقام * } أي ~~تسلط وبطش شديد بسطوة. قال الحرالي: فأظهر وصف العزة موصولا بما أدام من ~~انتقامه بما يعرب عنه كلمة ذو المفصحة بمعنى صحبة ودوام، فكأن في إشعاره ~~دواما لهذا الانتقام بدوام أمر الكتاب الجامع المقابل علوه لدنو هذا ~~الكفر، وكان في طي إشعار الانتقام أحد قسمي إقامة اليومية في طرفي النقمة ~~والرحمة، فتقابل هذان الخطابان إفصاحا وإفهاما من حيث ذكر تفصيل الكتب ~~إفصاحا فافهم متنزل الفتنة في الابتداء إلاحة، فإنه كما أنزل الكتب هدى ~~أنزل متشابهها فتنة، فتعادل الإفصاحان والإلاحتان، وتم بذلك أمر الدين في ~~هذه السورة انتهى. وما أحسن إطلاق العذاب بعد ذكر الفرقان ليشمل الكون ~~في الدنيا نصرة للمؤمنين استجابة لدعائهم، وفي الآخرة تصديقا لقولهم ~~وزيادة في سرورهم ونعيمهم، وتهديدا لمن ترك كثير من هذه السورة بسببهم ~~وهم وفد نصارى نجران. يجادلون النبي في أمر عيسى عليه الصلاة والسلام، ~~فتارة يقولون: هو الله، وتارة يقولون: هو ابن الله، وتارة يقولون، هو ~~ثالث ثلاثة، وكان بعضهم عالما بالحق في أمر عيسى عليه الصلاة والسلام ~~وبأن أحمد الذي بشر به هو هذا النبي العربي فقال له بعض أقاربه: فلم لا ~~تتبعه وأنت تعلم أن عيسى أمر باتباعه؟ فقال له: لو اتبهناه لسلبنا ملك ~~الروم جميع ما ترى من النعمة، وكان ملوك الروم قد أحبوهم لاجتهادهم في ~~دينهم وعظموهم وسودوهم وخولوهم في النعم حتى عظمت رئاستهم وكثرت أموالهم ~~ على ما بين في السيرة الهشامية وغيرها، واستمر سبحانه وتعالى يؤكد ~~استجابته لدعاء أوليائه بالنصرة آخر البقرة في نحو قوله: # إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم # [ آل عمران: 10] # قل للذين كفروا ستغلبون # [آل عمران: 12] إلى أن ختم السورة بشرط الاستجابة فقال: # اصبروا وصابروا # [آل عمران: 200]، ثم قال توضيحا لما قدم في آية الكرسي من إثبات العلم، ~~واستدلالا على وصفه ms0628 سبحانه وتعالى بالقيومية التي فارق بها كل من يدعي ~~فيه الإلهية مشيرا بذلك إلى الرد على من جادل في عيسى عليه الصلاة ~~والسلام فأطراه بدعواه أنه إله، وموضحا لأن كتبه هدى وأنه عالم بالمطيع ~~والعاصي بما تقدم أنه أرشد العطف في { والله عزيز } لى تقديره، ومعللا ~~لوصفه بالعزة والقدرة لما يأتي في سورة طه من أن تمام العلم يستلزم شمول ~~القدرة: { إن الله } بما له من صفات الكمال التي منها القيومية { لا يخفى ~~عليه شيء } وإن دق، ولما كان تقريب المعلومات بالمحسوسات أقيد في التعليم ~~والبعد عن الخفاء قال وإن كان علمه سبحانه وتعالى لا يتقيد بشيء: { في ~~الأرض ولا في السماء * } أي ولا هم يقدرون على أن يدعوا في عيسى عليه ~~الصلاة والسلام مثل هذا العلم، بل في إنجيلهم الذي بين أظهرهم الآن في ~~حدود السبعين والثمانمائة التصريح بأنه يخفى عليه بعض الأمور، قال في ~~ترجمة إنجيل مرقس في قصة التي كانت بها نزف الدم: إنها أتت من ورائه ~~فأمسكت ثوبه فبرأت فعلم القوة التي خرجت منه، فالتفت إلى الجمع وقال: من ~~مس ثوبي؟ فقال له تلاميذه: ما ندري، الجمع يزحمك، ويقول: من اقترب؟ فجاءت ~~وقالت له الحق، فقال: يا ابنة! إيمانك خلصك؛ وهو في إنجيل لوقا بمعناه ~~ولفظه: فجاءت من ورائه وأمسكت طرف ثوبه، فوقف جري دمها الذي كان يسيل ~~منها، فقال يسوع من لمسني؟ فأنكر جميعهم، فقال بطرس والذي معه: يا معلم ~~الخير! الجميع يزحمك ويضيق عليك ويقول: من الذي لمسني من قرب مني؟ قد ~~علمت أن قوة خرجت مني إلى آخره. وقال ابن زبير: ثم أشار قوله تعالى: { ~~إن الله لا يخفى عليه شيء } إلى ما تقدم أي في البقرة من تفصيل ~~أخبارهم. فكان الكلام في قوة أن لو قيل: أيخفي عليه مرتكبات العباد! وهو ~~مصورهم في الأرحام والمطلع عليهم حيث لا يطلع عليهم غيره انتهى. ### || [3.6-7] # ولما قرر سبحانه وتعالى شمول علمه أتبعه دليله من تمام قدرته فقال: ~~وقال الحرالي: ولما كان كل تفصيل يتقدمه ms0629 بالرتبة مجمل جامع، وكانت تراجم ~~السورة موضع الإجمال ليكون تفصيلها موضع التفاصيل، وكان من المذكور في ~~سورة الكتاب ما وقع من اللبس كذلك كان في هذه السورة التي ترجمها جوامع ~~إلهية ما وقع من اللبس في أمر الإلهية في أمر عيسى عليه الصلاة والسلام، ~~فكان في هذه الآيه الجامعة توطئة لبيان الأمر في شأنه عليه السلام من حيث ~~إنه مما صور في الرحم وحملته الأنثى ووضعته، وأن جميع ما حوته السماء ~~والأرض لا ينبغي أن يقع فيه لبس في أمر الإلهية؛ انتهى فقال مبينا أمر ~~قدرته بما لا يقدر عليه عيسى عليه الصلاة والسلام ولا غيره: { هو } أي ~~وحده { الذي } وقرعهم بصرف القول من الغيبه إلى الخطاب ليعظم تنبههم على ~~ما هم فيه من قهر المصور لهم على ما أوجدهم عليه مما يشتهونه ولا يفقهونه ~~فقال: { يصوركم } أي أن كنتم نطفا من التصوير وهو إقامه الصورة. وهي ~~تمام البادي التي يقع عليها حس الناظر لظهورها، فصورة كل شيء تمام بدوه ~~قال الحرالي: { في الأرحام } أي التي لا اطلاع لكم عليها بوجه، ولما كان ~~التصوير في نفسه أمرا معجبا وشينا للعقل إذا تأمله وإن كان قد هان ~~لكثرة الإلف باهرا فكيف بأحواله المتباينه وأشكاله المتخالفة المتباينة ~~أشار إلى التعجب من أمره وجليل سره بآلة الاستفهام وإن قالوا: إنها في ~~هذا الوطن شرط، فقال: { كيف } أي كما { يشاء } أي على أي حالة أراد، سواء ~~عنده كونكم من نطفتي ذكر وأنثى أو نطفة أنثى وحدها دليلا على كمال العلم ~~والقيومية، وإيماء إلى أن من صور في الأرحام كغيره من العبيد لا يكون إلا ~~عبدا، إذ الإله متعال عن ذلك لما فيه من أنواع الاحتياج والنقص. وقال ~~الحرالي: فكان في إلاحة هذه الآية توزيع أمر الإظهار على ثلاثة وجوه ~~تناظر وجوه التقدير الثلاثة التي في فاتحة سورة البقرة، فينتج هدى ~~وإضلالا وإلباسا أكمل الله به وحيه، كما أقام بتقدير الإيمان والكفر ~~والنفاق خلقه فطابق الأمر الخلق فأقام الله سبحانه وتعالى بذلك قائم خلقه ~~وأمره، ms0630 فكان في انتظام هذه الإفهامات أن بادي الأحوال الظاهرة عند انتهاء ~~الخلق إنما ظهرت لأنها مودعة في أصل التصوير فصورة نورانية يهتدي بها ~~وصورة ظلمانية يكفر لأجلها، وصورة ملتبسة عيشية علمية يفتتن ويقع الإلباس ~~والالتباس من جهتها، مما لا يفي ببيانها إلا الفرقان المنزل على هذه ~~الأمه، ولا تتم إحاطة جميعها إلا في القرآن المخصوصة به أئمة هذه الأمه ~~انتهى. # فقد علم أن التصوير في الرحم أدق شيء علما وقدرة، فعلم فاعله بغيره ~~والقدرة عليه من باب الأولى فثبت أنه لا كفوء له؛ فلذلك وصل به كلمه ~~الإخلاص وقال الحرالي: ولما تضمنت إلاحة هذه الآية ما تضمنته من ~~الإلباس والتكفير أظهر سبحانه وتعالى كلمه الإخلاص ليظهر نورها أرجاس تلك ~~الإلباسات وتلك التكفيرات فقال: { لا إله إلا هو } إيذانا بما هي له ~~الإلباس والتكفير من وقوع الإشراك بالإلهية والكفر فيها والتلبس ~~والإلتباس في أمرها؛ فكان في طي هذا التهليل بشرى بنصرة أهل الفرقان وأهل ~~القرآن على أهل الالتباس والكفران وخصوصا على أهل الإنجيل الذين ذكرت ~~كتبهم صريحا في هذا التنزيل بل يؤيد إلاحته في التهليل إظهار الختم في ~~هذه الآية بصفتي العزة المقتضية للانتقام من أهل عداوته والحكمة المقتضية ~~لإكرام أهل ولايته؛ انتهى فقال: { العزيز } أي الغالب غلبة لا يجد معها ~~المغلوب وجه مدافعة ولا انفلات، ولا معجز له في إنفاذ شيء من أحكامه { ~~الحكيم * } أي الحاكم بالحكمة، فالحكم المنع عما يترامى إليه المحكوم ~~عليه وحمله على ما يمتنع منه من جميع أنواع الصبر ظاهرا بالسياسة ~~العالية نظرا له، والحكمة العلم بالأمر الذي لأجله وجب الحكم من قوام ~~أمر العاجله وحسن العقبى في الآجلة؛ ففي ظاهر ذلك الجهد، وفي باطنه ~~الرفق، وفي عاجله الكره، وفي آجله الرضى والروح؛ ولايتم الحكم وتستوي ~~الحكمة إلا بحسب سعة العلم، فبذلك يكون تنزيل أمر العزة على وزن الحكمة ~~قاله الحرالي بالمعنى. # ولما ختم سبحانه وتعالى بوصف العزة الدالة على الغلبة الدالة على كمال ~~القدرة والحكمة المقتضي لوضع كل شيء في أحسن محاله وأكملها المستلزم ~~لكمال ms0631 العلم، تقديرا لما مر من التصوير وغيره، وكان هذا الكتاب أكمل ~~مسموعات العباد لنزوله على وجه هو أعلى الوجوه، ونظمه على أسلوب أعجز ~~الفصحاء وأبكم البلغاء إلى غير ذلك من الأمور الباهرة والأسرار ~~الظاهرة، وعلى عبد هو أكمل الخلق؛ أعقب الوصفين بقوله بيانا لتمام علمه ~~وشمول قدرته: { هو } أي وحده { الذي } ولما فصل أمر المنزل إلى المحكم ~~والتشابه نظر إليه جملة كما اقتضاه التعبير بالكتاب فعبر بالإنزال دون ~~التنزيل فقال: { أنزل عليك } أي خاصة { الكتاب } أي القرآن، وقصر الخطاب ~~على النبي صلى الله عليه وسلم لأن هذا موضع الراسخين وهو رأسهم دلالة على ~~أنه لا يفهم هذا حق فهمه من الخلق غيره. قال الحرالي: ولما كانت هذه ~~السورة فيما اختصت به من علن أمر الله سبحانه وتعالى مناظرة بسورة البقرة ~~فيما أنزلت من إظهار كتاب الله سبحانه وتعالى كان المنتظم بمنزل فاتحتها ~~ما يناظر المنتظم بفاتحة سورة البقرة، فلما كانت سورة البقرة منزل كتاب ~~هو الوحي انتظم بترجمتها الإعلام بأمر كتاب الخلق الذي هو القدر، فكما ~~بين في أول سورة البقرة كتاب تقدير الذي قدره وكتبه في ذوات من مؤمن ~~وكافر ومردد بينهما هو المنافق فتنزلت سورة كتاب للوحي إلى بيان قدر ~~الكتاب الخلقي لذلك كان متنزل هذا الافتتاح الإلهي إلى أصل منزل الكتاب ~~الوحي؛ ولما بين أمر الخلق أن منهم من فطره على الإيمان ومنهم من جبله ~~على الكفر ومنهم من أناسه بين الخلقين، بين في الكتاب أن منه ما أنزله ~~على الإحكام ومنه ما أنزله على الاشتباه؛ وفي إفهامه ما أنزله على ~~الافتنان والإضلال بمنزله ختم الكفار؛ انتهى فقال: { منه آيات محكمات } ~~أي لا خفاء بها. # قال الحرالي: وهي التي أبرم حكمها فلم ينبتر كما يبرم الحبل الذي يتخذ ~~حكمة أي زماما يزم به الشيء الذي يخاف خروجه على الانضباط، كأن الآيه ~~المحكمة تحكم النفس عن جولانها وتمنعها من جماحها وتضبطها إلى محال ~~مصالحها، ثم قال: فهي آي التعبد من الخلق للخلق اللائي لم يتغير حكمهن في ~~كتاب ms0632 من هذه الكتب الثلاث المذكورة، فهن لذلك أم انتهى. # ولما كان الإحكام في غاية البيان فكان في تكامله ورد بعض معانيه إلى بعض ~~كالشيء الواحد، وكان رد المتشابه إليه في غايه السهولة لمن رسخ إيمانه ~~وصح قصده واتسع علمه ليصير الكل شيئا واحدا أخبر عن الجمع بالمفرد ~~فقال: { هن أم الكتاب } والأم الأمر الجامع الذي يؤم أي يقصد، وقال ~~الحرالي: هي الأصل المقتبس منه الشيء في الروحانيات والنابت منه أو فيه ~~في الجسمانيات { وأخر } أي منه { متشابهات } قال الحرالي: والتشابه تراد ~~التشبه في ظاهر أمرين لشبه كل واحد منهما بالآخر بحيث يخفى خصوص كل واحد ~~منهما؛ ثم قال: وهن الآي التي أخبر الحق سبحانه وتعالى فيهن عن نفسه ~~وتنزلات تجلياته ووجوه إعانته لخلقه وتوفيقه وإجرائه ما أجرى من اقتداره ~~وقدرته في بادئ ما أجراه عليهم، فهن لذلك متشبهات من حيث إن نبأ الحق عن ~~نفسه لا تناله عقول الخلق، ولا تدركه أبصارهم، وتعرف لهم فيما تعرف بمثل ~~أنفسهم، فكأن المحكم للعمل والمتشابه لظهور العجز، فكان لذلك حرف المحكم ~~أثبت الحروف عملا، وحرف المتشابه أثبت الحروف إيمانا، واجتمعت على ~~إقامته الكتب الثلاث، واختلفت في الأربع اختلافا كثيرا فاختلف حلالها ~~وحرامها وأمرها ونهيها، واتفق على محكمها ومتشابهها انتهى. فبين سبحانه ~~وتعالى بهذا أنه كما يفعل الأفعال المتشابهه مثل تصوير عيسى عليه ~~الصلاة والسلام من غير نطفة ذكر، مع إظهار الخوارق على يديه لتبين الراسخ ~~في الدين من غيره كذلك يقول الأقوال المتشابهه، وأنه فعل في هذا الكتاب ~~ما فعل في غيره من كتبه من تقسيم آياته إلى محكم ومتشابه ابتلاء لعباده ~~ليبين فضل العلماء الراسخين الموقنين بأنه من عنده، وأن كل ما كان من عند ~~الله سبحانه وتعالى فلا اختلاف فيه في نفس الأمر، لأن سبب الاختلاف الجهل ~~أو العجز، وهو سبحانه وتعالى متعال جده منزه قدره عن شيء من ذلك، فبين ~~فضلهم بأنهم يؤمنون به، ولا يزالون يستنصرون منه سبحانه وتعالى فتح ~~المنغلق وبيان المشكل حتى يفتحه عليهم بما يرده إلى ms0633 المحكم، وهذا على وجه ~~يشير إلى المهمة الذي تاه فيه النصارى، والتيه الذي ضلوا فيه عن المنهج، ~~واللج الذي أغرق جماعاتهم، وهو المتشابه الذي منه أنهم زعموا أن عيسى ~~عليه الصلاة والسلام كان يقول له القائل: يا رب! افعل لي كذا ويسجد له، ~~فيقره على ذلك ويجيب سؤاله، فدل ذلك على أنه إله، ومنه إطلاقه على الله ~~سبحانه وتعالى أبا وعلى نفسه أنه ابنه، فابتغوا الفتنه فيه واعتقدوا ~~الأبوة والنبوة على حقيقتهما ولم يردوا ذلك إلى المحكم الذي قاله لهم ~~فأكثر منه، كما أخبر عنه أصدق القائلين سبحانه وتعالى في الكتاب المتواتر ~~الذي حفظه من التحريف والتبديل: # لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه # [فصلت: 42]، وهو # إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا وجعلني مباركا أين ما كنت ~~وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا # [مريم: 30، 31] # ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم # [المائدة: 117] # إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم # [مريم: 51]، هذا مما ورد في كتابنا الذي لم يغيروا ما عندهم فإن كانوا ~~قد بدلوه فقد ولله الحمد منه في الأناجيل الأربعة التي بين أظهرهم ~~الآن في أواخر هذا القرن التاسع من المحكم ما يكفي في رد المتشابه إليه، ~~ففي إنجيل لوقا أن جبريل عليه الصلاة والسلام ملاك الرب لما تبدى لمريم ~~مبشرا بالمسيح عليه السلام وخافت منه قال لها: لا تخافي يا مريم ظفرت ~~بنعمة من عند الله سبحانه وتعالى، وأنت تقبلين حبلا وتلدين ابنا يدعى ~~يسوع، يكون عظيما، وابن العذراء يدعى؛ ويعطيه الرب الإله كرسي داود ~~أبيه؛ وفي إنجيله أيضا وإنجيل متى أن عيسى عليه الصلاة والسلام قال ~~وقد أمره إبليس أن يجرب قدره عند الله بأن يطرح نفسه من شاهق: مكتوب: لا ~~تجرب الرب إلهك، وقال وقد أمره أن يسجد له: مكتوب: للرب إلهك اسجد، ~~وإياه وحده اعبد، وصرح أن الله سبحانه وتعالى واحد في غير موضع؛ وفي ~~إنجيل لوقا أنه دفع إلى المسيح سفر أشعيا النبي فلما فتحه ms0634 وجد الموضع ~~الذي فيه مكتوب: روح الرب علي، من أجل هذا مسحني وأرسلني لأبشر المساكين ~~وأبشر بالسنة المقبولة للرب، والأيام التي أعطانا إلهنا، ثم طوى السفر ~~ودفعه إلى الخادم؛ وفيه وفي غيره من أناجيلهم: من قبل هذا فقد قبلني، ومن ~~قبلني فقد قبل الذي أرسلني، ومن سمع منكم فقد سمع مني، ومن جحدكم فقد ~~جحدني، ومن جحدني فقد شتم الذي أرسلني ومن أنكرني قدام الناس أنكرته قدام ~~الناس، أنكرته قدام ملائكة الله، وفي إنجيل يوحنا أنه قال عن نفسه عليه ~~الصلاة والسلام: الذي أرسله الله إنما ينطق بكلام الله لأنه ليس بالكيس، ~~أعطاه الله الروح، وقال: قد سأله تلاميذه أن بأكل فقال لهم: طعامي أن ~~أعمل مسرة من أرسلني وأتم عمله؛ وفيه في موضع آخر: الحق الحق أقول لكم! ~~أن من يسمع كلامي وآمن بمن أرسلني وجبت له الحياة المؤبده، لست أقدر أعمل ~~شيئا من ذات نفسي، وإنما أحكم بما أسمع، وديني عدل لأني لست أطلب مسرتي ~~بل مسرة من أرسلني؛ وفي إنجيل مرقس أنه قال لناس: تعلمتم وصايا الناس ~~وتركتم وصايا الله، وزجر بعض من اتبعه فقال: اذهب يا شيطان! فإنك لم تفكر ~~في ذات الله، وتفكر في ذات الناس؛ فقد جعل الله إلهه وربه ومعبوده، ~~واعترف له بالوحدانيه وجعل ذاته مباينا لذات الناس الذي هو منهم؛ وفي ~~جميع أناجيلهم نحو هذا، وأنه كان يصوم ويصلي لله ويأمر تلاميذه بذلك، ففي ~~إنجيل لوقا أنهم قالوا له: يا رب! علمنا نصلي كما علم يوحنا تلاميذه، ~~فقال لهم: إذا صليتم فقولوا: أبانا الذي في السماوات يتقدس اسمك! كفافنا ~~أعطنا في كل يوم، واغفر لنا خطايانا لأنا نغفر لمن لنا عليه، ولا تدخلنا ~~في التجارب، لكن نجنا من الشرير؛ ولما دخل الهيكل بدأ يخرج الذين يبيعون ~~ويشترون فيه، فقال لهم: مكتوب أن بيتي هو بيت الصلاة وأنتم جعلتموه مفازة ~~اللصوص! فعلم من هذا كله أن إطلاق اسم الرب عليه لأن الله سبحانه وتعالى ~~أذن له أن يفعل بعض أفعاله التي ليست في ms0635 قدرة البشر، والرب يطلق على ~~السيد أيضا، كما قال يوسف عليه الصلاة والسلام: # اذكرني عند ربك # [يوسف: 42]. ثم وجدت في أوائل إنجيل يوحنا أن الرب تأويله العلم، ولو ~~ردوا أيضا الأب والابن إلى هذا المحكم وأمثاله وهي كثيرة في جميع ~~أناجيلهم لعلموا بلا شبهة أن معناه أن الله سبحانه وتعالى يفعل معه ما ~~يفعل الوالد مع ولده من الترية والحياطة والنصرة والتعظيم والإجلال، كما ~~لزمهم حتما أن يأولوا قوله فيما قدمته: أبانا الذي في السماوات، وقوله ~~في إنجيل متى لتلاميذه: هكذا فليضىء نوركم قدام الناس ليروا أعمالكم ~~الحسنة ويمجدوا أباكم الذي في السماوات، وقال: وأحسنوا إلى من أبغضكم، ~~وصلوا على من يطردكم ويخزيكم لكيما تكونوا بني أبيكم الذي في السماوات، ~~لأنه المشرق شمسه على الأخيار والأشرار، والممطر على الصديقين والظالمين، ~~انظروا! لا تصنعوا أمرا حكم قدام الناس لكي يروكم، فليس لكم أجر عند ~~أبيكم الذي في السماوات، وإذا صنعت رحمة فلا تضرب قدامك بالبوق، ولا تصنع ~~كما يصنع المراؤون في المجامع وفي الأسواق لكي يمجدوا من الناس، الحق ~~أقول لكم! لقد أخذوا أجرهم؛ وأنت إذا صنعت رحمة لا تعلم شمالك ما صنعته ~~يمينك، لتكون صدقة في خفية، وأبوك الذي يرى الخفية يعطيك على نية؛ وقل في ~~الفصل العاشر منه: وصل لأبيك سرا، وأبوك يرى السر فيعطيك علانية. # وهكذا في جميع آيات الأحكام من الإنجيل كرر لهم هذه اللفظة تكريرا ~~كثيرا، فكما تأول لها النصارى بأن المراد منها تعظيمهم له أشد من ~~تعظيمهم لآبائهم ليعتني بهم أكثر من اعتناء الوالد بالولد فكذلك يأولون ~~ما في إنجيل لوقا وغيره أن أم عيسى وإخواته أتوا اليه فلم يقدروا لكثره ~~الجمع على الوصول إليه فقالوا له أملك وإخواتك خارجا يريدون أن ينظروا ~~إليك، فأجاب: أمي وأخوتي الذين يسمعون كلمة الله ويعملون بها؛ فكذلك ~~يلزمهم تأويلها في حق عيسى عليه الصلاة والسلام لذلك ليرد المتشابه إلى ~~المحكم. وإن لم يأولوا ذلك في حق أنفسهم وحملوه على الظاهر كما هو ظاهر ~~قوله سبحانه وتعالى: # وقالت اليهود ms0636 والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه # [المائدة: 18] كانوا مكابرين في المحسوس بلا شبهة، فإن كل أحد منهم مساو ~~لجميع الناس وللبهائم في أن له أبوين، وكانت دعواهم هذة ساقطة لا يردها ~~عليهم إلا من تبرع بإلزامهم بمحسوس آخر هم به يعترفون، وقد أقام هو نفسه ~~عليه الصلاة والسلام أدلة على صرفها عن ظاهرها، منها غير ما تقدم أنه ~~كثيرا ما كان يخبر عن نفسه فيقول: ابن الإنسان يفعل كذا، ابن البشر قال ~~كذا يعني نفسه الكريمة، فحيث نسب نفسه إلى البشر كان مريدا للحقيقة، ~~لأنه ابن امرأة منهم، وهو مثلهم في الجسد، والمعاني حيث نسبها إلى الله ~~سبحانه وتعالى كان على المجاز كما تقدم. وأما السجود فقد ورد في ~~التوراة كثيرا لأحاد الناس من غير نكير، فكأنه كان جائزا في شرائعهم ~~فعله لغير الله سبحانه وتعالى على وجه التعظيم والله سبحانه وتعالى ~~أعلم، وأما نحن فلا يجوز فعله لغير الله، ولا يجوز في شريعتنا أصلا ~~إطلاق الأب ولا الابن بالنسبة إليه سبحانه وتعالى، وكذا كل لفظ أوهم ~~نقصا سواء صح أن ذلك كان جائزا في شرعهم أم لا، وإذا راجعت تفسير ~~البيضاوي لقوله سبحانه وتعالى في البقرة # إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون # [ البقرة: 117] زادك بصيرة فيما هنا؛ والحاصل أنهم لم يصرفوا ذلك في حق ~~عيسى عليه الصلاة والسلام عن ظاهره وحقيقته وتحكموا بأن المراد منه ~~المجاز وهو هنا إطلاق اسم الملزوم على اللازم، وكذا غيره من متشابه ~~الإنجيل، كما فعلنا نحن بمعونة الله سبحانه وتعالى في وصف الله سبحانه ~~وتعالى بالرضى والغضب والرحمة والضحك وغير ذلك مما يستلزم حمله على ~~الظاهر وصفات المحدثين، وكذا ذكر اليد والكف والعين ونحو ذلك فحملنا ذلك ~~كله على أن المراد منه لوازمه وغاياته مما يليق بجلاله سبحانه وتعالى مع ~~تنزيهنا له سبحانه وتعالى عن كل نقص وإثباتنا له كل كمال، فإن الله ~~سبحانه وتعالى عزه وجده وجل قدره ومجده أنزل حرف المتشابه ابتلاء لعباده ~~لتبين الثابت من الطائش والموقن من الشاك. # قال ms0637 الحرالي في كتابه عروة المفتاح: وجه إنزال هذا الحرف تعرف الحق ~~للخلق بمعتبر ما خلقهم عليه ليلفتوا عنه وليفهموا خطابه، وليتضح لهم نزول ~~رتبهم عن علو ما تعرف به لهم، وليختم بعجزهم عن إدراك هذا الحرف علمهم ~~بالأربعة يعني الأمر و النهي والحلال والحرام، وحبسهم بالخامس وتوقفهم ~~عنه والاكتفاء بالإيمان منه ما تقدم من عملهم بالأربعة، واتصافهم بالخامس ~~ليتم لهم العبادة بالوجهين من العمل والوقوف والإدراك والعجز # فارجع البصر هل ترى من فطور # [الملك: 3]علما وحسا # ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير # [الملك: 4] عجزا، أعلمهم بحظ من علم أنفسهم وغيرهم بعد أن أخرجهم من ~~بطون أمهاتهم لا يعلمون شيئا ثم أعجزهم عن علم أمره وأيامه الماضية ~~والآتية وغائب الحاضرة ليسلموا له اختيار فيرزقهم اليقين بأمره وغائب ~~أيامه، كما أسلموا له في الصغر اضطرارا، فرزقهم حظا من علم خلقه، فمن ~~لم يوقفه في حد الإيمان اشتباه خطابه سبحانه وتعالى عن نفسه وما بينه ~~وبين خلقه وحاول تدركه بدليل أو فكر أو تأويل حرم اليقين بعلي الأمر ~~والتحقيق في علم الخلق، وأوخذ بما أضاع من محكم ذلك المتشابه حين اشتغل ~~لما يعنيه من حال نفسه بما لا يعنيه من أمر ربه، فكان كالمتشاغل بالنظر ~~في ذي الملك، وتنظره يرمي نفسه عن مراقبة ما يلزمه من تفهم حدوده ~~وتذلله لحرمته؛ وجوامع منزل هذا الحرف في رتبتين: مبهمة ومفصلة، أما ~~انبهامه فلوقوف العلم به على تعريف الله سبحانه وتعالى من غير واسطة من ~~وسائط النفس من فكر ولا استدلال، وليتدرب المخاطب بتوقفه على المبهم على ~~توقفه عن مفصله ومبهمه، وهو جامع الحروف المنزلة في أوائل السور التسع ~~والعشرين من سوره وبه افتتح الترتيب في القرآن، ليتلقى الخلق بادي أمر ~~الله بالعجز والوقوف والاستسلام إلى أن يمن الله سبحانه وتعالى بعلمه ~~بفتح من لدنه، ولذلك لم يكن في تنزيله في هذه الرتبة ريب لمن علمه الله ~~سبحانه وتعالى كنهه من حيث لم يكن للنفس مدخل في علمه، وذلك قوله سبحانه ~~وتعالى: ms0638 # آلم ذلك الكتاب لا ريب فيه # [البقرة: 1، 2] لمن علمه الله إياه # هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب # [البقرة: 2، 3] وقوفا عن محاولة علم ما ليس في وسع الخلق علمه، حتى ~~تلحقه العنايه من ربه فعلمه ما لم يكن في علمه؛ وأما الرتبة الثانية ~~فمتشابه الخطاب المفصل المشتمل على إخبار الله عن نفسه وتنزيلات أمره، ~~ورتب إقامات خلقه بإبداع كلمته وتصيير حكمته وباطن ملكوته وعزيز جبروته ~~وأحوال أيامه؛ وأول ذلك في ترتيب القرآن إخباره عن استوائه في قوله: # ثم استوى إلى السماء # [البقرة: 29] إلى قوله سبحانه وتعالى # فأينما تولوا فثم وجه الله # [لبقرة: 115] إلى سائر ما أخبر عنه من عظم شأنه في جملة آيات متعددات ~~لقوله سبحانه وتعالى # إلا لنعلم من يتبع الرسول # [البقرة: 143]، # فإني قريب # [البقرة: 186] # هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظل من الغمام والملائكة # [البقرة: 210]، # الله لا إله إلا هو الحي القيوم # [البقرة: 255] # فأذنوا بحرب من الله ورسوله # [البقرة: 279]، { هو الذي يصوركم في الأرحام } [آل عمران: 6]، # ويحذركم الله نفسه # [آل عمران: 128]، # ولله ملك السماوات والأرض # [آل عمران: 189]، # والله على كل شيء قدير # [البقرة: 284]، # وكان الله سميعا بصيرا # [النساء: 85]، # بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء # [المائده: 64]، # وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم # [الأنعام: 3]، # خلق السماوات والأرض # [الأعراف: 54]، # ثم استوى على العرش # [الأعراف: 54]، # ولتصنع على عيني # [طه: 39]، # قل من بيده ملكوت كل شيء # [المؤمنون: 88]، # فلما أتاها نودي من شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن ~~يا موسى إني أنا الله # [القصص: 30]، # كل شيء هالك إلا وجهه # [القصص: 88]، # هو الذي يصلي عليكم وملائكته # [الأحزاب: 43]، # إن الله وملائكته يصلون علىالنبي # [الأحزاب: 56]، # ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي # [الأعراف: 12]، # وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله # [الزخرف: 84]، # وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه # [الجاثيه: 13]، # وله الكبرياء في السماوات والأرض # [الجاثيه: 37]، # كل من عليها فان ويبقى وجه ربك # [الرحمن: 26، 27]، # هو الأول والآخر والظاهر والباطن # [الحديد: 3]، # وهو معكم أين ما كنتم # [الحديد: 4]، # ما يكون من ms0639 نجوى ثلاثه إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى ~~من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا # [المجادلة: 7]، # فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا # [الحشر: 2]، # تبارك الذي بيده الملك # [الملك: 1]، # تعرج الملائكة والروح اليه # [المعارج:4]، # وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة # [القيامة: 22، 23]، # وما تشاؤون إلا أن يشاء الله # [الإنسان:30]، # وجاء ربك والملك صفا صفا # [الفجر: 22] إلى سائر ما أخبر فيه عن تنزلات أمره وتسوية خلقه وما ~~أخبرعنه حبيبه صلى الله عليه وسلم من محفوظ الأحاديث التي عرف بها أمته ~~ما يحملهم في عبادتهم على الانكماش والجد والخشية والوجل والإشفاق وسائر ~~الأحوال المشار إليها في حرف المحكم من نحو حديث النزول والقدمين والصورة ~~والضحك والكف والأنامل، وحديث عناية لزوم التقرب بالنوافل وغير ذلك من ~~الأحاديث التي ورد بعضها في الصحيحين، واعتنى بجمعها الحافظ المتقن أبو ~~الحسن الدارقطني رحمه الله تعالى، ودون بعض المتكلمين جملة منها لقصد ~~التأويل، وشدد النكير في ذلك أئمة المحدثين، يؤثر عن الإمام أحمد بن حنبل ~~رضي الله تعالى عنه ورحمة أنه قال: آيات الصفات وأحاديث الصفات صناديق ~~مقفلة مفاتيحها بيد الله سبحانه وتعالى، تأويلها تلاوتها، ولذلك أئمة ~~الفقهاء وفتياهم لعامة المؤمنين والذي اجتمعت عليه الصحابة رضوان الله ~~تعالى عليهم ولقنته العرب كلها أن ورود ذلك عن الله ومن رسوله ومن الأئمة ~~إنما هو لمقصد الإفهام، لا لمقصد الإعلام، فلذلك لم يستشكل الصحابة رضوان ~~الله تعالى عليهم شيئا قط، بل كلما كان وارده عليهم أكثر كانوا به أفرح، ~~وللخطاب به أفهم، حتى قال بعضهم لما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن الله تعالى يضحك من عبده: لا نعدم الخير من رب يضحك " # وهم وسائر العلماء بعدهم صنفان: إما متوقف عنه في حد الإيمان، قانع بما ~~أفاد من الإفهام، وإما مفتوح عليه بما هو في صفاء الإيقان، وذلك أن الله ~~سبحانه وتعالى تعرف لعباده في الأفعال والآثار في الآفاق وفي أنفسهم ~~تعليما، وتعرف للخاصة منهم بالأوصاف العليا والأسماء الحسنى مما يمكنهم ~~اعتباره تعجيزا، ms0640 فجاوزوا حدود التعلم بالإعلام إلى عجز الإدراك فعرفوا ~~أن لا معرفة لهم، وذلك هو حد العرفان وإحكام قراءة هذا الحرف المتشابه في ~~منزل القرآن، وتحققوا أن # ليس كمثله شيء # [الشورى: 11] و # لم يكن له كفوا أحد # [الإخلاص: 4] فتهدفوا بذلك لما يفتحه الله على من يحبه من صفاء الإيقان، ~~والله يحب المحسنين. ثم قال فيما به تحصل قراءة هذا الحرف: اعلم أن تحقيق ~~الإسلام بقراءة حرف المحكم لا يتم إلا بكمال الإيمان بقراءة حرف المتشابه ~~تماما لأن حرف المحكم حال يتحقق للعبد. ولما كان حرف المتشابه إخبارا ~~عن نفسه سبحانه وتعالى بما يتعرف به لخلقه من أسماء وأوصاف كانت قراءته ~~بتحقق العبد أن تلك الأسماء والأوصاف ليست مما تدركه حواس الخلق ولا ما ~~تناله عقولهم، وإن أجرى على تلك الاسماء والأوصاف على الخلق فيوجه، لا ~~يلحق أسماء الحق ولا أوصافه منها تشبيه في وهم ولا تمثيل في عقل # ليس كمثله شيء وهو السميع البصير # [الشورى: 11]، # ولم يكن له كفوا أحد # [الإخلاص: 4]، فلاذي يصح به قراءة هذا الحرف أما من جهة القلب فالمعرفة ~~بأن جميع أسماء الحق وأوصافه تعجز عن معرفتها إدراكات الخلق وتقف عن ~~تأويلها إجلالا وإعظاما معلوماتهم، وأن حسبها معرفتها بأنها لا ~~تعرفها، وأما من جهة حال النفس والاستكانة لما يوجبه تعرف الحق بتلك ~~الأسماء والأوصاف من التحقق بما يقابلها والبراءة من الاتصاف بها لأن ما ~~صلح للسيد حرم على العبد لتحقق فقر الخلق من تسمي الحق بالغنى، ولا يتسمى ~~بالغنى فيقدح في هداه، فيهلك باسمه ودعواه، ولتحقق ذلهم من تسميته تعالى ~~بالعزة وعجزهم عن تسميته بالقدرة، واستحقاق تخليهم من جميع ما تعرف به من ~~أوصاف الملك والسلطان والغضب والرضى والوعد والوعيد والترغيب والترهيب ~~إلى سائر ما تسمى به في جميع تصرفاته مما ذكر في المتشابه من الآي، وأشير ~~إليه من الأحاديث، وما عليه اشتملت " واردات الأخبار " في جميع الصحف ~~والكتب، ومرائي الصالحين ومواقف المحدثين ومواجد المروعين؛ وأما من جهة ~~العمل فحفظ اللسان عن إطلاق ألفاظ التمثيل والتشبيه تحقيقا لما ms0641 في مضمون ~~قوله سبحانه وتعالى # ولم يكن له كفوا أحد # [الإخلاص: 4] لأن مقتضاها الرد على المشبه من هذه الأمة، وليس لعمل ~~الجوارح في هذا الحرف مظهر سوى ما ذكر من لفظ اللسان، فقراءته كالتوطئة ~~لتخليص العبادة بالقلب في قراءة مفرد حرف الأمثال؛ والله العلي الكبير ~~انتهى. # وقد تقدم حرف الأمثال عند قوله تعالى # مثلهم كمثل الذي استوقد نارا # [البقرة: 7] وقد بين سبحانه وتعالى أنه لا يضل بحرف المتشابه إلا ذوو ~~الطبع العوج الذين لم ترسخ أقدامهم في الدين ولا استنارت معارفهم في ~~العلم فقال: { فأما الذين في قلوبهم زيغ } أي اعوجاج عدلوا به عن الحق. ~~وقال الحرالي: هو ميل المائل إلى ما يزين لنفسه الميل إليه، والمراد هنا ~~أشد الميل الذي هو ميل القلب عن جادة الاستواء وفي إشعاره ما يلحق بزيغ ~~القلوب من سيىء الأحوال في الأنفس وزلل الأفعال في الأعمال، فأنبأ تعالى ~~عما هو الأشد وأبهم ما هو الأضعف: { فيتبعون } في إشعار هذه الصيغة بما ~~تنبئ عنه من تكلف المتابعه بأن من وقع له الميل فلفته لم تلحقه مذمه هذا ~~الخطاب، فإذا وقع الزلل ولم يتتابع حتى يكون اتباعا سلم من حد الفتنة ~~بمعالجة التوبة { ما تشابه منه } فأبهمه إبهاما يشعر بما جرت به الكليات ~~فيما يقع نبأ عن الحق وعن الخلق من نحو أوصاف النفس كالتعليم والحكيم ~~وسائر أزواج الأوصاف كالغضب والرضى بناء على الخلق في بادئ الصورة من نحو ~~العين واليد والرجل والوجه وسائر بوادي الصورة، كل ذلك مما أنه متشابهات ~~أنزلها الله تعالى ليتعرف للخلق بما جبلهم عليه مما لو لم يتعرف لهم به ~~لم يعرفوه، ففقائدة إنزالها التعرف بما يقع به الامتحان بإحجام الفكر عنه ~~والإقدام على التعبد له، ففائدة إنزاله عملا في المحكم وفائدة إنزاله ~~فيه توقفا عنه ليقع الابتلاء بالوجهين: عملا بالمحكم ووقوفا عن ~~المتشابه، قال عليه الصلاة والسلام: # " لا تتفكروا في الله " # وقال علي رضي الله عنه: من تفكر في ذات الله تزندق ووافق العلماء إنكار ~~الخلق عن التصرف في تكييف ms0642 شيء منه، كما ذكر عن مالك رحمه الله تعالى في ~~قوله: الكيف مجهول والسؤال عنه بدعة، فالخوض في المتشابه بدعة، والوقوف ~~عنه سنة؛ وأفهم عنه الإمام أحمد يعني فيما تقدم في آيات الصفات من أن ~~تأويلها تلاوتها، هذا هو حد الإيمان وموقفه، وإليه أذعن الراسخون في ~~العلم، وهم الذين تحققوا في أعلام العلم، ولم يصغوا إلى وهم التخييل ~~والتمثل به في شيء مما أنبأ الله سبحانه وتعالى به نفسه ولا في شيء مما ~~بينه وبين خلقه وكان في توقفهم عن الخوض في المتشابه تفرغهم للعمل في ~~المحكم، لأن المحكم واضح وجداني، متفقه عليه مدارك الفطن وإذعان الجبلات ~~ومنزلات الكتب، لم يقع فيه اختلاف بوجه حتى كان لا يدخل الجنة من كان في ~~قلبه مثقال ذرة من كبر، للزوم الواجب من العمل بالمحكم في إذعان النفس، ~~فكما لا يصلح العراء عن الاتصاف بالمحكم لا يصلح الترامي إلى شيء من ~~الخوض في المتشابه لأحد من أهل العلم والإيمان أهل الدرجات، لأن الله ~~سبحانه وتعالى جبل الخلق وفطرهم على إدراك حظ من أنفسهم من أحوالهم، ~~وأوقفهم عن إدراك ما هو راجع إليه، فأمر الله وتجلياته لا تنال إلا ~~بعنايه منه، يزج العبد زجه يقطع به الحجب الظلمانية والنورانية التي فيها ~~مواقف العلماء؛ فليس في هذا الحرف المتشابه إلا أخذ لسانين: لسان وقفة عن ~~حد الإيمان للراسخين في العلم المشتغلين بالاتصاف بالتذلل والتواضع ~~والتقوى والبر الذي أمر صلى الله عليه وسلم أن يتبع فيه حتى ينتهي العبد ~~إلى أن يحبه الله، فيرفع عنه عجز الوقفه عن المتشابه، وينقذه من حجاب ~~النورانية، فلا يشكل عليه دقيق ولا يعييه خفي بما أحبه الله، وما بين ذلك ~~من خوض دون إنقاذ هذه العناية فنقص عن حد رتبة الإيمان والرسوخ في العلم، ~~فكل خائض فيه ناقص من حيث يحب أن يزيد، فهو إما عجز إيماني من حيث الفطر ~~الخلقي، وإما تحقق إيقاني توجبه العناية والمحبة انتهى. # ولما ذكر سبحانه وتعالى اتباعهم له ذكر علته فقال: { ابتغاء الفتنة } أي ms0643 ~~تمييل الناس عن عقائدهم بالشكوك { وابتغاء تأويله } أي ترجيعه إلى ما ~~يشتهونه وتدعوا إليه نفوسهم المائلة وأهويتهم الباطلة بادعاء أنه مآله. ~~قال الحرالي: والابتغاء افتعال: تكلف البغي، وهو شدة الطلب، وجعله تعالى ~~ابتغاءين لاختلاف وجهيه، فجعل الأول فتنة لتعلقه بالغير وجعل الثاني ~~تأويلا أي طلبا للمآل عنده، لاقتصاره على نفسه، فكان أهون الزيغين ~~انتهى. # ولما بين زيغهم بين أن نسبة خوضهم فيما لا يمكنهم علمه فقال: { وما } أي ~~والحال أنه ما { يعلم } في الحال وعلى القطع { تأويله } قال الحرالي: هو ~~ما يؤول إليه أمر الشيء في مآله إلى معاده { إلا الله } أي المحيط قدرة ~~وعلما، قال: ولكل باد من الخلق مآل كما أن الآخرة مآل الدنيا # يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق # [الأعراف: 53] لذلك كل يوم من أيام الآخرة مآل للذي قبله، فيوم الخلود ~~مآل يوم الجزاء، ومآل الأبد مآل يوم الخلود؛ وأبد الأبد مآل الأبد، وكذلك ~~كل الخلق له مآل من الأمر, فأمر الله مآل خلقه وكذلك الأمر، كل تنزيل ~~أعلى منه مآل التنزيل الأدنى إلى كمال الأمر، وكل أمر الله مآل من أسمائه ~~وتجلياته، وكل تجل أجلى مآل لما دونه من تجل أخفى، قال عيه الصلاة ~~والسلام: # " فيأتيهم ربهم في غير الصورة التي يعرفونها الحديث إلى قوله: أنت ~~ربنا " # فكان تجليه الأظهر لهم مآل تجليه الأخفى عنهم؛ فكان كل أقرب للخلق من ~~غيب خلق وقائم أمر وعلى تجل إبلاغا إلى ما وراءه فكان تأويله، فلم تكن ~~الإحاطة بالتأويل المحيط إلا لله سبحانه وتعالى. ولما ذكر الزائغين ذكر ~~الثابتين فقال: { والراسخون في العلم } قال الحرالي: وهم المتحققون في ~~أعلام العلم من حيث إن الرسوخ النزول بالثقل في الشيء الرخو ليس ~~الظهورعلى الشيء، فلرسوخهم كانوا أهل إيمان، ولو أنهم كانوا ظاهرين على ~~العلم كانوا أهل إيقان، لكنهم راسخون في العلم لم يظهروا بصفاء الإيقان ~~على نور العلم، فثبتهم الله سبحانه وتعالى عند حد التوقف فكانوا دائمين ~~على الإيمان بقوله: { يقولون آمنا به } بصيغة ms0644 الدوام انتهى أي هذا ~~حالهم في رسوخهم. # ولما كان هذا قسيما لقوله: { وأما الذين في قلوبهم زيغ } كان ذلك ~~واضحا في كونه ابتداء وأن الوقوف على ما قبله، ولما كان هذا الضمير ~~محتملا للمحكم فقط قال: { كل } أي من المحكم والمتشابه. قال الحرالي: ~~وهذه الكلمة معرفة بتعريف الإحاطة التي أهل النحاة ذكرها في وجوه التعريف ~~إلا من ألاح معناها منهم فلم يلقن ولم ينقل جماعتهم ذلك؛ وهو من أكمل ~~وجوه التعريف، لأن حقيقة التعريف التعين بعيان أو عقل، وهي إشارة إلى ~~إحاطة ما أنزله على إبهامه، فكان مرجع المتشابه والمحكم عندهم مرجعا ~~واحدا، آمنوا بمحل اجتماعه الذي منه نشأ فرقانه، لأن كل مفترق بالحقيقة ~~إنما هو معروج من حد اجتماع، فما رجع إليه الإيمان في قلولهم: آمنا به، ~~هو محل اجتماع المحكم والمتشابه في إحاطة الكتاب قبل تفصيله انتهى. { ~~من عند ربنا } أي المحسن إلينا بكل اعتبار، ولعله عبر بعند وهي بالأمر ~~الظاهر بخلاف لدن إشارة إلى ظهور ذلك عند التأمل، وعبروه عن الاشتباه. # ولما كان مع كل مشتبه أمر إذا دقق النظر فيه رجع إلى مثال حاضر للعقل ~~إما محسوس وإما في حد ظهور المحسوس قال معمما لمدح المتأملين على دقة ~~الأمر وشدة عموضه بإدغام تاء التفعل مشيرا إلى أنهم تأهلوا بالرسوخ إلى ~~الارتقاء عن رتبته، ملوحا إلى أنه لا فهم لغيرهم عاطفا على ما تقديره: ~~فذكرهم الله من معاني المتشابه ببركه إيمانهم وتسليمهم بما نصبه من ~~الآيات في الآفاق وفي أنفسهم ما يمكن أن يكون إرادة منه سبحانه وتعالى ~~وإن لم يكن على القطع بأنه إرادة: { وما يذكر } أي من الراسخين بما سمع ~~من المتشابه ما في حسه وعقله من أمثال ذلك { إلا أولوا الألباب* } قال ~~الحرالي: الذين لهم لب العقل الذي للراسخين في العلم ظاهره، فكان بين أهل ~~الزيغ وأهل التذكر مقابلة بعيدة، فمنهم متذكر ينتهي إلى إيقان، وراسخ في ~~العلم يقف عند حد إيمان، ومتأول يركن إلى لبس بدعة، وفاتن يتبع هوى؛ ~~فأنبأ جملة هذا البيان ms0645 عن أحوال الخلق بالنظر إلى تلقي الكتاب كما أنبأ ~~بيان سورة البقرة عن جهات تلقيهم للأحكام انتهى. ### || [3.8-12] # ولما علم بذلك أن الراسخين أيقنوا أنه من عند الله المستلزم لأنه لا عوج ~~فيه أخبر أنهم أقبلوا على التضرع إليه في أن يثبتهم بعد هدايته ثم أن ~~يرحمهم ببيان ما أشكل عليهم بقوله حاكيا عنهم وهو في الحقيقة تلقين ~~منه لهم لطفا بهم مقدما ما ينبغي تقديمه من السؤال في تطهير القلب عما ~~لا ينبغي على طلب تنويره بما ينبغي لأن إزالة المانع قبل إيجاد المقتضي ~~عين الحكمة: { ربنا } أي المحسن إلينا { لا تزغ قلوبنا } أي عن الحق. # ولما كان صلاح القلب صلاح الجملة وفساده فسادها وكان ثبات الإنسان على ~~سنن الاستقامة من غير عوج أصلا مما لم يجر به سبحانه وتعالى عادته لغير ~~المعصومين قال نازعا الجار مسندا الفعل غلى ضمير الجملة: { بعد إذ ~~هديتنا } إليه. وقال الحرالي: ففي إلاحة معناه أن هذا الابتهال واقع من ~~أولي الألباب ليترقوا من محلهم من التذكر إلى ما هو أعلى وأبطن انتهى. ~~فلذلك قالوا: { وهب لنا من لدنك } أي أمرك الخاص بحضرتك القدسية، الباطن ~~عن غير خواصك { رحمة } أي فضلا ومنحة منك ابتداء من غير سبب منا، ونكرها ~~تعظيما بأن أيسر شيء منها يكفي الموهوب. # ولما لم يكن لغيره شيء أصلا فكان كل عطاء من فضله قالوا وقال ~~الحرالي: ولما كان الأمر اللدني ليس مما في فطر الخلق وجبلاتهم وإقامة ~~حكمتهم، وإنما هو موهبة من الله سبحانه وتعالى بحسب العناية ختم بقوله: { ~~إنك أنت الوهاب * } وهي صيغة مبالغة من الوهب والهبة، وهي العطية سماحا ~~من غير قصد من الموهوب انتهى. # ولما كان من المعلوم من أول ما فرغ السمع من الكتاب في الفاتحة وأول ~~البقرة وأثنائها أن للناس يوما يدانون فيه وصلوا بقولهم السابق قوله: { ~~ربنا إنك جامع } قال الحرالي: من الجمع، وهو ضم ما شأنه الافتراق ~~والتنافر لطفا أو قهرا انتهى. { الناس } أي كلهم { ليوم } أي يدانون ~~فيه { لا ريب فيه } ثم ms0646 عللوا نفي الريب بقولهم عادلين عن الخطاب آتين ~~بالاسم الأعظم لأن المقام للجلال : { إن الله } أي المحيط بصفات الكمال ~~{ لا يخلف } ولما كان نفي الخلف في زمن الوعد ومكانه أبلغ من نفي خلافه ~~نفسه عبر بالمفعال فقال: { الميعاد * } وقال الحرالي: هو مفعال من الوعد، ~~وصيغ لمعنى تكرره ودوامه، والوعد العهد في الخير انتهى. وكل ذلك ~~تنبيها على أنه يجب التثبت في فهم الكتاب والإحجام عن مشكله خوفا من ~~الفضيحة يوم الجمع يوم يساقون إليه ويقفون بين يديه، فكأنه تعالى يقول ~~للنصارى: هب أنه أشكل عليكم بعض أفعالي وأقوالي في الإنجيل فهلا فعلتم ~~فعل الراسخين فنزهتموني عما لا يليق بجلالي من التناقض وغيره، ووكلتم أمر ~~ذلك إلي، وعولتم في فتح مغلقه علي خوفا من يوم الدين؟ قال ابن الزبير: ~~ثم لما بلغ الكلام إلى هنا أي إلى آيه التصوير كان كأنه قد قيل: فكيف ~~طرأ عليهم ما طرأ مع وجود الكتب؟ أخبر تعالى بشأن الكتاب وأنه محكم ~~ومتشابه، وكذا عيره من الكتب والله سبحانه وتعالى أعلم، فحال أهل ~~التوفيق تحكيم المحكم، وحال أهل الزيغ اتباع المتشابه والتعلق به، وهذا ~~بيان لقوله: # يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا # [البقرة: 26] وكل هذا بيان لكون الكتاب العزيز أعظم فرقان وأوضح بيان إذ ~~قد أوضح أحوال المختلفين ومن أين أتى عليهم مع وجود الكتب، وفي أثناء ذلك ~~تنبيه العباد على عجزهم وعدم استبدادهم لئلا يغتر الغافل فيقول مع هذا ~~البيان ووضوح الأمر: لا طريق إلى تنكب الصراط، فنبهوا حين علموا الدعاء ~~من قوله: # وإياك نستعين # [الفاتحة: 4] ثم كرر تنبيههم لشدة الحاجة ليذكر هذا أبدا، ففيه معظم ~~البيان، ومن اعتقاد الاستبداد ينشأ الشرك الأكبر إذ اعتقاد الاستبداد ~~بالأفعال إخراج لنصف الموجودات عن يد بارئها # والله خلقكم وما تعملون # [الصافات: 96] فمن التنبيه # إن الذين كفروا # [البقرة: 6] ومنه: # يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا # [البقرة: 26] ومنه # آمن الرسول # [البقرة: 285] إلى خاتمتها، هذا من جلي التنبيه ومحكمه، ومما يرجع ~~إليه ويجوز معناه بعد اعتباره: # وإلهكم إله واحد # [البقرة: 163] وقوله: ms0647 # الله لا إله إلا هو الحي القيوم # [البقرة: 255]، فمن رأى الفعل أو بعضه لغيره تعالى حقيقة فقد قال بإلهية ~~غيره، ثم حذروا أشد التحذير لما بين لهم فقال تعالى: # إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد # [آل عمران: 4] ثم ارتبطت الآيات إلى آخرها انتهى. # ولما تحقق أن يوم الجمع كائن لا محالة تحقق أن من نتائجه تحقيقا لعزته ~~سبحانه وتعالى وانتقامه من الكفرة قوله تعالى: { إن الذين كفروا } أي ~~الذين يظنون لسترهم ما دلت عليه مرأى عقولهم أنهم يمتنعون من أمر الله ~~لأنهم يفعلون في عصيانه وعداوة أوليائه فعل من يريد المغالبه { لن تغني ~~عنهم أموالهم } أي وإن كثرت، وقدمها لأن بها قوام ما بعدها وتمام لذاته، ~~وأكد بإعادة النافي ليفيد النفي عن كل حالة وعن المجموع فيكون أصرح في ~~المرام { ولا أولادهم } وإن جلت وعظمت { من الله } أي الملك الأعظم { ~~شيئا } أي من إغناء مبتدئا من جهة الله، وإذا كانت تلك الجهة عارية عما ~~يغني كان كل ما يأتيهم من قبله سبحانه وتعالى من بأس واقعا بهم لا مانع ~~له، فمهما أراد بهم كان من خذلان في الدنيا وبعث بعد الموت وحشر بعد ~~البعث وعذاب في الآخرة، فأولئك المعرضون منه لكل بلاء { وأولئك هم وقود ~~النار * } وفي ذلك أعظم تنبيه على أن الزائغين الذين خالفوا الراسخين ~~فوقفت بهم نعمه المقتضيه لتصديقه عن تصديقه ليست مغنية عنهم تلك النعم ~~شيئا، وأنهم مغلوبون لا محالة في الدنيا ومحشورون في الآخرة إلى جهنم. # ولما كانت هذه السورة سورة التوحيد كان الأليق بخطابها أن يكون الدعاء ~~فيه إلى الزهد أتم من الدعاء في غيرها، والإشارة فيه إلى ذلك أكثر من ~~الإشارة في غيره، فكانت هذه الآية قاطعة للقلوب النيرة بما أشارت إليه من ~~فتنة الأموال والأولاد الموجبة للهلاك. قال الحرالي: ولما كان من مضمون ~~ترجمة سورة البقرة إطلاع النبي صلى الله عليه وسلم على سر التقدير الذي ~~صرف عن الجواب فيه وإظهار سره موسى كليم الله وعيسى كلمة الله عليهما ~~الصلاة والسلام ms0648 كان مما أظهره الله سبحانه وتعالى لعامة أمة محمد صلى ~~الله عليه وسلم إعلاء لها على كل أمة، واختصاصا لها بما علا اختصاص ~~نبيها صلى الله عليه وسلم حتى قال قائلهم: أخبرهم أني بريء منهم وأنهم ~~براء مني لقوم لم يظهروا على سر القدر، وقال: والذي يحلف به عبد الله ~~بن عمر: لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا فأنفقه ما قبل منه حتى يؤمن بالقدر، ~~فأفهم الله سبحانه وتعالى علماء هذه الأمة أن أعمالها لا تقبل إلا على ~~معرفة سر التقدير لتكون قلوبها بريئة من أعمال ظواهرها، كما قيل في أثارة ~~من العلم: من لم يختم عمله بالعلم لم يعمل، ومن لم يختم علمه بالجهل لم ~~يعلم فختم العامل عمله بالعلم أن يعلم أنه لا عمل له، وأن المجرى على ~~يديه أمر مقدر قدره الله تعالى عليه وأقامه فيه لما خلقه له من حكمته من ~~وصفه من خير أو شر ومن تمام كلمته في رحمته أو عقوبته ليظهر بذلك حكمة ~~الحكيم، ولا حجة للعبد على ربه ولا حجة للصنعة على صانعها ولله سبحانه ~~وتعالى الحجة البالغة؛ وكذلك العالم متى لم ينطو سره على أنه لا يعلم ~~وإنما العلم عند الله سبحانه وتعالى لم يثبت له علم، فذلك ختم العمل ~~بالعمل وختم العلم بالجهل، فكما أطلعه سبحانه وتعالى في فاتحة سورة ~~البقرة على سر تقديره في خلقه أظهره في فاتحة سورة آل عمران على علن ~~قيوميته الذي هو شاهده في وحي ربه، كما هو بصير بسر القدر في تفرق أفعال ~~خلقه، فكان منزل سورة البقرة قوام الأفعال, ومنزل سورة آل عمران قوام ~~التنزيل والإنزال, فكان علن القيومية قوام التنزيل للكتاب الجامع الأول، ~~والتنزيل قوام إنزال الكتب، وإنزال الكتاب الجامع لتفسير الكتب قوام ~~تفصيل الآيات المحكمات والمتشابهات، والإحكام والتشابه إقامة الهدى ~~والفتنة، والهدى والفتنة إقامة متصرف الحواس الظاهرة والباطنة، والأحوال ~~وما دونها من الأفعال على وجه جمع يكون قواما لما تفصل من مجمله وتكثر ~~من وحدته وتفرق من اجتماعه، ولعلو مضمون هذه ms0649 السورة لم يقع فيها توجه ~~الخطاب بها لصنف الناس، واختص خطابها بالذين آمنوا في علو من معاني ~~الإيمان لما ذكر من شرف سن الإيمان على سن الناس في تنامي أسنان القلوب، ~~وكان خطاب سورة البقرة بمقتضى رتبة العقل الذي به يقع أول الإصغاء ~~والاستماع، كما ظهر في آيات الاعتبار فيها في قوله سبحانه وتعالى: # إن في خلق السماوات والأرض # [البقرة: 164] إلى قوله: # لقوم يعقلون # [البقرة: 164] فكان خطاب سورة آل عمران إقبالا على أولي الألباب الذين ~~لهم لب العقل، بما ظهر في أولها وخاتمتها في قوله: # وما يذكر إلا أولوا الألباب # [آل عمران: 7] وفي خاتمتها في آيات اعتبارها في قوله سبحانه وتعالى # إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب # [آل عمران:190] فبالعقل يقع الاعتبار لمنزل الكتاب وباللب يكون التذكر، ~~إيلاء إلى الذي نزل الكتاب، وبالجملة فمثاني هذه السورة من تفاصيل آياتها ~~وجمل جوامعها مما هو أعلق بطيب الإيمان واعتبار اللب، كما أن منزل سورة ~~البقرة أعلق بما هو من أمر الأعمال وإقامة معالم الإسلام بما ظهر في هذه ~~السورة من علن أمر الله، وبما افتتحت به من اسم الله الأعظم الذي جميع ~~الأسماء أسماء له لإحاطته واختصاصها بوجه ما، فكان فيها علن التوحيد ~~وكماله وقوام تنزيل الأمر وتطورالخلق في جميع متنزلها ومثانيها، وظهر ~~فيها تفصيل وجوه الحكم العلية التي تضمن جملة ذكرها الآية الجامعة في ~~سورة البقرة في قوله سبحانه وتعالى # يؤتي الحكمة من يشاء # [البقرة: 269] فكان من جملة بناء الحكمة ما هو السبب في ظهور الكفر من ~~الذين كفروا بما غلب عليهم من الفتنة بأموالهم وأولادهم حتى ألهتهم عن ~~ذكر الله، فانتهوا فيه إلى حد الكفر الذي نبه عليه { الذين آمنوا } في ~~قوله سبحانه وتعالى # يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله # [المنافقون: 9] انتهى. # ولما كان السبب المقتضي لاستمرارالكفر من النصارى المجادلين في أمر عيسى ~~عليه الصلاة والسلام الخوف ممن فوقهم من ملوك النصرانية نبههم سبحانه ~~وتعالى على أول قصة أسلافهم ms0650 من بني إسرائيل، وما كانوا فيه من الذل مع آل ~~فرعون، وما كان فيه فرعون من العظمة التي تقسر بها ملوك زمانهم، ثم لما ~~أراد الله سبحانه وتعالى قهر أسلافهم له لم تضرهم ذلتهم ولا قلتهم، ولا ~~نفعته عزته ولا كثرة آله، فلذلك صرح بهم سبحانه وتعالى وطوى ذكر من قبلهم ~~فقال: { كدأب } أي لم يغن عنهم ذلك شيئا مثل عادة { آل فرعون } أي الذين ~~اشتهر لديكم استكبارهم وعظمتهم وفخارهم، قال الحرالي: الدأب العادة ~~الدائمة التي تتأبد بالتزامها، وآل الرجل من إذ أحصر تراءى فيهم فكأنه لم ~~يغب؛ وفرعون اسم ملك مصر في الكفر، ومصر أرض جامعة كليتها وجملة، إقليمها ~~نازل منزلة الأرض كلها، فلها إحاطة بوجه ما، فلذلك أعظم شأنها في القرآن ~~وشأن العالي فيها من الفراعنة، وكان الرسول المبعوث إليه أول المؤمنين ~~بما وراء أول الخلق من طليعة ظهور الحق لسماع كلامه بلا واسطة ملك، فكان ~~أول من طوى في رتبة بنوتة رتبة البنوة ذات الواسطة، فلذلك بدىء به في هذا ~~الخطاب لعلو رتبة بنوته بما هو كليم الله ومصطفاه على الناس، ولحق به من ~~تقدمهم بما وقعت في بنوته من واسطة زوج أو ملك، وخص آله لأنه هو كان ~~عارفا بأمر الله سبحانه وتعالى فكان جاحدا لا مكذبا انتهى. # { والذين } ولما كان المكذبون إنما هم بعض المتقدمين أدخل الجار فقال: { ~~من قبلهم } وقد نقلت إليكم أخبارهم وقوتهم واستظهارهم فكأنه قيل: ماذا ~~كانت عادتهم؟ فقيل: { كذبوا } ولما كان التكذيب موجبا للعقوبة كان مظهر ~~العظمة به أليق، فصرف القول إليه فقال: { بآياتنا } السورية والصورية مع ~~ما لها من العظمة بما لها من إضافتها إلينا { فأخذهم } ولما أفحشوا في ~~التكذيب عدل إلى أعظم من مظهر العظمة تهويلا لأخذهم فقال: { الله } ~~فاظهر الاسم الشريف تنبيها على باهر العظمة { بذنوبهم } أي من التكذيب ~~وغيره. قال الحرالي: فيه إشعار بأن صريح المؤاخذة مناط بالذنوب، وأن ~~المؤاخذة الدنيوية لا تصل إلى حد الانتقام على التكذيب، فكان ما ظهر من ~~أمر الدنيا يقع عقابا على ms0651 ما ظهر من الأعمال، وما بطن من أمر الآخرة ~~يستوفي العقاب على ما أصرت عليه الضمائر من التكذيب، ولذلك يكون عقاب ~~الدنيا طهرة للمؤمن لصفاء باطنه من التكذيب، ويكون واقع يوم الدنيا كفاف ~~ما جرى على ظاهره من المخالفة فكأن الذنب من المؤمن يقع في دنياه خاصة، ~~والذنب من الكافر يقع في دنياه وأخراه من استغراقه لظاهره وباطنه، وأظهر ~~الاسم الشريف ولم يضمر للتنبيه على زيادة العظمه في عذابهم لمزيد ~~اجترائهم فقال: { والله } أي الحال أن الملك الذي لا كفوء له في جبروته ~~ولا شيء من نعوته { شديد العقاب * } لا يعجزه شيء. # ولما تم ذلك على هذه الوجوه الظاهره التي أوجبت اليقين لكل منصف بأنهم ~~مغلوبون وصل بها أمره صلى الله عليه وسلم وهو الحبيب العزيز بأن يصرح لهم ~~بمضمون ذلك فقال: { قل للذين كفروا } أي من أهل زمانك جريا على منهاج ~~أولئك الذين أخذناهم { ستغلبون } كما غلبوا وإن كنتم ملأ الأرض لأنكم ~~إنما تغالبون خالقكم وهو الغالب لكل شيء: " وليغلبن مغالب الغلاب ~~" واللام على قراءة الجمهور بالخطاب معدية، وعلى قراءة الغيب معللة، أي ~~قل لأجلهم، أو هي بمعنى عن، أي قل عنهم، وقد أفهم الإخبار بمجرد الغلبة ~~دون ذكر العذاب كما كان يذكر في تهديد من قبلهم أن أخذهم بيد المغالبة ~~والمدافعة والنصرة تشريفا لنبيهم صلى الله عليه وسلم لأنه عرض عليه ~~عذابهم فأبى إلا المدافعة على سنة المصابرة، فكان أول ذلك غلبته صلى الله ~~عليه وسلم على مكة المشرفة، وكان فتحها فتحا لجميع الأرض لأنها أم القرى ~~ نبه على ذلك الحرالي. { وتحشرون } أي تجمعون بعد موتكم أحياء كما كنتم ~~قبل الموت { إلى جهنم } قال الحرالي: وهي من الجهامة، وهي كراهه المنظر ~~انتهى؛ فتكون مهادكم، لا مهاد لكم غيرها { وبئس } أي والحال أنها بئس { ~~المهاد * }. ### || [3.13-15] # ولما كان الكفرة من أهل الكتاب وغيرهم من العرب بمعرض أن يقولوا حين قيل ~~لهم ذلك: كيف نغلب وما هم فينا إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود؟ ~~قيل لهم: إن كانت قصة ms0652 آل فرعون لم تنفعكم لجهل أو طول عهد فإنه { قد كان ~~لكم آية } أي عظيمة بدلالة تذكير كان { في فئتين } تثنية فئة للطائفة ~~التي يفيء إليها أي يرجع من يستعظم شيئا، استنادا إليها حماية بها ~~لقوتها ومنعتها { التقتا } أي في بدر { فئة } أي منهما مؤمنة، لما يرشد ~~إليه قوله: { تقاتل في سبيل الله } أي الملك الأعلى لتكون كلمة الله هي ~~العليا، ومن كان كذلك لم يكن قطعا إلا مؤمنا { وأخرى } أي منهما { ~~كافرة } أي تقاتل في سبيل الشيطان، فالآية كما ترى من وادي الاحتباك، وهو ~~أن يؤتى بكلامين يحذف من كل منهما شيء إيجازا، يدل ما ذكر من كل على ما ~~حذف من الآخر، وبعبارة أخرى: هو أن يحذف من كل جملة شيء إيجازا ويذكر في ~~الجملة الأخرى ما يدل عليه. # ولما نبه سبحانه وتعالى على الاعتبار بذكر الآية نبه على موضعها بقوله: ~~{ يرونهم } وضمن يرى البصيرية القاصرة على مفعول واحد فعل الظن، وانتزع ~~منه حالا ودل عليها بنصب مفعول ثان فصار التقدير: ظانيهم { مثليهم } ~~فعلى قراءة نافع بالتاء الفوقانية يكون المعنى: ترون أيها المخاطبون ~~الكفار المقاتلين للمؤمنين، وعلى قراءة غيره بالغيب المعنى، يرى المسلمون ~~الكفار مثلي المسلمين { رأي العين } أي بالحزر والتخمين، لا بحقيقة ~~العدد، هذا أقل ما يجوزونه فيهم، وقد كانوا ثلاثة أمثالهم ومع ذلك فجزاهم ~~الله على مصادمتهم ونصرهم عليهم، أو يرى الكفار المسلمين مثلي الكفار مع ~~كونهم على الثلث من عدتهم، كما هو المشهور في الآثار تأييدا من الله ~~سبحانه وتعالى لأوليائه ليرعب الأعداء فينهزموا، أو يرى الكفار المسلمين ~~ضعفي عدد المسلمين قال الحرالي: لتقع الإراءة على صدقهم في موجود ~~الإسلام الظاهر والإيمان الباطن، فكان كل واحد منهم بما هو مسلم ذاتا، ~~وبما هو مؤمن ذاتا، فالمؤمن المسلم ضعفان أبدا # فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين # [الأنفال:66] وذلك بما أن الكافر ظاهر لا باطن له فكان ذات عين، لا ذات ~~قلب له، فكان المؤمن ضعفه، فوقعت الإراءة للفئة المؤمنة ms0653 على ما هي عليه ~~شهادة من الله سبحانه وتعالى بثبات إسلامهم وإيمانهم، وكان ذلك أدنى ~~الإراءة لمزيد موجود الفئة المقاتلة في سبيل الله بمقدار الضعف الذي هو ~~أقل الزيادة الصحيحة، وأما بالحقيقة فإن التام الدين بما هو مسلم مؤمن ~~صاحب يقين إنما هو بالحقيقة عشر تام نظير موجود الوجود الكامل، فهو عشر ~~ذوات بما هو صاحب يقين ودين # إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين # [الأنفال:65] انتهى. وهذا التقليل والتكثير واقع بحسب أول القتال وآخره، ~~وقبل اللقاء وبعده، لما أراد الله سبحانه وتعالى من الحكم كما في آية ~~الأنفال، والمعنى: إنا فاعلون بكم أيها الكفارعلى أيديهم ما فعلناه ~~بأولئك، وقد كانوا قائلين أعظم من مقالاتكم، فلم تغن عنهم كثرتهم شيئا، ~~ولا شدة شكيمتهم ونخوتهم فإن الله سبحانه وتعالى ولي المؤمنين لطيبهم # قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث # [المائدة:100]. # ولما كان التقدير: فنصر الله سبحانه وتعالى الفئة القليلة،عطف عليه ~~قوله: { والله } أي الذي له الأمر كله { يؤيد } والأيد تضعيف القوة ~~الباطنة { بنصره } قال الحرالي: والنصر لا يكون إلا لمحق، وإنما يكون ~~لغير المحق الظفر والانتقام انتهى. { من يشاء } أي فلا عجب فيه في ~~التحقيق، فلذلك اتصل به قوله: { إن في ذلك } أي الأمر الباهر، وفي أداة ~~البعد كما قال الحرالي إشارة بعد إلى محل علو الآية { لعبرة } قال: ~~هي المجاوزة من عدوة دنيا إلى عدوة قصوى، ومن علم أدنى إلى علم أعلى، ففي ~~لفظها بشرى بما ينالون من ورائها مما هو أعظم منها إلى غاية العبرة ~~العظمى من الغلبة الخاتمة التي عندها تضع الحرب أوزارها, حيث يكون من أهل ~~الكمال بعدد أهل بدر ثلاثمائة ثلاثة عشر، فهو غاية العبرة لمن له بصر ~~نافذ ونظر جامع بين البداية والخاتمة # كما بدأنا أول خلق نعيده # [الأنبياء: 104] - انتهى. { لأولي الأبصار * } أي يصيرون بها من حال إلى ~~أشرف منها في قدرة الله وعظمته وفعله بالاختيار. قال الحرالي: أول موقع ~~العين على الصورة نظر، ومعرفة خبرتها الحسية بصر، ونفوذه إلى حقيقتها ~~رؤية، فالبصر ms0654 متوسط بين النظر والرؤية كما قال سبحانه وتعالى: # وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون # [الأعراف: 198] فالعبرة هي المرتبة الأولى لأولي الأبصار الذين يبصرون ~~الأواخر بالأوائل، فأعظم غلبة بطشه في الابتداء غلبة بدر، وأعظمها في ~~الانتهاء الغلبة الخاتمة التي لا حرب وراءها، التي تكون بالشام في آخر ~~الزمان - انتهى. # ولما علم بهذا أن الذي وقف بهم عن الإيمان من الأموال والأولاد وسائر ~~المتاع إنما هو شهوات وعرض زائل، لا يؤثره على اتباع ما شرعه الملك إلا ~~من انسلخ من صفات البشر إلى طور البهائم التي لا تعرف إلا الشهوات، وختم ~~ذلك بذكر آية الفئتين كان كأنه قيل: الآية العلامة، ومن شأنها الظهور، ~~فما حجبها عنهم؟ فقيل: تزيين الشهوات لمن دنت همته. وقال الحرالي: لما ~~أظهر سبحانه وتعالى في هذه السورة ما أظهره بقاء لعلن قيوميته من تنزيل ~~الكتاب الجامع الأول، وإنزال الكتب الثلاثة: إنزال التوراة بما أنشاء ~~عليه قومها من وضع رغبتهم ورهبتهم في أمر الدنيا، فكان وعيدهم فيها ~~ووعدهم على إقامة ما فيها إنما هو برغبة في الدنيا ورهبتها، لأن كل أمة ~~تدعى لنحو ما جبلت عليه من رغبة ورهبة، فمن مجبول على رغبة ورهبة في أمر ~~الدنيا، ومن مجبول على ما هو من نحو ذلك في أمر الآخرة, ومن مفطور على ما ~~هو من غير ذلك من أمر الله، فيرد خطاب كل أمة وينزل عليها كتابها من نحو ~~ما جبلت عليه، فكان كتاب التوراة كتاب رجاء ورغبة وخوف ورهبة في موجود ~~الدنيا، وكان كتاب الإنجيل كتاب دعوة إلى مكلوت الآخرة، وكانا متقابلين، ~~بينهما ملابسة، لم يفصل أمرهما فرقان واضح، فكثر فيهما الاشتباه، فأنزل ~~الله تعالى الفرقان لرفع لبس ما فيهما فأبان فيه المحكم والمتشابه من ~~منزل الوحي، وكما أبان فيه فرقان الوحي أبان فيه أيضا فرقان الخلق وما ~~اشتبه من أمر الدنيا والآخرة ووام التبس على أهل الدنيا من أمر الخلق ~~بلوائح آيات الحق عليهم، فتبين في الفرقان محكم الوحي من متشابهه، ومحكم ~~الخلق من متشابهه وكان متشابه الخلق ms0655 هو المزين من متاع الدنيا، ومحكم ~~الخلق هو المحقق من دوام خلق الآخرة، فاطلع نجم هذه الآية لإنارة غلس ما ~~بنى عليه أمر التوراة من إثبات أمر الدنيا لهم وعدا ووعيدا، لتكون هذه ~~الآية تطئة لتحقيق صرف النهي عن مد اليد والبصر إلى ما متع به أهلها، ~~فأنبأ تعالى أن متاع الدنيا أمر مزين، لا حقيقة لزينته ولا حسن لما وراء ~~زخرفه فقال: { زين للناس } فأبهم المزين لترجع إليه ألسنة التزيين مما ~~كانت في رتبة علو أو دنو، وفي إناطة التزيين بالناس دون الذين آمنوا ومن ~~فوقهم إيضاح لنزول سنهم في أسنان القلوب وأنهم ملوك الدنيا وأتباعهم ~~ورؤساء القبائل وأتباعهم الذين هم أهل الدنيا { حب الشهوات } جمع شهوة، ~~وهي نزوع النفس إلى محسوس لا تتمالك عنه - انتهى. # وفي هذا الكلام إعلام بأن الذي وقع عليه التزين الحب، لا الشيء المحبوب، ~~فصار اللازم لأهل الدنيا إنما هو محبة الأمر الكلي من هذه المسميات وربما ~~إذا تشخص في الجزئيات لم تكن تلك الجزئيات محبوبة لهم، وفيه تحريك لهمم ~~أهل الفرقان إلى العلو عن رتبة الناس الذين أكثرهم لا يعلمون ولا يشكرون ~~ولا يعقلون، ثم بين ذلك بما هو محط القصد كله، وآخر العمل من حيث إن ~~الأعلق بالنفس حب أنثاها التي هي منها # خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها # [النساء: 1] فقال: { من النساء } أي المبتدئة منهن، وأتبعه ما هو منه ~~أيضا وهو بينه وبين الأنثى فقال: { والبنين } قال الحرالي: وأخفى فتنة ~~النساء بالرجال سترا لهن، كما أخفى أمر حواء في ذكر المعصية لآدم حيث ~~قال: # وعصى آدم ربه # [طه:121] فأخفاهن لما في ستر الحرم من الكرم، والله سبحانه وتعالى حي ~~كريم - انتهى. # ثم أتبع ذلك ما يكمل به أمره فقال: { والقناطير } قال الحرالي: جمع ~~قنطار، يقال: هو مائة رطل ويقال: إن الرطل اثنتا عشرة أوقية، والأوقية ~~أربعون درهما، والدرهم خمسون حبة وخمسا من حب الشعير، وأحقه أن يكون من ~~شعير المدينة { المقنطرة } أي المضاعفة مرات - انتهى. ثم بينها بقوله: { ~~من الذهب ms0656 والفضة } ثم أتبعها الزينة الظاهرة التي هي أكبر الأسباب في ~~تحصيل الأموال فقال: { والخيل } قال الحرالي: اسم جمع لهذا الجنس المجبول ~~على هذا الاختيال لما خلق له من الاعتزاز به وقوة المنة في الافتراس عليه ~~الذي منه سمي واحدة فرسا { المسومة } أي المعلمة بأعلام هي سمتها ~~وسيماها التي تشتهر بها جودتها، من السومة - بضم السين، وهي العلامة التي ~~تجعل على الشاة لتعرف بها، وأصل السوم بالفتح الإرسال للرعي مكتفي في ~~المرسل بعلامات تعرف بها نسبتها لمن تتوفر الدواعي للحفيظة عليها من أجله ~~من الواقع عليها من الخاص والعام، فهي مسومة بسيمة تعرف بها جودتها ~~ونسبتها { والأنعام } وهي جمع نعم، وهي الماشية فيها إبل، والإبل واحدها، ~~فإذا خلت منها الإبل لم يجر على الماشية اسم نعم - انتهى. وقال في ~~القاموس: النعم - وقد تسكن عينه - الإبل والشياء جمع أنعام، وجمع جمعه ~~أناعيم. وقال القزاز في جامعه: النعم اسم يلزم الإبل خاصة، وربما دخل في ~~النعم سائر المال، وجمع النعم أنعام، وقد ذكر بعض اللغويين أن النعم في ~~الإبل خاصة، فإذا قلت: الأنعام - دخل فيها البقر والغنم، قال: وإن أفردت ~~الإبل والغنم لم يقل فيها نعم ولا أنعام. وقال قوم: النعم والأنعام ~~بمعنى، وقال في المجمل: والأنعام البهائم، وقال الفارابي في ديوان الأدب: ~~والنعم واحد الأنعام، وأكثر ما يقع هذا الاسم على الإبل. ولما ذكر هذه ~~الأعيان التي زين حبها في نفسها أتبعها ما يطلب لأجل تحصيلها أو تنيتها ~~وتكثيرها فقال: { والحرث }. # ولما فصلها وختمها بما هو مثل الدنيا في البداية والنهاية والإعادة أجمل ~~الخبر عن ثمرتها وبيان حقيقتها فقال: { ذلك } أي ما ذكر من الشهوات ~~المفسر بهذه الأعيان تأكيدا لتخسيسه البعيد من إخلاد ذوي الهمم إليه ~~ليقطعهم عن الدار الباقية. وقال الحرالي: الإشارة إلى بعده عن حد التقريب ~~إلى حضرة الجنة انتهى. { متاع الحياة الدنيا } أي التي هي مع دناءتها إلى ~~فناء. قال الحرالي: جعل سبحانه وتعالى ما أحاط به حس النظر العاجل من ~~موجود العادل أدنى، فافهم أن ما أنبأ به ms0657 على سبيل السمع أعلى، فجعل تعالى ~~من أمر اشتباه كتاب الكون المرئي به وذكر المشهود أن عجل محسوس العين ~~وحمل على تركه وقبض اليد بالورع والقلب بالحب عنه، وأخر مشهود مسموع ~~الأذن من الآخرة وأنبأ بالصدق عنه ونبه بالآيات عليه ليؤثر المؤمن مسمعه ~~على منظره، كما آثر الناس منظرهم على مسمعهم، حرض لسان الشرع على ترك ~~الدنيا والرغبة في الأخرى، فأبت الأنفس وقبلت قلوب وهيم لسان الشعر في ~~زينة الدنيا فقبلته الأنفس ولم تسلم القلوب منه إلا بالعصمة، فلسان الحق ~~يصرف إلى حق الآخرة ولسان الخلق يصرفه إلى زينة الدنيا، فأنبا سبحانه ~~وتعالى أن ما في الدنيا متاع، والمتاع ما ليس له بقاء، وهو في نفسه خسيس ~~خساسة الجيفة انتهى. # ثم أتبع ذلك سبحانه وتعالى حالا من فاعل معنى الإشارة لقال: { والله } ~~الذي بيده كل شيء، ويجوز أن يكون عطفا على ما تقديره: وهو سوء المبدأ في ~~هذا الذهاب إلى غاية الحياة، والله { عنده حسن المآب * } قال الحرالي: ~~مفعل من الأوب وهو الرجوع إلى ما منه كان الذهاب انتهى. فأرشد هذا الخطاب ~~اللطيف كل من ينصح نفسه إلى منافرة هذا العرض الخسيس بأنه إن حصل له يعرض ~~عنه بأن يكون في يده، لا في قلبه فلا يفرح به بحيث يشغله عن الخير، بل ~~يجعل عونا على الطاعة وأنه إن منع منه لا يتأسف عليه لتحقق زواله ولرجاء ~~الأول إلى ما عند خالقه الذي ترك ذلك لأجله. # ولما ذكر سبحانه وتعالى ما أوجب الإعراض عن هذا العرض فكان السامع ~~جديرا بأن يقول فعلا أقبل؟ أمر سبحانه وتعالى أقرب الخلق إليه وأعزهم ~~لديه بجوابه لتكون البشارة داعية إلى حبه فقال: { قل } أي لمن فيه قابلية ~~الإقبال إلينا، ولما أجرى سبحانه وتعالى هذه البشارة على لسان نبيه صلى ~~الله عليه وسلم لتقوم الحجة على العباد بحاله كما تقوم بمقاله من حيث إنه ~~لا يدعو إلى شيء إلا كان أول فاعل له، ولا ينهى عن شيء إلا كان أول تارك ~~له، لإيثاره الغائب المسموع ms0658 من بناء الآخرة على العاجل المشهود من أثر ~~الدنيا كما قال صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله تعالى عنه حين أشفق ~~عليه من تأثير رمال السرير في جنبه فذكر ما فيه فارس والروم من النعيم: # " أو في شك أنت يا ابن الخطاب؟ أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا ~~الآخرة؟ " # شوق إليها بالاستفهام في قوله: { أؤنبئكم بخير من ذلكم } أي الذي ذكر من ~~الشهوات، وعظمه بأداة البعد وميم الجمع لعظمته عندهم والزيادة في التعظيم ~~ما يرشد إليه، ثم استأنف بيان هذا الخير بقوله: { للذين اتقوا } أي ~~اتصفوا بالتقوى فكان مما أثمر لهم اتصافهم بها أن أعرضوا عن هذه الشهوات ~~من حيث إنها شهوات وجعلوها عبادات واقية لهم من عذاب ربهم، فتلذذوا ~~بالنساء لا لمجرد الشهوة بل لغض البصر من الجانبين وابتغاء ما كتب لهم من ~~الولد إنفاذا لمراد ربهم من تكثير خلائفهم في الأرض للإصلاح، ولقوله صلى ~~الله عليه وسلم: # " تناكحوا تناسلوا فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة " # ونحو ذلك, وفرحوا بالبنين لا لمجرد المكاثرة بل لتعليمهم العلم وحملهم ~~على الذكر والجهاد والشكر وأنواع السعي في رضى السيد، وحازوا النقدين لا ~~للكنز، بل للإنفاق في سبيل الخيرات، وربطوا للجهاد، لا للفخر والرئاسة ~~على العباد بل لقمع أولياء الشيطان ورفع أولياء الرحمن المسلتزم لظهور ~~الإيمان، كما بين النبي صلى الله عليه وسلم متشابه اقتنائها فقال: # " وهي لرجل أجر ولرجل ستر وعلى رجل وزر " # ثم عظم سبحانه وتعالى ما لهم بقوله مرغبا بلفت القول إلى وصف الإحسان ~~المقتضي لتربية الصدقات وغيرها من الأعمال الصالحات: { عند ربهم } أي ~~المحسن إليهم بلباس التقوى الموجب لإيثارهم الآخرة على الدنيا، وقوله: { ~~جنات } مرفوع بالابتداء، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف إذا كان وللذين، ~~متعلقا بخير، ثم وصفها بقوله: { تجري من تحتها الأنهار } أي أن ماءها ~~غير مجلوب، بل كل مكان منها متهيىء لأن ينبع منه ماء يجري لتثبت بهجتها ~~وتدوم زهرتها ونضرتها، ثم أشار بقوله: { خالدين فيها } إلى أنها هي ~~المشتملة على جميع الإحسان المغنية ms0659 عن الحرث والأنعام، وأن ذلك على وجه ~~لا انقطاع له. قال الحرالي: وفي معنى لفظ الخلود إعلام بسكون الأنفس ~~إليها لما فيها من موافقتها انتهى. ولعله إنما خص من بين ما تقدم من ~~الشهوات ذكر النسوان في قوله: { وأزواج } لأنها أعظم المشتهيات، ولا يكمل ~~التلذذ بها إلا بحصول جميع ما يتوقف ذلك عليه، فصار ذكرهن على سبيل ~~الامتنان من القادر كناية عن جميع ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين. # ولما كانت التقوى حاملة على تطهير الأنفس من أوضار الأدناس من الأوصاف ~~السيئة وكان الوصف بالمفرد أدل على أنهن في أصل الطهارة كأنهن نفس واحدة ~~قال عادلا عما هو الأولى من الوصف بالجمع لجمع من يعقل: { مطهرة } لأنهن ~~مقتبسات من أنفسهم # خلق لكم من أنفسكم أزواجا # [الروم:31]. # ولما ذكر حظ البدن قرر لذة هذا النعيم بما للروح، وزاده من الأضعاف ~~المضاعفة ما لا حد له بقوله: { ورضوان } قال الحرالي: بكسر الراء وضمها، ~~اسم مبالغة في معنى الرضى، وهو على عبرة امتلاء بما تعرب عنه الألف ~~والنون وتشعر ضمة رائه بظاهر إشباعه، وكسرتها بباطن إحاطته - انتهى. # ولما جرى وعد الجنات على اسم الربوبية الناظر إلى الإحسان بالتربية فخم ~~أمر هذا الجزاء وأعلاه على ذلك بنوطه بالاسم الأعظم فقال: { من الله } أي ~~المحيط بصفات الكمال. ولما كان شاملا لجميعهم وكان ربما ظن أنهم فيه ~~متساوون أشار إلى التفاوت بقوله مظهرا في موضع الإضمار إشارة إلى ~~الإطلاق عن التقييد بحيثية ما: { والله } أي الذي له الحكمة البالغة { ~~بصير بالعباد } أي بنياتهم ومقادير ما يستحقونه بها على حسب إخلاصها، ~~وبغير ذلك من أعمالهم وأقوالهم وسائر أحوالهم. ### || [3.16-19] # ولما أخبر سبحانه وتعالى بأنه بصير بمن يستحق ما أعد من الفوز أتبعه ما ~~استحقوا ذلك به من الأوصاف تفضلا منه عليهم بها وبإيجاب ذلك على نفسه ~~حثا لهم على التخلق بتلك الأوصاف فقال: - وقال الحرالي: لما وصف تعالى ~~قلوبهم بالتقوى وبرأهم من الاستغناء بشيء من دونه وصف أدبهم في المقال ~~فقال؛ انتهى - { الذين يقولون ربنا } أي يا من ms0660 ربانا بإحسانه وعاد علينا ~~بفضله، وأسقط أداة النداء إشعارا بما لهم من القرب لأنهم في حضرة ~~المراقبة؛ ولما كانت أحوالهم في تقصيرها عن أن يقدر الله حق قدره كأنها ~~أحوال من لم يؤمن اقتضى المقام التأكيد فقالوا: { إننا } فأثبتوا النون ~~إبلاغا فيه { آمنا } أي بما دعوتنا إليه، وأظهروا هذا المعنى بقولهم: { ~~فاغفر لنا ذنوبنا } أي فإننا عاجزون عن دفعها ورفع الهمم عن مواقعتها وإن ~~اجتهدنا لما جبلنا عليه من الضعف والنقص، تنبيها منه تعالىعلى أن مثل ~~ذلك لا يقدح في التقوى إذا هدم بالتوبة لأنه ما أصر من استغفر، والتوبة ~~تجب ما قبلها. قال الحرالي: وبين المغفرة على مجرد الإيمان إشارة إلى أنه ~~لا تغيرها الأفعال، من ترتب إيمانه على تقوى غفرت ذنوبه، فكانت مغفرة ~~الذنوب لأهل هذا الأدب في مقابلة الذين آخذهم الله بذنوبهم من الذين ~~كذبوا، ففي شمول ذكر الذنوب في الصنفين إعلام بإجراء قدر الذنوب على ~~الجميع، فما كان منها مع التكذيب أخذ به، وما كان منها مع التقوى ~~والإيمان غفر له - انتهى. # ولما رتب سبحانه وتعالى الغفران على التقوى ابتداء رتب عليها الوقاية ~~انتهاء فقال: { وقنا عذاب النار } أي الذي استحققناه بسوء أعمالنا. # قال الحرالي: ولما وصف تقوى قلوبهم باطنا وأدب مقالهم ظاهرا وصف لهم ~~أحوال أنفسهم ليتطابق ظاهر أمرهم بمتوسطه وباطنه فقال: { الصابرين } ~~فوصفهم بالصبر إشعارا بما ينالهم من سجن الدنيا وشدائدها، والصبر أمدح ~~أوصاف النفس، به تنحبس عن هواها وعما زين من الشهوات المذكورة بما تحقق ~~من الإيمان بالغيب الموجب لترك الدنيا للآخرة فصبروا عن الشهوات؛ أما ~~النساء فبالاقتصار على ما ملكوه وأما البنون فبمراعاة أن ما تقدم خير مما ~~تأخر، قال صلى الله عليه وسلم - يعني فيما رواه ابن ماجه عن أبي هريرة ~~رضي الله عنه # " لسقط أقدمه بين يدي أحب إلي من فارس أخلفه خلفي " # وأما الذهب والفضة فبالنظر إليها أصناما يضر موجودها، وبالحري أن ينال ~~منها السلامة بنفقة لا يكاد يصل إنفاقها إلى أن يكون كفارة كسبها وجمعها، ~~فكان الصبر عنها ms0661 أهون من التخلص منها؛ وأما الخيل فلما يصحبها من التعزز ~~الممد لخيلاء النفس الذي هو أشد ما على النفس أن تخرج عن زهوها وخيلائها ~~إلى احتمال الضيم والسكون بحب الذل، يقال: إنه آخر ما يخرج من رؤوس ~~الصديقين حب الرئاسة؛ وأما الأنعام فبالاقتصار منها على قدر الكفاف، لأن ~~كل مستزيد تمولا من الدنيا زائدا على كفاف منه من مسكن أو ملبس أو مركب ~~أو مال فهو محجر على من سواه من عباد الله ذلك الفضل الذي هم أحق به منه، ~~قال صلى الله عليه وسلم: # " لنا غنم مائة لا نريد أن تزيد " # الحديث # وإن من شيء إلا عندنا خزائنة وما ننزله إلا بقدر معلوم # [الحجر:21]؛ وأما الحرث فبالاقتصار منه على قدر الكفاية لما يكون راتبا ~~للإلزام ومرصدا للنوائب ومخرجا للبذر، فإن أعطاه الله فضلا أخرجه بوجه ~~من وجوه الإخراج ولو بالبيع، ولا يمسكه متمولا لقلبه إلى غيره من ~~الأعيان فيكون محتكرا، قال عليه الصلاة والسلام كما أخرجه أحمد وأبو ~~يعلى عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما # " من احتكر أربعين يوما فقد برىء من الله وبرىء الله منه " # فبذلك يتحقق الصبر بحبس النفس عما زين للناس من التمولات من الدنيا ~~الزائدة على الكفاف التي هي حظ من لا خلاق له في الآخرة، ولذلك يحق أن ~~تكون هذه الكلمات معربة بالنصب مدحا، لأن الصفات المتبعة للمدح حليتها ~~النصب في لسان العرب، وإنما يتبع في الإعراب ما كان لرفع لبس أو تخصيص - ~~انتهى. # ولما كان سن التقوى فوق سن الإيمان عطف أمداحهم كلها بالواو إيذانا ~~بكمالهم في كل وصف منها وتمكنهم فيءه بخلاف ما في آية براءة على ما سيأتي ~~إن شاء الله تعالى فقال: { والصادقين } قال الحرالي: في عطف الصفات ما ~~يؤذن بكمال الوصف لأن العرب تعطفها إذا كملت وتتبع بعضها بعضا إذا تركبت ~~والتأمت، يعني مثل: الرمان حلو حامض - إذا كان غير صادق الحلاوة ولا ~~الحموضة، ففي العطف إشعار بكمال صبرهم عن العاجلة على ما عينه حكم النظم، ~~في الآية ms0662 السابقة، ومن شأن الصابر عن الدنيا الصدق، لأن أكثر المداهنة ~~والمراءاة إنما ألجأ إليها التسبب إلى كسب الدنيا، فإذا رغب عنها لم ~~يحمله على ترك الصدق حامل, قيتحقق به فيصدق في جميع أموره, والصدق مطابقة ~~أقواله وأفعاله لباطن حاله في نفسه وعرفان قلبه - انتهى { والقانتين } أي ~~المخلصين لله في جميع أمورهم الدائمين عليه. # ولما ذكر سبحانه وتعالى العمل الحامل عليه خوف الحق ورجاؤه أتبعه ما ~~الحامل عليه ذلك مع الشفقة على الخلق، لأن من أكرم المنتمي إليك فقد بالغ ~~في إكرامك فقال: { والمنفقين } أي ما رزقهم الله سبحانه وتعالى في كل ما ~~يرضيه، فإنه لا قوام لشيء من الطاعات إلا بالنفقة. قال الحرالي: فيه ~~إشعار بأن من صبر نول، ومن صدق أعلى، ومن قنت جل وعظم قدره، فنوله الله ~~ما يكون له منفقا، والمنفق أعلى حالا من المزكي، لأن المزكي يخرج ما ~~وجب عليه فرضا، والمنفق يجود بما في يده فضلا - انتهى. # ولما ذكر هذه الأعمال الزاكية الجامعة العالية أتبعها الإشارة إلى أن ~~الاعتراف بالعجز عن الوفاء بالواجب هو العمدة في الخلاص: { والمستغفرين } ~~أي من نقائصهم مع هذه الأفعال والأحوال التي هي نهاية ما يصل إليه الخلق ~~من الكمال { بالأسحار * } التي هي أشق الأوقات استيقاظا عليهم، وأحبها ~~راحة لديهم، وأولاها بصفات القلوب، وأقربها إلى الإجابة المعبر عنها في ~~الأحاديث بالنزول كما يأتي بيانه في آية التهجد في سورة الإسراء. قال ~~الحرالي: وهو جمع سحر، وأصل معناه التعلل عن الشيء بما يقاربه ويدانيه ~~ويكون منه بوجه ما، فالوقت من الليل الذي يتعلل فيه بدنو الصباح هو ~~السحر، ومنه السحور، تعلل عن الغداء؛ ثم قال: وفي إفهامه تهجدهم في الليل ~~كما قال سبحانه وتعالى: # كانوا قليلا من اليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون # [الذاريات: 17، 18] فهم يستغفرون من حسناتهم كما يستغفر أهل السيئات من ~~سيئاتهم تبرؤا من دعوى الأفعال ورؤية الأعمال التئاما بصدق قولهم في ~~الابتداء: { ربنا إننا آمنا } وكمال الإيمان بالقدر خيره وشره، فباجتماع ~~هذه الأوصاف السبعة من التقوى والإيمان والصبر والصدق ms0663 والقنوت والإنفاق ~~والاستغفار كانت الآخرة خيرا لهم من الدنيا وما فيها، وقد بان بهذا محكم ~~آيات الخلق من متشابهها بعد الإعلام بمحكم آيات الأمر ومتشابهها، فتم ~~بذلك منزل الفرقان في آيات الوحي المسموع والكون المشهود - انتهى. ولعله ~~سبحانه وتعالى أشار بهذه الصفات الخمس المتعاطفة إلى دعائم الإسلام ~~الخمس، فأشار بالصبر إلى الإيمان، وبالصدق إلى الزكاة المصدقة لدعواه، ~~وبالقنوت الذي مدار مادته على الإخلاص إلى الصلاة التي هي محل المراقبة، ~~وبالإنفاق إلى الحج الذي أعظم مقوماته المال، وبالاستغفار إلى الصيام ~~الذي مبناه التخلي من أحوال البشر والتحلي بحلية الملك لا سيما في القيام ~~ولا سيما في السحر؛ وسر ترتيبها أنه لما ذكر ما بين العبد والخالق في ~~التوحيد الذي هو العدول أتبعه ما بينه وبين الخلائق في الإحسان، ولما ذكر ~~عبادة القلب والمال ذكر عبادة البدن الدالة على الإخلاص في الإيمان، ولما ~~ذكر عبادة البدن مجردا بعد عبادة المال مجردا ذكر عبادة ظاهرة مركبة ~~منهما، شعارها تعرية الظاهر، ثم أتبعه عبادة بدنية خفية، عمادها تعرية ~~الباطن، فختم بمثل ما بدأ به، وهو ما لا يطلع عليه حق الاطلاع إلا الله ~~سبحانه وتعالى. # ولما أخبر سبحانه وتعال بوحدانيته في أول السورة واستدل عليها وأخبر عما ~~أعد للكافرين واستدل عليه بما دل على الوحدانية وختم بالإخبار بما أعد ~~للمتقين مما جر إلى ذكره تعالى بما يقتضي الوحدانية أيضا من الأوصاف ~~المبنية على الإيمان أنتج ذلك ثبوتها ثبوتا لا مرية فيه، فكرر تعالى هذه ~~النتيجة على وجه أضخم من الماضي كما اقتضته الأدلة فقال - وقال الحرالي: ~~لما أنهى تعالى الفرقان نهايته ببيان المحكمين والمتشابهين في الوحي ~~والكون انتظمت هذه الشهادة التي هي أعظم شهادة في كتاب الله بآية ~~القيومية التي هي أعظم آية الوجود لينتظم آية الشهود بآية الوجود، انتهى. # فقال سبحانه وتعالى: { شهد الله } أي الملك الأعظم الذي لا كفوء له { ~~أنه } قال الحرالي: فأعاد بالإضمار ليكون الشاهد والمشهود له { لا إله ~~إلا هو } فأعاد بالهوية لمعنى الوحدانية في الشهادة ولم يقل: إلا ms0664 الله، ~~لما يشعر به تكرار الاسم في محل الإضمار من التنزل العلي - انتهى. ~~والمعنى أنه سبحانه وتعالى فعل فعل الشاهد في إخباره عما يعلم حقيقته ~~بلفظ الشهادة جريا على عادة الكبراء إذا رأوا تقاعس أتباعهم عما يأمرون ~~به من المهمات في تعاغطيهم له بأنفسهم تنبيها على أن الخطب قد فدح ~~والأمر قد تفاقم، فيتساقط حينئذ إليه الأتباع ولو أن فيه الهلاك تساقط ~~الذباب في أحلى الشراب، وإلى ذلك ينظر قول وفد ثقيف: ما لمحمد يأمرنا بأن ~~نشهد له بالرسالة ولا يشهد هو لنفسه! فكان صلى الله عليه وسلم بعد لا ~~يخطب خطبة إلا شهد لنفسه الشريفة صلى الله عليه وسلم الشهادة لله فيها ~~بالرسالة، فكأنه قيل: إن ربكم الذي أسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة قد نصب ~~لكم الأدلة بخلق ما خلق على تفرده بحيث انتفى كل ريب فكان ذلك أعظم شهادة ~~منه سبحانه لنفسه، وإليه أومأ من قال: # ولله في كل تحريكة # وتسكينة أبدا شاهد # وفي كل شيء له آية # تدل على أنه واحد # ثم شهد بذلك لنفسه بكلامه جمعا بين آيتي السمع والبصر فلم يبق لكم ~~عذرا. قال الحرالي: وهذه الشهادة التي هي من الله لله هي الشهادة التي ~~إليها قصد القاصدون وسلك السالكون وإليه انتهت الإشارة، وعندها وقفت ~~العبارة، وهي أنهى المقامات وأعظم الشهادات، فمن شهد بها فقد شهد شهادة ~~ليس وراءها مرمى، ومن شهد بما دونها كانت شهادته مشهودا عليها لا شهادة، ~~يؤثر أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يزل يوم الجمعة وهو قائم بعرفة منذ ~~كان وقت العصر إلى أن غربت الشمس في حجته التي كمل بها الدين وتمت بها ~~النعمة يقول هذه الآية لا يزيد عليها، فأي عبد شهد لله بهذه الشهادة التي ~~هي شهادة الله لله سبحانه وتعالى بالوحدانية فقد كملت شهادته، وأتم الله ~~سبحانه وتعالى النعمة عليه، وهي سر كل شهادة من دونها، وهي آية علن ~~التوحيد الذي هو منتهى المقامات وغاية الدرجات في الوصول إلى محل الشهود ~~الذي منه النفوذ إلى ms0665 الموجود بمقتضى الأعظمية التي في الآية الفاتحة - ~~انتهى. # ولما أخبر سبحانه وتعالى عن نفسه المقدسة أخبر عمن يعتد به من خلقه فقال ~~مقدما لأن المقام للعلم لمن هم أعلم به سبحانه وتعالى ممن أطلعهم من ~~الملك والملكوت على ما لم يطلع عليه الإنسان ولا شاغل لهم من شهوة ولا حظ ~~ولا فتور: { والملائكة } أي العباد المقربون المصفون من أدناس البشر، ~~الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. ولما خص أهل السماوات ~~عم فقال: { وأولوا العلم } وهم الذين عرفوه بالأدلة القاطعة ففعلوا ما ~~فعل العظيم من الشهادات ليكون ذلك أدعى لغيرهم إليه وأحث عليه، ولما كانت ~~الشهادة قد تكون على غير وجه العدل نفى ذلك بقوله: { قائما } وأفرد ~~ليفهم أنه حال كل من المذكورين لا المجموع بقيد الجمع، ويجوز - وهو ~~الأقرب - أن يكون حالا من الاسم الشريف إشارة إلى أنه ما وحد الله ~~سبحانه وتعالى حق توحيده غيره، لأنه لا يحيط به أحد علما. وقال الحرالي: ~~أفرد القيام فاندرج من ذكر من الملائكة وأولي العلم في هذا القيام ~~إفهاما، كما اندرجوا في الشهادة إفصاحا، فكان في إشعاره أن الملائكة ~~وأولي العلم لا يقاد منهم فيما يجريه الله سبحانه وتعالى على أيديهم، لأن ~~أمرهم قائم بالقسط من الله، يذكر أن عظيم عاد لما كشف له عن الملائكة في ~~يوم النقمة قال لهود عليه الصلاة والسلام: يا هود! ما هذا الذي أراهم في ~~السحاب كأنهم البخاتي؟ فقال: ملائكة ربي، فقال له: أرأيت إن آمنت بالهك ~~أيقيدني منهم بمن قتلوا من قومي؟ قال: ويحك! وهل رأيت ملكا يقيد من جنده ~~- انتهى. { بالقسط } أي العدل السواء الذي لا حيف فيه أصلا بوجه من ~~الوجوه، وقد ثبت بهذه الشهادة على هذا الوجه أن التوحيد في نفس الأمر على ~~ما وقعت به الشهادة، ويجوز أن يراد مع ذلك أن قيامه بالعدل فعله في خلقه ~~فإنه عدل وإن كان من بعضهم إلى بعض ظلما، فإنه تصرف منه سبحانه في ملكه ~~الذي لا شائبة لأحد فيه، فهو ms0666 إذا نسب إليه كان عدلا، لأنه فعله بالحكمة، ~~وإذا نسب إلى الظالم كان ظلما، لأنه فعله لحظه لا للحكمة فلذلك قال على ~~طريق الاستنتاج والتعليل للقيام بالقسط والتلقين للعباد لأن يقولوها بعد ~~ثبوتها بما تقدم وأن يكرروها دائما أبدا: { لا إله إلا هو } وقال ~~الحرالي: كرر هذا التهليل لأنه في مرتبة القسط الفعلي، لأن التهليل الأول ~~في مرتبة الشهادة العلمية فاستوفى التهليلان جميع البادي علما وفعلا - ~~انتهى. وأتبعه سبحانه وتعالى بقوله: { العزيز الحكيم * } دليلا على ~~قسطه، لأنه لا يصح أبدا لذي العزة الكاملة والحكمة الشاملة أن يتصرف ~~بجور، وعلى وحدانيته، لأنه لا يصح التفرد بدون الوصفين وليسا على الإطلاق ~~لأحد غيره أصلا، ولما كانت الآيات كلها في الإيقاع بالكافرين قدم الوصف ~~الملائم لذلك. # قال الحرالي: وقسط الله هو إخفاء عدله في دار الدنيا من حيث إنه خفض ~~ورفع، يعادل خفضه رفعه ورفعه خفضه، فيؤول إلى عدل، ويراه بذلك في حال ~~تفاوته كل ذي لب بما أنه عزيز يظهر عزته فيما يرفع، حكيم يخفي معنى حكمه ~~فيما يخفض، فكل ما هو باد من الخلق جود فهو من الله سبحانه وتعالى قسط، ~~طيته عدل، سره سواء، فيظهر عزته فيما حكم انتقاما وحكمته في الموازنة ~~بين الأعمال والجزاء عدلا - انتهى. # ولما كان ذلك علم أنه يجب أن تخضع له الرقاب ويخلص له التوحيد جميع ~~الألباب وذلك هو الإسلام فقال معللا للشهادة منهم بالعدل - وقراءة ~~الكسائي بالفتح أظهر في التعليل: { إن الدين } واصله الجزاء، أطلق هنا ~~على الشريعة لأنها مسببة { عند الله } أي الملك الذي له الأمر كله { ~~الإسلام } فاللام للعهد في هذه الشهادة فإنها أس لكل طاعة، فلأجل أن ~~الدين عنده هذا شهدوا له هذه الشهادة المقتضية لنهاية الإذعان. # ولما كان ذلك مصرحا بأنه لا دين عنده غيره كان كأن قائلا قال: فكان ~~يجب أن يعلم بذلك الأنيباء الماضون والأمم السالفون ليلزموه ويلزموه ~~أتباعهم! فقيل: قد فعل ذلك، فقيل: فما لهم لم يلزموه؟ فقيل: قد لزموه مدة ~~مديدة { وما } ويجوز وهو أحسن أن ms0667 يكون التقدير: بين الله سبحانه وتعالى ~~بشهادته ما يرضيه بآياته المرئية ثم أوضحة غاية الإيضاح بآياته المسموعة ~~بكتبه وما { اختلف الذين أوتوا الكتاب } هذا الاختلاف الذي ترونه { إلا ~~من بعد ما جاءهم العلم } بذلك كله، وما كان اختلافهم لجهلهم بذلك بل { ~~بغيا } واقعا { بينهم } لا بينهم وبين غيرهم، بل من بعضهم على بعض ~~للحسد والتنافس في الدنيا لشبه أبدوها ودعاو ادعوها، طال بينهم فيها ~~النزاع وعظم الدفاع، والله سبحانه وتعالى عالم بكشفها، قادر على صرفها. ~~قال الحرالي: والبغي السعي بالقول والفعل في إزالة نعم أنعم الله تعالى ~~بها على خلق بما اشتملت عليه ضمائر الباغي من الحسد له - انتهى. # ولما كان التقدير: فمن استمر على الإيمان فإن الله عظيم الثواب، عطف ~~عليه قوله: { ومن يكفر } أي يستمر على كفره ولم يقل حلما منه: ومن كفر { ~~بآيات الله } أي المرئيات والمسموعات الدالة على إحاطته بالكمال وقوفا ~~مع تلك الشبه وعمى عن الدليل فالله مهلكه عاجلا { فإن الله } أي المحيط ~~بكل شيء قدرة وعلما ولا كفوء له { سريع } قال الحرالي: من السرعة وهي ~~وحاء النجاز فيما شأنه الإبطاء - انتهى. ويحتمل أن يكون كنى بالسرعة عن ~~القرب فالمعنى: قريب { الحساب * } أي عن قريب يجازيهم على كفرهم في هذه ~~الحياة الدنيا بأيدي بعضهم وبأيدي المؤمنين، ثم ينقلون إلى حسابه سبحانه ~~وتعالى في الدار الآخرة المقتضي لعذاب الكفرة، ويحتمل أن تكون السرعة على ~~بابها، والمراد أنه لا يتهيأ في حسابه ما يتهيأ في حساب غيره من المغالطة ~~المقتضية للنجاة أو المطاولة في مدة الحساب المقتضية لتأخر الجزاء في مدة ~~المراوغة والله تعالى أعلم. # ومن الكفر بالآيات الكفر بعيسى عليه الصلاة والسلام حين انتحلوا فيه ~~الإلهية. قال الحرالي: كان آية من الله سبحانه وتعالى للهداية، فوقع ~~عندهم بحال من كفروا به، فكان سبب كفرهم ما كان مستحقا أن يكون سبب ~~هداية المهتدي، وكان ذلك فيه لمحل اشتباهه لأنه اشتبه عليهم خلقه بما ظهر ~~على يديه من آيات الله سبحانه وتعالى، وفي التعريض به إلاحة لما يقع ms0668 لهذه ~~الأمة في نحوه ممن هو مقام الهداية فوقع في طائفة موقع آية كفروا بها، ~~كما قال عليه الصلاة والسلام في علي رضي الله تعالى عنه # " مثلك يا علي كمثل عيسى ابن مريم أبغضه يهود فبهتوا أمه وأحبه النصارى ~~فأنزلوه بالمحل الذي ليس به " # كذلك تفرقت فرق في علي رضي الله تعالى عنه من بين خارجيهم ورافضيهم ~~انتهى. ### || [3.20-26] # ولما تم ذلك كان كأنه قيل: قد جئناك بالأمر الواضح الذي لا يشكون فيه { ~~فإن حاجوك } بعده في شيء مما تضمنه وهدى إليه ودل صريحا أو تلويحا ~~عليه فاعلم أن جدالهم عن عناد مع العلم بحقيقة الحال { فقل } أي فأعرض ~~عنهم إلى أن آمرك بالقتال، لأن من الواجبات - كما تقرر في آداب البحث - ~~الإعراض عمن كابر في المحسوس، وقل أنت عملا بالآية السالفة: { أسلمت ~~وجهي } أي أخلصت قصدي وتوجهي، وانقدت غاية الانقياد { لله } الملك الأعظم ~~الذي له الأمر كله، فلا كفوء له. # قال الحرالي: ولما أدرج تعالى شهادة الملائكة وأولي العلم في شهادته لقن ~~نبيه صلى الله عليه وسلم أن يدرج من اتبعه في إسلامه وجهه لله ليكون ~~إسلامهم بإسلام نبيهم صلى الله عليه وسلم لا بإسلام أنفسهم، لتلحق ~~التابعة من الأمة بالأئمة، وذلك حال الفرقة الناجية مؤثرة الفرق الاثنين ~~والسبعين التي قال النبي صلى الله عليه وسلم " وما أنا عليه " فيما أوتي ~~من اليقين " وأصحابي " فيما أوتوه من الانقياد وبراءتهم من الرجوع إلى ~~أنفسهم في أمر، كما كانوا يقولون عند كل ناشئة علم أو أمر: الله ورسوله ~~أعلم، فمن دخل برأيه في أمر نقص حظه من الاتباع بحسب استبداده - انتهى. ~~فقال تعالى عاطفا على الضمير المرفوع المتصل لأجل الفعل: { ومن } أي ~~وأسلم من { اتبعن } وجوههم له سبحانه وتعالى. # ولما كان المكمل لنفسه يجب عليه السعي في إكمال غيره أعلمه بذلك في ~~قوله: { وقل } تهديدا وتعجيزا وتبكيتا وتقريعا { للذين أوتوا الكتاب ~~} أي عامة من هؤلاء النصارى الذين يجادلونك ومن اليهود أيضا { والأمين ~~} الذين لا كتاب لهم، مشيرا بالاستفهام إلى عنادهم منكرا ms0669 عليهم موبخا ~~لهم: { ءأسلمتم فإن أسلموا } عند ذلك { فقد اهتدوا } فنفعوا أنفسهم في ~~الدنيا والآخرة، وفي صيغة " افتعلوا " ما يليح إلى أن الأنفس مائلة إلى ~~الضلال زائغة عن طريق الكمال { وإن تولوا } أي عن الإسلام فهم معاندون ~~فلا يهمنك أمرهم { فإنما عليك البلاغ } أي وعليهم وبال توليهم، وفي بنية ~~التفعل ما يومىء إلى أن طرق الهدى بعد البيان آخذ محاسنها بمجامع القلوب، ~~وأن الصادف عنها بعد ذلك قاهر لظاهر عقله وقويم فطرته الأولى برجاسة نفسه ~~واعوجاج طبعه. # ولما كان التقدير: فالله يوفق لقبول البلاغ عنك من علم فيه الخير، وينكب ~~عنه من علم فيه الشر، عطف عليه قوله: { والله } أي المحيط بكل شيء قدرة ~~وعلما { بصير بالعباد } أي فهو يوفق من خلقه للخير منهم ويخذل غيره. لا ~~يقدر على فعل ذلك غيره، ولا يقدر أحد غيره أن يفعل غير ذلك. # ولما أشرك اليهود في هذا الخطاب وأفهم شرط التولي بأداة الشك وقوعه، ~~فتشوفت النفس إلى معرفة جزائهم أشار إليه واصفا لهم ببعض ما اشتد فحشه ~~من أفعالهم فقال: - وقال الحرالي: ولما كانت هذه السورة منزلة لتبيين ما ~~اشتبه على أهل الإنجيل جرى ذكر أهل التوراة فيها مجملا بجوامع من ذكرهم، ~~لأن تفاصيل أمرهم قد استقرأته سورة البقرة، فكان أمر أهل التوراة في سورة ~~البقرة بيانا وأهل الإنجيل إجمالا، وكان أمر أهل الإنجيل في سورة آل ~~عمران بيانا وذكر أهل التوراة إجمالا، لما كان لبس أهل التوراة في ~~الكتاب فوقع تفصيل ذكرهم في سورة # الم ذلك الكتاب # [البقرة: 1، 2]، ولما كان اشتباه أمر أهل الإنجيل في شأن الإلهية كان ~~بيان ما تشابه عليهم في سورة # الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم # [آل عمران: 1، 2] فجاء هذا الذكر لأهل التوراة معادلة بينهم وبين أهل ~~الإنجيل بما كفروا بالآيات من المعنى الذي اشتركوا فيه في أمر الإلهية في ~~عزير واختصوا بقتل الأنبياء وقتل أهل الخير الآمرين بالقسط؛ انتهى. فقال ~~تعالى: { إن الذين يكفرون } وهم الذين خذلهم الله { بآيات الله } في ~~إبراز الاسم الأعظم ms0670 إشارة إلى عظيم كفرهم بكونه مما أضيف إليه سبحانه ~~وتعالى. قال الحرالي: وفي ذكره بصيغة الدوام ما يقع منهم من الكفر بآيات ~~الله في ختم اليوم المحمدي مع الدجال فإنهم أتباعه { ويقتلون النبيين } ~~في إشعاره ما تمادوا عليه من البغي على الأنيباء حتى كان لهم مدخل في ~~شهادة النبي صلى الله عليه وسلم التي رزقه الله فيما كان يدعو به حيث كان ~~يقول صلى الله عليه وسلم: # " اللهم ارزقني شهادة في يسر منك وعافية ". # ولما كان قتلهم إياهم بدون شبهة أصلا بل لمحض والكفر والعناد، لأن ~~الأنبياء مبرؤون من أن يكون لأحد قبلهم حق دنيوي أو أخروي قال: { بغير حق ~~} أي لا صغير ولا كبير في نفس الأمر ولا في اعتقادهم، فهو أبلغ مما في ~~البقرة على عادة أفعال الحكماء في الابتداء بالأخف فالأخف. ولما خص ذكر ~~أكمل الخلق عبر بما يعم أتباعهم فقال معيدا للفعل زيادة في لومهم ~~وتقريعهم: { ويقتلون الذين يأمرون بالقسط } أي العدل، ولما كان ذلك ~~شاملا لمن لا قدرة لهم على قتله من الملائكة قال: { من الناس } أي كلهم، ~~سواء كانوا أنبياء أو لا، ويجوز أن يكون المراد بهذا القيد زيادة توبيخهم ~~بأنهم يقتلون جنسهم الذي من حقهم أن يألفوه ويسعوا في بقائه، وهذا تحقيق ~~لأن قتلهم لمجرد العدوان قال الحرالي: فيه إعلام بتمادي تسلطهم على أهل ~~الخير من الملوك والرؤساء، فكان في طيه إلاحة لما استعملوا فيه من علم ~~التطبب ومخالطتهم رؤساء الناس بالطب الذي توسل كثير منهم إلى قتلهم به ~~عمدا وخطأ، ليجري ذلك على أيديهم خفية في هذه الأمة نظير ما جرى على ~~أيدي أسلافهم في قتل الأنبياء جهرة - انتهى. # ويجوز أن يكون الخبر عنهم محذوفا والتقدير: أنهم مطبوع على قلوبهم، أو: ~~لا يؤمنون، أو: لا يزالون يجادلونك وينازعونك ويبغون لك الغوائل { فبشرهم ~~بعذاب أليم * } أي اجعل إخبارهم بأنه لهم موضع البشارة، فهو من وادي: ~~تحيتهم بينهم ضرب وجيع. # ولما كان الحال ربما اقتضى أن يقال من بعض أهل الضلال: إن لهؤلاء ~~أعمالا ms0671 حسانا واجتهادات في الطاعة عظيمة، بين تعالى أن تلك الأفعال ~~مجرد صور لا معاني لها لتضييع القواعد، كما أنهم هم أيضا ذوات بغير ~~قلوب، لتقع المناسبة بين الأعمال والعاملين فقال: { أولئك } أي البعداء ~~البغضاء { الذين حبطت } أي فسدت فسقطت، وأشار بتأنيث الفعل إلى ضعفها من ~~أصلها { أعمالهم } أي كلها الدنياوية والدينية، وأنبأ تعالى بقوله: { في ~~الدنيا } كما قال الحرالي - أنهم يتعقبون أعمال خيرهم ببغي يمحوها فلا ~~يطمعون بجزائها في عاجل ولا آجل، وبذلك تمادى عليهم الذل وقل منهم ~~المهتدي - انتهى { والآخرة } فلا يقيم لهم الله في يوم الدين وزنا، ~~وأسقط ذكر الحياة إشارة إلى أنه لا حياة لهم في واحدة من الدارين. # ولما كان التقدير: فلا ينتصرون بأنفسهم أصلا، فإنهم لا يدبرون تدبيرا ~~إلا كان فيه تدميرهم، عطف عليه قوله: { وما لهم من ناصرين * } قال ~~الحرالي: فيه إعلام بوقوع الغلبة عليهم غلبة لا نصرة لهم فيها في يوم ~~النصر الموعود في سورة الروم التي هي تفصيل من معنى هذه السورة في قوله ~~تعالى: # ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء # [الروم: 4، 5] فهم غير داخلين فيمن ينصر بما قد ورد أنهم # " يقتلون في آخر الزمان حتى يقول الحجر: يا مسلم! خلفي يهودي فاقتله، ~~حتى لا يبقى منهم إلا من يستره شجر الفرقد " # كما قال صلى الله عليه وسلم: # " إنه من شجرهم " # وفي إفهامه أن طائفة من أهل الإنجيل يقومون بحقه، فيكونون ممن تشملهم ~~نصرة الله سبحانه وتعالى مع المسلمين، فتنتسق الملة واحدة مما يقع من ~~الاجتماع حين تضع الحرب أوزارها - انتهى. # ولما كان من المعلوم أن ثبات الأعمال وزكاءها إنما هو باتباع أمر الله ~~سبحانه وتعالى وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم وأمر الذين ورثوا العلم عنه ~~دل على ما أخبر به من الحبوط وعدم النصر بما يشاهد من أحوالهم في منابذة ~~الدين فقال: { ألم تر } وكان الموضع لأن يقال: إليهم، ولكنه قال: { إلى ~~الذين أوتوا نصيبا من الكتاب } ليدل على أن ضلالهم على علم، وأن الذي ~~أوتوه منه قراءتهم ms0672 له بألسنتهم وادعاء الإيمان به. وقال الحرالي: كتابهم ~~الخاص بهم نصيب من الكتاب الجامع، وما أخذوا من كتابهم نصيب من اختصاصه، ~~فإنهم لو استوفوا حظهم منه لما عدلوا في الحكم عنه ولرضوا به، وكان في ~~هذا التعجيب أن يكون غيرهم يرضى بحكم كتابهم ثم لا يرضون هم به - انتهى. # { يدعون إلى كتاب الله } أظهر الاسم الشريف ولم يقل: إلى كتابهم، ~~احترازا عما غيروا وبدلوا ولأنهم إنما دعوا إلى كتاب الله الذي أنزل على ~~موسى عليه الصلاة والسلام، لا إلى ما عساه أن يكون بأيديهم مما غيروا - ~~نبه عليه الحرالي. وفيه أيضا إشارة إلى عظيم اجترائهم بتوليهم عمن له ~~الإحاطة الكاملة { ليحكم بينهم } قال الحرالي: في إشعاره أن طائفة منهم ~~على حق منه، أي وهم المذعنون لذلك الحكم الذي دعي إليه - انتهى. # ولما كان اتباعه واجبا واضحا نفعه لمن جرد نفسه عن الهوى عبر عن ~~مخالفته بأداة البعد فقال: { ثم } وقال الحرالي: في إمهاله ما يدل على ~~تلددهم وتبلدهم في ذلك بما يوقعه الله من المقت والتحير على من دعي إلى ~~حق فأباه، وفي صيغة يتفعل في قوله: { يتولى } ما يناسب معنى ذلك في تكلف ~~التولي على انجذاب من بواطنهم لما عرفوه وكتموه، وصرح قوله: { فريق منهم ~~} بما أفهمه ما تقدم من قوله: { ليحكم بينهم } فأفهم أن طائفة منهم ~~ثابتون قائلون لحكم كتاب الله تعالى، وأنبأ قوله المشير إلى كثرة أفراد ~~هذا الفريق { وهم معرضون * } بما سلبوه من ذلك التردد والتكلف، فصار ~~وصفا لهم بعد أن كان تعملا، ما أنكر منكر حقا وهو يعلمه إلا سلبه الله ~~تعالى علمه حتى يصير إنكاره له بصورة وبوصف من لم يكن قط علمه - انتهى. # وفي هذا تحذير لهذه الأمة من الوقوع في مثل ذلك ولو بأن يدعى أحدهم من ~~حسن إلى أحسن منه - نبه عليه الحرالي وقال: إذ ليس المقصود حكاية ما مضى ~~فقط ولا ما هو كائن فحسب، بل خطاب القرآن قائم دائم ماض كلية خطابه في ~~غابر اليوم المحمدي مع من يناسب ms0673 أحوال من تقدم منهم، وفي حق المرء مع ~~نفسه في أوقات مختلفة - انتهى. ثم علل اجتراءهم على الله تعالى فقال: { ~~ذلك } أي الإعراض البعيد عن أفعال أهل الكرم المبعد من الله { بأنهم ~~قالوا } كذبا على الله - كما تقدم بيانه في سورة البقرة { لن تمسنا ~~النار إلا أياما } ولما كان المقام هنا لتناهي اجترائهم على العظائم ~~لاستهانتهم بالعذاب لاستقصارهم لمدته والتصريح بقتل الآمرين بالقسط عامة ~~وبحبوط الأعمال، وكان جمع القلة قد يستعار للكثرة أكدت إرادتهم حقيقة ~~القلة بجمع آخر للقلة، فقيل على ما هو الأولى من وصف جمع القلة لما لا ~~يعقل بجمع جبرا له: { معدودات } وتطاول الزمان وهم على هذا الباطل حتى ~~آنسوا به واطمأنوا إليه لأنه ما كذب أحد بحق إلا عوقب بتصديقه بباطل، وما ~~ترك قوم سنة إلا أحيوا بدعة، على أن كذبهم أيضا جرهم إلى الاستهانة ~~بعذاب الله الذي لا يستهان بشيء منه ولو قل. # ولما نسبوا ذلك إلى الكتاب فجعلوه دينا قال: { وغرهم } قال الحرالي: ~~من الغرور وهو إخفاء الخدعة في صورة النصيحة - انتهى { في دينهم ما كانوا ~~} أي بما هيؤوا له وجبلوا عليه { يفترون * } أي يتعمدون كذبة، قال ~~الحرالي: فتقابل التعجيبات في ردهم حق الله سبحانه وتعالى وسكونهم إلى ~~باطلهم - انتهى. # ولما تسبب عن اجترائهم بالكذب على الله أن يسأل عن حالهم معه قال صارفا ~~القول إلى مظهر العظمة المقتضي للمجازاة والمناقشة: { فكيف } أي يكون ~~حالهم { إذا جمعناهم } أي وقد رفعنا حجاب العظمة وشهرنا سيف العزة ~~والسطوة. ولما كان المقصود بالجمع الجزاء قال: { ليوم } ووصفه بقوله: { ~~لا ريب فيه } مشعر- كما قال الحرالي - بأنهم ليسوا على طمأنينة في باطلهم ~~بمنزلة الذي لم يكن له أصل كتاب، فهم في ريبهم يترددون إلى أن يأتي ذلك ~~اليوم. # ولما كان الجزاء أمرا متحققا لا بد منه أشار إليه بصيغة الماضي في ~~قوله: { ووفيت } والبناء للمفعول للإفهام بسهولة ذلك عليه وإن كان يفوت ~~الحصر, وتأنيث الفعل للإشارة إلى دناءة النفوس وضعفها, وقوله: { كل نفس } ~~قال الحرالي: الفصل الموقع للجزاء مخصوص ms0674 بوجود النفس التي دأبها أن تنفس ~~فتريد وتختار وتحب وتكره، فهي التي توفي، فمن سلب الاختيار والإرادة ~~والكراهة بتحقق الإسلام الذي تقدم ارتفع عنه التوفية، إذ لا وجود نفس له ~~بما أسلم وجهه لله، فلذلك اختص وعيد القرآن كله بالنفس في نفاستها ~~بإرادتها وما تنشأ لها عليه من أحوالها وأفعالها ودعواها في ملكها ~~وملكها، فمتى نفست فتملكت ملكا أو تشرفت ملكا خرجت عن إسلامها حتى ~~ينالها سلب القهر منه وإلزام الذل عنه، وبلمح من هذا المعنى اتصلت الآية ~~التي بعدها بختم هذه الآية وناظرت رأس آية ذكر الإسلام، فإنما هو مسلم ~~لله وذو نفس متملك على الله حتى يسلبه الله في العقبى أو يذله في الدنيا، ~~فشمل هذا الوفاء لكل نفس أهل الكتاب وغيرهم، وعم الوفاء لكل من يعمه ~~الجمع، كذلك خطاب القرآن يبدأ بخصوص فيختم بعموم، ويبدأ بعموم فيثنيه ~~تفصيل - انتهى. # ولما كان هذا الجزاء شاملا للخير والشر قال: { ما } أي جزاء ما { كسبت ~~} فأتى به مخففا ليشمل المباشرة بكسب أو اكتساب، وأنث الفعل مع جواز ~~التذكير مراعاة للفظ كل إشارة إلى الإحاطة بالأفعال ولو كانت في غاية ~~الحقارة، وراعى معنى " كل " للوفاء بالمعنى مع موافقة الفواصل { وهم لا ~~يظلمون * } أي لا يقع عليهم ظلم بزيادة ولا نقص، ولا يتوقعونه. # ولما أخبر تعالى أن الكفار سيغلبون وأنه ليس لهم من ناصرين كان حالهم ~~مقتضيا لأن يقولوا: كيف ونحن أكثر من الحصى وأشد شكائم من ليوث الشرى، ~~فكيف نغلب؟ أم كيف لا ينصر بعضنا بعضا وفينا الملوك والأمراء والأكابر ~~والرؤساء ومناوونا القليل الضعفاء، أهل الأرض الغبراء، وأولو البأساء ~~والضراء، فقال تعالى لينتبه الراقدون من فرش الغفلات المتقلبون في فلوات ~~البلادات من تلهيهم بما رأوا وسمعوا من نزع الملك من أقوى الناس وإعطائه ~~لأضعفهم فيعلموا أن الذي من شأنه أن يفعل ذلك مع بعض أعدائه جدير بأن ~~يفعل أضعافه لأوليائه: { قل اللهم } قال الحرالي: ولما كان هذا الأمر ~~نبوة ثم خلافة ثم ملكا فانتظم بما تقدم من أول السورة أمر النبوة ms0675 في ~~التنزيل والإنزال، وأمر الخلافة في ذكر الراسخين في العلم الذين يقولون: # ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا # [آل عمران: 8]، وكانت من هجيري أبي بكر رضي الله تعالى عنه، يقنت بها في ~~وتر صلاة النهار في آخر ركعة من المغرب - انتظم برؤوس تلك المعاني ذكر ~~الملك الذي آتى الله هذه الأمة، وخص به من لاق به الملك، كما خص بالخلافة ~~من صلحت له الخلافة، كما تعين للنبوة الخاتمة من لا يحملها سواه - انتهى؛ ~~فقال: { قل } أي يا محمد أو يا من آمن بنا مخاطبا لإلهك مسمعا لهم ~~ومعرضا عنهم ومنبها لهم من سكرات غفلاتهم في إقبالهم على ملوك لا شيء ~~في أيديهم، وإعراضهم عن هذا الملك الأعظم الذي بيده كل شيء. قال الحرالي: ~~لعلو منزل هذه السورة كثر الإقبال فيها بالخطاب على النبي صلى الله عليه ~~وسلم وجعل القائل لما كانت المجاورة معه، لأن منزل القرآن ما كان منه ~~لإصلاح ما بين الخلق وربهم يجيء الخطاب فيه من الله سبحانه وتعالى إليهم ~~مواجهة حتى ينتهي إلى الإعراض عند إباء من يأبى منهم، وما كان لإصلاح ما ~~بين الأمة ونبيها يجري الله الخطاب فيه على لسانه من حيث توجههم ~~بالمجاورة إليه، فإذا قالوا قولا يقصدونه به قال الله عز وجل: قل لهم، ~~ولكون القرآن متلوا ثبتت فيه كلمة قل - انتهى. { اللهم مالك الملك } أي ~~لا يملك شيئا منه غيرك. قال الحرالي: فأقنعه صلى الله عليه وسلم ملك ~~ربه، فمن كان منه ومن آله وخلفائه وصحابته يكون من إسلامه وجهه لربه ~~إسلام الملك كله الذي منه شرف الدنيا لله، فلذلك لم يكن صلى الله عليه ~~وسلم يتظاهر بالملك ولا يأخذه مآخذه، لأنه كان نبيا عبدا، لا نبيا ~~ملكا، فأسلم الملك لله، كذلك خلفاؤه أسلموا الملك لله فلبسوا الخلقان ~~والمرقعات واقتصروا على شظف العيش، ولانوا في الحق، وحملوا جفاء الغريب، ~~واتبعوا اثره في العبودية، فأسلموا الملك لله سبحانه وتعالى، ولم ينازعوه ~~شيئا منه، حمل عمر رضي الله تعالى عنه قربة على ظهره ms0676 في زمن خلافته حتى ~~سكبها في دار امرآة من الأنصار في أقصى المدينة، فلما جاء الله بزمن ~~الملك واستوفيت أيام الخلافة عقب وفاء زمان النبوة أظهر الله سبحانه ~~وتعالى الملك في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وكما خصص بالنبوة والإمامة ~~بيت محمد وآل محمد صلى الله عليه وسلم وخصص بالخلافة فقراء المهاجرين خصص ~~بالملك الطلقاء الذين كانوا عتقاء الله ورسوله، لينال كل من رحمة الله ~~وفضله، التي ولى جميعها نبيه صلى الله عليه وسلم كل طائفة على قدر ~~قربهم منه، حتى اختص بالتقدم قريشا ما كانت، ثم العرب ما كانت إلى ما ~~صار له الأمر بعد الملك من سلطنة وتجبر, إلى ما يصير إليه من دجل, كل ذلك ~~مخول لمن يخوله بحسب القرب والبعد منه { تؤتي الملك من تشآء } في الإيتاء ~~إشعار بأنه تنوبل من الله من غير قوة وغلبة, ولا مطاولة فيه, وفي التعبير ~~بمن العامة للعقلاء إشعار بمنال الملك من لم يكن من أهله, وأخص الناس ~~بالبعد منه العرب، ففيه إشعار بأن الله ينول ملك فارس والروم العرب كما ~~وقع منه ما وقع، وينتهي منه ما بقي إلى من نال الملك بسببها وعن الاستناد ~~إليها من سائر الأمم الذين دخلوا في هذه الأمة من قبائل الأعاجم وصنوف ~~أهل الأقطار حتى ينتهي الأمر إلى أن يسلب الله الملك جميع أهل الأرض، ~~فيعيده إلى إمام العرب الخاتم للهداية من ذريته ختمه صلى الله عليه وسلم ~~للنبوة من ذرية آدم، ويؤتيهم من المكنة، كما قال صلى الله عليه وسلم: # " لو شاء أحدهم أن يسير من المشرق إلى المغرب في خطوة لفعل " # ومع ذلك فليسوا من الدنيا وليست الدنيا منهم، فيؤتيهم الله ملكا من ~~ملكه - ظاهر هداية من هداه، شأفة عن سره الذي يستعلن به في خاتمة يوم ~~الدنيا ليتصل بظهوره ملك يوم الدين، والملك التلبس بشرف الدنيا ~~والاستئثار بخيرها؛ قال أبو بكر لعمر رضي الله تعالى عنهما في وصيته: إذا ~~جنيت فلتهجر يدك فاك حتى يشبع من جنيت له، فإن ms0677 نازعتك نفسك في مشاركتهم ~~فشاركهم غير مستأثر عليهم، وإياك والذخيرة! فإن الذخيرة تهلك دين الإمام ~~وتسفك دمه، فالملك التباس بشرف الدنيا واستئثار بخيرها واتخاذ ذخيرة ~~منها. # لما أرادوا أن يغيروا على عمر رضي الله تعالى عنه زيه عند إقباله على ~~بيت المقدس نبذ زيهم وقال: إنا قوم أعزنا الله بالإسلام! فلن نلتمس العزة ~~بغيره. فمن التمس الشرف بجاه الدنيا فهو ملك بقدر ما يلتمس من شرفها قل ~~ذلك الحظ أو جل، وهو به من أتباع ملوك الدنيا، وكذلك من التمس الاستئثار ~~بخيرها واتخذ الذخيرة منها، كل ينال من الملك ويكون من شيعة الملوك بحسب ~~ما ينال ويحب من ذلك حتى ينتهي إلى حشره مع الصنف الذي يميل إليه، فمن ~~تذلل وتقلل وتوكل بعث مع الأنبياء والمرسلين والخلفاء، كما أن من تشرف ~~بالدنيا واستأثر وادخر منها حشر مع الملوك والسلاطين؛ جلس عمر رضي الله ~~تعالى عنه يوما وسلمان وكعب وجماعة رضي الله تعالى عنهم فقال: أخبروني ~~أخليفة أنا أم ملك؟ فقال له سلمان رضي الله عنه: يا أمير المؤمنين! إن ~~جبيت درهما من هذا المال فوضعته في غيره حقه فأنت ملك، وإن لم تضعه إلا ~~في حقه فأنت خليفة، فقال كعب: رحم الله تعالى! ما ظننت أن أحدا يعرف ~~الفرق بين الخليفة والملك غيري، فالتزام مرارة العدل وإيثار الغير خلافة ~~وتشيع في سبيلها، ومنال حلاوة الاستئثار بالعاجلة شرفها ومالها ملك وتحيز ~~لتباعه - انتهى. # وفي تقديم الإيتاء على النزع إشارة إلى أن الداعي ينبغي أن يبدأ ~~بالترغيب { وتنزع } قال الحرالي: من النزع، وهو الأخذ بشدة وبطش - انتهى. ~~{ الملك ممن تشآء } وفيه إشارة إلى إن الدعاء باللين إن لم يجد ثني ~~بالترهيب، وعلى هذا المنوال أبرز قوله: { وتعز من تشآء } أي إعزازه { ~~وتذل من تشآء } أي إذلاله، وهو كما قال: # " إن رحمتي سبقت غضبي " # قال الحرالي: وفي كلمة النزع بما ينبىء عنه من البطش والقوة ما يناسب ~~معنى الإيتاء، فهو إيتاء للعرب ونزع من العجم، كما ورد أن كسرى رأى في ~~منامه أنه ms0678 يقال له: سلم ما بيدك لصاحب الهراوة، فنزع ملك المولك من ~~الأكاسرة والقياصرة وخوله قريشا ومن قام بأمرها وانتحل الملك باسمها من ~~صنوف الأمم غربا وشرقا وجنوبا وشمالا، إلى ما يتم به الأمر في الختم، ~~والعز - والله سبحانه وتعالى أعلم - عزة الله سبحانه وتعالى: # ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين # [المنافقون: 8] ليكون في الخطاب إنباء بشرى لهم أنه أتاهم من العز ~~بالدين ما هو خير من الشرف بملك الدنيا # من كان يريد العزة فلله العزة جميعا # [فاطر: 10] فالملوك وإن تشرفوا بملك الدنيا فليس لهم من عزة الدين شيء، ~~أعزهم الله سبحانه وتعالى بالدين، تخدمهم الأحرار وتتوطد لهم الأمصار، لا ~~يجدون وحشة، ولا يحصرون في محل، ولا تسقط لهم حرمة حيث ما حلوا وحيث ما ~~كانوا, استتروا أو اشتهروا، والمتلبسون بالملك لا يخدمهم إلا من استرقوه ~~قهرا، يملكون تصنع الخلق ولا يملكون محاب قلوبهم، محصورون في أقطار ~~ممالكهم، لا يخرجون عنها ولا ينتقلون منها حتى يمنعهم من كمال الدين، فلا ~~ينصرفون في الأرض ولا يضربون فيها، حتى يمتنع ملوك من الحج مخافة نيل ~~الذل في غير موطن الملك، والله عز وجل يقول: # " إن عبدا أصححت له جسمه، وأوسعت عليه في رزقه، يقيم خمسة أعوام لا يفد ~~على المحروم " # فالملوك مملوكون بما ملكوا، وأعزاء الله ممكنون فيما إليه وجهوا، لا ~~يصدهم عن تكملة أمر الدين وإصلاح أمر الآخرة صاد، ولا يردهم عنه راد ~~لخروجهم من سجن الملك إلى سعة العز بعزة الله سبحان وتعالى، فقارض الله ~~أهل بيت نبيه صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم، ولم يرضه للملك بعز الإمامة ~~ورفعة الولاية والاستيلاء على محاب القلوب فاسترعاهم الله قلوب العالمين ~~بما استرعى الملوك بعض حواس المستخدمين والمستتبعين، والذل مقابل ذلك ~~العزة، فإذا كان ذلك العز عزا دينيا ربانيا عوضا عن سلب الملك كان ~~هذا الذل - والله تعالى أعلم - ذل أهل الدنيا في دنياهم الذي ألزمهم ~~سبحانه وتعالى إياه بما أذلتهم أنفسهم، فاستعملتهم في شواتها وأذلهم ~~أتباعهم فتوسلوا بهم إلى قضاء أغراضهم في أهوائهم، ويستذلهم ms0679 من يظلمونه ~~بما ينتصفون منهم، وينالهم من ذل تضييع الدين، ويبدو على وجوههم من ظلمة ~~الظلم ما يشهد ذلهم فيه أبصار العارفين - انتهى. # ولعل نصارى نجران أشد قصدا بهذا الخطاب، فإنهم خافوا أن ينزع منه ملوك ~~الروم ما خولوهم فيه من الدنيا إن أخبروا بما يعلمون من أمر هذا النبي ~~الأمي صلى الله عليه وسلم. # ولما تقرر أنه مالك لما تقدم أنتج أن له التصرف المطلق فعبر عنه بقوله: ~~{ بيدك } أي وحدك { الخير } ولم يذكر الشر تعليما لعباده الأدب في ~~خطابه، وترغيبا لهم في الإقبال عليه والإعراض عما سواه، لان العادة ~~جارية بأن الناس أسرع شيء إلى معطي النوال وباذل الأموال، وتنبيها على ~~أن الشر أهل للإعراض عن كل شيء من أمره حتى عن مجرد ذكره وإخطاره بالبال، ~~مع أن الاقتصار على الخير يملك الخير كله مستلزم لمثل ذلك في الشر، ~~لأنهما ضدان، كل منهما مساو لنقيض الآخر، فإثبات أحدهما نفي للآخر ونفيه ~~إثبات للآخر، فلا يعطى الخير إلا وقد نفي الشر، ولا ينزع الخير إلا وقد ~~وضع الشر - والله سبحانه وتعالى أعلم. ولما أفهم أن الشر بيده كما أعلم ~~أن الخير بيده وخاص به قرر ذلك على وجه أعم بقوله معللا: { إنك على كل ~~شيء قدير * } ### || [3.27-32] # فلما ثبتت خصوصيته سبحانه وتعالى بصفة القدرة على الوجه الأعم ذكر بعض ~~ما تحت ذلك مما لم يدخل شيء منه تحت قدرة غيره فقال: - وقال الحرالي: ~~ولما كانت هذه الآية متضمنة تقلبات نفسانية في العالم القائم الآدمي اتصل ~~بها ذكر تقلبات في العالم الدائر ليؤخذ لكل منها اعتبار من الآخر. ولما ~~ظهر في هذه الآية افتراق النزع والإيتاء والإعزاز والإذلال أبدى في الآية ~~التالية توالج بعضها في بعض ليؤذن بولوج العز في الذل والذل في العز، ~~والإيتاء في النزع والنزع في الإيتاء، وتوالج المفترقات والمتقابلات ~~بعضها في بعض، ولما كانت هذه السورة متضمنة لبيان الإحكام والتشابه في ~~منزل الكتاب بحكم الفرقان أظهر تعالى في آياتها ما أحكم وبين في خلقه ~~وأمره وما ms0680 التبس وأولج في خلقه وأمره، فكان من محكم آية في الكائن القائم ~~الآدمي ما تضمنه إيتاء الملك ونزعه والإعزاز والإذلال، وكان من الاشتباه ~~إيلاج العز في الذل وإيلاج الذل في العز، فلما صرح بالإحكام ببيان ~~الطرفين في الكائن القائم الآدمي، وضمن الخطاب اشتباهه في ذكر العز والذل ~~صرح به في آية الكون الدائر، فذكر آية الآفاق وهو الليل والنهار بما ~~يعاين فيها من التوالج حيث ظهر ذلك فيها وخفي في توالج أحوال الكائن ~~القائم، لأن الإحكام والاشتباه متراد بين الآيتين: آية الكائن القائم ~~الآدمي وآية الكون الدائر العرشي، فما وقع اشتباهه في أحدهما ظهر إحكامه ~~في الآخر فقال سبحانه وتعالى: { تولج } من الولوج، وهو الدخول في الشيء ~~الساتر لجملة الداخل { اليل في النهار } فيه تفصيل من مضاء قدرته، فهو ~~سبحانه وتعالى يجعل كل واحد من المتقابلين بطانة للآخر والجا فيه على ~~وجه لا يصل إليه منال العقول لما في المعقول من افتراق المتقابلات، فكان ~~في القدرة إيلاج المتقابلات بعضها في بعض وإيداع بعضها في بعض على وجه لا ~~يتكيف بمعقول ولا ينال بفكر - انتهى. { وتولج النهار في اليل } أي تدخل ~~كلا منهما في الآخر بعد ظهوره حتى يذهب فيه فيخفى ولا يبقى له أثر. قال ~~الحرالي: ولما جعل المتعاقبين من الليل والنهار متوالجين جعل المتباطنين ~~من الحي والميت مخرجين، فما ظهر فيه الموت بطنت فيه الحياة، وما ظهرت فيه ~~الحياة بطن فيه الموت؛ انتهى. فقال سبحانه وتعالى: { وتخرج الحي } أي من ~~النبات والحيوان { من الميت } منهما { وتخرج الميت } منهما { من الحي } ~~منهما كذلك. # قال الحرالي: فهذه سنة الله وتعالى وحكمته في الكائن القائم وفي الكون ~~الدائر، فأما في الكون الدائر فبإخراج حي الشجر والنجم من موات البذر ~~والعجم، وبظهوره في العيان كان أحكم في البيان مما يقع في الكائن القائم، ~~كذلك الكائن القائم يخرج الحي المؤمن الموقن من الميت الكافر الجاهل # وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعده وعدها إياه فلما تبين له ~~أنه عدو لله تبرأ منه # [التوبة: ms0681 14] ويخرج الكافر الآبي من المؤمن الراحم # يا نوح إنه ليس من أهلك # [هود: 46] أظهر سبحانه وتعالى بذلك وجوه الإحكام والاشتباه في آيتي خلقه ~~ليكون ذلك آية على ما في أمره، وليشف ذلك عما يظهر من أمر علمه وقدرته ~~على من شاء من عباده كما أظهر في ملائكته وأنيبائه، وكما خصص بما شاء من ~~إظهار عظيم أمره في المثلين الأعظمين: مثل آدم وعيسى عليهما الصلاة ~~والسلام، فأنزلت هذه السورة لبيان الأمر فيما اشتبه على من التبس عليه ~~أمر عيسى عليه الصلاة والسلام، فهو تعالى أظهر من موات الإنسانية ما شاء ~~من الإحياء بإذنه، وأظهر في آدم عليه الصلاة والسلام ما شاء من علمه حين ~~علم آدم الأسماء كلها, كذلك أظهر في عيسى عليه الصلاة والسلام ما شاء من ~~قدرته كما أظهر في الخلق ما شاء من ملكه، فملك من شاء ونزع الملك ممن ~~شاء، وأعز من شاء وأذل من شاء، وأظهر بالنهار ما شاء وطمس بالليل ما شاء، ~~وأولج المتقابلين بعضهما في بعض وأخرج المتباطنين بعضهما من بعض - انتهى. # ولما بدأ الآية سبحانه وتعالى مما يقتضي الترغيب بما هو محط أحوال ~~الأنفس من الملك وأنواع الخير ختمها بمثل ذلك مما لا يقوم الملك ولا يطيب ~~العيش إلا به فقال: { وترزق من تشاء } قويا كان أو ضعيفا { بغير حساب * ~~} أي تعطيه عطاء واسعا جدا متصلا من غير تضييق ولا عسر، كما فعل بأول ~~هذه الأمة على ما كانوا فيه من القلة والضعف حيث أباد بهم الأكاسرة ~~والقياصرة وآتاهم كنوزهم وأخدمهم أبناءهم وأحلهم ديارهم. وقال الحرالي: ~~ولما ذكر سبحانه وتعالى هذا الإحكام والاشتباه في أمر العلية من الخلق ~~وفيه من الإحكام والاشتباه نحو ما في الإيتاء والنزع ولما فيه من الوزن ~~والإيتاء بقدر ختم بأعزيه وهو الإرزاق الذي لا يقع على وزن ولا يكون ~~بحساب، وفيه إشعار بالإرزاق الختمي الذي يكون في آخر اليوم المحمدي للذين ~~يؤتيهم الله سبحانه وتعالى ما شاء من ملكه وعزه وسعة رزقه بغير حساب، ~~فكما ختم الملك لبني ms0682 إسرائيل بملك سليمان عليه الصلاة والسلام في قوله ~~سبحانه وتعالى # هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب # [ص: 39] كذلك يختم لهذه الأمة بأن يرزقهم بغير حساب حين تلقي الأرض ~~بركاتها وتتطهر من فتنتها، فتقع المكنة في ختم اليوم المحمدي بالهداية ~~والهدنة كما انقضت لبني إسرائيل بالملك والقوة - انتهى. # ولما بان بهذه الآية أن لا شيء في يد غيره، واقتضى ذلك قصر الهمم عليه، ~~وكان نصارى نجران إنما داموا على موالاة ملوك الروم لمحض الدنيا مع العلم ~~ببطلان ما هم عليه حذر المؤمنين من مداناة مثل ذلك مع كونهم مؤمنين كما ~~وقع لحاطب بن أبي بلتعة رضي الله تعالى عنه مما قص في سورة الممتحنة ~~إشارة إلى أنه لا تجتمع موالاة المؤمنين وموالاة الكافرين في قلب إلا ~~أوشكت إحداهما أن تغلب على الأخرى فتنزعها، فقال تعالى منبها على ذلك ~~كله سائقا مساق النتيجة لما قبله - وقال الحرالي: ولما كان مضمون هاتين ~~الآيتين بشرى لخصوص هذه الأمة وعمومها بالعز والملك وختم الرزق الذي لا ~~حساب فيه كان من الحق أن تظهر على المبشرين عزة البشرى فلا يتولوا غيره، ~~ولما قبض ما بأيدي الخلق إليه في إيتاء الملك ونزعه والإعزاز والإذلال، ~~وأظهر إحاطة قدرته على كل شيء وإقامة امتحانه بما أولج وأخرج، وأنبأ عن ~~إطلاق حد العد عن أرزاقه فسد على النفس الأبواب التي منها تتوهم الحاجة ~~إلى الخلق؛ نهي المؤمنين الذين كانت لهم عادة بمباطنة بعض كفرة أهل ~~الكتاب وغيرهم من المشركين ومن شمله وصف الكفر أن يجروا على عادتهم في ~~موالاتهم ومصافاتهم والحديث معهم، لأن المؤمنين يفاوضونهم بصفاء، ~~والكافرون يتسمعون ويأخذون منهم بدغل ونفاق عليهم كما قال تعالى # هاأنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم # [آل عمران: 119] فنهاهم الله سبحانه وتعالى عما غاب عنهم خبرته وطيته ~~فقال تعالى : { لا يتخذ المؤمنون } أي الراسخون في الإيمان, وعبر في ~~أضدادهم بالوصف لئلا يتوهم ذلك في كل من تلبس بكفر في وقت ما فقال: { ~~الكافرين أولياء } ونبه بقوله: { من دون المؤمنين } على أن ولاية أوليائه ~~من ms0683 ولايته، وأن المنهي عنه إنما هو الولاية التي قد توهن الركون إلى ~~المؤمنين لأن في ذلك - كما قال الحرالي - تبعيد القريب وتقريب البعيد، ~~والمؤمن أولى بالمؤمن كما قال عليه الصلاة والسلام: # " المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا " # فأقواهم له ركن، وضعيفهم مستند لذلك الركن القوي، فإذا والاه قوى به مما ~~يباطنه ويصافيه، وإذا اتخذ الكافر وليا من دون مؤمنه القوي ربما تداعى ~~ضعفه في إيمانهم إلى ما ينازعه فيه من ملابسة أحوال الكافرين، كما أنهم ~~لما أصاخوا إليهم إصاخة أوقعوا بينهم سباب الجاهلية كما في قوله تعالى # يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد ~~إيمانكم كافرين # [آل عمران: 100] وكما قال سبحانه وتعالى: # يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا ~~خاسرين # [آل عمران:149]، ولم يمنع سبحانه وتعالى من صلة أرحام من لهم من ~~الكافرين، ولا من خلطتهم في أمر الدنيا فيما يجري مجرى المعاملة من البيع ~~والشرى والأخذ والعطاء وغير ذلك ليوالوا في الدين أهل الدين، ولا يضرهم ~~أن يباروا من لم يحاربهم من الكافرين - انتهى. # ولما كان التقدير: فمن تولاهم وكل إليهم وكان في عدادهم، لأنه ليس من ~~الراسخين في صفة الإيمان عطف عليه ترهيبا لمن قد تتقاصر همته فيرضى ~~بمنزلة ما دون الرسوخ قوله: { ومن يفعل ذلك } أي هذا الأمر البعيد من ~~أفعال ذوي الهمم الذي يكون به في عداد الأعداء بعد هذا البيان ومع رفع ~~هذا الحجاب الذي كان مسدولا على أكثر الخلق { فليس من الله } أي الذي ~~بيده كل شيء فلا كفوء له { في شيء } قال الحرالي: ففي إفهامه أن من تمسك ~~بولاية المؤمنين فهو من الله في شيء بما هو متمسك بعنان من هو له وسيلة ~~إلى الله سبحانه وتعالى من الذين إذا رؤوا ذكر الله - انتهى. # ولما كان من الناس القوي والضعيف والشديد واللين نظر إلى أهل الضعف ~~سبحانه وتعالى فوسع لهم بقوله: { إلا أن تتقوا منهم تقاة } أي إلا أن ~~تخافوا منهم أمرا ms0684 خطرا مجزوما به، لا كما خافه نصارى نجران وتوهمه ~~حاطب، فحينئذ يباح إظهار الموالاة وإن كانت درجة من تصلب في مكاشرتهم ~~وتعزز لمكابرتهم ومكاثرتهم، وإن قطع أعظم فإياكم أن تركنوا إليهم! فإن ~~الله سبحانه وتعالى يحذركم إقبالكم على عدوه، فإن ذلك موجب لإعراضه عنكم ~~{ ويحذركم الله } أي الملك الأعظم { نفسه } فإنه عالم بما تفعلونه. وهو ~~الحكم في الدنيا كما ترون من إذلاله العزيز وإعزازه الذليل، وهذا المحذر ~~منه وهو نفسه سبحانه وتعالى - كما قال الحرالي - مجموع أسماء تعاليه ~~المقابلة بأسماء أوصافهم التي مجموعها أنفسهم. وموجود النفس ما تنفس، وإن ~~كانت أنفس الخلق تنفس على ما دونها إلى حد مستطاعها، فكان ما حذره الله ~~من نفسه أولى وأحق بالنفاسة في تعالي أوصافه وأسمائه أن تنفس على من ~~يغنيه فلا يستغني، ويكفيه فلا يكتفي ويريه مصارف سد خلاته وحاجاته فلا ~~ينصرف إليها ولا يتوجه نحوها، فهو سبحانه وتعالى يعذب من تعرف له بنفسه ~~فلم يعرفه أشد من عذاب من يتعرف له بآياته فلا يعتبر بها، بما أن كل ما ~~أبداه من نفسه بلا واسطة فهو أعظم مما أبداه بالواسطة من نعيم وعذاب، فلا ~~أعظم من نعيم من تعرف له بنفسه فعرفه، ولا أشد من عذاب من تعرف له بنفسه ~~فأنكره - انتهى. # ولما كانت مصائب الدنيا قد تستهان قال سبحانه وتعالى عاطفا على نحو ما ~~تقديره: فمن الله المبدأ: - وقال الحرالي: ولما كان الزائل أبدا مؤذنا ~~بترك الاعتماد عليه أقام تعالى على المتمسك بما دونه حجة بزواله، فلا ~~يستطيع الثبات عليه عند ما تناله الإزالة والإذهاب، ويصير الأمر كله لله، ~~فأعلم أن المصير المطلق إلى الله سبحانه وتعالى، فنم تعرف إليه فعرفه نال ~~أعظم النعيم، ومن تعرف إليه فأنكره نال أشد الجحيم - انتهى؛ فقال -: { ~~وإلى الله } أي الذي له الإحاطة الكاملة { المصير * } أي وإن طال إملاؤه ~~لمن أعرض عنه فيوشك أن ينتقم منه. # ولما كانت الموالاة بالباطن المنهي عنها مطلقا ودائما قد تفعل ويدعى ~~نفيها لخفائها أمره صلى الله عليه وسلم بتحذيرهم من ms0685 موالاة أعدائه على ~~وجه النفاق أو غيره فقال: - وقال الحرالي: ولما كان حقيقة ما نهى عنه في ~~الولاية والتقاة أمرا باطنا يترتب عليه فعل ظاهر فوقع التحذير فيه على ~~الفعل كرر فيه التحذير على ما وراء الفعل مما في الصدور ونبه فيه على ~~منال العلم خفية، فإنه قد يترك الشيء فعلا ولا تترك النفس الغية صغوا ~~ونزوعا إليه في أوقات، وكرر في ختمه التحذير ليتثنى التحذيران ترقيا من ~~الظاهر في الفعل إلى باطن الحماية في العلم خفية، فإنه قد يترك الشيء ~~فعلا ولا تترك النفس الغية صغوا ونزوعا إليه في أوقات، وكرر في ختمه ~~التحذير ليتثنى التحذيران ترقيا من الظاهر في الفعل إلى باطن الحماية في ~~العلم كما تثنى الأمران في الظاهر والباطن، وكان في إجراء هذا الخطاب على ~~لسان النبي صلى الله عليه وسلم حجة عليهم بما أنه بشر مثلهم يلزمهم ~~الاقتداء به فيما لم يبادروا إلى أخذه من الله في خطابه الذي عرض به ~~نحوهم؛ انتهى. فقال تعالى -: { قل إن تخفوا } أي يا أيها المؤمنون { ما ~~في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله } أي المحيط قدرة وعلما، ثم قال عاطفا ~~على جملة الشرط التي هي مقول القول إرادة التعميم: { ويعلم ما } أي جميع ~~ما { في السموات } ولما كان الإنسان مطبوعا على ظن أنه إذا أخفي شيئا ~~في نفسه لا يعلمه غيره أكد بإعادة الموصول فقال: { وما } أي وجميع ما { ~~في الأرض } ظاهرا كان أو باطنا. # ولما كان ذو العلم لا يكمل إلا بالقدرة، وكان يلزم من تمام العلم شمول ~~القدرة - كما سيأتي إن شاء الله تعالى برهانه في سورة طه - كان التقدير: ~~فالله بكل شيء عليم، فعطف عليه قوله: { والله } أي بما له من صفات الكمال ~~{ على كل شيء قدير * } ومن نمط ذلك قوله سبحانه وتعالى: # إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء # [آل عمران: 5] مع ذكر التصوير كيف يشاء والختم بوصفي العزة والحكمة، وقد ~~دل سبحانه وتعالى بالتفرد بصفتي العلم والقدرة على التفرد بالألوهية. ms0686 # ولما تم الوصف بالعلم والقدرة بعد التحذير من سطواته ذكر يوم المصير ~~المحذر منه، المحصى فيه كل كبير وصغير، المعامل فيه كل عامل بما يليق به، ~~الذي يتم فيه انكشاف الأوصاف لكل ذكي وغبي فقال تعالى: { يوم } وهو معمول ~~لعامل من معنى " يحذر " { تجد كل نفس } والذي يرشد إلى تعيين تقدير هذا ~~العامل - إذا جعل العامل مقدرا - قوله سبحانه وتعالى { ويحذركم الله ~~نفسه } [آل عمران: 28] سابقا لها ولا حقا، ويجوز أن يكون بدلا من يوم ~~في قوله # ليوم لا ريب فيه # [آل عمران: 9] وتكون فتحته للبناء لإضافته إلى الجملة - والله سبحانه ~~وتعالى أعلم، والمراد بالنفس - والله سبحانه وتعالى أعلم - المكلفة { ما ~~عملت من خير محضرا } أي لا نقص فيه ولا زيادة، بأمر القاهر القادر على ~~كل شيء { وما عملت من سوء } حاضرا ملازما، فما عملت من خير تود أنها لا ~~تفارقه ولا ينقص منه شيء [وما عملت من سوء { تود } أي تحب حبا شديدا { ~~ولو أن بينها وبينه } أي ذلك العمل السوء { أمدا } أي زمانا. قال ~~الحرالي: وأصله مقدار ما يستوفي جهد الفرس من الجري، فهو مقدار ما يستوفي ~~ظهور ما في التقدير إلى وفاء كيانه { بعيدا } من البعد، وهو منقطع ~~الوصلة في حس أو معنى - انتهى. فالآية من الاحتباك: ذكر إحضار الخير ~~دلالة على حضور السوء، وود بعد السوء دلالة على ود لزوم الخير. # ولما ذكر هول ذلك اليوم كان كأنه قال: فاتقوه فإن الله يحذركموه { ~~ويحذركم الله } أي الذي له العظمة التي لا يحاط بها { نفسه } فالله ~~سبحانه وتعالى منتقم ممن تعدى طوره ونسي أنه عبد، قال الحرالي: أن تكون ~~لكم أنفس فتجد ما عملت، ويلزمها وطأة هذه المؤاخذة، بل الذي ينبغي أن ~~يبرىء العبد من نفسه تبرئته من أن يكون له إرادة، وأن يلاحظ علم الله ~~وقدرته في كلية ظاهره وباطنه وظاهر الكون وباطنه - انتهى. # ولما كان تكرير التحذير قد ينفر بين أن تحذيره للاستعطاف، فإنه بنصب ~~الأدلة وبعث الدعاة والترغيب في الطاعة والترهيب من المعصية المسبب ms0687 عنه ~~سعادة الدارين، فهو من رأفته بالمحذرين فقال بانيا على ما تقديره: ~~ويعدكم الله سبحانه وتعالى فضله ويبشركم به لرأفته بكم: { والله } أي ~~والحال أن الذي له وحده الجلال والإكرام { رؤوف بالعباد * } قال الحرالي: ~~فكان هذا التحذير الخاتم ابتدائيا، والتحذير السابق انتهائيا، فكان هذا ~~رأفة سابقة، وكان الأول الذي ترتب على الفعل تحذيرا لاحقا متصلا ~~بالمصير إلى الله، وهذا الخاتم مبتدأ بالرأفة من الله. # والرأفة - يقول أهل المعاني - هي أرق الرحمة، والذي يفصح عن المعنى - ~~والله سبحانه وتعالى أعلم - أنها عطف العاطف على من يجد عنده منه وصلة، ~~فهي رحمة ذي الصلة بالراحم، فنم تحقق أن الأمر لله سبحانه وتعالى وجد ~~رفقه وفضله ورحمته عليه لما برىء من دعوى شيء من نسبة الخير إلى نفسه، ~~فأحبه لذلك، قيل لأعرابي: إنك تموت وتبعث وترجع إلى الله؟ فقال: ~~أتهددونني بمن لم أر الخير قط إلا منه فلذلك إذا تحقق العبد ذلك من ربه ~~أحبه بما وحده وبما وجده في العاجلة فحماه أن يجد عمل نفسه في الآجلة - ~~انتهى. # وقد علم أن الآية من الاحتباك: التحذير أولا دال على الوعد بالخير ~~ثانيا، والرأفة ثانيا دالة على الانتقام أولا - والله سبحانه وتعالى ~~الموفق. # ولما فطمهم سبحانه وتعالى عن موالاة الكفار ظاهرا وباطنا بما اقتضى ~~القصر على موالاة أهل الله لنفيه من تولي الكفر عن أن يكون في شيء من ~~الله، وكان الإنسان ربما وإلى الكافر وهو يدعي محبة الله سبحانه وتعالى، ~~وختم برأفته سبحانه و تعالى بعباده، وكانت الرأفة قد تكون عن المحبة ~~الموجبة للقرب، فكان الإخبار بها ربما دعا إلى الاتكال، ووقع لأجله ~~الاشتباه في الحزبين، جعل لذلك سبحانه وتعالى علامه فقال: - وقال ~~الحرالي: لما كان أعظم ما يترامى إليه مقامات السالكين إلى الله سبحانه ~~وتعالى القاصدين إليه من مبدإ حال الذكر الذي هو منتهى المقامات العشر ~~المترتبة في قوله سبحانه وتعالى { إن المسلمين } محبة الله سبحانه وتعالى ~~بما أن المحبة وصلة خفية يعرف الحاس بها كنهها، أقام سبحانه وتعالى الحجة ~~على المترامين ms0688 لدعوى القرب من الله والادعاء في أصل ما يصل إليه القول من ~~محبته بما أنبأنهم أن من انتهى إلى أن يحب الله سبحانه وتعالى فليتبع هذا ~~النبي الذي أحبه الله سبحانه وتعالى فمن اتبعه أحبه الله، فقامت بذلك ~~الحجة على كل قاصد وسالك ومتقرب، فإن نهاية الخلق أن يحبوا الله، وعناية ~~الحق أن يحب العبد، فرد سبحانه وتعالى جميع من أحاط به الاصطفاء ~~والاجتباء والاختصاص، ووجههم إلى وجهة الاتباع لحبيبه الذي أحبه، كما قال ~~صلى الله عليه وسلم # " لو أن موسى بين أظهركم ما وسعه إلا اتباعي " # وإذا كان ذلك في موسى عليه الصلاة والسلام كان في المنتحلين لملته ألزم ~~بما هم متبعون لمتبعه عندهم، وأصل ذلك أنه صلى الله عليه وسلم لما كان في ~~في الأبد وجب أن يكون النهاية في المعاد، فألزم الله سبحانه وتعالى على ~~الخليقة ممن أحب الله سبحانه وتعالى أن يتبعوه، وأجرى ذلك على لسان ~~إشعارا بما فيه من الخير والوصول إلى الله سبحانه وتعالى من حيث إنه نبي ~~البشرى، وليكون ذلك أكظم لمن أبى اتباعه - انتهى، فقال سبحانه وتعالى -: ~~{ قل إن كنتم تحبون الله } أي المحيط بصفات الكمال مخلصين في حبه لاعتقاد ~~أنه على غاية الكمال، فإن الكمال محبوب لذاته { فاتبعوني } قال الحرالي: ~~قد فسر صلى الله عليه وسلم ظاهر اتباعه فقال " في البر " وأصل حقيقته ~~الإيمان بالله والإيثار لعباده، والتقوى وهي ملاك الأمر وأصل الخير، وهي ~~إطراح استغناء العبد بشيء من شأنه، لا من ملك ولا من ملك ولا من فعل ~~ولا من وصف ولا من ذات حتى يكون عنده كما هو عند ربه في أزله قبل أن يكون ~~موجودا لنفسه ليكون أمره كله بربه في وجوده كما كان أمره بربه قبل وجوده ~~لنفسه، وقد فسر حق التقاة التي هي غاية التقوى بأن يكون العبد يشكر فلا ~~يكفر، ويذكر فلا ينسى، ويطيع فلا يعصى - انتهى. # قال الإمام: المحبة توجب اإقبال بالكلية على المحبوب والإعراض عن غيره - ~~انتهى. فمن ادعى محبته وخالف سنة رسول ms0689 الله صلى الله عليه وسلم فهو كذاب، ~~وكتاب الله سبحانه وتعالى يكذبه { يحببكم الله } أي الذي له الأسماء ~~الحسنى والصفات العلى حبا ظهرت أماراته بما أعلم به الفك، فإن الأمر ~~المنجي غاية النجاة إنما هو محبة الله سبحانه وتعالى للعبد، لا محبة ~~العبد لله، فإنه ربما كانت له حالة يظن بها أنه يحب الله والواقع أنه ليس ~~كما ظن لكونه يعمل بما يسخطه سبحانه وتعالى، والأمارة الصحيحة لذلك رد ~~الأمر كله إلى الله، وحينئذ يفعل الله مع العبد فعل المحب من حسن الثناء ~~والإكرام بالثواب. قال الحرالي: فإن من رد الأمانة إلى الله سبحانه ~~وتعالى أحبه الله فكان سمعه وبصره ويده ورجله، وإذا أحب الله عبدا أراحه ~~وأنقذه من مناله في أن يكون هو يحب الله، فمن أحب الله وله، ومن أحبه ~~الله سكن ي ابتداء عنايته وثبته الله سبحانه وتعالى - انتهى. فقد أشار ~~سبحانه وتعالى إلى أن الدلالة الناشئة عن الرافة من الإكرام بالنعم من ~~الهداية بالبيان والإبلاغ في الإحسان عامة للمحبوب وغيره، وأن الدليل على ~~المحبة الإلهية هو الاتباع الداعي # " اعملوا فكل ميسر لما خلق له فأما من كان من أهل السعادة فييسر لعمل ~~أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاوة فييسر لعمل أهل الشقاوة " # " ما تقرب المتقربون إلي بمثل أداء ما افترضته عليهم، ولا يزال العبد ~~يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ". # ولما كان الدين شديدا لن يشاده أحد إلا غلبه، لما عليه العبد من العجز ~~والمعبود من عظيم الأمر أتبع ذلك الإعلام بأنه مع إيصال الثواب يرفع ~~العقاب فقال - وقال الحرالي: ولما كان من آية حب الله له صلى الله عليه ~~وسلم ما أنزل عليه من قوله: # إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر # [الفتح: 1, 2] أجرى لمن أحبه الله باتباعه حظ منه في قوله -: { ويغفر ~~لكم ذنوبكم } أي مطلقا، وذنب كل عبد بحسبه، لأن أصل معنى الذنب أدنى ~~مقام العبد، فكل ذي مقام أعلاه حسنته وأدناه ذنبه، ولذلك في ms0690 كل مقام ~~توبة، حتى تقع التوبة من التوبة فيكمل الوجود والشهود. # ولما كان هذا الأمر من أخص ما يقع، وكان مما دونه مقامات خواص الخلق ~~فيما بين إسلامهم إلى محبتهم لله سبحانه وتعالى ختم تعالى بما يفهم أحوال ~~ما يرجع إلى من دون هذا الكمال فقال: { والله } أي الذي له الكمال كله { ~~غفور رحيم * } أي لمن لم ينته لرتبة حب الله له بما يقع في أثناء أحواله ~~من موجب المغفرة واستدعاء الرحمة حيث لم يصل إلى المحبة، فمرحوم بعد ~~مغفرة وهو القاصد، ومغفور بعد محبة وهو الواصل - انتهى. # ولما كان الاتباع قد يكون عن غلبة لا عن طاعة بين أنه لا ينفع إلا مع ~~الإذعان فقال - أو يقال: لما كان صلى الله عليه وسلم في غاية الرأفة ~~بالعبادة وكان يعلم أن آحاد الأمة لا يقدرون على كمال اتباعه لما له مع ~~العصمة من الطبع على خصال الكمال كان كأنه قال له سبحانه وتعالى: فإن لم ~~يقدروا على كمال اتباعي؟ فقال: { قل } وقال الحرالي: ولما ذكر تعالى ما ~~تقدم من التحذيرين، في رتبتين أولاهما في الذكر بحاتين من موجب ~~التحذيرين، فكان الاتباع موجب النجاة من التحذير الثاني الباطن الذي ~~مبدؤه الرأفة، وكان الطاعة موجب النجاة من التحذير الأول السابق، فمن ~~أطاع الله روسوله فيما نهى عنه من اتخاذ ولاية الكافرين من دون ولاية ~~المؤمنين سلم من التحذيرالظاهر، ومن اتبع الرسول فأحبه الله سلم من ~~التحذير الباطن، فختم الخطاب بما به بدأ، أو لما كانت رتبة الاتباع عليا ~~وليتها رتبة الائتمار، فهو إما متبع على حب وإما مؤتمر على طاعة، فمن لم ~~يكن من أهل الاتباع فليكن من أهل الطاعة، فكأن الخطاب يفهم: { قل إن كنتم ~~تحبون الله فاتبعوني } [آل عمران: 31]، فإن لم تستطيعوا أن تتبعوني ~~فأطيعوني، انتهى فقال سبحانه وتعالى: { قل أطيعوا الله } أي لما له من ~~صفات الكمال. ولما قدم أن رضاه في اتباعه صلى الله عليه وسلم فدل على أن ~~الطاعتين واحدة قال موحدا للعامل: { والرسول } أي الكامل في ms0691 الرسلية لما ~~له به سبحانه وتعالى من مزايا الاتصال، وهو وإن كان اسما كليا لكنه كان ~~حين إنزال هذا الخطاب مختصا بأكمل الخلق محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ~~المرسل إلى الخلق كافة على أن طاعته طاعة لجميع الرسل الذين بينوا للناس ~~أمره صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين وسلم. قال الحرالي: فكان إشارة ~~ذلك إلى ما نهوا عنه من التولي إلى ما ينتظم في معنى ذلك، وفيه إشعار بأن ~~الأمر يكون فيه محوطا بالرحمة من حيث ذكر الرسول فيه بما هو رحمة ~~للعالمين { فإن تولوا } أي عن طاعة خطاب الله والرسول المحفوف باللطف من ~~الله سبحانه وتعالى والرحمة من رسول الله - انتهى. و { تولوا } يحتمل ~~المضارع والمضي، فكان الأصل في الكلام: { فإن الله } الذي له الغنى ~~المطلق لا يحبكم، أو: لا يحبهم، ولكنه أظهر الوصف المعلم بأن التولي كفر ~~فقال: { لا يحب الكافرين * } قال الحرالي: أفرد لله لما كان وعيدا، ~~إبقاء لرسوله صلى الله عليه وسلم في حيز الرحمة. # ولما نفى عمن تولى أن يحبه كان في إشعارة أن هذا الكفر عموم كفر يداخل ~~رتبا من الإيمان من حيث نفي عنه الحب فنفي منه ما يناله العفو أو ~~المغفرة والرحمة ونحو ذلك بحسب رتب تناقص الكفر، لأنه كفر دون كفر، ومن ~~فيه كفر فهو غير مستوفي اتباع الرسول بما أنه الماحي الذي يمحو الله به ~~الكفر، وإنما يحب الله من اتبع رسوله، فعاد الختم في الخطاب إلى إشعار من ~~معنى أوله وفي إلاحته أن حب الله للعبد بحسب توحيده، فكلما كان أكمل ~~توحيدا كان أحب، وما سقط عن رتبة أدنى التوحيد الذي هو محل الأمر بطاعة ~~الله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم كان كفرا بحسب ما يغطى ~~على تلك الرتبة من التوحيد، لأن هذه السورة سورة إلهية إيمانية حبية ~~توحيدية، فخطابها مخصوص بما يجري في حكم ذلك من الإيمان والكفر والمحكم ~~والمتشابه وكشف غطاء الأعين ورفع حجب القلوب - انتهى. # وقد وضح أن الآية من الاحتباك - فأصل ms0692 نظمها: فإن تولوا فإن الله لا ~~يحبهم لكفرانهم، وإن أقبلوا فإن الله يحبهم لإيمانهم، فإن الله لا يحب ~~الكافرين والله يحب المؤمنين - إثبات التولية في الأول يدل على حذف ~~الإقبال من الثاني، إثبات الكراهة في الثاني يدل على حذف مثلها في الأول. # ولما كان الأصفياء أخص من مطلق الأحباب بين بعض الأصفياء وما أكرمهم به ~~تصديقا لقوله سبحانه وتعالى في الحديث القدسي الشريف # " فإذا احببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي ~~يبطش بها، ورجله التي يمشي بها " # تنبيها لوفد نصارى نجران وغيرهم على أنه مثل ما اصطفى لنفسه دينا ~~اصطفى للتخلق به ناسا يحبونه ويطيعونه ويوالون أولياءه ويعادون أعداءه، ~~وليسوا من صفات الكافرين في شيء فقال - أو يقال: إنه سبحانه وتعالى لما ~~شبه أفعاله في التشابه وغيره بأقواله وعرف أن الطريق الأقوم رد المتشابه ~~منها إلى الواضح المحكم والالتجاء في كشف المشكل إليه مع الاعتقاد الجازم ~~المستقيم، وبين أن الموقف عن هذا الطريق الأقوم الوقوف مع العرض الدنيوي ~~مع الرئاسة وغيرها وألف الدين مع التعلل فيه بالتمني الفارغ، وأنهى ذلك ~~وتوابعه إلى أن ختم بتهديد من تولى عن الحق أخذ في تصوير تصويره في ~~الأرحام كيف شاء بما شوهد من ذلك ولم يشك فيه من أحوال أناس هم من خلص ~~عباده المقبلين على ما يرضيه فقال: أو يقال ولعله أحسن: ولما أخبر سبحانه ~~وتعالى أن أهل الكتاب ما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم فكفروا بذلك، ~~وألحق به ما تبعه إلى أن ختم بالأمر باتباع الرسول وبأنه لا يحب الكافرين ~~بالتولي عن رسله اشتد تشوف النفس إلى معرفة الرسل الآتين بالعلم الذين ~~توجب مخالفتهم الكفر فبينهم بقوله: وقال الحرالي: لما كان منزل هذه ~~السورة لإظهار المحكم والمتشابه في الخلق والأمر قدم سبحانه وتعالى بين ~~يدي إبانة متشابه خلق عيسى عليه الصلاة والسلام وجه الاصطفاء المتقدم ~~للآدمية ومن منها من الذرية لتظهر معادلة خلق عيسى عليه الصلاة والسلام ~~آخرا لمتقدم خلق آدم عليه الصلاة والسلام ms0693 أولا، حتى يكونا مثلين محيطين ~~بطرفي الكون في علو ورحه ودنو أديم تربته وأنه سبحانه وتعالى نزل الروح ~~إلى الخلق الآدمي كما قال # ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون # [الأنعام: 9] وظهر أثر ذلك اللبس بما وقع لأهل الزيغ في عيسى كما أنه ~~رقى الخلق الطيني رتبة رتبة إلى كمال التسوية إلى أن نفخ فيه من روحه، ~~فكان ترقي الآدمي إلى النفخة لتنزل الروح إلى الطينة الإنسانية التي تم ~~بها وجود عيسى عليه الصلاة والسلام كما كمل وجود آدم عليه الصلاة والسلام ~~بالنفخة. ### || [3.33-38] # ولما كان أصل الإبداء نورا عليا نزله الحق سبحانه وتعالى في رتب ~~التطوير والتصيير والجعل إلى أن بدأ عالما دنياويا محتويا على الأركان ~~الأربعة والمواليد الثلاثة، وخفيت نورانيته في موجود أصنافه صفي الله ~~سبحانه وتعالى من وجود كلية ذلك هذا الخلق الآدمي فكان صفي الله، فأنبأ ~~الخطاب عن تصييره إلى الصفاء بالافتعال؛ انتهى - فقال سبحانه وتعالى: { ~~إن الله } أي بجلاله وعظمته وكماله في إحاطته وقدرته { اصطفى } أي للعلم ~~والرسالة عنه سبحانه وتعالى إلى خلقه والخلافة له في ملكه { آدم } أباكم ~~الأول الذي لا تشكون في أنه خلقه من تراب، وهو تنبيه لمن غلط في أمر عيسى ~~عليه الصلاة والسلام على أن أعظم ما استغربوا من عيسى كونه من غير ذكر، ~~وآدم أغرب حالا منه بأنه ليس من ذكر ولا أنثى ولا من جنس الأحياء - كما ~~سيأتي ذلك صريحا بعد هذا التلويح لذي الفهم الصحيح. # قال الحرالي: فاصفطاه من كلية مخلوقه الذي أبداه ملكا وملكوتا خلقا ~~وأمرا، وأجرى اسمه من أظهر ظاهره الأرضي وأدنى أدناه، فسماه آدم من أديم ~~الأرض، على صيغة أفعل، التي هي نهاية كمال الآدمية والأديمية. فكان مما ~~أظهر تعالى في اصطفاء آدم ما ذكر جوامعه علي رضي الله عنه في قوله: لما ~~خلق الله سبحانه وتعالى أبان فضله للملائكة وأراهم ما اختصه به من سابق ~~العلم من حيث علمه عند استنبائه إياه أسماء الأشياء فجعل الله سبحانه ~~وتعالى آدم محرابا وكعبة ms0694 وبابا وقبلة، أسجد له الأبرار والروحانيين ~~الأنوار، ثم نبه آدم على مستودعه وكشف له خطر ما ائتمنه عليه بعد أن سماه ~~عند الملائكة إماما، فكان تنبيهه على خطر أمانته ثمرة اصطفائه - انتهى { ~~ونوحا } أباكم الثاني الذي أخرجه من بين أبوين شابين على عادتكم ~~المستمرة فيكم. وقال الحرالي: أنبأ تعالى أنه عطف لنوح عليه الصلاة ~~والسلام اصطفاء على اصطفاء آدم ترقيا إلى كمال الوجود الآدمي وتعاليا ~~إلى الوجود الروحي العيسوي، فاصطفى نوحا عليه الصلاة والسلام بما جعله ~~أول رسول بتوحيده من حيث دحض الشرك وأقام كلمة الإيمان بقول " لا إله إلا ~~الله " ، لما تقدم بين آدم ونوح من عبادة الأصنام والأوثان، فكان هذا ~~الاصطفاء اصطفاء باطنا لذلك الاصطفاء الظاهر فتأكد الاصطفاء وجرى من ~~أهلكته طامة الطوفان مع نوح عليه الصلاة والسلام من الذر الآدمي مجرى ~~تخليص الصفاوات من خثارتها، وكما صفي آدم من الكون كله صفي نوحا عليه ~~السلام وولده الناجين معه من مطرح الخلق الآدمي الكافرين الذين لا يلدون ~~إلا فاجرا كفارا، فلم يكن فيهم ولا في مستودع ذراريهم صفاوة تصلح لمزية ~~الإخلاص الذي اختص بصفوته نوح عليه الصلاة والسلام # وإذا أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح # [الأحزاب: 7] فكان ميثاق نوح عليه السلام ما قام به من كلمة التوحيد ~~ورفض الأصنام والطاغوت التي اتخذها الظلمانيون من ذر آدم، فتصفى بكلمة ~~التوحيد النوارانيون منه، فكان نوح عليه الصلاة والسلام ومن نجا معه صفوة ~~زمانه، كما كان آدم صفوة حينه - انتهى. # ولما كان أكثر الأنبياء من نسل إبراهيم عليه الصلاة والسلام زاد في ~~تعظيمه بقوله: { وآل إبراهيم } أي الذين أود فيهم الخوارق ولا سيما في ~~إخراج الولد من بين شيخين كبيرين لا يولد لمثلهما، وفي ذلك إشارة إلى أن ~~عيسى عليه الصلاة والسلام مثلهم لأنه أحدهم، وكذا قوله: { وآل عمران } في ~~قوله: { على العالمين * } إشارة إلى أنه كسائر أقاربه منهم، وأفصح بذلك ~~إفصاحا جليا في قوله: { ذرية بعضها من بعض } أي فهم كلهم من بني آدم، ~~لا مزية لبعضهم على بعض ms0695 في ذلك، لا مزية في شيء من ذلك، وأنتم لا تشكون ~~فيه من شيء من الخصائص مما دون أمد عيسى عليه الصلاة والسلام، فما لكم ~~لما خص سبحانه وتعالى آل عمران من بين العالمين بخرق العادة فيهم بإخراج ~~ولد من أنثى فقط من غير ذكر لم تردوا ما لم تعرفوا منه إلى ما تعرفون من ~~الخوارق حتى انجلى لكم واتضح لديكم؟ بل أشكل لعيكم وقامت فيكم قيامتكم ~~بما يفضي إلى الشك في قدرة الإله الذي لا تشكون أن من شك في تمام قدرته ~~كفر. # وقال الحرالي: فإثبات هذه الجملة بتشابه وتماثل تتعالى عن نحوه الإلهية، ~~فأبان هذا الخطاب في عيسى عليه الصلاة والسلام اصطفاء من جملة هذا ~~الاصطفاء، فكما لم يقع فيمن سواه لبس من أمر ألإلهية فكذلك ينبغي أن ~~لايقع فيه هو أيضا لبس لمن يتلقن بيان الإحكام والتشابه من الذي أنزل ~~الكتاب محكما ومتشابها وأظهر الخلق باديا وملتبسا انتهى. وقد عاد ~~سبحانه وتعالى بهذا الخطاب على أحسن وجه إلى قصة عيسى عليه الصلاة ~~والسلام الذي نزلت هذه الآيات كلها في المجادلة في أمره والإخبار عن حمله ~~وولادته وغير ذلك من صفاته التي يتنزه الإله عنها، وكراماته التي لا تكون ~~إلا للقرب، فأخبر أولا عن حال أمه وأمها وأختها وما اتفق لهن من الخوارق ~~التي تمسك بوقوع مثلها من عيسى عليه السلام من كفر برفعه فوق طوره، ثم ~~شرع في قص أمره حتى لم يدع فيه لبسا بوجه. # وقال الحرالي: في التعبير عن اصطفاء إبراهيم ومن بعده عليهم الصلاة ~~والسلام في إشعار الخطاب اختصاص إبراهيم عليه الصلاة والسلام بما هو أخص ~~من هذا الاصطفاء من حيث انتظم في سلكه آله لاختصاصه هو بالخلة التي لم ~~يشركه فيها أهل هذا الاصطفاء، فاختص نمط هذا الاصطفاء بآله، وهم - والله ~~سبحانه وتعالى أعلم - إسحاق ويعقوب والعيص عليهم الصلاة والسلام ومن هو ~~منهم من ذريتهم, لأن إسماعيل عليه السلام اختص بالوصلة بين إبراهيم ~~الخليل ومحمد الحبيب صلوات الله وسلامه عليهم، فكان مترقى ما ms0696 هو لهم من ~~وراء هذا الاصطفاء، ولأن إنزال هذا الخطاب لخلق عيسى عليه الصلاة ~~والسلام، وهو من ولد داود عليه الصلاة والسلام فيما يذكر، وداود من سبط ~~لاوي بن إسرائيل عليهم الصلاة والسلام فيما ينسب، فلذلك - والله سبحانه ~~وتعالى أعلم - جرى هذا الاصطفاء على آله، فظهر من مزية هذا الاصطفاء لآله ~~ما كان من اصطفاء موسى عليه السلام بالتكليم وإنزال الكتاب السابق # يا موسى إني اصطفيتك على الناس # [الأعراف: 144] فكان هذا الاصطفاء استخلاص صفاوة من صفاوة نوح عليه ~~الصلاة والسلام المستخلصين من صفاوة آدم عليه الصلاة والسلام، وآل عمران ~~- والله سبحانه وتعالى أعلم - مريم وعيسى عليهما الصلاة والسلام ليقع ~~الاصطفاء في نمط يتصل من آدم إلى عيسى عليهما الصلاة والسلام ليحوزوا ~~طرفي الكون روحا وسلالة، والعالمون علم الله الذي له الملك، فكما أن ~~الملك لا بد له من علم يعلم به بدوه وظهوره جعل الله ما أبداه من خلقه ~~علما على ظهور ملكه بين يدي ظهور خلقه في غاية يوم الدين عاما، وفي يوم ~~الدنيا لمن شاء من أهل اليقين والعيان خاصا، وأعلى معناه بما ظهر في ~~لفظه من الألف الزائدة على لفظ العلم، فاصطفى سبحانه وتعالى آدم عليه ~~الصلاة والسلام على الموجودين في وقته، وكذلك نوحا وآل إبراهيم وآل ~~عمران كلا على عالم زمانه، ومن هو بعد في غيب لم تبد صورته في العالم ~~العياني لم يلحقه بعد عند أهل النظر اسم العالم, وأشار سبحانه وتعالى ~~بذكر الذرية من معنى الذرء الذي هو مخصوص بالخلق ليظهر انتظام عيسى عليه ~~الصلاة والسلام في سلك الجميع ذرءا، وأنه لا يكون مع الذرء لبس ~~الإلهية، لأن الله سبحانه وتعالى لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، ~~فكان نصب لفظ الذرية تكييفا لهذا الاصطفاء المستخلص على وجه الذر، وهو ~~الذي يسميه النحاة حالا - انتهى. # ولما ذكر سبحانه وتعالى هؤلاء الذين اصطفاهم، وكان مدار أمر الاصطفاء ~~على العلم، ومدار ما يقال لهم وفيهم مما يكون كفرا أو إيمانا على السمع ~~ختم سبحانه ms0697 وتعالى الآية بقوله عاطفا على ما تقديره: فالله سبحانه ~~وتعالى يفعل بإحاطته ما يريد: { والله } أي المحيط قدرة وعلما { سميع ~~عليم * } إشارة إلى أنه اصطفاهم على تمام العلم بهم ترغيبا في أحوالهم ~~والاقتداء بأفعالهم وأقوالهم. # ولما كان جل المقصود هنا بيان الكرامات في آل عمران لا سيما في الولادة، ~~وكان آدم الممثل به عليه الصلاة والسلام قد تقدم بيان أمره في سورة ~~البقرة سورة الكتاب المثمر للعلم، وكذا بيان كثير مما اصطفى به إبراهيم ~~وآله عليهم الصلاة والسلام إذ كان معظم القصد بالكلام لذريته، وكان معظم ~~المقصود من ذكر نوح عليه الصلاة والسلام كونه في عمود النسب، وليس في أمر ~~ولادته ما هو خارج عن العادة قال طاويا لمن قبل: { إذ } أي اذكر جوابا ~~لمن يجادلك في أمرهم ويسألك عن حالهم حين { قالت امرأة عمران } وهي حامل. # وقال الحرالي: لما اكن من ذكر في الاصطفاء إنما ذكر توطئة لأمر عيسى ~~عليه الصلاة والسلام اختص التفصيل بأمر عيسى عليه الصلاة والسلام دون ~~سائر من ذكر معه، وكان في هذه المناظرة بين الصورتين حظ من التكافؤ من ~~حيث ذكر أمر خلق آدم عليه الصلاة والسلام في سورة البقرة، فذكر خلق المثل ~~المناظر له في السورة المناظرة لسورة البقرة وهي هذه السورة، فعاد توقيت ~~هذا القول إلى غاية هذا الاصطفاء، فأنبأ عن ابتداء ما اختص منه بعيسى ~~عليه الصلاة والسلام من قول أم مريم امرأة عمران حين أجرى على لسانها ~~وأخطر بقلبها أن تجعل ما في بطنها نذرا، ففصل ما به ختم من اصفطاء آل ~~عمران، ولذلك عرفت أم مريم في هذا الخطاب بأنها امرأة عمران ليلتئم ~~التفصيل بجملته السابقة { رب إني نذرت لك ما في بطني } وكان نذر الولد ~~شائعا في بني إسرائيل إلا أنه كان عندهم معهودا في الذكور لصلاحهم ~~لسدانة بيت الله والقيام به، فأكمل الله سبحانه وتعالى مريم لما كمل له ~~الرجال - كما قال عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام # " كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا أربع ms0698 " # فذكر مريم بنت عمران عليها السلام، فكان من كمالها خروج والدتها عنها، ~~وكان أصله من الأم التي لها الإشفاق، فكان خروجها أكمل من خروج الولد ~~لأنها لها في زمن الحمل والرضاع والتربية إلى أن يعقل الولد أباه فحينئذ ~~يترقى إلى حزب أبيه، ولذلك - والله سبحانه وتعالى أعلم - أري إبراهيم ~~عليه الصلاة والسلاح ذبح ولده عند تمييزه، وخرجت امرأة عمران عن حملها ~~وهو في بطنها حين ما هو أعلق بها - انتهى. ونذرته لله تعالى حال كونه { ~~محررا } أي لا اعتراض ولا حكم لأحد من الخلق عليه، قال الحرالي: ~~والتحرير طلب الحرية، والحرية رفع اليد عن الشيء من كل وجه، وفي الإتيان ~~بصيغة التكثير والتكرير إشعار بمضي العزيمة في قطع الولاية عنه بالكلية ~~لتسلم ولايته لله تعالى - انتهى. { فتقبل مني } ولما كان حسن إجابة ~~المهتوف به الملتجأ إليه على حسب إحاطة سمعه وعلمه عللت سؤالها في التقبل ~~بأن قصرت السمع والعلم عليه سبحانه فقالت: { إنك أنت } أي وحدك { السميع ~~العليم * } فقالت كما قال سلفها إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام # ربنا تقبل منا # [البقرة: 127]، أي فلا يسمع أحد قولي مثل سمعك، ولا يعلم أحد نيتي مثل ~~علمك ولا أنا، فإن كان فيهما شيء لا يصلح فتجاوز عنه. # ولما أخبر بما اقتضى مضى عزمها قبل الوضع أخبر بتحقيقه بعده فقال: { ~~فلما وضعتها قالت } أي تحسرا ذاكرة وصف الإحسان استمطارا للامتنان { رب ~~إني وضعتها } قال الحرالي: من الوضع وهو إلقاء الشيء المستثقل { أنثى } ~~هي أدنى زوجي الحيوان المتناكح - انتهى. ولما كان الإخبار عادة إنما هو ~~لمن لا يعلم الخبر بينت أن أمر الله سبحانه وتعالى ليس كذلك، لأن المقصود ~~بإخباره ليس مضمون الخبر وإنما هو شيء من لوازمه وهنا التحسر فقالت: { ~~والله } أي الذي له صفات الكمال. # ولما كان المراد التعجيب من هذه المولودة بأنها من خوارق العادات عبرت ~~عنها بما فقالت: { أعلم بما وضعت } وعبرت بالاسم الأعظم موضع ضمير الخطاب ~~إشارة إلى السؤال في أن يهبها من كماله ويرزقها من هيبته وجلاله، وفي ~~قراءة ms0699 إسكان التاء الذي هو إخبار من الله سبحانه وتعالى عنها - كما قال ~~الحرالي - إلاحة معنى أن مريم عليها الصلاة والسلام وإن كان ظاهرها ~~الأنوثة ففيها حقيقة المعنى الذي ألحقها بالرجال في الكمال، حتى كانت ممن ~~كمل من النساء لما لا يصل إليه كثير من رجال عالمها، فكان في إشعاره أن ~~الموضوع كان ظاهره ذكرا وحقيقته أنثى. # ولما كان مقصودها مع إمضاء نذرها بعد تحقق كونها أنثى التحسر على ما ~~فاتها من الأجر في خدمة البيت المقدس بما يقابل فضل قوة الذكر على الأنثى ~~وصلاحيته للخدمة في كل أحواله قالت: { وليس الذكر } أي الذي هو معتاد ~~للنذر وكنت أحب أن تهبه لي لأفوز بمثل أجره في هذا الفرض في قوته وسلامته ~~من العوارض المانعة من المكث في المسجد ومخالطة القومة { كالأنثى } التي ~~وضعتها، وهي داخلة في عموم النذر بحكم الإطلاق في الضعف وعارض الحيض ~~ونحوه فلا ينقص يا رب أجري بسبب ذلك، ولو قالت: وليست الأنثى كالذكر، ~~لفهم أن مرادها أن نذرها لم يشملها فلا حق للمسجد فيها من جهة الخدمة. # قال الحرالي: وفي إشعار هذا القول تفصل مما تتخوفه أن لا يكون ما وضعته ~~كفافا لنذرها، لما شهدت من ظاهر أنوثة ما وضعت، فجعلها الله سبحانه ~~وتعالى لها أكمل مما اشتملت عليه عزيمتها من رتبة الذكورة التي كانت ~~تعهدها، فكانت مريم عليها السلام أتم من معهود نذرها مزيد فضل من ربها ~~عليها بعد وفاء حقيقة مقصودها في نذرها - انتهى. ويجوز أن يكون هذا من ~~كلام الله سبحانه وتعالى كالحالية التي قبله إذا أسكنت التاء، والتقدير: ~~قالت كذا والحال أن الله أعلم منها بما وضعت، والحال أيضا أنه ليس الذكر ~~الذي أرادته بحكم معتاد النذر كالأنثى التي وهبت لها فدخلت فيه بحكم ~~إطلاقه، بل هي أعلى، لأن غاية ما تعرفه من المنذورين أن يكون كأنبيائهم ~~المقررين لحكم التوراة، وهذه الأنثى مع ما لها من العلو في نفسها ستكون ~~سببا في السؤال في نبي هو أعظم أنبيائهم، وتلد صاحب شريعة مستقلة، ثم ms0700 ~~يكون مقررا لأعظم الشرائع. # ولما تم ما قالته عند الوضع او قاله الله في تلك الحالة أتم سبحانه ~~وتعالى الخبر عن بقية كلامها وأنها عدلت عن مظهر الجلالة إلى الخطاب على ~~طريق أهل الحضرة، وأكدت إعلاما بشدة رغبتها في مضمون كلامها فقال حاكيا: ~~{ وإني سميتها مريم } ومعنى هذا الاسم بلسانهم: العابدة. قال الحرالي: ~~فيه إشعار بأن من جاء بشيء أو قربه فحقه أن يجعل له اسما، ورد أن السقط ~~إذا لم يسم يطالب من حقه أن يسميه فيقول: يا رب! أضاعوني، فكان من تمام ~~أن وضعتها أن تسميها، فيكون إبداؤها لها وضع عين وإظهار اسم، لما في وجود ~~الاسم من كمال الوجود في السمع كما هو في العين، ليقع التقرب والنذر بما ~~هو كامل الوجود عينا واسما. # ولما كانت محررة لله سبحانه وتعالى كان حقا أن يجري الله سبحانه وتعالى ~~إعاذتها قولا كما هو جاعلها معاذة كونا من حيث هي له، وما كان في حمى ~~الملك لا يتطرق إليه طريدة فقالت: { وإني أعيذها بك } وفي قوله: { ~~وذريتها } إشعار بما أوتيته من علم بأنها ذات ذرية، فكأنها نطقت عن غيب ~~من أمر الله سبحانه وتعالى مما لا يعلمه إلا الله، فهو معلمه لمن شاء. # ولما كان من في حصن الملك وحرزه بجواره بعيدا ممن أحرقه بنار البعد ~~وأهانه بالرجم حققت الإعاذة بقولها: { من الشيطان الرجيم * } وفي هذا ~~التخليص لمريم عليها السلام بالإعاذة ولذريتها حظ من التخليص المحمدي لما ~~شق صدره ونبذ حظ الشيطان منه وغسل قلبه بالماء والثلج في البداية ~~الكونية، وبماء زمزم في البداية النبوية عند الانتهاء الكوني، فلذلك كان ~~لمريم ولذريتها بمحمد صلى الله عليه وسلم اتصال واصل؛ قال صلى الله عليه ~~وسلم: # " أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم، من أجل أنه ليس بيني وبينه نبي، وبما ~~هو حكم أمامه في خاتمة يومه وقائم من قومه دينه ". # ولما أخبر بدعائها أخبر بإجابتها فيه فقال: { فتقبلها } فجاء بصيغة ~~التفعل مطابقة لقولها { فتقبل } ، ففيه إشعار بتدرج وتطور وتكثر، كأنه ~~يشعر بأنها ms0701 مزيد لها في كل طور تتطور إليه، من حيث لم يكن فاقبل مني فلم ~~تكن إجابته { فقبلها } ، فيكون إعطاء واحدا منقطعا عن التواصل ~~والتتابع، فلا تزال بركة تحريرها متجددا لها في نفسها وعائدا بركته على ~~أمها حتى تترقى لى العلو المحمدي فيتكون في أزواجه ومن يتصل به - انتهى. # وجاء بالوصف المشعر بالإحسان مضافا إليها إبلاغا في المعنى فقال: { ~~ربها } قال الحرالي: وظهر سر الإجابة في قوله سبحانه وتعالى: { بقبول حسن ~~} حيث لم يكن " بتقبل " - جريا على الأول. # ولما أنبأ القبول عن معنى ما أوليته باطنا أنبأ الإنبات عما أوليته ~~ظاهرا في جسمانيتها، وفي ذكر الفعل من " أفعل " في قوله: { وأنبتها } ~~والاسم من " فعل " في قوله: { نباتا حسنا } إعلام بكمال الأمرين من ~~إمدادها في النمو الذي هو غيب عن العيون وكمالها في ذاتية النبات الذي هو ~~ظاهر للعين، فكمل في الإنباء والوقوع حسن التأثير وحسن الأثر، فأعرب عن ~~إنباتها ونباتها معنى حسنا - انتهى. فوقع الجواب لأنها عناية من الله ~~سبحانه وتعالى بها على ما وقع سؤالها فيه، فلقد ضل وافترى من قذفها ~~وبهتها، وكفر وغلا من ادعى في ولدها من الإطراء ما ادعى. # وقال الحرالي: وقد أنبأ سبحانه وتعالى في هذه السورة الخاصة بقصة مريم ~~عليها الصلاة والسلام من تقبلها وإنباتها وحسن سيرتها بما نفي اللبس في ~~أمرها وأمر ولدها، لأن المخصوص بمنزل هذه السورة ما هو في بيان رفع اللبس ~~الذي ضل به النصارى، فيذكر في كل سورة ما هو الأليق والأولى بمخصوص ~~منزلها، فلذلك ينقص الخطاب في القصة الواحدة في سورة ما يستوفيه في سورة ~~أخرى لاختلاف مخصوص منزلها، كذلك الحال في القصص المتكررة في القرآن من ~~قصص الأنبياء وما ذكر فيه لمقصد الترغيب والتثبيت والتحذير وغير ذلك من ~~وجوه التنبيه - انتهى، وفيه تصرف. # ولما كان الصغير لا بد له فيما جرت به العادة من كبير يتولى أمره قال: { ~~وكفلها } قال الحرالي: من الكفل وهو حياطة الشيء من جميع جهاته حتى يصير ~~عليه كالفلك الدائر { زكريا } وفي قراءة التشديد ms0702 إنباء بأن الله سبحانه ~~وتعالى هو في الحقيقة كفيلها بما هو تقبلها، وفي استخلاص لزكريا من حيث ~~جعله يد وكالة له فيها - انتهى. # ولما كان من شأن الكفيل القيام بما يعجز عنه المكفول بين سبحانه وتعالى ~~أن تلك الكفالة إنما كانت جريا على العوائد وأنه تبين أن تقبل الله لها ~~أغناها عن سواه فقال في جواب من لعله يقول: ما فعل في كفالتها؟: { كلما } ~~أي كان كلما { دخل عليها زكريا المحراب } أي موضع العبادة. وقال الحرالي: ~~هو صدر البيت ومقدمه الذي لا يكاد يوصل إليه إلا بفضل منه وقوة وجهد حرب ~~{ وجد عندها رزقا } وذلك كما وجد عند خبيب بن عدي الأنصاري رضي الله ~~تعالى عنه قطف العنب - كما سيأتي في آخر المائدة، ومثل ذلك كثير في هذه ~~الأمة، وفي هذه العبارة أي من أولها إلاحة لمعنى حسن كفالته وأنه كان ~~يتفقدها عند تقدير حاجتها إلى الطعام بما تفيده كلمة { كلما } من ~~التكرار، فيجد الكفيل الحق قد عاجلها برزق من غيب بما هو سبحانه وتعالى ~~المتولي لإنباتها ليكون نباتها من غيب رزقه فتصلح لنفخ روحه ومستودع ~~كلمته، ولا يلحقها بعد الإعاذة ما فيه مس من الشيطان الرجيم الذي أعاذها ~~الله سبحانه وتعالى منه بكثرة الاختلاط في موجودات الأرزاق، فكان من ~~حفظها أن تولى الله سبحانه وتعالى أرزاقها من غيب إلا ما يطيبه من باد، ~~وليكون حسن نباتها من أحسن رزق الله سبحانه وتعالى كما يقال: من غذي ~~بطعام قوم غذي بقلوبهم ومن غذي بقلوبهم آل إلى منقلبهم، وكانت هي مثل ما ~~كفلها كافلها ظاهرا كفلته باطنا حين أبدى الله سبحانه وتعالى له من ~~أمره ما لم يكن قبل بدا له، فكان لمريم عليها الصلاة والسلام توطئة في ~~رزقها لما يكون كماله في حملها فيكون رزقها بالكلمة ابتداء ليكون حملها ~~بالكلمة، فعند ذلك طلب زكريا عليه السلام نحو ما عاين لها من أن يرزقه ~~الولد في غير إبانه كما رزق مريم الرزق في غير أوانه، وفي تعيين محلها ~~بالمحراب ما يليح ms0703 معنى ما ذكر من رجوليتها باطنا من حيث إن محل النساء ~~أن يتأخرن فأبدى الله سبحانه وتعالى في محلها ذكر المحراب إشارة بكمالها، ~~والمحراب صدر البيت المتخذ للعبادة، ويف لزومها لمحرابها في وقت تناول ~~الرزق إعلام بأن الحبيس والمعتكف بيته محرابه ومحرابه بيته، بخلاف من له ~~متسع في الأرض ومحل من غير بيت الله، إنما المساجد بيوت أهل الله ~~المنقطعين إليه، فهو محلهم في صلاتهم ومحلهم في تناول أرزاقهم، ففيه ~~إشعار بحضورها، وحضور أهل العكوف حضور سواء في صلاتهم وطعامهم، ولذلك ~~أنمى حال العبد عند ربه بما هو عليه في حال تناول طعامه وشرابه، فأهل ~~الله سواء محياهم ومماتهم وأكلهم وصلاتهم، من غفل عند طعامه قلبه لم ~~يستطع أن يحضر في صلاته قلبه، ومن حضر عند طعامه قلبه لم يغب في صلاته ~~قلبه، وفي ذكر الرزق شائعا إشعار بأنها أنواع من أرزاق من حيث إنه لو ~~اختص يخص به ما هو أخص من هذا الاسم - انتهى. # ولما كان كأنه قيل: فما كان يقول لها إذا رأى ذلك؟ قيل: كان كلما وجد ~~ذلك، أو: لما تكرر وجدانه لذلك { قال يا مريم أنى } أي من أين { لك هذا ~~} قال الحرالي: كلمة أنى تشعر باستغرابه وجود ذلك الرزق من وجوه مختلفة: ~~من جهة الزمان أنه ليس زمانه، ومن جهة المكان أنه ليس مكانه، ومن جهة ~~الكيف ووصوله إليها أنه ليس حاله، وفي ذكر الضمير في قوله: { قالت هو من ~~عند الله } إيذان بنظرها إلى مجموع حقيقة ذلك الرزق لا إلى أعيانه، فهو ~~إنباء عن رؤية قلب، لا عن نظر عين لأن هو كلمة إضمار جامعة لكل ما تفصلت ~~صورة مما اتحد مضمره، ولما لم يكن من معهود ما أظهرته حكمته سبحانه مما ~~يجريه على معالجات أيدي الخلق قالت { من عند الله } ذي الجلال والإكرام، ~~لأن ما خرج من معهود معالجة الحكمة فهو من عنده، وما كان مستغربا فيما ~~هو من عنده فهو من لدنه، فهي ثلاث رتب: رتبة لدنية، ورتبة عندية، ورتبة ~~حكمية ms0704 عادية؛ فكان هذا وسط الثلاث - كما قال تعالى: # آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنه علما # [الكهف: 65] حيث كان مستغربا عند أهل الخصوص كما قال: # أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا # [الكهف: 71] والإمر العجب، ولعلو رتبته عن الرتبة العادية جرى النبأ عنه ~~مضافا إلى الاسم العظيم الذي هو مسمى الأسماء كلها من حيث لم يكن { من ~~عند ربي } لما في ذكر اسم الربوبية من إشعار بمادة أو قريب منها أو ما ~~كان من نحوها كما قال # هذا من فضل ربي # [النمل: 40] لما كان من عادته المكنة على الملوك، وكان ممكنا فيما أحاط ~~به موجود الأركان الأربعة - انتهى. # ولما أخبرت بخرقه سبحانه وتعالى لها العادة عللت ذلك بقولها مؤكدة ~~تنبيها على أن ذلك ليس في قدرة ملوك الدنيا: { إن الله } أي الذي له ~~الإحاطة الكلية. قال الحرالي: في تجديد الاسم العظيم في النبأ إشعار ~~باتساع النبأ وإيذان وإلاحة بأن ذلك يكون لك ولمن شاء الله كما هو لي بما ~~شاء الله، من حيث لم يكن أنه فيكون مليحا لاختصاص ما بها، ويؤيده عموم ~~قولها: { يرزق من يشاء } وقولها: { بغير حساب * } يشعر بأنه عطاء متصل، ~~فلا يتحدد ولا يتعدد، فهو رزق لا متعقب عليه، لأن كل محسوب في الإبداء ~~محاسب عليه في الإعادة، فكان في الرزق بغير حساب من علاج الحكمة بشرى ~~برفع الحساب عنهم في المعاد وكفالة بالشكر عنه، لأن أعظم الشكر لرزق الله ~~سبحانه وتعالى معرفة العبد بأنه من الله تعالى، إنما يشكر رزق الله من ~~أخذه من الله سبحانه وتعالى - انتهى. # ولما كان كأنه قيل: فما قال زكريا حينئذ؟ قيل: { هنالك } أي في ذلك ~~الوقت وذلك المكان العظيمي المقدار { دعا زكريا ربه } تذكرا لما عودهم ~~الله سبحانه وتعالى به من الإكرام، فظهرت عليه كرامات هذه الكفالة، قال ~~الحرالي: لما أشهده الله سبحانه وتعالى أنه يخرق عادته لمن شاء بكلمته في ~~حق كفيلته في الظاهر، الكافلة له في هذا المعنى، دعا ربه الذي عوده ~~بالإحسان أن يرزقه ولدا في ms0705 غير إبانه كما رزق مريم رزقا في غير زمانه ~~فوجب دعاؤه - انتهى. { قال رب } أي الذي عودني بإحسانه { هب لي من لدنك } ~~قال الحرالي: طلب عليه من باطن الأمر كما قال سبحانه وتعالى: # وعلمناه من لدنا علما # [الكهف: 65]، وكما قال فيه # وحنانا من لدنا # [مريم: 13]، لأن كل ما كان من لدن فهو أبطن من عند { ذرية } فيه إشعار ~~بكثرة ونسل باق، فأجيب بولد فرد لما كان زمان انتهاء في ظهور كلمة الروح ~~وبأنه لا ينسل فكان يحيي حصورا لغلبة الروحانية على إنسانيته - انتهى. { ~~طيبة } أي مطيعة لك لأن ذلك طلبة أهل الخصوص، ثم علل إدلاله على المقام ~~الأعظم بالسؤال بقوله: { إنك سميع الدعاء } أي مريده ومجيبه لأن من شأن ~~من يسمع - ولم يمنع - أن يجب إذا كان قادرا كاملا، وقد ثبتت القدرة ~~بالربوبية الكاملة التي لا تحصل إلا من الحي القيوم، بخلاف الأصنام ~~ونحوها مما عبد فإنها لا تسمع، ولو سمعت لم تقدر على الإجابة إلى ما تسأل ~~فيه لأنها مربوبة. قال الحرالي: أعلم الداعي بما لله سبحانه وتعالى من ~~الإجاة، والقرب " وسيلة في قبول " دعائه - انتهى. ### || [3.39-43] # ولما كان الله سبحانه وتعالى عند ظن عبده به سمع دعاءه كما قال { فنادته ~~} أي فتسبب عن دعائه وحسن رجائه أن نادته { الملائكة } يعني هذا النوع، ~~لا كلهم بل ناداه البعض، وكان متهيئا بما آتاه الله سبحانه وتعالى من ~~المفضل لمناداة الكل، كما هو شأن أهل الكمال من الرسل { وهو قائم يصلي في ~~المحراب } وهو موضع محاربة العابد للشيطان، وهو أشرف الأماكن لذلك. قال ~~الحرالي: فيه إشعار بسرعة إجابته ولزومه معتكفه وقنوته في قيامه وأن ~~الغالب على صلاته القيام لأن الصلاة قيام، وسجود يقابله، وركوع متوسط، ~~فذكرت صلاته بالقيام إشعارا بأن حكم القيام غالب عليها - انتهى. ثم ~~استأنف في قراءة حمزة وابن عامر بالكسر لجواب من كأنه قال: بأي شيء نادته ~~الملائكة؟ قوله: { أن الله يبشرك } قال الحرالي: فذكر الاسم الأعظم ~~المحيط معناه بجميع معاني الأسماء، ولم يقل إن ربك لما كان ms0706 أمر إجابته من ~~وراء الحكمة العادية؛ وفي قوله: { بيحيى } مسمى بصيغة الدوام - مع أنه ~~كما قيل: قتل - إشعار بوفاء حقيقة الروحانية الحياتية فيه دائما، لا ~~يطرقه طارق موت الظاهر حيث قتل شهيدا - انتهى. { مصدقا بكلمة } أي نبي ~~خلق بالكلمة لا بالمعالجة العادية، يرسله الله سبحانه وتعالى إلى عباده ~~فيكذبه أكثرهم ويصدقه هو، وإطلاق الكلمة عليه من إطلاق السبب على المسبب. # قال الحرالي: فكان عيسى عليه الصلاة والسلام كلمة الله سبحانه وتعالى، ~~ويحيى مصدقه بما هو منه كمال كلمته حتى أنهما في سماء واحدة، ففي قوله: { ~~من الله } إشعار بإحاطته في ذات الكلمة - انتهى. { وسيدا وحصورا } أي ~~فلا يتزين بزينة لأنه بالغ الحبس لنفسه والتضييق لعيها في المنع من ~~النكاح. قال في القاموس: والحصور من لا يأتي النساء وهو قادر على ذلك، أو ~~الممنوع منهن، أو من لا يشتهيهن ولا يقربهن، والمجبوب - والهيوب المحجم ~~عن الشيء. وقال الحرالي: وهو من الحصر وهو المنع عما شأن الشيء أن يكون ~~مستعملا فيه - انتهى { ونبيا } ولما كان النبي لا يكون إلا صالحا لم ~~يعطف بل قال: { من الصالحين * } إعلاما بمزية رتبة الصلاح واحترازا من ~~المتنبيين، فكأنه قيل: فما قال حين أجابه ربه سبحانه وتعالى؟ فقيل: { قال ~~} يستثبت بذلك ما يزيده طمأنينة ويقينا وسكينة { رب } أي أيها المحسن ~~إلي. # ولما كان مطلوبه ولدا يقوم مقامه فيما هو فيه من النبوة التي لا يطيقها ~~إلا الذكور الأقويا الكلمة، وكانت العادة قاضية بأن ولد الشيخ يكون ~~ضعيفا لا سيما إن كان حرثه مع الطعن في السن في أصله غير قابل للزرع أحب ~~أن يصرح له بمطلوبه فقال: { أنى } أي كيف ومن أين { يكون لي } وعبر بما ~~تدور مادته على الغلبة والقوة زيادة في الكشف فقال: { غلام } وفي تعبيره ~~به في سياق الحصور دليل على أنه في غاية ما يكون من صحة الجسم وقوته ~~اللازم منه شدة الداعية إلى النكاح، وهو مع ذلك يمنع نفسه منه منعا ~~زائدا على الحد، لما عنده من غلبة لاشهود اللازم منه الإقبال ms0707 على ~~العبادة بكليته والإعراض عن كل ما يشغل عنها جملة لا سيما النكاح، بحيث ~~يظن أنه لا إرب له فيه، وهذا الموافق للتعبير الأول للحصور في القاموس، ~~وهو الذي ينبغي ألا يعرج على غيره لأنه بناء مبالغة من متعد، ولأنه أمدح ~~له صلى الله عليه وسلم، ومهما دار الشيء على صفة الكمال في الأنبياء ~~عليهم السلام وجب أن لا يعدل عنه، وما ورد - كما يأتي إن شاء الله تعالى ~~في سورة مريم عليها السلام - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ذكره مثل هذه القذاة " # فقد ضعفوه، وعلى تقدير صحته فيكون ذلك إخبارا عن أنه لما أعرض عنه ~~رأسا ضعف ما معه لذلك، فهو إخبار عن آخر أمره الذي أدت إليه عزيمته، ~~والآية مشيرة إلى ما اقتضته خلقته وغريزته وإن كان الجمع لكمال الوجود ~~الإنساني بالنكاح أكمل كما وقع لنبينا صلى الله عليه وسلم ويقع لعيسى ~~عليه السلام بعد نزوله { وقد } أي والحال أنه قد { بلغني الكبر } إلى حد ~~لا يولد فيه عادة { وامرأتى عاقر } قال الحرالي: من العقر وهو البلوغ إلى ~~حد انقطاع النسل هرما - انتهى؛ كذا قال، وآية سورة مريم تدل على أن ~~المعنى أنها لم تزل عقيما، وعليه يدل كلام أهل اللغة، قال في القاموس في ~~الراء: العقرة وتضم: العقم، وقد عقرت كعنى فهي عاقر، ورجل عاقر وعقير: ~~لا يولد له ولد، والعقرة كهمزة: خرزة تحملها المرأة لئلا تلد، وقال في ~~الميم: العقم بالضم: هزمة تقع في الرحم فلا تقبل الولد، عقمت كفرح ونصر ~~وكرم وعنى، ورحم عقيم وامرأة عقيم ورجل عقيم: لا يولد له، وقال الإمامان ~~أبو عبد الله القزاز في ديوانه وعبد الحق في واعيه: والعقر بضم العين ~~وسكون القاف مصدر العاقر من النساء وهي التي لا تحمل من غير داء ولا كبر، ~~يقال: الإمام أبو غالب " ابن التياني " في كتابه الموعب صاحب [تلقيح] ~~العين: العقر مصدر العاقر من النساء وهي التي لا تحمل من غير داء ولا ~~كبر، لكن خلقة، ثم قال وتعقرت: إذا ms0708 ولدت ثم أمسكت - والله الموفق. # ثم وصل به قوله: { قال كذلك } أي مثل هذا الفعل الجليل البعيد الرتبة. ~~ولما كان استنباؤه عن القوة والكمال لا عن الخلق عبر سبحانه في تعليل ذلك ~~بالفعل بخلاف ما يأتي في قصة مريم عليها السلام فقال: { الله يفعل ما ~~يشاء * } لأنه المحيط بكل شيء قدرة وعلما فكأنه قيل: قد قرت عينه فا ~~قال؟ قيل { قال } إرادة تعجيل البشرى وتحقيق السراء: { رب اجعل لي آية } ~~أي علامة أعلم بها ذلك { قال آيتك ألا تكلم الناس } أي لا تقدر على أن ~~تكلمهم بكلام دنيوي { ثلاثة أيام }. # ولما كان الكلام يطلق على الفعل مجازا استثنى منه قوله: { إلا رمزا } ~~لتخلص هذه المدة للذكر شكرا على النعمة فاحمد ربك على ذلك. قال الحرالي: ~~والرمز تلطف في الإفهام بإشارة تحرك طرف كاليد واللحظ والشفتين ونحوها، ~~والغمز أشد منه باليد ونحوها - انتهى. فعدم الكلام مع صحة آلته دليل ~~إيجاد المتكلم مع ضعف آلته إلى حد لا يتكون عنها عادة، ولما كان الأتم في ~~القدرة أن يحبس عن كلام دون آخر قال: { واذكر ربك } أي بالحمد وهو أن ~~تثبت له الإحاطة بكل كمال { كثيرا } في الأيام التي منعت فيها من كلام ~~الناس خصوصا، وفي سائر أوقاتك عموما { وسبح } أي أوقع التسبيح لمطلق ~~الخليل ربك بأن تنفي عنه كل نقص { بالعشي } وقال الحرالي: من العشو وأصل ~~معناه: إيقاد نار على علم لمقصد هدى أو قرى ومأوى على حال وهن، فسمي به ~~عشي النهار لأنه وقت فعل ذلك، ويتأكد معناه في العشاء، ومنه سمي الطعام: ~~العشاء { والإبكار * } وأصله المبادرة لأول الشيء، ومنه التبكير وهو ~~السرعة، والباكورة وهو أول ما يبدو من الثمر، فالإبكار اقتطاف زهرة ~~النهار وهو أوله - انتهى. # ولما فرغ مما للكافل بعد ما نوه بأمر المكفولة بيانا لاستجابة الدعاء ~~من أمها لها أعاد الإشارة بذكرها والإعلام بعلي قدرها فقال عاطفا على ما ~~تقديره: هذا ما للكافل فاذكره لهم فإنهم لا يشكون معه في نبوتك: { و } ~~اذكر { إذ قالت الملائكة } وعبر بالجمع ms0709 والمراد جبريل وحده عليه الصلاة ~~والسلام كما في سورة مريم عليها السلام لتهيئها لخطاب كل منهم كما مضى { ~~يا مريم إن الله } أي الذي له الأمر كله { اصطفاك } أي اختارك في نفسك، ~~لا بالنظر إلى شيء آخر عما يشين بعض من هو في نفسه خيار { وطهرك } أي عن ~~كل دنس { واصطفاك } أي اصطفاء خاصا { على نساء العالمين * } فمن هذا ~~الاصطفاء والله سبحانه وتعالى أعلم كما قال الحرالي: أن خلصت من ~~الاصطفاء الأول العبراني إلى اصطفاء على عربي حتى أنكحت من محمد صلى الله ~~عليه وسلم النبي العربي؛ قال صلى الله عليه وسلم لخديجة رضي الله عنها: # " أما شعرت أن الله سبحانه وتعالى زوجني معك مريم بنت عمران " # - انتهى. # ولما أخبرها سبحانه وتعالى بما اختصها به أمرها بالشكر فقال: { يا مريم ~~اقنتي } أي أخلصي أفعالك للعبادة { لربك } الذي عودك الإحسان بأن رباك ~~هذه التربية. # ولما قدم الإخلاص الذي هو روح العبادة أتبعه أشرفها فقال: { واسجدي } ~~فإن أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد. قال الحرالي: وكان من اختصاص ~~هذا الاصطفاء العلي - أي الثاني - ما اختصها من الخطاب بالركوع الذي لحقت ~~به بهذه الأمة الراكعة التي أطلعها الله سبحانه وتعالى من سر عظمته التي ~~هي إزاره على ما لم يطلع عليه أحدا ممن سواها في قوله: { واركعي مع ~~الراكعين * } كما قال لبني إسرائيل عند الأمر بالملة المحمدية # واركعوا مع الراكعين # [البقرة:43] - إلى ما يقع من كمال ما بشرت به حيث يكلم الناس كهلا في ~~خاتمة اليوم المحمدي، ويكمل له الوجود الإنساني حيث يتزوج ويولد له - كما ~~ذكر، ولك كله فيما يشعر به ميم التمام في ابتداء الاسم وانتهائه، وفيما ~~بين التمامين من كريم التربية لها ما يشعر به الراء من تولي الحق لها في ~~تربيتها ورزقها، وما تشعر به الياء من كمالها الذي اختصت على عالمها - ~~انتهى. # والمراد باتباع قصتها لما مضى التنبيه على انخراطها في سلك ما مضى من ~~أمر آدم ويحيى إفصاحا، وإبراهيم في ابنية إلاحة في خرق العادة ms0710 فيهم، وأن ~~تخصيصها بالإنكار أو التعجب والتنازع مع الإقرار بأمرهم ليس من أفعال ~~العقلاء؛ والظاهر أن المراد بالسجود في هذا المقام ظاهره وبالركوع الصلاة ~~نفسها، فكأنه قيل: واسجدي مصلية ولتكن صلاتك مع المصلين أي في جماعة، ~~فإنك في عداد الرجال لما خصصت به من الكمال، ولم يقل: مع الراكعات، لأن ~~الاقتداء بالرجال أفضل وأشرف وأكمل، وإنما قلت هذا لأني تتبعت التوراة ~~فلم أره ذكر فيها الركوع في صلاة إبراهيم عليه السلام ولا من بعده من ~~الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ولا أتباعهم إلا في موضع واحد لا يحسن ~~جعله فيه على ظاهره، ورأيته ذكر الصلاة فيها على ثلاثة أنحاء: الأول ~~إطلاق لفظها من غير بيان كيفية، والثاني إطلاق لفظ السجود مجردا، ~~والثالث إطلاقه مقرونا بركوع أو جثو أو خرور على الوجه ونحو ذلك؛ ففي ~~السفر الأول منها في قصة إبراهيم عليه الصلاة والسلام حين ماتت زوجته ~~سارة رضي الله تعالى وسأل بني حاث أهل تلك الأرض أن يعطوه مكانا يدفنها ~~فيه فأجابوه: فقام إبراهيم فسجد لشعب الأرض بني حاث وكلمهم؛ وفيه في قصة ~~ربانية قال: وسجد على الأرض وقال: يا رب - فذكر دعاء ثم قال: وصلى ~~إبراهيم بين يدي الرب؛ وفيه في قصة عبد لإبراهيم عليه الصلاة والسلام أنه ~~ذهب إلى بلاد حران يخطب لإسحاق عليه السلام امرأة فظفر بقصده: فجثا الرجل ~~- أي عبد إبراهيم - على الأرض فسجد للرب وقال: تبارك الله رب سيدي ~~إبراهيم؛ وفيه لما أجابه أهل المرأة: فلما سمع غلام إبراهيم كلامهم سجد ~~على الأرض قدام المرأة، وفيه عند لقاء عيصو لآخيه يعقوب عليه الصلاة ~~والسلام: فدنت الأمان وأولادهما فسجدوا - أي لعيصوا، ودنت ليا وولدها ~~فسجدوا؛ فلما كان أخيرا دنت راحيل ويوسف فسجدوا؛ وفيه في قصة يوسف عليه ~~السلام: ودنا إخوته فخروا له سجدا وقالوا له: ها نحن لك عبيد؛ وفي السفر ~~الثاني عند قدوم موسى عليه الصلاة والسلام إلى بني إسرائيل وإخباره لهم ~~بإرسال الله سبحانه وتعالى له وإظهاره لهم الآيات: فآمن الشعب وسمعوا أن ~~الرب قد ms0711 ذكر بني إسرائيل وأبصر إلى خضوعهم, وجثا الشعب وسجدوا للرب؛ وفيه ~~في خروجهم من مصر: فركع الشعب كله ساجدا لله سبحانه وتعالى؛ وفيه: ~~فاستعجل موسى فخر على وجهه على الأرض ساجدا؛ وفيه في تلقي موسى عليه ~~السلام لختنه شعيب عليهما السلام إذ جاءه يهنئه بما أنعم الله عليه بعد ~~غرق فرعون: فخرج موسى يتلقى ختنه وسجد له وقبله وسأل كل منهما عن سلامة ~~صاحبه؛ وفيه: وقال الله سبحانه وتعالى لموسى عليه الصلاة والسلام عند ما ~~بشره بقتل الكنعانيين وغيرهم من سكان بلاد القدس: لا تسجدوا لآلهتهم ولا ~~تعبدوها ولا تفعلوا كأفعالهم - بل كبهم كبا على وجوههم وكسر أصنامهم - ~~واعبدوا الرب إلهكم، وفي أوائل السفر الثالث في ذكر ظهور مجد الرب لهم في ~~قبة الزمان التي كانوا يصلون إليها على حياة موسى عليه الصلاة والسلام: ~~وعاين ذلك جميع الشعب وحمدوا الله سبحانه وتعالى وخر الشعب كله على وجهه، ~~وفي الرابع عندما هم بنو إسرائيل بالرجوع إلى مصر تضجرا من حالهم: فخر ~~موسى وهارون عليهما السلام على وجوههما ساجدين بين يدي جماعة بني إسرائيل ~~كلها؛ وفيه: وكلم الرب موسى وهارون وقال لهما: تنحيا عن هذه الجماعة لأني ~~مهلكها، فخرا ساجدين على وجوههما؛ وفيه عندما تذمروا عليه من أجل العطش: ~~فجاء موسى وهارون من عند الجماعة إلى باب قبة الزمان فخرا على وجوههما ~~فظهر لهما مجد الرب - فذكر قصة ضرب الحجر بالعصا وانفجار الماء؛ وفيه في ~~قصة بلعام بن باعور حين رأى ملكا في طريقه فجثا على وجهه ساجدا. # وأما إطلاق لفظ الصلاة فقال في آخر لاسفر الثاني: وكان إذا خرج موسى ~~عليه الصلاة والسلام إلى قبة الزمان كان جميع الشعب يقفون ويستعد كل ~~امرىء منهم على باب خيمته، وينظرون إلى موسى عليه الصلاة والسلام من خلفه ~~حتى يدخل إلى القبة، وإذا دخل موسى القبة كان ينزل عمود السحاب فيقف على ~~باب القبة، ويكلم موسى وكان جميع الشعب ينظرون إلى عمود السحاب واقفا ~~على باب القبة وكان يقف جميع الشعب ويصلي كل امرىء ms0712 منهم على باب خيمته؛ ~~وفيه: وعمل سطلا من نحاس فنصبه عند منظر النسوة اللاتي يأتين فيصلين على ~~باب قبة الأمد. # وكل ما فيها من ذكر الصلاة فهكذا يطلق لفظه غير مقرون بما يرشد إلى ~~كيفية، فلا فائدة في سرده؛ وهذا القبة أمر الله سبحانه وتعالى موسى عليه ~~الصلاة والسلام باتخاذها مظهر المجد وأن يجعلها كهيئة الغمام الذي ظهر له ~~مجده تعالى فيه في جبل طور سيناء، وهي من غرائب الدهر في الارتفاع والسعة ~~والهيئة، ففيها من الخشب والبيوت والتوابيت والأعمدة والجواهر وصفائح ~~الذهب والفضة والنحاس والسرداقات والستور من الحرير والأرجوان والكتاب ~~والأطناب وغير ذلك مما يكل عنه الوصف، وكله بنص نم الله سبحانه وتعالى ~~على الطول والعرض والوزن والمحل بحيث إنه كان فيها من صفائح الذهب ~~ومساميره ونحوها تسعة وعشرون قنطارا وأربعمائة وثلاثون مثقالا بمثقال ~~القدس، ومن الفضة مائة قنطار وألف وسبعمائة وسبعون مثقالا، ومن النحاس ~~سبعون قنطارا وألفان وأربعمائة مثقال؛ وكانت هذه القبة تنصب في مكان من ~~الأرض وينزل بنو لاوي سبط موسى عليه الصلاة والسلام وهارون حولها ~~يخدمونها بين يدي هارون عليه الصلاة والسلام وبنيه، ومن دنا منها من ~~غيرهم احترق، وينزل أسباط بني إسرائيل حول بني لاوي، لكل سبط منزلة لا ~~يتعداها من شرقها وغربها وجنوبها وشمالها، كل ذلك بأمر من الله سبحانه ~~وتعالى لموسى عليه الصلاة والسلام؛ وكان السحاب يغشاها بالنهار، وكان ~~النار تضيء عليها بالليل وتزهر، فما دام السحاب مجللا لها فهم مقيمون، ~~فإذا ارتفع عنها كان إذنا في سفرهم. # فالذي فهمته من هذه الأماكن وغيرها أن الصلاة عندهم تطلق على الدعاء ~~وعلى فعل هو مجرد السجود، فإن ذكر معه ما يدل على وضع الوجه على الأرض ~~فذاك حينئذ يسمى صلاة، وإلا كان المراد به مطلق الانحناء للتعظيم، وذلك ~~موافق للغة، قال في القاموس: سجد: خضع؛ والخضوع التطأمن، وأما المكان ~~الذي فيه ذكر الركوع فالظاهر أن معناه: فصلى الشعب كله ساجدا لله سبحانه ~~وتعالى، لأن الركوع في اللغة يطلق على معان منها الصلاة، يقال: ركع ms0713 - أي ~~صلى، وركع - إذا انحنى كبوا، والراكع من يكبو على وجهه، ولا يصح حمل ~~الركوع على ظاهره، لأنه لا يمكن في حال السجود، وإن ارتكب فيه تأويل لم ~~يكن بأولى مما ذكرته في الركوع - والله سبحانه وتعالى أعلم، واحتججت ~~باللغة لأن مترجم النسخة التي وقعت لي في عداد البلغاء، يعرف ذلك من تأمل ~~مواقع ترجمته لها، على أني سألت عن صلاة اليهود الآن فأخبرت أنه ليس فيها ~~ركوع، ثم رأيت البغوي صرح في تفسير قوله سبحانه وتعالى: # واركعوا مع الراكعين # [البقرة: 43] بأن صلاتهم لا ركوع فيها، وكذا بان عطية وغيرهما. # ولما كان المقصود من ذكر هذه الآيات بيان الخوارق التي كانت لآل عمران ~~من زكريا ويحيى وعيسى وأمه عليهم الصلاة والسلام للمجادلة بالحق في أمر ~~عيسى عليه الصلاة والسلام، وبيان أن ما أشكل عليهم من أمره ليس خارجا عن ~~إشكال الخوارق في آله، وكان الرد على كل طائفة بما تعتقد أولى وجب ذكر ~~ذلك من الأناجيل الأربعة الموجودة الآن بين أظهر النصارى: ذكر قصة يحيى ~~عليه الصلاة والسلام في حمله وولادته ونبوته وما اتفق في ذلك من الخوارق ~~من الأناجيل, وقد مزجت بي ألفاظها فجعلتها شيئا واحدا على وجه ألم بعضه ~~بأول أمر المسيح عليه الصلاة والسلام؛ قال مترجمها في أول إنجيل لوقا: ~~كان في أيام هيرودس ملك اليهودية كاهن، أي حبر إمام، اسمه زكريا من خدمة ~~آل أبيا، وامرأته من بنات هارون واسمها اليصابات، وكانا كلاهما تقيين ~~قدام الله سائرين ي جميع وصاياه وحقوق الرب بغير عيب، ولم يكن لهما ولد ~~لأن اليصابات كانت عاقرا، وكانا كلاهما قد طعنا في أيامهما، فبينما هو ~~يكهن في أيام ترتيب خدمته أمام الله كعادة الكهنوت إذ بلغته نوبة وضع ~~البخور فجاء ليبخر، فدخل إلى هيكل الله وجميع الشعب يصلون خارجا في وقت ~~البخور، فتراءى له ملاك الرب قائما عن يمين مذبح البخور، فلما رآه زكريا ~~اضطرب ووقع عليه خوف فقال له الملاك: لا تخف يا زكريا! قد سمعت طلبتك، ~~وأمرأتك اليصابات تلد ms0714 ابنا، ويدعي اسمه يوحنا، ويكون لك فرح وتهلل، ~~وكثير يفرحون بمولده، يوكون عظيما قدام الرب، لا يشرب خمرا ولا سكرا، ~~ويمتلىء من روح القدس وهو في بطن أمه، ويعيد كثيرا من بني إسرائيل إلى ~~إلههم، وهو يتقدم أمامه بالروح وبقوة ألياء، ويقبل بقلوب الآباء على ~~الأبناء والعصاة إلى علم الأبرار، ويعد للرب شعبا مستقيما، فقال زكريا ~~للملاك: كيف أعلم هذا وأنا شيخ وامرأتي قد طعنت في أيامها؟ فأجاب الملاك ~~وقال: أنا جبريل الواقف قدام الله، أرسلت أكلمك بهذا وأبشرك، ومن الآن ~~تكون صامتا، لا تستطيع أن تتكلم إلى اليوم الذي يكون هذا. # وكان الشعب منتظرين زكريا متعجبين من إبطائه في الهيكل، فلما خرج لم ~~يقدر يكلمهم، فعلموا أنه قد رأى رؤيا في الهيكل، فكان يشير إليهم، وأقام ~~صامتا، فلما كملت أيام خدمته مضى إلى بيته، ومن بعد تلك الأيام حملت ~~اليصابات امرأته، وكتمت حملها خمسة أشهر قائلة: هذا ما صنع بي الرب في ~~الأيام التي نظر إلي فيها لينزع عني العار بين الناس، ولما كانت في ~~الشهر السادس أرسل جبريل عليه الصلاة والسلام الملاك من عند الله سبحانه ~~وتعالى إلى مدينة في الجليل تسمى ناصرة إلى عذراء خطيبة لرجل اسمه يوسف ~~من بيت داود، واسم العذراء مريم، فلما دخل إليها الملاك قال لها: افرحي ~~يا ممتلئة نعمة الرب معك! مباركة أنت في النساء، فلما رأته اضطربت من ~~كلامه وفكرت قائلة ما هذا السلام؟ فقال لها الملاك: لا تخافي يا مريم! ~~فقد ظفرت بنعمة من عند الله سبحانه وتعالى وأنت تقبلين حبلا وتلدين ~~ابنا، ويدعى اسمه يسوع، هذا يكون عظيما، وابن العذراء يدعى، ويعطيه ~~الرب الإله كرسي داود أبيه، ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد، ولا يكون ~~لملكه انقضاء، فقالت مريم للملاك: كيف يكون هذا ولا أعرف رجلا؟ فأجاب ~~الملاك وقال لها: روح القدس يحل عليك وقوة العلي تقبلك، فإنه ليس عند ~~الله سبحانه وتعالى أمر عسير، فقالت مريم: هانذا عبدة الرب فيكون في ~~كقولك، وانصرف عنها الملاك، فقامت مريم في ms0715 تلك الأيام ومضت مسرعة إلى عين ~~كرم إلى مدينة يهودا، ودخلت إلى بيت زكريا فسلمت على اليصابات، فلما سمعت ~~اليصابات صوت سلام مريم تحرك الطفل في بطنها، فامتلأت اليصابات من روح ~~القدس وصرخت بصوت عظيم وقالت: مباركة أنت في النساء! ومباركة ثمرة بطنك! ~~من أين لي هذا أن يأتي أمر ربي إلي، منذ وقع صوت سلامك في أذني تحرك ~~الطفل بتهليل في بطني، فطوبى للتي آمنت أن يتم لها ما قيل من الرب! فقالت ~~مريم: تعظم نفسي بالرب ويتهلل روحي بالله مخلصي لأنه نظر إلى تواضع ~~عبدته، وقدوس اسمه، ورحمته لخائفيه، صنع القوة بذراعه وفرق المستكبرين ~~بفكر قلوبهم، أنزل القادرين عن الكراسي ورفع المتواضعين، أشبع الجياع من ~~الخيرات، فأقامت مريم عليها السلام عندها نحوا من ثلاثة أشهر وعادت إلى ~~بيتها. # ولما تم زمان اليصابات لتلد ولدت ابنا، فسمع جيرانها وأقاربها أن الرب ~~قد أعظم رحمته معها، ففرحوا لها، فلما كانت في اليوم الثامن جاؤوا ~~ليختنوا الصبي ودعوه باسم أبيه زكريا فأجاب أمه قائلة: لا ولكن ادعوه ~~يوحنا، فقالوا لها: ليس أحد في جنسك يدعى بهذا الاسم، فأشاروا إلى أبيه: ~~ما تريد أن تسميه؟ فاستدعى لوحا وكتب قائلا: يوحنا، فتعجب جميعهم، ~~وانفتح فوه قائلا من ساعته ولسانه، وتكلم وبارك، ووقع خوف عظيم على جميع ~~جيرانهم، وتحدث بهذا الكلام في جميع تخوم يهودا، وفكر جميع السامعين في ~~قلوبهم قائلين: ماذا ترى يكون من هذا الصبي! ويد الرب كانت معه، فامتلأ ~~زكريا أبوه من روح القدس وبدأ قائلا: تبارك الرب إله إسرائيل الذي اطلع ~~وصنع نجاة لشعبه وأقام لنا قرن خلاص من بيت داود فتاه كالذي تكلم على ~~أفواه أنبيائه القديسين من الأبد، خلاص من أعدائنا ومن يدي كل مبغضا، ~~صنع رحمة مع آبائنا، وذكر عهدة القديس: القسم الذي عهد به لإبراهيم أبينا ~~ليعطينا الخلاص بلا خوف من يدي أعدائنا لنخدمه بالبر والعدل قدامه في كل ~~أيام حياتنا، وأنت ايها الصبي نبي العلاء تدعى، وتنطلق قدام وجه الرب ~~لتصلح طريقة ليعطي علم الخلاص ms0716 لشعبه لمغفرة الخطايا بتحنن ورحمة، إلهنا ~~الذي افتقدنا شرق من العلو ليضيء للجالس في الظلمة وظلال الموت لتستقيم ~~سبل أرجلنا للسلامة. # فأما الصبي فكان يشب ويتقوى بالروح وأقام في البرية إلى يوم ظهوره ~~لإسرائيل، وفي سنة خمس عشرة من ولاية طيباريوس قيصر وفيلاطوس النبطي على ~~اليهودية وهيرودس رئيس الجليل، وفيلفوس أخوه على ربع الصورية وكورة ~~أبطرحيون, وأوساسوس رئيس على ربع الإيليا، وحنان وقيافا رؤساء الكهنة، ~~حلت كلمة الله سبحانه وتعالى على يوحنا بن زكريا في البرية فجاء إلى كل ~~البلاد المحيطة بالأردن يكرز بمعمودية التوبة لمغفرة الخطايا - كا هو ~~مكتوب في سفر كلام أشعيا النبي - قائلا: صوت صارخ في البرية: أعدوا طريق ~~الرب فاصنعوا سبله مستقيمة، جميع الأودية تمتلىء وجميع الجبال والآكام ~~تتضع، ويصير الوعر سهلا والخشنة إلى طريق سهلة، ويعاين كل ذي جسد خلاص ~~الله سبحانه وتعالى؛ وفي إنجيل متى: وفي تلك الأيام جاء يوحنا المعمدان ~~يكرز في برية يهودا ويقول: توبوا فقد اقترب ملكوت السماوات - هذا هو الذي ~~في أشعيا النبي: إذ يقول صوت صارخ، وقال مرقس: مكتوب في أشعيا النبي: ~~هوذا أنا مرسل ملاكي أمام وجهك ليسهل طريقك قدامك، ثم استنعى صوت صارخ في ~~البرية: أعدوا طريق الرب وسهلوا سبله، وكان لباس يوحنا وبر الإبل، ~~ومنطقته جلدا على حقويه، وكان طعامه الجراد وعسل البر، حينئذ خرجوا ~~إليه من يروشليم، وكل اليهودية وجميع كور الأردن، وكان يعمدهم في نهر ~~الأردن معترفين بخطاياهم؛ وفي مرقس: كان يوحنا يعمد في القفر ويكرز ~~بمعمودية التوبة لغفران الخطايا، وكان يخرج إليه جميع كور يهودا وكل ~~يروشليم فيعمدهم في نهر الأردن معترفين بخطاياهم فقال للجمع الذين يأتون ~~إليه ويعتمدون منه: يا ثمرة الأفاعي! وفي متى: فلما رأى كثيرا من ~~الفريسيين والزنادقة يأتون إلى معموديته قال لهم: يا أولاد الأفاعي - ثم ~~اتفق هو ولوقا - من دلكم على الهرب من الغضب الآتي؟ اعملوا الآن ثمارا ~~تليق بالتوبة ولا تقولوا في نفوسكم: إن أبانا إبراهيم، أقول لكم: إن الله ~~سبحانه وتعالى قادر أن يقيم من هذه ms0717 الحجارة أولادا لإبراهيم ها هوذا ~~الفأس موضوع على أصول الشجر، وكل شجرة لا تثمر ثمرة طيبة تقطع وتلقى في ~~النار، فسأله الجموع، ماذا نصنع؟ أجاب وقال لهم: من له ثوبان فليعط من ~~ليس له، ومن له طعام فليصنع مثل ذلك، فأتى العشارون ليعتمدوا منه فقالوا: ~~ماذا نصنع يا معلم؟ فقال لهم: لا تفعلوا أكثر مما أمرتم به، وسأله أيضا ~~الجند قائلين: ماذان نصنع نحن أيضا؟ فقال لهم: لا تعيبوا أحدا ولا ~~تظلموا أحدا، واكتفوا بأرزاقكم. # وإن جميع الشعب فكروا في قلوبهم وظنوا أن يوحنا المسيح، أجابهم يوحنا ~~أجمعين وقال لهم: أما أنا فأعمدكم بالماء للتوبة، وسيأتي الذي هو أقوى من ~~الذي لا أستحق أن أحل سيور حذائه؛ وقال متى: لا أستحق أن أحمل حذاءه؛ ~~وقال مرقس: وكان يبشر قائلا: الذي يأتي بعدي أوقى مني، لست أهلا - أعني ~~لحل سيور حذائه، أنا أعمدكم بالماء وهو يعمدكم بروح القدس والنار، الذي ~~بيده المرفش، ينقي به الذرة، ويجمع القمح إلى أهرائه، ويحرق التبن بناء ~~لا تطفأ، ولا يخبز الشعب، ويبشرهم بأشياء كثيرة؛ وفي إنجيل يوحنا: كان ~~إنسان أرسل من الله، اسمه يوحنا، جاء للشهادة للنور الذي هو نور الحق ~~الذي يضيء لكل إنسان، الآتي إلى العالم، إلى خاصته، جاء وخاصته لم تقبله، ~~فأما الذين قبلوه فأعطاهم سلطانا، والكلمة صارت جسدا، وحل فينا، ورأينا ~~مجده مجدا مثل الوحيد الممتلىء نعمة، وحقا يوحنا شهد من أجله وصرخ ~~وقال: هذا الذي قلت إنه يأتي بعدي كان قبلي، لأنه أقدم مني، ومن امتلائه ~~نحن بأجمعنا أخذنا نعمة من أجل أن الناموس بموسى أعطى، والنعمة والحق ~~أوحيا بيسوع المسيح الذي لم يره أحد قط، الابن الوحيد. # هذه شهادة يوحنا إذا أرسل إليه اليهود من يروشليم كهنة ولاويين - أي ~~ناسا من أولاد لاوي - ليسألوه: من أنت، فاعترف وأقر أني لست المسيح، ~~فسألوه: فمن ألياء؟ فقال: لست أنا النبي، قال: كلا! فقالوا له: فمن أنت ~~لنرد الجواب إلى الذين أرسلونا، ماذا تقول عن نفسك؟ قال: أنا الصوت ~~الصارخ في البرية: ms0718 سهلوا طريق الرب - كما قال أشعيا النبي. فأما أولئك ~~الذين أرسلوا فكانوا من الفريسيين فقالوا: ما بالك تعمد إن كنت لست ~~المسيح ولا ألياء ولا النبي؟ أجابهم يوحنا: أنا أعمدكم بالماء، وفي وسطكم ~~قائم ذاك الذي ليستم تعرفونه، الذي يأتي بعدي وهو أقوى مني، وهو قبلى ~~كان، ذاك الذي لست مستحقا أن أحل سيور حذائه. هذا كان في بيت عنيا في ~~عبر الأردن حيث كان يوحنا يعمد. قال لوقا: فأما هيرودس رئيس الربع فكان ~~يوحنا يبكته من أجل هيروديا امرأة أخيه فيلفوس ولأجل الشر الذي كان ~~هيرودس يفعله، وزاد على ذلك أنه طرح يوحنا في السجن؛ وقال مرقس وقد ذكر ~~آيات أظهرها المسيح: وسمع هيرودس الملك وقال: إن يوحنا المعمدان قام من ~~الأموات، ومن أجل تلك القوات يعمل، وقال آخرون: إنه ألياء، وآخرون: إنه ~~نبي كواحد من الأنبياء، فلما سمع هيرودس قال: أنا قطعت رأس يوحنا؛ وفي ~~متى: وفي ذلك الزمان سمع هيرودس رئيس الربع خبر يسوع فقال لغلمانه: هذا ~~هو يوحنا المعمدان، وهو قام من الأموات، من أجل هذه القوات يعمل، وكان ~~هيرودس قد أمسك يوحنا وشده وجعله في السجن، وقال مرقس: وحبسه من أجل ~~هيروديا امرأة فيلفوس، لأنه كان قد تزوجها وقال له يوحنا: ما يحل لك أن ~~تأخذ امرأة أخيك، وكانت هيروديا حنقة عليه تريد قتله، ولم تقتله لأن ~~هيرودس كان يخاف من يوحنا، لأنه يعلم أنه رجل صديق قديس ويحفظه ويسمع منه ~~كثيرا بشهوة، وكان في يوم من الزمان وافى هيرودس مولود، فصنع وليمة ~~لعظمائه ورؤسائه ومقدمي الجليل، ودخلت ابنة هيروديا فرقصت، فوافق ذلك ~~هيرودس وجلساءه، فقال الملك للصبية: سلي ما أردت فأعطيك! وحلف لها أني ~~أعطيك ما سألت ولو كان نصف ملكي، فخرجت وقالت لأمها: أي شيء أسأله؟ ~~فقالت: رأس يوحنا المعمدان، فرجعت للوقت بسرعة إلى الملك وسألت رأس يوحنا ~~على طبق، فحزن الملك، ومن أجل اليمين والمنكبين لم ير منعها، فأنفذ ~~سيافا من ساعته وأمر أن يؤتى برأسه في طبق، فمضى وقطع رأسه في ms0719 الحبس ~~وجاء به في طبق وأعطاه للصبية، فأخذته الصبية ودفعته لأمها؛ وسمع تلاميذه ~~فجاؤوا ورفعوا جثته وجعلوها في قبر؛ قال متى: وجاء تلاميذه فأخذوا جسده ~~ودفنوه, وأتوا فأخبروا يسوع, فلما سمع يسوع مضى من هناك في سفينة إلى ~~البرية مفردا، فسمع الجمع فتبعوه ماشين من المدن، فلما خرج أبصر جمعا ~~كثيرا فتحنن عليهم وأبرأ اعلاءهم ومرضاهم انتهى. ### || [3.44-50] # ولما أتى نبينا صلى الله عليه وسلم بهذه الأخبار الغريبة المحررة ~~العجيبة التي لا يعرفها على وجهها إلا الحذاق من علماء بني إسرائيل كان ~~من حق سامعها أن يتنبه من غفلته ويستيقظ من رقدته، لأنها منبهة بنفسها ~~للمنصف الفطن على أن الآتي بها - والسامع خبير بأنه لم يخالط عالما قط - ~~صادقا لا مرية في صدقه في كل ما يدعيه عن الله سبحانه وتعالى، وكان من ~~حق من يتنبه أن يبادر إلى الإذعان فيصرح بالإيمان، فلما لم يفعلوا التفت ~~إلى تنبيه الغبي وتبكيت العتي فقال: { ذلك } أي الخطاب العلي المقام ~~الصادق المرام البديع النظام { من أنباء الغيب نوحيه } أي نجدد إيحاءه في ~~أمثاله { إليك } في كل حين, فما كنت لديهم في هذا الذي ذكرناه لك يوما ~~على هذا التحرير مع الإعجاز في البلاغة, ويجوز أن تكون الجملة حالا ~~تقديرها: { و } الحال أنك { ما كنت } ولما كان هذا مع كونه من أبطن السر ~~هو من أخفى العلم عبر فيه بلدي لما هو في أعلى رتب الغرابة كما تقدم في ~~قوله: { هو من عند الله } وكررها زيادة في تعظيمه وتنبيها على أنه مما ~~يستغرب جدا حتى عند أهل الاصطفاء فقال: { لديهم } قال الحرالي: لدى هي ~~عند حاضرة لرفعة ذلك الشيء الذي ينبأ به عنه - انتهى. { إذ يلقون } لأجل ~~القرعة - { أقلامهم } قال الحرالي: جمع قلم، وهو مظهر الآثار المنبئة عما ~~وراءها من الاعتبار - انتهى { أيهم } أي يستهمون أيهم { يكفل مريم } أي ~~يحضنها ويربيها تنافسا في أمرها لما شرفها الله تعالى به { وما كنت ~~لديهم إذ } أي حين { يختصمون * } أي في ذلك حتى نقص مثل هذه الأخبار ms0720 على ~~هذا الوجه السديد - يعني أنه لا وجه لك إلى علم ذلك إلا بالكون معهم إذ ~~ذاك، أو أخذ ذلك عن أهل الكتاب، أو بوحي منا؛ ومن الواضح الجلي أن بعد ~~نسبتك إلى التعلم من البشر كبعد نسبتك إلى الحضور بينهم في ذلك الوقت، ~~لشهرتك بالنشأة أميا مباعدا للعلم والعلماء حتى ما يتفاخر به قومك من ~~السجع ومعاناة الصوغ لفنون الكلام على الوجوه الفائقة، فانحصر إخبارك ~~بذلك في الوحي منا، وجعل هذا التنبيه في نحو وسط هذا القصص ليكون السامع ~~على ذكر مما مضى ويلقي السمع وهو شهيد لما بقي، وجعله بعد الافتتاح بقصة ~~مريم عليها السلام تنبيها على عظم شأنها وأنها المقصودة بالذات للرد على ~~وفد نصارى نجران، وكأنه أتبع التنبيه ما كان في أول القصة من اقتراعهم ~~بالأقلام واختصامهم في كفالتها لخفائه إلا على خواص أهل الكتاب، هذا مع ~~ما في مناسبة الأقلام للبشارة بمن يعلمه الكتاب، واستمر في إكمال المقال ~~على ذلك الأسلوب الحكيم حتى تمت الحجة واستقامت المحجة فقال تعالى مبدلا ~~من إذ الأولى إيذانا بأن ما بينهما اعتراض لما نبه عليه من شريف ~~الأغراض: { إذ قالت الملائكة يا مريم } ولما كانت هذه السورة سورة ~~التوحيد المقتضي للتفرد بالعظمة عبر بما صدرت به من اسم الذات الجامع ~~لجميع الصفات فقال: { إن الله } أي الملك الأعظم الذي لا كفوء له، فلا ~~راد لأمره { يبشرك } وكرر هذا الاسم الشريف في هذا المقام زيادة في إيضاح ~~هذا المرام بخلاف ما يأتي في سورة مريم عليها السلام، وقوله: { بكلمة } ~~أي مبتدئة { منه } من غير واسطة أب هو من تسمية المسبب باسم السبب، ~~والتعبير بها أوفق لمقصود السورة وأنفى لما يدعيه المجادلون في أمره، ثم ~~بين أنه ليس المراد بالكلمة حقيقتها، بل ما يكون عنها ويكون فعالا بها ~~فقال مذكرا للضمير: { اسمه } أي الذي يتميز به عمن سواه مجموع ثلاثة ~~أشياء: { المسيح } أصل هذا الوصف أنه كان في شريعتهم: من مسحه الإمام ~~بدهن القدس كان طاهرا متأهلا للملك والعلم والمزايا الفاضلة ms0721 مباركا، ~~فدل سبحانه وتعالى على أن عيسى عليه الصلاة والسلام ملازم للبركة الناشئة ~~عن المسح وإن لم يمسح؛ وأما وصف الدجال بذلك فإما أن يكون لما كان ~~هلاكه على يد عيسى عليه الصلاة والسلام وصف بوصفه - من باب التسمية ~~بالضد، وإما أن يكون إشارة إلى أنه ملازم للنجاسة فهو بحيث لا ينفك - ولو ~~مسح - عن الاحتياج إلى التطهير بالمسح من الدهن الذي يمسح به المذنبون ~~ومن كان به برص ونحوه فيبرأ - والله سبحانه وتعالى أعلم. # ولما وصفه بهذا الوصف الشريف ذكر اسمه فقال { عيسى } وبين أنه يكون منها ~~وحدها من غير ذكر بقوله موضع ابنك: { ابن مريم } وذلك أنفى لما ضل به من ~~ضل في أمره، وأوضح في تقرير مقصود السورة وفي تفخيم هذا الذكر بجعله نفس ~~الكلمة وبإبهامه أولا ثم تفسيره، وقوله: { اسمه } تعظيم لقدره وبيان ~~لفضله على يحيى عليهما السلام حيث لم يجعل له في البشارة به مثل هذا ~~الذكر، ثم أتم لها البشارة بأوصاف جعلها أحوالا دالة على أنه يظهر ~~اتصافه بها حال الولادة تحقيقا لظهور أثر الكلمة عليه فقال: { وجيها } ~~قال الحرالي: صيغة مبالغة مما منه الوجاهة، وأصل معناه الوجه وهو الملاحظ ~~المحترم بعلو ظاهر فيه - انتهى. { في الدنيا } ولما كان ذلك قد لا يلازم ~~الوجاهة بعد الموت قال: { والآخرة } ولما كانت الوجاهة ثم مختلفة ذكر ~~أعلاها عاطفا بالواو إشارة إلى تمكنه في الصفات فقال: { ومن المقربين * ~~} أي عند الله. # ولما كان ذلك قد لا يقتضي خرق العادات قال: { ويكلم الناس } أي من كلمه ~~من جميع هذا النوع، بأي لسان كان كلمه، حال كونه { في المهد } قال ~~الحرالي: هو موطن الهدوء والسكون للمتحسس اللطيف الذي يكون بذلك السكون ~~والهدو قوامه - انتهى. # وبشرها بطول حياتها بقوله: { وكهلا } أي بعد نزوله من السماء في خاتمة ~~اليوم المحمدي، ويكون كلامه في الحالتين كلام الأنبياء من غير تفاوت. # قال الحرالي: والكهولة سن من أسنان أرابيع الإنسان، وتحقيق حده أنه ~~الربع الثالث الموتر لشفع متقدم سنيه من الصبا والشباب فهو خير ms0722 عمره، ~~يكون فيمن عمره ألف شهر - بضع وثمانون سنة - من حد نيف وأربعين إلى بضع ~~وستين، إذا قسم الأرباع لكل ربع إحدى وعشرون سنة صبا، وإحدى وعشرون ~~شبابا، وإحدى وعشرون كهولة، وإحدى وعشرون شيوخة، فذلك بضع وثمانون سنة - ~~انتهى. وهذا تحقيق ما اختلف من كلام أهل اللغة، وقريب منه قول الإمام أبي ~~منصور عبد الملك بن أحمد الثعالبي في الباب الرابع عشر من كتابه فقه ~~اللغة: ثم ما ادم بين الثلاثين والأربعين فهو شاب، ثم كهل إلى أن يستوفي ~~الستين؛ ويقال: شاب الرجل، ثم شمط، ثم شاخ، ثم كبر - انتهى. والكهل - قال ~~أهل اللغة - مأخوذ من: اكتهل النبات - إذا تم طوله قبل أن يهيج، وكلام ~~الفقهاء لا يخالفه، فإن مبناه العرف، فالنص على كهولته إشارة لأمه بأنه ~~ممنوع من أعدائه إذا قصدوه، وتنبيه على أن دعواهم لصلبه كاذبة. # ولما كانت رتبة الصلاح في غاية العظمة قال مشيرا إلى علو مقدارها: { ~~ومن الصالحين * } ومعلما بأنها محيطة بأمره، شاملة لآخر عمره، كما كانت ~~مقارنة لأوله، وكأنها لما سمعت ذلك امتلأت تعجبا فاستخفها ذلك إلى ~~الاستعجال بالسؤال قبل إكمال المقال بأن { قالت رب } أيها المحسن إلى { ~~أنى } أي من أين وكيف { يكون لي } ولما كان استبعادها لمطلق الحبل، لا ~~بقيد كونه ذكرا كما في قصة زكريا عليه السلام قالت { ولد } وقالت: { ولم ~~يمسسني بشر } لفهمها ذلك من نسبته إليها فقط. قال الحرالي: والبشر هو اسم ~~المشهود من الآدمي في جملته بمنزلة الوجه في أعلى قامته، من معنى البشرة، ~~وهو ظاهر لاجلد انتهى (ولعل هذا الكلام خطر لها ولم تلفظ به فعلم الملك ~~عليه السلام أنه شغل فكرها فأجابها عنه لتفريغ الفهم بأن { قال كذلك } أي ~~مثل هذا الفعل العظيم الشأن العالم الرتبة يكون ما بشرتك به) ولما كان ~~استبعادها لمطلق التكوين من غير سبب أصلا عبر في تعليل ذلك بالخلق فقال: ~~{ الله } أي الملك الأعظم الذي لا اعتراض عليه { يخلق } أي يقدر ويصنع ~~ويخترع { ما يشاء } فعبر بالخلق إشارة إلى أن العجب فيه ms0723 لا في مطلق الفعل ~~كما في يحيى عليه السلام من جعل الشيخ كالشاب، ثم علل ذلك بما بين سهولته ~~فقال: { اذا قضى أمرا } أي جل أو قل { فإنما يقول له كن فيكون * } ~~بيانا للكلمة، فلما أجابها عما شغل قلبها من العجب فتفرغ الفهم أخذ في ~~إكمال المقال بقوله عطفا علي { ويكلم الناس } بالياء كما قبله في قراءة ~~نافع وعاصم، وبالنون في قراءة الباقين نظرا إلى العظمة إظهارا لعظمة ~~العلم: { ويعلمه } أو يكون مستأنفا فيعطف على ما تقديره: فنخلقه كذلك ~~ونعلمه { الكتاب } أي الكتابة أو جنس الكتاب فيشمل ذلك معرفة الكتاب ~~وحفظه وفهمه وغير ذلك من أمره { والحكمة } أي العلوم الإلهية لتفيده ~~تهذيب الأخلاق فيفيض عليه قول الحق وفعله على أحكم الوجوه بحيث لا يقدر ~~أحد على نقض شيء مما يبرمه. # ولما وصفه بالعلوم النظرية والعملية فصار متأهلا لأسرار الكتب الإلهية ~~قال: { والتوراة } أي التي تعرفينها { والإنجيل * } بإنزاله عليه تاليا ~~لهما، وتأخيره في الذكر الشرط فيقتضي اتصاف كل مقضي بهذه الأوصاف كلها. # ولما ذكر الكتاب المنزل عليه حسن ذكر الرسالة فقال بعد ما أفاد عظمتها ~~بجعله ما مضى مقدمات لها: { ورسولا } عطفا على " تاليا " المقدر، أو ~~ينصب بتقدير: يجعله { إلى بني إسراءيل } أي بالإنجيل. ولما كان ذكر ~~الرسالة موجبا لتوقع الآية دلالة على صحتها، وكان من شأن الرسول مخاطبة ~~المرسل إليهم وإقباله بجميع رسالته عليهم اتبعه ببيان الرسالة مقرونا ~~بحرف التوقع فقال: { أني } أي ذاكرا أني { قد جئتكم بآية من ربكم } أي ~~الذي طال إحسانه إليكم، ثم أبدل من " آية " { إني أخلق لكم } أي لأجل ~~تربيتكم بصنائع الله { من الطين } قال الحرالي: هو متخمر الماء والتراب ~~حيث يصير متهيئا لقبول وقع الصورة فيه { كهيئة } وهي كيفية وضع أعضاء ~~الصورة بعضها من بعض التي يدركها ظاهر الحس - انتهى وهي الصورة المتهيئة ~~لما يراد منها { الطير } ثم ذكر احتياجه في إحيائه إلى معالجة بقوله ~~معقبا للتصوير: { فأنفخ } قال الحرالي: من النفخ، وهو إرسال الهواء من ~~منبعثه بقوة انتهى. { فيه } أي في ذلك الذي ms0724 هو مثل الهيئة { فيكون طيرا ~~} أي طائرا بالفعل - كما في قراءة نافع، وذكر المعالجة لئلا يتوهم أنه ~~خالق حقيقة، ثم أكد ذلك إزالة لجميع الشبه بقوله: { بإذن الله } أي ~~بتمكين الملك الأعظم الذي له جميع صفات الكمال، له روح كامل لحمله في ~~الهواء تذكيرا بخلق آدم عليه السلام من تراب، وإشارة إلى أن هذا أعجب من ~~خلق آدمي من أنثى فقط فلا تهلكوا في ذلك. # ولما ذكر ما يشبه أمر آدم عليه السلام أتبعه علاج أجساد أولاده بما ~~يردها إلى معتادها بما يعجز أهل زمانه، وكان الغلب عليهم الطب وبدأ ~~بأجزائها فقال: { وأبرىء } قال الحرالي: من الإبراء وهو تمام التخلص من ~~الداء، والداء ما يوهن القوى ويغير الأفعال العامة للطبع والاختيار - ~~انتهى. # { الأكمه والأبرص } بإيجاد ما فقد منها من الروح المعنوي؛ والكمه - قال ~~الحرالي - ذهاب البصر في أصل معناه: تلمع الشيء بلمع خلاف ما هو عليه، ~~ومنه براص الأرض - لبقع لا نبت فيها، ومنه البريص في معنى البصيص، فما ~~تلمع من الجلد على غير حاله فهو لذلك برص وقال الحرالي: البرص عبارة عن ~~سور مزاج يحصل بسببه تكرج، أي فساد بلغم يضعف القوة المغيرة عن إحالته ~~إلى لون الجسد - انتهى. # ولما فرغ من رد الأرواح إلى جزاء الجسم أتبعه رد الروح الكامل في جميعه ~~المحقق لأمر البعث المصور له بإخراجه من عالم الغيب إلى عالم الشهادة في ~~بعض الآدميين فقال: { وأحي الموتى } أي برد أرواحهم إلى أشباحهم، بعضهم ~~بالفعل وبعضهم بالقوة، لأن الذي أقدرني على البعض قادر على ذلك في الكل، ~~وقد أعطاني قوة ذلك، وهذا كما نقل القضاعي أن الحسن قال: # " أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر أنه طرح بنية له في وادي ~~كذا، فمضى معه إلى الوادي وناداها باسمها: يا فلانة! أجيبي بإذن الله ~~سبحانه وتعالى! فخرجت وهي تقول: لبيك وسعديك! فقال لها: إن أبويك قد ~~أسلما فإن أحببت أردك إليهما، فقالت: لا حاجة لي بهما، وجدت الله خيرا ~~لي منهما " # وقد تقدم في البقرة ms0725 عند # أرني كيف تحيي الموتى # [البقرة: 260] ما ينفع هنا، وقصة قتادة ابن دعامة في رده صلى الله عليه ~~وسلم عينه بعد أن أصابها سهم فسالت على خده، فصارت أحسن من أختها شهيرة، ~~وقصة أويس القرني رحمه الله تعالى في إبراه الله سبحانه وتعالى له من ~~البرص ببره لأمه كذلك. # ولما كان ذلك من أمر الإحياء الذي هو من خواص الإلهية وأبطن آيات ~~الملكوتيه ربما أورث لبسا في أمر الإله تبرأ منه ورده إلى من هو له، ~~مزيلا للبس وموضحا للأمر فقال مكررا لما قدمه في مثله معبرا بما يدل ~~على عظمه: { بإذن الله } أي بعلمه وتمكينه، ثم أتبعه ما هو من جنسه في ~~الإخراج من عالم الغيب إلى عالم الشهادة فقال: { وأنبئكم } أي من الأخبار ~~الجليلة من عالم الغيب { بما تأكلون } أي مما لم أشاهده، بل تقطعون بأني ~~كنت غائبا عنه { وما تدخرون } ولما كان مسكن الإنسان أعز البيوت عنده ~~وأخفى لما يريد أن يخفيه قال: { في بيوتكم } قال الحرالي: من الادخار: ~~افتعال من الدخرة، قلب حرفاه الدال لتوسط الدال بين تطرفهما في متقابلي ~~حالهما؛ والدخرة ما اعتنى بالتمسك به عدة لما شأنه أن يحتاج إليه فيه، ~~فما كان لصلاح خاصة الماسك فهو ادخار، وما كانت لتكسب فيما يكون من ~~القوام فهو احتكار - انتهى. # ولما ذكرهذه الخوارق نبه على أمرها بقوله: { إن في ذلك } أي الأمر ~~العظيم { لآية لكم } أي أيها المشاهدون على أني عبد الله ومصطفاه، فلا ~~تهلكوا في تكويني من أنثى فقط فتطروني، فإني لم أعمل شيئا منها إلا ~~ناسبا له إلى الله سبحانه وتعالى وصانعا فيه ما يؤذن بالحاجة المنافية ~~للإلهية ولو بالدعاء، وأفرد كاف الخطاب أولا لكون ما عده ظاهرا لكل أحد ~~على انفراده أنه آية لجميع المرسل إليهم، وكذا جمع ثانيا قطعا لتعنت من ~~قد يقول: إنها لا تدل إلا باجتماع أنظار جميعهم - لو جمع الأول، وإنها ~~ليست آية لكلهم بل لواحد منهم - لو وحد في الثاني، ولما كانت الآيات لا ~~تنفع مع المعاندات قال: ms0726 { إن كنتم مؤمنين * } أي مذعنين بأن الله سبحانه ~~وتعالى قادر على ما يريد، وأهلا لتصديق ما ينبغي التصديق به. # ولما كان ترجمة { إني قد جئتكم } آتيا إليكم بآية كذا، مصدقا بها لما ~~أتيت به، عطف على الحال المقدر منه تأكيدا لأنه عبد الله قوله: { ~~ومصدقا لما بين يدي } أي كان قبل إتياني إليكم { من التوراة } أي ~~المنزلة على أخي موسى عليه الصلاة والسلام، لأن القبلية تقتضي العدم الذي ~~هو صفة المخلوق؛ أو يعطف على { بآية } إذا جعلنا الباء للحال، لا ~~للتعدية، أي وجئتكم مصحوبا بآية ومصدقا. # ولما ذكر التوراة أتبعها ما يدل على أنه ليس كمن بينه وبين موسى من ~~الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في إقرارها كلها على ما هي عليه وتحديد ~~أمرها على ما كان زمن موسى عليه الصلاة والسلام, بل هو مع تصديقها ينسخ ~~بعضها فقال: { ولأحل } أي صدقتها لأحثكم على العمل بها ولأحل { لكم بعض ~~الذي حرم عليكم } أي فيها تخفيفا عليكم { وجئتكم } اية ليس مكررا ~~لتأكيد: { أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين } على ما ~~توهم، بل المعنى - والله سبحانه وتعالى أعلم - أن عيسى عليه الصلاة ~~والسلام لما أتاهم بهذه الخوارف التي من جملتها إحياء الموتى، وكان من ~~المقرر عندهم - كما ورد في الأحاديث الصحيحة - التحذير من الدجال، وكان ~~من المعلوم من حاله أنه يأتي بخوارق، منها إحياء ميت ويدعى الإلهية، كان ~~من الجائز أن يكون ذلك سببا لشبهة تعرض لبعض الناس، فختم هذا الدليل على ~~رسالته بما هو البرهان الأعظم على عبوديته، وذلك مطابقته لما دعا إليه ~~الأنبياء والمرسلون كلهم من إخلاص العبادة لله سبحانه وتعالى فقال: ~~وجئتكم { بآية } أي عظيمة خارقة للعادة { من } عند { ربكم } أي المحسن ~~إليكم بعد التفرد بخلقكم، وهي أجل الأمارات وأدلها على صدقي في رسالتي، ~~هو عدم تهمتي بوقوع شبهة في عبوديتي. # ولما تقرر بذكر الآية مرة بعد مرة مع ما أفادته من تأسيس التفصيل لأنواع ~~الآيات تأكيد رسالته تلطيفا لطباعهم الكثيفة، فينقطع منها ما كانت ms0727 ألفته ~~في الأزمان المتطاولة من العوائد الباطلة سبب عن ذلك ما يصرح بعبوديته ~~أيضا فقال مبادرا للإشارة إلى أن الأدب مع المحسن آكد والخوف منه أحق ~~وأوجب لئلا يقطع إحسانه ويبدل امتنانه { فاتقوا الله } أي الذي له الأمر ~~كله { وأطيعون * } أي في قبولها فإن التقوى مستلزمة لطاعة الرسول. ### || [3.51-58] # ولما كان كأنه قيل: ما تلك الآية التي سميتها " آية " بعد ما جئت به من ~~الأشياء الباهرة قال: { إن الله } الجامع لصفات الكمال { ربي وربكم } أي ~~خالقنا ومربينا، أنا وأنتم في ذلك شرع واحد، وقراءة من فتح { إن } أظهر ~~في المراد { فاعبدوه هذا } أي الذي دعوتكم إليه { صراط مستقيم * } أنا ~~وأنتم فيه سواء، لا أدعوكم إلى شيء إلا كنت أول فاعل له، ولا أدعي أني ~~إله ولا أدعو إلى عبادة غير الله تعالى كما يدعي الدجال ويغره من الكذبة ~~الذين تظهر الخوارق على أيديهم امتحانا من الله سبحانه وتعالى لعباده ~~فيجعلونها سببا للعلو في الأرض والترفع على الناس، وجاء بالتحذير منهم ~~وتزييف أحوالهم الأنبياء، وإلى هذا يرشد قول عيسى عليه السلام فيما سيأتي ~~عن إنجيل يوحنا أن من يتكلم من عنده إنما يطلب المجد لنفسه، فأما الذي ~~يطلب مجد الذي أرسله فهو صادق وليس فيه ظلم؛ وإلى مثل ذلك أرشدت التوراة ~~فإنه جعل العلامة على صدق الصادق وكذب الكاذب الدعوة، فمن كانت دعوته إلى ~~الله سبحانه وتعالى وجب تصديقه، من كذبه هلك، ومن دعا إلى غيره وجب ~~تكذيبه، ومن صدقه هلك؛ قال في السفر الخامس منها: وإذا دخلتم الأرض التي ~~يعطيكم الله ربكم فلا تعملوا مثل أعمال تلك الشعوب، ولا يوجد فيكم من ~~يقبر ابنه أو ابنته في النار نذرا للأصنام، ولا من يطلب تعليم العرافين، ~~ولا من يأخذ بالعين، ولا يوجد فيكم من يتطير طيرة، ولا ساحر، ولا من يرقى ~~رقية، ولا من ينطلق إلى العرافين والقافة فيطلب إليهم ويسألهم عن الموتى، ~~لأن كل من يعمل هذه الأعمال هو نجس بين يدي الله ربكم، ومن أجل هذه ~~النجاسة يهلك الله ms0728 هذه الشعوب من بين أيديكم؛ ولكن كونوا متواضعين مخبتين ~~أما الله ربكم، لأن هذه الشعوب التي ترثونها كانت تطيع العرافين ~~والمنجمين، فأما أنتم فليس هكذا يعطيكم الله ربكم، بل يقيم لكم نبيا من ~~إخوتكم مثلي، فأطيعوا ذلك النبي كما أطعتم الله ربكم في حوريب يوم ~~الجماعة وقلتم: لا نسمع صوت الله ربنا ولا نعاين هذه النار العظيمة لئلا ~~نموت، فقال الرب: ما أحسن ما تكلموا! سأقيم لهم نبيا من إخوتهم مثلك ~~وأجري قولي فيه ويقول لهم ما آمره به، والرجل الذي لا يقبل قول النبي ~~الذي يتكلم باسمي أنا أنتقم منه، فأما النبي الذي يتكلم ويتجرأ باسمي ~~ويقول ما لم آمره أن يقوله ويتكلم بأسماء الآلهة الأخرى ليقتل ذلك النبي، ~~وإن قلتم في قلوبكم: كيف لنا أن نعرف القول الذي لم يقله الرب، إذا تكلم ~~ذلك النبي باسم الرب فلم يكمل قوله: ولم يتم فلذلك القول لم يقله الرب ~~ولكن تكلم ذلك النبي جراءة وصفاقة وجه، فلا تخافوه ولا تفزعوا منه؛ وقال ~~قبل ذلك بقليل: وإذا أهلك الله الشعوب التي تنطلقون إليها وأبادهم م نبين ~~أيديكم وورثتموهم وسكنتم أرضهم، احفظوا، لا تتبعوا آلهتهم من بعد ما ~~يهلكهم الله من بين أيديكم، ولا تسألوا عن آلهتهم ولا تقولوا: كيف كانت ~~هذه الشعوب تعبد آلهتها حتى نفعل نحن مثل فعلها؟ ولا تفعلوا مثل فعالها ~~أمام الله ربكم، لأنهم عملوا بكل ما أبغض الله وأحرقوا بنيهم وبناتهم ~~لآلهتهم، ولكن القول الذي آمركم به إياه احفظوا وبه اعملوا! لا تزيدوا ~~ولا تنقصوا منه شيئا فإن قام بينكم نبي أو من يفسر أحلاما وعمل آية أو ~~عجيبة ويقول: اقبلوا بنا نعبد الآلهة الأخرى التي لا تعرفونها ونتبعها - ~~لا يقبل قول ذلك النبي وصاحب الأحلام، لأنه إنما يريد، أن يجربكم ليعلم ~~هل تحبون الله ربكم، احفظوا وصاياه واتقوا واسمعوا قوله واعبدوه والحقوا ~~به، فأما ذلك النبي وذلك الذي تحلم الأحلام فليقتل، لأنه نطق بإثم أمام ~~الله ربكم الذي أخرجكم من أرض مصر وخلصكم من العبودية, فأراد ms0729 أن يضلكم عن ~~الطريق الذي أمركم الله ربكم أن تسيروا فيه، واستأصلوا الشر من بينكم، ~~وإن شوقك أخوك ابن أمك وأبيك أو ابنتك أو حليلتك أو صديقك ويقول لك: هلم ~~بنا نتبع الآلهة الأخرى التي لم تعرفها أنت ولا آباؤك من آلهة الشعوب ~~التي حولكم - القريبة منكم والبعيدة - ومن أقطار الأرض إلى أقصاها - لا ~~تقبل قوله ولا تطعه ولا تشفق عليه ولا ترحمه ولا تلتم عليه ولا تتعطف ~~عليه، ولكن اقتله قتلا، وابدأ به أنت قتلا، ثم يبدأ به جميع الشعوب، ~~وارجموه بالحجارة وليمت، لأنه أراد أن يضلك عن عبادة الله ربك الذي أخرجك ~~من أرض مصر وخلصك من العبودية، ويسمع بذلك جميع بني إسرائيل، ويفزعون فلا ~~يعودوا أن يعملوا مثل هذا العمل السوء بينكم، وإذا سمعتم أن في قرية من ~~القرى التي أعطاكم الله قوما قد ارتكبوا خطيئة وأضلوا أهل قريتهم وقالوا ~~لهم: ننطلق فنعبد آلهة أخرى لم تعرفوها، ابحثوا نعما وسلوا حسنا، إن ~~كان القول الذي بلغكم يقينا وفعلت هذه النجاسة في تلك القرية اقتلوا أهل ~~تلك القرية بالسيف، واقتلوا كل من فيها من النساء والصبيان والبهائم ~~بالسيف، واجمعوا جميع نهبها خارج القرية وأحرقوا القرية بالنار وأحرقوا ~~كل نهبها أما الله ربكم، وتصير القرية تلا خرابا إلى الأبد ولا تبنى ~~أيضا، ولا يلصق بأيديكم من خرابها شيء ليصرف الرب غضبه عنكم ويعطف عليكم ~~ويفيض رحمته عليكم ويجيبكم ويرحمكم ويكثركم كما قال لآبائكم؛ هذا إن أنتم ~~سمعتم قول الله ربكم، وحفظتم وصاياه التي أمرتكم بها اليوم، وعملتم ~~الحسنات أمام الله ربكم، فإذا فعلتم هذا صرتم لله ربكم، لا تأثموا ولا ~~تصيروا شبه الوحش ولا تخدشوا وجوهكم وبين أعينكم على الميت، لأنكم شعب ~~طاهر لله ربكم، وإياكم اختار الله ربكم أن تكونوا له شعبا حبيبا أفضل ~~من جميع شعوب الأمم - انتهى. # فقد تبين من هذا كله أن عيسى عليه الصلاة والسلام مصدق للتوراة في ~~الدعاء إلى توحيد الله سبحانه وتعالى وأن الآية الكبرى على صدق النبي ~~الحق اختصاصه الله تعالى ms0730 بالدعوة وتسويته بين نفسه وجميع من يدعوه في ~~الإقبال عليه والتعبد له والتخشع لديه، وأن الآية على كذب الكاذب دعاؤه ~~إلى غير الله؛ وفي ذلك وأمثاله مما سيأتي عن الإنجيل في سورة النساء ~~تحذير من الدجال وأمثاله، فثبت أن المراد بالآية في هذه الآية ما قدمته ~~من الإخبار بأن الله سبحانه وتعالى رب الكل والأمر بعبادته، وهذا كما ~~يأتي من أمر الله سبحانه وتعالى لنبينا صلى الله عليه وسلم في قوله ~~تعالى: # قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم # [آل عمران: 64] إلى قوله: # ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله # [آل عمران: 64]. # ولما ختم سبحانه وتعالى هذه البشارة بالآية القاطعة القويمة الجامعة، ~~وكان قوله: في أول السورة { يصوركم في الأرحام كيف يشاء } وقوله هنا { ~~يخلق ما يشاء } مغنيا عن ذكر حملها، طواه وأرشد السياق حتما إلى أن ~~التقدير: فصدق الله فيما قال لها، فحملت به من غير ذكر فولدته - على ما ~~قال سبحانه وتعالى - وجيها وكلم الناس في المهد وبعده، وعلمه الكتاب ~~والحكمة وأرسله إلى بني إسرائيل، فأتم لهم الدلائل ونفى الشبه على ما ~~أمره به الذي أرسله سبحانه وتعالى وعلموا أنه ناسخ لا مقرر، فتابعه قوم ~~وخالفه آخرون فغطوا جميع الآيات وأعرضوا عن الهدى والبينات، ونصبوا له ~~الأشراك والحبائل وبغوه الدواهي والغوائل، فضلوا على علم وظهر منهم الكفر ~~البين واعوجوا عن الصراط المستقيم عطف عليه قوله مسليا لهذا النبي ~~الكريم صلى الله عليه وسلم: { فلما أحس } قال الحرالي: من الإحساس وهو ~~منال الأمر بادرا إلى العلم والشعور الوجداني - انتهى { عيسى منهم الكفر ~~} أي علمه علم من شاهد الشيء بالحس ورأى مكرهم على ذلك يتزايد وعنادهم ~~يتكاثر بعد أن علم كفرهم علما لا مرية فيه، فاستغاث بالأنصار وعلم أن ~~منجنون الحرب قد دار، فعزم على إلحاقهم دار البوار { قال من أنصاري }. # ولما كان المقصود ثبات الأنصار معه إلى أن يتم أمره عبر عن ذلك بصلة دلت ~~على تضمين هذه الكلمة كلمة توافق الصلة فقال: { إلى } أي ms0731 سائرين أو ~~واصلين معي بنصرهم إلى { الله } أي الملك الأعظم { قال الحواريون } قال ~~الحرالي: جمع حواري وهو المستخلص نفسه في نصرة من تحق نصرته بما كان من ~~إيثاره على نفسه بصفاء وإخلاص لا كدر فيه ولا شوب - انتهى. # وهو مصروف لأن ياءه عارضة { نحن أنصار الله } أي الذي أرسلك وأقدرك على ~~ما تأتي به من الآيات، فهو المحيط بكل شيء عزة وعلما، ثم صححوا النصرة ~~وحققوا بأن عللوا بقولهم: { آمنا بالله } أي على ما له من صفات الكمال، ~~ثم أكدوا ذلك بقولهم مخاطبين لعيسى عليه الصلاة والسلام رسولهم أكمل الخق ~~إذ ذاك: { واشهد بأنا مسلمون * } أي منقادون لجميع ما تأمرنا به كما هو ~~حق من آمن لتكون شهادتك علينا أجدر لثباتنا ولتشهد لنا بها يوم القيامة. # ثم لما خاطبوا الرسول أدبا ترقوا إلى المرسل في خطابهم إعظاما للأمر ~~وزيادة في التأكيد فقالوا مسقطين لأداة النداء استحضارا لعظمته بالقرب ~~لمزيد القدرة وترجي منزلة أهل الحب: { ربنا آمنا بما أنزلت } أي على ~~ألسنة رسلك كلهم { واتبعنا الرسول } الآتي إلينا بذلك معتقدين رسالته منك ~~وعبوديته لك { فاكتبنا } لتقبلك شهادتنا واعتدادك بها { مع الشاهدين * } ~~أي الذين قدمت أنهم شهدوا لك بالوحدانية مع الملائكة، ولعله عقب ذلك ~~بقوله: { ومكروا } المعطوف على قوله: { قال من أنصاري إلى الله } ~~بالإضمار الصالح لشمول كل من تقدم له ذكر إشارة إلى أن التمالؤ عليه يصح ~~أن ينسب إلى المجموع من حيث هو مجموع، أما مكر اليهود فمشهور، وأما ~~الحواريون الاثنا عشر فنقض أحدهم وهو الذي تولى كبر الأمر وجر اليهود ~~إليه ودلهم عليه - كما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى في سورة النساء، ~~وترتيب المكر على الشرط يفهم أنهم لما علموا إحساسه بفكرهم خافوا غائلته ~~فأعملوا الحيلة في قتله. والمكر - قال الحرالي - إعمال الخديعة والاحتيال ~~في هدم بناء ظاهر كالدنيا، والكيد أعمال الخدعة والاحتيال في هدم بناء ~~باطن كالتدين والتخلق وغير ذلك، فكان المكر خديعة حس والكيد خديعة معنى - ~~انتهى. ثم إن مكرهم تلاشى واضمحل بقوله: { ومكر الله } أي ms0732 المحيط بكل شيء ~~قدرة وعلما. # ولما كان المقام لزيادة العظمة أظهر ولم يضمر لئلا يفهم الإضمار خصوصا ~~من جهة ما فقال: { والله } أي والحال أنه الذي له هذا الاسم الشريف فلم ~~يشاركه فيه أحد بوجه { خير الماكرين * } بإرادته تأخير حربه لهم إلى وقت ~~قضاه في الأزل فأمضاه, وذلك عند مجيء الدجال بجيش اليهود فيكون أنصاره ~~الذين سألهم ربه هذه الأمة تشريفا لهم، ثم بين ما فعله بهم من القضاء ~~الذي هو على صورة المكر في كونه أذى يخفى على المقصود به بأنه رفعه إليه ~~وشبه ذلك عليهم حتى ظنوا أنهم صلبوه وإنما صلبوا أحدهم، ويقال: إنه الذي ~~دلهم، وأما هو عليه الصلاة والسلام فصانه عنده بعد رفعه إلى محل أوليائه ~~وموطن قدسه لينزله في آخر الزمان لاستئصالهم بعد أن ضرب عليهم الذلة بعد ~~قصدهم له بالأذى الذى طلبوا به العز إلى آخر الدهر فكان تدميرهم في ~~تدبيرهم، وذلك أخفى الكيد فقال تعالى مخبرا عن ذلك على وجه مبشر له بأنه ~~عاصمه من أن يقتلوه ومميته حتف أنفه: { إذ } أي مكر حين { قال الله } أي ~~ما له من التفرد بصفات الكمال { يا عيسى إني متوفيك } وعبر عن ذلك بطريق ~~الكناية الإيمائية فإن عصمته من قتل الكفار ملزومة للموت حتف الأنف، وأما ~~قول الزمخشري: أي مستوفى أجلك ومعناه: إني عاصمك من أن يقتلك الكفار، ~~ومؤخرك إلى أجل كتبته لك، ومميتك حتف أنفك لا قتلا بأيديهم - ليكون ~~كناية تلويحية عن العصمة من القتل لأنها ملزومة لتأخيره إلى الأجل ~~المكتوب والتأخير ملزوم للموت حتف الأنف - فلا ينبغي الاغترار به لأنه ~~مبني على مذهب الاعتزال من أن القاتل قطع أجل المقتول المكتوب، وكأن ~~القاضي البيضاوي لم يتفطن له فترجم هذه العبارة بما يؤديها؛ ويجوز أن ~~يكون معنى متوفيك: آخذك إلي من غير أن يصلوا منك إلى محجم دم ولا ما ~~فوقه من عضو ولا نفس فلا تخش مكرهم. # قال في القاموس: أوفى فلانا حقه: أعطاه وافيا، كوفاه ووافاه فاستوفاه ~~وتوفاه. # ثم زاد سبحانه وتعالى في ms0733 بشارته بالرفعة إلى محل كرامته وموطن ملائكته ~~ومعدن النزاهة عن الأدناس فقال: { ورافعك } وزاد إعظام ذلك بقوله: { إلي ~~ومطهرك من الذين كفروا }. # ولما كان لذوي الهمم العوال، أشد التفات إلى ما يكون عليه خلائفهم بعدهم ~~من الأحوال، بشره سبحانه وتعالى في ذلك بما يسره فقال: { وجاعل الذين ~~اتبعوك } أي ولو بالاسم { فوق الذين كفروا } أي ستروا ما يعرفون من نبوتك ~~بما رأوا من الآيات التي أتيت بها مطابقة لما عندهم من البشائر بك { إلى ~~يوم القيامة } وكذا كان، لم يزل من اتسم بالنصرانية حقا أو باطلا فوق ~~اليهود، ولا يزالون كذلك إلى أن يعدموا فلا يبقى منهم أحد. # ولما كان البعث عاما دل عليه بالالتفات إلى الخطاب فقال تكميلا لما ~~بشر به من النصرة: { ثم إلي مرجعكم } أي المؤمن والكافر في الآخرة { ~~فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون * } ثم فصل له الحكم فقال مرهبا ~~لمخالفيه مرغبا لموافقيه، وقدم المخالفين لأن السياق لبيان إذلالهم: { ~~فإما الذين كفروا } أي من الطائفتين { فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا } ~~بالذل والهوان والقتل والأسر { والآخرة } بالخزي الدائم { وما لهم من ~~ناصرين * } وإن كثر عددهم ولم يقل: وأما الذين اتبعوك - لئلا يلتبس الحال ~~وإن كان من اتبع النبي الأمي فقد اتبعه في بشارته به والأمر باتباعه, بل ~~قال: { وأما الذين آمنوا وعموا الصالحات } لأن هذه ترجمة الذين اتبعوه حق ~~الاتباع. # ولما كان تمام الاعتناء بالأولياء متضمنا لغاية القهر للأعداء أبدى في ~~مظهر العظمة قوله تعظيما لهم وتحقيرا لأعدائهم: { فيوفيهم أجورهم } أي ~~نحبهم من غير أن نبخسهم منها شيئا, أو نظلم أحدا من الفريقين في شيء, ~~فإن الله سبحانه وتعالى متعال عن ذلك { والله } الذي له الكمال كله { لا ~~يحب الظالمين * } من كانوا، أي لا يفعل معهم فعل المحب، فهو يحبط أعمالهم ~~لبنائها على غير أساس الإيمان، فالآية من الاحتباك، ونظمها على الأصل: ~~فنوفيهم لأنا نحبهم والله يحب المؤمنين، والذين ظلموا نحبط أعمالهم لأنا ~~لا نحبهم والله لا يحب الظالمين؛ فتوفية الأجر أولا ينفيها ثانيا، ~~وإثبات الكراهة ثانيا ms0734 يثبت ضدها أولا، وحقيقة الحال أنه أثبت للمؤمنين ~~لازم المحبة المراد منها في حق الله سبحانه وتعالى لأنه أسر، ولازم ~~المراد من عدمها في الظالمين لأنه أنكأ. # ولما أتم سبحانه وتعالى ما أراد من أمر عيسى عليه الصلاة والسلام من ~~ابتداء تكوينه إلى انتهاء رفعه وما كان بعده من أمر أتباعه مشيرا بذلك ~~إلى ما فيه من بدائع الحكم وخزائن العلوم واللطائف المتنزلة على مقادير ~~الهمم على أتقن وجه وأحكمه وأتمه وأخلصه وأسلمه، وختمه بالتنفير من ~~الظلم، وكان الظلم وضع الشيء في غير موضعه، وكان هذا القرآن العظيم قد ~~حاز من حسن الترتيب ورصانة النظم بوضع كل شيء منه لفظا ومعنى في محله ~~الأليق به المحل الأعلى، لا سيما هذه الآيات التي أتت بالتفصيل من أمر ~~عيسى عليه الصلاة والسلام، فلم تدع فيه شكا ولا أبقت شبهة ولا لبسا، ~~أتبع ما تقدم من تفصيل الآيات البينات قوله منبها على عظمة هذه الآيات ~~الشاهدات الآتي بها صلى الله عليه وسلم بأوضح الصدق بإعجازها في نظمها ~~وفي العلم بمضامينها من غير معلم من البشر كما تقدم نحو ذلك في # ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك # { هود: 49] { ذلك } أي النبأ العظيم والأمر الجسيم الذي لم تكن تعلم ~~شيئا منه ولا علمه من شبان قومك { نتلوه } أي نتابع قصه بما لنا من ~~العظمة { عليك } وأنت أعظم الخلق حال كونه { من الآيات } أي التي لا ~~إشكال فيها، ويجوز أن يكون خبر اسم الإشارة، { والذكر الحكيم * } إشارة ~~إلى ذلك لأن الحكمة وضع الشيء في أعدل مواضعه وأتقنها، وأشار بأداة البعد ~~تنبيها على علو منزلته ورفيع قدره. ### || [3.59-63] # ثم أكد ظلمهم وصور حكمته بمثل هذا الفرقان في أمر عيسى عليه الصلاة ~~والسلام الكاشف لما في ذلك مما ألبس عليهم فقال: { إن مثل عيسى } أي في ~~كونه من أنثى فقط { عند الله } أي المحيط بكل شيء قدرة وعلما في إخراجه ~~من غير سبب حكمي عادي { كمثل آدم } في أن كلا منهما أبدع من غير أب، بل ~~أمر آدم ms0735 أعجب فإنه أوجده من غير أب ولا أم، ولذلك فسر مثله بأنه { خلقه } ~~أي قدره وصوره جسدا من غير جنس البشر، بل { من تراب } فعلمنا أن تفسير ~~مثل عيسى كونه خلقه من جنس البشر من أم فقط بغير أب، فمثل عيسى أقل غرابة ~~من هذه الجهة وإن كان أغرب من حيث إنهم لم يعهدوا مثله، فلذلك كان مثل ~~آدم مثلا له موضحا لأنه مع كونه أغرب اشهر (وعبر بالتراب دون الماء ~~والطين والحمأ وغيره كما في غير هذا الموطن، لأن التراب أغلب أجزائه ولأن ~~المقام لإظهار العجب، وإبداع ما أسكنه أنواع الأنوار بالهداية والعلوم ~~الباهرة من التراب الذي هو أكثف الأشياء أغرب كما أن تغليب ظلام الضلال ~~على الشياطين من كونهم من عنصر نير أعجب). # ولما شبه المثل بالمثل علمنا أن مثل عيسى كل ولد نشاهده تولد من أنثى، ~~ومثل آدم كل حيوان نشاهده تولد من تراب، وما شاهده بنو إسرائيل من خلق ~~عيسى عليه الصلاة والسلام الطير من الطين فهذا المثل الذي هو كل ما تولد ~~من أنثى مثل ذلك المثل الذي هو كل ما تولد من تراب في أن كلا منهما لم ~~يكن إلا بتكوين الله سبحانه وتعالى، وإلا لكان كل جماع موجبا للولد وكل ~~تراب موجبا لتولد الحيوان منه، فلما كان أكثر الجماع لا يكون منه ولد ~~علمنا أن الإيجاد بين الذكر والأنثى إنما هو بقدرة الله سبحانه وتعالى ~~وإرادته، ومن إرادته وقدرته كونه من ذكر وأنثى، فلا فرق في ذلك بين أن ~~يريد كونه من أنثى بتسبيب جماع من ذكر يخرق به عادة الجماع فيجعله موجبا ~~للحبل وبين أن يريد كونه من أنثى فقط فيخرق به عادة ما نشاهده الآن من ~~التوليد بين الذكر والأنثى، كما أنا لما علمنا أنه ليس كل تراب يكون منه ~~حيوان علمنا قطعا أن هذا المتولد من تراب إنما هو بإرادة القادر ~~واختياره لا بشيء آخر، وإلى ذلك أشار يحيى عليه الصلاة والسلام بقوله ~~فيما سلف قريبا: إن الله قادر على ms0736 أن يقيم من الحجارة أولادا لإبراهيم، ~~أي لأنه سبحانه وتعالى هو الذي يخلق المسببات فلا فرق حينئذ بين مسبب ~~وسبب، بل كلها في قدرته سواء، وإلى ذلك أشار قوله: { ثم قال له كن } أي ~~بشرا كاملا روحا وجسدا، وعبر بصيغة المضارع المقترن بالفاء في { ~~فيكون * } دون الماضي وإن كان المتبادر إلى الذهب أن المعنى عليه حكاية ~~للحال وتصويرا لها إشارة إلى أنه كان مع الأمر من غير تخلف وتنبيها على ~~أن هذا هو الشأن دائما، يتجدد مع كل مراد، لا يتخلف عن مراد الآمر أصلا ~~- كما تقدم التصريح به في آية # إذا قضى أمرا # [البقرة: 117] وذلك أغرب مما كان سبب ضلال النصارى الذين يجادل عن ~~معتقدهم وفد نجران، قال سبحانه وتعالى ذلك إشارة إلى أنهم ظلموا في ~~القياس، وكان العدل أن يقاس في خرقه للعادة بأبي أمه الذي كان يعلم ~~الأسماء كلها وسجد له الملائكة، لا بخالقه ومكونه تعالى عما يقول ~~الظالمون علوا كبيرا. # قال الحرالي: جعل سبحانه وتعالى آدم عليه الصلاة والسلام مثلا مبدؤه ~~السلالة الطينية، وغايته النفخة الأمرية، وكان عيسى عليه الصلاة ولاسلام ~~مثلا مبدؤه الروحية والكلمة، وغايته التكمل بملابسة السلالة الطينية، ~~حتى قال صلى الله عليه وسلم: إنه عند نزوله في خاتمة اليوم المحمدي يتزوج ~~امرأة من بني أسد ويولد له غلام لتكمل به الآدمية في العيسوية كما كملت ~~العيسوية في الآدمية وليكون مثلا واحدا أعلى جامعا # وله المثل الأعلى في السماوات والأرض # [الروم: 27] - انتهى. # ولما ابتدأ القصة بالحق في قوله: { نزل عليك الكتاب بالحق } ختمها بذلك ~~على وجه آكد وأضخم فقال: { الحق } أي الكامل في الثبات كائن { من ربك } ~~أي المحسن إليك بأنه لا يدع لخصم عليك مقالا، ولما تسبب عما مضى نقلا ~~وعقلا الاعتقاد الحق في أمر عيسى عليه الصلاة والسلام قال: { فلا تكن من ~~الممترين * } مشيرا بصيغة الافتعال إلى أنه لا يشك فيه بعد هذا إلا من ~~أمعن الفكر في شبه يثيرها وأوهام يزاولها ويستزيرها، وما أحسن ما في سفر ~~الأنبياء الإسرائيليين الذي هو ms0737 بأيدي الطائفتين اليهود ثم النصارى، ~~يتناقلونه معتقدين ما فيه، وأوضحه في خلاف معتقدهم في عيسى عليه الصلاة ~~والسلام وموافقة معتقدنا فيه، لكنهم لا يتدبرون، وذلك أنه قال في نبوة ~~أشعيا عليه السلام: اسمع مني يا يعقوب عبدي وأنت يا إسرائيل الذي ~~انتخبته! أنا الذي خلقتك في الرحم وأعنتك، ثم قال: هكذا يقول: يقول الرب: ~~أنا الذي جبلتك في الرحم وخلصتك وأعنتك، أنا الذي خلقت الكل، وأنا الذي ~~مددت السماء وحدي، وأنا الذي ثبت الأرض، أنا الذي أبطل آيات العرافين، ~~وأصير كل تعريفهم جهلا، وأرد الحكماء إلى خلفهم، وأعرف أعمالهم للناس، ~~وأثبت كلمة عبيدي، وأتمم قول رسلي؛ ثم قال: أنا الرب الذي خلقت هذه ~~الأشياء، الويل للذي يخاصم خالقه ولا يعلم أنه من خزف الطين! لعل الطين ~~يقول للفاخوري: لماذا تصنعني؟ أو لعله يقول له: لست أنا من صنعتك، الويل ~~للذي يقول لأبيه: لماذا ولدتني؟ أو لأمه: لماذا حبلت بي؟ هكذا يقول الرب ~~قدوس إسرائيل ومخلصه: أنا الذي خلقت السماء ومددتها بيدي وجميع أجنادها، ~~وجعلت فيها الكواكب البهية. # ذكر ما يحتاج إليه المفسرون - ويثمر إن شاء الله سبحانه وتعالى زيادة ~~الإيقان لكل مسلم - من قصة عيسى عليه السلام في ولادته وما يتعلق بهذه ~~السورة من مبدإ أمره ومنتهاه وبعض ما ظهر على يديه من الآيات ولسانه من ~~الحكم المشيرة إلى أنه عبد الله ورسوله وغير ذلك من الأناجيل الأربعة ~~التي في أيدي النصارى اليوم، وقد أدخلت كلام بعضهم في بعض وجمعت ما تفرق ~~من المعاني في سياقاتهم بحيث صار الكل حديثا واحدا: # قال متى - ومعظم السياق له -: كتاب ميلاد يسوع المسيح بن داود بن ~~ابراهيم عليهم الصلاة والسلام، ثم قال: لكل الأجيال من إبراهيم إلى داود ~~أربعة عشر جيلا، ومن داود إلى زربابل أربعة عشر جيلا، ومن زربابل إلى ~~المسيح أربعة عشر جيلا؛ لما خطبت مريم أمه ليوسف قبل أن يفترقا وجدت ~~حبلا من روح القدس، وكان يوسف خطيبها صديقا ولم يرد أن ينشرها، وهم ~~بتخليتها سرا، وفيما هو مفكر في ms0738 هذا إذا ظهر له ملاك الرب في الحلم ~~قائلا: يا يوسف بن داود! لا تخف أن تأخذ مريم خطيبتك، فإن الذي تلده هو ~~من روح القدس، وستلد ابنا ويدعى اسمه يسوع، وهو يخلص شعبه من خطاياهم، ~~هذا كله كان لكي يتم ما قيل من قبل الرب على لسان النبي القابل: ها هو ذا ~~العذراء تحبل وتلد ابنا، ويدعى اسمه " عمانويل " الذي تفسيره: الله ~~معنا، فقام يوسف من النوم وصنع كما أمره ملاك الرب وأخذ مريم خطيبته ولم ~~يعرفها حتى ولدت ابناه البكر، ودعي اسمه يسوع. # وفي إنجيل لوقا: ولما كان في تلك الأيام - أي أيام ولادة يحيى بن زكريا ~~عليهم السلام - خرج أمر من أوغوسطوس قيصر بأن يكتب جميع المسكونة هذه ~~الكتبة الأولى في ولاية فرسوس على الشام، فمضى جميعهم ليكتتب كل واحد ~~منهم في مدينته، فصعد يوسف أيضا من الجليل من مدينة الناصرة إلى ~~اليهودية إلى مدينة داود التي تدعى بيت لحم، لأنه كان من بيت داود ~~وقبيلته ليكتتب مع مريم خطيبته وهي حبلى، فبينما هما هناك إذ تمت أيام ~~ولادتها لتلد، فولدت ابنها البكر ولفته وتركته في مزود لأنه لم يكن لهما ~~موضع حيث نزلا، وكان في تلك الكورة رعاة يسهرون لحراسة الليل نوبا على ~~مراعيهم، وإذا ملاك الرب قد وقف بهم ومجد الرب أشرق عليهم، فخافوا خوفا ~~عظيما، قال لهم الملاك: لا تخافوا الآن، هو ذا أبشركم بفرح عظيم يكون ~~لكم ولجميع الشعوب، لأنه ولد لكم اليوم مخلص، الذي هو المسيح في مدينة ~~داود، وهذه علامة لكم أنكم تجدون طفلا ملفوفا موضوعا في مزود، وللوقت ~~بغتة تراءى مع الملاك جنود كثيرة سماويون، يسبحون الله سبحانه وتعالى ~~ويقولون: المجد لله في العلى، وعلى الأرض السلام، وفي الناس المسرة؛ فلما ~~صعد الملائكة إلى السماء قال الرجال الرعاة بعضهم لبعض: امضوا بنا إلى ~~بيت لحم لننظر الكلام الذي أعلمنا به الرب، فجاؤوا مسرعين فوجدوا مريم ~~ويوسف والطفل موضوعا في مزود؛ فلما رأوه علموا أن الكلام الذي قيل لهم ~~عن الصبي ms0739 حق، وكل من سمع تعجب مما تكلم به الرعاة، وكانت مريم تحفظ هذا ~~الكلام كله وتقيه، ورجع الرعاة يمجدون الله سبحانه وتعالى ويسبحون على كل ~~ما سمعوا وعاينوا كما قيل لهم. # ولما تمت ثمانية أيام أتوا به ليختن ودعوا اسمه يسوع كالذي دعاه الملاك ~~قبل أن تحبل به في البطن، فلما كملت أيام تطهيرها - على ما في ناموس موسى ~~- صعدوا به إلى يروشليم ليقيموه للرب، كما هو مكتوب في ناموس الرب أن كل ~~ذكر فاتح رحم أمه يدعى قدوس الرب، ويقرب عنه - كما هو مكتوب في ناموس ~~الرب - زوج يمام أو فرخا حمام؛ وكان إنسان بايروشليم اسمه شمعون، وكان ~~رجلا بارا تقيا، يرجو عز بني إسرائيل، وروح القدس كان عليه، وكان يوحى ~~إليه من روح القدس أنه لا يموت حتى يعاين المسيح الرب، فأقبل بالروح إلى ~~الهيكل عندما جاؤوا بالطفل يسوع ليصفى عنه كما يجب في الناموس، فحمله على ~~ذراعه وبارك الرب قائلا: الآن يا سيد! أطلق عبدك بسلام لكلامك، لأن عيني ~~أبصرتك خلاصك الذي أعددت قدام جميع الشعوب، نور استعلن للأمم ومجد لشعبك ~~إسرائيل، وكان يوسف وأمه يتعجبان مما يقال عنه، وباركهما شمعون وقال ~~لمريم أمه: هوذا هذا موضوع لسقوط كثير وقيام كثير من بني إسرائيل. وكانت ~~حنة النبية ابنة فانوئل من سبط أشير قد طعنت في أيامها وأقامت مع زوجها ~~سبعة وستين بعد بكوريتها، وترملت أربعة وثمانين عاما غير مفارقة للهيكل ~~عائدة للصوم، وللطلبة ليلا ونهارا، وفي تلك الساعة جاءت قدامه معترفة ~~لله وكانت تتكلم من أجله عند كل أحد، تترجى خلاص يروشليم، فلما أكملوا كل ~~شيء على ما في ناموس الرب رجعوا إلى الجليل إلى مدينتهم الناصرة، فأما ~~الصبي فكان ينشأ ويتقوى بالروح ويمتلىء بالحكمة، ونعمة الله كانت عليه، ~~وأبواه يمضيان إلى يروشليم في كل سنة في عيد الفصح. # وقال متى: فلما ولد يسوع في بيت لحم يهودا في أيام هيرودس الملك إذا ~~مجوس وافوا من المشرق إلى يروشليم قائلين: أين هو المولود ملك اليهود ~~لأنا رأينا ms0740 نجمة في المشرق، ووافينا لنسجد له، فلما سمع هيرودس الملك ~~اضطرب وجمع يروشليم وجمع كل رؤساء الكهنة وكتبة الشعب واتسخبرهم: أين ~~يولد المسيح؟ فقالوا له: في بيت لجحم أرض يهودا - كما هو مكتوب في النبي: ~~وأنت يا بيت لحم أرض يهودا لست بصغيرة في ملوك يهود، يخرج منك مقدم، الذي ~~يرعى شعب بني إسرائيل. # حينئذ دعا هيرودس والروم المجوس سرا، وتحقق منهم الزمان الذي ظهر لهم ~~فيه النجم وأرسلهم إلى بيت لحم قائلا: امضوا فابحثوا عن الصبي باجتهاد، ~~فإذا وجدتموه فأخبروني لآتي أنا وأسجد له، فلما سمعوا من الملك ذهبوا، ~~وإذا النجم الذي رأوه في المشرق يقدمهم حتى جاء ووقف حيث كان الصبي، فلما ~~رأوا النجم فرحوا فرحا عظيما جدا، وأتوا إلى البيت فرأوا الصبي، مع ~~مريم أمه، فخروا له سجدا وفتحوا أوعيتهم وقدموا له قرابين ذهبا ~~ولبانا ومرا، وأنحى إليهم في الحلم أن لا يرجعوا إلى هيردوس، بل ~~يذهبوا في طريق أخرى إلى كورتهم، فلام ذهبوا وإذ ملاك الرب تراءى ليوسف ~~في الحلم قائلا: قم، خذ الصبي وأمه واهرب إلى أرض مصر وكن هناك حتى أقول ~~لك, فإن هيردوس مزمع أن يطلب الصبي ليهلكه، فقام وأخذ الصبي أمه ليلا، ~~ومضى إلى مصر وكان هناك إلى وفاة هيرودس، لكي يتم ما قيل من قبل الرب ~~بالنبي القابل من مصر: دعوت ابني؛ حينئذ لما رأى هيرودس سخرية المجوس به ~~غضب جدا وأرسل، فقتل كل صبيان بيت لحم وكل تخومها من ابن سنتين فما دون، ~~كنحو الزمان الذي تحقق عنده من المجوس، حينئذ تم ما قيل من أرميا النبي ~~حيث يقول: صوت سمع في الزأمة، بكاء ونوح وعويل كثير، راحيل تبكي على ~~بنيها ولا تريد أن تتعزى لفقدهم؛ فلما مات هيرودس ظهر ملاك الرب ليوسف في ~~الحلم بمصر قائلا: قم، خذ الصبي وأمه واذهب إلى أرض إسرائيل؛ فما سمع أن ~~أورشلاوش قد ملك على اليهودية عوض هيرودس أبيه خاف أن يذهب إلى هناك، ~~فأخبر في الحلم وذهب إلى حور ناحية الجليل، فأتى ms0741 وسكن في مدينة تدعى ~~ناصرة لكي يتم ما قيل في الأنبياء: إنه يدعى ناصريا وفي إنجيل لوقا: فلما ~~تمت له اثنتا عشرة سنة مضوا إلى يروشليم إلى العيد كالعادة، فلما كملت ~~الأيام ليعودوا تخلف عنهما يسوع في يروشليم ولم تعلم أمه ويوسف، لأنهما ~~كانا يظنان أنه مع السائرين في الطريق، فلما ساروا نحو يوم طلباه عند ~~أقربائهما ومعارفهما فلم يجداه، فرجعا إلى يروشليم يطلبانه، وبعد ثلاثة ~~أيام وجداه في الهيكل جالسا بين العلماء يسمع منهم ويسألهم، وكان كل من ~~يسمعه مبهوتين من علمه وإجابته لهم، فلما أبصراه بهتا، فقالت له أمه: يا ~~بني! ما هذا الذي صنعت بنا؟ إن أباك وأنا كنا نطلبك باجتهاد معذبين، فقال ~~لهما: لم تطلباني؟ أما تعلمان أنه ينبغي أن أكون في الذي لأبي؟ فأما هما ~~فلم يفهما الكلام ونزل معهما وجاء إلى الناصرة وكان يطيعهما، فأما يسوع ~~فكان ينشأ في قامته وفي الحكمة والنعمة عند الله والناس. # قال متى: وفي تلك الأيام جاء يوحنا المعمدان يكرز في برية يهودا - إلى ~~آخر ما تقدم آنفا من بشارة يحيى عليه الصلاة والسلام به، ثم قال: حينئذ ~~أتى يسوع من الجليل إلى الأردن ليعتمد من يوحنا، فامتنع يوحنا منه وقال: ~~أنا المحتاج أن أعتمد منك وأنت تأتي إلي، فأجاب يسوع: دع الآن، هكذا يجب ~~لنا أن نكمل كل البر، حينئذ تركه فاعتمد يسوع، وللوقت صعد من الماء ~~فانفتحت له السماوات، ورأى روح الله نازلا كمثل حمامة جائيا إليه. وقال ~~مرقس: وكان تلك الأيام جاء يسوع من ناصرة الجليل واصطنع في نهر الأردن من ~~يوحنا، فساعة صعد من الماء رأى السماوات قد انشقت، وروح القدس كالحمامة ~~نزلت عليه، وللوقت أخرجه الروح إلى البرية، وأقام بها أربعين يوما ~~وأربعين ليلة، وهو مع الوحوش، والملائكة تخدمه. وقال متى: وصام أربعين ~~يوما وأربعين ليلة. وقال لوقا: وكان لما اعتمد جميع الشعب واعتمد يسوع ~~فبينما هو يصلي انفتحت السماء ونزل عليه روح القدس شبه جسد حمامة، وكان ~~قد صار ليسوع ثلاثون سنة وكان ms0742 يظن أنه ابن يوسف وأن يسوع امتلأ من روح ~~القدس ورجع من الأردن، فانطلق به الروح أربعين يوما، لم يأكل شيئا في ~~تلك الأيام؛ ثم قال: ورجع يسوع إلى الجليل بقوة الروح وخرج خبره في كل ~~الكورة، وكان يعلم في مجامعهم ويمجده كل أحد، وجاء إلى الناصرة حيث كان ~~تربى ودخل كعادته إلى مجمعهم يوم السبت، وقام ليقرأ فدفع إليه سفر أشعيا ~~النبي, فلما فتح السفر وجد الموضع الذي فيه مكتوب: روح الرب علي، من أجل ~~هذا مسحني وأرسلني لأبشر المساكين وأشفي منكسري القلوب وأبشر المأسورين ~~بالتخلية والعميان بالنظر، وأرسل المربوطين بالتخلية، وأبشر بالسنة ~~المقبولة للرب والأيام التي أعطانا إلهنا؛ ثم طوى السفر ودفعه إلى الخادم ~~وجلس، وكل من كان في الجمع كانت عيونهم محدقة إليه، فبدأ يقول لهم: اليوم ~~كمل هذا المكتوب بأسماعكم؛ وفي إنجيل يوحنا: إن يسوع قال: إن كنت أنا ~~أشهد لنفسي فليست شهادتي حقا، ولكن الذي يشهد لي بها حق، أنتم أرسلتم ~~إلي يوحنا فشهد لي بالحق، وأما أنا فلست أطلب شهادة من إنسان ولكني أقول ~~هذا لتخلصوا أنتم، وأنا على أعظم من شهادة يوحنا لأن الأعمال التي أعملها ~~تشهد من أجلي أن الرب أرسلني، والذي أرسلني قد شهد لي ولم تسمعوا قط صوته ~~ولا عرفتموه ولا رأيتموه، وكلمته لا تثبت فيكم لأنكم لستم تؤمنون بالذي ~~أرسل، فتشوا الكتب التي تظنون أن تكون لكم بها حياة الأبد فهي تشهد من ~~أجلي، لست آخذ المجد من الناس أنا أتيت باسم أبي فلم تقبلوني، وإن أتاكم ~~آخر باسم نفسه قبلتموه، كيف تقدرون أن تؤمنوا وإنما تقبلون المجد بعضكم، ~~من بعض ولا تظنون أن المجد من الله تعالى الواحد، لا تظنوا أني أشكوكم، ~~إن لكم من يشكوكم: موسى الذي عليه تتوكلون، فلو كنتم آمنتم بموسى آمنتم ~~بي، لأن ذلك كتب من أجلي، وإن كنتم لا تؤمنون بكتب ذلك فكيف تؤمنون ~~بكلامي - انتهى ما وقع الاختيار أخيرا على إثباته هنا، وفيه من الألفاظ ~~المنكرة في شرعنا إطلاق الأب والابن، وقد ms0743 تقدم التنبيه على مثل ذلك. # ولما أتاهم سبحانه وتعالى من أمر عيسى عليه الصلاة والسلام بالفصل في ~~البيان الذي ليس بعده إلا العناد، فبين أولا ما تفضل فيه عيسى عليه ~~الصلاة والسلام من أطوار الخلق الموجبة للحاجة المنافية للإلهية، ثم فضح ~~بتمثيله بآدم عليه الصلاة والسلام شبهتهم، ألزمهم عل تقديره بالفيصل ~~الأعظم للمعاند الموجب للعذاب المستأصل أهل الفساد فقال سبحانه وتعالى: { ~~فمن } أي فتسبب عما آتيناك به من الحق في أمره أنا نقول لك: من { حآجك ~~فيه } أي خاصمك بإيراد حجة، أي كلام يجعله في عداد ما يقصد. # ولما كان الملوم إنما هو من بلغته هذه الآيات وعرف معناها دون من حاج في ~~الزمان الذي هو بعد نزولها دون اطلاعه عليها قال: { من } أي مبتدئا ~~المحاجة من، ويجوز أن يكون الإتيان بمن لئلا يفهم أن المباهلة تختص بمن ~~استغرق زمان البعد بالمجادلة { بعدما جآءك من العلم } أي الذي أنزلنان ~~إليك وقصصناه عليك في أمره { فقل تعالوا } أي اقبلوا أيها المجادلون إلى ~~أمر نعرف فيه علو المحق وسفول المبطل { ندع أبنآءنا وأبناءكم } أي الذي ~~هم أعز ما عند الإنسان لكونهم بعضه { ونساءنا ونساءكم } أي اللاتي هن ~~أولى ما يدافع عنه أولو الهمم العوالي { وأنفسنا وأنفسكم } فقدم ما يدافع ~~عنه ذوو الأحساب ويفدونه بنفوسهم، وقدم منه الأعز الألصق بالأكباد وختم ~~بالمدافع، وهذا الترتيب على سبيل الترقي إذا اعتبرت أنه قدم الفرع ثم ~~الأصل وبدأ بالأدنى وختم بالأعلى، وفائدة الجمع الإشارة إلى القطع ~~بالوثوق بالكون على الحق. ثم ذكر ما له هذا الجمع مشيرا بحرف التراخي ~~إلى خطر الأمر وأنه مما ينبغي الاهتمام به والتروي له وإمعان النظر فيه ~~لوخامة العاقبة وسوء المنقلب للكاذب فقال: { ثم نبتهل } أي نتضرع - قاله ~~ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كما نقله الإمام أبو حيان في نهره. وقال ~~الحرالي: الابتهال طلب البهل، والبهل أصل معناه التخلي والضراعة في مهم ~~مقصود - انتهى. { فنجعل لعنت الله } أي الملك الذي له العظمة كلها فهو ~~يجبر ولا يجار عليه، أي إبعاد ms0744 وطرده { على الكاذبين * } وقال ابن الزبير ~~بعد ما تقدم من كلامه: ثم لما أتبعت قصة آدم عليه الصلاة والسلام - يعني ~~في البقرة - بذكر بني إسرائيل لوقوفهم من تلك القصص على ما لم تكن العرب ~~تعرفه، وأنذروا وحذروا؛ أتبعت قصة عيسى عليه الصلاة والسلام - يعني هنا - ~~بذكر الحواريين وأمر النصارى إلى آية المباهلة - انتهى. # ولما كان العلم الأزلي حاصلا بأن المجادلين في أمر عيسى عليه الصلاة ~~والسلام يكفون عن المباهلة بعد المجادلة خوفا من الاستئصال في العاجلة ~~مع الخزي الدائم في الآجلة، وكان كفهم عن ذلك موجبا للقطع بإبطالهم في ~~دعواهم لكل من يشاهدهم أو يتصل به خبرهم، حسن كل الحسن تعقيب ذلك بقوله: ~~- تنبيها على ما فيه من العظمة - { إن هذا } أي الذي تقدم ذكره من أمر ~~عيسى عليه السلام وغيره { لهو } أي خاصة دون غيره مما يضاده { القصص الحق ~~} والقصص - كما قال الحرالي - تتبع الوقائع بالإخبار عنها شيئا بعد شيء ~~على ترتيبها، في معنى قص الأثر، وهو اتباعه حتى ينتهي إلى محل ذي الأثر - ~~انتهى. # ولما بدأ سبحانه وتعالى القصة أول السورة بالإخبار بوحدانيته مستدلا ~~على ذلك بأنه الحي القيوم صريحا ختمها بمثل ذلك إشارة وتلويحا فقال - ~~عاطفا على ما أنتجه ما تقدم من أن عيسى صلى الله عليه وسلم عبد الله ~~ورسوله معمما للحكم معرقا بزيادة الجار في النفي: { وما من إله } أي ~~معبود بحق، لأن له صفات الكمال، فهو بحيث يضر وينفع { إلا الله } أي ~~المحيط بصفات الكمال، لأنه الحي القيوم - كما مضى التصريح به، فاندرج في ~~ذلك عيسى عليه الصلاة والسلام وغيره، وقد علم من هذا السياق أنهم لما ~~علموا تفرده تركوا المباهلة رهبة منه سبحانه وتعالى علما منهم بأنهم له ~~عاصون ولحقه مضيعون وأن ما يدعون إلهيته لا شيء في يده من الدفع عنهم ~~ولا من النفع لهم، فلا برهان أقطع من هذا. # ولما كان في نفي العزة والحكمة عن غيره تعالى نوع خفاء أتى بالوصفين على ~~طريق الحصر فقال - عاطفا على ما قدرته مام ms0745 أرشد السياق إلى أنه علة ما ~~قبله من نفي: { وإن الله } أي الملك الأعظم { لهو } أي وحده { العزيز ~~الحكيم * } وهذا بخلاف الحياة والقيومية فإنه لم يؤت بهما على طريق الحصر ~~لظهورهما، وقد علم بلا شبهة بما علم من أنه لا عزيز ولا حكيم إلا هو أنه ~~لا إله إلا هو. # ولما ثبت ذلك كله سبب عنه تهديدهم على الإعراض بقوله - منبها بالتعبير ~~بأداة الشك على أنه لا يعرض عن هذا المحل البين إلا من كان عالما بأن ~~مبطل، ومثل ذلك لا يظن بذي عقل ولا مروة، فمن حق ذكره أن يكون من قبيل ~~فرض المحالات: { فإن تولوا } أي عن إجابتك إلى ما تدعوا إليه { فإن الله ~~} أي المحيط بكل شيء قدرة وعلما { عليهم } بهم، هكذا كان الأصل، فعدل ~~عنه لتعليق الحكم بالوصف تنفيرا من مثل حالهم فقال: { بالمفسدين * } أي ~~فهو يحكم فيهم بعلمه فينتقم منهم فسادهم بعزته انتقاما يتقنه بحكمته ~~فينقلبون منه بصفقة خاسر ولا يجدون من ناصر. ### || [3.64-78] # ولما نكصوا عن المباهلة بعد أن أورد عليهم أنواع الحجج فانقطعوا، فلم ~~تبق لهم شبهة وقبلوا الصغار والجزية، فعلم انحلالهم عما كانوا فيه من ~~المحاجة ولم يبق إلا إظهار النتيجة، اقتضى ذلك عظم تشوفه صلى الله عليه ~~وسلم إليها لعظم حرصه صلى الله عليه وسلم على هداية الخلق، فأمره بأن ~~يذكرها مكررا إرشادهم بطريق أخف مما مضى بأن يؤنسهم فيما يدعوهم إليه ~~بالمؤاساة، فيدعو دعاء يشمل المحاجين من النصارى وغيرهم ممن له كتاب من ~~اليهود وغيرهم إلى الكلمة التي قامت البراهين على حقيتها ونهضت الدلائل ~~على صدقها، دعاء لا أعدل منه، على وجه يتضمن نفي ما قد يتخيل من إرادة ~~التفضل عليهم والاختصاص بأمر دونهم، وذلك أنه بدأ بمباشرة ما دعاهم إليه ~~ورضى لهم ما رضي لنفسه وما اجتمعت عليه الكتب واتفقت عليه الرسل فقال ~~سبحانه وتعالى: { قل } ولما كان قد انتقل من طلب الإفحام خاطبهم تلطفا ~~بهم بما يحبون فقال: { يا أهل الكتاب } إشارة إلى ما عندهم في ذلك من ms0746 ~~العلم { تعالوا } أي ارفعوا أنفسكم من حضيض الشرك الأصغر والأكبر الذي ~~أنتم به { إلى كلمة } ثم وصفها بقوله: { سواء } أي ذات عدل لا شطط فيه ~~بوجه { بيننا وبينكم } ثم فسرها بقوله: { ألا نعبد إلا الله } أي لأنه ~~الحائز لصفات الكمال، وأكد ذلك بقوله: { ولا نشرك به شيئا } أي لا نعتقد ~~له شريكا وإن لم نعبده. # ولما كان التوجه إلى غير الله خلاف ما تدعو إليه الفطرة الأولى عبر ~~بصيغة الافتعال فقال: { ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا } أي كعزير والمسيح ~~والأحبار والرهبان الذين يحلون ويحرمون. ولما كان الرب قد يطلق على ~~المعلم والمربي بنوع تربية نبه على أن المحذور إنما هو اعتقاد الاستبداد، ~~والأجتراء على ما يختص به الله سبحانه وتعالى فقال: { من دون الله } الذي ~~اختص بالكمال. # ولما زاحت الشكوك وانتفت العلل أمر بمصارحتهم بالخلاف في سياق ظاهره ~~المتاركة وباطنه الإنذار الشديد المعاركة فقال - مسببا عن ذلك مشيرا ~~بالتتعبير بأداة الشك إلى أن الإعراض عن هذا العدل لا يكاد يكون: { فإن ~~تولوا } أي عن الإسلام له في التوحيد { فقولوا } أنتم تبعا لأبيكم ~~إبراهيم عليه السلام إذ قال: # أسلمت لرب العالمين # [البقرة: 131] وامتثالا لوصيته إذ قال: # ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون # [البقرة: 132] { اشهدوا بأنا } أي نحن { مسلمون * } أي متصفون بالإسلام ~~منقادون لأمره، فيوشك أن يأمرنا نبيه صلى الله عليه وسلم بقتالكم لنصرته ~~عليكم جريا على عادة الرسل، فنجيبه بما أجاب به الحواريون المشهدون ~~بأنهم مسلمون، ثم نبارزكم متوجهين إليه معتمدين عليه، وأنتم تعرفون أيامه ~~الماضية ووقائعه السالفة. # ولما علم أهل الكتاب ما جبل عليه العرب من محبة أبيهم إبراهيم عليه ~~الصلاة والسلام وأن محمدا صلى الله عليه وسلم أتى بدينة كما تقدم في ~~قوله سبحانه وتعالى # بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين # [البقرة: 135] اجتمع ملأ من قرابتهم بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وضلل كل منهم الآخر وادعى كل منهم قصدا لاجتذاب المسلمين إلى ضلالهم ~~بكيدهم ومحالهم اتباع إبراهيم عليه الصلاة والسلام بأنه صلى الله عليه ~~وسلم كان على ms0747 دينهم، ولم يكن لذلك ذكر في كتابهم، مع أن العقل يرده بأدنى ~~التفات، لأن دين كل منهم إنما قرر بكتابهم، وكتابهم إنما نزل على نبيهم، ~~ونبيهم إنما كان بعد إبراهيم عليه الصلاة والسلام بدهور متطاولة، واليهود ~~ينسبون إلى يهوذا بن يعقوب عليه السلام، لأخذه البكورية عن أخيه بنيامين ~~لأمر مذكور في كتابهم، والنصارى ينسبون إلى الناصرة مخرج عيسى عليه ~~الصلاة والسلام في جبل الجليل، ولا يعقل أن يكون المتقدم على دين ما حدث ~~إلا بعده وعلى نسبة متأخرة عنه، وكان دينه صلى الله عليه وسلم إنما هو ~~الإسلام، وهو الحنيفية السمحة فقال سبحانه وتعالى مبكتا لهم: { يا أهل ~~الكتاب } كالمعلل لتبكيتهم، لأن الزلة من العالم أشنع { لم تحآجون في ~~إبراهيم } فيدعيه كل من فريقكم { و } الحال أنه { ما أنزلت التوراة ~~والإنجيل } المقرر كل منهما لأصل دين متجدد منكم { إلا } ولما كان إنزال ~~كتاب كل منهم غير مستغرق للزمان الآتي بعده أدخل الجار فقال: { من بعده } ~~وأعظم ما يتمسك به كل فرقة منهما السبت والأحد، ولم يكن ما يدعونه فيهما ~~في شريعة إبراهيم عليه السلام، لا يقدرون على إنكار ذلك، ولا يأتي مثل ~~ذلك في دعوى أنه مسلم لأن الإسلام الذي هو الإذعان للدليل معنى قديم ~~موجود من حين خلق الله العقل، والدليل أنه لا يقدر أحد أن يدعي أنه ما ~~حدث إلا بعد إبراهيم عليه السلام كما قيل في الدينين المذكورين. # ولما كان الدليل العقلي واضحا في ذلك ختم الآية بقوله منكرا عليهم { ~~أفلا تعقلون * } أي هب أنكم لبستم وادعيتم أن ذلك في كتابكم زورا ~~وبهتانا، وظننتم أن ذلك يخفى على من لا إلمام له بكتابكم، فكيف غفلتم عن ~~البرهان العقلي! ثم استأنف تبكيتا آخر فقال منبها لهم مكررا التنبيه ~~إشارة إلى طول رقادهم أو شدة عنادهم: { ها أنتم هؤلاء } أي الأشخاص ~~الحمقى، ثم بين ذلك بقوله: { حاججتم } أي قصدتم مغالبة من يقصد الرد ~~عليكم { فيما لكم به علم } أي نوع من العلم من أمر موسى وعيسى عليهما ~~الصلاة والسلام ms0748 لذكر كل منهما في كتابكم وإن كان جدالكم فيهما على خلاف ~~ما تعلمون من أحوالهما عنادا أو طغيانا { فلم تحاجون } أي تغالبون بما ~~تزعمون أنه حجة، وهو لا يستحق أن يسمى شبهة فضلا عن أن يكون حجة { فيما ~~ليس لكم به علم } اصلا، لكونه لا ذكر له في كتابكم بما حاججتم فيه مع ~~مخالفته لصريح العقل { والله } أي المحيط بكل شيء { يعلم } أي وأنتم ~~تعلمون أن مجادلتكم في الحقيقة إنما هي مع الله سبحانه وتعالى، وتعلمون ~~أن علمه محيط بجميع ما جادلتم فيه { وأنتم } أي وتعلمون أنكم أنتم { لا ~~تعلمون * } أي ليس لكم علم أصلا إلا ما علمكم الله سبحانه وتعالى، هذا ~~على تقدير كون " ها " في " ها أنتم " للتنبيه، ونقل شيخنا ابن الجزري في ~~كتابه " النشر في القراءات العشر " عن أبي عمرو بن العلاء وعن أبي الحسن ~~الأخفش أنها بدل من همزة، وروي عن أبي حمدون عن اليزيدي أن أبا عمرو قال: ~~وإنما هي { أأنتم } ممدودة، فجعلوا الهمزة هاء، والعرب تفعل هذا، فعلى ~~هذا التقدير يكون استفهاما معناه التعجيب منهم والتوبيخ لهم. # ولما وبخهم على ذلك من جهلهم نفيى سبحانه وتعالى عن إبراهيم عليه الصلاة ~~والسلام ما ادعاه عليه كل منهم طبق ما برهنت عليه الآية الأولى، ونفى عنه ~~كل شرك أيضا، وأثبت أنه كان مائلا عن كل باطل منقادا مع الدليل إلى كل ~~حق بقوله سبحانه وتعالى: { ما كان إبراهيم يهوديا } أي كما ادعى اليهود ~~{ ولا نصرانيا } كما ادعى النصارى - لما تقدم من الدليل { ولكن كان ~~حنيفا مسلما } وقد بين معنى الحنيف عند قوله تعالى: # قل بل ملة إبراهيم حنيفا # [البقرة: 135] بما يصدق على المسلم، وقال الإمام العارف ولي الدين ~~الملوي في كتابه حصن النفوس في السؤال في القبر: واليهودي أصله من آمن ~~بموسى عليه الصلاة والسلام والتزم أحكام التوراة، والنصراني من آمن بعيسى ~~عليه الصلاة والسلام والتزم أحكام الإنجيل، ثم صار اليهودي من كفر بما ~~أنزل بعد موسى عليه الصلاة والسلام، والنصراني من كفر بما أنزل بعد ms0749 عيسى ~~عليه الصلاة والسلام، والحنيف المائل عن كل دين باطل، والمسلم المطيع ~~لأوامر الله سبحانه وتعالى في أي كتاب أنزلت مع أي رسول أوردت، وإن شئت ~~قلت: هو المنقاد لله سبحانه وتعالى وحده بقلبه ولسانه وجميع جوارحه ~~المخلص عمله لله عز وجل، قال النبي صلى الله عليه وسلم لمن قال له: قل ~~لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا غيرك # " قل: آمنت بالله ثم استقم " # انتهى. # ثم خص بالنفي من عرفوا بالشرك مع الصلاح لكل من داخله شرك من غيرهم كمن ~~أشرك بعزير والمسيح عليهما الصلاة والسلام فقال: { وما كان من المشركين * ~~} وفي ذكر وصفي الإسلام والحنف تعريض لهم بأنهم في غاية العناد والجلافة ~~واليبس في التمسك بالمألوفات وترك ما أتاهم من واضح الأدلة وقاطع الحجج ~~البينات. # ولما نفي عنه صلى الله عليه وسلم كل زيغ بعد أن نفي عنه أن يكون على ملة ~~هو متقدم عن حدوثها شرع في بيان ما يتم به نتيجة ما مضى ببيان من هو أقرب ~~إليه ممن جاء بعده، فقرر أن الأولى به إنما هو من اتبعه في أصل الدين، ~~وهو التوحيد والتنزيه الذي لم يختلف فيه نبيان أصلا، وفي الانقياد ~~للدليل وترك المألوف من غير تلعثم حتى صاروا أحقاء بالإسلام الذي هو وصفه ~~بقوله سبحانه وتعالى مؤكدا ردا عليهم وتكذيبا لمحاجتهم: { إن أولى ~~الناس } أي أقربهم وأحقهم { بإبراهيم للذين اتبعوه } أي في دينه من أمته ~~وغيرهم، لا الذين ادعوا أنه تابع لهم، ثم صرح بهذه الأمة فقال: { وهذا ~~النبي } أي هو أولى الناس به { والذين آمنوا } أي من أمته وغيرهم وإن ~~كانوا في أدنى درجات الإيمان { والله } أي بما له من صفات الكمال - ~~وليهم، هذا الأصل، ولكنه قال: { ولي المؤمنين * } ليعم الأنبياء كلهم ~~وأتباعهم من كل فرقة، ويعلم أن الوصف الموجب للتقريب العراقة في الإيمان ~~ترغيبا لمن لم يبلغه في بلوغه. # ولما كان قصد بعضهم بدعواه أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام على دينه ~~إنما هو إضلال أهل الإسلام عقب ذلك بالإعراب عن ms0750 مرادهم بقوله تعالى - ~~جوابا لمن كأنه قال: فما كان مراد أهل الكتابين بدعواهم فيه مع علمهم أن ~~ذلك مخالف لصريح العقل؟ { ودت طآئفة } أي من شأنها أن تطوف حولكم طواف ~~التابع المحب مكرا وخداعا { من أهل الكتاب } حسدا لكم { لو يضلونكم } ~~بالرجوع إلى دينهم الذي يعلمون أنه قد نسخ { وما } أي والحال أنهم ما { ~~يضلون } بذلك التمني أو الإضلال لو وقع { إلا أنفسهم } لأن كلا من ~~تمنيهم وإضلالهم ضلال لهم مع أنهم لا يقدرون أن يضلوا من هداه الله، فمن ~~تابعهم على ضلالهم فإنما أضله الله { وما يشعرون * } أي وليس يتجدد لهم ~~في وقت من الأوقات نوع شعور، فكيدهم لا يتعداهم فقد جمعوا بين الضلال ~~والجهل، إما حقيقة لبغضهم وإما لأنهم لما عملوا بغير ما يعلمون عد علمهم ~~جهلا وعدوا هم بهائم، فكانت هذه الجملة على غاية التناسب، لأن أهم شيء ~~في حق من رمى بباطل - إنما غلبة الرامي ليتعاظم بأنه شأنه - بيان إبطاله ~~في دعواه، ثم تبكيته المتضمن لبراءة المقذوف، ثم التصريح ببراءته، ثم ~~بيان من هو أولى بالكون من حربه، ثم بيان المراد من تلك الدعوى الكاذبة ~~ليحذر غائلتها السامع. # ولما ختم الكلام فيهم بنفي شعورهم بين تعالى في معرض التبكيت أن نفيهم ~~عنه إنما هو لأنهم معاندون، لا يعملون بعلمهم، بل يعملون بخلافه، فقال ~~مستأنفا بما يدل على غاية التبكيت المؤذنة بشديد الغضب: { يا أهل الكتاب ~~} أي الذين يدعون أنهم أهل العلم { لم تكفرون } أي كفرا تجددونه في كل ~~وقت { بآيات الله } أي تسترون ما عندكم من العلم بسبب الآيات التي أنزلت ~~عليكم من الملك المحيط بكل شيء عظمة وعزا وعلما { وأنتم تشهدون * } أي ~~تعلمون علما هو عندكم في غاية الانكشاف أنها آياته؛ ثم أتبع ذلك ~~استئنافا آخر مثل ذلك إلا أن الأول قاصر على ضلالهم وهذا متعد إلى ~~إضلالهم فقال: { يا آهل الكتاب لم تلبسون الحق } أي الذي لا مرية فيه { ~~بالباطل } أي بأن تؤولوه بغير تأويله، أو تحملوه على غير محله { وتكتمون ~~الحق } أي الذي ms0751 لا يقبل تأويلا، وهو ما تعلمون من البشارة بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم وتوابعها { وأنتم } أي والحال أنكم { تعلمون * } أي من ~~ذوي العلم، فأنتم تعرفون ذلك قطعا وأن عذاب الضال المضل عظيم جدا. # ولما ذكر لبسهم دل عليه بقوله عطفا على { ودت طائفة } مبينا لنوع ~~إضلال آخر: { وقالت طائفة من أهل الكتاب } أي من يهود المدينة { آمنوا } ~~أي أظهروا الإيمان { بالذي أنزل على الذين آمنوا } متابعة لهم { وجه } أي ~~أول { النهار } سمي وجها لأنه أول ما يستقبلك منه وهو ما يظهر, ولذا ~~عبروا به عن الأول الذي يصلح لاستغراق النصف، لأن مرادهم التلبيس بظاهر ~~لا باطن له، ولفظ لا حقيقة له، في جزء يسير جدا { واكفروا آخره } أي ~~ليظنوا أنه لا غرض لكم إلا الحق، وأنه ما ردكم عن دينهم بعد ابتاعكم له ~~إلا ظهور بطلانه { لعلهم يرجعون * } أي ليكون حالهم حال من يرجى رجوعه عن ~~دينه { ولا تؤمنوا } أي توقعوا التصديق الحقيقي { إلا لمن تبع دينكم } ~~فصوبوا طريقته وصدقوا دينه وعقيدته. # ولما كان هذا عين الضلال أمره سبحانه وتعالى أن يعجب من حالهم منبها ~~على ضلالهم بقوله معرضا عنهم إيذانا بالغضب: { قل إن الهدى هدى الله } ~~أي المختص بالعظمة وجميع صفات الكمال، أي لا تقدرون على إضلال أحد منا ~~عنه، ولا نقدر على إرشاد أحد منكم إليه إلا بإذنه، ثم وصل به تقريعهم ~~فقال: { أن } بإثبات همزة الإنكار في قراءة ابن كثير، وتقديرها في قراءة ~~غيره، أي أفعلتم الإيمان على الصورة المذكورة خشية أن { يؤتى أحد } أي من ~~طوائف الناس { مثل ما أوتيتم } أي من العلم والهدى الذي كنتم عليه أول ~~الأمر { أو } كراهة أن { يحاجوكم } أي يحاجكم أولئك الذين أوتوا مثل ما ~~أوتيتم { عند ربكم } الذي طال إحسانه إليكم بالشهادة عليكم أنهم آمنوا ~~وكفرتم بعد البيان الواضح فيفضحوكم. # ولما كانت هذه الأية شبيهة بآية البقرة # ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ~~ربكم # [البقرة: 105] في الحسد على ما أوتي غيرهم ms0752 من الدين الحق وكالشارحة لها ~~ببيان ما يلبيسونه لقصد الإضلال ختمت بما ختمت به تلك، لكن لما قصد بها ~~الرد عليهم في كلا هذين الأمرين اللذين دبروا هذا المكر لأجلهما زيدت ما ~~له مدخل في ذلك فقال تعالى مجيبا لمن تشوف إلى تعليم ما لعله يكف من ~~مكرهم ويؤمن من شرهم معرضا عنهم بالخطاب بعد الإقبال عليهم به إيذانا ~~بشديد الغضب: { قل إن الفضل } في التشريف بإنزال الآيات وغيرها { بيد ~~الله } المختص بأنه لا كفوء له، فله الأمر كله ولا أمر لأحد معه، وأتبعه ~~نتيجته فقال: { يؤتيه من يشاء } فله مع كمال القدرة كمال الاجتباء، ثم ~~قال مرغبا مرهبا ورادا عليهم في الأمر الثاني: { والله } الذي له من ~~العظمة وسائر صفات الكمال ما لا تحيط به العقول ولا تبلغه الأوهام { واسع ~~عليم * } أي يوسع على من علم فيه خيرا، ويهلك من علم أنه لا يصلح لخير، ~~ويعلم دقيق أمركم وجليله، فلا يحتاج سبحانه وتعالى إلى تنبيه أحد ~~بمحاجتكم عليه عنده. # ولما كان هذا من الوضوح بحيث لا يحتاج إلى تأكيد انتقل عنه إلى تأكيد ~~الرد عليهم في الأمر الأول بثمرة هذه الجملة ونتيجتها من أنه فاعل ~~بالاختيار تام الاقتدار فقال: { يختص برحمته من يشاء } ثم أكد تعظيم ما ~~لديه دفعا لتوهم من يظن أن اختصاص البعض لضيق الرحمة عن العموم فقال: { ~~والله } الذي كل شيء دونه فلا ينقص ما عنده { ذو الفضل العظيم * } وكرر ~~الاسم الأعظم هنا تعظيما لما ذكر من النعم مشيرا بذلك كله إلى التمكن ~~من الإعطاء باختباره وغزارة فضله وإلى القدرة على الإنجاء من حبائل المكر ~~بسعة علمه. # فلما تقرر أن الأمر كله له ذكر دليل ذلك فيهم بأنه فضل فريقا منهم ~~فأعلاه، ورذل فريقا منهم فأرداه، فلم يردهم الكتاب - وهم يتلونه - إلى ~~الصواب، فقال عاطفا على ما مضى من مخازيهم مقررا لكتمانهم للحق مع ~~علمهم بأنه الحق بأنه الخيانة ديدنهم في الأعيان الدنيوية والمعاني ~~الدينية منبها على أنهم وإن شاركوا الناس في انقسامهم إلى أمين وخائن ms0753 ~~فهم يفارقونهم من حيث ان خائنهم يتدين بخيانته ويسندها - مروقا من ربقة ~~الحياء - إلى الله، مادحا للأمين منهم: { ومن أهل الكتاب } أي الموصوفين ~~{ من إن تأمنه بقنطار } أي من الذهب المذكور في الفريق الآتي { يؤده إليك ~~} غير خائن فيه، فلا تسوقوا الكل مساقا واحدا في الخيانة { ومنهم من إن ~~تأمنه بدينار } أي واحد { لا يؤده إليك } في زمن من الأزمان دناءة وخيانة ~~{ إلا ما } أي وقت ما { دمت عليه قائما } تطالبه به غالبا له, بما دلت ~~عليه أداة الاستعلاء، ثم استأنف علة الخيانة بقوله: { ذلك } أي الأمر ~~البعيد من الكمال { بأنهم قالوا } كذبا على شرعهم { ليس علينا في ~~الأميين } يعني من ليس له كتاب فليس على دينهم { سبيل }. # ولما كان الكذب من عظم القباحة بمكان يظن بسببه أنه لا يجترىء عليه ذو ~~عقل فكيف على الله سبحانه وتعالى قال: { وهم يعلمون * } أي ذوو علم ~~فيعلمون أنه كذب. # ولما ادعوا نفي الجناح عنهم فيهم وبين تعالى أنهم لا يتحاشون عن الكذب ~~صرح بكذبهم في هذا الأمر بخصوصه بقوله: { بلى } أي عليكم في خيانتهم ~~لتحريم العذر عليكم مطلقا، أي سبيل - كما هو في التوراة وقد مضى نقله في ~~البقرة في آية # إن الذين آمنوا والذين هادوا # [البقرة: 62] وآية # وقولوا للناس حسنا # [البقرة: 83]. # ولما مضى تقسيمهم إلى أمين وخائن استأنف بشارة الأول ونذارة الثاني على ~~وجه عام لهم ولغيرهم لتحريم الخيانة في كل شرع في حق كل أحد منهما، إن ~~الله يبغض الخائن فقال: { من أوفى بعهده } في الدين والدنيا { واتقى } أي ~~كائنا من كان { فإن الله } ذا الجلال والإكرام يحبه، هكذا الأصل، لكنه ~~أظهر الوصف لتعليق الحكم به وإشعارا بأنه العلة الحاملة له على الأمانة ~~فقال: { يحب المتقين * }. # ولما كانت النفوس نزاعة إلى الخيانة رواغة عند مضائق الأمانة، وكانت ~~الخيانة تجر إلى الكذب بسط في الإنذار فقال: { إن الذين يشترون } أي ~~يلجون في أن يأخذوا على وجه العوض { بعهد الله } أي الذي عاهدوه عليه من ~~الإيمان بالرسول الذي عاهدهم على الإيمان به ms0754 وذكر صفته للناس، وهو سبحانه ~~أعلى وأعز من كل شيء فهو محيط بكل شيء قدرة وعلما { وأيمانهم } أي التي ~~عقدوها بالتزام متابعة الحق على ألسنة الرسل بما دل عليه العقل { ثمنا ~~قليلا } في الدنيا { أولئك } أي البعيدو الرتبة في الدناءة { لا خلاق } ~~أي نصيب { لهم في الآخرة } أي لبيعهم له بنصيب الدنيا { ولا يكلمهم الله ~~} أي الملك الأعظم استهانة بهم وغضبا عليهم بما انتهكوا من حرمته. # ولما زادت هذه عن آية البقرة العهد والحلف، وكان من عادة الحالف ~~والمعاهد النظر إلى من فعل ذلك لأجله زاد قوله: { ولا ينظر إليهم } أي بل ~~يعدهم أحقر شيء بما أعرضوا عنه، ولما كان لكثرة الجمع مدخل عظيم في مشقة ~~الخزي قال: { يوم القيامة } الذي من افتضح في جمعه لم يفز { ولا يزكيهم } ~~لأنهم لم يزكوا اسمه { ولهم } أي مع ذلك { عذاب أليم * } يعرفون به ما ~~جهلوا من عظمته. # ولما نسبهم إلى الكذب عموما نبه على نوع خاص منه هو أكذب الكذب فقال: { ~~وإن منهم لفريقا } أي جبلوا على الفرقة، فهم لا يزالون يسعون في التفريق ~~{ يلون } أي يفتلون ويحرفون { ألسنتهم بالكتاب } بأن ينقلوا اللسان ~~لتغيير الحرف من مخرج إلى آخر - مثلا بأن يقولوا في # اعبدوا الله # [المائدة: 72 وغيرها] اللات، وفي # لا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق # [الأنعام: 151] بالحد، وفي " من زنى فارجموه " فارحموه بالمهملة، أو ~~فحمموه، أو اجلدوه - ونحو هذا. # ولما كان كلام الله سبحانه وتعالى لما له من الحلاوة والجلالة لا يلبس ~~بغيره إلا على ضعيف العقل ناقص الفطرة عبر بالحسبان تنفيرا عن السماع ~~منهم وتنبيها على بعد ما يسمعه الإنسان من غيره فقال: { لتحسبوه } أي ~~الذي لوى به اللسان فحرف { من الكتاب } أي المنزل من عند الله، ولما علم ~~بهذه أنه ليس منه نبه على أنه في غاية البعد عنه فقال: { ما هو من الكتاب ~~} أعاده ظاهرا تصريحا بالتعميم. # ولما كان إيهامهم هذا من الجرأة بمكان أعلم سبحانه وتعالى أنهم تجاوزوا ~~إلى ما هو أعظم منه فصرحوا بما ms0755 أوهموه فقال: { ويقولون } أي مجددين ~~التصريح بالكذب في كل وقت بأن يقولوا { وهو من عند الله } أي المحيط ~~بجميع صفات الكمال، ثم صرح بكذبهم بقوله - مبعدا لما لووا به ألسنتهم عن ~~أن يكون فيه ثبوت حق مظهرا في موضع الإضمار لأن الاسم الذي لم يشارك فيه ~~أحد بوجه أنص على المراد وأنفى لكل احتمال: { وما هو } أي الذي لووا به ~~ألسنتهم حتى أحالوه عن حقيقته { من عند الله } أي الذي له الإحاطة ~~العامة، فما لم يكن من عنده فلا حق فيه بوجه من الوجوه، لا بكونه من ~~الكتاب ولا من غيره. # ولما بين بهذا كذبهم على الله سبحانه وتعالى تصريحا بعد أن قدم في ~~الآية الأولى بيانه بما يظن تلويحا أخبر بأن ذلك عادة لهم، لا يقفون منه ~~عند عد، ولا ينحصرون فيه بحد، فقال: { ويقولون على الله } أي الحائز ~~لجميع العظمة جرأة منهم { الكذب } أي العام كما قالوا عليه هذا الكذب ~~الخاص، ولما كان الكذب قد يطلق على ما لم يتعمد، بل وقع خطأ احترز عنه ~~بقوله: { وهم يعلمون * } أي أنه كذب، لا يشكون فيه. ### || [3.79-91] # ولما فرغ من بيان ما أراد من كتمانهم للحق مع الإشارة إلى بعض توابعه ~~إلى أن ختم بأنهم لا يتحاشون من الكذب على الله المقتضي للكذب على ~~الأنبياء صلوات الله وسلامة عليهم، لأنهم لا علم لهم بقول الله سبحانه ~~وتعالى إلا بواسطة الأنبياء عليهم السلام، ومهما كان القول كذبا على ~~الله سبحانه وتعالى اقتضى أن يكون تعبدا للمنسوب إليه من دون الله ~~سبحانه وتعالى لأنه هو الذي شرعه، وذلك موجب لأن يدعي أن النبي دعا إليه ~~عبادته من دون الله سبحانه وتعالى، وذلك بعد أن اوضح سبحانه وتعالى من ~~صفات عيسى عليه الصلاة والسلام المقتضية لنفي الإلهية عنه ما لا يخفى على ~~ذي لب شرع يبين أنهم كاذبون فيما يدعونه في عيسى عليه الصلاة والسلام، ~~فنفي أن يكون قال لهم ذلك أو شيئا منه على وجه شامل له ولكل من اتصف ~~بصفته وبسياق ms0756 هو بمجرده كاف في إبطال قولهم فقال: { ما كان } أي صح ولا ~~تصور بوجه من الوجوه { لبشر } أي من البشر كائنا من كان من عيسى وعزير ~~عليهما الصلاة والسلام وغيرهما { أن يؤتيه الله } أي المحيط بكل شيء قدرة ~~وعلما { الكتاب والحكم } أي الحكمة المهيئة للحكم، وهي العلم المؤيد ~~بالعمل والعمل المتقن بالعلم، لأن أصلها الإحكام، وهو وضع الشيء في محله ~~بحيث يمتنع فساده { والنبوة } وهي الخبر من الله سبحانه وتعالى المقتضي ~~لأتم الرفعة، يفعل الله به ذلك الأمر الجليل وينصبه للدعاء إلى اختصاصه ~~الله بالعبادة وترك الأنداد { ثم } يكذب على الله سبحانه وتعالى بأن { ~~يقول للناس كونوا عبادا لي }. # ولما كان ذلك قد يكون تجوزا عن قبول قوله والمبادرة لامتثال أمره عن ~~الله سبحانه وتعالى احتراز عنه بقوله: { من دون الله } أي المختص بجميع ~~صفات الكمال إذ لا يشك عاقل أن من أوتي نبوة وحكمة - وهو بشر - في غاية ~~البعد عن ادعاء مثل ذلك، لأن كل صفة من صفاته - لا سيما تغير بشرته ~~الدالة على انفعالاته - مستقلة بالإبعاد عن هذه الدعوى، فلم يبق لهم ~~مستند، لا من جهة عقل ولا من طريق نقل، فصار قول مثل ذلك منافيا للحكمة ~~التي هو متلبس بها، فصح قطعا انتقاؤه عنه. # ولما ذكر ما لا يكون له أتبعه ما له فقال: { ولكن } أي يقول { كونوا ~~ربانيين } أي تابعين طريق الرب منسوبين إليه بكمال العلم المزين بالعمل، ~~والألف والنون زيدتا للإيذان بمبالغتهم في المتابعة ورسوخهم في العلم ~~اللدني، فإن الرباني هو الشديد التمسك بدين الله سبحانه وتعالى وطاعته، ~~قال محمد بن الحنفية عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لما مات: مات ~~رباني هذه الأمة: { بما كنتم تعلمون الكتاب } أي بسبب كونكم عالمين به ~~معلمين له { وبما كنتم تدرسون * } فإن فائدة الدرس العلم، وفائدة العلم ~~العمل، ومنه الحث على الخير والمراقبة للخالق. # ولما نفي أن يكون الحكيم من البشر داعيا إلى نفسه وأثبت أنه يكون ولا ~~بد داعيا إلى الله سبحانه وتعالى لتظهر حكمته أثبت ms0757 أن ذلك لا بد وأن ~~يكون على وجه الإخلاص، لأن بعض الشياطين يحكم مكره بإبعاد التهمة عن نفسه ~~بالدعاء إلى إلى غيره على وجه الشرك لا سيما إن كان ذلك الغير ربانيا ~~كعيسى عليه الصلاة والسلام فقال: { ولا يأمركم } أي ذلك البشر { أن ~~تتخذوا } أتى بصيغة الافتعال إيذانا بأن الفطر مجبولة على التوجه لله ~~سبحانه وتعالى من غير كلفة { الملائكة والنبيين } فضلا عن غيرهم { ~~أربابا } أي مع الله سبحانه وتعالى أو من دونه، ثم بين أن كل عبادة كان ~~فيها أدنى شائبة فهي باطلة بقوله على طريق الإنكار تبرئة لعبادة الخلص من ~~مثل ذلك: { أيأمركم بالكفر } إشارة إلى أن الله سبحانه وتعالى غني، لا ~~يقبل إلا ما كان خالصا لوجهه { بعد إذ أنتم مسلمون * } أي منقادون ~~لأحكامه، أو متهيئون للتوحيد على علي الفطرة الأولى. # ولما بين سبحانه وتعالى فيما مضى أن التولي عن الرسل كفر، وذكر كثيرا ~~من الرسل فخص في ذكرهم وعمم، ذكر قانونا كليا لمعرفة الرسول عنه سبحانه ~~وتعالى والتمييز بينه وبين الكاذب فقال عاطفا على { إذ أنتم مسلمون } { ~~وإذ أخذ الله } أي الذي له الكمال كله { ميثاق النبيين } أي كافة، ~~والمعنى: ما كان له أن يقول ذلك بعد الإنعام عليكم بالإسلام والإنعام ~~عليه بأخذ الميثاق على الناس - الأنبياء وغيرهم - بأن يؤمنوا به إذا ~~آتاهم، فيكون بذلك الفعل مكفرا لغيره وكافرا بنعمة ربه، وهذا معنى ~~قوله: { لما } أي فقال لهم الله: لما { آتيتكم } وقراءة نافع: آتيناكم، ~~أوفق لسياق الجلالة - قاله الجعبري { من كتاب وحكمة } أي أمرتكم بها بشرع ~~من الشرائع، فأمرتم بذلك من أرسلتم إليه { ثم جآءكم رسول } أي من عندي، ~~ثم وصفه بما يعلم أنه من عنده فقال: { مصدق لما معكم } أي من ذلك الكتاب ~~والحكمة { لتؤمنن به } أي أنتم وأممكم { ولتنصرنه } أي على من يخالفه، ~~فكأنه قيل: إن هذا الميثاق عظيم، فقيل: إن، زاد في تأكيده اهتماما به ~~فقال: { قال ءأقررتم } أي يا معشر النبيين { وأخذتم على ذلكم } أي العهد ~~المعظم بالإشارة بأداة البعد وميم الجمع ms0758 { إصري } أي عهدي، سمي بذلك لما ~~فيه من الثقل، فإنه يشد في نفسه بالتوثيق والتوثق، ويشتد بعد كونه على ~~النفوس لما لها من النزوع إلى الإطلاق عن عهد التقيد بنوع من القيود، ~~فكأنه قيل: ما قالوا؟ فقيل: { قالوا أقررنا } أي بذلك، فقيل: ما قال؟ ~~فقيل { قال فاشهدوا } أي يا أنبياء! بعضكم على بعض، أو يا ملائكة! عليهم ~~{ وأنا معكم من الشاهدين * فمن } أي فتسبب عنه أنه من { تولى } أي منكم ~~أو من أممكم الذي بلغهم ذلك عن نصرة نبي موصوف بما ذكر. # ولما كان المستحق لغاية الذم إنما هو من اتصل توليه بالموت لم يقرن ~~الظرف بجار فقال: { بعد ذلك } أي الميثاق البعيد الرتبة بما فيه من ~~الوثاقة { فأولئك } أي البعداء من خصال الخير { هم الفاسقون * } أي ~~المختصون بالخروج العظيم عن دائرة الحق. # ولما كان المدرك لكل نبي إنما هم أمة النبي الذي قبله، وكانوا يكذبونه ~~ويخالفونه قال - خاتما لهذه القصص بعد الشهادة بنفسه المقدسة بما بدأها ~~به في قوله { شهد الله } الآية إلى { إن الدين عند الله الإسلام } على ~~وجه الإنكار والتهديد عاطفا على ما دل عليه السياق -: { أفغير } أي ~~أتولوا ففسقوا، فتسبب عن ذلك أنهم غير دين الله، وأورد بأن تقديم " غير " ~~يفهم أن الإنكار منحط على طلبهم اختصاصا لغير دين الله، وليس ذلك هو ~~المراد كما لا يخفى، وأجيب بأن تقديمه الاهتمام بشأنه في الإنكار، ~~والاختصاص متأخر مراعاته عن نكبة غيره - كما تقرر في محله { دين الله } ~~الذي اختص بصفات الكمال { يبغون } أي يطلبون بفسقهم، أو أتوليتم - على ~~قراءة الخطاب { وله } أي والحال أنه له حاصة { أسلم } أي خضع بالانقياد ~~لأحكامة والجري تحت مراده وقضائه، لا يقدرون على مغالبة قدره بوجه { من ~~في السموات والأرض } وهم من لهم قوة الدفاع بالبدن والعقل فكيف بغيرهم { ~~طوعا } بالإيمان أو بما وافق أغراضهم { وكرها } بالتسليم لقهره في ~~إسلام أحدهم وإن كثرت أعوانه وعز سلطانه إلى أكره ما يكره وهو صاغر داخر، ~~لا يستطيع أمرا ولا يجد نصرا { وإليه يرجعون * } بالحشر، ms0759 لا تعالجون ~~مقرا ولا تلقون ملجأ ولا مفرا، فإذا كانوا كذلك لا يقدرون على التفصي ~~من قبضته بنوع قوة ولا حيلة في سكون ولا حركة فكيف يخالفون ما أتاهم من ~~أمره على ألسنة رسله وقد ثبت أنهم رسله بما أتى به كل منهم من المعجزة! ~~ومن المعلوم أن المعاند للرسول صلى الله عليه وسلم معاند للمرسل. # ولما تم تنزيه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام عن الدعاء إلى شيء غير ~~الله، ثم هدد من تولى، فكان السامع جديرا بأن يقول: أنا مقبل غير متول ~~فما اقول وما أفعل؟ قال مخاطبا لرأس السامعين ليكون أجدر لامتثالهم: { ~~قل } أي قبل كل شيء، أي ملفتا لمن نفعه هذا التذكير والتهديد فأقبل { ~~آمنا } أنا ومن أطاعني من أمتي - مبكتا لأهل الكتاب بما تركوه من دين ~~إبراهيم عليه الصلاة والسلام ومن بعده من خلص أبنائه، وأبوه وجادلوا فيه ~~عدوانا وادعوه؛ ثم فصل المأمور بالإيمان به فقال: { بالله } الذي لا ~~كفوء له. # ولما كان الإنزال على الشيء مقصودا به ذلك الشيء بالقصد الأول كان ~~الأنسب أن يقال: { وما أنزل علينا } فيكون ذلك له حقيقة ولأتباعه مجازا، ~~وكانت هذه السورة بذلك أحق لأنها سورة التوحيد { وما أنزل على إبراهيم } ~~أي أبينا { وإسماعيل وإسحاق } أي ابنيه { ويعقوب } ابن إسحاق { والأسباط ~~} أي أولاد يعقوب. # ولما كان ما ناله صاحبا شريعة بني إسرائيل من الكتابين المنزلين عليهما ~~والمعجزات الممنوحين بها أعظم مما كان لمن قبلهما غير السياق إلى قوله: { ~~وما أوتي موسى } من أولاد الأسباط من التوراة والشريعة { وعيسى } من ذرية ~~داود من الإنجيل والشريعة الناسخة لشريعة موسى عليهما الصلاة والسلام. # ولما كان النظر هنا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أكثر لكونها سورة ~~التوحيد الذي هو أخلق به وأغرق فيه ناسب الإعراء عن التأكيد بما في ~~البقرة، ونظر إلى الكل لمحا واحدا فقال: { والنبيون } أي كافة من الوحي ~~والمعجزات ليكون الإيمان بالمنزل مذكورا مرتين لشرفه { من ربهم } أي ~~المحسن إليهم خاصة وإلى العباد عامة بإرسالهم إليهم؛ ثم استأنف تفسير هذا ~~الإيمان ms0760 بقوله: { لا نفرق بين أحد منهم } تنبيها على الموضع الذي كفر به ~~اليهود والنصارى { ونحن له } أي لله وما أنزل من عنده { مسلمون * } أي ~~منقادون على طريق الإخلاص والرضى. # ولما أمر سبحانه وتعالى بإظهار الإيمان بهذا القول، وكان ذلك هو الإذعان ~~الذي هو الإسلام قال - محذرا من الردة عنه عاطفا على { آمنا } ومظهرا ~~لما من حقه الإضمار لولا إرادة التنبيه على ذلك مشيرا بصيغة الافتعال ~~إلى مخالفة الفطرة الأولى -: { ومن يبتغ } أي يتطلب { غير } دين { ~~الإسلام } الذي هو ما ذكر من الانقياد لله سبحانه وتعالى المشتمل على ~~الشرائع المعروفة التي أساسها الإيمان بعد التلبس به حقيقة بإظهار اتباع ~~الرسل أو مجازا بالكون على الفطرة الأولى بما أشعر به الابتغاء - كما ~~تقدم، وكرر الإسلام في هذا السياق كثيرا لكونه في حيز الميثاق المأخوذ ~~بمتابعة الرسول المصدق حثا على تمام الانقياد له { دينا } وأتى بالفاء ~~الرابطة إعلاما بأن ما بعدها مسبب عما قبلها ومربوط به فقال: { فلن يقبل ~~منه } أي في الدنيا، وأشعر ترتيب هذا على السبب بأنه يرجى زوال السبب ~~لأنه مما عرض للعبد كما جرى في الردة في خلافة الصديق رضي الله تعالى ~~عنه، فإنه رجع إلى الإسلام أكثر المرتدين وحسن إسلامهم، وقوله: { وهو في ~~الآخرة من الخاسرين * } معناه: ولا يقبل منهم في الآخرة، مع زيادة ~~التصريح بالخسارة - وهي حرمان الثواب - المنافية لمقاصدهم، والقصد الأعظم ~~بهذا أهل الكتاب مع العموم لغيرهم لإقرارهم بهذا النبي الكريم وتوقعهم ~~له، عالمين قطعا بصدقه لما في كتبهم من البشارة به. # ولما أخبر سبحانه وتعالى بخسارة من ارتد عن الإسلام شرع يستدل على ~~استحقاقه لذلك بقوله: { كيف يهدي الله } مع ما له من كمال العظمة { قوما ~~} أي يخلق الهداية في قلوب ناس بهم قوة المحاولة لما يريدونه { كفروا } ~~أي أوقعوا الكفر بالله ربهم وبما ذكر مما أتت به رسله إعراضا عنه وعنهم، ~~ولما كان المقصود بكمال الذم من استمر كفره إلى الموت قال من غير جار: { ~~بعد إيمانهم } بذلك كله { وشهدوا } أي وبعد أن شهدوا ms0761 { أن الرسول حق } ~~بما عندهم من العلم به { وجاءهم البينات } أي القاطعة بأنه حق وأنه رسول ~~الله قطعا، لا شيء أقوى من بيانه ولا أشد من ظهوره بما أشعر به إسقاط ~~تاء التأنيث من جاء. # ولما كان الحائد عن الدليل بعد البيان لا يرجى في الغالب عوده كان ~~الاستبعاد بكيف موضحا لأن التقدير لأجل التصريح بالمراد: أولئك لا ~~يهديهم الله لظلمهم بوضعهم ثمرة الجهل بنقض عهد الله سبحانه وتعالى ~~المؤكد بواسطة رسله موضع ثمرة العلم، فعطف على هذا المقدر المعلوم تقديره ~~قوله: { والله } أي الذي له الكمال كله { لا يهدي القوم الظالمين * } أي ~~الغريقين في الظلم لكونه جبلهم على ذلك، تحذيرا من مطلق الظلم، ولما ~~علمت بشاعة خيانتهم تشوف السامع إلى معرفة جزائهم فقال: { أولئك } أي ~~البعداء البغضاء { جزاؤهم أن عليهم لعنة الله } أي الملك الأعظم، وهي ~~غضبه وطرده { والملائكة والناس أجمعين * } حتى أنهم هم ليلعنون أنفسهم، ~~فإن الكافر يطبع على قلبه فيظن أنه على هدى ويصير يلعن الكافر ظانا أنه ~~ليس بكافر، وهذا اللعن واقع عليهم حال تلبسهم بالفعل لوضعهم الشيء في غير ~~محله، فصار كل من له علم يبعدهم لسوء صنيعهم لتبديلهم الحسن بالسيىء، ~~وحذرا من فعل مثل ذلك معه { خالدين فيها } أي اللعنة دائما. # ولما كان المقيم في الشدة قد تنقص شدته على طول نفي ذلك بقوله: { لا ~~يخفف عنهم العذاب } مفيدا ان عليهم مع مطلق الشدة بالطرد شدائد أخرى ~~بالعقوبة. ولما كان المعذب على شيء ربما استمهل وقتا ما ليرجع عن ذلك ~~الشيء أو ليعتذر نفى ذلك بقوله: { ولا هم ينظرون * } أي يؤخرون للعلم ~~بحالهم باطنا وظاهرا حالا ومآلا، ولإقامة الحجة عليهم من جميع ~~الوجوه، لم يترك شيء نمها لأن المقيم لها منزه عن العجز والنسيان. # ولما انخلعت القلوب بهذه الكروب نفس عنها سبحانه وتعالى مشيرا إلى أن ~~فيهم - وإن استبعد رجوعهم - موضعا للرجاء بقوله: { إلا الذين تابوا } أي ~~رجعوا إلى ربهم متذكرين لإحسانه، ولما كان التائب لم يستغرق زمان ما بعد ~~الإيمان بالكفر، وكانت التوبة ms0762 مقبولة ولو قل زمنها أثبت الجار فقال: { من ~~بعد ذلك } الارتدار حيث تقبل التوبة { وأصلحوا } أي بالاستمرار على ما ~~تقضيه من الثمرات الحسنة { فإن الله } أي الذي له الجلال والإكرام يغفر ~~ذنوبهم لأن الله { غفور } يمحو الزلات { رحيم * } بإعطاء المثوبات، هذه ~~صفة لهم ولكل من تاب من ذنبه. # ولما رغب في التوبة رهب من التواني عنها فقال: { إن الذين كفروا } أي ~~بالله وأوامره، وأسقط الجار لما مضى من قوله { من بعد إيمانهم } بذلك. ~~ولما كان الكفر لفظاعته وقبحه وشناعته جديرا بالنفرة عنه والبعد منه نبه ~~سبحانه وتعالى على ذلك باستبعاد إيقاعه، فكيف بالتمادي عليه فكيف ~~بالازدياد منه! وعبر عن ذلك بأداة التراخي فقال: { ثم ازدادوا كفرا } أي ~~بأن تمادوا على ذلك ولم يبادروا بالتوبة { لن تقبل توبتهم } أي إن تابوا، ~~لأن الله سبحانه وتعالى يطبع على قلوبهم فلا يتوبون توبة نصوحا يدومون ~~عليها ويصلحون ما فسد، أو لن توجد منهم توبة حتى يترتب عليها القبول ~~لأنهم زادوا عن أهل القسم الأول بالتمادي، ولم يأت بالفاء الدالة على أنه ~~مسبب عما قبله إعلاما بأن ذلك إنما هو لأنهم مطبوع على قلوبهم، مهيؤون ~~للكفر من أصل الجبلة، فلا يتوبون أبدا توبة صحيحة، فالعلة الحقيقية ~~الطبع لا الذنب، وهذا شامل لمن تاب عن شيء وقع منه كأبي عزة الجمحي، ولمن ~~لم يتب كحيي بن أخطب { وأولئك هم } أي خاصة { الضالون * } أي الغريقون في ~~الضلال, وإليه أشار # ولو أسمعهم لتولوا # [الأنفال: 23] لوقوعهم في أبعد شعابة وأضيق نقابه، فأنى لهم بالرجوع منه ~~والتقصي عنه! # ولما أثبت لهم الخصوصية بذلك لائنا لهم فيه إلى حد أيس معه من رجوعهم ~~تشوف السامع إلى حالهم في الآخرة فقال مبينا لهم أن السبب في عدم قبول ~~توبتهم تفويت محلها بتماديهم على الكفر: { إن الذين كفروا } أي هذا الكفر ~~أو غيره، ويجوز أن يكون المراد أنهم ثلاثة أقسام: التائبون توبة صحيحة ~~وهم الذين أصلحوا، والتائبون توبة فاسدة، والواصلون كفرهم بالموت من غير ~~توبة، ولذا قال: { وماتوا وهم كفار } ولما كان ms0763 الموت كذلك سببا للخلود ~~في النار لأن السياق للكفر والموت عليه، صرح بنفي قبول الفداء كائنا من ~~كان، وربطه بالفاء فقال: { فلن يقبل } أي بسبب شناعة فعلهم الذي هو ~~الاجتراء على الكفر ثم الموت عليه { من أحدهم } أي كائنا من كان { ملء ~~الأرض ذهبا } أي من الذهب, لا يتجدد له قبول ذلك لو بذله هبة أوهدية أو ~~غير ذلك { ولو افتدى به } لو في مثل هذا السياق تجيء منبهة على أن ما ~~قبلها جاء على سبيل الاستقصاء، وما بعدها جاء تنصيصا على الحالة التي ~~يظن أنها لا تندرج فيما قبلها، كقوله صلى الله عليه وسلم # " أعطوا السائل ولو جاء على فرس " # فكونه جاء على فرس يؤذن بغناه، فلا يناسب أن يعطى فنص عليه؛ وأما هنا ~~فلما كان قبول الفدية واجبا عند أهل الكتاب - كما مر في قوله سبحانه ~~وتعالى # وإن يأتوكم أسارى تفادوهم # [البقرة: 85] كان بحيث ربما ظن أن بذله - على طريق الافتداء يخالف بذله ~~على غير ذلك الوجه حتى يجب قبوله، فنص عليه؛ وأيضا فحالة الافتداء حالة ~~لا يمتن فيها المفتدي على المفتدى منه، إذ هي حالة قهر من المفتدى منه ~~للمفتدى - قاله أبو حيان. فالمعنى: لا يقبل من أحدهم ما يملأ الأرض من ~~الذهب على حال من الأحوال ولو على حال الافتداء، والمراد بالمثال ~~المبالغة في الكثرة، أي لا يقبل منه شيء؛ وإنما اقتصر على ملء الأرض لأنه ~~أكثر ما يدخل تحت أوهام الناس ويجري في محاوراتهم - والله سبحانه وتعالى ~~أعلم. # ولما تشوف السامع إلى معرفة ما يحل بهم أجيب بقوله: { أولئك } أي ~~البعداء من الرحمة { لهم عذاب أليم } ولعظمته أغرق في النفي بعده بزيادة ~~الجار فقال: { وما لهم من ناصرين * } أي ينصرونهم بوجه من الوجوه، فانتفى ~~عنهم كل وجه من وجوه الاستنقاذ. ### || [3.92-103] # ولما كان آخر هذه القصص في الحقيقة إبطال كل ما خالف الإسلام الذي هو ~~معنى # إن الدين عند الله الإسلام # [آل عمران: 19] - وما بعد ذلك إنما جره - ختم الآية بدعوى أن المخالفين ~~من الخاسرين، ms0764 وختم ذلك بأن من مات على الكفر لا يقبل إنفاقه للإنقاذ مما ~~يلحقه من الشدائد، لا بدفع لقاهر ولا بتقوية لناصر، فتشوفت النفس إلى ~~الوقت الذي يفيد فيه الإنفاق وأي وجوهه أنفع، فأرشد إلى ذلك وإلى أن ~~الأحب منه أجدر بالقبول، رجوعا إلى ما قرره سبحانه وتعالى قبل آية ~~الشهادة بالوحدانية من صفة عباده المنفقين والمستغفرين بالأسحار على وجه ~~أبلغ بقوله: { لن تنالوا البر } وهو كمال الخير { حتى تنفقوا } أي في ~~وجوه الخير { مما تحبون } أي من كل ما تقتضون، كما ترك إسرائيل عليه ~~الصلاة والسلام أحب الطعام إليه لله سبحانه وتعالى. # ولما كان التقدير: فإن أنفقتم منه علمه الله سبحانه وتعالى فأنالكم به ~~البر، وإن تيممتم الخبيث الذي تكرهونه فأنفقتموه لم تبروا، وكان كل من ~~المحبة والكراهة أمرا خفيا، قال سبحانه وتعالى مرغما مرهبا: { وما ~~تنفقوا من شيء } أي من المحبوب وغيره { فإن الله } أي الذي له الإحاطة ~~الكاملة. وقدم الجار اهتماما به إظهارا لأنه يعلمه من جميع وجوهه ما ~~تقول لمن سألك - هل تعلم كذا: لا أعلم إلا هو، فقال: { به عليم * } فهذا ~~كما ترى احتباك. # ولما أخبر بذلك بين أنه كان ديدن أهل الكمال على وجه يقرر به ما مضى من ~~الإخبار بعظيم اجتراء أهل الكتاب على الكذب بأمر حسي فقال تعالى: { كل ~~الطعام } أي من الشحوم مطلقا وغيرها { كان حلا لبني إسرائيل } أي أكله ~~- كما كان حلا لمن قبلهم على أصل الإباحة { إلا ما حرم إسرائيل } ~~تبررا وتطوعا { على نفسه } وخصه بالذكر استجلابا لبنيه إلى ما يرفعهم ~~بعد اجتذابهم للمؤمنين إلى ما يضرهم ولا ينفعهم. ولما كانوا بما أغرقوا ~~فيه من الكذب ربما قالوا: إنما حرم ذلك اتباعا لحكم التوراة قال: { من ~~قبل } وأثبت الجار لأن تحريمه كان في بعض ذلك الزمان، لا مستغرقا له. ~~وعبر بالمضارع لأنه أدل على التجدد فقال: { أن تنزل التوراة } وكان قد ~~ترك لحوم الإبل وألبانها وكانت أحب الأطعمة إليه لله وإيثارا لعباده - ~~كما تقدم ذلك في البقرة عند # فلما جاءهم ms0765 ما عرفوا كفروا به # [البقرة: 89]. # ولما كانت هذه الآية إلزاما لليهود باعتقاد النسخ الذي طعنوا به في هذا ~~الدين في أمر القبلة، وكانوا ينكرونه ليصير عذرا لهم في التخلف عن اتباع ~~النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم، فكانوا يقولون: لم تزل الشحوم ~~وما ذكر معها حراما على من قبلنا كما كانت حراما علينا، فأمر بجوابهم ~~بأن قال: { قل } أي لليهود { فأتوا بالتوارة فاتلوها } أي لتدل لكم { إن ~~كنتم صادقين * } فيما ادعيتموه، فلم يأتلوا بها فبان كذبهم فافتضحوا ~~فضيحة لا مثل لها في الدنيا { فمن } أي فتسبب عن ذلك أنه من { افترى } أي ~~تعمد { على الله } أي الملك الأعظم { الكذب } أي في أمر المطاعم أو ~~غيرها. # ولما كان المراد النهي عن إيقاع الكذب في أي زمن كان، لا عن إيقاعه في ~~جميع الزمان الذي بعد نزول الآية أثبت الجار فقال: { من بعد ذلك } أي ~~البيان العظيم الظاهر جدا { فأولئك } أي الأباعد الأباغض { هم } خاصة ~~لتعمدهم الكذب على من هو محيط بهم ولا تخفى عليه خافية { الظالمون * } أي ~~المتناهو الظلم بالمشي على خلاف الدليل فعل من يمشي في الظلام، فهو لا ~~يضع شيئا في موضعه، وذلك بتعرضهم إلى أن يهتكهم التام العلم ويعذبهم ~~الشامل القدرة. # ولما اتضح كذبهم وافتضح تدليسهم - لأنه لما استدل عليهم بكتابهم فلم ~~يأتوا به صار ظاهرا كالشمس، لا شك فيه ولا لبس، ولم يزدهم ذلك إلا ~~تماديا في الكذب - أمر سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: { ~~قل } أي لأهل الكتاب الذي أنكروا النسخ فأقمت عليهم الحجة من كتابهم { ~~صدق الله } أي الملك الأعظم الذي له الكمال كله في جميع ما أخبر، وتخبر ~~به عن ملة إبراهيم وغيره من بنيه أسلافكم، وتبين أنه ليس على دينكم هو ~~ولا أحد ممن قبل موسى عليه الصلاة والسلام، لأنكم لو كنتم صادقين لأتيتم ~~بالتوراة، نافيا بذلك أن يكون تأخرهم عن الإتيان بها لعلة يعتلون بها ~~غير ذلك، وإذ قد تبين صدقه تعالى في جميع ما قال وجب اتباعه في كل ms0766 ما ~~يأمر به، وأعظمه ملة إبراهيم فإنها الجامعة للمحاسن. # ولما ثبت ذلك بهذا الدليل المحكم لزم قطعا أنه ما كان يهوديا ولا ~~نصرانيا ولا مشركا، وقد أقروا بأن ملته هي الحق وأنهم أتباعه، فتسبب عن ~~ذلك وجوب اتباعه فيما أخبر الله سبحانه وتعالى به فبان كالشمس صدقه، لا ~~فيما افتروه هم من الكذب، فقال سبحانه وتعالى: { فاتبعوا ملة إبراهيم } ~~وهي الإسلام أي الانقياد للدليل، وهو معنى قوله: { حنيفا } أي تابعا ~~للحجة إذا تحررت، غير متقيد بمألوف. ولما كان صلى الله عليه وسلم ~~مفطورا. على الإسلام فلم يكن في جبلته شيء من العوج فلم يكن له دين غير ~~الإسلام نفى الكون فقال: { وما كان من المشركين } أي بعزير ولا غيره من ~~الأكابر كالأحبار الذين تقلدونهم مع علمكم بأنهم يدعون إلى ضد ما دعا ~~إليه سبحانه وتعالى. # ولما ألزمهم سبحانه وتعالى بالدليل الذي دل على النسخ أنهم على غير ملة ~~إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وأوجب عليهم اتباعها بعد بيان أنها هي ما ~~عليه محمد صلى الله عليه وسلم وأتباعه، أخبر عن البيت الذي يخول إليه ~~التوجه في الصلاة، فعابوه على أهل الإسلام أنه أعظم شعائر إبراهيم عليه ~~الصلاة والسلام التي كفروا بتركها، ولذلك أبلغ في تأكيده فقال سبحانه ~~وتعالى: { إن أول بيت } أي من البيوت الجامعة للعبادة { وضع للناس } أي ~~على العموم متعبدا واجبا عليهم قصده وحجه بما أمرهم به على لسان موسى ~~عليه الصلاة والسلام، واستقباله في الصلاة بما أنزل على محمد صلى الله ~~عليه وسلم في ذلك، ولعل بناء وضع، للمفعول إشارة إلى أن وضعه كان قبل ~~إبراهيم عليه الصلاة والسلام { للذي ببكة } أي البلدة التي تدق أعناق ~~الجبابرة، ويزدحم الناس فيها إزدحاما لا يكون في غيرها مثله ولا قريب ~~منه، فلا بد أن يدق هذا النبي الذي أظهرته منها الأعناق من كل من ناواه, ~~ويزدحم الناس على الدخول في دينه ازدحاما لم يعهد مثله, فإن فاتكم ذلك ~~ختم في الدارين غاية الخيبة ودام ذلكم وصغاركم؛ حال كونه { مباركا } أي ms0767 ~~عظيم الثبات كثير الخيرات في الدين والدنيا { وهدى للعالمين * } أي من ~~بني إسرائيل ومن قبلهم ومن بعدهم، فعاب عليهم سبحانه وتعالى في هذه الآية ~~فعلهم من النسخ ما أنكروه على مولاهم. # وذلك نسخهم لما شرعه من حجة من عند أنفسهم تحريفا منهم مثالا لما قدم ~~من الإخبار به عن كذبهم، وهذا أمر شهير يسجل عليهم بالمخالفة ويثبت ~~للمؤمنين المؤالفة، فإن حج البيت الحرام وتعظيمه من أعظم ما شرعه إبراهيم ~~عليه الصلاة والسلام - كما هو مبين في السير وغيرها وهم عالمون بذلك، وقد ~~حجه أنبياؤهم عليهم الصلاة والسلام وأسلافهم إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ~~ويعقوب والأسباط وغيرهم من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم - كما ~~روي من غير طريق عن النبي صلى الله عليه وسلم حتى أن في بعض الطرق أنه ~~كان مع موسى عليه الصلاة في حجة إليه سبعون ألفا من بني إسرائيل، ومن ~~المحال عادة أن يخفى ذلك عليهم، ومن الأمر الواضح أنهم قد تركوا هذه ~~الشريعة العظيمة أصلا ورأسا، فكيف يصح لهم دعوى أنهم على دين إبراهيم ~~عليه الصلاة والسلام مع انسلاخهم من معظم شرائعه! ثم فسر الهدى بقوله: { ~~فيه آيات بينات } وقوله: { مقام إبراهيم * } أي أثر قدمه عليه الصلاة ~~والسلام في الحجر حيث قام لتغسل كنته رأسه الشريف - أعربه أبو حيان بدلا ~~أو عطف بيان من الموصول الذي هو خبر { إن } في قوله: { للذي ببكة } فكأنه ~~قيل: إن أول بيت وضع للناس لمقام إبراهيم، وأعربه غيره بدل بعض من قوله { ~~آيات } وهو وحده آيات لعظمه ولتعدد ما فيه من تأثير القدم، وحفظه إلى هذا ~~الزمان مع كونه منقولا، وتذكيره بجميع قضايا إبراهيم وإسماعيل عليهما ~~الصلاة والسلام. # ولما كان أمن أهله في بلاد النهب والغارات التي ليس بها حاكم يفزع إليه ~~ولا رئيس يعول في ذلك عليه من أدل الآيات قال سبحانه وتعالى: { ومن دخله ~~} أي فضلا عن أهله { كان آمنا } أي عريقا في الأمن، أو فأمنوه بأمان ~~الله، وتحويل العبارة عن " وأمن داخله " لأن هذا أدل على المراد من تمكن ms0768 ~~الأمن، وفيه بشارة بدخول الجنة. # ولما أوضح سبحانه وتعالى براءتهم من إبراهيم عليه الصلاة والسلام ~~لمخالفتهم إياه بعد دعواهم بهتانا أنه على دينهم، وكانت المخالفة في ~~الواجب أدل قال سبحانه وتعالى: { ولله } أي الملك الذي له الأمر كله { ~~على الناس } أي عامة، فأظهر في موضع الإضمار دلالة على الإحاطة والشمول - ~~كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى عن الأستاذ أبي الحسن الحرالي في # استطعما أهلها # [الكهف:77] في الكهف، وذلك لئلا يدعي خصوصة بالعرب أو غيرهم { حج البيت ~~} أي زيارته زيارة عظيمة، وأظهر أيضا تنصيصا عليه وتنويها بذكره ~~تفخيما لقدره، وعبر هنا بالبيت لأنه في الزيارة، وعادة العرب زيارة ~~معاهد الأحباب وأطلالهم وأماكنهم وحلالهم، وأعظم ما يعبر به عن الزيارة ~~عندهم الحج، ثم من بالتخفيف بقوله مبدلا من الناس، تأكيدا بالإيضاح ~~بعد الإبهام وحملا على الشكر بالتخفيف بعد التشديد وغير ذلك من البلاغة: ~~{ من استطاع } أي منهم { إليه سبيلا } فمن حجه كان مؤمنا. # ولما كان من الواضح أن التقدير: ومن لم يحجه مع الاستطاعة كفر بالنعمة ~~إن كان معترفا بالوجوب، وبالمروق من الدين إن جحد، عطف عليه قوله: { ومن ~~كفر } أي بالنعمة أو بالدين { فإن الله } اي الملك الأعلى { غني } ولما ~~كان غناه مطلقا دل عليه بقوله موضع عنه: { عن العالمين * } أي طائعهم ~~وعاصيهم، صامتهم وناطقهم، رطبهم ويابسهم، فوضح بهذه الآية وما شاكلها ~~أنهم ليسوا على دينه كما وضح بما تقدم أنه ليس على دينهم، فثبتت بذلك ~~براءته منهم، والآية من الاحتباك لأن إثبات فرضه أولا يدل على كفر من ~~أباه، وإثبات { ومن كفر } ثانيا يدل على إيمان من حجه. # ولما أتم سبحانه وعز شأنه البراهين وأحكم الدلائل عقلا وسمعا، ولم يبق ~~لمتعنت شبهة، ولم يبادروا الإذعان، بل زادوا في الطغيان، وكادوا أن ~~يوقعوا الضراب والطعان بين أهل الإيمان، أعرض سبحانه وتعالى عن خطابهم ~~إيذانا بشديد الغضب ورابع الانتقام فقال سبحانه وتعالى مخاطبا لرسوله ~~الذي يكون قتلهم على يده: { قل } وأثبت أداة دالة على بعدهم عن الحضرة ~~القدسية فقال: { يا ms0769 أهل الكتاب } أي من الفريقين { لم تكفرون } أي توقعون ~~الكفر { بآيات الله } أي وهي - لكونه الحائز بجميع الكمال - البينات ~~نقلا وعقلا الدالة على أنكم على الباطل لما وضح من أنكم على غير ملة ~~إبراهيم عليه الصلاة والسلام. # ولما كان كفرهم ظاهرا ذكر شهادته تعالى فقال مهددا { والله } أي ~~والحال أن الله الذي هو محيط بكل شيء قدرة وعلما فلا إله غيره وقد ~~أشركتم به { شهيد على } كل { ما تعملون * } أي لكونه يعلم سبحانه السر ~~وأخفى وإن حرفتم وأسررتم. ثم استأنف إيذانا بالاستقلال تقريعا آخر ~~لزيادتهم على الكفر التكفير فقال: { قل يا آهل الكتاب } أي المدعين للعلم ~~واتباع الوحي، كرر هذا الوصف لأنه مع أنه أبعد في التقريع أقرب إلى ~~التطلف في صرفهم عن ضلالهم { لم تصدون } أي بعد كفركم { عن سبيل الله } ~~أي الملك الذي له القهر والعز والعظمة والاختصاص بجميع صفات الكمال، ~~وسبيله دينه الذي جاء به نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وقدمه اهتماما ~~به. ثم ذكر المفعول فقال: { من أمن } حال كونكم { تبغونها } أي السبيل { ~~عوجا } أي بليكم ألسنتكم وافترائكم على الله، ولم يفعل سبحانه وتعالى إذ ~~أعرض عنهم في هذه الآية ما فعل من قبل إذ أقبل عليهم بلذيذ خطابه تعالى ~~جده وتعاظم مجده إذ قال: # يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم # [آل عمران: 65] # يا أهل الكتاب لم تكفرون # [آل عمران: 70] والآية التي بعدها بغير واسطة. وقال أبو البقاء في ~~إعرابه: إن تبغون يجوز أن يكون مستأنفا وأن يكون حالا من الضمير في ~~تصدون أو من السبيل، لأن فيها ضميرين راجعين إليها، فلذلك يصح أن يجعل ~~حالا من كل واحد منهما، وعوجا حال - انتهى. وقال صاحب القاموس في بنات ~~الواو: بغا الشيء بغوا: نظر إليه كيف هو، وقال في بنات الياء: بغيته ~~أبغيه: طلبته، فالظاهر أن جعل عوجا حالا - كما قال أبو البقاء - أصوب ~~من جعله مفعولا - كما قال في الكشاف. ويكون تبغون إما يائيا فيكون ~~معناه: تريدونها معوجة أو ذات عوج، فإن طلب بمعنى: ms0770 أراد؛ وإما أن يكون ~~واويا بمعنى: ترونها ذات عوج، أي تجعلونها في نظركم يعني: تتكلفون وصفها ~~بالعوج مع علمكم باستقامتها، لكن قوله صلى الله عليه وسلم في الصحيح # " ابغني أحجارا أستنفض بهن " # يؤيد قول صاحب الكشاف. # ولما ذكر صدهم وإرادتهم العوج الذي لا يرضاه ذو عقل قال موبخا: { وأنتم ~~شهداء } أي باستقامتها بشهادتكم باستقامة دين إبراهيم مع قيام أدلة السمع ~~والعقل أنها دينه وأن النبي والمؤمنين أولى الناس به لانقيادهم للأدلة. ~~ولما كان الشهيد قد يغفل، وكانوا يخفون مكرهم في صدهم، هددهم بإحاطة علمه ~~فقال: { وما الله } أي الذي تقدم أنه شهيد عليكم وله صفات الكمال كلها { ~~بغافل } أي أصلا { عما تعملون * } ولما تم إيذانه بالسخط على أعدائه ~~وأبلغ في إنذارهم عظيم انتقامه إن داموا على إضلالهم، أقبل بالبشر على ~~أحبائه، مواجها لهم بلذيذ خطابه وصفي غنائه، محذرا لهم الاغترار ~~بالمضلين، ومنبها ومرشدا ومذكرا ودالا على ما ختم به ما قبلها من ~~إحاطة علمه بدقيق مكر اليهود، فقال سبحانه وتعالى: { يا أيها الذين آمنوا ~~} أي بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم { إن تطيعوا فريقا } أتى بهذا ~~اللفظ لما كان المحذر منه الافتراق والمقاطعة الذي يأتي عيب أهل الكتاب ~~به { من الذين أوتوا الكتاب } أي القاطعين بين الأحباب مثل شأس بن قيس ~~الذي مكر بكم إلى أن أوقع الحرب بينكم، فلولا النبي الذي رحمكم به ربكم ~~لعدتم إلى شر ما كنتم فيه { يردوكم } وزاد في تقبيح هذا الحال بقوله ~~مشيرا بإسقاط الجار إلى الاستغراق زمان البعد: { بعد إيمانكم كافرين * } ~~أي غريقين في صفة الكفر، فيا لها من صفقة ما أخسرها وطريقة ما أجورها!. # ولما حذرهم منهم عظم عليهم طاعتهم بالإنكار والتعجيب من ذلك مع ما هم ~~عليه بعد اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم من الأحوال الشريفة فقال - ~~عاطفا على ما تقديره: فكيف تطيعونهم وأنتم تعلمون عداوتهم: { وكيف ~~تكفرون } أي يقع منكم ذلك في وقت من الأوقات على حال من الأحوال { وأنتم ~~تتلى } أي تواصل بالقراءة { عليكم آيات الله } أي علامات ms0771 الملك الأعظم ~~البينات { وفيكم رسوله } الهادي من الضلالة المنقذ من الجهالة، فتكونون ~~قد جمعتم إلى موافقة العدو مخالفة الولي وأنتم بعينه وفيكم أمينه { ومن } ~~أي والحال أنه من { يعتصم } أي يجهد نفسه في ربط أموره { بالله } المحيط ~~بكل شيء علما وقدرة في جميع أحواله كائنا من كان. ولما كان من قصر ~~نفسه على من له الكمال كله متوقعا للفلاح عبر بأداة التوقع مقرونة بفاء ~~السبب فقال: { فقد هدى } وعبر بالمجهول على طريقة كلام القادرين { إلى ~~صراط مستقيم * }. # ولما انقضى هذا التحذير من أهل الكتاب والتعجيب والترغيب، أمر بما يثمر ~~ذلك من رضاه فقال: { يا أيها الذين آمنوا } أي ادعوا ذلك بألسنتهم { ~~اتقوا الله } أي صدقوا دعواكم بتقوى ذي الجلال والإكرام { حق تقاته } ~~فأديموا الانقياد له بدوام مراقبته ولا تقطعوا أمرا دونه { ولا تموتن } ~~على حالة من الحالات { إلا وأنتم مسلمون * } أي منقادون أتم الانقياد، ~~ونقل عن العارف أبي الحسن الشاذلي أن هذه الآية في أصل الدين وهو ~~التوحيد، وقوله سبحانه وتعالى: # فاتقوا الله ما استطعتم # [التغابن: 16] في فروعه. # ولما كان عزم الإنسان فاترا وعقله قاصرا، دلهم - بعد أن أوقفتهم ~~التقوى - على الأصل لجميع الخيرات المتكفل بالحفظ من جميع الزلات فقال: { ~~واعتصموا } أي كلفوا أنفسكم الارتباط الشديد والانضباط العظيم { بحبل ~~الله } أي طريق دين الملك الذي لا كفوء له التي نهجها لكم ومهدها، وأصل ~~الحبل السبب الذي يوصف به إلى البغية والحاجة، وكل من يمشي على طريق دقيق ~~يخاف أن تزلق رجله عنه إذا تمسك بحبل مشدود الطرفين بجانبي ذلك الطريق ~~أمن الخوف، ولا يخفى دقة الصراط بما ورد به النقل الصحيح, وهذا الدين ~~مثاله, فصعوبته وشدته على النفوس بما لها من النوازع والحظوظ مثال دقته، ~~فمن قهر نفسه وحفظها على التمسك به حفظ عن السقوط عما هو مثاله. # ولما أفهم كل من الضمير والحبل والاسم الجامع إحاطة الأمر بالكل أكده ~~بقوله: { جميعا } لا تدعوا أحدا منكم يشذ عنها، بل كلما عثرتم على أحد ~~فارقها ولو قيد شبر فردوه إليها ولا ms0772 تناظروه ولا تهملوا أمره، ولا تغفلوا ~~عنه فيختل النظام، وتتعبوا على الدوام، بل تزالوا كالرابط ربطا شديدا ~~حزمة نبل بحبل، لا يدع واحدة منها تنفرد عن الأخرى، ثم أكد ذلك بقوله: { ~~ولا تفرقوا } ثم ذكرهم نعمة الاجتماع، لأن ذلك باعث على شكرها، وهو باعث ~~على إدامة الاعتصام والتقوى، وبدأ منها بالدنيوية لأنها أس الأخروية ~~فقال: { واذكروا نعمة الله } الذي له الكمال كله { عليكم } يا من اعتصم ~~بعصام الدين! { إذا كنتم أعداء } متنافرين أشد تنافر { فألف بين قلوبكم } ~~بالجمع على هذا الصراط القويم والمنهج العظيم { فأصبحتم بنعمته إخوانا } ~~قد نزع ما في قلوبكم من الإحن، وأزال تلك الفتن والمحن. # ولما ذكر النعمةت التي أنقذتهم من هلاك الدنيا ثنى بما تبع ذلك من نعمة ~~الدين التي عصمت من الهلاك الأبدي فقال: { وكنتم على شفا } أي حرف وطرف { ~~حفرة من النار } بما كنتم فيه من الجاهلية { فأنقذكم منها }. # ولما تم هذا البيان على هذا الأسلوب الغريب نبه على ذلك بقوله - جوابا ~~لمن يقول: لله در هذا البيان! ما أغربه من بيان! - { كذلك } أي مثل هذا ~~البيان البعيد المنال البديع المثال { يبين الله } المحيط علمه الشاملة ~~قدرته بعظمته { لكم آياته } وعظم الأمر بتخصيصهم به وإضافة الآي إليه. ~~ولما كان السياق لبيان دقائق الكفار في إرادة إضلالهم ختم الآية بقوله: { ~~لعلكم تهتدون * } أي ليكون حالكم عند من ينظركم حال من ترجى وتتوقع ~~هدايته، هذا الترجي حالكم فيما بينكم، وأما هو سبحانه وتعالى فقد أحاط ~~علمه بالسعيد والشقي، ثم الأمر إليه، فمن شاء هداه، ومن أراد أرداه. ### || [3.104-112] # ولما عاب سبحانه وتعالى الكفار بالضلال ثم بالإضلال أمر المؤمنين بالهدى ~~في أنفسهم، وأتبعه الأمر بهداية الغير بالاجتماع، وكان الأمر بالاجتماع ~~المؤكد بالنهي عن التفرق ربما أفهم الوجوب لتفرد الجميع في كل جزئية من ~~جزئيات العبادة في كل وقت على سبيل الاجتماع مع الإعراض عن كل عائق عن ~~ذلك سواء كان وسيلة أو لا بالنسبة إلى كل فرد فرد؛ أتبعه بقوله - منبها ~~على الرضى بإيقاع ذلك في الجملة ms0773 سواء كان بالبعض أو الكل كما هو شأن فروض ~~الكفايات -: { ولتكن منك أمة } أي جماعة تصلح لأن يقصدها غيرها، ويكون ~~بعضها قاصدا بعضا، حتى تكون أشد شيء ائتلافا واجتماعا في كل وقت من ~~الأوقات على البدل { يدعون } مجددين لذلك في كل وقت { إلى الخير } أي ~~بالجهاد والتعليم والوعظ والتذكير. # ولما عم كل خير خص ليكون المخصوص مأمورا به مرتين دلالة على جليل أمره ~~وعلي قدره فقال: { ويأمرون بالمعروف } أي من الدين { وينهون عن المنكر } ~~فيه بحيث لا يخلو وقت من الأوقات عن قوم قائمين بذلك، وهو تنبيه لهم على ~~أن يلازموا ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه من أصحابه رضي ~~الله تعالى عنهم من أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر حين استفزهم الشيطان ~~بمكر شأس بن قيس في التذكير بالأحقاد والأضغان والأنكاد، وإعلام بأن ~~الذكرى تنفع المؤمنين. # ولما كان هذا السياق مفهما لأن التقدير: فإنهم ينالون بذلك خيرا ~~كثيرا، ولهم نعيم مقيم؛ عطف عليه مرغبا: { وأولئك } أي العالون الرتبة ~~العظيمو النفع { هم المفلحون * } حق الإفلاح، فبين سبحانه وتعالى أن ~~الاجتماع المأمور به إنما هو بالقلوب الجاعلة لهم كالجسد الواحد، ولا يضر ~~فيه صرف بعض الأوقات إلى المعاش وتنعيم البدن ببعض المباحات، وإن كان ~~الأكمل صرف الكل بالنية إلى العبادة. # ولما أمر بذلك أكده بالنهي عما يضاده معرضا بمن نزلت هذه الآيات فيهم ~~من أهل الكتاب مبكتا لهم بضلالهم واختلافهم في دينهم على أنبيائهم فقال: ~~{ ولا تكونوا كالذين تفرقوا } بما ابتدعوه في أصول دينهم وبما ارتكبوه من ~~المعاصي، فقادهم ذلك ولا بد إلى التخاذل والتواكل والمداهنة التي قصدوا ~~بها المسالمة فجرتهم إلى المصارمة. ولما كان التفرق ربما كان بالأبدان ~~فقط مع الاتفاق في الآراء بين أن الأمر ليس كذلك فقال: { واختلفوا } ~~بما أثمر لهم الحقد الحامل على الاتصاف بحالة من يظن أنهم جميع وقلوبهم ~~شتى. # ولما ذمهم بالاختلاف الذي دل العقل على ذمه زاد في تقبيحه بأنهم خالفوا ~~فيه بعد نهي العقل واضح النقل فقال: { من } أي وابتدأ اختلافهم ms0774 من الزمان ~~الذي هو من { بعد ما جاءهم } وعظمه بإعرائه عن التأنيث { البينات } أي ~~بما يجمعهم ويعليهم ويرفعهم ويوجب اتفاقهم وينفعهم، فأرداهم ذلك الافتراق ~~وأهلكهم. # ولما كان التقدير: فأولئك قد تعجلوا الهلاك في الدنيا فهم الخائبون، عطف ~~عليه قوله: { وأولئك } أي البعداء البغضاء { لهم عذاب عظيم * } أي في ~~الدار الآخرة بعد عذاب الدنيا باختلافهم منابذين لما من شأنه الجمع، ~~والآية من الاحتباك: إثبات " المفلحون " أولا يدل على " الخاسرون " ~~ثانيا، والعذاب العظيم ثانيا يدل على النعيم المقيم أولا. # ولما قدم ما لأهل الكتاب المقدمين على الكفر على علم يوم القيامة في ~~قوله # إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم # [آل عمران: 77] وختم تلك الآية بأنهم لهم عذاب أليم واستمر حتى ختم هذه ~~الآية بأنه مع ذلك عظيم؛ بين ذلك اليوم بقوله - بادئا بما هو أنكى لهم ~~من تنعيم أضدادهم -: { يوم تبيض وجوه } أي بما لها من المآثر الحسنة { ~~وتسود وجوه } بما عليها من الجرائر السيئة { فأما الذين اسودت وجوههم } ~~بدأ بهم لأن النشر المشوش أفصح، ولأن المقام للترهيب وزيادة النكاية ~~لأهله، فيقال لهم توبيخا وتقريعا: { أكفرتم } يا سود الوجوه وعبيد ~~الشهوات! { بعد إيمانكم } بما جبلتم عليه من الفطر السليمة ومكنتم به من ~~العقول المستقيمة من النظر في الدلائل، ثم بما أخذ عليكم أنبياؤكم من ~~العهود { فذوقوا العذاب } أي الأليم العظيم { بما كنتم تكفرون * } وأنتم ~~تعلمون، فإنكم في لعنة الله ماكثون { وأما الذين ابيضت وجوهم } إشراقا ~~وبهاء لأنهم آمنوا فأمنوا من العذاب { ففي رحمة الله } أي ثمرة فعل ذي ~~الجلال والإكرام الذي هو فعل الراحم. لا في غير رحمته. ثم أجاب عن سؤال ~~من كأنه قال: هل تزول عنهم كما هو حال النعم في الدنيا؟ بقوله - على وجه ~~يفهم لزومها لهم في الدنيا والآخرة -: { هم } أي خاصة { فيها خالدون } ~~فلذا كانوا يؤمنون، فالآية من الاحتباك: إثبات الكفر أولا دل على إرادة ~~الإيمان ثانيا، وإثبات الرحمة ثانيا دل على حذف اللعنة أولا. # ولما حازت هذه الآيات من التهذيب وإحكام الترتيب وحسن السياق قصب السباق ms0775 ~~أشار إليها مع قربها بأداة البعد وأضافها إلى أعظم أسمائه فقال: { تلك ~~آيات الله } أي هذه دلائل الملك الأعظم العالية الرتب البعيدة المتناول، ~~ثم استأنف الخبر عنها في مظهر العظمة قائلا: { نتلوها } أي نلازم قصها، ~~وزاد في تعظيمها بعد المبتدأ بالمنتهي فقال: { عليك } ثم أكد ذلك بقوله: ~~{ بالحق } أي ثابتة المعاني راسخة المقاصد صادقة الأقوال في كل مما أخبرت ~~به من فوزكم وهلاكهم من غير أن نظلم أحدا منهم { وما الله } أي الحائز ~~لجميع الكمال { يريد ظلما } قل أو جل { للعالمين * } أي ما ظلمهم ~~ولا يريد ظلم أحد منهم، لأنه سبحانه وتعالى متعال عن ذلك، لا يتصور منه ~~وهو غني عنه، لأن له كل شيء. # ولما كان أمرهم بالإقبال عليه ونهيهم عن الإعراض عنه ربما أوقع في وهم ~~أنه غير قادر على ضبطهم أو محتاج إلى ربطهم أزال ذلك دالا على أنه غني ~~عن الظلم بقوله: { ولله } الملك الأعلى { ما } أي كل شيء { في السماوات و ~~} كل { ما في الأرض } من جوهر وعرض ملكا وملكا. ولما كان المقصود سعة ~~الملك لم يضمر لئلا يظن تخصيص الثاني بما في حيز الأول فقال: { وإلى الله ~~} الذي لا أمر لأحد معه { ترجع الأمور } أي كلها، التي فيهما والتي في ~~غيرهما، فلا داعي له إلى الظلم، لأنه غني عن كل شيء وقادر على كل شيء. # ولما كان من رجوع الأمور إليه هدايته من يشاء وإضلاله من يشاء قال - ~~مادحا لهذه الأمة ليمعنوا في رضاه حمدا وشكرا ومؤيسا لأهل الكتاب عن ~~إضلالهم ليزدادوا حيرة وسكرا: { كنتم خير أمة } أي وجدتم على هذا الوصف ~~الثابت لكم جبلة وطبعا. ثم وصف الأمة بما يدل على عموم الرسالة وأنهم ~~سيقهرون أهل الكتاب فقال: { أخرجت للناس } ثم بين وجه الخيرية بما لم ~~يحصل مجموعة لغيرهم على ما هم عليه من المكنة بقوله: { تأمرون } أي على ~~سبيل التجدد والاستمرار { بالمعروف } أي كل ما عرفه الشرع وأجازه { ~~وتنهون عن المنكر } وهو ما خالف ذلك، ولو وصل الأمر إلى القتال، مبشرا ~~لهم ms0776 بأنه قضى في ألأزل أنهم يمتثلون ما أمرهم به من الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر في قوله: { ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير } إراحة لهم ~~من كلفة النظر في أنهم هل يمتثلون فيفلحوا، وإزاحة لحملهم أعباء الخطر ~~بكونهم يعانون عليه ليفوزوا ويربحوا، فصارت فائدة الأمر كثيرة الثواب ~~بقصد امتثال الواجب، وللترمذي - وقال: حسن عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده ~~أنه سمع النبي صلى الله عليه يقول في هذه الآية: # " أنتم تتمون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله سبحانه وتعالى " # وللبخاري في التفسير عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: # " أنتم خير الناس للناس، تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في ~~الإسلام ". # ولما أخبر عنهم بهذا الوصف الشريف في نفسه أتبعه ما زاده شرفا، وهو ~~أنهم فعلوه في حال إيمانهم فهو معتبر به لوجود شرطه الذي هو أساس كل خير ~~فقال { وتؤمنون } أي تفعلون ذلك والحال أنكم تؤمنون { بالله } أي الملك ~~الأعلى الذي تاهت الأفكار في معرفة كنه ذاته، وارتدت نوافذ أبصار البصائر ~~خاسئة عن حصر صفاته، أي تصدقون أنبياءه ورسله بسببه في كل ما أخبروا به ~~قولا وفعلا ظاهرا وباطنا، وتفعلون جميع أوامره وتنهون عن جميع ~~مناهيه؛ وهذا يفهم أن من لم يؤمن كإيمانهم فليس من هذه الأمة أصلا، لأن ~~الكون المذكور لا يحصل إلا بجميع ما ذكر، وكرر الاسم الأعظم زيادة في ~~تعظيمهم، وقد صدق الله ومن أصدق من الله حديثا! # قاال الإمام أبو عمر يوسف بن عبد البر النمري في خطبة كتاب الاستيعاب: ~~روى ابن القاسم عن مالك أنه سمعه يقول: لما دخل أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الشام نظر إليهم رجل من أهل الكتاب فقال: ما كان أصحاب عيسى ~~ابن مريم الذين قطعوا بالمناشير وصلبوا على الخشب بأشد اجتهادا من هؤلاء ~~- انتهى. # ولما كان من المعلوم أن التقدير: وذلك خير لكم، عطف عليه قوله: { ولو ~~آمن أهل الكتاب } أي أوقعوا الإيمان كما آمنتم بجميع الرسل وجميع ما أنزل ~~عليهم ms0777 في كتابهم وغيره، ولم يفرقوا بين شيء من ذلك { لكان } أي الإيمان { ~~خيرا لهم } إشارة إلى تسفيه أحلامهم في وقوفهم مع ما منعهم عن الإيمان ~~من العرض القليل الفاني والرئاسة التافهة، وتركهم الغنى الدائم والعز ~~الباهر الثابت. # ولما كان هذا ربما أوهم أنه لم يؤمن منهم أحد قال مستأنفا: { منهم ~~المؤمنون } أي الثابتون في الإيمان، ولكنهم قليل { وأكثرهم الفاسقون * } ~~أي الخارجون من رتبة الأوامر والنواهي خروجا يضمحل معه خروج غيرهم. ولما ~~كانت مخالفة الأكثر قاصمة خفف عن أوليائه بقوله: { لن يضروكم } ولما كان ~~الضر- كما تقدم عن الحرالي - إيلام الجسم وما يتبعه من الحواس، والأذى ~~إيلام النفس وما يتبعها من الأحوال، أطلق الضر هنا على جزء معناه وهو ~~مطلق الإيلام، ثم استثنى منه فقال: { إلا أذى } أي بألسنتهم، وعبر بذلك ~~لتصوير مفهومي الأذى والضر ليستحضر في الذهن، فيكون الاستثناء أدل على ~~نفي وصولهم إلى المواجهة { وإن يقاتلوكم } أي يوما من الأيام { يولوكم } ~~صرح بضمير المخاطبين نصا في المطلوب { الأدبار } أي انهزاما ذلا ~~وجبنا. # ولما كان المولي قد تعود له كرة بعد فرة قال - عادلا عن حكم الجزاء ~~لئلا يفهم التقييد بالشرط مشيرا بحرف التراخي إلى عظيم رتبة خذلانهم -: ~~{ ثم لا ينصرون * } أي لا يكون لهم ناصر من غيرهم أبدا وإن طال المدى، ~~فلا تهتموا بهم ولا بأحد يمالئهم من المنافقين، وقد صدق الله ومن أصدق من ~~الله قيلا! لم يقاتلوا في موطن إلا كانوا كذلك. # ولما أخبر عنهم سبحانه وتعالى بهذا الذل أتبعه الإخبار بأنه في كل زمان ~~وكل مكان معاملة منه لهم بضد ما أرادوا، فعوضهم عن الحرص على الرئاسة ~~إلزامهم الذلة، وعن الإخلاد إلى المال إسكانهم المسكنة، وأخبر أن ذلك لهم ~~طوق الحمامة غير مزائلهم إلى آخر الدهر باق في أعقابهم بأفعالهم هذه ~~التي لم ينابذهم فيها الأعقاب فقال سبحانه وتعالى مستأنفا: { ضربت عليهم ~~الذلة } وهي الانقياد كرها، وأحاطت بهم كما يحيط البيت المضروب بساكنه { ~~أين ما ثقفوا } أي وجدهم من هو حاذق خفيف فطن في كل مكان وعلى ms0778 كل حال { ~~إلا } حال كونهم معتصمين { بحبل } أي عهد وثيق مسبب للأمان، وهو عهد ~~الجزية وما شاكله { من الله } أي الحائز لجميع العظمة { وحبل من الناس } ~~أي قاطبة: الذي آمنوا وغيرهم، موافق لذلك الحبل الذي من الله سبحانه ~~وتعالى. # ولما كان الذل ربما كان مع الرضى ولو من وجه قال: { وبآءو } أي رجعوا ~~عما كانوا فيه من الحال الصالح { بغضب من الله } الملك الأعظم، ملازم ~~لهم، ولما كان الوصفان قد يصحبهما اليسار قال: { وضربت } أي مع ذلك { ~~عليهم } أي كما يضرب البيت { المسكنة } أي الفقر ليكونوا بهذه الأوصاف ~~أعرق شيء في الذل، فكأنه قيل: لم استحقوا ذلك؟ فقيل: { ذلك } أي الإلزام ~~لهم بما ذكر { بأنهم } أي أسلافهم الذي رضوا هم فعلهم { كانوا يكفرون } ~~أي يجددون الكفر مع الاستمرار { بآيات الله } اي الملك الأعظم الذي له ~~الكمال كله، وذلك أعظم الكفر لمشاهدتهم لها مع اشتمالها من العظم على ما ~~يليق بالاسم الأعظم { ويقتلون الأنبياء } أي الآتين من عند الله سبحانه ~~وتعالى حقا على كثرتهم بما دل عليه جمع التكسير، فهو أبلغ مما في أولها ~~الأبلغ مما في البقرة ليكون ذمهم على سبيل الترقي كما هي قاعدة الحكمة. # ولما كانوا معصومين دينا ودنيا قال: { بغير حق } أي يبيح قتلهم؛ ثم علل ~~إقدامهم على هذا الكفر بقوله: { ذلك } أي الكفر والقتل العظيمان { بما ~~عصوا وكانوا } أي جبلة وطبعا { يعتدون * } أي يجددون تكليف أنفسهم ~~الاعتداء، فإن الإقدام على المعاصي والاستهانة بمجاوزة الحدود يهون ~~الكفر، فقال الأصفهاني: قال أرباب المعاملات: من ابتلى بترك الآداب وقع ~~في ترك السنن، ومن ابتلى بترك السنن وقع في ترك الفرائض، ومن ابتلى بترك ~~الفرائض وقع في استحقار الشريعة، ومن ابتلى بذلك وقع في الكفر، والآية ~~دليل على مؤاخذة الابن الراضي بذنب الأب وإن علا، وذلك طبق ما رأيته في ~~ترجمة التوراة التي بين أيديهم الآن، قال في السفر الثاني: وقال الله ~~سبحانه وتعالى جميع هذه الآيات كلها: أنا الرب إلهك الذي أصعدتك من أرض ~~مصر من العبودية والرق، لا ms0779 تكون لك آلهة أخرى، لا تعملن شيئا من الأصنام ~~والتماثيل التي مما في السماء فوق وفي الأرض من تحت، ومما في الماء أسفل ~~الأرض، لا تسجدن لها ولا تعبدنها، لأني أنا الرب إلهك إله غيور، أجازي ~~الأبناء بذنوب الآباء إلى ثلاثة أحقاب وأربعة خلوف، وأثبت النعمة إلى ألف ~~حقب لأحبائي وحافظي وصاياي. ### || [3.113-117] # ولما كان السياق ربما أفهم أنهم كلهم كذلك قال مستأنفا نافيا لذلك: { ~~ليسوا سوآء } أي في هذه الأفعال، يثني سبحانه وتعالى على من أقبل على ~~الحق منهم وخلع الباطل ولم يراع سلفا ولا خلفا بعيدا ولا قريبا. ثم ~~استأنف قوله بيانا لعدم استوائهم: { من أهل الكتاب } فأظهر لئلا يتوهم ~~عود الضمير على خصوص من حكم بتكفيرهم { أمة } أي جماعة يحق لها أن تؤم { ~~قائمة } أي مستقيمة على ما أتاها به نبيها في الثبات على ما شرعه، متهيئة ~~بالقيام للانتقال عنه عند مجيء الناسخ الذي بشر به ووصفه. غير زائغة ~~بالإيمان ببعضه والكفر ببعضه. ثم ذكر الحامل على الاستقامة فقال: { يتلون ~~} أي يتعابعون مستمرين { آيات الله } أي علامات ذي الجلال والإكرام ~~المنزلة الباهرة التي لا لبس فيها { آناء الليل } أي ساعاته { وهم يسجدون ~~* } أي يصلون في غاية الخضوع. ثم ذكر ما أثمر لهم التهجد فقال: { يؤمنون ~~} وكرر الاسم الأعظم إشارة إلى استحضارهم لعظمته فقال: { بالله } أي الذي ~~له من الجلال وتناهي الكمال ما حير العقول. وأتبعه اليوم الذي تظهر فيه ~~عظمته كلها، لأنه الحامل على كل خير فقال: { واليوم الآخر } أي إيمانا ~~يعرف أنه حق بتصديقهم له بالعمل الصالح بما يرد عليهم من المعارف التي ما ~~لها من نفاد، فيتجدد تهجدهم فتثبت استقامتهم. # ولما وصفهم بالاستقامة في أنفسهم في أنفسهم وصفهم بأنهم يقومون غيرهم ~~فقال: { ويأمرون بالمعروف } أي مجددين ذلك مستمرين عليه { وينهون عن ~~المنكر } لذلك، ولما ذكر فعلهم للخير ذكر نشاطهم في جميع أنواعه فقال: { ~~ويسارعون في الخيرات } ولما كان التقدير: فأولئك من المستقيمين، عطف ~~عليه: { وأولئك } أي العالو الرتبة { من الصالحين * } إشارة إلى أن من لم ms0780 ~~يستقم لم يصلح لشيء، وأرشد السياق إلى أن التقدير: وأكثرهم ليسوا بهذه ~~الصفات. # ولما كان التقدير: فما فعلوا من خير فهو بعين الله سبحانه وتعالى، يشكره ~~لهم، عطف عليه قوله: { وما تفعلوا } أي أنتم { من خير } من إنفاق أو غيره ~~{ فلن تكفروه } بل هو مشكور لكم بسبب فعلكم، وبني للمجهول تأدبا معه ~~سبحانه وتعالى، وليكون على طريق المتكبرين. وعطف على ما تقديره: فإن الله ~~عليم بكل ما يفعله الفاعلون، قوله: { والله } أي المحيط بكل شيء { عليم ~~بالمتقين * } من الفاعلين الذين كانت التقوى حاملة لهم على كل خير، فهو ~~يثيبهم أعظم الثواب، ويغيرهم فهو يعاقبهم بما يريد من العقاب، هذا على ~~قراءة الخطاب، وأما على قراءة الغيبة فأمرها واضح في نظمها بما قلته. # ولما رغبهم في الإنفاق بما يشمل كل خير وأخبرهم بأنه عالم بدقة وجله، ~~وأخبر أن ذلك كان دأب إسرائيل عليه الصلاة والسلام على وجه أنتج أن بنيه ~~كاذبون في ادعائهم أنهم على ملة جده إبراهيم عليه الصلاة والسلام، ثم حذر ~~منهم وختم ما ختمه بالمتقين بالترغيب في الخير بما اندرج فيه الإنفاق ~~الذي قدم أول السورة أنه من صفة المتقين المستغفرين بالأسحار التي هي ~~أشرف آناء الليل, وكان مما يمنع منه خوف الفقر والنزول عن حال الموسرين ~~من الكفار المفاخرين بالإكثار المعيرين بالإقلال من المال والولد وقوفا ~~مع الحال الدنيوي، وكان قد أخبر أنه لا يقبل من أحد منهم في الآخرة ملء ~~الأرض ذهبا، أعقب هذا بمثل ذلك على وجه أعم فقال - واصفا أضداد من ~~تقدم، نافيا ما يعتقدون من أن أعمالهم الصورية تنفعهم -: { إن الذين ~~كفروا } أي بالله بالميل عن المنهج القويم وإن ادعوا الإيمان به نفاقا ~~أو غيره { لن تغني عنهم أموالهم } أي وإن كثرت { ولا أولادهم } وإن عظمت ~~{ من الله } أي الملك الذي لا كفوء له { شيئا } أي من الإغناء تأكيدا ~~لما قرر من عدم نصرة أهل الكتاب الذين حملهم على إيثار الكفر على الإيمان ~~استجلاب الأموال والرئاسة على الأتباع على وجه يعم جميع الكفار ms0781 - كما قال ~~في أول السورة - سواء. # ولما كان التقدير: فأولئك هم الخاسرون، عطف عليه قوله: { وأولئك أصحاب ~~النار } أي هم مختصون بها، ثم استأنف ما يفيد ملازمتها فقال: { هم فيها ~~خالدون * } ولما كان ربما قيل: فما حال ما يبدلونه في المكارم ويواسون به ~~في المغارم؟ ضرب لذلك مثلا جعله هباء منثورا، ضائعا وإن كثر بورا، ~~كأن لم يكن شيئا مذكورا، بقوله سبحانه وتعالى جوابا لهذا السؤال: { ~~مثل ما ينفقون } أي من المال، وحقر قصدهم بتحقير محطه فقال: { في هذه ~~الحياة الدنيا } أي على وجه القربة أو غيرها، لكونهم ضيعوا الوجه الذي به ~~يقبل، وهو الإخلاص. ومثل إنفاقهم له ومثل حرث أصيب بالريح { كمثل ريح ~~فيها صر } أي برد شديد { أصابت حرث قوم } موصوفين بأنهم { ظلموا أنفسهم } ~~أي بالبناء على غير أساس الإيمان { فأهلكته } فمثل ما ينفقون في كونه لم ~~ينفعهم في الدنيا بإنتاج ما أرادوا في الدنيا وضرهم في الدارين، أما في ~~الدنيا فبضياعه في غير شيء، وأما في الآخرة فبالمعاقبة عليه لتضييع أساسه ~~وقصدهم الفاسد به، مثل الزرع الموصوف فإنه لم ينفع أهله الموصوفين، بل ~~ضرهم في الدنيا بضياعه، وفي الآخرة بما قصدوا به من المقصود الفاسد، ومثل ~~إنفاقهم له في كونه ضرهم ولم ينفعهم مثل الريح في كونها ضرت الزرع ولم ~~تنفعه، فلما كانت الريح الموصوفة أمرا مشاهدا جليا جعلت في إهلاكها ~~مثلا لضياع أنفاقهم الذي هو أمر معنوي خفي، ولما كان الزرع المحترق ~~أمرا محسوسا جعل فيما حصل له بعد التعب من العطب مثالا لأمر معقول، ~~وهو أموالهم في كون إنفاقهم إياها لم يثمر لهم شيئا غير الخسارة والتعب، ~~فالمثلان ضياع الرزع والإنفاق، وضياع الزرع أظهر فهو مثل لضياع الإنفاق ~~لأنه أخفى، وقد بان أن الآية من الاحتباك: حذف أولا مثل الإنفاق لدلالة ~~الريح عليه، وثانيا الحرث لدلالة ما ينفق عليه. # ولما كان سبحانه وتعالى موصوفا بأنه الحكم العدل القائم بالقسط وأنه لا ~~ينسى خيرا فعل قال دفعا لتوهم أن ذلك بخس: { وما ظلمهم } أي الممثل بهم ms0782 ~~والممثل لهم { الله } الملك الأعظم الغني الغنى المطلق لأنه المالك ~~المطلق، وقد كفروا، أما الممثل لهم فبكونهم أنفقوا على غير الوجه الذي ~~شرعه، وأما الممثل بهم فبكونهم لم يحرسوا زرعهم بالطاعات، وفي الآية دليل ~~على أن أهل الطاعات تحرس ضوائعهم من الآفات وتخرق فيها العادات، ثم قال: ~~{ ولكن } لوما كان الممثل لأجلهم الذين كفروا أعم من أن يموتوا عليه أو ~~يسلموا لم يعبر في الظلم بما تقتضيه الجبلة من فعل الكون وقال: الأساس ~~بكفرهم، وأن ظلمهم مقصور على أنفسهم، لا يتعداها إلى غيرها وإن ظهر ~~لإنفاقهم نكاية في عدوهم، فإن العاقبة لما كانت للمؤمنين كانت نكايتهم ~~كالعدم، بل هي زيادة في وبالهم، فهي من ظلمهم لأنفسهم. ### || [3.118-119] # ولما كان الجمال بالمال لا سيما مع الإنفاق من أعظم المرغبات في ~~الموالاة، وكانت هذه الآية قد صيرت جميلة قبيحا وبذوله شحيحا؛ قال ~~سبحانه وتعالى - مكررا التنبيه على مكر ذوي الأموال والجمال الذين ~~يريدون إيقاع الفتنة بينهم من اليهود والمنافقين ليضمحل أمرهم وتزول ~~شوكتهم: { يا أيها الذين آمنوا } أي إيمانا صحيحا مصدقا ادعاؤه بالعمل ~~الصالح الذي من أعظمه الحب في الله والبغض في الله { لا تتخذوا بطانة } ~~أي من تباطنونهم بأسراركم وتختصونهم بالمودة والصفاء ومبادلة المال ~~والوفاء { من دونكم } أي ليسوا منكم أيها المؤمنون، وعبر بذلك إعلاما ~~بأنهم يهضمون أنفسهم وينزلونها عن علي درجتها بموادتهم. ثم وصفهم ~~تعليلا للنهي بقوله: { لا يألونكم خبالا } أي يقصرون بكم من جهة ~~الفساد، ثم بين ذلك بقوله على سبيل التعليل أيضا: { ودوا ما عنتم } أي ~~تمنوا مشقتكم. # ولما كان هذا قد يخفى بينه بقوله معللا: { قد بدت البغضاء من أفواههم ~~} أي هي بينة في حد ذاتها مع اجتهادهم في إخفائها، لأن الإنسان إذا امتلأ ~~من شيء غلبه بفيضه، ولكنكم لحسن ظنكم وصفاء نياتكم لا تتأملونها فتأملوا. ~~ثم أخبر عن علمه سبحانه قطعا وعلم الفطن من عباده بالقياس ظنا بقوله: { ~~وما تخفي صدورهم أكبر } مما ظهر على سبيل الغلبة. ثم استأنف على طريق ~~الإلهاب والتهييج قوله: { قد بينا ms0783 } أي بما لنا من العظمة { لكم } أي ~~بهذه الجمل { الآيات } أي الدالات على سعادة الدارين ومعرفة الشقي ~~والسعيد والمخالف والمؤالف. وزادهم إلهابا بقوله: { إن كنتم } أي جبلة ~~وطبعا { تعقلون * } ثم استانف الإخبار عن ملخص حالهم معهم فقال منبها ~~أو مبدلا الهاء من همزة الإنكار: { ها أنتم أولاء } أي المؤمنون ~~المسلمون المستسلمون { تحبونهم } أي لاغتراركم بإقرارهم بالإيمان لصفاء ~~بواطنكم { ولا } أي والحال أنهم لا { يحبونكم } لمخالفتهم لكم في الدين، ~~فإنهم كاذبون في إقرارهم بالإيمان { وتؤمنون } أي أنتم { بالكتاب كله } ~~أي ويكفرون هم به كله، إما بالقصد الأول وإما بالإيمان بالبعض والكفر ~~بالبعض { وإذا لقوكم قالوا } أي لكم { آمنا } لتغتروا بهم { وإذا خلوا } ~~أي منكم، وصور شدة حنقهم بقوله: { عضوا عليكم } لما يرون من ائتلافكم ~~وحسن أحوالكم { الأنامل من الغيظ } أي المفرط منكم، ومن جعل الهاء في { ~~ها أنتم } بدلا عن همزة الاستفهام فالمراد عنده: أأنتم يا هؤلاء القرباء ~~مني تحبونهم والحال أنهم على ما هم عليه من منابذتكم وأنتم على ما أنتم ~~عليه من الفطنة بصفاء الأفكار وعلي الآراء بقبولكم الحق كله، لأن المؤمن ~~كيس فطن؛ فهو استفهام - وإن كان من وادي التوبيخ - المراد به التنبيه ~~والتهييج المنقل من سافل الدركات إلى عالي الدرجات - والله الموفق. # ولما كانوا كأنهم قالوا: فما نفعل؟ قال مخاطبا للرأس المسموع الأمر ~~المجاب الدعاء: { قل } أي لهم { موتوا بغيظكم } أي ازدراء بهم ودعاء ~~عليهم بدوام الغيظ من القهر وزيادته حتى يميتهم. ولما كانوا يحلفون على ~~نفي هذا ليرضوهم قال تعالى مؤكدا لما أخبر به لئلا يظن أنه أريد به غير ~~الحقيقة: { إن الله } أي الجامع لصفات الكامل { عليم بذات الصدور * } أي ~~فلا تظنوا أنه أراد بعض ما يتجوز بالغيظ عنه. ### || [3.120-122] # ولما كان ما أخبرت به هذه الجمل من بغضهم وشدة عداوتهم محتاجا ليصل إلى ~~المشاهدة إلى بيان دل عليه بقوله: { إن تمسسكم } أي مجرد مس { حسنة تسؤهم ~~} ولما كان هذا دليلا شهوديا ولكنه ليس صريحا أتبعه الصريح بقوله: { ~~وإن تصبكم } أي بقوة مرها وشدة وقعها ms0784 وضرها { سيئة يفرحوا بها } ولما كان ~~هذا أمرا مبكتا غائظا مؤلما داواهم بالإشارة إلى النصر مشروطا بشرط ~~التقوى والصبر فقال: { وإن تصبروا وتتقوا } أي تكونوا من أهل الصبر ~~والتقوى { لا يضركم كيدهم شيئا } ثم علل ذلك بقوله: { إن الله } أي ذال ~~الجلال والإكرام { بما يعملون محيط * } أي فهو يعد لكل كيد ما يبطله، ~~والمعنى على قراءة الخطاب: بعملكم كله، فمن صبر واتقى ظفرته، ومن عمل على ~~غير ذلك انتقمت منه. # ولما كان ما تضمنته هذه الآية من الإخبار ومن الوعد ومن الوعيد منطوقا ~~ومفهوما محتاجا إلى الاجتلاء في صور الجزئيات ذكرهم سبحانه وتعالى ~~بالوقائع التي شوهدت فيها أحوالهم من النصر عند العمل بمنطوق الوعد من ~~الصبر والتقوى وعدمه عند العمل بالمفهوم، وشوهدت فيها أحوال عدوهم من ~~المساءة عند السرور والسرور عد المساءة، وذلك غني عن دليل لكونه من ~~المشاهدات، مشيرا إلى ذلك بواو العطف على غير مذكور، مخاطبا لأعظم ~~عباده فطنة وأقربهم إليه رتبة، تهييجا لغيره إلى تدقيق النظر واتباع ~~الدليل من غير أدنى وقوف مع المألوف فقال تعالى: { وإذ } أي اذكر ما يصدق ~~ذلك من أحوالكم الماضية حين صبرتم واتقيتم فنصرتم، وحين ساءهم نصركم في ~~كل ذلك في سرية عبد الله بن جحش إلى نخلة، ثم في بدر، ثم في غزوة بني ~~قينقاع ونحو ذلك، واذكر إذ لم يصبر أصحابك فأصيبوا، وإذ سرتهم مصيبتكم في ~~وقعة أحد إذ { غدوت } أي يا خاتم الأنبياء وأكرم المرسلين! { من أهلك } ~~أي بالمدينة الشريفة صبيحة يوم الجمعة إلى أصحابك في مسجدك لتستشيرهم في ~~أمر المشركين. وقد نزلوا بأحد في أواخر يوم الأربعاء، أو في يوم الخميس ~~لقتالكم. وبنى من { غدوت } حالا إعلاما بأن الشروع في السبب شروع في ~~مسببه فقال: { تبوىء } أي تنزل { المؤمنين } أي صبيحة يوم السبت, وعبر ~~بقوله: { مقاعد } إشارة إلى أنه صلى الله عليه وسلم تقدم إلى كل أحد ~~بالثبات في مركزه، وأوعز إليه في أن لا يفعل شيئا إلا بأمره لا سيما ~~الرماة، ثم ذكر علة ذلك فقال: { للقتال ms0785 }. # ولما كان التقدير: وتتقدم إليهم بأبلغ مقال في تشديد الأقوال والأفعال، ~~أشار تعالى إلى أنه وقع في غضون ذلك منه ومنهم كلام كثير خفي وجلي بقوله: ~~{ والله } أي والحال أن الملك الأعظم الذي أنتم في طاعته { سميع } أي ~~لأقوالكم { عليم * } أي بنياتكم في ذلك وغيره فاحذروه، ولعله خص النبي ~~صلى الله عليه وسلم بلذيذ الخطاب في التذكير تحريضا لهم مع ما تقدمت ~~الإشارة إليه على المراقبة تعريضا لهم بأنهم خفوا مع الذين ذكرهم أمر ~~بعاث حتى تواثبوا حين تغاضبوا إلى السلاح - كما ذكر في سبب نزول قوله ~~تعالى: # يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب # [آل عمران: 100]، فوقفوا عن نافذ الفهم وصافي الفكر خفة إلى ما أراد بهم ~~عدوهم فاقتضى هذا التحذير كله، ويؤيد ذلك إقباله في الخطاب عليهم عند ~~نسبة الفشل إليها - كما يأتي قريبا، ولعله إنما خص هذه الغزوة بالذكر ~~دون ما ذكرت أن واو عطفها دلت عليه مما أيدوا فيه بالنصر لأن الشماتة ~~بالمصيبة أدل على البغضاء والعداوة من الحزن بما يسر، ودل ذكرها على ~~المحذوف لأن المدعي فيما قبلها شيئان: المساءة بالحسنة، والفرح والمسرة ~~بالمصيبة، فإذا برهن المتكلم على الثاني عليم ولا بد أنه حذف برهان ~~الأول، وأنه إنما حذفه - وهو حكيم - لنكتة، وهي هنا عدم الاحتياج إلى ~~ذكره لوضوحه بدلالة السياق مع واو العطف عليه، وما تقدم من كونه غير صريح ~~الدلالة في أمر البغض على أنه تعالى قد ذكر بدرا - كما ترى - بعد محكمة ~~ستذكر، وأطلق سبحانه وتعالى - كما عن الطبري وغيره - التبوء على ابتداء ~~القتال بالاستشارة فإن الكفار لما نزلوا يوم الأربعاء ثاني عشر شوال سنة ~~ثلاث من الهجرة في سفح أحد مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظر فيهم ~~ما يأتيه من الوحي بقية يوم الأربعاء ويوم الخميس وليلة الجمعة وباتت ~~وجوه الأنصار في المسجد بباب النبي صلى الله عليه وسلم يحرسونه صلى الله ~~عليه وسلم وحرست المدينة الشريفة، ثم دعا الناس صبيحة يوم الجمعة ~~فاستشارهم في ms0786 أمرهم وأخبرهم برؤياه تلك الليلة: البقر المذبوحة، والثلم ~~في سيفه، وإدخال يده في الدرع الحصينة، وكان رأيه مع رأي كثير من الصحابة ~~المكث في المدينة، فإن قاتلوهم فيها قاتلهم الرجال مواجهة والنساء ~~والصبيان من فوق الأسطحة، وكان عبد الله بن أبي المنافق على هذا الرأي، ~~فلم يزل ناس ممن أكرمهم الله بالشهادة - منهم أسد الله وأسد رسوله عمه ~~حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه - يلحون عليه صلى الله عليه وسلم في ~~الخروج إليهم حتى أجاب فدخل بيته ولبس لأمته بعد أن صلى الجمعة فندموا ~~على استكراههم له صلى الله عليه وسلم وهو يأتيه الوحي، فلما خرج إليهم ~~أخبروه وسألوه في الإقامة إن شاء فقال: # " ما كان ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين ~~عدوه ". # وفي رواية " حتى يلاقي " فأتى الشيخين - وهما أطمان - فعرض بهما عسكره ~~ففرغ مع غياب الشمس، ورآه المشركون حين نزل بهما، واستعمل تلك الليلة على ~~حرسه محمد ابن مسلمة، واستعمل المشركون على حرسهم عكرمة بن أبي جهل، ثم ~~أدلج من سحر ليلة السبت، وندب الأدلاء ليسيروا أمامه، وحانت صلاة الصبح ~~في الشوط وهم بحيث يرون المشركين، فأمر بلالا رضي الله عنه فأذن وأقام، ~~وصلى بأصحابه صلى الله عليه وسلم الصبح صفوفا، فانخزل عبد الله بن أبي ~~بثلث العسكر فرجع وقال: أطاع الولدان، ومن لا رأي له وعصاني، وما ندري ~~علام نقتل أنفسنا! وتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام أبو جابر ابن عبد ~~الله -أحد بني سلمة وأحد من استشهد في ذلك اليوم وكلمه الله قبلا - ~~يناشدهم الله في الرجوع، فلم يرجعوا فقال: أبعدكم الله! سيغني الله نبيه ~~صلى الله عليه وسلم عنكم، ورجع فوافق النبي صلى الله عليه وسلم يصف ~~أصحابه، وكادت طائفتان من الباقين - وهما بنو سلمة عشيرة عبد الله بن ~~عمرو وبنو حارثة - أن تفشلا لرجوع المنافقين، ثم ثبتهم الله تعالى؛ ونزل ~~صلى الله عليه وسلم الشعب من أحد، فجعل ظهره وعسكره إلى أحد وعبأ أصحابه ~~وقال: # " لا ms0787 يقاتلن أحد حتى نأمره! " # وعين طائفة من الرماة وأنزلهم بعينين - جبيل هناك من ورائهم - وأوعز ~~إليهم في أن لا يتغيروا منه حتى يأمرهم إن كانت له أو عليه، حتى قال لهم: # " إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تعينونا، وإن رأيتمونا هزمناهم فلا ~~تشركونا في الغنيمة، وانضحوا الخيل عنا إذا أتت من ورائنا " # وبرز صاحب لواء المشركين وطلب المبارزة، فبرز إليه رجل من المسلمين ~~فقتله المسلم فحمله آخر وبرر فقتل، وفعلوا ذلك واحدا بعد واحد حتى تموا ~~عشرة كلهم يقتل، فلما انكسرت قلوب المشركين بتوالي القتل في أصحاب اللواء ~~أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه فشدوا فهزموا المشركين وخلوا عسكرهم ~~ونساءهم، وكان الخيل كلما أتت من وراء المسلمين نضحهم الرماة بالنبل ~~فرجعوا, فلما وقع الصحابة رضي الله عنهم في نهب العسكر خلى الرماة ثغرهم، ~~فنهاهم أميرهم وحذرهم مخالفة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يطعه ~~منهم إلا نحو العشرة، فأتى أصحاب الخيل فقتلوا من بقي من الرماة، ثم أتوا ~~الصحابة رضي الله عنهم من ورائهم وهم ينتهبون، فأسرعوا فيهم القتل ونادى ~~إبليس: إن محمدا قد قتل، فانهزم الصحابة رضوان الله عليهم، ولم يثبت مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم منهم إلا قليل ما بين العشرة إلى الثلاثين - ~~على اختلاف الأقوال، فاستمر يحاول بهم العدو، والله تعالى يحفظه ويدافع ~~عنه حتى دنت الشمس للمغرب، وصرف الله العدو، فدفن النبي صلى الله عليه ~~وسلم الشهداء وصف أصحابه رضي الله عنهم فأثنى على الله عز وجل ثناء ~~عظيما، ذكر فيه فضله سبحانه وعدله، وأن الملك ملكه يتصرف فيه كيف يشاء، ~~ورجع إلى المدينة الشريفة وقد أصابته الجراحة في مواضع من وجهه بنفسي هو ~~وأبي وأمي ووجهي وعيني. # ولما كان رجوع عبد الله بن أبي المنافق - كما يأتي في صريح الذكر آخر ~~القصة - من الأدلة على أن المنافقين فضلا عن المصارحين بالمصارمة متصفون ~~بما أخبر الله تعالى عنهم من العداوة والبغضاء مع أنه كان سببا في هم ~~الطائفتين من الأنصار بالفشل كان إيلاء ms0788 هذه القصة للنهي عن اتخاذ بطانة ~~السوء الذين لا يقصرون عن فساد في غاية المناسبة، ولذلك افتتحها سبحانه ~~وتعالى بقوله - مبدلا من { إذ غدوت } دليلا على ما قبله من أن بطانة ~~السوء لا تألوهم خبالا وغير ذلك -: { إذا همت طائفتان } وكانا جناحي ~~العسكر { منكم } أي بنو سلمة من الخزرج وبنو حارثة من الأوس { أن تفشلا } ~~أي تكسلا وتراخيا وتضعفا وتجبنا لرجوع المنافقين عن نصرهم وولايتهم ~~فترجعا، كما رجع المنافقون { والله } أي والحال أن ذا الجلال والإكرام { ~~وليهما } وناصرهما لأنهما مؤمنتان فلا يتأتى وقوع الفشل وتحققه منهما ~~لذلك، فليتوكلا عليه وحده لإيمانهما، أو يكون التقدير: فالعجب منهما كيف ~~تعتمدان على غيره سبحانه وتعالى لتضعفا بخذلانه { و } الحال أنه { على ~~الله } أي الذي له الكمال كله وحده { فليتوكل المؤمنون * } أي الذين صار ~~الإيمان صفة لهم ثابتة، أجمعون لينصرهم، لا على كثرة عدد ولا قوة جلد، ~~والأحسن تنزيل الآية على الاحتباك ويكون أصل نظمها: والله وليهما ~~لتوكلهما وإيمانهما فلم يمكن الفشل منهما، فتولوا الله وتوكلوا عليه ~~ليصونكم من الوهن، وعلى الله فليتوكل المؤمنون كلهم ليفعل بهم ذلك، ~~فالأمر بالتوكل ثانيا دال على وجوده أولا، وإثبات الولاية أولا دال ~~على الأمر بها ثانيا، وفي البخاري في التفسير عن جابر رضي الله عنه قال: ~~فينا نزلت { إذ همت طائفتين منكم أن تفشلا } قال: نحن الطائفتان: بنو ~~حارثة وبنو سلمة، وما نحب أنها لم تنزل لقول الله عز وجل: { والله وليهما ~~}. ### || [3.123-127] # ولما كان ظاهر الحال فيما أصاب الكفار من المسلمين في هذه الغزوة ربما ~~كان سببا في شك من لم يحقق بواطن الأمور ولا له أهلية النفوذ في الدقائق ~~من عجائب المقدور في قوله تعالى: # إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا # [آل عمران: 10] # قل للذين كفروا ستغلبون # [آل عمران: 12] ذكرهم الله تعالى نصره لهم في غزوة بدر، وهم في القلة ~~دون ما هم الآن بكثير، مشيرا لهم إلى ما أثمره توكلهم من النصر، وحالهم ~~إذ ذاك حال الآيس منه، ms0789 ولذلك كانوا في غاية الكراهة للقاء بخلاف ما ~~كانوا عليه في هذه الكرة، حثا على ملازمة التوكل، منبها على أنه لا ~~يزال يريهم مثل ذلك النصر ويذيق الكفار أضعاف ذلك الهوان حتى يحق الحق ~~ويبطل الباطل ويظهر دينه الإسلام على الدين كله فقال - عاطفا على ما ~~تقديره: فمن توكل عليه نصره وكفاه وإن كان قليلا, فلقد نصركم الله أول ~~النهار في هذه الغزوة حيث صبرتم واتقيتم بطاعتكم للرسول صلى الله عليه ~~وسلم في ملازمة التعب والإقبال على الحرب وغير ذلك بما أمركم به صلى الله ~~عليه وسلم ولم تضركم قلتكم ولا ضعفكم بمن رجع عنكم شيئا -: { ولقد نصركم ~~الله } بما له من صفات الجلال والجمال { ببدر } المشار إليها أول السورة ~~بقوله تعالى: # قد كان لكم آية في فئتين التقتا # [آل عمران: 13] لما صبرتم واتقيتم. # ولما كانوا في عدد يسير أشار إليه بجمع القلة فقال: { وأنتم أذلة } أي ~~فاذكروا ذلك واجعلوه نصب أعينكم لينفعكم، وكان الإتيان بأمر بدر بعد آية ~~الفشل المختتمة بالحث على التوكل في الغاية من حسن النظم، وهو دليل أيضا ~~على منطوق قوله تعالى: # وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا # [آل عمران: 120] كما كان أمر أحد دليلا على منطوقها ومفهومها معا: دل ~~على منطوقها بنصرهم أول النهار عند صبرهم، وعلى مفهومها بإدالة العدو ~~عليهم عند فشلهم آخره - والله الموفق؛ على أنك إذا أنعمت التأمل في قصة ~~أحد من السير وكتب الأخبار علمت أن الظفر فيها ما كان إلا للنبي صلى الله ~~عليه وسلم كما سيأتي الخبر به في قوله تعالى: { ولقد صدقكم الله وعده إذ ~~تحسونهم بإذنه } [آل عمران: 52]، فإن الصحابة رضي الله عنهم هزموهم - كما ~~مضى - في أول النهار حتى لم يبق في عسكرهم أحد, ولا بقي عند نسائهم حام، ~~فلما خالف الرماة أمره صلى الله عليه وسلم وأقبلوا على الغنيمة أراد الله ~~تأديبهم وتعريفهم أن نصرته لنبيه صلى الله عليه وسلم غير محتاجة في ~~الحقيقة إليهم حين انهزموا حتى لم يبق مع النبي صلى الله ms0790 عليه وسلم منهم ~~غير نفر يسير ما يبلغون الخمسين، والكفار ثلاثة آلاف وخيلهم مائتان، ~~فاستمر عليه الصلاة والسلام في نحورهم يحاولهم ويصاولهم، يرامونه مرة ~~ويطاعنون أخرى، ويجتمعون عليه كرة ويفترقون عنه أخرى، والله تعالى يمنعه ~~منهم بأيده ويحفظه بقوته حتى تدلت الشمس للغروب، وقتل بيده صلى الله عليه ~~وسلم أبي بن خلف مبارزة، تصديقا لما كان أوعده به قبل الهجرة، وخالطوه ~~غير مرة ولم يمكنهم الله منه ولا أقدرهم على أسر أحد من أصحابه، ثم ردهم ~~خائبين بعد أن تراجع إليه من أصحابه في أثناء النهار، ولم يرجع صلى الله ~~عليه وسلم من أحد إلا بعد انصرافهم ودفن من استشهد من أصحابه، وأما هم ~~فاستمروا راجعين ولم يلووا على أحد ممن قتل منهم، وهم اثنان وعشرون رجلا ~~من سرواتهم وحمال راياتهم، وقال الجلال الخجندي في كتابه فردوس ~~المجاهدين: إنه صح النقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ما نصر ~~النبي صلى الله عليه وسلم في موطن من المواطن نصرته في يوم أحد - انتهى. # كفى على ذلك دليلا ما نقل موسى بن عقبة - وسيرته أصح السير في غزوة ~~الفتح - عن قائد الجيش بأحد أبي سفيان بن حرب أنه قال عندما عرض عليه ~~النبي صلى الله عليه وسلم الإسلام: يا محمد! قد استنصرت إلهي واستنصرت ~~إلهك، فوالله ما لقيتك من مرة إلا ظهرت علي، فلو كان إلهي محقا وإلهك ~~مبطلا لقد ظهرت عليك، وإنما كانت الهزيمة وقتل من قتل لحكم ومصالح لا ~~تخفى على من له رسوخ في الشريعة وثبات قدم في السنن، ويمكن أن تكون هذه ~~القصة مندرجة في حكم النهي في القصة التي قبلها عن طاعة فريق من أهل ~~الكتاب عطفا على قوله تعالى: { نعمة } في قوله: # واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم # [آل عمران: 103] لتشابه القصتين في الإصغاء إلى الكفار قولا أو فعلا، ~~المقتضي لهدم الدين من أصله، لأن هم الطائفتين بالفشل إنما كان من أجل ~~رجوع عبد الله بن أبي المنافق حليف ms0791 أهل الكتاب ومواليهم ومصادقهم ~~ومصافيهم، ويؤيد ذلك نهيه تعالى في أثناء هذه عن مثل ذلك بقوله تعالى: # يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا ~~خاسرين # [آل عمران: 149]، ويكون إسناد الفعل في { غدوت } ، وأمثاله إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم، والمراد الإسناد إلى الجمع، لأنه الرئيس فخطابه ~~خطابهم، ولشرف هذا الفعل، فكان الأليق إفراده به صلى الله عليه وسلم، ~~وأما الفشل ونحوه فأسند إليهم وقصر- كما هو الواقع - عليهم. # ولما امتن الله سبحانه عليهم بالنصرة في تلك الكرة سبب عن ذلك أمرهم ~~بالتقوى إشارة إلى أنها السبب لدوام النعمة فقال: { فاتقوا الله } أي في ~~جمع أوامره ونواهيه بأن التقوى التنزه عن المعاصي، والشكر فعل ينبىء عن ~~تعظيم المنعم، وشكر الله صرف جميع ما أنعم به في طاعاته, فحينئذ التقوى ~~من الشكر, فإن أريد العموم انحل الكلام إلى: اشكروا لعلكم تشكرون، ولا ~~يتحرر الجواب إلا بعد معرفة حقيقة التقوى لغة؛ قال الإمام عبد الحق في ~~كتابه الواعي: الواقية ما وقاك الشر، وكل شيء وقيت به شيئا فهو وقاء له ~~ووقاية، وقوله سبحانه وتعالى: { لعلكم تتقون } قال ابن عرفة - أي لعلكم ~~أن تجعلوا بقبول ما أمركم به وقاية بينكم وبين النار - انتهى. # فاتضح أن حقيقة { واتقوا }: اجعلوا بينكم وبين عذابه وقاية، وأن سبب ~~اتخاذ الوقاية الخوف من ضاره فالظاهر - والله أعلم - أن اتقوا بمعنى: ~~خافوا - مجازا مرسلا من إطلاق اسم المسبب على السبب، فالمعنى: خافوا ~~الله لتكونوا على رجاء من أن يحملكم خوفه على طاعته على سبيل التجديد ~~والاستمرار، ولئن سلمنا أن التقوى من الشكر فالمعنى: اشكروا هذا الشكر ~~الخاص ليحملكم على جميع الشكر، وغايته أنه نبه على أن هذا الفرد من الشكر ~~هو أصل الباب الذي يثمر باقيه، وهوالمراد بقول ابن هشام في السيرة: إن ~~المعنى: فاتقوني، فإنه شكر نعمتي، ويجوز أن يكون: لعلكم تزدادون نعما ~~فتشكرون عليها - إقامة للمسبب مقام السبب - والله أعلم. # ولما اشتملت هذه القصة على المصيبة التي سيقص الله كثيرا منها، وهي ~~مستوفاة في ms0792 السير كان أنسب من قصها وبيان ما اتفق لها - لوعظ من يأتي - ~~البداءة بتذكير من باشرها بما وعدهم الله به على لسان نبيه صلى الله ~~عليه وسلم قبل وقوع القتال من النصر المشروط بالصبر والتقوى تنبيها لهم ~~على أن الخلل من جهتهم أتى، ثم وعظمهم بالنهي عما منعهم النصر، والأمر ~~بما يحصله لهم كما سيحثهم على ذلك بما يقص عليهم من نبأ من قاتل مع ~~الأنبياء قبلهم بأنهم لما أصابهم القتل لم يهنوا وعلموا أن الخلل من ~~أنفسهم، فبادروا إلى إصلاحه بأفعال المتقين من الصبر والتضرع والإقرار ~~بالذنب، فقال - مبدلا من { إذ غدوت } عودا على بدء تعظيما للأمر حثا ~~على النظر في موارده ومصادره والتدبر لأوائله وأواخره -: { إذ تقول ~~للمؤمنين } أي الذين شاورتهم في أمر أحد - وفي غمارهم المنافقون - لما ~~زلزلوا برجوع أكثر المنافقين به، حتى كاد بعض الثابتين أن يرجع ضعفا ~~وجبنا، مع ما كان النبي صلى الله عليه وسلم أخبرهم به من تلك الرؤيا ~~التي أولها بذبح يكون في أصحابه، ليكون إقدامهم على بصيرة، أو يصدهم ذلك ~~عن الخروج إلى العدو كما كان ميل النبي صلى الله عليه وسلم في أكثر ~~أصحابه وإعلامهم إلى المكث في المدينة قال منكرا آتيا بأداة التأكيد ~~للنفي: { ألن يكفيكم } أي أيها المؤمنون { أن يمدكم } إمدادا خفيا - ~~بما أشار إليه الإدغام { ربكم } أي المتولي لتربيتكم ونصر دينكم { بثلاثة ~~آلاف } ثم عظم أمرهم بقوله: { من الملائكة } ثم زاد في إعظامهم بأنهم من ~~السماء بقوله: { منزلين * } ثم تولى سبحانه وتعالى هو الجواب عنهم ~~تحقيقا للكفاية فقال: { بلى } أي يكفيكم ذلك، ثم استأنف قوله: { إن ~~تصبروا وتتقوا } أي توقعوا الصبر والتقوى لله ربكم، فتفعلوا ما يرضيه ~~وتنتهوا عما يسخطه { ويأتوكم } أي الكفار { من فورهم } أي وقتهم، استعير ~~للسرعة التي لا تردد فيها، من: فارت القدر - إذا غلت { هذا } أي في هذه ~~الكرة { يمددكم } أي إمدادا جليا - بما أشار إليه إشارة لفظية: الفك، ~~وإشارة معنوية: التسويم { ربكم } أي المحسن إليكم بأكثر من ذلك { بخمسة ~~آلاف من الملائكة ms0793 } ثم بين أنهم من أعيان الملائكة بقوله: { مسومين * } ~~أي معلمين بما يعرف به مقامهم في الحرب، والظاهر من التعبير بالتسويم ~~إفهام القتال، ومن الاقتصار على الإنزال عدمه، ويكون فائدة نزولهم البركة ~~بهم وإرهاب الكفار بمن يرونه منهم. # قال البغوي: قال ابن عباس ومجاهد: لم يقاتل الملائكة في المعركة إلا يوم ~~بدر، وفيما سوى ذلك يشهدون القتال ولا يقاتلون، إنما يكونون عددا ~~ومددا. # ولما كان التقدير: وليس الإمداد بهم موجود للنصر، وكان قد قدم في أول ~~السورة قوله: # والله يؤيد بنصره من يشاء # [آل عمران: 13] قال هنا قاصرا للأمر عليه: { وما جعله الله } أي ~~الإمداد المذكور وذكره لكم على ما له من الإحاطة بصفات الكمال التي لا ~~يحتاج مراقبها إلى شيء أصلا { إلا بشرى }. # وما كانت الهزيمة عليهم في هذه الكرة، وكان المقتول منهم أكثر قال: { ~~لكم } لئلا يتوهم أن ذلك بشرى لضدهم، ولمثل هذا قدم القلوب فقال: { ~~ولتطمئن } وعلم أن التقدير - لتكون الآية من الاحتباك: لتستبشر نفوسكم به ~~وطمأنينة لكم لتطمئن { قلوبكم به } أي الإمداد، فحكم هنا بأنه بشرى ~~مقيدا بلكم، فكانت العناية بضمير أشد حتى كأنه قيل: إلا وبشرى لكم ~~وطمأنينتكم، فوجب تأخير ضميره عنهم، والمعنى أنهم كانوا أولا خائفين، ~~فلما وردت البشرى اطمأنوا بها رجاء أن يفعل بهم مثل ما فعل في بدر، فلما ~~اطمأنوا بها وقع النصر كما وقع به الوعد ثم لما اطمأنت قلوبهم إلى شيء ~~ألز قوتها لأنه قد سبق لها نصر وسرور بضرب وطعن في بدر وغيرها فلمحت نحو ~~شيء من ذلك؛ حصلت الهزيمة ليصيروا إلى حق اليقين بأنه لا حول لهم ولا ~~قوة، ولذلك قال تعالى: { وما النصر } أي في ذلك غيره { إلا من عند الله } ~~أي المستجمع لصفات الكمال، لا بمدد ولا غيره فلا تجدوا في أنفسكم من رجوع ~~من رجع ولا تأخر من تأخر ولا هزيمة من انهزم. # ولما قدم أمر بدر هنا وأول السورة، وتحقق بذلك ما له من العزة والحكمة ~~قال: { العزيز } الذي لا يغالب، فلا يحتاج إلى قتال ms0794 أحد ولا يحتاج في ~~نصره - إن قاتل - إلى معونة أحد { الحكيم * } الذي يضع الأشياء في أتقن ~~محالها من غير تأكيد, أي الذي نصركم قبل هذه الغزوة وفي أول النهار فيها، ~~ليس لكم ولا لغيركم ناصر غيره، فمتى التفت أحد إلى سواه وكله إليه فخذل، ~~فاحذروه لتطيعوه طاعة أولي الإحسان في كل أوان، وهذا بخلاف ما في قصة بدر ~~في الأنفال وسيأتي إن شاء الله ما يتعلق بها من المقال مما اقتضاه هناك ~~الحال، والحكيم رأس آية بإجماع أهل العلم - كما في الأنفال، ولما قرر ~~الوعد ذكر ثمرته فقال معلقا الجار بيمددكم: { ليقطع } أي بالقتل { طرفا ~~} أي طائفة من كرامهم، يهنون بهم { من الذين كفروا } أي ويهزم الباقين { ~~أو يكبتهم } أي يكسرهم ويردهم بغيظهم مع الخزي أذلاء، وأصل الكبت صرع ~~الشيء على وجهه { فينقلبوا } أي كلهم مهزومين { خائبين * } وذلك في كلتا ~~الحالتين بقوتكم عليهم بالمد وضعفهم عنكم به، ويجوز تعليق { ليقطع } بفعل ~~التوكل، أي فليتوكلوا عليه ليفعل بأعدائهم ما يشاءه من نصرهم عليهم، ~~فيقبل بهم إلى الإسلام رغبة أو رهبة، أو يميتهم على كفرهم فيديم عذابهم ~~مع عافيتهم منهم؛ ورأيت في سير الإمام محمد بن عمر الواقدي ما يدل على ~~تعليقه بجعل من قوله: { وما جعله الله إلا بشرى } أو بقوله: { ولتطمئن } ~~وهو حسن أيضا. ### || [3.128-130] # ولما كان صلى الله عليه وسلم حريصا على طلب الإدالة عليهم ليمثل بهم ~~كما مثلوا بعمه حمزة وعدة من أصحابه رضي الله عنهم قال تعالى: { ليس لك ~~من الأمر } أي فيهم ولا غيرهم { شيء } موسطا له بين المتعاطفات، يعني من ~~الإدالة عليهم بقتل أو هزيمة تدرك بهما ما تريد، بل الأمر له كله، إن ~~أراد فعل بهم ما تريد، وإن أراد منعك منه بالتوبة عليهم أو إماتتهم على ~~الكفر حتف الأنف فيتولى هو عذابهم، وذلك معنى قوله: { أو يتوب عليهم } أي ~~كلهم بما يكشف عن قلوبهم من حجاب الغفلة فيرجعوا عما هم عليه من الظلم { ~~أو يعذبهم } كلهم بأيديكم بأن تستأصلوهم فلا يفلت منهم أحد، ms0795 أو يعذبهم هو ~~من غير واسطتكم بما يستدرجهم به مما يوجب إصرارهم حتى يموتوا على الكفر ~~مع النصر عليكم وغيره مما هو لهم في صورة النعم الموجب لزيادة عقابهم. ثم ~~علل الأقسام الأربعة بقوله: { فإنهم ظالمون * } وفي المغازي من صحيح ~~البخاري معلقا عن حنظلة بن أبي سفيان قال: سمعت سالم بن عبد الله قال: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو على صفوان بن أمية وسهيل بن ~~عمرو والحارث بن هشام فنزلت { ليس لك من الأمر شيء } - إلى قوله: { ~~ظالمون } " # ورواه موصولا في المغازي والتفسير والاعتصام عن سالم عن أبيه بغير هذا ~~اللفظ، وفيه # " اللهم العن فلانا وفلانا ". # ولما كان التقدير: بل الأمر له سبحانه وحده عطف عليه قوله - مبينا ~~لقدرته على ما قدم من فعله بهم على وجه أعم -: { ولله } أي الملك الأعظم ~~وحده { ما في السماوات } أي كلها على عظمها من عاقل وغيره، وعبر ب " ما ~~" لأن غير العاقل أكثر وهي به أجدر { وما في الأرض } كذلك ملكا وملكا ~~فهو يفعل في ملكه وملكه ما يشاء، وفي التعبير ب " ما " أيضا إشارة ~~إلى أن الكفرة الذين السياق لهم في عداد ما لا يعقل. # ولما كانت الأقسام كلها راجعة إلى قسمين: عافية وعذاب، قال - مترجما ~~لذلك مقررا لقوله: { ليس لك من الأمر شيء } [آل عمران: 128]: { يغفر لمن ~~يشاء } أي منهم ومن غيرهم فيعطيه ما يشاء من خيري الدنيا والآخرة ويغنيه ~~عن الربا وغيره { ويعذب من يشاء } بالمنع عما يريد من خيري الدارين، لا ~~اعتراض عليه، فلو عذب الطائع ونعم العاصي لحسن منه ذلك، ولا يقبح منه ~~شيء، ولا اعتراض بوجه عليه، هذا مدلول الآية وهو لا يقتضي أنه يفعل أو لا ~~يفعل. # ولما كان صلى الله عليه وسلم لشدة غيظه عليهم في الله جديرا بالانتقام ~~منهم بدعاء أو غيره أشار له سبحانه إلى العفو للحث على التخلق بأخلاق ~~الله الذي سبقت رحمته غضبه بقوله: { والله } أي المختص بالجلال والإكرام ~~{ غفور رحيم * } أي محاء للذنوب عينا وأثرا، مكرم بعد ms0796 ذلك بأنواع ~~الإكرام، فانطبق ذلك على إيضاح { ليس لك } [آل عمران: 128] وإفهامه ~~الموجب لاعتقاد أن يكون له سبحانه وتعالى الأمر وحده. # ولما أنزل عليه ذلك وما في آخر النحل مما للصابرين والعافين حرم المثلة ~~واشتد نهيه صلى الله عليه وسلم عنها، فكان لا يخطب خطبة إلا منع منها. # ولما كان الختم بهاتين الصفتين ربما أطمع في انتهاك الحرمات لاتباع ~~الشهوات فكان مبعدا لمتعاطيه من الرحمة مدنيا من النقمة، وكان أعظم ~~المقتضيات للخذلان تضييعهم للثغر الذي أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~بحفظه بسبب إقبالهم قبل إتمام هزيمة العدو على الغنائم للزيادة في ~~الأعراض الدنيوية التي هي معنى الربا في اللغة إذ هو مطلق الزيادة أقبل ~~تعالى عليهم بقوله: { يا أيها الذين آمنوا } أي أقروا بالإيمان، صدقوا ~~إيمانكم بأن { لا تأكلوا الربا } أي المقبح فيما تقدم أمره غاية التقبيح، ~~وهو كما ترى إقبال متلطف مناد لهم باسم الإيمان الناظر إلى الإنفاق ~~المعرض عن التحصيل # ومما رزقناهم ينفقون # [البقرة: 3]؛ # والمنفقين والمستغفرين بالأسحار # [آل عمران: 17]؛ # لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون # [آل عمران: 92] ناه عن الالتفات إلى الدنيا بالإقبال على غنيمة أو ~~غيرها بطريق الإشارة بدلالة التضمن، إذ المطلق جزء المقيد، ففي هذه ~~العبارة التي صريحها ناه عن الإقبال على الدنيا إقبالا يوجب الإعراض عن ~~الآخرة باستباحة أكل الربا المتقدم في البقرة من النهي عنه من المبالغة ~~ما يردع من له أدنى تقوى، ويوجب لمن لم يتركه وما يقاربه الضمان بالخذلان ~~في كل زمان # فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله # [البقرة: 278]، # أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ~~ينصرون # [البقرة: 86]. # ولما كان في تركه الإثخان في العدو بعد زوال المانع منه بالهزيمة مع أن ~~فيه من حلاوة الظفر ما يجل عن الوصف لأجل الغنيمة التي هي لمن غلب، وليس ~~في المبادرة إلى حوزها كبير فائدة، دلالة على تناهي الحب للتكاثر، ناسب ~~المقام ربا التضعيف فقال: - أو يقال: لما كان سبب الهزيمة طلبهم الزيادة ~~بالغنيمة، وكان ms0797 حب الزيادة حلالا قد يجر إلى حبها حراما، فيجر إلى ~~الربا المضاعف، لأن من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه قال -: { أضعافا ~~مضاعفة } أي لا تتهيؤوا لذلك بإقبالكم على مطلق الزيادة، فإن المطلوب ~~منكم بذل المال فضلا عن الإعراض عنه فضلا عن الإقبال عليه، فالحاصل أنه ~~دلت على الربا بمطابقتها، وعلى مطلق الزيادة بتضمنها، وهي من وادي قوله ~~صلى الله عليه وسلم: # " من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه " # وختام الآية بقوله: { واتقوا الله } أي الملك الأعظم { لعلكم تفلحون } ~~مشير إلى ذلك، أي واجعلوا بينكم وبين مخالفة نهيه عن الربا وقاية ~~بالإعراض عن مطلق محبة الدنيا والإقبال عليها، لتكونوا على رجاء من الفوز ~~بالمطالب، فمن له ملك الوجود وملكه فإنه دير بأن يعطيكم من ملكه إن ~~اتقيتم، ويمنعكم إن تساهلتم، فهو نهي عن الربا بصريح العبارة، وتحذير من ~~أن يعودوا إلى ما صدر منهم من الإقبال على الغنائم قبل انفصال الحرب ~~فعلا وقوة بطريق الإشارة، وهي من أدلة إمامنا الشافعي على استعمال اللفظ ~~في حقيقته ومجازه، والذي دلنا على إرادة المعنى التضمني المجازي نظمها، ~~والناظم حكيم في سلك هذه القصة ووضعها في هذا الموضع، فلا يقدح في ذلك ~~أنه قد كان في هذه القصة أمر يصلح أن يكون سببا لنزول هذه الآية ووضعها ~~عنا، لأن ذلك غير لازم ولا مطرد، فقد كان حلفه صلى الله عليه وسلم أنه ~~يمثل بسبعين منهم كما مثلوا بعمه حمزة رضي الله عنه سببا لنزول آخر سورة ~~النحل # وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به # [النحل: 126] إلى آخرها، ولم توضع هنا، والأمر الصالح لأن يكون سببا ~~لها ما روى أبو داود في سننه بسند رجاله رجال الصحيح عن أبي هريرة أن ~~عمروا بن أقيش رضي الله عنه كان له ربا في الجاهلية، فكره أن يسلم حتى ~~يأخذه، فجاء يوم أحد فقال: أين بنو عمي؟ قالوا: بأحد، قال: أين فلان؟ ~~قالوا: بأحد، قال: فأين فلان؟ قالوا: بأحد؛ فلبس لأمته وركب فرسه ثم توجه ~~قبلهم، فلما رآه ms0798 المسلمون قالوا: إليك عنا يا عمرو! قال: إني قد آمنت، ~~فقاتل حتى جرح، فحمل إلى أهله جريحا، فجاءه سعد بن معاذ رضي الله عنه ~~فقال لأخته: سليه: حمية لقومك أو غضبا لهم، أم غضبا لله عز وجل؟ فقال: ~~بل غضبا لله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم، فمات فدخل الجنة وما صلى ~~لله عز وجل صلاة. والقصة في جزء عبيد الله بن محمد بن حفص العيشي - ~~بالمهملة ثم التحتانية ثم المعجمة - تخريج أبي القاسم عبد الله ابن محمد ~~بن عبد العزيز البغوي، والجزء السابع عشر من المجالسة للدينوري من طريق ~~حماد بن سلمة شيخ أبي داود، ولفظ العيشي: إن عمرو بن وقش - وقال ~~الدينوري: أقيش - كان له ربا في الجاهلية، وكان يمنعه ذلك الربا من ~~الإسلام حتى يأخذه ثم يسلم، فجاء ذات يوم ورسول الله صلى الله عليه وسلم ~~- زاد الدينوري: وأصحابه بأحد فقال: أين سعد ابن معاذ؟ وقال العيشي: فقال ~~لقومه: أين سعد بن معاذ؟ قالوا: هو بأحد، قال الدينوري: فقال: أين بنو ~~أخيه؟ قالوا: بأحد، فسأل عن قومه، فقالوا: بأحد، فأخذ سيفه ورمحه ولبس ~~لأمته، ثم أتى أحدا؛ وقال الدينوري: ثم ذهب إلى أحد، فلما رآه السملمون ~~قالوا: إليك عنا يا عمرو! قال: إني قد آمنت! فقاتل فحمل إلى أهله جريحا، ~~فدخل عليه سعد بن معاذ فقال - يعني لامرأته -: سليه! وقال العيشي: فقال ~~لأخته: ناديه، فقولي؛ وقال الدينوري: فقالت: أجئت غضبا لله ورسوله أم ~~حمية وغضبا لقومك؟ فنادته، فقال: جئت غضبا لله ورسوله! فمات فدخل الجنة ~~ولم يصل لله قط؛ وقال الدينوري: قال أبو هريرة: ودخل الجنة، وما صلى لله ~~صلاة. # ورواها ابن إسحاق والواقدي عن أبي هريرة رضي الله عنهم أنه كان يقول: ~~حدثوني عن رجل دخل الجنة لم يصل قط؛ وقال الواقدي: أخبروني برجل يدخل ~~الجنة لم يسجد لله قط، فيسكت الناس، فيقول أبو هريرة رضي الله عنه: هو ~~أخو بني عبد الأشهل؛ وقال ابن إسحاق: فإذا لم يعرفه الناس سألوا: من هو؟ ~~فيقول: أصيرم ms0799 بني عبد الأشهل عمرو بن ثابت بن وقش رضي الله تعالى عنه؛ ~~زاد ابن إحساق: قال الحصين - يعني شيخه: فقلت لمحمود بن لبيد: كيف كان ~~شأن الأصيرم؟ قال: كان يأبى الإسلام على قومه، فلما كان يوم خرج رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلى أحد بدا له في الإسلام فأسلم، ثم أخذ سيف ~~فغدا حتى دخل في عرض الناس، فقاتل حتى أثبتته الجراحة، فبينما رجال من ~~بني عبد الأشهل يلتمسون قتلاهم في المعركة إذا هم به، فقالوا: والله إن ~~هذا للأصيرم! ما جاء به؟ لقد تركناه وإنه لمنكر بذا الحديث! فسألوه ما ~~جاء به، فقالوا: ما جاء بك يا عمرو؟ أحدب على قومك أم رغبة في الإسلام؟ ~~فقال: بل رغبة في الإسلام، آمنت بالله وبرسوله وأسلمت، ثم أخذت سيفي ~~فغدوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قاتلت حتى أصابني ما أصابني. ~~ثم لم يلبث أن مات في أيديهم، فذكروه لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال: # " إنه لمن أهل الجنة " # والمعنى على هذا: يا أيها الذين يريدون الإيمان! لا تفعلوا مثل فعل ~~الأصيرم في تأخير إيمانه لأجل الربا، بل سابقوا الموت لئلا يأتيكم بغتة ~~فتهلكوا، أو يا أيها الذين أخبروا عن أنفسهم بالإيمان ورسوخ الإذعان في ~~أنفسهم والإيقان بمر الزمان! افعلوا مثل فعله ساعة أسلم في صدق الإيمان ~~وإسلام نفسه إلى ربه بركوب الأهوال في غمرات القتال من غير خوف ولا توقف ~~ولا التفات إلى أمر دنيوي وإن عظم؛ فقد بان أنه نبه بالإشارة إلى قصة بدر ~~ثم بهذه الآية على أن من أعرض عن الدنيا حصلت له بعز وإن كان قليلا، ومن ~~أقبل عليها فاتته بذل وإن كان كثيرا جليلا، لأن من له ملك السماوات ~~والأرض يفعل ما يشاء، ولا تفيد الآية إباحة مطلق الفضل في الربا ما لم ~~ينته إلى الأضعاف المضاعفة، لأن إفهامها لذلك معارض لمنطوق آيات البقرة ~~الناهية عن مطلق الربا، والمفهوم لا يعمل به إذا عارض منطوق نص آخر، وهذا ~~من مزيد الاعتناء ms0800 بشأن الربا إذ حرم كل نوع منه في آية تخصه، فحرم ربا ~~الفضل في آيات البقرة، ويلزم من ترحيمه تحريم ربا الأضعاف، ثم نص عليه في ~~هذه الآية، فصار محرمأ مرتين: مفهوما ومنطوقا، مع ما أفاد ذكره من ~~النكت التي تقدم التنبيه عليها. ### || [3.131-137] # ولما كان الفائز بالمطالب قد لا يوقي المعاطب قال تعالى: { واتقوا النار ~~} أي إن لم تكونوا ممن يتقيه سبحانه لذاته { التي أعدت } أي هيئت { ~~للكافرين * } أي بالله باستحلال الربا وغيره بالذات، وللكافرين بالنعمة ~~عصيانا بالعرض. ولما كان الفائز السالم قد لا يكون مقربا قال اتباعا ~~للوعيد بالوعد: { وأطيعوا الله } ذا الجلال والإكرام { والرسول } أي ~~الكامل في الرسلية كمالا ليس لأحد مثله، أي في امتثال الأوامر واجتناب ~~النواهي بالإخلاص { لعلكم ترحمون * } أي لتكونوا على رجاء وطمع في أن ~~يفعل بكم فعل المرحوم بالتقريب والمحبة وإنجاز كل ما وعد على الطاعة من ~~نصره وغيره. # ولما نهى عما منع النصر بالنهي عن الربا، المراد بالنهي عنه الصرف عن ~~مطلق الإقبال على الدنيا، المشار إلى ذمها في قوله تعالى: # زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين # [آل عمران: 14]، وأمر بما تضمن الفوز والنجاة والقرب، وكان ذلك قد يكون ~~مع التواني أمر بالمسارعة فيه توصلا إلى ما أعد للذين اتقوا الموعودين ~~بالنصر المشروط بتقواهم وصبرهم في قوله: # بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم # [آل عمران: 125]، # وإن تصبرو وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا # [آل عمران: 120] الموصوفين بما تقدم في قوله تعالى في المقصد الثالث من ~~دعائم هذه السورة # قل أأنبئكم بخير من ذلك للذين اتقوا # [آل عمران: 15]، على وجه أبلغ من ذلك بالمسارعة إلى ما يوجب المغفرة من ~~الرب اللطيف بعباده، وإلى ما يبيح الجنة أعدت للمتقين الذين تقدمت ~~الإشارة إليهم في قوله تعالى: # واتقوا الله لعلكم تفلحون # [آل عمران: 130] الذين يتخلون عن الأموال وجميع مصانع الدنيا فلا تمتد ~~أعينهم إلى الازدياد من شيء منها ويتحلون بالزهد فيها والإنفاق لها في ~~سبيل الله في مرضاة رسول الله صلى الله ms0801 عليه وسلم من الجهاد وغيره في ~~السراء والضراء، لا بالإقبال على الدنيا من غنيمة أو غيرها إقبالا يخل ~~ببعض الأوامر، وبالصبر بكظم الغيظ عمن أصيب منهم بقتل او جراحة، والعفو ~~عمن يحسن العفو عنه في التمثيل بالقتل في أحد أو غير ذلك إرشادا إلى أن ~~لا يكون جهادهم إلا غضبا لله تعالى، لا مدخل فيه لحظ من حظوظ النفس ~~أصلا، وبالصبر أيضا على حمل النفس على الإحسان إلى من أساء بذلك أو ~~غيره كما فعل صلى الله عليه وسلم في فتح مكة بعد أن كان حلف ليمثلن ~~بسبعين منهم مكان تمثيلهم بسيد الشهداء أسد الله وأسد رسوله عمه حمزة ابن ~~ساقي الحجيج عبد المطلب، فإنه وقف صلى الله عليه وسلم في ذلك اليوم الذي ~~كان أعظم أيام الدنيا الذي أثبت فيه نور الإسلام عل مشرق الأرض ومغربها، ~~فهزم ظلام الكفر وضرب أوتاده في كل قطر على درج الكعبة وهم في قبضته ~~فقال: # " ما تظنون إني فاعل بكم يا معشر قريش؟ قالوا: خيرا! أخ وابن أخ كريم، ~~قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء " # ، وبالاستغفار عنعمل الفاحشة من خذلان المؤمنين أو أكل الربا أو التولي ~~عن قتال الأعداء، وعن ظلم النفس من محبة الدنيا الموجب للإقبال على ~~الغنائم التي كانت سبب الانهزام أو يغر ذلك مما أراد الله تعالى فقال ~~تعالى: { وسارعوا } أي بأن تفعلوا في الطاعات فعل من يسابق خصما { إلى ~~مغفرة من ربكم } أي المحسن إليكم بإرسال الرسل وإنزال الكتب بعمل ما ~~يوجبها من التوبة والإخلاص وكل ما يزيل العقاب { وجنة } أي عظيمة جدا ~~بعمل كل ما يحصل الثواب، ثم بين عظمها بقوله: { عرضها السماوات والأرض } ~~أي كعرضهما، فكيف بطولها، ويحتمل أن يكون كطولهما، فهي أبلغ من آية ~~الحديد - كما يأتي لما يأتي، وعلى قراءة { سارعوا } بحذف الواو يكون ~~التقدير: سارعوا بفعل ما تقدم، فهو في معناه، لا مغائر له. # ولما وصف الجنة بين أهلها بقوله: { أعدت } أي الآن وفرغ منها { للمتقين ~~* } وهم الذين صارت التقوى شعارهم، فاستقاموا واستمروا على الاستقامة، ثم ms0802 ~~وصف المتقين بما تضمن تفصيل الطاعة المأمور بها قبل إجمالا, على وجه ~~معرف بأسباب النصر إلى آخر ما قص من خبر الأنبياء الماضين ومن معهم من ~~المؤمنين بادئا بما هو أشق الأشياء ولا سيما في ذلك الزمان من التبر ومن ~~المال الذي هو عديل الروح فقال: { الذين ينفقون } أي مما آتاهم الله، وهو ~~تعريض بمن أقبل على الغنيمة { في السراء والضراء } أي في مرضاة الله في ~~حال الشدة والرخاء. ولما ذكر أشق ما يترك ويبذل أتبعه أشق ما يحبس فقال: ~~{ والكاظمين } أي الحابسين { الغيظ } عن أن ينفذوه بعد أن امتلؤوا منه. # ولما كان الكاظم غيظه عن أن يتجاوز في العقوبة قد لا يعفو حثه على العفو ~~بقوله: { والعافين } وعمم في الحكم بقوله: { عن الناس } أي ظلمهم لهم ولو ~~كانوا قد قتلوا منهم أو جرحوهم. ولما كان التقدير: فإن الله يحبهم ~~لإحسانهم عطف عليه تنويها بدرجة الإحسان قوله: { والله } أي الذي له ~~صفات الكمال { يحب المحسنين * } أي يكرمهم بأنواع الإكرام على سبيل ~~التجديد والاستمرار. # ولما أخبر أنها للمحسنين إلى الغير ومن قاربهم أخبر أناه لمن دونهم في ~~الرتبة من التائبين المحسنين إلى أنفسهم استجلابا لمن رجع عن أحد من ~~المنافقين ولغيرهم من العاصين فقال: { والذين إذا فعلوا } أي باشروا عن ~~علم أوجهل فعله { فاحشة } أي من السيئات الكبار { أو ظلموا أنفسهم } أي ~~بأي نوع كان من الذنوب، لتصير الفاحشة موعودا بغفرانها بالخصوص وبالعموم ~~{ ذكروا الله } أي بما له من كمال العظمة فاستحيوه وخافوه { فاستغفروا } ~~الله، أي فطلبوا المغفرة بالتوبة بشرطها { لذنوبهم } أي فإنه يغفر لهم ~~لأنه غفار لمن تاب. # ولما كان هذا مفهما لأنه تعالى يغفر كل ذنب أتبعه تحقيق ذلك ونفي ~~القدرة عليه عن غيره، لأن المخلوق لا يمضي غفرانه لذنب إلا إذا كان مما ~~شرع الله غفرانه، فكان لا غافر في الحقيقة إلا الله قال مرغبا في ~~الإقبال عليه بالاعتراض بين المتعاطفين: { ومن يغفر الذنوب } أي يمحو ~~آثارها حتى لا تذكر ولا يجازى عليها { إلا الله } أي الملك الأعلى. ms0803 ولما ~~كان سبحانه وتعالى قد تفضل برفع القلم عن الغافل قال: { ولم يصروا على ما ~~فعلوا وهم يعلمون * } أي إنهم على ذنب. # ولما أتم وصف السابقين وهم المتقون واللاحقين وهم التائبون قال - معلما ~~بجزائهم الذين سارعوا إليه من المغفرة والجنة مشيرا إليهم بأداة البعد ~~تعظيما لشأنهم على وجه معلم بأن أحدأ لا يقدر الله حق قدره -: { أولئك ~~} أي العالو الرتبة { جزآؤهم مغفرة } أي لتقصيرهم أو لهفواتهم أو ~~لذنوبهم، وعظمها بقوله: { من ربهم } أي المسحن إليهم بكل إحسان، وأتبع ~~ذلك للإكرام فقال: { وجنات } أي جنات، ثم بين عظمها بقوله: { تجري من ~~تحتها الأنهار } حال كونكم { خالدين فيها } هي أجرهم على عملهم { ونعم ~~أجر العاملين * } هي، هذا على تقدير أن تكون الإشارة لجميع الموصوفين، ~~وإن كانت للمستغفرين خاصة فالأمر واضح في نزول رتبتهم عمن قبلهم. # ولما فرغ من بيان الزلل الذي وقع لهم به الخلل، والترهيب مما يوقع فيه، ~~والترغيب فيما ينجى منه في تلك الأساليب التي هي أحلى من رائق الزلال ~~ولذيذ الوصال بعد طول المطال أخذ يشجعهم على الجهاد لذوي الفساد، فبدأ ~~بالسبب الأقوى، وهو الأمر بمشاهدة مصارع من مضى من المكذبين برؤية ديارهم ~~وتتبع آثارهم مع أنهم كانوا أشد خلقا وأقوى همما وأكثر عددا وأحكم ~~عددا، فقال تعالى معللا للأمر بالمسارعة إلى المغفرة: { قد خلت } ولما ~~كان العلم بالقريب في الزمان والمكان أتم، وكان الذين وقعت فيهم السنن ~~جميع أهل الأرض، ولا في جميع الزمان، أثبت الجار فقال: { من قبلكم } اي ~~فلا تظنوا بما أملى لهم بهذه الإدالة أن نعمته انقطعت عنهم { سنن } أي ~~وقائع سنها الله في القرون الماضية والأمم الخالية في المؤمنين ~~والمكذبين، وأحوال وطرائق كانت للفريقين، فتأسوا بالمؤمنين وتوقعوا ~~لأعدائكم مثل ما للمكذبين، فانظروا وأنعموا التأمل في أحوال الفريقين وإن ~~لم يحصل ذلك إلا بالسير في الكد والتعب الشديد { فسيروا في الأرض } أي ~~للاتعاظ بأحوال تلك الأمم برؤية آثارهم لتضموا الخير إلى الخير، وتعتبروا ~~من العين بالأثر، وتقرنوا بين النقل والنظر، ولما كان الرجوع عن الهفوة ms0804 ~~واجبا على الفور عقب بالفاء قوله: { فانظروا } أي نظر اعتبار، ونبه على ~~عظمة المنظور فيه بأنه أهل لأن يستفهم عنه لأنه خرج عن العوائد فتعاظم ~~إشكاله فقال: { كيف كان عاقبة } أي آخر أمر { المكذبين * }. # ولما تكفلت هذه الجمل بالهداية إلى سعادة الدارين نبه على ذلك سبحانه ~~وتعالى بقوله على طريق الاستفتاح: { هذا بيان } أي يفيد إزالة الشبه { ~~للناس } أي المصدقين والمكذبين { وهدى } أي إرشاد بالفعل { وموعظة } أي ~~ترقيق { للمتقين* }. ### || [3.138-143] # ولما أمرهم بالمسارعة وأتبعها علتها ونتيجتها نهاهم عما يعوق عنها من ~~قبل الوهن الذي عرض لهم عند رؤيتهم الموت فقال - ويجوز أن يعطف على ما ~~تقديره: فتبينوا واهتدوا واتعظوا إن كنتم متقين، وانظروا أخذنا لمن كان ~~قبلكم من أهل الباطل وإن كان لهم دول وصولات ومكر وحيل -: { ولا تهنوا } ~~أي في جهاد أعدائكم الذين هم أعداء الله، فالله معكم عليهم، وإن ظهروا ~~يوم أحد نوع ظهور فسترون إلى من يؤول الأمر { ولا تحزنوا } أي على ما ~~أصابكم منهم ولا على غيره مما عساه ينوبكم { و } الحال أنكم { أنتم ~~الأعلون } أي في الدارين { إن كنتم مؤمنين * } أي إن كان الإيمان - وهو ~~التصديق بكل ما يأتي عن الله - لكم صفة راسخة، فإنهم لا يهنون؛ لأنكم بين ~~إحدى الحسنيين - كما لم يهن من سيقص عليكم نبأهم ممن كانوا مع الأنبياء ~~قبلكم لعلوكم عدوكم، أما في الدنيا فلأن دينكم حق ودينهم باطل، ومولاكم ~~العزيز الحكيم الذي قد وعدكم الحق الملك الكبير لمن قتل، والنصر والتوزر ~~لمن بقي، وهو حي قيوم، ولا يخفى عليه شيء من أحوالكم، فهو ناصركم ~~وخاذلكم، وأما في الآخرة فلأنكم في مقعد صدق عند مليك مقتدر، وهم في ~~النار عند ملائكة العذاب الغلاظ الشداد أبدا. # ولما نهاهم عما تقدم وبشرهم سلاهم وبصرهم بقوله: { إن يمسسكم قرح } أي ~~مصيبة بإدالتهم عليكم اليوم { فقد مس القوم } أي الذين لهم من قوة ~~المحاولة ما قد علمتم، أي في يوم أحد نفسه وفي يوم بدر { قرح مثله } أي ~~في مطلق كونه قرحا وإن كان أقل ms0805 من قرحكم في يوم أحد وأكثر منه في يوم ~~بدر، على أنه كما أنه ظفرهم - بعدما أصابهم وأنكأهم يوم بدر بالزهد الذي ~~ليس بعده وهن - بقتل مثل من قتل منكم وأسر مثلكم، ويوم أحد بالقتل ~~والهزيمة أول النهار وهم أعداؤه، فهو جدير بأن يظفركم بعد وهنكم وأنتم ~~أولياؤه، فكما لم يضعفهم وهنهم وهم على الباطل فلا تضعفوا أنتم وأنتم على ~~الحق، ترجون من الله ما لا يرجون، فقد أدلناكم عليهم يوما وأدلناهم ~~عليكم آخر { وتلك الأيام } ولما نبه على تعظيمها بأداة البعد، وكانت إنما ~~تعظم بعظم أحوالها ذكر الحال المنبه عليها بقوله: { نداولها بين الناس } ~~أي بأن نرفع من نشاء تارة ونرفع عليه أخرى. # ولما كان التقدير: ليدال على من كانت له الدولة، فيعلم كل أحد أن الأمر ~~لنا بلا شريك ولا منازع عطف عليه قوله: { وليعلم الله } أي المحيط بجميع ~~الكمال { الذين آمنوا } أي بتصديق دعوى الإيمان بنية الجهاد فيكرمهم، ~~ومعنى { ليعلم } أنه يفعل فعل من يريد علم ذلك بأن يبرز ما يعلمه غيبا ~~إلى عالم الشهادة ليقيم الحجة على الفاعلين على ما يتعارفه الناس بينهم { ~~ويتخذ منكم شهداء } أي بأن يجعل قتلهم عين الحياة التي هي الشهادة، لا ~~غيبة فيها، فهو سبحانه وتعالى يزيد في إكرامهم بما صدقوا في إيمانهم بأن ~~لا يكونوا مشهودا عليهم أصلا بفتنة في قبورهم ولا غيرها ولا يغفلوا ~~بخوف ولا صعق ولا غيره، فإن الله يحب المؤمنين، وليعلم الذين ظلموا ويمحق ~~منهم أهل الجحد والاعتداء { والله } أي الملك الأعلى { لا يحب الظالمين * ~~} أي الذين يخالف فعلهم قولهم، فهو لا يستشهدهم، وإنما يجعل قتلهم أول ~~خيبتهم وعذابهم، وفيه بشارة في ترغيب بأنه لا يفعل مع الكفرة فعل المحب، ~~لئلا يحزنوا على ما أصابهم، ونذارة في تأديب بأنهم ما أخذوا إلا بتضييعهم ~~الثغر الذي أمرهم به من التزموا طاعته وأمر الله بها في المنشط والمكره ~~بحفظه، وأقبلوا على الغنائم قبل أن يفرغوا من العدو، والآية من الاحتباك: ~~إثبات الاتخاذ أولا دال على نفيه ثانيا، وإثبات ms0806 الكراهة ثانيا دال على ~~المحبة أولا. # ولما قدم التنفير من الظلم دلالة على الاهتمام به أكمل ثمرات المداولة ~~بقوله: { وليمحص } أي وليطهر { الله } أي ذو الجلال والإكرام { الذين ~~أمنوا } أي إن أصيبوا، ويجعل مصيبتهم سببا لقوتهم { ويمحق الكافرين * } ~~أي شيئا فشيئا في تلك الحالتين بما يلحقهم من الرجس، أما إذا كانت لهم ~~فبالنقص بالقوة بالبطر الموجب للعكس، وأما إذا كانت عليهم فبالنقص بالفعل ~~الموجب للقطع بالنار. ولما كان السياق يرشد إلى أن المعنى: أحسبتم أنه لا ~~يفعل ذلك، عادله بقوله: { أم حسبتم } أي يا من استكره نبينا على الخروج ~~في هذا الوجه { أن تدخلوا الجنة } أي التي أعدت للمتقين { ولما يعلم الله ~~} أي يفعل المحيط علما وقدرة بالامتحان فعل من يريد أن يعلم { الذين ~~جاهدوا منكم } أي أوقعوا الجهاد بصدق العزيمة، ثم أمضوه بالفعل تصديقا ~~للدعوى { ويعلم الصابرين * } أي الذين شأنهم الصبر عند الهزاهز والثبات ~~عند جلائل المصائب تصديقا لظاهر الغرائز، فإن ذلك أعظم دليل على الوثوق ~~بالله ووعده الذي هو صريح الإيمان. # ولما أرشد السياق إلى أن التقدير: فلقد كنتم تقولون: لئن خرجت بنا ~~ليبتلين الله بلاء حسنا، عطف عليه قوله: { ولقد } ويجوز أن يكون حالا ~~من فاعل { حسبتم } { كنتم تمنون الموت } أي الحرب، عبر عنها به لأنها ~~سببه، ولقد تمنى بعضهم الموت نفسه بتمني الشهادة { من قبل أن تلقوه } أي ~~رغبة فيما أعد الله للشهداء { فقد رأيتموه } أي برؤية قتل إخوانكم، ~~والضمير يصلح أن يكون للموت المعبر به عن الحرب، وللموت نفسه برؤية ~~أسبابه القريبة، وقوله: { وأنتم تنظرون * } بمعنى رؤية العين، فهو تحقيق ~~لإرادة الحقيقة. ### || [3.144-147] # ولما كان التقدير: فانهزمتم عندما صرخ الشيطان كذبا: ألا إن محمدا قد ~~قتل! ولم يكن لكم ذلك فإنكم إنما تعبدون رب محمد الحي القيوم وتقاتلون ~~له، وأما محمد فما هو بخالد لكم في الدنيا قال: { وما محمد إلا رسول } أي ~~من شأنه الموت، لا إله، ثم قرر المراد من السياق بقوله: { قد خلت } أي ~~بمفارقة أممهم، إما بالموت أو الرفع إلى السماء، ms0807 ولما كان المراد أن ~~الخلو منهم إنما كان في بعض الزمان الماضي لما مضى أثبت الجار فقال: { من ~~قبله الرسل } أي فيسلك سبيلهم، فاسلكوا أنتم سبيل من نصح نفسه من أتباعهم ~~فاستمسك بنورهم. # ولما سبب عن ذلك إنكار انهزامهم ودعتهم على تقدير فقده أنكر عليهم ~~بقوله: { أفإن } ولما كان الملك القادر على ما يريد لا يقول شيئا وإن ~~كان فرضا إلا فعله ولو على أقل وجوهه، وكان في علمه سبحانه أنه صلى الله ~~عليه وسلم يموت موتا - لكونه على فراشه، وقتلا - لكونه بالسم، قال: { ~~مات } أي موتا على الفراش { أو قتل } أي قتلا { انقلبتم } أي عن الحال ~~التي فارقكم عليها فأضعتم مشاعر الدين وتركتم مشاريع المرسلين! ثم قرر ~~المعنى بقوله: { على أعقابكم } لئلا يظن أن المراد مطلق الانتقال وإن كان ~~على الاستواء والانتقال إلى أحسن { ومن } أي انتقلتم والحال أنه من { ~~ينقلب على عقبيه } أي بترك ما شرعه له نبيه أو التقصير فيه { فلن يضر ~~الله } أي المحيط بجميع العظمة { شيئا } لأنه متعال عن ذلك بأن الخلق ~~كلهم طوع أمره، لا يتحركون حركة إلا على وفق مراده، فلو أراد لهداهم ~~أجمعين، ولو أراد أضلهم أجمعين، وإنما يضر ذلك المنقلب نفسه لكفره بالله، ~~وسيجزي الله الشاكرين، ومن سار ثابتا على المنهج السوي فإنما ينفع نفسه ~~لشكره لله { وسيجزي الله } أي الذي له جميع صفات الكمال { الشاكرين * } ~~أي كلهم، فالآية من الاحتباك: أثبت الانقلاب وعدم الضر أولا دليلا على ~~حذف ضده ثانيا، والجزاء ثانيا دليلا على حذف مثله أولا. # ولما كان موت الرأس من أنصار الدين لا يصلح أن يكون سببا للفرار إلا ~~إذا كان موته بغير إذن صاحب الدين، وكان الفرار لا يصلح إلا أذا كان يمكن ~~أن يكون سببا للنجاة، وأما إذا كان موته لا يكون إلا بإرادة رب الدين، ~~والفرار لا يكون سببا في زيادة الأجل ولا نقصه؛ أشار إلى ذلك بقوله: { ~~وما كان لنفس } أي من الأنفس كائنة من كانت { أن تموت } أي بشيء من ~~الأشياء { إلا بإذن ms0808 الله } أي بعلم الملك الأعلى الذي له الإحاطة التامة ~~وإرادته وتمكينه من قبضها " كتب لكل نفس عمرها " { كتابا مؤجلا } أي ~~أجلا لا يتقدم عنه بثبات، ولا يتأخر عنه بفرار أصلا. # ولما كان المعنى: فمن أقدم شكرته ولم يضره الإقدام، ومن أحجم ذممته ولم ~~ينفعه الإحجام، وكان الحامل على الإقدام إيثار ما عند الله، والحامل على ~~الإحجام إيثار الدنيا؛ عطف على ذلك قوله: { ومن يرد ثواب الدنيا } أي ~~بعمله - كما افهمه التعبير بالثواب، وهم المقبلون على الغنائم بالنهب ~~والفارون كفرا لنعمة الله { نؤته منها } أي ما أراد، وختام الآية يدل ~~على أن التقدير هنا: وسنردي الكافرين , ولكنه طواه رفقا لهم { ومن يرد ~~ثواب الآخرة } أي وهم الثابتون شكرا على إحسانه إليهم من غير أن يشغلهم ~~شاغل عن الجهاد، ولما كان قصد الجزاء غير قادح في الإخلاص منه من الله ~~تعالى علينا قال: { نؤته } ونبه على أن العمل لذات الله من غير نظر إلى ~~ثواب ولا عقاب أعلى فقال: { منها } أي وسنجزيه لشكره، وهو معنى قوله: { ~~وسنجزي الشاكرين * } لكنه أظهر لتعليق الحكم بالوصف وعمم. # ولما ذكر سبحانه وتعالى هذه الجمل على هذا الوجه الذي بين فيه العلل، ~~وأوضح بحال الزلل، وكان التقدير بعد انقضائها: فكأين من قوم أمرناهم ~~بالجهاد، فكانوا على هذين القسمين، فأثبنا الطائع وعذبنا العاصي، ولم ~~يضرنا ذلك شيئا، ولا جرى شيء منه على غير مرادنا، عطف عليه يؤسيهم بطريق ~~الصالحين من قبلهم ويسيلهم بأحوالهم قوله: { وكأين } وهي بمعنى كم، وفيها ~~لغات كثيرة، قرىء منها في العشر بثنتين: الجمهور بفتح الهمزة بعد الكاف ~~وتشديد الياء المكسورة، وابن كثير وأبو جعفر بألف ممدودة بعد الكاف وهمزة ~~مكسورة، ولعلها أبلغ - لأنه عوض عن الحرف المحذوف - من المشهورة بالمد، ~~والمد أوقع في النفس وأوقر في القلب؛ وفيها كلام كثير - في لغاتها ~~ومعناها وقراءاتها المتواترة والشاذة وصلا ووقفا، ورسمها في مصحف ~~الإمام عثمان بن عفان رضي الله عنه الذي وقع إجماع الصحابة عليه ليكون ~~المرجع عند الاختلاف إليه، وهل هي بسيطة أو مركبة ومشتقة ms0809 أو جامدة وفي ~~كيفية التصرف في لغاتها - استوعبته في كتابي الجامع المبين لما قيل في { ~~كأين } ، وقال سبحانه: { من نبي } لتكون التسلية أعظم بذكر ما هو طبق ما ~~وقع في هذه الغزوة من قتل أصحابه، واحتمال العبارة لقتله نفسه بقوله: { ~~قتل } أي ذلك النبي حال كونه { معه } لكن الأرجح إسناد { قتل } إلى { ~~ربيون } لموافقته قراءة الجماعة - سوى الحرميين وأبي عمرو -: قاتل معه { ~~ربيون } أي علماؤهم ورثة الأنبياء، وعلى منهاجهم { كثير فما } أي فما ~~تسبب عن قتل نبيهم وهنهم، أو يكون المعنى ويؤيده الوصف بالكثرة -: قتل ~~الربيون، فما تسبب عن قتلهم أن الباقين بعدهم { وهنوا } أي ضعفوا عن ~~عملهم { لما أصابهم في سبيل الله } أي الملك الأعظم من القتل لنبيهم الذي ~~هو عمادهم، أو لإخوانهم الذين هم أعضادهم لكونه من الله { وما ضعفوا } أي ~~مطلقا في العمل ولا في غيره { وما استكانوا } أي وما خضعوا لأعدائهم ~~فطلبوا أن يكونوا تحت أيديهم - تعريضا بمن قال: اذهبوا إلى أبي عامر ~~الراهب ليأخذ لنا أمانا من أبي سفيان، بل صبروا، فأحبهم الله لصبرهم { ~~والله } أي الذي له صفات الكمال { يحب الصابرين * } أي فليفعلن بهم من ~~النصر وإعلاء القدر وجميع أنواع الإكرام فعل من يحبه. # ولما أثنى سبحانه وتعالى على فعلهم أتبعه قولهم فقال: { وما كان } أي ~~شيء من القول { قولهم } أي بسبب ذلك الأمر الذي دهمهم { إلا أن قالوا } ~~أي وهم يجتهدون في نصر دين الله ناسبين الخذلان إلى أنفسهم بتعاطي أسبابه ~~{ ربنا اغفر لنا ذنوبنا } أي التي استوجبنا بها الخذلان { وإسرافنا في ~~أمرنا } هضما لأنفسهم، فمع كونهم ربانيين مجتهدين نسبوا ما أصابهم إلى ~~ذنوبهم، فافعلو أنتم فعلهم لتنالوا من الكرامة ما نالوا، كما أشار لكم ~~سبحانه وتعالى إلى ذلك قبل الأخذ في قص القصة عندما وصف به المتقين من ~~قوله: # أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم # [آل عمران: 135]. # ولما دعوا بمحو ما أوجب الخذلان دعوا بثمرة المحو فقالوا: { وثبت ~~أقدامنا } إشارة إلى أن الرعب من نتائج الذنب، والثبات من ثمرات الطاعة - ~~إنما ms0810 تقاتلون الناس بأعمالكم - ثم أشاروا إلى أن قتالهم لهم إنما هو لله، ~~لا لحظ من حظوظ النفس أصلا بقوله: { وانصرنا على القوم الكافرين * }. ### || [3.148-152] # فلما تم الثناء على فعلهم وقولهم ذكر ما سببه لهم ذلك من الجزاء فقال { ~~فأتاهم الله } المحيط علما وقدرة { ثواب الدنيا } أي بأن قبل دعاءهم ~~بالنصر والغنى بالغنائم وغيرها وحسن الذكر وانشراح الصدر وزوال شبهات ~~الشر. # ولما كان ثواب الدنيا كيف ما كان لا بد أن يكون بالكدر مشوبا وبالبلاء ~~مصحوبا، لأنها دار الأكدار؛ أعراه من وصف الحسن، وخص الآخرة به فقال: { ~~وجسن ثواب الآخرة } أي مجازا بتوفيقهم إلى الأسباب في الدنيا، وحقيقة في ~~الآخرة، فإنهم أحسنوا في هذا الفعال والمقال، لكونهم لم يطلبوا بعبادتهم ~~غير وجه الله، فأحبهم لإحسانهم { والله } المحيط بصفات الكمال { يحب ~~المحسنين * } كلهم، فهو جدير بأن يفعل بهم كل جميل ولذلك رفع منزلتهم ولم ~~يجعل ثوابهم بعضا، كما فعل بمن عبد لإرادة الثواب فقال: # نؤته منها # [آل عمران: 145] فقد بان أن هذه الآية منعطفة على ما أمر به الصحابة رضي ~~الله عنهم على طريقة اللف والنشر المشوش، فنفي الوهن تعريض بمن أشير إليه ~~في آية # ولقد كنتم تمنون الموت # [آل عمران: 143] ونحو ذلك والثناء لعى قولهم حث عل مثل ما ندبهم إليه في ~~قولهم # ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم # [آل عمران: 135] وثبات الإقدام إشارة إلى # وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين # [آل عمران: 139] وإلى أن ثبات القدم للنصر على أعداء الله كان شاغلا ~~لهم عن الالتفات إلى غيره، وتعريض بمن أقبل على الغنائم وترك طلب العدو ~~لتمام النصر المشار إليهم بآية # ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها # [آل عمران: 145] وإيتاء الثواب ناظر إلى النهي عن الربا وما انتظم في ~~سلكه وداناه، وإلى الأمر بالمسارعة إلى الجنة وما والاه، وإيماء إلى أن ~~من فعل فعلهم نال ما نالوا، ومن ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه، لأن ~~علمه محيط، وكرمه لا يحد، وخزائنه لا تنفد، بل لا تنقص، ثم ختمها بما ختم ~~به للحث على ms0811 التخلق بأوصاف المتقين؛ فقد اتضح بغير لبس أن المراد بهذه ~~الآية - وهي الإخبار عن إيتائهم الثواب - التنبيه على أن أهم الأمور ~~وأحقها بالبداءة التخلق بما وعظوا به قبل قص القصة، ولا ريب أن في مدح من ~~سواهم تهييجا زائدا لانبعاث نفوسهم وتحرك هممهم وتنبيه نشاطهم وثوران ~~عزائمهم غيرة منهم أن يكون أحد - وهم خير أمة أخرجت للناس - أعلى همة ~~وأقوى عزيمة وأشد شكيمة وأصلب عودا واثبت عمودا وأربط جأشا وأذكر لله ~~وأرغب فيما عنده وأزهد فيما أعرض عنه منهم. # ولما أمر سبحانه وتعالى بطاعته الموجبة للنصر والأجر وختم بمحبته ~~للمحسنين، حذر من طاعة الكافرين المقتضية للخذلان رغبة في موالاتهم ومنا ~~صرتهم فقال تعالى واصلا بالنداء في آية الربا: { يا أيها الذين آمنوا } ~~أي أقروا بالإيمان { إن تطيعوا } بخضوع واستئمان أو غيره { الذين كفروا } ~~أي هذا الفريق منهم أو غيره { يردوكم على أعاقبكم } بتعكيس أحوالكم إلى ~~أن تصيروا مثلهم ظالمين كافرين { فتنقلبوا خاسرين * } في جميع أموركم في ~~الدارين، فتكونوا في غاية البعد من أحوال المحسنين، فتكونوا بمحل السخط ~~من الله صغرة تحت أيدي الأعداء في الدنيا خالدين في العذاب في الأخرى، ~~وذلك ناظر إلى قوله تعالى أول ما حذر من مكر الكفار # يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب # [آل عمران: 100]، وموضح أن جميع هذه الآيات شديد اتصال بعضها ببعض - ~~والله الموفق. # ولما كان التقدير: فلا تطيعوهم، إنهم ليسوا صالحين للولاية مطلقا ما ~~دمتم مؤمنين، عطف عليه قوله: { بل الله } أي الملك الأعظم { مولاكم } ~~مخبرا بأنه ناصرهم وأن نصره لا يساويه نصر أحد سواه بقوله: { وهو خير ~~الناصرين * } أي لأن من نصره سبب له جميع أسباب النصر وأزال عنه كل أسباب ~~الخذلان, فمنع غيره - كائنا من كان - من إذلاله, ثم قرر ذلك بقوله ~~محققا للوعد: { سنلقي } أي بعظمتنا { في قلوب الذين كفروا الرعب } أي ~~المقتضي لامتثال ما أمر به من الجرأة عليهم وعدم الوهن في أمرهم، كما ~~افتتح القصة بالإيماء إلى ذلك بالأمر بالسير في الأرض والنظر ms0812 في عاقبة ~~المكذبين، ثم بين سبب ذلك فقال: { بما أشركوا بالله } أي ليعلموا قطعا ~~أنه لا ولي لعدوه لأنه لا كفوء له، وبين بقوله: { ما لم ينزل } أي في وقت ~~من الأوقات { به سلطانا } أنه لا حجة لهم في الإشراك، وما لم ينزل به ~~سلطانا فلا سلطان له، ومادة سلط ترجع إلى القوة، ولما كان التقدير: ~~فعليهم الذل في الدنيا لاتباعهم ما لا قوة به، عطف عليه: { ومأواهم النار ~~} ثم هول أمرها بقوله: { وبئس مثوى الظالمين * } أي هي، وأظهر في موضع ~~الإضمار للتعميم وتعليق الحكم بالوصف. # ولما كانت السين في { سنلقي } مفهمة للاستقبال كان ذلك ربما أوهم أنه لم ~~يرغبهم فيما مضى، فنفى هذا الوهم محققا لهم ذلك بتذكيرهم بما أنجز لهم ~~من وعده في أول هذه الوقعة مدة تلبسهم بما شرط عليهم من الصبر والتقوى ~~بقوله تعالى - عطفا على قوله: # بلى إن تصبروا وتتقوا # [آل عمران: 125]، مصرحا بما لوح إليه تقديرا قبل # ولقد نصركم الله ببدر # [آل عمران: 123] كما مضى -: { ولقد صدقكم الله وعده } أي في قوله # وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم # [آل عمران: 120] { إذ تحسونهم } أي تقتلونهم بعضهم بالفعل والباقين ~~بالقوة التي هيأها لكم { بإذنه } فإن الحسن بالفتح: القتل والاستئصال - ~~قاله في القاموس. ثم بين لهم سبب هزيمتهم بعد تمكينه منهم ليكون رادعا ~~لهم عن المعاودة إلى مثله فقال مبينا لغاية الحسن: { حتى إذا فشلتم } أي ~~ضعفتم وتراخيتم بالميل إلى الغنيمة خلاف ما تدعو إليه الهمم العوالي، ~~فكيف بهم إذا كانوا من حزب مولى الموالي! فلو كانت العرب على حال ~~جاهليتها تتفاخر بالإقبال على الطعن والضرب في مواطن الحرب والإعراض عن ~~الغنائم - كما قال عنترة بن شداد العبسي يفتخر: # هلا سألت الخيل يا ابنة مالك # إن كنت جاهلة بما لم تعلمي # إذ لا أزال على رحالة سابح # نهد تعاوره الكماة مكلم # طورا يعرض للطعان وتارة # يأوي إلى حصد القسي عرموم # يخبرك من شهد الوقيعة أنني # أغشى الوغى وأعف عند المغنم # وقال يفاخر بقومه كلهم: # إنا إذا حمس ms0813 الوغى نروي القنا # ونعف عند مقاسم الأنفال # ولما ذكر الفشل عطف عليه ما هو سببه في الغالب فقال: { وتنازعتم } أي ~~بالاختلاف، وأصله من نزع بعض شيئا من يد بعض { في الأمر } أي أمر الثغر ~~المأمور بحفظه { وعصيتم } أي وقع العصيان بينكم بتضييع الثغر. وأثبت ~~الجار تصويرا للمخالفة بأنها كانت عقب رؤية النصر سواء، وتبشيرا ~~بزوالها فقال: { من بعد ما أراكم ما تحبون } أي من حسهم بالسيوف ~~وهزيمتهم. # ولما كان ذلك ربما أفهم أن الجميع عصوا نفي ذلك معللا للعصيان بقوله: { ~~منكم من يريد الدنيا } أي قد أغضى عن معايبها التي أجلاها فناؤها. ولما ~~كان حكم الباقين غير معين للفهم من هذه الجملة قال: { ومنكم من يريد ~~الآخرة } وهم الثابتون في مراكزهم، لما يعرجوا على الدنيا. # ولما كان التقدير جوابا لإذا: سلطهم عليكم، عطف عليه قوله: { ثم صرفكم ~~عنهم } أي لاندهاشكم إتيانهم إليكم من ورائكم، وعطفه بثم لاستبعادهم ~~للهزيمة بعد ما رأوا من النصرة { ليبتليكم } أي يفعل في ذلك فعل من يريد ~~الاختبار في ثباتكم على الدين في حالي السراء والضراء. ولما كان اختباره ~~تعالى بعصيانهم شديد الإزعاج للقلوب عطف على قوله { صرفكم } { ولقد عفا ~~عنكم } أي تفضلا عليكم لإيمانكم { والله } الذي له الكمال كله { ذو فضل ~~على المؤمنين * } أي كافة، وهو من الإظهار في موضع الإضمار للتعميم ~~وتعليق الحكم بالوصف. ### || [3.153-154] # ولما ذكر علة الصرف والعفو عنه صوره فقال: { إذ } أي صرفكم وعفا عنكم ~~حين { تصعدون } أي تزيلون الصعود فتنحدرون نحو المدينة، أو تذهبون في ~~الأرض لتبعدوا عن محل الوقعة خوفا من القتل { ولا تلوون } أي تعطفون { ~~على أحد } أي من قريب ولا بعيد { والرسول } أي الذي أرسل إليكم لتجيبوه ~~إلى كل ما يدعوكم إليه وهو الكامل في الرسلية { يدعوكم في أخراكم } أي ~~ساقتكم وجماعتكم الأخرى، وأنتم مدبرون وهو ثابت في مكانه في نحر العدو في ~~نفر يسير لا يبلغون أربعين نفسا على اختلاف الروايات - وثوقا بوعد الله ~~ومراقبة له, يقول كلما مرت عليه جماعة منهزمة: # " إلي عباد الله! أنا ms0814 رسول الله! إلي إلي عباد الله " # كما هو اللائق بمنصبه الشريف من الاعتماد على الله والوثوق بما عنده وعد ~~من دونه من ولي وعدو عدما؛ وإنما قلت: إن معنى ذلك الانهزام، لأن الدعاء ~~يراد منه الإقبال على الداعي بعد الانصراف عما يريده ليأمر وينهى، فعلم ~~بذلك أنهم مولون عن المقصود وهو القتال، وفي التفسير من البخاري عن ~~البراء رضي الله تعالى عنه قال: جعل النبي صلى الله عليه وسلم على ~~الرجالة يوم أحد عبد الله بن جبير رضي الله تعالى عنه وأقبلوا منهزمين، ~~فذاك إذ يدعوهم الرسول في أخراهم، ولم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم ~~غير اثني عشر رجلا. # ولما تسبب عن العفو ردهم عن الهزيمة إلى القتال قال تعالى: { فأثابكم } ~~أي جعل لكم ربكم ثوابا { غما } أي باعتقادكم قتل الرسول صلى الله عليه ~~وسلم. وكان اعتقادا كاذبا ملتئم به رعبا { بغم } أي كان حصل لكم من ~~القتل والجراح والهزيمة، وسماه - وإن كان في صورة العقاب - باسم الثواب ~~لأنه كان سببا للسرور حين تبين أنه خبر كاذب، وأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم سالم حتى كأنهم - كما قال بعضهم - لم تصبهم مصيبة، فهو من الدواء ~~بالداء، ثم علله بقوله: { لكيلا تحزنوا على ما فاتكم } أي من النصر ~~والغنيمة { ولا ما أصابكم } أي من القتل والجراح والهزيمة لاشتغالكم عن ~~ذلك بالسرور بحياة الرسول صلى الله عليه وسلم. # ولما قص سبحانه وتعالى عليهم ما فعلوه ظاهرا وما قصدوه باطنا وما ~~داواهم به قال - عاطفا على ما تقديره: فالله سبحانه وتعالى خبير بما ~~يصلح أعمالكم ويبرىء أدواءكم -: { والله } أي المحيط علما وقدرة { خبير ~~بما تعملون * } أي من خير وشر في هذه الحال وغيرها، وبما يصلح من جزائه ~~ودوائه، فتارة يداوي الداء بالداء وتارة بالدواء، لأنه الفاعل القادر ~~المختار. # ولما كان أمانهم بعد انخلاع قلوبهم بعيدا، ولا سيما بكونه بالنعاس الذي ~~هو أبعد شيء عن ذلك المقام الوعر والمحل الضنك عطف بأداة البعد في قوله: ~~{ ثم أنزل عليكم } ولما أفاد بأداة الاستعلاء ms0815 عظمة الأمن، وكان متصلا ~~بالغم ولم يستغرق زمن ما بعده أثبت الجار فقال: { من بعد الغم } أي ~~المذكور وأنتم في نحر العدو { أمنة } أي أمنا عظيما، ثم ابدل منها ~~تنبيها على ما فيها من الغرابة قوله: { نعاسا } دليلا قطعيا, فإنه لا ~~يكون إلا من أمن؛ روي البخاري في التفسير عن أنس رضي الله عنه أن أبا ~~طلحة رضي الله عنه قال: # " غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم أحد، فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه ~~ويسقط وآخذه " # ولما كان لبعضهم فقط استأنف وصفه بقوله: { يغشى طائفة منكم } وهم ~~المؤمنون، وابتدأ الإخبار عن الباقين بقوله: { وطائفة } أي أخرى من ~~المنافقين { قد أهمتهم أنفسهم } لا المدافعة عن الدين فهم إنما يطلبون ~~خلاصها، ولا يجدون إلى ذلك فيما يظنون سبيلا لاتصال رعبهم وشدة جزعهم، ~~فعوقبوا على ذلك بأنه لم يحصل لهم الأمن المذكور، ثم فسر همهم فقال: { ~~يظنون بالله } المحيط بصفات الكمال { غير الحق } أي من أن نصره بعده هذا ~~لا يمكن، أو أنهم لو قعدوا في المدينة لم يقتل أحد، ونحو ذلك من سفساف ~~الكلام وفاسد الظنون التي فتحتها لو والأوهام { ظن الجاهلية } أي الذين ~~لا يعلمون - من عظمة الله سبحانه وتعالى بأن ما أراده كان ولا يكون غيره ~~- ما يعلم أتباع الرسل. ثم فسر الظن بقوله: { يقولون } أي منكرين لأنه لم ~~يجعل الرأي رايهم ويعمل بمقتضاه غشبا وتاسفا على خروجهم في هذا الوجه ~~وعدم رجوعهم مع ابن أبي بعد أن خرجوا { هل لنا من الأمر } أي المسموع، ~~ولكون الاستفهام بمعنى النفي ثبتت أداة الاستغراق في قوله: { من شيء } ~~فكأنه قيل: فماذا يقال لهم؟ فقيل: { قل } أي لهم ردا عليهم احتقارا بهم ~~{ إن الأمر } أي الحكم الذي لا يكون سواه { كله لله } أي الذي لا كفوء ~~له، وليس لكم ولا لغيركم منه شيء، شئتم أو أبيتم، غزوتم أو قعدتم، ثبتم ~~أو فررتم. # ولما قص سبحانه وتعالى عليهم بعض أمرهم في هذه الحرب، وبين لهم شيئا من ~~فوائد ما فعل بهم بقوله: # إن يمسسكم ms0816 قرح # [آل عمران: 140] وكان من جملة ذلك ما أظهر من أسرار المنافقين بهذه ~~الوقعة في اتهامهم الله ورسوله، حتى وصل إلى هنا، وكان قولهم هذا غير ~~صريح في الاتهام لإمكان حمله على مساق الاستفهام أخبر سبحانه وتعالى ~~بتدليسهم بقوله: { يخفون } أي يقولون ذلك مخفين { في أنفسهم ما لا يبدون ~~لك } لكونه لا يرضاه اللهز ثم بين ذلك بعد إجماله فقال: { يقولون لو كان ~~لنا من الأمر } أي المسموع { شيء ما قتلنا ههنا } لأنا كنا نمكث في ~~المدينة ولا نخرج إلى العدو. # ولما أخبر سبحانه وتعالى عنهم بما أخفوه جهلا منهم ظنا أن الحذر يغني ~~من القدر أمره سبحانه وتعالى بالرد عليهم بقوله: { قل لو كنتم في بيوتكم ~~} أي بعد أن أجمع رأيكم على أن لا يخرج منكم أحد { لبرز الذين كتب عليهم ~~القتل } أي في هذه الغزوة { إلى مضاجعهم } أي التي هي مضاجعهم بالحقيقة ~~وهي التي قتلوا بها، لأن ما قدرناه لا يمكن أحدا دفعه بوجه من الوجوه، ~~ثم عطف على ما علم تقديره ودل عليه السياق قوله: { ليبتلي } أي لبرز ~~المذكورون لينفذ قضاؤه ويصدق قوله لكم في غزوة بدر: إن فاديتم الأسارة ~~ولم تقتلوهم قتل منكم في العام المقبل مثلهم { وليبتلي الله } أي المحيط ~~بصفات الكمال بهذا الأمر التقديري { ما في صدوركم } أي من الإيمان ~~والنفاق بأن يفعل في إظهاره من عالم الغيب إلى عالم الشهادة فعل المختبر ~~كما فعل بما وجد في هذه الغزوة من الأمور التحقيقية { وليمحص ما في ~~قلوبكم } اي يطهره ويصفيه من جميع الوساوس الصارفة عن المراقبة من محبة ~~الدنيا من الغنائم التي كانت سبب الهزيمة وغيرها. وختم بقوله: { والله } ~~أي الذي له الإحاطة بكل شيء { عليم بذات الصدور * } مرغبا ومرهبا ~~ودافعا لما قد يتوهم من ذكر الابتلاء من عدم العلم بالخفايا. # ولما كانوا في هذه الغزوة قد حصل لهم ضرر عظيم، لكنه كان بما وقع من ~~بعضهم من الخلل الظاهر فأدبهم بذلك، عفا عنهم سبحانه وتعالى بعد ذلك ~~التأديب ورحمهم وطيب قلوبهم بهذه الآية ms0817 بما فيها من التأمين صريحا، وبما ~~فيها من الإشارة بجمع جميع حروف المعجم فيها تلويحا إلى أن أمرهم لا بد ~~أن يتم كما تمت الحروف في هذه الآية. لكنه افتتحها بأداة التراخي إشارة ~~إلى أنه لا يكون إلا بعد مدة مديدة حتى تصقل مرائي الصدور التي ختمها بها ~~بخلاف ما في الآية الأخرى الجامعة للحروف في آخر سورة الفتح التي نزلت في ~~الحديبية التي ساءهم رجوعهم منها دون وصولهم إلى قصدهم - كما يأتي إن شاء ~~الله سبحانه وتعالى. ### || [3.155-157] # ولما كان فيه مع ذلك معنى التعليل والتنبيه على أنه غني عن الاختبار، ~~خبير بدقائق الأسرار أتبعه قوله مستأنفا لبيان ما هو من ثمرات العلم: { ~~إن الذين تولوا منكم } أي عن القتال ومقارعة الأبطال { يوم التقى الجمعان ~~} أي من المؤمنين والكفار { إنما استزلهم } أي طلب زللهم عن ذلك المقام ~~العالي { الشيطان } أي عدوهم البعيد من الرحمة المحترق باللعنة { ببعض ما ~~كسبوا } أي من الذنوب التي لا تليق بمن طلب الدنو إلى حضرات القدس ومواطن ~~الأنس من ترك المركز والإقبال على الغنيمة وغير ذلك، فإن القتال في ~~الجهاد إنما هو بالأعمال، فمن كان أصبر في أعمال الطاعة كان أجلد على ~~قتال الكفار، ولم يكن توليهم عن ضعف في نفس الأمر. # ولما كان ذلك مفهما أن الذين تولوا صاروا من حزب الشيطان فاستحقوا ما ~~استحق ألصق به قوله: { ولقد عفا الله } أي الذي له صفات الكمال { عنهم } ~~لئلا تطير أفئدة المؤمنين منهم، وختم ذلك ببيان علته مما هو أهله من ~~الغفران والحلم فقال معيدا للاسم الأعظم تنبيها على أن الذنب عظيم ~~والخطر بسببه جسيم، فلولا الاشتمال على جميع صفات الكمال لعوجلوا بأعظم ~~النكال: { إن الله غفور } أي محاء للذنوب عينا وأثرا. ولما كان الغفر ~~قد يكون مع تحمل نفاه بقوله: { حليم * } أي حيث لم يعامل المتولين حذر ~~الموت معاملة الذين خرجوا من ديارهم - كما تقدم - حذر الموت، فقال لهم ~~الله: موتوا. # ولما كان قولهم: إنا لو ثبتنا في المدينة الممثلة بالدرع الحصينة - كما ms0818 ~~" كان رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم والأكابر من أصحابه " لسلمنا، ~~إلى غير ذلك مما أشار سبحانه وتعالى إليه قولا موجبا لغيظ رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. لما فيه من الاتهام وسوء العقيدة، وكان مع ذلك مظنة ~~لأن يخدع كثيرا من أهل الطاعة لشدة حبهم لمن قتل منهم وتعاظم أسفهم ~~عليهم. كان أنسب الأشياء المبادرة إلى الوعظ بما يزيل هذا الأثر، ولما ~~كان الرسول صلى الله عليه وسلم مؤيدا بأعظم الثبات لما طبع عليه من ~~الشيم الطاهرة والمحاسن الظاهرة كان الأنسب البداءة بغيره، فنهى الذين ~~آمنوا عن الانخداع بأقوالهم فقال تعالى: { يا أيها الذين آمنوا } أي ~~أظهروا الإقرار بالإيمان! صدقوا قولكم بأن { لا تكونوا كالذين كفروا } أي ~~بقلوبهم على وجه الستر { وقالوا } أي ما فضحهم { لإخوانهم } أي لأجل ~~إخوانهم الأعزة عليهم نسبا أو مذهبا { إذا ضربوا } أي سافروا مطلق سفر ~~{ في الأرض } أي لمتجر أو غيره { أو كانوا غزى } أي غزاة مبالغين في ~~الغزو في سبيل الله بسفر أو غيره, جمع غاز، فماتوا أو قتلوا { لو كانوا ~~عندنا } أي لم يفارقونا { ما ماتوا وما قتلوا } وهذا في غاية التهكم بهم، ~~لأن إطلاق هذا القول منهم - لا سيما على هذا التأكيد - يلزم منه ادعاء ~~أنه لا يموت أحد في المدينة، وهو لا يقوله عاقل # ولما كان هذا القول محزنا اعتقاده وكتمانه علق سبحانه وتعالى بقوله: " ~~قالوا " وبانتفاء الكون كالذين قالوا قوله: { ليجعل الله } أي الذي لا ~~كفوء له { ذلك } أي القول أو الانفراد به عن مشارك { حسرة في قلوبهم } أي ~~باعتقاده وعدم المواسي فيه, وعلى تقدير التعليق ب " قالوا " يكون من باب ~~التهكم بهم, لأنهم لو لم يقولوه لهذا الغرض الذي لا يقصده عاقل لكانوا قد ~~قالوه لا لغرض أصلا, وذلك أعرق في كونه ليس من أفعال العقلاء { والله } ~~أي لا تكونوا مثلهم والحال. # أو قالوا ذلك والحال. أن الذي له الإحاطة الكاملة { يحيي } أي من أراد ~~في الوقت الذي يريد { ويميت } أي من أراد إذا أراد, لا يغني ms0819 حذره من قدره ~~{ والله } أي المحيط بكل شيء قدره وعلما { بما تعملون } أي بعملكم وبكل ~~شيء منه { بصير * } وعلى كل شيء منه قدير, لا يكون شيء منه بغير إذنه, ~~ومتى كان على خلاف أمره عاقب عليه. # ولما نهاهم عن قول المنافقين الدائر على تمني المحال من دوام البقاء ~~وكراهة الموت بين لهم ثمرة فوات أنفسهم في الجهاد بالموت أو القتل ليكون ~~ذلك مبعدا لهم مما قال المنافقون, موجبا لتسليم الأمر للخالق, بل ~~محببا فيه وداعيا إليه فقال: { ولئن } وهو حال أخرى من لا " تكونوا " { ~~قتلتم } أي من أية قاتل كان { في سبيل الله } أي الملك الأعظم قتلا { او ~~متم } أي فيه موتا على أية حالة كانت. ولما كان للنفوس غاية الجموح عن ~~الموت زاد في التأكيد فقال: { لمغفرة } أي لذنوبكم تنالكم, فهذا تعبد ~~بالخوف من العقاب { من الله } أي الذي له نهاية الكمال بما كنتم عليه من ~~طاعة { ورحمة } أي لأجل ذلك, وهو تعبد لطلب الثواب { خير مما يجمعون * } ~~أي مما هو ثمرة البقاء في الدنيا عند أهل الشقاء, مع أنه ما فاتكم شيء من ~~أعماركم. ### || [3.158-161] # ولما ذكر أشرف الموت بادئا بأشرفه ذكر ما دونه بادئا بأدناه فقال: { ~~ولئن متم أو قتلتم } أي في أي وجه كان على حسب ما قدر عليكم في الأزل { ~~لإلى الله } أي الذي هو متوفيكم لا غيره، وهو ذو الجلال والإكرام الذي ~~ينبغي أن يعبد لذاته. ودل على عظمته بعد الدلالة بالاسم الأعظم بالبناء ~~للمجهول فقال: { تحشرون * } فإن كان ذلك الموت أو القتل على طاعته أثابكم ~~وإلا عاقبكم، والحاصل أنه لا حيلة في دفع الموت على حالة من الحالات: قتل ~~أو غيره، ولا في الحشر إليه سبحانه وتعالى، وأما الخلاص من هول ذلك اليوم ~~ففيه حيلة بالطاعة. والله سبحانه وتعالى الموفق. وما أحسن ما قال عنترة ~~في نحوه وهو جاهلي، فالمؤمن أولى منه بمثل ذلك: # بكرت تخوفني الحتوف كأنني # أصبحت عن غرض الحتوف بمعزل # فأجبتها إن المنية منهل # لا بد أن أسقى بكأس المنهل ms0820 # فاقني حياءك لا أبا لك واعلمي # أني امرؤ سأموت إن لم أقتل # ولما فرغ من وعظ الصحابة رضي الله تعالى عنهم أتبعه تحبيب النبي صلى ~~الله عليه وسلم فيما فعل بهم من الرفق والللين مع ما سبب الغضب الموجب ~~للعنف والسطوة من اعتراض من اعترض على ما أشار به، ثم مخالفتهم لأمره في ~~حفظ المركز والصبر والتقوى، ثم خذلانهم له وتقديم أنفسهم على نفسه ~~الشريفة، ثم عدم العطف عليه وهو يدعوهم إليه ويأمر بإقبالهم عليه، ثم ~~اتهام من اتهمه. إلى غير ذلك من الأمور التي توجب لرؤساء الجيوش وقادة ~~الجنود اتهام أتباعهم وسوء الظن بهم الموجب للغضب والإيقاع ببعضهم ليكون ~~ذلك زاجرا لهم عن العود إلى مثله فقال تعالى: { فبما رحمة من الله } أي ~~الذي له الكمال كله { لنت لهم } أي ما لنت لهم هذا اللين الخارق للعادة ~~ورفقت بهم هذا الرفق بعدما فعلوا بك إلا بسبب رحمة عظيمة من الله الحائز ~~لجميع الكمال، فقابلتهم بالجميل ولم تعنفهم بانهزامهم عنك بعد إذ خالفوا ~~رأيك، وهم كانوا سببا لاستخراجك؛ والذي اقتضى هذا الحصر هو ما لأنها ~~نافية في سياق الإثبات فلم يمكن أن توجه إلا إلى ضد ما أثبته السياق، ~~ودلت زيادتها على أن تنوين " رحمة " للتعظيم، أي فبالرحمة العظيمة لا ~~بغيرها لنت. # ولما بين سبحانه وتعالى سبب هذا اللين المتين بين ثمرته ببيان ما في ضده ~~من الضرر فقال: { ولو كنت فظا } أي سيىء الخلق جافيا في القول { غليظ ~~القلب } أي قاسية لا تتأثر بشيء، تعاملهم بالعنف والجفاء { لانفضوا } أي ~~تفرقوا تفرقا قبيحا لا اجتماع معه { من حولك } أي ففات المقصود من ~~البعثة. # ولما أخبره سبحانه وتعالى أنه هو عفا عنهم ما فرطوا في حقه أمره بالعفو ~~عنهم فيما يتعلق به صلى الله عليه وسلم، وبالاستمرار على مشاورتهم عند ~~النوائب لئلا يكون خطؤهم في الرأي - أولا في الخروج من المدينة. # وثانيا في تضييع المركز، وثالثا في إعراضهم عن الإثخان في العدو بعد ~~الهزيمة الذي ما شرع القتال إلا لأجله بإقبالهم ms0821 عن النهب، ورابعا في ~~وهنهم عند كر العدو إلى غير ذلك - موجبا لترك مشاورتهم، فيفوت ما فيها ~~من المنافع في نفسها وفيما تثمره من التألف والتسنن وغير ذلك فقال سبحانه ~~وتعالى: { فاعف عنهم } أي ما فرطوا في هذه الكره في حقك { واستغفر لهم } ~~أي الله سبحانه وتعالى لما فرطوا في حقه { وشاورهم } أي استخرج آراءهم { ~~في الأمر } أي الذي تريده من أمور الحرب تألفا لهم وتطييبا لنفوسهم ~~ليستن بك من بعدك { فإذا عزمت } أي بعد ذلك على أمر فمضيت فيه، وقراءة من ~~ضم التاء للمتكلم بمعناها، أي فإذا فعلت أنت أمرا بعد المشاورة لأني ~~فعلت فيه - بأن أردته - فعل العازم. # ولما أمر بالمشاورة التي هي النظر في الأسباب أمر بالاعتصام بمسببها من ~~غير التفات إليها ليكمل جهاد الإنسان بالملابسة ثم التجرد فقال: { فتوكل ~~} أي فيه { على الله } أي الذي له الأمر كله، ولا يردك عنه خوف عاقبة - ~~كما فعلت بتوفيق الله في هذه الغزوة، ثم علل ذلك بقوله: { إن الله } أي ~~الذي لا كفوء له { يحب المتوكلين * } أي فلا يفعل بهم إلا ما فيه إكرامهم ~~وإن رئي غير ذلك. # ولما كان التقدير؛ فإذا فعلوا ما يحبه أعطاهم مناهم مما عزموا عليه ~~لأجله؛ استأنف الإخبار بما يقبل بقلوبهم إليه ويقصر هممهم عليه، بأن من ~~نصره هو المنصور، ومن خذله هو المخذول، فقال تعالى: { إن ينصركم الله } ~~أي الذي له جميع العظمة { فلا غالب لكم } أي إن كان نبيكم صلى الله عليه ~~وسلم بينكم أو لا، فما بالكم وهنتم لما صاح إبليس أن محمدا قد قتل! وهلا ~~فعلتم كما فعل سعد بن الربيع رضي الله تعالى عنه وكما فعل أنس بن النضير ~~رضي الله تعالى عنه حين قال: # " موتوا على ما مات عليه نبيكم صلى الله عليه وسلم! فهو أعذر لكم عند ~~ربكم " # { وإن يخذلكم } أي بإمكان العدو منكم { فمن ذا الذي ينصركم من بعده } أي ~~من نبي أو غيره، ولما كان التقدير: فعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين، ~~عطف عليه قوله: ms0822 { وعلى الله } أي الملك الأعظم وحده، لا على نبي ولا على ~~قوة بعد ولا بمال من غنيمة ولا غيرها { فليتوكل المؤمنون * } أي كلهم ~~فيكون ذلك أمارة صحة إيمانهم. # ولما كان الغلول من أعظم موجبات الخذلان أو أعظمها. والنزاهة عن من أعظم ~~موجبات النصر، كان أنسب الأشياء تعقيب هذه الآية بآية الغلول بيانا، ~~لأنه كان سبب هزيمتهم في هذه الغزوة، فإنه لا يخذل إلا بالذنوب، ومن أعظم ~~الذنوب الموجبة للخذلان الغلول, فيكون المراد بتنزيهه صلى الله عليه وسلم ~~عنه - والله أعلم - أن إقبالهم عن نهب الغنائم قبل وقته إما أن يكون لقصد ~~أن يغلو بإخفاء ما انتهبوه أو بعضه، وإما أن يكون للخوف من أن يغل رئيسهم ~~وحاشاه! وإما أن يكون للخوف من مطلق الخيانة بأن لا يقسمه صلى الله عليه ~~وسلم بينهم على السواء، وحاشاه من كل من ذلك! وأما المبادرة إلى النهب ~~لغير هذا القصد فخفة وطيش وعبث، لا يصوب عاقل إليه؛ إذا تقرر هذا فيمكن ~~أن يكون التقدير: فليتوكلوا في كبت العدو وتحصيل ما معه من الغنائم، فلا ~~يقبلوا على ذلك إقبالا يتطرق منه احتمال لظن السوء بهاديهم في أن يغل، ~~وهو الذي أخبرهم بتحريم الغلول وبأنه سبب للخذلان، وما نهى صلى الله عليه ~~وسلم قط عن شيء إلا كان أول تارك له وبعيد منه وما كان ينبغي لهم أن ~~يفتحوا طريقا إلى هذا الاحتمال فعبر عن ذلك بقوله عطفا على # وكأين من نبي # [آل عمران: 146] { وما كان } أي ما تأتى وما صح في وقت من الأوقات ولا ~~على حالة من الحالات { لنبي } أي أي نبي كان فضلا عن سيد الأنبياء وإمام ~~الرسل { أن يغل } تبشيعا لفعل ما يؤدي إلى هذا الاحتمال زجرا من معاودة ~~مثل ذلك الفعل المؤدي إلى تجويز شيء مما ذكر، وعلى قراءة الجماعة غير ابن ~~كثير وأبي عمرو - بضم الياء وفتح العين مجهولا من: أغل - المعنى: وما ~~كان له وما صح أن يوجد غالا، أو ينسب إلى الغلول، أو يظن به ما يؤدي ~~إلأى ms0823 ذلك؛ ويجوز أن يكون التقدير بعد الأمر بالتوكل على الله سبحانه ~~وتعالى وحده: فلا تأتوا إن كنتم مؤمنين بما يقدح في التوكل كالغلول وما ~~يدانيه فتخذلوا، فإنه ما كان لكم أن تغلوا، وما كان أي ما حل لنبي أي من ~~الأنبياء قط أن يغل، أي لم أخصكم بهذه الشريعة بل ما كان في شرع نبي قط ~~إباحة الغلول، فلا تفعلوه ولا تقاربوه بنحو الاستباق إلى النهب، فإن ذلك ~~يسلب كمال التوكل، فإنه من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه، فيوجب له ~~الخذلان، روى الطبراني في الكبير- قال الهيثمي: ورجاله ثقات - عن ابن ~~عباس رضي الله تعالى عنهما قال: # " بعث النبي صلى الله عليه وسلم جيشا فردت رايته. ثم بعث فردت، ثم بعث ~~فردت بغلول رأس غزال من ذهب، فنزلت { وما كان لنبي أن يغل } ". # ولما كان فعلهم ذلك محتملا لقصدهم الغلول ولخوفهم من غلول غيرهم عمم في ~~التهديد بقوله: { ومن يغلل } أي يقع منه ذلك كائنا من كان { يأت بما غل ~~يوم القيامة } ومن عرف كلام أهل اللغة في الغلول عرف صحة قولي: إنه لمطلق ~~الخيانة، وإنه يجوز أن يكون التقدير: وما كان لأحد أن يفعل ما يؤدي - ولو ~~وعلى بعد - إلى نسبة نبي إلى غلول، قال صاحب القاموس: أغل فلانا: نسبه ~~إلى الغلول والخيانة، وغل غلولا: خان - كأغل، أو خاص بالفيء، وقال ~~الإمام عبد الحق الإشبيلي في كتابه الواعي: أغل الرجل أغلالا - إذا خان، ~~فهو مغل وغل في المغنم يغل غلولا، وقرىء: أن يغل، وأن يغل، فمن قرأ: ~~يغل - أراد: يخون، ومن قرأ: يغل - أراد: يخان، ويجوز أن يريد: لا ~~ينسب إلى الخيانة وكل من خان شيئا في خفاء فقد غل يغل غلولا، ويسمى ~~الخائن غالا، وفي الحديث # " لا إغلال ولا إسلال " # الإغلال: الخيانة في كل شيء، وغللت الشيء أغله غلا - إذا سترته، ~~قالوا: ومنه الغلول في المغنم، إنما أصله أن الرجل كان إذا أخذ منه شيئا ~~ستره في متاعه، فقيل للخائن: غال ومغل، ويقال: غللت الشيء في الشيء - إذا ms0824 ~~أدخلته فيه، وقد انغل - إذا دخل في الشيء، وقد انغل في الشجر. دخل - ~~انتهى. فهذه الآية نهي للمؤمنين عن الاستباق إلى المغنم على طريق ~~الإشارة، فتم بها الوعظ الذي في أواخره القصة، كما أن آية الربا نهي عنه ~~على طريق الإشارة، فتم بها الوعظ الذي في أوائل القصة، فقد اكتنف التنفير ~~من الغلول - الذي هو سبب الخذلان في هذه الغزوة بخصوصها لمباشرة ما هو ~~مظنة له وفي الغزو مطلقا - طرفي الوعظ فيها، ليكون من أوائل ما يقرع ~~السمع وأواخره. # ولما كان ثمرة الإتيان به الجزاء عليه عمم الحكم تنبيها على أن ذلك ~~اليوم يوم الدين، فلا بد من الجزاء فيه وتصويرا له تبشيعا للفضيحة فيه ~~بحضرة الخلق أجمعين، وزاد في تعظيمه وتعظيم الجزاء فيه بأداة التراخي ~~وتضعيف الفعل فقال معمما الحكم ليدخل الغلول من باب الأولى: { ثم توفى } ~~أي في ذلك اليوم العظيم، وبناه للمجهول إظهارا لعظمته على طريق كلام ~~القادرين { كل نفس } أي غالة وغير غالة { ما كسبت } أي ما لها فيه فعل ما ~~من خير أو شر وافيا مبالغا في تحريز وفائه { وهم لا يظلمون * } أي لا ~~يقع عليهم ظلم في شيء منه بزيادة ولا نقص. ### || [3.162-167] # ولما أخبر تعالى أنه لا يقع في ذلك اليوم ظلم أصلا تسبب عنه الإنكار ~~على من حدثته نفسه بالأماني الكاذبة، فظن غير ذلك من استواء حال المحسن ~~وغيره، أو فعل فعلا وقال قولا يؤدي إلأى ذلك كالمنافقين و كالمقبلين ~~على الغنيمة فقال تعالى: { أفمن اتبع } أي طلب بجد واجتهاد { رضوان الله ~~} أي ذي الجلال والإكرام بالإقبال على ما أمر به الصادق، فصار إلى الجنة ~~ونعم الصبر { كمن بآء } أي رجع من تصرفه الذي يريد به الربح، أو حل وأقام ~~{ بسخط من الله } أي من الملك الأعظم بأن فعل ما يقتضي السخط بالمخالفة ~~ثم الإدبار لولا العفو { ومأواه جهنم } أي جزاء بما جعل أسباب السخط ~~مأواه { وبئس المصير * } أي هي. # ولما أفهم الإنكار على من سوى بين الناس أنهم متمايزون صرح بذلك ms0825 في ~~قوله: { هم درجات } أي متباينون تباين الدرجات. ولما كان اعتبار التفاوت ~~ليس بما عند الخلق قال: { عند الله } أي الملك الأعلى في حكمه وعلمه وإن ~~خفي ذلك عليكم، لأن الله سبحانه وتعالى خلقهم فهو عالم بهم حين خلقهم { ~~والله } أي الذي له جميع صفات الكمال { بصير } أي بالبصر والعلم { بما ~~يعملون * } أي بعد إيجادهم، لأن ذلك أيضا خلقه وتقديره، ولس لهم فيه إلا ~~نسبته إليهم بالكسب، فهو يجازيهم بحسب تلك الأعمال، فكيف يتخيل أنه يساوي ~~بينهم في المآل وقد فاوت بينهم في الحال وهو الحكم العدل! فعلم بما في ~~هذا الختام من إحاطته بتفاصيل الأعمال صحة ما ابتدىء به الكلام من ~~التوفية. # ولما أرشدهم إلى هذه المراشد، وبين لهم بعض ما اشتملت عليه من الفوائد، ~~وبان بهذه القصة قدر من أسدى إليهم ذلك على لسانه صلى الله عليه وسلم بما ~~له من الفضائل التي من أعظمها كونه من جنسهم، يميل إليهم ويرحمهم ويعطف ~~عليهم، فيألفونه فيعلمهم؛ نبه على ذلك سبحانه وتعالى ليستمسكوا بغرزه، ~~ولا يلتفتوا لحظة عن لزوم هدية فقال سبحانه وتعالى - مؤكدا لما اقتضاه ~~الحال من فعل يلزم منه النسبة إلى الغلول -: { لقد من الله } أي ذو ~~الجلال والإكرام { على المؤمنين } خصهم لأنهم المجتبون لهذه النعمة { إذا ~~بعث فيهم } أي فيما بينهم أو بسببهم { رسولا } وزادهم رغبة فيه بقوله: { ~~من أنفسهم } أي نوعا وصنفا، يعلمون أمانته وصيانته وشرفه ومعاليه ~~وطهارته قبل النبوة وبعدها { يتلوا عليهم آياته } أي فيمحو ببركة نفس ~~التلاوة كبيرا من شر الجان وغيرها مما ورد في منافع القرآن مما عرفناه، ~~وما لم نعرفه أكثر { ويزكيهم } أي يطهرهم من أوضار الدنيا والأوزار بما ~~يفهمه بفهمه الثاقب من دقائق الإشارات وبواطن العبارات، وقدم التزكية ~~لاقتضاء مقام المعاتبة على الإقبال على الغنيمة ذلك، كما مضى في سورة ~~البقرة { ويعلمهم الكتاب } أي تلاوة بكونه من نوعهم يلذ لهم التلقي منه { ~~والحكمة } تفسيرا وإبانة وتحريرا { وإن } أي والحال أنهم { كانوا } ~~ولما كانوا قد مرت لهم أزمان وهم على دين أبيهم ms0826 إسماعيل عليه الصلاة ~~والسلام نبه على ذلك بإدخال الجار فقال { من قبل } أي من قبل ذلك { لفي ~~ضلال مبين * } أي ظاهر، وهو من شدة ظهوره كالذي ينادي على نفسه بإيضاح ~~لبسه، وفي ذلك إشارة إلى أنه عليه السلام علمهم من الحكمة في هذه الوقعة ~~ما أوجب نصرتهم في أول النهار، فلما خالفوه حصل الخذلان. # ولما أزال شبهة النسبة إلى الغلول بحذافيرها. وأثبت ما له من أضدادها من ~~معالي الشيم وشمائل الكرم صوب إلى شبهة قولهم: لو كان رسولا ما انهزم ~~أصحابه عنه، فقال تعالى: { أولما } أي أتركتم ما أرشدكم إليه الرسول ~~الكريم الحليم العليم الحكيم ولما { أصابتكم } أي في هذا اليوم { مصيبة } ~~لمخالفتكم لأمره وإعراضكم عن إرشاده { قد أصبتم مثليها } أي في بدر وأنتم ~~في لقاء العدو وكأنما تساقون إلى الموت على الضد مما كنتم فيه في هذه ~~الغزوة، وما كان ذلك إلا بامتثالكم لأمره وقبولكم لنصحه { قلتم أنى } من ~~أين وكيف أصابنا { هذا } أي بعد وعدنا النصر { قل هو من عند أنفسكم } أي ~~لأن الوعد كان مقيدا بالصبر والتقوى، وقد تركتم المركز وأقبلتم على ~~الغنائم قبل الأمر به، وعن علي رضي الله تعالى عنه أن ذلك باختيارهم ~~الفداء يوم بدر الذي نزل فيه # لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم # [الأنفال: 68] وأباح لهم سبحانه وتعالى الفداء بعد أن عاتبهم وشرط عليهم ~~إن اختاروه أن يقتل منهم في العام المقبل بعد الأسرى، فرضوا وقالوا: ~~نستعين بما نأخذه منهم عليهم ثم نرزق الشهادة. ثم علل ذلك بقوله: { إن ~~الله } أي الذي لا كفوء له { على كل شيء } أي من النصر والخذلان ونصب ~~أسباب كل منهما { قدير * } وقد وعدكم بذلك سبحانه وتعالى في العام الماضي ~~حين خيركم فاخترتم الفداء، وخالف من خالف منكم الآن، فكان ذكر المصيبة ~~التي كان سببها مخالفة ما رتبه صلى الله عليه وسلم بعد ختم الآية التي ~~قبلها بالتذكير بما كانوا عليه من الضلال على ما ترى من البلاغة. # ولما كانت نسبة المصيبة إليهم ربما ms0827 أوهمت من لم ترسخ قدمه في المعارف ~~الإلهية أن بعض الأفعال خارج عما مراده تعالى قال: { وما أصابكم } ولما ~~استغرقت الحرب ذلك اليوم نزع الجار فقال: { يوم التقى الجمعان } أي حزب ~~الله وحزب الشيطان في أحد { فبإذن الله } أي بتمكين من له العظمة الكاملة ~~وقضائه، وإثبات أن ذلك بإذنه نحو ما ذكر عند التولية يوم التقى الجمعان ~~من نسبة الإحياء والإماتة إليه. # ولما كان التقدير: ليؤدبكم به، عطف عليه قوله: { وليعلم المؤمنين * } أي ~~الصادقين في إيمانهم. ولما كان تعليق العلم بالشيء على حدته أتم وآكد من ~~تعليقه به مع غيره أعاد العامل لذلك، وإشعارا بأن أهل النفاق أسفل رتبة ~~من أن اجتمعوا مع المؤمنين في شيء فقال: { ولعلم الذين نافقوا } أي علما ~~تقوم به الحجة في مجاري عاداتكم، وهذا مثل قوله هناك # وليبتلي الله ما في صدوركم # [آل عمران: 154]. وعطف على قوله { نافقوا } ما أظهر نفاقهم، أو يكون ~~حالا من فاعل { نافقوا } فقال: { وقيل لهم تعالوا قاتلوا } أي أوجدوا ~~القتال { في سبيل الله } أي الذي له الكمال كله بسبب تسهيل طريق الرب ~~الذي شرعه { أو ادفعوا } أي عن أنفسكم وأحبائكم على عادة الناس لا سيما ~~العرب { قالوا لو نعلم } أي نتيقن { قتالا } أي أنه يقع قتال { ~~لاتبعناكم } أي لكنه لا يقع فيما نظن قتال ورجعوا. # ولما كان هذا الفعل المسند إلى هذا القول ظاهرا في نفاقهم ترجمة بقوله: ~~{ هم للكفر يومئذ } أي يوم إذ كان هذا حالهم { أقرب منهم للإيمان } عند ~~كل من سمع قولهم أو رأى فعلهم، ثم علل ذلك أو استأنف بقوله - معبرا ~~بالأفواه التي منها ما هو أبعد من اللسان لكونهم منافقين، فقولهم إلى ~~أصوات الحيوان أقرب منه إلى كلام الإنسان ذي العقل واللسان لأنهم -: { ~~يقولون بأفواههم } ولما أفهم هذا أنه لا يجاوز ألسنتهم فلا حقيقة له ولا ~~ثبات عندهم؛ صرح به في قوله { ما ليس في قلوبهم } بل لا شك عندهم في وقوع ~~القتال، علم الله هذا منهم كما علموه من أنفسهم { والله } أي الذي له ms0828 ~~الإحاطة الكاملة { أعلم } أي منهم { بما يكتمون * } أي كله لأنه يعلمه ~~قبل كونه وهم لا يعلمونه إلا بعد كونه، وإذا كان نسوه بتطاول الزمان ~~والله سبحانه وتعالى لا ينساه. ### || [3.168-172] # ولما حكى عنهم ما لا يقوله ذو إيمان أتبعه ما لا يتخيله ذو مروة ولا ~~عرفان فقال مبينا للذين نافقوا: { الذين قالوا لإخوانهم } أي لأجل ~~إخوانهم والحال أنهم قد أسلموهم { وقعدوا } أي عنهم خذلانا لهم { لو ~~أطاعونا } أي في الرجوع { ما قتلوا } ولما كان هذا موجبا للغضب أشار ~~إليه بإعراضه في قوله: { قل } أي لهؤلاء الأجانب الذين هم بمنزلة الغيبة ~~عن حضرتي لما تسبب عن قولهم هذا من ادعاء القدرة على دفع الموت { فادرءوا ~~} أي ادفعوا بعز ومنعة وميلوا { عن أنفسكم الموت } أي حتى لا يصل إليكم ~~أصلا { إن كنتم صادقين } أي في أن الموت يغني منه حذر. فقد انتظم الكلام ~~بما قبل الجملة الواعظة أتم انتظام على أنه قد لاح لك أن ملائمة الجمل ~~الواعظة لما قبلها وما بعدها ليس بدون ملاءمة ما قبلها من صلب القصة لما ~~بعدها منه. # ولما أزاح سبحانه وتعالى العلل وشفى الغلل وختم بأنه لا مفر من القدر، ~~فلم يبق عند أهل الإيمان إلا ما طبع عليه الإنسان من الأسف على فقد ~~الإخوان، وكان سرور المفقود يبرد غلة الموجود بشرهم بحياتهم وما نالوه من ~~لذاتهم؛ ولما كان العرب بعيدين قبل الإسلام من اعتقاد الحياة بعد الموت ~~خاطب الذي لا ريب في علمه بذلك إشارة إلى أنه لا يفهمه حق فهمه سواه، كما ~~أشار إليه قوله في البقرة # ولكن لا تشعرون # [البقرة: 153] فقال تعالى عاطفا على قل محببا في الجهاد، إزالة لما ~~بغضه به المنافقون من أنه سبب الموت: { ولا تحسبن الذين قتلوا } أي وقع ~~لهم القتل في هذه الغزوة أو غيرها { في سبيل الله } أي الملك الأعظم، ~~والله أعلم بمن يقتل في سبيله { أمواتا } أي الآن { بل } هم { أحياء } ~~وبين زيادة شرفهم معبرا عن تقربهم بقوله: { عند ربهم } أي المحسن إليهم ~~في كل حال، ms0829 فكيف في حال قتلهم فيه حياة ليست كالحياة الدنيوية! فحقق ~~حياتهم بقوله { يرزقون * } أي رزقا يليق بحياتهم { فرحين بما آتاهم الله ~~} أي الحاوي لجميع الكمال من ذلك الفوز الكبير { من فضله } لأنه لو ~~حاسبهم على أقل نعمة من نعمة لم توف جميع أعمالهم بها لأن أعمالهم من ~~نعمه، فأعلمنا سبحانه وتعالى بهذا تسلية وحسن تعزية أن لم يفت منهم إلا ~~حياة الكدر التي لا مطمع لأحد في بقائها وإن طال المدى، وبقيت لهم حياة ~~الصفاء التي لا انفكاك لها ولا آخر لنعيمها بغم يلحقهم ولا فتنة تنالهم ~~ولا حزن يعتريهم ولا دهش يلم بهم في وقت الحشر ولا غيره، فلا غفلة لهم، ~~فكان ذلك مذهبا لحزن من خلفوه ومرغبا لهم في الأسباب الموصلة إلى مثل ~~حالهم، وهذا - والله سبحانه وتعالى أعلم - معنى الشهادة، أي أنهم ليست ~~لهم حال غيبة، لأن دائم الحياة بلا كدر أصلا كذلك. # ولما ذكر سرورهم بما نالوه ذكر سرورهم بما علموه لمن هو على دينهم فقال: ~~{ ويستبشرون } أي توجد لهم البشرى وجودا عظيم الثبات حتى كأنهم يوجدونها ~~كلما أرادوا { بالذين لم يلحقوا بهم } أي في الشهادة في هذه الغزوة. ثم ~~بين ذلك بقوله: { من خلفهم } أي في الدنيا. ثم يبن المبشر به فقال: { ~~ألا خوف عليهم } أي على إخوانهم في آخرتهم { ولا هم يحزنون * } أي ~~أصلا، لأنه لا يفقد منه شيء، بل هم كل لحظة في زيادة، وهذا أعظم البشرى ~~لمن تركوا على مثل حالهم من المؤمنين، لأنهم يلحقونهم في مثل ذلك، لأن ~~السبب واحد، وهو منحة الله لهم بالقتل فيه، أو مطلق الإيمان لمطلق ما هم ~~فيه من السعادة بغير قيد الشهادة. # ولما ذكر سرورهم لأنفسهم تارة ولإخوانهم أخرى كرره تعظيما له وإعلاما ~~بأنه في الحقيقة عن غير استحقاق. وإنما هو مجرد من فقال: { يستبشرون ~~بنعمة من الله } أي ذي الجلال والإكرام، كبيرة { وفضل } أي منه عظيم { ~~وأن الله } أي الملك الأعظم الذي لا يقدره أحد حق قدره { لا يضيع أجر ~~المؤمنين * } أي منهم ومن ms0830 غيرهم، بل يوفيهم أجرهم على أعمالهم ويفضل ~~عليهم، ولو شاء لحاسبهم على سبيل العدل، ولو فعل ذلك لم يكن لهم شيء. # ولما ذم المنافقين برجوعهم من غير أن يصيبهم قرح، ومدح أحوال الشهداء ~~ترغيبا في الشهادة، وأحوال من كان على مثل حالهم ترغيبا في النسج على ~~منوالهم، وختم بتعليق السعادة بوصف الإيمان، أخذ يذكر ما أثمر لهم ~~إيمانهم من المبادرة إلى الإجابة إلى ما يهديهم إليه صلى الله عليه وسلم ~~إشارة إلى أنه لم يحمل على التخلف عن أمره من غير عذر إلا صريح النفاق ~~فقال: { الذين استجابوا } أي أوجدوا الإجابة في الجهاد إيجادا مؤكدا ~~محققا ثابتا ما عندهم من خالص الإيمان { لله والرسول } أي لا لغرض مغنم ~~ولا غيره، ثم عظم صدقهم بقوله - مثبتا الجار لإرادة ما يأتي من إحدى ~~الغزوتين إلا استغراق ما بعد الزمان -: { من بعد ما أصابهم القرح }. # ولما كان تعليق الأحكام بالأوصاف حاملا على التحلي بها عند المدح قال ~~سبحانه وتعالى: { للذين أحسنوا } وعبر بما يصلح للبيان والبعض ليدوم ~~رغبهم ورهبهم فقال: { منهم واتقوا أجر عظيم * } وهذه الآيات من تتمة هذه ~~القصة سواء قلنا: إنها إشارة إلى غزوة حمراء الأسد، أو غزوة بدر الموعد، ~~فإن الوعد كان يوم أحد - والله الهادي، ومما يجب التنبيه له أن البيضاوي ~~قال تبعا للزمخشري: إن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى بدر الموعد في ~~سبعين راكبا، وفي تفسير البغوي أن ذلك كان في حمراء الأسد، فإن حمل على ~~أن الركبان من الجيش كان ذلك عددهم وأن الباقين كانوا مشاة فلعله، وإلا ~~فليس كذلك، وأما في حمراء الأسد فإن النبي صلى الله عليه وسلم بلغه أن ~~المشركين هموا بعد انفصالهم من أحد بالرجوع، فأراد أن يرهبهم وأن يريهم ~~من نفسه وأصحابه قوة، فنادى مناديه يوم الأحد - الغد من يوم أحد - بطلب ~~العدو, وأن لا يخرج معه إلا من كان حاضرا معه بالأمس، فأجابوا بالسمع ~~والطاعة، فخرج في أثرهم واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم، ولا يشك في ~~أنهم أجابوا ms0831 كلهم، ولم يتخلف منهم أحد، وقد كانوا في أحد نحو سبعمائة ولم ~~يأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخروج معه لأحد لم يشهد القتال ~~يوم أحد، واستأذنه رجال لم يشهدوها فمنعهم إلا ما كان من جابر بن عبد ~~الله رضي الله عنهما فإنه أذن له لعلة ذكرها في التخلف عن أحد محمودة. # قال الواقدي: ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بلوائه وهو معقود لم ~~يحل من الأمس، فدفعه إلى علي رضي الله عنه، ويقال: إلى أبي بكر رضي الله ~~عنه، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأسه مشجوج وهو مجروح، في وجهه ~~أثر الحلقتين، ومشجوج في جبهته في أصول الشعر، ورباعيته قد سقطت، وشفته ~~قد كلمت من باطنها وهو متوهن منكبه الأيمن بضربة ابن قميئة، وركبتاه ~~مجحوشتان بأبي هو وأمي ووجهي وعيني! فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~المسجد فركع ركعتين والناس قد حشدوا، ونزل أهل العوالي حيث جاءهم الصريخ، ~~ثم ركع رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين، فدعا بفرسه على باب المسجد، ~~وتلقاه طلحة رضي الله عنه وقد سمع المنادي فخرج ينظر متى يسير، فإذا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عليه الدرع والمغفر وما يرى منه إلا عيناه فقال: ~~يا طلحة سلاحك! قال: قلت: قريب، قال: فأخرج، أعدو فألبس درعي ولأنا أهم ~~بجراح رسول الله صلى الله عليه وسلم مني بجراحي، ثم أقبل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على طلحة فقال: # " أين ترى القوم الآن؟ قال: هم بالسيالة، قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: ذلك الذي ظننت! أما إنهم يا طلحة لن ينالوا منا مثل أمس حتى يفتح ~~الله مكة علينا! " # ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه حتى عسكر بحمراء الأسد، ~~قال جابر رضي الله عنه: وكان عامة زادنا التمر، وحمل سعد بن عبادة رضي ~~الله عنه ثلاثين بعيرا حتى وافت الحمراء، وساق جزورا فنحروا في يوم ~~اثنين وفي يوم ثلاثاء، وكان رسول الله صلى الله عليه ms0832 وسلم يأمرهم في ~~النهار بجمع الحطب، فإذا أمسوا أمر أن توقد النيران، فيوقد كل رجل نارا، ~~فلقد كنا تلك الليالي نوقد خمسمائة نار حتى نرى من المكان البعيد، وذهب ~~ذكر معسكرنا ونيراننا في كل وجه حتى كان ما كبت الله به عدونا فهنا ظاهر ~~في أنهم كانوا خمسمائة رجل - والله أعلم - ويؤيده ذلك ما نقل من أخبار ~~المثقلين بالجراح - قال الواقدي: جاء سعد بن معاذ رضي الله عنه والجراح ~~في الناس فاشية، عامة بني عبد الأشهل جريح، بل كلهم - رضي الله عنهم! ~~فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم أن تطلبوا عدوكم، قال: ~~يقول أسيد بن حضير رضي الله عنه وبه سبع جراحات وهو يريد أن يداويها: ~~سمعا وطاعة لله ولرسوله! فأخذ سلاحه ولم يعرج على دواء جراحه ولحق برسول ~~الله صلى الله عليه وسلم؛ وجاء سعد بن عبادة رضي الله عنه قومه بني ساعده ~~فآمرهم بالمسير، فلبسوا ولحقوا، وجاء أبو قتادة رضي الله عنه أهل خربى ~~وهم يداوون الجراح فقال: هذا منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم ~~بطلب العدو، فوثبوا إلى سلاحهم وما عرجوا على جراحاتهم - رضي الله عنهم! ~~فخرج من بني سلمة رضي الله عنهم أربعون جريحا، وبالطفيل بن النعمان رضي ~~الله عنه ثلاثة عشر جرحا، وبقطبه بن عامر بن حديدة رضي الله عنه تسع ~~جراحات حتى وافوا النبي صلى الله عليه وسلم ببئر أبي عتبة إلى رأس الثنية ~~عليهم السلاح، قد صفوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما نظر إليهم ~~والجراح فيهم فاشية قال: # " اللهم ارحم بني سلمة! " # وحدث ابن إسحاق والواقدي أن عبد الله بن سهل ورافع بن سهل رضي الله ~~عنهما كان بهما جراح كثيرة، فلما بلغهما النداء قال أحدهما لصاحبه: والله ~~إن تركنا غزوة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لغبنا والله ما عندنا ~~دابة نركبها وما ندري كيف نصنع! قال عبد الله: انطلق بن، قال رافع: لا ~~والله ما بي مشي! قال أخوه: انطلق بنا نتجار، فخرجا ms0833 يزحفان فضعف رافع ~~فكان عبد الله يحمله على ظهره عقبة ويمشي الآخر عقبة حتى أتوا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عند العشاء وهو يوقدون النيران، فأتى بهما رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وعلى حرسه تلك الليلة عباد بن بشر فقال: # " ما حبسكما؟ فأخبراه بعلتهما، فدعا لهما بخير وقال: إن طالت بكم مدة ~~كانت لكم مراكب من خيل وبغال وإبل، وليس ذلك بخير لكم " # وأما غزوة بدر الموعد فروى الواقدي - ومن طريقه الحاكم في الإكليل - كما ~~حكاه ابن سيد الناس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خرج في هذه ~~الغزوة في ألف وخمسمائة من أصحابه رضي الله عنهم، وكان الخيل عشرة قال ~~الواقدي: وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر أهل الموسم: يا محمد! ~~لقد أخبرنا أنه لم يبق منكم أحد، فما أعلمكم إلا أهل الموسم! فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم - # " ليرفع ذلك إلى عدوه: ما أخرجنا إلا موعد أبي سفيان وقتال عدونا، وإن ~~شئت مع ذلك نبذنا إليك وإلى قومك العهد ثم جالدناكم قبل أن نبرح من ~~منزلنا هذا، فقال الضمري: بل نكف أيدينا عنكم ونتمسك بحلفك ". ### || [3.173-178] # ولما كان قول نعيم بن مسعود أو ركب عبد القيس عند الصحابة رضي الله عنهم ~~صدقا لا شك فيه لما قام عندهم من القرائن، فكان بمنزلة المتواتر الذي ~~تمالأ عليه الخلائق، وكانت قريش أعلى الناس شجاعة وأوفاهم قوة وأعرقهم ~~أصالة فكانوا كأنهم جميع الناس، كان التعبير - بصيغة في قوله: { الذين ~~قال لهم الناس } أي نعيم أو ركب عبد القيس { إن الناس } يعني قريشا { قد ~~جمعوا لكم فاخشوهم } أمدح للصحابة رضي الله عنهم من التعبير عمن أخبرهم ~~ومن جمع لهم بخاص اسمه أو وصفه. # ولما كان الموجب لأقدامهم على اللقاء بعد هذا القول الذي لم يشكوا في ~~صدقه ثبات الإيمان وقوة الإيقان قال تعالى: { فزادهم } أي هذا القول { ~~إيمانا } لأنه ما ثناهم عن طاعة الله ورسوله { وقالوا } ازدراء بالخلائق ~~اعتمادا على الخالق { حسبنا } أي كافينا ms0834 { الله } أي الملك الأعلى في ~~القيام بمصالحنا. ولما كان ذلك هو شأن الوكيل وكان في الوكلاء من يذم ~~قال: { ونعم الوكيل * } أي الموكول إليه المفوض إليه جميع الأمور؛ روى ~~البخاري في التفسير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: # " هذه الكلمة قالها إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار، وقالها محمد ~~صلى الله عليه وسلم حين قالوا: إن الناس قد جمعوا لكم. وقال: كان آخر ~~كلمة قالها إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار: حسبي الله ونعم ~~الوكيل ". # ولما كان اعتمادهم على الله سببا لفلاحهم قال { فانقلبوا } أي فكان ذلك ~~سببا لأنهم انقلبوا، أي من الوجه الذي ذهبوا فيه مع النبي صلى الله عليه ~~وسلم { بنعمة } وعظمها بإضافتها إلى الاسم الأعظم فقال: { من الله } أي ~~الذي له الكمال كله { وفضل } أي من الدنيا ما طاب لهم من طيب الثناء بصدق ~~الوعد ومضاء العزم وعظيم الفناء والجرأة إلى ما نالوه. عند ربهم حال ~~كونهم { لم يمسسهم سوء } أي من العدو خوفوه ولا غيره { واتبعوا } أي مع ~~ذلك بطاعتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم بغاية جهدهم { رضوان الله } ~~أي الذي له الجلال والجمال فحازوا أعظم فضله { والله } أي الذي لا كفوء ~~له { ذو عظيم * } أي في الدارين على من يرضيه، فستنظرون فوق ما تؤملون، ~~فليبشر المجيب ويغتم ويحزن المتخلف، ولعظم الأمر كرر الاسم الأعظم ~~كثيرا. # ولما جزاهم سبحانه على أمثال ذلك بما وقع لهم من فوزهم بالسلامة ~~والغنيمة بفضل من حاز أوصاف الكمال وتنزه عن كل نقص بما له من رداء ~~الكبرياء والجلال، ورغبهم فيما لديه لتوليهم إياه، أتبع ذلك بما يزيدهم ~~بصيرة من أن المخوف لهم من كيده ضعيف وأمره هين خفيف واه سخيف وهو ~~الشيطان، وساق ذلك مساق التعليل لما قبله من حيازتهم للفضل وبعدهم عن ~~السوء بأن وليهم الله وعدوهم الشيطان فقال التفاتا إليهم بزيادة في ~~تنشيطهم أو تشجيعهم وتثبيتهم: { إنما ذلكم } أي القائل الذي تقدم أنه ~~الناس { الشيطان } أي الطريد البعيد المحترق. # ولما نسب القول إلأيه لأنه ms0835 الذي زينه لهم حتى أشربته القلوب وامتلأت به ~~الصدور، كان كأنه قيل: فماذا عساه يصنع؟ فقال: { يخوف } أي يخوفكم { ~~أولياءه } لكنه أسقط المفعول الأول إشارة إلى أن تخويفه يؤول إلى خوف ~~أوليائه، لأنه أولياء الرحمن إذا ثبتوا لأجله أنجز لهم ما وعدهم من ~~النصرة على أولياء الشيطان، وإلى أن من خاف من تخويفه وعمل بموجب خوفه ~~ففيه ولاية له تصحح إضافته إليه قلت أو كثرت. # ولما كان المعنى أنه يشوش بالخوف من أوليائه، تسبب عنه النهي عن خوفهم ~~فقال: { فلا تخافوهم } أي لأن وليهم الشيطان { وخافون } أي فلا تعصوا ~~أمري ولا تتخلفوا أبدا عن رسولي { إن كنتم مؤمنين * } أي مباعدين ~~لأولياء الشيطان بوصف الإيمان. # ولما مدح سبحانه وتعالى المسارعين في طاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه ~~وسلم وختم ذلك بالنهي عن الخوف من أولياء الشيطان، أعقبه بذم المسارعين ~~في الكفر والنهي عن الحزن من أجلهم. # ولما كان أكثر الناس - كالمنافقين الراجعين عن أحد، ثم المقاتلين ~~القائلين: هل لنا من الأمر من شيء - أرجفوا إلى أبي عامر وعبد الله بن ~~أبي لأخذ الأمان من أبي سفيان، ثم ركب عبد القيس أو نعيم بن مسعود، ثم ~~من استجاب من أهل المدينة وأرجف بما قالوا في ثبط المؤمنين، وكان ذلك مما ~~يخطر بالبال تمادي أيام الكفر وأهله غالبين، ويقدح في رجاء قصر مدته، ~~ويوجب الحزن على ذلك، قال تعالى قاصرا الخطاب على أعظم الخلق وأشفقهم ~~وأحبهم في صلاحهم { ولا يحزنك الذين يسارعون } أي يسرعون إسراع من يسابق ~~خصما { في الكفر } ثم علل ذلك بقوله: { إنهم لن يضروا الله } أي الذي له ~~جميع العظمة { شيئا } أي دينه بإذلال أنصاره والقائمين به، وحذف المضاف ~~تفخيما له وترغيبا فيه حيث جعله هو المضاف إليه. # ولما نفى ما خيف من أمرهم كان مظنة السؤال عن الحاكم لهم على المسارعة ~~فقيل جوابا: { يريد الله } أي الذي له الأمر كله { ألا يجعل لهم حظا } ~~أي نصيبا { في الآخرة } ولما كانت المسارعة في ذلك عظيمة ختمت الآية ~~بقوله: { ولهم عذاب ms0836 عظيم * } قد عم جميع ذواتهم، لأن المسارعة دلت على أن ~~الكفر قد ملأ أبدانهم ونفوسهم وأرواحهم. # ولما كان قبول نعيم وركب عبد القيس لذلك الجعل الذي هو من أسباب الكفر ~~شرى الكفر بالإيمان عقب بقوله: { إن الذين اشتروا الكفر } أي فأخذوه { ~~بالإيمان } أي فتركوه، وأكد نفي الضرر وأبده فقال: { لن يضروا الله } أي ~~الذي لا كفوء له { شيئا } لما يريد سبحانه وتعالى من الإعلاء للإسلام ~~وأهله، وختمها بقوله: { ولهم عذاب أليم * } لما نالوه من لذة العوض في ~~ذلك الشرى كما هي العادة في كل متجدد من الأرباح والفوائد. # ولما كان مما اشترى به الكفر رجوع المنافقين عن أحد الذي كان سببا ~~للإملاء لهم قال سبحانه وتعالى: { ولا يحسبن الذين كفروا } أي بالله ~~ورسوله { إنما نملي } أي أن إملاءنا أي إمهالنا وإطالتنا { لهم خير ~~لأنفسهم } ولما نفى عنهم الخير بهذا النهي تشوفت النفس إلى ما لهم فقال: ~~{ إنما نملي لهم } أي استدراجا { ليزدادوا إثما } وهو جميع ما سبق ~~العلم الأزلي بأنهم يفعلونه، فإذا بلغ النهاية أوجب الأخذ. ولما كان ~~الرجوع المسفر عن السلامة مظنة لعزهم في هذه الدار الفانية عند من ظن حسن ~~ذلك الرأي؛ عوضوا عنه الإهانة الدائمة فقال سبحانه وتعالى: { ولهم عذاب ~~مهين * }. ### || [3.179-183] # ولما كان مطلق المسارعة أعم مما بالعوض، وهو أعم مما بالرجوع، جاء نظم ~~الآيات على ذاك؛ ولما كشفت هذه الوقعة جملة من المغيبات من أعظمها تمييز ~~المخلص فعلا أو قولا من غيره، أخبر تعالى أن ذلك من أسرارها على وجه ~~يشير إلى النعي على المنافقين بتأخيرهم أنفسهم بالرجوع وغيره فقال مشيرا ~~بخطاب الأتباع إلى مزيد علمه صلى الله عليه وسلم وعلو درجته لديه وعظيم ~~قربه منه سبحانه وتعالى: { ما كان الله } أي مع ما له من صفات الكمال. # ولما كان ترك التمييز غير محمود، عبر بفعل الوذر، وأظهر موضع الإضمار ~~لإظهار شرف الوصف تعظيما لأهله فقال: { ليذر المؤمنين } أي الثابتين في ~~وصف الإيمان { على ما أنتم عليه } من الاختلاط بالمنافقين ومن قاربهم من ~~الذين آمنوا ms0837 على حال الإشكال للاقتناع بدعوى اللسان دليلا على الإيمان { ~~حتى يميز الخبيث من الطيب } بأن يفضح المبطل وإن طال ستره بتكاليف شاقة ~~وأحوال شيديدة، لا يصبر عليها إلا المخلص من العباد، المخلصون في ~~الاعتقاد { وما كان الله } لاختصاصه بعلم الغيب { ليطلعكم على الغيب } أي ~~وهو الذي لم يبرز إلى عالم الشهادة بوجه لتعلموا به الذي في قلوبهم مع ~~احتمال أن يكون الرجوع للعلة التي ذكروها في الظاهر والقول لشدة الأسف ~~على إخوانهم { ولكن الله } أي الذي له الأمر كله { يجتبي } أي يختار ~~اختيارا بليغا { من رسله من يشاء } أي فيخبر على ألسنتهم بما يريد من ~~المغيبات كما أخبر أنهم برجوعهم للكفر أقرب منهم للإيمان، وأنهم يقولون ~~بأفواههم ما ليس في قلوبهم. ولما تسبب عن هذا وجوب الإيمان به قال: { ~~فأمنوا بالله } أي في عالم الغيب والشهادة، له الأسماء الحسنى { ورسله } ~~في أنه أرسلهم وفي أنهم صادقون في كل ما يخبرون به عنه. # ولما كان التقدير: فإنكم إن لم تؤمنوا كان لكم ما تقدم من العذاب العظيم ~~الأليم المهين، عطف عليه قوله: { وإن تؤمنوا } أي بالله ورسله { وتتقوا } ~~أي بالمداومة على الإيمان, وما يقتضيه من العمل الصالح { فلكم أجر عظيم * ~~} أي منه أنه لا يضركم كيد أعدائكم شيئا كما تقدم وعدكم به. # ولما كان من جملة مباني السورة الإنفاق، وتقدم في غير آية مدح المتقين ~~به وحثهم عليه، وتقدم أن الكفار سارعوا في الكفر: أبو سفيان بالإنفاق في ~~سبيل الشيطان على من يخذل الصحابة، ونعيم أو عبد القيس بالسعي في ذلك. ~~وكان المبادرون إلى الجهاد قد تضمن فعلهم السماح بما آتاهم الله من ~~الأنفس والأموال، وكان الله سبحانه وتعالى قد أخبر لما لهم عنده من ~~الحياة التي هي خير من حياتهم التي أذهبوها في حبه، والرزق الذي هو أفضل ~~مما أنفقوا في سبيله، ذم الله سبحانه وتعالى الباخلين بالأنفس والأموال ~~في سبيل الله فقال رادا الخطاب إليه صلى الله عليه وسلم لأنه أمكن ~~لسروره وأوثق في إنجاز الوعد: { ولا تحسبن } أي ms0838 أنت يا خير البرية - هذا ~~على قراءة حمزة، وعند الباقين الفاعل الموصول في قوله: { الذين يبخلون } ~~أي عن الحقوق الشرعية { بما آتاهم الله } أي بجلاله وعز كماله { من فضله ~~} أي لا لاستحاقهم له ببخلهم { هو خيرا لهم } أي لتثمير المال بذلك { بل ~~هو } أي البخل { شر لهم } لأنهم مع جعل الله البخل متلفة لأموالهم { ~~سيطوقون } أي يفعل من يأمره بذلك كائنا من كان بغاية السهولة عليه { ما ~~يخلوا به } أي يجعل لهم بوعد صادق لا خلف فيه بعد الإملاء لهم طوقا بأن ~~يجعله شجاعا أي حية عظيمة مهولة، تلزم الإنسان منهم، محيطة بعنقه، تضربه ~~في جانبي وجهه { يوم القيامة } لأن الله سبحانه وتعالى يرثه منهم بعد أن ~~كان خولهم فيه، فيجعله بسبب ذلك التخويل عذابا عليهم، روى البخاري رضي ~~الله تعالى عنه في التفسير عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثل له ماله شجاعا أقرع، له ~~زبيبتان، يطوقه يوم القيامة، يأخذ بلهزمتيه - يعني بشدقيه - يقول: أنا ~~مالك! أنا كنزك! - ثم تلا هذه الآية ". # ولما كان هذا طلبا منهم للإنفاق، وكان الطالب منا محتاجا إلى ما ~~يطلبه، وكان ذو المال إذا علم أنه ذاهب وأن ماله موروث عنه تصرف فيه؛ ~~أخبر تعالى بغناه على وجه يجرئهم على الإنفاق فقال عاطفا على ما تقديره: ~~لأنه ثمرة كونه من فضله فلله كل ما في أيديهم: { ولله } أي الذي له ~~الكمال كله { ميراث السماوات والأرض } أي اللذين هذا مما فيهما، بأن يعيد ~~سبحانه وتعالى جميع الأحياء وإن أملى لهم، ويفنى سائر ما وهبهم من ~~الأعراض، ويكون هو الوارث لذلك كله. # ولما كانت هذه الجمل في الإخبار عن المغيبات دنيا وأخرى، وكان البخل من ~~الأفعال الباطنة التي يستطاع إخفاؤها ودعوى الاتصاف بضدها كان الختم ~~بقوله: { والله } أي الملك الأعظم. ولما كان منصب النبي صلى الله عليه ~~وسلم الشريف في غاية النزاهة صرف الخطاب إلى الأتباع في قراءة غير ابن ~~كثير ms0839 وأبي عمرو، وهو أبلغ في الوعيد من تركه على مقتضى السياق من الغيبة ~~في قراءتهما، وقدم الجار إشارة إلى أن علمه بأعمالهم بالغ إلى حد لا تدرك ~~عظمته لأن ذلك أبلغ في الوعيد الذي اقتضاه السياق: { بما تعملون خبير * ~~}. # ولما كان العمل شاملا لتصرفات الجوارح كلها من القلب واللسان وسائر ~~الأركان قال - دالا على خبره بسماع ما قالوه متجاوزين وهدة البخل إلى ~~حضيض القبح مريدين التشكيك لأهل الإسلام بما يوردونه من الشبه قياسا على ~~ما يعرفونه من أنفسهم من أنه - كما تقدم - لا يطلب إلا محتاج -: { لقد ~~سمع الله } أي الذي له جميع الكمال { قول الذين قالوا } أي من اليهود { ~~إن الله } أي الملك الأعظم { فقير } أي لطلبه القرض { ونحن أغنياء } ~~لكونه يطلب منا، وهذا رجوع منه سبحانه وتعالى إلى إتمام ما نبه عليه قبل ~~هذه القصة من بغض أهل الكتاب لأهل هذا الدين وحسدهم لهم وإرادة تشكيكهم ~~فيه للرجوع عنه على أسنى المناهج وأعلى الأساليب. # ولما تشوفت النفوس إلى جزائهم على هذه العظيمة، وكانت الملوك إذا علمت ~~انتقاص أحدها وهي قادرة عاجلته لما عندها من نقص الأذى بالغيظ قال سبحانه ~~وتعالى مهددا لهم مشيرا إلى أنه على غير ذلك: { سنكتب } أي على عظمتنا ~~لإقامة الحجة عليهم على ما يتعارفونه في الدنيا { ما قالوا } أي من هذا ~~الكفر وأمثاله، والسين للتأكيد، ويجوز أن تكون على بابها من المهلة للحث ~~على التوبة قبل ختم رتب الشهادة، وسيأتي في الزخرف له مزيد بيان. # ولما كان هذا اجتراء على الخالق أتبعه اجتراءهم على أشرف الخلائق فقال - ~~مشيرا بإضافة المصدر إلى ضميرهم، وبجمع التكسير الدال على الكثير إلى ~~أنهم أشد الناس تمردا تمرنا على ارتكاب العظائم، وأن الاجتراء على أعظم ~~أنواع الكفر قد صار لهم خلقا -: { وقتلهم الأنبياء } أي الذي أقمناهم ~~فيهم لتجديد ما أوهوه من بنيان دينهم، ولما لم يكن في قتلهم شبهة أصلا ~~يقال: { بغير حق } فهو أعظم ذما مما قبله من التعبير بالفعل المضارع في ~~قوله # ويقتلون الأنبياء بغير حق # [آل ms0840 عمران: 112]. ثم عطف على قوله { سنكتب } قوله: { ونقول } أي بما لنا ~~من الجلال { ذوقوا } أي بما نمسكم به من المصائب في الدنيا والعقاب في ~~الأخرى كما كنتم تذوقون الأطعمة التي كنتم تبخلون بها فلا تؤدون حقوقها { ~~عذاب الحريق * } جزاء على ما أحرقتم به قلوب عبادنا، ثم بين السبب فيه ~~بقوله: { ذلك } أي العذاب العظيم { بما قدمت أيديكم } أي من الكفر بقتلهم ~~وبغيره { وأن } أي وبسبب أن { الله } أي الذي له جميع صفات الكمال { ليس ~~بظلام } أي بذي ظلم { للعبيد * } ولو لم يعذبكم لكان ترككم على صورة ~~الظلم لمن عادوكم فيه واشتد أذاكم لهم. # ولما كان القربان من جنس النفقات ومما يتبين به سماح النفوس وشحها حسن ~~نظم آية القربان هنا بقوله - رادا شبة لهم أخرى ومبينا قتلهم ~~الأنبياء: { الذين قالوا } تقاعدا عما يجب عليهم من المسارعة بالإيمان { ~~إن الله } أي الذي لا أمر لأحد معه { عهد إلينا } وقد كذبوا في ذلك { ألا ~~نؤمن لرسول } أي كائن من كان { حتى يأتينا بقربان } أي عظيم نقربه لله ~~تعالى، فيكون متصفا بأن { تأكله النار } عند تقريبه له وفي ذلك أعظم ~~بيان لأنهم ما أرادوا - بقولهم { إن الله فقير } حيث طلب الصدقة - إلا ~~التشكيك حيث كان التقرب إلى الله بالمال من دينهم لاذي يتقربون إلى الله ~~به، بل وادعوا أنه لا يصح دين بغيره. # ولما افتروا هذا التشكيك أمر سبحانه بنقضه بقوله: { قل قد جاءكم رسل } ~~فضلا عن رسول. ولما كانت مدتهم لم تستغرق الزمان الماضي أثبت الجار فقال ~~{ من قبلي } كزكريا وابنه يحيى وعيسى عليه السلام { بالبينات } أي من ~~المعجزات { وبالذي قلتم } أي من القربان فإن الغنائم لم تحل - كما في ~~الصحيح - لأحد كان قبلنا، فلم تحل لعيسى عليه السلام فلم تكن مما نسخه من ~~أحكام التوراة، وقد كانت تجمع فتنزل نار من السماء فتأكلها إلا إن وقع ~~فيها غلول { فلم قتلتموهم } أي قتلهم أسلافكم ورضيتم أنتم بذلك ~~فشاركتموهم فيه { إن كنتم صادقين * } أي في أنكم تؤمنون لمن أتاكم على ~~الوجه الذي ذكرتموه، ms0841 وفي ذلك رد على الفريقين: اليهود المدعين أنهم قتلوه ~~الزاعمين أنه عهد إليهم في الإيمان بمن أتاهم بذلك، والنصارى المسلمين ~~لما ادعى اليهود من قتله المستلزم لكونه ليس بإله. ### || [3.184-188] # ولما كانت هذه السورة متضمنة لكثير من الدقائق التي أخفوها من كتابهم ~~الذي جعلوه قراطيس، يبدونها ويخفون كثيرا، وفي هذه الآية بخصوصها من ذلك ~~ما يقتضي تصديقه صلى الله عليه وسلم وكان سبحانه عالما بأن أكثرهم ~~يعاندون سبب عن ذلك أن سلاه في تكذيب المكذبين منهم بقوله: { فإن كذبوك } ~~فكان كأنه قيل: هذا الذي أعلمتك به يوجب تصديقك، فإن لم يفعلوا بل كذبوا ~~{ فقد } ولما كان السياق لإثبات مبالغتهم في الغلظة والجفاء والكفر وعدم ~~الوفاء وكانت السورة سورة التوحيد، والرسل متفقون عليه، وقد أتى كل منهم ~~فيه بأنهى البيان وأزال كل لبس أسقط تاء التأنيث لأنها ربما دلت على نوع ~~ضعف فقال: { كذب رسل } ولما كانت تسلية الإنسان بمن قاربه في الزمان أشد ~~أثبث الجار فقال { من قبلك } أي فلك فيهم مسلاة وبهم أسوة { جآءو ~~بالبينات } أي من المعجزات { والزبر } أي من الصحف المضمنة للمواعظ ~~والحكم الزواجر والرقائق التي يزبر العالم بها عن المساوي { والكتاب ~~المنير } أي الجامع للأحكام وغيرها. الموضح لأنه الصراط المستقيم. # ولما تقدم في قصة أحد رجوع المنافقين وهزمية بعض المؤمنين مما كان سبب ~~ظفر الكافرين، وعاب سبحانه ذلك عليهم بأنهم هربوا من موجبات السعادة ~~والحياة الأبدية إلى ما لا بد منه، وإلى ذلك أشار بقوله: # قل لو كنتم في بيوتكم # [آل عمران: 154] # ولئن قتلتم في سبيل الله # [آل عمران: 157] # قل فادرءوا عن أنفسكم الموت # [آل عمران: 168] # ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله # [آل عمران: 169] وغير ذلك مما بكتهم به في رجوعهم حذر الموت وطلب امتداد ~~العمر، مع ما افتتح به من أن موت هذا النبي الكريم وقتله ممكن كما كان من ~~قبله من إخوانه من الرسل على جميعهم أفضل الصلاة والسلام والتحية ~~والإكرام! وختم بالإخبار بأنه وقع قتل كثير من الرسل، فكان ذلك محققا ~~لأنه ms0842 لا يصان من الموت خاص ولا عام، مضموما إلى ما نشاهد من ذلك في كل ~~لحظة؛ صور ذلك الموت بعد أن صار مستحضرا للعيان تصويرا أوجب التصريح ~~به إشارة إلى أن حالهم في هربهم ورجوعهم وما تبع ذلك من قولهم حال من هو ~~في شك منه فقال تعالى: { كل نفس } أي منفوسة من عيسى وغيره من أهل الجنة ~~والنار { ذآئقة الموت } أي وهو المعنى الذي يبطل معه تصرف الروح في البدن ~~وتكون هي باقية بعد موته لأن الذائق لا بد أن يكون حال ذوقه حيا ~~حساسا، ومن يجوز عليه ذوق الموت يجوز عليه ذوق النار، وهو عبد محتاج، ~~فالعاقل من سعى في النجاة منها والإنجاء كما فعل الخلص الذين منهم عيسى ~~ومحمد عليهما أفضل الصلاة وأزكى السلام، وكان نظمها بعد الآيات المقتضية ~~لتوفية الأجور بالإثابة عليها وأنه ليس بظلام للعبيد شديد الحسن، وذلك ~~مناسب أيضا لختم الآية بالتصريح لتوفية الأجور يوم الدين، وأن الزحزحة ~~عن النار ودخول الجنة لهو الفوز، لا الشح في الدنيا بالنفس والمال الذي ~~ربما كان سببا لامتداد العمر وسعة المال بقوله: { وإنما توفون } أي ~~تعطون { أجوركم } على التمام جزاء على ما عملتموه من خير وشر { يوم ~~القيامة } وأما ما يكون قبل ذلك من نعيم القبر ونحوه فبعض لا وفاء { فمن ~~زحزح } أي أبعد في ذلك اليوم إبعادا عظيما سريعا { عن النار وأدخل ~~الجنة فقد فاز } أي بالحياة الدائمة والنعيم الباقي. # والمعنى أن كل نفس توفى ما عملت، فتوفى أنت أجرك على صبرك على أذاهم، ~~وكذا من أطاعك، ويجازون هم على ما فرطوا في حقك فيقذفون في غمرة النار، ~~وكان الحصر إشارة إلى تقبيح إقبالهم على الغنيمة وغيرها من التوسع ~~العاجل، أي إنما مقتضى الدين الذي دخلتم فيه هذا، وذلك ترهيبا من ~~الالتفات إلى تعجل شيء من الأجر في الدنيا - كما قال أبو بكر رضي الله ~~عنه في أول إسلامه: وجدت بضاعة بنسيئة، ما وقعت على بضاعة قط أنفس منها، ~~وهي لا إله إلا الله. فالحاصل أن ms0843 " كل نفس " أي حذرة من الموت ومستسلمة { ~~ذائقة الموت } أي فعلام الاحتراس منه بقعود عن الغزو أو هرب من العدو! { ~~وإنما توفون أجوركم } أي يا أهل الإسلام التي وعدتموها على الأعمال ~~الصالحة { يوم القيامة } أي فما لكم تريدون تعجلها بإسراعكم إلى الغنائم ~~أو غيرها مما يزيد في أعراض الدنيا فتكونوا ممن تعجل طيباته في الحياة ~~الدنيا { فمن } أي فحيث علم أنه لا فوز في الدنيا إلا بما يقرب إلى الله ~~سبحانه وتعالى تسبب عن ذلك أنه من { زحزح عن النار } أي بكونه وفي أجره ~~ولم يتعجل طيباته { وأدخل الجنة } أي بما عمل من الصالحات فحاز الحياة ~~الدائمة مع الطيبات الباقية { فقد فاز } أي كل الفوز، ولما صح أنه لا فوز ~~إلا ذلك صح قوله: { وما الحياة الدنيا } أي التي أملي لهم فيها وأزيلت عن ~~الشهداء { إلا متاع الغرور * } أي المتاع الذي يدلس الشيطان أمره على ~~الناس حتى يغتروا به فيغبنوا بترك الباقي وأخذ الأشياء الزائلة بانقضاء ~~لذاتها والندم على شهواتها بالخوف من تبعاتها. # وفي ذلك أيضا مناسبة من وجه آخر، وهو أنه لما سلاه سبحانه وتعالى ~~بالرسل - الذين لازموا الصبر والاجتهاد في الطاعة حتى ماتوا - وأممهم. ~~وتركوا ما كان بأيديهم عاجزين عن المدافعة، ولم يبق إلا ملكه سبحانه ~~وتعالى، وأن الفريقين ينتظرون الجزاء، فالرسل لتمام الفوز، والكفار لتمام ~~الهلاك؛ أخبر أن كل نفس كذلك، ليجتهد الطائع ويقتصر العاصي، وفي ذلك ~~تعريض بالمنافقين الذين رجعوا عن أحد خوف القتل وقالوا عن الشهداء: { لو ~~أطاعونا ما قتلوا } أي إن الذي فررتم منه لا بد منه، والحياة التي ~~آثرتموها متاع يندم عليه من محضه للتمتع كما يندم المغرور بالمتاع الذي ~~غر به، فالسعيد من سعى في أن يكون موته في رضى مولاه الذي لا محيص له عن ~~الرجوع إليه والوقوف بين يديه. # ولما سلى الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم عن تكذيبهم لما ~~بما لقي إخوانه من الرسل وبأنه لا بد من الانقلاب إليه، فيفوز من كان من ~~أهل حزبه، ويشقى ms0844 من والى أعداءه وذوي حزبه؛ أعاد التسلية على وجه يشمل ~~المؤمنين، وساقها مساق الإخبار بحلول المصائب الكبار التي هي من شعائر ~~الأخيار في دار الأكدار المعلية لهم في دار القرار فقال - مؤكدا لأن ~~الواقف في الخدمة ينكر أن يصيبه معبوده بسوء، هذا طبع البشر وإن تطبع ~~بخلافه، وأفاد ذكره قبل وقوعه تهوينه بتوطين النفس عليه، وأفاد بناؤه ~~للمفعول أن المنكى البلاء, لا كونه من جهة معينة -: { لتبلون } أي ~~تعاملون معاملة المختبر لتبيين المؤمن من المنافق { في أموالكم } أي ~~بأنواع الإنفاق { وأنفسكم } أي بالإصابة في الجهاد وغيره، فكما نالكم ما ~~نالكم من الأذى بإذني ليلحقنكم بعده من الأذى ما أمضيت به سنتي في خلص ~~عبادي وذوي محبتي، وكان إيلاء ذلك للآية التي فيها الإشارة إلى أن توفية ~~الأجور للأعمال الصالحة مما ينيل الفوز مناسبا من حيث الترغيب في كل ما ~~يكون سببا لذلك من الصبر على ما يبتلي به سبحانه وتعالى من كل ما يأمر ~~به من التكاليف، أو يأذن فيه من المصائب، وقدم المال لأنه - كما قيل - ~~عديل الروح، وربما هان على الإنسان الموت دون الفقر المؤدي إلى الذل ~~بالشماتة والعار بما تقصر عنه يده بفقده من أفعال المكارم، وما أحسن ذكر ~~هذه الآية إثر قصة أحد التي وقع فيها القتل بسبب الإقبال على المال، وكان ~~ذكرها تعليلا لبغضة أهل الكتاب وغيرهم من الكفار. # ولما كان يومها يوم بلاء وتمحيص، وكان ربما أطمع في العافية بعده، ~~فتوطنت النفس على ذلك فاشتد انزعاجها بما يأتي من أمثاله، وليس ذلك من ~~أخلاق المشمرين أراد سبحانه وتعالى توطين النفوس على ما طبعت عليه الدار ~~من الأثقال والآصار، فأخبر أن البلاء لم ينقص به، بل لا بد بعده من بلايا ~~وسماع أذى من سائر الكفار، ورغب في شعار المتقين: الصبر الذي قدمه في أول ~~السورة ثم قبل قصة أحد، وبناها عليه معلما أنه مما يستحق أن يعزم عليه ~~ولا يتردد فيه فقال: { ولتسمعن } أي بعد هذا اليوم { من الذين } ولما كان ~~المراد تسوية العالم ms0845 بالجاهل في الذم نزه المعلم عن الذكر فبنى للمفعول ~~قوله: { أوتوا الكتاب } ولما كان إيتاؤهم له لم يستغرق الزمن الماضي أدخل ~~الجار فقال: { من قبلكم } أي من اليهود والنصارى { ومن الذين أشركوا } أي ~~من الأميين { أذى كثيرا } أي من الطعن في الدين وغيره بسبب هذه الوقعة ~~أو غيرها { وإن تصبروا } أي تتخلقوا بالصبر على ذلك وغيره { وتتقوا } أي ~~وتجعلوا بينكم وبين ما يسخط الله سبحانه وتعالى وقاية بأن تغضوا عن كثير ~~من أجوبتهم اعتمادا على ردهم بالسيوف وإنزال الحتوف { فإن ذلك } أي ~~الأمر العالي الرتبة { من عزم الأمور * } أي الأشياء التي هي أهل لأن ~~يعزم على فعلها، ولا يتردد فيه، ولا يعوق عنه عائق، فقد ختمت قصة أحد ~~بمثل ما سبقت دليلا عليه من قوله: # قد بدت البغضاء من أفواههم # [آل عمران: 118] إلى أن ختم بقوله: # وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا # [آل عمران: 120] ما أخبر به هنا بأنه من عزم الأمور. # ولما قدم سبحانه وتعالى في أوائل قصص اليهود أنه أخذ على النبيين ~~الميثاق بما أخذ، وأخبرهم أنه من تولى بعد ذلك فهو الفاسق، ثم أخبر ~~بقوله: # قد جائكم رسل من قبلي # [آل عمران: 183] { فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك } [آل عمران: 184] أن ~~النبيين وفوا بالعهد، وأن كثيرا من أتباعهم خان؛ ثنى هنا بالتذكير بذلك ~~العهد على وجه يشمل العلماء بعد الإخبار بسماع الأذى المتضمن لنقضهم ~~للعهد، فكان التذكير بهذا الميثاق كالدليل على مضمون الآية التي قبلها، ~~وكأنه قيل: فاذكروا قولي لكم { لتبلون } واجعلوه نصب أعينكم لتوطنوا ~~أنفسكم عليه، فلا يشتد جزعكم بحلول ما يحل منه { و } اذكروا { إذ أخذ ~~الله } الذي لا عظيم إلا هو { ميثاق الذين }. # ولما كانت الخيانة من العالم أشنع، وكان ذكر العلم دون تعيين المعلم ~~كافيا في ذلك بنى للمجهول قوله: { أوتوا الكتاب } أي في البيان، فخافوا ~~فما آذوا إلا أنفسهم، وإذا آذوا أنفسهم بخيانة عهد الله سبحانه وتعالى ~~كانوا في أذاكم اشد وإليه أسرع، أو يكون التقدير: واذكروا ما أخبرتكم به ms0846 ~~عند ما أنزله بكم، واصبروا لتفوزوا، واذكروا إذ اخذ الله ميثاق من قبلكم ~~فضيعوه كيلا تفعلوا فعلهم، فيحل بكم ما حل بهم من الذل والصغار في الدنيا ~~مع ما يدخر في الآخرة من عذاب النار. # هذا ما كان ظهر لي أولا، ثم بان أن الذي لا معدل عنه أنه لما انقضت قصة ~~أحد وما تبعها إلى أن ختمت بعد الوعظ بتحتم الموت الذي فر من فر منهم منه ~~وخوف الباقين أمره بمثل ما تقدم أن جعلها دليلا عليه من بغض أهل الكتاب ~~وما تبعه؛ عطف على " إذا " المقدرة لعطف # وإذا غدوت # [آل عمران: 121] عليها - قوله: { وإذا أخذ الله } أي اذكروا ذلك يدلكم ~~على عداوتهم، واذكروا ما صح عندكم من إخبار الله تعالى المشاهد بإخبار من ~~أسلم من الأحبار والقسيسين أن الله أخذ { ميثاق الذين أوتوا الكتاب } أي ~~من اليهود والنصارى بما أكد في كتبه وعلى ألسنة رسله: { ليبيننه } أي ~~الكتاب { للناس ولا يكتمونه } أي نصيحة منهم لله سبحانه وتعالى ولرسوله ~~صلى الله عليه وسلم ولأئمة المؤمنين وعامتهم ليؤمنوا بالنبي المبشر به { ~~فنبذوه } أي الميثاق بنبذ الكتاب { ورآء ظهورهم } حسدا لكم وبغضا، وهو ~~تمثيل لتركهم العمل به، لأن من ترك شيئا وراءه نسيه { واشتروا به } ولما ~~كان الثمن الذي اشتروه خسارة لا ربح فيه أصلا على العكس مما بذلوه على ~~أنه ثمن، وكان الثمن إذا نض زالت مظنة الربح منه عبر عنه بقوله: { ثمنا ~~} وزاد في بيان سفههم بقوله: { قليلا } أي بالاستكثار من المال ~~والاستئمار للرئاسة، قكتموا ما عندهم من العلم بهذا النبي الكريم { فبئس ~~ما يشترون * } أي لأنه مع فنائه أورثهم العار الدائم والنار الباقية، ~~وعبر عن هذا الأخذ بالشراء إعلاما بلجاجهم فيه، ونبه بصيغة الافتعال على ~~مبالغتهم في اللجاج. # ولما أخبر سبحانه وتعالى بأنهم احتووا على المال والجاه بما كتموا من ~~العلم وأظهروا من خلافه المتضمن لمحبة أهل دينهم فيهم وثنائهم عليهم ~~بأنهم على الدين الصحيح وأنهم أهل العلم، فهم أهل الاقتداء بهم؛ قال ~~سبحانه وتعالى مخبرا عن مآلهم ms0847 تحذيرا من مثل حالهم على وجه يعم كل ~~امرىء: { لا تحسبن } على قراءة الجماعة بالغيب { الذين يفرحون بما آتوا } ~~أي مما يخالف ظاهره باطنه. وتوصلوا به إلى الأغراض الدنيوية من الأموال ~~والرئاسة وغير ذلك، أي لا يحسبن أنفسهم، وفي قراءة الكوفيين ويعقوب ~~بالخطاب المعنى: لا تحسبنهم أيها الناظر لمكرهم ورواجهم بسببه في الدنيا ~~واصلين إلى خير { ويحبون أن يحمدوا } أي ويجد الثناء بالوصف الجميل عليهم ~~{ بما لم يفعلوا } أي بذلك الباطن الذي لم يفعلوه، قال ابن هشام في ~~السيرة: أن يقول الناس: علماء، وليسوا بأهل علم، لم يتحملوهم على هدى ولا ~~حق. # ولما تسبب عن ذلك العلم بهلاكهم قال: { فلا تحسبنهم } أي تحسبن أنفسهم، ~~على قراءة ابن كثير وأبي عمرو بالغيب وضم الباء وعلى قراءة الجماعة ~~المعنى: لا تحسبنهم أيها الناظر { بمفازة من العذاب } بل هم بمهلكة منه { ~~ولهم عذاب أليم * }. ### || [3.189-195] # ولما أخبر بهلاكهم دل عليه بحال من فاعل " يحسب " فقال تعالى: { ولله } ~~أي الذي له جميع صفات الكمال وحده { ملك السماوات والأرض } أي لا يقع في ~~فكرهم ذلك والحال أن ملكه محيط بهم، وله جميع ما يمكنهم الانحياز إليه، ~~وله ما لا تبلغه قدرهم من ملك الخافقين فهو بكل شيء محيط { والله } أي ~~الذي له جميع العظمة { على كل شيء قدير * } وهو شامل القدرة، فمن كان في ~~ملكه كان في قبضته، ومن كان في قبضته كان عاجزا عن التفصي عما يريد به، ~~لأنه الحي القيوم الذي لا إله إلا هو - كما افتتح به السورة. # ولما ذكر هذا الملك العظيم وختم بشمول القدرة دل على ذلك بالتنبيه على ~~التفكر فيه الموجب للتوحيد الذي هو المقصد الأعظم من هذه السورة الداعي ~~إلى الإيمان الموجب للمفازة من العذاب، لأن المقصود الأعظم من إنزال ~~القرآن تنوير القلوب بالمعرفة، وذلك لا يكون إلا بغاية التسليم، وذلك هو ~~اتباع الملة الحنيفية، وهو متوقف على صدق النبي صلى الله عليه وسلم، فبدأ ~~سبحانه وتعالى السورة بدلائل صدقه بإعجاز القرآن بكشفه - مع الإعجاز ~~بنظمه على لسان ms0848 النبي الأمي - للشبهات وبيانه للخفيات، وأظهر مكابرة أهل ~~الكتاب، وفضحهم أتم فضيحة، فلما تم ذلك على أحسن وجه منظما ببدائع الحكم ~~من الترغيب والترهيب شرع في بث أنوار المعرفة بنصب دلائلها القريبة وكشف ~~أستارها العجيبة فقال: { إن في خلق السماوات والأرض } أي على كبرهما وما ~~فيهما من المنافع، ونبه على التغير الدال على المغير بقوله: { واختلاف ~~الليل والنهار } أي اختلافا هو - كما ترون - على غاية الإحكام بكونه على ~~منهاج قويم وسير لا يكون إلا بتقدير العزيز العليم { لآيات } أي على جميع ~~ما جاءت به الرسل عن الخالق، وزاد الحث على التفكر والتهييج إليه ~~والإلهاب من أجله بقوله: { لأولي الألباب * } وذكر سبحانه وتعالى في أخت ~~هذه الآية في سورة البقرة ثمانية أنواع من الأدلة واقتصر هنا على ثلاثة، ~~لأن السالك يفتقر في ابتداء السلوك إلى كثرة الأدلة. فإذا استنار قلت ~~حاجته إلى ذلك، وكان الإكثار من الأدلة كالحجاب الشاغل له عن استغراق ~~القلب في لجج المعرفة، واقتصر هنا من آثار الخلق على السماوية لأناه أقهر ~~وأبهر والعجائب فيها أكثر، وانتقال القلب منها إلى عظمته سبحانه وتعالى ~~وكبريائه أشد وأسرع، وختم تلك بما هو لأول السلوك: العقل، وختم هذه بلبه ~~لأنها لمن تخلص من وساوس الشيطان وشوائب هواجس الوهم المانعة من الوصول ~~إلى حق اليقين بل علم اليقين. # ولما كان كل مميز يدعي أنه في الذروة من الرشاد نعتهم بما بين من يعتد ~~بعقله فقال: { الذين يذكرون الله } أي الذي ليس في خلقه لهما ولا لغيرهما ~~شك، وله جميع أوصاف الكمال. # ولما كان المقصود الدوام وكان قد يتجوز به عن الأكثر، عبر عنه لهذا ~~التفصيل نفيا لاحتمال التجوز ودفعا لدعوى العذر فقال: { قياما وقعودا ~~} ولما كان أكثر الاضطجاع على الجنب قال: { وعلى جنوبهم } أي في اشتغالهم ~~بأشغالهم وفي وقت استراحتهم وعند منامهم، فهم في غاية المراقبة. # ولما بدأ من أوصافهم بما يجلو أصداء القلوب ويسكنها وينفي عنها الوساوس ~~حتى استعدت لتجليات الحق وقبول الفيض بالفكر لانتفاء قوة الشهوة وسورة ~~الغضب وقهرهما وضعف ms0849 داعية الهوى، فزالت نزغات الشيطان ووساوسه وخطرات ~~النفس ومغالطات الوهم قال: { ويتفكرون } أي على الأحوال. # ولما كانت آيات المعرفة إما في الآفاق وإما في الأنفس، وكانت آيات ~~الآفاق أعظم # لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس # [غافر: 57]. قال: { في خلق السماوات والأرض } على كبرهما واتساعهما وقوة ~~ما فيهما من النافع لحصر الخلائق فيعلمون - بما في ذلك من الأحكام مع جري ~~ما فيهما من الحيوان الذي خلقا لأجله على غير انتظام - أن وراء هذه الدار ~~دارا يثبت فيها الحق وينفى الباطل ويظهر العدل ويضمحل الجور، فيقولون ~~تضرعا إليه وإقبالا عليه: { ربنا } أي أيها المحسن إلينا { ما خلقت هذا ~~} أي الخلق العظيم المحكم { باطلا } أي لأجل هذه الدار التي لا تفصل ~~فيها على ما شرعت القضايا، ولا تنصف فيها الرعاة الرعايا، بل إنما خلقته ~~لأجل دار أخرى، يكون فيها محض العدل، ويظهر فيها الفصل. # ولما كان الاقتصار على هذه الدار مع ما يشاهده من ظهور الأشرار نقصا ~~ظاهرا وخللا بينا نزهوه عنه فقالوا: { سبحانك } وفي ذلك تعليم العباد ~~أدب الدعاء بتقديم الثناء قبله، وتنبيه على أن العبد كلما غزرت معرفتة ~~زاد خوفه فزاد تضرعه، فإنه يحسن منه كل شيء من تعذيب الطائع وغيره، ولولا ~~أن ذلك كذلك لكان الدعاء بدفعه عبثا، وما أحسن ختمها حين تسبب عما مضي ~~تيقنهم أن أمامنا دارا يظهر فيها العدل مما هو شأن كل أحد في عبيده، ~~فيعذب فيها العاصي وينعم فيها الطائع، كما هو دأب كل ملك في رعيته بقولهم ~~رغبة في الخلاص في تلك الدار: { فقنا عذاب النار * } على وجه جمع بين ذكر ~~العذاب المختتم به آية محبي المحمدة بالباطل، والنار المحذر منها في # فمن زحزح عن النار # [آل عمران: 185] ثم تعقبها بقولهم معظمين ما سألوا دفعه من العذاب ليكون ~~موضع السؤال أعظم، فيدل على أن الداعية في ذلك الدعاء أكمل وإخلاصه أتم، ~~مكررين الوصف المقتضي للإحسان مبالغة في إظهار الرغبة استمطارا للإجابة: ~~{ ربنآ } وأكدوا مع علمهم بإحاطة علم المخاطب إعلاما بأن حالهم في ~~تقصيرهم ms0850 حال من أمن النار حثا لأنفسهم على الاجتهاد في العمل فقالوا: { ~~إنك من تدخل النار } أي للعذاب { فقد أخزيته } أي أذللته وأهنته إهانة ~~عظيمة بكونه ظالما. # وختمها بقوله: { وما للظالمين من أنصار * } الحاسم لطمع من يظن منهم أنه ~~بمفازة من العذاب، وأظهر موضع الإضمار لتعليق الحكم بالوصف والتعميم. # ولما ابتهلوا بهاتين الآيتين في الإنجاء عن النار توسلوا بذكر مسارعتهم ~~إلى إجابة الداعي بقولهم { ربنآ } ولما كانت حالهم - لمعرفتهم بأنهم لا ~~ينفكون عن تقصير وإن بالغوا في الاجتهاد، لأنه لا يستطيع أحد أن يقدر ~~الله حق قدره - شبيهة بحال من لم يؤمن؛ اقتضى المقام التأكيد إشارة إلى ~~هضم أنفسهم بالاعتراف بذنوبهم فقالوا مع علمهم بأن المخاطب عالم بكل شيء: ~~{ إننا } فأظهروا النون إبلاغا في التأكيد { سمعنا مناديا } أي من ~~قبلك، وزاد في تفخيمه بذكر ما منه النداء مقيدا بعد الإطلاق بقوله: { ~~ينادي } قال محمد بن كعب القرظي: هو القرآن، ليس كلهم رأى النبي صلى الله ~~عليه وسلم. # ولما كانت اللام تصلح للتعليل ومعنى " إلى " عبر بها فقيل: { للإيمان } ~~ثم فسروه تفخيما له بقولهم: { أن آمنوا بربكم } ثم أخبر بمسارعتهم إلى ~~الإجابة بقولهم: { فآمنا } أي عقب السماع. ثم أزالوا ما ربما يظن من ~~ميلهم إلى ربوة الإعجاب بقولهم تصريحا بما أفهمه التأكيد لمن علمه محيط: ~~{ ربنا فاغفر لنا ذنوبنا } أي التي أسلفناها قبل الإيمان بأن تقبل منا ~~الإيمان فلا تزيغ قلوبنا، فيكون جابا لما قبله عندك كما كان جابا له ~~في ظاهر الشرع، وكذا ما فرط منا بعد الإيمان ولو كان بغير توبة، وإليه ~~الإشارة بقولهم: { وكفر عنا سيآتنا } أي بأن توفقنا بعد تشريفك لنا ~~بالإيمان لاجتناب الكبائر بفعل الطاعات المكفرة للصغائر { وتوفنا مع ~~الأبرار * } أي ليس لنا سيئات. # ولما كان الله سبحانه وتعالى هو المالك التام الملك، فهو ذو التصرف ~~المطلق الذي لا يجب عليه شيء، ولا يقبح منه شيء؛ أشار إلى ذلك بقوله ~~ملقنا لهم مكررا صفة الإحسان تنبيها على مزيد الابتهال والتضرع ~~والتخضع والتخشع: { ربنا وآتنا ما وعدتنا } ثم ms0851 أشار إلى صدق هذا الوعد ~~بحرف الاستعلاء الدال على الالتزام والوجوب فقال: { على رسلك } أي من ~~إظهار الدين والنصر على الأعداء وحسن العاقبة وإيراث الجنة في مثل قوله ~~تعالى: # وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات # [البقرة: 25] وفي الدعاء بذلك إشارة إلى أنه لا يجب على الله سبحانه ~~وتعالى شيء ولو تقدم به وعده الصادق وإن كنا نعتقد أنه لا يبدل القوة ~~لديه { ولا تخزنا يوم القيامة } أي بالمؤاخذة بالسيئاتن ثم أرشدهم إلى ~~الإلهاب والتهييج مع التنبيه على ما نبه عليه أولا من أنه لا يجب عليه ~~شيء بقوله باسطا لهم بلذة المنادمة بالمخاطبة: { إنك لا تخلف الميعاد }. # ولما تسبب عن هذا الدعاء الإجابة لتكمل شروطه وهي استحضار عظمته تعالى ~~بعد معرفته بالدليل وإدامة ذكره والتفكر في بدائع صنعه وافتتاحه بالثناء ~~عليه سبحانه وتنزيهه والإخلاص في سؤاله قال: { فاستجاب } أي فأوجد ~~الإجابة حتما { لهم } قال الأصفهاني: وعن جعفر الصادق: من حزبه أمر فقال ~~خمس مرات " ربنا " أنجاه الله مما يخاف، وأعطاه ما أراد - وقرأ هذه ~~الآية. وأشار إلى أنها من منه وفضله بقوله: { ربهم } أي المحسن إليهم ~~المتفضل عليهم { إني لا أضيع عمل عامل منكم } كائنا من كان { من ذكر أو ~~أنثى } وقوله معللا: { بعضكم من بعض } التفات إلى قوله سبحانه # إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم # [آل عمران: 59] الناظر إلى قوله # ذرية بعضها من بعض # [آل عمران: 34] المفتتح بأن الله سبحانه وتعالى # اصطفى آدم ونوحا # [آل عمران: 33] المنادي بأن البشر كلهم في العبودية للواحد - الذي ليس ~~كمثله شيء الحي القيوم - سواء من غير تفاوت في ذلك أصلا، والمراد أنهم ~~إذا كانوا مثلهم في النسب فهم مثلهم في الأجر على العمل. # ولما أقر أعينهم بألإجابة، وكان قد تقدم ذكر الأنصار عموما في قوله: # ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم - وأن الله لا يضيع أجر ~~المؤمنين # [آل عمران: 170-171] خص المهاجرين بيانا لفضلهم وزيادة شرفهم بتحقيقهم ~~لكونهم معه، لم يأنسوا بغيره ولم يركنوا لسواه من أهل ولا مال ms0852 بقوله ~~مسببا عن الوعد المذكور ومفصلا ومعظما ومبجلا: { فالذين هاجروا } أي ~~صدقوا إيمانهم بمفارقة أحب الناس غليهم في الدين المؤدي إلى المقاطعة ~~وأعز البلاد عليهم. # ولما كان للوطن من القلب منزل ليس لغيره نبه عليه بقوله: { وأخرجوا من ~~ديارهم } أي وهي آثر المواطن عندهم بعد أن باعدوا أهلهم وهم أقرب الخلائق ~~إليهم، ولما كان الأذى مكروها لنفسه لا بالنسبة إلى معين بنى للمفعول ~~قوله: { وأوذوا } أي بغير ذلك من أنواع الأذى { في سبيلي } أي بسبب ديني ~~الذي نهجته ليسلك إلي فيه، وحكمت أنه لا وصول إلى رضائي بدونه { وقاتلوا ~~} أي في سبيلي. # ولما كان القتل نفسه هو المكروه، لا بالنسبة إلى معين؛ كان المدح على ~~اقتحام موجباته، فبنى للمفعول قوله: { وقتلوا } أي فيه فخرجوا بذلك عن ~~مساكن أرواحهم بعد النزوح عن منازل أشباحهم، وقراءة حمزة والكسائي بتقديم ~~المبني للمفعول أبلغ معنى، لأنها أشد ترغيبا في الإقدام على الأخصام، ~~لأن من استقتل أقدم على الغمرات إقدام الأسد فقتل أخص منه ولم يقف أحد ~~أمامه، فكأنه قيل: وأرادوا القتل، هذا بالنظر إلى الإنسان نفسه، ويجوز أن ~~يكون الخطاب للمجموع فيكون المعنى: وقاتلوا بعد أن رأوا كثيرا من ~~أصحابهم قد قتل { لأكفرن عنهم سيئاتهم } كما تقدم سؤالهم إياي في ذلك ~~علما منهم بأن أحدا لن يقدر على أن يقدر الله حق قدره وإن اجتهد { ~~ولأدخلنهم } أي بفضلي { جنات تجري من تحتها الأنهار } كما سبق به الوعد { ~~ثوابا } وهو وإن كان على أعمالهم فهو فضل منه، وعظمه بقوله: { من عند ~~الله } أي المنعوت بالأسماء الحسنى التي منها الكرم والرحمة لأن أعمالهم ~~لا توازي أقل نعمه { والله } أي الذي له الجلال والإكرام، ونبه على عظمة ~~المحدث عنه بالعندية فقال: { عنده } أي في خزائن ملكوته التي هي في غاية ~~العظمة { حسن الثواب * } أي وهو ما لا شائبة كدر فيه، لأنه شامل القدرة ~~بخلاف غيره. ### || [3.196-198] # ولما كانت هذه المواعدة آجلة، وكان نظرهم إلى ما فيه الكفار من عاجل ~~السعة ربما أثر في بعض النفوس أثرا يقدح ms0853 في الإيمان بالغيب الذي هو شرط ~~قبول الإيمان؛ داواه سبحانه بأن تلا تبشير المجاهدين بإنذار الكفار ~~المنافقين والمصارحين الذين أملى لهم بخذلانهم المؤمنين بالرجوع عن قتال ~~أحد وغيره من أسباب الإملاء على وجه يصدق ما تقدم أول السورة من الوعد ~~بأنهم سيغلبون، وأن أموالهم إنما هي صورة، لا حقائق لها، عطفا لآخرها ~~على أولها، وتأكيدا لاستجابة دعاء أوليائه آخر التي قبلها بقوله مخاطبا ~~لأشرف عباده، والمراد من يمكن ذلك عادة فيه، لأن خطاب الرئيس أمكن في ~~خطاب الأتباع - { لا يغرنك تقلب } أي لا تغترر بتصرف { الذين كفروا } ~~تصرف من يقلب الأمور بالنظر في عواقبها لسلامتهم في تصرفهم وفوائدهم ~~وجودة ما يقصدونه في الظاهر كجودة القلب في البدن { في البلاد * } فإن ~~تقلبهم { متاع قليل } أي لا يعبأ به ذو همة علية، وعبر بأداة التراخي ~~إشارة إلى أن تمتيعهم - وإن فرض أنه طال زمانه وعلا شأنه - تافه لزواله ~~ثم عاقبته، وإلى هول تلك العاقبة وتناهي عظمتها، فقال: { ثم مأواهم } أي ~~بعد التراخي إن قدر { جهنم } أي الكريهة المنظر الشديدة الأهوال، العظيمة ~~الأوجال، لا مهاد لهم غيرها { وبئس المهاد * } أي الفراش الذي يوطأ ويسهل ~~للراحة والهدوء. # ولما بين بآية المهاجرين أن النافع من الإيمان هو الموجب للثبات عند ~~الامتحان. وكانت تلك الشروط قد لا توجد، ذكر وصف التقوى العام للأفراد ~~الموجب للإسعاد، فعقب تهديد الكافرين بما لأضدادهم المتقين الفائزين بما ~~تقدم الدعاء إليه بقوله تعالى: # قل أأنبئكم بخير من ذلكم # [آل عمران: 15] فقال تعالى: { لكن الذين اتقوا ربهم } أي أوقعوا الاتصاف ~~بالتقوى بالائتمار بما أمرهم به المحسن إليهم والانتهاء عما نهاهم شكرا ~~لإحسانه وخوفا من عظم شأنه { لهم جنات } وإلى جنات، ثم وصفها بقوله: { ~~تجري من تحتها الأنهار } تعريفا بدوام تنوعها وزهرتها وعظيم بهجتها. # ولما وصفها بضد ما عليه النار وصف تقلبهم فيها بضد ما عليه الكفار من ~~كونهم في ضيافة الكريم الغفار فقال: { خالدين فيها } ولما كان النزل ما ~~يعد للضيف عند نزوله قال معظما ما لمن يرضيه: { نزلا } ولما كان الشيء ms0854 ~~يشرف بشرف من هو من عنده نبه على عظمته بقوله: { من عند الله } مضيفا ~~إلى الاسم الأعظم، وأشار بجعل الجنات كلها نزلا إلى التعريف بعظيم ما ~~لهم بعد ذلك عنده سبحانه من النعيم الذي لا يمكن الآدميين وجه الاطلاع ~~على حقيقة وصفه، ولهذا قال معظما - لأنه لو أضمر لظن الاختصاص بالنزل - ~~{ وما عند الله } أي الملك الأعظم من النزل وغيره { خير للأبرار * } مما ~~فيه الكفار ومن كل ما يمكن أن يخطر بالبال من النعيم. ### || [3.199-200] # ولما كان للمؤمنين من أهل الكتابين - مع التشرف بما كانوا عليه من الدين ~~الذي أصله حق - حظ من الهجرة، فكانوا قسما ثانيا من المهاجرين، وكان ~~إنزال كثير من هذه السورة في مقاولة أهل الكتاب ومجادلتهم والتحذير من ~~مخاتلتهم ومخادعتهم والإخبار - بأنهم يبغضون المؤمنين مع محبتهم لهم، ~~وأنهم لا يؤمنون بكتابهم، وأنهم سيسمعون منهم أذى كثيرا إلى أن وقع ~~الختم في أوصافهم بأنهم اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا - ربما أيأس من ~~إيمانهم؛ أتبع ذلك مدح مؤمنيهم, وغير الأسلوب عن أن يقال مثلا: والذين ~~آمنوا من أهل الكتاب - إطماعا في موالاتهم بعد التدريب بالتحذير منهم ~~على مناواتهم وملاواتهم فقال: { وإن من أهل الكتاب } أي اليهود والنصارى ~~{ لمن يؤمن بالله } أي الذي حاز صفات الكمال، وأشار إلى الشرط المصحح ~~لهذا الإيمان بقوله: { وما أنزل إليكم } أي من هذا القرآن { وما أنزل ~~إليهم } أي كله، فيذعن ملا يأمر منه باتباع هذا النبي العربي، وإليه ~~الإشارة بقوله جامعا للنظر إلى معنى من تعظيما لوصف الخشوع بالنسبة إلى ~~مطلق الإيمان: { خاشعين لله } أي لأنه الملك الذي لا كفوء له، غير ~~مستنكفين عن نزل المألوف { لا يشترون بآيات الله } أي التي متى تأملوها ~~علموا أنه لا يقدر عليها إلا من أحاط بالجلال والجمال، الآمرة لهم بذلك { ~~ثمنا قليلا } بما هم عليه من الرئاسة ونفوذ الكلمة - كما تقدم قريبا ~~في وصف معظمهم، فهم يبينونها ويرشدون إليها ولا يحرفونها. # ولما أخبر تعالى عن حسن ترحمهم إليه أخبر عن جزائهم عنده بما يسر النفوس ~~ويبعث ms0855 الهمم فقال: { أولئك } أي العظيمو الرتبة { لهم أجرهم } أي الذي ~~يؤملونه, ثم زادهم فيه رغبة تشريفة بقوله: { عند ربهم } أي الذي رباهم ~~ولم يقطع إحسانه لحظة عنهم، كل ذلك تعظيما له من حيث إن لهم الأجر ~~مرتين. # ولما اقتضت هذه التأكيدات المبشرات إنجاز الأجر وإتمامه وإحسانه، وكان ~~قد تقدم أنه تعالى يؤتي كل أحد من ذكر وأنثى أجره، ولا يضيع شيئا، ~~ويجازي المسيء والمحسن، وكانت العادة قاضية بأن كثرة الخلق سبب لطول زمن ~~الحساب، وذلك سبب لطول الانتظار، وذلك سبب لتعطيل الإنسان عن مهماته ~~ولضيق صدره بتفرق عزمه وشتاته كان ذلك محل عجب يورث توهم ما لا ينبغي، ~~فأزال هذا التوهم بأن أمره تعالى على غير ذلك لأنه لا يشغله شأن عن شأن ~~بقوله: { إن الله } أي بما له من الجلال والعظمة والكمال { سريع الحساب * ~~} ولما كثر في هذه الآيات الأمر بمقاساة الشدائد وتجرع مرارات الأذى ~~واقتحام الحروب واستهانة عظائم الكروب، والحث على المعارف الإلهية ~~والآداب الشرعية من الأصول والفروع انخلاعا من المألوفات إلى ما يأمر ~~به سبحانه من الطاعات، وختم بتجرع فرقة من أهل الكتاب لتلك المرارات كانت ~~نتيجة ذلك لا محالة قوله تعالى منبها على عظمة ما يدعو إليه لأنه شامل ~~لجميع الآداب: { يا أيها الذين آمنوا } أي بكل ما ذكرنا في هذه السورة { ~~اصبروا } أي أوقعوا الصبر تصديقا لإيمانكم على كل ما ينبغي الصبر عليه ~~مما تكرهه النفوس مما دعتكم إليه الزهراوان { وصابروا } أي أوجدوا ~~المصابرة للأعداء من الكفار والمنافقين وسائر العصاة، فلا يكونن على ~~باطلهم أصبر منكم على حقكم { ورابطوا } أي بأن تربطوا في الثغور خيلا ~~بإزاء ما لهم من الخيول إرهابا لهم وحذرا منهم - هذا أصله، ثم صار ~~الرباط يطلق على المكث في الثغور لأجل الذب عن الدين ولو لم تكن خيول، بل ~~وتطلق على المحافظة على الطاعات، ثم أمر بملاك ذلك كله فقال: { واتقوا ~~الله } أي في جميع ذلك بأن تكونوا مراقبين له، مستحضرين لجميع ما يمكنكم ~~أن تعلموه من عظمته بنعمته ونقمته { لعلكم ms0856 تفلحون * } أي ليكون حالكم حال ~~من يرجى فلاحه وظفره بما يريد من النصر على الأعداء والفوز بعيش الشهداء، ~~وهذه الآية - كما ترى - معلمة بشرط استجابة الدعاء بالنصرة على الكافرين، ~~المختتم به البقرة # فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم ~~يرشدون # [البقرة: 186] داعية إلى تذكير أولي الألباب بالمراقبة للواحد الحي ~~القيوم الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء في اتباع آياته ~~ومعاداة أعدائه، كما أن التي قبلها فيمن آمن بجميع الكتب: هذا القرآن ~~المصدق لما بين يديه والتوراة والإنجيل، كل ذلك للفوز بالفرقان بالنصر ~~وتعذيب أهل الكفر بأيديهم تمكينا من الله - والله عزيز ذو انتقام - ~~ردا للمقطع على المطلع على أحسن وجه - والله أعلم بالصواب وعنده حسن ~~المآب. ### | [4 - سورة النساء] ### || [4.1-2] # ولما كان مقصودها الاجتماع على ما دعت إليه السورتان قبلها من التوحيد، ~~وكان السبب الأعظم في الاجتماع والتواصل عادة الأرحام العاطفة التي ~~مدارها النساء سميت " النساء " لذلك، ولأن بالاتقاء فيهم تتحقق العفة ~~والعدل الذي لبابه التوحيد { بسم الله } الجامع لشتات الأمور بإحسان ~~التزاوج في لطائف المقدور { الرحمن } الذي جعل الأرحام رحمة عامة { ~~الرحيم * } الذي خص من أراد بالتواصل على ما دعا إليه دينه الذي جعله ~~نعمة تامة. # لما تقرر أمر الكتاب الجامع الذي هو الطريق، وثبت الأساس الحامل الذي هو ~~التوحيد احتيج إلى الاجتماع على ذلك، فجاءت هذه السورة داعية إلى ~~الاجتماع والتواصل والتعاطف والتراحيم فابتدأت بالنداء العام لكل الناس، ~~وذلك أنه لما كانت أمهات الفضائل - كما تبين في علم الأخلاق - أربعا: ~~العلم والشجاعة والعدل والعفة، كما يأتي شرح ذلك في سورة لقمان عليه ~~السلام، وكانت آل عمران داعية مع ما ذكر من مقاصدها إلى اثنين منها، وهما ~~العلم والشجاعة - كما أشير إلى ذلك في غير آية # نزل عليك الكتاب بالحق # [آل عمران: 3]، # وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم # [آل عمران: 7]، # شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم # [آل عمران: 18], # ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون ms0857 إن كنتم مؤمنين # [آل عمران: 139], # فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله # [آل عمران: 146] # فإذا عزمت فتوكل على الله # [آل عمران: 159], # ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا # [آل عمران: 169]، # الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح # [آل عمران: 172]، # يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا # [آل عمران: 200]، وكانت قصة أحد قد أسفرت عن أيتام استشهد مورثوهم في حب ~~الله، وكان من أمرهم في الجاهلية منع أمثالهم من الإرث جورا عن سواء ~~السبيل وضلالا عن أقوم الدليل؛ جاءت هذه السورة داعية إلى الفضيلتين ~~الباقيتين، وهما العفة والعدل مع تأكيد الخصلتين الأخريين حسبما تدعو ~~إليه المناسبة، وذلك مثمر للتواصل بالإحسان والتعاطف بإصلاح الشأن ~~للاجتماع على طاعة الديان، فمقصودها الأعظم الاجتماع على الدين بالاقتداء ~~بالكتاب المبين، وما أحسن ابتداءها بعموم: { يا أيها الناس } بعد اختتام ~~تلك بخصوص " يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا " الآية. # ولما اشتملت هذه السورة على أنواع كثيرة من التكاليف، منها التعطف على ~~الضعاف بأمور كانوا قد مرنوا على خلافها، فكانت في غاية المشقة على ~~النفوس، وأذن بشدة الاهتمام بها بافتتاح السورة واختتامها بالحث عليها ~~قال: { اتقوا ربكم } أي سيدكم ومولاكم المحسن إليكم بالتربية بعد ~~الإيجاد، بأن تجعلوا بينكم وبين سخطه وقاية، لئلا يعاقبكم بترك إحسانه ~~إليكم فينزل بكم كل بؤس. ابتدأ هذه ببيان كيفية ابتداء الخلق حثا على ~~أساس التقوى من العفة والعدل فقال: { الذي } جعل بينكم غاية الوصلة ~~لتراعوها ولا تضيعوها، وذلك أنه { خلقكم من نفس واحدة } هي أبوكم آدم ~~عليه الصلاة والسلام مذكرا بعظيم قدرته ترهيبا للعاصي وترغيبا للطائع ~~توطئة للأمر بالإرث، وقد جعل سبحانه الأمر بالتقوى مطلعا لسورتين: هذه ~~وهي رابعة النصف الأول، والحج وهي رابعة النصف الثاني، وعلل الأمر ~~بالتقوى في هذه بما دل على كمال قدرته وشمول علمه وتمام حكمته من أمر ~~المبدإ، وعلل ذلك في الحج بما صور المعاد تصويرا لا مزيد عليه، فدل فيها ~~على المبدإ والمعاد تنبيها على أنه محط الحكمة، ما خلق الوجود إلا ~~لأجله، لتظهر الأسماء ms0858 الحسنى والصفات العلى أتم ظهور يمكن البشر الاطلاع ~~عليه، وربت ذلك على الترتيب الأحكم، فقدم سورة المبدإ على سورة المعاد ~~لتكون الآيات المتلوة طبق الآيات المرئية، وأبدع من ذلك كله وأدق أنه لما ~~كان أعظم مقاصد السورة الماضية المجادلة في أمر عيسى، وأن مثله كمثل آدم ~~عليهما الصلاة والسلام، وكانت حقيقة حاله أنه ذكر يولد من أنثى فقط بلا ~~واسطة ذكر؛ بين في هذه السورة بقوله - عطفا على ما تقديره جوابا لمن ~~كأنه قال: كيف كان ذلك؟ - إنشاء تلك النفس، أو تكون الجملة حالية - { ~~وخلق منها زوجها } أي مثله في ذلك أيضا كمثل حواء: أمه, فإنها أنثى ~~تولدت من ذكر بلا واسطة أنثى, فصار مثله كمثل كل من أبيه وأمه: آدم وحواء ~~معا عليهما الصلاة والسلام، وصار الإعلام بخلق آدم وزوجه وعيسى عليهم ~~الصلاة والسلام - المندرج تحت آية بعضكم من بعض مع آية البث التي بعد هذه ~~- حاصرا للقسمة الرباعية العقلية التي لا مزيد عليها، وهي بشر لا من ذكر ~~ولا أنثى، بشر منهما، بشر من ذكر فقط، بشر من أنثى فقط؛ ولذلك عبر في هذه ~~السورة بالخلق، وعبر عن غيرها بالجعل، لخلو السياق عن هذا الغرض، ويؤيد ~~هذا أنه قال تعالى في أمر يحيى عليه الصلاة والسلام # كذلك الله يفعل ما يشاء # [آل عمران: 40] وفي أمر عيسى عليه الصلاة والسلام # يخلق ما يشاء # [آل عمران: 47]، وأيضا فالسياق هنا للترهيب الموجب للتقوى، فكان بالخلق ~~الذي هو أعظم في إظهار الاقتداء - لأنه اختراع الأسباب وترتيب المسببات ~~عليها - أحق من الجعل الذي هو ترتيب المسببات على أسبابها وإن لم يكن ~~اختراع - فسبحان العزيز العليم العظيم الحكيم!. # ولما ذكر تعالى الإنشاء عبر بلفظ الرب الذي هو من التربية، ولما كان ~~الكل - المشار إليه بقوله تعالى عطفا على ما تقديره: وبث لكم منه إليها: ~~{ وبث منهما } أي فرق ونشر من التوالد، ولما كان المبثوث قبل ذلك عدما ~~وهو الذي أوجده من العدم نكر لإفهام ذلك قوله: { رجالا كثيرا ونساء } ~~من نفس واحدة؛ كان إحسان ms0859 كل من الناس إلى كل منهم من صلة الرحم، ووصف ~~الرجال دونهن مع أنهن أكثر منهم إشارة إلى أن لهم عليهن درجة، فهم أقوى ~~وأظهر وأطيب وأظهر في رأي العين لما لهم من الانتشار وللنساء من الاختفاء ~~والاستتار. # ولما كان قد أمر سبحانه وتعالى أول الآية بتقواه مشيرا إلى أنه جدير ~~بذلك منهم لكونه ربهم، عطف على ذلك الأمر أمرا آخر مشيرا إلى أنه يستحق ~~ذلك لذاته لكونه الحاوي لجميع الكمال المنزه عن كل شائبة نقص فقال: { ~~واتقوا الله } أي عموما لما له من إحاطة الأوصاف كما اتقيتموه خصوصا ~~لما له إليكم من الإحسان والتربية، واحذروه وراقبوه في أن تقطعوا أرحامكم ~~التي جعلها سببا لتربيتكم. # ولما كان المقصود من هذه السورة المواصلة وصف نفسه المقدسة بما يشير إلى ~~ذلك فقال: { الذين تساءلون } أي يسأل بعضكم بعضا { به } فإنه لا يسأل ~~باسمه الشريف المقدس إلا الرحمة والبر والعطف، ثم زاد المقصود إيضاحا ~~فقال: { والأرحام } أي واتقوا قطيعة الأرحام التي تساءلون بها، فإنكم ~~تقولون: ناشدتك بالله والرحم! وعلل هذا الأمر بتخويفهم عواقب بطشه، لأنه ~~مطلع على سرهم وعلنهم مع ما له من القدرة الشاملة. فقال مؤكدا لأن أفعال ~~الناس في ترك التقوى وقطيعة الأرحام أفعال من يشك في أنه بعين الله ~~سبحانه: { إن الله } أي المحيط علما وقدرة { كان عليكم } وفي أداة ~~الاستعلاء ضرب من التهديد { رقيبا * } وخفض حمزة " الأرحام " المقسم بها ~~تعظيما لها وتأكيدا للتنبيه على أنهم قد نسوا الله في الوفاء بحقوقها - ~~كما أقسم بالنجم والتين وغيرهما، والقراءاتان مؤذنتان بأن صلة الأرحام من ~~الله بمكان عظيم، حيث قرنها باسمه سواء كان عطفا كما شرحته آية # وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه # [الإسراء: 23]، وغيرها - أو كان قسما، واتفق المسلمون على أن صلى الرحم ~~واجبة، وأحقهم بالصلة الولد، وأول صلته أن يختار له الموضع الحلال. # ولما بان من هذا تعظيمه لصلة الرحم بجعلها في سياق ذكره سبحانه وتعالى ~~المعبر عنه باسمه الأعظم - كما فعل نحو ذلك في غير آية، وكان قد ms0860 تقدم في ~~السورة الماضية ذكر قصة أحد التي انكشفت عن أيتام، ثم ذكر في قوله تعالى: # كل نفس ذائقة الموت # [آل عمران: 185]، أن الموت مشرع لا بد لكل نفس من وروده؛ علم أنه له بد ~~من وجود الأيتام في كل وقت، فدعا إلى العفة والعدل فيهم لأنهم بعد ~~الأرحام أولى من يتقى الله فيه ويخشى مراقبته بسببه فقال: { وآتوا ~~اليتامى } أي الضعفاء الذين انفردوا عن آبائهم، وأصل اليتيم الانفراد { ~~أموالهم } أي هيئوها بحسن التصرف فيها لأن تؤتوهم إياها بعد البلوغ - كما ~~يأتي، أو يكون الإيتاء حقيقة واليتم باعتبار ما كان. # أو باعتبار الاسم اللغوي وهو مطلق الانفراد، وما أبدع إيلاءها للآية ~~الآمرة بعد عموم تقوى الله بخصوصها في صلة الرحم المختتمة بصفة الرقيب! ~~لما لا يخفى من أنه لا حامل على العدل في الأيتام إلا المراقبة، لأنه لا ~~ناصر لهم، وقد يكونون ذوي رحم. # ولما أمر بالعفة في أموالهم أتبعه تقبيح الشره الحامل للغافل على لزوم ~~المأمور به فقال: { ولا تتبدلوا } أي تكلفوا أنفسكم أن تأخذوا على وجه ~~البدلية { الخبيث } أي من الخباثة التي لا أخبث منها، لأنها تذهب ~~بالمقصود من الإنسان، فتهدم - جميع أمره { بالطيب } أي الذي هو كل أمر ~~يحمل على معالي الأخلاق الصائنة للعرض، المعلية لقدر الإنسان؛ ثم بعد هذا ~~النهي العام نوه بالنهي عن نوع منه خاص، فقال معبرا بالأكل الذي كانت ~~العرب تذم بالإكثار منه ولو أنه حلال طيب، فكيف إذا كان حراما ومن مال ~~ضعيف مع الغنى عنه: { ولا تأكلوا أموالهم } أي تنتفعوا بها أي انتفاع ~~كان، مجموعة { إلى أموالكم } شرها وحرصا وحبا في الزيادة من الدنيا ~~التي علمتم شؤمها وما أثرت من الخذلان في آل عمران، وعبر بإلى إشارة إلى ~~تضمين الأكل معنى الضم تنبيها على أنها متى ضمت إلى مال الولي أكل منها ~~فوقع في النهي، فحض بذلك على تركها محفوظة على حيالها؛ ثم علل ذلك بقوله: ~~{ إنه } أي الأول { كان حوبا } أي إثما وهلاكا { كبيرا * }. ### || [4.3] # ولما كان تعالى قد أجرى ms0861 سنة الإلهية في أنه لا بد في التناسل من توسط ~~النكاح إلا ما كان من آدم وحواء وعيسى عليهم الصلاة والسلام، وكانوا قد ~~أمروا بالعدل في أموال اليتامى، وكانوا يلون أمور يتاماهم، وكانوا ربما ~~نكحوا من في حجورهم منهن، فكان ربما أوقفهم هذا التحذير من أموالهم عن ~~النكاح خوفا من التقصير في حق من حقوقهن أتبعه تعالى عطفا على ما ~~تقديره: فإن وثقتم من أنفسكم بالعدل فخالطوهم بالنكاح وغيره: { وإن خفتم ~~} فعبر بأداة الشك حثا على الورع { ألا تقسطوا } أي تعدلوا { في اليتامى ~~} ووثقتم من أنفسكم بالعدل في غيرهن { فانكحوا }. # ولما كانت النساء ناقصات عقلا ودينا، عبر عنهن بأداة ما لا يعقل إشارة ~~إلى الرفق بهن والتجاوز عنهن فقال: { ما } ولما أفاد أنكحوا الإذن ~~المتضمن للحل، حمل الطيب على اللذيذ المنفك عن النهي السابق ليكون الكلام ~~عاما مخصوصا بما يأتي من آية المحرمات من النساء - ولا يحمل الطيب على ~~الحل لئلا يؤدي - مع كونه تكرارا - إلى أن يكون الكلام مجملا - لأن ~~الحل لم يتقدم علمه، والحمل على العام المخصوص أولى، لأنه حجة في غير محل ~~التخصيص، والمجمل ليس بحجة أصلا - أفاده الإمام الرازي؛ فقال تعالى: { ~~طاب } أي زال عنه حرج النهي السابق ولذ، وأتبعه قيدا لا بد منه بقوله: ~~{ لكم } وصرح بما علم التزاما فقال: { من النساء } أي من غيرهن { مثنى ~~وثلاث ورباع } أي حال كون هذا المأذون في نكاحه موزعا هكذا: ثنتين ~~ثنتين وثلاثا ثلاثا وأربعا أربعا لكل واحد، وهذا الحكم عرف من العطف ~~بالواو، ولو كان بأو لما أفاد التزوج إلا على أحد هذه الوجوه الثلاثة، ~~ولم يفد التخيير المفيد للجمع بينها على سبيل التوزيع، وهذا دليل واضح ~~على أن النساء أضعاف الرجال، وروى البخاري في التفسير " عن عروة ابن ~~الزبير أنه سأل عائشة رضي الله عنها عن قوله تعالى: { وإن خفتم ألا ~~تقسطوا في اليتامى } [النساء: 3]، فقالت: يا ابن أختي! هذه اليتيمة تكون ~~في حجر وليها، تشركه في ماله، ويعجبه مالها وجمالها، فيريد وليها أن ~~يتزوجها بغير ms0862 أن يقسط في صداقها فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا عن ~~ذلك أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن ويبلغوا لهن أعلى سنتهن في الصداق، ~~فأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن قال عروة: قالت عائشة: وإن ~~الناس استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية، فأنزل الله ~~عز وجل # ويستفتونك في النساء # [النساء: 127] قالت عائشة: وقول الله عز وجل في آية أخرى # وترغبون أن تنكحوهن # [النساء: 127] رغبة أحدكم عن يتيمته حين تكون قليلة المال والجمال، ~~قالت: فنهوا أن ينكحوا من رغبوا في ماله وجماله في يتامى النساء إلا ~~بالقسط، من أجل رغبتهم عنهم إذا كن قليلات المال والجمال " وفي رواية " ~~في النكاح " ، فكما يتركونها حين يرغبون عنها فليس لهم أن ينكحوها إذا ~~رغبوا فيها إلا أن يقسطوا لها ويعطوها حقها الأوفى في الصداق؛ وهذا ~~الخطاب للأحرار دون العبيد، لأن العبد لا يستقل بنكاح ما طاب له، بل لا ~~بد من إذن السيد. # ولما كان النساء كالتيامى في الضعف قال مسببا عن الإذن في النكاح: { ~~فإن خفتم ألا تعدلوا } أي في الجمع { فواحدة } أي فانكحوها، لأن الاقتصار ~~عليها أقرب إلى العدل, لأنه ليس معها من يقسم له فيجب العدل بينها وبينه, ~~ولما كان حسن العشرة المؤدي إلى العدل دائرا على اطراح النفس، وكان ~~الإماء - لكسرهن بالغربة وعدم الأهل - أقرب إلى حسن العشرة سوى بين ~~العدد منهم إلى غير نهاية وبين الواحدة من الحرائر فقيل: { أو ما } أي ~~انكحوا ما { ملكت أيمانكم } فإنه لا قسم بينهن، وذكر ملك اليمين يدل ~~أيضا على أن الخطاب من أوله خاص بالأحرار { ذلك } أي نكاح غير التيامى ~~والتقلل من الحرائر والاقتصار على الإماء { أدنى } أي أقرب إلى { ألا ~~تعولوا * } أي تميلوا بالجور عن منهاج القسط وهو الوزن المستقيم، أو تكثر ~~عيالكم، أما عند الواحدة فواضح، وأما عند الإماء فالبعزل، وعدم احتياج ~~الرجل معهن لخادم له أو لهن، والبيع لمن أراد منهن، وأمرهن بالاكتساب، أو ~~تحتاجوا فتظلموا بعض النساء، أو تأكلوا أموال التيامى؛ ms0863 وكل معنى من هذه ~~راجع إلى لازم لمعنى المادة الذي مدارها عليه، لأن مادة " علا " - واوية ~~بجميع تقاليبها الست: علو، عول، لوع، لعو، وعل، ولع؛ ويائية بتركيبيها: ~~ليع، عيل تدور على الارتفاع، ويلزمه الزيادة والميل، فمن الارتفاع: العلو ~~والوعل والولع، ومن الميل والزيادة: العول، وبقية المادة يائية وواوية ~~إما للإزالة، وإما لأحد هذه المعاني - على ما يأتي بيانه؛ فعلا يعلو: ~~ارتفع، والعالية: الفتاة القويمة - لأ،ها تكون أرفع مما ساواها وهو معوج، ~~والعالية من محال الحجاز - لإشرافها على ما حولها، وكذا العوالي - لقرى ~~بظاهر المدينة الشريفة - لأنها في المكان العالي الذي يجري ماؤه إلى ~~غيره، والمعلاة: كسب الشرف، ومقبرة مكة بالحجون - لأنها في أعلى مكة ~~وماؤها يصوب إلى ما دونه، وفلان من علية الناس، أي أشرافهم، والعلية ~~بالتشديد: الغرفة، وعلى حرف الاستعلاء، وتعلت المرأة من نفاسها، أي طهرت ~~وشفيت - لأنها كانت في سفول من الحال، والعلاوة: رأس الجبل وعنقه، وما ~~يحمل على البعير بين العدلين، ومن كل شيء: ما زاد عليه، والمعلى: القدح ~~السابع من الميسر - لأنه الغاية في القداح الفائزة، لأن القداح عشرة: ~~السبعة الأولى منها فائزة، والثلاثة الأخيرة مهملة لا أنصباء لها، وعلوان ~~الكتاب: عنوانه وارتفاعه على بقية الكتاب واضح، والعليان: الطويل والضخم، ~~والناقة المشرفة، ومن الأصوات: الجهيرة، والعلاة: السندان، والعلياء: رأس ~~كل جبل مشرف، والسماء، والمكان العالي، وكل ما علا من شيء، وعليك زيدا: ~~الزمه - لأنه يلزم من ملازمته له العلو على أمره، وعلا النهار: ارتفع, ~~وعلا الدابة: ركبها, وأعلى عنها: نزل - كأنه من الإزالة, وكذا على ~~المتاع عن الدابة تعلية: أنزله، وأعليت عن الوسادة وعاليت: ارتفعت ~~وتنحيت، ورجل عالي الكعب: شريف، وعلى الكتاب تعلية: عنونه كعلونه، ~~وعالوا نعيه: أظهروه، والعلي: الشديد القوي، وعليون في السماء السابعة، ~~وأخذه علوا: عنوة، والتعالي: الاتفاع، إذا أمرت منه قلت: تعال - بفتح ~~اللام، ولها: تعالي - بفتح اللام، - ولو كنت في موضع أسفل من موضع ~~المأمور، لأنه يحتاج إلى تطاول مهما كان بينك وبينه مسافة، ولأن الآمر ~~أعلى من المأمور رتبة فموضعه كذلك، ms0864 وتعلى: علا في مهلة، والمعتلي: الأسد؛ ~~واللعو: السيء الخلق، والفسل، والشره الحريص، واللاعي: الذي يفزعه أدنى ~~شيء، إما لأنه وصل إلى الغاية في السفول فتسنم أعلاها حتى رضي لنفسه هذه ~~الأخلاق، وإما لأنه من باب الإزالة، أو التسمية بالضد، وذئبة لعوة وامرأة ~~لعوة، أي حريصة، واللعوة: السواد بين حلمتي الثدي، إما لأن ذلك أعلاه، ~~وإما لعلو لون السواد على لون الثدي، والألعاء: السلاميات، والسلامى عظم ~~يكون في فرسن البعير، وعظام الصغار في اليد والرجل، وذلك لأن العظام أعلى ~~ما في الجسد في القوة والشدة والصلابة، وهي أعظم قوامه؛ واللاعية: شجيرة ~~في سفح الجبل، لها نور أصفر، ولها لبن، وإذا ألقي منه شيء في غدير السمك ~~أطفاها، أي جعلها طافية أي عالية على وجه الماء، سميت بذلك إما من باب ~~الإزلاة نظرا إلى محل بيتها، وإما لأن ريحها يعلو كل ما خالطه ويكسبه ~~طعمها, وإما لفعلها هذا في السمك, وتلعى العسل: تعقد وزنا ومعنى - إما ~~من اللاعية لأنها كثيرة العقد، وإما من لازم العلو: القوة والشدة، ولعا ~~لك - يقال عند العثرة، أي أنعشك الله؛ والعول: ارتفاع الحساب في الفرائض، ~~والعول: الميل، وقدم تقدم أنه لازم للعلو، والعول: كل ما أمر غلبك، كأنه ~~علا عنك فلم تقدر على نيله, والمستعان به - لأنه لا يتوصل به إلى المقصود ~~إلا وفيه علو، وقوت العيال - لأنه سبب علوهم، وعول عليه معولا: اتكل ~~واعتمد، والاسم كعنب، وعيل ككيس، وعال: جار والميزان: نقص أو زاد، ~~فالزيادة من الارتفاع، والنقص من لازم الميل، وعالت الفريضة: ارتفعت أي ~~زادت سهامها فدخل النقصان على أهل الفرائض، قال أبو عبيد: أظنه مأخوذا ~~من الميل، وعال أمرهم: اشتد وتفاقم، وعال فلان عولا وعيالا: كثر عياله، ~~كأعول وأعيل، ورجل معيل ومعيل ذو عيال، وأعال الرجل وأعول - إذا حرص، ~~إما مما تقدم تخريجه، وإما لأنه لازم لذي العيال، وعال عليه: حمل، أي رفع ~~عليه الحمول كعول، وفلان: حرص، والفرس، صوتت، وأعولت المرأة: رفعت صوتها ~~بالبكاء، وعيل عوله: ثكلته أمه - لما يقع من صياحها، وعيل ms0865 ما هو عائله: ~~غلب ما هو غالبه، يضرب لمن يعجب من كلامه ونحوه لأنه لا يكون كذلك إلا ~~وقد خرج عن أمثاله علوا، وقد يكون بسفول، فيكون من التسمية بالضد، ~~والعالة: النعامة لأنها أطول الطير، وما له عال ولا مال: شيء ح لأن ذلك ~~غاية في السفول إن كان عجزا، وفي العلو إن كان زهدا، ويقال للعاثر: ~~عالك عاليا. # كقولهم: لعا لك، والمعول: حديدة تنفر بها الجبال - من القوة اللازمة ~~للعلو، والعالة، شبه الظلة يستر بها من المطر؛ واللوعة: حرقة توجد من ~~الحزن أو الحب أو المرض أو الهم - لأنها تعلو الإنسان، ولاعه الحب: ~~أمرضه، وأتان لاعة الفؤاد إلى جحشها - كأنها ولهى فزعا، ولاع يلاع: جزع ~~أو مرض ورجل هاع لاع: جبان جزوع، أو حريص، أو سيىء الخلق - لما علاه من ~~هذه الأخلاق المنافية للعقل وغلبه منها، ولاعته الشمس: غيرت لونه واللاعة ~~أيضا: الحديدة الفؤاد الشهمة - لأنه يعلوا غيره، وامرأة لاعة: التي ~~تغازلك ولا تمكنك - لما لها في ذلك من الغلبة والعلو على القلوب؛ والوعل: ~~تيس الجبل، والشريف، والملجأ، والوعلة: الموضع المنيع من الجبل، أو صخرة ~~مشرفة منه، وهم علينا وعل واحد: مجتمعون، وما لك عن ذلك وعل، أي بد - إنه ~~لولا علوه عليك ما اضطررت إليه, والوعل: اسم شوال - كأنه لما له من العلو ~~بالعيد والحج، والوعل ككتف: اسم شعبان ح لما له من العلو بتوسطه بين رجب ~~وشوال، والوعلة أيضا: عروة القميص والزير زره والقدح والإبريق الذي يعلق ~~بها فيعلو، ووعال كغراب: حصن باليمن، والمستوعل - بفتح العين: حرز الوعل، ~~ووعل كوعد: أشرف، وتوعلت الجبل: علوته؛ وأولع فلان بكذا، أو ولع بالكسر: ~~استخف، أي صار عاليا عليه غالبا له إطاقته حمله، وولع بحقه: ذهب، وولع ~~بالفتح - إذا كذب، إما للإزالة وإما لأنه استخفه الكذب فحمله، وولع والع ~~- مبالغة، أي كذب عظيم والمولع: الذي فيه لمع من ألوان - كأنه علا على ~~تلك الألوان، أو غلب تلك الألوان أصل لونه، وعبارة القاموس: والتوليع: ~~استطالة البلق، يقال برذون وثور مولع - كمعظم، والوليع: ms0866 الطلع ما دام في ~~قيقائه، أي وعائه. وهو قشرة الطلع لعلوه، وما أدري ما ولعه - بالفتح أي ~~حبسه، إما للإزالة، لإنه لما منعه كان كأنه أزال علوه، وإما لأنه علا ~~عليه، وأولعه به، أي أغراه، أي حمله عليه؛ والعيلة: الحاجة، وعال يعيل - ~~إذا افتقر، وذلك إما من الإزالة، أو لأن الحاجة علته، أو لأنها ميل، ~~وعالني الشيء: أعجزني، وعيل صبري: قل وضعف أي علاه من الأمر ما أضعفه، ~~وعلت الضالة: لم أدر أين أبغيها، والمعيل: الأسد والنمر والذئب - لأنه ~~يعيل صيدا أي يلتمس, فهو يرجع إلى العلو والقدرة على الطلب، وعالني ~~الشيء: أعوزني - إما أزال علوي، أو علا عني، وعال في مشيه: تمايل واختال ~~وتبختر - لأنه لا يفعله إلا عال في نفسه مع أنه كله من الميل، وعال في ~~الأرض: ذهب أي علا عليها مشيا، والذكر من الضباع عيلان، والعيل محركة: ~~عرضك حديثك وكلامك على من لا يريده وليس من شأنه - كأنه لم يهتد لمن ~~يريده فعرضه على من لا يريده، فهو يرجع إلى الحاجة المزيلة للعلو؛ وليعة ~~الجوع - بالفتح: حرقته - كما تقدم في اللوعة، ولعت - بالكسر: ضجرت، كأنه ~~من الإزالة، أو أن العلو للأمر المتضجر منه، والملياع - علاها، والملياع: ~~التي تقدم الإبل سابقة ثم ترجع إليها، وريح لياع - بالكسر: شديدة، وقد ~~وضح بذلك صحة ما فسر به إمامنا الشافعي صريحا ومطابقة - كما تقدم، وشهد ~~له العول في الحساب والسهام، وهو كثرتها، وظهر تحامل من رد ذلك وقال: إنه ~~لا يقال في كثرة العيال إلا: عال يعيل، وكم من عائب قولا صحيحا! وكيف لا ~~وهو من الأئمة المحتج بأقوالهم في اللغة، وقد وافقه غيره وشهد لقوله ~~الحديث الصحيح؛ قال الإمام يحيى بن أبي الخير العمراني الشافعي في كتابه ~~البيان: { ألا تعولوا } قال الشافعي: معناه أن لا تكثر عيالكم ومن ~~تمونونه، وقيل: إن أكثر السلف قالوا: المعنى أن لا تجوروا، يقال: عال ~~يعول - إذا جار وأعال يعيل - إذا كثر عياله؛ إلا زيد بن أسلم فإنه قال: ~~معناه أن لا تكثر عيالكم، ms0867 وقول النبي صلى الله عليه وسلم يشهد لذلك، قال: # " ابدأ بنفسك ثم بمن تعول " # انتهى. # وهذا الحديث أخرجه الشيخان وغيرهما عن حكيم بن حزام عن أبي هريرة رضي ~~الله عنهما بلفظ # " أفضل الصدقة ما كان عن ظهر غنى، واليد العليا خير من اليد السفلى، ~~وابدأ بمن تعول " # وفي الباب أيضا عن عمران بن حصين وأبي رمثة البلوي وأبي أمامة رضي الله ~~عنهم، وأثر زيد بن أسلم رواه الدارقطني والبيهقي من طريق سعيد بن أبي ~~هلال عنه، قال: # " ذلك أدنى أن لا يكثر من يعولونه " # أفاده شيخنا ابن حجر في تخريج أحاديث الرافعي وقال الإمام: إن تفسير ~~الشافعي هو تفسير الجماعة، عبر عنه بالكناية وهي ذكر الكثرة، وأراد الميل ~~لكون الكثرة، لا تنفك عنه، وقال ابن الزبير: لما تضمنت سورة البقرة ~~ابتداء الخلق وإيجاد آدم عليه الصلاة والسلام من غير أب ولا أم، وأعقبت ~~بسورة آل عمران لتضمنها - مع ذكر في صدرها - أمر عيسى عليه الصلاة ~~والسلام، وأنه كمثل آدم عليه الصلاة والسلام في عدم الافتقار إلى أب، ~~وعلم الموقنون من ذلك أنه تعالى لو شاء لكانت سنة فيمن بعد آدم عليه ~~الصلاة والسلام، فكأن سائر الحيوان لا يتوقف إلا على أم فقط؛ أعلم سبحانه ~~أن من عدا المذكورين عليهما الصلاة والسلام من ذرية آدم سبيلهم سبيل ~~الأبوين فقال تعالى: { يا أيها الناس اتقوا ربكم } إلى قوله: { وبث منهما ~~رجالا كثيرا ونساء } ثم أعلم تعالى كيفية النكاح المجعول سببا في ~~التناسل وما يتعلق به، وبين حكام الأرحام والمواريث فتضمنت السورة ابتداء ~~الأمر وانتهاءه، فأعلمنا بكيفية التناكح وصورة الاعتصام واحترام بعضنا ~~لبعض وكيفية تناول الإصلاح فيما بين الزوجين عند التشاجر والشقاق، وبين ~~لنا ما ينكح وما أبيح من العدد وحكم من لم يجد الطول وما يتعلق بهذا إلى ~~المواريث، فصل ذلك كله إلا الطلاق. # لأن أحكامه تقدمت، ولأن بناء هذه السورة على التواصل والائتلاف ورعي ~~حقوق ذوي الأرحام وحفظ ذلك كله إلى حالة الموت المكتوب علينا، وناسب هذا ~~المقصود من التواصل والألفة ms0868 ما افتتحت به السورة من قوله تعالى: # الذي خلقكم من نفس واحدة # [النساء: 1]، فافتتحها بالالتئام والوصلة ولهذا خصت من حكم تشاجر ~~الزوجين بالإعلام بصورة الإصلاح والمعدلة إبقاء لذلك التواصل فلم يكن ~~الطلاق ليناسب هذا، فلم يقع له هنا ذكر إلا إيماء # وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته # [النساء: 13] ولكثرة ما يعرض من رعي حظوظ النفوس عند الزوجية ومع ~~القرابة - ويدق ذلك ويغمض - تكرر كثيرا في هذه السورة الأمر بالاتقاء، ~~وبه افتتحت # اتقوا ربكم # [النساء: 1]، # واتقوا الله الذي تسآءلون به والأرحام # [النساء: 1]، # ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله # [النساء: 131]، ثم حذروا من حال من صمم على الكفر وحال اليهود والنصارى ~~والمنافقين وذوي التقلب في الأديان بعد أذن اليقين، وكل ذلك تأكيد لما ~~أمروا به من الاتقاء، والتحمت الآيات إلى الختم بالكلالة من المواريث ~~المتقدمة - انتهى. ### || [4.4-6] # ولما حذروا من القول الذي من مدلوله المحاجة عن كثرة النساء؛ كان ربما ~~تعلق به من يبخل عن بعض الحقوق، لا سيما ما يستكثره من الصداق، فأتبعه ما ~~ينفي ذلك، فقال - مخاطبا للأزواج، لأن السياق لهم، معبرا بما يصلح ~~للدفع والالتزام المهيىء له: { وآتوا النساء } أي عامة من اليتامى وغيرهن ~~{ صدقاتهن } ، وقوله مؤكدا للإيتاء بمصدر من معناه: { نحلة } مؤيد لذلك، ~~لأن معناها: عطية عن طيب نفس؛ قال الإمام أبو عبد الله القزاز في ديوانه: ~~وأصله - أي النحل: إعطاء الشيء لا يراد به عوض وكذا إن قلنا: معنى النحلة ~~الديانة والملة والشرعة والمذهب، أي آتوهن ذلك ديانة. # ولما وقع الأمر بذلك كان ربما أبى المتخلق بالإسلام قبول ما تسمح به ~~المرأة منه بإبراء أو رد على سبيل الهبة - لظنه أن ذلك لا يجوز أو غير ~~ذلك فقال: { فإن طبن لكم } أي متجاوزات { عن شيء } ووحد الضمير ليرجع ~~إلى الصداق المفهوم من الصدقات، ولم يقل: منها، لئلا يظن أن الموهوب لا ~~يجوز إلا إن كان صداقا كاملا فقال: { منه } أي الصداق { نفسا } أي عن ~~شهوة صادقة من غير إكراه ولا خديعة ms0869 { فكلوه } أي تصرفوا فيه بكل تصرف ~~يخصكم { هنيئا } أي سائغا صالحا لذيذا في عافية بلا مشقة ولا مضرة { ~~مريئا * } أي جيد المغبة بهجا سارا، لا تنغيص فيه، وربما كان التبعيض ~~ندبا إلى التعفف عن قبول الكل، لأنه في الغالب لا يكون إلا عن خداع أو ~~ضجر فربما أعقب الندم، وهذا الكلام يدل أيضا على تخصيص الأحرار دون ~~العبيد، لأنهم لا يملكون ماجعلته النساء لهم ليأكلوه هنيئا. قال ~~الأصبهاني: فإن وهبت له ثم طلبت منه بعد الهبة علم أنها لم تطب نفسها، ~~وعن الشعبي ان رجلا أتى مع امرأته شريحا في عطية أعطتها إياه وهي تطلب ~~أن ترجع، فقال شريح: رد عليها، فقال الرجل: أليس قد قال الله تعالى: { ~~فإن طبن لكم } [النساء: 4] قال: لو طابت نفسها لما رجعت فيه؛ وعنه قال: ~~أقيلها فيما وهبت ولا أقيله، لأنهن يخدعن. # ولما أمر بدفع أموال اليتامى والنساء إليهم، ونهى عن أكل شيء منها ~~تزهيدا في المال واستهانة به، وكان في النساء والمحاجير من الأيتام ~~وغيرهم سفهاء، وأمر بالاقتصاد في المعيشة حذرا من الظلم والحاجة نهى عن ~~التبذير، وقد حث سبحانه على حسن رعاية المال في غير آية من كتابه لأنه " ~~نعم المال الصالح للرجل الصالح " رواه أحمد وابن منيع عن عمرو بن العاص ~~رفعه؛ لأن الإنسان ما لم يكن فارغ البال لا يمكنه القيام بتحصيل ما يهمه ~~من الدنيا، وما لم يتمكن من تحصيل ما يهمه من الدنيا لا يمكنه أمر ~~الآخرة، ولا يكون فارغ البال إلا بواسطة ما يكفيه من المال - لأنه لا ~~يتمكن في هذه الدار التي مبناها على الأسباب من جلب المنافع ودفع المضار ~~إلا به، فمن أراده لهذا الغرض كان من أعظم الأسباب المعينة له على اكتساب ~~سعادة الآخرين، ومن أراد لنفسه كان من أعظم المعوقات عن سعادة الآخرة ~~فقال تعالى: { ولا تؤتوا } أيها الأزواج والأولياء { السفهاء } أي من ~~محاجيركم ونسائكم وغيرهم { أموالكم } أي الأموال التي خلقها الله لعباده ~~سواء كانت مختصة بكم أو بهم، ولكم بها علقة بولاية ms0870 أو غيرها، فإنه يجب ~~عليكم حفظها { التي جعل الله } أي الذي له الإحاطة بالعلم الشامل والقدرة ~~التامة { لكم قياما } أي ملاكا وعمادا تقوم بها أحوالكم، فيكون ذلك ~~سببا لضياعها، فضياعها سبب لضياعكم، فهو من تسمية السبب باسم المسبب ~~للمبالغة، في سببيته { وارزقوهم } متجرين { فيها } وعبر بالظرف إشارة إلى ~~الاقتصاد واستثمار الأموال حتى لا تزال موضعا للفضل، حتى تكون النفقة ~~والكسوة من الربح لا من رأس المال { واكسوهم } أي فإن ذلك ليس من المنهي ~~عنه، بل هو من معالي الأخلاق ومحاسن الأعمال { وقولوا لهم } أي مع ذلك { ~~قولا معروفا * } أي في الشرع والعقل كالعدة الحسنة ونحوها، وكل ما سكنت ~~إليه النفس وأحبته من قول أو عمل وليس مخالفا للشرع فهو معروف، فإن ذلك ~~ربما كان أنفع في كثير من الإعطاء وأقطع للشر؛ والحجر على السفيه مندرج ~~في هذه الآية، لأن ترك الحجر عليه من الإيتاء المنهي عنه. # ولما نهى عن ذلك البذل للسفهاء أيتاما كانا أو غيرهم، بين أنه ليس ~~دائما بل ما دام السفه قائما، فمست الحاجة إلى التعريف بمن يعطي ومن ~~يمنع وكيف عند الدفع، ولما كان السفه أمرا باطنا لا يعرف إلا بالتصرف ~~ولا سيما في المال؛ بدأ سبحانه بتعليم ما يتوصلون به إلى معرفته فقال ~~مصرحا بالأيتام اهتماما بأمرهم: { وابتلوا اليتامى } أي اختبروهم في ~~أمر الرشد في الدين والمال في مدة مراهقتهم واجعلوا ذلك دأبكم { حتى إذا ~~بلغوا النكاح } أي وقت الحاجة إليه بالاحتلام أو السن { فإن آنستم } أي ~~علمتم علما أنتم في عظيم تيقنه كأنكم تبصرونه على وجه تحبونه وتطيب ~~أنفسكم به { منهم } أي عند بلوغه { رشدا } أي بذلك التصرف، ونكره لأن ~~وجود كمال الرشد في أحد يعز وقوعه { فادفعوا إليهم أموالهم } أي لزوال ~~الحاجة إلى الحجر بخوف التبذير، وأضافها إليهم بعد إضافتها أولا إلى ~~المعطين إشارة إلى أنه لا يستحقها إلا من يحسن التصرف فيها. # ولما كان الإنسان مجبولا على نقائص منها الطمع وعدم الشبع لا سيما إذا ~~خالط، لا سيما إن حصل له إذن ms0871 ما؛ أدبه سبحانه بقوله: { ولا تأكلوها } أي ~~بعلة استحقاقكم لذلك بالعمل فيها { إسرافا } أي مسرفين بالخروج عن القصد ~~في التصرف ووضع الشيء في غير موضعه وإغفال العدل والشفقة { وبدارا } أي ~~مبادرين { أن يكبروا } أي فيأخذوها منكم عند كبرهم فيفوتكم الانتفاع بها، ~~وكأنه عطف بالواو الدالة على تمكن الوصف وتمامه إشارة إلى عدم المؤاخذة ~~بما يعجز عنه الإنسان المجبول على النقصان مما يجري في الأفعال مجرى ~~الوسوسة في الأقوال # " ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه ". # ولما أشعر النهي عن أكل الكل بأن لهم في الأكل في الجملة علة مقبولة، ~~أفصح به في قوله: { ومن كان } أي منكم أيها الأولياء { غنيا فليستعفف } ~~أي يطلب العفة ويوجدها ويظهرها عن الأكل منها جملة، فيعف عنه بما بسط ~~الله له من رزقه { ومن كان فقيرا } وهو يتعهد مال اليتيم لإصلاحه، ولما ~~كان يخشى من امتناعه من الأكل منه التفريط فيه بالاشتغال بما يهمه في ~~نفسه، أخرج الكلام في صيغة الأمر فقال معبرا بالأكل لأنه معظم المقصود: ~~{ فليأكل بالمعروف } أي بقدر أجرة سعيه. # ولما كان ذلك ربما أفهم الأمان إلى الرشد بكل اعتبار، أمر بالحزم - كما ~~في الطبراني الأوسط عن أنس " احترسوا من الناس بسوء الظن " - فقال: { ~~فإذا دفعتم إليهم } أي اليتامى { أموالهم } أي التي كانت تحت أيديكم ~~لعجزهم عن حفظها { فأشهدوا عليهم } أي احتياطا لأن الأحوال تتبدل، ~~والرشد يتفاوت، فالإشهاد أقطع للشر، وأنفع في كل أمر، والأمر بالإشهاد ~~أزجر للولي عن الخيانة، لأن من عرف أنه لا يقبل عند الخصام إلا ببينة عف ~~غاية العفة، واحترز غاية الاحتراز. # ولما كانت الأموال مظنة لميل النفوس، وكان الحب للشيء يعمي ويصم؛ ختم ~~الآية بقوله: { وكفى بالله } أي الذي له الحكمة البالغة والقدرة الباهرة ~~والعظمة التي لا مثل لها، والباء في مثل هذا تأكيد لأن ما قرنت به هو ~~الفاعل حقيقة لا مجازا - كما إذا أمرنا بالفعل مثلا { حسيبا * } أي ~~محاسبا بليغا في الحساب، فهو أبلغ تحذيرا لهم وللأيتام من الخيانة ~~والتعدي ومد العين إلى حق الغير. ### || [4.7-8] ms0872 # ولما ذكر أموال اليتامى على حسب ما دعت إليه الحاجة واقتضاه التناسب إلى ~~أن ختم بهذه الآية، كان كأن سائلا سأل: من أين تكون أموالهم؛ فبين ذلك ~~بطريق الإجمال بقوله تعالى: { للرجال } أي الذكور من أولاد الميت ~~وأقربائه، ولعله عبر بذلك دون الذكور لأنهم كانوا لا يورثون الصغار، ~~ويخصون الإرث بما عمر الديار، فنبه سبحانه على أن العلة النطفة { نصيب } ~~أي منهم معلوم { مما ترك الوالدان والأقربون }. # ولما كانوا لا يورثون النساء قال: { وللنساء نصيب } ولقصد التصريح ~~للتأكيد قال موضع " مما تركوا ": { مما ترك الوالدان والأقربون } مشيرا ~~إلى أنه لا فرق بينهن وبين الرجال في القرب الذي هو سبب الإرث، ثم زاد ~~الأمر تأكيدا وتصريحا بقوله إبدالا مما قبله بتكرير العامل: { مما قل ~~منه أو كثر } ثم عرف بأن ذلك على وجه الحتم الذي لا بد منه، فقال مبينا ~~للاعتناء به بقطعه عن الأول بالنصب على الاختصاص بتقدير أعني: { نصيبا ~~مفروضا * } أي مقدرا واجبا مبينا، وهذه الآية مجملة بينتها آية ~~المواريث، وبالآية علم أنها خاصة بالعصبات من التعبير بالفرض لأن الإجماع ~~- كما نقله الأصبهاني عن الرازي - على أنه ليس لذوي الأرحام نصيب مقدر. # ولما بين المفروض أتبعه المندوب فقال تعالى: { وإذا حضر القسمة أولوا ~~القربى } أي ممن لا يرث صغارا أو كبارا { واليتامى والمساكين } أي ~~قرباء أو غرباء { فارزقوهم منه } أي المتروك، وهو أمر ندب لتطييب قلوبهم، ~~وقرينة صرفه عن الوجوب ترك التحديد { وقولوا لهم } أي مع الإعطاء { قولا ~~معروفا * } أي حسنا سائغا في الشرع مقبولا تطيب به نفوسهم. ### || [4.9-10] # ولما أعاد الوصية باليتامى مرة بعد أخرى، وختم بالأمر بالإنة القول، ~~وكان للتصوير في التأثير في النفس ما ليس لغيره؛ أعاد الوصية بهم لضعفهم ~~مصورا لحالهم مبينا أن القول المعروف هو الصواب الذي لا خلل فيه فقال: ~~{ وليخش } أي يوقع الخشية على ذرية غيرهم { الذين } وذكر لهم حالا هو ~~جدير بإيقاع الخشية في قلوبهم فقال: { لو تركوا } أي شارفوا الترك بموت ~~أو هرم، وصور حالهم وحققه بقوله: { من خلفهم } أي ms0873 بعد موتهم أو عجزهم ~~العجز الذي هو كموتهم { ذرية } أي أولادا من ذكور أو إناث { ضعافا } أي ~~لصغر أو غيره { خافوا عليهم } أي جور الجائرين. # ولما تسبب عن ذلك التصور في أنفسهم خوفهم على ذرية غيرهم كما يخافون على ~~ذريتهم سواء كانوا أوصياء أو أولياء أو أجانب، وكان هذا الخوف ربما أداهم ~~في قصد نفعهم إلى جور على غيرهم؛ أمر بما يحفظهم على الصراط السوي بقوله: ~~{ فليتقوا } وعبر بالاسم الأعظم إرشادا إلى استحضار جميع عظمته فقال: { ~~الله } أي فليعدلوا في أمرهم ليقيض الله لهم من يعدل في ذريتهم، وإلا ~~أوشك أن يسلط على ذريتهم من يجور عليهم { وليقولوا } أي في ذلك وغيره { ~~قولا سديدا * } أي عدلا قاصدا صوابا، ليدل هذا الظاهر على صلاح ما ~~أتمره من الباطن. # ولما طال التحذير والزجر والتهويل في شأن اليتامى، وكان ذلك ربما أوجب ~~النفرة من مخالطتهم رأسا فتضيع مصالحهم؛ وصل بذلك ما بين أن ذلك خاص ~~بالظالم في سياق موجب لزيادة التحذير فقال مؤكدا لما كان قد رسخ في ~~نفوسهم من الاستهانة بأموالهم: { إن الذين } ولما كان الأكل أعظم مقاصد ~~الإنسان عبر به عن جميع الأغراض فقال: { يأكلون أموال اليتامى ظلما } أي ~~أكلا هو في غير موضعه بغير دليل يدل عليه، فهو كفعل من يمشي في الظلام، ~~ثم أتبعه ما زاده تأكيدا بالتحذير في سياق الحصر فقال: { إنما يأكلون } ~~أي في الحال, وصور الأكل وحققه بقوله: { في بطونهم نارا } أي تحرق ~~المعاني الباطنية التي تكون بها قوام الإنسانية, وبين أنها على حقيقتها ~~في الدنيا, ولكنا لا نحسها الآن لأنها غير النار المعهودة في الظاهر ~~بقوله - مكررا التحذير مبينا بقراءة الجماعة بالبناء للفاعل أنهم ~~يلجؤون إليها إلجاء يصيرهم كأنهم يدخلونها بأنفسهم: { وسيصلون } أي في ~~الآخرة - بوعيد حتم لا خلف فيه { سعيرا * } أي عظيما هو نهاية في ~~العظمة، وذلك هو معنى ابن عامر وعاصم بالبناء للمجهول، أي يلجئهم إلى ~~صليها ملجىء قاهر لا يقدرون على نوع دفاع له. ### || [4.11] # ولما تم ذلك تشوفت النفوس إلى بيان ms0874 مقادير الاستحقاق بالإرث لكل واحد، ~~وكان قد تقدم ذكر استحقاق الرجال والنساء من غير تقييد يتيم، فاقتضت ~~البلاغة بيان أصول جميع المواريث، وشفاء العليل بإيضاح أمرها، فقال - ~~مستأنفا في جواب من كأنه سأل عن ذلك مؤكدا لما أمر به منها غاية ~~التأكيد مشيرا إلى عظمة هذا العلم بالتقدم في الإيصاء في أول آياته، ~~والتحذير من الضلال في آخرها، ورغب فيه النبي صلى الله عليه وسلم بأنه ~~نصف العلم، وحذر من إضاعته بأنه أول علم ينزع من الأمة: { يوصيكم الله } ~~أي بما له من العظمة الكاملة والحكمة البالغة، وبدأ بالأولاد لأن تعلق ~~الإنسان بهم أشد فقال: { في أولادكم } أي إذا مات مورثهم. # ولما كان هذا مجملا كان بحيث يطلب تفسيره، فقال جوابا لذلك بادئا ~~بالأشرف بيانا لفضله بالتقديم وجعله أصلا والتفضيل: { للذكر } أي منهم ~~إذا كان معه شيء من الإناث، ولم يمنعه مانع من قتل ولا مخالفة دين ونحوه ~~{ مثل حظ الأنثيين } أي نصيب من شأنه أن يغني ويسعد، وهو الثلثان، إذا ~~انفردتا فللواحدة معه الثلث، فأثبت سبحانه للإناث حظا تغليظا لهم من ~~منعهن مطلقا، ونقصهن عن نصيب الرجال تعريضا بأنهم أصابوا في نفس الحكم ~~بانزالهن عن درجة الرجال. # ولما بان سهم الذكر مع الأنثى بعبارة النص، واشعر ذلك بأن لهن إرثا في ~~الجملة وعند الاجتماع مع الذكر، وفهم بحسب إشارة النص وهي ما ثبت بنظمه، ~~لكنه غير مقصود، ولا سبق له النص - حكم الأنثيين إذا لم يكن معهن ذكر، ~~وهو أن لهما الثلثين، وكان ذلك أيضا مفهما لأن الواحدة غذا كان لها مع ~~الأخ الثلث كان لها ذلك مع الأخت إذا لم يكن ثم ذكر من باب الأولى، ~~فاقتضى ذلك أنهن إذا كن ثلاثا أو أكثر ليس معهم ذكر استغرقن التركة، وإن ~~كانت واحدة ليس معها ذكر لم تزد على الثلث؛ بين أن الأمر ليس كذلك - كما ~~تقدم - بقوله مبينا إرثهن حال الانفراد: { فإن كن } أي الوارثات { نساء ~~} أي إناثا. # ولما كان ذلك قد يحمل على أقل الجمع، وهو اثنتان ms0875 حقيقة أو مجازا حقق ~~ونفى هذا الاحتمال بقوله: { فوق اثنتين } أي لا ذكر معهن { فلهن ثلثا ما ~~ترك } أي الميت، لا أزيد من الثلثين { وإن كانت } أي الوارثة { واحدة } ~~أي منفردة، ليس معها غيرها { فلها النصف } أي فقط. # ولما قدم الإيصاء بالأولاد لضعفهم إذا كانوا صغارا، وكان الوالد أقرب ~~الناس إلى الولد وأحقهم بصلته وأشدهم اتصالا به أتبعه حكمه فقال: { ~~ولأبويه } أي الميت، ثم فصل بعد أن أجمل ليكون الكلام آكد، ويكون سامعه ~~إليه أشوق بقوله مبدلا بتكرير العامل: { لكل واحد منهما } أي أبيه وأمه ~~اللذين ثنيا بأبوين { السدس مما ترك } ثم بين شرط ذلك فقال: { إن كان له ~~} أي الميت { ولد } أي ذكر، فإن كانت أنثى أخذ الأب السدس فرضا، والباقي ~~بعد الفروض حق عصوبة. # ولما بين حكمهما مع الأولاد تلاه بحالة فقدهم فقال: { فإن لم يكن له ولد ~~} أي ذكر ولا أنثى { وورثه أبواه } أي فقط { فلأمه الثلث } أي وللأب ~~الباقي لأن الفرض أنه لا وارث له غيرهما، ولما كان التقدير: هذا مع فقد ~~الإخوة أيضا، بني عليه قوله: { فإن كان له إخوة } أي اثنان فصاعدا ~~ذكورا أو لا، مع فقد الأولاد { فلأمه السدس } أي لأن الإخوة ينقصونها عن ~~الثلث إليه، والباقي للأب، ولا شيء لهم، وأما الأخت الواحدة فإنها لا ~~تنقصها إلى السدس سواء كانت وارثة أو لا، وكذا الأخ إذا كان واحدا، ثم ~~بين أن هذا كله بعد إخراج الوصية والدين لأن ذلك سبق فيه حق الميت الذي ~~جمع المال فقال: { من بعد وصية يوصي بها } أي كما مندوب لكل ميت، وقدمها ~~في الوضع على ما هو مقدم عليها في الشرع بعثا على أدائها، لأن أنفس ~~الورثة تشح بها، لكونها مثل مشاركتهم في الإرث لأنها بلا عوض { أو دين } ~~أي إن كان عليه دين. # ولما كان الإنسان قد يرى أن بعض أقربائه من أصوله أو فصوله أو غيرهم ~~أنفع له، فأحب تفضيله فتعدى هذه الحدود لما رآه، وكان ما رآه خلاف الحق ~~في الحال أو في ms0876 المآل، وكان الله تعالى هو المستأثر بعلم ذلك، ولهذا قال ~~صلى الله عليه وسلم: # " أحبب حبيبك هونا ما عسى أن يكون بغيضك يوما ما " # الحديث, لأن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن، يقلبها كيف شاء؛ قال ~~تعالى حاثا على لزوم ما حده مؤكدا بالجملة الاعتراضية - كما هو الشأن ~~في اعتراض - لأن هذه القسمة مخالفة لما كانت العرب تفعله، وهي على وجوه ~~لا تدرك عللها: { أبآؤكم وأبنآؤكم } أي الذين فضلنا لكم إرثهم على ما ~~ذكرنا { لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا } أي من غيره، لأنه لا إحاطة لكم ~~في علم ولا قدرة، فلو وكل الأمر في القسمة إليكم لما وضعتم الأمور في ~~أحكم مواضعها. # ولما بين أن الإرث على ما حده سبحانه وتعالى مؤكدا له بلفظ الوصية، ~~وزاده تأكيدا بما جعله اعتراضا بين الإيصاء وبين (فريضة) بين أنه على ~~سبيل الحتم الذي من تركه عصى، فقال ذاكرا مصدرا مأخوذا من معنى ~~الكلام: { فريضة من الله } أي الذي له الأمر كله، ثم زادهم حثا على ذلك ~~ورغبة فيه بقوله تعليلا لفريضته عليهم مطلقا وعلى هذا الوجه: { إن الله ~~} أي المحيط علما وقدرة { كان } ولم يزل ولا يزال لأن وجود لا يتفاوت في ~~وقت من الأوقات، لأنه لا يجري عليه زمان، ولا يحويه مكان، لأنه خالقهما { ~~عليما } أي بالعواقب { حكيما * } أي فوضع لكم هذه الأحكام على غاية ~~الإحكام في جلب المنافع لكم ودفع الضر عنكم، ورتبها سبحانه وتعالى أحسن ~~ترتيب، فإن الوارث يتصل بالميت تارة بواسطة وهو الكلالة، وأخرى بلا ~~واسطة، وهذا تارة يكون بنسب، وتارة بصهر ونسب، فقدم ما هو بلا واسطة لشدة ~~قربه، وبدأ منه بالنسب لقوته، وبدأ منهم بالولد لمزيد الاعتناء به. ### || [4.12] # ولما كان الإرث بالمصاهرة أضعف من الإرث بالقرابة ذكره بعده، وقدمه على ~~الإرث بقرابة الأخوة تعريفا بالاهتمام به ولأنه بلا واسطة، وقدم منه ~~الرجل لأنه أفضل فقال: { ولكم نصف ما ترك أزواجكم } وبين شرط هذا بقوله: ~~{ إن لم يكن لهن ولد } أي منكم أو من غيركم، ثم ms0877 بين الحكم على التقدير ~~الآخر فقال: { فإن كان لهن ولد } أي وارث وإن سفل سواء كان ابنا أو ~~بنتا { فلكم الربع مما تركن } أي تركت كل واحدة منهن، ويغسلها الزوج لأن ~~الله أضافها إليه باسم الزوجية، والأصل الحقيقة، ولا يضر حرمة جماعها بعد ~~الموت وحل نكاح أختها وأربع سواها، لأن ذلك لفقد المقتضي أو المانع وهو ~~الحياة، وذلك لا يمنع علقة النكاح المبيح للغسل - كما لم يمنعها لأجل ~~العدة لو كان الفراق بالطلاق، ثم كرر حكم الوصية اهتماما بشأنها فقال: { ~~من بعد وصية يوصين بها } أي الأزواج أو بعضهن، ولعله جمع إشارة إلى أن ~~الوصية أمر عظيم ينبغي أن يكون مستحضرا في الذهن غير مغفول عنه عند أحد ~~من الناس { أو دين }. # ولما بين إرث الرجل أتبعه إرثها فقال معلما أنه على النصف مما للزوج - ~~كما مضى في الأولاد -: { ولهن } أي عددا كن أو لا { الربع مما تركتم } ~~أي يشتركن فيه على السواء إن كن عددا، وتنفرد به الواحدة إن لم يكن ~~غيرها، ثم بين شرطه بقوله: { إن لم يكن لكم ولد } ثم بين حكم القسم الآخر ~~بقوله: { فإن كان لكم ولد } أي وارث { فلهن الثمن مما تركتم } كما تقدم ~~في الربع، ثم كرر الخروج عن حق الموروث فقال: { من بعد وصية توصون بها أو ~~دين }. # ولما فرغ من قسمي ما اتصل بالميت بلا واسطة أتبعه الثالث وهو ما اتصل ~~بواسطة، ولما كان قسمين، لأنه تارة يتصل من جهة الأم فقط وهم الأخياف، ~~أمهم واحدة وآباؤهم شتى، وتارة من جهة الأب فقط وهم العلات، أبوهم واحد ~~وأمهاتهم شتى، وتارة من جهة الأبوين وهم الأعيان، وكانت قرابة الأخوة ~~أضعف من قرابة البنوة؛ أكدها بما يقتضيه حالها، فجعلها في قصتين، ذكر ~~إحداهما هنا إدخالا لها في حكم الوصية المفروضة، وختم بالأخرى السورة ~~لأن الختام من مظنات الاهتمام. # ولما كانت قرابة الأم أضعف من قرابة الأب قدمها هنا دلالة على الاهتمام ~~بشأنها، وأن ما كانوا يفعلونه من حرمان الإناث خطأ وجور عن منهاج ms0878 العدل، ~~فقال تعالى: { وإن كان } أي وجد { رجل يورث } ي من ورث حال كونه { كلالة ~~} أي ذا حالة لا ولد له فيها ولا والد، أو يكون يورث من: أورث - بمعنى أن ~~إرث الوارث بواسطة من مات كذلك: لا هو ولد للميت ولا والد، ووارثه أيضا ~~كلالة لأنه ليس بوالد ولا ولد، فالمورث كلالة وارثه، والوارث كلالة ~~مورثة؛ قال الأصبهاني: رجل كلالة، وامرأة كلالة، وقوم كلالة، لا يثنى ولا ~~يجمع، لأنه مصدر كالدلالة والوكالة، وهو بمعنى الكلال، وهو ذهاب القوة من ~~الإعياء، وقد تطلق الكلالة على القرابة من غير جهة الولد والوالد، ومنه ~~قولهم: ما ورث المجد عن كلالة { أو } وجدت { امرأة } أي تورث كذلك، ويجوز ~~أن يكون (يورث) صفة، و (كلالة) خبر كان { وله } خبر كان { وله } أي ~~للمذكور وهو الموروث على أي الحالتين كان. # ولما كان الإدلاء بمحض الأنوثة يستوي بين الذكر والأنثى لضعفها قال { أخ ~~أو أخت } أي من الأم - بإجماع المفسرين، وهي قراءة أبي وسعد بن مالك رضي ~~الله عنهما { فلكل واحد منهما السدس } أي من تركته، من غير فضل للذكر على ~~الأنثى. # ولما أفهم ذلك - أي بتحويل العبارة المذكورة من أن يقال: فله السدس - ~~أنهما إن كانا معا كان لهما الثلث، وكان ذلك قد يفهم أنه إن زاد وارثه ~~زاد الإرث عن الثلث نفاه بقوله: { فإن كانوا } أي ما أفهمه (أخ أو أخت) ~~من الوراث منهم { أكثر من ذلك } أي واحد، كيف كانوا { فهم شركاء } أي ~~بالسوية { في الثلث } أي المجتمع من السدسين اللذين تقدم أنهما بينهما، ~~لا يزادون على ذلك شيئا، ثم كرر الحث على مصلحة الميت بيانا للاهتمام ~~بها فقال: { من بعد وصية يوصى بها أو دين }. # ولما كان الميت قد يضار ورثته، أو بعضهم بشيء يخرجه عنهم ظاهرا أو ~~باطنا كأن يقر بماله لأجنبي، أو بدين لا حقيقة له، أو بدين كان له بأنه ~~استوفاه؛ ختم الآية بالزجر عن ذلك بقوله: { غير مضار } مع ما تقدم من ~~الإشارة إلى ذلك أول القصة بقوله ms0879 # لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا # [النساء: 11]؛ قال الأصبهاني: والإضرار في الوصية من الكبائر، ثم أكد ~~ذلك بقوله مصدرا ليوصيكم: { وصية من الله } أي الذي له الأمر كله مع ~~تأكيده بجميع ما في الآيات تعظيما للأمر باكتناف الوصية بأولها وأخرها، ~~وهو دون الفريضة في حق الأولاد، لأن حقهم آكد. # ولما بين سبحانه الأصول وفصل النزاع، وكان ذلك خلاف مألوفهم وكان الفطام ~~عن المألوف في الذروة من المشقة؛ اقتضى الحال الوعظ بالترغيب والترهيب، ~~فختم القصة بقوله: { والله } أي الجامع لصفات الكمال من الجلال والجمال، ~~وللإشارة إلى عظيم الوصية كرر هذا الاسم الأعظم في جميع القصة، ثم قال: { ~~عليم } أي فلا يخفى عليه أمر من خالف بقول أو فعل، نية أو غيرها { حليم * ~~} فهو من شأنه أن لا يعاجل بالعقوبة فلا يغتر بإمهاله، فإنه إذا أخذ بعد ~~طول الأناة لم يفلت فاحذروا غضب الحليم! وفي الوصفين مع التهديد استجلاب ~~للتوبة. ### || [4.13-15] # ولما كان فطم أنفسهم عن منع الأطفال والنساء شديدا عليهم لمرونهم عليه ~~بمرور الدهور الطويلة على إطباقهم على فعله واستحسانهم له أتبعه سبحانه ~~الترغيب والترهيب لئلا يغتر بوصف الحليم، فقال معظما للأمر بأداة البعد ~~ومشيرا إلى جميع ما تقدم من أمر المواريث والنساء واليتامى وغيره: { تلك ~~} أي هذه الحدود الجليلة النفع العظيمة الجدوى المذكورة من أول هذه ~~السورة، بل من أول القرآن { حدود الله } أي الملك الأعظم، فمن راعاها - ~~ولو لم يقصد طاعته، بل رفعا لنفسه عن دناءة الإخلاد إلى الفاني ومعرة ~~الاستئثار على الضعيف المنبىء عن البخل وسفول الهمة - نال خيرا كبيرا، ~~فإنه يوشك أن يجره ذلك إلى أن يكون ممن يطيع الله { ومن يطع الله } ~~الحائز لصفتي الجلال والإكرام { ورسوله } أي في جميع طاعاته هذه وغيرها، ~~بالإقبال عليها وترك ما سواها لأجله سبحانه؛ قال الأصبهاني: " من " عام ~~ووقوعه عقيب هذه التكاليف الخاصة لا يخصصه. # ولما تشوف السامع بكليته إلى الخبر التفت إليه تعظيما للأمر - على ~~قراءة نافع وابن عامر بالنون - فقال: { ندخله جنات } أي بساتين، وقراءة ~~الجماعة بالياء عظيمة ms0880 أيضا لبنائها على الاسم الأعظم وإن كانت هذه أشد ~~تنشيطا بلذة الالتفات { تجري من تحتها الأنهار } أي لأن أرضها معدن ~~المياه، ففي أي موضع أردت جرى نهر. فهي لا تزال يانعة غضة، وجمع الفائزين ~~بدخول الجنة في قوله: { خالدين فيها } تبشيرا بكثرة الواقف عند هذه ~~الحدود، ولأن منادمة الإخوان من أعلى نعيم الجنان. # ولما كان اختصاصهم بالإرث عن النساء والأطفال من الفوز عندهم، بل لم يكن ~~الفوز العظيم عندهم إلا الاحتواء على الأموال وبلوغ ما في البال منها من ~~الآمال قال تعالى معظما بأداة البعد: { وذلك } أي الأمر العالي المرتبة ~~من الطاعة المندوب إليها { الفوز العظيم * } أي لا غيره من الاحتواء على ~~ما لم يأذن به الله، وهذا أنسب شيء لتقديم الترغيب لتسمح نفوسهم بترك ما ~~كانوا فيه مع ما فيه من التلطف بهذه الأمة والتبشير له صلى الله عليه ~~وسلم بأنها مطيعة راشدة. # ولما أشربت القلوب الصافية ذوات الهمم العالية حب نيل هذا الفوز أتبعه ~~الترهيب فطما لها عن تلك الفوائد بالكلية فقال: { ومن يعص الله } أي ~~الذي له العظمة كلها { ورسوله } أي في ذلك وغيره { ويتعد حدوده } أي التي ~~حدها في هذه الأحكام وغيرها، وأفرد العاصي في النيران في قوله: { يدخله ~~نارا خالدا فيها } لأن الانفراد المقتضي للوحشة من العذاب والهوان، ~~ولما كان منعهم للنساء والأطفال من الإرث استهانة بهم ختم الآية بقوله: { ~~وله عذاب مهين * }. # ولما تقدم سبحانه في الإيصاء بالنساء، وكان الإحسان في الدنيا تارة يكون ~~بالثواب، وتارة يكون بالزجر والعتاب، لأن مدار الشرائع على العدل ~~والإنصاف، والاحتراز في كل باب عن طرفي الإفراط والتفريط، وختم سبحانه ~~بإهانة العاصي إحسانا إليه بكفه عن الفساد، لئلا يلقيه ذلك إلى الهلاك ~~أبد الآباد، وكان من أفحش العصيان الزنى، وكان الفساد في النساء أكثر، ~~والفتنة بهن أكبر، والضرر منهن أخطر، وقد يدخلن على الرجال من يرث منهم ~~من غير أولادهم؛ قدمهن فيه اهتماما بزجرهن فقال: { واللاتي } وهو جمع " ~~التي " ولعله عبر فيهن بالجمع إشارة إلى كثرتهن - كما أشار إلى ms0881 ذلك # مثنى وثلاث ورباع # [النساء: 3] وإلى كثرة الفساد منهن { يأتين } أي يفعلن - من إطلاق السبب ~~على المسبب، والتعبير به أبلغ { الفاحشة } أي الفعلة الشديدة الشناعة، ~~وفي الآية - لأن من أعظم المرادات بنظمها عقب آيات الإرث وما تقدمها ~~الاحتياط للنسب - إشارة بذكر عقوبة الزانية من غير تعرض لإرث الولد الآتي ~~منها إلى أن الولد للفراش، وأنه لا ينفي بالمظنة، بل بعد التحقق على ما ~~في سورة النور، لأنه لا يلزم من وجود الزنى نفيه، وكونه من الزنى، قال ~~ابو حيان في النهر: والفاحشة هنا الزنى بإجماع المفسرين إلا ما ذهب إليه ~~مجاهد وتبعه أبو مسلم الأصفهاني من أنها المساحقة، ومن الرجال اللواط، ثم ~~بين الموصول بقوله: { من نسائكم } أي الحرائر { فاستشهدوا } أي فاطلبوا ~~أن تشهدوا { عليهن أربعة } من الرجال. # ولما كان تعالى قد جعل هذه الأمة وسطا يقبلون على غيرهم ولا يقبل غيرهم ~~عليهم قال: { منكم } أي من عدول المسلمين بأنهن فعلنها { فإن شهدوا } أي ~~بذلك { فأمسكوهن } أي فاحبسوهن { في البيوت } أي وامنعوهن من الخروج، فإن ~~ذلك أصون لهن، وليستمر هذا المنع { حتى يتوفاهن الموت } أي يأتيهن وهن ~~وافيات الأعراض { أو يجعل الله } المحيط علمه وحكمته { لهن سبيلا * } اي ~~للخروج قبل الموت بتبين الحد أو بالنكاح، وإن لم يشهد الأربعة لم يفعل ~~بهن ذلك وإن تحقق الفعل. ### || [4.16-18] # ولما ذكر أمر النساء أتبعه حكم الرجال على وجه يعم النساء أيضا فقال: { ~~والذان } وهو تثنية " الذي " وشدد نونه ابن كثير تقوية له ليقرب من ~~الأسماء المتمكنة { يأتيانها منكم } أي من بكر أو ثيب، أو رجل أو امرأة، ~~ويثبت ذلك بشهادة الأربعة - كما تقدم { فآذوهما } وقد بين مجمل الأذى ~~الصادق باللسان وغيره آية الجلد وسنة الرجم { فإن تابا } أي بالندم ~~والإقلاع والعزم على عدم العود { وأصحا } أي بالاستمرار على ما عزما ~~عليه، ومضت مدة علم فيها الصدق في ذلك { فأعرضوا عنهما } أي عن أذاهما، ~~وهو يدل على أن الأذى باللسان يستمر حتى يحصل الاستبراء، ثم علل ذلك ~~بقوله: { إن الله } أي الذي له ms0882 جميع صفات الكمال { كان توابا } أي ~~رجاعا بمن رجع عن عصيانه إلى ما كان فيه من المنزلة { رحيما * } أي يخص ~~من يشاء من عباده بالتوفيق لما يرضاه له، فتخلقوا بفعله سبحانه وارحموا ~~المذنبين إذا تابوا، ولا يكن أذاكم لهم إلا لله ليرجعوا، وليكن أكثر ~~كلامكم لهم الوعظ بما يقبل بقلوبهم إلى ما ترضاه الإلهية، ويؤيده أن ~~المراد بهذا البكر والثيب من الرجال والنساء تفسير النبي صلى الله عليه ~~وسلم بقوله فيما رواه مسلم والأربعة والدارمي عن عبادة بن الصامت رضي ~~الله عنه # " قد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب ~~بالثيب جلد مائة والرجم " # فالحديث مبين لما أجمل في الآية من ذكر السبيل. # ولما ختم ذلك بذكر توبة الزناة، وكان الحامل على الزنى - على ما يقتضيه ~~الطبع البشري - شدة الشبق وقلة النظر في العواقب، وكان ذلك إنما هو في ~~الشباب؛ وصل بذلك قوله تعالى معرفا بوقت التوبة وشرطها مرغبا في ~~تعجيلها مرهبا من تأخيرها: { إنما التوبة } وهي رجوع العبد عن المعصية ~~اعتذارا إلى الله تعالى، والمراد هنا قبولها، سماه باسمها لأنها بدون ~~القبول لا نفع لها، فكأنه لا حقيقة لها. # ولما شبه قبوله لها بالواجب من حيث إنه بها، لأنه لا يبدل القول لديه؛ ~~عبر بحرف الاستعلاء المؤذن بالوجوب حثا عليها وترغيبا فيها فقال: { على ~~الله } أي الجامع بصفات الكمال { للذين يعملون السوء } أي سوء كان من ~~فسق أو كفر، وقال: { بجهالة } إشارة إلى شدة قبح العصيان، لا سيما الزنى ~~من المشايخ، لإشعار السياق ترهيبا بأن الأمر فيهم ليس كذلك - كما صرح به ~~النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه البزار بإسناد جيد عن سلمان رضي الله ~~عنه # " ثلاثة لا يدخلون الجنة: الشيخ الزاني، والإمام الكذاب، والعائل المزهو ~~" # وهو في مسلم وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه # " ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم ~~عذاب أليم: شيخ زان، وملك كذاب، وعائل مستكبر " # وهو عن كثير من الصحابة من طرق كثيرة، ms0883 وذلك لأن حضور الموت بالقوة ~~القريبة من الفعل وإضعاف القوى الموهنة لداعية الشهوة قريب من حضوره ~~بالفعل، وذلك ينبغي أن يكون مذهبا لداعية الجهل، ماحقا لعرامة الشباب، ~~سواء قلنا: إن المراد بالجهالة ضد الحلم، أو ضد العلم؛ قال الإمام عبد ~~الحق في كتابه الواعي: قال أبو عبد الله - يعني القزاز: والجاهلية ~~الجهلاء اسم وقع على أهل الشرك يكون مأخوذا من الجهل الذي هو ضد العلم ~~والذي هو ضد الحلم, قال وأصل الجهل من قولهم: استجهلت الريح الغصن - إذا ~~حركته، فكأن الجهل إنما هو حركة تخرج عن الحق والعلم - انتهى. فالمعنى ~~حينئذ: يعملون السوء ملتبسين بسفه أو بحركة وخفة أخرجتهم عن الحق والعلم, ~~فكانوا كأنهم لا يعلمون - بعملهم عمل أهل الجاهلية الذين لا يعلمون، وزاد ~~في التنفير من مواقعة السوء والتحذير بقوله: { ثم يتوبون } أي يجددون ~~التوبة. # ولما كان المراد الترغيب فيها ولو قصر زمنها بمعاودة الذنب أثبت الجار ~~فقال: { من } أي من بعض زمان { قريب } أي من زمن المعصية وهم في فسحة من ~~الأجل، وذلك كناية عن عدم الإصرار إلى الموت، ولعله عبر بثم إشارة إلى ~~بعد التوبة ولا سيما مع القرب ممن واقع المعصية، لأن الغالب أن الإنسان ~~إذا ارتبك في حبائلها لا يخلص إلا بعد عسر، ولذلك أشار إلى تعظيمهم بأداة ~~البعد في قوله - مسببا عن توبتهم واعدا أنه فاعل ما أوجبه على نفس لا ~~محالة من غير خلف وإن كان لا يجب عليه شيء، ولا يقبح منه شيء: { فأولئك } ~~أي العظيمو الرتبة الصادقو الإيمان { يتوب الله } أي الذي له جميع صفات ~~الكمال { عليهم } أي يردهم إلى ما كانوا فيه عندهم من مكانة القرب قبل ~~مواقعة الذنب { وكان الله } أي المحيط علما وقدرة { عليما } أي ~~بالصادقين في التوبة والكاذبين وبنياتهم، فهو يعاملهم بحسب ما يقتضيه ~~حالهم { حكيما } فهو يضع الأشياء في أحكم محل لها، فمهما فعله لم يمكن ~~نقضه. # ولما بين سبحانه المقبول أتبعه المطرود فقال: { وليست التوبة } أي ~~قبولها { للذين يعملون السيئات } أي واحدة بعد أخرى مصرين ms0884 عليها فسقة ~~كانوا أو كفرة، غير راجعين من قريب، بل يمهلون { حتى إذا حضر } ولما كان ~~تقديم المفعول - على وجه يجوز كل سامع وقوعه عليه - أهول، لكونه يصير ~~مرتقبا حال فاعله، خائفا من عاقبته قال: { أحدهم الموت } أي بأن وصل ~~إلى حد الغرغرة، وهي حالة المعاينة { قال } أي بلسانه كفرعون، أو قلبه { ~~إني تبت الآن } فبين أن ما قبل الاحتضار قريب مع الترغيب في المسارعة ~~جدا بالتعبير بقريب { ولا الذين } أي وليست التوبة للذين { يموتون وهم ~~كفار } حقيقة أو مجازا، من غير أن يتوبوا، ولا عند الغرغرة، فسوى بين ~~الفسق والكفر تنفيرا من الفسق لصعوبة النزع عنه بعد مواقعته، ولذلك ~~جمعهما في العذاب بقوله - جوابا لمن كأنه قال: فما جزاء هذين الصنفين: { ~~أولئك } أي البعداء من الرحمة، الذين لم يتوبوا إلا حال الغرغرة، والذين ~~ماتوا مصرين { أعتدنا } أي هيأنا وأحضرنا { لهم عذابا } ولما كان تأخير ~~التوبة لذة نفسانية ختم بقوله: { أليما * } أي نعذب به الكافرين ومن ~~شئنا من عصاة المؤمنين، لأن توبتهم في تلك الحالة عدم، والميت من غير ~~توبة من المؤمنين في المشيئة. ### || [4.19-21] # ولما انقضى ما تخلل ذكر النساء الوالدات للوراث، وختمه بهذا التهديد ~~الهائل لمن فعل ما لا يحل له؛ وصل الكلام فيهن بأمر من فعله، فهو زان مصر ~~على الزنى إلى الموت إن اعتقد حرمته، أو كافر إن اعتقد حله، فقال مشيرا ~~بتخصيص المؤمنين عقب # ولا الذين يموتون وهم كفار # [النساء: 18] إلى أنه لا يرث كافر من مسلم، وإلا لقال: يا أيها الناس - ~~مثلا، منفرا من ذلك بالتقييد بما هو لأدنى الإيمان: { يا أيها الذين ~~آمنوا } أي فوقف بهم الإيمان عند زواجرنا { لا يحل لكم أن ترثوا النساء } ~~أي مالهن { كرها } أي كارهين لهن، لا حامل لكم على نكاحهن إلا رجاء ~~الإرث، وذلك أنهم كانوا ينكحون اليتامى لمالهن، وليس لهم فيهن رغبة إلا ~~تربص الموت لأخذ مالهن ميراثا - كما سيأتي في تفسير # ويستفتونك في النساء # [النساء: 127] أو يكون الفعل واقعا على نفس النساء، ويكون (كرها) على ms0885 ~~هذا حالا مؤكدة، أي كارهات، أو ذوات كره، وذلك لأن الرجل كان إذا مات ~~وله امرأة جاء ابنه من غيرها أو قريبه من عصبته فيلقي ثوبه عليها، فيصير ~~أحق بها من نفسها ومن غيرها، فإن شاء تزوجها بغير صداق إلا الصداق الأول ~~الذي أصدقها الميت، وإن شاء زوجها غيره وأخذ صداقها، وإن شاء عضلها ~~ومنعها من الأزواج، يضارها لتفتدي منه بما ورثت من الميت، أو تموت هي ~~فيرثها، وكان أهل المدينة على هذا حتى توفي أبو قيس بن الأسلت، ففعل ابنه ~~حصن هذا مع زوجة له، فشكت ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل ~~الله هذه الآية، روى البخاري في التفسير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال؛ # " كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته، إن شاء بعضهم تزوجها، ~~وإن شاؤوا زوجوها، وإن شاؤوا لم يزوجوها، وهم أحق بها من أهلها، فنزلت ~~هذه الآية في ذلك { لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها } " # ولهذا أتبعه سبحانه قوله: { ولا تعضلوهن } أي تمنعوهن من التزوج بعد ~~طلاقكم لهن أو بعد موت أزواجهن، أوتشددوا عليهن بالمضارة وهن في حبائلكم؛ ~~قال البيضاوي: وأصل العضل: التضييق، يقال عضلت الدجاجة بيضها - انتهى. ~~والظاهر أن مدار مادته إنما هو على الاشتداد، من عضلة الساق، وهي اللحمة ~~التي في باطنه، ونقل عبد الحق أنها كل لحم اجتمع، قال: وقال الخليل: كل ~~لحمة اشتملت على عصبة - انتهى. وتارة يكون الاشتداد ناظرا إلى المنع، ~~وتارة إلى الغلبة والضيق، ثم علل ذلك بقوله: { لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن ~~} أي أنتم إن كن أزواجا لكم، أو مورثوكم إن كن أزواجا لهم وعضلتموهن ~~بعدهم، ليذهب ذلك بسبب إنفاقهن له على أنفسهن في زمن العضل، أو بسبب ~~افتدائهن لأنفسهن به منكم، ثم استثنى من تحريم العضل في جميع الحالات ~~فقال: { إلا أن } أي لا تفعلوا ذلك لعلة من العلل إلا لعلة أن { يأتين ~~بفاحشة } أي فعلة زائدة القبح { مبينة } أي بالشهود الأربعة إن كانت زنى ~~فاعضلوهن بالإمساك في البيوت - كما مضى - لأن ms0886 من تعجل شيئا قبل أوانه ~~عوقب بحرمانه، أو بمن يقبل من الشهود إن كانت نشوزا وسوء عشرة، فلكم ~~العضل حينئذ إلى الصلاح أو الافتداء بما تطيب به النفس، والأنسب لسياق ~~الأمر في { وعاشروهن } أن يكون { تعضلوهن } منهيا، لا معطوفا على " أن ~~ترثوا " { بالمعروف } أي من القول والفعل بالمبيت والنفقة والموادة قبل ~~الإتيان بالفاحشة { فإن } أي إن كنتم لا تكرهونهن فالأمر واضح، وإن { ~~كرهتموهن } فلا تبادروا إلى المضاجرة أو المفارقة، واصبروا عليهن نظرا ~~لما هو الأصلح، لا لمجرد الميل النفسي، فإن الهوى شأنه أن لا يدعو إلى ~~خير ثم دل على هذه العلة بقوله: { فعسى } ولوضوح دلالتها على ذلك صح ~~جعلها جوابا للشرط { أن تكرهوا شيئا } أي من الأزواج أو غيرها، لم ~~يقيده سبحانه تعميما تتميما للفائدة { ويجعل الله } أي المحيط علما ~~وقدرة، وغيب بحكمته علمكم العواقب لئلا تسكنوا إلى مألوف، أو تنفروا من ~~مكروه { فيه خيرا كثيرا * }. # ولما نهى عن العضل تسببا إلى إذهاب بعض ما أعطيته المرأة أتبعه التصريح ~~بالنهي عن أخذ شيء منه في غير الحالة التي أذن فيها في المضارة فقال: { ~~وإن } أي إن لم تعضلوا المرأة، بل { أردتم استبدال زوج } أي تنكحونها { ~~مكان زوج } أي فارقتموها أو لا، ولم يكن من قبلنا ما يبيح الضرار. # ولما كان المراد بزوج الجنس جمع في قوله: { وآتيتم إحداهن } أي إحدى ~~النساء اللاتي وقع الإذن لكم في جمعهن في النكاح سواء كانت بدلا أو ~~مستبدلا بها { قنطارا } أي مالا جما { فلا تأخذوا منه شيئا } أي ~~بالمضارة عن غير طيب نفس منها، ولا سبب مباح، ثم عظم أخذه باستفهام إنكار ~~وتوبيخ فقال: { أتأخذونه } أي على ذلك الوجه، ولما تقدم أن من صور الغصب ~~على الافتداء حال الإتيان بالفاحشة شبه الأخذ في هذه الحالة التي لا سبب ~~لها بالأخذ في تلك الحالة، فجعل الأخذ على هذه الصورة قائما مقام القذف ~~بما لا حقيقة له فلذلك قال: { بهتانا وإثما مبينا * } أي كذوي بهتان ~~في أخذه وإثم مبين - لكونه لا سبب له - يورث شبهة ms0887 فيه، ثم غلظ ذلك ~~باستفهام آخر كذلك فقال: { وكيف تأخذونه وقد } أي والحال أنه قد { أفضى } ~~أي بالملامسة { بعضكم إلى بعض } أي فكدتم أن تصيروا جسدا واحدا { وأخذن ~~} أي النساء { منكم } أي بالإفضاء والاتحاد { ميثاقا غليظا * } قويا ~~عظيما، أي بتقوى الله في المعاشرة بالإحسان وعدم الإساءة، لأن مبنى ~~النكاح على ذلك وإن لم يصرح به فيه. ### || [4.22-23] # ولما كرر ذكر الإذن في نكاحهن وما تضمنه منطوقا مفهوما، وكان قد تقدم ~~الإذن في نكاح ما طاب من النساء، وكان الطيب شرعا قد يحمل على الحل؛ مست ~~الحاجة إلى ما يحل منهن لذلك وما يحرم فقال: { ولا تنكحوا } أي تتزوجوا ~~وتجامعوا { ما نكح } أي بمجرد العقد في الحرة، وبالوطء في ملك اليمين { ~~آبآؤكم } وبين { ما } بقوله: { من النساء } أي سواء كانت إماء أو لا، ~~بنكاح أو ملك يمين، وعبر بما دون " من " لما في النساء غالبا من السفه ~~المدني لما لا يعقل. # ولما نهى عن ذلك فنزعت النفوس عما كان قد ألف بهاؤه فلاح أنه في غاية ~~القباحة وأن الميل إليه إنما هو شهوة بهيمية لا شيء فيها من عقل ولا ~~مروة، وكانت عادتهم في مثل ذلك مع التأسف على ارتكابه السؤال عما مضى منه ~~- كما وقع في استقبال بيت المقدس وشرب الخمر؛ أتبعه الاستثناء من لازم ~~الحكم وهو: فإنه موجب لمقت من ارتكبه وعقابه فقال: { إلا ما قد سلف } أي ~~لكم من فعل ذلك في أيام الجاهلية كما قال الشافعي رحمه الله في الأم، قال ~~السهيلي في روضه: وكان ذلك مباحا في الجاهلية لشرع متقدم، ولم يكن من ~~الحرمات التي انتهكوها. ثم علل النهي بقوله: { إنه } اي هذا النكاح { كان ~~} أي الآن وما بعده كونا راسخا { فاحشة } أي والفاحشة لا يقدم عليها ~~تام العقل { ومقتا } أي أشر ما يكون بينكم وبين ذوي الهمم لما انتهكتم ~~من حرمة آبائكم { وساء سبيلا * } أي قبح طريقا طريقه. # ولما ابتدأ بتعظيم الآباء واحترامهم في أن ينكح الأبناء أزواجهم على ~~العموم ثنى بخصوص الأم بقوله: { حرمت ms0888 عليكم } ولما كان أعظم مقصود من ~~النساء النكاح، فكان إضافة التحريم إلى أعيانهن إفادة التأكيد غير قادح ~~في فهمه، وكان مع ذلك قد تقدم ما يدل على أن المراد النكاح؛ أسند التحريم ~~إلى الذات تأكيدا للتحريم فقال: { أمهاتكم } أي التمتع بهن بنكاح أو ملك ~~يمين، فكان تحريمها مذكورا مرتين تأكيدا له وتغليظا لأمره في نفسه ~~واحتراما للأب وتعظيما لقدره { وبناتكم } أي وإن سفلن لما في ذلك من ~~ضرار أمهاتهن، وهذان الصنفان لم يحللن في دين من الأديان { وأخواتكم } أي ~~أشقاء أو لا { وعماتكم } كذلك { وخالاتكم } أيضا، والضابط لهما أن كل ~~ذكر رجع نسبك إليه فأخته عمتك، وقد تكون من جهة الأم وهي أخت أبي أمك؛ ~~وكل أنثى رجع نسبك إليها بالولادة فأختها خالتك، وقد تكون الخالة من جهة ~~الأب وهي أخت أم أبيك { وبنات الأخ } شقيقا كان أو لا { وبنات الأخت } ~~أي كذلك، وفروعهن وإن سفلن. # ولما انقضى أمر النسب وهو سبعة أصناف أتبعه أمر السبب وهو ثمانية: أوله ~~أزواج الآباء، أفردها وقدمها تعظيما لحرمتها، لما كانوا استهانوا من ~~ذلك، وآخره المحصنات، وبدأ من هذا القسم بالأم من الرضاع كما بدأ النسب ~~بالأم فقال: { وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم } تنزيلا له منزلة النسب، ~~ولذلك سماها أما، فكل أنثى انتسب باللبن إليها فهي أمك، وهي من أرضعتك، ~~أو أرضعت امرأة أرضعتك، أو رجلا أرضعك بلبانه من زوجته أو أم ولده، وكل ~~امرأة ولدت امرأة أرضعتك أو رجلا أرضعك فهي أمك من الرضاعة والمراضعة ~~أختك، وزوج المرضعة الذي أرضعت هي بلبانه أبوك وأبواه جداك، وأخته عمتك، ~~وكل ولد ولد له من غير المرضعة قبل الرضاع وبعده إخوة الأب، وأم المرضعة ~~جدتك، وأختها خالتك، وكل من ولد لها من هذا الزوج إخوة لأب وأم، ومن ولد ~~لها من غيره فهم إخوته وأخواته لأم، فعلى ذلك ينزل قوله: { وأخواتكم من ~~الرضاعة } كما في النسب بشرط أن يكون خمس رضعات وفي الحولين، وبتسمية ~~المرضعة أما والمشاركة في الرضاع أختا علم أن الرضاع كالنسب. كما ~~بينه النبي صلى ms0889 الله عليه وسلم بقوله # " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " # فالصورتان منبهتان على بقية السبع؛ الأم منبهة على البنت بجامع الولادة، ~~والأخوات على العمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت بجامع الأخوة. # ولما انقضى ما هو كلحمة النسب أتبعه أمر بالمصاهرة فقال: { وأمهات ~~نسائكم } أي دخلتم بهن أو لا - لما في ذلك من إفساد ذات البين غالبا { ~~وربائبكم } وذكر سبب الحرمة فقال: { اللاتي في حجوركم } أي بالفعل أو ~~بالقوة - لما فيهن من شبه الأولاد { من نسائكم } ولما كانت الإضافة تسوغ ~~في اللغة بأدنى ملابسة بين سبحانه أنه لا بد من الجماع الذي كنى عنه ~~بالدخول لأنه ممكن لحكم الأزواج الذي يصير به أولادها كأولاده فقال: { ~~اللاتي دخلتم بهن } قيد بالدخول لأن غيرة الأم من ابنتها دون غيرة ~~البنت من أمها. # ولما أشعر هذا القيد بحل بنت من عقد عليها ولم يدخل بها أفصح به تنبيها ~~على عظيم حرمة الإرضاع فقال: { فإن لم تكونوا دخلتم بهن } أي الأمهات { ~~فلا جناح عليكم } أي في نكاحهن؛ ولما افتتح المحرمات على التأبيد بزوجة ~~الأب ختمها بزوجة الولد فقال: { وحلائل أبنائكم } أي زوجة كانت أو موطوءة ~~بملك يمين؛ ولما لم يكن المتبنى مرادا قيد بقوله: { الذين من أصلابكم } ~~أي وإن سفلوا، ودخل ما بالرضاع لأنه كلحمة النسب فلم يخرجه القيد. # ولما انقضى التحريم المؤبد أتبعه الموقت فقال: { وأن } أي وحرم عليكم أن ~~{ تجمعوا } بعقد نكاح لأن مقصوده الوطء، أو بوطء في ملك يمين { بين ~~الأختين } فإن كانت إحداهما منكوحة والأخرى مملوكة حلت المنكوحة وحرمت ~~المملوكة ما دام الحل، لأن النكاح أقوى، فإذا زال الحل حلت الأخرة ولو في ~~عدة التي كانت حلالا. # ولما كان الجمع بين الأختين شرعا قديما قال: { إلا ما قد سلف } أي ~~فإنه لا إثم عليكم فيه رحمة من الله لكم، ثم علل رفع حرجه فقال: { إن ~~الله } أي المحيط بصفات الكمال { كان غفورا } أي ساترا لما يريد من ~~أعيان الزلل وآثاره { رحيما * } أي معاملا بغاية الإكرام الذي ترضاه ~~الإلهية. ### || [4.24] # ولما ms0890 ذكر مضارة الجمع أتبعه مضارة الإغارة على الحق والأول جمع بين ~~المنكوحين وهذا جمع بين الناكحين فقال - عاطفا على النائب عن فاعل { ~~حرمت }: { والمحصنات } أي الحرائر المزوجات لأنهن منعت فروجهن بالنكاح عن ~~غير الأزواج { من النساء إلا ما ملكت أيمانكم } أي من أزواج أهل الحرب، ~~فإن الملك بالأسر يقطع النكاح. # ولما أتم ذلك قال مؤكدا له ومبينا عظمته: { كتاب الله } أي خذوا فرض ~~الملك الأعظم الذي أوجبه عليكم إيجاب ما هو موصول في الشيء بقطعه منه، ~~والزموه غير ملتفتين إلى غيره، وزاد في تأكيده بأداة الوجوب فقال: { ~~عليكم } ولما أفهم ذلك حل ما سواه أفصح به احتياطا للإيضاح وتعظيما ~~لحرمتها في قوله: { وأحل لكم } وبين عظمة هذا التحريم بأداة البعد فقال: ~~{ ما وراء ذلكم } أي الذي ذكر لكم من المحرمات العظيمة. # ولما كان الكلام في المنع لمن يصرح بالفاعل بل قال؛ " حرمت " - ترفقا ~~في الخطاب حثا على الآداب، فلما وصل الأمر إلى الحل أظهره تطييبا ~~للقلوب وتأنيسا للنفوس في قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر ~~بفتح الهمزة والحاء، وأبهمه في قراءة الباقين على نسق { حرمت } لأن فاعل ~~الحل والحرمة عند أهل هذا الكتاب معروف أنه الملك الأعلى الذي لا أمر ~~لأحد معه أصلا، ثم أتبع التحليل علته فقال: { أن } أي إرادة أن { تبتغوا ~~} أي تطلبوا متبعين من شئتم مما أحل لكم { بأموالكم } اللاتي تدفعونها ~~مهورا حال كونكم { محصنين } أي قاصدين بذلك العفة لأنفسكم ولهن { غير ~~مسافحين } أي قاصدين قضاء الشهوة وصب الماء الدافق لذلك فقط، وهو على هذا ~~الوجه لا يكون إلا زنى سرا وجهرا، فيكون فيه حينئذ إضاعة المال وإهلاك ~~الدين، ولا مفسدة أعظم مما يجمع هذين الخسرانين. # ولما تقدم أول السورة وأثناءهها الأمر بدفع الصداق والنهي عن أخذ شيء ~~مما دفع إلى المرأة، وكان ذلك أعم من أن يكون بعد الدخول أو قبله، مسمى ~~أو لا قال هنا مسببا عن الابتغاء المذكور: { فما استمتعتم } أي أوجدتم ~~المتاع وهو الانتفاع { به منهن } بالبناء بها، متطلبين لذلك من ms0891 وجوهه ~~الصحيحة راغبين فيه { فآتوهن أجورهن } أي عليه كاملة، وهي المهور { فريضة ~~} أي حال كونها واجبة من الله ومسماة مقدرة قدرتموها على أنفسكم، ويجوز ~~كونه تأكيدا لآتوا بمصدر من معناه { ولا جناح } أي حرج وميل { عليكم ~~فيما تراضيتم به } أي أنتم والأزواج { من بعد الفريضة } أي من طلاق أو ~~فراق أو زيادة أو نقص إن كانت موجودة مقدرة، أو من مهر المثل من بعد ~~تقديره إن لم تكن مسماة فيمن عقد عليها من غير تسمية صداق. # ولما ذكر في هذه الآيات أنواعا من التكاليف هي في غاية الحكمة، ~~والتعبير عنها في الذروة العليا من العظمة، وختمها بإسقاط الجناح عند ~~الرضى وكان الرضى أمرا باطنا لا يطلع عليه حقيقة إلا الله تعالى، حث ~~على الورع في شأنه بنوط الحكم بغلبة الظن فقال مرغبا في امتثال أوامره ~~ونواهيه: { إن الله } أي الذي له الإحاطة التامة علما وقدرة { كان ~~عليما } أي بمن يقدم متحريا لرضى صاحبه أو غير متحر لذلك { حكيما * ~~} أي يضع الأشياء في أمكن مواضعها من الجزاء على الذنوب وغيره. ### || [4.25] # ولما مضى ذلك على هذا الوجه الجليل عرف أنه كله في الحرائر لأنه الوجه ~~الأحكم في النكاح، وأتبعه تعليم الحكمة في نكاح الإماء؛ فقال عاطفا على ~~ما تقديره: هذا حكم من استطاع نكاح حرة: { ومن لم يستطع منكم } أي أيها ~~المؤمنون { طولا } أي سعة وزيادة عبر فيما قبله بالمال تهوينا لبذله ~~بأنه ميال، لا ثبات له، وهنا بالطول الذي معناه: التي قل من يجدها { أن } ~~أي لأن { ينكح المحصنات } أي الحرائر، فإن الحرة مظنة العفة الجاعلة لها ~~فيما هو كالحصن على مريد الفساد، لأن العرب كانوا يصونونهن وهن ~~أنفسهن عن أن يكن كالإماء { المؤمنات } بسبب كثرة المؤنة وغلاء المهر { ~~فمن } أي فلينكح إن أراد من { ما ملكت أيمانكم } أي مما ملك غيركم من ~~المؤمنين { من فتياتكم } أي إمائكم، وأطلقت الفتوة - وهي الشباب - على ~~الرقيق لأنه يفعل ما يفعل الشاب لتكليف السيد له إلى الخدمة وعدم توقيره ~~وإن كان شيخا، ثم ms0892 وضح المراد بالإضافة فقال: { المؤمنات } أي لا من ~~الحرائر الكافرات ولا مما ملكتم من الإماء الكافرات ولا مما ملك الكفار ~~حذرا من مخالطة كافرة خوفا من الفتنة - كما مضى في البقرة، ولئلا يكون ~~الولد المسلم بحكم تبعية أمه في الرق ملكا لكافر، هذا ما تفهمه العبارة ~~ولكنهم قالوا: إن تقييد المحصنات بالمؤمنات لا مفهوم له، وإلا لصار نكاح ~~الحرة الكتابية المباح بآية المائدة مشروطا بعقد مسلمة، حرة كانت أو ~~أمة، ولم يشترط ذلك؛ ومذهب الشافعي أنه لا يجوز نكاح الأمة مع القدرة على ~~حرة كتابية، والظاهر أن فائدة التقييد الندب إلى مباعدة الكفار فلا ينكح ~~منهن إلا لضرورة، فكأن هذه سورة المواصلة، أسقط فيها أهل المباعدة، ~~والمائدة سورة تمام الدين، فذكر فيها ما يجوز لأهله فلا ضرر في القيد، ~~لأن المفهوم لا يقوى لمعارضة المنطوق مع ما فيه من فائدة الندب إلى ~~الترك، وهذا كما أن قيد الإحصان هنا للندب إلى عدم نكاح الزواني مع جوازه ~~بآية النور # وانكحوا الأيامى منكم # [النور: 32] كما يأتي بيانه هناك إن شاء الله تعالى. # ولما شرط في هذا النكاح الإيمان، وعبر فيه بالوصف، وكان أمرا قلبيا، ~~لا يطلع على حقيقته إلا الله؛ أعقبه ببيان أنه يكتفى فيه بالظاهر فقال: { ~~والله } أي الذي له الإحاطة التامة بالمعلومات والمقدورات { أعلم ~~بإيمانكم } فربما ظهر ضعف إيمان أحد والباطن بخلافه، لكن في التعبير به ~~وبالوصف لا بالفعل إرشاد إلى مزيد التحري من جهة الدين " فاظفر بذات ~~الدين، تربت يداك! ". ولما اشترط الدين كان كأنه قيل: فالنسب؟ فأشير إلى ~~عدم اشتراطه بقوله: { بعضكم من بعض } أي كلكم من آدم وإن تشعبتم بعده { ~~فانكحوهن } أي بشرط العجز { بإذن أهلهن } أي من مواليهن، ولا يجوز نكاحهن ~~من غير إذنهم. # ولما كان مما لا يخفى أن السيد المالك للرقبة مالك للمنفعة من باب ~~الأولى كان الأمر بدفع المهور إليهن مفيدا لندب السيد إلى جبرها به من ~~غير أن يوهم أنها تملكه وهي لا تملك نفسها، فلذلك قال تعالى: { وآتوهن ~~أجورهن } وهي المهور ms0893 { بالمعروف } أي من غير ضرار، لا عليكم ولا عليهن ~~ولا على أهلهن، حال كونهن { محصنات } أي عفائف بانفسهن أو بصون الموالي ~~لهن { غير مسافحات } أي مجاهرات بالزنى لمن أراد، لا لشخص معين { ولا ~~متخذات أخدان } أي أخلاء في السر للزنى معينين، لا تعدو ذات الخدن خدنها ~~إلى غيره؛ قال الأصبهاني: وهو - أي الخدن - الذي يكون معك في كل ظاهر ~~وباطن. # ولما لم يتقدم بيان حد الإماء قال مبنيا له: { فإذا أحصن } مبنيا ~~للفاعل في قراءة حمزة والكسائي وأبي بكر عن عاصم، والمفعول في قراءة ~~الباقين، أي انتقلن من حيز التعريض للزنى بالإكراه إلى حيز الحرائر بأن ~~حفظن فروجهن بكراهتهن للزنى، أو حفظهن الموالي بالرضى لهن بالعفة؛ وقال ~~الشافعي في أوائل الرسالة في آخر الناسخ والمنسوخ الذي يدل الكتاب على ~~بعضه والسنة على بعضه: إن معنى (أحصن) هنا: أسلمن، لا نكحن فاصبن ~~بالنكاح، ولا أعتقن وإن لم يصبن، وقال: فإن قال قائل: أراك توقع الإحصان ~~على معان مختلفة؟ قيل: نعم، جماع الإحصان أن يكون دون التحصين مانع من ~~تناول المحرم، فالإسلام مانع، وكذلك الحرية مانعة، وكذلك التزوج والإصابة ~~مانع وكذلك الحبس في البيوت مانع، وكل ما منع أحصن، وقد قال الله عز وجل # وعلمناه صنعة لبؤس لكم لتحصنكم من بأسكم # [الأنبياء: 80] وقال: # لا يقاتلونكم جميعا إلى في قرى محصنة # [الحشر: 41] يعني مممنوعة، قال: وآخر الكلام وأوله يدلان على أن معنى ~~الإحصان المذكور عام في موضع دون غيره، إذ الإحصان ها هنا الإسلام دون ~~النكاح والحرية والتحصين بالحبس والعفاف، وهذه الأسماء التي يجمعها اسم ~~الإحصان - انتهى. { فإن أتين بفاحشة } ولا تكون حينئذ إلا عن رضى من غير ~~إكراه. # ولما كان من شأن النكاح تغليظ الحد، فغلظ في الحرائر بالرجم؛ بين تعالى ~~أنه لا تغليظ على الإماء، بل حدهن بعده هو حدهن قبله، فقال { فعليهن نصف ~~ما على المحصنات } أي الحرائر لأنهن في مظنة العفة وإن كن بغير أزواج { ~~من العذاب } أي الحد - كما كان ذلك عذابهن قبل الإحصان، وهذا يفهمه بطريق ~~الأولى، ms0894 والمراد هنا الجلد، لأن الرجم لا ينتصف. # ولما كان كأنه قيل: هل هذا لكل عاجز عن الحرة؟ استؤنف جواب هذا السؤال ~~بقوله تعالى مشيرا بأداة البعد إلى أنه مما لا يحسن قربه: { ذلك } أي حل ~~نكاح الإماء الذي ينبغي البعد منه { لمن خشي العنت } أي الوقوع في الزنا ~~الموجب للإثم المقتضي للهلاك بالعذاب في الدنيا والآخرة بما عنده من عظيم ~~الداعية إلى النكاح ومشقة الصبر عنه؛ قالوا: وأصل العنت انكسار العظم بعد ~~الجبر، فاستعير لكل مشقة وضرر؛ قال الأصبهاني: وقيل: إن الشبق الشديد ~~والغلمة العظيمة قد يؤدي بالإنسان إلى الأمراض الشدية، أما في حق النساء ~~فقد يؤدي إلى اختناق الرحم، وأما في حق الرجال فقد يؤدي إلى أوجاع ~~الوركين والظهر. # ولما كان هذا التخفيف والتيسير خاصا بالمؤمنين منا قيد بقوله: { منكم ~~}. # ولما بين إباحته وأشار إلى البعد عنه لما فيه من استرقاق الولد صرح ~~بالندب إلى حبس النفس عنه فقال: { وإن تصبروا } أي عن نكاحهن متعففين { ~~خير لكم } أي لئلا تعيروا بهن، أو تسترق أولادكم منهن، ثم أتبع ذلك ~~بتأكيده لذوي البصائر والهمم في سياق دال على رفع الحرج فقال: { والله } ~~أي الذي له الجلال والإكرام { غفور } أي لمن لم يصبر، والمغفرة تشير إلى ~~نوع تقصير { رحيم * } أي فاعل به فعل الراحم منكم بالإذن في قضاء وطره ~~واللطف فيما يتبع ذلك من المحذور. ### || [4.26] # ولما أتم سبحانه الحلال والحرام من هذه الحدود والأحكام، وختمها بصفة ~~الرحمة بين ما أراد بها من موجبات الرحمة تذكيرا بالنعمة لتشكر، ~~وتحذيرا من أن تنسى فتكفر فقال تعالى: { يريد الله } أي الملك الأعظم ~~إنزال هذه الأحكام على هذا النظام { ليبين لكم } أي ليوقع لكم البيان ~~الشافي فيما لكم وعليكم من شرائع الدين { ويهديكم } أي يعرفكم { سنن } أي ~~طرق { الذين } ولما كان المراد بعض الماضين قال: { من قبلكم } أي من أهل ~~الكتاب: الأنبياء وأتباعهم { ويتوب عليكم } أي يرجع بكم عن كل ما لا ~~يرضيه، لا سيما ما يجر إلى المقاطعة - مثل منع النساء والأطفال الإرث، ~~ومثل ms0895 نكاح ما يحرم نكاحه وغير ذلك، فأعلمهم بهذا أنهم لم يخصهم بهذه ~~التكاليف، بل يسلك بهم فيها صراط الذين أنعم عليهم ليكون ذلك أدعى لهم ~~إلى القبول وأعون على الامتثال، وليتحققوا أن إلقاء أهل الكتاب الشبه ~~إليهم وتذكيرهم بالأضغان لإرادة إلقاء العداوة محض حسد لمشاركتهم لهم في ~~مننهم إذ هدوا لسننهم، وما أحسن ختم ذلك بقوله: { والله } أي المحيط ~~بأوصاف الكمال { عليم حكيم * } فلا يشرع لكم شيئا إلا وهو في غاية ~~الإحكام. فاعملوا به يوصلكم إلى دار السلام. # بيان ذلك أن ما في هذه السورة الأمر بالتقوى والحث عليها، وبيان الفرائض ~~وأمر الزناة، وما يحل ويحرم من النساء، والتحري في الأموال، والإحسان إلى ~~الناس، لا سيما الأيتام والوالدين، والإذعان للأحكام، وتحريم القتل، ~~والأمر بالعدل في الشهادة وغيرها، وكل ذلك مبين أصوله في التوراة كما هو ~~مبثوث في هذا الديوان عن نصوصها في المواضع اللائقة به، لكن القرآن أحسن ~~بيانا وأبلغ تبيانا وأبدع شأنا وألطف عبارة وأدق إشارة، وأعجب ذلك أن ~~سبب إنزال فرائض الميراث في شريعتنا النساء، ففي الصحيحين وغيرهما عن ~~جابر رضي الله عنه قال: " مرضت فعادني رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فأتاني وقد أغمي علي " وفي رواية البخاري في التفسير: " عادني النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأبو بكر في بني سلمة ماشيين، فوجدني النبي صلى الله عليه ~~وسلم لا أعقل، فدعا بماء فتوضأ فصب علي وضوءه فأفقت، فقلت: يا رسول ~~الله! كيف أصنع في مالي؟ " وفي رواية لمسلم: " إنما يرثني كلالة فلم ~~يجبني بشيء " وفي رواية الترمذي: " وكانت لي تسع أخوات حتى نزلت آية ~~الميراث " وفي رواية للبخاري: " فنزلت " وفي رواية للترمذي: " حتى نزلت ~~(يوصيكم الله في أولادكم) " وفي رواية للترمذي: حتى نزلت آية الميراث { ~~يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة } الآية، وقال: حديث صحيح. ولأبي ~~داود والترمذي وابن ماجه والدارقطني عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما ~~قال: # " جاءت امرأة سعد بن ربيع بابنتيها من سعد رضي الله عنهم إلى رسول الله ~~صلى الله عليه ms0896 وسلم فقال: يا رسول الله! هاتان ابنتا سعد بن الربيع، قتل ~~أبوهما معك يوم أحد شهيدا، وإن عمهما أخذ مالهما فلم يدع لهما مالا، ~~ولا تنكحان إلا ولهما مال، قال: يقضي الله عز وجل في ذلك، فنزلت آية ~~الميراث " # وفي رواية أبي داود: ونزلت الآية في سورة النساء، { يوصيكم الله في ~~أولادكم } وفي رواية الدارقطني: # " فنزلت سورة النساء، وفيها { يوصيكم الله في أولادكم } إلى آخر الآية - ~~فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمهما فقال: أعط ابنتي سعد ~~الثلثين، وأعط أمهما الثمن، وما بقي فهو لك " # وفي رواية للدارقطني: # " إن امرأة سعد بن الربيع قالت: يا رسول الله! إن سعدا هلك وترك ابنتين ~~وأخاه, فعمد أخوه فقبض ما ترك سعد، وإنما تنكح النساء على أموالهن، فلم ~~يجبها رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلسه ذلك، ثم جاءته فقالت: يا ~~رسول الله! ابنتا سعد؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ادعي لي أخاه! ~~فجاء فقال: ادفع إلى ابنتيه الثلثين، وإلى امرأته الثمن، ولك ما بقي " # وقال شيخنا حافظ عصره أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر في الإصابة في أسماء ~~الصحابة: روى أبو الشيخ في تفسيره من طريق عبد الله بن الأجلح الكندي عن ~~الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: " كان أهل الجاهلية ~~لا يورثون البنات ولا الأولاد الصغار حتى يدركوا، فمات رجل من الأنصار ~~يقال له أوس بن ثابت، وترك بنتين وابنا صغيرا، فجاء ابنا عمه خالد ~~وعرفطة فأخذا ميراثه، فقالت امرأته للنبي صلى الله عليه وسلم ذلك، فأنزل ~~الله تعالى # للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون # [النساء: 7] فأرسل إلى خالد وعرفطة فقال: لا تحركا من الميراث شيئا " ~~ورواه أبو الشيخ من وجه آخر فقال: قتادة وعرفطة ورواه الثعلبي في تفسيره ~~فقال: سويد وعرفطة، ووقع عنده أنهما أخوا أوس: ورواه مقاتل في تفسيره ~~لفقال: إن أوس بن مالك توفي يوم أحد وترك امرأته أم كجة وبنتين فذكر ~~القصة " وذكر شيخنا في تخريج ms0897 أحاديث الكشاف أن الثعلبي والبغوي ساقا بلا ~~سند أن أوس بن الصامت الأنصاري ترك امرأته أم كجة وثلاث بنات، فزوى ابنا ~~عمه سويد وعرفطه أو قتادة وعرفجة ميراثة عنهن، وكان أهل الجاهلية لا ~~يورثون النساء ولا الأطفال ويقولون: لا يرث إلا من طاعن بالرماح، وذاد عن ~~الحوزة، وحاز الغنيمة، فجاءت أم كجة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~مسجد الفضيخ، فشكت إليه، فقال: ارجعي حتى أنظر ما يحدث الله، فنزلت # للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون # [النساء: 7] فبعث إليهما: لا تفرقا من مال أوس شيئا، فإن الله قد جعل ~~لهن نصيبا، ولم يبين حتى نزلت { يوصيكم الله في أولادكم } الآية، فأعطى ~~أم كجة الثمن والبنات الثلثين والباقي لابني العم " ورواه الطبري من طريق ~~ابن جريج عن عكرمة على غير هذا السياق، ولفظه: " نزلت في أم كجة وابنة أم ~~كجة وثعلبة وأوس بن سويد، وهم من الأنصار، كان أحدهما زوجها والآخر عم ~~ولدها، فقالت: يا رسول الله! توفي زوجي وتركني وابنته فلم نورث، فقال عم ~~ولدها: إن ولدها لا يركب فرسا ولا يحمل كلا ولا ينكأ عدوا، فنزلت # للرجال نصيب # [النساء: 7]، وروي من طريق السدي، قال في قوله: # يوصيكم الله في أولادكم # [النساء: 11] " كان أهل الجاهلية لا يورثون الجواري ولا الضعفاء من ~~الغلمان، ولا يورثون إلا من أطاق القتال، فمات عبد الرحمن أخو حسان ~~الشاعر وترك امرأة يقال لها أم كجة، وترك خمس أخوات، فجاءت الورثة فأخذوا ~~ماله، فشكت أم كجة ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله # فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك # [النساء: 11] ثم قال في أم كجة # ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد # [النساء: 12] ". # فجميع هذه الروايات - كما ترى - ناطقة بأن سبب نزول آيات الميراث ~~النساء، ويمكن أن يكون المجموع سببا - والله أعلم؛ وذلك كما أن سبب ~~إنزال الفرائض في التوراة كان النساء أيضا، وذلك أنه جل أمره وعز اسمه ~~وتعالى جده لما أمات من نكص عن أمره ms0898 من بني إسرائيل ومن آلافهم في التيه ~~وأخرج أبناءهم منه؛ أمر موسى عليه الصلاة والسلام بقسمة أرض الكنعانيين ~~بين بنيهم بعد معرفة عددهم على منهاج ذكره، ولم يذكر البنات، وكان فيهم ~~بنات لا أب لهن فسألن ميراث أبيهن، فأنزل الله حكمهن؛ قال في السفر ~~الرابع من التوراة ما نصه: ولما كان بعد الموت الفاشي قال الرب لموسى ~~ولليعازر بن هارون الحبر: احفظا عدد جماعة بني إسرائيل من ابن عشرين سنة ~~إلى فوق، كل من خرج للمحاربة من بين بني إسرائيل فكلما الجماعة في عربات ~~مؤاب التي عند أردن أريحا، وأخبراهم بقول الرب، ثم أحصياهم، فكان عددهم ~~ستمائة ألف وسبعمائة وثلاثين رجلا غير اللاويين سبط موسى فإنهم كانوا ~~لحفظ قبة الزمان وخدمتها، وكانوا ثلاث قبائل: أحدهم فغث فولد له عمران، ~~وكان اسم امرأة عمران حنة ابنة لوى، ولدت له بأرض مصر هارون وموسى ومريم، ~~وكان عددهم في هذا الوقت ثلاثة وعشرين ألفا، كل ذكر منهم ابن شهر فما ~~فوق، ولم يكن في هؤلاء ممن أحصاه موسى وهارون حيث عدا بني إسرائيل في ~~برية سيناء، لأن الرب قال لهم: يقتلون في هذه المفازة، ولا يبقى منهم رجل ~~ما خلا كلاب بن يوفنا ويوشع بن نون، ودنا بنات صلفحد من قبيلة منشى بن ~~يوسف وقلن: أبونا توفي في البرية ولم يخلف ابنا، أعطنا ميراثنا، فرفع ~~موسى أمرهن إلى الرب فقال الرب لموسى: الحق قلن أعطهن ميراثا مع أعمامهن ~~ليتبين ميراث أبيهن, وقلن لبني إسرائيل: أي رجل مات ولم يخلف ابنا يعطى ~~ميراثه ابنته, وإن لم يكن له ابنة يعطى ميراثه إخوته, ومن لم يكن له إخوة ~~يعطى ميراثه أعمامه ومن لم يكن له أعمام يعطى ميراثه لمن كان قرابته من ~~أهل عشيرته، وتكون هذه سنة لبني إسرائيل في أحكامهم كما أمر الرب موسى؛ ~~وقال في السفر الثالث منها ما نصه سنة الخطايا التي إذا ارتكبها إنسان ~~عوقب بالموت: وكلم الرب موسى وقال له: كلم بني إسرائيل، وقل لهم: أنا ~~الله ربكم! لا تعملوا ms0899 مثل أعمالكم أهل مصر التي سكنتموها، ولا تعملوا مثل ~~أعمال أهل كنعان التي أدخلكم إليها ولا تسيروا سنتهم ولكن اعملوا ~~بأحكامي، واحفظوا وصاياي، وسيروا بها، أنا الله ربكم! احفظوا شرائعي ~~وأحكامي. # لأن الذي يعمل بها يعيش، أنا الرب وليس إله غيري! ولا يجسرن الرجل منكم ~~أنيكشف عورة قرابته، أنا الرب وليس إله غيري! ولا تكشفن عورة أبيك ولا ~~عورة أمك، لأنها أمك، ولا تفضح امرأة ابنك ولا تكشف عورتها، لان عورتها ~~عورة ابنك، ولا تفضح أختك من أبيك ومن أمك التي ولدت من أبيك، أو أختك من ~~أمك لا من أبيك، لا تكشف عورتها، لأن فضيحتها فضيحتك، ولا تكشف عورة بنت ~~امرأة أبيك التي ولدت من أبيك، لأنها أختك، ولا تكشف عورة عمتك, لإنها ~~أخت أبيك, ولا تكشف عورة خالتك, لأنها أخت أمك, ولا تكشف عورة امرأة عمك ~~ولا تدن من امرأته، لأنها امرأة عمك، ولا تكشف عورة كنتك، لأنها امرأة ~~ابنك، ولا تكشف عورة امرأة أخيك، لأن فضيحتها فضيحة أخيك، ولا تكشف عورة ~~امرأة وبنتها، أي لا تتزوج بهما، ولا تكشف عورة بنت الابن ولا بنت البنت، ~~لأن فضيحتهما فضيحتك، ولا تكشف عورتهما، هن قرابتك وارتكابهن إثم، ولا ~~تتزوج أخت امرأتك في حياتها فتحزنها، ولا تكشف عورتهما جميعا في حياة ~~امرأتك، والمرأة إذا حاضت وطمثت لا تدن لتكشف عورتها، ولا تسفح بامرأة ~~صاحبك ولا تنجس، ولا تنجس اسم إلهك، أنا الله ربكم! لا تضاجعن الذكر، ولا ~~ترتكب من الذكر ما ترتكب من المرأة، لأنه فعل نجس، ولا بهيمة، ولا تلق ~~زرعك فيها فتنجس بها، والمرأة أيضا لا تقوم بين يدي بهيمة تطأها، لأنه ~~فعل نجس، لا تنجسوا منها بشيء، فبهذه كلها تنجست الشعوب التي أهلكتها من ~~بين أيديكم, وتنجست أرضهم بفعلهم, وعاقبتها بإثمها, وتعطلت الأرض من ~~سكانها لحال خطاياهم؛ احفظوا عهودي وأحكامي, ولا ترتكبوا شيئا من هذه ~~الخطايا لأن أهل البلاد التي ترثونها فعلوا هذه الأفاعيل كلها وتنجست ~~الأرض بهم، ولا تنجسوا الأرض لئلا تعطل منكم كما تعطلت من ms0900 الشعوب التي ~~كانوا يها قبلكم، لأن كل من يفعل هذه الخطايا يهلك؛ احفظوا شرائعي ولا ~~ترتكبوا شيئا من سير الخطايا التي فعلها من كان قبلكم، ولا تنجسوا بها، ~~أنا الله ربكم!. # ثم كلم الرب موسى وقال له: كلم جميع بني إسرائيل وقل لهم: تقدسوا، لأني ~~قدوس، أنا الله ربكم! يهاب كل امرىء منكم والديه ويكرمهما، واحفظوا ~~وصاياي، لأني أنا الله ربكم! لا تقبلوا إلى الشيطان ولا تتخذوا آلهة ~~مسبوكة، أنا الله ربكم, وقال في السفر الثاني: ولا تصدقن الخبر الكاذب، ~~لا توال الخبيث لتكون له شاهد زور، ولا تتبعن هوى الكبير فتنسى، ولا ~~تشايعن الكبراء الذين يحيفون في القضاء فتحيف معهم، ولا تعن المسكين على ~~الظلم، لا تحيفن في فضاء المسكين وتباعد عن القول الكاذب. وقال في السفر ~~الخامس: ودعا موسى بجميع بني إسرائيل وقال لهم: اسمعوا يا بني إسرائيل ~~السنن والأحكام التي أتلوا عليكم لتعلموها وتحفظوها وتعملوا بها، وتعلمون ~~أن الله ربنا عاهدنا عهدا بأرض حوريب، ولم يعاهد الله آباءنا بهذا ~~العهد، بل إنما عاهدنا، نحن الذين ها هنا أحيانا سالمين، وجها قبل وجه ~~كلمنا الرب في النار عن الجبل، فأنا كنت قائما بين يدي الرب وبينكم ~~لأظهر لكم ذلك الزمان أقول الله ربكم، حيث فرقتم من النار ولم تصعدوا إلى ~~الجبل، وقال الرب: أنا الله ربكم الذي أخرجتكم من أرض مصر وخلصتكم من ~~العبودية! لا يكون لكم إله غيري، ولا تتخذوا أصناما ولا أشباها، ولا ~~تقسم باسم ربك كذبا، لأن الرب لا يزكي من يحلف باسمه كذبا، احفظوا يوم ~~السبت وطهروه - إلى أن قال؛ لا تعملوا فيه عملا ليستريح عبيدكم وإماؤكم ~~معكم، واذكروا أنكم كنتم عبيدا بأرض مصر فأخرجكم الله ربكم من هناك بيد ~~منيعة وذراع عظيمة، لذلك أمركم ربكم أن تحفظوا يوم السبت، فيكرم كل امرىء ~~منكم والديه كما أمركم الله ربكم لتطول أعماركم، وينعم عليكم في الأرض ~~التي يعطيكم، لا تقتلوا، لا تزنوا، لا تسرقوا، لا يشتهين الرجل منكم ~~امرأة صاحبه - إلى أن قال: ولا شيئا ms0901 مما لصاحبك - هذه الآيات التي أمر ~~بها الرب بني إسرائيل، وكلمهم بها في الجبل من النار بالسحاب والضباب ~~بصوت عظيم لا يوصف ولا يحد، وهي التي كتبها على لوحي الحجارة ودفعها إلى ~~موسى النبي - فما سمعتم صوتا من الظلمة ورأيتم نارا تشتعل في الجبل ~~تقدم إلي رؤساؤكم، وقالوا: قد أرانا الله ربنا مجده وكرامته وعظمته، ~~اليوم رأينا أن كلم الله الناس وعاشوا، إن عدنا نسمع صوت الله ربنا متنا، ~~تقدم أنت واسمع ما يقول الله ربنا وقص علينا فسمع الرب صوت كلامكم حين ~~كلمتموني وقال لي الرب: قد سمعت صوت الشعب وما قالوا لك، نعم ما تكلموا ~~به ويا ليت تكون لهم قلوب هكذا، فتكون تسمع وتطيع وتتقوى، ويفزعون من ~~قولي، ويحفظون جميع وصاياي، كلها احفظوا، واعملوا بما أمركم الله ربكم ~~ولا تحيدوا يمنة ولا يسرة، بل سيروا في كل الطريق الذي أمركم ربكم ~~لتعيشوا، وينعم عليكم، وتطول مدتكم في الأرض التي ترثون - هذه السنن ~~والوصايا والأحكام التي أمرني الله ربكم أن أعلمكم لتعلموا وتتقوا الله ~~ربكم أنتم وبنوكم كل أيام حياتكم فتطول أعماركم، اسمعوا يا بني إسرائيل! ~~الله ربنا واحد، أحبوا الله ربكم في كل قلوبكم، ولتكن هذه الآيات التي ~~أمركم في قلوبكم أبدا، وعلموها بنيكم، وتكلموا بها إذا حضرتم في ~~منازلكم، وإذا سافرتم، وإذا رقدتم، وإذا قمتم، وشدوها علامة على أيديكم، ~~ويكون ميسما بين أعينكم، واكتبوها على قوائم بيوتكم وعلى أبوابكم، ولا ~~تنسوا الله ربكم، وإياه فاعبدوا وباسمه فأقسموا، ولا تتبعوا الآلهة ~~الأخرى التي تعبدها الشعوب التي حولكم، لأن الله ربكم الحال فيكم هو إله ~~غيور فاتقوه، لا يشتد غضبه عليكم، ويهلككم عن حديد الأرض، ولا تجربوا ~~الله ربكم كما جربتموه بالبلايا، ولكن احفظوا وصية الله ربكم وشهادته ~~وسنته التي أمركم بها، فاعملوا الحسنات، وأنصفوا واعدلوا لينعم عليكم، ~~وتدخلوا وترثوا الأرض المخصبة التي أقسم الله لآبائكم، ويكسر جميع ~~أعدائكم ويهزمهم قدامكم كما قال الرب، فإذا سألكم بنوكم غدا وقالوا: ما ~~الشهادة والسنة والحكومة التي أمركم الله بها؟ قولوا ms0902 لبنيكم: إنا كنا ~~عبيدا لفرعون بأرض مصر، وأخرجنا الرب من أرض مصر بيد منيعة، وأنزل بأهل ~~مصر بلاء شديدا، وفعل ذلك بفرعون وجميع أهل بيته تجاهنا، وأخرجنا الرب ~~من هناك ليدخلنا ويعطينا الأرض التي أقسم لآبائنا، وأمرنا الرب أن نعمل ~~هذه السنن كلها، وأن نتقي الله ربنا لينعم كل أيامنا، ويحيينا بالخير ~~والنعم، ويكون ربنا بنا برا إذا حفظنا هذه الوصية كلها، وعلمناها أمام ~~الله ربنا كما أمرنا. # وقال في السفر الخامس: ولا تكف يدك عن العطاء والصدقة على أخيك المسكين، ~~ولكن يصدق بعضكم على بعض، ويعطي بعضكم بعضا، ولا يضيق قلبك، ولا تحزن ~~إذا صدقت على أخيك، لأنك إذا فعلت هذا القول وأوسعت على أخيك يبارك الله ~~لك في جميع أعمالك، وفي كل ما تمد يدك إليه، من أجل أن الأرض لا تعدم ~~المساكين، فلذلك آمرك - والعزم إليك - أن تمد يدك إلى أخيك المسكين، ~~وتصدق على الفقير في الأرض. وقال فيه: أنصفوا بين إخوتكم وأحكموا بالحق ~~ولا تحيفوا في القضاء، واسمعوا من الصغير كما تسمعون من الكبير، ولا ~~تهابوا الرجل ولو عظم شأنه وكثرت أمواله، لأن القضاء لله. # وقال فيه: صيروا لكم قضاة وكتابا في جميع قراكم، وتقضون للشعب قضاء ~~العدل والبر، ولا تحيفن في القضاء، ولا تحابوا ولا ترتشوا، لأن الرشوة ~~تعمي أعين الحكام في القضاء، ولكن أقضي بالحق لتعيشوا وتبقوا وترثوا ~~الأرض التي يعطيكم الله ربكم - فقد علم من هذا أصول غالب ما ذكره تعالى ~~في هذه السورة مع ما تقدم من أشكاله في البقرة عند قوله تعالى: # وإذا أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله # [البقرة: 83] وغيرها من الآيات، وفي آل عمران أيضا، وأما حد الزاني ~~وأمر القتل والجراح فسيذكر إن شاء الله تعالى في المائدة. ### || [4.27-33] # ولما قرر سبحانه وتعالى إرادته لصلاحهم ورغب في اتباع الهدى بعلمه ~~وحكمته عطف على ذلك قوله: { والله } بلطف منه وعظم سلطانه { يريد } إي ~~بإنزاله هذا الكتاب العظيم وإرساله هذا الرسول الكريم { أن يتوب عليكم } ~~أي يرجع لكم بالبيان ms0903 الشافي عما كنتم عليه من طرق الضلال لما كنتم فيه من ~~العمى بالجهل، وزادهم في ذلك رغبة بقوله: { ويريد الذين يتبعون } أي على ~~سبيل المبالغة والاستمرار { الشهوات } أي من أهل الكتابين وغيرهم كشاش بن ~~قيس وغيره من الأعداء { أن تميلوا } أي عن سبيل الرشاد { ميلا عظيما * ~~} أي إلى أن تصيروا إلى ما كنتم فيه من الشرك والضلال، فقد أبلغ سبحانه ~~في الحمل على الهدى بموافقة الولي المنعم الجليل الذي لا تلحقه شائبة ~~نقص، ومخالفة العدو الحسود الجاهل النازل من أوج العقل إلى حضيض طباع ~~البهائم. # ولما كان الميل متعبا لمرتكبه أخبرهم أن علة بيانه للهداية وإرادته ~~التوبة الرفق بهم فقال: { يريد الله } أي وهو الذي له الجلال والجمال ~~وجميع العظمة والكمال { أن يخفف عنكم } أي يفعل في هذا البيان وهذه ~~الأحكام فعل من يريد ذلك، فيضع عنكم الآصار التي كانت على من كان قبلكم ~~الحاملة على الميل، ويرخص لكم في بعض الأشياء كنكاح الأمة - على ما تقدم، ~~ودل على علة ذلك بالواو العاطفة؛ لأنكم خلقتم ضعفاء يشق عليكم الثقل { ~~وخلق الإنسان } أي الذي أنتم بعضه { ضعيفا * } مبناه الحاجة، فهو لا ~~يصبر عن النكاح ولا غيره من الشهوات، ولا يقوى على فعل شيء إلا بتأييد ~~منه سبحانه. # ولما كان غالب ما مضى مبنيا على الأموال تارة بالإرث، وتارة بالجعل في ~~النكاح، حلالا أو حراما؛ قال تعالى - إنتاجا مما مضى بعد أن بين الحق ~~من الباطل وبين ضعف هذا النوع كله، فبطل تعليلهم لمنع النساء والصغار من ~~الإرث بالضعف، وبعد أن بين كيفية الترصف في أمر النكاح بالأموال وغيرها ~~حفظا للأنساب، ذاكرا كيفية التصرف في الأموال، تطهيرا للإنسان، ~~مخاطبا لأدنى الأسنان في الإيمان، ترفيعا لغيرهم عن مثل هذا الشأن: { ~~يا أيها الذين آمنوا } أي أقروا بالإيمان والتزام الأحكام. # ولما كان الأكل أعظم المقاصد بالمال، وكان العرب يرون التهافت على الأكل ~~أعظم العار وإن كان حلالا؛ كنى به التناول فقال: { لا تأكلوا } أي ~~تتناولو { أموالكم } أي الأموال التي جعلها الله قياما للناس { بينكم ms0904 ~~بالباطل } أي من التسبب فيها بأخذ نصيب النساء والصغار من الإرث، وبعضل ~~بعض النساء وغير ذلك مما تقدم النهي عنه وغيره. # ولما نهى عن الأكل بالباطل، استدرك ما ليس كذلك فقال: { إلا أن تكون } ~~أي المعاملة المدارة المتداولة بينكم { تجارة } هذا في قراءة الكوفيين ~~بالنصب، وعلى قراءة غيرهم: إلا أن توجد تجارة كائنة { عن تراض منكم } أي ~~غير منهي عنه من الشارع، ولعل الإتيان بأداة الاستثناء المتصل - والمعنى ~~على المنقطع - للإشارة إلى أن تصرفات الدنيا كلها جديرة بأن يجري عليها ~~اسم الباطل ولو لم يكن إلا معنيا بها تزهيدا فيها وصدا عن الاستكثار ~~منها، وترغيبا فيما يدوم نفعه ببقائه، وهكذا كل استثناء منقطع في ~~القرآن، من تأمله حق التأمل وجد للعدول عن الحرف الموضوع له - " وهو لكن ~~" - إلى صورة الاستثناء حكمة بالغة - والله الموفق. # ولما كان المال عديل الروح ونهى عن إتلافه بالباطل، نهى عن إتلاف النفس، ~~لكون أكثر إتلافهم لها بالغارات لنهب الأموال وما كان بسببها وتسبيبها ~~على أن من أكل ماله ثارت نفسه فأدى ذلك إلى الفتن التي ربما كان آخرها ~~القتل، فكان النهي عن ذلك أنسب شيء لما بنيت عليه السورة من التعاطف ~~والتواصل فقال تعالى: { ولا تقتلوا أنفسكم } أي حقيقة بأن يباشر الإنسان ~~قتل نفسه، أو مجازا بأن يقتل بعضكم بعضا، فإن الأنفس واحدة، وذلك أيضا ~~يؤدي إلى قتل نفس القاتل، فلا تغفلوا عن حظ أنفسكم من الشكر فمن غفل عن ~~حظها فكأنما مثلها، ثم علله بما يلين أقسى الناس فقال: { إن الله } أي مع ~~ما له من صفات العظمة التي لا تدانيها عظمة { كان بكم } أي خاصة حيث خفف ~~عليكم ما شدده على من كان قبلكم { رحيما * } أي بليغ الرحمة حيث يسر لكم ~~الطاعة ووفقكم لها فأبلغ سبحانه الترغيب في الامتثال؛ ثم قال ترهيبا من ~~مواقعة الضلال: { ومن يفعل ذلك } أي المنهي عنه من القتل وغيره العظيم ~~الإبعاد عن حضرات الإله { عدوانا وظلما } أي بغير حق، وعطفه للوصف ~~بالواو يدل على تناهي كل منهما، هذا ms0905 مع ما أفهمه صفة الفعلان من ~~المبالغة، فكان المراد العدو الشديد المفرط المتجاوز للحدود الناشيء عن ~~العهد وتناهي الظلم الذي لا شائبة فيه للحق { فسوف نصليه نارا } أي ~~ندخله إياها بوعيد لا خلف فيه وإن طال إمهاله { وكان ذلك } أي الأمر ~~العظيم الذي توعد به { على الله } أي الذي له الجلال والجمال { يسيرا * ~~} أي لأنه لا ينقصه من مكله شيئا، ولا يمنع منه مانع. # ولما بين تعالى ما لفاعل ذلك تحذيرا، وكان قد تقدم جملة من الكبائر، ~~أتبعه ما للمنتهي تبشيرا جوابا لمن كأنه قال: هذا للفاعل فما للمجتنب؟ ~~فقال على وجه عام: { إن تجتنبوا } أي تجهدوا أنفسكم بالقصد الصالح في أن ~~تتركوا تركا عظيما وتباعدوا { كبائر ما تنهون عنه } أي من أكل المال ~~والقتل بالباطل والزنى وغير ذلك مما تقدم روى البزار - قال الهيثمي: ~~ورجاله رجال الصحيح - عن عبد الله - يعني ابن مسعود - أنه سئل عن الكبائر ~~فقال: ما بين أول سورة النساء إلى رأس ثلاثين قال الأصبهاني: وكل ذنب عظم ~~الشرع الوعيد عليه بالعذاب وشدده، أو عظم ضرره في الخمس الضرورية: حفظ ~~الدين والنفس والنسب والعقل والمال، فهو كبيرة، وما عداه صغيرة { نكفر ~~عنكم سيئاتكم } أي التي هي دون الكبائر كلها، فإن ارتكبتم شيئا من ~~الكبائر وأتيتم بالمكفرات من الصلوات الخمس والجمعة وصوم رمضان والحج، أو ~~فرطتم في شيء منها فمن الله عليكم بأن أتاكم بالمرض؛ كفر ذلك المأتي به ~~الصغائر، ولم يقاوم تلك الكبيرة فلم يكفر جميع السيئات، لعدم إتيانه على ~~تلك الكبيرة { وندخلكم مدخلا كريما * } أي يجمع الشرف والعمل والجود ~~وكل معنى حسن، ومن فاته جميع ذلك لم يكفر عنه سيئاته، ولم يدخله هذا ~~المدخل، ويكفي في انتفائه حصول القصاص في وقت ما؛ وقال الإمام أحمد: ~~المسلمون كلهم في الجنة - لهذه الآية وقول النبي صلى الله عليه وسلم # " ادخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي " # فالله تعالى يغفر ما دون الكبائر، فالنبي صلى الله عليه وسلم يشفع في ~~الكبائر، فأي ذنب على المسلمين! ذكره عنه الأصبهاني، وهذا ms0906 الحديث أخرجه ~~أبو داود والترمذي وغيرهما عن أنس رضي الله عنه. # ولما نهى عن القتل وعن الأكل بالباطل بالفعل وهما من أعمال الجوارح، ~~ليصير الظاهر طاهرا عن المعاصي الوخيمة؛ نهى عن التمني الذي هو مقدمة ~~الأكل، ليكون نهيا عن الأكل بطريق الأولى، فإن التمني قد يكون حسدا، ~~وهو المنهي عنه هنا كما هو ظاهر الآية: وهو حرام والرضى بالحرام، والتمني ~~على هذا الوجه يجر إلى الأكل والأكل يعود إلى القتل، فإن من يرتع حول ~~الحمى يوشك أن يواقعه، والنهي هنا للتحريم عند أكثر العلماء فقال: { ولا ~~تتمنوا } أي تتابعوا أنفسكم في ذلك { ما فضل الله } أي الذي له العظمة ~~كلها، فلا ينقصه شيء { به } اي من المال وغيره { بعضكم عن بعض } أي في ~~الإرث وغيره من جميع الفضائل النفسانية المتعلقة بالقوة النظرية كالذكاء ~~التام والحدس الكامل وزيادة المعارف بالكمية والكيفية، أو بالقوة العملية ~~كالعفة التي هي وسط بين الجمود والفجور، والشجاعة التي هي وسط بين التهور ~~والجبن، والسخاء الذي هو وسط بين الإسراف والبخل، وكاستعمال هذه القوى ~~على الوجه الذي ينبغي وهو العدالة، أو الفضائل البدنية كالصحة والجمال ~~والعمر الطويل مع اللذة والبهجة، أو الفضائل الخارجية مثل كثرة الأولاد ~~الصلحاء، وكثرة العشائر والأصدقاء والأعوان، والرئاسة التامة ونفاذ ~~القول، وكونه محبوبا للناس حسن الذكر فيهم؛ فهذه مجامع السعادات, وبعضها ~~نظرية لا مدخل للكسب فيها، وبعضها كسبية، ومتى تأمل العاقل في ذلك وجده ~~محض عطاء من الله، فمن شاهد غيره أرفع منه في شيء من هذه الأحوال تألم ~~قلبه وكانت له حالتان: إحداهما أن يتمنى حصول مثل تلك السعادة له، ~~والأخرى أن يتمنى زوالها عن صاحبها, وهذا هو الحسد المذموم، لأنه ~~كالاعتراض على الله الذي قسم هذه القسمة، فإن اعتقد أنه أحق منه فقد فتح ~~على نفسه باب الكفر، واستجلب ظلمات البدعة، ومحا نور الإيمان، فإن الله ~~فعال لما يريد، لا يسأل عما يفعل فلا اعتراض عليه، وكما أن الحسد سبب ~~الفساد في الدين فهو سبب الفساد في الدنيا؛ فعلى كل أحد ms0907 أن يرضى بما قسم ~~له علما بأن ذلك مصلحة، ولو كان غير ذلك فسد، فإن ذلك كله قسمة من الله ~~صادرة عن حكمه وتدبيره وعلمه بأحوال العباد فيما يصلحهم ويفسدهم. # وأما تمني المثل فإن كان دينيا كان حسنا، كما قال صلى الله عليه وسلم # " لا حسد إلا في اثنتين " # وإن كان دنيويا فمن الناس من جوز ذلك، ومنهم من قال - وهم المحققون: لا ~~يجوز ذلك، لأن تلك النعمة ربما كانت مفسدة في حقه في الدين ومضرة في ~~الدنيا كقصة قارون - قال معنى ذلك الإمام الرازي. # ولما نهى سبحانه عن ذلك علله بما ينبه على السعي في الاسترزاق والإجمال ~~في الطلب، كما قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه أحمد والترمذي وابن ماجه ~~عن شداد بن أوس رضي الله عنه # " الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها ~~وتمنى على الله " # وكما قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم والنسائي وابن ماجه عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه # " المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير احرص ~~على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني ~~فعلت كان كذا وكذا. ولكن قل: قدر الله، وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل ~~الشيطان " # فقال مشيرا إلى أنه لا ينال أحد جميع ما يؤمل: { للرجال نصيب } أي قد ~~فرغ من تقديره فهو بحيث لا يزيد ولا ينقص، وبين سبحانه أنه ينبغي الطلب ~~والعمل، كما أشار إليه الحديث فقال: { مما اكتسبوا } أي كلفوا أنفسهم ~~وأتعبوها في كسبه من أمور الدارين من الثواب وأسبابه من الطاعات ومن ~~الميراث والسعي في المكاسب والأرباح # " جعل رزقي تحت ظل رمحي " # " لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصا وتروح بطانا " # { وللنساء نصيب مما اكتسبن } أي وكذلك فالتمني حينئذ غير نافع، ~~فالاشتغال به مجرد عناء. # ولما أشار بالتبعيض إلى أن الحصول بتقديره، لا بالكسب الذي جعله سببا، ~~فإنه تارة ينجحه وتارة يخيبه، فكان التقدير: فاكتسبوا ولا ms0908 تعجزوا فتطلبوا ~~بالتمني؛ أمر بالإقبال - في الغنى وكل شيء - عليه إشارة إلى تحريك السبب ~~مع الإجمال في الطلب فقال: { وسئلوا الله } أي الذي له جميع صفات الكمال. # ولما كان سبحانه تعالى عظمته لا ينقصه شيء وإن جل قال: { من فضله } أي ~~من خزائنه التي لا تنفد ولا يقضيها شيء، وفي ذلك تنبيه على عدم التعيين، ~~لأنه ربما كان سبب الفساد، بل يكون الطلب لما هو له صلاح، وأحسن الدعاء ~~المأثور، وأحسنه # ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار # [البقرة: 201] ثم علل ذلك بقوله: { إن الله } أي الملك الأعظم الذي بيده ~~مقاليد كل شيء { كان بكل شيء عليما * } أي فكان على كل شيء قديرا، فإن ~~كمال العلم يستلزم شمول القدرة - كما سيبين إن شاء الله تعالى في سورة ~~طه، والمعنى أنه قد فعل بعلمه ما يصلحكم فاسألوه بعلمه وقدرته ما ينفعكم، ~~فإنه يعلم ما يصلح كل عبد وما يفسده. وعطف على ذلك ما هو من جملة لعلة ~~فقال: { ولكل } أي من القبيلتين صغارا كانوا أو كبارا { جعلنا } ~~بعظمتنا التي لا تضاهى { موالي } أي حكمنا بأنهم هم الأولياء، أي ~~الأنصار، والأقرباء لأجل الإرث، هم الذين يلون المال ويرثونه، سواء كانوا ~~عصبة خاصة وهم الوراث، أو عصبة عامة وهم المسلمون. # ولما كان الاهتمام بتوريث الصغار أكثر قال: { مما } أي من أجل ما { ترك ~~} أي خلفه { الوالدان } أي لكم، ثم أتبع ذلك ما يشمل حقي الأصل والفرع ~~فقال: { والأقربون } أي إليكم، ثم عطف على ذلك قوله: { والذين } أي وما ~~ترك الذين { عقدت أيمانكم } أي مما تركه من تدلون إليه بنسب أو سبب ~~بالحلف أو الولاء أو الصهر، وذكر اليمين لأن العهد يكون مع المصافحة بها، ~~ثم سبب عن ذلك قوله: { فآتوهم } أي الموالي وإن كانوا صغارا أو إناثا ~~على ما بينت لكم في آية المواريث السابقة، واتركوا كل ما خالف ذلك فقد ~~نسخ بها { نصيبهم } أي الذي فرضناه لهم من الإرث موافرا غير منقوص، ولا ~~تظنوا أن غيرهم أولى منهم ms0909 أو مساو لهم، ثم رهب من المخالفة، وأكد الأمر ~~وعدا ووعيدا بقوله: { إن الله } أي المحيط بصفات الكمال { كان على كل ~~شيء شهيدا * } أي فهو يعلم الولي من غيره والخائن من غيره وإن اجتهد في ~~الإخفاء، لأنه لا يخفى عليه شيء، لأنه لا يغيب شيء ولا يغيب عنه شيء، ~~فالمعنى: إنا لم نفعل سوى ما قصدتم من إعطاء المال لمن يحمي الذمار ويذب ~~عن الحوزة، وأنتم كنتم غير منزليه حق منازله لغيبتكم عن حقائق الأمور ~~وغيبتها عنكم، فإنا لم نخرج شيئا منه لغير الموالي - أي الأنصار - إما ~~بالقرابة أو بالمعاقدة بالولاء أو المصاهرة، فالحاصل أنه لمن يحمي ~~بالفعل، أو بالقوة القريبة منه، أو البعيدة الآئلة إلى القرب، وأما ~~التفضيل في الأنصباء فأمر استأثرنا بعلم مستحقيه، وفي البخاري في التفسير ~~عن ابن عباس: " موالي: ورثة والذين عاقدت أيمانكم كان المهاجرون لما ~~قدموا المدينة يرث المهاجرين الأنصاري دون ذوي رحمه للأخوة التي آخى ~~النبي صلى الله عليه وسلم بينهم، فلما نزلت { ولكل جعلنا موالي } نسخت، ~~ثم قال: { والذي عاقدت أيمانكم } من النصر والرفادة والنصيحة، وقد ذهب ~~الميراث، ويوصي له ". ### || [4.34-35] # ثم بين سبحانه وجه استحقاق بعض المفضلين، فقال - جوبا لسؤال من كأنه ~~قال: ما للرجال فضلوا؟ - { الرجال قوامون } أي قيام الولاة { على النساء ~~} في التأديب والتعليم وكل أمر ونهي، وبين سببي ذلك بقوله: { بما فضل ~~الله } أي الذي له الحكمة البالغة والكمال الذي لا يدانى، هبة منه وفضلا ~~نم غير تكسب { بعضهم } وهم الرجال، في العقل والقوة والشجاعة، ولهذا كان ~~فيهم الأنيباء والولاة والإمامة الكبرى والولاية في النكاح ونحو ذلك من ~~كل أمر يحتاج إلى فضل قوة في البدن والعقل والدين { على بعض } يعني ~~النساء، فقال للرجال # انفروا خفافا وثقالا # [التوبة: 41] وقال للنساء: # وقرن في بيوتكن # [الأحزاب: 33]. # ولما ذكر السبب الموهبي أتبعه الكسبي فقال: { وبما أنفقوا } أي من ~~المهور والكسى وغيرها { من أموالهم } أي عليهن، فصارت الزيادة في أحد ~~الجانبين مقابلة بالزيادة من الجانب الآخر. # ولما بان بذلك فضلهم، فأذعنت النفس لما ms0910 فضلوا به في الإرث وغيره، وكان ~~قد تقدم ذكر نكاحهم للنساء والحث على العدل فيهن؛ حسن بيان ما يلزم ~~الزوجات من حقوقهم وتأديب من جحدت الحق، فقال مسببا لما يلزمهن من ~~حقوقهم عما ذكر من فضلهم { فالصالحات قانتات } أي مخلصات في طاعة ~~الأزواج، ولذلك ترتب عليه { حافظات للغيب } أي لحقوق الأزواج من الأنفس ~~والبيوت والأموال في غيبتهم عنهن { بما } أي بالأمر الذي { حفظ الله } أي ~~المحيط علما وقدرة به غيبتهم بفعله فيه فعل من يحفظ من الترغيب في ~~طاعتهم فيما يرضي الله والترهيب من عصيانهم بما يسخطه، ورعي الحدود التي ~~أشار إليها سبحانه من البقرة، وشرحتها سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. # ولما عرف بالصالحات لاستحقاق الإنفاق في اللوازم أتبعه حكم غيرهن فقال: ~~{ واللاتي تخافون نشوزهن } أي ترفعهن عليكم عن الرتبة التي أقامهن الله ~~بها، وعصيانهن لكم فيما جعل الله لكم من الحق، وأصل النشوز: الانزعاج في ~~ارتفاع، قال الشافعي: دلالات النشوز قد تكون قولا، وقد تكون فعلا، ~~فالقول مثل أن كانت تلبيه إذا دعاها، وتخضع له بالقول إذا خاطبها، ثم ~~تغيرت؛ والفعل مثل أن كانت تقوم له إذا دخل إليها، أو كانت تسارع إلى ~~أمره، وتبادر إلى فراشه باستبشار إذا التمسها، ثم إذا تغيرت فحينئذ ظن ~~نشوزها؛ ومقدمات هذه الأحوال توجب خوف النشوز { فعظوهن } أي ذكروهن من ~~أمر الله بما يصدع قلوبهن ويرققها ويخيفهن من جلال الله. # ولما كان الوعظ موجبا لتحقق الطاعة أو المعصية قال: { واهجروهن } أي إن ~~لم يرجعن بالوعظ { في المضاجع } أي التي كنتم تبيتون معهن فيها من البيت، ~~وفي ضمن الهجر امتناعه من كلامها؛ قال الشافعي: ولا يزيد في هجرة الكلام ~~على ثلاث { واضربوهن } أي إن أصررن ضرب تأديب غير مبرح، وهو ما لا يكسر ~~عظما ولا يشين عضوا، ويكون مفرقا على بدناه ولا يوالي به في موضع ~~واحد، ويتقي الوجه لأنه مجمع المحاسن، ويكون دون الأربعين؛ قال الشافعي: ~~الضرب مباح وتركه أفضل { فإن أطعنكم } أي بشيء من الوعظ، والهجر في موضع ~~المبيت من ms0911 البيت، أو الضرب { فلا تبغوا } أي تطلبوا { عليهن سبيلا } أي ~~طريقا إلى الأذى على ما سلف من العصيان من توبيخ على ما سلف نحوه، بما ~~لكم عليهن من العلو، بل اغفروا لهن ما سلف، ولا يحملنكم ما منحكم الله من ~~العلو على المناقشة، ثم علل ذلك بقوله: { إن الله } أي وقد علمتم ما له ~~من الكمال { كان } ولم يزل { عليا كبيرا * } أي له العلو والكبر على ~~الاطلاق بكمال القدرة ونفوذ المشيئة, فهو لا يحب الباغي ولا يقره على ~~بغيه، وقدرته عليكم أعظم من قدرتكم عليهن، وهو مع ذلك يعفو عمن عصاه وإن ~~ملأ الأرض خطايا - إذا أطاعه، ولا يؤاخذه بشيء مما فرط في حقه، بل يبدل ~~سيئاته حسنات، فلو أخذكم بذنوبكم أهلككم؛ فتخلقوا بما قدرتم عليه من ~~صفاته لتنالوا جليل هباته، وخافوا سطواته، واحذروا عقوبته، بما له من ~~العلو والكبر. # ولما بين حال الوفاق وما خالطه من شيء من الأخلاق التي يقوم بإصلاحها ~~الزوج، أتبعه حال المباينة والشقاق المحوج إلى من ينصف أحدهما من الآخر ~~فقال: { وإن خفتم } أي أيها المتقون القادرون على الإصلاح من الولاة ~~وغيرهم { شقاق بينهما } أي الزوجين المفهومين من السياق، يكون كل واحد ~~منهما في شق غير الشق الذي فيه الآخر، ولا يكون ذلك إلا وأحدهما على ~~باطل، وأضاف الشقاق إلى البين ليفيد أن هذا العمل إنما يكون عند الخوف من ~~شقاق خاص، وهو أن يكون البين المضاف إليهما - وهو الذي يميز كل واحد ~~منهما من الآخر - لا تمكن في العادة إزالته ليكونا شيئا واحدا كما كانا ~~لا بين لهما، وذلك بظن أنه لا صلاح في اجتماعهما { فابعثوا } أي إليهما ~~للإصلاح بينهما بإنصاف المظلوم من الظالم { حكما من أهله } أي الزوج { ~~وحكما من أهلها } أي الزوجة، هذا أكمل لأن أهلهما أقرب إلى إزالة أسباب ~~الشقاق من بينهما، لأنهم أجدر بالإطلاع على بواطن أمورهما وعلى حقائق ~~أحوالهما، والزوجان أقرب إلى إطلاعهما إن كانا قريبين على ضمائرهما، ~~وأقرب إلى إخفاء ذلك عن الأجانب؛ وفائدة الحكمين أن يخلو كل ms0912 منهما بصاحبة ~~ويستكشف حقيقة الحال ليعرف وجه الصلاح. # ثم أجاب من كأنه قال: وماذا عسى أن يضيفا؟ بقوله: { إن يريدا } أي ~~الحكمان { إصلاحا } أي بينهما، وكأنه نكره لأن الإخلاص ووجود الكمال ~~قليل { يوفق الله } الذي له الإحاطة بعلم الغيب والشهادة { بينهما } أي ~~الزوجين لأن صلاح النية أكبر معين على بلوغ المقاصد، وهذا دالعلى أنه لا ~~يكون شيء إلا بالله، وأن الأسباب إنما هي محنة من الله، يسعد بها من ~~يباشرها ويعتمد على الله دونها، ويشقى بها من يجعلها محط قصده، فيعتمد ~~عليها. # ولما كان المصلح قد يظن مفسدا لصدعه بمر الحق من غير مداراة، والمفسد ~~قد يعد مصلحا لما يرى منه من المداهنة والمراءاة والمكر، فيظن من يخلق ~~الوعد بالتوفيق غير ما في نفس الأمر؛ قال تعالى مزيلا لهذا الوهم مرغبا ~~ومرهبا: { إن الله } أي المحيط بجميع صفات الكمال { كان عليما } أي ~~مطلقا على ما يمكن الاطلاع عليه وإن غاب عن غيره { خبيرا * } أي لا ~~يخفى عليه من ذلك خفي، ولا يغيب عنه خبيء، فصارت هذه الآيات كفيلة بغالب ~~أحوال النكاح، ولم يذكر سبحانه وتعالى الطلاق عندما ذكر الشقاق لتقدمه في ~~البقرة، ولأن مبنى هذه السورة على التواصل والتواد دون التفاصل والتراد ~~كما قال ابن الزبير، ولهذا - أي لبناء السورة على التواصل والائتلاف دون ~~التفاصل والاختلاف - خصت من حكم تشاجر الزوجين بالإعلام بصورة الإصلاح ~~والعدالة إبقاء لذلك التواصل، فلم يكن الطلاق ليناسب هذا، فلم يقع له هنا ~~ذكر ولا إيماء إلا قوله: # وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته # [النساء: 130] - انتهى. ### || [4.36-39] # ولما كثرت في هذه السورة الوصايا من أولها إلى هنا بنتيجة التقوى: العدل ~~والفضل، والترغيب في نواله، والترهيب من نكاله - إلى أن ختم ذلك بإرشاد ~~الزوجين إلى المعاملة بالحسنى، وختم الآية بما هو في الذروة من حسن ~~الختام من صفتي العلم والخبر، وكان ذلك في معنى ما ختم به الآية الآمرة ~~بالتقوى من الوصف بالرقيب، اقتضى ذلك تكرير التذكير بالتقوى التي افتتحت ~~السورة بالأمر بها، فكان التقدير حتما: ms0913 فاتقوه؛ عطف عليه، أو على نحو # وسئلوا الله من فضله # [النساء: 32] أو على { اتقوا ربكم } الخلق المقصود من الخلق المبثوثين ~~على تلك الصفة، وهو العبادة الخالصة التي هي الإحسان في معاملة الخالق، ~~وأتبعها الإحسان في معاملة الخلائق فقال: { واعبدوا الله } أي أطيعوا - ~~الذي له الكمال كله فلا يشبهه شيء - طاعة محضة من غير شائبة خلاف مع الذل ~~والانكسار، لأن ملاك ذلك كله التعبد بامتثال الأوامر واجتناب الزواجر. # ولما كان سبحانه غنيا لم يقبل إلا الخالص، فقال مؤكدا لما أفهمه ما ~~قبله: { ولا تشركوا به شيئا }. # ولما أمر للواحد الحقيقي بما ينبغي له، وكان لذلك درجتان: أولاهما ~~الإيمان، وأعلاهما الإحسان، فصار المأمور بذلك مخلصا في عبادته؛ أمره ~~بالإحسان في خلافته، وبدأ بأولى الناس بذلك، وهو من جعله سببا لإيجاده ~~فقال - مشيرا إلى أنه لا يرضى له من ذلك إلا درجة الإحسان، وإلى أن من ~~أخلص له أغناه عن كل ما سواه، فلا يزال منعما على من عداه -: { ~~وبالوالدين } أي وأحسنوا بهما { إحسانا } وكفى دلالة على تعظيم أمرهما ~~جعل برهما قرين الأمر بتوحيده سبحانه. # ولما كان مبنى السورة على الصلة لا سيما لذي الرحم، قال مفصلا لما ذكر ~~أول السورة تأكيدا له: { وبذي القربى } لتأكد حقهم بمزيد قربهم، ~~ولاقتضاء هذه السورة مزيد الحث على التعاطف أعاد الجار، ثم أتبع ذلك من ~~تجب مراعاته لله، أو لمعنى تفسد بالإخلال به ذات البين، وبدأ بما لله ~~لأنه إذا صح تبعه غيره فقال: { واليتامى والمساكين } أي وإن لم تكن رحمهم ~~معروفة، وخصهم لضعفهم وقدم اليتيم لأنه أضعف، لأنه لصغره يضعف عن دفع ~~حاجته ورفعها إلى غيره { والجار ذي القربى } أي لأن له حقين { والجار ~~الجنب } أي الذي لا قرابة له، للبلوى بعشرته خوفا من بالغ مضرته " ~~اللهم! إني أعوذ بك من جار السوء في دار المقامة، فإن جار البادية يتحول ~~" { والصاحب الجنب } أي الملاصق المخالط في أمر من الأمور الموجبة ~~لامتداد العشرة { وابن السبيل } أي المسافر لغربته وقلة ناصره ووحشته { ~~وما ملكت أيمانكم } أي من ms0914 العبيد والإماء كذلك، فإن الإحسان إليهم طاعة ~~عظيمة " آخر ما تكلم به النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة وما ملكت ~~أيمانكم ". # ولما ذكر الإحسان الذي عماده التواضع والكرم، ختم الآية ترغيبا فيه ~~وتحذيرا من منعه معللا للأمر به بقوله: { إن الله } أي بما له من ~~الأسماء الحسنى والصفات العلى { لا يحب } أي لا يفعل فعل المحب مع { من ~~كان مختالا } أي متكبرا معجبا بنفسه متزينا بحليته مرائيا بما آتاه ~~الله تعالى من فضله على وجه العظم واحتقار الغير، يأنف من أن ينسب إليه ~~أقاربه الفقراء، ويقذر جيرانه إذا كانوا ضعفاء، فلا يحسن إليهم لئلا ~~يلموا به فيعير بهم. # ولما كان المختال ربما أحسن رياء، قال معلما أنه لا يقبل إلا الخالص: { ~~فخورا * } مبالغا في التمدح بالخصال، يأنف من عشرة الفقراء, وفي ذلك ~~أتم ترهيب من الخلق المانع من الإحسان، وهو الاختيال على عباد الله ~~والافتخار عليهم ازدراء بهم، فإنه لا مقتضى لذلك لأن الكل من نفس واحدة، ~~والفضل نعمة منه سبحانه، يجب شكرها بالتواضع لتدوم، ويحذر كفرها بالفخار ~~خوفا من أن تزول. # ولما كان الاختيال والفخر على الفرح بالأعراض الفانية والركون إليها ~~والاعتماد عليها، فكانا حاملين على البخل خوفا من زوالها؛ قال واصفا ~~لهم بجملة من الأخلاق الرديئة الجلية، ذلك منشأها: { الذين يبخلون } أي ~~يوقعون البخل بما حملهم من المتاع الفاني على الفخار، وقصره ليعم كتم ~~العلم ونحوه؛ ثم تلا ذلك بأسوأ منه فقال { ويأمرون الناس بالبخل } مقتا ~~للسخاء، وفي التعبير بما هو من النوس إشارة إلى أنهم لا يعلقون أطماعهم ~~بذلك إلا بذوي الهمم السافلة والرتب القاصرة، ويحتمل أن يكون الأمر كناية ~~عن حملهم غيرهم على البخل بما يرى من اختيالهم وافتخارهم عليهم؛ ثم أتبع ~~ذلك أخبث منه، وهو الشح بالكلام الذي لا يخشى نقصه وجحد النعمة وإظهار ~~الافتقار فقال: { ويكتمون ما أتاهم الله } أي الذي له الجلال والإكرام { ~~من فضله } أي من العلم جاحدين أن يكون لهم شيء يجودون به. قال الأصبهاني: ~~ثم إن هذا الكتمان قد يقع ms0915 على وجه يوجب الكفر، مثل أن يظهر الشكاية لله ~~سبحانه وتعالى ولا يرضى بالقضاء. ثم عطف على { إن الله لا يحب } ملتفتا ~~إلى مقام التكلم، دلالة على تناهي الغضب وتعيينا للمتوعد، مصرحا بمظهر ~~العظمة الذي دل عليه هناك بالاسم الأعظم قوله: { وأعتدنا } أي أحضرنا ~~وهيأنا، وكان الأصل: لهم، ولكنه قال - تعميما وتعليقا للحكم بالوصف، ~~وإعلاما بأن ذلك حامل على الكفر -: { للكافرين } أي بفعل هذه الخصال ~~كفرا حقيقيا بما أوصلهم إليه لزوم الأخلاق الدنية، أو مجازيا بكتمان ~~النعمة { عذابا مهينا * } أي بما اغتروا بالمال الحامل على الفخر ~~والكبر والاختيال " لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من كبر ". # ولما ذم المقترين، أتبعه ذم المسرفين المبذرين فقال - عطفا على { ~~الكافرين } أو { الذين يبخلون } معرفا أن الذين لا يحسنون على الوجه ~~المأمور به فيمن تقدم الأمر بالإحسان إليهم فرقتان: فرقة يمنعون النفقة ~~أصلا، وفرقة يمنعون وصفها ويفعلونها رياء، فيعدمون بذلك روحها -: { ~~والذين ينفقون } وأشار إلى عظيم رغبتهم في نفقتهم بقوله: { أموالهم } ودل ~~على خسة مقاصدهم وسفول هممهم بقوله: { رئاء الناس } أي لقصور نظرهم ~~وتقيده بالمحسوسات كالبهائم التي لا تدرك إلا الجزيئات المشاهدات. # ولما ذكر إخراج المال على وجه لا يرضاه ذو عقل، ذكر الحامل عليه مشيرا ~~إلى أنهم حقروا أنفسهم بما عظموها به، وذلك أنهم تعبدوا للعبيد، وتكبروا ~~على خالقهم العزيز المجيد فقال: { ولا يؤمنون بالله } وهو الملك الأعظم. ~~ولما كان المأمور بالإحسان إليهم هنا من الوالدين ومن ذكر معهم أخص ممن ~~أشير إليهم في البقرة، أكد بزيادة النافي فقال: { ولا باليوم الآخر } ~~الحامل على كل خير، والنازع عن كل شر. # ولما كان التقدير: فكان الشيطان قرينهم، لكفره بإعجابه وكبره؛ عطف عليه ~~قوله: { ومن يكن الشيطان } أي وهو عدوه البعيد من كل خير، المحترق بكل ~~ضير { له قرينا } فإنه يحمله على كل شر، ويبعده عن كل خير؛ وإلى ذلك ~~أشار بقوله: { فساء قرينا * } # ولما كان التقدير: فماذا لهم في الكفر والإنفاق رياء لمن لا ضر ولا نفع ~~بيده؟ عطف عليه قوله ms0916 تعنيفا لهم وإنكارا عليهم: { وماذا عليهم } أي من ~~حقير الأشياء وجليلها { لو آمنوا بالله } أي الذي له كل كمال، وبيده كل ~~شيء { واليوم الآخر } الحامل على كل صلاح { وأنفقوا }. # ولما وصفهم بإنفاق جميع أموالهم للعدو الحقير أشار إلى شحهم فيما هو لله ~~العلي الكبير بشيء يسير يحصل لهم به خير كثير، فقال: { مما رزقهم الله } ~~الذي له الغنى المطلق والجود الباهر، ولما كان التقدير: فقد كان الله ~~عليهم لما بذروا أموالهم قديرا، عطف عليه قوله: { وكان الله } أي المحيط ~~بصفات الكمال { بهم } أي في كلتا الحالتين { عليما * } أي بليغ العلم، ~~وللإعلام بعظمة العلم بهم قدم الجار المفيد للاختصاص في غير هذا الموضع. ### || [4.40-43] # ولما فرغ من توبيخهم قال معللا: { إن الله } أي الذي له كل كمال، فهو ~~الغني المطلق { لا يظلم } أي لا يتصور أن يقع منه ظلم ما { مثقال ذرة } ~~أي فما دونها، وإنما ذكرها لأنها كناية عن العدم، لأنها مثل في الصغر، أي ~~فلا ينقص أحدا شيئا مما عمله، ولا يثيب عليه شيئا لم يعمله، فماذا على ~~من آمن به وهو بهذه الصفة العظمى. # ولما ذكر التخلي من الظلم، أتبعه التحلي بالفضل فقال عاطفا على ما ~~تقديره: فإن تك الذرة سيئة لم يزد عليها، ولا يجزي بها إلا مثلها: { وإن ~~} ولما كان تشوف السامع إلى ذلك عظيما، حذف منه النون بعد حذف المعطوف ~~عليه تقريبا لمرامه فقال: { تك } أي مثقال الذرة، وأنثه لإضافته إلى ~~مؤنث، وتحقيرا له، ليفهم تضعيف ما فوقه من باب الأولى، وهذا يطرد في ~~قراءة الحرميين برفع { حسنة } أي وإن صغرت { يضاعفها } أي من جنسها بعشرة ~~أمثالها إلى سبعين إلى سبعمائة ضعف إلى أزيد من ذلك بحسب ما يعلم من حسن ~~العمل بحسن النية { ويؤت من لدنه } أي من غريب ما عنده فضلا من غير عمل ~~لمن يريد. قال الإمام: وبالجملة فذلك التضعيف إشارة إلى السعادات ~~الجسمانية، وهذا الأجر إلى السعادات الروحانية { أجرا عظيما * } وسماه ~~أجرا - وهو من غير جنس تلك الحسنة - لابتنائه على الإيمان، ms0917 أي فمن كان ~~هذا شأنه لا يسوغ لعاقل توجيه الهمة إلا إليه، ولا الاعتماد أصلا بإنفاق ~~وغيره إلا عليه. # ولما تم تحذيره من اليوم الآخر وما ذكره من إظهار العدل واستقصائه فيه ~~كان سببا للسؤال عن حال المبكتين في هذه الآيات إذ ذاك، فقال: { فكيف } ~~أي يكون حالهم وقد حملوا أمثال الجبال من مساوي الأعمال! { إذا جئنا } ~~على عظمتنا { من كل أمة بشهيد } أي يشهد عليهم { وجئنا بك } وأنت أشرف ~~خلقنا { على هؤلاء } أي الذين أرسلناك إليهم وجعلناك شهيدا عليهم { ~~شهيدا * } وفي التفسير من البخاري عن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال: # " قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم " اقرأ علي " قلت: أقرأ عليك ~~وعليك أنزل؟ قال " إني أحب أن أسمعه من غيري " فقرأت عليه سورة النساء ~~حتى بلغت { فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا } ~~قال " أمسك " فإذا عيناه تذرفان " # ثم استأنف الجواب عن ذلك بقوله: { يومئذ } أي تقوم الإشهاد { يود الذين ~~كفروا } أي ستروا ما تهدي إليه العقول من آياته, وبين أنهم مخاطبون ~~بالفروع في قوله: { وعصوا الرسول } بعد ستر ما أظهر من بيناته { لو تسوى ~~بهم الأرض } أي تكون مستوية معتدلة بهم، ولا تكون كذلك إلا وقد غيبتهم ~~واستوت بهم، ولم يبق فيها شيء من عوج ولا نتو بسبب أحد منهم ولا شيء من ~~أجسامهم؛ وإنما ودوا ذلك خوفا مما يستقبلهم من الفضيحة بعتابهم ثم ~~الإهانة بعقابهم. # ولما كان التقدير: فلا تسوى بهم، عطف عليه قوله: { ولا يكتمون الله } أي ~~الملك الأعظم { حديثا * } أي شيئا أحدثوه بل يفتضحون بسيىء أخبارهم، ~~ويحملون جميع أوزارهم، جزاء لما كانوا يكتمون من آياته وما نصب للناس من ~~بيناته. # ولما وصف الوقوف بين يديه في يوم العرض والأهوال الذي أدت فيه سطوة ~~الكبرياء والجلال إلى تمني العدم، ومنعت قوة يد القهر والجبر أن يكتم ~~حديثا، وتضمن وصفه أنه لا ينجو فيه إلا من كان طاهر القلب والجوارح ~~بالإيمان به والطاعة لرسوله صلى الله عليه وسلم؛ ms0918 وصف الوقوف بين يديه في ~~الدنيا في مقام الأنس وحضرة القدس المنجي من هول الوقوف في ذلك اليوم، ~~والذي خطرت معاني اللطف والجمال فهي الالتفات إلى غيره، وأمر بالطهارة في ~~حال التزين به عن الخبائث فقال: { يا أيها الذين أمنوا } أي أقروا ~~بالتصديق بالرسل وما أتوا به عن الله، وأوله وأولاه أن لا تشركوا به ~~شيئا من الإشراك { لا تقربوا الصلاة } أي بأن لا تكونوا في موضعها فضلا ~~عن أن تفعلوها { وأنتم } أي والحال أنكم { سكارى } أي غائبو العقل من ~~الخمر أو نحوها، فإنه يوشك أن يسبق اللسان - بتمكن الشيطان بزوال العقل - ~~إلى شيء من الإشراك، فيكون شركا لسانيا وإن كان القلب مطمئنا ~~بالإيمان، فيوشك أن يعرض ذلك عليه يوم الوقوف الأكبر، فإن من أنتم بين ~~يديه لا يكتم حديثا، فيود من نطق سانه بذلك - لما يحصل له من الألم - لو ~~كان من أهل العدم! وأصل السكر في اللغة: سد الطريق؛ وسبب نزولها ما رواه ~~مسدد بإسناد - قال شيخنا البوصيري: رجاله ثقات - عن علي رضي الله تعالى ~~عنه " أن رجلا من الأنصار دعاه وعبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه ~~فسقاهما قبل أن تحرم الخمر، فأمهم علي رضي الله تعالى عنه في المغرب وقرأ # قل يا أيها الكافرون # [الكافرون: 1] فنزلت " هكذا رواه، وقد رواه أصحاب السنن الثلاثة وأحمد ~~وعبد بن حميد والبزار والحاكم والطبري، فبينوا المراد، وهو أن الذي صلى ~~بهم قرأ: أعبد ما تعبدون، وفي رواية الترمذي: ونحن نعبد ما تعبدون. # ولما أفهم النهي عن قربانها ي هذا الحال زواله بانقضائه، صرح به في ~~قوله: { حتى } أي ولا يزال هذا النهي قائما حتى { تعلموا } بزوال السكر ~~{ ما تقولون } فلا يقع منكم حينئذ تبديل؛ وعند الشافعي رضي الله تعالى ~~عنه أن المراد بالصلاة نفسها وموضعها وهو المسجد، وذلك من أدلته على ~~استعمال الشيء في حقيقته ومجازه؛ نهى السكران أن يصلي إلى أن يفهم، أي ~~يصحو، ونهى كل واحد أن يكون في المسجد وهو جنب بقوله عطفا على محل { ~~وأنتم ms0919 سكارى }: { ولا } أي ولا تقربوا الصلاة بالكون في محالها فضلا ~~عنها { جنبا } أي ممنين بالفعل أو القوة القريبة منه بالتقاء الختانين، ~~لأن الجنابة المني سواء كان عن جماع أو لا في حال من أحوال الجنابة { إلا ~~عابري سبيل } أي مارين مرورا من غير مكث ولا صلاة؛ ولما غيى منع ~~الجنابة بقوله: { حتى تغتسلوا } أي تغسلوا البدن عمدا، ولما كان للإنسان ~~حالات يتعسر أو يتعذر فيها عليه استعمال الماء؛ ذكرها فقال مرتبا لها ~~على الأحوج إلى الرخصة فالأحوج: { وإن كنتم مرضى } أي بجراحة أو غيرها ~~مرضا يمنع من طلب الماء أو استعماله { أو على سفر } كذلك سواء كان السفر ~~طويلا أو قصيرا { أو جاء أحد منكم } أي أيها المؤمنون! ولو كان حاضرا ~~صحيحا { من الغائط } أي المكان المطمئن من الأرض الواسع الذي يقصد ~~للتخلي، أي: أو جاء من التخلي فقضى حاجته التي لا بد له منها، فهو بها ~~أحوج إلى التخفيف مما بعده. # ولما تقدم أمر الجنابة التي هي المني أعم من أن تكون بجماع أو غيره، ذكر ~~هنا ما يعمها وغيرها من وجه فقال: { أو لامستم النساء } أي بمجرد التقاء ~~البشرتين أو بالجماع سواء حصل إنزال أو لا، وأخر هذا لأنه مما منه بد، ~~ولا يتكرر تكرر قضاء الحاجة { فلم تجدوا ماء } أي إما بفقده أو بالعجز عن ~~استعماله { فتيمموا } أي اقصدوا قصدا صادقا بأن تلابسوا ناوين { صعيدا ~~} أي ترابا { طيبا } أي طهورا خالصا فهو بحيث ينبت # والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه # [الأعراف: 58] { فامسحوا } وهذه عبادة خاصة بنا. # ولما كان التراب لا يتمكن من جميع العضو وإن اجتهد الإنسان في ذلك أدخل ~~الباء قاصرا للفعل في قوله: { بوجوهكم } أي أوقعوا المسح بها سواء عم ~~التراب منبت الشعر أم لا { وأيديكم } أي منه كما صرح به في المائدة، لا ~~فيه ولا عليه مثلا، ليفهم التمعك, أو أن الحجر مثلا يكفي، والملامسة ~~جوز الشافعي رضي الله تعالى عنه أيضا أن يراد بها المس - أي ملاقاة ~~البشرتين - الذي هو حقيقة اللمس والجماع ms0920 الذي هو مسبب عن المس، أو هو ~~مماسة خاصة، فهو من تسمية الكل باسم البعض حينئذ. # ولما نهى عما يدني من وقوع صورة الذنب الذي هو جري اللسان بما لا يليق ~~به سبحانه وتعالى، وخفف ما كان شديدا بالتيمم؛ ختم الآية بقوله: { إن ~~الله } أي الذي اختص بالكمال { كان عفوا } أي بترك العقاب على الذنب، ~~وكأن هذا راجع إلى ما وقع حالة السكر { غفورا * } أي بترك العقاب وبمحو ~~الذنب حتى لا يذكر بعد ذلك أصلا، وكأن هذا راجع إلى التيمم، فإن الصلاة ~~معه حسنة، ولولاه كانت سيئة مذكورة ومعاقبا عليها، إما على تركها لمشقة ~~استعمال الماء عند التساهل، أو على فعلها بغير طهارة في بعض وجوه التنطع، ~~وذلك معنى قوله سبحانه وتعالى في المائدة # ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج # [المائدة: 6] ومن كانت عادته العفو والمغفرة كان ميسرا غير معسر. ### || [4.44-46] # ولما أفهم ختام هذه الآية أن التشديد في الأحكام يكون سببا للإجرام، ~~فيكون سببا في الانتقام؛ قرر ذلك بحال اليهود الذين أوجبت لهم الآصار ~~عذاب النار فقال - ليكون ذلك مرغبا في تقبل ما مر من التكاليف ليسره ~~ولرجاء الثواب، مرهبا من تركها خوفا من العقاب، وليصير الكلام حلوا ~~رائقا بهجا بتفصيل نظمه تارة بأحكام، وتارة بأقاصيص عظام، فينشط الخاطر ~~وتقوى القريحة -: { ألم تر } أو يقال: إنه لما حذر سبحانه وتعالى فيما ~~مضى من أهل الكتاب بقوله سبحانه وتعالى # ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما # [النساء: 27] ومر إلى أن أنزل هذه فيمن حرف في الصلاة لسانه فقط لا عن ~~عمد الكلم عن واضعه؛ أتبعها التصريح بالتعجيب من حال المحرفين بالقلب ~~واللسان عمدا وعدوانا اجتراء على الله سبحانه وتعالى، الملوح إليهم ~~بالآية السابقة أنهم يريدون لنا الضلال عما هدينا إليه من سننهم فقال: { ~~ألم تر }. # ولما كانوا بمحل البعد - بما لهم من اللعن - عن حضرته الشريفة، عبر ~~بأداة الانتهاء، بصرية كانت الرؤية أو قلبية، فقال: { إلى الذين أوتوا } ~~وحقر أمرهم بالبناء للمفعول وبقوله: { نصيبا من الكتاب } أي كشاس ms0921 بن قيس ~~الذي أراد الخلف بين الأنصار، وفي ذلك أن أقل شيء من الكتاب يكفي في ذم ~~الضلال، لأنه كاف في الهداية { يشترون } أي يتكلفون ويلحون - بما هم فيه ~~من رئاسة الدنيا من المال والجاه - أن يأخذوا { الضلالة } معرضين عن ~~الهدى غير ذاكريه بوجه، وسبب كثير من ذلك ما في دينهم من الآصال ~~والأثقال، كما أشار إليه قوله سبحانه وتعالى # فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة # [مريم: 59] أي بسبب ما شدد عليهم فيها بأنها لا تفعل إلا في الموضع ~~المبني لها، وبغير ذلك من أنواع الشدة، وكذا غيرها المشار إليه بقوله ~~سبحانه وتعالى # فبما نقضهم ميثاقهم # [النساء: 155] وغير ذلك، ومن أعظمه ما يخفون من صفة النبي صلى الله عليه ~~وسلم، ليتقربوا بذلك إلى أهل دينهم، ويأخذوا منهم الرشى على ذلك، ~~ويجعلوهم عليهم رؤساء. # ولما ذكر ضلالهم المتضمن لإضلالهم، أتبعه ما يدل على إعراقهم فيه، فقال ~~مخاطبا لمن يمكن توجيه هممهم بإضلال إليه: { ويريدون أن تضلوا } أي يا ~~أيها الذين آمنوا { السبيل * } حتى تساووهم، فلذلك يذكرونكم بالأحقاد ~~والأضغان والأنكاد - كما فعل شاس - لا محبة فيكم، ويلقون إليكم الشبهة، ~~فالله سبحانه وتعالى أعلم بهم حيث حذركم منه بقوله # لا يألونكم خبالا # [آل عمران: 118] وما بعده إلى هنا { والله } أي المحيط علمه وقدرته { ~~أعلم } أي من كل أحد { بأعدائكم } أي كلهم هؤلاء وغيرهم، بما يعلم من ~~البواطن، فمن حذركم منه كائنا من كان فاحذره. # ولما كان كل من قبيلتي الأنصار قد والوا ناسا من اليهود ليعتزوا بهم ~~وليستنصروهم، قال تعالى فاطما لهم عن موالاتهم: { وكفى } أي والحال أنه ~~كفى به هكذا كان الأصل، ولكنه أظهر الاسم الأعظم لتستحضر عظمته، فيستهان ~~أمر الأعداء فقال: { بالله وليا } أي قريبا بعمل جميع ما يفعله القريب ~~الشفيق. # ولما كان الولي قد تكون فيه قوة النصرة، والنصير قد لا يكون له شفقة ~~الولي، وكانت النصرة أعظم ما يحتاج إلى الولي فيه؛ أفردها بالذكر إعلاما ~~باجتماع الوصفين مكررا الفعل والاسم الأعظم اهتماما بأمرها فقال: { ~~وكفى بالله } أي الذي له ms0922 العظمة كلها { نصيرا * } أي لمن والاه فلا يضره ~~عداوة أحد، فثقوا بولايته ونصرته دونهم، ولا تبالوا بأحد منهم ولا من ~~غيرهم، فهو يكفيكم الجميع. # ولما وفرت هذه الآيات الدواعي على تعيين هؤلاء الذين يريدون الإضلال، ~~قال بعد الاعتراض بما بين المبين والمبين من الجمل لمزيد الاهتمام به: { ~~من الذين هادوا } ثم بين ما يضلون به ويضلون بقوله - ويجوز أن يكون ~~استئنافا بمعنى: بعضهم، أو منهم من -: { يحرفون الكلم } أي الذي أتى به ~~شرعهم من صفة النبي الأمي صلى الله عليه وسلم وصفه دينه وأمته وغير ذلك ~~مما يريدون تحريفه لغرض، فيتألفون في إمالته وتغييره عن حده وطرفه إلى حد ~~آخر مجاوزين به { عن } ولما كانت الكلمة إذا غيرت تبعها الكلام وهو ~~المقصود بالذات، نبه على ذلك بتذكير الضمير فقال: { مواضعه } أي التي هي ~~به أليق، فيتم ضلالهم وإضلالهم، وهو يشمل ما إذا كان المعنى المغير إليه ~~بعيدا عن المغير أو قريبا، فالذي في المائدة أخص. # ولما كان سبحانه وتعالى عالما بجميع تحريفهم، أشار إليه بالعطف على ما ~~تقديره: فيقولون كذا ويقولون كذا: { ويقولون سمعنا } أي ما تقول { وعصينا ~~} موهمين أنهم يريدون أن ذلك حكاية ما وقع لأسلافهم قديما، وإنما يريدون ~~أنهم هم سمعوا ما تقول وخالفوه عمدا ليظن من سمع ذلك أنهم على بصيرة في ~~المخالفة بسبب ما عندهم من العلم الرباني ليورثه ذلك شكا في أمره وحيرة ~~في شأنه { واسمع } حال كونك { غير مسمع } موهمين عدم إسماعه ما يكره من ~~قولهم: فلان أسمع فلانا الكلام، وإنما يريدون الدعاء، كما يقال: اسمع لا ~~سمعت! { وراعنا } موهمين إرادة المراعاة والإقبال عليهم، وإنما يريدون ~~الشتم بالرعونة؛ وقال الأصفهاني: ويحتمل شبه كلمة عبرانية كانوا يتسابون ~~بها وهي: راعينا، فكانوا - سخرية بالدين وهزءا برسول الله صلى الله عليه ~~وسلم - يكلمونه بكلام محتمل، ينوون به الشتيمة والإهانة ويظهرون التوقير ~~والإكرام، ولذلك قال: { ليا بألسنتهم } أي صرفا لها عن مخارج الحروف ~~التي تحق لها في العربية إلى ما يفعله العبرانيون من تغليظ بعض الحروف ~~وشوب بعضها ms0923 بغيره، لإرادة معان عندهم قبيحة مع احتمالها لإرادة معان ~~غير تلك يقصدها العرب مليحة { وطعنا في الدين } أي بما يفسرونه به لمن ~~يطمعون فيه من تلك المعاني الخبيثة. # ولما ذكر هذه الكلمات الموجهة، بين ما كان عليهم لو وقفوا فقال قاطعا ~~جدالهم: { ولو أنهم قالوا } أي في الجواب له صلى الله عليه وسلم { سمعنا ~~وأطعنا } أي بدل الكلمة الأولى { واسمع وانظرنا } بدل ما بعدها { لكان } ~~أي هذا القول { خيرا لهم } أي من ذلك، لعدم استيجابهم الإثم { وأقوم } ~~أي لعدم الاحتمال الذم { ولكن لعنهم الله } أي طردهم الذي له جميع صفات ~~العظمة والكمال، وأبعدهم عن الخير { بكفرهم } أي بدناءتهم بما يغطون من ~~أنوار الحق ودلائل الخير، فلم يقولوا ذلك. # ولما سبب عن طردهم استمرار كفرهم قال: { فلا يؤمنون } أي يتجدد لهم ~~إيمان { إلا قليلا * } أي منهم؛ استثناء من الواو، فإنهم يؤمنون، أو هو ~~استثناء مفرغ من مصدر يؤمن أي من إيمانهم ببعض الآيات الذي لا ينفعها ~~لكفرهم بغيره. ### || [4.47-48] # ولما بكتهم على فعلهم وقولهم وصرح بلعنهم، خوفهم إظهار ذلك في الصور ~~المحسوسة فقال مقبلا عليهم إقبال الغضب: { يا أيها الذين } مناديا لهم ~~من محل البعد { أوتوا الكتاب } ولم يسند الإيتاء إليه تحقيرا لهم، ولم ~~يكتف بنصيب منه لأنه لا يكفي في العلم بالمصادقة إلا الجميع { آمنوا بما ~~نزلنا } أي تدريجا كما نزلنا التوراة كذلك، على ما لنا من العظمة التي ~~ظهرت في إعجازه وإخباره بالمغيبات ودقائق العلوم مما عندكم وغيره على ~~رشاقته وإيجازه؛ وأعلم بعنادهم وحسدهم بقوله: { مصدقا لما معكم } من حيث ~~أنهم له مستحضرون، وبه في حد ذاته مقرون. # ولما أمرهم وقطع حجتهم، حذرهم فقال - مخففا عنهم بالإشارة بحرف الجر ~~إلى أنه متى وقع منهم إيمان في زمن مما قبل الطمس أخره عنهم -: { من قبل ~~أن نطمس } أي نمحو { وجوها } فإن الطمس في اللغة: المحو؛ وهو يصدق ~~بتغيير بعض الكيفيات، ثم سبب عن ذلك قوله: { فنردها } فالتقدير: من قبل ~~أن نمحو أثر وجوه بأن نردها { على أدبارها } أي بأن نجعل ms0924 ما إلى جهة ~~القبل من الرأس إلى جهة الدبر، وما إلى الدبر النقل من حال إلى ما دونها ~~من ضدها بجعلها على حال القفا، ليس فيها معلم من فم ولا غيره، ليكون ~~المعنى بالطمس مسح ما في الوجه من المعاني؛ قال ابن هشام: نطمس: نمسحها ~~فنسويها، فلا يرى فيها عين ولا أنف ولا فم ولا شيء مما يرى في الوجه، ~~وكذلك # فطمسنا أعينهم # [القمر: 37] المطموس العين: الذي ليس بين جفنيه شق، ويقال: طمست الكتاب ~~والأثر فلا يرى منه شيء. ويكون الوجه في هذا التقدير على حقيقته؛ ثم ~~خوفهم نوعا آخر من الطمس فقال عاطفا على (نردها): { أو نلعنهم } أي ~~نبعدهم جدا عن صورة البشر أن نقلب وجوههم أو جميع ذواتهم على صورة ~~القردة { كما لعنا أصحاب السبت } إذ قلنا لهم # كونوا قردة خاسئين # [البقرة: 65] ويكون الوجه في هذا التقدير الأخير عبارة عن الجملة، فهو ~~إذن مما استعمل في حقيقته ومجازه، ويجوز أن يكون واحد الوجهاء، فيكون عود ~~الضمير إليه استخداما، ويكون المراد بالرد على الأدبار جعلهم أدنياء ~~صغرة من الأسافل - والله سبحانه وتعالى أعلم. # ولما كان ذلك أمرا غريبا ومقدورا عجيبا، وكان التقدير: فقد كان أمر ~~الله فيهم بذلك - كما علمتم - نافذا؛ أتبعه الإعلام بأن قدرته شاملة، ~~وأن وجوه مقدوراته لا تنحصر, فقال عاطفا على ما قدرته: { وكان أمر الله ~~} أي حكمه وقضاؤه ومراده في كل شيء شاء منهم ومن غيره بذلك وبغيره، لأن ~~له العظمة التي لا حد لها والكبرياء التي تعيي الأوصاف دونها { مفعولا * ~~} أي كائنا حتما، لا تخلف له أصلا، فلا بد من وقوع أحد الأمرين إن لم ~~يؤمنوا، وقد آمن بعضهم فلم يصح أنهم لم يؤمنوا، لأنه قد وقع منهم إيمان. # ولما كانوا مع ارتكابهم العظائم يقولون: سيغفر لنا، وكان امتثالهم ~~لتحريف أحبارهم ورهبانهم شركا بالله - كما قال سبحانه وتعالى # اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله # [التوبة: 31] قال - معللا لتحقيق وعيدهم، معلما أن ما أشير إليه من ~~تحريفهم أداهم إلى الشرك -: { إن الله } أي الجامع ms0925 لصفات العظمة { لا ~~يغفر أن يشرك به } أي على سبيل التجديد المستمر إلى الموت سواء كان ~~المشرك من أهل الكتاب أم لا، وزاد ذلك حسنا انه في سياق # واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا # [النساء: 36]. # ولما أخبر بعدله أخبر بفضله فقال: { ويغفر ما دون ذلك } الأمر الكبير ~~العظيم من كل معصيته سواء كانت صغيرة أو كبيرة، سواء تاب فاعلها أو لا، ~~ورهب بقوله - إعلاما بأنه مختار، لا يجب عليه شيء -: { لمن يشاء }. # ولما كان التقدير: فإن من أشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا، عطف عليه ~~قوله: { ومن يشرك } أي يوجد منه شرك في الحال أو المآل، وأما الماضي ~~فجبته التوبة { بالله } أي الذي كل شيء دونه { فقد افترى } أي تعمد كذبا ~~{ إثما عظيما * } أي ظاهرا في نفسه من جهة عظمه أنه قد ملأ أقطار نفسه ~~وقلبه وروحه وبدنه مظهرا للغير أنه إثم، فهو في نفسه مناد بأنه باطل ~~مصر، فلم يدع للصلح موضعا، فلم تقتض الحكمة العفو عنه، لأنه قادح في ~~الملك، وإنما طوى مقدمة الضلال وذكر مقدمة الافتراء - لكون السياق لأهل ~~الكتاب الذين ضلالهم على علم منهم وتعمد وعناد، بخلاف ما يأتي عن العرب، ~~وفي التعبير بالمضارع استكفاف مع استعطاف واستجلاب في استرهاب. ### || [4.49-55] # ولما كان في ذلك إشارة إلى أن المرادين بهذه الآيات من أهل الكتاب أضل ~~الناس، وكانوا يقولون: إنهم أهدى الناس؛ عجب منهم منكرا عليهم بعد ~~افترائهم تزكية أنفسهم فقال: { ألم تر } وأبعدهم بقوله: { إلى الذين ~~يزكون أنفسهم } أي بما ليس لهم من قولهم # لن تمسنا النار إلا أياما معدودة # [البقرة: 80] وقولهم # لن يدخل الجنة لا من كان هودا أو نصارى # [البقرة: 111] وقوله: # ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا # [آل عمران: 188] # ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما # [النساء: 27] فإن إبعاد غيرهم في الميل مصحح لتزكيتهم أنفسهم بالباطل ~~ونحو ذلك مما تقدم وغيره. # ولما كان معنى الإنكار: ليس لهم ذلك لأنهم كذبوا فيه وظلموا، أشار إليه ~~بقوله: { بل الله } أي الذي له صفات الكمال { يزكي ms0926 من يشاء } أي بما له ~~من العلم التام والقدرة الشاملة والحكمة البالغة والعدل السوي بالثناء ~~عليه وبخلق معاني الخير الظاهرة فيه لتنشأ عنها الأعمال الصالحة، فإذا ~~زكي أحدا من أصفيائه بشيء كالنبوة، كان له أن يزكي نفسه بذلك حملا على ~~ما ينفع الناس به عن الله { ولا } أي والحال أن الذين يزكيهم أو يدسيهم ~~لا { يظلمون فتيلا * } أي مقدار ما في شق النواة من ذلك الشيء المفتول، ~~أي قليلا ولا كثيرا، لأنه عالم بما يستحقون وهو الحكم العدل الغني عن ~~الظلم، لأن له صفات الكمال. # ولما أخبر تعالى أن التزكية إنما هي إليه بما له من العظمة والعلم ~~الشامل، وكان ذلك أمرا لا نزاع فيه، وشهد عليهم بالضلال، وثبت أن ذلك ~~كلامه بما له من الإعجاز في حالتي الإطناب والإيجاز؛ ثبت كذبهم فزاد في ~~توبيخهم فقال - معجبا لرسوله صلى الله عليه وسلم من وقاحتهم واجترائهم ~~على من يعلم كذبهم، ويقدر على معالجتهم بالعذاب، مبينا أنه صلى الله ~~عليه وسلم في الحضرة بعد بيان بعدهم -: { انظر كيف يفترون } أي يتعمدون { ~~على الله } أي الذي لا يخفي عليه شيء ولا يعجزه شيء { الكذب } أي من غير ~~خوف منهم لذلك عاقبة { وكفى } أي والحال أنه كفي { به } أي بهذا الكذب { ~~إثما مبينا * } أي واضحا في نفسه ومناديا عليها بالبطلان. # ولما عجب من كذبهم دل عليه بقوله: { ألم تر } وكان الأصل: إليهم، ~~ولكنه قال - لزيادة التقريع والتوبيخ والإعلام بأن كفرهم عناد لكونه عن ~~علم -: { إلى الذين } وعبر بإلى دلالة على بعدهم عن الحضرات الشريفة { ~~أوتوا نصيبا من الكتاب } أي الذي هو الكتاب في الحقيقة لكونه من الله { ~~يؤمنون بالجبت } وهو الصنم والكاهن والساحر والذي لا خير فيه وكل ما عبد ~~من دون الله { والطاغوت } وهو اللات والعزى والكاهن والشيطان وكل رأس ~~ضلال والأصنام وكل ما عبد من دون الله؛ وكل هذه المعاني تصح إرادتها هنا، ~~وهي مما نهي عنه في كتابهم - وأصله ومداره مجاوزة الحد عدوانا، وهو واحد ~~وقد يكون جمعا، قال سبحانه وتعالى ms0927 # أوليائهم الطاغوت يخرجونهم # [البقرة: 257] والحال أن أقل نصيب من الكتاب كاف في النهي عن ذلك ~~وتكفير فاعله. # ولما دل على ضلالهم دل على إضلالهم بقوله - معبرا بصيغة المضارع دلالة ~~على عدم توبتهم -: { ويقولون للذين كفروا } ودل بالتعبير بالإشارة دون ~~الخطاب على أنهم يقولون ذلك فيهم حتى في غيبتهم، حيث لا حامل لهم على ~~القول إلا محض الكفر فقال: { هؤلاء } أي الكفرة العابدون للأصنام { أهدى ~~} أي أقوم في الهداية { من الذين آمنوا } أي أوقعوا هذه الحقيقة، فيفهم ~~ذمهم بالتفضيل على الذين يؤمنون ومن فوقهم من باب الأولى { سبيلا * } مع ~~أن في كتابهم من إبطال الشرك وهدمه وعيب مدانيه وذمه في غير موضع تأكيدا ~~أكيدا وأمرا عظيما شديدا. # ولما أنتج ذلك خزيهم قال: { أولئك } أي البعداء عن الحضرات الربانية { ~~الذين لعنهم الله } أي طردهم بجميع ما له من صفات الكمال طردا هم جديرون ~~بأن يختصوا به. ولما كان قصدهم بهذا القول مناصرة المشركين لهم, وكان ~~التقدير: فنالوا بذلك اللعن الذل والصغار، عطف عليه قوله: { ومن يلعن ~~الله } أي الملك الذي له الأمر كله منهم ومن غيرهم { فلن تجد له نصيرا * ~~} أي في وقت من الأوقات أصلا، وكرر التعبير بالاسم الأعظم لأن المقام ~~يقتضيه إشعارا لتناهي الكفر الذي هو أعظم المعاصي بتناهي الغضب. # ولما كان التقدير: كذلك كان من إلزامهم الذل والصغار، عطف عليه قوله: { ~~أم } أي ليس { لهم نصيب } أي واحد من الأنصباء { من الملك فإذا } أي ~~فيتسبب عن ذلك أنهم إذا كان لهم أدنى نصيب منه { لا يؤتون الناس } أي ~~الذين آمنوا { نقيرا * } أي شيئا من الدنيا ولا الآخرة من هدى ولا من ~~غيره، والنقير: النقرة في ظهر النواة، قيل: غاية في القلة؛ فهو كناية عن ~~العدم، فهو بيان لأنهم لإفراط بخلهم لا يصلحون إلا لما هم فيه من الذل ~~فكيف بدرجة الملك لأن الملك والبخل لا يجتمعان { أم } أي ليس لهم نصيب ما ~~من الملك، بل ذلهم لازم وصغارهم أبدا كائن دائم، فهم { يحسدون الناس } ~~أي محمدا صلى الله عليه ms0928 وسلم الذي جمع فضائل الناس كلهم من الأولين ~~والآخرين وزاد عليهم ما شاء الله، أو العرب الذي لا ناس الآن غيرهم، ~~لأنا فضلناهم على العالمين - بأن يتمنوا دوام ذلهم كما دام لهم هم، ودل ~~على نهاية حسدهم بأداة الاستعلاء في قوله: { على ما آتاهم الله } أي بما ~~له من صفات الكمال { من فضله } حسدوهم لما رأوا من إقبال جدهم وظهور ~~سعدهم وأنهم سادة الناس وقادة أهل الندى والبأس: # إن العرانين تلقاها محسدة # ولن ترى للئام الناس حسادا # وقد آتاهم الله سبحانه وتعالى جميع أنواع الملك، فإنه على ثلاثة أقسام: ~~ملك على الظواهر والبواطن معا، وهو للأنبياء عليهم الصلاة والسلام بما ~~لهم من غاية الجود والكرم والرحمة والشفقة والشفاعة والبر واللطف التي كل ~~منها سبب للانقياد، وذلك مع ما لهم بالله سبحانه وتعالى من تمام الوصلة؛ ~~وملك على الظواهر فقط، وهو ملك الملوك؛ وملك على البواطن فقط، وهو ملك ~~العلماء. # ولما ذمهم سبحانه وتعالى أولا بالجهل ومدح النفس تشبعا بما لم يعطوا، ~~وذلك سبب لجميع النقائص، وثانيا بأعظم منه: منع الحق من أهله بخلا، ~~وثالثا بأعظم منهما: تمنى ألا يصل إلى أحد نعمة وإن كانت لا تنقصهم، ~~فحازوا بذلك أعلى خلال الذم، وكانت المساوي تضع والمحاسن ترفع، تسبب عن ~~هذا توقع السامع لإعلاء العرب وإدامة ذل اليهود وموتهم بحسدهم فقال: { ~~فقد } أي فتسبب عن هذا وتعقبه أنا آتيناهم - هكذا كان الأصل، ولكنه ~~أظهر للتنبيه على التوصيف الذي شاركوهم به في استحقاق الفضائل فقال: { ~~آتينا } أي بما لنا من العظمة { آل إبراهيم } أي الذي أعلمناكم في كتابكم ~~أنا أقسمنا له أنا نعز ذريته ونهديهم ونجعل ابنة إسماعيل حالا على ~~جميع حدود إخوته، ويده في جميع الناس ويده على كل أحد ويد كل به { الكتاب ~~} أي الذي لا كتاب إلا هو لما له من الحفظ والفضل بالإعجاز والفصل { ~~والحكمة } أي النبوة التي ثمرتها العمل المتقن بالعلم المحرر المحكم { ~~وآتيناهم } مع ذلك { ملكا عظيما * } أي ضخما واسعا باقيا إلى أن ~~تقوم الساعة { فمنهم } أي ms0929 من آل إبراهيم { من آمن به } وهم أغلب العرب { ~~ومنهم من صد عنه } أي أعرض بنفسه، وصد غيره كبني إسرائيل وبعض العرب. # ولما كان قد علم من السياق أن الطاعن فيه ميت بحسده من غير أن يضره بأمر ~~دنيوي، وكان التقدير لبيان أمرهم في الآخرة: فحكمنا أن تسعر بهم النار ~~بعد الذل في هذه الدار والهوان والصغار، عطف عليه قوله: { وكفى بجهنم ~~سعيرا * } أي توقدا والتهابا في غاية الإحراق والعسر والإسراع إلى ~~الأذى، وفي آية الطاغوت أنهم سمحوا ببدل الدين - وهو لا أعز منه عند ~~الإنسان - في شهادتهم للكفرة بالهداية، وفي آية الملك الإيماء إلى أنهم ~~في الحضيض من الشح بالخسيس الفاني، وفي آية الحسد أنه لم يكفهم التوطن في ~~حضيض الشح بما أوتوا مع الغنى حتى سفلوا عنه إلى أدنى من ذلك بالحسد لمن ~~آتاه الله ما لا ينقصهم. ### || [4.56-59] # ولما أثبت لمن صد عنه النار علله بقوله: { إن الذين كفروا بآياتنا } أي ~~ستروا ما أظهرته عقولهم بسببها { سوف نصليهم } أي بوعيد ثابت وإن طال معه ~~الإمهال { نارا } ولما كانت النار - على ما نعهده - مفنية ماحقة، استأنف ~~قوله ردا لذلك: { كلما نضجت جلودهم } أي صارت بحرها إلى حالة اللحم ~~النضيج الذي أدرك أن يؤكل، فصارت كاللحم الميت الذي يكون في الجرح، فلا ~~يحس بالألم { بدلناهم } أي جعلنا لهم { جلودا غيرها } أي غير النضيجة ~~بدلا منها بأن أعدناها إلى ما كانت عليه قبل تسليط النار عليها، كما إذا ~~صغت من خاتم خاتما على غير هيئته، فإنه هو الأول لأن الفضة واحدة، وهو ~~غيره لأن الهيئة متغايرة، وهكذا الجلد الثاني مغاير للنضيج في الهيئة { ~~ليذوقوا } أي أصحاب الجلود المقصودون بالعذاب { العذاب } أي ليدوم لهم ~~تجدد ذوقه، فتجدد لهم مشاهده الإعادة بعد البلى كل وقت، كما كانوا يجددون ~~التكذيب بذلك كل وقت، ليكون الجزاء من جنس العمل، فإنه لو لم يعد منهم ~~ما وهي لأداه وهيه إلى البلى، ولو بلى منهم شيء لبلوا كلهم فانقطع ~~عذابهم. # ولما كان هذا أمرا لم يعهد ms0930 مثله، دل على قدرته عليه بقوله: { إن الله } ~~أي الملك الأعظم { كان } ولم يزل { عزيزا } أي يغلب كل شيء ولا يغلبه ~~شيء { حكيما * } ي يتقن صنعه، فجعل عذابهم على قدر ذنوبهم، لأن عزائمهم ~~كانت على دوامهم على ما استحقوا به ذلك ما بقوا. # ولما ذكر الترهيب بعقاب الكافرين أتبعه الترغيب بثواب المؤمنين فقال: { ~~والذين آمنوا } أي أقروا بالإيمان { وعملوا } بيانا لصدقهم فيه { ~~الصالحات سندخلهم } أي بوعد لا خلف فيه، وربما أفهم التنفيس لهم بالسين ~~دون سوف - كما في الكافرين - أنهم أقصر الأمم مدة، أو أنهم أقصرهم ~~أعمارا إراحة لهم من دار الكدر إلى محل الصفاء، وأنهم يدخلون الجنة قبل ~~جميع الفرق الناجية من أهل الموقف { جنات } أي بساتين، ووصفها بما يديم ~~بهجتها ويعظم نضرتها وزهرتها فقال: { تجري من تحتها الأنهار } أي إن ~~أرضها في غاية الري، كل موضع منها صالح لأن تجري منه نهر. # ولما ذكر قيامها وما به دوامها، أتبعه ما تهواه النفوس من استمرار ~~الإقامة بها فقال: { خالدين فيها أبدا } ولما وصف حسن الدار ذكر حسن ~~الجار فقال: { لهم فيها أزواج } والمطرد في وصف جمع القلة لمن يفضل الألف ~~والتاء، فعدل هنا عن ذلك إلى الوحدة لإفهام أنهن لشدة الموافقة في الطهر ~~كذات واحد فقيل: { مطهرة } أي متكرر طهرها، لا توجد وقتا ما على غير ~~ذلك. ولما كانت الجنان في الدنيا لا تحسن إلا بتمكن الشمس منها, وكانت ~~الشمس تنسخ الظل فتخرج إلى التحول إلى مكان آخر، وربما آذى حرها، أمن من ~~ذلك فيها بقوله: { وندخلهم } أي فيها { ظلا } أي عظيما، وأكده بقوله { ~~ظليلا * } أي متصلا لا فرج فيه، منبسطا لا ضيق معه دائما لا تصيبه ~~الشمس يوما ما، ولا حر فيه ولا برد، بل هو في غاية الاعتدال. # ولما تقدم في هذه السورة الأمر بالإحسان والعدل في النساء واليتامى في ~~الإرث وغيره، وفي غير ذلك من الدماء والأموال والأقوال والأفعال، وذكر ~~خيانة أهل الكتاب وما أحل بهم لذلك من العقاب، وذكر أنه آتى هذه الأمة ~~الملك المقتضي ms0931 للحكم، وآتاهم الحكمة بعد جهلهم وضعفهم؛ أقبل عليهم بلذيذ ~~خطابه بعد ما وعدهم على امتثال أمره من كريم ثوابه بما ختمه بالظل ~~الموعود على العدل في حديث " سبعة يظلمهم الله في ظله " فقال: { إن الله ~~} أي الذي له صفات الكمال { يأمركم } أي أيتها الأمة { أن تؤدوا الأمانات ~~إلى أهلها } أي من غير خيانة ما، كما فعل أهل الكتاب في كتمان ما عندهم ~~والإخبار بغيره، والأمانة: كل ما وجب لغيرك عليك. # ولما أمر بما يحق للإنسان في نفسه، أمر بما يحق له في معاملة غيره، وحقق ~~لهم ما لم يكونوا يرومونه من أمر الملك بقوله بأداة القطع عاطفا شيئين ~~على شيئين: { إذا حكمتم } وبين عموم ملكهم لسائر الأمم بقوله: { بين ~~الناس } وبين المأمور به بقوله: { أن تحكموا بالعدل } أي السواء بأن ~~تأمروا من وجب عليه حق بأدائه إلى من هو له، فإن ذلك من أعظم الصالحات ~~الموجبة لحسن المقيل في الظل الظليل، أخرج الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة ~~رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل " # الحديث. # ولما أخبرهم بأمره زادهم رغبة بقوله: { إن الله } معبرا أيضا بالاسم ~~الأعظم { نعما } أي نعم شيئا عظيما { يعظكم به } وحثهم على المبادرة ~~إلى حسن الامتثال بقوله: { إن الله } مكررا لهذا الاسم الشريف ليجتهدوا ~~في الترقي في طهارة الأخلاق إلى حد لم يبلغه غيرهم. ولما كان الرقيب في ~~الأمانات لا بد له من أن يكون له من يد سمع وعلم قال: { كان } أي ولم يزل ~~ولا يزال { سميعا } أي بالغ السمع لكل ما يقولونه جوابا لأمره وغيره ~~ذلك { بصيرا * } أي بالغ البصر والعلم بكل ما يفعلونه في ذلك وغيره من ~~امتثال وغيره. # ولما أمر سبحانه بالعدل ورغب فيه، ورهب من تركه؛ أمر بطاعة المتنصبين ~~لذلك الحاملة لهم على الرفق بهم والشفقة عليهم فقال: { يا أيها الذين ~~آمنوا } أي أقروا بالإيمان، وبدأ بما هو العمدة في الحمل على ذلك فقال: { ~~أطيعوا } أي ms0932 بموافقة الأمر تصديقا لدعواكم الإيمان { الله } أي فيما ~~أمركم به في كتابه مستحضرين ما له من الأسماء الحسنى، وعظم رتبة نبيه صلى ~~الله عليه وسلم بإعادة العامل فقال: { وأطيعوا الرسول } فيما حده لكم في ~~سنته عن الله وبينه من كتابه لأن منصب الرسالة مقتض لذلك، ولهذا عبر به ~~دون النبي { وأولي الأمر منكم } أي الحكام، فإن طاعتهم فيما لم يكن معصية ~~- كما أشير إلى ذلك بعدم إعادة العامل - من طاعة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وطاعته من طاعة الله عز وجل؛ والعلماء من أولي الأمر أيضا، وهم ~~العاملون فإنهم يأمرون بأمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. # ولما أبان هذا الحكم الأصول الثلاثة أتبعها القياس، فسبب عما تقديره: ~~هذا في الأمور البينة من الكتاب والسنة والتي وقع الإجماع عليها، قوله: { ~~فإن تنازعتم في شيء } أي لإلباسه فاختلفت فيه آراؤكم { فردوه إلى الله } ~~أي المحيط علما وقدرة بالتضرع بين يديه بما شرعه لكم من الدعاء ~~والعبادة، ليفتح لكم ما أغلق منه ويهديكم إلى الحق منه { والرسول } أي ~~الكامل الرسالة بالبحث عن آثار رسالته من نص في ذلك بعينه أو أولى قياس، ~~ودلت الآية على ترتيب الأصول الأربعة على ما هو فيها وعلى إبطال ما ~~سواها، وعلم من إفراده تعالى وجمع النبي صلى الله عليه وسلم مع أعلام ~~أمته أن الأدب توحيد الله حتى في مجرد ذكره، وأكد البيان لدعوى الطاعة ~~بقوله: { إن كنتم تؤمنون } أي دائمين على الإيمان بتجديده في كل أوان { ~~بالله } أي الملك الأعظم الذي لا كفوء له { واليوم الآخر } الحامل على ~~الطاعة الحاجز عن المعصية، ثم دل على عظمة هذا الأمر وعميم نفعه بقوله ~~مخصصا رسوله صلى الله عليه وسلم: { ذلك } أي الأمر العالي الرتبة { خير ~~} أي وغيره شر { وأحسن تأويلا * } أي عاقبة أو ترجيعا وردا من ردكم ~~إلى ما يقتضيه قويم العقل من غير ملاحظة لآثار الرسالة من الكتاب والسنة، ~~فإن في الأحكام ما لا يستقل عنهما قال: " نزلت هذه الآية { أطيعوا الله } ~~في عبد الله ms0933 بن حذافة بن قيس بن عدي إذ بعثه النبي صلى الله عليه وسلم في ~~سرية " يعني فأمرهم أن يدخلوا في النار. ### || [4.60-63] # ولما كان التقدير - كما أفهمه آخر الآية وأشعر به أولها بعد أن جمع ~~الخلق على طاعته بالطريق الذي ذكره: فمن أبى ذلك فليس بمؤمن، دل عليه ~~بقوله معجبا مخاطبا لأكمل الخلق الذي عرفه الله المنافقين في لحن ~~القول: { ألم تر } وأشار إلى بعدهم عن على حضرته بقوله: { إلى الذين } ~~وإلى كذبهم ودوام نفاقهم بقوله: { يزعمون أنهم آمنوا } أي أوجدوا هذه ~~الحقيقة وأوقعوها في أنفسهم { بما أنزل إليك } ودل على أن هذا الزاعم ~~المنافق كان من أهل الكتاب قبل ادعاء الإسلام بقوله: { وما } أي ويزعمون ~~أنهم آمنوا بما { أنزل من قبلك } أي من التوراة والإنجيل، قال الأصبهاني: ~~ولا يستعمل - أي الزعم - في الأكثر إلا في القول الذي لا يتحقق، يقال: ~~زعم فلان - إذا شك فيه فلم يعرف كذبه أو صدقه، والمراد أن هؤلاء قالوا ~~قولا هو عند من لا يعلم البواطن أهل لأن يشك فيه بدليل أنهم { يريدون أن ~~يتحاكموا } أي هم وغرماؤكم { إلى الطاغوت } أي إلى الباطل المعرق في ~~البطلان { وقد } أي والحال أنهم قد { أمروا } ممن له الأمر { أن يكفروا ~~به } في كل ما أنزل من كتابك وما قبله، ومتى تحاكموا إليه كانوا مؤمنين ~~به كافرين بالله, وهو معنى قوله: { ويريد الشيطان } بإرادتهم ذلك التحاكم ~~{ أن يضلهم } أي بالتحاكم إليه { ضلالا بعيدا * } بحيث لا يمكنهم معه ~~الرجوع إلى الهدى. وهذه الآية سبب تسمية عمر رضي الله عنه بالفاروق لضربه ~~عنق منافق لم يرض بحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في قصة ذكرها ~~الثعلبي من رواية الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما. # ولما ذكر ضلالهم بالإرادة ورغبتهم في التحاكم إلى الطاغوت، ذكر فعلهم ~~فيه في نفرتهم عن التحاكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: { وإذا ~~قيل لهم } أي من أي قائل كان { تعالوا } أي أقبلوا رافعين أنفسكم من وهاد ~~الجهل إلى ms0934 شرف العلم { إلى ما أنزل الله } أي الذي عنده كل شيء { وإلى ~~الرسول } أي الذي تجب طاعته لأجل مرسله مع أنه أكمل الرسل الذين هم أكمل ~~الخلق رسالة، رأيتهم - هكذا كان الأصل، ولكنه أظهر الوصف الذي دل على ~~كذبهم فيما زعموه من الإيمان فقال: { رأيت المنافقين يصدون } أي يعرضون { ~~عنك } وأكد ذلك بقوله: { صدودا } أي هو في أعلى طبقات الصدود. # ولما تسبب عن هذا تهديدهم، قال - مهولا لوعيدهم بالإبهام والتعجيب منه ~~بالاستفهام، معلما بأنهم سيندمون حين لا ينفعهم الندم، ولا يغني عنهم ~~الاعتذار -: { فكيف } أي يكون حالهم { إذا أصابتهم مصيبة } أي عقوبة ~~هائلة { بما قدمت أيديهم } مما ذكرنا ومن غيره. # ولما كان الذي ينبغي أن يكون تناقضهم بعيدا لأن الكذب عند العرب كان ~~شديدا؛ قال: { ثم جاءوك } أي خاضعين بما لينت منهم تلك المصيبة حال ~~كونهم { يحلفون بالله } أي الحاوي لصفات الكمال من الجلال والجمال غير ~~مستحضرين لصفة من صفاته { إن } أي ما { أردنا } أي في جميع أحوالنا ~~وبسائر أفعالنا { إلا إحسانا وتوفيقا * } أي أن تكون الأمور على الوجه ~~الأحسن والأوفق لما رأينا في ذلك مما خفي على غيرنا - وقد كذبوا في جميع ~~ذلك. # ولما ذكر سبحانه وتعالى بعض ما يصدر منهم من التناقضات وهم غير محتشمين ~~ولا هائبين، قال معلما بشأنهم معلما لما يصنع بهم: { أولئك } أي ~~البعداء عن الخير { الذين يعلم الله } أي الحاوي لنعوت العظمة { ما في ~~قلوبهم } أي من شدة البغض للإسلام وأهله وإن اجتهدوا في إخفائه عنه، ثم ~~سبب تعليما لما يصنع بهم وإعلاما بأنهم لا يضرون إلا أنفسهم قوله: { ~~فأعرض عنهم } أي عن عقابهم وعن الخشية منهم وعن عتابهم، لأنهم أقل من أن ~~يحسب لهم حساب { وعظهم } أي وإن ظننت أن ذلك لا يؤثر، لأن القلوب بيد ~~الله سبحانه وتعالى يصطنعها لما أراد متى أراد { وقل لهم في أنفسهم } أي ~~بسببها وما يشرح أحوالها ويبين نقائصها من نفائسها، أو خاليا معهم، فإن ~~ذلك أقرب إلى ترقيقهم { قولا بليغا * } أي يكون في غاية البلاغة في ms0935 حد ~~ذاته. ### || [4.64-68] # ولما أمر بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، وذم من حاكم إلى غيره وهدده، ~~وختم تهديده بأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالإعراض عنه والوعظ له، فكان ~~التقدير: فما أرسلناك وغيرك من الرسل إلا الرفق بالأمة والصفح عنهم ~~والدعاء لهم على غاية الجهد والنصيحة، عطف عليه قوله: { وما أرسلنا } أي ~~بما لنا من العظمة، ودل على الإعراق في الاستغراق بقوله: { من رسول } ~~ولما كان ما يؤتيهم سبحانه وتعالى من الآيات ويمنحهم به من المعجزات ~~حاملا في ذاته على الطاعة, شبهه بالحامل على إرساله فقال: { إلا ليطاع } ~~أي لأن منصبه الشريف مقتض لذلك آمر به داع إليه { بإذن الله } أي بعلم ~~الملك الأعظم الذي له الإحاطة بكل شيء في تمكينه من أن يطاع، لما جعلنا ~~له من المزية بالصفات العظيمة والمناصب الجليلة والأخلاق الشريفة كما قال ~~صلى الله عليه وسلم # " ما من الأنبياء نبي إلا وقد أوتي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر " # أخرجه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه. # ولما كان التقدير: فلو أطاعوك لكان خيرا لهم، عطف عليه قوله: { ولو ~~أنهم إذ } أي حين { ظلموا أنفسهم } أي بالتحاكم إلى الطاغوت أو غيره { ~~جاءوك } أي مبادرين { فاستغفروا الله } أي عقبوا مجيئهم بطلب المغفرة من ~~الملك الأكرم لما استحضروه له من الجلال { واستغفر لهم الرسول } أي ما ~~فرطوا بعصيانه فيما استحقه عليهم من الطاعة { لوجدوا الله } أي الملك ~~الأعظم { توابا رحيما * } أي بليغ التوبة على عبيده والرحمة، لإحاطته ~~بجميع صفات الكمال، فقبل توتبهم ومحا ذنوبهم وأكرمهم. # ولما أفهم ذلك أن إباءهم لقبول حكمه والاعتراف بالذنب لديه سبب مانع لهم ~~من الإيمان، قال - مؤكدا للكلام غاية التأكيد بالقسم المؤكد لإثبات ~~مضمونه و " لا " النافية لنقيضه: { فلا وربك } أي المحسن إليك { لا ~~يؤمنون } أي يوجدون هذا الوصف ويجددونه { حتى يحكموك } أي يجعلوك حكما { ~~فيما شجر } أي اختلط واختلف { بينهم } من كلام بعضهم لبعض للتنازع حتى ~~كانوا كأغصان الشجر في التداخل والتضايق. # ولما كان الإذعان للحكم بما يخالف الهوى ms0936 في غاية الشدة على النفس, أشار ~~إليه بأداة التراخي فقال: { ثم لا يجدوا في نفسهم حرجا } أي نوعا من ~~الضيق { مما قضيت } أي عليهم به، وأكد إسلامهم لأنفسهم بصيغة التفعيل ~~فقال: { ويسلموا } أي يوقعوا التسليم البليغ لكل ما هو لهم من أنفسهم ~~وغيرها لله ورسوله صلى الله عليه وسلم خالصا عن شوب كره؛ ثم زاده ~~تأكيدا بقوله: { تسليما * } وفي الصحيح أن الآية نزلت في الزبير وخصم ~~له من الأنصار، فلا التفات إلى من قال: إنه حاطب رضي الله عنه. # ولما كان التقدير: فقد كتبنا عليهم طاعتك والتسيم لك في هذه الحنيفية ~~السمحة التي دعوتهم إليها وحملتهم عليها، عطف عليه قوله: { ولو أنا كتبنا ~~عليهم } أي هذا المخاصم للزبير رضي الله تعالى عنه وأشباه هذا المخاصم ~~ممن ضعف إيمانه كتابة مفروضة { إن اقتلوا أنفسكم } أي كما كان في التوراة ~~في كفارة بعض الذنوب مباشرة حقيقة، وكما فعل المهاجرون بتعريض أنفسهم ~~لذلك ثلاث عشرة سنة، هم فيها عند أعداء الله مضغة لحم بين يدي نسور ~~يتخاطفونها { أو اخرجوا } كما فعل المهاجرون - رضي الله تعالى عنهم - ~~الذين الزبير من رؤوسهم { من دياركم } أي التي هي لأشباحكم كأشباحكم ~~لأرواحكم - توبة لربكم { ما فعلوه } أي لقصور إيمانهم وضعف إيقانهم، ولو ~~كتبناه عليهم ولم يرضوا به كفروا، فاستحقوا القتل. # ولما كان كل كدر لا يخلو عن خلاصه، قال: { إلا قليل منهم } أي وهم ~~العالمون بأن الله سبحانه وتعالى خير لهم من أنفسهم، وأن حياتهم إنما هي ~~في طاعته؛ روي أن من هؤلاء ثابت بن قيس بن شماس رضي الله تعالى عنه، قال: ~~أما والله! إن الله ليعلم مني الصدق، لو أمرني محمد أن أقتل نفسي لقتلها! ~~وكذا قال ابن مسعود وعمار ابن ياسر رضي الله عنهما، وروي عن عمر رضي الله ~~عنه أنه قال: والله لو أمرنا ربنا لفعلنا! والحمد الله الذي لم يفعل بنا ~~ذلك. ولا ريب في أن التقدير: ولكنا لم نكتب عليهم فليشكروا لنا ويستمسكوا ~~بهذه الحنيفية السمحة. # ولما كان مبنى السورة على ms0937 الائتلاف وكان السياق للاستعطاف، قال مرغبا: ~~{ ولو أنهم } أي هؤلاء المنافقين { فعلوا ما يوعظون } أي يجدد لهم الوعظ ~~في كل حين { به لكان } أي فعلهم ذلك { خيرا لهم } أي مما اختاروه ~~لأنفسهم { وأشد تثبيتا * } أي مما ثبتوا به أنفسهم بالأيمان الحانثة { ~~وإذا لآتيناهم } أي وإذا فعلوا ما يوعظون به آتيناهم بما لنا من العظمة ~~إيتاء مؤكدا لا مرية فيه. وأشار بقوله: { من لدنا } إلى أنه من غرائب ما ~~عنده من خوارق خوارق العادات ونواقض نواقض المطردات { أجرا عظيما * ~~ولهديناهم } أي بما لنا من العظمة { صراطا مستقيما * } أي يوصلهم إلى ~~مرادهم، وقد عظم سبحانه وتعالى هذا الأجر ترغيبا في الطاعة أنواعا من ~~العظمة منها التنبيه ب " إذا " ، والإتيان بصيغة العظمة و " لدن " مع ~~العظمة والوصف بالعظيم. ### || [4.69-73] # ولما رغب في العمل بمواعظه، وكان الوعد قد يكون لغلظ في الموعوظ، وكان ~~ما قدمه في وعظه أمرا مجملا؛ رغب بعد ترقيقه بالوعظ في مطلق الطاعة ~~التي المقام كله لها، مفصلا إجمال ما وعد عليها فقال: { ومن يطع الله } ~~أي في امتثال أوامره والوقوف عند زواجره مستحضرا عظمته - طاعة هي على ~~سبيل التجدد والاستمرار { والرسول } أي في كل ما أراده، فإن منصب الرسالة ~~يقتضي ذلك، لا سيما من بلغ نهايتها { فأولئك } أي العالو الرتبة العظيمو ~~الشرف { مع الذين أنعم } أي بما له من صفات الجلال والجمال { عليهم } أي ~~معدود من حزبهم، فهو بحيث إذا أراد زيارتهم أو رؤيتهم وصل إليها بسهولة، ~~لا أنه يلزم أن يكون في درجاتهم وإن كانت اعماله قاصرة. ثم بينهم بقوله: ~~{ من النبيين } أي الذين أنبأهم الله بدقائق الحكم، وأنبؤوا الناس بحلائل ~~الكلم، بما لهم من طهارة الشيم والعلو والعظم { والصديقين } أي الذين ~~صدقوا أول الناس ما أتاهم عن الله وصدقوا هم في أقوالهم وأفعالهم، فكانوا ~~قدوة لمن بعدهم { والشهداء } أي الذين لم يغيبوا أصلا عن حضرات القدس ~~ومواطن الأنس طرفة عين، بل هم مع الناس بجسومهم ومع الله سبحانه وتعالى ~~بحلومهم وعلومهم سواء شهدوا لدين الله بالحق، ولسواه بالبطلان ms0938 بالحجة أو ~~بالسيف، ثم قتلوا في سبيل الله { والصالحين } أي الذين لا يعتريهم في ~~ظاهر ولا باطن بحول الله فساد أصلا، وإلى هذا يشير كلام العارف الشيخ ~~رسلان حيث قال: ما صلحت ما دامت فيك بقية لسواه، وقد تجتمع الصفات الأربع ~~في شخص وقد لا تجتمع، وأبو بكر رضي الله تعالى عنه أحق الأمة بالصديقية ~~وإن قلنا: إن عليا وزيدا رضي الله تعالى عنهما أسلما قبله، لأنه - ~~لكبره وكونه لم يكن قبل الإسلام تابعا للنبي صلى الله عليه وسلم - كان ~~قدوة لغيره، ولذلك كان سببا لإسلام ناس كثير وأولئك كانوا سببا لإسلام ~~غيرهم، فكان له مثل أجر الكل، وكان فيه حين إسلامه قوة الجهاد في الله ~~سبحانه وتعالى بالمدافعة عن النبي صلى الله عليه وسلم - وغير ذلك من ~~الأفعال الدالة على صدقه، ولملاحظة هذه الأمور كانت رتبتها تلي رتبة ~~النبوة، ولرفع الواسطة بينهما وفق الله سبحانه وتعالى هذه الأمة التي ~~اختارها بتولية الصديق رضي الله تعالى عنه بعد نبيهم صلى الله عليه وسلم ~~ودفنه إلى جانبه، ومن عظيم رتبتهم تنويه النبي صلى الله عليه وسلم في آخر ~~عمره بهم فقال: # " مع الرفيق الأعلى " # روى البخاري في التفسير عن عائشة رضي الله عنهما قالت: سمعت النبي صلى ~~الله عليه وسلم يقول # " ما من نبي يمرض إلا خير بين الدنيا والآخرة " # ، وكان في شكواه الذي قبض فيه أخذته بحة شديدة، فسمعته يقول: { مع ~~الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين } فعلمت ~~أنه خير. # ولما أخبر أن المطيع مع هؤلاء، لم يكتف بما أفهم ذكرهم من جلالهم وجلال ~~من معهم، بل زاد في بيان علو مقامهم ومقام كل من معهم بقوله: { وحسن } أي ~~وما أحسن { أولئك } أي العالو الأخلاق السابقون يوم السباق { رفيقا * } ~~من الرفق، وهو لغة: لين الجانب ولطافة الفعل, وهو مما يستوي واحده وجمعه. ~~ثم أشار إلى تعظيم ما منحهم به مرغبا في العمل بما يؤدي إليه بأداة ~~البعد فقال: { ذلك الفضل } وزاد في الترغيب فيه بالإخبار عن هذا ms0939 الابتداء ~~بالاسم الأعظم فقال: { من الله }. # ولما كان مدار التفضيل على العلم، قال - بانيا على تقديره: لما يعلم من ~~صحة بواطنهم اللازم منها شرف ظواهرهم -: { وكفى بالله } أي الذي له ~~الإحاطة الكاملة { عليما * } يعلم من الظواهر والضمائر ما يستحق به ~~التفضيل من فضله على غيره. # ولما دل على درجة الشهادة بعد ما ذكر من ثواب من قبل موعظته ولو في قتل ~~نفسه، وذم من أبى ذلك بعد ما حذر من الأعداء من أهل الكتاب والمشركين ~~والمنافقين المخادعين، فتوفرت دواعي الراغبين في المكارم على ارتقابها؛ ~~التفت إلى المؤمنين ملذذا لهم بحسن خطابه نادبا إلى الجهاد مع الإرشاد ~~إلى الاستعداد له مما يروع الأضداد، فقال سبحانه وتعالى - منبها بأداة ~~البعد وصيغة المضي إلى أن الراسخ لا ينبغي له أن يحتاج إلى تنبيه على مثل ~~هذا -: { يا أيها الذين آمنوا } أي أقروا بالإيمان. # ولما كان سبحانه وتعالى قد خلق للإنسان عقلا يحمله على التيقظ والتحرز ~~من الخوف، فكان كالآلة له، وكان - لما عنده من السهو والنسيان في غالب ~~الأوقات - مهملا له، فكان كأنه قد ترك آلة كانت منه؛ قال سبحانه وتعالى: ~~{ خذوا حذركم } أي من الأعداء الذين ذكرتهم لكم وحذرتكم منهم: المشاققين ~~منهم والمنافقين { فانفروا } أي اخرجوا تصديقا لما ادعيتم إلى جهادهم ~~مسرعين { ثبات } أي جماعات متفرقين سرية في إثر سرية. لا تملوا ذلك أصلا ~~{ أو انفروا جميعا * } أي عسكرا واحدا، ولا تخاذلوا تهلكوا، فكأنه ~~قال: خففت عنكم قتل الأنفس على الصفة التي كتبتها على من قبلكم، ولم ~~آمركم إلا بما تألفونه وتتمادحون به فيما بينكم وتذمون تاركه، من موارد ~~القتال, الذي هو مناهج الأبطال، ومشارع فحول الرجال، وجعلت للباقي منكم ~~المحبوبين من الظفر وحل المغنم، وللماضي أحب المحبوب، وهو الدرجة التي ما ~~بعدها إلا درجة النبوة، مع أنه لم ينقص من أجله شيء، ولو لم يقتل في ذلك ~~السبيل المرضى لقتل في غيره في ذلك الوقت. # ولما كان التقدير: فإن منكم الخارج إلى الجهاد عن غير حزم ولا حذر، عطف ~~عليه قوله ms0940 - مبينا لما هو من أجل مقاصد هذه الآيات من تبكيت المنافقين ~~للتحذير منهم، ووصفهم ببعض ما يخفون، مؤكدا لأن كل ما ادعى الإيمان ينكر ~~أن يكون كذلك -: { وإن منكم } أي يا أيها الذين آمنوا وعزتنا { لمن ~~ليبطئن } أي يتثاقل في نفسه عن الجهاد لضعفه في الإيمان أو نفاقه، ويأمر ~~غيره بذلك أمرا مؤكدا إظهارا للشفقة عليكم وهو عين الغش فإنه يثمر ~~الضعف المؤدي إلى جرأة العدو المفضي إلى التلاشي. # ولما كان لمن يتثاقل عنهم حالتا نصر وكسر، وسبب عن تثاقله مقسما لقوله ~~فيهما: { فإن أصابتكم مصيبة } أي في وجهكم الذي قعدوا عنه { قال } ذلك ~~القاعد جهلا منه وغلظة { قد أنعم الله } أي الملك الأعظم، ذاكرا لهذا ~~الاسم غير عارف بمعناه { علي إذ } أي حين، أو لأني { لم أكن معهم شهيدا ~~* } أي حاضرا، ويجوز أن يريد الشهيد الشرعي، ويكون إطلاقه من باب ~~التنزل، فكأنه يقول: هذا الذي هو أعلى ما عندهم أعد فواته مني نعمة ~~عظيمة { ولئن أصابكم فضل } أي فتح وظفر وغنيمة { من الله } أي الملك ~~الأعلى الذي كل شيء بيده. # ولما كان تحسره إنما هو على فوات الأغراض الدنيوية أكد قوله: { ليقولن } ~~أي في غيبتكم، واعترض بين القول ومقوله تأكيدا لذمهم بقوله: { كأن } أي ~~كأنه { لم } أي مشبها حاله حال من لم { يكن بينكم وبينه مودة } أي بسبب ~~قوله: { يا ليتني كنت معهم فأفوز } أي بمشاركتهم في ذلك { فوزا عظيما * ~~} وذلك لأنه لو كان ذا مودة لقال حال المصيبة: يا ليتها لم تصبهم! ولو ~~كنت معهم لدافعت عنهم! وحال الظفر: لقد سرني عزهم، ولكنه لم يجعل محط همه ~~في كلتا الحالتين غير المطلوب الدنيوي، ولعله خص الحالة الثانية بالتشبيه ~~لأن ما نسب إليه فيها لا يقتصر عليه محب، وأما الحالة الأولى فربما اقتصر ~~المحب فيها على ذلك قصدا للبقاء لأخذ الثأر ونكال الكفار، وذكر المودة ~~لأن المنافقين كانوا يبالغون في إظهار الود والشفقة والنصيحة للمؤمنين. ### || [4.74-77] # ولما بين أن محط حال القاعد عن الجهاد الدنيا، علم أن قصد المجاهد ms0941 ~~الآخرة، فسبب عن ذلك قوله: { فليقاتل في سبيل الله } أي بسبب تسهيل طريق ~~الملك الذي له الأمر كله وحفظ الناس عليه { الذين يشرون } أي يبيعون ~~برغبة ولجاجة وهم المؤمنون، أو يأخذون وهم المنافقون - استعمالا للمشترك ~~في مدلوليه { الحياة الدنيا } فيتركونها { بالآخرة } ولما كان التقدير: ~~فإنه من قعد عن الجهاد فقد رضي في الآخرة بالدنيا، عطف عليه قوله: { ومن ~~يقاتل في سبيل الله } أي فيريد إعلاء كلمة الملك المحيط بصفات الجمال ~~والجلال { فيقتل } أي في ذلك الوجه وهو على تلك النية بعد أن يغلب القضاء ~~والقدر على نفسه { أو يغلب } أي الكفار فيسلم { فسوف نؤتيه } أي بوعد لا ~~خلف فيه بما لنا من العظمة المحيطة بالخير والشر، والآية من الاحتباك: ~~ذكر القتل أولا دليل على السلامة ثانيا، وذكر الغالبية ثانيا دليل ~~على المغلوبية أولا؛ وربما دل التعبير بسوف على طول عمر المجاهد غالبا ~~خلافا لما يتوهمه كثير من الناس - إعلاما بأن المدار على فعل الفاعل ~~المختار، لا على الأسباب { أجرا عظيما * } أي في الدارين على اجتهاده ~~في إعزاز دين الله سبحانه وتعالى، واقتصاره على هذين القسمين حث على ~~الثبات ولو كان العدو أكثر من الضعف # فكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة # [البقرة: 249] # والله يؤيد بنصره من يشاء # [آل عمران: 13] والله مع الصابرين. # ولما كان التقدير: فما لكم لا تقاتلون في سبيل الله لهذا الأجر الكثير ~~ممن لا يخلف الميعاد، وكانوا يقولون: إنا لا نعطي الميراث إلا لمن يحمي ~~الذمار، ويذب عن الجار، ويمنع الحوزة؛ قال عاطفا على هذا المقدر ملهبا ~~لهم ومهيجا، ومبكتا للقاعدين وموبخا: { وما } أي وأي شيء { لكم } من ~~دنيا آو آخره حال كونكم { لا تقاتلون } أي تجددون القتال في كل وقت، لا ~~تملونه { في سبيل الله } أي بسبب تسهيل طريق الملك الذي له العظمة ~~الكاملة والغنى المطلق وبسبب خلاص { والمستضعفين } أي المطلوب من الكفار ~~ضعفهم حتى صار موجودا، ويجوز - وهو أقعد - أي يكون منصوبا على الاختصاص ~~تنبيها على أنه من أجل ما في سبيل الله. # ولما كان ms0942 الإنكاء من هذا ما لمن كان رجاء نفعه أعظم، ثم ما لمن يكون ~~العار به أقوى وأحكم؛ رتبهم هذا الترتيب فقال: { من الرجال والنساء ~~والولدان } أي المسلمين الذين حبسهم الكفار عن الهجرة، وكانوا يعذبونهم ~~ويفتنونهم عن دينهم، وكل منهما كاف في بعث ذوي الهمم العالية والمكارم ~~على القتال، ثم وصفهم بما يهيج إلى نصرهم ويحث على غياثهم فقال: { الذين ~~يقولون } أي لا يفترون { ربنا } أي أيها المحسن إلينا بإخراجنا من ~~الظلمات إلى النور { أخرجنا من هذه القرية } ثم وصفوها بالحامل على هذا ~~الدعاء فقالوا: { الظالم أهلها } أي بما تيسره لنا من الأسباب { واجعل ~~لنا من لدنك } أي من أمورك العجيبة في الأمور الخارقة للعادات { وليا } ~~يتولى مصالحنا. # ولما كان الولي قد لا يكون فيه قوة النصر قالوا: { واجعل لنا } ولما ~~كانوا يريدون أن يأتيهم خوارق كرروا قولهم: { من لدنك نصيرا * } أي بليغ ~~النصر إلى حد تعجب منه المعتادون للخوارق، فكان بهذا الكلام كأنه سبحانه ~~وتعالى قال: قد جعلت لكم الحظ الأوفر من الميراث، فما لكم لا تقاتلون في ~~سبيلي شكرا لنعمتي وأين ما تدعون من الحمية والحماية! ما لكم لا ~~تقاتلون في نصر هؤلاء الضعفاء لتحقق حمايتكم للذمار ومنعكم للحوزة وذبكم ~~عن الجار!. # ولما أخبر عن افتقارهم إلى الأنصار وتظلمهم من الكفار، استأنف الإخبار ~~عن الفريقين فقال مؤكدا للترغيب في الجهاد: { الذين آمنوا } أي صدقوا في ~~دعواهم الإيمان { يقاتلون } أي تصديقا لدعواهم من غير فترة أصلا { في ~~سبيل الله } أي الذي له الإحاطة بجميع صفات الكمال قاصدين وجهه بحماية ~~الذمار وغيره، وأما من لم يصدق دعواه بهذا فما آمن { والذين كفروا ~~يقاتلون } أي كذلك { في سبيل الطاغوت } فلا ولي لهم ولا ناصر. # ولما كان الطاغوت الشيطان أو من زينه الشيطان، وكان كل من عصى الله منه ~~وممن أغواه حقيرا؛ سبب عن ذلك قوله: { فقاتلوا أولياء الشيطان } ثم علل ~~الجرأة عليهم بقوله: { إن كيد الشيطان } أي الذي هو رأس العصاة { كان } ~~جبلة وطبعا { ضعيفا * }. # ولما عرفهم هذه المفاوز الأخروية والمفاخر الدنيوية، ms0943 وختم بما ينهض ~~الجبان، ويقوي الجنان، ورغبهم بما شوق إليه من نعيم الجنان؛ عجب من حال ~~من توانى بعد ذلك واستكان، فقال تعالى مقبلا بالخطاب على أعبد خلقه ~~وأطوعهم لأمره: { ألم تر } وأشار إلى أنهم بمحل بعد عن حضرته تنهيضا لهم ~~بقوله: { إلى الذين قيل لهم } أي جوابا لقولهم: إنا نريد أن نبسط ايدينا ~~إلى الكفار بالقتال لأن امتحاننا بهم قد طال { كفوا أيديكم } أي ولا ~~تبسطوها إليهم فإنا لم نأمر بهذا { وأقيموا الصلاة } أي صلة بالخالق ~~واستنصارا على المشاقق { وأتوا الزكاة } منماة للمال وطهرة للأخلاق وصلة ~~للخلائق { فلما كتب عليهم القتال } أي الذي طلبوه وهم يؤمرون بالصفح، ~~كتابة لا تنفك إلى آخر الدهر { إذا فريق منهم } أي ناس تلزم عن فعلهم ~~الفرقة، فأحبوا هذه الكتب بأنهم { يخشون الناس } أي الذين هم مثلهم، أن ~~يضروهم، والحال أنه يقبح عليهم أن يكونوا أجرا منهم وهم ناس مثلهم { ~~كخشية الله } أي مثل ما يخشون الله الذي هو القادر لا غيره. # ولما كان كفهم عن القتال شديدا يوجب لمن يراه منهم أن يظن بهم من الجبن ~~ما يتردد به في الموازنة بين خوفهم من الناس وخوفهم من الله، عبر بأداة ~~الشك فقال: { أو أشد خشية } أي أو كانت خشيتهم لهم عند الناظر لهم أشد من ~~خشيتهم من الله، فقد أفاد هذا أن خوفهم من الناس ليس بأقل من خوفهم من ~~الله جزما بل إما مثله أو أشد منه؛ وقد يكون الإبهام لتفاوت بالنسبة إلى ~~وقتين، فيكون خوفهم منه في وقت متساويا، وفي آخر أزيد، فهو متردد بين ~~هذين الحالين؛ ويجوز أن يكون ذلك كناية عن كراهتهم القتال في ذلك الوقت ~~وتمنيهم لتأخيره إلى وقت ما. # وأيد ما تقدم من الظن بقوله ما هو كالتعليل للكراهة: { وقالوا } جزعا ~~من الموت أو المتاعب - إن كانوا مؤمنين، أو اعتراضا - إن كانوا منافقين، ~~على تقدير صحة ما يقول الرسول صلى الله عليه وسلم { ربنا } أي أيها ~~المحسن إلينا القريب منا { لم كتبت علينا القتال } أي ونحن الضعفاء ms0944 { ~~لولا } أي هلا { أخرتنا } أي عن الأمر بالقتال { إلى أجل قريب } أي لنأخذ ~~راحة مما كنا فيه من الجهد من الكفار بمكة، # " وسبب نزولها أن عبد الرحمن بن عوف والمقداد بن الأسود الكندي وقدامة ~~بن مظعون وسعد بن أبي وقاص وجماعة رضي الله عنهم كانوا يلقون من المشركين ~~بمكة أذى كثيرا قبل أن يهاجروا، ويقولون: يا رسول الله! إئذن لنا في ~~قتالهم فإنهم قد آذونا، فيقول لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: كفوا ~~أيديكم، فإني لم أومر بقتالهم، وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، فلما هاجروا ~~إلى المدينة وأمرهم الله سبحانه وتعالى بقتال المشركين شق ذلك على بعضهم ~~" # حكاه البغوي عن الكلبي، وحكاه الواحدي عنه بنحوه، وروي بسنده عن ابن ~~عباس رضي الله تعالى عنهما # " أن عبد الرحمن ابن عوف وأصحابه رضي الله تعالى عنهم أتوا النبي صلى ~~الله عليه وسلم بمكة فقالوا: يا رسول الله! كنا في عز ونحن مشركون، فلما ~~آمنا صرنا أذلة، فقال: " إني أمرت بالعفو، فلا تقاتلوا القوم " فلما حوله ~~الله تعالى إلى المدينة أمره بالقتال فكفوا، فأنزل الله عز وجل { ألم إلى ~~الذين قيل لهم كفوا أيديكم } " # الآية. وهذا يفهم أن نسبة القول إليهم إنما هي حالهم في التأخر عن ~~المبادرة إلى القتال حال من يقول ذلك، فالمراد من الآية إلهابهم إلى ~~القتال وتهييجهم، ليس غير. # ولما عجب عليه الصلاة والسلام منهم إنكارا عليهم كان كأنه قال: فما ~~أقول لهم؟ أمره بوعظهم وتضليل عقولهم وتقييل أرائهم بقوله: { قل متاع ~~الدنيا قليل } أي ولو فرض أنه مد في آجالكم إلى أن تملوا الحياة، فإن كل ~~منقطع قليل، مع أن نعيمها غير محقق الحصول، وإن حصل كان منغصا بالكدورات ~~{ والآخرة خير لمن اتقى } أي لأنها لا يفنى نعيمها مع أنه محقق ولا كدر ~~فيه، وهي شر من الدنيا لمن لم يتق، لأن عذابها طويل لا يزول { ولا تظلمون ~~فتيلا * } أي لا في دنياكم بأن تنقص آجالكم بقتالكم، ولا أرزاقكم ~~باشتغالكم، ولا في آخرتكم بأن يضيع شيء من ثوابكم ms0945 على ما تنالونه من ~~المشقة، لأنه سبحانه وتعالى حكيم لا يضع شيئا في غير موضعه، ولا يفعل ~~شيئا إلا على قانون الحكمة، فما لكم تقولون قول المتهم: لم فعلت؟ أتخشون ~~الظلم في إيجاب ما لم يجب عليكم وفي نقص الرزق والعمر؟ أتخشون الظلم في ~~إيجاب العدل وله أن يفعل ما شاء، # لا يسئل عما يفعل # [الأنبياء: 23] يحسن ويعطي من تقبل إحسانه أتم الفضل. ### || [4.78-81] # ولما زهدهم في دار المتاعب والأكدار على تقدير طول البقاء، وكانوا كأنهم ~~يرجون بترك القتال الخلود، أو تأخير موت يسببه القتال؛ نبههم على ما ~~يتحققون من أن المنية منهل لا بد من وروده في الوقت الذي قدر له وإن ~~امتنع الإنسان منه في الحصون، أو رمى نفسه في المتألف, فقال تعالى - ~~مبكتا من قال ذلك، مؤكدا بما النافية لنقيض ما تضمنه الكلام لأن حالهم ~~حال من ينكر الموت بغير القتال، مجيبا بحاق الجواب بعد ما أورد الجواب ~~الأول على سبيل التنزل -: { أينما تكونوا } أيها الناس كلكم مطيعكم ~~وعاصيكم { يدرككم الموت } أي فإنه طالب، لا يفوته هارب { ولو كنتم في ~~بروج } أي حصون برج داخل برج، أو كل واحد منكم في برج. # ولما كان ذلك جمعا ناسب التشديد المراد به الكثرة في { مشيدة } أي ~~مطولة، كل واحد منها شاهق في الهواء منيع، وهو مع ذلك مطلي بالشيد أي ~~بالجص، فلا خلل فيه أصلا، ويجوز أن يراد بالتشيد مجرد الإتقان، يعني ~~أنها مبالغ في تحصينها - لأن السياق أيضا يقتضيه، فإذا كان لا بد من ~~الموت فلأن يكون في الجهاد الذي يستعقب السعادة الأبدية أولى من أن يكون ~~في غيره. # ثم عطف ما بقي من أقوالهم على ما سلف منها في قوله: # ربنا لم كتبت # [النساء: 77] إلى آخره وإن كان هذا الناس منهم غير الأولين، ويجوز أن ~~يقال: إنه لما أخبر أن الحذر لا يغني من القدر أتبع ذلك حالا لهم مبكتا ~~به لمن توانى في أمره، مؤذنا بالالتفات إلى الغيبة إعراضا عن خطابهم ~~ببعض غضب، لأنهم جمعوا إلى ms0946 الإخلال بتعظيمهم لله تعالى الإخلال بالأدب مع ~~الرسول صلى الله عليه وسلم الذي أرسله ليطاع بإذن الله فقال: { وإن } أي ~~قالوا ذلك والحال أنه إن { تصبهم } أي بعض المدعوين من الأمة، وهم من ~~كان في قلبه مرض { حسنة } أي شيء يعجبهم، ويحسن وقعه عندهم من أي شيء كان ~~{ يقولوا هذه من عند الله } أي الذي له الأمر كله، لا دخل لك فيها { وإن ~~تصبهم سيئة } أي حالة تسوءهم من أي جهة كانت { يقولوا هذه من عندك } أي ~~من جهة حلولك في هذا البلد تطيرا بك. # ولما كان هذا أمرا فادحا، وللفؤاد محرقا وقادحا، سهل عليه بقوله: { ~~قل كل } أي من السيئة والحسنة في الحقيقة دنيوية كانت أو أخروية { من عند ~~الله } أي الذي له كل شيء، ولا شيء لغيره، وذلك كما قالوا لما مات أبو ~~أمامة أسعد بن زرارة نقيب بني النجار رضي الله تعالى عنه عندما هاجر ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم - كما في ~~السيرة -: # " بئس الميت أبو أمامة ليهود ومنافقي العرب! يقولون: لو كان نبيا لم ~~يمت صاحبه، ولا أملك لنفسي ولا لصاحبي من الله شيئا ". # ولما تسبب عن هذا معرفة أنهم أخطؤوا في ذلك، فاستحقوا الإنكار قال ~~منكرا عليهم: { فما } وحقرهم بقوله: { لهؤلاء } وكأنه قال: { القوم } ~~الذي هو دال على القيام والكفاية، إما تهكما بهم، وإما نسبة لهم إلى قوة ~~الأبدان وضعف المكان { لا يكادون يفقهون } لا يقربون من أن يفهموا { ~~حديثا * } أي يلقي إليهم أصلا فهما جيدا. # ولما أجابهم بما هو الحق إيجادا علمهم ما هو الأدب لماحظة السبب فقال ~~مستأنفا: { ما أصابك من حسنة } اي نعمة دنيوية أو أخروية { فمن الله } ~~أي إيجادا وفضلا، والإيمان أحسن الحسنات، قال الإمام: إنهم يقولون: ~~إنهم اتفقوا على أن قوله # ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله # [فصلت: 33] المراد به كلمة الشهادة { وما أصابك } وأنت خير الخلق { من ~~سيئة } أي بلاء { فمن نفسك } أي بسببها فغيرك بطريق الأولى. # ولما اقتضى قولهم إنكار رسالته ms0947 صلى الله عليه وسلم إلا أن فعل كل خارق، ~~وأخبر سبحانه وتعالى بأنه مستو مع الخلق في القدرة قال سبحانه وتعالى ~~مخبرا بما اختصه به عنهم: { وأرسلناك } أي مختصين لك بعظمتنا { للناس } ~~أي كافة { رسولا } أي تفعل ما على الرسل من البلاغ ونحوه، وقد اجتهدت في ~~البلاغ والنصيحة، ولم نجعلك إلها تأتي بما يطلب منك من خير وشر، فإن ~~أنكروا رسالتك فالله يشهد بنصب المعجزات والآيات البينات { وكفى بالله } ~~المحيط علما وقدرة { شهيدا * } لك بالرسالة والبلاغ. ولما نفى عللهم في ~~التخلف عن طاعته إلى أن ختم بالشهادة برسالته؛ قال مرغبا مرهبا على وجه ~~عام يسكن قلبه، ويخفف من دوام عصيانهم له، دالا على عصمته في جميع ~~حركاته وسكناته: { من يطع الرسول } أي كما هو مقتضى حاله { فقد أطاع الله ~~} الملك الأعظم الذي لا كفوء له، لأنه داع إليه، وهو لا ينطق عن الهوى، ~~إنما يخبر بما يوحيه إليه { ومن تولى } أي عن طاعته. # ولما كان التقدير: فإنما عصى الله. والله سبحانه وتعالى عالم به وقادر ~~عليه، فلو راد لرده ولو شاء لأهلكه بطغيانه، فاتركه وذاك! عبر عن ذلك كله ~~بقوله: { فما أرسلناك } أي بعظمتنا { عليهم حفيظا } إنما أرسلناك ~~داعيا. # ولما كان من شأن الرسول صلى الله عليه وسلم أن يحفظ من أطاعه ومن عصاه ~~ليبلغ ذلك من أرسله، وكان سبحانه وتعالى قد أشار له إلى الإعراض عن ذلك، ~~لكونه لا يحيط بذلك علما وإن اجتهد؛ شرع يخبره ببعض ما يخفونه فقال ~~حاكيا لبعض أقوالهم مبينا لنفاقهم فيه وخداعهم { ويقولون } أي إذا ~~أمرتهم بشيء من أمرنا وهم بحضرتك { طاعة } أي كل طاعة منا لك دائما، نحن ~~ثابتون على ذلك، والتنكير للتعظيم بالتعميم { فإذا برزوا } أي خرجوا { من ~~عندك بيت طائفة } هم في غاية التمرد { منهم } أي قدرت وزورت على غاية ~~من التقدير والتحرير مع الاستدارة والتقابل كفعل من يدبر الأمور ويحكمها ~~ويتقنها ليلا { غير الذي تقول } أي تجدد قوله لك في كل حين من الطاعة ~~التي أظهروها أو غير قولك الذي ms0948 بلغته لهم، وأدغم أبو عمرو وحمزة التاء ~~بعد تسكينها استثقالا لتوالي الحركات في الطاء لقرب المخرجين، والطاء ~~تزيد بالإطباق، فحسن إدغام الأنقص في الأزيد؛ وأظهر الباقون، والإدغام ~~أوفق لحالهم، والإظهار أوفق لما فصح من محالهم. # ولما كان الإنسان من عادته إثبات الأمور التي يريد تخليدها بالكتابة ~~أجرى الأمر على ذلك فقال: { والله } أي والحال أن الملك المستجمع لصفات ~~الكمال { يكتب ما يبيتون } أي يجددون تبييته كلما فعلوه، وهو غني عنه ~~ولكن ذلك ليقربهم إياه يوم يقوم الأشهاد، ويقيم به الحجة عليهم على ما ~~جرت به عاداتهم، أو يوحى به إليك فيفضحهم بكتابته وتلاوته مدى الدهر، فلا ~~يظنوا أن تبييتهم يغنيهم شيئا. # ولما تسبب عن ذلك كفايته صلى الله عليه وسلم هذا المهم قال: { فأعرض ~~عنهم } أي فإنهم بذلك لا يضرون إلا أنفسهم { وتوكل } أي في شأنهم وغيره { ~~على الله } أي الذي لا يخرج شيء عن مراده { وكفى بالله } أي المحيط علما ~~وقدرة { وكيلا * } فستنظر كيف تكون العاقبة في أمرك وأمرهم. ### || [4.82-84] # ولما كان سبب إبطانهم خلاف ما يظهرونه اعتقاد أنه صلى الله عليه وسلم ~~رئيس، لا يعلم إلا ما أظهروه، لا رسول من الله الذي يعلم السر وأخفى؛ سبب ~~عن ذلك على وجه الإنكار إرشادهم إلى الاستدلال على رسالته بما يزيح الشك ~~ويوضح الأمر، وهو تدبر هذا القرآن المتناسب المعاني, المعجز المباني، ~~الفائت لقوى المخاليق، المظهر لخفاياهم على اجتهادهم في إخفائها، فقال ~~سبحانه وتعالى دالا على وجوب النظر في القرآن والاستخراج للمعاني منه: { ~~أفلا يتدبرون } أي يتأملون، يقال: تدبرت الشيء - إذا تفكرت في عاقبته ~~وآخر أمره { القرآن } أي الجامع لكل ما يراد علمه من تمييز الحق من ~~الباطل على نظام لا يختل ونهج لا يمل؛ قال المهدوي: وهذا دليل على وجوب ~~تعلم معاني القرآن وفساد قول من قال: لا يجوز أن يؤخذ منه إلا ما ثبت عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم، ومنع أن يتأول على ما يسوغه لسان العرب، وفيه ~~دليل على النظر والاستدلال. # ولما كان التقدير: فلو كان ms0949 من عند غير الله لم يخبر بأسرارهم، عطف عليه ~~قوله: { ولو كان من عند غير الله } أي الذي له الإحاطة الكاملة - كما زعم ~~الكفار { لوجدوا فيه اختلافا كثيرا * } أي في المعنى بالتناقض والتخلف ~~عن الصدق في الإخبار بالمغيبات أو بعضها، وفي النظم بالتفاوت في الإعجاز؛ ~~فإذا علموا أنه من عند الله بهذا الدليل القطعي حفظوا سرائرهم كما يحفظون ~~علانياتهم، لأن الأمر بالطاعة مستو عند السر والعلن؛ والتقيد بالكثير ~~يفيد أن المخلوق عاجز عن التحرز من النقص العظيم بنفسه، وإفهامه - عند ~~استثناء نقيض التالي - وجود الاختلاف اليسير فيه تدفعه الصرائح. # ولما أمر سبحانه وتعالى بالنفر إلى الجهاد على الحزم والحذر، وأولاه ~~الإخبار بأن من الناس المغرر والمخذل تصريحا بالثاني وتلويحا إلى ~~الأول، وحذر منهما ومن غيرهما إلى أن ختم بأمر الماكرين، وبأن القرآن قيم ~~لا عوج فيه؛ ذكر أيضا المخذلين والمغررين على وجه أصرح من الأول مبينا ~~ما ان عليهم فقال: { وإذا جاءهم } أي هؤلاء المزلزلين { أمر من الأمن } ~~من غير ثبت { أو الخوف } كذلك { أذاعوا } أي أوقعوا الإذاعة لما يقدرون ~~عليه من المفاسد { به } أي بسببه نم غير علم منهم بصدقه من كذبه، وحقه من ~~باطله، ومتفقه من مختلفه، فيحصل الضرر البالغ لأهل الإسلام، أقله قلب ~~الحقائق؛ قال في القاموس: أذاعه وبه: أفشاه ونادى به في الناس. وذلك كما ~~قالوا في أمر الأمن حين انهزم أهل الشرك بأحد، فتركوا المركز الذي وضعهم ~~به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخالفوا أمره وأمر أميرهم، فكان سبب ~~كرة المشركين وهزيمة المؤمنين، وفي أمر الخوف حين صاح الشيطان: إن محمدا ~~قد قتل، فصدقوه وأذاعه بعضهم لبعض، وانهزموا وأرادوا الاستجارة بالكفار ~~من أبي سفيان وأبي عامر، وكذا ما أشاعوه عند الخروج إلى بدر الموعد من أن ~~أبا سفيان قد جمع لهم ما لا يحصى كثرة، وأنهم إن لقوة لم يبق منهم أحد - ~~إلى غير ذلك من الإرجاف إلى أن صارت المدينة تفور بالشر فوران المرجل، ~~حتى أحجموا كلهم - أو إلا أقلهم - حتى قال النبي ms0950 صلى الله عليه وسلم: # " والله لأخرجن ولو لم يخرج معي أحد " # فاستجابوا حينئذ، وأكسبهم هذا القول شجاعة وأنالهم طمأنينة، فرجعوا ~~بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء كما وعدهم الله سبحانه وتعالى ورسوله ~~صلى الله عليه وسلم إن صبروا واتقوا، فكذب ظنهم وصدق الله ورسوله، وفي ~~هذا إرشاد إلى الاستدلال على كون القرآن من عنده سبحانه وتعالى بما يكذب ~~من أخبارهم هذه التي يشيعونها ويختلف، وأن ما كان من غيره تعالى فمختلف - ~~وإن تحرى فيه متشبه - وإن دل عقله وتناهي نبله إلا أن استند عقله إلى ما ~~ورد عن العالم بالعواقب، المحيط بالكوائن على لسان الرسل عليهم الصلاة ~~والسلام والتحية والإكرام، وإلى أن القياس حجة. وأن تقليد القاصر للعالم ~~واجب، وأن الاستنباط واجب على العلماء، والنبي صلى الله عليه وسلم رأس ~~العلماء، وإلى ذلك يومي قوله تعالى: { ولو ردوه } أي ذلك الأمر الذي لا ~~نص فيه من قبل أن يتكلموا به { إلى الرسول } أي نفسه إن كان موجودا، ~~وأخباره إن كان مفقودا { وإلى أولي الأمر منهم } أي المتأهلين لأن ~~يأمروا وينهوا من الأمراء بالفعل أو بالقوة من العلماء وغيرهم { لعلمه } ~~أي ذلك الأمر على حقيقته وهل هو مما يذاع أو لا { الذين يستنبطونه } أي ~~يستخرجونه بفطنتهم وتجربتهم كما يستخرج الإنباط المياه ومنافع الأرض { ~~منهم } أي من الرسول وأولي الأمر. # ولما كان التقدير: فلولا فضل الله عليكم ورحمته بالرسول ووراث علمه ~~لاستبيحت بإشاعاتهم هذه بيضة الدين واضمحلت أمور المسلمين؛ عطف عليه ~~قوله: { ولولا فضل الله عليكم } أي أيها المتسمون بالإسلام بإنزال الكتاب ~~وتقويم العقول { ورحمته } بإرسال الرسول { لاتبعتم الشيطان } أي المطرود ~~المحترق { إلا قليلا * } أي منكم فإنهم لا يتبعونه حفظا من الله سبحانه ~~وتعالى بما وهبهم من صحيح العقل من غير واسطة رسول؛ وهذه الآية من ~~المواضع المستصعبة على الأفهام بدون توقيف على المراد بالفضل إلا عند من ~~آتاه الله سبحانه وتعالى علما بالمناسبات، وفهما ثاقبا بالمراد ~~بالسياقات، وفطنة بالأحوال والمقامات تقرب من الكشف، وذلك أن من المقرر ~~أنه لا بد ms0951 من مخالفة حكم المستثنى لحكم المستثنى منه, وهو هنا من وجد ~~عليهم الفضل والرحمة فاهتدوا, ومخالفة المستثنى لهم تكون بأحد أمور ثلاثة ~~كل منها فاسد، إما بأن يعدموا الفضل فيتبعوه، ويلزم عليه أن يكون الضال ~~أقل من المهتدي، وهو خلاف المشاهد؛ أو بأن يعدموه فلا يتبعوه، فيكونوا ~~مهتدين من غير فضل؛ أو بأن يوجد عليهم الفضل فيتبعوه، فيكونوا ضالين مع ~~الفضل والرحمة اللذين كانا سببا في امتناع الضلال عن المخاطبين. # فيكونان تارة مانعين، وتارة غير مانعين، فلم يفيدا إذن مع أن أيضا يلزم ~~عليه أن يكون الضال أقل من المهتدي؛ فإذا حمل الكلام على أن المراد ~~بالفضل الإرسال وضح المعنى ويكون التقدير: ولولا إرسال الرسول لاتبعتم ~~الشيطان إلا قليلا منكم، فإنهم لا يتبعونه من غير إرشاد الرسول، بل ~~بهداية من الله سبحانه وتعالى وفضل بلا واسطة كقس بن ساعدة وزيد بن عمرو ~~بن نفيل وورقة بن نوفل؛ والدليل على هذا المقدر أن السياق لرد الأشياء ~~كلها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، والمنع من الاستقلال بشيء دونه. # ولما بين سبحانه وتعالى نفاقهم المقتضي لتقاعدهم عن الجهاد بأنفسهم ~~وتنشيطهم لغيرهم، كان ذلك سببا لأن يمضي صلى الله عليه وسلم لأمره ~~سبحانه وتعالى من غير التفات إليهم وافقوا أو نافقوا، فقال سبحانه وتعالى ~~بعد الأمر بالنفر ثبات وجميعا، وبيان أن منهم المبطىء، مشيرا إلى أن ~~الأمر باق وإن بطأ الكل: { فقاتل في سبيل الله } أي الذي له الأمر كله ~~ولو كنت وحدك. # ولما كان كأنه قيل: فما أفعل فيمن أرسلت إليهم إن لم يخرجوا؟ قال - ~~معلما بأنه قد جعله أشجع الناس وأعلمهم بالحروب وتدبيرها، وهو مع تأييده ~~بذلك قد تكفل بنصرته ولم يكله إلى أحد -: { لا تكلف إلا نفسك } أي ليس ~~عليك إثم أتباعك لو تخلفوا عنك، وقد أعاذهم الله سبحانه وتعالى من ذلك، ~~ولا ضرر عليك في الدنيا أيضا من تخليهم، فإن الله سبحانه وتعالى ناصرك ~~وحده، وليس النصر إلا بيده سبحانه وتعالى، وما كان سبحانه وتعالى ليأمره ~~بشيء إلا وهو ms0952 كفوء له، فهو ملىء بمقاتلة الكفار كلهم وحده وإن كانوا أهل ~~الأرض كلهم، ولقد عزم في غزوة بدر الموعد - التي قيل: إنها سبب نزول هذه ~~الآية - على الخروج إلى الكفار ولو لم يخرج معه أحد؛ وقد اقتدى به صاحبه ~~الصديق رضي الله تعالى عنه في قتال أهل الردة فقال للصحابة رضي الله ~~تعالى عنهم: والله لو لم أجد إلا هاتين - يعني ابنتيه: عائشة وأسماء رضي ~~الله تعالى عنهما - لقاتلتهم بهما. # ولما كان ذلك قد يفتر عن الدعاء قال: { وحرض المؤمنين } أي مرهم بالجهاد ~~وانههم عن تركه وعن مواصلة كل من يثبطهم عنه وعظمهم واجتهد في أمرهم حتى ~~يكونوا مستعدين للنفر متى ندبوا حتى كأنهم لشدة استعدادهم حاضرون في الصف ~~دائما. ثم استأنف الذكر لثمرة ذلك فقال: { عسى الله } أي الذي استجمع ~~صفات الكمال { أن يكف } بما له من العظمة { بأس الذين كفروا } أي عن أن ~~يمنعوك من إظهار الدين بقتالك وقتال من تحرضه، ولقد فعل سبحانه وتعالى ~~ذلك، فصدق وعده، ونصر عبده, وهزم الأحزاب وحده، حتى ظهر الدين، ولا يزال ~~ظاهرا حتى يكون آخر ذلك على يد عيسى عليه الصلاة والسلام. # ولما كان السامع ربما فهم أنه لا يتأتى كفهم إلا بذلك، قال ترغيبا ~~وترهيبا واحتراسا: { والله } أي الذي لا مثل له { أشد بأسا } أي ~~عذابا وشدة من المقاتلين والمقاتلين { وأشد تنكيلا * } أي تعذيبا ~~بأعظم العذاب، ليكون ذلك مهلكا للمعذب ومانعا لغيره عن مثل فعله؛ قال ~~الإمام أبو عبد الله القزاز: يقال: نكلته تنكيلا - إذا عملت به عملا ~~يكون نكالا لغيره، أي عبرة فيرجع عن المراد من أجله، وهو أن الناظر إليه ~~والذي يبلغه ذلك يخاف أن يحل به مثله، أي فيكون له ذلك قيدا عن الإقدام؛ ~~والنكل - بالكسر: القيد. ### || [4.85-88] # ولما كان ذلك موجبا للرغبة في طاعة النبي صلى الله عليه وسم لا سيما في ~~الجهاد، وللرغبة فيمن كان بصفة المؤمنين من الإقبال على الطاعة، والإعراض ~~عن كل من كان بصفة المنافقين، والإدامة لطردهم وإبعادهم والغلظة عليهم, ~~والحذر من ms0953 مجالستهم حتى يتبين إخلاصهم، وكان بين كثير من خلص الصحابة رضي ~~الله تعالى عنهم وبينهم قرابات توجب العطف المقتضي للشفقة عليهم، الحاملة ~~للشفاعة فيهم، إما بالإذن في التخلف عن الجهاد لما يزخرفون القول من ~~الأعذار الكاذبة، أو في العفو عنهم عند العثور على نقائصهم، أو في ~~إعانتهم أو إعانة غيرهم بالمال والنفس في أمر الجهاد عند ادعاء أن المانع ~~له عنه العجز - وفي غير ذلك، وكانت التوبة معروضة لهم ولغيرهم، وكان البر ~~ما سكن إليه القلب، والإثم ما حاك في الصدر، والإنسان على نفسه بصيرة، ~~وكانت البواطن لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى، وكان الإنسان ربما أظهر ~~شرا في صورة خير؛ رغب سبحانه وتعالى في البر، وحذر من الإثم بقوله - ~~معمما مستأنفا في جواب من كأنه قال: أما تقبل فيهم شفاعة -: { من يشفع ~~} أي يوجد ويجدد، كائنا من كان، في أي وقت كان { شفاعة حسنة } أي يقيم ~~بها عذر المسلم في كل ما يجوز في الدين ليوصل إليه خيرا، أو يدفع عنه ~~ضيرا { يكن له نصيب منها } بأجر تسببه في الخير { ومن يشفع } كائنا من ~~كان، في أي زمان كان { شفاعة سيئة } أي بالذب عن مجرم في أمر لا يجوز، ~~والتسبب في إعلائه وجبر دائه؛ وعظم الشفاعة السيئة لأن درء المفاسد أولى ~~من جلب المصلح، فقال - معبرا بما يفهم النصيب ويفهم أكثر مه تغليظا في ~~الزجر -: { يكن له كفل منها } وهذا بيان لأن الشفاعة فيهم سيئة إن تحقق ~~إجرامهم، حسنة إن علمت توبتهم وإسلامهم. # ولما كان كل من تحريض المؤمنين على الجهاد والشفاعة الحسنة من وادي # " من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة " # حسن اقترانهما جدا، والنصيب قدر متميز من الشيء يخص من هو له، وكذا ~~الكفل إلا أن الاستعمال يدل على أنه أعظم من النصيب، ويؤيده ما قالوا من ~~أنه قد يراد به الضعف، فكأنه نصيب متكفل بما هو له من إسعاد وإبعاد؛ قال ~~أهل اللغة: النصيب: الحظ، والكفر - بالكسر: الضعف والنصيب ms0954 والحظ، ومادة " ~~نصب " يدور على العلم المنصوب، ويلزمه الرفع والوضع والتمييز والأصل ~~والمرجع والتعب، فيلزمه الوجع، ومن لوازمه أيضا الحد والغاية والجد ~~الوقوف؛ ومادة " كفل " تدور على الكفل - بالتحريك وهو العجز أو ردفه، ~~ويلزمه الصحابة واللين والرفق والتأخر؛ وقال الإمام: الكفل هو النصيب ~~الذي عليه يعتمد الإنسان في تحصيل المصالح لنفسه ودفع المفاسد عن نفسه، ~~والمقصود هنا حصول ضد ذلك كقوله # فبشرهم بعذاب أليم # [آل عمران: 21 والتوبة: 34 والانشقاق: 24] والغرض منه التنبيه على أن ~~الشفاعة المؤدية إلى سيقوط الحق وقوة الباطل تكون عظيمة العقاب عند الله ~~سبحانه وتعالى - انتهى. وما غلظ هذا الزجر إلا للعلم بأن أكثر النفوس ~~ميالة بأصحابها للشفاعة بالباطل. # ولما كان الأليق بالرغبة أن لا يقطع في موجبها وإن عظم بالحقية، ليكون ~~ذلك زاجرا عن مقارفة شيء منها وإن صغر؛ عبر في الحسنة بالنصيب، وفي ~~السيئة بالكفل؛ ويؤيد إرادة هذا أنه تعالى لما ذكر ما يوجب الجنة من ~~الإيمان والتقوى، وكان في سياق الوعظ لأهل الكتاب الذين هم على شرع أصله ~~حق بتشريع رسول من عند الله، فتركهم لذلك بعيد يحتاج إلى زيادة ترغيب؛ ~~عبر بالكفل فقال تعالى: # يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته # [الحديد: 28] إلى آخرها. # ولما كان النصيب مبهما بالنسبة إلى علمنا لتفاوته بالنسبة إلى قصور ~~الشافعين، وإقدامهم على الشفاعة على علم أو جهل وغير ذلك مما لا يمكن ~~الإحاطة به إلا الله سبحانه وتعالى علما وقدرة؛ قال تعالى مرغبا ~~ومرهبا: { وكان الله } أي ذو الجلال والإكرام { على كل شيء } من ~~الشافعين وغيرهم وجزاء الشفاعة { مقيتا * } أي حفيظا وشهيدا وقديرا ~~على إعطاء ما يقوت من أخلاق النفوس وأحوال القلوب وأرزاق الأبدان وجميع ~~ما به القوام جزاء وابتداء من جميع الجهات، وعلى تقدير ما يستحق كل أحد ~~من الجزاء على الشفاعة وكل خير وشر. # ولما كان ذلك موجبا للإعراض عنهم رأسا ومنابذتهم قولا وفعلا، وبين ~~سبحانه وتعالى أن التحية ليست من وادي الشفاعة، وأن الشفاعة تابعة للعمل، ~~والتحية تابعة ms0955 للظاهر، فقال سبحانه وتعالى عاطفا على ما تقديره: فلا ~~تشفعوا فيهم وأنتم تعلمون سوء مقاصدهم، فقال معبرا بأداة التحقق بشارة ~~لهم بأنهم يصيرون - بعد ما هم فيه الآن من النكد - ملوكا، وفي حكم ~~الملوك، يحبون ويشفع عندهم، وحثا على التواضع: { وإذا حييتم بتحية } أي ~~أي تحية كانت إذا كانت مشروعة، وأصل التحية الملك، واشتقاقها من الحياة، ~~فكأن حياة الملك هي الحياة, وما عداها عدم, ثم أطلقت على كل دعاء يبدأ به ~~عند اللقاء؛ وقال الأصبهاني: لفظ التحية صار كناية عن الإكرام، فجميع ~~أنواع الإكرام تدخل تحت لفظ التحية { فحيوا بأحسن منها } كأن تزيدوا ~~عليها { أو ردوها } أي من غير زيادة ولا نقص، وذلك دال على وجوب رد ~~السلام - من الأمر، وعلى الفور - من الفاء والإجماع موافق لذلك، وترك ~~الجواب إهانة، والإهانة ضرر، والضرر حرام؛ قال الأصبهاني: والمبتدىء ~~يقول: السلام عليكم، والمجيب يقول: وعليكم السلام، ليكون الافتتاح ~~والاختتام بذكر الله سبحانه وتعالى. # وما أحسن جعلها تالية لآية الجهاد إشارة إلى أن من بذل السلام وجب الكف ~~عنه ولو كان في الحرب، على أن من مقتضيات هاتين الآيتين أن مبني هذه ~~السورة على الندب إلى الإحسان والتعاطف والتواصل، وسبب ذلك إما المال وقد ~~تقدم الأمر به في قوله تعالى # وإذا حضر القسمة # [النساء: 8]، وإما غيره ومن أعظمه القول، لأنه ترجمان القلب الذي به ~~العطف، ومن أعظم ذلك الشفاعة والتحية، قال عليه الصلاة والسلام فيما ~~أخرجه مسلم والأربعة عن أبي هريرة رضي الله عنه # " والذي نفسي بيده! لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، ~~أفلا أدلكم على أمر إذا فعلتموه تحاببتم، أفشوا السلام بينكم " # فناسب ذكر هاتين الآيتين بعد ذكر آية الجهاد المختتمة بالبأس والتنكيل. # ولما كانت الشفاعة أعظمها في الإحسان قدمت ولا سيما وموجبها الإعراض، ~~ومقصد السورة التواصل، فشأنها أهم والنظر إليها آكد، ثم رغب في الإحسان ~~في الرد، ورهب من تركه بقوله معللا: { إن الله } أي الذي له الإحاطة ~~علما وقدرة { كان } أي أزلا وأبدا { على كل شيء حسيبا ms0956 * } أي محصيا ~~لجميع المتعددات دقيقها وجليلها، كافيا لها في أقواتها ومثوباتها، ~~محاسبا بها، مجازيا عليها، وذلك كله شأن المقيت؛ ثم علل ذلك بقوله ~~دالا على تلازم التوحيد والعدل: { الله } أي الذي لا مثل له { لا إله ~~إلا هو } أي وقد أمركم بالعدل في الشفاعة والسلام، فإن لم تفعلوه - لما ~~لكم من النقائص التي منها عدم الوحدانية - فهو فاعله ولا بد, فاحذروه ~~لأنه واحد, فلا معارض له في شيء من الحساب ولا غيره، ولا يخفى عليه شيء ~~فالحكم على البواطن إنما هو له تعالى، وأما أنتم فلم تكلفوا إلا بالظاهر. # ولما تبين أنه لا معارض له أنتج قوله مبينا لوقت الحساب الأعظم: { ~~ليجمعنكم } وأكده باللام والنون دلالة على تقدير القسم لإنكار المنكرين ~~له، ولما كان التدريج بالإماتة شيئا فشيئا، عبر بحرف الغاية فقال: { ~~إلى يوم القيامة } والهاء للمبالغة، ثم آكده بقوله: { لا ريب فيه } أي ~~فيفصل بينكم وبين من أخبركم بهم من المنافقين ونقد أحوالهم وبين محالهم، ~~فيجازي كلا بما يستحق. # ولما كان التقدير: فمن أعظم من الله قدرة! عطف عليه قوله: { ومن أصدق من ~~الله } أي الذي له الكمال كله فلا شوب نقص يلحقه { حديثا } وهو قد وعد ~~بذلك لأنه عين الحكمة، وأقسم عليه، فلا بد من وقوعه، وإذ قد تحرر بما مضى ~~أن المنافقين كفرة، لا لبس في أمرهم، وكشف سبحانه وتعالى الحكم في باطن ~~أمرهم بالشفاعة وظاهره بالتحية، وحذر من خالف ذلك بما أوجبته على نفسه ~~حكمته من الجمع ليوم الفصل للحكم بالعدل، وختم بأن الخبر عنهم وعن جميع ~~ذلك صدق؛ كان ذلك سببا لجزم القول بشقاوتهم والإعراض عنهم والبعد عن ~~الشفاعة فيهم، والإجماع على ذلك من كل مؤمن وإن كان مبنى السورة على ~~التواصل، لأن ذلك إنما هو حيث لا يؤدي إلى مقاطعة أمر الله، فقال تعالى ~~مبكتا لمن توقف عن الجزم بإبعادهم: { فما لكم } أيها المؤمنون { في ~~المنافقين } أي أي شيء لكم من أمور الدنيا أو الآخرة في افتراقكم فيهم { ~~فئتين } بعضكم يشتد عليهم وبعضكم يرفق ms0957 بهم. # ولما كان هذا ظاهرا في بروز الأمر المطاع بين القول بكفرهم وضحه بقوله؛ ~~{ والله } أي والحال أن الملك الذي لا أمر لأحد معه { أركسهم } أي ردهم ~~منكوسين مقلوبين { بما كسبوا } أي بعد إقرارهم بالإيمان من مثل هذه ~~العظائم، فاحذروا ذلك ولا تختلفوا في أمرهم بعد هذا البيان؛ وفي عزوة أحد ~~والتفسير من البخاري عن زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه قال: # " لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى أحد رجع ناس ممن خرج معه، وكان ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فرقتين: فرقة تقول: نقاتلهم، وفرقة تقول: ~~لا نقاتلهم، فنزلت: { فما لكم في المنافقين } - الآية، وقال: إنها طيبة ~~تنفي الذنوب وفي رواية:- كما تنفي النار خبث الفضة " # انتهى. فالمعنى حينئذ: اتفقوا على أن تسيروا فيها بما ينزل عليكم في هذه ~~الآيات. # ولما كان حال من يرفق بهم حال من يريد هدايتهم، أنكر سبحانه وتعالى ذلك ~~عليهم صريحا لبت الأمر في كفرهم فقال { أتريدون } أي أيها المؤمنون { أن ~~تهدوا } أي توجدوا الهداية في قلب { من أضل الله } أي وهو الملك الأعظم ~~الذي لا يرد له أمر، وهو معنى قوله: { ومن } أي والحال أنه من { يضلل ~~الله } أي بمجامع أسمائه وصفاته { فلن تجد } أي أصلا أيها المخاطب ~~كائنا من كان { له سبيلا * } أي إلى ما أضله عنه أصلا، والمعنى: إن ~~كان رفقكم بهم رجاء هدايتهم فذلك أمر ليس إلا الله، وإنما عليكم أنتم ~~الدعاء، فمن أجاب صار أهلا للمواصلة، ومن أبى صارت مقاطعته دينا، وقتله ~~قربة، والإغلاظ واجبا. ### || [4.89-92] # ولما أخبر بضلالهم وثباتهم عليه، أعلم بأعراقهم فيه فقال: { ودوا } أي ~~أحبوا وتمنوا تمنيا واسعا { لو تكفرون } أي توجدون الكفر وتجددونه ~~وتستمرون عليه دائما { كما كفروا } ولما لم يكن بين ودهم لكفرهم وكونهم ~~مساوين لهم تلازم، عطف على الفعل المودود - ولم يسبب - قوله: { فتكونون } ~~أي وودوا أن يتسبب عن ذلك ويتعقبه أن تكونوا أنتم وهم { سواء } أي في ~~الضلال، أي توجدون الكفر وتجددونه وتستمرون عليه دائما، فأنتم ترجون في ~~زمان الرفق ms0958 بهم هدايتهم وهم يودون فيه كفركم وضلالكم، فقد تباعدتم في ~~المذاهب وتباينتم في المقاصد. # ولما أخبر بهذه الودادة، سبب عنه أمرهم بالبراءة منهم حتى يصلحوا، ~~بيانا لأن قولهم في الإيمان لا يقبل ما لم يصدقوه بفعل فقال: { فلا ~~تتخذوا } أي أيها المؤمنون { منهم أولياء } أي أقرباء منكم { حتى يهاجروا ~~} أي يوقعوا المهاجرة { في سبيل الله } أي يهجروا من خالفهم في ذات من لا ~~شبه له، ويتسببوا في هجرانه لهم إن كانوا في دار الحرب فبتركها، وإن ~~كانوا عندكم فبترك موادة الكفرة والموافقة لهم في أقوالهم وأفعالهم وإن ~~كانوا أقرب أقربائهم، وهجرتهم في جميع ذلك بمواصلتكم في جميع أقوالكم ~~وأفعالكم، والهجرة العامة هي ترك ما نهى الله سبحانه وتعالى ورسوله صلى ~~الله عليه وسلم عنه. # ولما نهى عن موالاتهم وغيي النهي بالهجرة، سبب عنه قوله: { فإن تولوا } ~~أي عن الهجرة المذكورة { فخذوهم } أي اقهروهم بالأسر وغيره { واقتلوهم ~~حيث وجدتموهم } أي في حل أو حرم. ولما كانوا في هذه الحالة لا يوالون ~~المؤمنين إلا تكلفا قال: { ولا تتخذوا } أي تتكلفوا أن تأخذوا { منهم ~~وليا } أي من تفعلون معه فعل المقارب المصافي { ولا نصيرا } على أحد من ~~أعدائكم، بل جانبوهم مجانبة كلية. # ولما كان سبحانه وتعالى قد أمر فيهم على تقدير توليهم بما أمر، استثنى ~~منه فقال: { إلا الذين يصلون } فرارا منكم، وهم من الكفار عند الجمهور { ~~إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق } أي عهد وثيق بأن لا تقاتلوهم ولا تقاتلوا ~~من لجأ إليهم أو دخل فيما دخلوا فيه, فكفوا حينئذ عن أخذهم وقتلهم { أو } ~~الذين { جاءوكم } حال كونهم { حصرت } أي ضاقت وهابت وأحجمت { صدورهم أن } ~~أي عن أن { يقاتلوكم } أي لأجل دينهم وقومهم { أو يقاتلوا قومهم } أي ~~لأجلكم فرارا أن يكفوا عن قتالكم وقتال قومهم فلا تأخذوهم ولا تقاتلوهم، ~~لأنهم كالمسالمين بترك القتال، ولعله عبر بالماضي في " جاء " إشارة إلى ~~أن شرط مساواتهم للواصلين إلى المعاهدين عدم التكرر، فإن تكرر ذلك منهم ~~فهم الآخرون الآتي حكمهم. # ولما كان التقدير: فلو شاء الله لجعلهم ms0959 مع قومهم إلبا واحدا عليكم، ~~عطف عليه قوله: { ولو } أي يكون المعنى: والحال أنه لو { شاء الله } أي ~~وهو المتصف بكل كمال { لسلطهم } أي هؤلاء الواصلين والجائين على تلك ~~الحال من الكفار { عليكم } ينوع من أنواع التسليط، تسليطا جاريا على ~~الأسباب ومقتضى العوائد، لأن بهم قوة على قتالكم { فلقاتلوكم } أي فتسبب ~~عن هذا التسليط أنهم قاتولكم منفردين أو مع غيرهم من أعدائكم، واللام فيه ~~جواب " لو " على التكرير، أو البدل من سلط. # ولما كان المغيي على النهي عن قتالهم حينئذ، صرح به في قوله: { فإن ~~اعتزلوكم } أي هؤلاء الذين أمرتكم بالكف عنهم من المنافقين، فكفوا عنكم { ~~فلم يقاتلوكم } منفردين ولا مجتمعين مع غيرهم { وألقوا إليكم السلم } أي ~~الانقياد { فما جعل الله } أي الذي لا أمر لأحد معه بجهة من الجهات { لكم ~~عليهم سبيلا * } أي إلى شيء من أخذهم ولا قتلهم. # ولما كان كأنه قيل: هل بقي من أقسام المنافقين شيء؟ قيل: نعم! { ستجدون ~~} أي عن قرب بوعد لا شك فيه { آخرين } أي من المنافقين { يريدون أن ~~يأمنوكم } أي فلا يحصل لكم منهم ضرر { ويأمنوا قومهم } كذلك، لضعفهم عن ~~كل منكم. فهم يظهرون لكم الإيمان إذا لقوكم، ولهم الكفر إذا لقوهم، وهو ~~معنى { كلما ردوا إلى الفتنة } أي الابتلاء بالخوف عند المخالطة { أركسوا ~~} أي قلبوا منكوسين { فيها }. # ولما كان هؤلاء أعرق في النفاق وأردى وأدنى من الذين قبلهم وأعدى، صرح ~~بمفهوم ما صرح به في أولئك، لأنه أغلظ وهم أجدر من الأولين بالإغلاظ، ~~وطوى ما صرح به، ثم قال: { فإن لم يعتزلوكم } ولما كان الاعتزال خضوعا ~~لا كبرا، صرح به في قوله: { ويلقوا إليكم السلم } أي الانقياد. ولما كان ~~الإلقاء لا بد له من قرائن يعرف بها قال: { ويكفوا أيديهم } أي عن قتالكم ~~وأذاكم { فخذوهم } أي اقهروهم بكل نوع من أنواع القهر تقدرون عليه { ~~واقتلوهم }. # ولما كان نفاقهم - كما تقدم - في غاية الرداءة، وأخلاقهم في نهاية ~~الدناءة، أشار إلى الوعد بتيسير التمكين منهم فقال: { حيث ثقفتموهم } فإن ~~معناه: صادفتموهم وأدركتموهم وأنتم ms0960 ظافرون بهم، حاذقون في قتالهم، فطنون ~~به، خفيفون فيه، فإن الثقف: الحاذق الخفيف الفطن، ولذلك أشار إليهم بأداة ~~البعد فقال: { وأولئكم } أي البعداء عن منال الرحمة من النصر والنجاة وكل ~~خير { جعلنا } أي بعظمتنا { لكم عليهم سلطانا } أي تسلطا { مبينا * } ~~أي ظاهرا قوته وتسلطه. وهذه الآيات منسوخة بآية براءة، فإنها متأخرة ~~النزول فإنها بعد تبوك. # ولما بين أقسامهم بيانا ظهر منه أن أحوالهم ملبسة، وأمر بقتالهم مع ~~الاجتهاد في تعرف أحوالهم، وختم بالتسلط عليهم، وكان ربما قتل من لا ~~يستحق القتل بسبب الإلباس؛ أتبع ذلك بقوله المراد به التحريم، مخرجا له ~~في صورة النفي المؤكد بالكون لتغليظ الزجر عنه لما للنفوس عند الحظوظ من ~~الدواعي إلى القتل: { وما كان لمؤمن } أي يحرم عليه { أن يقتل مؤمنا } ~~أي في حال من الحالات { إلا خطأ } أي في حالة الخطأ بأن لا يقصد القتل، ~~أو لا يقصد الشخص، أو يقصده بما لا يقصد به زهوق الروح، أو لا يقصد ما هو ~~ممنوع منه كمن يرمي إلى صف الكفار وفيهم مسلم، أو بأن يكون غير مكلف، فإن ~~القتل على هذا الوجه ليس بحرام، وهذا الذي ذكره في أقسام المنافقين إشارة ~~إلى أنه ينبغي التثبت والتحري في جميع أمر القتل متى احتمل أن يكون ~~القاتل مؤمنا احتمالا لا تقضي العادة بقربه، فلزم من ذلك بيان حكم ~~الخطأ، ولام الاختصاص قد تطلق على ما لا مانع منه " فإنما هي لك أو لأخيك ~~أو للذئب " وكأنه عبر به ليفيد بإيجاب الكفارة والدية غاية الزجر عن قتل ~~المؤمن، لأنه إذا كان هذا جزاء ما هو له فما الظن بما ليس له! فقال ~~تعالى: { ومن قتل مؤمنا } صغيرا كان أو كبيرا، ذكرا كان أو أنثى، ~~ولعله عبر سبحانه وتعالى بالوصف تنبيها على أنه إن لم يكن كذلك في نفس ~~الأمر لم يكن عليه شيء في نفس الأمر وإن ألزم به في الظاهر { خطأ }. # ولما كان الخطأ مرفوعا عن هذه الأمة، فكان لذلك يظن أنه لا شيء على ~~المخطىء؛ بين ms0961 أن الأمر في القتل ليس كذلك حفظا للنفوس، لأن الأمر فيها ~~خطر جدا، فقال - مغلظا عليه حثا على زيادة النظر والتحري عند فعل ما ~~قد يقتل -: { فتحرير } أي فالواجب عليه تحرير { رقبة } أي نفس، عبر بها ~~عنها لأنها لا تعيش بدونها كاملة الرق { مؤمنة } ولو ببيع الدار أو ~~البساتين، سليمة عما يخل بالعمل، وقدم التحرير هنا حثا على رتق ما خرق ~~من حجاب العبد، وإيجاب ذلك في الخطأ إيجاب له في العمد بطريق الأولى، ~~وكأنه لم يذكره في العمد لأنه تخفيف في الجملة والسياق للتغليظ { ودية ~~مسلمة } أي مؤداة بيسر وسهولة { إلى أهله } أي ورثته يقتسمونها كما يقسم ~~الميراث { إلا أن يصدقوا } أي يجب ذلك عليه في كل حال إلا في حال تصدقهم ~~بالعفو عن القاتل بإبرائه من الدية، فلا شيء عليه حينئذ، وعبر بالصدقة ~~ترغيبا { فإن كان } أي المقتول { من قوم } أي فيهم منعة { عدو لكم } أي ~~محاربين { وهو } أي والحال أنه { مؤمن فتحرير } أي فالواجب على القاتل ~~تحرير { رقبة مؤمنة } وكأنه عبر بذلك إشارة إلى التحري في جودة إسلامها، ~~وقد أسقط هذا حرمة نفسه بغير الكفارة بسكناه في دار الحرب التي هي دار ~~الإباحة أو وقوعه في صفهم، ولعده في عدادهم قال: { من } ومعناه - كما قال ~~الشافعي وغيره تبعا لابن عباس رضي الله تعالى عنهما -: في { وإن كان } ~~أي المقتول { من قوم } أي كفرة أيضا عدو لكم { بينكم وبينهم ميثاق } وهو ~~كافر مثلهم { فدية } أي فالواجب فيه كالواجب في المؤمن المذكور قبله دية ~~{ مسلمة إلى أهله } على حسب دينه، إن كان كتابيا فثلث دية المسلم، وإن ~~كان مجوسيا فثلثا عشرها { وتحرير رقبة مؤمنة } وكأنه قدم الدية هنا ~~إشارة إلى المبادرة بها حفظا للعهد، ولتأكيد أمر التحرير بكونه ختاما ~~كما كان افتتاحا حثا على الوفاء به، لأنه أمانة لا طالب له إلا الله؛ ~~وقال الأصبهاني: إن سر ذلك أن إيجابه في المؤمن أولى من الدية، وبالعكس ~~ها هنا - انتهى. # وكان سره النظر إلى خير الدين في المؤمن، وإلى حفظ ms0962 العهد في الكافر { ~~فمن لم يجد } أي الرقبة ولا ما يتوصل به إليها { فصيام } أي فالواجب عليه ~~صيام { شهرين متتابعين } حتى لو أفطر يوما واحدا بغير حيض أو نفاس وجب ~~الاستئناف، وعلل ذلك بقوله عادا للخطأ - بعد التعبير عنه باللام المقتضية ~~أنه مباح - ذنبا تغليظا للحث على مزيد الاحتياط: { توبة } أي أوجب ذلك ~~عليكم لأجل قبول التوبة { من الله } أي الملك الأعظم الذي كل شيء في ~~قبضته. # ولما كان الكفارات من المشقة على النفس بمكان، رغب فيها سبحانه وتعالى ~~بختم الآية بقوله: { وكان الله } أي المحيط بصفات الكمال { عليما } أي ~~بما يصلحكم في الدنيا والآخرة، وبما يقع خطأ في نفس الأمر أو عمدا، فلا ~~يغتر أحد بنصب الأحكام بحسب الظاهر { حكيما * } في نصبه الزواجر ~~بالكفارات وغيرها، فالزموا أوامره وباعدوا زواجره لتفوزوا بالعلم ~~والحكمة. ### || [4.93-97] # ولما ساق تعالى الخطأ مساق ما هو للفاعل منفرا عنه هذا التنفير، ناسب ~~كل المناسبة أن يذكر ما ليس له من ذلك، إذ كان ضبط النفس بعد إرسالها ~~شديدا، فربما سهلت قتل من تحقق إسلامه إحنة، وجرت إليه ضغينة وقوت الشبه ~~فيه شدة شكيمة، ولعمري إن الحمل على الكف بعد الإرسال أصعب من الحمل على ~~الإقدام! وإنما يعرف ذلك من جرب النفوس حال الإشراف على الظفر واللذاذة ~~بالانتقام مع القوى والقدرة فقال: { ومن يقتل مؤمنا } ولعله أشار بصيغة ~~المضارع إلى دوم العزم على ذلك لأجل الإيمان، وهو لا يكون إلا كفرا، ~~وترك الكلام محتملا زيادة تنفير من قتل المسلم { متعمدا } أي وأما ~~الخطأ فقد تقدم حكمه في المؤمن وغيره { فجزاؤه } أي على ذلك { جهنم } أي ~~تتلقاه بحالة كريهة جدا كما تجهم المقتول { خالدا فيها } أي ماكثا إلى ~~ما لا آخر له { وغضب الله } أي الملك الأعلى الذي لا كفوء له مع ذلك { ~~عليه ولعنه } أي وأبعده من رحمته { وأعد له عذابا عظيما * } أي لا تبلغ ~~معرفته عقولكم، وإن عمم القول في هذه الآية كان الذي خصها ما قبلها وما ~~بعدها من قوله تعالى # ويغفر ما دون ms0963 ذلك لمن يشاء # [النساء: 48 و116] لا آية الفرقان فإنها مكية وهذه مدنية. # ولما تبين بهذا المنع الشديد من قتل العمد، وما في قتل الخطأ من ~~المؤاخذة الموجبة للتثبت، وكان الأمر قد برز بالقتال والقتل في الجهاد ~~ومؤكدا بأنواع التأكيد، وكان ربما التبس الحال؛ أتبع ذلك التصريح بالأمر ~~بالتثبت جوابا لمن كأنه قال: ماذا نفعل بين أمري الإقدام والإحجام؟ ~~فقال: { يا أيها الذين أمنوا } مشيرا بأداة البعد والتعبير بالماضي الذي ~~هو لأدنى الأسنان إلى أن الراسخين غير محتاجين إلى مزيد التأكيد في ~~التأديب، وما أحسن التفاته إلى قوله تعالى # وحرض المؤمنين # [النساء: 84] إشارة منه تعالى إلى أنهم يتأثرون من تحريضه صلى الله عليه ~~وسلم وينقادون لأمره، بما دلت عليه كلمة " إذا " في قوله تعالى: { إذا ~~ضربتم } أي سافرتم وسرتم في الأرض { في سبيل الله } أي الذي له الكمال ~~كله، لأجل وجهه خالصا { فتبينوا } أي اطلبوا بالتأني والتثبت بيان ~~الأمور والثبات في تلبسها والتوقف الشديد عند منالها، وذلك بتميز بعضها ~~من بعض وانكشاف لبسها غاية الانكشاف؛ ولا تقدموا إلا على ما بان لكم { ~~ولا تقولوا } قولا فضلا عما هو أعلى منه { لمن ألقى } أي كائنا من كان ~~{ إليكم السلام } أي بادر بأن حياكم بتحية افسلام ملقيا قياده { لست ~~مؤمنا } أي بل متعوذ - لتقتلوه. # ولما كان اتباع الشهوات عند العرب في غاية الذم قال موبخا منفرا عن ~~مثل هذا في موضع الحال من فاعل " تقولوا " { تبتغون } أي حال كونكم ~~تطلبون طلبا حثيثا بقتله { عرض الحياة الدنيا } أي بأخذ ما معه من ~~الحطام الفاني والعرض الزائل، أو بإدراك ثأر كان لكم قبله؛ روى البخاري ي ~~التفسير ومسلم في آخر كتابه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: # " { ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام } قال: كان رجل في غنيمة له، ~~فلحقه المسلمون فقال: السلام عليكم: فقتلوه وأخذوا غنيمته، فأنزل الله ~~سبحانه وتعالى في ذلك إلى قوله { عرض الحياة الدنيا } " # ورواه الحارث بن أبي أسامة عن سعيد بن جبير وزاد { كذلك كنتم من قبل } ~~تخفون ms0964 إيمانكم وأنتم مع المشركين، { فمن الله عليكم } وأظهر الإسلام { ~~فتبينوا } ثم علل النهي عن هذه الحالة بقوله: { فعند الله } أي الذي له ~~الجلال والإكرام { مغانم كثيرة } أي يغنيكم بها عما تطلبون من العرض مع ~~طيبها؛ ثم علل النهي من أصله بقوله: { كذلك } أي مثل هذا الذي قتلتموه ~~بجعلكم إياه بعيدا عن الإسلام { كنتم } وبعض زمان القتل - كما هو ~~الواقع - بقوله: { من قبل } أي قبل ما نطقتم بكلمة الإسلام { فمن الله } ~~أي الذي له جميع صفات الكمال { عليكم } أي بأن ألقى في قلوب المؤمنين ~~قبول ما أظهرتم امتثالا لأمره سبحانه وتعالى بذلك، فقوى أمر الإيمان في ~~قلوبكم قليلا قليلا حتى صرتم إلى ما أنتم عليه في الرسوخ في الدين ~~والشهرة به والعز، ولو شاء لقسى قلوبكم وسلطهم عليكم فقتلوكم. فإذا كان ~~الأمر كذلك فعليكم أن تفعلوا بالداخلين في الدين من القبول ما فعل بكم، ~~وهو معنى ما سبب عن الوعظ من قوله تأكيدا لما مضى إعلاما بفظاعة أمر ~~القتل: { فتبينوا } أي الأمور وتثبتوا فيها حتى تنجلي؛ ثم علل هذا الأمر ~~بقوله مرغبا مرهبا: { إن الله } أي المختص بأنه عالم الغيب والشهادة { ~~كان بما تعملون خبيرا * } أي يعلم ما أقدمتم عليه عن تبيين وغيره ~~فاحذروه بحفظ بواطنكم وظواهركم. # ولما ناسبت هذه الآية ما قبلها من آية القتل العمد، والتفتت إلى # وحرض المؤمنين # [النساء: 84] وإلى آية التحية، فاشتد اعتناقها لهما، وعلم بها أن في ~~الضرب في سبيل الله هذا الخطر، فكان ربما فتر عنه؛ بين فضله لمن كأنه ~~قال: فحينئذ نقعد عن الجهاد لنسلم، بقوله: { لا يستوي القاعدون } أي عن ~~الجهاد حال كونهم { من المؤمنين } أي الغريقين في الإيمان، ليفيد التصريح ~~بتفضيل المؤمن المجاهد على المؤمن القاعد لئلا يخصه أحد بالكافر الجاحد. # ولما كان من الناس من عذره سبحانه وتعالى برحمته استثناهم، فقال واصفا ~~للقاعدين أو مستثنيا منهم: { غير أولي الضرر } أي المانع أو العائق عن ~~الجهاد في سبيل الله من عوج أو مرض أو عمى ونحوه، وبهذا بان أن الكلام في ~~المهاجرين؛ ms0965 وفي البخاري في التفسير عن زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أملى عليه { لا يستوي القاعدون من ~~المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله } فجاءه ابن أم مكتوم وهو يملها علي ~~فقال: يا رسول الله! والله لو استطيع الجهاد لجاهدت - وكان أعمى؛فأنزل ~~الله ع وجل على رسوله وفخذه على فخذي فثقلت علي حتى خفت أن ترض فخذي، ثم ~~سرى عنه فأنزل الله { غير أولي الضرر } " # وأخرجه في فضائل القرآن عن البراء رضي الله تعالى عنه قال: # " لما نزلت { لا يستوي القاعدون } - الآية، قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: ادع لي زيدا وليجىء باللوح والدواة والكتف؛ ثم قال: اكتب - فذكره ~~" # وحديث زيد أخرجه أيضا أبو داود والترمذي والنسائي، وفي رواية أبي داود: ~~قال: " كنت إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم فغشيته السكينة فوقعت ~~فخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذي، فما وجدت شيئا أثقل من فخذ ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم سرى عنه فقال لي: اكتب، فكتبت في كتف { ~~لا يستوي القاعدون } إلى آخرها؛ فقام ابن أم مكتوم - وكان رجلا أعمى - ~~لما سمع فضيلة المجاهدين فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! فكيف ~~بمن لا يستطيع الجهاد من المؤمنين؟ فلما قضى كلامه غشيت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم السكينة، فوقعت فخذه على فخذي، ووجدت من ثقلها في المرة ~~الثانية كما وجدت في المرة الأولى، فسرى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال: اقرأ يا زيد! فقرأت { لا يستوي القاعدون من المؤمنين } فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم { غير أولي الضرر } - الآية كلها، قال زيد: ~~أنزلها الله وحدها فألحقتها والذي نفسي بيده لكأني أنظر إلى ملحقها عند ~~صدع في كتف " ورواه أبو بكر ابن أبي شيبة وأبو يعلى الموصلي وفيه: " إن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا نزل عليه دام بصره مفتوحة عيناه، وفرغ ~~سمعه وقلبه لما يأتيه من الله عز وجل ". # ولما ذكر القاعد ms0966 أتبعه قسيمه المجاهد بقوله: { والمجاهدون في سبيل الله ~~} أي دين الملك الأعظم الذي من سلكه وصل إلى رحمته { بأموالهم وأنفسهم } ~~ولما كان نفي المساواة سببا لترقب كل من الحزبين الأفضليبة، لأن القاعد ~~وإن فاته الجهاد فقد تخلف الغازي في أهله، إذ يحيي الدين بالاشتغال ~~بالعلم ونحوه؛ قال متسأنفا: { فضل الله } أي الذي له صفات الكمال { ~~المجاهدين } ولما كان المال في أول الأمر ضيقا قال مقدما للمال: { ~~بأموالهم وأنفسهم } أي جهادا كائنا بالفعل { على القاعدين } أي عن ذلك ~~وهم متمكنون منه بكونهم في دار الهجرة { درجة } أي واحدة كاملة لأنهم لم ~~يفوقوهم بغيرها، وفي البخاري في المغازي عن ابن عباس رضي الله تعالى ~~عنهما: # " لا يستوي القاعدون من المؤمنين عن بدر والخارجون إلى بدر ". # ولما شرك بين المجاهدين والقاعدين بقوله: { وكلا } أي من الصنفين { وعد ~~الله } أي المحيط بالجلال والإكرام أجرا على إيمانهم { الحسنى } بين أن ~~القاعد المشارك إنما هو الذي يه قوة الجهاد القريبة من الفعل، وهو التمكن ~~من تنفيذ الأمر بسبب هجرته لأرض الحرب وكونه بين أهل الإيمان، وأما ~~القاعد عن الهجرة مع التمكن فليس بمشارك في ذلك، بل هو ظالم لنفسه فإنه ~~ليس متمكنا من تنفيذ الأوامر فلا هو مجاهد بالفعل ولا بالقوة القريبة ~~منه، فقال: { وفضل الله } أي الملك الذي لا كفوء له فلا يجبر عليه { ~~المجاهدين } أي بالفعل مطلقا بالنفس أو المال { على القاعدين } أي عن ~~الأسباب الممكنة من الجهاد ومن الهجرة { أجرا عظيما * } ثم بينه بقوله: ~~{ درجات } وعظمها بقوله: { منه } وهي درجة الهجرة، ودرجة التمكن من ~~الجهاد بعد الهجرة ودرجة مباشرة الجهاد بالفعل. # ولما كان الإنسان لا يخلو عن زلل وإن اجتهد في العمل قال: { ومغفرة } أي ~~محوا لذنوبهم بحيث أنها لا تذكر ولا يجازى عليها { ورحمة } أي كرامة ~~ورفعة { وكان الله } أي المحيط بالأسماء الحسنى والصفات العلى { غفورا ~~رحيما * } أزلا وأبدا، لم يتجدد له ما لم يكن؛ ثم علل ذلك بأبلغ حث ~~على الهجرة فقال: { إن الذين توفاهم الملائكة } أي تقبض أرواحهم كاملة ~~على ms0967 ما عندهم من نقص بعض المعاني بما تركوا من ركن الهجرة بما أشارة إليه ~~حذف التاء، وفي الحذف إرشاد إلى أنه إذا ترك من يسعى في جبره بصدقة أو حج ~~ونحوه من أفعال البر جبر، لأن الأساس الذي تبنى عليه الأعمال الصالحة ~~موجود وهو الإيمان { ظالمي أنفسهم } أي بالقعود عن الجهاد بترك الهجرة ~~والإقامة في بلاد الحرب حيث لا يتمكنون من إقامة شعائر الدين كلها { ~~قالوا } أي الملائكة موبخين لهم { فيم كنتم } أي في أي شيء من الأعمال ~~والأحوال كانت إقامتكم في بلاد الحرب. # ولما كان المراد من هذا السؤال التوبيخ لأجل ترك الهجرة { قالوا } ~~معتذرين { كنا مستضعفين في الأرض } أي أرض الكفار، لا نتمكن من إقامة ~~الدين، وكأنهم أطلقوها إشارة إلى أنها عندهم لا تساعها لكثرة الكفار هي ~~الأرض كلها، فكأنه قيل: هل قنع منهم بذك؟ فقيل: لا، لأنهم لم يكونوا ~~ضعفاء عن الهجرة، فكأنه قال: فما قيل لهم؟ فقيل: { قالوا } أي الملائكة ~~بيانا لأنهم لم يكونوا ضعفاء عن الهجرة إلى موضع يأمنون فيه على دينهم { ~~ألم تكن أرض الله } أي المحيط بكل شيء، الذي له كل شيء { واسعة فتهاجروا ~~} أي بسبب اتساعها كل من يعاديكم في الدين ضاربين { فيها } أي إلى حيث ~~يزول عنكم المانع، فالآية من الاحتباك: ذكر الجهاد أولا في { وفضل الله ~~المجاهدين } [النساء: 95] دليل عى حذفه ثانيا بعد { ظالمي أنفسهم } ~~[النساء: 97]، وذكر الهجرة ثانيا دليل على حذفها أولا بالقعود عنها، ~~ولذلك خص الطائفة الأولى بوعد الحسنى. # ولما وبخوا على تركهم الهجرة، سبب عنه جزاؤهم فقيل: { فأولئك } أي ~~البعداء من اجتهادهم لأنفسهم { مأواهم جهنم } أي لتركهم الواجب وتكثيرهم ~~سواد الكفار وانبساطهم في وجوه أهل الناس { وساءت مصيرا * } روى البخاري ~~في التفسير والفتن عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن ناسا من ~~المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سواد المشركين على عهد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، يأتي السهم يرمي به فيصيب أحدهم فيقتله، أو يضرب فيقتل، ~~فأنزل الله تعالى { إن الذين توافاهم } [النساء: 97]. ### || [4.98-101] # ولما ms0968 توعد على ترك الهجرة، أتبع ذلك بما زاد القاعد عنها تخويفا بذكر ~~من لم يدخل في المحكوم عليه بالقدرة على صورة الاستثناء تنبيها على أنهم ~~جديرون بالتسوية في الحكم لولا فضل الله عليهم، فقال بيانا لأن المستثنى ~~منهم كاذبون في ادعائهم الاستضعاف: { إلا المستضعفين } أي الذين وجد ~~ضعفهم في نفس الأمر وعدوا ضعفاء وتقوى عليهم غيرهم { من الرجال والنساء ~~والولدان } ثم بين ضعفهم بقوله: { لا يستطيعون حيلة } أي في إيقاع الهجرة ~~{ ولا يهتدون سبيلا * } أي إلى ذلك. # ولما كانت الهجرة شديدة، وكان ربما تركها بعض الأقوياء واعتل بالضعف، ~~وربما ظن القادر مع المشقة أنه ليس بقادر؛ نفر من ذلك بالإشارة إليهم ~~بأداة البعد فقال: { فأولئك } ولما كان الله سبحانه وتعالى أن يفعل ما ~~يشاء، لا يجب عليه شيء ولا يقبح منه شيء، بل له أن يعذب الطائع وينعم ~~العاصي، ويفعل ويقول ما يشاء # لا يسأل عما يفعل # [الأنبياء: 23] أحل هؤلاء المعذورين محل الرجاء إيذانا بأن ترك الهجرة ~~في غاية الخطر فقال: { عسى الله } أي المرجو والخليق والجدير من الملك ~~المحيط بأوصاف الكمال { أن يعفو عنهم } أي ولو آخذهم لكان له ذلك، وكل ما ~~جاء في القرآن من نحو هذا فهو للإشارة إلى هذا المعنى، وقول ابن عباس رضي ~~الله تعالى عنهما: إن عسى من الله واجبة، معناه أنه مع أن له أن يفعل ما ~~يشاء لا يفعل إلا ما يقتضيه الحكمة على ما يستصوبه منهاج العقل السليم { ~~وكان الله } أي الملك الذي له كل شيء فلا اعتراض عليه أزلا وأبدا { ~~عفوا } أي يمحو الذنب إذا أراد فلا يعاقب عليه وقد يعاتب عليه { غفورا ~~* } أي يزيل أثره أصلا ورأسا بحيث لا يعاقب عليه ولا يعاتب ولا يكون ~~بحيث يذكر أصلا، ولعل العفو راجع إلى الرجال، والغفران إلى النساء ~~والولدان. # ولما رهب من ترك الهجرة، رغب فيها بما يسلي عما قد يوسوس به الشيطان من ~~أنه لو فارق رفاهية الوطن وقع في شدة الغربة، وأنه ربما تجشم المشقة ~~فاخترم قبل بلوغ القصد، ms0969 فقال تعالى: { ومن يهاجر } أي يوقع الهجرة لكل ما ~~أمر الله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم بهجرته { في سبيل الله ~~} أي الذي لا أعظم من ملكه ولا أوضح من سبيله ولا أوسع { يجد في الأرض } ~~أي في ذات الطول والعرض { مراغما } أي مهربا ومذهبا ومضطربا يكون ~~موضعا للمراغمة، يغضب الأعداء به ويرغم أنوفهم بسبب ما يحصل له من الرفق ~~وحسن الحال، فيخجل مما جروه من سوء معاملتهم له؛ من الرغم وهو الذل ~~والهوان، وأصله: لصوق الأنف بالرغام وهو التراب، تقول: راغمت فلانا، أي ~~هجرته وهو يكره مفارقتك لذلة تلحقه بذلك. # ولما كان ذلك الموضع وإن كان واحدا فإنه لكبره ذو أجزاء عديدة، وصف بما ~~يقتضي العدد فقال { كثيرا }. # ولما كانت المراغمة لذة الروح، فكانت أعز من لذة البدن فقدمها؛ أتبعها ~~قوله: { وسعة } أي في الرزق، كما قال صلى الله عليه وسلم # " صوموا تصحوا وسافروا تغنموا " # أخرجه الطبراني عن أبي هريرة رضي الله عنه ولفظه " واغزوا، وهاجروا ~~تفلحوا ". # ولما كان ربما مات المهاجر قبل وصوله إلى النبي صلى الله عليه وسلم فظن ~~أنه لم يدرك الهجرة مع تجشمه لفراق بلده قال: { ومن يخرج من بيته } أي ~~فضلا عن بلده { مهاجرا إلى الله } أي رضى الملك الذي له الكمال كله { ~~ورسوله } أي ليكون عنده { ثم يدركه الموت } أي بعد خروجه من بيته ولو قبل ~~الفصول من بلده { فقد وقع أجره } أي في هجرته بحسب الوعد فضلا، لا بحسب ~~الاستحقاق عدلا { على الله } أي الذي له تمام الإحاطة فلا ينقصه شيء، ~~وكذا كل من نوى خيرا ولم يدركه " لا حسد إلا في اثنتين " فهو موفيه إياه ~~توفية ما يلتزمه الكريم منكم. # ولما كان بعضهم ربما قصر به عن البلوغ توانيه في سيره أو عن خروجه من ~~بلده فظن أن هجرته هذه لم تجبر تقصيره قال: { وكان الله } أي الذي له ~~جميع صفات الكمال { غفورا } أي لتقصير إن كان { رحيما * } يكرم بعد ~~المغفرة بأنواع الكرامات. # ولما أوجب السفر للجهاد والهجرة، وكان مطلق ms0970 السفر مظنة المشقة فكيف ~~بسفرهما مع ما ينضم إلى المشقة فيهما من خوف الأعداء؛ ذكر تخفيف الصلاة ~~بالقصر بقوله سبحانه وتعالى: { وإذا ضربتم } أي بالسفر { في الأرض } أي ~~سفر كان لغير معصية. ولما كان القصر رخصة غير عزيمة، بينه بقوله: { فليس ~~عليكم جناح } أي إثم وميل في { أن تقصروا } ولما كان القصر خاصا ببعض ~~الصلوات، أتى بالجار لذلك ولإفادة أنه في الكم لا في الكيف فقال: { من ~~الصلاة } أي فاقصروا إن أردتم وأتموا إن أردتم، وبينت السنة أعيان ~~الصلوات المقصورات، وكم يقصر منها من ركعة، وأن القصر من الكمية لا من ~~الكيفية بالإيماء مثلا في صلاة الخوف بقول عمر رضي الله تعالى عنه ليعلى ~~بن أمية - حين قال له: كيف تقصر وقد أمنا -: عجبت مما عجبت منه فسألت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك -، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته " # وهذا هو حقيقة القصر والذي دلت عليه " من " ، وأما الإيماء ونحوه من ~~كيفيات صلاة الخوف فإبدال لا قصر، والسياق كام ترى مشير إلى شدة الاهتمام ~~بشأنها، وأنه لا يسقطها عن المكلف شيء، وقاض بأن المخاطرة بالنفس والمال ~~لا تسقط الجهاد ولا الهجرة إذ الخوف والخطر مبنى أمرهما ومحط قصدهما، ~~فهذا سر قوله: { وإن خفتم أن يفتنكم } أي يخالطم مخالطة مزعجة { الذين ~~كفروا } لا أنه شرط في القصر، كما بينت نفي شرطيته السنة، والحاصل أن هذا ~~الشرط ذكر لهذا المقصد، لا لمخالفة المفهوم للمنطوق بشهادة السنة؛ وقد ~~كانت الصلاة قبل الهجرة ركعتين ركعتين، فأتمت بعد الهجرة إشارة إلى أن ~~المدينة دار الإقامة وما قبلها كان محل سفر ونقلة؛ روى الشيخان وأحمد - ~~وهذا لفظه - عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: # " فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~المدينة أقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر ". # ولما ذكر الخوف منهم، علله مشيرا بالإظهار موضع الإضمار، وباسم الفاعل ~~إلى أن من تلبس بالكفر ساعة ما، أعرق فيه، أو ms0971 إلى أن المجبول على العداوة ~~المشار إليه بلفظ الكون إنما هو الراسخ في الكفر المحكوم بموته عليه ~~فقال: { إن الكافرين } أي الراسخين منهم في الكفر { كانوا } أي جبلة ~~وطبعا. ولعله اشار إلى أنهم مغلوبون بقوله: { لكم } دون عليكم { عدوا } ~~ولما كان العدو مما يستوي فيه الواحد والجمع قال: { مبينا } أي ظاهر ~~العداوة، يعدون عليكم لقصد الأذى مهما وجدوا لذلك سبيلا، فربما وجدوا ~~الفرصة في ذلك عند طول الصلاة فلذلك قصرتها، ولولا أنها لا رخصة فيها ~~بوجه لوضعتها عنكم في مثل هذه الحالة، أو جعلت التخفيف في الوقت فأمرت ~~بالتأخير، ولكنه لا زكاء للنفوس بدون فعلها على ما حددت من الوقت وغيره. ### || [4.102] # ولما أتم سبحانه وتعالى بيان القصر في الكمية مقرونا بالخوف لما ذكر، ~~وكان حضور النبي صلى الله عليه وسلم مظنة الأمن بالتأييد بالملائكة ووعد ~~العصمة من الناس، وما شهر به من الشجاعة ونصر به من الرعب وغير ذلك من ~~الأمور القاضية بأن له العاقبة؛ بين سبحانه وتعالى حال الصلاة في ~~الكيفية عند الخوف، وأن صلاة الخوف تفعل عند الأنس بحضرته كما تفعل عند ~~الاستيحاش بغيبته صلى الله عليه وسلم، فجوازها لقوم ليس هو صلى الله عليه ~~وسلم فيهم مفهوم موافقة، فقال سبحانه وتعالى: { وإذا كنت } حال الخوف ~~الذي تقدم فرضه { فيهم } أي في أصحابك سواء كان ذلك في السفر أو في الحضر ~~{ فأقمت } أي ابتدأت وأوجدت { لهم الصلاة } أي الكاملة وهي المفروضة { ~~فلتقم طائفة منهم معك } أي في الصلاة ولتقم الطائفة الأخرى وجاه العدو, ~~ويطوفون في كل موضع يمكن أن يأتي منه العدو { وليأخذوا } أي المصلون ~~لأنهم المحتاجون إلى هذا الأمر لدخولهم في حالة هي بترك السلاح أجدر { ~~أسلحتهم } كما يأخذها من هو خارج الصلاة، وسبب الأمر بصلاة الخوف - كما ~~في صحيح مسلم وغيره عن جابر رضي الله تعالى عنه # " أنهم غزوا مع النبي صلى الله عليه وسلم فقاتلوا قوما من جهينة ~~فقاتلوا قتالا شديدا، قال جابر رضي الله تعالى عنه: فلما صلينا الظهر ~~قال المشركون: لو ملنا ms0972 عليهم ميلة لاقتطعناهم، فأخبر جبرئيل عليه الصلاة ~~والسلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، فذكر ذلك لنا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، قال: وقالوا: إنه ستأتيهم صلاة هي أحب إليهم من الأولاد ~~فلما حضرت العصر صفنا صفين والمشركون بيننا وبين القبلة " # الحديث { فإذا سجدوا } يمكن أن يكون المراد بالسجود ظاهره، فيكون الضمير ~~في { فليكونوا } للجمع الذين منهم هذه الطائفة - المذكورين بطريق الإضمار ~~في قوله { وإذا كنت فيهم } وفي { فلتقم طائفة منهم } أي فإذا سجد الذين ~~قاموا معك في الصلاة فليكن المحدث عنهم وهم الباقون الذين أنت فيهم وهذه ~~الطائفة منهم { من ورائكم } فإذا أتمت هذه الطائفة صلاتها فلتذهب إلى ~~الحراسة { ولتأت طائفة أخرى } أي من الجماعة { لم يصلوا فليصلوا معك } ~~كما صلت الطائفة الأولى، فإن كانت الصلاة ثنائية ولم تصل بكل طائفة جميع ~~الصلاة فلتسلم بالطائفة الثانية، وإن كانت رباعية ولم تصل بكل فرقة جميع ~~الصلاة فلتتم صلاتها، ولتذهب إلى وجاه العدو ولتأت طائفة أخرى - هكذا حتى ~~تتم الصلاة؛ ويمكن أن يكون المراد بالسجود الصلاة - من إطلاق اسم الجزء ~~على الكل، فكأنه قال: فإذا صلوا، أي أتموا صلاتهم - على ما مضت الإشارة ~~إليه، والضمير حينئذ في " فليكونوا " للطائفة الساجدة، وقوله: { وليأخذوا ~~} يمكن أن يكون ضميره للكل، لئلا يتوهم أن الأمر بذلك يختص بالمصلي، لأن ~~غيره لا عائق له عن الأخذ متى شاء، أو ولتأخذ جميع الطوائف الحارسون ~~والمصلون { حذرهم وأسلحتهم } في حال صلاتهم وحراستهم وإتيانهم إلى الصلاة ~~وانصرافهم منها, فجعل الحذر الذي هو التيقظ والتحرز بإقبال الفكر على ما ~~يمنع كيد العدو كالآلة المحسوسة، وخص في استعماله في الصلاة في شأن العدو ~~وخص آخر الصلاة بزيادة لاحذر إشارة إلى أن العدو في أول الصلاة قلما ~~يفطنون لكونهم في الصلاة بخلاف الآخر، فلهذا خص بمزيد الحذر، وهذا الكلام ~~على وجازته محتمل - كما ترى - لجميع الكيفيات المذكورة في الفقه لصلاة ~~الخوف إذا لم يكن العدو في وجه القبلة على أنها تحتمل التنزيل على ما إذا ~~كان في وجه القبلة بأن ms0973 يحمل الواء على ما واراه السجود عنكم وإتيان ~~الطائفة الأخرى على الإقبال على المتابعة للامام في الأفعال { ولم يصلوا ~~} اي بقيد المتابعة له فيها - والله سبحانه وتعالى الهادي. # وما أحسن اتصال ذلك بأول آيات الجهاد في هذه السورة # يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم # [النساء: 71] فهو من رد المقطع على المطلع، ثم علل أمره بهذه الكيفية ~~على هذا الاحتياط والحزم بقوله مقويا لترغيبهم في ذلك بإقبال الخطاب ~~عليهم: { ود } أي تمنى تمنيا عظيما { الذين كفروا } أي باشروا الكفر ~~وقتا ما، فكيف بمن هو غريق فيه { لو تغفلون } أي تقع لكم غفلة في وقت ما ~~{ عن أسلحتكم }. # ولما كانت القوة بالآلات مرهبة للعدو ومنكبة قال: { وأمتعتكم } ولما ~~كانت الغفلة ضعفا ظاهرا، تسبب عنها قوله: { فيميلون } وأشار إلى العلو ~~والغلبة بقوله: { عليكم } وأشار إلى سرعة الأخذن بقوله: { ميلة } وأكده ~~بقوله: { واحدة }. # ولما كان الله - وله المن - قد رفع عن هذه الأمة الحرج، وكان المطر ~~والمرض شاقين قال: { ولا جناح } أي حرج { عليكم إن كان بكم أذى } أي وإن ~~كان يسيرا { من مطر } أي لأن حمل السلاح حينئذ يكون سببا لبله { أو ~~كنتم مرضى } أي متصفين بالمرض وكأن التعبير بالوصف إشارة إلى أن أدنى شيء ~~منه لا يرخص { أن تضعوا أسلحتكم } أي لأن حملها يزيد المريض وهنا. # ولما خفف ما أوجبه أولا من أخذ السلاح برفع الجناح في حال العذر، فكان ~~التقدير: فضعوه إن شئتم؛ عطف عليه بصيغة الأمر إشارة إلى وجوب الحذر منهم ~~في كل حال قوله: { وخذوا حذركم } أي في كل حالة، فإن ذلك نفع لا يتوقع ~~منه ضرر؛ ثم علل ذلك بما بشر فيه بالنصر تشجيعا للمؤمنين، وإعلاما بأن ~~الأمر بالحزم إنما هو للجري على ما رسمه من الحكمة في قوله - ربط ~~المسببات بالأسباب، فهو من باب " اعقلها وتوكل " فقال: { إن الله } ~~المحيط علما وقدرة { أعد } أي في الأزل { للكافرين } أي الدائمين على ~~الكفر، لا من اتصف به وقتا ما وتاب منه { عذابا مهينا * } أي يهينهم ~~به، من أعظمه حذركم ms0974 الذي لا يدع لهم عليكم مقدما، ولا تمكنهم معه منكم ~~فرصة. ### || [4.103-106] # ولما علمهم بما يفعلون في الصلاة حال الخوف، أتبع ذلك ما يفعلون بعدها ~~لئلا يظن أنها تغني عن مجرد الذكر، فقال مشيرا إلى تعقيبه به: { فإذا ~~قضيتم الصلاة } أي فرغتم من فعلها وأديتموها على حالة الخوف أو غيرها { ~~فاذكروا الله } أي بغير الصلاة لأنه لإحاطته بكل شيء يستحق أن يراقب فلا ~~ينسى { قياما وقعودا وعلى جنوبكم } أي في كل حالة، فإن ذكره حصنكم في ~~كل حالة من كل عدو ظاهر أو باطن. # ولما كان الذكر أعظم حفيظ للعبد، وحارس من شياطين الإنس والجن، ومسكن ~~للقلوب # ألا بذكر الله تطمئن القلوب # [الرعد: 28]؛ أشار إلى ذلك بالأمر بالصلاة حال الطمأنينة، تنبيها على ~~عظم قدرها، وبيانا لأنها أوثق عرى الدين وأقوى دعائمه وأفضل مجليات ~~القلوب ومهذبات النفوس، لأنها مشتملة على مجامع الذكر # إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر # [العنكبوت: 48] فقال: { فإذا اطمأننتم } أي عما كنتم فيه من الخوف { ~~فأقيموا الصلاة } أي فافعلوها قائمة المعالم كلها على الحالة التي كنتم ~~تفعلونها قبل الخوف؛ ثم علل الأمر بها في الأمن والخوف والسعة والضيق ~~سفرا أو حضرا بقوله: { إن الصلاة } مظهرا لما كان الأصل فيه الإضمار ~~تنيبها على عظيم قدرها بما للعبد فيها من الوصلة بمعبوده { كانت على ~~المؤمنين كتابا } أي هي - مع كونها فرضا - جامعة على الله جمعا لا ~~يقارنها فيه غيره { موقوتا * } أي وهي - مع كونها محدودة - مضبوطة ~~بأوقات مشهورة، فلا يجوز إخراجها عنها في أمن ولا خوف فوت - بما أشارت ~~إليه مادة وقت للأبدان بما تسبب من الأرزاق. وللقلوب بما تجلب من المعارف ~~والأنوار. # ولما عرف من ذلك أن آيات الجهاد في هذه السورة معلمة للحذر خوف الضرر، ~~مرشدة إلى إتقان المكائد للتخلص من الخطر، وكان ذلك مظنة لمتابعة النفس ~~والمبالغة فيه، وهو مظنة للتواني في أمر الجهاد؛ أتبع ذلك قوله تعالى ~~منبها على الجد في أمره، وأنه لم يدع في الصلاة ولا غيرها ما يشغل عنه، ~~عاطفا ms0975 على نحو: فافعلوا ما أمرتكم به، أو على { فأقيموا الصلاة }: { ولا ~~تهنوا } أي تضعفوا وتتوانوا بالاشتغال بذكر ولا صلا، فقد يسرت ذلك لكم ~~تيسيرا لا يعوق عن شيء من أمر الجهاد { في ابتغاء القوم } أي طلبهم ~~بالاجتهاد وإن كانوا في غاية القوم والقيام بالأمور؛ ثم علل ذلك بقوله: { ~~إن تكونوا تألمون } أي يحصل لكم ألم ومشقة بالجهاد من القتل وما دونه { ~~فإنهم يألمون كما تألمون } أي لأنهم يحصل لهم من ذلك ما يحصل لكم، فلا ~~يكونن على باطلهم اصبر منكم على حقكم. # ولما بين ما يكون مانعا لهم من الوهن دونهم، لأنه مشترك بينهم؛ بين ما ~~يحملهم على الإقدام لاختصاصه به فقال: { وترجون } أي أنتم { من الله } أي ~~الذي له جميع الأسماء الحسنى والصفات العلى { ما لا يرجون } أي من النصر ~~والعزم والكرم واللطف، لأنكم تقاتلون فيه وهم يقاتلون في الشيطان، وهذا ~~لكل من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر سواء كان ذلك في جهاد الكفار أو ~~لا. # ولما كان العلم مبنى كل خير، وكانت الحكمة التي هي نهاية العلم وغاية ~~القدرة مجمع الصفات العلى قال تعالى؛ { وكان الله } أي الآمر لكم بهذه ~~الأوامر وهو المحيط بكل شيء { عليما } أي بالغ العلم فهو لا يأمر إلا ~~بما يكون بالغ الحسن مصلحا للدين والدنيا { حكيما } فهو يتقن لمن يأمره ~~الأحوال، ويسدده في المقال والفعال، فمن علم منه خيرا أراده ورقاه في ~~درج السعادة، ومن علم منه شرا كاده فنكس مبدأه ومعاده. # ولما كان أول هذه القصص والتعجيب من حال الذين أوتوا نصيبا من الكتاب ~~في ضلالهم وإضلالهم، ثم التعجيب من إيمانهم بالجبت والطاغوت، ثم التعجيب ~~من حال من ادعى الإيمان بهذا الكتاب مع الكتب السالفة، ثم رضي بحكم غيره، ~~وساق سبحانه وتعالى أصول ذلك وفروعه، ونصب الأدلة حتى علت على الفرقدين، ~~وانتشر ضياؤها على جميع الخافقين، وختم ذلك بمجاهدة المبطلين بالحجة ~~والسيف، وسور ذلك بصفتي العلم والحكمة؛ ناسب أتم مناسبة الإخبار بأنه ~~أنزل هذا الكتاب بالحق, وبين فائدته التي عدل عنها المنافقون ms0976 في استحكام ~~غيره فقال: { إنا أنزلنا } أي بما لنا من العظمة التي تتقاصر دونها كل ~~عظمة { إليك } أي خاصة وأنت أكمل الخلق { الكتاب } أي الكامل الجامع لكل ~~خير { بالحق } أي ملتبسا بما يطابقه الواقع { لتحكم بين الناس } أي ~~عامة، لأن دعوتك عامة فلا أضل ممن عدل عن حكمك وابتغى خيرا من غير ~~كتابك، وأشار إلى أنه لا ينطق عن الهوى بقوله: { بما أراك الله } أي ~~عرفكه الذي له القدرة الشاملة والعلم الكامل، فإن كان قد بين لك شيئا ~~غاية البيان فافعله، وإلا فانتظر منه البيان؛ ثم شرع سبحانه وتعالى في ~~إتمام ما بقي من أخبارهم، وكشف ما بطن من أسرارهم، وبيان علاماتهم ~~ليعرفوا، ويجتنبها المؤمنون لئلا يوسموا بميسمهم. # ولما كان سبحانه وتعالى قد خفف عليه صلى الله عليه وسلم بأن شرع له ~~القناعة في الحكم بالظاهر وعدم التكليف بالنقب عن سرائرهم بالدفع عن طعمة ~~بن أبيرق، لأن أمره كان مشكلا، فإنه سرق درعا وأودعها عند يهودي، فوجدت ~~عنده فادعى أن طعمة أودعها عنده، ولم يثبت ذلك على طعمة حتى أنزل الله ~~سبحانه وتعالى الآية، فأراد تعالى إنزاله في هذه النازلة وغيرها مما ~~يريده سبحانه وتعالى في المقام الخضري من الحكم بما في نفس الأمر مما لا ~~يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى إذ كان الصحيح الذي عليه الجمهور - كما ~~نقله شيخنا قاضي الشافعية بمصر أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر رحمه الله ~~تعالى في الإصابة في أسماء الصحابة - أن الخضر عليه الصلاة والسلام نبي، ~~وكان نبينا صلى الله عليه وسلم قد أعطى مثل جميع معجزات الأنيباء صلوات ~~الله عليهم مع ما اختص به دونهم - على جميعهم أفضل الصلاة وأتم التسليم ~~والبركات، فقال تعالى عاطفا على ما علم تقديره من نحو: فاحكم بما نريك ~~من بحار العلوم التي أودعناها هذا الكتاب: { ولا تكن للخائنين } أي ~~لأجلهم، من طعمة وغيره { خصيما * } أي مخاصما لمن يخاصمهم، وأتبع ذلك ~~قوله: { واستغفر الله } أي الذي له الإحاطة التامة والغنى المطلق { كان } ~~أي أزلا وأبدا { غفورا ms0977 رحيما * } وهذا الاستغفار لا عن ذنب إذ هو ~~منزه عن ذلك، معصوم منه، ولكن عن مقام عال تام للارتقاء إلى أعلى منه ~~وأتم؛ وقد روى الترمذي سبب نزول هذه الآيات إلى قوله تعالى { فقل ضل ~~ضلالا بعيدا } من وجه مستقص مبين بيانا شافيا وسمى بني أبيرق بشرا ~~وبشيرا ومبشرا، ولم يذكر طعمة - والله سبحانه وتعالى أعلم، قال: عن ~~قتادة بن النعمان قال: " كان أهل بيت منا يقال لهم بنو أبيرق: بشر وبشير ~~ومبشر، فكان بشير رجلا منافقا يقول الشعر يهجو به أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، ثم ينحله بعض العرب، ثم يقول: قال فلان كذا وكذا، فإذا ~~سمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الشعر قالوا: والله ما يقول ~~هذا الشعر إلا هذا الخبيث! قال: وكانوا أهل بيت حاجة وفاقة في الجاهلية ~~والإسلام، فقدمت ضافطة من الشام، فابتاع عمي رفاعة بن زيد حملا من ~~الدرمك فجعله في مشربة له، وفي المشربة سلاح درع وسيف، فعدى عليه من تحت ~~البيت فنقبت المشربة، وأخذ الطعام والسلاح، فلما أصبح أتاني عمي رفاعة ~~فقال: يا ابن أخي! إنه قد عدى علينا في ليلتنا هذه فنقبت مشربتنا وذهب ~~بطعامنا وسلاحنا، قال: فتحسسنا في الدار، فقيل لنا: قد رأينا بني أبيرق ~~استوقدوا في هذه الليلة، ولا نرى فيما نرى إلا على بعض طعامكم، قال: وكان ~~بنو أبيرق قالوا - ونحن نسأل في الدار -؛ والله ما نرى صابحكم إلا لبيد ~~بن سهل - رجل منا له صلاح وإسلام، فلما سمع لبيد اخترط سيفه وقال: أنا ~~أسرق! فوالله ليخالطنكم هذا السيف أو لتبينن هذه السرقة! قالوا: إليك ~~عنا أيها الرجل! فما أنت بصاحبها، فسألنا في الدار حتى لم نشك أنهم ~~أصحابها، فقال لي عمي: يا ابن أخي! لو أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فذكرت ذلك له! قال قتادة: فأتيته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: سآمر ~~في ذلك، فلما سمع بنو أبيرق أتوا رجلا منهم يقال له أسير بن عروة، ~~فكلموه في ذلك، فاجتمع ms0978 في ذلك أناس من أهل الدار فقالوا: يا رسول الله! ~~إن قتادة بن النعمان وعمه عمدا إلى أهل بيت منا أهل إسلام وصلاح، يرمونهم ~~بالسرقة من غير بينة ولا ثبت! قال قتادة: فأتيت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فكلمته، فقال: عمدت إلى أهل بيت ذكر منهم إسلام وصلاح! ترميهم ~~بالسرقة على غير ثبت وبينة! قال: فقال لي عمي: يا ابن أخي! ما صنعت؟ ~~فأخبرته بام قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: الله المستعان! ~~فلم يلبث أن نزل القرآن { إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق } إلى { خصيما } ~~بني أبيرق، { واستغفر الله } مما قلت لقتادة، { إن الله كان غفورا ~~رحيما } إلى قوله: { فسوق نؤتيه أجرا عظيما }؛ فلا نزل القرآن أتى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسلاح فرده إلى رفاعة، فلما نزل القرآن ~~لحق بشير بالمشركين، فنزل على سلافة بنت سعد بن سمية، فأنزل الله سبحانه ~~وتعالى { ومن يشاقق الرسول } إلى قوله: { ضلالا بعيدا } " وروى الحديث ~~ابن إسحاق في السيرة وزاد: إن حسانا قال في نزوله عندها أبياتا فطردته، ~~فلحق بالطائف فدخل بيتا ليسرق منه، فوقع عليه فمات، فقالت قريش: والله ~~ما يفارق محمدا من أصحابه أحد فيه خير. ### || [4.107-111] # ولما نهاه عن الخصام لمطلق الخائن، وهو من وقعت منه خيانة ما؛ أتبعه ~~النهي عن المجادلة عمن تعمد الخيانة فقال سبحانه وتعالى: { ولا تجادل } ~~أي في وقت ما { عن الذين يختانون } أي يتجدد منهم تعمد أن يخونوا { ~~أنفسهم } بأن يوقعوها في الهلكة بالعصيان فيما اؤتمنوا عليه من الأمور ~~الخفية، والتعبير بالجمع - مع أن الذي نزلت فيه الآية واحد - للتعميم ~~وتهديد من أعانه من قومه، ويجوز أن يكون أشار بصيغة الافتعال إلى أن ~~الخيانة لا تقع إلا مكررة، فإنه يعزم عليها أولا ثم يفعلها، فأدنى لذلك ~~أن يكون قد خان من نفسه مرتين، قال الإمام ما معناه أن التهديد في هذه ~~الآية عظيم جدا، وذلك أنه سبحانه وتعالى عاتب خير الخلق عنده وأكرمهم ~~لديه هذه المعاتبة وما فعل إلا الحق ms0979 في الظاهر، فكيف بمن يعلم الباطن ~~ويساعد أهل الباطل؟ فكيف إن كان بغيرهم؟ ثم أشار سبحانه وتعالى إلى أن من ~~خان غيره كان مبالغا في الخيانة بالعزم وخيانة الغير المستلزمة لخيانة ~~النفس فلذا ختمت بالتعليل بقوله: { إن الله } أي الجليل العظيم ذا الجلال ~~والإكرام { لا يحب } أي لا يكرم { من كان خوانا أثيما } بصيغتي ~~المبالغة - على أن مراتب المبالغين في الخيانة متفاوتة، وفيه مع هذا ~~استعطاف لمن وقعت منه الخيانة مرة واحدة وقدم سبحانه وتعالى ذلك، لأن فيه ~~دفعا للضر عن البريء وجلبا للنفع إليه؛ ثم أتبعه بعيب هذا الخائن وقلة ~~تأمله والإعلام بأن المجادلة عنه قليلة الجدوى، فقال سبحانه وتعالى ~~معجبا منهم بما هو كالتعليل لما قبله: { يستخفون } أي هؤلاء الخونة: ~~طعمة ومن مالأه وهو يعلم باطن أمره { من الناس } حياء منهم وخوفا من أن ~~يضروهم لمشاهدتهم لهم وقوفا مع الوهم كالبهائم { ولا يستخفون } أي ~~يطلبون ويوجدون الخفية بعدم الخيانة { من الله } أي الذي لا شيء أظهر منه ~~لما له من صفات الكمال { وهو } أي والحال أنه { معهم } لا يغيب عنه شيء ~~من أحوالهم، ولا يعجزه شيء من نكالهم، فالاستخفاء منه لا يكون إلا بترك ~~الخيانة ومحض الإخلاص، فواسوأتاه من أغلب الأفعال والأقوال والأحوال! { ~~إذ } أي حين { يبيتون } أي يرتبون ليلا على طريق الإمعان في الفكر ~~والإتقان للرأي { ما لا يرضى من القول } أي من البهت والحلف عليه، فلا ~~يستحيون منه ولا يخافون، لاستيلاء الجهل والغفلة على قلوبهم وعدم إيمانهم ~~بالغيب. # ولما أثبت علمه سبحانه وتعالى بهذا من حالهم عمم فقال: { وكان الله } أي ~~الذي كل شيء في قبضته لأنه الواحد الذي لا كفوء له { بما يعملون } أي من ~~هذا وغيره { محيطا * } أي علما وقدرة. # ولما وبخهم سبحانه وتعالى على جهلهم، حذر من مناصرتهم فقال مبنيا أنها ~~لا تجديهم شيئا، مخوفا لهم جدا بالمواجهة بمثل هذا التنبيه والخطاب ثم ~~الإشارة بعد: { هاأنتم هؤلاء } وزاد في الترهيب للتعيين بما هو من الجدل ~~الذي هو أشد الخصومة - من جدل الحبل الذي ms0980 هو شدة فتله - وإظهاره في صيغة ~~المفاعلة، فقال مبينا لأن المراد من الجملة السابقة التهديد: { جادلتم ~~عنهم } في هذه الواقعة أو غيرها { في الحياة الدنيا } أي بما جعل لكم من ~~الأسباب. # ولما حذرهم وبخهم على قلة فطنتهم وزيادة في التحذير بأن مجادلتهم هذه ~~سبب لوقوع الحكومة بين يديه سبحانه وتعالى فقال: { فمن يجادل الله } أي ~~الذي له الجلال كله { عنهم } أي حين تنقطع الأسباب { يوم القيامة } ولا ~~يفترق الحال في هذا بين أن تكون " ها " من { هأنتم } للتنبيه أو بدلا عن ~~همزة استفهام - على ما تقدم، فإن معنى الإنكار هنا واضح على كلا الأمرين. # ولما كان من أعظم المحاسن كف الإنسان عما لا علم له به، عطف على الجملة ~~من أولها من غير تقييد بيوم القيامة منبها على قبح المجادلة عنهم بقصور ~~علم الخلائق قوله: { أم من يكون } أي فيما يأتي من الزمان { عليهم وكيلا ~~* } أي يعلم منهم ما يعلم الله سبحانه وتعالى بأن يحصي أعمالهم فلا يغيب ~~عنه منها شيء ليجادل الله عنهم، فيثبت لهم ما فارقوه، وينفي عنهم ما لم ~~يلابسوه ويرعاهم ويحفظهم مما يأتيهم به القدر من الضرر والكدر. # ولما نهى عن نصرة الخائن وحذر منها، ندب إلى التوبة من كل سوء فقال - ~~عاطفا على ما تقديره: فمن يصر على مثل هذه المجادلة يجد الله عليما ~~حكيما -: { من يعمل سوءا } أي قبيحا متعديا يسوء غيره شرعا، عمدا - ~~كما فعل طعمة - أو غير عمد { أو يظلم نفسه } بما لا يتعداه إلى غيره ~~شركا كان أو غيره، أو بالرضى لها بما غيره أعلى منه، ولم يسمه بالسوء ~~لأنه لا يقصد نفسه بما يضرها في الحاضر { ثم يستغفر الله } أي يطلب من ~~الملك الأعظم غفرانه بالتوبة بشروطها { يجد الله } أي الجامع لكل كمال { ~~غفورا } أي ممحيا للزلات { رحيما * } أي مبالغا في إكرام من يقبل ~~إليه # " من تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا، ومن تقرب مني ذراعا تقربت منه ~~باعا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة " # روى إسحاق بن راهويه عن عمر ms0981 رضي الله تعالى عنه وأبو يعلى الموصلي عن ~~أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه أن هذه الآية نسخت # من يعمل سوءا يجز به # [النساء: 123] وأنها نزلت بعدها. # ولما ندب إلى التوبة ورغب فيها، بين أن ضرر إثمه لا يتعدى نفسه، حثا ~~على التوبة وتهييجا إليها لما جبل عليه كل أحد من محبة نفع نفسه ودفع ~~الضر عنها فقال: { ومن يكسب إثما } أي إثم كان { فإنما يكسبه على نفسه } ~~لأن وباله راجع عليه إذ الله له بالمرصاد، فهو مجازيه على ذلك لا محالة ~~غير حامل لشيء من إثمه على غيره كما أنه غير حامل لشيء من إثم غيره عليه، ~~والكسب: فعل ما يجر نفعا أو يدفع ضرا. # ولما كان هذا لا يكون إلا مع العلم والحكمة قال تعالى: { وكان الله } أي ~~الذي له كمال الإحاطة أزلا وأبدا { عليما } أي بالغ العلم بدقيق ذلك ~~وجليله، فلا يترك شيئا منه { حكيما * } فلا يجازيه إلا بمقدار ذنبه، ~~وإذا أراد شيئا وضعه في أحكم مواضعه فلا يمكن غيره شيء من نقضه. ### || [4.112-116] # ولما ذكر ما يخص الإنسان من إثمه أتبعه ما يعديه إلى غيره فقال: { ومن ~~يكسب خطيئة } أي ذنبا غير متعمد له { أو إثما } أي ذنبا تعمده. ولما ~~كان البهتان شديدا جدا قل من يجترىء عليه، أشار إليه بأداة التراخي ~~فقال: { ثم يرم به بريئا } أي ينسبه إلى من لم يعمله - كما فعل طعمة ~~باليهودي، وابن أبي بالصديقة رضي الله تعالى عنها. وعظم جرم فاعل ذلك ~~بصيغة الافتعال في قوله: { فقد احتمل } وبقوله: { بهتانا } أي خطر كذب ~~يبهت المرمى به لعظمه، وكأنه إشارة إلى ما يلحق الرامي في الدنيا من الذم ~~{ وإثما } أي ذنبا كبيرا { مبينا } يعاقب به في الآخرة، وإنما كان ~~مبينا لمعرفته بخيانة نفسه وبراءة المرمى به، ولأن الله سبحانه وتعالى ~~أجرى عادته الجميلة أن يظهر براءة المقذوف به يوما ما بطريق من الطرق ~~ولو لبعض الناس. # ولما وعظ سبحانه وتعالى في هذه النازلة وحذر ونهى وأمر، بين نعمته على ~~نبيه صلى ms0982 الله عليه وسلم في عصمته عما أرادوه من مجادلته عن الخائن بقوله ~~تعالى: { ولولا فضل الله } أي الملك الأعلى { عليك } أي بإنزال الكتاب { ~~ورحمته } أي بإعلاء أمرك وعصمتك من كل ذي كيد وحفظك في أصحابك الذين أتوا ~~يجادلون عن ابن عمهم سارق الدرع في التمسك بالظاهر وعدم قصد العناد { ~~لهمت طائفة منهم } أي فرقة فيها أهلية الاستدارة والتخلق، لا تزال تتخلق ~~فتفيل الآراء وتقلب الأمور وتدير الأفكار في ترتيب ما تريد { أن يضلوك } ~~أي يوقعوك في ذلك بالحكم ببراءة طعمة، ولكن الله حفظك في أصحابك فما هموا ~~بذلك، وإنما قصدوا المدافعة عن صاحبهم بما لم يتحققوه، ولو هموا لما ~~أضلوك { وما يضلون } أي على حالة من حالات هذا الهم { إلا أنفسهم } إذ ~~وبال ذلك عليهم { وما يضرونك } أي يجددون في ضرك حالا ولا مالا بإضلال ~~ولا غيره { من شيء } وهو وعد بدوام العصمة في الظاهر والباطن كآية ~~المائدة أيضا وإن كانت هذه بسياقها ظاهرة في الباطن وتلك ظاهرة في ~~الظاهر { وأنزل الله } أي الذي له جميع العظمة { عليك } وأنت أعظم الخلق ~~عصمة لأمتك { الكتاب } أي الذي تقدم أول القصة الإشارة إلى كماله وجمعه ~~لخيري الدارين { والحكمة } أي الفهم لجميع مقاصد الكتاب فتكون أفعالك ~~وأفعال من تابعك فيه على أتم الأحوال، فتظفروا بتحقيق العلم وإتقان ~~العمل، وعمم بقوله: { وعلمك ما لم تكن تعلم } أي من المشكلات وغيرها ~~غيبا وشهادة من أحوال الدين والدنيا { وكان فضل الله } أي المتوحد بكل ~~كمال { عليك عظيما * } أي بغير ذلك من أمور لا تدخل تحت الحصر، وهذا من ~~أعظم الأدلة على أن العلم أشرف الفضائل. # ولما كان قوم طعمة قد ناجوا النبي صلى الله عليه وسلم في الدفع عنه، ~~نبههم سبحانه وغيرهم على ما ينبغي أن يقع به التناجي، ويحسن فيه التفاؤل ~~والتجاذب على وجه ناه عن غيره أشد نهي بقوله سبحانه وتعالى: { لا خير في ~~كثير من نجواهم } أي نجوى جميع المناجين { إلا من } أي نحوى من { أمر ~~بصدقة } ولما خص الصدقة لعزة المال في ms0983 ذلك الحال، عمم بقوله: { أو معروف ~~} أي معروف كان مما يبيحه الشرع من صدقة وغيرها. # ولما كان إصلاح ذات البين أمرا جليلا، نبه على عظمه بتخصيصه بقوله: { ~~أو إصلاح بين الناس } أي عامة، فقد بين سحانه وتعالى أن غير المستثنى من ~~التناجي لا خير فيه، وكل ما انتقى عنه الخير كان مجتنبا - كما روى أحمد ~~والطبراني في الكبير بسند لا بأس به وهذا لفظه عن ابن عباس رضي الله ~~تعالى عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم # " أن عيسى عليه الصلاة والسلام قال: إنما الأمور ثلاثة: أمر تبين لك ~~رشده فاتبعه، وأمر تبين لك غيه فاجتنبه، وأمر اختلف فيه فرده إلى عالمه ~~". # ولما كان التقدير: فمن أمر بشي من ذلك فنجواه خير، وله عليها أجر؛ عطف ~~عليه قوله: { من يفعل ذلك } أي الأمر العظيم الذي أمر به من هذه الأشياء ~~{ ابتغاء مرضاة الله } الذي له صفات الكمال، لأن العمل لا يكون له روح ~~إلا بالنية { فسوف نؤتيه } أي في الآخرة بوعد لا خلف فيه { أجرا عظيما ~~* } وهذه الآية من أعظم الدلائل على أن المطلوب من أعمال الظاهر رعاية ~~أحوال القلب في إخلاص النية، وتصفية الداعية عن الالتفات إلى غرض دنيوي، ~~فإن كان رياء انقلبت فصارت من أعظم المفاسد. # ولما رتب سبحانه وتعالى الثواب العظيم على الموافقة، رتب العقاب الشديد ~~على المخالفة والمشاققة، ووكل المخالف إلى نفسه بقوله تعالى: { ومن يشاقق ~~الرسول } أي الكامل في الرسلية، فيكون بقلبه أو شيء من فعله في جهة غير ~~جهته على وجه المقاهرة، وعبر بالمضارع رحمة منه سبحانه بتقييد الوعيد ~~بالاستمرار، وأظهر القاف إشارة إلى تعليقه بالمجاهرة، ولأن السياق لأهل ~~الأوثان وهم مجاهرون، وقد جاهر سارق الدرعين الذي كان سببا لنزول الآية ~~في آخر قصته - كما مضى. # ولما كان في سياق تعليم الشريعة التي لم تكن معلومة قبل الإيحاء بها، لا ~~في سياق الملة المعلومة بالعقل، أتى ب " من " تقييدا للتهديد بما بعد ~~الإعلام بذلك فقال: { من بعد ما } ولو حذفت لفهم اختصاص الوعيد بمن ms0984 ~~استغرق زمان البعد بالمشاققة. ولما كان ما جاء به النبي صلى الله عليه ~~وسلم في غاية الظهور قال: { تبين له الهدى } أي الدليل الذي هو سببه. # ولما كان المخالف للإجماع لا يكفر إلا بمنابذة المعلوم بالضرورة، عبر ~~بعد التبين بالاتباع فقالك { ويتبع غير سبيل } أي طريق { المؤمنين } أي ~~الذين صار الإيمان لهم صفة راسخة، والمراد الطريق المعنوي، وجه الشبه ~~الحركة البدنية الموصلة إلى المطلوب في الحسي، والنفسانية في مقدمات ~~الدليل الموصل إلى المطلوب في المعنوي { نوله } أي بعظمتنا في الدنيا ~~والآخرة { ما تولى } أي نكله إلى ما اختار لنفسه وعالج فيه فطرته الأولى ~~خذلانا منا له { ونصله } أي في الآخرة { جهنم } أي تلقاه بالكراهة ~~والغلظة والعبوسة كما تجهم أولياءنا وشاققهم. # ولما كان التقدير: فهو صائر إليها لا محالة، بين حالها في ذلك فقال: { ~~وساءت مصيرا * } وهذه الآية دالة على أن الإجماع حجة لأنه لا يتوعد إلا ~~على مخالفة الحق، وكذا حديث # " لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله - وفي رواية: ظاهرين على الحق ~~- حتى يأتي أمر الله " # رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم من الصحابة رضي الله تعالى عنهم ثوبان ~~والمغيرة وجابر بن سمرة وجابر بن عبد الله ومعاوية وأنس وأبو هريرة، بعض ~~أحاديثهم في الصحيحين، وبعضها في السنن، وبعضها في المسانيد، وبعضها في ~~المعاجيم وغير ذلك؛ ووجه الدلالة أن الطائفة التي شهد لها النبي صلى الله ~~عليه وسلم بالحق في جملة أهل الإجماع والله سبحانه وتعالى الموفق. # ولما كان فاعل ذلك بعد بيان الهدى هم أهل الكتاب ومن أضلوه من المنافقين ~~بما ألقوه إليهم من الشبه، فردوهم إلى ظلام الشرك والشك بعد أن بهرت ~~أبصارهم أشعة التوحيد؛ حسن إيلاؤه قوله سبحانه وتعالى - معللا تعظيما ~~لأهل الإسلام، وحثا على لزوم هديهم، وذما لمن نابذهم وتوعدا له، إشارة ~~إلى أن من خرق إجماع المسلمين صار حكمه حكم المشركين، فكيف بمن نابذ ~~المرسلين: { إن الله } أي الأحد المطلق فلا كفوء له { لا يغفر أن يشرك به ~~} أي وقوع الشرك به، ms0985 من أي شخص كان، وبأي شيء كان، لأن من قدح في الملك ~~استحق البوار والهلك، وسارق الدرع أحق الناس بذلك { ويغفر ما } أي كل شيء ~~هو { دون ذلك } أي الأمر الذي لم يدع للشناعة موضعا - كما هو شأن من ~~ألقى السلم ودخل في ربقة العبودية، ثم غلبته الشهوة فقصر في بعض أنواع ~~الخدمة. ثم دل على نفوذ أمره بقوله: { لمن يشاء }. # ولما كان التقدير: فإن من أشرك به فقد افترى إثما مبينا، عطف عليه ~~قوله: { ومن يشرك } أي يوقع هذا الفعل القذر جدا في أي وقت كان من ماض ~~أو حال أو استقبال مداوما على تجديده { بالله } أي الملك الذي لا نزاع ~~في تفرده بالعظمه لأنه لا خفاء في ذلك عند أحد { فقد ضل } أي ذهب عن ~~السنن الموصل { ضلالا بعيدا * } لا تمكن سلامة مرتكبه، وطوزى مقدمة ~~الافتراء الذي هو تعمد الكذب، وذكر مقدمة الضلال، لأن معظم السياق للعرب ~~أهل الأوثان والجهل فيهم فاش، بخلاف ما مضى لأهل الكتاب فإن كفرهم عن علم ~~فهو تعمد للكذب. ### || [4.117-120] # ولما كان المنافقون هم المقصودين بالذات بهذه الآيات، وكان أكثرهم أهل ~~أوثان؛ ناسب كل المناسبة قوله معللا لأن الشرك ضلال: { إن } أي ما { ~~يدعون } وما أنسب التعبير لعباد الأوثان عن العبادة بالدعاء إشارة إلى أن ~~كل معبود لا يدعي في الضرورات فيسمع، فعابده أجهل الجهلة. ولما كان كل ~~شيء دونه سبحانه وتعالى، لأنه تحت قهره؛ قال محتقرا لما عبدوه: { من ~~دونه } أي وهو الرحمن. # ولما كانت معبوداتهم أوثانا متكثرة، وكل كثرة تلزمها الفرقة والحاجة ~~والضعف مع أنهم كانوا يسمون بعضها بأسماء الإناث من اللات والعزى، ~~ويقولون في الكل: إنها بنات الله، ويقولون عن كل صنم: أنثى بني فلان؛ ~~قال: { إلا إناثا } أي فجعلوا أنفسهم للإناث عبادا وهم يأنفون من أن ~~يكون لهم لهم أولادا، وفي التفسير من البخاري: إناثا يعني الموات حجرا ~~أو مدرا - أو ما أشبه ذلك؛ هذا مع أن مادة " أنث " و " وثن " يلزمها في ~~نفسها الكثرة والرخاوة والفرقة، وكل ذلك ms0986 في غاية البعد عن رتبة الإلهية، ~~وسيأتي إن شاء الله تعالى بسط ذلك في سورة العنكبوت وأن هذا القصر قلب ~~قصر لاعتقادهم أنها آلهة، ومعنى الحصر: ما هي إلا غير آلهة لما لها من ~~النقص { وإن يدعون } أي يعبدون في الحقيقة { إلا شيطانا } أي لأنه هو ~~الآمر لهم بذلك، المزين لهم { مريدا } أي عاتيا صلبا عاصيا ملازما ~~للعصيان، مجردا من كل خير، محترقا بأفعال الشر، بعيدا من كل أمن، من: ~~شاط وشطن؛ ومرد - بفتح عينه وضمها، وعبر بصيغة فعيل التي هي للمبالغة في ~~سياق ذمهم تنبيها على أنهم تعبدوا لما لا إلباس في شرارته، لأنه شر كله، ~~بخلاف ما في سورة الصافات، فإن سياقه يقتضي عدم المبالغة - كما سيأتي إن ~~شاء الله تعالى؛ ثم بين ذلك بقوله: { لعنه الله } أي أبعده الملك الأعلى ~~منكل خير فبعد فاحترق. # ولما كان التقدير: فقال إصرارا على العداوة بالحسد: وعزتك لأجتهدن في ~~إبعاد غيري كما أبعدتني! عطف عليه قوله: { وقال لأتخذن } أي والله ~~لأجتهدن في أن آخذ { من عبادك } الذين هم تحت قهرك، ولا يخرجون عن مرادك ~~{ نصيبا مفروضا * } أي جزءا أنت قدرته لي { ولأضلنهم } أي عن طريقك ~~السوي بما سلطتني به من الوساوس وتزيين الأباطيل { ولأمنينهم } أي كل ما ~~أقدر عليه من الباطل من عدم البعث وغيره من طول الأعمال وبلوغ الآمال من ~~الدنيا والآخرة بالرحمة والعفو والإحسان ونحوه مما هو سبب للتسويف ~~بالتوبة { ولآمرنهم }. # ولما كان قد علم مما طبعوا عليه من الشهوات والحظوظ التي هيأتهم لطاعته، ~~وكانت طاعته في الفساد عند كل عاقل في غاية الاستبعاد؛ أكد قوله: { ~~فليبتكن } أي يقطعن تقطيعا كثيرا { آذان الأنعام } ويشققونها علامة على ~~ما حرموه على أنفسهم { ولآمرنهم فليغيرن خلق الله } أي الذي له الحكمة ~~الكاملة فلا كفوء له، بأنواع التغيير من تغيير الفطرة الأولى السليمة إلى ~~ما دون ذلك من فقء عين الحامي ونحو ذلك، وهو إشارة إلى ما حرم أهل ~~الجاهلية على أنفسهم بالتقريب للأصنام من السائبة وما معها، المشار إلى ~~إبطاله في أول ms0987 المائدة بقوله # أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم # [المائدة: 1] المصرح به في آخرها بقوله: # ما جعل الله من بحيرة # [المائدة: 103] ويكون التغيير بالوشم والوشر، ويدخل فيه كل ما خالف ~~الدين، فإن الفطرة الأولى داعية إلى خلاف ذلك حتى أدخلوا فيه تشبيه ~~الرجال بالنساء في التخنث وما يتفرع عنه في تشبيه النساء بالرجال في ~~السحق ومانحا فيه نحوه. # ولما كان التقدير: فقد خسر من تابعه في ذلك، لأنه صار للشيطان وليا؛ ~~عطف عليه معمما قوله: { ومن يتخذ } أي يتكلف منهم ومن غيرهم تغيير ~~الفطرة الأولى فيأخذ { الشيطان وليا } ولما كان ذلك ملزوما لمحادة الله ~~سبحانه وتعالى، وكان ما هو أدنى من رتبته في غاية الكثرة؛ بعض ليفهم ~~الاستغراق من باب الأولى فقال: { من دون الله } أي المستجمع لكل وصف جميل ~~{ فقد خسر } باتخاذه ذلك ولو على أدنى وجوه الشرك { خسرانا مبينا * } ~~أي في غاية الظهور والرداءة بما تعطيه صيغة الفعلان، لأنه تولى من لا خير ~~عنده؛ ثم علل ذلك بقوله: { يعدهم } أي بأن يخيل إليهم بما يصل إلى قلوبهم ~~بالوسوسة في شيء من الأباطيل أنه قريب الحصول، وأنه لا درك في تحصيله، ~~وأنه إن لم يحصل كان في فواته ضرر، فيسعون في تحصيله، فيضيع عليهم في ذلك ~~الزمان، ويرتكبون فيه ما لا يحل من الأهوال والهوان { ويمنيهم } أي يزين ~~لهم تعليق الآمال بما لا يتأتى حصوله، ثم بين ذلك بقوله: { وما } أي ~~والحالة أنه ما { يعدهم } وأظهر في موضع الإضمار تنبيها على مزيد النفرة ~~فقال: { الشيطان } أي المحترق البعيد عن الخير { إلا غرورا * } أي ~~تزيينا بالباطل خداعا ومكرا وتلبيسا، إظهارا - لما لا حقيقة له أو ~~له حقيقة سيئة - في أبهى الحقائق وأشرفها وألذها إلى النفس وأشهاها إلى ~~الطبع، فإن مادة " غر " و " رغ " تدول على الشرف والحسن ورفاهة العيش، ~~فالغرور إزالة ذلك. ### || [4.121-123] # ولما أثبت لهم ذلك أنتج بلا شك قوله: { أولئك } أي البعداء من كل خير { ~~مأواهم جهنم } أي تتجهمهم وتتقد عليهم بما اتخذوا من خلق منها وليا ms0988 { ~~ولا يجدون عنها محيصا * } أي موضعا ما يميلون إليه شيئا من الميل. # ولما ذكر ما للكافرين ترهيبا أتبعه ما لغيرهم ترغيبا فقال: { والذين ~~آمنوا } أي بوعد لا خلف فيه { جنات تجري } وقرب وبعض بقوله: { من تحتها ~~الأنهار } أي لري أرضها، فحيث ما أجرى منها نهر جرى. # ولما كان الانزعاج عن مطلق الوطن - ولو لحاجة تعرض - شديدا، فكيف بهذا! ~~قال: { خالدين فيها } ولما كان الخلود يطلق على مجرد المكث الطويل، دل ~~على أنه لا بإلى آخر بقوله: { أبدا } ثم أكد ذلك بأن الواقع يطابقه، ~~وهويطابق الواقع فقال: { وعد الله حقا } أي يطابقه الواقع، لأنه الملك ~~الأعظم وقد برز وعده بذلك، ومن أحق من الله وعدا، وأخبر به خبرا صاداق ~~يطابق الواقع { ومن أصدق من الله } أي المختص بصفات الكمال { قيلا * } ~~وأكثر من التأكيد هنا لأنه في مقابلة وعد الشيطان، ووعد الشيطان موافق ~~للهوى الذي طبعت عليه النفوس فلا تنصرف عنه إلا بعسر شديد. # ولما أخبر تعالى عما أعد لهم ولمن أضلهم من العقاب وعما أعد للمؤمنين من ~~الثواب، وكانوا يمنون أنفسهم الأماني الفارغة من أنه لا تبعة عليهم في ~~التلاعب بالدين، لا في الدنيا ولا في الآخرة، ويشجعهم على ذلك أهل الكتاب ~~ويدعون أنهم أبناء الله وأحباؤه، لا يؤاخذهم بشيء، ولا يدخل الجنة إلا من ~~كان هودا أو نصارى أو من شفعوا فيه، ونحو هذه التكاذيب مما يطمعون به من ~~والاهم بأنهم ينجونه، وكان المشركون يقولون: # نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين # [سبأ: 35]، ونحو ذلك - كنا قال العاصي بن وائل لخباب بن الأرت وقد ~~تقاضاه دينا كان له عليه: دعني إلى تلك الدار فأقضيك مما لي فيها، ~~فوالله لا تكون أنت وصاحبك فيها آثر عند الله مني ولا أعظم حظا، فأنزل ~~الله في ذلك: # أفرأيت الذي كفر بآياتنا # [مريم: 77] الآيات من آخر مريم، ويقول لهم أهل الكتاب: أنتم أهدى ~~سبيلا، لما كان ذلك قال تعالى رادا على الفريقين: { ليس } أي ما وعده ~~الله وأوعده { بأمانيكم } أي أيها العرب { ولا أماني ms0989 أهل الكتاب } أي ~~التي يمنيكم جميعا بها الشيطان. # ولما اكنت أمانيهم أنهم لا يجازون بأعمالهم الخبيثة، أنتج ذلك لا محالة ~~قوله: { ومن يعمل سوءا يجز به } أي بالمصائب من الأمراض وغيرها، عاجلا ~~إن أريد به الخير، وآجلا إن أريد به الشر، وما أحسن إيلاؤها لتمنيه ~~الشيطان المذكورة في قوله # يعدهم ويمنيهم # [النساء: 120] فيكون الكلام وافيا بكشف عوار شياطين الجن ثم الإنس في ~~غرورهم لمن خف معهم مؤيسا لمن قبل منهم، وما أبدع ختامها بقوله: { ولا ~~يجد له } ولما كان كل أحد قاصرا عن مولاه، عبر بقوله: { من دون الله } ~~أي الذي حاز جميع العظمة { وليا } أي قريبا يفعل معه ما يفعل القريب { ~~ولا نصيرا * } أي ينصره في وقت ما! وما أشد التئامها بختام أول الآيات ~~المحذرة منهم # ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة # [النساء: 44] إلى قوله # وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا # [النساء: 45] إشارة إلى أن مقصود المنافقين من مشايعة أهل الكتاب ~~ومتابعتهم إنما هو الولاية والنصرة، وأنهم قد ضيعوا منيتهم فاستنصروا بمن ~~لا نصرة له، وتركوا من ليست النصرة إلا له. ### || [4.124-125] # ولما أبدى جزاء المسيء تحذيرا، أولاه أجر المحسن تبشيرا فقال: { ومن ~~يعمل } وخفف تعالى عن عباده بقوله: { من الصالحات } ولما عمم بذكر (من) ~~صرح بما اقتضته في قوله: { من ذكر وأنثى } وقيد ذلك بقوله: { وهو } أي ~~والحال أنه { مؤمن } ليكون بناؤه الأعمال على أساس الإيمان { فأولئك } أي ~~العالو الرتبة، وبنى فعل الدخول للمفعول في قراءة ابن كثير وأبي عمروا ~~وأبي جعفر وأبي بكر عن عاصم وروح عن يعقوب، وللفاعل في قراءة غيرهم، لأن ~~المقصود نفس الفعل، لا كونه من فاعل معين؛ وإن كانت قراءة الأولين أكثر ~~فائدة { يدخلون } أي يدخلهم الله { الجنة } أي الموصوفة { ولا يظلمون } ~~وبنى الفعل للمجهول، لأن المقصود الخلاص منه لا بقيد فاعل معين { نقيرا ~~* } أي لا يظلم الله المطيع منهم بنقص شيء ما، ولا العاصي بزيادة شيء ما، ~~والنقير: ما في ظهر النواة من تلك الوقبة الصغيرة جدا، كني ms0990 بها عن ~~العدم، وهذا على ما يتعارفه الناس وإلا فالله تعالى له أن يفعل ما يشاء، ~~فإن ملكه وملكه عام، لا يتصور منه ظلم كيف ما فعل. # ولما كشف سبحانه زورهم وبين فجورهم، أنكر أن يكون أحد أحسن دينا ممن ~~اتبع ملة إبراهيم الذي يزعمون أنه كان على دينهم زعما تقدم كشف عواره ~~وهتك أستاره في آل عمران، فقال عاطفا على ما تقديره: فمن أحسن دائنا ~~ومجازيا وحاكما منه سبحانه وتعالى: { ومن أحسن دينا } أو يكون ~~التقدير: لأنهم أحسنوا في دينهم ومن أحسن دينا منهم! لكنه أظهر الوصف ~~تعميما وتعليقا للحكم به وتعليما لما يفعل يفعل المؤمن وحثا عليه ~~فقال: { ممن أسلم } أي أعطى. # ولما كان المراد الإخلاص الذي هو أشرف الأشياء، عبر عنه بالوجه الذي هو ~~أشرف الأعضاء فقال: { وجهه } أي قياده، أي الجهة التي يتوجه إليها بوجهه, ~~أي قصده كله الملازم للإسلام نفسه كلها { لله } فلا حركة له سكنة إلا ~~فيما يرضاه، لكونه الواحد الذي لا مثل له، فهو حصر بغير صيغة الحصر، ~~فأفاد فساد طريق من لفت وجهه نحو سواه باستعانة أو غيرها ولا سيما ~~المعتزلة الذين يرون الطاعة من أنفسهم، ويرون أنها موجبة لثوابهم، ~~والمعصية كذلك وأنها موجبة لعقابهم، في الحقيقة لا يرجون إلا أنفسهم، ولا ~~يخافون غيرها؛ وأهل السنة فوضوا التدبير والتكوين والخلق إلى الحق، فهم ~~المسلمون. # ولما عبر تعالى عن كمال الاعتقاد بالماضي، شرط فيه الدوام والأعمال ~~الظاهرة بقوله: { وهو } أي والحال أنه { محسن } أي مؤمن مراقب، لا غفلة ~~عنده أصلا، بل الإحسان صفة له راسخة، لأنه يعبد الله كأنه يراه، فقد ~~اشتملت هذه الكلمات العشر على الدين كله أصلا وفرعا مع الترغيب بالمدح ~~الكامل لمتبعه وإفهام الذم الكامل لغيره. # ولما كان هذا ينتظم من كان على دين أي نبي كان قبل نسخه، قيده بقوله: ~~{ واتبع } أي بجهد منه { ملة إبراهيم } الذي اشتهر عند جميع الطوائف أنه ~~ما دعا إلا إلى الله سبحانه وتعالى وحده، وتبرأ مما سواه من فلك وكوكب ~~وصنم وطبيعة وغيرها ms0991 حال كون ذلك المتبع { حنيفا } أي لينا سهلا ~~ميالا مع الدليل، والملة: ما دعت إليه الفطرة الأولى بمساعدة العقل ~~السليم من كمال الإسلام بالتوحيد. # ولما كان التقدير ترغيبا في هذا الاتباع: فقد جعل الله سبحانه وتعالى ~~ملة إبراهيم أحسن الملل، وخلقه يوم خلقه حنيفا، عطف عليه قوله: { واتخذ ~~الله } أي الملك الأعظم أخذ من معين بذلك مجتهد فيه { إبراهيم خليلا * } ~~لكونه كان حنيفا، وذلك عبارة عن اختصاصه بكرامة تشبه كرامة الخليل عند ~~خليله من ترديد الرسل بالوحي بينه وبينه، وإجابة الدعوة، وإظهار الخوارق ~~عليه وعلى آله، والنصرة على الأعداء وغير ذلك من الألطاف، وأظهر اسمه في ~~موضع الإضمار تصريحا بالمقصود احتراسا من الإبهام وإعلاء لقدره ~~تنويها بذكره. ### || [4.126-127] # ولما أخبر بمن يحبه ومن يبغضه وبما يرضيه وما يغضبه، وكان ربما توهم عدم ~~القدرة على أخذه لغير ما أخذ، وجعله لغير ما جعل، أو تعنت بذلك متعنت فظن ~~أن في الكلام دخلا بنوع احتياج إلى المحالة أو غيرها قال: { ولله } أي ~~والحال أن للمختص بالوحدانية - فلا كفوء له { ما في السماوات }. # ولما كان السياق للمنافقين والمشركين أكد فقال: { وما في الأرض } من ~~إبراهيم عليه الصلاة والسلام ومن غيره إشارة إلى أنه التام الملك العظيم ~~الملك، فلا يعطي إلا من تابع أولياءه وجانب أعداءه، ولا يختار إلا من ~~علمه خيارا وهو مع ذلك قادر على ما يريد من إقرار وتبديل، ولذلك قال: { ~~وكان الله } أي الملك الذي له الكمال كله { بكل شيء } أي منهما ومن ~~غيرهما { محيطا * } علما وقدرة، فمهما راد كان في وعده ووعيده للمطيع ~~والعاصي، لا يخفى عليه أحد منهم، ولا يعجزه شيء. # ولما كان سبحانه وتعالى قد رتب هذا الكتاب على أنه يذكر أحكاما من ~~الأصول والفروع، ثم يفصلها بوعد ووعيد وترغيب وترهيب، وينظمها بدلائل ~~كبريائه وجلاله وعظيم بره وكماله، ثم يعود إلى بيان الأحكام على أبدع ~~نظام لأن إلقاء المراد في ذلك القالب أقرب إلى القبول، والنظم كذلك أجدر ~~بالتأثير في القلوب، لأن التكليف بالأعمال الشاقة لا تنقاد ms0992 له النفوس إلا ~~إذا كان مقرونا ببشارة ونذارة، وذلك لا يؤثر إلا عند القطع بغاية الكمال ~~لمن صدر عنه ذلك المقال، ولا ينتقل مع ذلك من أسلوب إلى آخر إلا على غاية ~~ما يكون من المناسبة بين آخر كل نوع وأول ما بعده بكمال التعلق لفظا ~~ومعنى، وفعل سبحانه وتعالى في هذه السورة في أحكام العدل الذي بدأ السورة ~~به في المواصلة التي مبناها النكاح والإرث وغير ذلك مما اتصل به - كما ~~بين - إلى أن ختم هنا بالإسلام المثمر لقبول ذلك كله وعظمة الملك الموجبة ~~لتمام الإسلام، وقامت البراهين وسطعت الحجج، وكان من أعظم مقاصد السورة ~~العدل في الضعفاء من الأيتام وغيرهم في الميراث وغيره، وكان توريث النساء ~~والأطفال - ذكورا كانوا أو إناثا - مما أبته نفوسهم، وأشربت بغضه ~~قلوبهم، وكان التفريق في إثبات ما هذا سبيله أنجع، وإلقاؤه شيئا فشيئا ~~في قوالب البلاغة أنفع؛ وصل بذلك قوله تعالى: { ويستفتونك } في جملة ~~حالية من اسم الجلالة التي قبلها، أي له ما ذكر فلا مساغ للاعتراض عليه ~~والحال أنهم يسألونك طلبا لأن تتفتى عليهم بالجواب في بعض ما أعطى من ~~ملكه لبعض مخلوقاته { في النساء } طمعا في الاستئثار عليهم بالمال وغيره ~~محتجين بأنه لا ينبغي أن يكون المال إلا لمن يحمي الذمار والحال أنهم قد ~~عبدوا من دونه إناثا، وجعلوا لهم مما خولهم فيه من الرزق الذي ملكهم له ~~بضعف من الحرث والأنعام نصيبا، فلا تعجب من حال من كرر الاستفتاء - الذي ~~لا يكون في العرف غالبا إلا فيما فيه اعتراض - في إناث أحياء وأطفال ~~ذكور وأعطاهم الملك التام الملك العظيم الملك بعض ما يريد، ولم يعترض ~~على نفسه حيث أعطى إناثا لا حياة لها ولا منفعة مما في يده، وملكه في ~~الحقيقة لغيره، ولم يأذن فيه المالك ما لا ينتفع به المعطي. # ولما كان المقام بكثرة الاستفتاء محتاجا إلى زيادة الاعتناء قال: { قل ~~الله } آمرا معبرا بالاسم الأعظم منبها على استحضار ما ذكر أول السورة ~~{ يفتيكم } أي يبين لكم حكمه { فيهن ms0993 } أي الآن لأن تقوموا لهن بالقسط { ~~وما } أي مع ما { يتلى عليكم } أي تجدد فيكم تلاوته إلى آخر الدهر سيفا ~~قاطعا وحكما ماضيا جامعا { في الكتاب } أي فيما سبق أول السورة في ~~قوله: { وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء } ~~، وغير ذلك { في يتامى النساء } أي في شأن التيامى من هذا الصنف { ~~اللاتي لا تؤتونهن } أي بسبب التوقف في ذلك وتكرير الاستفتاء عنه { ما ~~كتب لهن } أي ما فرض من الميراث وسائر الحقوق فرضا وهو في غاية اللزوم { ~~وترغبون أن } أي في أن أو عن أن { تنكحوهن } لجمالهن أو لدمامتهن { و } ~~يفتيكم في { المستضعفين } أي الموجود ضعفهم والمطلوب إضعافهم، يمنعهم ~~حقوقهم { من الولدان }. # ولما كان التقدير؛ في أن تقوموا لهم بالقسط، أي في ميراثهم وسائر حقوقهم ~~ولا تحقروهم لصغرهم؛ عطف عليه قوله: { وأن تقوموا } أي تفعلوا فيه من ~~القوة والمبادرة فعل القائم المنشط { لليتامى } من الذكور والإناث { ~~بالقسط } أي بالعدل من الميراث وغيره. # ولما كان التقدير: فما تفعلوا في ذلك من شر فإن الله كان به عليما ~~وعليكم قديرا؛ عطف عليه قوله ترغيبا: { وما تفعلوا من خير } أي في ذلك ~~أو في غيره { فإن الله } أي الذي له الكمال كله { كان به عليما * } أي ~~فهو جدير - وهو أكرم الأكرمين وأحكم الحاكمين - بأن يعطي فاعله على حسب ~~كرمه وعلو قدره، فطيبوا نفسا وتقروا عينا؛ روى البخاري في الشركة ~~والنكاح ومسلم في آخر الكتاب وأبو داود والنسائي في النكاح # " عن عروة أنه سأل عائشة رضي الله تعالى عنها عن قول الله عز وجل: { فإن ~~خفتم ألا تقسطوا في اليتامى } إلى { رباع } قالت: يا ابن أختي! هي ~~اليتيمة تكون في حجر وليها تشاركه في ماله، فيعجبه مالها وجمالها، فيريد ~~وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، ~~فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن ويبلغوا بهن أعلى سنتهن من الصداق ~~وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن؛ قال عروة: قالت عائشة ms0994 رضي ~~الله عنها: ثم إن الناس استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه ~~الآية فيهن فأنزل الله عز وجل (ويستفتونك - إلى - وترغبون أن تنكحوهن) " # والذي ذكر الله أنه يتلى عليكم في الكتاب: الآية الأولى التي قال فيها: ~~{ وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء } قالت ~~عائشة رضي الله عنها: وقول الله تعالى في الآية الأخرى: { وترغبون أن ~~تنكحوهن } هي رغبة أحدكم يتيمته - وقال مسلم: عن يتيمته - التي تكون في ~~حجره حين تكون قليلة المال والجمال، فنهوا أن ينكحوا ما رغبوا في مالها ~~وجمالها من يتامى النساء إلا بالقسط من أجل رغبتهم عنهن، زاد مسلم: إذا ~~كن قليلات المال والجمال، وقال البخاري في النكاح: فكما يتركونها حين ~~يرغبون عنها فليس لهم أن ينكحوها إذا رغبوا فيها إلا أن يقسطوا لها ~~ويعطوها حقها الأوفى في الصداق؛ وفي البخاري ومسلم في التفسير عن عروة ~~أيضا { يستفتونك في النساء } الآية قالت: " هو الرجل تكون عنده اليتيمة ~~هو وليها ووارثها فأشركته - وقال مسلم: لعلها أن تكون قد شركته، في ماله ~~حتى في العذق فيرغب أن ينكحها ويكره أن يزوجها رجلا فيشركه في ماله بما ~~شركته فيعضلها فنزلت هذه الآية؛ وفي رواية مسلم: نزلت في الرجل تكون له ~~اليتيمة وهو وليها ووارثها ولها مال وليس لها أحد يخاصم دونها فلا ينحكها ~~لمالها فيضر بها ويسيء صحبتها فقال: { وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى ~~فانكحوا ما طاب لكم من النساء } يقول: ما حللت لكم، ودع هذه التي تضر بها ~~" وفي رواية له وللبخاري في النكاح " فيرغب عنها أن يتزوجها ويكره أن ~~يزوجها غيره فيشركه في ماله - وقال البخاري: فيدخل عليه في ماله - ~~فيعضلها ولا يتزوجها ولا يزوجها، زاد البخاري: فنهاهم الله سبحانه وتعالى ~~" عن ذلك، وحاصل ذلك ما نقله الأصبهاني أنه كان الرجل في الجاهلية تكون ~~عنده اليتيمة فيلقي عليها ثوبه، فإذا فعل بها ذلك لم يقدر أحد أن يتزوجها ~~أبدا، فإن كانت جميلة وهواها تزوجها وأكل مالها، وإن كانت ms0995 دميمة منعها ~~الرجال حتى تموت، فإذا ماتت ورثها. # وما أنسب ذكر هذا الحكم الذي كثرت فيه المراجع على وجه يؤذن بعدم إذعان ~~بعض النفوس له عقب آية الإسلام الذي معناه الانقياد والخضوع والإحسان ~~الذي صار في العرف أكثر استعماله للاعطاء والتألف والعطف لا سيما للضعيف، ~~وذكر إبراهيم عليه الصلاة والسلام الذي تقدم أنه أتم ما ابتلاه الله ~~تعالى به من الكلمات ووفي بها من غير مراجعة ولا تلعثم، وأنه كان حنيفا ~~ميالا مع الدليل، تعنيفا لمن قام عليه دليل العقل وأتاه صريح النقل وهو ~~يراجع! وإذا تأملت قوله تعالى: # من يعمل سوءا يجز به # [النساء: 123] مع قوله فيما قبل # وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم # [النساء: 9] لاحت لك أيضا مناسبة بديعة. ### || [4.128-130] # ولما صاروا يعطفون اليتامى أموالهم، وصاروا يتزوجون ذوات الأموال منهن ~~ويضاجرون بعضهن؛ عقب ذلك تعالى بالإفتاء في أحوال المشاققة بين الأزواج ~~فقال: { وإن امرأة } أي واحدة أو على ضرائر. # ولما كان ظن المكروه مخوفا قال: { خافت } أي توقعت وظنت بما يظهر لها ~~من القرائن { من بعلها نشوزا } أي ترفعا بما ترى من استهانته لها بمنع ~~حقوقها أو إساءة صحبتها { أو إعراضا } عنها بقلبه بأن لا ترى من محادثته ~~ومؤانسته ومجامعته ما كانت ترى قبل ذلك، تخشى أن يجر إلى الفراق وإن كان ~~متكلفا لملاطفتها بقوله وفعله { فلا جناح } أي حرج وميل { عليهما أن ~~يصلحا } أي يوقع الزوجان { بينهما } تصالحا ومصالحة، هذا على قراءة ~~الجماعة، وعلى قراءة الكوفيين بضم الياء وإسكان الصاد وكسر اللام ~~التقدير: إصلاحا، لكنه لما كان المأمور به يحصل بأقل ما يقع عليه اسم ~~الصلح بنى المصدر على غير هذين الفعلين فقال مجردا له: { صلحا } بأن ~~تلين هي بترك بعض المهر أو بعض القسم أو نحو ذلك، وأن يلين لها هو بإحسان ~~العشرة في مقابلة ذلك. # ولما كان التقدير: ولا حناح عليهما أن يتفارقا على وجه العدل، عطف عليه ~~قوله: { والصلح } أي بترك كل منهما حقه أو بعض حقه { خير } أي المفارقة ms0996 ~~التي أشارت إليها الجملة المطوية لأن الصلح مبناه الإحسان الكامل بالرضى ~~من الجانبين، والمفارقة مبناها العدل الذي يلزمه في الأغلب غيظ أحدهما ~~وإن كانت مشاركة للصلح في الخير، لكنها مفضولة، وتخصيص المفارقة بالطي ~~لأن مبنى السورة على المواصلة. # ولما كان منشأ التشاجر المانع من الصلح شكاسة في الطباع، صور سبحانه ~~وتعالى ذلك تنفيرا عنه، فقال اعتراضا بين هذه الجمل للحث على الجود ~~بانيا الفعل للمجهول إشارة إلى أن هذا المحضر لا يرضى أحد نسبته إليه: ~~{ وأحضرت الأنفس } أي الناظرة إلى نفاستها عجبا { الشح } أي الحرص وسوء ~~الخلق وقلة الخير والنكد والبخل بالموجود، وكله يرجع إلى سوء الخلق ~~والطبع الرديء واعوجاج الفطرة الأولى الذي كني عنه بالإحضار الملازم الذي ~~لا انفكاك له إلا بجهاد كبير يناله به الأجر الكثير. # ولما كان هذا خلقا رديئا لم يذكر فاعله، والمعنى: أحضرها إياه محضر. ~~فصار ملازما لها، لا تنفك عنه إلا بتوفيق من الله سبحانه وتعالى في ~~قهرها عليه بتذكير ما عنده سبحانه وتعالى من حسن الجزاء، ولما كان ~~التقدير: فإن شححتم فإنه أعلم بها في الشح من موجبات الذم، عطف عليه ~~قوله: { وإن تحسنوا } أي توقعوا الإحسان بالإقامة على نكاحكم وما ندبتم ~~إليه من حسن العشرة وإن كنتم كارهين { وتتقوا } أي توقعوا التقوى بمجانبة ~~كل ما يؤذي نوع أذى إشارة إلى أن الشحيح لا محسن ولا متق { فإن الله } أي ~~وهو الجامع لصفات الكمال { كان } أزلا وأبدا { بما تعملون } أي في كل ~~شح وإحسان { خبيرا * } أي بالغ العلم به وأنتم تعلمون أنه أكرم ~~الأكرمين، فهو مجازيكم عليه أحسن جزاء. # ولما ذكر سبحانه وتعالى أن الوقوف على الحق فضلا عن الإحسان - وإن كانت ~~المرأة واحدة - متعسر، أتبعه أن ذلك عند الجمع أعسر، فقال تعالى معبرا ~~بأداة التأكيد: { ولن تستطيعوا } أي توجدوا من أنفسكم طواعية بالغة دائمة ~~{ أن تعدلوا } أي من غير حيف أصلا { بين النساء } في جميع ما يجب لكل ~~واحدة منهن عليكم من الحقوق { ولو حرصتم } أي على فعل ذلك، وهذا مع قوله ms0997 ~~تعالى: # فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة # [النساء: 3] كالمختم للاختصار على واحدة. # ولما أخبر سبحانه وتعالى بأن لا يخلو نكاح العدد عن ميل، سبب عنه قوله: ~~{ فلا } أي فإن كان لا بد لكم من العدد، أو فإن وقع الميل والزوجة واحدة ~~فلا { تميلوا } ولما كان مطلق الميل غير مقدور على تركه فلم يكلف به، بين ~~المراد بقوله: { كل الميل } ثم سبب عنه قوله: { فتذروها } أي المرأة { ~~كالمعلقة } أي بين النكاح والعزوبة والزواج والانفراد. # ولما كان الميل الكثير مقدورا على تركه، فكان التقدير: فإن ملتم كل ~~الميل مع إبقاء العصمة فإن الله كان منتقما حسيبا، عطف عليه قوله: { ~~وإن تصلحوا وتتقوا } أي بأن توجدوا الإصلاح بالعدل في القسم والتقوى في ~~ترك الجور على تجدد الأوقات { فإن الله } أي الذي له الكمال كله { كان ~~غفورا رحيما * } أي محاء للذنوب بليغ الإكرام فهو جدير بأن يغفر لكم ~~مطلق الميل، ويسبغ عليكم ملابس الإنعام. # ولما كان من الإصلاح المعاشرة بالمعروف، ذكر قسيمه فقال: { وإن يتفرقا } ~~أي يفترق كل من الزوجين من صاحبه { يغن الله } أي الذي له صفات الكمال { ~~كلا } أي منهما، أي يجعله غنيا هذه برجل وهذا بامرأة أو بغير ذلك من ~~لطفه، وبين منشأ هذا الغني فقال: { من سعته } أي من شمول قدرته وغير ذلك ~~من كل صفة كمال، ولمزيد الاعتناء بتقرير هذه المعاني في النفوس لإحضارها ~~الشح، كرر اسمه الأعظم الجامع فقال: { وكان الله } أي ذو الجلال والإكرام ~~أزلا وأبدا { واسعا } أي محيطا بكل شيء { حكيما * } أي يضع الأشياء ~~في أقوم محالها. ### || [4.131-134] # ولما كان مبنى هذه السورة على التعاطف والتراحم والتواصل، لم يذكر فيها ~~الطلاق إلا على وجه الإيماء في هذه الآية على وجه البيان لرأفته وسعة ~~رحمته وعموم تربيته، وفي ذلك معنى الوصلة والعطف، قال ابن الزبير: ولكثرة ~~ما يعرض من رعى حظوظ النفوس عند الزوجية ومع القرابة - ويدق ذلك ويغمض - ~~لذلك ما تكرر كثيرا في هذه السورة الأمر بالاتقاء، وبه افتتحت # اتقوا ربكم # [النساء: 1]، # واتقوا الله الذي تساءلون به ms0998 والأرحام # [النساء: 1]، { ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم } [النساء: ~~131]. # ولما ذكر تعالى آية التفرق وختمها بصفتي السعة والحكمة دل على الأول ~~ترغيبا في سؤاله: { ولله } أي الذي له العظمة كلها { ما في السماوات } ~~ولما كان في السياق بيان ضعف النفوس وجبلها على النقائص، فكانت محتاجة ~~إلى تقوية الكلام المخرج لها عما ألفت من الباطل قال: { وما في الأرض } ~~وعلى الثانية بالوصية بالتقوى لأنه كرر الحث على التقوى في هذه الجمل في ~~سياق الشرط بقوله: # وإن تحسنوا وتتقوا # [النساء: 128] # وإن تصلحو وتتقوا # [النساء: 129] فأخبر تعالى بعد اللطف بذلك السياق أن وصيته بها مؤكدة، ~~لم تزل قديما وحديثا، لأن العلم بالمشاركة في الأمر يكون أدعى للقبول، ~~وأهون على النفس، فقال تعالى: { ولقد وصينا } أي على ما لنا من العظمة. # ولما كان الاشتراك في الأحكام موجبا للرغبة فيها والتخفيف لثقلها، ~~وكانت الوصية للعالم أجدر بالقبول قال: { الذين أوتوا الكتاب } أي ~~التوراة والإنجيل وغيرهما وبنى الفعل للمجهول لأن القصد بيان كونهم أهل ~~علم ليرغب فيما أوصوا به، ودلالة على أن العلم في نفسه مهيىء للقبول، ~~ولإفادة أن وصيتهم أعم من أن تكون في الكتاب، أو على لسان الرسول من غير ~~كتاب، ولما كان إيتاؤهم الكتاب غير مستغرق للماضي وكذا الإيصاء قال: { من ~~قبلكم } أي من بني إسرائيل وغيرهم { وإياكم } أي ووصيانكم مثل ما ~~وصيناهم؛ ولما كانت التوصية بمعنى القول فسرها بقوله: { أن اتقوا الله } ~~أي الذي لا يطاق انتقامه لأنه لا كفوء له. # ولما كان التقدير: فإن تتقوا فهو حظكم وسعادتكم في الدارين، عطف عليه ~~قوله: { وإن تكفروا } أي بترك التقوى { فإن الله } أي الذي له الكمال ~~المطلق { ما في السماوات } ولما كان السياق لفرض الكفر حسن التأكيد في ~~قوله: { وما في الأرض } منكم ومن غيركم من حيوان وجماد أجسادا وأروحا ~~وأحوالا. # ولما كان المعنى: لا يخرج شيء عن ملكه ولا إرادته، ولا يلحقه ضرر ~~بكفركم، ولم تضروا إن فعلتم إلا أنفسكم، لأنه غني عنكم، لا يزداد جلاله ~~بالطاعات، ولا ينقص بالمعاصي والسيئات؛ ms0999 أكده بقوله دالا على غناه ~~واستحقاقه للمحامد: { وكان الله } أي الذي له الإحاطة كلها { غنيا } أي ~~عن كل شيء الغنى المطلق لذاته { حميدا * } أي محمودا بكل لسان قالي ~~وحالي، كفرتم أو شكرتم، فكان ذلك غاية في بيان حكمته. # ولما كان الملك قد لا يمنع الاعتراض على المالك بين أن ذلك إنما هو في ~~الملك الناقص وأنه ملكه تام: { ولله } أي الذي له العلم الكامل والقدرة ~~الشاملة { ما في السماوات } وأكد لمثل ما مضى فقال: { وما في الأرض } أي ~~هو قائم بمصالح ذلك كله، يستقل بجميع أمره، لا معترض عليه، بل هما وكل من ~~فيهما مظهر العجز عن أمره، معلق مقاليد نفسه وأحواله إليه طوعا أو ~~كرها، فهو وكيل على كل ذلك فاعل به ما يفعل الوكيل من الأخذ والقبض ~~والبسط، ولمثل ذلك كرر الاسم الأعظم فقال: { وكفى بالله } أي الذي له ~~الأمر كله ولا أمر لأحد معه { وكيلا * } أي قائما بالمصالح قاهرا ~~متفردا بجميع الأمور، قادرا على جميع المقدور، وقد بان - كما ترى - أن ~~جملة " لله " المكررة ثلاث مرات ذكرت كل مرة دليلا على شيء غير الذي ~~قبله وكررت، لأن الدليل الواحد إذا كان دالا على مدلولات كثيرة يحسن أن ~~يستدل به على كل واحد منها. وإعادته مع كل واحد أولى من الاكتفاء بذكره ~~مرة واحدة، لأن عند إعادته يحضر في الذهن ما يوجب العلم بالمدلول، فيكون ~~العلم الحاصل بذلك المدلول أقوى وأجل؛ وفي ختم كل جملة بصفة من الصفات ~~الحسنى تنبيه الذهن بها إلى أن هذا الدليل دال على أسرار شريفة ومطالب ~~جليلة لا تنحصر، فيجتهد السامع في التفكر لإظهار الأسرار والاستدلال عل ~~صفات الكمال, لأن الغرض الكلي من هذا الكتاب صرف العقول والأفهام عن ~~الاشتغال بغير الله تعالى إلى الاستغراق في معرفته سبحانه، وهذا التكرير ~~مما يفيد حصول هذا المطلوب ويؤكده، فكان في غاية الحسن والكمال. # ولما تقرر بهذا شمول علم من هذا من شأنه وتمام قدرته أنتج قوله مهددا ~~مخوفا مرهبا: { إن يشأ يذهبكم } وصرح بالعموم إشارة ms1000 إلى عموم الإرسال ~~بقوله: { أيها الناس } أي المتفرعون من تلك النفس الواحدة كافة لغناه ~~عنكم وقدرته على ما يريد منكم { ويأت بآخرين } أي من غيركم يوالونه { ~~وكان الله } أي الواحد الذي لا شريك له أزلا وأبدا { على ذلك } أي ~~الأمر العظيم من الإيجاد والإعدام { قديرا * } أي بالغ القدرة، وهذا ~~غاية البيان لغناه وكونه حميدا وقاهرا وشديدا، وإذا تأملت ختام قوله ~~تعالى في قصة عيسى عليه الصلاة والسلام في آخر هذه السورة # سبحانه أن يكون له ولد # [النساء: 171] زاد ذلك هذا السر - وهو كونه لا اعتراض عليه - وضوحا. # ولما كان في هذا تهديد بليغ وتعريف بسعة الملك وكمال التصرف، وكان مدار ~~أحوال المتشاححين في الإرث وحقوق الأزواج وغيرها الأمر الدنيوي، وكان ~~سبحانه وتعالى قد بين فيما مضى أن مبنى أحوال المنافقين على طلب العرض ~~الفاني خصوصا قصة طعمة بن أبيرق الراضي لنفسه بالفضيحة في نيل شيء تافه؛ ~~قال تعالى تفييلا لآرائهم وتخسيسا لهممهم حيث نزلوا إلى الأدنى مع ~~القوة على طلب الأعلى مع طلب الأدنى أيضا منه تعالى، فلا يفوتهم شيء من ~~معولهم مع إحراز الأنفس: { ما كان يريد ثواب الدنيا } لقصور نظره على ~~المحسوس الحاضر مع خسته كالبهائم { فعند } أي فليقبل إلى الله فإنه عند { ~~الله } أي الذي له الكمال المطلق { ثواب الدنيا } الخسيسة الفانية { ~~والآخرة } أي النفسية الباقية فليطلبها منه، فإنه يعطي من أراد ما شاء، ~~ومن علت همته عن ذلك فأقبل بقلبه إليه وقصر همه عليه فلم يطلب إلا الباقي ~~جمع سبحانه وتعالى له بينهما، كمن يجاهد الله خالصا، فإنه يجمع له بين ~~الأجر والمغنم، وما أشد التئامها مع ذلك بما قبلها، لأن من كان تام ~~القدرة واسع الملك كان كذلك. # ولما كان الناشيء عن الإرادة إما قولا أو فعلا، وكان الفعل قد يكون ~~قلبيا قال: { وكان الله } أي المختص بجميع صفات الكمال { سميعا } أي ~~بالغ السمع لكل قول وإن خفي، نفسيا كان أو لسانيا { بصيرا * } أي بالغ ~~البصر لكل ما يمكن أن يبصر من الأفعال، والعلم بكل ms1001 ما يبصر وما لا يبصر ~~منها ومن غيرها, فيكون من البصر ومن البصيرة، فليراقبه العبد قولا ~~وفعلا. ### || [4.135-136] # ولما كان ذلك من أحسن المواعظ لقوم طعمة الذين اعتصبوا له، التفت إليهم ~~مستعطفا بصيغة الإيمان، جائيا بصيغة الأمر على وجه يعم غيرهم، قائلا ~~ما هو كالنتيجة لما مضى من الأمر بالقسط من أول السورة إلى هنا على وجه ~~أكده وحث عليه: { يا أيها الذين آمنوا } أي أقروا بالإيمان بألسنتهم { ~~كونوا قوامين } أي قائمين قياما بليغا مواظبا عليه مجتهدا فيه. # ولما كان أعظم مباني هذه السورة العدل قدمه فقال: { بالقسط } بخلاف ما ~~يأتي في المائدة فإن النظر فيها إلى الوفاء الذي إنما يكون بالنظر إلى ~~الموفى له { شهداء } أي حاضرين متيقظين حضور المحاسب لكل شيء أردتم ~~الدخول فيه { لله } أي لوجه الذي كل شيء بيده لا لشيء غيره { ولو } كان ~~ذلك القسط { على أنفسكم } أي فإني لا أزيدكم بذلك إلا عزاء، وإلا تفعلوا ~~ذلك قهرتكم على الشهادة على أنفسكم على رؤوس الأشهاد، ففضحتم في يوم ~~يجتمع فيه الأولون والآخرون من جميع العباد. # ولما كان ذكر أعز ما عند الإنسان أتبعه ما يليه وبدأ منه بمن جمع إلى ~~ذلك الهيبة فقال: { أو } أي أو كان ذلك القسط على { الوالدين } وأتبعه ما ~~يعمهما وغيرها فقال: { والأقربين } أي من الأولاد وغيرهم، ثم علل ذلك ~~بقوله: { إن يكن } أي المشهود له أو عليه { غنيا } أي ترون الشهادة له ~~بشيء باطل دافعة ضرا منه للغير من المشهود عليه أو غيره، أو مانعة ~~فسادا أكبر منها، أو عليه بما لم يكن صلاحا طمعا في نفع الفقير بما لا ~~يضره ونحو ذلك { أو فقيرا } فيخيل إليكم أن الشهادة له بما ليس له نفعه ~~رحمة له أو بما ليس عليه لمن هو أقوى منه تسكن فتنة { فالله } أي ذو ~~الجلال والإكرام { أولى بهما } أي بنوعي الغني والفقير المندرج فيهما ~~هذان المشهود بسببهما منكم، فهو المرجو لجلب النفع ودفع الضر بغير ما ~~ظننتموه، فالضمير من الاستخدام، ولو عاد للمذكور لوحد الضمير ms1002 لأن المحدث ~~عنه واحد مبهم. # ولما كان هذا، تسبب عنه قوله: { فلا تتبعوا } أي تتكلفوا تبع { الهوى } ~~وتنهمكوا فيه انهماك المجتهد في المحب له { أن } أي إرادة أن { تعدلوا } ~~فقد بان لكم أنه لا عدل في ذلك. # ولما كان التقدير: فإن تتبعوه لذلك أو لغيره فإن الله كان عليكم قديرا، ~~عطف عليه قوله: { وإن تلوا } أي ألسنتكم لتحرفوا الشهادة نوعا من ~~التحريف أو تديروا ألسنتكم أي تنطقوا بالشهادة باطلا، وقرأ ابن عامر ~~وحمزة بضم اللام - من الولاية أي تؤدوا الشهادة على وجه من العدل، أو ~~اللي { أو تعرضوا } أي عنها وهي حق فلا تؤدوها لأمر ما { فإن الله } أي ~~المحيط علما وقدرة { كان } أي لم يزل ولا يزال { بما تعملون خبيرا * } ~~أي بالغ العلم باطنا وظاهرا، فهو يجازيكم على ذلك بما تستحقونه، ~~فاحذروه إن خنتم، وارجوه إن وفيتم، وذلك بعد ما مضى من تأديبهم على وجه ~~الإشارة والإيماء من غير أمر، وما أنسبها لختام التي قبلها وأشد التئام ~~الختامين: ختام هذه بصفة الخبر, وتلك بصفتي السمع والبصر. # ولما أمر بالعدل على هذا الوجه أمر بالحامل على ذلك، وهو الإيمان ~~بالشارع والمبلغ والكتاب الناهج لشرائعه المبين لسرائره الذي افتتح القصة ~~بحقيته وبيان فائدته فقال: { يا أيها الذين ءامنوا } أي أقروا بالإيمان؛ ~~ولما ناداهم بوصف الإيمان أمرهم بما لا يحصل إلا به فقال مفصلا له: { ~~ءامنوا بالله } أي لأنه أهل لذلك لذاته المستجمع لجميع صفات الكمال كلها. # ولما كان الإيمان بالله لا يصح إلا بالإيمان بالوسائط، وكان أقرب ~~الوسائط إلى الإنسان الرسول قال: { ورسوله } أي لأنه المبلغ عنه سواء كان ~~من الملك أو البشر { والكتاب الذي نزل } أي مفرقا بحسب المصالح تدريجا ~~تثبيتا وتفهيما { على رسوله } أي لأنه المفصل لشريعتكم المتكفل بما ~~تحتاجون إليه من الأحكام والمواعظ وجميع ما يصلحكم، وهو القرآن الواصل ~~إليكم بواسطة أشرف الخلق { والكتاب الذي أنزل } أي أوجد إنزاله ومضى؛ ~~ولما لم يكن إنزاله مستغرقا للزمان الماضي بين المراد بقوله: { من قبل } ~~من الإنجيل والزبور والتوراة وغيرها لأن ms1003 رسولكم بلغكم ذلك فلا يحصل ~~الإيمان إلا بتصديقه في كل ما يقوله. # ولما كان المؤمن الذي الخطاب معه عالما بأن التنزيل والإنزال لا يكون ~~إلا من الله بنيا للمفعول في قراءة ابن كثير وأبي عمروا وابن عامر للعلم ~~بالفاعل، وصرحت قراءة الباقين به. # ولما كان التقدير: فمن آمن بذلك فقد اهتدى وآمن قطعا بالملائكة واليوم ~~الآخر وغير ذلك من كل ما دعا إليه الكتاب والرسول، عطف عليه قوله: { ومن ~~يكفر } أي يوجد الكفر ويجدده وقتا من الأوقات { بالله وملائكته وكتبه } ~~أي التي أنزلها على أنبيائه بواسطة ملائكته أو بغير واسطة { ورسله } أي ~~من الملائكة والبشر، فكان الإيمان بالترقي للاحتياج إليه، وكان الكفر ~~بالتدلي للاجتراء عليه. # ولما كان الإيمان بالبعث - وإن كان أظهر شيء - مما لا تستقل به العقول ~~فلا تصل إليه إلا بالرسل، ذكره بعدهم فقال: { واليوم الآخر } أي الذي ~~أخبرت به رسله، وقضت به العقول الصحيحة وإن كانت لا تستقل بإدراكه قبل ~~تنبيه الرسل لها عليه، وهو روح الوجود وسره وقوامه وعماده، فيه تكشف ~~الحقائق وتجمع الخلائق، ويظهر شمول العلم وتمام القدرة ويبسط ظل العدل ~~وتجتني ثمرات الفضل { فقد ضل } وأبلغ في التأكيد لكثرة المكذبين فقال: { ~~ضلالا بعيدا * } أي لا حيلة في رجوعه معه. ### || [4.137-141] # ولما كان المتمادي بعد نزول هذا الهدي موجدا للكفر مجددا له، نبه على ~~إغراقه في البعد بغضبه سبحانه وتعالى لتماديه معلما أن الثبات على الكفر ~~عظيم جدا، وصوره بأقبح صورة، وفي ذلك ألطف استعطاف إلى النزوع عن ~~الخلاف فقال: { إن الذين ءامنوا } أي بما كانوا مهيئين له من الإيمان ~~بالفطرة الأولى { ثم كفروا } أي أوقعوا الكفر فعوجوا ما أقامه الله من ~~فطرهم { ثم ءامنوا } أي حقيقة أو بالقوة بعد مجيء الرسول بما هيأهم له ~~بإظهار الأدلة وإقامة الحجج { ثم كفروا } أي بذلك الرسول أو برسول آخر ~~بتجديد الكفر أو التمادي فيه { ثم ازدادوا } أي بإصرارهم على الكفر إلى ~~الموت { كفرا لم يكن الله } أي الذي له صفات الكمال { ليغفر لهم } أي ما ~~داموا على ms1004 هذا الحال لأنه لا يغفر أن يشرك به { ولا ليهديهم سبيلا * } ~~أي من السبل الموصلة إلى المقصود. # ولما كانت جميع صور الآية منطبقة على النفاق، بعضها حقيقة وبعضها ~~مجازا، قال جوابا لمن كأنه سأل عن جزائهم متهكما بهم: { بشر المنافقين ~~} فأظهر موضع الإضمار تعميما وتعليقا للحكم بالوصف { بأن لهم عذابا ~~أليما * } ثم وصفهم بما يدل على أنهم المساترون بالكفر بقوله تعالى: { ~~الذين يتخذون الكافرين } أي المجاهرين بالكفر { أولياء } أي يتعززون بهم ~~تنفيرا من مقاربة صفتهم ليتميز المخلص من المنافق، وبيانا لأن مرادهم ~~بولايتهم إنما هو التعزز بهم فإن محط أمرهم على العرض الدنيوي، ونبه على ~~دناءة أمرهم على أن الغريق في الإيمان أعلى الناس بقوله: { من دون ~~المؤمنين } أي الغريقين في الإيمان، ثم أنكر عليهم هذا المراد بقوله: { ~~أيبتغون } أي المنافقون يتطلبون، تطلبا عظيما { عندهم } أي الكافرين { ~~العزة } فكأنه قال: طلبهم العزة بهم سفه من الرأي وبعد من الصواب، لأنه ~~لا شيء من العزة عندهم. # ولما أنكر عليهم هذا الابتغاء علله بقوله: { فإن العزة لله } أي الذي لا ~~كفوء له { جميعا * } أي وهم أعداء الله فإنما يترقب لهم ضرب الذلة ~~والمسكنة، وما أحسن التفات هذه الآية إلى أول الآيات المحذرة من أهل ~~الكتاب # ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب # [النساء: 44] المختتمة بقوله: # وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا # [النساء: 45] { وقد } أي يتخذونهم والحال أنه قد { نزل عليكم } أي أيتها ~~الأمة، الصادقين منكم والمنافقين { في الكتاب } أي في سورة الأنعام ~~النازلة بمكة المشرفة النهي عن مجالستهم فضلا عن ولايتهم، أفلا تخافون ~~عزة من نهاكم عن ذلك أن يضربكم بذل لا تخلصون منه أبدا، لأنهم لا ينفكون ~~عن الكفر بآيات الله فإنه لا تباح ولايتهم في حال من الأحوال إلا عند ~~الإعراض عن الكفر، وذلك هو المراد من قوله: { أن } أي إنه { إذا سمعتم ~~آيات الله } أي ذي الجلال والإكرام. # ولما كان السماع مجملا بين المراد بقول: { يكفر بها } أي يستر ما أظهرت ~~من الأدلة من أي كافر كان من ms1005 اليهود وغيرهم { ويستهزأ بها } أي يطلب ~~طلبا شديدا أن تكون مما يهزأ به { فلا تقعدوا معهم } أي الذين يفعلون ~~ذلك بها { حتى يخوضوا } وعبر عن الشروع بالخوض إيماء إلى أن كلامهم لا ~~يخلو عن شيء في غير موضعه، رمزا إلى عدم مجالستهم على كل حال { في حديث ~~غيره } فهذا نهي من مجرد مجالستهم فكيف بولايتهم. # ولما كانت آية الأنعام مكية اقتصر فيها على مجرد الإعراض وقطع المجالسة ~~لعدم التمكن من الإنكار بغير القلب، وأما هذه الآية فمدنية فالتغيير عند ~~إنزالها باللسان واليد ممكن لكل مسلم، فالمجالس من غير نكير راض، فلهذا ~~علل بقوله: { إنكم إذا } أي إذا قعدتم معهم وهم يفعلون ذلك { مثلهم } أي ~~في الكفر لأن مجالسة المظهر للإيماء المصرح بالكفران دالة على أن إظهاره ~~لما أظهر نفاق، وأنه راض بما يصرح به هذا الكافر والرضى بالكفر كفر، ~~فاشتد حسن ختم الآية بجمع الفريقين في جهنم بقوله مستأنفا لجواب السؤال ~~عما تكون به المماثلة: { إن الله } أي الذي أحاط علمه فتمت قدرته { جامع ~~}. # ولما كان حال الأخفى أهم قدم قوله: { المنافقين } أي الذين يظهرون ~~الإيمان ويبطنون الكفر فيقعدون مع من يسمعونه بكفر { والكافرين } أي ~~الذين يجاهرون بكفرهم لرسوخهم فيه { في جهنم } التي هي سجن الملك { ~~جميعا } كما جمعهم معهم مجلس الكفر الذي هو طعن في ملك الملك، والتسوية ~~بينهم في الكفر بالقعود معهم دالة على التسوية بين العاصي ومجالسه ~~بالخلطة من غير إنكار؛ ثم وصفهم سبحانه وتعالى بما يعرف بهم فقال: { ~~الذين يتربصون بكم } أي يثبتون على حالهم انتظارا لوقوع ما يغيظكم { فإن ~~كان لكم فتح } أي ظهور وعز وظفر، وقال: { من الله } أي الذي له العظمة ~~كلها - تذكيرا للمؤمنين بما يديم اعتمادهم عليه وافتقارهم إليه { قالوا ~~} أي الذين آمنوا نفاقا لكم أيها المؤمنون { ألم نكن معكم } أي ظاهرا ~~بأبداننا بما تسمعون من أقوالنا فأشركونا في فتحكم { وإن كان للكافرين } ~~أي المجاهرين، وقال: { نصيب } تحقيرا لظفرهم وأنه لا يضر بما حصل ~~للمؤمنين من الفتح { قالوا } للكافرين ليشركوهم في نصيبهم ms1006 { ألم نستحوذ ~~عليكم } أي نطلب حياطتكم والمحافظة على مودتكم حتى غلبنا على جميع ~~أسراركم واستولينا عليها، وخالطناكم مخالطة الدم للبدن، من قولهم: حاذه، ~~أي حاطه وحافظ عليه { ونمنعكم من المؤمنين } أي من تسلطهم عليكم بما كنا ~~نخادعهم به، ونشيع فيهم من الإرجافات والأمور المرغبات الصارفة لهم عن ~~كثير من المقاصد، لتصديقهم لنا لأظهارنا الإيمان، ورضانا من مداهنة من ~~نكره بما لا يرضاه إنسان. # ولما كان هذا لأهل الله سبحانه وتعالى أمرا غائظا مقلقا موجعا؛ سبب ~~عنه قوله: { فالله } أي بما له من جميع صفات العظمة { يحكم بينكم } أي ~~أيها المؤمنون والكافرون المساترون والمجاهرون. # ولما كان الحكم في الدارين بين أنه في الدار التي لا يظهر فيها لأحد ~~غيره أمر ظاهرا ولا باطنا، وتظهر فيها جميع المخبئات فقال: { يوم ~~القيامة } ولما كان هذا ربما أيأسهم من الدنيا قال: { ولن يجعل الله } ~~عبر بأداة التأكيد وبالاسم الأعظم لاستبعاد الغلبة على الكفرة لما لهم في ~~ذلك الزمان من القوة والكثرة { للكافرين } أي سواء كانوا مساترين أو ~~مجاهرين { على المؤمنين } أي كلهم { سبيلا * } أي بوجه في دنيا ولا ~~آخرة، وهذا تسفيه لآرائهم واستخفاف بعقولهم فكأنه يقول: يا أيها ~~المتربصون بأحباب الله الدوائر، المتمنون لأعدائه النصر - وقد قامت ~~الأدلة على أن العزة جميعا لله -! ما أضلكم في ظنكم أنه يخذل أولياءه! ~~وما أغلظ أكبادكم! ويدخل في عمومها أنه لا يقتل مسلم بذمي، ولا يملك كافر ~~مال مسلم قهرا؛ ثم بين أن صورتهم في ضربهم الشقة بالوجهين صورة المخادع، ~~وما أضلهم حيث خادعوا من لا يجوز عليه الخداع لعلمه بالخافيا، فقال ~~معاللا لمنعهم السبيل. ### || [4.142-144] # { إن المنافقين } لإظهارهم لكل من غلب أنهم منه { يخادعون الله } أي ~~يفعلون بإظهار ما يسر وإبطان ما يضر فعل المخادع مع من له الإحاطة ~~الكاملة بكل شيء لأنه سبحانه وتعالى يستدرجهم من حيث لا يشعرون، وهم ~~يخدعون المؤمنين بإظهار الإيمان وإبطان الكفر { وهو } الذي أمر المؤمنين ~~بما أمرهم فكأنهم يفعلون ذلك معه وهو { خادعهم } باستدراجهم من حيث لا ~~يعلمون، لأنه قادر ms1007 على أخذهم من مأمنهم وهم ليسوا قادرين على خدعه بوجه { ~~وإذا } أي يخادعونه والحال أنهم قد فضحوا أنفسهم بما أظهر مكرهم ~~للمستبصرين وهو أنهم إذا { قاموا إلى الصلاة } أي المكتوبة { قاموا كسالى ~~} متقاعسين متثاقلين عادة، لا ينفكون عنها، بحيث يعرف ذلك منهم كل من ~~تأملهم، لأنهم يرون أناه تعب من غير أرب، فالداعي إلى تركها - وهو الراحة ~~- أقوى من الداعي إلى فعلها وهو خوف الناس؛ ثم استأن في جواب من كأنه ~~قال: ما لهم يفعلون ذلك؟ فقال: { يرآءون الناس } أي يفعلون ذلك ليراهم ~~الناس، ليس إلا ليظنوهم مؤمنين، ويريهم الناس لأجل ذلك ما يسرهم من عدهم ~~في عداد المؤمنين لما يرون هم المؤمنين حين يصلون { ولا يذكرون الله } أي ~~الذي له جميع صفات الكمال في الصلاة وغيرها { إلا قليلا * } أي حيث ~~يتعين ذلك طريقا لمخادعتهم، يفعلون ذلك حال كونهم { مذبذبين } أي ~~مضطربين كما يضطرب الشيء الخفيف المعلق في الهواء، وحقيقة: الذي يذب عن ~~كلا الجانبين ذبا عظيما. # ولما كان ما تقدم يدل على إيمانهم تارة وكفرهم أخرى قال: { بين ذلك } أي ~~الإيمان والكفر؛ ولما كان الإيمان يدل على أهله والكفر كذلك قال: { لا ~~إلى } أي لا يجدون سبيلا مفر إلى { هؤلاء } أي المؤمنين { ولا إلى هؤلاء ~~} أي الكافرين؛ ولما كان التقدير! لأن الله أضلهم، بنى عليه قوله: { ومن ~~يضلل الله } أي الشامل القدرة الكامل العلم { فلن تجد } أي أصلا { له ~~سبيلا * } أي طريقا إلى شيء يريده. # ولما انقضى ما أراد من الإنكار على من ادعى الإيمان في اتخاذ الكافرين ~~أولياء، المستلزم للنهي عن ذلك الاتخاذ، صرح به مخاطبا للمؤمنين فقال: { ~~يا أيها الذين ءامنوا } أي أقروا بالإيمان بألسنتهم صدقا أو كذبا { لا ~~تتخذوا } أي تكلفوا أنفسكم غير ما تدعوا إليه الفطرة الأولى السليمة ~~فتأخذوا { الكافرين } أي المجاهرين بالكفر الغريقين فيه { أولياء } أي ~~أقرباء، تفعلون معهم من الود والنصرة ما يفعل القريب مع قريبه. # ولما كان الغريق في الإيمان أعلى الناس، وكان تحت رتبته رتب متكاثره، ~~نبه على ذلك وعلى دناءة ms1008 مقصدهم بالجار فقال: { من دون المؤمنين } أي ~~الغريقين في الإيمان، وهذا إشارة إلى أنه لا يصح لمن يواليهم دعوى ~~الإيمان، ولذلك قال منكرا: { أتريدون } أي بموالاتهم { أن تجعلوا لله } ~~أي الذي لا تطاق سطوته لأن له الكمال كله { عليكم } أي في النسبة إلى ~~النفاق { سلطانا } أي دليلا اضحا على كفركم باتباعكم غير سبيل ~~المؤمنين { مبينا * } واضحا مسوغا لعقابكم وخزيكم وجعلكم في زمرة ~~المنافقين. ### || [4.145-147] # ولما نهاهم عن فعل المنافقين استأنف بيان جزائهم عنده فقال: { إن ~~المنافقين في الدرك } أي البطن والمنزل { الأسفل من النار } لأن ذلك أخفى ~~ما في النار وأستره وأدناه وأوضعه كما أن كفرهم أخفى الكفر وأدناه، وهو ~~أيضا أخبث طبقات النار كما أن كفرهم أخبث أنواع الكفر، وفيه أن من ~~السلطان وضع فاعل ذلك في دار المنافقين لفعله مثل فعلهم، ومن تشبه بقوم ~~فهو منهم، وسميت طبقات النار أدراكا لأناه متداركة متتابعة إلى أسفل كما ~~أن الدرج متراقية إلى فوق. # ولما أخبر أنهم من هذا المحل الضنك، أخبر بدوامه لهم على وجه مؤلم جدا ~~فقال: { ولن تجد } أي أبدا { لهم نصيرا * } وأشار بالنهي عن موالاتهم ~~وعدم نصرهم إلى ختام أول الآيات المحذرة من الكافرين # وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا # [النساء: 45]. # ولما كان فيما تقدم أن الغفران للكافر - أعم من أن يكون منافقا أولا - ~~متعذر، وأتبعه ما لاءمه إلى أن ختم بما دل على أن النفاق أغلظ أنواع ~~الكفر استثنى منه دلالة على أن غيره من الكفرة في هذا الاستثناء أولى، ~~تنبيها على أن ذلك النفي المبالغ فيه إنما هو لمن مات على ذلك، ولكنه ~~سيق على ذلك الوجه تهويلا لما ذكره في حيزه وتنفيرا منه فقال تعالى: { ~~إلا الذين تابوا } أي رجعوا عما كانوا عليه من النفاق بالندم والإقلاع { ~~وأصلحوا } أي أعمالهم الظاهرة من الصلاة التي كانوا يراؤون فيها وغيرها ~~بالإقلاع عن النفاق { واعتصموا بالله } أي اجتهدوا في أن تكون عصمتهم - ~~أي ارتباطهم - بالملك الأعظم في عدم العود إلى ما كانوا عليه. # ولما كان الإقلاع عن ms1009 النفاق الذي من أنواعه الرياء - أصلا ورأسا في ~~غاية العسر قال حثا على مجاهدة النفس فيه: { وأخلصوا دينهم } أي كله { ~~لله } أي الذي له الكمال كله، فلم يريدوا بشيء من عبادتهم غير وجهه لا ~~رياء ولا غيره { فأولئك } أي العالو الرتبة { مع المؤمنين } أي الذي صار ~~الإيمان لهم وصفا راسخا في الجنة، وإن عذبوا على معاصيهم ففي الطبقة ~~العليا من النار { وسوف يؤت الله } أي المحيط بكل شيء قدرة وعلما { ~~المؤمنين } أي بوعد لا خلف فيه وإن أصابهم قبل ذلك ما أصابهم وإن طال ~~عذابهم، تهذيبا لهم من المعاصي بما أشار إليه لفظ " سوف " { أجرا ~~عظيما * } أي بالخلود في الجنة التي لا ينقضي نعيمها، ولا يتكدر يوما ~~نزيلها، فيشاركهم من كان معهم، لأنهم القوم لا يشقى بهم جليسهم. # ولما كان معنى الاستثناء أنه لا يعذبهم، وأنهم يجدون الشفيع بإذنه؛ قال ~~مؤكدا لذلك على وجه الاستنتاج منكرا على من ظن أنه لا يقبلهم بعد ~~الإغراق في المهالك: { ما يفعل الله } أي وهو المتصف بصفات الكمال التي ~~منها الغنى المطلق { بعذابكم } أي أيها الناس، فإنه لا يجلب له نفعا ولا ~~يدفع عنه ضرا. # ولما كان الخطاب مع الذين آمنوا قال: { إن شكرتم } أي نعمه التي من ~~أعظمها إنزال الكتاب الهادي إلى الرشاد، المنقذ من كل ضلال، المبين لجميع ~~ما يحتاج إليه العباد، فأداكم التفكر في حالها إلى معرفة مسديها، فأذعنتم ~~له وهرعتم إلى طاعته بالإخلاص في عبادته وأبعدتم عن معصيته. # ولما كان الشكر هو الحامل على الإيمان قدمه عليه، ولما كان لا يقبل إلا ~~به قال: { وآمنتم } أي به إيمانا خالصا موافقا فيه القلب ما أظهره ~~اللسان؛ ولما كان معنى الإنكار أنه لا يعذبكم، بل يشكر ذلك قال عاطفا ~~عليه: { وكان الله } أي ذو الجلال والإكرام أزلا وأبدا { شاكرا } لمن ~~شكره بإثابته على طاعته فوق ما يستحقه { عليما * } بمن عمل له شيئا وإن ~~دق، لا يجوز عليه سهو ولا غلط ولا اشتباه. ### || [4.148-151] # ولما أتم سبحانه وتعالى ما أراد من تقبيح حال ms1010 المجالسين الخائضين في ~~آياته بما هي منزهة عنه، ومما يتبعه من وصفهم وبيان قصدهم بتلك المجالسة ~~من النهي عن مثل حالهم، ومن جزاء من فعل مثل فعلهم - إلى أن ختم بأشد ~~عذاب المنافقين، وحث على التوبة بما ختمه بصفتي الشكر والعلم؛ أخبر أنه ~~يبغض خوض الكافرين الذين قبح مجالستهم حال التلبس به، وكذا كل جهر بسوء ~~إلا ما استثناه، فمن أقدم على ما لا يحبه لم يقم بحق عبوديته، فقال ~~معللا ما مضى قبل افتتاح أمر المنافقين من الأمر بإحسانه التحية: { لا ~~يحب الله } أي المختص بصفات الكمال { الجهر } أي ما يظهر فيصير في عداد ~~الجهر { بالسوء } أي الذي يسوء ويؤذي { من القول } أي لأحد كائنا من ~~كان، فإن ذلك ليس من شكر الله تعالى في الإحسان إلى عباده وعياله, ولا من ~~شكر الناس في شيء ولا يشكر الله من لا يشكر الناس { إلا من } أي جهر من { ~~ظلم } أي كان من أحد من الناس ظلم إليه كائنا من كان فإنه يجوز له الجهر ~~بشكواه والتظلم منه والدعاء عليه وإن ساءه ذلك بحيث لا يعتدي. # ولما كان القول مما يسمع، وكان من الظلم ما قد يخفي، قال مرغبا مرهبا: ~~{ وكان الله } أي الذي له الإحاطة الكاملة { سمعيا } أي لكل ما يمكن ~~سماعه من جهر وغيره { عليما * } أي بكل ما يمكن أن يعلم فاحذروه لئلا ~~يفعل بكم فعل الساخط، وجهر ومن ظلم - وإن كان داخلا فيما يحبه الله ~~تعالى على تقدير كون الاستثناء متصلا - لكن جعله من جملة السوء وإن كان ~~من باب المشاكلة فإن فيه لطيفة، وهي نهي الفطن عن تعاطيه وحثه على العفو، ~~لأن من علم أن فعله بحيث ينطلق اسم السوء - على أي وجه كان إطلاقه - كف ~~عنه إن كان موفقا. # ولما كانت معاقد الخيرات على كثرتها منحصرة في قسمين: إيصال النفع إبداء ~~وإخفاء، ودفع الضرر، فكان قد أشار سبحانه وتعالى إلى العفو، وختم بصفتي ~~السمع والعلم؛ قال مصرحا بالندب إلى العفو والإحسان، فكان نادبا إليه ~~مرتين: الأولى ms1011 بطريق الإشارة لأولى البصارة، والثانية بطريق العبارة ~~للراغبين في التجارة، حثا على الأحب إليه سبحانه والأفضل عنده والأدخل ~~في باب الكرم: { إن تبدوا خيرا } أي من قول أو غيره { أو تخفوه } أي ~~تفعلوه خفية ابتداء أو في مقابلة سوء فعل إليكم؛ ولما ذكر فعل الخير ~~أتبعه نوعا منه هو أفضله فقال: { أو تعفوا عن سوء } أي فعل بكم. # ولما كان التقدير: يعلمه بما له من صفتي السمع والعلم فيجازي عليه بخير ~~أفضل منه وعفو أعظم من عفوكم؛ سبب عنه قوله: { فإن } أي فأنتم جديرون ~~بالعفو بسبب علمكم بأن { الله كان } أي دائما أزلا وأبدا { عفوا } ~~ولما كان ترك العقاب لا يسمى عفوا إلا إذا كان من قادر وكان الكف - عند ~~القدرة عن الانتقام، ممن أثر في القلوب الآثار العظام - بعيدا، شاقا ~~على النفس شديدا؛ قال تعالى مذكرا للعباد بذنوبهم إليه وقدرته عليهم: { ~~قديرا * } أي بالغ العفو عن كل ما يريد العفو عنه من أفعال الجانين ~~والقدرة على كل ما يريد ومن يريد، فالذي لا ينفك عن ذنب وعجز أولى بالعفو ~~طمعا في عفو القادر عنه وخوفا من انتقامه منه وتخلقا بخلقه العظيم ~~والاقتداء بسنته. # ولما انقضى ذلك على أتم وجه وأحسن سياق ونحو، وختم بصفتي العفو والقدرة؛ ~~شرع في بيان أحوال من لا يعفى عنه من أهل الكتاب، وبيان أنهم هم الذين ~~أضلوا المنافقين بما يلقون إليهم من الشبه التي وسع عقولهم لها ما ~~أنعم به عليهم سبحانه وتعالى من العلم، فأبدوا الشر وكتموا الخير، فوضعوا ~~نعمته حيث يكره، ثم كشف سبحانه وتعالى بعض شبههم، فقال مبينا لما افتتح ~~به قصصهم من أنهم اشتروا الضلالة بالهدى، ويريدون ضلال غيرهم، بعد أن كان ~~ختم هناك ما قبل قصصهم بقوله عفوا قديرا: { إن الذين يكفرون } أي ~~يسترون ما عندهم من العلم { بالله } أي الذي له الاختصاص بالجلال والجمال ~~{ ورسله }. # ولما ذكر آخر أمرهم ذكر السبب الموقع فيه فقال: { ويريدون أن يفرقوا بين ~~الله } أي الذي له الأمر كله، ولا أمر لأحد معه ms1012 { ورسله } أي فيصدقون ~~بالله ويكذبون ببعض الرسل فينفون رسالاتهم، المستلزم لنسبتهم إلى الكذب ~~على الله المقتضي لكون الله سبحانه وتعالى بريئا منهم. # ولما ذكر الإرادة ذكر ما نشأ عنها فقال: { ويقولون نؤمن ببعض } أي من ~~الله ورسله كاليهود الذين آمنوا بموسى عليه الصلاة والسلام وغيره إلا ~~عيسى ومحمدا صلى الله عليه وسلم فكفروا بهما { ونكفر ببعض } أي من ذلك ~~وهم الرسل كمحمد صلى الله عليه وسلم { ويريدون أن يتخذوا } أي يتكلفوا أن ~~يأخذوا { بين ذلك } أي الإيمان والكفر { سبيلا * } أي طريقا يكفرون به، ~~وعطف الجمل بالواو - وإن كان بعضها سببا لبعض - إشارة إلى أنهم جديرون ~~بالوصف بكل منها على انفراده، وأن كل خصلة كافية في نسبة الكفر إليهم، ~~وقدم نتيجتها، وختم بالحكم بها على وجه أضخم، تفظيعا لحالهم، وأصل ~~الكلام: أرادوا سبيلا بين سبيلين، فقالوا: نكفر ببعض، فأرادوا التفرقة، ~~فكفروا كفرا هو في غاية الشناعة على علم منهم، فأنتج ذلك: { أولئك } أي ~~البعداء البغضاء { هم الكافرون } أي الغريقون في الكفر { حقا } ولزمهم ~~الكفر بالجميع لأن الدليل على نبوة البعض لزم منه القطع بنبوة كل من حصل ~~منه مثل ذلك الدليل، وحيث جوز حصول الدليل بدون المدلول تعذر الاستدلال ~~به على شيء كالمعجزة، فلزم حينئذ الكفر بالجميع، فثبت أن من كذب بنبوة ~~أحد من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لزمه الكفر بجميع الأنبياء، ومن ~~لزمه الكفر بهم لزمه الكفر بالله وكل ما جاء به. # ولما كان التقدير: فلا جرم أنا أعتدنا - أي هيأنا - لهم عذابا مهينا، ~~عطف عليه تعميما: { وأعتدنا للكافرين } أي جميعا { عذابا مهينا * } ~~أي كما استهانوا ببعض الرسل وهم الجديرون بالحب والكرامة، والآية شاملة ~~لهم ولغيرهم ممن كان حاله كحالهم، وإيلاء ذلك بيان أحوال المنافقين أنسب ~~شيء وأحسنه للتعريف بأنهم منافقون، من حيث أنهم يظهرون شيئا من أمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم ويبطنون غيره وإن كان ما يظهرونه على الضد مما ~~يظهره المنافقون، وبأنهم هم الذين أضلوا المنافقين، وللتحذير من أقوالهم ~~وتزييف ما حرفوا من محالهم، وفي ذلك التفات ms1013 إلى أول هذه القصة # يا أيها الذين ءامنوا ءامنوا بالله ورسوله # [النساء: 136]. ### || [4.152-153] # ولما بين سبحانه وتعالى ما أعد لهم بين ما أعد لأضدادهم من أهل طاعته ~~بقوله: { والذين ءامنوا بالله } أي الذي له الكمال والجمال { ورسله } ~~ولما جمعوهم في الإيمان ضد ما فعل أهل الكفران، صرح بما أفهمه فقال: { ~~ولم يفرقوا } أي في اعتقادهم { بين أحد منهم } أي لم يجعلوا أحدا منهم ~~على صفة الفرقة البليغة من صاحبه بأن كفروا ببعض وآمنوا ببعض - كما فعل ~~الأشقياء، والتفرقة تقتضي شيئين فصاعدا، و " أحد " عام في الواحد المذكر ~~والمؤنث وتثنيتهما وجمعهما، فلذلك صح التعبير به بمعنى: بين اثنين أو ~~جماعة، وكأنه اختير للمبالغة بأن لو أن الواحد يمكن فيه التفرقة فكان ~~الإيمان بالبعض دون البعض كفرا { أولئك } أي العالو الرتبة في رتب ~~السعادة. # ولما كان المراد تأكيد وعدهم، وكان المشاهد فيه غالبا التأخر قال: { ~~سوف نؤتيهم } أي بما لنا من العظمة بوعد لا خلف فيه وإن تأخر، فالمراد ~~تحقيقه، لا تحقيق تأخره، ولكنه أتى بالأداة التي هي أكثر حروفا وأشد ~~تنفيسا، لأن هذا السياق لأهل الإيمان المجرد، الشامل لمن لم يكن له عمل، ~~ولذا أضاف الأجور إليهم، وختم بالمغفرة لئلا يحصل لهم بأس وإن طال المدى ~~{ أجورهم } أي كاملة بحسب نياتهم وأعمالهم. # ولما كان الإنسان محل النقصان قال: { وكان الله } أي الذي لا يبلغ ~~الواصفون كنه ما له من صفات الكمال { غفورا } لما يريد من الزلات { ~~رحيما * } أي بمن يريد إسعادة بالجنات. # ولما أخبر تعالى بما على المفرقين بين الله ورسله وما لأضدادهم أتبعه ~~بعض ما أرادوا به الفرقة، وذلك أن كعب بن الأشرف وفنحاص بن عازورا من ~~اليهود قالا كذبا: إن كنت نبيا فأتنا بكتاب جملة من السماء نعاينه حين ~~ينزل - كما أتى موسى عليه الصلاة والسلام بكتابه كذلك، فأنزل الله تعالى ~~موبخا لهم على هذا الكذب مشيرا إلى كذبهم فيه موهيا لسؤالهم محذرا من ~~غوائله مبينا لكفرهم بالله ورسله: { يسألك }. # ولما كانت هذه من أعظم شبههم التي أضلوا بها ms1014 من أراد الله، وذلك أنهم ~~رأوا أن هذا الكتاب المبين أعظم المعجزات، وأن العرب لم يمكنهم الطعن فيه ~~على وجه يمكن قبوله، فوجهوا مكايدهم نحوه بهذه الشبهة ونحوها، زيفها ~~سبحانه وتعالى أتم تزييف، وفضحهم بسببها غاية الفضيحة، وزاد سبحانه في ~~تبكيتهم بقوله: { أهل الكتاب } إشارة إلى أن العالم ينبغي له أن يكون ~~أبعد الناس من التمويه فضلا عن الكذب الصريح { أن تنزل عليهم } أي خاصا ~~بهم بإثبات أسمائهم { كتابا من السماء }؛ وما أوهموا به في قولهم هذا من ~~أن موسى عليه الصلاة والسلام أتى بالتوراة جملة كذبة تلقفها منهم من أراد ~~الله تعالى من أهل الإسلام، ظنا منهم أن الله تبارك وتعالى أقرهم عليها ~~وليس كذلك - كما يفهمه السياق كله، ويأتي ما هو كالصريح فيه في قوله: { ~~إنا أوحينا إليك } - الآية كما سيأتي بيانه، واليهود الآن معترفون بأنها ~~لم تنزل جملة، وقال الكلبي في قصة البقرة التي ذبحوها لأجل القتيل الذي ~~تداروا فيه: وذلك قبل نزول القسامة في التوراة. # ولما كان هذا مما يستعظمه النبي صلى الله عليه وسلم أشار إلى ذلك مبينا ~~تسلية له صلى الله عليه وسلم أن عادتهم التعنت، وديدنهم الكفر وأنهم أغرق ~~الناس في غلظ الأكباد وجلافة الطبائع، وأن أوائلهم تعنتوا على من يدعون ~~الإيمان به الآن، وأنهم على شريعته، وأحب شيء فيه ما أراهم من تلك الآيات ~~العظام التي منها استنقاذهم من العبودية بل من الذبح وأن ذلك تكرر منهم ~~مع ما يشاهدونه من القوارع والعفو فقال: { فقد } أي إن تستعظم ذلك فقد { ~~سألوا } أي آباؤهم، أي وهم على نهجهم في التعنت فهم شركاؤهم { موسى } ~~لغير داع سوى التعنت { أكبر } أي أعظم { من ذلك } أي الأمر العظيم الذي ~~واجهوك به بعد ما ظهرت من المعجزات ما أوجبنا على كل من علمها الإيمان بك ~~والتأديب معك، ثم بينه بقوله: { فقالوا أرنا الله } أي الملك الأعلى الذي ~~لا شبيه له, وتقصر العقول عن الإحاطة بعظمته { جهرة } أي عيانا من غير ~~ستر ولا حجاب ولا نوع من خفاء ms1015 بل تحيط به أبصارنا كما يحيط السمع بالقول ~~الجهر، وهذا يدل على أن كلا من السؤالين ممنوع لكونه ظلما، لأدائه إلى ~~الاستخفاف بما نقدمه من المعجزات، وعده غير كاف مع أن إنزا الكتاب جملة ~~غير مناسب للحكمة التي بنيت عليها هذه الدار من ربط المسببات بالأسباب ~~وبنائها عليها، لأن من المعلوم أن تفريق الأوامر سبب لخفة حملها، وذلك ~~أدعى لامتثالها وايسر لحفظها وأعون على فهمها، وأعظم تثبيتا للمنزل عليه ~~وأشرح لصدره وأقوى لقلبه وأبعث لشوقه، والرؤية على هذا الوجه الذي طلبوه ~~- وهو الإحاطة - محال فسؤالهم لذلك استخفاف مع أنه تعنت، ولذلك سبب عن ~~سؤالهم قوله: { فأخذتهم } أي عقب هذا السؤال وبسببه من غير إمهال أخذ قهر ~~وغلبة { الصاعقة } أي نار نزلت من السماء بصوت عظيم هو جدير بأن لا يسمى ~~غيره - إذا نسب إليه - صاعقة، فأهلكتهم { بظلمهم } أي بسبب ظلمهم بهذا ~~السؤال وغيره، لكونه تعنتا من غير مقتض له أصلا، وبطلب الرؤية على وجه ~~محال وهو طلب الإحاطة { ثم } بعد العفو عنهم وإحيائهم من إماتة هذه ~~الصاعقة { اتخذوا العجل } أي تكلفوا أخذه وعتوا أنفسهم باصطناعه. # ولما كان الضال بعد فرط البيان أجدر بالتبكيت قال: { من بعد } وأدخل ~~الجار إعلاما بأن اتخاذهم لم يستغرق زمان البعد، بل تابوا عنه { ما ~~جاءتهم البينات } أي بهذا الإحياء وغيره من المعجزات { فعفونا } أي على ~~ما لنا من العظمة { عن ذلك } أي الذنب العظيم بتوبتنا عليهم من غير ~~استئصال لهم { وآتينا } أي بعظمتنا التي لا تدانيها عظمة { موسى سلطانا ~~} أي تسلطا واستيلاء قاهرا { مبينا * } أي ظاهرا فإنه أمرهم بقتل ~~أنفسهم فبادروا الامتثال بعد ما ارتكبوا من عظيم هذا الضلال، وفي رمز ~~ظاهر إلى أنه سبحانه وتعالى يسلط محمدا صلى الله عليه وسلم على كل من ~~يعانده أعظم من هذا التسليط. ### || [4.154-155] # ولما بين هذا من عظمته أتبعه أمرا آخر أعظم منه فقال: { ورفعنا } أي ~~بعظمتنا؛ ولما كان قد ملأ جهة الفوق بأن وارى جميع أبدانهم ولم يسلم أحد ~~منهم من ذلك؛ نزع الجار فقال: { فوقهم ms1016 الطور } أي الجبل العظيم، ثم ذكر ~~سبب رفعه فقال: { بميثاقهم } أي حتى التزموه وأذعنوا له وقبلوه. # ولما ذكر الميثاق على هذا الوجه العجيب أتبعه ما نقضوا فيه على سهولته ~~دليلا على سوء طباعهم فقال: { وقلنا لهم } أي بما تكرر لهم من رؤية ~~عظمتنا { ادخلوا الباب } أي الذي لبيت المقدس { سجدا } أي فنقضوا ذلك ~~العهد الوثيق وبدلوا { وقلنا لهم } أي على لسان موسى عليه الصلاة والسلام ~~في كثير من التوراة { لا تعدوا } أي لا تتجاوزوا ما حددناه لكم { في ~~السبت } أي لا تعملوا فيه عملا من الأعمال - تسمية للشيء باسم سببه سمي ~~عدوا لأن العالم للشيء يكون لشدة إقباله عليه كأنه يعدو { وأخذنا منهم } ~~أي في جميع ذلك { ميثاقا غليظا * } وإنما جزمت بأن المراد بهذا - والله ~~تعالى أعلم - على لسان موسى عليه الصلاة والسلام، لأنه تعالى كرر التأكيد ~~عليهم في التوراة في حفظ السبت، وأوصاهم به، وعهد إليهم فيه ما قل أن ~~عهده في شيء من الفروع غيره، قال بعض المترجمين للتوراة في السفر الثاني ~~في العشر الآيات التي أولها " أنا إلهك الذي أصعدتك من أرض مصر من ~~العبودية والرق، لا يكون لك إله غيري " ما نصه: اذكر حفظ يوم السبت وطهره ~~ستة أيام، كد فيها واصنع جميع ما ينبغي لك أن تصنعه، واليوم السابع سبت ~~الله ربك، لا تعملن فيه شيئا من الأعمال أنت وابنك وابنتك وعبدك وأمتك ~~ودوابك والساكن في قراك، لأن الرب خلق السماوات والأرض في ستة أيام ~~والبحور وجميع ما فيها، واستراح في اليوم السابع، ولذلك بارك الله اليوم ~~السابع وقدسه، أكرم أباك - إلى آخر ما مر في سورة البقرة؛ ثم عاد العشر ~~الآيات في أوائل السفر الخامس وقال في السبت: احفظوا يوم السبت وظهوره ~~كما أمركم الله ربكم، واعملوا الأعمال في ستة أيام كما أمركم الله ربكم، ~~واعملوا الأعمال في ستة أيام، فاصنعوا ما أردتم أن تصنعوا فيها، فأما يوم ~~السبت فأسبوع ربكم، لا تعملوا فيه عملا أنتم وبنوكم وعبيدكم وإماؤكم ~~وثيرانكم وحميركم وكل بهائمكم والساكن ms1017 الذي في قراكم ليستريح عبيدكم - ~~إلى آخر ما في أوائل هذه السورة عند { ويهديكم سنن الذين من قبلكم } وقال ~~في الثاني بعد ذلك: وقال الرب لموسى: وأنت فأمر بني إسرائيل أن تحفظوا ~~السبوت، لأنها أمارة العهد وعلامة فيما بيني وبينكم لأحقابكم، فتعلموا ~~أني أنا الرب إلهكم مقدسكم، احفظوا يوم السبت فإنه مطهر مخصوص لكم، ومن ~~نقصه وأخذ العمل فيه فليقتل، ومن عمل عملا فليهلك ذلك الإنسان من شعبه، ~~اعملوا أعمالكم ستة أيام، واليوم السابع فهو يوم سبت قدس للرب، لأن الرب ~~خلق السماوات والأرض في ستة أيام والبحور وما فيها، وهذا في اليوم السابع ~~ودفع إلى موسى عليه الصلاة والسلام لما فرغ كلامه له في طور سيناء لوحي ~~الشهادة، وأبلغ في تأكيد حفظه عليهم في غير ذلك من المواضع، حتى أنه شرع ~~لهم أسباب الأرض ونحوها، فقال في السفر الثاني أيضا: ازرع أرضك ست سنين, ~~واحمل أثقالها, وفي السنة السابعة ابذرها ودعها فيأكل مسكين شعبك، وما ~~يبقى بعد ذلك يأكله حيوان البر, وكذلك فافعل بكرومك وزيتونك، اعمل عملك ~~في ستة أيام وفي اليوم السابع تستريح لكي يستريح ثورك وحمارك، وتستريح ~~أمتك وابن أمتك والساكن في قراك، ثم ذكر الأعياد في السفر الثالث، وحرم ~~العمل فيها؛ وقال في بعضها: وكل نفس يعمل عملا في هذا اليوم تهلك تلك ~~النفس من شعبها، فلا تعملوا فيه عملا، لأنه سنة جارية لكم إلى الأبد في ~~جميع مساكنكم، فليكن هذا اليوم سبت السبوت؛ ثم أمرهم بعيد المظال سبعة ~~أيام وقال: ليعلم أحقابكم أنني أجلست بني إسرائيل في المظال حيث أخرجتهم ~~من أرض مصر، ثم ذكر بعض القرابين وقال: ويصف هارون الخبز صفين في اليوم ~~السادس وهو يوم الجمعة، ويكون ذلك من عيد بني إسرائيل؛ وكلم الرب موسى ~~وقال له في طور سيناء كلم بني إسرائيل وقل لهم: إذا دخلتم الأرض التي ~~أعطيكم ميراثا تسبت الأرض سبتا للرب، ازرعوا مزارعكم ست سنين واكسحوا ~~كرومكم ست سنين، واستغلوا غلاتكم ست سنين، فأما السنة السابعة فلتكن سبت ~~الراحة ms1018 للأرض، لا تزرعوا مزارعكم، ولا تكسحوا كرومكم، ول تحصدوا ما ينبت ~~في أرضكم في تلك السنة من غير أن يزرع، ولا تقطعوا عنب كرومكم، بل يكون ~~سبت الراحة للأرض لكم ولبنيكم ولإمائكم ولإخوانكم وللسكان الذين يسكنون ~~معكم، وأحصوا سبع مرات سبعا سبعا: تسعا وأربعين سنة، وقدسوا سنة ~~خمسين، وليكن رد الأشياء إلى أربابها، ولا تزرعوا أرضكم في تلك السنة، ~~ولا تحصدوا ما نبت فيها، ولا تقطعوا عشبها لأنها سنة الرد، واتقوا الله ~~لأني أنا الله ربكم، احفظوا وصاياي واعملوا بها، واحفظوا أحكامي واعملوا ~~بها، واسكنوا أرضكم بالسكون والطمأنينة لتغل لكم الأرض غلاتها، وتأكلوا ~~وتشبعوا وتسكنوها مطمئنين، وإن قلتم: من أين نأكل في السنة السابعة التي ~~لا نزرع فيها فلا تهتموا! أنا منزل لكم بركاتي في السادسة، وتغل لكم ~~أرضكم في تلك السنة غلة ثلاث سنين، حتى إذا زرعتم في السنة الثامنة لم ~~تحتاجوا إلى غلتها، لأنكم تأكلون من السنة السادسة إلى التاسعة، وأما ~~الأرض فلا تباع بيعا صحيحا أبدا، لن الأرض لي، وفيه مما لا يجوز ~~إطلاقه في شرعنا نسبة الاستراحة إليه سبحانه, هذا مع أنه أكد سبحانه ~~العهود عليهم في التوحيد وحفظ الأحكام في جميع التوراة على نحو ما تراه ~~فيما أنقله منها في هذا الكتاب. # فلما بين سبحانه أنه أكد عليهم الميثاق، وأكثر من التقدم في حفظ العهد؛ ~~بين أنهم نقضوا، فأقبهم بسبب ذلك ما هددوا به في التوراة من الخزي وضرب ~~الذلة مع ما ادخر لهم في الآخرة فقال: { فبما } مؤكدا بإدخال " ما " { ~~نقضهم ميثاقهم } أي فعلنا بهم بسبب ذلك جميع ما ذكرنا في التوراة من ~~الخزي، وقد تقدم كثير منه في القرآن، ولا يبعد عندي تعليقه بقوله الآتي " ~~حرمنا عليهم طيبات - واعتدنا " ويكون من الطيبات العز ورغد العيش، وذلك ~~جامع لنكد الدارين وعطف على هذا الأمر العام ما اشتدت به العناية من ~~إفراده عطف الخاص على العام فقال: { وكفرهم بآيات الله } مما جاءهم على ~~لسان محمد صلى الله عليه وسلم واقتضت حكمته سبحانه أن يكون عظمتها ms1019 مناسبة ~~لعظمة اسمه الأعظم الذي هو مسمى جميع الأسماء، فاستلزم كفرهم به كفرهم ~~بما أنزل على موسى عليه الصلاة والسلام لأنه أعظم ما نقضوا فيه وأخص من ~~مطلق النقض { وقتلهم الأنبياء } وهو أعظم من مطلق كفرهم، لأن ذلك سد لباب ~~الإيمان عنهم وعن غيرهم، لأن الأنبياء سبب الإيمان وفي محو السبب محو ~~المسبب. # ولما كان الأنيباء معصومين من كل نقيصة، ومبرئين من كل دنية، لا يتوجه ~~عليهم حق لا يؤدونه؛ قال: { بغير حق } أي كبير ولا صغير أصلا. وهذا ~~الحرف - لكونه في سياق طعنهم في القرآن الذي هو أعظم الآيات - وقع ~~التعبير فيه أبلغ مما في آل عمران الذي هو أبلغ مما سبق عليه، لأن هذا مع ~~جمع الكثرة وتنكير الحق عبر فيه بالمصدر المفهم لأن الاجتراء على القتل ~~صار لهم خلقا وصفة راسخة، بخلاف ما مضى، فإنه بالمضارع الذي ربما دل على ~~العروض؛ ثم ذكر أعظم من ذلك كله وهو إسنادهم عظائمهم إلى الله تعالى ~~فقال: { وقولهم قلوبنا غلف } أي لا ذنب لنا لأن قلوبنا خلقت من أصل الفهم ~~بعيدة عن فهم مثل ما يقول الأنبياء، لكونها في أغشية، فهي شديدة ~~الصلابة، وذلك سبب قتلهم ورد قولهم، وهذا بعد أن كانوا يقرون بهذا النبي ~~الكريم، ويشهدون له بالرسالة وبأنه خاتم الأنبياء، ويصفون بأشهر صفاته، ~~ويترقبون إتبانه، لا جرم رد الله عليهم بقوله عطفا على ما تقديره: وقد ~~كذبوا لأنهم ولدوا على الفطرة كسائر الولدان، فلم تكن قلوبهم في الأصل ~~غلفا: { بل طبع الله } أي الذي له معاقد العز ومجامع العظمة { عليها } ~~طبعا عارضا { بكفرهم } بل إنه خلقها أولا على الفطرة متمكنة من اختيار ~~الخير والشر، فلما أعرضوا بما هيأ قلوبهم له من قبول النقض - عن الخير، ~~واختاروا الشر باتباع شهواتهم الناشئة من نفوسهم، وترك ما تدعو إليه ~~عقولهم، طبع سبحانه وتعالى عليها. # فجعلها قاسية محجوبة عن رحمته، ولذا سبب عنه قوله: { فلا يؤمنون } أي ~~يجددون الإيمان في وقت من الأوقات الآتية، ويجوز أن يتعلق بما تقديره ~~تتمة لكلامهم: طبع ms1020 الله عليها فهي لا تعي، وتكون " بل " استدراكا للطبع ~~بالكفر وحده، لأنه ربما انضم إليه، وأن يكون أضرب عن قولهم: إنها في غلف، ~~لكون ما في الغلاف قد يكون مهيئا لإخراجه من الغلاف إلى الطبع الذي من ~~شأنه الدوام { إلا قليلا * } من الإيمان بأن يؤمنوا وقتا يسيرا كوجه ~~النهار ويكفروا في غيره، ويؤمنوا ببعض ويكفروا ببعض، أو إلا إناسا ~~قليلا منهم - كما كان أسلافهم يؤمنون بما يأتي به موسى عليه الصلاة ~~والسلام من الآيات، ثم لم يكن بأسرع من كفرهم وتعنتهم بطلب آية أخرى كما ~~هو مذكور في توراتهم التي بين أظهرهم، ونقلت كثيرا منه في هذا الكتاب، ~~فقامت الحجة عليهم بأنهم يفرقون بين قدرتهم على الإيمان وقدرتهم على ~~الطيران. ### || [4.156-158] # ولما بين كفرانهم بقتل الأنبياء بين كفرهم بالبهتان الذي هو سبب القتل، ~~والفتنة أكبر من القتل، فقال معظما له باعادة العامل: { وبكفرهم } أي ~~المطلق الذي هو سبب اجترائهم على الكفر بنبي معين كموسى عليه الصلاة ~~والسلام، وعلى القذف، ليكون بعض كفرهم معطوفا على بعض آخر، ولذلك قال: { ~~وقولهم على مريم } أي بعد علمهم بما ظهر على يديها من الكرامات الدالة ~~على براءتها وأنها ملازمة للعبادة بأنواع الطاعات { بهتانا عظيما * } ~~ثم علمهم بما لم ينالوا من قتل أعظم من جاء من أنبيائهم بأعظم ما رأوا من ~~الآيات من بعد موسى وهو عيسى عليهما الصلاة والسلام، ثم بادعائهم لقتله ~~وصلبه افتخارا به مع شكهم فيه فقال: { وقولهم إنا قتلنا المسيح } ثم ~~بينه بقوله: { عيسى ابن مريم } ثم تهكموا به بقولهم { رسول الله } أي ~~الذي له أنهى العظمة، فجمعوا بين أنواع من القبائح، منها التشيع بما لم ~~يعطوا، ومنها أنه على تقدير صدقهم جامع لأكبر الكبائر مطلقا، وهو الكفر ~~بقتل النبي لكونه نبيا، وأكبر الكبائر بعده وهو مطلق القتل، ولم يكفهم ~~ذلك حتى كانوا يصفونه بالرسالة مضافة إلى الاسم الأعظم استهزاء به وبمن ~~أرسله عز اسمه وجلت عظمته وتعالى كبرياؤه وتمت كلماته ونفذت أوامره, ~~لكونه لم يمنعه منهم على زعمهم { وما } أي ms1021 والحالة أنهم ما { قتلوه وما ~~صلبوه } وإن كثر قائلو ذلك منهم، وسلمه لهم النصارى { ولكن } لما كان ~~المقصود وقوع اللبس عليهم الضار لهم، لا لكونه من معين قال: { شبه لهم } ~~أي فكانوا في عزمهم بذلك متشيعين بما لم يعطوا. # ولما أفهم التشبيه الاختلاف، فكان التقدير: فاختلفوا بسبب التشبيه في ~~قتله، فمنهم من قال: قتلناه جازما، ومنهم من قال: ليس هو المقتول، ومنهم ~~من قال: الظاهر أنه هو، عطف عليه قوله دالا على شكهم باختلافهم: { وإن ~~الذين اختلفوا فيه } أي في قتله { لفي شك منه } أي تردد مستوى الطرفين، ~~كلهم وإن جزم بعضهم، ثم أكد هذا المعنى بقوله: { ما لهم به } وأغرق في ~~النفي بقوله: { من علم }. # ولما كانوا يكلفون أنفسهم اعتقاد ذلك بالنظر في شهادته، فربما قويت ~~عندهم شبهة فصارة أمارة أوجبت لهم - لشغفهم بآمالها - ظنا ثم اضمحلت في ~~الحال لكونها لا حقيقة لها، فعاد الشك وكان أبلغ في التحير؛ قال: { إلا } ~~أي لكن { اتباع الظن } أي يكلفون أنفسهم الارتقاء من درك الشك إلى رتبة ~~الظن، وعبر بأداة الاستثناء دون " لكن " الموضوعة للانقطاع إشارة إلى أن ~~إدراكهم لما زعموه من قتله مع كونه في الحقيقة شكا يكلفون أنفسهم جعله ~~ظنا، ثم يجزمون به، ثم صار عندهم متواترا قطعيا، فلا أجهل منهم. # ولما أخبر بشكهم فيه بعد الإخبار بنفيه أعاد ذلك على وجه أبلغ فقال: { ~~وما قتلوه } أي انتفى قتلهم له انتفاء { يقينا * } أي انتفاؤه على سبيل ~~القطع، ويجوز أن يكون حالا من " قتلوه " أي ما فعلوا القتل متيقنين أنه ~~عيسى عليه الصلاة والسلام، بل فعلوه شاكين فيه والحق أنهم لم يقتلوا إلا ~~الرجل الذي ألقى شبهه عليه، والوجه الأول أولى لقوله: { بل رفعه الله } ~~بما له من العظمة البالغة والحكمة الباهرة، رفع عيسى عليه الصلاة والسلام ~~{ إليه } أي إلى مكان لا يصل إليه حكم آدمي، وعن وهب أنه أوحى إليه ابن ~~ثلاثين، ورفع ابن ثلاث وثلاثين فكانت رسالته ثلاثا وثلاثين سنة { وكان ~~الله } أي الذي له جميع صفات الكمال في ms1022 كل حال عند قصدهم له وقبله وبعده ~~{ عزيزا } أي يغلب ولا يغلب { حكيما * } أي إذا فعل شيئا أتقنه بحيث ~~لا يطمع أحد في نقض شيء منه، وختم الآية بما بين الصفتين يدل على أن ~~المراد ما قررته من استهزائهم، وأنه قصد الرد عليهم، أي إنه قد فعل ما ~~يمنع من استهزائكم، فرفعه إليه بعزته وحفظه بحكمته، وسوف ينزله ببالغ ~~قدرته، فيردكم عن أهوائكم، ويسفك دماءكم، ويبيد خضراءكم، وله في رفعه ~~وإدخاله الشهبة عليكم حكمة تدق عن أفكار أمثالكم. # قصة رفعه عليه الصلاة والسلام من الإنجيل الموجود اليوم بين أظهر ~~النصارى، وهي تتضمن الإنذار بالدجال والإخبار بنزوله صعيد، والبشارة ~~بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم الذي وصفه بالفارقليط وبالأركون، وأن ~~إخبارهم بقتله وصلبه ليس مستندا إلا إلى شك - كما قال الله تعالى، وأحسن ~~ما رد على الإنسان بما يعتقده، قال مترجمهم في إنجيل متى: إنه عليه ~~الصلاة والسلام دخل إلى الهيكل في يروشليم - وهي القدس - وجرت بينه وبين ~~الأحبار محاورات كان آخرها أن قال لهم: إني أقول لكم: إنكم لا تروني الآن ~~حتى تقولوا: مبارك الآتي باسم الرب، ثم خرج من الهيكل، فجاء إليه تلاميذه ~~كي يروه بناء الهيكل، فأجاب وقال لهم: انظروا هذا كله، الحق أقول لكم: ~~إنه لا يترك هنا حجر على حجر إلا نقض، ثم جلس على جبل الزيتون - قال ~~مرقس: قدام الهيكل - فجاء إليه تلاميذه قائلين: قل لنا: متى هذا وما ~~علامة مجيئك وانقضاء الزمان؟ فقال لهم: انظروا لا يضلنكم أحد - قال مرقس ~~ولوقا: فإن كثيرا يأتون باسمي قائلين: إنما هو المسيح، ويضلون كثيرا - ~~فإذا سمعتم بالحروب وأخبار الحروب انظروا لا تقلقوا، فلا بد أن يكون هذا ~~كله، تقوم أمة على أمة ومملكة على مملكة، ويكون خوف عظيم واضطراب وجوع ~~ووباء - قال لوقا: وعلامات عظيمة من السماء - وزلازل في أماكن، وكل هذا ~~أول المخاض - وقال مرقس: وهذه بداية الطلق، انظروا أنتم! إنهم يسلمونكم ~~إلى المجامع والمحافل وتضربون - وقال لوقا: وقبل هذا كله يضعون أيديهم ~~عليكم، ويطردونكم إلى ms1023 المجامع والسجون وتقامون أمام الملوك والقواد شهادة ~~عليهم وعلى كل الأمم، ينبغي أولا أن يكرز بالإنجيل، فإذا قدموكم ~~وأسلموكم فلا تهتموا بما تقولون ولا ماذا تجيبون، فإنكم تعطون في تلك ~~الساعة الذي تتكلمون به ولستم المتكلمين، لكن روح القدس؛ قال لوقا: فإني ~~معطيكم فما وحكمة لا يقدر الذين يناصبونكم يقاومونها ولا الجواب عنها، ~~ويسلم الأخ أخاه للموت، والأب ابنه، ويثب الأبناء على آبائهم؛ قال متى: ~~حينئذ يسلمونكم إلى الضيق ويقتلونكم، وتكونون مبغوضين من كل الأمم، ~~وحينئذ يشك كثير، ويسلم بعضكم بعضا، ويبغض بعضكم بعضا، ويقوم كثير من ~~المنتهى يخلص، ويكرز بهذه البشارة في الملكوت في جميع المسكونة بشهادة ~~لكل الأمم؛ قال مرقس: فإذا رأيتم فساد الحراب المذكور في دانيال النبي ~~قائما حيث لا ينبغي - فليفهم القارىء - حينئذ الذين تهودوا يهربون إلى ~~الجليل، والذي فوق السطح لا يقدر أن ينزل إلى بيته ليأخذ شيئا، والويل ~~للحبالى والمرضعات في تلك الأيام؛ وقال لوقا: وحينئذ الذين في اليهودية ~~يهربون إلى الجبال، والذين في وسطها يفرون خارجا، والذين في الكورة لا ~~يدخلونها، لأن هذه في أيام الانتقام لكي يتم كل ما هو مكتوب، يكون على ~~الأرض ضر وشدة عظيمة، وسخط على هذا الشعب، ويقعون في فم السيف، ويسبون في ~~كل الأمم. # ويكون يروشليم موطىء الأمم حتى يكمل الزمان، وتكون علامات في الشمس ~~والقمر والنجوم، وتخرج نفوس أناس من الخوف؛ وقال متى: وحينئذ يأتي ~~الانفصال، ثم قال: سيكون ضيق عظيم - قال مرقس: تلك الأيام - لم يكن مثله ~~في أول العالم حتى الآن ولا يكون، ولولا أن تلك الأيام قصرت لم يخلص ذو ~~جسد - وقال مرقس: فلولا أن الرب أقصر تلك الأيام لم يحيى ذو جسد - لكن ~~لأجل المتحببين قصرت تلك الأيام، فإن قال لكم أحد: إن المسيح ها هنا فلا ~~تصدقوا، فسيقوم مسيحو كذب وأنبياء كذبة، ويعطون علامات عظاما وآيات، ~~ويضلون المختارين إن قدروا، هو ذا قد تقدمت وأخبرتكم، فإن قالوا لكم: إنه ~~في البرية، فلا تخرجوا، أو في المخادع، فلا تصدقوا، وكما أن البرق ms1024 يخرج ~~من المشرق فيظهر في المغرب، كذلك يكون حضور ابن البشر، لأنه حيث تكون ~~الجثة تجتمع النسور وتلوف بعد ضيق تلك الأيام تظلم الشمس، والقمر لا يعطي ~~ضوءه، والكواكب تتساقط من السماء، وقوات ترتج، وحينئذ تظهر علامات ابن ~~الإنسان في السماء، وتنوح كل قبائل الأرض، وترون ابن الإنسان آتيا في ~~سحاب السماء مع قوات ومجد كثير، ويرسل الملائكة مع صوت الناقور العظيم، ~~ويجمع مختاريه من الأربعة الأزياج من أقصى السماوات - وقال مرقس: من ~~أطراف الأرض إلى أطراف السماء - فمن شجرة التينة - وقال لوقا: ومن كل ~~الأشجار - تعلمون المثل، إذا لانت أغصانها وفرعت أوراقها علمتم أن الصيف ~~قد دنا. # كذلك أنتم إذا رأيتم هذا كله علمتم أنه قد قرب على الأبواب، الحق أقول ~~لكم! إن هذا الجيل لا يزول حتى يتم هذا كله، والأرض والسماء تزولان ~~وكلامي لا يزول، لأجل ذلك اليوم وتلك الساعة لا يعرفها أحد ولا ملائكة ~~السماوات - وقال مرقس: ولا الابن - إلا الأب وحده، وقال لوقا: سأله ~~الفريسيون: متى يأتي ملكوت الله؟ فقال: ليس يأتي ملكوت الله برصد ولا ~~يقولون: هوذا هاهنا أو هناك! ها هو ذا ملكوت الله؛ ثم قال لتلاميذه: ~~ستأتي أيام تشتهون أن تروا يوما واحدا من أيام ابن الإنسان ولا ترون، ~~فإن قالوا لكم: هوذا هاهنا أو هناك، فلا تذهبوا ولا تسرعوا، لأنه كمثل ~~البرق الذي يضيء في السماء فيضيء تحت السماء، كذلك تكون أيام ابن البشر - ~~انتهى. وكما كان في أيام نوح عليه الصلاة والسلام كذلك يكون استعلاء ابن ~~الإنسان، لأنه كما كنوا قبل أيام الطوفان يأكلون ويشربون ويتزوجون إلى ~~اليوم الذي دخل فيه نوح إلى السفينة، ولم يعلموا حتى جاء الطوفان فأدرك ~~جميعهم، كذلك يكون حضور ابن الإنسان؛ وقال لوقا: ومثل ما كان في أيام لوط ~~يأكلون ويشربون ويبيعون ويشترون ويغرسون ويبنون إلى اليوم الذي خرج فيه ~~لوط من سدوم، وأمطر من السماء نارا وكبريتا، وأهلك جميعهم، كذلك في ~~اليوم الذي يظهر فيه ابن الإنسان، وفي ذلك اليوم من كان في السطح ms1025 وآلته ~~في البيت لا ينزل كي يأخذها، ومن كان في الحقل أيضا لا يرجع هكذا إلى ~~ورائه. انظروا إلى امرأة لوط، من أراد أن يحيي نفسها فليهلكها، ومن ~~أهلكها أحياها، أقول لكم: إن في هذه الليلة - وقال متى: حينئذ - يكون ~~اثنان في الحقل، يؤخذ واحد، ويترك الآخر، واثنتان تطحنان على رحى واحدة، ~~تؤخذ الواحدة، وتترك الأخرى، وقال مرقس: فانظروا واسهروا وصلوا، لأنكم ~~لا تعلمون متى يكون الزمان! اسهروا فإنكم لا تعملون متى يأتي رب البيت ~~ليلا! يأتي بغتة فيجدكم نياما، والذي أقول لكم أقوله للجميع، اسهروا! ~~قال لوقا: في كل حين, وتضرعوا لكي تقووا على الهرب في هذه الأمور الكائنة ~~كلها، وتقفوا قدام ابن الإنسان، وقال متى: فاسهروا لأنكم لا تعلمون في ~~أية ساعة يأتي ربكم، واعلموا أنه لو علم رب البيت في أي هجعة يأتي السارق ~~لسهر ولم يدع بيته ينقب، كذلك كونوا مستعدين لأن ابن الإنسان يأتي ساعة ~~لا تظنونها، من ترى هو العبد الأمين الحليم الذي يقيمه سيده على بيته ~~ليعطيهم الطعام في حينه! طوبى لذلك العبد، يأتي سيده فيجده يعمل هكذا، ~~الحق أقول لكم! إنه يقيمه على جميع ماله، فإن قال ذلك العبد الرديء في ~~قلبه: إن سيدي يبطىء، فيبدأ يأكل ويشرب مع المسكرين فيأتي سيده في يوم لا ~~يظنه وساعة لا يعرفها، فيجعل نصيبه مع المرائين، هناك يكون البكاء وصرير ~~الأسنان. # يشبه ملكوت السماوات عشرة عذاراى أخذن مصابيحهن وخرجن للقاء العريس، خمس ~~منهن جاهلات، وخمس حليمات، فأما الجاهلات فأخذن مصابيحهن ولم يأخذن ~~زيتا، وأما الحليمات فأخذن زيتا في إناء مع مصابيحهن، فلما أبطأ العريس ~~نعسن كلهن ونمن، وانتصف الليل فصرخ: هذا العريس قد أقبل، اخرجن للقائه! ~~حينئذ قام جميع العذارى وزين مصابيحهن، فقال الجاهلات للحليمات: أعطيننا ~~من زيتكن، فإن مصابيحنا قد طفئت! فقلن: ليس معنا ما يكفينا وإياكن، ~~فاذهبن إلى الباعة وابتعن لكن، فلما ذهبن ليبتعن جاء العريس، فالمستعدات ~~ذهبن معه وأغلق، فجاء بقية العذارا قائلات: يا رب! افتح لنا، فأجاب ~~وقال: الحق أقول لكن! ms1026 إني لا أعرفكن؛ اسهروا الآن فإنكم لا تعرفون ذلك ~~اليوم ولا تلك الساعة، كمثل إنسان أراد السفر، فدعا عبيدا له فأعطاهم ~~ماله، فأعطى خمس وزنات لواحد، ووزنتين للآخر، وواحدا وزنة، كل منهم على ~~قدر قوته، وسافر للوقت، فمضى الذي أخذ الخمس فاتجر فيها، فربح خمس وزنات ~~أخرى وهكذا الذي أخذ الوزنتين ربح فيهما وزنتين أخريين، وأما الذي أخذ ~~الوزنة فمضى وحفر في الأرض ودفن حصة سيده، وبعد زمان كثير جاء سيد هؤلاء ~~فحاسبهم، فجاء الذي أخذ الخمس وزنات فأعطى خمس وزنات أخرى قائلا: يا رب! ~~خمس وزنات أعطيتني، وهذه خمس وزنات أخرى ربحتها، قال له سيده - قال ~~لوقا-: حبذا أيها العبد الصالح! ألفيت أمينا على القليل، وقال متى: نعم ~~يا عبد صالح أمين! وجدت في القليل أمينا، أنا أقيمك على الكثير أمينا، ~~ادخل إلى فرح سيدك، وجاء الذي أخذ الوزنتين فقال: يا سيد! وزنتين دفعت ~~إلي, وهذان وزنتان أخريان ربحتهما, فقال له سيده: نعم يا عبد صالح أمين! ~~وجدت في القليل أمينا، أنا أقيمك على الكثير، ادخل إلى فرح سيدك، فجاء ~~الغير مصيب الذي أخذ الوزنة فقال: يا سيد! عرفت أنك إنسان شديد، تحصد ما ~~لم تزرع، وتجمع من حيث لا تبذر، فخفت ومضيت فدفنت مالك في الأرض، هذا ~~مالك، فأجاب سيده وقال: أيها العبد الشرير الكسلان! علمت أنني أحصد من ~~حيث لا أزرع، وأجمع من حيث لا أبذر، كان ينبغي لك أن تجعل حصتي على ~~مائدة، فأنا آتي وآخذه إلي مع أرباحه، خذوا منه الوزنة، وأعطوها للذي له ~~عشر وزنات، لأن من له يعطي ويزاد، والذي ليس له يؤخذ منه ما معه، والعبد ~~الشرير الغير نافع ألقوه في الظلمة القصياء، هناك يكون البكاء وصرير ~~الأسنان؛ إذا جاء ابن الإنسان في مجده، وجميع الملائكة المقدسين معه، ~~حينئذ يجلس على كرسي مجده،، ويجمع إليه كل الأمم، فيميز بعضهم من بعض كما ~~يميز الراعي الخراف من الجداء، ويقيم الخراف عن يمينه والجداء عن شماله، ~~حينئذ يقول الملك للذين عن يمينه: تعالوا يا ms1027 مباركي أبي رثوا الملك ~~المعد لكم من قبل إنشاء العالم، جعت فأطعمتموني، وعطشت فسقيتموني، ~~وغريبا كنت فآويتموني، وعريانا فكسوتموني، ومريضا فعدتموني، ومحبوسا ~~فأتيتم إلي، حينئذ يجيب الصديقون ويقولون: يا رب! متى رأيناك جائعا ~~فأطعمناك؟ أو عطشانا فسقيناك؟ ومتى رأيناك غريبا فآويناك؟ أو عريانا ~~فكسوناك؟ أو مريضا أو محبوسا فأتينا إليك؟ فيجيب الملك ويقول: الحق ~~أقول لكم! الذي فعلتموه بأحد هؤلاء الحقيرين فبي فعلتم، حينئذ يقول للذين ~~عن يساره: اذهبوا عني يا ملاعين إلى النار المؤبدة المعدة لإبليس ~~وجنوده، جعت فلم تطعموني - إلى آخره، فيذهب هؤلاء إلى العذاب الدائم، ~~والصديقون إلى الحياة الأبدية. # ولما أكمل يسوع هذا الكلام كله قال لتلاميذه: علمتم أن بعد يومين يكون ~~الفسح - وقال مرقس: وكان الفسح والفطير بعد يومين - واجتمع رؤساء الكيسر ~~والكهنة ومشايخ الشعب في دار رئيس الكهنة الذي يقال له قيافا، فتشاوروا ~~على يسوع ليمسكوه - قال مرقس: بمكر - ويقتلوه، وقالوا: ليس في العيد لئلا ~~يكون شجن؛ وقال مرقس: شغب في الشعب؛ وقال يوحنا: فجمع عظماء الكهنة ~~والفريسيين محفلا وقالوا: ماذا نصنع إذا كان هذا الرجل يعمل آيات كثيرة، ~~وإن تركناه هكذا فسيؤمن به جميع الناس، وتأتي الروم فتتغلب على أمتنا، ~~وإن واحدا منهم اسمه قيافا كان رئيس الكهنة فقال: إنه خير لنا أن يموت ~~رجل واحد عن الشعب من أن تهلك الأمة كلها، لأن يسوع كان مزمعا أن يجمع ~~أبناء الله المتفرقين إلى واحد؛ وفي تلك الساعة تشاوروا على قتله، فأما ~~يسوع فلم يكن يمشي بين اليهود علانية، ولكنه انطلق من هناك إلى البرية ~~إلى كورة تسمى مدينة أفريم، وكان يتردد هناك مع تلاميذه، وكان عيد فسح ~~اليهود قد قرب, فصعد كثير من القرى إلى يروشليم قبل الفسح ليطهروا ~~أنفسهم، فطلب اليهود يسوع، وكانوا أمروا إن علم إنسان مكانه أن يدلهم ~~عليه، وإن يسوع قبل ستة أيام من الفسح قصد إلى بيت عنيا حيث كان لعازر ~~الميت الذي أقامه يسوع، فصنعوا له هناك وليمة، وجعلت مرتا تخدم، وعلم جمع ~~كثير من اليهود فجاؤوا إليه، ms1028 ولينظروا إلى لعازر الذي أقامه من بين ~~الأموات، وتشاور عظماء الكهنة أن يقتلوا لعازر، لأن كثيرا من اليهود من ~~أجله كانوا يؤمنون بيسوع، وكان الجمع الذي معه يشهد له أنه دعا لعازر من ~~القبر وأقامه، ومن الغد سمعوا أن يسوع يأتي إلى يروشليم، فخرجوا للقائه ~~يصرخون: مبارك الآتي باسم الرب ملك إسرائيل! ووجد يسوع حمارا فركبه - ~~كما هو مكتوب: لا تخافي يا بنت صيون! هوذا ملكك يأتيك راكبا على جحش - ~~ابن أتان - ثم قال: وقال يسوع: قد قربت الساعة التي يمجد فيها ابن البشر، ~~الحق الحق أقول لكم! إنه حبة الحنطة إن لم تقع في الأرض وتمت بقيت ~~وحدها، وإن هي ماتت أتت بثمار كثيرة، من أحب نفسه فليهلكها، ومن أبغض ~~نفسه في هذا العالم فإنه يحفظها لحياة الأبد، وقال: يا رباه! مجد اسمك، ~~فجاء صوت من السماء: قد مجدت وأيضا أمجد، فسمع الجمع الذي كان واقفا ~~فقال بعضهم: إنما كان رعدا، وقال آخرون: إن ملاكا كلمه، قال يسوع: ليس ~~من أجلي كان هذا الصوت، ولكن من أجلكم، وقد حضر الآن دينونة هذا العالم، ~~الآن يلقى رئيس هذا العالم إلى خارج، وأنا إذا ارتفعت من الأرض جبيت إلي ~~كل واحد، فأجاب الجمع: نحن سمعنا في الناموس أن المسيح يدوم إلى الأبد، ~~فكيف تقول أنت: يرتفع ابن البشر، فقال لهم يسوع: إن النور معكم زمانا ~~يسيرا، فسيروا ما دام لكم النور لئلا يدرككم الظلام، إن الذي يمشي في ~~الظلام ليس يدري أين يتوجه، فما دام لكم النور آمنوا بالنور لتكونوا ~~أبناء النور؛ تكلم يسوع بهذا ثم مضى وتوارى عنهم، وقال: يا بني! أنا معكم ~~زمانا قليلا، وتطلبوني فلا تجدوني، وكما قلت لليهود: إن الموضع الذي ~~امضي إليه أنا، لستم تقدرون على المضي إليه، قال يوحنا في محاورته ليهود ~~في الهيكل: قال يسوع: أنا أمضى وتطلبوني وتموتون بخطاياكم، وحيث أنا أذهب ~~لستم تقدرون على إتيانه، فقال اليهود: لعله يريد أن يقتل نفسه، فقال لهم: ~~أنتم من أسفل، وأنا من فوق، أنتم من ms1029 هذا العالم، وأما أنا فلست من هذا ~~العالم، قد أخبرتكم أنكم تموتون بخطاياكم، فقالوا له: أنت من أنت؟ ثم ~~قال: وقالوا له: إن أبانا هو إبراهيم، قال: لو كنتم بني إبراهيم كنتم ~~تعملون أعمال إبراهيم، لكنكم تريدون قتل إنسان كلمكم بالحق الذي سمعه من ~~الله تعالى، ولم يفعل إبراهيم هذا، أنتم تعملون أعمال أبيكم؟ فقالوا: أما ~~نحن فلسنا مولودين من زنى، فقال لهم: أنتم من أبيكم إبليس، وشهوة أبيكم ~~تهوون إن لم تعملوا ذلك، الذي هو من البدء قتال الناس ولم يلبث على الحق ~~لأنه ليس فيه حق، وإذا ما تكلم بالكذب فإنما يتكلم بما هو له، وأما أنا ~~فأتكلم بالحق ولستم تؤمنون بي، من منكم يوبخني على خطيئة - انتهى، وأقول ~~لكم الآن أن يحب بعضكم بعضا كما أحببتكم، فبهذا يعرف كل أحد أنكم ~~تلاميذي، وقال يسوع: من يؤمن بي ليس من يؤمن بي فقط، بل وبالذي أرسلني، ~~ومن رآني فقد رأى الذي أرسلني، أنا جئت نور العالم لكي ينجو كل من يؤمن ~~بي من الظلام، ومن يسمع كلامي ولا يؤمن بي أنا لا أدينه، لأني لم آت ~~لأدين العالم، بل لأحيي العالم، من جحدني ولم يقبل كلامي فإن له من ~~يدينه، الكلمة التي نطقت بها هي تدينه في اليوم الآخر، لأني لم أتكلم من ~~نفسي، لأن الرب الذي أرسلني هو أعطاني الوصية، ثم قال: الحق الحق أقول ~~لكم! من يؤمن بي يعمل الأعمال التي أعملها، وأفضل منها يصنع، إن كنتم ~~تحبوني فاحفظوا وصاياي، وأنا أطلب من الأب يعطيكم فارقليط آخر ليثبت معكم ~~إلى الأبد - روح الحق الذي لم يطق العالم أن يقبلوه، لأنهم لم يروه ولم ~~يعرفوه، وأنتم تعرفونه، لأنه مقيم عندكم وهو فيكم، لست أدعكم يتامى لأني ~~سوف أجيئكم عن قليل، من يحبني يحفظ كلمتي، ومن لا يحبني ليس يحفظ كلامي، ~~الكلمة التي تسمعونها ليست لي، بل للرب الذي أرسلني، كلمتكم بهذا لأني ~~عندكم مقيم، والفارقليط روح القدس الذي يرسله ربي باسمي هو يعلمكم كل ~~شيء، وهو يذكركم ms1030 كل ما قلت لكم، السلام استودعتكم، سلامي خاصة أعطيكم، لا ~~تقلق قلوبكم ولا تجزع، قد سمعتم أني قلت لكم: إني منطلق وعائد إليكم، لو ~~كنتم تحبوني لكنتم تفرحون بمضيي إلى الرب، لأن الرب أعظم مني، وها قد ~~قلت لكم قبل أن يكون حتى إذا كان تؤمنون، ولست أكلمكم كثيرا لأن أركون ~~العالم يأتي وليس له في شيء، ولكن ليعلم العالم أني أحب الرب، وكما ~~أوصاني الرب كذلك أفعل، أنا هو الكرمة الحقيقية وربي الغارس، كل غصن لا ~~يأتي بثمار ينزعه، والذي يأتي بثمار ينقيه ليأتي بثمار كثيرة، أنتم ~~لتيامن هذا الكلام الذي كلمتكم به اثبتوا في وأنا فيكم، كما أن الغصن لا ~~يطيق أن يأتي بالثمار من عنده إن لم يثبت في الكرمة، كذلك أنتم إن لم ~~تثبتوا في، أنا هو الكرمة وأنتم الأغصان، من ثبت في وأنا فيه يأتي ~~بثمار كثيرة، وبغيري لستم تقدرون تعملون شيئا، فإن لم يثبت أحد في طرح ~~خارجا مثل الغصن الذي يجني فيأخذونه ويطرحونه في النار فيحترق، وإن أنتم ~~ثبتم في وثبت كلامي فيكم كان لكم كل ما تريدونه، وبهذا يمجد ربي بأن ~~تأتوا بثمار كثيرة، وأنتم أحبابي إن علمتم كل ما وصيتكم به، إنما وصيتكم ~~بهذا لكي يحب بعضكم بعضا، فإن كان العالم يبغضكم فاعلموا أنه قد أبغضني ~~قبلكم، لو كنتم من العالم كان العالم يحب من هو منه، لكنكم لستم من ~~العالم، بل اخترتكم من العالم، من أجل هذا يبغضكم العالم، لو لم آت ~~وأكلمهم لم يكن لهم خطيئة، والآن ليس لهم حجة في خطيئتهم، لو لم أعمل ~~أعمالا لم يعملها أحد لم يكن لهم خطيئة، لتتم الكلمة المكتوبة في ~~ناموسهم أنهم أبغضوني باطلا، إذا جاء الفارقليط الذي أرسله إليكم - روح ~~الحق الذي من الرب بسق - هو يشهد وأنتم تشهدون، لأنكم معي صفوة، كلمتكم ~~بهذا لكيلا تشكون، فإنهم سوف يخرجونكم من مجامعهم، ولم أخبركم بهذا من ~~قبل لأني كنت معكم، والآن فإني منطلق إلى من أرسلني، أقول لكم الحق! إنه ~~خير لكم ms1031 أن أنطلق، لأني إن لم أنطلق لم يأتكم الفارقليط، فإذا انطلقت ~~أرسلته إليكم، فإذا جاء ذاك فهو موبخ العالم على الخطيئة، وإن لي كلاما ~~كثيرا أريد أن أقول لكم، ولكنكم لستم تطيقون حمله الآن، وإذا جاء روح ~~الحق ذاك فهو يرشدكم إلى جميع الحق، لأنه ليس ينطق من عنده, بل يتكلم بكل ~~ما يسمع, ويخبركم بما يأتي، وهو مجدني لأنه يأخذ مما هو لي ويخبركم، ~~قليلا ولا ترونني، وقليلا وترونني، قالوا: ما هذا القليل الذي يقول؟ ~~فقال لهم: أفي هذا يراطن بعضكم بعضا، الحق أقول لكم! إنكم تبكون وتنوحون ~~والعالم يفرح، وأنتم تحزنون لكن حزنكم يؤول إلى فرح، كالمرأة إذا حضر ~~ولادها تحزن لأن قد جاءت ساعتها، فإذا ولدت ابنا لم تذكر الشدة من أجل ~~الفرح، لأنها ولدت إنسانا في العلم؛ تكلم يسوع بهذا ورفع عينيه إلى ~~السماء وقال: يا رب! قد حضرت الساعة فمجد عبدك ليمجدك عبدك، كما أعطيته ~~السلطان على كل ذي جسد، ليعطي كل من أعطيته حياة الأبد، وهذه هي حياة ~~الأبد أن يعرفوك أنك أنت إله الحق وحدك، والذي أرسلته يسوع المسيح، أنا ~~قد مجدتك على الأرض، ذلك العمل الذي أعطيتني لأصنعه قد أكمت، والآن مجدني ~~أنت يا رباه بالمجد الذي عندك، قد أظهرت اسمك للناس، الآن علموا أن كل ما ~~أعطيتني هو من عندك، وعلموا حقا أني من عندك أتيت، وآمنوا أنك أرسلتني، ~~وأنا أجيء إليك أيها الرب القدوس! احفظهم باسمك الذي أعطيتني كي يكونوا ~~واحدا كما نحن، إذ كنت معهم في العالم أنا كنت أحفظهم باسمك، ليس أسأل ~~أن تنزعهم من العالم، بل أن نحفظهم من الشرير، لأنهم ليسوا من العالم، ~~كما أني لست من العالم، قدسهم بحقك فإذا كلمتك خاصة هي الحق، كما أرسلتني ~~إلى العالم أرسلتهم أنا أيضا إلى العالم، ولست أسأل في هؤلاء فقط، بل ~~وفي الذين يؤمنون بي بقولهم ليكونوا بأجمعهم واحدا، كما أنك يا رباه في ~~وأنا فيك ليكونوا أيضا فينا واحدا، ليؤمن العالم أنك أرسلتني؛ قال ~~يسوع هذا ms1032 وخرج مع تلاميذه إلى عين عمرة وادي الأرز، وكان هناك بستان، ~~دخله هو وتلاميذه، وكان يهودا الذي أسلمه يعرف ذلك المكان، لأن يسوع كان ~~يجتمع هناك مع تلاميذه كثيرا، وقبل عيد الفسح كان يسوع يعلم أن قد حضرت ~~الساعة التي ينتقل فيها من هذا العالم، فلما حضر العشاء خامر الشيطان ~~قلب يهودا شمعون الإسخريطي لكي يسلمه، فقام يسوع عن العشاء وترك ثيابه ~~وائتزر وسطه بمنديل، وبدأ يغسل أقدام التلامذة وينشفها بمنديل كان ~~مؤتزرا به، فلما انتهى إلى شمعون الصفا قال له: أنت يا سيدي تغسل لي ~~قدمي؟ فقال يسوع: إن الذي أصنعه لست تعرفه الآن، ولكنك ستعرفه فيما بعده، ~~قال له شمعون الصفا: إنك لست غاسلا لي قدمي الآن، قال له يسوع: إن أنا ~~لم أغسلهما فليس لك معي نصيب، قال شمعون: يا سيدي! ليس تغسل لي قدمي فقط، ~~بل ويدي ورأسي، قال له يسوع: إن الذي يطهر لا يحتاج إلا إلى غسل قدمي؛ ~~فلما غسل أرجلهم تناول ثيابه واتكأ وقال لهم: تعلمون ما صنعت بكم؟ أنتم ~~تدعونني معلما وربا، وما أحسن ما تقولون! فإذا كنت أنا معلمكم وربكم قد ~~غسلت أقدامكم فأنتم أحرى أن يغسل بعضكم أرجل بعض، والحق الحق أقول لكم! ~~ليس عبد أعظم من سيده, ولا رسول أعظم ممن أرسله, وقال: اتلحق والحق أقول ~~لكم! إن واحدا منكم يسلمني؛ وقال متى: ولما كان يسوع في بيت عنيا في بيت ~~شمعون الأبرص جاءت امرأة معها قارورة طيب كثير الثمن فأفاضته على رأسه ~~وهو متكىء، حينئذ مضى أحد الاثني عشر - أي الحواريين الذي سيذكرون في ~~المائدة والأنعام بأسمائهم - وهو الذي يقال له يهودا الإسخريطي إلى رؤساء ~~الكهنة وقال لهم: ماذا تعطوني حتى أسلمه إليكم؟ فأقاموا له ثلاثين من ~~الفضة، ومن ذلك الوقت جعل يطلب فرصة ليسلمه، وفي أول يوم الفطير - قال ~~مرقس: لما ذبحوا الفسح - قال له تلاميذه: أين تريد حتى نستعد لتأكل ~~الفسح؟ فقال: اذهبوا إلى المدينة إلى فلان وقولوا له: المعلم يقول: زماني ~~قد اقترب، وعندك أصنع ms1033 الفسح مع تلاميذي، ففعل التلاميذ كما أمرهم يسوع ~~وأعدوا الفسح، وقال لوقا: وكان في النهار يعلم في الهيكل، ويخرج في الليل ~~ليستريح في الجبل الذي يدعى جبل الزيتون، وكان جميع الشعب يدلجون إليه ~~ليسمعوا منه, وكان لما قرب عيد الفطير المسمى بالفسح تطلب الكهنة كيف ~~يهلكونه، وكانوا يخافون من الشعب، فدخل الشيطان في يهودا الذي يدعى ~~الإسخريطي الذي كان من الأثني عشرة، فمضى وكلم رؤساء الكهنة ليسلمه ~~إليهم، ففرحوا ووعدوه، وكان يطلب فرصة ليسلمه إليهم مفردا عن الجمع، ~~فجاء يوم الفطير الذي يذبح فيه الفسح، فأرسل بطرس ويوحنا وقال: امضيا ~~وأعدا لنا الفسح، ثم قال: فانطلقا وأعدا الفسح، ولما كان المساء اتكأ مع ~~الاثني عشر تليمذا، قال: فقال لهم: شهوة اشتهيت أن آكل معكم الفسح، فإني ~~أقول لكم: إني أيضا لا آكل منه حتى يتم في ملكوت الله؛ وقال متى: وفيما ~~هم يأكلوا قال: الحق أقول لكم! إن واحدا منكم يسلمني، فحزنوا جدا, وشرع ~~كل واحد منهم يقول: لعلي أنا هو؛ وقال يوحنا: وقال: الحق الحق أقول لكم! ~~إن واحدا منكم يسلمني، فنظر التلاميذ بعضهم إلى بعض، وكان واحدا من ~~تلاميذه متكئا في حضن يسوع، وهو الذي كان يسوع يحبه، فأومأ شمعون الصفا ~~إليه أن يعلمه من الذي قال لأجله؛ فوقع ذلك التلميذ على صدر يسوع وقال ~~له: يا سيدي! من هذا؟ فقال يسوع: هو الذي أبل خبزا وأناوله، فبل خبزا ~~ودفعه إلى شمعون الإسخريوطي، وقال متى: فقال: الذي يجعل يده معي في ~~الصحفة هو يسلمني؛ وابن الإنسان ماض كما كتب من أجله، الويل لذلك ~~الإنسان الذي يسلم ابن الإنسان، حبذا له لو لم يولد، أجابه يهودا مسلمه ~~وقال: لعلي أنا هو يا معلم! قال: أنت، قال: فسبحوا وخرجوا إلى جبل ~~الزيتون؛ وقال لوقا: فقال لهم: إن ملوك الأمم هم ساداتهم، والمسلطون ~~عليهم يدعون المحسنين إليهم، فأما أنتم فليس كذلك، لكن الكبير منكم يكون ~~كالصغير والمقدم كالخادم، من أكبر؟ المتكىء أم الذي يخدم؟ أليس المتكىء ~~فأما أنا في وسطكم فمثل ms1034 الخادم، وأنتم الذي صبرتم معي في تجاربي، وأنا ~~أعد لكم كما وعدني ربي الملكوت، لتأكلوا وتشروبوا على مائدتي في ملكوتي، ~~وتجلسوا على كرسي، وتدينوا اثني عشر سبط إسرائيل - إلى أن قال: ثم خرج ~~كالعادة ومضى إلى جب الزيتون، ومعه أيضا تلاميذه، فلما انتهى إلى المكان ~~قال لهم: صلوا لئلا تدخلوا التجربة، وانفرد عنهم كرمية حجر وخر على ~~ركبتيه فصلى؛ وقال متى: حينئذ قال لهم يسوع: كلكم تشكون في هذه الليلة، ~~لأنه مكتوب: أضرب الراعي، تفرق خراف الرعية، فأجاب بطرس وقال له: لو شك ~~جميعهم لم أشك أنا، قال له يسوع: الحق أقول لك! في هذه الليلة قبل أن ~~يصيح الديك تنكرني ثلاث مرات؛ وقال يوحنا: الحق الحق أقول لكم! لا يصيح ~~الديك حتى تنكرني ثلاثا، لا تضطرب قلوبكم، آمنوا بالله وآمنوا بي؛ وقال ~~متى: قال له بطرس: لو ألجئت إلى أن أموت معك ما أنكرت؛ وقال مرقس: فتمادى ~~بطرس وقال: يا أبت! وإن اضطررت إلى أن أموت معك ليس أنكرك، وهكذا قال ~~جميع التلاميذ، حينئذ جاء معهم إلى قرية تدعى جسمانية، فقال للتلاميذ: ~~اجلسوا ها هنا لأمضي أصلي هناك، امكثوا واسهروا معي، وبعد ذلك خر على ~~وجهه يصلي، وجاء إلى التلاميذ فوجدهم نياما، قال مرقس: فقال البطرس: يا ~~شمعون! أنت نائم؟ ما قدرت تسهر معي ساعة واحدة؟ اسهروا وصلوا لئلا تدخلوا ~~التجارب، أما الروح فمستبشرة، وقال مرقس: فمستعدة، وأما الجسد فضعيف، ~~ومضى أيضا وصلى، وجاء أيضا فوجدهم نياما، لأن عيونهم كانت ثقيلة، ~~فتركهم؛ ومضى أيضا يصلي، قال لوقا: وظهر له ملاك من السماء ليقويه، وكان ~~يصلي تواترا، وكان عرفه كعبيط الدم نازلا على الأرض! وقال متى: حينئذ ~~جاء إلى التلاميذ وقال لهم: ناموا الآن واستريحوا! قد اقتربت الساعة، ~~وفيما هو يتكلم إذ جاء يهودا الإسخريوطي أحد الاثني عشر، معه جمع كثير ~~بسيوف وعصى من عند رؤساء الكهنة ومشايخ الشعب، والذي أسلمه أعطاهم علامة ~~وقال: الذي أقبله هو هو فأمسكوه، وجاء إلى يسوع وقال له: السلام يا ~~معلم! وقبله, فقال له ms1035 يسوع: يا هذا! ألهذا جئت؟ حينئذ جاؤوا فوضعوا ~~أيديهم على يسوع وقبضوا عليه، ثم قال: في تلك الساعة قال يسوع للجموع: ~~كأنكم قد خرجتم إلى لص بالسيوف والعصي لتأخذوني، في كل يوم كنت أجلس ~~عندكم أعلم في الهيكل فما قبضتم علي، وهذا كله كان لتكميل كتب ~~الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ وقال يوحنا: إن يهودا أخذ جندا من عند ~~عظماء الكهنة والفريسيين وشرطا، وجاء إلى هناك بسرج ومصابيح وسلاح، ~~ويسوع كان عارفا بكل شيء يأتي عليه، فخرج وقال لهم: من تطلبون؟ قالوا: ~~يسوع الناصري، قال: أنا هون, وكان يهودا واقفا معهم، فلما قال: أنا هو، ~~رجعوا إلى ورائهم وسقطوا على الأرض، فقال يسوع: إن كنتم تطلبوني فدعوا ~~هؤلاء يذهبوا، لتتم الكلمة التي قالها: إن الذي أعطيتني لن يهلك منهم ~~أحد؛ وقال متى: حينئذ تركه تلاميذه كلهم وهربوا، والذين أخذوا يسوع ~~اقتادوه إلى دار قيافا رئيس الكهنة، وأما بطرس فأتبعه على بعد منه إلى ~~دار رئيس الكهنة، ودخل إلى داخلها وجلس مع الخدام لينظر التمام، وقال ~~مرقس: وجلس مع الخدام عند النار يصطلي؛ وقال يوحنا: وإن شمعون الصفا ~~والتلميذ الآخر - يعني الذي تقدم أن عيسى كان يحبه - تبعا يسوع، وكان ~~عظيم الكهنة يعرف ذلك التلميذ، فدخل يسوع إلى دار عظيم الكهنة، فأما ~~شمعون فكان واقفا خارج الباب، فخرج التلميذ الآخر الذي كان معارف رئيس ~~الكهنة، فقال للبوابة وأدخل شمعون بطرس، فقالت الجارية البوابة لشمعون: ~~أما أنت من تلاميذ هذا الرجل؟ فقال لها: لا! وكان العبيد والشرط قياما ~~يوقدون نارا ليصطلوا، لأنها كانت ليلة باردة، وقام شمعون معهم أيضا ~~يصطلي: قال متى: فقال رئيس الكهنة: أستحلفك بالله الحي أن تقول لنا إن ~~كنت أنت هو المسيح! قال له يسوع: أنت قلت؛ ثم ذكر أنهم أفتوا بقتله وقال: ~~عند ذلك بصقوا في وجهه وستروا وجهه بثوب ولطموا وجهه فوقه قائلين: أيها ~~المسيح! بين لنا من هو الذي ضربك؟ قال مرقس: وبينما بطرس في أسفل الدار ~~جاءت فتاة من جواري رئيس الكهنة فقالت له: وأنت ms1036 أيضا قد كنت مع يسوع ~~الناصري؛ وقال متى: مع يسوع الجليلي، وقال لوقا: فلما رأته جارية جالسا ~~عند الضوء ميزته فقالت: هذا أيضا كان معه، فأنكر وقال: ما أعرفه؛ وقال ~~متى: فجحد بين أيديهم أجمعين، وعند خروجه إلى الباب أبصرته جارية أخرى ~~فقالت: وهذا أيضا كان مع يسوع الناصري، فجحد أيضا بيمين: إني لست أعرف ~~الرجل، وبعد قليل تقدم الوقوف فقالوا لبطرس: بالحقيقة إنك منهم أنت! لأن ~~كلامك يدل عليك؛ وقال مرقس: وأنت جليلي وكلامك يشبه كلامهم، وقال: حينئذ ~~أقبل بطرس يلعن ويحلف: إني لست أعرف الإنسان، وفي الحال صاح الديك، فذكر ~~بطرس كلمة يسوع: قبل أن يصيح الديك، تجحدني ثلاثا، فخرج إلى خارج وبكى ~~بكاء مرا. # ولما كان الصبح عملوا كلهم مؤامرة على يسوع حتى يميتوه فربطوه وساقوه ~~إلى بيلاطيس النبطي، ولما أبصر يودس - يعني يهودا الإسخريوطي - أنه قد ~~حكم عليه تندم ورد الثلاثين الفضة على رؤساء الكهنة قائلا: قد أخطأت إذ ~~أسلمت دما زكيا، فقالوا: ما علينا! فطرح الفضة في الهيكل ومضى فخنق ~~نفسه، فأخذ رؤساء الكهنة الفضة وقالوا: لن يجوز لنا أن نلقيها في داخل ~~الزكاة، لأنها ثمن دم، فتشاوروا وابتاعوا حقل الفاخوري لدفن الغرباء، ~~لذلك دعي ذلك الحقل حقل الدم إلى اليوم، حينئذ تم قول إرميا النبي ~~القائل: وأخذوا الثلاثين من الفضة ثمن الدم الذي ثمنه بنوا إسرائيل، ~~وجعلوها في حقل الفاخوري على ما رسم لي؛ وأما يسوع فوقف أمام الوالي، ثم ~~ذكر أن الوالي كان كارها لقتله، وأن امرأته أرسلت إليه تقول: إياك ودم ~~ذاك الصديق، فإني توجعت في هذا اليوم كثيرا من أجله في الحلم، وأنه ~~اجتهد بهم ليطلقوه فأبوا إلا صلبه، وصاحوا عليه، وأنه قال لهم: أي شر ~~عمل؟ فازدادوا صياحا وقالوا: يصلب؛ فلما رأى بيلاطس أنه لا ينفع شيئا ~~أخذ ماء وغسل يديه قدام الجمع وقال: إنني بريء من دم هذا الصديق، فقالوا: ~~دمه علينا وعلى أولادنا، وقال لوقا: وإن بيلاطس قال لرؤساء الكهنة: أنا ~~لم أجد على هذا الإنسان علة - حتى ms1037 قال: فلما علم أنه من سلطان هيرودس - ~~يعني من الجليل - أرسله إلى هيرودس، لأنه كان في تلك الأيام بيروشليم، ~~وأن هيرودس لما رأى يسوع فرح جدا، لأنه كان يشتهي أن يراه من زمان طويل ~~لما كان يسمع عنه من الأمور الكثيرة، وكان يرجو أن يعاين آية يعملها، ~~وسأله عن كلام كثير ذكره، وذكر أنه لم يجبه، فاحتقره هيرودس وجنده ~~واستهزؤوا به وألبسه ثيابا حمراء، وأرسله إلى بيلاطس وصار بيلاطس ~~وهيرودس صديقين في ذلك اليوم، لأنه كان بينهما عداوة، ثم ذكر أن بيلاطس ~~قال لهم: لم أجد عليه علة آخذة بها، ولا هيرودس أيضا، وأنهم لم يقبلوا ~~منه ذلك وصاروا يصيحون: اصلبه اصلبه، وقال يوحنا: ثم جلس - يعني بيلاطس - ~~على كرسي في موضع يعرف برصيف الحجارة، وبالعبرانية يسمى جاحلة؛ ثم ذكر ~~جميع نقلة أناجيلهم أنهم صلبوه بين لصين، وأنهم كانوا يستهزئون به حتى ~~اللصان المصلوبان؛ قال مرقس: فلما كانت الساعة السادسة تفشت الأرض كلها ~~ظلمة إلى الساعة التاسعة، وأنه صاح بصوت عظيم منه: إلهي! إلهي! لم ~~تركتني! فانشق ستر حجاب الهيكل باثنين من فوق إلى أسفل، والأرض تزلزلت، ~~وتشققت الصخور، وتفتحت القبور، وكثير من أجساد القدسين النيام قاموا من ~~قبورهم، ودخلوا المدينة فظهروا لكثير، وكان هناك نسوة كثير ينظرن من ~~بعيد، ومن اللاتي تبعن عيسى من الجليل منهم مريم المجدلانية، ومريم أم ~~يعقوب الصغير، وأم يوسا، وأم ابن يزبدي، وقال يوحنا: وكان واقفا عند ~~صلبه أمه وأخت أمه مريم ابنة إكلاوبا ومريم المجدلية، ثم ذكروا أنه دفن؛ ~~وذكر مرقس أنه كان يوم جمعة؛ وقال يوحنا: وأما اليهود - فلأنه يوم الجمعة ~~- قالوا: هذه الأجساد لا تثبت على صلبها، لأن السبت كان عظيما، ثم ذكر ~~أنهم أنزلوهم، وأن عيسى دفن؛ وقال متى: إن الملك جاء بعد ثلاث وأقامه، ~~وقال للنسوة: إنه قد قام فأسرعن فقلن لتلاميذه: هوذا سبقكم إلى الجليل، ~~وإن رؤساء اليهود رشوا الجند الذين كانوا يحرسون قبره ليقولوا: إن ~~تلاميذه سرقوه من القبر، فقالوا وشاع ذلك عند اليهود إلى اليوم، فأما ms1038 ~~الأحد عشر تلميذا فمضوا إلى الجليل الذي أمروا به، فلما رأوه سجدوا له، ~~وبعضهم شك؛ وقال لوقا: وفيما هم يتكلمون وقف عيسى إلى وسطهم، وقال لهم: ~~السلام عليكم يا هؤلاء! لا تخافوا! فاضطربوا وخافوا وظنوا أنهم ينظرون ~~روحا، فقال لهم: ما بالكم تضطربون؟ ولم يأتي الإنكار في قلوبكم؟ ~~انظروا يدي ورجلي فإني أنا هو، جسوني وانظروا إلي! الروح ليس له لحم ~~ولا عظم، كما ترون أنه لي، ولما قال هذا أراهم يديه ورجليه، وإذا هم غير ~~مصدقين من الفرح والتعجب، وقال لهم: أعندكم هاهنا ما يؤكل؟ فأعطوه جزءا ~~من حوت مشوي ومن شهد عسل، فأخذ قدامهم وأكل، وأخذ الباقي وأعطاهم، ثم ~~قال: ثم أخرجهم خارجا إلى بيت عنيا فرفع يديه وباركهم، وكان فيما هو ~~يباركهم انفرد عنهم، وصعد إلى السماء؛ وقال يوحنا: إنه قال لمريم: امضي ~~إلى إخوتي وقولي لهم: إني صاعد إلى أبي وأبيكم وإلهي والهكم؛ وقال متى: ~~فجاء يسوع فكلمتهم فقال: أعطيت كل سلطان في السماء وعلى الأرض فاذهبوا ~~الآن وتلمذوا كل الأمم. # انتهى ما أردته هنا من الأناجيل من هذه القصة، فقد بان لك أن أناجيلهم ~~كلها اتفقت على أن علمهم في أمره انتهى إلى واحد، وهو الإسخريوطي، وأما ~~غيره من الأعداء فلم يكن يعرفه، وأنه إنما وضع يده عليه، ولم يقل بلسانه: ~~إنه هو، وأن الوقت كان ليلا، وأن عيسى نفسه قال لأصحابه: كلكم تشكون في ~~هذه الليلة، وأن تلاميذه كلهم هربوا، فلم يكن لهم علم بعد ذلك بما اتفق ~~في أمره، وأن بطرس إنما تبعه من بعيد، وأن الذي دل عليه خنق نفسه، وأن ~~الناقل لأن الملك قال: إنه قام من الأموات، إنما هو نسوة كن عند القبر في ~~مدى بعيد، وما يدري النسوة الملك من غيره - ونحوه ذلك من الأمور التي لا ~~تفيد غير الظن بالجهد، وأما الآيات التي وقعت فعلى تقدير تسليمها لا ~~يضرنا التصديق بها، وتكون لجرأتهم على الله بصلب من يظنونه المسيح ومن ~~أحسن ما في ذلك قوله بعد اجتماعهم به ms1039 بعد رفعه: أعطيت كل سلطان، فأثبت أن ~~المعطي غيره، وهذا كله يصادق القرآن في أنهم في شك منه، ويدل على أن ~~المصلوب - إن صح أنهم صلبوه من ظنوه إياه - هو الذي دل عليه، كما قال بعض ~~العلماء: إنه ألقى شبهه عليه، ويؤيد ذلك قولهم: إنه خنق نفسه، فالظاهر ~~أنهم لما لم يروه بعد ذلك ظنوا أنه خنق نفسه، فجزموه به - والله أعلم، ~~وقوله: إنك يا رباه في وأنا فيك، ليكونوا - أي التلاميذ - فينا، ونحوه ~~مما يوهم حلولا المراد به الاتحاد في المراد بحيث أن واحدا منهم لا ~~يريد إلا ما يريد الآخر، ولا يرضى إلا ما يرضاه، فهو من وادي ما في ~~الحديث القدسي # " كنت سمعه الذي يسمع به " # - إلى آخره، وكذا إطلاق الابن والأب معناه أنه يعاملهم في لطفه معاملة ~~الأب ابنة، فالمراد الغاية، كما يؤل ذلك في إطلاق الغضب والمحبة ونحو ذلك ~~في حق الله تعالى في شرعنا، وقد مضى كثير من رد المتشابه في مثل ذلك إلى ~~المحكم في آل عمران، ومضى في ذلك الموضع وغيره أن كل ما أوهم نقصا لا ~~يجوز في شرعنا إطلاقه على الله تعالى - والله الموفق. ### || [4.159-161] # ولما أنجز الكلام إلى أمر عيسى عليه الصلاة والسلام على هذا المنهاج ~~البديع بما ذكر في نصائح اليهود وقبائح أفعالهم، وأنهم قصدوا قتله عليه ~~الصلاة والسلام، فخاب قصدهم، واصلد زندهم، وقال رأيهم، ورد عليهم بغيهم، ~~وحصل له بذلك أعلى المناصب وأولى المراتب؛ قال محققا لما أثبته في الآية ~~قبلها من القطع بكذبهم، مثبتا أنهم في مبالغتهم في عداوته سيكونون من ~~أتباعه المصدقين بجميع أمره الذي منه التصديق بمحمد صلى الله عليه وسلم، ~~ومؤكدا له أشد تأكيد لما عندهم من الإنكار له: { وإن } أي والحال أنه ما ~~{ من أهل الكتاب } أي أحد يدرك نزوله في آخر الزمان { إلا } وعزتي { ~~ليؤمنن به } أي بعيسى عليه الصلاة والسلام { قبل موته } أي موت عيسى عليه ~~الصلاة والسلام، أي إنه لا يموت حتى ينزل في آخر الزمان، يؤيد الله دين ms1040 ~~الإسلام، حتى يدخل فيه جميع أهل الملل، إشارة إلى أن موسى عليه الصلاة ~~والسلام إن كان قد أيده الله تعالى بأنبياء كانوا يجددون دينه زمانا ~~طويلا، فالنبي الذي نسخ شريعة موسى - وهو عيسى عليهما الصلاة والسلام - ~~هو الذي يؤيد الله به هذا النبي العربي في تجديد شريعته وتمهيد أمره ~~والذب عن دينه، ويكون من أمته بعد أن كان صاحب شريعة مستقلة وأتباع ~~مستكثرة، أمر قضاء الله في الأزل فأمضاه، فأطيلوا أيها اليهود أو أقصروا! ~~فمعنى الآية إذن - والله أعلم - أنه ما من أحد من أهل الكتاب المختلفين ~~في عيسى عليه الصلاة والسلام على شك إلا وهو يوقن بعيسى عليه الصلاة ~~والسلام قبل موته بعد نزوله من السماء أنه ما قتل وما صلب، ويؤمن به عند ~~زوال الشبهة - والله أعلم؛ روى الشيخان وأحمد وأبو بكر بن مردويه وغيرهم ~~عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " والذي نفسي بيده! ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما مقسطا وإماما ~~عادلا، فليكسرن الصليب وليقتلن الخنزير وليضعن الجزية، حتى تكون السجدة ~~الواحدة خيرا من الدنيا وما فيها " # ؛ وفي رواية: وتكون السجدة واحدة لله رب العالمين؛ وفي رواية: حتى يهلك ~~الله الملل كلها غير الإسلام، فيهلك الله في زمانه الملل كلها إلا ~~الإسلام، يقول أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم { وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن ~~به قبل موته } الآية: موت عيسى عليه الصلاة والسلام - ثم يعيدها أبو ~~هريرة ثلاث مرات - ولتذهبن الشحناء والتباغض والتحاسد، وليدعون إلى المال ~~فلا يقبله أحد؛ وفي رواية: ويفيض المال حتى لا يقبله أحد؛ ولمسلم عنه رضي ~~الله عنه: كيف بكم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم؛ وفي رواية: فأمكم ~~منكم، قال الوليد بن مسلم - أحد رواة الحديث: قال ابن أبي ذئب: تدري ما ~~أمكم منكم؟ قلت تخبرني! قال: فأمكم بكتاب ربكم تبارك وتعالى وسنة نبيكم ~~صلى الله عليه وسلم؛ ولمسلم أيضا عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما ~~قال: سمعت النبي صلى الله ms1041 عليه وسلم يقول: لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون ~~على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة، فينزل عيسى ابن مريم عليه الصلاة ~~والسلام فيقول أميرهم: تعال صل لنا! فيقول: لا! إن بعضكم على بعض أمراء ~~تكرمة الله هذه الأمة؛ وروى عن ابن عباس ومحمد بن علي المشهور بابن ~~الحنفية رضي الله عنهم أن المعنى: ألا ليؤمنن بعيسى عليه الصلاة والسلام ~~قبل موت ذلك الكتابي عند الغرغرة حين لا ينفعه الإيمان، ليكون ذلك زيادة ~~في حسرته، قال الأصبهاني: وتدل على صحة هذا التأويل قراءة أبي: ليؤمنن ~~قبل موتهم - بضم النون. # ولما أخبر تعالى عن حالهم معه في هذه الدار أتبعه فعله بهم في تلك فقال: ~~{ ويوم القيامة } أي الذي يقطع ذكره القلوب، ويحمل التفكر فيه على كل خير ~~ويقطع عن كل شر { يكون } وأذن بشقائهم بقوله: { عليهم شهيدا } أي بما ~~عملوا؛ ولما أذن حرف الاستعلاء في الشهادة بأنه لا خير لهم في واحد من ~~الدارين، وبأن التقدير: فبظلمهم، سبب عنه قوله دلالة على أن التوراة نزلت ~~منجمة: { فبظلم } أي عظيم جدا راسخ ثابت، وهو جامع لتفصيل نقض الميثاق ~~وما عطف عليه مما استحلوه بعد أن حرمته التوارة، وقال مشيرا إلى زيادة ~~تبكيتهم: { من الذين هادوا } أي تلبسوا باليهودية في الماضي ادعاء أنهم ~~من أهل التوراة والرجوع إلى الحق، ولم يضمر تعيينا لهم زيادة في تقريعهم ~~{ حرمنا عليهم طيبات أحلت } أي كان وقع إحلالها في التوراة { لهم } ~~كالشحوم التي ذكرها الله تعالى في الأنعام. # ولما ذكر ظلمهم ذكر مجامع من جزئياته، وبدأها بإعراضهم عن الدين الحق، ~~فقال معيدا للعامل تأكيدا له: { وبصدهم عن سبيل الله } أي الذي لا أوضح ~~منه ولا أسهل ولا أعظم، لكون الذي نهجه له من العظمة والحكمة ما لا يدرك، ~~و " صد " يجوز أن يكون قاصرا فيكون { كثيرا * } صفة مصدر محذوف، وأن ~~يكون متعديا فيكون مفعولا به، أي وصدهم كثيرا من الناس بالإضلال عن ~~الطريق، فمنعوا مستلذات تلك المآكل بما منعوا أنفسهم وغيرهم من لذاذة ~~الإيمان. # ولما ذكر امتناعهم ms1042 ومنعهم من المحاسن التي لا أطيب منها ولا أشرف، أتبعه ~~إقدامهم على قبائح دنية فيها ظلمهم للخلق فقال: { وأخذهم الربا } أي وهو ~~قبيح في نفسه مزر بصاحبه { وقد } أي الحال أنهم قد { نهوا عنه } فضموا ~~إلى مخالفة الطبع السليم الاجتراء على انتهاك حرمة الله العظيم. # ولما ذكر الربا أتبعه ما هو أعم منه فقال: { وأكلهم أموال الناس بالباطل ~~} أي سواء كانت ربا أو رشوة أو غيرهما؛ ولما ذكر بعض ما عذبهم به في ~~الدنيا أتبعه جزاءهم في الآخرة، فقال عاطفا على قوله " حرمنا ": { ~~وأعتدنا للكافرين } أي الذين صار الكفر لهم صفة راسخة فماتوا عليه؛ ولما ~~علم أن منهم من يؤمن فيدخل الجنة فقال: { منهم } ولما كان الجزاء من جنس ~~العمل قال: { عذابا أليما * } أي بسبب ما آلموا الناس بأكل أموالهم ~~وتغطيتهم على حقوقهم من الفضائل والفواضل. # ذكر تحريم المال بالربا وغيره من أنواع الباطل بنص التوراة، قال في ~~السفر الثاني بعد ما قدمته في البقرة من الأمر بالإحسان إلى الناس ~~والنهي عن أذاهم: وإن أسلفت ورقك للمسكين الذي معك من شعبي فلا تكونن له ~~كالغريم ولا تأخذن منه ربا؛ وقال في الثالث: وإن افتقر أخوك واستعان بك ~~فلا تتركه بمنزلة الغريب الساكن معك، بل وسع عليه، وإياك أن تأخذ منه ~~ربا أو عينة، لا تقرضه بالعينة؛ وقال في الخامس: ولا تطعموا بيت الله ~~ربكم أجر زانية ولا ثمن كلب، ولا تأخذوا من إخوتكم ربا في فضة ولا في ~~طعام ولا في شيء مما تعانونه، وأما الغريب فخذوا منه إن أحببتم؛ فقد ثبت ~~من توراتهم النهي عن الربا، وأما تخصيصه بالغريب فتبديل منهم بلا ريب، ~~بدليل ما قدمته عنها في البقرة عند قوله تعالى: # إن الذين آمنوا والذين هادوا # [البقرة: 62] من النهي عن غدر العدو، وعند قوله تعالى: # لا تعبدون إلا الله # [البقرة: 83] من الإحسان إلى عامة الناس لا سيما الغريب - والله الموفق. ### || [4.162-164] # ولما بين تعالى ما للمطبوع على قلوبهم الغريقين في الكفر من العقاب، بين ~~ما لنيري البصائر بالرسوخ ms1043 في العلم والإيمان من الثواب فقال: { لكن ~~الراسخون في العلم منهم } أي الذي هيئت قلوبهم في أصل الخلقة لقبول العلم ~~فأبعد عنها الطبع، وجلت الحكمة، ورسخت بالرحمة، فامتلأت من نور العلم، ~~وتمكنت بأنس الإيمان. # ولما ذكر نعت العلم المفيد لجميع الفضائل أبتعه ما نشأ عنه فقال: { ~~والمؤمنون } أي الذين هيئوا للإيمان ودخلوا فيه، فصار لهم خلقا لازما، ~~منهم ومن غيرهم { يؤمنون } أي يجددون الإيمان في كل لحظة { بما أنزل إليك ~~} لأنهم أعرف الناس بأنه حق { وما أنزل من قبلك } أي على موسى عليه ~~الصلاة والسلام، وبسبب إيمانهم الخالص أمنوا بما أنزل على عيسى عليه ~~الصلاة والسلام، ثم بما أنزل إليك. # ولما كانت الصلاة أعظم دعائم الدين، ولذلك كانت ناهية عن الفحشاء ~~والمنكر، نصبت على المدح من بين هذه المرفوعات إظهارا لفضلها فقال ~~تعالى: { والمقيمين الصلاة } أي بفعلها بجميع حدودها، ويجوز على بعد أن ~~يكون المقتضي لنصبها جعل " لكن " بالنسبة إليها بمعنى " إلا " وتضمينها ~~لفظها، لما بينهما من التآخي، فيكون المعنى أنهم مستثنون ممن أعد لهم ~~العذاب الأليم على معنى أن الله سبحانه وتعالى - وهو الفاعل المختار - ~~سبق علمه بأن مقيم الصلاة بجميع حدودها لا يموت كما يموت كافر, بل تناله ~~بركتها فيسلم, وهذا أعظم مدح لها, والحاصل أن (لكن) استعيرت لمعنى (إلا) ~~بجامع أن ما بعد كل منهما مخالف في الحكم لما قبله, كما استعيرت " إلا " ~~لمعنى " لكن " في الاستثناء المنقطع. # ولما كان الرجوع بما بعدها إلى الأسلوب الماضي أبين في مدحها قال: { ~~والمؤتون الزكاة } ولما ذكر أنهم جمعوا إلى صلة الخالق الإحسان إلى ~~الخلائق ذكر الإيمان بانيا على عظمته مفصلا له بعض التفصيل ومشيرا ~~غلأآ أن نفعه كما يشترط أن يكون فاتحا يشترط أن يكون خاتما فقال: { ~~والمؤمنون بالله } أي مستحضرين ما له من صفات الكمال، وضم إليه الحامل ~~على كل خير والمقعد عن كل شر ترغيبا وترهيبا فقال: { واليوم الآخر } ~~فصار الإيمان مذكورا خمس مرات، فإن هذه الأوصاف لموصوف واحد عطفت بالواو ~~تفخيما لها وإشارة إلى أن وصف ms1044 الرسوخ في العلم مقتض لأنهم في الذروة من ~~كل وصف منها, والاتصاف بكل منها يتضمن الإيمان بيوم الدين، فإنه لا يمدح ~~أحد اتصف بشيء منها عريا عن الإيمان به، لا جرم نبه على فخامة أمرهم ~~وعلو شأنهم بأداة البعد فقال: { أولئك } أي العالو الرتبة والهمم، ولكون ~~السياق في الراسخين العاملين أنهى في التأكيد بالسين لأن المكر هنا أقل ~~منه في الأولى، ولم يعرف الأجر، ووصفه بالعظم فقال: { سنؤتيهم } أي ~~بعظمتنا الباهرة بوعد لا خلف فيه { أجرا عظيما }. # ولما كانت هذه الأوصاف منطبقة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وكان ~~من أحوالهم الوحي، قال تعالى إبطالا لشبهتهم القائلة: لو كان نبيا أتى ~~بكتابه جملة من السماء كما أتى موسى عليه الصلاة والسلام بالتوارة كذلك، ~~بإقرارهم بنبوة هؤلاء الأنبياء عليهم السلام مع كونهم ليس لهم تلك الصفة، ~~ولم يكن ذلك قادحا في نبوة أحد منهم ولا رسالته: { إنا } ويصح أن يكون ~~هذا تعليلا ليؤمنون، أي إنهم آمنوا بما أنزل إليك لأنا { أوحينا إليك ~~كما } أي مثل ما { أوحينا إلى نوح } وقد آمنوا بما به لما أتى به من ~~المعجز الموجب للإيمان من غير توقف على معجز آخر ولا غيره، لأن إثبات ~~المدلول إنما يتوقف على ثبوت الدليل، فإذا تم الدليل كانت المطالبة بدليل ~~آخر طلبا للزيادة وإظهارا للتعنت واللجاج - والله سبحانه يفعل ما يشاء ~~ويحكم ما يريد. # ولما كان مقام الإيحاء - وهو الأنبياء - من قبل الله تعالى قال: { ~~والنبيين من بعده } أي فهم يعلمون ذلك بما لهم من الرسوخ في العلم ~~وطهارة الأوصاف، ولا يشكون في أن الكل من مشكاة واحدة، مع أن هذا الكتاب ~~أبلغ، والتعبير فيه عن المقاصد أجلى وأجمع، فهم إليه أميل، وله أقبل، ~~وأما المطبوع على قلوبهم، الممنوعون من رسوخ العلم فيها بكثافة الحجاب، ~~حتى أنها لا تنظر إلى اسراره إلا من وراء غشاء، فهم غير قابلين لنور ~~العلم المتهيىء للإيمان، فأسرعوا إلى الكفر، وبادروا بالذل والصغار، وفي ~~الآخرة بالسخط والنار. # ولما أجمل تعالى ذكر النبيين فصل فقال منبها ms1045 على شرف من ذكرهم ~~وشهرتهم: { وأوحينا إلى إبراهيم } أي أبيكم وأبيهم كذلك { وإسماعيل } أي ~~ابنه الأكبر الذي هو أبوكم دونهم { وإسحاق } وهو ابنه الثاني وأبوهم { ~~ويعقوب } أي ابن إسحاق { والأسباط } أي أولاد يعقوب. # ولما أجمل بذكر الأسباط بعد تفصيل من قبلهم فصل من بعدهم فقال: { ~~وعيسى } أي الذي هو آخرهم من ذرية يعقوب { وأيوب } وهو من ذرية عيصو بن ~~إسحاق على ما ذكروا { ويونس وهارون وسليمان } ولما كان المقام للتعظيم ~~بالوحي، وكان داود عليه الصلاة والسلام من أهل الكتاب قال: { وآتينا داود ~~زبورا * } أي وهم يدعون الإيمان به مع اعترافهم بأنه لم ينزل جملة ولا ~~مكتوبا من السماء. # ولما تم ما اقتضاه مقام النبوة، وكان فيهم رسل، وكان ربما قال متعنت: إن ~~شأن الرسل غير شأن الأنيباء في الوحي، قال عاطفا على ما تقديره من معنى ~~" أوحينا ": أرسلنا من شئنا من هؤلاء الذين قصصناهم عليك هنا إلى من شئنا ~~من الناس: { ورسلا } أي غير هؤلاء { قد قصصناهم } أي تلونا ذكرهم { عليك ~~} ولما كان القص عليه غير مستغرق للزمان الماضي قال: { من قبل } أي من ~~قبل إنزال هذه الآية { ورسلا لم نقصصهم عليك } أي إلى الآن. # ولما كان المراد أنه لا فرق بين النبي والرسول في الوحي, نبه على ذلك ~~بقوله: { وكلم الله } أي الذي له الكمال كله, فهو يفعل ما يريد, لا أمر ~~لأحد معه { موسى تكليما * } أي على التدرج شيئا فشيئا بحسب المصالح من ~~غير واسطة ملك، فلا فرق في الوحي بين ما كان بواسطة وبين ما كان بلا ~~واسطة، والمعنى أنكم لو كنتم إنما تتوقفون عن الإيمان ببعض الأنبياء ~~تثبتا لتعلموا أنه فعل به ما فعل بموسى عليه الصلاة والسلام من الكرامة، ~~لم تؤمنوا بإبراهيم وإسحاق ويعقوب والأسباط وهارون وغيرهم، فإنه خص ~~بالتكليم دونهم، فلم جعلتم الإتيان بمثل ما أتى به موسى عليه الصلاة ~~والسلام شرطا في الإيمان ببعض الأنبياء دون بعض؟ وإن جعلتم الشرط ~~الإتيان بالكتاب جملة ومن السماء مدعين أنه كان له ذلك دون التكليم وغيره ms1046 ~~مما جعل له، كان ذلك - على تقدير التسليم تنزلا - تحكما وترجيحا من ~~غير مرجح، على أن التوراة أيضا - كما تقدم بيانه - كهذا القرآن في ~~إنزالها منجمة على حسب الوقائع على ما أشار إليه قوله (تكليما) ولم يكتب ~~منها جملة إلا اللوحان اللذان وضعا في تابوت الشهادة كما أنزل بعض سور ~~القرآن جملة كسورة الأنعام، وليس في نزول موسى عليه الصلاة والسلام بهما ~~من جبل الطور مكتوبين دليل على نزولهما من السماء, ويدل على ذلك كثير من ~~نصوصها أصرحها أنه تعالى حرم عليهم العمل في السبت عقب إخراجهم من البحر ~~عند إنزال المن - كما بين في السفر الثاني منهما - ولم يبين كيف يفعل ~~بالعاصي فيه إلا بعد ذلك بدهر، بدليل ما في السفر الرابع منها في قصة ~~التيه: ومكث بنو إسرائيل في البرية ووجدوا رجلا يحتطب حطبا يوم السبت، ~~فقدمه الذين وجدوه يحتطب إلى موسى وهارون وإلى الجماعة كلها، وحبسوه في ~~السجن، لأنه لم يكن أوحى إلى موسى كيف يصنع به؟ فقال الرب لموسى: يقتل ~~هذا الرجل، يرجم بالحجارة خارجا من العسكر، ورجمه الجماعة كلها بالحجارة ~~ومات - كما أمر الرب موسى؛ ومنها أنه أمرهم - كما بين في السفر الثاني - ~~بنصب قبة الزمان التي كانوا يصلون إليها، ويسمع موسى الكلام منها، ثم بعد ~~ذلك بمدة أمرهم - كما بين في السفر الرابع - بالزيادة فيها؛ ومنها أنه ~~كتب له الألواح في الطور: اللوحين اللذين كسرهما غضبا من اتخاذهم العجل، ~~ثم لوحين عوضا عنهما، ثم لما نصبت قبة الزمان صار سبحانه وتعالى يكلمه ~~منها، وغالب أحكامهم إنما شرعت بالكلام الذي كان في قبة الزمان - كما هو ~~في غاية الوضوح في التوراة؛ ومنها ما قال في أوخر السفر الخامس وهو ~~آخرها: فلما أكمل موسى كتاب آيات هذه التوراة في السفر وفرغ منها، أمر ~~موسى الأحبار الذين يحملون تابوت عهد الرب وقال لهم: خذوا سفر هذه السنن ~~واجعلوه في جوف تابوت عهد الله ربكم في جانب من جوانبه، ليكون هناك ~~شاهدا، لأني قد عرفت جفاءكم وقساوة قلوبكم ms1047 وما تصيرون إليه، وكيف لا ~~يكون ذلك وقد أغضبتم الرب وأنا حي معكم؟ فمن بعد موتي أحرى أن تفعلوا ~~ذلك، فليجتمع إلي أشياخ أسباطكم وكتابكم فأتلو عليهم هذه الأقوال، ~~ولأشهد عليهم السماء والأرض، لأنكم مفسدون من بعد وفاتي، تحيدون عن ~~الطريق الذي آمركم به، شر شديد في آخر الأيام إذا عملتم السيئات بين يدي ~~الرب، وأغضبتموه بأعمال أيديكم، وقال موسى بين يدي جماعة بني إسرائيل: ~~انصتي أيتها السماء فأتكلم، ولتسمع الأرض النطق من في - وقال كلاما ~~كثيرا في ذمهم أذكره إن شاء الله تعالى في المائدة عند # من لعنه الله وغضب عليه # [المائدة: 60] ثم قال: يقول الله: أسخطوني مع الغرباء بأوثانهم، ~~وأغضبوني حين ذبحوا للشياطين - ومضى يتكلم من كلام الله الذي هو من أحسن ~~التوراة إلى أن قال: فلما أكمل موسى هذه الآيات كلها لبني إسرائيل قال ~~لهم: أقبلوا بقلوبكم إلى هذه الأقوال؛ ثم قال: وكلم الرب موسى ذلك اليوم ~~وقال: اصعد إلى جبل العبرانيين، هذا جبل نابو الذي في أرض مواب حيال ~~إيريحا، وانظر إلى أرض كنعان التي أعطى بني إسرائيل ميراثا - وذكر بعد ~~ذلك كلاما طويلا فيها كلها لمن يتأملها كثير مما هو ظاهر في ذلك، بل ~~صريح، وفي قصة نوح وإبراهيم عليهما الصلاة والسلام ما هو صريح في أن ~~الإيحاء إليهما كان منجما - كما مضى عنهما في قصة إبراهيم عليه السلام ~~في البقرة، ويأتي إن شاء الله تعالى في ذكر الأحبار في الأعراف وفي قصة ~~نوح عليه الصلاة والسلام في سورة هود - والله الموفق، وقد ابتدأ سبحانه ~~في هذه الآية بنوح عليه الصلاة والسلام أول أولي العزم وأصحاب الشرائع ~~وجودا، وهو من أوائل الأنبياء، وزمانه في القدم بحيث لا يعلم مقداره على ~~الحقيقة إلا الله تعالى، ثم ثنى بثانيهم في الوجود وهو إبراهيم عليه ~~الصلاة والسلام، ثم ذكر أولاده على ترتيبهم، والأسباط يحتمل أن يراد بهم ~~أولاد يعقوب عليه الصلاة والسلام أنفسهم وقبائلهم، ويكون المعنى حينئذ: ~~وأنبياء الأسباط، ويكون مما استعمل في حقيقته ومجازه، ويكون شاملا لجميع ms1048 ~~أنبياء بني إسرائيل، ثم صرح ببعض من دخل منهم في العموم فبدأهم بآخرهم ~~بعثا وهو عيسى عليه الصلاة والسلام الذي هو أحد نبي أهل الكتابين، وختم ~~الآية بأحد أصحاب الكتب منهم، وهو جده المشهور بالنسبة إليه، فإن اليهود ~~يقولون لعيسى عليه الصلاة والسلام: يا ابن داود! لأن أمه في ذريته، وختم ~~الآية بأول نبي أهل الكتابين موسى عليه الصلاة والسلام الذي آخر آجر ~~تبنى على الإسلام، فانتقله المنتمون إلى أتباعه، ووسط أخاه هارون عليه ~~الصلاة والسلام بين اثنين من أهل البلاء: أيوب ويونس واثنين من أهل الملك ~~- وأحدهم صاحب كتاب - وهما سليمان وداود، وكل ذلك إشارة إلى أنه لا فرق ~~في كيفية الإيحاء بحوما إلى الأنبياء بين متقدمهم ومتأخرهم، سواء كان من ~~بني إسرائيل أو من غيرهم، وسواء منهم من أوتي الملك ومن لم يؤته، ومن أتى ~~بكتاب ومن لم يأت؛ ومن لطائف هذا الترتيب أن المخصوصين بالذكر في الآية ~~الأولى بعد دخولهم في العموم أحد عشر أسماء، الأسباط أحدها، والمشهور ~~بالكتب والصحف منهم ثلاثة: إبراهيم وعيسى وداود، وقد وقع كل منهم سادسا ~~لصاحبه، وهو العد الذي كان فيه الخلق، فلعل ذلك إشارة إلى أن الله لا يحب ~~العجلة، فكما أنه لم يعجل في إنشاء الخلق, فكذلك لم يعجل بإنزال الكتب ~~التي بها قوامهم وبقاؤهم دفعة، بل أنزلها منجمة تبعا لمصالحهم وتثبيتا ~~لدعائمهم، ومن لطائفه أنه تعالى بدأ المذكورين، وختمهم باثنين من أولي ~~العزم اشتركا في أن كلا منهما أهلك من عانده كنفس واحدة بالإغراء، ~~ترهيبا لهؤلاء الملبسين على أهل الإسلام بالباطل المدعين أنهم أتباع، ~~ووسط بينهم وبين بقية المسمين عموم النبيين والمرسلين، ولعله آخر الرسل ~~ليفهم أن كل من عطفوا عليه مرسل، ولأن رتبة النبوة قبل رتبة الرسالة، ~~بمعنى أنها أعم منها. # ولما سرد أسماء من دخل في العموم بدأهم بأشرفهم ثم بالأقرب إلى هذا ~~النبي الكريم فالأقرب من المرتبين على حسب ترتيب الوجود، إشارة إلى أنه ~~سن به في الوحي سنة آبائه وإخوانهم وذرياتهم - والله أعلم. ### || [4.165-166] # ولما ms1049 كان معظم رسالة نبينا صلى الله عليه وسلم بشارة ونذارة، قال مبينا ~~أنهم مثله في ذلك كما كانوا قبله في الوحي، لأن المقصود من الإرسال لجميع ~~الرسل جمع الخلق بالبشارة والنذارة: { رسلا } أي جعلناهم رسلا، ويجوز ~~أن يكون بدلا من " رسلا " الماضي، وأن يكون حالا، حال كونهم { مبشرين ~~ومنذرين } ثم علل ذلك بقوله: { لئلا يكون } أي لينتفي أن يوجد { للناس } ~~أي نوع من فيه قوة النوس. # ولما كانت الحجة قد تطلق على مطلق العذر ولو كان مردودا، عبر بأداة ~~الاستعلاء فقال: { على الله حجة } أي واجبة القبول على الملك الذي اختص ~~بجميع صفات الكمال في أن لا يعذب عصاتهم؛ ولما كان المراد استغراق النفي ~~لجميع الزمان المتعقب للإرسال أسقط الجار فقال: { بعد } أي انتفى ذلك ~~انتفى مستغرقا لجميع الزمان الذي يوجد بعد إرسال { الرسل } وتبليغهم ~~للناس، وذلك على أن وجوب معرفته تعالى إنما يثبت بالسمع، وأما نفس ~~المعرفة والنظر والتوحيد فطريقها العقل، فالمعرفة متلقاة من العقل، ~~والوجوب متلقى من الشرع والنقل. # ولما كان ذلك ربما أوهم أنه ربما امتنع عليه قبل ذلك سبحانه أخذ بحجة أو ~~غيرها، قال مزيلا لذلك: { وكان الله } أي المستجمع لصفات العظمة { ~~عزيزا } أي يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء، فهو قادر على ما طلبوه، ولكنه لا ~~يجب عليه شيء، لأنه على سبيل اللجاج وهم غير معجزين { حكيما * } أي يضع ~~الأشياء في أتقن مواضعها، فلذلك رتب أمورا لا يكون معها لأحد حجة ومن ~~حكمته أنه لا يجيب المتعنت. # ولما لم يبق سبحانه لهم شبهة، واستمروا على عنادهم، أشار تعالى إلى ما ~~تقديره: إنهم لا يشهدون لك عند اتضاح الأمر، فقال: { لكن } أي ومع ما قام ~~من البراهين على صدقك وكون كتابك من عند الله فهم لا يشهدون بذلك لكن { ~~الله } أي الذي له الأمر كله فلا كفوء له { يشهد } أي لك { بما أنزل إليك ~~} أي من هذا الكتاب المعجز الذي قد أخرس الفصحاء وأبكم البلغاء، وفيه هذه ~~الأحكام الصادقة لما عندهم وهم يريدون الإضلال عنها، فشهادته ms1050 ببلاغته ~~وحكمته بصدق الآتي به هي شهادة الله لأنه قائله، ولذلك عللل بقوله: { ~~أنزله بعلمه } أي عالما بإنزاله على الوجه المعجز مع كثرة المعارض فلم ~~يقدر أحد ولا يقدر على إحداث شيء فيه من تغيير ولا تبديل ولا زيادة ولا ~~نقصان ولا معارضة { والملائكة } أيضا { يشهدون } بذلك لأنهم كانوا ~~حضورا لإنزاله وأمناء على من كان منهم على يده ليبلغه - كما قال تعالى: # فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم # [الجن: 27-28] وهذا خطاب للعباد على حسب ما يعرفون. # ولما كان ربما أفهم نقصا نفاه بقوله: { وكفى بالله } أي الذي له الكمال ~~كله { شهيدا } أي وكفى بشهادته في ذلك شهادة عن شهادة غيره، وذلك لأنه ~~أنزله سبحانه شاهدا بشهادته ناطقا بها لإعجازه بنظمه وبما فيه من علمه ~~من الحكم والأحكام وموافقة كتب أهل الكتاب، فشهادته بذلك هي شهادة ~~الله، وهي لعمري لا تحتاج إلى شهادة أحد غيره. ### || [4.167-169] # ولما بين سبحانه أنه أقام الأدلة على صحته بالمعجزات، فصار كأنه شهد ~~بحقيقته, كان أنفع الأشياء اتباع ذلك بوصف من جحده في نفسه وصد عنه غيره ~~زجرا عن مثل حاله وتقبيحا لما أبدى من ضلاله فقال: { إن الذين كفروا } ~~أي ستروا ما عندهم من العلم بصدقه بما دل عليه من شاهد العقل وقاطع ~~النقل، من اليهود وغيرهم { وصدوا عن سبيل الله } أي الملك الأعلى الذي لا ~~أمر لأحد معه بأنفسهم وبإضلال غيرهم بما يلقونه من الشبه من مثل هذه ~~وقولهم كذبا: إن في التوراة أن شريعة موسى عليه الصلاة والسلام لا تنسخ، ~~وقولهم: إن الأنبياء لا يكونون إلا من أبناء هارون وداود عليهما الصلاة ~~والسلام { قد ضلوا } أي عن الطريق الموصل إلى مقصودهم في حسده ومنع ما ~~يراد من إعلائه { ضلالا بعيدا * } أي لأن أشد الناس ضلالا مبطل يعتقد ~~أنه محق، ثم يحمل غيره على مثل باطله، فصاروا بحيث لا يرجى لهم الرجوع ~~إلى الطريق النافع، لا سيما إن ضم إلى ذلك الحسد، لأن داء الحسد ms1051 أدوأ ~~داء؛ ثم علل إغراقهم في الضلال بإضلاله لهم لتماديهم فيما تدعوا إليه ~~نقيصة النفس من الظلم بقوله وعيدا لهم: { إن الذين كفروا } أي ستروا ما ~~عندهم من نور العقل { وظلموا } أي فعلوا لحسدهم فعل الماشي في الظلام ~~بإعراضهم وإضلالهم غيرهم { لم يكن الله } أي بجلاله { ليغفر لهم } أي ~~لظلمهم { ولا ليهديهم طريقا * } أي لتضييعهم ما أتاهم من نور العقل ~~ومنابذتهم؛ ثم تهكم بهم بقوله: { إلا طريق جهنم } أي بما تجهموا من ~~ظلموه. # ولما كان المعنى: فإنه يسكنهم إياها، قال: { خالدين فيها } أي لأن الله ~~لا يغفر الشرك، وأكد ذلك بقوله: { أبدا } ولما كان ذلك مع ما لهم من ~~العقول أمرا عجيبا قال تعالى: { وكان ذلك } أي الأمر العظيم من كفرهم ~~وضلالهم وعذابهم { على الله يسيرا * } أي لأنه قادر على كل شيء. ### || [4.170-171] # ولما وضح بالحجاج معهم الحق، واستبان بمحو شبههم كلها من وجوه كثيرة ~~الرشد، وأوضح فساد طرقهم، وأبلغ في وعيدهم؛ أنتج ذلك صدق الرسول وحقيقة ~~ما يقول: فأذعنت النفوس، فكان أنسب الأشياء أن عمم سبحانه في الخطاب لما ~~وجب من اتباعه على وجه العموم عند بيان السبيل ونهوض الدليل، فقال مرغبا ~~مرهبا { يا أيها الناس } أي كافة { قد جاءكم الرسول } أي الكامل في ~~الرسلية الذي كان ينتظره أهل الكتاب لرفع الارتياب ملتبسا { بالحق } أي ~~الذي يطابقه الواقع، وستنظرون الوقائع فتطبقونها على ما سبق من الأخبار، ~~كائنا ذلك الحق { من ربكم } أي المحسن إليكم، فإن اتبعتم رسوله قبلتم ~~إحسانه، فتمت نعمته عليكم، ولهذا سبب عن ذلك قوله: { فآمنوا }. # ولما كان التقدير بما أرشد إليه السياق توعدا لهم: إن تؤمنوا يكن ~~الإيمان { خيرا لكم } ، عطف عليه قوله: { وإن تكفروا } أي تستمروا على ~~كفرانكم، أو تجددوا كفرا، يكن الكفران شرا لكم، أي خاصا ذلك الشر بكم، ~~ولا يضره من ذلك شيء، ولا ينقصه من ملكه شيئا، كما أن الإيمان لم ينفعه ~~شيئا ولا زاد في ملكه شيئا, لأن له الغنى المطلق، وهذا معنى قوله: { ~~فإن الله } أي الكامل العظمة { ما في ms1052 السماوات والأرض } فإنه من إقامة ~~العلة مقام المعلول، ولم يؤكد بتكرير " ما " وإن كان الخطاب مع ~~المضطربين، لأن قيام الأدلة أوصل إلى حد من الوضوح بشهادة الله ما لا ~~مزيد عليه، فصار المدلول به كالمحسوس. # ولما كان التقدير: فهو غني عنكم، وله عبيد غيركم لا يعصونه، وهو قادر ~~على تعذيبكم بإسقاط ما أراد من السماء، وخسف ما أراد من الأرض وغير ذلك، ~~وكان تنعيم المؤالف وتعذيب المخالف وتلقي النصيحة بالقبول دائرا على ~~العلم وعلى الحكمة التي هي نتيجة العلم والقدرة قال: { وكان الله } أي ~~الذي له الاختصاص التام بجميع صفات الكمال أزلا وأبدا مع أن له جميع ~~الملك { عليما } أي فلا يسع ذا لب أن يعدل عما أخبر به من أن أمر هذا ~~الرسول حق إذ هو لم يخبر به إلا عن تمام العلم، ولا يخفى عليه عاص ولا ~~مطيع { حكيما * } فلا ينبغي لعاقل أن يضيع شيئا من أوامره لأنه لم ~~يضعها إلا على كمال الأحكام، فهو جدير بأن يحل بمخالفه أي انتقام، ويثيب ~~من أطاعه بكل إنعام. # ولما اقتضى السياق الأكمل فيما سبق إتمام أمر عيسى عليه الصلاة والسلام ~~إذ كان الكلام في بيان عظيم جرأتهم وجفاءهم، وكان ما فعلوا معه أدل دليل ~~على ذلك، وكان كل من أعدائه وأحبابه قد ضل في أمره، وغلا في شأنه اليهود ~~بخفضه، والنصارى برفعه؛ اقتضى قانون العلم والحكمة المشار إليهما بختام ~~الآية السالفة بيان ما هو الحق من شأنه ودعاء الفريقين إليه فقال: { يا ~~أهل الكتاب } أي عامة { لا تغلوا في دينكم } أي لا تفرطوا في أمره، ~~فتجاوزوا بسببه حدود الشرع وقوانين العقل { ولا تقولوا على الله } أي ~~الملك الأعلى الذي لا كفوء له شيئا من القول { إلا الحق } أي الذي ~~يطابقه الواقع، فمن قال عن عيسى عليه الصلاة والسلام أنه لغير رشدة، فقد ~~أغرق في الباطل، فإنه لو كان كذلك ما وقفت أمه للدوام على الطاعات، ولا ~~ظهرت عليها عجائب الكرامات، ولا تكلم هو في المهد، ولا ظهرت على لسانه ~~ينابيع ms1053 الحكمة، ولا قدر على إحياء الموتى، وذلك متضمن لأن الله تعالى ~~العليم الحكيم أظهر المعجزات على يد من لا يحبه، وذلك مناف للحكمة، فهو ~~كذب على الله بعيد عن تنزيهه، ومن قال: إن الله أو ابن الله، فهو أبطل ~~وأبطل، فإنه لو كان كذلك لما كان حادثا ولما احتاج إلى الطعام والشراب ~~وما ينشأ عنهما، ولا قدر أحد على أذاه ولثبتت الحاجة إلى الصاحبة للإله، ~~فلم يصلح للإلهية، وذلك أبطل الباطل. # ولما ادعى اليهود أنه غير رسول، والنصارى أنه إله، حسن تعقيبه بقوله: { ~~إنما المسيح } أي المبارك الذي هو أهل لأن يمسحه الإمام بدهن القدس، لما ~~فيه من صلاحية الإمامة، وهو أهل أيضا لأن يمسح الناس ويطهرهم. لما له من ~~الكرامة، ولما ابتدأ سبحانه بوصفه الأشهر، وكان قد يوصف به غيره بينه ~~بقوله: { عيسى } ثم أخبر عنه بقوله: { ابن مريم } أتصل بها اتصال الأولاد ~~بأمهاتهم، لا يصح نسبته للبنوة إلى غيرها، وليس هو الله ولا ابن الله - ~~كما زعم النصارى { رسول الله } لا أنه لغير رشدة - كما كذب اليهود. # ولما كان تكونه بكلمة الله من غير واسطة ذكر، جعل نفس الكلمة فقال: { ~~وكلمته } لأن كان بها من غير تسبب عن أب بل، كونا خارقا للعوائد { ~~ألقاها } أي تشريفا بقوله: { وروح } أي عظيمة نفخها فيما تكون في مريم ~~من الجسد الذي قام بالكلمة، لا بمادة من ذكر، والروح هو النفخ في لسان ~~العرب، وهو كالريح إلا أنه أقوى، بما له من الواو والحركة المجانسة لها، ~~ولغلبة الروح عليه كان يحيي الموتى إذا اراد، وأكمل شرفه بقوله: { منه } ~~أي وإن كان جبرئيل هو النافخ، وإذا وصف شيء بغاية الطهارة قيل: روح، لا ~~سيما إن كان به حياة في دين أو بدن. # ولما أفصح بهذا الحق سبب عنه قوله: { فآمنوا بالله } أي الذي لا يعجزه ~~شيء، ولا يحتاج إلى شيء { ورسله } أي عيسى عليه الصلاة والسلام وغيره ~~عامة، من غير إفراط ولا تفريط، ولا تؤمنوا ببعض ولا تكفروا ببعض، فإن ذلك ~~حقا هو ms1054 الكفر الكامل - كما مر. # ولما أمرهم بإثبات الحق نهاهم عن التلبس بالباطل فقال: { ولا تقولوا } ~~أي في أمر عيسى عليه الصلاة والسلام { ثلاثة } أي استمروا أيها اليهود ~~على التكذيب بما يقول فيه النصارى، ولا تقولوا: إنه متولد من أب وأم لغير ~~رشدة - المقتضي للتثليث، وارجعوا أيها النصارى عن التثليث الذي تريدون به ~~أن الإله بثلاثة وإن ضممتم إليه أنه إله واحد، لأن ذلك بديهي البطلان، ~~فالحاصل أنه نهى كلا عن التثليث وإن كان المرادان به مختلفين، وإنما ~~العدل فيه أنه ابن مريم، فهما اثنان لا غير، وهو عبدالله ورسوله وكلمته ~~وروح منه. # ولما نهاهم عن ذلك بصيغة النهي صرح به في مادته مرغبا مرهبا في صيغة ~~الأمر بقوله: { انتهوا } أي عن التثليث الذي نسبتموه إلى الله بسببه، وعن ~~كل كفر، وقد أرشد سياق التهديد إلى أن التقدير: إن تنتهوا يكن الانتهاء { ~~خيرا لكم }. # ولما نفى أن يكون هو الله، كما تضمن قولهم، حصر القول فيه سبحانه في ضد ~~ذلك، كما فعل في عيسى عليه الصلاة والسلام فقال: { إنما الله } أي الذي ~~له الكمال كله؛ ولما كان النزاع إنما هو في الوحدانية من حيث الإلهية، لا ~~من حيث الذات قال: { إله واحد } أي لا تعدد فيه بوجه. # ولما كان المقام عظيما زاد في تقديره، فنزهه عما قالوه فقال: { سبحانه ~~} أي تنزه وبعد بعدا عظيما وعلا علوا كبيرا { أن } أي عن أن { يكون ~~له ولد } أي كما قلتم أيها النصارى! فإن ذلك يقتضي الحاجة، ويقتضي ~~التركيب والمجانسة، فلا يكون واحدا؛ ثم علل ذلك بقوله: { له } أي لأنه ~~إله واحد لا شريك له له { ما في السماوات } وأكد لأن المقام له فقال: { ~~وما في الأرض } أي خلقا وملكا وملكا، فلا يتصور أن يحتاج إلى شيء ~~منهما ولا إلى شيء متحيز فيهما، ولا يصح بوجه أن يكون بعض ما يملكه ~~المالك جزءا منه وولدا له، وعيسى وأمه عليهما الصلاة والسلام من ذلك، ~~وكل منهما محتاج إلى ما في الوجود. # ولما كان معنى ذلك أنه ms1055 الذي دبرهما وما فيهما، لأن الأرض في السماء، وكل ~~سماء في التي فوقها، والسابعة في الكرسي، والكرسي في العرش، وهو ذو العرش ~~العظيم لا نزاع في ذلك، وذلك هو وظيفة الوكيل بالحقيقة ليكفي من وكله كل ~~ما يهمه؛ كان كأنه قيل: وهو الوكيل فيهما وفي كل ما فيهما في تدبير ~~مصالحكم، فبنى عليه قوله: { وكفى بالله } أي الذي أحاط بكل شيء علما ~~وقدرة { وكيلا * } أي يحتاج إليه كل شيء، ولا يحتاج هو إلى شيء، وإلا ~~لما كان كافيا. ### || [4.172-174] # ولما كان الوكيل من يقوم مقام الموكل، ويفعل ما يعجز عنه الموكل، وكان ~~الله تعالى لا يعجزه شيء، ولا يحتاج إلى شيء، وكان عيسى عليه الصلاة ~~السلام لا يدعي القدرة على شيء إلا بالله، وكان يحتاج إلى النوم وإلى ~~الأكل والشرب وإلى ما يستلزمانه، صح أنه عبدالله فقال سبحانه دالا على ~~ذلك: { لن يستنكف } أي يطلب ويريد أن يمتنع ويأبى ويستحي ويأنف ويستكبر { ~~المسيح } أي الذي ادعوا فيه الإلهية، وأنفوا له من العبودية لكونه خلق من ~~غير ذكر، ولكونه أيضا يخبر ببعض المغيبات، ويحيي بعض الأموات، ويأتي ~~بخوارق العادات { أن } أي من أن { يكون عبدا لله } أي الملك الأعظم الذي ~~عيسى عليه الصلاة والسلام من جملة مخلوقاته، فإنه من جنس البشر في الجملة ~~وإن كان خلقه خارقا لعادة البشر { ولا الملائكة } أي الذين هم أعجب ~~خلقا منه في كونهم ليسوا من ذكر ولا أنثى ولا ما يجانس عنصر البشر، ~~فكانوا لذلك أعجب خلقا من آدم عليه الصلاة والسلام أيضا، وهم لا ~~يستنكفون بذلك عن أن يكونوا عباد الله. # ولما كان التقريب مقتضيا في الأغلب للاستحقاق، وكان صفة عامة للملائكة ~~قال: { المقربون } أي الذين هم في حضرة القدس، فهم أجدر بعلم المغيبات ~~وإظهار الكرامات، وجبرئيل الذي هو أحدهم كان سببا في حياة عيسى عليه ~~الصلاة والسلام، وقد ادعى بعض الناس فيهم الإلهية أيضا، وبهذا طاح ~~استدلال المعتزلة بهذه الآية على أفضلية الملك على البشر بأن العادة في ~~مثل هذا السياق الترقي من ms1056 الأدنى إلى الأعلى بعد تسليم مدعاهم، لكن في ~~الخلق لا في المخلوق. # ولما أخبر تعالى عن خلص عباده بالتشرف بعبوديته أخبر عمن يأبى ذلك، ~~فقال مهددا محذرا موعدا: { ومن يستنكف } أي من الموجودات كلهم { عن ~~عبادته } ولما كان الاستنكاف قد يكون بمعنى مجرد الامتناع لا كبرا، قال ~~مبينا للمراد من معناه هنا: { ويستكبر } أي يطلب الكبر عن ذلك ويوجده، ~~لأن مجرد الامتناع لا يستلزمه. # ولما كان الحشر عاما للمستكبر وغيره كان الضمير في { فسيحشرهم } عائدا ~~على العباد المشار إليهم بعبدا وعبادته، ولا يستحسن عوده على " من " ~~لأن التفصيل يأباه، والتقدير حينئذ: فسيذلهم لأنه سيحشر العباد { إليه ~~جميعا * } أي المستكبرين وغيرهم بوعد لا خلف فيه لأن الكل يموتون، ومن ~~مات كان مخلوقا محدثا قطعا، ومن كان مقدورا على ابتدائه وإفنائه كانت ~~القدرة على إعادته أولى، والحشر: الجمع بكره. # ولما عم بالحشر المستكبرين وغيرهم جاء التفصيل إلى القسمين فقال: { فأما ~~الذين آمنوا } أي أذعنوا الله تعالى وخضعوا له { وعملوا الصالحات } ~~تصديقا لإقرارهم بالإيمان { فيوفيهم أجورهم } أي التي جرت العادات بينكم ~~أن يعطوها وإن كانوا في الحقيقة لا يستحقونها، لأن الله تعالى هو الذي ~~وفقهم لها، فهي فضل منه عليهم { ويزيدهم } أي بعد ما قضيت به العادات { ~~من فضله } أي شيئا لا يدخل تحت الحصر لأنه ذو الفضل العظيم { وأما الذين ~~استنكفوا واستكبروا } أي طلبوا كلا من الإباء والكبر { فيعذبهم عذابا ~~أليما * } أي بما وجدوا من لذاذة الترفع والكبر، وآلموا بذلك أولياء ~~الله { ولا يجدون لهم } أي حالا ولا مآلا { من دون الله } الذي لا أمر ~~لأحد معه { وليا } أي قريبا يصنع معهم ما يصنع القريب { ولا نصيرا * } ~~أي وإن كان بعيدا، وفي هذا أتم زاجر عما قصده المنافقون من موالاة أهل ~~الكتاب، وأعظم ناف لما منوهم إياه مما لهم وزعموا من المنزلة عند الله، ~~المقتضية أن يقربوا من شاؤوا، ويبعدوا من شاؤوا، وهو من أنسب الأشياء ~~لختام أول الآيات المحذرة منهم # وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا # [النساء: 45]. # ولما أزاح شبه جميع ms1057 المخالفين من سائر الفرق: اليهود والنصارى ~~والمنافقين، وأقام الحجة عليهم، وأقام الأدلة القاطعة على حشر جميع ~~المخلوقات، فثبت أنهم كلهم عبيده؛ عم في الإرشاد لطفا منه بهم فقال: { ~~يا أيها الناس } أي كافة أهل الكتاب وغيرهم. # ولما كان السامع جديرا بأن يكون قد شرح صدرا بقواطع الأدلة بكلام وجيز ~~جامع قال: { قد جاءكم برهان } أي حجة نيرة واضحة مفيدة لليقين التام، ~~وهو رسول مؤيد بالأدلة القاطعة من المعجزات وغيرها { من ربكم } أي المحسن ~~إليكم بإرسال الذي لم تروا قط إحسانا إلا منه. # ولما كان القرآن صفة الرحمن أتى بمظهر العظمة فقال: { وأنزلنا } أي بما ~~لنا من العظمة والقدرة والعلم والحكمة على الرسول الموصوف، منتهيا { ~~إليكم نورا مبينا * } أي واضحا في نفسه موضحا لغيره، وهو هذا القرآن ~~الجامع بإعجازه وحسن بيانه بين تحقيق النقل وتبصير العقل، فلم يبق لأحد ~~من المدعوين به نوع عذر، والحاصل أنه سبحانه لما خلق للآدمي عقلا وأسكنه ~~نورا لا يضل ولا يميل مهما جرد، ولكنه سبحانه حفه بالشهوات والحظوظ ~~والملل والفتور، فكان في أغلب أحواله قاصرا إلا الأنبياء عليهم الصلاة ~~والسلام ومن ألحقه سبحانه بهم؛ أنزل كتبه بذلك العقل مجردا عن كل عائق، ~~وأمرهم أن يجعلوا عقولهم تابعة له منقادة به، لأنها مشوبة، وهو مجرد لا ~~شوب فيه بوجه. ### || [4.175-176] # ولما أشار في هذه الآية إلى الرسول الأصفى والنبي الأهدى، المجبول على ~~هذا العقل الأقوم الأجلي، والكتاب الأتم الأوفى، الجاري على هذا القانون ~~الأعلى، الوافي تعبيره الوجيز بأحكام الأولى والأخرى، الكفيل سياقه ~~وترتيب آياته بوضوح الأدلة وظهور الحجج؛ أخذ يقسم المنذرين فقال تعالى: { ~~فأما الذين آمنوا بالله } أي الذي اتضح أنه لا أمر لأحد معه في ذاته ~~وصفاته وأفعاله وأحكامه وأسمائه بما دل عليه قاطع البرهان { واعتصموا به ~~} أي جعلوه عصاما لهم في الفرائض التي هي من أعظم مقاصد هذه السورة، ~~يربطهم ويضبطهم عن أن يضلوا بعد الهدى، ويرجعوا من الاسبتصار إلى العمى، ~~لأن العصام هو الرابط للوعاء أن يخرج شيء مما فيه، وصيغة الافتعال تدل ms1058 ~~على الاجتهاد في ذلك، لأن النفس داعية إلى الإهمال المنتج للضلال { ~~فسيدخلهم } أي بوعد لا خلف فيه، ولعل السين ذكرت لتفيد مع تحقيق الوعد ~~الحث على المثابرة والمداومة على العمل إشارة إلى عزة ما عنده سبحانه { ~~في رحمة منه } أي ثواب عظيم هو برحمته لهم، لا بشيء استوجبوه، وأشار إلى ~~البر على ما تقتضيه أعمالهم لو كانت لهم بقوله: { وفضل } أي عظيم يعلمون ~~أنه زيادة، لا سبب لهم فيها { ويهديهم } أي في الدنيا والآخرة { إليه ~~صراطا } أي عظيما واضحا جدا { مستقيما * } أي هو مرشد قومه، كأنه ~~طالب لتقويم نفسه، فهو يوصلهم لا محالة إلى وعده بما يحفظهم في سرهم ~~وعلنهم، يستجلي أنوار عالم القدس في أرواحهم وتوفيقهم لاتباع ما هدت إليه ~~من أمر الفرائض وغيرها، فقد أتى - كما ترى - بأما المقتضية للتقسيم لا ~~محالة، وأتى بأحد القسمين المذكورين في الآية التي قبلها، ووصفهم ~~بالاعتصام بالله في النصرة وقبول جميع أحكامه في الفرائض غيرها، وافقت ~~أهويتهم أو خالفتها، تعريضا للمنافقين الذين والوا غيرهم، وبالكافرين ~~الذين آمنوا ببعض وكفروا ببعض، وترك القسم الآخر وهو قسم المستنكفين ~~والمستكبرين، ووضع موضعه حكما من أحكام الفرائض المفتتح بها السورة التي ~~هي من أعظم مقاصدها من غير حرف عطف، بل بكمال الاتصال، فقال منكرا عليهم ~~تكرير السؤال عن النساء والأطفال بعد شافي المقال، مبينا أنه قد هدى في ~~ذلك كله أقوم طريق: { يستفتونك } أي يسألونك أن تفتيهم، أي أن تبين لهم ~~بما عندك من الكرم والجود والسخاء ما انغلق عليهم أمره وانبهم لديهم سره ~~من حكم الكلالة، وللاعتناء بامر المواريث قال إشارة إلى أن الله لم يكل ~~أمرها إلى غيره: { قل الله } أي الملك الأعظم { يفتيكم في الكلالة } وهو ~~من لا ولد له؛ ولا والد روى البخاري في التفسير عن البراء رضي الله عنه ~~قال: آخر سورة نزلت براءة وآخر آية نزلت { يستفتونك قل الله يفتيكم في ~~الكلالة } ، وقال الأصبهاني عن الشعبي: اختلف أبو بكر وعمر رضي الله ~~عنهما في الكلالة، فقال أبو بكر: هو ما ms1059 عدا الوالد، وقال عمر: ما عدا ~~الوالد والولد، ثم قال عمر: إني لأستحي من الله أن أخالف أبا بكر رضي ~~الله عنه؛ ثم استأنف قوله: { إن امرؤ هلك } أي وهو موصوف بأنه، أو حال ~~كونه { ليس له ولد } أي وإن سفل سواء كان ذكرا أو أنثى عند إرث النصف، ~~وليس له أيضا والد، فإن كان له أحدهما لم يسم كلالة وقد بينت ذلك السنة؛ ~~قال الأصبهاني: وليسا بأول حكمين بين أحدهما بالكتاب والآخر بالسنة، ~~وهو قوله عليه الصلاة والسلام: # " ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى عصبة ذكر، والأب أولى من الأخ " # { و } الحال أنه { له أخت } أي واحدة من أب شقيقة كانت أو لا، لأنه ~~سيأتي أن أخاها يعصبها، فلو كان ولد أم لم يعصب { فلها نصف ما ترك وهو } ~~أي وهذا الأخ الميت { يرثها } أي إن ماتت هي وبقي هو، جميع مالها { إن لم ~~يكن لها ولد } أي ذكرا كان أو أنثى - كما مر في عكسه، هذا إن أريد ~~بالإرث جميع المال، وإلا فهو يرث مع الأنثى كما أنها هي أيضا ترث مع ~~الأنثى - كما يرشد إليه السياق أيضا - دون النصف. # ولما بين الأمر عند الانفراد أتبعه بيانه عند الاجتماع، وقدم أقله فقال: ~~{ فإن كانتا } أي الوارثتان ببيان السياق لهما وإرشاده إليهما؛ ولما أضمر ~~ما دل عليه السياق، وكان الخبر صالحا لأن يكون: صالحتين، أو صغيرتين، أو ~~غير ذلك؛ بين أن المراد - كما يرشد إليه السياق أيضا - مطلق العدد على ~~أي وصف اتفق فقال: { اثنتين } أي من الأخوات للأب شقيقتين كانتا أو لا { ~~فلهما الثلثان مما ترك } فإن كانت شقيقتين كان لكل منهما ثلث، وإن ~~اختلفتا كان للشقيقة النصف وللتي للأب فقط السدس تكملة الثلثين. # ولما بين أقل الاجتماع أتبعه ما فوقه فقال: { وإن كانوا } أي الوارث { ~~إخوة } أي مختلطين { رجالا ونساء فللذكر } أي منهم { مثل حظ الأنثيين } ~~وقد أنهى سبحانه ما أراد من بيان إرث الأخوة لأب، فتم بذلك جميع أحوال ما ~~أراد من الإرث، وهو على وجازته ms1060 كما ترى - يحتمل مجلدات - والله الهادي، ~~ووضع هذه الآية هنا - كما تقدم - إشارة منه إلى أن من أبى توريث النساء ~~والصغار الذي تكرر الاستفتاء عنه فقد استنكف عن عبادته واستكبر وإن آمن ~~بجميع ما عداه من الأحكام، ومن استنكف عن حكم من الأحكام فذاك هو الكافر ~~حقا، وهذا مراد شياطين أهل الكتاب العارفين بصحة هذه الأحكام، الحاسدين ~~لكم عليها، المريدين لضلالكم عنها لتشاركوهم في الشقاء الذي وقع لهم لما ~~بدلوا الأحكام المشار إليهم بعد ذكر آيات الميراث وما تبعها من أحوال ~~النكاح بقوله: # يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم # [النساء: 26] وقوله: # ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما # [النساء: 27] ثم المصرح بهم في قوله: # ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة ويريدون أن ~~تضلوا السبيل والله أعلم بأعدائكم # [النساء: 44] ولذلك - والله أعلم - ختم هذه الآية بقوله: { يبين الله } ~~أي الذي أحاط بكل شيء قدرة وعلما { لكم } أي ولم يكلكم في هذا البيان ~~إلى بيان غيره، وقال مرغبا مرهبا: { أن } أي كراهة أن { تضلوا والله } ~~أي الذي له الكمال كله { بكل شيء عليم * } أي فقد بين لكم بعلمه ما ~~يصلحكم بيانه محيا ومماتا دنيا وأخرى، حتى جعلكم على المحجة البيضاء ~~في مثل ضوء النهار، لا يزيغ عنها منكم إلا هالك، والحاصل أن تأخير هذه ~~الآية إلى هنا لما تقدم من أن تفريق القول فيما تأباه النفوس وإلقاءه ~~شيئا فشيئا باللطف والتدريج أدعى لقبوله، وللإشارة إلى شدة الاهتمام ~~بأمر الفرائض بجعل الكلام فيها في جميع السورة أولها وأثنائها وآخرها، ~~والتخويف من أن يكون حالهم كحال المنافقين في إضلال أهل الكتاب لهم ~~بإلقاء الشبهة وأخذهم من الموضع الذي تهواه نفوسهم, ومضت عليه أوائلهم، ~~وأشربته قلوهبم، والترهيب من أن يكونوا مثلهم في افيمان ببعض والكفر ~~ببعض، فيؤديهم ذلك إلى إكمال الكفر، لأن الدين لا يتجزأ، بل من كفر بشيء ~~منه كفر به جميعه، ومن هنا ظهرت مناسبة آخر هذه السورة لأولها، لأن أولها ~~مشير إلى أن الناس ms1061 كلهم كشيء واحد، وذلك يقتضي عدم الفرق بينهم إلا فيما ~~شرعه الله، وآخرها مشير إلى ذلك بالتسوية بين النساء والرجال في مطلق ~~التوريث بقرب الأرحام وإن اختلفت الأنصباء، فكأنه قيل: يا أيها الناس ~~اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها، وبث منهما رجالا ~~كثيرا ونساء، وسوى بينهم فيما أراد من الأحكام فإنه من استكبر - ولو عن ~~حكم من أحكامه - فسيجازيه يوم الحشر، ولا يجد له من دون الله ناصرا؛ ولا ~~يخفى عليه شيء من حاله، وما أشد مناسبة ختامها بإحاطة العلم لما دل عليه ~~أولها من تمام القدرة، فكان آخرها دليلا على أولها لأن تمام العلم ~~مستلزم لشمول القدرة، قال الإمام: وهذان الوصفان هما اللذان بهما ثبتت ~~الربوية والإلهية والجلال والعزة، وبهما يجب على العبد أن يكون مطيعا ~~للأوامر والنواهي منقادا لكل التكاليف - انتهى. ولختام أول آية فيها ~~بقوله: # إن الله كان عليكم رقيبا # [النساء: 1] أي وهو بكل شيء من أحوالكم وغيرها عليم، فلا تظنوا أنه يخفى ~~عليه شيء وإن دق، فليشتد حذركم منه ومراقبتكم له، وذلك أشد شيء مناسبة ~~لأول المائدة - والله الموفق بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ### | [5 - سورة المائدة] ### || [5.1] # مقصودها الوفاء بما هدى إليه الكتاب، ودل عليه ميثاق العقل من توحيد ~~الخالق ورحمة الخلائق شكرا لنعمه واستدفاعا لنقمة، وقصة المائدة أدل ما ~~فيها على ذلك، فإن مضمونها أن من زاغ عن الطمأنينة بعد الكشف الشافي ~~والإنعام الوافي نوقش الحساب فأخذه العذاب، وتسميتها بالعقود أوضح دليل ~~على ما ذكرت من مقصودها وكذا الأحبار. # { بسم الله } أي الذي تمت كلماته فصدقت وعوده وعمت مكرماته { الرحمن } ~~الذي عم بالدعاء إلى الوفاء في حقوقه وحقوق مخلوقاته { الرحيم } الذي نظر ~~إلى القلوب فثبت منها على الصدق ما جبله على التخلق بصفاته. # لما أخبر تعالى في آخر سورة النساء أن اليهود لما نقضوا المواثيق التي ~~أخذها عليهم حرم عليهم طيبات أحلت لهم من كثير من بهيمة الأنعام المشار ~~إليها بقوله # وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر # [الأنعام: 146]، واستمر تعالى ms1062 في هتك أستارهم وبيان عوارهم إلى أن ختم ~~بآية في الإرث الذي افتتح آياته بالإيصاء وختمها بأنه شامل العلم، ناسب ~~افتتاح هذه بأمر المؤمنين الذي اشتد تحذيره لهم منهم بالوفاء الذي جل ~~مبناه القلب الذي هو عيب، فقال مشيرا إلى أن الناس الذين خوطبوا أو تلك ~~الأهلوا لأول أسنان الإيمان ووصفوا بما هم محتاجون إليه، وتخصيصهم مشير ~~إلى أن من فوقهم من الأسنان عنده من الرسوخ ما يغنيه عن الحمل بالأمر، ~~وذلك أبعث له على التدبر والأمتثال: { يا أيها الذين آمنوا } أي ادعوا ~~ذلك بألسنتهم { أوفوا } أي صدقوا ذلك بأن توفوا { بالعقود } أي العهود ~~الموثقة المحكمة, وهي تعم جميع أحكامه سبحانه فيما أحل أو حرم أو ندب على ~~سبيل الفرض أو غيره، التي من جملتها الفرائض التي افتتحها بلفظ الإيصاء ~~الذي هو من أعظم العهود، وتعم سائر ما بين الناس من ذلك، حتى ما كان في ~~الجاهلية من عقد يدعو إلى بر، وأما غير ذلك فليس بعقد، بل حل بيد الشرع ~~القوية، تذكيرا بما أشار إليه قوله تعالى في حق أولئك # اذكروا نعمتي وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون # [البقرة: 40] وإخبارا لهم بأنه أحل لهم ما حرم على أولئك، فقال على ~~سبيل التعليل مشيرا إلى أن المقصود من النعمة كونها، لا بقيد فاعل ~~مخصوص، وإلى أن المخاطبين يعلمون أنه لا منعم غيره سبحانه: { أحلت لكم } ~~والإحلال من أجل العقود { بهيمة } وبينها بقوله: { الأنعام } أي أوفوا ~~لأنه أحل لكم بشامل علمه وكامل قدرته لطفا بكم ورحمة لكم ما حرم على من ~~قبلكم من الإبل والبقر والغنم بإحلال أكلها والانتفاع بجلودها وأصوافها ~~وأوبارها وأشعارها وغير ذلك من شأنها، فاحذروا أن تنقضوا كما نقضوا، ~~فيحرم عليكم ما حرم عليهم، ويعد لكم من العقاب ما أعد لهم، ولا تعترضوا ~~على نبيكم، ولا تتعنتوا كما اعترضوا وتعنتوا، فإن ربكم لا يسأل عما يفعل، ~~وسيأتي في قوله: # لا تسئلوا عن أشياء # [المائدة: 101] ما يؤيد هذا. # ولما كانوا ربما فهموا من هذا الإحلال ما ألفوا من الميتات ms1063 ونحوها قال ~~مستثنيا من نفس البهيمة، وهي في الأصل كل حي لا يميز، مخبرا أن من أعظم ~~العقود ما قدم تحريمه من ذلك في البقرة: { إلا ما يتلى عليكم } أي في ~~بهيمة الأنعام أنه محرم، فإنه لم يحل لكم، ونصب { غير محلي الصيد } على ~~الحال أدل دليل على أن هذا السياق. وإن كان صريحه مذكرا بالنعمة لتشكر - ~~فهو مشار به إلى التهديد إن كفرت، أي أحل لكم ذلك في هذه الحال، فإن ~~تركتموها انتفى الإحلال، وهذه مشيرة إلى تكذيب من حرم من ذلك ما أشير ~~إليه بقوله تعالى في التي قبلها حكاية عن الشيطان # ولآمرنهم فليبتكن أذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله # [النساء: 119] من السائبة وما معها مما كانوا اتخذوه دينا، وفصلو فيه ~~تفاصيل - كما سيأتي صريحا في آخر هذه السورة بقوله تعالى: # ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة # [المائدة: 103] الآية، وكذا في آخر الأنعام، وفي الأمر بالوفاء بالعقود ~~بعد الإخبار بأنه بكل شيء عليم غاية التحذير من تعمد الإخلال بشيء من ذلك ~~وإن دق، وفي افتتاح هذه المسماة بالمائدة بذكر الأطعمة عقب سورة النساء - ~~التي من أعظم مقاصدها النكاح والإرث، المتضمن للموت المشروع فيهما ~~الولائم والمآتم. أتم مناسبة، وقال ابن الزبير: لما بين تعالى حال أهل ~~الصراط المستقيم، ومن تنكب عن نهجهم، ومآل الفريقين من المغضوب عليهم ~~والضالين، وبين لعباده المتقين ما فيه هداهم وبه خلاصهم أخذا وتركا، ~~وجعل طي ذلك الأسهم الثمانية الواردة في حديث حذيفة رضي الله عنه في ~~قوله: " الإسلام ثمانية أسهم: الإسلام سهم والشهادة سهم، والصلاة سهم، ~~والزكاة سهم، والصوم سهم، والحج سهم، والأمر بالمعروف سهم، والنهي عن ~~المنكر سهم، وقد خاب من لا سهم له " قلت: وهذا الحديث أخرجه البزار عن ~~حذيفة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " الإسلام ثمانية أسهم: الإسلام سهم، والصلاة سهم " # فذكره، وصحح الدارقطني وقفه، ورواه أبو يعلى الموصلي عن علي رضي الله ~~عنه مرفوعا والطبراني في الأوسط عن ابن عباس رضي الله عنهما قالك ms1064 " قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " الإسلام عشرة أسهم، وقد خاب من لا سهم له: شهادة أن لا إله إلا الله ~~سهم وهي الملة، والثانية: الصلاة وهي الفطرة، والثالثة: الزكاة وهي ~~الطهور، والرابعة: الصوم وهي الجنة، والخامسة: الحج وهي الشريعة، ~~والسادسة: الجهاد وهي الغزوة، والسابعة: الأمر بالمعروف وهو الوفاء ~~والثامنة: النهي عن المنكر وهي الحجة، والتاسعة: الجماعة وهي الألفة، ~~والعاشرة: الطاعة وهي العصمة " # وفي سنده من ينظر في حاله؛ قال ابن الزبير: وقال صلى الله عليه وسلم: # " بني الإسلام على خمس " # أي في الحديث الذي أخرجه الشيخان وغيرهما عن ابن عمر وغيره واحد من ~~الصحابة رضي الله عنهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول ~~الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والحج وصوم رمضان " # قال ابن الزبير: وقد تحصلت - أي الأسهم الثمانية والدعائم الخمس - فيما ~~مضى، وتحصل مما تقدم أن أسوأ حال المخالفين حال من غضب الله عليه ولعنه، ~~وأن ذلك ببغيهم وعداوتهم ونتقضهم العهود # فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم # [المائدة: 13] وكان النقض كل مخالفة، قال الله تعالى لعباده المؤمنين: { ~~يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود } [المائدة: 1] لأن اليهود والنصارى ~~إنما أتى عليهم من عدم الوفاء ونقض العهود، فحذر المؤمنين - انتهى. ~~والمراد بالأنعام الأزواج الثمانية المذكورة في الأنعام وما شابهها من ~~حيوان البر، ولكون الصيد مراد الدخول في بهيمة الأنعام استثنى بعض أحواله ~~فقال: { وأنتم حرم } أي أحلت البهيمة مطلقا إلا ما يتلى عليكم من ~~ميتاتها وغيرها في غير حال الدخول في الإحرام بالحج أو العمرة أو دخول ~~الحرم، وأما في حال الإحرام فلا يحل الصيد أكلا ولا فعلا. # ولما كان مدار هذه السنة على الزجر والإحجام عن أشياء اشتد ألفهم لها ~~والتفاتهم إليها، وعظمت فيها رغباتهم من الميتات وما معها، والأزلام ~~والذبح على النصب، وأخذ الإنسان بجريمة الغير، والفساد في الأرض، والسرقة ~~والخمر والسوائب والبحائر - إلى غير ذلك؛ ذكر في أولها بالعهود التي ~~عقدوها على أنفسهم ms1065 ليلة العقبة حين تواثقوا على الإسلام من السمع والطاعة ~~في المنشط والمكر والعسر واليسر فيما أحبوا وكرهوا، وختم الآية بقوله ~~معللا: { إن الله } أي ملك الملوك { يحكم ما يريد * } أي من تحليل ~~وتحريم وغيرهما على سبيل الإطلاق كالأنعام، وفي حال دون حال كما شابهها ~~من الصيد، فلا يسأل عن تخصيص ولا عن تفضيل ولا غيره، فما فهمتم حكمته ~~فذاك، وما لا فكلوه إليه، وارغبوا في أن يلهمكم حكمته؛ قال الإمام - وهذا ~~هو الذي يقوله أصحابنا -: إن علة حسن التكليف هو الربوبية والعبودية، لا ~~ما يقوله المعتزلة من رعاية المصلحة. ### || [5.2] # ولما استثنى بعض ما أحل على سبيل الإبهام شرع في بيانه، ولما كان منه ما ~~نهى عن التعرض له لا مطلقا، بل ما يبلغ محله، بدأ به لكونه في ذلك ~~كالصيد، وقدم على ذلك عموم النهي عن انتهاك معالم الحج المنبه عليه ~~بالإحرام، أو عن كل محرم في كل مكان وزمان، فقال مكررا لندائهم تنويها ~~بشأنهم وتنبيها لعزائمهم وتذكيرا لهم بما ألزموه أنفسهم: { يا أيها ~~الذين آمنوا } أي دخلوا في هذا الدين طائعين { لا تحلو شعائر الله } أي ~~معالم حج بيت الملك الأعظم الحرام، أو حدوده في جميع الدين، وشعائر الحج ~~أدخل في ذلك، والاصطياد أولاها. # ولما ذكر ما عممه في الحرم أو مطلقا، أتبعه ما عممه في الزمان فقال: { ~~ولا الشهر الحرام } أي فإن ذلك لم يزل معاقدا على احترامه في الجاهلية ~~والإسلام، ولعله وحده والمراد الجمع إشارة إلى أن الأشهر الحرم كلها في ~~الحرمة سواء. # ولما ذكر الحرم والأشهر الحرم ذكر ما يهدى للحرم فقال: { ولا الهدي } ~~وخص منه أشرفه فقال: { ولا القلائد } أي صاحب القلائد من الهدي، وعبر بها ~~مبالغة في تحريمه؛ ولما أكد في احترام ما قصد به الحرم من البهائم رقى ~~الخطاب إلى من قصده من العقلاء، فإنه مماثل لما تقدمه في أن قصد البيت ~~الحرام حام له وزاجر عنه، مع ما زاد به من شرف العقل فقال: { ولا آمين } ~~أي ولا تحلوا التعرض لناس ms1066 قاصدين { البيت الحرام } لأن من قصد بيت الملك ~~كان محترما باحترام ما قصده. # ولما كان المراد القصد بالزيارة بقوله: { يبتغون } أي حال كونهم يطلبون ~~على سبيل الاجتهاد { فضلا من ربهم } أي المحسن إليهم شكرا لإحسانه، بأن ~~يثيبهم على ذلك، لأن ثوابه لا يكون على وجه الاستحقاق الحقيقي أصلا؛ ~~ولما كان الثواب قد يكون مع السخط قال: { ورضوانا } وهذا ظاهر في ~~المسلم، ويجوز أن يراد به أيضا الكافر، لأن قصده البيت الحرام على هذا ~~الوجه يرق قلبه فيهيئه للإسلام، وعلى هذا فهي منسوخة. # ولما كان التقدير: فإن لم يكونوا كذلك. أي في أصل القصد ولا في وصفه - ~~فهم حل لكم وإن لم تكونوا أنتم حرما، والصيد حلال لكم، عطف عليه التصريح ~~بما أفهمه التقييد فيما سبق بالإحرام فقال: { وإذا حللتم } أي من الإحرام ~~بقضاء المناسك والإحصار { فاصطادوا } وترك الشهر الحرام إذ كان الحرام ~~فيه حراما في غيره، وإنما صرح به تنويها بقدره وتعظيما لحرمته، ثم أكد ~~تحريم قاصد المسجد الحرام وإن كان كافرا، وإن كان على سبيل المجازاة ~~بقوله: { ولا يجرمنكم } أي يحملنكم { شنئان قوم } أي شدة بغضهم. # ولما ذكر البغض أتبعه سببه فقال: { إن } على سبيل الاشتراط الذي يفهم ~~تعبير الحكم به أنه سيقع، هذا في قراءة ابن كثير وأبي عمرو، والتقدير في ~~قراءة الباقين بالفتح: لأجل أن { صدوكم } أي في عام الحديبية أو غيره { ~~عن المسجد الحرام } أي على { أن تعتدوا } أي يشتد عدوكم عليهم بأن تصدوهم ~~عنه أو بغير ذلك، فإن المسلم من لم يزده تعدي عدوه فيه حدود الشرع إلا ~~وقوفا عند حدوده، وهذا قبل نزول # إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام # [التوبة: 28] سنة تسع. # ولما نهاهم عن ذلك، وكان الانتهاء عن الحظوظ شديدا على النفوس، وكان ~~لذلك لا بد في الغالب من منته وآب، أمر بالتعاون في الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر فقال: { وتعاونوا على البر } وهو ما اتسع وطاب من حلال ~~الخير { والتقوى } وهي كل ما يحمل على الخوف من الله، فإنه الحامل على ms1067 ~~البر، فإن كان منكم من اعتدى فتعاونوا على رده، وإلا فازدادوا بالمعاونة ~~خيرا. # ولما كان المعين على الخير قد يعين على الشر قال تنبيها على الملازمة ~~في المعاونة على الخير، ناهيا أن يغضب الإنسان لغضب أحد من صديق أو قريب ~~إلا إذا كان الغضب له داعيا إلى بر وتقوى: { ولا تعانوا على الإثم } أي ~~الذنب الذي يستلزم الضيق { والعدوان } أي المبالغة في مجاوزة الحدود ~~والانتقام والتشفي وغير ذلك وكرر الأمر بالتقوى إشارة إلى أنها الحاملة ~~على كل خير فقال: { واتقوا } أي الذي له صفات الكمال لذاته فلا تتعدوا ~~شيئا من حدوده؛ ولما كان كف النفس عن الانتقام وزجرها عن شفاء داء الغيظ ~~وتبريد غلة الاحن في غاية العسر، ختم الآية بقوله: { إن الله } أي الملك ~~الأعظم { شديد العقاب }. ### || [5.3] # ولما أتم الكلام على احترام أعظم المكان وأكرم الزمان وما لابسهما، فهذب ~~النفوس بالنهي عن حظوظها، وأمر بعد تخليتها عن كل شر بتحليتها بكل خير ~~عدد على سبيل الاستئناف ما وعد بتلاوته عليهم مما حرم مطلقا إلا في حال ~~الضرورة فقا: { حرمت } بانيا الفعل للمفعول لأن الخطاب لمن يعلم أنه لا ~~محرم إلا الله، وإشعارا بأن هذه الأشياء لشدة قذارتها كأنها محرمة ~~بنفسها { عليكم الميتة } وهي ما فقد الروح بغير ذكاة شرعية، فإن دم كل ما ~~مات حتف أنفه يحبس في عروقه ويتعفن ويفسد، فيضر أكله البدن بهذا الضرر ~~الظاهر، والدين بما يعلمه أهل البصائر { والدم } أي المسفوح، وهو ~~المتبادر إلى الذهن عند الإطلاق { ولحم الخنزير } خصة بعد دخوله في ~~الميتة لاتخاذ النصارة أكله كالدين { وما أهل } ولما كان القصد في هذه ~~السورة إلى حفظ محكم العهود المذكر بجلاله الباهر، قدم المفعول له فقال: ~~{ لغير الله } أي الملك الأعلى { به } أي ذبح على اسم غيره من صنم أو ~~غيره على وجه التقرب عبادة لذلك الشيء، والإهلاك: رفع الصوت. # ولما كان من الميتات ما لا تعافه النفوس عيافتها لغيره، نص عليه فقال: { ~~والمنخنقة } أي بحبل ونحوه، سواء خنقها أو لا { والموقوذة } أي ms1068 المضروبة ~~بمثقل، من: وقذه - إذا ضربه { والمتردية } أي الساقطة من عال، المضطربة ~~غالبا في سقوطها { والنطيحة } أي التي نطحها فماتت { وما أكل السبع } أي ~~كالذئب والنسر ونحوهما. # ولما كان كل واحدة من هذه قد تدرك حية فتذكى، استثنى فقال: { إلا ما ~~ذكيتم } أي من ذلك كله بأن أدركتموه وفيه حياة مستقرة، بأن اشتد اضطرابه ~~وانفجر منه الدم؛ ولما حرم الميتات وعد في جملتها ما ذكر عليه اسم غير ~~الله عبادة، ذكر ما ذبح على الحجارة التي كانوا ينصبونها للذبح عندها ~~تدينا وإن لم يذكر اسم شيء عليها فقال: { ما ذبح على النصب } وهو واحد ~~الأنصاب، وهي حجارة كانت حول الكعبة تنصب، فيهل عليها ويذبح عندها تقربا ~~إليها وتعظيما لها { وأن تستقسموا } أي تطلبوا على ما قسم لكم { ~~بالأزلام } أي القداح التي لا ريش لها ولا نصل، واحدها بوزن قلم وعمر ~~وكانت ثلاثة، على واحد: أمرني ربي، وعلى آخر: نهاني ربي، والآخر غفل، فإن ~~خرج الآمر فعل، أو الناهي ترك، أو الغفل أجيلت ثانية، فهو دخول في علم ~~الغيب وافتراء على الله بادعاء أمره ونهيه، وإن أراد المنسوب إلى الصنم ~~فهو الكفر الصريح, وقال صاحب كتاب الزينة: يقال: إنه كانت عندهم سبعة ~~قداح مستوية من شوحط، وكانت بيد السادن، مكتوب عليها " نعم " " لا " " ~~منكم " " من غيركم " " ملصق " " العقل " " فضل العقل " فكانوا إذا ~~اختلفوا في نسب الرجل جاؤوا إلى السادن بمائة درهم، ثم قالوا للصنم: يا ~~إلهنا! قد تمارينا في نسب فلان، فأخرج علينا الحق فيه، فتجال القداح فإن ~~خرج القدح الذي عليه " منكم " كان أوسطهم نسبا، وإن خرج الذي عليه " من ~~غيركم " كان حليفا وإن خرج " ملصق " كان على منزلته لا نسب له ولا حلف، ~~وإذا أرادوا سفرا أو حاجة جاؤوا بمائة فقالوا: يا إلهنا! أردنا كذا، فإن ~~خرج " نعم " فعلوا، وإن خرج " لا " لم يفعلوا، وإن جنى أحدهم جناية، ~~فاختلفوا فيمن يحمل العقل جاؤوا بمائة فقالوا: يا إلهنا! فلان جنى عليه، ~~أخرج الحق، فإن خرج القدح الذي عليه " العقل " لزم ms1069 من ضرب عليه وبرىء ~~الآخرون، وإن خرج غيره كان على الآخرين العقل، وكانوا إذا عقلوا العقل ~~ففضل الشيء منه تداروا فيمن يحمله، فضربوا عليه؛ فإن خرج القدح الذي عليه ~~" فضل العقل " للذي ضرب عليه لزمه، وإلا كان على الآخرين الذين لم يضرب ~~عليهم فهذا الاستقسام الذي حرمه الله لأنه يكون عند الأصنام ويطلبون ذلك ~~منها، ويظنون أن الذي أخرج لهم ذلك هو الصنم، وأما إجالة السهام لا على ~~هذا الوجه فهو جائز، هو وتساهم واقتراع لا استقسام وقال أبو عبيدة: واحد ~~الأزلام زلم - بفتح الزاء، وقال بعضهم بالضم وهو القدح لا ريش له ولا ~~نصل، فإذا كان مريشا فهو السهم - والله أعلم؛ ويجوز أن يراد مع هذا ما ~~كانوا يفعلونه في الميسر - على ما مضى في البقرة، فإنه طلب معرفة ما قسم ~~من الجزور، ويلتحق بالأول كل كهانة وتنجيم، وكل طيرة يتطيرها الناس الآن ~~من التشاؤم ببعض الأيام وبعض الأماكن والأحوال، فإياك أن تعرج على شيء من ~~الطيرة، فتكون على شعبة جاهلية، ثم إياك!. # ولما كانت هذه الأشياء شديدة الخبث أشار إلى تعظيم النهي عنها بأداة ~~البعد وميم الجمع فقال: { ذلكم } أي الذي ذكرت لكم تحريمه { فسق } أي ~~فعله خروج من الدين. # ولما كانت هذه المنهيات معظم دين أهل الجاهلية، وكان سبحانه قد نهاهم ~~قبلها عن إحلال شعائر الله والشهر الحرام وقاصدي المسجد الحرام بعد أن ~~كان أباح لهم ذلك في بعض الأحوال والأوقات بقوله # وأخرجوهم من حيث أخرجوكم - ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم ~~فيه # [البقرة: 191] # الشهر الحرام بالشهر الحرام # [البقرة: 194] # واقتلوهم حيث ثقفتموهم # [البقرة: 191] علم أن الأمر بالكف عن انتهاز الفرص إنما هو للأمن من ~~الفوت، وذلك لا يكون إلا من تمام القدرة، وهو لا يكون إلا بعد كمال الدين ~~وإظهاره على كل دين - كما حصل به الوعد الصادق، وكذا الانتهاء عن جميع ~~هذه المحارم إنما يكون لمن رسخ في الدين قدمه، وتمكنت فيه عزائمه وهممه، ~~فلا التفات له إلى غيره ولا همه إلى سواه، ولا مطمع ms1070 لمخالفه فيه، فعقب ~~سبحانه النهي عن هذه المناهي كلها بقوله على سبيل النتيجة والتعليل: { ~~اليوم } أي وقت نزول هذه الآية { يئس الذين كفروا } أي لابسوا الكفر سواء ~~كانوا راسخين فهي أو لا { من دينكم } أي لم يبق لكم ولا لأحد منكم عذر في ~~شيء من إظهار الموافقة لهم أو التستر من أحد منهم، كما فعل حاطب بن أبي ~~بلتعة رضي الله عنه حين كاتبهم ليحمي بذلك ذوي رحمه، لأن الله تعالى قد ~~كثركم بعد القلة، وأعزكم بعد الذلة، وأحيى بكم منار الشرع، وطمس معالم ~~شرع الجهل، وهد منار الضلال، فأنا أخبركم - وأنتم عالمون بسعة علمي - أن ~~الكفار قد اضمحلت قواهم، وماتت هممهم، وذلت نخوتهم، وضعفت عزائمهم، ~~فانقطع رجاؤهم عن أن يغلبوكم أو يستميلوكم إلى دينهم بنوع استمالة، فإنهم ~~رأوا دينكم قد قامت منائره، وعلت في المجامع منابره، وضرب محرابه، وبرك ~~بقواعده وأركانه، ولهذا سبب عما مضى قوله: { فلا تخشوهم } أي أصلا { ~~واخشون } أي وامحضوا الخشية لي وحدي، فإن دينكم قد أكمل بدره، وجل عن ~~المحلق محله وقدره، ورضي به الآمر، ومكنه على رغم أنف الأعداء. # وهو قادر على ذلك، وذلك قوله تعالى مسوقا مساق التعليل: { اليوم أكملت ~~لكم دينكم } أي الذي أرسلت إليكم به أكمل خلقي لتدينوا به وتدانوا، ~~وإكماله بإنزال كل ما يحتاج إليه من أصل وفرع، نصا على البعض، وبيانا ~~لطريق القياس في الباقي، وذلك بيان لجميع الأحكام، وأما قبل ذلك اليوم ~~فهو وإن كان كاملا لكنه بغير هذا المعنى، بل إلى حين ثم يزيد فيه سبحانه ~~ما يشاء، فيكون به كاملا أيضا وأكمل مما مضى، وهكذا إلى هذه النهاية، ~~وكان هذا هو المراد من قوله: { وأتممت عليكم نعمتي } أي التي قسمتها في ~~القدم من هذا الدين على لسان هذا الرسول، بأن جمعت عليه كلمة العرب الذين ~~قضيت في القدم بإظهارهم على من ناواهم من جميع أهل الملل، ليظهر بهم ~~الدين، وتنكسر شوكة المفسدين من غير حاجة في ذلك إلى غيرهم وإن كانوا ~~بالنسبة إلى المخالفين كالشعرة البيضاء ms1071 في جلد الثور الأسود { ورضيت لكم ~~الإسلام } أي الذي هو الشهادة لله بما شهد به لنفسه من الوحدانية التي ~~لمن يتبع الإذعان لها الإذعان لكل طاعة { دينا } تتجازون به فيما بينكم ~~ويجازيكم به ربكم؛ روى البخاري في المغازي وغيره، ومسلم في آخر الكتاب، ~~والترمذي في التفسير، والنسائي في الحج عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه " ~~أن رجلا من اليهود قال له: يا أمير المؤمنين! آية في كتابكم تقرؤونها لو ~~علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدا، قال: أي آية؟ قال: { ~~اليوم أكملت لكم دينكم } فقال عمر رضي الله عنه: قد عرفنا ذلك اليوم ~~والمكان الذي نزلت فيه على النبي صلى الله عليه وسلم، نزلت وهو قائم ~~بعرفة يوم جمعة " وفي التفسير من البخاري عن طارق بن شهاب " قالت اليهود ~~لعمر: إنكم تقرؤون آية لو نزلت فينا لاتخذناها عيدا، فقال عمر: إني ~~لأعلم حيث أنزلت وأين أنزلت وأين رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزلت ~~" وقال البغوي: قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان ذلك اليوم خمسة أعياد: ~~جمعة وعرفة وعيد اليهود وعيد النصارى والمجوس، ولم تجتمع أعياد أهل الملل ~~في يوم قبله ولا بعده، قلت: ويوم الجمعة هو اليوم الذي أتم الله فيه خلق ~~هذه الموجودات بخلق آدم عليه السلام بعد عصره، وهو حين نزول هذه الآية إن ~~شاء الله تعالى، فكانت تلك الساعة من ذلك اليوم تماما ابتداء، وروى ~~هارون بن عنترة عن أبيه قال: " لما نزلت هذه الآية بكى عمر رضي الله عنه ~~فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: # " ما يبكيك يا عمر؟ فقال: أبكاني أنا كنا في زيادة من ديننا، فإذا كمل ~~فإنه لم يكمل شيء إلا نقص، قال: صدقت! " # فكانت هذه الآية نعي رسول الله صلى الله عليه وسلم، عاش بعدها إحدى ~~وثمانين يوما وقد روي أنه كان هجيري النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة ~~من العصر إلى الغروب شهد الله أنه لا إله إلا هو - الآية، وكأن ذلك كان ~~جوابا ms1072 منه صلى الله عليه وسلم لهذه الآية، لفهمه صلى الله عليه وسلم أن ~~إنزال آية سر الإسلام وأعظمه وأكمله، وهذه الآية من المعجزات، لأنها ~~إخبار بمغيب صدقها فيه الواقع. # ولما تمت هذه الجمل الاعتراضية التي صار ما بينها وبين ما قبلها وما ~~بعدها بأحكام الرصف واتقان الربط من الامتزاج أشد مما بين الروح والجسد، ~~المشيرة إلى أن هذه المحرمات هي التي تحقق بها أهل الكفر كمال المخالفة، ~~فأيسوا معها من المواصلة والمؤالفة؛ رجع إلى تتمات لتلك المحظورات، فقال ~~مسببا عن الرضى بالإسلام الذي هو الحنيفة السمحة المحرمة لهذه الخبائث ~~لإضرارها بالبدن والدين: { فمن اضطر } أي ألجىء إلجاء عظيما - من أي شيء ~~كان - إلى تناول شيء مما مضى أنه حرم، بحيث لا يمكنه معه الكف عنه { في ~~مخمصة } أي مجاعة عظيمة { غير متجانف } أي متعمد ميلا { لإثم } أي ~~بالأكل على غير سد الرمق، أو بالبغي على مضطر آخر بنوع مكر أو العدو عليه ~~بضرب قهر، وزاد بعد هذا التقييد تخويفا بقوله: { فإن الله } أي الذي له ~~الكمال كله { غفور رحيم * } أي يمحو عنه إثم ارتكابه للمنهي ولا يعاقبه ~~عليه ولا يعاتبه ويكرمه، بأن يوسع عليه من فضله، ولا يضطره مرة أخرى - ~~إلى غير ذلك من الإكرام وضروب الأنعام. ### || [5.4] # ولما تقدم إحلال الصيد وتحريم الميتة، وختم ذلك بهذه الرخصة، " وكان ~~النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر بقتل الكلاب " وكان الصيد ربما مات في ~~يد الجارح قبل إدراك ذكاته، سأل بعضهم عما يحل من الكلاب، وبعضهم عما يحل ~~من ميتة الصيد إحلالا مطلقا لا بقيد الرخصة، إذ كان الحال يقتضي هذا ~~السؤال؛ روى الواحدي في أسباب النزول بسنده عن أبي رافع رضي الله عنه ~~قال: " أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل الكلاب، فقال الناس: يا ~~رسول الله! ما أحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها؟ فأنزل الله تعالى: ~~{ يسئلونك } ". # ولما كان هذا إخبارا عن غائب قال: { ماذا أحل لهم } دون " لنا " قال ~~الواحدي: أي من إمساك الكلاب وأكل ms1073 الصيود وغيرها، أي من المطاعم، ثم قال ~~الواحدي: رواه الحاكم أبو عبد الله في صحيحه، وذكر المفسرون شرح هذه ~~القصة، قال: قال أبو رافع رضي الله عنه: جاء جبريل إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فاستأذن عليه، فأذن له فلم يدخلن فخرج رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال: قد أذنا لك! قال: أجل يا رسول الله! ولكنا لا ندخل بيتا فيه ~~صورة ولا كلب، فنظر فإذا في بعض بيوتهم جرو، قال أبو رافع: فأمرني أن لا ~~أدع بالمدينة كلبا إلا قتلته، حتى بلغت العوالي فإذا امرأة عندها كلب ~~يحرسها فرحمتها فتركته، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأمرني بقتله، ~~فرجعت إلى الكلب فقتلته، فلما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمر ~~الكلاب جاء أناس فقالوا: يا رسول الله! ماذا يحل لنا من هذه الأمة التي ~~أمرت بقتلها؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله هذه الآية ~~فلما نزلت أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في اقتناء الكلاب التي ينتفع ~~بها، ونهى عن إمساك ما لا نفع فيه، وأمر بقتل الكلاب الكلب والعقور ما ~~يضر ويؤذي، ورفع القتل عما سواها مما لا ضر فيه، وقال سعيد بن جبير: نزلت ~~هذه الآية في عدي بن حاتم وزيد بن المهلهل الطائيين رضي الله عنهما، وهو ~~زيد الخيل الذي سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد الخير، وذلك أنهما ~~جاءا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا: " يا رسول الله! إنا قوم ~~نصيد بالكلاب والبزاة، وإن كلاب آل درع وآل أبي حورية تأخذ البقر والحمر ~~والظباء والضب، فمنه ما ندرك ذكاته، ومنه ما يقتل فلا ندرك ذكاته، وقد ~~حرم الله الميتة، فماذا يحل لنا منها؟ فنزلت: { يسئلونك } الآية { ~~الطيبات } يعني الذبائح، و { الجوارح } الكواسب من الكلاب وسباع الطير " ~~انتهى. # فإذا أريد كون الكلام على وجه يعم قيل: { قل } لهم في جواب من سأل { أحل ~~} وبناه للمفعول طبق سؤالهم ولأن المقصود لا كونه من معين { لكم الطيبات ~~} أي ms1074 الكاملة الطيب، فلا خبث فيها بنوع تحريم ولا تقذر، من ذوي الطباع ~~السليمة مما لم يرد به نص ولا صح فيه قياس، وهذا يشمل كل ما ذبح وهو ~~مأذون في ذبحه مما كانوا يحرمونه على أنفسهم من السائبة وما معها، وكل ما ~~أذن فيه من غير ذبح كحيوان البحر وما أذن فيه من غير المطاعم { وما } وهو ~~على حذف مضاف للعلم به، فالمعنى: وصيد ما { علمتم من الجوارح } أي التي ~~من شأنها أن تجرح، أو تكون سببا للجرح وهو الذبح، أو من الجرح بمعنى ~~الكسب # ويعلم ما جرحتم بالنهار # [الأنعام: 60] وهو كواسب الصيد من السباع والطير، فأحل إمساكها للقنية ~~وصيدها وشرط فيه التعليم، قال الشافعي: والكلب لا يصير معلما إلا عند ~~أمور: إذا أشلى استشلى، وإذا زجر انزجر وحبس ولم يأكل، وإذا دعي أجاب، ~~وإذا أراده لم يفر منه، فإذا فعل ذلك مرات فهو معلم، ولم يذكر حدا لأن ~~الاسم إذا لم يكن معلوما من نص ولا إجماع وجب الرجوع فيه إلى العرف، ~~وبنى الحال من الكلاب وإن كان المراد العموم، لأن التأديب فيها أكثر ~~فقال: { مكلبين } أي حال كونكم متكلفين تعليم هذه الكواسب ومبالغين في ~~ذلك، قالوا: وفائدة هذه الحال أن يكون المعلم نحريرا في علمه موصوفا ~~به، وأكد ذلك بحال أخرى أو استئناف فقال: { تعلمونهن } وحوشا كن أو ~~طيورا { مما علمكم الله } أي المحيط بصفات الكمال من علم التكليب، فأفاد ~~ذلك أن على كل طالب لشيء أن لا يأخذه إلا من أجل العلماء به وأشدهم ~~دراية له وأغوصهم على لطائفه وحقائقه وإن احتاج إلى أن يضرب إليه أكباد ~~الإبل، فكم من آخذ من غير متقن قد ضيع أيامه، وعض عند لقاء النجارين ~~إبهامه! ثم سبب عن ذلك قوله: { فكلوا }. # ولما كان في الصيد من العظم وغيره ما لا يؤكل قال: { مما أمسكن } أي ~~الجوارح مستقرا إمساكها { عليكم } أي على تعليمكم، لا على جبلتها ~~وطبيتعها دون تعليمكم، وذلك هو الذي لم يأكلن منه وإن مات قبل إدراك ~~ذكاته، وأما ms1075 ما أمسك الجارح على أي مستقرا على جبلته وطبعه، ناظرا فيه ~~إلى نفاسه نفسه فلا يحل { واذكروا اسم الله } أي الذي له كل شيء ولا كفوء ~~له { عليه } أي على ما أمسكن عند إرسال الجارح أو عند الذبح إن أدركت ~~ذكاته، لتخالفوا سنة الجاهلية وتأخذوه من مالكه، وقد صارت نسبة هذه ~~الجملة. كما ترى. إلى # حرمت عليكم الميتة # [المائدة: 3] نسبة المستثنى إلى المستثنى منه، وإلى مفهوم غير محلي ~~الصيد وانتم حرم نسبة الشرح. # ولما كان تعليم الجوارح أمرا خارجا عن العادة في نفسه وإن كان قد كثر، ~~حتى صار مألوفا، وكان الصيد بها أمرا تعجب شرعته وتهز النفوس كيفيته، ~~ختم الآية بما هو خارج عن عادة البشر وطرقها من سرعة الحساب ولطف العلم ~~بمقدار الاستحقاق من الثواب والعقاب، فقال محذرا من إهمال شيء مما رسمه: ~~{ واتقوا } أي حاسبوا أنفسكم واتقوا { الله } أي عالم الغيب والشهادة ~~القادر على كل شيء فيما أدركتم ذكاته وما لم تدركوها، وما أمسكه الجارح ~~عليكم وما أمسكه على نفسه - إلى غير ذلك من أمور الصيد التي لا يقف عندها ~~إلا من غلبت عليه مهابة الله واستشعر خوفه، فاتقاه فيما أحل وما حرم، ثم ~~علل ذلك بقوله: { إن الله } أي الجامع لمجامع العظمة { سريع الحساب * } ~~أي عالم بكل شيء وقادر عليه في كل وقت، فهو قادر على كل جزاء يريده، لا ~~يشغله أحد عن أحد ولا شأن عن شأن. ### || [5.5-6] # ولما كان قد تقدم النهي عن نكاح المشركات، والمنافرة لجميع أصناف ~~الكفار، وبيان بغضهم وعداوتهم، والحث على طردهم ومنابذتهم # هآ أنتم أولاء تحبونهم # [آل عمران: 119] ونحوها لضعف الأمر إذ ذاك وشدة الحاجة إلى إظهار ~~الفظاظة والغلظة لهم لتعظيم دين الله، حتى كانت خلطتهم من أمارات النفاق. ~~كما سيأتي في كثير من آيات هذه السورة، وكان الدين وصل عند نزولها من ~~العظمة إلى حد لا يحتاج في إلى تعظيم معظم، وكانت مخالطة أهل الكتاب لا ~~بد منها عند فتوح البلاد التي وعد الصادق بهان وسبق في الأزل علمها، ms1076 ~~فكانت الفتنة في مخالطتهم قد صارت في حد الأمن وسع الأمر بحل طعامهم ~~ونسائهم، فقال تعالى مكررا ذكر الوقت الذي أنزل فيه هذه الآيات، تنبيها ~~على عظم النعمة فيه بتذكر ما هم فيه من الكثرة والأمن والجمع والألفة، ~~وتذكر ما كانوا فيه قبل ذلك من القلة والخوف والفرقة، فقال معيدا لصدر ~~الآية التي قبلها إعلاما بعظم النعمة فيه، ومفيدا بذكر وقت الإحلال أنه ~~إحلال مقصود به الثبات، لكونه يوم إتمام النعمة فهو غير الأول: { اليوم ~~}. # ولما كان القصد إنما هو الحل، لا كونه من محل معين، مع أن المخاطبين ~~بهذه الآيات يعلمون أنه لا محل إلا الله، بني الفعل للمجهول فقال: { أحل ~~} أي ثبت الإحلال فلا ينسخ أبدا { لكم } أي أيها المؤمنون { الطيبات } ~~أي التي تقدم في البقرة وصفها بالحل لزوال الإثم وملاءمة الطبع، فهي ~~الكاملة في الطيب. # ولما كانت الطيبات أعم من المآكل قال: { وطعام الذين } ولما كان سبب ~~الحل الكتاب، ولم يتعلق بذكر مؤتيه غرض، بني الفعل للمجهول فقال: { أوتوا ~~الكتاب } أي مما يصنعونه أو يذبحونه، وعبر بالطعام الشامل لما ذبح وغيره ~~وإن كان المقصود المذبوح، لا غيره، ولا يتخلف حاله من كتابي ولا غيره ~~تصريحا بالمقصود { حل لكم } أي تناوله لحاجتكم، أي مخالطتهم للإذن في ~~إقرارهم على دينهم بالجزية، ولما كان هذا مشعرا بإبقائهم على ما اختاروا ~~لأنفسهم زاده تأكيدا بقوله: { وطعامكم حل لهم } أي فلا عليكم في بذله ~~لهم ولا عليهم في تناوله. # ولما كانت الطيبات أعم من المطاعم وغيرها، وكانت الحاجة إلى المناكح بعد ~~الحاجة إلى المطاعم، وكانت المطاعم حلالا من الجانبين والمناكح من جانب ~~واحد قال: { والمحصنات } أي الحرائر { من المؤمنات } ثم أكد الإشارة إلى ~~إقرار أهل الكتاب فقال: { والمحصنات } أي الحرائر { من الذين أوتوا ~~الكتاب } وبني الفعل للمفعول للعلم بمؤتيه مع أنه لم يتعلق بالتصريح به ~~غرض. # ولما كان إيتاؤهم الكتاب لم يستغرق الزمن الماضي، أثبت الجار فقال: { من ~~قبلكم } أي وهم اليهود والنصارى، وعبر عن العقد بالصداق للملابسة فقال ~~مخرجا للأمة لأنها ms1077 لا تعطى الأجر وهو الصداق، لأنها لا تملكه بل يعطاه ~~سيدها: { إذا آتيتموهن أجورهن } أي عقدتم لهن، ودل مساق الشرط على تأكد ~~وجوب الصداق، وأن من تزوج وعزم على عدم الإعطاء، كان في صورة الزاني، ~~وورد فيه حديث، وتسميته بالأجر تدل على أنه لا حد لأقله. # ولما كان المراد بالأجر المهر، وكان في اللغة يطلق على ما يعطاه الزانية ~~أيضا، بينه بقوله: { محصنين } أي قاصدين الإعفاف والعفاف { غير مسافحين ~~} أي قاصدين صب الماء لمجرد الشهوة جهارا { ولا متخذي أخذان } أي صدائق ~~لذلك في السر، جمع خدن، وهو يقع على الذكر والأنثى، فكانت هذه الآية ~~مخصصة لقوله تعالى # ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن # [البقرة: 221] فبقي على التحريم مما تضمنته تلك ما عدا الكتابيات من ~~الوثنيات وغيرهن من جميع المشركات حتى المنتقلة من الكتابيات من دينها ~~إلى غير دين الإسلام، وصرح هنا بالمؤمنات المقتضي لهن قوله تعالى في ~~النساء # وأحل لكم ما وراء ذلكم # [النساء: 24] وقوله # ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات # [النساء: 25], ولعل ذكر وصف الإحصان الواقع على العفة للتنبيه على أنه ~~لا يقصد المتصفة بغيره لمجرد الشهوة إلا من سلب الصفات البشرية، وأخلد ~~إلى مجرد الحيوانية، فصار في عداد البهائم، بل أدنى، مع أن التعليق بذلك ~~الوصف لا يفهم الحرمة عند فقده، بل الحل من باب الأولى، لأن من حكم ~~مشروعية النكاح الإعفاف، فإذا شرع إعفاف العفائف كان شرع إعفاف غيرهن ~~أولى، لأن زناها إما لشهوة أو حاجة، وكلاهما للنكاح مدخل عظيم في نفيه. ~~والله أعلم. # ولما كان السر في النهي عن نكاح المشركات في الأصل ما يخشى من الفتنة، ~~وكانت الفتنة - وإن علا الدين روسخ الإيمان واليقين. لم تنزل عن درجة ~~الإمكان، وكانت الصلاة تسمى إيمانا لأنها من أعظم شرائعه # وما كان الله ليضيع إيمانكم # [البقرة: 143] أي صلاتكم، وروى الطبراني في الأوسط عن عبد الله بن قرط ~~رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة، ms1078 فإن صلحت صلح سائر عمله، ~~وإن فسدت فسد سائر عمله " # وله في الأوسط أيضا بسند ضعيف عن أنس رضي الله عنه قال: " قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # " أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة ينظر في صلاته، فإن صلحت فقد أفلح، ~~وإن فسدت فقد خاب وخسر " # وكانت مخالطة الأزواج مظنة للتكاسل عنها، ولهذا أنزلت آية # حافظوا على الصلوات # [البقرة: 238] كما مضى بالمحل الذي هي به، لما كان ذلك كذلك ختمت هذه ~~الآية بقوله تعالى منفردا من نكاحهن بعد إحلاله، إشارة إلى أن الورع ~~ابتعد عنه، امتثالا للآيات الناهية عن موادة المحاد لئلا يحصل ميل فيدعو ~~إلى المتابعة، أو يحصل ولد، فتستميله لدينها: { ومن } أي أحل لكم ذلك ~~والحال أنه من { يكفر } أي يوجد ويجدد الكفر على وجه طمأنينة القلب به ~~والاستمرار عليه إلى الموت { بالإيمان } أي بسبب التصديق القلبي بكل ما ~~جاءت به الرسل وأنزلت به الكتب، الذي منه حل الكتابيات، فيدعوه ذلك إلى ~~نكاحهن، فتحمله الخلطة على اتباع دينهن، فيكفر بسبب ذلك التصديق فيكفر ~~بالصلاة التي يلزم من الكفر بها الكفر به، فإطلاقه عليها تعظيم لها # وما كان الله ليضيع إيمانكم # [البقرة: 143] أي صلاتكم { فقد حبط } أي فسد { عمله } أي إذا اتصل ذلك ~~بالموت بدليل قوله: { وهو في الآخرة من الخاسرين * } والآية من أدلة ~~إمانا الشافعي على استعمال اللفظ الواحد في حقيقته ومجازه، فحيث قصد ~~التحذير من الكفر حقيقة فالإيمان حقيقة وحيث أريد الترهيب من إضاعة ~~الصلاة فهو مجاز، ومما يؤيد ذلك أن في السفر الثاني من التوراة: لا ~~تعاهدن سكان الأرض لكيلا تضلوا بأوثانهم، وتذبحوا لآلهتهم، أو يدعوك ~~فتأكل من ذبائحهم، وتزوج بنيك من بناتهم وبناتك من بنيهم، فتضل بناتك خلف ~~آلهتهم ويضل بنوك بآلهتهم، وقال في الخامس منها: وإذا أدخلكم الله ربنا ~~الأرض التي تدخلونها لترثوها، وأهلك شعوبا كثيرة من بين أيديكم: حتانيين ~~وجرجسانيين وأمورانيين وكنعانيين وفرزانيين وحاوانيين ويابسانيين. سبعة ~~شعوب أكثر وأقوى منكم، ويدفعهم الله ربكم في أيديكم فاضربوهم واقتلوهم ~~وانفوهم وحرموهم ولا تعاهدوهم ms1079 عهدا ولا ترحموهم، وتحاشوهم ولا تزوجوا ~~بناتكم من بنيهم، ولا تزوجوا بنيكم من بناتهم لئلا يغوين بنيكم عن ~~عبادتي، ويخدعنهم فيعبدوا آلهة أخرى، ويشتد غضب الرب عليكم ويهلككم ~~سريعا، ولكن اصنعوا بهم هذا الصنيع: استأصلوا مذابحهم، وكسروا أنصابهم، ~~وحطموا أصنامهم المصبوغة، وأحرقوا أوثانهم المنحوتة، لأنكم شعب طاهر لله ~~ربكم - انتهى. وإذا تأملت جميع ذلك، وأمعنت فيه النظر لاح لك سر ~~تعقيبها بقوله تعالى في سياق مشير إلى البشارة بأن هذه الأمة تطيع ولا ~~تعصى فتؤمن ولا تكفر، لما خص به كتابها من البيان الأتم في النظم المعجز ~~مع شرف التذكير بما أفاضه من شرف جليل الأيادي، فافتتح هذه السورة بالأمر ~~بالوفاء بحق الربوبية، وأتبعه التذكير بما وفى به سبحانه من حق الربوبية ~~من نوع المنافع في لذة المطعم وتوابعه ولذة المنكح وتوابعه، وقدم المطعم ~~لأن الحاجة إليه فوق الحاجة إلى المنكح، فلما أتم ما ألزمه نفسه الأقدس ~~من عهد الربوبية فضلا منه، أتبعه الأمر بالوفاء بعهد العبودية، وقدم منه ~~الصلاة لأنها أشرفه بعد الإيمان، وقدم الوضوء لأنه شرطها فقال: { يا أيها ~~الذين آمنوا } أي أقروا به! صدقوه بأنكم { إذا } عبر بأداة التحقيق بشارة ~~بأن الأمة مطيعة { قمتم } أي بالقوة، وهي العزم الثابت على القيام الذي ~~هو سبب القيام { إلى الصلاة } أي جنسها محدثين، لما بينه النبي صلى الله ~~عليه وسلم بجمعه بعده صلوات بوضوء واحد وإن كان التجديد أكمل، وخصت ~~الصلاة ومس المصحف من بين الأعمال بالأمر بالوضوء تشريفا لهما ويزيد حمل ~~الإيمان على الصلاة حسنا تقدم قوله تعالى # اليوم أكملت لكم دينكم # [المائدة: 3] الثابت أنها نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم بعد عصر ~~يوم عرفة والنبي صلى الله عليه وسلم على ناقته يخطب، وكان من خطبته في ~~ذلك الوقت أو في يوم النحر أو في كليهما: # " ألا إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في ~~التحريش بينهم " # رواه أحمد ومسلم في صفة القيامة والترمذي عن جابر رضي الله عنه، فقوله " ~~المصلون " إشارة إلى أن ms1080 الماحي للشرك هو الصلاة، فما دامت قائمة فهو ~~زائل، ومتى زالت والعياذ بالله - رجع، وإلى ذلك يشير ما رواه مسلم في ~~صحيحه وأصحاب السنن الأربعة عن جابر رضي الله عنه " أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " بين العبد والكفر ترك الصلاة " # وللأربعة وابن حبان في صحيحه والحاكم عن بريدة رضي الله عنه " أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر " # ولأبي يعلى بسند ضعيف عن أنس رضي الله عنه قال: " قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " إن أول ما افترض الله على الناس من دينهم الصلاة، وآخر ما يبقى الصلاة ~~". # ولما كان الوضوء في سورة النساء إنما هو على سبيل الإشارة إجمالا، صرح ~~به هنا على سبيل الأمر وفصله، فقال مجيبا للشرط إعلاما بأن الأمر ~~بالوضوء تبع للأمر بالصلاة، لأن المعلق على الشيء بحرف الشرط يعدم عند ~~عدم الشرط: { فاغسلوا } أي لأجل إرادة الصلاة، ومن هنا يعلم وجوب النية، ~~لأن فعل العاقل لا يكون إلا مقصودا، وفعل المأمور به لأجل الأمر هو ~~النية { وجوهكم } وحد الوجه منابت شعر الرأس ومنتهى الذقن طولا وما بين ~~الأذنين عرضا، وليس منه داخل العين وإن كان مأخوذا من المواجهة، لأنه ~~من الحرج، وكذا إيصال الماء إلى البشرة إذا كثفت اللحية خفف للحرج واكتفى ~~عنه بظاهر اللحية، وأما العنفقة ونحوها من الشعر الخفيف فيجب { وأيديكم ~~}. # ولما كانت اليد تطلق على ما بين المنكب ورؤوس الأصابع، قال مبينا إن ~~ابتداء الغسل يكون من الكفين، لأنهما لعظم النفع أولى بالاسم: { إلى ~~المرافق } أي آخرها، أخذا من بيان النبي صلى الله عليه وسلم بفعله، فإنه ~~كان يدير الماء على مرفقيه، وإنما كان الاعتماد على البيان لأن الغاية ~~تارة تدل كقوله تعالى # من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى # [الإسراء: 1] وتارة لا تدخل كقوله تعالى # ثم أتموا الصيام إلى الليل # [البقرة: 187] والمرفق ملتقى العظمين، وعفي عما فوق ذلك تخفيفا { ~~وامسحوا } ولما عدل عن تعدية الفعل إلى الرأس، فلم يفعل كما فعل ms1081 في الغسل ~~مع الوجه، بل أتى بالباء فقال: { برءوسكم } علم أن المراد إيجاد ما يسمى ~~مسحا في أي موضع كان من الرأس، دون خصوص التعميم وهو معنى قول الكشاف: ~~المراد إلصاق المسح بالرأس، وماسح بعضه ومستوعبه بالمسح كلاهما ملصق ~~للمسح. # ولما كان غسل الرجل مظنة الإسراف فكان مأمورا بالاقتصاد فيه، وكان ~~المسح على الخف سائغا كافيا، قرىء: { وأرجلكم } بالجر على المجاورة ~~إشارة إلى ذلك أو لأن الغاسل يدلك في الأغلب، قال في القاموس: المسح ~~كالمنع: إمرار اليد على الشيء السائل. فيكون في ذلك إشارة أيضا إلى ~~استحباب الدلك، والقرينة الدالة على استعمال هذا المشترك في أحد المعنيين ~~قراءة النصب وبيان النبي صلى الله عليه وسلم، ومر استعماله فيه وفيه ~~الإشارة إلى الرفق بالنصب على الأصل. # ولما كانت الرجل من موضع الانشعاب من الأسفل إلى آخرها، خص بقوله دالا ~~بالغاية على أن المراد الغسل - كما مضى في المرافق، لأن المسح لم يرد فيه ~~غاية في الشريعة وعلى أن ابتداء الغسل يكون من رؤوس الأصابع، لأن القدم ~~بعظم نفعه أولى باسم الرجل: { إلى الكعبين } وهما العظمان الناتئان عند ~~مفصل الساق والقدم، وثنى إشارة إلى أن لكل رجل كعبين، ولو قيل: إلى ~~الكعاب، لفهم أن الواجب كعب واحد من كل رجل - كما ذكره الزركشي في مقابلة ~~الجمع بالجمع من حرف الميم من قواعده، والفصل بالمسح بين المغسولات معلم ~~بوجوب الترتيب، لأن عادة العرب - كما نقله الشيخ محيي الدين النووي في ~~شرح المهذب عن الأصحاب - أنها لا تفعل ذلك إلا للإعلام بالترتيب، وقال ~~غيره معللا لما ألزمته العرب: ترك التمييز بين النوعين بذكر كل منهما ~~على حدته مستهجن في الكلام البليغ لغير فائدة، فوجب تنزيه كلام الله عنه ~~أيضا، فدلالة الآية على وجوب البداءة بالوجه مما لا مدفع له لترتيبها له ~~بالحراسة على الشرط بالفاء، وذلك مقتض لوجوب الترتيب في الباقي إذ لا ~~قائل بالوجوب بالبعض دون البعض، ولعل تكرير الأمر بالغسل والتيمم ~~للاهتمام بهما، وللتذكير بالنعمة في التوسعة بالتيمم، وأن حكمه باق عند ms1082 ~~أمنهم وسعتهم كراهة أن يظن أنه إنما كان عند خوفهم وقلتهم وضيق التبسط في ~~الأرض، لظهور الكفار وغلبتهم، كما كان المتعة تباح تارة وتمنع أخرى نظرا ~~إلى الحاجة وفقدها، وللإشارة إلى أنه من خصائص هذه الأمة، والإعلام بأنه ~~لم يرد به ولا بشيء من المأمورات والمنهيات قبله الحرج، وإنما أراد ~~طهارة الباطن والظاهر من أدناس الذنوب وأوضار الخلائق السالفة، فقال ~~تعالى معبرا بأداة الشك إشارة إلى أنه قد يقع وقد لا يقع وهو نادر على ~~تقدير وقوعه، عاطفا على ما تقديره: هذا إن كنتم محدثين حدثا أصغر: { ~~وإن كنتم } أي حال القصد للصلاة { جنبا } أي ممنين باحتلام أو غيره { ~~فاطهروا } أي بالغسل إن كنتم خالين عن عذر لجميع البدن، لأنه أطلق ولم ~~يخص ببعض الأعضاء كما في الوضوء. # ولما أتم أمر الطهارة عزيمة بالماء من الغسل والوضوء، وبدأ بالوضوء ~~لعمومه، ذكر الطهارة رخصة بالتراب، فقال معبرا بأداة الشك إشارة إلى أن ~~الرخاء أكثر من الشدة: { وإن كنتم مرضى } أي بجراح أو غيره، فلم تجدوا ~~ماء حسا أو معنى بعدم القدرة على استعماله وأنتم جنب { أو على سفر } ~~طويل أو قصير كذلك، ولما ذكر الأكبر أتبعه الأصغر فقال { أو جاء أحد منكم ~~} وهو غير جنب { من الغائط } أي الموضع المطمئن من الأرض وهو أي مكان ~~التخلي، أي قضيتم حاجة الإنسان التي لا بد له منها، وينزه الكتاب عن ~~التصريح بها لأنها من النقائص المذكرة له بشديد عجزه وعظيم ضرورته ~~وفقره ليكف من إعجابه وكبره وترفعه وفجره. كما ورد أن بعض الأمراء لقي ~~بعض البله في طريق فلم يفسح له، فغضب وقال: كأنك ما تعرفني؟ فقال بلى ~~والله! إني لأعرفك، أولك نطفة مذرة وآخرك جيفة قذرة، وأنت فيما بين ذلك ~~تحمل العذرة. # ولما ذكر ما يخص الأصغر ذكر ما يعم الأكبر فقال: { أو لامستم النساء } ~~أي بالذكر أو غيره أمنيتم أولا { فلم تجدوا ماء } أي حسا أو معنى بالعجز ~~عن استعماله للمرض بجرح أو غيره { فتيمموا } أي اقصدوا قصدا متعمدا { ~~صعيدا } أي ms1083 ترابا { طيبا } أي طهورا خالصا { فامسحوا }. # ولما كان التراب لكثافته لا يصل إلى ما يصل إليه الماء بلطافته، قصر ~~الفعل وعداه بالحرف إشارة إلى الاكتفاء بمرة والعفو عن المبالغة، وبينت ~~السنة أن المراد جميع العضو، فقال: { بوجوهكم وأيديكم منه } أي حال النية ~~التي هي القصد الذي هو التيمم، ثم أشار لهم إلى حكمته سبحانه في هذه ~~الرخصة فقال مستأنفا: { ما يريد الله } أي الغنى الغنى المطلق { ليجعل ~~عليكم } وأغرق في النفي بقوله: { من حرج } أي ضيق علما منه بضعفكم، فسهل ~~عليكم ما كان عسره على من كان قبلكم، وإكراما لكم لأجل نبيكم صلى الله ~~عليه وسلم، فلم يأمركم إلا بما يسهل عليكم ليقل عاصيكم { ولكن يريد ~~ليطهركم } أي ظاهرا وباطنا بالماء والتراب وامتثال الأمر على ما شرعه ~~سبحانه، عقلتم معناه أو لا، مع تسهيل الأوامر والنواهي لكيلا يوقعكم ~~التشديد في المعصية التي هي رجس الباطن { وليتم نعمته } أي في التخفيف في ~~العزائم ثم في الرخص، وفي وعدكم بالأجور على ما شرع لكم من الأفعال { ~~عليكم } لأجل تسهيلها، ليكون فعلكم لها واستحقاقكم لما رتب عليها من ~~الأجر مقطوعا به، إلا لمن لج طبعه في العوج، وتمادى في الغواية والجهل ~~والبطر { لعلكم تشكرون * } أي وفعل ذلك كله. # هذا التسهيل وغيره ليكون حالكم لما سهل عليكم حال من يرجى صرفه لنعم ربه ~~عليه في طاعته المسهلة له المحببة إليه، روى البخاري في التفسير وغيره عن ~~عائشة رضي الله عنها قالت: " خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~بعض أسفاره، حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش انقطع عقد لي، فأقام ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم على التماسه، وأقام الناس معه، وليسوا على ~~ماء وليس معهم ماء. وفي رواية: سقط قلادة لي بالبيداء ونحن داخلون ~~المدينة، فأناخ النبي صلى الله عليه وسلم ونزل، فثنى رأسه في حجري ~~راقدا. فأتى الناس إلى أبي بكر فقالوا: ألا ترى ما صنعت عائشة؟ فجاء أبو ~~بكر فلكزني لكزة شديدة وقال: حبست النبي صلى الله عليه ms1084 وسلم في قلادة، ~~فبي الموت لمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أوجعني، ثم إن النبي ~~صلى الله عليه وسلم استيقظ وحضرت الصبح فالتمس الماء فلم يوجد، فنزلت { ~~يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة } [المائدة: 6]، وفي رواية: ~~فأنزل الله آية التيمم { فتيمموا } فقال أسيد بن حضير: لقد بارك الله ~~للناس فيكم يا آل أبي بكر! ما أنتم إلا بركة لهم، وفي رواية: ما هي بأول ~~بركتكم يا آل أبي بكر، قالت: فبعثنا البعير الذي كنت عليه فإذا العقد ~~تحته " وفي رواية له عنها في النكاح أنها استعارت من أسماء قلادة فهلكت، ~~فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم ناسا من أصحابه في طلبها، فأدركتهم ~~الصلاة فصلوا بغير وضوء، فلما أتوا النبي صلى الله عليه وسلم شكوا ذلك ~~إليه فنزلت آية التيمم، فقال أسيد بن حضير: جزاك الله خيرا! فوالله ما ~~نزل بك أمر قط إلا جعل الله لك منه مخرجا، وجعل للمسلمين فيه بركة " ~~وهذا الحديث يدل على أن هذه الآية نزلت قبل آية النساء، فكانت تلك نزلت ~~بعد ذلك لتأكيد هذا الحكيم ومزيد الامتنان به، لما فيه من عظيم اليسر ~~وليحصل في التيمم من الجناية نص خاص، فيكون ذلك أفخم لشأنها وأدل على ~~الاهتمام به. ### || [5.7-8] # ولما كان في هذه المأمورات والمنهيات خروج عن المألوفات، وكانت الصلاة ~~أوثق عرى الدين، وكان قد عبر عنها بالإيمان الذي هو أصل الدين وأساس ~~الأعمال، عطف عليها قوله تذكيرا بما يوجب القبول والانقياد: { واذكروا } ~~أي ذكر اتعاظ وتأمل واعتبار. # ولما كان المقصود من الإنعام غايته قال: { نعمة الله } أي الملك الأعلى ~~{ عليكم } أي في هدايته لكم إلى الإسلام بعد أن كنتم على شفا حفرة من ~~النار فأنقذكم منها، وفي غير ذلك من جميع النعم، وإنما لم تجمع لئلا يظن ~~أن المقصود تعداد النعم، لا الندب إلى الشكر بتأمل أن هذا الجنس لا يقدر ~~عليه غيره سبحانه وعظم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يستحقه بجعل ~~فعله سبحانه فعله صلى ms1085 الله عليه وسلم فقال: { وميثاقه } أي عقده الوثيق { ~~الذي واثقكم به } أي بواسطة رسوله صلى الله عليه وسلم حين بايعكم ليلة ~~العقبة على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره { إذ } أي حين ~~{ قلتم سمعنا وأطعنا } وفي ذلك تحذير من مثل ما أراد بهم شاس بن قيس، ~~وتذكير بما أوجب له صلى الله عليه وسلم عليهم من الشكر بهدايته لهم إلى ~~الإسلام المثمر لالتزام تلك العهود ليلة العقبة الموجبه للوفاء الموعود ~~عليه الجنة، والتفات إلى قوله أول السورة # أوفوا بالعقود # [المائدة: 1] وحديث إسباغ الوضوء على المكاره مبين لحسن هذه التناسب. # ولما كان أمر الوفاء بالعهد صعبا، لا يقوم به إلا من صدقت عريقته وصلحت ~~سريرته، وإنما يحمل عليه مخافة الله قال: { واتقوا الله } أي اجعلوا ~~بينكم وبين ما يغضب الملك الأعظم. الذي يفعل ما يشاء. من نقض العهد وقاية ~~من حسن القيام، لتكونوا في أعلى درجات وعيه، ثم علل ذلك مرغبا مرهبا ~~بقوله: { إن الله } أي الذي له صفات الكمال { عليم } أي بالغ العلم { ~~بذات الصدور * } أي أحوالها من سرائرها وإن كان صاحبها لم يعلمها لكونها ~~لم تبرز إلى الوجود، وعلانيتها وإن صاحبها قد نسيها. # ولما تقدم القيام إلى الصلاة، وتقدم ذكر الأزواج المأمور فيهن بالعدل في ~~أول النساء وأثنائها، وكان في الأزواج المذكورات هنا الكافرات، ناسب ~~تعقيب ذلك بعد الأمر بالتقوى بقوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا } أي ~~أقروا بالإيمان, ولما كان العدل في غاية الصعوبة على الإنسان، فكان لذلك ~~يحتاج المتخلق به إلى تدريب كبير ليصير صفة راسخة، عبر بالكون فقال ~~تعالى: { كونوا قوامين } أي مجتهدين في القيام على النساء اللاتي ~~أخذتموهن بعهد الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، وعلى غيرهن في الصلاة ~~وغيرها من جميع الطاعات التي عاهدتم على الوفاء بها. # ولما كان مبنى السورة على الوفاء بالعهد الوثيق، وكان الوفاء بذلك إنما ~~يخف على النفوس، ويصح النشاط فيه، ويعظم العزم عليه بالتذكير بجلالة ~~موثقة وعدم انتهاك حرمته، لأن المعاهد إنما يكون باسمه ولحفظ وحده ورسمه، ~~قدم قوله: ms1086 { لله } أي الذي له الإحاطة بكل شيء. # بخلاف ما مضى في النساء. # ولما كان من جملة المعاقد عليه ليلة العقبة " ليلة تواثقوا على الإسلام ~~" أن يقولوا الحق حيث ما كانوا، لا يخافون في الله لومة لائم، قال: { ~~شهداء } أي متيقظين محضرين أفهامكم غاية الإحضار بحيث لا يسد عنها شيء ~~مما تريدون الشهادة به { بالقسط } أي العدل، وقال الإمام أبو حيان في ~~نهره: إن التي جاءت في سورة النساء جاءت في معرض الاعتراف على نفسه وعلى ~~الوالدين والأقربين، فبدأ فيها بالقسط الذي هو العدل والسواء من غير ~~محاباة نفس ولا والد ولا قرابة، وهنا جاءت في معرض ترك العداوات والاحن، ~~فبدىء فيها بالقيام لله إذ كان الأمر بالقيام لله أولا أردع للمؤمنين، ~~ثم أردف بالشهادة بالعدل، فالتي في معرض المحبة والمحاباة بدىء فيها بما ~~هو آكد وهو القسط، والتي في معرض العدواة والشنآن، بدىء فيها بالقيام ~~لله، فناسب كل معرض ما جيء به إليه، وأيضا فتقدم هناك حديث النشوز ~~والإعراض وقوله # ولن تستطيعوا أن تعدلوا # [النساء: 129] وقوله # فلا جناح عليهما أن يصلحا # [النساء: 128] فناسب ذكر تقديم القسط، وهنا تأخر ذكر العداوة فناسب أن ~~يجاورها ذكر القسط - انتهى. # ولما كان أمر بهذا الخبر، نهى مما يحجب عنه فقال: { ولا يجرمنكم } أي ~~يحملنكم { شنئان قوم } أي شدة عداوة من لهم قوة على القيام في الأمور من ~~المشركين، بحيث يخشى من إهمالهم ازدياد قوتهم { على ألا تعدلوا } أي أن ~~تتركوا قصد العدل، وهو يمكن أن يدخل فيه بغض أهل الزوجة الكافرة أو ~~ازدراؤها في شيء من حقوقها لأجل خسة دينها، فأمروا بالعدل حتى بين هذه ~~المرأة الكافرة وضراتها المسلمات، وإذا كان هذا شأن الأمر به في الكافر ~~فما الظن به في المسلم؟ ثم استأنف قوله آمرا بعد النهي تأكيدا لأمر ~~العدل: { اعدلوا } أي تحروا العدل واقصدوه في كل شيء حتى في هذه الزوجات ~~وفيمن يجاوز فيكم الحدود، فكلما عصوا الله فيكم أطيعوه فيهم، فإن الذي ~~منعكم من التجاوز وفيمن يجاوز فيكم الحدود، فكلما عصوا ms1087 الله فيكم أطيعوه ~~فيهم، فإن الذي منعكم من التجاوز خوفه يريكم من النصرة وصلاح الحال ما ~~يسركم. # ولما كان ترك قصد العدل قد يقع لصاحبه العدل اتفاقا، فيكون قريبا من ~~التقوى، قال مستأنفا ومعللا: { هو } أي قصد العدل { أقرب } أي من ترك ~~قصده { للتقوى } والإحسان الذي يتضمنه الصلح أقرب من العدل إليها، وتعدية ~~{ أقرب } بالام دون إلى المقتضية لنوع بعد زيادة في الترغيب - كما مر في ~~البقرة؛ ولما كان الشيء لا يكون إلا بمقدماته، وكان قد علم من هذا أن ~~العدل مقدمة التقوى، قال عاطفا على النهي أو على نحو: فاعدلوا: { واتقوا ~~الله } أي اجعلوا بينكم وبين غضب الملك الأعظم وقاية بالإحسان فضلا عن ~~العدل، ويؤيد كون الآية ناظرة إلى النكاح مع ما ذكر ختام آية الشقاق التي ~~في أول النساء بقوله # إن الله كان عليما خبيرا # [النساء: 35]، وختام قوله تعالى في أواخرها وإن امرأة خافت من بعلها ~~نشوزا أو اعراضا بقوله { فإن الله كان بما تعملون خبيرا } وختام هذه ~~بقوله معللا لما قبله: { إن الله } أي المحيط بصفات الكمال { خبير بما ~~تعملون* } لأن ما بين الزوجين ربما دق علمه عن إدراك غير العليم الخبير؛ ~~وقالو أبو حيان: لما كان الشنآن محله القلب، وهو الحامل على ترك العدل، ~~أمر بالتقوى وأتى بصفة { خبير } ومعناها عليم ولكنها مما تختص بما لطف ~~إدراكه انتهى. { وشهداء } يمكن أن يكون من الشهادة التي هي حضور القلب - ~~كما تقدم من قوله # أو ألقى السمع وهو شهيد # [ق: 37] وأن يكون من الشهادة المتعارفة، ويوضح المناسبة فيها مع تأييد ~~إرادتها كونها بعد قوله # إن الله عليم بذات الصدور # [آل عمران: 119] ومع قوله تعالى: # ومن يكتمها فإنه آثم قلبه # [البقرة: 283] وختام آية النساء التي في الشهادة بقوله: # وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا # [النساء: 135] كما ختمت هذه بمثل ذلك. ### || [5.9-12] # ولما أمر سبحانه ونهى، بشر وحذر فقال: { وعد الله } أي الملك الذي له ~~الكمال المطلق فله كل شيء { الذين آمنوا } أي أقروا بالإيمان بألسنتهم ms1088 { ~~وعملوا } تصديقا لهذا الإقرار { الصالحات } وترك المفعول الثاني أقعد في ~~باب البشارة، فإنه يحتمل كل خير، وتذهب النفس في تحريزه كل مذهب. # ولما كان الموعود شيئين: فضلا وإسقاط حق, قدم الإسقاط تأمينا للخوف, ~~فقال واضعا له موضع الموعود في صيغة دالة على الثبات والاختصاص: { لهم ~~مغفرة } أي لما فرط منهم لما طبع الإنسان عليه من النقص نسيانا أو ~~عمدا، بعمل الواجبات إن كان صغيرة، وبالتوبة إن كان كبيرة، وفيه إشارة ~~إلى أنه لا يقدر أحد أن يقدر الله حق قدره؛ ولما أمنهم بالتجاوز أتبعه ~~الجود بالعطاء فقال { وأجر } أي على قدر درجاتهم من حسن العمل { عظيم * } ~~أي لا يدخل تفاوت درجاته تحت الحصر. # ولما قدم الوعد لأنه في سورة الذين آمنوا أتبعه الوعيد لأضدادهم، وهو ~~أعظم وعد لأحبابه المؤمنين أيضا فقال: { والذين كفروا } أي غطوا ما اتضح ~~لعقولهم من أدلة الوحدانية { وكذبوا } أي زيادة على الستر بالعناد: { ~~بآياتنا } على ما لها من العظمة في أنفسها وبإضافتها إلينا { أولئك } أي ~~البغضاء البعداء من الرحمة خاصة { أصحاب الجحيم * } أي النار التي اشتد ~~توقدها فاشتد احمرارها، فلا يراها شيء إلا أحجم عنها، فهم يلقون فيها بما ~~أقدموا على ما هو أهل للإجحام عنه من التكذيب بما لا ينبغي لأحد التكذيب ~~به، ثم يلازمونها فلا ينفكون عنها كما هو شأن الصاحب. # ولما كان من الأجر ما يحصل من أسباب السعادة في الدنيا، قال تعالى ~~ذاكرا لهم بعض ذلك مذكرا ببعض ما خاطبهم به ليقدموا على مباينة الكفرة ~~ويقفوا عند حدوده كائنة ما كانت: { يا أيها الذين آمنوا } أي صدقوا بالله ~~ورسوله وكتابه { اذكروا نعمت الله } أي الذي أحاط بكل شيء قدرة وعلما { ~~عليكم } عظمها بإبهامها، ثم زادها تعظيما بالتذكير بوقتها فقال: { إذ } ~~أي حين { هم قوم } أي لهم قوة ومنعه وقدرة على ما يقومون فيه { أن ~~يبسطوا إليكم أيديهم } أي بالقتال والقتل، وهو شامل - مع ذكر من أسباب ~~نزوله - لما اتفق صبيحة ليلة العقبة من أن قريشا تنطست الحبر عن البيعة، ~~فلما صح عندهم ms1089 طلبوا أهل البيعة ففاتوهم إلا أنهم أدركوا سعد بن عبادة ~~بأذاخر، والمنذر بن عمرو أخا بني ساعدة، وكلاهما كان نقيبا، فأما المنذر ~~فأعجزهم، وأما سعد فأخذوه فربطوه وأقبلوا يضربونه، حتى خلصه الله منهم ~~بجبير بن مطعم والحارث بن حرب بن أمية بما كان بينه وبينهما من الجوار، ~~فكان في سوق الآية بعد آية الميثاق الذي أعظمه ما كان ليلة العقبة أعظم ~~مذكر بذلك { فكف أيديهم عنكم } أي مع قلتكم وكثرتهم وضعفكم وقوتهم، ولم ~~يكن لكم ناصر إلا الذي آمنتم به تلك الليلة وتوكلتم عليه وبايعتم رسوله، ~~فكف ببعض الأعداء عنكم أيدي بعض، ولو شاء لسلطهم عليكم كما سلط ابن آدم ~~على أخيه؛ وينبغي أن يعلم أن القصة التي عزيت في بعض التفاسير هنا إلى ~~بني قريظة في الاستعانة في دية القتيلين إنما هي لبني النضير، وهي كانت ~~سبب إجلائهم. # ولما أمرهم بذكر النعمة، عطف على ذلك الأمر الأمر بالخوف من المنعم أن ~~يبدل نعمته بنقمة فقال: { واتقوا الله } أي الملك الذي لا يطاق انتقامه ~~لأنه لا كفوء له، حذرا من أن يسلط عليكم أعداءكم ومن غير ذلك من سطواته. # ولما كان التقدير: على الله وحده في كل حالة فتوكلوا، فإنه جدير بنصر من ~~انقطع إليه ولم يعتمد إلا عليه، عطف على ذلك قوله تعميما وتعليقا للحكم ~~بالوصف: { وعلى الله } أي وحده لكونه لا مثل له { فليتوكل المؤمنون * } ~~أي في كل وقت فإنه يمنعهم إذا شاء كهذا المنع وإن اشتد الخطب وتعاظم ~~الأمر، فتوكلوا ولا تنكلوا عن أعدائكم الذين وعدكم الله أرضهم وديارهم ~~وأبناءهم وتهابوا جموعهم كما هاب بنو إسرائيل - كما سيقص عليكم، وقوله ~~هنا { المؤمنون } وفي قصة بني إسرائيل { إن كنتم مؤمنين } شديد التآخي، ~~معلم بمقامي الفريقين، وحينئذ حسن كل الحسن تعقيبها مع ما تقدم من أمر ~~العقبة وأمر بني النضير في نقضهم عهدهم وغدرهم، بما هموا به من قتل النبي ~~صلى الله عليه وسلم بإلقاء الرحى عليه من سطح البيت الذي أجلسوه إلى ~~جانبه، بقوله إشارة إلى أن اليهود ms1090 ما زالوا على النقض قديما، تحذيرا ~~للمؤمنين من أن يكونوا مثلهم في النقض لئلا يحل بهم ما حل بهم من الصغار، ~~وإعلاما بأن عادته سبحانه في الإلزام بالتكاليف قديمة غير مخصوصة بهم، ~~بل هي عامة لعباده وقد كلف أهل الكتاب، تشريفا لهم بمثل ما كلفهم به، ~~ورغبهم ورهبهم ليسابقوهم في الطاعة، فإن الأمر إذا عم هان، والإنسان إذا ~~سابق اجتهد في أخذ الرهان، وأكد الخبر بذلك لئلا يظن لشدة انهماكهم في ~~النفس أنه لم يسبق لهم عهد قبل ذلك فقال تعالى: { ولقد أخذ الله } أي بما ~~له من جميع الجلال والعظمة والكمال { ميثاق بني إسرائيل } أي العهد ~~الموثق بما أخذ عليكم من السمع والطاعة { وبعثنا } أي بما لنا من العظمة ~~{ منهم اثني عشر نقيبا } أي شاهدا، على كل سبط نقيب يكفلهم بالوفاء بما ~~عليهم من الوفاء به - كما بعثنا منكم ليلة العقبة اثني عشر نقيبا وأخذنا ~~منكم الميثاق على ما أحاله الإسلام - كما قال كعب بن مالك رضي الله عنه ~~في تخلفه عن تبوك: " ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة ~~العقبة حين تواثقنا على الإسلام " وأما تفصيله فمذكور في السير، والنقيب: ~~الذي ينقب عن أحوال القوم كما قيل: عريف، لأنه يتعرفها، ومن ذلك المناقب ~~وهي الفضائل، لأنها لا تظهر إلا بالتنقيب عنها { وقال الله } أي المحيط ~~بكل شيء قدرة وعلما لبني إسرائيل، وأكد لتكرر جزعهم وتقلبهم فقال: { إني ~~معكم } وهو كناية عن الكفاية لأن القادر إذا كان مع أحد كان كذلك إذا لم ~~يغضبه. # ولما أنهى الترغيب بالمعية استأنف بيان شرط ذلك بقوله مؤكدا لمثل ما ~~مضى: { لئن اقمتم } أي أنشأتم { الصلاة } أي التي هي صلة ما بين العبد ~~والخالق بجميع شروطها وأركانها؛ ولما كان المقصود من الإنفاق المؤاساة ~~بالإيتاء قال: { وآتيتم الزكاة } أي التي هي بين الحق والخلائق. # ولما كان الخطاب مع من آمن بموسى عليه الصلاة والسلام، وكانوا في كل ~~قليل يتردعون عن اتباعه أو كمال اتباعه، وكان سبحانه عالما بأن ميلهم ~~بعده يكون ms1091 أكثر، فرتب في الأزل أنه تواتر إليهم بعده الرسل يحفظونهم عن ~~الزيغ ويقومون منهم الميل قال: { وآمنتم برسلي } أي أدمتم الإيمان بموسى ~~عليه السلام، وجددتم الإيمان بمن يأتي بعده، فصدقتموهم في جميع ما ~~يأمرونكم به { وعزرتموهم } أي ذببتم عنهم ونصرتموهم ومنعتموهم أشد المنع، ~~والتعزير والتأزير من باب واحد. # ولما كان من أعظم المصدق للإيمان ونصر الرسل بذل المال فهو البرهان قال: ~~{ وأقرضتم الله } أي الجامع لكل وصف جميل { قرضا حسنا } أي بالإنفاق في ~~جميع سبل الخير، وأعظمها الجهاد والإعانة فيه للضعفاء. # ولما كان الإنسان محل النقصان، فهو لا ينفك عن زلل أو تقصير وإن اجتهد ~~في صالح العمل، قال سادا. بجواب القسم الذي وطأت له اللام الداخلة على ~~الشرط - مسد جواب الشرط: { لأكفرن } أي لأسترن { عنكم سيئاتكم } أي ~~فعلكم لما من شأنه أن يسوء { ولأدخلنكم } أي فضلا مني { جنات تجري } ~~ولما كان الماء لا يحسن إلا بقربه وانكشافه عن بعض الأرض قال: { من تحتها ~~الأنهار } أي من شدة الري { فمن كفر } ولما كان الله سبحانه لا يعذب حتى ~~يبعث رسولا. وكان المهلك من المعاصي بعد الإرسال ما اتصل بالموت فأحبط ~~ما قبله، نزع الجار فقال: { بعد ذلك } أي الشرط المؤكد بالأمر العظيم ~~الشأن { منكم } أي بعد ما رأى من الآيات واقر به من المواثيق { فقد ضل } ~~أي ترك وضيع، يستعمل قاصرا بمعنى: حار، ومتعديا كما هنا { سواء } أي ~~وسط وعدل { السبيل * } أي لأن ذلك كفر بعد البيان العظيم فهو أعظم من ~~غيره، وفي هذا تحذير شديد لهذه الأمة، لأن المعنى: فإن نقضتم الميثاق - ~~كما نقضوا - بمثل استدراج شاس بن قيس وغيره، صنعنا بكم ما صنعنا بهم حين ~~نقضوا، من إلزامهم الذلة والمسكنة وغير ذلك من آثار الغضب، وإن وفيتم ~~بالعقود آتيناكم أعظم مما آتيناهم من فتح البلاد والظهور على سائر ~~العباد؛ قال ابن الزبير: ولهذا الغرض والله أعلم - أي غرض التحذير من نقض ~~العهد - ذكر هنا العهد المشار إليه في قوله تعالى # أوفوا بعهدي # [البقرة: 40] فقال تعالى: # ولقد أخذ الله ms1092 ميثاق بني إسرائيل # إلى قوله # فقد ضل سواء السبيل # [المائدة: 12] ثم بين نقضهم وبنى اللعنة وكل محنة ابتلوا بها عليه فقال # فبما نقضهم ميثاقهم # [النساء: 55 والمائدة: 13] وذكر تعالى عهد الآخرين فقال { ومن الذين ~~قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم } [المائدة: 14], ثم فصل تعالى للمؤمنين ~~أفعال الفريقين ليتبين لهم ما نقضوا فيه من ادعائهم في المسيح ما ادعوا، ~~وقولهم نحن أبناء الله وأحباؤه، وكفهم عن فتح الأرض المقدسة، وإسرافهم في ~~القتل وغيره، وتغييرهم أحكام التوراة - إلى غير ذلك مما ذكره في هذه ~~السورة، ثم بين تفاوتهم في البعد عن الاستجابة فقال تعالى: # لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا # [المائدة: 82] انتهى. وينبغي ذكر النقباء من هذه الفرق الثلاث بأسمائهم ~~وما دعي إلى ذلك تحقيقا للأمر وزيادة تبصرة، أما اليهود فكان فيهم ذلك ~~مرتين: الأولى: قال في السفر الرابع من التوراة: إن الرب تبارك اسمه كلم ~~موسى النبي في جبل سينا وفي قبة الأمد في أول يوم من الشهر الثاني في ~~السنة الثانية لخروج بني إسرائيل من مصر وقال الله: احص عدد جماعة بني ~~إسرائيل كلها في قبائلهم. كل ذكر من أبناء عشرين سنة إلى فوق، كل من يخرج ~~في الحرب، وأحصهم أنت وأخوك هارون، وليكن معكما من كل سبط رجل ويكون ~~الرجل رئيسا في بيته، ثم بين بعد ذلك أن كل رجل منهم يكون قائد جماعته، ~~ينزلون بنزوله حول قبة الزمان ويرحلون برحيله، ويطيعونه فيما يأمر به، ~~ففعل موسى وهارون ما أمرهما الله به وانتدبوا اثني عشررجلا كما أمر ~~الله، فمن سبط روبيل: إليصور بن شداور، ومن سبط شمعون: سلوميل بن صور ~~يشدي، ومن سبط يهودا: نحسون بن عمينا ذاب، ومن سبط إيشاخار: نتنائيل بن ~~ضوغر، ومن سبط زابلون: أليب بن حيلون، ومن سبط يوسف من آل إفرائيم: ~~إليسمع بن عميهوذ. ومن سبط منشا: جماليال بن فداهصور - قلت: ومنشا هو ابن ~~يوسف وهو أخو إفرائيم - ومن سبط بنيامين: أبيذان بن جدعوني، ومن سبط دان: ~~أخيعزر بن عميشدي، ومن سبط آشير: فجعائيل بن ms1093 عخرن، ومن سبط جاد: إليساف ~~بن دعوائيل، ومن سبط نفتالي: أخيراع ابن عينان؛ وسبط لاوي هم سبط موسى ~~وهارون عليهما السلام لم يذكروا لأنهم كانوا لحفظ قبة الزمان، فموسى ~~وهارون عليهم كما كان النبي صلى الله عليه وسلم على قومه - كما سيأتي، ~~والمرة الثانية كانت ليجسوا أمر بيت المقدس، قال في أثناء هذا السفر: ~~وكلم الرب موسى وقال له: أرسل قوما يجسون الأرض التي أعطى بني إسرائيل، ~~وليكون الذين ترسل رجلا من كل سبط من رؤساء آبائهم، فأرسلهم موسى من ~~برية فاران عن قول الرب، رجالا من رؤساء بني إسرائيل، وهذه أسماءهم من ~~سبط روبيل: ساموع بن ذكور، ومن سبط شمعون: سافاط بن حوري، ومن سبط يهودا: ~~كالاب بن يوفنا، ومن سبط إيشاخار: إجال بن يوسف، ومن سبط إفرائيم: هو ساع ~~بن نون، ومن سبط بنيامين: فلطي بن رافو، ومن سبط زابلون: جدي إيل بن ~~سودي، ومن سبط يوسف من سبط منشا: جدي بن سوسي، ومن سبط دان: عميال بن ~~جملي، ومن سبط آشير: ساتور بن ميخائيل، ومن سبط نفتالي: نجني بن وفسي، ~~ومن سبط جاد: جوائل بن ماخي؛ هؤلاء الذين أرسلهم وتقدم إليهم بالوصية. # وأما النصارى ففي إنجيل متى ما نصه: ودعا يعني عيسى عليه السلام. ~~تلاميذه الاثني عشر، وأعطاهم سلطانا على جميع الأرواح النجسة لكي ~~يخرجوها ويشفوا كل الأمراض؛ وفي إنجيل مرقس: وصعد إلى الجبل ودعا الذين ~~أحبهم فأتوا إليه، وانتخب اثني عشر ليكونوا معه، ولكي يرسلهم ليكروزا، ~~وأعطاهم سلطانا على شفاء الأمراض وإخراج الشياطين؛ وفي إنجيل لوقا: ودعا ~~الاثني عشر الرسل وأعطاهم قوة وسلطانا على جميع الشياطين وإشفاء المرضى، ~~وأرسلهم يكرزون مملكوت الله ويشفون الأوجاع، وهذه أسماؤهم: شمعون المسمى ~~بطرس، وأندراوس أخوه، ويعقوب بن زبدي، ويوحنا أخوه - وقال في إنجيل مرقس: ~~وسماهما باسم بوانرجس اللذين هما ابنا الرعد - وفيلبس، وبرتولوماوي، ~~وتوما، ومتى العشار، ويعقوب بن حلفا، وليا الذي يدعى بداوس, وقد اختلفت ~~الأناجيل في هذا، ففي إنجيل مرقس بدله: تدي، وفي إنجيل لوقا: يهودا بن ~~يعقوب، ثم ms1094 اتفقوا: وشمعون القاناني - وفي إنجيل لوقا: المدعو الغيور - ~~ويهودا الإسخريوطي الذي أسلمه. وأما نقباء الإسلام فكانوا ليلة العقبة ~~الأخيرة حين بايع النبي صلى الله عليه وسلم الأنصار رضي الله عنهم على ~~الحرب وأن يمنعوه إذا وصل إلى بلدهم، وقال لهم صلى الله عليه وسلم: " ~~أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيبا يكونون على قومهم كما اختار موسى من ~~قومه، وأخرجوا منهم اثني عشر نقيبا: تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس، ~~فقال لهم: أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء ككفالة الحواريين لعيسى ابن ~~مريم، وأنا كفيل على قومي، قالوا: نعم، وهذه اسماؤهم من الخزرج: أبو ~~أمامة أسعد بن زرارة، وسعد بن الربيع، وسعد بن عبادة، وعبد الله بن ~~رواحة، ورافع بن مالك بن العجلان، والبراء بن معرور، وعبد الله بن عمرو ~~بن حرام أبو جابر، وعبادة بن الصامت، والمنذر بن عمرو؛ ومن الأوس: أسيد ~~بن حضير، وسعد بن خثيمة، ورفاعة بن عبد المنذر، وأبو الهيثم بن التيهان، ~~قال ابن هشام: وقال كعب بن مالك يذكرهم فيما أنشدني أبو زيد الأنصاري ~~وذكر أبا الهيثم بن التيهان ولم يذكر رفاعة فقال: # أبلغ أبيا أنه قال رأيه # وحان غداة الشعب والحين واقع # أبى الله ما منتك نفسك إنه # بمرصاد أمر الناس راء وسامع # وأبلغ أبا سفيان أن قد بدا لنا # بأحمد نور من هدى الله ساطع # فلا ترغبن في حشد أمر تريده # وألب وجمع كل ما أنت جامع # ودونك فاعلم أن نقض عهودنا # أباه عليك الرهط حين تبايعوا # أباه البراء وابن عمرو كلاهما # وأسعد يأباه عليك ورافع # وسعد أباه الساعدي ومنذر # لأنفك إن حاولت ذلك جادع # وما ابن ربيع إن تناولت عهده # بمسلمه لا يطمعن ثم طامع # وأيضا فلا يعطيكه ابن رواحة # وإخفاره من دونه السم ناقع # وفاء به والقوقلي بن صامت # بمندوحة عما تحاول يافع # أبو هيثم أيضا وفى بمثلها # وفاء بما أعطى من العهد خانع # وما ابن حضير إن أردت بمطمع # فهل أنت عن أحموقة الغي نازع # وسعد أخو عمرو بن عوف فإنه ms1095 # ضروح لما حاولت ملأمر مانع # اولاك نجوم لا يغبك منهم # عليك بنحس في دجى الليل طالع # فأما نقباء اليهود في جس الأرض فلم يوف منهم إلا اثنان - كما سيأتي ~~قريبا عن بعض التوراة التي بين أيديهم، وأما نقباء النصارى فنقض منهم ~~واحد - كما مضى عند قوله تعالى: # وما قتلوه وما صلبوه # [النساء: 157] وسيأتي إن شاء الله تعالى في الأنعام عند قوله تعالى: # لأنذركم به ومن بلغ # [الأنعام: 19]، وأما نقباؤنا فكلهم وفي وبر بتوفيق الله وعونه فله أتم ~~الحمد. ### || [5.13-14] # ولما ذكر سبحانه ما أخذ على اليهود من الميثاق ووعيده لهم إن كفروا بعد ~~ذلك، ذكر أنهم نقضوا مرة بعد مرة - كما تقدم في سورة البقرة وغيرها كثير ~~منه عن نص ما عندهم من التوراة - فاستحقوا ما هم فيه من الخزي، فقال ~~تعالى مسببا عما مضى مؤكدا بما النافية لضد ما أثبته الكلام: { فبما ~~نقضهم ميثاقهم } أي بتكذيب الرسل الآتين من بعد موسى عليه السلام، وقتلهم ~~الأنبياء، ونبذهم كتاب الله وراء ظهورهم في كتمانهم أمر محمد صلى الله ~~عليه وسلم وغير ذلك لا بغير ذلك كما نقض بنو النضير فسلطكم الله عليهم ~~بما أشار إليهم في سورة الحشر { لعناهم } أي أبعدناهم بعد أنا وعدناهم ~~القرب بالكون معهم إن وفوا. # ولما كان البعيد قد يكون رقيق القلب، متأسفا على بعده. ساعيا في أسباب ~~قربه، باقيا على عافية ربه، فيرجى بذلك له الغفران لذنبه. أخبر أنهم على ~~غير ذلك بقوله: { وجعلنا } أي بعظمتنا { قلوبهم قاسية } أي صلبة عاسية ~~بالغش فهي غير قابلة للنصحية، لأن الذهب الخالص يكون لينا، والمغشوش ~~يكون فيه يبس وصلابة، وكل لين قابل للصلاح بسهولة، ثم بين قساوتها بما دل ~~على نقضهم بقوله: { يحرفون الكلم } أي يجددون كل وقت تحريفه { عن مواضعه ~~} فإنهم كلما وجدوا شيئا من كلام الله يشهد بضلالهم حرفوه إلى شهواتهم، ~~وأولوه التأويل الباطل بأهوائهم، فهم يحرفون الكلم ومعانيها. # ولما كانوا قد تركوا أصلا ورأسا ما لا يقدرون لصراحته على تحريفه، قال ~~معبرا بالماضي إعلاما بحرمهم بالبراءة ms1096 من ذلك: { ونسوا حظا } أي ~~نصيبا نافعا معليا لهم { مما ذكروا به } أي من التوراة على ألسنة ~~أنبيائهم عيسى ومن قبله عليهم السلام، تركوه ترك الناسي للشيء لقلة ~~مبالاته به بحيث لم يكن لهم رجوع إليه، وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه ~~قال: قد ينسى المرء بعض العلم بالمعصية وتلا هذه الآية. # ولما ذكر سبحانه ما يفعلونه في حقه في كلامه الذي هو صفته، أتبعه ما يعم ~~حقه وحق نبيه صلى الله عليه وسلم على وجه معلم أن الخيانة ديدنهم، تسلية ~~له صلى الله عليه وسلم فقال: { ولا تزال } أي بما نطلعك عليه يا أكرم ~~الخلق! { تطلع } أي تظهر ظهورا بليغا { على خائنة } أي خيانة عظيمة ~~تستحق أن تسمي فاعلها الخؤون لشدتها و { منهم } أي في حقك بقصد الأذى، ~~وفي حق الله تعالى بإخفاء بعض ما شرعه لهم { إلا قليلا منهم } فإنهم ~~يكونون على نهج الاستقامة إما بالإيمان، وإما بالوفاء وهم متمسكون ~~بالكفر، ثم سبب عن هذا الذي في حقه صلى الله عليه وسلم قوله: { فاعف عنهم ~~} أي امح ذنبهم ذلك الذي اجترحوه، وهو دون النقض والتحريف فلا تعاقبهم ~~عليه. # ولما كان العفو لا يمنع المعاتبة قال: { واصفح } أي وأعرض عن ذلك أصلا ~~ورأسا، فلا تعاتبهم عليه كما لم تعاقبهم، فإن ذلك إحسان منك، وإذا أحسنت ~~أحبك الله { إن الله } أي الذي له جميع صفات الكمال { يحب المحسنين * } ~~وذلك - كما روى الشيخان وغيرهما عن عائشة رضي الله عنهما - أن النبي صلى ~~الله سحره رجل من اليهود يقال له لبيد بن الأعصم وفي رواية للبخاري: إنه ~~رجل من بني زريق حليف ليهود وكان منافقا - حتى كان يخيل إليه أنه يأتي ~~النساء ولا يأتيهن، وذلك أشد السحر، ثم إن الله تعالى شفاه وأعلمه أن ~~السحر في بئر ذروان، فقالت له عائشة رضي الله عنها: أفلا أخرجته؟ فقال: ~~لا، أما أنا فقد عافاني الله وكرهت أن أثير على الناس شرا، فأمر بها ~~فدفنت، وهو في معجم الطبراني الكبير - وهذا لفظه - ومسند أبي ms1097 يعلى ~~الموصلي وسنن النسائي الكبرى ومسند عبد بن حميد وأبي بكر بن أبي شيبة ~~وأحمد بن منيع عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: " كان رجل يدخل على ~~النبي صلى الله عليه وسلم. فعقد له عقدا فجعله في بئر رجل من الأنصار، ~~فأتاه ملكان يعودانه فقعد أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه، فقال ~~أحدهما: أتدري ما وجعه؟ قال: فلان الذي يدخل عليه عقد له عقدا فألقاه في ~~بئر فلان الأنصاري، فلو أرسل إليه رجلا لوجد الماء أصفر، فبعث رجلا ~~فأخذ العقد فحلها فبرأ، فكان الرجل بعد ذلك يدخل على النبي صلى الله ~~عليه وسلم فلم يذكر له شيئا منه ولم يعاتبه " وللشيخين عن أنس رضي الله ~~عنه # " أن امرأة يهودية أتت النبي صلى الله عليه وسلم بشاة مسمومة فأكل منها، ~~فجيء بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألها عن ذلك فقالت: أردت ~~لأقتلك، قال: ما كان الله ليسلطك على ذلك - أو قال: علي - قالوا: فلا ~~تقتلها؟ قال: لا، قال: فما زلت أعرفها في لهوات النبي صلى الله عليه ~~وسلم. وفي رواية: إنها كانت سبب موت النبي صلى الله عيله وسلم بانقطاع ~~أبهره الشريف منها بعد سنين " # وفي سنن أبي داود من وجه مرسل أنه قتل اليهودية. والأول هو الصحيح، ~~وسيأتي لهذا الحديث ذكر في هذه السورة عند # والله يعصمك من الناس # [المائدة: 67]، فهذا غاية العفو والإحسان امتثالا لأمر الله سبحانه. # ولما دخل النصارى فيما مضى لأنهم من بني إسرائيل، خصهم بالذكر لأن كفرهم ~~أشد وأسمج فقال: { ومن الذين قالوا } أي مسمين أنفسهم ملزمين لها النصرة ~~لله، مؤكدين قولهم ردا على من يرتاب فيه: { إنا نصارى } أي مبالغون في ~~نصرة الحق، فالتعبير بذلك دون ومن النصارى تنبيه على أنهم تسموا بما لم ~~يفوا به { أخذنا } أي بما لنا من العظمة { ميثاقهم } أي كما أخذ على ~~الذين من قبلهم. # ولما كان كفرهم في غاية الظهور والجلاء، لم ينسبهم إلى غير الترك فقال: ~~{ فنسوا } أي تركوا ترك الناسي { حظا } أي ms1098 نصيبا عظيما يتنافس في مثله ~~{ مما ذكروا به } أي في الإنجيل مما سبق لهم ذكره في التوراة من أوصاف ~~نبيه صلى الله عليه وسلم وغير ذلك من الحق. # ولما أدى ذلك إلى تشعبهم فرقا، فأنتج تشاحنهم وتقاطعهم وتدابرهم، سبب ~~عنه قوله: { فأغرينا } أي ألصقنا بعظمتنا إلصاق ما هو بالغراء لا ينفك بل ~~يصير كجزء الشيء { بينهم } أي النصارى بعد أن جعلناهم فرقا متباينين ~~بتفريق الدين، وكذا بينهم وبين اليهود { العداوة } ولما كان العداوة قد ~~تكون عن بغي ونحوه إذا زال زالت أو خفت، قال معلما أنها لأمر باطني نشأ ~~من تزيين الهوى، فهو ثابت غير منفك: { والبغضاء } بالأهواء المختلفة { ~~إلى يوم القيامة }. # ولما أخبر بنكدهم في الدنيا، أعقبه ما لهم في الأخرى فقال: { وسوف ~~ينبئهم } أي يخبرهم { الله } أي الملك الأعلى المحيط بكل شيء قدرة وعلما ~~إخبارا بعظيم الشأن بما فيه من عظم التقريع والتوبيخ في الآخرة بوعيد لا ~~خلف فيه؛ ولما كانت خيانتهم قد صارت لهم فيها ملكات بما لازموا منها حتى ~~ضربوا بها وتدربوا عليها، حتى صارت لهم أحوالا لأنفسهم وأخلاقا ~~لقلوبهم، سماها صنائع فقال: { بما كانوا يصنعون * } أي دربوا أنفسهم عليه ~~حتى صار كالصنعة، فيجازيهم عليه بما يقيم عليهم من الحجة. ### || [5.15-16] # ولما علم بذلك كله أحوال الفريقين، أقبل عليهم واعظا مناديا متلطفا ~~مستعطفا مرغبا مرهبا فقال: { يا أهل الكتاب } أي عامة { قد جاءكم ~~رسولنا } أي الذي أرسلناه مما لنا من العظمة فليظهرن بذلك على من ناواه { ~~يبين لكم } أي يوضح إيضاحا شافيا { كثيرا مما كنتم } أي بما لكم من ~~جبلة الشر والخيانة { تخفون من الكتاب } أي العظيم المنزل عليكم، من صفة ~~محمد صلى الله عليه وسلم وحكم الزنا وغيرهما، لإحياء سنة وإماتة بدعة - ~~كما مضى منه ما شاء الله في سورة البقرة، وذلك دال بلا شبهة على صحة ~~رسالته { ويعفوا عن كثيرا * } أي فلا يفضحكم بإظهاره امتثالا لأمرنا له ~~بذلك - كما تقدم أنه إحسان منه صلى الله عليه وسلم إليكم، لأنه لا فائدة ~~في إظهاره إلا ms1099 فضيحتكم. # ولما أخبر عن فصله للخفايا، وكان التفصيل لا يكون إلا بالنور، اقتضى ~~الحال توقع الإخبار بأنه نور، فقال مفتتحا بحرف التوقيع والتحقيق: { قد ~~جاءكم } وعظمه بقوله معبرا بالاسم الأعظم: { من الله } أي الذي له ~~الإحاطة بأوصاف الكمال { نور } أي واضح النورية، وهو محمد صلى الله عليه ~~وسلم الذي كشف ظلمات الشك والشرك، ودل على جمعه مع فرقه بقوله: { وكتاب } ~~أي جامع { مبين } أي بين في نفسه، مبين لما كان خافيا على الناس من ~~الحق. # ولما كانت هدايته مشروطة بشرط صلاح الجبلة، بين ذلك بقوله واصفا له: { ~~يهدي به } أي الكتاب { الله } أي الملك الأعظم القادر على التصرف في ~~البواطن والظواهر { من اتبع } أي كلف نفسه وأجهدها في الخلاص من أسر ~~الهوى بأن تبع { رضوانه } أي غاية ما يرضيه من الإيمان والعمل الصالح، ~~ومعلوم أن ذلك لا يكون إلا بتوفيقه، ثم ذكر مفعول { يهدي } فقال: { سبل } ~~أي طرق { السلام } أي الله، باتباع شرائع دينه والعافية والسلامة من كل ~~مكروه { وخرجهم من الظلمات } أي كدورات النفوس والأهواء والوساس ~~الشيطانية { إلى النور } أي الذي دعا إليه العقل فيصيروا عاملين بأحسن ~~الأعمال كما يقتضيه اختيار من هو في النور { بإذنه } أي بتمكينه. # ولما كان من في النور قد يغيب عنه غرضه الأعظم فلا ينظره لغيبته عنه ~~ببعده منه، وتكثر عليه الأسباب فلا يدري أيها الوصف أو يقرب إيصاله ويسهل ~~أمره، قال كافلا لهم بالنور مريحا من تعب السير: { ويهديهم } أي بما له ~~من إحاطة العلم والقدرة { إلى صراط مستقيم * } أي طريق موصل إلى الغرض من ~~غير عوج أصلا، وهو الدين الحق، وذلك مقتض للتقرب المستلزم لسرعة الوصول. ### || [5.17-18] # ولما تم ذلك موضحا لأن من لم يتبع الكتاب الموصوف كان كافرا وعن ~~الطريق الأمم جائرا حائرا، وكان محصل حال اليهود كما رأيت فيما تقدم ~~ويأتي من نصوص التوراة - أنهم لا يعتقدون على كثرة ما يرون من الآيات أن ~~الله مع نبيهم دائما، وكان أنسب الأشياء بعد الوعظ أن يذكر حال النصارى ~~في نبيهم، فإنه ms1100 مباين لحال اليهود من كل وجه، فأولئك على شك في أنه معه، ~~وهؤلاء اعتقدوا أنه هو، فقال تعالى مبينا أنهم في أظلم الظلام وأعمى ~~العمى: { لقد } أو يقال: إن اليهود لما فرطوا فكفروا، أفهم ذلك أن ~~النصارى لما أفرطوا كفروا، فصار حالهم كالنتيجة لما مضى فقال: لقد { كفر ~~الذين قالوا } مؤكدين لبعد ما قالوه من العقل فهو في غاية الإنكار { إن ~~الله } أي على ما له من جميع صفات الكمال التي لا يجهلها من له أدنى تأمل ~~إذا ترجى الهدى وانخلع من أسر الهوى { هو المسيح } أي عينه، وهو أقطع ~~الكفر وأبينه بطلانا، ووصفه بما هو في غاية الوضوح في بطلان قولهم لبعده ~~عن رتبة الألوهية في الحاجة إلى امرأة فقال: { ابن مريم } فهو محتاج إلى ~~كفالتها بما لها من الأمومة. # ولما بطل مدعاهم على أتقن منهاج وأخصره، وكان بما دق على بعض الأفهام، ~~أوضحه بقوله: { قل } دالا على أن المسيح عليه السلام عبد مملوك لله، ~~مسببا عن كفرهم { فمن يملك من الله } أي الملك الذي له الأمر كله { ~~شيئا } أي من الأشياء التي يتوهم أنها قد تمنعه مما يريد، بحيث يصير ذلك ~~المملوك أحق به منه ولا ينفذ له فيه تصرف { إن أراد } أي الله سبحانه { ~~أن يهلك المسيح } وكرر وصفه بالنوبة إيضاحا للمراد فقال: { ابن مريم } ~~وأزال الشبهة جدا بقوله: { وأمه } ولما خصهما دليلا على ضعفهما ~~المستلزم للمراد، عم دلالة على عموم القدرة المستلزم لتمام القهر لكل من ~~يماثلهما المستلزم لعجز الكل المبعد من رتبة الإلهية، فقال موضحا للدليل ~~بتسويتهما ببقية المخلوقات: { ومن في الأرض جميعا } أي فمن يملك منعه من ~~ذلك. # ولما كان التقدير: فإن ذلك كله لله، يهلكه كيف شاء متى شاء، عطف عليه ما ~~هو أعم منه، فقال معلما بأنه - مع كونه مالكا ملكا - له تمام ~~التصرف: { ولله } أي الملك الأعلى الذي لا شريك له { ملك السماوات } أي ~~التي بها قيام الأرض { والأرض وما بينهما } أي ما بين النوعين وبين ~~أفرادهما، بما به تمام أمرهما؛ ms1101 ثم استأنف قوله دليلا على ما قبله ونتيجة ~~له: { يخلق ما يشاء } على أي كيفية أراد - كما تقدم أن له أن يعدم ما ~~يشاء كذلك، فلا عجب في خلقه بشرا من أنثى فقط، لا بواسطة ذكر، حتى يكون ~~سببا في ضلال من ضل به، ولما دل ذلك على تمام القدرة على المذكور عم ~~فقال: { والله } أي ذو الجلال والإكرام { على كل شيء } أي من ذلك وغيره { ~~قدير * }. # ولما عم سبحانه في ذكر فضائح بني إسرائيل تارة، وخص أخرى، عم بذكر طامة ~~من طوامهم، حملهم عليها العجب والبطر بما أنعم الله به عليهم، فقال: { ~~وقالت اليهود والنصارى } أي كل طائفة قالت ذلك على حدتها خاصة لنفسها دون ~~الخلق أجمعين { نحن أبناؤا الله } أي بما هو ناظر إلينا به من جميع صفات ~~الكمال { وأحباؤه } أي غريقون في كل من الوصفين - كما يدل عليه العطف ~~بالواو، ثم شرع ينقض هذه الدعوى نقضا بعد نقض على تقدير كون البنوة على ~~حقيقتها أو مجازها، والذي أورثهم هذه الشبهة - إن لم يكونوا قالوا ذلك ~~عنادا - أن في موضع من التوراة عن قول الله تعالى لموسى عليه السلام: ~~شعبي بكري، وقال في أول نبوة موسى عليه السلام - كما ذكرته في الأعراف: ~~وقل لفرعون: هكذا يقول الرب: ابني بكري إسرائيل أرسل ليعبدني، فإن أبيت ~~أن ترسل ابني فإني أقتل ابنك بكرك - ونحو هذا؛ وفي كثير مما بين أيديهم ~~من الإنجيل عن قول عيسى عليه السلام: افعلوا كذا لتكونوا بني أبيكم الذي ~~في السماء - ونحو ذلك، وقد بينت معناه على تقدير صحته بما يوجب رده إلى ~~المحكم بلا شبهة في أول سورة آل عمران؛ قال البيضاوي في أول سورة الكهف: ~~إنهم كانوا يطلقون الأب والابن في تلك الأديان بمعنى المؤثر والأثر، وقال ~~في البقرة في تفسير # بديع السماوات # [البقرة: 117]: أنهم كانوا يطلقون الأب على الله باعتبار أنه السبب ~~الأصلي، ثم ظنت الجهلة منهم أن المراد به معنى الولادة، فلذاك كفر قائله ~~ومنع منه منعا مطلقا انتهى. فأول نقض نقض ms1102 به سبحانه وتعالى هذه الدعوى ~~بيان أنه يعذبهم فقال: { قل فلم يعذبكم } أي إن كنتم جامعين بين كونكم ~~أبناء وأحباء بين عطف النبوة وحنو المحبة { بذنوبكم } وعذابهم مذكور في ~~نص توراتهم في غير موطن ومشهور في تواريخهم بجعلهم قردة وخنازير وغير ~~ذلك، أي فإن كان المراد بالبنوة الحقيقة فابن الإله لا يكون له ذنب فضلا ~~عن أن يعذب به، لأن الابن لا يكون إلا من جنس الأب - تعالى الله عن ~~النوعية والجنسية والصاحبة والولد علوا كبيرا! وإن كان المراد المجاز، ~~أي بكونه يكرمكم إكرام الولد والحبيب، كان ذلك مانعا من التعذيب. # ولما كان معنى ذلك أن يعذذبكم لأنكم لستم أبناء ولا أحباء، عطف عليه ~~نقضا آخر أوضح من الأول فقال: { بل أنتم بشر ممن خلق } وذلك أمر مشاهد، ~~والمشاهدات من أوضح الدلائل، فأنتم مساوون لغيركم في البشرية والحدوث، لا ~~مزية لأحد منكم على غيره في الخلق والبشرية، وهما يمنعان البنوة، فإن ~~القديم لا يلد بشرا، والأب لا يخلق ابنه، فامتنع بهذين الوصفين البنوة، ~~وامتنع بتعذيبهم أن يكونوا أحباء الله؛ فبطل الوصفان اللذان ادعوهما. # ولما كان التقدير: يفعل بكم ما يفعل بسائر خلقه، وصل به قوله جوابا لمن ~~يقول: وما هو فاعل بمن خلق؟: { يغفر لمن يشاء } أي من خلقه منكم ومن ~~غيركم فضلا منه تعالى { ويعذب من يشاء } عدلا كما تشاهدونه يكرم ناسا ~~منكم في هذه الدار ويهين آخرين. # ولما كان التقدير: لأنه مالك خلقه وملكهم لا اعتراض عليه في شيء من ~~أمره، عطف عليه قوله نقضا ثالثا بما هو أعم مما قبله فقال: { ولله } أي ~~الذي له الأمر كله، فلا كفوء له { ملك السماوات } وقدمها لشرفها دلالة ~~على ملك غيرها من باب أولى، وصرح بقوله: { والأرض وما بينهما } أي وأنتم ~~مما بينهما، وقد اجتمع بذلك مع الملك والإبداع الملك والتصريف ~~والتصرف التام، وذلك هو الغنى المطلق، ومن كان كذلك لم يكن محتاجا إلى ~~شيء من ولد ولا غيره، ولا يكون لأحد عليه حق، ولا يسوغ عليه اعتراض. # ولما كان ms1103 التقدير: فمنه وحده الابتداء، عطف عليه قوله: { وإليه } أي ~~وحده { المصير * } أي الصيرورة والرجوع وزمان ذلك ومكانه معنى في الدنيا ~~بأنه لا يخرج شيء عن مراده، وحسا في الآخرة، فيحكم بين مصنوعاته على ~~غاية العدل - كما هو مقتضى الحكمة وشأن كل ملك في إقامة ملكه بإنصاف بعض ~~عبيده من بعض، لا يجوز عنده في موجب السياسة إطلاق قويهم على ضعيفهم، فإن ~~ذلك يؤدي إلى خراب الملك وضعف الملك، فإذا كان هذا شأن الملوك في العبيد ~~الناقصين فما ظنك بأحكم الحاكمين! فإذا عاملهم كلهم بالعدل أسبغ على من ~~يريد ملابس الفضل. ### || [5.19] # ولما دحضت حجتهم، ووضحت أكذوبتهم، اقتضى ذلك الالتفات إلى وعظهم على وجه ~~الامتنان عليهم وإبطال ما عساهم يظنونه حجة، فقال تعالى: { يا أهل الكتاب ~~} أي من الفريقين؛ ولما كان ما حصل لهم من الضلال بتضييع ما عندهم من ~~البينات وتغييرها ما لا يتوقع معه الإرسال، قال معبرا بحرف التوقع: { قد ~~جاءكم رسولنا } أي الذي عظمته من عظمتنا، فإعظامه وإجلاله واجب لذلك، ثم ~~بين حاله مقدما له على متعلق جاء بيانا لأنه أهم ما إلى الرسل إليهم ~~إرشادا إلى قبول كل ما جاء به بقوله: { يبين لكم } أي يوقع لكم البيان ~~في كل ما ينفعكم بيانا شافيا لما تقدم وغيره. # ولما كان مجيئه ملتبسا ببيانه وظرفا له غير منفك عنه، وكان بيانا ~~مستعليا على وقت مجيئه وما مضى قبله وما يأتي بعده ببقاء كتابه، محفوظا ~~لعموم دعوته وختامه وتفرده، فلا نبي بعده، قال معلقا بجاء: { على فترة } ~~أي طويلة بالنسبة إلى ما كان يكون بين النبيين من بني إسرائيل، مبتدئة ~~تلك الفترة { من الرسل } أي انقطاع من مجيئهم، شبه فقدهم وبعد العهد ~~بهم ونسيان أخبارهم، وبلاء رسومهم وآثارهم، وانطماس معالمهم وأنوارهم ~~بشيء كان يفنى ففتر، لم يبق من وصفه المقصود منه إلا أثر خاف ورسم دارس، ~~يقال: فتر الشيء - إذا سكنت حدته وصار أقل مما كان عليه و ذلك لأنه كان ~~بين عيسى وبين النبي صلى الله عليه وسلم ستمائة ms1104 سنة فسد فيها أمر الناس، ~~ولعله عبر بالمضارع في يبين إشارة إلى أن دينه وبيانه لا ينقطع أصلا ~~بحفظ كتابه، فكلما درست سنة منح الله بعالم يرد الناس إليها بالكتاب ~~المعجز القائم أبدا، فلذلك لا يحتاج الأمر إلى نبي مجدد إلا عند الفتنة ~~التي لا يطيقها العلماء، وهي فتنة الدجال ويأجوج ومأجوج، ثم علل ذلك ~~بقوله: { أن } أي كراهة أن { تقولوا } أي إذا حشرتم وسئلتم عن أعمالكم { ~~ما جاءنا } ولتأكيد النفي قيل: { من بشير } أي يبشرنا لنرغب فنعمل بما ~~يسعدنا فنفوز { ولا نذير } أي يحذرنا لنرهب فنترك ما يشقينا فنسلم، لأن ~~الإنسان موزع النقصان بين الرغبة والرهبة، وقد كان اختلط في تلك الفترة ~~الحق بالباطل فالتبس الأمر وجهل الحال، لكنه لم يجهل جهلا يحصل به عذر ~~في الشرك، وسأبينه في أول ص. # ولما كان المعنى: فلا تقولوا ذلك، سبب عنه قوله: { فقد جاءكم } أي من هو ~~متصف بالوصفين معا فهو { بشير ونذير } أي كامل في كل من الوصفين وإن ~~تباينا؛ ولما كان ربما كان توهم أحد من ترك الإرسال زمن الفترة، ومن ترك ~~التعذيب بغير حجة الإرسال، وبالعدول عن بني إسرائيل إلى بني إسماعيل ~~شيئا في القدرة، قال كاشفا لتلك الغمة: { والله } أي جاءكم والحال أن ~~الملك الذي له الكمال كله { على كل شيء } أي من أن يرسل في كل وقت وأن ~~يترك ذلك، وأن يهدي بالبيان وأن يضل، ومن أن يعذب ولا يقبل عذرا وأن ~~يغفر كل شيء وغير ذلك { قدير * } وفي الختم بوصف القدرة واتباعه تذكيرهم ~~ما صاروا إليه من العز بالنبوة والملك بعدما كانوا فيه من الذل بالعبودية ~~والجهل إشارة إلى أن إنكارهم لأن يكون من ولد إسماعيل عليه السلام نبي ~~يلزم منه إنكارهم للقدرة. ### || [5.20-21] # ولما ذكر سعة مملكته وتمام علمه وشمول قدرته أتبع ذلك الدلالة عليه بقصة ~~بني إسرائيل في استنقاذهم من أسر العبودية والرق وإعلاء شأنهم وإيراثهم ~~أرض الجبارين بعد إهلاك فرعون وجنوده وغير ذلك مما تضمنته القصة، إظهارا ~~- بعدم ردهم إلى مصر التي ms1105 باد أهلها - لتمام القدرة وسعة الملك ونفوذ ~~الأمر, وهي مع ذلك دالة على نقضهم الميثاق وقساوتهم ونقض ما ادعوه من ~~بنوتهم ومحبتهم، وذلك أنها ناطقة بتعذيبهم وتفسيقهم وتبرئهم من الله، ولا ~~شيء من ذلك فعل حبيب ولا ولد، فقال عاطفا على نعمة في # واذكروا نعمة الله عليكم # [المائدة: 7] تذكيرا لهذه الأمة بنعمة التوثيق للسمع والطاعة التي ~~أباها بنو إسرائيل بعدما رأوا من الآيات، وبما كف عنهم على ضعفهم وشجع به ~~قلوبهم، وألزمهم الطاعة وكره إليهم المعصية بضد ما فعل ببني إسرائيل - ~~وغير ذلك مما يرشد إليه إنعام النظر في القصة: { وإذ } أي واذكروا حين { ~~قال موسى لقومه } أي من اليهود { يا قوم اذكروا } أي بالقلب واللسان، أي ~~ذكر اعتبار واتعاظ بما لكم من قوة القيام بما تحاولونه ليقع منكم الشكر { ~~نعمة الله } أي إنعام الملك الأعظم الذي له الإحاطة بالجلال والإكرام، ~~وعبر عن الإنعام بالغاية لأنها المقصود { عليكم } وعظم ذلك التذكير ~~بالاسم الأعظم، ونبه بذكر ظرفها على أجل النعم، وهي النبوة المنقذة لهم ~~من النار فقال: { إذ } أي حين { جعل فيكم } وبشرهم بمن يأتي بعده من ~~الأنبياء من بني إسرائيل فجمع جمع الكثرة في قوله: { أنبياء } أي ~~يحفظونكم من المهالك الدائمة، ففعل معكم - بذلك وغيره من النعم التي ~~فضلكم بها على العالمين في تلك الأزمان - فعل المحب مع حبيبه والوالد مع ~~ولده، ومع ذلك عاقبكم حين عصيتم، وغضب عليكم إذ أبيتم، فعلم أن الإكرام ~~والإهانة دائران بعد مشيئته على الطاعة والمعصية. # ولما نقلهم من الحيثية التي كانوا فيها عبيدا لفرعون، لا يصلحون معها ~~لملك، ولا تحدثهم أنفسهم به، إلى حيثية الحرية القابلة لأن يكون كل منهم ~~معها ملكا بعد أن أرسل فيهم رسولا وبشر بأنه يتبعه من الأنبياء ما لم ~~يكن في أمة من الأمم غيرهم، قال: { وجعلكم ملوكا } أي فكما جعلكم كذلك ~~بعد ما كنتم غير طامعين في شيء منه، فقد نقله منكم وجعله في غيركم بتلك ~~القدرة التي أنعم عليكم بها، وذلك لكفركم بالنعم وإيثاركم الجهل على ~~العلم، ms1106 فإنكاركم لذلك وتخصيص النعم بكم تحكم وترجيح بلا مرجح، ويوضح ذلك ~~أن كفر النعمة سبب لزوالها، وقد كانوا يهددون في التوراة وغيرها بما هم ~~فيه الآن من ضرب الذلة والمسكنة التي لا يصلحون معها لملك إن هم كفروا - ~~كما سيأتي بعض ذلك في هذه السورة. # ولما ذكرهم تعالى بما ذكرهم به من النعم العامة، أتبعه التذكير بنعمة ~~خاصة فقال: { وآتاكم ما لم يؤت } أي في زمانكم ولا فيما قبله من سالف ~~الزمان - كما اقتضاه التعبير بلم { أحدا من العالمين * } من الآيات التي ~~أظهرها على يد موسى عليه السلام، فأخرجكم بها من الظلمات إلى النور، ~~والكتاب الذي جعله تبيانا لكل شيء؛ ثم أتبعه ما يقيد به هذه النعم من ~~الشكر بامتثال الأمر في جهاد الأعداء في سياق مؤذن بالنصر معلم بأنه نعمة ~~أخرى يجب شكرها، فلذلك وصله بما قبله وصل المعلول بالعلة فقال: { يا قوم ~~ادخلوا } عن أمر الله الذي أعلمكم بما صنع من الآيات أنه غالب على جميع ~~أمره { الأرض المقدسة } أي المطهرة المباركة التي حكم الله أن يطهرها ~~بأنبيائه ورسله من نجس الشرك وضر المعاصي والإفك، ويبارك فيها، ثم وصفها ~~بما يوجب للمؤمن الإقدام لتحققه النصر فقال: { التي كتب الله } أي الذي ~~له الأمر كله فلا مانع لما أعطى { لكم } أي بأن تجاهدوا أعداءه فترثوا ~~أرضهم التي لا مثل لها، فتحوزوا سعادة الدارين، وهي بيت المقدس والتي وعد ~~أباكم إبراهيم عليه السلام أن تكون ميراثا لولده بعد أن جعلها مهاجرة. # ولما أمرهم بذلك نهاهم عن التقاعد عنه، فقال مشيرا إلى أن مخالفة أمر ~~الله لا تكون إلا بمعالجة للفطرة الأولى: { ولا ترتدوا } أي تكلفوا ~~أنفسكم الرجوع عن أخذها، وصور لهم الفتور عن أخذها بما يستحيي من له ~~همة من ذكره فقال: { على أدباركم } ولما جمع بين الأمر والنهي، خوفهم ~~عواقب العصيان معلما بأن ارتدادهم سبب لهلاكهم بغير شك، فقال معبرا ~~بصيغة الانفعال: { فتنقلبوا } أي من عند أنفسكم من غير قالب يسلط عليكم { ~~خاسرين * } أي بخزي المعصية عند الله وعار ms1107 الجبن عن الناس وخيبة السعي من ~~خيري الدارين. ### || [5.22-26] # ولما كان هذا السياق محركا للنفس إلى معرفة جوابهم عنه، أورده على ~~تقدير سؤال من كأنه قال: إن هذا لترغيب مشوق وترهيب مقلق، فما قالوا في ~~جوابه؟ فقال: { قالوا } معرضين عن ذلك كله بهمم سافلة وأحوال نازلة، ~~مخاطبين له باسمه جفاء وجلافة وقلة أدب { يا موسى } وأكدوا قولهم تأكيد ~~من هو محيط العلم، فقالوا مخاطبين بجرأة وقلة حياء لأعلم أهل زمانه: { إن ~~فيها } أي دون غيرها { قوما جبارين } أي عتاة قاهرين لغيرهم مكرهين له ~~على ما يريدون { وإنا لن ندخلها } خوفا منهم { حتى يخرجوا منها } ثم ~~صرحوا بالإتيان بالجملة الاسمية المؤكدة بتهالكهم على الدخول وأنه لا ~~مانع لهم إلا الجبن فقالوا: { فإن يخرجوا منها } أي بأي وجه كان، وعبروا ~~بأداة الشك مع إعلام الله لهم بإهلاكهم على أيديهم جلافة منهم وعراقة طبع ~~في التكذيب { فإنا داخلون * } فكأنه قيل: إن هذه لسقطة ما مثلها، فما ~~اتفق لهم بعدها؟ فقيل: { قال رجلان } وأشار إلى كونهما من بني إسرائيل ~~بقوله ذما لمن تقاعس عن الأمر منهم: { من الذين يخافون } أي يوجد منهم ~~الخوف من الجبارين، ومع ذلك فلم يخافا وثوقا منهما بوعد الله، ولما كان ~~بنو إسرائيل أهلا لأن يخافهم من يقصدونهم بالحرب لأن الله معهم بعونه ~~ونصره، قرىء: يخافون - مبينا للمفعول { أنعم الله } أي بما له من صفات ~~الكمال { عليهما } أي بالثبيت على العمل بحق النقابة، وهما يوشع بن نون ~~وكالاب بن يوفنا - كما أنعم عليكم أيها العرب وخصوصا النقباء بالثبات في ~~كل موطن { ادخلوا عليهم الباب } أي باب قريتهم امتثالا لأمر الله ~~وإيقانا بوعده. # ولما كانا يعلمان أنه لا بد من دخولهم عليهم وإن تقاعسوا وإن طال المدى، ~~لأن الله وعد بنصرهم عليهم ووعده حق, عبرا بأداة التحقيق خلاف ما مضى ~~لجماهيرهم فقالا: { فإذا دخلتموه } ثم أكد خبرهما إيقانا بوعد الله ~~فقالا: { فإنكم غالبون } أي لأن الملك معكم دونهم { وعلى الله } أي الملك ~~الأعظم الذي وعدكم بإرثها وحده { فتوكلوا } أي لا على ms1108 عدة منكم ولا عدة ~~ولا حول ولا قوة. # ولما كان الإخلاص يلزمه التوكل وعدم الخوف من غير الله، ألهمهم بقوله؛ { ~~إن كنتم } أي جبلة وطبعا { مؤمنين * } أي عريقين في الإيمان بنبيكم صلى ~~الله عليه وسلم والتصديق بجميع ما أتى به، فكأنه قيل: لقد نصحا لهم ~~وبرا، واجتهدا في إصلاح الدين والدنيا فما خدعا ولا غرا، فما قالوا؟ ~~فقيل: لم يزدهم ذلك إلا نفارا واستضعافا لأنفسهم لإعراضهم عن الله ~~واستصغارا لأنهم { قالوا } معرضين عمن خاطباهم غيرعادين لهما { يا موسى ~~} وأكدوا نفيهم للإقدام عليهم بقولهم: { إنا } وعظموا تأكيدهم بقولهم: { ~~لن ندخلها } وزادوه تأكيدا بقولهم: { أبدا } وقيدوا ذلك بقولهم: { ما ~~داموا } أي الجبابرة { فيها } أي لهم اليد عليها، ثم اتبعوه بما يدل على ~~أنهم في غاية الجهل بالله الفعال لما يريد. # الغني عن جميع العبيد، فقالوا مسببين عن نفيهم ذلك قولهم: { فاذهب أنت ~~وربك } أي المحسن إليك، فلم يذكروا أنه أحسن إليهم كثافة طباع وغلظ ~~أكباد، بل خصوه بالإحسان، وهذا القول إن لم يكن قائلوه يعتقدون التجسيم ~~فهم مشارفون له، وكذلك أمثاله، وكان اليهود الآن عريقين في التجسيم، ثم ~~سببوا عن الذهاب قولهم: { فقاتلا } ثم استأنفوا قولهم مؤكدين لأن من له ~~طبع سليم وعقل مستقيم لا يصدق أن أحدا يتخلف عن أمر الله لا سيما إن كان ~~بمشافهة الرسول: { إنا هاهنا } أي خاصة { قاعدون } أي لا نذهب معكما، ~~فكان فعلهم فعل من يريد السعادة بمجرد ادعاء الإيمان من غير تصديق له ~~بامتحان بفعل ما يدل على الإيقان؛ روى البخاري في المغازي والتفسير عن ~~عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: " قال المقداد بن عمرو يوم بدر: يا ~~رسول الله! لا نقول كما قال قوم موسى: { اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا ~~قاعدون } ولكن امض ونحن معك، نقاتل عن يمينك وعن شمالك وبين يديك وخلفك، ~~فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم أشرق وجهه وسره " فكأنه قيل: فما قال ~~موسى عليه السلام؟ فقيل: { قال } لما أيس منهم معرضا عنهم شاكيا إلى ~~الله تعالى { رب ms1109 } أي أيها المحسن إلي. # ولما كان من حق الرسول أن يقيه كل أحد بنفسه وولده فكيف بما دون ذلك، ~~فكان لا يصدق أحد أن أتباعه لا يطيعونه، جرى على طبع البشر وإن كان يخاطب ~~علام الغيوب قال مؤكدا: { إني } ولما فهم من أمر الرجلين لهم بالدخول ~~أنهما قيدا دخولهما بدخول الجماعة، خص في قوله: { لا أملك إلا نفسي وأخي ~~} أي ونحن مطيعان لما تأمر به { فافرق بيننا } أي أنا وأخي { وبين القوم ~~الفاسقين * } أي الخارجين عن الطاعة قولا وفعلا، ولا تجمعنا معهم في ~~بين واحد، في فعل ولا جزاء { قال فإنها } أي الأرض المقدسة { محرمة عليهم ~~} أي بسبب أقوالهم هذه وأفعالهم، لا يدخلها ممن قاله هذه المقالة أو ~~رضهيا أحد، بل يمكثون { أربعين سنة } ثم استأنف جوابا لمن تشعب فكره في ~~تعرف حالهم في هذه الأربعين ومحلهم من الأرض قوله: { يتيهون } أي يسيرون ~~متحيرين { في الأرض } حتى يهلكوا كلهم، والتيه: المفازة التي يحير سالكها ~~فيضل عن وجه مقصده، روي أنهم أقاموا هذه المدة في ستة فراسخ يسيرون كل ~~يوم جادين، ثم يمشون في الموضع الذي ساروا منه، ثم سبب عن إخباره ~~بعقوبتهم قوله: { فلا تأس } أي تحزن حزنا مؤيسا { على القوم } أي ~~الأقوياء الأبدان الضعفاء القلوب { الفاسقين * } أي الخارجين من قيد ~~الطاعات، ثم بعد هلاكهم أدخلها بنيهم الذين نشأوا في التيه لسلامتهم من ~~اعوجاج طباعهم التي ألبستهم إياها بلاد الفراعنة، فإني كتبتها لبني ~~إسرائيل، ولم أخبر بتعيينهم - وإن كانوا معينين في علمي - كما اقتضت ذلك ~~حكمتي؛ وفي هذه القصة أوضح دليل على نقضهم للعهود التي بنيت السورة على ~~طلب الوفاء بها وافتتحت بها، وصرح بأخذها عليهم في قوله: # ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل # [المائدة: 12] إلى أن قال: # وآمنتم برسلي وعزرتموهم # [المائدة: 12] وفي ذلك تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم فيما يفعلونه ~~معه، وتذكير له بالنعمة على قومه بالتوفيق، وترغيب لمن أطاع منهم وترهيب ~~لمن عصى، ومات في تلك الأربعين كل من قال ذلك القول أو رضيه حتى النقباء ~~العشرة، ms1110 وكان الغمام يظلهم من حر الشمس، ويكون لهم عمود من نور بالليل ~~يضيء هاهنا عليهم - وغير هذا من النعم، لأن المنع بالتيه كان تأديبا لهم ~~لا غضبا فإنهم تابوا. # شرح هذه القصة ما بين أيديهم من التوراة وذكر بعض ما عذبهم فيه ~~بذنوبهم، قال في السفر الرابع منها: وكلم الرب موسى وقال له: أرسل قوما ~~يجسون الأرض التي أعطى بني إسرائيل، فأرسلهم موسى من برية فاران رجالا ~~من رؤساء بني إسرائيل - اثني عشر رجلا - فيهم كالاب بن يوفنا وهو ساع بن ~~نون، ودعا موسى هوساع بن نون يوشع، وأرسلهم ليستخبروا أرض كنعان وقال ~~لهم: اعرفوا خبر الشعب الذي بها، أقوي هو أم ضعيف؟ أكثير هو أم قليل؟ وما ~~خبر الأرض التي هم فيها، أمخصبة أم لا؟ أفيها شجر أم لا؟ وفي نسخة: وما ~~المدن التي يسكنونها؟ وإن كانت محوطا عليها أم لا؟ وتقووا وخذوا من ~~ثمار الأرض؛ فصعدوا فاستخبروا الأرض، وأخذوا من برية صين حتى انتهوا إلى ~~راحوب التي في مدخل حمات، وصعدوا إلى التيمن فأتوا حبران - وفي نسخة: ~~حبرون - وكان بها بنو الجبابرة، ثم أتوا وادي العنقود وقطعوا قضيبا من ~~الكرم فيه عنقود عنب، فحمله رجلان بأسطار، ودعوا اسم ذلك الموضع وادي ~~العنقود من أجل ذلك، وأخذوا من الرمان والتين أيضا، ورجعوا إلى موسى بعد ~~أربعين ليلة إلى برية فاران إلى رقيم، وأخبروا موسى والجماعة كلها خبر ~~الأرض وقالوا: انطلقنا فإذا الأرض تغل اللبن والعسل وهذه ثمارها، ولكن ~~الشعب الذي في الأرض عزيز قوي، وقراهم كبار مشيدة، ورأينا ثم بني ~~الجبابرة، ثم ذكر أن الكنعانيين على ساحل البحر إلى نهر الأردن، قالوا: ~~وكنا عندهم مثل الجراد، كذلك رأينا أنفسنا، فضجت الجماعة كلها ورفعوا ~~أصواتهم بالبكاء، وبكوا في تلك الليلة بكاء شديدا، وتذمر جميع بني ~~إسرائيل على موسى وهارون في ذلك اليوم وضجوا عليهما، وقال لهما محافل بني ~~إسرائيل كلها: يا ليتنا! متنا بأرض مصر على يدي الرب، وليتنا متنا في هذه ~~البرية ولا يدخلنا الرب إلى الإرض التي نصرع ms1111 فيها قتلا! وتنتهب مواشينا ~~وأهلونا! كان المنون بأرض مصر خيرا لنا، وقال كل امرىء منهم لأخيه: ~~اجتمعوا حتى نصير علينا رئيسا، ونرجع إلى أرض مصر، فخر موسى وهارون على ~~وجوههما ساجدين بين يدي جماعة بني إسرائيل كلها، فأما يشوع ابن نون ~~وكالاب بن يوفنا اللذان كانا من الجواسيس فقالا: الأرض مخصبة جدا، فإن ~~شاء الرب دفعها إلينا، فهي أرض تغل السمن والعسل، فلا تعصوا الرب ولا ~~تفتتنوا ولا تخافوا شعب هذه الأرض, لأن أهلها مبذولون لنا مثل الطعام ~~للأكل، واعلموا أن قويهم سيضعف وتزول عنهم شدتهم، ونحن الغالبون لأن الرب ~~معنا، فلا تفرقوا منهم، وظهر مجد الرب بالسحابة في قبة الزمان تجاه بني ~~إسرائيل، وقال الرب لموسى: إلى متى يسخطني هذا الشعب؟ وكم إلى كم لا ~~يصدقونني؟ ألم يروا جميع الآيات التي أتيتهم بها؟ سأضربهم بالموت ~~وأهلكهم، وأصيرك الشعب أعظم من هذا وأعز منهم، فقال موسى أمام الرب: ~~يسمع أهل مصر الذين أخرجت هذا الشعب من بينهم بقوتك، ويقول لسكان هذه ~~الأرض أيضا الذين سمعوا أنك رب هذا الشعب، فإن أنت قتلت هذا الشعب ~~جميعا كرجل واحد تقول الشعوب التي بلغها خبرك: إن الرب لم يقدر أن يدخل ~~هذا الشعب الأر ض التي كان وعد إياهم، فلذلك قتلهم في البرية، فلتعظم ~~قوتك الآن يا رب كما وعدت وقلت! يا رب أنت ذو المودة والنعمة، تغفر الإثم ~~والخطايا، وتزكي من ليس بمزكي، اغفر يا رب كما غفرت لهم مذ خرجوا من أرض ~~مصر إلى الآن! فقال الرب لموسى: قد غفرت لهم لقولك ولكني حي قيوم، أقسم ~~بذلك وبمجدي الذي امتلأت الأرض كلها منه أن جميع الرجال الذين عاينوا ~~مجدي والآيات التي أظهرت لهم بمصر والفضاء، وجربوني عشر مرات، ولم ~~يطيعوني ولم يقبلوا قولي، لا يعاينون الأرض التي أقسمت لآبائهم أني ~~أعطيهم، ولا يدخلها أحد من الذين أغضبوني، فأقبلوا غدا وارتحلوا إلى ~~طريق بحر سوف؛ وقال الرب: إلى متى تغفر هذه الجماعة الرديئة بين يدي؟ ~~فبي أقسم أنكم تصيرون إلى ما قلتم، ms1112 وكما فكرتم ذلك يصيبكم في هذه البرية، ~~فتسقط جثثكم فيها وتبلى أجسادكم ويهلك كل عددكم وحسابكم من ابن عشرين سنة ~~إلى فوق، لأنكم تشوشتم وتذمرتم علي، لا تدخلوا الأرض التي رفعت يدي ~~لأنزلكم فيها، لوا يدخلها إلا كالاب بن يوفنا ويوشع بن نون، وأما مواشيكم ~~التي قلتم: إنها تنتهب، وبنوكم الذين لا يعلمون الخير من الشر فهم يدخلون ~~الأرض وأصيرهم إليها وأورثهم الأرض، فأما جيفكم فتسقط وتبلى في هذه ~~البرية. # وتمكث بنوكم يترددون في هذه المفازة أربعين سنة، يعاقبون حتى تهلك جثثكم ~~في هذه البرية على عدد الأيام التي اجتس الجواسيس الأرض فيها، لكل يوم ~~سنة، وتعاقبون بإثمكم، لكل يوم سنة، أربعين سنة لأربعين يوما، فتعلمون ~~أني إنما فعلت ذلك لتذمركم بين يدي، أنا الرب قلت: كذلك أصنع بهذه ~~الجماعة الرديئة التي اجتمعت بين يدي، تهلك في هذه البرية، يموتون كلهم، ~~والقوم الذين أرسلهم موسى أن يجتسوا الأرض له فانقلبوا وشغبوا عليه ~~وأفسدوا الجماعة كلها، وذلك أنهم أخبروا الشعب في أمر الأرض خبرا ~~رديئا، ومات القوم الذين أخبروا الخبر السوء موت الفجاءة أمام الرب، ~~فأما يشوع وكالاب فنجوا من الموت، ولم يهلكا مع الذين استخبروا الأرض، ~~فأخبر موسى بني إسرائيل هذه الأقوال، وجلسوا في حزن شديد وقالوا: نحن ~~صاعدون إلى الموضع الذي أمر الرب ونقر بخطايانا، قال لهم موسى: اعلموا ~~أنكم لا تنجحون ولا يتم أمركم، لا تصعدوا لأن الرب ليس معكم لئلا يهزمكم ~~أعداؤكم، فإن صعدتم هزمتم وقتلتم، لأنكم أغضبتم الرب ورجعتم عن قوله، ~~فلذلك لا يكون الرب معكم، فصعد القوم إلى رأس الجبل، فأما تابوت عهد الرب ~~وموسى النبي فلم يبرحا من العسكر، ونزل العملقانيون الذين يسكنون ذلك ~~الجبل وحاربوهم وهزموهم، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة وطردوهم إلى حرما؛ وكان ~~ذكر قبل ذلك في السفر الثاني وقبل معصيتهم في أمر الجواسيس قتالهم في ~~رفيدين ورقيم لعماليق فقال ما نصه: وإن عماليق جاء ليقاتل بني إسرائيل ~~برفيدين فقال موسى ليشوع: اختر رجلا من أهل الجلد والشدة واخراج بنا ~~نقاتل عماليق ms1113 غدا وأنا واقف على رأس الأكمة، وقضيب الله في يدي، فصنع ~~يشوع كما قال له موسى فخرج إلى حرب عماليق، وصعد موسى وهارون وحور إلى ~~رأس الجبل، وكان موسى إذا رفع يده قوى بنو إسرائيل، وإذا خفض يده قوى ~~عماليق، فأعيت يد موسى فأخذ حجارة فوضعها تحته، ثم استوى عليها جالسا، ~~وكان هارون وحور يدعمان يديه، أحدهما يمينا والآخر شمالا حتى غربت ~~الشمس، فهزم يشوع عماليق ومن معه وقتلوهم بحد السيف، فقال الرب لموسى: ~~اكتب هذا الأمر في سفر الكتاب وضعه أما يشوع بن نون، لأني أمحق وأبيد ذكر ~~عماليق من تحت السماء، فبنى للرب مذبحا، ودعا اسمه الله علمي، ثم قال: ~~وأرسل رسلا من رقيم إلى ملك أدوم بأنهم نازلون في رقيم - القرية التي في ~~حد بلاده - واستأذنه في الجواز في بلاده، فهددهم بالمقاتلة فقالوا: لا ~~نشرب لك ماء إلا بثمن، فقال: لا تجوزوا في حدي، وخرج إليهم بجيش عظيم ~~وسلاح شاك فصغا بنو إسرائيل عنه وظعنوا من رقيم، وأتى جميع بني إسرائيل ~~إلى هور الجبل حيث توفي هارون، ثم قال: ونزل موسى وإليعازر من الجبل، ~~فرأت محافل بني إسرائيل كلها أن هارون قد توفي، وبكى على هارون جميع بني ~~إسرائيل ثلاثين يوما، وسمع الكنعاني ملك عراد الذي كان يسكن التيمن أن ~~بني إسرائيل قد نزلوا في طريق الجواسيس فحاربهم وسبى منهم قوما، فنذر ~~بنو إسرائيل نذرا للرب وقالوا: إن أنت دفعت إلينا هذا الشعب يا رب ~~وقويتنا عليه جعلنا قراهم حريمة للرب، فسمع الرب أصوات بني إسرائيل ودفع ~~إليهم الكنعانيين وقواهم عليهم، وهزموهم وقتلوهم وجعلوا قراهم حريمة ~~للرب ودعوا اسم تلك البلاد حريمة، فظعن الشعب من هور الجبل في طريق بحر ~~سوف ليدوروا حول أرض أدوم، ففزعت أنفس الشعب من شدة الطريق وكلت، وتذمر ~~الشعب على الله وعلى موسى وقالوا: لم أصعدتنا من مصر؟ لتميتنا في موضع ~~ليس فيه خبز ولا ماء، قد ضاقت أنفسنا من قلة الطعام، فسلط الله عليهم ~~حيات فنهشت قوما من الشعب ومات منهم ms1114 كثير، فاجتمعوا إلى موسى وقالوا: قد ~~أخطأنا إذ تذمرنا على الله وعليك، صل أمام الرب لتنصرف عنا الحيات، فصلى ~~موسى فقال الرب له: اتخذ حية من نحاس مثال الحية وارفعها على خشبة علامة، ~~ومن نهشته حية ينظر إلى الحية المعلقة فيبرأ، ففعل ذلك، فطعن بنو إسرائيل ~~فنزلوا أبوت، ثم ارتحلوا من أبوت ونزلوا على عين العبرانيين التي في ~~البرية أمام أرض موآب في الجانب الشرقي وحيث مشارق الشمس، ثم ظعنوا من ~~هناك ونزلوا وادي زرود، وارتحلوا من هناك ونزلوا عبر أرنون في البرية ~~أمام أرض موآب في الجانبين التي تخرج من حد الأمورانيين وهي في حد ~~الموآبيين، ولذلك يقال في كتاب حروب الرب: واهب في سوفة ووادي أرنون ومصب ~~الأودية المائلة إلى سكان عار التي تنتهي إلى حد الموآبيين؛ ثم أرسل بنو ~~إسرائيل رسلا إلى سيحون ملك الأمورانيين وقالوا له: نجوز في أرضك من غير ~~أن نطأ لك حقلا ولا كرما، ولا نشرب من ماء جناتك، ولكن نلزم الطريق ~~الأعظم حتى نجوز أرضك، فأبى سيحون وجمع جميع أجناده وخرج إلى البرية ~~وحارب بني إسرائيل، فقتل بنو إسرائيل سيحون وأصحابه وورثوا أرضه، وصعدوا ~~إلى أرض متنين، وخرج عوج ملك متنين إليهم هو وأجناده ليحاربهم في أدرعى، ~~وقال الرب لموسى: لا تخفه لأني دافعة في يدك وأصير جميع شعبه وأرضه في ~~يدك، فاصنع به كما صنعت بسيحون ملك الأمورانيين، فلما حاربوه قتل هو ~~وبنوه وجميع شعبه ولم يبق منهم أحد، فظعن بنو إسرائيل ونزلوا عربات موآب ~~التي عند أردن إريحا؛ ثم ذكر قصة بلعام بن باعور وغيرها وقال: ثم قال ~~الرب لموسى: اصعد إلى هذا الجبل جبل العبرانيين، وانظر إلى أرض كنعان ~~التي أعطى بني إسرائيل، فإذا نظرت إليها اجتمع معك شعبك، وصر إلى ما صار ~~إليه آباؤك كما صار [إليه] هارون أخوك، فتكلم موسى أمام الرب وقال: يأمر ~~الله رجلا يريد الجماعة ويدخل ويخرج أمامهم، ويدخلهم ويخرجهم لكيلا تكون ~~جماعة الرب كالغنم التي ليس لها راع، فقال الرب لموسى: اعمد إلى ms1115 يشوع بن ~~نون - رجل عليه من الروح نعمة - فضع يدك عليه، وأقمه بين يدي إليعازر ~~الحبر أمام الجماعة كلها ومن تجاههم قبلا، وأعطه من المجد الذي عليك، ~~فتطيعه جماعة بني إسرائيل كلها، ويقوم بين يدي إليعازر الحبر ليكون يسأل ~~الرب عن حوائجه وسننه، ويحفظ بنو إسرائيل قوله، وعن قوله يخرجون وعن قوله ~~يدخلون، وفعل موسى كالذي أمره الله في يوشع وغيره - ثم ذكره أشياء من ~~القرابين والأعياد وفتح مدين وبقية قصة بلعام وغير ذلك ثم قال: وكثرت ~~مواشي بني روبيل وبني جاد جدا، ونظروا إلى يعزير وأرض جلعاد أنه موضع ~~يصلح للمواشي فقالوا لموسى: إن نحن ظفرنا منك برحمة ورأفة تعطي هذه الأرض ~~لعبيدك ميراثا ولا تجزنا نهر الأردن، فقال موسى: إخوتكم يخرجون إلى ~~الحرب وأنتم تستقرون هاهنا؟ لم تكسرون قلوب إخوتكم أن لا يجوزوا إلى ~~الأرض التي يعطيهم الرب ميراثا! هكذا صنع أيضا آباؤكم فاشتد غضب الرب ~~عليهم، وأقسم أنه لا يعاين أحد منهم الأرض التي وعدت بها آباءهم، لأنهم ~~لم يتموا قولي ولم يتبعوا وصيتي ما خلا كالاب بن يوفنا القنزابي ويشوع بن ~~نون، إنهما أتما قول الرب, فاشتد غضب الرب على بني إسرائيل وتوههم ~~في البرية أربعين سنة حتى هلك حقب الرجال الذين أسخطوا الرب، وأنتم اليوم ~~أيضا تريدون أن ينزل غضب الرب ببني إسرائيل، وإن أنتم انقلبتم عن أمر ~~الرب أيضا يعود أن يتوهكم في التيه، فتفسدون على جميع هذا الشعب، ~~فدنا منه القوم وقالوا: نبني هاهنا قرى لعيالاتنا وحظائر لأنعامنا، ونحن ~~نتسلح أمام بني إسرائيل حتى ندخلهم إلى مواضعهم ولا نرجع إلى بيوتنا حتى ~~يرث بنو إسرائيل كل إنسان ميراثه، ولا نرث معهم من عبر الأردن وما خلف ~~ذلك، لأنا قد قبضنا ميراثنا في مجاز الأردن في مشارق الشمس، فقال لهم ~~موسى: إذا أنتم فعلتم هذا الفعل وتسلحتم أمام ربكم، حينئذ ترجعون ~~وتستجلبون أرضكم ويرضى بنو إسرائيل عنكم، وتصير هذه الأرض لكم ميراثا، ~~وإن لم تفعلوا هذا تصيروا أمام الرب خطأة، واعلموا أن خطاياكم تدرككم، ms1116 ثم ~~قال: وهذه خطأ عن بني إسرائيل حيث خرجوا من أرض مصر - فذكر ما تقدم في ~~البقرة، ثم قال: وارتحلوا من مقبرة الشهوة ونزلوا حضروت، وظعنوا من حضروت ~~ونزلوا رثما، وارتحلوا من رثما ونزلوا رمون فرص، وظعنوا من رمون فرص ~~ونزلوا لبنا - وفي نسخة: لبونا - وارتحلوا من لبنا ونزلوا أراسيا - وفي ~~نسخة: رسا - وظعنوا من أراسيا أو رسا ونزلوا قهاث - وفي نسخة: بقهالاث - ~~وارتحلوا من قهاث ونزلوا جبل شافار - وفي نسخة: شافر - وارتحلوا من جبل ~~شافار ونزلوا حرادة - وفي نسخة: حرذا - وارتحلوا من حرادة - وفي نسخة: ~~حارذا - ونزلوا مقهلوث - وفي نسخة: مهقلوث - وظعنوا من مقهلوث نزلوا تحاث ~~- وارتحلوا من تحاث ونزلوا ترح، وارتحلوا من ترح ونزلوا مثقا، وارتحلوا ~~من مثقا ونزلوا حشمونا، وظعنوا من حشمونا ونزلوا مسروت، وارتحلوا من ~~مسروت ونزلوا بحي بني يعقان، وظعنوا من حي بني يعقان ونزلوا جبل جدجاد، ~~وارتحلوا من جدجاد ونزلوا يطبث - وفي نسخة: يطباثا - وظعنوا من يطبث ~~ونزلوا عجرونا - وفي نسخة: عبرونا - وارتحلوا من عجرونا ونزلوا عصيون ~~جابر وهي قلزم، ورحلوا من عصيون جابر ونزلوا برصين - وفي نسخة: برية ~~صين المعروفة بقداش - وهي رقيم، وظعنوا من قداش ونزلوا هور الجبل الذي في ~~أقاصي أرض أدوم - وفي نسخة: وظعنوا من برية صين فنزلوا في قفر فاران وهي ~~القدس، وارتحلوا من القدس فنزلوا في جبل هور بحذاء أرض أدوم وهي الروم - ~~وصعد هارون الحبر عن قول الله إلى هور الجبل، وتوفي هناك في سنة أربعين ~~بخروج بني إسرائيل من أرض مصر في الشهر الأول أول يوم منه، وقد كان أتى ~~على هارون يوم توفي مائة وثلاث وعشرون سنة، وبلغ الكنعاني ملك حديا ~~الساكن بالتيمن في أرض كنعان - وفي نسخة: عراد الساكن في الداروم في بلد ~~ماءب - أن بني إسرائيل أتوا حده، فينون من هور الجبل ونزلوا صلمونا، ~~وارتحلوا من صلمونا ونزلوا فينون, وظعنوا من فينون ونزلوا أبوث - وفي ~~نسخة: أباث - وارتحلوا من أبوث ونزلوا العين المعروفة بالعبرانيين على حد ~~موآب - وفي نسخة: ونزلوا عايا في العين ms1117 على تخوم موآب - وارتحلوا من عايا ~~فنزلوا جاد - وفي نسخة: ورحلوا من عين العبرانيين ونزلوا ديبون قرية جاد ~~- وارتحلوا من قرية جاد ونزلوا علمون التي دبلثيم - وفي نسخة: دبلاثيم - ~~وظعنوا من علمون التي دبلثيم - وفي نسخة: دبلاثيم - فنزلوا جبل ~~العبرانيين الذي أمام نابو، وارتحلوا من جبل العبرانيين ونزلوا عربة موآب ~~التي بأردن يريحا - وفي نسخة: ونزلوا مغارب موآب على الأردن قبالة يريحا ~~- ونزلوا على شاطىء الأردن من عند أشيموت إلى آبل شاطيم التي عند عربة ~~موآب - وفي نسخة: قبالة مغارب موآب. # وكلم الرب موسى على مغارب موآب عند الأردن قبالة يريحا فقال: كلم بني ~~إسرائيل وقل لهم: أنتم جائزون الأردن إلى أرض كنعان لتهلكوا جميع سكان ~~الأرض، وتحرقوا بيوت أصنامهم المسبوكة، وتقلعوا مذابحهم كلها، وتصير ~~الأرض إليكم وترثونها، فاقسموها لعشائركم سهاما، وصيروا الكثير على قدر ~~كثرتهم، والقليل على قدر قلتهم، وكل قبيلة على ما يرتفع السهم بها ~~وتصيبها القرعة، وإن لم تهلكوا سكان الأرض من بين أيديكم فالذين يبقون ~~منهم يكونون أسنة في أعينكم وسهاما في أصداغكم، ويضيقون عليكم في الأرض ~~التي تسكنونها، وكما رأيت أن أصنع بهم كذلك أصنع بكم، فهكذا اقسموا الأرض ~~في مواريثكم: أرض كنعان بحدودها، فأما حد التيمن فيكون لكم من ساحل البحر ~~الملح من ناحية المشرق، ويدور حدكم من التيمن إلى عقبة عقربيم ويجوز إلى ~~صين، وتكون مخارجه من التيمن إلى رقيم الجائي، ويخرج من هناك إلى حصر ~~إدار - وفي نسخة: إلى رفح - ويجوز إلى عصمون إلى وادي مصر، وتكون مخارجه ~~إلى ناحية البحر ويكون حد البحر حدكم والبحر الأعظم بحدوده، هذا حدكم من ~~ناحية البحر, وأما حدكم مما يلي الجربيا - وفي نسخة: الشمال - فيكون من ~~البحر الأعظم إلى هور الجبل، وحدود ذلك من الجبل إلى مدخل حماة، وتكون ~~مخارج الجبل إلى صدد، ويخرج الحد إلى زفرون، وتكون مخارجه إلى حصر عينن، ~~هذه حدودكم من ناحية الجربيا، وأما حدودكم من ناحية المشرق فحدوده من حصر ~~عينن إلى شافم، وينزل الحد نم شافمم إلى ربلة إلى ms1118 مشارق غاب، حتى ينتهي ~~إلى بحر كنرت - وفي نسخة: البحيرة الميتة - من مشارقه، ويدور حتى ينزل ~~إلى حد الأردن، وتكون مخارجه إلى بحر الملح، هذه حدود الأرض التي ترثونها ~~كما تدور, ثم ذكر القسمة وشيئا من الأحكام، ثم قال في أول السفر الخامس: ~~هذه الآيات والأقوال التي قال موسى لبني إسرائيل عند مجاز الأردن في ~~البرية في عرابا - وفي نسخة: البيداء وهو الجانب الغربي - حيال سوف بين ~~فاران وبين تفال ولبان وحضروت وذي ذهب - وفي نسخة: ودار الذهب وهو إشارة ~~إلى الموضع الذي عبدوا فيه العجل - مسير أحد عشر يوما من حوريب إلى ~~ساعير وإلى رقام الجائي. # لما كان في سنة أربعين من خروج بني إسرائيل من مصر في الشهر الحادي عشر ~~في أول يوم منه كلم موسى بني إسرائيل وأمرهم بعد قتلهم سيحون ملك ~~الأمورانيين وعوج ملك متنين في مجاز الأردن في أرض موآب، قال: إن الله ~~قال لنا في حوريب: قد طال مكثكم في هذا الجبل، انهضوا فارتحلوا من هاهنا ~~وادخلوا جبل الأمورانيين وكل ما حوله إلى القرى والجبل وإلى ساحل البحر ~~أسفل الجبال، والتيمن أرض الكنعانيين، ولبنان إلى النهر الكبير الذي هو ~~الفرات، ادخلوا ورثوا الأرض التي وعد الله آباءكم إبراهيم وإسحاق ويعقوب ~~أن يعطيهم، ويورثها نسلهم من بعدهم، ثم قال: وأمرتكم في ذلك الزمان بما ~~ينبغي أن تصنعوا، وارتحلنا من حوريب وسرنا في البرية العظيمة المرهوبة ~~كما أمرنا الله ربنا، وانتهينا إلى رقيم الجائي، وقلت لكم: قد انتهيتم ~~إلى جبل الأمورانيين الذي أعطانا الله ربنا، اصعدوا ورثوا الأرض كما قال ~~لكم الله رب آبائكم، لا تخافوا ولا تفزعوا، وتقدمتم إلي بأجمعكم وقلتم: ~~نرسل بين أيدينا رجالا يتجسسون لنا الأرض ويخبرونا بخبرها ويدلونا على ~~الطريق الذي نسير فيه والقرى التي ندخلها؛ فكان قولكم عندي حسنا، وعمدت ~~إلى اثني عشر رجلا منكم، من كل سبط منكم رجل، وأرسلتهم، وصعدوا إلى ~~الجبل حتى انتهوا إلى وادي العنقود، واستخبروا الأرض وأخذوا من ثمار ~~الأرض وأتوا به وأخبرونا وقالوا لنا: ما ms1119 أخصب الأرض التي يعطينا الله ~~ربنا! ولم يعجبكم أن تصعدوا، ولكن اجتنبتم قول الله ربكم وأغضبتموه ~~وتوشوشتم في خيمتكم وقلتم: لبغض الرب أخرجنا من أرض مصر ليدفعنا في أيدي ~~الأمورانيين ليهلكونا، إلى أين نصعد! إخوتنا كسروا قلوبنا وقالوا: الشعب ~~أعظم وأعز منا وأقوى، وقراهم عظيمة مشيدة إلى السماء، ورأينا هناك أبناء ~~جبابرة، وقلت لكم: لا تخافوا ولا تفزعوا منهم، من أجل أن الله ربكم هو ~~يسير أمامكم، وهو يجاهد عنكم كما صنع بكم في أرض مصر وفي البرية. # كما رأيتم أنه فداكم كما يفدي الوالد ولده في كل الأرض التي سلكتموها ~~حتى انتهيتم إلى هذه البلاد، وبهذا القول لم تصدقوا أن الله ربكم يكمل ~~لديكم أنه يسير أمامكم في الطريق ليهيىء لكم موضعا تسكنون فيه، أليس هو ~~الذي أراكم طريقا تسلكون فيه بالليل بالنار، وستركم بالنهار من حر الشمس ~~بالغمام، وسمع الرب كلامكم وأصواتكم وغضب وأقسم وقال: لا يعاين أحد من ~~هؤلاء القوم - أهل هذا الحقب الرديء - الأرض المخصبة التي أقسمت أن أعطي ~~آباءهم غير كالاب بن يوفنا، إني أدفع إليه الأرض التي مشى فيها وأورثها ~~ولده، لأنه أتم قول الرب وأكمل سنته، وقال لي: وأنت أيضا لا تدخلها، ~~ولكن يشوع بن نون الذي يخدمك هو يدخل هناك، إياه قو وأيد، لأنه هو الذي ~~يورث بني إسرائيل الأرض المخصبة التي وعدت بها آباءهم أن أعطيهم، وأما ~~مواشيكم التي قلتم: إنها تنتهب، وبنوكم الذين لا يعلمون الخير من الشر، ~~فهم يدخلون هناك، وإليهم أدفعها وهم يرثونها، فأما أنتم فاقبلوا وارتحلوا ~~إلى البرية في طريق بحر سوف، فرددتم علي وقلتم: أسأنا وأجرمنا بين يدي ~~الله ربنا، نحن صاعدون ومجاهدون كما قال لنا، وتسلح كل امرىء منكم ~~بسلاحه، وتهيأتم للصعود إلى الجبل، وقال الرب لي: أنذرهم وقل لهم: لا ~~تصعدوا ولا تجاهدوا، لأني لست بينكم، لئلا يهزمكم أعداؤكم، وقلت ولم ~~تقبلوا، اجتنبتم قول الرب وأغضبتموه وجسرتم وطلعتم إلى الجبل، فخرج ~~الأموريون الساكنون في ذلك الجبل للقائكم وطردوكم كما تطرد الزنابير ~~بالدخان، ودفعوكم من ms1120 ساعير إلى حرما، وجلستم وبكيتم ولم يسمع الرب ~~أصواتكم، فبكيتم أمام الرب في رقام أياما كثيرة ما مكثتم فيها، فأقبلنا ~~فارتحلنا في البرية في طريق بحر سوف كما قال الرب، وترددنا حول جبل ساعير ~~أياما كثيرة، وقال لي الرب: قد طال ترددكم حول هذا الجبل, اقبلوا إلى ~~الجانب الجربي، فتقدم إلى الشعب وقل لهم: أنتم تجوزون في حد إخوتكم بني ~~عاسو - وفي نسخة: عيصو - الذين يسكنون ساعير، فاحفظوا أن لا تولعوا بهم. # لأني لست أعطيكم من أرضهم ميراثا ولا موضع قدم، ابتاعوا منهم طعاما ~~لمأكلكم وامتاروا منهم ماء بفضة لمشربكم، وليبارك الله ربكم عليكم ويبارك ~~لكم في كل ما عملت أيديكم، كما علم أن يسوسكم في هذه البرية أربعين سنة، ~~الله ربكم ما دام معكم لا يعوز بكم شيء، وجزنا طريق العربة - وفي نسخة: ~~البيداء - وأيلة، وأقبلنا وجزنا في البرية إلى طريق موآب، وقال لي الرب: ~~لا تضيق على الموآبيين ولا تحاربهم، لأني لست أعطيك من أرضهم ميراثا، بل ~~قد جعلت هذه الأرض ميراثا لبني لوط هذه التي سكنها إمتى أولا، شعبا ~~كان عظيما، كان الموآبيون يسمونهم إمتى، فأما ساعير فكان سكانها ~~الحورانيين أولا وورثها بنو عاسو، فقوموا الآن فجوزوا وادي زرد، فجزنا ~~وادي زرد حينئذ، وكان عدد الأيام التي سرنا من رقيم إلى أن جزنا وادي زرد ~~ثماني وثلاثين سنة، حتى هلك جميع الرجال الأبطال أهل ذلك الحقب من عسكر ~~بني إسرائيل كما أقسم عليهم الرب، لأن يد الرب كانت عليهم حتى هلكوا، ~~فلما ماتوا من الشعب كلمني الرب وقال لي: أنت جائز اليوم إلى حد موآب، ~~وتدنو من حد بني عمون فلا تتعرض لهم، لست أعطيك ميراثا من أرض بني عمون، ~~لأني قد جعلتها ميراثا لبني لوط، فقم وارتحل وجز وادي أرنون، إني قد ~~دفعت إليك سيحون ملك الأمورانيين فحاربه وأهلك أصحابه، فإني أبدأ فألقي ~~خوفك وفزعك على الناس منذ يومك هذا، وعلى جميع الشعوب التي تحت السماء، ~~حتى إذا سمعوا بخبرك فرقوا وفزعوا منك، وأرسلت رسلا من ms1121 برية قدموت إلى ~~سيحون ملك حجبون بكلام طيب وبالسلام، وقلت له: نجوز في أرضك ونسير في ~~الطريق الأعظم، لا نميل يمنة ولا يسرة نمتار, منكم طعاما بفضة لمأكلنا، ~~وكذلك نبتاع ماء لمشربنا بثمن، فدعونا نجز سائرين في الطريق كما صنع بنا ~~بنو عاسو الذين في ساعير، والموآبيون الذي في عار، حتى يجوز في الأردن ~~إلى الأرض التي يعطينا الله ربنا، لوم يسر سيحون ملك حجبون أن نجوز في ~~حده، لأن الله ربكم قسى قلبه وعظم روحه ليدفعه في أيديكم، وخرج إلينا هو ~~وجميع أجناده ليحاربونا في ياهاص، فدفعه الرب إلينا وقتلناه هو وجميع ~~أجناده, وفتحنا قراه وأهلكنا كل من كان في قراه، ولم يبق منهم أحد، ~~وأهلكنا نساءهم وعيالاتهم، ولم يبق منهم أحد من حد عروعير التي على حد ~~وادي أرنون، والقرية التي في الوادي وإلى جلعاد لم تفتنا قرية، بل دفعها ~~الله ربنا في أيدينا جميعا، فأما أرض بني عمون فلم نقربها، وكل ما كان ~~على وادي يبوق وقرى الجبال أيضا، وكل ما أمرنا الله ربنا به، ثم أقبلنا ~~وصعدنا إلى أرض متنين، وخرج إلينا عوج ملك متنين هو وكل شيعته ليحاربنا ~~في أدرعى، وقال لي الرب: لا تفرق فإني قد دفعته في يديك، وأسلمت إليك كل ~~أجناده وأرضه، وقتلناهم ولم يبق منهم أحد، وظفرنا بكل قراه في ذلك ~~الزمان، ولم تفتنا قرية إلا أخذناها منهم ستين قرية، كل جبل أرجوب، كل ~~القرى التي كانت أسوارها مشيدة محصنة بالأبواب الشديدة الموثقة، ~~وأحرمناهن كما صنعنا بسيحون وأخذنا الأرض في ذلك الزمان من ملكي ~~الأمورانيين اللذين كانا عند مجاز الأردن من وادي أرنون إلى جبل حرمون، ~~فأما الصيدانيون فكانوا يدعون حرمون سريون، وأما الأمورانيون فكانوا ~~يسمونها سنير، وأخذنا كل القرى التي كانت في الصحراء وكل جلعاد وكل متنين ~~إلى سلكة وأدرعى، جميع قرى ملك عوج، لأن عوجا كان الجبار الذي بقي وحده ~~من الجبابرة، وكان سريره من حديد، وفي مدينة بني عمون التي تسمى ربة، ~~طوله تسع أذرع وعرضه أربع أذرع ms1122 بذراع الجبابرة، وورثنا هذه الأرض في ذلك ~~الزمان؛ ثم قال: أمرت يشوع في ذلك الزمان وقلت: قد رأيت بعينيك ما صنع ~~الله ربكم بملكي الأمورانيين، كذلك يصنع الرب بجميع المملكات التي تجوز ~~إليها، لأن الله ربكم هو يجاهد عنكم، وتضرعت إلى الرب في ذلك الزمان ~~وقلت: أطلب إليك يا ربي وإلهي أن تظهر لعبدك عظمتك بيدك المنيعة وبذراعك ~~العظيمة، أي إله في السماء أو في الأرض يعمل مثل أعمالك وجرائحك! أتأذن ~~لي الآن فأعبر وأعاين الأرض المخصبة التي في مجاز الأردن، هذا الجبل ~~المخصب ولبنان، ولم يتسجب لي وقال لي الرب: حسبك! لا تعد أن تقول هذا ~~القول بين يدي، اصعد رأس الأكمة وارفع عينيك إلى المغرب والمشرق وإلى ~~الجربي والتيمن، وانظر إليها نظرا ولا تجز هذا الأردن، ومر يشوع وتقدم ~~إليه وقوه وأيده، لأنه هو الذي يجوز أمام هذا الشعب وهو الذي يورثهم ~~الأرض التي تراها، ونزلنا الوادي حيال بيت فغور: ثم قال: وأقسم - أي الرب ~~-أني لا أجوز هذا الأردن ولا أدخل إلى الأرض التي أعطاكم الله ربكم ~~ميراثا، فأنا الآن متوف في هذه الأرض، ولا أجوز هذا الأردن، فأما أنتم ~~فتجوزون وترثون هذه الأرض المخصبة، احفظوا لا تنسوا عهد ربكم الذي ~~عاهدكم، ولا تفسدوا وتتخذوا أصناما وأشباها، من أجل أن الله ربكم هو ~~نار محرقة وهو إله غيور، وإذا ولد لكم بنون وبنو بنين وعتقتم في الأرض. # واتخذتم أصناما وأشباها وارتكبتم الشر أمام الله ربكم وأغضبتموه قد ~~أشهد عليكم السماء والأرض أنكم تهلكون سريعا من الأرض التي تجوزون ~~لترثوها، ولا تكثر أيامكم فيها، ويبددكم الرب من بين الشعوب ويبقي منكم ~~عدد قليل بين الشعوب التي يفرقكم الرب فيها، سلوا عن الأيام الأولى التي ~~مضت قبلكم منذ يوم خلق الله الناس على الأرض من أقصى السماء إلى أقطارها، ~~هل كان مثل هذا الأمر العظيم أو سمع بمثله قط؟ هل سمع شعب آخر صوت الله ~~يكلمه من النار كما سمعتم أنتم، وجربوا الله الذي اتخذهم شعبا من الشعوب ~~بالبلايا ms1123 والآيات والأعاجيب والحروب واليد المنيعة والذراع العظيمة ~~وبالمناظر العظيمة، كما صنع الله بأهل مصر تجاهكم أنتم وعاينتم وعلمتم أن ~~الله هو رب كل شيء وليس إله غيره، أسمعكم صوته من السماء ليعلمكم وأراكم ~~ناره العظيمة، وسمعتم أقاويله من النار، ولحبه لآبائكم اختار نسلهم من ~~بعدهم، وأخرجكم بوجهه من مصر بقوته العظيمة، ليهلك من بين أيديكم شعوبا ~~أعظم وأعز منكم ليدخلكم ويعطيكم أرضهم ميراثا، لتعلموا يومكم هذا ~~وتقبلوا بقلوبكم لأن الرب هو إله في السماء فوق وفي الأرض أسفل، وليس إله ~~سواه، احفظوا سننه ووصاياه التي أمركم بها يومكم هذا لينعم عليكم وعلى ~~أبنائكم من بعدكم ويطول مكثكم في الأرض التي يعطيكم الله ربكم طول ~~الأيام. # هذه الشهادات والأحكام التي قص موسى على بني إسرائيل حيث خرجوا من أرض ~~مصر، فانتهوا إلى مجاز الأردن في الوادي في مشارق الشمس، وإلى بحر العربة ~~إلى سدود الفسجة، ثم قال بعد ذلك في أواخر هذا السفر بعد أن قص عليهم ~~أحكاما كثيرة وحكما عزيزة: الرب يقبل بكم إلى الخير ويفرحكم كما فرح ~~آباؤكم، وذلك إن أنتم سمعتم قول الله ربكم وحفظتم سننه ووصاياه المكتوبة ~~في هذا الكتاب من كل قلوبكم وأنفسكم، من أجل أن هذه الوصية لم تخف عليكم ~~ولم تغب، وليس هو بمستور في السماء فتقولوا: من يصعد لنا إلى السماء ~~ويأتينا به فنسمعه ونعمل به! وليس بغائب عنكم في أقصى البحر فتقولوا: من ~~ينزل لنا إلى البحر ويأتينا به فنسمعه ونعمل به! ولكن القول قريب من فمك ~~وقلبك فاعمل به، وانظر أني قد صيرت بين يديك اليوم الحياة والخير، ~~فأخبرتك بالموت والشر، وأنا آمرك اليوم أن تحب الله ربك وتسلك في طرقه ~~وتحفظ سننه ووصاياه وأحكامه، لتحيى وتكثر جدا، ويبارك الله ربك عليك، ~~وينميك في الأرض التي تدخلها لترثها، وإن مال قلبك وزاغ ولم تسمع وضللت ~~وتبعت الآلهة الأخرى وسجدت لها فقد بينت لكم اليوم أنكم تهلكون هلاكا، ~~ولا يطول مكثكم في الأرض التي تجوزون الأردن لترثوها، وأوعزت إليكم ~~وناشدتكم السماء والأرض ms1124 والحياة والموت - وفي نسخة: وأشهدت عليكم السماء ~~والأرض وجعلت بين يديكم الحياة والموت - وتلوت عليكم اللعن والدعاء، ~~فاختر الحياة لتحيى أنت ونسلك إذا أحببت الله ربك وسمعت قوله ولحقت ~~بعبادته، لأنه حياتك وطول عمرك، وتسكن في الأرض التي أقسم الرب لآبائك ~~ووعد إبراهيم وإسحاق ويعقوب أن يعطيك؛ ثم انطلق موسى وكلم بني إسرائيل ~~وقص عليهم هذه الأقوال كلها وقال لهم: اليوم مائة وعشرون سنة، ولست أقدر ~~على الدخول والخروج أيضا، والرب قال: إنك لا تجوز هذا الأردن، فالله ~~ربكم هو يجوز أمامكم، وهو يهلك هذه الشعوب من بين أيديكم وترثونهم، ويشوع ~~هو يجوز أمامكم كما قال الرب، وسيصنع بهم الرب كما صنع بسيحون وعوج ملكي ~~الأمورانيين اللذين أهلكهما، ويهزمهم الله ربكم من بين أيديكم، فاصنعوا ~~بهم حينئذ ما أمرتكم به، فتقووا واعتزوا ولا تخافوا ولا تفزعوا، ولا ~~ترعب قلوبكم منهم، لأن الله ربكم سائر أمامكم، لا يخذلكم ولا يرفضكم؛ ~~ودعا موسى يشوع بن نون وقال له بين يدي جماعة بني إسرائيل: تقو واعتز، ~~لأنك أنت الذي تدخل هذا الشعب الأرض التي أقسم الله لآبائهم أن يعطيهم، ~~وأنت تورثها أبناءهم، والرب هو يسير أمامكم وهو يكون معك ولا يخذلك ولا ~~يرفضك، فلا تخف ولا تفزع ولا يرعب قلبك؛ وكتب موسى هذه التوراة وسننها ~~ودفعها إلى الأحبار بني لاوي الذين يحملون تابوت عهد الرب وإلى جميع ~~أشياخ بني إسرائيل؛ ثم قال: وكلم الرب موسى في ذلك اليوم وقال له: اصعد ~~إلى جبل العبرانيين هذا جبل نابو الذي في أرض موآب حيال يريحا, وانظر إلى ~~أرض كنعان التي أعطى بني إسرائيل ميراثا، ولتتوف هناك في الجبل الذي ~~تصعد إليه واجتمع إلى آبائك، كما توفي أخوك هارون في الجبل وصار إلى ~~قومه، ثم قال في آخر هذا السفر وهو آخر التوراة: فطلع موسى من عربوب - ~~وفي نسخة: من بيداء موآب - إلى جبل نبو إلى رأس الأكمة التي قبالة وجه ~~إريحا، وأراه الله جميع جلعد إلى دان وجميع أرض نفتالي وجميع أرض إفرائيم ~~ومنشا، وجميع ms1125 أرض يهودا إلى آخر البحر والبرية وما حول بقعة بلد إريحا ~~مدينة النخل إلى صاغر، فقال الرب لموسى: إن هذه هي في الأرض التي أقسمت ~~لإبراهيم وإسحاق ويعقوب وقلت: إني لنسلكم أعطيها، قد أريتكها بعينيك، ~~فأما أنت فما تدخلها، وقضى عبدالله موسى بأرض موآب بأمر الرب، فدفن - ~~يعني في أرض موآب - حذاء بيت فاغور، ولم يعرف أحد أين قضى إلى يومنا هذا، ~~وكان موسى وقت قضى ابن مائة وعشرين سنة، لم يضعف بصره ولم يشخ جدا؛ فناح ~~بنو إسرائيل على موسى بعربوب - وفي نسخه: في بيداء موآب - ثلاثين يوما، ~~وتمت أيام بكاء مأتم موسى؛ وامتلأ يشوع بن نون روح الحكمة، لأن موسى وضع ~~عليه يده، وأطاع له بنو إسرائيل وامتثلوا ما أمر الرب به موسى - انتهى ما ~~أردته من أخبار التيه وما يتصل بذلك من مساواتهم لجميع الناس في العذاب ~~بالمعاصي والإلطاف بالطاعات، الهادم لكونهم أبناء وأحباء. # وفيه مما يحتاج إلى تفسير: الجربي، وهو نسبة إلى الجربياء - بكسر الجيم ~~والموحدة، بينهما مهملة ساكنة ثم تحتانية ممدودة، وهي جهة الشمال، ~~والتيمن - بفتح الفوقانية وإسكان التحتانية وضم الميم، وهو أفق اليمن ~~الذي يقابل الشمال فالمراد الجنوب، وفيه قاصمة لهم من إنكار النسخ في ~~أمرهم بنص التوراة بالدخول إلى يبت المقدس ثم نهيهم عن ذلك لما عصوا، ~~فإنه قال: اصعدوا ورثوا الأرض كما قال لكم الله رب آبائكم، لا تخافوا ولا ~~تفزغوا، ولما عصوا هذا الأمر وأعلمهم موسى عليه السلام عليه السلام بغضب ~~الله عليهم وعقوبته بالتيه أرادوا امتثال الأمر في الصعود توبة، فقال لهم ~~موسى عليه السلام: وقال لي الرب: أنذرهم وقل لهم: لا تصعدوا ولا تجاهدوا ~~لأني لست بينكم، لئلا يهزمكم أعداؤكم - هذا نصه فراجعه. وأما دخول ~~أبنائهم إلى بلاد القدس وغلبتهم على أهلها وتبسطهم في أرضها تصديقا ~~لمواعد الله على يد يشوع بن نون عليه السلام فسيذكر إن شاء الله تعالى ~~عند قوله تعالى في سورة يونس عليه السلام: # ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق # [يونس: 93]، ولكن أقدم هنا من ms1126 أمر يوشع بعد موسى عليهما السلام - ~~والمعونة بالله - ما يبنى عليه بعض مناسبات الآية التي بعدها، قال ~~البغوي: فتوجه - يعني يوشع - ببني إسرائيل إلى إريحا ومعه تابوت الميثاق، ~~فأحاط بها ستة أشهر، ثم نفخوا في القرون وضج الشعب ضجة واحدة، فسقط سور ~~المدينة ودخلوا، فقاتلوا الجبارين فقتلوهم، وكان القتال في يوم الجمعة، ~~فبقيت منهم بقية وكادت الشمس تغرب وتدخل ليلة السبت فقال: اللهم أردد ~~الشمس علي! فردت عليه وزيد في النهار ساعة، ثم قتلهم أجمعين، وتبع ملوك ~~الشام واستباح منهم واحدا وثلاثين ملكا حتى غلب على جميع أرض الشام ~~وفرق عماله في نواحيها، وجمع الغنائم فلم تنزل النار، فأوحى الله إلى ~~يوشع أن فيها غلولا فمرهم فليبايعوك، فبايعوه فالتصقت يد رجل منهم بيده، ~~فقال: هلم ما عندك! فأتاه برأس ثور من ذهب مكلل باليواقيت والجواهر، ~~فجعله في القربان وجعل الرجل معه، فجاءت النار فأكلت الرجل والقربان - ~~انتهى. ورأيت أنا في تاريخ نبوة يوشع بعد موت موسى عليهما السلام ما ربما ~~يخالف هذا في الأشهر والبلد، أما الأشهر فجعلها سبعة أيام، وأما البلدة ~~التي وقفت عندها الشمس فجبعون لا إريحا، فإنه قال ما نصه: قال الرب ~~ليشوع: انظر، إني قد دفعت في يدك إريحا وملكها وكل أجنادها، فليحط ~~بالمدينة جميع الرجال المقاتلة، ودوروا حول المدينة في اليوم مرة، ~~وافعلوا ذلك في ستة أيام، ويحمل سبعة من الكهنة سبعة أبواق ويهتفون أمام ~~التابوت، حتى إذا كان اليوم السابع دوروا حول المدينة سبع مرات، ويهتف ~~الكهنة بالقرون، وإذا هتفت الأبواق وسمعتم أصواتها يهتف جميع الشعب بأعلى ~~أصواتهم صوتا شديدا، فيقع سور المدينة مكانه، ويصعد الشعب كل إنسان ~~حياله - انتهى. # ثم ذكر امتثالهم لأمر الله وفتحهم لإريحا على ما قال الله، وأما البلدة ~~التي ردت فيها الشمس فهي جبعون، وذلك أنه ذكر بعد فتح إريحا هذه أن ~~سكون جعبون وهم الحاوانيون صالحوا يوشع بحيلة فعلوها، ثم قال: وهذه أسماء ~~قراهم: جبعون والكفيرة وبيروت ويعاريم، فلما سمع بذلك أدونصداق ملك ~~أورشليم فرق فرقا شديدا، لأن ms1127 جبعون كانت مدينة عظيمة كمثل مدن الملك، ~~وكان أهلها رجالا جبابرة، فأرسل إلى هوهم ملك حبران - وفي موضع آخر: ~~حبرون - وإلى فرآم ملك يرموث، وإلى يافع ملك لخيس، وإلى دابير ملك عقلون ~~- وقال لي بعض اليهود: إن المراد بهذه عجلون - وقال لهم: اصعدوا لتعينوني ~~على محاربة أهل جبعون، لأنهم قد صالحوا يشوع، فاجتمع الخمسة من ملوك ~~الأمورانيين وجميع عساكرهم فنزلوا على جبعون، فأرسل أهل جبعون إلى يشوع ~~فصعد يشوع من الجلجال هو وجميع أبطال الشعب، فأوحى الرب إلى يشوع: لا تخف ~~ولا تفزع منهم، لأني قد أسلمتهم في يدك، فأتاهم بغتة، لأنه صعد من ~~الجلجال الليل أجمع، فهزمهم الرب بين يدي آل إسرائيل وجرحوا منهم جرحى ~~كثيرة في جبعون التي بحوران، وهربوا في طريق عقبة حوران ولم يزالوا ~~يقتلون منهم إلى عزيقة ومقيدة، فلما هرب الذين بقوا منهم ونزلوا عقبة ~~حوران أمطر الرب عليهم حجارة برد كبار من السماء إلى عزيقة وماتوا كلهم، ~~فكان الذين ماتوا بحجارة البرد أكثر من الذين قتلوا، ثم قام يشوع أمام ~~الرب مصليا في اليوم الذي دفع الرب الأمورانيين في يدي بني إسرائيل ~~وقال: أيتها الشمس! امكثي في جبعون ولا تسيري، وأنت أيها القمر! لا تبرح ~~قاع أيلون، فثبتت الشمس وقام القمر حتى انتقم الشعب من أعدائهم؛ فكتبت ~~هذه الأعجوبة في سفر التسابيح، لأن الشمس وقفت في وسط السماء ولم تزل إلى ~~الغروب، وصار النهار يوما تاما، ولم يكن مثل ذلك اليوم قبله ولا بعده - ~~انتهى. وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم هذه القصة، روى الشيخان: ~~البخاري في الخمس والنكاح، ومسلم في المغازي عن أبي هريرة رضي الله عنه ~~قالك " قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " غزا نبي من الأنبياء فقال لقومه: لا يتبعني رجل ملك بضع امرأة وهو ~~يريد أن يبني بها ولما يبن بها، ولا أحد بنى بيوتا ولم يرفع سقوفها، ~~ولا أحد اشترى غنما أو خلفات وهو ينتظر ولادها، فغزا فدنا من القرية ~~صلاة العصر أو قريبا من ذلك فقال للشمس: ms1128 إنك مأمورة وأنا مأمور، اللهم ~~احبسها علينا! فحبست حتى فتح الله عليه فجمع الغنائم، فجاءت - يعني النار ~~- لتأكلها فلم تطعمها، فقال: إن فيكم غلولا، فليبايعني من كل قبيلة رجل، ~~فلزقت يد رجل بيده، فقال: فيكم الغلول فلتبايعني قبيلتك، فلزقت يد رجلين ~~أو ثلاثة بيده، فقال: فيكم الغلول، فجاؤوا برأس مثل رأس بقرة من الذهب ~~فوضعوها، فجاءت النار فأكلتها ثم أحل الله لنا الغنائم، رأى بعض ضعفنا ~~وعجزنا فأحلها لنا " # وفي رواية المسند للحافظ نور الدين الهيثمي عن أبي هريرة رضي الله عنه ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الشمس لم يحبس على بشر إلا ليوشع ليالي سار إلى بيت المقدس " # ، قال: وهو في الصحيح ولم أر فيه حصرا كما هنا؛ وفي سيرة ابن إسحاق ما ~~ينقضه، قال: حدثنا يونس عن الأسباط بن نصر الهمداني عن إسماعيل بن عبد ~~الرحمن القرشي قال: لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبر قومه ~~بالرفعة والعلامة عما في العير قالوا: فمتى تجيء؟ قال: يوم الأربعاء، ~~فلما كان ذلك اليوم أشرفت قريش ينتظرون وقد ولى النهار ولم تجىء، فدعا ~~النبي صلى الله عليه وسلم فزيد له في النهار ساعة وحبست عليه الشمس، ولم ~~ترد الشمس على أحد إلا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى يوشع بن ~~نون حين قاتل الجبارين يوم الجمعة. ### || [5.27-29] # ولما كانت قصتهم هذه - في أمرهم بالدخول إلى الأرض المقدسة لما فيها من ~~نقض العهود والتبرؤ من الله والحكم عليهم بالفسق والتعذيب - ناقضة لما ~~ادعاه اليهود من البنوة، كان ذلك كافيا في إبطال مدعى النصارى لذلك، ~~لأنهم أبناء اليهود، وإذا بطل كون أبيك ابان لأحد بطل أن تكون أنت ابنه، ~~لما كان ذلك كذلك ناسب أن تعقب بقصة ابني آدم لما يذكر، فقال تعالى ~~عاطفا على قوله: # وإذ قال موسى # [المائدة: 20] { واتل عليهم } أي على المدعوين الذين من جملتهم اليهود ~~تلاوة، وهي من أعظم الأدلة على نبوتك، لأن ذلك لا علم لك ولا لقومك به ~~إلا ms1129 من جهة الوحي { نبأ ابني آدم } أي خبرهما الجليل العظيم، تلاوة ~~ملتبسة { بالحق } أي الخبر الذي يطابقه الواقع إذا تعرف من كتب ~~الأولين وأخبار الماضين كائنا ذلك النبأ { إذ } أي حين { قربا } أي ابنا ~~آدم؛ ولما لم يتعلق الغرض في هذا المقام ببيان أي نوع قربا منه، قال: { ~~قربانا } أي بأن قرب كل واحد منهما شيئا من شأنه أن يقرب إلى ~~المطلوب مقاربته غاية القرب. # ولما كان المؤثر للحسد إنما هو عدم التقبل، لا بالنسبة إلى متقبل خاص، ~~بناه للمفعول فقال: { فتقبل } أي قبل قبولا عظيما ظاهرا لكل أحد { ~~من أحدهما } أبهمه أيضا لعدم الاحتياج في هذا السياق إلى تعيينه { ولم ~~يتقبل من الآخر } علما ذلك بعلامة كانت لهم في ذلك، إما أكل النار ~~للمقبول كما قالوه أو غير ذلك؛ ومناسبتها لما قبلها من حيث إنها أيضا ~~ناقضة لدعواهم البنوة، لأن قابيل ممن ولد في الجنة على ما قيل، ومع ذلك ~~فقد عذب لما نقض العهد، فانتفى أن يكون ابنا وكان هو وغيره شرعا واحدا ~~دائرا أمرهم في العذاب والثواب على الوفاء والنقض، من وفى كان حبيبا ~~وليا، ومن نقض كان بغيضا عدوا، وإذا انتفت البنوة عن ولد لآدم صفي ~~الله مع كونه لصلبه لا واسطة بينهما ومع كونه ولد في الجنة دار ~~الكرامة، فانتفاؤها عمن هو أسفل منه من باب الأولى، وكذا المحبة؛ ومن ~~المناسبات أيضا أن كفر بني إسرائيل بمحمد صلى الله عليه وسلم إنما هو ~~للحسد، فنبهوا بقضة ابني آدم على أن الحسد يجر إلى ما لا يرضي الله وإلى ~~ما لا يرضاه عاقل ويكب في النار؛ ومنها أن في قصة بني إسرائيل إحجامهم عن ~~قتال أعداء الله البعداء منهم المأمورين بقتالهم الموعودين عليه بخيري ~~الدارين، وأن الله معهم فيه، وفي قصة ابني آدم إقبال قابيل على قتل أخيه ~~حبيب الله المنهي عن قتله المتوعد بأن الله يتبرأ منه إن قتله، ففي ذلك ~~تأديب لهذه الأمة عند كل إقدام وإحجام، وتذكير بالنعمة في حفظهم من مثل ~~ذلك، ms1130 وأن فيها أن موسى وهارون عليهما السلام أخوان في غاية الطواعية في ~~أنفسهما، ورحمة كل منهما للآخر والطاعة لله، وقصة ابني آدم بخلاف ذلك، ~~وفي ذلك تحذير مما جر إليه وهو الحسد، وأن في قصة بني إسرائيل أنهم لما ~~قدموا الغنائم للنار فلم تأكلها، علم نبيهم صلى الله عليه وسلم أنها ~~لم تقبل لغلول غلوه، فاستخرجه ووضعه فيها فأكلتها، ففي ذلك الاستدلال ~~بعدم أكل النار على عدم القبول - كما في قصة ابني آدم، وأن بني إسرائيل ~~عذبوا بالمنع من بيت المقدس بالتيه. # وقابيل نفي من الأرض التي كان فيها مقتل أخيه، وأن بني إسرائيل تاهوا ~~أربعين سنة على عدد الأيام التي غاب فيها نقباؤهم في جس أخبار الجبابرة، ~~وأن قابيل حمل هابيل بعد أن قتله أربعين يوما - ذكره البغوي عن ابن عباس ~~رضي الله عنهما قال: وقصده السباع فحمله على ظهره أربعين يوما، وكل هذه ~~محسنات والعمدة هو الوجه الأول, وأحسن منه أن يكون الأمر لموسى عليه ~~السلام عطفا على النهي في لاتاس، والمعنى أن الأرض المقدسة مكتوبة لهم ~~كما قدمته أنت أول القصة في قولك: # التي كتب الله لكم # [المائدة: 21] فأنا مورثها لا محالة لأبنائهم وأنت متوف قبل دخولها، ~~وقد أجريت سنتي في ابني آدم بأنهم إذا توطنوا واستراحوا تحاسدوا، وإذا ~~تحاسدوا تدابروا فقتل بعضهم بعضا، فاتل عليهم هذه القصة لتكون زاجرة لهم ~~من أن يفعلوا ذلك إذا فرغوا من الجبابرة وأبادوهم وصفت لهم البلاد ~~فتوطنوها، وأخرجت لهم بركاتها فأبطرتهم النعم، ونسوا غوائل النقم؛ ويكون ~~ذلك وعظا لهذه الأمة ومانعا من فعل مثل ذلك بعد إكمال دينهم ووفاة ~~نبيهم وإظهارهم على الدين كله، كما تقدم به الوعد لهم فقهروا العباد ~~وفتحوا البلاد وانتثلوا كنوزها وتحكموا في أموالها، فنسوا ما كانوا فيه ~~من القلة والحاجة والذلة فأبطرتهم النعم، وارتكبوا أفعال الأمم، وأعرضوا ~~عن غوائل النقم - كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " دب إليكم داء الأمم قبلكم: الحسد والبغضاء، الا والبغضاء هي الحالقة، ~~لا أقول: تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين ms1131 " # أخرجه الترمذي والإمام أحمد وأبو داود الطيالسي في مسنديهما والبزار - ~~قال المندري: بإسناد جيد - والبيهقي وقال: # " لا يزال الناس بخير ما لم يتحاسدوا " # رواه الطبراني ورواته ثقات، وذكر الحافظ أبو الربيع بن سالم الكلاعي في ~~القسم الثاني من سيرته في فتح جلولاء من بلاد فارس أن سعد بن أبي وقاص ~~رضي الله عنه لما أرسل الغنيمة إلى عمر رضي الله عنه أقسم عمر رضي الله ~~عنه: لا يخبأها سقف بيت حتى تقسم! فوضعت في صحن المسجد، فبات عبد الرحمن ~~بن عوف وعبد الله بن أرقم رضي الله عنهما يحرسانه، فلما جاء الناس كشف ~~عنه فنظر عمر رضي الله عنه إلى ياقوتة وزبرجدة وجوهرة فبكى، فقال عبد ~~الرحمن رضي الله عنه: ما يبكيك يا أمير المؤمنين؟ فوالله إن هذا إلا موطن ~~شكر! فقال عمر: والله ما ذاك يبكيني، وتالله ما أعطى الله هذا قوما إلا ~~تحاسدوا وتباغضوا، ولا تحاسدوا إلا ألقى بأسهم بينهم. # شرح قصة ابني آدم من التوراة، قال المترجم في أولها بعد قصة أكل آدم ~~عليه السلام من الشجرة ما نصه: فدعا آدم اسم امرأته حواء من أجل أنها ~~كانت أم كل حي، وصنع الرب لآدم وامرأته سرابيل من الجلود وألبسهما، ~~فأرسله الله من جنة عدن ليحرث الأرض التي منها أخذ، فأخرجه الله ربنا، ~~فجامع آدم امرأته حواء فحبلت وولدت قايين وقالت: لقد استفدت لله رجلا، ~~وعادت فولدت أخاه هابيل، فكان هابيل راعي غنم، وكان قايين يحرث الأرض، ~~فلما كان بعد أيام جاء قايين من ثمر أرضه بقربان لله، وجاء هابيل أيضا ~~من أبكار غنمه بقربان، فسر الله بهابيل وقربانه ولم يسر بقايين وقربانه، ~~فساء ذلك قايين جدا وهم أن يسوءه وعبس وجهه، فقال الرب لقايين: ما ~~ساءك؟ ولم كسف وجهك؟ إن أحسنت تقبلت منك، وإن لم تحسن فإن الخطيئة ~~رابضة على الباب وأنت تقبل إليها وهي تتسلط عليك، فقال قايين لهابيل ~~أخيه: تتمشى بنا في البقعة، فبينما هما يتمشيان في الحرث وثب قايين على ~~أخيه هابيل فقتله، فقال ms1132 الله لقايين: أين هابيل أخوك؟ فقال: لا أدري، ~~أرقيب أنا على أخي؟ قال الله: ماذا فعلت! فإن دم أخيك ينادي لي من الأرض، ~~من الآن ملعون أنت من الأرض التي فتحت فاها فقبلت دم أخيك من يدك، فإذا ~~أنت عملت في الأرض فإنها لا تعود تعطيك حراثها، وتكون فزعا تائها في ~~الأرض، فقال قايين للرب: عظمت خطيئتي من أن تغفرها، وقد أخرجتني اليوم عن ~~وجه الأرض، وأتوارى من قدامك وأكون فزعا تائها في الأرض، وكل من وجدني ~~يقتلني، فقال الله ربنا: كلا! ولكن كذلك كل قاتل، وأما قايين فإنه يجزى ~~بدل الواحد سبعة، فخرج قايين من قدام الله فجلس في الأرض نود شرقي عدن - ~~انتهى. قال البغوي عن ابن إسحاق عن بعض أهل العلم بالكتاب الأول: إن آدم ~~كان يغشى حواء في الجنة قبل أن يصيب الخطيئة فحملت فيها بقابيل وتوأمته - ~~فذكر قصته في النكاح وقتله لأخيه وشرب الأرض لدمه قولو قابيل لله - حين ~~قال له: إنه قتله -: إن كنت قتلته فأين دمه؟ فحرم الله على الأرض يومئذ ~~أن تشرب دما بعده أبدا - انتهى. # ولما أخبر الله تعالى بأن أحدهما فعل معه من عدم القبول ما غاظه، كان ~~كأنه قيل: فما فعل حين غضب؟ فقيل: { قال } أي لأخيه الذي قبل قربانه ~~حسدا له { لأقتلنك } فكأنه قيل: بما أجابه؟ فقيل: نبهه أولا على ما يصل ~~به إلى رتبته ليزول حسده بأن { قال إنما يتقبل الله } أي يقبل قبولا ~~عظيما المحيط لكل شيء قدرة وعلما الملك الذي له الكمال كله، فليس هو ~~محتاجا إلى شيء، وكل شيء محتاج إليه { من المتقين * } أي العريقين في ~~وصف التقوى، فلا معصية لهم يصرون عليها بشرك ولا غيره، فعدم تقبل قربانك ~~من نفسك لا مني، فلم تقتلني؟ فقتلك لي مبعد لك عما حسدتني عليه. # ولما وعظه بما يمنعه من قتله ويقبل به على خلاص نفسه، أعلمه ثانيا أن ~~الخوف من الله منعه من أن يمانعه عن نفسه ملينا لقلبه بما هو جدير أن ~~يرده عنه خشية ms1133 أن تجره الممانعة إلى تعدي الحد المأذون فيه، لأن أخاه كان ~~عاصيا لا مشركا، فقال مؤكدا بالقسم لأن مثل ما يخبر به عظيم لا يكاد ~~يصدق: { لئن بسطت إلي } أي خاصة { يدك لتقتلني } أي لتوجد ذلك بأي وجه ~~كان، ثم بالغ في إعلامه بامتناعه من الممانعة فقال: { ما أنا } وأغرق في ~~النفي فقال: { بباسط } أي أصلا، وقدم المفعول به تعميما، ثم خص المتعلق ~~لمناسبة الحال فقال: { يدي إليك لأقتلك } أي في أي وقت من الأوقات، ~~ولعله أتى بالجملة الاسمية المفيدة لنفي الثبات والدوام أدبا مع الله في ~~عدم الحكم على المستقبل، ثم علله بقوله: { إني أخاف الله } أي أستحضر ~~جميع ما أقدر على استحضاره من كماله، ثم وصفه بالإحسان إلى خلقه ليكون ~~ذلك مانعا له من الإساءة إلى أحد منهم فقال: { رب العالمين * } أي الذي ~~أنعم عليهم بنعمة الإيجاد ثم التربية، فأنا لا أريد أن أخرب ما بنى، وهذا ~~كما فعل عثمان رضي الله عنه. # ولما كان من النهايات للواصلين إلى حضرات القدس ومواطن الأنس بالله، ~~المتمكنين في درجة الغناء عن غير الفاعل المختار أن لا يراد إلا ما يريد ~~سبحانه، فإن كان طاعة أراده العبد ورضيه، وإن كان معصية أراده من حيث إنه ~~مراد الله ولم يرضه لكونه معصية، فيرضى بالقضاء دون المقضي، وكأنه من ~~الممكن القريب أن يكون هابيل قد كشف له عن أنه سبق في علم الله أن أخاه ~~يقتله، قال مرهبا له معللا بتعليل آخر صاد له أيضا عن الإقدام على ~~القتل: { إني أريد } أي بعدم الممانعة لك { أن تبوأ } أي ترجع من قتلي إن ~~قتلتني { بإثمي } أي الإثم الذي ينالك من أجل قتلك لي، وبعقوبته الذي من ~~جملته أنه يطرح عليك من سيئاتي بمقدار ما عليك من حقي إذا لم تجد ما ~~ترضيني به من الحسنات { وإثمك } أي الذي لا سبب لي فيه، وهو الذي كان ~~سببا لرد قربانك واجترائك علي وعدوانك، وأفوز أنا بأجري وأجرك، أي أجري ~~الذي لا سبب لك فيه والأجر الذي ms1134 أثمره استسلامي لك وكف يدي عنك { فتكون ~~} أي أنت بسبب ذلك { من أصحاب النار } أي الخالدين فيها جزاء لك لظلمك ~~بوضعك القتل في غير موضعه، ثم بين أن هذا يعم كل من فعل هذا الفعل فقال: ~~{ وذلك جزاء الظالمين * } أي الراسخين في وصف الظلم كلهم، وأكون أنا من ~~أصحاب الجنة جزاء لي بإحساني في إيثار حياتك لإرادة المعصية من حيث ~~كونها معصية بإرادة ظهور الكفار، لما علم من أن النصر بيد الله، فهو قادر ~~على نصر الباقي بعد استشهاد الشهيد. ### || [5.30-32] # ولما كان هذا الوعظ جديرا بأن يكون سببا لطاعته وزاجرا له عن معصيته، ~~بين تعالى أنه قسا قلبه فجعله سببا لإقدامه، فقال - مبينا بصيغة ~~التفعيل، إذ القتل لما جعل الله له من الحرمة وكساه من الهيبة لا يقدم ~~عليه إلا بمعالجة كبيرة من النفس -: { فطوعت له } أي الذي لم يتقبل منه { ~~نفسه قتل أخيه } أي فعالجته معالجة كبيرة وشجعته، وسهلت له بما عندها من ~~النفاسة على زعمها حتى غلبت على عقله فانطاع لها وانقاد فأقدم عليه؛ ~~وتحقيق المعنى أن من تصور النهي عن الذنب والعقاب عليه امتنع منه فكان ~~فعله كالعاصي عليه، ومن استولت عليه نفسه بأنواع الشبه في تزيينه صار ~~فعله له وإقدامه عليه كالمطيع له الممكن من نفسه بعد أن كان عاصيا عليه ~~نافرا عنه، ثم سبب عن هذا التطويع قوله: { فقتله } وسبب عن القتل قوله: ~~{ فأصبح } أي فكان في كل زمن { من الخاسرين * } أي العريقين في صفة ~~الخسران بغضب الله عليه لاجترائه على إفساده مصنوعه، وغضب أبناء جنسه ~~عليه لاجترائه على أحدهم، وعبر بالإصباح والمراد جميع الأوقات، لأن ~~الصباح محل توقع الارتياح، قيل: إنه لم يدر كيف يقتله، فتصور له إبليس في ~~يده طائر فشدخ رأسه بحجر فقتله، فاقتدى به قابيل، فأتى هابيل وهو نائم ~~فشدخ رأسه بحجر. # ولما كان التقدير: ثم إنه لم يدر ما يصنع به، إذ كان أول ميت فلم يكن ~~الدفن معروفا، سبب عنه قوله: { فبعث الله } أي الذي له كمال القدرة ms1135 ~~والعظمة والحكمة؛ ولما كان المعنى يحصل بالغراب الباحث فقط قال: { غرابا ~~يبحث } أي يوجد البحث وهو التفتيش في التراب بتليين ما تراص منه وإزاحته ~~من مكانه ليبقى مكانه حوزة خالية. # ولما كان البحث مطلق التفتيش، دل على ما ذكرته بقوله: { في الأرض } ~~ليواري غرابا آخر مات؛ ولما كان الغراب سبب علم ابن آدم القاتل للدفن، ~~كان كأنه بحث لأجل تعليمه فقال تعالى: { ليريه } أي الغراب يرى ابن آدم، ~~ويجوز أن يكون الضمير المستتر لله تعالى، والأول أولى لتوقيفه على عجزه ~~وجهله بأن الغراب أعلم منه وأقرب إلى الخير { كيف يواري }. # ولما كانت السوءة واجبة الستر، وكان الميت يصير بعد موته كله سوءة، قال ~~منبها على ذلك وعلى أنها السبب في الدفن بالقصد الأول: { سوءة } أي ~~فضيحة { أخيه } أي أخي قابيل وهو هابيل المقتول، وصيغة المفاعلة تفيد أن ~~الجثة تريد أن يكو القاتل وراءها، والقاتل يريد كون الجثة وراءه، فيكونان ~~بحيث لا يرى واحد منهما الآخر، ولعل بعث الغراب إشارة إلى غربة القاتل ~~باستيحاش الناس منه وجعله ما ينفر عنه ويقتله كل من يقدر عليه، ومن ثم ~~سمى الغراب البين، وتشاءم به من يراه. # ولما كان كأنه قيل: إن هذا لعجب، فما قال؟ قيل: { قال } الكلمة التي ~~تستعمل عند الداهية العظيمة لما نبهه ذلك، متعجبا متحيرا متلهفا ~~عالما أن الغراب أعلم منه وأشفق، منكرا على نفسه { يا ويلتي } أي ~~احضرني يا ويل! هذا أوانك أن لا يكون لي نديم غيرك؛ ولما تفجع غاية ~~الفجيعة وتأسف كل الأسف، أنكر على نفسه فقال: { أعجزت } أي مع ما جعل لي ~~من القوة القاطعة { أن أكون } مع ما لي من الجوارح الصالحة لأعظم من ذلك ~~{ مثل هذا الغراب } وقوله مسببا عن ذلك: { فأواري سوءة } أي عورة وفضيحة ~~{ أخي } نصب عطفا على أكون لا على جواب الاستفهام، لأنه إنكاري فمعناه ~~النفي، لأنه لم تكن وقعت منه مواراة لينكر على نفسه ويوبخها بسببها، ولو ~~كانت وقعت لم يصح إنكارها على تقدير عدم العجز الذي أفادته الهمزة { ~~فأصبح ms1136 } بسبب قتله { من النادمين * } أي على ما فعل، لأنه فقد أخاه وأغضب ~~ربه وأباه، ولم يفده ذلك ما كان سبب غيظه، بل زاده بعدا، وذكر أن آدم ~~عليه السلام لما علم قتله رثاه بشعر، وعن ابن عباس رضي الله عنهما رد ~~ذلك، وأن الأنبياء عليهم السلام كلهم في النهي عن الشعر سواء، وقال صاحب ~~الكشاف: وقد صح أن الأنبياء معصومون من الشعر، # " ولا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم هذا كفل من دمها بما سن " # رواه مسلم وغيره عن عبدالله، وكذا # " كل من سن سنة سيئة " # ولهذا قال عليه السلام # " إن أخوف ما أخاف على أمتي الأئمة المضلون " # ، وهذا لأن الآدمي لنقصانه أسرع شيء إلى الاقتداء في النقائص، وهذا ما ~~لم يتب الفاعل، فإذا تاب أو كان غير متعمد للفعل كآدم عليه السلام لم يكن ~~سانا لذلك فلا شيء عليه ممن عمل بذلك. # ولما علم بهذا أن الإنسان موضع العجلة الإقدام على الموبقات من غير ~~تأمل، فكان أحوج شيء إلى نصب الزواجر، أتبعه تعالى قوله: { من أجل ذلك } ~~أي من غاية الأمر الفاحش جدا ومدته وعظم الأمر وشدة قبحه في نفسه وعند ~~الله وصغره عند القاتل وحبسه ومنعه وجنايته وإثارته وتهييجه وجرأة ~~الإنسان على العظائم بغير تأمل { كتبنا } أي بما لنا من العظمة ليفيد ذلك ~~عظمة المكتوب والتنبيه على ما فيه من العجز ليفيد الانزجار { على بني ~~إسرائيل } أي أعلمناهم بما لنا من العناية بهم في التوراة التي كتبناها ~~لهم، ويفهم ذلك أيضا أنهم أشد الناس جرأة على القتل، ولذلك كانوا يقتلون ~~الأنيباء، فأعلمهم الله بما فيهم من التشديد، ولما علم من الأدميين - ~~لا سيما هم - من الجرأة عليه، ليقيم عليهم بذلك الحجة على ما يتعارفونه ~~بينهم، ويكف عن القتل من سبقت له منه العناية بما يتصور من فظاعة القتل، ~~وقبح صورته وفحش أمره، وعبر بأداة الاستعلاء التي هي للحتم من الوجوب ~~والحرمة، لأن السياق للزجر، فهي تفهم المنع عن الإقدام على القتل في هذا ~~المقام { أنه من ms1137 قتل نفسا } أي من ابني آدم، وكأنه أطلق تعظيما لهم ~~إشارة إلى أن غيرهم جماد { بغير نفس } أي بغير أن تكون قتلت نفسا تستحق ~~أن تقاد بها فاستباح قتلها لتلك النفس التي قتلتها { أو } قتلها بغير { ~~فساد } وقع منها. # ولما كانت الأرض - مع أنها فراشنا فهي محل التوليد والتربية والتنمية - ~~دار الكدر، وكان فساد من أفسد فراشه الموصوف - لا سيما وهو في كدر - ~~دالا على سوء جبلته، وكان سوء الجبلة موجبا للقتل، قال: { في الأرض } ~~أي يبيح ذلك الفساد دمها كالشرك والزنا بعد الإحصان وكل ما يبيح إراقة ~~الدم، وقد علم بهذا أن قصة ابني آدم مع شدة التحامها بما قبل توطئة لما ~~بعد، وتغليظ أمر القتل تقدم عن التوراة في سورة البقرة، وقوله: { فكأنما ~~قتل الناس جميعا } من جملة الأدلة المبطلة لما ادعوا من البنوة، إذ ~~معناه أن الناس شرع واحد من جهة نفوسهم متساوون فيها. كلهم أولاد آدم، لا ~~فضل لأحد منهم على آخر في أصل تحريم القتل بغير ما ذكر من الموجب من قصاص ~~أو فساد لا من بني إسرائيل ولا من غيرهم، وذلك كما قال تعالى في ثاني ~~النقوض # بل أنتم بشر ممن خلق # [المائدة: 18] فصار من قتل نفسا واحدة بغير ما ذكر فكأنما حمل إثم من ~~قتل الناس جميعا، لأن اجتراءه على ذلك أوجب اجتراء غيره، ومن سن سنة كان ~~كفاعلها { ومن أحياها } أي بسبب من الأسباب كعفو، أو إنقاذ من هلكة كغرق، ~~أو مدافعة لمن يريد أن يقتلها ظلما { فكأنما أحيا } أي بذلك الفعل الذي ~~كان سببا للأحياء { الناس جميعا } أي بمثل ما تقدم في القتل، والآية ~~دالة على تعليمه سبحانه لعباده الحكمة، لما يعلم من طباعهم التي خلقهم ~~عليها ومن عواقب الأمور - لا على أنه يجب عليه - رعاية المصلحة، ومما ~~يحسن إيراده هاهنا ما ينسب إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه، ورأيت من ينسبه للشافعي رحمه الله تعالى: # الناس من جهة التمثال أكفاء # أبوهم آدم والأم حواء # نفس كنفس ms1138 وأرواح مشاكلة # وأعظم خلقت فيهم وأعضاء # فإن يكن لهم في أصلهم حسب # يفاخرون به فالطين والماء # ما الفخر إلا لأهل العلم إنهم # على الهدى لمن استهدى أدلاء # وقدر كل امرىء ما كان يحسنه # وللرجال علىالأفعال أسماء # وضد كل امرىء ما كان يجهله # والجاهلون لأهل العلم أعداء # ففز بعلم تعش حيا به أبدا # فالناس موتى وأهل العلم أحياء # ولما أخبر سبحانه أنه كتب عليهم ذلك، أتبعه حالا منهم دالة على أنهم ~~بعيدون من أن يكونوا أبناء وأحباء فقال: { ولقد } أي والحال أنهم قد { ~~جاءتهم رسلنا } أي على ما لهم من العظمة بإضافتهم إلينا واختيارنا لهم ~~لأن يأتوا عنا، فهم لذلك أنصح الناس وأبعدهم عن الغرض وأجلهم وأجمعهم ~~للكمالات وأرفعهم عن النقائص، لأن كل رسول دال على مرسله { بالبينات } أي ~~الآيات الواضحة للعقل أنها من عندنا، آمره لهم بكل خير، زاجرة عن كل ضير، ~~لم نقتصر في التغليظ في ذلك على الكتاب بل وأرسلنا الرسل إليهم متواترة. # ولما كان وقوع الإسراف - وهو الإبعاد عن حد الاعتدال في الأمر منهم بعد ~~ذلك - بعيدا - عبر بأداة التراخي مؤكدا بأنواع التأكيد فقال: { ثم إن ~~كثيرا منهم } أي بني إسرائيل، وبين شدة عتوهم بإصرارهم خلفا بعد ~~سلف فلم يثبت الجار فقال: { بعد ذلك } أي البيان العظيم والزجر البليغ ~~بالرسل والكتاب { في الأرض } أي التي هي مع كونها فراشا لهم - ويقبح على ~~الإنسان أن يفسد فراشه - شاغلة - لما فيها من عظائم الكدورات وترادف ~~القاذورات - عن الكفاف فضلا عن الإسراف { لمسرفون * } أي عريقون في ~~الإسراف بالقتل وغيره. ### || [5.33-35] # ولما كان هذا الإسراف بعد هذه الموانع محاربة للناهي عنه، وكان تارة ~~يكون بالقتل وتارة بغيره، وكان ربما ظن أن عذاب القاتل يكون بأكثر من ~~القتل لكونه كمن قتل الناس جميعا، وصل به سبحانه قوله على طريق الحصر: { ~~إنما جزاؤا } وكان الأصل: جزاؤهم، ولكن أريد تعليق الحكم بالوصف والتعميم ~~فقال: { الذين يحاربون الله } أي الملك الأعظم الذي لا كفوء له { ورسوله ~~} أي بمحاربة من نهيا عن محاربته بقطع الطريق وهم ms1139 مسلمون، ولهم منعة ~~ممن أرادهم، ويقصدون المسلمين في دمائهم وأموالهم سواء كانوا في البلد أو ~~خارجها. # ولما كان عباد الرحمن يمشون على الأرض هونا، أعلم أن هؤلاء عماد ~~الشيطان بقوله: { ويسعون في الأرض } ولما كان هذا ظاهرا في الفساد، صرح ~~به في قوله: { فسادا } أي حال كونهم ذوي فساد، أو للفساد، ويجوز أن يكون ~~مصدرا ليسعون - على المعنى، ولما كانت أفعالهم مختلفة، فسم عقوبتهم ~~بحسبها فقال: { أن يقتلوا } أي إن كانت جريمتهم القتل فقط، لأن القتل ~~جزاؤه القتل، وزاد - لكونه في قطع الطريق - صيرورته حتما لا يصح العفو ~~عنه { أو يصلبوه } أي مع القتل إن ضموا إلى القتل أحد المال، بأن يرفع ~~المصلوب على جذع، ومنهم من قال: يكون ذلك وهو حي، فحينئذ تمد يداه مع ~~الجذع، والأصح عند الشافعية أنه يقتل ويصلى عليه ثم يرفع على الجذع زمنا ~~يشيع خبره فيه لينزجر غيره، ولا يزاد على ثلاثة أيام { أو تقطع أيديهم } ~~أي اليمنى بأخذهم المال من غير قتل { وأرجلهم } أي اليسرى لإخافة السبيل، ~~وهذا معنى قوله: { من خلاف } أي إن كانت الجريمة أخذ المال فقط { أو ~~ينفوا من الأرض } أي بالإخافة والإزعاج إن لم يقعوا في قبضة الإمام ~~ليكونوا منتقلين من بلد إلى آخر ذعرا وخوفا، وبالحبس إن وقعوا في ~~القبضة، وكانوا قد كثروا سواد المحاربين وما قتلوا ولا أخذوا مالا { ذلك ~~} أي النكل الشديد المفصل إلى ما ذكر { لهم } أي خاصا بهم { خزي } أي ~~إهانة وذل بإيقاعه بهم { في الدنيا } أي ليرتدع بهم غيرهم { ولهم } أي إن ~~لم يتوبوا { في الآخرة } أي التي هي موطن الفصل بإظهار العدل { عذاب عظيم ~~} أي هو بحيث لا يدخل تحت معارفكم أكثر من وصفه بالعظم. # ولما كان التعبير ب " إنما " يدل بختم الجزاء على هذا الوجه، استثنى من ~~المعاقبين هذه العقوبة بقوله: { إلا الذين تابوا } أي رجعوا عما كانوا ~~عليه من المحاربة خوفا من الله تعالى، ولذا قال: { من قبل } وأثبت الجار ~~إشارة إلى القبول وإن طال زمن المعصية وقصر زمن التوبة ms1140 { أن تقدروا عليهم ~~} أي فإن تحتم الجزاء المذكور يسقط، فلا يجازون على ما يتعلق بحقوق ~~الآدمي إلا إذا طلب صاحب الحق، فإن عفا كان له ذلك، وأما حق الله تعالى ~~فإنه يسقط، وإلى هذا الإشارة أيضا بقوله تعالى: { فاعلموا أن الله } أي ~~على ما له من صفات العظمة { غفور رحيم * } أي صفته ذلك أزلا وأبدا، ~~فهو يفعل منه ما يشاء لمن يشاء، وأفهمت الآية أن التوبة بعد القدرة لا ~~تسقط شيئا من الحدود. # ولما ذكر تعالى حكمهم عند التوبة، وختم الآية بما يناسب من الغفران ~~والرحمة، وكان ذلك ربما كان جزاء من لم يرسخ قدمه في الدين على جنابه ~~المتعالي، أتبع ذلك الأمر بالتقوى وجهاد كل من أفسد بقطع الطريق أو الكفر ~~أو غيره فقال على وجه الاستنتاج مما قبله: { يا أيها الذين آمنوا } أي ~~وجد منهم الإقرار بالإيمان { اتقوا الله } أي اجعلوا بينكم وبين ما سمعتم ~~من وعيده للمفسدين وقاية تصديقا لما أقررتم به، لما له سبحانه من العظمة ~~التي هي جديرة بأن تخشى وترجى لجمعها الجلال والإكرام. # ولما كانت مجامع التكليف منحصرة في تخل من فضائح المنهيات وتحل ~~بملابس المأمورات، وقدم الأول لأنه من درء المفاسد، أتبعه الثاني فقال: { ~~وابتغوا } أي اطلبوا طلبا شديدا { إليه } أي خاصة { الوسيلة } أي ~~التقريب بكل ما يوصل إليه من طاعته، ولا تيأسوا وإن عظمت ذنوبكم لأنه ~~غفور رحيم. # ولما كان سببحانه قد قدم أوامر ونواهي، وكان الاستقراء قد أبان الناس ~~عند الأمر والنهي بين مقبل ومعرض، وكان قد أمر المقبل بجهاد المعرض، وكان ~~للجهاد. بما له من عظيم النفع وفيه من المشقة - مزيد خصوصية، أفرد ~~بالذكر تأكيدا لما مضى منه وإعلاما بأنه للعاصي مطلقا سواء كان بالكفر ~~أو بغيره فقال: { وجاهدوا في سبيله } أي لتكون كلمته هي العليا { لعلكم ~~تفلحون * } أي لتكون حالكم حال من يرجى نيله لكل ما يطلبه، وهذا شامل لكل ~~أمر بمعروف ونهي عن منكر في أعلى درجاته وأدناها. ### || [5.36-39] # ولما كان ترك هذه الأوصاف الثلاثة: التقوى وطلب الوسيلة ms1141 والجهاد مزيلا ~~للوصف الأول وهو الإيمان، ناسب كل المناسبة تحذيرا من تركها ذكر حال ~~الكفار وأنه لا تنفعهم وسيلة في تلك الدار فقال معللا لما قبله: { إن ~~الذين كفروا } أي بترك ما في الآية السابقة، ورتب الجزاء عن الماضي زيادة ~~في التحذير { لو أن لهم ما في الأرض } وأكد ما أفهمه الكلام من استغراق ~~الظرف والمظروف فقال: { جميعا } أي مما كان يطلب منهم شيء يسير جدا ~~منه، وهو الإذعان بتصديق الجنان إنفاق الفضل من المال، وزاد الأمر هولا ~~بقوله: { ومثله } ولما كان لدفع الفداء جملة ما ليس له مفرقا قال { ~~معه }. # ولما كان المقصود تحقير ذلك بالنسبة إلى عظمة يوم التغابن وإن كان عند ~~الكفار الذين جعلوا غاية أمرهم الحياة الدنيا أعظم ما يكون، والإفهام بأن ~~المراد بالمثل الجنس ليشمل ما عساه أن يفرض من الأمثال، أعاد الضمير على ~~هذين الشيئين على كثرتهما وعظمتهما مفردا، فقال معبرا بالمضارع الدال ~~على تجديد الرغبة في المسألة على سبيل الاستمرار ولأن السياق للمتصفين ~~بالكفر والمحاربة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم والسعي في الأرض ~~بالفساد، ولذلك صرح بنفي القبول على الهيئة الآتية: { ليفتدوا به } أي ~~يجددوا الافتداء في كل لحظة، أي بما ذكر { من عذاب يوم القيامة }. # ولما كان المراد تهويل الأمر برده، وكان ذلك يحصل بغير تعيين الراد، ~~قال: { ما تقبل منهم } بالبناء للمفعول، أي على حالة من الحالات وعلى يد ~~من كان، لأن المدفوع إليه ذلك تام القدرة وله الغنى المطلق. # ولما كان من النفوس ما هو سافل لا ينكبه الرد، وكان الرد لأجل إمضاء ~~المعد من العذاب، قال مصرحا بالمقصود: { ولهم } أي بعد ذلك { عذاب ~~أليم * } أي بالغ الإيجاع بما أوجعوا أولياء الله بسترهم لما أظهروا من ~~شموس البيان، وانتهكوا من حرمات الملك الديان. ثم علل شدة إيلامه بدوامه ~~فقال: { يريدون أن يخرجوا } أي يكون لهم خروج في وقت ما إذا رفعهم اللهب ~~إلى أن يكاد أن يلقيهم خارجا { من النار } ثم نفى خروجهم على وجه ~~التأكيد الشديد فقال: { وما ms1142 هم } وأغرق في النفي بالجار واسم الفاعل ~~فقال: { بخارجين منها } أي ما يثبت لهم خروج أصلا، ولعله عبر في النفي ~~بالاسمية إشارة إلى أنه يتجدد لهم الخروج من الحرور إلى الزمهرير، فإن ~~سمى أحد ذلك خروجا فهو غير مرادهم. # ولما كان المعذبون في دار ربما دام لهم المكث فيها وانقطع عنهم العذاب ~~قال: { ولهم } أي خاصة دون عصاة المؤمنين { عذاب } أي تارة بالحر وتارة ~~بالبرد وتارة بغيرهما، دائم الإقامة لا يبرح ولا يتغير { مقيم * }. # ولما كانت السرقة من جملة المحاربة والسعي بالفساد، وكان فاعلها غير ~~متق ولا متوسل، عقب بها فقال: { والسارق } الآخذ لما هو في حرز خفية ~~لكونه لا يستحقه { والسارقة } أي كذلك؛ ولما كان التقدير: وهما مفسدان، ~~أو حكمهما فيما يتلى عليكم، سبب عنه قوله: { فاقطعوا } وال - قال المبرد ~~- للتعريف بمعنى: الذي، والفاء للسبب كقولك: الذي يأتيني فله كذا كذا ~~درهم { أيديهما } أي الأيامن من الكوع إذا كان المأخوذ ربع دينار فصاعدا ~~من حرز مثله من غير شبهة له فيه - كما بين جميع ذلك النبي صلى الله عليه ~~وسلم - ويرد مع القطع ما سرقه؛ ثم علل ذلك بقوله: { جزاء بما كسبا } أي ~~فعلا من ذلك، وإدالته على أدنى وجوه السرقة وقاية للمال وهوانا لها ~~للخيانة، وديتها إذا قطعت في غير حقها خمسمائة دينار وقاية للنفس من غير ~~أن ترخصها الخيانة، ثم علل هذا الجزاء بقوله: { نكالا } أي منعا لهما ~~كما يمنع القيد { من الله } أي الذي له جميع العظمة فهو المرهوب لكل ~~مربوب، وأعاد الاسم الأعظم تعظيما للأمر فقال: { والله } أي الذي له ~~جميع صفات الكمال { عزيز } أي في انتقامه فلا يغالبه شيء { حكيم * } أي ~~بالغ الحكم والحكمة في شرائعه، فلا يستطاع الامتناع من سطوته ولا نقض شيء ~~يفعله، لأنه يضعه في أتقن مواضعه. # ولما ختم بوصفي العزة والحكمة، سبب عنهما قوله: { فمن تاب } أي ندم ~~وأقلع، ودل على كرمه بالقبول في أي وقت وقعت التوبة فيه ولو طال زمن ~~المعصية بإثبات الجار فقال: { من بعد } وعدل عن ms1143 أن يقول " سرقته " إلى { ~~ظلمه } تعميما للحكم في كل ظلم، فشمل ذلك فعل طعمة وما ذكر بعده مما ~~تقدم في النساء وغير ذلك من كل ما يسمى ظلما { وأصلح } أي أوجد الإصلاح ~~وأوقعه برد الظلامة والثبات على الإقلاع { فإن الله } أي بما له من كمال ~~العظمة { يتوب عليه } أي يقبل توبته ويرجع به إلى أتم ما كان عليه قبل ~~الظلم من سقوط عذاب الآخرة دون عقاب الدنيا، رحمة من الله له ورفقا به ~~وبمن ظلمه وعدلا بينهما، لا يقدر أحد أن يمنعه من ذلك ولا يحول بينه ~~وبينه لحظة ما؛ ثم علل ذلك بقوله: { إن الله } أي الذي له الكمال كله ~~أزلا وأبدا { غفور رحيم * } أي بالغ المغفرة والرحمة، لا مانع له من ~~ذلك ولا من شيء منه ولا من شيء يريد فعله، بل هو فعال لما يريد، والآية ~~معطوفة على آية المحاربين, وإنما فصل بينهما بما تقدم لما ذكر من العلة ~~الطالبة لمزيد العناية به. ### || [5.40-41] # ولما كان معنى ذلك أنه لا اعتراض عليه سبحانه في شيء من ذلك ولا مانع، ~~لأن قدرته تامة، ليس هو كمن يشاهد من الملوك الذين ربما يعجزون من اعتراض ~~أتباعهم ورعاياهم عن تقريب بعض ما لم يباشر إساءة، وإبعاد بعض من لم ~~يباشر إحسانا، فكيف بغير ذلك! قال تعالى مقررا لذلك بتفرده في الملك: { ~~ألم تعلم أن الله } أي الذي له جميع العز { له ملك السماوات } أي على ~~علوها وارتفاع سمكها وانقطاع أسباب ما دونها منها { والأرض } أي أن الملك ~~خالص له عن جميع الشوائب. # ولما كان إيقاع النقمة أدل على القدرة، وكان السياق لها لما تقدم من ~~خيانة أهل الكتاب وكفرهم وقصة ابني آدم والسرقة والمحاربة وغير ذلك، قدم ~~قوله معللا لفعل ما يشاء بتمام الملك لا بغيره من رعاية لمصالح أو ~~غيرها: { يعذب من يشاء } أي من بني إسرائيل الذين ادعوا النبوة والمحبة ~~وغيرهم وإن كان مطيعا, أي له فعل ذلك, لآنه لا يقبح منه شيء { ويغفر لمن ~~يشاء } أي وإن ms1144 كان عمله موبقا، لأنه لا يتصور منه ظلم ولا يسوغ عليه ~~اعتراض. # ولما كان التقدير: لأنه قادر على ذلك، عطف عليه قوله: { والله } أي الذي ~~له الإحاطة بكل كمال { على كل شيء } أي شيء { قدير * } أي ليس هو كغيره ~~من الملوك الذين قد يعجز أحدهم عن تقريب ابنه وتبعيد أعدى عدوه، وهذه ~~القضية الضرورية ختم بها ما دعت المناسبة إلى ذكره من الأحكام، وكر بها ~~على أتم انتظام إلى أوائل نقوض دعواهم في قوله # بل أنتم بشر ممن خلق # [المائدة: 18] -. # ولما تقرر ذلك، كان من غير شك علة لعدم الحزن على شيء من أمرهم ولا من ~~أمر غيرهم ممن عصى شيئا من هذه الأحكام، كما قال تعالى: # ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها # [الحديد: 22] إلى أن قال: # لكيلا تأسوا على ما فاتكم # [الحديد: 23]، فقوله: { يا أيها الرسول } أي المبلغ لما أرسل به - معلول ~~لما قبله. وأدل دليل على ذلك قوله تعالى { ومن يرد اله فتنته فلن تملك له ~~من الله شيئا } { ولا يحزنك } أي لا يوقع عندك شيئا من الحزن صنع { ~~الذين يسارعون في الكفر } أي يفعلون في إسراعهم يف الوقوع فيه غاية ~~الإسراع فعل من يسابق غيره، وفي تبيينهم بالمنافقين وأهل الكتاب بشارة ~~بإتمام النعمة على العرب بدوام إسلامهم ونصرهم عليهم، وقدم أسوأ القسمين ~~فقال: { من الذين قالوا آمنا }. # ولما كان الكلام هو النفسي، أخرجه بتقييده بقوله: { بأفواههم } معبرا ~~لكونهم منافقين بما منه ما هو أبعد عن القلب من اللسان، فهم إلى الحيوان ~~أقرب منهم إلى الإنسان، وزاد ذلك بيانا بقوله: { ولم تؤمن قلوبهم }. # ولما بين المسارعين بالمنافقين، عطف عليهم قسما آخر هم أشد الناس ~~مؤاخاة لهم فقال: { ومن الذين هادوا } أي الذين عرفت قلوبهم وكفرت ~~ألسنتهم تبعا لمخالفة قلوبهم لما تعرف عنادا وطغيانا، ثم أخبر عنهم ~~بقوله: { سماعون } أي متقبلون غاية التقبل بغاية الرغبة { للكذب } أي من ~~قوم من المنافقين يأتونك فينقلون عنك الكذب { سماعون لقوم آخرين } أي ms1145 ~~الصدق، ثم وصفهم بقوله: { لم يأتوك } أي لعلة، وذكر الضمير لإرادة ~~الكلام، لأن المقصود البغض على نفاقهم { يحرفون الكلم } أي الذي يسمعونه ~~عنك على وجهة فيبالغون في تغييره وإمالته بعد أن يقيسوا المعنيين: المغير ~~والمغير إليه، واللفظين فلا يبعدوا به، بل يأخذون بالكلم عن حده وطرفه ~~إلى حد آخر قريب منه جدا، ولذلك، أثبت الجار فقال: { من بعد } أي يثبتون ~~الإمالة من مكان قريب من { مواضعه } أي النازلة عن رتبته بأن يتأولوه على ~~غير تأويله، أو يثبتوا ألفاظا غير ألفاظه قريبة منها, فلا يبعد منها ~~المعنى جدا وهذا أدق مكرا مما في النساء, وهو من الحرف وهو الحد ~~والطرف، وانحرف عن الشيء: مال عنه، قال الصغاني: وتحريف الكلام عن ~~مواضعه: تغييره، وقال أبو عبد الله القزاز: والتحريف التفعيل، من: انحرف ~~عن الشيء - إذا مال، فمعنى حرفت الكلام: أزلته عن حقيقة ما كان عليه في ~~المعنى، وأبقيت له شبه اللفظ، ومنه قوله تعالى { يحرفون الكلم } ، وذلك ~~أن اليهود كانت تغير معاني التوراة بالأشباه، وفي الحديث # " يسلط عليهم طاعون يحرف القلوب " # أي يغيرها عن التوكل ويدعوهم إلى الانتقال عن تلك البلاد، وحكي: حرفته ~~عن جهته - أي بالتخفيف - مثل: حرفته، والمحارفة: المقايسة، من المحراف ~~وهو الميل الذي يقاس به الجراح - انتهى. فالآية من الاحتباك: حذف منها ~~أولا الإتيان وأثبت عدمه ثانيا للدلالة عليه، وحذف منها ثانيا الصدق ~~ودل عليه بإثبات ضده - الكذب - في الأولى. # ولما كان كأنه قيل: ما غرضهم بإثبات الكذب وتحريف الصدق؟ قال: { يقولون ~~} أي لمن يوافقهم { إن أوتيتم } أي من أي مؤت كان { هذا } أي المكذوب ~~والمحرف { فخذوه } أي اعملوا به { وإن لم تؤتوه } أي بأن أوتيتم غيره أو ~~سكت عنكم { فاحذروا } أي بأن تؤتوا غيره فتقبلوه. # ولما كان التقدير: فأولئك الذين أراد الله فتنتهم، عطف عليه قوله: { ومن ~~يرد الله } أي الذي له الأمر كله { فتنته } أي أن يحل به ما يميله عن وجه ~~سعادته بالكفر حقيقة أو مجازا { فلن تملك له من الله } أي الملك الأعلى ~~الذي لا ms1146 كفوء له { شيئا } أي من الإسعاد، وإذا لم تملك ذلك أنت وأنت ~~أقرب الخلق إلى الله فمن يمكله. # ولما كان هذا، أنتج لا محالة قوله: { أولئك } أي البعداء من الهدى { ~~الذين لم يرد الله } أي وهو الذي لا راد لما يريده، ولا فاعل لما يرده، ~~فهذه أشد الآيات على المعتزلة { أن يطهر قلوبهم } أي بالإيمان، والجملة ~~كالعلة لقوله { فلن تملك له من الله شيئا } ، ولما ثبت أن قلوبهم نجسة، ~~أنتج ذلك قوله: { لهم في الدنيا خزي } أي بالذل والهوان، أما المنافقون ~~فبإظهار الأسرار والفضائح الكبار وخوفهم من الدمار، وأما اليهود فببيان ~~أنهم حرفوا وبدلوا وضرب الجزية عليهم وغير ذلك من الصغار { ولهم في ~~الآخرة } التي من خسرها فلا ربح له بوجه ما { عذاب عظيم * } أي لعظيم ما ~~ارتكبوه من هذه المعاصي المتضاعفة. ### || [5.42-43] # ولما ذكر التحريف، ذكر أثره وهو الحكم به فقال مكررا لوصفهم زيادة في ~~توبيخهم وتقبيح شأنهم: { سماعون } أي هم في غاية الشهوة والانهماك في ~~سماعهم ذلك { للكذب أكالون } أي على وجه المبالغة { للسحت } أي الحرام ~~الذي يسحت البركة أي يستأصلها، وهو كل ما لا يحل كسبه، وذلك أخذهم الرشى ~~ليحكموا بالباطل على نحو ما حرفوه وغيره من كلام الله، قال الشيخ أبو ~~العباس المرسي: ومن آثر من الفقراء السماع لهواه، وأكل ما حرمه مولاه، ~~فقد استهوته نزعة يهودية، فإن القوال يذكر العشق والمحبة والوجد وما عنده ~~منها شيء. # ولما كانوا قد يأخذون الرشوة ولا يقدرون على إبرام الحكم بما أرادوه، ~~فيطمعون في أن يفعلوا ذلك بواسطة ترافعهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فيترافعون إليه، فإن حكم بينهم بما أرادوا قبلوه واحتجوا به على من لعله ~~يخالفهم، وإن حكم بما لم يريدوه قالوا: ليس هذا في ديننا - طمعا في أن ~~يخليهم فلا يلزمهم بما حكم، أعلمه الله تعالى بما يفعل في أمرهم، وحذره ~~غوائل مكرهم، فقال مفوضا الخيرة إليه في أمر المعاهدين إلى مدة - وأما ~~أهل الجزية فيجب الحكم بينهم إذا ترافعوا إلى حاكمنا - مسببا عن أكلهم ms1147 ~~الحرام وسماعهم الكذب: { فإن جاءوك } أي طمعا في أن تؤتيهم ما حرفوا ~~إليه الكلم { فاحكم بينهم } أي إن شئت بما أنزل الله عليك من الحق { أو ~~أرض عنهم } أي كذلك. # ولما كان قوله: { وإن } دالا بعطفه على غير معطوف عليه أن التقدير: فإن ~~حكمت بينهم لم ينفعوك شيئا لإقبالك عليهم، قال: وإن { تعرض عنهم } أي ~~الكفرة كلهم من المصارحين والمنافقين { فلن يضروك شيئا } أي إعراضك عنهم ~~واستهانتك بهم. # ولما كان التخيير غير مراد الظاهر في جواز الحكم بينهم عند الترافع ~~إلينا وعدمه، بل معناه عدم المبالاة بهم، أعرض عنهم أولا، فحقيقته بيان ~~العاقبة على تقديري الفعل والترك، علمه كيف يحكم بينهم، فقال عاطفا ~~على ما قدرته: { وإن حكمت } أي فيهم { فاحكم } أي أوقع الحكم { بينهم ~~بالقسط } أي العدل الذي أراكه الله - على أن الآية ليست في أهل الذمة، ~~والحكم في ترافع الكفار إلينا أنه كان منهم أو من أحدهم التزام لأحكامنا ~~أم منا التزام للذب عنهم وجب، لقوله تعالى { فاحكم بينهم بما أنزل الله ~~ولا تتبع أهواءهم } وإلا لم يجب، ثم علل ذلك بقوله: { إن الله } أي الذي ~~له صفات الكمال { يحب المقسطين } أي الفاعلين للعدل السوي من غير حيف ~~أصلا. # ولما كان التقدير: فكيف يحكمونك وهم يكذبونك ويدعون أنك مبطل، عطف عليه ~~قوله معجبا منهم موبخا لهم: { وكيف يحكمونك } أي في شيء من الأشياء { ~~وعندهم } أي والحال أنه عندهم { التوراة } ثم استأنف قوله: { فيها حكم ~~الله } أي الذي لا يداني عظمته عظمة وهو الذي كان مقررا في شرعهم أنه لا ~~يسوغ خلافه، فإن كانوا يعتقدون ذلك إلى الآن لم يجز لهم العدول إليك على ~~زعمهم، وإن كانوا لا يعتقدونه ويعتقدون أن حكمك هو الحق ولم يؤمنوا بك ~~كانوا قد آمنوا ببعض وكفروا ببعض. # ولما كان الإعراض عن حكمه سبحانه عظيما، وكان وقوعه ممن يدعي أنه مؤمن ~~به بعيدا عظيما شديدا، قال: { ثم يتولون } أي يكلفون أنفسهم الإعراض ~~عنه سواء تأيد بحكمك به أو لا لأجل الأعراض الدنيوية، ولما كان ms1148 المراد ~~بالحكم الجنس، وكانوا يفعلون بعض أحكامها فلم يستغرق زمان توليهم زمان ~~البعد، أدخل الجار لذلك فقال: { من بعد ذلك } أي الأمر العالي وهو الحكم ~~الذي يعلمون أنه حكم الله، فلم يبق تحكيمهم لك من غير إيمان بك إلا ~~تلاعبا. # ولما كان التقدير: فما أولئك بالمريدين للحق في ترافعهم إليك، عطف عليه ~~قوله: { وما أولئك } أي البعداء من الله { بالمؤمنين * } أي العريقين في ~~صفة الإيمان بكتابهم ولا بغيره مما يستحق الإيمان به، لأنهم لو كانوا ~~عريقين في ذلك آمنوا بك لأن كتابهم دعا إليك. ### || [5.44] # ولما تضمن هذا مدح التوراة، صرح به فقال تأكيدا لذمهم في الإعراض عما ~~دعت إليه من أصل وفرع، وتحذيرا من مثل حالهم: { إنا أنزلنا } أي على ما ~~لنا من العظمة { التوراة } ثم استأنف قوله معظما لها: { فيها هدى } أي ~~كلام يهدي بما يدعو إليه إلى طريق الجنة { ونور } أي بيان لا يدع لبسا، ~~ثم استأنف المدح للعاملين بها فقل: { يحكم بها النبيون } ووصفهم بأعلى ~~الصفات وذلك الغنى المحض، فقال مادحا لا مقيدا: { الذين أسلموا } أي ~~أعطوا قيادهم لربهم سبحانه حتى لم يبق لهم اختيار أصلا، وفيه تعريض بأن ~~اليهود بعداء من الإسلام وإلا لاتبعوا أنبياءهم فيه، فكانوا يؤمنون بكل ~~من قام الدليل على نبوته. # ولما كان من المعلوم أن حكمهم بأمر الله لهم باتباع التوراة ومراعاتها، ~~علم أن التقدير: بما استحفظوا من كتاب الله، فحذف لدلالة ما يأتي عليه ~~وإشعار الإسلام به، ثم بين المحكوم له تقييدا به إشارة إلى أنها ستنسخ ~~فقال: { للذين هادوا } أي لمن التزم اليهودية { والربانيون } أي أهل ~~الحقيقة، منهم الذين انسلخوا من الدنيا وبالغوا فيما يوجب النسبة إلى ~~الرب { والأحبار } أي العلماء الذي أسلموا { بما } أي بسبب ما. # ولما كان سبب إسلام أمرهم بالحفظ، لا كونه من الله بلا واسطة، بني ~~للمفعول قوله: { استحفظوا } أي الأنبياء ومن بعدهم { من كتاب الله } أي ~~بسبب ما طلبوا منهم وأمروا به من الحفظ لكتاب الذي له جميع صفات الكمال ~~الذي هو صفته، فعظمته ms1149 من عظمته، وحفظه: دراسته والعمل بما فيه { وكانوا } ~~أي وبما كانوا { عليه شهداء } أي رقباء حاضرين لا يغيبون عنه ولا يتركون ~~مراعاته أصلا، فالآية - كما ترى - من فن الاحتباك: ترك أولا " بما ~~استحفظوا " لدلالة ما ذكر هنا عليه، وترك ذكر الإسلام هنا لدلالة ذكره ~~أولا عليه، وإنما خص الأول بذكر الإسلام لأن الأنبياء أحق به، وهو داع ~~إلى الحفظ قطعا، وخص الثاني بالاستحفاظ لأن الأتباع أولى به، وهو دال ~~على الإسلام. # ولما كان هذا كله ذما لليهود بما تركوا من كتابهم، ومدحا لمن راعاه ~~منهم، وكان ذلك الترك إما لرجاء أو خوف، قال مخاطبا لهذه الأمة كلها ~~طائعها وعاصيها، وحذرا لها من مثل حالهم ومرغبا في مثل حال الأنبياء ~~والتابعين لهم بإحسان، مسببا عن ذلك: { فلا تخشوا الناس } أي في العمل ~~بحكم من أحكام الله { واخشون } أي فإن ذلك حامل لكم على العدل والإحسان، ~~فمن كان منكم مسلما طائعا فليزدد طاعة، ومن لم يكن كذلك فليبادر ~~بالانقياد والطاعة، وهذا شامل لليهود وغيرهم. # ولما قدم الخوف لأنه أقوى تأثيرا أتبعه الطمع فقال: { ولا تشتروا } ~~ولما كان الاشتراء معناه اللجاجة في أخذ شيء بثمن، وكان المثمن أشرف من ~~الثمن من حيث إنه المرغوب فيه، جعل الآيات مثمنا وإن اقترنت بالباء، حتى ~~يفيد الكلام التعجب من الرغبة عنها، وأنها لا يصح كونها ثمنا فقال: { ~~بآياتي ثمنا قليلا } أي من الرشى وغيرها لتبدلوها كما بدل أهل الكتاب. # ولما نهى عن الأمرين، وكان ترك الحكم بالكتاب إما لاستهانة أو لخوف أو ~~رجاء أو شهوة، رتب ختام الآيات على الكفر والظلم والفسق، قال ابن عباس ~~رضي الله عنهما: من جحد حكم الله كفر, ومن لم يحكم به وهو مقر فهو ظالم ~~فاسق. فلما كان التقدير: فمن حكم بما أنزل الله فأولئك هم المسلمون، عطف ~~عليه ما أفهمه من قوله: { ومن لم يحكم } أي يوجد الحكم ويوقعه على وجه ~~الاستمرار { بما أنزل الله } أي الذي له الكمال كله فلا أمر لأحد معه ~~تدينا بالإعراض عنه، أعم من ms1150 أن يكون تركه له حكما بغيره أو لا { فأولئك ~~} أي البعداء من كل خير { هم الكافرون } أي المختصون بالعراقة في الكفر، ~~وهذه الآيات من قوله تعالى # يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر # [المائدة: 41] إلى هنا نزلت في الزنا، ولكن لما كان السياق للمحاربة، ~~وكان كل من القتل وقطع الطريق والسرقة محاربة ظاهرة مع كونه فسادا صرح ~~به، ولما كان الزنا محاربة, خفية بالنظر إلى فحشه وحرمته وجره في بعض ~~الصور إلى المحاربة, وغير محاربة بالنظر إلى كونه في الغالب عن تراض، ~~وصاحبه غير متزي بزي المحاربين، لم يصرح في هذه الآيات باسمه وإن كانت ~~نزلت فيه، روى البيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما عن عمر رضي الله عنه ~~أنه قال في خطبته: " إن الله بعث محمدا وأنزل عليه كتابا، وكان فيما ~~أنزل عليه آية الرجم فتلوناها ووعيناها " الشيخ والشيخة إذا زنيا ~~فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم " وقد رجم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ورجمنا بعده - الحديث. وفي آخره: ولولا أني أخشى أن يقول ~~الناس: زاد في كتاب الله، لأثبته في حاشية المصحف " وأصله في الصحيحين ~~وغيرهما، وللحاكم والطبراني عن أبي أمامة بن سهل عن خالته العجماء رضي ~~الله عنها بلفظ: " الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة بما قضيا من ~~اللذة " وفي صحيح ابن حبان عن أبي بن كعب رضي الله عنه أنه قال لزر بن ~~حبيش: " كم تعدون سورة الأحزاب من آية؟ قال: قلت: ثلاثا وسبعين، قال: ~~والذي يحلف به! كانت سورة الأحزاب توازي سورة البقرة، وكان فيها آية ~~الرجم: الشيخ والشيخة " الحديث. وللشيخين: البخاري في مواضع، ومسلم وأحمد ~~وأبي داود - وهذا لفظه - والدرامي والترمذي في الحدود والنسائي في الرجم ~~عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: # " إن اليهود جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكروا له أن رجلا ~~منهم وامرأة زنيا، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما تجدون في ~~التوراة في شأن الزنا؟ فقالوا: نفضحهم ويجلدون ms1151 - وفي رواية: فقال: لا ~~تجدون في التوراة الرجم؟ فقالوا: لا نجد فيها شيئا - فقال عبد الله بن ~~سلام رضي الله عنه: كذبتم، فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين، فأتوا ~~بالتوراة، فنشروها فجعل أحدهم - وفي رواية - مدراسها الذي يدرسها منهم - ~~يده على آية الرجم فجعل يقرأ ما قبلها وما بعدها, فقال له عبد الله بن ~~سلام: ارفع يدك، فرفعها فقال: ما هذه؟ فإذا فيها آية الرجم، فقالوا: صدق ~~يا محمد! فيها آية الرجم، فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما، ~~قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: فرأيت الرجل يحنأ على المرأة يقيها ~~الحجارة " # وفي لفظ للبخاري في التفسير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لا تجدون في التوراة الرجم؟ فقالوا: لا نجد فيها شيئا، فقال لهم عبد ~~الله بن سلام: كذبتم! فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين " # وفي لفظ له في التوحيد - وهو رواية أحمد - أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~هو الذي قال: # " فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين " # ولأبي داود عن ابن عمر أيضا رضي الله عنهما قال: # " أتى نفر من اليهود فدعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القف، ~~فأتاهم في بيت المدراس فقالوا: يا أبا القاسم! إن رجلا منا زنى بامرأة ~~فاحكم، فوضعوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وسادة فجلس عليها ثم قال: ~~ائتوني بالتوراة, فأتي بها فنزع الوسادة من تحته ووضع التوراة عليها ثم ~~قال: آمنت بك وبمن أنزلك، ثم قال: ائتوني بأعلمكم، فأتي بفتى شاب " # فذكر قصة الرجم نحو الذي قبله، وسكت عليه أبو داود والحافظ المنذري في ~~مختصره وسنده حسن، ولمسلم وأبي داود - وهذا لفظه - والنسائي وابن ماجه عن ~~البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: # " مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بيهودي محمم. فدعاهم فقال: هكذا ~~تجدون حد الزاني؟ فقالوا: نعم، فدعا رجلا من علمائهم فقال: نشدتك بالله ~~الذي أنزل التوراة على موسى أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ فقالك ~~اللهم! لا، ولولا أنك نشدتني ms1152 بهذا لم أخبرك، نجد حد الزاني في كتابنا ~~الرجم، ولكنه كثر في أشرافنا فكنا إذا أخذنا الرجل الشريف تركناه، وإذا ~~أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، فقلنا: تعالوا فنجتمع على شيء نقيمه على ~~الشريف والوضيع، فاجتمعنا على التحميم والجلد وتركنا الرجم، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: اللهم إني أول من أحيى أمرك إذ أماتوه، فأمر به ~~فرجم، فأنزل الله عز وجل { يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في ~~الكفر } [المائدة: 41] إلى قوله: { يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم ~~تؤتوه فاحذروا } [المائدة: 41] إلى قوله: { ومن لم يحكم بما أنزل الله ~~فأولئك هم الكافرون } [المائدة: 44] في اليهود - إلى قوله: { ومن لم يحكم ~~بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون } [المائدة: 45] في اليهود - إلى قوله: ~~{ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون } [المائدة: 47] قال: هي ~~في الكفار كلها " # يعني هذه الآية. # وروى الدارقطني في آخر النذور من السنن عن جابر رضي الله عنه قال: " أتي ~~النبي صلى الله عليه وسلم بيهودي ويهودية قد زنيا، فقال لليهود: ما ~~يمنعكم أن تقيموا عليهما الحد؟ فقالوا: كنا نفعل إذا كان الملك لنا، فلما ~~أن ذهب ملكنا فلا نجتري على الفعل، فقال لهم: ائتوني بأعلم رجلين فيكم، ~~فأتوه بابني صوريا، فقال لهما: أنتم أعلم من ورائكما؟ قالا: يقولون، قال: ~~فأنشدكما بالله الذي أنزل التوراة على موسى كيف تجدون حدهما في التوراة؟ ~~فقالا: الرجل مع المرأة زنية وفيه عقوبة، والرجل على بطن المرأة زنية ~~وفيه عقوبة، فإذا شهد أربعة أنهم رأوه يدخله فيها كما يدخل الميل في ~~المكحلة رجم، قال: ائتوني بالشهود فشهد أربعة، فرجمهما النبي صلى الله ~~عليه وسلم " - انتهى. وهذه الآية ملتفتة إلى آية { يا أيها الذين آمنوا ~~اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة } - الآية والتي بعدها أي التفات, وذلك ~~أن هؤلاء لما تركوا هذا الحكم، جرهم إلى الكفر, وليس في هذه الروايات - ~~كما ترى - تقييد الرجم بالإحصان، وكذا هو فما هو موجود عندهم في التوراة، ~~قال في السفر الثالث وغيره: ثم كلم ms1153 الله موسى وقال له: قل لبني إسرائيل: ~~أي رجل من بني إسرائيل ومن الذين يقبلون إلى أي ويسكنون بين بني ~~إسرائيل ألقى زرعه في امرآة غريبة يقتل ذلك الرجل فليرجمه جميع الشعب ~~بالحجارة، وأنا أيضا أنزل غضبي بذلك الرجل وأهلكه من شعبه، لأنه ألقى ~~زرعه في غريبة وأراد أن ينجس مقدسي وأن ينجس اسم قدسي، فإن غفل شعب الأرض ~~عن الرجل الذي ألقى زرعه في غريبة ولم يوجبوا عليه القتل أنزل غضبي بذلك ~~الرجل وبقبيلته وأهلكه وأهلك من يضل به، لأنهم ضلوا بنساء غريبات لسن لهم ~~بحلال، ثم قال: الرجل الذي يأتي امرأة صاحبه وامرأة رجل غريب يقتلان ~~جميعا، والرجل الذي يرتكب ذكرا مثله فيرتكب منه ما يرتكب من النساء فقد ~~ارتكبا نجاسة، يقتلان ودمهما في أعناقهما، والرجل الذي يتزوج امرأة وأمها ~~فقد ارتكب خطيئة، يحرق بالنار هو وهما، والرجل الذي يرتكب من البهيمة ما ~~يرتكب من النساء يقتل قتلا، والبهيمة ترجم أيضا، والمرأة التي ترقد بين ~~يدي البهيمة لترتكب منها البلاء تقتل المرأة والبهيمة جميعا، يقتلان ~~ودمهما في أعناقهما، والرجل الذي يأتي امرأة طامثا ويكشف عورتها، قد كشف ~~عن ينبوعها وهي أيضا كشفت عن ينبوع دمها، يهلكان جميعا من شعبهما، ~~وقال: والرجل الذي يأتي امرأة أبيه قد كشف هذا عورة أبيه، يقتلان جميعا ~~ودمهما في أعناقهما، والرجل الذي يأتي كنته يقتلاه كلاهما، لأنهما ~~ارتكبا خطيئة، ودمهما في أعناقهما، والرجل الذي يتزوج أخته من أمه أو من ~~أبيه ويرى عورتها وترى عورته، هذا عار شديد، يقتلان قدام شعبهم، وذلك ~~لأنه كشف عورة أخته، يكون إثمهما في رؤوسهما، لا تكشفن عورة عمتك ولا ~~خالتك! لأنهما قرابتك، ومن فعل ذلك يعاقب بإثم فضيحته، والرجل الذي يأتي ~~امرأة عمه قد كشف عورة عمه يعاقبان بخطيئتهما ويموتان، والرجل الذي يتزوج ~~امرأة أخيه قد ارتكب إثما، لأنه كشف عورة أخيه يموتان، بل وصرح برجم ~~البكر فقال في السفر الخامس فيمن تزوج بكرا فادعى أنه وجدها ثيبا: فإن ~~كان قذفه إياها حقا ولم يجدها عذراء تخرج ms1154 الجارية إلى بيت أبيها، ~~ويرجمهاه أهل القرية بالحجارة وتموت، لأنها ارتكبت حوبا بين يدي بني ~~إسرائيل وزنت في بيت أبيها، نحوا الشر عنكم، وإن وجد رجل يسفح بامرأة ~~رجل يقتلان كلاهما: الرجل والمرأة، بل صرح برجم البكر المكرهة فقال عقب ~~ما تقدم: وإن كان لرجل خطيبة بكر لم يبتن بها بعد، فخرجت خارجا فظفر بها ~~رجل وقهرها وضاجعها، يخرجان جميعا ويرجمان حتى يموتا، وإنما تقتل ~~الجارية مع الرجل لأنها لم تصرخ ولم تستغث - انتهى. # فالأحاديث المفيدة بالإحصان في هذه القصة ينبغي أن تكون مرجوحة، لأن ~~رواتها ظنوا أن الجادة الإسلامية شرع لهم. ### || [5.45-46] # ولما كان ختام هذه الآيات في ترهيب المعرض عن الحكم بما أنزل الله ~~مطابقا لقوله في أول سياق المحاربة { ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في ~~الأرض لمسرفون } رجع إلى القتل مبينا أنهم بدلوا في القتل كما بدلوا في ~~الزنا، ففضلوا بني النضير على بني قريظة، فقال: { وكتبنا } أي بما لنا من ~~العظمة { عليهم فيها } أي في التوراة، عطفا على قوله { كتبنا على بني ~~إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس } ، وإذا أنعمت النظر وجدت ما بينهما ~~لشدة اتصاله وقوة الداعية إليه كأنه اعتراض { أن النفس } أي مقتولة ~~قصاصا مثلا بمثل { بالنفس } أي بقتل النفس بغير وجه مما تقدم { والعين ~~} أي تقلع { بالعين } أي قلعت بغير شبهة { والأنف } يجدع { بالأنف } كذلك ~~{ والأذن } تصلم { بالأذن } على ما تقدم { والسن } تقلع { بالسن } إذا ~~قلعت عمدا بغير حق { والجروح } أي التي تنضبط كلها { قصاص } مثلا بمثل ~~سواء بسواء. # ولما أوجب سبحانه هذا، رخص لهم في النزول عنه، فسبب عن ذلك قوله: { فمن ~~تصدق به } أي عفا عن القصاص ممن يستحقه سواء كان هو المجروح إن كان ~~باقيا أو وارثه إن كان هالكا { فهو } أي التصدق بالقصاص { كفارة له } ~~أي ستارة لذنوب هذا العافي ولم يجعل لهم دية، إنما هو القصاص أو العفو، ~~فمن حكم بما أنزل الله على وجه الاستمرار { بما أنزل الله } أي الذي لا ~~كفوء له فلا أمر ms1155 لأحد معه لخوف أو رجاء، أو تدينا بالإعراض عنه سواء حكم ~~بغيره أو لا { فأولئك } أي البعداء عن طريق الاستقامة، البغضاء إلى أهل ~~الكرامة { هم الظالمون * } أي الذي تركوا العدل فضلوا، فصاروا كمن يمشي ~~في الظلام، فإن كانا تدينا بالترك كان نهاية الظلم وهو الكفر، وإلا في ~~الزنا نحو ما تقدم ثم قال: وحدثني داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس ~~رضي الله عنهما " أن الآيات من المائدة التي قال الله فيها # فاحكم بينهم أو أعرض عنهم # [المائدة: 42] إلى: { المقسطين } إنما نزلت في الدية بين بني النضير ~~وبني قريظة, وذلك أن قتلى بني النضير وكان لهم شرف - يؤدون الدية ~~الكاملة, وأن بني قريظة كانوا يؤدون نصف الدية، فتحاكموا في ذلك إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله ذلك فيهم، فحملهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على الحق في ذلك فجعل الدية سواء " قال ابن إسحاق: فالله أعلم ~~أي ذلك كان! وأخرجه النسائي في سننه من طريق ابن إسحاق، وروي من طريق ~~آخر عن ابن عباس رضي الله عنهما أيضا، قال: كان قريظة والنضير، وكان ~~النضير أشرف من قريظة، وكان إذا قتل رجل من قريظة رجلا من النضير قتل ~~به، وإذا قتل رجل من النضير رجلا من قريظة أدى مائة وسق من تمر، فلما ~~بعث النبي صلى الله عليه وسلم قتل رجل من النضير رجلا من قريظة فقالوا: ~~ادفعوه إلينا نقتله فقالوا: بيننا وبينكم النبي صلى الله عليه وسلم فأتوه ~~فنزلت # وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط # [المائدة: 42] والقسط: النفس بالنفس، ثم نزلت # أفحكم الجاهلية يبغون # [المائدة: 50] انتهى. # وهذا نص ما عندهم من التوراة في القصاص , قال في السفر الثاني: وكل من ~~ضرب رجلا فمات فليقتل قتلا، وإذا تشاجر رجلان فأصابا امرأة حبلى فأخرجا ~~جنينها ولم تكن الروح حلت في السقط بعد، فليغرم على قدر ما يلزمه زوج ~~المرأة، وليؤد ما حكم عليه الحاكم، فإن كانت الروح حلت في السقط فالنفس ~~بالنفس والعين بالعين والسن بالسن واليد باليد ms1156 والرجل بالرجل والجراحة ~~بالجراحة واللطمة باللطمة، وقال في السفر الثالث بعد ذكر الأعياد في ~~الاصحاح السابع عشر: ومن قتل إنسانا يقتل، ومن قتل بهيمة يدفع إلى ~~صاحبها مثلها، والرجل يضرب صاحبه ويؤثر فيه أثرا يعاب به يصنع به كما ~~صنع، والجروح قصاص: الكسر بالكسر والعين بالعين والسن بالسن، كما يصنع ~~الإنسان بصاحبه كذلك يصنع به، القضاء واحد لكم وللذين يقبلون إلي، وقال ~~في الثاني: إذا ضرب الرجل عين عبده أو أمته ففقأها فليعتقه بدل عينه، ~~وإذا قلع سن عبده أو أمته فليعتقه بدل سنة - وذكر أحكاما كثيرة، ثم قال: ~~ومن ذبح للأوثان فيهلك، بل لله وحده، وقال في الرابع: ومن يقتل نفسا لا ~~يقتل إلا ببينة عادلة، ولا تقبل شهادة شاهد واحد على قتل النفس، ولا ~~تقبلوا رشوة في إنسان يجب عليه القتل بل يقتل، لوا تأخذوا منه رشوة ليهرب ~~إلى قرية إلى الملجأ ليسكنها إلى وفاة الحبر العظيم، ولا تنجسوا الأرض ~~التي تسكنونها، لأن الدم ينجس الأرض، والأرض التي يسفك فيها الدم لا يغفر ~~لتلك الأرض حتى يقتل القاتل الذي قتل، وقال في الخامس: ولا يقتل من قد ~~وجب عليه القتل إلا بشهادة رجلين، لا يقتل بشهادة رجل واحد، وإذا رجمتم ~~فالذي يشهد عليه فليبدأ برجمه الشهود أولا ثم يبدأ به جميع الشعوب، ~~وأهلكوا الذين يعملون الشر واستأصلوهم من بينكم، وإن شهد رجل على صاحبه ~~شهادة زور يقوم الرجلان قدام الحبر والقاضي فيفحصون عن أمرهما فحصا ~~شديدا، فإن وجدوا رجلا شهد شهادة، زور يصنعوا به مثل ما أراد أن يصنع ~~بأخيه، ونحوا الشر من بينكم، وعاقبوا بالحق ليسمع الذين يتقون فيفزعوا ~~ولا يعودوا أن يفعلوا مثل هذا الفعل القبيح بينكم، ولا تشفق أعينكم على ~~الظالم، بل يكون قضاؤكم نفسا بنفس وعينا بعين وسنا بسن ويدا بيد ~~ورجلا برجل. # ولما كانت هذه الآيات كلها - مع ما فيها من الأسرار - ناقضة أيضا لما ~~ادعوا من البنوة بما ارتكبوه من الذنوب من تحريف كلام الله وسماع الكذب ~~وأكل السحت والإعراض عن أحكام ms1157 التوراة والحكم بغير حكم الله، أتبعها ما ~~أتى به عيسى عليه السلام الذي ادعى فيه النصارى النبوة الحقيقية والشركة ~~في الإلهية، وقد أتى بتصديق التوراة في الشهادة على من خالفها من اليهود ~~بالتبرؤ من الله، مؤكدا لما فيها من التوحيد الذي هو عماد الدين وأعظم ~~آياتها التي أخذت عليهم بها العهود ووضعت في تابوت الشهادة الذي كانوا ~~يقدمونه أمامهم في الحروب، فإن كانوا باقين على ما فيه من الميثاق نصروا ~~وإلا خذلوا، وناسخا لشريعتهم مجازاة لهم من جنس ما كانوا يعملون من ~~التحريف، وشاهدا على من أطراه بالضلال فقال: { وقفينا } إلى آخرها، وكذا ~~كل ما بعدها من آياتهم إلى آخر السورة، لا تخلوا آية منها من التعرض إلى ~~نقض دعواهم لها بذكر ذنب، أو ذكر عقوبة عليه، أو ذكر تكذيب لهم من كتابهم ~~أو نبيهم، والمعنى: أوجدنا التقفية، وهي اتباع شيء بشيء تقدمه، فيكون ~~أتيا في قفاه لكونه وراءه، وإلقاؤه في مظهر العظمة لتعظيم شأن عيسى عليه ~~السلام { على آثارهم } أي النبيين الذين يحكمون بالتوراة، وذكر الأثر يدل ~~على أنهم كانوا قد تركوا دينهم، لم يبق منه إلا رسم خفي { بعيسى } ونسبه ~~إلى أمه إشارة إلى أنه لا والد له تكذيبا لليهود، وإلى أنه عبد مربوب ~~تكذيبا للنصارى، فقال: { ابن مريم مصدقا } أي عيسى عليه السلام في ~~الأصول وكثير من الفروع و { لما بين يديه } أي مما أتى به موسى عليه ~~السلام قبله { من التوراة } وأشار إلى أنه ناسخ لكثير من أحكامها بقوله: ~~{ وآتيناه الإنجيل } أي أنزلناه بعظمتنا عليه كما أنزلنا التوراة على ~~موسى عليه السلام. # ولما كان في الإنجيل المحكم الذي يفهمه كل أحد، والمتشابه الذي لا يفهمه ~~إلا الأفراد من خلص العباد، ولا يقف بعد فهمه عند حدوده إلا المتقون، ~~قال مبينا لحاله: { فيه } أي آتيناه إياه بحكمتنا وعظمتنا كائنا فيه { ~~هدى } أي وهو المحكم، يهتدي به كل أحد سمعه إلى صراط مستقيم { ونور } أي ~~حسن بيان كاشف للمشكلات، لا يدع بذلك الصراط لبسا. # ولما كان الناسخ للشيء ms1158 بتغيير حكمه قد يكون مكذبا له، أعلم أنه ليس ~~كذلك، بل هو مع النسخ للتوراة مصدق لها فقال - أي مبينا لحال الإنجيل ~~عطفا على محل { فيه هدى }: { ومصدقا } أي الإنجيل بكماله { لما بين ~~يديه } ولما كان الذي نزل قبله كثيرا، عين المراد بقوله: { من التوراة } ~~فالأول صفة لعيسى عليه السلام، والثاني صفة لكتابه، بمعنى أنه هو ~~والتوراة والإنجيل متصادقون، فكل من الكتابين يصدق الآخر وهو يصدقهما، لم ~~يتخالفوا في شيء، بل هو متخلق بجميع ما أتى به. # ولما كان المتقون خلاصة الخلق، فهم الذين ينزلون كل ما في كتب الله من ~~محكم ومتشابه على ما يتحقق به أنه هدى ويتطابق به المتشابه والمحكم، وكان ~~قد بين أنه فيه من الهدى ما يسهل به رد المتشابه إليه فصار بعد البيان ~~كله هدى، قال معمما بعد ذلك التخصيص: { وهدى وموعظة للمتقين * } أي كل ~~ما فيه يهتدون به ويتعظون فترق قلوبهم ويعتبرون به وينتقلون مترقين من ~~حال عالية إلى حال أعلى منها. # ذكر بعض ما يدل على ذلك من الإنجيل الذي بين ظهراني النصارى الآن وقد ~~مزجت فيه كلام بعض الأناجيل ببعض وأغلب السياق لمتى، وعينت بعض ما ~~خالفه، قال لوقا: وجاء إليه قوم وأخبروه خبر الجليليين الذين خلط بيلاطس ~~دماءهم مع دماء ذبائحهم، فأجاب يسوع وقال لهم: لا تظنوا أن أولئك ~~الجليليين أشد خطأ من كل الجليليين إذا أصابتهم هذه الأوجاع، لا أقول ~~لكم, إن لم تتوبوا كلكم أنتم تهلكون مثلهم، وهؤلاء الثمانية عشر الذين ~~سقط عليهم البرج في سيلوخا وقتلهم أتظنون أنهم أكبر جرما من جميع سكان ~~يروشليم، كلا أقول لكم، إن لم تتوبوا فجميعكم يهلك؛ وقال لهم: شجرة تين ~~كانت لواحد مغروسة في كرمه، جاء يطلب فيها ثمرة فلم يجد، فقال للكرام: ~~هذه ثلاث سنين آتي وأطلب فيها ثمرة فلا أجد، اقطعها لئلا تبطل الأرض، ~~فقال: يا رب! دعها في هذه السنة لأنكحها وأصلحها، لعلها تثمر في السنة ~~الآتية، فإن هي أثمرت وإلا أقطعها. قال متى: ولما نزل من الجبل ms1159 تبعه جمع ~~كبير وإذا أبرص قد جاء فسجد له وقال: إن شئت فأنت قادر أن تطهرني، فمد ~~يده ولمسه وقال له: قد شئت فاطهر، وللوقت طهر برصه، وقال له يسوع: لا تقل ~~لأحد ولكن امض فأر نفسك للكاهن وقدم قربانا كما أمر موسى للشهادة ~~عليهم - وقال مرقس: بشهادتهم - قال لوقا: فذاع عنه الكلام وزاد، واجتمع ~~جمع كثير ليسمعوا منه ويستشفوا من أمراضهم، وأما هو فكان يمضي إلى البرية ~~ويصلي هناك. وقال متى: ولما دخل كفرناحوم جاء إليه قائد مائة فطلب إليه ~~قائلا: يا رب! فتاي ملقى في البيت مخلع وسقيم جدا، فقال له: إني آتي ~~وأبرئه، فأجاب قائد المائة وقال: يا رب! لست مستحقا أن تدخل تحت سقف ~~بيتي، ولكن قل كلمة فقط فيبرأ فتاي لأني تحت سلطان، ولي جند، إن قلت ~~لهذا: اذهب، ذهب، ولآخر: ائت، أتى، ولعبدي: اعمل هذا، عمل، فلما سمع يسوع ~~تعجب وقال للذين يتبعونه: الحق أقول لكم! إنني لم أجد مثل هذه الأمانة في ~~إسرائيل، أقول لكم: إن كثيرا يأتون من المشرق والمغرب - وقال لوقا: ~~والشمال واليمين - يتكئون مع إبراهيم وإسحاق ويعقوب؛ قال لوقا: وكل ~~الأنبياء في ملكوت الله وأنتم خارجا, ويكون الأولون آخرين والآخرون ~~أولين؛ وقال متى: في ملكوت السماوات، وبنو الملكوت يلقون في الظلمة ~~البرانية، الموضع الذي يكون فيه البكاء وصرير الأسنان، وقال يسوع لقائد ~~المائة: اذهب كأمانتك يكن لك، فبرأ الفتى في تلك الساعة، وقال لوقا: ولما ~~أكمل جميع كلامه ودخل كفرناحوم، وكان عبد لقائد المائة قد قارب الموت ~~وكان كريما عنده، فلما سمع بيسوع أرسل إليه شيوخ اليهود يسألونه المجيء ~~ليخلص عبده، فلما جاؤوا إلى يسوع طلبوا منه باجتهاد وقالوا: إنه مستحق أن ~~يفعل معه هذا، لأنه محب لأمتنا وهو بنى لنا كنيسة، فمضى يسوع معهم، وفيما ~~هو قريب من البيت أرسل إليه قائد المائة أصدقاءه قائلا: يا رب! لا تتعب ~~فإني لا أستحق أن تدخل تحت سقف بيتي، من أجل ذلك لم أستحق أن أجيء أنا ~~إليك, لكن قل كلمة ms1160 فيبرأ, لأني رجل ذو سلطان وتحت يدي جند فأقول لهذا: ~~امض, فيمضي, ولآخر: ائت, فيأتي, فلما سمع يسوع هذا تعجب منه والتفت إلى ~~الجمع الذي يتبعه وقال: الحق أقول لكم! إني لم أجد في بني إسرائيل مثل ~~هذه الأمانة، فرجع المرسلون إلى اليبت فوجدوا المريض قد برأ، وفي غد كان ~~يسوع ماضيا إلى مدينة اسمها نايين وتبعه تلاميذه أجمع وجمع كبير، فلما ~~قرب من باب المدينة إذا محمول قد مات وحيدا لأمه وكانت أرملة، وجمع كبير ~~من أهل المدينة معها، فلما رآها الرب تحنن عليها وقال لها: لا تبكي، ~~وتقدم ولمس النعش فوقف الحاملون له، وقال له: أيها الشاب! لك أقول: قم ~~واجلس! فجلس الميت وبدأ يتكلم، ودفعه لأمه، ولحقهم خوف ومجدوا الله ~~قائلين: لقد قام فينا نبي عظيم، وتعاهد الله شعبه بصلاح، فذاع هذا الكلام ~~في كل اليهودية وكل الكور التي حولها. # قال متى: وجاء يسوع إلى بيت بطرس فنظر إلى حماته ملقاة تحمى؛ وقال مرقس: ~~وجاء إلى بيت سمعان وأندراوس مع يعقوب ويوحنا فرأى حماة سمعون في حمى ~~شديدة فقالوا له من أجلها، فقدم وأمسك بيدها وأقامها؛ وقال متى: فمس ~~يديها فتركها الحمى وقامت تخدمهم؛ وقال لوقا: ونهضت للوقت تخدمهم، فلما ~~كان المساء - قال مرقس: عند غروب الشمس - قدموا إليه مجانين كثيرا، قال ~~مرقس: ووقف جميع أهل المدينة على الباب، وأبرأ كثيرا ممن به علة رديئة، ~~وأخرج شياطين كثيرة؛ وقال متى: وكان يخرج الأرواح بكلمة، وأبرأ كل سقيم ~~لكي يتم ما قيل في أشعياء النبي القائل: إنه أخذ أمراضنا وحمل أوجاعنا. ~~وسحرا جدا قام وخرج إلى البرية ليصلي هناك وسمعون ومن معه يطلبونه، فلما ~~وجدوه قالوا له: إن الجمع يطلبك، فقال لهم: سيروا بنا إلى القرى والمدن ~~القريبة لنكرز، فإني لهذا وافيت، فأقبل يبشر في مجمعهم في كل الجليل ~~ويخرج الشياطين؛ وقال لوقا: وفي غد اليوم خرج وذهب إلى موضع قفر والجمع ~~يطلبونه، وجاؤوا إليه وأمسكوه لئلا يمضي من عندهم، فقال لهم: إنه ينبغي ~~أن أبشر في المدن ms1161 الأخر بملكوت الله، لأني لهذا أرسلت، وكان يكرز في ~~مجامع الجليل، وكان لما اجتمع إليه جمع ليسمعوا كلام الله كان هو واقفا ~~على بحيرة جاناسر، فرأى سفينتين موقفتين على شاطىء البحيرة والصيادون قد ~~صعدوا عليها ليغسلوا شباكهم، فصعد إلى إحداهما التي لسمعان، وأمر أن ~~يبعدها عن الشط قليلا، وجلس يعلم في الجمع من السفينة؛ ولما أكمل كلامه ~~قال لسمعان: تقدم إلى اللج وألقوا شباككم! فقال: يا معلم! قد تعبنا الليل ~~أجمع ولم نأخذ شيئا، وبكلمتك نحن نلقي شباكنا، ولما فعلوا ذلك أخذوا ~~سمكا كثيرا، وكادت شباكهم تتخرق، فأشاروا إلى شركائهم في السفينة ~~الأخرى ليأتوا يعينوهم، فلما جاؤوا ملؤوا السفينتين حتى كادتا أن تغرقا، ~~فلما رأى سمعان ذلك خر عند قدمي يسوع وقال له: ابعد عني يا سيدي! لأني ~~رجل خاطىء، لأن الخوف اعتراه وكل من معه لأجل صيد الحيتان التي اصطادوا، ~~وكذلك يعقوب ويوحنا ابنا زبدي اللذان كانا صديقي سمعان، فقال يسوع ~~لسمعان: لا تخف، من الآن تكون صيادا تصيد للناس، وقربوا السفن إلى الشط ~~وتركوا كل شيء وتبعوه؛ وقال متى: فلما نظر يسوع إلى الجمع الذي حوله أمر ~~أن يذهبوا إلى العبر، فجاء إليه كاتب وقال له: يا معلم! أتبعك إلى حيث ~~تمضي، فقال له يسوع: إن للثعالب أجحارا، ولطير السماء أوكارا، فأما ابن ~~الإنسان فليس له موضع يسند رأسه؛ وقال لوقا: وقال لآخر: اتبعني، فقال: يا ~~رب! ائذن لي أن امضي أولا وأدفن أبي، فقال له يسوع: اتبعني ودع الموتى ~~يدفنوا موتاهم، وقال الآخر أيضا: بل تأذن لي أولا أن أرتب أهل بيتي، ~~فقال: ما من أحد يضع يده على سكة الفدان وينظر إلى ورائه يستحق ملكوت ~~الله؛ وقال متى: فلما صعد السفينة تبعه تلاميذه - وقال لوقا: صعد السفينة ~~هو وتلاميذه وقال لهم: امضوا بنا إلى عبر البحيرة، فساروا وفيما هم ~~سائرون نام - وإذا اضطراب عظيم كان في البحر حتى كادت الأمواج تغطي ~~السفينة - لأن الريح كانت مضادة لهم - وهو نائم، فتقدم إليه تلاميذه ~~وقالوا: يا رب! - وقال ms1162 مرقس: وكانت رياح عواصف عظيمة، وكانت الأمواج تضرب ~~السفينة وتدخلها المياه حتى كادت تمتلىء، وهو نائم في مؤخرها على وسادة - ~~فأيقظوه وقالوا له: يا معلم! نجنا فقد هلكنا! فقال لهم: ما أخافكم يا ~~قليلي الأمانة؟ حينئذ قام وانتهر الرياح والبحر، فصار هدوءا عظيما، ثم ~~قال متى: فلما صعد السفينة وجاء إلى العبر ودخل مدينته قدم إليه مخلع ~~ملقى على سرير - وفي إنجيل مرقس ولوقا: إنهم أرادوا الدخول به إليه فلم ~~يقدروا لكثرة الجمع، فصعدوا إلى السطح ودلوه بسريره إليه - حينئذ قال ~~للمخلع: قم! امل سريرك واذهب إلى بيتك! فقام ومضى إلى بيته، فنظر الجمع ~~وتعجبوا ومجدوا الله الذي أعطى هذا السلطان كذا للناس؛ وقال يوحنا في ~~إنجيله: وبعد هذا كان عيد اليهود فصعد يسوع إلى يروشليم، وكان هناك ~~بيروشليم مكان يسمى بالعبرانية بيت الرحمة، وكان فيه خمسة أروقة، وكان ~~خلق كثير من المرضى مطروحين فيها وعمي ومقعدون وجافون، فكانوا يتوقعون ~~تحريك الماء، لأن ملاكا كان ينزل إلى الصبغة في حين بعد حين، وكان يحرك ~~الماء، والذي كان ينزل فيه أولا من بعد حركة الماء يبرأ من كل الوجع ~~الذي به، وكان هنا رجل سقيم منذ ثمان وثلاثين سنة، فنظر إليه يسوع ملقى ~~فقال له: أتحب أن تبرأ؟ فقال: نعم يا سيدي! ولكن ليس لي إنسان إذا تحرك ~~الماء يلقيني في البركة أولا، فإلى أن أجيء أنا ينزل قدامي آخر، فقال ~~له: قم، احمل سريرك وامض, فمن ساعته برأ ونهض حاملا سريره، وكان ذلك ~~اليوم يوم سبت، فقال له اليهود: إنه يوم سبت، ولا يحل لك أن تحمل سريرك، ~~فأجابهم: الذي أبرأني هو قال لي: احمل سريرك وامش، فسألوه: من هو؟ فلم ~~يكن يعلم من هو، لأن يسوع كان قد استتر في الجمع الكبير الذي كان في ذلك ~~الموضع، ثم قال: وقال لهم يسوع: لقد عملت عملا واحدا فعجبتم بأجمعكم، ~~أعطاكم موسى الختان وليس هو من موسى ولكنه من الآباء، وقد تختنون الإنسان ~~يوم السبت لئلا تنقضوا سنة موسى، فلم تتذمرون ms1163 علي لإبرائي الإنسان يوم ~~السبت، لا تحكموا بالمحاباة ولكن احكموا حكما عدلا، ثم قال: فبينما هو ~~مار رأى رجلا ولد أعمى فقال تلاميذه: يا معلم! من أخطأ؟ هذا أم أبواه ~~حتىأنه ولد أعمى، فقال: لا هو ولا أبواه، ولكن لتظهر أعمال الله فيه، ~~ينبغي أن أعمل أعمال من أرسلني ما دام النهار، سيأتي الليل الذي لا ~~يستطيع أحد أن يعمل فيه عملا، ما دمت في العالم أن نور العالم - قال هذا ~~وتفل على التراب وصنع من تفله طينا وطلى به عيني ذلك الأعمى وقال له: ~~امض واغتسل في عين سيلوخا التي تأويلها المبعوثة، فمضى وغسلهما فعاد ~~ينظر، فأما جيرانه والذين كانوا يرونه يتسول فقالوا: ليس هو هذا الذي كان ~~يجلس ويتسول، وآخرون قالوا: إنه هو، وآخرون قالوا: إنه يشبهه، فأما هو ~~فكان يقول: إني أنا هو، فقالوا له: كيف انفتحت عيناك؟ فقص عليهم القصة، ~~فقالوا: أين هو ذاك؟ فقال: ما أدري، فأتوا به إلى الفريسيين، لأن يسوع ~~صنع الطين يوم السبت، فسأله الفريسيون فأخبرهم، فقال قوم منهم: ليس هذا ~~الرجل من الله إذ لا يحفظ السبت، وآخرون قالوا: كيف يقدر رجل خاطىء أن ~~يعمل هذه الآيات! فوقع بينهم لذلك شقاق، فقالوا للأعمى: ما تقول أنت من ~~أجله؟ قال لهم: إنه نبي، ولم يصدق اليهود أنه كان أعمى حتى دعوا أبويه ~~وسألوهما، فقالا: نحن نعلم أن هذا ولدنا وأنه ولد أعمى، ووقعت بين ~~الأعمى وبينهم محاورة، كان آخر ما قالوا له: أنت ولدت بالخطايا وأنت ~~تعلمنا! وأخرجوه. # وقال متى: واجتاز يسوع هناك فرأى إنسانا جالسا على التعشير اسمه متى ~~فقال له: اتبعني، فترك كل شيء وقام وتبعه. وقال لوقا: وبعد هذا خرج فنظر ~~إلى عشار اسمه لاوي جالسا على المكس، فقال له: اتبعني، فترك كل شيء وقام ~~وتبعه، وصنع له لاوي في بيته وليمة عظيمة، وكان جمع كثير من العشارين ~~وآخرين متكئين معه. وقال مرقس: ثم خرج إلى شاطىء البحر واجتمع إليه جمع ~~كبير وعلمهم، وعند مضيه رأى لاوي ابن حلفي ms1164 جالسا على العشارين فقال له: ~~اتبعني، فقام وتبعه، وبينما هو متكىء في بيته - وقال متى: وبينما هو ~~متكىء في بيت سمعان - جاء عشارون وخطأة كثيرون، فاتكؤوا مع يسوع ~~وتلاميذه، فلما نظر الفريسيون قالوا لتلاميذه: لماذا معلمكم يأكل مع ~~العشارين والخطأة؟ فلما سمع يسوع قال لهم: الأصحاء لا يحتاجون إلى طبيب، ~~لكن ذوو الأسقام، اذهبوا فاعلموا ما هو، إني أريد رحمة لا ذبيحة، لم آت ~~لأدعو الصديقين لكن الخطأة للتوبة. وقال لوقا: وطلب إليه واحد من ~~الفريسيين أن يأكل معه، فدخل بيت ذلك الفريسي وجلس، وكان في تلك المدينة ~~امرأة خاطئة، فلما علمت أنه متكىء في بيت ذلك الفريسي أخذت قارورة طيب ~~ووقفت من ورائه عند رجليه باكية، وبدأت تبل قدميه بدموعها وتمسحها بشعر ~~رأسها، وكانت تقبل قدميه وتدهنهما بالطيب، فلما رأى ذلك الفريسي الذي ~~دعاه فكر في نفسه قائلا: لو كان هذا نبيا علم ما هذه وأنها خطائة، ~~فأجاب يسوع وقال له: يا سمعان! غريمان عليها لإنسان دين، على أحدهما ~~خمسمائة دينار وعلى الآخر خمسون، وليس لهما ما يوفيان فوهب لهما، فأيهما ~~أكثر حبا له؟ فقال: أظن الذي وهب له الأكثر، فقال له: بالحق حكمت؛ ثم ~~التفت إلى المرأة وقال: يا سمعان! دخلت بيتك فلم تسكب على رجلي ماء وهذه ~~بلت رجلي بالدموع ومسحتهما بشعر رأسها، أنت لم تقبلني وهذه منذ دخلت لم ~~تكف عن تقبيل قدمي، أنت لم تدهن رأس بزيت وهذه دهنت بالطيب قدمي، لأجل ~~ذلك أقول لك: إن خطاياها مغفورة لها، لأنها أحبت كثيران ثم قال لها: ~~اذهبي بسلام! إيمانك خلصك؛ وكان بعد ذلك يسير إلى كل مدينة ويكرز ويبشر ~~بملكوت الله ومعه الاثنا عشر ونسوة كن أبرأهن من الأمراض والأرواح ~~الخبيثة: مريم التي تدعى المجدلانية التي أخرج منها سبعة شياطين، ويونا ~~امرأة خوزي خازن هيرودس، وأخر كثيرات. # وقال متى: حينئذ جاء إليه تلاميذ يوحنا قائلين: لماذا نحن والفريسيون ~~نصوم كثيرا وتلاميذك لا يصومون؟ فقال لهم يسوع: لا يستطيع بنو العرس أن ~~ينوحوا ما دام العريس معهم، ms1165 وستأتي أيام إذا ارتفع العريس عنهم حينئذ ~~صومون؛ ليس أحد يأخذ خرقة جديدة يجعلها في ثوب بال، لأنها تأخذ ملأها من ~~الثوب فيصير الخرق أكبر, وقال مرقس: إنه لا يرقع إنسان ثوبا باليا ~~بخرقة جديدة إلا مد الجديد البالي فيخرقه؛ وقال متى: ولا تجعل خمر ~~جديدة في زقاق عتق فتنشق الزقاق وتهلك وتهراق الخمر, لكن تجعل خمر جديدة ~~في زقاق جدد فيتحفظان جميعا؛ وقال لوقا: وما من أحد يشرب قديما فيحب ~~الجديد للوقت لأنه يقول: إن القديم أطيب، وقال متى: وفيما هو يكلمهم إذا ~~رئيس قد جاء إليه ساجدا قائلا: إن ابنتي ماتت الآن، تأتي فتضع يدك ~~عليها فتحيى! فقام يسوع وتبعه تلاميذه، فإذا امرأة بها نزيف دم منذ اثنتي ~~عشرة سنة؛ قال مرقس: أعيت من الأطباء، أنفقت كل مالها، لم تجد راحة بل ~~تزداد وجعا، فلما سمعت بيسوع - قال متى: جاءت من خلفه ومست طرفه ثوبه - ~~فالتفت يسوع فرآها فقال لها: ثقي يا ابنة! إيمانك خلصك، فبرئت المرأة من ~~تلك الساعة، وجاء يسوع إلى بيت الرئيس؛ وقال مرقس: ولم يدع أحدا يتبعه ~~إلا بطرس ويعقوب ويوحنا أخا يعقوب - انتهى. فنظر إلى الجمع مضطربين، فقال ~~لهم: اخرجوا، لم تمت الجارية لكنها نائمة، فضحكوا منه، فلما خرج الجمع ~~دخل وأمسك يدها فقامت الجارية؛ وقال مرقس: وأخرج جميعهم وأخذ معه أبا ~~الصبية وأمها والذين معه، ثم دخل إلى الموضع الذي فيه الصبية موضوعة، ~~وأخذ بيدها وقال لها: طليثا! قومي، الذي تأويله: يا صبية! لك أقول: قومي، ~~فللوقت قامت الصبية ومشت، وكان لها اثنتا عشرة سنة، فبهتوا وعجبوا عجبا ~~عظيما، فأمرهم كثيرا أن لا يعلموا أحدا بهذا، وقال: أطعموها تأكل؛ ~~وقال متى: وخرج خبرها في جميع تلك الأرض. ### || [5.47-48] # ولما كان التقدير: آتيناه ذلك لينتهي أهل التوراة عما نسخه منها، عطف ~~عليه قوله: { وليحكم } في قراءة حمزة بكسر اللام والنصب، والتقدير على ~~قول الجماعة بالإسكان والجمع والجزم: فلينته أهل التوراة عما نسخ منها ~~وليحكم { أهل الإنجيل } وهم أتباع عيسى عليه السلام { بما أنزل ms1166 الله } أي ~~الواحد الأحد الذي له جميع صفات الكمال { فيه } من الدلائل على نبوة محمد ~~صلى الله عليه وسلم ومن غير ذلك مما أودعناه إياه من الأحكام والمواعظ ~~الجسام. # ولما كان التقدير: فمن انتهى فأولئك هم المسلمون، ومن حكم بما أنزل الله ~~فيه فأولئك هم المفلحون،عطف عليه قوله: { ومن لم يحكم بما أنزل الله } أي ~~الملك الأعلى الذي لا أمر لأحد معه، فله كل شيء وليس لأحد معه شيء، وكل ~~شيء إليه مفتقر، ولا افتقار له إلى شيء فيه أو في غيره؛ وهو غير منسوخ، ~~تدينا بتركه أو لشهوة دعت { فأولئك } أي البعداء عن كل خير البغضاء { هم ~~الفاسقون * } أي المختصون بكمال الفسق، فإن كان تدينا كان كفرا، وإن ~~كان لاتباع الشهوات كان مجرد معصية، لأن الحظوظ والشهوات تحمل على الخروج ~~عن دائرة الشرع مرة بعد أخرى، فمن ترك الحكم تكذيبا فقد جمع الدركات ~~الثلاث: ستر الدلائل فتنقل من درجة النور إلى دركة الظلام، فانكب في ~~مهواة الخروج من المحاسن، فانحط إلى أقبح المساوي؛ والتعبير بالوصف ~~المؤذن بالعراقة في مأخذ الاشتقاق معلم بأن المراد بكل واحد منها الكفر، ~~فحق أن المراد منه الشرعي لا مطلق الستر غاية التحقيق، فبين بوصفه بالظلم ~~أنه ستر لما ينبغي إظهاره، وبالفسق أنه بلغ في كونه في غير موضعه النهاية ~~حتى خرق جميع دائرة المأذون فيه فخرج منها، وهذا إشارة إلى ذنوب أهل ~~الإنجيل لينتج نقض دعواهم البنوة والمحبة، لأن المعنى: ومن الواضح بكتابك ~~الذي جعل مهيمنا على جميع الكتب أنهم خالفوا أحكامه فهم فاسقون، أي ~~خارجون عما من شأنه الاستقرار فيه لنفعه، فواقعون في الظلمة الموجبة لوضع ~~الشيء في غير موضعه المقتضية للتغطية والستر، وقدم الوصف بالكفر لأن ~~السياق لمن حرف الكلم عن موضعه، وغير ما كتب من محكم أحكام التوراة من ~~الحدود، وذلك هو التغطية التي هي معنى الكفر, لأنه من الظلام، كما أن ~~الفسق سبب الظلم لأنه الخروج عما من شأنه النفع، فكان الآخر أولا في ~~المعنى والأول نهاية في الحقيقة، والآية ms1167 دالة على أن فيه أحكاما، وكذا ~~قوله تعالى في آل عمران: # ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم # [آل عمران: 5]، وهذا هو الحق، وأعظم ما غير تحريم السبت الذي كان أعظم ~~شعائرهم فأحله، وغير أيضا غير ذلك من أحكامهم؛ قال فيما رأيته من ~~ترجمة إنجيل متى: سمعتم ما قيل للأولين: لا تقتل، فإن من قتل وجبت عليه ~~لائمة الجماعة، ومن قال لأخيه: أحمق، فقد وجبت عليه نار جهنم، إن أنت ~~قدمت قربناك على المذبح وذكرت هناك أن أخاك واجد عليك فدع قربانك هناك ~~قدام المذبح، وامض أولا وصالح أخاك، وحينئذ فائت وقدم قربانك، كن ~~متفهما من خصمك سريعا ما دمت معه في الطريق، لئلا يسلمك الخصم إلى ~~الحاكم، والحاكم إلى المستخرج وتلقى في السجن؛ وفي إنجيل لوقا: إذا رأيتم ~~سحابة تطلع من المغرب قلتم: إن المطر يأتي؛ فيكون كذلك، وإذا هبت ريح ~~الجنوب قلتم: سيكون حر، يا مراؤون! تحسنون تمييز وجه السماء والأرض وهذا ~~الزمان كيف لا تميزونه، ولا تحكمون بالصدق من قبل نفوسكم! لأنك إذا ذهبت ~~مع خصمك إلى الرئيس فأعطه ما يجب عليك في الطريق تتخلص منه، لئلا يذهب بك ~~إلى الحاكم فيدفعك الحاكم إلى المستخرج ويلقيك المستخرج في السجن؛ وقال ~~متى: الحق الحق أقول لك! إنك لا تخرج من هناك حتى تؤدي آخر فلس عليك، ~~سمعتم ما قيل للأولين: لا تزن، وأنا أقول لكم: إن كل من نظر إلى امرأة ~~واشتهاها فقد زنى بها في قلبه، إن شككتك عينك اليمنى فاقلعها وألقها، ~~لأنه خير لك أن تهلك أحد أعضائك ولا تلقي جسدك كله في جهنم، قيل: إن من ~~طلق امرأته فيدفع لها كتاب الطلاق، وأنا أقول لكم: إن من طلق امرأته من ~~غير كلمة زنا فقد جعلها زانية، ومن تزوج مطلقة فقد زنى، وأيضا سمعتم ما ~~قيل للأولين: لا تحنث في مينك، وأوف للرب قسمك، وأنا اقول لكم: إن من طلق ~~امرأته من غير كلمة زنا فقد جعلها زانية، ومن تزوج مطلقة فقد زنى، وأيضا ~~سمعتم ما قيل ms1168 للأولين: لا تحنث في مينك، وأوف للرب قسمك، وأنا أقول لكم: ~~لا تحلفوا البتة لا بالسماء فإنها كرسي الله، ولا بالأرض لأنها موطىء ~~قدميه، ولا بيروشليم فإنها مدينة الملك العظيم، ولا برأسك لأنك لا تقدر ~~تصنع شعرة بيضاء أو سوداء، ولتكن كلمتكم: نعم ونعم ولا لا، وما زاد على ~~ذلك فهو من الشر، سمعتم ما قيل: العين بالعين والسن بالسن، وأنا أقول ~~لكم: لا تقاوموا الشر، ولكن من لطمك على خدك الأيمن فحول له الآخر، ومن ~~أراد خصومتك وأخذ ثوبك دفع له رداءك، ومن سخرك ميلا فامض مع اثنين، قال ~~لوقا: وكل من سألك فأعطه، ومن أراد أن يقترض منك فلا ترده، ولا تطلب من ~~الذي يأخذ مالك، وكما تحبون أن يصنع الناس بكم كذلك فاصنعوا أنتم بهم؛ ~~وقال متى: سمعتم ما قيل: أحبب قريبك وابغض عدوك، وأنا أقول لكم: حبوا ~~أعداءكم وباركوا لاعنيكم، وأحسنوا إلى من أبغضكم - وقال لوقا: يبغضكم - ~~وصلوا على من يطردكم ويحزنكم، لكيما تكونوا بني أبيكم الذي في السماوات، ~~لأنه المشرق شمسه على الأخيار والأشرار، والممطر على الصديقين والظالمين، ~~وإذا أحببتم من يحبكم فأي أجر لكم! أليس العشارون يفعلون مثل ذلك! وإن ~~سلمتم على إخوتكم فقط فأي فضل عملتم! أليس كذلك يفعل العشارون! وقال ~~لوقا: إن كنتم إنما تحبون من يحبكم فأي أجر لكم! إن الخطأة يحبون من ~~يحبهم، وإن صنعتم الخير مع من يحسن إليكم فأي فضل لكم! إن الخطأة هكذا ~~يصنعون، وإن كنتم إنما تقرضون من تظنون أنكم تأخذون العوض منه فأي فضل ~~لكم! إن الخطأة أيضا يقرضون الخطأة لكي يأخذوا منهم العوض، لكن حبوا ~~أعداءكم وأحسنوا إليهم، وكونوا رحماء مثل أبيكم فهو رؤوف، وقال متى: ~~كونوا أنتم كاملين مثل أبيكم السمائي فهو كامل. # ثم قال في الفصل الثالث والثلاثين: وفي ذلك الزمان مر يسوع في سبت ~~بالزروع وجاع تلاميذه، فبدؤوا يفركون سنبلا ويأكلون - وفي لوقا: كان ~~تلاميذه يقطعون السنبل ويفركون بأيديهم ويأكلون - فلما أبصرهم الفريسيون ~~قالوا له: ها هو ذا تلاميذك يعملون ما ms1169 لا يحل في السبت - وفي لوقا: لماذا ~~تفعلون ما لا يحل أن يفعل في السبوت - فقال لهم: أما قرأتم ما صنع داود ~~لما جاع هو والذين معه! كيف دخل إلى بيت الله وأكل خبز التقدمة الذي لا ~~يحل أكله إلا للكهنة! قال مرقس: وأعطى الذين كانوا مع، ثم قال لهم: السبت ~~من أجل الإنسان كان ولم يخلق الإنسان من أجل السبت؛ قال متى: أوما قرأتم ~~في الناموس أن الكهنة في السبت في الهيكل ينجسون السبت وليس عليهم جناح! ~~وأقول لكم: إن ها هنا أعظم من الهيكل لو كنتم تعلمون ما هو مكتوب، إني ~~أريد الرحمة لا الذبيحة، لم تحكمون على من لا ذنب له! وقال لوقا: ودخل ~~بيت أحد الرؤساء الفريسيين في يوم سبت ليأكل خبزا وهم كانوا يرصدونه ~~فإذا إنسان به استسقاء، فقال يسوع للكهنة والفريسيين: هل يحل أن يبرأ في ~~السبت؟ فسكتوا فأخذه وأبرأه ثم قال لهم: من منكم يقع ابنه في بئر يوم ~~السبت ولا يصعده في الوقت؟ فلم يقدروا أن يجيبوه عن هذا؛ ثم قال متى: ~~فجاء الفريسيون ليجربوه قائلين: هل يحل للإنسان أن يطلق امرأته لأجل كل ~~كلمة؟ أجاب: أما قرأتم أن الذي خلق في البدء خلقهما ذكرا وأنثى، من أجل ~~ذلك يترك الإنسان أباه وأمه ويلصق بامرأته، ويكونان كلاهما جسدا واحدا، ~~وليس هما اثنين لكن جسد واحد، وما زوجه الله لا يفرقه الإنسان - وقال ~~مرقس: لا يقدر إنسان يفرقه - قالوا له: لماذا أمر موسى أن يعطى كتاب ~~الطلاق وتخلى؟ قال لهم: موسى من أجل قسوة قلوبكم أذن لكم أن تطلقوا ~~نساءكم - وفي مرقس: إنهم سألوه فقال لهم: بماذا أوصاكم موسى؟ قالوا: أمر ~~أن يكتب كتاب الطلاق وتخلى، قال لهم يسوع: من أجل قسوة قلوبكم كتب لكم ~~موسى هذه الوصية، من البدء لم يكن هكذا، وأقول لكم: من طلق امرأته من غير ~~زنا فقد ألجأها إلى الزنا، ومن تزوج مطلقة فقد زنى، وفي إنجيل مرقس: وفي ~~البيت أيضا سأله التلاميذ عن هذا فقال لهم: من ms1170 طلق امرأته وتزوج أخرى ~~فقد زنى عليها، وإن هي خلت زوجها وتزوجت آخر فهي زانية؛ وفي لوقا: كل من ~~يطلق امرأته ويتزوج أخرى فهو يزني، وكل من تزوج مطلقة من زوجها فهو يزني؛ ~~قال متى: فقال له التلاميذ: إن كان هكذا علة الرجل مع المرأة فخير له أن ~~لا يتزوج، فقال لهم: ما كل أحد يستطيع هذا الكلام إلا الذين قد أعطوا، ~~الآن خصيان ولدوا من بطون أمهاتهم، وخصيان أخصاهم الناس، وخصيان أخصوا ~~نفوسهم من أجل ملكوت السماوات، ومن استطاع أن يحتمل فليحتمل. # ولما ذكر سبحانه الكتابين، ذكر ختامهما وتمامهما، وهو ما أنزل إلى هذا ~~النبي الأمي من الفرقان الشاهد على جميع الكتب التي قبله، فقال تعالى: { ~~وأنزلنا } أي بعظمتنا { إليك } أي خاصة { الكتاب } أي الكامل في جمعه لكل ~~ما يطلب منه وهو القرآن { بالحق } أي الكامل الذي لا يحتاج إلى شيء يتمه، ~~ثم مدحه بمدح الأنبياء الذين تقدموه فقالك { مصدقا لما بين يديه } أي ~~تقدمه. # ولما كانت الكتب السماوية من شدة تصادقها كالشيء الواحد، عبر بالمفرد ~~لإفادته ما يفيد الجمع وزيادة دلالة على ذلك فقال: { من الكتاب } أي الذي ~~جاء به الأنبياء من قبل { ومهيمنا } أي شاهدا حفيظا مصدقا وأمينا ~~رقيبا { عليه } أي على كل كتاب تقدمه - كما قاله البخاري في أول الفضائل ~~من الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما، وفي هذه الصفة بشارة لحفظه سبحانه ~~لكتابنا حتى لا يزال بصفة الشهادة، فإن الله تعالى استحفظهم كتبهم فعجزوا ~~عنها، فحرفها محرفوهم وأسقطوا منها وأسقط مسرفوهم، فتكفل هو سبحانه بحفظ ~~كتابنا فكان قيما عليها، فما كان فيها موافقا له فهو حق، وما كان فيها ~~مخالفا فهو إما منسوخ أو مبدل فلا يعبر، بل يحكم بما في كتابنا لأنه ~~ناسخ لجميع الكتب، والآتي به مرسل إلى جميع العالمين، فملته ناسخة لجميع ~~الملل، فأنتج هذا وجوب الحكم بما فيه على المؤالف والمخالف بشرطه؛ فلذا ~~قال مسببا عما قبله: { فاحكم بينهم } أي بين جميع أهل الكتب، فغيرهم من ~~باب الأولى { بما أنزل ms1171 الله } أي الملك الذي له الأمر كله إليك في هذا ~~الكتاب الناسخ لكتبهم المهيمن عليها في إثبات ما أسقطوه منها من أمرهم ~~باتباعك ونحو ذلك من أوصافك { ولا تتبع أهواءهم } فيما خالفه منحرفين { ~~عما جاءك } وبينه بقوله: { من الحق }. # ولما كان كل من كتابيهم من عند الله، كان كأنه قيل: كيف يكون الحكم ~~بكتابهم الذي يصدقه كتابنا انحرافا عن الحق؟ علل ذلك دالا على النسخ ~~بقوله: { لكل } أي لكل واحد { جعلنا } أي بعظمتنا التي نفعل بها ما نشاء ~~من نسخ وغيره، ثم خصص الإبهام بقوله: { منكم } أي يا أهل الكتب { شرعة } ~~أي دينا موصلا إلى الحياة الأبدية، كما أن الشرعة موصلة إلى الماء الذي ~~به الحياة الدنيوية { ومنهاجا } أي طريقا واضحا مستنيرا ناسخا لما ~~قبله، وقد جعلنا شرعتك ناسخة لجميع الشرائع، وهذا وأمثاله - مما يدل على ~~أن كل متشرع مختص بشرع وغير متعبد بشرع من قبله - محمول على الفروع، وما ~~دل على الاجتماع كأنه شرع لكم من الدين محمول على الأصول { ولو شاء الله ~~} أي الملك الأعظم المالك المطلق الذي له التصرف التام والأمر الشامل ~~العام أن يجمعكم على شيء واحد { لجعلكم أمة } أي جماعة متفقة يؤم بعضها ~~بعضا، وحقق المراد بقوله: { واحدة } أي على دين واحد، ولم يجعل شيئا من ~~الكتب ناسخا لشيء من الشرائع، لأن الكل بمشيئته، ولا مشيئة لأحد سواه ~~إلا بمشيئته { ولكن } لم يشأ ذلك، بل شاء أن تكونوا على شرائع مختلفة { ~~ليبلوكم } أي ليعاملكم معاملة المبتلى المختبر { فيما آتاكم } أي أعطاكم ~~وقسم بينكم من الشرائع المختلفة ليبرز إلى الوجود ما تعملون في ذلك من ~~اتباع وإذعان اعتقادا أن ذلك مقتضى الحكمة الإلهية؛ فترجعون عنه إذا ~~قامت البراهين بالمعجزات على صدق ناسخه، ونهضت الأدلة البينات على صحة ~~دعواه بعد طول الإلف له وإخلاد النفوس إليه واستحكامه بمرور الأعصار ~~وتقلب الأدوار؛ أو زيغ وميل اتهاما وتجويزا كما فعل أول المتكبرين ~~إبليس، فتؤثرون الركون إليه والعكوف عليه لمتابعة الهوى والوقوف عند مجرد ~~الشهوة. # ولما كان في الاختبار أعظم ms1172 تهديد، سبب عنه قوله: { فاستبقوا الخيرات } ~~أي افعلوا في المبادرة إليها بغاية الجهد فعل من يسابق شخصا يخشى العار ~~بسبقه له، ثم علل ذلك بقوله: { إلى الله } أي الشارع لذلك، لا إلى غيره، ~~لأنه الملك الأعلى { مرجعكم جميعا } وإن اختلفت شرائعكم، حسا في ~~القيامة، ومعنى في جميع أموركم في الدارين { فينبئكم } أي يخبركم إخبارا ~~عظيما { بما كنتم } أي بحسب اختلاف الجبلات؛ ولما كان في تقديم الظرف ~~إبهام، وكان الإفهام بعد الإبهام أوقع في النفس، قال { فيه تختلفون * } ~~أي تجددون الخلاف مستمرين عليه، ويعطي كلاما يستحقه، ويظهر سر الاختلاف ~~وفائدة الوفاق والائتلاف. ### || [5.49-51] # ولما كان الأمر بالحكم فيما مضى لكونه مسببا عما قبله من إنزال الكتاب ~~على الأحوال المذكورة، أعاد الأمر به سبحانه مصرحا بذلك لذاته لا لشيء ~~آخر، ليكون الأمر به مؤكدا غاية التأكيد بالأمر به مرتين: مرة لأن الله ~~أمر به، وأخرى لأنه على وفق الحكمة، فقال تأكيدا له وتنويها بعظيم شأنه ~~ومحذرا من الأعداء فيما يلقونه من الشبه للصد عنه: { وأن } أي احكم ~~بينهم بذلك لما قلنا من السبب وما ذكرنا من العلة في جعلنا لكل دينا، ~~ولأنا قلنا آمرين لك أن { احكم بينهم } أي أهل الكتب وغيرهم { بما أنزل ~~الله } أي المختص بصفات الكمال لأنه يستحق أن يتبع أمره لذاته, وبين أن ~~مخالفتهم له وإعراضهم عنه إنما هو مجرد هوى، لأن كتابهم داع إليه، فقال: ~~{ ولا تتبع أهواءهم } أي في عدم التقييد به { واحذرهم أن يفتنوك } أي ~~يخالطوك بكذبهم على الله وافترائهم وتحريفهم الكلم ومراءاتهم مخالطة ~~تميلك { عن بعض ما أنزل الله } أي الذي لا أعظم منه، فلا وجه أصلا ~~للعدول عن أمره { إليك فإن تولوا } أي كلفو أنفسهم الإعراض عما حكمت به ~~بينهم مضادين لما دعت إليه الطفرة الأولة من اتباع الحق ودعت إليه كتبهم ~~من اتباعك { فاعلم إنما يريد الله } أي الذي له جميع العظمة العظمة { أن ~~يصيبهم } لأنه لو أراد بهم الخير لهداهم إلى القبول الذي يطابق عليه شاهد ~~العقل بما تدعو إليه الفطرة ms1173 الأولى والنقل بما في كتبهم، إما من الأمر ~~بذلك الحكم بعينه، وإما من الأمر باتباعك { ببعض ذنوبهم } أي التي هذا ~~منها، وأبهمه زيادة في استدراجهم وإضلالهم وتحذيرا لهم من جميع مساوي ~~أعمالهم، لئلا يعلموا عين الذنب الذي اصيبوا به، فيحملهم ذلك على الرجوع ~~عنه، ويصير ذلك كالإلجاء، أو يكون إبهامه للتعظيم كما أن التنكير يفيد ~~التعظيم، فيؤذن السياق بتعظيم هذا التولي وبكثرة ذنوبهم واجترائهم على ~~مواقعتها. # ولما كان التقدير: فإنهم بالتولي فاسقون، عطف عليه: { وإن كثيرا من ~~الناس } أي هم وغيرهم { لفاسقون * } أي خارجون عن دائرة الطاعات ومعادن ~~السعادات، متكلفون لأنفسهم إظهار ما في بواطنهم من خفي الحيلة بقوة؛ ولما ~~كان من المعلوم أن من أعرض عن حكم الله أقبل ولا بد على حكم الشيطان الذي ~~هو عين الهوى الذي هو دين أهل الجهل الذين لا كتاب لهم هاد ولا شرع ضابط، ~~سبب عن إعراضهم الإنكار عليهم بقوله: { أفحكم الجاهلية } أي خاصة مع أن ~~أحكامها لا يرضى بها عاقل، لكونها لم يدع إليها كتاب، بل إنما هي مجرد ~~أهواء وهم أهل كتاب { يبغون } أي يريدون بإعراضهم عن حكمك مع ما دعا إليه ~~كتابهم من اتباعك، وشهد به كتابك بالعجز عن معارضته من وجوب رسالتك إلى ~~جميع الخلائق، وقراءة ابن عامر بالالتفات إلى الخطاب أدل على الغضب. # ولما كان حسن الحكم تابعا لإتقانه، وكان إتقانه دائرا على صفات الكمال ~~من تمام العلم وشمول القدرة وغير ذلك، قال - معلما أن حكمه أحسن الحكم ~~عاطفا على ما تقديره: فمن أضل منهم: { ومن } ويجوز أن تكون الجملة حالا ~~من واو يبغون، أي يريدون ذلك والحال أنه يقال: من { أحسن من الله } أي ~~المستجمع لصفات الكمال { حكما } ثم زاد في تقريعهم بكثافة الطباع وجمود ~~الأذهان ووقوف الأفهام بقوله معبرا بلام البيان إشارة إلى المعنى بهذا ~~الخطاب: { لقوم } أي فيهم نهضة وقوة محاولة لما يريدونه { يوقنون * } أي ~~يوجد منهم اليقين يوما ما وأما غيرهم فليس بأهل الخطاب فكيف بالعتاب! ~~إنما عتابه شديد العقاب، وفي ذلك أيضا ms1174 غاية التبكيت لهم والتقبيح عليهم ~~من حيث إنهم لم يزالوا يصفون أهل الجاهلية بالضلال، وأن دينهم لم ينزل ~~الله به من سلطان، وقد عدلوا في هذه الأحكام إليه تاركين جميع ما أنزل ~~الله من كتابهم والكتاب الناسخ له، فقد ارتكبوا الضلال بلا شبهة على علم، ~~وتركوا الحق المجمع عليه. # ولما بين عنادهم وأن عداوتهم لأهل هذا الدين التي حملتهم على هذا الأمر ~~العظيم ليس بعدها عداوة، نهى من اتسم بالإيمان عن موالاتهم، لأنه لا ~~يفعلها بعد هذا البيان مؤمن ولا عاقل، فقال: { يا أيها الذين آمنوا } أي ~~أقروا بالإيمان؛ ولما كان الإنسان لا يوالي غير قومه إلا باجتهاد في ~~مقدمات يعملها وأشياء يتحبب بها إلى أولئك الذين يريد أن يواليهم، أشار ~~إلى ذلك بصيغة الافتعال فقال: { لا تتخذوا } أي إن ذلك لو كان يتأتى ~~بسهولة لما كان ينبغي لكم أن تفعلوه، فكيف وهو لا يكون إلا ببذل الجهد! { ~~اليهود والنصارى أولياء } أي أقرباء تفعلون معهم ما يفعل القريب مع ~~قريبه، وترجون منهم مثل ذلك، وهم أكثر الناس استخفافا بكم وازدراء لكم؛ ~~ثم علل ذلك بقوله: { بعضهم أولياء بعض } أي كل فريق منهم يوالي بعضهم ~~بعضا، وهم جميعا متفقون - بجامع الكفر وإن اختلفوا في الدين - على ~~عداوتكم يا أهل هذا الدين الحنيفي! { ومن يتولهم منكم } أي يعالج فطرته ~~الأولى حتى يعاملهم معاملة الأقرباء { فإنه منهم } لأن الله غني عن ~~العالمين، فمن والى أعداءه تبرأ منه ووكله إليهم؛ ثم علل ذلك تزهيدا ~~فيهم وترهيبا لمتوليهم بقوله: { إن الله } أي الذي له الغنى المطلق ~~والحكمة البالغة، وكان الأصل: لا يهديهم، أو لا يهديه، ولكنه أظهر ~~تعميما وتعليقا للحكم بالوصف فقال: الأصل: لا يهديهم، أو لا يهديه، ~~ولكنه أظهر تعميما وتعليقا للحكم بالوصف فقال: { لا يهدي القوم ~~الظالمين * } أي الذين يضعون الأشياء في غير مواضعها، فهم يمشون في ~~الظلام، فلذلك اختاروا غير دين الله ووالوا من لا تصلح موالاته، ومن لم ~~يرد الله هدايته لم يقدر أحد أن يهديه، ونفي الهداية عنهم دليل على ms1175 أن ~~العبرة في الإيمان القلب، إذ معناه أن هذا الذي يظهر من الإقرار ممن ~~يواليهم ليس بشيء، لأن الموالي لهم ظالم بموالاته لهم، والظالم لا يهديه ~~الله، فالموالي لهم لا يهديه الله فهو كافر، وهكذا كل من كان يقول أو ~~يفعل ما يدل دلالة ظاهرة على كفره وإن كان يصرح بالإيمان - والله الهادي، ~~وهذا تغليظ من الله وتشديد في وجوب مجانبه المخالف في الدين واعتزاله - ~~كما قال صلى الله عليه وسلم: # " لا تراءى ناراهما " # ومنه قول عمر لأبي موسى رضي الله عنهما حين اتخذ كاتبا نصرانيا: لا ~~تكرموهم إذ أهانهم الله، ولا تأمنوهم إذ خونهم الله، ولا تدنوهم إذ ~~أقصاهم الله، وروي أن أبا موسى رضي الله عنه قال: لا قوام للبصرة إلا به، ~~فقال عمر رضي الله عنه: مات النصراني - والسلام، يعني هب أنه مات فما كنت ~~صانعا حينئذ فاصنعه الساعة. ### || [5.52-53] # ولما علل بذلك، كان سببا لتمييز الخالص الصحيح من المغشوش المريض، ~~فقال: { فترى } أي فتسبب عن أن الله لا يهدي متوليهم أنك ترى { الذين في ~~قلوبهم مرض } أي فساد في الدين كابن أبي وأصحابه - أخزاهم الله تعالى { ~~يسارعون } أي بسبب الاعتماد عليهم دون الله { فيهم } أي في موالاة أهل ~~الكتاب حتى يكونوا من شدة ملابستهم كأنهم مظروفون لهم كأن هذا الكلام ~~الناهي لهم كان إغراء، ويعتلون بما بما لا يعتل به إلا مريض الدين من ~~النظر إلى مجرد السبب في النصرة عند خشية الدائرة { يقولون } أي قائلين ~~اعتمادا عليهم وهم أعداء الله اعتذارا عن موالاتهم { نخشى } أي نخاف ~~خوفا بالغا { أن تصيبنا دائرة } أي مصيبة محيطة بنا، والدوائر: التي ~~تخشى، والدوائل: التي ترجى. # ولما نصب سبحانه هذا الدليل الذي يعرف الخالص من المغشوش، كان فعلهم هذا ~~للخالص سببا في ترجي أمر من عند الله ينصر به دينه، إما الفتح أو غيره ~~مما أحاط به علمه وكونته قدرته يكون سببا لندمهم، فلذا قال: { فعسى ~~الله } أي الذي لا أعظم منه فلا يطلب النصر إلا منه { أن يأتي بالفتح ms1176 } ~~أي بإظهار الدين على الأعداء { أو أمر من عنده } بأخذهم قتلا بأيديكم أو ~~بإخراج اليهود من أرض العرب أو بغير ذلك فينكشف لهم الغطاء. # ولما كانت المصيبة عند الإصباح أعظم، عبر به وإن كان المراد التعميم ~~فقال: { فيصبحوا } أي فيسبب عن كشف غطائهم أن يصبحوا, والأحسن في نصبه ما ~~ذكره أبو طالب العبدي في شرح الإيضاح للفارسي من أنه جواب " عسى " ~~إلحاقا لها بالتمني لكونها للطمع وهو قريب منه، ويحسنه أن الفتح ~~وندامتهم المترتبة عليه عندهم من قبيل المحال، فيكون النصب إشارة إلى ما ~~يخفون من ذلك، وهو مثل ما يأتي إن شاء الله تعالى في توجيه قراءة حفص عن ~~عاصم في غافر # فاطلع # [غافر: 37] بالنصب { على ما أسروا }. # ولما كان الإسرار لا يكون إلا لما يخشى من إظهاره فساد، وكان يطلق على ~~ما دار بين جماعة خاصة على وجه الكتمان عن غيرهم، بين أنه أدق من ذلك ~~وأنه على الحقيقة منعهم خوفهم من غائلته وغرته عندهم أن يبرزوه إلى ~~الخارج فقال: { في أنفسهم } أي من تجويز محو هذا الدين وإظهار غيره عليه ~~{ نادمين * } أي ثابت لهم غاية الندم في الصباح وغيره { ويقول الذين ~~آمنوا } من رفعه عطفه على معنى { نادمين } فإن أصله: يندمون، ولكنه عبر ~~بالاسم إعلاما بدوام ندمهم بشارة بدوام الظهور لهذا الدين على كل دين، ~~أو على { يقولون نخشى } ، ومن أسقط الواو جعله حالا، ومن نصبه جاز أن ~~يعطفه على " يصبحوا " أي يكون ذلك سببا لتحقق المؤمنين أمر المنافقين ~~بالمسارعة في أهل الكتاب عند قيامهم سرورا بهم والندم عند خذلانهم ~~ومحقهم، فيقول بعض المؤمنين لبعض تعجبا من حالهم واغتباطا بما من الله ~~عليهم به من التوفيق في الإخلاص مشيرين إلى المنافقين تنبيها وإنكارا: ~~{ أهؤلاء } أي الحقيرون { الذين أقسموا بالله } أي وهو الملك الأعظم { ~~جهد أيمانهم } أي مبالغين في ذلك اجتراء على عظمته { إنهم لمعكم } أيها ~~المؤمنون! ويجوز أن يكون هذا القول من المؤمنين لليهود في حق المنافقين ~~حيث قاسموهم على النصرة؛ ثم ابتدأ جوابا من بقية كلام ms1177 المؤمنين أو من ~~كلام الله لمن كأنه قال: فماذا يكون حالهم؟ فقال: { حبطت } أي فسدت فسقطت ~~{ أعمالهم فأصبحوا } أي فتسبب عن ذلك أنهم صاروا { خاسرين } أي دائمي ~~الخسارة بتعبهم في الدنيا بالأعمال وخيبة الآمال، وجنايتهم في الآخرة ~~الوبال، وعبر بالإصباح لأنه لا أقبح من مصابحة السوء لما في ذلك من ~~البغتة بخلاف ما ينتظر ويؤمل. ### || [5.54-58] # ولما نهى عن موالاتهم وأخبر أن فاعلها منهم. نفى المجاز مصرحا بالمقصود ~~فقال مظهرا لنتيجة ما سبق: { يا أيها الذين آمنوا } أي أقروا بالإيمان! ~~من يوالهم منكم - هكذا كان الأصل، ولكنه صرح بأن ذلك ترك الدين فقال: { ~~من يرتد } ولو على وجه خفي - بما أشار إليه الإدغام في قراءة من سوى ~~المدنيين وابن عامر { منكم عن دينه } أي الذي معناه موالاة أولياء الله ~~ومعاداة أعداء الله، فيوالون أعداءه ويتركون أولياءه، فيبغضهم الله ~~ويبغضونه، ويكونون أعزة على المؤمنين أذلة على الكافرين، فالله غني عنهم ~~{ فسوف يأتي الله } اي الذي له الغنى المطلق والعظمة البالغة مكانهم وإن ~~طال المدى بوعد صادق لا خلف فيه { بقوم } أي يكون حالهم ضد حالهم، يثبتون ~~على دينهم، وهم أبو بكر والتابعون له بإحسان - رضي الله عنهم. # ولما كانت محبته أصل كل سعادة قدمها فقال: { يحبهم } فيثبتهم عليه ~~ويثيبهم بكرمه أحسن الثواب { ويحبونه } فيثبتون عليه، ثم وصفهم بما يبين ~~ذلك فقال: { أذلة } وهو جمع ذليل؛ ولما كان ذلهم هذا إنما هو الرفق ولين ~~الجانب لا الهوان، كان في الحقيقة عزا، فأشار إليه بحرف الاستعلاء ~~مضمنا له معنى الشفقة، فقال مبينا أن تواضعهم عن علو منصب وشرف: { على ~~المؤمنين } أي لعلمهم أن الله يحبهم { أعزة على الكافرين } أي يظهرون ~~الغلظة والشدة عليهم لعلهم أن الله خاذلهم ومهلكهم وإن اشتد أمرهم وظهر ~~علوهم وقهرهم، فالآية من الاحتباك: حذف أولا البغض وما يثمره لدلالة ~~الحب عليه، وحذف ثانيا الثبات لدلالة الردة عليه؛ ثم علل ذلك بقوله: { ~~يجاهدون } أي يوقعون الجهاد على الاستمرار لمن يستحقه من غير ملال ولا ~~تكلف كالمنافقين، وحذف المفعول تعميما ودل ms1178 عليه مؤذنا بأن الطاعة محيطة ~~بهم فقال: { في سبيل الله } أي طريق الملك الأعظم الواسع المستقيم ~~الواضح، لا لشيء غير ذلك كالمنافقين. # ولما كان المنافقون يخرجون في الجهاد، فصلهم منهم بقوله: { ولا } أي ~~والحال أنهم لا { يخافون لومة } أي واحدة من لوم { لائم } وإن كانت عظيمة ~~وكان هو عظيما، فبسبب ذلك هم صلاب في دينهم, إذا شرعوا في أمر من أمور ~~الدين - أمر بالمعروف أو نهي عن منكر - كانوا كالمسامير المحماة، لا ~~يروعهم قول قائل ولا اعتراض معترض، ويفعلون في الجهاد في ذلك جميع ما ~~تصل قدرتهم وتبلغ قوتهم إليه من إنكال الأعداء وإهانتهم ومناصرة الأولياء ~~ومعاضدتهم، وليسوا كالمنافقين يخافون لومة أوليائهم من اليهود فلا يفعلون ~~وإن كانوا مع المؤمنين شيئا ينكيهم. # ولما كانت هذه الأوصاف من العلو في رتب المدح بمكان لا يلحق، قال مشيرا ~~إليها بأداة البعد واسم المذكر: { ذلك } أي الذي تقدم من أوصافهم ~~العالية { فضل الله } أي الحاوي لكل كمال { يؤتيه } أي الله لأنه خالق ~~لجميع أفعال العباد { من يشاء } أي فليبذل الإنسان كل الجهد في طاعته ~~لينظر إليه هذا النظر برحمته { والله } أي الذي له الإحاطة الكاملة { ~~واسع } أي محيط بجميع أوصاف الكمال، فهو يعطي من سعة ليس لها حد ولا ~~يلحقها أصلا نقص { عليم * } أي بالغ العلم بمن يستحق الخير ومن يستوجب ~~غيره، وبكل ما يمكن علمه. # ولما نفى سبحانه ولايتهم بمعنى المحبة وبمعنى النصرة وبمعنى القرب بكل ~~اعتبار، أنتج ذلك حصر ولاية كل من يدعي الإيمان فيه وفي أوليائه فقال: { ~~إنما وليكم الله } أي لأنه القادر على ما يلزم الولي، ولا يقدر غيره على ~~شيء من ذلك إلا به سبحانه؛ ولما ذكر الحقيق بإخلاص الولاية له معلما ~~بأفراد المبتدأ أنه الأصل في ذلك وما عداه تبع، أتبعه من تعرف ولايته ~~سبحانه بولايتهم بادئا بأحقهم فقال: { ورسوله } وأضافة إليه إظهارا ~~لرفعته { والذين آمنوا } أي أوجدوا الإيمان وأقروا به, ثم وصفهم بما يصدق ~~دعواهم الإيمان فقال: { والذين يقيمون الصلاة } أي تمكينا لوصلتهم ~~بالخالق { ويؤتون الزكاة ms1179 } إحسانا إلى الخلائق، وقوله: { وهم راكعون * } ~~يمكن أن يكون معطوفا على { يقيمون } أي ويكونون من أهل الركوع، فيكون ~~فضلا مخصصا بالمؤمنين المسلمين، وذلك لأن اليهود والنصارى لا ركوع في ~~صلاتهم - كما مضى بيانه في آل عمران، ويمكن أن يكون حالا من فاعل ~~الإيتاء؛ وفي أسباب النزول أنها نزلت في علي رضي الله عنه، سأله سائل ~~وهو راكع فطرح له خاتمه. وجمع وإن كان السبب واحدا ترغيبا في مثل فعله ~~من فعل الخير والتعجيل به لئلا يظن أن ذلك خاص به. # ولما كان التقدير: فمن يتول غيرهم فأولئك حزب الشيطان، وحزب الشيطان هم ~~الخاسرون، عطف عليه: { ومن يتول الله } أي يجتهد في ولاية الذي له مجامع ~~العز { ورسوله } الذي خلقه القرآن { والذين آمنوا } وأعاد ذكر من خص ~~الولاية بهم تبركا بأسمائهم وتصريحا بالمقصود، فإنهم الغالبون - هكذا ~~كان الأصل، ولكنه أظهر ما شرفهم به ترغيبا لهم في ولايته فقال: { فإن ~~حزب الله } أي القوم الذين يجمعهم على ما يرضي الملك الأعلى ما حزبهم أي ~~اشتد عليهم فيه { هم الغالبون * } أي لا غيرهم، بل غيرهم مغلوبون، ثم إلى ~~النار محشورون، لأنهم حزب الشيطان. # ولما نبه سبحانه على العلل المانعة من ولاية الكفار وحصر الولاية فيه ~~سبحانه، أنتج ذلك قطعا قوله منبها على علل أخرى موجها للبراءة منهم: { ~~يا أيها الذين آمنوا } أي أقروا بالإيمان، ونبه بصيغة الافتعال على أن من ~~يوالهم يجاهد عقله على ذلك اتباعا لهواه فقال: { لا تتخذوا الذين اتخذوا ~~} أي بغاية الجد والاجتهاد منهم { دينكم } أي الذي شرفكم الله به { هزوا ~~ولعبا } ثم بين المنهي عن موالاتهم بقوله: { من الذين }. # ولما كان المقصود بهم منح العلم، وهو كاف من غير حاجة إلى تعيين المؤتي، ~~بني للمجهول قوله: { أوتوا الكتاب } ولما كان تطاول الزمان له تأثير فيما ~~عليه الإنسان من طاعة أو عصيان، وكان الإيتاء المذكور لم يستغرق زمان ~~القبل قال: { من قبلكم } يعني أنهم فعلوا الهزو عنادا بعد تحققهم صحة ~~الدين. # ولما خص عم فقال: { والكفار } أي من عبدة الأوثان ms1180 الذين لا علم لهم ~~نقل عن الأنبياء، وإنما ستروا ما وضح لعقولهم من الأدلة فكانوا ضالين، ~~وكذا غيرهم، سواء علم أنهم يستهزؤون أولا، كما أرشد إليه غير قراءة ~~البصريين والكسائي بالنصب { أولياء } أي فإن الفريقين اجتمعوا على حسدكم ~~وازدرائكم، فلا تصح لكم موالاتهم أصلا. # ولما كان المستحق لموالاة شخص - إذا تركه ووالى غيره - يسعى في إهانته، ~~حذرهم وقوعهم بموالاتهم على ضد مقصودهم فقال: { واتقوا الله } من له ~~الإحاطة الكاملة، فإن من والى غيره عاداه، ومن عاداه هلك هلاكا لا يضار ~~معه { إن كنتم مؤمنين * } أي راسخين في الإيمان بحيث صار لكم جبلة ~~وطبعا، فإن لم تخافوه بأن تتركوا ما نهاكم عنه فلا إيمان. # ولما عم في بيان استهزائهم جميع الدين، خص روحه وخالصته وسره فقال: { ~~وإذا ناديتم } أي دعا بعضكم الباقين إلى الإقبال إلى الندى وهو المجتمع، ~~فأجابه الباقون بغاية الرغبة، ومنه دار الندوة، أو يكون المعنى أن المؤذن ~~كلم المسلمين برفع صوته كلام من هو معهم في الندى بالقول فأجابوه بالفعل، ~~فكان ذلك مناداة - هذا أصله، فعبر بالغاية التي يكون الاجتماع بها فقال ~~مضمنا له الانتهاء: { الى الصلاة } أي التي هي أعظم دعائم الدين، وموصل ~~إلى الملك العظيم، وعاصم بحبلة المتين { اتخذوها } على ما لها من العظمة ~~والجد والبعد من الهزء بغاية هممهم وعزائمهم { هزوا ولعبا } فيتعمدون ~~الضحك والسخرية ويقولون: صاحوا كصياح العير - ونحو هذا، وبين سبحانه أن ~~سبب ذلك عدم انتفاعهم بعقولهم فكأنهم لا عقول لهم، وذلك لأن تأملها - في ~~التطهر لها وحسن حال فاعلها عند التلبس بها من التخلي عن الدنيا جملة ~~والإقبال على الحضرة الإلهية، والتحلي بالقراءة لأعظم الكلام، والتخشع ~~والتخضع لملك الملوك الذي لم تخف عظمته على أحد، ولا نازع قط في كبريائه ~~وقدرته منازع - بمجرده كاف في اعتقاد حسنها وجلالها وهيبتها وكمالها ~~فقال: { ذلك } أي الأمر العظيم الشناعة { بأنهم قوم } وإن كانوا أقوياء ~~لهم قدرة على القيام في الأمور { لا يعقلون * } أي ليست لهم هذه الحقيقة، ~~ولو كان لهم شيء من عقل لعلموا أن ms1181 النداء بالفم أحسن من التبويق وضرب ~~الناقوس بشيء لا يقاس، وأن التذلل بين يدي الله بالصلاة أمر لا شيء أحسن ~~منه بوجه، وللأذان من الأسرار ما تعجز عنه الأفكار، منه أنه جعل تسع عشرة ~~كلمة، ليكف الله به عن قائله خزنة النار التسعة عشر، وجعلت الإقامة إحدى ~~عشرة كلمة رجاء أن يكون معتقدها رفيقا لأحد عشر: العشرة المشهود لهم ~~بالجنة، وقطبهم وقطب الوجود كله النبي صلى الله عليه وسلم، وناهيك أن من ~~أسراره أنه جمع الدين كله أصولا وفروعا - كما بنت ذلك في كتابي " ~~الإيذان بفتح أسرار التشهد والأذان ". ### || [5.59-60] # ولما كانت النفوس نزاعة إلى الهوى، عمية عن المصالح، جامحة عن الدواء ~~بما وقفت عنده من النظر إلى زينة الحياة الدنيا، وكان الدليل على سلب ~~العقل عن أهل الكتاب دليلا على العرب بطريق الأولى، وكان أهل الكتاب ~~لكونهم أهل علم لا ينهض بمحاجتهم إلا الأفراد من خلص العباد، قال تعالى ~~دالا على ما ختم به الآية من عدم عقلهم آمرا لأعظم خلقه بتبكيتهم ~~وتوبيخهم وتقريعهم: { قل } وأنزلهم بمحل البعد فقال مبكتا لهم بكون ~~العلم لم يمنعهم عن الباطل: { يا أهل الكتاب } أي من اليهود والنصارى { ~~هل تنقمون } أي تنكرون وتكرهون وتعيبون { منا إلا أن آمنا } أي أوجدنا ~~الإيمان { بالله } أي لما له من صفات الكمال التي ملأت الأقطار وجاوزت حد ~~الإكثار { وما أنزل إلينا } أي لما له من الإعجاز في حالات الإطناب ~~والتوسط والإيجاز { وما أنزل }. # ولما كان إنزال الكتب والصحف لم يستغرق زمان المضي، أثبت الجار فقال: { ~~من قبل } أي لما شهد له كتابنا، وهذه الأشياء التي آمنا بها لا يحيد فيها ~~عاقل، لما لها من الأدلة التي وضوحها يفوق الشمس، فحسنها لا شك فيه ولا ~~لبس { وأن } أي آمنا كلنا مع أن أو والحال أن { أكثركم } قيد به إخراجا ~~لمن يؤمن منهم بما دل عليه التعبير بالوصف { فاسقون * } أي عريقون في ~~الفسق، وهو الخروج عن دار السعادة بحيث لا يمكن منهم رجوع إلى المرضى من ~~العبادة، فبين أنهم ms1182 لا ينقمون من المؤمنين إلا المخالفة، والمخالفة إنما ~~هي بإيمان المسلمين بالله وما أمر به، وكفر أهل الكتاب بجميع ذلك مع ~~علمهم بما تقدم لهم أن من آمن بالله كان الله معه، فنصره على كل من ~~يناويه، وجعل مآله إلى الفوز الدائم، وأن من كفر تبرأ منه فأهلكه في ~~الدنيا، وجعل مآله إلى عذاب لا ينقضي سعيره، ولا ينصرم أنينه وزفيره، ومن ~~ركب ما يؤديه إلى ذلك على علم منه واختيار لم يكن أصلا أحد أضل منه ولا ~~أعدم عقلا، وتخصيص النقم بما صدر من المؤمنين يمنع عطف { وأن } على { أن ~~آمنا }. # ولما أنزلهم سبحانه إلى عداد البهائم بكونهم ينسبونهم إلى الشر بجعلهم ~~إياهم موضع الهزء واللعب وبكونهم ينظرون إلى أي من خالفهم، فيبعدون منه ~~وينفرون عنه من غير أن يستعملوا ما امتازوا به عن البهائم في أن المخالف ~~ربما كان فيه الدواء، والمكروه قد يؤول إلى الشفاء، والمحبوب يجر إلى ~~العطب والتوي، بين لهم أن تلك رتبة سنية ومنزلة علية بالنسبة إلى ما هم ~~فيه، فقال على سبيل التنزل وإرخاء العنان: { قل } أي يا من لا ينهض ~~بمحاجتهم لعلمهم ولددهم غيره لما جبلت عليه من قوة الفهم ثم لما أنزل ~~عليك من العلم { هل أنبئكم } أي أخبركم إخبارا متقنا معظما جليلا { ~~بشر من ذلك } أي الأمر الذي نقمتموه علينا مع كونه قيما وإن تعاميتم ~~عنه، ووحد حرف الخطاب إشارة إلى عمى قلوبهم وأن هذه المقايسة لا يفهمها ~~حق الفهم إلا المؤيد بروح من الله { مثوبة } أي جزاء صالحا ويرجع إليه، ~~فإن المثوبة للخير كما أن العقوبة للشر، وهي مصدر ميمي كالميسور ~~والمعقول، ثم نوه بشرفه بقوله: { عند الله } أي المحيط بصفات الجلال ~~والإكرام، ثم رده أسفل سافلين بيانا لأنه استعارة تهكمية على طريق: تحية ~~بينهم ضرب وجيع. # بقوله - جوابا لمن كأنه قال: نعم: { من } أي مثوبة من { لعنة الله } أي ~~أبعده الملك الأعظم وطرده { وغضب عليه } أي أهلكه، ودل على اللعن والغضب ~~بأمر محسوس فقال: { وجعل } ودل على كثرة ms1183 الملعونين بجمع الضمير فقال: { ~~منهم } أي بالمسخ على معاصيهم { القردة } تارة { والخنازير } أخرى، ~~والتعريف للجنس، وقال ابن قتيبة: إن التعريف يفيد ظن أنهم لم ينقرضوا بل ~~توالدوا حتى كان منهم أعيان ما تعرفه من النوعين، فما أبعد من كان منهم ~~هذا من أن يكونوا أبناء الله وأحباءه! ثم عطف - على قراءة الجماعة - على ~~قوله { لعنه الله } سبب ذلك بعد أن قدم المسبب اهتماما به لصراحته في ~~المقصود، مع أن اللعن والغضب سبب حقيقي، والعبادة سبب ظاهري، فقال: { ~~وعبد الطاغوت } وقرأه حمزة بضم الباء على أنه جمع والإضافة عطف على ~~القردة، فهو - كما قال في القاموس - اللات والعزى والكاهن والشيطان وكل ~~رأس ضلال والأصنام وكل ما عبد من دون الله ومردة أهل الكتاب، للواحد ~~والجمع، فلعوت من طغوت، وكل هذه المعاني تصلح ها هنا، أما اللات والعزى ~~وغيرهما مما لم يعبدوه صريحا فلتحسينهم دين أهله حسدا للإسلام, وقد ~~عبدوا الأوثان في كل زمان حتى في زمان موسى عليه السلام كما في نص ~~التوراة: ثم بالغوا في النجوم لاستعمال السحر فشاركوا الصابئين في ذلك. ~~فمعنى الآية: تنزلنا إلى أن نسبتكم لنا إلى الشر صحيحة، ولكن لم يأت كتاب ~~بلعننا ولا بالغضب علينا ولا مسخنا قردة ولا خنازير، ولا عبدنا غير الله ~~منذ أقبلنا عليه، وأنتم قد وقع بكم جميع ذلك، لا تقدرون أن تتبرؤوا من ~~شيء منه، فلا يشك عاقل أنكم شر منا وأضل، والعاقل من إذا دار أمره بين ~~شرين لم يختر إلا أقلهما شرا، فثبت كالشمس صحة دعوى أنهم قوم لا يعقلون، ~~ولذلك ختم الآية بقوله { أولئك } أي البعداء البغضاء الموصوفون باللعن ~~وما معه { شر مكانا } وإذا كان ذلك لمكانهم فما ظنك بأنفسهم، فهو كناية ~~عن نسبتهم إلى العراقة في الشر { وأضل } أي ممن نسبوهم إلى الشر والضلال، ~~وسلم لهم ذلك فيهم إرخاء للعنان قصدا للإبلاغ في البيان { عن سواء } أي ~~قصد وعدل { السبيل * } أي الطريق، ويجوز أن تكون الإشارة في ذلك إلى ما ~~دل عليه الدليل الأول من عدم ms1184 عقلهم ولا تنزل حينئذ، وإنما قلت: إنهم لا ~~يقدرون على إنكار شيء من ذلك، لأن في نص التوراة التي بين أظهرهم في ~~السفر الخامس: فالرب يقول لكم ويأمركم أن تكونوا له شعبا حبيبا، ~~وتحفظوا جميع وصاياه وتعملوا بها، فإنه يرفعكم فوق جميع الشعوب، وإذا ~~جزتم الأردن انصبوا الحجارة التي آمركم بها اليوم على جبل عبل وكلسوها ~~بالكلس، وابنوا هناك مذبحا من الحجارة لم يقع عليها حديد، ولكن ابنوا ~~الحجارة كاملة لم تقطع، وقربوا عليها ذبائح كاملة أمام الله ربكم، وكلوا ~~هناك وافرحوا أمام الله ربكم، واكتبوا على تلك الحجارة جميع آيات هذه ~~السنة. # ثم عين موسى رجالا يقومون على جبل إذا جازوا الأردن ويهتفون بصوت عال ~~ويقولون لبني إسرائيل: ملعونا يكون الذي يتخذ أصناما مسبوكة وأوثانا ~~منحوتة أمام الرب، والشعب كلهم يقولون: آمين! ملعونا يكون من ينقل حد ~~صاحبه ويظلمه في أرضه، ويقول الشعب كلهم: آمين! ملعونا يكون من يضل ~~الأعزى عن الطريق، ويقول الشعب كلهم: آمين! ملعونا يكون من يحيف على ~~المسكين واليتيم والأرملة في القضاء، ويقول الشعب كلهم: آمين! - إلى أن ~~قال: ملعونا يكون كل من لا يثبت على عهد آيات هذه التوراة ويعمل بها، ~~ويقول الشعب كلهم: آمين! ثم قال: وإن أنتم لم تسمعوا قول الله ربكم ولم ~~تحفظوا ولم تعملوا بجميع سننه ووصاياه التي آمركم بها اليوم، ينزل بكم ~~هذا اللعن الذي أقص عليكم كله ويدرككم العقاب، وتكونوا ملعونين في ~~القرية، ملعونين في الحرب، ويلعن نسلكم وثمار أرضكم، وتكونون ملعونين إذا ~~دخلتم وملعونين إذا خرجتم، ينزل بكم الرب البلاء والحشرات، وينزل بكم ~~الضربات الشديدة، وبكل شيء تمدون أيديكم إليه لتعملوه حتى يهلككم ويتلفكم ~~سريعا من أجل سوء أعمالكم وترككم لعبادتي، ويسلط عليكم هذه الشعوب حتى ~~تهلكوا، وتكون السماء التي فوقكم عليكم شبه النحاس، والأرض تحتكم شبه ~~الحديد، ويكسركم الرب بين يدي أعدائكم، تخرجون إليهم في طريق واحدة ~~وتهربون في سبعة طرق، وتكونون مثلا وقرعا لجميع مملكات الأرض، وتكون ~~جيفكم مأكلا لجميع السباع وطيور السماء ولا يذب ms1185 أحد عنكم، تكونون ~~مقهورين مظلومين مغصوبين كل أيام حياتكم، يسبي بنيك وبناتك شعب آخر وتنظر ~~إليهم ولا تقدر لهم على خلاص، وتكون مضطهدا مظوما طور عمرك يسوقك الرب، ~~ويسوق ملكك الذي مكله عليك إلى شعب لم يعرفه أبوك، وتعبد هناك آلهة أخرى ~~عملت من خشب وحجارة، وتكون مثلا وعجبا ويفكر فيك كل من يسمع خبرك في ~~جميع الشعوب التي يقركم الله فيها، تزرع كثيرا وتحصد قليلا، ويتعظم ~~عليك سكانك ويصيرون فوقك، هذا اللعن كله يلزمك وينزل بك ويدركك حتى تهلك، ~~لأنك لم تقبل قول الله ربك، ولم تحفظ سننه ووصاياه التي أمرك بها، وتظهر ~~فيك آيات وعجائب وفي نسلك إلى الأبد، لأنك لم تعبد الله ربك ولم تعمل ~~بوصاياه، ويصير أعداؤك دق الحديد على عنقك، ويسلط الله عليك شعبا يأتيك ~~وأنت جائع ظمآن عريان فقير، قد أعوزك كل شيء يحتاج إليه، وتخدم أعداءك، ~~ويسرع إليك مثل طيران النسر شعب لا تعرف نعتهم، شعب وجوههم صفيقة، لا ~~تستحيي من الشيوخ ولا ترحم الصبيان، ويضيق عليك في جميع قراك حتى يظفر ~~بسوراتك المشيدة التي تتوكل عليها وتثق بها في كل أرضك، وتضطر حتى تأكل ~~لحم ولدك، والرجل المدلل منكم المفنق تنظر عيناه إلى أخيه وخليله وإلى من ~~بقي من ولده جائعا، لا يعطيهم من لحم ابنه الذي يأكله لأنه لا يبقى عنده ~~شيء من الاضطهاد والضيق الذي يضيق عليك عدوك، وإن لم تحفظ وتعمل بجميع ~~الوصايا والسنن التي كتبت في هذا الكتاب وتتقي الله ربك وتهب اسمه ~~المحمود المرهوب يخصك الرب بضربات موجعة، ويبتليك بها ويبتلي نسلك من ~~بعدك، ويبقى من نسلك عدد قليل من بعد كثرتهم التي كانت قد صارت مثل نجوم ~~السماء، لأنك لم تسمع قول الله، كما فرحكم الرب وأنعم عليكم وكثركم كذلك ~~يفرح الرب لكم ليستأصلكم بالعقاب والنكال، ويدمر عليكم ويتلفكم، وتجلون ~~عن الأرض التي تدخلونها لترثوها، ويفرقكم الرب بين جميع الشعوب - هذه ~~أقوال العهد التي أمر الله بها موسى أن يعاهد بني إسرائيل في أرض موآب ~~سوى ms1186 العهد الذي عاهدهم بحوريب، فإن قالوا: نحن لم ننقض بعد موسى عليه ~~السلام حتى يلزمنا هذا اللعن المشروط بنقض العهد! قيل: قد شهد عليكم بذلك ~~ما بين أيديكم من كتابكم، فإنه قال في آخر أسفاره ما نصه: وقال الرب ~~لموسى: قد دنت أيام وفاتك فادع يشوع وقوما في قبة الزمان لآمره بما أريد، ~~وانطلق يشوع وموسى وقاما في قبة الزمان، وظهر الرب في قبة الزمان بعمود ~~من سحاب، وقام عمود من سحاب في باب قبة الزمان، وقال الرب لموسى: أنت ~~مضطجع منقلب إلى آبائك، فيقول هذا الشعب فيضل ويتبع آلهة أخرى آلهة ~~الشعوب التي تدخل وترى وتسكن بينها، ويخالفني ويبطل عهدي الذي عهدته، ~~ويشتعل غضبي عليه في ذلك اليوم، وأخذلهم وأدير وجهي عنهم، ويصيرون مأكلا ~~لأعدائهم، ويصيبهم شر شديد وغم طويل، لأنهم تبعوا الآلهة الأخرى، فاكتب ~~لهم الآن هذا التسبيح وعلمه بني إسرائيل وصيره في أفواههم، ليكون هذا ~~التسبيح شهادة على بني إسرائيل، لأني مدخلهم الأرض التي أقسمت لآبائهم، ~~الأرض التي تغل السمن والعسل، ويأكلون ويشبعون ويتلذذون، ويتبعون الآلهة ~~الأخرى ويعبدونها، ويغضبوني ويبطلون عهدي، فإذا نزل بهم هذا الشر الشديد ~~والغموم يتلى عليهم هذا التسبيح للشهادة، ولا تعدمه أفواه ذريتهم، لأني ~~عالم بأهوائهم، وكل ما يصنعونه ها هنا اليوم قبل أن أدخلهم الأرض التي ~~أقسمت لآبائهم، وكتب موسى هذا التسبيح ذلك اليوم وعلمه بني إسرائيل - ~~وذكر بعد هذا كله ما ذكرته عند # إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين # [النساء: 163] في النساء فراجعه، ثم قال: أنصتي أيتها السماء فأتكلم، ~~ولتسمع الأرض النطق من في لأنها ترجو كلامي عطشانة، وكمثل الندى ينزل ~~قولي وكالمطر على النخيل وشبه الضباب على العشب، لأني دعوت باسم الرب ~~أبدا وبالتعظيم لله الرب العدل وليس عنده ظلم، الرب البار الصادق، أخطأ ~~أولاد الأنجاس، الجيل المتعوج المنقلب، وبهذا كافؤوا الرب، لأنه شعب جاهل ~~وليس بحليم، أليس الرب استخلصك وخلقك! اذكروا أيام الدهر وتفهموا ما مضى ~~من سنني جيلا بعد جيل، استخبر أباك فيخبرك، وشيوخك فيفهموك، حين ms1187 قسم ~~العلى للأمم بني آدم الذين فرقهم، أقام حدود الأمم على عدد الملائكة، ~~وصار جزء الرب شعبه، يعقوب حبل ميراثه، إسرائيل فأرواه في البرية من عطش ~~الحر حيث لم يكن ماء، وحاطه وأدبه وحفظه مثل حدقة العين، وكمثل النسر حيث ~~نقل عشه وإلى فراخه اشتاق، فنشر أجنحته وقبلهم وحملهم على صلبه، الرب ~~وحده ساقهم ولم يكن معهم إله آخر، وأصعدهم إلى علو الأرض وأطعمهم من ثمر ~~الشجر وغذاهم عسلا من حجر، من الصخرة أخرج لهم الزيت، ومن سمن البقر ~~ولبن الغنم وشحم الخراف والكباش والثيران والجداء ولب القمح، أكل يعقوب ~~المخصوص، حين شحم وغلظ وعرض، ترك الإله الذي خلقه وبعد من الله مخلصه، ~~يقول الله: أسخطوني مع الغرباء بأوثانهم وأغضبوني حين ذبحوا للشياطين ولم ~~يقربوا لإله الآلهة ولم يعرفه الجيل الجديد الذين أتوا ونسوا آباءهم. # هذا ما أردت ذكره من التوراة في الشهادة على لزوم اللعن والغضب لهم ~~بعبادتهم الطواغيت، وقد صدق الله قوله فيها وأتم كلماته - وهو أصدق ~~القائلين - بما وقع لهم بعد وفاة موسى عليه السلام ثم بعد يوشع عليه ~~السلام مع ما تقدم لهم في أيام يوشع عليه السلام من عبادة بعليون الصنم ~~كما مضى عند قوله تعالى # وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم # [البقرة: 93]. # ذكر ما يصدق ذلك من سفر يوشع، قال: ودعا يوشع جميع بني إسرائيل وقال ~~لهم: أنا قد شخت وطعنت في السن، وأنتم قد رأيتم ما صنع الله بهذه الشعوب، ~~إنه أهلكهم من بين أيديكم، وإن الله ربكم هو تولى حروبكم وظفركم، قد ~~علمتم أني قسمت لكم الشعوب التي بقيت. فأما عند النهر الأعظم في مغارب ~~الشمس فقد قسمتها لكم، والله ربكم يهزمهم ويهلكهم في أمامكم وترثون أرضهم ~~كما قال الله ربكم، ولكن تقووا جدا واعلموا بجميع ما كتب في سفر موسى ~~عند الرب، أهلك الرب من أمامكم شعوبا عظيمة ولم يثبت لكم إنسان إلى ~~اليوم، الرجل منكم يهزم ألف رجل، لأن الله ربكم معكم وهو يجاهد عنكم كما ~~قال لكم، فاحترسوا لأنفسكم، إن ms1188 أنتم خالطتم الشعوب الذين بقوا بينكم ~~وصرتم لهم أختانا صاروا لكم فخاخا وعثرات وأسنة في أصدافكم وصنارات في ~~أعينكم حتى تهلكوا من الأرض الصالحة التي أعطاكم الله ربكم، وأما أنا ~~فسائر في طريق أهل الأرض كلهم، وقد تعلمون يقينا من كل قلوبكم وأنفسكم ~~أنه ما سقطت كلمة واحدة من الكلام الذي وعدكم الله ربكم، وكما تم كل ~~الكلام الصالح الذي وعدكم الله به كذلك ينزل بكم كل اللعن حتى تهلكوا ~~وتبيدوا إن أنتم عصيتم وتعديتم على ميثاق الله ربكم والوصايا التي أوصاكم ~~بها؛ وجمع جميع بني إسرائيل إلى سجام وأقامهم أمام الرب في قبة الزمان ~~وقال: اسمعوا قول الله إله إسرائيل: كان آباؤكم سكانا في مجاز النهر في ~~الدهر الأول، ترح أبو إبراهيم وناحور، وكانوا يعبدون هناك آلهة أخرى، ~~وعهد إلى إبراهيم أبيكم وأخرجته من مجاز النهر وسيرته في أرض كنعان ~~كلها، وأكثرت ذريته ورزقته إسحاق ابنا، ورزقت إسحاق يعقوب وعيسو، وأعطيت ~~عيسو جبل ساعير ميراثا، فأما يعقوب وبنوه فنزلوا إلى مصر، وأرسلت موسى ~~وهارون وعاقبت أهل مصر وأكثرت في أرضهم من الآيات والأعاجيب، ومن بعد ذلك ~~أخرجتهم منها، وشق لهم الرب بحر سوف وأجاز إياكم فيه مشيا، فلما أراد ~~المصريون أن يجوزوا أقلب البحر عليهم وغرقهم، ورأت أعينكم ما صنعت بأهل ~~مصر، ثم أتيت بكم المفازة وسكنتموها أياما كثيرة، وأتيت بكم أرض ~~الأمورانيين الذين يسكنون عند مجاز الأردن، وحاربوكم ودفعتهم إليكم، ووثب ~~عليكم بالاق بن صفور ملك الموآبيين، وحارب إسرائيل فأرسل فدعا بلعام بن ~~بعور ليلعنكم، ولم يسرني أن أسمع قول بلغام، ولكن باركت عليكم ونجيتكم من ~~يديه، ثم جزتم نهر الأردن وأتيتم أهل أريحا فحاربكم أهلها والأمورانيون - ~~ثم عد بقية الطوائف السبع - فدفعتهم إليكم أجمعين، وأعطيتكم أرضا لم ~~تتعبوا فيها، فاتقوا الرب واعبدوه بالبر والعدل، واصرفوا عن قلوبكم الفكر ~~في عبادة الآلهة الأخرى التي عبدها أباؤكم عند مجاز النهر وفي أرض مصر، ~~واعبدوا الرب وحده، وإن كان يشق عليكم أن تعبدوا الرب اختاروا لأنفسكم ~~يومنا هذا من تعبدون، ms1189 أتحبون أن تعبدوا الآلهة التي عبدها آباؤكم عند ~~مجاز نهر الفرات أم آلهة الأمورانيين الذين سكنتم بينهم! أما أنا وأهل ~~بيتي فإنا نعبد الله الرب، فأجاب الشعب وقالوا: حاشا لله أن نجتنب عبادة ~~الرب ونعبد الآلهة الأخرى! لأن الله ربنا هو الذي أخرجنا من أرض مصر ~~وخلصنا من العبودية، وأكمل الآيات والأعاجيب أمامنا، وحفظنا في كل الطرق ~~التي سلكناها، وقوانا على جميع الشعوب التي حاربناها لذلك نعبد الرب لأنه ~~هو الإلهة وحده وهو إلهنا، فقال: انظروا! لعلكم تجتنبون عبادة الله ~~وتعبدون الآلهة الغريبة، فيغضب الرب عليكم وينزل بكم البلاء ويهلككم من ~~بعد إنعامه عليكم، فقال الشعب: لا يكون لنا عبادة أخرى غير عبادة الله، ~~ربنا، قال يشوع: اشهدتم على أنفسكم: أنتم الذين اخترتم عبادة الرب قالوا ~~له: نشهد! فأول ما دخل عليهم الدخيل أنهم لم يستأصلوا الكفرة وخالطوهم في ~~أيام يوشع؛ قال في سفره: فصعد رسول الرب من الجلجال إلى سجين وقال لبني ~~إسرائيل: هكذا يقول الرب: أنا الذي أصعدتكم من أرض مصر وأتيت بكم الأرض ~~التي أقسمت لآبائكم وقلت: إني لا أبطل عهدي إلى الأبد، وأمرتكم أن لا ~~تعاهدوا أهل هذه الأرض، ولكن استأصلوا مذابحهم، ولم تقبلوا ولم تطيعوني، ~~وأنا أيضا قد قلت: إني لا أهلكهم من أمامكم، ولكن تكون لكم آلهتهم عشرة، ~~فلما قال رسول الرب لبني إسرائيل هذا القول رفع القوم أصواتهم بالبكاء ~~ودعوا اسم ذلك الموضع تحناد أي موضع البكاء، وذبحوا هناك ذبائح للرب؛ ~~وتوفي يشوع بن نون عند الرب ابن مائة وعشرين سنة، ودفن في حد ميراثه بسرح ~~التي في جبل إفرائيم عن يسار جبل جعس، وكل ذلك الحقب أيضا قبضوا، ونشأ ~~من بعدهم حقب لم يعرف الرب ولم يعرف أعماله التي عملها، وارتكب بنو ~~إسرائيل السيئات أمام الرب واجتنبوا عبادة الله إله آبائهم الذي أخرجهم ~~من أرض مصر، وتبعوا آلهة الشعوب التي حولهم وسجدوا لها وعبدوا بعلا ~~وأشتراثا الصنمين، وغضب الرب على بني إسرائيل، وسلط عليهم المنتهبين، ~~ودفعهم إلى أعدائهم، ولم يقدروا أن يثبتوا ms1190 لأعدائهم، وكلما كانوا يخرجون ~~إلى الحرب كانت يد الرب عليهم بالعقاب والبلاء كما قال لهم الرب وكما ~~أقسم لآبائهم، واضطروا وضاق بهم جدا، فصير الرب عليهم قضاة، وأعان ~~قضاتهم وخلصوهم من أيدي أعدائهم، وكان الرب يسمع أنينهم وما يشكون من ~~المضيقين عليهم والمزعجين لهم، فلما توفيت قضاتهم رجعوا إلى الفساد ~~كآبائهم، وعبدوا الأصنام وسجدوا لها، ولم ينقصوا من سوء أعمالهم الأولى ~~وطرقهم الرديئة، فاشتد غضب الرب على بني إسرائيل وقال: لأن الشعب اعتدوا ~~الوصية التي أوصيت آباءهم، ولم يسمعوا قولي، لا أعود أن أهلك إنسانا بين ~~أيديهم من الشعوب التي خلف يشوع بعد وفاته، ليجرب الرب بها بني إسرائيل ~~هل يحفظون طرق الرب كما حفظ آباؤهم أولا! فلذلك ترك الرب هذه الشعوب ولم ~~يهلكهم سريعا، ولم يسلمها في يدي يشوع، والذين تركوا خمسة رؤساء أهل ~~فلسطين وجميع الكنعانيين والصيدانيين والحاوانيين والذين يسكنون جبل ~~لبنان ومن جبل بني حرمون إلى مدخل حماة ليجرب بهم بني إسرائيل، وجلس بنو ~~إسرائيل بين يدي الأمورانيين وبقية القبائل، وزوجوا بنيهم من بناتهم ~~وزوجوا بناتهم من بنيهم وعبدوا آلهتهم، وارتكب بنو إسرائيل السيئات أمام ~~الرب ونسوا صنيع الرب إلههم وعبدوا بعلا وأشتراثا، واشتد غضب الرب على ~~بني إسرائيل ودفعهم إلى كوشان الأتيم ملك حران، فاستعبدهم ثماني سنين، ~~ودعا بنو إسرائيل الرب متضرعين، وصير الرب لهم مخلصا، وخلصهم عثنايال ~~بن قنز أخو كالاب الأصغر، فأعانه الرب وصار حكما لبني إسرائيل فخرج إلى ~~الحرب، وأسلم الرب في يده كوشان الأتيم، واستراحت الأرض من الحرب أربعين ~~سنة، وتوفي عثنايال ابن قنز، وعاد بنو إسرائيل في سوء أعمالهم أمام الرب, ~~فقوى الرب عليهم ملك موآب، واستمروا هكذا في كل حين ينقضون، وسنة الرب كل ~~قليل يرفضون، ولا يستقيمون إلا بقدر ما ينسون حرارة النقم ويذوقون لذاذة ~~النعم - ولولا خوف الإطالة الموجبة للسآمة والملالة لذكرت من ذلك كثيرا ~~من الكتب التي بين أيديهم، لا يقدرون على إنكار ما يلزمهم بها من الفضيحة ~~والعار - والله الموفق. ### || [5.61-63] # ولما تم ذلك عطف سبحانه ms1191 على { وإذا ناديتم إلى الصلاة } قوله دالا على ~~استحقاقهم للعن وعلى ما أخبر به من شرهم وضلالهم بما فضحهم به من سوء ~~أعمالهم دلالة على صحة دين الإسلام بإطلاع شارعه عليه أفضل الصلاة ~~والسلام على خفايا الأسرار: { وإذا جاءوكم } أي أيها المؤمنون! هؤلاء ~~المنافقون من الفريقين، وإعادة ضمير الفريقين عليهم لأنهم في الحقيقة ~~منهم، ما أفادتهم دعوى الإيمان شيئا عند الله، والعدول إلى خطاب ~~المؤمنين دال على عطفه على ما ذكرت، وفيه إشارة إلى أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم يعرفهم في لحن القول، فلا يغتر بخداعهم ولا يسكن إلى مكرهم بما ~~أعطى من صدق الفراسة وصحة التوسم { قالوا آمنا } أي لا تغتروا بمجرد ~~قولهم الحسن الخالي عن البيان بما يناسبه من الأفعال فكيف بالمقترن بما ~~ينفيه منها، وقد علم أن الفصل بين المتعاطفين بالآيتين السالفتين لا يضر، ~~لكونهما علة للمعطوف عليه، فهما كالجزء منه. # ولما ادعوا الإيمان كذبهم سبحانه في دعواهم بقوله مقربا لماضيهم من ~~الحال رجاء لهم غير الدخول، لأنها تكاد تظهر ما هم مخفوه، فوجب التوقع ~~للتصريح بها: { وقد } أي قالوا ذلك والحال أنهم قد { دخلوا } أي إليكم { ~~بالكفر } مصاحبين له متلبسين به. # ولما كان المقام يقتضي لهم بعد الدخول حسن الحال، لما يرون من سمت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم الجليل وكلامه العذب ودينه العدل وهدية الحسن، ~~فلم يتأثروا لما عندهم من الحسد الموجب للعناد، أخبر عن ذلك بأبلغ من ~~الجملة التي أخبرت بكفرهم تأكيدا للأخبار عن ثباتهم على الكفر، لأنه أمر ~~ينكره العاقل فقال: { وهم } أي من عند أنفسهم لسوء ضمائرهم وجبلاتهم من ~~غير سبب من أحد منكم، لا منك ولا من أتباعك { قد خرجوا به } أي الكفر بعد ~~دخولهم ورؤية ما رأوا من الخير، دالا على قوة عنادهم بالجملة الاسمية ~~المفيدة للثبات، وذكر المسند إليه مرتين، وهم بما أظهروا يظنون أنه يخفي ~~ما أضمروا. # ولما كان في قلوبهم من الفساد والمكر بالإسلام وأهله ما يطول شرحه، نبه ~~عليه بقوله: { والله } أي المحيط بجميع ms1192 صفات الكمال وبكل شيء علما وقدرة ~~{ أعلم } أي منهم وممن توسم فيهم النفاق { بما كانوا } أي بما في جبلاتهم ~~من الدواعي العظيمة للفساد { يكتمون * } أي من هذا وغيره في جميع أحوالهم ~~من أقوالهم وأفعالهم. # ولما كذبهم في دعوى الإيمان، أقام سبحانه الدليل على كفرهم فقال مخاطبا ~~لمن له الصبر التام، مفيدا أنه أطلعه صلى الله عليه وسلم على ما يعلم ~~منهم مما يكتمونه من ذلك تصديقا لقوله تعالى { ولتعرفنهم في لحن القول } ~~إطلاعا هو كالرؤية، عاطفا على ما تقديره: وقد أخبرنا غيرك من المؤمنين ~~بما نعلم منهم من ذلك، وأما أنت فترى ما في قلوبهم بما آتيناك من الكشف: ~~{ وترى } أي لا تزال يتجدد لك ذلك { كثيرا منهم } أي اليهود والكفار ~~منافقهم ومصارحهم. # ولما كان التعبير بالعجلة لا يصح هنا، لأنها لا تكون إلا في شيء له ~~وقتان: وقت لائق، ووقت غير لائق، والإثم لا يتأتى فيه ذلك، قال: { ~~يسارعون } أي يفعلون في تهالكهم على ذلك فعل من يناظر خصما في السرعة ~~فيما هو فيه محق وعالم بأنه في غاية الخير، وكان موضع لأن يعبر بالضمير ~~فيقال: فيه - أي الكفر, فعبر عنه تعميما وتعليقا للحكم بالوصف إفادة ~~لأن كفرهم عن حيلة هي في غاية الرداءة بقوله: { في الإثم } أي كل ما يوجب ~~إثما من الذنوب، وخص منه أعظمه فقال: { والعدوان } أي مجاوزة الحد في ~~ذلك الذي أعظمه الشرك، ثم حقق الأمر وصوره بما يكون لوضوحه دليلاعلى ~~ما قبله من إقدامهم على الحرام الذي لا تمكن معه صحة القلب أصلا، ولا ~~يمكنهم إنكاره فقال: { وأكلهم السحت } أي الحرام الذي يستأصل البركة من ~~أصلها فيمحقها، ومنه الرشوة، وكان هذا دليلا على كفرهم لأنهم لون كانوا ~~مؤمنين ما أصروا على شيء من ذلك، فكيف بجميعه! فكيف بالمسارعة فيه! ولذلك ~~استحقوا غاية الذم بقوله: { لبئس ما كانوا } ولما كانوا يزعمون العلم، ~~عبر عن فعلهم بالعمل فقال: { يعملون * }. # ولما كان المنافقون من الأميين وأهل الكتاب قد صاروا شيئا واحدا في ~~الانحياز إلى المصارحين من أهل ms1193 الكتاب، فأنزل فيهم سبحانه هذه الآيات على ~~وجه يعم غيرهم حتى تبينت أحوالهم وانكشف زيغهم ومحالهم - أنكر- على من ~~يودعونهم أسرارهم ويمنحونهم مودتهم وأخبارهم من علمائهم وزهادهم - عدم ~~أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، لكونهم جديرين بذلك لما يزعمونه من ~~اتباع كتابهم فقال: { لولا } أي هلا ولم لا { ينهاهم } أي يجدد لهم النهي ~~{ الربانيون } أي المدعون للتخلي من الدنيا إلى سبيل الرب { والأحبار } ~~أي العلماء { عن قولهم الإثم } أي الكذب الذي يوجبه وهو مجمع له { وأكلهم ~~السحت } وذلك لأن قولهم للمؤمنين { آمنا } وقولهم لهم # إنا معكم إنما نحن مستهزءون # [البقرة: 14] لا يخلو عن كذب، وهو محرم في توراتهم وكذا أكلهم الحرام، ~~فما سكوتهم عنهم في ذلك إلا لتمرنهم على المعاصي وتمردهم في الكفر ~~واستهانتهم بالجرأة على من لا تخفى عليه خافية، ولا يبقى لمن عاداه ~~باقية. # ولما كان من طبع الإنسان الإنكار على من خالفه، كانت الفطرة الأولى ~~مطابقة لما أتت به الرسل من قباحة الكذب وما يتبعه من الفسوق. وكان ~~الإنسان لا ينزل عن تلك الرتبة العالية إلى السكوت عن الفاسقين فضلا عن ~~تحسين أحوالهم إلا بتدرب طويل وتمرن عظيم، حتى يصير له ذلك كالصفة التي ~~صارت بالتدريب صنعة يألفها وملكة لا يتكلفها، فجعل ذنب المرتكب للمعصية ~~غير راسخ، لأن الشهوة تدعوه إليها، وذنب التارك للنهي راسخا لأنه لا ~~شهوة له تدعوه إلى الترك، بل معه حامل من الفطرة السليمة تحثه على النهي، ~~فكان أشد حالا؛ قال: { لبئس ما } ولما كان ذلك في جبلاتهم، عبر بالكون ~~فقال: { كانوا يصنعون * } أي في سكوتهم عنهم وسماعهم منهم. ### || [5.64] # ولما لم تزل الدلائل على إبطال دعوى أهل الكتاب في البنوة والمحبة تقوم، ~~وجبوش البراهين تنجد، حتى انتشبت فيهم سهام الكلام أي انتشاب، قال تعالى ~~معجبا من عامتهم بعد تعيين خاصتهم، معلما بأنهم لم يقنعوا بالسكوت عن ~~المنكر حتى تكلموا بأنكره، مشيرا إلى سفول رتبتهم ودناءة منزلتهم بأداة ~~التأنيث: { وقالت اليهود } معبرين عن البخل والعجز جرأة وجهلا بأن قالوا ~~ذاكرين اليد لأنها موضع القدرة وإفاضة ms1194 الجود والنصرة: { يد الله } أي ~~الذي يعلم كل عاقل أن له صفات الكمال { مغلولة } أي فهو لا يبسط الرزق ~~غاية البسط، وهذا كناية عن البخل والعجز من غير نظر إلى مدلول كل من ~~ألفاظه على حياله أصلا، كما قال تعالى: # ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط # [الإسراء: 29] ولم يقصد من ذلك غير الجود وضده، لا غل ولا عنق ولا بسط ~~أصلا، بل صار هذا الكلام عبارة عما وقع مجازا عنه، كأنهما متعقبان على ~~معنى واحد، حتى لو جاد الأقطع إلى المنكب لقيل له ذلك، ومثل هذا كثير في ~~الكتاب والسنة، منه الاستواء " وقالت: في السماء " المراد منه - كما قاله ~~العلماء - أنه ليس مما يعبده المشركون من الأوثان، قال في الكشاف: ومن لم ~~ينظر في علم البيان عمي عن تبصر محجة الصواب في تأويل أمثال هذه الآية، ~~ولم يتخلص عن يد الطاعن إذا عبثت به. # ولما نطقوا بهذه الكلمة الشنعاء، وفاهوا بتلك الداهية الدهياء، أخبر عما ~~جازاهم به سبحانه على صورة ما كان العرب يقابلون به من يستحق الهلاك من ~~الدعاء، فقال معبرا بالمبني للمفعول إفادة لتحتم الوقوع وتعليما لنا ~~كيف ندعو عليهم، ولم يسببه عما قبله بالفاء تقوية له على تقدير سؤال ~~سائل: { غلت أيديهم } دعاء مقبولا وخبرا صادقا، عن كل خير، فلا تكاد ~~تجد فيهم كريما ولا شجاعا ولا حاذقا في فن، وإن كان ذلك لم تظهر له ~~ثمرة { ولعنوا } أي أبعدوا مطرودين عن الجناب الكريم { بما قالوا } ~~والمعنى أنهم كما رأوا أحوال المنافقين المقضي في التوراة بأنها إثم ~~وأقروا عليها، فكذلك نطق بعضهم بكلمة الكفر التي لا أفظع منها، وسكت عليه ~~الباقون فشاركوه، ولما كان الغل كناية عن البخل وعدم الإنفاق، وكان ~~الدعاء بغلهم ولعنهم متضمنا أن الأمر ليس كما قالوا، ترجمة سبحانه ~~بقوله: { بل يداه } وهو منزه عن الجارحة وعن كل ما يدخل تحت الوهم { ~~مبسوطتان } مشيرا بالتثنية إلى غاية الجود، ليكون رد قولهم وإنكاره ~~بأبلغ ما يكون في قطع تعنتهم وتكذيب قولهم. ms1195 # ولما كان معنى هذا إثبات ما نفوه على أبلغ الأحوال، قال مصرحا بالمقصود ~~معرفا أنه في إنفاقه مختار فلا غرو أن يبسط لبعض دون بعض: { ينفق } ولما ~~كان إنفاقه سبحانه تحقيقا للاختيار على أحوال متباينة بحيث إنها تفوت ~~الحصر، أشار إلى التعجيب من ذلك بالتعبير بأداة الاستفهام وإن قالوا: ~~إنها في هذا الموطن شرط، فقال: { كيف } أي كما { يشاء } أي على أي حالة ~~أراد دائما من تقتير وبسط وغير ذلك. # ولما كان قولهم هذا غاية في العجب لأن كتابهم كاف في تقبيحه بل تقبيح ~~ما هو دونه في الفحش، فكيف وقد انضم إلى ذلك ما أنزل في القرآن من واضح ~~البيان، قال سبحانه عاطفا على # وترى كثيرا منهم # [المائدة: 62] مؤكدا لمضمون ما سبق من قوله # ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا # [المائدة: 41] بأنه جعل سبب هذا القول منهم ما أتاهم من الهدى الأكمل في ~~هذا الكتاب المعجز على لسان هذا النبي الذي هم به أعرف منهم بأبنائهم: { ~~وليزيدن كثيرا منهم } أي ممن أراد الله فتنته، ثم ذكر فاعل الزيادة ~~فقال: { ما أنزل إليك } أي على ما له من النور وما يدعو إليه من الخير { ~~من ربك } أي المحسن إليك بكل ما ينفعك دنيا وأخرى { طغيانا } أي تجاوزا ~~عظيما عن الحد تمتلىء منه الأكوان في كل إثم وشنأ، وذلك بما جره إليهم ~~داء الحسد، لأنهم كلما رأوه سبحانه قد زاد إحسانه إليك طعنوا في ذلك ~~الإحسان، وهو - لما له من الكمال وعلو الشأن - يكون الطعن فيه من أعظم ~~الدليل عليه والبرهان، فيكون أعدى العدوان { وكفرا } أي سترا لما ظهر ~~لعقولهم من النور, ودعت إليه كتبهم من الخير، وهذا كما يؤذي الخفاش ضياء ~~الصباح، وكلما قوي الضياء زاد أذاه، وفي هذا إياس من توبتهم وتأكيد ~~لعداوتهم وزجر عن موالاتهم ومودتهم، أي إنهم لا يزدادون بحسن وعظم وجميل ~~تلاوتك عليهم الآيات إلا شقاقا ما وجدوا قوة، فإن ضعفوا فنفاقا. # ولما كان الإخبار باجتماع كلمتهم على شقاوة الكفر ربما أحدث ms1196 خوفا من ~~كيدهم، نفى ذلك بقوله { وألقينا } أي بما لنا من العظمة الباهرة { بينهم ~~} أي اليهود { العداوة } ولما كانت العداوة - وهي أي يعدون بعضهم إلى أذى ~~بعض - ربما زالت بزوال السبب، أفاد أنها لازمة لا تنفك بقوله: { والبغضاء ~~} أي لأمور باطنية وقعت في قلوبهم وقوع الحجر الملقى من علو { إلى يوم ~~القيامة }. # ولما كان ذلك مفيدا لوهنهم ترجمه بقوله: { كلما أوقدوا } على سبيل ~~التكرار لأحد من الناس { نارا للحرب } أي باحكام أسبابها وتفتيح جميع ~~أبوابها { اطفأها } أي خيب قصدهم في ذلك { الله } أي الذي له جميع صفات ~~الكمال، فلا تجدهم في بلد من البلاد إلا في الذل وتحت القهر، وأصل ~~استعارة النار لها ما في كل منهما من التسلط والغلبة والحرارة في الظاهر ~~والباطن، مع أن المحارب يوقد النار في موضع عال ليجتمع إليه أنصاره، ولقد ~~قام لعمري دليل المشاهدة على صدق ذلك بغزوة قينقاع تم النضير ثم قريضة، ~~والقبائل الثلاث بالمدينة لم يتناصروا ولم ينصروا، ثم غزوة خيبر وأهل فدك ~~ووادي القرى وهم متقاربون ولم يتناصروا ولم ينصروا، هذا فيما في خاصتهم، ~~وأما في غير ذلك فقد ألبوا الأحزاب وجمعوا القبائل وأتقنوا في أمرهم على ~~زعمهم المكايد، ثم أطفأ الله نارهم حسا ومعنى بالريح والملائكة، وألزمهم ~~خزيهم وعارهم وجعل الدائرة عليهم - وساق جيش المنون على أيدي المؤمنين ~~إليهم، وإلى ذلك وأمثاله من أذاهم الإشارة بقوله: { ويسعون } أي يوجدون ~~مجتهدين اجتهاد الساعي على سبيل الاستمرار بما يوجدون من المعاصي من ~~كتمان ما عندهم من الدليل على صحة الإسلام وغير ذلك من أنواع الأجرام { ~~في الأرض } أي كل ما قدروا عليه بالفعل والباقي بالقوة. # ولما كان الإنسان لكونه محل نقصان لا ينبغي أن يتحرك فضلا عن أن يمشي ~~فضلا عن أن يسعى إلا بما يرضي الله، وحينئذ لا ينسب الفعل إلا إلى الله ~~لكونه آمرا به خالقا له، فكانت نسبة السعي إلى الإنسان دالة على ~~الفساد، صرح به في قوله: { فسادا } أي للفساد أو ذوي فساد { والله } أي ~~والحال أن الذي ms1197 له الكمال كله { لا يحب المفسدين * } أي لا يفعل معهم فعل ~~المحب، فلا ينصر لهم جيشا، ولا يعلي لهم كعبا، ولا يصلح لهم شأنا، ~~وبذلك توعدهم سبحانه في التوراة أنهم إذا خالفوا أمره سلط عيهم من عذابه ~~بواسطة عباده وبغير واسطتهم ما يفوت الحصر - كما مضى ذلك قريبا عما بين ~~أيديهم من التوراة بنصه. ### || [5.65-67] # ولما أثبت بقوله { وليزيدن } أنهم كانوا كفرة قبل إتيان هذا الرسول عليه ~~السلام، وكرر ما أعده لهم من الخزي الدائم على نحو ما أخبرهم به كتابهم، ~~وعظهم ورجاهم سبحانه استعطافا لهم لئلا ييأسوا من روح الله على عادة ~~منه في رحمته لعباده ورأفته بهم بقوله تعالى عاطفا على ما تقديره: فلو ~~أنهم كفوا عن هذه الجرائم العظائم لاضمحلت صغائرهم فلم تكن لهم سيئات: { ~~ولو أن } ولما كان الضلال من العالم أقبح، قال: { أهل الكتاب } أي ~~الفريقين منهم. # ولما كان الإيمان أساس جميع الأعمال، قدمه إعلاما بأنه لا نجاة لأحد ~~إلا بتصديق محمد صلى الله عليه وسلم. هذا مع أنه حقيق باشتداد العناية ~~بهم لمبالغتهم في كتمان ما عندهم منه صلى الله عليه وسلم فقال: { آمنوا } ~~أي بهذا النبي الكريم وما أنزل إليه من هذا الهدى { واتقوا } أي ما هددوا ~~به في كتابهم على ترك الإيمان به على حسب ما دعاهم إليه كتابهم كما في ~~قصة إسماعيل وغيرها إلى أن كان آخر ما فارقهم عليه موسى عليه السلام في ~~آخر كتابهم التصريح بنبوته عليه السلام والإشارة إلى أن اتباعه أحق من ~~اتباعه فقا: جاء ربنا من سيناء؛ وشرق من ساعير، وتبدى من جبال فاران، ~~فأضاف الرب إليهم، وجعل الإتيان من جبال فاران - التي هي مكة، لا نزاع ~~لهم في ذلك - تبديا وظهورا أي لاخفاء به بوجه، ولا ظهور أتم منه { ~~لكفرنا } وأشار إلى عظيم جرأتهم بمظهر العظمة { عنهم سيئاتهم } أي التي ~~ارتكبوها قبل مجيئه وهي مما يسوء، أي يشتد تنكر النفس له أو تكرهها، ~~وأشار إلى سعة رحمته وأنها لا تضيق عن شيء أراده بمظهر العظمة ms1198 فقال: { ~~ولأدخلناهم } أي بعد الموت { جنات النعيم * } أي بدل ما هم فيه من هذا ~~الشقاء الذي لا يدانيه شقاء. # ولما كان المعنى: ما فعلوا ذلك، فألزمناهم الخزي في الدنيا والعذاب ~~الدائم في الآخرة، وكان هذا إجمالا لحالتهم الدنيوية والأخروية، وكان ~~محط نظرهم الأمر الدنيوي، رجع - بعد إرشادهم إلى إصلاح الحالة الأخروية ~~لأنها أهم في نفسها - إلى سبب قولهم تلك الكلمة الشنعاء والداهية القبيحة ~~الصلعاء، وهو تقتير الرزق عليهم، وبين أن السبب إنما هو من أنفسهم فقال: ~~{ ولو أنهم أقاموا التوراة } أي قبل إنزال الإنجيل بالعمل بجميع ما دعت ~~إليه من أصل وفرع وثبات عليها وانتقال عنها { والإنجيل } أي بعد إنزاله ~~كذلك، وفي إقامته إقامة التوراة الداعية إليه { وما أنزل إليهم من ربهم } ~~أي المحسن إليهم من أسفار الأنبياء المبشرة بعيسى ومحمد عليهما الصلاة ~~والسلام، ومن القرآن بعد إنزاله، وفي إقامته إقامة جميع ذلك، لأنه مبشر ~~به وداع إليه { لأكلوا } أي لتيسر لهم الرزق، وعبر ب " من " لأن المراد ~~بيان جهة المأكول لا الأكل { من فوقهم }. # ولما كان ذلك كناية عن عظم التوسعة، قال موضحا له معبرا بالأحسن ليفهم ~~غيره بطريق الأولى: { ومن تحت أرجلهم } أي تيسرا واسعا جدا متصلا لا ~~يحصر، أو يكون كناية عن بركات السماء والأرض، فبين ذلك أنه ما ضربهم ~~بالذل والمسكنة إلا تصديقا لما تقدم إليهم به في التوراة، قال مترجمها ~~في السفر الخامس - الدعاء والبركات: وإن أنتم سمعتم قول الله ربكم وحفظتم ~~وعملتم بجميع الوصايا التي آمركم بها اليوم، يصيركم الرب فوق جميع ~~الشعوب، فتصيرون إلى هذا الدعاء، يبارك لكل امرىء منكم في القرية والحقل، ~~يبارك في أولادكم وأرضكم، يبارك لكم في بهائمكم وما يضع في أقطاع بقركم ~~وأحزاب غنمكم، ويبارك فيكم إذا دخلتم ويبارك فيكم إذا خرجتم، ويدفع إليكم ~~الله أعداءكم أسارى، يخرجون إليكم في طريق واحد ويهربون منكم في سبعة ~~طرق، يأمر الله ببركاته في أهرائكم وفي جميع الأشياء التي تمدون أيديكم ~~إليها، وينظر إليكم جميع شعوب الأرض ويعلمون أن اسم الرب عليكم ms1199 وقد وسمتم ~~به فيخافونكم، ويزيدكم الرب خيرا ويبارك في ثمار أرضكم، يفتح الله ربكم ~~أهراء السماء ويهبط المطر على أهله في زمانه، وتتسلطون على شعوب كثيرة ~~ولا يتسلط عليكم أحد، ويصيركم الرب رأسا ولا يصيركم ذنبا، وتصيرون فوق ~~ولا تصيرون أسفل إذا عملتم بجميع وصايا الله ربكم ولم تروغوا عنها يمنة ~~ولا يسرة، ولا تتبعوا الشعوب ولا تعبدوا آلهتها، وإن أنتم لم تسمعوا قول ~~الله ربكم ولم تحفظوا ولم تعملوا بجميع سننه ووصاياه التي آمركم بها ~~اليوم، ينزل بكم هذا اللعن الذي أقص عليكم كله، ويدرككم العقاب، وتكونون ~~ملعونين في القرية - إلى آخر اللعن الذي تقدم قريبا، وقال في الثالث: ~~إذا سلكتم بسنتي وحفظتم وصاياي وعملتم بها، أديم أمطاركم في وقتها، وتبذل ~~الأرض لكم غلاتها، وتبذل لكم الشجر ثمارها، ويدرك الدراس القطاف، والقطاف ~~يدرك الزرع، وتأكلون خبزا وتشبعون وتسكنون أرضكم مطمئنين، ولا يكون من ~~يخرجكم، وأصرف عن أرضكم السباع الضارية، وتطردون أعداءكم، الخمسة منكم ~~يهزمون مائة، والمائة منكم يهزمون عشرة آلاف، وتقع أعداؤكم قتلى بين ~~أيديكم في الحرب، وأقبل إليكم وأكثركم وأديم مقدسي بينكم ولا أدبر عنكم، ~~بل أكون معكم وأسير بينكم، وإن لم تطيعوني وتسمعوا قولي ولم تعملوا بهذه ~~الوصايا وأبطلتم عهودي، أنا أيضا أصنع بكم مثل صنيعكم، وآمر بكم البلايا ~~والبرص والبهق المقشر الذي لا يبرأ، والسل الذي يطفىء البصر ويهلك النفس، ~~ويكون تعبكم في الزرع باطلا، وذلك لأن أعداءكم يأكلون ما تزرعون، وأنزل ~~بكم غضبي، ويهزمكم أعداؤكم، ويتسلط عليكم شناؤكم، وتنهزمون من غير أن ~~يهزمكم أحد، وأصير السماء فوقكم مثل الحديد، والأرض تحتكم مثل النحاس، ~~ولا تغل لكم أرضكم غلاتها، ولا تثمر الشجر ثمارها، وأرسل عليكم السباع ~~الضارية فتلهككم وتهلك بهائمكم، ويستوحش الطرق منكم، وأسلط عليكم الموت ~~وأدفعكم إلى أعدائكم، وتأكلون ولا تشبعون، وتصيروا إلى ضيق حتى تأكلوا ~~لحوم بناتكم، وأخرب منازلكم، وأفرقكم بين الأمم، وتخرب قراكم، فحينئذ ~~تهوى الأرض أسباتها، وتسبت كل أيام وحشتها ما لم تسبت حيث كنتم فيها عصاة ~~لا تسبتون، والذين يبقون منكم ms1200 ألقي في قلوبهم فزعة، ويطردهم صوت ورقة ~~تحرك، ويهربون من صوت الورقة كما يهربون من السيف، ويعنفون بإثمهم ~~ويعاقبون بإثم آبائهم، ومن بعد ذلك تنكسر قلوبهم الغلف. # ولما كان ما مضى من ذمهم ربما أفهم أنه لكلهم، قال مستأنفا جوابا لمن ~~يسأل عن ذلك: { منهم } أي أهل الكتاب { أمة } أي جماعة هي جديرة بأن تقصد ~~{ مقتصدة } أي مجتهدة في العدل لا غلو ولا تقصير، وهم الذين هداهم الله ~~للإسلام بحسن تحريهم واجتهادهم { وكثير منهم } أي بني إسرائيل { سآء ما ~~يعملون * } أي ما أسوأ فعلهم الذي هم فيه مستمرون على تجديده، ففيه معنى ~~التعجيب، والتعبير بالعمل لأنهم يزعمون أنه لا يصدر منهم إلا عن علم، ~~وهم الذين حرفوا الكلم عن مواضعه، وارتكبوا العظائم في عداوة الله ~~ورسوله. # ولما أتم ذلك سبحانه وعلم منه أن من أريدت سعادته يؤمن ولا بد، ومن ~~أريدت شقاوته لا يؤمن أصلا، ومن أقام ما أنزل عليه سعد، ومن كفر بشيء ~~منه شقي، وكان ذلك ربما فتر عن الإبلاغ، قرن بقوله تعالى # يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر # [المائدة: 41] قوله حاثا على الإبلاغ لإسعاد من أريد للسعادة، وهم ~~الأمة المقتصدة منهم وإن كانوا قليلا، وكذا إبلاغ جميع من عداهم: { يا ~~أيها الرسول } أي الذي موضوع أمره البلاغ { بلغ } أي أوصل إلى من أرسلت ~~إليهم { ما أنزل إليك } أي كله { من ربك } أي المحسن إليك بإنزاله غير ~~مراقب أحدا، ولا خائف شيئا، لتعلم ما لم تكن تعلم، ويهدي على يدك من ~~أراد الله هدايته، فيكون لك مثل أجره. # ولما كان إبلاغ ما يخالف الأهواء من الشدة على النفوس بمكان لا يعلمه ~~إلا ذوو الهمم العالية والأخلاق الزاكية، كان المقام شديد الاقتضاء ~~لتأكيد الحث على الإبلاغ، فدل على ذلك بالاعتراض بين الحال والعامل فيها، ~~بالتعبير بالفعل الدال على داعية هي الردع بأن قال: { وإن لم تفعل } أي ~~وإن لم تبلغ جميع ذلك، أو إن لم تعمل به { فما بلغت رسالته } لأن من ~~المعلوم أن ما تقع ms1201 على كل جزء مما أنزل، فلو ترك منه حرف واحد صدق نفي ~~البلاغ لما أنزل، ولأن بعضها ليس بأولى بالإبلاغ من بعض، فمن أغفل شيئا ~~منها فكأنه أغفل الكل، كما أن من لم يؤمن ببعضها لم يؤمن بكلها، لإدلاء ~~كل منها بما يدليه الآخر، فكانت لذلك في حكم شيء واحد، والمعنى: ~~فلنجازينك، ولكنه كنى بالسبب عن المسبب إجلالا له صلى الله عليه وسلم ~~وإفادة لأن المؤاخذة تقع على الكل، لأنه ينتفي بانتفاء الجزء. # ولما تقدم أنهم يسعرون الحروب، ويسعون في إيقاع أشد الكروب، وكان ذلك - ~~وإن وعد سبحانه بإخماده عند إيقاده - لا يمنع من تجويز أنه لا يخمد إلا ~~بعد قتل ناس وجراح آخرين، وكان كأنه قيل: إذا بلغ ذلك وهو ينقص أديانهم ~~خيف عليه، قال: { والله } أي بلغ أنت والحال أن الذي أمرك بذلك وهو الملك ~~الأعلى الذي لا كفوء له { يعصمك } أي يمنعك منعا تاما { من الناس } أي ~~من أن يقتلوك قبل إتمام البلاغ وظهور الدين، فلا مانع من إبلاغ شيء منها ~~لأحد من الناس كائنا من كان. # ولما آذن ضمان العصمة بالمخالفة المؤذنة بأن فيهم من لا ينفعه البلاغ ~~فهو لا يؤمن، فلا يزال يبغي الغوائل. أقر على هذا الفهم بتعليل عدم ~~الإيمان بقوله: { إن الله } أي الذي لا أمر لغيره { لا يهدي القوم ~~الكافرين } أي المطبوع على قلوبهم في علم الله مطابقة لقوله # ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا # [المائدة: 41] ويهدي المؤمنين في علمه المشار إليهم في قوله { ويغفر لمن ~~يشاء } والحاصل أنه تبين من الآية الإرشاد إلى أن لترك البلاغ سببين: ~~أحدهما خوف فوات النفس، والآخر خوف فوات ثمرة الدعاء، فنفي الأول بضمان ~~العصمة، والثاني بختام الآية، أي ليس عليك إلا البلاغ، فلا يحزنك من لا ~~يقبل، فليس إعراضه لقصور في إبلاغك ولا حظك، بل لقصور إدراكه وحظه لأن ~~الله حتم بكفره وختم على قلبه لما علم من فساد طبعه، والله لا يهدي مثله، ~~وتلخيصه: بلغ، فمن أجابك ممن أشير إليه ms1202 - فيما سلف من غير الكثير الذين ~~يزيدهم ما أنزل إليك عمى على عماهم ومن الأمة المقتصدة وغيرهم - فهو حظه ~~في الدنيا والآخرة، ومن أبى فلا يحزنك أمره، لأن الله هو الذي أراد ~~ضلاله. فالتقدير: بلغ، فليس عليك إلا البلاغ، وإلى الله الهدى والضلال، ~~إن الله لا يهدي القوم الكافرين ويهدي القوم المؤمنين، أو فإذا بلغت هدى ~~بك ربك من أراد إيمانه، ليكتب لك مثل أجرهم، وأضل من شاء كفرانه، ولا ~~يكون عليك شيء من وزرهم، إن الله لا يهدي القوم الكافرين، والمعنى كما ~~تقدم: يعصمك من أن ينالوك بما يمنعك من الإبلاغ حتى يتم دينك ويظهر على ~~الدين كله كما وعدتك، وعلى مثل هذا دل كلام إمامنا الشافعي رحمه الله، ~~قال في الجزء الثالث من الأم: ويقال - والله أعلم: إن أول ما أنزل عليه ~~صلى الله عليه وسلم # اقرأ باسم ربك الذي خلق # [العلق: 1] ثم أنزل عليه بعدها ما لم يؤمر فيه بأن يدعو إليه المشركين، ~~فمرت لذلك مدة، ثم يقال: أتاه جبريل عليه السلام عن الله عز وجل بأن ~~يعلمهم نزول الوحي عليه ويدعوهم إلى الإيمان. فكبر ذلك عليه وخاف التكذيب ~~وأن يتناول، فنزل عليه { يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن ~~لم تفعل فما بلغت رسالتك والله يعصمك من الناس } [المائدة: 67]: من قبلهم ~~أن يقتلوك حتى تبلغ ما أنزل إليك - انتهى. ولقد وفى سبحانه بما ضمن ومن ~~أوفى منه وعدا وأصدق قيلا! فلما أتم الدين وأرغم أنوف المشركين، أنفذ ~~فيه السم الذي تناوله بخيبر قبل سنين فتوفاه شهيدا كما أحياه سعيدا؛ ~~روى الشيخان: البخاري في الهبة، ومسلم في الطب، وأبو داود في الديات عن ~~أنس بن مالك رضي الله عنه # " أن امرأة يهودية أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم بشاة مسمومة فأكل ~~منها، فجيء بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألها عن ذلك فقالت: ~~أردت لأقتلك، فقال: ما كان الله ليسلطك على ذلك - أو قال: علي - فقالوا: ~~ألا تقتلها؟ قال: لا، فما ms1203 زلت أعرفها في لهوات رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم " # قال أبو داود: هي أخت مرحب اليهودي, قال الحافظ عبد العظيم المنذري في ~~مختصر سنن أبو داود: وذكره غيره أنها بنت أخي مرحب أن اسمها زينب بنت ~~الحارث، وذكر الزهري أنها أسلمت، ولأبي داود والدارمي - وهذا لفظه - عن ~~أبي سلمة - وهو ابن عبد الرحمن بن عوف - قال: " كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يأكل الهدية ولا يقبل الصدقة، فأهدت له امرأة من يهود خيبر شاة ~~مصلية فتناول منها، وتناول منها بشر بن البراء، ثم رفع النبي صلى الله ~~عليه وسلم يده ثم قال: إن هذه تخبرني أنها مسمومة، فمات بشر بن البراء ~~رضي الله عنه، فأرسل إليها النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما حملك على ~~ما صنعت؟ فقالت: إن كنت نبيا لم يضرك شيء، وإن كنت ملكا أرحت الناس ~~منك، قال أبو داود: فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتلت. زاد ~~الدارمي: فقال في مرضه: ما زلت من الأكلة التي أكلت بخيبر، فهذا أوان ~~انقطاع أبهري " وهذا مرسل. قال البيهقي: ورويناه عن حماد بن سلمة عن محمد ~~بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال البيهقي: ويحتمل أنه ~~لم يقتلها في الابتداء، ثم لما مات بشر أمر بقتلها. وقصة هذه الشاة عن ~~أبي هريرة رواها البخاري في الجزية والمغازي والطب، والدارمي في أول ~~المسند بغير هذا السياق - كما مضى في البقرة في قوله تعالى # وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة # [البقرة: 80] وقد مضى في أول هذه السورة عند قوله # فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين # [المائدة: 13] شيء منه. ولأبي داود والدارمي عن ابن شهاب قال: # " كان جابر بن عبد الله رضي الله عنهما يحدث أن يهودية من أهل خيبر سمت ~~شاة مصلية ثم أهدتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم الذراع فأكل منها، وأكل رهط من أصحابه معه، ثم قال لهم ~~رسول الله ms1204 صلى الله عليه وسلم: ارفعوا أيديكم، وأرسل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إلى اليهودية فدعاها، فقال لها: أسممت هذه الشاة؟ قالت ~~اليهودية من أخبرك؟ قال: أخبرتني هذه في يدي - للذراع، قالت: نعم، قال: ~~فما أردت؟ قالت: قلت: إن كان نبيا فلن يضره، وإن لم يكن نبيا استرحنا ~~منه، فعفا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يعاقبها، وتوفي بعض ~~أصحابه الذين أكلوا من الشاة، واحتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~كاهله من أجل الذي أكل من الشاة، حجمه أو هند بالقرن والشفرة، وهو مولى ~~لبني بياضة من الأنصار " # قال الدارمي: وهو من بني ثمامة - وهم حي من الأنصار، قال المنذري: وهذا ~~منقطع، الزهري لم يسمع من جابر بن عبد الله، وفي غزوة خيبر من تهذيب ~~السيرة لابن هشام: # " فلما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدت له زينب بنت الحارثة ~~امرأة سلام بن مشكم شاة مصلية وقد سألت: أي عضو من الشاة أحب إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم؟ فقيل لها: الذراع، فأكثرت فيها من السم ثم سمت ~~سائر الشاة، ثم جاءت بها، فلما وضعتها بين يدي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم تناول الذراع فلاك منها مضغة فلم يسغها، ومعه بشر بن البراء بن ~~معرور قد أخذ منها كما أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأما بشر ~~فأساغها، وأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فلفظها، ثم قال: إن هذا ~~العظم ليخبرني أنه مسموم، ثم دعاها فاعترفت، فقال: ما حملك على ذلك؟ ~~قالت: بلغت من قومي ما لم يخف عليك، فقلت: إن كان ملكا استرحت منه، وإن ~~كان نبيا فسيخبر، فتجاوز عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومات بشر ~~من أكلته التي أكل " # وذكر موسى بن عقبة أن بشرا رضي الله عنه لم يسغ لقمته حتى أساغ النبي ~~صلى الله عليه وسلم لقمته وقال بعد أن أخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم: ~~والذي أكرمك! لقد وجدت ذلك في أكلتي التي أكلت، ms1205 فما منعني أن ألفظها إلا ~~أني أعظمت أن أنغصك طعامك، فلما أسغت ما في فيك لم أكن لأرغب بنفسي عن ~~نفسك. # ونقلت من خط شيخنا حافظ عصره أبي الفضل أحمد بن علي بن حجر الكناني ~~الشافعي ما نصه: وأخرج الحافظ أبو بكر أحمد بن عمر بن عبد الخالق البزار ~~في مسنده المشهور، وأبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني في معجمه ~~الكبير من حديث عمار بن ياسر رضي الله عنه قال: " كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لا يأكل من هدية حتى يأمر صاحبها أن يأكل منها للشاة التي ~~أهديت له بخيبر ". قال شيخنا الحافظ أبو الحسن الهيثمي: رجاله ثقات، قلت: ~~وذكر محمد بن إسحاق في السيرة الكبرى وكذلك الواقدي في المغازي - انتهى. ~~وقال ابن إسحاق: وحدثني مروان بن عثمان بن أبي سعيد بن المعلى قال: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال في مرضه الذي توفي فيه ودخلت ~~عليه أم بشر بنت البراء بن معرور تعوده: يا أم بشر! إن هذا الأوان وجدت ~~انقطاع أبهري من الأكلة التي أكلت مع أخيك بخيبر " # ، قال: فإن كان المسلمون ليرون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات ~~شهيدا مع ما أكرمه الله به من النبوة. ولابن ماجه في الطب عن أم سلمة ~~رضي الله عنها قالت: لا يزال، يصيبك في كل عام وجع من الشاة المسمومة ~~التي أكلت، قال: ما أصابني شيء منها إلا وهو مكتوب علي وآدم في طينته ~~" وللبخاري في آخر المغازي عن عائشة رضي الله عنها # " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في مرضه الذي مات فيه: يا ~~عائشة! ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر، فهذا أوان وجدت انقطاع ~~أبهري من ذلك السم " # قال ابن فارس في المجمل: الأبهر عرق مستبطن الصلب، والقلب متصل به، وهو ~~قوله صلى الله عليه وسلم: # " هذا أوان قطعت أبهري " # وعبارة المحكم: عرق في الظهر، يقال: هو الوريد في العنق، وبعضهم يجعله ~~عرقا مستبطن الصلب ms1206 وقال ثابت بن عبد العزيز في كتاب خلق الإنسان: وفي ~~الصلب الوتين، وهو عرق أبيض غليظ كأنه قصبة، وفي الصلب الأبهر والأبيض ~~وهما عرقان، وقال الزبيدي في مختصر العين: والأبهران عرقان مكتنفا ~~الصلب، وقيل: هما الأكحلان. وقال الفيروزآبادي في قاموسه: والأبهر: الظهر ~~وعرق فيه ووريد العنق والأكحل والكلية، والوتين: عرق في القلب إذا انقطع ~~مات صاحبه. وقال ابن الفرات في الوفاة من السيرة من تاريخه: قال الحربي: ~~العرق في الظهر يسمى الأبهر، وفي اليد الأكحل، وفي العنق الوريد، وفي ~~الفخذ النسا، وفي الساق الأبجل، وفي العين الشأن، وهو عرق واحد، كله يسمى ~~الجدول. وقال ابن كيسان أيضا: هو الوتين في القلب والصافن. # وقال الإمام أبو غالب بن التياني الأندلسي في كتابه الموعب: إسماعيل بو ~~حاتم: الأبهر عرق في الظهر، وقال: هو الوريد في العنق، ثم يقال: والأبهر ~~عرق مستبطن المتن؛ الأصمعي: وفي الصلب الأبهر وهو عرق؛ صاحب العين: ~~الأبهران الأكحلان، ويقال: هما عرقان مكتنفا الصلب من جانبيه. وقال صلى ~~الله عليه وسلم: # " ما زالت أكلة خيبر تعادني كل عام فالآن حين قطعت أبهري " # يعني عرقي، ويقال: الأبهر عرق مستبطن الصلب، وإذا انقطع فلا حياة بعده. ~~وهذا اللفظ الذي ذكره رواه البخاري والطبراني عن عائشة رضي الله عنها. ~~ومعنى تعادني: تناظرني وتخالفني، ومن العديد بمعنى الند الذي هو المثل ~~المضاد والمنافر، أي إني كلما زدت في جسمي صحة، نقصته بما لها من الضر ~~والأذى. ### || [5.68-69] # ولما أمر سبحانه بالتبليغ العام، أمره بنوع منه على وجه يؤكد ما ختمت به ~~آية التبليغ من عدم الهداية لمن حتم بكفره، ويبطل - مع تأكيده - هذه ~~الدعوى: قولهم: نحن أبناء الله وأحباءه، فقال مرهبا لهم بعد ما تقدم من ~~الترغيب في إقامته: { قل يا أهل الكتاب } أي من اليهود والنصارى { لستم ~~على شيء } أي سار أو يعتد به من دنيا ولا آخرة، لأنه لعدم نفعه لبطلانه ~~لا يسمى شيئا أصلا { حتى تقيموا } أي بالعمل بالقلب والقالب { التوراة ~~والإنجيل } وما فيهما من الإيمان بعيسى ثم بمحمد عليهما ms1207 الصلاة والسلام ~~بالإشارة إلى كل منهما بالخصوص بنحو ما تقدم في الإشراق من ساعير والظهور ~~ممن فاران، وبالإشارة بالعموم إلى تصديق كل من أتى بالمعجز، وصدق ما قبله ~~من منهاج الرسل { وما أنزل }. # ولما كان ما عندهم إنما أوتي إليهم بواسطة الأنبياء، عداه بحرف الغاية ~~فقال: { إليكم من ربكم } أي المحسن إليكم بإنزاله على ألسنة أنبيائكم من ~~البشارة بهما، وعلى لسان هذا النبي العربي الكريم مما يصدق ما قبله، ~~فإنهم يعلمون ذلك ولكنهم يجحدونه. # ولما كان السياق لأن أكثرهم هالك، صرح به دالا بالعطف على غير معطوف ~~عليه أن التقدير: فليؤمنن به من أراد الله منهم، فقال: { وليزيدن كثيرا ~~منهم } أي ما عندهم من الكفر بما في كتابهم { مآ أنزل إليك من ربك } ~~المحسن إليك بإنزاله { طغيانا } تجاوزا شديدا للحد { وكفرا } أي ~~سترا لما دل عليه العقل. # ولما كان صلى الله عليه وسلم شديد الشفقة على خلق الله، سلاه في ذلك ~~بقوله: { فلا } أي فتسبب عن إعلام الله لك بذلك قبل وقوعه ثم عن وقوعه ~~كما أخبر أن تعلم أنه بإرادته وقدرته، فقال لك: لا { تأس } أي تحزن { على ~~القوم الكافرين } أي على فوات العريقين في الكفر لأنهم لم يضروا إلا ~~أنفسهم لأن ربك العليم القدير لو علم فيهم خيرا لأقبل بهم إليك، والحاصل ~~أنه ختم هذه الآية بمعلول الآية التي قبلها، فكأنه قبل: بلغ، فإن الله هو ~~الهادي المضل، فلا تحزن على من أدبر. # ولما كان ما مضى في هذه السورة غالبا في فضائح أهل الكتاب لا سيما ~~اليهود وبيان أنهم عضوا على الكفر، ومردوا على الجحد، وتمرنوا على البهت، ~~وعتوا عن أوامر الله، كان ذلك موجبا لأنه ربما حدث في الخاطر أنه إن آمن ~~منهم أحد ما يقبل، أو لأن يقولوا هم: ليس في دعائنا حينئذ فائدة فلا ~~تدعنا، أخبر أن الباب مفتوح لهم ولغيرهم من جميع أهل الملل، وأنه ليس بين ~~الإنسان وبين أن يكون من أهله إلا عدم الإخلاص، فإذا أخلص أذن في دخوله ~~ونودي بقبوله، ms1208 أو يقال - وهو أحسن: لما أخبر عن كثير منهم بالزيادة في ~~الكفر، رغب القسم الآخر على وجه يعم غيرهم، أو يقال: إنه لما طال الكلام ~~معهم. # كان ربما ظن أن الأمر ترغيبا وترهيبا وأمرا ونهيا خاص بهم، فوقع ~~الإعلام بأنهم وغيرهم من جميع الفرق في ذلك سواء، تشريفا لمقدار هذا ~~النبي الكريم بعموم الدعوة وإحاطة الرسالة فقال سبحانه: { إن الذين آمنوا ~~} أي قالوا: آمنا { والذين هادوا } أي اليهود { والصابئون } أي القائلون ~~بالأوثان السماوية والأصنام الأرضية { والنصارى } أي الذين يدعون اتباع ~~المسيح عليه السلام. # ولما كان اليهود قد عبدوا الأصنام متقربين بها إلى النجوم في استنزال ~~الروحانيات انهماكا في السحر الذي جاء نبيهم موسى عليهم السلام بإبطاله، ~~وكان ذلك هو معنى دين الصابئة، وفرق بين فريقي بني إسرائيل بهم مكتفيا ~~بهم عن ذكر بقية المشركين لما مضى في البقرة، ولما سبق في هذه السورة من ~~ذم اليهود بالنقض للميثاق والكفر واللعن والقسوة وتكرر الخيانة وإخفاء ~~الكتاب والمسارعة في الكفر والنفاق والتخصيص بالكفر والظلم والفسق وغير ~~ذلك من الطامات ما يسد الأسماع، كان قبول توبتهم جديرا بالإنكار، وكانوا ~~هم ينكرون عنادا فلاح العرب من آمن منهم ومن لم يؤمن، فاقتضى الحال كون ~~الفريقين في حيز التأكيد، ولم يتقدم للصابئة ذكر هنا فأخرجوا منه تنبيها ~~على أن المقام لا يقتضيه لهم، فابتدىء بذكرهم اعتراضا ودل على الخبر ~~عنهم بخبر " إن " ، أو أنه لما كان المقام للترغيب في التوبة، وجعل هؤلاء ~~مع شناعة حالهم بظهور ضلالهم كمن لا إنكار لقبول توبته، كان غيرهم أولى ~~بذلك، ولما كان حال النصارى مشتبها، جعلوا في حيز الاحتمال للعطف على ~~اليهود لما تقدم من ذمهم، وعلى الصابئة لخفة حالهم بأنهم مع أن أصل دينهم ~~صحيح لم يبلغ ذمهم السابق في هذه السورة مبلغ ذم اليهود { من آمن } أي ~~منهم مخلصا من قلبه، ولعله ترك الجار إعراقا في التعميم { بالله } أي ~~الذي له جميع الجلال والإكرام { واليوم الآخر } أي الذي يبعث فيه العباد ~~بأرواحهم وأشباحهم، ويبعث من ذكره على ms1209 الزهادة وألحد في العبادة، ~~وبالإيمان به يحصل كمال المعرفة بالله تعالى باعتقاد كمال قدرته { وعمل ~~صالحا } أي صدق إيمانه القلبي بالعمل بما أمر به، ليجمع بين فضيلتي ~~العلم والعمل، ويتطابق الجنان مع الأركان { فلا خوف عليهم } يعتد به في ~~دنيا ولا في آخرة { ولا هم } أي خاصة { يحزنون * } أي على شيء فات، لأنه ~~لا يفوتهم شيء يؤسف عليه أصلا، وأما غيرهم فهم في الحزن أبدا، وفي ~~الآية تكذيب لهم في قولهم # ليس علينا في الأميين سبيل # [آل عمران: 75] المشار إليه في هذه السورة بنسبتهم إلى أكل السحت في غير ~~موضع، وفي نصوص التوراة الموجودة بين أظهرهم الآن أعظم ناصح لهم في ذلك ~~كما سبق في أوائل البقرة، وقال في السفر الرابع منها عند ذكر التيه ~~ووصاياهم إذ أدخلهم الأرض المقدسة، ومكنهم فيها بأشياء منها القربان: وإن ~~سكن بينكم رجل غريب يقبل إلي أو بين أولادكم لأحقابكم ويقرب قربانا ~~لريح قتار الذبيحة للرب يفعل كما فعلتم أنتم، ولتكن السنة واحدة لكم ~~وللذين يقبلون إلي ويسكنون بينكم سنة جارية لأحقابكم إلى الأبد، والذين ~~يقبلون إلي من الغرباء يكونون أمام الرب مثلكم، ولتكن لكم سنة واحدة ~~وحكومة واحدة لكم وللذين يقبلون إلي ويسكنون معكم. ### || [5.70-73] # ولما كانت هذه البشارة - الصادقة من العزيز العليم الذي أهل الكتاب أعرف ~~الناس به لمن آمن كائنا من كان - موجبة للدخول في الإيمان والتعجب ممن ~~لم يسارع إليه، وكان أكثر أهل الكتاب إنما يسارعون في الكفر، كان الحال ~~مقتضيا لتذكر ما مضى من قوله تعالى # ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا # [المائدة: 12] وزيادة العجب منهم مع ذلك، فأعاد سبحانه الإخبار به ~~مؤكدا له تحقيقا لأمره وتفخيما لشأنه، وساقه على وجه يرد دعوى البنوى ~~والمحبة، ملتفتا مع التذكير بأول قصصهم في هذه السورة إلى أول السورة # أوفوا بالعقود # [المائدة: 1] وعبر في موضع الجلالة بنون العظمة، وجعل بدل النقباء الرسل ~~فقال مستأنفا: { لقد أخذنا } أي على ما لنا من العظمة { ميثاق بني ~~إسرائيل } أي على ms1210 الإيمان بالله ثم بمن يأتي بالمعجز مصدقا لما عنده ~~بحيث يقوم الدليل على أنه من رسل الله الذين تقدم أخذ العهد عليهم ~~بالإيمان بهم، ودل على عظمة الرسل بقوله في مظهر العظمة: { وأرسلنا إليهم ~~رسلا } أي لم نكتف بهذا العهد، بل لم نخلهم من بعد موسى من الرسل الذين ~~يرونهم الآيات ويجددون لهم أوامر الرب إلى زمن عيسى عليه السلام، روى ~~الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه - البخاري في بني إسرائيل ومسلم في ~~المغازي - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا ~~نبي بعدي، وسيكون خلفاء فيكثرون، قالوا: فما تأمرنا؟ قال: فوا ببيعة ~~الأول فالأول وأعطوهم حقهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم " # انتهى. ومع ذلك فلم يخل لهم زمان طويل من الكفر لا في زمن موسى ولا في ~~زمن من بعده من الأنبياء عليهم السلام، حتى قتلوا كثيرا من الرسل وهو ~~معنى قوله - جوابا لمن كأنه قال: ما فعلوا بالرسل: { كلما جاءهم رسول } ~~أي من أولئك الرسل أي رسول كان { بما لا تهوى أنفسهم } أي بشيء لا تحبه ~~نفوسهم محبة تتساقط بها إليه، خالفوه، فكأنه قيل: أي مخالفة؟ فقيل: { ~~فريقا } أي من الرسل { كذبوا } أي كذبهم بنو إسرائيل من غير قتل، ودل ~~على شدة بشاعة القتل وعظيم شناعته بالتعبير بالمضارع تصويرا للحال ~~الماضية وتنبيها على أن هذا ديدنهم وهو أشد من التكذيب فقال: { وفريقا ~~يقتلون * } أي مع التكذيب وليدل على ما وقع منهم في سم النبي صلى الله ~~عليه وسلم، وقدم المفعول للدلالة على انحصار أمرهم في حال التكذيب ~~والقتل، فلا حظ لهم في تصديق مخالف لأهوتيهم { وحسبوا } أي لقلة عقولهم ~~مع مباشرتهم لهذه العظائم التي ليس بعدها شيء { ألا تكون } أي توجد { ~~فتنة } أي أنه لا يصيبهم بها عذاب في الدنيا ولا خزي في الأخرى، بل ~~استحقوا بأمرها، فلا تعجب أنت من جرأتهم في ادعائهم أنهم أبناء الله ~~وأحباؤه، وقرىء: تكون - بالرفع تنزيلا للحسبان منزلة العلم فتكون ms1211 مخففة ~~من الثقيلة التي للتحقيق، وبالنصب كان الحسبان على بابه، وأن، على بابها ~~خفيفة ناصبه للفعل، لأن القاعدة - كما ذكر الواحدي - أن الأفعال على ~~ثلاثة أضرب: فعل للثبات والاستقرار كالعلم والتيقن والبيان، تفع بعده ~~الثقيلة دون الخفيفة، وفعل للزلزلة والاضطراب كالطمع والخوف والرجاء، فلا ~~يكون بعده إلا الخفيفة الناصبة للمضارع، وفعل يقع على وجهين كحسب: تارة ~~تكون بمعنى طمع فتنصب، وتارة بمعنى علم فترفع، فإن رفع هنا كان الحسبان ~~بمعنى العلم عندهم لقوة عنادهم، وإن نصب كان بمعنى الطمع لأنهم عالمون ~~بأن قتلهم لهم خطأ، فتنزل القراءتان على فريقين - والله أعلم، وأيضا ~~فقراءة الرفع تفيد تأكيد حسبانهم المفيد لعدم خوفهم بزيادة عماهم { فعموا ~~} أي فتسبب عن إدلالهم إدلال الولد والمحبوب جهلا منهم وحماقة بظنهم ~~أنهم لا تنالهم فتنة أنهم وجد عماهم العمى الذي لا عمى في الحقيقة ~~سواه، وهو انطماس البصائر # فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور # [الحج: 46] حتى في زمن موسى عليه السلام { وصموا } أي بعده وبعد يوشع ~~عليهما السلام، لأن الصمم أضر من العمى، فصاروا كمن لا يهتدي إلى سبيل ~~أصلا، لأنه لا بصر له بعين ولا قلب ولا سمع { ثم تاب الله } أي الذي له ~~الإحاطة بصفات الكمال { عليهم } أي فرجعوا إلى الحق وتكرر لهم ذلك { ثم ~~عموا } أي في زمن المسيح عليه السلام { وصموا } أي بعده. # ولما كان الإتيان بالضمير مفهما لأن ذلك عمهم كلهم، أعلم سبحانه أن ذلك ~~ليس كذلك بقوله: { كثير منهم } إلا أن سوقه للعبارة هذا المساق يدل على ~~أن من لم يكفر منهم كان مزلزلا غير راسخ القدم في الهدى - والله أعلم، ~~وربما دل عليه قوله: { والله } أي المحيط بكل شيء قدرة وعلما { بصير بما ~~يعملون * } أي وإن دق وإن كانوا يظنون أنهم أسسوا عملهم على علم، وقد مضى ~~في قوله " من لعنه الله وغضب عليه " ما يشهد لهذا من عبادتهم بعلا الصنم ~~وغيره من الأصنام مرة بعد مرة. # ولما أخبر تعالى بفساد أعمالهم، دل على ذلك بقوله ms1212 مستفتحا مبينا من ~~حال النصارى ما بين من حال اليهود، ومؤكدا لختم آية التبليغ بما ينقض ~~دعواهم في البنوة والمحبة: { لقد كفر } أي ستر ما دل عليه النقل وهدى ~~إليه العقل { الذين قالوا إن الله } أي على ما له من نعوت الجلال والجمال ~~{ هو المسيح } فبين بصيغة فعيل - التي لا مانع من أن تكون للمفعول - ~~بعده عما ادعوه فيه، ثم أوضح ذلك بقوله: { ابن مريم } أيضاحا لا خفاء ~~معه. # ولما كانت دعوى الاتحاد الذي هو قول اليعقوبية أشد في الكفر وأنفى للإله ~~من دعوى التثليث الذي هو قول النسطورية والملكية القائلين بالأقانيم، ~~قدمها وبين تعالى أنهم خالفوا فيها أمر المسيح الذي ادعوا أنه الإله ~~فقال: { وقال } أي قالوا هذا الذي كفروا به والحال أنه قال لهم { المسيح ~~} ضغطه عليهم ودعاء إلى ما هو الحق { يا بني إسرائيل } أي الذي كان يتشرف ~~بعبادة الله وتسميته بأنه عبده { اعبدوا الله } أي الملك الأعظم الذي كل ~~شيء تحت قهره، فأمرهم بأداء الحق لأهله مذكرا لهم بعظمته، ثم ذكرهم ~~بإحسانه وأنه وإياهم في ذلك شرع واحد، فقال مقدما لما يتعلق به لأنه أهم ~~لإنكارهم له { ربي وربكم } فلم يطيعوا الإله الحق ولا الذي ادعوه إلها، ~~فلا أضل منهم ولا أسفه، قال أبو حيان في النهر: وهذا الذي ذكره الله ~~تعالى عنه هو مذكور في إنجيلهم يقرؤونه ولا يعملون به، وهو قول المسيح: ~~يا معشر بني المعمودية - وفي رواية: يا معشر الشعوب - قوموا بنا إلى أبي ~~وأبيكم وإلى إلهي وإلهكم ومخلصي ومخلصكم - انتهى. وقد أسلفت أنا في آل ~~عمران وغيرها عن الإنجيل كثيرا من شواهد ذلك، ويأتي في هذه السورة ~~وغيرها كثير منه. # ولما أمرهم بما يفهم منه الإخلاص لله تعالى في العبادة لما ذكر من جلاله ~~وأن ما سواه مربوب، ولأنه أغنى الأغنياء، فمن أشرك به شيئا لم يعتد له ~~بعبادة، علل ذلك بقوله: { إنه من يشرك } أي الآن أو بعد الآن في زمن من ~~الأزمان { بالله } أي الذي تفرد بالجلال في عبادة أو ms1213 فيما هو مختص به من ~~صفة أو فعل { فقد حرم الله } أي الذي له الأمر كله فلا أمر لأحد معه { ~~عليه الجنة } أي منعه من دخولها منعا عظيما متحتما. # ولما كان المنع من دار السعداء مفهما لكونه في دار الأشقياء، صرح به ~~فقال: { ومأواه } أي محل سكناه { النار } ولما جرت عادة الدنيا بأن من ~~نزل به ضيم يسعى في الخلاص منه بأنصاره وأعوانه، نفى ذلك سبحانه مظهرا ~~للوصف المقتضي لشقائهم تعليلا وتعميما فقال: { وما للظالمين } أي لهم ~~لظلمهم { من أنصار * } لا بفداء ولا بشفاعة ولا مقاهرة بمجاهرة ولا ~~مساترة، لأن من وضع عمله في غير موضعه فكان ماشيا في الظلام، لا تمكنه ~~أصلا مقاومة من هو في أتم ضياء، وهذا على التهديد على الكفر فلا يصح أن ~~يكون على مطلق المعصية ولو كانت كبيرة، فبطل قول المعتزلة. # ولما انقضى هذا النقض، وقدمه لأنه كما مضى أشد، أتبعه إبطال دعوى ~~التثليث بقوله مبدلا من تلك النتيجة نتيجة أخرى: { لقد كفر الذين قالوا ~~} بجرأة على الكلام المتناقض وعدم حياء { إن الله } أي على ما له من ~~العظمة التي منها الغنى المطلق { ثالث } أي واحد { ثلاثة } أي كلهم آلهة، ~~وأما القائل بأنه ثالث بالعلم فلا يكفر. # ولما أعلم بكفرهم، أشار إلى إبطاله كما أشار إلى إبطال الأول كما سلف ~~بما لا يخفى على أحد، تحقيقا لتلبسهم بمعنى الكفر الذي هو ستر ما هو ~~ظاهر فقال: { وما } وأغرق في النفي كما هو الحق واقتضاه المقام فقال: { ~~من إله إلا إله واحد } أي قالوا ذلك والحال أنه لا يصح ولا يتصور في ~~العقل أن يكون الإله متعددا لا تحقيقا ولا تقديرا بوجه من الوجوه، لا ~~يكون إلا واحدا بكل اعتبار، وهو الله تعالى لا غيره، وقد بين عيسى عليه ~~السلام في الإنجيل الذي بين أظهرهم أنه لا يصح أن يكون الإله إلا واحدا ~~- بالمعتمد من أدلة ذلك عند محققي أهل الأصول وهو برهان التمانع المشار ~~إليه في كتابنا بقوله تعالى # لو كان فيهما آلهة إلا ms1214 الله لفسدتا # [الأنبياء: 22] فقال مترجمهم في إنجيل متى: حينئذ أتى إليه - أي عيسى ~~عليه لاسلام - بأعمى أخرس له شيطان، فأبرأه حتى أنه تكلم وأبصر، فبهت ~~الجمع كلهم وقالوا: لعل هذا هو ابن داود! فسمع الفريسيون فقالوا: هذا لا ~~يخرج الشياطين إلا بباعل زبول رئيس الشياطين، فلما علم مكرهم قال لهم: كل ~~مملكة تنقسم على ذاتها تخرب، وكل مدينة أو بيت ينقسم لا يثبت، فإن كان ~~الشيطان يخرج الشيطان فقد انقسم فكيف يقوم ملكه؟ فإن كنت أنا أخرج ~~الشياطين بباعل زبول فأبناؤكم بما تخرجونهم! من أجل هذا هم يكونون عليكم، ~~وإن كنت أنا بروح الله أخرج الشياطين فقد قربت منكم ملكوت الله، وكيف ~~يستطيع حد أن يدخل بيت القوي ويخطف متاعه إلا أن يربط القوي أولا، حينئذ ~~ينهب بيته. وقال مرقس: وأما الكتبة الذين أتوا من يروشليم فقالا: إن بعل ~~زبول معه، وباركون الشياطين يخرج الشياطين؛ فدعاهم وقال لهم: كيف يقدر ~~شيطان أن يخرج شيطانا! وكل مملكة تنقسم لا تثبت تلك المملكة، فإذا اختلف ~~أهل البيت لا يثبت ذلك البيت، وإن كان الشيطان الذي يقاوم بقيته وينقسم ~~فلن يقدر أن يثبت، لكن له انقضاء، لا يقدر أحد أن يدخل بيت القوي وينتهب ~~بيته إلا أن يربطه أولا, وينتهب متاعه, الحق أقول لكم! إن كل شيء يغفر ~~لبني الناس من الخطايا والتجديف الذي يجدفونه، والمجدفين على روح القدس ~~ليس يغفر لهم إلى لأبد، بل يحل بهم العقاب الدائم، لأنهم يقولون: إن معه ~~روحا نجسا. قال متى: من ليس معي فهو علي، ومن لا يجمع معي فهو يفرق، ~~من أجل هذا أقول لكم: إن كل خطيئة وتجديف يترك للناس، والتجديف على روح ~~القدس لا يترك، ومن يقل كلمة على ابن الإنسان يترك له، والذي يقول على ~~روح القدس لا يترك له في هذا الدهر ولا في الآتي، إما أن تصيروا الشجرة ~~الجيدة وثمرتها جيدة، وإما أن تصيروا الشجرة الرديئة وثمرتها رديئة، لأن ~~من الثمرة تعرف الشجرة، يا أولاد الأفاعي! كيف تقدرون أن تتكلموا ms1215 بالصلاح ~~وأنتم أشرار! إنما يتكلم الفم من فضل ما في القلب، الرجل الصالح من كنزه ~~الصالح يخرج الصلاح، والرجل الشرير من كنزه الشرير يخرج الشر، أقول لكم: ~~إن كل كلمة يتكلم بها الناس بطالة يعطون عنها جوابا في يوم الدين، لأنك ~~من كلامك تبرر، ومن كلامك يحكم عليك. # وفي إنجيل لوقا: وفيما هو يتكلم إذا رفعت امرأة من الجمع صوتها وقالت: ~~طوبى لبطن التي حملتك، ولثدي التي أرضعتك، فقال لها: مهلا! طوبى لمن ~~يسمع كلام الله ويحفظه - انتهى. حينئذ أجابه قوم من الكتبة والفريسين ~~قائلين: نريد يا معلم أن ترينا آية, أجابهم وقال لهم: الجيل الشرير ~~الفاسق يطلب آية فلا يعطي آية إلا آية يونان النبي؛ قال لوقا: فكما كان ~~في يونان آية لأهل نينوى، كذلك يكون ابن الإنسان لهذا الجيل آية - انتهى. ~~رجال نينوى يقومون في الحكم ويحاكمون هذا الجيل، لأنهم تابوا بكريزة ~~يونان - وقال لوقا: بإنذار يونان - وهاهنا أفضل من يونان ملكة التيمن ~~تقوم في الحكم مع هذا الجيل وتحاكمه، لأنها أتت من أقصى الأرض لتسمع من ~~حكمة سليمان، وههنا أفضل من سليمان، إن الروح النجس إذا خرج من الإنسان ~~يأتي أمكنة ليس فيها ماء، يطلب راحة فلا يجد، فيقول حينئذ: أرجع إلى بيتي ~~الذي خرجت منه، فيأتي فيجد المكان فارغا مكنوسا مزينا، فيذهب حينئذ ~~ويأخذ معه سبعة أرواح أخر شرا منه ويأتي ويسكن هناك، فتصير آخرة ذلك ~~الإنسان شرا من أوليته، وهكذا يكون لهذا الجيل الشرير - انتهى. والتجديف ~~هو الكفر بالنعم، ويونان: يونس عليه السلام، والكريزة - بينها لوقا بأنها ~~الإنذار، والتيمن: اليمن، والأركون - بضم الهمزة والكاف بينهما راء مهملة ~~ساكنة: الكبير، ويروشليم - بفتح التحتانية وضم المهملة ثم شين معجمة: بيت ~~المقدس، وباعل زبول - لا تصح أصلا، وأما الدليل على عدم شركة كل من عيسى ~~وأمه عليهما السلام بخصوصهما فسيأتي تقريره بقوله تعالى # كانا يأكلان الطعام # [المائدة: 75] والمراد من ذلك كله أنه متى دخلت الشركة أتى النقص فعلا ~~أو إمكانا، ومن اعترته شائبة نقص لم يصح كونه إلها. ms1216 # ولما أخبر أنهم كفروا، وأشار إلى نقض قولهم، كان أنسب الأشياء بعده أن ~~يعطف عليه ترهيبهم ثم ترغيبهم فقال تعالى: { وإن لم ينتهوا } أي الكفرة ~~بجميع أصنافهم { عما يقولون } أي من هاتين المقالتين وما داناهما { ليمسن ~~} أي مباشرة من غير حائل { الذين كفروا } أي داموا على الكفر، وبشر ~~سبحانه بأنه يتوب على بعضهم بقوله: { منهم عذاب أليم }. ### || [5.74-76] # ولما كان من شأن العاقل أنه لا يقدم على باطل، فإن وقع ذلك منه وشعر ~~بنوع ضرر يأتي بسببه بادر إلى الإقلاع عنه، تسبب عن هذا الإنذار - بعد ~~بيان العوار - الإنكار عليهم في عدم المبادرة إلى التوبة إيضاحا لأن ~~معنى كفروا: داموا عليه، فقال: { أفلا يتوبون } أي يرجعون بعد هذا الكفر ~~الذي لا أوضح من بطلانه ولا أبين من فساده والوعيد الشديد { إلى الله } ~~أي المتصف بكل وصف جميل { ويستغفرونه } أي يطلبون منه غفران ما أقدموا ~~عليه من العار البين العوار؛ ولما كان التقدير: فالله تواب حكيم، عطف ~~عليه قوله: { والله } ويجوز أن يكون التقدير: والحال أن المستجمع لصفات ~~الكمال أزلا وأبدا { غفور } أي بليغ المغفرة، يمحو الذنوب فلا يعاقب ~~عليها ولا يعاتب { رحيم * } أي بالغ الإكرام لمن أقبل إليه. # ولما أبطل الكفر كله بإثبات أفعاله من إرساله وإنزاله وغير ذلك من ~~كماله، وأثبت التوحيد على وجه عام، أتبع ذلك تخصيص ما كفر به المخاطبون ~~بالإبطال، فكان ذلك دليلا على وجه عام، أتبع ذلك تخصيص ما كفر به ~~المخاطبون بالإبطال, فكان ذلك دليلا خاصا بعد دليل عام، فقال تعالى على ~~وجه الحصر في الرسلية ردا على من يعتقد فيه الإلهية واصفا له بصفتين لا ~~يكونان إلا لمصنوع مربوب: { ما المسيح } أي الممسوح بدهن القدس المطهر ~~المولود لأمه { ابن مريم إلا رسول } وبين أنه ما كان بدعا ممن كان قبله ~~من إخوانه بقوله: { قد خلت من قبله الرسل } أي فما من خارقة له، وإلا وقد ~~كان مثلها أو أعجب منها لمن قبله كآدم عليه السلام في خلقه من تراب، ~~وموسى عليه السلام في ms1217 قلب العصى حية تسعى - ونحو ذلك. # ولما كفروا بأمه أيضا عليهما السلام بين ما هو الحق في أمرها فقال: { ~~وأمه صديقة } أي بليغة الصدق في نفسها والتصديق لما ينبغي أن يصدق، ~~فرتبتها تلي رتبة الأنبياء، ولذلك تكون من أزواج نبينا صلى الله عليه ~~وسلم في الجنة. وهذه الآية من أدلة من قال: إن مريم عليها السلام لم تكن ~~نبية، فإنه تعالى ذكر أشرف صفاتها في معرض الرد على من قال بإلهيتهما ~~إشارة إلى بيان ما هو الحق في اعتقاد ما لهما من أعلى الصفات، وأنه من ~~رفع واحدا منها فرق ذلك فقد أطراه، ومن نقصه عنه فقد ازدراه، فالقصد ~~العدل بين الإفراط والتفريط باعتقاد أن أعظم صفات عيسى عليه السلام ~~الرسالة، وأكمل صفات أمه الصديقية. # ولما كان المقام مقام البيان عن نزولهما عن رتبة الإلهية، ذكر أبعد ~~الأوصاف منها فقال: { كانا يأكلان الطعام } وخص الأكل لأنه مع كونه ضعفا ~~لازما ظاهرا هو أصل الحاجات المعترية للإنسان فهو تنبيه على غيره، ومن ~~الأمر الجلي أن الإله لا ينبغي أن يدنو إلى جنابه عجز أصلا، وقد اشتمل ~~قوله تعالى { وقال المسيح } وقوله { كانا يأكلان الطعام } [المائدة: 75] ~~على أشرف أحوال الإنسان وأخسها، فأشرفها عبادة الله، وأخسها الاشتغال ~~عنها بالأكل الذي هو مبدأ الحاجات. # ولما أوضح ما هو الحق في أمرهما حتى ظهر كالشمس بعدهما عما أدعوه ~~فيهما، أتبعه التعجب من تمام قدرته على إظهار الآيات وعلى الإضلال بعد ~~ذلك البيان فقال: { انظر كيف نبين لهم الآيات } أي نوضح إيضاحا شافيا ~~العلامات التي من شأنها الهداية إلى الحق والمنع من الضلال؛ ولما كان ~~العمى عن هذا البيان في غاية البعد، أشار إليه بأداة التراخي فقال: { ثم ~~انظر أنى } أي كيف ومن أين؛ ولما كان العجب قبولهم للصرف وتأثرهم به، ~~لا كونه من صارف معين، بنى للمفعول قوله: { يؤفكون * } أي يصرفون عن الحق ~~وبيان الطريق صرف من لا نور له أصلا من أي صارف كان، فصرفهم في غاية ~~السفول، وبيان الآيات في غاية العلو، فبينهما ms1218 بون عظيم. # ولما نفى عنهما الصلاحية لرتبة الإلهية للذات، أتبعها نفي ذلك من حيث ~~الصفات، فقال منكرا مصرحا بالإعراض عنهم إشارة إلى أنهم ليسوا أهلا ~~للإقبال عليهم: { قل } أي للنصارى أيها الرسول الأعظم { أتعبدون } ونبه ~~على أن كل شيء دونه، وأنهم اتخذوهم وسيلة إليه بقوله: { من دون الله } ~~ونبه بإثبات الاسم الأعظم على أن له جميع الكمال، وعبر عما عبدوه بأداة ~~ما لا يعقل تنبيها على أنه سبحانه هو الذي أفاض عليه ما رفعه عن ذلك ~~الحيز، ولو شاء لسلبه عنه فقال: { ما لا يملك لكم ضرا } أي من نفسه ~~فتخشوه { ولا نفعا } أي فترجوه، ليكون لكم نوع عذر أو شبهة، ولا هو سميع ~~يسمع كل ما يمكن سمعه بحيث يغيث المضطر إذا استغاث به في أي مكان كان ولا ~~عليم يعلم كل ما يمكن علمه بحيث يعطي على حسب ذلك، وكل ما يملك من ذلك ~~فبتمليك الله له كما ملككم من ذلك ما شاء. # ولما نفى عنه ما ذكر تصريحا وتلويحا، أثبته لنفسه المقدسة كذلك فقال: ~~{ والله } أي والحال أن الملك الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلى ~~والكمال كله { هو } أي خاصة { السميع العليم * } وهو وحده الضار النافع، ~~يسمع منكم هذا القول ويعلم هذا المعقد السيىء، وإنما قرن بالسميع العليم، ~~دون البصير لإرادة التهديد لمن عبد غيره، لأن العبادة قول أو فعل، ومن ~~الفعل ما محله القلب وهو الاعتقاد، ولا يدرك بالبصر بل بالعلم، والآية - ~~كما ترى - من الاحتباك: دل بما أثبته لنفسه على سبيل القصر على نفيه في ~~الجملة الأولى عن غيره، وبما نفاه في الجملة الأولى عن غيره على إثباته ~~له - والله الموفق. ### || [5.77-78] # ولما قامت الأدلة على بطلان قول اليهود ثم على بطلان مدعى النصارى، ولم ~~يبق لأحد علة، أمره صلى الله عليه وسلم أن ينهى الفريقين عن الغلو ~~بالباطل في أمر عيسى عليه السلام: اليهود بإنزاله عن رتبته، والنصارة ~~برفعه عنها بقوله تعالى: { قل يا أهل الكتاب } أي عامة { لا تغلوا } أي ~~تجاوزوا الحد علوا ms1219 ولا نزولا { في دينكم }. # ولما كان الغلو ربما أطلق على شدة الفحص عن الحقائق واستنباط الخفي من ~~الأحكام والدقائق من خبايا النصوص، نفى ذلك بقوله: { غير الحق } وعرفه ~~ليفيد أن المبالغة في الحق غير منهي عنها، وإنما المنهي عنه تجاوز دائرة ~~الحق بكمالها، ولو نكر لكان من جاوز حقا إلى غيره واقعا في النهي، كما ~~جاوز الاجتهاد في الصلاة النافلة إلى الجد في العلم النافع، ولو قيل: ~~باطلا، لأوهم أن المنهي عنه المبالغة في الباطل، لا أصله ومطلقه. # ولما نهاهم أن يضلوا بأنفسهم، نهاهم أن يقلدوا في ذلك غيرهم فقال: { ولا ~~تتبعوا } أي فاعلين فعل من يجتهد في ذلك { أهواء قوم } أي هووا مع ما ~~لهم من القوة، فكانوا أسفل سافلين، والهوى لا يستعمل إلا في البشر { قد ~~ضلوا } ولما كان ضلالهم غير مستغرق للزمان الماضي، أدخل الجار فقال: { من ~~قبل } أي من قبل زمانكم هذا عن منهاج العقل فصبروا على ضلالهم وأنسوا بما ~~تمادوا عليه في محالهم { وأضلوا } أي لم يكفهم ضلالهم في أنفسهم حتى ~~أضلوا غيرهم { كثيرا } أي من الناس بتماديهم في الباطل من التثليث وغيره ~~حتى ظن حقا { وضلوا } أي بعد بعث النبي صلى الله عليه وسلم بمنابذة ~~الشرع { عن سواء } أي عدل { السبيل * } أي الذي لا سبيل في الحقيقة غيره، ~~لأن الشرع هو الميزان القسط والحكم العدل، وهذا إشارة إلى أنهم إن لم ~~ينتهوا كانوا على محض التقليد لأسلافهم الذين هم في غاية البعد عن النهج ~~وترك الاهتداء بنور العلم، وهذا غاية في التبكيت، فإن تقليدهم لو كان ~~فيما يشبه الحق كان جهلا، فكيف وإنما هو تقليد في هوى. # ولما نهاهم عن ذلك وقبحه عليهم. علله محذرا منه بقوله تعالى بانيا ~~للمفعول، لأن الفاعل معروف بقرينة من هو على لسانهما: { لعن } ووصفهم بما ~~نبه على علة لعنهم بقوله: { الذين كفروا } وصرح بنسبتهم تعيينا لهم ~~وتبكيتا وتقريعا فقال: { من بني إسرائيل } وأكد هذا اللعن وفخمه بقوله: ~~{ على لسان داود } أي الذي كان على شريعة موسى عليه السلام، ms1220 وذلك ~~باعتدائهم في السبت فصاروا قردة { وعيسى ابن مريم } أي الذي نسخ شرع موسى ~~عليه السلام، بكفرهم بعد المائدة فمسخوا خنازير، لأنهم خالفوا النبيين ~~معا، فلا هم تعبدوا بما دعاهم إليه داود عليه السلام من شرعهم الذي هم ~~مدعون التمسك به، وعارفون بأن ما دعاهم إليه منه حقا، ولا هم خرجوا عنه ~~إلى ما أمروا بالخروج إليه على لسان موسى عليه السلام في بشارته به ~~متقيدين بطاعته، فلم تبق لهم علة من التقيد به ولا التقيد بحق دعاهم إليه ~~غيره، فعلم قطعا أنهم مع الهوى كما مضى، ولم ينفعهم مع نسبتهم إلى واحدة ~~من الشريعتين نسبتهم إلى إسرائيل عليه السلام، فإنه لا نسب لأحد عند الله ~~دون التقوى لا سيما في يوم الفصل إذ الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا ~~المتقين. # ولما أخبر بلعنهم وأشار إلى تعليله بكفرهم، صرح بتعليله بقوله: { ذلك } ~~أي اللعن التام { بما } أي بسبب ما { عصوا } أي فعلوا في ترك أحكام الله ~~فعل العاصي على الله { وكانوا يعتدون * } أي كانت مجاوزة الحدود التي ~~حدها الله لهم خلقا. # ذكر الإشارة إلى لعنهم في الزبور والإنجيل، قال في المزمور السابع ~~والسبعين من الزبور: أنصت يا شعبي لوصاياي، قربوا أسماعكم إلى قول فمي، ~~فإني أفتح بالأمثال فمي، وأنطق بالسرائر الأزلية التي سمعناها وعرفناها ~~وأخبرنا آباؤنا بها ولم يخفوها عن أبنائهم ليعرفوا الجيل الآتي تسابيح ~~الرب وقوته وعجائبه التي صنعها، أقام شهادته في يعقوب وجعل ناموسا في ~~إسرائيل كالذي أوصى آباءنا ليعلموا أبناءهم، لكيما يخبر الجيل الآخر ~~البنين الذين يولدون ويقومون، ويعلمون أيضا بنيهم أن يجعلوا توكلهم على ~~الله ولا ينسوا أعمال الرب، ويتبعوا وصاياه لئلا يكونوا كآبائهم الجيل ~~المنحرف المخالف الخلف الذي لم يثق قلبه ولم يؤمن بالله المفرج عنه، بنو ~~إفرام الذين أوتروا ورفعوا عن قسيهم وانهزموا في يوم القتال لأنهم لم ~~يحفظوا عهد الرب ولم يشاؤوا أن يسيروا في سبله، ونسوا حسن أعماله وصنائعه ~~التي أظهرها قدام آبائهم، العجائب التي صنعها بأرض مصر في مزارع صاعان، ~~فلق ms1221 البحر وأجازهم وأقام المياه كالزقاق، هداهم بالنهار في الغمام وفي ~~الليل أجمع بمصابيح النار، فلق صخرة في البرية وسقاهم منها كاللجج ~~العظيمة، أخرج الماء من الحجر فجرت المياه كجري الأنهار، وعاد الشعب ~~أيضا في الخطيئة، وأسخطوا العلي حيث لم يكن ماء، جربوا الله في قلوبهم ~~بمسألة الطعام لنفوسهم، وقذفوا على الله وقالوا: هل يقدر أن يصنع لنا ~~مائدة في البرية، لأنه ضرب الصخرة فجرت المياه وفاضت الأودية، هل يستطيع ~~أن يعطينا خبزا أو يعد مائدة لشعبه، سمع الرب فغضب واشتعلت النار في ~~يعقوب، وصعد الرجز على إسرائيل لأنهم لم يؤمنوا بالله ولا رجوا خلاصه، ~~فأمر السحاب من فوق وانفتحت أبواب السماء ليشبعوا، أهاج ريح التيمن من ~~السماء وأتى بقوة العاصف، وأنزل اللحم مثل التراب وطير السماء ذات ~~الأجنحة مثل رمل البحار، يسقطن في محالهم حول خيامهم، فأكلوا وشبعوا ~~جدا، أعطاهم شهوتهم ولم يحرمهم إرادتهم، فبينما الطعام في أفواههم إذ ~~غضب الله نزل عليهم فقتل في كثرتهم وصرع في مختاري إسرائيل، ومع هذا كله ~~أخطؤوا إليه أيضا ولم يؤمنوا بعجائبه، فنيت بالباطل أيامهم، وتصرمت ~~عاجلا سنوهم، فحين قتلهم رغبوا إلى الله وعادوا وابتكروا إليه وذكروا أن ~~الله معينهم وأن الله العلي مخلصهم، أحبوه بأفواههم وكذبوه بألسنتهم، ولم ~~تخلص له قلوبهم ولم يؤمنوا بعهده، وهو رحيم رؤوف، يغفر ذنوبهم ولا ~~يهلكهم، ويرد كثرة سخطه عنهم ولا يبعث كل رجزه، وذكر أنهم لحم وروح يذهب ~~ولا يعود، مرارا كثيرة أسخطوه في البرية وأغضبوه في أرض ظامئة، وعادوا ~~وجربوا الله وأسخطوا قدوس إسرائيل، ولم يذكروا يده في يوم نجاهم من ~~المضطهدين - انتهى. # هذا بعض ما في الزبور، وأما الإنجيل فطافح بذلك، منه ما في إنجيل متى، ~~قال: وانتقل يسوع من هناك وجاء إلى عبر الجليل، وصعد إلى الجبل وجلس ~~هناك، وجاء إليه جمع كبير معهم خرس وعمى وعرج وعسم وآخرون كثيرون، فخروا ~~عند رجليه فأبرأهم، وتعجب الجمع لأنهم نظروا الخرس يتكلمون والصم يسمعون ~~والعرج يمشون والعمى يبصرون، ومجدوا إله إسرائيل، وإن يسوع دعا تلاميذه ms1222 ~~وقال لهم: إني أتحنن على هذا الجمع، لأن لهم معي ثلاثة أيام ههنا، وليس ~~عندهم ما يأكلون، ولا أريد أطلقهم صياما لئلا يضيعوا في الطريق، قال ~~مرقس: لأن منهم من جاء من بعيد - انتهى. قال له التلاميذ: من أين نجد من ~~خبز القمح في البرية ما يشبع هذا الجمع؟ فقال لهم يسوع: كم عندكم من ~~الخبز؟ فقالوا: سبعة أرغفة ويسير من السمك، فأمر الجمع أن يجلس على الأرض ~~وأخذ السبع خبزات والسمك وبارك وكسر وأعطى تلاميذه، وناول التلاميذ ~~الجمع، فأكل جميعهم وشبعوا ورفعوا فضلات الكسر سبع قفاف مملوءة، وكان ~~الذين أكلوا نحو أربعة آلاف رجل سوى النساء والصبيان، وأطلق الجمع وصعد ~~السفينة وجاء إلى تخوم مجدل - وقال مرقس: إلى نواحي مابونا - وجاء ~~الفريسيون والزنادقة يجربونه ويسألونه أن يريهم آية من السماء، فأجابهم ~~يسوع قائلا: إذا كان المساء قلتم: إن السماء صاحية - لاحمرارها، ~~وبالغداة تقولون: اليوم شتاء - لاحمرار جو السماء العبوس، أيها المراؤون! ~~تعلمون آية هذا الزمان، الجيل الشرير الفاسق يطلب آية، ولا يعطى إلا آية ~~يونان النبي - وتركهم ومضى، ثم جاء التلاميذ إلى العبر ونسوا أن يأخذوا ~~خبزا - قال مرقس: ولم يكن في السفينة إلا رغيف واحد - وإن يسوع قال لهم: ~~انظروا وتحرزوا من خمير الفريسيين والزنادقة - وقال مرقس: وخمير هيرودس - ~~ففكروا قائلين: إنا لم نجد خبزا، فعلم يسوع فقال لهم: لماذا تفكرون في ~~نفوسكم يا قليلي الأمانة؟ إنكم ليس معكم خبز، أما تفهمون ولا تذكرون ~~الخمس خبزات لخمسة آلاف وكم سلا أخذتم؟ والسبع خبزات لأربعة آلاف، وكم ~~قفة أخذتم؟ لماذا لا تفهمون؟ لأني لم أقل لكم من أجل الخبز، حينئذ فهموا ~~أنه لم يقل لهم أن يتحرزوا من خمير الخبز، لكن من تعليم الزنادقة ~~والفريسيين، وقال لوقا: تحرزوا لأنفسكم من خمير الفريسيين الذي هو ~~الرياء، لأنه ليس خفي إلا سيظهر، ولا مكتوم إلا سيعلم، الذي تقولونه في ~~الظلام سيسمع في النور، والذي وعيتموه في الآذان سوف ينادى به على ~~السطوح، أقول لكم: يا أحبائي لا تخافوا ممن يقتل الجسد، ms1223 وبعد ذلك ليس له ~~أن يفعل أكثر، خافوا ممن إذا قتل له سلطان أن يلقى في نار جهنم - وسيأتي ~~بقية الإشارة إلى لعنهم في سورة الصف إن شاء الله تعالى، والعسم جمع أعسم ~~- بمهملتين، وهو من في يده أو قدمه اعوجاج أو يده يابسة. ### || [5.79-81] # ولما علل تعالى لعنهم بعصيانهم وغلوهم في الباطل، بينه مخصصا للعلماء ~~منهم بزيادة تهديد، لأنهم مع كونهم على المنكر لا ينهون غيرهم عنه، مع ~~أنهم أجدر من غيرهم بالنهي، فصاروا علي منكرين شديدي الشناعة، وسكوتهم ~~عن النهي مغو لأهل الفساد ومغر لهم ولغيرهم على الدخول فيه والاستكبار ~~منه فقال تعالى: { كانوا لا يتناهون } أي لا ينهى بعضهم بعضا، وبين ~~إغراقهم في عدم المبالاة بالتنكير في سياق النفي فقال: { عن منكر }. # ولما كان الفعل ما كان من الأعمال عن داهية من الفاعل سواء كان عن علم ~~أو لا، عبر به إشارة إلى أن لهم في المناكر غرام من غلبته الشهوة، ولم ~~يبق لهم نوع علم، فقال: { فعلوه }؛ ولما كان من طبع الإنسان النهي عن كل ~~ما خالفه طبعا أو اعتقادا، لا سيما إن تأيد بالشرع، فكان لا يكف عن ذلك ~~إلا بتدريب النفس عليه لغرض فاسد أداه إليه، أكد مقسما معبرا بالفعل ~~الذي يعبر به عما قد لا يصحبه علم ولا يكون إلا عن داهية عظيمة فقال: { ~~لبئس ما كانوا } أي جبلة وطبعا { يفعلون * } إشارة إلى أنهم لما تكررت ~~فضائحهم وتواترت قبائحهم صاروا إلى حيز ما لا يتأتى منه العلم. # ولما أخبر بإقرارهم على المناكر، دل على ذلك بأمر ظاهر منهم لازم ثابت ~~دائم مقوض لبنيان دينهم، فقال موجها بالخطاب لأصدق الناس فراسة وأوفرهم ~~علما وأثبتهم توسما وفهما: { ترى كثيرا منهم } أي من أهل الكتاب؛ ~~ولما كان الإنسان لا ينحاز إلى حزب الشيطان إلا بمنازعة الفطرة الأولى ~~السليمة، أشار إلى ذلك بالتفعل فقال: { يتولون } أي يتبعون بغاية جهدهم { ~~الذين كفروا } أي المشركين مجتهدين في ذلك مواظبين عليه، وليس أحد منهم ~~ينهاهم عن ذلك ولا يقبحه عليهم، ms1224 مع شهادتهم عليهم بالضلال هم وأسلافهم ~~إلى أن جاء هذا النبي الذي كانوا له في غاية الانتظار وبه في نهاية ~~الاستبشار، وكانوا يدعون الإيمان به ثم خالفوه، فمنهم من استمر على ~~المخالفة ظاهرا وباطنا، ومنهم من ادعى أنه تابع واستمر على المخالفة ~~باطنا، فكانت موالاته للمشركين دليلا على كذب دعواه ومظهرة لما أضمره ~~من المخالفة وأخفاه. # ولما كان ذلك منهم ميلا مع الهوى بغير دليل أصلا قال: { لبئس ما قدمت ~~} أي تقديم النزل للضيف { لهم أنفسهم } أي التي من شأنها الميل مع الهوى, ~~ثم بين المخصوص بالذم - وهو ما قدمت - بقوله: { إن سخط الله } أي وقع ~~سخطه بجميع ما له من العظمة { عليهم } ولما كان من وقع السخط عليه يمكن ~~أن يزول عنه، قال مبينا أن مجرد وقوعه جدير بكل هلاك: { وفي العذاب } أي ~~الكامل من الأدنى في الدنيا والأكبر في الآخرة { هم خالدون * }. # ولما كان هذا دليلا على كفرهم، دل عليه بقوله: { ولو } أي فعلوا ذلك مع ~~دعواهم الإيمان والحال أنهم لو { كانوا } أي كلهم { يؤمنون } أي يوجد ~~منهم إيمان { بالله } أي الملك الأعلى الذي له الإحاطة بكل شيء { والنبي ~~} أي الذي له الوصلة التامة بالله، ولذا أتبعه قوله: { وما أنزل إليه } ~~أي من عند الله أعم من القرآن وغيره إيمانا خالصا من غير نفاق { ما ~~اتخذوهم } أي المشركين مجتهدين في ذلك { أولياء } لأن مخالفة الاعتقاد ~~تمنع الوداد، فمن كان منهم باقيا على يهوديته ظاهرا وباطنا، فالألف في ~~" النبي " لكشف سريرته للعهد، أي النبي الذي ينتظرونه ويقولون: إنه غير ~~محمد صلى الله عليه وسلم أو للحقيقة أي لو كانوا يؤمنون بهذه الحقيقة - ~~أي حقيقة النبوة - ما والوهم، فإنه لم يأت نبي إلا بتكفير المشركين - كما ~~أشار إلى ذلك صلى الله عليه وسلم بقوله # " الأنبياء أولاد علات، أمهاتهم شتى ودينهم واحد " # كما سيأتي قريبا في حديث أبي هريرة، يعني - والله أعلم - أن شرائعهم ~~وإن اختلفت في الفروع فهي متفقة في الأصل وهو التوحيد، ومن كان منهم قد ~~أظهر الإيمان فالمراد ms1225 بالنبي في إظهار زيغه وميله وحيفه محمد صلى الله ~~عليه وسلم، لأنه نهى عن موالاة المشركين، بل عن متاركتهم، ولم يرض إلا ~~بمقارعتهم ومعاركتهم. # ولما أفهمت الشرطية عدم إيمانهم، استثنى منها منبها بوضع الفسق موضع ~~عدم الإيمان على أنه الحامل عليه فقال: { ولكن كثيرا منهم فاسقون } أي ~~متمكنون في خلق المروق من دوائر الطاعات. ### || [5.82-85] # ولما دل كالشمس ميلهم إلى المشركين دون المؤمنين على أنهم في غاية ~~العداوة لهم، صرح تعالى بذلك على طريق الاستنتاج، فقال دالا على رسوخهم ~~في الفسق: { * لتجدن أشد الناس } أي كلهم { عداوة للذين آمنوا } أي ~~أظهروا الإقرار بالإيمان فكيف بالراسخين فيه { اليهود } قدمهم لأنهم أشد ~~الفريقين لأنه لا أقبح من ضال على علم { والذين أشركوا } لما جمعهم من ~~الاستهانة بالأنبياء هؤلاء جهلا وأولئك عنادا وبغيا، فعرف أن من صدق ~~في إيمانه لا يواليهم بقلبه ولا بلسانه، وأنهم ما اجتمعوا على الموالاة ~~إلا لاجتماعهم في أشدية العداوة لمن آمن، فهذه الآية تعليل لما قبلها، ~~كأنه قيل: هب أنهم لا يؤمنون بالله والنبي، وذلك لا يقتضي موادة المشركين ~~فلم والوهم حينئذ؟ فقيل: لأن الفريقين اجتمعوا في أشدية العداوة للذين ~~آمنوا. # ولما أخبر تعالى بأبعد الناس مودة لهم، أخبر بضدهم فقال: { ولتجدن ~~أقربهم } أي الناس { مودة للذين آمنوا } أي أوجدوا الإيمان بالقلب ~~واللسان { الذين قالوا } وفي التوريك على قولهم إشارة إلى أنهم ما كانوا ~~على حقيقة النصرانية { إنا نصارى } أي لقلة اهتمامهم بالدنيا بمجرد قولهم ~~ذلك ولو لم يكونوا عريقين في الدين وإقبالهم على علم الباطن، ولذلك علله ~~بقوله: { ذلك بأن منهم قسيسين } أي مقبلين على العلم، من القس، وهو ملامة ~~الشيء وتتبعه { ورهبانا } أي في غاية التخلي من الدنيا؛ ولما كان التخلي ~~منها موجبا للبعد من الحسد، وهو سبب لمجانبة التكبر قال: { وأنهم لا ~~يستكبرون * } أي لا يطلبون الرفعة على غيرهم ولا يوجدونها. # ولما كان ذلك علة في الظاهر ومعلولا في الباطن لرقة القلب قال: { وإذا ~~سمعوا } أي أتباع النصرانية { ما أنزل إلى الرسول } أي الذي ثبتت ms1226 رسالته ~~بالمعجز، فكان من شأنه أن يبلغ ما أنزل إليه للناس { ترى أعينهم } ولما ~~كان البكاء سببا لامتلاء العين بالدمع وكان الامتلاء سببا للفيض الذي ~~حقيقته السيلان بعد الامتلاء، عبر بالمسبب عن السبب فقال: { تفيض من ~~الدمع } أصله: يفيض دمعها ثم تفيض هي دمعا، فهو من أنواع التمييز، ثم ~~علل الفيض بقوله: { مما عرفوا من الحق } أي وليس لهم غرض دنيوي يمنعهم عن ~~قبوله، ثم بين حالهم في مقالهم بقوله: { يقولون ربنا } أي أيها المحسن ~~إلينا { آمنا } أي بما سمعنا { فاكتبنا }. # ولما كان من شأن الشاهد إحضار القلب وإلقاء السمع والقيام التام بما ~~يتلى عليه ويندب إليه قال: { مع الشاهدين * } أي أمة محمد صلى الله عليه ~~وسلم الذين يشهدون على الأمم يوم القيامة، فإن تقويتنا على ذلك ليست إلا ~~إليك { وما } أي ويقولون: ما، أي أي شيء حصل أو يحصل { لنا } حال كوننا ~~{ لا نؤمن بالله } أي الذي لا كفوء له ولا خير إلا منه { وما } أي وبما { ~~جاءنا من الحق } أي الأمر الثابت الذي مهما عرض على الواقع طابقه الواقع ~~سواء كان حالا أو ماضيا أو آتيا. # ولما كانوا يهضمون أنفسهم، عبروا بالطمع الذي لا نظر معه لعمل فقالوا: { ~~ونطمع أن يدخلنا ربنا } أي بمجرد إحسانه، لا بعمل منا، ولجريهم في هذا ~~المضمار عبروا بمع دون " في " قولهم: { مع القوم الصالحين * } هضما ~~لأنفسهم وتعظيما لرتبة الصلاح. # ولما ذكر قولهم الدال على حسن اعتقادهم وجميل استعدادهم، ذكر جزاءهم ~~عليه فقال: { فأثابهم الله } أي الذي له جميع صفات الكمال { بما قالوا } ~~أي جعل ثوابهم على هذا القول المستند إلى خلوص النية الناشئ عن حسن ~~الطوية { جنات تجري } ولما كان الماء لو استغرق المكان أفسد، أثبت الجار ~~فقال: { من تحتها الأنهار } ولما كانت اللذة لا تكمل إلا بالدوام قال: { ~~خالدين فيها }. # ولما كان التقدير: لإحسانهم، طرد الأمر في غيرهم فقال: { وذلك } أي ~~الجزاء العظيم { جزاء المحسنين * } أي كلهم، واختلفوا في هذه الواقعة بعد ~~اتفاقهم على أنها في النجاشي وأصحابه، وذلك مبسوط في ms1227 شرحي لنظمي للسيرة ~~النبوية، فمن ذلك أنه لما قدم جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه من مهاجرة ~~الحبشة مع أصحابه رضي الله عنهم قدم معهم سبعون رجلا بعثهم النجاشي رضي ~~الله عنه وعن الجميع وفدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، عليهم ثياب ~~الصوف، اثنان وستون من الحبشة، وثمانية من أهل الشام، وهم بحيرا الراهب ~~وأبرهة وإدريس وأشرف وثمامة وقثم ودريد وأيمن، فقرأ عليهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم سورة يس إلى آخرها، فبكوا حين سمعوا القرآن وآمنوا ~~وقالوا: ما أشبه هذا بما كان ينزل على عيسى! فأنزل الله فيهم هذه الآية { ~~لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم ~~مودة للذين آمنوا } [المائدة: 82] - إلى آخرها، ذكر ذلك الواحدي في أسباب ~~النزول بغير سند، ثم أسند عن سعيد بن جبير في قوله تعالى: { ذلك بأن منهم ~~قسيسين ورهبانا } [المائدة: 82] قال: بعث النجاشي إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من خيار أصحابه ثلاثين رجلا، فقرأ عليهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يس فبكوا، فنزلت فيهم هذه الآية. وإذا نظرت مكاتبات ~~النبي صلى الله عليه وسلم للملوك ازددت بصيرة في صدق هذه الآية، فإنه ما ~~كاتب نصرانيا إلا آمن، أو كان لينا ولو لم يسلم كهرقل والمقوقس وهوذة ~~بن علي وغيرهم، وغايتهم أنهم ضنوا بملكهم، وأما غير النصارى فإنهم كانوا ~~على غاية الفظاظة ككسرى فإنه مزق كتابه صلى الله عليه وسلم ولم يجز رسوله ~~بشيء، وأما اليهود فكانوا جيران الأنصار ومواليهم وأحبابهم، ومع ذلك ~~فأحوالهم في العداوة غاية، كما هو واضح في السير، مبين جدا في شرحي ~~لنظمي للسيرة، وكان السر في ذلك - مع ما تقدم من باعث الزهد - أنه لما ~~كان عيسى عليه السلام أقرب الأنبياء زمنا من زمن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان المنتمون إليه ولو كانوا كفرة أقرب الأمم مودة لاتباع النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وإلى ذلك يشير ما رواه الشيخان في الفضائل عن أبي هريرة ~~رضي الله عنه ms1228 أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أنا أولى الناس بعيسى ابن ~~مريم في الدنيا والآخرة، الأنبياء أولاد علات - وفي رواية: أبناء، وفي ~~رواية: إخوة لعلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد، وليس بيني وبينه، وفي رواية: ~~وليس بيني وبين عيسى - نبي. # وفي رواية لمسلم: # " أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الأولى والآخرة، قالوا: كيف يا رسول ~~الله! قال: الأنبياء إخوة من علات، أمهاتهم شتى ودينهم واحد، فليس بيننا ~~نبي ". ### || [5.86-87] # ولما ذكر سبحانه وتعالى جزاء المطيعين المبادرين إلى الإذعان ترغيبا، ~~ذكر جزاء من لم يفعل فعلهم ترهيبا فقال: { والذين كفروا } أي ستروا ما ~~أوضحته له عقولهم من الدلالة على صحة ما دعتهم إليه الرسل { وكذبوا } أي ~~عنادا { بآياتنا } أي بالعلامات المضافة لعظمها إلينا { أولئك } أي ~~البعداء من الرحمة { أصحاب الجحيم * } أي الذين لا ينفكون عنها، لا غيرهم ~~من العصاة المؤمنين وإن كثرت كبائرهم. # ولما مدح سبحانه الرهبان، وكان ذلك داعيا إلى الترهب، وكانت الرهبانية ~~حسنة بالذات قبيحة بالعرض، شريفة في المبدأ دنية في المآل، فإنها مبنية ~~على الشدة والاجتهاد في الطاعات والتورع عن أكثر المباحات، والإنسان مبني ~~على الضعف مطبوع على النقائص، فيدعوه طبعه ويساعده ضعفه إلى عدم الوفاء ~~بما عاقد عليه، ويسرع بما له من صفة العجلة إليه، فيقع في الخيانة كما ~~قال تعالى: # فما رعوها حق رعايتها # [الحديد: 27] عقب ذلك بالنهي عنها في هذا الدين والإخبار عنه بأنه بناه ~~على التوسط رحمة منه لأهله ولطفا بهم تشريفا لنبيهم صلى الله عليه ~~وسلم، ونهاهم عن الإفراط فيه والتفريط فقال تعالى: { يا أيها الذين آمنوا ~~} أي وجد منهم الإقرار بذلك { لا تحرموا } أي تمنعوا أنفسكم بنذر أو يمين ~~أو غيرهما تصديقا لما أقررتم به، ورغبهم في امتثال أمره بأن جعله ~~موافقا لطباعهم ملائما لشهواتهم فقال: { طيبات ما } أي المطيبات وهي ~~اللذائذ التي { أحل الله } وذكر هذا الاسم الأعظم مرغب في ذلك، فإن ~~الإقبال على المنحة يكون على مقدار المعطي، وأكد ذلك بقوله: { لكم } أي ~~وأما هو سبحانه فهو منزه عن ms1229 الأغراض، لا ضر يلحقه ولا نفع، لأن له الغنى ~~المطلق. # ولما أطلق لهم ذلك، حثهم على الاقتصاد، وحذرهم من مجاوزة الحد إفراطا ~~وتفريطا فقال: { ولا تعتدوا } فدل بصيغة الافتعال على أن الفطرة الأولى ~~مبنية على العدل، فعدولها عنه لا يكون إلا بتكلف، ثم علل ذلك بقوله ~~مؤكدا لاستبعاد أن ينهى عن الإمعان في العبادة: { إن الله } أي وهو ~~الملك الأعظم { لا يحب المعتدين * } أي لا يفعل فعل المحب من الإكرام ~~للمفرطين في الورع بحيث يحرمون ما أحللت، ولا للمفرطين فيه الذين يحللون ~~ما حرمت، أي يفعلون فعل المحرم من المنع وفعل المحلل من التناول، وما ذكر ~~من سبب نزول الآية واضح في ذلك؛ روى الواحدي في أسباب النزول بسنده عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما " أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال: يا رسول الله! إني إذا أكلت من هذا اللحم انتشرت إلى النساء وإني ~~حرمت علي اللحم، فنزلت: { لا تحرموا ما أحل الله لكم } ونزلت: # وكلوا مما رزقكم الله # [المائدة: 88] ". وأخرجه الترمذي في التفسير من جامعه وقال: حسن غريب، ~~ورواه خالد الحذاء عن عكرمة مرسلا. وقال الواحدي: وتبعه عليه البغوي: ~~قال المفسرون: " جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الناس ووصف ~~القيامة ولم يزدهم على التخويف فرق الناس وبكوا، فاجتمع عشرة من الصحابة ~~رضي الله عنهم في بيت عثمان بن مظعون الجمحي، وهم أبو بكر الصديق وعلي بن ~~أبي طالب وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمرو وأبو ذر الغفاري وسالم ~~مولى أبي حذيفة والمقداد بن الأسود وسلمان الفارسي ومعقل بن مقرن، ~~واتفقوا على أن يصوموا النهار ويقوموا الليل ولا يناموا على الفرش ولا ~~يأكلوا اللحم ولا الودك ولا يقربوا النساء والطيب ويلبسوا المسوح ويرفضوا ~~الدنيا ويسيحوا في الأرض ويترهبوا ويجبوا المذاكير؛ فبلغ ذلك رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال لهم: # " ألم أنبأ أنكم اتفقتم على كذا وكذا؟ قالوا: بلى يا رسول الله! وما ~~أردنا إلا الخير، فقال: إني لم أومر بذلك، إن ms1230 لأنفسكم عليكم حقا، فصوموا ~~وأفطروا. وقوموا وناموا، فإني أقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وآكل اللحم ~~والدسم، ومن رغب عن سنتي فليس مني؛ ثم جمع الناس فخطبهم فقال: ما بال ~~أقوام حرموا النساء والطعام والطيب والنوم وشهوات الدنيا! أما! إني لست ~~آمركم أن تكونوا قسيسين ورهبانا، فإنه ليس في ديني ترك اللحم والنساء ~~ولا اتخاذ الصوامع، وإن سياحة أمتي الصوم، ورهبانيتهم الجهاد، واعبدوا ~~الله ولا تشركوا به شيئا وحجوا واعتمروا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ~~وصوموا رمضان، فإنما هلك من كان قبلكم بالتشديد، شددوا فشدد الله عليهم، ~~فأولئك بقاياهم في الديارات والصوامع " # ، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فقالوا: يا رسول الله! فكيف نصنع ~~بأيماننا التي حلفنا عليها؟ وكانوا حلفوا على ما عليه اتفقوا، فأنزل الله ~~عز وجل قوله تعالى # لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم # [المائدة: 89، والبقرة: 225]، ولا تعارض بين الخبرين لإمكان الجمع بأن ~~يكون الرجل لما سمع تذكير النبي صلى الله عليه وسلم سأل، ولو لم يجمع صح ~~أن يكون كل منهما سببا، فالشيء الواحد قد يكون له أسباب جمة، بعضها أقرب ~~من بعض، فمن الأحاديث الواردة في ذلك ما روى البغوي بسنده من طريق ابن ~~المبارك في كتاب الزهد عن سعد بن مسعود # " أن عثمان بن مظعون رضي الله عنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ~~ائذن لنا في الاختصاء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس منا من ~~خصي ولا اختصى، إن خصاء أمتي الصيام، فقال: يا رسول الله! ائذن لنا في ~~السياحة، فقال: إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله. فقال: يا رسول الله! ~~ائذن لنا في الترهب، فقال: إن ترهب أمتي الجلوس في المساجد انتظارا ~~لصلاة " # وللشيخين والترمذي والنسائي والدارمي عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه ~~أيضا قال: " أراد عثمان بن مظعون أن يتبتل فنهاه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، ولو أذن له - وفي رواية: ولو أجاز له - التبتل لاختصينا " ~~وللدارمي عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أيضا قال: # " لما كان ms1231 من أمر عثمان بن مظعون رضي الله عنه الذي كان ممن ترك النساء ~~بعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا عثمان! إني لم أومر ~~بالرهبانية، أرغبت عن سنتي؟ قال: لا يا رسول الله! قال: إن من سنتي أن ~~أصلي وأنام وأصوم وأطعم وأنكح وأطلق، فمن رغب عن سنتي فليس مني، يا ~~عثمان! إن لأهلك عليك حقا، ولعينك عليك حقا، قال سعد: فوالله لقد كان ~~أجمع رجال من المؤمنين على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إن هو أقر ~~عثمان على ما هو عليه أن نختصي فنتبتل " # وقال شيخنا ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف: وروى الطبراني من طريق ابن ~~جريج عن مجاهد قال: " أراد رجال منهم عثمان بن مظعون وعبد الله بن عمرو ~~أن يتبتلوا ويخصوا أنفسهم ويلبسوا المسوح " ومن طريق ابن جريج عن عكرمة # " أن عثمان بن مظعون وعلي بن أبي طالب وابن مسعود والمقداد بن الأسود ~~وسالما مولى أبي حذيفة في جماعة رضي الله عنهم تبتلوا فجلسوا في البيوت، ~~واعتزلوا النساء ولبسوا المسوح، وحرموا طيبات الطعام واللباس، وهموا ~~بالاختصاء، وأجمعوا لقيام الليل وصيام النهار، فنزلت: { يا أيها الذين ~~آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم } - الآية، فبعث إليهم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال:إن لأنفسكم عليكم حقا، فصوموا وأفطروا وصلوا ~~وناموا، فليس منا من ترك سنتنا " # وللترمذي عن سمرة رضي الله عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ~~التبتل. # وقرأ قتادة: { ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية } ~~وللنسائي عن عائشة رضي الله عنها نحوه وأشار إليه الترمذي. وللطبراني في ~~الأوسط عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يأمر بالباءة وينهى عن التبتل نهيا شديدا. يقول: # " تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة " # ومنها ما روى الشيخان عن عبد الله رضي الله عنه أنه قال: " كنا نغزو مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس لنا شيء - وفي ms1232 رواية: نساء، وفي ~~رواية: كنا ونحن شباب - فقلنا: يا رسول الله! ألا نستخصي؟ فنهانا عن ذلك، ~~ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب، ثم قرأ علينا عبد الله { يا أيها ~~الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم } " الآية. # ومنها ما روى البخاري وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: # " قلت: يا رسول الله! إني رجل شاب، وإني أخاف على نفسي العنت ولا أجد ما ~~أتزوج به النساء - قال النسائي: أفاختصي - فسكت عني، ثم قلت مثل ذلك، ~~فسكت عني، ثم قلت مثل ذلك فسكت عني، ثم قلت مثل ذلك فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم:يا أبا هريرة! جف القلم بما أنت لاق، فاختص على ذلك أو ذر- ~~وقال النسائي: أو دع " # ومنها ما روى الشيخان وغيرهما عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: # " جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ورضي الله ~~عنهن يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم - وفي رواية مسلم ~~والنسائي أن نفرا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم سألوا أزواج النبي ~~صلى الله عليه وسلم عن عمله في السر - فلما أخبروا كأنهم تقالوها فقالوا: ~~وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم، قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه ~~وما تأخر، فقال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدا، وقال آخر: أنا ~~أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: وأنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا؛ وفي ~~رواية: وقال بعضهم لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أنام على فراش؛ فبلغ ذلك ~~النبي صلى الله عليه وسلم فحمد الله وأثنى عليه وقال: ما بال أقوام كذا ~~وكذا! وفي رواية: فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم فقال: أنتم ~~الذين قلتم كذا وكذا! أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له! لكني أصوم ~~وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني " # والمبهمون في الحديث - قال شيخنا في مقدمة شرحه للبخاري - هم ابن مسعود ~~وأبو هريرة وعثمان بن مظعون، ms1233 وسيأتي مفرقا ما يشير إلى ذلك، يعني ما ~~قدمته أنا، قال: وقيل: هم سعد بن أبي وقاص وعثمان بن مظعون وعلي بن أبي ~~طالب، وفي مصنف عبد الرزاق من طريق سعيد بن المسيب أن منهم عليا وعبد ~~الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهم، وقال شيخنا في تخريج أحاديث ~~الكشاف: إن هذا أصل ما رواه الواحدي عن المفسرين، وللشيخين والترمذي عن ~~أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم، فإنما ~~أهلك الذين من قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم " # ، وفي رواية: # " ذروني ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على ~~أنبيائهم " # ولأبي داود عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لا تشددوا على أنفسكم فيشدد الله عليكم " # وللإمام أحمد في المسند عن أنس رضي الله عنه والحاكم في علوم الحديث في ~~فن الغريب - وهذا لفظه - عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " إن هذا الدين متين، فأوغل فيه برفق، ولا تبغض عبادة الله إليك، فإن ~~المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى " # المتين: الصلب الشديد، والإيغال: المبالغة، والمنبت - بنون وموحدة ~~وفوقانية مشددة هو الذي انقطع ظهره، وروى البخاري عن أبي هريرة رضي الله ~~عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا؛ ~~وفي بعض الروايات: والقصد القصد تبلغوا " # ولمسلم وابن ماجه - وهذا لفظه - عن حنظلة الكاتب التميمي الأسيدي رضي ~~الله عنه قال: # " كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا الجنة والنار حتى كانا ~~رأي العين، فقمت إلى أهلي وولدي فضحكت ولعبت، قال: فذكرت الذي كنا فيه، ~~فخرجت فلقيت أبا بكر رضي الله عنه فقلت: نافقت نافقت! فقال أبو بكر: إنا ~~لنفعله، فذهب حنظلة فذكره للنبي صلى الله عليه وسلم فقال:يا حنظلة! لو ~~كنتم كما ms1234 تكونون عندي لصافحتكم الملائكة على فرشكم أو على طرقكم، يا ~~حنظلة! ساعة وساعة " # ولفظ مسلم من طرق جمعت متفرقها عن حنظلة - وكان من كتاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم - قال: # " لقيني أبو بكر رضي الله عنه فقال: كيف أنت يا حنظلة؟ قلت: نافق حنظلة! ~~قال: سبحان الله! ما تقول؟ قلت: نكون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يذكرنا بالنار والجنة كانا رأي عين، فإذا خرجنا من عند رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات، نسينا كثيرا، قال أبو ~~بكر رضي الله عنه: فوالله إنا لنلقى مثل هذا، فانطلقت أنا وأبو بكر حتى ~~دخلنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلت: نافق حنظلة يا رسول الله! ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " وما ذاك "؟ قلت: يا رسول الله! ~~نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة كانا رأي عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا ~~الأزواج والأولاد والضيعات، نسينا كثيرا، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " والذي نفسي بيده! أن لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر ~~لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة وساعة ~~- ثلاث مرات " " # وفي رواية: قال: # " كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فوعظنا فذكرنا النار - وفي ~~رواية: الجنة والنار - ثم جئت إلى البيت فضاحكت الصبيان ولاعبت المرأة، ~~فخرجت فلقيت أبا بكر فذكرت ذلك له فقال: وأنا قد فعلت مثل ما تذكر، ~~فلقينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله! نافق حنظلة! ~~فقال: مه؟ فحدثته بالحديث، فقال أبو بكر: وأنا قد فعلت مثل ما فعل، فقال: ~~يا حنظلة! ساعة وساعة، فلو كانت تكون قلوبكم كما تكون عند الذكر لصافحتكم ~~الملائكة حتى تسلم عليكم في الطرق " # ومن هنا تبين لك مناسبة أول المجادلة لآخر الحديد التي كاع في معرفتها ~~الأفاضل، وكع عن تطلبها لغموضها الأكابر الأماثل، وسيأتي إن شاء الله ~~تعالى بيان ذلك وإيضاح ما فيه من لطيف المسالك، ومن هذه الآية وقع ~~الالتفات إلى قوله ms1235 تعالى: # أحلت لكم بهيمة الأنعام # [الأنعام: 1] وقوله تعالى: # قل أحل لكم الطيبات # [المائدة: 4] وما أحسن تصديرها بيا أيها الذين آمنوا - كما صدر أول ~~السورة به، وقد مضى بيان جميع ما مضى في الوفاء بالعقود، فكان كأنه تعالى ~~قال: أوفوا بالعقود، فلا تتهاونوا بها فتنقضوها، ولا تبالغوا فيها ~~فتكونوا معتدين فتضعفوا، فإنه لن يشاد الدين أحد إلا غلبه، بل سددوا ~~وقاربوا، والقصد القصد تبلغوا، وقال ابن الزبير بعد قوله: # ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم # [المائدة: 14] ثم فصل للمؤمنين أفعال الفريقين - أي اليهود والنصارى - ~~ليتبين لهم فيما نقضوا، ثم بين تفاوتهم في البعد عن الاستجابة فقال ~~تعالى: # لتجدن أشد الناس عداوة # [المائدة: 82]. ثم نصح عباده وبين لهم أبوابا منها دخول الامتحان، وهي ~~سبب في كل الابتلاء، فقال: { لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا ~~} [المائدة: 87] فإنكم إن فعلتم ذلك كنتم شارعين لأنفسكم وظالمين - ~~انتهى. و { ما أحل } شامل لكل ما كانوا أرادوا أن يتورعوا عنه من المآكل ~~والملابس والمناكح والنوم وغير ذلك. ### || [5.88-89] # ولما كان الحال لما ألزموا به أنفسهم مقتضيا للتأكيد، أمر بالأكل بعد ~~أن نهى عن الترك ليجتمع على إباحة ذلك الأمر والنهي فقال: { وكلوا } ~~ورغبهم فيه بقوله: { مما رزقكم الله } أي الملك الأعظم الذي لا يرد ~~عطاؤه. # ولما كان الرزق يقع على الحرام، قيده بعد القيد بالتبعيض بقوله: { ~~حلالا } ولما كان سبحانه قد جعل الرزق شهيا، وصفه امتنانا وترغيبا ~~فقال: { طيبا } ويجوز أن يكون قيدا محذرا مما فيه شبهة تنبيها على ~~الورع، ويكون معنى طيبه تيقن حله، فيكون بحيث تتوفر الدواعي على تناوله ~~دينا توفرها على تناول ما هو نهاية في اللذة شهوة وطبعا، وأن يكون ~~مخرجا لما تعافه النفس مما أخذ في الفساد من الأطعمة لئلا يضر، قال ابن ~~المبارك: الحلال ما أخذ من جهته، والطيب ما غذي ونمي، فأما الطين ~~والجوامد وما لا يغذي فمكروه إلا على جهة التداوي، وأن يكون مخرجا لما ~~فوق سد الرمق في حالة الضرورة، ولهذا وأمثاله قال: { واتقوا ms1236 الله } أي ~~الملك الذي له الجلال والإكرام من أن تحلوا حراما أو تحرموا حلالا، ثم ~~وصفه بما يوجب رعي عهوده والوقوف عند حدوده فقال: { الذي أنتم به مؤمنون ~~* } أي ثابتون على الإيمان به، فإن هذا الوصف يقتضي رعي العهود، وخص ~~سبحانه الأكل، والمراد جميع ما نهي عن تحريمه من الطيبات، لأنه سبب لغيره ~~من المتمتعات، فلما نزلت - كما نقل البغوي وغيره عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما - هذه الآية قالوا: يا رسول الله! وكيف نصنع بأيماننا التي حلفنا ~~عليها؟ وكانوا حلفوا على ما اتفقوا عليه - كما تقدم، فأنزل الله تعالى: { ~~لا يؤاخذكم الله } أي على ما له من تمام الجلال { باللغو } وهو ما يسبق ~~إليه اللفظ من غير قصد { في أيمانكم } على أني لم أعتمد على سبب النزول ~~في المناسبة إلا لدخوله في المعنى، لا لكونه سببا، فإنه ليس كل سبب يدخل ~~في المناسبة - كما بينته في أول غزوة أحد في آل عمران، وإنما كان السبب ~~هنا داخلا في مناسبة النظم، لأن تحريم ما أحل يكون تارة بنذر وتارة ~~بيمين، والنذر في المباح - وهو مسألتنا - لا ينعقد وكفارته كفارة يمين، ~~فحينئذ لم تدع الحاجة إلا إلى التعريف بالأيمان وأحكامها، فقسمها سبحانه ~~إلى قسمين: مقصود وغير مقصود، فأما غير المقصود فلا اعتبار به، وأما ~~المقصود فقسمان: حلف على ماض، وحلف على آت، فأما الحلف على الماضي فهو ~~اليمين الغموس التي لا كفارة لها عند بعض العلماء، وسيأتي في آية الوصية، ~~وأما الحلف على الآتي - وهو الذي يمكن التحريم به - فذكر حكمه هنا بقوله ~~تعالى: { ولكن يؤاخذكم }. # ولما كان مطلق الحلف الذي منه اللغو يطلق عليه عقد لليمين، أعلم أن ~~المؤاخذة إنما هي بتعمد القلب، وهو المراد بالكسب في الآية الأخرى، فعبر ~~بالتفعيل في قراءة الجماعة، والمفاعلة على قراءة ابن عامر تنبيها على أن ~~ذلك هو المراد من قراءة حمزة والكسائي بالتخفيف فقال { بما عقدتم الأيمان ~~} أي بسبب توثيقها وتوكيدها وإحكامها بالجمع بين اللسان والقلب، سواء كان ~~على أدنى الوجوه كما تشير ms1237 إليه قراءة التخفيف، أو على أعلاها كما تشير ~~إليه قراءة التشديد، فلا يحل لكم الحنث فيها إلا بالكفارة بخلاف اللغو ~~فإنه باللسان فقط، فلا عقد فيه فضلا عن تعقيد، و " ما " مصدرية. # ولما أثبت المؤاخذة سبب عنها قوله: { فكفارته } أي الأمر الذي يستر ~~النكث والحنث عن هذا التعقيد، ويزيل أثره بحيث تصيرون كأنكم ما حلفتم { ~~إطعام عشرة مساكين } أي أحرار مساكين، لكل مسكين ربع صاع، وهو مدمن طعام، ~~وهو رطل وثلث { من أوسط ما } كان عادة لكم أنكم { تطعمون أهليكم } أي من ~~أعدله في الجودة والقدر كمية وكيفية، فهو مد جيد من غالب القوت، سواء كان ~~من الحنطة أو من التمر أو غيرهما. # ولما بدأ بأقل ما يكفي تخفيفا ورحمة، عطف على الإطعام ترقيا قوله: { ~~أو كسوتهم } أي بثوب يغطي العورة من قميص أو إزار أو غيرهما مما يطلق ~~عليه اسم الكسوة { أو تحرير } أي إعتاق { رقبة } أي مؤمنة سليمة عما يخل ~~بالعمل - كما تقدم في كفارة القتل - حملا لمطلق الكفارات على ذلك ~~المقيد، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم ما استأذنه أحد في إعتاق رقبة في ~~كفارة إلا اختبر إيمانها، هذا ما على المكلف على سبيل التخيير من غير ~~تعيين. والتعيين إليه إذا كان واجدا للثلاثة أو لأحدها، والإتيان بأحدها ~~مبرئ من العهدة، لأن كل واحد من الثلاثة بعينه أخص من أحدها على الإبهام، ~~والإتيان بالخاص يستلزم الإتيان بالعام { فمن لم يجد } أي واحدا منها ~~فاضلا عن قوته وقوت من تلزمه مؤنته { فصيام } أي فالكفارة صيام { ثلاثة ~~أيام } ولو متفرقة. # ولما تم ذلك. أكده في النفوس وقرره بقوله: { ذلك } أي الأمر العدل الحسن ~~الذي ذكر { كفارة أيمانكم } أي المعقدة { إذا حلفتم } وأردتم نكثها سواء ~~كان ذلك قبل الحنث أو بعده. # ولما كان التقدير: فافعلوا ما قدرتم عليه منه، عطف عليه لئلا تمتهن ~~الأيمان لسهولة الكفارة قوله: { واحفظوا أيمانكم } أي فلا تحلفوا ما ~~وجدتم إلى ذلك سبيلا، ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم، فإنه سبحانه عظيم، ~~ومن أكثر الحلف وقع في ms1238 المحذور ولا بد، وإذا حلفتم فلا تحنثوا دون تكفير، ~~ويجوز للمكفر الجمع بين هذه الخصال كلها واستشكل، وحله بما قال الشيخ ~~سعد الدين التفتازاني في التلويح في بحث أو: والمشهور في الفرق بين ~~التخيير والإباحة أنه يمنتع في التخيير الجمع ولا يمتنع في الإباحة، لكن ~~الفرق هاهنا أنه لا يجب في الإباحة الإتيان بواحد وفي التخيير يجب، ~~وحينئذ إن كان الأصل فيه الحظر وثبت الجواز بعارض الأمر - كما إذا قال: ~~بع من عبيدي هذا أو ذاك - يمتنع الجمع ويجب الاقتصار على الواحد. # لأنه المأمور به. وإن كان الأصل فيه الإباحة ووجب بالأمر واحد - كما في ~~خصال الكفارة - يجوز الجمع بحكم الإباحة الأصلية، وهذا يسمى التخيير على ~~سبيل الإباحة - انتهى. # ولما اشتملت هذه الآيات من البيان على ما يدهش الإنسان كان كأنه قيل: هل ~~يبين كل ما يحتاج إليه هكذا؟ فنبه من هذه الغفلة بقوله: { كذلك } أي مثل ~~هذا البيان العظيم الشأن { يبين الله } أي على ما له من العظمة { لكم ~~آياته } أي أعلام شريعته وأحكامه على ما لها من العلو بإضافتها إليه. # ولما اشتمل ما تقدم من الأحكام والحكم والتنبيه والإرشاد والإخبار بما ~~فيها من الاعتبار على نعم جسيمة وسنن جليلة عظيمة، ناسب ختمها بالشكر ~~المربى لها في قوله على سبيل التعليل المؤذن بقطعها إن لم توجد العلة: { ~~لعلكم تشكرون * } أي يحصل منكم الشكر بحفظ جميع الحدود الآمرة والناهية. ### || [5.90-92] # ولما تم بيان حال المأكل وكان داعية إلى المشرب، احتيج إلى بيانه، فبين ~~تعالى المحرم منه. فعلم أن ما عداه مأذون في التمتع به، وذلك محاذ في ~~تحريم شيء مقترن باللازم بعد إحلال آخر لما في أول السورة من تحريم ~~الميتة وما ذكر معها بعد إحلال بهيمة الأنعام وما معها، فقال تعالى ~~مذكرا لهم بما أقروا به من الإيمان الذي معناه الإذعان: { يا أيها الذين ~~آمنوا } أي أقروا به. ونبههم على ما يريد العدو بهم من الشر بقوله تعالى: ~~{ إنما الخمر } وهي كل ما أسكر سواء فيه قليله وكثيره، وأضاف ms1239 إليها ما ~~واخاها في الضرر دينا ودنيا وفي كونه سببا للخصام وكثرة اللغط المقتضي ~~للحلف والإقسام تأكيدا لتحريم الخمر بالتنبيه على أن الكل من أفعال ~~الجاهلية، فلا فرق بين شاربها والذابح على النصب والمعتمد على الأزلام ~~فقال: { والميسر } أي الذي تقدم ذكره في البقرة { والأنصاب والأزلام } ~~المتقدم أيضا ذكرهما أول السورة، والزلم: القدح لا ريش له - قاله ~~البخاري؛ وحكمة ترتيبها هكذا أنه لما كانت الخمر غاية في الحمل على إتلاف ~~المال، قرن بها ما يليها في ذلك وهو القمار، ولما كان الميسر مفسدة ~~المال، قرن به مفسدة الدين وهي الأنصاب، ولما كان تعظيم الأنصاب شركا ~~جليا إن عبدت، وخفيا إن ذبح عليها دون عبادة، قرن بها نوعا من الشرك ~~الخفي وهو الاستقسام بالأزلام: ثم أمر باجتناب الكل إشارة وعبارة على أتم ~~وجه فقال: { رجس } أي قذر أهل لأن يبعد عنه بكل اعتبار حتى عن ذكره سواء ~~كان عينا أو معنى، وسواء كانت الرجسية في الحس أو المعنى، ووحد الخبر ~~للنص على الخمر والإعلام بأن أخبار الثلاثة حذفت وقدرت، لأنها أهل لأن ~~يقال في كل واحد منها على حدتها كذلك, ولا يكفي عنها خبر واحد على سبيل ~~الجمع؛ ثم زاد في التنفير عنها تأكيدا لرجسيتها بقوله: { من عمل الشيطان ~~} أي المحترق البعيد، ثم صرح بما اقتضاه السياق من الاجتناب فقال: { ~~فاجتنبوه } أي تعمدوا أن تكونوا عنه في جانب آخر غير جانبه. وأفرد لما ~~تقدم من الحكم، ثم علل بما يفهم أنه لا فوز بشيء من المطالب مع ~~مباشرتها فقال: { لعلكم تفلحون * } أي تظفرون بجميع مطالبكم، روى البخاري ~~في التفسير عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: " لقد حرمت الخمر وما ~~بالمدينة منها شيء " وفي رواية: " نزل تحريم الخمر وإن بالمدينة يومئذ ~~لخمسة أشربة ما فيها شراب العنب " وفي رواية عنه: " سمعت عمر على منبر ~~النبي صلى الله عليه وسلم يقول: أما بعد أيها الناس إنه نزل تحريم الخمر ~~وهي من خمسة: من العنب - وفي رواية: من الزبيب - والتمر والعسل والحنطة ~~والشعير، ms1240 والخمر ما خامر العقل " وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: " ما ~~كان لنا خمر غير فضيخكم هذا، وإني لقائم أسقي أبا طلحة وفلانا وفلانا ~~إذ جاء رجل فقال: حرمت الخمر، قالوا: أهرق هذه القلال يا أنس! فما سألوا ~~عنها ولا راجعوها بعد خبر الرجل " وفي رواية عنه: " حرمت علينا الخمر حين ~~حرمت وما نجد خمر الأعناب إلا قليلا، وعامة خمرنا البسر والتمر " قال ~~الأصبهاني: وذلك بعد غزوة الأحزاب بأيام. # ولما كانت حكمة النهي عن الأنصاب والأزلام قد تقدمت في أول السورة، وهي ~~أنها فسق، اقتصر على بيان علة النهي عن الخمر والميسر إعلاما بأنهما ~~المقصودان بالذات، وإن كان الآخرين ما ضما إلا لتأكيد تحريم هذين - كما ~~تقدم، لأن المخاطب أهل الإيمان، وقد كانوا مجتنبين لذينك، فقال مؤكدا ~~لأن الإقلاع عما حصل التمادي في المرون عليه يحتاج إلى مثل ذلك: { إنما ~~يريد الشيطان } أي بتزيين الشرب والقمار لكم { أن يوقع بينكم العداوة }. # ولما كانت العداوة قد تزول أسبابها، ذكر ما ينشأ عنها مما إذا استحكم ~~تعسر أو تعذر زواله، فقال: { والبغضاء في الخمر والميسر } أي تعاطيهما ~~لأن الخمر تزيل العقل، فيزول المانع من إظهار الكامن من الضغائن ~~والمناقشة والمحاسدة، فربما أدى ذلك إلى حروب طويلة وأمور مهولة، والميسر ~~يذهب المال فيوجب ذلك الإحنة على من سلبه ماله ونغص عليه أحواله. # ولما ذكر ضررهما في الدنيا، ذكر ضررهما في الدين فقال: { ويصدكم عن ذكر ~~الله } أي الملك الأعظم الذي لا إله لكم غيره ولا كفوء له، وكرر الجار ~~تأكيدا للأمر وتغليظا في التحذير فقال: { وعن الصلاة } أما في الخمر ~~فواضح، وأما في الميسر فلأن الفائز ينسى ببطر الغلبة، والخائب مغمور ~~بهمه، وأعظم التهديد بالاستفهام والجملة الاسمية الدالة على الثبات بعد ~~التأكيد بالحصر والضم إلى فعل الجاهلية وبيان الحكم الداعية إلى الترك ~~والشرور المنفرة عن الفعل فقال: { فهل أنتم منتهون * } أي قبل أن يقع بكم ~~ما لا تطيقون. # ولما كان ذلك مألوفا لهم محبوبا عندهم، وكان ترك المألوف أمر من ضرب ms1241 ~~السيوف، أكد دعوتهم إلى اجتنابه محذرا من المخالفة بقوله عاطفا على ما ~~تقديره: فانتهوا: { وأطيعوا الله } أي الملك الأعلى الذي لا شريك له ولا ~~أمر لأحد سواه، أي فيما أمركم به من اجتناب ذلك، وأكد الأمر بإعادة ~~العامل فقال: { وأطيعوا الرسول } أي الكامل في الرسلية في ذلك، وزاد في ~~التخويف بقوله: { واحذروا } أي من المخالفة، ثم بلغ الغاية في ذلك بقوله: ~~{ فإن توليتم } أي بالإقبال على شيء من ذلك، وأشار بصيغة التفعل إلى أن ~~ذلك إنما يعمل بمعالجة من النفس للفطرة الأولى، وعظم الشأن في ابتداء ~~الجزاء بالتنبيه بالأمر بالعلم فقال: { فاعلموا } أنكم لم تضروا إلا ~~أنفسكم، لأن الحجة قد قامت عليكم، ولم يبق على الرسول شيء لأنكم علمتم { ~~أنما على رسولنا } أي البالغ في العظمة مقدارا يجل عن الوصف بإضافته ~~إلينا { البلاغ المبين * } أي البين في نفسه الموضح لكل من سمعه ما يراد ~~منه لا غيره، فمن خالف فلينظر ما يأتيه من البلاء من قبلنا، وهذا ناظر ~~إلى قوله: # بلغ ما أنزل إليك من ربك # [المائدة: 67] فكأنه قيل: ما عليه إلا ما تقدم من إلزامنا له به من ~~البلاغ، فمن اختار لنفسه المخالفة كفر، و الله لا يهدي من كان مختارا ~~لنفسه الكفر. ### || [5.93-94] # ولما كانوا قد سألوا عند نزول الآية عما من شأن الأنفس الصالحة الناظرة ~~للورع المتحرك للسؤال عنه، وهو من مات منهم وهو يفعلهما، قال جوابا لذلك ~~السؤال: { ليس على الذين آمنوا وعملوا } أي تصديقا لإيمانهم { الصالحات ~~جناح } فبين سبحانه أن هذا السؤال غير وارد لأنهم لم يكونوا منعوا منهما، ~~وكانوا مؤمنين عاملين للصالحات متقين لما يسخط الرب من المحرمات، وقد بين ~~ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه قال: # " حرمت الخمر ثلاث مرات: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وهم ~~يشربون الخمر ويأكلون الميسر، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~ذلك، فأنزل الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم { يسئلونك عن ms1242 الخمر ~~والميسر } [البقرة: 219]، فقال الناس: لم يحرم علينا، إنما قال: إن فيهما ~~إثما، وكانوا يشربون الخمر حتى إذا كان يوم من الأيام صلى رجل من ~~المهاجرين المغرب فخلط في قراءته، فأنزل الله تعالى { يا أيها الذين ~~آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى } [النساء: 43] فكانوا يشربونها حتى ~~يأتي أحدهم الصلاة وهو مفيق، فنزلت { يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر ~~والميسر والأنصاب والأزلام } [المائدة: 90]، فقالوا: انتهينا يا رب! وقال ~~الناس: يا رسول الله! ناس قتلوا في سبيل الله أو ماتوا على فرشهم كانوا ~~يشربون الخمر ويأكلون الميسر وقد جعله الله رجسا من مل الشيطان! فأنزل ~~الله { ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح } [المائدة: 93]، فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: لو حرمت عليهم لتركوها كما تركتم " # ولا يضر كونه من رواية أبي معشر وهو ضعيف لأنه موافق لقواعد الدين، وروى ~~الشيخان عن أنس رضي الله عنه قال: " كنت ساقي القوم يوم حرمت الخمر في ~~بيت أبي طلحة رضي الله عنه وما شرابهم إلا الفضيخ: البسر والتمر، وإذا ~~مناد ينادي: ألا! إن الخمر قد حرمت، فقال لي أبو طلحة رضي الله عنه: ~~اخرج فاهرقها، فهرقتها، فقال بعض القوم: قد قتل فلان وفلان وهي في ~~بطونهم؟ فأنزل الله تعالى { ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح } ~~على أنه لو لم يرد هذا السبب كانت المناسبة حاصلة، وذلك أنه تعالى لما ~~أباح الطيب من المأكل وحرم الخبيث من المشرب، نفى الجناح عمن يأكل ما أذن ~~فيه أو يشرب عدا ما حرمه. فأتى بعبارة تعم المأكل والمشرب فقال: { فيما ~~طعموا } أي مأكلا كان أو مشربا، وشرط ذلك عليهم بالتقوى ليخرج المحرمات ~~فقال: { إذا ما اتقوا } أي أوقعوا جميع التقوى التي تطلب منهم فلم يطعموا ~~محرما. # ولما بدأ بالتقوى وهي خوف الله الحامل على البعد عن المحرمات، ذكر ~~أساسها الذي لا تقبل إلا به فقال: { وآمنوا } ولما ذكر الإقرار باللسان، ~~ذكر مصداقه فقال: { وعملوا } أي بما أداهم إليه اجتهادهم بالعلم لا ~~اتفاقا { الصالحات ثم اتقوا } أي فاجتنبوا ms1243 ما جدد عليهم تحريمه { وآمنوا ~~} أي بأنه من عند الله، وأن الله له أن يمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء، ~~وهكذا كلما تكرر تحريم شيء كانوا يلابسونه. # ولما كان قد نفى الجناح أصلا ورأسا، شرط الإحسان فقال: { ثم اتقوا ~~وأحسنوا } أي لازموا التقوى إلى أن أوصلتهم إلى مقام المراقبة، وهي الغنى ~~عن رؤية غير الله، فأفهم ذلك أن من لم يبلغ رتبة الإحسان لا يمتنع أن ~~يكون عليه جناح مع التقوى والإيمان، يكفر عنه بالبلايا والمصائب حتى ينال ~~ما قدر له مما لم يبلغه عمله من درجات الجنان، ومما يدل على نفاسة التقوى ~~وعزتها أنه سبحانه لما شرطها في هذا العموم، حث عليها عند ذكر المأكل ~~بالخصوص - كما مضى فقال " واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون " ، وهذا في ~~غاية الحث على التورع في المأكل والمشرب وإشارة إلى أنه لا يوصل إلى مقام ~~الإحسان إلا به - والله الموفق؛ ولما كان التقدير: فإن الله يحب المتقين ~~المؤمنين، عطف عليه قوله: { والله } أي الذي له صفات الكمال { يحب ~~المحسنين }. # ولما ذكر ما حرم من الطعام في كل حال، وكان الصيد ممن حرم في بعض ~~الأوقات، وكان من أمثل مطعوماتهم، وكان قد ذكر لهم بعض أحكامه عقب قوله: ~~{ أحلت لكم بهيمة الأنعام } { وأحل لكم الطيبات } أخذ هنا في ذكر شيء من ~~أحكامه، وابتدأها - لأنهم خافوا على من مات منهم على شرب الخمر قبل ~~تحريمها بأنه يبتليهم لتمييز الورع منهم من غيره - بالصيد في الحال التي ~~حرمه عليهم فيها كما ابتلى إسرائيل في السبت، فكان ذلك سببا لجعلهم ~~قردة، ومن سبحانه على الصحابة من هذه الأمة بالعصمة عند بلواهم بيانا ~~لفضلهم على من سواهم، فقال تعالى مناديا لهم بما يكفهم ذكره عن ~~المخالفة: { يا أيها الذين آمنوا } أي أوقعوا الإيمان ولو على أدنى ~~وجوهه، فعم بذلك العالي والداني { ليبلونكم الله } أي يعاملكم معاملة ~~المختبر في قبولكم تحريم الخمر وغيره المحيط بكل شيء قدرة وعلما، وذكر ~~الاسم الأعظم إشارة بالتذكير بما له من الجلال إلى أن ms1244 له أن يفعل ما ~~يشاء، وأشار إلى تحقير البلوى تسكينا للنفوس بقوله: { بشيء من الصيد } ~~أي الصيد في البر في الإحرام، وهو ملتفت إلى قوله: # هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله # [المائدة: 60] وشارح لما ذكر أول السورة في قوله { غير محلي الصيد وأنتم ~~حرم } ، وما ذكر بعد المحرمات من قوله: # فكلوا مما أمسكن عليكم # [المائدة: 4]، ووصف المبتلى به بوصف هو من أعلام النبوة فقال: { تناله ~~أيديكم } أي إن أردتم أخذه سالما { ورماحكم } إن أردتم قتله، ثم ذكر ~~المراد من ذلك وهو إقامة الحجة على ما يتعارفه العباد بينهم فقال: { ~~ليعلم الله } أي وهو الغني عن ذلك بما له من صفات الكمال التي لا خفاء ~~بها عند أحد يعلم هذا الاسم الأعظم { من يخافه بالغيب } أي بما حجب به من ~~هذه الحياة الدنيا التي حجبتهم عن أن يعرفوه حق معرفته سبحانه، والمعنى ~~أنه يخرج بالامتحان ما كان من أفعال العباد في عالم الغيب إلى عالم ~~الشهادة، فيصير تعلق العلم به تعلقا شهوديا كما كان تعلقا غيبيا ~~لتقوم بذلك الحجة على الفاعل في مجاري عاداتهم، ويزداد من له اطلاع على ~~اللوح المحفوظ من الملائكة إيمانا ويقينا وعرفانا، وقد حقق سبحانه ~~معنى هذه الآية فابتلاهم بذلك عام الحديبية حتى كان يغشاهم الصيد في ~~رحالهم ويمكنهم أخذه بأيديهم. # ولما كان هذا زاجرا في العادة عن التعرض لما وقعت البلوى به وحاسما ~~للطمع فيه بمن اتسم بما جعل محط النداء من الإيمان، سبب عنه قوله: { فمن ~~اعتدى } أي كلف نفسه مجاوزة الحد في التعرض له؛ ولما كان سبحانه يقبل ~~التوبة عن عباده، خص الوعيد بمن استغرق الزمان بالاعتداء فأسقط الجار ~~لذلك فقال: { بعد ذلك } أي الزجر العظيم { فله عذاب أليم * } بما التذ ~~من تعرضه إليه لما عرف بالميل إلى هذا أنه إلى ما هو أشهى منه كالخمر وما ~~معها أميل. ### || [5.95] # ولما أخبرهم بالابتلاء صرح لهم بما لوح إليه بذكر المخافة من تحريم ~~التعرض لما ابتلاهم به، فقال منوها بالوصف الناهي عن الاعتداء: ms1245 { يا ~~أيها الذين آمنوا } وذكر القتل الذي هو أعم من الذبح إشارة إلى أن الصيد ~~- لما عنده من النفرة المانعة من التمكن من ذبحه - يحبس بأي وجه كان من ~~أنواع القتل فقال: { لا تقتلوا الصيد } أي لا تصطادوا ما يحل أكله من ~~الوحش، وأما غير المأكول فيحل قتله، فإنه لاحظ للنفس في قتله إلا الإراحة ~~من أذاه المراد بالفسق في قوله صلى الله عليه وسلم: # " خمس في الدواب فواسق، لا جناح على من قتلها في حل ولا حرم " # وذكر منهن السبع العادي، فدل الحكم برفع الجناح عقب الوصف بالفسق على ~~أنه علة الإباحة، ولا معنى لفسقها إلا أذاها { وأنتم حرم } أي محرومون أو ~~في الحرم. # ولما كان سبحانه عالما بأنه لا بد أن يوافق موافق تبعا لأمره ويخالف ~~مخالف موافقة لمراده، شرع لمن خالف كفارة تخفيفا منه على هذه الأمة ~~ورفعا لما كان على من كان من قبلها من الآصار، فقال عاطفا على ما ~~تقديره: فمن انتهى فله عند ربه أجر عظيم: { ومن قتله منكم متعمدا } أي ~~قاصدا للصيد ذاكرا للإحرام إن كان محرما، والحرم إن كان فيه عالما ~~بالتحريم. # ولما كان هذا الفعل العمد موجبا للإثم والجزاء، ومتى اختل وصف منه كان ~~خطأ موجبا للجزاء فقط، وكان سبحانه قد عفا عن الصحابة رضي الله عنهم ~~العمد الذي كان سببا لنزول الآية كما في آخرها، لم يذكره واقتصر على ذكر ~~الجزاء فقال: { فجزاء } أي فمكافأة { مثل ما قتل } أي أقرب الأشياء به ~~شبها في الصورة لا النوع، ووصف الجزاء بقوله: { من النعم } لما قتله ~~عليه، أي عليه أن يكافئ ما قتله بمثله، وهو من إضافة المصدر إلى الفاعل، ~~هذا على قراءة الجماعة بإضافة " جزاء " إلى " مثل " ، وأما على قراءة ~~الكوفيين ويعقوب بتنوين " جزاء " ورفع " مثل " فالأمر واضح. # ولما كان كأنه قيل: بما تعرف المماثلة؟ قال: { يحكم به } أي بالجزاء؛ ~~ولما كانت وجوه المشابهة بين الصيد وبين النعم كثيرة، احتاج ذلك إلى ~~زيادة التأمل فقال: { ذوا عدل منكم } أي المسلمين، وعن ms1246 الشافعي أن الذي ~~له مثل ضربان: ما حكمت فيه الصحابة، وما لم تحكم فيه، فما حكمت فيه لا ~~يعدل إلى غيره لأنه قد حكم به عدلان فدخل تحت الآية، وهم أولى من غيرهم ~~لأنهم شاهدوا التنزيل وحضروا التأويل؛ وما لم يحكموا به يرجع فيه إلى ~~اجتهاد عدلين، فينظر إلى الأجناس الثلاثة من الأنعام، فكل ما كان أقرب ~~شبها به يوجبانه؛ فإن كان القتل خطأ جاز أن يكون الفاعل أحد الحكمين، ~~وإن كان عمدا فلا، لأنه يفسق به. # ولما كان هذا المثل يساق إلى مكة المشرفة على وجه الإكرام والنسك رفقا ~~بمساكينها، قال مبينا لحاله من الضمير في " به ": { هديا } ولما كان ~~الهدي هو ما تقدم تفسيره، صرح به فقال: { بالغ الكعبة } أي الحرم المنسوب ~~إليها، وإنما صرح بها زيادة في التعظيم وإعلاما بأنها هي المقصودة ~~بالذات بالزيارة والعمارة لقيام ما يأتي ذكره، تذبح الهدي بمكة المشرفة ~~ويتصدق به على مساكين الحرم، والإضافة لفظية لأن الوصف بشبه " يبلغ " ~~فلذا وصف بها النكرة. # ولما كان سبحانه رحيما بهذه الأمة، خيرها بين ذلك وبين ما بعد فقال: { ~~أو } عليه { كفارة } هي { طعام مساكين } في الحرم بمقدار قيمة الهدي، لكل ~~مسكين مد { أو عدل ذلك } أي قيمة المثل { صياما } في أي موضع تيسر له، ~~عن كل مد يوم، فأو للتخيير لأنه الأصل فيها، والقول بأنها للترتيب يحتاج ~~إلى دليل. # ولما كان الأمر مفروضا في المتعمد قال معلقا بالجزاء، أي فعليه أن ~~يجازي بما ينقص المال أو يؤلم الجسم { ليذوق وبال } أي ثقل { أمره } وسوء ~~عاقبته ليحترز عن مثل ما وقع فيه؛ ولما كان هذا الجزاء محكوما به في دار ~~العمل التي لا يطلع أهلها بمجرد عقولهم فيها على غيب، ولا يعرفون عاقبة ~~أمر إلا تخرصا، طرد الحكم في غير المتعمد لئلا يدعي المتعمد أنه مخطئ، ~~كل ذلك حمى لحرمة الدين وصونا لحرمة الشرع وحفظا لجانبه ورعاية لشأنه، ~~ولما كان قد مضى منهم قبل نزولها من هذا النوع أشياء، كانوا كأنهم قالوا: ~~فكيف نصنع بما ms1247 أسلفنا؟ قال جوابا: { عما سلف } أي تعمده، أي لكم من ذلك، ~~فمن حفظ نفسه بعد هذا فاز { ومن عاد } إلى تعمد شيء من ذلك ولو قل؛ ولما ~~كان المبتدأ متضمنا معنى الشرط، قرن الخبر بالفاء إعلاما بالسببية ~~فقال: { فينتقم الله } أي الذي له الأمر كله { منه } أي بسبب عوده بما ~~يستحقه من الانتقام. # ولما كان فاعل ذلك منتهكا لحرمة الإحرام والحرم، وكان التقدير: فالله ~~قادر عليه، عطف على ذلك ما اقتضاه المقام من الإتيان بالاسم الأعظم ووصف ~~العزة فقال: { والله } أي الملك الأعلى الذي لا تداني عظمته عظمة { ~~عزيز } لا يغلب { ذو انتقام * } ممن خالف أمره. ### || [5.96-97] # ولما كان هذا عاما في كل صيد، بين أنه خاص بصيد البر فقال: { أحل لكم ~~صيد البحر } أي اصطياده، أي الذي مبناه غالبا على الحاجة، والمراد به ~~جميع المياه من الأنهار والبرك وغيرها { وطعامه } أي مصيده طريا وقديدا ~~ولو كان طافيا قذفه البحر، وهو الحيتان بأنواعها وكل ما لا يعيش في ~~البر، وما أكل مثله في البر. # ولما أحل ذلك ذكر علته فقال: { متاعا لكم } أي إذا كنتم مسافرين أو ~~مقيمين { وللسيارة } أي يتزودونه إلى حيث أرادوا من البر أو البحر، وفي ~~تحليل صيد البحر حال الابتلاء من النعمة على هذه الأمة ما يبين فضلها على ~~من كان قبلها ممن جعل صيد البحر له محنة يوم الابتلاء - ولله الحمد، ~~والظاهر أن المراد بصيد البحر الفعل، لأن ثم أمرين: الاصطياد والأكل، ~~والمراد بيان حكمهما، فكأنه أحل اصطياد حيوان البحر، وأحل طعام البحر ~~مطلقا ما اصطادوه وما لم يصطادوه، سواء كانوا مسافرين أو مقيمين، وذلك ~~لأنه لما قدم تحريم اصطياد ما في البر بقوله # لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم # [المائدة: 95] أتبعه بيان إحلال اصطياد مصيد البحر في حال تحريم ذلك، ثم ~~أتبعه بيان حرمة مصيد البر بقوله: { وحرم عليكم صيد البر } أي اصطياده ~~وأكل ما صيد منه لكم وهو ما لا عيش له إلا فيه، وما يعيش فيه وفي البحر، ~~فإن صيد للحلال حل للمحرم ms1248 أكله، فإنه غير منسوب إليه اصطياده بالفعل ولا ~~بالقوة { ما دمتم حرما } لأن مبنى أمره غالبا في الاصطياد والأكل مما ~~صيد على الترف والرفاهية، وقد تقدم أيضا حرمة اصطياد مصيد البر وحرمة ~~الأكل مما صيد منه، وتكرر ذلك بتكرر الإحرام في آية # غير محلي الصيد # [المائدة: 1] وآية # لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم # [المائدة: 95] فلا يعارضه مفهوم { ما دمتم حرما } [المائدة: 96] وعبر ~~بذلك ليكون نصا في الحرمة في كل جزء من أجزاء وقت الإحرام إلى تمام ~~التحلل - والله أعلم، ولا يسقط الجزاء بالخطأ والجهل كسائر محظورات ~~الإحرام. # ولما كان الاصطياد بحشر المصيد إلى حيث يعجز عن الخلاص منه، وكانت حالة ~~الإحرام أشبه شيء بحالة الحشر في التجرد عن المخيط والإعراض عن الدنيا ~~وتمتعاتها، ختم الآية بقوله عطفا على ما تقديره: فلا تأكلوا شيئا منه ~~في حال إحرامكم: { واتقوا الله } أي الذي له الأمر كله في ذلك وفي غيره ~~من الاصطياد وغيره { الذي إليه تحشرون * } ليكون العرض عليه نصب أعينكم ~~فتكونوا مواظبين على طاعته محترزين عن معصيته. # ولما كان الإحرام وتحريم الصيد فيه إنما هو لقصد تعظيم الكعبة، بين ~~تعالى حكمة ذلك وأنه كما جعل الحرم والإحرام سببا لأمن الوحش والطير ~~جعله سببا لأمن الناس وسببا لحصول السعادة دنيا وأخرى، فقال مستأنفا ~~بيانا لحكمة المنع في أول السورة من استحلال من يقصدها للزيارة: { جعل ~~الله } أي بما له من العظمة وكمال الحكمة ونفوذ الكلمة { الكعبة } وعبر ~~عنها بذلك لأنها مأخوذة من الكعب الذي به قيام الإنسان وقوامه، وبينها ~~مادحا بقوله: { البيت الحرام } أي الممنوع من كل جبار دائما الذي تقدم ~~في أول السورة أني منعتكم من استحلال من يؤمه { قياما للناس } أي في ~~أمر معاشهم ومعادهم لأنها لهم كالعماد الذي يقوم به البيت، فيأمن به ~~الخائف ويقوى فيه الضعيف ويقصده التجار والحجاج والعمار فهو عماد الدين ~~والدنيا. # ولما ذكر ما به القوام من المكان، أتبعه ذلك من الزمان فقال: { والشهر ~~الحرام } أي الذي يفعل فيه الحج وغيره يأمن فيه الخائف. # ولما ذكر ms1249 ما به القوام من المكان والزمان، أتبعه ما به قوام الفقراء من ~~شعائره فقال: { والهدي } ثم أتبعه أعزه وأخصه فقال: { والقلائد } أي ~~والهدي العزيز الذي يقلد فيذبح ويقسم على الفقراء، وفي الآية التفات إلى ~~ما في أول السورة من قوله # يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام # [المائدة: 2] - فقوانينها أن من قصدها في شهر الحرام لم يتعرض له أحد ~~ولو كان قتل ابنه، ومن قصدها في غيره ومعه هدي قلده أو لم يقلده أو لم ~~يكن معه هدي وقلد نفسه من لحاء شجر الحرم لم يعرض له أحد حتى أن بعضهم ~~يلقي الهدي وهو مضطر فلا يعرض له ولو مات جوعا، وسواء في ذلك صاحبه ~~وغيره لأن الله تعالى أوقع في قلوبهم تعظيمها، لأنه تعالى جبل العرب على ~~الشجاعة ليفتح بهم البلاد شرقا وغربا ليظهرعموم رسالة نبيهم صلى الله ~~عليه وسلم، فلزم من ذلك شدة حرصهم على القتل والغارات، وعلم أن ذلك إن ~~دام بهم شغلهم عن تحصيل ما يحتاجون إليه لعيشهم، فأدى إلى فنائهم، فجعل ~~بيته المكرم وما كان من أسبابه أمانا يكون به قوام معاشهم ومعايشهم، ~~فكان ذلك برهانا ظاهرا على أن الإله عالم بجميع المعلومات وأن له ~~الحكمة البالغة. # ولما أخبر بعلة التعظيم لما أمر بتعظيمه من نظم أمور الناس، ذكر علة ذلك ~~الجعل فقال: { ذلك } أي الجعل العظيم الذي تم أمره على ما أراد جاعله ~~سبحانه { لتعلموا } أي بهذا التدبير المحكم { أن الله } أي الذي له ~~الكمال كله الذي جعل ذلك { يعلم ما في السماوات } فلذلك رتبها ترتيبا ~~فصلت به الأيام والليالي، فكانت من ذلك الشهور والأعوام، وفصل من ذلك ما ~~فصل للقيام المذكور { وما في الأرض } فلذلك جعل فيها ما قامت به مصالح ~~الناس وكف فيه أشدهم وأفتكهم عن أضعفهم وآمن فيه الطير والوحش، فيؤدي ذلك ~~من له عقل رصين وفكر متين إلى أن يعلم أن فاعل ذلك من العظمة ونفوذ ~~الكلمة بحيث يستحق الإخلاص في العبادة وأن يمتثل أمره في ms1250 إحلال ما أحل من ~~الطعام وتحريم ما حرم من الشراب وغير ذلك. # ولما ذكر هذا العلم العظيم، ذكر ما هو أعم منه فقال: { وأن } أي ~~ولتعلموا أن { الله } أي المحيط بكل شيء قدرة وعلما الذي فعل ذلك فتم له ~~{ بكل شيء عليم * } وإلا لما أثبت جميع مقتضيات ذلك ونفى جميع موانعه ~~حتى كان، ولقد اتخذ العرب - كما في السيرة الهشامية وغيرها - طواغيت، وهي ~~بيوت جعل لها سدنة وحجابا وهدايا أكثروا منها، وعظمت كل قبيلة ما عندها ~~أشد تعظيم وطافوا به فلم يبلغ شيء منها ما بلغ أمر الكعبة المشرفة ولا ~~قارب، ليحصل العلم بأنه سبحانه لا شيء مثله ولا شريك له. ### || [5.98-101] # ولما أنتج هذا كله أنه على كل شيء قدير لأنه بكل شيء عليم، وكانت هذه ~~الآية - كما تقدم - ناظرة إلى أول السورة من آية # لا تحلوا شعائر الله # [المائدة: 2] وما بعدها أتم نظر، ذكر سبحانه ما اكتنف آية # حرمت عليكم الميتة # [المائدة: 3] من الوعيد الذي ختم به ما قبلها والوعد الذي ختمت هي به في ~~هذه الآية على ترتيبه، سائقا له مساق النتيجة والثمرة لما قبله، بيانا ~~لأن من ارتكب شيئا من هذه المنهيات كان حظه، فقال محذرا ومبشرا لأن ~~الإيمان لا يتم إلا بهما: { اعلموا أن الله } أي الذي له المعظمة كلها ~~الذي نهاه عنها { شديد العقاب } فليكن عباده على حذر منه، وأن من أوقعه ~~في شيء منها القدر، ثم فتح له التوفيق باب الحذر، فكفر فيما فيه كفارة ~~وتاب، كان مخاطبا بقوله: { وأن } أي واعلموا أن { الله } أي الذي له ~~الجلال والإكرام مع كونه شديد العقاب { غفور رحيم * } يقبل عليه ويمحو ~~زلله ويكرمه، فكان اكتناف أسباب الرجاء سابقا للإنذار ولاحقا معلما ~~بأن رحمته سبقت غضبه وأن العقاب إنما هو لإتمام رحمته، قال ابن الزبير: ~~ثم قال # جعل الله الكعبة # [المائدة: 97] - فنبه على سوء العاقبة في منع البحث على التعليل وطلب ~~الوقوف على ما لعله مما استأثر الله بعلمه، ومن هذا الباب أتى على بني ~~إسرائيل في ms1251 أمر البقرة وغير ذلك؛ وجعل هذا التنبيه إيماء، ثم أعقبه بما ~~يفسره { يا أيها الذين آمنوا لا تسئلوا عن أشياء } [المائدة: 101] - ~~ووعظهم بحال غيرهم في هذا، وأنهم سألوا فأعطوا ثم امتحنوا، وقد كان ~~التسليم أولى لهم، فقال تعالى # قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين # [المائدة: 102] ثم عرف عباده أنهم إذا استقاموا فلن يضرهم خذلان غيرهم # يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم # [المائدة: 105] - انتهى. # ولما رغب سبحانه ووهب، علم أنه المجازى وحده، فأنتج ذلك أنه ليس إلى ~~غيره إلا ما كلفه به، فأنتج ذلك ولا بد قوله: { ما على الرسول } أي الذي ~~من شأنه الإبلاغ { إلا البلاغ } أي بأنه يحل لكم الطعام وغيره ويحرم ~~عليكم الخمر وغيرها، وليس عليه أن يعلم ما تضمرون وما تظهرون ليحاسبكم ~~عليه { والله } أي المحيط بكل شيء قدرة وعلما { يعلم ما تبدون } أي ~~تجددون إبداءه على الاستقرار { وما تكتمون * } من إيمان وكفر وعصيان ~~وطاعة وتعمد لقتل الصيد وغيره ومحبة للخمر وغيرها وتعمق في الدين بتحريم ~~الحلال من الطعام والشراب وغيره إفراطا وتفريطا، لأنه الذي خلقكم وقدر ~~ذلك فيكم في أوقاته، فيجازيكم على ما في نفس الأمر، من عصي أخذه بشديد ~~العقاب، ومن أطاعه منحه حسن الثواب، وأما الرسول صلى الله عليه وسلم فلا ~~يحكم إلا بما يعلمه مما تبدونه ما لم أكشف له الباطن وآمره فيه بأمري، ~~وهذه أيضا ناظرة إلى قوله تعالى # بلغ ما أنزل إليك من ربك # [المائدة: 67]. # ولما سلب سبحانه العلم عن كل أحد وأثبته لنفسه الشريفة، أنتج ذلك أنه لا ~~أمر لغيره ولا نهي ولا إثبات ولا نفي، فأخذ سبحانه يبين حكمة ما مضى من ~~الأوامر في إحلال الطعام وغيره من الاصطياد والأكل من الصيد وغيره ~~والزواجر عن الخمر وغيرها بأن الأشياء منها طيب وخبيث، وأن الطيب وإن قل ~~خير من الخبيث وإن كثر، ولا يميز هذا من ذاك إلا الخلاق العليم، فربما ~~ارتكب الإنسان طريقة شرعها لنفسه ظانا أنها حسنة فجرته إلى السيئة وهو ~~لا يشعر فيهلك، كالرهبانية ms1252 التي كانوا عزموا عليها والخمر التي دعا ~~شغفهم بها إلى الإنزال فيها مرة بعد أخرى إلى أن أكد فيها هنا أشد ~~تأكيد، وحذر فيها أبلغ تحذير، فقال تعالى صارفا الخطاب إلى أشرف الورى ~~صلى الله عليه وسلم إشارة إلى أنه لا ينهض بمعرفة هذا من الخلق غيره: { ~~قل لا يستوي الخبيث } أي من المطعومات والطاعمين { والطيب } أي كذلك، فإن ~~ما يتوهمونه في الكثرة من الفضل لا يوازي النقصان من جهة الخبيث. # ولما كان الخبيث من الذوات والمعاني أكثر في الظاهر وأيسر قال: { ولو ~~أعجبك كثرة الخبيث } والخبيث والطيب منه جسماني ومنه روحاني، وأخبثهما ~~الروحاني وأخبثه الشرك، وأطيب الطيب الروحاني وأطيبه معرفة الله وطاعته، ~~وما يكون للجسم من طيب أو خبث ظاهر لكل أحد، فما خالطه نجاسة صار ~~مستقذرا لأرباب الطباع السليمة، وما خالط الأرواح من الجهل صار مستقذرا ~~عند الأرواح الكاملة المقدسة، وما خالطه من الأرواح معرفة الله فواظب ~~على خدمته أشرق بأنوار المعارف الإلهية وابتهج بالقرب من الأرواح المقدسة ~~الطاهرة، وكما أن الخبيث والطيب لا يستويان في العالم الروحاني كذلك لا ~~يستويان في العالم الجسماني، والتفاوت بينهما في العالم الروحاني أشد، ~~لأن مضرة خبث الجسماني قليلة، ومنفعة طيبه يسيرة، وأما خبث الروحاني ~~فمضرته عظيمة دائمة، وطيب الروحاني منفعته جليلة دائمة، وهي القرب من ~~الله والانخراط في زمرة السعداء، وأدل دليل على إرادة العصاة والمطيعين ~~قوله: { فاتقوا الله } أي اجعلوا بينكم وبين ما يسخط الملك الأعظم الذي ~~له صفات المال من الحرام وقاية من الحلال لتكونوا من قسم الطيب، فإنه لا ~~مقرب إلى الله مثل الانتهاء عما حرم - كما تقدم الإشارة بقوله: # ثم اتقوا وأحسنوا # [المائدة: 93] ويزيد المعنى وضوحا قوله { يا أولي الألباب } أي العقول ~~الخالصة من شوائب النفس فتؤثروا الطيب وإن قل في الحبس لكثرته في المعنى ~~على الخبيث وإن كثر في الحس لنقصه في المعنى { لعلكم تفلحون * } أي ~~لتكونوا على رجاء من أن تفوزوا بجميع المطالب، وحينئذ ظهر كالشمس مناسبة ~~تعقيبها بقوله على طريق الاستئناف والاستنتاج: { يا أيها ms1253 الذين آمنوا } ~~أي أعطوا من أنفسهم العهد على الإيمان الذي معناه قبول جميع ما جاء به ~~من وقع به الإيمان { لا تسئلوا عن أشياء } وذلك لأنهم إذا كانوا على ~~خطر فيما يسرعون وفيما به ينتفعون من المآكل والمشارب وغيرها من الأقوال ~~والأفعال فهم مثله فيما عنه يسألون سواء سألوا شرعه أو لا، لأنه ربما ~~أجابهم من لا يضره شيء إلى ما فيه ضررهم مما سألوه، فإنهم لا يحسنون ~~التفرقة بين الخبيث والطيب كما فعل بأهل السبت حيث أبوا الجمعة وسألوه، ~~فاشتد اعتناقها حينئذ بقوله: # إن الله يحكم ما يريد # [المائدة: 1] وبقوله: { ما على الرسول إلا البلاغ } [المائدة: 99] فكان ~~كأنه قيل: فما بلغكم إياه فخذوه بقبول وحسن انقياد، وما لا فلا تسألوا ~~عنه، وسبب نزولها - كما في الصحيحين عن أنس رضي الله عنه # " أنهم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم حتى أحفوه بالمسألة، فغضب فصعد ~~المنبر فقال: لا تسألوني اليوم عن شيء إلا بينته لكم - وشرح يكرر ذلك، ~~وإذ جاء رجل كان إذا لاحى الرجال يدعى لغير أبيه فقال: يا رسول الله! من ~~أبي؟ قال: أبوك حذافة، ثم أنشأ عمر رضي الله عنه فقال: رضينا بالله ربا ~~وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا، نعوذ بالله من سوء الفتن. وفي آخره: ~~فنزلت { يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم } " # وللبخاري في التفسير عن أنس أيضا قال: # " خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة ما سمعت مثلها قط، قال: لو ~~تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا، فغطى أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وجوههم، لهم حنين، فقال رجل: من أبي؟ قال: فلان، فنزلت { ~~لا تسئلوا عن أشياء } " # الآية. وللبخاري أيضا عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: " كان قوم ~~يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم استهزاء فيقول الرجل: من أبي؟ ويقول ~~الرجل تضل ناقته: أين ناقتي؟ فأنزل الله فيهم هذه الآية: { يا أيها الذين ~~آمنوا لا تسئلوا عن أشياء } حتى فرغ من الأية كلها " ولابن ماجه ms1254 مختصرا ~~وللحافظ أبي القاسم بن عساكر في الموافقات فيما أفاده المحب الطبري في ~~مناقب العشرة وأبي يعلى في مسنده مطولا عن أنس رضي الله عنه قال: " خرج ~~علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو غضبان ونحن نرى أن معه جبرئيل ~~عليه السلام حتى صعد المنبر - وفي رواية: فخطب الناس - فقال: سلوني! ~~فوالله لا تسألوني عن شيء اليوم إلا أخبرتكم وفي رواية: أنبأتكم به - فما ~~رأيت يوما كان أكثر باكيا منه، فقال رجل: يا رسول الله - وفي رواية: ~~فقام إليه رجل فقال: يا رسول الله - إنا كنا حديث عهد بجاهلية، من أبي؟ ~~قال: أبوك حذافة - لأبيه الذي كان يدعى له - وفي رواية: أبوك حذافة الذي ~~تدعى له - فقام إليه آخر فقال: يا رسول الله أفي الجنة أنا أم في النار؟ ~~فقال: في النار، فقام إليه آخر فقال: يا رسول الله! أعلينا الحج كل عام؟ ~~- وفي رواية: في كل عام - فقال: لو قلت: نعم، لوجبت، ولو وجبت لم تقوموا ~~بها، ولو لم تقوموا بها عذبتم، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: رضينا ~~بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا - وفي ~~رواية: رسولا - لا تفضحنا بسرائرنا - وفي رواية: فقام إليه عمر ابن ~~الخطاب رضي الله عنه فقال: يا رسول الله! إنا كنا حديث عهد بجاهلية فلا ~~تبد علينا سرائرنا، أتفضحنا بسرائرنا - اعف عنا عفا الله عنك، فسرى عنه، ~~ثم التفت إلى الحائط فذكر بمثل الجنة والنار " وللإمام أحمد ومسلم ~~والنسائي والدارقطني والطبري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: خطب - وفي ~~رواية: خطبنا - رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: # " يا أيها الناس! إن الله قد فرض عليكم الحج حجوا " # ، فقال رجل - وفي رواية النسائي: # " فقال الأقرع بن حابس التميمي -: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ~~ثلاثا، فقال: من السائل؟ فقال: فلان، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: والذي نفسي بيده! لو قلت: نعم، لوجبت، ثم إذا لا تسمعون ولا ~~تطيعون، ولكن حجة واحدة " # - وفي ms1255 رواية الدارقطني والطبري: # " ولو وجبت ما أطقتموها، ولو لم تطيقوها " # - وفي رواية الطبري: # " ولو تركتموه - لكفرتم " # ، فأنزل الله تعالى { يا أيها الذين آمنوا لا تسئلوا عن أشياء إن تبد ~~لكم تسؤكم } ثم قال: # " ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على ~~أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فآتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء ~~فدعوه - وفي رواية: فاجتنبوه " # وهذا الحديث له ألفاظ كثيرة من طرق شتى استوفيتها في كتابي " الاطلاع ~~على حجة الوداع " ولا تعارض بين هذه الأخبار ولو تعذر ردها إلى شيء واحد ~~لما تقدم عند قوله تعالى: { لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم } من أن ~~الأمر الواحد قد تعدد أسبابه، بل وكل ما ذكر من أسباب تلك وما أشبهه ~~كقوله تعالى: # ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما ~~كتب عليهم القتال # [النساء: 77] - الآية، يصلح أن يكون سببا لهذه، وروى الدارقطني في آخر ~~الرضاع من سننه عن أبي ثعلبة الخشني وفي آخر الصيد عن أبي الدرداء رضي ~~الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها، وحرم حرمات فلا تنتهكوها، وحد ~~حدودا فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها " # وقال أبو الدرداء: " فلا تكلفوها، رحمة من ربكم فاقبلوها " وأخرج حديث ~~أبي الدرداء أيضا الطبراني. # ولما كان الإنسان قاصرا عن علم ما غاب، فكان زجره عن الكشف عما يسوءه ~~زجرا له عن كل ما يتوقع أن يسوءه، قال تعالى: { إن تبد } أي تظهر { لكم ~~} بإظهار عالم الغيب لها { تسؤكم } ولما كان ربما وقع في وهم متعنت أن ~~هذا الزجر إنما هو لقصد راحة المسؤول عن السؤال خوفا من عواقبه - قال: { ~~وإن تسئلوا عنها } أي تلك الأشياء التي تتوقع مساءتكم عند إبدائها { حين ~~ينزل القرآن } أي والملك حاضر { تبد لكم } ولما كان ربما قال: فما له لا ~~يبديها سئل عنها أم لا؟ قال: { عفا الله } بما له من الغنى ms1256 المطلق ~~والعظمة الباهرة وجميع صفات الكمال { عنها } أي سترها فلم يبدها لكم رحمة ~~منه لكم وإراحة عما يسوءكم ويثقل عليكم في دين أو دنيا؛ ولما كانت صفاته ~~سبحانه أزلية، لا تتوقف لواحدة منها على غيرها، وضع الظاهر موضع المضمر ~~لئلا يختص بما قبله فقال نادبا من وقع منه ذنب إلى التوبة: { والله } أي ~~الذي له مع صفة الكمال صفة الإكرام { غفور } أزلا وأبدا يمحو الزلات ~~عينا وأثرا ويعقبها بالإكرام على عادة الحكماء { حليم * } أي لا يعجل ~~على العاصي بالعقوبة. ### || [5.102-105] # ولما نهى عن السؤال عنها ليتعرف حالها، علل ذلك بأن غيرهم عرف أشياء ~~وطلب أن يعطاها، إما بأن سأل غيره ذلك، وإما بأن شرعها وسأل غيره أن ~~يوافقه عليها وهو قاطع بأنها غاية في الحسن فكانت سبب شقائه فقال: { قد ~~سألها } يعني أمثالها، ولم يقل: سأل عنها، إشارة إلى ما أبدته { قوم } أي ~~أولو عزم وبأس وقيام في الأمور. # ولما كان وجود القوم فضلا عن سؤالهم لم يستغرق زمان القبل، أدخل الجار ~~فقال: { من قبلكم } ولما كان الشيء إذا جاء عن مسألة جديرا بالقبول لا ~~سيما إذا كان من ملك فكيف إذا كان من ملك الملوك. فكان رده في غاية ~~البعد، عبر عن استبعاده بأداة العبد في قوله: { ثم أصبحوا بها } أي عقب ~~إتيانهم إياها سواء من غير مهلة { كافرين * } أي ثابتين في الكفر، هذا ~~زجر بليغ لأن يعودوا لمثل ما أرادوا من تحريم ما أحل لهم ميلا إلى ~~الرهبانية والتعمق في الدين المنهي عنه بقوله: # لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم # [المائدة: 87]. # ولما فرغ من زجرهم عن أن يشرعوا لأنفسهم أو يسألوه عن أن يشرع لهم وأن ~~يسألوا من رحمهم بابتدائهم بهذا الشرع عن شيء من الأشياء اعتمادا على ~~أنه ما ابتدأ بذلك إلا وهو غير مخف عنهم شيئا ينفعهم ولا مبد لهم شيئا ~~يضرهم لأنه بكل شيء عليم - كما تقدم التنبيه على ذلك، قال معللا بختام ~~الآية التي قبلها: { ما جعل الله } أي الذي له صفات الكمال ms1257 فلا يشرع ~~شيئا إلا وهو على غاية الحكمة، وأغرق في النفي بقوله: { من بحيرة } وأكد ~~النفي بإعادة النافي فقال: { ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام } دالا بذلك ~~على أن الإنسان قد يقع في شرعه لنفسه على الخبيث دون الطيب، وذلك لأن ~~الكفار شرعوا لأنفسهم هذا وظنوا أنه من محاسن الأعمال، فإذا هو مما لا ~~يعبأ الله به بل ومما يعذب عليه، لكونه أوقعهم فيما كانوا معترفين بأنه ~~أقبح القبائح وهو الكذب، بل في أقبح أنواعه وهو الكذب على ملك الملوك، ثم ~~صار لهم دينا، وصاروا أرسخ الناس فيه وهو عين الكفر، وهم معترفون بأنه ~~ما شرعه إلا عمرو بن لحي وهو أول من غير دين إبراهيم - كما رواه الطبراني ~~عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن عمرا أول من غير دين إسماعيل فنصب الأوثان وبحر البحيرة وسيب ~~السوائب ووصل الوصيلة وحمى الحامي " # ورواه عبد بن حميد في مسنده عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه وفي آخره: # " وكان عمرو بن لحي أول من حمل العرب على عبادة الأصنام " # ورواه البخاري في المناقب من صحيحه ومسلم في صفة النار عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه في النار، وكان أول من سيب ~~السوائب " # قال ابن هشام في السيرة: والبحيرة عندهم الناقة تشق أذنها فلا يركب ~~ظهرها ولا يجز وبرها ولا يشرب لبنها إلا ضيف أو يتصدق به وتهمل لآلهتهم. ~~وروى البخاري في المناقب ومسلم في صفة النار عن سعيد بن المسيب قال: ~~البحيرة التي يمنع درها للطواغيت ولا يحلبها أحد من الناس، والسائبة التي ~~كانوا يسيبونها لآلهتهم فلا يحمل عليها شيء. وكذا رواه البخاري أيضا في ~~التفسير وقال: والوصيلة الناقة البكر تبكر في أول نتاج الإبل ثم تثنى بعد ~~بأنثى. وكانوا يسيبونها لطواغيتهم إن وصلت إحداهما بالأخرى ليس بينهما ~~ذكر وقال البرهان السفاقسي في إعرابه: قال أبو عبيد: وهي ms1258 الناقة إذا نتجت ~~خمسة أبطن، في الآخر. ذكر، شقوا أذنها وخلو سبيلها لا تركب ولا تحلب - ~~وقيل غير ذلك، وقال أبو حيان في النهر: قال ابن عباس: السائبة هي التي ~~تسيب للأصنام أي تعتق، وكان الرجل يسيب من ماله شيئا فيجيء به إلى ~~السدنة وهم خدم آلهتهم فيطعمون من لبنها للسبيل، والوصيلة قال ابن عباس - ~~إنها الشاة تنتج سبعة أبطن، فإن كان السابع أنثى لم تنتفع النساء منها ~~بشيء إلا أن تموت فيأكلها الرجال والنساء، وإن كان ذكرا ذبحوه وأكلوه ~~جميعا، وإن كان ذكرا وأنثى قالوا: وصلت أخاها، فتترك مع أخيها فلا ~~تذبح، ومنافعها للرجال دون النساء، فإذا ماتت اشترك الرجال والنساء فيها. ~~وقال ابن هشام: والحامي الفحل إذا نتج له عشر إناث متتابعات ليس بينهن ~~ذكر، حمى ظهره فلم يركب ظهره ولم يجز وبره وخلى في إبله يضرب فيها لا ~~ينتفع منه بغير ذلك. وقال السفاقسي: قال ابن مسعود وابن عباس رضي الله ~~عنهم - واختاره أبو عبيدة و الزجاج -: هو الفحل ينتج من صلبه عشرة أبطن ~~فيقولون: قد حمى ظهره، فيسيبونه لأصنامهم فلا يحمل عليه شيء. # ولما كانوا قد حرموا هذه الأشياء، وكان التحريم والتحليل من خواص الإله، ~~وكان لا إله إلا الله، كان حكمهم عليها بالحرمة نسبة لذلك إلى الله ~~سبحانه كذبا، فقال تعالى بعد أن نفى أن يكون جعل شيئا من ذلك: { ولكن ~~الذين كفروا } أي ستروا ما دل عليه عقلهم من أن الله ما جعل هذا، لأنهم ~~لا وصول لهم إليه سبحانه وعز شأنه، فلذلك قال: { يفترون } أي يتعمدون ~~بجعل هذه الأشياء من تحريم وتحليل { على الله } أي الملك الأعلى { الكذب ~~} فيحرمون ما لم يحرمه ويحللون ما لم يحلله { وأكثرهم } أي هؤلاء الذين ~~جعلوا هذه الأشياء { لا يعقلون * } أي لا يتجدد لهم عقل، وهم الذين ماتوا ~~على كفرهم. # ثم لما حرموا هذه الأشياء اضطروا إلى تحليل الميتة فحرموا الطيب وأحلوا ~~الخبيث. ولما اتخذوه دينا واعتقدوه شرعا ومضى عليه أسلافهم، دعتهم ~~الحظوظ والأنفة من نسبة آبائهم إلى ms1259 الضلال والشهادة عليهم بالسفه إلى ~~الإصرار عليه وعدم الرجوع عنه بعد انكشاف قباحته وبيان شناعته حتى أفنى ~~أكثرهم السيف ووطأتهم الدواهي، فوطأت أكتافهم وذللت أعناقهم وأكنافهم، ~~فقال تعالى دالا على ختام الآية التي قبله من عدم عقلهم: { وإذا قيل لهم ~~} أي من أي قائل كان ولو أنه ربهم، بما ثبت من كلامهم بالعجز عنه أنه ~~كلامه { تعالوا } أي ارفعوا أنفسكم عن هذا الحضيض السافل { إلى ما أنزل ~~الله } أي الذي لا أعظم منه، وقد ثبت أنه أنزله بعجزكم عنه { وإلى الرسول ~~} أي الذي من شأنه لكونه سبحانه أرسله أن يبلغكم ما يحبه لكم ويرضاه { ~~قالوا حسبنا } أي يكفينا { ما وجدنا عليه آباءنا }. # ولما كانوا عالمين بأنه ليس في آبائهم عالم، وأنه من تأمل أدنى تأمل عرف ~~أن الجاهل لا يهتدي إلى شيء، قال منكرا عليهم موبخا لهم: { أولو } أي ~~يكفيهم ذلك إذا قالوا ذلك ولو { كان آباؤهم لا يعلمون شيئا } أي من ~~الأشياء حق علمه لكونهم لم يأخذوه عن الله بطريق من الطرق الواصلة إليه، ~~ولما كان من لا يعلم قد يشعر بجهله فيتعلم فيهتدي فيصير أهلا للاقتداء ~~به، وقد لا يشعر لكونه جهله مركبا فلا يجوز الاقتداء به، بين أنهم من ~~أهل هذا القسم فقال: { ولا يهتدون * } أي لا يطلبون الهداية فلا توجد ~~هدايتهم إلى صواب، لأن من لا يعلم لا صواب له، لأنه ليس للهدى آلة سوى ~~العلم، وأدل دليل على عدم هدايتهم أنهم ضيعوا الطيب من أموالهم فاضطرهم ~~ذلك إلى أكل الخبيث من الميتة، وأغضبوا بذلك خالقهم فدخلوا النار، فلا ~~أقبح مما يختاره لنفسه المطبوع على الكدر، ولا أحسن مما يشرعه له رب ~~البشر، وهذه الآية ناظرة إلى قوله تعالى في سورة النساء # إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا شيطانا مريدا # [المساء: 117] إلى قوله: # ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام # [النساء: 119] فالتفت حينئذ إلى قوله: { رجس من عمل الشيطان } أي ~~التفات. # ولما كان المانع لهم من قبول الهدى كون ذلك تسفيها لآبائهم، فيعود ~~ضررا عليهم يسبون ms1260 به على زعمهم، أعلم الله المؤمنين أن مخالفة الغير ~~في قبول الهدى لا تضرهم أصلا، بأن عقب آية الإنكار عليهم في التقيد ~~بآبائهم لمتابعتهم لهم في الكفر بقوله: { يا أيها الذين آمنوا } أي ~~عاهدوا ربهم ورسوله على الإيمان { عليكم أنفسكم } أي الزموا هدايتها ~~وإصلاحها؛ ولما كان كأنه قيل: إنا ننسب بآبائنا، وننسب إليهم، فربما ~~ضرتنا نسبتنا إليهم عند الله كما جوز أكثم بن الجون الخزاعي أن يضره شبه ~~عمرو ابن لحي به حتى سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: # " لا، إنك مؤمن وهو كافر " # - كما في أوائل السيرة الهشامية عن أبي هريرة رضي الله عنه، وكان ذلك ~~ربما وقف بأحد منهم عن الإسلام قال: { لا يضركم من ضل } أي من المخالفين ~~بكفر أو غيره بنسبتكم إليه ولا بقول الكفار: إنكم سفهتم آراءكم، ولا بغير ~~ذلك من وجوه الضرر، وحقق هدايتهم بشارة لهم بأداة التحقيق فقال مفهما ~~لوجود الضرر عند فقد الهداية: { إذا اهتديتم } أي بالإقبال على ما أنزل ~~الله وعلى الرسول حتى تصيروا علماء وتعملوا بعلمكم فتخالفوا من ضل، فإن ~~كان موجودا فبالاجتهاد في أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر بحسب الطاقة، ~~فإن لم يستطع رده انتظر به يوم الجمع الأكبر والهول الأعظم، وإن كان ~~مفقودا فبمخالفته في ذلك الضلال وإن كان أقرب الأقرباء وأولى الأحباء، ~~وإلا كان الباقي أسفه من الماضي، وقد كان لعمري أحدهم لا يتبع أباه إذا ~~كان سفيها في أمر دنياه عاجزا عن تحصيلها ولا يتحاشى عن مخالفته في ~~طريقته بل يعد الكدح في تحصيلها والتعمق في اقتناصها وحسن السعي في ~~تثميرها ولطف الحيلة في توسيعها من معالي الأخلاق وإصالة الرأي وجودة ~~النظر على أن ذلك ظل زائل وعرض تافه، فكيف لا يخالفه فيما به سعادته ~~الأبدية وحياته الباقية ويأخذ بالحزم في ذلك ويشمر ذيله في أمره ويسهر ~~ليله في إعمال الفكر وترتيب النظر فيما أمره الله بالنظر فيه حتى يظهر له ~~الحق فيتبعه، وينهتك لديه الباطل فيجتنبه، ما ذاك إلا لمجرد الهوى، وقد ms1261 ~~كان الحزم العمل بالحكمة التي كشفها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله فيما ~~رواه أحمد والترمذي وابن ماجه عن شداد بن أوس رضي الله عنه # " الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها ~~وتمنى على الله الأماني " # وروى مسلم والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير أحرص ~~على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني ~~فعلت كان كذا وكذا - وقال ابن ماجه: ولا تقل: لو أني فعلت كذا وكذا - فإن ~~" لو " تفتح عمل الشيطان " # ، وفي بعض طرق الحديث: # " ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل " # يعني: والله! اعمل عمل الحزمة فأوسع النظر حتى لا تترك أمرا يحتمل أن ~~ينفعك ولا يضرك إلا أخذت به، ولا تدع أمرا يحتمل أن يضرك ولا ينفعك إلا ~~تجتنبه، فإنك إن فعلت ذلك وغلبك القضاء والقدر لم نجد في وسعك أمرا ~~تقول: لو أني فعلته أو تركته، ولكنك تقول: قدر الله وما شاء فعل، بخلاف ~~ما إذا لم تنعم النظر وعملت عمل العجزة فإنك حتما تقول: لو أني فعلت كذا ~~وكذا، لأن الشيطان يفتح لك تلك الأبواب التي نظر فيها الحازم، فيكثر لك ~~من " لو " لأنها مفتاح عمله، وليس في الآية ما يتعلق به من يتهاون في ~~الأمر بالمعروف كما يفعله كثير من البطلة؛ روى أحمد في المسند عن أبي ~~عامر الأشعري رضي الله عنه # " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له في أمر رآه: يا أبا عامر! ألا ~~غيرت؟ فتلا هذه الآية: { يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ~~ضل إذا اهتديتم } ، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: أين ذهبتم؟ ~~إنما هي لا يضركم من ضل من الكفار إذا اهتديتم " # وروى أحمد وأصحاب السنن الأربعة والحارث وأحمد بن منيع وأبو يعلى # " أن أبا بكر الصديق رضي ms1262 الله عنه قال: يا أيها الناس! إنكم تقرؤون هذه ~~الآية وتضعونها على غير مواضعها، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: إن الناس إذا رأوا منكرا فلم يغيروه يوشك أن يعمهم الله بعقابه. ~~قال البغوي: وفي رواية: لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليستعملن ~~الله عليكم شراركم فليسومونكم سوء العذاب، ثم ليدعون الله خياركم فلا ~~يستجاب لكم " # والله الموفق. # ولما حكم الله تعالى - وهو الحكم العدل - أنه لا ضرر عليهم من غيرهم ~~بشرط هداهم، وكان الكفار يعيرونهم، قال مؤكدا لما أخبر به ومقررا ~~لمعناه: { إلى الله } أي الملك الأعظم الذي لا شريك له، لا إلى غيره { ~~مرجعكم } أي أنتم ومن يعيركم ويهددكم وغيرهم من جميع الخلائق { جميعا ~~فينبئكم } أي يخبركم إخبارا عظيما مستوفى مستقصى { بما كنتم تعملون * } ~~أي تعمدا جبلة وطبعا، ويجازي كل أحد بما عمل على حسب ما عمل. ولا يؤاخذ ~~أحدا بما عمل غيره ولا بما أخطأ فيه أو تاب منه، وليس المرجع ولا شيء ~~منه إلى الكفار ولا معبوداتهم ولا غيرهم حتى تخشوا شيئا من غائلتهم في ~~شيء من الضرر. ### || [5.106-108] # ولما خاطب سبحانه أهل ذلك الزمان بأنه نصب المصالح العامة كالبيت الحرام ~~والشهر الحرام، وأشار بآية البحيرة وما بعدها إلى أن أسلافهم لا وفروا ~~عليهم مالهم ولا نصحوا لهم في دينهم، وختم ذلك بقهره للعباد بالموت وكشف ~~الأسرار يوم العرض بالحساب على النقير والقطمير والجليل والحقير؛ عقب ذلك ~~بآية الوصية إرشادا منه سبحانه إلى ما يكشف سريرة من خان فيها علما ~~منه سبحانه أن الوفاء في مثل ذلك يقل وحثا لهم على أن يفعلوا ما أمر ~~سبحانه به لينصحوا لمن خلفوه بتوفير المال ويقتدي بهم فيما ختم به الآية ~~من التقوى والسماع والبعد من الفسق والنزاع، فقال تعالى مناديا لهم بما ~~عقدوا به العهد بينهم وبينه من الإقرار بالإيمان: { يا أيها الذين آمنوا ~~} أي أخبروا عن أنفسهم بذلك { شهادة بينكم } هو كناية عن التنازع ~~والتشاجر لأن الشهود إنما يحتاج إليهم عند ذلك، وسبب نزول ms1263 الآية قد ذكره ~~المفسرون وذكره الشافعي في الأم فقال: أخبرني أبو سعيد معاذ بن موسى ~~الجعفري عن بكير بن معروف عن مقاتل بن حيان قال: أخذت هذا التفسير عن ~~مجاهد والحسن والضحاك " أن رجلين نصرانيين من أهل دارين أحدهما تميمي ~~والآخر يماني، صحبهما مولى لقريش في تجارة فركبوا البحر، ومع القرشي مال ~~معلوم قد علمه أولياؤه من بين آنية وبز ورقة فمرض القرشي فجعل وصيته ~~إلى الداريين فمات، وقبض الداريان المال فدفعاه إلى أولياء الميت، فأنكر ~~القوم قلة المال فقالوا للداريين: إن صاحبنا قد خرج معه بمال أكثر مما ~~أتيتمونا به، فهل باع شيئا أو اشترى فوضع فيه؟ أو هل طال مرضه فأنفق على ~~نفسه؟ قالا: لا، قالوا: فإنكما خنتمانا، فقبضوا المال، ورفعوا أمرهما إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأنزل الله عز وجل { يا أيها الذين آمنوا ~~شهادة بينكم } [المائدة: 106] فلما نزلت أمر النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فقاما بعد الصلاة، فحلفا بالله رب السماوات: ما ترك مولاكم من المال إلا ~~ما أتيناكم به، فلما حلفا خلي سبيلهما، ثم إنهم وجدوا بعد ذلك إناء من ~~آنية الميت فأخذوا الداريين فقالا: اشتريناه منه في حياته، فكذبا ~~وكلفا البينة فلم يقدرا عليها، فرفعوا ذلك إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فأنزل الله عز وجل { فإن عثر } - يعني إلى آخرها " ثم ذكر وقت ~~الشهادة وسببها فقال: { إذا حضر } وقدم المفعول تهويلا - كما ذكر في ~~النساء - لأن الآية نزلت لحفظ ماله فكان أهم، فقال: { أحدكم الموت } أي ~~أخذته أسبابه الموجبة لظنه. # ولما كان الإيصاء إذ ذاك أمرا متعارفا، عرف فقال معلقا بشهادة كما ~~علق به { إذا } أو مبدلا من { إذا } لأن الزمنين واحد: { حين الوصية } ~~أي إن أوصى، ثم أخبر عن المبتدأ فقال: { اثنان } أي شهادة بينكم في ذلك ~~الحين شهادة اثنين { ذوا عدل منكم } أي من قبيلتكم العارفين بأحوالكم { ~~أو آخران } أي ذوا عدل { من غيركم } أي إن لم تجدوا قريبين يضبطان أمر ~~الوصية من كل ما للوصي وعليه، وقيل: ms1264 بل هما الوصيان أنفسهما احتياطا ~~بجعل الوصي اثنين، وقيل: آخران من غير أهل دينكم، وهو خاص بهذا الأمر ~~الواقع في السفر للضرورة لا في غيره ولا في غير السفر؛ ثم شرط هذه ~~الشهادة بقوله: { إن أنتم ضربتم } أي بالأرجل { في الأرض } أي بالسفر، ~~كأن الضرب بالأرجل لا يسمى ضربا إلا فيه لأنه موضع الجد والاجتهاد { ~~فأصابتكم } وأشار إلى أن الإنسان هدف لسهام الحدثان بتخصيصه بقوله: { ~~مصيبة الموت } أي أصابت الموصي المصيبة التي لا مفر منها ولا مندوحة ~~عنها. # ولما كان قد استشعر من التفصيل في أمر الشهود مخالفة لبقية الشهادات، ~~فكان في معرض السؤال عن الشهود: ماذا يفعل بهم؟ قال مستأنفا: { ~~تحبسونهما } أي تدعونهما إليكم وتمنعونهما من التصرف لأنفسهما لإقامة ما ~~تحملاه من هذه الواقعة وأدائه؛ ولما كان المراد إقامة اليمين ولو في أيسر ~~زمن، لا استغراق زمن البعد بالحبس، أدخل الجار فقال: { من بعد الصلاة } ~~أي التي هي أعظم الصلوات؛ فكانت بحيث إذا أطلقت معرفة انصرفت إليها وهي ~~الوسطى وهي العصر، ثم ذكر الغرض من حبسهما فقال: { فيقسمان بالله } أي ~~الملك الذي له تمام القدرة وكمال العلم، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن ~~اليمين إنما تكون إذا كانا من غيرنا، فإن كانا مسلمين فلا يمين، وعن ~~غيره، إن كان الشاهدان على حقيقتهما فقد نسخ تحليفهما، وإن كان الوصيين ~~فلا؛ ثم شرط لهذا الحلف شرطا فقال اعتراضا بين القسم والمقسم عليه: { ~~إن ارتبتم } أي وقع بكم شك فيما أخبرا به عن الواقعة؛ ثم ذكر المقسم عليه ~~بقوله: { لا نشتري به } أي هذا الذي ذكرناه { ثمنا } أي لم نذكره ليحصل ~~لنا به عرض دنيوي وإن كان في نهاية الجلالة، وليس قصدنا به إلا إقامة ~~الحق { ولو كان } أي الوصي الذي أقسمنا لأجله تبرئة له { ذا قربى } أي ~~لنا، أي إن هذا الذي فعلناه من التحري عادتنا التي أطعنا فيها # كونوا قوامين بالقسط شهداء لله # [النساء: 135] - الآية، لا أنه فعلنا في هذه الواقعة فقط { ولا نكتم ~~شهادة الله } أي هذا الذي ms1265 ذكرناه لم نبدل فيه لما أمر الله به من حفظ ~~الشهادة وتعظيمها، ولم نكتم شيئا وقع به الإشهاد، ولا نكتم فيما يستقبل ~~شيئا نشهد به لأجل الملك الأعظم المطلع على السرائر كما هو مطلع على ~~الظواهر؛ ثم علل ذلك بما لقنهم إياه ليكون آخر كلامهم، كل ذلك تغليظا ~~وتنبيها على أن ذلك ليس كغيره من الأيمان، فقال تذكيرا لهم وتحذيرا من ~~التغيير: { إنا إذا } أي إذا فعلنا شيئا من التبديل أو الكتم { لمن ~~الآثمين * فإن } ولما كان المراد مجرد الاطلاع بني للمفعول قوله: { عثر } ~~أي اطلع مطلع بقصد أو بغير قصد؛ قال البغوي: وأصله الوقوع على الشيء أي ~~من عثرة الرجل { على أنهما } أي الشاهدين إن أريد بهما الحقيقة أو ~~الوصيين { استحقا إثما } أي بسبب شيء خانا فيه من أمر الشهادة { فآخران ~~} أي من الرجال الأقرباء للميت { يقومان مقامهما } أي ليفعلا حيث اشتدت ~~الريبة من الإقسام عند مطلق الريبة ما فعلا { من الذين استحق } أي طلب ~~وقوع الحق بشهادة من شهد { عليهم } هذا على قراءة الجماعة، وعلى قراءة ~~حفص بالبناء للفاعل، المعنى: وجد وقوع الحق عليهم، وهم أهل الميت ~~وعشيرته. # ولما كان كأنه قيل: ما منزلة هذين الآخرين من الميت؟ فقيل: { الأوليان } ~~أي الأحقان بالشهادة الأقربان إليه العارفان بتواطن أمره، وعلى قراءة أبي ~~بكر وحمزة بالجمع، كأنه قيل: هما من الأولين أي في الذكر وهم أهل الميت، ~~فهو نعت للذين استحق { فيقسمان } أي هذان الآخران { بالله } أي الملك ~~الذي لا يقسم إلا به لما له من كمال العلم وشمول القدرة { لشهادتنا } أي ~~بما يخالف شهادة الحاضرين للواقعة { أحق من شهادتهما } أي أثبت، فإن تلك ~~إنما ثباتها في الظاهر، وشهادتنا ثابتة في نفس الأمر وساعدها الظاهر بما ~~عثر عليه من الريبة { وما اعتدينا } أي تعمدنا في يميننا مجاوزة الحق { ~~إنا إذا } أي إذا وقع منا اعتداء { لمن الظالمين * } أي الواضعين الشيء ~~في غير موضعه كمن يمشي في الظلام، وهذا إشارة إلى أنهم على بصيرة ونور ~~مما شهدوا به، وذلك أنه لما ms1266 وجد الإناء الذي فقده أهل الميت وحلف ~~الداريان بسببه أنهما ما خانا طالبوهما، فقالا: كنا اشتريناه منه، ~~فقالوا: ألم نقل لكما: هل باع صاحبنا شيئا؟ فقلتما: لا، فقالا: لم يكن ~~عندنا بينة فكرهنا أن نقر لكم فرفعوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فأمر فقام اثنان من أقارب الميت فحلفا على الإناء، فدفعه النبي صلى ~~الله عليه وسلم إليهما، لأن الوصيين ادعيا على الميت البيع فصار اليمين ~~في جانب الورثة لأنهم أنكروا، وسمي أيمان الفريقين شهادة كما سميت أيمان ~~المتلاعنين شهادة - نبه على ذلك الشافعي، وكان ذلك لما في البابين من ~~مزيد التأكيد. # ولما تم هذا على هذا الوجه الغريب، بين سبحانه سره فقال: { ذلك } أي ~~الأمر المحكم المرتب هذا الترتيب بالأيمان وغيرها { أدنى } أي أقرب { أن ~~} أي إلى أن { يأتوا } أي الذين شهدوا أولا { بالشهادة } أي الواقعة في ~~نفس الأمر { على وجهها } من غير أدنى ميل بسبب أن يخافوا من الحنث عند ~~الله بعد هذا التغليظ { أو يخافوا } إن لم يمنعهم الخوف من الله { أن ترد ~~} أي تثنى وتعاد { أيمان } أي من الورثة { بعد أيمانهم } للعثور على ريبة ~~فيصيروا بافتضاحهم مثلا للناس، قال الشافعي: وليس في هذا رد اليمين، فما ~~كانت يمين الداريين على ما ادعى الورثة من الخيانة، ويمين ورثة الميت على ~~ما ادعى الداريان مما وجد في أيديهما وأقرا أنه مال الميت وأنه صار لهما ~~من قبله، فلم تقبل دعواهما بلا بينة، فأحلف وارثاه، قال: وإذا كان هذا ~~كما وصفت فليست الآية ناسخة ولا منسوخة لأمر الله بإشهاد ذوي عدل ومن ~~نرضى من الشهداء، هذا ما اقتضى إيلاؤها لما قبلها، وقد نزعها إلى مجموع ~~هذه السورة منازع منها ما تقدم من ذكر القتل الذي هو من أنواع الموت عند ~~قصة بني آدم وما بعدها، ثم تعقيب ذلك بالجهاد الذي هو من أسباب الموت، ~~وقوله تعالى: # وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس # [المائدة: 45]، ثم ذكره أيضا في قوله تعالى: # يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة ms1267 لائم # [المائدة: 54] وقد جرت السنة الإلهية بذكر الوصية عقب مثل ذلك في ~~البقرة، ولم يذكر عقب واحدة من الآيات المذكورة لزيادتها على آية البقرة ~~بمنازع منها الحلف، فناسب كونها بعد آية الأيمان، ومنها تغليظ الحلف ~~والخروج به عما يشاكله من القسم على المال بكونه في زمان مخصوص بعد عبادة ~~مخصوصة، فناسب ذكرها بعد تغليظ أمر الصيد في حال مخصوص وهو الإحرام ~~والخروج به عن أشكاله من الأحوال وبعد تغليظ جزائه والخروج به عن أشكاله ~~من الكفارات وتغليظ أمر المكان المخصوص وهو الكعبة والخروج بها عن ~~أشكالها من البيوت، وكذا تغليظ الزمان المخصوص وهو الشهر الحرام والخروج ~~به عن أشكاله من الأزمنة. وكل ذلك لقيام أمر الناس وإصلاح أحوالهم، وهكذا ~~آية الوصية وما خرج من أحكامها عن أشكاله كله لقيام الأمور على السداد ~~وإصلاح المعاش والمعاد، وهي ملتفتة إلى أول السورة إذا هي من أعظم ~~العهود، والوفاء بها من أصعب الوفاء، وإلى قوله تعالى: # وتعاونوا على البر والتقوى # [المائدة: 2] وإلى قوله تعالى: # كونوا قوامين لله شهداء بالقسط # [المائدة: 8] انظر إلى ختمها بقوله: { إن الله خبير بما تعملون } وإلى ~~كون هذه في سياق الإعلام بأن الله عالم بالخفيات، وقوله: - عطفا على ما ~~تقديره: فالزموا ما أمرتكم به وأرشدتكم إليه تفلحوا: { واتقوا الله } أي ~~ذا الجلال والإكرام إلى آخرها - ملتفت إلى قوله: # وميثاقه الذي واثقكم به # [المائدة: 7] - الأية، أي خافوا الله خوفا عظيما يحملكم على أن تجعلوا ~~بينكم وبين سخطه وقاية لئلا تحلفوا كاذبين أو تخونوا أدنى خيانة { واسمعو ~~} أي الموعظة سمع إجابة وقبول ذاكرين لقولكم # سمعنا وأطعنا # [البقرة: 285] فإن الله يهدي المتمسكين بالميثاق { والله } أي الذي له ~~الكمال كله وتمام الحكمة وكمال العزة والسطوة { لا يهدي القوم } أي لا ~~يخلق الهداية في قلوب الذين لهم قدرة على ما يحاولونه الفاسقين * } أي ~~الذين هم خارجون، أي من عادتهم ذلك على وجه الرسوخ، فهم أبدا غير ~~متقيدين بقيد ولا منضبطين بدائرة عقد ولا عهد. ### || [5.109-111] # ولما كان فيها إقامة الشهود وحبسهم عن مقاصدهم حتى ms1268 يفرغوا من هذه ~~الواقعة المبحوث فيها عن خفايا متعلقة بالموت والتغليظ بالتحليف بعد صلاة ~~العصر، وكانت ساعة يجتمع فيها الناس وفريقا الملائكة المتعاقبين فينا ~~ليلا ونهارا مع أنها ساعة الأصيل المؤذنة بهجوم الليل وتقوض النهار ~~حتى كأنه لم يكن ورجوع الناس إلى منازلهم وتركهم لمعايشهم، وكانت عادته ~~سبحانه بأنه يذكر أنواعا من الشرائع والتكاليف، ثم يتبعها إما بالإلهيات ~~وإما بشرح أحوال الأنبياء وإما بشرح أحوال القيامة، ليصير ذلك مؤكدا لما ~~تقدم من التكاليف، ولا ينتقل من فن إلى آخر إلا بغاية الإحكام في الربط، ~~عقبها تعالى بقوله: { يوم يجمع الله } أي الملك الأعظم الذي له الإحاطة ~~الكاملة { الرسل } أي الذين أرسلهم إلى عباده بأوامره ونواهيه إشارة إلى ~~تذكر انصرام هذه الدار وسرعة هجوم ذلك بمشاهدة هذه الأحوال المؤذنة به ~~وبأنه يوم يقوم فيه الأشهاد، ويجتمع فيه العباد، ويفتضح فيه أهل الفساد - ~~إلى غير ذلك من الإشارات لأرباب البصائر والقلوب، والظاهر أن " يوم " ظرف ~~للمضاف المحذوف الدال عليه الكلام، فإن من المعلوم أنك إذا قلت: خف من ~~فلان، فإن المعنى: خف من عقابه ونحو ذلك، فيكون المراد هنا: واتقوا غضب ~~الله الواقع في ذلك اليوم، أي اجعلوا بينكم وبين سطواته في ذلك اليوم ~~وقاية، أو يكون المعنى: اذكروا هذه الواقعة وهذا الوقت الذي يجمع فيه ~~الشهود ويحبس المعترف والجحود يوم الجمع الأكبر بين يدي الله تعالى ~~ليسألهم عن العباد ويسأل العباد عنهم { فيقول } أي للرسل تشريعا لهم ~~وبيانا لفضلهم وتشريفا للمحق من أممهم وتبكيتا للمبطل وتوبيخا ~~للمفرط منهم والمفرط. # ولما كان مما لا يخفى أصلا أنهم أجيبوا، ولا يقع فيه نزاع ولا يتعلق ~~بالسؤال عنه غرض، تجاوز السؤال إلى الاستفهام من نوع الإجابة فقال: { ~~ماذا أجبتم } أي أي إجابة أجابكم من أرسلتم إليهم؟ إجابة طاعة أو إجابة ~~معصية. # ولما كان المقصود من قولهم بيان الناجي من غيره، وكانت الشهادة في تلك ~~الدار لا تنفع إلا فيما وافق فيه الإضمار الإظهار، فكانت شهادتهم لا تنفع ~~المشهود له بحسن الإجابة إلا أن يطابق ms1269 ما قاله بلسانه اعتقاده بقلبه { ~~قالوا } نافين لعلمهم أصلا ورأسا إذا كان موقوفا على شرط هو من علم ما ~~غاب ولا علم لهم به { لا علم لنا } أي على الحقيقة لأنا لا نعلم إلا ما ~~شهدناه، وما غاب عنا أكثر، وإذا كان الغائب قد يكون مخالفا للمشهود، فما ~~شهد ليس بعلم، لأنه غير مطابق للواقع، ولهذا عللوا بقولهم: { إنك أنت } ~~أي وحدك { علام الغيوب * } أي كلها، تعلمها علما تاما فكيف بما غاب عنا ~~من أحوال قومنا! فكيف بالشهادة! فكيف بما شهدنا من ذلك! وهذا في موضع ~~قولهم: أنت أعلم، لكن هذا أحسن أدبا، فإنهم محوا أنفسهم من ديوان العلم ~~بالكلية، لأن كل علم يتلاشى إذا نسب إلى علمه ويضمحل مهما قرن بصفته أو ~~اسمه. # ولما كان سؤاله سبحانه للرسل عن الإجابة متضمنا لتبكيت المبطلين ~~وتوبيخهم، وكان أشد الأمم افتقارا إلى التوبيخ أهل الكتاب، لأن تمردهم ~~تعدى إلى رتبة الجلال بما وصفوه سبحانه به من اتخاذ الصاحبة والولد، ومن ~~ادعاء الإلهية لعيسى عليه السلام لما أظهر من الخوارق التي دعا بها إلى ~~الله مع اقترانها بما يدل على عبوديته ورسالته لئلا يهتضم حقه أو يغلى ~~فيه، مع مشاركتهم لغيرهم في أذى الرسل عليهم السلام بالتكذيب وغيره، وكان ~~في الآية السالفة ذكر الآباء وما آثروا للأبناء، ذكر أمر عيسى عليه ~~السلام بقوله مبدلا من قوله: { يوم يجمع الله } معبرا بالماضي تذكيرا ~~بما لذلك اليوم من تحتم الوقوع، وتصويرا لعظيم تحققه، وتنبيها على أنه ~~لقوة قربه كأنه قد وقع ومضى: { إذ قال الله } أي المستجمع لصفات الكمال { ~~يا عيسى } ثم بينه بما هو الحق من نسبه فقال: { ابن مريم }. # ولما كان ذلك يوم الجمع الأكبر والإحاطة بجميع الخلائق وأحوالهم في ~~حركاتهم وسكناتهم، وكان الحمد هو الإحاطة بأوصاف الكمال، أمره بذكر حمده ~~سبحانه على نعمته عنده فقال: { اذكر نعمتي عليك } أي في خاصة نفسك، وذكر ~~ما يدل للعاقل على أنه عبد مربوب فقال: { وعلى والدتك } إلى آخره مشيرا ~~إلى أنه أوجده من غير أب ms1270 فأراحه مما يجب للآباء من الحقوق وما يورثون ~~أبناءهم من اقتداء أو اهتداء وإقامة بحقوق أمه، فأقدره - وهو في المهد - ~~على الشهادة لها بالبراءة والحصانة والعفاف، وكل نعمة أنعمها سبحانه عليه ~~صلى الله عليه وسلم فهي نعمة أمه دينا ودنيا. # ولما ذكر سبحانه هذه الأمة المدعوة من العرب وأهل الكتاب وغيرهم بنعمه ~~عليهم في أول السورة بقوله: # اذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه # [المائدة: 7]، # واذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم # [المائدة: 11]، وكانت هذه الآيات من عند # لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم # [المائدة: 87] كلها في النعم، أخبرهم أنه يذكر عيسى عليه السلام بنعمه ~~في يوم الجمع إشارة إلى أنهم إن لم يذكروا نعمه في هذه الدار دار العمل ~~بالشكر، ذكروها حين يذكرهم بها في ذلك اليوم قسرا بالكفر، ويا لها ~~فضيحة في ذلك الجمع الأكبر والموقف الأهول! وليتبصر أهل الكتاب فيرجعوا ~~عن كفرهم بعيسى عليه السلام: اليهود بالتقصير في أمره، والنصارى بالغلو ~~في شأنه وقدره. # ولما كان أعظم الأمور التنزيه، بدأ به كما فعل بنفسه الشريفة في كلمة ~~الدخول إلى الإسلام، ولما كان أعظم ذلك تنزيهه أمه عليها السلام وتصحيح ~~ما خرق لها من العادة في ولادته، وكان أحكم ما يكون ذلك بتقوية روحه حتى ~~يكون كلامه طفلا ككلامه كهلا، قدمه فقال معلقا قارنا بكل نعمة ما يدل ~~على عبوديته ورسالته، ليخزي من غلا في أمره أو قصر في وصفه وقدره: { إذ ~~أيدتك } أي قويتك تقوية عظيمة { بروح القدس } أي الطهر الذي يحيي القلوب ~~ويطهرها من أوضار الآثام، ومنه جبرئيل عليه السلام، فكان له منه في الصغر ~~حظ لم يكن لغيره؛ قال الحرالي: وهو يد بسط لروح الله في القلوب بما ~~يحييها الله به من روح أمره إرجاعا إليه في هذه الدار قبل إرجاع روح ~~الحياة بيد القبض من عزرائيل عليه السلام ثم استأنف تفسير هذا التأييد ~~فقال: { تكلم الناس } أي من أردت من عاليهم وسافلهم { في المهد } أي بما ~~برأ الله من أمك وأظهر به كرامتك وفضلك. # ولما ms1271 ذكر هذا الفضل العظيم، أتبعه خارقا آخر، وهو إحياؤه نفسه وحفظه ~~جسده أكثر من ألف سنة لم يدركه الهرم؛ فإنه رفع شابا وينزل على ما رفع ~~عليه ويبقى حتى يصير كهلا، وتسوية كلامه في المهد بكلامه في حال بلوغ ~~الأشد وكمال العقل خرقا لما جرت به العوائد فقال: { وكهلا } ولما ذكر ~~هذه الخارقة، أتبعها روح العلم الرباني فقال: { وإذ علمتك الكتاب } أي ~~الخط الذي هو مبدأ العلم وتلقيح لروح الفهم { والحكمة } أي الفهم لحقائق ~~الأشياء والعمل بما يدعو إليه العلم { والتوراة } أي المنزلة على موسى ~~عليه السلام { والإنجيل } أي المنزل عليك. # ولما ذكر تأييده بروح الروح، أتبعه تأييده بإفاضة الروح على جسد لا أصل ~~له فيها فقال: { وإذ تخلق من الطين } أي هذا الجنس { كهيئة الطير بإذني } ~~ثم سبب عن ذلك قوله: { فتنفخ فيها } أي في الصورة المهيأة { فتكون } أي ~~تلك الصورة التي هيأتها { طيرا بإذني } ثم بإفاضة روح ما على بعض جسد، ~~إما ابتداء في الأكمة كما في الذي قبله، وإما إعادة كما في الحادث العمى ~~والبرص بقوله: { وتبرئ الأكمة والأبرص }. # ولما كان من أعظم ما يراد بالسياق توبيخ من كفر به كرر قوله: { بإذني } ~~ثم برد روح كامل إلى جسدها بقوله: { وإذ تخرج الموتى } أي من القبور ~~فعلا أو قوة حتى يكونوا كما كانوا من سكان البيوت { بإذني } ثم بعصمة ~~روحه ممن أراد قتله بقوله: { وإذ كففت بني إسرائيل عنك } أي اليهود لما ~~هموا بقتلك؛ ولما كان ذلك ربما أوهم نقصا استحلوا قصده به، بين أنه قصد ~~ذلك كعادة الناس مع الرسل والأكابر من أتباعهم تسلية لهذا النبي الكريم ~~والتابعين له بإحسان فقال: { إذ جئتهم بالبينات } أي كلها، بعضها بالفعل ~~والباقي بالقوة لدلالة ما وجد عليه من الآيات الدالة على رسالتك الموجبة ~~لتعظيمك { فقال الذين كفروا } أي غطوا تلك البينات عنادا { منهم إن } أي ~~ما { هذا إلا سحر مبين * } ثم بتأييده بالأنصار الذين أحيى أرواحهم ~~بالإيمان وأجسادهم باختراع المأكل الذي من شأنه في العادة حفظ الروح، ~~وذلك في ms1272 قصة المائدة وغيرها فقال: { وإذ أوحيت } أي بإلهام باطنا ~~وبإيصال الأوامر على لسانك ظاهرا { إلى الحواريين } أي الأنصار { أن ~~آمنوا بي وبرسولي } أي الذي أمرته بالإبلاغ يعني إبلاغ الناس ما آمرهم ~~به، ثم استأنف مبينا لسرعة أجابتهم لجعله محببا إليهم مطاعا فيهم ~~بقوله: { قالوا آمنا }. # ولما كان الإيمان باطنا فلا بد في إثباته من دليل ظاهر، وكان في سياق ~~عد النعم والطواعية لوحي الملك الأعظم دلوا عليه بتمام الانقياد، ناسب ~~المقام زيادة التأكيد بإثبات النون الثالثة في قولهم: { واشهد بأننا } ~~بخلاف آل عمران { مسلمون * } أي منقادون أتم انقياد، فلا اختيار لنا إلا ~~ما تأمرنا به، وانظر ما أنسب إعادة " إذ " عند التذكير بروح كامل حسا أو ~~معنى وحذفها عند الناقص، فأثبتها عند التأييد بها في أصل الخلق وفي ~~الكمال الموجب للحياة الأبدية وفي تعليم الكتاب وما بعده المفيض لحياة ~~الأبد على كل من تخلق بأخلاقه وفي خلق الطير وهو ظاهر وهكذا إلى الآخر. # ذكر شيء مما عزي إليه من الحكمة في الإنجيل: قال متى: وكان يسوع يطوف ~~المدن والقرى ويعلم في مجامعهم ويكرز ببشارة الملكوت ويشفي كل الأمراض ~~والأوجاع، ثم قال: فلما سمع يوحنا في السجن بأعمال المسيح أرسل إليه ~~اثنين من تلاميذه قائلا: أنت هو الآتي أم نترجى آخر؟ قال لوقا: وفي تلك ~~الساعة أبرأ كثيرا من الأمراض والأوجاع والأرواح الشريرة ووهب النظر ~~لعميان كثيرين، فأجاب يسوع وقال لهما: اذهبا وأعلما يوحنا بما رأيتما ~~وسمعتما، العميان يبصرون والعرج يمشون والبرص يتطهرون والصم يسمعون ~~والموتى يقومون والمساكين يبشرون، فطوبى لمن لا يشك في! فلما ذهب تلميذا ~~يوحنا بدأ يسوع يقول للجمع من أجل يوحنا: لماذا خرجتم إلى البرية تنظرون ~~- قال لوقا: قصبة تحركها الريح - أم لماذا خرجتم تنظرون؟ إنسانا لابسا ~~لباسا ناعما؟ إن اللباس الناعم يكون في بيوت الملوك، قال لوقا: فإن ~~الذين عليهم لباس المجد والتنعم هم في بيوت الملوك - انتهى. لكن لماذا ~~خرجتم تنظرون؟ نبيا؟ نعم، أقول لكم: إنه أفضل من هذا الذي كتب من أجله: ~~هوذا أنا ms1273 مرسل ملكي أمام وجهك ليسهل طريقك قدامك، الحق أقول لكم! إنه لم ~~يقم في مواليد النساء أعظم من يوحنا المعمد، والصغير في ملكوت السماء ~~أعظم منه، وجميع الشعب الذي سمع والعشارون شكروا الله حيث اعتمدوا من ~~معمودية يوحنا، فأما الفريسيون والكتاب فعلموا أنهم رفضوا أمر الله لهم ~~إذ لم يعتمدوا منه؛ قال متى: ثم قال: من له أذنان سامعتان فليسمع! بماذا ~~أشبه هذا الجيل؟ يشبه صبيانا جلوسا في الأسواق، يصيحون إلى أصحابهم ~~قائلين: زمرنا لكم فلم ترقصوا، ونحنا لكم فلم تبكوا، جاء يوحنا لا يأكل ~~ولا يشرب، فقالوا: معه جنون، جاء ابن الإنسان يأكل ويشرب، فقالوا: هذا ~~إنسان أكول شريب خليل العشارين والخطأة، فتبررت الحكمة من بنيها، حينئذ ~~بدأ يعير المدن التي كان فيها أكثر قواته، لأنهم لم يتوبوا، ويقول: ~~الويل لك يا كورزين! والويل لك يا بيت صيدا! لأن القوات اللاتي كن فيكما ~~قديما لو كن في صور وصيدا لتابوا بالمسوح والرماد، لكن أقول لكم: إن ~~لصور وصيدا راحة في يوم الدين أكثر منكن، وأنت يا كفرناحوم لو ارتفعت إلى ~~السماء ستهبطين إلى الجحيم، لأنه لو كان في سدوم هذه القوات التي كانت ~~فيك إذن لثبتت إلى اليوم، وأقول لكم أيضا: إن أرض سدوم تجد راحة يوم ~~الدين أكثر منك. # ثم قال: وانتقل يسوع من هناك ودخل إلى مجمعهم وإذا رجل هناك يده يابسة - ~~وقال لوقا: يده اليمنى يابسة - فسألوه قائلين: هل يحل أن يشفى في السبت؟ ~~فقال لهم: أي إنسان منكم يكون له خروف، يسقط في حفرة في السبت، ولا يمسكه ~~ويقيمه؟ فبكم أحزي الإنسان أفضل من الخروف، فإذن جيد هو فعل الخير في ~~السبت؛ وقال لوقا: فقال للرجل اليابس اليد: قف في الوسط، فقام، وقال لهم ~~يسوع: أسألكم ماذا يحل أن يعمل في السبت؟ خير أم شر؟ نفس تخلص أم تهلك؟ ~~فسكتوا؛ قال متى: حينئذ قال للإنسان: أمدد يدك، فمدها فصحت مثل الأخرى، ~~فخرج الفريسيون - قال مرقس: مع أصحاب هيرودس - متوامرين في إهلاكه، فعلم ~~يسوع وانتقل من ms1274 هناك وتبعه جمع كثير، فشقى جميعهم، وأمرهم أن لا يظهروا ~~ذلك لكي يتم ما قيل في أشعيا النبي القائل: ها هوذا فتاي الذي هويت، ~~وحبيبي الذي به سررت، أضع روحي عليه ويخبر الأمم بالحكم، لا يماري ولا ~~يصيح ولا يسمع أحد صوته في الشوارع، قصبة مرضوضة لا تكسر، وسراج مطفطف لا ~~يطفأ حتى يخرج الحكم في الغلبة، وعلى اسمه تتكل الأمم؛ ثم قال: وفي ذلك ~~اليوم خرج يسوع من البيت وجلس جانب البحر، فاجتمع إليه جمع كبير حتى أنه ~~صعد إلى السفينة وجلس، وكان الجمع كله قياما على الشط، وكلهم بأمثال ~~كثيرة قائلا: ها هو ذا خرج الزارع ليزرع، وفيما هو يزرع سقط البعض على ~~الطريق، فأتى الطير وأكله - وقال لوقا: فديس وأكله طائر السماء - وبعض ~~سقط على الصخرة حيث لم يكن له أرض كثيرة، وللوقت شرق إذ ليس له عمق أرض، ~~ولما أشرقت الشمس احترق، وحيث لم يكن له أصل يبس، وبعض سقط في الشوك فطلع ~~الشوك وخنقه؛ وقال مرقس: فخنقه بعلوه عليه فلم يأتي بثمرة؛ وقال متى: ~~وبعض سقط في الأرض الجيدة فأعطى ثمره، للواحد مائة وللآخر ستين وللآخر ~~ثلاثين - قال لوقا: فلما قال هذا نادى: من له أذنان سامعتان فليسمع - ~~فتقدم إليه تلاميذه وقالوا له: لماذا تكلمهم بالأمثال؟ فأجابهم وقال: ~~أنتم أعطيتم معرفة سرائر ملكوت السماوات - وقال لوقا: فقال لهم: لكم أعطي ~~علم سرائر ملكوت الله - وأولئك لم يعطوا، ومن كان له يعطي ويزاد، ومن ليس ~~له فالذي له يؤخذ منه - وقال لوقا: والذي ليس له ينزع منه الذي يظن أنه ~~له - فلهذا أكلمهم بالأمثال، لأنهم يبصرون فلا يبصرون، ويسمعون فلا ~~يسمعون ولا يفهمون، لكي تتم فيهم نبوة أشعيا لقائل: سمعا يسمعون فلا ~~يفهمون، ونظرا ينظرون فلا يبصرون، لقد غلظ قلب هذا الشعب، وثقلت آذانهم ~~عن السماع، وغمضوا أعينهم لكيلا يبصروا بعيونهم ولا يسمعوا بآذانهم ~~ويفهموا بقلوبهم ويرجعوا فأشفيهم، فأما أنتم فطوبى لعيونكم! لأنها تنظر، ~~ولآذانكم! لأنها تسمع؛ وقال لوقا: ومثل الزرع هذا هو كلام الله؛ وقال ms1275 ~~متى: كل من يسمع كلام الملكوت ولا يفهم يأتي الشرير فيخطف ما يزرع في ~~قلبه، هذا الذي زرع على الطريق، والذي زرع على الصخرة هو الذي يسمع ~~الكلام وللوقت يقبله بفرح، وليس له فيه أصل، لكن في زمان يسير، إذا حدث ~~ضيق أو طرد فللوقت يشك - وقال مرقس: بسبب الكلمة فيشكون للوقت: وقال ~~لوقا: وهم إنما يؤمنون إلى زمان التجربة، وفي زمان التجربة يشكون - والذي ~~يزرع في الشوك فهو الذي يسمع الكلام فيخنق الكلام فيه؛ وقال لوقا: فتغلب ~~عليهم هموم هذا الدهر وطلب الغنى؛ وقال مرقس: ومحبة الغنى وسائر الشهوات ~~التي يسلكونها، فتخنق الكلمة فلا تثمر فيهم؛ وقال متى: فيكون بغير ثمرة، ~~والذي زرع في الأرض الجيدة هو الذي يسمع الكلام ويتفهم ويعطي ثمره؛ وقال ~~لوقا: وأما الذي وقع في الأرض الصالحة فهم الذين يسمعون الكلمة بقلب جيد ~~فيحفظونها ويثمرون بالصبر؛ قال متى: للواحد مائة وللآخر ستين وللآخر ~~ثلاثين. # وضرب لهم مثلا آخر قائلا: يشبه ملكوت السماوات إنسانا زرع زرعا ~~جيدا في حقله، فلما نام الناس جاء عدوه فزرع زوانا في وسط القمح ومضى، ~~فلما نبت القمح ظهر الزوان، فجاء عبيد رب البيت فقالوا له: يا سيد! أليس ~~زرعا جيدا زرعت في حقلك! فمن أين صار فيه زوان؟ فقال لهم: عدو فعل هذا، ~~فقال عبيده: تريد أن نذهب فنجمعه؟ فقال لهم: لا، لئلا تنقلع معه الحنطة، ~~دعوهما ينبتان جميعا إلى زمان الحصاد، وأقول للحصادين: أولا اجمعوا ~~الزوان فشدوه حزما ليحرق، فأما القمح فاجمعوه إلى أهرائي. وضرب لهم ~~مثلا آخر قائلا: يشب ملكوت السماوات حبة خردل أخذها إنسان وزرعها في ~~حقله، لأنها أصغر الزراريع كلها - وقال مرقس: وهي أصغر الحبوب التي على ~~الأرض - فإذا طالت صارت أكبر من جميع البقول وتصير شجرة - وقال مرقس: ~~وصنعت أغصانا عظاما؛ وقال لوقا: فنمت وصارت شجرة عظيمة - حتى أن طائر ~~السماء يستظل تحت أغصانها. # وكلمهم بمثل آخر وقال لهم: يشبه ملكوت السماوات خميرا أخذته امرأة ~~وعجنته في ثلاثة أكيال دقيق فاختمر الجميع؛ وقال مرقس: وكان ms1276 يقول لهم: هل ~~يوقد سراج فيوضع تحت مكيال أو سرير، لكن على منارة؛ وقال لوقا: ليس أحد ~~يوقد سراجا فيغطيه، ولا يجعله تحت سرير، لكن يضعه على منارة فيرى نوره ~~كل من يدخل؛ قال مرقس: كذلك ليس خفي إلا سيظهر، ولا مكتوم إلا سيعلن؛ ~~وقال لوقا: سراج الجسد العين، فإذا كانت عينك بسيطة فجسدك كله نير، وإن ~~كانت عينك شريرة فجسدك كله يكون مظلما أحرص أن لا يكون النور الذي فيك ~~ظلاما، فإن كان جسدك كله نيرا وليس فيه جزء مظلم فإنه يكون كاملا ~~نيرا، كما أن السراج ينير لك بلمع ضيائه؛ وقال مرقس: من له أذنان ~~سامعتان فليسمع، وقال لهم: انظروا ماذا تسمعون، فبالكيل الذي تكيلون يكال ~~لكم - وتزادون أيها السامعون لأن الذي له يعطي ومن ليس عنده فالذي عنده ~~يؤخذ منه، وقال: يشبه ملكوت الله إنسانا يلقي زرعه على الأرض وينام، ~~ويقوم ليلا ونهارا والزرع ينمو ويطول وهو لا يعلم، أولا أعشب وبعد ذلك ~~سنبل، ثم يمتلئ السنبل حتى إذا انتهت الثمرة حينئذ يضع المنجل إذ قد ~~دنا الحصاد؛ قال متى: هذا كله قاله يسوع للجموع ليتم ما قيل في النبي ~~القائل: أفتح فاي بالأمثال وأنطق بالخفيات من قبل أساس العالم. حينئذ ترك ~~الجمع وجاء إلى البيت فجاء إليه تلاميذه وقالوا: فسر لنا مثل زوال الحقل، ~~أجاب: الذي زرع الزرع الجيد هو ابن الإنسان، والحقل هو العالم، والزرع ~~الجيد هو بنو الملكوت، والزوان هو بنو الشر، والعدو الذي زرعه هو ~~الشيطان، والحصاد هو منتهى الدهر، والحصادون هم الملائكة، فكما أنهم ~~يجمعون الزوان أولا، وبالنار يحرق، هكذا يكون منتهى هذا الدهر، يرسل ~~ملائكته ويجمعون من مملكته كل الشوك وفاعلي الإثم، فيلقونهم في أتون ~~النار، هناك يكون البكاء وصرير الأسنان، حينئذ يضيء الصديقون مثل الشمس ~~في ملكوت أبيهم، من له أذنان سامعتان فليسمع. ويشبه ملكوت السماوات كنزا ~~مخفى في حقل وجده إنسان فخبأه، ومن فرحه مضى وباع كل شيء واشترى ذلك ~~الحقل. وأيضا يشبه ملكوت السماوات إنسانا تاجرا بطلب الجوهر ms1277 الفاخر ~~الحسن. فوجد درة كثيرة الثمن فمضى وباع كل ماله واشتراها. وأيضا يشبه ~~ملكوت السماوات شبكة ألقيت في البحر فجمعت من كل جنس، فلما امتلأت ~~أطلعوها إلى الشط فجلسوا وجمعوا الخيار في الأوعية، والرديء رموه ~~خارجا، هكذا يكون في انقضاء هذا الزمان، تخرج الملائكة ويميزون الأشرار ~~من وسط الصديقين. # ويلقونهم في أتون النار. هناك يكون البكاء وصرير الأسنان. فلما أكمل ~~يسوع هذه الأمثال انتقل من هناك وجاء إلى بلدته وكان يعلم في مجامعهم ~~حتى أنهم بهتوا وقالوا: من أين له هذه الحكمة والقوة! وقال مرقس: من أين ~~له هذا التعليم وهذه الحكمة التي أعطيها والقوات التي تكون على يديه - ~~انتهى. أليس هذا ابن النجار؟ وقال لوقا: وكان جميعهم يشهدون له ويتعجبون ~~من كلام النعمة الذي كان يخرج من فمه، وكانوا يقولون: أليس هذا ابن يوسف؟ ~~انتهى. أليس أمه تسمى مريم وإخوته يعقوب ويوسا وسمعان ويهودا؟ أليس هو ~~وأخواته عندنا جميعا؟ فمن أين له هذا كله؟ وكانوا يشكون فيه، فإن يسوع ~~قال لهم: لا يهان نبي إلا في بلدته وبيته؛ وقال مرقس: ليس يهان نبي إلا ~~في بلدته وعند أنسابه وبيته؛ وقال لوقا: فقال لهم: لعلكم تقولون لي هذا ~~المثل: أيها الطبيب! اشف نفسك والذي سمعنا أنك صنعته في كفرناحوم افعله ~~أيضا ههنا في مدينتك، فقال لهم: الحق أقول لكم، إنه لا يقبل نبي في ~~مدينته، الحق أقول لكم، إن الأرامل كثيرة كن في إسرائيل في أيام إليا إذ ~~أغلقت السماء ثلاث سنين وستة أشهر، وصار جوع عظيم في الأرض كلها، ولم ~~يرسل إلياء إلى واحدة منهن إلا أرملة في صارفة صيدا، وبرص كثيرون كانوا ~~في إسرائيل على عهد اليشع النبي ولم يطهر واحد منهم إلا نعمان الشامي، ~~فامتلأ جميعهم غضبا عندما سمعوا هذا وأخرجوه خارج المدينة، وجاؤوا به ~~إلى أعلى الجبل الذي كانت مدينتهم مبنية عليه ليطرحوه إلى أسفل، فأما هو ~~فجاز وسطهم ومضى، ونزل إلى كفرناحوم مدينة في الجليل، وكان يعلمهم في ~~السبت وبهتوا من تعليمه لأن كلامه كان ms1278 بسلطان. وقال في موضع آخر: وجاء ~~إليه ناس من الفريسيين وقالوا له: اخرج فاذهب من ههنا فإن ثيرودس يريد ~~ليقتلك، فقال لهم: امضوا وقولوا لهذا الثعلب: إني هوذا أخرج الشياطين ~~وأتم الشفاء اليوم وغدا وفي اليوم الثالث أكمل، وينبغي أن أقيم اليوم ~~وغدا، وفي اليوم الآتي أذهب، لأنه ليس يهلك نبي خارجا عن يروشليم، أيا ~~يروشليم! أيا يروشليم! يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها! كم من ~~مرة أردت أن أجمع بنيك مثل الدجاجة التي تجمع فراخها تحت جناحيها فلم ~~تريدوا، هوذا أترك بيتكم خرابا، فسمع هيرودس رئيس الربع بجميع ما كان ~~فتحير، لأن كثيرا كانوا يقولون: إن يوحنا قام من الأموات، وآخرون ~~يقولون: إن إليا ظهر، وآخرون يقولون: نبي من الأولين قام، فقال هيرودس: ~~أنا قطعت رأس يوحنا فمن هو الذي نسمع عنه هذا، وطلب أن يبصره؛ وفي إنجيل ~~متى: وفي ذلك الزمان سمع هيرودس رئيس الربع خبر يسوع فقال لغلمانه: هذا ~~هو يوحنا المعمدان، وهو قام من الأموات من أجل هذه القوات التي يعمل بها. # قوله: المعمد، من أعمده - إذا غسله في ماء المعمودية، قوله: تبررت، أي ~~صارت برية بالنسبة إليهم، قوله: يعير المدن، أي يذكر ما أوجب لها العار، ~~قوله: القوات جمع قوة وهي المعجزات هنا، قول: الذي هويت، يعني أحببت حبا ~~شديدا، ولفظ الهوى الظاهر أنه يفهم نقصا فلا يحل في شرعنا إطلاقه على ~~الله تعالى، قوله: مطفطف، أي مملوء إلى رأسه، لا يزال كذلك، قوله: شرق - ~~وزن: فرح، أي ضعف، من: شرق بريقه، وشرقت الشمس - إذا ضعف ضوءها، قوله: ~~أتون وهو وزن تنور وقد يخفف: أخدود الجيار والجصاص، قوله: بسيطة، أي على ~~الفطرة الأولى، قوله: يروشليم - بتحتانية ومهملة وشين معجمة: بيت المقدس، ~~قوله: ملكوت أبيهم، تقدم ما فيه غير مرة. ### || [5.112-114] # ولما كان من المقصود بذكر معجزات عيسى عليه السلام تنبيه الكافر ليؤمن، ~~والمؤمن ليزداد إيمانا، وتسلية النبي صلى الله عليه وسلم وتوبيخ اليهود ~~المدعين أنهم أبناء وأحباء - إلى غير ذلك مما أراد الله، قرعت به ms1279 ~~الأسماع، ولم يتعلق بما يجيب به يوم القيامة عند أمره بذلك غرض فطوي؛ ~~ولما كان أجل المقاصد تأديب هذه الأمة لنبيها عليه السلام لتجله عن أن ~~تبدأه بسؤال أو تقترح عليه شيئا في حال من الأحوال، ذكر لهم شأن ~~الحواريين في اقتراحهم بعدما تقدم من امتداحهم بعدهم في عداد أولي ~~الوحي ومبادرتهم إلى الإيمان امتثالا للأمر ثم إلى الإشهاد على سبيل ~~التأكيد بتمام الانقياد وسلب الاختيار، فقال معلقا ب " قالوا آمنا " ~~مقربا لزمن تعنتهم من زمن إيمانهم، مذكرا لهذه الأمة بحفظها على ~~الطاعة، ومبكتا لبني إسرائيل بكثرة تقلبهم وعدم تماسكهم إبعادا لهم عن ~~درجة المحبة فضلا عن البنوة، وهذه القصة قبل قصة الإيحاء إليهم فتكون " ~~إذ " هذه ظرفا لتلك، فيكون الإيحاء إليهم بالأمر بالإيمان في وقت سؤالهم ~~هذه بعد ابتدائه، ويكون فائدته حفظهم من أن يسألوا آية أخرى كما سألوا ~~هذه بعدما رأوا منه صلى الله عليه وسلم من الآيات: { إذ قال } وأعاد ~~وصفهم ولم يضمره تنصيصا عليهم لبعد ما يذكر من حالهم هذا من حالهم ~~الأول فقال: { الحواريون } وذكر أنهم نادوه باسمه واسم أمه فقالوا: { يا ~~عيسى ابن مريم } ولم يقولوا: يا رسول الله ولا يا روح الله، ونحو هذا من ~~التبجيل أو التعظيم { هل يستطيع ربك } بالياء مسندا إلى الرب وبالتاء ~~الفوقانية مسندا إلى عيسى عليه السلام ونصب الرب، ومعناهما واحد يرجع ~~إلى التهييج والإلهاب بسبب الاجتهاد في الدعاء بحيث تحصل الإجابة، وتكون ~~هذه العبارة أيضا للتلطف كما يقول الإنسان لمن يعظمه: هل تقدر أن تذهب ~~معي إلى كذا؟ وهو يعلم أنه قادر، ولكنه يكنى بذلك عن أن السائل يحب ذلك ~~ولا يريد المشقة على المسؤول { أن ينزل } أي الرب المحسن إليك { علينا ~~مائدة } وهي الطعام، ويقال أيضا: الخوان إذا كان عليه الطعام، والخوان ~~شيء يوضع عليه الطعام للأكل، هو في العموم بمنزلة السفرة لما يوضع فيه ~~طعام المسافر بالخصوص، وهي من ماده - إذا أعطاه وأطعمه. # ولما كان هذا ظاهرا في أنها سماوية، صرحوا به احترازا عما عودهم ms1280 به ~~صلى الله عليه وسلم من أنه يدعو بالقليل من الطعام فيبارك فيه فيمده الله ~~فيكفي فيه القيام من الناس فقالوا: { من السماء } أي لا صنع للآدميين ~~فيها لنختص بها عمن تقدمنا من الأمم. # ولما كان المقصود من هذا وعظنا وإرشادنا إلى أن لا نسأل نبينا صلى الله ~~عليه وسلم شيئا، اكتفاء بما يرحمنا به ربنا الذي رحمنا بابتدائنا ~~بإرساله إلينا لإيصالنا إليه سبحانه، وتخويفا من أن نكون مثل من مضى من ~~المقترحين الذين كان اقتراحهم سبب هلاكهم؛ دل على ذلك بالنزوع من أسلوب ~~الخطاب إلى الغيبة فقال مستأنفا إرشادا إلى السؤال من جوابهم: { قال } ~~ولم يقل: فقلت { اتقوا الله } أي اجعلوا بينكم وبين غضب الملك الأعظم ~~الذي له الكمال وقاية تمنعكم عن الاجتراء على الاقتراح { إن كنتم مؤمنين ~~* } أي بأنه قادر وإني رسوله، فلا تفعلوا فعل من وقف إيمانه على رؤية ما ~~يقترح من الآيات. # ولما كانت المعجزات إنما تطلب لإيمان من لم يكن آمن، وكان في هذا الجواب ~~أتم زجر لهم، تشوف السامع إلى جوابهم فقيل: لم ينتهوا بل { قالوا } إنا ~~لا نريدها لأجل إزالة شك عندنا بل { نريد } مجموع أمور: { أن نأكل منها } ~~فإنا جياع؛ ولما كان التقدير: فتحصل لنا بركتها، عطف عليه: { وتطمئن ~~قلوبنا } أي بضم ما رأينا منها إلى ما سبق من معجزاتك من غير سؤالنا فيه ~~{ ونعلم } أي بعين اليقين وحقه أن قد صدقتنا } أي في كل ما أخبرتنا به { ~~ونكون عليها } وأشاروا إلى عمومها بالتبعيض فقالوا: { من الشاهدين * } أي ~~شهادة رؤية مستعلية عليها بأنها وقعت، لا شهادة إيمان بأنها جائزة الوقوع ~~{ قال عيسى } ونسبه زيادة في التصريح به تحقيقا ولأنه لا أب له وتسفيها ~~لمن أطراه أو وضع من قدره فقال: { ابن مريم اللهم } فافتتح دعاءه بالاسم ~~الأعظم ثم بوصف الإحسان فقال: { ربنا } أي أيها المحسن إلينا { أنزل ~~علينا } وقدم المقصود فقال: { مائدة } وحقق موضع الإنزال بقوله: { من ~~السماء } ثم وصفها بما تكون به بالغة العجب عالية الرتب فقال: { تكون } ~~أي هي أو ms1281 يوم نزولها { لنا عيدا } وأصل العيد كل يوم فيه جمع، ثم قيد ~~بالسرور فالمعنى: نعود إليها مرة بعد مرة سرورا بها، ولعل منها ما يأتي ~~من البركات حين ترد له عليه السلام - كما في الأحاديث الصادقة، ويؤيد ذلك ~~قوله مبدلا من " لنا ": { لأولنا وآخرنا }. # ولما ذكر الأمر الدنيوي، أتبعه الأمر الديني فقال: { وآية منك } أي ~~علامة على صدقي { وارزقنا } أي رزقا مطلقا غير مقيد بها؛ ولما كان ~~التقدير: فأنت خير المسؤولين، عطف عليه قوله: { وأنت خير الرازقين * } ~~أي فإنك تغني من تعطيه وتزيده عما يؤمله ويرتجيه بما لا ينقص شيئا مما ~~عندك، ولا تطلب منه شيئا غير أن ينفع نفسه بما قويته عليه من طاعتك بذلك ~~الرزق { قال الله } أي الملك المحيط علما وقدرة. ### || [5.115-117] # ولما كان ظاهر سؤالهم من الاستفهام عن الاستطاعة للاضطراب وإن كان ~~للإلهاب، أكد الجواب فقال: { إني منزلها عليكم } أي الآن بقدرتي الخاصة ~~بي { فمن يكفر بعد } أي بعد إنزالها { منكم } وهذا السياق معشر بأنه يحصل ~~منهم كفر، وقد وجد ذلك حتى في الحواريين على ما يقال في يهودا الإسخريوطي ~~أحدهم الذي دل على عيسى عليه السلام، فألقى شبهه عليه، ولهذا خصه بهذا ~~العذاب فقال: { فإني أعذبه } أي على سبيل البت والقطع { عذابا لا أعذبه ~~} أي مثله أبدا فيما يأتي من الزمان { أحدا من العالمين * } وفي هذا ~~أتم زاجر لهذه الأمة عن اقتراح الآيات، وفي ذكر قصة المائدة في هذه ~~السورة التي افتتحت بإحلال المآكل واختتمت بها أعظم تناسب، وفي ذلك كله ~~إشارة إلى تذكير هذه الأمة بما أنعم عليها بما أعطى نبيها من المعجزات ~~ومن عليها به من حسن الاتباع، وتحذير من كفران هذه النعم المعددة ~~عليهم، وقد اختلف المفسرون في حقيقة هذه المائدة وفي أحوالها؛ قال أبو ~~حيان: وأحسن ما يقال فيه ما خرجه الترمذي في أبواب التفسير عن عمار بن ~~ياسر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أنزلت المائدة من السماء خبزا ولحما، وأمروا أن لا يدخروا لغد ms1282 ولا ~~يخونوا، فخانوا وادخروا ورفعوا لغد، فمسخوا قردة وخنازير " # انتهى. قلت: ثم صحح الترمذي وقفه على عمار وقال: لا نعلم للحديث المرفوع ~~أصلا، غير أن ذلك لا يضره لكونه لا يقال من قبل الرأي، ولا أعلم أحدا ~~ذكر عمارا فيمن أخذ عن أهل الكتاب، فهو مرفوع حكما، وهذا الخبر يؤكد أن ~~الخبر في الآية على بابه، فيدفع قول من قال: إنها لم تنزل، لأنهم لما ~~سمعوا الشرط قالوا: لا حاجة لنا بها، لأن خبره تعالى لا يخلف ولا يبدل ~~القول لديه، وهذا الرزق الذي من السماء قد وقع مثله لآحاد الأمة؛ روى ~~البيهقي في أواخر الدلائل عن أبي هريرة قال: كانت امرأة من دوس يقال لها ~~أم شريك أسلمت في رمضان، فأقبلت تطلب من يصحبها إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فلقيت رجلا من اليهود فقال: ما لك يا أم شريك؟ قالت: أطلب ~~رجلا يصحبني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فتعالي فأنا أصحبك، ~~قالت: فانتظرني حتى أملأ سقائي ماء، قال: معي ماء ما لا تريدين ماء، ~~فانطلقت معهم فساروا يومهم حتى أمسوا، فنزل اليهودي ووضع سفرته فتعشى ~~وقال: يا أم شريك! تعالي إلى العشاء! فقالت: اسقني من الماء فإني عطشى، ~~ولا أستطيع أن آكل حتى أشرب، فقال لها: لا أسقيك حتى تهودي! فقالت: لا ~~جزاك الله خيرا! غربتني ومنعتني أن أحمل ماء، فقال: لا والله لا أسقيك ~~منه قطرة حتى تهودي، فقالت: لا والله لا أتهود أبدا بعد إذ هداني الله ~~للإسلام؛ فأقبلت إلى بعيرها فعقلته ووضعت رأسها على ركبته فنامت، قالت: ~~فما أيقظني إلا برد دلو قد وقع على جبيني، فرفعت رأسي فنظرت إلى ماء أشد ~~بياضا من اللبن وأحلى من العسل، فشربت حتى رويت، ثم نضحت على سقائي حتى ~~ابتل ثم ملأته، ثم رفع بين يدي وأنا أنظر حتى توارى عني في السماء، فلما ~~أصبحت جاء اليهودي فقال: يا أم شريك! قلت: والله قد سقاني الله، قال: من ~~أين أنزل عليك؟ من السماء؟ قلت: ms1283 نعم، والله لقد أنزل الله علي من السماء ~~ثم رفع بين يدي حتى توارى عني في السماء؛ ثم أقبلت حتى دخلت على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقصت عليه القصة، فخطب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إليها نفسها فقالت: يا رسول الله! لست أرضي نفسي لك ولكن بضعي لك ~~فزوجني من شئت، فزوجها زيدا وأمر لها بثلاثين صاعا وقال: كلوا ولا ~~تكيلوا، وكان معها عكة سمن هدية لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت ~~لجارية لها: بلغي هذه العكة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قولي: أم شريك ~~تقرئك السلام، وقولي: هذه عكة سمن أهديناها لك، فانطلقت بها الجارية إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذوها ففرغوها، وقال لها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: علقوها ولا توكوها، فعلقوها في مكانها، فدخلت أم شريك ~~فنظرت إليها مملوءة سمنا، فقالت: يا فلانة! أليس أمرتك أن تنطلقي بهذه ~~العكة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم! فقالت: قد والله انطلقت بها كما ~~قلت، ثم أقبلت بها أضربها ما يقطر منها شيء ولكنه قال: علقوها ولا ~~توكوها، فعلقتها في مكانها، وقد أوكتها أم شريك حين رأتها مملوءة فأكلوا ~~منها حتى فنيت، ثم كالوا الشعير فوجدوه ثلاثين صاعا لم ينقص منه شيء، ~~قال: وروي ذلك من وجه آخر، ولحديثه شاهد صحيح عن جابر رضي الله عنه. # وروي بإسناده عن أبي عمران الجوني أن أم أيمن هاجرت من مكة إلى المدينة ~~وليس معها زاد، فلما كانت عند الروحاء وذلك عند غيبوبة الشمس عطشت عطشا ~~شديدا، قالت: فسمعت هفيفا شديدا فوق رأسي، فرفعت رأسي فإذا دلو مدلى ~~من السماء برشاء أبيض، فتناولته بيدي حتى استمسكت به، قالت: فشربت منه ~~حتى رويت، قالت: فلقد أصوم بعد تلك الشربة في اليوم الحار الشديد الحر ثم ~~أطوف في الشمس كي أظمأ فما ظمئت بعد تلك الشربة. قال: وفي الجهاد عن ~~البخاري عن أبي هريرة قال: # " بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة رهط سرية عينا، ms1284 وأمر عليهم ~~عاصم بن ثابت الأنصاري جد عاصم بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم - فذكر ~~الحديث حتى قال: فابتاع خبيبا - يعني ابن عدي الأنصاري - بنو الحارث بن ~~عامر بن نوفل بن عبد مناف، وكان خبيب قد قتل الحارث بن عامر يوم بدر، ~~فلبث خبيب عندهم أسيرا، فأخبرني عبيد الله بن عياض أن ابنة الحارث قالت: ~~والله ما رأيت أسيرا قط خيرا من خبيب، والله لقد وجدته يوما يأكل من ~~قطف عنب في يده وإنه لموثق في الحديد وما بمكة من ثمر، وكانت تقول: إنه ~~لرزق من الله رزق خبيبا " # الحديث. ومن الأمر الجلي أن عيسى عليه السلام بعد أمر الله تعالى له ~~بذكر هذه النعم يقول في ذلك الجمع فيذكرها ويذكر المقصود من التذكير بها، ~~وهو الثناء على المنعم بها بما يليق بجلاله، فيحمد ربه تعالى بمحامد تليق ~~بذلك المقام في ذلك الجمع، فمن أنسب الأمور حينئذ سؤاله - وهو المحيط ~~علما بمكنونات الضمائر وخفيات السرائر إثر التهديد لمن يكفر - عما كفر ~~به النصارى، فلذلك قال تعالى عاطفا على قوله # إذا قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك # [المائدة: 110] { وإذ قال الله } أي بما له من صفات الجلال والجمال ~~مشيرا إلى ما له من علو الرتبة بأداة النداء: { يا عيسى بن مريم } وذلك ~~تحقيقا لأنه عمل بمقتضى النعمة وتبكيتا لمن ضل فيه من النصارى وإنكارا ~~عليهم { أأنت قلت للناس } أي الذين أرسلت إليهم من بني إسرائيل، وكأنه ~~عبر بذلك لزيادة التوبيخ لهم، لكونهم اعتقدوا ذلك وفيهم الكتاب، فكأنه لا ~~ناس غيرهم { اتخذوني } أي كلفوا أنفسكم خلاف ما تعتقدونه بالفطرة الأولى ~~في الله بأن تأخذوني { وأمي إلهين }. # ولما كانت عبادة غير الله - ولو كانت على سبيل الشرك - مبطلة لعبادة ~~الله، لأنه سبحانه أغنى الأغنياء، ولا يرضى الشرك إلا فقير، قال: { من ~~دون الله } أي الملك الأعلى الذي لا كفوء له، فيكون المعنى: اتخذوا ~~تألهنا سلما تتوصلون به إلى الله، ويجوز أن يكون المعنى على المغايرة، ~~ولا دخل حينئذ للمشاركة. ms1285 # ولما كان من المعلوم لنا في غير موضع أنه لم يقل ذلك، صرح به هنا ~~توبيخا لمن أطراه، وتأكيدا لما عندنا من العلم، وتبجيلا له صلى الله ~~عليه وسلم بما يبدي من الجواب، وتفضيلا بالإعلام بأنه لم يحد عن طريق ~~الصواب، بل بذل الجهد في الوفاء بالعهد، وتقريعا لمن قال ذلك عنه وهو ~~يدعي حبه واتباعه عليه السلام وتخجيلا لهم، فلما تشوفت لجوابه الأسماع ~~وأصغت له الآذان، وكان في ذكره من الحكم ما تقدمت الإشارة إليه، ذكره ~~سبحانه قائلا: { قال } مفتتحا بالتنزيه { سبحانك } أي لك التنزه الأعظم ~~عن كل شائبة نقص، ودل بالمضارع على أن هذا القول لا يزال ممنوعا منه ~~فقال: { ما يكون لي } أي ما ينبغي ولا يصح أصلا { أن أقول } أي في وقت ~~من الأوقات { ما ليس لي } وأغرق في النفي كما هو حق المقام فقال: { بحق ~~}. # ولما بادر عليه السلام إعظاما للمقام إلى الإشارة إلى نفي ما سئل عنه، ~~أتبعه ما يدل على أنه كان يكفي في الجواب عنه: أنت أعلم، وإنما أجاب بما ~~تقدم إشارة إلى أن هذا القول تكاد السماوات يتفطرن منه ومبادرة إلى تبكيت ~~من ادعاه له، فقال دالا على أنه لم يقنع بما تضمن أعظم المدح لأن ~~المقام للخضوع: { إن كنت قلته } أي مطلقا للناس أو حدثت به نفسي { فقد ~~علمته } وهو مبالغة في الأدب وإظهار الذلة وتفويض الأمر كله إلى رب ~~العزة؛ ثم علل الإخبار بعلمه بما هو من خواص الإله فقال: { تعلم } ولما ~~كانت النفس يعبر بها عن الذات، وكان القول يطلق على النفس، فإذا انتفى ~~انتفى اللساني، قالك { ما في نفسي } أي وإن اجتهدت في إخفائه، فإنه خلقك، ~~وما أنا له إلا آلة ووعاء، فكيف به إن كنت أظهرته. # ولما أثبت له سبحانه ذلك، نفاه عن نفسه توبيخا لمن ادعى له الإلهية ~~فقال مشاكلة: { ولا أعلم ما في نفسك } أي ما أخفيته عني من الأشياء؛ ثم ~~علل الأمرين كليهما بقوله: { إنك أنت } أي وحدك لا شريك لك { علام الغيوب ms1286 ~~* }. # ولما نفى عن نفسه ما يستحق النفي ودل عليه، أثبت ما قاله لهم على وجه ~~مصرح بنفي غيره ليكون ما نسب إليه من دعوى الإلهية منفيا مرتين: إشارة ~~وعبارة، فقال معبرا عن الأمر بالقول مطابقة للسؤال، وفسر بالأمر بيانا ~~لأن كل ما قاله من مباح أو غيره دائر على الأمر من حيث الاعتقاد بمعنى أن ~~المخاطب بما قاله الرسول مأمور بأن يعتقد فيه أنه بتلك المنزلة، لا يجوز ~~أن يعتقد فيه أنه فوقها ولا دونها، يعبد الله تعالى بذلك: { ما قلت لهم } ~~أي ما أمرتهم بشيء من الأشياء { إلا ما أمرتني به } ثم فسره دالا بشأن ~~المراد بالقول الأمر بالتعبير في تفسيره بحرف التفسير بقوله: { أن اعبدوا ~~} أي ما أمرتهم إلا بعبادة { الله } أي الذي لم يستجمع نعوت الجلال ~~والجمال أحد غيره؛ ثم أشار إلى أنه كما يستحق العبادة لذاته يستحقها ~~لنعمه فقال: { ربي وربكم } أي أنا وأنتم في عبوديته سواء، وهذا الحصر يصح ~~أن يكون للقلب على أن دون بمعنى غير، وللإفراد على أنها بمعنى سفول ~~المنزلة، وهو من بدائع الأمثلة. # ولما فهم صلى الله عليه وسلم من هذا السؤال أن أتباعه غلوا في شأنه، ~~فنزه الله سبحانه وعز شأنه من ذلك وأخبره بما أمر الناس به في حقه سبحانه ~~من الحق، اعتذر عن نفسه بما يؤكد ما مضى نفيا وإثباتا فقال: { وكنت ~~عليهم } أي خاصة لا على غيرهم. # ولما كان سبحانه قد أرسله شاهدا، زاد في الطاعة في ذلك إلى أن بلغ جهده ~~كإخوانه من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فقال معبرا بصيغة المبالغة: ~~{ شهيدا } أي بالغ الشهادة، لا أرى فيهم منكرا إلا اجتهدت في إزالته { ~~ما دمت فيهم } وأشار إلى الثناء على الله بقوله: { فلما توفيتني } أي ~~رفعتني إلى السماء كامل الذات والمعنى مع بذلهم جهدهم في قتلي { كنت أنت ~~} أي وحدك { الرقيب } أي الحفيظ القدير { عليهم } لا يغيب عليك شيء من ~~أحوالهم، وقد منعتهم أنت أن يقولوا شيئا غير ما أمرتهم أنا به من عبادتك ~~بما نصبت ms1287 لهم من الأدلة وأنزلت عليهم على لساني من البينات { وأنت على كل ~~شيء } أي منهم ومن غيرهم حيوان وجماد { شهيد * } أي مطلع غاية الاطلاع، ~~لا يغيب عنك شيء منه سواء كان في عالم الغيب أو الشهادة، فإن كانوا قالوا ~~ذلك فأنت تعلمه دوني، لأني لما بعدت عنهم في المسافة انقطع علمي عن ~~أحوالهم. ### || [5.118-120] # ولما كان هذا الذي سلف كله سؤالا وجوابا وإخبارا حمد الله تعالى ~~وثناء عليه بما هو أهله بالتنزيه له والاعتراف بحقه والشهادة له بعلم ~~الخفايا والقدرة والحكمة وغير ذلك من صفات الجلال والجمال، وكان هذا ~~السؤال يفهم إرادة التعذيب للمسؤول عنهم مشيرا إلى الشفاعة فيهم على وجه ~~الحمد لله سبحانه وتعالى والثناء الجميل عليه لأن العذاب ولو للمطيع عدل، ~~والعفو عن المعاصي بأي ذنب كان فضل مطلقا، وغفران الشرك ليس ممتنعا ~~بالذات، قال: { إن تعذبهم } أي القائلين بهذا القول { فإنهم عبادك } أي ~~فأنت جدير بأن ترحمهم ولا اعتراض عليك في عذابهم لأن كل حكمك عدل { وإن ~~تغفر لهم } أي تمح ذنوبهم عينا وأثرا { فإنك أنت } أي خاصة أنت { ~~العزيز } فلا أحد يعترض عليك ولا ينسبك إلى وهن { الحكيم * } فلا تفعل ~~شيئا إلا في أعلى درج الإحكام، لا قدرة لأحد على تعقيبه ولا الاعتراض ~~على شيء منه. # ولما انقضى جوابه عليه الصلاة والسلام على هذا الوجه الجليل، تشوف ~~السامع إلى جواب الله له، فقال تعالى مشيرا إلى كون جوابه حقا ومضمونه ~~صدقا، منبها على مدحه حاثا على ما بنيت عليه السورة من الوفاء ~~بالعقود: { قال الله } أي الملك المحيط بالجلال والإكرام جوابا لكلامه { ~~هذا } أي مجموع يوم القيامة؛ ولما كان ظهور الجزاء النافع هو المقصود ~~قال: { يوم } هذا على قراءة الجماعة بالرفع، وقراءة نافع بالنصب غير منون ~~أيضا لإضافته إلى متمكن بمعنى: هذا الذي ذكر واقع؛ أو قال الله هذا الذي ~~تقدم يوم { ينفع الصادقين } أي العريقين في هذا الوصف نفعا لا يضرهم معه ~~شيء { صدقهم } أي الذي كان لهم في الدنيا وصفا ثابتا، فحداهم على ~~الوفاء ms1288 بما عاهدوا عليه، فكأنه قيل: ينفعهم بأي شيء؟ فقال: { لهم جنات } ~~أي هي من ري الأرض الذي يستلزم زكاء الشجر وطيب الثمر بحيث { تجري } ~~ولما كان تفرق المياه في الأراضي أبهج، بعض فقال: { من تحتها الأنهار } ~~ولما كان مثل هذا لا يريح إلا إذا دام قال: { خالدين فيها } وأكد معنى ~~ذلك بقوله: { أبدا }. # ولما كان ذلك لا يتم إلا برضى المالك قال: { رضي الله } أي الذي له صفات ~~الكمال { عنهم } أي بجميع ما له من الصفات، وهو كناية عن أنه أثابهم بما ~~يكون من الراضي ثوابا متنوعا بتنوع ما له من جميع صفات الكمال والجمال؛ ~~ولما كان ذلك لا يكمل ويبسط ويجمل إلا برضاهم قال: { ورضوا عنه } يعني ~~أنه لم يدع لهم شهوة إلا أنالهم إياها، وقال ابن الزبير بعدما أسلفته ~~عنه: فلما طلب تعالى المؤمنين بالوفاء فيما نقض به غيرهم، وذكرهم ببعض ~~ما وقع فيه النقض وما أعقب ذلك فاعله، وأعلمهم بثمرة التزام التسليم ~~والامتثال، أراهم جل وتعالى ثمرة الوفاء وعاقبته، فقال تعالى # وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أنت قلت للناس # [المائدة: 116] إلى قوله - { هذا يوم ينفع الصادقين } - إلى آخرها. ~~فيحصل من جملتها الأمر بالوفاء فيما تقدمها وحال من حاد ونقض، وعاقبة من ~~وفى، وأنهم الصادقون، وقد أمرنا أن نكون معهم # يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين # [التوبة: 119] - انتهى. # ولما كان سبحانه قد أمرهم أول السورة بالوفاء شكرا على ما أحل لهم في ~~دنياهم، ثم أخبر أنه زاد الشاكرين منهم ورقاهم إلى أن أباحهم أجل ~~النفائس في أخراهم، ووصف سبحانه هذا الذي أباحه لهم إلى أن بلغ في وصفه ~~ما لا مزيد عليه، أخذ يغبطهم به فقال: { ذلك } أي الأمر العالي لا غيره { ~~الفوز العظيم * }. # ولما كان هذا الذي أباحه لهم وأباحهم إياه لا يكون إلا بأسباب لا تسعها ~~العقول، ولا تكتنه بفروع ولا أصول، علل إعطاءه إياه وسهولته لديه بقوله ~~مشيرا إلى أن كل ما ادعيت فيه الإلهية مما تقدم في هذه السورة ms1289 وغيرها ~~بعيد عن ذلك، لأنه ملكه وفي ملكه وتحت قهره: { الله } أي الملك الذي لا ~~تكتنه عظمته ولا تضعف قدرته، لا لغيره { ملك السماوات } بدأ بها لأنها ~~أشرف وأكبر، وآياتها أدل وأكثر { والأرض } على اتساعهما وعظمهما وتباعد ~~ما بينهما { وما فيهن } أي من جوهر وعرض. # ولما كان ذلك أنهى ما نعلمه، عمم بقوله: { وهو على كل شيء } أي من ذلك ~~وغيره من كل ما يريد { قدير * } فلذلك هو يحكم ما يريد لأنه هو الإله ~~وحده، وهو قادر على إسعاد من شاء وإشقاء من شاء، وإحلال ما شاء وتحريم ما ~~شاء، والحكم بما يريد ونفع الصادقين الموفين بالعقود الثابتين على ~~العهود، لأن له ملك هذه العوالم وما فيها مما ادعى فيه الإلهية من عيسى ~~وغيره، والكل بالنسبة إليه أموات، بل موات جديرون بأن يعبر عنهم ب " ما ~~" لا ب " من " ، فمن يستحق معه شيئا ومن يملك معه ضرا أو نفعا! وقد ~~انطبق آخر السورة على أولها كما ترى أي انطباق، واتسقت جميع آياتها أخذا ~~بعضها بحجز بعض أي اتساق؛ فسبحان من أنزل هذا القرآن على أعظم البيان! ~~مخجلا لمن أباه من الأمم، معجزا لأصحاب السيف والقلم، والله سبحانه ~~وتعالى أعلم. ### | [6 - سورة الأنعام] ### || [6.1-2] # مقصودها الاستدلال على ما دعا إليه الكتاب في السورة الماضية من ~~التوحيد بأنه الحاوي لجميع الكمالات من الإيجاد والإعدام والقدرة على ~~البعث وغيره، وأنسب الأشياء المذكورة فيها لهذا المقصد الأنعام، لأن ~~الإذن فيها - كما يأتي - مسبب عما ثبت له من الفلق والتفرد بالخلق، تضمن ~~باقي ذكرها إبطال ما اتخذوه من أمرها دينا، لأنه لم يأذن فيه ولا أذن ~~لأحد معه، لأنه المتوحد بالإلهية، لا شريك له، وحصر المحرمات من المطاعم ~~التي هي جلها في هذا الدين وغيره، فدل ذلك على إحاطة علمه، وسيأتي في ~~سورة طه البرهان الظاهر على أن إحاطة العلم ملزومة لشمول القدرة وسائر ~~الكمالات، وذلك عين مقصود السورة، وقد ورد من عدة طرق - كما بينت ذلك في ~~كتابي " مصاعد النظر " أنها نزلت جملة واحدة ms1290 يشيعها سبعون ألف ملك، لهم ~~زجل بالتسبيح، وفي رواية: إن نزولها كان ليلا، وإن الأرض كانت ترتج ~~لنزولها. وهي كلها في حجاج المشركين وغيرهم من المبتدعة والقدرية وأهل ~~الملل الزائغة، وعليها مبنى أصول الدين لاشتمالها على التوحيد والعدل ~~والنبوة والمعاد وإبطال مذاهب الملحدين، وإنزالها على الصورة المذكورة ~~يدل على أن أصول الدين في غاية الجلالة، وأن تعلمه واجب على الفور ~~لنزولها جملة، بخلاف الأحكام فإنها تفرق بحسب المصالح، ولنزولها ليلا ~~دليل على غاية البركة لأنه محل الأنس بنزوله تعالى إلى سماء الدنيا، ~~وعلى أن هذا العلم لا يقف على أسراره إلا البصراء الأيقاظ من سنة ~~الغفلات، أولو الألباب أهل الخلوات، والأرواح الغالبة على الأبدان وهم ~~قليل. { بسم الله } الذي بين دلائل توحيده بأنه الجامع لصفات الكمال { ~~الرحمن } الذي أفاض على سائر الموجودات من رحمته بالإيجاد والإعدام ما ~~حير لعمومه الأفهام، فضاقت به الأوهام { الرحيم * } الذي حبا أهل ~~الإيمان بنور البصائر حتى كان الوجود ناطقا لهم، بالإعلام بأنه الحي ~~القيوم السلام. { الحمد } أي الإحاطة بأوصاف الكمال { لله }. # لما ختم سبحانه تلك بتحميد عيسى عليه السلام لجلاله في ذلك اليوم في ذلك ~~الجمع، ثم تحميد نفسه المقدسة بشمول الملك والقدرة، إذ الحمد هو الوصف ~~بالجميل؛ افتتح سبحانه وتعالى هذه السورة بالإخبار بأن ذلك الحمد وغيره ~~من المحامد مستحق له استحقاقا ثابتا دائما قبل إيجاد الخلق وبعد ~~إيجاده سواء شكره العباد أو كفروه، لما له سبحانه وتعالى من صفات الجلال ~~والكمال - على ما تقدمت الإشارة إليه في الفاتحة - فأتى بهذه الجملة ~~الاسمية المفتتحة باسم الحمد الكلي الجامع لجميع أنواعه الدالة على ~~الاستغراق، إما بأن اللام له عند الجمهور، أو بأنها للجنس - كما هو مذهب ~~الزمخشري، ويؤول إلى مذهب الجمهور، فإن الجنس إذا كان مختصا به لم يكن ~~فرد منه لغيره، إذ الجنس لا يوجد إلا ضمن أفراده، فمتى وجد فرد منه ~~لغيره كان الجنس موجودا فيه فلم يكن الجنس مختصا به وقد قلنا: إنه ~~مختص، وهذا التحميد صار بوصفه فردا من أفراد تحميد ms1291 الفاتحة تحقيقا ~~لكونها أما، وعقبها سبحانه بالدليل الشهودي على ما ختم به تلك من الوصف ~~بشمول القدرة بوصفه بقوله: { الذي خلق }. # ولما كان تعدد السماوات ظاهرا بالكواكب في سيرها وحركاتها في السرعة ~~والبطوء واستتار بعضها ببعض عند الخسوف وغيره وغير ذلك مما هو محرر عند ~~أهله: جمعها فقال: { السماوات } أي على علوها وإحكامها، قدمها لما تقدم ~~قريبا { والأرض } أي على تحليها بالمنافع وانتظامها. # ولما كان في الجعل معنى التضمن فلا يقوم المجعول بنفسه قال: { وجعل } أي ~~أحدث وأنشأ لمصالحكم { الظلمات } أي الأجرام المتكاثفة كما تقدم { والنور ~~* } وجمع الأول تنبيها على أن طرق الشر والهلاك كثيرة تدور على الهوى، ~~وقد تقرر بهذا ما افتتح به السورة، لأن من تفرد باختراع الأشياء كان هو ~~المختص بجميع المحامد، ومن اختص بجميع المحامد لم يكن إله سواه ولم يكن ~~له شريك، لا ثاني اثنين ولا ثالث ثلاثة ولا غير ذلك، وما أحسن ختمها - ~~بعد الإشارة إلى هذه المقاصد المبعدة لأن يكفر به أو يعدل به شيء - ~~بقوله: { ثم الذين كفروا } أي ستروا ما دلتهم عليه عقولهم من أدلة ~~وحدانيته التي لا خفاء بها عن أحد جرد نفسه من الهوى، وعالج أدواءه ~~بأنفع دواء، لإحاطته بجميع صفات الكمال، وزاد الأمر تقبيحا عليهم بإبدال ~~ما كان الأصل في الكلام من الضمير بقوله: { بربهم } أي المحسن إليهم الذي ~~لم يروا إحسانا إلا منه { يعدلون * } أي يجعلون غيره ممن لا يقدر على ~~شيء معادلا له مع معرفتهم به بأنه الذي أبدع الأشياء، كفرا لنعمته ~~وبعدا من رحمته، فبعضهم عدل به بعض الجواهر من خلقه من السماء كالنجوم، ~~أو من الأرض كالأصنام، أو بعض ما ينشأ عن بعض خلقه من الأعراض وهو خلقه ~~كالنور والظلمة، والحال أن تقلباتهما تدل بأدنى النظر على أمرين: الأول ~~بعدهما عن الصلاحية للإلهية لتغيرهما # قال لا أحب الآفلين # [الأنعام: 76]، والثاني قدرة خالقهما ومغيرهما على البعث لإيجاد كل ~~منهما بعد إعدامه كما هو شأن البعث - إلى غير ذلك من الأسرار التي تدق عن ~~الأفكار، وتقديم ms1292 الظلمة مناسب لسياق العادلين، والتعبير بثم للتنبيه على ~~ما كان ينبغي لكل راو لهذا الخلق من الإبعاد عن الكفر لبعده عن الصواب، ~~فقد لاح أن مقصد السورة الاستدلال على ما دعا إليه الكتاب الذي تبين أنه ~~الهدى من توحيد الله والاجتماع عليه والوفاء بعهوده بأنه سبحانه وحده ~~الخالق الحائز لجميع الكمالات من القدرة على البعث وغيره، وما أنسب ذلك ~~بختم المائدة بذكر يوم الجمع وأن لملكه جميع الملك، وهو على كل شيء ~~قدير، وهذه السورة أول السور الأربع المشيرة إلى جميع النعم المندرجة تحت ~~النعم الأربع التي اشتملت عليها الفاتحة، وكل سورة منها مشيرة إلى نعمة ~~من النعم الأربع، فقوله: { خلق السماوات والأرض } - الآية ثم { خلقكم من ~~طين } ثم # وما من دابة في الأرض # [الأنعام: 38] - الآية، متكفل بتفصيل نعمة الإيجاد الأول لجميع العالمين ~~من السماوات والأرض وما بينهما وما فيهما من آدمي وغيره المشار إليه في ~~الفاتحة برب العالمين كما تقدم. # ولما تكفلت السور المتقدمة بالرد على مشركي العرب واليهود والنصارى مع ~~الإشارة إلى إبطال جميع أنواع الشرك، سيق مقصود هذه السورة في أساليب ~~متكفلة بالرد على بقية الفرق، وهم الثنوية من المجوس القائلون بإلهين ~~اثنين وبأصلين: النور والظلمة، ويقرون بنبوة إبراهيم عليه الصلاة والسلام ~~فقط، والصابئة القائلون بالأوثان السماوية والأصنام الأرضية متوسطين إلى ~~رب الأرباب، وينكرون الرسالة في الصورة البشرية، وأصحاب الروحانيات، أعني ~~مدبرات الكواكب والأفلاك، وينتسبون إلى ملة إبراهيم عليه السلام، ويدعون ~~أنه منهم - وقد أعاذه الله من ذلك، والسمنية القائلون بإلهية الشمس، ~~مع تأكيد الرد على الفرق المتقدمة على أن جميع فرقهم يجتمعون في اعتبار ~~النجوم، يتبين ذلك لمن نظر في كتب فتوح بلاد الفرس في أيام الصديق ~~والفاروق رضي الله عنهما، وقال تنكلوشا البابلي في أول كتابه في أحكام ~~الدرج الفلكية: إن القدماء من الكسدانيين استنبطوا غوامض أسرار الفلك، ~~وكان عندهم أجل العلوم ولم يكونوا يظهرون علم الفلك لكل الناس، بل كانوا ~~يخفون أكثره عن عامتهم، ويعطونهم منه بمقدار ما يصلح، ويتدارسون الباقي ~~بينهم مطويا بين ms1293 علمائهم وحكمائهم، ثم ذكر تقسيمهم درج الفلك على ~~ثلاثمائة وستين، ثم قال: وقسموا الدرج أقساما كثيرة حتى قالوا: إن بعضها ~~ذكور وبعضها إناث، وبعضها مسعدة وبعضها منحسة، ثم قال: كل ذلك يريدون فيه ~~الدلالة منها على ما تدل عليه في عالمنا وعلى أحوالنا حتى جعلوا لكل درجة ~~عالما وخلقا منفردا بمدته، وأن ذلك العالم والخلق يندرسون وينشأ بعدهم ~~غيرهم - إلى غير ذلك من الكلام الذي يرجع إلى اعتقاد تأثير النجوم بنفسها ~~- تعالى الله عن أن يكون له شريك أو يكون له كفوا أحد. # ولما قرر سبحانه أنه هو الذي خلق السماوات والأرض اللتين منهما وفيهما ~~الأصنام والكواكب والأجرام التي عنها النور والظلمة، فثبت وجوده على ما ~~هو عليه من الإحاطة بأوصاف الكمال التي أثبتها الحمد، فبطلت جميع ~~مذاهبهم، فعجب منهم بكونهم يعدلون به غيره، أتبع ذلك اختصاصه بخلق هذا ~~النوع البشري، وهو - مع ما فيه من الشواهد له بالاختصاص بالحمد والرد على ~~المطرين لعيسى عليه السلام المخلوق من الطين بخلق أبيهم آدم عليه ~~السلام - مؤكد لإبطال مذهب الثنوية، وذلك أنهم يقولون: إن النار خالق ~~الخير، والظلمة خالقة الشر، فإذا ثبت أنه الخالق لنوع الآدميين الذين ~~منهم الخير والشر من شيء واحد، وهو الطين الذي ولد منه المني الذي جعل ~~منه الأعضاء المختلفة في اللون والصورة والشكل من القلب وغيره من الأعضاء ~~البسيطة كالعظام والغضاريف، والرباطات والأوتار، ثبت أن خالق أوصافهم من ~~الخير والشر واحد قدير عليم، لأن توليد الصفات المختلفة من المادة ~~المتشابهة لا يكون إلا ومبدعه واحد مختار، لا اثنان، وهو الذي خلق الأرض ~~التي منها أصلهم، وهو الله الذي اختص بالحمد فقال: { هو الذي خلقكم } ~~ولما كانوا يستبعدون البعث لصيرورة الأموات ترابا واختلاط تراب الكل ~~بعضه ببعض وبتراب الأرض، فيتعذر التمييز، وكان تمييز الطين لشدة اختلاط ~~أجزائه بالماء أعسر من تميز التراب قال: { من طين } أي فميز طينة كل منكم ~~- مع أن منكم الأسود والأبيض وغير ذلك والشديد وغيره - من طينة الآخر بعد ~~أن جعلها ماء ثخينا له ms1294 قوة الدفق ونماها إلى حيث شاء من الكبر. # ولما كان من المعلوم أن ما كانا من شيء واحد كانت مدة بقائهما واحدة، ~~نبه بأداة التراخي على كمال قدرته واختياره من المفاوتة بين الآجال فقال: ~~{ ثم قضى } أي حكم حكما تاما وبت وأوجد { أجلا } أي وقتا مضروبا ~~لانقضاء العمر وقطع التأخر لكل واحد منكم خيرا كان أو شريرا، قويا كان ~~أو ضعيفا، من أجل يأجل أجولا - إذا تأخر، وجعل تلك الآجال - مع كونها ~~متفاوتة - متقاربة لا مزية لأحد منكم بصفة على آخر بصفة مغائرة لها، ~~وفاعل ذلك لا يكون إلا واحدا فاعلا باختيار. # ولما ذكر الأجل الأول الذي هو الإبداع من الطين إشارة إلى ما فرع منه من ~~الآجال المتفاوتة، ذكر الأجل الآخر الجامع للكل، لأن ذكر البداية يستدعي ~~ذكر النهاية، فقال مشيرا إلى تعظيمه بالاستئناف والتنكير: { وأجل } أي ~~عظيم { مسمى } أي لكم أجمعين لانقضاء البرزخ للإعادة التي هي في مجاري ~~عاداتكم أهون من الابتداء لمجازاتكم والحكم بينكم الذي هو محط حكمته ~~ومظهر نعمته ونقمته في وقت واحد، يتساوى فيه الكل، وستر علمه عن الكل كما ~~أشار إليه بالتنكير، وهذا لا يصح أن يكون إلا لواحد، لا متعدد، وإلا ~~لتباينت المقادير والإرادات وانشق كل مقدور في صنف لا يتعداه، وإلا لعلا ~~بعضهم على بعض وانهتكت أسرار البعض بالبعض - سبحان الله وتعالى عما ~~يصفون، وغير السياق إلى الاسمية إشارة إلى اختصاصه بعلمه وأنه ثابت لا شك ~~فيه! ويؤكده إثبات قوله: { عنده } في هذه الجملة وحذفها من الأولى هنا ~~وفي قوله # ثم يبعثكم فيه ليقضي أجل مسمى # [الأنعام: 60]، وقدم المبتدأ مع تنكيره - والأصل تأخيره - إفادة ~~لتعظيمه. # ولما كان في هذا البيان لوحدانيته وتمام قدرته لا سيما على البعث الذي ~~هو مقصود حكمته ما يبعد معه الشك في الإعادة، أشار إليه بأداة التراخي ~~وصيغة الافتعال فقال: { ثم أنتم تمترون * } أي تكلفون أنفسكم الشك في كل ~~من الوحدانية والإعادة التي هي أهون على مجاري عاداتكم من الابتداء ~~بتقليد الآباء، والركون إلى مجرد الهوى والإعراض عن ms1295 الأدلة التي هي أظهر ~~من ساطع الضياء، وهذه الآية نظير آية الروم # أولم يتفكروا في أنفسهم # [الروم: 8] أي كيف خلقهم الله من طين، وسلط بعضهم على بعض بالظلم ~~والعدوان، وجعل لهم آجالا فاوت بينها وساوى في ذلك بين الأصل والفرع، ~~فأنتج هذا أنه ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق، أي ~~بسبب إقامة العدل في جميع ما وقع بينكم من الاختلاف كما هو شأن كل مالك ~~في عبيده { وأجل مسمى } - الآية. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما ~~بين سبحانه وتعالى حال المتقدمين وهو الصراط المستقيم، وأوضح ما يظهر ~~الحذر من جانبي الأخذ والترك، وبين حال من تنكب عنه ممن كان قد يلمحه، ~~وهم اليهود والنصارى، وكونهم لم يلتزموا الوفاء به وحادوا عما أنهج لهم، ~~وانقضى أمر الفريقين، ذما لحالهم وبيانا لنقضهم وتحذيرا للمتقين أن ~~يصيبهم ما أصابهم، وختم ذلك ببيان حال المؤقنين في القيامة يوم ينفع ~~الصادقين صدقهم، وقد كان انجر مع ذلك ذكر مشركي العرب وصممهم عن الداعي ~~وعماهم عن الآيات، فكانوا أشبه بالبهائم منهم بالأناسي، أعقب ذلك تعالى ~~بالإشارة إلى طائفة مالت إلى النظر والاعتبار، فلم توفق لإصابة الحق ~~وقصرت عن الاستضاءة بأنوار الهدى. وليسوا ممن يرجع إلى شريعة قد حرفت ~~وغيرت، بل هم في صورة من هم، أن يهتدي بهدى الفطرة ويستدل بما بسط ~~الله تعالى في المخلوقات فلم يمعن النظر ولم يوفق فضل وهم المجوس وسائر ~~الثنوية ممن كان قصارى أمره نسبة الفعل إلى النور والإظلام، ولم يكن تقدم ~~لهؤلاء ذكر ولا إخبار بحال فقال تعالى: { الحمد لله الذي خلق السماوات ~~والأرض وجعل الظلمات والنور } فبدأ تعالى بذكر خلق السماوات والأرض التي ~~عنها وجد النور والظلمة، إذ الظلمة ظلال هذه الأجرام، والنور عن أجرام ~~نيرة محمولة فيها وهي الشمس والقمر والنجوم، فكان الكلام: الحمد لله الذي ~~أوضح الأمر لمن اعتبر واستبصر، فعلم أن وجود النور والظلمة متوقف بحكم ~~السببية التي شاءها تعالى على وجود أجرام السماوات والأرض وما أودع فيها، ~~ومع بيان الأمر ms1296 في ذلك حاد عنه من عمي عن الاستبصار { ثم الذين كفروا ~~بربهم يعدلون } [الأنعام: 1] وقوله تعالى: { هو الذي خلقكم من طين } ~~[الأنعام: 2] مما يزيد هذا المعنى وضوحا، فإنه تعالى ذكر أصلنا والمادة ~~التي عنها أوجدنا، كما ذكر للنور والظلمة ما هو كالمادة، وهو وجود ~~السماوات والأرض، وأشعر لفظ { جعل } بتوقف الوجود بحسب المشيئة على ما ~~ذكر، وكان قد قيل: أي فرق بين وجود النور والظلمة عن وجود السماوات ~~والأرض وبين وجودكم عن الطين حتى يقع امتراء فيه عن نسبة الإيجاد إلى ~~النور والظلمة، وهما لم يوجدا إلا بعد مادة أو سبب كما طرأ في إيجادكم؟ ~~فالأمر في ذلك أوضح شيء { ثم أنتم تمترون } [الأنعام: 2] ثم مرت السورة ~~من أولها إلى آخرها منبهة على بسط الدلالات في الموجودات مع التنبيه على ~~أن ذلك لا يصل إلى استثمار فائدته إلا من هيئ بحسب السابقة فقال تعالى: # إنما يستجيب الذين يسمعون # [الأنعام: 36] ثم قال تعالى: # والموتى يبعثهم الله # [الأنعام: 36]، وهو - والله أعلم - من نمط { أو من كان ميتا فأحييناه } ~~، أجمل هنا ثم فسر بعد في السورة بعينها، والمراد أن من الخلق من جعله ~~الله سامعا مطيعا متيقظا معتبرا بأول وهلة، وقد أري المثال سبحانه ~~وتعالى في ذلك في قصة إبراهيم عليه السلام في قوله: # وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض # [الأنعام: 75]، فكأنه يقول لعباده المتقين: تعالوا فانهجوا طريق ~~الاعتبار ملة أبيكم إبراهيم كيف نظر عليه السلام نظر السامع المتيقظ! فلم ~~يعرج في أول نظره على ما سبب وجوده بين فيحتاج فيه إلى غرض في الكواكب ~~والقمر والشمس، بل نظر فيما عنه صدر النور، لا في النور، فلما جن عليه ~~الليل رأى كوكبا، فتأمل كونه عليه السلام لم يطول النظر بالتفات النور، ~~ثم كان يرجع إلى اعتبار الجرم الذي عنه النور، بل لما رأى النور عن أجرام ~~سماوية تأمل تلك الأجرام وما قام بها من الصفات، فرأى الأفول والطلوع ~~والانتقال والتقلب فقال: هذا لا يليق بالربوبية لأنها صفات حدوث، ثم رقى ~~النظر إلى القمر ms1297 والشمس فرأى ذلك الحكم جاريا فيهما فحكم بأن وراءها ~~مدبرا لها يتنزه عن الانتقال والغيبة والأفول فقال: # إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض # [الأنعام: 79] وخص عليه السلام ذكر هذين لحملهما أجرام النور وسببيتهما ~~في وجود الظلمة، ثم تأمل هذا النظر منه عليه السلام وكيف خص بالاعتبار ~~أشرف الموجودين وأعلاهما، فكان في ذلك وجهان من الحكمة: أحدهما علو النظر ~~ونفوذ البصيرة في اعتبار الأشرف الذي إذا بان منه الأمر فهو فيما سواه ~~أبين، فجمع بين قرب التناول وعلو التهدي، والوجه الثاني التناسب بين حال ~~الناظر والمنظور فيه والتناول والجري على الفطرة العلية " وهو من قبيل ~~أخذ نبينا صلى الله عليه وسلم اللبن حين عرض عليه اللبن والخمر فاختار ~~اللبن، فقيل له: اخترت الفطرة! فكان قد قيل: هذا النظر والاعتبار بالهام، ~~لا نظر من أخلد إلى الأرض فعمد الضياء والظلام، وينبغي أن يعتمد في قصة ~~إبراهيم عليه السلام في هذا الاعتبار أنه صلى الله عليه وسلم في قوله: { ~~هذا ربي } إنما قصد قطع حجة من عبد شيئا من ذلك إذ كان دين قومه، فبسط ~~لهم الاعتبار والدلالة، وأخذ يعرض ما قد تنزه قدره عن الميل إليه، فهو ~~كما يقول المناظر لمن يناظره: هب أن هذا على ما تقول. # يريد بذلك إذعان خصمه واستدعاءه للاعتبار حتى يكون غير مناظر له ما لا ~~يعتقده، ليبني على ذلك مقصوده ليقلع خصمه وهو على يقين من أمره، فهذا ما ~~ينبغي أن يعتمد هنا لقول يوسف عليه السلام # ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء # [يوسف: 38]، فالعصمة قد اكتنفتهم عما يتوهمه المبطلون ويتقوله المفترون، ~~ويشهد لما قلناه قوله تعالى: # وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه # [الأنعام: 83] فهذه حال من علت درجته من الذين يسمعون، فمن الخلق من ~~جعله الله سامعا بأول وهلة وهذا مثال شاف في ذلك، ومنهم الميت، والموتى ~~على ضربين: منهم من يزاح عن جهله وعمهه، ومنهم من يبقى في ظلماته ميتا ~~لا حراك به، يبين ذلك قوله تعالى: # أو من كان ميتا ms1298 فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في ~~الظلمات ليس بخارج منها # [الأنعام: 122]؛ ولما كانت السورة متضمنة جهات الاعتبار ومحركة إلى ~~النظر ومعلنة من مجموع آيها أن المعتبر والمتأمل - وإن لم يكن متيقظا ~~بأول وهلة، ولا سامعا أول محرك، ولا مستجيبا لأول سامع - قد ينتقل حاله ~~عن جموده وغفلته إلى أن يسمع ويلحق بمن كان يتيقظ في أول وهلة؛ ناسب ~~تحريك العباد وأمرهم بالنظر أن تقع الإشارة في صدر السورة إلى حالتين: ~~حالة السامعين لأول وهلة، وحالة السامعين في ثاني حال، فقيل: # إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله # [الأنعام: 36] ولم تقع هنا إشارة إلى القسم الثالث مع العلم به، وهو ~~الباقي على هموده وموته ممن لم يحركه زاجر ولا واعظ ولا اعتبار، ولأن هذا ~~الضرب لو ذكر هنا لكان فيه ما يكسل من ضعفت همته، رجعت حالة ابتدائه، ~~فقيل: { والموتى يبعثهم الله } وأطلق ليعمل الكل على هذا البعث من الجهل ~~والتيقظ من سنة الغفلة كما دعا لكل إلى الله دعاء واحدا فقيل: { يا ~~أيها الناس اعبدوا ربكم } ثم اختلفوا في إجابة الداعي بحسب السوابق هكذا، ~~ورد هذا { والموتى يبعثهم الله } إسماعا للكل، وفي صورة التساوي مناسبة ~~للدعاء لتقوم الحجة على العباد، حتى إذا انبسطت الدلائل وانشرحت الصدور ~~لتلقيها وتشبثت النفوس وتعلقت بحسب ما قدر، وفاز بالخير أهله، قال تعالى ~~بعد آي: # أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس # [الأنعام: 122] وكان قد قيل لمن انتقل عن حالة الموت فرأى قدر نعمة الله ~~عليه بإحيائه: هل يشبه الآن حالك النيرة - بما منحت حين اعتبرت - بحالك ~~الجمادية؟ فاشكر ربك واضرع إليه في طلب الزيادة، واتعظ بحال من لزم حال ~~موته فلم تغن عنه الآيات، وهو المشار إليه بقوله: { كمن مثله في الظلمات ~~ليس بخارج منها } { إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه } { ولو أننا ~~نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ~~ليؤمنوا إلا أن يشاء الله } # سواء عليهم ءأنذرتهم ms1299 أم لم تنذرهم لا يؤمنون # [البقرة: 6] وكان القسم المتقدم الذي سمع لأول وهلة لم يكن ليقع ذكره ~~هنا من جهة قصد أن أراه قدر هذه النعمة وإنقاذ المتصف بها من حيرة شك ~~موقعها فيما تقدم من قوله # إنما يستجيب الذين يسمعون # [الأنعام: 36] فذكر هنا ما هو واقع في إراءة قدر نعمة الإنقاذ والتخليص ~~من عمى الجهل، هذا حال من انتقل بتوفيق الله وحال من بقي على موته، أو ~~يكون الضربان قد شملهما قوله # أو من كان ميتا فأحييناه # [الأنعام: 122] وأما الثاني وهو الذي ثبتت فيه صورة النقل فأمره صريح من ~~الآية وأما الضرب الأول وهو السامع لأول وهلة المكفي المؤنة لواقي العصمة ~~من طوارق الجهل والشكوك، فدخوله تحت مقتضى هذا اللفظ من حيث إن وقايته ~~تلك أو سماعه بأول وهلة ليس من جهته ولا بما سبق أو تكلف، بل بإسداء ~~الرحمة وتقديم النعمة، ولو أبقاه لنفسه أو وكله إليها لم يكن كذلك # وما بكم من نعمة فمن الله # [النحل: 53]، فبهذا النظر قد تكون الآية قد شملت الضروب الثلاثة وهو ~~أولى، أما سقوط الضرب الثالث من قوله: # إنما يستجيب الذين يسمعون # [الأنعام: 36] فلما تقدم - والله أعلم بما أراد؛ ولما تضمنت هذه السورة ~~الكريمة من بسط الاعتبار وإبداء جهات النظر ما إذا تأمله المتأمل علم أن ~~حجة الله قائمة على العباد، وأن إرسال الرسل رحمة ونعمة وفضل وإحسان، ~~وإذا كانت الدلالات مبسوطة والموجودات مشاهدة مفصحة، ودلالة النظر من سمع ~~وأبصار وأفئدة موجدة، فكيف يتوقف عاقل في عظيم رحمته تعالى بإرسال الرسل! ~~فتأكدت الحجة وتعاضدت البراهين، فلما عرف الخلق لقيام الحجة عليهم بطريقي ~~الإصغاء إلى الداعي والاعتبار بالصنعة؛ قال تعالى: # قل فلله الحجة البالغة # [الأنعام: 149] # فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة # [الأنعام: 157] فيما عذر المعتذر بعد هذا؟ أتريدون كشف الغطاء ورؤية ~~الأمر عيانا! لو استبصرتم لحصل لكم ما منحتم، # هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك # [الأنعام: 158]، ثم ختمت السورة من التسليم والتفويض بما يجدي ms1300 مع قوله: # فلو شاء لهداكم أجمعين # [الأنعام: 149] وحصل من السور الأربع بيان أهل الصراط المستقيم وطبقاتهم ~~في سلوكهم وما ينبغي لهم التزامه أو تركه، وبيان حال المتنكبين عن سلوكه ~~من اليهود والنصارى وعبدة الأوثان والمجوس - انتهى. ### || [6.3-6] # ولما كان علم جميع أحوال المخلوق دالا على أن العلم بها هو خالقه، وأن ~~من ادعى أن خالقه عاجز عن ضبط مملكته: عن كشف غيره لعوراتها وعلم ما لا ~~يعلمه هو منها، فلم يكن إلها، وكان الإله هو العالم وحده، وكان المحيط ~~العلم لا يعسر عليه تمييز التراب من التراب، وكان صلى الله عليه وسلم ~~يخبرهم عن الله من مغيبات أسرارهم وخفايا أخبارهم مما يقصون منه العجب ~~ويعلمون منه إحاطة العلم حتى قال أبو سفيان بن حرب يوم الفتح: لو تكلمت ~~لأخبرت عني هذه الحصباء، قال تعالى عاطفا { هو الذي } دالا على ~~الوحدانية بشمول العلم بعد قيام الدليل على تمام القدرة والاختيار، لأن ~~إنكارهم المعاد لأمرين: أحدهما ظن أن المؤثر في الأبدان امتزاج الطبائع ~~وإنكار أن المؤثر هو قادر مختار، والثاني أنه - على تقدير تسليم الاختيار ~~- غير عالم بالجزئيات، فلا يمكنه تمييز بدن زيد عن أجزاء بدن عمرو، فإذا ~~قام الدليل على كمال قدرته سبحانه واختياره وشمول علمه لجميع المعلومات: ~~الكليات والجزئيات، زالت جميع الشبهات: { هو الله } أي الذي له هذا الاسم ~~المستجمع لجميع الأسماء الحسنى والصفات العلى المدعو به تألها له ~~وخضوعا وتعبدا، وعلق بهذا المعنى قوله: { في السماوات } لأن من في ~~الشيء يكون متصرفا فيه. # ولما كان الخطاب لمنكري البعث أكد فقال: { وفي الأرض } أي هذه صفته ~~دائما على هذا المراد من أنه سبحانه ثابت له هذا الاسم الذي تفرد به على ~~وجه التأله والتعبد في كل من جهتي العلو والسفل، ولا يفهم ذو عقل صحيح ما ~~يقتضيه الظاهر من أنه محوي، فإن كل محوي منحصر محتاج إلى حاويه وحاصره، ~~ضعيف التصرف فيما وراءه، ومن كان محتاجا نوع احتياج لا يصلح للألوهية ~~والمشيئة لحديث الجارية: أين الله؟ قالت: في السماء، ومحجوج ms1301 بحديث: # " أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس ~~فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء " # فإن ظاهره مناف لظاهر الأول، وظاهر هذا مؤيد بقاطع النقل من أنه غير ~~محتاج، ومؤيد بصحيح النقل { ليس كمثله شيء } أي لا في ذاته ولا صفاته ولا ~~شيء من شؤونه، و # " قد كان الله ولا شيء معه " # ، وحديث # " ليس فوقك شيء " # - رواه مسلم والترمذي وابن ماجه في الدعوات وأبو داود في الأدب عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه - والله الموفق. # ولما كان المراد إثبات أن علمه تعالى محيط، نسبة كل من الخفي والجلي ~~إليه على السواء، وكان السياق هنا للخفي فإنه في بيان خلق الإنسان وعجيب ~~صنعه فيه بما خلق فيه من إدراك المعاني وهيأه له من قبل أن يقدر على ~~التعبير عنه، ثم أقدره على ذلك؛ قدم الخفي فقال شارحا لكونه لا يغيب عنه ~~شيء: { يعلم سركم }. # ولما كان لا ملازمة بين علم السر والجهر لأنه قد يكون في الجهر لفظ شديد ~~يمنع اختلاط الأصوات فيه من علمه، صرح به فقال: { وجهركم } ونسبة كل منها ~~إليه على حد سواء، ولا توصف واحدة منها بقرب في المسافة إليه ولا بد؛ ~~ولما كان السر والجهر شائعين في الأقوال، وكانت الأقوال تتعلق بالسمع، ~~ذكر ما يعمهما وهو شائع في الأفعال المتعلقة بالبصر فقال: { ويعلم ما ~~تكسبون } فأفاد ذلك صفتي السمع والبصر مع إثبات العلم، فلما تظاهرت ~~الأدلة وتظافرت الحجج وهم عنها ناكبون، وصل بذلك في جملة حالية قوله، ~~معرضا عنهم إيذانا باستحقاقهم شديد الغضب: { وما تأتيهم } أي هؤلاء ~~الذين هم أهل للإعراض عنهم، وأعرق في النفي بقوله: { من آية } أي علامة ~~على صحة ما دعاهم إليه رسولهم صلى الله عليه وسلم، وبعض بقوله: { من آيات ~~ربهم } أي المحسن إليهم بنصب الأدلة وإفاضة العقول وبعث الرسول { إلا ~~كانوا عنها معرضين } أي هذه صفتهم دائما قصدا للعناد لئلا يلزمهم ~~الحجة، ويجوز أن يكون ذلك معطوفا على " يعدلون ". # ولما كان إعراضهم عن النظر سببا ms1302 لتكذيبهم، وهو سبب لتعذيبهم قال: { فقد ~~كذبوا } أي أوقعوا تكذيب الصادق { بالحق } أي بسبب الأمر الثابت الكامل ~~في الثبات كله. لأن الآيات كلها متساوية في الدلالة على ما تدل عليه ~~الواحدة منها { لما جآءهم } أي لم يتأخروا عند المجيء أصلا لنظر ولا ~~لغيره، وذلك أدل ما يكون على العناد. # ولما كان الإعراض عن الشيء هكذا فعل المكذب المستهزئ الذي بلغ بتكذيبه ~~الغاية القصوى، وهي الاستهزاء، قال: { فسوف يأتيهم } أي بوعد صادق لا ~~خلف فيه عند نزول العذاب بهم وإن تأخر إتيانه { أنباء ما كانوا } أي جبلة ~~وطبعا { به يستهزئون } أي يجددون الهزء به بغاية الرغبة في طلبه، وهو ~~أبعد شيء عن الهزء، والنبأ: الخبر العظيم، وهو الذي يكون معه الجزاء، ~~وأفاد تقديم الظرف أنهم لم يكونوا يهزؤون بغير الحق الكامل - كما ترى ~~كثيرا من المترفين لا يعجب من العجب ويعجب من غير العجب، أو أنه عد ~~استهزاءهم بغيره بالنسبة إلى الاستهزاء به عدما. # ولما أخبر بتكذيبهم على هذا الوجه وتوعدهم بتحتم تعذيبهم، أتبعه ما يجري ~~مجرى الموعظة والنصيحة، فعجب من تماديهم مع ما علموا من إهلاك من كان أشد ~~منهم قوة وأكثر جمعا وجنى من سوابغ النعم بما لم يعتبروه فيه مع ما ضموه ~~إلى تحقق أخبارهم من مشاهدة آثارهم وعجيب اصطناعهم في أبنيتهم وديارهم ~~مستدلا بذلك على تحقيق ما قبله من التهديد على الاستهزاء، فقال مقررا ~~منكرا موبخا معجبا: { ألم يروا } ودل على كثرة المخبر عنهم تهويلا ~~للخبر بقوله: { كم أهلكنا }. # ولما كان المراد ناسا معينين لم يستغرقوا زمن القبل، وهم أهل المكنة ~~الزائدة كقوم نوح وهود وصالح، أدخل الجار فقال: { من قبلهم } وبين { ~~كم } بقوله: { من قرن } أي جماعة مقترنين في زمان واحد، وهم أهل كل مائة ~~سنة - كما صححه القاموس لقول النبي صلى الله عليه وسلم لغلام: # " عش قرنا " # ، فعاش مائة. هذا نهاية القرن، والأقرب أنه لا يتقدر، بل إذا انقضى أكثر ~~أهل عصر قيل: انقضى القرن، ودل على ما شاهدوا من آثارهم بقوله: { مكناهم ~~} أي ثبتناهم ms1303 بتقوية الأسباب من البسطة في الأجسام والقوة في الأبدان ~~والسعة في الأموال { في الأرض } أي بالقوة والصحة والفراغ ما لم نمكنكم، ~~ومكنا لهم بالخصب والبسطة والسعة { ما لم نمكن } أي تمكينا لم نجعله { ~~لكم } أي نخصكم به، فالآية من الاحتباك أو شبهه، والالتفات من الغيبة إلى ~~الخطاب لئلا يلتبس الحال، لأن ضمير الغائب يصلح لكل من المفضول والفاضل، ~~ولا يبقي اللبس التعبير بالماضي في قوله { وأرسلنا السماء } أي المطر ~~تسمية للشيء باسم سببه أو السحاب { عليهم }. ولما كان المراد المطر، كان ~~التقدير: حال كونه { مدرارا } أي ذا سيلان غزير متتابع لأنه صفة مبالغة ~~من الدر، قالوا: ويستوي فيه المذكر والمؤنث. # ولما ذكر نفعهم بماء السماء، وكان غير دائم، أتبعه ماء الأرض لدوامه ~~وملازمته للبساتين والرياض فقال: { وجعلنا الأنهار تجري } ولما كان عموم ~~الماء بالأرض وبعده مانعا من تمام الانتفاع بها، أشار إلى قربه وعدم ~~عموم الأرض به بالجار فقال: { من تحتهم } أي على وجه الأرض وأسكناه في ~~أعماقها فصارت بحيث إذا حفرت نبع منها من الماء ما يجري منه نهر. # ولما كان من المعلوم أنه من الماء كل شيء حي، فكان من أظهر الأشياء أنه ~~غرز نباتهم واخضرت سهولهم وجبالهم، فكثرت زروعهم وثمارهم، فاتسعت أحوالهم ~~وكثرت أموالهم فتيسرت آمالهم، أعلم سبحانه أن ذلك ما كان إلا لهوانهم ~~استدراجا لهم بقوله مسببا عن ذلك: { فأهلكناهم } أي بعظمتنا { بذنوبهم ~~} أي التي كانت عن بطرهم النعمة ولم نبال بهم ولا أغنت عنهم نعمهم. # ولما كان الإنسان ربما أبقى على عبده أو صاحبه خوفا من الاحتياج إلى ~~مثله، بين أنه سبحانه غير محتاج إلى شيء فقال: { وأنشأنا } ولما كان ~~سبحانه لم يجعل لأحد الخلد، أدخل الجار فقال: { من بعدهم } أي فيما كانوا ~~فيه { قرنا } ودل على أنه لم يبق من المهلكين أحدا، وأن هذا القرن ~~الثاني لا يرجع إليهم بنسب بقوله: { آخرين } ولم ينقص ملكنا شيئا، ~~فاحذروا أن نفعل بكم كما فعلنا بهم، وهذه الآية مثل آية الروم # أو لم يسيروا في الأرض # [الروم: ms1304 9] - الآية، فتمكينهم هو المراد بالشدة هناك، والتمكين لهم هو ~~المراد بالعمارة، والإهلاك بالذنوب هو المراد بقوله # فما كان الله ليظلمهم # [الروم: 9] و [التوبة: 70] - إلى آخر الآيتين. ### || [6.7-10] # ولما كانت ترجمة ما مضى: ثم هم يعدلون بربهم غيره ويكذبونك فيما جئت به ~~من الحق مع ما أوضحت عليه من الحجج ونصبت من الدلائل، وكان صلى الله عليه ~~وسلم شديد الحرص على إيمانهم، كان المقام يقتضي أن يقول لسان الحال: أنزل ~~عليهم يا رب ما ينتقلون به من النظر بالفكر إلى العيان كما اقترحوا علي، ~~فأخبره أنهم لا يؤمنون بذلك، بقوله عطفا على { وما تأتيهم من آية } ~~تحقيقا له وتصويرا في جريته: { ولو نزلنا } أي على ما لنا من العظمة { ~~عليك كتابا } أي مكتوبا من السماء { في قرطاس } أي ورق، إجابة لما أشار ~~عليهم اليهود باقتراحه، ثم حقق أنه واضح الأمر، ليس بخيال ولا فيه نوع ~~لبس بقوله: { فلمسوه } أي زيادة على الرؤية. وزاد في التحقيق والتصوير ~~ودفع التجوز بقوله: { بأيديهم لقال } وأظهر ولم يضمر تعليقا للحكم ~~بالوصف وتنبيها على أن من الموجودين من يسكت ويؤمن ولو بعد ذلك فقال: { ~~الذين كفروا } أي حكما بتأبد كفرهم سترا للآيات عنادا ومكابرة، ولعله ~~أسقط منهم إشارة إلى عموم دعوته، أي من العرب ومن غيرهم من أمة دعوتك ~~ولا سيما اليهود المشار إلى تعنتهم وكذبهم بقوله # يسئلك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء # [النساء: 153] { إن } أي ما { هذا إلا سحر } أي تمويه وخيال لا حقيقة ~~له، وزادوا في الوقاحة فقالوا: { مبين } أي واضح ظاهر، قال صاحب كتاب ~~الزينة: معنى السحر في كلام العرب التعليل بالشيء والمدافعة به والتعزير ~~بشيء لا محصول له، يقال: سحره - إذا علله وعزره وشبه عليه حتى لا يدري من ~~أين يتوجه ويقلب عن وجهه، فكأن السحرة يعللون الناس بالباطل ويشبهون ~~الباطل في صورة الحق ويقلبونه عن جهته. # ولما بين ما يترتب على الإجابة إلى ما أشار إلى أن اليهود اقترحوه من ~~إنزال الكتاب، أخبر أنهم اقترحوا ظهور الملك لهم، ms1305 وبين لوازمه، فإنهم ~~قالوا: لو بعث الله رسولا لوجب كونه ملكا ليكون أكثر علما وأقوى قدرة ~~وأظهر امتيازا عن البشر، فتكون الشبهة في رسالته أقل، والحكيم إذا أراد ~~تحصيل مهم كان الأولى تحصيله بما هو أسرع إيصالا إليه، فقال: { وقالوا ~~لولا } أي هلا ولم لا { أنزل عليه ملك } أي من المساء ظاهرا لنا ~~يكلمنا ونكلمه ولا يحتجب عنا. # ولما ذكر قولهم مشيرا إلى شبهتهم، نقضه بقوله: { ولو } أي والحال أنا ~~لو { أنزلنا } وأسقط أداة الاستعلاء لعدم الاحتياج في رد كلامهم إلى ~~ذكرها. ولئلا يكون فيه تسليهم لما لوحوا إليه من إنكارهم نزول الملك عليه ~~بالوحي { ملكا } أي كما اقترحوه، فلا يخلو إما أن يكون على صورته أولا، ~~فإن كان على صورته التي خلق عليها لم يثبتوا لرؤيته، ولو كان كذلك { لقضي ~~الأمر } أي بهلاكهم، وبناه للمفعول إشارة على طريق كلام القادرين إلى ~~غاية السرعة لسهولة الأمر وخفة مؤنته، فإنه لا ينظره أحد منهم إلا صعق، ~~ولئن أعطيناهم قوة يثبتون بها لنظره ليكونن قضاء للأمر وانفصال للنزاع ~~من وجه آخر، وهو أن ذلك كشف للغطاء وفوات للإيمان بالغيب، وقد جرت عادتنا ~~بالإهلاك عند ذلك، فإذا هم هالكون على كل من هذين التقديرين، وهو معنى ~~قوله مهولا لرتبته بحرف التراخي: { ثم لا ينظرون } أي على حالة من ~~هاتين، وأما إن جعلناه على صورة يستطيعون نظرها فإنا نجعله على صورة رجل، ~~فإنها أكمل الصور؛ وحينئذ يقع لهم اللبس الذي وقع لهم بدعائك، وهو معنى ~~{ ولو جعلناه } أي مطلوبهم { ملكا } أي يمكن في مجاري العادات في هذه ~~الدار رؤيتهم له وبقاؤهم بعد رؤيته { لجعلناه رجلا } أي في صورة رجل، ~~ولكنه عبر بذلك إشارة إلى تمام اللبس حتى أنه لا يشك أحد يراه في كونه ~~رجلا، كما كان جبريل عليه السلام ينزل في بعض الأوقات على النبي صلى ~~الله عليه وسلم في صورة دحية الكلبي، فإذا رآه بعض الصحابة رضي الله عنهم ~~لم يشك أنه دحية رضي الله عنه { و } لو جعلناه رجلا { للبسنا عليهم ms1306 ما ~~يلبسون } أي لخلطنا عليهم بجعلنا إياه رجلا ما يخلطونه على أنفسهم وعلى ~~غيرهم في قولهم: إن الرسالة لا تصح من البشر، فلو كان هذا الذي يقول: إنه ~~رسول رسولا لكان ملكا، فوقع اللبس عليهم بأنه لما كان هذا الذي يقول: ~~إنه رسول، ملكا كان رجلا، ويجوز أن يقرر ذلك على وجه آخر، وهو أن يكون ~~{ ولو نزلنا } في حيز { كانوا عنها معرضين } ، أي أعرضوا عنا لو نزلناها ~~عليك في غير قرطاس، ولو نزلنا عليك من السماء كتابا في قرطاس فجعلنا لهم ~~في ذلك بين حس البصر واللمس لأعرضوا، وقال الذين أبدنا كفرهم عنادا ~~ومكابرة: ما هذا إلا سحر ظاهر، ويكون { وقالوا } معطوفا على { لقال ~~الذين كفروا } ويكون ذلك قبل اقتراحهم لذلك بما حكاه الله تعالى عنهم في ~~سورة الإسراء بقوله # وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا # [الإسراء: 90] - إلى آخرها، فيكون إخبارا بمغيب. # ولما قطع الرجاء لهداية من حكم بشقاوته، وكان طلبهم لإنزال الملك ونحوه ~~إنما هو على سبيل التعنت والاستهزاء، وكان ذلك يشق على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم والمؤمنين رضي الله عنهم غاية المشقة، التفتت النفس إلى ~~الإراحة منهم وتوقعته لما تقدم من مظاهر العظمة، فأخبره أنه فاعل ذلك في ~~سياق متكفل بتسليته، وأن ذلك لم يزل سنته فيمن فعل فعلهم، فقال - عاطفا ~~على قوله # فسوف يأتيهم أنباؤا # [الأنعام: 5] -: { ولقد } أي هذا منهم إنما هو استهزاء بك { ولقد استهزئ ~~} أي أوقع الهزء وأوجد من الأمم، وبني للمفعول لأن المنكي الاستهزاء، لا ~~كونه من معين، وإشارة إلى أنه كان يقع لهم ذلك من الأعلى والأدنى { برسل ~~}. # ولما كان القرب في الزمن في مثل هذا مما يسلي، وكان كل من الاستهزاء ~~والإرسال لم يستغرق الزمن، أدخل الجار فاقل: { من قبلك } فأهلكنا من هزأ ~~بهم، وهو معنى { فحاق } أي فأحاط { بالذين سخروا منهم } أي من أولئك ~~الرسل { ما كانوا به يستهزئون } أي من العذاب الذي كانوا يتوعدون به، ~~وكان سببا لهزئهم. ### || [6.11-13] # ولما علم الله تعالى ms1307 أنهم يقولون في جواب هذا: إن هذا إلا أساطير ~~الأولين، أمره صلى الله عليه وسلم بعد ما مضى من التعجيب من كونهم لم ~~ينظروا بقلوبهم أو أبصارهم مصارع الماضين في قوله: # ألم يروا كم أهلكنا # [الأنعام: 6] أن يأمرهم بأن يشاهدوا مصارع من تمكن في قلوبهم علم أنهم ~~أهلكوا بمثل تكذيبهم من قوم صالح ولوط وشعيب وغيرهم ليغنيهم ذلك عن ~~مشاهدة ما اقترحوا فقال تعالى: { قل سيروا } أي أوقعوا السير للاعتبار ~~ولا تغتروا بإمهالكم وتمكينكم { في الأرض } - الآية، وهي كالدليل على ~~قوله تعالى: # لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين # [الأنعام: 6]. # ولما كان السياق للتهديد بالتحذير من مثل أخذ الأمم الماضية، وكان قد ~~سلف أنه لا تقدمهم عن آجالهم، أمهلهم في النظر فإنه أقوى في التهديد، ~~وأدل على القدرة، وأدعى إلى النصفة ولا سيما والسورة من أوائل القرآن ~~نزولا وأوائله ترتيبا فقال: { ثم انظروا } وأشار إلى أن هذا أهل لأن ~~يسأل عنه بقوله: { كيف كان عاقبة } أي آخر أمر { المكذبين * } أي أنعموا ~~النظر وبالغوا في التفكر وأطيلوا التدبر إذا رأيتم آثار المعذبين لأجل ~~تكذيب الرسل، فإنكم إذا شاهدتم تلك الآثار كمل لكم الاعتبار وقوي ~~الاستبصار، وذلك إشارة إلى أن الأمر في غاية الانكشاف، فكلما طال الفكر ~~فيه ازداد ظهورا. # ولما أمرهم سبحانه بالسير، سألهم هل يرون في سيرهم وتطوافهم وجولانهم ~~واعتسافهم شيئا لغير الله؟ تذكيرا لهم بما رحمهم به من ذلك في إيجاده ~~لهم أولا وتيسير منافعه ودفع مضاره ثانيا، استعطافا لهم إلى الإقبال ~~عليه والإعراض عن الخضوع لما هو مثلهم أو أقل منهم، وهو ملكه سبحانه وفي ~~قبضته، وتقبيحا لأن يأكلوا خيره ويعبدوا غيره. فقال مقررا لهم على ~~إثبات الصانع والنبوة والمعاد، ومبكتا بسفههم وشدة جهلهم وعمههم: { قل ~~لمن } ونبه بتقديم المعمول على الاهتمام بالمعبود { ما في السماوات ~~والأرض }. # ولما كانوا في مقام العناد حيث لم يبادروا إلى الإذعان بعد نهوض الأدلة ~~وإزاحة كل علة، أشار إلى ذلك بقوله معرضا عن انتظار جوابهم توبيخا لهم ~~بعدم النصفة التي يدعونها: ms1308 { قل الله } أي الذي له الإحاطة الكاملة قدرة ~~وعلما ولا كفوء له، لا لغيره، وهم وإن كانوا معاندين فإنهم لا يمكنهم رد ~~قولك، لا سيما وجواب الإنسان عما سأله إنما يحسن أن يتعاطاه هو بنفسه إذا ~~كان قد بلغ في الظهور إلى حد لا يقدر على إنكاره منكر، وهو هنا كذلك لأن ~~آثار الحدوث والإمكان ظاهرة على صفحات الأكوان، فكان الإقرار بن ضروري، ~~لا خلاف فيه. # ولما كان أكثر ما في هذا الكون منافع مع كونها حسنة لذيذة طيبة شهية، ~~وما كان فيها من مضار فهي محجوبة ممنوعة عنهم، يقل وصولها إليهم إلا ~~بتسببهم فيها، والكل مع ذلك دلائل ظاهرة على وحدانيته وتمام علمه وقدرته، ~~وكان ذلك أهلا لأن يتعجب منه لعموم هذا الإحسان، مع ما هم عليه من الإثم ~~والعدوان، وتأخير العذاب عنهم مع العناد والطغيان، قال دالا على أن ~~رحمته سبقت غضبه مستأنفا: { كتب } أي وعد وعدا هو كالمكتوب الذي ختم، ~~وأكد غاية التأكيد، أو كتب حيث أراد سبحانه. # ولما كانت النفس يعبر بها عن الذات على ما هي عليه قال: { على نفسه ~~الرحمة } أي فلذلك أكرمكم هذا الإكرام بوجوه الإنعام، وأخر عنكم الانتقام ~~بالاستئصال، ولو شاء هو لسلط عليكم المضار، وجعل عيشكم من غير اللذيذ ~~كالتراب وبعض القاذورات التي يعيش بها بعض الحيوانات. # ولما كان ذلك مطمعا للظالم البطر، ومعجبا محيرا مؤسفا للمظلوم ~~المنكسر، قال محذرا مرحبا مبشرا ملتفتا إلى مقام الخطاب لأنه أبلغ ~~وأنص على المقصود دالا على البعث بما مضى من إثبات أن الأكوان لله، لأن ~~كل ما فيها موصوف بصفات يجوز اتصافه بأضدادها، فاختصاص كل جسم بصفته ~~المعينة إنما يكون بتخصيص الفاعل المختار، فيكون قادرا على الإعادة، لأن ~~التركيب الأول إنما كان لأن صانعه قادر على جميع الممكنات لكونه عالما ~~بجميع المعلومات، والاتصاف بذلك لا يجوز انفكاكه عنه فهو ملك مطاع آمرناه ~~مرسل من يبلغ عنه أوامره ونواهيه لإظهار ثمرة الملك من الثواب والعقاب في ~~يوم الجمع: { ليجمعنكم } أي والله محشورين شيئا فشيئا { إلى ms1309 يوم ~~القيامة } للعدل بين جميع العباد كائنا { لا ريب فيه } أي بوجه من ~~الوجوه، وذلك الجمع لتخصيص الرحمة في ذلك اليوم بأوليائه والمقت والنقمة ~~بأعدائه بعد أن كان عم بالرحمة الفريقين في يوم الدنيا، وجعل الرحمة أظهر ~~في حق الأعداء، وبهذا الجمع تمت الرحمة من كثير من الخلق، ولولاه ارتفع ~~الضبط وكثر الخبط كما كان في الجاهلية. # ولما كان ذلك كذلك في عدم الريب لإخبار الله به على ألسنة رسله ولما ~~عليه من الأدلة لما في هذا الخلق من بدائع الحكم مع خروج أكثر أفعال ~~الحيوان عن العدل، فصار من المعلوم لكل ذي وعي أن البعث محط الحكمة ~~لإظهار التحلي بالصفات العلى لجميع الخلق: الشقي والسعيد القريب والبعيد، ~~كان كأنه قيل: فما لنا نرى أكثر الناس كافرا به، فقال جوابا: { الذين ~~خسروا أنفسهم } أي بإهلاكهم إياها بتكذيبهم به لمخالفة الفطرة الأولى ~~التي تهدي الأخرس، وستر العقل السليم { فهم } أي بسبب خسارتهم لأنفسهم ~~بإهمال العقل وإعمال الحواس والتقيد بالتقليد { لا يؤمنون * } فصاروا كمن ~~يلقي نفسه من شاهق ليموت لغرض من الأغراض الفاسدة، لا بسبب خفاء في أمر ~~القيامة ولا لبس بوقع ربنا، وصار المعنى: إن الذين لا يؤمنون في هذا ~~اليوم هم المقضي بخسارتهم في ذلك اليوم. # ولما استنارت الأدلة استنارة الشمس وانتصبت البراهين حتى لم يبق أصلا ~~نوع لبس، عم بالخبر عما تقدم مما يشاهدونه وغيره، فقال ذاكرا الزمان بعد ~~المكان، وقدمه لأنه أظهر، والمعلم الكامل هو الذي يبدأ بالأظهر فالأظهر ~~مترقيا إلى الأخفى فالأخفى، فتم بذلك الخبر عن الزمان والزمانيات ~~والمكان والمكانيات: { وله } أي وحده { ما سكن } أي حل وتحيز وحصل { في ~~الليل والنهار } أي ما من شأنه أن يسكن فيهما وإن كان متحركا، ولكنه عبر ~~بذلك دون التحرك لأنها دار الموت، ودخل في ذلك النور والظلمة اللذان أشرك ~~بهما من أشرك. # ولما دل ما مضى على القدرة التامة، وانقسم إلى متحرك وساكن، وكانت ~~القدرة لا تتم إلا بالعلم، دل عليه بقوله: { وهو } أي لا غيره { السميع } ~~أي البالغ ms1310 السمع لكل متحرك { العليم * } أي العام العلم بالبصر والسمع ~~وغيرهما بكل متحرك وبكل ساكن من أقوالكم وأفعالكم وغيرهما، فلا تطمعوا في ~~أن يترك شيء من مجازاتكم، والعليم هنا أبلغ من البصير، وذلك مثل ما تقدم ~~في قوله: # قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا والله هو السميع ~~العليم # [المائدة: 76] وهو ترجمة قوله: # يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون # [الأنعام: 3]. ### || [6.14-17] # ولما نهض من الحجج ما لم يبق معه لذي بصيرة شك، كان لسان الحال مقتضيا ~~لأن ينادي بالإنكار عليهم في الالتفات عن جنابه والإعراض عن بابه فأبرز ~~تعالى ذلك في قالب الأمر له صلى الله عليه وسلم بالإنكار على نفسه، ليكون ~~أدعى لهم وأرفق بهم، ولأن ما تقدم منبئ عن غاية المخالفة، منذر بما أنذر ~~من سوء عاقبة المشاققة، فكأنهم قالوا: فهل من سبيل إلى المواقة؟ فقيل: لا ~~إلا باتخاذكم إلهي وليا، وذلك لعمري سعادتكم في الدارين، وبتطمعكم في ~~اتخاذي أندادكم أولياء، وهذا ما لا يكون أبدا، وهو معنى قوله تعالى: { ~~قل } أي مصرحا لهم بإنكار أن تميل إلى أندادهم بوجه. # ولما كان الإنكار منصبا إلى كون الغير متخذا، لا إلى اتخاذ الولي، ~~أولى " غير " الهمزة فقال: { أغير الله } أي الذي لا شيء يدانيه في ~~العظمة { أتخذ } أي أكلف نفسي إلى خلاف ما تدعو إليه الفطرة الأولى ~~والعقل المجرد عن الهوى كما فعلتم أنتم وآخذ { وليا } أي أعبده لكونه ~~يلي جميع أموري، ثم وصفه بما يحقق ولايته ويصرف عن ولاية غيره فقال: { ~~فاطر السماوات والأرض } أي خالقهما ابتداء على غير مثال سبق { وهو } أي ~~والحال أن الله { يطعم } أي يرزق كل من سواه مما فيه روح. # ولما كان المنفي كونه سبحانه مفعولا من الطعم، لا كون ذلك من مطعم ~~معين، بني للمفعول قوله: { ولا يطعم } أي ولا يبلغ أحد بوجه من الوجوه أن ~~يطعمه، والمعنى أن المنافع من عنده، ولا يجوز عليه الانتفاع، فامتنع في ~~العقل اتخاذ غيره وليا، لأن غيره محتاج في ذاته وفي ms1311 جميع صفاته إليه، ~~وهو سبحانه الغني على الإطلاق، وهذا التفات إلى قوله تعالى: # ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا ~~يأكلان الطعام # [المائدة: 75] وتعريض بكل ما عبد من دون الله ولا سيما الأصنام، فإنهم ~~كانوا يهدون لها الأطعمة فتأكلها الدواب والطيور، فمعلوم أنها لا تطعم ~~ولا تطعم روى الدارمي في أول مسنده بسند حسن عن الأعمش عن مجاهد قال: " ~~حدثني مولاي أن أهله بعثوا معه بقدح فيه زبد ولبن إلى آلهتهم، قال: ~~فمنعني أن آكل الزبد مخافتها، فجاء كلب فأكل الزبد وشرب اللبن ثم بال على ~~الصنم " ومولاه كان شريك النبي صلى الله عليه وسلم قبل الإسلام، واختلف ~~فيه فقيل: هو قيس بن السائب بن عويمر بن عائذ بن عمران بن مخزوم، وقيل: ~~قريبه السائب بن أبي السائب صيفي بن عائذ بن عبد الله بن عمر بن مخروم. ~~وقيل: ابنه عبد الله بن السائب - والله أعلم؛ وله عن أبي رجاء - هو ~~العطاردي وهو مخضرم - قال: " كنا في الجاهلية إذا أصبنا حجرا حسنا ~~عبدناه، وإن لم نصب حجرا جمعنا كثبة من رمل، ثم جئنا بالناقة الصفي ~~فنفاج عليها فنحلبها على الكثبة حتى نرويها، ثم نعبد تلك الكثبة ما أقمنا ~~بذلك المكان " وفيه أيضا إيماء إلى أنه كما خلقكم كلكم من طين على ~~اختلافكم في المقادير والألوان والأخلاق وهو غني عنكم، فكذلك خلق ~~المطعومات على اختلاف أشكالها وطعومها ومنافعها وألوانها من طين، وجعلها ~~منافع لكم وهو غني عنها، وسيأتي التصريح بذلك في قوله: # وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء # [الأنعام: 99] المستوفي في مضماره # فكلوا مما ذكر اسم الله عليه # [الأنعام: 118] وفي الآية كلها التفات إلى قوله أول السورة # ثم الذين كفروا بربهم يعدلون # [الأنعام: 1] وقوله في التي قبلها # ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء # [المائدة: 81] في أمثالها مما فيه تولي الكفار لغير خالقهم سبحانه ~~وتعالى، هذا لو لم يرد أمر من قبل الخالق كان النظر ms1312 السديد كافيا في ~~التنزه عنه، كما كنت قبل النبوة لا ألتفت إلى أصنامكم ولا أعتبر للعبادة ~~شيئا من أنصابكم، فكيف وقد أمرت بذلك! وهو معنى { قل إني أمرت } أي من ~~جهة من له الأمر، ولا أمر إلا له وهو من تقدم أن له كل شيء، وهو الله ~~وحده { أن أكون } أي بقلبي وقالبي { أول من أسلم } في الرتبة مطلقا، وفي ~~الزمان بالنسبة إلى الأمة. # ولما كان الأمر بالإسلام نهيا عن الشرك، لم يكتف به، بل صرح به جمعا ~~بين الأمر والنهي من هذا الرب الكريم الذي يدعو إحسانه وكرمه إلى ولايته، ~~وينهى تمام ملكه وجبروته عن شيء من عداوته، في قوله عطفا على { قل } على ~~وجه التأكيد: { ولا تكونن } أي بوجه من الوجوه في وقت من الأوقات أصلا { ~~من المشركين * } أي في عدادهم باتباعهم في شيء من أغراضهم، وهذا التأكيد ~~لقطع أطماعهم عنه صلى الله عليه وسلم في سؤالهم أن يطرد بعض أتباعه ~~ليوالوه، ونحو ذلك مما كانوا يرجون مقاربته منهم به، إعلاما بأن فعل شيء ~~مما يريدون مصحح للنسبة إليهم والكون في عدادهم # " من تشبه بقوم فهو منهم ". # ولما كان فعل المنهي قد لا يعذب عليه، قال معلما بأن المخالفة في هذا ~~من أبلغ المخالفات، فصاحبها مستحق لأعظم الانتقام، وكل ذلك فطما لهم عن ~~الطمع فيه، وأكده لذلك ولإنكارهم مضمونه: { قل إني } ولما كان المقام ~~للخوف، قدمه فقال: { أخاف إن عصيت } أي شيء مما تريدون مني أن أوافقكم ~~فيه بما أمرت به أو نهيت عنه { ربي } أي المحسن إلي { عذاب يوم } ولما ~~كان عظم الظرف بعظم مظروفه قال: { عظيم * }. # ولما كان قد قدم من عموم رحمته ما أطمع الفاجر ثم أيأسه من ذلك بما أشير ~~إليه من الخسارة، صرح هنا بما اقتضاه ذلك المتقدم، فقال واصفا لذلك ~~العذاب مبينا أن الرحمة في ذلك اليوم على غير المعهود الآن، فإنها خاصة ~~لا عامة دائمة السبوغ على من نالته، لا زائلة وكذا النعمة، هكذا شأن ذلك ~~اليوم { من يصرف عنه } أي ms1313 ذلك العذاب؛ ولما كان المراد دوام الصرف في ~~جميع اليوم، قال: { يومئذ } أي يوم إذ يكون عذاب ذلك اليوم به { فقد رحمه ~~} أي فعل به بالإنعام عليه فعل المرحوم { وذلك } أي لا غيره { الفوز } أي ~~الظفر بالمطلوب { المبين * } أي الظاهر جدا، ومن لم يصرف عنه فقد أهانه، ~~وذلك هو العذاب العظيم. # ولما كان التقدير: فإن يصرف عنك ذلك العذاب فقد قرت عينك، عطف عليه ~~دليلا آخر لأنه لا يجوز في العقل أن يتخذ غيره وليا، فقال معمما للحكم ~~في ذلك العذاب وغيره مبينا أنه لا مخلص لمن أوقع به: { وإن يمسسك الله } ~~أي الملك الأعظم الذي لا كفوء له؛ ولما كان المقام للترهيب، قدم قوله: { ~~بضر } أي هنا أو هناك { فلا كاشف له } أصلا بوجه من الوجوه { إلا هو } ~~أي لأنه لا كفوء له، فهو قادر على إيقاعه، ولا يقدر غيره على دفاعه، لأنه ~~على كل شيء قدير { وإن يمسسك بخير } أي في أي وقت أراد. # ولما كان القياس على الأول موجبا لأن يكون الجزاء: فلا مانع له، كان ~~وصفه من صفة قوله { فهو على كل شيء } أي من ذلك وغيره { قدير * } ولا ~~يقدر غيره على منعه، منبها على أن رحمته سبحانه سبقت غضبه. ### || [6.18-20] # ولما كانت الجملتان من الاحتباك، فأفادتا بما ذكر وما دل عليه المذكور ~~مما حذف أنه تعالى غالب على أمره، قال مصرحا بذلك: { وهو القاهر } أي ~~الذي يعمل مراده كله ويمنع غيره مراده إن شاء، وصور قهره وحققه لتمكن ~~الغلبة بقوله: { فوق عباده } وكل ما سواه عبد؛ ولما كان في القهر ما يكون ~~مذموما، نفاه بقوله: { وهو } أي وحده { الحكيم } فلا يوصل أثر القهر ~~بإيقاع المكروه إلا لمستحق، وأتم المعنى بقوله: { الخبير * } أي بما ~~يستحق كل شيء، فتمت الأدلة على عظيم سلطانه وأنه لا فاعل غيره. # ولما ختم بصفتي الحكمة والخبرة، كان كأنه قيل: فلم لم يعلم أنا نكذبك ~~بخبرته فيرسل معك بحكمته من يشهد لك - على ما يقول من أنه أمرك أن تكون ~~أول من ms1314 أسلم، ونهاك عن الشرك لنصدقك - من ملك كما تقدم سؤالنا لك فيه أو ~~كتاب في قرطاس أو غيرهما؟ فقال: قد فعل، ولم يرض لي إلا بشهادته المقدسة ~~فقال - أو يقال: إنه لما أقام الأدلة على الوحدانية والقدرة ووصل إلى صفة ~~القهر المؤذن بالانتقام، لم يبق إلا الإشهاد عليهم إيذانا بما يستحقونه ~~من سوء العذاب وإنذارا به لئلا يقولوا إذا حل بهم: إنه لم يأتنا نذير، ~~فقال: { قل } أي يا أيها الرسول لهم { أي شيء أكبر } أي أعظم وأجل { ~~شهادة } فإن أنصفوا وقالوا: الله! فقل: هو الذي يشهد لي، كما قال في ~~النساء " لكن الله يشهد بما أنزل إليك " ولكنه قطع الكلام هنا إشارة إلى ~~عنادهم أو سكوتهم، أو إلى تنزيلهم منزلة المعاند، أو العالم بالشيء ~~العامل عمل الجاهل، فقال آمرا له صلى الله عليه وسلم: { قل الله } أي ~~الملك الأعظم المحيط علما وقدرة أكبر شهادة. # ولما كانوا بمعرض أن يسلموا ذلك ويقولوا: إنه لكذلك، ولكن هلم شهادته! ~~قال: { شهيد } أي هو أبلغ شاهد يشهد { بيني وبينكم } أي بهذا القرآن الذي ~~ثبت بعجزكم عنه أنه كلامه، وبغيره من الآيات التي عجزتم عن معارضتها؛ ~~ولما قرر أنه أعظم شهيد، وأشار إلى شهادته بالآيات كلها، نبه على أعظمها، ~~لأن إظهاره تعالى للقرآن على لسانه صلى الله عليه وسلم على وفق دعواه ~~شهادة من الله له بالصدق، فقال ذاكرا لفائدته في سياق تهديد متكفل ~~بغثبات الرسالة وإثبات الوحدانية، وقدم الأول لأنه المقرر للثاني والمفهم ~~له بغايته، عاطفا على جملة " شهيد " بانيا للمفعول، تنبيها على أن ~~الفاعل معروف للإعجاز، وبني للفاعل في السواد: { وأوحي إلي } وحقق الموحى ~~به وشخصه بقوله: { هذا القرآن } ولما كان في سياق التهديد قال مقتصرا ~~على ما يلائمه: { لأنذركم } أي أخوفكم وأحذركم من اعتقاد شائبة نقص في ~~الإله لا سيما الشرك { به ومن } أي وأنذر به كل من { بلغ } أي بلغه، قال ~~الفراء: والعرب تضمر الهاء في صلات " الذي " و " من " و " ما ". # وقال البخاري في آخر الصحيح: { لأنذركم به } يعني ms1315 أهل مكة، ومن بلغ هذا ~~القرآن فهو له نذير علقه بصيغة الجزم عن ابن عباس ووصله إليه ابن أبي ~~حاتم كما أفاده شيخنا في شرحه. وقال عبد الرزاق في تفسيره: أخبرنا معمر ~~عن قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: بلغوا عن الله، فمن بلغته آية ~~من كتاب الله فقد بلغه أمر الله. وقال الإمام تقي الدين علي بن عبد ~~الكافي السبكي في جواب سؤال ورد عليه سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة في أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم هل بعث إلى الجن - ومن خطه نقلت: الكتاب ~~والسنة ناطقان بذلك، والإجماع قائم عليه، لا خلاف بين المسلمين فيه؛ ثم ~~أسند الإجماع إلى أبي طالب القضاعي وأبي عمر بن عبد البر في التمهيد وأبي ~~محمد بن حزم في كتاب الفصل وغيرهم ثم قال: أما الكتاب فآيات إحداها { ~~لأنذركم به ومن بلغ } قال محمد بن كعب القرظي: من بلغه القرآن فكأنما رأى ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وقال ابن عباس - فذكره، وقال السدي: من بلغ ~~القرآن فهو له نذير، وقال ابن زيد: من بلغه هذا القرآن فأنا نذيره. وهذه ~~كلها أقوال متفقة المعنى، وقد أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول هذا ~~الكلام وأن ينذر بالقرآن كل من بلغه، ولم يخص إنسا ولا جنا من أهل ~~التكليف، ولا خلاف أن الجن مكلفون - انتهى. وسيأتي مما ذكر من الآيات ~~وغيرها ما يليق بالاستدلال على الإرسال إلى الملائكة عليهم السلام، ~~فالمعنى: فمن صدق هذا القرآن فقد أفلح، ومن كذب فليأت بسورة من مثله، ثم ~~عجزه شاهد على نفسه بالكذب، وهو شهادة الله لي بالصدق، ولأجل أن الله هو ~~الشاهد لم تنقض الشهادة بموت النبي صلى الله عليه وسلم، بل استمرت على ~~مر الأيام وكر الأعوام لبقاء الشاهد وتعاليه عن شوائب النقص وسمات ~~الحدث، وإلى ذلك الإشارة بقول النبي صلى الله عليه وسلم # " ما من الأنبياء نبي إلا قد أعطى من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، ~~وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله ms1316 إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم ~~تابعا يوم القيامة " # أخرجه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه. ولعل الاقتصار على الإنذار مع ~~ما تقدم إشارة إلى أن أكثر الخلق هالك، وقد ذكر في نزول هذه الآية أن أهل ~~مكة أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: أما وجد الله رسولا ~~غيرك؟ ما نرى أحدا يصدقك بما تقول، ولقد سألنا عنك اليهود والنصارى ~~فزعموا أنه ليس عندهم منك ذكر، فأرنا من يشهد أنك رسول الله كما تزعم، ~~فأنزلها الله. # ولما لم يبق لمتعنت شبهة، ساق فذلكة ذلك وقطب دائرته - وهو لزوم التوحيد ~~الذي جعلت الرسالة مرقى إليه، فإذا ثبت في قلب فاضت أنواره بحسب ~~ثباته حتى أنها ربما ملأت الأكوان وعلت على كيوان - مساق استفهام على ~~طريقة الإنكار والتعجيب تعظيما لشأنه وتفخيما لمقامه وتنبيها لهم على ~~أن يعدوا عن الشرك فقال: أئنكم لتشهدون أن مع الله } أي الذي حاز جميع ~~العظمة { آلهة }. # ولما كانوا لكثرة تعنتهم ربما أطلقوا على أسمائه سبحانه إله كما قالوا ~~حين سمعوه صلى الله عليه وسلم يقول: # " يا الله يا رحمن " # كما سيأتي إن شاء الله تعالى آخر الحجر وآخر سبحان، صرح بالمقصود على ~~وجه لا يحتمل النزاع فقال: { أخرى } ولما كان كأنه قيل: إنهم ليقولون ~~ذلك، فماذا يقال لهم؟ قال: { قل لا أشهد } أي معكم بشيء مما تقولونه لأنه ~~باطل، ولو كان حقا لشهدت به. # ولما كان هذا غير قاطع لطمعهم فيه، اجتثه من أصله وبرمته بقوله: { قل ~~إنما هو } أي الإله { إله واحد } وهو الله الذي لا يعجزه شيء وهو يعجز كل ~~شيء، لأنه واحد لا كفوء له، فإنكم عجزتم عن الإتيان بسورة من مثل كلامه ~~وأنتم أفصح الناس. # ولما كان معنى هذا البراءة من إنذارهم، صرح به في قوله مؤكدا في جملة ~~اسمية: { وإنني بريء مما تشركون * } أي الآن وفي مستقبل الزمان إبعادا ~~من تطمعهم أن تكون الموافقة بينه وبينهم باتخاذه الأنداد أو شيئا منها ~~وليا، فثبت التوحيد بهذه الآية بأعظم طرق البيان وأبلغ ms1317 وجوه التأكيد، ~~ولقد امتثل صلى الله عليه وسلم الأمر بإنذار من يمكن إبلاغه القرآن، فلما ~~استراح عن حرب قريش وكثير ممن حوله من العرب في عام الحديبية، وهو سنة ست ~~من الهجرة، وأعلمه الله تعالى أن ذلك فتح مبين، أرسل إلى من يليه من ملوك ~~الأمصار في ذلك العام وما بعده، وكان أكثر عند منصرفه من ذلك الاعتمار ~~يدعوهم إلى جنات وأنهار في دار القرار، وينذرهم دار البوار، قال أهل ~~السير: خرج صلى الله عليه وسلم - بعد رجوعه من عمرة الحديبية التي صد ~~عنها - على أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين فقال: # " أيها الناس! إن الله بعثني رحمة وكافة، وإني أريد أن أبعث بعضكم إلى ~~ملوك الأعاجم " # وقال ابن عبد الحكم في فتوح مصر عن عبد الرحمن بن عبد القادر أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قام ذات يوم على المنبر فحمد الله وأثنى عليه ~~وتشهد ثم قال: # " أما بعد فإني أريد أن أبعث بعضكم إلى ملوك العجم، فأدوا عني يرحمكم ~~الله، ولا تختلفوا علي كما اختلف الحواريون " # وقال ابن عبد الحكم: بنو إسرائيل - على عيسى ابن مريم عليهما السلام، ~~فقال المهاجرون: يا رسول الله! والله لا نختلف عليك في شيء أبدا، فمرنا ~~وابعثنا، فسألوه: كيف اختلف الحواريون على عيسى عليه السلام؟ قال: دعاهم ~~إلى الذي وفي رواية لمثل الذي - دعوتكم إليه، وقال ابن عبد الحكم: إن ~~الله تبارك وتعالى أوحى إلى عيسى عليه السلام أن ابعث إلى مقدس الأرض، ~~فبعث الحواريون - فأما من بعثه مبعثا قريبا فرضي وسلم، وأما من بعثه ~~مبعثا بعيدا فكره وجهه وتثاقل - قال ابن عبد الحكم: وقال: لا أحسن كلام ~~من تبعثني إليه - فشكا ذلك عيسى عليه السلام إلى الله عز وجل، فأصبح كل ~~رجل - وقال ابن عبد الحكم: فأوحى الله تعالى إليه أني سأكفيك، فأصبح ~~المتثاقلون وكل واحد منهم - يتكلم بلغة الأمة التي بعث إليها. فقال عيسى ~~عليه السلام: هذا أمر قد عزم الله عليه فامضوا له. وقال الشيخ مجد الدين ~~الفيروزآبادي في القاموس: ms1318 إن المكان الذي جمع فيه عيسى عليه السلام ~~الحواريين وأنفذهم إلى النواحي قرية بناحية طبرية تسمى الكرسي. وقال ابن ~~إسحاق: وحدثني يزيد بن أبي حبيب المصري أنه وجد كتابا فيه ذكر من بعث ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى البلدان وملوك العرب والعجم وما قال ~~لأصحابه حين بعثهم، قال: فبعث به إلى محمد بن شهاب الزهري فعرفه - فذكر ~~نحو ما تقدم إلى أن قال: قال ابن إسحاق: وكان من بعث عيسى ابن مريم صلى ~~الله عليه وسلم من الحواريين والأتباع الذين كانوا بعدهم في الأرض بطرس ~~الحواري ومعه بولس - وكان بولس من الأتباع ولم يكن من الحواريين - إلى ~~رومية، وأندرائس ومنتا إلى الأرض التي يأكل أهلها الناس، وتوماس إلى أرض ~~بابل من أرض المشرق وقيبليس إلى قرطاجنة، وهي إفريقية، ويحنس إلى أقسوس ~~قرية الفتية أصحاب الكهف، ويعقوبس إلى أوراشلم وهي إيلياء قرية بيت ~~المقدس، وابن ثلما إلى الأعرابية، وهي أرض الحجاز، وسيمن إلى أرض البربر، ~~ويهودا ولم يكن من الحواريين، جعل مكان يودس - انتهى. كذا رأيت في نسخة ~~معتمدة مقابلة من تهذيب السيرة لابن هشام، وكذا في مختصرها للامام جمال ~~الدين محمد بن المكرم الأنصاري عدد رسله وأسمائهم، وفي أخرهم: قوله: مكان ~~يودس، ولم يتقدم ليودس ذكر، والذي حررته أنا من الأناجيل التي بأيدي ~~النصارى غير هذا، ولعله أصح، وقد جمعت ما تفرق من ألفاظها، قال في إنجيل ~~متى ما نصه - ومعظم السياق له: ودعا يعني عيسى عليه السلام - تلاميذه ~~الاثني عشر وأعطاهم سلطانا على جميع الأرواح النجسة لكي يخرجوها ويشفوا ~~كل الأمراض؛ وفي أنجيل مرقس: وصعد إلى الجبل ودعا الذين أحبهم فأتوا ~~إليه، وانتخب اثني عشر ليكونوا معه ولكي يرسلهم ليكرزوا، وأعطاهم سلطانا ~~على شفاء الأمراض وإخراج الشياطين، وفي إنجيل لوقا: وكان في تلك الأيام ~~خرج إلى الجبل يصلي، وكان ساهرا في صلاة الله، فلما كان النهار دعا ~~تلاميذه واختار منهم اثني عشر؛ وقال في موضع آخر: ودعا الاثني عشر الرسل ~~وأعطاهم قوة وسلطانا على جميع الشياطين وشفاء ms1319 المرضى، وأرسلهم يكرزون ~~بملكوت الله ويشفون الأوجاع؛ وهذه أسماء الاثني عشر الرسل: سمعان المسمى ~~بطرس - ونسبه في موضع من إنجيل متى: ابن يونا - وأندراوس أخوه، ويعقوب بن ~~زبدي ويوحنا أخوه قال في إنجيل مرقس: وسماهما باسمي بوانرجس اللذين ابنا ~~الرعد - وفيلبس وبرثولوماوس، وتوما ومتى الشعار، ويعقوب بن حلفي، ولباوس ~~الذي يدعى تداوس، وجعل في إنجيل مرقس بدل هذا: تدى، وفي إنجيل لوقا ~~بدلهما: يهوذا بن يعقوب، ثم اتفقوا: وسمعان القاناني، وقال في إنجيل ~~لوقا: المدعو الغيور، ويهوذا الإسخريوطي الذي أسلمه - أي دل عليه في ~~الليلة التي ادعى اليهود القبض عليه فيها - هؤلاء الاثنا عشر الرسل الذين ~~أرسلهم يسوع - وفي إنجيل مرقس: ودعا الاثني عشر وجعل يرسلهم اثنين اثنين، ~~وأعطاهم السلطان على الأرواح النجسة - قائلا: لا تسلكوا طريق الأمم، ولا ~~تدخلوا مدينة السامرة، وانطلقوا خاصة إلى الخراف التي ضلت من بيت ~~إسرائيل، وإذا ذهبتم فاكرزوا وقولوأ: قد اقتربت ملكوت السماوات، اشفوا ~~المرضى، أقيموا الموتى، طهروا البرص، أخرجوا الشياطين، مجانا أخذتم ~~مجانا أعطوا، لا تكنزوا ذهبا ولا فضة ولا نحاسا في مناطقكم ولا ~~هميانا في الطريق ولا ثوبين ولا حذاء ولا عصى، والفاعل مستحق طعامه، وفي ~~إنجيل مرقس: وأمرهم أن لا يأخذوا في الطريق غير عصى فقط ولا هميانا ولا ~~خبزا ولا فضة ولا نحاسا في مناطقهم إلا نعالا في أرجلهم ولا يلبسوا ~~قميصين؛ وفي إنجيل لوقا: وقال لهم: لا تحملوا في الطريق شيئا، لا عصى ~~ولا هميانا ولا خبزا ولا فضة، ولا يكون لكم ثوبان، وأي مدينة أو قرية ~~دخلتموها فحصوا فيها عمن يستحقكم، وكونوا هناك حتى تخرجوا، فإذا دخلتم ~~إلى البيت فسلموا عليه، فإن كان البيت مستحقا لسلامكم فهو يحل عليه، وإن ~~كان لا يستحق فسلامكم راجع إليكم، ومن لا يقبلكم ولا يسمع كلامكم فإذا ~~خرجتم من ذلك البيت وتلك القرية أو تلك المدينة انفضوا غبار أرجلكم؛ وفي ~~إنجيل مرقس: وقال لهم: أي بيت دخلتموه أقيموا فيه إلى أن تخرجوا منه، وأي ~~موضع لم يقبلكم ولم يسمع منكم فإذا خرجتم ms1320 من هناك فانفضوا الغبار الذي ~~تحت أرجلكم للشهادة عليهم، الحق أقول لكم! إن الأرض سدوم وعامورا راحة في ~~يوم الدين أكثر من تلك المدينة، هو ذا أنا مرسلكم كالخراف بين الذئاب، ~~كونوا حكماء كالحية وودعاء كالحمام، احذروا من الناس، فإنهم يسلمونكم إلى ~~المحافل، وفي مجامعهم يضربونكم، ويقدمونكم إلى القواد والملوك من أجلى ~~شهادة لهم وللأمم - وفي إنجيل مرقس: شهادة عليهم وعلى كل الأمم، ينبغي ~~أولا أن يكرزوا بالإنجيل - فإذا أسلموكم فلا تهتموا بما تقولون - وفي ~~إنجيل مرقس: ولا ماذا تجيبون - فإنكم تعطون في تلك الساعة ما تتكلمون به، ~~ولستم أنتم المتكلمين لكن روح أبيكم - وفي إنجيل مرقس: لكن روح القدس ~~يتكلم فيم - وسيسلم الأخ أخاه إلى الموت والأب ابنه، ويقوم الأبناء على ~~آبائهم فيقتلونهم، وتكونون مبغوضين من الكل من أجل اسمي، والذي يصبر إلى ~~المنتهى يخلص، فإذا طردوكم من هذه المدينة اهربوا إلى أخرى، الحق الحق ~~أقول لكم! إنكم لا تكلمون مدائن إسرائيل حتى يأتي ابن الإنسان، ليس تلميذ ~~أفضل من معلمه، ولا عبد أفضل من سيده، وحسب التلميذ أن يكون مثل معلمه ~~والعبد مثل سيده، إن كانوا سموا رب البيت باعل زبول فكم بالحري أهل بيته! ~~فلا تخافوهم، فليس خفي إلا سيظهر ولا مكتوم إلا سيعلم، الذي أقول لكم في ~~الظلمة قولوه أنتم في النور، وما سمعتموه بآذانكم فاكرزوا به على السطوح، ~~ولا تخافوا ممن يقتل الجسد ولا يستطيع أن يقتل النفس، خافوا ممن يقدر أن ~~يهلك النفس والجسد جميعا في جهنم، أليس عصفوران يباعان بفلس، وواحد ~~منهما لا يسقط على الأرض دون إرادة أبيكم، وأنتم فشعور رؤوسكم كلها ~~محصاة، فلا تخافوا، فإنكم أفضل من عصافير كثيرة، لا تظنوا أني جئت لألقي ~~على الأرض سلامة، لكن سيفا، أتيت لأفرق الإنسان من أبيه والابنة من ~~أمها، والعروس من حماتها، وأعداء الإنسان أهل بيته، من أحب أبا أو أما ~~أكثر مني فما يستحقني، ومن وجد نفسه فليهلكها، ومن أهلك نفسه من أجلي ~~وجدها، ومن قبلكم فقد قبلني، ومن قبلني فهو يقبل ms1321 الذي أرسلني، ومن يقبل ~~نبيا باسم نبي فأجر نبي يأخذ، ومن يأخذ صديقا باسم صديق فأجر صديق ~~يأخذ، ومن سقى أحد هؤلاء الصغار كأس ماء بارد فقط باسم تلميذ - الحق أقول ~~لكم - إن أجره لا يضيع، ولما أكمل يسوع أمره لتلاميذه الاثني عشر، انتقل ~~من هناك ليعلم ويكرز في مدنهم؛ وفي إنجيل مرقس: فلما خرجوا - يعني الرسل ~~- كرزوا بالتوبة وأخرجوا شياطين كثيرة ومرضى عديدة يدهنونهم بالزيت ~~فيشفون؛ وفي إنجيل لوقا: ومن بعد هذا أيضا ميز الرب سبعين آخرين ويرسلهم ~~اثنين اثنين قدام وجهه إلى كل مدينة وموضع أزمع أن يأتيه، وقال لهم: إن ~~الحصاد كثير والفعلة قليلون، أطلبوا من رب الحصاد ليخرج فعلة لحصاده؛ وفي ~~إنجيل متى ما ظاهره أن هذا الكلام كان للاثني عشر، فإنه قال قبل ذكر ~~عددهم: فلما رأى الجمع تحنن عليهم لأنهم كانوا ضالين ومطرحين كالخراف ~~التي ليس لها راع، حينئذ قال لتلاميذه الاثني عشر - إلى آخر ما ذكرته عنه ~~أولا، فيجمع بأنه قاله للفريقين - رجع إلى السياق الأول: اذهبوا، وهو ذا ~~أرسلكم كالخراف بين الذئاب، لا تحملوا هميانا ولا حذاء ولا مزودا ولا ~~تقبلوا أحدا في الطريق، وأي بيت دخلتموه فقولوا أولا: سلام لأهل هذا ~~البيت، فإن كان هناك ابن سلامكم فإن سلامكم يحل عليه، وإلا فسلامكم راجع ~~إليكم، وكونوا في ذلك البيت، كلوا واشربوا من عندهم، فإن الفاعل مستحق ~~أجرته، ولا تنتقلوا من بيت إلى بيت، وأي مدينة دخلتموها ويقبلكم أهلها ~~فكلوا مما يقدم لكم، واشفوا المرضى الذين فيها، وقولوا لهم: قد قربت ~~ملكوت الله، وأي مدينة دخلتموها ولا يقبلكم أهلها فاخرجوا من شوارعها ~~وقولوا لهم: نحن ننفض لكم الغبار الذي لصق بأرجلنا من مدينتكم، لكن ~~اعلموا أن ملكوت الله قد قربت، أقول لكم: إن سدوم في ذلك اليوم لها راحة ~~أكثر من تلك المدينة، الويل لك يا كورزين! والويل لك يا بيت صيدا! لأنه ~~لو كان في صور وصيدا القوات التي كن فيكما جلسوا وتابوا بالمسوح ~~والرماد، وأما صور وصيدا فلهما راحة في ms1322 الدينونة أكثر منكم، وأنت يا ~~كفرناحوم لو أنك ارتفعت إلى السماء سوف تهبطين إلى الجحيم، من سمع منكم ~~فقد سمع مني، ومن جحدكم فقد جحدني، ومن جحدني فقد شتم الذي أرسلني؛ فرجع ~~السبعون بفرح قائلين: يا رب! الشياطين باسمك تخضع لنا يا رب فقال لهم: قد ~~رأيت الشيطان سقط من السماء مثل البرق، وهو ذا قد أعطيتكم سلطانا ~~لتدوسوا الحيات والعقارب وكل قوة العدو، ولا يضركم شيء، ولكن لا تفرحوا ~~بهذا أن الأرواح تخضع لكم، افرحوا لأن أسماءكم مكتوبة في السماوات، وفي ~~تلك الساعة تهلل يسوع بالروح، والتفت إلى تلاميذه خاصة وقال: طوبى للأعين ~~التي ترى ما رأيتم! أقول لكم: إن أنبياء كثيرين وملوكا اشتهوا أن ينظروا ~~ما نظرتم فلم ينظروا، ويسمعوا ما سمعتم فلم يسمعوا؛ وفي إنجيل متى - بعد ~~ما ادعى اليهود صلبه - أنه ظهر لتلاميذه الأحد عشر - وهم من تقدم غير ~~يهوذا الإسخريوطي الذي أسلمه - في الجليل في الجبل الذي أمرهم به يسوع، ~~وكلمهم قائلا: أعطيت كل سلطان في السماء وعلى الأرض، فاذهبوا الآن ~~وتلمذوا كل الأمم؛ وفي آخر إنجيل مرقس أنه ظهر لهم وهم مجتمعون، وكانوا ~~في تلك الأيام يبكون وينوحون فبكتهم لقلة إيمانهم وقسوة قلوبهم وقال ~~لهم: امضوا إلى العالم أجمع، واكرزوا بالإنجيل في الخليقة كلها، فمن آمن ~~واعتمد خلص، ومن لم يؤمن يدان، وهذه الآيات تتبع المؤمنين، يخرجون ~~الشياطين باسمي ويتكلمون بألسنة جديدة، ويحملون بأيديهم الحيات ولا ~~تؤذيهم. # ويشربون السم القاتل فلا يضرهم، ويضعون أيديهم على المرضى فيبرؤون، ومن ~~بعد ما كلمهم يسوع ارتفع إلى السماء، فخرج أولئك يكرزون في كل مكان؛ وفي ~~إنجيل لوقا: فلما خرجوا كانوا يطوفون في القرى ويبشرون ويشفون في كل موضع ~~وفي آخره بعد أن ذكر تلامذته الأحد عشر وكلاما كانوا يخوضون فيه بعد ~~ادعاء اليهود لصلبه: وفيما هم يتكلمون وقف يسوع في وسطهم وقال لهم: ~~السلام لكم، أنا هو! لا تخافوا، فاضطربوا وظنوا أنهم ينظرون روحا فقال: ~~ما بالكم تضطربون؟ ولم تأتي الأفكار في قلوبكم؟ انظروا يدي ورجلي فإني ms1323 ~~أنا هو! جسوني وانظروا، إن الروح ليس له لحم ولا عظم كما ترون أنه لي؛ ~~ولما قال هذا أراهم يديه ورجليه، وإذا هم غير مصدقين من الفرح، قال لهم: ~~أعندكم ههنا ما يؤكل؟ فأعطوه جزءا من حوت مشوي ومن شهد عسل، فأخذ قدامهم ~~وأكل، وأخذ الباقي وأعطاهم، وقال لهم: هذا الكلام الذي كلمتكم به إذ كنت ~~معكم، وأنه سوف يكمل كل شيء هو مكتوب في ناموس موسى والأنبياء والمزامير ~~لأجلي، وحينئذ فتح أذهانهم ليفهموا، وقال لهم: اجلسوا أنتم في المدينة ~~يروشليم حتى تتذرعوا لقوة من العلى، ثم أخرجهم خارجا إلى بيت عنيا، فرفع ~~يديه وباركهم، وكان فيما هو يباركهم انفرد عنهم وصعد إلى السماء أمامهم، ~~فرجعوا إلى يروشليم بفرح عظيم، وكانوا في كل حين يسبحون ويباركون الله - ~~انتهى ما نقلته من الأناجيل. وما كان فيه من لفظ يوهم نقصا ما فقد تقدم ~~في أول آل عمران أنه لا يجوز في شرعنا إطلاقه على الله تعالى وإن كان صح ~~إطلاقه في شرعهم، فهو مؤول وقد نسخ؛ وقال الإمام محيي السنة البغوي في ~~تفسير آل عمران فيما نقله عن وهب: فلما كان بعد سبعة أيام - أي من ادعاء ~~اليهود لصلبه - قال الله تعالى لعيسى عليه السلام: اهبط على مريم ~~المجدلانية في جبلها، فإنه لم يبك عليك أحد بكاءها، ولم يحزن عليك أحد ~~حزنها، ثم لتجمع لك الحواريين فتبثهم في الأرض دعاة إلى الله تعالى، ~~فأهبطه الله تعالى عليها فاشتعل الجبل حين هبط نورا، فجمعت له الحواريين ~~فتبثهم في الأرض دعاة، ثم رفعه الله إليه، وتلك الليلة هي التي تدخن فيها ~~النصارى، فلما أصبح الحواريون حدث كل واحد منهم بلغة من أرسله عيسى عليه ~~السلام إليهم، فذلك قوله تعالى # ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين # [آل عمران: 54] هذا ما ذكر من شأن رسل عيسى عليه السلام أنهم كانوا ~~دعاة، وأما رسل النبي صلى الله عليه وسلم فإنهم كانوا مبلغين لكتبه صلى ~~الله عليه وسلم، فمن قبل ذلك كان حظه من الله، ومن أبى ms1324 كان جوابه السيف ~~الماحق لدولته - كما ذكرته مستوفى في شرحي لنظمي للسيرة وهو مذكور في ~~فتوح البلاد؛ ولما بعث صلى الله عليه وسلم رسله اتخذ لأجل مكاتبة الملوك ~~الخاتم، أخرج أبو يعلى في مسنده عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كتب إلى كسرى وقيصر - وفي رواية: وأكيدر دومة وإلى كل ~~جبار - يدعوهم إلى الله وأخرج الشيخان في صحيحهما - وهذا لفظ مسلم - عن ~~أنس بن مالك أيضا رضي الله عنه قال: لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم ~~أن يكتب إلى الروم - وفي رواية: إلى العجم - قالوا: إنهم لا يقرؤون ~~كتابا إلا مختوما، فاتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتما من فضة ~~كأني أنظر إلى بياضه في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم نقشه " محمد ~~رسول الله ". # فبعث دحية بن خليفة الكلبي رضي الله عنه إلى قيصر ملك الروم وأمره أن ~~يوصل الكتاب إلى عظيم بصرى ليوصله إليه، فعظم كتاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم وقبله وقرأه ووضعه على وسادة وعلم صدقه صلى الله عليه وسلم وأنه ~~سيغلب على ملكه، فجمع الروم وأمرهم بالإسلام فأبوا، فخافهم فقال: إنما ~~أردت أن أجربكم، ثم لم يقدر الله له الإسلام، فأزال الله حكمه عن الشام ~~وكثير من الروم على يدي أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، ثم عن كثير ~~من الروم أيضا على يد من بعدهم، ومكن بها الإسلام، لكن أثابه الله على ~~تعظيم كتاب النبي صلى الله عليه وسلم بأن أبقى ملكه في أطراف بلاده إلى ~~الآن، وبلغني أن الكتاب محفوظ عندهم إلى هذا الزمان؛ وبعث شجاع بن وهب ~~الأسدي رضي الله عنه إلى الحارث بن أبي شمر الغساني - وقال القضاعي: ~~المنذر بن أبي شمر عامل قيصر على تخوم الشام - ثم إلى جبلة بن الأيهم ~~الغساني، فأما الحارث أو المنذر فغضب من الكتاب وهم بالمسير إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم ليقاتله، زعم فنهاه عن ذلك قيصر، فأكرم شجاعا ورده ~~وأسلم حاجبه مري الرومي ms1325 بما عرف من صفة النبي صلى الله عليه وسلم في ~~الإنجيل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم # " باد ملك الحارث، وفاز مري " # فقل ما لبث الحارث حتى مات، وولي بعده في مكانه جبلة بن الأيهم ~~الغساني، وهو آخر ملوك غسان على نواحي الشام، فرد إليه النبي صلى الله ~~عليه وسلم شجاع بن وهب رضي الله عنه، فرد على النبي صلى الله عليه وسلم ~~ردا جميلا ولم يسلم، واستمر يتربص حتى أسلم في خلافة عمر رضي الله عنه ~~لما رأى من ظهور نور الإسلام وخمود نار الشرك، ثم إنه ارتد - ولحق ببلاد ~~الروم - في لطمة أريد أن يقتص منه فيها، فسبحان الفاعل لما يشاء! وبعث ~~عبد الله بن حذافة السهمي رضي الله عنه إلى كسرى ملك الفرس، وأمره أن ~~يدفع الكتاب إلى عظيم البحرين ليوصله إليه، فلما رأى النبي صلى الله عليه ~~وسلم بدأ باسمه الشريف مزق الكتاب قبل أن يعلم ما فيه، فرجع عبد الله، ~~فلما سكن غضب الخبيث التمسه فلم يجده فأرسل في طلبه فسبق الطلب، فلما ~~أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن تمزيق الكتاب، دعا على كسرى أن يمزق كل ~~ممزق، فأجاب الله دعوته فشتت شملهم وقطع وصلهم على يد أبي بكر وعمر رضي ~~الله عنهما، ثم قتل يزدجرد آخر ملوكهم في خلافة عثمان رضي الله عنه، ~~فأصبح ملك الأكاسرة كأمس الدابر، وعم بلادهم الإسلام وظهرت بها كلمة ~~الإيمان، بل تجاوز الإسلام ملكهم إلى ما وراء النهر وإلى بلاد الخطا. # وبعث حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه إلى المقوقس صاحب مصر والإسكندرية، ~~فعلم من صدق النبي صلى الله عليه وسلم ما علمه قيصر من الإنجيل، فأكرم ~~الرسول وأهدى للنبي صلى الله عليه وسلم ورد ردا جميلا ولم يسلم، فأباد ~~الله ملكه على يد عمرو بن العاص أمير لعمر رضي الله عنهما. وبعث عمرو بن ~~أمية الضمري رضي الله عنه إلى النجاشي فآمن رضي الله عنه وقال: أشهد أنه ~~النبي صلى الله عليه وسلم الأمي الذي ينتظره ms1326 أهل الكتاب، وأن بشارة موسى ~~براكب الحمار كبشارة عيسى براكب الجمل عليهم السلام. # وأن العيان ليس بأشفى من الخبر، وأهدى للنبي صلى الله عليه وسلم هدايا ~~كثيرة، وأرسل ابنه بإسلامه في سبعين من الحبشة، وقال في كتابه: وإني لا ~~أملك إلا نفسي ومن آمن بك من قومي، وإن أحببت أن آتيك يا رسول الله ~~فعلت؛ فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على النجاشي واستغفر له؛ وبعث ~~العلاء بن الحضرمي رضي الله عنه إلى المنذر بن ساوى العبدي ملك البحرين ~~وإلى أسيحت مرزبان هجر بكتاب يدعوهما فيه إلى الإسلام أو الجزية، وأرض ~~البحرين من بلاد العرب، لكن كان الفرس قد غلبوا عليها، وبها خلق كثير من ~~عبد القيس وبكر بن وائل وتميم فأسلم المنذر وأسيحت وجميع من هناك من ~~العرب وبعض العجم، فأقره النبي صلى الله عليه وسلم على عمله؛ وبعث سليط ~~بن عمرو العامري رضي الله عنه إلى هوذة بن علي الحنفي صاحب اليمامة، وكان ~~عاملا لقيصر على قومه، فقرأ كتاب النبي صلى الله عليه وسلم ورد ردا دون ~~رد، فصادف أن قدم عليه راهب من دمشق، فأخبره أنه لم يجب إلى الإسلام، ~~فقال: لم؟ قال: ضننت بملكي، قال الراهب: لو تبعته لأقرك والخير لك في ~~اتباعه، فإنه النبي صلى الله عليه وسلم، بشر به عيسى عليه السلام، قال ~~هوذة للراهب: فما لك لا تتبعه؟ فقال: أجدني أحسده وأحب الخمر، فكتب هوذة ~~كتابا وبعث إلى النبي صلى الله عليه وسلم بهدية مكانه ذلك، وشعر به قومه ~~فأتوه فهددوه، فرد الرسول واستمر على نصرانيته، فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم لما رجع إليه سليط: # " باد هوذة وباد ما في يده " # ! فلما انصرف النبي صلى الله عليه وسلم من فتح مكة جاءه جبرئيل عليه ~~السلام بأن هوذة مات، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " أما إن اليمامة سيخرج بها كذاب يتنبأ يقتل بعدي " # ، فكان كذلك كما هو مشهور من أمر مسيلمة الكذاب، وبعث المهاجر بن أبي ~~أمية المخزومي رضي الله عنه ms1327 إلى الحارث بن عبد كلال الحميري ملك اليمن، ~~فلما بلغه رسالة النبي صلى الله عليه وسلم قال الحارث: قد كان هذا النبي ~~عرض نفسه علي فخطئت عنه، وكان ذخرا لمن صار إليه، وسأنظر، وتباطأ به ~~الحال إلى أن أسلم عند رجوع النبي صلى الله عليه وسلم من تبوك سنة ~~الوفود، وكاتب النبي صلى الله عليه وسلم بذلك؛ وبعث عمرو بن العاص رضي ~~الله عنه إلى جيفر وعبد ابني الجلندي الأزديين ملكي عمان، فتوقفا واضطرب ~~رأيهما، ثم عزم الله لهما على الرشد فقال جيفر: إنه والله قد دلني على ~~هذا النبي صلى الله عليه وسلم الأمي أنه لا يأمر بخير إلا كان أول آخذ ~~به، ولا ينهى عن شر إلا كان أول تارك له، وأنه يغلب فلا يبطر، ويغلب فلا ~~يفجر، وأنه يوفى بالعهد وينجز الوعد، ولا يزال يطع على سر قوم يساوي فيه ~~أهله، وإني أشهد أنه رسول الله، وأسلم أخوه أيضا، وكتبا إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم بإسلامهما، فقال خيرا وأثنى خيرا، وكان في سير هؤلاء ~~الرسل لعمري غير ما ذكر أحاديث عجائب وأقاصيص غرائب من دلائل النبوة ~~وأعلام الرسالة، خشيت من ذكرها الإطالة وأن تمل وإن لم يكن فيها ما يقتضي ~~ملاله، وقد شفيت في شرحي لنظمي للسيرة باستيفائها القليل في ترتيب جميل ~~ونظم أسلوبه لعمري جليل، هؤلاء رسل البشر، وأما الرسل من الجن فقد روى ~~الطبراني في الكبير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: # وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن # [الجن: 29] قال: كانوا تسعة نفر من أهل نصيبين، فجعلهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم رسلا إلى قومهم قال الهيثمي: وفي سنده النضر أبو عمر وهو ~~متروك، ويؤيد عموم هذه الآية في تناولها الملائكة عليهم السلام قوله ~~تعالى # ليكون للعالمين نذيرا # [الفرقان: 1] وإذا تأملت سياق الآيات التي بعدها مع آخر السورة التي ~~قبلها قطعت بذلك # لينذر من كان حيا # [يس: 70]، # إنما تنذر من اتبع الذكر # [يس: 11] إذ هم من جملة العالمين ms1328 وممن بلغه القرآن وممن هو حي وممن اتبع ~~الذكر، والخطاب بالإنذار وارد مورد التغليب، إذ الإنس والجن أهل له، ~~فانتفى ما يقال: إن الملائكة في غاية الخوف من الله تعالى مع عصمتهم ~~فليسوا ممن يخوف، ويزيد ذلك وضوحا قوله تعالى: # ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين # [الأنبياء: 29] ولا إنذار أعظم من ذلك، وإن عيسى عليه السلام من هذه ~~الأمة وممن شملته الآيات الدالة على عموم الرسالة بغير شك، وأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " والذي نفسي بيده! لو كان موسى حيا لما وسعه إلا اتباعي " # أخرجه الإمام أحمد والدارمي والبيهقي في الشعب عن جابر رضي الله عنه، ~~ومذهب أهل السنة أن رسل البشر أفضل من رسل الملائكة، وقد ثبتت رسالته إلى ~~الأفضل المعصوم بالفعل لعيسى، وبالتعليق بالحياة بموسى عليه السلام، وقد ~~أخذ الله سبحانه ميثاق النبيين كلهم عليهم السلام إن أدركوه ليؤمنن به، ~~وقد خوطب النبي صلى الله عليه وسلم - وهو أشرف الخلق وأكملهم - بالإنذار ~~في غير آية، فمهما أول به ذلك في حقه صلى الله عليه وسلم قيل مثله في ~~حقهم عليهم السلام، ومما يرفع النزاع ويدفع تعلل المتعلل بالإنذار قوله ~~تعالى # لتنذر به وذكرى للمؤمنين # [الأعراف: 2] فخذل مفعول " تنذر " دال على عموم رسالته، وتعليق الذكرى ~~بالمؤمنين مدخل لهم بلا ريب لأنهم من رؤوسهم - عليهم السلام، وقوله تعالى # لتبشر به المتقين # [مريم: 97] إلى غيرها من الآيات، فيكون عموم رسالته لهم زيادة شرف له، ~~وهو واضح، وزيادة شرف لهم بحمل أنفسهم على طاعته والتقيد بما حده لهم من ~~أعمال ملته طاعة لله تعالى زيادة في أجورهم ورفعة درجاتهم، وذلك مثل ما ~~قال أبو حيان في قوله تعالى # فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين # [الأعراف: 144]: إن في الأمر له بذلك مزيد تأكيد وحصول أجر بالامتثال؛ ~~وقال القاضي عياض في الفصل السابع من الباب الأول من القسم الأول من ~~الشفا في قوله تعالى # وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة # [آل ms1329 عمران: 81] قال المفسرون: أخذ الله الميثاق بالوحي، فلم يبعث نبيا ~~إلا ذكر له محمدا ونعته وأخذ عليه ميثاقه إن أدركه ليؤمنن به، وبعضد ذلك ~~ما قال في أول الباب الأول: وحكي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~لجبرئيل عليه السلام: # " هل أصابك من هذه الرحمة المذكورة في قوله تعالى { وما أرسلناك إلا ~~رحمة للعالمين } شيء؟ قال نعم! كنت أخشى العاقبة فآمنت لثناء الله عز وجل ~~علي بقوله { ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين } [التكوير: 20، 21] ~~" # وروى مسلم في كتاب الصلاة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي ~~الغنائم، وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي ~~النبيون " # وحمل من حمل الخلق على الناس - للرواية التي فيها " إلى الناس " تحكم، ~~بل العكس أولى لمطابقة الآيات، وقد خرج من هذا العموم من لا يعقل بالدليل ~~العقلي، فبقي غيرهم داخلا في اللفظ، لا يحل لأحد أن يخرج منه أحدا منهم ~~إلا بنص صريح ودلالة قاطعة ترفع النزاع، وقال عياض في الباب الثالث من ~~القسم الأول: وذكر البزار عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: لما أراد ~~الله تعالى أن يعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم الأذان - فذكر المعراج ~~وسماع الأذان من وراء الحجاب ثم قال: ثم أخذ الملك بيد محمد صلى الله ~~عليه وسلم فقدمه، فأم بأهل السماء فيهم آدم ونوح - انتهى. وروى عبد ~~الرزاق عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " إذا كان الرجل بأرض قي فحانت الصلاة فليتوضأ، فإن لم يجد الماء ~~فليتيمم، فإن أقام صلى معه ملكاه، وإن أذن وأقام صلى خلفه من جنود الله ~~ما لا يرى طرفاه " # قال المنذري: القي - بكسر القاف وتشديد الياء، وهي الأرض القفر. وروى ~~مالك والستة إلا الترمذي وأبو يعلى عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول ~~الله صلى الله ms1330 عليه وسلم قال: # " إذا قال الإمام { غير المغضوب عليهم ولا الضالين } فقولوا آمين " # -وفي رواية إذا أمن الإمام فأمنوا - فإنه من وافق تأمينه - تأمين ~~الملائكة - وفي رواية: من وافق قوله قول الملائكة - غفر له ما تقدم من ~~ذنبه. وفي رواية في الصحيح: # " إذا قال أحدكم في الصلاة: آمين، وقالت الملائكة في السماء: آمين، ~~فوافقت إحداهما الأخرى غفر له ما تقدم له من ذنبه " # وفي رواية لأبي يعلى: إذا قال الإمام { غير المغضوب عليهم ولا الضالين } ~~قال الذين خلفه: آمين، التقت من أهل السماء وأهل الأرض آمين، غفر للعبد ~~ما تقدم من ذنبه. وللشيخين عن أبي هريرة أيضا رضي الله عنه أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، فإنه ~~من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه " # ؛ وفي رواية: فإذا وافق قول أهل السماء قول أهل الأرض غفر له ما تقدم من ~~ذنبه؛ في أشكال ذلك مما يؤذن بائتمام الملائكة بأئمتنا، وذلك ظاهر في ~~التقيد بشرعنا؛ وروى أحمد وأبو داود والنسائي وابن خزيمة وابن حبان في ~~صحيحهما والحاكم - وجزم ابن معين والذهلي بصحته - عن أبي بن كعب رضي الله ~~عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " وإن الصف الأول على مثل صف الملائكة " # وأدل من جميع ما مضى ما روى مالك والشيخان وأبو داود وابن خزيمة عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرب ~~بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة ~~الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب ~~دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت ~~الملائكة يستمعون الذكر " # ؛ وفي رواية: # " فإذا قعد الإمام طويت الصحف " # ؛ وفي رواية لأحمد عن أبي سعيد: فإذا أذن المؤذن وجلس الإمام على المنبر ~~طويت ms1331 الصحف ودخلوا المسجد يستمعون الذكر. فإن تركهم لكتابة الناس ~~وإقبالهم على الاستماع دليل واضح على الائتمام، بما رواه الشيخان وغيرهما ~~عن أبي هريرة أيضا رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة: أنصت، والإمام يخطب فقد لغوت " # قال الحليمي في الرابع من شعب الإيمان في الجواب عما أورد على قوله: # لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله # [الإسراء: 87] من أن التخصيص بالإنس والجن لا يمنع قدرة الملائكة على ~~المعارضة ما نصه: وأما الملائكة فلم يتحدوا على ذلك لأن الرسالة إذا لم ~~تكن إليهم لم يكن القرآن حجة عليهم، فسواء كانوا قادرين على مثله أو ~~عاجزين، وهم عندنا عاجزون؛ وقال في الخامس عشر في أن من أنواع تعظيمه ~~الصلاة عليه فأمر الله عباده أن يصلوا عليه ويسلموا، وقدم قبل ذلك ~~إخبارهم بأن ملائكته يصلون عليه، فأمر الله عباده لنبيهم بذلك على ما في ~~الصلاة عليه من الفضل إذا كانت الملائكة مع انفكاكهم عن شريعته تتقرب إلى ~~الله تعالى بالصلاة والتسليم عليه، ليعلموا أنهم بالصلاة والتسليم عليه ~~أول وأحق - هذا نصه في الموضعين، ولم يذكر لذلك دليلا، ونسب الجلال ~~المحلي في شرحه لجمع الجوامع مثل ذلك إلى البيهقي في الشعب فإنه قال: ~~وصرح الحليمي والبيهقي في الباب الرابع من شعب الإيمان بأنه عليه الصلاة ~~والسلام لم يرسل إلى الملائكة، وفي الباب الخامس عشر بانفكاكهم من شرعه، ~~قال: وفي تفسير الإمام الرازي والبرهان النسفي حكاية الإجماع في تفسير ~~الآية الثانية - أي # ليكون للعالمين نذيرا # [الفرقان: 1] أنه لم يكن رسولا إليهم - انتهى. وهو شهادة نفي كما ترى، ~~لا ينهض بما ذكرته من النصوص على أن الحليمي لم يقل بذلك إلا لقوله بأن ~~لملائكة أفضل من الأنبياء - كما نقله عنه الإمام فخر الدين في كتاب ~~الأربعين والشيخ سعد الدين التفتازاني في شرح المقاصد وغيرهما، ولم ~~يوافقه على ذلك أحد من أهل السنة إلا القاضي ابو بكر الباقلاني، فكما لم ~~يوافق على الأصل ms1332 لا يوافق على الفرع، وأما البيهقي فإنما نقله عن الحليمي ~~وسكوته عليه لا يوجب القطع برضاه، قال الزركشي في شرح جمع الجوامع: وهي ~~مسألة وقع النزاع فيها بين فقهاء مصر مع فاضل درس عندهم وقال لهم: ~~الملائكة ما دخلت في دعوته، فقاموا عليه، وقد ذكر الإمام فخر الدين في ~~تفسير سورة الفرقان الدخول محتجا بقوله تعالى { ليكون للعالمين نذيرا ~~}: والملائكة داخلون في هذا العموم - انتهى. # وهذا يقدح فيما نقل عنه من نقل الإجماع، وعلى تقدير صحته ففيه أمور، أما ~~أولا فالإجماع لا يرجع إلا إلى أهل الاطلاع على المنقولات من حفاظ ~~الآثار وأقاويل السلف فيه، وأما ثانيا فإنه نقل يحتمل التصحيح والتضعيف، ~~لأنه بطرقه احتمال أن يكون نقل عمن لا يعتد به، أو يكون أخذه عن أحد ~~مذاكرة وأحسن الظن به، أو حصل له سهو، ونحو ذلك، فلا وثوق إلا بعد معرفة ~~المنقول عنه وسند النقل والاعتضاد بما يوجب الثقة ليقاوم هذه الظواهر ~~الكثيرة، وأما ثالثا فإنه سيأتي عن الإمام تقي الدين السبكي أن بعض ~~المفسرين قال بالإرسال إلى الملائكة، وقا الإمام ولي الدين أبو زرعة أحمد ~~ابن الحافظ زين الدين العراقي في شرحه لجمع الجوامع: وأما كونه مبعوثا ~~إلى الخلق أجمعين فالمراد المكلف منهم، وهذا يتناول الإنس والجن ~~والملائكة، فأما الأولان فبالإجماع، وأما الملائكة فمحل خلاف فأين ~~الإجماع! هذا على تقدير صحة هذا النقل وأنى لمدعي ذلك به فإني راجعت ~~تفسير الإمام للآية المذكورة فلم أجد فيه نقل الإجماع، وإنما قال: ثم ~~قالوا: هذه الآية تدل على أحكام: الأول أن العالم كل ما سوى الله، ~~فيتناول جميع المكلفين من الجن والإنس والملائكة، لكنا نبئنا أنه عليه ~~السلام لم يكن رسولا إلى الملائكة، فوجب أن ينفى كونه رسولا إلى الجن ~~والإنس جميعا، وبطل قول من قال: إنه كان رسولا إلى البعض دون البعض، ~~الثاني أن لفظ { العالمين } يتناول جميع المخلوقات، فتدل الآية على أنه ~~رسول إلى المكلفين إلى يوم القيامة، فوجب أن يكون خاتم الأنبياء والرسل - ~~هذا لفظه في أكثر ms1333 النسخ، وفي بعضها: لكنا أجمعنا - بدل: نبئنا - وهي غير ~~صريحة في إجماع الأمة كما ترى، ولم يعين الموضع الذي أحال عليه في النسخ ~~الأخرى - فليطلب من مظانه ويتأمل، وأما النسفي فمختصر له - والله الموفق؛ ~~ثم رأيت في خطبة كتاب الإصابة في أسماء الصحابة لشيخنا حافظ عصره أبي ~~الفضل بن حجر في تعريف الصحابي: وقد نقل الإمام فخر الدين في أسرار ~~التنزيل الإجماع على أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن مرسلا إلى الملائكة، ~~ونوزع في هذا النقل، بل رجح الشيخ تقي الدين السبكي أنه كان مرسلا إليهم ~~واحتج بأشياء يطول شرحها - انتهى. # والعجب من الرازي في نقل هذا الذي لا يوجد لغيره مع أنه قال في أسرار ~~التنزيل في أواخر الفصل الثاني من الباب الثالث في الاستدلال بخلق الآدمي ~~على وجود الخالق: الوجه الرابع - أي في تكريم بني آدم - أنه جعل أباهم ~~رسولا إلى الملائكة حيث قال # أنبئهم باسمائهم # [البقرة: 31] وقد تقرر أن كل كرامة كانت لنبي من الأنبياء فلنبينا صلى ~~الله عليه وسلم مثلها أو أعظم منها، وقال في تفسيره الكبير في # وعلم آدم الأسماء # [البقرة: 31]: ولا يبعد أيضا أن يكون مبعوثا إلى من يوجه التحذير ~~إليهم من الملائكة، لأن جميعهم وإن كانوا رسلا فقد يجوز الإرسال إلى ~~الرسول لبعثة إبراهيم إلى لوط عليهما السلام - انتهى. وأنت خبير بأمر ~~عيسى عليه السلام بعد نزوله من السماء، والحاصل أن رسالته صلى الله عليه ~~وسلم إليهم صلوات الله عليهم - رتبة فاضلة ودرجة عالية كاملة جائزة له، ~~لائقة بمنصبه، مطابقة لما ورد من القواطع لعموم رسالته وشمول دعوته، وقد ~~دلت على حيازته لها ظواهر الكتاب والسنة مع أنه لا يلزم من إثباتها له ~~إشكال في الدين ولا محذور في الاعتقاد، فليس لنا التجريء على نفيها إلا ~~بقاطع كما قال إمامنا الشافعي رحمه الله في كتاب الرسالة في آية الأنعام # قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما # [الأنعام: 145] قال: فاحتملت معنيين: أحدهما أن لا يحرم على طاعم يطعمه ~~أبدا إلا ما استثنى الله ms1334 عز وجل، وهذا المعنى الذي إذا ووجه رجل ~~مخاطبا به كان الذي يسبق إليه أنه لا يحرم عليه غير ما سمى الله عز وجل ~~محرما، وما كان هكذا فهو الذي يقال له أظهر المعاني وأعمها وأغلبها ~~والذي لو احتملت الآية معاني سواه - كان هو المعنى الذي يلزم أهل العلم ~~القول به إلا أن تأتي سنة للنبي صلى الله عليه وسلم - بأبي هو وأمي - تدل ~~على معنى غيره مما تحتمله الآية، فنقول: هذا معنى ما أراد الله عز وجل، ~~ولا يقال بخاص في كتاب الله ولا سنة إلا بدلالة فيهما أو في واحد منهما، ~~ولا يقال بخاص حتى تكون الآية تحتمل أن تكون أريد بها ذلك الخاص، فأما ما ~~لم تكن محتملة له فلا يقال فيها بما لا تحتمل الآية - انتهى. وشرحه ~~الإمام أبو محمد بن حزم في المحلى فقال: ولا يحل لأحد أن يقول في آية أو ~~في خبر: هذا منسوخ أو مخصوص في بعض ما يقتضيه ظاهر لفظه، ولا أن لهذا ~~النص تأويلا غير مقتضى ظاهر لفظه، ولا أن هذا الحكم غير واجب علينا من ~~حين وروده إلا بنص آخر وارد بأن هذا النص كما ذكر، أو بإجماع متيقن بأنه ~~كما ذكر، أو بضرورة حس موجبة أنه كما ذكر، برهانه: # وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله # [النساء: 64] # وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم # [إبراهيم: 4] وقال # فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة # [النور: 63]، ومن ادعى أن المراد بالنص بعض ما يقتضيه في اللغة العربية، ~~لا كل ما يقتضيه فقد أسقط بيان النص، وأسقط وجوب الطاعة له بدعواه ~~الكاذبة، وليس بعض ما يقتضيه النص بأولى بالاقتصار عليه من سائر ما ~~يقتضيه - انتهى. وقال أهل الأصول: إن الظاهر ما دل على المعنى دلالة ظنية ~~أي راجحة، والتأويل حمل الظاهر على المحتمل المرجوح، فإن حمل عليه لدليل ~~فصيح - أو لما نظن دليلا وليس في الواقع بدليل - فاسد، أو لا لشيء فلعب ~~لا تأويل، قال الإمام الغزالي ms1335 في كتاب المحبة من الإحياء في الكلام على ~~أن رؤية الله تعالى في الآخرة هل هي بالعين أو بالقلب: والحق ما ظهر لأهل ~~السنة والجماعة من شواهد الشرع أن ذلك يخلق في العين، ليكون لفظ الرؤية ~~والنظر وسائر الألفاظ الواردة في الشرع مجرى على ظاهره إذ لا يجوز إزالة ~~الظواهر إلا لضرورة - انتهى، وقال الإمام تقي الدين السبكي في جواب ~~السؤال عن الرسالة إلى الجن الذي تقدم في أول الكلام على هذه الآية أني ~~رأيته بخطه: الآية العاشرة: # ليكون للعالمين نذيرا # [الفرقان: 1] قال المفسرون كلهم في تفسيرها: للجن والإنس، وقال بعضهم: ~~والملائكة. الثانية عشرة # وما أرسلناك إلا كافة للناس # [سبأ: 28] قال المفسرون: معناها: إلا إرسالا عاما شاملا لجميع الناس، ~~أي ليس بخاص ببعض الناس، فمقصود الآية نفي الخصوص وإثبات العموم، ولا ~~مفهوم لها فيما وراء الناس، بل قوتها في العموم يقتضي عدم الخصوصية فيهم ~~وحينئذ يشمل الجن، ولو كان مقصود الآية حصر رسالته في الناس لقال: وما ~~أرسلناك إلا إلى الناس، فإن كلمة " إلا " تدخل على ما يقصد الحصر فيه، ~~فلما أدخلها على { كافة } دل على أنه المقصود بالحصر، ويبقى قوله { للناس ~~} لا مفهوم له، أما أولا فلأنه مفهوم قلب وأما ثانيا فلأنه لا يقصد ~~بالكلام، أما ثالثا فلأنه قد قيل: إن { الناس } يشمل الإنس والجن، أي ~~على القول بأنه مشتق من النوس، وهو التحرك، وهو على هذا شامل للملائكة ~~أيضا، وممن صرح من أهل اللغة بأن { الناس } يكون من الإنس ومن الجن ~~الإمام أبو إبراهيم إسحاق بن إبراهيم الفارابي في كتابه ديوان الأدب، قال ~~السبكي: السابعة عشرة # إن هو إلا ذكر للعالمين # [ص: 87] الثامنة عشرة # إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب # [يس: 11] ونحوهما كقوله # لتنذر من كان حيا # [يس: 70] وكذا قوله { هدى للمتقين } ، وأما السنة فأحاديث: الأول حديث ~~مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه # " وأرسلت إلى الخلق كافة " # ، " إلى الخلق " عام يشمل الجن بلا شك، ولا يرد على هذا أنه ورد في ~~روايات هذا الحديث من ms1336 طرق أخرى في صحيح البخاري وغيره " الناس " موضع " ~~الخلق " لأنا نقول: ذلك من رواية جابر، وهذا من رواية أبي هريرة؛ فلعلهما ~~حديثان، وفي رواية الخلق زيادة معنى على الناس، فيجب الأخذ به إذ لا ~~تعارض بينهما، ثم جوز أن يكون من روى " الناس " روى بالمعنى فلم يوف به، ~~قال: وهذا الحديث يؤيد قول من قال: إنه مرسل إلى الملائكة ولا يستنكر ~~هذا، فقد يكون ليلة الإسراء يسمع من الله كلاما فبلغه لهم في السماء أو ~~لبعضهم، وبذلك يصح أنه مرسل إليهم، ولا يلزم من كونه مرسلا إليهم من حيث ~~الجملة أن يلزمهم جميع الفروع التي تضمنتها شريعته، فقد يكون مرسلا ~~إليهم في بعض الأحكام أو في بعض الأشياء التي ليست بأحكام، أو يكون يحصل ~~لهم بسماع القرآن زيادة إيمان، ولهذا جاء فيمن قرأ سورة الكهف: فنزلت ~~عليه مثل الظلة، ثم قال في أثناء كلام: بخلاف الملائكة، لا يلتزم أن هذه ~~التكاليف كلها ثابتة في حقهم إذا قيل بعموم الرسالة لهم، بل يحتمل ذلك ~~ويحتمل في شيء خاص كما أشرنا إليه فيما قبل - انتهى. قلت: ولا ينكر ~~اختصاص الأحكام ببعض المرسل إليهم دون بعض في شرع واحد في الأحرار ~~والعبيد والنساء والرجال والحطابين والرعاء بالنسبة إلى بعض أعمال الحج ~~وغير ذلك مما يكثر تعداده - والله الموفق؛ ومن تجرأ على نفي الرسالة ~~إليهم من أهل زماننا بغير نص صريح يضطره إليه، كان ضعيف العقل مضطرب ~~الإيمان مزلزل اليقين سقيم الدين، ولو كان حاكيا لما قيل على وجه الرضى ~~به، فما كل ما يعلم يقال، وكفى بالمرء إثما أن يحدث بكل ما سمع، ~~ولعمري! إن الأمر لعلى ما قال صاحب البردة وتلقته الأمة بالقبول، وطرب ~~عليه في المحافل والجموع: # دع ما ادعته النصارى في نبيهم # واحكم بما شئت مدحا فيه واحتكم # ولما أثبت شهادة الله تعالى له بالتصديق بأنه محق، وكان ذلك ربما أوهم ~~أن غير الله تعالى لا يعرف ذلك، لا سيما وقد ادعى كفار قريش أنهم سألوا ~~أهل الكتابين فادعوا أنهم ms1337 لا يعرفونه، أتبعه بقوله على طريق الاستئناف: { ~~الذين آتيناهم } أي بما لنا من العظمة من اليهود والنصارى { الكتاب } أي ~~الجامع لخيري الدنيا والآخرة، وهو التوراة والإنجيل { يعرفونه } أي الحق ~~الذي كذبتم به لما جاءكم وحصل النزاع بيني وبينكم فيه لما عندهم في ~~كتابهم من وصفي الذي لا يشكون فيه، ولما هم بمثله آنسون مما أثبت به من ~~المعجزات، ولما في هذا القرآن من التصديق لكتابهم والكشف لما أخفوا من ~~أخبارهم، ولأساليبه التي لا يرتابون في أنها خارجة من مشكاة كتابهم مع ~~زيادتها بالإعجاز، فهم يعرفون هذا الحق { كما يعرفون أبناءهم } أي من بين ~~الصبيان بحلاهم ونعوتهم معرفة لا يشكون فيها، وقد وضعتموهم موضع الوثوق، ~~وأنزلتموهم منزلة الحكم بسؤالكم لهم عني غير مرة، وقد آمن بي جماعة منهم ~~وشهدوا لي، فما لكم لا تتابعونهم! لقد بان الهوى وانكشف عن ضلالكم ~~الغطاء. # ولما كان أكثرهم يخفون ذلك ولا يشهدون به، قال جوابا لمن يسأل عنهم: { ~~الذين خسروا } أي منهم، ولكنه حذفها للتعميم { أنفسهم فهم } أي بسبب ذلك ~~{ لا يؤمنون } أي لما سبق لهم من القضاء بالشقاء الذي خسروا به أنفسهم ~~بالعدول عما دعت إليه الفطرة السليمة والفكرة المستقيمة، ومن خسر نفسه ~~فهو لا يؤمن فكيف يشهد! فقد بينت هذه الجملة أن من لا يشهد منهم فهو في ~~الحقيقة ميت أو موات، لأن من ماتت نفسه كذلك، بل هم أشقى منه، فلقد أداهم ~~ذلك الشقاء إلى أن حرفوا كتابهم وأخفوا كثيرا مما يشهد لي بالنبوة، ~~فكانوا أظلم الخلق بالكذب في كتاب الله للتكذيب لرسل الله. ### || [6.21-26] # ولما كان التقدير: خسروا ففاتهم الإيمان، لأنهم ظلموا بكتمان الشهادة، ~~فكان الظلم سبب خسرانهم، فمن أظلم منهم! عطف عليه ما يؤذن بأنهم بدلوا ~~كتابهم، أو نسبوا إليه ما ليس فيه، فقال واضعا للظاهر موضع ضميرهم لذلك: ~~{ ومن أظلم ممن افترى } أي تعمد { على الله كذبا } كهؤلاء الذين حرفوا ~~كتابهم ونسبوا إلى الله ما لم يقله، زيادة كتبوها بأيديهم لا أصل ها، ~~إضلالا منهم لعباده { أو كذب بآياته ms1338 } أي الآتي بها الرسل كالقرآن وغيره ~~من المعجزات كالمشركين، لا أحد أظلم منهم فهم لا يفلحون { إنه لا يفلح ~~الظالمون } أي فكيف بالأظلمين!. # ولما كان معنى هذا أنهم أكذب الناس، دل عليه بكذبهم يوم الحشر بعد ~~انكشاف الغطاء فقال: { ويوم } أي اذكر كذبهم على الله وتكذيبهم في هذه ~~الدار، واذكر أعجب من ذلك، وهو كذبهم في عالم الشهادة عند كشف الغطاء ~~وارتفاع الحجب يوم { نحشرهم } أي نجمعهم بما لنا من العظمة وهم كارهون ~~صاغرون { جميعا } أي أهل الكتاب والمشركين وغيرهم ومعبوداتهم، وأشار إلى ~~عظمة ذلك اليوم وطوله ومشقته وهوله بقوله بأداة التراخي: { ثم نقول } أى ~~بما لنا من العظمة التي انكشفت لهم أستارها وتبدت لهم بحورها وأغوارها ~~توبيخا وتنديما { للذين أشركوا } أي سموا شيئا من دوننا إلها وعبدوه ~~بالفعل من الأصنام أو عزير أو المسيح أو الظلمة أو النور أو غير ذلك، أو ~~بالرضى بالشرك، فإن الرضى بالشيء فعل له لا سيما إن انضم إليه تكذيب ~~المحق والشهادة للمبطل بأن دينه خير { أين شركاؤكم } أضافهم إلى ضميرهم ~~لتسميتهم لهم بذلك { الذين كنتم تزعمون } أي أنهم شركاؤنا بالعبادة أو ~~الشهادة بما يؤدي إليها، ادعوهم اليوم لينقصوكم مما نريد من ضركم، أو ~~يرفعوكم مما نريد من وضعكم، وسؤالهم هذا يجوز أن يكون مع غيبة الشركاء ~~عنهم وأن يكون عند إحضارهم لهم، فيكون الاستفهام عما كانوا يظنون من ~~نفعهم، فكأن غيبته غيبتهم. # ولما كان إخبارهم بغير الواقع في ذلك اليوم مستبعدا بعد رفع الحجاب عن ~~الأهوال وإظهار الزلازل والأوجال. أشار إليه بأداة البعد فقال: { ثم لم ~~تكن فتنتهم } أي عاقبة مخالطتنا لهم بهذا السؤال وأمثاله من البلايا التي ~~من شأنها أن يميل ما خالطته فتحيله - ولو أنه جبل - عن حاله بما ناله من ~~قوارعه وزلزاله إلا كذبهم في ذلك الجمع، وهو معنى قوله: { إلا أن قالوا ~~} ثباتا منهم فيما هم عريقون فيه من وصف الكذب: { والله } فذكروا الاسم ~~الأعظم الذي تندك لعظمته الجبال الشم، وتنطق بأمره الأحجار الصم، الجامع ~~لجميع معاني الأسماء الحسنى ms1339 التي ظهر لهم كثير منها في ذلك اليوم، وأكدوا ~~ذلك بذكر الوصف المذكر بتربيتهم ودوام الإحسان إليهم فقالوا: { ربنا } ~~فلم يقنعوا بمجرد الكذب حتى أقسموا، ولا بمجرد القسم حتى ذكروا الاسم ~~الجامع والوصف المحسن { ما كنا مشركين } أي إن تكذيبهم لك أوصلهم إلى حد ~~يكذبون فيه في ذلك اليوم بعد كشف الغطاء تطمعا بما لا ينفعهم، كما ترى ~~الحائر المدهوش في الدنيا يفعل مثل ذلك فهو إيئاس من فلاح الجميع: ~~المشركين وأهل الكتاب، أو يكون المعنى تنديما لهم وتأسيفا: أنه لم يكن ~~عاقبة كفرهم الذي افتتنوا به في لزومه والافتخار به والقتال عليه - لكونه ~~دين الآباء - إلا جحوده والبراءة منه والحلف على الانتفاء من التدين به، ~~والمعنى على قراءتي النصب والرفع في " فتنة " على جعلها خبرا أو اسما ~~واحدا، فمعنى قراء النصب: لم يكن شيء إلا قولهم - أي غير قولهم الكذب - ~~فتنتهم، أي لم يكن شيء فتنتهم إلا هذا القول، فهذا القول وحده فتنتهم، ~~فنفى عن فتنتهم وسلب عنها كل شيء غير قولهم هذا، فالفتنة مقصورة على ~~قولهم الكذب، والكذب قد يكون ثابتا لغيرها، أي إنهم يكذبون من غير فتنة، ~~بل في حال الرخاء، وهذا بعينه معنى قراءة ابن كثير وابن عامر وحفص برفع ~~فتنة، أي لم تكن فتنتهم شيئا غير كذبهم، فقد نفيت فتنتهم عن كل شيء غير ~~الكذب، فانحصرت فيه، ويجوز أن يكون ثابتا في حال غيرها - على ما مر، ~~وهذا التقدير نفيس عزيز الوجود دقيق المسلك - يأتي إن شاء الله تعالى عند # وما كان صلاتهم عند البيت # [الأنفال: 35] في الأنفال ما ينفع هنا فراجعه. # ولما كان هذا من أعجب العجب، أشار إليه بقوله: { انظر } وبالاستفهام في ~~قوله: { كيف كذبوا } وبالإشارة إلى أنهم فعلوه مع علمهم بما انكشف لهم من ~~الغطاء أنه لا يجديهم بقوله: { على أنفسهم } وهو نحو قوله # فيحلفون له كما يحلفون لكم # [المجادلة: 18] - الآية. # ولما كان قولهم هذا مرشدا إلى أن شركاءهم غابوا عنهم، فلم ينفعوهم ~~بنافعة، وكان الإعلام بفوات ما أنهم مقبل عليه فرح ms1340 به، سارا لخصمه ~~جالبا لغمه، صرح به في قوله: { وضل } أي غاب { عنهم } إما حقيقة أو ~~مجازا، أو هما بالنظر إلى وقتين، ليكون إنكارا { ما كانوا يفترون } أي ~~يتعمدون الكذب في ادعاء شركته عنادا لما على ضده من الدلائل الواضحة. # ولما علم أن هذه الآيات قد ترابطت حتى كانت آية واحدة، وختم بأن مضمون ~~قوله # فقد كذبوا بالحق لما جاءهم # [الأنعام: 5] - الآية، قد صار وصفا لهم ثابتا حتى ظهر في يوم الجمع، ~~قسم الموسومين بما كانت تلك الآية سببا له، وهو الإعراض عن الآيات ~~المذكور في قوله # إلا كانوا عنها معرضين # [الأنعام: 4]، فكان كأنه قيل: فمنهم من أعرض بكليته، فعطف عليه قوله: { ~~ومنهم من يستمع إليك } أي يصغي بجهده كما في السيرة عن أبي جهل بن هشام ~~وأبي سفيان بن حرب والأخنس بن شريق أن كلا منهم جلس عند بيت النبي صلى ~~الله عليه وسلم في الليل يستمع القرآن. # لا يعلم أحد منهم بمجلس صاحبه، فلما طلع الفجر انصرفوا فضمهم الطريق ~~فتلاوموا وقالوا: لو رآكم ضعفاؤكم لسارعوا إليه، وتعاهدوا على أن لا ~~يعودوا، ثم عادوا تمام ثلاث ليال، ثم سأل الأخنس أبا سفيان عما سمع فقال: ~~سمعت أشياء عرفتها وعرفت المراد منها، وأشياء لم أعرفها ولم أعرف المراد ~~منها، فقال: وأنا كذلك، ثم سأل أبا جهل فأجاب بما يعرف منه أنه علم صدقه ~~وترك تصديقه حسدا وعنادا، وذلك هو المراد من قوله: { وجعلنا } أي ~~والحال أنا قد جعلنا { على قلوبهم أكنة } أي أغطية، جمع كنان أي غطاء { ~~أن } أي كراهة أن { يفقهوه } أي القرآن { وفي آذانهم وقرا } أي ثقلا ~~يمنع من سمعه حق السمع، لأنه يمنع من وعيه الذي هو غاية السماع، فهم لا ~~يؤمنون بما يسمع منك لذلك. # ولما ذكر ما يتعلق بالسمع، ذكر ما يظهر للعين، معبرا بما يعم السمع ~~وغيره من أسباب العلم فقال: { وإن يروا } أي بالبصر أو البصيرة { كل آية ~~} أي من آياتنا سواه { لا يؤمنوا بها } لما عندهم من العناد والنخوة في ~~تقليد الآباء ms1341 والأجداد { حتى } كانت غايتهم في هذا الطبع على قلوبهم أنهم ~~مع عدم فقههم { إذا جاءوك يجادلونك } أي بالفعل أو بالقوة، والغاية ~~داخلة، وكأنه قيل تعجبا: ماذا يقولون في جدالهم؟ فقال مظهرا للوصف الذي ~~أداهم إلى ذلك: { يقول الذين كفروا } أي غطوا لما هو ظاهر لعقولهم وهو ~~معنى الطبع { إن } أي ما { هذا } أي الذي وصل إلينا { إلا أساطير } جمع ~~سطور وأسطر جمع سطر وهي أيضا جمع إسطار وإسطير بكسرهما وأسطور، وبالهاء ~~في الكل { الأولين } وقد قال ذلك النضر بن الحارث، فصدق قوله إخبار هذه ~~الآية { وهم } حال من فاعل { يستمع } أي يستمعون إليك والحال أنهم { ~~ينهون عنه } أي عن الاستماع أو عن اتباع القرآن { وينأون } أي يبعدون { ~~عنه } أي كما وقع لأبي جهل وصاحبيه في المعاهدة على ترك المعاودة للسماع ~~وما يتبعه { وإن } أي وما { يهلكون } أي بعبادتهم ومكابدتهم { إلا ~~أنفسهم } أي وما هم بضاريك ولا بضاري أحد من أتباعك فيما يقدح في المقصود ~~من إرسالك من إظهار الدين ومحو الشرك وإذلال المفسدين { وما يشعرون } أي ~~وما لهم نوع شعور بما يؤديهم إليه الحال، بل هم كالبهائم، بل هي أصلح ~~حالا منهم. ### || [6.27-30] # ولما جعل عدم إيمانهم في هذه بشيء من الآيات موصلا لهم إلى غاية من ~~الجهل عظيمة موئسة من ادعائهم في هذه الدار، وهي مجادلتهم له صلى الله ~~عليه وسلم، وختم الآية بما رأيت من عظيم التهديد استشرفت النفس إلى معرفة ~~حالهم عند ردهم إلى الله تعالى والكشف لهم عما هددوا به، فأعلم نبيهم صلى ~~الله عليه وسلم أن حالهم إذ ذاك الإيمان، حيث يسر غاية السرور تصديقهم ~~له، وتمنيهم متابعته لما يركبهم من الذل ويحيط بهم من الصغار، ولا يزيدهم ~~ذلك إلا ضررا وعمى وندما وحسرة، فكأنه قيل: فلو رأيت حالهم عند كشف ~~الغطاء - وهو المطلع - لرأيتهم يؤمنون: { ولو ترى إذ } أي حين { وقفوا } ~~في الحشر، وبني للمجهول لأن المنكى الإيقاف، لا كونه من معين { على ~~النار } أي عندها ليدخلوها مشرفين على كل ما فيها من أنواع ms1342 النكال، وذلك ~~أعظم في النكاية أو على الجسر وهو على الصراط وهي تحتهم، أو عرفوا ~~حقيقتها ومقدار عذابها من قولك: أوقفته على كذا - إذا عرفته إياه { ~~فقالوا } تمنيا للمحال { يا ليتنا نرد } أي إلى الدنيا. # ولما كان التقدير بشهادة قراءة من نصب الفعلين - جوابا للتمني - أو ~~أحدهما: فنطيع، عطف على الجملة قوله: { ولا } أي والحال أنا لا، أو ونحن ~~لا { نكذب } إن رددنا { بآيات ربنا } أي المحسن إلينا { ونكون من ~~المؤمنين } أي الراسخين في الإيمان، والتقدير عند ابن عامر في نصب ~~الثالث: ليتنا نرد، وليتنا لا نكذب فنسعد وأن نكون، وعلى قراءة حمزة ~~والكسائي وحفص بنصب الفعلين: ليتنا نرد فنسعد، وأن لا نكذب وأن نكون، ~~والمعنى: لو رأيت إيقافهم ووقوفهم في ذلك الذل والانكسار والخزي والعار ~~وسؤالهم وجوابهم لرأيت أمرا هائلا فظيعا ومنظرا كريها شنيعا، ولكنه ~~حذف تفخيما له لتذهب النفس فيه كل مذهب، وجاز حذفه للعلم به في الجملة. # ولما أخبرنا - في قراءة الرفع - عن أنفسهم بما تمنوا لأجله الرد، وتضمنت ~~قراءة النصب الوعد، فإنه كما لو قال قائل: ليت الله يرزقني مالا فأكافئك ~~على صنيعك، فإنه ينجر إلى: إن رزقني الله مالا كافأتك، فصار لذلك مما ~~يقبل التكذيب، أضرب عنه سبحانه تكذيبا لهم بقوله: { بل } أي ليس الأمر ~~كما قالوا، لأن هذا التمني ليس عن حقيقة ثابتة في أنفسهم من محبة مضمونه ~~وثمرته، بل { بدا } أي ظهر { لهم } من العذاب الذي لا طاقة لهم به { ما ~~كانوا يخفون } أي من أحوال الآخرة ومرائهم على باطل! ولما كان إخفاؤهم ~~ذلك في بعض الزمان قال: { من قبل } أي يدعون أنه خفي، بل لا حقيقة له، ~~ويسترون ما تبديه الرسل من دلائله عنادا منهم مع أنه أوضح من شمس النهار ~~بما يلبسون من الهيبة فلذلك تمنوا ما ذكروا { ولو ردوا } أي إلى الدنيا { ~~لعادوا لما نهوا عنه } أي من الكفر والفضائح التي كانوا عليها وستر ما ~~اتضح لعقولهم من الدلائل { وإنهم لكاذبون } أي فيما أخبروا به عن أنفسهم ~~من مضمون تمنيهم ms1343 أنهم يفعلونه لو ردوا، وأكد طبعهم على الكفر بقوله عطفا ~~على قوله { لعادوا }: { وقالوا } أي بعد الرد ما كانوا يقولونه قبل الموت ~~في إنكار البعث { إن هي أي ما هذه الحياة التي نحن ملابسوها { إلا ~~حياتنا الدنيا } أي التي كنا عليها قبل ذلك { وما نحن } وأغرقوا في النفي ~~فقالوا: { بمبعوثين } أي بعد أن نموت، وما رؤيتنا لما رأينا قبل هذا من ~~البعث إلا سحر لا حقيقة له، ولم ينفعهم مشاهدة البعث بل ضرتهم، هذا ~~محتمل وظاهر، ولكن الأنسب لسياق الآيات قبل وبعد أن يكون هذا حكاية ~~لقولهم له صلى الله عليه وسلم في هذه الدار عطفا على قوله # وقالوا لولا أنزل عليه ملك # [الأنعام: 8] على الوجه الأول، وقوله: { ولو ترى } متصل بذلك، أي قالوا ~~هذا القول لما أخبرتهم بالبعث، فساءك ذلك من قولهم والحال أنك لو رأيت ~~اعترافهم به إذا سألهم خالقهم لسرك ذلك من ذلهم وما يؤول إليه أمرهم، ~~وعبر بالمضارع تصويرا لحالهم ذلك، وقوله: { إذ وقفوا على ربهم } مجازا ~~عن الحبس في مقام من مقامات الجلال بما اقتضاه إضافة الرب إليهم، أي الذي ~~طال إحسانه إليهم وحلمه عنهم، فأظهر لهم ما أظهر في ذلك المقام من ~~تبكيتهم وتوبيخهم وتقريعهم، وأطلعهم بما يقتضيه أداة الاستعلاء - على ما ~~له سبحانه من صفات العظمة من الكبرياء والانتقام من التربية إذ لم يشكروا ~~إحسانه في تربيتهم، وسياق الآية يقتضي أن يكون الجواب: لرأيتهم قد منعتهم ~~الهيبة وعدم الناصر وشدة الوجل من الكلام، فكأن سائلا قال: المقام يرشد ~~إلى ذلك حتى كأنه مشاهد فهل يكلمهم الله لما يشعر به التعبير بوصف ~~الربوبية؛ قيل: نعم، لكن كلام إنكار وإخزاء وإذلال { قال أليس هذا } أي ~~الذي أتاكم به رسولي من أمر البعث وغيره مما ترونه الآن من دلائل كبريائي ~~{ بالحق } أي الأمر الثابت الكامل في الحقية الذي لا خيال فيه ولا سحر { ~~قالوا } أي حين إيقافهم عليه، فكان ما أراد: { بلى } ، وزادوا على ما ~~أمروا به في الدنيا القسم فقالوا: { وربنا } أي الذي أحسن إلينا ms1344 بأنواع ~~الإحسان، وكأن كلامهم هذا منزل على حالات تنكشف لهم فيها أمور بعد أخرى، ~~كل أمر أهول مما قبله، ويوم القيامة - كما قال ابن عباس رضي الله عنهما - ~~ذو ألوان: تارة لا يكلمهم الله، وتارة يكلمهم فيكذبون، وتارة يسألهم عن ~~شيء فينكرون، فتشهد جوارحهم، وتارة يصدقون كهذا الموقف ويحلفون على ~~الصدق. # ولما أقروا قهرا بعد كشف الغطاء وفوات الإيمان بالغيب بما كانوا به ~~يكذبون، تسبب عنه إهانتهم، فلذا قال مستأنفا: { قال } أي الله مسببا عن ~~اعترافهم حيث لا ينفع، وتركهم في الدنيا حيث كان ينفع { فذوقوا العذاب } ~~أي الذي كنتم به توعدون { بما كنتم تكفرون } أي بسبب دوامكم على ستر ما ~~دلتكم عليه عقولكم من صدق رسولكم، ولا شك أن الكلام - وإن كان على هذه ~~الصورة - فيه نوع إحسان، لأنه أهون من التعذيب مع الإعراض في مقام # اخسؤوا فيها ولا تكلمون # [المؤمنون: 108] ولذلك كان ذلك آخر المقامات. ### || [6.31-34] # ولما أنتج هذا ما تقدم الإخبار به عن خسرانهم لأنفسهم في القيامة توقع ~~السامع ذكره، فقال تحقيقا لذلك، وزاده الحمل فإنه من ذوق العذاب: { قد ~~خسر } وأظهر موضع الإضمار تعميما وتنبيها على ما أوجب لهم ذلك فقال: { ~~الذين كذبوا بلقاء الله } أي الملك الأعلى الذي له الأمر كله، ولا أمر ~~لأحد معه، قد خسروا كل شيء يمكن إحرازه من الثواب العظيم واستمر تكذيبهم ~~{ حتى إذا جاءتهم الساعة } أي الحقيقة، وكذا الموت الذي هو مبدأها فإن من ~~مات جاءت ساعته، وحذرهم منها بقوله: { بغتة } أي باغتة، أو ذات بغتة، أو ~~بغتتهم بإتيانها على حين غفلة، لا يمكن أن يشعروا بعين الوقت الذي تجيء ~~فيه نوعا من الشعور { قالوا يا حسرتنا } أي تعالى احضرينا أيها الحسرة ~~اللائقة بنا في هذا المقام! فإنه لا نديم لنا سواك، وهو كناية عن عظمة ~~الحسرة وتنبيه عليه، لينتهي الإنسان عن أسبابها { على ما فرطنا } أي ~~قصرنا { فيها } أي بسبب الساعة، ففاتنا ما يسعد فيها من تهذيب الأخلاق ~~المهيئة للسباق بترك اتباع الرسل، وذلك أن الله خلق المكلف وبعث ms1345 له النفس ~~الناطقة القدسية منزلا لها إلى العالم السفلي، وأفاض عليه نعما ظاهرة ~~وهي الحواس الظاهرة المدركة والأعضاء والآلات الجثمانية، ونعما باطنة ~~وهي العقل والفكر وغيرهما، ليتوسل باستعمال هذه القوى والآلات إلى تحصيل ~~المعارف الحقيقية والأخلاق الفاضلة التي تعظم منافعها بعد الموت، وبعث ~~الأنبياء عليهم السلام للهداية وأظهر عليهم المعجزات ليصدقوا، فأعرضوا ~~عما دعوا إليه من تزكية النفس، وأقبلوا على استعمال الآلات والقوى في ~~اللذات والشهوات الفانية ففاتت الآلات البدنية التي هي رأس المال، وما ~~ظنوه من اللذات التي عدوها أرباحا فات ففقدوا الزاد، ولم يهيئوا النفوس ~~للاهتداء، فلا رأس مال ولا ربح، فصاروا في غاية الانقطاع والغربة، ولا ~~خسران أعظم من هذا. # ولما كان هذا أمرا مفظعا، زاد في تفظيعه بالإخبار في جملة حالية بشدة ~~تعبهم في ذلك الموقف ووهن ظهورهم بذنوبهم، حتى كأن عليهم أحمالا ثقالا ~~فقال: { وهم } أي وقالوا ذلك والحال أنهم { يحملون أوزارهم } أي أحمال ~~ذنوبهم التي من شأنها أن يثقل، وحقق الأمر وصوره بقوله: { على ظهورهم } ~~لاعتقاد الحمل عليه، كما يقال: ثقل عليك كلام فلان، ويجوز أن يجسد ~~أعمالهم أجسادا ثقالا، فيكلفوا حملها؛ ولما كان ذلك الحمل أمرا لا ~~يبلغ الوصف الذي يحتمله عقولنا كل حقيقة ما هو عليه من البشاعة والثقل، ~~أشار إلى ذلك بقوله جامعا للمذام: { ألا ساء ما يزرون * }. # فلما تأكد أمر البعث غاية التأكد، ولم يبق فيه لذي لب وقفة، صرح بما ~~اقتضاه الحال من أمر هذه الدار، فقال منبها على خساستها معجبا منهم في ~~قوة رغبتهم في إيثار لذاذتها، معلما بأنه قد كشف الحال عن أن ما ركنوا ~~إليه خيال، وما كذبوا به حقيقة ثابتة ليس لها زوال، عكس ما كانوا يقولون: ~~{ وما الحياة الدنيا }. # ولما كان السياق للخسارة، وكانت أكثر ما تكون من اللعب - وهو فعل ما ~~يزيد سرور النفس على وجه غير مشروع، ويسرع انقضاؤه - قدمه فقال: { إلا ~~لعب ولهو } أي للأشقياء، وللحياة الدنيا شر للذين يلعبون، واللهو ما من ~~شأنه أن يعجب النفس كالغناء والزينة من المال ms1346 والنساء على وجه لم يؤذن ~~فيه، فيكون سببا للغفلة عما ينفع، فتأخيره إشارة إلى أن الجهلة كلما ~~فتروا في اللعب وهو اشتغال بالأمور السافلة والشواغل الباطلة بعلو النفوس ~~أثاروا الشهوات بالملاهي، والمعنى أنه تحقق من هذه الآيات زوال الدنيا، ~~فتحققت سرعته، لأن كل آت قريب، فحينئذ ما هي إلا ساعة لعب، يندم الإنسان ~~على ما فرط فيها، كما يندم اللاعب - إن كان له عقل - على تفويت الأرباح ~~إذا رأى ما حصل أولو الجد وأرباب العزائم. # ولما كان التقدير بما أرشد إليه المعنى: وما الدار الآخرة إلا جد وحضور ~~وبقاء للأتقياء، أتبعه قوله مؤكدا: { وللدار الآخرة خير } ولما كان الكل ~~مآلهم إلى الآخرة، خصص فقال: { للذين يتقون } أي يوجدون التقوى، وهي ~~الخوف من الله الذي يحمل على فعل الطاعات وترك المعاصي، ليكون ذلك وقاية ~~لهم من غضب الله، فذكر حال الدنيا وحذف نتيجتها لأهلها لدلالة ثمرة ~~الآخرة عليه وحذف ذكر حال الآخرة لدلالة ذكر حال الدنيا عليه، فهو ~~احتباك؛ ولما كان من شأن العقلاء الإقبال على الخير وترك غيره، تسبب عن ~~إقبالهم على الفاني وتركهم الباقي قوله منكرا: { أفلا تعقلون * }. # ولما كرر في هذه السورة أمره بمقاولتهم، وأطال في الحث على مجادلتهم، ~~وختم بما يقتضي سلبهم العقل مع تكرير الإخبار بأن المقضي بخسارته منهم لا ~~يؤمنون لآية من الآيات، وكان من المعلوم أنهم حال إسماعهم ما أمر به لا ~~يسكتون لما عندهم من عظيم النخوة وشماخة الكبر وقوة الجرأة، وأنه لا جواب ~~لهم إلا التبعة والبذاءة كما هو دأب المعاند المغلوب، وأن ذلك يحزنه صلى ~~الله عليه وسلم لما جبل عليه من الحياء والشهامة والصيانة والنزاهة، كان ~~الحال محتاجا إلى التسلية فقال تعالى: { قد نعلم } والمراد بالمضارع ~~وجود العلم من غير نظر إلى زمان، وعدل عن الماضي لئلا يظن الاختصاص به، ~~فالمراد تحقق التجدد لتعلق العلم بتجدد الأقوال { إنه ليحزنك } أي يوقع ~~على سبيل التجديد والاستمرار لك الحزن على ما فاتك من حالات الصفاء التي ~~كدرها { الذي يقولون } أي من تكذيبك، ms1347 فقد علمنا امتثالك لأوامرنا في ~~إسماعهم ما يكرهون من تنزيهنا، وعلمنا ردهم عليك بما لا يرضيك، وعلمنا ~~أنه يبلغ منك، فلا تحزن لأن من علم أن ربه يرضي المطيع له ويجزي عاصيه، ~~وهو عالم بما ينال المطيع في طاعته لا ينبغي أن يحزن بل يسر، وهو كقوله ~~تعالى في سورة يس # فلا يحزنك قولهم إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون # [يس: 76] ولا شك أن الحزن عند وقوع ما يسوء من طبع البشر الذي لا يقدر ~~على الانفكاك عنه، فالنهي عنه إنما هو نهي عما ينشأ عنه من الاسترسال ~~المؤدي إلى الجزع المؤدي إلى عدم الصبر ونسيان ما يعزي، فهو من النهي عن ~~السبب للمبالغة في النهي عن المسبب، وما أنسب ذكر ما يحزن بعد تقرير أن ~~الدنيا لأهلها لعب ولهو وأن الآخرة خير للمتقين، ومن المعلوم أنهما ضدان، ~~فلا تنال إحداهما إلا بضد ما للأخرى، فلا تنال الآخرة إلا بضد ما لأهل ~~الدنيا من اللعب واللهو، وذلك هو الحزن الناشئ عن التقوى الحامل عليها ~~الخوف كما روي في حديث قدسي # " أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي ". # ولما أخبره سبحانه بعلمه بذلك، سبب عنه قوله: { فإنهم } أي فلا يحزنك ~~ذلك فإنهم { لا يكذبونك } بل أنت عندهم الأمين، وليكن علمنا بما تلقى ~~منهم سببا لزوال حزنك، وكذا إخبارنا لك بعدم تكذيبهم لك، بل أنت عندهم ~~في نفس الأمر أمين غير متهم ولكنهم لشدة عنادهم ووقوفهم مع الحظوظ وعجزهم ~~عن جواب يبرد غللهم ويشفي عللهم ينكرون آيات الله مع علمهم بحقيتها، ~~فليخفف حزنك لنفسك ما انتهكوه من حرمة من أرسلك، والآية من الاحتباك: حذف ~~من الجملة الأولى - إظهارا لشرف النبي صلى الله عليه وسلم وأدبا معه - ~~سبب الحزن، وهو التكذيب لدلالة الثانية عليه، ومن الثاني النهي عن المسبب ~~لدلالة الأولى عليه؛ روى الطبري في تفسيره عن السدي أنه لما كان يوم بدر ~~قال الأخنس بن شريق لبني زهرة إن محمدا ابن أختكم، وأنتم أحق من كف عنه، ~~فإنه إن كان نبيا لم تقاتلوه ms1348 اليوم، وإن كان كاذبا كنتم أحق من كف عن ~~ابن أخته، قفوا هاهنا حتى ألقى أبا الحكم، فإن غلب محمد رجعتم سالمين، ~~وإن غلب محمد فإن قومكم لن يصنعوا بكم شيئا، فيومئذ سمي " الأخنس " ، ~~وكان اسمه " أبي " ، فالتقى الأخنس وأبو جهل، فخلا الأخنس به فقال: يا ~~أبا الحكم! أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب، فإنه ليس هاهنا من قريش أحد ~~غيري وغيرك يسمع كلامنا، فقال أبو جهل: ويحك! والله إن محمدا لصادق، وما ~~كذب محمد قط، ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والحجابة والسقاية والنبوة ~~فماذا يكون لسائر قريش! وعن ناجية قال قال أبو جهل للنبي صلى الله عليه ~~وسلم: ما نتهمك ولكن نتهم الذي جئت به، فأنزل الله الآية وعلى ذلك يدل ~~قوله تعالى: { ولكن } ، وقال: { الظالمين } في موضع الضمير تعميما ~~وتعليقا للحكم بالوصف، اي الذين كانوا في مثل الظلام { بآيات } أي بسبب ~~آيات { الله } أي الملك الأكبر الذي له الكمال كله { يجحدون * } قال أبو ~~علي الفارسي في أول كتاب الحجة: أي يجحدون ما عرفوه من صدقك وأمانتك، ~~وعلق باء الجر بالظالمين كما هي في قوله # وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها # [الإسراء: 59] ونحوها، وقال ابن القطاع في كتاب الأفعال: جحد الشيء ~~جحدا وجحودا: أنكره وهو عالم به. هذا قصدهم غير أنه لا طريق لهم إلا ~~إنكار الآيات إلا بالتكذيب، أو ما يؤول إليه، وأنت تعلم أن الذي أرسلك ~~على كل شيء قدير، وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير، فاقتضت قدرته ~~وقهره وانتصاره لأهل ولايته وجبره أن يحل بأعدائهم سطوة تجل عن الوصف، ~~واقتضت حكمته عدم المعاجلة بها تشريفا لك وتكثيرا لأمتك. # ولما سلاه بوعده النصرة المسببة عن علم المرسل القادر، وبأن تكذيبهم ~~إنما هو له سبحانه، وهو مع ذلك يصبر عليهم ويحلم عنهم، بل ويحسن إليهم ~~بالرزق والمنافع، زاده أن ذلك سنة في إخوانه من الرسل فقال: { ولقد } ~~ولما كان المنكي هو التكذيب لا كونه من معين، بني للمفعول قوله: { كذبت ~~رسل }. # ولما كان تكذيبهم لم ms1349 يستغرق الزمان، وكان الاشتراك في شيء يهونه، وكلما ~~قرب الزمان كان أجدر بذلك أدخل الجار فقال: { من قبلك } بأن جحد قومهم ما ~~يعرفون من صدقهم وأمانتهم كما فعل بك { فصبروا } أي فتسبب عن تكذيب قومهم ~~لهم أنهم صبروا { على ما كذبوا وأوذوا } أي فصبروا أيضا على ما أوذوا، ~~ثم أشار إلى الوعد بالنصر بشرط الصبر فقال: { حتى } أي وامتد صبرهم حتى { ~~آتاهم نصرنا } أي فليكن لك بهم أسوة، وفيهم مسلاة، فاصبر حتى يأتيك النصر ~~كما أتاهم، فقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين أنهم لهم المنصورون في ~~قولنا # فإن حزب الله هم الغالبون # [المائدة: 56] { ولا مبدل لكلمات الله } أي لأن له جميع العظمة فلا كفوء ~~له، ودل سبحانه على صعوبة مقام الصبر جدا بالتأكيد فقال: { ولقد جاءك } ~~ودل على عظيم ما تحملوا بقوله: { من نبإى المرسلين * } أي خبرهم العظيم ~~في صبرهم واحتمالهم وطاعتهم وامتثالهم ورفقهم بمن أرسلوا إليهم ونصرنا ~~لهم على من بغى عليهم، ومجيء نبأهم تقدم إجمالا وتفصيلا، أما إجمالا ~~ففي مثل قوله # وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير # [آل عمران: 146]، # أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم # [البقرة: 87] وأما تفصيلا ففي ذكر موسى وعيسى وغيرهما؛ وفي قوله { ~~فصبروا } أدل دليل على ما تقدم من أن النهي عن الحزن نهي عن تابعه المؤدي ~~إلى عدم الصبر، والتعبير بمن التبعيضية تهويل لما لقوا، فهو أبلغ في ~~التعزية. ### || [6.35-37] # ولما سلاه بما هو في غاية الكفاية في التسلية، أخبره بأنه لا حيلة له ~~غير الصبر، فقال عاطفا على ما تقديره: فتسل واصبر كما صبروا، وليصغر ~~عندك ما تلاقي منهم في جنب الله: { وإن كان كبر } أي عظم جدا { عليك ~~إعراضهم } أي عما يأتيهم به من الآيات الذي قدمنا الإخبار عنه بقولنا # وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين # [الأنعام: 4] وأردت أن تنتقل - في إخبارنا لك بأنه لا ينفعهم الآيات ~~المقترحات - من علم اليقين إلى عين اليقين { فإن استطعت أن تبتغي } أي ~~تطلب بجهدك وغاية طاقتك { نفقا } أي منفذا ms1350 { في الأرض } تنفذ فيه إلى ~~ما عساك تقدر على الانتهاء إليه { أو سلما في السماء } أي جهة العلو ~~لترتقي فيه إلى ما تقدر عليه { فتأتيهم بآية } أي ما اقترحوا عليك فافعل ~~لتشاهد أنهم لا يزدادون عند إتيانك بها إلا إعراضا كما أخبرناك، لأن ~~الله قد شاء ضلال بعضهم، والمراد بهذا بيان شدة حرصه صلى الله عليه وسلم ~~على هدايتهم بأنه لو قدر على أن يتكلف النزول إلى تحت الأرض أو فوق ~~السماء فيأتيهم بما يؤمنون به لفعل. # ولما كان هذا السياق ربما أوهم شيئا في القدرة، نفاه إرشادا إلى تقدير ~~ما قدرته فقال: { ولو شاء الله } أي الذي له العظمة الباهرة والقدرة ~~الكاملة القاهرة { لجمعهم على الهدى } أي لأن قدرته شاملة، وإيمانهم في ~~حد ذاته ممكن، ولكنه قد شاء افتراقهم بإضلال بعضهم؛ ولما كان صلى الله ~~عليه وسلم - بعد إعلام الله له بما أعلم من حكمه بأن الآيات لا تنفع من ~~حتم بكفره - حريصا على إجابتهم إلى ما يقترحونه رجاء جمعهم على الهدى ~~لما طبع عليه من مزيد الشفقة على الغريب فضلا عن القريب، مع ما أوصاه ~~الله به ليلة الإسراء من غير واسطة - كما أفاده الحرالي - من إدامة ~~الشفقة على عباده والرحمة لهم والإحسان إليهم واللين لهم وإدخال السرور ~~عليهم، فتظافر على ذلك الطبع والإيصاء حتى كان لا يكف عنه إلا لأمر جازم ~~أو نهي مؤكد صارم، سبب عن ذلك قوله: { فلا تكونن } فأكد الكلام سبحانه ~~ليعلم صلى الله عليه وسلم أنه قد حتم بافتراقهم، فيسكن إلى ذلك ويخالف ما ~~جبل عليه من شدة الشفقة عليهم { من الجاهلين * } أي إنك أعلم الناس ~~مطلقا ولك الفراسة التامة والبصر النافذ والفكرة الصافية بمن لم تعاشره، ~~فكيف بمن بلوتهم ناشئا وكهلا ويافعا! فلا تعمل بحجة ما أوصاك الله به ~~من الصبر والصفح، وجبلك عليه من الأناة والحلم في ابتغاء إيمانهم بخلاف ~~ما يعلم من خسرانهم، فلا تطمع نفسك فيما لا مطمع فيه، فإن ما شاءه لا ~~يكون غيره، فهذه الآية وأمثالها - مما ms1351 في ظاهره غلظة - من الدلالة على ~~عظيم رتبته صلى الله عليه وسلم ومن لطيف أمداح القرآن له - كما يبين إن ~~شاء الله تعالى في سورة التوبة عند قوله تعالى # عفا الله عنك # [التوبة: 43]. # ولما أفهم هذا القضاء الحتم أنه قد صار حالهم حال من حتم بالموت، فلا ~~يمكن إسماعه إلا الله، ولا يمكن أن يستجيب عادة، قال: { إنما يستجيب } أي ~~في مجاري عاداتكم { الذين يسمعون } أي فيهم قابلية السمع لأنهم أحياء ~~فيتدبرون حينئذ ما يلقى إليهم فينتفعون به، وهؤلاء قد ساووا الموتى في ~~عدم قابلية السماع للختم على مشاعرهم { والموتى } أي كلهم حسا ومعنى { ~~يبعثهم الله } أي الملك المحيط علما وقدرة، فهو قادر على بعثهم بإفاضة ~~الإيمان على الكافر وإعادة الروح إلى الهالك فيسمعون حينئذ، فالآية من ~~الاحتباك: حذف من الأول الحياة لدلالة { الموتى } عليها، ومن الثاني ~~السماع لدلالة { يسمعون } عليه. # ولما قرر أن من لا يؤمن كالميت، حثا على الإيمان وترغيبا فيه، وقدر ~~قدرته على البعث، خوف من سطواته بقوله: { ثم إليه } أي وحده { يرجعون ~~* } أي معنى في الدنيا فإنه قادر على كل ما يشاء منهم، لا يخرج شيء من ~~أحوالهم عن مراده أصلا وحسا بعد الموت، فيساقون قهرا إلى موقف يفصل ~~فيه بين كل مظلوم وظالمه. # ولما سلاه صلى الله عليه وسلم فيما أخبرته من أقوالهم بما شرح صدره وسر ~~خاطره، وأعلمه تخفيفا عليه أن أمرهم إنما هو بيده، ذكره بعض كلامهم ~~الآئل إلى التكذيب عقب إخباره بالحشر الذي يجازي فيه كلا بما يفعل، ~~فقال عطفا على قوله # وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا # [الأنعام: 29] وقوله # وقالوا لولا أنزل عليه الملك # [الأنعام: 8] يعجب منه تعجيبا آخر: { وقالوا } أي مغالطة أو عنادا أو ~~مكابرة { لولا } أي هلا { نزل } أي بالتدريج { عليه } أي خاصة { آية } أي ~~واحدة تكون ثابتة بالتدريج لا تنقطع، وهذا منهم إشارة إلى أنهم لا يعدون ~~القرآن آية ولا شيئا مما رأوه منه صلى الله عليه وسلم من غير ذلك نحو ~~انشقاق القمر { من ربه } أي المحسن ms1352 إليه على حس ما يدعيه لنستدل بها على ~~ما يقول من التوحيد والبعث. # ولما كان في هذا - كما تقدم - إشارة منهم إلى أنه لم يأت بآية على هذه ~~الصفة إما مكابرة وإما مغالطة، أمره بالجواب بقوله: { قل إن الله } أي ~~الذي له جميع الأمر { قادر على أن } وأشار بتشديد الفعل إلى آية القرآن ~~المتكررة عليهم كل حين تدعوهم إلى المبارزة وتتحداهم بالمبالغة والمعاجزة ~~فقال: { ينزل } وقراءة ابن كثير بالتخفيف مشيرة إلى أنهم بلغوا في ~~الوقاحة الغاية، وأنهم لو قالوا: لولا أنزل، أي مرة واحدة، لكان أخف في ~~الوقاحة، أو إلى أنه أنزل عليهم أي آية، كانت تلجئهم وتضطرهم إليه في آن ~~واحد كما قال تعالى # إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين # [الشعراء: 4] ولكنه لا يسأل ذلك إلا بالتدريج كما يشير إليه صيغة ~~التفعيل في قراءة غيره المذكرة بأن آية القرآن لا تنقضي، بل كلما سمعها ~~أحد منهم أو من غيرهم طول الدهر كانت منزلة عليه لكونها واصلة إليه، فهو ~~أبلغ من مطلوبهم آية ينزل عليه وحده، والحاصل أنهم طلبوا آية باقية محضة، ~~فلوح لهم إلى آية هي - مع كونها خاصة به فيما حصل له من الشرف - عامة لكل ~~من بلغته، باقية طول المدى { آية } أي مما اقترحوه ومن غيره، لا يعجزه ~~شيء، وفي كل شيء له من الآيات ما يعجز الوصف، وكفى بالقرآن العظيم مثالا ~~لذلك { ولكن أكثرهم لا يعلمون * } أي ليس فيهم قابلية العلم، فهم لا ~~يتفكرون في شيء من ذلك الذي يحدثه من مصنوعاته ليدلهم على أنه على كل شيء ~~قدير، فلا فائدة لهم في إنزال ما طلبوه، وأما غير الأكثر فهو سبحانه ~~يردهم بآية القرآن أو غيرها مما لم يقترحوه. ### || [6.38-41] # ولما عجب منهم في قولهم هذا الذي يقتضي أنهم لم يروا له آية قط بعد ما ~~جاءهم من الآيات الخاصة به ما ملأ الأقطار، ورد إلى الصم الأسماع، وأنار ~~من العمى الأبصار؛ ذكرهم بآية غير آية القرآن تشتمل على آيات مستكثرة ms1353 ~~كافية لصلاحهم، رتبها سبحانه قبل سؤالهم تفضلا منه عليهم دالة على باهر ~~قدرته على البعث وغيره من الآيات التي طلبوها وغيرها وعلى تفرده بجميع ~~الأمر، إذا تأملوها حق تأملها كفتهم في جميع ما يراد منهم فقال تعالى: { ~~وما } أي قالوا ذلك والحال أنه ما، وهي ناظرة أتم نظر إلى قوله # هو الذي خلقكم من طين # [الأنعام: 2] أي فعل ذلك بكم وما { من دابة في الأرض } أي تدب أي تنتقل ~~برجل وغير رجل { ولا طائر يطير } وقرر الحقيقة بقوله: { بجناحيه } وشمل ~~ذلك جميع الحيوان حتى ما في البحر، لأن سيرها في الماء إما أن يكون ~~دبيبا أو طيرانا مجازا. # ولما كان المراد بالدابة والطائر الاستغراق قال: { إلا أمم } أي يقصد ~~منها في نفسه، ويقصد هو نوعه وينضم إلى شكله { أمثالكم } أي في ذلك وفي ~~أنا خلقناكم ولم يكونوا شيئا وحفظنا جميع أحوالهم، وقدرنا كل أرزاقهم ~~وآجالهم، وجعلنا لكم فيهم أحكاما جددناها لكم، وجعلنا لكل منهم أجلا ~~للموت لا يتعداه بعد أن فاوتنا بينهم في الحياة، وللكل أجل في علمنا في ~~البرزخ مثبت قبل أن نخلقهم، لا ينقص ذرة ولا يزيد خردلة، وجعلنا في هذه ~~الحيوانات ما هو أقوى منكم وما هو أضعف، وجعلناكم أقوى من الجميع بالعقل، ~~ولو شئنا لجعلنا له بين قوة البدن والعقل، وربما سلطنا الأضعف عليكم ~~كالجراد والفأر والدود بما تعجز عنه عقولكم، ولو شئنا لسلطنا عليكم من ~~أضعفها خلقا - البعوض - ما أخذ بأنفاسكم ومنعكم القرار وأخرجكم عن حركات ~~الاختيار إلى أن أهلككم جميعا هلاك نفس واحدة - إلى غير ذلك من أمور تكل ~~عنها العقول وتقف دونها نوافذ الفكر، وهذا كله معنى قوله: { ما فرطنا } ~~أي تركنا وأغفلنا لما لنا من القدرة الكاملة والعلم الشامل { في الكتاب } ~~أي اللوح المحفوظ والقرآن، وأعرق في النفي بقوله: { من شيء } أي ليذهب ~~ذكره كما يذهب العقد الذي ينقطع سلكه فيتفرط، بل ذكرنا جميع أحوال خلقنا ~~من الجن والإنس والملائكة وغيرهم من كل ناطق وصامت، فصارت في غاية الضبط ~~حتى أن الحفظة ms1354 يعرضون ما يحدث من عمل المكلفين وغيره آخر النهار على ما ~~كان مثبتا في أم الكتاب فيجدونه كما هو، لا يزيد شيئا ولا ينقص، ~~فيزدادون إيمانا، وأثبتنا في هذا القرآن مجامع الأمور، فهو تبيان لكل ~~شيء من الأحكام الأصلية والفرعية والدلالات على كل ذلك وأخبار الأولين ~~والآخرين وكل علم يمكن أن يحتاجه المخلوق، فمن أراد الهداية هداه بدقيق ~~أسراره، ومن أعرض أوقعه في الردى، وعمي حتى عن واضح أنواره، والآية كما ~~قال تعالى { إن في خلق السماوات والأرض } إلى أن قال: # وبث فيها من كل دابة - لآيات لقوم يعقلون # [البقرة: 164]. # وفي كل شيء له آية # تدل على أنه واحد # أفلا يكون لكم في ذلك آيات تغنيكم عن إرسال الرسل فضلا عن أن تتوقفوا ~~بعد إرسالهم ولا ترضوا منهم من خوارق العادات إلا بما تقترحونه. # ولما أشار إلى ما شارك فيه سائر الحيوان للآدميين من أحوال الحياة ~~وغيرها، نص على الحشر الذي هو محط الحكمة فقال: { ثم } أي بعد طول الحياة ~~والإقامة في البرزخ { إلى ربهم } أي خاصة، وبني للمفعول على طريق كلام ~~القادرين قوله: { يحشرون * } أي يجمعون كرها بعد أن يعيدهم كلهم كما ~~بدأهم، وينصف كل مظلوم منهم من ظالمه، كل ذلك عليه هين # ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة # [لقمان: 28] والكل محفوظون في كتاب مبين على اختلاف أنواعهم وتباين ~~حقائقهم وأشخاصهم وزيادتهم في الجد على أن يوجه نحوهم العد - سبحان من ~~أحاط بكل شيء علما، وأحصى كل شيء عددا، إن ذلك على الله يسير، وهو على ~~كل شيء قدير. # ولما كان التقدير بعد التذكير بهذه الآية التي تنوعت فيها الآيات وتكررت ~~وتكثرت فيها الدلالات: فالذين آمنوا أحياء سامعون لأقوالنا، ناطقون ~~بمحامدنا راؤون لأفعالنا، عطف عليه قوله: { والذين كذبوا } أي أوقعوا ~~التكذيب { بآياتنا } أي على ما لها من العظمة المقتضية لإضافتها إلينا، ~~مرئية كانت أو مسموعة، تكذيبا متكررا على عدد الآيات بالفعل أو بالقوة ~~ولو بالإعراض عنها { صم } أي أموات فهم لا يسمعون { وبكم } لا ينطقون { ~~في الظلمات } أي ms1355 عمي لا يبصرون، فلذلك لا يزالون خابطين خبط العشواء ~~ساعين غاية السعي إلى الردى، لأن ذلك شأن من في الظلمة، فكيف بمن هو في ~~جميع الظلمات! ولعله جمعها إشارة إلى أن المكذب لا ينتفع ببصر ولا ~~ببصيرة، وذلك أنهم لما لم ينتفعوا بحياتهم ولا بأسماعهم ولا نطقهم ولا ~~أبصارهم ولا عقولهم كان كل ذلك منهم عدما. # ولما بين أن الأصم الأبكم الأعمى لا يتمكن هدايته، بين أن ذلك إنما هو ~~بالنسبة لغيره سبحانه فطما عن طلب إجابتهم إلى ما يقترحون من الآيات ~~وأما هو سبحانه ففعال لما يريد، فقال في جواب من كأنه قال: إنما تمكن ~~هدايتهم: { من يشإ الله } أي الذي له الأمر كله ولا أمر لأحد معه إضلاله ~~{ يضلله ومن يشأ } هدايته { يجعله } وأشار إلى تمكينه بأداة الاستعلاء ~~فقال: { على صراط مستقيم * } بأن يخلق الهداية في قلبه - ومن يهد الله ~~فما له من مضل ومن يضلل الله فما له من هاد، مع أن الكل عباده وخلقه، ~~متقلبون في نعمه، غادون رائحون في بره وكرمه - إن في ذلك على وحدانيته ~~وتمام قدرته لآيات بينات لقوم يعقلون. # ولما كانت هذه الآية - بما فيها من التصريح بالتكذيب - شديدة الاعتناق ~~لقوله # ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا # [الأنعام: 21و 39] وقوله # كذبوا بالحق لما جاءهم فسوف يأتيهم أنباؤا # [الأنعام: 5] الآيتين رجع بالذي بعدها إلى فذلكة التفاصيل الماضية ~~وواسطة عقدها وفريدة درها، وهو التوحيد الذي أبانته الأدلة قبل الآيتين، ~~فقال دالا على اعتقادهم القدرة التي استلزم نعتهم بطلب الآية نفيها، ~~واعتقادهم للتوحيد في الجملة وهم يكذبون به، بيانا لأنهم في الظلمات ~~مقهورون بيد المشيئة لعدم تحاشيهم من التناقض معجبا منهم: { قل أرءيتكم ~~} أي أخبروني يا من كذب بالآيات والقدرة عنادا وشهد أن مع الله آلهة ~~أخرى، وعدل بالله الذي يعلم السر والجهر، وهو مع من يدعوه في كل سماء وكل ~~أرض بعنايته ونصره. # ولما كانت حقيقة { أرءيتكم }: هل رأيتم أنفسكم، وكان هذا لكونه سؤالا ~~عن معلوم لا يجهله أحد - مشيرا إلى أن السؤال ms1356 عن غيره مما قد يخفى من ~~أحوال النفس، كان كأنه قيل: عن أي أحوال نفوسنا نسأل؟ فقيل تنبيها لهم ~~على حالة تلزمهم بالتوحيد أو العناد الذي يصير في العلم به كالسؤال عن ~~رؤية النفس سواء: { إن أتاكم } أي قبل مجيء الساعة كما آتى من قبلكم { ~~عذاب الله } أي المستجمع لمجامع العظمة، فلا يقدر أحد على كشف ما يأتي به ~~{ أو أتتكم الساعة } أي القيامة بما فيها من الأهوال. # ولما عجب منهم بما مضى - كما مضى، قال مجيبا للشرط موبخا لهم منكرا ~~عليهم عدم استمرارهم على دعائه ولزوم سؤاله وندائه، ويجوز أن يكون جواب ~~الشرط محذوفا تقديره: من تدعون؟ ثم زادهم توبيخا وتبكيتا بقوله: { ~~أغير الله } أي الملك الذي له العظمة كلها { تدعون } أي لشدة من تلك ~~الشدائد، ولا تدعون الله مع ذلك الغير { إن كنتم صادقين * } أي في أن غير ~~الله يغني شيئا حى يستحق الإلهية، وجواب الشرط محذوف تقديره: فادعوا ذلك ~~الغير، وهذه حجة لا يسعهم معها غير التسليم، فإن عادتهم كانت مستمرة ~~أنهم إذا اشتد الأمر وضاق الخناق لا يدعون غير الله ولا يوجهون الهمم إلا ~~إليه، فإن سلكوا سبيل الصدق الذي له ينتحلون وبه يتفاخرون فقالوا: لا ~~ندعو غيره، فقد لزمتهم الحجة في أنه لا يعدل به شيء ولا شريك له، وإن ~~عاندوا نطق لسان الحال أنهم على محض الضلال، وإن سكتوا أثبت عليك الخطاب، ~~وهي مع ذلك - كما ترى - دليل على ما أخبرت به الآية قبلها من أن الأمر ~~كله لله، أي إنكم كلكم مشتركون في وضوح الأمر في أنه لا منصرف إلا إليه ~~وقد افترقتم فصدق بعض وكذب آخرون، فلو أن الأمر موقوف على وضوح الدلالة ~~فقط كان الكل على نهج واحد، هذا ونقل أبو حيان عن الفراء أنه قال: للعرب ~~في أرأيت لغتان ومعنيان: أحدهما أن تسأل الرجل: أرأيت زيدا، أي بعينك، ~~فهذه مهموزة، وثانيهما أن تقول: أرأيت، وأنت تريد: أخبرني، فهاهنا تترك ~~الهمزة إن شئت، وهو أكثر كلام العرب، وتومئ إلى ترك الهمزة ms1357 للفرق بين ~~المعنيين؛ ثم قال أبو حيان: وكون أرأيت وأرأيتك بمعنى أخبرني نص عليه ~~سيبويه وغيره من أئمة العرب، وهو تفسير معنى لا تفسير إعراب، لأن أخبرني ~~يتعدى بعن، وأرأيت متعد لمفعول به صريح وإلى جملة استفهامية هي في موضع ~~المفعول الثاني؛ وقال في سورة يونس عليه السلام: تقدم في سورة الأنعام أن ~~العرب تضمن أرأيت معنى أخبرني وأنها تتعدى إذ ذاك إلى مفعولين، وأن ~~المفعول الثاني أكثر ما يكون جملة استفهام، ينعقد منها ومما قبلها مبتدأ ~~وخبر، يقول العرب: أرأيت زيدا ما صنع؟ المعنى: أخبرني عن زيد ما صنع! ~~وقبل دخول أرأيت كان الكلام: زيد ما صنع - انتهى. # قلت: وحقيقة المعنى كما مر: هل رأيت زيدا؟ فلما استفهم عن رؤيته - ~~والمراد الخبر لا البصر - علم أن السؤال عن بعض أحواله، فكأنه قيل: ما ~~له؟ فقيل: ما صنع؟. # ولما كان استفهام الإنكار بمعنى النفي، كان كأنه قيل: لا تدعون غيره، ~~فعطف عليه قوله: { بل إياه } أي خاصة { تدعون } أي حينئذ؛ ولما كان يتسبب ~~عن دعائهم تارة الإجابة وأخرى غيرها قال: { فيكشف } أي الله في الدنيا أو ~~في الآخرة، فإنه لا يجب عليه شيء، ولا يقبح منه شيء { ما تدعون إليه } أي ~~إلى كشفه { إن شاء } أي ذلك تفضلا عليكم كما هي عادته معكم في وقت ~~شدائدكم، ولكنه لا يشاء كشفه في الآخرة، لأنه لا يبدل القول لديه وإن كان ~~له أن يفعل ما يشاء، ولو كان يجيبكم دائما وأنتم لا تدعون غيره، لكان ~~ذلك كافيا في الدلالة على اعتقادكم أنه لا قادر إلا هو، فكيف وهو يجيبكم ~~في الدنيا إذا دعوتموه تارة ويجيبكم أخرى، ومع ذلك فلا يردكم عدم إجابته ~~عن اعتقاد قدرته ودوام الإقبال عليه في مثل تلك الحال لما ركز في العقول ~~السليمة والفطر الأولى من أنه الفاعل المختار، وعلى ذلك دل قوله عطفا ~~على " تدعون ": { وتنسون } أي تتركون في تلك الأوقات دائما { ما تشركون ~~* } أي من معبوداتكم الباطلة لعلمكم أنها لا تغني شيئا، كما هي عادتكم ~~دائما ms1358 في أوقات الشدائد رجوعا إلى حال الاستقامة. أفلا يكون لكم هذا ~~زاجرا عن الشرك في وقت الرخاء خوفا من إعادة الضراء!. ### || [6.42-45] # ولما أقام لهم بهذه الآية على توحيده الدليل حتى استنارت السبل في ~~تذكيرهم أن التضرع قد يكشف به البلاء، أخبرهم أن تركه يوجب الشقاء، ~~ترغيبا في إدامته وترهيبا من مجانبته فقال: { ولقد أرسلنا } أي بما لنا ~~من العظمة { إلى أمم } أي أناس يؤم بعضهم بعضا، وهم أهل لأن يقصدهم ~~الناس، لما لهم من الكثرة والعظمة. # ولما كان المراد بعض الأمم، وهم الذين أراد الله إشهادهم وقص أخبارهم، ~~أدخل الجار فقال: { من قبلك } أي رسلا فخالفوهم، وحسن هذا الحذف كونه ~~مفهوما { فأخذناهم } أي فكان إرسالنا إليهم سببا لأن أخذناهم بعظمتنا، ~~ليرجعوا عما زين لهم الشيطان إلى ما تدعوهم إليه الرسل { بالبأساء } من ~~تسليط القتل عليهم { والضراء } بتسليط الفقر والأوجاع { لعلهم يتضرعون * ~~} أي ليكون حالهم حال من يرجى خضوعه وتذلله على وجه بليغ، بما يرشد إليه ~~- مع صيغة التفعيل - الإظهار، ولأن مقصودها الاستدلال على التوحيد، وعند ~~الكشف للأصول ينبغي الإبلاغ في العبادة، بخلاف ما يأتي في الأعراف. # ولما لم يقع منهم ما أوجبت الحال رجاءه، تسبب عنه الإنكار عليهم، فقال ~~معبرا بأداة التخصيص ليفيد مع النفي أنهم ما كان لهم عذر في ترك التضرع: ~~{ فلولا } أي فهلا { إذ جاءهم بأسنا تضرعوا } ولما كان معنى الإنكار أنهم ~~ما تضرعوا قال: { ولكن قست قلوبهم } أي فلم يذكروا ربهم أصلا { وزين لهم ~~الشيطان } أي بما دخل عليهم به من باب الشهوات { ما كانوا يعملون * } من ~~العظائم والمناكر التي أوجبها النكس بالرد أسفل سافلين { فلما نسوا ما ~~ذكروا به } أي فتسبب - عن تركهم التذكير والأخذ بفائدته التي هي التخشع ~~والتسكن، كما هو اللائق بهم لا سيما في تلك الحالة - أنا { فتحنا } أي ~~بما يليق بعظمتنا { عليهم أبواب كل شيء } أي من الخيرات والأرزاق ~~والملاد التي كانت مغلقة عنهم ونقلناهم من الشدة إلى الرخاء، وذلك ~~استدراجا لهم، ومددنا زمانه وطولنا أيامه { حتى إذا فرحوا } أي ms1359 تناهى ~~بهم الفرح { بما أوتوا } أي معرضين عمن آتاهم هذا الرخاء بعد أن كان ~~ابتلاهم بذلك، فعلم أنهم في غاية من الغباوة، لا يرتدعون بالتأديب بسياط ~~البلاء، ولا ينتفعون ببساط المنة والرخاء، بل ظنوا أن البلاء عادة ~~الزمان، والرخاء باستحقاقهم الامتنان، فعلم أن قلوبهم لا يرجى لها انتباه ~~بحار ولا بارد ولا رطب ولا يابس { أخذناهم } بعظمتنا، وإنما أخذناهم في ~~حال الرخاء ليكون أشد لتحسرهم { بغتة } فلم نمكنهم من التضرع عند خفوق ~~الأمر، ولا أمهلناهم أصلا بل نزل عليهم من أثقال العذاب، وأباح بهم من ~~أحمال الشدائد وصروف البلايا ما أذهلهم وشغلهم عن كل شيء حتى بهتوا { ~~فإذا هم مبلسون * } أي تسبب عن ذلك البغت أن فاجؤوا السكوت على ما في ~~أنفسهم واليأس تحسرا وتحيرا، و استمروا بعد أن سكتوا إلى أن همدوا ~~وخفتوا، ففي نفي التضرع عن المتقدمين بعد أن أثبته لمشركي هذه الأمة ~~استعطاف لطيف، وفي ذكر استدراج أولئك بالنعم عند نسيان ما ذكروا به إلى ~~ما أخذهم بغتة من قواصم النقم غاية التحذير. # ولما كان من عادة الغالب من أهل الدنيا أن يفوته آخر الجيوش وشذابهم ~~لملل أصحابه من الطلب وضجرهم من النصب والتعب وقصورهم عن الإحاطة بجميع ~~الأرب، أخبر تعالى أن أخذه على غير ذلك، وأن نيله للآخر كنيله للأول على ~~حد سواء، فقال مسببا عن الأخذ الموصوف مشيرا بالبناء للمفعول إلى تمام ~~القدرة، وبالدابر إلى الاستئصال: { فقطع دابر } أي آخر { القوم الذين ~~ظلموا } أي بوضع الشيء في غير موضعه دأب الماشي في الظلام، وضعوا لقسوة ~~موضع الرقة التي تدعو إليها الشدة، ووضعوا الفرح بالنعمة موضع الخشية من ~~الرد إلى الشدة، كما ظلمتم أنتم بدعاء الأصنام وقت الرخاء وكان ذلك موضع ~~دعاء من أفاض تلك النعم، ودعوتم الله وقت الشدة وكان ذلك موضع دعاء من ~~عبدتموه وقت الرخاء، لئلا تقعوا فيما جرت عادتكم بالذم به. # وإن تكون كريهة أدعى لها # وإذا يحاس الحيس يدعى جندب # ولما كان استئصالهم من أجل النعم على من عادوهم فيه من ms1360 الرسل عليهم ~~السلام وأتباعهم رضي الله عنهم، نبه على ذلك بالجملة مع ما يشير إليه من ~~ظهور الاستغناء المطلق فقال: { والحمد } أي قطع أمرهم كله والحال أن ~~الإحاطة بأوصاف الكمال { لله } المتفرد بنعوت الجلال والجمال { رب ~~العالمين * } الموجد لهم أجمعين، أي له ذلك كله بعد فناء الخلق على أي ~~صفة كانوا من إيمان أو كفر، كما كان له ذلك قبل وجودهم وعند خلقهم على كل ~~من حالتيهم - كما أشير إليه بأول السورة، فكأنه قيل: الكمال لله الذي خلق ~~السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، فقطع ~~دابرهم، والكمال له لم يتغير، لأنه لا يزيده وجود موجود، ولا ينقصه فقد ~~مفقود، فهو محمود حال الإعدام والمحق كما كان محمودا حال الإيجاد ~~والخلق، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات، فإنه لا يخرج شيء عن إيمانهم ولا ~~كفرانهم عن إرادته سبحانه، فلا عليك منهم اقترحوا الآيات أولا، فإنه ليس ~~عليك إلا البلاغ. ### || [6.46-50] # ولما قدم التنبيه بإتيان مطلق العذاب في مطلق الأحوال، وكان الإتيان ~~بالكاف ثم مشيرا مع إفادة التأكيد إلى أن ثم نوع مهلة، وأتبعه أن ~~أخذ الأمم كان بغتة، أعقبه التنبيه بعذاب خاص تصور شناعته يهذأ الأركان ~~ويقطع الكبود ويملأ الجنان، فإنه لا أشنع حالا من أصم أعمى مجنون، فقال ~~مشيرا - بإسقاط كاف الخطاب مع التعبير بالأخذ الذي عهد أنه للبغث ~~بالسطوة والقهر - إلى غاية التحذير من سرعة أي الأخذ: { قل أرءيتم } ~~فكانت حقيقة المقترن بالكاف: هل رأيتم أنفسكم، وهذا هل رأيتم مطلق رؤية، ~~لما تقدمت الإشارة إليه من الإيماء إلى طلب الإسراع بالجواب خوف المفاجأة ~~بالعذاب وإن كان المراد في الموضعين: أخبروني { إن أخذ الله } أي القادر ~~على كل شيء العالم بكل شيء { سمعكم } وأفرده لقلة المفاوتة فيه، لأنه ~~أعظم الطرق لإدراك القلب الذي لا أعظم من المفاوتة فيه حتى للإنسان ~~الواحد بالنسبة إلى الأحوال المختلفة، ليكون ذلك أدل على الفعل بالاختيار ~~{ وأبصاركم } أي فأصمكم وأعماكم عمى وصمما ظاهرين وباطنين بسلب المنفعة ~~{ وختم على قلوبكم } فجعلها لا تعي ms1361 أصلا أو لا ينتفع بالوعي { من إله } ~~أي معبود بحق، لأن له إحاطة العلم والقدرة؛ ثم وصف هذا الخبر بقوله: { ~~غير الله } أي الذي له جميع العظمة { يأتيكم به } أي بذلك الذي هو أشرف ~~معاني أشرف أعضائكم، أو بشيء منه. # ولما بلغت هذه الآيات - من الإبلاغ في البيان في وحدانيته وبطلان كل ~~معبود سواه - أعلى المقامات، نبه على أنه على ذلك، بالأمر بالنظر فيها ~~وفي حالهم بعدها، دالا على ما تقدم من أن المقترحات لا تنفع من أراد ~~سبحانه شقاوته فقال: { انظر كيف نصرف } أي بما لنا من العظمة { الآيات } ~~أي نوحيها لهم ولغيرهم في كل وجه من وجوه البيان بالغ من الإحسان ما يأخذ ~~بالعقول ويدهش الألباب، ويكون كافيا في الإيصال إلى المطلوب؛ ولما كان ~~الإعراض عن مثل هذا في غاية البعد, عبر بأداة التراخي فقال: { ثم هم } أي ~~بعد هذا البيان بصميم ضمائرهم { يصدفون * } أي يعرضون إعراضا لازما لهم ~~لزوم الصفة. # ولما قرن الأخذ بالبغت تارة صريحا وتارة بإسقاط الكاف؛ كان ربما وقع في ~~وهم السؤال عن حالة الجهر، أتبع ذلك ذكره مفصلا لما أجمل من الأحوال في ~~الآيتين قبل فقال: { قل أرءيتكم } ولما كان المعنى: أخبروني، وكان كأنه ~~قيل: عما ذا؟ قيل: { إن أتاكم عذاب الله } أي الذي له جميع صفات الكمال ~~فلا يعجزه شيء { بغتة } أي بحيث لا يرى إلا ملتبسا بكم من غير أن يشعر ~~به ويظهر شيء من أماراته، { أو جهرة } أي بحيث ترونه مقبلا إليكم ~~مقدما عليكم { هل }. # ولما كان المخوف بالذات هو الهلاك من غير نظر إلى تعيين الفاعل، بني ~~للمفعول قوله: { يهلك } أي في واحدة من الحالتين هلاكا هو الهلاك، وهو ~~هلاك السخط { إلا القوم } أي الذين لهم قوة المدافعة وشدة المقاتلة في ~~زعمكم والمقاومة { الظالمون * } أي بوضع الأشياء في غير مواضعها من إعطاء ~~الشيء لمن لا يستحقه ومنع المستحق ما له، وأما المصلح فإنه ناج إما في ~~الدارين وإما في الآخرة التي من فاز فيها فلا توى عليه؛ وذكر أبو ms1362 حيان ~~أنه لما كان مطلق العذاب صالحا لكل ما يعلم من تفاصيل أهواله وما لا ~~يعلم، كان التوعد به أهول، فلذلك أكد فيه في الآيتين الخطاب بالضمير بحرف ~~الخطاب، والتوعد بأخذ السمع وما معه من جملة الأنواع التي اشتمل عليها ~~ذلك المطلق فأعري من حرف الخطاب. # ولما كان ذلك كله في مناضلة من كذب الرسل، وأعرض عما أرسلهم به ربهم من ~~الآيات التي ما منها إلا ما آمن على مثله البشر، وطلبه منهم ما لا يقدر ~~عليه إلا مرسلهم من الإتيان بغير ما أتوا به من الآيات؛ بين لهم حقيقة ~~الرسالة إشارة إلى ظلمهم في طلبهم من الرسل ما لا يطلب إلا من الإله، ~~فقال عاطفا على # ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك # [الأنعام: 42] { وما نرسل } أي بما لنا من العظمة { المرسلين } أي نوجد ~~هذا الأمر في هذا الزمان وكل زمان من الماضي وغيره { إلا مبشرين } لمن ~~أطاع { ومنذرين } لمن عصى، عريقين في كل من الوصفين، لا مجيبين إلى ما ~~يقترح الأمم، ولا معذبين لمن يعاندهم؛ ثم سبب عن ذلك غاية الرسالة من ~~النفع والضر فقال: { فمن آمن وأصلح } أي تصديقا لإيمانه { فلا خوف عليهم ~~} أي في الدنيا ولا في الآخرة، أما في الآخرة فواضح، وأما في الدنيا ~~الفانية فلأن خوفهم فيها يزيد أمنهم في الآخرة الباقية، فهو إلى فناء ثم ~~إلى سرور دائم، فهو عدم { ولا هم يحزنون* } أي حزنا يضر بحياتهم ~~الأبدية. # ولما بين حال المصلحين، أتبعه حال المفسدين فقال: { والذين كذبوا ~~بآياتنا } أي على ما لها بنسبتها إلينا من العظمة { يمسهم العذاب } أي ~~الدائم المتجدد، وكني عن قربه بأن جعل له قوة المس، كأنه حي مريد فقال: { ~~بما كانوا } أي جبلة وطبعا { يفسقون * } أي يديمون الخروج مما ينبغي ~~الاستقرار فيه من الإيمان وما يقتضيه، وأما الفسق العارض فإن صاحبه يصدر ~~التوبة منه فيعفى عنه. # ولما بين وظيفة الرسل، وقسم المرسل إليهم، أمره بنفي ما يتسبب عنه قولهم ~~من أن البشر لا يكون رسولا، واقتراحهم عليه الآيات من ms1363 ظن قدرته على ما ~~يريد، أو أن كل ما يقدر عليه يبديه لهم، أو إلزامه بذلك، منها لهم على ~~وجه ظلمهم بغلظهم أو عنادهم فقال: { قل } أي في جواب قولهم # لولا أنزل عليه آية # [يونس: 20] ونحوه. # ولما لم يكن لهم عهد بأن بشرا يكون عنده الخزائن، يتصرف فيها بما يريد، ~~وكان يأتيهم من الآيات من انشقاق القمر ومشي الشجر وكلام الضب والحجر ~~ونبع الماء والحراسة بشواظ النار وفحل الجمال ونحو ذلك مما هو معلوم في ~~دلائل النبوة بما ربما أوقع في ظنهم أن لازمه دعواه لأنه يملك الخزائن، ~~فكانوا يقترحون عليه الآيات الدالة إلزاما له بذلك لقصد التكذيب. نفى ما ~~ظنوا أنه يلزمه دعواه فقال: { لا أقول لكم } أي الآن ولا فيما يستقبل من ~~الزمان، ولما كان تعالى قد أعطاه مفاتيح خزائن الأرض، فأباها تواضعا لله ~~سبحانه، قيد بقوله " لكم " إفهاما لما يخبر به المؤمنين من ذلك ليزدادوا ~~إيمانا مع إيمانهم، وأما الكفرة فإن إخبارهم بذلك مما يغريهم على ~~الاقتراحات استهزاء فلا فائدة له { عندي خزائن الله } أي الملك الأعظم ~~الذي له الغنى المطلق والعزة البالغة، فلا كفوء له أي فآتيكم ما تقترحون ~~من الآيات وما تشتهونه من الكنوز وما تستهزئون به من العذاب، وإنما ~~الخزائن بيده، يفعل فيها ما يشاء. # ولما كانوا يعهدون أن بعض البشر من الكهان يخبرون بشيء من المغيبات، ~~وكان الكهان يخلطون الصدق بالكذب، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يخبرهم ~~بمغيبات كثيرة فيكون كما قال دائما لا خلف في شيء منها ولا زيادة ولا ~~نقص، فصاروا يظنون أنه يعلم الغيب، ولكنهم يظنونه من آيات الكهان حتى ~~أطلقوا عليه أنه كاهن، فكانوا يسألونه عن وقت العذاب الذي يتوعدهم به وعن ~~غيره، لعلهم يظفرون عليه بشيء مما يقوله الكهان ولا يكون، فيعدونه عليه؛ ~~نفى ما ظنوه غيره على هذا المقام أن ينسب إلى غير مالكه الذي لا يجوز أن ~~يكون لغيره، فقال نافيا له من أصله، لا للقول فقط كما في سابقه ولاحقه، ~~عاطفا على { لا أقول ms1364 } لا على { عندي } { ولا أعلم الغيب } أي فأخبركم ~~بوقت الفصل بيني وبينكم من مطلق العذاب أو قيام الساعة، فإن هاتين ~~الحالتين - ملك الخزائن وعلم الغيب - ليستا إلا لمرتبة الألوهية، وإنما ~~لم أدع الأول كما ألزمتموني به، ولا اتصفت بالثاني بما ظننتم. # ولما كانوا يظنون أن الرسول لا يكون إلا ملكا، فكانوا يلزمونه بدعواه ~~الرسالة دعوى الملائكة ليلزموه بذلك ادعاء ما هو ظاهر البطلان، قال: { ~~ولا أقول } أي بدعوى الرسالة؛ ولما كان صلى الله عليه وسلم أعلى الأنبياء ~~صفاء وأنورهم قلبا وأشدهم في كل هدى إضاءة وأنقاهم من نقائص البشر، وكان ~~هذا أمرا من الله له. قيد بقوله: { لكم } إفهاما لأنه لا يمتنع عليه أن ~~يقول ذلك، بل لو قاله كان صادقا، ومثله كثير في مجازاتهم ومجاري عاداتهم ~~في محاوراتهم، وأما إسقاط " لكم " في قصة نوح من سورة هود عليهما السلام ~~فتواضعا منه لكونه من قوله، من غير تصريح بإسناد الأمر فيه إلى الله ~~تعالى { إني ملك } فأقوى على الأفعال التي تقوى عليها الملائكة من التحرز ~~عن المأكل والمشرب وغيرهما من أفعال الملائكة. # فلما انتفى عنه ما ألزموه به وما ظنوه فيه من كونه إلها أو ملكا، ~~انحصر الأمر في أنه رسول واقف عندما حده له مرسله، فقال على وجه النتيجة: ~~{ إن } أي ما { أتبع } أي بغاية جهدي { إلا ما يوحى إلي } أي ما رتبتي ~~إلا امتثال ما يأمرني به ربي في هذا القرآن الذي هو - بعجزكم عن معارضته ~~- أعظم شاهد لي، ولم يوح إلي فيه أن أقول شيئا مما تقدم نفيه، وأوحى إلي ~~لأنذركم به خصوصا، وأنذر به كل من بلغه عموما، وذلك غير منكر في العقل ~~ولا مستبعد بل قد وقع الإرسال لكثير من البشر، وقد قام على ثبوته لي واضح ~~الدلائل وثابت الحجج وقاطع البراهين، فإن كان فيه الإذن لي بإبراز خارق ~~أبرزته، وإن كان فيه الإعلام بمغيب أبديته، وإلا اقتصرت على الإبلاغ مع ~~التحدي، وهو مخبر بأن الله - الذي ثبت بعجزكم عن معارضته أنه قوله - شاهد ~~لي ms1365 بصحة الرسالة وصدق المقالة. # ولما ثبت بهذا أنهم عمي الأبصار والبصائر، لا يهتدون إلى ما ينفعهم، ولا ~~يقدرون على إفحام خصم ولا التفصي عن وهم ولا وصم، بل هم كالسالك بين ~~المهالك، يتبين بادئ بدئه في دعواه الحكمة زوره وكذبه وفجوره لأتباع ~~الهوى الذي هو أدوأ أدواء، وأنه صلى الله عليه وسلم أبصر البصراء وأحكم ~~الحكماء لأتباعه علام الغيوب، وكان موضع أن يقال: ما يوحى إليك في هذا ~~المقام؟ قال على وجه التبكيت لهم: { قل } أي لكل من يسمع قولك بعد هذا ~~البيان الفائت لقوى الإنسان { هل يستوي } أي يكون سواء من غير مرية { ~~الأعمى والبصير } فإن قالوا: نعم، كابروا الحس، وإن قالوا: لا، قيل: فمن ~~تبع هذه الآيات الجليات فهو البصير، ومن أعرض عنها فهو العمى، ومن سوى ~~بين الخالق وبين شيء من خلقه فهو أعمى العمى؛ ثم أمره بعد الإنكار ~~للتسوية بينهما بأن ينكر عليهم فساد نظرهم وعمى فكرهم بقوله: { أفلا ~~تتفكرون * } أي فيردكم فكركم عن هذه الضلالات. ### || [6.51-53] # ولما أمره بتوبيخهم، أمره - عاطفا على قوله " قل " - بالإنذار على وجه ~~مخز لهم أيضا فقال: { وأنذر به } أي بما يوحى إليك، وليس المراد تخصيص ~~الإنذار بالخائف، بل الإشارة إلى جلافتهم وعظيم بلادتهم وكثافتهم في عدم ~~تجويز الجائز الذي هو أهل لأن يخافه كل واحد بقوله: { الذين يخافون } أي ~~تجويزا للجائز عقلا وعادة. # ولما كان المرهوب الحشر نفسه، لا بقيد كونه من معين؛ بني للمفعول قوله { ~~أن يحشروا } أي يجمعوا وهم كارهون { إلى ربهم } أي المحسن إليهم بالإيجاد ~~والتربية مع التقصير في الشكر، حال كونهم { ليس لهم } وأشار إلى تحقير ما ~~سواه وسفوله بالجار فقال: { من دونه } أي من المنزلة التي هي تحت منزلته، ~~ومن المعلوم أن كل شيء تحت قهر عظمته ومتضائل عن رتبته، ليس لهم ذلك، أي ~~على وجه الانفراد أو التوسل { ولي } يتولى أمورهم فينقذهم قهرا مما ~~يخافون { ولا شفيع } ينقذهم بحسن سفارته وعظيم رتبته وترتيبه { لعلهم ~~يتقون * } أي ليكون حالهم حال من يرجى أن يجعل بينه ms1366 وبين عذاب الله ~~وقاية. # ولما أمره بدعاء من أعرض عنه ومجاهرته، أمره بحفظ من تبعه وملاطفته، ~~فقال: { ولا تطرد الذين يدعون } وهم الفقراء من المسلمين { ربهم } أي ~~المحسن إليه عكس ما عليه الكفار في دعاء من لا يملك لهم ضرا ولا نفعا؛ ~~ثم بين من حالهم من الملازمة ما يقتضي الإخلاص فقال: { بالغداة والعشي } ~~أي في طرفي النهار مطلقا أو بصلاتيهما أو يكون كناية عن الدوام؛ ثم أتبع ~~ذلك نتيجته فقال معبرا عن الذات بالوجه، لأنه أشرف - على ما نتعارفه - ~~وتذكره يوجب التعظيم ويورث الخجل من التقصير: { يريدون وجهه } أي لأنه ~~لو كان رياء لاضمحل على طول الزمان وتناوب الحدثان باختلاف الشأن. # ولما كان أكابر المشركين وأغنياؤهم قد وعدوه صلى الله عليه وسلم الاتباع ~~إن طرد من تبعه ممن يأنفون من مجالستهم، وزهدوه فيهم بفقرهم وبأنهم غير ~~مخلصين في اتباعه، إنما دعاهم إلى ذلك الحاجة؛ بين له تعالى أنه لا حظ له ~~في طردهم ولا في اتباع أولئك بهذا الطريق إلا من جهة الدنيا التي هو ~~مبعوث للتنفير عنها، فقال معللا لما مضى أو مستأنفا: { ما عليك } قدم ~~الأهم عنده وهو تحمله { من حسابهم } وأغرق في النفي فقال: { من شيء } أي ~~ليس لك إلا ظاهرهم، وليس عليك شيء من حسابهم، حتى تعاملهم بما يستحقون في ~~الباطن من الطرد إن كانوا غير مخلصين { وما من حسابك } قدم أهم ما إليه ~~أيضا { عليهم من شيء } أي وليس عليهم شيء من حسابك فتخشى أن يحيفوا عليك ~~فيه على تقدير غشهم، أو ليس عليك من رزقهم شيء فيثقلوا به عليك، وما من ~~رزقك عليهم من شيء فيضعفوا عنه لفقرهم، بل الرازق لك ولهم الله؛ ثم أجاب ~~النفي مسببا عنه فقال: { فتطردهم } أي فتسبب عن أحد الشيئين طردك لهم ~~ليقبل عليك الأغنياء فلا يكلفوك ما كان أولئك يكلفونك، وإن كلفتهم ما كان ~~أولئك عاجزين عنه أطاقوه؛ والحاصل أنه يجوز أن يكون معنى جملتي { ما عليك ~~من حسابهم } - إلى آخرهما راجعا إلى آية الكهف # ولا تعد ms1367 عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا # [الكهف: 28] فيكون المعنى ناظرا إلى الرزق، يعني أن دعاءك إلى الله ~~إنما مداره الأمر الأخروي، فليس شيء من رزق هؤلاء عليك حتى تستنفر بهم ~~وترغب في الآغنياء، ولا شيء من رزقك عليهم فيعجزوا عنه، وفي اللفظ من ~~كلام أهل اللغة ما يقبل هذا المعنى؛ قال صاحب القاموس وغيره: الحساب: ~~الكافي ومنه # عطاء حسابا # [النبأ: 36] وحسب فلان فلانا: أطعمه وسقاه حتى شبع وروي. وقال أبو ~~عبيد الهروي: يقال: أعطيته فأحسبته، أي أعطيته الكفاية حتى قال: حسبي، ~~وقوله # يرزق من يشاء بغير حساب # [البقرة: 212] أي بغير تقتير وتضييق، وفي حديث سماك: ما حسبوا ضيفهم، أي ~~ما أكرموه، وقال ابن فارس في المجمل: وأحسبته: أعطيته ما يرضيه، وحسبته ~~أيضا، وأحسبني الشيء: كفاني. # ولما نهاه عن طردهم مبينا أنه ضرر لغير فائدة، سبب عن هذا النهي قوله { ~~فتكون من الظالمين * } أي بوضعك الشيء في غير محله، فإن طردك هؤلاء ليس ~~سببا لإيمان أولئك، وليس هدايتهم إلا إلينا، وقد طلبوا منا فيك لما ~~فتناهم بتخصيصك بالرسالة ما لم يخف عليك من قولهم # لولا أنزل عليه ملك # [الأنعام: 8] ونحوه مما أرادوا به الصرف عنك، فكما لم تقبلهم فيك فلا ~~تقبلهم أنت في أوليائنا، فإنا فتناهم بك حتى سألوا فيك ما سألوا وتمنوا ~~ما تمنوا { وكذلك } أي ومثل ما فتناهم بإرسالك { فتنا } أي فعلنا فعل ~~المختبر قسرا بما لنا من العظمة { بعضهم ببعض } بالتخصيص بالإيمان ~~والغنى والفقر ونحو ذلك { ليقولوا } أي إنكارا لأن تفضل غيرهم عليهم ~~احتقارا لهم واستصغارا { أهؤلاء } أي الذين لا يساووننا بل لا ~~يقاربوننا في خصلة من خصال الدنيا { من الله } أي على جلاله وعظمه { ~~عليهم } أي وفقهم لإصابة الحق وما يسعدهم عنده وهم فيما نرى من الحقارة { ~~من بيننا } فالآية ناظرة إلى ما يأتي في هذه السورة من قوله تعالى # حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله # [الأنعام: 124]. # ولما كان الإنكار لا يسوغ إلا مع نهاية العلم بمراتب المفضلين، وأن ~~المفضل لا يستحق التفضيل من الوجه المفضل ms1368 به، أنكر إنكارهم بقوله: { أليس ~~الله } أي الذي له جميع الأمر، فلا اعتراض عليه { بأعلم بالشاكرين * } أي ~~الذين يستحقون أن يفضلوا لشكرهم على غيرهم لكفرهم. ### || [6.54-56] # ولما نهاه صلى الله عليه وسلم عن طردهم، علمه كيف يلاطفهم فقال عاطفا ~~على ما تقديره: وإذا جاءك الذين يحتقرون الضعفاء من عبادي فلا تحفل بهم: ~~{ وإذا جاءك } وأظهر موضع الإضمار دلالة على الوصف الموجب لإكرامهم ~~وتعميما لغيرهم فقال: { الذين يؤمنون } أي هم أو غيرهم أغنياء كانوا أو ~~فقراء، وأشار بمظهر العظمة إلى أنهم آمنوا بما هو جدير بالإيمان به فقال: ~~{ بآياتنا } على ما لها من العظمة بالنسبة إلينا { فقل } أي لهم بادئا ~~بالسلام إكراما لهم وتطييبا لخواطرهم { سلام عليكم } أي سلامة مني ومن ~~الله، ونكره لما يلحقهم في الدنيا من المصائب؛ ثم علل ذلك بقوله: { كتب ~~ربكم } أي المحسن إليكم { على نفسه الرحمة } ثم علل ذلك بقوله واستأنف ~~بما حاصله أنه علم من الإنسان النقصان، لأنه طبعه على طبائع الخسران إلا ~~من جعله موضع الامتنان فقال: { أنه من عمل منكم سوءا } أي أي سوء كان ~~ملتبسا { بجهالة } أي بسفه أو بخفة وحركة أخرجته عن الحق والعلم حتى كان ~~كأنه لا يعلم شيئا { ثم تاب } أي رجع بالندم والإقلاع وإن طال الزمان، ~~ولذا أدخل الجار فقال: { من بعده } أي بعد ذلك العمل { وأصلح } ~~بالاستمرار على الخير { فإنه } أي ربكم بسبب هذه التوبة يغفر له لأنه ~~دائما { غفور } أي بالغ الستر والمحو لما كان من ذلك { رحيم * } يكرم من ~~تاب هذه التوبة بأن يجعله كمن أحسن بعد أن جعله بالغفر كمن لم يذنب، ومن ~~أصر وأفسد فإنه يعاقبه، لأنه عزيز حكيم، وربما كانت الآية ناظرة إلى ما ~~قذفهم به المشركون من عدم الإخلاص، ويكون حينئذ مرشحا لأن المراد ~~بالحساب المحاسبة على الذنوب. # ولما أتى في هذه السورة وما قبلها بما أتى من عجائب التفاصيل لجميع ~~الأحوال متضمنة واضح الدلالات وباهر الآيات البينات، قال عاطفا على { ~~وكذلك فتنا } عطفا للضد على ضده، فإن في الاختبار نوع ms1369 خفاء: { وكذلك } ~~أي ومثل الفتن بإيراد بعض ما فيه دقة وخفاء من بعض الوجوه لنضل من نشاء، ~~فيتميز الضال من المهتدي { نفصل الآيات } التي نريد بيانها ليتضح سبيل ~~المصلحين فيتبع { ولتستبين } أي تظهر ظهورا بينا { سبيل المجرمين * } ~~فتجتنب، وخص هذا بالذكر وإن كان يلزم منه بيان الأول، لأن دفع المفاسد ~~أهم. # ولما كان محط حالهم في السؤال طرد الضعفاء قصد اتباع أهوائهم، أمره ~~تعالى بأن يخبرهم أنه مباين لهم - لما بين له بالبيان الواضح من سوء ~~عاقبة سبيلهم - مباينة لا يمكن معها اتباع أهوائهم، وهي المباينة في ~~الدين فقال: { قل إني نهيت } أي ممن له الأمر كله { أن أعبد الذين تدعون ~~} أي تعبدون بناء منكم على محض الهوى والتقليد في أعظم أصول الدين، وحقر ~~أمرهم وبين سفول رتبتهم بقوله: { من دون الله } أي الذي لا أعظم منه، فقد ~~وقعتم في ترك الأعظم ولزوم الدون الذي هو دونكم في أعظم الجهل المؤذن ~~بعمى القلب مع الكفر بالمحسن، فمباينتي مبناها على المقاطعة، فكيف تطمع ~~في متابعة! ثم أكد ذلك بأمر آخر دال على أنه لا شبهة لهم في عبادتهم ~~فقال: { قل لا أتبع أهواءكم } أي عوضا عما أنا عليه من الحكمة البالغة ~~المؤيدة بالبراهين الساطعة والأدلة القاطعة. # ولما كان من المعلوم أن الهوى لا يدعو إلى هدى، بل إلى غاية الردى، حقق ~~ما أفهمته هذه الجملة بقوله: { قد ضللت إذا } أي إذا اتبعت أهواءكم؛ ~~ولما كان الضال قد يرجع، بين أن هذا ليس كذلك، لعراقتهم في الضلال، فقال ~~معبرا بالجملة الاسمية الدالة على الثبات: { وما أنا } أي إذ ذاك على ~~شيء من الهداية لأعد { من المهتدين * }. ### || [6.57-59] # ولما كان طلبهم للآيات - أي العلامات الدالة على الصدق تارة بالرحمة في ~~إنزال الأنهار والكنوز وإراحة الحياة، وتارة بالعذاب من إيقاع السماء ~~عليهم كسفا ونحو ذلك - ليس في يده ولا عنده تعين وقت نزوله، وأمره هنا ~~أن يصرح لهم بالمباينة ويؤيسهم من الملاينة ما داموا على المداهنة، أمره ~~بأن يخبرهم بما هو متمكن فيه من ms1370 النور وما هم فيه من العمى بقوله: { قل ~~إني } وأشار إلى تمكنه في الأدلة الظاهرة والحجج القاهرة بحرف الاستعلاء ~~فقال: { على بينة } أي إن العدو إنما يصانع عدوه إما لعدم الثقة بالنصرة ~~عليه وتعذيبه بعداوته، وإما العدم وثوقه بأنه على الحق، وأما أنا فواثق ~~بكلا الأمرين { من ربي } أي المحسن إلي بإرسالي بعد الكشف التام لي عن ~~سر الملك والملكوت { و } الحال أنكم { كذبتم به } أي ربي حيث رددتم ~~رسالته فهو منتقم منكم لا محالة. # ولما قيل ذلك، فرض أن لسان حالهم قال: فائتنا بهذه البينة! فقال: إن ربي ~~تام القدرة، فلا يخاف الفوت فلا يعجل، وأما أنا فعبد { ما عندي } أي في ~~قدرتي وإمكاني { ما تستعجلون به } أي في قولكم " امطر علنيا حجارة من ~~السماء " ونحوه حتى أحكم فيكم بما يقتضيه طبع البشر من العجلة { إن } أي ~~ما { الحكم } في شيء من الأشياء هذا وغيره { إلا الله } أي الذي له الأمر ~~كله فلا كفوء له، ثم استأنف قوله مبينا أنه سبحانه يأتي بالأمر في الوقت ~~الذي حده له على ما هو الأليق به من غير قدرة لأحد غيره على تقديم ولا ~~تأخير فقال: { يقض } أي يفصل وينفذ بالتقديم والتأخير، وهو معنى قراءة ~~الحرميين وعاصم " يقص " أي يقطع القضاء أو القصص { لحق } ويظهره فيفصله ~~من الباطل ويوضحه، ليتبعه من قضى بسعادته، ويتنكب عنه من حكم بشقاوته { ~~وهو خير الفاصلين * } لأنه إذا أراد ذلك لم يدع لبسا لمن يريد هدايته، ~~وجعل في ذلك الظاهر سببا لمن يريد ضلالته؛ ثم أكد ذلك لمن زاد قلبه في ~~الجلافة مبينا ما في غيره من وخيم العاقبة فقال: { قل لو أن عندي } أي ~~على سبيل الفرض { ما تستعجلون به } أي من العذاب { لقضي } وبناه للمفعول ~~لأن المخوف إنما هو الإهلاك، لا كونه من معين { الأمر بيني وبينكم } أي ~~فكنت أهلك من خالفني غضبا لربي بما ظهر لي منه من التكبر عليه، وقد يكون ~~فيهم من كتب في ديوان السعداء، لكنه لم يكن الأمر إلي لأني ms1371 لا أعلم ~~الظالم عند الله من غيره، فليس الأمر إلا إلى الله، لأنه أعلم بالمنصفين ~~فينجيهم { والله } أي الذي له الكمال كله { أعلم بالظالمين * } أي ~~المكتوبين في ديوان الظلمة فيهلكهم. # ولما كانت هذه الآيات مثبتة لجزئيات من علمه تعالى وقدرته، وكان ختامها ~~العلم بالظالم وغيره، أتبعها الاختصاص بما هو أعم من ذلك، وهو علم مفاتح ~~الغيب الذي لا يصل إليه إلا من حازها، إذ لا يطلع على الخزائن إلا من ~~فتحها، ولا يفتحها إلا من حاز مفاتيحها وعلم كيف يفتح بها، فإثبات ذلك في ~~هذا الأسلوب من باب الترقية في مراقي الاعتقاد من درجة كاملة إلى أكمل ~~منها، فقال عاطفا على معنى ما سبق، وهو: فعنده خاصة جميع ذلك: { وعنده } ~~أي وحده { مفاتح الغيب } أي التي لا يدرك الغيب إلا من علمها. # ولما كان معنى ذلك الاختصاص، صرح به في قوله: { لا يعلمها إلا هو } ~~وتخصيصها بالنفي دون الخزائن دال على ما فهمته من أن التقييد فيها ب " ~~لكم " يفهم أنه يجوز أن نقول ذلك للمؤمنين. # ولما ذكر علم الغيب، أتبعه علم الشهادة، لأن القضايا العقلية المحضة ~~يصعب تحصيل العلم بها على سبيل التمام إلا للكمل من الأنام الذين ~~تجردوا فتعودوا استحضار المعقولات المجردة، والقرآن إنما أنزل لنفع جميع ~~الخلق: الذكي منهم والغبي، فكان ذكر المحسوسات الداخلة تحت القضية ~~العقلية الكلية معينا على تصور ذلك المعقول ورسوخه في القلب، فقال ~~مؤكدا لهذا المعقول الكلي المجرد بمثال داخل تحته يجري مجرى المحسوس، ~~وعطفه بالواو عطف الخاص على العام إشارة إلى تعظيمه فقال: { ويعلم ما ~~في البر } وقدمه لأن الإنسان أكثر ملابسة له بما فيه من القرى والمدن ~~والمفاوز والجبال والتلال وكثرة ما بها من الحيوان والنبات النجم وذي ~~الساق والمعادن { والبحر } وأخره لأن إحاطة العقل بأحواله أقل وإن كان ~~الحس يدل على أن عجائبها أكثر، وطولها وعرضها أعظم، وما فيها من ~~الحيوانات وأجناس المخلوقات أعجب، فكان هذا الأمر المحسوس مقويا لعظمة ~~ذلك الأمر المعقول. # ولما ذكر ما يعم الثابت والمنتقل: خص ms1372 المنتقل تنصيصا على الجزئيات ~~وتعظيما للعلم بتعظيم المعلومات فقال: { وما تسقط } وأغرق في النفي ~~بقوله: { من ورقة } ونكرها إتماما للتعميم { إلا يعلمها } ولما كان هذا ~~مع عظمه ظاهرا، ذكر ما هو أدق منه فقال: { ولا } أي وما من { حبة } ودل ~~على أن الأرض ليس لها من نفسها نور تنبيها على ما أودع هذا الآدمي ~~المكون منها من الغرائب بقوله: { في ظلمات الأرض } أي ولو كان في أقصى ~~بطنها، فكيف بماهو في النور وهو أكبر من الحبة. # ولما خص، رجع إلى التعميم ردا للآخر على الأول فقال: { ولا رطب ولا ~~يابس } أي وجد أو لم يوجد أو سيوجد { إلا في كتاب مبين * } أي موضح ~~لأحواله وأعيانه وكل أموره وأحيانه، فثبت أنه فاعل لجميع العالم بجواهره ~~وأعراضه على سبيل الإحكام والإتقان، لأنه وحده عالم بجميع المعلومات، ومن ~~اختص بعلم جميع المعلومات كان مختصا بصنع جميع المصنوعات قادرا على ~~جميع المقدورات. ### || [6.60-62] # ولما كان من مفاتح الغيب الموت والبعث الذي ينكرونه، وكان من أدلته ~~العظمة النوم والإيقاظ منه مع ما فيه من الإحسان المتكرر، وكان فيه مع ~~ذلك تقرير لكمال القدرة بعد تقريره لكمال العلم، أتبع ذلك قوله: { وهو } ~~أي وحده { الذي يتوفاكم } أي يقبض أرواحكم كاملة بحيث لا يبقى عندكم شعور ~~أصلا، فيمنعكم التصرف بالنوم كما يمنعكم بالموت، وذكر الأصل في ذلك ~~فقال: { باليل ويعلم } أي والحال أنه يعلم { ما جرحتم } أي كسبتم { ~~بالنهار } أي الذي تعقبه النوم، من الذنوب الموجبة للإهلاك، ويعاملكم ~~فيها بالحلم بعد العلم ولا يعجل عليكم، وهو معنى { ثم يبعثكم } أي يوقظكم ~~بعد ذلك النوم المستغرق، فيصرفكم فيما يشاء { فيه } أي في النهار الذي ~~تعقب ذلك النوم بعد استحقاقكم للانتقام { ليقضى } أي يتم { أجل مسمى } ~~كتبه للموتة الكبرى. # ولما تمهد بهذا النشر بعد ذاك الطي في الموتة الصغرى القدرة على مثل ذلك ~~في الموتة الكبرى، وكان فيه تقريب عظيم له قال: { ثم } يبعثكم من تلك ~~الموتة كما بعثكم من هذه، ويكون { إليه } أي وحده { مرجعكم } أي حسا ~~بالحشر ms1373 إلى دار الجزاء، ومعنى بانقطاع الأسباب على ما عهد في الدنيا { ثم ~~} بعد تلك المواقف الطوال والزلازل والأهوال، ويمكن أن تشير أداة التراخي ~~إلى عظمة العلم بذلك، وإليه يرشد أكثر ما قبله من السياق { ينبئكم } أي ~~يخبركم إخبارا عظيما جليلا مستقصى { بما كنتم تعملون * } أي فيجازيكم ~~عليه، ولعلمه عبر بالعمل لأن الحساب يكون على المكلفين الذين لهم أهلية ~~العلم، فتقرر - مع كمال قدرته سبحانه على اختراع هذه الأشياء والعلم بها ~~- استقلاله بحفظها في كل حال وتدبيرها على أحسن وجه. # ولما أخبر بتمام العلم والقدرة، أخبر بغالب سلطنته وعظيم جبروته وأن ~~أفعاله هذه على سبيل القهر لا يستطاع مخالفتها، فلو بالغ أحد في الاجتهاد ~~في أن ينام في غير وقته ما قدر، أو أن يقوم وقت النوم لعجز، أو أن يحيي ~~وقت الموت لم يستطع إلى غير ذلك فقال: { وهو } أي يفعل ذلك والحال أنه ~~وحده بما له من غيب الغيب وحجب الكبرياء { القاهر } وصور ذلك بقوله: { ~~فوق عباده } أي في الإحاطة بالعلم والفعل، أما قهره للعدم فبالتكوين ~~والإيجاد، وأما قهره للوجود فبالإفناء والإفساد بنقل الممكن من العدم إلى ~~الوجود تارة ومن الوجود إلى العدم أخرى، فيقهر النور بالظلمة والظلمة ~~بالنور، والنهار بالليل والليل بالنهار - إلى غير ذلك من ضروب الكائنات ~~وصروف الممكنات { ويرسل } ورجع إلى الخطاب لأنه أصرح فقال: { عليكم } من ~~ملائكته { حفظة } أي يحفظون عليكم كل حركة وسكون لتستحيوا منهم وتخافوا ~~عاقبة كتابتهم. ويقوم عليكم بشهادتهم الحجة على مجاري عاداتكم، وإلا فهو ~~سبحانه غني عنهم، لأنه العالم القادر فيحفظونكم على حسب مراده فيكم { حتى ~~إذا جاء }. # ولما كان تقديم المفعول أخوف قال: { أحدكم الموت } أي الذي لا محيد له ~~عنه ولا محيص { توفته } أي أخذت روحه كاملة { رسلنا } من ملك الموت ~~وأعوانه على ما لهم من العظمة بالإضافة إلينا { وهم لا يفرطون * } في نفس ~~واحد ولا ما دونه ولا ما فوقه بالتواني عنه ليتقدم ذلك عن وقته أو يتأخر؛ ~~ولما أشار سبحانه إلى قوته بالجنود التي تفوت الحصر - وإن ms1374 كان عنهم غنيا ~~بصفة القهر - نبه بصيغة المجهول إلى استحضار عظمته وشامل جبروته وقدرته ~~فقال: { ثم } أي بعد حبسهم في قيد البرزخ { ردوا } أي ردهم راد منه لا ~~يستطيعون دفاعه أصلا { إلى الله } أي الذي لا تحد عظمته ولا تعد جنوده ~~وخدمته { مولاهم } أي مبدعهم ومدبر أمورهم كلها { الحق } أي الثابت ~~الولاية، وكل ولاية غير ولايته من الحفظة وغيرهم عدم، لأن الحفظة لا ~~يعلمون إلا ما ظهر لهم، وهو سبحانه يعلم السر وأخفى. # ولما استحضر المخاطب عزته وقهره، وتصور جبروته وكبره، فتأهل قلبه وسمعه ~~لما يلقى إليه ويتلى عليه، قال: { ألا له } أي وحده حقا { الحكم } ولما ~~كان الانفراد بالحكم بين جميع الخلق أمرا يحير الفكر، ولا يكاد يدخل تحت ~~الوهم، قال محقرا في جنب قدرته: { وهو } أ يوحده { أسرع الحاسبين * } ~~يفصل بين الخلائق كلهم في أسرع من اللمح كما أنه يقسم أرزاقهم في الدنيا ~~في مثل ذلك، لا يقدر أحد أن ينفك عن عقابه بمطاولة في الحساب ولا مغالطة ~~في ثواب ولا عقاب، لأنه سبحانه لا يحتاج إلى فكر وروية ولا عقد ولا ~~كتابة، فلا يشغله حساب عن حساب ولا شيء عن شيء. ### || [6.63-66] # ولما تعرف بأفعاله وشؤونه حتى اتضحت وحدانيته وثبتت فردانيته، ذكرهم ~~أحوالهم في إقرار توحيده وقت الشدائد والرجوع عن ذلك عند الإنجاء منها، ~~فكانوا كمن طلب من شخص شيئا وأكد له الميثاق على الشكر، فلما أحسن إليه ~~بإعطائه سؤله نقض عهده وبالغ في الكفر، وذلك عندهم في غاية من القبائح لا ~~توصف فقال: { قل } أي لهؤلاء الذين يدعون محاسن الأعمال { من ينجيكم } أي ~~كثيرا وعظيما { من ظلمات البر والبحر } أي حيث لا هداية لكم بنجم ولا ~~جبل ولا غيرهما، أإو عبر بالظلمات عن الكروب التي بلغت شدتها إلى أن ~~صاحبها يكون كأنه في أشد ظلام، فهو بحيث إنه لا يهتدي فيها إلى وجه حيلة ~~بنوع وسيلة { تدعونه } أي على وجه الإخلاص له والتوحيد والإعراض عن كل ~~شرك وشريك لزوال الحظوظ عند إحاطة الرعب واستيلائه على مجامع ms1375 القلب، فلا ~~يبقى إلا الفطرة السليمة؛ قال الإمام عبد الحق الإشبيلي في كتابه الواعي: ~~{ تضرعا } أي مظهرين الضراعة، وهي شدة الفقر، وحقيقته الخشوع { و } ~~قوله: { خفية } أي تخفون في أنفسكم مثل ما تظهرون؛ قال شمر: يقال: ضرع له ~~وهو ضارع بين الضراعة، وهؤلاء قوم ضرع، أي أذلاء، وهم ضرعة أي متضرعون، ~~والتضرع إلى الله: التخشع إليه والتذلل، وإذا كان الرجل مختل الجسم قلت: ~~إنه لضارع الجسم بين الضروع، وفي الذل بين الضراعة - انتهى. # ولما بين وصفهم وقت الدعاء، بين قولهم إذ ذاك فقال: { لئن أنجانا من هذه ~~} فأكدوا وخصوا وبينوا غاية البيان { لنكونن من الشاكرين * } أي العريقين ~~في الشكر؛ ولما كانوا مقرين بأن فاعل ذلك هو الله، ولكنهم يكفرون نعمته، ~~عدوا منكرين فأمره بالجواب غير منتظر لجوابهم بقوله: { قل الله } أي الذي ~~له جميع العظمة { ينجيكم منها } أي من تلك الشدة { ومن كل كرب } أي وقعتم ~~فيه، وما أعظم موقع قوله: { ثم أنتم } مع التزام الإخلاص في وقت الكرب ~~ومع التزام الشكر { تشركون * } مشيرا إلى استبعاد نقضهم بأداة التراخي ~~مع ما فيه من الجناس لما كان ينبغي لهم من أنهم يشكرون. # ولما كانوا بإشراكهم كأنهم يظنون أن الشدة زالت عنهم زوالا لا يعود، ~~وكان اللائق بهم دوام التذلل إما وفاء وإما خوفا، أخبرهم ترهيبا لهم من ~~سطوته وتحذيرا من بالغ قدرته أن شدتهم تلك التي أذلتهم لم تزل في ~~الحقيقة، فإن قدرة الملك عليها حالة الرخاء كقدرته عليها في وقتها سواء، ~~فإنه خالق الحالتين وأسبابهما وما فيهما، ولكنهم عمي الأبصار أجلاف ~~الطبائع فقال: { قل هو } أي وحده { القادر } ولم يصغه صيغة مبالغة لأنهم ~~لم يكونوا ينكرون قدرته إنما كانوا يدعون المشاركة التي نفاها بالتخصيص، ~~على أن التعريف يفيد به المبالغة { على أن يبعث } أي في أي وقت يريده { ~~عليكم } أي في كل حالة { عذابا من فوقكم } بإسقاط السماء قطعا أو شيء ~~منها كالحجارة التي حصب بها قوم لوط وأصحاب الفيل أو بتسليط أكابركم { أو ~~من تحت أرجلكم } أي بالخسف أو ms1376 إثارة الحيات أو غيرها من الأرض كما وقع ~~لبعض من سلف، أو بتسليط سفلتكم وعبيدكم عليكم { أو يلبسكم } أي يخلط ~~بينكم حال كونكم { شيعا } أي متفرقين، كل شيعة على هوى، فيكون ذلك سببا ~~للسيف { ويذيق بعضكم } أي بعض تلك الشيع { بأس بعض } فيساوي في ذلك بين ~~الحرم وغيره، ويصير التخطف بالنهب والغارات عاما، وسوق هذا الكلام هكذا ~~يفهم إيقاعه في وقت ما لناس ما، لأن كلام الملوك يصان عن أن لا يكون له ~~صورة توجد وإن كان على سبيل الشرط ونحوه، فكيف بملك الملوك علام الغيوب! ~~وللتدريب على مثل هذا الفهم في كلام الله تعالى قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم فيما رواه الترمذي في التفسير عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: أما ~~إنها كائنة ولم يأت تأويلها بعد. # وقال: حسن غريب، وسيأتي لهذا مزيد بسط وتحقيق في قوله تعالى في الفرقان # تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك # [الفرقان: 10]. # ولما كان هذا بيانا عظيما، أشار إلى عظمه بقوله: { انظر } وعظمه ~~تعظيما آخر بالاستفهام فقال { كيف نصرف الآيات } أي أي نكررها موجهة في ~~جميع الوجوه البديعة النافعة البليغة { لعلهم يفقهون * } أي ليكون حالهم ~~حال من يرجى فهمه وانتفاعه به، كان هذا { و } الحال أنه { كذب به } أي ~~هذا العذاب أو القرآن المشتمل على الوعد والوعيد والأسباب المبينة للخلق ~~جميع ما ينفعهم ليلزموه وما يضرهم ليحذروه { قومك } أي الذين من حقهم أن ~~يقوموا بجميع أمرك ويسروا بسيادتك، فإن القبيلة إذا ساد أحدها عزت به، ~~فإن عزه عزها وشرفه شرفها، ولا سيما إذا كان من بيت الشرف ومعدن السيادة، ~~وإذا سفل أحدها اهتمت به غاية الاهتمام وسترت عيوبه مهما أمكنها فإن عاره ~~لاحق بها، فهو من عظيم التوبيخ لهم ودقيق التقريع، وزاد ذلك بقوله: { وهو ~~} أي والحال أنه { الحق } أي الثابت الذي لا يضره التكذيب به ولا يمكن ~~زواله. # ولما كان الإنسان ربما حصل له اللوم بسبب قومه, كان صلى الله عليه وسلم ~~في هذا المقام بمعرض أن ms1377 يخاف عاقبة ذلك ويقول: فماذا أصنع بهم؟ فقال ~~تعالى معلما أنه ليس عليه بأس من تكذيبهم: { قل لست } وقدم الجار ~~والمجرور للاهتمام به معبرا بالأداة الدالة على القهر والغلبة فقال: { ~~عليكم بوكيل * } أي حفيظ ورقيب لأقهركم على الرد عما أنتم فيه. ### || [6.67-70] # ولما كانوا بصدد أن يقولوا تهكما: كن كذلك، فلا علينا منك! قال مهددا: ~~{ لكل } وأشار إلى جلالة خبره بقوله: { نبإ } أي خبر أخبرتكم به من هذه ~~الأخبار العظيمة، ومعنى { مستقر } موضع ووقت قرار من صدق أو كذب، أي لا ~~بد أن يحط الخبر على واحد منهما، لا ينفك خبر من الأخبار عن ذلك { وسوف ~~تعلمون* } أي محط خبره العظيم بوعد صادق لا خلف فيه وإن تأخر وقوعه. # ولما أمره بما يقول جوابا لتكذيبهم، تقدم إليه فيما يفعل وقت خوضهم في ~~التكذيب فقال: { وإذا رأيت } خاطب النبي صلى الله عليه وسلم والمراد غيره ~~ليكون أردع { الذين يخوضون } أي يتكلمون { في آياتنا } أي بغير تأمل ولا ~~بصيرة بل طوع الهوى، كما يفعل خائض الماء في وضعه لرجله على غير بصيرة ~~لستر مواضع الخطا وبغير تمام الاختيار لغلبة الماء { فأعرض عنهم } بترك ~~المجالسة أو ما يقوم مقامها؛ ولما كان الخوض في الآيات دالا على قلة ~~العقل قال: { حتى يخوضوا في حديث غيره } فحكم على حديثهم فيما سوى ذلك ~~أيضا بالخوض، لأن فيه الغث والسمين، لأنه غير مقيد بنظام الشرع. # ولما كان الله تعالى - وله الحمد - قد رفع حكم النسيان عن هذه الأمة، ~~قال مؤكدا: { وإما ينسينك الشيطان } أي إنساء عظيما إشارة إلى أن مثل ~~هذا الأمر جدير بأن لا ينسى { فلا تقعد بعد الذكرى } أي التذكر لهذا ~~النهي { مع القوم الظالمين * } أظهر موضع الإضمار تعميما ودلالة على ~~الوصف الذي هو سبب الخوض، وهو الكون في الظلام. # ولما كانت هذه الآية مكية، وكانوا إذ ذاك عاجزين عن الإنكار بغير القلب، ~~قال: { وما على الذين يتقون } أي يخافون الله فلا يكذبون بآياته في ~~مجالسة الكفرة { من حسابهم } أي الخائضين إذا كانوا أقوى منهم ms1378 { من شيء } ~~وما نهينا عن المجالسة لأن عليهم فيها - والحالة هذه - إثما { ولكن } ~~نهينا لتكون المفارقة إظهارا للكراهة { ذكرى } للخائضين لاستحيائهم من ~~أذى الجليس { لعلهم يتقون * } أي ليكون حالهم بذلك حال من يرجى منه ~~التقوى، فيجتنب الخوض في الآيات إكراما للجليس. # ولما أبرز هذا الأمر في صيغة النهي، أعاده بصيغة الأمر اهتماما به ~~وتأكيدا له، وأظهر لهم وصفا آخر هو غاية الوصف الأول مع ما ضم إليه من ~~الإرشاد إلى الإنقاذ من المعاطب فقال: { وذر } أي اترك أي ترك كان ولو ~~كان على أدنى الوجوه { الذين اتخذوا } أي كلفوا أنفسهم في اتباع الهوى ~~بمخالفة العقل المستقيم والطبع الفطري السليم بأن أخذوا { دينهم } على ~~نمط الأسخف من دنياهم؛ ولما كان الدين ملكة راسخة في النفس، ولا شيء من ~~كيفيات النفس أرسخ منها ولا أثبت، وهو أشرف ما عند الإنسان، وكان اللعب ~~ضده لا شيء أسرع من انقضائه ولا أوهى من بنائه، قال ذاما لهم بأنهم ~~بدلوا مقصود هذه السورة - الذي هو من الاستدلال على التوحيد الذي لا أشرف ~~منه مطلقا ولا أعلى ولا أنفس بوجه ولا أحلى - بما لا أدنى منه ولا أوهى ~~ولا أمحق للمروءة ولا أدهى: { لعبا } ولما كان ربما قيل: إنهم إذا انقضى ~~اللعب عادوا إلى الاشتغال بالدين، أتبعه الباعث عليه إشارة إلى أنه كلما ~~ملوا اللعب بعثوا النفوس إليه باللهو كما ترى الراقص كلما فتر في رقصة ~~بعثوه عليه بتقوية اللهو أو الانتقال من فن إلى آخر من فنونه وشأن بديع ~~من شؤونه فقال: { ولهوا } أي في الاستهزاء بالدين الحق بالمكاء والتصدية ~~وبالبحائر والسوائب وغير ذلك، فلا تبال بهم ولا يشغل قلبك بهم { وغرتهم } ~~أي خدعتهم { الحياة الدنيا } التي هم من أعرف الناس بزوالها، وأن كل من ~~بها هالك، فمنتهم النعم التي من عليهم سبحانه بها فيما لا ينالونه من ~~السعادة إلا باتباع أوامره واجتناب نواهيه. # ولما كان ربما أفهم ذلك تركهم في كل حالة، نفاه بقوله: { وذكر به } أي ~~تحديث الآيات، وهي القرآن المتجدد إنزاله، والضمير ms1379 في الحقيقة للآيات، أي ~~دعهم يفعلوا ما أرادوا، لا تبال بشيء من ذلك، ولا تترك وعظهم بهذا ~~القرآن، أي ما عليك إلا البلاغ، لم نكلفك في هذه الحالة أكثر منه { أن ~~تبسل } قال في المجمل: البسل: النخل، وأبسلته: أسلمته للهلكة، فالمعنى: ~~كراهة أن تخلي وتسلم { نفس بما } أي بسبب ما { كسبت } في دنياها كائنة { ~~ليس لها من دون الله } أي المنفرد بالعظمة { ولي } أي يتولى نصرها { ولا ~~شفيع } ينقذها بشفاعته. # ولما كان الفداء من اسباب الخلاص قال: { وإن تعدل } أي تلك النفس لأجل ~~التوصل إلى الفكاك { كل عدل } أي كل شيء يظن أنه يعدلها ولو كان أنفس ~~شيء؛ " ولما " كان الضار عدم الأخذ، لا كونه من معين، بني للمفعول قوله: ~~{ لا يؤخذ منها } ولما أنتج ذلك قطعا أن من هذا حاله هالك، قال: { أولئك ~~} أي الذين عملوا هذه الأعمال البعيدة عن الخير { الذين أبسلوا } أي ~~أسلموا { بما كسبوا } ثم استأنف قوله: { لهم شراب من حميم } أي هو غاية ~~الحر يصهر به ما في بطونهم, بما اعتقدوا في الآيات ما ظهر على ألسنتهم { ~~وعذاب أليم } أي يعم دائما ظواهرهم وبواطنهم بما ظهر عليهم من ذلك بعد ~~ما بطن { بما } أي بسبب ما { كانوا يكفرون * } أي يجددون من تغطية ~~الآيات. ### || [6.71-72] # ولما تقرر أن غير الله لا يمنع من الله بنوع، لا آلهتهم التي زعموا أنها ~~شفعاؤهم ولا غيرها، ثبت أنهم على غاية البينة من أن كل ما سواء لا ينفع ~~شيئا ولا يضر، فكان في غاية التبكيت لهم قوله: { قل } أي بعد ما أقمت من ~~الأدلة على أنه ليس لأحد مع الله أمر، منكرا عليهم موبخا لهم { أندعوا ~~} أي دعاء عبادة، وبين حقارة معبوداتهم فقال: { من دون الله } أي المنفرد ~~بجميع الأمر. # ولما كان السياق لتعداد النعم # الذي خلق السماوات والأرض # [الأنعام: 73] # خلقكم من طين # [الأنعام: 2] # يطعم ولا يطعم # [الأنعام: 14] # ويرسل عليكم حفظة # [الأنعام: 61] # من ينجيكم من ظلمات البر والبحر # [الأنعام: 63] # الله ينجيكم منها ومن كل كرب # [الأنعام: 64] قدم النفع في ms1380 قوله: { ما لا ينفعنا ولا يضرنا } أي لا ~~يقدر على شيء من ذلك، ليكونوا على غاية اليأس من اتباع حزب الله لهم، ~~وهذا كالتعليل لقوله # إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله # [الأنعام: 56]. # ولما ذكر عدم المنفعة في دعائهم، أشار إلى وجود الخسارة في رجائهم فقال: ~~{ ونرد } أي برجوعنا إلى الشرك، وبناه للمفعول لأن المنكر الرد نفسه من ~~أي راد كان { على أعقابنا } أي فنأخذ في الوجه المخالف لقصدنا فنصير كل ~~وقت في خسارة بالبعد عن المقصود { بعد إذ هدانا الله } أي الذي لا خير ~~إلا وهو عنده ولا ضر إلا وهو قادر عليه، إلى التوجه نحو المقصد، ووفقنا ~~له وأنقذنا من الشرك. # ولما صور حالهم، مثله فقال: { كالذي } أي نرد من علو القرب إلى ~~المقصود إلى سفول البعد عنه ردا كرد الذي { استهوته } أي طلبت مزوله عن ~~درجته { الشياطين } فأنزلته عن أفق مقصده إلى حضيض معطبه، شبه حاله بحال ~~من سقط من عال في مهواة مظلمة فهو في حال هويه في غاية الاضطراب وتحقق ~~التلف والعمى عن الخلاص { في الأرض } حال كونه { حيران } تائها ضالا, ~~لا يهتدي لوجهه ولا يدري كيف يسلك, ثم استأنف قوله: { له } أي هذا الذي ~~هوى { أصحاب } أي عدة، ولكنه لتمكن الحيرة منه لا يقبل { يدعونه إلى ~~الهدى } وبين دعاءهم بقوله: { ائتنا } وهو قد اعتسف المهمة تابعا ~~للشياطين، لا يجيبهم ولا يأتيهم لأنه قد غلب على نفسه، وحيل بينه وبين ~~العبر والنزوان. # ولما كان هذا مما يعرفونه وشاهدوه مرارا، وكانوا عالمين بأن دعاء ~~أصحابه له في غاية النصيحة والخير، وأنه إن تبعهم نجا، وإلا هلك هلاكا ~~لا تدارك له، فكان جوابهم: إن دعاء أصحابه به لهدى، بين أنه مضمحل تافه ~~جدا بحيث إنه يجوز أن يقال: ليس هدى بالنسبة إلى هذا الذي يدعوهم إليه، ~~بقوله: { قل إن هدى الله } أي المستجمع لصفات الكمال { هو } أي خاصة { ~~الهدى } أي لا غيره كدعاء أصحاب المستهوي، بل ذاك الهدى مع إنقاذه من ~~الهلاك إلى جنب هذا ms1381 الهدى كلا شيء، لأن الشيء هو الموصل إلى سعادة الأبد. # ولما كان التقدير: فقد أمرنا أن نلزمه ونترك كل ما عداه، عطف عليه أمرا ~~عاما فقال: { وأمرنا لنسلم } أي ورد علينا الأمر ممن لا أمر لغيره بكل ~~ما يرضيه لأن نسلم بأن نوقع الإسلام وهو الانقياد التام فنتخلى عن كل ~~هوى، وأن نقيم الصلاة بأن نوقعها بجميع حدودها الظاهرة والباطنة فنتحلى ~~بفعلها أشرف حلى { لرب العالمين * } أي لإحسانه إلى كل أحد بكل شيء خلقه؛ ~~ثم فسر المأمور به، فكأنه قال: أن أسلموا { وأن أقيموا الصلاة } لوجهه { ~~واتقوه } مع ذلك، أي افعلوها لا على وجه الهزء واللعب، بل على وجه التقوى ~~والمراقبة ليدل ما ظهر منها على ما بطن من الإسلام للمحسن. # ولما كان التقدير: فهو الذي ابتدأ خلقكم من طين فإذا أنتم بشر مصورون، ~~وجعلكم أحياء فبقدرته على مدى الأيام تنتشرون، عطف عليه قوله: { وهو الذي ~~إليه } أي لا إلى غيره بعد بعثكم من الموت { تحشرون * } فأتى بالبعث الذي ~~هم له منكرون لكثرة ما أقام من الأدلة على تمام القدرة في سياق دال على ~~أنه مما لا مجال للخلاف فيه، وأن النظر إنما هو فيما وراء ذلك، وهو أن ~~عملهم للباطل سوغ تنزيلهم منزلة من يعتقد أنه يحشر إلى غيره سبحانه ممن ~~لا قدرة له على جزائهم، فأخبرهم أن الحشر إليه لا إلى غيره، لأنه لا كلام ~~هناك لسواه، فلا علق بين المحشورين ولا تناصر كما في الدنيا، والجملة مع ~~ذلك كالتعليل للأمر بالتقوى، وقد بان أن الآية من الاحتباك، فإنه حذف ~~الصلاة أولا لدلالة ذكرها ثانيا، والإسلام ثانيا لدلالة ذكره أولا. ### || [6.73-76] # ولما كانوا بعبادة غيره تعالى - مع إقرارهم بأنه هو خالق السماوات ~~والأرض - في حال من يعتقد أن ذلك الذي يعبدونه من دونه هو الذي خلقهما، ~~أو شاركا فيهما. فلا قدرة لغيره على حشر من في مملكته، قال تعالى منبها ~~لهم من غفلتهم وموقظا من رقدتهم معيدا الدليل الذي ذكره أول السورة على ~~وجه آخر: { وهو } أي وحده ms1382 { الذي خلق } أي أوجد واخترع وقدر { السماوات ~~والأرض } أي على عظمهما وفوت ما فيهما من الحكم والمنافع الحصر { بالحق } ~~أي بسبب إقامة الحق، وأنتم ترون أنه غير قائم في هذه الدار ولا هو قريب ~~من القيام، فوجب على كل من يعلم أن الله حكيم خبير أن يعتقد أنه لا بد من ~~بعثة العباد بعد موتهم - كما وعد بذلك - ليظهر العدل بينهم، فيبطل كل ~~باطل ويحق كل حق، ويظهر الحكم لجميع الخلق. # ولما قرر أن إقامة الحق هي المراد، قرر قدرته عليها بقوله: { ويوم يقول ~~} أي للخلق ولكل شيء يريده في هذه الدار وتلك الدار { كن فيكون * } أي ~~فهو يكون لا يتخلف أصلا. # ولما قرر أنه لا يتخلف شيء عن أمره، علله فقال: { قوله الحق } أي لا قول ~~غيره، لأن أكثر قول غيره باطل، لأنه يقول شيئا فلا يكون ما أراد؛ ولما ~~كان في مقام الترهيب من سطوته، قال مكررا لقوله " وهو الذي إليه تحشرون ~~": { وله } أي وحده بحسب الظاهر والباطن { الملك يوم } ولما كان المقصود ~~تعظيم النفخة، بني للمفعول قوله: { ينفخ في الصور } لانقطاع العلائق بين ~~الخلائق، لا كما ترون في هذه الدار من تواصل الأسباب، وقوله-: { عالم ~~الغيب } وهو ما غاب عن كل ما سواه سبحانه { والشهادة } وهو ما صار بحيث ~~يطلع عليه الخلق - مع كونه علة لما قبله من تمام القدرة كما سيأتي إن شاء ~~الله تعالى في طه من تمام الترهيب، أي أنه لا يخفى عليه شيء من أحوالكم، ~~فاحذروا جزاءه يوم تنقطع الأسباب، ويذهب التعاضد والتعاون، وهو على عادته ~~سبحانه في أنه ما ذكر أحوال البعث إلا قرر فيه أصلين: القدرة على جميع ~~الممكنات، والعلم بجميع المعلومات الكليات والجزئيات، لأنه لا يقدر على ~~البعث إلا من جمع الوصفين { وهو } أي وحده { الحكيم } أي التام الحكمة، ~~فلا يضع شيئا في غير محله ولا على غير أحكام، فلا معقب لأمره، فلا بد من ~~البعث { الخبير * } بجميع الموارد والمصادر، فلا خفاء لشيء من أفعال أحد ~~من الخلق عليه في ms1383 ظاهر ولا باطن ليهملهم عن الحساب. # ولما كان مضمون هذه الآيات مضمون الآيات الثلاث المفتتح بها السورة ~~الهادمة لمذهب الثنوية، وهم أهل فارس قوم إبراهيم عليه السلام، وكان ~~إبراهيم عليه السلام يعرف بفضله جميع الطوائف، لأن أكثرهم من نسله ~~كاليهود والنصارى والمشركين من العرب، والمسلمون لما يعلمون من إخلاصه ~~لله تعالى وانتصابه لمحاجة من أشرك به واحتمال الأذى فيه سبحانه، تلاها ~~بمحاجته لهم بما أبطل مذهبهم وأدحض حججهم فقال: { وإذ } أي اذكر ذلك ~~المتقدم كله لهم في الدلائل على اختصاصنا بالخلق وتمام القدرة، ما أعظمه ~~وما أجله وأضخمه! وتفكر في عجائبه وتدبر في دقائقه وغرائبه تجد ما لا ~~يقدر على مثله إلا الله، واذكر إذ { قال إبراهيم } أي اذكر قوله، وحكمة ~~التذكير بوقته التنبيه على أن هذا لم يزل ثابتا مقررا على ألسنة جميع ~~الأنبياء في جميع الدهور، وكان في هذه المحاجة التصريح بما لوح إليه أول ~~هذه السورة من إبطال هذا المذهب، وانعطف هذا على ذاك أي انعطاف! وصار ~~كأنه قيل: ثم الذين كفروا بربهم يعدلون الأصنام والنجوم والنور والظلمة، ~~فنبههم يا رسول الله على ذلك بأنه لا متصرف غيرنا، اذكر لهم أني أنا الذي ~~خلقتهم وخلقت جميع ما يشاهدون من الجواهر والأعراض، فإن تنبهوا فهو حظهم، ~~وإلا فاذكر لهم محاجة خليلنا إبراهيم عليه السلام إذ قال { لأبيه } ثم ~~بينه في قراءة الجر بقوله: { آزر } وناداه في قراءة يعقوب بالضم؛ قال ~~البخاري في تاريخه الكبير: إبراهيم بن آزر, وهو في التوراة: تارح - ~~انتهى. # وقد مضى ذلك عن التوراة في البقرة، فلعل أحدها لقب، وكان أهل تلك البلاد ~~وهم الكلدانيون، ويقال لهم أيضا الكسدانيون - بالمهملة موضع اللام - ~~يعتقدون إلهية النجوم في السماء والأصنام في الأرض ويجعلون لكل نجم ~~صنما، إذا أرادوا التقرب إلى ذلك النجم عبدوا ذلك الصنم ليشفع لهم - كما ~~زعموا - إلى النجم، فقال عليه السلام لأبيه منكرا عليه منبها له على ~~ظهور فساد ما هو مرتكبه: { أتتخذ } أي أتكلف نفسك إلى خلاف ما تدعو إليه ~~الفطرة الأولى بأن ms1384 تجعل { أصناما آلهة } أي تعبدها وتخضع لها ولا نفع ~~فيها ولا ضر، فنبهه بهذا الإنكار على أن معرفة بطلان ما هو متدين به لا ~~يحتاج إلى كثير تأمل، بل هو أمر بديهي أو قريب منه، فإنهم يباشرون أمرها ~~بجميع جوانبهم ويعلمون أنها مصنوعة وليست بصانعة، وكثرتها تدل على بطلان ~~إلهيتها بما أشار إليه قوله تعالى # لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا # [الأنبياء: 22]. # ولما خص بالنصيحة أقرب الخلق إليه، عم بقية أقاربه فقال: { إني أراك ~~وقومك } أي في اتفاقكم على هذا { في ضلال } أي بعد عن الطريق المستقيم { ~~مبين * } أي ظاهر جدا ببديهة العقل مع مخالفته لكل نبي نبأه الله تعالى ~~من آدم عليه السلام فمن بعده، فهو مع ظهوره في نفسه مظهر للحق من أن ~~الإله لا يكون إلا كافيا لمن يعبده، وإلا كان فقيرا إلى تأله من يكفيه. # ولما كان كأنه قيل: بصرنا إبراهيم عليه السلام هذا التبصير في هذا الأمر ~~الجريء من بطلان الأصنام، قال عاطفا عليه: { وكذلك } أي ومثل هذا ~~التبصير العظيم الشأن، وحكى الحال الماضية بقوله: { نري } أي بالبصر ~~والبصيرة على مر الزمان وكر الشهور والأعوام إلى ما لا آخر له بنفسه ~~والصلحاء من أولاده { إبراهيم ملكوت } أي باكن ملك التوحيد فيعلم أن كل ~~من عبد غير الله صنم وغيره من قومه وغيرهم في ضلال، كما علم ذلك في قومه ~~في الأصنام { وليكون من الموقنين * } أي الراسخين في وصف الإيقان في أمر ~~التوحيد كله بالنسبة إلى جميع الجزئيات لما أريناه ببصره وبصيرته، فتأمل ~~فيه حتى وقع فيه بعد علم اليقين على عين اليقين بل حق اليقين. # ولما كانت الأمور السماوية مشاهدة لجميع الخلق: دانيهم وقاصيهم، وهي ~~أشرف من الأرضية، فإذا بطلت صلاحيتها للإلهية بطلت الأرضية من باب ~~الأولى؛ نصب لهم الحجاج في أمرها، فقال مسببا عن الإراءة المذكورة: { ~~فلما جن } أي ستر وأظلم، وقصره - وإن كان متعديا - دلالة على شدة ظلام ~~تلك الليلة، ولذلك عداه بأداة الاستعلاء فقال: { عليه اليل } أي وقع ~~الستر عليه، فحجب ms1385 ملكوت الأرض فشرع ينظر في ملكوت السماء { رأى كوكبا } ~~أي قد بزغ، فكأنه قيل: فماذا فعل؟ فقيل: { قال هذا ربي } فكأنه من ~~بصره أن أتى بهذا الكلام الصالح لأن يكون خبرا واستفهاما، ليوهمهم ~~أنه مخبر، فيكون ذلك انفى للغرض وأنجى من الشعب، فيكون أشد استجلابا لهم ~~إلى إنعام النظر وتنبيها على موضع الغلط وقبول الحجة، ولمثل ذلك ختم ~~الآية بقوله: { فلما أفل } أي غاب بعد ذلك الظهور الذي كان آية سلطان { ~~قال لا أحب الآفلين * } لأن الأفول حركة، والحركة تدل على حدوث المتحرك ~~وإمكانه، ولا نظن أن يظن به أنه قال ما قاله أولا عن اعتقاد ربوبية ~~الكواكب، لأن الله تعالى قد دل على بطلان هذا التوهم بالإخبار بأنه أراه ~~ملكوت الخافقين وجعله موقنا، فاسند الأمر إلى نفسه تنبيها لهم، واستدل ~~بالأفول لأن دلالته لزوال سلطانه وحقارة شأنه اتم، ولم يستدل بالطلوع ~~لأنه - وإن كان حركة دالة على الحدوث والنقصان - شرف في الجملة وسلطان، ~~فالخواص يفهمون من الأفول الإمكان، والممكن لا بد له من موجد واجب ~~الوجود، يكون منتهى الآمال ومحط الرحال # وأن إلى ربك المنتهى # [النجم: 42] والأوساط يفهمون منه الحدوث للحركة، فلا بد من الأستناد إلى ~~قديم، والعوام يفهمون أن الغارب كالمعزول لزوال نوره وسلطانه، وأن ما كان ~~كذلك لا يصلح للإلهية، وخص الأفول أيضا لأن قومه الفرس كانوا منجمين، ~~ومذهبهم أن الكوكب إذا كان صاعدا من المشرق إلى وسط السماء كان قويا ~~عظيم التأثير، فإذا كان نازلا إلى المغرب كان ضعيف الأثر، والإله هو من ~~لا يتغير، وهذا الاستدلال برهان في أن أصل الدين مبني على الحجة دون ~~التقليد. ### || [6.77-82] # ولما بصرهم قصور صغير الكواكب، رقي النظر إلى أكبر منه، فسبب عن الإعراض ~~عن الكواكب لقصوره قوله: { فلما رأى القمر بازغا } أي طالعا أول ~~طلوعه؛ قال الأزهري: كأنه مأخوذ من البزغ الذي هو الشق، كأنه بنوره يشق ~~الظلمة شقا { قال هذا ربي } دأبه في الأولى. # ولما كان تأمل أن الكوكب محل الحوادث بالأفول قد طرق أسماعهم فخالج ~~صدورهم، ms1386 قال: { فلما أفل قال } مؤكدا غاية التأكيد { لئن لم يهدني ربي } ~~أي الذي قدر على الإحسان إلي بالإيجاد والتربية لكونه لا يتغير ولا شريك ~~له بخلق الهداية في قلبي، فدل ذلك على أن الهداية ليست إلى غيره، ولا ~~تحمل على نصب الأدلة، لأنها منصوبة قبل ذلك، ولا على معرفة الاستدلال ~~فإنه عارف به { لأكونن } أي بعبادة غيره { من القوم الضالين * } فكانت ~~هذه أشد من الأولى وأقرب إلى التصريح بنفي الربوبية عن الكواكب وإثبات أن ~~الرب غيرها، مع الملاطفة وإبعاد الخصم عما يوجب عناده. # ولما كان قد نفي عن الأجرام السماوية ما ربما يضل به الخصم قال: { فلما ~~رأى } أي بعينه { الشمس بازغة } أي عند طلوع النهار وإشراق النور الذي ~~ادعوا فيه ما ادعوا { قال } مبينا لقصور ما هو أكبر من النور وهو ما عنه ~~النور { هذا } مذكرا إشارته لوجود المسوغ، وهو تذكير الخبر إظهارا ~~لتعظيمها إبعادا عن التهمة، وتنبيها من أول الأمر على أن المؤنث لا ~~يصلح للربوبية { ربي } كما قال فيما مضى؛ ثم علل ذلك بيانا للوجه الذي ~~فارق فيه ما مضى فأورث شبهة، فقال: { هذا أكبر } أي مما تقدم { فلما أفلت ~~} أي غربت فخفي ظهورها وغلب نورها وهزمه جيش الظلام بقدرة الملك العلام { ~~قال يا قوم } فصرح بأن الكلام لهم أجمعين، ونادى على رؤوس الأشهاد. # ولما كانت القلوب قد فرغت بما ألقي من هذا الكلام المعجب للحجة، وتهيأت ~~لقبول الحق، ختم الآية بقوله: { إني بريء مما تشركون * } أي من هذا وغيره ~~من باب الأولى، فصرح بالمقصود لأنه لم يبق في المحسوس من العالم العلوي ~~كوكب أكبر من الشمس ولا أنور، فلما أبطل بذلك جميع مذهبهم أظهر التوجه ~~إلى الإله الحق، وأنه قد انكشف له الصواب بهذا النظر، والمراد هم، ولكن ~~سوقه على هذا الوجه أدعى لقبولهم إياه، فقال مستنتجا عما دل عليه الدليل ~~العقلي في الملكوت: { إني وجهت وجهي } أي أخلصت قصدي غير معرج على شيء ~~أصلا، فعبر بذلك عن الانقياد التام، لأن من انقاد لشيء أقبل عليه ms1387 بوجهه، ~~ودل على كماله وتفرده بالكمال مبدعاته، وعبر باللام دون إلى لئلا يوهم ~~الحيز، فقال: { للذي فطر } أي لأجل عبودية من شق وأخرج { السماوات والأرض ~~} فختم الدليل بما افتتحت به السورة من قوله " الذي خلق السماوات والأرض ~~" وأدل دليل على ما تقدم - أني فسرت الحنف به من أنه الميل مع الدليل ~~سهولة ولطافة على ما هو دأب الفطرة الأولى التي فطر الله الناس عليها - ~~قوله بعد نصب هذا الدليل: { حنيفا } أي سهلا هينا لينا لطيفا ~~ميالا مع الدليل غير كز جاف جامد على التقليد دأب الغليظ البليد، وأكد ~~البراءة منهم بقوله: { وما أنا من المشركين } أي منكم، ولكنه أظهر الوصف ~~المقتضي للبراءة والتعميم، أي لا أعد في عدادكم بشيء أقاربكم به. # ولما أبدى هذه الأدلة في إبطال الضلال بالكواكب والشمس التي هي أوضح من ~~الشمس، عطف عليها الإخبار بأنهم لم يرجعوا إليه بل حاجوه، فقال: { وحاجه ~~قومه } بأنهم لا ينفكون عن عبادتها لأنهم وجدوا آباءهم كذلك، وأنه إن لم ~~يرجع عن الكلام فيها أصابته ببعض النوازل، وذلك من أعظم التسلية لهذا ~~النبي العربي الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم. # ولما كان من المعلوم أن محاجتهم - بعد هذه الأدلة الواضحة في غاية من ~~السقوط - سفلت عن الحضيض، نزه المقام عن ذكرها، إشارة إلى أنها بحيث لا ~~يستحق الذكر، وبين جوابه لما فيه من الفوائد الجمة بقوله: { قال } أي ~~بقول منكرا عليهم موبخا لهم: { أتحاجوني } وصرح باسم الرب العلم الأعظم ~~في قوله: { في الله } أي شيء مما يختص به المستجمع لصفات الكمال لا سيما ~~التوحيد { وقد } أي والحال أنه قد { هدان } أي أرشدني بالدليل القطعي إلى ~~معرفة كل ما يثبت له وينفى عنه، أي لأنه قادر، فبين أنه تعالى قد أحسن ~~إليه، فهو يرجوه لمثل ذلك الإحسان، ويخافه من عواقب العصيان، لأن من رجي ~~خيره خيف ضيره، ومن كان بيده النفع والضر والهداية والإضلال فهو من وضوح ~~الأمر وظهور الشأن بحيث لا توجه نحوه المحاجة، وأتبعه بيان أن معبوداتهم ~~مسلوب عنها ما يوجه ms1388 إليه الهمم، فقال عاطفا على ما تقديره: فأنا أرجوه ~~وأخافه لأنه قادر: { ولا أخاف ما تشركون به } ولا أرجوه لهداية ولا إضلال ~~ولا غيرهما لأنه عاجز، فأثبت لله القدرة بالهداية لأنها أشرف، وطوى ~~الإضلال لدلالتها ودلالة ما نفي في جانب الشركاء عليه، وأثبت لآلهتهم ~~العجز بنفي الخوف المستلزم لنفي القدرة على الضر. وذلك دال على أن الله ~~تعالى أهل لأن يخاف منه. كل ذلك تلويحا لهم بأن العاقل لا ينبغي له أن ~~يخالف إلا من يأمن ضره، فهم في مخالفتهم لله في غاية من الخطر، لا ~~يرتكبها عاقل، والآية من الاحتباك. # ولما نفى عن نفسه خوف آلهتهم أبدا في الحال والاستقبال، وكان من الأمر ~~البين في الدين الحق أنه لا يصبح الإيمان إلا مع الإقرار بخفاء العواقب ~~على العباد وإثبات العلم بها لله تسليما لمفاتيح الغيب إليه، وقصرها ~~عليه؛ قال مستثنيا من سبب النفي، وهو أنها لا تقدر على شيء: { إلا أن ~~يشاء ربي } المحسن إلي في حال الضر كما هو محسن في حال النفع { شيئا } ~~أي من تسليطها بأنفسها أو باتباعها، لأنه قادر على ما يريد، فإن أراد ~~أنطق الجماد وأقدره، وأخرس الناطق الفصيح وأعجزه، فأنا لا أخاف في ~~الحقيقة غيره. # ولما كان هذا في صورة التعليق، وكان التعليق وما شابهه من شأنه أن لا ~~يصدر إلا من متردد، فيكون موضع إطماع للخصم فيه، علله بما أزال هذا ~~الخيال فقال: { وسع ربي كل شيء علما } أي فأحاط بكل شيء قدرة، فهو إذا ~~أراد إقدار العاجز أزال عنه كل مانع من القدرة، وأثبت له كل مقتض لها، ~~وذلك ثمرة شمول العلم - كما سيأتي برهانه إن شاء الله تعالى في سورة طه، ~~فالمراد أني ما تركت الجزم لشك عندي، وإنما تركته لعدم علمي بالعواقب ~~إعلاما بأن تلك رتبة لا تصلح إلا لله الذي وسع علمه كل شيء، وأدل دليل ~~على هذا اتباعه له بإنكاره عليهم عدم الإبلاغ في التذكر بقوله مظهرا ~~تاء التفعل إشارة إلى أن في جبلاتهم أصل التذكر الصاد ms1389 عن الشرك: { أفلا ~~تتذكرون } أي يقع منكم تذكر، فتميزوا بين الحق والباطل بأن تذكروا مآلكم ~~من أنفسكم بأن من غاب عن مربوبه فسد أو كاد، وأن هذه الجمادات لا تنفع ~~ولا تضر، وأنها مصنوعكم، وتعجب منهم في ظنهم خوفه من معبوداتهم بقوله ~~منكرا: { وكيف أخاف ما أشركتم } أي من دون الله من الأصنام وغيرها مع ~~أنها لا تقدر على شيء { ولا } أي والحال أنكم أنتم لا { تخافون أنكم ~~أشركتم بالله } أي المستجمع لصفات العظمة والقدرة على العذاب والنقمة. # ولما كان له سبحانه أن يفعل ما يشاء قال: { ما لم ينزل به } أي بإشراكه؛ ~~ولما كان المقام صعبا لأنه أصل الدين، أثبت الجار والمجرور وقدمه فقال: ~~{ عليكم سلطانا } أي حجة تكون مانعة من إنزاله الغضب بكم، والحاصل أنه ~~عليه السلام أوقع الأمن في موضعه وهم أوقعوه في موضع الخوف، فعجب منهم ~~لذلك فبان أن هذا وقول شعيب عليه السلام في الأعراف # وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا # [الأعراف: 89] - الآية، وقوله تعالى في الكهف # ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله # [الكهف: 24] من مشكاة واحدة؛ ولما كان المحذور المنفي هنا إنما هو خوف ~~الضرر من آلهتهم، وكان حصول الضرر لمخالفها بواسطة أتباعها أو غيرهم من ~~سنن الله الجارية في عباده، اقتصر الخليل عليه السلام على صفة الربوبية ~~المقتضية للرأفة والرحمة والكفاية والحماية، وقد وقع في قصته الأمران: ~~إمكانهم من أسباب ضرره بإيقاد النار وإلقائهم له فيها، ورحمته بجعلها ~~عليه بردا وسلاما؛ ولما كان المحذور في قصة شعيب عليه السلام العود في ~~ملتهم، زاد الإتيان بالاسم الأعظم الجامع لجميع الكمالات المنزه عن جميع ~~النقائص المقتضي لاستحضار الجلال والعظمة والتفرد والكبر المانع من دنو ~~ساحات الكفر - والله الموفق. # ولما بان كالشمس بما أقام من الدليل أنه أحق بالأمن منهم، قال مسببا ~~عما مضى تقريرا لهم: { فأي الفريقين } أي حزب الله وحزب ما أشركتم به، ~~ولم يقل: فأينا، تعميما للمعنى { أحق بالأمن } وألزمهم بالجواب حتما ~~بقوله: ms1390 { إن كنتم تعلمون } أي إن كان لكم علم فأخبروني عما سألتكم عنه؛ ~~ثم وصل بذلك دلالة على أنه لا علم لهم أصلا ليخبروا عما سئلوا عنه قوله ~~مستأنفا: { الذين آمنوا } أي أوجدوا هذا الفعل { ولم } أي وصدقوا دعواهم ~~بأنهم لم { يلبسوا إيمانهم } أي يخالطوه ويشوبوه { بظلم }. # ولما كان المعنى: أحق بالأمن، عدل عنه إلى قوله مشيرا إليهم بأداة ~~البعد تنبيها على علو رتبتهم: { أولئك لهم } أي خاصة { الأمن } أي لما ~~تقدم من وصفهم { وهم مهتدون } أي وأنتم ضالون، فأنتم هالكون لإشرافكم على ~~المهالك " وتفسير النبي صلى الله عليه وسلم فيما أخرج الشيخان والترمذي ~~والنسائي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه لهذا الظلم المطلق في قوله ~~تعالى { بظلم } بالشرك " الذي هو ظلم موصوف بالعظم في قوله تعالى # إن الشرك لظلم عظيم # [لقمان: 13] تنبيه للصحابة رضوان الله عليهم على أن هذا التنوين ~~للتعظيم، ولأنهم أهل اللسان المطبوعون فيه صفوا بذلك واطمأنوا إليه، ولا ~~شك أن السياق كله في التنفير عن الشرك، وأنه دال على الحث على التبريء عن ~~قليل الشرك وكثيره، فآل الأمر إلى أن المراد: ولم يلبسوا إيمانهم بشيء من ~~الشرك، فالتنوين حينئذ للتحقير كما هو للتعظيم، فهو من استعمال الشيء في ~~حقيقته ومجازه أو في معنيه المشترك فيهما لفظه معا - والله أعلم. ### || [6.83-86] # ولما كان إبراهيم عليه السلام قد انتصب لإظهار حجة الله في التوحيد ~~والذب عنها، وكان التقدير تنبيها للسامع على حسن ما مضى ندبا لتدبره: ~~هذه مقاولة إبراهيم عليه السلام لأبيه وقومه، عطف عليه قوله معددا وجوه ~~نعمه عليه وإحسانه إليه، دالا على إثبات النبوة بعد إثبات الوحدانية: { ~~وتلك } أي وهذه الحجة العظيمة الشأن التي تلوناها عليكم، وهي ما حاج ~~إبراهيم عليه السلام به قومه، وعظمه بتعظيمها فقال: { حجتنا } أي التي ~~يحق لها بما فيها من الدلالة أن تضاف إلينا، لأنها من أشرف النعم وأجل ~~العطايا { آتيناها } أي بما لنا من العظمة { إبراهيم } وأوقفناه على ~~حقيقتها وبصرناه بها، ونبه على ارتفاع شأنها بأداة الاستعلاء مضمنا ~~لآتينا ms1391 وأقمنا، فقال: { على قومه } أي مستعليا عليهم غالبا لهم قائمة ~~عليهم الحجة التي نصبها، ثم زاد في الإعلام بفضله بقوله مستأنفا: { نرفع ~~} أي بعظمتنا { درجات من نشاء } بما لنا من القدرة على ذلك كما رفعنا ~~درجة إبراهيم عليه السلام على جميع أهل ذلك العصر. # ولما كانت محاجته لهم على قانون الحكمة بالعالم العلوي الذي نسبوا الخلق ~~والتدبير بالنور والظلمة إليه، وكان في ختام محاجته لهم أن الجاري على ~~قانون الحكمة أن الملك الحق لا يهين جنده فلا خوف عليهم، وكان قبل ذلك في ~~الاستدلال على البعث الذي هو محط الحكمة؛ كان الأنسب أن يقدم في ختم ~~الآية وصف الحكمة فقال: { إن ربك } أي خاصا لنبيه صلى الله عليه وسلم ~~بالمخاطبة باسم الإحسان تنبيها على أن حجبه الدليل عمن يشاء لحكم ~~أرادها سبحانه، ففيه تسلية له صلى الله عليه وسلم { حكيم } أي فلا يفعل ~~بحزبه إلا ما ظنه به خليله صلى الله عليه وسلم مما يقر أعينهم، إما في ~~الدنيا وإما في الآخرة وإما فيهما { عليم } فلا يلتبس عليه أحد من غيرهم، ~~فيفعل به ما يحل بالحكمة. # ولما أشار إلى رفعته بأنه بصره بالحجة حتى كان على بصيرة من أمره، وأنه ~~علا على المخالفين برفع الدرجات، أتبع ذلك ما دل عليها وعلى حكمته بعلمه ~~بالعواقب، فقال معلما بأنه جعله عزيزا في الدنيا لأن أشرف الناس ~~الأنبياء والرسل، وهم من نسله وذريته، ورفع ذكره أبدا لأجل قيامه بالذب ~~عن توحيده: { ووهبنا له } أي لخليلنا عليه السلام بما لنا من العظمة { ~~إسحاق } ولدا له على الكبر حيث لا يولد لمثله ولا لمثل زوجته { ويعقوب } ~~أي ولد ولد، وابتدأ سبحانه بهما لأن السياق للامتنان على الخليل عليه ~~السلام، وهو أشد سرورا بابنه الذي متع به ولم يؤمر بفراقه وابن ابنه ~~الذي أكثر الأنبياء الداعين إلى الله من نسله ومن خواصه، وهو الموجب ~~الأعظم للبداءة أن أبناءه طهروا الأرض المقدسة التي هي مهاجر إبراهيم ~~عليه السلام ومختاره للسكنى بنفسه ونسله، بل مختار الله له ولهم ms1392 بعده ~~بمدد طهورها من الشرك وعبادة الأوثان، ودعوا إلى الله ونوروا الأرض ~~بعبادته. # ولما كانت النعمة لا تتم إلا بالهداية، قال مستأنفا مقدما للمفعول ~~ليشمل الكلام إياهما: { كلا } أي منهما ومن أبيهما { هدينا } ثم أتبع ~~ذلك المهتدين قديما وحديثا تأكيدا لأن هذا المذهب لم يزل خلص العباد ~~دعاة إليه في قديم الزمان وجديده، فكأنه يقول: إن كنتم تلزمون دينكم لأنه ~~عندكم حق، فقد تبين لكم بطلانه، وأن الحق إنما هو التوحيد، وإن كنتم ~~تلزمونه لقدمه فهذا الدين - الذي - دعاكم إليه رسولي مع وضوح الدلالة ~~على حقيته - هو القديم الذي دعاكم إليه نوح ومن تلاه من خلص ذريته إلى ~~إبراهيم أبيكم الأعظم ومن بعده من خلص ذريته إلى عيسى، ثم إلى هذا الرسول ~~الذي هو دعوة إبراهيم وبشارة عيسى - على الكل أبلغ الصلاة وأتم التسليم، ~~فهو أحق بالاتباع من جهة الحقية والأقدمية، وإن كنتم تلزمونه لمجرد اتباع ~~الآباء فليس في أبائكم مثل إبراهيم عليه السلام، وقد تلوت عليكم في كلامي ~~الذي أقمت الدليل القطعي بعجزكم عنه على صحة نسبته إلى ما حاج به أباه ~~وقومه في إبطال الأوثان التي أضلتكم، فهو أولى آبائكم أن تعتدوا به - ~~والله الموفق. # ولما كان ربما وقع في وهم أن هداية كل من إسحاق وابنه بتربية أبيه، ذكر ~~العاشر من آباء الخليل وهو نوح عليهما السلام لدفع ذلك، ولأن السياق ~~لإنكار الأوثان، وهو أول من نهى عن عبادتها، وهو أجل آباء الخليل عليه ~~السلام فقال: { ونوحا هدينا } أي بما لنا من العظمة من بين ذلك الجيل ~~الأعوج. # ولما كانت لم تتجاوز منه، وكان زمنه بعض الزمن المتقدم، أثبت الجار ~~وقطعه عن الإضافة لتراخي زمانهم كثيرا عن زمانه فقال: { من قبل } أي ولم ~~تكن هدايته إلا بنا في زمان كان أهله من شدة الضلال ولزوم الظلم في مثل ~~استقبال الليل، كلما امتد احلولك ظلامه واشتد، وطالما دعاهم إلى الله ~~ورباهم فلم يرجع منهم كثيرا أحد حتى لقد خالفه زوجه وبعض ولده، ولمثل ~~ذلك فصل بين إسماعيل وأبيه ms1393 ويوسف وأبيه عليهم السلام إشارة إلى فراق كل ~~منهما لأبيه في الحياة، وأنه ما حفظ كلا منهما على سنن الهدى طول المدى ~~إلا الله؛ ثم ابتدأ المذكورين بعد بمن بنى على يده ويد ابنه مسجدا هو ~~بعد المسجد الذي بناه إبراهيم وولده إسماعيل عليهما السلام فقال: { ومن ~~ذريته }. # ولما كان السياق كله لمدح الخليل، وكان المذكورون - إلا لوطا - من ~~نسله، وكان التغليب مستعملا شائعا في لسان العرب، لا سيما ولوط ابن ~~أخيه ومثل ولده؛ حكم بأن الضمير لإبراهيم عليه السلام، وقول من قال: إن ~~يونس عليه السلام ليس من نسله، غير صحيح، بل هو من بني إسرائيل، وهو أحد ~~من ذكر في سفر الأنبياء، وسيأتي خبره من السفر المذكور في سورة { ~~والصافات } إن شاء الله تعالى، وقد صرح أبو الحسن محمد بن عبد الله ~~الكسائي في قصص الأنبياء أنه من ذرية إبراهيم، واقتضى كلامه أنه من بني ~~إسرائيل، كما اقتضى ذلك كلام البغوي في سورة الأنبياء عليهم السلام، وأما ~~أيوب فروى؛ من نسل عيص بن إسحاق عليهم السلام { داود } أي هديناه { ~~وسليمان } أي اللذين بنيا بيت المقدس بأمر الله: داود بخطه وتأسيسه، ~~وسليمان بإكماله وتشييده. # وما كان مع ذلك ملكين، تلاهما بمن شابههما في الملك أو الحكم على الملوك ~~فقال: { وأيوب } وقدمه لمناسبة ما بينه وبين سليمان في أن كلا منهما ~~ابتلى بأخذ كل ما في يده ثم رد الله إليه { ويوسف } وكل من هؤلاء ~~الأربعة ابتلى فصبر، واغتنى فشكر، وأيوب إن لم يكن ملكا فقد كانت ثروته ~~غير مقصرة عن ثروة الملوك، على أن بعض الطلبة أخبرني عن تفسير الهكاري - ~~فيما أظن - أنه صرح بأنه ملك، وأيضا فالاثنان الأولان كانا سبب إصلاح ~~بني إسرائيل بعد الفساد واستنقاذهم من ذل الفلسطين، والاثنان الباقيان كل ~~منهما ابتلى بفراق أهله ثم ردوا عليه: أيوب بعد أن ماتوا، ويوسف قبل ~~الموت، وأيضا فداود عليه السلام شارك إبراهيم عليه السلام في أنه كان ~~سبب سلامته من ملك زمانه الاختفاء في غار، وذلك أن نمرود ms1394 بن الكنعان كان ~~ادعى الإلهية وأطمع فيها، وقال له منجموه: يولد في بلدك هذا العام غلام ~~يغير دين أهل الأرض، ويكون هلاكك على يده، فأمر بذبح كل غلام في ناحيته ~~في تلك السنة، وأمر بعزل الرجال عن النساء، وحملت أم إبراهيم عليه السلام ~~به في تلك السنة، فلما وجدت الطلق خرجت ليلا إلى غار قريب منها فولدت ~~فيه إبراهيم وأصلحت من شأنه، ثم سدت فم الغار ورجعت، ثم كانت تطالعه ~~فتجده يمتص إبهامه، وكان يشب في اليوم كالشهر وفي الشهر كالسنة؛ وأما ~~داود عليه السلام فإنه لما قتل جالوت وزوجه طالوت ابنته، وناصفه ملكه ~~- على ما كان شرط لمن قتل جالوت - مال إليه الناس وأحبوه، فحسده فأراد ~~قتله، فطلبه فهرب منه، فدخل غارا فنسجت عليه العنكبوت، فقال طالوت: لو ~~دخل هنا لخرق بناء العنكبوت، فأنجاه الله منه؛ وتلاه بسليمان لأنه مع ~~كونه من أهل الملك والبلاء شارك إبراهيم عليهما السلام في إبطال عبادة ~~الشمس في قصة بلقيس رضي الله عنها؛ وقصة يوسف عليه السلام في إبطال عبادة ~~الأوثان شهيرة في قوله تعالى # يا صاحبي السجن ءأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار # [يوسف: 39]. # ولما كان يوسف عليه السلام ممن أعلى الله كلمته على كلمة ملك مصر وأعز ~~ملكها وأهلها وأحياهم به، أتبعه من أعلى الله كلمتهما على كلمة ملك مصر ~~وأهلها وأهلكهم بهما، فكأن بعض قصصهم وفاق، وبعضها تقابل وطباق، فقال: { ~~وموسى وهارون } ولما كان التقدير: هديناهم جزاء لإحسانهم باهتدائهم في ~~أنفسهم ودعائهم لغيرهم إلى الهدى، لم يشغل أحدا منهم منحة السراء ولا ~~محنة الضراء، عطف عليه قوله: { وكذلك } أي ومثل ما جزيناهم { نجزي ~~المحسنين * } أي كلهم، ففي ذلك إشارة إلى علو مقامهم من هذه الجهة، وهي ~~أنهم من أهل السراء المطفئة والضراء المسنية، ومع ذلك فقد أحسنوا ولم ~~يفتروا ولم ينوا. # ولما كان المذكوران قبله ممن سلطهما على الملوك، أتبعهما من سلط الملوك ~~عليهما بالقتل فقال: { وزكريا ويحيى } ثم أتبعهما من عاندهما الملوك ولم ~~يسلطوا عليهما, وأدام الله سبحانه ms1395 حياتهما إلى أن يريد سبحانه فقال: { ~~وعيسى وإلياس } ولما كان هؤلاء الأربعة من الصابرين، قال مادحا لهم على ~~وجه يعم من قبلهم: { كل } أي من المذكورين { من الصالحين * } ثم أتبعهم ~~من لم يكن بينهما وبين الملوك أمر، وهدى بهما من كان بين ظهرانيه فقال: { ~~وإسماعيل واليسع } هذا إن كان اليسع هو ابن أخطوب ابن العجوز خليفة ~~إلياس، كما ذكر البغوي في سورة الصافات أن الله تعالى أرسل إلى إلياس - ~~وهو من سبط لاوي من نسل هارون عليه السلام - فرسا من نار فركبه فرفعه ~~الله وقطع عنه لذة المطعم والمشرب، وكساه الريش، فكان إنسيا ملكيا ~~أرضيا سماويا، وسلط الله على آجب - يعني الملك الذي سلط على إلياس - ~~عدوا فقتله ونبأ الله اليسع وبعثه رسولا إلى بني إسرائيل، وأيده فآمنت ~~به بنو إسرائيل وكانوا يعظمونه وإن كان اليسع هو يوشع بن نون - كما قال ~~زيد بن أسلم - فالمناسبة بينه وبين إسماعيل عليهما السلام أن كلا منهما ~~كان صادق الوعد، لأن يوشع أحد النقيبين اللذين وفيا لموسى عليه السلام ~~حين بعثهم يجسون بلاد بيت المقدس كما أشير إليه في قوله تعالى # ولقد أخذ الله ميثاق بني إسراءيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا # [المائدة: 12] وقوله # وقال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما # [المائدة: 23] وأيضا فكل منهما كان سبب عمارة بلد الله الأعظم ~~بالتوحيد، فإسماعيل سبب عمارة مكة المشرفة، ويوشع سبب عمارة البلدة ~~المقدسة - كما سيأتي في سورة يونس إن شاء الله تعالى. # ولما كان إسماعيل واليسع ممن هدى الله بهما قومهما من غير عذاب، أتبعهما ~~من هدى الله قومه بالعذاب وأنجاهم بعد إتيان مخايله فقال: { ويونس } أي ~~هديناه؛ ولما انقضت ذرية إبراهيم عليه السلام، ختم بابن أخيه الذي ضل ~~قومه فهلكوا بغتة، فبين قصتي هذين الآخرين طباق من جهة الهلاك والنجاة، ~~ووفاق من حيث إن كلا منهما أرسل إلى غير قومه فقال: { ولوطا } ثم ~~وصفهم بما يعم من قبلهم فقال: { وكلا } أي ممن ذكرنا { فضلنا } أي بما ~~لنا من العظمة بتمام العلم وشمول ms1396 القدرة { على العالمين * } فكل هؤلاء ~~الأنبياء ممن هداه الله بهداه وجاهد في الله حق جهاده، وبدأهم تعالى ~~بإبراهيم عليه السلام وختمهم بابن أخيه لوط عليه السلام على هذه المناسبة ~~الحسنة؛ وقيل: إن الله تعالى أهلك قوم إبراهيم - نمرود وجنوده - بعد ~~هجرته، فإن صح ذلك تمت المناسبة في هلاك كل من قومه وقوم ابن أخيه لوط ~~بعد خروج نبيهم عنهم، فيكون بينهما وفاق كما كان بين قصته وقصة يونس عليه ~~السلام طباق. # ومن لطائف ترتيبهم هكذا أيضا أن إسماعيل عليه السلام يوازي نوحا عليه ~~السلام، فإنه رابع في العد لهذا العقد إذا عددته من آخره، كما أن نوحا ~~عليه السلام رابعه إذا عددته من أوله، والمناسبة بينهما أن نوحا عليه ~~السلام نشر الله منه الآدميين حتى كان منهم إبراهيم عليه السلام الذي ~~جعله الله أبا للأنبياء والمرسلين، وإسماعيل عليه السلام نشر الله منه ~~العرب الذين هم خلاصة الخلق حتى كان منهم محمد صلى الله عليه وسلم الذي ~~جعله الله خاتم الأنبياء والمرسلين، فهذا كان بداية وهذا كان نهاية، وأن ~~المذكورين قبل ذرية إبراهيم عليه السلام وبعدها - وهما نوح ولوط عليهما ~~السلام - أهلك الله قوم كل منهما عامة، وغيب هؤلاء في جامد الأرض كما ~~أغرق أولئك في مانع الماء، وأشقى بكل منهما زوجته، بيانا لأن الرسل كما ~~يكونون لناس رحمة يكونون على قوم نقمة، وأنه لا نجاة بهم ولا انتفاع إلا ~~بحسن الاتباع، وأن ابن عمران اشترك مع إبراهيم عليهم السلام في أن كلا ~~من ملكي زمانهم أمر بقتل الغلمان خوفا ممن يغير دينه ويسلبه ملكه، وكما ~~أن الله تعالى أنجى إبراهيم عليه السلام وابن أخيه لوطا عليه السلام من ~~ملك زمانهما المدعي للإلهية فكذلك أنجى موسى وأخاه هارون عليهما السلام ~~من ملك زمانهما المدعي للآلهة، وأنجى ذرية إبراهيم بهما، فإذا جعلت ~~إبراهيم وابن أخيه لوطا - لكونه تابعا له - واحدا، وموسى وأخاه هارون ~~واحدا لمثل ذلك، ونظمت أسماء جميع هذه الأنبياء في سلك النقي: لوط مع ~~إبراهيم كموسى مع هارون، وكان الأربعة ms1397 واسطة عقدة، فبين إبراهيم وموسى ~~حينئذ سبعة كما أن بين هارون ولوط سبعة، وإذا ضممت إليهم المقصود بالذات ~~المخاطب بهذه الآيات المأمور بقوله # فبهداهم اقتده # [الأنعام: 90] كان منزله في السلك بين ابن عمه لوط وأبيه إبراهيم، ويكون ~~من بين يديه تسعة، ومن خلفه تسعة، فمن إبراهيم إلى موسى تسعة، ومن لوط ~~إلى هارون كذلك، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم واسط العقد ومكمل ~~العقد، فإنه العاشر من كل جانب، فبه تكمل الهدى وإيجاب الردى، وذلك طبق ~~قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه: # " مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأجمله إلا ~~موضع لبنة من زاوية من زواياه، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون: ~~هلا وضعت هذه اللبنة، فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين " # وللبخاري نحوه عن جابر، هذا مع اقترانه بأقرب أولي العزم رتبة ونسبا ~~صاحب القصة إبراهيم عليه السلام، وإن جعلت موسى وهارون عليهما السلام ~~كشيء واحد كانا واسطة من الجانب الآخر، فإن عددت من جهة إبراهيم عليه ~~السلام كان بينه وبينهما ثمانية، وإن عددت من جهة لوط عليه السلام كان ~~كذلك. ### || [6.87-91] # ولما نص سبحانه على هؤلاء، وختم بتفضيل كل على العالمين، أتبعه على سبيل ~~الإجمال أن غيرهم كان مهديا، وأن فضل هؤلاء علة النص لهم على أسمائهم، ~~فقال ترغيبا في سلوك هذا السبيل بكثرة سالكيه وحثا على منافستهم في حسن ~~الاستقامة عليه والسلوك فيه: { ومن } أي وهدينا أو وفضلنا من { آبائهم } ~~أي أصولهم { وذرياتهم } أي من فروعهم من الرجال والنساء { وإخوانهم } أي ~~فروع أصولهم، وعطف على العامل المقدر قوله: { واجتبيناهم } أي واخترناهم، ~~ثم عطف عليه بيان ما هدوا إليه حثا لنا على شكره على ما زادنا من فضله ~~فقال: { وهديناهم } أي بما تقدم من الهداية { إلى صراط مستقيم * } وأما ~~الصراط المستقيم فخصصناكم به وأقمناكم عليه، فاعرفوا نعمتنا عليكم ~~واذكروا تفضيلنا لكم. # ولما كان ربما أوهم تنكيره نقصا فيه، قال مستأنفا بيانا لكماله ~~وتعظيما لفضله ms1398 وإفضاله: { ذلك } أي الهدى العظيم الرتبة { هدى الله } أي ~~المستجمع لصفات الكمال { يهدي } أي يخلق الهداية { به } أي بواسطة ~~الإقامة عليه { من يشاء من عباده } أي سواء كان له أب يعمله أو كان له من ~~يحمله على الضلال أولا؛ ولما بين فضل الهدى ونص على رؤوس أهله، تهدد من ~~تركه كائنا من كان، فقال مظهرا لعز الإلهية بالغنى المطلق منزها نفسه ~~عما لوحظ فيه غيره ولو بأدنى لحظ: { ولو أشركوا } أي هؤلاء الذين ذكرنا ~~من مدحهم ما سمعت وبينا من اختصاصنا لهم ما علمت - شيئا من شرك وقد ~~أعاذهم الله من ذلك، وأقام بهم معوج المسالك، وأنار بهم ظلام الأرض ~~بطولها والعرض { لحبط عنهم } أي فسد وسقط { ما كانوا يعملون * } أي وإن ~~كان في غاية الإتقان بقوانين العلم، وزاد في الترهيب من التواني في السير ~~والزيغ عن سوء القصد بقوله: { أولئك } أي العالو الرتبة الذين قدمنا ~~ذكرهم وأخبرنا أنهم لو أشركوا سقطت أعمالهم { الذين آتيناهم } أي بعظمتنا ~~{ الكتاب } أي الجامع لكل خير، فمن ملك ما فيه من العلوم والمعارف حكم ~~على البواطن، وذلك لأن الناس يحبونه فينقادون له ببواطنهم { والحكم } أي ~~العمل المتقن بالعلم، ومنه نفوذ الكلمة على الظواهر بالسلطنة وإن كرهت ~~البواطن { والنبوة } أي العلم المزين بالحكم وهي وضع كل شيء في أحق ~~مواضعه، فهي جامعة للمرتبتين الماضيتين، فلذلك كان الأنبياء يحكمون على ~~البواطن بما عندهم من العلم، وعلى الظواهر بما يظهر من المعجزات؛ ثم سبب ~~عن تعظيمها بذلك تعظيمها بأنها لا تبور، فقال تسلية عن المصيبة بطعن ~~الطاعنين فيها وإعراض الجاهلين عنها وترجية عندما يوجب اليأس من نفرة ~~اكثر المدعوين: { فإن يكفر بها } أي هذه الأشياء العظيمة { هؤلاء } أي ~~أهل مكة الذين أنت بين أظهرهم، وقد حبوناهم بها على أتم وجه وأكمله ~~وأعلاه وأجمله، وأنت تدعوهم إلى أن يكونوا سعداء بما اشتملت عليه من ~~الهدى وهم عنه معرضون، ولعل الإشارة على هذا الوجه لتحقيرهم { فقد وكلنا ~~} أي لما لنا من العظمة في الماضي والحال والاستقبال { بها قوما } أي ms1399 ~~ذوي قوة على القيام بالأمور بالإيمان بها والحفظ لحقوقها { ليسوا } وقدم ~~الجار اهتماما فقال: { بها بكافرين * } أي بساترين الشيء مما ظهر من ~~شموس أدلتها، وهم الأنبياء ومن تبعهم، وقد صدق الله - ومن أصدق من الله ~~حديثا! فقد جاء في هذه الأمة من العلماء الأخيار والراسخين الأحبار من ~~لا يحصيهم إلا الله. # ولما كان المراد بسوقهم هكذا - والله أعلم - أن كلا منهم بادر بعد ~~الهداية إلى الدعاء إلى الله والغيرة على جلاله من الإشراك، لم يشغل ~~أحدا منهم عن ذلك سراء ولا ضراء بملك ولا غيره من ملك أو غيره بل لازموا ~~الهدى الدعاء إليه على كل حال؛ قال مستأنفا لتكرار أمداحهم بما يحمل على ~~التحلي بأوصافهم، مؤكدا لإثبات الرسالة: { أولئك } أي العالو المراتب { ~~الذين هدى الله } أي الملك الحائز لرتب الكمال، الهدى الكامل، ولذلك سبب ~~عن مدحهم قوله: { فبهداهم } أي خاصة في واجبات الإرسال وغيرها { اقتده } ~~وأشار بهاء السكت التي هي أمارة الوقوف - وهي ثابتة في جميع المصاحف - ~~إلى أن الاقتداء بهم كان غير محتاج إلى شيء؛ ثم فسر الهدى بمعظم أسبابه ~~فقال: { قل } أي لمن تدعوهم كما كانوا يقولون مما ينفي التهمة ويمحص ~~النصيحة فيوجب الاتباع إلا من شقى { لا أسئلكم } أي أيها المدعوون { عليه ~~} أي على الدعاء { أجرا } فإن الدواعي تتوفر بسبب ذلك على الإقبال إلى ~~الداعي والاستجابة للمرشد؛ ثم استأنف قوله: { إن } أي ما { هو } أي هذا ~~الدعاء الذي أدعوكم به { إلا ذكرى } أي تذكير بليغ من كل ما يحتاج إليه ~~في المعاش والمعاد { للعالمين * } أي الجن والإنس والملائكة دائما، لا ~~ينقضي دعاؤه ولا ينقطع نداؤه، وفي التعبير بالاقتداء إيماء إلى تبكيت ~~كفار العرب حيث اقتدوا بمن لا يصلح للقدوة من آبائهم، وتركوا من يجب ~~الاقتداء به. ولما حصر الدعاء في الذكرى، وكان ذلك نفعا لهم ورفقا بهم، ~~لا تزيد طاعتهم في ملك الله شيئا ولا ينقص إعراضهم من عظمته شيئا، لأن ~~كل ذلك بإرادته؛ بني حالا منهم، فقال تأكيدا لأمر الرسالة بالإنكار على ~~من جحدها وإلزاما ms1400 لهم بما هم معترفون به، أما أهل الكتاب فعلما قطعيا، ~~وأما العرب فتقليدا لهم ولأنهم سلموا لهم العلم وجعلوهم محط سؤالهم عن ~~محمد صلى الله عليه وسلم: { وما } أي فقلنا ذلك لهم خاصة والحال أنهم ما ~~{ قدروا } أي عظموا { الله } أي المستجمع لصفات الكمال { حق قدره } أي ~~تعظيمه في جحدهم لذكراهم وصدهم عن بشراهم ومقابلتهم للشكر عليه بالكفر ~~له؛ قال الواحدي: يقال قدر الشيء - إذا سبره وحزره وأراد أن يعلم مقداره ~~- يقدره - بالضم - قدرا، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: # " فإن غم عليكم فاقدروا له " # ، أي فاطلبوا أن تعرفوه - هذا أصله في اللغة، ثم قيل لمن عرف شيئا: هو ~~يقدر قدره، وإذا لم يعرفه بصفاته: إنه لا يقدر قدره { إذ } أي حين { ~~قالوا } أي اليهود، والآية مدنية وقريش في قبولهم لقولهم، ويمكن أن تكون ~~مكية، ويكون قولهم هذا حين أرسلت إليهم قريش تسألهم عنه صلى الله عليه ~~وسلم في أمر رسالته واحتجاجه عليهم بإرسال موسى عليه السلام وإنزال ~~التوراة عليه { ما أنزل الله } أي ناسين ما له من صفات الكمال { على بشر ~~من شيء } لأن من نسب ملكا تام الملك إلى أنه لم يثبت أوامره في ~~رعيته بما يرضيه ليفعلوه وما يسخطه ليجتنبوه، فقد نسبه إلى نقص عظيم، ~~فكيف إذا كانت تلك النسبة كذبا! وهذا وإن كان ما قاله إلا بعض العالمين ~~بل بعض أهل الكتاب الذين هم بعض العالمين، أسند إلى الكل، لأنهم لم يردوا ~~على قائله ولم يعاجلوه بالأخذ تفظيعا للشأن وتهويلا للأمر، وبيانا ~~لأنه يجب على كل من سمع بآية من آيات الله أن يسعى إليها ويتعرف أمرها، ~~فإذا تحققه فمن طعن فيها أخذ على يده بما يصل إليه قدرته، كما أنه كذلك ~~كان يفعل لو كان ذلك ناشئا عن أبيه أو أحد ممن يكون فخره به من أبناء ~~الدنيا، وفي ذلك أتم إشارة إلى أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عماد ~~الأمور كلها، من فرط فيه هلك وأهلك؛ روى الواحدي في أسباب النزول بغير ~~سند عن ms1401 ابن عباس رضي الله عنهما ومحمد بن كعب القرظي أن اليهود قالوا: ما ~~أنزل الله على بشر من شيء، فأنزل الله تعالى - يعني هذه الآية، فقال ~~مشيرا إلى أن اليهود قائلو ذلك، وملزما بالاعتراف بالكذب أو المساواة ~~للأميين في التمسك بالهوى دون كتاب، موبخا لهم ناعيا عليهم سوء جهلهم ~~وعظيم بهتهم وشدة وقاحتهم وعدم حيائهم: { قل } أي لهؤلاء السفهاء الذين ~~تجرؤوا على هذه المقالة غير ناظرين في عاقبتها وما يلزم منها توبيخا لهم ~~وتوقيفا على موضع جهلهم { من أنزل الكتاب } أي الجامع للأحكام والمواعظ ~~وخيري الدنيا والآخرة { الذي جاء به موسى } أي الذي أنتم تزعمون التمسك ~~بشرعه، حال كون ذلك الكتاب { نورا } أي ذا نور يمكن الأخذ به من وضع ~~الشيء في حاق موضعه { وهدى للناس } أي ذا هدى لهم كلهم، أما في ذلك ~~الزمان فبالتقيد به، وأما عند إنزال الإنجيل فبالأخذ بما أرشد إليه من ~~اتباعه، وكذا عند إنزال القرآن، فقد بان أنه هدى في كل زمان تارة بالدعاء ~~إلى ما فيه وتارة بالدعاء إلى غيره؛ ثم بين أنهم اخفوا منه ما هو نص ~~وصريح في الدعاء إلى غيره اتباعا منهم للهوى ولزوما للعمى فقال: { ~~تجعلونه } أي أيها اليهود { قراطيس } اي أوراقا مفرقة لتتمكنوا بها من ~~إخفاء ما أردتم { تبدونها } أي تظهرونها للناس { وتخفون كثيرا } أي منها ~~ما تريدون به تبديل الدين - هذا على قراءة الجماعة بالفوقانية، وعلى ~~قراءة ابن كثير وأبي عمرو بالغيبة هو التفات مؤذن بشدة الغضب مشير إلى أن ~~ما قالوه حقيق بأن يستحيى من ذكره فكيف بفعله! ثم التفت إليهم للزيادة في ~~تبكيتهم إعلاما بأنهم متساوون لبقية الإنسان في أصل الفطرة، بل العرب ~~أزكى منهم وأصح أفهاما، فلولا ما أتاهم به موسى عليه السلام ما فاقوهم ~~بفهم، ولا زادوا عليهم في علم، فقال: { وعلمتم } أي أيها اليهود بالكتاب ~~الذي أنزل على موسى { ما لم تعلموا أنتم } أي أيها اليهود من أهل هذا ~~الزمان { ولا آباؤكم } أي الأقدمون الذين كانوا أعلم منكم. # ولما كانوا قد وصلوا ms1402 في هذه المقالة إلى حد من الجهل عظيم، قال مشيرا ~~إلى عنادهم: { قل } أي أنت في الجواب عن هذا السؤال غير منتظر لجوابهم ~~فإنهم أجلف الناس وأعتاهم { الله } أي الذي أنزل ذلك الكتاب { ثم } بعد ~~أن تقول ذلك لا تسمع لهم شيئا بل { ذرهم في خوضهم } أي قولهم وفعلهم ~~المثبتين على الجهل المبنيين على أنهم في ظلام الضلال كالخائض في الماء ~~يعملون ما لا يعلمون { يلعبون * } أي يفعلون فعل اللاعب، وهو ما لا يجر ~~لهم نفعا ولا يدفع عنهم ضرا مع تضييع الزمان. ### || [6.92-93] # ولما أثبت سبحانه أنه الذي أنزل التوراة والإنجيل تكميلا لإثبات ~~الرسالة بدليل علم اليهود دون من لا كتاب لهم، عطف على ذلك قوله تأكيدا ~~لإثباتها وتقريرا: { وهذا } أي القرآن الذي هو حاضر الآن في جميع ~~الأذهان { كتاب } أي جامع لخيري الدارين، وكان السياق لأن يقال: أنزل ~~الله، ولكنه أتى بنون العظمة، لأنها أدل على تعظيمه فقال: { أنزلناه } أي ~~وليس من عند محمد صلى الله عليه وسلم من نفسه، وإنما هو بإنزالنا إياه ~~إليه وإرسالنا له به { مبارك } أي كثير الخير ثابت الأمر، لا يقدر أحد من ~~الخلق على إنكاره لإعجازه، لتعلم أهل الكتاب خصوصا حقيقته بتصديقه ~~لكتابهم لأنه { مصدق الذي بين يديه } أي كله من كتبهم وغيرها، فيكون أجدر ~~لإيمانهم به، وتعلم جميع أهل الأرض عموما ذلك بذلك وبإعجازه { ولتنذر } ~~أي به { أم القرى } أي مكة لأنها أعظم المدن بما لها من الفضائل { ومن ~~حولها } ممن لا يؤمن بالآخرة فهو لا يؤمن به من أهل الأرض كلها من جميع ~~البلدان والقرى، لأنها أم الكل، وهم في ضلالتهم مفرطون { والذين يؤمنون ~~بالآخرة } أي فيهم قابلية الإيمان بها على ما هي عليه، من أهل أم القرى ~~ومن حولها بكل خير ينشرون { يؤمنون به } أي بالكتاب بالفعل لأن الإيمان ~~بها داع إلى كل خير بالخوف والرجاء، والكفر بها حامل على كل بشر. # ولما تكرر وصف المنافقين بالتكاسل عن الصلاة جعل المحافظة عليها علما ~~على الإيمان فقال: { وهم على صلاتهم ms1403 يحافظون * } أي يحفظونها غاية الحفظ، ~~فالآية من عجيب فن الاحتباك: ذكر الإندار والأم أولا دالا على حذفهما ~~ثانيا، وإثبات الإيمان والصلاة ثانيا دليل على نفيهما أولا. # ولما كان في قولهم " ما أنزل الله على بشر من شيء " صريح الكذب وتضمن ~~تكذيبه - وحاشاه صلى الله عليه وسلم! أما من اليهود فبالفعل، وأما من ~~قريش فبالرضى، وكان بعض الكفرة قد ادعى الإيحاء إلى نفسه إرادة للطعن في ~~القرآن؛ قال تعالى مهولا لأمر الكذب لا سيما عليه لا سيما في أمر الوحي، ~~عاطفا على مقول " قل من أنزل " مبطلا للتنبؤ بعد تصحيح أمر الرسالة ~~وإثباتها إثباتا لا مرية فيه، فكانت براهين إثباتها أدلة على إبطال ~~التنبؤ وكذب مدعيه: { ومن أظلم ممن افترى } أي بالفعل كاليهود والرضى ~~كقريش { على الله كذبا } أي أي كذب كان، فضلا عن إنكار الإنزال على ~~البشر { أو قال أوحي إلي ولم } أي والحال أنه لم { يوح إليه شيء } فهذا ~~تهديد على سبيل الإجمال كعادة القرآن المجيد، يدخل فيه كل من اتصف بشيء ~~من ذلك كمسيلمة والأسود العنسي وغيرهما، ثم رأيت في كتاب غاية المقصود في ~~الرد على النصارى واليهود للسموأل بن يحيى المغربي الذي كان من أجل ~~علمائهم في حدود سنة ستين وخمسمائة، ثم هداه الله للإسلام، وكانت له يد ~~طولى في الحساب والهندسة والطب وغير ذلك من العلوم، فأظهر بعد إسلامه ~~فضائحهم أن الربانيين منهم زعموا أن الله كان يوحي إلى جميعهم في كل يوم ~~مرات، ثم قال بعد أن قسمهم إلى قرائين وربانيين: إن الربانيين أكثرهم ~~عددا، وقال: وهم الذين يزعمون أن الله كان يخاطبهم في كل مسالة بالصواب، ~~قال: وهذه الطائفة أشد اليهود عداوة لغيرهم من الأمم { ومن قال سأنزل } ~~أي بوعد لا خلف فيه { مثل ما أنزل الله } كالنضر بن الحارث ونحوه. # ولما كان الجواب قطعا في كل منصف: لا أحد أظلم منه، بل هم أظلم ~~الظالمين، كان كأنه قيل: فلو رأيتهم وقد حاق بهم جزاء هذا الظلم كرد ~~وجوههم مسودة وهم يسحبون في السلاسل ms1404 على وجوههم، وجهنم تكاد تتميز عليهم ~~غيظا، وهم قد هدهم الندم والحسرة، وقطع بهم الأسف والحيرة لرأيت أمرا ~~يهول منظره، فكيف يكون مذاقه ومخبره! فعطف عليه ما هو أقرب منه، فقال ~~كالمفصل لإجمال ذلك التهديد مبرزا بدل ضميرهم الوصف الذي أداهم إلى ذلك: ~~{ ولو ترى } أي يكون منك رؤية فيما هو دون ذلك { إذ الظالمون } أي لأجل ~~مطلق الظلم فكيف بما ذكر منه! واللام للجنس الداخل فيه هؤلاء دخولا ~~أوليا { في غمرات الموت } أي شدائده التي قد غمرتهم كما يغمر البحر ~~الخضم من يغرق فيه، فهو يرفعه ويخفضه ويبتلعه ويلفظه، لا بد له منه { ~~والملائكة } أي الذين طلبوا جهلا منهم إنزال بعضهم على وجه الظهور لهم، ~~وأخبرناهم أنهم لا ينزلون إلا لفصل الأمور وإنجاز المقدور { باسطوا ~~أيديهم } أي إليهم بالمكروه لنزع أرواحهم وسلها وافية من أشباحهم كما ~~يسل السفود المشعب من الحديد من الصوف المشتبك المبلول، لا يعسر عليهم ~~تمييزها من الجسد، ولا يخفى عليهم شيء منها في شيء منه، قائلين ترويعا ~~لهم وتصويرا للعنف والشدة في السياق والإلحاح والتشديد في الإزهاق من ~~غير تنفيس وإمهال، وأنهم يفعلون بهم فعل الغريم المسلط الملازم { أخرجوا ~~أنفسكم } فكأنهم قالوا: لماذا يا رسل ربنا؟ فقالوا: { اليوم } أي هذه ~~الساعة، وكأنهم عبروا به لتصوير طول العذاب { تجزون عذاب الهون } أي ~~العذاب الجامع بين الإيلام العظيم والهوان الشديد والخزي المديد بالنزع ~~وسكرات الموت وما بعده في البرزخ - إلى ما لا نهاية له { بما كنتم تقولون ~~} أي تجددون القول دائما { على الله } أي الذي له جميع العظمة { غير ~~الحق } أي غير القول المتمكن غاية التمكن في درجات الثبات، ولو قال بدله: ~~باطلا، لم يؤد هذا المعنى، ولو قال: الباطل، لقصر عن المعنى أكثر، وقد ~~مضى في المائدة ما ينفع هنا، وإذا نظرت إلى أن السياق لأصول الدين ازداد ~~المراد وضوحا { وكنتم } أي وبما كنتم { عن آياته تستكبرون * } أي تطلبون ~~الكبر للمجاوزة عنها، ومن استكبر عن آية واحدة كان مستكبرا عن الكل، أي ~~لو رأيت ذلك لرأيت ms1405 أمرا فظيعا وحالا هائلا شنيعا، وعبر بالمضارع ~~تصويرا لحالهم. ### || [6.94-96] # ولما كانوا ينكرون أن يحس الميت شيئا بعد الموت أو يفهم كلاما، وكان ~~التقدير كما دل عليه السياق: فتتوفاهم الملائكة، لا يقدر أحد على منعهم، ~~فيقول لهم: قد رأيتم ملائكتنا الذين أخبرناكم أول السورة أنهم إذا أبصروا ~~كان القضاء الفصل والأمر البت الحتم الذي ليس فيه مهل، عطف عليه قوله ~~مشيرا إلى ما كان سبب استكبارهم من الاجتماع على الضلال والتقوى ~~بالأموال: { ولقد جئتمونا } أي لما لنا من العظمة بالموت الذي هو دال على ~~شمول علمنا وتمام قدرتنا قطعا، ودل على تمام العظمة وأن المراد مجيئهم ~~بالموت قوله: { فرادى } أي متفرقين، ليس أحد منكم مع أحد، ومنفردين على ~~كل شيء صدكم عن اتباع رسلنا { كما خلقناكم } أي بتلك العظمة التي ~~أمتناكم بها بعينها { أول مرة } في الانفراد والضعف والفقر، فأين جمعكم ~~الذي كنتم به تستكبرون! { وتركتم ما خولناكم } أي ملكناكم من المال ~~ومكناكم من إصلاحه نعمة عليكم لتتوصلوا به إلى رضانا، فظننتم أنه لكم ~~بالأصالة، وأعرضتم عنا وبدلتم ما دل عليه من عظمتنا بضد ذلك من الاستهانة ~~بأوامرنا { وراء ظهوركم } فما أغنى عنكم ما كنتم منه تستكبرون. # ولما كانوا يعدون الأصنام آلهة، ويرجون شفاعتها، إما استهزاء، وإما في ~~الدنيا، وإما في الآخرة - على تقدير التسليم لصحة البعث، قال تهكما بهم ~~واستهزاء بشأنهم: { وما نرى معكم شفعاءكم } أي التي كنتم تقولون فيها ما ~~تقولون { الذين زعمتم } أي كذبا وجراءة وفجورا { أنهم فيكم شركاء } أي ~~أن لهم فيكم نصيبا مع الله حتى كنتم تعبدونهم في وقت الرخاء وتدعونه في ~~وقت الشدة، أروناهم لعلهم سترهم عنا ساتر أو حجبنا عنهم حاجب؛ ثم دل على ~~بهتهم في جواب هذا الكلام الهائل المرعب حيرة وعجزا ودهشا وذلا بقوله: ~~{ لقد تقطع } أي تقطعا كثيرا. # ولما كان ذكر البين في شيء يدل على قربه في الجملة وحضوره ولو في الذهن، ~~لأنه يقال: بيني وبين كذا كذا، وكان فلان بيننا، ونحو ذلك مما يدل على ~~الحضور؛ قال منبها ms1406 على زوال ذلك حتى بالمرور بالبال والخطور في الذهن ~~لشدة الاشتغال { بينكم } فأسند القطع المبالغ فيه إلى البين، وإذا انقطع ~~البين تقطع ما كان فيه من الأسباب التي كانت تسبب الاتصال، فلم يبق لأحد ~~منهم اتصال بالآخر، لأن ما بينهما صار كالخندق بانقطاع نفس البين، فلا ~~يتأتى معه الوصول، هذا على قراءة الجماعة بالرفع، وهذا المثال معنى قراءة ~~نافع والكسائي وحفص عن عاصم بالنصب على الظرفية؛ ولما رجع المعنى إلى ~~تقطع الوصل، بين سبب ذلك، وهو زوال المستند الذي كانوا يستندون إليه ~~فقال: { وضل عنكم } أي ذهب وبطل { ما كنتم تزعمون * } أي من تلك الأباطيل ~~كلها. # ولما ثبتت الوحدانية والنبوة والرسالة وتقاريع من تقاريعها، وانتهى ~~الكلام هنا إلى ما تجلى به مقام العظمة، وانكشف له قناع الحكمة وتمثل ~~نفوذ الكلمة، فتهيأ السامع لتأمله، وتفرع فهمه لتدبره؛ قال دالا عليه ~~مشيرا إليه، معلما أن ما مضى أنتجه وأظهره لا بد وأبرزه، مذكرا بآياته ~~{ والذين يؤمنون بالآخرة } وبمحاجة إبراهيم عليه السلام، مصرفا ما مضى ~~أول السورة من دلائل الوحدانية على أوجه أخرى، إعلاما بأن دلائل الجلال ~~تفوق عدد الرمال، وتنبيها على أن القصد بالذات معرفة الله تعالى بذاته ~~وصفاته: { إن الله } أي الذي له جميع صفات الكمال، فهو قادر على كل ما ~~يريد { فالق الحب } أي فاطره وشاقه عن الزروع والنبات، وعبر بذلك لأن ~~الشيء قبل وجوده كان معدوما، والعقل يتوهم ويتخيل من العدم ظلمة متصلة، ~~فإذا خرج من العدم المحض والفناء الصرف فكأنه بحسب التخيل والتوهم شق ذلك ~~العدم { والنوى } أي وهو ما يكون داخل الثمار المأكولة كالتمر، ولا يكون ~~مقصودا لذاته بفلقها عن الأشجار، وفي ذلك حكم وأسرار تدق عن الأفكار، ~~وتدل على كمال الواحد المختار؛ قال الإمام الرازي ما حاصله: إن النواة ~~والحبة تكون في الأرض الرطبة مدة، فيظهر الله فيها شقا في أعلاها وآخر ~~في أسفلها، وتخرج الشجرة من الأعلى فتعلو وتهبط من الأسفل شجرة أخرى في ~~أعماق الأرض، هي العروق، وتلك الحبة أو النواة سبب واصل بين ms1407 الشجرتين: ~~الصاعدة والهابطة، فيشهد الحس والعقل بأن طبع الصاعدة والهابطة متعاكس، ~~وليس ذلك قطعا بمقتضى الطبع والخاصية، بل بالإيجاد والاختراع والتكوين ~~والإبداع، ولا شك أن العروق الهابطة في غاية اللطافة والرقة بحيث لو دلكت ~~باليد بأدنى قوة صارت كالماء، وهي مع ذلك تقوى على النفوذ في الأرض ~~الصلبة التي لا ينفذ فيها المسلة والسكين الحادة إلا بإكراه عظيم، فحصول ~~هذا النفوذ لهذه الأجرام اللطيفة لا يكون قطعا إلا لقوة الفاعل المختار، ~~لا سيما إذا تأملت ظهور شجرة من نواة صغيرة، ثم تجمع الشجرة طبائع مختلفة ~~في قشرها ثم فيما تحته من جرم الخشبة، وفي وسط تدوير الخشبة جرم ضعيف ~~كالعهن المنفوش، ثم يتولد من ساقها أغصانها، ومن الأغصان أوراقها أولا ~~ثم أنوارها وأزهارها ثانيا، ثم الفاكهة ثالثا، ثم قد يحصل للفاكهة ~~أربعة أنواع من القشور، مثل الجوز واللوز قشره الأعلى ذلك الجرم الأخضر، ~~وتحته القشر الذي كالخشب، وتحته القشر الذي كالغطاء الرقيق المحيط ~~باللبة، وتحته اللب المشتمل على جرم كثيف هو أيضا كالقشرة، وعلى جرم ~~لطيف هو الزهر، وهو المقصود بالذات، فتولد هذه الأجسام المختلفة طبعا ~~وصفة ولونا وشكلا وطعما مع تساوي تأثيرات الطبائع والنجوم والعناصر ~~والفصول الأربعة دال على القادر المختار بتلوه في الفرحة، وقد تجتمع ~~الطبائع الأربعة في الفاكهة الواحدة كالأترج قشره حار يابس ونوره حار ~~يابس، وكذلك العنب قشره وعجمه يابس حار رطب مع أنك تجد أحوالها مختلفة، ~~بعضها لبه في داخله وقشره في خارجه كالجوز واللوز، وبعضها يكون المطلوب ~~منه في الخارج وخشبه في الداخل كالخوخ والمشمش، وبعضه لا لب لنواه ~~كالتمر، وبعضه يكون كله مطلوبا كالتين، واختلاف هذه الطبائع والأحوال ~~المتضادة والخواص المتنافرة حتى في الحبة الواحدة لا يكون عن طبيعة، بل ~~عن الواحد المختار، والحبوب مختلفة الألوان والأشكال والصور، فشكل الحنطة ~~كأنه نصف مخروط، وشكل الشعير كأنه مخروطان اتصلا بقاعدتيهما وشكل الحمص ~~على وجه آخر، وأودع سبحانه في كل نوع منها خاصية ومنفعة غير ما في الآخر، ~~وقد تكون الثمرة غذاء لحيوان وسما لحيوان ms1408 آخر، فهذا الاختلاف مع اتحاد ~~الطبائع وتأثيرات الكواكب دال على أنها إنما حصلت بالفاعل المختار، ثم ~~إنك تجد في ورقة الشجرة خطا في وسطها مستقيما نسبته لتلك الورقة نسبة ~~النخاع إلى بدن الإنسان، ينفصل عنه خيوط مختلفة، وعن كل واحد منها خيوط ~~أخرى أدق من الأولى، ولا يزال على هذا النهج حتى تخرج الخيوط عن الحس ~~والبصر، كما أن النخاع يتفصل منه أعصاب كثيرة يمنة ويسرة في البدن، ثم لا ~~يزال يتفصل عن كل شعبة أخرى، ولا يزال يستدق حتى تلطف عن الحس، فعل ~~سبحانه ذلك في الورقة لتقوى القوى المذكورة في جرم تلك الورقة على جذب ~~الأجزاء اللطيفة الأرضية في تلك المجاري الضيقة، فهذا يعلمك أن عنايته ~~سبحانه في اتخاذ جملة تلك الشجرة أكمل، فعنايته في تكوين جملة النبات ~~أكمل، وهو إنما خلق جملة النبات لمصلحة الحيوان فعنايته في تخليق الحيوان ~~أكمل، والمقصود من تخليق جملة الحيوان هو الإنسان فعنايته في تخليقه ~~أكمل، وهو سبحانه إنما خلق الحيوان والنبات في هذا العالم ليكون غذاء ~~ودواء للإنسان بحسب جسده، والمقصود من جسده حفظ تركيبه لأجل المعرفة ~~والمحبة والعبودية، فسبيلك أن تنظر في ورقة الشجرة وتتأمل في تلك الأوتار ~~ثم تترقى منها إلى أوج تخليق الشجرة ثم إلى ما فوقها رتبة رتبة لتعلم أن ~~المقصود الأخير منها حصول المعرفة والمحبة في الأرواح البشرية، وحينئذ ~~ينفتح لك باب من المكاشفات لا آخر له، ويظهر لك أن نعم الله في خلقك غير ~~متناهية # وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها # [إبراهيم: 34] - والله الهادي. # ولما كان فلقهما عن النبات من جنس الإحياء لما فيه من النمو فسر معنى ~~الفلق وبينه إشارة إلى الاعتناء به وقتا بعد وقت بقوله: { يخرج } أي على ~~سبيل التجدد والاستمرار تثبيتا لأمر البعث { الحي } أي كالنجم والشجر ~~والطير والدواب { من الميت } من الحب والنوى والبيض والنطف فكيف تنكرون ~~قدرته على البعث؛ ولما انكشف معناه وبان مغزاه بإخراج الأشياء من أضدادها ~~لئلا يتوهم - لو كان لا يخرج عن شيء إلا مثله - أن ms1409 الفاعل الطبيعة ~~والخاصية، عطف على { فالق } زيادة في البيان قوله معبرا باسم الفاعل ~~الدال على الثبات لأنه لا منازعة لهم فيه، فلم تدع حاجة إلى التعبير ~~بالفعل الدال على التجدد: { ومخرج الميت } أي من الحب وما معه { من الحي ~~} أي من النجم وما معه. # ولما تقررت له سبحانه هذه الأوصاف التي لا قدرة أصلا لأحد غيره على شيء ~~منها، قال منبها لهم على غلطهم في إشراكهم، إعلاما بأن كل شريك ينبغي ~~أن يساوي شريكه في شيء ما من الأمر المشرك فيه، ولا مكافئ له سبحانه ~~وتعالى في شيء من الأشياء فلا شريك له بوجه: { ذلكم } أي العالي المراتب ~~المنيع المراقي هو { الله } أي المستجمع لصفات الكمال وحده فلا يحق ~~الإلهية إلا له؛ ولما كان هذا معنى الكلام، سبب عنه قوله: { فأنى } أي ~~فكيف ومن أي وجه { تؤفكون * } أي تصرفون وتقلبون عما ينبغي اعتقاده. # ولما وصف سبحانه وتعالى نفسه المقدسة من فلق الجواهر بما اقتضى حتما ~~اتصافه بصفات الكمال، وقدمه لكونه من أظهر أدلة القدرة على البعث الذي ~~هذا أسلوبه، مع الإلف له بقربه ومعالجته، أتبعه ما هو مثله في الدلالة ~~على الإحياء لكنه في المعاني وهو سماوي، شارحا لما أشار إليه الخليل ~~عليه السلام في محاجة قومه من إبطال إلهية كل من النور والظلمة والكواكب ~~التي هي منشأ ذلك، فقال ترقية من العالم السفلي إلى العالم العلوي: { ~~فالق الإصباح } أي موجده، وحقيقته: فالق ظلمة الليل عن الصباح، لكنه لما ~~كثر استعماله وأمن اللبس فيه أسند الفعل إلى الصبح، كما يقال: انفجر ~~الصبح، وانفجر عنه الليل، ويمكن أن يراد بالفلق الكشف، لأنه يكشف من ~~المفلوق ما كان خفيا، فعبر عن المسبب الذي هو الإظهار بالسبب الذي هو ~~الفلق، وعبر عن الصباح بهذه الصيغة التي يقال المدخول في الصبح لتصلح ~~لإرادة فلق السكون بالنور أو غيره عن التصرف بالحركة المرتبة على الدخول ~~في الصبح، فدلنا ذلك على وجاعل الإصباح حركة وسادل الليل { وجاعل اليل ~~} بما يكون من إظلامه { سكنا } يسكن الناس فيه ms1410 وإليه ويستريحون فيه، ~~فالآية من الاحتباك: حذف من الأول الحركة ودل عليها بالسكن، وحذف من ~~الثاني السدل ودل عليه بالفلق، وهذا الفلق من أعظم الدلائل على قدرته ~~سبحانه، وفيه دلالتان لأن الإصباح يشمل الفجر الكاذب والصادق، والأول ~~أقوى دلالة لأن مركز الشمس إذا وصل إلى دائرة نصف الليل فالموضع - الذي ~~تكون تلك الدائرة أفقا له - تطلع الشمس من مشرقه، فيضيء في ذلك الموضع ~~نصف كرة الأرض، فيحصل الضوء في الربع الشرقي من بلدتك، ويكون ذلك الضوء ~~منتشرا مستطيرا في جميع الجو، ويجب أن يقوى لحظة فلحظة، فلو كان الأول ~~من قرص الشمس لامتنع أن يكون خطا مستطيلا، بل كان يجب أن يكون مستطيرا ~~في الأفق منتشرا متزايدا لحظة فلحظة، لكن ليس هو كذلك، فإنه يبدو ~~كالخيط الأبيض الصاعد حتى شبهته العرب بذنب السرحان ثم يحصل عقبه ظلمة ~~خالصة، ثم يكون الثاني الصادق المستطير فكان الأول أدل على القدرة، لأنه ~~بتخليق الله ابتداء تنبيها على أن الأنوار ليس لها وجود إلا بإبداعه، ~~والظلمات ليس لها ثبات إلا بتقديره. # ولما ذكر الضياء والظلمة، ذكر منشأهما وضم إليه قرينه فقال عاطفا على ~~محل { والليل } لأن جاعلا ليس بمعنى المضيء فقط لتكون الإضافة حقيقية، ~~بل المراد استمراره في الأزمنة كلها: { والشمس } أي التي ينشأ عنها كل ~~منهما، هذا عن غروبها وهذا عن شروقها { والقمر } أي الذي هو آية الليل { ~~حسبانا } أي ذوي حسبان وعلمين عليه، لأن الحساب يعلم بدورهما ~~وسيرهما، وبسبب ذلك نظم سبحانه مصالح العالم في الفصول الأربعة، فيكون عن ~~ذلك ما يحتاج إليه من نضج الثمار وحصول الغلات، وعبر عنهما بالمصدر ~~المبني على هذه الصيغة البليغة إشارة إلى أن الحساب بهما أمر عظيم كبير ~~النفع كثير الدخول، مع ما له من الدنيا في أبواب الدين فهو جل نفعهما ~~الذي وقع التكليف به، فكأنه لما كان الأمر كذلك، كان حقيقتهما التي يعبر ~~عنهما بها، وأما غير ذلك من منافعهما فلا مدخل للعباد فيه. # ولما كان هذا أمرا باهرا ووصفا قاهرا، أشار إليه بأداة ms1411 البعد فقال: ~~{ ذلك } أي التقدير العظيم الذي تقدم من الفلق وما بعده { تقدير العزيز } ~~أي الذي لا يغالب فهو الذي قهرهما على ما سيرهما فيه، وغلب العباد على ~~ما دبر من أمرهم بهما، فلو أراد أحد أن يجعل ما جعله من النوم يقظة ~~واليقظة نوما، أو يجعل محل السكن للحركة أو بالعكس أو غير ذلك مما أشارت ~~إليه الآية لأعياه ذلك { العليم * } أي الذي جعل ذلك بعلمه على منهاج لا ~~يتغير وميزان قويم لا يزيغ. ### || [6.97-98] # ولما ذكر ذلك، أتبعه منفعة أخرى تعمهما مع غيرهما مبينا ما أذن فيه من ~~علم النجوم ومنافعها فقال: { وهو } أي لا غيره { الذي جعل } ولما كانت ~~العناية بنا أعظم، قدم قوله: { لكم النجوم } أي كلها سائرها وثابتها وإن ~~كان علمكم يقصر عنها كلها كما يقصر عن الرسوخ والبلوغ في علم السير ~~للسيارة منه { لتهتدوا } أي لتكلفوا أنفسكم علم الهداية { بها } لتعلموا ~~القبلة وأوقات الصلوات والصيام وغير ذلك من منافعكم دنيا ودينا. # ولما كانت الأرض والماء ليس لهما من نفسهما إلا الظلمة، وانضمت إلى ذلك ~~ظلمة الليل، قال: { في ظلمات البر } أي الذي لا علم فيه، وإن كانت له ~~أعلام فإنها قد تخفى { والبحر } فإنه لا علم به، والإضافة إليهما ~~للملابسة أو تشبيه الملبس من الطرق وغيرها بالظلمة؛ روى الحافظ أبو بكر ~~الخطيب البغدادي في جزء جمعه في النجوم من طريق أحمد بن سهل الأشناني عن ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: تعلموا من النجوم ما تهتدون في البر ~~والبحر ثم انتهوا، وتعلموا من الأنساب ما تصلون به أرحامكم وتعرفون ما ~~يحل لكم ويحرم عليكم من النساء ثم انتهوا. وفيه من طريق عبد الله ابن ~~الإمام أحمد في زياداته على المسند عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " يا علي! أسبغ الوضوء وإن شق عليك، ولا تأكل الصدقة ولا تنز الحمير على ~~الخيل، ولا تجالس أصحاب النجوم " # وفيه عن أبي ذر رضي الله عنه عن عمر رضي الله ms1412 عنه قال: سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول: # " لا تسألوا عن النجوم، ولا تفسروا القرآن برأيكم، ولا تسبوا أصحابي، ~~فإن ذلك الإيمان المحض " # وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن النظر ~~في النجوم - رواه من طرق كثيرة؛ وعن عائشة رضي الله عنها مثله سواء، وعن ~~ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إذا ذكر أصحابي فأمسكوا، وإذا ذكر القدر فأمسكوا، وإذا ذكرت النجوم ~~فأمسكوا " # - رواه من طرق وأسند عن قتادة قوله تعالى # وأنهارا وسبلا # [النحل: 15] قال: طرقا # وعلامات # [النحل: 16] قال: هي النجوم، قال: إن الله عز وجل إنما خلق هذه النجوم ~~لثلاث خصال: جعلها زينة للسماء، وجعلها يهتدى بها، وجعلها رجوما ~~للشياطين، فمن تعاطى فيها شيئا غير ذلك فقد أخطأ حظه وقال رأيه وأضاع ~~نصيبه وتكلف ما لا علم له به - في كلام طويل حسن، وهذا الأثر الذي عن ~~قتادة أخرجه عنه البخاري في صحيحه، وقال صاحب كنز اليواقيت في استيعاب ~~المواقيت في مقدمة الكتاب: واعلم أن العلم منه محمود، ومنه مذموم لا يذم ~~لعينه، إنما يذم في حق العباد لأسباب ثلاثة: أولها أن يكون مؤديا إلى ~~ضرر كعلم السحر والطلسمات وهو حق إذ شهد القرآن به وأنه سبب للتفرقة بين ~~الزوجين، وسحر النبي صلى الله عليه وسلم ومرض بسببه، حتى أخبره جبرئيل ~~عليه السلام وأخرج السحر من تحت حجر في قعر بئر - كما ورد في الحديث ~~الصحيح؛ ومعرفة ذلك من حيث إنه معرفة ليس مذموما، أو من حيث إنه لا يصلح ~~إلا لإضرار بالخلق يكون مذموما. # والوسيلة إلى الشر شر؛ الثاني أن يكون مضرا بصاحبه في غالب الأمر ~~كالقسم الثاني من علم النجوم الاحكامي المستدل به على الحوادث بالأسباب ~~كاستدلال الطبيب بالنبض على ما يحدث من المرض، وهو معرفة مجاري سنة الله ~~وعادته في خلقه، ولكنه ذمه الشرع وزجر عنه لثلاثة أوجه: أحدها أنه يضر ~~بأكثر الناس فإنه إذا قيل: هذا الأمر لسبب سير ms1413 الكواكب، وقر في نفس ~~الضعيف العقل أنه مؤثر، فينمحي ذكر الله عن قلبه، فإن الضعيف يقصر نظره ~~على الوسائط بخلاف العالم الراسخ، فإنه يطلع على الشمس والقمر والنجوم ~~مسخرات، وفرق كبير بين من يقف مع الأسباب وبين من يترقى إلى مسبب ~~الأسباب، ثم ذكر ما حاصله أن السبب الثاني في النهي عنه أنه تخمين لا يصل ~~إلى القطع؛ والثالث أنه لا فائدة فيه، فهو خوض في فضول، وأن السبب الثالث ~~مما يذم به ما يذم من العلوم أنه مما لا تبلغه عقول أكثر الناس ولا يستقل ~~به، ولا ينكر كون العلم ضارا لبعض الأشخاص كما يضر لحم الطير بالرضيع - ~~انتهى. وروى أبو داود وابن ماجه عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " من اقتبس علما من النجوم اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد " # وقال صاحب كتاب الزينة في آخر كتابه بعد أن ذكر العيافة والزجر ونحوهما، ~~ويأتي أكثره عنه في سورة الصافات: وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إياكم والنجوم! فإنها تدعو إلى الكهانة " # ، قال: هذه الأشياء كلها لها أصل صحيح، فمنها ما كانت من علوم الأنبياء ~~مثل النجوم والخط وغير ذلك، ولولا الأنبياء الذين أدركوا علم النجوم ~~وعرفوا مجاري الكواكب في البروج وما لها من السير في استقامتها ورجوعها، ~~وما قد ثبت وصح من الحساب في ذلك بما لا ارتياب فيه، لما قدر الناس على ~~إدراكه، وذلك كله بوحي من الله عز وجل إلى أنبيائهم عليهم السلام، وقد ~~روي أن إدريس عليه السلام أول من علم النجوم، وروي في الخط أنه كان علم ~~نبي من الأنبياء، ولولا ذلك لما أدرك الناس هذه اللطائف ولا عرفوها. # ولما كانت هذه الآيات قد بلغت في البيان حدا علا عن طوق الإنسان ~~والملائكة والجان لكونها صفة الرحمن، فكانت فخرا يتوقع فيه التنبيه عليه ~~فقال: { قد فصلنا } أي بينا بيانا شافيا على ما لنا من العظمة { الآيات ~~} واحدة في إثر واحدة على هذا الأسلوب ms1414 المنيع والمثال الرفيع؛ ولما كانت ~~من الوضوح في حد لا يحتاج إلى كثير تأمل قال: { لقوم يعلمون * } أي لهم ~~قيام فيما إليهم، ولهم قابلية العلم ليستدلوا بها بالشاهد على الغائب. # ولما ذكر سبحانه بعض هذا الملكوت الأرضي والسماوي، أتبعه - كما مضى في ~~أول السورة - الخلق المفرد الجامع لجميع الملكوت، وهو الإنسان، دالا على ~~كمال القدرة على كل ما يريد، مبطلا بمفاوتة أول الإبداع وآخر الآجال ما ~~اعتقدوا في النور والظلمة والشمس والقمر وغيرهما، لأن واحدا منها لا ~~اختيار له في شيء يصدر عنه، بل هو مسخر ومقهور كما هو محسوس ومشهور، ~~فقال: { وهو } أي لا غيره { الذي أنشأكم } أي وأنتم في غاية التفاوت في ~~الطول والقد واللون والشكل وغير ذلك من الأعراض التي دبرها سبحانه على ما ~~اقتضته حكمته { من نفس واحدة } ثم اقتطع منها زوجها ثم فرعكم منهما. # ولما كان أغلب الناس في الحياة الدنيا يعمل عمل من لا يحول ولا يزول، لا ~~يكون على شرف الزوال ما دامت فيه بقية من حياة، قال: { فمستقر * } أي ~~فسبب عن ذلك أنه منكم مستقر على الأرض - هذا على قراءة ابن كثير وابن عمر ~~وبكسر القاف اسم فاعل، والمعنى في قراءة الباقين بفتحه اسم مكان # ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين # [البقرة: 26]. # ولما كان من في البرزخ قد كشف عنهم الغطاء فهم موقنون بالساعة غير ~~عاملين على ضد ذلك، وكذا من في الصلب والرحم، عبر بما يدل على عدم ~~الاستقرار فقال: { ومستودع } أي في الأصلاب أو الأرحام أو في بطن الأرض، ~~فدلت المفاوتة من كل منهما - مع أن الكل من نفس واحدة - على القادر ~~المختار، لا يقدر غيره أن يعكس شيئا من ذلك، وكل ذلك مضمون الآيتين في ~~أول السورة، وقدم الإصباح والليل ومتعلقهما لتقدمهما في الخلق، ثم تلاه ~~بخلق الإنسان على حسب ما مر أول السورة، وذكر هنا أنه جعل ذلك الطين ~~نفسا واحدة فرع الإنس كلهم منها مع تفاوتهم فيما هناك وفي غيره. # ولما ذكر هذا المفرد الجامع، وفصله ms1415 على هذه الوجوه المعجبة، كان محلا ~~لتوقع التنبيه عليه فقال: { قد فصلنا } أي بعظمتنا { الآيات } أي أكثرنا ~~بيانها في هذا المفرد الجامع في أطوار الخلقة وأدوار الصنعة، تارة بأن ~~يكون من التراب بشر، وأخرى بأن يخرج الأنثى من الذكر، وتارة بأن يفرع من ~~الذكر والأنثى ما لا يحيط به العد ولا يجمعه الخبر من النطفة إلى الولادة ~~إلى الكبر. # ولما كان إنشاء الناس من نفس واحدة وتصريفهم على تلك الوجوه المختلفة ~~جدا ألطف وأدق صنعة، فكان ذلك محتاجا إلى تدبر واستعمال فطنة وتدقيق ~~نظر، قال: { لقوم يفقهون * } أي لهم أهلية الفقه والفطنة. ### || [6.99-100] # ولما ذكر وجوه الإبداع التفريعي من هذين الكونين وأسباب البقاء له بما ~~ينشأ عنه الفصول وغيرها، أتبعه سببه القريب، وهو الماء الذي جعل منه كل ~~شيء حي، فقال مفصلا ما أجمله في الحب والنوى، سائقا له مساق الإحسان ~~لما قبله من الدلائل، فإن الدليل إذا كان على وجه الإحسان ومذكرا ~~بالإنعام كان تأثيره في القلب عظيما، فينبغي للمشتغل بدعوة الخلق أن ~~يسلك هذا المسلك ليكون للقلوب أملك: { وهو } أي لا غيره { الذي أنزل } أي ~~بقدرته وعلمه وحكمته { من السماء } أي الحقيقية التي تعرفونها كما دل ~~عليه صريح العبارة وما أشبهها من ذكور الحيوان المنبه عليه بطريق الإشارة ~~{ ماء } أي منهمرا ودافقا. # ولما كان تفريع الخلق من الماء بمكان من العظمة لا يوصل إليه، نبه عليه ~~بالانتقال إلى التكلم في مظهر العظمة فقال: { فأخرجنا } أي على ما لنا من ~~العظمة التي لا يدانيها أحد { به } أي الماء { نبات كل شيء } مختلفة ~~طعومه وألوانه وروائحه وطبائعه ومنافعه وهو بماء واحد، فالسبب واحد ~~والمسببات كثيرة منفتة، سواء كان ذلك النبات حقيقيا من النجم والشجر، أو ~~مجازيا من الأنثى والذكر؛ ثم سبب عن الحقيقي لظهوره قوله دالا على ~~العظمة: { فأخرجنا منه } أي النبات { خضرا } أي شيئا أخضر غضا طريا، ~~وهو ما تشعب من أصل النبات الخارج من الحبة؛ ثم زاد في بيان عظمته بقوله: ~~{ نخرج } أي حال كوننا مقدرين أن نخرج ms1416 { منه } أي من ذلك الخضر { حبا ~~متراكبا } أي في السنبل يركب بعضه بعضا ويحرسه من أن يلتقطه الطير بعد ~~ستره بالقشر بحسك طويل لطيف جدا كالإبر خشن، بعد أن كان أصله حبة واحدة ~~على صورتها، أو منفتة في التراب بعد أن طوره سبحانه في عدة أطوار، إن ~~فاعل ذلك لقادر مختار. # ولما كان نسبة الإخراج والإبداع إليه سبحانه وحده في مظهر العظمة خصوصا ~~وعموما، فعلم أن الكل منه، وصار الحال في حد من الوضوح جدير بأن يؤمن من ~~نسبة شيء إلى غيره لا سيما الذي هم له معالجون، وبالعجز عن إبداعه ~~عالمون، وبدأ بما بدأ به أولا في آية الفلق من الحب؛ ثنى بما من النوى، ~~فقال معبرا لذلك الأسلوب: { ومن النخل } وتقديم الحب عليه هنا وفيما قبل ~~يدل على أن الزرع أفضل منه، فإنه قوت في أكثر البلاد ولأغلب الحيوانات ~~والغذاء مقدم على الفاكهة؛ فإنها خلقت من طينة آدم؛ ثم أبدل مما أجمل من ~~ذلك قوله مبينا: { من طلعها } أي النخل، وهو أول ما يخرج منها في أكمامه ~~{ قنوان } جمع قنو، وهو العذق بالكسر للشمراخ وهو الكباسة، والعرجون عوده ~~الذي يكون فيه البسر { دانية } أي قريبة التناول وإن طال أصلها بما علمكم ~~وسهل لكم من صنعة الوصول إليها. # ولما لم يكن لهم من معالجة الأعناب وغيرها ما لهم من معالجة النخيل، عطف ~~على " نبات " منبها لهم على أنها - كالنخيل - هو سبحانه المتفرد ~~بإبداعها كما تقدم - فقال: { وجنات } أي بساتين { من أعناب } وجمعها ~~لكثرة أنواعها، وبدأ بهاتين الشجرتين لفضلهما كما تقدم على غيرهما، لأن ~~ثمرهما فاكهة وقوت، وقدم الأول لأنهم له أكثر ملابسة، وإن كان العنب أشرف ~~أنواع الفواكه، فإنه ينتفع به من أول ظهوره لأنه أولا يكون له خيوط خضر ~~دقيقة حامضة لذيذة، ثم تكون الحصرم، وهو طعام شريف للأصحاء والمرضى، وقد ~~يتخذ منه رب الحصرم وأشربة لطيفة المذاق نافعة لأصحاب الصفراء، ويطبخ ~~منه ألذ الأطعمة الحامضة، وهو عنبا ألذ الفواكه وأشهاها، ويدخر عنبا ~~قريبا من سنة، ويكون زبيبه ms1417 غذاء، ويكون منه الدبس والخل وغير ذلك، ~~وأحسن ما فيه عجمه، وهو يتخذ منه جوارشات عظيمة النفع للمعدة الضعيفة ~~الرطبة وقدم النخيل لأنها قوت للعرب، وبينها وبين الإنسان مشابهة في خواص ~~كثيرة لا توجد في النبات، ولذا جاء في الحديث # " أكرموا عمتكم النخلة، فإنها خلقت من طينة آدم عليه السلام، وليس من ~~الشجر يلقح غيرها " # - رواه أبو يعلى وأبو نعيم في الحلية وأبو الشيخ عن علي رضي الله عنه؛ ~~وأتبعهما ما يليهما في الفضيلة فقال: { والزيتون } و قدمه لكثرة نفعه، ~~وينفصل منه دهن عظيم النفع في الأكل والضياء وسائر وجوه الاستعمال { ~~والرمان } ختم به لحسنه وعظيم نفعه، وهو مركب من أربعة أشياء: قشره وشحمه ~~وعجمه ومائه، فالثلاثة الأول باردة يابسة أرضية كثيفة عفصية فائضة جدا، ~~والماء بضدها وهو ألذ الأشربة وألطفها وأقربها إلى الاعتدال وأشدها ~~مناسبة للطبع المعتدل، وفي ذلك تقوية للمزاج الضعيف، وهو غذاء من وجه ~~ودواء من وجه. # ولما ذكر الأقوات من الثمار والحبوب والأدهان وأشرف الفواكه وأعمها، ~~وكانت أشبه شيء بالآدمي في نشئه وبعثه واتفاقه واختلافه، وكان اشتباه ~~بعضها واختلاف بعضها - مع كونها تسقى بماء واحد وفي أرض واحدة - دالا ~~على القدرة والاختيار، وكان السياق لإثبات الوحدانية ونفي الشريك بإثبات ~~كمال القدرة التي هي منفية عن غيره، فلا يصح أن يكون له شريك، لأنه لا ~~يكون إلا مشابها لشريكه كمال المشابهة فيما وقعت الشركة فيه، وللبعث ~~فكان المراد التفكر في ظواهرها وتقلباتها من العدم إلى الوجود وبعد ~~الوجود، ولمحاجة أهل الكتاب الموسومين بالعلم المنسوبين إلى حدة الأذهان ~~وغيرهم من الفرق، وكان افتعل يأتي للتعريف، وهو المبالغة في إثبات أصل ~~الفعل والاجتهاد في تحصيله والاعتمال، فكان حصوله إذا حصل أكمل، قال ~~بانيا حالا من كل ما تقدم: { مشتبها } أي في غاية الشبه بعضه لبعض حتى ~~لا يكاد يتميز، فلو قطع ثمرتا شجرتين منه لم يتميز ثمرة هذه من ثمرة هذه، ~~فلا يقابله حينئذ نفي التفاعل، فإنه لمجرد مشاركة أمرين أو أكثر في أصل ~~الفعل، فعلم أن التقدير: وغير ms1418 مشتبه ومتشابها، ثم لما كان ربما تمسك ~~القائل بالطبائع بهذه العبارة، نفى ما ربما ظن من أن لهذه الأشياء عملا ~~في اشتباه بعضها ببعض فقال: { وغير متشابه } أي غير طالب للاشتباه مع أنه ~~لا بد من شبه ما، فالآية من الاحتباك: أثبت الاشتباه دلالة على نفي ضده، ~~وهو عدم التشابه، ولأجل أن الاشتباه أبلغ من التشابه، علق الأمر بالنظر ~~الذي هو أثبت الحواس، ودلالة على أن المراد إنما هو ظاهر ذلك، لأنه كان ~~في الدلالة على البعث والتوحيد الذي هذا سياقه فقال: { انظروا إلى ثمره } ~~وهذا بخلاف الحرف الثاني، فإنه في سياق الرد على العرب فيما يجعلون من ~~خلقه لأصنامهم التي لا قدرة لها على شيء أصلا، ولذلك ختم الآية بالإذن ~~لهم في الأكل منه للانتهاء عما كانوا يحرمونه منه على أنفسهم، وبالأمر ~~بالتصدق على من أمر بالصدقة عليه، وأما الباطن الذي هو الأكل فسيأتي؛ ثم ~~نبه على تعميم النظر في جميع حالاته بقوله: { إذا أثمر } أي حين يبدو من ~~كمامه ضعيفا قليل النفع أو عديمه { وينعه } أي وانظروا إلى إدراكه إذ ~~أدرك وحان قطافه، ويعلم من ذلك النظر فيما بين ذلك، لأنه يلزم من مراقبة ~~الأول والآخر، فيعلم استحالة ألوانه ومقاديره وطعومه وأشكاله وغير ذلك من ~~شؤونه وأحواله، ويلزم من ذلك أيضا النظر إلى أشجاره ليعلم تفاوت بعضها ~~واشتباه البعض الآخر في الطول والقصر والصغر والكبر وغير ذلك من سائر ~~الأحوال، كما أن ذلك موجود في التمر، فاستناد هذه التبدلات والتغيرات ليس ~~إلا إلى الفاعل المختار، لأن نسبته إلى الطبائع والفصول على حد سواء، فلو ~~استندت إليها لم تتغير. # ولما كان اتخاذ هذه المذكورات أولا والمخالفة بين أشكالها ومقاديرها ~~وألوانها ثانيا دالا على كمال القدرة المستلزم للوحدانية، دل على عظمته ~~بقوله مستأنفا مشيرا بأداة البعد وميم الجمع: { إن في ذلكم } أي الأمر ~~العظيم الشأن العالي الرتبة { لآيات } أي علامات على قدرة الصانع ~~واختياره. # ولما كانت الآيات لا تغني عمن أريدت شقاوته قال: { لقوم يؤمنون * } أي ~~حكم بأنهم - بحذقهم ونشاطهم ms1419 وقوتهم على ما يحاولونه - يجددون الإيمان ~~كلما تأملوا في مصنوعات الله سبحانه وتعالى الدالة عليه المشيرة بكل لسان ~~إليه. # ولما كان المشركون على أصناف: منهم عدة أصنام، شركوا في العبودية لا في ~~الخلق، ومنهم آزر الذي حاجه إبراهيم عليه السلام ومنهم عبدة الكواكب وهم ~~فريقان: منهم من قال: هي واجبة الوجود، ومنهم من قال: ممكنة، خلقها الله ~~وفوض إليها تدبير هذا العالم الأسفل، وهم الذين حاجهم الخليل عليه السلام ~~بالأفول، ومنهم من قال: لهذا العالم كله إلهان: فاعل خير، وفاعل شر، ~~وقالوا: إن الله وإبليس أخوان، فالله خالق الناس والدواب والأنعام، ~~وإبليس خالق السباع والحيات والعقارب والشرور، ويلقبون الزنادقة وهم ~~المجوس، لأن الكتاب الذي زعم زردشت أنه نزل من عند الله سمي بالزند، ~~فالمنسوب إليه زندي، ثم عرب فقيل: زنديق، وكان هذا كله في قوله { فالق ~~الإصباح } شرحا لآية { إن الله فالق الحب والنوى } دلالة على تمام ~~القدرة الدالة على الوحدانية للدلالة على البعث؛ حسن كل الحسن العود إلى ~~تقبيح حال المشركين بالتعجيب منهم في جملة حالية من الضمير في { فالق } ~~أو غيره مما تقدم، فقال تعالى شارحا أمر هذا الصنف، لأن أمر غيرهم تقدم؛ ~~وقال ابن عباس رضي الله عنهما: إن هذه الآية نزلت في الزنادقة: { وجعلوا ~~} أي هو سبحانه فعل هذا الذي لا يدع لبسا في تمام علمه وقدرته وكمال ~~حكمته ووحدانيته والحال أن الذي فعل ذلك لأجلهم قد جعلوا وعبر بالاسم ~~الأعظم وقدمه استعظاما لأن يعدل به شيئا { لله } أي الذي له جميع ~~الأمر. # ولما كان الشرك في غاية الفظاعة والشناعة، قدمه فقال: { شركاء } يعني ~~وما كان ينبغي أن يكون له شريك مطلقا، لأن الصفة إذا ذكرت مجردة غير ~~مجراة على شيء كان ما يتعلق بها من النفي عاما في كل ما يجوز أن يكون له ~~الصفة، وحكم الإنكار حكم النفي. ولما اهتز السامع من هذا التقديم لزيادة ~~المعنى من غير زيادة اللفظ، تشوف إلى معرفة النوع الذي كان منه الشركاء ~~فبينهم بقوله: { الجن } أي الذين هم ms1420 أجرأ الموجودات عليهم وأعداهم لهم، ~~فأطاعوهم كما يطاع الإله فكان عبادة لهم وتشريكا، وقد رأيت ما للبيان ~~بعد الانتهاء مما يحسن للناظرين { وخلقهم } أي والحال أنهم قد علموا أن ~~الله خلقهم أي قدرهم بعلم وتدبير، فلذلك كان خلقه لهم محكما { وخرقوا } ~~أي العابدون { له بنين } أي كعزير والمسيح { وبنات } أي من الملائكة، ~~فجمعوا لذلك جهالات هي غاية في الضلالات: وصف الملائكة بالأنوثة ~~والاجتراء على مقام الربوبية بالحاجة، تخصيصه بعد ذلك بما لا يرضونه ~~لأنفسهم بوجه؛ ومادة خرق تدور على النفوذ والاتساع والإطلاق والتقدير ~~بغير علم ولا معرفة ليحدث عنه الفساد، ولذلك قيل لمن لا يحسن العمل: خرق؛ ~~وللمرأة: خرقاء، يعني أنهم كذبوا واختلفوا واتسعوا في هذا القول الكذب، ~~وأبعدوا به في هذه المجاوزة عن حقيقته، اتساع من سار في خرق أي برية ~~واسعة بهماء وسوفة جوفاء متباعدة الأرجاء إلى حيث لم يسبقه إليه بشر، فضل ~~عن الجادة ضلالا لا ترجى معه هدايته إلا على بعد شديد، فصار جديرا ~~بالهلاك، وإلى ذلك يرجع معنى ما قرئ في الشاذ: وحرفوا - بالمهملة والفاء. # ولما لم يكن لقولهم أصلا حقيقة ولا شبهة، وكان الخرق التقدير بغير علم، ~~دل على ذلك مصرحا بما أفهمه محققا له تنبيها على الدليل القطعي في ~~اجتياح قولهم من أصله، وذلك أنه قول لا حجة له، ومسائل أصول الدين لا ~~يصار إلى شيء منها إلا بقاطع، وذلك بنكرة في سياق النفي فقال: { بغير علم ~~} ثم نزه نفسه المقدسة تنبيها على ما يجب قوله على كل من سمع ذلك، فقال: ~~{ سبحانه } أي أسبحه سبحانا يليق بجلاله أن يضاف إليه؛ ولما كان معنى ~~التسبيح الإبعاد عن النقص، وكان المقام يقتضي كونه في العلو، صرح به ~~فقال: { وتعالى } أي تباعد أمر علوه إلى حد لا حد له ولا انتهاء { عما ~~يصفون * }. ### || [6.101-104] # ولما ختم بالتنزيه عما قالوا من الشريك والولد، استدل على ذلك التنزيه ~~بأن الكل خلقه، محيط بهم علمه، ولن يكون المصنوع كالصانع، فقال: { بديع ~~السماوات والأرض } أي مبدعهما، وله صفة الإبداع، ms1421 أي القدرة على الاختراع ~~ثابتة، ومن كان كذلك فهو غني عن التوليد، فلذا حسن التعجب في قوله: { ~~أنى } أي كيف ومن أي وجه { يكون له ولد } وزاد في التعجيب بقوله: { ~~ولم } أي الحال أنه لم { يكن له صاحبة و } الحال أنه { خلق كل شيء } أي ~~مقدور ممكن من كل صاحبة تفرض، وكل ولد يتوهم، وكل شريك يدعي فكيف يكون ~~المبدع محتاجا إلى شيء من ذلك على وجه التوليد أو غيره. # ولما كانت القدرة لا تتم إلا بشمول العلم قال: { وهو } ولم يضمر تنبيها ~~على أن عموم العلم لا تخصيص فيه كالخلق فقال: { بكل شيء عليم* } أي فهو ~~على كل شيء قدير، لأن شمول العلم يلزمه تمام القدرة - كما يأتي برهانه إن ~~شاء الله في طه، ومن كان له ولد لم يكن محيط العلم ولا القدرة، بل يكون ~~محتاجا إلى التوليد. # ولما ثبت أنه لا كفوء له بما ذكر من صفاته وأفعاله، وبين فساد أقوال ~~المشركين، وفصل مذاهبهم على أحسن الوجوه، وبين فساد كل واحد منها بأمتن ~~الحجج، فثبت بذلك ما افتتح السورة به من إحاطته بصفات الكمال، قال مشيرا ~~إلى ذلك كله بمبتدأ خبر بعده أخبار: { ذلكم } أي العالي الأوصاف جدا ~~الذي لا حاجة له إلى شيء، وكل شيء محتاج إليه { الله } أي الذي له كل ~~كمال { ربكم } أي الموجد لكم والمحسن بجميع أنواع الإحسان، فهي فذلكة ما ~~قبلها وثمرته، لأن من اتصف بذلك كان هو رب الكل وحده والخالق للجميع ~~واستحق العبادة وحده فلذا أتبع ذلك قوله: { لا إله إلا هو } لأن المقام ~~للتوحيد اللازم للإحاطة بأوصاف الكمال التي هي معنى الحمد المفتتح به ~~السورة، وساق قوله: { خالق كل شيء } الذي هو مطلع ما بعده مساق التعليل ~~دليلا على ذلك، فلما أقام الدليل سبب عنه الأمر بالعبادة فقال: { ~~فاعبدوه } أي وحده، لأن من أشرك به لم يعبده، لأنه الغنى المطلق، ومن كان ~~له الغنى المطلق لا يحسن أن يقبل مشركا، وختم الآية بقوله: { وهو } ولما ~~كان المقام لنفي احتياجه ms1422 إلى شيء، قدم قوله: { على كل شيء وكيل* } إشارة ~~إلى أن الولد أو الشريك إنما يحتاجه العاجز المفتقر، وأما هو فهو القادر، ~~ومن سواه عاجز، وهو الغني ومن سواه فقير، فكيف يحتاج القدير الغني إلى ~~العاجز الفقير، هذا ما لا يكون، ولا ينبغي أن يتخيله الظنون، وفيه إشارة ~~إلى أن العابد ينبغي أن يتفرغ لعبادته ويقطع أموره عن غير وكالته، فإنه ~~يكفيه بفضله عمن سواه. # ولما كان كل والد وكل شريك لا بد أن يكون مجانسا لولده وشريكه بوجه، ~~وصل بذلك من وصفه ما اقتضاه المقام من تنزيهه، فقال: { لا تدركه } أي حق ~~الإدراك بالإحاطة { الأبصار } أي أن من جعلتموه ولده أو شريكه هو مدرك ~~بأبصاركم كعيسى وعزير عليهما السلام والأوثان والنجوم والظلمة والنور، ~~وأما الملائكة والجن فإن كان حكمكم عليهم بذلك عن مشاهدة فهم كمن تقدمهم، ~~وإن كان عن إخبار فهو عن الأنبياء ليس غير، وكل منهم مخبر بأنهم عباد ~~الله كغيرهم، وأنه منزه عن شريك وولد، وهذه كتبهم وصحاح أخبارهم شاهدة ~~بذلك، ووراء ذلك كله أنهم بحيث يدركون بالأبصار في الجملة، ليس إدراكهم ~~مستحيلا، وأما هذا الإله العزيز فهو غير مدرك لكم بالبصر كما يدرك غيره ~~إدراكا تاما، فيتأمله ناظره فيزنه وينقده بالخبرة بما فيه من رضى وغضب ~~وغيرهما، بما أبدته الفراسة وأوضحه التوسم، لأنه سبحانه متعال عن أن يحاط ~~به، هذا على أنه من عموم السلب، وإن كان من سلب العموم فالمعنى أنه عزيز ~~لا يراه كل أحد، بل يراه الخواص إذا أراد فكشف لهم الحجاب وأوجد لهم ~~الأسباب { وهو } مع ذلك يدرككم، بل و { يدرك } ما لا تدركونه من أنفسكم { ~~الأبصار } وهي القوى المودعة في عصبة العين لتدرك بها المبصرات { وهو ~~اللطيف } عن أن يحيط به الأبصار، لأنه يمنع الأسباب عن أن ينشأ عنها ~~مسبباتها، ويوجد أدق الأسباب وأغربها، فلا يستغرب عليه إدراك المعاني ~~لأنه الذي أوجدها # ألا يعلم من خلق # [الملك: 14] وأصل اللطف دقة النظر في الأشياء { الخبير* } أي المحيط ~~بالأبصار, فإحاطته بأصحابها أجدر، ويتحقق ms1423 معنى الاسمين لتحقق المعنى؛ قال ~~الحرالي في شرح الأسماء: اللطف إخفاء التوسل إلى الشيء بإظهار ما يضاده، ~~ولا يتم إلا بخبرة، ولذلك نظم باسمه { الخبير } لأنه أخفى حكمته في ظاهر ~~يضادها، فاللطف مخبرة في حكمة، وباسمه تعالى اللطيف أقام أمر حكمته ما ~~بين الدنيا والآخرة، وبذلك أقام أمر أهل ولايته في الدنيا لما جمع لهم من ~~أمره فيها، فيبدو عزهم من وراء ذل، ويتراءى ذلهم ومن دونه عز، فيسبق عزهم ~~إلى القلوب مع تذللهم في الحواس، ويؤول محسوسهم إلى عز في عقبى الدنيا، ~~ومبادرة الآخرة مع تأنس القلوب بهم، # إن ربي لطيف لما يشاء # [يوسف: 100] لما أراد أن يملكه مصر وجعل وسيلة ذلك استبعاده بها، وبحصول ~~معناه بتمام الخبرة والحكمة - وتلك إبداء الشيء في ضده - يتضح اختصاصه ~~بالحق، فهو الذي أطعم من جوع وآمن من خوف، الذي جعل لكم من الشجر الأخضر ~~نارا، فهو تعالى اللطيف الذي لا لطيف إلا هو، ثم قال: الخبرة إدراك ~~خبايا الأشياء وخفاياها بحيث لا يبدو منه خبيثة أمر إلا كان إدراك الخبير ~~سابقا لبدوها، وذلك لا يتم إلا لمبديها الذي هو يخرج خبأها، وهو الذي ~~يخرج الخبء في السماوات والأرض، ومخبرة الخلق لا بد فيها من إظهار باد ~~ينبئ عن الخبء بمقتضى التجرية، وإلا لم يصح لهم الخبرة، كما قيل: مخبرة ~~المرء فيما يبدو من نطقه وما يظهره اليوم والليلة من عمله، والخبير الحق ~~خبير بالشيء دون باد يرى الظاهر خبيثة أمره، فهو بالحقيقة الذي لا خبير ~~إلا هو - انتهى. # ولما أكثر لهم من إقامة الأدلة على وحدانيته، وختمها بهذا الدليل ~~المحسوس الذي معناه أن كل شريك وكل ابن يدرك شريكه وأباه، وهو متناه عن ~~أن يدركه، أي يحيط به أحد، ناسب أن يعظهم ويمدح الأدلة حثا على تدبرها، ~~وجعل ذلك على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم إشارة إلى أنه - لنور قلبه ~~وكمال عقله وصفاء لبه وغزارة علمه وشريف أخلاقه واستقامة غرائزه وبعد ~~مدى همته عن أن ينسب إلى جور أو يرمى بعناد ms1424 - حقيق بأن يقول بعد إقامتها ~~من غير تلعثم تقريرا لأمر دعوته بعد تقرير المطالب العالية الإلهية: { ~~قد جاءكم }. # ولما كانت الآيات - لقوتها وجلالتها التي أشار إليها تذكير الفعل - توجب ~~المعرفة فتكون سببا لانكشاف الحقائق الذي هو كالنور في جلاء المحسوسات، ~~قال: { بصائر } أي أنوار هي لقلوبكم بمنزلة الضياء المحسوس لعيونكم { من ~~ربكم } أي المحسن إليكم بكل إحسان، فلا إحسان أصلا لغيره عندكم، فاصعدوا ~~عن النظر بالأبصار إلى الاعتبار بالبصائر، ولا تهبطوا في حضيض التقليد ~~إلى أن تصلوا إلى حد لا تفهمون معه إلا ما يحس بالأبصار بل ترقوا في أوج ~~المعرفة إلى سماوات الاجتهاد وجردوا لقطاع الطريق صوارم البصائر، فإنكم ~~إن رضيتم بالدون لم تضروا إلا أنفسكم، وإن نافستم في المعالي فإياها ~~نفعتم. ولذلك سبب عن هذا النور الباهر والسر الظاهر قوله: { فمن أبصر } ~~أي عمل بالأدلة { فلنفسه } أي خاصة إبصاره لأنه خلصها من الضلال المؤدي ~~إلى الهلاك { ومن عمي } أي لم يهتد بالأدلة { فعليها } أي خاصة عماه لأنه ~~يضل فيعطب. # ولما كان المعنى أنه ليس لي ولا لغيري من إبصاره شيء ينقصه شيئا، ولا ~~علي ولا غيري شيء من عماه، كان التقدير: فإنما أنا بشير ونذير، عطف عليه ~~قوله { وما أنا } وأشار إلى أن حق الآدمي التواضع وإسلام الجبروت والقهر ~~لله بأداة الاستعلاء فقال: { عليكم } وأغرق في النفي بقوله: { بحفيظ* } ~~أي أقودكم قسرا إلى ما ينجيكم، وأمنعكم قهرا مما يرديكم. ### || [6.105-108] # ولما كان التقدير التفاتا إلى مقام العظمة إعلاما بأن القضاء كله بيده ~~لئلا يظن نقص في نفوذ الكلمة: فانظروا ما صرفنا لكم في هذه السورة من ~~الآيات وأوضحنا بها من شريف الدلالات، لقد أتينا فيها بعجائب التصاريف ~~وكشفنا عن غرائب التعاريف، عطف عليه قوله: { وكذلك } أي ومثل هذا التصريف ~~العظيم { نصرف } أي ننقل جميع { الآيات } من حال إلى حال في المعاني ~~المتنوعة سالكين من وجوه البراهين ما يفوت القوى ويعجز القدر لتحير ~~ألباب المارقين وتنطلس أفكار المانعين، علما منهم بأنهم عجزة عن الإتيان ~~بما يدانيها فتلزمهم الحجة { وليقولوا ms1425 } اعتداء لا عن ظهور عجزهم " دارست ~~" أي غيرك من أهل الكتاب أو غيرهم في هذا حتى انتظم لك هذا الانتظام وتم ~~لك هذا التمام، فيأتوا ببهتان بين عواره ظاهرة أسراره، مهتوكة أستاره، ~~فيكونوا كأنهم قالوا: إنك أتيت به عن علم ونحن جاهلون لا نعلم شيئا، ~~فيعلم كل موفق أنهم ما رضوه لأنفسهم مع ادعاء الصدق والمنافسة في البعد ~~عن أوصاف الكذب إلا لفرط الحيرة وتناهي الدهشة وإعواز القادح، والحاصل ~~أنه أتى به على هذا المنهاج الغريب والأسلوب العجيب ليعمى ناس عن بينة ~~ويبصر آخرون، وهم المرادون بقوله: { ولنبينه } أي القرآن لأنه المراد ~~بالآيات المسموعة { لقوم يعلمون * } أي أن المراد من الإبلاغ في البيان ~~أن يزداد الجهلة به جهلا، ويهتدي من كان للعلم أهلا، فلا يقولون: " ~~دارست " بل يقولون: إنه من عند الله، فالآية من الاحتباك: إثبات ادعاء ~~المدارسة أولا يدل على نفيها ثانيا، وإثبات العلم ثانيا يدل على عدمه ~~أولا، وهي من معنى # يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا # [البقرة: 26]. # ولما انكشف بهذا في أثناء الأدلة وتضاعيف البراهين أن القرآن كنز لا ~~يلقى مثله كنز، وعز لا يدانيه عز، وأنه في الذروة التي تضاءلت دونها ~~سوابح الأفكار، وكلت عن التماعها نوافذ الأبصار، وختم بأن المراد ~~بالبيان العلماء، ناسب له أن ينبه على ذلك لئلا يفتر عنه طعنهم بقولهم " ~~دارست " ونحوه، فقال مخصصا له صلى الله عليه وسلم بالخطاب إعلاما بأنه ~~العالم على الحقيقة: { اتبع } أي أنت ومن تبعك { وما أوحي إليك } أي ~~فالزم العمل به؛ ثم أكد مدحه بقوله: { من ربك } أي المحسن إليك بهذا ~~البيان؛ ثم علل ذلك بقوله: { لا إله إلا هو } أي فلا يستحق غيره أن يتبع ~~له أمر، ولا يلتفت إليه في نفع ولا ضر { وأعرض عن المشركين * } أي بغير ~~التبليغ، فإنه ما عليك غيره، ومزيد حرصك على إيمانهم لا يزيد من أريدت ~~شقوته إلا تماديا في إشراكه وارتباكا في قيود أشراكه. # ولما كان الحبيب أسر شيء بما يزيده حبيبه، قال مسليا له صلى الله عليه ms1426 ~~وسلم عن استهزائهم به وردهم لقوله، عاطفا على ما تقديره: فلو شاء الله ~~ما خالفوك ولا تكلموا فيك ببنت شفة: { ولو شاء الله ما أشركوا } أي ما ~~وقع منهم إشراك أصلا، فقد أراد لك من الوقوع فيك ما أراده لنفسه، فليكن ~~لك في ذلك مسلاة. # ولما كان التقدير: فإنه سبحانه حفيظ عليهم، عطف عليه قوله: { وما جعلناك ~~} أي بعظمتنا، وأشار إلى أن العلو ليس بغير الله سبحانه فقال: { عليهم ~~حفيظا } أي تحفظ أعمالهم لئلا يكون منها ما لا يرضينا فتردهم عنه قسرا ~~{ وما أنت } وقدم ما هو أعم من نفي التحقق بالعلو المحيط القاهر الذي هو ~~خاص بالإله فقال: { عليهم بوكيل * } أي فتأخذ الحق منهم قهرا، وتعاملهم ~~بما يستحقونه خيرا أو شرا، إنما أنت مبلغ عنا، ثم الأمر في هدايتهم ~~وإضلالهم إلينا. # ولما طال التنفير عما اتخذ من دونه من الأنداد والبنات، لأنها أقل من ~~ذلك وأحقر، كان ذلك ربما كان داعية إلى سبها، فنهى عنه لمفسدة يجرها السب ~~كبيرة جدا، فقال عاطفا على قوله { وأعرض عن المشركين } غير مواجه له ~~وحده صلى الله عليه وسلم إكراما له: { ولا تسبوا } ولما كانت الأصنام لا ~~تعقل، وكان المشركون يزعمون بها العقل والعلم، ويسندون إليها الأفعال، ~~أجري الكلام على زعمهم لأنه في الكف عنها فقال: { الذين يدعون } أي دعاء ~~عبادة من الأصنام أو غيرهم بذكر ما فيهم من النقص، ثم بين دفعا لتوهم ~~إكرامهم أنهم في سفول بقوله: { من دون الله } أي الملك الأعلى الذي لا ~~كفوء له عدلا، بعلم منكم بما لهم من المعايب، بل أعرضوا عن غير دعائهم ~~إلى الله حتى عن سب آلهتهم بما تستحقه، فإنا زينا لهم أعمالهم فغرقوا مع ~~غزارة عقولهم فيما لا يرتضيه عاقل، وكذبوا بجميع الآيات الموجبة للإيمان، ~~فربما جرهم سبكم لها - لما عندهم من حمية الجاهلية - إلى ما لا يليق { ~~فيسبوا } أي فيتسبب عن ذلك أن يسبوا { الله } أي الذي تدعونه وله الإحاطة ~~بصفات الكمال، وأظهر تصريحا بالمقصود وإعظاما لهذا وتهويلا له ~~وتنفيرا منه. ms1427 # ولما كان الخنو يوجب الإسراع، أشار إليه سبحانه بقوله: { عدوا } أي ~~جريا إلى السب؛ ولما كان العدو قد يكون مع علم، قال مبينا لأنه يراد به ~~مع الإسراع أنه مجاوز للحد: { بغير علم } لأنا زينا لهم عملهم، فالطاعة ~~إذا استلزمت وجود منكر عظيم احترز منه ولو أدى الحال إلى تركها وقتا ما، ~~لتحصل القوة على دفع ذلك المنكر، فحكم الآية باق وليس بمنسوخ. # ولما كان ذلك شديدا على النفس ضائقا به الصدر، اقتضى الحال أن يقال: ~~هل هذا التزيين مختص بهؤلاء المجرمين أم كان لغيرهم من الأمم مثله؟ فقيل: ~~{ كذلك } أي بل كان لغيرهم، فإنا مثل ذلك التزيين الذي زينا لهؤلاء { ~~زينا لكل أمة } أي طائفة عظيمة مقصودة { عملهم } أي القبيح الذي أقدموا ~~عليه بغير علم بما خلقه في قلوبهم من المحبة له، ردا منا لهم بعد العقل ~~الرصين أسفل سافلين، حتى رأوا حسنا ما ليس بالحسن لتبين قدرتنا؛ فكان في ~~ذلك أعظم تسلية وتأسية وتعزية، والآية من الاحتباك: إثبات { بغير علم } ~~أولا دال على حذفه ثانيا، وإثبات التزيين ثانيا دليل على حذفه أولا. # ولما كان سبحانه طويل الأناة عظيم الحلم، وكان الإمهال ربما كان من جهل ~~بعمل العاصي، نفى ذلك بقوله { ثم } أي بعد طول الإمهال { إلى ربهم } أي ~~المحسن إليهم بالحلم عنهم وهم يتقوون بنعمه على معاصيه، لا إلى غيره { ~~مرجعهم } أي بالحشر الأعظم { فينبئهم } أي يخبرهم إخبارا عظيما بليغا ~~{ بما } أي بجميع ما { كانوا يعملون * } أي على سبيل التجدد والاستمرار ~~بما في جبلاتهم من الداعية إليه وإن ادعوا أنهم عاملون على مقتضى العلم. ### || [6.109-111] # ولما نصب سبحانه هذه الدلالات في هذه الآيات البينات حتى ختمها بما علم ~~منهم من الإسراع إلى سب من أحسن إليهم بأن أوجدهم وأوجد لهم كل ما في ~~الكون، وما من نعمة عليهم إلا وهي منه، عجب منهم في الوعد بالإيمان على ~~وجه التأكيد بما يأتيهم من مقترحاتهم إعلاما بأن ذلك مما زين لهم من ~~عملهم، وهي أمنية كاذبة ويمين حانثة فقال عاطفا ms1428 على # وجعلوا لله شركاء الجن # [الأنعام: 100] { وأقسموا } أي المشركون { بالله } أي الذي لا أعظم منه ~~{ جهد أيمانهم } أي باذلين فيها جهدهم حتى كأنها هي جاهدة، ووطأ للقسم ~~فقال: { لئن جاءتهم آية } أي من مقترحاتهم، وتلقى القسم بقوله: { ليؤمنن ~~بها }. # ولما كانوا بهذا ظالمين من أجل أنهم طلبوا من الرسول ما ليس إليه بعد ~~إتيانه من المعجزات بما أزال معاذيرهم، وأوجب عليهم الاتباع، نبه على ذلك ~~بقوله مستأنفا: { قل } أي ردا لتعنتهم { إنما الآيات } أي هذا الجنس { ~~عند الله } أي الحائز لجميع صفات الكمال، وليس إلي ولا إلى غيري شيء من ~~هذا الجنس ليفيد الاقتراح شيئا غير إغضابه. # ولما كان العبد لعجزه لا قدرة له على شيء أصلا، فلا يصح له أن يحكم على ~~آت أصلا لا من أفعاله ولا من أفعال غيره، قال منكرا عليهم ملتفتا إلى ~~خطابهم إشارة إلى أنهم حقيقون بالمواجهة بالتبكيت: { وما } أي وأي شيء { ~~يشعركم } أي أدنى شعور بما أقسمتم عليه من الإيمان عند مجيئها حتى ~~يتوهموه أدنى توهم فضلا عن الظن فكيف بالجزم ولا سيما على هذا الوجه! ثم ~~علل الاستفهام بقوله مبينا أنه لا فائدة في الإتيان بالآية المقترحة: { ~~أنها } بالفتح في قراءة نافع وابن عامر وشعبة في رواية عنه وحفص وحمزة ~~والكسائي، فكان كأنه قيل: أنكرت عليكم لأنها { إذا جاءت لا يؤمنون * } ~~بالخطاب في قراءة ابن عامر وحمزة، والالتفات إلى الغيبة في قراءة غيرهم ~~للإعلام بأنهم بعيدون من الإيمان فهم أهل للإعراض عنهم لما استحقوا من ~~الغضب، والتعليل عند من كسر " أنها " واضح. # ولما كان التقدير: فإنا نطبع على قلوبهم، ونزين لهم سوء أعمالهم، عطف ~~عليه قوله: { ونقلب } أي بما لنا من العظمة { أفئدتهم } أي قلوبهم حتى لا ~~يهتدوا بها { وأبصارهم } حتى لا ينفعهم الإبصار بها، فلا يعتبرون فلا ~~يؤمنون { كما لم يؤمنوا به } أي بمثل ذلك { أو لمرة } أي عند إتيان ~~الآيات التي قبل تلك { ونذرهم } أي نتركهم { في طغيانهم } أي تجاوزهم ~~للحدود { يعمهون * } أي يديمون التحير على أن الحال لما فيه ms1429 من الدلالة ~~لا يقتضي حيرة بوجه. ولما أخبر أنهم لا يؤمنون عند آية مقترحة عمم على ~~وجه مفصل لإجمال ما قبله فقال: { ولو أننا } أي على عظمتنا البالغة بما ~~أشار إليه جمع النونات { نزلنا } أي على وجه يليق بعظمتنا { إليهم ~~الملائكة } أي كلهم فرأوهم عيانا { وكلمهم الموتى } أي كذلك { وحشرنا ~~عليهم } أي بما لنا من العظمة { كل شيء قبلا } جمع قبيل جمع قبيلة في ~~قراءة من ضم القاف والباء كرغيف ورغف، أي جاءهم ذلك المحشور كله قبيلة ~~قبيلة تترى ومواجهة { ما كانوا ليؤمنوا } أي على حال من الأحوال { إلا أن ~~يشاء الله } أي إلا حال مشيئته لإيمانهم لأنه الملك الأعلى الذي لا أمر ~~لأحد معه، فإذن لا عبرة إلا بمشيئته، فالآية دامغة لأهل القدر، ولا مدخل ~~لآية ولا غيرها في ذلك، فلا يطمع أحد في إيمانهم بغير ذلك، ويقرب عندي - ~~وإن بعد المدى - أن يكون { وأقسموا } معطوفا على قوله تعالى { وقالوا ~~لولا أنزل عليه آية من ربه } وهذا من المتعارف في كلام البلغاء أن يحكي ~~الإنسان جملة من كلام خصمه، ثم يشرع في توهينها، ويخرج إلى أمور - يجرها ~~المقام - كثيرة الأنواع طويلة الذيول جدا، ثم يحكي جملة أخرى فيقول ~~معجبا منه: وقال كذا وكذا، ثم يشرع فيما يتعلق بذلك من النقد والرد، ~~ومما يؤيد ذلك توحيد ختمهما، فختم الأولى # ولكن أكثرهم لا يعلمون # [الأنعام: 37] وختم هذه { ولكن أكثرهم يجهلون * } أي أهل جهل مطبوعون ~~فيه، يقسمون على الإيمان عند مجيء آية مقترحة ولا يشعرون أن المانع لهم ~~من الإيمان إنما هو المشيئة وإلا لآمنوا بما جاءهم من الآيات، فإنه كفاية ~~في المبادرة إلى الإيمان، والآيات كلها متساوية الأقدام في الدلالة على ~~صدق الداعي بخرق العادة والعجز عن الإتيان بمثلها. ### || [6.112-113] # ولما كان مضمون ما تقدم إثبات عداوة الكفار للنبي صلى الله عليه وسلم، ~~كان كأنه قيل تسلية له وتثبيتا لفؤاده: فقد جعلناهم أعداء لك لأنك عالم، ~~والجاهلون لأهل العلم أعداء { وكذلك } أي ومثل ما جعلنا لك أعداء من كفار ~~الإنس والجن ms1430 { جعلنا لكل نبي } أي ممن كان قبلك، وعبر عن الجمع بالمفرد - ~~والمراد به الجنس - إشارة إلى أنهم يد واحدة في العداوة فقال: { عدوا } ~~وبين أن المراد به الجنس، وأنهم أهل الشر فقال مبدلا: { شياطين } أي ~~أشرار { الإنس والجن } المتمردين منهم، وربما استعان شيطان الجن شيطان ~~الإنس لقرب قلبه منه، أم يكون نوعه إليه أميل، وأشار إلى هوان أمرهم وسوء ~~عاقبتهم بقوله: { يوحي بعضهم } أي الشياطين من النوعين { إلى بعض } أي ~~يكلمه في خفاء { زخرف القول } أي مزينه ومنمقه. # ولما كان هذا يدل على أنه - لكونه لا حقيقة له - لولا الزخرفة ما قيل، ~~زاده بيانا بقوله: { غرورا } أي لأجل أن يغروهم بذلك، أي يخدعوهم ~~فيصيروا لقبولهم كلامهم كالغافلين الذين شأنهم عدم التحفظ، والغرور هو ~~الذي يعتقد فيه النفع وليس بنافع. # ولما كان أول الآية معلما أن هذا كان بمشيئة الله وجعله، أيد ذلك ومكنه ~~في آخرها بأنه لو شاء ما كان، وكل ذلك غيرة على مقام الإلهية وتنزيها ~~لصفة الربوبية أن يخرج شيء عنها فيدل على الوهن، ويجر قطعا إلى اعتقاد ~~العجز، فقال: { ولو شاء } ولما كان في بيان أعدائه صلى الله عليه وسلم ~~والمسلطين عليه، أشار إلى أن ذلك لإكرامه وإعزازه، لا لهوانه، فقال { ربك ~~} أي بما له إليك من حسن التربية وغزير الإحسان مع ما له من تمام العلم ~~وشمول القدرة، أن لا يفعلوه { ما فعلوه } أي هذا الذي أنبأتك به من ~~عداوتهم وما تفرع عليها. # ولما قرر أن هذا من باب التربية فعاقبته إلى خير، سبب عنه قطعا قوله: { ~~فذرهم } أي اتركهم على أي حالة اتفقت { وما يفترون * } أي يتعمدون كذبه ~~واختلافه، واذكر ما لربك عليك من العاطفة لتعلم أن الذي سلطهم على هذا في ~~غاية الرأفة بك والرحمة لك وحسن التربية كما لا يخفى عليك، فثق به واعلم ~~أن له في هذا لطيف سريرة تدق عن الأفكار، بخلاف الآيات الآتية التي عبر ~~فيها باسم الجلالة، فإنها في عظيم تجرئهم على مقام الإلهية. # ولم كان التقدير: ذرهم لتعرض ms1431 عنهم قلوب الذين يؤمنون بالآخرة وليسخطوه، ~~وليعلموا ما هم له مبصرون وبه عارفون، فترفع بذلك درجاتهم، عطف عليه ~~قوله: { ولتصغى } أي تميل ميلا قويا تعرض به { إليه } أي كذبهم وما في ~~حيزه { أفئدة } أي قلوب { الذين لا يؤمنون بالآخرة } أي ليس في طبعهم ~~الإيمان بها لأنها غيب، وهم لبلادتهم واقفون مع الوهم، ولذلك استولت ~~عليهم الدنيا التي هي أصل الغرور { وليرضوه } أي بما تمكن من ميلهم إليه ~~{ وليقترفوا } أي يفعلوا بجهدهم { ما هم مقترفون * } وهذه الجمل - كما ~~نبه عليه أبو حيان - على غاية الفصاحة، لأنه أولا يكون الخداع فيكون ~~الميل فيكون الرضى فيكون فعل الاقتراف، فكأن كل واحد مسبب عما قبله. ### || [6.114-116] # ولما كان فيما تقدم الإخبار عن مغيب، وهو أنهم لا يؤمنون عند مجيء ~~الآيات المقترحة، وكانت عادة العرب دعاء الأعداء والمخالفين إلى حاكم ~~يفصل بينهم، وكانوا إنما يفزعون في الأمور المغيبة إلى الكهان لما كانوا ~~يكشفون لهم بما يقذف إليهم إخوانهم من الجان مما يسترقونه من السمع، ~~فيزيدونه كذبا كثيرا، ثم لا يضرهم ذلك عندهم لذلك القليل الذي يصدقون ~~فيه - كما ابتلينا به في هذا الزمان من الافتتان بمن يفعل مثل ذلك من ~~المجانين والمتشبهين بهم، وكانت الآيات التي فرغ منها قد أثبتت أن ~~اتخاذهم غرور، سبب عن ذلك وجوب نفي اتخاذهم غير الله لما اتصف به من ~~إيحاء ما خالف إيحاءهم، ففات القوى في إخباره عن حقائق الأمور مفصلة أحسن ~~تفصيل في أساليب قصرت دونها سوابق الأفكار، وكعت عنها نوافذ الأفهام، ~~فثبتت به نبوته ووضحت رسالته، فكان اقتراحهم ظاهرا في كونه تعنتا لأنهم ~~كذبوا بأعظم الآيات: القرآن، ولم يؤمنوا به، وطعنوا فيه بما زادهم فضائح، ~~فثبت أنه لا فائدة في إجابتهم إلى مقترحاتهم، فكان الجواب - عما اقتضاه ~~لسان حالهم من طلب التحاكم إلى أوليائهم ببليغ الإنكار عليهم بقوله: { ~~أفغير الله } أي الملك الأعظم - على غاية من البلاغة لا تدرك، والفاء فيه ~~للسبب، وإنما تقدمت عليها همزة الإنكار لاقتضائها الصدر { أبتغي } أي ~~أطلب حال كون ذلك الغير { حكما ms1432 } أي يحكم بيني وبينكم ويفصل نزاعنا؛ ثم ~~استدل على هذا الإنكار بتفصيل الكتاب هذا التفصيل المعجز فقال: { وهو } ~~أي والحال أنه لا غيره { الذي أنزل إليكم } أي خاصة نعمة علي بالقصد ~~الأول وعليكم بالقصد الثاني { الكتاب } أي الأكمل المعجز، وهو هذا القرآن ~~الذي هو تبيان لكل شيء { مفصلا } أي مميزا فيه الحلال والحرام، وغير ~~ذلك من جميع الأحكام، مع ما تفيده فواصل الآيات من اللطائف والمعارف ~~الكاشفة لحقائق البدايات والنهايات، ولقد اشتد الاعتناء في هذه السورة ~~بالتنبيه على التفصيل لوقوع العلم من أرباب البصائر في الصنائع بأن من لا ~~يحسن التفصيل لا يتقن التركيب. # ولما كان التقدير: فأنتم وجميع أرباب البلاغة تعلمون حقيقته بتفصيله ~~والعجز عن مثيله، عطف عليه قوله: { والذين } ويجوز أن يكون جملة حالية { ~~آتيناهم } أي بعظمتنا التي تعرفونها ويعرفون بها الحق من الباطل { الكتاب ~~} أي المعهود إنزاله من التوراة والإنجيل والزبور { يعلمون } أي لما لهم ~~من سوابق الأنس بالكتب الإلهية { أنه منزل }. # ولما تقدم ذكر الجلالة الشريفة في حاق موضعه في سياق الحكم الذي لا يكون ~~إلا مع التفرد بالكمال، وكان هذا المقام بسياق الإنزال يقتضي الإحسان، لم ~~يضمر بل قال: { من ربك } أي المحسن إليك بما خصك به في هذا الكتاب من ~~أنواع الفضائل { بالحق } أي الأكمل لما عندهم به من البشائر في كتبهم ~~ولما له من موافقتها في ذكر الأحكام المحكمة والمواعظ الحسنة وكثرة ذكر ~~الله على وجوه ترقق القلوب وتفيض الدموع وتصدع الصدور، مع ما يزيد به على ~~كتبهم من التفصيل بما يفهم معارف الإلهية والمقامات الصوفية في ضمن ~~الأحكام السياسية والإعجاز بكل آية. # ولما كان أهل الكتاب يخفون ما عندهم من العلم، ويقولون للمشركين: إنهم ~~أهدى سبيلا، بما قد يوهم أنهم يعتقدون بطلانه، أو أن الأمر ملبس عليهم، ~~سبب عن إخباره سبحانه قوله على طريق التهييج والإلهاب: { فلا تكونن } أي ~~انف نفيا مؤكدا جدا أن تكون في وقت ما { من الممترين * } أي العاملين ~~عمل الشاك فيما أخبرناك به وإن زاد إخفاؤهم له وإظهارهم ms1433 لما يوهم خلافه؛ ~~وإذا حاربتهم في ذلك وأنت أفطن الناس وأعرفهم بما يظهره المجاوزات من ~~خفايا الأسرار - تحققت ما قلناه وإن اجتهدوا في الكتمان، كما كشفت عنه ~~قصة المناشدة في أمر الزانيين وغيرها؛ وقال أبو حيان: قال مشركو قريش ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم: اجعل بيننا وبينك حكما من أحبار اليهود، ~~وإن شئت من أساقفة النصارى، ليخبرنا عنك بما في كتابهم من أمرك فنزلت. # ولما دل على كونه حقا من عند الله بعلم أهل الكتاب صريحا وأهل اللسان ~~تلويحا، دل عليه بوجه آخر شهودي، وهو أنه ما قال شيئا إلا كان على وفق ~~ما قال، وأنه لم يستطع - ولا يستطيع أحد - منع شيء مما أخبر به ولا ~~تعويقه ساعة من نهار ولا أقل ولا أكثر بقوله تعالى مظهرا في موضع ~~الإضمار، لتذكيره صلى الله عليه وسلم بما له سبحانه من الإحسان، والتنبيه ~~على ما يريد به من التشريف والإكرام: { وتمت } أي نفذت وتحققت { كلمة ربك ~~} أي المحسن إليك المدبر لأمرك حال كونها { صدقا } أي لا يقدر أحد أن ~~يبدي في شيء منها حديثا بتخلف ما عن مطابقة الواقع. # ولما كان الصدق غير مناف للجور، قال: { وعدلا } ولما كان الصدق العدل ~~قد لا يتم معه مراد القائل، ولا ينفذ فيه كلام الآمر لمنع من هو أقوى ~~منه، أخبر أنه لا راد لأمره ولا معقب لحكمه، تصريحا بما أفهم مطلع الآية ~~من التمام، وأظهر موضع الإضمار تعميما وتبركا وتلذيذا فقال: { لا مبدل ~~لكلماته } أي من حيث إنها كلماته مطلقا من غير تخصيص بنوع ما، بل كل ما ~~أخبرت به فهو كائن لا محالة، رضي من رضي وسخط من سخط. # ولما كان المغير لشيء إنما يتم له ما يريد من التغيير بكون المغير عليه ~~لا يعلم الأسباب المنجحة لما أراد ليحكمها، والموانع العائقة ليبطلها، ~~قال عاطفا على ما تقديره: فهو العزيز الحكيم: { وهو } أي لا غيره { ~~السميع } أي البالغ السمع لجميع ما يمكن سمعه من الأقوال والأفعال { ~~العليم * } أي البالغ العلم لجميع ms1434 ذلك، فهو إذن الكامل القدرة النافذ ~~الأمر في جميع الأسباب والموانع، فلا يدع أحدا يغير شيئا منها وإن دلس ~~أو شبه. # ولما أجاب عن شبهات الكفار، وبين صحة نبوته عليه السلام، شرع في الحث ~~على الإعراض عن جهل الجهال، والإقبال على ذي الجلال، فكان التقدير: فإن ~~أطعته فيما أمرك به اهتديت إلى صراط الله الذي يتم لك بسلوكه جميع ما ~~وعدك به، عطف عليه قوله: { وإن تطع } ولما كانت أكثر الأنفس متقيدة ~~بالأكثر، أشار إلى أن ذلك لا يفعله إلا جاهل مخلد إلى التقليد فقال: { ~~أكثر من في الأرض } أي توجد طاعتك لهم في شيء من الأوقات بعد أن علمت أن ~~أكثرهم إنما يتبع الهوى، وأن أكثرهم فاسقون لا يعلمون لا يشكرون { يضلوك ~~عن سبيل الله } أي المستجمع لصفات الكمال؛ ثم علل ذلك بقوله: { إن } أي ~~لأنهم ما { يتبعون } في أمورهم { إلا الظن } أي كما يظن هؤلاء جهلا أن ~~آباءهم كانوا على الحق. # ولما كان أكثر من يجزم بالأمور بما دعاه إليه ظنه كذبا، وكان الخارص ~~يقال على الكاذب والمخمن الحازر، قال: { وإن هم } أي بصميم ضمائرهم { إلا ~~يخرصون * } أي يجزمون بالأمور بحسب ما يقدرون، فيكشف الأمر عن أنها كذب، ~~فيعرف الفرق بينك وبينهم في تمام الكلام ونفوذه نفوذ السهام، أو تخلفه عن ~~التمام ونكوصه كالسيف الكهام، فلا يبقى شبهة في أمر المحق والمبطل. ### || [6.117-119] # ولما كان المقام للعلم الكاشف للحقائق المبين لما يتبع وما يجتنب، قال ~~معللا لهذا الإخبار: { إن ربك } أي المحسن إليك بإنزال هذا الكتاب ~~الكاشف للارتياب الهادي إلى الصواب { هو } أي وحده { أعلم } ولكون الحال ~~شديد الاقتضاء للعلم، قطعه عما بعده ليسبق إلى الفهم أنه أعلم من كل من ~~يتوهم فيه العلم مطلقا ثم قال: { من } أي يعلم من { يضل } أي يقع منه ~~ضلال يوما ما { عن سبيله } أي الذي بينه بعلمه { وهو } أي وحده { أعلم ~~بالمهتدين * } كما أنه أعلم بالضالين، فمن أمركم باتباعه فاتبعوه، ومن ~~نهاكم عنه فاجتنبوه، فمن ضل أرداه، ومن اهتدى أنجاه، فاستمسكوا ms1435 بأسبابه ~~حذرا من وبيل عقابه يوم حسابه. # ولما قدم سبحانه ما مضى من السوائب وما معها وفي المائدة مما يدين به ~~أهل الجاهلية في أكل الحيوان الذي جر إليه الشرك، وأتبعه بيان أنه لا ضرر ~~على أهل الإيمان من دين أهل الضلال إذا اهتدوا، وأتبع ذلك ما لاءمه، ~~وانتظم في سلكه ولاحمه، حتى ظهر أي ظهور أن الكل ملكه وملكه، وأنه لا ~~شريك له، فوجب شكره وحده، وكانوا مع ذلك قد كفروا نعمه تتعالى فاتخذوا ~~معه شركاء ولم يكفهم ذلك حتى جعلوا لها مما ذرأ من الحرث والأنعام ~~نصيبا، فكانوا بذلك المانعين الحق عن أهله، ومانحين ما خولهم فيه من له ~~الملك لما لا يملك ضرا ولا نفعا، وتاركين بعض ما أنعم عليهم به صاحب ~~الحق رعاية لمن لا حق له ولا حرمة، وكانت سنة الله تعالى قد جرت بأنه ~~يذكر نفسه الشريفة بالوحدانية. ويستدل على ذلك بخلق السماوات والأرض وما ~~أودع فيهما لنا من المنافع وما أبدع من المرافق والمصانع، ثم يعجب ممن ~~أشرك به، ثم يأمر بالأكل مما خلق تذكيرا بالنعمة، ليكون ذلك داعية لكل ~~ذي لب إلى شكره، كما قال تعالى في البقرة عقب { وإلهكم إله واحد } # إن في خلق السماوات والأرض # [البقرة: 164] ثم قال # ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا # [البقرة: 165] ثم قال # يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا # [البقرة: 168]؛ أجرى هذه السنة الجليلة في هذه السورة أيضا، فقال: # إن الله فالق الحب والنوى # [الأنعام: 95] بعد # إني وجهت وجهي للذي فطر # [الأنعام: 79] ثم # وجعلوا لله شركاء الجن # [الأنعام: 100] ودل على أنه لا شريك له في ملكه ولا ملكه، وختم بأنه ~~لا حكم سواه ينازعه في حكمه أو يباريه في شيء من أمره، وبين أن من آيها ~~الهداية التي جعلها شرطا لعدم ضرر يلحق من دين أهل الشرك؛ فسبب عن جميع ~~ما ذكرت قوله: { فكلوا مما ذكر } أي وقت الذبح { اسم الله } أي الملك ~~الذي له الإحاطة الكاملة فله كل شيء { عليه ms1436 } أي كأن قائلا لذلك سواء ~~ذكر بالفعل أولا، وعدل عن التعبير بما جعلته المراد ليفهم أن الذكر ~~بالفعل مندوب إليه، ولا يكونوا ممن بنى دينه على اتباع الأهوية والظنون ~~الكاذبة، فكأنه قيل: اتبعوا من يعرف الحق لأهله فإنه مهتد غير معرجين على ~~غيره فإنه ضال، والله أعلم بالفريقين، فكونوا من المهتدين، فكلوا مما خلق ~~الله لكم حلالا شاكرين لنعمته، وإنما أطال هنا دون البقرة ما بين الجمل ~~الكلام تقريرا لمضامينها وما يستتبعه واحتجاجا على جميع ذلك لأنها سورة ~~التفصيل، وأتى بالذكر والمراد قبول المأكول له، أي كلوا مما يقبل أن يسمى ~~عليه على مقتضى ما شرعه، وذلك هو الذي أحله من الحيوان وغيره سواء كان ~~مما جعلوه لأوثانهم أولا، دون ما مات من الحيوان حتف أنفه، أو ذكر عليه ~~اسم غير الله أو كان مما حرم أكله وإن ذبح وذكر عليه اسم الله، فإنه لا ~~يقبل التحليل بالتسمية، فالتسمية في غير موضعها، لورود النصوص بالتحريم، ~~ولا تتبعوا المشركين في منعهم أنفسهم من خير مما خلق الله لهم من الحرث ~~والأنعام بتسميتهم إياه لآلهتهم التي لا غناء عندها، ويكون ذلك حثا على ~~التسمية على جميع المأكول الحلال، فتكون الآية كآية البقرة بزيادة. # ولما كان هذا الأمر لا يقبله إلا من زال دين الشرك وجميع توابعه من ~~قبله؛ قال: { إن كنتم } أي بما لكم من الجبلة الصالحة { بآياته } أي ~~عامة التي منها آيات التحليل والتحريم { مؤمنين * } أي عريقين في وصف ~~الإيمان، وقد لاح بذلك حسن انتظام قوله: { وما لكم } أي أي شيء يكون لكم ~~في { ألا تأكلوا مما ذكر } أي يقبل أن يذكر { اسم الله } أي الذي له كل ~~شيء { عليه } فإن التسمية قائمة مقام إذنه { وقد } أي والحال أنه قد { ~~فصل لكم } أي من قبل ذلك والخلق خلقه والأمر أمره { ما حرم عليكم } أي ~~مما لم يحرم تفصيلا واضح البيان ظاهر البرهان { إلا ما اضطررتم إليه } ~~أي فإن الضرورة تزيل التفصيل عنه برده إلى ما كان عليه قبل التفصيل؛ ~~فيصير الكل ms1437 حلالا لا تفصيل فيه، والمراد في هذه الآية مختلف باختلاف ~~المخاطبين، فأما من خوطب بها وقت الإنزال فالمراد بالتفصيل الذي آتاه ~~الآية الآتية أخير هذه فإنها نزلت جملة، وكذا كل ما شاكلها مما أنزل بمكة ~~قبل هذه السورة، وكذا ما أخبر به صلى الله عليه وسلم في وحي متلو إذ ذاك، ~~ولعله نسخت تلاوته وبقي حكمه، أو وحي غير متلو من جميع الأحاديث التي ~~تقدمت على هذه السورة، وأما من خوطب بها بعد ترتيبه على هذا الوجه ~~فالمراد في حقه كما في البقرة والمائدة وغيرهما من السور الماضية - من ~~الحلال والحرام. # ولما كان التقدير: من عمل بهذه الأوامر اهتدى بما نال من العلم وهم ~~قليل، عطف عليه قوله: { وإن كثيرا } أي من الناس { ليضلون } أي يقع منهم ~~الضلال فيوقعون غيرهم فيه بنكوبهم عما دعت إليه أوامر الله وهدى إليه ~~بيانه، فيكونون بمعرض العطب { بأهوائهم } أي بسبب اتباعهم للهوى؛ ولما ~~كان الهوى - وهو ميل النفس - ربما كان موافقا لما أدى إليه العم بصحيح ~~الفكر وصريح العقل قال: { بغير علم } أي دعا إلى ذلك ممن له العلم من ~~شريعة ماضية ممن له الأمر. # ولما كانوا ينكرون هذا، أثبت لنفسه الشريفة ما هو مسلم عند كل أحد وقال ~~دليلا على صحة ما أخبر به: { إن ربك } أي المحسن إليك بإنزال هذا الكتاب ~~شاهدا لك بإعجازه بالتصديق { هو } أي وحده { أعلم } وكان الموضع للإضمار ~~فأظهر للتعميم والتنبيه على الوصف الذي أوجب لهم ذلك فقال: { بالمعتدين * ~~} أي الذين يتجاوزون الحدود مجتهدين في ذلك. ### || [6.120-122] # >ولما كان مما يقبل في نفسه في الجملة أن يذكر اسم الله عليه ما يحرم ~~لكونه ملكا للغير أو فيه شبهة، نهى عنه على وجه يعم غيره، فقال عطفا ~~على " فكلوا " { وذروا } أي اتركوا على أي حالة اتفقت وإن كنتم تظنونها ~~غير صالحة { ظاهر الإثم } أي المعلوم الحرمة من هذا وغيره { وباطنه } من ~~كل ما فيه شبهة من الأقوال والأفعال والعقائد، فإن الله جعل له في القلب ~~علامة، وهو أن يضطرب ms1438 عنده ولا يسكن كما قال صلى الله عليه وسلم: # " والإثم ما حاك في القلب وتردد في الصدر " # - أخرجه مسلم عن النواس بن سمعان رضي الله عنه؛ ثم علل ذلك بقوله: { إن ~~الذين يكسبون الإثم } أي ولو بأخفى أنواع الكسب، بما دل عليه تجريد ~~الفعل، وهو الاعتقاد للاسم الشريف. # ولما كان العاقل من خاف من مطلق الجزاء بني للمفعول قوله { سيجزون } أي ~~بوعد لا خلف فيه { بما } أي بسبب ما { كانوا } بفاسد جبلاتهم { يقترفون * ~~} أي يكتسبون اكتسابا يوجب الفرق وهو أشد الخوف ويزيل الرفق، وصيغة ~~الافتعال للدلالة على أن أفعال الشر إنما تكون بمعالجة من النفس للفطرة ~~الأولى السليمة. # ولما أمرهم بالأكل مما ينفعهم ويعينهم على شكره محذرا من أكل ما يعيش ~~مرأى بصائرهم، أتبعه نهيهم نهيا جازما خاصا عن الأكل مما يضرهم في ~~أبدانهم وأخلاقهم، وهو ما ضاد الأول في خلوه عن الاسم الشريف فقال { ولا ~~تأكلوا مما لم يذكر } أي مما لا يقبل أن يذكر { اسم الله } أي الذي لا ~~يؤخذ شيء إلا منه، لأن له الكمال كله فله الإحاطة الكاملة، وأشار بأداة ~~الاستعلاء إلى الإخلاص ونفي الإشراك فقال: { عليه } أي لكون الله قد حرمه ~~فصار نجس العين أو المعنى، فصار مخبثا للبدن والنفس مما ذكر عليه غير ~~اسمه سبحانه بما دل عليه من تسميته فسقا، وتفسير الفسق في آية أخرى بما ~~أهل به لغير الله وكذا ما كان في معناه مما مات أو كان حراما بغير ذلك، ~~واسمه تعالى منزه عن أن يذكر على غير الحلال، فإن ذكر عليه كان ملاعبا ~~فلم يطهره، وأما ما كان حلالا ولم يذكر عليه اسم الله ولا غيره فهو حلال ~~- كما في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها قالت: قالوا: يا رسول الله! إن ~~هنا أقواما حديث عهد بشرك يأتوننا بلحمان لا ندري يذكرون اسم الله أم ~~لا! قال: # " اذكروا أنتم اسم الله وكلوا " # قال البغوي: ولو كانت التسمية شرطا للإباحة لكان الشك في وجودها مانعا ~~من أكلها كالشك في أصل الذبح ms1439 - انتهى. # ولما كان التقدير: فإنه خبيث في نفسه مخبث، عطف عليه قوله: { وإنه } أي ~~الأكل منه أو هو نفسه لكونه السبب { لفسق } فجعله نفس الفسق - وهو الخروج ~~عما ينبغي إلى ما لا ينبغي - لأنه عريق جدا في كونه سببه لما تأصل عندهم ~~من أمره وانتشر من شره، وهذا دليل على ما أولت به لأن النسيان ليس بسبب ~~الفسق، والذي تركت التسمية عليه نسيانا ليس بفسق، والناسي ليس بفاسق - ~~كما قاله البخاري، وإلى ذلك الإشارة بما رواه عن عائشة رضي الله عنها أن ~~قوما قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن قوما يأتونا باللحم، لا ندري ~~أذكر اسم الله عليه أم لا! فقال: # " سموا عليه أنتم وكلوه " # ، قالت: وكانوا حديثي عهد بالكفر - انتهى. فهذا كله يدل على أن المراد ~~إنما هو كونه مما يحل ذبيحته، وليس المراد اشتراط التسمية بالفعل. # ولما كانت الشبه ربما زلزلت ثابت العقائد، قال محذرا منها: { وإن ~~الشياطين } أي أخابث المردة من الجن والإنس البعيدين من الخير المهيئين ~~للنشر المحترقين باللعنة من مردة الجن والإنس { ليوحون } أي يوسوسون ~~وسوسة بالغة سريعة { إلى أوليائهم } أي المقاربين لهم في الطباع المهيئين ~~لقبول كلامهم { ليجادلوكم } أي ليفتلوكم عما أمركم به بأن يقولوا لكم: ما ~~قتله الله أحق بالأكل مما قتلتموه أنتم وجوارحكم - ونحو ذلك، وأهل الحرم ~~لا ينبغي أن يقفوا في غيره، والغريب لا ينبغي أن يساويهم في الطواف في ~~ثيابه، والنذر للأصنام كالنذر للكعبة، ونحو هذا من خرافاتهم التي بنوا ~~أمرهم فيها على الهوى الذي هم معترفون بأنه مضل مضر، ومبالغون في الذم ~~باتباعه والميل إليه، ويكفي في هدم جميع شبههم إجمالا أن صاحب الدين ~~ومالك الملك منع منها. # ولما كان التقدير: فإن أطعتموهم تركتم الهدى وتبعتم الهوى، وكان من ~~المعلوم أن الهوى يعود إلى الشرك، عطف على هذا قوله: { وإن أطعتموهم } أي ~~المشركين تدينا بما يقولونه في ترك الأكل مما ذكر اسم الله عليه والأكل ~~مما لم يذكر اسم الله عليه، أو في شيء مما جادلوكم فيه { إنكم ms1440 لمشركون * ~~} أي فأنتم وهم في الإشراك سواء كما إذا سميتم غير الله على ذبائحكم على ~~وجه العبادة، لأن من اتبع أمر غير الله فقد اشركه بالله كما قال صلى الله ~~عليه وسلم في حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه في قوله تعالى # اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله # [التوبة: 31] من أن عبادتهم لهم تحليلهم ما أحلوا وتحريمهم ما حرموا، ~~فنبه صلى الله عليه وسلم بذلك على أن الأسماء تتبع المعاني؛ قال شيخ ~~الإسلام محيي الدين النووي الشافعي في باب الضحايا من كتاب الروضة: حكي ~~في الشامل وغيره عن نص الشافعي أنه لو كان لأهل الكتاب ذبيحة يذبحونها ~~باسم غير الله كالمسيح لم تحل؛ وفي كتاب القاضي ابن كنج أن اليهودي لو ~~ذبح لموسى والنصراني لعيسى عليهما السلام أو للصليب حرمت ذبيحته، وأن ~~المسلم لو ذبح للكعبة أو لرسول الله صلى الله عليه وسلم فينبغي أن يقال: ~~تحرم، لأنه ذبح لغير الله تعالى، قال: وخرج أبو الحسن وجها آخر أنها ~~تحل لأن المسلم يذبح لله ولا يعتقد في رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ~~يعتقده النصراني في عيسى عليه السلام. # قال: وإذا ذبح للصنم لم تؤكل ذبيحته سواء كان الذابح مسلما أو ~~نصرانيا، وفي تعليقه للشيخ إبراهيم المروزي أن ما يذبح عند استقبال ~~السلطان تقربا إليه أفتى أهل بخارى بتحريمه لأنه مما أهل به لغير الله، ~~واعلم أن الذبح للمعبود باسمه نازل منزلة السجود له. وكل واحد منهما نوع ~~من أنواع التعظيم، العبادة المخصوصة بالله تعالى الذي هو المستحق ~~للعبادة، فمن ذبح لغيره من حيوان أو جماد كالصنم على وجه التعظيم ~~والعبادة لم تحل ذبيحته، وكان فعله كفرا كمن سجد لغيره سجدة عبادة، وكذا ~~لو ذبح له ولغيره على هذا الوجه، فأما إذا ذبح لغيره لا على هذا الوجه - ~~بأن ضحى أو ذبح للكعبة تعظيما لها لأنها بيت الله تعالى أو لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فهذا لا يجوز أن يمنع حل الذبيحة، وإلى هذا المعنى ~~يرجع ms1441 قول القائل: أهديت للحرم أو للكعبة، ومن هذا القبيل الذبح عند ~~استقبال السلطان، فإنه استبشار بقدومه نازل منزلة ذبح العقيقة لولادة ~~المولود، ومثل هذا لا يوجب الكفر، وكذا السجود لغير الله تذللا وخضوعا، ~~فعلى هذا إذا قال الذابح: بسم الله واسم محمد، وأراد: أذبح باسم الله ~~وأتبرك باسم محمد، فينبغي أن لا يحرم، وقول من قال: لا يجوز ذلك، يمكن أن ~~يحمل على أن اللفظ مكروه، لأن المكروه يصح نفي الجواز والإباحة المطلقة ~~عنه، وحكى الرافعي أنه وقعت في هذا منازعة بين أهل قزوين أفضت إلى فتنة ~~في أنه تحل ذبيحته وهل يكفر بذلك! قال: والصواب ما بينا؛ قال الشيخ محيي ~~الدين: ومما يؤيد ما قاله - أي الرافعي - ما ذكره الشيخ إبراهيم المروزي ~~في تعليقه: قال: حكى صاحب التقريب عن الشافعي رحمه الله أن النصراني إذا ~~سمى غير الله كالمسيح لم تحل ذبيحته، قال صاحب التقريب: معناه أن يذبحها ~~له. فأما إن ذكر المسيح على معنى الصلاة على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فجائز، قال: وقال الحليمي: تحل مطلقا وإن سمى المسيح - والله أعلم، ~~ثم قال في المسائل المنثورة: الثالثة: قال ابن كج: من ذبح شاة وقال: أذبح ~~لرضى فلان، حلت الذبيحة، لأنه لا ينصرف إليه بخلاف من تقرب بالذبح إلى ~~الصنم؛ وقال الروياني: إن من ذبح للجن وقصد به التقرب إلى الله تعالى ~~ليصرف شرهم عنه فهو حلال، وإن قصد الذبح لهم فحرام؛ ومما يوضح لك سر هذا ~~الانتظام ويزيده حسنا أن هذه الآيات كلها من قوله تعالى # إن الله فالق الحب والنوى # [الأنعام: 100] إلى آخر السورة تفصيل لقوله تعالى في أول السورة # قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض # [الأنعام: 14]، فلما ذكر إبداعه السماوات والأرض بقوله # إن الله فالق الحب والنوى # [الأنعام: 95] ونحوه، وأنكر اتخاذ من دونه بقوله # وجعلوا لله شركاء الجن # [الأنعام: 100] وما نحا نحوه، قال # فكلوا # [الأنعام: 118] إشارة إلى # وهو يطعم ولا يطعم # [الأنعام: 14] وقوله { أو من كان ميتا فأحييناه } [الأنعام: 122] وقوله # فمن يرد ms1442 الله أن يهديه # [الأنعام: 125] ونحوهما إشارة إلى قوله # قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم # [الأنعام: 14]، وقوله # ويوم نحشرهم جميعا # [الأنعام: 22] ونحوه مشير إلى # إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم # [الأنعام: 15]. # ولما انقضى التفصيل عند قوله { فسوف يعلمون } شرع في تفصيلها ثانيا ~~بقوله: # وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا # [الأنعام: 136] إلى آخرها، والسر في الإعادة أن الشيء إذا أثبت أو نفي، ~~وأقيمت الدلائل على إثبات ما ثبت منه ونفي ما نفي، ثم أعيد ذلك في أسلوب ~~آخر، كان أثبت في النفس وألصق بالقلب، لا سيما إن كان في الأسلوب الثاني ~~- كما هي عادة القرآن - زيادة في البيان وتنبيه على ما لم يتقدم أولا، ~~ولا سيما إن كانت العبارة فائقة والألفاظ عذبة رائقة وأنت خبير بأن هذا ~~كله دأب القرآن في أساليب الافتنان؛ قال الغزالي في أوائل كتاب الجواهر ~~في الفصل الذي فيه اشتمال الفاتحة على ثمانية أقسام: وقوله ثانيا { ~~الرحمن الرحيم } إشارة إلى الصفة مرة أخرى، ولا تظن أنه مكرر، فلا مكرر ~~في القرآن، إذ حد المكرر ما لا ينطوي على مزيد فائدة، وذكر الرحمة بعد ~~ذكر { العالمين } ، وقبل ذكر { العالمين } ، وقبل ذكر { مالك يوم الدين } ~~ينطوي على فائدتين عظيمتين في تفصيل مجاري الرحمة ثم ذكر ما حاصله أن ~~إحداهما ملتفت إلى خلق كل عالم من العالمين على أكمل أنواعه وأفضلها ~~وإيتائه كل ما احتاج إليه، والثانية ملتفت إلى ما بعده بالإشارة إلى ~~الرحمة في المعاد يوم الجزاء عند الإنعام بالملك المؤبد، قال: وشرح ذلك ~~يطول والمقصود أنه لا مكرر في القرآن، وإن رأيت شيئا مكررا من حيث ~~الظاهر فانظر إلى سوابقه ولواحقه لينكشف لك مزيد الفائدة في إعادته - ~~انتهى. وفي ذلك نكتة أخرى، وهي أن الرحمن مشير إلى ما قال من جهة ~~الربوبية في الإيجادين: الأول والثاني، والرحيم مشير بخصوصه بما ترضاه ~~الإلهية إلى الإيجاد الثاني والإبقاء الثاني بالرحمة الجزائية وإلى ما ~~يفهمه الخصوص من النعمة بمن لم يخصه الرحمة - كما مضت الإشارة إليه ms1443 في ~~الفاتحة. # ولما كان معنى التحذير من طاعة المشركين أنكم إن فعلتم كنتم قد رددتم ~~أنفسكم إلى ظلام الضلال بعد أن منحتم نور الهداية، فكان التقدير: أفمن ~~كان هكذا كان كمن نصح لنفسه باتباع الأدلة وتوقي الشبه، عطف عليه قوله: { ~~أو من كان ميتا } أي بالغرق في أمواج ظلام الكفر، ليس لهم من ذواتهم إلا ~~الجمادية بل العدمية { فأحييناه } أي بما لنا من العظمة بإشراق أنوار ~~الإيمان على قبله الذي إن صلح صلح الجسد كله، وإن فسد فسد الجسد كله { ~~وجعلنا } أي بعظمتنا على وجه الخصوص { له نورا } أي بالهداية إلى كل خير ~~{ يمشي } مستضيئا { به في الناس } فيعرفون أفعاله وأخلاقه وأقواله { كمن ~~مثله } أي الذي يمثل به، وهو ما ينكشف بوجه الشبه روح لبه وخلاصة حال ~~قلبه، حال قلبه، أو يكون المعنى: صفته أنه { في الظلمات } أي ما له من ~~نفسه من ظلمة الجهل وظلمة ما ينشأ عنه من الهوى وظلمة ما نشأ عن الهوى من ~~الكفر، وإذا كان المثل الذي هو الأعلى من الممثول في شيء كان الممثول ~~عريقا فيه بطريق الأولى، فلذلك قال: { ليس بخارج } أي ذلك المثل { منها ~~} أي الظلمات بما زين له من سوء أعماله حتى صارت أحب إليه من نفسه وماله، ~~وإذا لم يخرج المثل من شيء لم يخرج الممثول منه وإلا لم تكن بينهما ~~مماثلة، وذلك لأنه زين له عمله، وهي ناظرة إلى قوله أول السورة # إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله # [الأنعام: 36] وقوله: # والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات # [الأنعام: 39]. # ولما كان إيحاء الشياطين إلى أوليائهم مما يوجب لزوم العمى ليس إلا ~~تزيينا للقبائح، فكان حالهم مما يشتد العجب منه، كان كأنه قيل: لولا ~~رؤيتنا لحالهم ما صدقنا أن عاقلا يرضى ما فعلوه بأنفسهم، فهل وقع لأحد ~~قط مثل حالهم؟ فقيل: نعم { كذلك } أي مثل ما زين لهم سوء أعمالهم { زين ~~للكافرين } أي كلهم { ما كانوا } بما جبلناهم عليه { يعملون * } فهم ~~أبدا في الظلمات، فالآية من الاحتباك: أثبت أولا كونه ms1444 في الظلمات ~~دليلا على تقديره ثانيا، وثانيا التزيين دليلا على تقديره أولا. ### || [6.123-124] # ولما كان معلوما أن عداوتهم له صلى الله عليه وسلم المشار إليها بقوله ~~{ وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا } الآية، لا يقوم بها إلا أكابر الناس، لما ~~كان عليه صلى الله عليه وسلم من جلالة المنصب وشرف العشيرة وكثرة الأقارب ~~وأنه لا يتمادى عليها إلا جاهل مطموس البصيرة مزين له قبيح أعماله، عطف ~~تعالى على التزيين للكافرين قوله: { وكذلك } أي مثل ما زينا للكافرين سوء ~~أعمالهم، فكان أكابر أهل مكة يمكرون فيتبع غيرهم مكرهم { جعلنا } أي بما ~~لنا من العظمة في إقامة الأسباب لما يعلي كلمة الإنسان أو يجعله حقير ~~الشأن { في كل قرية } أي بلد جامع، ولما كان الكبر مختلف الأنواع باختلاف ~~أشخاص المجرمين، طابق بأفعال التفضيل المقصودين لها في الجمع على إحدى ~~اللغتين، وعبر بصيغة منتهى الجمع دلالة على تناهيهم في الكثرة فقال: { ~~أكبر مجرميها } أي القاطعين لما ينبغي أن يوصل. # ولما كان من شأن الإنسان استجلاب أسباب الرفعة لنفسه، وكان لا يصل إلى ~~ذلك في دار ربط المسببات بحكمة الأسباب إلا بالمكر، وكان الأكابر أقدر ~~على إنفاذ المكر وترويج الأباطيل بما لأغلب الناس من السعي في رضاهم ~~طمعا فيما عندهم، وكان الإنسان كلما تمكن من ذلك أمعن فيه، وكان الكبير ~~إنما يصل إلى ما قدر له من ذلك بتقدير الله له؛ كان بما قدر له من ذلك ~~كأنه خلقه له، فقال معبرا بالجعل لما فيه من التصيير والتسبيب: { ~~ليمكروا فيها } أي يخدعوا أصاغرهم ويغروهم بما يلبسون عليهم من الأمور ~~حتى يتبعوهم فيعادوا لهم حزب الله. # ولما كان ذلك موجعا وغائظا محزنا، قال تصغيرا لشأنهم وتحقيرا ~~لأمرهم: { وما } أي والحال أنهم ما { يمكرون إلا بأنفسهم } لأن عملهم ~~بالمكر وبال عليهم موبق لهم، ولأن مكرهم بأولياء الله إنما هو مكر بالله، ~~وذلك غير متأت ولا كائن بوجه من الوجوه، وكيف يتأتى مكر من لا يعلم شيئا ~~من الغيب بمن يعلم جميع الغيب! { وما يشعرون * } أي وما لهم ms1445 نوع شعور بأن ~~مكرهم عائد على نفوسهم، لأن الله تعالى الذي يعلم سرهم وجهرهم يجعل بما ~~يزين لهم تدميرهم في تدبيرهم، وإنما أجرى سنته الإلهية بذلك لما يشتمل ~~عليه من أعلام النبوة، فإن غلبة شخص واحد - بمفرده أو باتباع كثير منهم ~~ممن لا يؤبه لهم مع قلة العدد وضعف المدد لرؤساء الناس وأقويائهم مع طول ~~مكثه بينهم منابذا لهم مناديا عليهم بأن دينكم يمحى وديني يظهر وإن ~~كرهتم - من خوارق العادات وبواهر الآيات تصديقا لقوله تعالى: # كتب الله لأغلبن أنا ورسلي # [المجادلة: 21] # وإن جندنا لهم الغالبون # [الصافات: 173] - في أمثال ذلك. # ولما قرر هذا، أتبعه بمقالة لهم تدل على تعظيمهم وتكبرهم فقال عاطفا ~~على # وأقسموا بالله جهد أيمانهم # [الأنعام: 109] تعجيبا من حالهم فيما زين لهم من ضلالهم، وتصديقا لما ~~تقدم من الإخبار بأنهم لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية إلا أن يشاء الله؛ ~~وتحقيقا لما في الآية السالفة من مكرهم لغيرهم وعوده على أنفسهم: { وإذا ~~جاءتهم } أي الكافرين من أكابر المجرمين وأتباعهم { آية قالوا } حسدا ~~لمن خصه الله بالنبوة لكونهم أكابر مؤكدين للنفي لما لمعجزات الأنبياء ~~عليهم السلام من العبر الموجب لظن الإذعان لأعتى أهل الكفران { لن نؤمن } ~~أي أبدا { حتى نؤتى } لما لنا من العلو والعظمة المقتضية لأن لا يختص ~~أحد عنا بشيء { مثل ما }. # ولما كان نظرهم مقصورا على عالم الحس من غير نظر إلى جانب الله لكونه ~~غيبا بنوا للمفعول قولهم: { أوتي رسل الله } يجوز أن يكون المراد: حتى ~~يوحي إلينا لئلا يكونوا أعظم منا كما قال تعالى # بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتي صحفا منشرة # [المدثر: 52] وكما تقدم في أول السورة عن أبي جهل أنه قال: تنازعنا نحن ~~وبنو عد مناف الشرف حتى إذا كنا كفرسي رهان قالوا: منا نبي يأتيه الوحي ~~من السماء، ويحك! متى ندرك هذا والله لا نؤمن به أبدا. وأن يكون المراد ~~إتيانه صلى الله عليه وسلم بمثل آيات الأولين من شق البحر واليد والعصا ~~وإحياء الموتى ونحوها، وسموهم تنزلا واستهزاء، وعبروا ms1446 بالجلالة إشارة ~~إلى القدرة التامة فلا عذر. # ولما ذكر اسم الجلالة إيذانا بعظيم ما اجترؤوا عليه لعماهم - بما طمس ~~على أنوار قلوبهم من ظلمات الهوى - عما للرسل من الجلال الذي يخضع له ~~شوامخ الأنوف، أعادها أيضا تهويلا للأمر وتنبيها على ما هناك من عظيم ~~القدر، فقال ردا عليهم فيما تضمن قولهم من دعوى التعلم بالحكمة ~~والاعتراض على الله عز وجل: { الله } أي بما له من صفات الكمال { أعلم } ~~أي من كل من يمكن منه علم { حيث يجعل } أي يصير بما يسبب من الأمور { ~~رسالته } أي كلها بالنسبة إلى كل فرد من أفراد الخلق فهو لا يضع شيئا ~~منها بالتشهي. # ولما كشف هذا النظم عن أنهم اجترؤوا عليه، وأنهم أصروا على أقبح المعاصي ~~الكفر، لا لطلب الدليل بل لداء الحسد؛ تاقت النفس إلى معرفة ما يحل بهم ~~فقال جوابا: { سيصيب } أي بوعد لا خلف فيه، وأظهر موضع الإضمار تعميما ~~وتعليقا للحكم بالوصف فقال: { الذين أجرموا } أي قطعوا ما ينبغي أن يوصل ~~{ صغار } أي رضى بالذل لعدم الناصر؛ ولما كان الشيء تعظم بعظمة محله ومن ~~كان منه ذلك الشيء قال: { عند الله } أي الجامع لصفات العظمة { وعذاب } ~~أي مع الصغار { شديد } أي في الدنيا بالقتل والخزي وفي الآخرة بالنار { ~~بما } أي بسبب ما { كانوا يمكرون }. ### || [6.125-127] # ولما تقدم أنه تعالى أعلم بمن طبع على قلبه فلا ينفك عن الضلال، ومن ~~يقبل الهداية في الحال أو المآل، وأن مكر المجرمين إنما هو بإرادته ونافذ ~~قدرته، علم أن الأمر أمره، والقلوب بيده، فتسبب عن ذلك قوله: { فمن يرد ~~الله } أي الذي له جميع الجلال والإكرام { أن يهديه } أي يخلق الهداية في ~~قلبه من أكابر المجرمين أو غيرهم { يشرح صدره } أي يوسعه بأن يجعله ~~مهيئا قابلا بالنور { للإسلام } قال الإمام أبو جعفر النحاس: روي أن ~~عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: # " يا رسول الله! وهل ينشرح الصدر؟ فقال: نعم، يدخل القلب نور، فقال: وهل ~~لذلك من علامة؟ فقال صلى الله عليه وسلم: التجافي ms1447 عن دار الغرور والإنابة ~~إلى دار الخلود والاستعداد للموت قبل الموت " # ، وفي رواية: الفوت { ومن يرد } أي الله، ولم يظهر هنا إشارة إلى أن ~~الضلال على مقتضى الطبع { أن يضله } أي يخلق الضلال ويديمه في قلبه { ~~يجعل صدره } أي الذي هو مسكن قلبه الذي هو معدن الأنوار { ضيقا حرجا } ~~أي شديد الضيق فيكون مرتجسا أي مضطربا، روي أن عمر رضي الله عنه أحضر ~~أعرابيا من كنانة من بني مدلج فقال له: ما الحرجة؟ فقال: شجرة لا تصل ~~إليها وحشية ولا راعية، وساق البغوي القصة ولفظه: وقال: الحرجة فينا ~~الشجرة تكون بين الأشجار التي لا تصل إليها راعية لا وحشية ولا شيء - ثم ~~اتفقا - فقال عمر رضي الله عنه: كذلك قلب الكافر لا يصل إليه شيء من ~~الإيمان و الخير؛ وزاد البغوي: يقال سيبويه: الحرج - بالفتح المصدر، ~~ومعناه: ذا حرج، وبالكسر الاسم وهو أشد الضيق، وقال المهدوي: هنا الحرج ~~الشديد الضيق وقد تقدم القول فيه، وقال في النساء في قوله تعالى # ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت # [النساء: 65] أي ضيقا، وإلى هذا المعنى يرجع قول مجاهد: إنه الشك، وقول ~~الضحاك: إنه الإثم، كأنه ضيق شك أو ضيق إثم؛ وقال النحاس: { حرجا مما ~~قضيت } أي شكا وضيقا، وأصل الحرج الضيق - انتهى. وتحقيق ذلك أن الآية ~~هنا فيها - بعد التأكيد بالإتيان بصيغة فعيل دون فاعل - تأكيد أخر إما ~~بالمصدر أو باسم الفاعل، فأفاد زيادة على أصل الفعل وهي الشدة فيه، فمعنى ~~الفتح: ضيقا - بكسر الضاد وإسكان الياء ومعناه - إن كسرت حرجا - ضيقا ~~بإعادة اسم الفاعل، ومادة حرج بخصوص هذا الترتيب تدور على المكان الضيق ~~الكثير الشجر، ويلزمه الشخوص على وجه الأرض والارتفاع والجمع والمنع ~~والشدة والحيرة والحر والبرد، وهي - بأي ترتيب كان وهي خمسة: حرج جحر رجح ~~حجر جرح - تدور على الحجر الذي هو الجسم المعروف، ويلزمه الثقل والمنع ~~والحدة والشخوص والصلابة التي هي القسوة ويلزمها الضيق، فيرجع إلى ~~الصلابة الحرج بمعنى الضيق، والحرجة للغيضة، ولحرج للقلادة من الودع، ~~والحرجوج للريح ms1448 الشديدة الباردة، والناقة الحرجوج للوقادة القلب، ويجوز ~~رجوعها إلى الحدة، والجرح لسرير الموتى لضيق الصدر من ذكره، ولضيقه عن ~~أسرة الأحياء، ومنه أيضا جحر الضب ونحوه للثقب المحتفر في الأرض، ويرجع ~~إلى الثقل الحرج بمعنى الإثم، وينشأ عن ذلك البعث المفضي إلى الحيرة، ~~ومنه حرجت عينه، أي حارت فلا تطرف، ويلزم الثقل أيضا الجرح بمعنى الطعن ~~النافذ في البدن، ومن ذلك اجترح - إذا اكتسب مالا، لأنه من آثاره، ومنه ~~الرجحان بمعنى الثقل، والحكم الراجح الذي يوجب رزانة صاحبه، ومنه ~~الأرجوحة لأن كلا من طرفيها يرجح بالآخر، ويرجع إلى المنع الحجر بمعنى ~~العقل وبمعنى الحضن والحرام والفرس الأنثى لأنها قد تمنع من الركوب للحمل ~~أو الولد، والحجر في المال، والحجرة للناحية القريبة لأن الشيء إذا بعد ~~عنك - ولو قدر باع - امتنع منك، وكان التأنيث فيه لقربه، ويرجع إلى ~~الشخوص الحرج للناقة الطويلة؛ وقال الإمام أبو الفتح بن جني رحمه الله ~~في كتابه " المحتسب في توجيه القراءات الشواذ " عند قوله تعالى في هذه ~~السورة " وحرث حرج " فيمن قرأ بتقديم الراء: إن جميع تراكيب هذه المادة ~~الخمسة تلتقي معانيها في الضيق والشدة والاجتماع، وإذا أنعمت النظر وتركت ~~الملل والضجر وجدت الأمر كما قال - والله أعلم - نحو الحجر واستحجر الطين ~~والحجرة وبقيته، وكله إلى التماسك والضيق، ومنه الحرج للضيق والجرح مثله، ~~والحرجة ما التف من الشجر فلم يمكن دخوله، ومنه الحجر وبابه لضيقه، ومنه ~~الجرح لمخالطة الحديد للحم وتلاحمه عليه، ومنه رجح الميزان - لأنه مال ~~أحد شقيه نحو الأرض فقرب منها وضاق ما كان واسعا بينه وبينها، فإن قلت: ~~فإنه إذا مال أحدهما إلى الأرض فقد بعد الآخر؟ قيل: كلامنا على الراجح ~~والراجح هو الذي إلى الأرض، فأما الآخر فلا يقال له: راجح، وإذا ثبت ذلك ~~- وقد ثبت - فكذلك قوله تعالى { وحرث حرج } في معنى حجر، معناه عندهم ~~أنها ممنوعة محجورة لن يطعمها إلا من يسألون أن يطعموه إياها بزعمهم - ~~انتهى. # ولما كان صاحب هذا الصدر لا يكاد الهداية تصل إليه، وإن وصل إليه ms1449 شيء ~~منها على لسان واعظ ومن طريق مرشد ناصح لم تجد مسلكا فنكصت، وهكذا لا ~~تزال في اضطراب وتردد أبدا؛ كانت ترجمته قوله: { كأنما يصعد } أي يتكلف ~~هذا الشخص في قبول الهداية الصعود { في السماء } في خفاء حياء من مزاولة ~~ما لا يمكن، بما أشار إليه قراءة من أدغم التاء في الصاد، فكلما أصعدته ~~حركته الاختيارية أهبطته حركته الطبيعية القسرية، كما نرى بعض الحشرات ~~يحمل شيئا ثقيلا ويصعد به في جدار أملس، فيصير يتكلف ذلك فيقع، ثم ~~يتكلف الصعود ايضا فربما وصل إلى مكانه الأول وسقط، وربما سقط دونه، فهو ~~مما يمتنع عادة، فلا يزال مرتجسا أي مضطربا ومجامع الاضطراب عقبه بما ~~بعده كما يأتي. # ولما كان ما وصف به صدر الضال مما ينفر منه، وكان الرجس في الأصل لما ~~يستقذر، والمستقذر ينفر منه، وكان هذا الكلام ربما أثار سؤالا، وهو أن ~~يقال: هل هذا - وهو جعل الضال على هذه الصفة - خاص بأهل هذا الزمان، أجيب ~~بما حاصله: لا، { كذلك } أي مثل ما جعل الله الرجس على من أراد ضلاله من ~~أهل هذا الزمان { يجعل الله } أي بما له من القدرة التامة والعظمة ~~الباهرة { الرجس } أي الاضطراب والقذر { على الذين لا يؤمنون } من أهل كل ~~زمان لإرادته سبحانه دوام ضلالهم، فالآية من الاحتباك: ذكر أولا الضلال ~~دليلا على حذفه ثانيا، وذكر الرجس ثانيا دليلا على حذفه أولا، ~~والآية نص في أن الله يريد هدى المؤمن وضلال الكافر. # ولما ذكر ما ألزمه لأهل الضلال بلفظ ما يستقذر، كان في غاية الحسن ~~تعقيبه بالصراط، فإنه مما يعشق لاستقامته وإضافته إلى الرب الذي له - مع ~~استجماع الكمالات كلها - صفة العطف والإحسان واللطف، وإضافة الرب إلى هذا ~~الرسول الذي يعشق خلقه وخلقه كل من يراه أو يسمع به، وأحسن من ذلك وأمتن ~~أن مادة " رجس " تدور على الاضطراب الملزوم للعوج الملزوم للضلال المانع ~~من الإيمان، فلما مثل سبحانه حال الضال بحال المضطرب، وأخبر أنه ألزم هذا ~~الاضطراب كل من لا يؤمن، أتبعه وصف سبيله ms1450 بالاستقامة التي هي أبعد شيء عن ~~الاضطراب الملزوم للعوج، وكان التقدير: فهذا حال أهل الضلال، فعطف عليه ~~قوله: { وهذا } أي الذي ذكرناه من الشرائع الهادية في هذا القرآن التي ~~ختمناها بأن الهادي المضل هو الله وحده، لا الإتيان بالمقترحات ولو جاءت ~~كل آية { صراط } أي طريق { ربك } أي المحسن إليك حال كون هذا الصراط { ~~مستقيما } أي لا عوج فيه أصلا، بل هو على منهاج الفطرة الأولى التي هي ~~في أحسن تقويم بالعقل السليم الذي لم يشبه هوى ولم يشبه خلل في أن الأمر ~~كله بيد الله لكيلا يزال الإنسان خائفا من الله وراجيا له لأنه القادر ~~على كل شيء، وأما غيره فلا قدرة له إلا بتقديره لأنه خلق القوى والقدر ~~عندنا وعند المعتزلة، فلتكن الجزئيات كذلك لأن الخلق لا يتصور بغير علم، ~~وليس غير الله محيط العلم؛ قال الإمام: فالآية التي قبلها من المحكمات، ~~فيجب إجراؤها على ظاهرها، ويحرم التصرف فيها بالتأويل. # ولما كان جميع ما في هذا الصراط على منهاج العقل ليس شيء منه خارجا عنه ~~وإن كان فيه ما لا يستقل بإدراكه العقل، بل لا بد له فيه من إرشاد الهداة ~~من الرسل الآخذين على الله، قال مبينا لمدحه مرشدا إلى انتظامه مع ~~العقل: { قد فصلنا } أي غاية التفصيل بما لنا من العظمة { الآيات } أي ~~كلها فصلا فصلا بحيث تميزت تميزا لا يختلط واحد منها بالآخر { لقوم ~~يذكرون } أي يجهدون أنفسهم في التخلص من شوائب العوائق للعقل من الهوى ~~وغيره - ولو على أدنى وجوه الاجتهاد بما يشير إليه الإدغام - ليذكروا أنه ~~قال: ما من شيء ذكرناه إلا وقد أودعنا في عقولهم شاهدا عليه. # ولما كان التذكر - عند الآيات لا يكون إلا من أهل العنايات في طرق ~~الهدايات، قال مرغبا في التذكر فإنه سبب الفيض الإلهي على القلوب ~~المهيأة له: { لهم } أي المتذكرين { دار السلام } أي الجنة، أضافها ~~سبحانه إليه زيادة في الترغيب فيها، وخص هذا الاسم الشريف لأنه لا يلم ~~بها شيء من عطب ولا خوف ولا نصب؛ ms1451 ثم زاد الترغيب فيها بقوله: { عند ربهم ~~} أي في ضمان المحسن إليهم وحضرته بما هيأهم له ويسره لهم { وهو } أي ~~وحده { وليهم } أي المتكفل بتولي أمورهم، لا يكلهم إلى أحد سواه، وهذا ~~يدل على قربه منهم، والعندية تدل على قربهم منه لما شرح من صدورهم ~~بالتوحيد؛ ولما كان ذلك ربما قصر على التذكر، بين أن المراد منه التأدية ~~إلى الأعمال فإنها معيار الصدق وميزانه فقال: { بما } أي بسبب ما { كانوا ~~} أي كما جبلهم عليه، فما كان ذلك إلا بفضله { يعملون }. ### || [6.128-130] # ولما فصل سبحانه أحوال الفريقين، وحض على التذكر تنبيها على أن كل ما ~~في القرآن مما يهدي إليه العقل، وذكر مآل المتذكرين فأفهم أن غيرهم إلى ~~عطب، لأنهم تولوا ما يضرهم لأنهم تبعوا شهواتهم، وكان من المعلوم أنهم ~~يعبدون غير مالكهم، وأنه ما من عبد يخدم غير سيده بغير أمر سيده إلا ~~عاتبه أو عاقبه، هذا مركوز في كل عقل؛ ذكر سبحانه ما يتقدم ذلك المآل من ~~الأهوال في الأجل المسمى الذي أخفاه عنده وجعله من أعظم مباني هذه ~~السورة، وأبهمه في أولها، وبين في أثنائها بعض أحواله مرارا في وجوه من ~~أفانين البيان، وهو يوم الحشر، فذكر هنا سبحانه بعض أحوال الغافلين وبعض ~~ما يقول لهم فيه وما يفعله معهم من عتاب وعقاب، لطفا بهم واستعطافا إلى ~~المتاب، فقال جامعا الفريقين { ويوم } أي اذكر في تذكرك يوم { يحشرهم } ~~أي أهل ولايتنا وأهل عداوتنا { جميعا } لا نذر منهم أحدا { يا } أي ~~فنقول على لسان من نشاء من جنودنا لأهل عداوتنا تبكيتا وتوبيخا حين لا ~~يكون لهم مدافعة أصلا: { معشر الجن } أي المستترين الموحشين من مردة ~~الشياطين المسلطين على الإنس، وهم يرونهم من حيث لا ترونهم { قد استكثرتم ~~} أي طلبتم وأوجدتم الكثرة { من الإنس } أي من إغواء المؤنسين الظاهرين ~~حتى صار أكثرهم أتباعكم، فالآية من الاحتباك: عبر بما يدل على الستر ~~أولا دلالة على ضده - وهو الظهور - ثانيا، وبما معناه الاستئناس ~~والسكون ثانيا دلالة على ضده وهو الإيحاش والنفرة - أولا. ms1452 { وقال } هو ~~عطف على جواب الجن المستتر عن العامل في " يا معشر " الذي تقديره كما ~~يهدي إليه الآيات التي تأتي في السورة الآتية في تفصيل هذه المحاورة: ~~فقالوا: ربنا هم ضلوا، لأنهم كانوا يستمعون بنا في نفوذهم وسماعهم ~~الأخبار الغريبة منا، فاستوجبوا العذاب بمفردهم، وستر جواب الجن لأنه - ~~مع كونه لا يخفى لدلالة المعطوف عليه- مناسب لحالهم في الاستتار مع ~~شهرتهم، وذكره بلفظ الماضي إشارة إلى تحقق وقوعه، لأنه خبر من لا يخلف ~~الميعاد، والمراد بهذه المحاورة ضرب مما يأتي تفصيله بقوله # قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا # [الأعراف: 38] - الآية، وقوله { فقال الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا ~~لكم تبعا } - الآية { أولياؤهم } أي الجن { من الإنس } أي الذين تولوهم ~~بالاتباع والطاعة فيما دعوهم إليه من الضلال، معترفين مستعطفين { ربنا } ~~أيها المربي لنا المحسن إلينا { استمتع } أي طلب المتاع وأوجده { بعضنا ~~ببعض } نحن بهم فيما قالوا، وهم بنا في طاعتنا لهم وعياذنا بهم { وبلغنا ~~} أي نحن وهم { أجلنا } وأحالوا الأمر على القدر فقالوا: { الذي أجلت لنا ~~} وهو الموت الذي كتبته علينا وسويت بيننا في سوط قهره وتجرع كؤوس حره ~~وقره، ثم هذا اليوم الذي كنا مشتركين في التكذيب به، فاستوجبنا العذاب ~~كلنا. # ولما تم ذلك كان كأنه قيل: فما قال الله لهم بعد هذه المحاورة الغريبة ~~التي هي ضرب من كلام أهل الباطن في الدنيا لجلج مضطرب لا حاصل له؟ فقيل: ~~{ قال } أي المخاطب لهم عن الله { النار مثواكم } أي منزلكم جميعا من ~~غير أن تنفعكم الإحالة على القدر { خالدين فيها } أي إلى ما لا آخر له، ~~لأن الأعمال بالنية وقد كنتم على عزم ثابت أنكم على هذا الكفر ما بقيتم ~~ولو إلى ما لا آخر له، فالجزاء من جنس العمل. # ولما كان من المقرر أنه لا تمام لملك من يجب عليه شيء ويلزمه بحيث لا ~~يقدر على الانفكاك عنه، بين سبحانه أن ملكه ليس كذلك، بل هو على غاية ~~الكمال، لا يجب عليه شيء بل كل فعله جميل، وجميع ما يبدو منه ms1453 حسن، فعلق ~~دوام عذابهم على المشيئة فقال: { إلا ما شاء } ولما كان القصد في هذه ~~السورة إلى إظهار العظمة للغيرة على مقام الإلهية، عبر بالاسم الأعظم ~~فقال: { الله } أي الذي له رداء الكبر فلا يستطيع أحد أن يعترض عليه ولا ~~أن يهم بذلك، هيهات هيهات! انقطعت دون ذلك الآمال، فظلت ناكسة أعناق ~~الرجال، وبيده إزار العز، فمن اختلج في سره أن يرفع ناكس عنقه ضربه ~~بمقامع الذل، وأنزله في مهاوي الخزي، وقد تقرر أنه سبحانه لا يشاء انقطاع ~~شيء من ذلك عنهم في حال من الأحوال، ونطق الكتاب بذلك في صرائح الأقوال، ~~وفي سوقه معلقا هكذا مع ما تقدم زيادة في عذابهم بتعليق رجائهم من ~~انقطاع بلائهم بما لا مطمع فيه. # ولما كان في إظهار الجلال في هذا الحال من عظيم الأهوال ما لا يسعه ~~المقال، أتبعه اللطف بالمخاطب به صلى الله عليه وسلم فقال: { إن ربك } أي ~~المحسن إليك برفع أوليائك وخفض أعدائك. # ولما كان السياق - في مثل هذه المقاولة في مجمع الحكم - للحكمة والعلم، ~~وكان النظر إلى الحكمة في تنزيل كل شيء منزلة أعظم، قدم وصفها فقال: { ~~حكيم } أي فلا يعذب المخلص ويترك المشرك ولا يعذب بعض من أشرك ويترك ~~بعضا { عليم * } أي بدقائق الأمور وجلائلها من الفريقين، فلا يخفى عليه ~~عمل أحد فيهمله لذلك. # ولما استبان بهذا أنه ولى الكفرة من ظالمي الجن ظالمي الإنس وسلطهم ~~عليهم، أخبر تعالى أن هذا عمله مع كل ظالم من أي قبيل كان سواء كان ~~كافرا أو لا فقال: { وكذلك } أي ومثل تلك التولية التي سلطنا بها الجن ~~على الإنس بما زاد عذاب الفريقين { نولي } أي نتبع في جميع الأزمان من ~~جميع الخلق { بعض الظالمين } أي الغريقين في الظلم { بعضا } أي بأن نجمع ~~بين الأشكال، في الأوصاف الباطنة والخصال، ونسلط بعضهم على بعض في الضلال ~~والإضلال، والأوجاع والأنكال { بما كانوا } بجبلاتهم { يكسبون * } أي ~~بسبب اجتماعهم في الطباع التي طبعناهم عليها يجتمعون وينقاد بعضهم لبعض، ~~بحسب ما سببنا من الأسباب الملائمة لذلك ms1454 الظلم الذي يسرناه لهم، حتى صارت ~~أعمالهم كلها في غير مواضعها، فيظلم بعضهم بعضا ويهلك بعضهم بعضا، وهم ~~لا يزدادون إلا الالتئام حتى يستحق الكل ما كتبنا لهم من عذاب؛ روى ~~الطبراني في الأوسط ن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " إن الله عز وجل يقول: أنتقم ممن أبغض بمن أبغض ثم أصير كلا إلى ~~النار " # وعن مالك بن دينار قال: رأيت في بعض كتب الله المنزلة أن الله تعالى ~~يقول: افني أعدائي بأعدائي ثم أفنيهم بأوليائي. أو يقال: فقد أخبرنا أن ~~الله عز وجل ولى المؤمنين بسبب محاسن أعمالهم، ومثل ما ولاهم ليعزهم ~~يولي بعض الظلمة بعضا ليهينهم بسبب ما كانوا يتعاطونه من مساوئ الأعمال ~~ورديء الخلال وغث الخصال فيؤديهم إلى مهلك الأوجاع والأوجال، أو يقال: ~~فقد بان أن كلا من ظالمي الإنس والجن كان وليا لكل، وكما جعلنا بعضهم ~~أولياء بعض في الدنيا نفعل إذا حشرناهم في النار فنجعل بعضهم أولياء - أي ~~أتباع بعض، ليستمتع بعضهم ببعض وينصر بعضهم بعضا إن قدروا، وهيهات منهم ~~ذلك هيهات! شغلهم البكاء والعويل والندم والنحيب. # ولما انقضت هذه المحاورة وما أنتجته من بغيض الموالاة والمجاورة وكان ~~حاصلها أنها موالاة من ضرت موالاته، أتبعها سبحانه بمحاورة أخرى حاصلها ~~معاداة من ضرت معاداته، فقال مبدلا من الأولى إتماما للتقريع والتوبيخ ~~والتشنيع: { يا معشر الجن } قدمهم لأن السياق لبيان غلبتهم { والإنس } ~~وبكتهم بقوله محذرا للسامعين الآن ومستعطفا لهم إلى التوبة: { ألم ~~يأتكم رسل } ولما صار القبيلان بتوجيه الخطاب نحوهم دفعة كالشيء الواحد ~~قال: { منكم } وإن كان الرسل من الإنس خاصة. # ولما كان النظر في هذه السورة إلى العلم غالبا لإثبات تمام القدرة الذي ~~هو من لوازمه بدليل # يعلم سركم وجهركم # [الأنعام: 3]، # أليس الله بأعلم بالشاكرين # [الأنعام: 53] # وعنده مفاتح الغيب # [الأنعام: 59] وغيرها، ولذلك أكثر فيها من ذكر التفصيل الذي لا يكون ~~إلا للعالم، كان القص - الذي هو تتبع الأثر - أنسب لذلك فقال { يقصون } ~~بالتلاوة والبيان لمواضع الدلائل { عليكم آياتي } أي ms1455 يتبعون بالعلامات ~~التي يحق لها بما لها من الجلال والعظمة أن تنسب إلى مواضع شبهكم، ~~فيحلونها حلا مقطوعا به { وينذرونكم } أي يخوفونكم { لقاء يومكم هذا } ~~أي بما قالوا لكم أنه يطلبكم طلبا حثيثا وأنتم صائرون إليه في سفن ~~الأيام ومراكب الآثام وأنتم لا تشعرون سيرا سريعا { قالوا } معذرين من ~~أنفسهم بالذل والخضوع { شهدنا } بما فعلت بنا أنت سبحانك من المحاسن وما ~~فعلنا نحن من القبائح { على أنفسنا } أي بإتيان الرسل إلينا ونصيحتهم لنا ~~بدليل الآية الأخرى # قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين # [الزمر: 71] وبين أن ضلالهم كان بأردإ الوجوه وأسخفها الدنيا، بحيث إنهم ~~اغتروا بها مع دناءتها لحصورها عن الآخرة مع شرفها لغيابها فقال: { ~~وغرتهم } أي شهدوا هذه الشهادة والحال أنهم قد غرتهم { الحياة الدنيا } ~~أي الحاضرة عندهم إذ ذاك الدنية في نفسها لفنائها، عن اتباع الرسل دأب ~~الجاهل في الرضى بالدون والدابة في القناعة بالحاضر، فشهادتهم ضارة بهم، ~~ولكن لم يستطيعوا كتمانها، بل { وشهدوا } أي في هذا الموطن من مواطن ~~القيامة الطوال { على أنفسهم } أيضا بما هو أصرح في الضرر عليهم من هذا، ~~وهو { أنهم كانوا } جبلة وطبعا { كافرين * } أي غريقين في الكفر، ويجوز ~~أن يكون الغرور بأنهم ظنوا أحوال الآخرة تمشي على ما كانوا يألفونه في ~~الدنيا من أن الاعتراف بالذنب والتكلم بالصدق قد ينفع المذنب ويكف من ~~سورة المغضب حتى يترك العقاب ويصفح عن الجريمة، فلذلك شهدوا بإتيان الرسل ~~إليهم وإقامة الحجة عليهم، وشهدوا على أنفسهم بالكفر، فما زادهم ذلك إلا ~~وبالا وحزنا ونكالا. ### || [6.131-135] # ولما ذكر سبحانه إقامة الحجة على الكافر في المعاد بالرسل عليهم السلام، ~~علل إرسالهم ترغيبا وحثا في اتباعهم في أيام المهلة بعد ترهيب، ~~وتنبيها وإرشادا في صادع تخويف وتأديب فقال: { ذلك } أي الأمر العظيم ~~الجدوى هو أن أرسلنا الرسل { أن } أي لأجل أنه { لم يكن ربك } أي المحسن ~~إليك بتشريف قومك { مهلك } أي ثابتا إهلاكه { القرى بظلم } أي بسبب ظلم ~~ارتكبوه { وأهلها غافلون * } أي غريقون في الغفلة عما يجب عليهم ms1456 مما لا ~~تستقل به عقولهم، أي بما ركب فيهم من الشهوات وغلب عليهم من اللذات، ~~فأوقف عقولهم عن نافذ المعرفة بما يراد بهم، فأرسلنا إليهم الرسل حتى ~~أيقظوهم من رقدتهم وأنبهوهم من غفلتهم، فصار تعذيبهم بعد تكذيبهم هو الحق ~~الواجب والعدل الصائب، ويجوز أن يكون المعنى: مهلكهم ظالما، فيكون ~~المنفي من الظلم كالمنفي في قوله تعالى # وما ربك بظلام للعبيد # [فاطر: 46] وعلى الأول المنفي ظلمهم. # ولما بين سبحانه أن لأحد الفريقين دار السلام، والآخر دار الملام، قال ~~جامعا للفريقين عاطفا على قوله # لهم دار السلام عند ربهم # [الأنعام: 127]: { ولكل } أي عامل من الفريقين صالح أو طالح في قبيلي ~~الجن والإنس في الدارين { درجات } أي يعليهم الله بها { مما } أي من أجل ~~ما { عملوا } ودركات يهويهم فيها كذلك. # ولما تقدم أنه تعالى لا يهلك المجرمين إلا بعد الإعذار إليهم، وتضمن ~~ذلك إمهالهم، وختم أحوالهم بأنهم موضع لثبوت الغفلة ودوامها، نفى أن يسلم ~~شيء من ذلك بجناب عظمته على وجه أثبت له ذلك إحاطة العلم بجميع أعمالهم ~~فقال: { وما ربك } أي المحسن إليك بإعلاء أوليائك وإسفال أعدائك، وأغرق ~~في النفي لإثبات مزيد العلم فقال: { بغافل عما يعملون * } أي عن شيء ~~يعمله أحد من الفريقين، بل هو عالم بكل شيء من ذلك وبما يستحقه العامل ~~قادر على جزائه، فلا يقع في وهم أن الإمهال لخفاء الاستحقاق بخفاء الموجب ~~له، فالآية من النصوص في كتابة الصالحين من الجن. # ولما كان طلب العبادة للائتمار والانتهاء ربما أوهم الحاجة إليها لنفع ~~في الطاعة أو ضرر يلحقه سبحانه من المعصية، وكان الإمهال مع المبارزة ~~ربما ظن أنه عن عجز، قال مرغبا مرهبا: { وربك } أي المحسن إليك وإليهم ~~بإرسالك، وحصر الخبر في المبتدإ بقوله: { الغني } أي وحده الغني المطلق ~~عن كل عابد وعبادته، فليعمل العامل لنفع نفسه أو ضرها { ذو الرحمة } أي ~~وحده بلإمهال والإرسال للتنبيه على ما يستحقه من الأعمال؛ وملا كان ~~اختصاصه بالغنى والرحمة فلا رحمة إلا منه ولا غنى إلا عنه، وأنه ما رتب ~~الثواب ms1457 والعقارب إلا رحمة منه وجودا، استأنف بيان ذلك، وأخبر عن هذا ~~المبتدإ بوصفيه عند من جعلها وصفين بقوله مصرحا بما أفاده: { إن يشأ ~~يذهبكم } أي جميعا بالإهلاك، فلا يقع في ظن أحد منكم أن الإهلاك متوقف ~~على شيء غير مشيئته، ولكنه قضى بإمهالكم إلى آجالكم رحمة لكم وإكراما ~~لنبيكم صلى الله عليه وسلم؛ ثم قال تحقيقا لغناه أيضا: { ويستخلف }. # ولما كان لم يجعل لأحد الخلد، أدخل الجار فقال: { من بعدكم } أي بعد ~~هلاككم { ما يشاء } أي يبدع غيركم من الخلق من جنسكم أو غير جنسكم كما ~~أبدع أباكم آدم من التراب والتراب من العدم وفرعكم منه { كما أنشأكم من ~~ذرية } أي نسل { قوم آخرين * } أي بعد أن أهلكهم أجمعين، وهم أهل السفينة ~~وقد كنتم نطفا في أصلابهم، لم يكن في واحدة منها حياة. # ولما تقرر أن له الوصفين الملزومين للقدرة، أنتج ذلك قوله جوابا ~~لاستعجالهم بالعذاب استهزاء: { إن ما توعدون } أي من البعث وغيره { لآت } ~~أي لا بد من وقوعه لأن المتوعد لا يبدل القول لديه ولا كفوء له يعارضه ~~فيه { وما أنتم بمعجزين * } أي بثابت لكم الإتيان بشيء يعجز عنه الخصم، ~~فتمهد الأمر من جهته ومن جهتكم لوجود المقتضي وانتفاء المانع، وفي ذلك ~~تقرير لأمر رحمته لأن القادر إذا اراد النقمة أخذ على غرة ولم يهدد، وإذا ~~أراد الرحمة تقدم بالوعيد ليحذر الفائزون ويستسلم الخاسرون. # ولما تقرر ذلك من التهديد على إنكار البعث وتحرر، فأنتج الاجتهاد للعاقل ~~- ولا بد - في العمل، وكان أكثر الخلق أحق، أمره سبحانه بالنصيحة بقوله: ~~{ قل يا قوم } أي يا أقرب الخلق إلي وأعزهم علي ومن لهم قيام في الأمور ~~وكفاية عند المهمات { اعملوا } وأشار إلى مزيد القوة بعد التعبير بالقوم ~~بحرف الاستعلاء فقال: { على مكانتكم } أي على ما لكم من القدرة على العمل ~~والمكنة قبل أن تأتي الدواهي وتسبقكم القواصم بخفوق الأجل، وفيه مع ~~النصيحة تخويف أشد مما قبله، لأن تهديد الحاضر على لسان الغير مع الإعراض ~~أشد من مواجهته بالتهديد، أي أنكم لم ms1458 تقبلوا بذلك التهديد الأول كنتم ~~أهلا للإعراض والبعد. # ولما كان أدل شيء على النصيحة مبادرة الناصح إلى مباشرة ما نصح به ودعا ~~إليه، قال مستانفا أو معللا: { إني عامل } أي على مكانتي وبقدر ~~استطاعتي قبل الفوت بحادث الموت، ويمكن أن يكون متمحضا للتهديد، فيكون ~~المعنى: اعملوا بما أنتم تعملونه الآن من مخالفتي بغاية ما لكم من القوة، ~~إني كذلك أعمل فيما جئت به. # ولما كان وقوع المتوعد به سببا للعلم بالعاقبة، وكان السياق لعدم ~~تذكرهم وغرورهم وقلة فطنتهم، حسن إثبات الفاء في قوله: دون إسقاطها لأن ~~الاستئناف يتعطف للسؤال فقال: { فسوف تعلمون } أي يقع لكم بوعد لا خلف ~~فيه العلم، فكأنه قيل: أي علم؟ فقيل: { من تكون له } كونا كأنه جبل ~~عليه { عاقبة الدار } أي بيني وبينكم، وهذا في إثبات الفاء بخلاف ما في ~~قصة شعيب عليه السلام من سورة هود عليه السلام في حذفها؛ ولما كان ~~التقدير جوابا لما تقرر من سؤالهم: عاقبة الدار للعامل العدل، استأنف ~~قوله: { إنه لا يفلح الظالمون * } أي الغريقون في الظلم كائنين من كانوا، ~~فلا يكون لهم عاقبة الدار، فالآية من الاحتباك: ذكر العاقبة أولا دليل ~~على حذفها ثانيا، وذكر الظلم ثانيا دليل على حذف العدل أولا. ### || [6.136-137] # ولما تمت هذه الآيات من قبح طريقتهم في إنكار البعث وحسن طريقة الإسلام ~~على هذا الأسلوب البديع والمثال البعيد المنال الرفيع وختمت بحال الظالم، ~~شرع في تفصيل قوله # أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض # [الأنعام: 14] على أسلوب آخر ابتدأه ببيان ظلمهم وجهالاتهم وأباطيلهم ~~تنبيها على سخافة عقولهم تنفيرا عنهم بوضعهم الأشياء في غير مواضعها ~~وإخراجها عمن هي له ونسبتها إلى من لا يملك شيئا وقتل الأولاد وتسييب ~~الأنعام وغير ذلك، فقال عاطفا على # وجعلوا لله شركاء الجن # [الأنعام: 100]: { وجعلوا } أي المشركون العادلون بربهم الأوثان { لله } ~~أي الملك الأعلى الذي لا كفوء له { مما ذرأ } أي خلق وأنشأ وبث ولم يشركه ~~في خلقه أحد { من الحرث والأنعام نصيبا } أي وجعلوا لشركائهم نصيبا؛ ~~ولما كان الجعل لا ms1459 يعرف إلا بالقول، سبب عنه قوله: { فقالوا } أي ~~بألسنتهم بعد أن قالوا بأفئدتهم { هذا لله } أي الملك الأعلى { بزعمهم } ~~أي ادعائهم الباطل وتصرفهم بكذب ادعائهم التخصيص بالله، ولذا أسقط الزعم ~~من قوله: { وهذا لشركائنا } أي وليس لهم سند في هذه القسمة إلا أهوائهم. # ولما كان هذا سفها بتسويتهم من لا يملك شيئا بمن يملك كل شيء، بين من ~~فعلهم ما هو أشد سفها منه بشرح ما لوح إليه التعبير بالزعم فقال مسببا ~~عن ذلك ومفرعا: { فما كان لشركائهم } أي بزعمهم أنهم شركاء { فلا يصل ~~إلى الله } أي الذي هو المالك مع اتصافه بصفات الجلال والجمال { وما كان ~~لله } أي على ما له من الكبر والعظمة والجلال والعزة { فهو يصل إلى ~~شركائهم } فإذا هلك ما سموا لشركائهم أو أجدب وكثر ما لله قالوا: ليس ~~لآلهتنا بد من نفقة، فأخذوا ما لله فأنفقوه على آلهتهم، وإذا أجدب الذي ~~لله وكثر ما لآلهتهم قالوا: لو شاء الله لأزكى الذل له، فلا يردون عليه ~~شيئا مما للآلهة. # ولما بلغ هذا غاية السفه قال: { ساء ما يحكمون * } أي حكمهم هذا أسوأ ~~حكم؛ ذكر الإمام أبو الربيع سليمان بن سالم الكلاعي في سيرته في وفد ~~خولان أنه كان لهم صنم يسمى عم أنس، وأنهم لما وفدوا على النبي صلى الله ~~عليه وسلم ذكروا له أنهم كانوا يجعلون من أنعامهم وحروثهم جزءا له ~~وجزءا لله بزعمهم، قالوا: كنا نزرع الزرع فنجعل له وسطه فنسميه له ونسمي ~~زرعا آخر حجرة لله عز وجل، فإذا مالت الريح بالذي سميناه لله جعلناه ~~لعم أنس، وإذا مالت الريح بالذي جعلناه لعم أنس لم نجعله لله، فذكر لهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله عز وجل أنزل عليه في ذلك { ~~وجعلوا لله } الآية، قالوا: وكنا نتحاكم إليه فيتكلم، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " تلك الشياطين تكلمكم " # ، قالوا: فأصبحنا برسول الله وقلوبنا تعرف أنه كان لا يضر ولا ينفع ولا ~~يذري من عبده ممن لم يعبده. وقال ابن هشام ms1460 في مقدمة السيرة إنهم كانوا ~~يقسمون له، فما دخل في حق عم أنس من حق الله الذي سموه له تركوه له، وما ~~دخل في حق الله من حق عم أنس ردوه عليه، قال: وهم بطن من خولان يقال لهم ~~الأديم؛ وقال عبد الرزاق في تفسيره: أخبرنا معمر عن قتادة قال: كانوا ~~يعزلون من أموالهم شيئا فيقولون: هذا لله وهذا لأصنامهم، فإن ذهب شيء ~~مما جعلوا لشركائهم يخالط شيئا مما جعلوه ردوه، وإن ذهب شيء مما جعلوه ~~لله يخالط شيئا مما جعلوه لشركائهم تركوه، وإن أصابتهم سنة أكلوا مما ~~جعلوا لله وتركوا ما جعلوا لشركائهم، فقال عز وجل { ساء ما يحكمون } ~~وقال البغوي: كانوا يجعلون لله من حروثهم وأنعامهم وثمارهم وسائر أموالهم ~~نصيبا وللأوثان نصيبا، فما جعلوه لله صرفوه للضيفان والمساكين، وما ~~جعلوه للأصنام أنفقوه على الأصنام وخدمها، فإن سقط شيء مما جعلوه لله في ~~نصيب الأوثان تركوه وقالوا: إن الله غني عن هذا، وإن سقط شيء من نصيب ~~الأوثان فيما جعلوه لله ردوه إلى الأوثان وقالوا: إنها محتاجة، وكان إذا ~~هلك أو انتقص شيء مما جعلوه لله لم يبالوا به، وإذا هلك أو انتقص شيء مما ~~جعلوه للأصنام جبروه بما جعلوه لله. # ولما كان هذا متضمنا لأنهم نقصوا أموالهم بأنفسهم في غير طائل فجعلوها ~~لمن لا يستحقها، نبه تعالى على أن ذلك تزيين من أضلهم من الشياطين من ~~سدنة الأصنام وغيرهم من الإنس ومن الجن المتكلمين من أجواف الأصنام ~~وغيرهم، فقال منبها على أنهم زينوا لهم ما هو أبين منه { وكذلك } أي ~~ومثل ما زين لجميع المشركين تضييع أموالهم والكفر بربهم شركاؤهم { زين ~~لكثير من المشركين }. # ولما كان المزين لخسته أهل لأن لا يقبل تزيينه ولا يلتفت إليه، فكان ~~امتثال قوله غريبا، وكان الإقدام على فعل الأمر المزين أشد غرابة، قدمه ~~تنبيها على ذلك فقال: { قتل أولادهم } أي بالوأد خشية الإملاق والنحر ~~لآلهتهم، وشتان بين من يوجد لهم الولد ويرزقه والرزق ويخلقه وبين من لا ~~يكون إلا سببا في إعدامه؛ ms1461 ولما كان في هذا غاية الغرابة تشوفت النفس إلى ~~فاعل التزيين فقال: { شركاؤهم } أي وهم أقل منهم بما يخاطبون به من أجواف ~~الأصنام وبما يحسن لهم السدنة والأهوية بسبب الأصنام. # ولما كان هذا أمرا معجبا، كان الأمر في قراءة ابن عامرالمولود في زمان ~~النبي صلى الله عليه وسلم المشمول ببركة ذلك العصر الآخذ عن جلة من ~~الصحابة الموصوف بغزارة العلم ومتانة الدين وقوة الحفظ والضبط وحجة النقل ~~في إسناد الفعل إلى الشركاء بإضافة المصدر إلى فاعله أعجب، وفصل بين ~~المضاف والمضاف إليه بالمفعول - وهو الأولاد - لأن وقوع القتل فيهم كما ~~تقدم أعجب. # ولما كان ذلك ربما كان لفائدة استهين لها هذا الفعل العظيم، ذكر أنه ليس ~~له فائدة إلا الهلاك في الدنيا والدين الذي هو هلاك في الآخرة ليكون ذلك ~~أعجب فقال: { ليردوهم } أي ليهلكوهم هلاكا لا فائدة فيه بوجه { وليلبسوا ~~} أي يخلطوا ويشبهوا { عليهم دينهم } أي وهو دين إبراهيم الذي أمره الله ~~بذبح ولده إسماعيل عليهما السلام فما أقدم عليه إلا بأمر الله ثم إنه ~~فداه ولم يمض ذبحه، فخالف هؤلاء عن أمر الشركاء الأمرين معا فجمعوا لهم ~~بذلك بين إهلاكين: في النفس والدين، فان القتل في نفسه عظيم جدا، ووقوعه ~~تدينا بغير أصل ولا شبهة أعظم، فلا أضل ممن تبع من كان سببا لإهلاك ~~نفسه ودينه. # ولما كان العرب يدعون الأذهان الثاقبة والأفكار الصافية والآراء الصائبة ~~والعقول الوافرة النافذة، ذكر لهم ذلك على سبيل التعليل استهزاء بهم، ~~يعني أنهم فعلوا ذلك لهذه العلة فلم يفطنوا بهم ولم يدركوا ما أرادوا بكم ~~مع أنهم حجارة، فأنتم أسفل منهم؛ ولما أثبت للشركاء فعلا هو التزيين، ~~وكان قد نفي سابقا عنهم وعن سائر أعداء الأنبياء الاستقلال به، وأناط ~~الأمر هناك - لأن السياق للأعداء - بصفة الربوبية المقتضية للحياطة ~~والعناية، وكان الكلام هنا في خصوص الشركاء، علق الأمر باسم الذات الدال ~~على الكمال المقتضي للعظمة والجبروت والكبر وسائر الأسماء الحسنى على وجه ~~الإحاطة الجلال فقال: { ولو شاء الله } أي بما له من العظمة ms1462 والإحاطة ~~بجميع أوصاف الكمال المقتضية للعلو عن الأنداد والتنزه عن الشركاء ~~والأولاد أن لا يفعله المشركون { ما فعلوه } أي ذلك الذي زين لهم، بل ذلك ~~إنما هو بإرادته ومشيئه احتراسا من ظن أنهم يقدرون على شيء استقلالا، ~~وتسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتخفيفا، وأكد التسلية بقوله: { ~~فذرهم وما يفترون * } أي يتقولون من الكذب ويتعمدونه. ### || [6.138-139] # ولما ذكر إقدامهم على ما قبحه الشرع، ولامه على تقبيحه العقل من قتل ~~الأولاد، أتبعه إحجامهم عما حسنه الشرع من ذبح بعض الأنعام لنفعهم، وضم ~~إليه جملة مما منعوا أنفسهم منه ودانوا به لمجرد أهوائهم فقال: { وقالوا ~~} أي المشركون سفها وجهلا { هذه } إشارة إلى قطعة من أموالهم عينوها ~~لآلهتهم { أنعام وحرث حجر } أي حرام محجور عليه فلا يصل أحد إليه، وهو ~~وصف يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث، لأن حكمه حكم الأسماء غير ~~الصفات { لا يطعمها } أي يأكل منها { إلا من نشاء } أي من السدنة ونحوهم ~~{ بزعمهم } أي بتقولهم بمجرد الهوى من غير سند عن الله الذي له ملكوت ~~السماوات والأرض، وهم كاذبون في هذا الزعم في أصل التحريم وفي نفوذ ~~المنع، فلو أراد الله أن تؤكل لأكلت ولم يقدروا على منع { وأنعام }. # ولما كان ذمهم على مجرد التجريم لا على كونه من معين، بني للمجهول قوله: ~~{ حرمت ظهورها } يعني البحائر وما معها فلا تركب { وأنعام لا يذكرون } أي ~~هؤلاء المتقولون على الله { اسم الله } الذي حاز جميع العظمة { عليها } ~~أي في الذبح أو غيره { افتراء } أي تعمدا للكذب { عليه }. # ولما كان هذا لعظمه من جهة أنه تعمد للكذب على ملك الملوك موضع تشوف ~~السامع إلى ما يكون عنه، استأنف قوله: { سيجزيهم } أي بوعد صادق لا خلف ~~فيه { بما } أي بسبب ما { كانوا } أي جبلة وطبعا { يفترون * } أي ~~يتعمدون من الكذب، أما بعد إظهار الحق فواضح، وأما قبله فلكونه في غاية ~~ما يكون من ظهور الفساد. ولما ذكر من سفههم ما فيه إقدام محض وما فيه ~~إحجام خالص محت، أتبعه ما هو مختلط ms1463 منهما فقال: { وقالوا } أي المشركون ~~أو بعضهم وأقره الباقون { ما في بطون هذه } إشارة إلى ما اقتطعوه ~~لآلهتهم، وبينوه بقولهم: { الأنعام } أي من الأجنة { خالصة } أي خلوصا ~~لا شوب فيه، أنث للحمل على معنى الأجنة، أو تكون التاء للمبالغة أو تكون ~~مصدرا كالعافية، أي ذو خالصة { لذكورنا }؛ ولما كان المراد العراقة في ~~كل صفة، أتى بالواو فقال: { ومحرم } وحذف الهاء إما حملا على اللفظ أو ~~تحقيقا لأن المراد ب " خالصة " المبالغة { على أزواجنا } أي إناثنا، ~~وكأنه عبر بالأزواج بيانا لموضع السفه بكونهن شقائق الرجال، هذا إن ولد ~~حيا { وإن يكن } أي ما في بطونها { ميتة } وكأنه أثبت هاء التأنيث ~~مبالغة، وأنث الفعل أبو جعفر وابن عامر وأبو بكر عن عاصم حملا على معنى ~~" ما " ورفع الاسم على التمام ابن كثير وأبو جعفر وابن عامر، وذكر ابن ~~كثير لأن التأنيث غير حقيقي، ونصب الباقون على جعلها ناقصة مع التذكير ~~حملا على لفظ " ما " { فهم } أي ذكورهم وإناثهم { فيه } أي ذلك الكائن ~~الذي في البطون { شركاء } أي على حد سواء. # ولما كان ذلك كله وصفا منهم للأشياء في غير مواضعها التي يحبها الله ~~قال: { سيجزيهم وصفهم } أي بأن يضع العذاب الأليم في كل موضع يكرهون وصفه ~~فيه، حتى يكون مثل وصفهم الذي لم يزالوا يتابعون الهوى فيه حتى صار خلقا ~~لهم ثابتا فهو يريهم وخيم أثره، ثم علل ذلك بقوله: { إنه حكيم } أي لا ~~يجازى على الشيء إلا بمثله ويضعه في أحق مواضعه وأعدلها { عليم * } أي ~~بالمماثلة ومن يستحقها وعلى أي وجه يفعل، وعلى أي كيفية يكون أتم ~~وأكمل، وفي ذلك أتم إشارة إلى أن هذه الأشياء في غاية البعد عن الحكمة، ~~فهو متعال عن أن يكون شرعها وهي سفه محض لا يفعلها إلا ظالم جاهل. ### || [6.140-141] # ولما ذكر تعالى تفاصيل سفههم، وأشار إلى معانيها، جمعها - وصرح بما ~~أثمرته من الخيبة - في سبع خلال كل واحدة منها سبب تام في حصول الندم ~~فقال: { قد خسر } وأظهر في موضع الإضمار تعميما وتعليقا للحكم ms1464 بالوصف ~~فقال: { الذين قتلوا } قرأها ابن عامر وابن كثير بالتشديد لإرادة التكثير ~~والباقون بالتخفيف { أولادهم سفها } أي خفة إلى الفعل المذموم وطيشا، ~~تؤزهم الشياطين الذين يتكلمون على ألسنة الأصنام أو سدنتها إلى ذلك أزا. # ولما كان السفه منافيا لرزانة العلم الذي لا يكون الفعل الناشئ عنه إلا ~~عن تأن وتدبر وتفكر وتبصر، قال مصرحا بما أفهمه: { بغير علم } أي وأما ~~من قتل ولده بعلم - كما إذا كان كافرا أو قاتلا أو محصنا زانيا - ~~فليس حكمه كذلك؛ ولما ذكر عظيم ما أقدموا عليه، ذكر جليل ما أحجموا عنه ~~فقال: { وحرموا ما رزقهم الله } أي الذي لا ملك سواه رحمة لهم، من تلك ~~الأنعام والغلات، بغير شرع ولا نفع بوجه { افتراء } أي تعمدا للكذب { ~~على الله } أي الذي له جميع العظمة. # ولما كانوا قد خسروا ثلاث خسرات مع ادعائهم غاية البصر بالتجارات: النفس ~~بقتل الأولاد، والمال بتحريم ما رزقهم الله، فأفادهم ذلك خسارة الدين، ~~كانت نتيجته قوله: { قد ضلوا } أي جاوزوا وحادوا عن الحق وجاروا؛ ولما ~~كان الضال قد تكون ضلالته فلتة عارضة له، وتكون الهداية وصفا أصيلا ~~فيه، نبه على أن الضلال وصفهم الثابت بقوله: { وما كانوا } أي في شيء من ~~هذا من خلق من الأخلاق { مهتدين * } أي لم يكن في كونهم وصف الهداية، بل ~~زادوا بذلك ضلالا؛ قال البخاري في المناقب من صحيحه: حدثنا أبو النعمان ~~حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما ~~قال: إذا سرك أن تعلم جهل العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين ومائة في سورة ~~الأنعام { قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها } - إلى قوله: { وما كانوا ~~مهتدين }. وله في وفد بني حنيفة من المغازي عن مهدي بن ميمون قال: سمعت ~~أبا رجاء العطاردي يقول: كنا نعبد الحجر فإذا وجدنا حجرا أحسن منه ~~ألقيناه فأخذنا الآخر، وإذا لم نجد حجرا جمعنا جثوة من تراب ثم جئنا ~~بالشاة فحلبنا عليه ثم طفنا به، فإذا دخل شهر رجب قلنا: منصل الأسنة، فلا ms1465 ~~ندع رمحا فيه حديدة ولا سهما فيه حديدة إلا نزعناه فألقيناه شهر رجب. # ولما كان مدار القرآن على تقرير التوحيد والنبوة وتوابعها والمعاد ~~والقضاء والقدر والفعل بالاختيار، وأتقن تقرير هذه الأصول لا سيما في هذه ~~السورة، وانتهى إلى شرح أحوال السعداء والأشقياء، وعجب سبحانه ممن أشرك ~~وأنكر البعث وفعل أفعال المشركين تعجيبا بعد تعجيب، وهجن طريقتهم ووبخهم ~~توبيخا في إثر توبيخ بتكذيبهم للداعي من غير حجة، وحكى أقوالهم الباطلة ~~ودعاويهم الفاسدة مع ادعائهم أنهم أنصف الناس، ومخالفتهم للهادي بغير ثبت ~~ولا بينة مع ادعائهم أنهم أبصر الناس، وبطلبهم للآيات تعنتا مع ادعائهم ~~أنهم أعقل الناس، وإخلاصهم في الشدة وإشراكهم في الرخاء مع ادعائهم أنهم ~~أشكر الناس، وعبادتهم للجن وتعوذهم بهم مع ادعائهم أنهم أشجع الناس - إلى ~~أن عجب منهم فيما شرعوه لأنفسهم فيما رزقهموه سبحانه من حيوان وجماد ~~ومضوا عليه خلفا عن سلف، تنبيها على ضعف عقولهم وقلة علومهم تنفيرا ~~للناس عن الالتفات إليهم واغترار بأقوالهم، قال في موضع الحال من # وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام # [الأنعام: 136] مبينا عظيم ملكه وشمول قدرته وباهر اختياره وعظمته، ~~زيادة في التعجيب منهم في تصرفهم في ملكه بغير إذنه سبحانه وشرعهم ما لم ~~يأذن فيه في سياق كافل بإقامة الحجة على تقرير التوحيد عودا على بدء ~~وعللا بعد نهل، لأنه المدار الأعظم والأصل الأقوم: { وهو } أي لا غيره { ~~الذي أنشأ } أي من العدم { جنات } أي من العنب وغيره { معروشات } أي ~~مرفوعات عن الأرض على الخشب ونحوه، أي لا تصلح إلا معروشة، ومتى لم ترفع ~~عن الأرض تلف ثمرها { وغير معروشات } أي غير مرفوعات على الخشب، أي لا ~~تصلح إلا مطروحة على الأرض مثقلة بما يحكم وصولها إليها، ومتى ارتفعت عن ~~الأرض تلفت، فما ذلك لطبيعة ولا غيرها وإلا لاستوت الجنات كلها لأن ~~نسبتها إلى السماء والأرض واحدة، فما اختلف إلا بفاعل مختار واحد لا شريك ~~له، لا يكون إلا ما يريد. # ولما ذكر الجنات الجامعة، خص أفضلها وأدلها على الفعل بالاختيار، وبدأ ms1466 ~~بأشهرها عند المخاطبين بهذه الآيات فقال: { والنخل } أي وأنشأ النخل { ~~والزرع } حال كونه { مختلفا أكله } أي أكل أحد النوعين، وهو ثمره الذي ~~يؤكل بالنسبة إلى الآخر، وأكل كل نوع بالنسبة إلى الأشجار وغيرها في ~~الحمل والطعم وغيره، بل ويوجد في العذق الواحد الاختلاف، وأما اختلاف ~~مقداره بكون هذا في غاية الطول وهذا في غاية القصر فأمر واضح جدا { ~~والزيتون والرمان }. # ولما كان معظم القصد في هذا السياق نفي الشريك وإثبات الفعل بالاختيار، ~~لم يدع الحال إلى ذكر كمال الشبه فاكتفى بأصل الفعل فقيل: { متشابها } ~~أي كذلك { وغير متشابه } أي في اللون والطعم والفساد وعدمه والتفكه ~~والاقتيات والدهن والماء - إلى غير ذلك من أحوال وكيفيات لا يحيط بها حق ~~الإحاطة إلا بارئها سبحانه وعز شأنه، ولعله جمع الأولين لأن كلا منهما ~~يدخر للاقتيات ولا يسرع فساده مع المفارقة في الشكل، والاختلاف في النوع ~~بالشجر والنجم، والتفاوت العظيم في المقدار، والأخيرين لأن الأول لا يفسد ~~بوجه، والثاني يسرع فساده، ويدخر كل منهما على غير الهيئة التي يدخر ~~عليها الآخر مع كونهما من الأشجار وتقاربهما في المقدار وتفاوت ثمرتهما ~~في الشكل والقدر وغير ذلك. # ولما كان قوله # وهو الذي أنزل من السماء ماء # [الأنعام: 99] في سياق الاستدلال على أنه لا فاعل إلا الله، أمر فيه ~~بالنظر إلى الثمر والينع ليعتبر بحالهما، وكانت هذه الآية في سياق ~~التعنيف لمن حرم ما رزقه الله والأمر بالأكل من حلال ما أنعم به والنهي ~~عن تركه تدينا فقال تعالى هنا: { كلوا } وقدم الأولى المستدل بها على ~~وجود البارئ وتفرده بالأمر لأن اعتقاد ذلك سعادة روحانية أبدية؛ وقال أبو ~~حيان في النهر: لما كان مجيء تلك الآية في معرض الاستدلال بها على الصانع ~~وقدرته والحشر وإعادة الأرواح إلى الأجساد بعد العدم وإبراز الجسد ~~وتكوينه من العظم الرميم وهو عجب الذنب، قال # انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه # [الأنعام: 99] إشارة إلى الإيجاد أولا وإلى غايته، وهنا لما كان في ~~معرض الامتنان وإظهار الإحسان بما خلق لنا قال: كلوا، ودل ms1467 على أن الرزق ~~أكثر من خلقه بقوله: { من ثمره } ، ولما كان هذا الأمر للإباحة لا ~~للارادة، قيده لئلا يقتضي إيجاد الثمر في كل جنة في كل وقت فقال: { إذا ~~أثمر } فحصل بمجموعها الحياة الأبدية والحياة الدنياوية السريعة الانقضاء ~~وتقدم النظر وهو الفكر على الأكل لهذا السبب. انتهى. وعبر ب " إذا " دون ~~" إن " تحقيقا لرجاء الناس في الخصب وتسكينا لآمالهم رحمة لهم ورفقا ~~بهم إعلاما أنه إن وقع جدب كان في ناحية دون أخرى وفي نوع دون آخر، ~~وإباحة للأكل في جميع أحوال الثمرة نضيجة وغير نضيجة. # ولما كان في الآيات الحاكية مذاهب الكفار تقبيح أن يجعلوا شيئا من ~~أموالهم لأحد بأهوائهم، أشار هنا إلى أنه فرض فيها حقا وجعل له مصارف ~~بقوله: { وآتوا حقه } ولما أباح سبحانه أكله ابتداء وانتهاء، بين أنه خفف ~~عنهم الوجوب قبل الانتهاء فقال: { يوم حصاده } أي قطعه جذاذا كان أو ~~حصادا، فكذلك أول وقت نصاب الأمر وهو موسع، والحق أعم من الواجب ~~والمندوب، فإن أريد الندب عم الأنواع الخمسة الماضية: العنب المشار إليه ~~بالعرش وما بعده، وإن أريد الوجوب فقد أشير بالتعبير بالحصاد إلى أن ~~الأصل في ذلك الحبوب المقتاتة، وأما غيرها فتابع علمه ببيان النبي صلى ~~الله عليه وسلم فيطلق عليه الحصاد مجازا. # ولما أمر الله بالأكل من ثمره وبإيتاء حقه، نهى عن مجاوزة الحد في البسط ~~أو القبض فقال: { ولا تسرفوا } وهذا النهي يتضمن أفراد الإسراف، فيدخل ~~فيه الإسراف في أكل الثمرة حتى لا يبقى شيء منها للزكاة، والإسراف في ~~الصدقة حتى لا يبقى لنفسه ولا لعياله شيئا، ويؤيده # وكلوا واشربوا ولا تسرفوا # [الأعراف: 31]، # ولا تبسطها كل البسط # [الإسراء: 29]، ثم علله بقوله: { إنه لا يحب المسرفين * } أي لا يعاملهم ~~معاملة المحب فلا يكرمهم، وقيل لحاتم الطائي: لا خير في السرف فقال: ولا ~~سرف في الخير. ### || [6.142-144] # ولما كان السياق للمآكل من الحرث والأنعام من حلال وحرام، وفرغ من تقرير ~~أمر الحرث الذي قدم في الجملة الأولى لأنه مادة الحيوان، قال: { ومن } أي ~~وأنشأ ms1468 من { الأنعام حمولة } أي ما يحمل الأثقال { وفرشا } أي وما يفرش ~~للذبح أو للتوليد، ويعمل من وبره وشعره فرش؛ ولما استوفى القسمين أمر ~~بالأكل من ذلك كله على وجه يشمل غيره مخالفة للكفار فقال: { كلوا مما ~~رزقكم الله } أي لأنه الملك الأعظم الذي لا يسوغ رد عطيته { ولا تتبعوا } ~~ولعله شدد إشارة إلى العفو عن صغيرة إذا ذكر الإنسان فيها رجع ولم يعتد ~~في هواه { خطوات الشيطان } أي طريقه في التحليل والتحريم كما قال في ~~البقرة # كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات الشيطان # [البقرة: 168] وعبر بذلك لأنه - مع كونه من مادة الخطيئة دال على أن ~~شرائعه شريعة الأندراس، لولا مزيد الاعتناء من الفسقة بالتتبع في كل خطوة ~~حال تأثيرها لبادر إليها المحو لبطلانها في نفسها، فلا أمر من الله ~~يحييها ولا كتاب يبقيها، وإنما أسقط هنا { حلالا طيبا } لبيانه سابقا ~~في قوله # فكلوا مما ذكر اسم الله عليه # [الأنعام: 118]، # ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه # [الأنعام: 121]، ولاحقا في قوله # قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما # [الأنعام: 125]؛ ثم علل نهيه عن اتباعه فقال: { إنه لكم عدو } أي فهو ~~لذلك لا يأمركم بخير { مبين * } أي ظاهر العداوة لأن أمره مع أبيكم شهير. # ولما رد دين المشركين وأثبت دينه، وكانوا قد فصلوا الحرمة بالنسبة إلى ~~ذكور الآدمي وإناثه، ألزمهم تفصيلها بالنسبة إلى ذكور الأنعام وإناثه، ~~ففصل أمرها في أسلوب أبان فيها أن فعلهم رث القوى هلهل النسيج بعيد من ~~قانون الحكمة، فهو موضع للاستهزاء وأهل للتهكم، فقال بيانا ل { حمولة ~~وفرشا } { ثمانية أزواج } أي أصناف، لا يكمل صنف منها إلا بالآخر، ~~أنشأها بزواج كل من الذكر والأنثى الآخر، ولحق بتسميتهم الفرد بالزوج - ~~بشرط أن يكون آخر من جنسه - تسميتهم الزجاجة كأسا بشرط أن يكون فيها ~~خمر. # ولما كان الزوج يطلق على الاثنين وعلى ما معه آخر من نوعه، قال مبينا ~~أن هذا هو المراد لا الاثنان مفصلا لهذه الثمانية: { من الضأن } جمع ~~ضائن وضائنة كصاحب وصحب { اثنين ms1469 } أي ذكرا وأنثى كبشا ونعجة { ومن ~~المعز } جمع ماعز وماعزة كخادم وخدم في قراءة ابن كثير وأبي عمرو وابن ~~عامر، وتاجر وتجر في قراءة غيرهم { اثنين } أي زوجين ذكرا وأنثى تيسا ~~وعنزا. # ولما كان كأنه قيل: ما المراد بهذا التفصيل قبل سؤالهم عن دينهم، قال: { ~~قل } أي لهم مستفهما؛ ولما كان هذا الاستفهام بمعنى التوبيخ والتهكم ~~والإنكار، أتى فيه ب " ام " التي هي مع الهمزة قبلها بمعنى " أي " ~~ليتفهم بها عما يعلم ثبوت بعضه وإنما يطلب تعيينه، فقال معترضا بين ~~المعدودات تأكيدا للتوبيخ، لأن الاعتراضات لا تساق إلا للتأكيد: { ~~ءآلذكرين }. # ولما كان المستفهم عنه بنصبه ما بعده لا ما قبله، قال: { حرم } أي الله، ~~فإن كان كذلك لزمكم تحريم جميع الذكور { أم الأنثيين } ليلزمكم تحريم ~~جميع الإناث، واستوعب جميع ما يفرض من سائر الأقسام في قوله: { أما } أي ~~أم حرم ما { اشتملت } أي انضمت { عليه } وحملته { أرحام الأنثيين } أي من ~~الذكور والإناث، ومتى كان كذلك لزمكم تحريم الكل فلم تلزموا شيئا مما ~~أوجبه هذا التقسيم فلم تمشوا على نظام. # ولما علم أنه لا نظام لهم فعلم أنهم جديرون بالتوبيخ، زاد في توبيخهم ~~فقال: { نبئوني } أي أخبروني عما حرم الله من هذا إخبارا جليلا عظيما؛ ~~ولما كان هذا الإخبار الموصوف لا يكون بشيء فيه شك، قال: { بعلم } أي أمر ~~معلوم من جهة الله لا مطعن فيه { إن كنتم صادقين } أي إن كان لكم هذا ~~الوصف. # ولما فصل الغنم إلى ضان ومعز، أغنى ذلك عن تنويع الإبل إلى العراب ~~والبخت والبقر إلى العراب والجواميس، - ولأن هذه يتناتج بعضها من بعض ~~بخلاف الغنم فإنها لا يطرق أحد نوعيها الآخر - نقله الشيخ بدر الدين ~~الزركشي في كتاب الوصايا من شرح المنهاج عن كتاب الأعداد لابن سراقة ~~فقال: { ومن الإبل اثنين } أي ذكرا وأنثى { ومن البقر اثنين } أي كذلك { ~~قل } أي لهؤلاء الذين اختلقوا جهلا وسفها ما تقدم عنهم { ءآلذكرين } أي ~~من هذين النوعين { حرم } أي حرمهما الله { أم الأنثيين } أي حرمهما { أما ~~} أي الذي ms1470 { اشتملت عليه } أي ذلك المحرم على زعمكم { أرحام الأنثيين } ~~أي حرمهما الله. # ولما كان التقدير: أجاءكم هذا عن الله الذي لا حكم لغيره على لسان نبي؟ ~~عادله توبيخا لهم وإنكارا عليهم بقوله: { أم كنتم شهدآء } أي حاضرين { ~~إذ وصاكم الله } أي الذي لا ملك غيره فلا حكم لسواه { بهذا } أي كما ~~جزمتم عليه به، أو جزمتم بالحرمة فيما حرمتموه والحل فيما أحللتموه، ولا ~~محرم ولا محلل غير الله، فكنتم بذلك ناسبين الحكم إليه؛ ولما كان التقدير ~~كما أنتجه السياق: لقد كذبتم على الله حيث نسبتم إليه ما لم تأخذوه عنه ~~لا بواسطة ولا بغير واسطة، سبب عنه قوله معمما ليعلم أن هذا إذا كان في ~~التحريم والتحليل كان الكذب في أصول الدين أشد: { فمن أظلم } ووضع موضع " ~~منكم " قوله معمما ومعلقا للحكم بالوصف: { ممن افترى } أي تعمد { على ~~الله } أي الذي لا أعظم منه لأنه ملك الملوك { كذبا } كعمرو بن لحي الذي ~~غير شريعة إبراهيم عليه السلام، وكل من فعل مثل فعله. # ولما كان يلزم من شرعهم لهذه الأمور إضلال من تبعهم فيها عن الصراط ~~السوي، وكانوا يدعون أنهم أفطن الناس وأعرفهم بدقائق الأمور في بداياتها ~~ونهاياتها وما يلزم عنها، جعل غاية فعلهم مقصودا لهم تهكما بهم فقال: { ~~ليضل الناس } ولما كان الضلال قد يقع من العالم الهادي خطأ، قال: { بغير ~~علم }. # ولما كان هذا محل عجب ممن يفعل هذا، كشفه سبحانه بقوله استئنافا: { إن ~~الله } وهو الذي لا حكم لأحد سواه لا يهديهم، هكذا كان الأصل ولكنه أظهر ~~تعميما بما هو أعم من وصفهم ليكون الحكم عليهم بطريق الأولى فقال: { لا ~~يهدي القوم الظالمين } أي الذين يضعون الأشياء في غير مواضعها فكيف ~~بالأظلمين! وما أحسن هذا الختم لأحكامهم وأنسبه لما بناها عليه من قوله # إنه لا يفلح الظالمون # [الأنعام: 21]. ### || [6.145] # ولما تضمن قوله افتراء عليه افتراء على الله والتعبير في ذلك كله بالاسم ~~الأعظم أن كون التحريم ليس إلا من الله أمر معلوم ليس موضعا للشك لأنه ~~الملك الأعظم ms1471 ولا حكم لغير الملك، ومن حكم عن غير أمره عذب؛ حسن بعد ~~إبطال دينهم والبيان لأن من حرم شيئا بالتشهي مضل وظالم قوله مبينا ~~البيان الصحيح لما يحل ويحرم جوابا لمن يقول: فما الذي حرمه سبحانه وما ~~الذي أحله: { قل } معلما بأن التحريم لا يثبت إلا بوحي من الله { لآ ~~أجد } أي الآن ولا فيما يستقبل من الزمان، فإن " لا " كلمة لا تدخل على ~~مضارع إلا وهو بمعنى الاستقبال { في مآ }. # ولما كان ما آتاه صلى الله عليه وسلم قد ثبت بعجزهم عن معارضته أنه من ~~الله، بني للمفعول قوله: { أوحي إلي } أي من القرآن والسنة شيئا مما ~~تقدم مما حرمتموه مطلقا أو على حال دون حال وعلى ناس دون آخرين طعاما { ~~محرما على طاعم } أي طاعم كان من ذكر أو أنثى { يطعمه } أي يتناوله ~~أكلا وشربا أو دواء أو غير ذلك { إلا أن يكون } أي ذلك الطعام { ميتة } ~~أي شرعا، والميتة الشرعية هي ما لا يقبل التذكية، وهو كل ما زالت حياته ~~بغير ذكاة شرعية { أو دما مسفوحا } أي مراقا من شأنه السيلان لا من ~~شأنه الجمود كالكبد والطحال. # ولما كان النصارى قد اتخذوا أكل الخنزير دينا، نص عليه وإن كان داخلا ~~في قوله " ميتة " على ما قررته في المراد بها، وقال: { أو لحم خنزير } ~~ليفيد تحريمه على كل حال سواء ذبح أم لا، ولو قيل: أو خنزيرا لاحتمل أن ~~يراد تحريم ما أخذ منه حيا فقط، وقال: { فإنه } أي الخنزير { رجس } ~~ليفيد نجاسة عينه وهو حي، فلحمه وكذا سائر أجزائه بطريق الأولى، وكل ما ~~وافقه في هذه العلة كان نجسا، لا يعاد الضمير على اللحم لأنه قد علمت ~~نجاسته من تحريمه لعينه، فلو عاد عليه كان تكرارا. # ولما ذكر المحرم لعينه ذكر المحرم لعارض، فقال مبالغا في النفي عنه بأن ~~جعله نفس المعنى الذي وقع النهي لأجله: { أو فسقا } أي أو كان الطعام ~~خروجا مما ينبغي القرار فيه من فسيح جناب الله الذي من توطنه أمن واهتدى ~~وسلم ms1472 من ضيق الهوى في ذكر الغير الذي من خرج إليه خاف وضل، وهلك وتوى؛ ثم ~~قال مفسرا له مقدما لما هو داخل في الفسق من الالتفات إلى الغير: { أهل ~~لغير الله } أي الذي له كل شيء لأن له الكمال كله { به } أي ذكر غير اسمه ~~عليه بأن ذبح له تدينا؛ ثم ذكر لطفه بهذه الأمة في إباحته لهم في حال ~~الضرورة كل محرم رحمة منه لهم وسترا لتقصيرهم فقال: { فمن اضطر } أي حصل ~~له جوع خشي منه التلف، وبني للمفعول لأن المعتبر حصول الاضطرار لا كونه ~~من معين، ومن التعبير بذلك تؤخذ حرمة ما زاد على سد الرمق لأنه حينئذ لا ~~يكون مضطرا { غير باغ } أي على غيره بمكيدة { ولا عاد } أي على غيره ~~بقوته ولا متجاوز سد الضرورة { فإن ربك } أي المحسن إليك بإرسالك وإلى ~~أمتك الضعيفة بجعل دينها الحنيفية السمحة { غفور } أي يمحو الذنب إذا ~~أراد { رحيم } أي يكرم المذنب بعد الغفران بأنواع الكرامات، فهو جدير بأن ~~يمحو عن هذا المضطر أثر تلك الحرمة التي كدرها ويكرمه بأن يجعل له - في ~~حفظه بذلك لنفسه إذا صحت فيه نيته - أجرا عظيما، وقد تكلفت الآية على ~~وجازتها بجميع المحرمات من المأكولات مع الإشارة بلفظ الرجس والفسق إلى ~~جميع أصناف المحرمات وإلى أن ارتكابها موجب للخبث والانسلاخ من الخير، ~~وذلك هو سبب تحريمها؛ قال الأستاذ أبو الحسن الحرالي في كتاب العروة: وجه ~~إنزال هذا الحرف - أي حرف الحرام - طهرة الخلق من مضار أبدانهم ورجاسة ~~نفوسهم ومجهلة قلوبهم، فما اجتمعت فيه كان أشد تحريما وما وجد فيه شيء ~~منها كان تحريمه بحسب تأكد الضرورة إلى طهرته، وكما اختلف أحوال بني آدم ~~بحسب اختلاف طينتهم من بين خبيث وطيب وما بين ذلك، اختلف أحوالهم فيما به ~~تجدد خلقهم من رزقهم، فمن اغتذى بدنه من شيء ظهرت أخلاق نفس ذلك المغتذى ~~به وأوصافه في نفسه، ورين على القلب أو صفاء، لتقويه بما يسمى عليه من ~~ذكر الله أو كفر به بذكر غيره، وجامع منزله ms1473 على حده من استثناء قليله من ~~متسع الحلال قوله تعالى # قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو ~~دما مسفوحا # [الأنعام: 125] هذا لمضرته بالبدن { أو لحم خنزير } وهذا لتخبيثه للنفس ~~وترجيسه لها كما قال تعالى { فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به } وهذا ~~لرينه على القلب، وهذه الآية مدنية وأثبتها تعالى في سورة مكية إشعارا ~~بأن التحريم كان مستحقا في أول الدين ولكن أخر إلى حين اجتماع جمة ~~الإسلام بالمدينة تأليفا لقلوب المشركين وتيسيرا على ضعفاء الدين الذين ~~آمنوا واكتفاء للمؤمنين بتنزههم عن ذلك وعما يشبهه استبصارا منهم حتى أن ~~الصديق رضي الله عنه كان قد حرم الخمر على نفسه في زمن الجاهلية لما رأى ~~فيها من نزف العقل، فكيف بأحوالهم بعد الإسلام! وألحق بها في سورة { ~~الذين آمنوا } ما كان قتله سطوة من غير ذكر الله عليه من المنخنقة ~~والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما أدرك بالتذكية ~~المنهرة للدم الموصل في التحريم لفساد مسفوحه بما هو خارج عن حد الطعام ~~في الابتداء والأعضاء في الانتهاء المستدركة ببركة التسمية أثر ما أصابها ~~من مفاجأة السطوة، وألحق بها أيضا في هذه السورة تحريم الخمر لرجسها ~~كالخنزير كما ألحقت المقتولة بالميتة، وكما حرم الله ما فيه جماع الرجس ~~من الخنزير وجماع الإثم من الخمر حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ~~كان فيه حظ من ذلك، فألحق بالخنزير السباع حماية من سورة غضبها لشدة ~~المضرة في ظهور الغضب من العبيد لأنه لا يصلح إلا لسيدهم، وحرم الحمر ~~الأهلية حماية من بلادتها وحرانها الذي هو علم غريزة الخرق في الخلق، ~~وألحق صلى الله عليه وسلم بتحريم الخمر التي سكرها مطبوع تحريم المسكر ~~الذي سكره مصنوع، وكما حرم الله ما يغر العبد في ظاهره وباطنه حرم عليه ~~فيما بينه وبينه ما يقطعه عنه من أكل الربا، والربا بضع وسبعون بابا ~~والشرك مثل ذلك، وجامع منزله في قوله تعالى { الذين يأكلون الربا } إلى ~~قوله: ms1474 # وأحل الله البيع وحرم الربا # [البقرة: 275] إلى انتهاء ذكره إلى ما ينتظم من ذلك في قوله: # يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة # [آل عمران: 113] - الآية ما يلحق بذلك في قوله: # وما آتيتم من ربا # [الروم: 39] - الآية، هكذا قال: إن هذه الآية مدنية، وهو - مع كوني لم ~~أره لغيره - مشكل بقوله # وقد فصل لكم ما حرم عليكم # [الأنعام: 119] - الآية. # ولما كان تحريم الربا بين الرب والعبد، كان فيه الوعيد بالإيذان بحرب من ~~الله ورسوله، ولذلك حمت الأئمة ذرائعه أشد الحماية، وكان أشدهم في ذلك ~~عالم المدينة حتى أنه حمي من صورته من الثقة بسلامة الباطن منه، وعمل بضد ~~ذلك في محرمات ما بين العبد ونفسه، وكما حرم الله الربا فيما بينه وبين ~~عبده من هذا الوجه الأعلى كذلك حرم أكل المال بالباطل فيما بين العبد ~~وبين غيره من الطرف الأدنى، وجامع منزله في قوله تعالى: # ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام # [البقرة: 188] - الآية إلى ما ينتظم به من قوله تعالى # يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة ~~عن تراض منكم # [النساء: 29] إلى ما ينتظم به من قوله تعالى: # وآتوا اليتامى أموالهم # [النسا: 2] - الآيات في أموال اليتامى، فحرمه تعالى من جهة الأعلى ~~والمثيل والأدنى، وانتظم التحرير في ثلاثة أصول: من جهة ما بين الله وبين ~~عبده ومن جهة ما بين العبد وبين نفسه، ومن جهة ما بين العبد وبين غيره، ~~مما تستقرأ جملة آية في القرآن وأحاديثه في السنة ومسائله في فقه الأئمة؛ ~~ولما كان له متسع، وقع فيما بين الحلال البين والحرام البين أمور ~~متشابهات لا يعلمها كثير من الناس، لأنها تشبه الحلال من وجه وتشبه ~~الحرام من وجه، فلوقوعها بينهما يختلف فيها ولعرضه في الأولى، وعن حماية ~~الله عباده عن وبيل الحرام تحقق لهم اسمه " الطيب " ، فلم يتطبب بطب الله ~~من لم يحتم عن محرماته ومتشابهاتها، وهو الورع الذي هو ملاك الدين، ولا ~~حول ولا قوة إلا بالله ms1475 العلي العظيم، ثم قال فيما تحصل به قراءة حرف ~~الحرام تماما في العلم والحال والعمل: اعلم أن الإنسان لما كان خلقا ~~جامعا كانت فيه بزرتان: بزرة للخير وبزرة للشر، وبحسب تطهره وتخلصه من ~~مزاحمة نبات بزرة الشر تنمو فيه وتزكو بزرة الخير، ولكل واحدة من ~~البزرتين منبت في جسمه ونفسه وفؤاده، فأول الحروف في الترتيب العمل، ~~والأساس لما بعده هو قراءة حرف الحرام، لتحصل به طهرة البدن الذي هو ~~السابق في وجود الإنسان فمن غذي بالحرام في طفولته لم يقدر على اجتناب ~~الآثام في كهولته إلا أن يطهر الله بما شاء من نار الورود في الدنيا من ~~الأمراض والضراء، فهو الأساس الذي ينبني عليه تطهر النفس من المناهي ~~وتطهر الفؤاد من العمه والمجاهل، والذي تحصل به قراءة هذا الحرف هو الورع ~~الحاجز عما يضر بالجسم ويؤذي النفس وما يكره الخلق وما يغضب الرب، فمن ~~أصاب شيئا من ذلك ولم يبادر إليه بالتوبة عذب بكل آية قرأها وهو مخالف ~~لحكمها " من لم يبال من أي باب دخل عليه رزقه لم يبال الله من أي باب ~~أدخله النار ". # ولما كان الورع كف اليد ظاهرا عن الشيء الضار، وكانت الجوارح لا تنقاد ~~إلا عن تأثر من النفس، لم يصح الورع ظاهرا إلا أن يقع في النفس روعة ~~باطنه من تناول ذلك الشيء؛ ولما كانت النفس لا تتأثر إلا عن تبصر القلب ~~في الضار كما لا ينكف اليد إلا عند تقذر النفس لما تدرك العين قذره حتى ~~أن النفس الرضية تأنف من المحرمات كما يأنف المستنطف من المستقذرات، ~~فأكلة الحرام هم دود جيفة الدنيا يستقذرهم أهل البصائر كما يستقذرون هم ~~دود جيف المزابل. # ولما كان الحرام ما يضر العبد في نفسه كالميتة، تيسر على المستبصر كف ~~يده عنها لما يدري من مضرتها بجسمه، وكذلك الدم المسفوح لأنه ميتة ~~بانفصاله عن الحي ومفارقته لروح الحياة التي تخالطه في العروق، قلت: ~~وسيأتي قريبا تعليله في التوراة بما يقتضي أنه أكثر فعلا في النفس ~~وتطبيعا لها بخلق ms1476 ما هو دمه من اللحم - والله الموفق؛ وكذلك ما يضر ~~بنفسه كلحم الخنزير لأنه رجس، والرجس هو خبائث الأخلاق التي هي عند ~~العقلاء أقبح من خبائث الأبدان، وذلك لأن من اعتذى جسمه بلحم حيوان اغتذت ~~نفسه بنفسانية ذلك الحيوان وبخلق من أخلاقه، وفي نفس الخنزير مجامع رذائل ~~الأخلاق من الإباء والحران والمكر والإقدام على ما يعانيه فيه الهلاك ~~ومتابعة الفساد، والانكباب على ما تقبل عليه في أدنى الأشياء على ما ~~أظهرت في خلقته آياته فإنه ليس له استشراف كذوات الأعناق، وكذلك ما يضر ~~بهما وبالعقل كالخمر في نزفها للعقل وتصديعها للرأس وإيقاعها العداوة ~~والبغضاء في خلق النفس، ولذلك هي جماع الإثم، فالمتبصر في المحرمات يأنف ~~منها لما يدري من مضرتها وأذاها في الوقت الحاضر وفي معيبها في يوم ~~الدنيا إلى ما أخبر به من سوء عقباها في يوم الدين، ومن شرب الخمر ومات ~~ولم يتب منها كان حقا على الله أن يسقيه من طينة الخبال، وهي عصارة أهل ~~النار، ولو هدد شاربها في الدنيا من له أمر بأن يسقيه من بوله ورجيعه ~~لوجد من الروع ما تحمله على الورع عنها، وإذا استبصر ذو دراية فيما يضره ~~في ذاته فأنف منه رعاية نفسه لحق له بذلك التزام رعايتها عما يتطرق له ~~منه درك من جهة غيره فيتورع من أكل أموال الناس بالباطل لما يدري من ~~المؤاخذة عليها في العاجل وما أخبر به من المعاقبة عليها في الآجل، ولها ~~في ذاته مضرة في الوقت بتعرفها من موارد القرآن بنور الإيمان # الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا # [النساء: 10] وإن لم يحس بها، وليس تأويله الوعد بالنار لأن ذلك إنباء ~~عند قوله تعالى # وسيصلون سعيرا # [النساء: 10]، وكذلك إذا أنف مما يضره في نفسه وخاف مما يتطرق إليه ضره ~~من غيره، أعظم أن يقرب حمى ما يتطرق إليه السطوة من ربه لأجله، وذلك فيما ~~حرم عليه حماية لعظيم ملكه وعدم التفاوت في أمر رحمانيته في محرم الربا، ~~ولما فيه أيضا من ms1477 مضرة وقته الحاضر التي يقيدها بالإيمان من تعريف ربه، ~~فإنه تعالى كما عرف أن أكل مال الغير بالباطل نار في البطن، عرف أن أكل ~~مال الربا جنون في العقل وخبال في النفس # الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس # [البقرة: 275] وأعظم من ذلك ما حرمه الله لعرائه عن اسمه عند إزهاق ~~روحه، لأنه مأخوذ عن غير الله، وما أخذ عن غير الله كان أكله فسقا ~~وكفرا لأنه تناول الروح من يد من لا يملكها، ولذلك فرضت التسمية في ~~التذكية ونفلت فيما سوى ذلك، فلا تصح قراءة هذا الحرف إلا بتبصرة القلب ~~فيه وروعة النفس منه وورع اليد عنه، وإلا فهو من الذين يقرؤون حروفه ~~ويضيعون حدوده، الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم # " كثر هؤلاء من القراء، لا كثرهم الله! " # ومن لم تصح له قراءة هذا الحرف لم تصح له قراءة حرف دعاؤه # " الرجل يطلب الله مطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام، ~~يقول: يا رب! يا رب! فأنى يستجاب لذلك! " # فهذه قراءة هذا الحرف وشرطه - والله ولي التوفيق. ### || [6.146-148] # ولما كان قوله { طاعم } نكرة في سياق النفي، يعم كل طاعم من أهل شرعنا ~~وغيرهم، وكان سبحانه قد حرم على اليهود أشياء غير ما تقدم، اقتضت إحاطة ~~العلم أن قال مبينا لإحاطة علمه وتكذيبا لليهود في قولهم: لم يحرم الله ~~علينا شيئا، إنما حرمنا على أنفسنا ما حرم إسرائيل على نفسه: { وعلى ~~الذين هادوا } أي اليهود { حرمنا } بما لنا من العظمة التي لا تدافع { كل ~~ذي ظفر } أي على ما هو كالإصبع للآدمي من الإبل والسباع والطيور التي ~~تتقوى بأظفارها { ومن البقر والغنم } أي التي هي ذوات الأظلاف { حرمنا } ~~أي بما لنا من العظمة { عليهم شحومهما } أي الصنفين؛ ثم استثنى فقال: { ~~إلا ما حملت ظهورهما } أي من الشحوم مما علق بالظهر والجنب من داخل ~~بطونهما { أو الحوايا } وهي الأمعاء التي هي متعاطفة متلوية، جمع حوية ~~فوزنها فعائل كسفينة وسفائن، وقيل: جمع ms1478 حاوية أو حاوياء كقاصعاء { أو ما ~~اختلط } أي من الشحوم { بعظم } مثل شحم الألية فإن ذلك لا يحرم، وهذا ~~السياق بتقدم الجار وبناء الكلام عليه يدل على أن ما عدا المذكور من ~~الصنفين حلال لهم. # ولما كان كأنه قيل: لم حرم عليهم هذه الطيبات؟ قيل: { ذلك } أي التحريم ~~العظيم والجزاء الكبير وهو تحريم الطيبات { جزيناهم } أي بما لنا من ~~العظمة { ببغيهم } أي في أمورهم التي تجاوزوا فيها الحدود، وفي إيلاء هذه ~~الآية - التي فيها ما حرم على اليهود - لما قبلها مع الوفاء بالمقصود من ~~حصر محرمات المطاعم على هذه الأمة وغيرها أمران جليلان: أحدهما بيان ~~اطلاعه صلى الله عليه وسلم على تفصيل ما أوحي إلي من تقدمه ولما يشامم ~~أحدا من أتباعهم ولا دارس عالما ولا درس علما قط، فلا دليل على صدقه ~~على الله أعظم من ذلك، والثاني تفضيله هذه الأمة بأنه أحل لها الخبائث ~~عند الضرورة رحمة لهم، وأزال عنها في تلك الحالة ضرها ولم يفعل بها كما ~~فعل باليهود في أنه حرم عليهم طائفة من الطيبات ولم يحلها لهم في حال من ~~الأحوال عقوبة لهم، وفي ذلك أتم تحذير لهذه الأمة من أن يبغوا فيعاقبوا ~~كما عوقب من قبلهم على ما نبه عليه في قوله # غير محلي الصيد وأنتم حرم # [المائدة: 1] فبان الصدق وحصحص الحق ولم يبقى لمتعنت كلام، فحسن جدا ~~ختم ذلك بقوله { وإنا لصادقون * } أي ثابت صدقنا أزلا وأبدا كما اقتضاه ~~ما لنا من العظمة، وتعقيبه بقوله: { فإن } أي وتسبب عن هذا الإيحاء ~~الجامع الوجيز الدال على الصدق الذي لا شبهة فيه أنا نقول ذلك: { كذبوك ~~فقل } والتعبير بأداة الشك مشير إلى أن الحال يقتضي أن يستبعد أن يقع ~~منهم تكذيب بعد هذا { ربكم } أي المحسن إليكم بالبيان والإمهال مع كل ~~امتنان { ذو رحمة واسعة } أي فهو مع اقتداره قضى أنه يحلم عنكم بالإمهال ~~إلى أجل يعلمه. # ولما أخبر عن رحمته، نوه بعظيم سطوته فقال: { ولا يرد بأسه } أي إذا ~~أراد الانتقام { عن القوم المجرمين ms1479 * } أي القاطعين لما ينبغي وصله، فلا ~~يغتر أحد بإمهاله في سوء أعماله وتحقيق ضلاله، وفي هذه الآية من شديد ~~التهديد ما لطيف الاستعطاف ما هو مسبوك على الحد الأقصى من البلاغة. # ولما تم ذلك فعلم أن إقدامهم على الأحكام الدينية بغير حجة أصلا، اقتضى ~~الحال أن يقال: قد بطل بالعقل والنقل جميع ما قالوه في التحريم على وجه ~~أبطل شركهم، فهل بقي لهم مقال؟ فأخبر سبحانه بشبهة يقولونها اعتذارا عن ~~جهلهم على وجه هو وحده كاف في الدلالة على حقية ما يقوله من الرسالة، ~~فوقع طبق ما قال عن أهل الضلال، فقال مخبرا بما سيقولونه قبل وقوعه ~~دلالة على صدق رسله وكذب المشركين فيما يخالفونهم فيه: { سيقول } أي في ~~المستقبل، وأظهر موضع الإضمار تنصيصا عليهم وتبكيتا لهم فقال: { الذين ~~أشركوا } تكذيبا منهم { لو شاء الله } أي الذي له جميع الكمال عدم ~~إشراكنا وتحريمنا { ما أشركنا } أي بصنم ولا غيره { ولا أباؤنا } أي ما ~~وقع من إشراك { ولا حرمنا من شيء } أي ما تقدم من البحائر والسوائب ~~والزروع وغيرها أي ولكنه لم يشأ الترك وشاء الفعل ففعلنا طوع مشيئته، وهو ~~لا يشاء إلا الحق والحكمة لأنه قادر، فلو لم يكن حقا يرضاه لمنعنا منه، ~~وهو لم يمنعنا منه فهو حق. # ولما كان هذا عنادا منهم ظاهرا بعد وضوح الأمر بما أقام على صدق رسله ~~من البينات، كان كأنه قيل تعجبا منهم: هل فعل أحد غيرهم مثل فعلهم هذا ~~أو قال مثل ما قالوا؟ فقيل: نعم { كذلك } أي مثل ذلك التكذيب البعيد عن ~~الصواب { كذب الذين } ولما لم يكن التكذيب عاما أدخل الجار فقال: { من ~~قبلهم } من الأمم الخالية بما أوقعوا من نحو هذه المجادلة في قولهم إذا ~~كان الكل بمشيئة الله كان التكليف عبثا، فكانت دعوى الأنبياء باطلة، ~~وهذا القول من المشركين عناد بعد ثبوت الرسالات بالمعجزات وإخبار الرسل ~~بأنه يشاء الشيء ويعاقب عليه لأن ملكه تام وملكه عام، فهو لا يسأل عما ~~يفعل، وتمادى بهم غرور التكذيب { حتى ذاقوا بأسنا ms1480 } أي عذابنا لما لنا من ~~العظمة، فإن من له الأمر كله لا يسأل عما يفعل، فلم ينفعهم عنادهم عند ~~ذوق البأس، بل انحلت عزائم همهم فخضعوا لنا وآمنوا برسلنا، فلم يك ينفعهم ~~إيمانهم لما رأوا بأسنا، فالآية من الاحتباك: أثبت أولا الإشراك دليلا ~~على حذفه ثانيا، وثانيا التكذيب دليلا على حذفه أولا، وسيأتي توجيه ~~أنه لا بد من تضليل إحدى الطائفتين المتعاندتين وإن كان الكل بمشيئة ~~الله، لأنه لا مانع من إتيان الأمر على خلاف الإرادة. # ولما كان ما قالوه شبهة بعيدة عن العلم، أعلى درجاتها أن يكون من أنواع ~~الخطابة فتفيد الظن في أعظم مسائل علم الأصول الذي لا يحل الاعتماد فيه ~~إلا على القواطع، أمره أن يقول لهم ما ينبههم على ذلك فقال: { قل } أي ~~لهؤلاء الذين تلقوا ما يلقيه الشيطان إليهم - كما أشير إليه في سورة الحج ~~- تهكما بهم في بعدهم عن العلم وجدالهم بعد نهوض الحجج { هل عندكم } ~~أيها الجهلة، وأغرق في السؤال فقال: { من علم } أي يصح الاحتجاج به في ~~مثل هذا المقام الضنك { فتخرجوه لنا } أي لي ولأتباعي وإن كان مما يجب أن ~~يكون مكنونا مضنونا به على غير أهله مخزونا، فهو تهكم بهم. # ولما كان جوابهم عن هذا السكوت لأنه لا علم عندهم، قال دالا على ذلك: { ~~إن } أي ما { تتبعون } أي في قولكم هذا وغالب أموركم { إلا الظن } أي في ~~أصول دينكم وهي لا يحل فيها قول إلا بقاطع { وإن } ي وما { أنتم إلا ~~تخرصون * } أي تقولون تارة بالحزر والتخمين وتارة بالكذب المحض اليقين. ### || [6.149-150] # ولما انتفى أن يكون لهم حجة، وثبت أن الأمر إنما هو لله، ثبت أنه المختص ~~بالحجة الواضحة، فقال مسببا عن ذلك: { قل فلله } أي الإله الأعظم وحده { ~~الحجة البالغة } أي التي بلغت أعلى درجات الحق قوة ومتانة وبيانا ~~ووضوحا ورصانة بسبب أنه شامل العلم كامل القدرة كما أقررتم بذلك حين ~~قلتم " ولو شاء الله ما أشركنا " وإن كنتم قلتموه على سبيل الإلزام ~~والعناد لا لأجل التدين والاعتقاد ms1481 { فلو شاء } أي الله { لهداكم } أي ~~أنتم ومخالفيكم { أجمعين * } ولكنه لم يشأ ذلك، بل شاء هداية بعض وضلال ~~آخرين، فوقع ذلك على الوجه الذي شاءه، فلزم على قولكم أن يكون الفريقان ~~محقين، فيكون الشيء الواحد حقا غير حق في حال واحد، وهذا لا يقوله عاقل، ~~ويلزمكم على ذلك أيضا أن توالوا أخصامكم ولا تعادوهم وإن فعلوا ما ~~فعلوا، لأنه حق رضى الله لأنه بمشيئته وأنتم لا تقولون ذلك، فبطل قولكم ~~فثبت أنه قد يشاء الباطل لأنه لا يسأل عما يفعل ويرسل الرسل إليكم ~~لإزالته ليقيم بهم الحجة على من يريد عقابه على ما يتعارفه الناس بينهم، ~~وورود الأمر على خلاف الإرادة غير ممتنع. # ولما صدق الحق، وانكسر جند الباطل واندق ببطلان جميع شبههم، ونطقت ~~الدلائل وأفحم المجادل، فبان أنه لا شاهد لهم بحق لأنه لا حق لهم، كان ~~كأنه قيل: قل لهم: ها أنا قد شهد لي بما قلته من لا ترد شهادته وزكاتي ~~الذي لا يقبل إلا تزكيته بهذا الكتاب الذي كان عجزكم عن الإتيان بشيء من ~~مثله شاهدا بأنه قوله، فهل لكم أنتم من شاهد يقبل! ولما لم يكن لهم شاهد ~~غير متخرصيهم، فإن المبطل يظهر باطله عند المحاققة سنة من الله مستمرة، ~~فيظهر للمشهود لهم بما يلوح من بهتهم أنهم ليسوا على شيء، أمره سبحانه أن ~~يأمرهم بدعائهم ليظهر خزيهم وتشتهر فضيحتهم فقال: { قل هلم } أي احضروا، ~~وهي كلمة دعوة يستوي فيها المذكر والمؤنث والواحد والجمع عند الحجازيين { ~~شهداءكم }. # ولما كان كأنه قيل: أي شهداء؟ قال: { الذين يشهدون } أي يوقعون الشهادة ~~على { أن الله } أي الذي لا حكم لغيره { حرم هذا } أي الذي ذكرتموه من ~~قبل، وإضافة الشهداء إليهم ووصفهم ب " الذين " دليل على أنهم معروفون ~~موسومون بنصرة مذهبهم بالباطل، ولو قال: شهداء - من غير إضافة لأفهم أن ~~المطلوب من يشهد بالحق وليس كذلك، لأنه أقيم الدليل العقلي على أنه لا ~~حجة لهم وأن الحجة لله على خلاف ما ادعوه، فبطل قطعا أن يكون أحد يشهد ~~على ms1482 ذلك بحق. # ولما كان كأنه قيل: فإنهم إذا أحضروا لا يقدرون - إن كان لهم عقل أو ~~فيهم حياء - على النطق إذا سمعوا هذا الحق، بني عليه قوله: { فإن } ~~اجترؤوا بوقاحة { شهدوا } أي كذبا وزورا بذلك الذي أبطلناه بالأدلة ~~القطعية { فلا تشهد معهم } أي فاتركهم ولا تسلم لهم، فإنهم على ضلال ~~وليست شهادتهم مستندة إلا إلى الهوى { ولا تتبع أهواء } وأظهر موضع ~~الإضمار تعميما وتعليقا للحكم بالوصف دلالة على أن القائد إلى التكذيب ~~وكل ردى إنما هو الهوى، وأن من خالف ظاهر الآيات إنما هو صاحب هوى، فقال: ~~{ الذين كذبوا } أي أوقعوا التكذيب { بآياتنا } أي على ما لها من الظهور ~~بما لها من العظمة بإضافتها إلينا. # ولما وصفهم بالتكذيب، أتبعه الوصف بعدم الإيمان، ودل بالنسق بالواو على ~~العراقة في كل من الوصفين فقال: { والذين لا يؤمنون بالآخرة } أي التي هي ~~دار الجزاء، فإنهم لو جوزوها ما اجترؤوا على الفجور { وهم بربهم } أي ~~الذين لا نعمة عليهم ولا خير عندهم إلا وهو منه وحده { يعدلون } أي ~~يجعلون غيره عديلا له، وسيعلمون حين يقولون لشركائهم وهم في جهنم ~~يختصمون # تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين # [الشعراء: 97، 98]. ### || [6.151] # ولما أبطل دينهم كله أصولا وفروعا في التحريم والإشراك، وبين فساده ~~بالدلائل النيرة، ناسب أن يخبرهم بالدين الحق مما حرمه الملك الذي له ~~الخلق والأمر ومن غيره، فليس التحريم لأحد غيره فقال: { قل تعالوا } أي ~~أقبلوا إلي صاعدين من حضيض الجهل والتقليد وسوء المذهب إلى أوج العلم ~~ومحاسن الأعمال؛ قال صاحب الكشاف: هو من الخاص الذي صار عاما، يعني حتى ~~صار يقوله الأسفل للأعلى { أتل } أي أقرأ، من التلاوة وهي اتباع بعض ~~الحروف بعضا. ولما كان القصد عموم كل أحد بالتلاوة وإنما خص المخاطبين ~~بالذكر لاعتقادهم خلاف ذلك، وكان المحرم أهم، قدمه فقال: { ما حرم ربكم } ~~أي المحسن إليكم بالتحليل والتحريم { عليكم } فسخطه منكم، وما وصاكم به ~~إقداما وإحطاما فرضيه لكم من قبيلي الأصول والفروع؛ ثم فسر فعل التلاوة ~~ناهيا عن الشرك، ms1483 وما بعده من مضمون الأمر إنما عدي عنها، فقال: { ألا ~~تشركوا به شيئا } الآيات مرتبا جملها أحسن ترتيب، فبدأ بالتوحيد في ~~صريح البراءة من الشرك إشارة إلى أن التخلي عن الرذائل قبل التحلي ~~بالفضائل، فإن التقية بالحمية قبل الدواء، وقرن به البر لأنهما من باب ~~شكر المنعم وتعظيما لأمر العقوق، ثم أولاه القتل الذي هو أكبر الكبائر ~~بعد الشرك، وبدأه بقتل الولد لأنه أفحشه وأفحش من مطلقه فعله خوف القلة، ~~فلما وصى بأول واجب للمنعم الأول الموجد من العدم، أتبعه ما لأول منعم ~~بعده بالتسبب في الوجود، فقال ناهيا عن الإساءة في صورة الأمر بالإحسان ~~على أوكد وجه لما للنفوس من التهاون في حقهما، وكذا جميع المأمورات ساقها ~~هذا السياق المفهم لأن أضدادها منهي عنها ليكون مأمورا بها منهيا عن ~~أضدادها، فيكون ذلك أوكد لها وأضخم: { وبالوالدين } أي افعلوا بهما { ~~إحسانا }. # ولما أوصى بالسبب في الوجود، نهى عن التسبب في الإعدام وبدأ بأشده فقال: ~~{ ولا تقتلوا أولادكم } ولما كان النهي عاما، وكان ربما وجب على الولد ~~قتل، خص لبيان الجهة فقال: { من إملاق } أي من أجل فقر حاصل بكم، ثم علل ~~ذلك، ولأجل أن الظاهر هو حصول الفقر قدم الآباء فقال: { نحن نرزقكم } ~~بالخطاب، أي أيها الفقراء، ثم عطف عليه الأبناء فقال: { وإياهم } وظاهر ~~قوله في الإسراء # خشية إملاق # [الإسراء: 31] أن الآباء موسرون ولكنهم يخشون من إطعام الأبناء الفقر، ~~فبدأ بالأولاد فقال: " نحن نرزقهم " ثم عطف الآباء فقال " وإياكم " - نبه ~~عليه أبو حيان. # ولما كان قتلهم أفحش الفواحش بعد الشرك، أتبعه النهي عن مطلق الفواحش، ~~وهي ما غلظت قباحته، وعظم أمرها بالنهي عن القربان فضلا عن الغشيان ~~فقال: { ولا تقربوا الفواحش } ثم أبدل منها تأكيدا للتعميم قوله: { ما ~~ظهر منها } أي الفواحش { وما بطن } ثم صرح منها بمطلق القتل تعظيما له ~~بالتخصيص بعد التعميم فقال: { ولا تقتلوا النفس التي حرم الله } أي الملك ~~الأعلى عليكم قتلها { إلا بالحق } أي الكامل، ولا يكون كاملا إلا وهو ~~كالشمس وضوحا لا شبهة فيه، ms1484 فصار قتل الولد منهيا عنه ثلاث مرات؛ ثم أكد ~~المذكور بقوله: { ذلكم } أي الأمر العظيم في هذه المذكورات. # ولما كانت هذه الأشياء شديدة على النفس، ختمها بما لا يقوله إلا المحب ~~الشفوق ليتقبلها القلب فقال: { وصاكم به } أمرا ونهيا؛ ولما كانت هذه ~~الأشياء لعظيم خطرها وجلالة وقعها في النفوس لا تحتاج إلى مزيد فكر قال: ~~{ لعلكم تعقلون * } أي لتكونوا على رجاء من المشي على منهاج العقلاء، ~~فعلم من ذكر الوصية أن هذه المذكورات هي الموصى بها والمحرمات أضدادها، ~~فصار شأنها مؤكدا من وجهين: التصريح بالتوصية بها، والنهي عن أضدادها. ### || [6.152-153] # ولما كان المال عديل الروح من حيث إنه لا قوام لها إلا به، ابتدأ الآية ~~التي تليها بالأموال، ولما كان أعظمها خطرا وحرمة مال اليتيم لضعفه وقلة ~~ناصره، ابتدأ به فنهي عن قربه فضلا عن أكله أو شربه فقال: { ولا تقربوا ~~مال اليتيم } أي بنوع من أنواع القربان عمل فيه أو غيره { إلا بالتي هي ~~أحسن } من الخصال من السعي في تنميته وتثميره وليستمر ذلك { حتى يبلغ ~~أشده } وهو سن يبلغ به أوان حصول عقله عادة وعقل يظهر به رشده؛ ثم ثنى ~~بالمقادير على وجه يعم فقال: { وأوفوا } أي أتموا { الكيل والميزان } ~~لأنهما الحكم في أموال الأيتام وغيرهم؛ ولما كان الشيء ربما أطلق على ما ~~قاربه نحو { قد قامت الصلاة } أي قرب قيامها، وهذا وقت كذا - وإذا قرب ~~جدا، أزيل هذا الاحتمال بقوله: { بالقسط } أي إيفاء كائنا به من غير ~~إفراط ولا تفريط. # ولما كانت المقادير لا تكاد تتساوى لا سيما الميزان فإنه أبعدها من ذلك، ~~وأقربها الذرع وهو داخل في الكيل، فإنه يقال: كال الشيء بالشيء: قاسه، ~~أشار إلى أنه ليس على المكلف المبني أمره على العجز للضعف إلا الجهد ~~فقال: { لا نكلف } أي على ما لنا من العظمة { نفسا إلا وسعها } وما وراء ~~الوسع معفو عنه؛ ثم ثلث بالعدل في القول لأنه الحكم على الأموال وغيرها، ~~وقدم عليه الفعل لأنه دال عليه، فصار الفعل موصى به مرتين فقال: ms1485 { وإذا ~~قلتم } أي في شهادة أو في حكم أو توفيق بين اثنين أو غير ذلك { فاعدلوا } ~~أي توفيقا بين القول والفعل. # ولما كانت النفوس مجبولة على الشفقة على القريب قال: { ولو كان } أي ~~المقول في حقه له أو عليه بشهادة أو غيرها { ذا قربى } ولا تحابوه طمعا ~~في مناصرته أو خوفا من مضارته؛ ثم ختم بالعهد لجمعه الكل في القول ~~والفعل فقال: { وبعهد الله } أي الملك الأعظم خاصة { أوفوا } وهذا يشمل ~~كل ما على الإنسان وله، فإن الله لم يهمل شيئا بغير تقدم فيه؛ ثم أكد ~~تعظيم ذلك بقوله: { ذلكم } أي الأمر المعتنى به { وصاكم به } أي ربكم ~~المحسن إليكم. # ولما كانت هذه الأفعال والأقوال شديدا على النفس العدل فيها لكونها ~~شهوات، تقدم بالترغيب فيها والترهيب منها بأن كل من يفعل شيئا منها مع ~~غيره يوشك أن يفعل معه مثله، فلذلك حض على التذكر في الوصية بها ولأنها ~~خفية تحتاج إلى مزيد تدبر فقال: { لعلكم تذكرون * } أي لتكونوا بحيث يحصل ~~لكم التذكر - ولو على وجه خفي بما أشار إليه الإدغام - فيما جبلت عليه ~~نفوسكم من محبة مثل ذلك لكم، فتحكموا لغيركم بما تحكمون به لأنفسكم. # ولما قرر هذه الشرائع، نبه على تعظيمها بالخصوص على وجه يعم جميع ما ذكر ~~في السورة بل وفي غيرها، فقال عاطفا على ما تقديره - عطفا على المنهيات ~~وأضداد المأمورات على وجه يشمل سائر الشريعة -: ولا تزيغوا عن سبيلي: { ~~وأن } أي ولأن - على قراءة الجماعة بالفتح، أي اتبعوه لذلك، وعلى قراءة ~~ابن عامر ويعقوب بالكسر هو ابتداء { هذا } أي الذي شرعته لكم { صراطي } ~~حال كونه { مستقيما فاتبعوه } أي بغاية جهدكم لأنه الجامع للعباد على ~~الحق الذي فيه كل خير. # ولما كان الأمر باتباعه متضمنا للنهي عن غيره، صرح به تأكيدا لأمره ~~فقال: { ولا تتبعوا السبل } أي المنشعبة عن الأهوية المفرقة بين العباد، ~~ولذا قال مسببا { فتفرق بكم } أي تلك السبل الباطلة { عن سبيله } ولما ~~مدحه آمرا به ناهيا عن غيره مبينا للعلة في ذلك، أكد مدحه ms1486 فقال: { ~~ذلكم } أي الأمر العظيم من اتباعه { وصاكم به }. # ولما كان قد حذر من الزلل عنه، وكان من المعلوم أن من ضل عن الطريق ~~الأقوم وقع في المهالك، وكان كل من يتخيل أنه يقع في مهلك يخاف، قال: { ~~لعلكم تتقون * } أي اتبعوه واتركوا غيره ليكون حالكم حال من يرجى له أن ~~يخاف من أن يزل فيضل فيهلك، وهذا كما مدحه سبحانه سابقا في قوله # وهذا صراط ربك مستقيما # [الأنعام: 126]، # قد فصلنا الآيات لقوم يذكرون # [الأنعام: 126] وفصل ما هنا من الأحكام في ثلاث آيات، وختم كل آية لذلك ~~بالوصية ليكون ذلك آكد في القول فيكون أدعى للقبول، وختم كل واحدة منها ~~بما ختم لأنه إذا كان العقل دعا إلى التذكير فحمل على التقوى. ### || [6.154-157] # ولما كانت هذه الآيات الثلاث وافية بالآيات العشر التي كتبها الله لموسى ~~عليه السلام على لوحي الشهادة في أول ما أوحي إليه في طور سيناء المشار ~~إليها بقوله # وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم # [الأنعام: 91] وبنى عليها التوراة وأمره أن يودعها في تابوت العهد لتكون ~~شهادة عليهم وعلى أعقابهم كما هو مذكور في وسط السفر الثاني من التوراة ~~وقد مضى بيانه في البقرة ويأتي في آخر هذه المقولة وزائدة عليها من ~~الأحكام والمحاسن ما شاء الله؛ حسن أن تذكر بعدها التوراة، فقال مشيرا ~~بأداة التراخي إلى كل من الترتيب والتعظيم: { ثم آتينا } أي بما لنا من ~~العظمة التي تقتضي تعظيم ما كان من عندنا { موسى الكتاب } أي المشار إليه ~~بقوله تعالى # قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى # [الأنعام: 91] - وهي - والله أعلم - معطوفة على قوله # وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر # [الأنعام: 146] لأنه تعالى بعد أن أعطى موسى العشر الآيات واعده إلى ~~الجبل مواعدة ثانية، فشرع له بعض الأحكام وأمره بنصب قبة الزمان التي ~~يوحي إليه فيها ويصلون إليها، وببعض ما يتخذ من آلاتها كما مضى في ~~البقرة، ثم ذكر بعد ذلك بيسير تحريم الشحوم عليهم، فقال في أوائل السفر ~~الثالث وهو سفر الكهنة، ms1487 وفيه تلخيص أمر القرابين: ودعا الرب موسى وكلمه ~~في قبة الأمد وقال له: كلم بني إسرائيل وقل لهم: كل إنسان منكم إذا قرب ~~للرب قربانا من البهائم فلتكن قرابينكم من البقر ومن الغنم - إلى أن ~~قال: ويقرب قربانا للرب الحجاب المبسوط على الأحشاء وكل الثوب الذي على ~~الأكشاح والكليتين والشحم الذي عليهما وعلى الجنب - إلى أن قال: وقال: ~~الشحوم للرب عهد الأبد، ولا تأكلوا دما ولا شحما، ثم قال: وكلم الرب ~~موسى وقال له: كلم بني إسرائيل وقل لهم: لا تأكلوا شحم البقر ولا شحم ~~الغنم: الضأن والماعز جميعا، لأن كل من أكل شحم بهيمة ويقرب قربانا ~~للرب، تهلك تلك النفس من شعبها، ولا تأكلوا دما حيث ما سكنتم، لا دم ~~البهائم ولا دم الطير، وأية نفس أكلت دما تهلك تلك النفس من شعبها، ~~وقال في السفر الخامس: فأما الدم فلا تأكلوا ولكن ادفقوه على الأرض مثل ~~الماء، ثم قال بعده بقليل: وكلوا في قراكم من كل شهوات أنفسكم، ولكن ~~إياكم أن تأكلوا دما، لأن دم البهيمة هو في نفسها، فلا تأكلوا النفس مع ~~اللحم ليحسن إليكم وإلى أولادكم من بعدكم إذا عملتم الحسنة أمام الله ~~ربكم؛ رجع إلى السفر الثالث ثم قال: ودخل موسى وهارون إلى قبة الزمان ~~وخرجا ودعوا الشعب، فظهر مجد الرب أمام جميع الشعب، ونزلت نار من قبل ~~الرب فأحرقت الشحم والذبيحة الكاملة له على المذبح، وعاين ذلك جميع الشعب ~~وحمدوا الله، وخر الشعب كله على وجهه؛ ثم ذكر عقب ذلك بيسير محرمات ~~الحيوان، وكذا ذكر في السفر الخامس وقد جمعت بينهما ومعظم السياق للخامس: ~~قال: لا تأكلوا شيئا نجسا، هذا! كلوا من جميع البهائم: الثور: والحمل ~~والنعجة والمعز والأيل والظبي والجوذر والرخ والرئم والوعل والثيثل كل ~~بهيمة ذات ظلف مقسوم ظلفها تجتر كلوها، وحرموا من التي لا تجتر، ومن التي ~~لها ظلوف مقسومة ولا تجتر الجمل والأرنب والوبر التي تجتر وليس لها أظلاف ~~مقسومة هي نجسة لكم، وفي الثالث: وحرموا من البهائم التي ليست لها ms1488 أظلاف ~~التي تجتر: الجمل الذي يجتر وليس له أظلاف هو نجس محرم عليكم، والأرنب ~~الذي يجتر وليس له أظلاف منجس محرم عليكم؛ رجع: والخنزير الذي له أظلاف ~~ولا يجتر هو نجس، لا تأكلوا من لحوم هذه ولا تقربوا إلى أجسادها؛ وقال في ~~الثالث: ولا تمسوا لحومها لأنها نجسة محرمة عليكم؛ وقال في الخامس من ~~ترجمة الاثنين والسبعين: وإياكم أن تأكلوا كل نجس، ويكون الذي تأكلونه من ~~الدواب العجل من البقر والخروف من الغنم والجدي من المعز أو الأيل ~~والغزال والعين والوعل وعنز الجبل واليحمور وناقة القمر والزرافة، وكل ~~دابة مشقوقة الظلف وهي تنبت أظافير في كل ظلفها واجتر من الدواب. # فإياه فكلوا، والذي لا تأكلون منه من الذي يجتر ومن المشقوق الظلف الذي ~~ينبت له أظافير الجمل والأرنب واليربوع، فإن ذلك يجتر ولكنه غير مشقوق ~~الظلف، وهو لا يحل لكم، والخنزير أيضا فإن ظلفه مشقوق وينبت في ظلفه ~~أظافير غير أنه لا يجتر، وما لا يجتر فإنه لا يحل لكم فلا تأكلوا من ~~لحومها ولا تقربوا أجسادها؛ وقال في الثالث منها: وكلم الرب موسى وهارون ~~وقال لهما: كلما بني إسرائيل وقولا لهما: إن الذي تأكلونه من المواشي من ~~جميع الأنعام التي على الأرض كل بهيمة قد شق ظلفها وهي تخرج أظفارا في ~~كلا ظلفيها وتجتر، فذلك الذي تأكلونه من الأنعام، والذي لا يحل مما يجتر ~~ولم يشق ظلفه الجمل الذي يجتر وظلفه غير مشقوق فإنه غير طاهر لكم، ~~واليربوع - وفي نسخة: السنجاب - الذي يجتر وظلفه غير مشقوق فإنه غير طاهر ~~لكم لم يطهر لكم، والأرنب الذي يجتر وظلفه غير مشقوق فإنه لا يطهر لكم ~~والخنزير فإنه مشقوق الظلف ويخرج أظفارا في ظلفه وهو لا يجتر فإنه لا ~~يطهر لكم فلا تأكلوا من لحومها ولا تمسوا ما مات منها، فإن ذلك لا يطهر ~~لكم؛ رجع إلى نسختي، ثم ذكر في الطير ودواب البر قريبا مما في شرعنا إلى ~~أن قال: ولا تأكلوا أشياء نجسة بل ادفعوها إلى السكان الذين في قراكم ms1489 ~~يأكلونها أو يبيعونها من الغرباء، لأنك شعب طاهر لله ربك لا تطبخوا جديا ~~بلبن أمه؛ وقال في ترجمة الاثنين والسبعين: ولا تطبخ الخروف بلبن أمه؛ ~~وقال في السفر الخامس: وكلوا من الطير ما كان زكيا وحرموا هذه التي أصف ~~لكم، لا تأكلوا منها شيئا: النسر والحداء - وذكر نحوا مما عندنا، وقال ~~في نسختي في الثالث: فمن مس شيئا من هذه - أي المحرمات - يكون نجسا إلى ~~المساء، ومن حمل منها شيئا فليغسل ثيابه ويكون نجسا إلى الليل - انتهى. # الظبي - بالمعجمة المشاركة - معروف، والجوذر - بفتح الجيم والذال ~~المعجمة والراء: البقرة الوحشية، والرئم - بكسر المهملة: الظبي الخالص ~~البياض، والثيثل - بمثلثتين مفتوحتين بينهما ياء تحتانية ساكنة: بقر ~~الوحش، والأيل - بفتح الهمزة وكسر التحتانية المشددة، الوعل - بفتح الواو ~~وكسر المهملة - وهو تيس الجبل، والحمل - بفتح المهملة: الرضيع من أولاد ~~الضأن، وقوله: لا تطبخوا جديا بلبن أمه، الظاهر أن معناه النهي عن أكله ~~ما دام يرضع، وما بعد الذي في الثالث هو معظم التوراة، والذي في الخامس ~~إنما هو إعادة لما في الثالث، فإن الخامس تلخيص لجميع ما تقدمه من القصص ~~والأحكام مع زيادات، فصدق أن إيتاء الكتاب أتى معظمه بعد تحريم ما حرم ~~عليهم، ويجوز - وهو أحسن - أن يكون معطوفا على محذوف تقديره: ذلكم وصاكم ~~به كما وصى بني إسرائيل في الفصل الذي نسبته من التوراة كنسبة أم القرآن ~~من القرآن، وذلك هي العشر الآيات التي هي أول ما كتبه الله لموسى عليه ~~السلام، وهي أول التوراة في الحقيقة لأنها أول الأحكام، وما قبلها فهو ~~قصص وحاصل هذه العشر آيات: الرب إلهك الذي أصعدك من أرض مصر من العبودية ~~والرق، لا يكونن لك إله غيري، لا تقسم باسمي كذبا، احفظ يوم السبت، أكرم ~~والديك، لا تقتل، لا تزن، لا تسرق، لا تشهد بالزور، لا تمدن عينيك إلى ما ~~في أيدي الناس، فالمعنى: ذلك وصيناكم به كما وصينا بني إسرائيل به في ~~العشر الآيات وبعض ما آتينا موسى من التوراة، ويجوز أن يكون التقدير: ~~لكون هذه ms1490 الآيات محكمة في كل الشرائع لم تنسخ في أمة من الأمم ولا تنسخ، ~~وصاكم به يا بني آدم في الزمن الأقدم، ولم يزدد الأمر بها في التوصية إلا ~~شدة { ثم آتينا } أي بما لنا من العظمة { موسى الكتاب } أي جميعه وهي ~~فيه، حال كونه { تماما } لم ينقص عما يصلحهم شيئا { على } الوجه { الذي ~~أحسن } أي أتى بالإحسان فأثبت الحسن وجمعه بما بين من الشرع وبما حمى ~~طوائف أهل الأرض به من الإهلاك بعامه، فإنه نقل أن الله تعالى لم يهلك ~~قوما هلاكا عاما بعد إنزال التوراة { وتفصيلا لكل شيء } من جملة ذلك ~~الفصل المحتوي على الكلمات الحاوية لكل شيء يحتاج إليه من أمر الدين ~~والدنيا، كما أن القرآن تفصيل لكل شيء من الجوامع السبع التي حوتها أم ~~القرآن الحاوية لمصالح الدارين، وفي هذين الاحتمالين المقتضيين لكون " ثم ~~" على حقيقتها من الترتيب والمهلة علم من أعلام النبوة، وهو الاطلاع على ~~أن العشر الآيات وتحريم ما حرم عليهم بالبغي في أوائل ما أوحي إلى موسى ~~عليه السلام بعد إغراق فبعون وأن معظم التوراة أنزل بعد ذلك، وهذا لا ~~يعرفه إلا أحبارهم { وهدى } أي بيانا { ورحمة } أي إكراما لمن يقبله ~~ويعمل به { لعلهم } أي بني إسرائيل { بلقاء ربهم } أي الذي أخرجهم من مصر ~~من العبودية والرق بقوته العظيمة وكلماته التامة { يؤمنون * } أي ليكون ~~حالهم بعد إنزال الكتاب - لما يرون من حسن شرائعه وفخامة كلامه وجلالة ~~أمره - حال من يرجى أن يجدد الإيمان في كل وقت بلقاء ربه لقدرته على ~~البعث الذي الإيمان به نهاية تصديق الأنبياء لأنه لا تستقل به العقول، ~~وإنما يثبت بالسمع مع تجويز العقل له، فيعلموا أنه لا يشبهه شيء كما أن ~~كلامه لا يشبهه كلام فلا يبغوا باتخاذ عجل غاية أمره خوار لا يفهم ومجمجة ~~لا تفيد. # فلما بين أن إنزال الكتب رحمة منه لأن غايتها الدلالة على منزلها فتمتثل ~~أوامره وتتقى مناهيه وزواجره، بين أنه لم يخص تلك الأمم بذلك، بل أنزل ~~على هذه الأمة كتابا ولم يرض ms1491 لها كونه مثل تلك الكتب، بل جعله أعظمها ~~بركة وأبينها دلالة، فقال: { وهذا } أي القرآن { كتاب } أي عظيم { ~~أنزلناه } أي بعظمتنا إليكم بلسانكم حجة عليكم { مبارك } أي ثابت كل ما ~~فيه من وعد ووعيد وخير وغيره ثباتا لا تمكن إزالته مع اليمن والخير. # ولما كان هذا معناه: وكان داعيا إليه محببا فيه، سبب عنه قوله: { ~~فاتبعوه } أي ليكون جميع أموركم ثابتة ميمونة، ولما أمر باتباعه وكان ~~الإنسان ربما تبعه في الظاهر، أمر بإيقاع التقوى المصححة للباطن إيقاعا ~~عاما، ولذلك حذف الضمير فقال: { واتقوا } أي ومع ذلك فأوقعوا التقوى، ~~وهي إيجاد الوقاية من كل محذور، فإن الخطر الشديد والسلامة على غير ~~القياس، فلا تزايلوا الخوف من منزله بجهدكم، فإن ذلك أجدر أن يحملكم على ~~تمام الاتباع وإخلاصه { لعلكم ترحمون * } أي ليكون حالكم حال من يرجى له ~~الإكرام بالعطايا الجسام، والآيتان ناظرتان إلى قوله تعالى { قل من أنزل ~~الكتاب الذي جاء به موسى } - إلى قوله -: # وهم على صلاتهم يحافظون # [الأنعام: 92]، ثم بين المراد من إنزاله وهو إقامة الحجة البالغة فقال: ~~{ أن } أي لأن لا { تقولوا } أو كراهة أن تقولوا أيتها الأمة الأمية { ~~إنما أنزل الكتاب } أي الرباني المشهور { على طائفتين } وقرب الزمن ~~وبعضه بإدخال الجار فقال: { من قبلنا } أي اليهود والنصارى { وإن } أي ~~وأنا - أو وأن الشأن - { كنا عن دراستهم } أي قراءتهم لكتابهم قراءة ~~مرددة. # ولما كانت هي المخففة أتى باللام الفارقة بينها وبين النافية فقال: { ~~لغافلين* } أي لا نعرف حقيقتها ولا ثبتت عندنا حقيتها ولا هي بلساننا { ~~أو تقولوا } أي أيها العرب: لم نكن عن دراستهم غافلين بل كنا عالمين بها، ~~ولكنه لا يجب اتباع الكتاب إلا على المكتوب إليه فلم نتبعه، و { لو أنا } ~~أهلنا لما أهلوا له حتى { أنزل علينا الكتاب } أي جنسه أو الكتاب الذي ~~أنزل إليهم من عند ربنا { لكنا أهدى منهم } أي لما لنا من الاستعداد ~~بوفور العقل وحدة الأذهان واستقامة الأفكار واعتدال الأمزجة والإذعان ~~للحق، ولذلك سبب عن هاتين العلتين قوله: { فقد جاءكم } وذكر الفعل ms1492 مدحا ~~لهذا القرآن وتفضيلا وتشريفا له على كل ما تقدمه وتنبيها على أن بيان ~~هذه السورة في النهاية لأنها سورة أصول الدين { بينة } أي حجة ظاهرة ~~بلسانكم { من ربكم } أي المحسن إليكم على لسان رجل منكم تعرفون أنه ~~أولاكم بذلك { وهدى } أي بيان لمن تدبره عظيم { ورحمة } أي إكرام لمن ~~قبله، فكذبتم بها. # ولما قامت عليهم الحجة، حسن وقوع تحذير التقرير بقوله: { فمن } أي فتسبب ~~عن تكذيبكم أنه يقال بيانا لأنكم أظلم الناس: من { أظلم ممن كذب } أي ~~أوقع التكذيب { بآيات الله } أي الذي لا أعظم منه فلا أعظم من آياته، لأن ~~الأثر على قدر المؤثر { وصدف } أي أعرض إعراضا صار به كأنه في صفد أي سد ~~عن سهولة الانقياد للدليل { عنها } بعد ما عرف صحتها. # ولما كان الجواب قطعا: لا أحد أظلم منه، فكان الحال مقتضيا لتوقع ما ~~يجازى به، قال: { سنجزي } أي بوعد صادق لا خلف فيه، وأظهر ما أصله ~~الإضمار تعميما وتعليقا للحكم بالوصف فقال: { الذين يصدفون } أي يجددون ~~الإعراض ولا يتوبون { عن آياتنا } أي على ما لها من العظمة { سوء العذاب ~~} أي الذي يسوء نفسه { بما كانوا يصدفون * } أي بسبب إعراضهم الذي كان ~~عادة لهم. ### || [6.158-159] # ولما كان أسوأ السوء حقوق العذاب، وكان حقوقه بعدم قبول التوبة، فسره ~~بقوله مهونا له ومسهلا بتجريد الفعل: { هل ينظرون } أي ما ينتظرون ~~هؤلاء المكذبون أدنى انتظار وأقربه وأيسره { إلا أن تأتيهم } أي حال ~~تكذيبهم { الملائكة } أي بالأمر الفيصل من عذابهم كما هي عادتها في ~~إتيانها المكذبين { أو يأتي ربك } أي ظهور أمر المحسن إليك أتم ظهور ~~بجميع الآيات التي تحملها العقول وذلك يوم الجزاء { أو يأتي } وأبهم ~~تهويلا للأمر وتعظيما فقال: { بعض آيات ربك } أي أشراط الساعة التي ~~يكون فيها ظهوره التام وإحسانه إليك الأعظم مثل دابة الأرض التي تميز ~~الكافر من المؤمن وطلوع الشمس من مغربها المؤذن بإغلاق باب التوبة؛ روى ~~البخاري في التفسير وغيره عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " لا تقوم ms1493 الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا رآها الناس آمن من ~~عليها، فذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل " # ، ثم قرأ الآية. # ولما كان إتيان الملائكة - أي كلهم أمرا لا يحتمل العقول وصف عظمته، ~~ولا بشرى للمجرمين عند رؤيته، فإنه لو وقع على صورتهم لتقطعت أوصالهم ولم ~~يحتمله قواهم فقضي الأمر ثم لا ينظرون، وأما تجلي الرب سبحانه وعز اسمه ~~وجلت عظمته. # فالأمر أعظم من مقالة قائل # إن رقق البلغاء أو إن فخموا # ترك ما يترتب عليه وقال: { يوم يأتي } أي يكشف ويظهر { بعض آيات ربك } ~~أي المحسن إليك بالإتيان بذلك تصديقا لك وترويعا وتدميرا لمخالفيك { ~~لا ينفع نفسا } أي كافرة { إيمانها } أي إذ ذاك، ولا نفسا مؤمنة كسبها ~~الخير إذ ذاك في إيمانها المتقدم على تلك الآية بالتوبة فما وراءها، ~~ولذلك بينه وبقوله واصفا نفسا: { لم تكن } أي الكافرة { آمنت } ويسر ~~الأمر ببعض زمان القبل، ولم يكلف باستغراقه بالإيمان فقال: { من قبل } أي ~~قبل مجيء الآية في زمن متصل بمجيئها. # ولما ذكر الكافرة، أتبعها المؤمنة فقال عاطفا على " آمنت ": { أو } لم ~~تكن المؤمنة العاصية { كسبت } أي من قبل { في إيمانها } أي السابق على ~~مجيء الآية { خيرا } أي توبة، وبعبارة أخرى: نفسا كافرة إيمانها المجدد ~~بعد مجيء الآية، وهو معنى { لم تكن آمنت من قبل } أو نفسا مؤمنة كسبها ~~الخير بعد مجيء الآية ما لم تكن كسبت في إيمانها السابق على الآية خيرا، ~~والحاصل أنه لا يقبل عند ذلك إيمان كافر ولا توبة فاسق - كما قاله البغوي ~~- لأن المقصود من التصديق والتوبة الإيمان بالغيب وقد فات بالآية ~~الملجئة، فيكون فاعل الفعل المقدر في " كسبت " محذوفا، والتقدير: لا ~~ينفع نفسا لم تكن آمنت من قبل، أو لم تكن كسبت في إيمانها خيرا إيمانها ~~وكسبها، فالإيمان راجع إلى من لم يؤمن، والكسب راجع إلى من لم يكسب، وهو ~~ظاهر، والتهديد بعدم نفع الإيمان عند مجيء الآية أعظم دليل على ما ذكرته ~~من التقدير، والآية من الاحتباك: ذكر إيمانها ms1494 أولا دليل على حذف كسبها ~~من الجملة الثانية، وذكر جملتي آمنت وكسبت ثانيا دال على حذف كافرة ~~ومؤمنة أولا. # ولما كان هذا تهديدا - كما ترى - هائلا، أتبعه ما هو أشد منه للتنبيه ~~على أن أهل الإيمان سالمون من ذلك بقوله: { قل انتظروا } أي بغاية جهدكم ~~أيها المكذبون { إنا منتظرون * } بجهدنا، وستعلمون لمن تكون العاقبة. # ولما نهى عن اتباع السبل لأنها سبب التفرق عن الحق، وكان قد كرر في هذه ~~السورة نصب الحجج وإنارة الأدلة وإزاحة الشكوك ومحو آثار الشبه، وأشرفت ~~السورة على الانقضاء. وكان من المعلوم قطعا أن الحق - من حيث هو حق - ~~شديد التأثير في إزهاق الباطل فكيف إذا كان كلام الملك الذي لا يخالف ~~أمره ولا يخرج عن إرادته؛ اشتد استشراف النبي صلى الله عليه وسلم إلى ~~رؤية ذلك الأثر مع ما عنده من الحرص على إسلام قومه لما طبعه الله عليه ~~من الشفقة على جميع الخلق عموما وعليهم خصوصا، وإنما يكون ذلك الأثر ~~بإيجاد هدايتهم ومحو غوايتهم، فلما ختم سبحانه بهذين التهديدين العظيمين ~~الدالين على غشاوتهم، فإنه صلى الله عليه وسلم مما كان رجاه من هدايتهم ~~أمر كأنه كان قد حصل، وذلك مورث للشفوق من الأسف على ما لا يدري قدره ولا ~~يوصف خبره، فثبته سبحانه وسلاه بقوله: { إن الذين فرقوا } أي بعد إبلاغك ~~إياهم { دينهم } أي بتكذيبهم ببعض آيات الله وصدوفهم عنها وإيمانهم ~~ببعضها ففارقوه، لأن الكفر بعضه كفر بكله، وأضيف الدين إليهم لشدة رغبتهم ~~فيه ومقاتلتهم عليه { وكانوا شيعا } كل فرقة تشايع وتشيع إمامها كالعرب ~~الذين تحزبوا أحزابا بالاستكثار من الأصنام، فكان في كل قطر لهم معبود ~~أو اثنان فأكثر، وكأهل الكتاب الذين ابتدعوا في دينهم بدعا أوصلتهم إلى ~~تكفير بعضهم بعضا وآمنوا ببعض الأنبياء وكفروا ببعض، وكالمجوس الذين ~~مزقوا دينهم باعتقاد أن الإله اثنان: النور والظلمة، وعبدوا الأصنام ~~والنجوم وجعلوا لكل نجم صنما يتوسل به في زعمهم إليه { لست منهم } أي من ~~حسابهم ولا من عقابهم ولا من خلق الهداية في قلوبهم { في شيء ms1495 } وفي هذا ~~غاية الحث على الاجتماع ونهاية التوعد على الافتراق. # ولما خفف عنه صلى الله عليه وسلم بتبرئته منهم، أسند إلى نفسه المقدس ما ~~يحق له في إحاطة علمه وقدرته، فقال جوابا لمن يقول: فإلى من يكون ~~أمرهم؟: { إنما أمرهم } أي في ذلك كله وفي كل ما يتعلق بهم مما لا يحصره ~~حد ولا يحصيه عد { إلى الله } أي الملك الذي لا أمر لأحد معه غيره، فمن ~~شاء هداه ومن شاء أعماه، ومن شاء أهلكه ومن شاء أبقاه لأن له كمال ~~العظمة. # ولما كان الحشر متراخيا عن ذلك كله في الرتبة وفي الزمان، لا تبلغ كنه ~~عظمته العقول، نبه على ذلك بالتعبير بأداة التراخي والتنبيه بقوله: { ثم ~~} بعد استيفاء ما ضرب لهم من الآجال { ينبئهم } أي تنبئة عظيمة جليلة ~~مستقصاة بعد أن يحشرهم إليه داخرين { بما كانوا } أي جبلة وطبعا { ~~يفعلون * } أي من تلك الأشياء القبيحة التي كان لهم إليها أتم داعية غير ~~متوقفين في إصدارها على علم مع ادعاء التدين بها، والآية - مع ما تقدم من ~~مقتضياتها - تعليل لقوله # ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله # [الأنعام: 153]. ### || [6.160-162] # ولما أخبر أن أمرهم ليس إلا إليه، كان كأنه قيل: فماذا يفعل بهم حينئذ؟ ~~فأجيب بقوله: { من جاء } أي منهم أو من غيرهم { بالحسنة } أي الكاملة ~~بكونها على أساس الإيمان { فله } من الحسنات { عشر أمثالها } كرما ~~وإحسانا وجودا وامتنانا، يجازيه بذلك في الدنيا أو في الآخرة، وهذا ~~المحقق لكل أحد ويزداد البعض وضوحا بحسب النيات، وذكر العشر، لأنه بمعنى ~~الحسنة، وهو مضاف إلى ضميرها. ولما تضمن قوله # وأوفوا الكيل والميزان بالقسط # [الأنعام: 153] مع تعقيبه بقوله # لا نكلف نفسا إلا وسعها # [الأنعام: 152] الإشارة إلى أن المساواة في الجزاء مما ينقطع دونه أعناق ~~الخلق، أخبر أن ذلك عليه هين لأن عمله شامل وقدرته كاملة بقوله: { ومن ~~جاء بالسيئة } أي أي شيء كان من هذا الجنس { فلا يجزى } أي في الدارين { ~~إلا مثلها } إذا جوزي، ويعفو عن كثير. # ولما كانت المماثلة لا يلزم كونها ms1496 من كل وجه وإن كانت ظاهرة في ذلك لا ~~سيما في هذه العبارة، صرح بما هو ظاهره لأنه أطيب للنفس وأسكن للروع ~~فقال: { وهم لا يظلمون * } أي بكونها مثلها في الوحدة وإن كانت أكبر أو ~~من جنس أشد من جنسها ونحو ذلك، بل المماثلة موجودة في الكم والكيف، فلا ~~ينقص أحد في ثواب ولا يزاد في عقاب. # ولما تضمن ما مضى تصحيح التوحيد بالأدلة القاطعة وتحقيق أمر القضاء ~~والقدرة وإبطال جميع أديان الضلال ووصفها بتفرق أهلها الدال على بطلانها ~~واعوجاجها، وختم بهذا التحذير الذي لا شيء أقوم منه ولا أعدل، أمره صلى ~~الله عليه وسلم بالإعلان بأمره وأن يصف دينه الذي شرعه له وهداه إليه بما ~~فيه من المحاسن تحبيبا فيه وحثا عليه ولأن ذلك من نتيجة هذه السورة ~~فقال: { قل } وأكد بالإتيان بالنونين فقال: { إنني هداني } أي بيانا ~~وتوفيقا { ربي } أي المحسن إلي بكل خير لا سيما هذا الذي أوحاه إلي ~~وأنزله علي { إلى صراط مستقيم * } أي طريق واسع بين، ثم مدحه بقوله: { ~~دينا قيما } أي بالغ الاعتدال والاستقامة ثابتها، هذا على قراءة ابن ~~كثير ونافع وأبي عمرو بفتح القاف وتشديد الياء المكسورة، وهو في قراءة ~~الباقين بكسر القاف وفتح الياء الخفيفة مصدر بمعنى القيام وصف به ~~للمبالغة، وزاده مدحا بقوله مذكرا لهم - لتقليدهم الآباء - بأنه دين ~~أبيهم الأعظم: { ملة إبراهيم } والملة ما أظهره نور العقل من الهدى في ~~ظلم ما التزمه الناس من عوائد أمر الدنيا - أفاده الحرالي. ولذلك قال: ~~{ حنيفا } أي لينا هينا سهلا قابلا للاستقامة لكونه ميالا مع ~~الدليل غير جاف ولا كز واقف مع التقليد عمى عن نور الدليل - كما تقدم ذلك ~~في البقرة، وهو معنى قوله: { وما } أي والحال أنه ما { كان من المشركين * ~~} أي الجامدين مع أوهامهم في ادعاء شريك لله مع رؤيتهم له في كونه لا يضر ~~ولا ينفع ولا يصلح لشركة آدمي فضلا عن غيره بوجه، لا ينقادون لدليل ولا ~~يصغون إلى قيل، فكان هذا مدحا لهذا الدين الذي هدى إليه ms1497 صلى الله عليه ~~وسلم وبيانا لأنه الذي اختاره سبحانه لخليله إبراهيم عليه السلام رجوعا ~~إلى # وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر # [الأنعام: 74] الذي بنيت السورة في الحقيقة عليه، وألقيت أزمة أطرافها ~~إليه، وترغيبا في هذا الدين لأن جميع المخالفين يتشبثون بأذيال إبراهيم ~~عليه السلام: العرب وأهل الكتابين بنسبة الأبوة، والمجوس بنسبة البلد ~~والأخوة، وأشار بذلك إلى أن محمدا صلى الله عليه وسلم فهم ما حاج به ~~أبوه إبراهيم عليه السلام قومه وقبله، فلم ينسب كغيره إلى جمود ولا عناد. # ولما كان كأن سائلا قال: وما هذه الملة التي تكرر مدحها والدعاء إليها؟ ~~أجاب بقوله ليتأسى به أهل الإيمان، فليلتزموا جميع ما يدعو إليه على وجه ~~الإخلاص: { قل إن صلاتي } أي التي هي لباب الدين وصفاوته { ونسكي } أي ~~جميع عبادتي من الذبائح وغيرها { ومحياي } أي حياتي وكل ما تجمعه من زمان ~~ومكان وفعل { ومماتي لله } أي الملك الأعظم الذي لا يخرج شيء عن أمره؛ ~~ولما علم بالاسم الأعظم أنه يستحق ذلك لذاته، أعلم أنه يستحقه من كل أحد ~~لإحسانه إليه وإنعامه عليه فقال: { رب العالمين * } الموجد والمدبر ~~والموعي لهم. ### || [6.163-165] # ولما أعلم أنه يستحقه لذاته ووصفه، أعلم أنه يستحقه وحده فقال: { لا ~~شريك له } أي ليكون لشريكه على زعمكم شيء من العبادة لما كان له شيء من ~~الربوبية، فأبان بهذا أن وجهه صلى الله عليه وسلم ووجه من تبعه واحد لا ~~افتراق فيه، وهو قصد الله وحده على سبيل الإخلاص كما أنه يوحد بالإحياء ~~والإماتة فينبغي أن يوحد بالعبادة. # ولما دل على ذلك ببرهان العقل، أتبعه بجازم النقل فقال عاطفا على ما ~~تقديره: إلى ذلك أرشدني دليل العقل: { وبذلك } أي الأمر العالي من توجيه ~~أموري إليه على وجه الإخلاص. # ولما كان له سبحانه في كل شيء آية تدل على أنه واحد، فكان كل شيء آمرا ~~بالتوحيد بلسان حاله أو ناطق قاله، بني للمفعول قوله: { أمرت } أي يعني ~~أن هذا الدين لو لم يرد به أمر كان ينبغي للعاقل أن يدين به ولا ms1498 يعدل عنه ~~لشدة ظهوره وانتشار نوره بما قام عليه من الدلائل ودرج على اتباعه من ~~الأفاضل والأماثل، فكيف إذا برزت به الأوامر الإلهية ودعت إليه الدواعي ~~الربانية { وأنا أول المسلمين * } أي المنقادين لما يدعو إليه داعي الله ~~في هذا الدين، لا اختيار لي أصلا، بل أنا مسلوب الاختيار فيه منقاد أتم ~~انقياد، وهذه الأولية على سبيل الإطلاق في الزمان والرتبة بالنسبة إلى ~~أمته صلى الله عليه وسلم وفي الرتبة بالنسبة إلى من تقدمه من الأنبياء ~~وغيرهم، وهذا أيضا من باب الإحسان في الدعاء بالتقدم إلى ما يدعو إليه ~~وأن يحب للمدعو ما يحب لنفسه ليكون أنفى للتهمة وأدل على النصيحة فيكون ~~أدعى للقبول. # ولما حاجوه في الشرك في هذه السورة غير مرة كما حاج إبراهيم عليه السلام ~~قومه، وكان آخر ذلك أن دعاهم صلى الله عليه وسلم إلى تلاوة ما أنزل عليه ~~سبحانه في تحريم الشرك وشرح دينه القيم، ثم كرر هنا ذمهم بالتفرق الدال ~~على الضلال ولا بد، ومدح دين الرسل الذي تقدم أنهم لم يختلفوا فيه أصلا، ~~وأيأس الكفار من موافقته صلى الله عليه وسلم لهم نوعا من الموافقة وميله ~~معهم شيئا من الميل، أمره سبحانه - بعد أن ثبت بأول السورة وأثنائها ~~وآخرها أنه لا رب غيره - بالإنكار على من يريد منه ميلا إلى غير من تفرد ~~بمحياه ومماته، فكان له التفرد بما بينهما وما بعد ذلك من غير شبهة، ~~والتوبيخ الشديد فقال: { قل } أي لهؤلاء الذي يطمعون أن تطرد أصحابك من ~~أجلهم { أغير الله } أي الذي له الكمال كله { أبغي } أي أطلب وأريد ~~بالإشراك فإن الغنى المطلق لا يقبل ممن أشرك به شيئا { ربا } أي منعما ~~يتولى مصالحي كما بغيتم أنتم، فهو تعريض بهم وتنبيه لهم، والإسناد إليه ~~صلى الله عليه وسلم - والمراد جميع الخلق - من باب الإنصاف في المناظرة ~~للاستعطاف { وهو } أي والحال أنه كما ثبت بالقواطع وركز في العقول ~~الثوابت وطبع في أنوار الأفكار اللوامع { رب كل شيء } أي موجده ومربيه، ~~أفينبغي لأحد أن يدين ms1499 لغير سيده وذلك الغير مربوب مثله لسيده، هذا ما لا ~~يرضاه عاقل لنفسه. # ولما أنكر على من يجنح إلى غيره مع عموم بره وخيره، أتبعه الترويع من ~~قويم عدله في عظيم ضره فقال: { ولا } أي والحال أنه لا { تكسب كل نفس } ~~أي ذنبا وإن قل مع التصميم والعزم القوي الذي هو بحيث يصدقه العمل - كما ~~مضى في آية البقرة { إلا عليها } أي لا يمكن أن يكون باطلا لا عليها ولا ~~على غيرها، وإذا كان عليها لا يمكن أن يحاسب به سبحانه سواها لأنه عدل ~~حكيم فكيف أدعو غيره دعاء جليا أو خفيا وذلك أعظم الذنوب! وللتنفير من ~~الشرك الخفي بالرياء وكل معصية وإن صغرت، جرد الفعل عن الافتعال لئلا ~~يتوهم أنه لا يكون عليها إلا ما بالغت فيه، والسياق هنا واضح في أن الكسب ~~مقيد بالذنب فإنه في دعاء غير الله وآية البقرة للإيماء إلى الذنب الذي ~~لا يقع إلا بشهوة شديدة من النفس له لطبعها على النقائص، فهي لا تنافي ~~هذه لأن ما كسبته من الذنوب قد علم من ثم أنه اكتساب، وأحسن من هذا أن ~~يقال: ولما كان المعنى أني إن بغيت ربا غيره وكلني إلى ما توليته، وأنا ~~إنسان والإنسان مطبوع على النقائص فهلكت، عبر عنه بقوله مجردا للفعل ~~لقصد العموم: { ولا تكسب كل نفس } بما هي نفس ناظرة في نفاستها معرضة عن ~~ربها موكولة إلى حولها وقوتها { إلا عليها } ولا يحمل عنها غيرها شيئا ~~من وزرها؛ ولما كان ربما حمل أحد عن غيره شيئا من أثقاله مساعدة له، نفى ~~ذلك بقوله: { ولا تزر وازرة } أي تحمل حاملة ولو كانت والدا أو ولدا { ~~وزر } أي إثم { أخرى } # وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى # [فاطر: 18] فإذا كان الأمر كذلك فلا يجعل بعاقل أن يعرض نفسه بحمل شيء ~~من غضب هذا الملك الذي لا شريك له وإليه المرجع وإن طال المدى. # ولما عم في الكسب وحمل الوزر لئلا يقول متعنت أن خص ms1500 هذا لك لا لنا، عم ~~في المرجع أيضا لمثل ذلك، فقال مهددا لهم بعد كمال الإيضاح عاطفا على ~~ما أرشد إليه الإنكار من النفي في نحو أن يقال: إني لا أفعل شيئا من ~~ذلك، لا أبغي ربا غير ربي أصلا، وأما أنتم فافعلوا ما أنتم فاعلون فإن ~~ربكم عالم به: { ثم } أي بعد طول الإمهال لكم لطفا منه بكم { إلى ربكم } ~~أي الذي أحسن إليكم بكل نعمة، لا إلى غيره { مرجعكم } أي بالحشر وإن ~~عمرتم كثيرا أو بقيتم طويلا { فينبئكم } أي يخبركم إخبارا جليلا ~~عظيما مستوفى. # ولما كان قد تقدم أنهم فرقوا دينهم، قال: { بما كنتم } أي جبلة وطبعا، ~~ولذلك قدم الجار ليفيد الاهتمام به لقوة داعيتهم إليه من غير إكراه ولا ~~ذهول ولا نسيان فقال: { فيه تختلفون * } أي مع رسول وغيره، ويدينكم على ~~جميع ذلك بما تستحقونه، وحالكم جدير بأن يعظم عقابكم لأنكم كفرتم نعمته؛ ~~قال أبو حيان: حكى النقاش أنه روي أن الكفار قالوا للنبي صلى الله عليه ~~وسلم: ارجع يا محمد إلى ديننا واعبد آلهتنا واترك ما أنت عليه ونحن نتكفل ~~لك بكل ما تحتاج إليه في دنياك وآخرتك، فنزلت هذه الآية - انتهى. # ولما قدم أنه المحسن إلى كل شيء بالربوبية، وختم بالتهديد بالحشر، أتبعه ~~التذكير بتخصيصهم بالإحسان، فقال عاطفا على { وهو رب كل شيء } مستعطفا ~~لهم إليه بالتذكير بنعمته: { وهو } أي لا غيره { الذي جعلكم } أي أيها ~~الإنس { خلائف الأرض } أي تفعلون فيها فعل الخليفة متمكنين من كل ما ~~تريدونه، ويجوز أن يراد بذلك العرب، ويكون ظاهر الكلام أن المراد بالأرض ~~ما هم فيه من جزيرة العرب، وباطنه البشارة بإعلاء دينهم الإسلام على ~~الدين كله وغلبتهم على أكثر أهل الأرض في هذه الأزمان وعلى جميع أهل ~~الأرض في آخر الزمان { ورفع بعضكم } في مراقي العقل والعلم والدين المال ~~والجاه والقوة الحسية والمعنوية { فوق بعض درجات } أي مع كونكم من نفس ~~واحدة، وربما كان الوضيع أعقل من الرفيع ولم ينفعه عقله فيدل ذلك دلالة ~~واضحة على أن ms1501 ذلك كله إنما هو فعل الواحد القهار، لا بعجز ولا جهل ولا ~~بخل؛ ثم علل ذلك بقوله: { ليبلوكم } أي يفعل معكم فعل المختبر ليقيم ~~الحجة عليكم وهو أعلم بكم منكم { في ما آتاكم } فينظر هل يرحم الجليل ~~الحقير ويرضى الفقير بعطائه اليسير، ويشكر القوي ويصبر الضعيف!. # ولما ذكر علو بعضهم على بعض، وكان من طبع الآدمي التجبر، أتبعه التهديد ~~للظالم والاستعطاف للتائب بما يشير - بما له سبحانه من علو الشأن وعظيم ~~القدرة - إلى ضعف العالي منهم وعجزه عن عقاب السافل بمن يحول بينه وبينه ~~من شفيع وناصر وبما يحتاج إليه من تمهيد الأسباب، محذرا من البغي ~~والعصيان فقال موجها الخطاب إلى أكمل الخلق تطييبا لقلبه إعلاما بأنه ~~رباه سبحانه أجمل تربية وأدبه أحسن تأديب: { إن ربك } أي المحسن إليك { ~~سريع الحساب } أي لمن يريد عقابه ممن يكفر نعمته لكونه لا حائل بينه وبين ~~من يريد عقابه ولا يحتاج إلى استحضار آلات العقاب، بل كل ما يريد حاضر ~~لديه عتيد # إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون # [يس: 82]، وفي ذلك تهديد شديد لمن لا يتعظ. # ولما هدد وخوف، رجى من أراد التوبة واستعطف فقال: { وإنه لغفور رحيم * ~~} معلما بأنه - على تمام قدرته عليهم وانهماكهم فيما يوجب الإهلاك - ~~بليغ المغفرة لهم عظيم الرحمة # ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة # [النحل: 61]، حثا على عفو الرفيع من الوضيع، وتأكيده الثاني دون الأول ~~ناظر إلى قوله # كتب على نفسه الرحمة # [الأنعام: 12]، # " إن رحمتي سبقت غضبي " # لأنه في سياق التأديب لهذه الأمة والتذكير بالإنعام عليهم بالاستخلاف، ~~وسيأتي في الأعراف بتأكيد الاثنين لأنه في حكاية ما وقع لبني إسرائيل من ~~إسراعهم في الكفر ومبادرتهم إليه واستحقاقهم على ذلك العقوبة، وجاء ذلك ~~على طريق الاستئناف على تقدير أن قائلا قال: حينئذ يسرع العالي إلى ~~عقوبة السافل! فأجيب بأن الله فوق الكل وهو أسرع عقوبة، فهو قادر على أن ~~يسلط الوضيع أو أحقر منه على الرفيع فيهلكه؛ ثم رغب بعد هذا الترهيب ms1502 في ~~العفو بأنه على غناه عن الكل أسبل ذيل غفرانه ورحمته بإمهاله العصاة ~~وقبوله اليسير من الطاعات بأنه خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ~~منافع لهم ثم هم به يعدلون! ولولا غفرانه ورحمته لأسرع عقابه لمن عدل به ~~غيره فأسقط عليهم السماوات وخسف بهم الأرضين التي أنعم عليهم بالخلافة ~~فيها وأذهب عنهم النور وأدام الظلام، فقد ختم السورة بما به ابتدأها، فإن ~~قوله: { وهو الذي جعلكم خلائف الأرض } هو المراد بقوله: # هو الذي خلقكم من طين # [الأنعام: 2] وقوله: { أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء } [الأنعام: ~~164] هو معنى قوله: # خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون # [الأنعام: 1]، - والله الموفق. ### | [7 - سورة الأعراف] ### || [7.1-2] # لما ذكر سبحانه في آخر التي قبلها أنه أنزل إليهم كتابا مباركا، وأمر ~~باتباعه وعلل إنزاله وذكر ما استتبعه ذلك مما لا بد منه في منهاج البلاغة ~~وميدان البراعة، وكان من جملته أن أمر المدعوين به ليس إلا إليه، إن شاء ~~هداهم وإن شاء أضلهم واستمر فيها لا بد منه في تتميم ذلك إلى أن ختم ~~السورة بما انعطف على ما افتتحت به، فاشتد اعتناقه له حتى صارا كشيء ~~واحد؛ أخذ يستدل على ما ختم به تلك من سرعة العقاب وعموم البر والثواب ~~وما تقدمه، فقال مخبرا عن مبتدإ تقديره: هو { كتاب } أي عظيم أوضح ~~الطريق المستقيم فلم يدع بها لبسا ولم يذر خيرا إلا أمر به ولا شرا ~~إلا نهى عنه، فإنزاله من عظيم رحمته؛ ثم وصفه بما أكد ما أشار إليه من ~~رحمته بقوله: { أنزل إليك } أي وأنت أكرم الناس نفسا وأوسعهم صدرا ~~وأجملهم قلبا وأعرقهم إصالة وأعرفهم باستعطاف المباعد واستجلاب المنافر ~~المباغض، وهذا شيء قد خصك به فرفعك على جميع الخلق درجات لا تحصى ومراتب ~~لا حد لها فتستصى. # ولما كان المقصود من البعثة أولا النذارة للرد عما هم عليه من الضلال، ~~وكانت مواجهة الناس بالإنذار شديدة على النفوس، وكان الإقدام عليها من ~~الصعوبة بمكان عظيم؛ قدم قوله مسببا ms1503 عن تخصيصه بهذه الرحمة: { فلا يكن } ~~وعبر عن القلب بمسكنه الذي هو أوسع منه مبالغة في الأمر فقال: { في صدرك ~~حرج } أي شيء من ضيق بهم أو خوف أو نحو ذلك { منه } على ما تعلق ب " ~~أنزل " من قوله: { لتنذر به } أي نذري لكل من بلغه أو للمخالفين من سرعة ~~العقاب على نحو ما أوقع سبحانه بالقرون الماضية والأمم السابقة - كما ~~أشار إليه آخر الأنعام، وسيقص من أخبارهم من هذه السورة { و } لتنذر به { ~~ذكرى } أي عظيمة { للمؤمنين* } أي بالبشر والمواعظ والغفران والرحمة على ~~ما أشار إليه ختام الأنعام، وحذف المفعول يدل على عموم الرسالة لكل من ~~أمكن إنذاره وتذكيره من العقلاء، ويجوز أن تتعلق لام " لتنذر " بمعنى ~~النهي، أي انف الحرج لكذا، فإن من كان منشرح الصدر أقدم على ما يريد أو ~~يحرج، أي لا يكن الحرج الواقع لأجل أن تنذر، أي لأجل إنذارك به، والنهي ~~للنبي صلى الله عليه وسلم، حول إلى الحرج مبالغة وأدبا، ويجوز أن يكون ~~التقدير: لتنذر به وتذكر به، فإنه نذرى للكافرين وذكرى للمؤمنين، والآية ~~على كل تقدير من الاحتباك: إثباته " لتنذر " أولا، دال على حذف " لتذكر ~~" ثانيا، وإثبات المؤمنين ثانيا دال على حذف المخالفين أولا، فإن ~~النفوس على قسمين: نفوس بليدة جاهلة بعيدة عن عالم الغيب غريقة في طلب ~~اللذات الجسمانية والشهوات الحيوانية فبعثة الرسل في حقهم إنذار وتخويف، ~~ونفوس شريفة مشرقة بالأنوار الإلهية فبعثة الرسل في حقهم تذكير لأن هذه ~~النفوس بمقتضى جواهرها الأصلية وجبلتها الخلقية مستعدة للانجذاب إلى عالم ~~القدس إلا أنه ربما غشيها غواش من عالم الأجساد فيعرض لها نوع ذهول ~~وغفلة، فإذا سمعت دعوة الأنبياء واتصلت بها أنوار أرواح رسل الله تذكرت ~~مركزها وأبصرت منشأها، فاشتاقت إلى ما حصل هناك من الروح والريحان فطارت ~~نحوهم كل مطار فتمحضت لديها تلك الأنوار؛ وقال أبو حيان: واعتلاق هذه ~~السورة بما قبلها هو أنه لما ذكر تعالى قوله: # وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه # [الأنعام: 155] واستطرد ممنه لما بعده إلى قوله في آخر ms1504 السورة # وهو الذي جعلكم خلائف الأرض # [الأنعام: 165] وذكر ابتلاءهم فيما آتاهم، وذلك لا يكون إلا بالتكاليف ~~الشرعية، ذكر ما يكون به التكاليف، وهو الكتاب الإلهي، وذكر الأمر ~~باتباعه كما أمر في قوله # وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه # [الأنعام: 155] - انتهى. وقال شيخه الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما قال ~~تعالى ابتداء بالاعتبار # ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم ~~وأرسلنا السماء عليهم مدرارا وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم فأهلكناهم ~~بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين # [الأنعام: 6] ثم قال تعالى # ولقد استهزىء برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزءون # [الأنعام:10] ثم قال تعالى: # قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين # [الأنعام: 11] ثم قال تعالى # ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا # [الأنعام: 34] وقال تعالى # ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء # [الأنعام:42]، وقال تعالى # يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي # [الانعام: 13] فوقعت الإحالة في هذه الآي على الاعتبار بالأمم السالفة ~~وما كان منهم حين حين كذبوا أنبياءهم وهلاك تلك القرون بتكذيبهم وعتوهم ~~وتسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم بجريان ما جرى له بمن تقدمه مت ~~الرسل # قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون # [الأنعام: 33] فاستدعت الإحالة والتسلية بسط أخبار الأمم السالفة ~~والقرون الماضية، والإعلام بصبر الرسل - عليهم السلام - عليهم وتلطفهم في ~~دعائهم، ولم يقع في السور الأربع قبل سورة الأنعام مثل هذه الإحالة ~~والتسلية وقد تكررت في سورة الأنعام كما تبين بعد انقضاء ما قصد من بيان ~~طريق المتقين أخذا وتركا وحال من حاد عن سننهم ممن رامه أو قصده فلم ~~يوفق له ولا أتم له أمله من الفرقتين: المستندة للسمع والمعتمدة للنظر، ~~فحاد الأولون بطارىء التغيير والتبديل، وتنكب الآخرون بسوء التناول وقصور ~~الأفهام وعلة حيد الفريقين السابقة الأزلية؛ فلما انقضى أمر هؤلاء وصرف ~~الخطاب إلى تسليته عليه السلام وتثبيت فؤاده بذكر أحوال الأنبياء مع ~~أممهم وأمر الخلق ms1505 بالاعتبار بالأمم السالفة، وقد كان قدم لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عند ذكر الأنبياء # أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده # [الأنعام: 90] بسط تعالى حال من وقعت الإحالة عليه، واستوفى الكثير من ~~قصصهم إلى آخر سورة هود إلى قوله سبحانه # وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك # [هود:120] فتأمل بما افتتحت به السورة المقصودة بها قصص الأمم وبما ~~اختتمت يلح لك ما أشرت إليه - والله أعلم بمراده، وتأمل افتتاح سورة ~~الأعراف بقوله # فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين # [الأعراف: 7] وختم القصص فيها بقوله: # فاقصص القصص لعلهم يتفكرون # [الأعراف: 176] بعد تعقيب قصص بني إسرائيل بقصة بلعام # واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا # [الأعراف:175]، ثم قال: # ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا # [الأعراف: 176] فتأمل هذا الإيماء بعد ذكر القصص، وكيف ألحق من كذب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من العرب وغيرهم بمن قص ذكره من المكذبين، ~~وتأمل افتتاح ذكر الأشقياء بقصة إبليس وختمها بقصة بلعام وكلاهما ممن كفر ~~على علم، وفي ذلك أعظم موعظة، قال الله تعالى إثر ذلك # من يهد الله فهو المهتدي # [الأعراف: 178]، فبدأ الاستجابة بنبيه صلى الله عليه وسلم بذكر ما أنعم ~~عليه وعلى من استجاب له فقال تعالى: { المص كتاب أنزل إليك } ~~[الأعراف: 1-2] فأشار إلى نعمته بإنزال الكتاب الذي جعله هدى للمتقين، ~~وأشار هنا ما يحمله عليه من التسلية وشرح الصدور بما جرى من العجائب ~~والقصص مع كونه هدى ونورا، فقال { فلا يكن في صدرك حرج منه } [الأعراف: ~~2] أي أنه قد تضمن مما أحلناك عليه ما يرفع الحرج ويسلي النفوس لتنذر به ~~كما أنذر من قبلك ممن نقص خبره من الرسل، ولتستن في إنذارك ودعائك وصبرك ~~سننهم، وليتذكر المؤمنون؛ ثم أمر عباده بالاتباع لما أنزله فقال: # اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم # [الأعراف: 3] فإنة هلاك من نقص عليكم خبره من الأمم إنما كان لعدم ~~الاتباع والركون إلى أوليائهم من شياطين الجن والإنس، ثم أتبع ذلك بقصة ~~آدم عليه السلام ليبين لعباده ما جرت ms1506 سنته فيهم من تسلط الشياطين وكيده ~~وأنه عدو لهم # يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة # [الأعراف: 27] ووقع في قصة آدم هنا ما لم يقع في قصة البقرة من بسط ما ~~أجمل هناك كتصريح اللعين بالحسد وتصور خيريته بخلقه من النار وطلبة ~~الإنظار والتسلط على ذرية آدم والإذن له في ذلك ووعيده ووعيد متبعيه ثم ~~أخذ في الوسوسة إلى آدم عليه السلام وحلفه له # وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين # [الأعراف: 21] وكل هذا مما أجمل في سورة البقرة ولم تتكرر قصة إلا وهذا ~~شأنها، أعني أنها تفيد مهما تكررت ما لم يكن حصل منها أولا؛ ثم انجزت ~~الآي إلى ابتداء قصة نوح عليه السلام واستمرت القصص إلى قصص بني إسرائيل، ~~فبسط هنا من حالهم وأخبارهم شبيه ما بسط في قصة آدم وما جرى من محنة ~~إبليس، وفصل هنا الكثير وذكر ما لم يذكر في البقرة حتى لم يتكرر بالحقيقة ~~ولا التعرض لقصص طائفة معينة فقط، ومن عجيب الحكمة أن الواقع في السورتين ~~من كلتا القصتين مستقل شاف، وإذا ضم بعض ذلك إلى بعض ارتفع إجماله ووضح ~~كماله، فتبارك من هذا كلامه ومن جعله حجة قاطعة وآية باهرة. # ولما أعقب تعالى قصصهم في البقرة بأمره نبيه والمؤمنين بالعفو والصفح ~~فقال تعالى # فاعفوا واصفحوا # [البقرة: 109] أعقب تعالى أيضا هنا بقوله لنبيه عليه الصلاة والسلام # خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين # [الأعراف: 199] وقد خرجنا عن المقصود فلنخرج إليه - انتهى. ### || [7.3-7] # ولما تقدم سبحانه إليه صلى الله عليه وسلم في أمر الإنذار والإذكار ~~بالكتاب تقدم إلى اتباعه فأمرهم باتباعه ونهاهم عن اتباع أهل الضلال وما ~~يوحي إليهم أولياؤهم من زخارفهم بعد أن أخبر بكونه ذكرى أنه سبب لعلو ~~شأنهم وعز سلطانهم، فقال ملتفتا إليهم مقبلا بعز جلاله عليهم { اتبعوا ~~} أي حملوا أنفسكم حملا عظيما بجد ونشاط على اتباع { ما أنزل إليكم } ~~أي قد خصصتم به دون غيركم فاشكروا هذه النعمة { من ربكم } أي الذي لم يزل ~~محسنا إليكم { ولاتتبعوا } ولعله ms1507 عبر بالافتعال إيماء إلى أن ما كان دون ~~علاج - بل هفوة وبنوع غفلة - في محل العفو { من دونه } أي دون ربكم { ~~أولياء } أي من الذين نهيناكم عنهم في الأنعام وبينا ضررهم لكم من شياطين ~~الإنس والجن وعدم إغنائهم وأن الأمر كله لربكم. # ولما كانوا قد خالفوا في اتباعهم صريح العقل وسليم الطبع، وعندهم أمثلة ~~ذلك لو تذكروا، قال منبها لهم على تذكر ما يعرفون من تصرفاتهم: { قليلا ~~} وأكد التقليل ب " ما " النافي وبإدغام تاء التفعيل فقال: { ما تذكرون* ~~} أي تعالجون أنفسكم على ذكر ما هو مركوز في فطركم الأولى فإنكم مقرون ~~بأن ربكم رب كل شيء، فكل من تدعون من دونه مربوب، وأنتم لا تجدون في ~~عقولكم ولا طباعكم ولا استعمالاتكم ما يدل بنوع دلالة على أن مربوبا ~~يكون شريكا لربه. # ولما كان من أعظم ما يتذكر سار النعم وضار النقم للإقبال على الله ~~والإعراض عما سواه وعدم الأغترار باسباب الأمن والراحة، قال: { وكم } أي ~~قل تذكركم وخوفكم من سطواتنا والحال أنه كم { من قرية } وإن جلت؛ ولما ~~كان المراد المبالغة في الإهلاك، أسنده إلى القرية والمراد أهلها فقال: { ~~أهلكناها } أي بما لنا من العظمة لظلمها باتباع من دون الله، فلا تغتروا ~~بأوليائكم من دونه وأنتم عالمون بأنهم لم ينفعوا من ضل من الأمم السالفة ~~وقت إنزالنا بهم السطوة وإحلالنا بهم النقمة وتحقق المهلكون إذ ذاك - مع ~~أنهم كانوا أشد بطشا واكثر عددا وأمتن كيدا - عدم إغنائهم فلم يوجهوا ~~آمالهم نحوهم. # ولما كان المعنى: أردنا إهلاكها وحكمنا به، سبب عنه قوله: { فجاءها ~~بأسنا } أي عذابنا بما لنا من القوة والعظمة، أو الإهلاك على حقيقته وهذا ~~تفصيل له وتفسير؛ ولما كان لا فرق في إتيان عذابه سبحانه بين كونه ليلا ~~أو نهارا، وكان أفحش البأس وأشده ما كان في وقت الراحة والدعة والغفلة ~~قال: { بياتا } أي وقت الاستكنان في البيوت ليلا كما أهلك قوم لوط عليه ~~السلام وقت السحر. # ولما كان المراد بالقرية اهلها، بينه بقوله لأنه إذا حذف المضاف جاز ms1508 فيه ~~اعتباران بحسب ما يحسن من المعنى: أن لا يلتفت إليه - كما في اول الآية، ~~وإن يلتفت إليه - كما في هذا الأخير لبيان أن الأهل هم المقصودون بالذات ~~لأنه موضع التهديد: { أو هم قائلون* } أي نائمون وقت القائلة أو مستريحون ~~من غير نوم كما أهلك قوم شعيب عليه السلام، يعني أنهم كانوا في كل من ~~الوقتين غافلين بسبب أنهم كانوا آمنين، لم يظنوا أن شيئا من أعمالهم ~~موجب للعذاب ولا كانوا مترقبين لشيء منه، فالتقدير: بياتا هم فيه بائتون ~~أي نائمون، أو قائلة هم فيها قائلون أي نائمون، فالآية من الاحتباك: دل ~~إثبات " بياتا " أولا على حذف " قائلة " ثانيا، وإثبات " هم قائلون " ~~ثانيا على حذف " هم نائمون " أولا، والذي أرشدنا إلى هذا المعنى الحسن ~~سوق " هم " من غير واو، وهذا قريب من قوله تعالى فيما يأتي # أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون # [الأعراف: 97] فالأقرب أن يكون المحذوف أولا نائمون، وثانيا نهارا، ~~فيكون التقدير: بياتا هم فيه نائمون، أو نهارا هم فيه قائلون، وبين ~~عظمة ما جاءهم وهوله بأنهم في كل من الوقتين لم يقع في فكر أحد منهم ~~التصويب إلى مدافعته بما سبب عن ذلك من قوله: { فما كان دعواهم } أي ~~قولهم الذي استدعوه { إذ جاءهم بأسنا } أي بما لنا من العظمة { إلا أن ~~قالوا } أي إلا قولهم { إنا كنا } أي بما لنا من الجبلة { ظالمين* } أي ~~في أنا لم نتبع من أنزل إلينا من ربنا، فلم يفدهم ذلك شيئا غير شدة ~~التحسر؛ ثم سبب عما مضى من أمر الرسول والأمم قوله دفعا لوهم من يظن أن ~~الأمر انقضى بما عذبوا به في الدنيا: { فلنسئلن } أي بما لنا من العظمة ~~على جهة التوبيخ والتقريع للعصاة والتشريف والتعظيم للمطيعين، وأظهر موضع ~~الإضمار تعميما فقال: { الذين }. # ولما كانت الملامة على تكذيب الرسول لا بقيد كونه معينا بنى للمفعول ~~قوله: { أرسل إليهم } أي وهم الأمم، هل امتثلوا أوامرنا وأحجموا عند ~~زواجرنا كما أمرتهم الرسل أم لا { ولنسئلن } أي بعظمتنا { المرسلين* ms1509 } أي ~~هل كان في صدورهم حرج مما أرسلناهم به وهل بلغوه أم لا يوم تكونون شهداء ~~على الناس بما علمتم من شهادتي في هذا القرآن ويكون الرسول عليكم شهيدا ~~فإنا لا بد أن نحييكم بعد الموت ثم نسألكم في يوم تظهر فيه السرائر ~~وتنكشف - وإن اشتد خفاؤها - الضمائر، ولنرين الأفعال والأقوال، ولا نترك ~~شيئا من الأحوال. # ولما كان السؤال يفهم خفاء المسؤول عنه على السائل، سبب عن ذلك ما يزيل ~~هذا الوهم بقوله مؤذنا بأنه أعلم من المسؤولين عما سألهم عن: { فلنقصن } ~~أي بما لنا من صفات العظمة المستلزمة لكل كمال { عليهم } أي المسؤولين من ~~الرسل وأممهم، جميع أحوالهم وما يستحقون من جزائها { بعلم } أي مقطوع به ~~لا مظنون، فقد كنا معهم في جميع تقلباتهم { وما كنا } أي في وقت من ~~الأوقات كما هو مقتضى ما لنا من العظمة { غائبين* } أي مطلقا ولا عن أحد ~~من الخلق بل علمنا شامل لجميع الكليات والجزئيات لأن ذلك مقتضى العظمة ما ~~لنا من صفات الكمال، ومن لم يكن محيط العلم بأن يميز المطيع من العاصي لا ~~يصح أن يكون إلها. ### || [7.8-11] # ولما تقدمت الإشارة بقوله تعالى # وأوفوا الكيل والميزان بالقسط # [الأنعام: 152] الآية إلى المساواة الحقيقية في الميزان معجوز عنها وأنه ~~أبعد المقادير عن التساوي، والنص في قوله تعالى # ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها # [الأنعام: 160] على قدرة القدير على ذلك، وختم الآية السالفة بإحاطة ~~العلم على الوجه الأبلغ المقتضي لذلك على أعلى الوجوه، أكد الأمر أيضا ~~وقصره على علمه هنا فقال: { والوزن } بميزان حقيقي لصحف الأعمال أو ~~للاعمال أنفسها بعد تصويرها بما تستحقه من الصور أو بغير ذلك بعد أن يقذف ~~الله في القلوب العلم به، ولعله حال من نون العظمة في الاية التي قبلها، ~~أي إنا لا نكتفي بما نقص بل نزنه فيصير بحيث يظهر لكل أحد أنه على غاية ~~ما يكون من التساوي؛ قال أبو حيان وعلي بن الحسين النحوي الأصفهاني في ~~إعرابه: " الوزن " مبتدأ { يومئذ } ظرف منصوب به { الحق ms1510 } خبر المبتدأ، ~~زاد الأصفهاني فقال: واستضعف إعمال المصدر وفيه لام التعريف وقد ذكرنا ~~أنه جاء في التنزيل # لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم # [النساء: 148] - انتهى. أي والوزن في ذلك اليوم مقصور على الحق، يطابقه ~~الواقع مطابقة حقيقية لا فضل فيها أصلا ولا يتجاوز الوزن في ذلك اليوم ~~الحق إلى شيء من الباطل بزيادة ذرة ولا نقصها ولا ما دون ذلك، فتحرر أن ~~مقصود السورة الحث على اتباع الكتاب، وهو يتضمن الحث على اتباع الرسول ~~والدلالة على التوحيد والقدرة على البعث ببيان الأفعال الهائلة في ابتداء ~~الخلق وإهلاك الماضين إشارة إلى أن من لم يتبعه ويوحد - من إنزله على هذا ~~الأسلوب الذي لا يستطاع، والمنهاج الذي وقفت دونه العقول والطباع، لما ~~قام من الأدلة على توحيده بعجز من سواه عن أقواله وأفعاله - أوشك أن ~~يعاجله قبل يوم البعث بعقاب مثل عقاب الأمم السالفة والقرون الخالية مع ~~ما ادخر له في ذلك اليوم من سوء المنقلب وإظهار اثر الغضب. # ولما أخبر أن العبرة بالميزان على وجه يظهر أنه لا حيف فيه بوجه، تسبب ~~عنه قوله: { فمن ثقلت } أي دست ورسبت على ما يعهد في الدنيا { موازينه } ~~أي موزونات أعماله، أي أعماله الموزونة، ولعله عبر بها عنها إشارة إلى ان ~~كل عمل يوزن على حدة ليسعى في إصلاحه { فأولئك } أي العالو الهمم { هم } ~~أي خاصة { المفلحون* } أي الظاهرون بجميع مآربهم { ومن خفت } أي طاشت { ~~موازينه } أي التي توزن فيها الأعمال الصالحة { فأولئك } المبعدون { ~~الذين خسروا أنفسهم } أي التي هي رأس مالهم فكيف بما دونها { بما كانوا ~~بآياتنا } أي على ما لها من العظمة { يظلمون* } أي باستمرار ما يجددونه ~~من وضعها في غير المحل الذي يليق بها فعل من هو في ظلام؛ قال الحسن، وحق ~~الميزان توضع فيه الحسنات أن يثقل، وحق لميزان توضع فيه السيئات أن يخف. # ولما أمر الخلق بمتابعة الرسل وحذرهم من مخالفتهم، فأبلغ في تحذيرهم ~~بعذاب الدنيا ثم بعذاب الآخرة، التفت إلى تذكيرهم ترغيبا في ذلك ms1511 بإسباغ ~~نعمه وتحذيرا من سلبها، لأن المواجهة أردع للمخاطب، فقال في موضع الحال ~~من { خسروا انفسهم }: { ولقد مكناهم } أي خسروها والحال أنا مكناكم من ~~إنجائها بخلق القوى والقدر وإدرار النعم، وجعلنا مكانا يحصل التمكن فيه ~~{ في الأرض } أي كلها، ما منها من بقعة إلا وهي صالحة لا نتفاعهم بها ولو ~~بالاعتبار { وجعلنا لكم } أي بما لنا من العظمة { فيها معايش } أي جميع ~~معيشة، وهي أشياء يحصل بها العيش، وهو تصرف أيام الحياة بما ينفع، والياء ~~أصلية فلذا لا تهمز، وكذا ما ولي ألف جمعه حرف علة أصلي وليس قبل ألفه ~~واو كأوائل ولا ياء كخيائر جمع أول وخير فإنه لا يهمز إلا شاذا كمنائر ~~ومصائب جمع منارة ومصيبة. # ولما كان حاصل ما مضى أنه سبحانه أوجدهم وقواهم وخلق لهم ما يديم ~~قواهم، فأكلوا خيره وعبدوا غيره، أنتج قوله على وجه التاكيد: { قليلا ما ~~تشكرون* } أي لمن أسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة بما تنجون به أنفسكم؛ ~~وقال أبو حيان: إنه راجع للذين خوطبوا ب # اتبعوا ما أنزل إليكم # [الأعراف: 3] وما بينهما أورد مورد الاعتبار والاتعاظ بذكر ما آل إليه ~~أمرهم في الدنيا وما يؤول إليه في الآخرة - انتهى. # ولما ذكر سبحانه ما منحهم به من التمكين، ذكرهم ما كانو عليه قبل هذه ~~المكنة من العدم تذكيرا بالنعم في سياق دال على البعث الذي فرغ من ~~تقريره، وعلى ما خص به أباهم آدم عليه السلام من التمكين في الجنة بالخلق ~~والتصوير وإفاضة روح الحياة وروح العلم وأمر أهل سماواته بالسجود له ~~والغضب على من عاداه وطرده عن محل كرامته ومعدن سعادته وإسكانه هو بذلك ~~المحل الأعلى والموطن الأسنى مأذونا له في كل ما فيه إلا شجرة واحدة، ~~فلما خالف الأمر أزاله عنه وأخرجه منه؛ وفي ذلك تحذير لأهل المكنة من ~~إزالة المنة في استدرار النعمة وإحلال النقمة فقال: { ولقد خلقناكم } أي ~~بما لنا من صفات العظمة { ثم صورناكم } أي قدرنا خلقكم ثم تصويركم بأن ~~جعلنا فيكم قابلية قريبة من ذلك بتخصيص كل ms1512 جزء من المادة بمقداره المعين ~~بتخمير طينة آدم عليه السلام على حالة تقبل ذلك كما يهيأ التراب بتخميره ~~بإنزال المطر لأن يكون منه شجرة، وقد تكون تلك الشجرة مهيأة لقبول صورة ~~الثمرة وقد لا تكون كما قال تعالى: # ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم ~~خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظما فكسونا العظم ~~لحما ثم أنشأناه خلقا آخر # [المؤمنون: 12-14] وقال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح عن عبد ~~الله بن مسعود رضي الله عنه: # " إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما ثم يكون علقة مثل ذلك ثم ~~يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح " # وعنه أيضا رضي الله عنه عند مسلم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: # " إذا مر بالنطفة اثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكا فصورها وخلق ~~سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها، ثم قال: يا رب! أذكر أم أنثى؟ فيقضي ~~ربك ما شاء ويكتب الملك " # الحديث. فظاهر هذا الحديث مخالف للفظ الذي قبله وللآية، فيحمل على أن ~~معنى صورها: هيأها في مدة الأربعين الثانية لقبول الصورة تهيئة قريبة من ~~الفعل، وسهل أولها بالتخمير على هيئة مخصوصة بخلاف ما قبل ذلك، فإنها ~~كانت نطفة فكانت بعيدة عن قبول الصورة، ولذلك اختلفوا في احترامها وهل ~~يباح إفسادها والتسبب في إخراجها، ومعنى " خلق ": قدر أي جعل لكل شيء من ~~ذلك حدا لا يتجاوزه في الجملة، والدليل على هذا المجاز شكه في كونها ~~ذكرا أو أنثى، ولو كان ذلك على ظاهره لما حصل شك في كونها ذكرا أو أنثى ~~إذ آلة الذكر والأنثى من جملة الصورة، وبهذا تلتئم هذه الاية مع قوله ~~تعالى # إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين فإذا سويته ونفخت فيه من ~~روحي فقعوا له ساجدين # [ص: 71] فهذا خلق بالفعل، والذي في هذه السورة بإيداعه القوة المقربة ~~منه، والمراد من الآية التذكير بالنعم استعطافا إلى المؤالفة ms1513 وتفظيعا ~~بحال المخالفة، أي خسروا أنفسهم والحال أنا أنعمنا عليهم بنعمة التمكين ~~بعد أن أنشأناهم على الصورة المذكورة بعد أن كانوا عدما وأسجدنا ~~ملائكتنا لأبيهم وطردنا من تكبر عليه طردا لا طرد مثله، وأبعدناه عن محل ~~قدسنا بعدا لا قرب معه، وأسكنا أباهم الجنة دار رحمتنا وقربنا، فقال ~~تعال مترجما عن ذلك: { ثم قلنا } أي على ما لنا من الاختصاص بالعظمة { ~~للملائكة } أي الموجودين في ذلك الوقت من أهل السماوات والأرض كلهم، بما ~~دلت عليه " ال " سواء قلنا: إنها للاستغراق أو الجنس { اسجدوا لآدم } أي ~~بعد كونه رجلا قائما سويا ذا روح كما هو معروف من التسمية؛ ثم سبب عن ~~هذا الأمر قوله: { فسجدوا } أي كلهم بما دل عليه الاستثناء في قوله: { ~~إلا إبليس } ولما كان معنى ذلك لإخراجه ممن سجد أنه لم يسجد، صرح به ~~فقال: { لم يكن من الساجدين* } أي لآدم. ### || [7.12-16] # ولما كان مخالف الملك في محل العقاب، تشوف السامع إلى خبره فأجيب بقوله: ~~{ قال } أي لإبليس إنكارا عليه توبيخا له استخراجا لكفره الذي كان ~~يخفيه بما يبدي من جوابه ليعلم الخلق سبب طرده { ما منعك } ولما كانت هذه ~~العبارة قد صرحت بعدم سجوده، فكان المعنى لا يلبس بإدخال " لا " في قوله: ~~{ ألا تسجد } أتى بها لتفيد التأكيد بالدلالة على اللوم على الامتناع من ~~الفعل والإقدام على الترك، فيكون كأنه قيل: ما منعك من السجود وحملك على ~~تركه { إذ } أي حين { أمرتك } أي حين حضر الوقت الذي يكون فيه أداء ~~المأمور به { قال } أي إبليس ناسبا ربه سبحانه إلى الجور أو عدم العلم ~~بالحق { أنا خير منه } أي فلا يليق لي السجود لمن هو دوني ولا أمري بذلك ~~لأنه مناف للحكمة؛ ثم بين وجه الخيرية التي تصورها بسوء فهمه أو بما قاده ~~إليه سوء طبعه بقوله: { خلقتني من نار } أي فهي أغلب أجزائي وهي مشرفة ~~مضيئة عالية غالبة { وخلقته من طين* } أي هو أغلب أجزائه وهو كدر مظلم ~~سافل مغلوب، وقد غلط غلطا فاحشا فإن الإيجاد خير ms1514 من الإعدام بلا نزاع، ~~والنار سبب الإعدام والمحق لما خالطته، والطين سبب النماء والتربية لما ~~خالطه،هذا لو كان الأمر في الفضل باعتبار العناصر والمبادىء وليس كذلك، ~~بل هو باعتبار الغايات. # ولما كان هذا أمرا ظاهرا، وكان مجرد التكبر على الله كفرا على أي ~~وجه كان، أعرض عن جوابه بغير الطرد الذي معناه نزوله المنزلة الذي موضع ~~ما طلب من علوها فاستأنف قوله { قال } مسببا عن إبائه قوله: { فاهبط ~~منها } مضمرا للدار التي كان فيها وهي الجنة. فإنها لا تقبل عاصيا، ~~وعبر بالهبوط الذي يلزم منه سقوط المنزلة دون الخروج، لأن مقصود هذه ~~السورة الإنذار وهو أدل عليه، وسبب عن أمره بالهبوط الذي معناه النزول ~~والحدور والانحطاط والنقصان والوقوع في شيء منه قوله: { فما يكون } أي ~~يصح ويتوجه بوجه من الوجوه { لك أن تتكبر } أي تتعمد الكبر وهو الرفعة في ~~الشرف والعظمة والتجبر، ولا مفهوم لقوله { لك } ولا لقوله { فيها } لوجود ~~الصرائح بالمنع من الكبر مطلقا # إنه لا يحب المستكبرين # [النحل: 23]، # كذلك يطبع الله على قلب كل متكبر # [غافر: 35] # قال الذين استكبروا إنا كل فيها # [غافر: 48]، وإنما قيد بذلك تهويلا للأمر، فكأنه قيل: لا ينبغي التكبر ~~إلا لنا، وكلما قرب الشخص من محل القدس الذب هو مكان المطيعين المتواضعين ~~جل تحريم الكبر عليه # " لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل كبر " # رواه مسلم وغيره عن ابن مسعود رضي الله عنه، وسبب عن كونها لا تقبل ~~الكبر قوله: { فاخرج } أي من الجنة دار الرضوان، فانتقى أن يكون الهبوط ~~من موضع عال من الجنة إلى موضع منها أحط منه، ثم علل أمره بالهبوط ~~والخروج بقوله مشيرا إلى كل من أظهر الاستكبار ألبس الصغار: { إنك من ~~الصاغرين* } أي الذين هم أهل للطرد والبعد والحقارة والهوان. # ولما علم أن الحسد قد أبعده ونزل به عن ساحة الرضى وأقعده، تمادى فيه ~~فسأل ما يتسبب به إلى إنزال المحسودين عن درجاتهم العاليه إلى دركته ~~السافلة، ولم يسأل بشقاوته فيما يعليه من دركته السافلة ms1515 إلى درجاتهم ~~العالية، وذلك بأن { قال } أي إبليس، وهو استئناف؛ ولما كان السياق - ~~ولاسيما الحكم بالصغار العاري عن تقييد - يأبى لأن يكون سببا لسؤاله ~~الانتظار، ذكره بصيغة الإحسان فقال { أنظرني } أي بالإمهال، أي اجعلني ~~موجودا بحيث أنظر وأتصرف في زمن ممتد { إلى يوم يبعثون* } أي من القبور، ~~وهو يوم القيامة، وكان اللعين طلب بهذا أنه لا يموت، فإن ذلك الوقت ليس ~~وقتا للموت، إنما هو وقت إفاضة الحياة الأبدية في شقاوة أو سعادة، فأعلم ~~سبحانه أنه حكم له بالانتظار، لكن لا على ما أراده ولا على أنه إجابة له، ~~ولكن هكذا سبق في الأزل في حكمه في قديم علمه، وإليه يرشد التعبير بقوله: ~~{ قال إنك من المنظرين* } أي في الجملة، ومنعه من الحماية عن الموت بقوله ~~كما ذكره في سورتين الحجر وص # إلى يوم الوقت المعلوم # [الحجر: 38، ص:81]، وهووقت النفخة الأولى التي يموت فيها الأحياء فيموت ~~هو معهم، وكان ترك هذه الجملة في هذه السورة لأن هذه السورة للإنذار، ~~وإبهام الأمر اشد في ذلك، وأجابة إلى الإنظار وهو يريد به الفساد، لأنه ~~لا يعدو أمره فيه وتقديره به، ولأنه سبحانه لا يسأل عما يفعل، ولتظهر ~~حكمته تعالى في الثواب والعقاب. # ولما كان قد حكم عليه بالشقاء، قابل نعمة الإمهال وإطالة العمر بالتمادي ~~في الكفر وأخبره عن نفسه بذلك بأن { قال } مسببا عن إيقاعه في المعصية ~~بسبب نوع الآدميين { فبما أغويتني } أي فبسبب إغوائك لي، وهو إيجاد الغي ~~واعتقاد الباطل في قلبي من أجلهم والله { لأقعدن لهم } أي أفعل في قطعهم ~~عن الخير فعل المتمكن المقبل بكليته المتأني الذي لا شغل له غير ما أقبل ~~عليه في مدة إمهالك لي بقطعهم عنك بمنعهم من فعل ما أمرتهم به، وحملهم ~~على فعل ما نهيتهم عنه، كما يقعد قاطع الطريق على السابلة للخطف { صراطك ~~} أي في جميع صراطك، بما دل عليه نزع الخافض { المستقيم* } وهو الإسلام ~~بجميع شعبه، ومن أسند الإغواء إلى غير الله بسبب اعتقاده أن ذلك مما ينزه ~~الله عنه، فقد ms1516 وقع في شر مما فر منه، وهو أنه جعل في الوجود فاعلين يخالف ~~اختيار أحدهما اختيار الآخر. ### || [7.17-20] # ولما كان قد أقام نفسه في ذلك بغاية الجد، فهو يفعل فيه بالوسوسة بنفسه ~~ومن أطاعه من شياطين الجن والإنس ما يفوت الحد ويعجز القوى، أشار إليه ~~بحرف التراخي فقال مؤكدا: { ثم لآتينهم } أي إتيانا لا بد لي منه ~~كائنا ابتداؤه { من بين أيديهم } أي مواجهة، فأحملهم على أن يفعلوا ما ~~يعلمون أنه خطأ { و } كائنا { من خلفهم } أي مغافلة، فيعملون ما هو فاسد ~~في غاية الفساد ولا شعور لهم بشيء من فساده حين تعاطيه فأدلهم بذلك على ~~تعاطي مثله وهم لا يشعرون { وعن } أي ومجاوزا للجهة التي عن { أيمانهم } ~~إليهم { وعن } أي ومجاوزا لما عن { شمائلهم } أي مخايلة، فيفعلونه وهو ~~مشتبه عليهم، وهذه هي الجهات التي يمكن الإتيان منها، ولعل فائدة " عن " ~~المفهمة للمجاوزة وصل خطى القدام والخلف ليكون إتيانه مستوعبا لجميع ~~الجهة المحيطة، وأفهمت الجهات الأربع قدحه وتلبيسه فيما يعلمونه حق علمه ~~وما يعلمون شيئا منه وما هو مشتبه عليهم اشتباها قليلا أو كثيرا، وهم ~~من ترك ذكره الأعلى أنه لا قدرة له على الإتيان منه لئلا يلتبس أمره ~~بالملائكة، وقد ذكر ذلك في بعض الآثار كما ذكره في ترجمة ورقة بن نوفل ~~رضي الله عنه. # ولما عزم اللعين على هذا عزما صادقا ورأى أسبابه ميسرة من الإنظار ~~ونحوه، ظن أنه بما راى لهم من الشهوات والحظوظ يظفر بأكثر حاجته، فقال ~~عاطفا على تقديره: فلأغوينهم وليتبعنني: { ولا تجد أكثرهم } كما هي عادة ~~الأكثر في الخبث { شاكرين* } فأريد به الشقاء فأغرق في الحسد، ولو أريد ~~بالشقي الخير لاستبدل بالحسد الغبطة فطلب أن يرتقي هو إلى درجاتهم ~~العالية بالبكاء والندم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبذل النصيحة ~~خضوعا لمقام الربويية وذلا لعظيم شأنه. # ولما كان كأنه قيل: ماذا قال له؟ قيل: { قال } في جواب ما ذكر لنفسه في ~~هذا السياق من القوة والاقتدار وأبان عنه من الكبر والافتخار ما دل على ~~أنه ms1517 من أهل الصغار، لا يقدر على شيء إلا بإقرار العزيز الجبار، مصرحا ~~بما أريد من الهبوط الذي ربما حمل على النزول من موضع من الجنة عال إلى ~~مكان منها أحط منه { اخرج منها } أي الجنة { مذءوما } أي محقورا مخزيا ~~بما تفعل، قال القطاع: ذأمت الرجل: خزيته، وقال ابن فارس: ذأمته، أي ~~حقرته { مدحورا } أي مبعدا مطرودا عن كل ما لا أريده. # ولما علم بعض حاله، تشوفت النفس إلى حال من تبعه، فقال مقسما مؤكدا ~~بما يحق له من القدرة التامة والعظمة الكاملة: { لمن تبعك منهم } أي بني ~~آدم، وأجاب القسم بما أغنى عن جواب الشرط فقال: { لأملأن جهنم منكم } أي ~~منك ومن قبيلك ومنهم { أجمعين* } أي لا يفوتني منكم أحد، فلم يزل من فعل ~~ذلك منكم على أذى نفسه ولا أبالي أنا بشيء. # ولما أوجب له ما ذكر من الشقاوة تماديه في الحسد وكثرة كلامه في محسوده، ~~التفت إلى محسوده الذي لم يتكلم فيه كلمة واحدة، بل اشتغل بنفسه في ~~البكاء على ذنبه، واكتفى بفعل ربه بما ينجيه من حبائل مكره التي نصبها ~~بما ذكر، ليكون ذلك سبب سعادته، فقال عطفا على { اخرج منها }: { ويا آدم ~~اسكن } ولما كان المراد بهذا الأمر هو نفسه لا التجوز به عن بعض من ~~يلابسه، أكد ضميره لتصحيح العطف ورفع التجوز فقيل: { أنت وزوجك الجنة }. # ولما كان السياق هنا للتعرف بأنه مكن لأبينا في الجنة أعظم من تمكينه ~~لنا في الأرض بأن حباه فيها رغد العيش مقارنا لوجوده؛ ثم حسن في قوله: { ~~فكلا } العطف بالفاء الدال على أن المأكول كان مع الإسكان، لم يتاخر عنه، ~~ولا منافاة بينه وبين التعبير بالواو في البقرة، لأن مفهوم الفاء نوع ~~داخل تحت مفهوم الواو، ولا منافاة بين النوع والجنس، وقوله: { من حيث ~~شئتما } بمعنى رغدا أي واسعا، فإنه يدل على إباحة الأكل من كل شيء فيها ~~غير المنهي عنه، وأما آية البقرة فتدل على إباحة الأكل منها في أي مكان ~~كان، وهذا السياق إلى آخره مشير إلى ms1518 أن من خالف أمره تعالى ثل عرشه وهدم ~~عزه وإن كان في غاية المكنة ونهاية القوة كما أخرج من أعظم له المكنة ~~بإسجاد ملائكته وإسكان جنته وإباحة كل ما فيها غير شجرة واحده؛ أكد ~~تحريمها بالنهي عن قربانها دون الاكتفاء بالنهي عن غشيانها فقال: { ولا ~~تقربا } أي فضلا عن أن تتناولا { هذه الشجرة } مشيرا إلى شجرة بعينها ~~أو نوعها؛ ثم سبب عن القربان العصيان، فإن من حام حول الحمى أوشك أن ~~يواقعه فقال: { فتكونا } أي بسبب قربها { من الظالمين* } أي بالأكل منها ~~الذي هو مقصود النهي فتكونا بذلك فاعلين فعل من يمشي في الظلام؛ ثم سبب ~~عن ذلك بيان حال الحاسد مع المحسودين فيما سأل الإنظار بسببه، وأنه وقع ~~على كثير من مراده واستغوى منه أمما تجاوزوا الحد وقصر عنهم مدى العد؛ ~~ثم بين أنه أقل من أن يكون له فعل، وأن الكل بيده سبحانه، هو الذي جعله ~~آلة لمراده منه ومنهم، وأن من يهد الله فهو المهتدي، ومن يضلل فأولئك هم ~~الخاسرون، فقال: { فوسوس } أي القى في خفاء وتزيين وتكرير واشتهاء { لهما ~~الشيطان } أي بما مكنه الله منه من أنه يجري من الإنسان مجرى الدم ويلقى ~~له في خفاء ما يميل به قلبه إلى ما يريد؛ ثم بين علة الوسوسة بقوله: { ~~ليبدي } أي يظهر { لهما ما روي } أي ستر وغطي بأن جعل كأنه وراءهما لا ~~يلتفتان إليه { عنهما } والبناء للمفعول إشارة إلى أن الستر بشيء لا كلفة ~~عليهما فيه كما يأتي في قوله # ينزع عنهما لباسهما # [الأعراف: 27] و { من سوءاتهما } أي المواضع التي يسوءهما انكشافها، وفي ~~ذلك أن إظهار السوءة موجب للعبد من الجنة وأن بينهما منفية الجمع وكمال ~~التباين. # ولما أخبر بالوسوسة وطوى مضمونها مفهما أنه أمر كبير وخداع طويل، عطف ~~عليه قوله: { وقال } اي في وسوسته أيضا، أي زين لهما ما حدث بسببه في ~~خواطرهما هذا القول: { ما نهاكما } وذكرهما بوصف الإحسان تذكيرا بإكرامه ~~لهما تجزئة لهما على ما يريد منهما فقال: { ربكما } أي المحسن إليكما بما ms1519 ~~تعرفانه من أنواع إحسانه { عن } أي ما جعل نهايتكما في الإباحة للجنة ~~متجاوزة عن { هذه الشجرة } جمع بين الإشارة والاسم زيادة في الاعتناء ~~بالتنصيص { إلا أن } أي كراهية أن { تكونا ملكين } أي في عدم الشهوة وفي ~~القدرة على الطيران والتشكل وغير ذلك من خواصهم { أو تكونا } أي بما يصير ~~لكما من الجبلة { من الخالدين* } أي الذين لا يموتون ولا يخرجون من الجنة ~~أصلا. ### || [7.21-24] # ولما أوصل إليهما هذا المعنى، أخبر أنه أكده تأكيدا عظيما كما يؤكد ~~الحالف ما يحلف عليه فقال: { وقاسمهما } أي أقسم لهما، لكن ذكر المفاعلة ~~ليدل على أنه حصلت بينهما في ذلك مراوغات ومحاولات بذل فيها الجهد، وأكد ~~لمعرفته أنهما طبعا على النفرة من المعصية - ما أقسم عليه أنواعا من ~~التأكيد في قوله: { إني لكما } فأفاد تقديم الجار المفهم للاختصاص أنه ~~يقول: إني خصصتكما بجميع نصيحتي { لمن الناصحين* } وفيه تنبيه على ~~الاحتراز من الحالف، وأن الأغلب أن كل حلاف كذاب، فإنه لا يحلف إلا عند ~~ظنه أن سامعه لا يصدقه، ولا يظن ذلك إلا هو معتاد للكذب. # ولما أخبر ببعض وسوسته لهما، سبب عنها ترجمتها بأنها إهباط من أوج شرف ~~إلى حضيض أذى وسرف فقال: { فدلاهما } أي أنزلهما عما كانا فيه من علو ~~الطاعة مثل ما فعل بنفسه بالمعصية التي أوجبت له الهبوط من دار الكرامة { ~~بغرور } أي بخداع وحيلة حتى نسى آدم عهد ربه، وقوله { فلما ذاقا } مشير ~~إلى الإسراع في الجزاء بالفاء والذوق الذي هو مبدأ الأكل { الشجرة } أي ~~وجدا طعمها { بدت } أي ظهرت { لهما سوءاتهما } أي عوراتهما اللاتي ~~يسوءهما ظهورها، وتهافت عنهما لباسهما فأبصر كل واحد ما كان مستورا عنه ~~من عورة آلاخر، وذلك قصد الحسود فاستحييا عند ذلك { وطفقا } أي شرعا ~~وأقبلا { يخصفان عليهما } أي يصلان بالخياطة { من ورق الجنة } ورقة الى ~~أخرى { وناداهما ربهما } أي المحسن إليهما بأمرهما ونهيهما، ولم يفعلا ~~شيئا من ذلك إلا بمرأى منه، فقال منكرا عليهما ما فعلا ومعاتبا: يا ~~عبدي { ألم أنهكما } أي أجعل لكما نهاية فيما ms1520 أذن لكما فيه متجاوزة { ~~عن تلكما الشجرة } أي التي كان حقها البعد منها، الموجبة للقربة من هذا ~~الموضع الشريف إحسانا إليكما { وأقل لكما إن الشيطان } أي الذي تكبر عن ~~السجود حسدا لك يا آدم ونفاسه عليك، فاحترق بغضبي فطرد وأبعد عن رحمتي { ~~لكما } أي لك ولزوجك ولكل من تفرغ منكما ونسب إليكما { عدو مبين* } ظاهر ~~العداوة يأتيكم من كل موضع يمكنه الإتيان منه مجاهرة ومساترة ومماكرة فهو ~~مع ظهور عداوته دقيق المكر بما أقدرته عليه من إقامة الأسباب، فإني ~~أعطيته قوة على الكيد، وأعطيتكم قوة على الكيد وأعطيتكم قوة على الخلاص ~~وقلت لكم: تغالبوا فإن غلبتموه فأنتم من حزبي، وإن غلبكم فأنتم من حزبه ~~مع ما له إليكم من العداوة، فالآيه منبهة على أن من غوى فإنما هو تابع ~~لأعدى أعدائه تارك لأولى أوليائه. # ولما كان هذا، تشوف السامع إلى جوابهما، فأجيب بقوله: { قالا } أي آدم ~~وحواء - عليهما السلام وأزكى التحية والإكرام - قول الخواص بإسراعهما في ~~التوبة { ربنا } أي أيها المحسن إلينا والمنعم علينا { ظلمنا أنفسنا } أي ~~ضررناها بأن أخرجناها من نور الطاعة إلى ظلام المعصية، فإن لم ترجع بنا ~~وتتب علينا لنستمر عاصيين { وإن لم تغفر لنا } أي تمحو ما عملناه عينا ~~واثرا { وترحمنا } فتعلي درجاتنا { لنكونن من الخاسرين* } فأعربت الآية ~~عن أنهما فزعا إلى الانتصاب بالاعتراف، وسيما ذنبهما - وإن كان إنما هو ~~خلاف الأولى لأنه بطريق النسيان كما في طه - ظلما كما هي عادة الأكابر ~~في استعظام الصغير منهم، ولم يجادلا كما فعل إبليس، وفي ذلك إشارة إلى أن ~~المبادرة إلى الإقرار بالذنب من فعال الأشراف لكونه من معالي الأخلاق، ~~وأنه لا مثيل له في اقتضاء العفو وإزالة الكدر وأن الجدال من فعال ~~الأرذال ومن مساوي الأخلاق وموجبات الغضب المقتضى للطرد. # ولما تشوفت النفس إلى جواب العلي الكبير سبحانه، أجيبت بقوله { قال ~~اهبطوا } أي إلى دار المجاهدة والمقارعة والمناكدة حال كونكم { بعضكم ~~لبعض عدو } أي أنتما ومن ولدتماه أعداء إبليس ومن ولد، وبعض أولادكم ~~أعداء لبعض، ولا خلاص ms1521 إلا باتباع ما منحتكم من هدى العقل وما أنزلت إليكم ~~من تأييده بالنقل، وفي ذلك تهديد صادع لمن له أدنى مسكة بالأشارة إلى قبح ~~مغبة المخالفة ولو مع التوبة، وحث على دوام المراقبة خوفا من سوء ~~المعاقبة { ولكم في الأرض } أي جنسها { مستقر } أي موضع استقرار كالسهول ~~وما شابهها { ومتاع إلى حين* } أي انقضاء آجالكم ثم انقضاء اجل الدنيا. ### || [7.25-27] # ولما علم بهذا أن للكون في الأرض آخرا، وكان من الفلاسفة التناسخية ~~وغيرهم ممن يقر بالوحدانية من يقول: إن النفوس مجردة عن الجسمية وعلائقها ~~وإنه إذا هلك الجسد اتصلت بالعلويات إما بكوكب أو غيره أو انحطت في سلك ~~الملائكة وبطل تعلقها بالبدن من كل وجه فلا تتصل به لا بتدبير ولا غيره ~~ولا بالبعث - عند من قال منهم بالبعث، كان كأنه قيل: فماذا يكون بعد ذلك؟ ~~فأجيب بقوله { قال } أي الله رادا عليهم ما يعتقدون من بطلان التعلق ~~بالبدن معبرا بالخطاب بالضمير الذي يعبر عن هذا الهيكل المخصوص روحا ~~وجسدا { فيها } أي الأرض لا في غيرها { تحيون } أي أولا وثانيا على ما ~~أنتم عليه بظواهركم وبواطنكم أبدانا وأرواحا { وفيها } أي كذلك، لا في ~~غيرها كما أنتم لذلك مشاهدون { تموتون } أي من الحياة الأولى بجملتكم، ~~فيكون للأرواح تعلق بالأبدان بوجه ما حتى يقعد الميت في القبر ويجيب سؤال ~~الملكين عليهما السلام، وتلتذ الأجساد بلذتها وتتألم بتألمها، فأشير إلى ~~الحشر مع تفصيل حال الكون في الأرض، وختمت القصة بما ابتدئت به من ~~الإعلام بالبعث بقوله: { ومنها } أي لا من غيرها بإخبار الصادق { تخرجون* ~~} أي روحا وبدنا بعد موتكم فيها وعودكم إلى ما كنتم عليه أولا ترابا، ~~للجزاء وإظهار ثمرة الملك بإنصاف بعضكم من بعض والتحلي بصفة العدل فما ~~كان بعضكم يفعل مع بعض من العسف والجور الذي لا يرضي أقل رؤسائكم أن يقر ~~عليه عبيده، وعلم بهذا أن الدلالة على الحشر فذلكة القصة، وهذا أبين من ~~ذكره فيما مضى في قوله # فلنسئلن الذين أرسل إليهم # [الأعراف: 6]. # ولما بين فيما مضى أن موجب ms1522 الإخراج من الجنة هو ما أوجب كشف السوءة من ~~المخالفة وفرغ مما استتبعه حتى أخبره بأنه حكم بإسكاننا هذه الدار بعد ~~تلك الدار، شرع يحذرنا من عدونا كما حذر أبانا عليه السلام، وبدأ بقوله ~~بيانا لأنه أنعم علينا فيها بكل ما يحتاج إليه في الدين والدنيا ~~وإيذانا بما في كشف العورة من الفضيحة والإبعاد عن كل خير وإشعارا بأن ~~التستر باب عظيم من أبواب التقوى { يا بني آدم }. # ولما كان الكلام في كشف العورة، وأن آدم عليه السلام أعوزه الساتر حتى ~~فزع إلى الورق، كان موضع أن يتوقع ما يكون في ذلك فقال مفتتحا بحرف ~~التوقع: { قد أنزلنا } أي بعظمتنا { عليكم } من آثار بركات السماء، إما ~~ابتداء بخلقه وإما بإنزال أسبابه لمطر ونحوه { لباسا } أي لم يقدر عليه ~~أبوكم في الجنة { يواري سوءاتكم } إرشادا إلى دواء ذلك الداء وإعلاما ~~بأن نفس الكشف نقص لا يصلح لحضرات الكمال، وقال: { وريشا } إشارة إلى ~~أنه سبحانه زادنا على الساتر ما به الزينة والجمال استعارة من ريش ~~الطائر، محببا فيما يبعد من الذنب ويقرب إلى حضرة الرب. # ولما ذكر اللباس الحسي، وقسمه على ساتر ومزين، أتبعه المعنوي فقال ~~مشيرا - بقطعه في قراءة الجمهور عما قبله - إلى كمال تعظيمه حثا عليه ~~وندبا إليه: { ولباس التقوى } فعلم أن ساتر العورات حسي ومعنوي، فالحسي ~~لباس الثياب، والمعنوي التحلي بما يبعث على المناب؛ ثم زاد في تعظيم ~~المنوي بقوله: { ذلك خير } أي ولباس التقوى هو خير من لباس الثياب، ولكنه ~~فصل باسم الإشارة المقترن بإداة البعد إيماء إلى علو رتبته وحسن عاقبته ~~لكونه أهم اللباسين لأن نزعه يكون بكشف العورة الحسية والمعنوية، فلو ~~تجمل الإنسان بأحسن الملابس وهو غير متق كان كله سوءات، ولوكان متقيا ~~وليس عليه إلا خريقة تواري عورته كان في غاية الجمال والستر والكمال، بل ~~ولو كان مكشوف العورة في بعض الأحوال كما قال صلى الله عليه وسلم # " ستر ما بين عوراتكم وأعين الجن أن يقول أحدكم إذا دخل الخلاء: بسم ~~الله اللهم! إني أعوذ ms1523 بك من الخبث والخبائث " # رواه الترمذي وابن ماجه عن علي رضى الله عنه، والذي يكاد يقطع به أن ~~المعاصي سبب إحلال السوءة الذي منه ضعف البدن وقصر العمر حسا أو معنى ~~بمحق البركة منه لما يفهمه ما تقدم في البقرة في بدء الخلق عن التوراة أن ~~الله تعالى قال لآدم عليه السلام: كل من جميع أشجار الفردوس، فأما شجرة ~~علم الخير والشر فلا تأكل منها لأنك في اليوم الذي تأكل منها تموت موتا ~~تتهيأ للموت حسا، ويقضى عليك بالاشتغال بأسباب المعيشة فيقصر عمرك معنى ~~بذهاب بركته - والله أعلم. # ولما كان في شرع اللباس تمييز الإنسان عن بقية الحيوان وتهيئة أسبابه ~~التي لم يجدها آدم عليه السلام في الجنة من الفضل والنعمة والدلالة على ~~عظمة المنعم ورحمته وقدرته واختياره ما هو معلوم، قال: { ذلك } أي إنزال ~~اللباس { من آيات الله } أي الذي حاز صفات الكمال الدالة على فضله ورحمته ~~لعباده، ولعل الالتفات من الخطاب إلى الغيبة { لعلهم يذكرون* } - لو على ~~أدنى وجوه التذكر بما يشير إليه الإدغام - لئلا يقول المتعنت: إن الحث ~~على التذكر خاص بالمخاطب ويدعي أنه المسلمون فقط، أي أنزلنا ذلك ليكون ~~حالهم حال من يتذكر فيعرف أنه يستقبح منه ما يستقبح من غيره. # ولما كان المقصود من ذكر القصص لا سيما قصص الأنبياء الاعتبار بها، فكان ~~بيان ما وقع بين آدم عليه السلام وبين الشيطان من شديد العدواة مقتضيا ~~للتحذير من الشيطان، وكان المقام خطرا والتخلص عسرا، أشار إلى ذلك ~~بالتأكيد وبيان ما سلط الشيطان به من المكايد الخفية والأسباب الدقيقة ~~ليعلم الناجي أنه إنما نجا بمحض التوفيق ومجرد اللطف فيقبل على الشكر ~~متبرئا من الحول والقوة، فقال مناديا لهم بما يفهم الاستعطاف والتراؤف ~~والتحنن والترفق والاستضعاف: { يا بني آدم } أي الذي خلقته بيدي وأسكنته ~~جنتي ثم أنزلته إلى دار محبتي إرادة الإعلاء لكم إلى الذروة من عبادتي ~~والإسفال إلى الحضيض من معصيتي { لا يفتننكم } أي لا يخالطنكم بما يميلكم ~~عن الاعتدال { الشيطان } أي البعيد المحترق بالذنوب، يصدكم ms1524 عما يكون ~~سببا لردكم إلى وطنكم بتزيين ما ينزع عنكم من لباس التقوى المفضي إلى ~~هتك العورات الموجب لخزي الدنيا، فيمنعكم بذلك من دخول الجنة ويدخلكم ~~النار { كما أخرج أبويكم من الجنة } بما فتنهما به بعد أن كانا سكناها ~~وتمكنا فيها وتوطناها، وقد علمتم أن الدفع أسهل من الرفع فإياكم ثم ~~إياكم! فالآية من الاحتباك: ذكر الفتنة أولا دليلا على حذفها ثانيا، ~~والإخراج ثانيا دليلا على حذف ضده أو نظيره أولا. # ولما كان قد بذل الجهد في إخراجهما، فسر الإخراج - مشيرا إلى ذلك - ~~بإطالة الوسواس وإدامة المكر والخديعة بالتعبير بالفعل المضارع فقال في ~~موضع الحال من ضمير " الشيطان ": { ينزع عنهما } أي بالتسبيب بإدامة ~~التزيين والأخذ من المأمن { لباسهما } أي الذي كان الله سبحانه قد سترهما ~~به ما داما حافظين لأنفسهما من مواقعة ما نهيا عنه، ودل على منافاة الكشف ~~للجنة بالتعليل بقوله: { ليريهما سوءاتهما } فإن ذلك مبدأ ترك الحياة و " ~~الحياء والإيمان في قرن " - كما أخرجه الطبراني وأبو نعيم في الحلية عن ~~ابن عمر رضي الله عنهما، و " الحياء لا يأتي إلا بخير " - كما رواه ~~الشيخان عن عمران بن حصين رضي الله عنهما. # ولما كان نهي الشيطان عن فتنتنا إنما هو في الحقيقة نهي لنا عن الافتتان ~~به، فهو في قوة ليشتد حذركم من فتنته فإنه دقيق الكيد بعيد الغور بديع ~~المخاتله؛ علل ذلك بقوله: { إنه يراكم } أي الشيطان { هو وقبيله } أي ~~جنوده { من حيث لا ترونهم } عن مالك بن دينار أن عدوا يراك ولا تراه ~~لشديد المؤنة إلا من عصمه الله. # ولما كان كأنه قيل: لم سلطوا علينا هذا التسليط العظيم الذي لا يكاد ~~يسلم معه أحد، قال مخففا لأمرهم موهيا في الحقيقة لكيدهم: { إنا } أي ~~فعلنا ذلك لأنا بما لنا من العظمة { جعلنا الشياطين } أي المحترقين ~~بالغضب البعيدين من الرحمة { أولياء } أي قرباء وقرناء { للذين لا ~~يؤمنون* } أي يجددون الإيمان، لأن بينهم تناسبا في الطباع يوجب الاتباع، ~~وأما أولياؤنا الذين منعناهم بقوتنا منه أو فتناهم يسيرا بهم، ثم ms1525 ~~خلصناهم بلطفنا منهم فليسوا لهم بأولياء، بل هم لهم أعداء وآيتهم أنهم ~~يؤمنون، والمعنى أنا مكناهم من مخاتلتكم بسترهم عنكم وإظهاركم لهم، ~~فسلطناهم بذلك على من حكمنا بأنه لا يؤمن بتزيينهم لهم وتسويلهم ~~واستخفافهم بأن ينصروهم في بعض المواطن ويوصلوهم إلى شيء من المطالب، ~~فعلنا ذلك ليتبين الرجل الكامل - الذي يستحق الدرجات العلى ويتردد إليه ~~الملائكة بالسلام والجنى - من غير فخذوا حذركم فإن الأمر خطر والخلاص ~~عسر، وبعبارة أخرى: إنا سلكناكم طريقا وجعلنا بجنبتيها أعداء يرونكم ولا ~~ترونهم، وأقدرناهم على بعضكم، فمن سلك سواء السبيل نجا ومن شذ أسره ~~العدو، ومن دنا من الحافات بمرافقة الشبهات قارب العدو ومن قاربه ~~استغواه، فكلما دنا منه تمكن من أسره، وكل من تمكن من أسره بعد الخلاص ~~فاحذروا، وعدم رؤيتنا لهم في الجملة لا يقتضي امتناع رؤيتهم على أنه قد ~~صح تصورهم في الأجسام الكثيفة ورؤية بني آدم لهم في تلك الأجسام كالشيطان ~~الذي رآه أبو هريره رضى الله عنه حين أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بحفظ الصدقة، وكذا أبي بن كعب رضي الله عنه، وحديث خالد بن الوليد رضي ~~الله عنه في شيطان العزي معروف في السير، وكذا حديث سواد بن قارب رضى ~~الله عنه في إرشاد رئيه من الجن له، وكذا خطر ابن مالك رضي الله عنه في ~~مثل ذلك وغيرهما، وفي شرحي لنظمي للسيرة كثير من ذلك، وكذا حديث العفريت ~~الذي تفلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بشعلة من نار ليقطع عليه ~~صلاته فأخزاه الله وأمكن منه رسول الله، وقال النبي صلى الله عليه وسلم # " لولا دعوة أخي سليمان عليه السلام لأصبح مربوطا بسارية المسجد يتلعب ~~به ولدان أهل المدينة " # قال أبو حيان: إلا أن رؤيتهم في الصور نادرة كما أن الملائكة عليهم ~~السلام تبدو في صور كحديث جبريل عليه السلام. ### || [7.28-31] # ولما جعل أمارتهم في ولاية الشيطان عدم الإيمان، عطف على ذلك أمارة أخرى ~~فقال: { وإذا فعلوا فاحشة } أي أمرا بالغا في القبح كالشرك وكشف ms1526 العورة ~~في الطواف { قالوا } معللين لارتكابهم إياها { وجدنا عليها } أي فاحشة { ~~آباءنا } ولما كانت هذه العلة ظاهرا عارها بينا عوارها، ضموا إليها ~~افتراء ما يصلح للعلية، فقالوا معبرين بالاسم الأعظم غير محتشمين من ~~جلاله وعظمته وكماله: { والله أمرنا بها }. # ولما كانت العلة الأولى ملغاة، وكان العلم ببطلانها بديهيا، لأن من ~~المعلوم أنهم لو وجدوهم على سفه في تحصيل المال ما تابعوهم؛ أعرض عنها ~~إشارة إلى ذلك، وأمر بالجواب عن الثانية التي هي افتراء على الملك الأعلى ~~مع ادعائهم أنهم أبعد الناس عن مطلق الكذب وأشدهم تحريا بقوله: { قل إن ~~الله } أي الذي له الكمال كله { لا يأمر بالفحشاء } أي بشيء من هذا ~~الجنس. # ولما كان الكذب قبيحا في نفسه وهو عندهم أقبح القبيح مطلقا، فكيف به ~~على كبير منهم فكيف إذا كان على أعظم العظماء! قال منكرا عليهم موبخا ~~لهم مهددا: { أتقولون على الله } أي الذي له جميع العظمة { ما لا ~~تعلمون* } لأنكم لم تسمعوا ذلك عن الله بلا واسطة ولا نقل إليكم بطريق ~~صحيح عن نبي من الأنبياء عليهم السلام، وفيه تهديد شديد على الجهل والقول ~~على الله بالظن. # لما كان تعليلهم بأمر الله مقتضيا لأنه إذا أمر بشيء أتبع، أمره أن ~~يبلغهم أمره الذي جاء به دليل العقل مؤيدا بجازم النقل فقال: { قل } أي ~~لهؤلاء الذين نابذوا الشرع والعرف { أمر ربي } المحسن إلي بالتكليف ~~بمحاسن الأعمال، التي تدعو إليها الهمم العوال { بالقسط } وهو الأمر ~~الوسط بين ما فحش في الإفراط صاعدا عن الحد، وفي التفريط هابطا منه؛ ~~ولما كان التقدير: فأقسطوا اتباعا لما أمر به، أو كان القسط مصدرا ينحل ~~إلى: أن أقسطوا، عطف عليه { وأقيموا وجوهكم } مخلصين غير مرتكبين لشيء من ~~الجور { عند كل مسجد } أي مكان ووقت وحال يصلح السجود فيه، ولا يتقيدن ~~أحد بمكان ولا زمان بأن يقول وقد أدركته الصلاة: أذهب فأصلي في مسجدي { ~~وادعوه } عند ذلك كله دعاء عبادة { مخلصين له الدين* } أي لا تشركوا به ~~شيئا. # ولما كان المعنى: فإن من لم ms1527 يفعل ذلك عذبه بعد إعادته له بعد الموت، ~~ترجمه مستدلا عليه بقوله معللا: { كما بدأكم } أي في النشأة الأولى ~~فأنتم تبتدئون نعيدكم بعد الموت فأنتم { تعودون* } حال كونكم فريقين: { ~~فريقا هدى } أي خلق الهداية في قلوبهم فحق لهم ثواب الهداية { وفريقا } ~~أضل، ثم فسر أضل - لأنه واجب التقدير بالنصب - بقوله: { حق } أي ثبت ووجب ~~{ عليهم الضلالة } أي لأنه أضلهم فيحشرون على ما كانو عليه في الدنيا من ~~الأديان، والأبدان، وقد تبين أن ههنا احتباكين: أثبت في أولهما بدا ~~دليلا على حذف يعيد وذكر تعودون دليلا على حذف تبتدئون، وأثبت في ~~الثاني هدى دليلا على حذف أضل وذكر حقوق الضلالة دليلا على حذف حقوق ~~الهدى. # ولما كرر سبحانه ذكر البعث كما تدعو إليه الحكمة في تقرير ما ينكره ~~المخاطب تأنيسا له به وكسرا لشوكته وإيهانا لقوته وقمعا لسورته إلى ~~أن ختم بما هو أدل عليه مما قبل من قوله ومنها تخرجون # فلنسئلن الذين أرسل إليهم # [الأعراف: 6] علل ما ختم به هذا الدليل من حقوق الضلالة أي وجوبها أي ~~وجوب وبالها عليهم بقوله: { إنهم اتخذوا } أي كلفوا أنفسهم ضد ما دعتهم ~~إليه الفطرة الأولى بأن أخذوا { الشياطين أولياء } أي أقرباء وأنصارا { ~~من دون الله } أي الملك الأعلى الذي لا مثل له { ويحسبون } أي والحال ~~أنهم يظنون بقلة عقولهم { أنهم مهتدون* } فأشار بذلك إلى أنهم استحقوا ~~النكال لأنهم قنعوا في الأصول - التي يجب فيها الابتهال ألى القطع - ~~بالظنون. # ولما أمر سبحانه بالقسط وبإقامة الوجه عند كل مسجد، أمرهم بما ينبغي عند ~~تلك الإقامة من ستر العورة الذي تقدم الحث عليه وبيان فحش الهتك وسوء ~~أثره معبرا عنه بلفظ الزينة ترغيبا فيه وإذنا في الزينة وبيانا لأنها ~~ليس مما يتورع عنه لقوله صلى الله عليه وسلم # " إن الله يحب إذا بسط على عبد رزقه أن يرى أثر نعمته عليه " # رواه أحمد والترمذي وابن منيع عن أبي هريرة رضى الله عنه، وأتبع ذلك ~~أعظم ما ينبغي لابن آدم أن يعتبر فيه القسط من المأكل والمشرب ms1528 فقال ~~مكررا النداء استعطافا وإظهارا لعظيم الإشفاق وتذكيرا بقصة أبيهم آدم ~~عليه السلام التي أخرجته من الجنة مع كونه صفي الله ليشتد الحذر: { يا ~~بني آدم } أي الذي زيناه فغره الشيطان ثم وقيناه شره بما أنعمنا عليه به ~~من حسن التوبة وعظيم الرغبة { خذوا زينتكم } أي التي تقدم التعبير عنها ~~بالريش لستر العورة والتجمل عند الاجتماع للعبادة { عند كل مسجد } وأكد ~~ذلك كونهم كانوا قد شرعوا أن غير الحمس يطوفون عراة. # ولما امر بكسوة الظاهر بالثياب لن صحة الصلاة متوقفة عليها، أمر بكسوة ~~الباطن بالطعام والشراب لتوقف القدرة عادة عليها فقال: { وكلوا واشربوا } ~~وحسن ذلك أن بعضهم كان يتدين في الحج بالتضييق في ذلك. # ولما أمر بالملبس والمطعم، نهى عن الاعتداء فيهما فقال: { ولا تسرفوا } ~~بوضع شيء من ذلك فيما لا يكون أحق مواضعه ولو بالزيادة على المعاء، ومن ~~ذلك أن يتبع السنة في الشرب فيسير لأن العكر يرسب في الإناء فربما أذى من ~~شربه، ولذلك نهى عن النفس في الإناء لأنه ربما أنتن فعافته النفس، وأما ~~الطعام فليحسن إناءه والأصابع لنيل البركة وهو أنظف، ثم علل ذلك بقوله: { ~~إنه لا يحب المسرفين* } أي لا يكرمهم، ولا شك أن من لا يحبه لا يحصل له ~~شيء من الخير فيحيط به كل شر، ومن جملة السرف الأكل في جميع البطن، ~~والاقتصاد الاقتصار على الثلث كما قال النبي صلى الله عليه وسلم # " حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبة فإن كان لا بد فثلث للطعام وثلث للشراب ~~وثلث للنفس " # و # " وما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطن " # و # " الكافر يأكل في سبعة أمعاء والمؤمن يأكل في معى واحد " # أخرجه البخاري عن ابن عمر رضى الله عنهما، قال الأطباء، الأمعاء سبعة، ~~فالمعنى حينئذ أن الكافر يأكل شعبا فيملأ الأمعاء السبعة، والمؤمن يأكل ~~تقوتا فيأكل في معى واحد، وذلك سبع بطنه، وإليه الإشارة بلقيمات، فإن لم ~~يكن ففي معاءين وشيء وهوالثلث - والله أعلم - وسبب الاية أنهم كانوا ~~يطرحون ثيابهم إذا أرادوا الطواف، يقولون: لا ms1529 نطوف في ثياب إذ بتنا فيها، ~~ونتعرى منها لنتعرى من الذنوب إلا الحمس وهم قريش ومن ولده، وكانوا لا ~~يأكلون من الطعام إلا قوتا ولا يأكلون دسما، فقال المسلمون: يارسول ~~الله! فنحن أحق أن نفعل ذلك - فأنزلت. ### || [7.32-34] # ولما كان من المعلوم أن ما كانوا ألفوه واتخذوه دينا يستعظمون تركه، ~~لأن الشيطان يوسوس لهم بأنه توسع الدنيا، والتوسع فيها مما ينبغي الزهد ~~فيه كما دعا إليه كثير من الآيات، أكد سبحانه الإذن في ذلك بالإنكار على ~~من حرمه، فقال منكرا عليهم إعلاما بأن الزهد الممدوح ما كان مع صحة ~~الاعتقاد في الحلال والحرام، وأما ما كان مع تبديل شيء من الدين بتحليل ~~حرام أو عكسه فهو مذموم: { قل } منكرا موبخا { من حرم زينة الله } أ ي ~~الملك الذي لا أمر لأحد معه { التي أخرج لعباده } أي ليتمتعوا بها من ~~الثياب والمعادن وغيرها. # ولما ذكر الملابس التي هي شرط في صحة العبادة على وجه عم غيرها من ~~المراكب وغيرها، أتبعها المآكل والمشارب فقال: { والطيبات } أي من الحلال ~~المستلذ { من الرزق } كالبحائر والسوائب ونحوها؛ ولما كان معنى الإنكار: ~~لم يحرمها من يعتبر تحريمه بل أحلها، وكان ربما غلا في الدين غال تمسكا ~~بالآيات المنفرة عن الدينا المهونة لشأنها مطلقا فضلا عن زينة وطيبات ~~الرزق، قال مستأنفا لجواب من يقول: لمن؟: { قل هي } أي الزينة والطيبات ~~{ للذين آمنوا } وعبر بهذه العبارة ولم يقل: ولغيرهم، تنبيها على أنها ~~لهم بالاصالة { في الحياة الدنيا } وأما الكفار فهم تابعون لهم في التمتع ~~بها وإن كانت لهم أكثر، فهي غير خالصة لهم وهي للذين آمنوا { خالصة } أي ~~لا يشاركهم فيها أحد، هذا على قراءة نافع بالرفع، والتقدير على قراءة ~~غيره: حال كونها خالصة { يوم القيامة } وفي هذا تأكيد لما مضى من إحلالها ~~بعد تأكيد ومحو الشكوك، وداعية للتأمل في الفصل بين المقامين لبيان أن ~~الزهد المأمور به إنما هو بالقلب بمعنى أنه لا يكون للدنيا عنده قدر ولا ~~له إليها التفات ولا هي أكبر همه، وأما كونها ms1530 ينتفع بها فيما أذن الله ~~فيه وهي محقورة غير مهتم بها فذلك من المحاسن. # ولما كان هذا المعنى من دقائق المعاني ونفائس المباني، أتبعه تعالى قوله ~~جوابا لمن يقول: إن هذا التفصيل فائق فهل يفصل غيره هكذا؟ { كذلك } أي ~~مثل هذا التفصيل البديع { نفصل الآيات } أي نبين أحكامها ونميز بعض ~~المشبهات من بعض { لقوم يعلمون* } أي لهم ملكة وقابلية للعلم ليتوصلوا به ~~إلى الاعتقاد الحق والعمل الصالح. # ولما بين أن ما حرموه ليس بحرام فتقرر ذلك تقررا نزع من النفوس ما كانت ~~ألفته من خلافه، ومحا من القلوب ما كانت أشربته من ضده؛ كان كأنه قيل: ~~فماذا حرم الله الذي ليس التحريم إلا إليه؟ فأمره تعالى بأن يجيبهم عن ~~ذلك ويزيدهم بأنه لم يحرم غيره فقال: { قل إنما حرم ربي } أي المحسن ~~إلي بجعل ديني أحسن الأديان { الفواحش } أي كل فرد منها وهي ما زاد ~~قبحه؛ ولما كانت الفاحشة ما يتزايد قبحه فكان ربما ظن أن الإسرار بها غير ~~مراد بالنهي قال: { ما ظهر منها } بين الناس { وما بطن }. # ولما كان هذا خاصا بما عظمت شناعته قال: { والإثم } أي مطلق الذنب الذي ~~يوجب الجزاء، فإن الإثم الذنب والجزاء؛ ولما كان البغي زائد القبح ~~مخصوصا بأنه من أسرع الذنوب عقوبة، خصة بالذكر فقال: { والبغي } وهو ~~الاستعلاء على الغير ظلما، ولكنه لما كان قد يطلق على مطلق الطلب، حقق ~~معناه العرفي الشرعي فقال: { بغير الحق } أي الكامل الذي ليس فيه شائبة ~~باطل، فمتى كان فيه شائة باطل كان بغيا، ولعله يخرج العلو بالحق ~~بالانتصار من الباغي فإنه حق كامل الحقية، وتكون تسميته بغيا على طريق ~~المشاكلة تنفيرا - بإدخاله تحت اسم البغي - من تعاطيه وندبا إلى العفو ~~كما تقدم مثله في # لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم # [النساء: 148] ويمكن أن يكون تقييده تأكيدا لمنعه بأنه لا يتصور إلا ~~موصوفا بأنه بغير الحق كما قال تخصيصا وتنصيصا تنبيها على شدة ~~الشناعة: { وأن تشركوا بالله } أي الذي اختص بصفات الكمال { ما ms1531 لم ينزل ~~به سلطانا } فإنه لا يوجد ما يسميه أحد شريكا إلا وهو مما لم ينزل به ~~الله سلطانا بل ولا حجة به في الواقع ولا برهان، ولعله إنما قيده بذلك ~~إرشادا إلى أن أصول الدين لا يجوز اعتمادها إلا بقاطع فكيف بأعظمها وهو ~~التوحيد! ولذلك عقبه بقوله: { وأن } أي وحرم أن { تقولوا على الله } أي ~~الذي لا أعظم منه ولا كفوء له و { ما لا تعلمون* } أي ما ليس لكم به علم ~~بخصوصه ولا هو مستند إلى علم أعم من أن يكون من الأصول أو لا. # ولما تقدم أن الناس فريقان: مهتد وضال، وتكرر ذم الضال باجترائه على ~~الله بفعل ما منعه منه وترك ما أمره به، وكانت العادة المستمرة للملوك ~~أنهم لا يمهلون من تتكرر مخالفته لهم؛ كان كأنه قيل: فلم يهلك من يخالفه؟ ~~فقيل وعظا وتحذيرا: إنهم لا يضرون بذلك إلا أنفسهم، ولا يفعلون شيئا ~~منه إلا بإرادته، فسواء عندهم بقاؤهم وهلاكهم، إنما يستعجل من يخاف الفوت ~~أو يخشى الضرر، ولهم أجل لا بد من استيفائه، وليس ذلك خاصا بهم بل { ~~ولكل أمة أجل } وهو عطف على # فيها تحيون وفيها تموتون # [الأعراف: 25] { فإذا جاء أجلهم }. # ولما كان نظرهم إلى الفسحة في الأجل، وكان قطع رجائهم من من جملة ~~عذابهم، قدمه فقال: { لا يستأخرون } أي عن الأجل { ساعة } عبر بها ~~والمراد أقل ما يمكن لأنها أقل الأوقات في الاستعمال في العرف، ثم عطف ~~على الجملة الشرطية بكمالها لا على جزائها قوله: { ولا يستقدمون* } أي ~~على الأجل المحتوم، لأن الذي ضربه لهم ما ضربه إلا وهو عالم بكل ما يكون ~~من أمرهم، لم يتجدد له علم، لم يكن يتجدد شيء من أحوالهم، ويجوز أن يكون ~~معطوفا على قوله: # ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين # [الأعراف: 24] وتكون الآية معلمة بأنهم سيتناسلون فيكثرون حتى يكونوا ~~أمما، ولا يتعرضون جملة بل يكون لكل أمة وقت. ### || [7.35-37] # ولما كان استشراف النفس إلى السؤال عما يكون بعد حين المستقر والمتاع ~~أشد من استشرافها ms1532 إلى هذا لكونه أخفى منه، فهو أبعد من خطوره في البال؛ ~~قدم قوله: # قال فيها تحيون # [الأعراف: 25] ولما كان ذكر الدواء لداء هتك السوءة أهم قدم # أنزلنا عليكم لباسا # [الأعراف: 26] ثم ما بعده حتى كان الأنسب بهذه الاية هذا الموضع فنظمت ~~فيه. # ولما تقدمت الإشارة إلى الحث على اتباع الرسل بآيات المقصد الأول من ~~مقاصد هذه السورة كقوله تعالى # كتاب أنزل إليك # [الأعراف: 2] و # لتنذر # [ الأعراف: 2] و # اتبعوا ما أنزل إليكم # [الأعراف: 3] وقوله # فلنسئلن الذين أرسل إليهم # [الأعراف: 6] وقوله # قل أمر ربي بالقسط # [الأعراف: 29]، # إنما حرم ربي الفواحش # [الأعراف: 33] والتحذير من الشياطين بقوله # ولا تتبعوا من دونه أولياء # [الأعراف: 3] وبقوله # لأقعدن لهم صراطك المستقيم # [الأعراف: 16]، # لا يفتننكم الشيطان # [الأعراف: 27] وغيره، فتحرر أنه لا سبيل إلى النجاة إلا بالرسل، وختم ~~ذلك بالأحل حثا على العمل في أيام المهلة؛ أتبع ذلك قوله حاثا على ~~التعلق بأسباب النجاة باتباع الدعاة الهداة قبل الفوت بحادث الموت ببيان ~~الجزاء لمن احسن الاتباع في الدارين { يا بني آدم }. # ولما كان له سبحانه أن يعذب من خالف داعي العقل من غير إرسال رسول، وكان ~~إرسال الرسل جائزا له وفضلا منه سبحانه إذ لا يوجب عليه، أشار إلى ذلك ~~بحرف الشك فقال: { إما } هي إن، الشرطية وصلت بها ما تأكيدا { يأتينكم ~~رسل } ولما كانت زيادة الخبرة بالرسول أقطع للعذر وأقوى في الحجة قال: { ~~منكم } أي من نوعكم من عند ربكم. # ولما كان الأغلب على مقصد هذه السورة العلم كما تقدم في # فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين # [الأعراف: 7] ويأتي في # ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم # [الأعراف: 52] وغيرها، كان التعبير بالقص - الذي هو تتبع الأثر كما تقدم ~~في الأنعام - أليق فقال: { يقصون عليكم آياتي } أي يتابعون ذكرها لكم على ~~وجه مقطوع به، ويتبع بعضهم بها أثر بعض لا يتخالفون في أصل واحد من ~~الأصول. # ولما كان لقاء الرسل حتما والهجرة إليهم واجبة لأن العمل لا يقبل إلا ~~بالاستناد إليهم مهما وجد إلى ذلك سبيل، ربط الجزاء بالفاء فقال: ms1533 { فمن ~~اتقى } أي خاف مقامي وخاف وعيدي بسبب التصدق بالرسل والتلقي عنهم { وأصلح ~~} أي عمل صالحا باقتفاء آثارهم { فلا خوف } أي غالب { عليهم } أي بسبب ~~ذلك من شيء يتوقعونه { ولا هم } أي بضمائرهم { يحزنون* } أي يتجدد لهم في ~~وقت ما حزن على شيء فاتهم، لأن الله يعطيهم ما يقر به أعينهم، وكأنه غاية ~~في التعبير لأن إجلالهم لله تعالى وهيبتهم له يمكن أن يطلق عليهما خوف. # ولما ذكر المصدق، أتبعه المكذب فقال { والذين كذبوا بآياتنا } أي على ما ~~لها من العظمة بإضافتها إلينا؛ ولما كان التكذيب قد يكون عن شبهة أو نوع ~~من العذر، نفى ذلك بقوله: { واستكبروا عنها } أي أوجدوا الكبر إيجاد من ~~هو طالب له عظيم الرغبة فيه، متجاوزين عنها إلى أضداد ما دعت إليه. # ولما ذلك ليس سببا حقيقيا للتعذيب، وإنما هو كاشف عمن ذرأه الله لجهنم ~~لإقامة الحجة عليه، أعري عن الفاء قوله: { أولئك } أي البعداء البغضاء { ~~أصحاب النار } ولما كان صاحب الشيء هو الملازم له المعروف به، قال مصرحا ~~بذلك: { هم } أي خاصة ليخرج العاصي من غير تكذيب ولا استكبار { فيها } أي ~~النار خاصة، وهي تصدق بكل طبقة من طبقاتها { خالدون* } فقد تبين أن إثبات ~~الفاء أولا للترغيب في الاتباع، وتركها ثانيا للترهيب من شكاسة الطباع، ~~فالمقام في الموضعين خطر، ولعل من فوائده الإشارة إلى أنه إذا بعث رسول ~~وجب على كل من سمع به أن يقصده لتحرير أمره، فإذا بان له صدقه تبعه، وإن ~~تخلف عن ذلك كان مكذبا - الله الموفق. # ولما كان تكذيب الرسل تارة يكون بشرع شيء لم يشرعوه، وتارة برد ما شرعوه ~~قولا وفعلا، وأخبر أن المكذبين أهل النار، علل ذلك بقوله: { فمن أظلم } ~~أي أشنع ظلما { ممن افترى } أي تعمد { على الله } أي الملك الأعلى { ~~كذبا } أي كمن شرع في المطاعم والملابس غير ما شرع، أو ادعى أنه يوحي ~~إليه فحكم بوجود ما لم يوجد { أو كذب بآياته } أي برد ما أخبر به الرسل ~~فحكم بإنكار ما وجد. # ولما كان ms1534 الجواب: لا أحد أظلم من هذا، بل هو أظلم الناس، وكان مما علم ~~أن الظالم مستحق للعقوبة فكيف بالأظلم قال: { أولئك } أي البعداء من ~~الحضرات الربانية { ينالهم نصيبهم من الكتاب } أي الذي كتب حين نفخ الروح ~~أو من الآجال التي ضربها سبحانه لهم والأرزاق التي قسمها، تأكيدا لرد ~~اعتراض من قال: إن كنا خالفنا فما له لا يهلكنا؟ ثم غيي نيل النصيب ~~بقوله: { حتى إذا جاءتهم رسلنا } أي الذين قسمنا لهم من عظمتنا ما شئنا ~~حال كونهم { يتوفونهم } أي يقبضون أرواحهم كاملة من جميع أبدانهم { قالوا ~~أين ما كنتم } عنادا كمن هو في جبلته { تدعون } أي دعاء عبادة { من دون ~~الله } أي تزعمون أنهم واسطة لكم عند الملك الأعظم وتدعونهم حال كونكم ~~معرضين عن الله، ادعوهم الآن ليمنعوكم من عذاب الهوان الذي نذيقكم { ~~قالوا ضلوا } أي غابوا { عنا } فلا ناصر لنا. # ولما كان الإله لا يغيب فعلموا ضلالهم بغيبتهم عنهم، قال مترجما عن ~~ذلك: { وشهدوا على أنفسهم } أي بالغوا في الاعتراف { أنهم كانوا كافرين* ~~} أي ساترين عنادا لما كشف لهم عنه نور العقل فلا مانع منه إلا حظوظ ~~النفوس ولزوم البؤس. ### || [7.38-39] # ولما كان كأنه قيل: لقد اعترفوا، والاعتراف - كما قيل - إنصاف، فهل ~~ينفعهم؟ قيل: هيهات! فات محله بفوات دار العمل لا جرم! { قال } أي الذي ~~جعل الله إليه أمرهم { ادخلوا } كائنين { في أمم } أي في جملة جماعات ~~وفرق أم بعضها بعضا؛ ثم وصفهم دالا بتاء التأنيث على ضعف عقولهم فقال: ~~{ قد خلت } ولما كان في الزمن الماضي من آمن، أدخل الجار فقال { من قبلكم ~~} ولما كان الجن الأصل في الإغواء قدمهم فقال: { من الجن والإنس } ثم ذكر ~~محل الدخول فقال: { في النار }. # ولما جرت عادة الرفاق بأنهم يتكالمون وحين الاجتماع يتسالمون تشوف ~~السامع إلى حالهم في ذلك فقال مجيبا له: { كلما دخلت أمة } أي منهم في ~~النار { لعنت أختها } أي القريبة منها في الدين والملة التي قضيت آثارها ~~واتبعت منارها، يلعن اليهود اليهود والنصارى النصارى - وهكذا، واستمر ذلك ~~منهم ms1535 { حتى إذا اداركوا } اي تداركوا وتلاحقوا، يركب بعضهم بعضا - بما ~~يشير إليه الإدغام { فيها جميعا } لم يبق منهم أمة ولا واحد من أمة { ~~قالت أخراهم } أي في الزمن والمنزلة، وهم الأتباع والسفل { لأولاهم } أي ~~لأجلهم مخاطبين لله خطاب المخلصين { ربنا } أي الذي ما قطع إحسانه في ~~الدنيا عنا على ما كان منا من مقابلة إحسانه بالإساءة { هؤلاء } أي ~~الأولون { أضلونا } أي لكونهم أول من سن الضلال { فآتهم } أي أذقهم بسبب ~~ذلك { عذابا ضعفا } أي يكون بقدر عذاب غيرهم مرتين لأنهم ضلوا وأضلوا ~~لأنهم سنوا الضلال، # " ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة " # ومنه " لا تقتل نفس ظلما إلا على ابن آدم الأول كفل من دمها " لأنه أول ~~من سن القتل، ثم أكدوا شدة العذاب بقولهم: { من النار* }. # ولما كان كأنه قيل: لقد قالوا ما له وجه، فبم أجيبوا؟ قيل: { قال } أي ~~جوابا لهم { لكل } أي من السابق واللاحق والمتبوع والتابع { ضعف } وإن ~~لم يكن الضعفاء متساويين لأن المتبوع وإن كان سببا لضلال التابع فالتابع ~~أيضا كان سببا لتمادي المتبوع في ضلاله وشدة شكيمته فيه بتقويته ~~بالاتباع وتأييده بالمناضله عنه والدفاع؛ ولما كانوا جاهلين باستحقاقهم ~~الضعف لسبب هذه الدقيقة قال: { ولكن لا تعلمون* } أي بذلك. # ولما ذكر ملام الآخرين على الأولين، عطف عليه جواب الأولين فقال: { ~~وقالت أولاهم } أي أولى الفرق والأمم { لأخراهم } مسببين عن تأسيسهم لهم ~~الضلال ودعائهم إليه { فما كان لكم علينا } أي بسبب انقيادكم لنا ~~واتباعكم في الضلال { من فضل } أي لنحمل عنكم بسببه شيئا من العذاب لأنه ~~لم يعد علينا من ضلالكم نفع وقد شاركتمونا في الكفر { فذوقوا } أي بسبب ~~ذلك { العذاب } في سجين { بما } اي بسبب ما { كنتم تكسبون* } لا بسبب ~~اتباعكم لنا في الكفر. ### || [7.40-42] # ولما جرت العادة بأن أهل الشدائد يتوقعون الخلاص، أخبر أن هؤلاء ليسوا ~~كذلك، لأنهم أنجاس فليسوا أهلا لمواطن الأقداس، فقال مستأنفا لجواب من ~~كأنه قال: أما لهؤلاء خلاص؟ وأظهر موضع الإضمار تعميما وتعليقا ms1536 للحكم ~~بالوصف: { إن الذين كذبوا بآياتنا } أي وهي المعروفة بالعظمة بالنسبة ~~إلينا { واستكبروا عنها } أي وأوجدوا الكبر متجاوزين عن اتباعها { لا ~~تفتح لهم } أي لصعود أعمالهم ولا دعائهم ولا أرواحهم ولا لنزول البركات ~~عليهم { أبواب السماء } لأنها طاهرة عن الأرجاس الحسية والمعنوية فإذا ~~صعدت أرواحهم الخبيثة بعد الموت مع ملائكة العذاب أغلقت الأبواب دونها ثم ~~ألقيت من هناك إلى سجين { ولا يدخلون الجنة } أي التي هي أطهر المنازل ~~وأشرفها { حتى } يكون ما لا يكون بأن { يلج } أي يدخل ويجوز { الجمل } ~~على كبره { في سم } أي في خرق { الخياط } أي الإبرة اي حتى يكون ما لا ~~يكون، إذا فهو تعليق على محال، فإن الجمل مثل في عظم الجرم عند العرب، ~~وسم الإبرة مثل في ضيق المسلك، يقال: أضيق من خرق الإبرة، ومنه الماهر ~~الخريت للدليل الذي يهتدي في المضايق المشبهة بأخراق الإبر؛ وعن ابن ~~مسعود رضي الله عنه أنه سئل عن الجمل فقال: زوج الناقة - استجهالا ~~للسائل وإشارة إلى طلب معنى آخر غير هذا الظاهر تكلف. # ولما كان هذا للمكذبين المستكبرين أخبر أنه لمطلق القاطعين أيضا فقال: ~~{ وكذلك } أي ومثل ذلك الجزاء بهذا العذاب وهو أن دخولهم الجنة محال عادة ~~{ نجزي المجرمين* } أي القاطعين لما أمر الله به أن يوصل وإن كانوا ~~أذنابا مقلدين للمستكبرين المكذبين؛ ثم فسر جزاء الكل فقال: { لهم من ~~جهنم مهاد } أي فرش من تحتهم، جمع مهد، ولعله لم يذكره لأن المهاد ~~كالصريخ فيه { ومن فوقهم غواش } أي أغطية - جمع غاشية - تغشيهم من جهنم؛ ~~وصرح في هذا بالفوقية لأن الغاشية ربما كانت عن يمين أو شمال، أو كانت ~~بمعنى مجرد الوصول والإدراك، ولعله إنما حذف الأول لأن الآية من ~~الاحتباك، فذكر جهنم أولا دليلا على إرادتها ثانيا، وذكر الفوق ثانيا ~~دليلا على إرادة التحت أولا. # ولما كان بعضهم ربما لا تكون له أهلية قطع ولا وصل، قال عاما لجميع ~~أنواع الضلال: { وكذلك } أي ومثل ذلك الجزاء { نجزي الظالمين* } ليعرف أن ~~المدار على الوصف، والمجرم: المذنب ومادته ترجع ms1537 إلى القطع، والظالم: ~~الواضع للشيء في غير موضعه كفعل من يمشي في الظلام، يجوز أن يكون نبه ~~سبحانه بتغاير الأوصاف على تلازمها، فمن كان ظالما لزمه الإجرام ~~والتكذيب والاستكبار وبالعكس. # ولما أخبر عن أحوالهم ترهيبا، أتبعه الإخبار عن أحوال المؤمنين ترغيبا ~~فقال { والذين آمنوا } في مقابلة { الذين كذبوا }. # ولما قال: { وعملوا } أي تصديقا لإيمانهم في مقابلة { الذين استكبروا } ~~{ الصالحات } وكان ذلك مظنة لتوهم أن عمل جميع الصالحات - لأنه جمع محلى ~~بالألف واللام - شرط في دخول الجنة؛ خلل ذلك بجملة اعتراضية تدل على ~~التخفيف فقال: { لا نكلف نفسا إلا وسعها } وترغيبا في اكتساب مالا يوصف ~~من النعيم بما هو في الوسع { أولئك } أي العالو الرتبة { أصحاب الجنة } ~~ولما كانت الصحبة تدل على الدوام، صرح به فقال: { هم فيها خالدون }. ### || [7.43-46] # ولما كانت الدار لا تطيب إلا بحسن الجوار قال: { ونزعنا } أي بما لنا من ~~العظمة التي لا يعجزها شيء { ما } كان في الدنيا { في صدورهم من غل } أي ~~ضغينة وحقد وغش من بعضهم على بعض يغل، أي يدخل بلطف إلى صميم القلب، ومن ~~الغلول، وهو الوصول بالحيلة إلى الذنوب الدقيقة، ويقال: غل في الشيء ~~وتغلغل فيه - إذا دخل فيه بلطافة كالحب يدخل في صميم الفؤاد، حتى أن صاحب ~~الدرجة السافلة لا يحسد صاحب العالية. # ولما كان حسن الجوار لا يلذ إلا بطيب القرار باحكام الدار، وكان الماء ~~سبب العمارة وطيب المنازل، وكان الجاري منه أعم نفعا وأشد استجلابا ~~للسرور قال تعالى { تجري من } وأشار إلى علوهم بقوله: { تحتهم الأنهار } ~~فلما تمت لهم النعمة بالماء الذي به حياة كل حياة كل شيء فعرف أنه يكون ~~عنه الرياض والأشجار وكل ما به حسن الدار، أخبر عن تعاطيهم الشكر لله ~~ولرسوله المستجلب للزيادة بقوله: { وقالوا الحمد } أي الإحاطة بأوصاف ~~الكمال { لله } أي المحيط بكل شيء علما وقدرة لذاته لا لشيء آخر؛ ثم ~~وصفوه بما يقتضي ذلك له لأوصافه أيضا، فقالوا معلمين أنه لا سبب لهم في ~~الوصول إلى النعيم غير النعيم غير فضله في ms1538 الأولى والأخرى: { الذي هدانا ~~} أي بالبيان والتوفيق، وأوقعوا الهداية على ما وصلوا إليه إطلاقا ~~للمسبب على السبب { لهذا } أي للعمل الذي أوصلنا إليه { وما } أي والحال ~~أنا ما { كنا لنهتدي } أصلا لبناء جبلاتنا على خلاف ذلك { لولا أن هدانا ~~الله } أي الذي له الأمر كله، وقراءة ابن عامر بغير واو على أن الجملة ~~موضحة لما قلبها، والقراءتان دامغتان للقدرية. # ولما كان تصديقهم للرسل في الدنيا إيمانا بالغيب من باب علم اليقين، ~~أخبروا في الآخرة بما وصلوا إليه من عين اليقين سرورا وتبججا لا ~~تعبدا، وثناء على الرسل ومن أرسلهم بقولهم مفتتحين بحرف التوقع لأنه ~~محله: { لقد جاءت رسل ربنا } أي المحسن إلينا { بالحق } أي الثابت الذي ~~يطابقه الواقع الذي لا زوال له. # ولما غبطوا أنفسهم وحقروها وأثبتوا الفضل لأهله، عطف على قولهم قوله ~~مانا عليهم بقبول أعمالهم، ولما كان السار الإخبار عن الإيراث لا كونه ~~من معين، بني للمفعول قوله: { ونودوا } أي إتماما لنعيمهم { أن } هي ~~المخففة من الثقيلة أو هي المفسرة { تلكم الجنة } العالية { أورثتموها } ~~أي صارت إليكم من غير تعب ولا منازع { بما } أي بسبب ما { كنتم تعملون* } ~~لأنه سبحانه جعله سببا ظاهريا بكرمه، والسبب الحقيقي هو ما ذكروه هم من ~~توفيقه. # ولما استقرت بهم الدار، ونودوا بدوام الاستقرار، أخبر سبحانه أنهم ~~أقبلوا متبججين على أهل النار شامتين بهم في إحلالهم دار البوار تلذيذا ~~لأنفسهم بالنعيم وتكديرا على الأشقياء في قوله: { ونادى أصحاب الجنة } ~~أي بعد دخول كل من الفريقين إلى داره { أصحاب النار } يخبرونهم بما أسبغ ~~عليهم من النعم، ويقررونهم بما كانوا يتوعدونهم به من حلول النقم؛ ثم فسر ~~ما وقع له النداء بقوله: { أن } أو هي مخففة من الثقيلة، وذكر حرف التوقع ~~لأنه محله فقال: { قد وجدنا } أي بالعيان كما كنا واجدين له بالإيمان { ~~ما وعدنا ربنا } أي المحسن إلينا في الدارين من الثواب { حقا } أي وجدنا ~~جميع ما وعدنا ربنا لنا ولغيرنا حقا كما كنا نعتقد { فهل وجدتم } أي ~~كذلك { ما وعد } وأثبت المفعول الأول ms1539 تلذيذا، وحذفه هنا احتقارا ~~للمخاطبين، وليشمل ما للفريقين فيكون وجد بمعنى العلم وبمعنى اللقى، وفي ~~التعبير بالوعد دون الوعيد مع ذلك تهكم بهم { ربكم } أي الذي أحسن إليكم ~~فقابلتم إحسانه بالكفران من العقاب { حقا } لكونكم وجدتم ما توعدكم به ~~ربكم حقا { قالوا نعم } أي قد وجدنا ذلك كله حقا؛ قال سيبويه: نعم ~~عدة، أي في جواب: أتعطيني كذا، وتصديق في مثل قد كان كذا، والآية من ~~الاحتباك: أثبت المفعول الثاني أولا دليلا على حذف مثله ثانيا، وحذفه ~~ثانيا دليلا على إثبات مثله أولا - والله أعلم. # ولما حبوا من النعم بما تقدم، وكان منه الجار الحسن، وكان العيش مع ذلك ~~لا يهنأ إلا بإبعاد جار السوء، أخبروا ببعده وزيدوا سرورا بإهانته في ~~قوله: { فأذن } أي بسبب ما أقر به أهل النار على انفسهم { مؤذن بينهم } ~~أي بين الفريقين { أن } مخففه أو مفسرة في قراءة نافع وأبي عمرو وعاصم، ~~وشددها الباقون ونصبوا { لعنة الله } أي طرد الملك الأعظم وإبعاده على ~~وجه الغضب { على الظالمين* } أي الذين كانوا مع البيان الواضح يضعون ~~الأشياء في غير مواضعها كحال من لم ير نورا أصلا { الذين يصدون } أي ~~لهم فعل الصد لمن أراد الإيمان ولمن آمن ولغيرهما بالإضلال بالإرغاب ~~والإرهاب والمكر والخداع { عن سبيل الله } أي طريق دين الملك الذي لا ~~كفوء له الواضح الواسع { ويبغونها } أي يطلبون لها { عوجا } بإلقاء ~~الشكوك والشيهات، وقد تقدم ما فيه في آل عمران { وهم بالآخرة كافرون* } ~~أي ساترون ما ظهر لعقولهم من دلائلها؛ فمتى وجدت هذه الصفات الأربع حقت ~~اللعنة { وبينهما } أي وحال الفريقين عند هذه المناداة أنه بينهما أو بين ~~الدارين { حجاب } أي سور لئلا يجد أهل النعيم في دارهم ما يكدر نعيمها { ~~وعلى الأعراف } جمع عرف وهو كل عال مرتفع لأنه يكون أعرف مما انخفض، وهي ~~المشرفات من ذلك الحجاب { رجال } استوت حسناتهم وسيئاتهم فوفقوا هنالك ~~حتى يقضي الله فيهم ثم يدخلهم الجنة بفضل رحمته كما جاء مفسرا في مسند ~~ابن أبي خثيمة من حديث جابر رضى ms1540 الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم { ~~يعرفون كلا } أي من أصحاب الجنة وأصحاب النار قبل دخول كل منهم داره { ~~بسيماهم } أي علامتهم { ونادوا } أي أصحاب الأعراف { أصحاب الجنة } أي ~~بعد دخولهم إليها واستقرارهم فيها { أن سلام عليكم } أي سلامة وأمن من كل ~~ضار. # ولما كان هذا السلام ربما أشعر أنه بعد دخول أهل الأعراف الجنة، فكأنه ~~قيل أكان نداؤهم بعد مفارقتهم الأعراف ودخولها؟ فقيل لا، { لم يدخلوها } ~~أي الجنة بعد { وهم } أي والحال أنهم { يطمعون* } في دخولها، وعبر بالطمع ~~لأنه لا سبب للعباد إلى الله من أنفسهم وإن كانت لهم أعمال فضلا عن ~~هؤلاء الذين لا أعمال لهم. ### || [7.47-51] # ولما دل ما تقدم على أنهم مقبلون على الجنة وأهلها، قال مرغبا مرهبا: ~~{ وإذا صرفت } بناه للمفعول لأن المخيف لهم الصرف لا كونه من معين { ~~أبصارهم } أي صرفها صارف من قبل الله بغير اختيار منهم { تلقاء } أي وجاه ~~{ أصحاب النار } أي بعد استقرارهم فيها فرأوا ما فيها من العذاب { قالوا ~~} أي أصحاب الأعراف حال كونهم لم يدخلوها وهم يخافون مستعيذين منها { ~~ربنا } أي أيها المحسن إلينا في الدنيا بكل إحسان وفي الآخرة بكونك لم ~~تدخلنا إلى هذا الوقت إلى النار { لا تجعلنا مع القوم الظالمين* } بأن ~~تدخلنا مدخلهم. # ولما تقدم كلامهم لأهل الجنة بالسلام، أخبر أنهم يكلمون أهل النار ~~بالتوبيخ والملام فقال: { ونادى } وأظهر الفاعل لئلا يلبس بأهل الجنة ~~فقال { أصحاب الأعراف } أي الحال صرف وجوهم إلى جهة أهل النار { رجالا } ~~أي من أهل النار { يعرفونهم } أي بأعيانهم، وأما معرفتهم إجمالا فتقدم، ~~وإنما قال هنا: { بسيماهم } لأن النار قد أكلتهم وغيرت معالمهم مع تغيرهم ~~بالسمن وسواد الوجوه وعظم الجثث ونحوه { قالوا } نفيا أو استفهاما ~~توبيخا وتقريعا { ما أغنى عنكم جمعكم } أي للمال والرجال { وما كنتم ~~تستكبرون* } أي تجددون بهما هذه الصفة وتوجدونها دائما في الدنيا زاعمين ~~أنه لا غالب لكم؛ ثم زادوا في توبيخهم وتقريعهم وتحزينهم وتأسيفهم ~~والإنكار عليهم بقولهم مشيرين إلى ناس كانوا يستضعفونهم من أهل الجنة ~~ويحقرونهم: ms1541 { أهؤلاء } وكأنه يكشف لهم عنهم حتى يروهم زيادة في عذابهم { ~~الذين أقسمتم } أي في الدنيا { لا ينالهم الله } أي الذي له صفات الكمال ~~{ برحمة } فكيف بكمال الرحمة. # ولما كان التصريح بأمرهم بدخول الجنة إنكاء لأهل النار لأنه أنفى لما ~~أقسموا عليه، قالوا: { ادخلوا } أي قال الله لهم أو قائل من قبله ادخلوا ~~{ الجنة لا خوف عليكم } أي من شيء يمكن توقع أذاه { ولا أنتم تحزنون* } ~~أي يتجدد لكم حزن في وقت من الأوقات على شيء فات لما عندكم من الخيرات ~~التي لا تدخل تحت الوصف. # ولما تقدم نداء أصحاب الجنة عندما حصل لهم السرور بدخولها لأصحاب النار ~~بما يؤلم وينكي، وختم بهذه الرحمة التي تطمع المحروم فيما يسر ويزكي، ~~أخبر أن أصحاب النار ينادون أصحاب الجنة عندما حصل لهم من الغم بدخولها، ~~لكن بما شأنه أن يرقق ويبكي، فقال ما يدل على أن عندهم كل ما نفي عن أهل ~~الجنة في ختام الأية السالفة من الخوف والحزن: { ونادى أصحاب النار } أي ~~بعد الاستقرار { أصحاب الجنة } بعد أن عرفهم إياهم وأمر الجنة فتزخزفت ~~فكان ذلك زيادة في عذابهم؛ ثم فسر المنادى به فقال { أن أفيضوا علينا من ~~الماء } أي لأنكم أعلى منا، فإذا أفضتموه وصل إلينا، وهذا من فرط ما هم ~~فيه من البلاء، فإن بين النار والجنة أهوية لا قرار لها ولا يمكن وصول ~~شيء من الدارين إلى الأخرى معها. # ولما كانت الإفاضة تتضمن الإنزال قالوا: { أو } أي أو أنزلوا علينا { ~~مما رزقكم الله } أي الذي له الغنى المطلق، من أي شيء هان عليكم إنزاله ~~{ قالوا } أي أصحاب الجنة { إن الله } أي الذي حاز جميع العظمة { حرمهما ~~} أي منعهما بتلك الأهوية وغيرها من الموانع { على الكافرين* } أي ~~الساترين لما دلهم عليه قويم العقل وصريح النقل { الذين اتخذوا } أي ~~تكلفوا غير ما دلهم عليه العقل الفطري حين نبه بالعقل الشرعي بأن أخذوا { ~~دينهم } بعد ما محقوا صورته وحقيقته كما يمحق الطين إذا اتخذته خزفا ~~فصار الدين { لهوا } أي اشتغالا بما من ms1542 شأنه أن يغفل وينسى عن كل ما ~~ينفع من الأمور المعجبة للنفس من غير نظر في عاقبة، فجوزوا من جنس عملهم ~~بأن لم ينظر لهم في إصلاح العاقبة. # ولما قدم ما هو أدعى إلى الاجتماع على الباطل الذي هو ضد مقصود السورة ~~من الاجتماع على الجد وأدعى إلى الغفلة، وكان من شأن الغفلة عن الخير أن ~~تجر إلى استجلاب الأفراح والانهماك في الهوى، حقق ذلك بقوله: { ولعبا } ~~أي إقبالا على ما يجلب السرور ويقطع الوقت الحاضربالغرور، ولذلك أتبعه ~~قوله: { وغرتهم } أي في فعل ذلك { الحياة الدنيا } أي بما فيها من ~~الأعراض الزائلة من تأميل طول العمر والبسط في الرزق ورغد العيش حتى ~~صاروا بذلك محجوبين عن نظر معانيها وعما دعا إليه تعالى من الإعراض عنها ~~فلم يحسبوا حساب ما وراءها. ولما كان تركهم من رحمته سبحانه مؤبدا، أسقط ~~الجار { فاليوم } أي فتسبب عن ذلك أن في هذا اليوم { ننساهم } أي نتركهم ~~ترك المنسي { كما } فعلوا هم بأنفسهم بأن { نسوا } أي تركوا { لقاء يومهم ~~هذا } فلم يعدوا له عدته { وما } أي وكما { كانوا } أي جبلة وطبعا { ~~بآياتنا } على ما لها من العظمة بنسبها إلينا { يجحدون* } أي ينكرون وهم ~~يعرفون حقيقتها لأنها في غاية الظهور. ### || [7.52-54] # ولما ذكر نسيانهم وجحودهم، ذكر حالهم عند ذلك فقال: { ولقد } أي فعلوا ~~ذلك والحال أنا وعزتنا قد { جئناهم } أي على عظمتنا بإتيان رسولنا إليهم ~~عنا { بكتاب } ليس هو موضعا للجحد أصلا؛ ثم بين ذلك في سياق مرغب ~~للمؤالف مرهب للمخالف فقال: { فصلناه } أي بينا معاينة لم ندع فيها ~~لبسا، وجعلنا لآياته فواصل حال كون ذلك التفصيل { على علم } أي عظيم، ~~فجاء معجزا في نظمه ومعناه وسائر علمه ومغزاه، وحال كونه { هدى } أي ~~بيانا { ورحمة } أي إكراما، ثم خص المنتفعين به لأن من لا ينتفع بالشيء ~~فهو كالمعدوم في حقه فقال: { لقوم يؤمنون* } أي فيهم قابلية ذلك، وفيه ~~رجوع إلى وصف الكتاب الذي هو أحد مقاصد السورة على أبداع وجه في أحسن ~~أسلوب. # ولما وصف الكتاب وذكر ms1543 المنتفع به، تشوفت النفس إلى السؤال عن حال من لا ~~يؤمن به وهم الجاحدون، فقال مشيرا إلى أن حالهم في وقوفهم عن المتابعه ~~بعد العلم بصدقه بعجزهم عنه كحال من ينتظر أن يأتي مضمون وعيده: { هل ~~ينظرون } أي ينتظرون، ولكنه لما لم يكن لهم قصد في ذلك بغير ما يفهمه ~~الحال، جرد الفعل ولإفادة أنه بتحقيق إتيانه في غاية القرب حتى كأنه ~~مشاهد لهم { إلا تأويله } أي تصيير ما فيه من وعد ووعيد إلى مقاره وعواقب ~~أمره التي أخبر أنه يصير إليها. # ولما كان كأنه قيل: ما يكون حالهم حينئذ؟ قال: التحسر والإذغان حيث لا ~~ينفع، والتصديق والإيمان حين لا يقبل، وعبر عن ذلك بقوله: { يوم يأتي ~~تأويله } أي بلوغ وعيده إلى مبلغه في الدنيا أو في الآخرة؛ ولما قدم ~~اليوم اهتماما به، أتبعه العامل فيه فقال: { يقول الذين نسوه } أي تركوه ~~ترك المنسي، ويجوز أن يكون عد ذلك نسيانا لأنه ركز في الطباع أن كل ملك ~~لا بد له من عرض جنده ومحاسبتهم، فلما أعرضوا عن ذلك فيما هو من جانب ~~الله عده نسيانا منهم لما ركز في طباعهم. # ولما كان نسيانهم في بعض الزمان السابق، أدخل الجار فقال { من قبل } أي ~~قبل كشف الغطاء محققين للتصديق { قد جاءت } أي فيما سبق من الدنيا { رسل ~~ربنا } أي المحسن إلينا { بالحق } أي المطايق لهذا الواقع الذي نراه مما ~~كانوا يتوعدوننا به، فما صدقوا حتى رأوا فلم يؤمنوا بالغيب ولا أوقعوا ~~الإيمان في دار العمل فلذا لم ينفعهم. # ولما وصفوه سبحانه بالإحسان لما كشف الحال عنه من حلمه وطول أناته، ~~سببوا عن ذلك قولهم: { فهل لنا من شفعاء } أي في هذا اليوم، وكأنهم جمعوا ~~الشفعاء لدخولهم في جملة الناس في الشفاعة العظمى لفصل القضاء؛ ثم سببوا ~~عن ذلك تحقيق كونهم لهم أي بالخصوص فقالوا { فيشفعوا لنا } أي سواء كانوا ~~من شركائنا الذين كنا نتوهم فيهم النفع أو من غيرهم ليغفر لنا ما قدمنا ~~من الجرائم { أو نرد } أي إن لم يغفر ms1544 لنا إلى الدنيا التي هي دار العمل، ~~والمعنى أنه لا سبيل لنا إلى الخلاص إلا أحد هذين السببين؛ ثم سببوا عن ~~جواب هذا الاستفهام الثاني قولهم: { فنعمل } أي في الدنيا { غير الذي كنا ~~} أي بجبلاتنا من غير نظر عقلي { نعمل }. # ولما كان من المعلوم عند من صدق القرآن وعلم مواقع ما فيه من الأخبار ~~أنه لا يكون لهم شيء من ذلك، كانت نتيجته قوله: { قد خسروا أنفسهم } أي ~~فلا احد أخسر منهم { وضل } أي غاب وبطل { عنهم ما كانوا } أي جبلة ~~وطبعا، لا يمكنهم الرجوع عنه إلا عند عند رؤية البأس { يفترون* } أي ~~يتعمدون في الدنيا من الكذب في أمره لقصد العناد للرسل من ادعاء أن ~~الأصنام تشفع لهم ومن غير ذلك من أكاذيبهم. # ولما كان مدار القرآن على تقرير الأصول الأربع: التوحيد والنبوة والمعاد ~~والعلم، وطال الكلام في إخباره سبحانه عن أوامره ونواهيه وأفعاله ~~بأوليائه وأعدائه الدالة على تمام القدرة والعلم، وختم بأن شركاءهم تغني ~~عنهم، علل ذلك بأنه الرب لا غيره، في سياق دال على الوحدانية التي هي ~~أعظم مقاصد السورة، كفيل بإظهار الحجج عليها، وعلى المقصد الثاني - وهو ~~الإعادة التي فرغ من تقرير أحوالها بالإبداء الذي تقرر في العقول أنه أشد ~~من الإعادة - بأدلة متكلفة بتمام القدرة والعلم فقال: { إن ربكم } أي ~~المحسن إليكم بالإيجاد من العدم وتدبير المصالح هو { الله } أي الملك ~~الذي لا كفوء له وحده لا صنم ولا غيره؛ ثم وصفه بما حقق ذلك فقال: { الذي ~~خلق السماوات والأرض } أي على اتساعهما وعظمتهما. # ولما كان ربما قال الكفار: ما له إذا كان قادرا وأنت محق في رسالتك لا ~~يعجل لنا الإتيان بتأويله، بين أن عادته الأناه وإن كان أمره وأخذه كلمح ~~بالبصر إذا أراده، فقال: { في ستة أيام } أي في مقدارها؛ ولما كان تدبير ~~هذا الخلق أمرا باهرا لا تسعه العقول، ولهذا كانت قريش تقول: كيف يسع ~~الخلق إله واحد! أشار إلى عظمته وعلو رتبته بأداة البعد فقال: { ثم استوى ~~على العرش } أي أخذ ms1545 في التدبير لما أوجده وأحدث خلقه أخذا مستوفى مستقصى ~~مستقلا به لأن هذا شأن من يملك ملكا ويأخذ في تدبيره وإظهار أنه لا ~~منازع له في شيء منه وليكون خطاب الناس على ما ألفوه من ملوكهم لتستقر في ~~عقولهم عظمته سبحانه، وركز في فطرهم الأولى من نفي التشبيه منه، ويقال: ~~فلان جلس على سرير الملك، وإن لم يكن هناك سرير ولا جلوس، وكما يقال في ~~ضد ذلك: فلان ثل عرشه، أي ذهب عزه وانتقض ملكه وفسد أمره، فيكون هذا ~~كناية لا يلتفت فيه إلى أجراء التركيب، والألفاظ على ظواهرها كقولهم ~~للطويل: طويل النجاد، وللكريم: عظيم الرماد. # ولما كان سبحانه لا يشغله شان عن شأن، ابتدأ من التدبير هو آية ذلك ~~بمشاهدته في تغطية الأرض بظلامه في آن واحد، فقال دالا على كمال قدرته ~~المراد بالاستواء بأمر يشاهد كل يوم على كثرة منافعة التي جعل سبحانه بها ~~انتظام هذا الوجود: { يغشي } أي استوى حال كونه يغشي { الليل النهار } ~~وقال أبو حيان: وقرأ حميد بن قيس: يغشى الليل - بفتح الياء وسكون الغين ~~وفتح الشين وضم اللام، كذا قال عنه أبو عمرو الداني، وقال أبو الفتح بن ~~جني عن حميد بنصب الليل ورفع النهار، وقال ابن عطية: وأبو الفتح أثبت، ~~وهذا الذي قاله - من أن أبا الفتح أثبت - كلام لا يصح، إذ رتبة أبي عمرو ~~الداني في القراءة ومعرفتها وضبط رواياتها واختصاصه بذلك بالمكان الذي لا ~~يدانيه أحد من أئمة القراءة فضلا عن النجاة الذين ليسوا مقرئين ولا رووا ~~القراءة عن أحد ولا روى عنهم القراءة أحد، هذا مع الديانة الزائدة ~~والتثبت في النقل وعدم التجاسر ووفور الحظ من العربية، فقد رأيت له ~~كتابا في كلا وكتابا في إدغام أبي عمرو الكبير دلا على اطلاعه على ما ~~لا يكاد يطلع عليه أئمة النجاة ولا المقرئين إلى سائر تصانيفه، والذي ~~نقله أبو عمرو الداني عن حميد أمكن من حيث المعنى، لأن ذلك موافق لقراءة ~~الجماعة إذ { اليل } في قراءتهم - وإن كان منصوبا- هو الفاعل من ms1546 حيث ~~المعنى إذ همزة النقل أو التضعيف صيرة مفعولا، ولا يجوز أن يكون مفعولا ~~ثانيا من حيث المعنى، لأن المنصوبين تعدى إليهما الفعل وأحدهما فاعل من ~~حيث المعنى، فيلزم أن يكون الأول منهما كما لزم ذلك في: ملكت زيدا ~~عمرا، إذ رتبة التقديم هي الموضحة أنه الفاعل من حيث المعنى كما لزم ذلك ~~في ضرب موسى عيسى - انتهى. # ولما أخبر سبحانه أن الليل يغطي النهار، دل على أن النهار كذلك بقوله ~~مبينا لحال الليل { يطلبه } أي الليل يجر ويطلب النهار دائما طلبا { ~~حثيثا } أي سريعا جدا لتغطية الليل، وذلك لأن الشيء لا يكون مطلوبا ~~إلا بعد وجوده، وإذا وجد النهار كان مغطيا لليل، لأنهما ضدان، وجود ~~أحدهما ماح لوجود الآخر، وابتدأ سبحانه بذكر الليل لأن إغشاءه أول كائن ~~بعد تكمل الخلق، وحركتهما بواسطة حركة العرش، ولذا ربطهما به، وهي أشد ~~الحركات سرعة وأكملها شدة، وللشمس نوعان من الحركة: أحدهما بحسب ذاتها ~~تتم بقطع الدرج كلها في جميع الفلك، وبسببه تحصل السنة، والثاني بحسب ~~حركة الفلك الأعظم تتم في اليوم بليلته، والليل والهنار إنما يحصلان بسبب ~~حركة السماء الأقصى الذي يقال له العرش لا بسبب حركة النيرين، وأجاز ابن ~~جني أن يكون { يطلبه } حالا من النهار في قراءة الجماعة وإن كان ~~مفعولا، أي حال كون النهار يطلب الليل حثيثا ليغطيه، وأن يكون حالا ~~منهما معا لأن كلا منهما طالب للآخر، وبهذا ينتظم ما قاله في قراءة ~~حميد، فإن كلا منهما يكون غاشيا للآخر، قال في كتابه المحتسب في ~~القراءات الشواذ: ووجه صحة القراءتين والتقاء معنييهما أن الليل والنهار ~~يتعاقبان، وكل واحد منهما وإن أزال صاحبه فإن صاحبه أيضا مزيل له، وكل ~~واحد منهما على هذا فاعل وإن كان مفعولا ومفعول وإن كان فاعلا، على أن ~~الظاهر في الاستحثاث هنا إنما هو النهار لأنه بسفورة وشروقه أظهر أثرا ~~في الاستحثاث من الليل. # ولما ذكر الملوين، أتبعهما آية كل فقال: { والشمس والقمر والنجوم } أي ~~خلقها، أو يغشى كل قبيل منهما ما الآخر آيته ms1547 خال كون الكل { مسخرات } أي ~~للسير وغيره { بأمره } وهو إرداته وكلامه، تقودها الملائكة كما روي أن ~~لله ملائكة يجرون الشمس والقمر. # ولما صح أن جميع ما نراه من الذوات خلقه، وما نعلمه من المعاني أمره، ~~أنتج قطعا قوله { ألا له } أي وحده، وقدم المسبب على السبب ترقية - كما ~~هو مقتضى الحكم - من المحسوس إلى المعقول فقال: { الخلق } وهو ما كان من ~~الإيجاد بتسبيب وتنمية وتطوير قال الرازي: فكل ما كان جسما او جسمانيا ~~كان مخصوصا بمقدار معين فكان من عالم الخلق، فعالم الخلق بتسخيره، وعالم ~~الأمر بتدبيره، واستيلاء الروحانيات على الجسمانيات بتقديره { والأمر } ~~وهو ما كان من ذلك إخراجا من العدم من غير تسبب كالروح، وما كان حفظا ~~وتدبيرا بالكلام كالأديان وكل ما يلاحظ القيومية؛ وقال الرازي: كل ما ~~كان بريئا من الحجم والمقدار كان من عالم الأمر، وعد الملائكة من عالم ~~الأمر، فأتنج ذلك قطعا قوله على سبيل المدح الذي ينقطع دونه الأعناق ~~ويتقاصر دون عليائه ذري الآفاق: { تبارك } أي ثبت ثبوتا لا ثبوت في ~~الحقيقة غيره اليمن والبركة وكثرة الآثار الفاضلة والنتائج الشريفة { ~~الله } أي ذو الجلال والإكرام. # ولما دل على أنه يستحق هذا الثناء لذاته، دل على أنه يستحقه لصفاته ~~فقال: { رب العالمين* } أي مبدع ذلك كله ومربيه خلقا وتصريفا بأمره، ~~وفي الجزء السادس من فوائد المخلص عن سفيان بن عيينة أنه قال: ما يقول ~~هذه الدوبية - يعني بشرا المريسي؟ قالوا: يا أبا محمد! يزعم أن القرآن ~~مخلوق، فقال: كذب، قال الله عز وجل { ألا له الخلق والأمر } فالخلق خلق ~~الله، والأمر القرآن - انتهى. وهذا الذي فسر به مما تحتمله الآية بأن ~~يكون الأمر هو المراد بقوله { بأمره } وهو الإرادة والكلام مع احتمال ما ~~قدمته. ### || [7.55-57] # ولما ذكر تعالى تفرده بالخلق والأمر المقتضي لتفرده بالعبادة للتوجيه ~~إلى تحصيل المعارف النفسانية والعلوم الحقيقية، أمر بهذا المقتضى اللائق ~~بتلك المعارف، وهو الدعاء الذي هو مخ العبادة فقال: { ادعوا ربكم } أي ~~الدائم الإحسان إليكم دعاء عبادة وخضوع { تضرعا } أي تذللا ms1548 ظاهرا { ~~وخفية } أي وتذللا باطنا، وقد أثنى على عبده زكريا عليه السلام فقال: # إذ نادى ربه نداء خفيا # [مريم: 3] أي اجمعوا إلى خضوع الظاهر خضوع الباطن، أي أخلصوا له ~~العبادة، إنه يحب المخلصين لأن تفرده بأن يدعى هو اللائق بمقام عز ~~الربوبية، والتذلل على هذه الصفة هو اللائق بمقام ذل العبودية، وهذا هو ~~المقصود من الدعاء لا تحويل العلم الأزلي، وهو المقصود من جميع العبادات، ~~فإن العبد لا يدعو إلا وقد استحضر من نفسه الذل والصعب والحاجة، ومن ربه ~~العلم والقدرة والكفاية، وهذا هو المقصود من جميع العبادات، فلهذا كان ~~الدعاء مخ العبادة، وقد جمع هذا الكلام على وجازته كل ما يراد تحقيقه ~~وتحصيله من شرائط الدعاء بحيث إنه لا مزيد عليه، ومن فعل خلاف ذلك فقد ~~تجاوز الحد، وإلى ذلك أوما بتعليله بقوله: { إنه لا يحب المعتدين* } أي ~~المجاوزين لما أمروا به في الدعاء وغيره، قالوا فالمعنى أن من ترك هذا لا ~~يحبه الله، أي لا يثيبه البتة ولا يحسن إليه، فالآية من الاحتباك آخرها ~~يدل على حذف ضده من صدرها، وصدرها يدل على أنه حذف قبل الآخر: ولا تتركوا ~~الإخلاص تكونوا معتدين. # ولما كان ذلك من الوفاء بحق الربوبية والقيام بحق العبودية مقتضيا ~~للصلاح أمر بإدامته بالنهي عن ضده في قوله: { ولا تفسدوا } أي لا تدفعوا ~~فسادا { في الأرض } أي بالشرك والظلم، فهو منع من إيقاع ماهية الإفساد ~~في الوجود، وذلك يقتضي المنع من جميع أنواعه فيتناول الكليات الخمس التي ~~اتفقت عليها الملل، وهي الأديان والأبدان والعقول والأنساب والأموال { ~~بعد إصلاحها } والظاهر أن الإضافة بمعنى اللام وهي إضافة في المفعول، أي ~~لا تدنسوها بفساد بعد أن أصلحها لكم خلقا بما سوى فيها من المنافع ~~المشار إليها بقوله # يغشي الليل النهار # [الأعراف: 54]، الدال على الوحدانية الداعي إلى الحق إقامة للأبدان، ~~وأمر بما أنزل من كتبه على ألسنة رسله عليهم الصلاة والسلام إقامة ~~للأديان فجمع إلى الإيجاد الأول الإبقاء الأول. # ولما كان ذلك ربما اقتضى الاقتصار بكمال التذلل على مقام ms1549 الخوف، نفى ذلك ~~بقوله { وادعوه خوفا } أي من عدله؛ ولما كان لا سبب للعباد من أنفسهم في ~~الوصول إليه سبحانه، عبر بالطمع فقال: { وطمعا } أي في فضله، فإن من جمع ~~بين الخوف والرجاء كان في مقام الإحسان وكأنه مشاهد للرحمن، ما زجره زاجر ~~الجلال بسياط سطوته إلا دعاه داعي الجمال إلى بساط رأفته، ومن حاز مقام ~~الإحسان كان أهلا للرحمة { إن رحمت الله } أي إكرام ذي الجلال والإكرام ~~لمن يدعوه على هذه الصفة، وفخمها بالتذكير لإضافتها إلى غير مؤنث فيما ~~قال سيبوية، فقال: { قريب } وكان الأصل منكم، ولكنه أظهر تعميما ~~وتعليقا للحكم بالوصف فقال: { من المحسنين* }. # ولما كان دوام الصلاح لا يكون إلا يكون بالغيث، وهو من أجل أنواع ~~الرحمة، وهو لا يكون إلا بالسحاب، وهو لا يكون إلا بالريح، قال تعالى ~~عاطفا على { إن ربكم الله } تنبيها بعد تحقيق المبدإ على تحقيق المعاد: ~~{ وهو } أي لا غيره { الذي يرسل } أي بالتحريك { الرياح } هذا في قراءة ~~الجماعة، وأنواعها خمس: جنوب وشمال وصبا ودبور ونكباء، وهي كل ريح انحرفت ~~فوقعت بين ريحين،ووحد ابن كثير وحمزة والكسائي على إرادة الجنس { بشرا } ~~بضمتين في قراءة أهل الحجاز والبصرة، أي منتشرة جمع نشور من النشر، وهو ~~بسط ما كان مطويا وتفريقه في كل وجه لا لذات الريح وإلا لدام ذلك منها ~~ولا بقوة فلك أو نجم لأن نسبتهما إلى الهواء واحدة { بين يدي } أي قبل { ~~رحمته } أي المطر، ولعله عبر فيه باليدين: اليمنى واليسرى، لدلالته - مع ~~ما فيه من الفخامة - على انه تارة يكون رحمة وتارة يكون عذابا كما كان ~~على قوم نوح عليه السلام وإن كانت الرحمة فيه أغلب وهي ذات اليمين، وتارة ~~تكون الرياح جامعة لها لحفظ الماء، وتارة مفرقة مبطلة لها، وتارة تكون ~~مقومة للزروع والأشجار مكملة لها وهي اللواقح، وتارة تكون منمية لها أو ~~مهلكة كما يكون في الخريف، وتارة تكون طبية وتارة مهلكة إما بشدة الحرارة ~~والبرودة؛ ثم غي الإرسال بقوله { حتى إذا أقلت سحابا } أي حملتها ~~لقلتها عندها ms1550 لخفتها عليها { ثقالا } أي بالماء؛ ولما دل على العظمة ~~بالجمع وحقق الأمر بالوصف، أفرد اللفظ دلالة على غاية العظمة بسوقه ~~مجتمعا كأنه قطعة واحدة، لا يفترق جزء منه عن سائره إذ لو تفرق لاختل ~~أمره، فقال: { سقناه لبلد } أي لأجله وإليه { ميت } أي بعدم النبات { ~~فأنزلنا } أي بما لنا من العظمة { به } أي البلد، أو بسبب ذلك السحاب { ~~الماء } أي هذا الجنس، وأشار إلى عظمة الإنبات بالنون فقال { فأخرجنا به ~~} أي بالماء { من كل الثمرات } أي الحقيقية على الأشجار، والمجازية من ~~النبات وحبوبه، ولما كان هذا - مع ما فيه من التذكير بالنعمة المقتضية ~~لتوحيده بالدعوة - دليلا ثانيا في غاية الدلالة على القدرة على البعث، ~~قال تعالى: { كذلك } أي مثل ما أخرجنا هذا النبات من الأرض بعد أن لم يكن ~~{ نخرج الموتى } أي من الأرض بعد أن صاروا ترابا { لعلكم تذكرون* } أي ~~قلنا هذا لتكون حالكم حال من يرجي تذكر هذه الآية المشاهدة القريبة ~~المأخذ ولو على أدنى وجوه التذكر بما أشار إليه الإدغام، لأنه سبحانه كما ~~قدر على إعادة النبات بجمع الماء له من جوف الأرض بعد أن كان تغيب في ~~الأرض وصار ترابا، وأحيى الشجرة بعد أن كانت لا روح لها بإيداع الثمرة ~~التي هي روحها، فهو قادر على إعادة الأشباح وإيداعها الأرواح كما كانت ~~أول مرة، لأنه لا فرق بين الإخراجين. ### || [7.58-60] # ولما كانت الموت موتين: حسيا ومعنويا - كما أشير في الأنعام في آية # إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله # [الأنعام: 36] # أو من كان ميتا فأحييناه # [الأنعام: 122] كان كأنه قيل: لا فرق في ذلك عندما بين أموات الإيمان ~~وأموات الأبدان، فكما أنا فاوتنا بين جواهر الأراضي بخلق بعضها جيدا ~~وبعضها رديئا كذلك فاوتنا بين عناصر الأناسي بجعل بعضها طيبا وبعضها ~~خبيثا، فالجيد العنصر يسهل إيمانه، والخبيث الأصل يعسر إذعانه وتبعد ~~استقامته وإيقانه { والبلد الطيب } أي الذي طابت أرضه فكانت كريمة منبتة ~~{ يخرج نباته } أي إذا نزل عليه الماء خروجا كثيرا حسنا سهلا غزيرا ~~{ بإذن } أي بتمكين { ربه ms1551 } أي المربي له بما هيأه له، والذي طاب في ~~الجملة ولم يصل إلى الغاية يخرج له نبات دون ذلك، والخبيث لا يخرج له ~~نبات أصلا بمنع ربه له { والذي خبث } أي حصلت له خباثة في جبلته بكون ~~أرضه سبخة أو نحوها مما لا يهيئه الله تعالى للإنبات { لا يخرج } أي ~~نباته { إلا } أي حال كونه { نكدا } أي قليلا ضعيف المنفعة، وهو - مع ~~كونه دالا على أن ذلك ما كان على ما وصف مع استواء الأراضي في الأصل ~~واستواء المياه ونسبتها إلى الأفلاك والنجوم إلا بالفاعل المختار - مثل ~~ضربه سبحانه للمؤمن والكافر عند سماعهما للذكر من الكتاب والسنة، والآية ~~من الاحتباك. # ولما استوت هذه الآيات على الذروة من بدائع الدلالات، كان السامع جديرا ~~بأن يقول: هل تبين جميع هذه الآيات هذه البيان؟ فقيل: { كذلك } أي نعم، ~~مثل هذا التصريف، وهو الترديد مع اختلاف الأنحاء لاختلاف الدلالات ~~وإبرازها في قوالب الألفاظ الفائقة والمعاني الرائقة في النظوم المعجزة ~~على وجوه لا تكاد تدخل تحت الحصر: { نصرف الآيات } أي كلها؛ ولما تم ذلك ~~على هذا المنهاج الغريب والمنوال العجيب المذكر بالنعم في أسلوب دال على ~~التفرد وتمام القدرة، كان أنسب الأشياء ختمه بقوله مخصصا بها المنتفع ~~لأنها بالنسبة إلى غيرهم كأنها لم توجد: { لقوم يشكرون* } أي يوجد منهم ~~الشكر للنعم وجودا مستمرا فلا يشركون بل ينتفعون بما أنعم عليهم به ~~وحده في عبادته وحده، وينظرون بعقولهم أنه أقدرهم بنعمه على ما هم عاجزون ~~عنه، فلا يسلبون عنه شيئا من قدرته على بعث ولا غيره فإنهم يزعمون أنهم ~~أهل معالي الأخلاق التي منها أنه ما جزاء الإحسان إلا الإحسان. # ولما طال تهديده سبحانه لمن أصر على إفساده، ولم يرجع عن غيه وعناده ~~بمثل مصارع الأولين ومهالك الماضين، ونوع في هذه الآيات محاسن الدلالات ~~على التوحيد والمعاد بوجوه ظاهرة وبينات قاهرة وبراهين قاطعة وحجج ساطعة، ~~ساق سبحانه تلك القصص دليلا حسيا على أن في الناس الخبيث والطيب مع ~~الكفالة في الدلالة على تمام القدرة والغيرة من ms1552 الشرك على تلك الحضرة - ~~بتفصيل أحوال من سلفت الإشارة إلى إهلاكهم وبيأن مصارعهم وأنه لم تغن ~~عنهم قوتهم شيئا ولا كثرتهم بقوله تعالى # وكم من قرية أهلكناها # [الأعراف: 4] وقوله # فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة # [الأعراف: 34] الآية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وتقوية لصالحي ~~أتباعه بالتنبيه على أن الإعراض عن الآيات ليس من خواص هذه الأمة بلف هي ~~عادة الأمم السالفة، وعلى أن النعم خاصة بالشاكرين، ولذا كانت النقم ~~مقصورة على الكافرين، فقال تعالى { لقد أرسلنا } أي بعظمتنا، وافتتحه ~~بحرف التوقع لما للسامع الفطن من التشوف إلى ذكر ما تكرر من الإشارة ~~إليه، ولأن اللام المجاب بها القسم المحذوف لا ينطقون بها غالبا إلا ~~مقترنة بقد، لأن الجملة القسمية لا تساق إلا تاكيدا للجملة المقسم عليها ~~التي هي جوابها فكانت مظنة بمعنى التوقع الذي هو معنى " قد " عند استماع ~~المخاطب كلمة القسم { نوحا } يعني ابن لمك بم متوشلخ بن خنوخ، وهو إدريس ~~عليه السلام، وكان عند الإرسال ابن خمسين سنة. # ولما كان إرساله صلى الله عليه وسلم قبل القبائل باختلاف اللغات قال: { ~~إلى قومه } أي الذين كانوا ملء الأرض كما في حديث الشفاعة في الصحيحين ~~وغيرهما عن أنس رضي الله عنه، ائتوا نوحا أول نبي بعثه الله إلى أهل ~~الأرض. وفيهم من القوة على القيام بما يريدون ما لا يخفي على من تأمل ~~آثارهم وعرف أخبارهم،فإن كانت آثارهم فقد حصل المراد، وإن كانت لمن بعدهم ~~علم - بحكم قياس الاستقرار - أنهم أقوى على مثلها وأعلى منها، ولسوق ذلك ~~دليلا على ما ذكر جاء مجردا عن أدوات العطف، وهو مع ذلك كله منبه على ~~أن جميع الرسل متطابقون على الدعوة إلى ما دل عليه برهان # إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض # [الأعراف: 54] من التوحيد والصلاح إلى غير ذلك من بحور الدلائل والحجاج ~~المتلاطمة الأمواج - والله الهادي إلى سبيل الرشاد، وكون نوح عليه السلام ~~رسولا إلى جميع أهل الأرض - لأنهم قومه لوحده لسانهم - لا يقدح في تخصيص ~~نبينا صلى الله عليه ms1553 وسلم بعموم الرسالة، لأن معنى العموم إرساله إلى ~~جميع الأقوام المختلفة باختلاف الألسن وإلى جميع من ينوس من الإنس والجن ~~والملائكة، وسيأتي إن شاء الله تعالى في سورة الصافات لهذا مزيد بيان. # ولما كان من المقاصد العظيمة الإعلام بأن الذي دعا إليه هذا الرسول لم ~~تزل الرسل - على جميعهم أفضل الصلاة والسلام والتحية والإكرام - تدعو ~~إليه، وكان نوح أول رسول ذكرت رسالته عقب ذكر إرساله بذكر ما أرسل به ~~بالفاء بقوله { فقال يا قوم } أي فتحبب إليهم بهذه الإضافة { اعبدوا الله ~~} أي الذي له جميع العظمة من الخلق والأمر، فإنه مستحق لذلك وقد كلف ~~عباده به. # ولما كان المقصود إفراده بذلك، علله بقوله مؤكدا له بإثبات الجار { ما ~~لكم } وأغرق في النفي فقال: { من إله غيره } ثم قال معللا أو مستأنفا ~~مخوفا مؤكدا لأجل تكذيبهم: { إني أخاف عليكم } في الدنيا والآخرة، ~~ولعلة قال هنا: { عذاب يوم عظيم* } وفي هود # أليم # [هود: 26] وقال في المؤمنون # أفلا تتقون # [المؤمنون: 23] لأن ترتيب السور الثلاث - وإن كان الصحيح أنه باجتهاد ~~الصحابة رضي الله عنهم - فلعله جاء على ترتيبها في النزول، لأنها مكيات، ~~وعلى ترتيب مقال نوح عليه السلام لهم فألان لهم أولا المقال من حيث إنه ~~أوهم أن العظم الموصوف به { اليوم } لا بسبب العذاب بل الأمر آخر، فيصير ~~العذاب مطلقا يتناول أي عذاب كان و لو قل، فلما تمادى تكذيبهم بين لهم ~~أن عظمه إنما هو من جهة إيلام العذاب الواقع فيه، فلما لجوا في عتوهم قال ~~لهم قول القادر إذا هدد عند مخالفة غيره له: ألا تفعل ما أقول لك؟ أي متى ~~خالفت بعد هذا عاجلتك بالعقاب وأنت تعرف قدرتي. # ولما تم ذلك، وكان الحال مقتضيا - مع ما نصب من الأدلة الواضحة على ~~الوحدانية - لأن يجيبوا بالتصديق، كان كأنه قيل: فبماذا كان جوابهم؟ فقال ~~{ قال الملأ } أي الأشراف الذين يملأ العيون مرآهم عظمة، وتتوجه العيون ~~في المحافل إليهم، ولم يصفهم في هذه السورة بالكفر لأن ذلك أدخل في ~~التسلية، لأنها أول سورة ms1554 قص فيها مثل هذا في ترييب الكتاب، ولأن من آمن ~~به مطلقا كانوا في جنب من لم يؤمن في غاية القلة، فكيف عند تقييدهم ~~بالشرف! وأكد ذمهم تسلية لهذا النبي الكريم بالتعريف بقربهم منه في النسب ~~بقوله: { من قومه } وقابلوا رقته وأدبه بغلطة مؤكدا ما تضمنته من ~~البهتان لأن حالهم مكذب لهم فقالوا: { إنا لنراك } أي كل واحد منا يعتقد ~~اعتقادا هو في الثقة به كالرؤية أنك { في ضلال } أي خطأ وذهاب عن ~~الصواب، هو ظرف لك محيط بك { مبين* } أي ظاهر في نفسه حتى كأنه يظهر ذلك ~~لغيره. ### || [7.61-68] # ولما قذفوه بضلال مقيد بالوضوح، نفى الضلال المطلق الذي هو الأعم، ~~وبنفيه ينتفي كل أخصياته بل نفي أقل شيء من الضلال، فقال تعالى مخبرا ~~عنه { قال ياقوم } مجددا لا ستعطافهم { ليس بي ضلالة } فنفى وحدة غير ~~معينة، ولا يصدق ذلك إلا بنفي لكل فرد، فهو أنص من نفي المصدر، ولم يصف ~~الملأ من قومه هنا بالذين كفروا ووصفهم بذلك في سورة هود، إما لأنها صفة ~~ذم لم يقصد بها التقييد فلا يختل المعنى بإثباتها ولا نفيها، أو لأنهم ~~أجابوه بذلك مرتين: إحداهما قبل أن يسلم أحد من أشرافهم، والثانية بعد أن ~~أسلم بعضهم. # ولما نفى ما رموه به على هذا الوجه البليغ، أثبت له ضده بأشرف ما يكون ~~من صفات الخلق، فقال مستدركا - بعد نفي الضلال - إثبات ملزوم ضده: { ~~ولكني رسول } أي إليكم بما أمرتكم به فأنا على أقوم طريق { من رب ~~العالمين* } أي المحسن إليهم بإرسال الرسل لهدايتهم بإنقاذهم من الضلال، ~~فرد الأمر عليهم بألطف إشارة؛ ثم استأنف الإخبار عن وظيفته بيانا ~~لرسالته فقال: { أبلغكم } وكأن أبواب كفرهم كانت كثيرة فجمع باعتبارها أو ~~باعتبار تعدد معجزاته أو تعدد نوبات الوحي في الأزمان المتطاولة والمعاني ~~المختلفة، أو أنه جمع له ما أرسل به من قبله كإدريس جده وهو ثلاثون صحيفة ~~وشيث وهو خمسون صحيفة عليهما السلام فقال: { رسالات ربي } أي المحسن إلي ~~من الأوامر والنواهي وجميع أنواع التكاليف من أحوال ms1555 الآخرة وغيرها، لا ~~أزيد فيها أنقص منها كما هو شأن كل رسول مطيع. # ولما كان الضلال من صفات الفعل، واكتفى بالجملة الفعلية الدالة على حدوث ~~في قوله: { وأنصح } وقصر الفعل ودل على تخصيص النصح بهم ومحضه لهم فقال: ~~{ لكم } والنصيحة: الإرشاد إلى المصلحة مح خلوص النية من شوائب المكروه، ~~ولما كان الضلال من الجهل قال: { وأعلم من الله } أي من صفات الذي له ~~صفات الكمال وسائر شؤونه { ما لا تعلمون* } أي من عظيم أخذه لمن يعصيه ~~وغير ذلك مما ليس لكم قابلية لعلمه بغير سفارتي فخذوه عني تصيروا علماء، ~~ولا تتركوه بنسبتي إلى الضلال تزدادوا ضلالا. # ولما كان الحامل لهم على هذا مجرد استبعاد أن يختص عنهم بفضيلة وهو منهم ~~كما سيأتي في غير هذه السورة، أنكر ذلك عليهم بقولة: { أو عجبتم } أي ~~أكذبتم وعجبتم { أن جاءكم } وضمن جاء معنى أنزل، فلذلك جعلت صلته " على " ~~فقال: { ذكر } رسالة { من ربكم } أي المحسن إليكم بالإيجاد والتربية ~~منزلا { على الرجل } أي كامل في الرجولية وهو مع ذلك بحيث لا تتهمونه ~~فإنه { منكم } لقولكم: { ما سمعنا بهذا } أي إرسال البشر # في آبائنا الأولين # [المؤمنون: 24] { لينذركم } لتحذروا ما ينذركموه { ولتتقوا } أي تجعلوا ~~بينكم وبين ما تحذرونه وقاية لعلكم تنجون { ولعلكم ترحمون* } أي وليكون ~~حالكم إذا لقيتم الله حال من ترجى رحمته بأن يرفعه الله في الدارين. # ولما نسبوه أولا إلى الضلال وهو قد يكون خطأ عن ذهول ونحوه، فأقام لهم ~~الدليل على أنه على الصواب، أخبر أنه لم يتسبب عن ذلك إلا تصريحهم بما ~~لوحوا إليه أولا بالضلال من التكذيب فقال: { فكذبوه } أي الملأ وتبعهم ~~من دونهم؛ ولما تسبب عن تكذيبهم له تصديق الله لهم بإهلاكهم وإنجائه ومن ~~آمن به، قال مقدما لإنجائه اهتماما به: { فأنجيناه } بما لنا من العظمة ~~من أهل الأرض كلهم ومن عذابنا الذي أخذناهم به: { والذين معه } أي بصحبة ~~الأعمال الدينية { في الفلك } وهو السفينة التي من الله على الناس ~~بتعليمه عملها لتقيه من الطوفان فكانت آية ومنفعة عظيمة لمن ms1556 أتى بعدهم { ~~وأغرقنا } أي بالطوفان، وهو الماء الذي طبق ظهر الأرض فلم يبق منها ~~موضعا حتى أحاط به، وأظهر موضع الإضمار تعليقا للفعل بالوصف إشارة إلى ~~أن من فعل مع الرسول شيئا فإنما فعله مع مرسله فهو يجازيه بما يستحقه ~~فقال: { الذين كذبوا بآياتنا } أي وهي من الظهور في حد لا خفاء به لما ~~لها من العظمة بالنسبة إلينا، وعدي هنا فعل النجاة بالهمزة وهي الأصل في ~~التعدية، وقرنت ب { الذين } لأنه أخلص الموصولات واصرحها. # ولما أعيدت القصة في سورة يونس عليه السلام، كان الأليق بكلام البلغاء ~~والأشبه بطرائق الفصحاء التفنن في العبارة، فعدي التضعيف مع ما فيه من ~~الأبلغية بإفهام مزيد الاعتناء مناسبة لما تقدم من مزيد التفويض في قوله # فأجمعوا أمركم وشركاءكم # [يونس: 71]، وتلا ب { من } ضما للفرع إلى الفرع فإن { من } مشترك بين ~~الوصل والشرط، وهي أيضا قد تطلق على ما لا يعقل، فناسب ذلك الحال، وزيد ~~هناك في وصف الناجين # وجعلناهم خلائف # [يونس: 73] نظرا إلى قوله تعالى في في أول السورة # ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا # [يونس: 13]، ثم قال: # ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون # [يونس: 14] فلوح لهم بالإهلاك إن ظلموا، ثم أشار لهم - في قصة نوح عليه ~~السلام بكونه أعلمهم أن الخلائف هم الناجون الباقي ذكرهم وذريتهم - إلى ~~أنه تفضل عليهم بالتوفيق إلى الإجابة ورحمهم بهذا النبي الكريم - عليه ~~أفضل الصلاة والتسليم - فقضى أنهم غير مهلكين. # ولما افتتحت القصة بنسبتهم له إلى الضلال باطلا، وهو ناشىء عن عمى ~~البصيرة أو البصر، ناسب أن يقلب الأمر عليهم على وجه الحق فقال مؤكدا ~~لإنكارهم ذلك { إنهم كانوا } أي لما جبلتهم من العوج { قوما عمين* } أي ~~مطبوعين في عمى القلب مع قوتهم يحاولون، ثابت لهم ذلك، بما أشار إليه فعل ~~دون أن يقال فاعل،وختمت القصة في يونس بقوله # فانظر كيف كان عاقبة المنذرين # [يونس: 73] لقوله أولها # إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري # [يونس: 71] أي إنذاري لأنه أعلم أنه كبر عليهم ولو كان ms1557 تبشيرا لما عز ~~عليهم. # ولما كان عاد بعدهم، ولم يكن هنا ما يقتضي تشويش الترتيب، اتبعهم بهم ~~مقدما المرسل إليه ليفيد تخصيص رسالته بهم وهم بعض أهل الأرض فقال: { ~~وإلى عاد } خاصة أرسلنا { أخاهم } أي في النسب لأنهم عنه أفهم وبحاله في ~~الثقة والأمانة أعرف؛ ولما عطفه على نوح عليهما السلام بعد تقديم المرسل ~~إليهم، بينه بقوله: { هودا } بخلاف قوم نوح فإنهم كانوا جميع أهل الأرض، ~~لأن القبائل لم تكن فرقت الناس ولا الألسنة إذ كان لسان الكل واحدا، ولم ~~تفرق الألسنة إلا بعد الصرح، ولهذا عم الغرق جميع أهل الأرض، فكان المعنى ~~حينئذ لا يختلف في قصته بتقديم ولا تأخير، فناسب تقديم الرسالة أو المرسل ~~لأنه أهم. # ولما وكانت قصة نوح عليه السلام أول قصص الأنبياء مع قومهم، ولم يكن ~~للعرب عهد بمجاورات الأنبياء ومن يرسلون إليه، فأتى فيها بالأصل " ~~أرسلناه " فقال سياقا واحدا إخبارا لمن هو فارغ الذهن من كل جزء من ~~أجزائها؛ أتت قصة هود عليه السلام بعد علم السامعين بقصة نوح عليه السلام ~~مما وقع من تبليغه لهم وردهم عليه، فلما ذكر إرساله تشوف السامع إلى انه ~~هل قال لهم كما قال نوح وهل ردوا عليه كرد قومه أو كان الأمر بخلاف ذلك؟ ~~فأجيب سؤال المتشوف بقوله: { قال } كقوله نوح عليه السلام سواء { يا قوم ~~} مذكرا لهم بأنه أحدهم يهمه ما يهمهم { اعبدوا الله } أي لا ستحقاقه ~~ذلك لذاته؛ ثم علل أو استأنف بقوله: { ما لكم } وأغرق في النفي فقال: { ~~من إله غيره } ولما كانوا عارفين بما أصاب قوم نوح قال: { أفلا تتقون* } ~~أي أفلا تجعلون بينكم وبين عذاب هذا الواحد الجبار وقاية. # ولما تشوف السامع إلى جوابهم بعد هذا الترغيب الممزوج بالترهيب، أجيب ~~بقوله { قال الملأ } أي الأشراف الذين يملؤون العيون بهجة والصدور هيبة، ~~ولما كانت عاد قليلا بالنسبة إلى قوم نوح عليه السلام، وكان قد أسلم من ~~أشرافهم من له غنى في الجملة، قيد بقوله: { الذين كفروا } أي ستروا ما من ~~حقه الظهور من ms1558 أدلة الوحدانية، ووصفوا تسلية لهذا النبي الكريم فيما يرى ~~من جفاء قومه بأن مثل ذلك كان لإخوانه من الأنبياء بقوله { من قومه } ~~وأكدوا ما واجهوه به من الجفاء لأنهم عالمون بأن حاله في علمه وحكمه ~~يكذبهم بقولهم: { إنا لنراك } أي لنعلمك علما متيقنا حتى كأنه محسوس { ~~في سفاهة } أي مظروفا لخفة العقل، فهي محيطة بك من جميع الجوانب، لا ~~خلاص لك منها، فلذا أدتك إلى قول لا حقيقة له، فالتنوين للتعظيم، فإن ~~قيل: بل للتحقير، كأنهم توقفوا في وصفه بذلك كما توقفوا في الجزم بالكذب ~~فقالوا: { وإنا لنظنك من الكاذبين* } أي المتعمدين للكذب، وذلك لأنه كان ~~عندهم علم من الرسل وما يأتي مخالفهم من العذاب من قصة نوح عليه السلام ~~ولم يكن العهد بعيدا، وأما قوم نوح فجزموا بالضلال وأكدوه بكونه مبينا، ~~لأنه لم يكن عندهم شعور بأحوال الرسل وعذاب الأمم قبل ذلك، ولهذا قالوا # ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين # [المؤمنون: 24]، قيل: ليس كذلك، فقد ورد في جواب قوم نوح في سورة هود ~~مثل هذا، وهو قوله # بل نظنكم كاذبين # [هود: 27]؛ فإن قيل: إنما كان هذا في ثاني الحال بعد أن نصب لهم الأدلة ~~وأقام البراهين على صحة مدعاه وثارت حظوظ الأنفس بالجدال، فإنه يبعد أن ~~يكون قومه أجابوه بذلك أول ما دعاهم، قيل: والأمر كذلك في قصة هود عليه ~~السلام سواء فإنه لم يقل له ذلك إلا الكفار من قومه، فتقييدهم بالوصف يدل ~~على أنه كان فيهم من اتبعه، بل وإن متبعه كان من أشرافهم هم بالظن، ~~وتعبير في الكذب لإرادتهم أنه يكفي في وصفه بالسفاهة التي زعموها إقدامه ~~على ما يحتمل معه ظنهم لكذبه، أو يكون قوله غير الحق في زعمهم مرددا بين ~~أن يكون قاله عن تعمد أو حمله عليه ما رموه به من السفه من غير تأمل. ~~ولما قابلوا لينته لهم وشفقته عليهم بهذه الغلطة، أعرض عن ذلك وعاملهم من ~~الحلم بضده ما سموه به بأن { قال } معلما الأدب في مخاطبة السفهاء { يا ~~قوم } مذكرا ms1559 بما بينهم من النسب الداعي إلى الود والمناصحة والعطف ~~والملاطفة { ليس بي سفاهة } فنفى أن يكون به شيء من خفة حلم، فانتقى أن ~~يكون كاذبا لأن الداعي إلى الكذب الخفة والطيش فلم يحتج إلى تخصيصه ~~بنفي. # ولما نفى السفاهة، أثبت ما يلزم منه ضدها بقوله: { ولكني رسول } وبين ~~المرسل تعظيما للأمر بقوله { من رب العالمين* } أي المحسن إليهم بعد ~~نعمة الإيجاد والأرزاق بإرسال الرسل إليهم ليكسبوهم معالي الأخلاق التي ~~بها انتظام نعمة الإبقاء { أبلغكم } وجمع الرسالة لما تقدم في قصة نوح ~~عليه السلام فقال: { رسالات ربي } أي المحسن إلي بتعليمي ما لم أكن أعلم ~~وتأهيلي لما لم يكن في حسابي. # ولما كانوا قد رموه بالسفه الذي هو من غرائز النفس لأنه ضد الحلم ~~والرزانة، عبر عن مضمون الجملة النافية له بما يقتضي الثبات فقال: { وأنا ~~لكم ناصح } أي لم يزل النصح من صفتي، وليس هو تكسبته بل غريزة في، وقد ~~بلوتموني فيه قبل الرسالة وإظهار هذه المقالة دهرا دهيرا وزمانا ~~طويلا؛ ولما قالوا إنهم يظنون كذبه، زادهم صفة الأمانة فقال: { أمين* }. ### || [7.69-71] # ولما كان يعرف ما يعتقدونه من أمانته وعقله، وظن أنه ما حملهم على هذا ~~إلا العجب من أن يطلع على ما لم يطلعوا عليه، أنكر عليهم ذلك ذاكرا لما ~~ظنه حاملا لهم ملوحا بالعطف إلى التكذيب فقال: { أو عجبتم } أي أكذبتم ~~وعجبتم { أن جاءكم ذكر } أي شرف وتذكير { من ربكم } أي الذي لم يقطع ~~إحسانه عنكم قط، منزلا { على رجل منكم } أي عزه عزكم وشرفه شرفكم فما ~~فاتكم شيء { لينذركم } أي يحذركم ما لمن كان على ما أنتم عليه من وخامة ~~العاقبة. # ولما كان التقدير: فاحذروا، عطف عليه تذكيرهم بالنعمة مشيرا به إلى ~~التحذير من عظيم النقمة في قوله: { واذكروا إذ } أي حين { جعلكم خلفاء } ~~أي فيما أنتم فيه من الأرض، ولما كان زمنهم متراخيا بعدهم، أتى بالجار ~~فقال: { من بعد قوم نوح } أو يكون المحذوف ما اقتضاه الاستفهام في قوله { ~~أو عجبتم } من طلب الجواب، أي أجيبوا ms1560 واذكروا، أي ولا تبادروا بالجواب ~~حتى تذكروا ما أنعم به عليكم، وفيه الإشارة إلى التحذير مما وقع لقوم ~~نوح، أو يكون العطف على معنى الاستفهام الإنكاري في { أفلا تتقون } ، { ~~أو عجبتم } أي اتقوا ولا تعجبوا واذكروا، أو يكون العطف - وهو أحسن على { ~~اعبدوا الله } وقوله { خلفاء } قيل: إنه يقتضي أن يكونوا قاموا مقامهم، ~~ومن المعلوم أن قوم نوح كانوا ملء الأرض، وأن عادا إنما كانوا في قطعة ~~منها يسيرة وهي الشجرة من ناحية اليمن، فقيل: إن ذلك لكون شداد بن عاد ~~ملك جميع الأرض، فكأنه قيل: جعل جدكم خليفة في جميع الأرض، فلو حصل الشكر ~~لتمت النعمة، فأطيعوا يزدكم من فضله، وقيل: إن قصة ثمود مثل ذلك، ولم يكن ~~فيهم من ملك الأرض ولا أرض عاد، فأجيب بما طرد، وهو أن عادا لما كانوا ~~أقوى أهل الأرض أبدانا وأعظمهم أجسادا وأشدهم خلقا أشهرهم قبيلة ~~وذكرا، كان سائر الناس لهم تبعا، وكذا ثمود فيما فيما أعطوه من القدرة ~~على نحت الجبال ونحوها بيوتا، وعندي أن السؤال من أصله لا يريد فإن بين ~~قولنا: فلان خليفة فلان، وفلان خليفة من بعد فلان - من الفرق ما لا يخفي، ~~فالمخلوف في الثاني لم يذكر، فكأنه قيل: جعلكم خلفاء لمن كان قبلكم في ~~هذه الأرض التي أنتم بها، وخص قوم نوح وعاد بالذكر تذكيرا بما حل بهم من ~~العذاب، ولهذا بعينه خص الله هذه الأمم التي وردت في القرآن بالذكر، وإلا ~~فقد كانت الأمم كثيرة العد زائدة على الحد عظيمة الانتشار في جميع ~~الأقطار، ومعلوم أن الله تعالى لم يترك واحدة منها بغير رسول # وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا # [الإسراء: 15] وفي قصة هود في سورة الأحقاف # وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه # [الأحقاف: 21]؛ وله سر آخر وهو أن هذه الأمم كان عند العرب كثير من ~~أخبارهم ففصلت لهم أحوالهم، وطوي عنهم من لم يكن عندهم شعور بهم فلم ~~يذكروا إلا إجمالا لئلا يسارعوا إلى التكذيب بما ينزل فيهم من غير دليل ~~شهودي ms1561 يقام عليهم. # ولما ذكرهم بمطلق الإبقاء بعد ذلك الإغراق العام، أتبعه التذكير ~~بالزيادة فقال: { وزادكم } أي على من قبلكم أو على من هو موجود في الأرض ~~في زمانكم { في الخلق } أي الخاص بكم { بسطة } أي في الحس بطول الأبدان ~~والمعنى بقوة الأركان، قيل: كان طول كل واحد منهم اثني عشر ذراعا، وقيل: ~~أكثر. # ولما عظمت النعمة، كرر عليهم التذكير فقال مسببا عن ذلك { فاذكروا آلاء ~~الله } أي نعم الذي استجمع صفات العظمة التي أنعم عليكم بها من الاستخلاف ~~والقوة وغيرهما، واذكروا أنه لا نعمة عندكم لغيره أصلا، فصار مستحقا ~~لأن تخصوه بالعبادة { لعلكم تفلحون* } أي ليكون حالكم حال من يرجي فلاحه ~~وهو ظفره بجميع مراده، لأن الذكر موجب للشكر الموجب للزيادة. # ولما كان هذا منه موجبا ولا بد لكل سامع منصف من المبادرة إلى الإذعان ~~لهذه الحجة القطعية، وهي استحقاقه للافراد بالعبادة للتفرد بالإنعام، ~~ازداد تشوف المخاطب إلى جوابهم، فأجيب بقوله: { قالوا } منكرين عليه ~~معتمدين على محض التقليد { أجئتنا } أي من عند من ادعيت أنك رسوله { ~~لنعبد الله } أي الملك الأعظم { وحده } ولما كان هذا منهم في غاية العجب ~~المستحق للإنكار، أتبعوه ماهو كالعلة لإنكارهم عليه ما دعاهم إليه ~~فقالوا: { ونذر } أي نترك على غير صفة حسنة { ما كان يعبد آباؤنا } أي ~~مواظبين على عبادته بما دلوا عليه ب " كان " وصيغة المضارع - مع الإشارة ~~بها إلى تصوير آبائهم في حالهم ذلك - ليحسن في زعمهم إنكار مخالفتهم لهم. # ولما كان معنى هذا الإنكار أنا لا نعطيك، وكان قد لوح لهم بالتذكر بقوم ~~نوح وقوله { أفلا تتقون } إلى الأخذ إن أصروا، سببوا عن ذلك قولهم: { ~~فأتنا } أي عاجلا { بما تعدنا } أي من العذاب بما لوح إليه إيماؤهم إلى ~~التكذيب بقولهم: { إن كنت من الصادقين* } وتسميتهم للانذار بالعذاب وعدا ~~من باب الاستهزاء. # ولما كانوا قد بالغوا في السفه في هذا القول، وكان قد علم من محاورته ~~صلى الله عليه وسلم لهم الحلم عنهم، اشتد التطلع إلى ما يكون من جوابه ~~لهذا والتوقع له، ms1562 فشفى غليل هذا التشوف بقوله: { قال قد وقع } أي حق ووجب ~~وقرب أن يقع { عليكم من ربكم } أي الذي غربكم به تواتر إحسانه عليكم وطول ~~إملائه لكم { رجس } أي عذاب شديد الاضطراب في تتبع أقصاكم وأدناكم موجب ~~لشدة اضطرابكم { وغضب } أي شدة في ذلك العذاب لا تفلتون منها. # ولما أخبرهم بذلك، بين لهم أن سببه كلامهم هذا في سياق الإنكار فقال: { ~~أتجادلونني } ولما كانت آلهتهم تلك التي يجادلون فيها لا تزيد على السماء ~~لكونها خالية من كل معنى، قال: { في أسماء } ثم بين أنه لم يسمها آلهة من ~~يعبد به فقال: { سميتموها انتم وآباؤكم } ولما كان لله تعالى أن يفعل ما ~~يشاء وأن يأمر بالخضوع لمن يشاء، قال نافيا التنزيل فإنه يلزم من نفي ~~الإنزال: { ما نزل الله } أي الذي ليس الأمر إلا له { بها } أي بتعبدكم ~~لها أو بتسميتكم إياها،وأغرق في النفي فقال: { من سلطان } ولعله أتى ~~بصيغة التنزيل لأن التفعيل يأتي بمعنى الفعل المجدد وبمعنى الفعل ~~بالتدريج فقصد - لأنه في سياق المجادلة وفي سورة مقصودها إنذار من أعرض ~~عما دعا إليه هذا الكتاب النازل بالتدريج - النفي بكل اعتبار، سواء كان ~~تجديدا أو تدريجا وإشارة إلى أنه لو نزل عليهم في الأمر بعبادتها شيء ~~واحد لتوقفوا فيه لعدم فهمهم لمعناه حتى يكرر عليهم الأمر فيه مرة بعد ~~أخرى، فيعلموا أن ذلك أمر حتم لا بد منه كما فعله بنو إسرائيل في الأمر ~~بذبح البقرة لأجل القتيل لأجل أنهم لم يعقلوا معناه، دل ذلك قطعا على أن ~~الأمر لهم بعبادتها إنما هو ظلام الهوى لأنه عمى محض من شأن الإنسان ~~ركوبه بلا دليل أصلا. # ولما أخبرهم بوقوع العذاب وسببه، بين لهم أن الوقوع ليس على ظاهرة في ~~الإنجاز، وإنما معناه الوجوب الذي لا بد من فقال: { فانتظروا } ثم استأنف ~~الإخبار عن حاله بقوله: { إني } وأشار بقوله: { معكم } إلى أنه لا ~~يفارقهم لخشيته منهم ولا غيرها { من المنتظرين* }. ### || [7.72-74] # ولما كان هذا ينبغي أن يكون سببا للتصديق الذي هو سبب الرحمة، ms1563 بين أنه ~~إنما سبب لهم العذاب، وله ولمن تبعه النجاة، فبدأ بالمؤمنين اهتماما ~~بشأنهم بقوله: { فأنجيناه } أي بما لنا من العظمة إنجاء وحيا سريعا ~~سللناهم به من ذلك العذاب كسل الشعرة من العجين { والذين معه } أي في ~~الطاعة، وأشار إلى أنه لا يجب على الله شيء بقوله: { برحمة } أي بإكرام ~~وحياطة { منا } أي لا بعمل ولا غيره. # ولما قدم الإنجاء اهتماما به، أتبعه حالهم فقال معلما بأن أخذه على ~~غير أخذ الملوك الذين يعجزون عن الاستقصاء في الطلب، فتفوتهم أواخر ~~العساكر وشذاب الجنود والأتباع { وقطعنا } دابرهم أي آخرهم، هكذا كان ~~الأصل، ولكنه أظهر تصريحا بالمقصود وبيانا لعلة أخذهم فقال: { دابر } ~~أي آخر، أي استأصلنا وجعلنا ذلك الاستئصال معجزة لهود عليه السلام { ~~الذين كذبوا بآياتنا } أي ولم يراقبوا عظمتها بالنسبة إلينا وقوله: { وما ~~كانوا } أي خلقا وجبلة { مؤمنين* } عطف على صلة { الذين } وهي { كذبوا ~~بآياتنا } وهي جارية مجرى التعليل لأخذهم مؤذنة بأنه لا يحصل منهم صلاح ~~كما ختم قصة نوح بقول # إنهم كانوا قوما عمين # [الأعراف: 64] تعليلا لإغراقهم، أي أنا قطعنا دابرهم وهم مستحقون لذلك، ~~لأنهم غير قابلين للايمان لما فيهم من شدة العناد ولزوم الإلحاد، ~~فالمعنى: وما كان الإيمان من صفتهم،أي ما آمنوا في الماضي ولا يؤمنون في ~~الآتي، فيخرج منه من آمن وكان قد كذب قبل إيمانه ومن لم يؤمن في حال ~~دعائه لهم وفي علم الله أنه سيؤمن، ويزيده حسنا أنهم لما افتتحوا كلامهم ~~بأن نسبوه إلى السفاهة كاذبين؛ ناسب ختم القصة بأن يقلب الأمر عليهم ~~فيوصفوا بمثل ذلك صدقا بكلام يبين أن اتصافهم به هو الموجب لما فعل بهم، ~~لأن الإيمان لا يصدر إلا عن كمال الثبات والرزانة وترك الهوى وقمع رعونات ~~النفس والانقياد لواضح الأدلة وظاهر البراهين، فمن تركه مع ذلك فهو في ~~غاية الطيش والخفة وعدم العقل، وأيضا فوصفهم بالتكذيب بالفعل الماضي لا ~~يفهم دوامهم على تكذيبهم، فقال سبحانه ذلك لنفي احتمال أنهم آمنوا بعد ~~التكذيب وأن أخذهم إنما كان لمطلق صدور التكذيب منهم، وأنهم ms1564 لم يبادروا ~~إلى الإيمان قبل التكذيب، ويحتمل أن تكون الجملة حالا، والمعنى على كل ~~تقدير: قطعنا دابرهم في حال تكذيبهم وعدم إيمانهم. # ولما أتم سبحانه ما أراد من قصة عاد، أتبعهم ثمود فقال { وإلى ثمود } أي ~~خاصة، منع من الصرف لأن المراد به القبيلة، وهو مشتق من الثمد وهو الماء ~~القليل، وكانت مساكنهم الحجر بين الحجاز والشام إلى وادي القرى، أرسلنا { ~~أخاهم صالحا } ثم استأنف الإخبار عن قوله - كما مضى في هود عليه السلام ~~فقال: { قال يا قوم } مستعطفا لهم بالتذكير بالقرابة وعاطف النسابة { ~~اعبدوا الله } أي الذي لا كمال إلا له { ما لكم } وأكد النفي بقوله: { من ~~إله غيره }. # ولما دل على صدقه في ذلك أنهم دعوا أوثانهم فلم تجبهم، ودعا هو صلى الله ~~عليه وسلم ربه سبحانه فأخرج لهم الناقة، علل صحة ما دعا إليه بقوله: { قد ~~جاءتكم بينة } أي آية ظاهرة جدا على صدقي في ادعاء رسالتي وصحة ما ~~أمرتكم به، وزادهم رغبة بقوله: { من ربكم } أي الذي لم يزل محسنا إليكم؛ ~~ثم استأنف بيانها بقوله: { هذه } مشيرا إليها بعد تكوينها تحقيقا لها ~~وتعظيما لشأنها وشأنه في عظيم خلقها وسرعة تكوينها لأجله. # ولما أشار إليها، سماها فقال: { ناقة الله } شرفها بالإضافة إلى الاسم ~~الأعظم، ودل على تخصيصها بهم بقوله: { لكم } حال كونها { آية } أي لمن ~~شاهدها ولمن سمع بها وصح عنده أمرها؛ ثم سبب عن ذلك قوله: { فذروها } أي ~~اتركوها ولو على أدنى وجوه الترك { تأكل } أي من النبات و { في أرض الله ~~} أي مما أنبت الله الذي له كل شيء وهي ناقته كما أن الأرض كلها مطلقا ~~أرضه والنبات رزقه، ولذلك أظهر لئلا يختص أكلها بأرض دون أخرى. # ولما أمرهم بتركها لذلك، أكد المر بنهيهم عن أذاها فقال: { ولا تمسوها ~~بسوء } فضلا عما بعد المس { فيأخذكم } أي أخذ قهر بسبب ذلك المس وعقبه { ~~عذاب أليم* } أي مؤلم. # ولما أمرهم ونهاهم، ذكر لهم ترغيبا مشيرا إلى ترهيب فقال: { واذكروا } ~~أي نعمة الله عليكم { إذ جعلكم خلفاء } أي ms1565 فيما أنتم فيه { من بعد عاد } ~~أي إهلاكهم { وبوأكم في الأرض } أي جعل لكم في جنسها مساكن تبوءون أي ~~ترجعون إليها وقت راحتكم، سهل عليكم من عملها في أي أرض أردتم ما لم ~~يسهله على غيركم، ولهذا فسر المراد بقوله: { تتخذون } أي بما لكم من ~~الصنائع { من سهولها قصورا } أي أبنية بالطين واللبن والآجر واسعة عالية ~~حسنة يقصر أمل الآمل ونظر الناظر عليها مما فيها من المرافق والمحاسن { ~~وتنحتون الجبال } أي أي جبل أرتم تقدرونها { بيوتا }. # ولما ذكرهم بهذه النعم مرغبا مرهبا، كرر ذلك إشارة وعبارة فقال مسببا ~~عما ذكرهم به: { فاذكروا } أي ذكر إذعان ورغبة ورهبة { آلاء } أي نعم { ~~الله } أي الذي له صفات الكمال فلا حاجة به إلى أحد، فإحسانه هو الإحسان ~~في الحقيقة { ولا تعثوا في الأرض } من العثي وهو الفساد، وهو مقلوب عن ~~العيث - قاله ابن القطاع، وحينئذ يكون قوله: { مفسدين* } بمعنى معتمدين ~~للفساد. ### || [7.75-79] # ولما حصل الالتفات إلى جوابهم، قيل: { قال الملأ } أي الأشراف، وبينه ~~بقول: { الذين استكبروا } أي أوقعوا الكبر واتصفوا به فصار لهم خلقا فلم ~~يؤمنوا؛ ونبه على التأسية بقوله: { من قومه } ولما قال: { للذين استضعفوا ~~} كان ربما فهم أنهم آمنوا كلهم، فنفى ذلك بقوله مبدلا منه: { لمن آمن ~~منهم } أي المستضعفين، فهو أوقع في النفس وأروع للجنان من البيان في أول ~~وهلة مع الإشارة إلى أن أتباع الحق هم الضعفاء، وأنه لم يؤمن إلا بعضهم، ~~ففيه إيماء إلى أن الضعف أجل النعم لملازمته لطرح النفس المؤدي إلى ~~الإذعان للحق، وبناؤه للمفعول دليل على أنهم في غاية الضعف بحيث يستضعفهم ~~كل أحد { أتعلمون } أي بدؤوهم بالإنكار صدا لهم عن الإيمان { أن صالحا ~~} سموه باسمه جفاء وغلطة وإرهابا للمسؤولين ليجيبوهم بما يرضيهم { مرسل ~~من ربه } وكأنهم قالوه ليعلموا حالهم فيبنوا عليه ما يفعلونه، لأن ~~المستكبيرين لا يتم لهم كبرهم إلا بطاعة المستضعفين. # ولما عملوا ذلك منهم، أعملوهم بالمنابذة اعتمادا على الكبير المتعال ~~الذي يضمحل كل كبر عنده ولا يعد لأحد أمر مع أمره بأن ms1566 { قالوا } منبهين ~~لهم على غلظتهم وغلطهم في توسمهم في حالهم معبرين بما دل على العلم بذلك ~~والإذعان له { إنا بما أرسل به } وبني للمفعول إشارة إلى تعميم التصديق ~~وإلى أن كونه من عند الله أمر مقطوع به لا يحتاج إلى تعيين { مؤمنون* } ~~أي غريقون في الإيمان به، ولذلك { قال الذين استكبروا } أي في جوابهم ~~معبرين بما يدل على المخالفة لهم والمعاندة { إنا بالذي } ووضعوا موضع " ~~أرسل به " - ردا لما جعلوه معلوما وأخذوه مسلما { آمنتم به } أي ~~كائنا ما كان { كافرون* } ثم سبب عن قولهم قوله { فعقروا الناقة } أي ~~التي جعلها الله لهم آية، وعبر بالعقر دون النحر لشموله كل سبب لقتلها ~~لأن ابن إسحاق ذكر أنه اجتمع لها ناس منهم فرماها أحدهم بسهم وضرب آخر ~~قوائمها بالسيف ونحرها آخر فأطلق اسم السبب على المسبب، ولكن قوله تعالى: # فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر # [القمر: 29] وقوله # إذا انبعث أشقاها # [الشمس: 91] وقوله صلى الله عليه وسلم # " انبعث لها رجل عزيز عارم منيع في قومه " # قالوا: هو قدار بن سالف، جعلت له امرأة من قومه ابنتها إن عقرها، ففعل ~~فكان أشقى الأولين،وأشقى الآخرين عبد الرحمن بن ملجم المرادي قاتل علي بن ~~أبي طالب رضي الله عنه، جعلت له قطام امرأة من بني عجل جميلة نفسها إن ~~قتله، فالمناسبة بينهما أن كلا منهما ألقى نفسه في المعصية العظمى لأجل ~~شهوة فرجه في زواج امرأة، وقوله صلى الله عليه وسلم # " أشقى الأولين عاقر الناقة " # يدل على أن عاقرها رجل واحد، وحينئذ يكون المراد به قطع القوائم، فحيث ~~جمع أراد الحقيقة والمجاز معا، وحيث أفراد أراد الحقيقة فقط، فالتعبير ~~به لأنه الأصل والسبب الأعظم في ذبح الإبل؛ قال البغوي: قال الأزهري: ~~العقر هو قطع عرقوب البعير، ثم جعل النحر عقرا لأن ناحر البعير يعقره ثم ~~ينحره - انتهى. وكأن هذا إشارة إلى أن المراد بالعقر في كلامه النحر، ولا ~~ريب في أن أصل العقر في اللغة القطع، ومادته تدور على ذلك، عقر النخلة. ~~إذا قطع رأسها فيبست، والفرس: ضرب ms1567 قوائمها بالسيف وأكثر ما يستعمل العقر ~~في الفساد، وأما النحر فيستعمل غالبا في الانتفاع بالمنحور لحما وجلدا ~~وغيرهما، فلعل التعبير به دون النحر إشارة إلى أنهم لم يقصدوا بنحرها إلا ~~إهلاكها عتوا على الله وعنادا وفعلا للسوء مخالفة لنهي صالح عليه ~~السلام،ولا يشكل ذلك بما ورد من أنهم اقتسموا لحمها، لأنه لم يدع أن ~~العقر يلزمه عدم الانتفاع بالمنحور، وعلى التنزل فهم لم يريدوا بذلك ~~الانتفاع باللحم، وإنما قصدوا- حيث لم يمكنهم المشاركة جميعا في العقر - ~~ان يشتركوا فيما نشأ عنه تعريضا برضاهم به ومشاركتهم فيه بما يمكنهم { ~~وعتوا } أي تجاوزوا الحد في الغلطة والتكبر { عن أمر } أي امتثال أمر { ~~ربهم } أي المحسن إليهم الذي أتاهم على لسان رسوله من تركها { وقالوا } ~~زيادة في العتو { يا صالح ائتنا }. # ولما نزلوا وعيدهم له - حيث لم يؤمنوا به - منزلة الوعد والبشارة، ~~قالوا: { بما تعدنا } استخفافا منهم ومبالغة في التكذيب، كأنهم يقولون: ~~نحن على القطع بأنك لا تقدر أن تأتينا بشيء من ذلك، وإن كنت صادقا فافعل ~~ولا تؤخره رفقا بنا وشفقة علينا، فإنا لا نتأذى بذلك، بل نتلذذ من يلقى ~~الوعد الحسن، وحاصله التهكم منهم به والإشارة إلى عدم قدرته؛ وأكدوا ذلك ~~بقولهم بأداة الشك: { إن كنت من المرسلين* } أي الذين سمعنا أخبارهم فيما ~~مضى؛ ثم سبب عن عتوهم قوله: { فأخذتهم الرجفة } أي التي كانت عنها أو ~~منها الصيحة، أخذ من هو في القبضة على غاية من الصغار والحقارة، ولعل ~~توحيد الدار هنا مع الرجفة في قصة صالح وشعيب عليهما السلام في قوله ~~تعالى: { فأصبحوا في دارهم } أي مساكنهم، وجمعها في القصتين مع الصيحة، ~~في سورة هود عليه السلام للإشارة إلى عظم الزلزلة والصيحة في الموضعين، ~~وذلك لأن الزلزلة إذا كانت في شيء واحد كانت أمكن، فتكون في المقصود من ~~النكال أعظم، والصيحة من شأنها الانتشار، فإذا عمت الأماكن المتنائية ~~والديار المتباعدة فأهلكت أهلها ومزقت جماعتها وفرقت شملها، كانت من ~~القوة المفرطة والشدة البالغة بحيث تنزعج من تأمل وصفها النفوس وتجب له ~~القلوب، ms1568 وحاصله أنه حيث عبر بالرجفة وحد الدار إشارة إلى شدة العذاب بعظم ~~الاضطراب، وحيث عبر بالصيحة جمع إيماء إلى عموم الموت بشدة الصوت، ولا ~~مخالفة لأن عذابهم كان بكل منها، ولعل إحداهما كانت سببا للأخرى، ولعل ~~المراد بالرجفة اضطراب القلوب اضطرابا قطعها، أو أن الدار رجفت فرجفت ~~القلوب وهو أقرب، وخصت الأعراف بما ذكر فيها، لأن مقصودها إنذار ~~المعرضين، والرجفة أعظم قرعا لعدم الإلف لها - والله اعلم { جاثمين* } ~~أي باركين على ركبهم لازمين أماكنهم لا حراك بأحد منهم، ولم يبق منهم في ~~تلك الساعة أحد إلا رجل واحد كان في الحرم، فلما خرج منه أصابه ما أصاب ~~قومه وهو أبو رغال، ومسافة الحرم عن أرضهم تزيد على مسيرة عشرة أيام، ومن ~~الآيات العظيمة أن ذلك الذي خلع قلوبهم وأزال أرواحهم لم يؤثر في صالح ~~عليه السلام والمستضعفين معه شيئا، وذلك مثل الريح التي زلزلت الأحزاب، ~~وأنالتهم أشد العذاب، ورمتهم بالحجارة والتراب حتى هزمتهم وما نال النبي ~~صلى الله عليه وسلم وأصحابه منها كبير أذى، وكفها الله عن حذيفة، وكذا ~~البرد الذي كان ذلك زمانه لما أرسله النبي صلى الله عليه وسلم ليتعرف له ~~أخبارهم. # ولما أصابهم ذلك، سبب لهم الهجرة عن ديارهم ديار السوء والغضب واللعنة ~~فقال تعالى إعلاما لنا بذلك: { فتولى } أي كلف نفسه الإعراض { عنهم وقال ~~} أي لما أدركه من أحوال البشر من الرقة على فوات إيمانهم وهم أصله ~~وعشيرته { يا قوم } أي الذين يعز علي ما يؤذيهم { لقد أبلغتكم } ولعله ~~وحد قوله: { رسالة ربي } لكون آيته واحدة { ونصحت } وقصر الفعل وعداه ~~باللام فقال: { لكم } دلالة على أنه خاص بهم، روي أنه خرج عنهم في مائة ~~وعشرة من المسلمين وهويبكي، وكان قومه ألفا وخمسمائه دار، وروي أنه رجع ~~بمن معه فسكنوا ديارهم. # ولما كان التقدير: ففعلت معكم ما هو مقتض لأن تحبوني لأجله، عطف عليه ~~قوله: { ولكن } لم تحبوني، هكذا كان الأصل ولكنه عبر بما يفهم أن هذا كان ~~دأبهم وخلقا لهم مع كل ناصح فقال: { لا تحبون ms1569 } أي حاكيا لحالهم ~~الماضية { الناصحين } أي كل من فعل فعلي من النصح التام. ### || [7.80-85] # ولما أتم سبحانه ما وفى بمقصد هذه السورة في هذا السياق من قصتهم، أتبعه ~~من بعده ممن تعرفه العرب كما فعل فيما قبل فقال: { ولوطا إذ قال } ولما ~~كانت رسالته إلى مدن شتى، وكأنهم كانوا قبائل شتى، قيل: كانوا خمسة وهي ~~المؤتفكات، وقيل: كانوا أربعة آلاف بين الشام والمدينة الشريفة، قال: { ~~لقومه } وقد جوزوا أن يكون العامل فيه { أرسلنا } و { اذكر } ولا يلزم من ~~تقدير { أرسلنا } أن يكون إرساله في وقت تفوهه لهم بهذا القول غير سابق ~~عليه، لأنه كما أن ذلك الزمن - المنطبق على أول قوله وآخره - وقت له ~~فكذلك اليوم - الذي وقع فيه هذا القول - وقت له، بل وذلك الشهر وتلك ~~السنة وذلك القرن، فإن من شأن العرب تسمية الأيام المشتركة في الفعل ~~الواحد يوما، قالوا: يوم القادسية، وهو أربعة أيام إن اعتبرنا مدة ~~القتال فقط، وعدة شهور إن اعتبرنا بالاجتماع له، وكذا يوم صفين، وقال ~~تعالى في قصة بدر { وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم } إلى أن ~~قال: { إذ تستغيثون ربكم } إلى أن قال: { إذ يغشيكم النعاس أمنة منه } # إذ يوحي ربك إلى الملائكة # [الأنفال: 7] وكلها إبدال من قوله: { وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين } ~~ولا ريب في أن زمان الكل يكن متحدا إلا بتأويل جميع الأيام المتعلقة ~~بالوقعة من سير وقتال وغير ذلك - والله أعلم، وعبر في قصة نوح عليه ~~السلام ب # أرسلنا نوحا إلى قومه # [الأعراف: 59] ثم نسق من بعده عليه فقيل: # وإلى عاد أخاهم هودا # [الأعراف: 65] # وإلى ثمود أخاهم صالحا # [الأعراف: 73] # وإلى مدين أخاهم شعيبا # [الأعراف: 85] وعدل عن هذا الأسلوب في قصة لوط فلم يقل: وإلى أهل أدوما ~~أخاهم لوطا، أو إلى أهل سدوم لوطا أو وأرسلنا لوطا إلى قومه ونحو ذلك ~~كما سيأتي في قصة موسىعليه السلام، لأن من أعظم المقاصد بسياق هذه القصص ~~تسلية النبي صلى الله عليه وسلم، في مخالفة قومه لهوعدم استجابتهم وشدة ~~أذاهم وإنذار قومه ms1570 أن يحل بهم ما حل بهذه الأمم من العذاب، وقصص من عدا ~~قوم لوط مشابهة لقصة قريش في الشرك بالله والأذى لعباده المؤمنين، وأما ~~قصة قوم لوط فزائدة عن ذلك بأمر فظيع عظيم الشناعة شديد العار والفحش ~~فعدل عن ذلك النسق تنبيها عليه تهويلا للامر وتبشيعا له، ليكون في ~~التسلية أشد، وفي استدعاء الحمد والشكر أتم، وحينئذ يترجح أن يكون العامل ~~{ اذكر } لا { أرسلنا } أي واذكر لوطا وما حصل عليه من قومه زيادة على ~~شركهم من رؤيته فيهم هذا الأمر الذي لم يبق للشناعة موضعا، فالقصة في ~~الحقيقة تسلية وتذكير بنعمة معافاة العرب من مثل هذا الحال وإنذار لهم ~~سوء المآل مع ما شاركت فيه أخواتها من الدلالة على سوء جبلة هؤلاء القوم ~~وشرارة جوهرهم المقتضي لتفردهم عن أهل الأرض بذلك الأمر الفاحش، والدليل ~~على أنه أشنع الشنع بعد الشرك - مع ما جعل الله تعالى في كل طبع سليم من ~~النفرة عنه - اختصاصه بمشاركته للشرك في أنه لم يحل في ملة من الملل في ~~وقت من الأوقات ولا مع وصف من الأوصاف، وبقية المحرمات ليست كذلك، فأما ~~قتل النفوس فقد حل في القصاص والجهاد وغير ذلك، والوطء في القبل لم يحرم ~~إلا بقيد كونه زنى، ولولا الوصف لحل، وأكل المال الأصل فيه الحل، وما حرم ~~إلا بقيد كونه بالباطل - وكذا غير ذلك؛ قال أبو حيان: ولما كان هذا الفعل ~~معهودا قبحه ومركوزا في العقول فحشه، أتى معرفا - أي في قوله بعد ~~إنكاره عليهم وتقريعه وتوبيخه لهم: { أتأتون الفاحشة } أي أتفعلون السيئة ~~المتمادية في القبح وإن كان بينكم وبينها مسافة بعيدة - أو تكون " أل " ~~فيه للجنس على سبيل المبالغة، كأنه لشدة قبحه جعل جميع الفواحش ولبعد ~~العرب عن ذلك البعد التام، وذلك بخلاف الزنى فإنه قال فيه # ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة # [الإسراء: 32]. # ولما كان غير مستبعد على صفاقة وجوههم ووقاحتهم أن يقولوا: لم تكون ~~فعلتنا منكرا موبخا عليها؟ قال: { ما سبقكم بها } وأغرق في النفي ~~بقوله: { من أحد } وعظم ms1571 ذلك بتعميمه في قوله: { من العالمين* } فقد ~~اخترعتم شيئا لا يكون مثل فحشه لتذكروا به أسوأ ذكر، كما أن ذوي الهمم ~~العوال والفضل والكمال يستنبطون من المحاسن والمنافع ما يبقى لهم ذكره ~~وينفعهم أجره، وفي ذلك أعظم إشارة إلى تقبيح البدع والتشنيع على فاعليها، ~~لأن العقول لا تستقل بمعرفة المحاسن. # ولما أبهم الفاحشة ليحصل التشوف إلى معرفتها، عينها في استفهام آخر ~~كالأول في إنكاره وتوبيخه ليكون أدل على تناهي الزجر عنها فقال: { إنكم ~~لتأتون الرجال } أي تغشونهم غشيان النساء؛ ولما أبقى للتشوف مجالا، عين ~~بقوله: { شهوة } أي مشتهين، أو لأجل الشهوة، لا حامل لكم على ذلك إلا ~~الشهوة كالبهائم التي لا داعي لها من جهة العقل, وصرح بقوله: { من دون ~~النساء } فلما لم يدع لبسا، وكان هذا ربما أوهم إقامة عذر لهم في عدم ~~وجدان النساء أو عدم كفايتهن لهم، أضرب عنه بقوله: { بل أنتم قوم }. # ولما كان مقصود هذه السورة الإنذار كان الأليق به الإسراف الذي هو غاية ~~الجهل المذكور في سورة النمل فقال { مسرفون* } أي لم يحملكم على ذلك ~~ضرورة لشهوة تدعونها، بل اعتياد المجاوزة للحدود، ولم يسم قوم لوط في ~~سورة من السور كما سميت عاد وثمود وغيرهم صونا للكلام عن تسميتهم، وأما ~~قوم نوح فإنما لم يسموا لعدم تفرق القبائل إذ ذاك، فكانوا لذلك جميع أهل ~~الأرض ولذا عمهم الغرق - والله أعلم. # ولما كان كأنه قيل: هذا التقريع يوجب غاية الاستحياء، بل إنه يذهب كل من ~~سمعه منهم إلى مكان لا يعرف فيه سترا لحاله، فيا ليت شعري ما كان حالهم ~~عنده! فقيل: كان كأنهم أجابوه بوقاحة عظيمة وفجور زائد على الحد، فما كان ~~جوابهم إلا أذى لوط عليه السلام وآله بما استحقوا منهم به شديد الإنذار ~~الذي هو مقصود السورة، عطف عليه قوله: { وما كان جواب قومه } أي الذين هم ~~أهل قوة شديدة وعزم عظيم وقدرة على القيام بما يحاولونه { إلا أن قالوا ~~}. # ولما كان المقصود بيان أنهم أسرعوا إجابته بما ينكيه أضمر ما لا ms1572 يشكل ~~بالإضمار، أو أنه لما كان السياق لبيان الخبيث بين أنه لا أخبث من هؤلاء ~~الذين بلغ من رذالتهم أنهم عدوا الطاهرين المتطهرين مما يصان اللسان عن ~~ذكره فقال تعالى مشيرا إلى ذلك في حكاية قولهم: { أخرجوهم } أي المحدث ~~عنهم، وهم لوط ومن انضم إليه { من قريتكم } والمراد ببيان الإسراع في هذا ~~تسلية النبي صلى الله عليه وسلم من رد قومه لكلامه لئلا يكون في صدره حرج ~~من إنذارهم، ثم عللوا إخراجهم بقولهم: { إنهم أناس } أي ضعفاء { يتطهرون* ~~} وكأنهم قصدوا بالتفعل نسبتهم إلى محبة هذا الفعل القبيح، وأن تركهم له ~~إنما هو تصنع وتكليف لنفوسهم بردها عما هي مائلة إليه، وإقبال على الطهر ~~من غير وجهة وإظهار له رياء بما أشار إليه إظهار تاء التفعيل، وفيه مع ~~ذلك حرف من السخرية، وحصر جوابهم في هذا المعنى المؤدي بهذا اللفظ لا ~~ينافي آية العنكبوت القائلة # فما كان جواب قومه إلا قالوا ائتنا بعذاب الله # [العنكبوت: 29]، لأن إطلاق الجواب على هذا يجوز، والمعنى: فما كان قولهم ~~في جوابه إلا إتيانهم بما لا يصلح جوابا، وذلك مضمون هذا القول وغيره ~~مما لا يتعلق بالجواب، أو أن هذا الجواب لما كان - لما فيه من التكذيب ~~والإيذان بالإصرار والإغلاظ لرسول الله صلى الله عليه وسلم - مستلزما ~~للعذب، كانوا كأنهم نطقوا به فقالوا { ائتنا بعذاب الله } ، جعل نطقهم ~~بالسبب نطقا بالمسبب، أو أنهم استعملوا لكل مقام مقالا، ويؤيده أن ~~المعنى لما اتحد هنا وفي النمل حصر الجواب في هذا، أي فما كان جوابهم ~~لهذا القول إلا هذا؛ ولما زادهم في العنكبوت في التقريع فقال: # أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون في ناديكم المنكر # [العنكبوت: 29] أتوه بأبلغ من هذا تكذيبا واستهزاء فقالوا { ائتنا ~~بعذاب الله } - الآية. # ولما تسبب عن عنادهم إهلاكهم وإنجاؤه، وكان الإعلام بإنجائه - مع كونه ~~يفهم إهلاكهم - أهم، قال: { فأنجيناه وأهله } أي من أطاعه { إلا امرأته } ~~ولما كان كأنه قيل: ما لها؟ قال: { كانت من الغابرين* } أي الباقين الذين ~~لحقتهم بالعذاب العبرة والتذكير إشارة إلى ms1573 أنها أصابها مثل عذاب الرجال ~~سواء، لم تنقص عنهم لأنها كانت كافرة مثلهم. # ولما أفهم هذا إهلاكهم، بينه دالا على نوعه بقوله: { وأمطرنا } أي ~~حجارة الكبريت بعد أن قلعت مدائنهم ورفعت وقلبت حتى رجم بها مسافروهم ~~وشذابهم لأنه عذاب الاستئصال عمن لا يعجزه شيء؛ وأوضحه بقصره الفعل ~~وتعديته بحرف الاستعلاء فقال: { عليهم } وأكد كونه من السماء لا من سطح ~~أو جبل ونحوه بقوله: { مطرا } وأشار إلى عظمه مزيلا للبس أصلا بما سبب ~~عنه من قوله: { فانظر كيف كان عاقبة } أي آخر أمر { المجرمين -* } وأظهر ~~موضع الإضمار تعليقا للحكم بوصف القطع لما حقه الوصل بوصل ما حقه القطع ~~من فاحش المعصية دليلا على أن الرجم جزاء من فعل هذا الفعل بشرطه، لأن ~~الحكم يدور مع العلة، وسياتي في سورة هود عليه السلام سياق قصتهم من ~~التوراة بعد أن مضى في البقرة عند # إذ قال له ربه أسلم # [البقرة: 131] أوائل أمرهم، وهذا كما سومت الحجارة لقريش - لما أجمعوا ~~أن يرجعوا بعد توجههم عن غزوة أحد من الطريق - ليفزعوا من النبي صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه على زعمهم، كما قال صلى الله عليه وسلم # " والذي نفسي بيده! لقد سومت لهم الحجارة، ولو رجعوا لكانوا كأمس الذاهب ~~" # ولكنه صلى الله عليه وسلم لما كان رسول رحمة لم يقض الله برجوعهم فمضوا ~~حتى أسلم بعد ذلك كثير منهم، وكما أمطر الله الحجارة على أصحاب الفيل سنة ~~مولده صلى الله عليه وسلم حماية لبلده ببركته. # ولما انقضت هذه القصة العجيبة في القصص، أعاد النسق الأول فقال { وإلى ~~مدين } أي أرسلنا، وهي بلد، وقيل قبيلة من أولاد مدين بن إبراهيم الخليل ~~عليه السلام { أخاهم } أي من النسب، وبينه بقوله: { شعيبا } وهوموصوف ~~بأنه خطيب الأنبياء عليهم السلام لحسن مراجعة قومه؛ ثم استأنف قوله على ~~ذلك النسق: { قال يا قوم } دالا على النصيحة والشفقة بالتذكير بالقرابة، ~~وبدأ بالأصل المعتبر في جميع الشرائع المأثورة عن الأنبياء عليهم السلام ~~فقال: { اعبدوا الله } أي الذي يستحق العبادة لذاته بما له من السماء ms1574 ~~الحسنى والصفات العلى. # ولما كان المراد إفراد بالعبادة لأنه لا يقبل الشرك لأنه غني، علل ذلك ~~بقوله: { ما لكم } وأغرق في النفي بقوله: { من إله غيره } ثم استأنف ~~التذكير بما دل على صحة دعواه في نفسها وصدقه في دعوى الرسالة بقوله: { ~~قد جاءتكم } أي على يدي { بينة } ولما كنا عالمين من قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم الذي أخرجه الشيخان عن أبي هريرة رضى الله عنه # " ما من الأنبياء نبي إلا أوتي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر " # أن هذه البينة معجزة، مثلها كاف في صحة الدعوى ولم تدع ضرورة إلى ذكرها ~~لنا، لم تعن؛ ثم زادهم ترغيبا بقوله: { من ربكم } أي الذي لم تروا ~~إحسانا إلا منه. # ولما كان إتيانه بالبينات سببا لوجوب امتثال أمره، قال مسببا عنه: { ~~فأوفوا الكيل } أي و المكيال والوزن { والميزان } أي ابذلوا ما تعطون ~~بهما وافيا، فالآية من الاحتباك، وكان المحكي عنه هنا من أوائل قوله لهم ~~فترك التأكيد الرافع لمجاز المقاربة بذكر القسط. # ولما كان الأمر بالوفاء يتضمن النهي عن البخس، صريح به على وجه يعم غيره ~~فقال: { ولا تبخسوا } أي تنقصوا وتفسدوا كما أفسد البخسة { الناس أشياءهم ~~} أي شيئا من البخس في كيل ولا وزن ولا غيرهما، والناس - قال في القاموس ~~- يكون من الإنس ومن الجن جمع إنس أصله أناس جمع عزيز أدخل عليه " أل " ، ~~وقال أبو عبد الله القزاز: الناس أصله عند البصريين أناس، ثم أدخلوا ~~الألف واللام على ذلك وحذفوا الهمزة وبقي الناس، وكان أصله فعال من:أنست ~~به، فكأنه قيل: أناس - يعني على القلب، قال: لأنه يؤنس إليهم - انتهى. ~~إذا علم هذا علم أن نهيه صلى الله عليه وسلم عن بخس الجمع الذين فيهم قوة ~~المدافعة نهى عن بخس الواحد من باب الأخرى لأن الشرائع إنما جاءت بتقوية ~~الضعيف على حقه. # ولما نهى عن الفساد بالبخس، عم كل فساد فقال: { ولا تفسدوا } أي توقعوا ~~الفساد { في الأرض } بوضع شيء من حق الحق أو الخلق في غير موضعه؛ ولما ~~نهاهم ms1575 عن هذه الرذائل، ذكر بنعمة الله تاكيدا للنهي بما في ذلك من ~~التخويف وحثا على التخلق بوصف السيد فقال: { بعد إصلاحها } أي إصلاح ~~الله لها بنعمة الإيجاد الأول بخلقها وخلق منافعها وما فيها على هذا ~~النظام البديع المحكم ثم بنعمة الإبقاء الأول بإنزال الكتب وإرسال الرسل ~~ونصب الشرائع التي بها يحصل النفع وتتم النعمة بإصلاح أمر المعاش والمعاد ~~بتعظيم أمر الله والشفقة على خلق الله، ويجمع ذلك كله التنزه عن الإساءة. # ولما تقدم إليهم بالأمر والنهي، أشار إلى عظمة ما تضمنه ذلك حثا لهم ~~على امتثاله فقال: { ذلكم } أي الأمر العظيم العالي الرتبه مما ذكر في ~~هذه االقصة { خير لكم } ولما كان الكافر ناقص المدارك كامل المهالك، ~~أشارإلى ذلك بقوله: { إن كنتم مؤمنين* } أي فلا تفسدوا أو فأنتم تعرفون ~~صحة ما قلته، وإذ عرفتم صحته عملتم به، وإذا عملتم به أفلحتم كل الفلاح، ~~ويجوز- وهو أحسن - أن يكون التقدير: فهو خير لكم، لأن المؤمن يثاب على ~~فعله لبنائه له على أساس الإيمان، والكافر أعماله فاسده فلا يكون فعله ~~لهذه الأشياء خيرا له من جهة إسعادة في الآخرة لأنه لا ثواب له. ### || [7.86-87] # ولما كان للتعميم بعد التخصيص والتفصيل بعد الإجمال من الموقع في النفوس ~~ما لا يخفى، وكان النهي عن الإفساد بالصد عن سبيل الله هو المقصود بالذات ~~لأنه ينهى عن كل فساد، خصه بالذكر إشارة إلى أنه زبدة المراد بعد التعميم ~~فقال: { ولا تقعدوا } أي تفعلوا فعل المترصد المقبل بكليته { بكل صراط } ~~أي طريق من طرق الدنيا والدين من الحلال والحرام والأوامر والنواهي ~~والمحكم والمتشابه والأمثال { توعدون } أي تتهددون من يسلكه بكل شر إن لم ~~يوافقكم على ما تريدون. # ولما كان طريق الدين أهم، خصه بالذكر فقال: { وتصدون } أي توقعون الصد ~~على سبيل الاستمرار { عن سبيل الله } أي طريق من له الأمر كله؛ ولما ذكر ~~الصدود عنه، ذكر المصدود فقال: { من آمن به } آي بالله فسلك سبيله التي ~~لا أقوم منها؛ولما كانوا لا يقنعون بمطلق الصد بالتهديد ونحوه، بل يبدون ms1576 ~~للمصدود شبها توهمه أنه على ضلال، قال عاطفا: { وتبغونها عوجا } أي ~~وتطلبون السبيل حال كونها ذات عوج، أي تطلبون اعوجاجها بإلقاء الشبهات ~~والشكوك كما تقول: أريد فلانا ملكا، أي أريد ملكه، وقد تقدم في آل ~~عمران أن نصبه على الحال أرجح، وأن قوله صلى الله عليه وسلم في الصحيح # " ابغني أحجارا أستنفض بها " # يرجح نصبه على المفعولية - والله اعلم. # ولما كانت أفعالهم نقص الناس إما في الأموال بالبخس وإما في الإيمان ~~والنصرة بالصد، ذكرهم أن الله تعالى فعل معهم ضد ذلك من التكثير بعد ~~القلة في سياق منذر باجتثاثهم عن وجه الأرض وخصهم فضلا عن تقليلهم ~~ونقصهم، فقال عطفا على قوله { اعبدوا الله } وما بعده من الأوامر ~~والنواهي: { واذكروا إذ } أي حين { كنتم قليلا } أي في العدد والمدد { ~~فكثركم } أي كثر عددكم وأموالكم وكل شيء ينسب إليكم، فلا تقابلوا النعمة ~~بضدها، فإن ذكر النعمة مرغب في الشكر. # ولما رغبهم بالتذكير بالنعمة، حذرهم بالتذكير بأهل النقمة فقال: { ~~وانظروا كيف كان عاقبة } أي آخر أمر { المفسدين* } أي في عموم الإهلاك ~~بأنواع العذاب لتحذروا من أن يصيبكم مثل ما أصابهم كما صرح به في سورة ~~هود لكون الحال هناك مقتضيا للبسط كما سيأتي إن شاء الله تعالى. # ولما حذرهم وخامة الفساد الذي نهاهم عنه، وعلق انتهاءهم عنه بوصف ~~الإيمان، رجع إلى قسم ما شرط به الانتهاء عن الإفساد فقال: { وإن كان ~~طائفة منكم } أي جماعة فيهم كثرة بحيث يتحلقون بمن يريدون { آمنوا بالذي ~~أرسلت به } وبناه للمفعول إشارة إلى أن الفاعل معروف بما تقدم من السياق، ~~وأنه صار بحيث لا يتطرق إليه شك لما نصب من الدلالات { وطائفة } أي منكم ~~{ لم يؤمنوا } أي بالذي أرسلني به من أيدني بما عملتم من البينات، وحذرهم ~~سطوته بقوله: { فاصبروا } أي أيها الفريقان { حتى يحكم الله } أي الذي له ~~جميع العظمة { بيننا } أي بين فريقنا بإعزاز المصلح وإهلاك المفسد كما ~~أجرى بذلك عادته { وهو } أي الحال أنه { خير الحاكمين* } لأنه يفصل ~~النزاع على أتم وجه وأحكمه. ### || [7.88-89] ms1577 # ولما انتهى كلامه عليه السلام على هذا الوجه البديع، أخبر سبحانه بما ~~أفهم أن قومه لم يجدوا جوابا عنه أصلا لأنهم انتقلوا إلى الدفاع ~~بالفعل، وهو أمارة الانقطاع، فقال مستأنفا: { قال الملأ } أي الأشراف { ~~الذين استكبروا } أي أوجدوا الكبر إيجاد من هو طالب له بغاية الرغبة، ~~وخصهم ليحصل تمام التسلية بقوله: { من قومه لنخرجنك } وبين غلظتهم ~~وحفاءهم بقولهم: { يا شعيب } من غير استعطاف ولا إجلال { والذين آمنوا } ~~ويجوز أن يتعلق قوله: { معك } ب " آمنوا " وب " نخرج " { من قريتنا } ~~أي من المكان الجامع لنا لمفارقتكم إيانا { أو لتعودن } أي إلا أن ~~تعودوا، أي ليكونن آخر الأمرين: إما الإخراج وإما العود { في ملتنا } أي ~~بالسكوت عنا كما كنتم، ولم يريدوا منه العود إلى الكفر لأنه صلى الله ~~عليه وسلم كان محفوظا قبل النبوة كإخوانه من الأنبياء عليهم السلام، بل ~~كانوا يعدون سكوته عليه السلام - قبل إرساله إليهم من دعائهم وسب آلهتهم ~~وعيب دينهم - كونا في ملتهم، ومرادهم الآن رجوعه عليه السلام إلى تلك ~~الحالة والقناعة ممن اتبعه بذلك، فيكون مرادهم بالعود حقيقة في الجميع. # ولما كان من الإخراج والرد مستعظما، أخبر تعالى أنه أنكره بقوله: { قال ~~أولو } أي أتخرجوننا أو تعيدوننا لو كنا راضين للإخراج والعود ولو { كنا ~~كارهين* }. # ولما كان العرب أبعد الناس من مطلق الكذب وأشدهم له تحاميا ومنه نفرة ~~فكيف بالكذب على الأكابر فكيف به على الملوك فيكف به على ملك الملوك! علق ~~الكذب على الله تعالى بالعود إلى ملتهم بقوله مستأنفا الإخبار لمن تشوف ~~إلى علم ما كان منه بعد هذا الكلام اللين وتوقع غيره: { قد افترينا } أي ~~تعمدنا الآن بما نقوله لكم، أي من أن الله حرم الكفر والإقرار عليه { على ~~الله } أي الذي له جميع العظمة { كذبا } ويجوز أن يكون تنوينه للتعظيم، ~~ويجوز أن يكون للتحقير، ولكل وجه يدعو إليه المقام لا يخفى { إن عدنا } ~~أي ساعة من الدهر { في ملتكم } أي بسكوتنا أو بسكوتي وكفر من كان ممن ~~تبعني كافرا { بعد إذ نجانا الله } أي ms1578 الملك الأعلى خارقا للعادة بما ~~كنا جديرين بالانغماس فيه متابعة للآباء والأجداد والعشيرة بما له من ~~القدرة والعظمة { منها } أي إن فعلنا ذلك فقد ارتكبنا أقبح القبائح على ~~بصيرة منا بذلك، فهو تعليق على محال عادة، وهو من وادي قول الأشتر ~~النخعي: # بقيت وفري وانحرفت عن العلى # ولقيت أضيافي بوجه عبوس # إن لم أشن على ابن هند غارة # لم تخل يوما من نهاب نفوس # غير أن المعلق في البيت تقديري، وفي الآية تحقيقي، لأنهم أخبروهم أن ~~الله تعالى نهى عن الكفر وأمرهم بإنذار كل كافر، فمتى تركوا ذلك لزمهم ~~الكذب حتما { وما يكون لنا } أي ما يصح وما يتفق { أن نعود فيها } أي ~~ملكتم. # ولما كان الله سبحانه أن يفعل ما يشاء لا واجب عليه ولا قبيح منه، أشار ~~إلى ذلك بقوله: { إلا أن يشاء الله } فذكر اسم الذات إشارة إلى أن له ~~جميع الحمد لذاته؛ ثم ذكر صفه الإحسان عياذا من أن يراد بهم الهوان ~~فقال: { ربنا } أي خرق العادة فله ذلك، فهو من باب التذكر للمخاوف ~~والإشراف على إمكان سوء العواقب للصدق في التضرع إلى الله تعالى ~~والالتجاء إليه والاستعاذة من مكره، ولذلك أتى باسم الجلالة الجامع لجميع ~~معاني الأسماء الحسنى وصفة الربوبية الملتمس بذكرها فعل ما يفعل لمربي ~~الشفيق، فكأنه قال: إن عودنا في ملتكم غير ممكن عادة، والمحال عادة لا ~~يقدر عليه إلا بقدر من الله، بل ولا توجه الهمم إليه، والله تعالى أكرام ~~من أن يعود فيما وهبه لنا من هذا الأمر الجليل، وينزع عنا هذا اللباس ~~الجميل، وهو صريح في أن الكفر يكون بمشيئة الله، بل ولا يكون إلا ~~بمشيئته، وقوله: { وسع ربنا } أي المحسن إلينا { كل شيء علما } زيادة في ~~حث أمته على الالتجاء والتبري من الحول والقوة، أي لا علم لنا بخواتم ~~العمال والعلم لله فهو التام العلم الكامل القدرة، فهذه الجملة كالتعليل ~~للتعليق بالمشيئة قطعا - لما عساه أن يحدث من طمع المخاطبين في عودهم، ~~كأنه قيل: وإنما علقنا العود بالمشيئة لنقص ms1579 علومنا، فربما كان في سعة ~~علمه قسم ثالث، وهو أن نكون في القرية على ديننا وتكونون أنتم أو لا، أو ~~توافقوننا على ما نحن عليه، وهكذا ينبغي للمربوب، ولا ينبغي الجزم بأمر ~~يستقبل إلا الله ربنا لإحاطة علمه، والآية تدل على انه كان في الأزل ~~عالما بكل شيء من الكليات والجزئيات لأن " وسع " ماض، وقد تقدم في ~~الأنعام أن قول الخليل عليه السلام وهذا وآية الكهف من مخبر واحد - والله ~~أعلم. # ولما كان المراد من هذا ما ذكر،كان مزعجا للقلوب مقلقا للنفوس مزعزعا ~~للخواطر مزلزلا للأفكار بتأمل هذه الأخطار المشفية على غاية الخسار، ~~فكأن المؤمنين قالوا: ما العمل وأين المفر؟ فقال: { على الله } أي الذي ~~له الأمر كله ولا أمر لأحد معه، وحده لا على غيره { توكلنا } أي فوضنا ~~جميع أمورنا إليه، وهو أكرم من أن يختار لنا غير الأرشد وقد تبرأنا من ~~حولنا وقوتنا واعتصمنا بحوله وقوته، وجعلنا جميع أمورنا كلها محمولة على ~~قدرته كما يحمل الوكيل أمر موكله عنه ويريحه من همه وقلقه منه. # ولما جرت العادة بأن الموكل يخبر الوكيل بما يريد ليفعله، أتبع ذلك ~~الدعاء بالحكم بما يقتضيه ظاهر الحال من نصر المحق وخذل المبطل فقال: { ~~ربنا } أي أيها المحسن إلينا { افتح } أي احكم { بيننا } ولما كان يريد ~~استعطافهم لإسعادهم قال: { وبين قومنا } وفيه إشارة إلى ميله إلى الدعاء ~~بهدايتهم، وأدب بعدم التصريح بما لم يؤذن له فيه { بالحق } أي بالأمر ~~الفيصل من معاملة كل من المحق والمبطل بما يستحقه شرعا وعرفا بحيث ~~يكون لكل فريق باب يصل به إلى غاية أمره وهذا مقام الإنصاف، فقد علم من ~~إشارة قوله العناية بقومه، ومن عبارته الإنصاف من نفسه، ولو أراد ترجيح ~~نفسه ومتبعيه لدعا لهم أن يعاملوا بالفضل وأن يعامل ضدهم بالعدل، والآية ~~معلمة بأن له تعالى أن يفعل ما يريد من خذلان الظالم ونصر المظلوم وتعذيب ~~العاصي وإثابة الطائع وعكس ذلك، # لا يسئل عما يفعل # [الأنبياء: 23] لأنه التام الملك العظيم الملك الشامل القدرة الحكيم ~~الخبير، ويجوز ms1580 أن يكون المراد: لا نعود إلى ما كنا عليه من السكوت عن ~~دعائكم إلى الله ونهيكم عن أفعال الضلال لأنا أمرنا بإنذاركم إلا أن يشاء ~~الله سكوتنا بامر يحدثه إلينا في ذلك لمصلحة اقتضاها علمه وقصرت عنها ~~علومنا، فإذا أراد ذلك وأمرنا به فعلنا، فله الخلق والأمر. # ولما اشار الدعاء لقومه، أشار - بالعطف على غير معطوف عليه ظاهر - إلى ~~أن التقدير: فأنت خير الراحمين: { وأنت خير الفاتحين* } أي على من سدت ~~عليه الأبواب ولم يجد مخلصا. ### || [7.90-96] # ولما انقضى جواب الفصل المبني على إبطال الفضل وإظهار العدل، ذكر سبحانه ~~قولهم بعده عاطفا له على ما مضى من قولهم أو قوله، كان الأصل أن يقال: ~~وقالوا، ولكنه أظهر الوصف بالشرف إشارة إلى أنه الذي حملهم على نتيجة ~~الاستكبار وهي الكفر، ثم لم يرضوا به حتى أضافوا إليه تكفير غيرهم فقال: ~~{ وقال الملأ } أي الأكابر { الذين } يملؤون العيون مرأى والقلوب مهابة، ~~فحلمهم التكبر على أنهم { كفروا }. # ولما كان من المستبعد أن يكون أقاربه يتنكبون عما أتاهم به من الخير ~~لحسد أو اتهام أو غيرها، فكان ربما ظن أن هؤلاء الذين يعاملونه بهذه ~~الغلطة أجانب عنه، قال: { من قومه } بيانا لأن الفضل بيد الله فقد يؤتيه ~~البغيض البعيد ويمنعه الحبيب القريب # إنك لا تهدي من أحببت # [القصص: 56]، ووطؤوا للقسم بقولهم: { لئن اتبعتم } أي أيها الأتباع ممن ~~لم يؤمن بعد { شعيبا } أو تركتم ما أنتم عليه مما أورثه لكم آباؤكم؛ ~~واجاب القسم بما سد عن جواب الشرط بقوله: { إنكم إذا } أي وقت اتباعه { ~~لخاسرون* } أي لأنكم استبدلتم بدين الآباء غيره وحرمتم فوائد البخس ~~والتطفيف وقط السبل. # ولما كمل إثمهم بالضلال والإضلال، استحقوا الأخذ فقال: { فأخذتهم } أي ~~فتسبب عن أقوالهم هذه وأفعالهم أنه أخذتهم { الرجفة } أي الزلزلة العظيمة ~~في القلوب أو الديار التي كانت سببا للصيحة أو مسببة عنها { فأصبحوا في ~~دارهم } أي مساكنهم، وتقدم سر توحيدها { جاثمين* } أي باركين على الركب ~~أو لازمين أمكنتهم لا حراك بهم، وهذا دون ما كان النبي صلى الله ms1581 عليه ~~وسلم لما نزلت الملائكة بحنين، فكان الكفار يسمعون في أجوافهم مثل وقع ~~الحصاة في الطست، ودون ما كان يجد مخالفه من الرعب من مسيرة شهر من ورائه ~~وشهر من أمامه، ولكونه كان نبي الرحمة ما اقتضى ذلك الهلاك بل النجاة. # ولما أخبر سبحانه بهلاكهم وما سببه من أقوالهم وأفعالهم، وكان للتخليص ~~من العظمة في القلوب بتصوير المخلص للأذهان ما لا يخفى، لخص ذلك ذاكرا ~~لأنه حل بهم بالخصوص - ما نسبوا إلى المؤمنين من الخسارة فقال: { الذين ~~كذبوا شعيبا } أي نسبوه إلى الكذب فيما قاله عنا وأيدناه فيه بالبينات { ~~كأن } أي هم المخصصون بالهلاك حتى كأنهم { لم يغنوا } أي ينزلوا ويقيموا، ~~وبطل مقامهم لاهين بالأفراح والغناء والاستغناء من المغاني وهي المنازل ~~والاستغناء { فيها } أي الدار بسبب تكذيبهم. # ولما كان تكذيب الصادقين لا سيما الرسل في غاية الشناعة، كرره إشارة إلى ~~ذلك وإعلاما بأنه سبب لهم أعظم من هلاك الأشباح ضد ما سبب التصديق ~~للمؤمنين فقال: { الذين كذبوا شعيبا } أي تكذيبه سببا لهلاكهم { كانوا ~~} أي بسبب التكذيب أيضا { هم } أي خاصة { الخاسرين* } أي خسروا أرواحهم ~~كما خسروا أشباحهم فهم لما سوى ذلك أخسر، وأما الذين اتبعوه فما نالهم ~~شيء من الخسار، وفي هذا الاستئناف والابتداء والتكرير مبالغة في رد مقالة ~~الملأ لأشياعهم وتسفيه لآرائهم واستهزاء بنصحهم لقومهم واستعظام لما جرى ~~عليهم. # ولما صارت تلك الدار محل الغضب، سبب ذلك أن هاجر عنها كما كانت عادة من ~~قبله من الأنبياء عليهم السلام، فقال: { فتولىعنهم } بعد نزول العذاب ~~وقبله عند رؤية مخايله ذاهبا إلى مكان غيره، يعبد ربه فيه { وقال } ~~متأسفا على ما فاته من هدايتهم { يا قوم } أي يا عشيرتي وأقرب الناس ~~إلي { لقد أبلغتكم } ولعله جمع لأجل كثرة ما أتاهم به من المعجزات فقال: ~~{ رسالات ربي } أي المحسن إلي بإنجائي ومن تبعني من عذابكم لتوفيقه لنا ~~إلى ما يرضيه { ونصحت } أي وأوقعت النصح { لكم } أي خاصة. # ولما كان هذا مفهما لما طبع البشر من الأسف أهله وعشيرته، سبب عنه ~~منكرا على ms1582 نفسه قوله: { فكيف آسى } أي أحزن حزنا شديدا { على قوم ~~كافرين* } أي عريقين في الكفر، فعرف أنه أسف عليهم من أجل قربهم وفوات ~~الإيمان لهم غير آسف عليهم من أجل كفرهم، وتخصيص تكرير هذه القصص الخمس ~~على هذا الترتيب في كثير من سور القرآن- دون قصة إبراهيم عليه السلام وهو ~~أعظمهم - لانتظامهم في أنهم أقرت أعينهم بأن رأوا مصارع من خالفهم، وأما ~~إبراهيم عليه السلام فإنه وقع النص في قوله # إني ذاهب إلى ربي سيهدين # [الصافات: 99] بأنه خرج من بين قومه قبل عذابهم ولم يسلك به سبيلهم في ~~إقرار عينه بإهلاك من كذبه بحضرته، وهو أفضلهم لأن الكائن في قصته أعظم ~~في الأفضلية،وهو طبق ما اتفق لولده أفضل البشر نبينا محمد صلى الله عليه ~~وسلم، وانظر إلى قوله تعالى # وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم # [الأنفال: 33] تعرف ما في هذا المقام من الإكرام، وأن الأمر كما قيل: ~~لعين تجازى ألف عين وتكرم. # ولما قدم سبحانه إجمال الإنذار بما اشتركت فيه الأمم من الإهلاك بقوله ~~تعالى: # وكم من قرية أهلكناها # [الأعراف: 4] الآية، ثم أتبعه - بعد تقديم ما يحتاج إليه على النظم الذي ~~سبق التنبيه عليه - تفصيل ما انفردت به كل أمه من العذاب الحاث على سبيل ~~الصواب، أتبع ذلك إجمالا آخر أبسط من الأول على نمط غريب دال على عادته ~~المستمرة وسنته المستقرة في شرح حال هؤلاء الأمم الذين ذكرهم وغيرهم، ~~لئلا يظن أن غيرهم كان حاله غير حالهم، فبين أن الكل على نهج واحد وأن ~~السبب في استئصالهم واحد، وهو التكذيب والاستكبار على الحق، ليكون ~~الإجمال كالضوابط والقواعد الكلية لتنطبق على الجزيئات. وذلك الاستبصار ~~بما يكون من نافع أو ضار وعدم الاغترار بأحوال المستدرجين الأشرار متكفل ~~بالتسلية لنبيه صلى الله عليه وسلم والتأسية، متقدم على قصة موسى وهارون ~~عليهما السلام لطولها وتعجيلا بما في ذلك من مصارع الإنذار بقوله تعالى: ~~{ وما } أي أرسلنا فلانا فكان كذا وفلانا فكان كذا، وما { أرسلنا } أي ~~بما لنا من العظمة { في قرية } أي من قرى ms1583 أولئك وغيرهم { من نبي } أي ~~من الأنبياء الذين تقدموك { إلا } كان ما نخبر به من ترهيبهم من سطواتنا ~~وهو أنا { أخذنا } أي بعظمتنا { أهلها } أي أخذ قهر وسطوة، أي لأجل ~~استكبارهم عن الحق { بالبأساء } أي قهر الرجال { والضراء } أي المرض ~~والفقر { لعلهم يضرعون* } أي ليكون حالهم عند المساءة حال من يرجى تضرعه ~~وتذلله وتخضعه لمن لا يكشف ذلك عنه غيره ولو كان التضرع في أدنى المراتب ~~- على ما أشار إليه الإدغام، لأن ذلك كاف في الإنقاذ من عذاب الإنذار ~~الذي هذه سورته بخلاف ما مضى في الأنعام. # ولما لم يتضرعوا صادقين من قلوبهم معترفين بالحق لأهله كما يحق له، ~~استدراجهم بإدرار النعم، فقال مشيرا إلى طول مدة الابتلاء واستبعادهم ~~لكشف ذلك البلاء: { ثم بدلنا } ومظهر العظمة يؤيد الاحتمال الثاني { مكان ~~} أي جعلنا { السيئة } أي النقمة { الحسنة } أي النعمة، وبين أنه مد ~~النعمة بقوله: { حتى عفوا } أي بدل كثروا وكثرت نعمهم فلم يشكروا { ~~وقالوا } مسندين الأمر إلى غير أهله { قد مس آباءنا الضراء } أي الشدة { ~~والسراء } أي الرخاء والنعمة، معتقدين أن هذه عادة الدهر لا فعل الفاعل ~~المختار. # ولما لم يعتبروا ويعلموا أن ذلك ممن يحب أن لا يعدل عن بابه ولا يغفل عن ~~جنابه، وظنوا أن ذلك دأب الدهر وفعل الزمان، واستمروا على فسادهم في حال ~~الشدة والرخاء، سبب عنه قوله: { فأخذناهم } أي بعظمتنا أشد الأخذ وأفظعه ~~في الظاهر والباطن { بغتة } أي فجأة حتى لا ينفعهم التوبة، وأكد معنى ~~البغت تحقيقا لأمره بقوله: { وهم لا يشعرون* } فحق من سمع هذا أن يبادر ~~إلى الرجوع عن كل مخالفة فيها خوفا من الأخذ بغتة. # ولما بين تعالى ما كان قولهم مسببا له من الأخذ بغتة، بين ما كان يكون ~~ضد قولهم مسببا له من البركات لو وقع بقوله: { ولو أن أهل القرى } أي ~~هذه التي قصصنا أخبارها { آمنوا } أي بما أتاهم به رسلهم { واتقوا } أي ~~خافوا أمر الله وجعلوا بينهم وبين سخطه وقاية من طاعاته فاستمروا على ~~إيمانهم { لفتحنا عليهم بركات } أي ms1584 خيرات ثابته لا يقدر أحد على إزالتها ~~{ من السماء } أي بالمطر الذي يكون كأفواه القرب وما شابهه { والأرض } ~~بالنبت الغليظ وما قاربه، وقراءة ابن عامر بالتشديد يدل على كثرة تلك ~~البركات، وأصل البركة الموظبة على الخير. # ولما كان الكلام بما أفهمته { لو } في قوة أنهم يؤمنوا عبر بقوله: { ~~ولكن كذبوا } أي كان التكذيب ديدنهم وشأنهم، فلذلك لم يصدقوا رسلنا في ~~شيء، ولما كان التكذيب موضع الجلافة والجمود الذي هو سبب لعدم النظر في ~~الدليل، سبب عنه العذاب فقال: { فأخذناهم } أي بما لنا من العظمة { بما } ~~أي بسبب ما { كانوا يكسبون* } أي بجبلاتهم الخبيثة من الأعمال المناسبة ~~لها. ### || [7.97-100] # ولما كانوا قد ضلوا ضلالا بعيدا في غلطهم في جعلهم السراء والضراء ~~سببا للأمن من مكر الله، قال منكرا عليهم أمنهم عاطفا له على { كذبوا ~~} لأنه سبب الغلط وهو سبب الأمن فقال: { أفأمن أهل القرى } أي كذبوا ~~ناسين أفعالنا المرهبة بالمضار والمرغبة بالمسار فأمنوا { أن يأتيهم ~~بأسنا } أي الناشىء عما لنا من العظمة التي لا ينساها إلا خاسر { بياتا ~~} أي ليلا وهم قد أخذوا الراحة في بيوتهم، ولما كان النوم شيئا واحدا ~~يغمر الحواس فيقتضي الاستقرار، عبر بالاسم الدال على الثبات فقال: { وهم ~~نائمون* } أي على غاية الغفلة عنه. # ولما كان ربما قال جاهل: لو جاءهم وهم إيقاظ لأمكن أن يدافعوا! قال: { ~~أو أمن أهل القرى } أي مجتمعين أو منفردين فأنه لا فرق عندنا في ذلك { أن ~~يأتيهم بأسنا ضحى } أي وقت راحتهم واجتماع قواهم ونشاطهم؛ ولما كانت ~~اليقظة موجبة للحركة، عبر بالمضارع في قوله: { وهم يلعبون* } أي يتجدد ~~لعبهم شيئا فشيئا في ذلك الوقت، وفيه تقريع لهم بنسبتهم إلى أنهم صبيان ~~العقول، لا التفات لهم إلى غير اللعب. # ولما كان ضلالهم - الذي نسبوا فيه الأمر إلى غير أهله - أشنع ضلال ~~لتضمنه التعطيل وما يجر إليه من الأباطيل، كرر الإنكار عليهم على وجه أشد ~~من الأول فقال مسببا الإنكار عما أثبت هذا الكلام من العظمة التي لا ~~يتمارى فيها ذو لب: { أفأمنوا ms1585 مكر الله } أي فعله الذي يشبه المكر بأخذ ~~الإنسان من حيث لا يشعر بالاستدراج بما يريد من النعم والنقم؛ وسبب عن ~~ذلك قوله: { فلا يأمن مكر الله } أي الذي لا أعظم منه فلا يرد له أمر { ~~إلا القوم الخاسرون* } أي الذين كانت قواهم سببا لعراقتهم في الأفعال ~~الضارة والخصال المهلكة. # ولما بان بما مضى حال الكفار مجملا ومفصلا، وكان المقصود من ذلك عبرة ~~السامعين، وكان أخذهم بالبأساء والضراء مع إبقاء مهجهم وحفظ أرواحهم ~~وأفهامهم بعد إهلاك من قبلهم في بعض ما لحقهم من ذلك وإيراثهم الأرض من ~~بعدهم حالا يكونون بها في حيز من يرجى منه الخوف المقتضي للتضرع والعلم ~~قطعا بأن الفاعل لذلك هو الله، وأنه لو شاء لأهلكهم بالذنوب أو غطى ~~أفهامهم بحيث يصيرون كالبهائم لا يسمعون إلا دعاء ونداء، فسماعهم حيث لا ~~فهم كلا سماع، فجعلوا ذلك سببا للأمن؛ أنكر عليهم ذلك بقوله { أفأمن } ~~إلى آخره؛ ثم أنكر عليهم عدم الاستدلال على القدرة فقال عاطفا على { ~~أفأمن }: { أولم يهد } أي يبين أخذنا الأمم الماضية بالبأساء والضراء ثم ~~إهلاكهم إذا لم يتعظوا { للذين يرثون الأرض } وأظهر موضع الإضمار تعميما ~~وتعليقا للحكم بالوصف وإشارة إلى بلادتهم لعدم البحث عن الأخبار ليعلموا ~~منها ما يضر وما ينفع فلا يكونوا كالبهائم، فإنهم لو تأملوا أحوالهم ~~وأحوال من ورثوا أرضهم وأحوال الأرض لكفاهم ذلك في الهداية إلى سواء ~~السبيل. # ولما كان إرثهم غير مستغرق للزمان، أتى بالجار فقال: { من بعد أهلها } ~~ثم ذكر مفعول { يهد } بقوله: { أن } أي إنا { لو نشاء } أي في أي وقت ~~أردنا { أصبناهم بذنوبهم } أي إصابة نمحقهم بها كما فعلنا بمن ورثوا ~~أرضهم؛ ولما كان هذا تخويفا للموجودين بعد المهلكين، ومنهم قريش وسائر ~~العرب الذين يخاطبون بهذا القرآن، فكأن المخوف به لم يقع بعد، عطف على ~~أصبنا قوله: { ونطبع على قلوبهم } أي بإزالة عقولهم حتى يكونوا كالبهائم، ~~ولذلك سبب عنه قوله: { فهم لا يسمعون* } أي سماع فهم، وعبر عن الإصابة ~~بالماضي إشارة إلى سرعة الإهلاك مع كونه شيئا ms1586 واحدا غير متجزىء، وعن ~~الطبع بالمضارع إيماء إلى التجدد بحيث لا يمر زمن إلا كانوا فيه في طبع ~~جديد. ### || [7.101-103] # ولما انقضى ذلك على هذا الوجه الأعظم والنظم الأبلغ الأحكم، وكانت هذه ~~القرى بحيث تعرفها العرب ويرونها، أشار إليهم حثا على الاعتبار بهم، ~~ولما كان أهلها جديرين بالبعد عنهم والهرب منهم، عبر عنهم بأداة البعد ~~فقال: { تلك القرى } أي محال القبائل الخمس، ويجوز أن يكون البعد لعظمة ~~ما حصل لأهلها من العذاب، ويؤيده قوله مبينا لحالها: { نقص عليك }. # ولما كان العاقل من يكفيه أدنى شيء، هول الأمر بأن أخبارها تفوت الحصر، ~~وأن ما قص منها يكفي المعتبر، فقال: { من أنبائها } أي أخبارها العظيمة ~~الهائلة المطابقة للواقع شيئا بعد شيء كما يفعل من يتتبع الأثر، وأنث ~~الضمير لأن لرؤية القرى أنفسها مدخلا في معرفة أخبار أهلها. # ولما كان المقام مقام العجب من التكذيب بعد ذلك البيان، كان ربما تخيل ~~متخيل أنهم لم يؤتوا بالبيان الشافي، فشهد الله تعالى للرسل عليهم السلام ~~تصديقا لمن قال مهم: قد جاءتكم بينة، بقوله: { ولقد } أي والحال أنه قد ~~{ جاءتهم } أي أهل القرى لأنهم المقصودون بالذات { رسلهم } أي الذين ~~أرسلناهم إليهم { بالبينات فما } أي فلم يتسبب عن ذلك بسبب طبعنا على ~~قلوبهم إلا أنهم ما { كانوا } موفقين { ليؤمنوا } أي عند مجيئها، وقد أكد ~~منافاة حالهم الإيمان باللام والكون أتم تأكيد { بما } أي بالذي { كذبوا ~~} أي به، وحذفها أدل على الزجر من مطلق التكذيب وأوفق لمقصود السورة. # ولما كان تكذبيهم غير مستغرق للزمان الماضي، أدخل الجار فقال: { من قبل ~~} أي قبل مجيء الرسل إليهم أو بتكذيبهم الواقع منهم للرسل فيما أتوا به ~~عن الله من قبل الأخذ بغتة، أو من قبل مجيء الرسل بالآيات، فإنهم أول ما ~~جاؤوهم فاجؤوهم بالتكذيب، فجوزوا على تكذيب الحق من غير نظر في دليل ~~بالطبع على قلوبهم فأتوهم. بالمعجزات فأصروا على ذلك التكذيب ووقفوا لذلك ~~الطبع مع حظوظهم، ومنعتهم شماختهم وشدة شكائمهم عن الإيمان لئلا يقال: ~~إنهم خافوا أولا فيما وقع منهم ms1587 من التكذيب فكانوا فيه على غير بصيرة، أو ~~إنهم خافوا ثانيا ما قرعتهم به الرسل من الوعيد، فدخلوا جبنا فيما ~~يعلمون بطلانه، فكان تزيين هذا لهم طبعا على قلوبهم، فكأنه قيل: إن هذا ~~العجب هل يقع في مثل ذلك أحد؟ فقيل:نعم، مثل ما طبعنا على قلوبهم حتى ~~صارت مع الفهم لا تنتفع، فكأنها لا تفهم فكأنها لا تسمع { كذلك يطبع الله ~~} أي الجامع لصفات الكبر ونعوت الجلال بما يجعل من الرين بما له من ~~العظمة { على قلوب الكافرين* } أي كل من يغطي ما أعطاه الله من نور العقل ~~بما تدعوه إليه نفسه من الهوى عريقا في الاتصاف بذلك فيترك آيات الله. # ولما كان نقض العهد أفظع شيء ولا سيما عند العرب، قال عاطفا على " فما ~~كانوا ": { وما وجدنا } أي في عالم الشهادة { لأكثرهم } أي الناس، وأكد ~~الاستغراق فقال: { من عهد } طبق ما كان عندنا في عالم الغيب، وهذا إما ~~إشارة إلى الميثاق يوم { ألست بربكم } إن كان ذلك على حقيقته، أو إلى ما ~~يفعلون حال الشدائد من الإقلاع عن المعاصي والمعاهدة على الشكر # لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين # [يونس: 22] أو إلى إقامة الحجج بإفاضة العقول ونصب الأدلة، فصار بنصبها ~~وإيضاحها للعقول كأنه أخذ العهد على من عقل أنه يبذل الجهد في التأمل ولا ~~يتجاوز ما أبداه له صحيح النظر { وإن } أي وإنا { وجدنا } أي علمنا في ~~عالم الشهادة { أكثرهم لفاسقين* } أي خارجين عن دائرة العهد مارقين مما ~~أوقفهم عند الحد عريقين في ذلك طبق ما كنا نعلمه منهم في عالم الغيب، وما ~~أبرزناه في عالم الشهادة إلا لنقيم عليهم به الحجة على ما يتعارفونه ~~بينهم في مجاري عاداتهم ومدارك عقولهم. # ولما انقضى بيان هذا الإجمال الخالع لقلوب الرجال، أتبعه الكشف عما كان ~~بعد قصة شعيب عليه السلام من قصة صهره موسى عليه السلام مع فرعون وقومه، ~~وهي كالدليل على آيات الإجمال كما كانت القصص الماضية كالدليل على ما في ~~أول السورة من الإجمال، فإن قصة فرعون مشتملة على ms1588 الأخذ بالبأساء ~~والضراء، ثم الإنعام بالرخاء والسراء، ثم الأخذ بغتة بسبب شدة الوقوف مع ~~الضلال بعد الكشف الشافي والبيان لما على قلوبهم من الطبع وما قادت إليه ~~الحظوظ من الفسق، وكأنه فصلها عن القصص الماضية تنويها بذكرها وتنبيها ~~على علي قدرها، لأن معجزات صاحبها من معجزات من كان قبله، وجهل من ~~عالجهم كان أعظم وأفحش من جهل تلك الأمم، ولذلك عطفها بأداة البعد مع قرب ~~زمنها من التي قبلها إشارة إلى بعد رتبتها بما فيها من العجائب وما ~~اشتملت عليه من الرغائب والغرائب، ولذلك مد لها الميدان وأطلق في سياقها ~~للجواد العنان فقال: { ثم بعثنا } أي على عظمتنا { من بعدهم } أي الرسل ~~المذكورين والأمم المهلكين { موسى بآياتنا } أي التي يحق لها العظمة ~~بإضافتها إلينا فثبت بها النبوة { إلى فرعون } هو علم جنس لملوك مصر ~~ككسرى لملوك فارس وقيصر لملوك الروم، وكان اسم فرعون موسى عليه السلام ~~قابوس، وقيل: الوليد بن مصعب ابن الريان { وملئه } أي عظماء قومه، وخصمهم ~~لأنهم إذا أذعنوا أذعن من دونهم، فكأنهم المقصودون والإرسال إليهم إرسال ~~إلى الكل. # ولما سببت لهم الظلم الظلم قال: { فظلموا } أي وقعوا في مثل الظلام حتى ~~وضعوا الأشياء في غير مواضعها فوضعوا الإنكار موضع الإقرار { بها } أي ~~بسبب رؤيتها خوفا على رئاستهم ومملكتهم الفانية أن تخرج من أيديهم؛ ولما ~~كان ذلك من أعجب العجب، وهو أن سبب العدل يكون سبب الظلم، وكان هذا الظلم ~~أعظم الفساد، سبب عنه قوله معجبا: { فانظر } أي بعين البصيرة { كيف كان ~~عاقبة } أي آخر أمر { المفسدين* } فلخص في هذه الآية على وجازتها جميع ~~قصتهم على طولها، وقدم ذكر الآيات اهتماما بها ولأنها الدليل على صحة ~~دعوى البعث. ### || [7.104-109] # ولما كان التقدير عطفا على { فظلموا بها }: ووضعها موسى مواضعها، عبر ~~عنه بقوله: { وقال موسى يا فرعون } خاطبه بما يعجبه امتثالا لأمر الله ~~تعالى له أن يلين في خطابه، وذلك لأن فرعون لقب مدح لمن ملك مصر. # ولما أتاهم عليه السلام وهم عارفون بأمانته وصدقه وعظم مكانته ومكارم ~~أخلاقه ms1589 وشريف عنصره وعظيم مخبره، وفرعون أعظمهم معرفة به لأنه ربي في ~~حجره، كان هذا حالا مقتضيا لأن يلقي إليهم الكلام غير مؤكد، لكن لما ~~كان الإرسال من الله أمرا عظيما جدا، وكان المقصود به تخلية سبيل بني ~~إسرائيل، وكان فرعون ضنينا بذلك، أكده بعض التأكيد فقال: { إني رسول } ~~ثم بين مرسله بقوله: { من رب العالمين* } أي المحسن إليهم أجمعين - وأنتم ~~منهم - بإيجادهم وتربيتهم، فهو تنبيه لمن سمعه على أن فرعون مربوب مقهور. # ولما خلفه مما يدعيه من الربوبية دالا على تسويته ببقية العالمين: ~~ناطقهم وصامتهم، وكان لذلك بعيدا من الإذعان لهذا الكلام، أتبعه قوله ~~على وجه التأكيد مستأنفا بيان ما يلزم للرسول: { حقيق } أي بالغ في ~~الحقية، وهي الثبات الذي لا يمكن زواله { على أن لا أقول على الله } أي ~~الذي له جميع الكمال، ولا عظمة لسواه ولا جلال { إلا الحق } أي الثابت ~~الذي لا تمكن المماراة فيه اصلا لما يصدقه من المعجزات، وحاصل العبارة ~~ومآلها: حق على قولي الذي أطلقه على الله أن لا يكون إلا الحق أي غير ~~الحق، ولذلك عبر بالاسم الأعظم الجامع لجميع الصفات، وقراءة نافع بتشديد ~~ياء الإضافة في { على } بمعنى هذا سواء، لأن من حق عليه شيء حق على ~~كلامه. # ولما كان الحال إذ ذاك يقتضي توقع إقامة موسى عليه السلام البينة على ~~صحة رسالته كان كأنه قيل: ما دليل صدقك؟ فقال مفتتحا بحرف التوقع ~~والتحقيق: { قد جئتكم } أي كلكم، لا أخص أحدا منكم { ببينة } دليلا على ~~رسالتي وقولي الحق { من ربكم } أي المحسن إليكم بكل نعمة ترونها لديكم من ~~خلقكم وزرقكم وكف الأمم عن انتزاع هذا الملك منكم وإهلاككم، وتلك البينة ~~هي المعجزة، فكرر البيان في هذا الكلام على أن فرعون ليس كما يدعي لأنه ~~مربوب، لا فرق بينة وبين بقية العالمين في ذلك. # ولما كان من المعلوم أن مثله في تمام عقله وشرف خلائقه لا يدعي في تلك ~~المجامع إلا حقا مع ما نبه عليه من البيان على تفرد الله بالإلهية كما ms1590 ~~تفرد بالإحسان، كان كأنه أظهر البينة التي أقلها كفهم عن إهلاكهم. فأتبع ~~ذلك طلب النتيجة إعلاما بغاية ما يريد منهم بقوله مسببا عن مجرد هذا ~~الإخبار الذي كان قد أوقع مضمونه: { فأرسل } أي يا فرعون { معي بني ~~إسرائيل* } أي فسبب إقامتي الدليل على صحة ما قلته أن أمر بما جئت له - ~~وهو إرسالهم معي - أمر من صار له سلطان بإقامة البينة لنذهب كلنا إلى بيت ~~المقدس موطن آبائنا التي أقسم الله لهم أن يورثها أبناءهم، وفي جعل ذلك ~~نتيجة الإرسال إليه تنبيه على أن رسالته مقصورة على قومه، فكأنه قيل: ~~فماذا قال فرعون في جواب هذا الأمر الواضح؟ فقيل: { قال } معرضا عنه ~~معميا له خوفا من غائلته عند من يعرف موسى عليه السلام حق المعرفة ~~معبرا بأداة الشك إيقافا لهم: { إن كنت جئت بآية } أي علامة على صحة ~~رسالتك { فأت بها } فأوهم أنه لم يفهم إلا أن المراد أنه سيقيمها من غير ~~أن يكون في كلامه السابق دلالة على صدقه، وأكد الإبهام والشك بقوله: { إن ~~كنت } أي جبلة وطبعا { من الصادقين* } أي في عداد أهل الصدق العريقين ~~فيه لتصح دعواك عندي وتثبت. # ولما ساق هذا الطلب مساقا دالا على أنه شاك في أمره، أخبر تعالى أنه ~~فاجأه بإظهار الآية دالا على ذلك بالفاء المسببة المعقبة من غير مهلة ~~فقال عن فعل موسى عليه السلام: { فألقى عصاه } وعن فعله هو سبحانه { فإذا ~~هي } أي العصا { ثعبان مبين* } أي ظاهر في كبره وسرعة حركته بحيث إنه ~~لشدة ظهوره كأنه ينادي الناس فيظهر لهم أمره، وهو موضح لصدق من تسبب عن ~~فعله في جميع مقالته؛ روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان ثعبانا ~~أشعر فاغرا فاه، بين لحييه ثمانون ذراعا، وضع لحيه الأسفل في الأرض ~~ولحيه الأعلى على سور القصر ثم توجه نحو فرعون فوثب من سريره هاربا ~~وأحدث، وحمل على الناس فانهزموا وصاحوا فمات منهم خمسة وعشرون ألفا، قتل ~~بعضهم بعضا، وصاح فرعون: يا موسى خذه وأنا أومن بك فأخذه ms1591 فعاد عصا. ثم ~~قال: هل معك آية أخرى؟ قال: نعم { ونزع يده } أي أخرجها من جيبه بعد أن ~~أراه إياها محترقة أدما كما كانت وهو عنده { فإذا هي بيضاء } ونبه على ~~ثبات بياضها وزيادة إعجابه بقوله: { للناظرين* } قال أبو حيان: أي ~~للنظارة، وفي ذكر ذلك تنبيه على عظم بياضها لأنه لا يعرض العجب لهم إلا ~~إذا كان بياضها خارجا عن العادة، وقال ابن عباس: صارت نورا ساطعا يضيء ~~ما بين السماء والأرض، له لمعان مثل لمعان البرق فخروا على وجوههم، وما ~~أعجب أمر هذين الخارقين العظيمين: أحدهما في نفسه وذلك اليد البيضاء، ~~والآخر في غير نفسه وهى العصا التي يمسكها بيده، وجمع بذينك تبديل الذوات ~~من الخشبية إلى الحيوانية، وتبديل الأعراض من السمرة إلى البياض الساطع، ~~فكانا دالين على جواز الأمرين - انتهى. # ولما أتى بالبيان وأقام واضح البرهان، اقتضى الحال السؤال عما أبرزوه من ~~المقال في جوابه فقال: { قال الملأ } أي الأكابر { من قوم فرعون } ما ~~تلقفوه من فرعون واحدا بعد واحد، يلقيه أكبرهم إلى أصغرهم { إن هذا ~~لساحر } أي فهذا الذي رأيتموه أيها الناس من تخييله ما لا حقيقة له، فلا ~~تبادروا إلى متابعته. # ولما كان ذلك خارجا عما ألفوه السحرة قالوا: { عليم* } أي بما هم فيه، ~~بالغ في علمه إلى حد عظيم، فذلك جاء ما رأيتم منه فوق العادة، فكأن فرعون ~~قال ذلك أبتداء - كما في سورة الشورى - فتلقفوه منه وبادروا إلى قوله، ~~يقوله بعضكم لبعض إعلاما بأنهم على غاية الطواعية له خوفا على رئاستهم ~~تحقيقا لقوله تعالى # فاستخف قومه فأطاعوه # [الزخرف: 54] واختير هنا إسناده إليهم، لأن السياق للاستدلال على فسق ~~الأكثر، وأما هناك فالسياق لأنه إن أراد سبحانه انزل آية خضعوا لها كما ~~خضع فرعون عند رؤية ما رأى من موسى عليه السلام حتى رضي لنفسه بأن يخاطب ~~عبيده - على ما يزعم - بما يقتضي أن يكون لهم عليه أمر، فلذا كان إسناد ~~القول إليه أحسن، لأن النصرة في مقارعة الرأس أظهر، وخضوع عنقه أضخم ~~وأكبر. ### || [7.110-117] # ولما ms1592 خيلوهم حتى أوقفوهم عما فهموا عنهم من المبادرة إلى المتابعة ~~بادعاء أنه ساحر؛ نفروهم من ذلك وخوفوهم بأنه يريد أن يحكم فيهم قومه ~~الذين كانوا عبيدا لهم ويزيحوهم من ديارهم التي هي لأشباحهم مثل أشباحهم ~~لأرواحهم بقوله: { يريد أن يخرجكم } أي أيها القبط { من أرضكم } أي هذه ~~التي أثلها لكم آباؤكم وبها قوامكم؛ ولما كان السياق لبيان فسقهم، أسقط ~~قولهم في الموضع الآخر { بسحره } إفهاما لعجلتهم في إبرام الأمر في ضره ~~إشارة إلى تغاليهم في الفسق بعلمهم أنه محق وليس بساحر. # ولما كان المقصود بهذا الكلام استعطاف المخاطبين، استعطفوهم بعد أن ~~أوقفوهم، ثم خوفوهم بما سببوا عن الخطاب السابق من قولهم: { فماذا ~~تأمرون* } أي تقولون في هذه المشورة أيها السادة ليمتثل. # ولما كان كأنه قيل: فعلى أي شيء استقر رأيهم؟ فقيل: على تاخير الأمر ~~إلى حشر السحرة للمعارضة، أخبر تعالى، دلالة على أن أصل قول الملأ منه، ~~أنهم أقبلوا عليه مخاطبين له ملفتين من أبلغهم عنه تعظيما له مسندين ~~الأمر إليه بقوله: { قالوا } أي الملأ لفرعون بعدما استقر في أذهانهم ما ~~نصبوه إليه من الإرادة { أرجه } أي موسى عليه السلام { وأخاه } أي أخرهما ~~تنفيسا لنا من هذا الخناق إلى وقت ما حتى ننظر في أمرهما { وأرسل في ~~المدائن } أي من ملك مصر { حاشرين* } يحشرون لك السحرة ويجمعونهم من كل ~~فج عميق، والحشر: الجمع بكره { يأتوك بكل } ولما كانت دلالة السياق على ~~رغب فرعون أقل مما في الشعراء لما اقتضاه الحال في كل منهما، قرأ ~~الجمهور: { ساحر عليم* } أي بالغ العلم في السحر، وفي قراءة حمزه ~~والكسائي { سحار } زيادة مبالغة أيضا لما رأوا من قلق فرعون في الجملة، ~~وهذا يدل على أن السحرة كانوا في ذلك الزمان عندهم في غاية الكثرة، ويدل ~~على أن في طبع الناس المعارضة، فمهما أمكنت بطلت دعوى النبوة، وإذا تعذرت ~~صحت الدعوى. # ولما كان التقدير: فأخر أمرهما وأرسل كما قالوا، فجمعوا من وجدوه منهم، ~~عطف عليه قوله: { وجاء السحرة فرعون } ولما تشوف السامع إلى خبرهم، قال ms1593 ~~مجيبا له استئنافا: { قالوا } أي لفرعون عندما حضروا بين يديه متوثقين ~~لنفع أنفسهم مفهمين له أنهم غالبون، لا مانع لهم من ذلك إلا عدم إنصافهم، ~~سائقين للكلام في قراءة الجماعة مساق الاستفهام أدبا معه في طلب ~~الإكرام: { إن لنا لأجرا } وأكدوا طلبا لإخراج الوعد على حال التكذيب { ~~إن كنا نحن } أي خاصة { الغالبين* } ومن أخبر أراد الاستفهام وهم نافع ~~وابن كثير وحفص عن عاصم { قال } أي فرعون { نعم } أي لكم أجر مؤكد الخبر ~~به، وزاد بيان التأكيد بما زادهم به رغبة في قوله: { وإنكم } أي زيادة ~~على ذلك { لمن المقربين* } أي عندي في الحضرة. # ولما فرغوا من محاورته، تشوف السامع إلى قولهم لموسى عليه السلام، ~~فاستأنف قوله جوابا: { قالوا } بادئين باسمه { يا موسى } مخيرين له ~~أدبا معه كما هي عادة عقلاء الأخصام قبل وقوع الخصام في سياق مفهم أن ~~قصدهم الإلقاء أولا، وذلك قولهم: { إما أن تلقي } أي أنت أولا ما تريد ~~أن تلقيه للمغالبة في إظهار صحة دعواك { وإما أن نكون نحن } أي خاصة { ~~الملقين* } أي لما معنا أولا. # ولما فهم موسى عليه السلام مرادهم مما عبر هذا النظم عن حقيقة معناه من ~~تأكيد ضميرهم المتصل بالمنفصل وتعريف الخبر وإقحام الفصل، وكان واثقا من ~~الله تعالى بما وعده به جاريا مع مراده، لا فرق بين أن يتقدم أو يتأخر؛ ~~أجابهم إلى سؤالهم. وهو أوقع في ازدراء شأنهم، فاستأنف سبحانه الخبر عنه ~~بقوله: { قال ألقوا } أي أنتم أيها السحرة ما تريدون إلقاءه، وهو أمر ~~تعجيز. # ولما أذن لهم بادروا إلى ذلك كما أفهمه العطف بالفاء في قوله: { فلما ~~ألقوا } أي ما أعدوه للسحر { سحروا أعين الناس } أي عن صحة إدراكها حتى ~~خيلوا إليها ما لا على بعض، وبعثوا جماعة ينادون: أيها الناس احذروا { ~~واسترهبوهم } أي وأوجدوا رهبتهم إيجاد راغب فيها طالب لها غاية الطلب. # ولما قيل ذلك، كان ربما ظن أنهم خافوا مما لا يخاف من مثله، فقال تعالى ~~مبينا أنهم معذورون في خوفهم: { وجاءو بسحر عظيم* } قال صاحب كتاب ms1594 ~~الزينة: والسحر على وجوه كثيرة، منه الأخذ بالعين، ومنه ما يفرق به بين ~~المرء وزوجه، ومنه غير ذلك، وأصله مأخوذ من التعلل بالباطل وقلب الأمر عن ~~وجهه كما ذكرنا من لغة العرب. # ولما تناهى الأمر واشتد التشوف إلى ما صنغ موسى عليه السلام، قال معلما ~~عنه عطفا على { وجاءو }: { وأوحينا } أي مظهرين لعظمتنا على رؤوس ~~الأشهاد بما لا يقدر أحد أن يضاهيه { إلى موسى أن ألق عصاك } أي فألقاها ~~{ فإذا هي } من حين إلقائه لها { تلقف } أي تلتقم التقاما حقيقيا ~~شديدا سريعا جدا بما دل عليه حذف التاء، ودل على كثرة ما صنعوا بقوله: ~~{ ما يأفكون* } أي يجددون حين إلقائهم في تزويره وقلبه عن وجهه، فابتلعت ~~ما كان ملء الوادي من العصي والحبال، ثم أخذها موسى عليه السلام فإذا هي ~~كما كانت لم يزد شيء من مقدارها على ما كانت عليه، وفي هذا السياق المعلم ~~بتثبت موسى السلام بعد عظيم ما رأى من سحرهم إلى الإيحاء إليه بيان لأدبه ~~عليه السلام في ذلك المقام الضنك وسكونه تحت المقاربة مع مرسله سبحانه ~~إلى بروز أوامره الشريفة. ### || [7.118-124] # ولما علم أن ما صنعوه إنما هم خيال، وما صنعه موسى عليه السلام أثبت من ~~الجبال، سبب معقبا قوله: { فوقع الحق } أي الذي لا شيء أثبت منه، ~~فالواقع يطابقه لأن باطن الأمر مطابق لما ظهر منه من ابتلاعها لأمتعتهم ~~فالإخبار عنه صدق، وفيه تنبيه على أن فعلهم إنما هو خيال بالنسبة إلى ~~ظاهر الأمر، وأما في الباطن والواقع فلا حقيقة له، فالإخبار عن تحرك ما ~~ألقوه كذب. # ولما أخبر عن ثبات الحق، أتبعه زوال الباطل فقال: { وبطل } بحيث عدم ~~أصلا ورأسا { ما كانوا يعملون* } فدل بكان والمضارع على أنهم - مع ~~بطلان ما عملوا - نسوا علمهم بحيث إنه أسند عليهم باب العمل بعد أن كان ~~لهم به ملكة كملكة ما هو كالجبلة - والله أعلم؛ ثم سبب عن هذا قوله: { ~~فغلبوا هنالك } أي عند هذا الأمر العظيم العالي الرتبه { وانقلبوا } أي ~~جزاء على قلبهم لتلك الحقائق ms1595 عن وجوهها حال كونهم { صاغرين* } أي بعد أن ~~كانوا - عند أنفسهم ومن يقول بقولهم وهوالأغلب - عالين، ولا ذل ولا صغار ~~أعظم في حق المبطل من ظهور بطلان قوله على وجه لا يكون فيه حيلة. # ولما كان الأدب وذل النفس لا يأتي إلا بخير، لأنه اللائق بالعبيد، قاد ~~كثيرا منهم إلى السعادة الأبدية، فلذلك قال: { وألقي السحرة } أي ألقاهم ~~ملقى الخوف من الله والشوق إلى الخضوع بين يديه والذل لديه حين عرفوا أن ~~ما فعله موسى عليه السلام أمر سماوي، صدق الله تعالى به موسى عليه السلام ~~في أنه رسوله، ولم يتأخروا بعد ذلك أصلا حتى كأنهم خروا من غير اختيار { ~~ساجدين* } شكرا لله تعالى وانسلاخا عن الكفر ودليلا على أقصى غايات ~~الخضوع، فعل الله ذلك بهم حتى تبهر به فرعون وملأه وتحير عقولهم. # ولما كانوا بمعرض التشوف العظيم إلى معرفة قولهم بعد فعلهم، أخبر عن ذلك ~~سبحانه بقوله: { قالوا } أي حال إلقائهم للسجود { آمنا } أي كلنا { برب ~~العالمين* } أي الذي خلق فرعون ومن قبله وما يعيشون به؛ ثم خصوا من هداهم ~~الله على أيديهما تصريحا بالمراد وتشريفا لهما فقالوا: { رب موسى } ثم ~~أزالوا الشبهة بحذافيرها - لأن فرعون ربما ادعى بتربية موسى عليه السلام ~~أنه المراد - بقولهم: { وهارون* } وفي الآية دليل على أن ظهور الآية موجب ~~للإيمان عند من ظهرت له، ولو أن الرسول غير مرسل إليه. # ولما صرحوا بالذي آمنوا به تصريحا منع فرعون أن يدلس معه بما يخيل به ~~على قومه، شرع في تهديدهم على وجه يمكر فيه بقومه ويلبس عليهم إيقافا ~~لهم عن المبادرة إلى الإيمان - كما بادر السحرة - إلى وقت ما، فاستأنف ~~الخبر عنه سبحانه بقوله مصرحا باسمه غير مضمر له كما في في غير هذه ~~السورة لأن مقصود السورة الإنذار، وهو أحسن الناس بالمناداة عليه في ذلك ~~المقام، وقصته مسوفة لبيان فسق الأكثر، وهو أفسق أهل ذلك العصر: { قال ~~فرعون } منكرا عليهم موبخا لهم بقوله: { آمنتم } أي صدقتم { به } أي ~~بموسى تصديقا آمنه من رجوعكم عنه، ms1596 ومن أخبر أراد الاستفهام، وأوهم فرعون ~~من فهم عنهم من القبط إرادة الإيمان لأجل ما رأوا من دلائل صدق موسى عليه ~~السلام واقتداء بالسحرة بقوله: { قبل أن آذن لكم } ليوقفهم من خطر ~~المخالفة له بما رجاهم فيه من إذنه، فلما ظن أنهم وقفوا خيلهم بما يذهب ~~عنهم ذلك الخاطر أصلا ورأسا بقوله مؤكدا نفيا لما على قوله من لواتح ~~الكذب: { إن هذا لمكر } أي عظيم جدا، وطول الكلام تبيينا لما أرادوا ~~وتنسية لخاطر الإيمان فقال: { مكرتموه في المدينة } أي على ميعاد بينكم ~~وبين موسى، وحيلة احتلتموها قبل اجتماعكم، وليس إيمانكم لأن صدقه ظهر ~~لكم؛ ثم علل بما يتعلق به فكرهم وتشوش قلوبهم فقال: { لتخرجوا } أي أنتم ~~وموسى عليه السلام { منها أهلها } وتسكنوها أنتم وبنو إسرائيل. # ولما استتب له ما أراد من دقيق المكر، شرع في تهديدهم بما يمنع غيرهم ~~وربما ردهم، فقال مسببا عن ذلك: { فسوف تعلمون* } أي بوعد لا خلف فيه ما ~~أفعل بكم من عذاب لا يحتمل، ثم فسر ما أجمل من هذا الوعيد بقوله: { ~~لأقطعن أيديكم } أي اليمنى مثلا { وأرجلكم } أي اليسرى، ولذلك فسره ~~بقوله: { من خلاف } أي يخالف الطرف - الذي تقطع منه اليد - الطرف الذي ~~تقطع منه الرجل. # ولما كان مقصود هذه السورة الإنذار، فذكر فيها ما وقع لموسى عليه السلام ~~والسحرة على وجه يهول ذكر ما كان من أمر فرعون على وجه يقرب من ذلك، فعبر ~~بحرف التراخي لأن فيه - مع الإطناب الذييكون شاغلا لأصحابه عما أدهشهم ~~مما رأوه - تعظيما لأمر الصلب. فيكون أرهب للسحرة ولمن تزلزل بهم من ~~قومه فقال: { ثم لأصلبنكم } أي أعلقنكم ممدودة أيديكم لتصيروا على هيئة ~~الصليب، أو حتى يتقاطر صليبكم وهو الدهن الذي فيكم { أجمعين* } أي لا ~~أترك منكم أحدا لأجعلكم نكالا لغيركم. ### || [7.125-128] # ولما كان حالا يشوق النفوس إلى جوابهم، استأنفه بقوله: { قالوا } أي ~~أجمعون، لم يرتع منهم إنسان ولا تزلزل عما منحه الله به من رتبة الإيمان ~~{ إنا إلى ربنا } أي الذي ما زال يحسن إلينا بنعمه الظاهرة ms1597 والباطنة حتى ~~جعل آخر ذلك أعظم النعم، لا إلى غيره { منقلبون* } أي بالموت انقلابا ~~ثابتا لا انفكاك لنا عنه إن صلبتنا أو تركتنا، لا طمع لنا في البقاء في ~~الدنيا، فنحن لا نبالي - بعد علمنا بأنا على حالة السعداء - بالموت على ~~أي حالة كان، أو المراد أنا ننقلب إذا قتلتنا إلى من يحسن إلينا بما منه ~~الانتقام منك، ولذلك اتبعوه بقولهم: { وما تنقم } أي تنكر { منا } أي ~~فعلك ذلك بنا وتعيب علينا { إلا أن آمنا } أي إلا ما هو أصل المفاخر كلها ~~وهو الإيمان { بآيات ربنا } أي التي عظمت بكونها صادرة عنه ولم يزل ~~محسنا إلينا فوجب علينا شكره { لما } أي حين { جاءتنا } لم نتأخر عن ~~معرفة الصدق المصدق، وهذا يوجب الإكرام لا الانتقام؛ ثم آذنوه بأنهم ~~مقدمون على كل ما عساه أن يفعل به فقالوا: { ربنا } أي أيها المحسن إلينا ~~القادر على خلاصنا { أفرغ } أي صب صبا غامرا { علينا } أي فيما تهددنا ~~به هذا الذي قويته علينا { صبرا } أي كثيرا تغمرنا به كما يغمر الماء ~~من يفرغ عليه حتى لا يروعنا ما يخوفنا به { وتوفنا } أي اقبض أرواحنا ~~وافية حال كوننا { مسلمين* } أي عريقين في الانقياد بالظاهر والباطن ~~بدلائل الحق، والظاهر أن الله تعالى أجابهم فيما سألوه تلويحا بذكر الرب ~~فلم يقدره عليهم لقوله تعالى # أنتما ومن اتبعكما الغالبون # [القصص: 35] ولم يات في خبر يعتمد أنه قتلهم، وسيأتي في آخر الحديد، عن ~~تاريخ ابن عبد الحكم ما هو صريح في خلاصهم. # ولما قنع فرعون في ذلك الوقت الذي بهرت قومه تلك المعجزة الظاهرة ~~بالانفصال على هذا الوجه الذي لم يدع فيه حيلة إلا خيل بها، وخلص موسى ~~عليه السلام بقومه متمكنا منهم بعض التمكن، وكان السياق لبيان أن أكثر ~~الخلق فاسق، أخبر تعالى بما قال قوم فرعون بعدما رأوا من المعجز القاهر ~~دليلا على ذلك، فقال عاطفا على { وألقي السحرة ساجدين } وما بعده، أو ~~على قول فرعون: { وقال الملأ } أي الأشراف { من قوم فرعون } أي ظانين أن ~~فرعون متمكن ms1598 مما يريد بموسى عليه السلام من الأذى منكرين لما وصل إليه ~~الحال من أمر موسى عليه السلام حين فعل ما فعل وآمن به السحرة، وما عمل ~~فرعون شيئا، لا قتله ولا حبسه، لأنه كان لا يقدرعلى ذلك ولا يعترف به ~~لقومه { أتذر موسى وقومه }. # ولما كان ما كان في أول مجلس من إيمان السحرة جديرا بأن يجر إليه ~~أمثاله، سموه فسادا وجعلوه مقصودا لفرعون إحماء له واستغضابا فقالوا: ~~{ ليفسدوا } أي يوقعوا الفساد وهو تغيير الدين { في الأرض } أي التي هي ~~الأرض كلها، وهي أرضنا هذه، أو الأرض كلها، لكون مثل هذا الفعل جديرا ~~برد أهل الأرض كلهم عن عقائدهم { ويذرك وآلهتك } قيل: كان أمر قومه أن ~~يعبدوا الأصنام تقربا إليه، وقال الإمام: الأقرب أنه كان دهريا منكرا ~~لوجود الصانع، وكان يقول: مدبر هذا العالم السفلي هو الكواكب، وأنه ~~المخدوم في العالم للخلق أو لتلك الطائفة والمربي لهم؛ ثم قال: وإذا كان ~~مذهبه ذلك لم يبعد أن يقال: إنه كان قد اتخذ أصناما على صور الكواكب ~~ويعبدها على ما هو دين عبدة الكواكب انتهى. # ولذلك قال: # أنا ربكم الأعلى # [النازعات: 24]، - هكذا قيل، وهو ظاهر عبارة التوارة الآتية في آية ~~القمل، ولكن إرادته غير ملائمة لهذه المعادلة، بل الظاهر أنه كان سمى ~~أمراءة آلهة، وسمى لكل أمير قوما يتألهونه أي يطيعونه، فإنه نقل عنهم ~~أنهم كانوا يسمون الحاكم بل والكبير إلها كما سيأتي عن عبارة التوارة، ~~فحيث وقعت الموازنة بين موسى عليه السلام وقومه وبين فرعون وقومه، عبر ~~بالآلهة تعظيما لجانبه بالإشارة إلى أنه إله أي حاكم معبود، ليس وراءه ~~منتهى وملؤه كلهم آلهة أي حكام دونه، وموسى عليه السلام ليس بإله ولا في ~~قومه إله بل هم محكوم عليهم فهم ضعفاء فكيف يتركون! وحيث نفي الإلهية عن ~~غيره فبالنظر إلى خطابه للملأ # ما علمت لكم من إله غيري # [القصص: 38] وحيث حشر الرعية ناداهم بقوله # أنا ربكم الأعلى # [النازعات: 24] وكأن ذلك كان يطلق على الحاكم مجازا، فجعلوه حقيقة ~~وصاروا يفعلون ما يختص ms1599 به الآلهة من التحليل والتحريم كما قال تعالى # اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله # [التوبة: 31] فكفروا بادعاء الربوبية بمعنى العبودية، ونفي المعبود الحق ~~بدليل آية { ما عملت } ، والحاصل أنهم عيروه بالرضى بأن يكون رئيسا على ~~القبط وموسى عليه السلام رئيسا على بني إسرائيل فيكونوا بهذه المتاركة ~~أكفاء للقبط. # ولما أعجزه الله سبحانه أن يفعل أكثر مما كان يعمل قبل مجيء موسى عليه ~~السلام لما يراد به من الاستدراج إلى الهلاك، أخبر عنه سبحانه بما يفهم ~~ذلك فقال مستأنفا: { قال } أي فرعون { سنقتل } أي تقتيلا كثيرا { ~~أبناءهم } أي كما كنا نفعل { ونستحيي نساءهم } أي نبقيهم أحياء إذلالا ~~لهم وأمنا من غائلتهم في المستقبل { وإنا فوقهم } أي الآن { قاهرون* } ~~ولا أثر لغلبة موسى لنا في هذه المناظر لئلا تتوهم العامة أنه المولود ~~الذي تحدث المنجمون والكهنة بذهاب ملكهم على يده فيثبطهم ذلك عن الطاعة، ~~موهما بهذا أن تركه لأذى موسى عليه السلام لعدم التفاته؟ إليه، لايعجزه ~~شيء عنه. # ولما كان هذا أمرا يزيد من قلق بني إسرائيل لما شموا من رائحة الفرج، ~~استأنف سبحانه الخبر عما ثبتهم به موسى عليه السلام قائلا: { قال موسى ~~لقومه } أي بني إسرائيل الذين فيهم قوة وقيام فيما يريدون من الأمور لو ~~اجتمعت قلوبهم { استعينوا } أي ألصقوا طلب العون { بالله } الذي لا أعظم ~~منه بما يرضيه من العبادة { واصبروا } ثم علل ذلك بأنه فعال لما يريد، ~~ولا اعتراض عليه ولا مفر من حكمه فقال: { إن الأرض } أي كلها مصر وغيرها ~~{ لله } أي الذي لا أمر لأحد معه، كرره تذكيرا بالعظمة وتصريحا ~~وتبركا؛ ثم استأنف قوله: { يورثها من يشاء من عباده }. # ولما أخبر أن نسبة الكل إليه واحدة، أخبر بما يرفع بعضهم على بعض فقال: ~~{ والعاقبة } أي والحال أن آخر الأمر وإن حصل بلاء { للمتقين* } أي الذين ~~يقون أنفسهم سخط الله بعمل ما يرضيه فلا عبرة بما ترون في العاجل فإنه قد ~~يكون استدراجا. ### || [7.129-132] # ولما تشوف السامع إلى ما كان من جوابهم، أشار تعالى أن قلقهم ms1600 كان وصل ~~إلى حد لا صبر معه بقوله مستأنفا: { قالوا } ولما كان الموجع هو الأذى، ~~لا كونه من معين، بنوا للمفعول قولهم: { أوذينا } أي بالقتل والاستعباد. # ولما كان أذاهم غير مستغرق للزمان، أثبتوا الجار فقالوا: { من قبل أن ~~تأتينا } أي كما تعلم { ومن بعد ما جئتنا } أي فما الذي أفادنا مجيئك { ~~قال } مسليا لهم وداعيا ومرجيا بما رمز إليه من قبل { عسى ربكم } أي ~~الذي أحسن إلى آبائكم بما تعرفون وإليكم بإرسالي إليكم { أن يهلك عدوكم } ~~فلا يهولنكم ما ترون { ويستخلفكم } أي ويوجد خلافتكم لهم متمكنين، لا ~~يحكم عليكم غيركم { في الأرض } أي جنسها إن كنتم متقين؛ ثم سبب عن ~~الاستخلاف قوله مذكرا لهم محذرا من سطواته سبحانه: { فينظر } أي وأنتم ~~خلفاء متمكنون { كيف تعملون* } أي يعاملكم معاملة المختبر وهو في الأزل ~~أعلم بما تعملون منكم بعد إيقاعكم للأعمال، ولكنه يفعل ذلك لتقوم الحجة ~~عليكم على مجاري عاداتكم. # ولما رجاهم موسى عليه السلام بذلك، أخبر سبحانه أنه فعل ما أخبرهم به، ~~فذكر مقدماته فقال: { ولقد } أي قال لهم ما قال والحال أنا وعزتنا قد { ~~أخذنا } أي قهرنا { آل فرعون } ولينا عريكتهم وسهلنا شكيمتهم { بالسنين ~~} أي بالقحط والجوع، فإن السنة يطلق بالغلبة على ذلك كما تطلق على العام؛ ~~ولما كانت السنة تطلق على نقص الحبوب، صرح بالثمار فقال، { ونقص من ~~الثمرات } أي بالعاهات إن كان الماء كثيرا، أو السنة للبادية والنقص ~~للحاضرة { لعلهم يذكرون* } أي ليكون حالهم حال من يرجو ناظره أن يتذكر في ~~نفسه ولو بأدنى وجوه التذكر - بما أشار إليه الإدغام، فإن الضر يزيل ~~الشماخة التي هي مظنة الوقوف مع الحظوظ ويوجب للإنسان الرقة فيقول: هذا ~~إنما حصل لي بسبب تكذيبي لهذا الرسول وعبادتي من لا يكشف السوء عن نفسه ~~ولا غيره. # ولما لم يتذكروا ولا لانوا، سبب عن أخذهم قوله معرفا بغباوتهم معبرا ~~في الخير بأداة التحقيق إشارة إلى أنه أغلب من الشر، حثا على الشكر: { ~~فإذا } أي فما تسبب عن ذلك إلا أنهم كانوا إذا { جاءتهم الحسنة ms1601 } أي ~~الحالة الكاملة التي يحبونها من الخصب وغيره، وعرفها بعد تحقيقها إشارة ~~إلى إكمالها { قالوا لنا هذه } أي نحن حقيقون بها، ودل على أن الخير أكثر ~~من غيره بقوله بأداة الشك مع التنكير: { وإن تصبهم سيئة } أي حالة ~~يكرهونها. # ولما كانت افصابة بالسيئات تخصهم ولا يلحق بني إسرائيل منها شيء، فكان ~~إظهارهم للتطير بهم ظاهرا في ردهم عليهم وتكذيبهم فيه، أشار سبحانه ~~بإدغام التاء إلى أنهم كانوا إنما يدسونه إلى من يمكنهم اختداعه من ~~الجهلة والأغبياء على وجه الحلية والخفاء، بخلاف ما في يس فقال: { يطيروا ~~} أي يتشاءموا { بموسى ومن معه } أي بأن يقولوا: ما حصل لنا هذا السوء ~~إلا بشؤمهم، وهو تفعل من الطير، وهو تعمد قصد الطير لأن يطير للتفاؤل به ~~خير أو شر، وأصله أن العرب كانوا إذا مر الطائر من ميامنهم إلى جهة ~~مياسرهم قالوا: بارح، أي مشؤوم، من البرح وهو الشدة، فإذا طار من جهة ~~اليسار إلى جهة اليمين عدوه مباركا، قالوا: من لي بالسانح بعد البارح، ~~أي بالمبارك بعد المشؤوم، وعرف أن المراد هنا التشاؤم لاقترانه بالسيئة. # ولما كذبوا في الموضعين، قال مستأنفا على وجه التأكيد: { ألا إنما ~~طائرهم } أي قدرهم الذي سبق في الأزل من الخير والشر فلا يزداد ولا ينقص ~~{ عند الله } أي الملك الذي لا أمر لغيره وقد قدر كل شيء، فلا يقدر على ~~المجيء به غيره أصلا { ولكن أكثرهم لا يعلمون* } أي لا علم لهم أصلا ~~فهم لا يهتدون إلى ما ينفعهم ويظنون أن للعباد مدخلا في ذلك، فلذلك ~~تراهم يضيفون الأشياء إلى أسباب يتوهمونها. # ولما كان هذا الذي قالوه يدل على سوء المزاج وجلافة الطباع بما لا يقبل ~~العلاج، أتبعه ما هو شر منه، وهو أنهم جزموا بأنه كلما أتاهم شيء في ~~المستقبل قابلوه بالكفر فقال: { وقالوا مهما } هي مركبة من " ما " مرتين: ~~الأولى الشرطية والثانية تأكيد. قلبت ألف الأولى هاء استثقالا، قيل: مه ~~هي الصوت الذي يكون للكف وما الشرطية، أي كف عنك ما أنت فيه. ثم استأنفوا ms1602 ~~" ما " { تأتنا به } أي في أي وقت وعلى أي حالة كان؛ ثم بينوا المأتي ~~به بقولهم: { من آية } أي علامة على صدقك، وهذا على زعمه، ولذلك عللوه ~~بقولهم: { لتسحرنا } أي لتخيل على عقولنا { بها } وتلفتنا عما نحن عليه ~~إلى ما تريد فنحن نسميها سحرا وأنت تسميها آية؛ ثم أجابوا الشرط بقولهم: ~~{ فما نحن } أي كلنا { لك } أي خاصة { بمؤمنين* } أي من أن نكذبك. ### || [7.133-137] # ولما بارزوا بهذه العظمية، استحقوا النكال فسبب عن ذلك قوله: { فأرسلنا ~~عليهم } أي عذابا لهم - لما يفهمه حرف الاستعلاء { الطوفان } أي الرعد ~~والبرق والنار مع المطر والبرد الكبار الذي يقتل البقر فما دونها، ~~والظلمة والريح الشديدة التي عمت أرضهم وطافت بها؛ ولما كان ذلك ربما ~~أخصبت به الأرض، أخبر أنه أرسل ما يفسد ذلك فقال: { والجراد }. # ولما كان الجراد ربما طار وقد أبقى شيئا، أخبر بما يستمر لأزقا في ~~الأرض حتى لا يدع بها شيئا فقال: { والقمل } قال في القاموس: القمل ~~كالسكر: صغار الذر والدبى الذي لا أجنحة له - وهو أصغر الجراد أو شيء ~~صغير بجناح أحمر، وشيء يشبه الحلم خبيث الرائحة أو دواب صغار كالقردان ~~يعني القراد. وقال البخاري في بني إسرائيل من صحيحه: القمل: الحمنان يشبه ~~صغار الحلم. # ولما ربما كان عندهم شيء مخزونا لم يصل إليه ذلك، أخبر بما يسقط نفسه ~~في الأكل فيفسده أو ينقصه فقال: { والضفادع } فإنها عمت جميع أماكنهم، ~~وكانت تتساقط في أطعمتهم، وربما وثبت إلى أفواههم حين يفتحونها للأكل. # ولم تم ما يضر بالماكل، أتبعه ما أفسد المشرب فقال: { والدم } فإن ~~مياههم انقلبت كلها دما منتنا، وعم الدم الشجر والحجارة وجميع الأرض في ~~حق القبط، وأما بنو إسرائيل فسالمون من جميع ذلك. # ولما ذكر تعالى هذه الآيات العظيمة، نبه على عظمتها بذكر حالها فقال: { ~~آيات } أي علامات على صدقه عظميات { مفصلات } أي يتبع بعضها بعضا، وبين ~~كل واحدة وأختها حين يختبرون فيه مع أن مغايرة كل واحدة لأختها في غاية ~~الظهور، وكذا العلم بأنها من آيات الله التي لا ms1603 يقدر عليها غيره. # ولما كانت حقيقة بان يتسبب عنها الإيمان عند سلامة القلب، سبب عنها ~~قوله: { فاستكبروا } مبينا أن الذي منعهم من الإيمان مرض القلب بالكبر ~~والطغيان { وكانوا قوما مجرمين* } أي في جبلتهم قطع ما ينبغي وصله مع ~~قوتهم على ما يحاولونه. # ولما كان هذا في الحقيقة نقضا لما أخذه الله على العباد بعهد العقل، ~~أتبعه نقضا حقيقيا، فقال مبينا لحالهم عند كل آية، ولعله عبر بما ~~يشملها ولم ينص على التكرار لأن ذلك كاف فيما ذكر من النقض والفسق: { ~~ولما وقع عليهم الرجز } يعني العذاب المفصل الموجب للاضطراب { قالوا يا ~~موسى ادع لنا ربك } أي المحسن إليك، ولم يسمحوا كبرا وشماخة أن يعرفوا ~~به ليقولوا: ربنا { بما عهد عندك } أي من النبوة التي منها هذا البر الذي ~~تراه يصنعه بك؛ ثم أكدوا العهد بقولهم استئنافا أو تعليلا: { لئن كشفت ~~عنا الرجز } أي العذاب الذي اضطربت قلوبنا وجميع أحولنا له { لنؤمنن لك } ~~أي لنجعلنك آمنا من التكذيب بإيقاع التصديق، ويكون ذلك خالصا لأجلك ~~وخاصا بك { ولنرسلن معك } أي في صحبتك، لا نجس أحدا منكم عن الآخر { ~~بني إسرائيل* } أي كما سألت؛ ودل على قرب الإجابة بالفاء في قوله: { فلما ~~كشفنا } أي بعظمتنا { عنهم الرجز } كرره تصريحا وتهويلا، ومددنا الكشف ~~{ إلى أجل } أي حد من الزمان { هم بالغوه } أي في علمنا { إذا هم } أي ~~بضمائرهم التي تجري ظواهرهم على حسبها { ينكثون* }. # ولما أخبر أنهم فاجؤوا النكث وكرروه، سبب عنه قوله: { فانتقمنا منهم } ~~أي انتقاما ليس كذلك الذي كنا نؤذيهم به، بل انتقام إهلاك عبرة لوصولهم ~~بعد كشف جميع الشبه إلى مخص العناد؛ ثم فسره بقوله: { فأغرقناهم } بما ~~لنا من العظمة { في اليم } أي في البحر الذي يقصد لمنافعة { بأنهم } أي ~~بسبب أنهم { كذبوا بآياتنا } أي على ما لها من العظمة بما عرف من صحة ~~نسبتها إلينا، ودل سبحانه على أنهم كذبوا بغير شبهة عرضت لهم بل عنادا ~~بقوله: { وكانوا } أي جبلة وطبعا { عنها غافلين* } أي يكون حالهم بعدها ~~كحالهم قبلها، فكأنها ms1604 لم تأتهم أصلا فاستحقوا الأخذ لوقوع العلم بأن ~~الآيات لا تفيدهم. # ولما أخبر عن إهلاكهم، عطف عليه ما صنع ببني إسرائيل فقال: { وأورثنا } ~~أي بعد إهلاكهم بما لنا من العظمة { القوم } ولما اشار بهذه العبارة - ~~التي معناها أنه كانت فيهم قوة وكثرة وشدة عزم على ما يحاولونه ويقومون ~~به - إلى أنه هو الذي أذلهم لا فرعون، أتبعه ما يدل عليه فقال: { الذين ~~كانوا يستضعفون } أي يطلب ضعفهم ويوجد بالشوكة واجتماع الكلمة بحاكم قد ~~تمكنت عظمته في القلوب التي الوهم غالب عليها، وهم بنو إسرائيل { مشارق ~~الأرض } أي الكاملة لبركاتها { ومغاربها } أي أرض الشام من الفرات إلى ~~بحر سوف: الموضع الذي خرجوا منه من البحر وغرق فيه فرعون وآله - كما مضى ~~نقله في المائدة عن التوارة، يعني حكمنا بإيراثهم ذلك وأنجزناه لأبناء ~~الذين خرجوا من مصر بعد إهلاكهم في التيه؛ ثم وصفها تغبطا بها بقوله: { ~~التي باركنا فيها } أي في أرضها بالمياه والأشجار والثمار والخصب، وفي ~~أرزاقها بالكثرة والطيب، وفي رجالها بالعلم والنبوة وفي طباعهم ~~بالاستقامة، وفي عزائمهم بالنجدة والشجاعة والمكارم، وفي جميع أحوالهم ~~بأنه لا يبغيهم ظالم إلا عوجل بالنقمة { وتمت } أي وجدت صحتها لوجود ~~مضمونها في عالم الشهادة وظهوره من ستور الغيب { كلمت ربك } أي المحسن ~~إليك بإنزال هذه الأنباء على هذه الوجوه المفيدة مع إعجازها لغاية العلم ~~والحكمة { الحسنى } مستعلية { على بني إسرائيل* } أي التي هي أحسن الكلام ~~وهي وعده سبحانه لهم بالخلاص من العبودية وإيراثهم مساكن آبائهم كما ~~كانوا يسمعون من أسلافهم، وإذا استعلت عليهم منعت أعداءهم من الوصول ~~إليهم { بما صبروا } أي بسبب صبرهم على الاستعباد وذبح الأولاد وما حصل ~~بعد ذلك من طويل الأنكاد { ودمرنا } أي أهلكنا إهلاكا عظميا جعل يدمره ~~كالرماد، لا خير فيه أصلا { ما كان يصنع } أي صنعا بغاية الإقبال عليه ~~حتى كأنهم خلقوا لهم { فرعون وقومه } أي من الصنائع الهائلة المعجبة لكل ~~من يراها أو يسمع بها مع أنهم قد مرنوا عليها فصارت أسهل شيء عندهم { وما ~~كانوا } أي بما هو ms1605 كالجبلة والطبع { يعرشون* } أي من الجنان والقصور ~~العالية الأركان، وكفى بهذه الآية حاثة على الصبر وضامنة على كل حائز ~~للأجر بالتفريج عن المظلوم ونصره وإهلاك الظلوم وقهره. # شرح ما يحتاج إلى شرحه هنا من التوراة الموجودة الان بين أظهر اليهود، ~~قال مترجما في الأصحاح الثالث من السفر الثاني ما نصه: وقال الرب لموسى ~~في مدين: انطلق راجعا إلى مصر لأن الرجال الذين كانوا يطلبون نفسك قد ~~هلكوا جميعا، فانطلق موسى بامرأته وبينه وحملهم على حماره وأخذ بيده عصا ~~الرب، وقال الرب الموسى: انظر كل آية أجريتها على يدك فاصنعها أمام فرعون ~~وأنا أقسي قلبه فلا يرسل الشعب وقل لفرعون: هكذا يقول الرب: ابني بكري ~~إسرائيل، أرسل ليعبدني، فإن أبيت أن ترسل ابني فإني أقتل ابنك بكري، فلما ~~صار موسى في الطريق في المبيت لقيه ملاك الرب فأخذت صفورا حجرا من حجارة ~~المروة فحشت غرلة ابنها وأخذت برجليه - وفي نسخة السبعين: ووقعت عند ~~رجليه - وقالت: إن اليوم عرس الدم - تعني الختان، فقال الرب لهارون: اخرج ~~فتلق أخاك في القفر، فخرج فلقيه في جبل الله في حوريب فعانقه وقبله، ~~فأخبر موسى هارون بجميع قول الرب الذي أرسله فيه وما أمره من الآيات، ~~وانطلق موسى وهارون، فجمع أشياخ بني إسرائيل، فقص عليهم جميع ما قال الرب ~~لموسى، وحرج جرائح وآيات قدام الشعب - وفي نسخة السبعين: فجمعا مشايخ بني ~~إسرائيل وتكلم هارون بجميع الكلام الذي كلم الله به موسى وعمل الآيات ~~قدام الشعب - فآمن الشعب وسمعوا أن الرب قد ذكر بني إسرائيل وأبصر إلى ~~خضوعهم، وجثا الشعب وسجدوا للرب، ومن بعد هذه الآيات والخطوب دخل موسى ~~وهارون وقالا لفرعون: هكذا يقول الله رب إسرائيل: أرسل شعبي يحجون إلى ~~القفر - وفي نسخة السبعين: ليعبدوني في البرية - عوض: يحجون إلى القفر، ~~فقال فرعون: ومن هو الرب حتى أطيعه؟ لا أعرف الرب ولا أرسل بني إسرائيل، ~~وقالا له: الرب إله العبرانيين اعتلن لنا، فننطلق مسيرة ثلاثة أيام القفر ~~ونذبح الذبائح لله ربنا لكيلا ينزل بنا الحزن والوباء ms1606 - وفي نسخة ~~السبعين: لئلا يفاجئنا موت أو قتل - قال فرعون: ما بالكما تبطلان الشعب ~~من أعمالهم؟ فأمر فرعون ولاة الشعب وكتبتهم وقال لهم: لا تعودوا أن تعطوا ~~الشعب تبنا لضرب اللبن كما كنتم تعطونهم، بل هم ينطلقون فيجمعون لأنفسهم ~~التبن، وخذوهم بحساب اللبن على ما كنتم تأخذونهم به أمس وأول من أمس - ~~ونسخة السبعين: في كل يوم لا تنقصوهم شيئا من عملهم لأنهم بطروا لذلك ~~يصيحون فيقولون: ننطلق فنذبح للرب إلهنا - فليشتد العمل على الرجال - ~~ونسخة السبعين - فليتضاعف عمل هؤلاء القوم - حتى يهتموا به ولا يهتموا ~~بكلام الباطل، فخرج ولاة الشعب وكتبتهم يما قال فرعون، فتقرق الشعب في ~~جميع أرض مصر في جميع التبن، وجعل ولاتهم يلحون عليهم ويقولون: ارفعوا ~~إلينا العمل كما كنتم ترفعون من قبل حيث كنتم تعطون التبن، فزادت كتبة ~~بني إسرائيل وعوقبوا من الذين ولوهم عليهم وقالوا: لم لم ترفعوا إلينا ~~حساب اللبن كما كنتم ترفعون، فأتى كتبة بني إسرائيل فشكوا إلى فرعون ~~وقالوا: ما بال عبيدك يصنع بهم هذا الصنيع؟ فقال فرعون: أنتم قوم بطرون، ~~تقولون: ننطلق لنذبح لربنا، فسار - أي الكتبة - في بني إسرائيل وقالوا ~~لهم: لا تنقصوا من لبنكم شيئا، بل ارفعوا إلينا كما كنتم ترفعون كل يوم، ~~فلقوا موسى وهارون وهما واقفان أمامهم - وفي نسخة السبعين: وهما يجيئان ~~نحوهم إذ خرجوا من بين يدي فرعون - فقالوا لهما: الله يحكم بيننا وبينكما ~~لأنكما حرضتما علينا فرعون وعبيده حتى ضيق علينا بأن يضع السلاح فينا ~~فيقتلنا، فرجع موسى إلى الرب وقال: يارب! لم أسأت بشعبك وأضررت به؟ لأني ~~ساعة أن أتيت فرعون فذكرت اسمك أساء بهذا الشعب وشق عليهم وأنت تخلص ~~شعبك، فقال الرب لموسى: الآن ترى ما أصنع بفرعون لأنه سيرسلهم - وفي نسخة ~~السبعين: وسوف ترى ما أصنع بفرعون وكيف يرسلهم بيد منيعة وبذراع عظيمة ~~يخرجهم من أرض مصر! أنا الرب الذي اعتلنت لإبراهيم وإسحاق ويعقوب وسميت ~~بإله المواعيد ولم أعلمهم اسم الرب - وفي نسخة السبعين: واسمي الرب فلم ~~أظهره لهم - وأثبت عهدي ms1607 أيضا ووعدتهم أن أعطيهم أرض كنعان أرض غربتهم ~~التي سكنوها؛ وقد سمعت ضجيج بني إسرائيل من تعبد أهل مصر، وأنجيكم من ~~أعمالهم واخلصكم بيد منيعة وذراع عالية وبأحكام عظيمة، وأختصكم لي شعبا ~~وأكون لكم إلها، وتعرفون أني أنا الرب إلهكم الذي أخرجكم من تعبد ~~المصريين وأقبل بكم إلى الأرض التي رفعت يدي لأعطيها آباءكم إبراهيم ~~وإسحاق ويعقوب وأجعلها لكم ميرثا إلى الدهر، أنا الرب! فقال موسى لبني ~~إسرائيل هذه الأقاويل فلم يسمعوا من موسى ولم يطيعوه من شدة حزنهم ~~واستيقاد نفوسهم من الكد الشديد، وكلم الرب موسى وقال له: انطلق إلى ~~فرعون ملك مصر وقل له فيرسل بني إسرائيل - من أرض مصر، فقال موسى للرب: ~~إن بني إسرائيل لا يسمعوني ولا يطيعوني، وأنا أرت المنطق ثقيل اللسان ~~فكيف يطيعني فرعون ويسمع مني! فقال الرب لموسى: انظر، إني قد جعلتك إلها ~~لفرعون، وهارون أخوك يكون نبيا عليك، أنت تقضي جميع ما آمرك به، وهارون ~~أخوك يقول لفرعون - وفي نسخة السبعين: وهارون أخوك يكون لك نبيا وأنت ~~تتكلم بجميع ما آمرك به وهارون أخوك يكلم فرعون - ليرسل بني إسرائيل من ~~أرضه وأنا أقسي قلب فرعون فأكثر آياتي وعجائبي بأرض مصر، فلا يطيعكما ~~فرعون ولا يسمع منكما فأمد يدي على مصر وأخرج جميع جنودي وشعبي بني ~~إسرائيل من أرض مصر بالأحكام العظام، فيعرف أهل مصر أني أنا الرب، فصنع ~~موسى وهارون كما أمرهما الرب وانتهيا إلى أمره، وكان قد أتى على موسى ~~ثمانون سنة، وكان ابن ثلاث وثمانين سنة إذ كلما فرعون، فقال الرب لموسى ~~وهارون، إن قال لكما فرعون: أظهرا لي آية وجريحة، قل لهارون: خذ عصاك ~~وألقها بين يدي فرعون فتكون تنينا عظيما، فأتى موسى وهارون إلى فرعون ~~فصنعا كما أمرهما الرب، فألقى عصاه - وفي نسخة السبعين: فألقى هارون عصاه ~~- بين يدي فرعون وأمام أمرائه- وفي نسخة السبعين: وعبيده - فصارت تنينا ~~عظيما، فدعا فرعون بالحكماء والسحرة، فصنع سحرة مصر أيضا بسحرهم كذلك، ~~فألقى كل امرىء منهم عصاه فصارت تنينا فابتلعت عصا هارون ms1608 عصيهم، فقسا ~~قلب فرعون وأبى أن يرسلهم كما قال الرب، وقال الرب لموسى: إن قلب فرعون ~~قد قسا وأبى أن يرسل الشعب، انطلق إلى فرعون بالغداة، هو ذا يخرج ليغتسل ~~على شاطىء البحر، وخذ العصا التي تحولت في يدك ثعبانا وقل: وإن الرب إله ~~العبرانيين أرسلني إليك، يقول لك: أرسل شعبي حتى يعبدني في البرية لأنك ~~حتى الآن لا تسمع ولا تطيع، هكذا يقول الرب: بهذا تعلم أني أنا الرب، ~~هأنذا أضرب ماء النهر بعصاي فيصير دما، وتموت الحيتان التي في النهر ~~وينتن - وفي نسخة السبعين: ولا يقدر أهل مصر أن يشربوا الماء من هذا ~~النهر - وقال الرب لموسى: مر هارون أن يأخذ عصاه، وارفع يدك على ماء ~~المصريين على أنهارهم وعلى غدرانهم وعلى آجامهم وعلى دواليب مياههم - وفي ~~نسخة السبعين: وقال الرب لموسى: قل لهارون: خذ عصاك ومد يدك على ماء مصر ~~وعلى أنهارها وآجامها ونقارها وعلى كل مائها المستنقع - فيتحول دما، ~~فيصير الدم في جميع أهل مصر في الأرض والخسب والحجارة، فصنع موسى وهارون ~~كما أمرهما الرب، فرفع هارون العصا التي في يده فضرب بها ماء النهر ~~وفرعون وعبيده ينظرون، فتحول ماء النهر فصار دما، وماتت الحيتان التي ~~بالنهر، ففسد ماء النهر وأنتن، ولم يقدر أهل مصر على شرب الماء من ~~الدم،فصار الدم في جميع أرض مصر وقسا قلب فرعون فلم يطعهما كالذي قال ~~الرب، فانصرف فرعون فدخل منزله ولم يفكر في شيء من ذلك وتهاون به، وكملت ~~سبعة أيام من بعد ما ضرب الرب النهر، وقال الرب لموسى: انطلق إلى فرعون ~~وقل له: هكذا يقول الرب: أرسل شعبي حتى يعبدوني، فإن أبيت أن ترسله فإني ~~أضرب جميع حدودك بالضفادع فتدب الضفادع فتصعد فتدخل إلى بيتك وقيطونك وفي ~~مبيتك وعلى مضجعك وأسرتك في بيوت عبيدك وشعبك ومخادعك وبيوت طعامك، وتدب ~~الضفادع عليك وعلى جميع شعبك، وقال الرب لموسى: قل لهارون أخيك أن مد يدك ~~بعصاك على الأنهار وعلى الدواليب وعلى الآجام فأصعد الضفادع على أرض مصر، ~~فرفع هارون ms1609 يده على مياه المصريين فأصعد الضفادع فغشيت أرض مصر، فدعا ~~فرعون موسى وهارون وقال لهما: صليا بين يدي الرب فتنصرف الضفادع عني وعن ~~شعبي حتى أرسل الشعب فيذبحوا بين يدي الرب، فقال موسى لفرعون: سل وقتا ~~أصلي عليك فيه وعلى عبيدك وشعبك فتنصرف الضفادع عنك وعن بيتك - وفي نسخة ~~السبعين: عنك وعن قومك وعن بيوتك - فقال له غدا فقال له موسى: سيكون كما ~~سألت فتعلم أنه لا إله غير إلهنا، فيصرف الضفادع عنك وعن بيتك - وفي نسخة ~~السبعين: بيوتك وعن عبيدك وعن شعبك ما خلا الضفادع التي في النهر - فخرج ~~موسى وهارون من بين يدي فرعون، فصلى موسى بين يدي الرب فاستجاب الرب ~~لموسى، فماتت الضفادع في الدور والبيوت والرياض فجمعوها أنابير أنابير ~~فأصلت الأرض وأجنت - وفي نسخة السبعين: فجمعوها صببا صببا فأنتنت الأض ~~- فرأى فرعون الفرج والراحة وجفا قلبه فلم يطعهما كالذي قال الرب، فقال ~~الرب لموسى: مر هارون فيرفع عصاه ليضرب ثرى الأرض فيكون القمل في جميع ~~أرض مصر، ففعل ذلك فدب القمل في الناس والبهائم وصار جميع ثرى الأرض ~~قملا في جميع أرض مصر، فصنع مثل ذلك السحرة بسحرهم فلم يقدروا أن يصرفوا ~~القمل في الناس والبهائم، فقالت السحرة لفرعون: إن هذا فعل رب العالمين، ~~فقسا قلب فرعون ولم يطعهما كما قال الرب، فقال الرب لموسى: أدلج باكرا ~~وقف بين يدي فرعون، وهو ذا يخرج يغتسل - وفي نسخة السبعين: فإنه يخرج إلى ~~الماء - فقل له: هكذا يقول الرب: أرسل شعبي فيعبدوني، فإن أنت أبيت ~~فهأنذا مرسل - وفي نسخة السبعين: فإني مرسل - عليك وعلى شعبك وعلى أهل ~~بيتك هوام وحشرة من كل جنس فتمتلىء - وفي نسخة: ذباب الكلب فتمتلىء - ~~بيوت المصريين من الهوام والحشرة مثل ثرى الأرض التي هم عليها، وأميز في ~~ذلك اليوم أرض جاسان التي يسكنها شعبي، فلا يكون فيها من الهوام والحشرة ~~شيء لتعلم أني أنا الرب، وأميز بين شعبي وشعبك، وتكون هذه الآية غدا، ~~وفعل الرب كذلك وأنزل الهوام على بيت - وفي نسخة: بيوت ms1610 - فرعون وعبيده ~~وعلى جميع أرض مصر، ففسدت الأرض بالهوام، فدعا فرعون موسى وهارون وقال ~~لهما: انطلقوا فاذبحوا الذبائح لله ربكم في هذه الأرض، فقال موسى: لا ~~يحسن بنا أن نفعل ذلك لأنا إنما نذبح للرب إلهنا من نجاسة المصريين ~~وبدعهم، فإن نحن ذبحنا أمام آلهة المصريين رجمونا، بل ننطلق مسيرة ثلاثة ~~أيام في القفر فنذبح هنالك للرب إلهنا على ما يأمرنا ويقول لنا، فقال ~~فرعون: أنا أرسلكم فتذبحوا الذبائح للرب إلهكم في البرية، ولكن لا ~~تنطلقوا فتتوانوا، بل صلوا علي أيضا - وفي نسخة السبعين: ولكن لاتبعدوا ~~وصلوا علي أيضا إلى ربكم - فقال موسى لفرعون: هأنذا أخرج من بين يديك ~~فأصلي بين يدي الرب، فيصرف الهوام والحشرة عن فرعون وعن عبيده وعن شعبه ~~غدا، ولكن لا يعود فرعون أن يكذب في قوله ويأبى أن يرسل الشعب ليذبحوا ~~الذبائح، فخرج موسى من بين يدي فرعون وصلى بين يدي الرب، فقبل الرب صلاة ~~موسى وصرف الهوام فلم يوجد منها ولا واحد، فقسا قلب فرعون بعد هذا أيضا ~~ولم يرسل الشعب، فقال الرب لموسى: انطلق إلى فرعون وقل له: هكذا يقول ~~الرب إله العبرانيين: أرسل شعبي حتى يعبدوني، فإن أبيت أن ترسله - وفي ~~نسخة السبعين: وتمسكت به، فإن يد الرب تضرب ماشيتك التي في القفر من ~~الخيول والحمير والبقر والغنم، فيقع فيها الوباء العظيم الصعب الشديد، ~~ويميز الرب بين دواب بني إسرائيل وبين بهائم أهل مصر، فلا يموت من بهائم ~~آل إسرائيل ولا واحد، ووقت الرب وقتا ليكمل فيه هذا القول على الأرض، ~~فأكمل الرب هذا الأمر من غد ذلك اليوم، فماتت جميع بهائم المصريين ولم ~~يمت من دواب بني إسرائيل ولا واحد، وأرسل فرعون فإذا أنه لم يمت من دواب ~~بني إسرائيل ولا دابة، فقسا قلب فرعون بعد هذا أيضا فأبى أن يرسل الشعب، ~~فقال الرب لموسى وهارون: خذا في حقيبتكما من رماد الأتون فيذره موسى إزاء ~~السماء نحو فرعون، فيكون العجاج في أرض مصر، فيضرب الناس والبهائم جميعا ~~قروح ناتية رخوة في ms1611 أرض مصر كلها، فأخذا رماد الأخدود ووقفا بين يدي ~~فرعون فذره موسى نحو السماء أمام فرعون فظهرت قروح ناتية رخوة، فاستعلت ~~في الناس والبهائم، فلم يقدر السحرة على الوقوف بين يدي موسى من كثرة ~~القروح التي ظهرت في السحرة وفي جميع أهل مصر، فقسى الرب قلب فرعون فلم ~~يسمع لهما ولم يطعهما كالذي قال الرب لموسى، فقال الرب لموسى: أدلج ~~باكرا وقف بين يدي فرعون وقل له: هكذا يقول الرب إله العبرانيين: أرسل ~~شعبي فيعبدوني وإلا فأنا مرسل في هذا الوقت ضربتي على قلبك وعلى عبيدك ~~وعلى شعبك لتعلم أنه لا إله غيري على الأرض كلها، لأني مجمع من الآن أن ~~أمد يدي فأضربك وشعبك بالوباء، وتبيد عن جديد الأرض، وإنما بغيتك بهذا ~~الأمر لأظهر لك عزي وقدري ولينادي باسمي في الأرض كلها، وأنت حتى الآن ~~تتمسك بالشعب وتأبى أن ترسله، وغدا في هذا الوقت أهبط البرد العظيم ~~الشديد ما لم يكن - وفي نسخة السبعين: الذي لم يكن مثله - بمصر منذ اليوم ~~الذي أسست فيه قواعدها إلى يوم الناس هذا، والآن أرسل فأدخل جميع دوابك ~~وكل مالك في الحقل لأن كل بهيمة أو إنسان يلقى في الحقل ولا يدخل البيت ~~يهبط عليهم البرد فيموتون، وكل من خاف كلمة الله من عبيد فرعون نقل عبيده ~~وبهائمه إلى البيوت، والذي لم يفكر في كلمة الله وتهاون بها ترك دوابه ~~وعبيده في الحقل، وقال الرب لموسى: ارفع يدك إلى السماء يهبط البرد على ~~جميع أرض مصر على الناس والبهائم وجميع الحقول - وفي نسخة السبعين: على ~~الناس والدواب وجميع نبات الصحراء - فرفع موسى عصاه نحو السماء فأرجفهم ~~الرب بالرعد والبرد، وجعلت النار تضطرم على الأرض، فأهبط الرب البرد وكان ~~البرد يهبط والنار تضطرم في البرد، وكان شديداعظيما،ولم يكن مثله في ~~جميع أرض مصر منذ اليوم الذي سكنها بنو البشر، فضرب البرد جميع أرض مصر ~~لكل من كان في الحقل من الناس والبهائم، وأهلك الرب جميع عشب الحقل وحطم ~~جميع أشجار الغياض، فأما أرض جاسان ms1612 التي كانت آل إسرائيل يسكنونها فلم ~~يهبط عليها البرد، فأرسل فرعون فدعا موسى وهارون فقال لهما: قد خطئت في ~~هذه المرة أيضا، والرب بار وأنا وشعبي منافقون - وفي نسخة السبعين: إني ~~قد أخطأت والرب بار وأنا وشعبي فجار- فصليا بين يدي الرب فإنه ذو إمهال ~~وأناة فيصرف عنا الرجفة والرعد والبرد فأرسلكم فلا تعودوا أن تتأخروا - ~~وفي نسخة السبعين: وأنا أرسلكم ولا أعود أن أوخركم - فقال موسى لفرعون: ~~إذا ما خرجت من القرية أبسط يدي للرب فيصرف عنكم صوت الرعد والرجفة، ولا ~~يعود البرد يهبط أيضا لكي تعلم أن الأرض وما عليها لله. # وأنا أعلم أنك وعبيدك إلى الآن لم ترهبوا الله ولم تخافوا عقابه، وقد ~~هلك الكتان والشعير - وفي نسخة السبعين: وضرب البرد الشعير والكتان - لأن ~~الشعير كان قد بدأ أن يسبل، والكتان قد بدأ أن يبزر، فأما زرع الحنطة ~~والكثيب فلم يهلك لأنه كان متأخرا، فلما جاء موسى من القرية من بين يدي ~~فرعون بسط - وفي نسخة السبعين: فأما زرع الحنطة والذرة فإنه لم يضرهما ~~لأنهما كانا لقسا، وخرج موسى من عند فرعون خارج المدينة فبسط - يديه بين ~~يدي الله نحو السماء فصرف عنهم الرعد والبرد، وانقطع المطر عن الأرض، ~~فرأى فرعون أن القطر والبرد والرعد قد انقطع وسكن فعاد وخطأ وقسا قلب ~~فرعون وعبيده - وفي نسخة السبعين: وقسا قلبه وقلب عبيده وجفا - ولم يرسل ~~بني إسرائيل كرسالة الرب - وفي نسخة السبعين: على ما تكلم به الرب على يد ~~موسى - فقال الرب لموسى: انطلق إلى فرعون لأني أنا الذي أقسي قلبه وقلوب ~~عبيده، فأظهر هذه الآيات لتجر بنيك وبني بنيك بما صنعت بأهل مصر من ~~الآيات الكثيرة التي أظهرت، فيعلموا أني أنا الرب، فأتى موسى وهارون إلى ~~فرعون وقالا له: هكذا يقول الرب إله العبرانيين: حتى متى تأبى أن تخافني ~~وترهبني! أرسل شعبي ليعبدوني، فإن أبيت أن ترسل شعبي فهأنذا محدر على ~~جميع تخومك الجراد - وفي نسخة السبعين: فإني أجلب عليك غدا هذا الوقت ~~جرادا عظيما على جميع حدودك ms1613 - فيغطي عين الأرض فلا يقدر إنسان على ~~النظر إلى الأرض، فمهما أبقى لكم البرد أكله، ويأكل جميع الشجر التي تنبت ~~لكم في الحقل، ويمتلىء منه بيوتك وبيوت عبيدك وبيوت جميع المصريين ما لم ~~ير مثله آباؤك وأجدادك من اليوم الذي أسست الأرض إلى يوم الناس هذا، ~~ورجعا من بين يدي فرعون فقالفرعون لعبيده: حتى متى يكون لنا هذه العثرة! ~~يرسل القوم فيعبدون - وفي نسخة السبعين: فقال عبيد فرعون لفرعون: حتى متى ~~يكون لنا هذا البلاء! أرسل القوم فيعبدوا - الرب إلههم أما تعلم - وفي ~~نسخة السبعين: أو ما عملت - أن مصر قد خربت، فردوا موسى وهارون إلى فرعون ~~فقال لهم: انطلقوا فاعبدوا بين يدي الرب إلهكم، ولكم من منكم ينطلق؟ فقال ~~له موسى: إنا ننطلق بشباننا وشيوخنا وبنينا وبناتنا وبغنمنا وبقرنا، لأنه ~~عيد لنا للرب، فقال لهما: ليكن كما قلتما، والله يصحبكما إذا ما أرسلتكم ~~وحشمكم، لعله أن يعرض لكم في الطريق آفة، ولكن ليس هكذا، انطلقوا الآن ~~معاشر الرجال! اعبدوا بين يدي الرب لأنكم إنما تطلبون بذلك الراحة، ~~فأخرجوهما من بين يدي فرعون، فقال الرب لموسى: ارفع يدك على أرض مصر ~~فيأتي الجراد فيصعد على أرض مصر فيأكل عشب الحقل وجميع ما نجا من البرد، ~~فرفع موسى عصاه على ارض مصر، فأهب الرب على الأرض ريح السموم جميع ذلك ~~اليوم - وفي نسخة السبعين: والرب جلب ريحا قبلية على الأرض نهار ذلك ~~اليوم - وتلك الليلة، فلما كان بالغداة احتملت ريح السموم الجراد، فصعد ~~الجراد - وفي نسخة السبعين أخذت الريح القبلية الجراد وأصعدته - على جميع ~~أرض مصر، فسقط على جميع تخوم أرض المصريين، وكان منيعا عظيما جدا، ولم ~~يكن مثل ذلك الجراد فيما خلا ولا يكون مثله فيما بعده، فغطى جميع عين ~~الأرض فأظلمت الأرض، وأكل جميع عشب الحقل وجميع الشجر التي نجت من البرد، ~~ولم يبق في الشجر غصن ولا ورق ولا في الحقل عشب في جميع أرض مصر، فاستعجل ~~فرعون ودعا موسى وهارون وقال لهما: قد خطئت بين يدي الله ms1614 إلهكما، والآن ~~اعفوا عن ذنبي وجهلي هذه المرة، وصليا بين يدي الرب إلهكم فيصرف عني هذه ~~الآفة والموت، فخرج موسى من بين يدي فرعون وصلى بين يدي الرب، فعاد الرب ~~بريح السموم عاصفا فاحتملت الجراد فقذفت به في بحر سوف - وفي نسخة ~~السبعين: فغير الرب تلك الريح بريح من البحر شديدة فأخذت الجراد وألقته ~~في البحر الأحمر - ولم يبق في جميع تخوم المصريين شيء من الجراد، فقسى ~~الرب قلب فرعون فلم يرسل بني إسرائيل، فقال الرب لموسى: ارفع يدك إلى ~~السماء فليكن الدجى والحنادس على جميع أرض مصر فتذلهم الظلمة، فرفع موسى ~~يده إلى السماء فكانت الظلمة والدجى - وفي نسخة السبعين: فصارت ظلمة ~~وزوبعة - على جميع أرض مصر، ولم ير المرء منهم صاحبه ثلاثة أيام، فأما ~~جميع بني إسرائيل فكان لهم الضياء والنور في مساكنهم، فدعا فرعون موسى ~~فقال له: انطلقوا فاعبدوا بين يدي الرب إلهكم، فأما بقركم وغنمكم فدعوها ~~هاهنا، وأما حاشيتكم فانطلقوا بها معكم، فقال موسى لفرعون: وأنت أيضا ~~تعطينا من الذبائح فنذبح لله ربنا، وبهائمنا أيضا تنطلق بها معنا، ولا ~~يبقى منها هاهنا ظلف على الأرض لأنا إنما نأخذ من مالنا لنذبح بين يدي ~~الرب إلهنا، ولسنا نعلم بماذا نعبد الله إذا بلغنا هناك، فقسى الرب قلب ~~فرعون وأبى أن يرسلهم، فقال فرعون لموسى: اخرج من بين يدي واحذر أن ~~تتراءى لي أيضا لأن اليوم الذي تتراءى لي بين يدي تموت فيه، قال له ~~موسى: ما أحسن قولك! لست بعائد أن أرى وجهك، قال الرب لموسى: إني أعود ~~أيضا فانزل بفرعون والمصريبن ضربة واحدة، وعند ذلك أرسلكم من هاهنا، ~~فإذا أرسلتكم فاخرجوا كلكم، وأمر الشعب وقال لهم: ليستعر المرء منكم من ~~صاحبه والمرأة من جارتها حلي ذهب وفضة - وفي نسخة السبعين: آنية الفضة ~~وآنية الذهب - والكسوة، وجعل الرب للشعب في قلوب المصريين محبة ورحمة، ~~وموسى كانت له هيبة وكرامة عظيمة في جميع أرض مصر - وفي نسخة السبعين: ~~عند المصريين وعند فرعون وعند جميع عبيده - فقال موسى: هكذا ms1615 يقول الرب: ~~إني خارج نصف الليل فأجوز في أرض مصر فأتوفى جميع أبكار مصر بكر فرعون ~~الجالس على منبره إلى بكر الأمة التي في بيت الرجل، وتموت جميع أبكار ~~البهائم فتسمع الولولة العظيمة والصراخ والأنين الفظيع ما لم يسمع مثله ~~أيضا- وفي نسخة السبعين: ولا يعود أيضا أن يكون مثلها- فأما آل إسرائيل ~~فلا يصاب منهم ولا الناس ولا البهائم ولا الكلب بلسانه- وفي نسخة ~~السبعين: ولا يعوي من جميع بني إسرائيل كلب بلسانه - ليعلموا أن الرب ميز ~~بين المصريين وآل إسرائيل، فهبط جميع عبيدك هؤلاء فيسجدون لي ويقولون: ~~اخرج أنت وجميع الشعب معك، وعند ذلك أخرج، فخرج موسى من بين يدي فرعون ~~بغضب شديد، فقال الرب لموسى: إن فرعون لا يطيعكما، ذلك أني مكثر آياتي ~~وعجائبي بأرض مصر، وإن موسى وهارون جرحا هذه الجرائح وأظهرا هذه الآيات ~~كلها بين يدي فرعون، فقسى الرب - وفي نسخة السبعين: وأقسى الرب - قلب ~~فرعون فلم يرسل بني إسرائيل عن أرضه، وقال الرب لموسى وهارون بأرض مصر: ~~هذا الشهر- أي نيسان - يكون لكم رأس الشهور، ويكون هذا أول شهور السنة، ~~قل لجميع جماعة بني إسرائيل في عشر من هذا الشهر فليأخذ الرجل منهم ~~حملا- وفي نسخة السبعين: خروفا - لبيته وحملا لآل أبيه، وإن كان آل ~~البيت قليلا لا يحتاجون إلى حمل فليشرك هو وجاره القريب إلى بيته على ~~عدة الناس، وعدوا كل امرىء منهم على قدر أكله من الحمل، حملا بلا عيب ~~فيه ذكرا بينا، يكون الحمل حويلا من الخراف والجدي وتأخذونه، ويكون ~~محفوظا لكم حتى اليوم الرابع عشر من هذا الشهر، ويذبحه كل جماعة من ~~كنيسة بني إسرائيل أصيلا، ويأخذون من دمه ويضعونه على القائمين والعتبة ~~من البيت الذي تأكلون فيه، أي علامة - للملائكة الذين يؤمرون بقتل أبكار ~~المصريين، وتأكلون اللحم في هذه الليلة مشويا بفطير، ولا تأكلوا منه ~~نيئا ولا مطبوخا بالماء، ولاتبقوا منه شيئا لغد، ولا تكسروا منه ~~عظما، وما فضل منه إلى غد فأحرقوه بالنار، وكلوه وأنتم قيام وقد شددتم ~~أو ساطكم ونعالكم في أرجلكم ms1616 وعصيكم في أيديكم وكلوه بعجلة، فإنه فصح ~~للرب، وأنا فإني أعبر في أرض مصر في هذه الليلة وأضرب كل بكر بأرض مصر من ~~الناس والبهائم، وأعمل نقمة من جميع آلهة المصريين، أنا الرب! ويكون لكم ~~هذا اليوم ذكرا وتعيدونه عيدا للرب لدهوركم إلى الأبد وتعيدونه سبعة ~~أيام، وتأكلون فطيرا وتعزلون الخمير من بيوتكم من أول يوم، وكل من يأكل ~~خميرا فإن تلك النفس تبيد من إسرائيل من اليوم الأول إلى اليوم السابع، ~~وكل عمل يعمل فلا تعملوه فيها، واحفظوا هذه الوصية، ففي هذا اليوم خرج ~~عسكركم من مصر، فاجعلوا هذا اليوم لدهوركم سنة، فإذا بدأ اليوم الرابع ~~عشر من الشهر الأول من العشي كلوا فطيرا إلى يوم إحدى وعشرين من الشهر ~~إلى العشاء، ولا يوجد خمير في بيوتكم سبعة أيام، وكل من يأكل مخمرا فإن ~~تلك النفس تبيد من جماعة بني إسرائيل من الملة والذمة ومن سكان الأرض، ما ~~كان خميرا فلا تأكلوه وكلوا فطيرا في جميع مساكنكم، فدعا موسى جميع ~~أشياخ بني إسرائيل وقال لهم: عجلوا فخذوا غنما لقبائلكم واذبحوا الفصح ~~وخذوا حزمة من ريحان الأدبان واغمسوها بدم الحمل ورشوا على معاقم أبوابكم ~~ومعاضدها - وفي نسخة السبعين: على العتبة وكلا القائمين - من الدم الذي ~~في الإناء، ولا يخرج أحد منكم من باب بيته إلى غدوة - وفي نسخة السبعين: ~~إلى الصباح - فتحفظون هذه السنة والوصية أنتم وبنوكم إلى الأبد، وإذا ~~دخلتم الأرض التي يعطيكم الرب كما وعدكم فاحفظوا هذا العمل، وإذا سأل ~~بنوكم فقالوا لكم: ما هذا الفعل؟ فقولوا لهم: هذه ذبيحة فصح الرب إذ أفصح ~~على بيوت بني إسرائيل بمصر إذ قتل المصريين وخلص بيوتنا، فركع الشعب كله ~~ساجدا لله وانطلق بنو إسرائيل فصنعوا كما أمر الله موسى وهارون، وفي ~~بيوت بني إسرائيل فلما كان عند نصف الليل قتل الرب أبكار أرض مصر- وفي ~~نسخة السبعين: كل بكر بأرض مصر - من بكر فرعون الجالس على منبره - وفي ~~نسخة السبعين: على كرسيه - وحتى بكر السبي المحبوس في السجن وجميع أبكار ~~البهائم ms1617 فوثب فرعون في تلك الليلة هو وجميع عبيده وكل أرض مصر - وفي نسخة ~~السبعين: وجميع المصريين - وكانت ولولة عظيمة في جميع أرض مصر لأنه لم ~~يوجد بيت لم يكن فيه ميت، فدعا فرعون بوسى وهارون في تلك الليلة وقال ~~لهما: انهضا فاخرجا من بين شعبي أنتما وبنو إسرائيل أيضا وانطلقوا ~~فاعبدوا بين يدي الرب كقولكما، وسوقوا غنمكم وبقركم أيضا كما قلتما، ~~وانطلقوا وصلوا علي أيضا وادعوا لي، فألح المصريون على الشعب ليخرجوهم ~~عن الأرض مسرعين لأنهم قالوا: إنا جميعا سنموت، فحمل الشعب عجينهم قبل ~~أن يختمر، والبارد من فطيرهم مشدودا في عمائمهم ملقى أعناقهم، وصنع بنو ~~إسرائيل كما أمرهم موسى، واستعاروا من المصريين حلي ذهب وفضة وكسوة - وفي ~~نسخة السبعين: آنية الفضة والذهب والكسوة - وجعل الرب للشعب في أعين ~~المصريين محبة ورحمة فأعاروهم، فحربوا المصريين، وظعن بنو إسرائيل من ~~رعمسيس - وعلى حاشية نسخة السبعين أنها عين شمس - يطلبون ساخوت ستمائة ~~ألف رجل سوى الحشم والعيال، وصعد معهم من الغرباء أيضا من كل خلط ومن ~~البقر والغنم والماشية كثيرا جدا، فاختبزوا العجين الذي أخرجوه معهم من ~~مصر رغفا - وفي نسخة السبعين: فراني - فطيرا لم يختبزوه - وفي نسخة ~~السبعين: لم يختمر- وذلك لأن المصريين أخرجوهم فلم يقدروا أن يلبثوا، ولم ~~يتزودوا زادا للطريق أيضا، وكان مسكن بني إسرائيل في أرض مصر أربعمائة ~~وثلاثين سنة، في هذا اليوم خرج جميع جنود الرب من أرض مصر- وفي نسخة ~~السبعين: ليلا - كان الرب وقت في سابق علمه حفظ تلك الليلة التي خرجوا ~~فيها من مصر، وكانت هذه الليلة محفوظة معروفة لدى الرب لهلاك أبكار مصر ~~ولإخراج جميع بني إسرائيل ليكون ذكر ذلك في جميع أحقابهم وخلوفهم، وقال ~~الرب لموسى وهارون: هذه سنة الفصح، لا يأكل منه غريب، وكل عبد لرجل ~~اشتراه إذا ختنه عند ذلك فأطعمه الفصح، والأجير والساكن فلا يأكل منه، في ~~بيت واحد فليؤكل - وفي نسخة السبعين: وكل عبد لرجل اشتراه فليختتن ثم ~~يأكل منه، الملجىء والأجير لا يأكلان منه، وليؤكل في بيت واحد - ولا ms1618 ~~تخرجوا من اللحم خارجا من البيت شيئا ولا تكسروا فيه عظما، وإذا سكن ~~معكم غريب فختن كل ذكر في بيته عند ذلك فليقترب - وفي نسخة السبعين، ~~وليختن منهم كل ذكر ثم يدنون - من بعد ذلك إلى أكل الفصح، وليكن عند ذلك ~~بمنزلة أهل الأرض، ولا يأكل منه أغرل، ولتكن سنة واحدة لأهل الأرض ~~والغرباء الذين يسكنون معكم، وصنع جميع بني إسرائيل كما أمر موسى وهارون، ~~وفي هذا اليوم أخرج الرب بني إسرائيل من أرض مصر وجميع جنودهم، وقال الرب ~~لموسى: طهر لي كل ذكر ذكر ويفتح كل رحم من بني إسرائيل من الناس والبهائم ~~يكونون لي، فقال موسى للشعب: اذكروا هذا اليوم الذي خرجتم فيه من مصر من ~~العبودية والرق، لأن الرب أخرجكم من هاهنا بيد منيعة - إلى آخر ما مضى في ~~سورة البقرة؛ ثم ذكر في الخامس علة الفصح فقال: احفظوا شهر البهار ~~فاعملوا فصحا لله ربكم لأنه إنما أخرجكم من أرض مصر في شهر البهار ~~ليلا، فاذبحوا فصحا لله ربكم من البقر والغنم في الموضع الذي يختار ~~الله ربكم، فلأ تأكلوا فيه خميرا بل كلوا فطيرا سبعة أيام خبزا يدل ~~على التواضع لأنه إنما خرجتم من أرض مصر بعجلة لتذكروا اليوم الذي أخرجتم ~~فيه من مصر كل أيام حياتكم، ولا يرى الخمير في حدودكم سبعة أيام، ولا يحل ~~لكم أن تأكلوا الفصح في قرية من القرى التى يعطيكم الله ربكم، ولكن في ~~الموضع الذي يختار الله ربكم أن يصير فيه اسمه ففيه اذبحوا الفصح، ويذبح ~~عند غروب الشمس في الوقت الذي خرجتم من أرض مصر، ثم قال: وأحصوا سبعة ~~سوابيع من بعد عيد الفصح، ثم اعملوا عيد السوابيع وائتوا بخواص غلاتكم ~~للرب، كما بارك لكم الله ربكم في الموضع الذي يختار الرب أن تصيروا اسمه ~~فيه واذكروا أنكم كنتم عبيدا بأرض مصر، فاحفظوا هذه السنن كلها واعملوا ~~بها، واعملوا عيد المظال سبعة أيام إذا ما دخلتم بيادركم وخزنتم معاصركم ~~ليبارك الله ربكم في جميع غلاتكم وفي كل عمل ms1619 أيديكم، وتكونوا فرحين، ~~ويروى ذكركم أمام الله ربكم في الموضع الذي يختار ثلاث مرات في السنة: ~~عيد الفطر وعيد السوابيع وعيد المظال - انتهى. # وفيه مما لا يجوز إطلاقه في شرعنا إضافة - الابن في قوله: ابني بكري، ~~وهو مؤول بأنه يكرمه إكرام الولد، وإطلاق الإله على غير الله سبحانه ~~مراد به الحاكم، ولا يجوز هذا الإطلاق عندنا. ### || [7.138-141] # ولما انقضى ما أراهم سبحانه من الأفعال الهائلة التي استخلصهم بها من ~~ذلك الجبار، شرع يذكر ما قابلوه به من الجهل به سبحانه وما قابلهم به من ~~الحلم، ثم ما أحل بهم بعد طول المهلة من ضرب الذلة والمسخ بصورة القردة، ~~فقال عاطفا على قوله { فأغرقناهم في اليم } أو قوله { ثم بعثنا من بعدهم ~~موسى }: { وجاوزنا } أي قطعنا بما لنا من العظمة - وساقه على طريق ~~المفاعلة تعظيما له، روي أن جوازهم كان يوم عاشوراء، وأن موسى عليه ~~السلام صامه شكرا لله تعالى على إنجائهم وإهلاك عدوهم { ببني إسرائيل } ~~بعد الآيات التي شاهدوها { البحر } وإنما جعلته معطوفا على أول القصة ~~لأن هذه القصص كلها بيان لأن في الناس السيىء الجوهر الذي لايغنيه الآيات ~~كما مضى عند قوله: # والبلد الطيب # [الأعراف: 58] وبيان قوله # أخذنا أهلها بالبأساء والضراء # [الأعراف: 94] إلى آخرها، ويدل على ذلك - مع ما ابتدئت به القصص - ختمها ~~بقوله # ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا # [الأعراف: 176] وقوله: # ولقد ذرأنا لجهنم # [الأعراف: 179] وحسن موقعها بعد قوله: # وتمت كلمت ربك الحسنى # [الأعراف: 137] لأنه لما قيل # بما صبروا # تشوفت النفس إلى فعلهم حال الرخاء هل شكروا؟ فبين أن كثيرا منهم كفروا ~~تصديقا لقوله # وما وجدنا لأكثرهم من عهد # [الأعراف: 102] وما شاكله، وما أحسن تعقيب ذلك - بقوله: { فأتوا } أي ~~مروا- بفاء التعقيب { على قوم } أي ذوي قوة، قيل: كانوا من لخم { يعكفون ~~} أي يدورون ويتحلقون ملازمين مواظبين { على أصنام لهم } أي لا قوة فيها ~~ولا نفع، فهم في عكوفهم عليها مثل في الغباوة، وقيل: إنها كانت تماثيل ~~بقر، وكان ذلك أول أمر العجل. # ولما أخبر سبحانه بذلك، علم السامع ms1620 أنهم بين أمرين: إما شكر وإما كفر، ~~فتشوف إلى ما كان منهم، فأجاب سبحانه سؤاله بقوله: { قالوا } أي لم يلبث ~~ذكرهم لما أراهم سبحانه من عظمته وشكرهم لما أفاض عليهم من نعمته إلا ~~ريثما أمنوا من عدوهم بمجاوزتهم البحر وإغراقهم فيه حتى طلبوا إلها غيره ~~بقولهم: { يا موسى } سموه كما ترى باسمه جفاء وغلظة اعتمادا على ما عمهم ~~من بره وحلمه غير متأدبين بما بهرهم من جلالة حظه من الله وقسمه { اجعل ~~لنا إلها } أي شيئا نراه ونطوف به تقيدا بالوهم { كما لهم آلهة } وهذا ~~منهم قول من لا يعد الإله - الذي فعل معهم هذه الأفاعيل - شيئا، ولا ~~يستحضره بوجه. # ولما كان هذا منهم عظيما، استأنف جواب من تشوف إلى قول موسى عليه ~~السلام لهم ما هم بقوله: { قال إنكم قوم } أي ذوو قيام في شهوات النفوس، ~~وقال: { تجهلون* } مضارعا إشعارا بأن ذلك منهم كالطبع والغريزة، لا ~~ينتقلون عنه في ماض ولا مستقبل، واعلم أنه لا تكرير في هذه القصص فإن كل ~~سياق منها لأمر لم يسبق مثله فالمقصود من قصة موسى عليه السلام وفرعون - ~~عليه اللعنة والملام - هذا الاستدلال الوجودي على قوله # وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين # [الأعراف: 102] ومن هنا تعلم أن سياق قصة بني إسرائيل بعد الخلاص من ~~عدوهم لبيان إسراعهم في الكفر ونقضهم للعهود، واستمر سبحانه في هذا ~~الاستدلال إلى آخر السورة، وما أنسب # وإذ أخذ ربك من بني آدم # [الأعراف:172] الآية، لقوله # وما وجدنا لأكثرهم من عهد # [الأعراف: 102] وذكر في أول التي تليها تنازعهم في الأنفال تحذيرا لهم ~~من أن يكونوا من الأكثر المذمومين في هذه، هذا بخلاف المقصود من سياق قصص ~~بني إسراءيل في البقرة فإنه هناك للاستجلاب للإيمان بالتذكير بالنعم، لأن ~~ذلك في سياق خطابة سبحانه لجميع الناس بقوله: # اعبدوا ربكم الذي خلقكم # [البقرة: 21] # كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم # [البقرة: 28] وما شاكله من الاستعطاف بتعداد النعم ودفع النقم - والله ~~أعلم. # ولما استفيد من كلامه لهم غاية الإنكار عليهم، علل هذا الإنكار بقوله: { ~~إن هؤلاء ms1621 } أي القوم { متبر ما هم فيه } أي مكسر مفتت مهلك على وجه ~~المبالغة، وإذا فسد الظرف فسد المظروف، وإليه الإشارة بجعل " هؤلاء " ~~اسما لإن، وإيلائه خبر الجمله الواقعه خبرا مقدما على مبتدئه. # ولما كان الشيء قد يهلك في الدنيا أو في الاخرة - وهو حق، أعملهم بأن ~~هذا الهلاك إنما هو الهلاك عند الله أعلم من كونه في الدنيا أو في الآخرة ~~لبطلان ما هم فيه، فقال معبرا بالاسمية إشارة إلى أنه الآن كذلك، وإن ~~رئي بخلافه: { وباطل } أي مضمحل زائل { ما كانوا } أي جبلة وطبعا { ~~يعملون* } أي مواظبين عليه من الأصنام والعكوف وجميع أعمالهم لأجله، لا ~~وزن لشيء منها أصلا ولا اعتبار، و - فيه إشارة إلى أن العبادة لا تنبغي ~~إلا للباقي الذي لا يجوز عليه التغير، فإذا كان كذلك كان العمل له أيضا ~~ثابتا باقيا لا يجوز عليه البطلان، وفي تعقيبها لتدمير آل فرعون إشارة ~~إلى موجب ذلك، وأن كل من كان على مثل حالهم من عبادة غير الله كانت ~~عاقبته الدمار. # ولما كان هذا استدلالا على أن مثل هذه الأصنام التي مروا عليها لا تصلح ~~لأن تعبد، كان ذلك غير كاف لهم لما - تقرر من جهلهلم، فربما ظنوا أن ~~غيرها مما سوى الله تجوز عبادته، فكأنه قيل: هذا لا يكفي جوابا لمثل ~~هؤلاء فهل قال لهم غير ذلك؟ فقيل: نعم! { قال } منكرا معجبا { أغير ~~الله } أي الذي له جميع العظمة، فهو المستحق للعبادة { أبغيكم } أي أطلب ~~لكم { إلها } فأنكر أن يتأله غيره، وحصر الأمر فيه ثم بينه بقوله: { وهو ~~} أي والحال أنه هو وحده { فضلكم } دون غيركم ممن هو في زمانكم أو قبله { ~~على العالمين* } أي لو لم يكن لوجوب اختصاصهم له بالعبادة سبب سوى ~~اختصاصه لهم بالتفصيل على سائر عباده الذين بلغهم علمهم ممن هو أقوى منهم ~~حالا وأكثر عددا وأموالا لكان كافيا. # ولما أثبت أن الإلهية لا تصلح لغيره، وأن غيره لم يكن يقدر على تفضيلهم، ~~وكان المقام للعظمة، وكان كأنه قيل إيذانا بغلظ أكبادهم وقله ms1622 فطنتهم ~~وسوء مقابلتهم للمنعم: اذكروا ذلك، أي تفضيله لكم باصطفاء آبائكم إبراهيم ~~وإسحاق ويعقوب وما تقدم له عندهم وعند أولادهم من النعم لا سيما يوسف ~~عليه السلام الذي حكمه في جميع الأرض التي استذلكم أهلها؛ عطف عليه إشارة ~~إليه قوله التفاتا إلى مظهر العظمة تذكيرا بعظمة مدخوله: { وإذ } أي ~~واذكروا إذ { أنجيناكم } أي على ما نحن عليه من العظمة التي أنتم لها ~~عارفون، ولها في - كل وقت في تلك الآيات مشاهدون { من آل فرعون } وما ~~أفضنا عليكم بعد الإنجاء من النعم الجسام وأريناكم من الآيات العظام ~~تعرفوا أنا فضلناكم على جميع الأنام، ثم استأنف بيان ما أنجاهم منه ~~بقوله: { يسومونكم } أي ينزلون بكم دائما { سوء العذاب }. # ولما كان السياق - كما مضى - لبيان إسراعهم في الكفر وشدة علوتهم في ~~قوتهم وجلافتهم، وكان مقصود السورة إنذار المعرضين وتحذيرهم من القوارع ~~التي أحلها بالماضين، بين سوء العذاب عادلا في بيانه عن التذبيح - لأنه ~~لا يكون عند الانذباح، وهو في الأصل لمطلق الشق - إلى التعبير بالقتل ~~لأنه أدل على الإماتة وأهز، لأنه قد يكون على هيئة شديدة بشعة كالتقطيع ~~والنخس والخبط وغير ذلك مع أنه لا بد فيه من تفويت ذلك فقال: { يقتلون } ~~أي تقتيلا كثيرا - { أبناءكم } ودل على حقيقة القتل بقوله: { ويستحيون ~~}. # ولما كان المعنى أنهم لا يعرضون للإناث صغارا ولا كبارا، وكان إنكار ~~ما يكون إبقاء النساء بلا رجال لما يخشى من الضياع والعار، وكان مظنة ~~العار أكبر - عبر عنهن بقولة: { نساءكم } وتنبيها على أن قتل الأبناء ~~إنما هو للخوف من صيرورتهم رجالا لئلا يسلبهم واحد منهم أعلمهم به ~~كهانهم ملكهم؛ وأشار إلى شدة ذلك بقوله: { وفي ذلكم } أي الأمر الصعب ~~المهول { بلاء } أي اختبار لكم ولهم { من ربكم } أي المحسن إليكم في حالي ~~الشدة والرخاء، فأنه أخفى عنهم الذي قصدوا القتل لأجله، وأنقذكم به بعد ~~أن رباه عند الذي هو مجتهد في ذبحه { عظيم }. ### || [7.142-144] # ولما ذكرهم بنعمة إنجاء الأبدان، أتبعها التذكير بأكبر منها إذ كانت ~~لحفظ الأديان وصيانة جوهرة الإيمان ms1623 بما نصب لهم من الشرع في التوراة، ~~فقال معجبا من حالهم إذ كان في الإنعام عليهم بنصب الشرع الهادي لهم من ~~الضلال واختصاص نبيهم بمزيد القرب بالمناجاة، وهم في اتخاذ إله سواه، لا ~~نفع فيه أصلا، ولا يرضى قلب أو عقل أن يعبده، عاطفا له على ما سبق ~~تعجيبه به منهم في قوله: # وجاوزنا ببني إسرائيل # [الأعراف: 138] { وواعدنا } أي على ما لنا من باهر العظمة { موسى ثلاثين ~~} أي مناجاة ثلاثين { ليلة } أي عقبها { وأتممناها } أي المواعدة { بعشر ~~} أي ليال، وذلك لأنه لما مضت ثلاثون ليلة، وهو شهر ذي العقدة فيما قيل، ~~وكان موسى عليه السلام قد صامها ليلها ونهارها، أدرك من فمه خلوفا ~~فاستاك، فأعلمه الله أنه قد أفسد ريح فمه، وأمره بصيام عشرة أيام أخرى و ~~- هي عشر ذي الحجة ليرجع ما أزاله من ذلك، وذلك لأن موسى عليه السلام كان ~~وعد بني إسرائيل - وهو بمصر - أنه إذا أهلك سبحانه عدوهم، أتاهم بكتاب من ~~عنده فيه بيان ما يأتون وما يذرون، فلما أهلك الله عدوهم سأل موسى عليه ~~السلام الكتاب، فأمره بصوم ثلاثين يوما ثم أمره بالعشر. # ولما كان من الممكن أن يكون الثلاثون هي النهاية، وتكون مفصلة إلى عشرين ~~ثم عشر، أزال هذا الاحتمال - بقوله: { فتم ميقات ربه } أي الذي قدره في ~~الأزل لأن يناجيه بعده - بالفاء { أربعين } ولما كانت العشر غير صريحة في ~~الليالي، قال: { ليلة } فانتفى أن تكون ساعات مثلا، وعبر بالميقات لأنه ~~ما قدر فيه عمل من الأعمال، وأما الوقت فزمان الشيء سواء كان مقدرا أم ~~لا، وعبر بالرب إشارة إلى اللطف به والعطف عليه والرحمة له، والميقات هو ~~الأربعون - قاله الفارسي في الحجة، وقدر انتصاب أربعين ب " معدودا هذا ~~العدد " كما تقول: تم القوم عشرين، أي معدودين هذا العدد وأجمل سبحانه ~~الأربعين في البقرة لأن المراد بذلك السياق تذكيرهم بالنعم الجسام والمت ~~إليهم بالإحسان والإكرام، ليكون ذلك أدعى إلى رجوعهم إلى الإيمان وأمكن ~~في نزوعهم عن الكفران بدليل ما سبق قصتهم من قوله: # يا ms1624 أيها الناس اعبدوا ربكم # [البقرة: 21] # كيف تكفرون بالله # [البقرة: 28] وما اكتنفها أولا وآخرا من قوله: # يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم # [البقرة: 40] الآيتين المبدوء بها والمختوم بها، وفصل هنا الأربعين إلى ~~ثلاثين وعشر، لأن المراد بهذا السياق - كما تقدم - بيان كفرهم ومرودهم ~~على خزيهم ومكرهم وأنه لم ينفعهم سؤال المعجزات، ولا أغنى عنهم شيئا ~~تواتر النعم والآيات، كما كان ذلك في قصص الأمم الخالية والقرون الماضية ~~ممن ذكر في هذه الصورة استدلالا - كما تقدم - على أن المفسد أكثر من ~~المصلح - إلى غير ذلك مما أجمل في قوله تعالى: # وما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها # [الأعراف: 94] إلى آخره، وتسلية لهذا النبي الكريم وترهيبا لقومه لما ~~وقع لهم من العقاب الأليم، والفصل بين الساقين يدق إلا عن أولي البصائر - ~~والله أعلم، فيكون المراد بتفصيل الأربعين هنا بيان أن إبطاء موسى عليه ~~السلام عما علموه من المعياد إنما كان لعشرة أيام، فارتكبوا فيها هذه ~~الجريمة التي هي أعظم الجرائم، وأشار تعالى إلى عظيم جرأتهم وعراقتهم في ~~السفه بقوله عاطفا على { واعدنا }: { وقال موسى } أي لما واعدناه { ~~لأخيه } ثم بينه تصريحا باسمه فقال: { هارون اخلفني } أي كن خليفتي فيهم ~~تفعل ما كنت أفعل، وأكد الارتسام بما يجده له بقوله: { في قومي } وأشار ~~إلى حثه على الاجتهاد بقوله: { وأصلح } أي كن على ما أنت عليه من إيقاع ~~الإصلاح. # ولما كان عالما بأنه صلى الله عليه وسلم مبرأ من السوء غير أن عنده ~~لينا قال: { ولا تتبع } أي تكلف نفسك غير ما طبعت عليه بأن تتبع { سبيل ~~المفسدين* } أي استصلاحا لهم وخوفا من تنفيرهم، فاختلفوا عن الطريق كما ~~تفرس فيهم موسى عليه السلام ولم يذكروا عاقبة فلا هم خافوا بطش من بطش ~~بمن كان يسومهم سوء العذاب، ولا هم سمعوا لأخيه في الصلاح، ولا هم ~~انتظروا عشرة أيام، فلا أخف منهم أحلاما ولا أشد على المعاصي إقداما. # ولما ذكر سبحانه مواعدته واحتياطه في إصلاح قومه، شرح أمره حال المواعدة ~~وحالهم بعد ms1625 غيبته فقال: { ولما جاء موسى لميقاتنا } أي عند أول الوقت ~~الذي قدرناه للمناجاة؛ ولما كان مقام الجلال مهولا لا يستطاع وعي الكلام ~~معه، التفت إلى مقام الإكرام فقال: { وكلمه } أي من غير واسطه { ربه } أي ~~المحسن إليه بأنواع الإحسان المتفضل على قومه بأنواع الامتنان، والذي ~~سمعه موسى عليه السلام عند أهل السنة من الأشاعرة هو الصفة الأزلية من ~~غير صوت ولا حرف، ولا بعد في ذلك كما لا بعد رؤية ذاته سبحانه وهي ليست ~~بجسم ولا عرض لا جوهر، وليس كمثله شيء، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه ~~سبحانه كلمه في جميع الميقات وكتب له الألواح، وقيل: إنما كلمه في أول ~~الأربعين، والأول أولى. # ولما كلمه بصفة الربوبية الناظر إلى العطف واللطف، وكانت الرؤية جائزة، ~~اشتاق إلى الرؤية شوقا لم يتمالك معه لما استحلاه من لذاذة الخطاب ~~فسألها لعمله أنها جائزة { قال } مسقطا الأداة كعادة أهل القرب - { رب ~~أرني } أي ذاتك الأقداس بأن ترفع عني الحجاب فتجعلني متمكنا من النظر، ~~وهو معنى قول الحبر ابن عباس: أعطني وحقق أنها رؤية العين بقوله في جواب ~~الأمر - { أنظر } أي أصوب تحديق العين وأشار إلى عظمته سبحانه وعلو شأنه ~~علو العظمة لا المسافة - بالتعدية بحرف النهاية بعد أن أشار بحذف أداة ~~النداء إلى غاية القرب بالإحسان - فقال: { إليك } أي فأراك. # ولما كان سبحانه قد قضى أنه عليه السلام لا يراه في الدنيا { قال } ~~نافيا المقصود، وهو الرؤية لا مقدمتها، وهو النظر الذي هو التحديق ~~بالعين { لن تراني } ودل سبحانه بهذه العبارة على جواز رؤيته حيث لو يقل: ~~لن أرى، أو لن يراني أحد؛ ثم زاد ذلك بيانا بتعليقه بممكن فقال: { ولكن ~~انظر إلى الجبل } إشارة جبل بعهده، وهو أعظم جبل هناك، وزاد في الإشارة ~~إلى الرؤية بالتعبير بأداة الشك وإتباعها بأمر ممكن فقال -: { فإن استقر ~~مكانه } أي وجد قراره وجودا تاما، وأشار إلى بعد الرؤية أيضا وجلالة ~~المطلوب منها بقوله: { فسوف تراني } أي بوعد لا خلف فيه { فلما تجلى ربه ~~} أي المحسن ms1626 إليه بكل عطاء ومنع وبين بتعبيره باللام أنه تجلى قربه ~~وخصوصيته، ولو عبر بعلى مثلا لكان أمر آخر فقال -: { للجبل } أي بأن كشف ~~للجبل عما شاء من حجب عظمته { جعله دكا } أي مدكوكا، والدك والدق أخوان ~~{ وخر } أي وقع { موسى صعقا } أي مغشيا عليه مع صوت هائل، فعلم أن معنى ~~الاستدراك أنك لن تثبت لرؤيتي في هذه الدار ولا تعرف ذلك الآن، ولكنك ~~تعرفه بمثال أريكه وهو الجبل، فإن الفاني - كما نقل عن الإمام مالك - لا ~~ينبغي له أن يرى الباقي - { فلما أفاق } أي من غشيته { قال سبحانك } أي ~~تنزيها لك عن أن أطلب منك ما لم تأذن فيه { تبت إليك } أي من ذلك { وأنا ~~أول المؤمنين* } أي مبادر غاية المبادرة إلى الإيمان بكل ما أخبرت به كل ~~ما تضمنته هذه الآيات، فتعبيره بالإيمان في غاية المناسبة لعدم الرؤية ~~لأن شرط الإيمان أن يكون بالغيب، فقد ورد في نبينا صلى الله عليه وسلم ~~آيتان: إحداهما يمكن أن تشير إلى الرؤية بالتعبير بالمسلمين دون المؤمنين ~~في قوله # وأنا أول المسلمين # [المائدة: 163] والثانية تومي إلى عدمها وهي # آمن الرسول # [البقرة: 285] إلى قوله: # كل آمن بالله # [البقرة: 285] - والله أعلم -، وكل هذا تبكيت على قومه وتبكيت لهم في ~~عبادتهم العجل وردع لهم عن ذلك، وتنبيه لهم على أن الإلهية مقرونة ~~بالعظمة والكبر بعيدة جدا عن ذوي الأجسام لما يعلم سبحانه من أنهم ~~سيكررون عبادة الأصنام، فأثبت للإله الحق الكلام والتردي عن الرؤية بحجاب ~~الكبر والعظمة واندكاك الجبل عند تجليه ونصب الشرع الهادي إلى أقوم سبيل ~~تعريضا بالعجل، وإلى ذلك يرشد قوله تعالى: { ألم يروا أنه لا يكلمهم } ~~الآية. # ولما منعه الرؤية بعد طلبه إياها، وقابل ذلك بمحاسن الأفعال والأقوال، ~~تشوف السامع إلى ما قوبل به من الإكرام، فاستأنف سبحانه الإخبار بما منحه ~~به تسلية له عما منعه وأمرا بشكره بقوله: { قال يا موسى } مذكرا له ~~نعمه في سياق دال على عظيم قدرها وإيجاب شكرها مسقطا عنه مظهر العظمة ~~تأنيسا له ورفقا به - { إني اصطفيتك ms1627 } أي اخترتك اختيارا بالغا كما ~~يختار ما يصفى من الشيء عن كل دنس { على الناس } أي الذين في زمانك { ~~رسالاتي } أي الآيات المستكثرة التي أظهرتها وأظهرها على يديك من أسفار ~~التوارة وغيرها { وبكلامي } أي من غير واسطة وكأنه أعاد حرف الجر للتنبيه ~~على ذلك،كما اصطفى محمدا صلى الله عليه وسلم على الناس عامة في كل زمان ~~برسالته العامة وبكلامه المعجز وبتكليمه من غير واسطة في السماء التي ~~قدست دائما ونزهت عن التدنيس بمعصية. # ولما كان ذلك مقتضيا لغاية الإقبال والنشاط، سبب عنه قوله: { فخذ ما ~~آتيتك } آي مخصصا لك به { وكن من الشاكرين* } أي العريقين في صفة الشكر ~~المجبولين عليها. ### || [7.145-148] # ولما انقضى ما أنسه سبحانه به لفت الكلام - في الإخبار لنا عن عظيم ما ~~آتاه - لي مظهر العظمة، فقال مفصلا لتلك الرسالة ومبينا بعض ما كان من ~~الكلام { وكتبنا } أي بعظمتنا { له في الألواح } عرفها لعظمتها تنبيها ~~على أنها لجلالة ما اختصت به كأنها المختصة بهذا الاسم، وأعظم من هذا جعل ~~قلب النبي الأمي لوحا قابلا لما يلقى إليه جامعا لعلوم الأولين ~~والآخرين { من كل شيء } أي يحتاجه بنو إسرائيل، وذلك هو العشر الآيات ~~التي نسبتها إلى التوارة نسبة الفاتحة إلى القران، ففيها أصوال الدين ~~وأصول الأحكام والتذكير بالنعم والأمر بالزهد والورع ولزوم محاسن الأعمال ~~والبعد عن مساويها، ولذا قال مبدلا: { موعظة وتفصيلا } أي على وجازتها ~~بما كانت سببا { لكل شيء } أي لأنها - مع كونها أمهات وجوامع - مفصلة ~~ترجع إليها بحور العلم وتنشق منها ينابيعها. # ولما كان هذا هكذا، تسبب عنه حتما قوله تعالى التفاتا إلى خطاب موسى ~~عليه السلام بخطاب التأنيس إشارة إلى أن التزام التكاليف صعب: { فخذها } ~~أي الألواح { بقوة } أي بجد وعزيمة في العلم والعمل { وأمر قومك } أي ~~الأقوياء على محاولة ما يراد { يأخذوا بأحسنها } كأنه سبحانه أطلق لموسى ~~عليه السلام الأخذ بكل ما فيها لما عنده من الملكة الحاجزة له عن شيء من ~~المجاوزة، ولذلك قال له { بقوة } وقيدهم بالأحسن ليكون الحسن جدا مانعا ~~لهم ms1628 من الوصول إلى القبيح، وذلك كالاقتصاص والعفو والانتصار والصبر. # ولما كان كأنه قيل: وهل يترك الأحسن أحد؟ فقيل: نعم، الفاسق يتركه، بل ~~ويتجاوز الحسن إلى القبيح، بل وإلى أقبح القبيح، ومن تركه أهلكته وإن جل ~~آله وعظمت جنوده وأمواله، قال كالتعليل لذلك: { سأوريكم دار الفاسقين* } ~~أي الذين يخرجون عن أوامري إلى ما أنهاهم عنه فأنصركم عليهم وأمكنكم ~~بفسقهم من رقابهم وأموالهم من الكنعانيين والحاثانيين وغيرهم من سكان ~~الأراضي المقدسه لتعلموا أن من أغصبني وترك أمري أمكنت منه، وإنما ذكر ~~الدار لئلا تغرهم منعتها إذا استقروا بها فيظنوا أن لا غالب لهم فيها ~~بوعورة أرضها وشهوق جبالها وإحكام أسوارها، وإذا تأملت ما سيأتي في شرح ~~هذه الآيات من التوراة لاح لك هذا المعنى، وكذا ما ذكر من التوراة عند ~~قوله في المائدة # قل هو أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله # [المائدة: 60] وفي هذه الجملة المختصرة بشارة يإتمام الوعد بنصرتهم ~~عليهم بطاعتهم ونذارة على تقدير معصيتهم، فكأنه قيل: إن أخذوا بالأحسن ~~أريتهم دار الفاسقين، وأتممت عليهم النعمة ما دامو على الشكر، وإن لم ~~يأخذوا أهلكتهم كما أهلك الفاسقين من بين أيديهم، فحذرهم لئلا يفعلوا ~~أفعالهم إذا استقرت بهم الدار، وزالت عنهم الأكدار، ويؤيد كون المراد ~~القدس لا مصر قراءة من قرأ: سأورثكم - من الإرث، لأنها هي المقصودة ~~بإخراجهم من مصر وبعث موسى عليه السلام، ولا ينفي ذلك احتمال مصر أيضا - ~~والله أعلم. # ولما انقضى ذلك، كان كأنه قيل: وكيف يختار عاقل ذلك؟ فكيف بمن رأى ~~الآيات وشاهد المعجزات؟ فقال: { سأصرف عن آياتي } أي المسموعة والمرئية ~~على عظمتها بما أشارت إليه الإضافة بالصرف عن فهمها واتباعها والقدرة على ~~الطعن فيها بما يؤثر في إبطالها { الذين يتكبرون } أي يطلبون الكبر بما ~~ليس لهم ويعملون قواهم فيه { في الأرض } أي جنسها الذي أمرت بالتواضع ~~فيه. # ولما كان من رفعه الله بصفة فاضلة فوضع نفسه موضعها ولم يهنها نظرا لما ~~أنعم الله به عليه ومنحه إياه ربما سمى ذلك كبرا، وربما سمى طلبه لتلك ~~الأخلاق ms1629 التي توجب رفعته تكبرا، وليس كذلك وإن وافقه في الصورة، ~~لمفارقته له في المعنى فإنه صيانة النفس عن الذل، وهو إنزال النفس دون ~~منزلتها صنعة لا تواضعا، والكبر رد الحق واحتقار الناس، ففي التقييد هنا ~~إشارة خفية لإثبات العزة بالحق والوقوف على حد التواضع من غير انحراف إلى ~~الصنعة وقوفا على شرط العزم المنصوب على متن نار الكبر؛ قال الإمام ~~السهروردي: ولا يؤيد في ذلك ويثبت عليه إلا أقدام العلماء الراسخين - قال ~~تعالى احترازا عنه ومدخلا كل كبر خلا عن الحق الكامل: { بغير الحق } أي ~~إنما يختار غير الأحسن من يختاره بقضائي الذي لا يرد وأمري العالي على ~~أمر كل ذي جد فأزين لمن علمت خباثة عنصره ورداءة جوهره ما أريد حتى ~~يرتكبوا كل قبيحة ويتركوا كل مليحة، فينصرفون عن الآيات ويعمون عن ~~الدلالات الواضحات. # ولما أخبر بتكبرهم في الحال، عطف عليه فعلهم في المآل فقال: { وإن يروا ~~كل آية } أي مرئية أو مسموعة { لا يؤمنوا بها } أي لتكبرهم عن الحق { وإن ~~يروا سبيل } أي طريق { الرشد } أي الصلاح والصواب الذي هو أهل للسلوك { ~~لا يتخذوه سبيلا } أي فلا يسلكونه بقصد منهم ونظر وتعمد، بل إن سلكوه ~~فعن غير قصد { وإن يروا سبيل الغي } أي الضلال { يتخذوه سبيلا } أي ~~بغاية الشهوة والتعمد والاعتمال لسلوكه. # ولما كان هذا محل عجب، أجاب من يسأل عنه بقوله: { ذلك } أي الصرف العظيم ~~الذي زاد عن مطلق الصرف بالعمى عن الإيمان واتخاذ الرشاد { بأنهم } أي ~~بسبب أنهم { كذبوا بآياتنا } أي على ما لها من العظمة { وكانوا عنها } أي ~~خاصة جبلة وطبعا { غافلين* } أي كان دأبهم وديدنهم معاملتهم لها ~~بالإعراض عنها حتى كأنها مغفول عنها فهم لذلك يصرون على ما يقع منهم. # ولما ذكر أحوال المتكبرين الذين أداهم كبرهم إلى التكذيب في الدنيا، ذكر ~~أحوالهم في الآخرة فقال: { والذين } أي كذبوا بها والحال أن الذين { ~~كذبوا بآياتنا } أي فلم يعتبروا عظمتها { ولقاء الآخرة } أي ولقائهم ~~إياها أو لقائهم ما وعدوا به فيها، اللازم من التكذيب بالآيات ms1630 الحامل ~~التصديق بها على معالي الأخلاق { حبطت } أي فسدت فسقطت { أعمالهم } ~~والآية من الاحتباك: إثبات الغفلة أولا يدل على إرادتها ثانيا، واللقاء ~~ثانيا يدل على إرادته أولا. # ولما كان كأنه قيل: لم بطلت؟ قيل: { هل يجزون إلا ما } أي جزاء ما { ~~كانوا يعملون } أي بإبطال أعمالهم وإن عملوا كل حسن سوى الإيمان بسبب ~~أنهم أبطلوا الآيات والآخرة بتكذيبهم بها، أي عدوها باطلة، والجزاء من ~~جنس العمل، والحاصل أنهم لما عموا عن الآيات لأنهم لم ينظروا فيها ولا ~~انقادوا مع ما دلت عقولهم عليه من أمرها، بل سدوا باب الفكر فيها؛ زادهم ~~الله عمى فختم على مداركهم، فصارت لاينتفع بها فصاروا لا يعون، وهذه ~~الآيات أعظم زاجر عن التكبر، فإنها بينت أنه يوجب الكفر والإصرار عليه ~~والوهن في جميع الأمور، ولما كان ذلك كله مما يتعجب الموفق من ارتكابه، ~~أعقبه تعالى مبينا ومصورا ومحققا لوقوعه ومقررا قوله عطفا على # فأتوا على قوم يعكفون # [الأعراف: 138] مبينا لإسراعهم في الكفر: { واتخذ } أي بغاية الرغبة { ~~قوم موسى } أي باتخاذ السامري ورضاهم، ولم يعتبروا شيئا مما أتاهم به من ~~تلك الآيات التي لم ير مثلها { من بعده } أي بعد إبطائه عنهم بالعشرة ~~الأيام التي أتممنا بها الأربعين { من حليهم } أي التي كانت معهم من ~~مالهم ومما استعاروه من القبط { عجلا } ولما كان العجل اسما لولد ~~البقر، بين أنه إنما يشبه صورته فقط، فقال مبدلا منه: { جسدا }. # ولما كان الإخبار بأنه جسد مفهما لأنه خال مما يشبه الناشىء عن الروح، ~~قال { له خوار } أي صوت كصوت البقر، والمعنى أنه لا أضل ولا أعمى من قوم ~~كان معهم حلي أخذوه ممن كانوا يستعبدونهم ويؤذونهم وهم مع ذلك أكفر ~~الكفرة فكان جديرا بالبغض لكونه من آثار الظالمين الأعداء فاعتقدوا انه ~~بالصوغ صار إلها وبالغوا في حبه والعبودية له وهو جسد يرونه ويلمسونه، ~~ونبيهم الذي هداهم الله به واصطفاه لكلامه يسأل رؤية الله فلا يصل إليها. # ولما لم يكن في الكلام نص باتخاذه إلها، دل على ذلك بالإنكار عليهم ms1631 في ~~قوله: { ألم يروا } أي الذين اتخذوا إلها { أنه لا يكلمهم } أي كما كلم ~~الله موسى عليه السلام { ولا يهديهم سبيلا } كما هداهم الله تعالى إلى ~~سبيل النجاة، منها سلوكهم في البحر الذي كان سببا لإهلاك عدوهم كما كان ~~سببا لنجاتهم؛ قال أبو حيان: سلب عنه هذين الوصفين دون باقي أوصاف ~~الإلهية لأن انتقاء التكليم يستلزم انتفاء العلم، وانتفاء الهداية إلى ~~سبيل يستلزم انتفاء القدرة، وانتفاء هذين الوصفين يستلزم انتفاء باقي ~~الأوصاف. # ولما كان هذا أمرا عظيما جدا مستبعد الوقوع ولا سيما من قوم نبيهم ~~بينهم ولا سيما وقد أراهم من النعم والآيات ما ملأت أنواره الآفاق، كان ~~جديرا بالتأكيد فقال تعالى: { اتخذوه } أي بغاية الجد والنشاط والشهوة { ~~وكانوا } أي جلبة وطبعا مع ما أثبت لهم من الأنوار { ظالمين* } أي حالهم ~~حال من يمشي في الظلام، أو أن المقصود أن الظلم وصف لهم لازم، فلا بدع ~~إذا فعلوا أمثال ذلك. ### || [7.149-151] # ولما كان هذا في سياق { ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين } ~~فأنتج أن من كذب على هذه الصفة أهلك، فانتظر السامع الإخبار بتعجيل ~~هلاكهم، أخبر بأنه منعهم من ذلك وحرسهم المبادرة بالتوبة، ولما اشتد من ~~تشوف السامع إليه، قدمه على سببه وهو رجوع موسى عليه السلام إليهم ~~وإنكاره عليهم، ولأن السياق في ذكر إسراعهم في الفسق لم يذكر قبول توبتهم ~~كما في البقرة؛ ولما كان من المعلوم أنهم تبين لهم عن قرب سوء مرتكبهم ~~لكون نبيهم فيهم، عبر بما أفهم أن التقدير: فسقط في إيديهم، وعطف عليه ~~قوله سائقا مساق ما هو معروف: { ولما سقط } أي سقطت أسنانهم { في أيديهم ~~} بعضها ندما سقوطا كأنه بغير اختيار لما غلب فيه من الوجد والأسف الذي ~~أزال تأملهم ولذلك بناه للمفعول { ورأوا أنهم قد ضلوا } أي عن الطريق ~~الواضح { قالوا } توبة ورجوعا إلى الله كما قال أبوهم آدم عليه السلام { ~~لئن لم يرحمنا ربنا } أي الذي لم يقطع قط إحسانه عنا فكيف غضبه ويديم ~~إحسانه { ويغفر لنا } أي يمحو ذنوبنا عينا ms1632 وأثرا لئلا ينتقم منا في ~~المستقبل { لنكونن من الخاسرين* } أي فينتقم من بذنوبنا. # ولما أخبر بالسبب في تأخير الانتقام عنهم مع مساواتهم لمن أوقعت بهم ~~النقمة في موجب الانتقام، أخبر سبحانه بحال موسى عليه السلام معهم عند ~~رجوعه إليهم من الغضب لله والتبكيت لمن خالفه مع ما اشتمل عليه من الرحمة ~~والتواضع فقال: { ولما رجع موسى } أي من المناجاة { إلى قومه غضبان } أي ~~في حال رجوعه لما أخبره الله تعالى عنهم من عبادة العجل { أسفا } أي ~~شديد الغضب والحزن { قال بئسما } أي خلافة خلافتكم التي { خلفتموني } أي ~~قمتم مقامي وفعلتم مقامي وفعلتم خلفي. # ولما كان هذا ربما أوهم أنهم فعلوه من روائه وهو حاضر في طرف العسكر، ~~قال: { من بعدي } أي حيث عبدتم غير الله أيها العبدة، وحيث لم تكفوهم ~~أيها الموحدون بعد ذهابي إلى الجبل للمواعدة الإلهية وبعد ما سمعتم مني ~~من التوحيد لله تعالى وإفراده عن خلقه بالعبادة ونفي الشركاء عنه، وقد ~~رأيتم حين كففتكم وزجرتكم عن عبادة غيره حين قلتم { اجعل لنا إلها كما ~~لهم آلهة } ومن حق الخلفاء أن يسيروا سيرة المستخلف ولا يخالفوه في شيء. # ولما كان قد أمرهم ان لا يحدثوا حدثا حتى يعود إليهم، أنكر عليهم عدم ~~انتظاره فقال: { أعجلتم } قال الصغاني في المجمع: سبقتم، وقال غيره: عجل ~~عن الأمر - إذا تركه غير تام، ويضمن معنى سبق، فالمعنى: سابقين { أمر ~~ربكم } أي ميعاد الذي ما زال محسنا إليكم، أي فعلتم هذا قبل بلوغ أمر ~~الموعد الذي زاد فيه ربي وهو العشرة الأيام برجوعي إليكم إلى حده، فظننتم ~~أني مت فغيرتم كما غيرت الأمم بعد موت أنبيائها، قال الإمام أبو عبد ~~القزاز أيضا: عجلتم: سبقتم، ومنه تقول: عجلت فلانا سبقته، وأسنده ابن ~~التياني إلى الأصمعي { وألقى الألواح } أي التي فيها التوراة غضبا لله ~~وإرهابا لقومه، ودل هذا على أن الغضب بلغ منه حدا لم يتمالك معه، وذلك ~~في الله تعالى { وأخذ برأس أخيه } أي بشعره { يجره إليه } أي بناء على ~~أنه قصر وإعلاما لهم ms1633 بأن الغضب من هذا الفعل قد بلغ منه مبلغا يجل عن ~~الوصف، لأنه اجتثاث للدين من أصله. # ولما كان هارون عليه السلام غير مقصر في نهيهم، أخذ في إعلام موسى عليه ~~السلام بذلك مخصصا الأم وإن كان شقيقه - تذكيرا له بالرحم الموجبه ~~للعطف والرقة ولا سيما وهي مؤمنه وقد قاست فيه المخاوف، فاستأنف سبحانه ~~الإخبار عن ذلك بقوله: { قال ابن أم } وحذف أداة النداء وياء الإضافة لما ~~يقتضيه الحال من الإيجاز، وفتح الجمهور الميم تشبيها له بخمسة عشر وعلى ~~حذف الألف المبدلة من ياء الإضافة، وكسر الميم ابن عامر وحمزه والكسائي ~~وأبو بكر عن عاصم بتقدير حذف ياء الإضافة تخفيفا { إن القوم } أي عبدة ~~العجل الذين يعرف قيامهم في الأمور التي يريدونها { استضعفوني } أي عدوني ~~ضعيفا وأوجدوا ضعفي بإرهابهم لي { وكادوا يقتلونني } أي قاربوا ذلك ~~لإنكاري ما فعلوه فسقط عني الوجوب. # ولما تسبب عن ذلك إطلاقه، خاف أن يمنعه الغضب من ثبات ذلك في ذهنه ~~وتقرره في قلبه فقال: { فلا تشمت بي الأعداء } أي لا تسرهم بما تفعل بي ~~فأكون ملوما منهم ومنك؛ ولما استعطفه بالتذكير بالشماتة التي هي شماتة ~~به أيضا، أتبعه ضررا يخصه فقال: { ولا تجعلني } أي بمؤاخذتك لي { مع ~~القوم الظالمين* } أي فتقطعن بعدك لي معهم وجعلي في زمرتهم عمن أحبه من ~~الصالحين، وتصلني بمن أبغضه من الفاسدين الذين فعلوا فعل من هو في ~~الظلام، فوضعوا العبادة في غير موضعها من غير شبهة ولا لبس أصلا. # ولما تبين له ما هو اللائق بمنصب أخيه الشريف من أنه لم يقصر في دعائهم ~~إلى الله ولا ونى في نهيهم عن الضلال، ورأى أن ما ظهر من الغضب مرهب ~~لقومه وازع لهم عما ارتكبوا، دعاء له ولنفسه مع الاعتراف بالعجز وأنه لا ~~يسع أحدا إلا العفو، وساق سبحانه ذلك مساق الجواب لسؤال بقوله: { قال رب ~~} أي أيها المحسن إلي { اغفر لي } أي ما حملني عليه الغضب لك من إيقاعي ~~بأخي { ولأخي } أي في كونه لما يبلغ ما كنت أريده منه ms1634 من جهادهم. # ولما دعا بمحو التقصير، أتبعه الإكرام فقال: { وأدخلنا } أي أنا وأخي ~~وكل من انتظم معنا { في رحمتك } لتكون غامرة لنا محيطة بنا؛ ولما كان ~~التقدير: فأنت خير الغافرين، عطف عليه { وأنت أرحم الراحمين* } أي لأنك ~~تنعم بما لا يحصره الجد ولا يحصيه العد من غير نفع يصل إليك ولا أذى ~~يلحقك بفعل ذلك ولا تركه. ### || [7.152-154] # ولما كان له ولأخيه وهما معصومان من الذنوب، طوى ما يتعلق بالمغفرة وذكر ~~متعلق الرحمة بخلاف ما يأتي في السؤال له وللسبعين من قومه فإنه عكس فيه ~~ذلك؛ ولما صحت براءة الخليفة، وأشير إلى أنه مع ذلك فقير إلى المغفرة، ~~التفتت النفس إلى حال المفسدين فقال مخبرا عن ذلك: { إن الذين اتخذوا ~~العجل } أي رغبوا رغبة تامه في أخذهم إلها مع المخالفة لما ركز في ~~الفطرة الأولى ودعاهم إليه الكليم عليه السلام { سينالهم } أي بوعد لا ~~خلف فيه { غضب } أي عقوبة فيها طرد أو إبعاد، ولعله ما أمروا به من قتل ~~أنفسهم، واشار إلى انه فيه رفق بهم وحسن تربية لتوبة من يبقى منهم بقوله: ~~{ من ربهم } أي الذي لا محسن إليهم غيره، يلحقهم في الدنيا ويتبعهم في ~~الآخرة { وذلة في الحياة الدنيا } أي جزاء لهم على افترائهم وكذلك من رضي ~~فعلهم ولا سيما إن كان من أولادهم كقريظة والنضير وأهل خيبر { وكذلك } أي ~~ومثل جزائهم { نجزي المفترين* } أي المعتمدين للكذب، وهذا نص في أن كل ~~مفتر ذليل، كما هو المشاهد - وإن أظهر الجراءة بعضهم. # ولما ذكر المصرين علىالمعصية، عطف عليه التائبين ترغبا في مثل حالهم ~~فقال: { والذين عملوا السيئات } عبر بالعمل إشارة إلى بالعفو وإن أقدموا ~~عليها على علم، وجمع إعلاما بأنه لا يتعاظمه ذنب وإن عظم وكثر وإن طال ~~زمانه، ولذلك عطف بأداة البعد فقال: { ثم تابوا } وحقق الأمر ونفى المجاز ~~بقوله: { من بعدها } ثم ذكر الأساس الذي لا يقبل عمل لم يبن عليه على وجه ~~يفهم أنه لا فرق بين أن يكون في السيئات ردة أو لا فقال: { وآمنوا ms1635 } ثم ~~أجاب المبتدأ بقوله: { إن ربك } أي المحسن إليك بقبول توبة التائبين لما ~~سيرك من ذلك لأنك بهم رؤوف رحيم { من بعدها } أي التوبة { لغفور } أي ~~محاء لذنوب التائبين عينا وأثرا وإن عظمت وكثرت { رحيم* } أي فاعل بهم ~~فعل الرحيم من البر والإكرام واللطف والإنعام، وكأن المصرين هم الذين ~~قتلوا لما أمرهم موسى عليه السلام بقتل أنفسهم، فلما أهلك المصر وتاب ~~الباقي، وصحت براءة أخية وبقاؤه على رتبته من الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر والاجتهاد في أمر الله، زال موجب الغضب فأخبر سبحانه عما يعقبه ~~فقال: { ولما سكت } أي كف، شبه الغضب بمتكلم كان يحث موسى عليه السلام ~~ويغريه على ما يوجبه ويقتضيه، فلما شفى غيظه سكن وقطع كلامه فخلفه ضده ~~وهوالرضى { عن موسى الغضب } وهو غليان القلب بما يتأذى به النفس { أخذ ~~الألواح } أي التي جاء بها من عند الله بعدما ألقاها { وفي } أي والحال ~~أنه في { نسختها } أي الأمر المكتوب فيها، فعلة بمعنى مفعولة، وعن ابن ~~عباس أنه لما ألقاها صام - مثل ما كان صام للمناجاة - أربعين يوما أخرى، ~~فردت عليه في لوحين مكان ما تكسر. # { هدى } أي شيء موضح للمقاصد { ورحمة } أي سبب للإكرام { للذين هم لربهم ~~} أي لا لغيره { يرهبون* } أي هم أهل لأن يخافوا خوفا عظيما مقطعا ~~للقلوب موجبا للهرب ويستمرون على ذلك. # شرح ما في هذه الآيات من عند قوله { سأوريكم دار الفاسقين } من البدائع ~~من التوراة - قال المترجم في السفر الخامس منها بعد أن بكتهم ببعض ما ~~فعلوه مما أوجب لهم الغضب والعقوبة بالتيه وحثهم على لزوم أمر الله ~~لينصرهم: وأما الوصايا التي آمركم بها اليوم فاحفظوها واعملوا بها لتحيوا ~~وتكثروا وترثوا الأرض التي أقسم الله لآبائكم فتذكروا كل الطريق الذي ~~سيركم الله ربكم فيه، ودبركم منذ أربعين سنة في البرية ليواضعكم ويجربكم ~~وليعلم ما في قلوبكم هل تحفظون وصاياه أم لا، فواضعكم وأجاعكم وأطعمكم ~~منا لم تعرفوه أنتم ولا آباؤكم ليبين لكم أنه ليس إنما يعيش الإنسان ~~بالخبز فقط، بل إنما يعيش ms1636 بما يخرج من فم الله، ولم تبل ثيابكم ولم تجف ~~أقدامكم منذ أربعين سنة، احفظوا وصايا الله ربكم وسيروا في طرقة واتقوه، ~~لأن الله ربكم هو الذي يدخلكم إلى الأرض المخصبة، أرض كثيرة الأدوية ~~والينابيع والعيون التي تجري في الصحارى والجبال، أرض الحنطة والشعير، ~~فيها الكروم والتين والرمان والزيتون والدهن والعسل،أرض لاتحتاجون فيها ~~ولا تأكلون خبزكم بالفقر، ولا يعوزكم فيها شيء، أرض حجارتها حديد ~~تستخرجون النحاس من جبالها، فاحتفظوا، لا تنسوا الله ربكم، واحفظوا ~~وصاياه وشرائعه التي آمركم بها اليوم، لا تبطروا، فإذا أكلتم وشبعتم ~~وبنيتم بيوتا وسكنتموها وكثر غنمكم وبقركم وكثرت أموالكم فتعظم قلوبكم ~~وتنسوا الله ربكم الذي أخرجكم من أرض مصر وأنقذكم من العبودية ودبركم في ~~البرية المرهوبة العظيمة حيث الحيات الحردات والعقارب وفي مواضع العطش ~~وحيث لم يكن لكم ماء، أخرج لكم من ماء الظران، وأطعمكم منا لم يعرفه ~~آبائكم ليواضعكم ويجربكم ويحسن إليكم آخر ذلك، وانظروا، لا تقولوا في ~~قلوبكم إنا إنما استفدنا هذه الأموال بقوتنا وعزة قلوبنا، ولكن اذكروا ~~الله ربكم الذي قواكم أن تستفيدوا هذه الأموال ليثبت العهد الذي أقسم ~~لآبائكم، وإن أنتم نسيتم الله ربكم وتبعتم آلهة أخرى وعبدتموها وسجدتم ~~لها أشهدت عليكم اليوم فأعلمتكم أنكم تهلكون هلاك سوء، كما أهلكت الشعوب ~~التي أباد الرب بين أيديكم كذلك تهلكون، اسمعوا يا بني إسرائيل! بل أنتم ~~تجوزون اليوم نهر الأردن وتنطلقون لتمتلكوا الشعوب التي هي أقوى وأعظم ~~منكم وتظفروا بالقرى الكبار المشيدة إلى السماء وبشعب كبير عظيم بني ~~الجبابرة، وقد علمتم وسمعتم أنه ما يقدر إنسان أن يقوم بين يدي الجبابرة، ~~وتعلمون يومكم هذا أن الله ربكم يجوز أمامكم وهو نار محرقة، وهو يهلكهم ~~ويهزمهم أمامكم، ولا تقولوا في قلوبكم إنه إنما أدخلنا الرب ليرث هذه ~~الأرض من أجل برنا، لأنه إنما يهلك الرب هذه الشعوب من أجل خطاياهم، ~~وليثبت الأقوال التي وعد بها آباءكم إبراهيم وإسحاق ويعقوب، فاعلموا أنه ~~ليس من أجل بركم يورثكم الله هذه الأرض المخصبة، لأنكم صلاب الرقاب، ~~اذكروا ولا ms1637 تنسوا أنكم أسخطتم الله ربكم في البرية منذ يوم خرجتم من أرض ~~مصر حتى انتهيتم إلى هذه البلاد، ولم تزالوا مسخطين لله ربكم ونحوريت ~~أيضا أغضبتم الرب، وغضب الرب عليكم وأراد هلاككم حيث صعدت إلى الجبل ~~وأخذت لوحي العهد الذي عاهدكم الرب، ومكثت في الجبل أربعين يوما ~~بلياليها لم أذق خبزا ولم أشرب ماء، وأعطاني الرب لوحين من حجارة مكتوب ~~عليهما بأصبع الله، وكانت كل الآيات التي كلمكم الرب بها من الجبل يوم ~~الجمعة ومن بعد الأربعين، وأعطاني لوحي العهد، قال لي الرب: قم فانزل من ~~هاهنا سريعا، لأن شعبك الذي أخرجته من أرض مصر قد فسدوا ومالوا عن ~~الطريق الذي أمرتهم عاجلا، وعملوا لهم إلها مسبوكا،وقال لي الرب: رأيت ~~هذا الشعب فإذا هو شعب قاسي القلب، فدعني الآن حتى أهلكهم وأبيد أسماءهم ~~من تحت السماء وأصيرك مدبرا لشعب أعظم وأعز منهم، وأقبلت فنزلت من الجبل ~~والجبل يشتعل نارا ولوحا العهد بيدي، ورأيت أنكم أذنبتم أمام الله ربكم ~~سريعا، وعمدت إلى لوحي الحجارة فرميت بهما من يدي وكسرتهما قدامكم، ~~وصليت أمام الرب كما صليت أولا أربعين يوما بلياليها، لم أذق طعاما ~~ولم أشرب شرابا من أجل جميع الخطايا التي ارتكبتم وما عملتم من الشر بين ~~يدي الرب وأغضبتموه: لأني فرقت وخفت غضب الله وزجره أنه أراد إهلاككم، ~~واستجاب الله لي في ذلك الزمان، وأما عجل خطاياكم الذي عملتموه فأخذته ~~وأحرقته بالنار وسحقته وطحنته جدا حتى صار مثل التراب وطرحت ترابه في ~~الوادي الذي ينزل في الجبل، وبالحريق والبلايا وبقبور أصحاب الشهوة، ~~أغضبتم الرب، وإذ أرسلكم ربكم من رقام الحي وقال لكم: اصعدوا ورثوا الأرض ~~التي أعطيكم، اجتنبتم قول الرب وأغضبتموه ولم تؤمنوا به ولم تسمعوا قوله، ~~ولم تزالوا لله مسخطين منذ يوم عرفتكم، وصليت أمام الرب أربعين يوما ~~بلياليها، لأن الرب أمر بهلاككم، وقلت في صلاتي، يارب! لا تهلك شعبك ~~وميراثك الذي خلصته بعظمتك وأخرجتهم من أرض مصر بيد عزيزة، ولكن اذكر ~~عبيدك إبراهيم وإسحاق ويعقوب، ولا تنظر إلى معصية ms1638 هذا الشعب وإثمه ~~وخطاياه، لئلا يقول سكان تلك الأرض التي أخرجتهم منها: إن الرب لم يقو أن ~~يدخلهم الأرض التي قال لهم، وإنما أخرجهم من عندنا لبغضه لهم ليضلهم في ~~البرية، وهو شعبك وميراثك الذي أخرجتهم بقوتك العظيمة وذراعك العزيزة، ~~فقال لي الرب في ذلك الزمان أن أنقر لوحين من حجارة مثل اللوحين الأولين ~~واصعد إلى الجبل إلي واعمل تابوتا من خشب الشمشاد - وفي نسخة: السنط - ~~ونقرت اللوحين من الحجارة مثل اللوحين الأولين وصعدت إلى الجبل واللوحان ~~في يدي، وكتب على اللوحين الكتاب الأول، وهي العشر الآيات التي كلمكم ~~الرب بها من الجبل من النار يوم الجماعة، ودفعها الرب إلي فأقبلت نازلا ~~من الجبل ووضعت اللوحين في التابوت الذي عملت وتركتهما فيه كما فيه أمر ~~الرب، وارتحل بنو إسرائيل من ثروات بني يعقان وموسار، وتوفي هارون هناك، ~~وصار أليعازر ابنه حبرا مكانه، وارتحلوا من هناك إلى جدجد، ومن جدجد إلى ~~يطبت أرض مسايل الماء، في ذلك الزمان أفرز الرب سبط لاوي ليحملوا تابوت ~~عهد الرب، وأن يقوموا أمام الرب ويخدموه وأن يبركوا باسم الرب إلى اليوم، ~~ولذلك ليس لبني لاوي حصة مع بني إسرائيل في ميراثهم، لأن ميراثهم لله ~~ربهم كما قال لهم، وأنا قمت بين يدي الرب في الجبل مثل الأيام الأولى ~~أربعين يوما بلياليها، واستجاب لي الرب في ذلك الزمان أيضا، ولم يخذلكم ~~الله ربكم ولم يفسدكم، وقال لي الرب: قم فارتحل وسر أمام الشعب ليدخلوا ~~ويرثوا الأرض التي أقسمت لآبائهم أن أعطيهم، والآن يابني إسرائيل ما الذي ~~يطلب الله ربكم منكم! ما يطلب الآن إلا أن تتقوا الله ربكم من كل قلوبكم ~~وتسيروا في طرقه وتحبوه، وأن تعبدوا الله ربكم من كل قلوبكم وأنفسكم، وأن ~~تحفظوا وصايا الله ربكم التي آمركم بها اليوم ليحسن إليكم لأن السماء ~~وسماء السماء هما لله ربكم والأرض وجميع ما فيها، وبآبائكم وحدهم سر الرب ~~وأحبهم وانتخب نسلهم من بعدهم وفضلهم على جميع الشعوب كاليوم، اختتنوا ~~غلفة قلوبكم، ولا تقسوا رقابكم أيضا، ms1639 لأن الله ربكم هو إله الآلهة ورب ~~الأرباب، إله عظيم جبار مرهوب لا يحابي ولا يرتشي، ينصف للأيتام ~~والأرامل، ويحب الذي يقبل إليه برزقه طعاما وكسوة، فأحبوا الذين يقبلون ~~إليه واذكروا أنكم كنتم سكانا بأرض مصر، فاتقوا الله ربكم واتبعوه ~~واعبدوه وأقسموا باسمه، لأنه إلهكم ومريحكم، وهو الذي أكمل لديكم العجائب ~~التي رأت أعينكم، واعلموا أنه إنما أنزل آبائكم إلى مصر سبعين رجلا، ~~والآن فقد كثركم الله ربكم مثل نجوم السماء، أحبوا الله ربكم واحفظوا ~~سننه وأحكامه كل الأيام، واعلموا يومكم هذا أنه ليس لبنيكم الذين لم ~~يعاينوا ولم يعلموا ما رب الرب وعظمته ويده المنيعة وذراعه العظيمة ~~وآياته وأعماله التي عمل بمصر وبفرعون ملك مصر وكل أرضه وما صنع بأجناد ~~ملك مصر وما فعل بالخيل والمراكب وفرسانها الذين قلب عليهم ماء بحر سوف ~~حيث خرجوا في طلبكم وأهلكهم الرب إلى اليوم وجميع ما صنع بكم في البرية ~~حيث انتهيتم إلى هذه البلاد وما صنع بداثان وأبيرم ابني أليب بن روبيل ~~اللذين فتحت الأرض فاها وابتلعتهما وبيتهما، وخيامهم وكل شيء هو لهم إذ ~~كانوا قياما على أرجلهم بين يدي جميع بني إسرائيل، ولكن قد رأت أعينكم ~~جميع أعمال الله العظيمة التي عمل، فاحفظوا جميع الوصايا التي أمركم الله ~~بها اليوم لتدخلوا الأرض التي تجوزون إليها لترثوها وتطول أعماركم في ~~الأرض التي أقسم الله لآبائكم أن يعطيهم ويرثها نسلهم - وستأتي تتمته إن ~~شاء الله تعالى عند # ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق # [يونس: 93]، وفيه من المتشابه قوله: فم الله، وإصبع الله، والأول - ~~لكونه لا يجوز إطلاقه في شرعنا - مؤول بالكلام، والثاني بالقدرة. ### || [7.155-156] # ولما فرغ سبحانه من ذكر الوعد بالميقات المقصود به سعي الكليم عليه ~~السلام فيما يهديهم إلى صراط الله، وذكر سعيهم فيما أضلهم عن الطريق ~~باتخاذهم العجل، وكان ختام ذلك ما بدا من موسى عليه السلام من الشفقة على ~~أخيه ثم على الكافة بأخذ الألواح عند الفراغ مما يجب من الغضب لله، رد ~~الكلام على ذكر شيء فعله في ms1640 الميقات مراد به عصمتهم في صراط الله ~~بنقلهم - بمشاركته في سماعهم لكلام الله - من علم اليقين إلى عين اليقين ~~بل حق اليقين شفقة عليهم ورحمة لهم، ليكون إخبارهم عما رأوا مؤيدا لما ~~يخبر به، فيكون ذلك سببا لحفظهم من مثل ما وقعوا فيه من عبادة العجل، ~~ومع ذلك وقع منهم العصيان بطلب ما لا ينبغي لهم من الرؤية على وجه ~~التعنت، فقال: { واختار } أي اجتهد في أخذ الخيار { موسى قومه } ثم أبدل ~~منهم قوله: { سبعين رجلا } إشارة إلى أن من عداهم عدم، لا يطلق عليهم ~~اسم القوم في المعنى الذي أراده، وهو نحو ما قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم فيما أخرجه الشيخان عن ابن عمر رضي الله عنهما # " الناس كالإبل المائة، لا تكاد تجد فيها راحلة " # ثم ذكر علة الاختيار فقال: { لميقاتنا } أي فما أختار إلا من رأى أنه ~~يصلح لما نريد من عظمتنا في الوقت الذي حددناه له، ودنا بهم من الحضرة ~~الخطابية في الجبل هو وهارون عليهما السلام، واستخلف على بني إسرائيل ~~يوشع بن نون عليه السلام، كل ذلك عن أمر الله له، وفي هذا الكلام عطف على ~~قوله # وواعدنا موسى ثلاثين ليلة # [الأعراف: 142] فيكون الميقات هو الأول وهو ظلاهر التوارة كما مر بيانه ~~في البقرة، ويجوز أن يكون عطفا على قوله # واتخذ قوم موسى # [الأعراف: 148] أو على قوله # أخذ الألواح # [الأعراف: 154] وحينئذ يكون هذا الميقات غير الميقات الأول، ويؤيده ما ~~نقل من أن هارون عليه السلام كان معهم، وكأنهم لما سمعوا كلام الله طلب ~~بعضهم الرؤية جاعليها شرطا لإيمانهم فقالوا: # لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة # [البقرة: 55] كما فعل النقباء الاثنا عشر حين أرسلهم لجس أحوال الجبارين ~~فنقص أكثرهم، فأخذتهم الرجفة فماتوا، فخشي موسى عليه السلام أن يتهمه بنو ~~إسرائيل في موتهم كنفس واحدة { فلما أخذتهم } أي أخذ قهر وغلبة { الرجفة ~~} أي التي سببتها الصاعقة التي تقدمت في البقرة، فزلزلت قلوبهم فأماتتهم، ~~وعن ابن عباس رضى الله عنهما أن هؤلاء غير السبعين الذين قالوا # أرنا ms1641 الله جهرة فأخذتهم الصاعقة # [النساء: 153] وأن أولئك كانوا قبل هؤلاء، فالظاهر أن سبب الرجفة ما ~~رأوا عند سماع الكلام من جلال الله وعظيم هيبته من الغمام الذي تغشى ~~الجبل والقتار والبروق وأصوات القرون وغير ذلك بحيث كادت الرجفة - وهي ~~رعدة - تفرق أوصالهم بعضها من بعض { قال } أي موسى تملقا لربه سبحانه { ~~رب } أي أيها المحسن إلي { لو شئت أهلكتهم } أي أمتهم. # ولما لم يكن إهلاكهم مستغرقا للماضي، أدخل الجارفقال: { من قبل وإياي } ~~أي قدرتك علي وعليهم قبل أن نقترب من هذه الحضرة المقدسة ونحن بحضرة ~~قومنا كقدرتك علينا حين تشرفنا بها، وقد أسبلت علينا ذيل عفوك وأسبغت ~~علينا نعمتك ونحن في غيرالحضرة فلم تهلكنا، فإنعامك علينا ونحن في حضرة ~~القدس وبساط القرب والأنس أولى. # ثم لما كان الحال مقتضيا لأن يقال: ألم تر إلى ما اجترؤوا عليه، وكان ~~كأنه قال: إنما قال ذلك قوم منهم سفهاء، دل على ذلك بقوله استعطافا: { ~~أتهلكنا } وعن ابن عباس رضى الله عنهما أن رجفتهم كانت بسبب أنهم لم ~~ينهوا عن عبادة العجل مع أنهم لم يرضوا بذلك. وكأن موسى عليه السلام عبر ~~بهذه العبارة المقتضية لإهلاك الجميع لأنه جوز أنه كما أهلك هؤلاء يهلك ~~غيرهم لتقصير آخر بسبب ذلك كعدم الجهاد مثلا حتى يعمهم الهلاك { بما فعل ~~السفهاء منا } فكأنه صلى الله عليه وسلم رضي أنه إن لم يشملهم العفو أن ~~يخص العفو بمن لم يذنب بالفعل ويعفو عمن قصر بالسكوت، وعلى تقدير كون ~~الميقات غير الأول يجوز أن يكون بعد اتخاذهم العجل كما تقدم عن ابن عباس ~~رضي الله عنهما، فيكون موسى عليه السلام خاف أن يكون إهلاكهم فتنة لبني ~~إسرائيل وسببا لكفرهم كما كان إبطاؤه عنهم بزيادة عشرة أيام الثلاثين في ~~الميقات الأول سببا لاتخاذهم العجل، ويجوز حينئذ أن يراد بفعل السفهاء ~~اتخاذ العجل، ويؤيده التعبير بالفعل دون القول وقد تقدم نقله عن ابن عباس ~~رضي الله عنهما. # ولما كان قوله هذا ربما أفهم رضاه بهلاك المذنبين، قال معرضا بالسؤال ~~في العفو ms1642 عن الجميع: { إن هي } أي الفتنة التي أوقعها السفهاء { إلا ~~فتنتك } أي ابتلاؤك واختبارك { تضل بها من تشاء } أي تظهر في عالم ~~الشهادة من ضلاله ما كان معلوما لك في عالم الغيب { وتهدي من تشاء } أي ~~تظهر ما في علمك من ذلك. # ولما أثبت أن الكل بيده، استأنف سؤاله في أن يفعل لهم الأصلح فقال: { ~~أنت } أي وحدك { ولينا } أي نعتقد أنه لا يقدر على عمل مصالحنا غيرك، ~~وأنت لا نفع لك في شيء من الأمرين ولا ضر، بل الكل بالنسبة إليك على حد ~~سواء،ونحن على بصيرة من أن افعالك لا تعلل بالأغراض، وعفوك عنا ينفعنا ~~وانتقامك منا يضرنا، ونحن في حضرتك قد انقطعنا إليك وحططنا رحال افتقارنا ~~لديك. # ولما اثبت أنه الفعال لما يشاء وأنه لا ولي لهم غيره، وكان من شأن الولي ~~جلب النفع ودفع الضر، سبب عن كونه الولي وحده قوله بادئا بدفع الضرر: { ~~فاغفر لنا } أي امح ذنوبنا { وارحمنا } أي ارفعنا؛ ولما كان التقدير: ~~فأنت خير الراحمين، عطف عليه قوله: { وأنت خير الغافرين* } أي لأن غيرك ~~يتجاوز عن الذنب للثناء أو الثواب أو دفعا للصفة الخسيسة وهي صفة الحقد ~~ونحوه، وأنت منزه عن ذلك، وكأنه أحسن العفو عنهم فقال عاطفا على سؤاله ~~فيه: { واكتب لنا } أي في مدة إحيائك لنا { في هذه الدنيا } أي الحاضرة ~~والدنية { حسنة } أي عيشة راضية طيبة { وفي } الحياة { الآخرة } أي كذلك؛ ~~ثم علل ذلك بقوله: { إنا هدنا } أي تبنا { إليك } أي عما لا يليق بجنابك ~~كما أمرتنا أن نخبر ما عساه يقع منا بالمبادرة إلى التوبة، فبدأ بذكر عزة ~~الربوبية وثنى بذلة العبودية وهما أقوى أسباب السعادة، وهذا تلقين لهم ~~وتعليم وتحذير من مثل ما وقعوا فيه وحث على التسليم، وكأنه لما كان ذنبهم ~~الجهر بما لا يليق به سبحانه من طلب الرؤية، عبر بهذا اللفظ أو ما يدل ~~على معناه تنبيها لهم على أن اسمهم يدل على التوبة والرجوع إلى الحق ~~والصيرورة إلى الصلاح واللين والضعف في الصوت والاستكانة في ms1643 الكلام ~~والسكوت عما لا يليق، وأن يهودا الذي أخذ اسمه من ذلك إنما سموا به ~~ونسبوا إليه تفاؤلا لهم ليتبادروا إلى التوبة. # ولما كان في كلامه عليه السلام إنكار إهلاك الطائع بذنب العاصي وإن كان ~~ذلك إنما كان على سبيل الاستعطاف منه والتملق مع العلم بأنه عدل منه ~~تعالى وله أن يفعل ما يشاء بدليل قوله # ولو شئت أهلكتهم من قبل وإياي # [الأعراف: 155] استأنف سبحانه الإخبار عن الجواب عن كلامه على وجه منبه ~~للجماهير على أن له التصرف المطلق بقوله: { قال عذابي } أي انتقامي الذي ~~يزيل كل عذوبه عمن وقع به { أصيب به } أي في الدنيا والآخرة { من أشاء } ~~أي أذنب أو لم يذنب { ورحمتي } أي إنعامي وإكرامي. # ولما كان الإيجاد من الرحمة فإنه خير من العدم فهو إكرام في الجملة،قال: ~~{ وسعت كل شيء } أي هذا شأنها وصفتها في نفس الأمر وإن بلغ في القبائح ما ~~عساه أن يبلغ، وهذا معنى حديث أبي هريرة في الصحيح # " إن رحمتي سبقت - وفي رواية: غلبت - غضبي " # سواء قلنا:إن السبق بمعنى الغلبة، أو قلنا إنه على بابه، إما الأول فلأن ~~تعلق الرحمة أكثر، لأن كل ما تعلق به الغضب تعلقت به الرحمة بإيجاد ~~وإفاضة الرزق عليه، ولا عكس كالحيونات العجم والجمادات وأهل السعادة من ~~المؤمنين والملائكة والحور وغيرهم من جنود الله التي لا تحصى. ولما أعلم ~~أن رحمته واسعة وقدرته شاملة، وكان ذلك موسعا للطمع، سبب عن ذلك قوله ~~ذاكرا شرط إتمام تلك الرحمة ترهيبا لمن يتوانى عن تحصيل ذلك الشرط: { ~~فسأكتبها } أي أخص بدوامها بوعد لا خلف فيه لأجل تمكني بتمام القدرة مما ~~أريد مبتوتا أمرها بالكتابة { للذين يتقون } أي يوجد لهم هذا الوصف ~~الحامل على كل خير ولا يخل بوسعها أن أمنع دوامها بعد الإيجاد من غيرهم، ~~فإن الكل لو دخلوا فيها دائما ما ضاقت بهم، فهي في نفسها واسعة ولكني ~~أفعل ما أشاء. # ولما ذكر نظرهم إلى الخالق بالانتهاء عما نهى عنه والائتمار بما أمر به، ~~أتبعه النظر إلى الخلائق فقال: ms1644 { ويؤتون الزكاة } ولعله خصها لأن فرضها ~~كان في هذا الميقات كما تقدم في البقرة ولأنها أمانة فيما بين الخلق ~~والخالق كما أن صفات النبي صلى الله عليه وسلم التي كتبها لهم وشرط قبول ~~أعمالهم باتباعه كذلك؛ ثم عمم بذكر ثمرة التقوى فقال مخرجا لمن يوجد منه ~~ذانك الوصفان في الجملة على غير جهة العموم: { والذين هم بآياتنا } أي ~~كلها { يؤمنون } أي يصدقون بالقلب ويقرون باللسان ويعملون تصديقا لذلك ~~بالأكارن، فلا يكفرون ببعض ويؤمنون ببعض. ### || [7.157] # ولما كان اليهود ربما ادعوا ذلك مكابرة، وأضح غاية الإيضاح بقوله: { ~~الذين يتبعون } أي بغاية جهدهم { الرسول } ولما كان هذا الوصف وحده غير ~~مبين للمراد ولا صريح في الرسالة عن الله ولا في كونه من البشر،قال: { ~~النبي } أي الذي يأتيه الوحي من الله فبدأ بالأشراف وثنى بما خصه برسالة ~~الله وكونه من الآدميين لا من الملائكة. # ولما لم يتم المراد، قال مبينا لأعظم المعجزات، وهي أن علمه بغير معلم ~~من البشر: { الأمي } أي الذي هو مع ذلك العلم المحيط على صفة الأم، وأمة ~~العرب لا يكتب ولا يقرأ ولا يخالط العلماء العلماء للتعليم منهم بل ~~لتعليمهم، فانطبق الوصف على الموصوف مع التنويه بجلالة الأوصاف والتشويق ~~إلى الموصوف، ولم يعطف لئلا يوهم تعداد الموصوف - والمعنى أني لا أغفر ~~لأحد من بني إسرائيل ولا من غيرهم إلا إن اتبع محمدا صلى الله عليه ~~وسلم، وهذا الاتباع تارة يكون بالقوة فقط لمن تقدم موته على زمانه، وتارة ~~يخرج منة القوة إلى الفعل ممن لحق زمانه دعوته،فمن علم الله منه أنه لا ~~يتبعه إذا أدركه لا يغفر له ولو عمل جميع الطاعات غير ذلك، وعرفه لهم ~~بجميع خواصه حتى لا يتطرق إليه عند مجيئه ولا ريب يتعلل في أمره بعلة، ~~ولذلك أتبعه بقوله: { الذي يجدونه } أي علماء بني إسرائيل؛ ولما اشتد ~~تشوف بذكر الوجدان، قال: { مكتوبا } ثم قرب الأمر بقوله: { عندهم } ثم ~~بين أنه مما لا يدخله شك بقوله: { في التوراة والإنجيل } أي اللذين ~~يعلمون أنهما من عند الله ms1645 بصفته البينة كما تقدم بيانه عما عللوا عن ~~تبديله منهما في البقرة # وإذا ابتلى إبراهيم ربه # [البقرة: 124] وفي آل عمران عند # إن الله اصطفى آدم ونوحا # [آل عمران: 33] وفي النساء عند # ما قتلوه يقينا # [النساء: 157] وفي التوارة أيضا من ذلك في الفصل الحادي عشر من السفر ~~الخامس: وإذا دخلتم الأرض التي يعطيكم الله ربكم فلا تعملوا مثل أعمال ~~تلك الشعوب ولا يوجد فيكم من يطلب تعليم العرافين، ثم قال: لأن هذه ~~الشعوب التي ترثونها كانت تطيع العرافين والمنجمين، فأما أنتم فليس هكذا ~~يعطيكم الله ربكم، يل يقيم لكم نبيا من إخوتكم مثلي، فأطيعوا ذلك النبي ~~كما طلبتم إلى الله ربكم في حوريب يوم الجماعة وقلتم: لا تسمع صوت الله ~~ربنا ولا تعاين هذه النار العظيمة لئلا نموت، فقال الرب: ما أحسن ما ~~تكلموا، إني سأقيم لهم نبيا من إخوتهم مثلك، أجعل كلامي في فيه ويقول ~~لهم ما آمره به، والذي لا يقبل قول ذلك النبي الذي يتكلم باسمي أنا أنتقم ~~منه ومن سبطه - انتهى. # هكذا رأيته مترجما في بعض نسخ التوارة، ثم رأيت السموأل بن يحيى ~~المغربي ترجمه في كتابه الذي ذكر فيه سبب إسلامه وكان من أكابر علمائهم ~~بل العلماء فقال: نبيا أقيم لهم من وسط إخوتهم مثلك، بع فليؤمنوا - ~~انتهى. # وهو يعني أن يكون هذا النبي محمدا صلى الله عليه وسلم لأنه من بني ~~إسماعيل أخي إسحاق وقد أتى بشريعة مستقله لا تعلق لها بشريعة قبلها ولا ~~توقف لها عليها، وذلك أن في العبارة كلمتين: مثل وإخوة، وحقيقة الأخ ابن ~~أحد الأبوين، وهو لا يتأتى في أحد من أنبيائهم، فأقرب المجاز إلى حقيقته ~~الحمل على أخي الأب، وهو إسماعيل عليه السلام، والشائع في الاستعمال في ~~نحو ذلك على تقدير إرادة أحد منهم أن يقال: من أنفسهم، لا من إخوتهم، ~~وحقيقة المثل المشارك في أخص الصفات، وأخص صفات موسى عليه السلام الرسالة ~~والكتاب بشريعة مستقلة، ولم يأت منهم بعده من هو بهذه الصفة، لأن عيسى ~~عليه السلام لم ينسخ ms1646 من شريعة موسى عليه السلام إلا بعض الأحكام، وعلى ~~تقدير دعوى ذلك فيه لكونه نسخ في الجملة وتسليم ذلك لا يتأتى قصده بهذا ~~النص لوجهين: أحدهما أنه ليس من رجالهم إلا بواسطة أمه، فحق العبارة فيه: ~~من بني أخواتهم - جمع أخت، وإذا أريد آباء أمه كان المجاز فيهم أبعد من ~~المجاز في بني إسماعيل لما تقدم، ولا ينتقل إلى الأبعد إلا بقرينة تصرف ~~عن الأقرب - والله أعلم. وقال السمؤال بن يحيى أحد أحبارهم في سبب ~~إسلامه: إن اليهود يقولون: إن هذه البشارة نزلت في حق سموأل أحد أنبيائهم ~~الذين بعد موسى لأنه كان مثل موسى عليه السلام في أنه من سبط لاوي، وقال: ~~إنه رأى سموأل عليه السلام في المنام وأنه دفع إليه كتابا فوجد فيه هذه ~~البشارة فقال له: هنيئا لك يا نبي الله ما خصك الله به! فنظر مغضبا ~~وقال: أوإياي أراد الله بهذا يا ذكي!ما أفادتك إذن البراهين الهندسية، ~~فقلت: يا نبي الله! فمن أراد الله بهذا؟ قال: الذي أراد في قوله: هوفيع ~~ميهار فاران، وتفسيره إشارة إلى نبوة وعد بنزولها على جبال فاران، فعرفت ~~أنه يعني المصطفى صلى الله عليه وسلم، لأنه المبعوث من جبال فاران وهي ~~جبال مكة، ثم قال: أو ما علمت ان الله لم يبعثني بنسخ شيء من التوارة، ~~وإنما بعثني أذكرهم بها وأحيي شرائعها وأخلصهم من أهل فلسطين، قلت: بلى ~~يانبي الله! قال: فأي حاجة بهم إلى أن يوصيهم ربهم باتباع من لم ينسخ ~~دينهم ولم يغير شريعتهم، أرأيتهم احتاجوا إلى أن يوصيهم بقبول نبوة ~~دانيال أو يرميا أو حزقيل؟ قلت: لا لعمري! فأخذ الكتاب من يدي وانصرف ~~مغضبا فارتعبت لغضبه وازدجرت لموعظته واستيقظت مذعورا. وقال في كتابه ~~غاية المقصود في الرد على النصارى واليهود: إن الله يطلق الإخوة على غير ~~بني إسرائيل كما قال في بني العيص بن إسحاق عليه السلام في الجزء الأول ~~من السفر الخامس ما تفسيره: أنتم عابرون في تخم إخوتكم بني العيص فإذا ~~كانوا بنو العيص إخوة ms1647 لبني إسرائيل لأن العيص وإسرائيل ولدا إسحاق، فكذلك ~~بنو إسماعيل إخوة لجميع ولد إبراهيم عليهم السلام، قال: وفي الجزء الثالث ~~من السفر الأول من التوراة في ذكر البشارة لإبراهيم عليه السلام ما ~~تفسيره: وأما في إسماعيل فقد قبلت دعاءك،ها قد باركت فيه وأثمره وأكثره ~~جدا جدا وقال: إن جدا جدا بلسان العبراني مفسر " بماد ماد " وهاتان ~~الكلمتان إذا عددنا حروفها بحساب الجمل كان اثنتين وتسعين، وذلك عدد حساب ~~حروف اسم محمد صلى الله عليه وسلم، يعني فتعين أن يكون مرادا بها لأنها ~~في البشارة بتكثير إسماعيل عليه السلام، وليس في أولاده من كثره الله به ~~وعدد اسمه هذا العدد غير محمد صلى الله عليه وسلم، قال: وإنما جعل ذلك في ~~هذا الموضع ملغزا، لأنه لو صرح به لبدلته اليهود أو أسقطته من التوراة ~~كما عملوا في غيره - انتهى. # وفي آخرة فصول التوراة: دعا موسى عبد الله لبني إسرائيل قبل وفاته قال: ~~أتى ربنا من سيناء وشرق لنا من جبل ساعير وظهر لنا من جبل - وفي نسخة: ~~جبال فاران، معه ربوات الأطهار على يمينه، أعطاهم وحببهم إلى الشعوب ~~وبارك على جميع أطهاره - وهم يتبعون آثارك ويتناقلون كلماتك. وفي نسخة ~~بدل: معه ربوات الأطهار - إلى آخره: وأتى من ربوات القدس بشريعة نوره من ~~يمينه لهم، واصطفى أيضا شعبا فجميع خواصه في طاعتك وهم يقفون آثارك ~~وسيتناقلون كلماتك انتهى. فالذي ظهر من جبال فاران هو محمد صلى الله عليه ~~وسلم، لأنهم معترفون أنها مكة، ومعه ربوات، أي جماعات الأطهار، وأمته ~~حببت إلى الشعوب، لأن كلا من فريقي أهل الكتاب يقدمهم على الفريق ~~الآخر، ولم يقبل أحد جميع كلام موسى عليه السلام ويتبع جميع آثاره في ~~بشارته ممن يأتي بعد غيرهم - هذا وأما الإنجيل فالبشائر فيه أكثر وقد ~~تقدم كثير منها، وهي تكاد أن تكون صريحة في سورة النساء في قصة رفعه عليه ~~السلام، ومما فيه أيضا ما في إنجيل متى وغيره وأغلب السياق له: كثيرا ~~أولون يصيرون آخرين وآخرون يصيرون أولين، يشبه ملكوت ms1648 السماوات إنسانا رب ~~بيت حرج بالغداة يستأجر فعلة الكرمه فشارط الأكرة على دينار واحد في ~~اليوم وأرسلهم إلى كرمه، ثم خرج في ثالث ساعة فأبصر آخرين قياما في ~~السوق بطالين، فقال لهم: امضوا أنتم إلى كرمي وأنا أعطيكم ما تستحقون، ~~فمضوا، وخرج أيضا في الساعة السادسة والتاسعة فصنع كذلك، وخرج في ~~الحادية عشرة فوجد آخرين قياما، فقال لهم: ما قيامكم كل النهار بطالين؟ ~~فقالوا له: لم يستأجرنا أحد، فقال لهم: امضوا أنتم بسرعة إلى الكرم وأنا ~~أعطيكم ما تستحقون، فلما كان المساء قال رب الكرم لوكيله: ادع الفعلة ~~وأعطهم الأخرة وابدأ بهم من الآخرين إلى الأولين، فجاء أصحاب الساعة ~~الحادية عشرة فأخذوا دينار كل واحد، فجاء الأولون فظنوا أنهم يأخذون أكثر ~~فأخذوا دينار كل واحد، لما أخذوا تعمقوا على رب البيت وقالوا إن هؤلاء ~~الآخرين عملوا ساعة واحدة، جعلتهم أسوتنا ونحن حملنا ثقل النهار وحره! ~~فقال لواحد منهم: ياصاحب! ما ظلمتك، ألست بدينار شارطتك، خذ شيئك وامض، ~~أريد أن أعطي هذا الأخير مثلك، أو ما لي أن أفعل ما أردت بمالي؟ وأن عينك ~~شريرة، كذلك يكون الآخرون أولين، والأولون آخرين، ما أكثر المدعوين وأقل ~~المنتخبين، وقال: ودخل إلى الهيكل فجاء إليه رؤساء النكهة وشيوخ الشعب ~~وقالوا له وهو يعلم: بأي سلطان تفعل هذا؟ ومن اعطاك هذا السلطان؟ أجاب ~~يسوع وقال لهم: أنا أسألكم عن كلمة واحدة، فإن أنتم قلتم لي قلت لكم بأي ~~سلطان أفعل هذا، معمودية يوحنا من أين هي؟ من السماء أو من الناس؟ ففكروا ~~في نفوسهم قائلين: إن قلنا: من السماء قال لنا: لماذا لم تؤمنوا به؟ وإن ~~قلنا: من الناس، خفنا من الجمع، وقال لوقا: وإن قلنا من الناس فإن جميع ~~الشعب يرجمنا لأنهم قد تيقنوا أن يوحنا نبي؛ وقال متى: لأن يوحنا كان ~~عندهم مثل نبي؛وقال مرقس: لأن جميعهم كان يقول: إن يوحنا نبي؛ قال متى: ~~فقالوا: لا نعلم، فقال: ولا أنا أيضا أعلمكم بأي سلطان أفعل هذا. # قال مرقس: وبدأ يكلمهم بأمثال قائلا؛ قال ms1649 متى: ماذا تظنون بإنسان كان ~~له ابنان فجاء إلى الأول فقال له: يابني! اذهب اليوم واعمل في الكرم، ~~فأجاب وقال: ما أريد - وبعد ذلك ندم ومضى، جاء الى الثاني وقال له مثل ~~هذا فأجاب وقال: نعم يارب! أنا امضي - و - لم يمض، من منهما فعل إرادة ~~الأب؟ فقالوا له: الأول، فقال لهم يسوع: الحق أقوال لكم! إن العشارين ~~والزنا يسبقونكم إلى ملكوت الله، جاءكم يوحنا بطريق العدل فلم تؤمنوا به، ~~والعشارون والزناة آمنوا به، فأما أنتم فرأيتم ذلك ولم تندموا أخيرا ~~لتؤمنوا به. اسمعوا مثلا آخر: إنسان رب بيت غرس كرما وأحاط به سياجا ~~وحفر فيه معصرة وبنى فيه برجا ودفعه إلى فعلة وسافر - قال لوقا: زمانا ~~كثيرا - فلما قرب زمان الثمار أرسل عبيده إلى الفعلة ليأخذوا ثمرته، ~~فأخذ الفعلة عبيده، ضربوا بعضا وقتلوا بعضا ورجموا بعضا، فأرسل أيضا ~~عبيدا آخرين أكثر من الأولين فصنعوا بهم كذلك، وفي الآخرة أرسل إليهم ~~ابنه وقال: لعلهم يستحيون من ابني، فلما رأى الفعلة الابن قالوا: هذا هو ~~الوارث تعالوا نقلته ونأخذ ميراثه، فأخذوه وأخرجوه خارج الكرم وقتلوه، ~~فإذا جاء رب البيت ماذا يفعل بهؤلائك الفعلة؟ قالوا له: يهلكهم ويدفع ~~الكرم إلى فعلة آخرين ليعطوه ثمرته في حينه، قال لهم يسوع: أما قرأتم قط ~~في الكتب أن الحجر الذي رذله البناؤون صار رأس الزاوية، هذا كان من قبل ~~الرب وهو عجب في أعيننا، من هذا أقول لكم: إن ملكوت الله ينزع منكم ويعطى ~~لأمم يصنعون ثمرتها، ومن سقط على هذا الحجر ترضض، ومن سقط عليه طحنه. # فلما سمع رؤساء الكهنة والفريسيين امثاله علموا انه يقول من أجلهم، ~~فهموا أن يمسكوه وخافوا من الجموع لأنه كان عندهم مثل نبي. وقال أيضا: ~~يشبه ملكوت السماء رجلا صنع عرسا لابنه، فأرسل عبيده ليدعوا المدعوين ~~إلى العرس، فلم يريدوا أن ياتوا، ثم أرسل عبيدا آخرين وقال: قولوا ~~المدعوين: إن طعامي معد، وعجولي المعلوفة قد ذبحت وكل شيء معد، فتعالوا ~~إلى العرس، فتكاسلوا وذهبوا فمنهم إلى حقله ومنهم إلى ms1650 تجارته والبقية ~~أمسكوا عبيده وشتموهم وقتلوهم، فلما بلغ الملك غضب وأرسل جنده وأهلك ~~هؤلائك القتلة وأحرق مدينتهم؛ حينئذ قال لعبيده: أما العرس فمستعد، ~~والمدعوون فغير مستحقين، اذهبوا إلى مسالك الطريق وكل من وجدتموه ادعوه ~~إلى العرس، فخرج أولئك العبيد إلى الطرق فجمعوا كل من وجدوا أشرارا ~~وصالحين، فامتلأ العرس من المتكئين، فلما دخل الملك لينظر إلى المتكئين ~~رأى هناك رجلا ليس عليه ثياث العرس فقال: يا هذا! كيف دخلت هاهنا وليس ~~عليك ثياب العرس؟ فسكت، حينئذ قال الملك للخدام: شدوا يديه ورجليه ~~وأخرجوه إلى الظلمة البرانية، هناك يكون البكاء وصرير الأسنان، ما أكثر ~~المدعوين وأقل المنتخبين. وعبارة لوقا عن ذلك: إنسان صنع وليمه عظيمة ~~ودعا كثيرا فأرسل عبده يقول للمدعوين يأتون فهو ذا كل شيء معد، فبدؤوا ~~بأجمعهم يستعفون، فالأول قال: قد اشتريت كرما والضرورة تدعوني إلى ~~الخروج ونظره، فأسألك أن تعفيني فما أجيء، وقال آخر: قد اشتريت خمسة ~~أزواج بقر وأنا ماض أجربها، أسألك أن تعفيني فما أجيء، وقال آخر: قد ~~تزوجت امرأة، لأجل ذلك ماأقدر أجي، فأتى العبد وأخبره سيده، فحينئذ غضب ~~رب البيت وقال لعبده: اخرج مسرعا إلى الطريق وشوارع المدينة وادع ~~المساكين والعور والعميان والمقعدين، اخرج الى الطريق والسياجات وألح ~~عليهم حتى يدخلوا ويمتلىء بيتي ولا أجد من هؤلائك يذوق لي عشاء. وقال ~~يوحنا: الحق أقول لكم! إن من لا يدخل من الباب إلى حظيرة الخراف، بل ~~يتسور من موضع آخر فإن ذلك لص، الذي يدخل من الباب هو راعي الخراف، ~~والبواب يفتح له، والخراف تسمع له، وكباشه تتبعه لأنها تعرف صوته، ~~والراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف، فأما الآخر الذي ليس براع وليست ~~الخراف له، فإذا راى الذئب قد أقبل يدع الخراف ويهرب، فيأتي الذئب ويخطف ~~ويبدد الخراف، وإنما يهرب الأجير لأنه مستأجر وليس يشفق على الخراف، أنا ~~الراعي الصالح، ولي كباش أخر ليست من هذا القطيع، فينبغي لي أن آتي بهم ~~أيضا، فتكون الرعية واحدة، فوقع أيضا بين اليهود خلف من أجل هذا القول ms1651 ~~وقال كثير منهم: إن به شيطانا قد جن، فما استماعكم منه! وقال آخرون: إن ~~هذا ليس كلام مجنون. # وفي أوائل السيرة الهشامية: قال ابن إسحاق:وقد كان فيما بلغني عما كان ~~وضع عيسى ابن مريم فيما جاءه من الله في الإنجيل من صفة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم مما أثبت يحنس الحواري لهم حين نسخ لهم الإنجيل أنه قال: ~~من أبغضني فقد أبغض الرب، ولولا أني صنعت بحضرتهم صنائع لمن يصنعها أحد ~~قبلي ما كانت لهم خطيئة، ولكن من الآن بطروا وظنوا أنهم يعزوني وأيضا ~~للرب، ولكن لابد من أن تتم الكلمة التي في الناموس أنهم أبغضوني مجانا - ~~أي باطلا، فلو قد جاء المنحمنا هذا الذي يرسله الله إليكم من عند الرب ~~روح القدس، هذا الذي يرسله الله إليكم من عند الرب روح القدس، هذا الذي ~~من عند الرب خرج، فهو شهيد علي وأنتم أيضا لأنكم قديما كنتم معي، هذا ~~قلت لكم لكيما لا تشكوا. فالمنحمنا بالسريانية محمد، وهو بالرومية ~~البارقليطس - انتهى. # ولما دل سبحانه عليه صلى الله عليه وسلم بأوصافه في نفسه وفي الكتب ~~الإلهيه، دل عليه بشريعته فقال: { يأمرهم بالمعروف } أي بكل ما يعرفونه ~~من التوراة والإنجيل وما يعرفونه فيهما أنه ينسخ شرعهم ويأتي من عند الله ~~بهذا المذكور { وينهاهم عن المنكر } أي عن كل ما ينكرونه فيهما، فثبتت ~~بذلك رسالته، فأنه لكونه أميا لا يعرف المعروف والمنكر فيهما إلا وهو ~~صادق عن علام الغيوب، ثم شرع بعد ثبوت رسالته يبين لهم ما في رسالته من ~~المنة عليهم بالتخفيف عنهم بإباحة ما كانوا قد حملوا ثقل تحريمه، فكانوا ~~لا يزالون يعصون الله بانتهاك حرماته والإعراض عن تبعاته فقال: { ويحل ~~لهم الطيبات } أي التي كانت حرمت عليهم عقوبة لهم كالشحوم { ويحرم عليهم ~~} وعبر بصيغة الجموع إشارة إلى أن الخبيث أكثر من الطيب في كل مائي الأصل ~~فقال: { الخبائث } أي كل ما يستخبثه الطبع السليم أو يؤدي إلى الخبث ~~كالخمر المؤدية إلى الإسكار والرشى المؤدية إلى النار بعد قبيح العار ms1652 { ~~ويضع عنهم إصرهم } أي ثقلهم الذي كان حمل عليهم فجعلهم لثقلة كالمحبوس ~~الممنوع من الحركة { والأغلال التي كانت عليهم } أي جميع ما حملوه من ~~الأثقال التي هي لثقلها وكراهة النفوس لها كالغل الذي يجمع اليد إلى ~~العنق فيذهب القوة { فالذين آمنوا به } أي أوجدوا بسببه الأمان من ~~التكذيب بشيء من آيات الله { وعزروه } أي منعوه من كل من يريده بسوء ~~وقووا يده تقوية عظيمة على كل من يكيده: قال في القاموس: والتعزير: ضرب ~~دون الحد أو هو أشد الضرب، والتفخيم والتعظيم ضد، والإعانة كالعزر ~~والتقوية والنصر- انتهى. # وقال عبد الحق: العزر: المنع، تقول: عزرت فلانا عن كذا، أي منعته - ~~انتهى. فالمادة كلها تدور على هذا المعنى والضرب واضح فيه التعظيم وما في ~~معناه منع من يكيده { ونصروه } أي أيدوه وقمعوا مخالفة { واتبعوا النور } ~~أي الوحي من القرآن والسنة { الذي أنزل معه } أي مصاحبا إنزاله إرساله، ~~سمي نورا لأنه يجعل المقتدي به ببيان طريق الحق كالماشي في ضوء النهار { ~~أولئك هم } أي خاصة { المفلحون* } أي الفائزون بكل مأمول. # ولما تراسلت الآي وطال المدى في أقاصيص موسى عليه السلام وبيان مناقبه ~~العظام ومآثره الجسام، كان ذلك ربما أوقع في بعض النفوس أنه أعلى ~~المرسلين منصبا وأعظمهم رتبة، فساق سبحانه هذه الآيات هذا السياق على ~~هذا الوجه الذي بين أن أعلاهم مراتب وأزكاهم مناقب الذي خص برحمته من ~~يؤمن به من خلقه قوة أو فعلا، وجعل سبحانه ذلك في أثناء قصة بني إسرائيل ~~اهتماما به وتعجيلا له مع ما سيذكر مما يظهر أفضليته ويوضح أكمليته ~~بقصته مع قومه في مبدإ أمره وأوسطه ومنتهاه في سورتي الأنفال وبراءة ~~بكمالها. # ذكر شيء من الآصار التي كانت عليهم وخففت عنهم لو دخلوا في الإسلام ~~ببركته صلى الله عليه وسلم غير ما أسلفته في آخر البقرة عند قوله تعالى # ولا تحمل علينا إصرا # [البقرة: 286] وفي المائدة عند قوله تعالى # وليحكم أهل الإنجيل # [المائدة: 47] قال في السفر الثاني من التوراة: وقال الرب لموسى: اعمد ~~فخذ طيبا - إلى أن قال: ms1653 وليكن معجونا طيبا للقدس ودقه واسحقه وبخر منه ~~قدام تابوت الشهادة في قبة الزمان لأواعدك إلى هناك، ويكون عندكم طهرا ~~مخصوصا، وأيما رجل اتخذ مثله ليتبخر به فليهلك ذلك الرجل من شعبه؛ وقال ~~في الثالث: ثم كلم الرب موسى قال له؛كلم هارون وبنيه وجماعة بني إسرائيل ~~وقل لهم؛ هذا ما أمرني به الرب ان أخبركم،أي رجل من بني إسرائيل يذبح في ~~محلة بني إسرائيل أو يذبح خارجا من العسكر ولا يجيء بقربانه إلى باب قبة ~~الزمان ليقربه يعاقب ذلك الرجل عقوبة من قتل قتيلا؛ وكلم الرب موسى وقال ~~له: كلم هارون وقل له: من كان عيب من نسلك - أي من الأحبار - في جميع ~~الأحقاب لا يدنو من مقدسي، لا يقرب قربانا مثل الرجل الأعراج والأعمى ~~والأفطس والأصمع الأذن أو رجل مسكور اليد أو رجل قيصر أو منحن أو رجل قد ~~أشتر حاجباه أو أجهر العين أو من في عينه بياض أو أبرص أو أحدب أو رجل له ~~خصية واحدة، أي رجل كان فيه عيب من نسل هارون الكاهن لا يدنو من المذبح ~~ليقرب قربان الرب لأن فيه عيبا؛ وقال في السفر الرابع وهو من الحجج على ~~أن التوراة لم تنزل جملة: وكلم الرب موسى في برية سيناء في السنة الثانية ~~لخروج بني إسرائيل من مصر في الشهر الأول وقال: تعمل بنو إسرائيل الفصح ~~في وقته في أربعة عشر يوما من هذا الشهر - إلى أن قال: وعملوا الفصح، ~~والقوم الذين تنجسوا بأنفس الناس لم يقدروا أن يعملوا الفصح فقالوا:قد ~~تنجسنا بأنفس الناس، أي مسسنا ميتا، فهل يحرم علينا عمل الفصح؟ فقال لهم ~~موسى: قوموا في مواضعكم حتى تسمعوا ما يأمر الرب فيكم، وكلم الرب موسى ~~وقال له: قل لهم: الرجل إذا تنجس منكم لميت أو كان في مكان بعيد يعمل ~~فصحا للرب في أربعة عشر يوما من الشهر الثاني، ومن كان زكيا ولم يكن ~~مسافرا ولم يعمل الفصح في وقته تهلك تلك النفس من بين بني إسرائيل، وقال ~~قبل ذلك: وكلم ms1654 الرب موسى وقال له: مر بني إسرائيل أن يخرجوا من عسكرهم كل ~~من به برص أو سلس وكل من كان نجسا بنفسه ذكرا كان أو أنثى، يخرجونهم ~~خارج العسكر، ولا تنجسوا عساكركم لأني نازل بينكم؛ ثم ذكر: الرجل إذا غار ~~على امرأته واتهمها، إنه يأتي الكاهن فيقيمها ويلقنها لعنا، فإذا قالته ~~كتبه وأخذ ماء مقدسا في وعاء فخار ووضع فيه من الترب الذي أسفل المذبح ~~وسقاه لها، فإن كانت خانت انتفخ بطنها وفسد فخذاها وتصير لعنة في شعبها، ~~وإن كانت لم تخن تطهرت وولت ذكرا، ثم أمرهم بذبح بقرة وإحراقها حتى تصير ~~رمادا، ويغسل الحبر الذي ذبحها ثيابه ويديه، فكل من يقترب إلى ميت أو ~~ميتة يكون نجسا سبعة أيام، وينضح عليه من ذلك الماء في اليوم الثالث ~~واليوم السابع ويتطهر، وإن لم يرش عليه كذلك فلا يتطهر، وكل من دنا من ~~إنسان ميت ولا ينضح عليه من ذلك الماء فقد نجس جناب الرب، فلتهملك تلك ~~النفس لأنه لم ينضح عليه من ماء الرش شيء، فلذلك يكون نجسا ولا يفارقه ~~نجاسته، وهذه سنة الإنسان إذا مات في قبة الزمان، فكل من كان هناك في ~~القبة وكل من يدخلها يكون نجسا سبعة أيام، وكل وعاء يكون مكشوفا غير ~~مغطى نجسا، وكل من دنا من قتيل أو يمس عظم إنسان أو يدخل القبر يكون ~~نجسا سبعة أيام ويؤخذ للمنتخس من رماد البقرة ويصيب في وعاء ماء عذب ~~وينضح منه - على كيفية ذكرها - ليكون زكيا، ومن تنجس ولم يرش عليه من ~~ذلك الماء تهلك نفسه من جماعتها، ومن دنا من ماء الرش يكون نجسا إلى ~~الليل، ومن اقترب إلى ذلك الذي تنجس يكون نجسا إلى الليل - ثم قال: ثم ~~كلم الرب موسى وقال له: مر بني إسرائيل وقل لهم: قرابتي يكون محفوظة في ~~أوقاتها - ثم ذكر له كثيرا من أمر القرابين، ثم ذكر من أوقاتها يوم ~~السبت ورؤوس الشهور، ثم قال: وفي أربع عشرة ليلة من الشهر الأول هو فصح ~~الرب، ويوم خمسة ms1655 عشر اتخذوه عيدا، وكلوا الفطير سبعة أيام، وصيروا أول ~~يوم من السبعة مميزا مطهرا لا تعملوا فيه عملا، واليوم السابع يكون ~~مميزا مطهرا لا تعملوا فيه عملا وأول يوم من الشهر السابع يكون مختصا ~~مطهرا، لا تعملوا فيه عملا مما يعمل، بل صيروه يوما يهتف فيه بالقرون، ~~وقربوا ذبائح كاملة - ثم وصفها وكذا غيره من الأيام ثم قال: وكذلك ~~فافعلوا في أول الشهر أبدا، وفي عشر من الشهر السابع اجعلوه يوما ~~مختصا، مطهرا لا تعملوا فيه عملا، ولكن قربوا، ويوم خمسة عشر من هذا ~~الشهر السابع، ويكون مدعوا، لا تعملوا فيه عملا، بل اتخذوه عيدا للرب ~~سبعة أيام؛ ثم قال:حتى إذا كان اليوم الثامن فاحتفلوا بأجمعكم، ولا ~~تعملوا شيئا مما يعمل، وقربوا قرابين كاملة - وأطال في ذلك جدا على ~~كيفيات حفظها فضلا عن العلم بها في غاية المشقة؛ ثم قال قربوا للرب في ~~أيام أعيادكم غير نذوركم وغير خواصكم التي تختصون للرب؛ ثم قال مخاطبا ~~للمجاهدين في مدين: وأما أنتم فانزلوا خارجا من العسكر سبعة أيام، كل من ~~قتل نفسا أو مس قتيلا ينضح عليه من ماء التطهير في الثالث والسابع - ~~وأمرهم بأشياء من الآصار ثم قال: وتطهروا بالماء في اليوم السابع، ثم بعد ~~ذلك تدخلون العسكر؛ ثم قال في الخامس: هذه السنن والأحكام التي يجب عليكم ~~أن تعملوها وتحفظوها في الأرض التي يعطيكم الله ربكم ميراثا كل أيام ~~حياتكم، خربوا كل البلدان التي ترثونها، والآلهة التي عبدها أهلها فيها ~~على الجبال الرفيعة والآكام وتحت كل شجرة كبيرة تظل، واستأصلوا مذابحهم ~~وكسروا أنصابهم، وأحرقوا أصنامهم المصنوعة وأوثانهم المنحوته، ولا تصنعوا ~~أنتم مثل ما صنع أولئك في عبادتكم الله ربكم، ولكن المواضع التي يختار ~~الله ربكم أن تصيروا اسمه فيها من جميع قبائلكم، وافحصوا عن محلته، ~~وانطلقوا بجمعكم بقرابينكم الكاملة، كلوا هناك أمام الله ربكم أنتم ~~وأهاليكم، ولا تعملوا كما يعمل هاهنا اليوم أي قبل الوصول إلى أرض ~~الميراث؛ ثم قال: انظروا لا تقربوا قرابينكم في المواضع التي تريدون، لكن ~~في ms1656 المواضع الذي يختار الرب، في حد سبط من أسباطكم؛ ثم قال: وإذا بنيت ~~بيتا جديدا فحجر على البيت لئلا يقع إنسان من فوقه فليلزمك دمه، ولا ~~تزرعن في حرثك خلطا لئلا تفسد غلة زرعك وكرمك، لا تحرث بالثور والحمار ~~جميعا، ولا تنسج ثوبا من قطن وصوف جميعا، اعمل خيوطا في أربعة أطراف ~~ردائك الذي تلبس؛ ثم قال: وإن وجد رجل فتاة عذراء لم تملك، فيظفر بها ~~ويضاجعها ويوجد، يدفع إلى أبيها خمسين مثقالا من فضة، وتصير امرأته لأنه ~~فضحها، ولا يقدر أن يطلقها حتى يموت. # ولا يدخل ولد الزنا إلى بيت الرب، ولا يدخل نسله من بعده إلى عشرة ~~أحقاب، ولا يدخل عماني ولا مؤابي إلى بيت الرب، ولا يدخل نسلهما من ~~بعدهما إلى عشرة أحقاب، لأنهم لم يضيفوكم ولم يعشوكم بالخبز والماء حيث ~~خرجتم من أرض مصر، ولأنهم اكتروا بلعام بن بعور من فتورام من بين النهرين ~~- وهي حران - ليلعنكم، ولم يحب الرب أن يسمع قول بلعام بن بعور، وقلب ~~الله لعنه إلى الدعاء، لأن الله ربكم أحبكم، فلا تريدوا لهم الخير أيام ~~حياتكم، لا تدفعوا الأدومي عنكم لأنه أخوكم، ولا تبعدوا المصري أيضا ~~لأنكم كنتم سكانا بأرض مصر، وإن كان في معسكركم رجل أصابته جنابة، يخرج ~~خارج العسكر، ولا يجلس بين أصحابه في العسكر، وإذا كان العشي فليستحم ~~بالماء، وإذا غابت الشمس وأمسى يدخل العسكر، وليكن لكم موضع معروف خارج ~~العسكر تخرجون إليه إلى الخلاء، ويكون على سلاحكم وتد من حديد، فإذا ~~جلستم للخلاء احفروا موضعا للخلاء وغطوا رجيعكم، لأن الله ربكم معكم في ~~العسكر لينقذكم ويدفع عنكم أعداءكم، فليكن عسكركم مطهرا مزكيا لئلا يرى ~~فيكم أمرا قبيحا، فيرتفع عنكم ولا يصحبكم؛ ثم قال: وإن سكن أخوان ~~جميعا ومات أحدهما ولم يخلف ولدا، لا تتزوج امرأته من رجل غريب، ولكن ~~يتزوج بها وارثه ويقيم زرعا، وأول ولد تلد ينسب إلى أخيه الذي مات، ~~ويقال إنه ابن ذلك الذي مات ولم يخلف ولدا، لئلا يبيد اسمه من بني ~~إسرائيل،وإن ms1657 لم يعجب الرجل أن يتزوج امرأة أخيه، ترتفع امرأة أخيه إلى ~~المشيخة فيدعونه، فإن ثبت على قوله تتقدم إليه المرأة بين يدي المشيخة ~~وتخلع خفيه من قدميه وتبصق في وجهه وتقول: كذلك يصنع بالرجل الذي لا يحب ~~أن يبني بيتا لأخيه، ويدعى اسمه بين بني إسرائيل: صاحب خلع الخفين، وإن ~~شاجر الرجل صاحبه فدنت امرأة أحدهما لتخلص زوجها من الذي يقاتله، فتمد ~~يدها إلى مذاكير الرجل، يقطع يدها ولا يشفق عليها ولا يترحم - انتهى. وكل ~~هذه الآصار على النصارى أيضا ما لم يرد في الإنجيل نسخها. ### || [7.158-159] # ولما تم ما نظمه تعالى في أثناء هذه القصص من جواهر أوصاف هذا النبي ~~الكريم حثا على الإيمان به وإيجابا له على وجه علم منه أنه رسول الله ~~إلى كل مكلف تقدم زمانه أو تأخر؛ أمره سبحانه أن يصرح بما تقدم التلويح ~~إليه، ويصرح بما أخذ ميثاق الرسل عليه تحقيقا لعموم رسالته وشمول دعوته ~~فقال: { قل } وأتى بأداة البعد لأنه محلها { يا أيها الناس } وقد مضى في ~~الأنعام أن اشتقاقهم من النوس، وأن الإمام السبكي قال: إن ذلك يقتضي دخول ~~الجن والكملائكة فيهم. وتقدم عند { ولا تبخسوا الناس أشياءهم } في هذه ~~السورة ما ينفع هنا { إني رسول الله } أي الذي له جميع الملك { إليكم ~~جميعا } أي لا فرق بين أدركني ومن تأخر عني أو تقدم علي في أن الكل ~~يشترط عليهم الإيمان بي والاتباع لي؛ وهذا المراد بقوله صلى الله عليه ~~وسلم فيما أخرجه الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه حين رفع إليه ~~الذراع فنهش منها فقال: # " أنا سيد الناس يوم القيامة " # وللدرامي في أوائل مسنده عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال # " أنا قائد المرسلين ولا فخر، وأنا خاتم النبيين ولا فخر، وانا أول شافع ~~وأول مشفع ولا فخر " # وللترمذي في المناقب عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال؛ # " أنا أول الناس خروجا إذا بعثوا، وأنا قائدهم إذا وفدوا، وأنا ms1658 خطيبهم ~~إذا أنصتوا، وأنا مستشفعهم إذا حبسوا، وأنا مبشرهم إذا أيسوا لواء الحمد ~~يومئذ بيدي، وأنا أكرم ولد آدم على ربي ولا فخر " # وقال: حديث حسن غريب، وله في المناقب أيضا عن أبي بن كعب رضي الله عنه ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا كان يوم القيامة كنت إمام النبيين وخطيبهم وصاحب شفاعتهم غير فخر ~~" # وقال: حسن صحيح غريب؛ وللترمذي والدارمي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ألا! وأنا حبيب الله ولا فخر، وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامه تحته ~~آدم فمن دونه ولا فخر، وأنا أول شافع وأول مشفع يوم القيامه ولا فخر، ~~وانا أكرم الأولين والآخرين ولا فخر " # وللترمذي وقال: حسن - عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " أنا سيد ولد آدم يوم القيامه ولا فخر وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما ~~من نبي يومئذ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي " # الفخر: ادعاء العظمة والكبر والشرف، أي لا أقوله تبجحا، ولكن شكرا ~~وتحديثا بالنعمة؛ وما اجتمع بهم في مجمع إلا كان إمامهم قبل موته وبعده، ~~اجتمع بهم ليلة الإسراء في بيت المقدس فصلى بهم إماما، ثم اجتمع بهم في ~~السماء فصلى بجميع أهل السماء إماما، وأما يوم الجمع الأكبر والكرب ~~الأعظم فيحيل الكل عليه ويؤمنون بالرسالة، وما أحال بعض الكابر على بعض ~~إلا علما منهم بأن الختام يكون به. # ليكون أظهر للاعتراف بأمانته والانقياد لطاعته، لأن المحيل على المحيل ~~على الشيء محيل على ذلك الشيء، ولو أحال أحد ممن قبل عيسى عليه السلام ~~لطرقه احتمال، والحاصل أنه صلى الله عليه وسلم يظهر في ذلك الموقف رسالته ~~بالفعل إلى الخلق كافة، فيظهر سر هذه الآية { الذين يتبعون الرسول } ~~والله الموفق. # ولما دل بالإضافة إلى اسم الذات الدال على جميع الصفات على عموم دعوته ~~وشمول رسالته حتى للجن والملائكة، أيد ذلك بقوله: { الذي له } أي وحده { ~~ملك السماوات والأرض } أي فلا بدع أن يرسله ms1659 إلى جميع من فيهما، بل وما ~~فيهما. # ولما كان مما بالغه في الدنيا أنه ربما في مملكة الملك من يناظره أو ~~يقرب منه من ولي عهد أو نحوه، فربما رد بعض أمره في صورة نصح أو غيره؛ ~~نفى ذلك بقوله مبينا تمام ملكه: { لا إله إلا هو } أي فالكل منقادون ~~لأمره خاضعون له، لأنه لا موجود بالفعل ولا بالإمكان من يصلح للإلهية ~~سواه؛ ثم علل ذلك بقوله { يحيي ويميت } أي له هاتان الصفتان مختصا بهما، ~~ومن كان كذلك كان منفردا بما ذكر، وإذا راجعت ما يأتي إن شاء الله تعالى ~~في أول الفرقان مع ما مضى في أوائل الأنعام، لم يبق عندك شك في دخول ~~الملائكة عليهم السلام في عموم الدعوة. # ولما تقرر أنه لا منازع له، تسبب عن ذلك توجيه الأمر بالانقياد لرسوله ~~فقال: { فآمنوا بالله } أي لما ثبت له من العظمة والإحاطة بأوصاف الكمال ~~وبكل شيء فإن الإيمان به أساس لا ينبني شيء من الذين إلا عليه. # ولما كان أقرب الفروع الأصلية إليه الرسالة قال: { ورسوله } أي لأنه ~~رسوله؛ ثم وصفه بما دل على قربه فقال: { النبي } أي الذي يخبره بما يريد ~~من الأمور العظيمة غيبا وشهادة، ويعليه عن كل مخلوق بإخباره بإرساله؛ ~~ولما كان علوه على كل عالم - مع أنه ثم يتعلم من آدمي - أدل شيء على صدقه ~~قال: { الأمي } أي الذي هو - مع كونه لا يحسن كتابة ولا قراءة، بل هو على ~~الفطرة الأولى السليمة التي لم يخالطها هوى، ولا دنسها حظ ولا شهوة - ~~بحيث يؤم ويقصد للاقتداء به، لما حوى من علوم الدنيا والآخرة والتخلق ~~باوصاف الكمال. # ولما أشارة بهذه الصفة إلى أن سبب الإيمان الخلاص من الهوى بالكون على ~~الفطره الأولى، قال منبها على وجوب الإيمان به، لكونه أول فاعل لما يدعو ~~إليه: { الذي يؤمن بالله } أي لأجل ما يقتضية ذاته سبحانه من التعبد له ~~لما له من العظمة، فكلما تجدد له علم من علوم الذات بحسب ترقيه في رتب ~~الكمال من رتبة كاملة ms1660 إلى أكمل منها إلى ما لا نهاية له، جدد له إيمانا ~~بحسبه، لا تعتريه غفلة ولا يخالطه سهو ولا شائبة فتور { وكلماته } كذلك ~~أيضا، كلما تجدد له علم بصفة منها جدد لها إيمانا، ومنها المعجزات التي ~~جرت على يديه، كل واحدة منها كلمة لأن ظهوره بالكلمة، كما سمى عيسى عليه ~~السلام كلمة لذلك. # ولما تقرر أنه امتثل ما أمر به، فثبتت بذلك رسالته، استحق أن يكون قدوة ~~فقال: { واتبعوه } أي في كل ما يقول ويفعل مما ينهى عنه أو يأمر به أو ~~يأذن فيه { لعلكم تهتدون* } أي ليكون حالكم حال من يرجى له حصول ما سأل ~~في الفاتحة من الاهتداء، أي خلق الهداية في القلب مع دوامه. # ولما كثر عد مثالب إسرائيل، وختم بتخصيص المتبع لهذا النبي الكريم ~~بالهداية والرحمة المسببة عنها، وكان فيهم المستقيم على ما شرعه له ربه، ~~المتمسك بما لزمه أهل طاعته وحزبه، سواء كان من صفات النبي صلى الله عليه ~~وسلم أو غيرها، مع الإذعان لذلك كله؛ نبه عليه عائدا إلى تتميم أخبارهم، ~~ثم ما وقع في أيام موسى عليه السلام وبعدها من شرارهم، تعزية لهذا النبي ~~الكريم وتسلية، وتطييبا لنفسه الزكية وتأسية، وهو مع ما بعده من أدله # سأصرف عن آياتي # [الأعراف: 146] فقال تعالى عاطفا على # واتخذ قوم موسى من بعده # [الأعراف: 148] { ومن قوم موسى أمة } أي قوم يستحقون أن يؤموا لأنهم لا ~~يتكبرون في الأرض بغير الحق، بل { يهدون } أي يوقعون الهداية وهي البيان ~~{ بالحق وبه } أي خاصه { يعدلون* } أي يجعلون القضايا المختلفة المتنازع ~~فيها معادلة ليقع الرضى بها، لا يقع منهم جور في شيء منها، ومنهم الذين ~~اتبعوا النبي صلى الله عليه وسلم كعبد الله بن سلام ومخيريق رضي الله ~~عنهما. ### || [7.160-163] # ولما مدحهم، شرع يذكرهم شيئا مما أسبغ عليهم من النعم لأجل هؤلاء ~~المهتدين من التكثير بعد القلة والإعزاز بعد الذلة بجعلهم ممن يؤم ~~استعطافا لغيرهم، ويذكر بعض عقوباتهم ترهيبا فقال: { وقطعناهم } أي ~~فرقنا بينهم بالأشخاص بعد أن كانوا ماء واحدا من ms1661 شخص واحد، وهو إسرائيل ~~عليه السلام؛ وصرح بالكثرة بعد أن لوح بها بالتقطيع بقوله: { اثنتي عشرة ~~} وميزه - موضع المفرد الذي هو مميز العشرة - بالجمع للإشارة إلى أن كل ~~سبط يشتمل لكثرته على عدة قبائل بقوله: { أسباطا } والسبط - بالكسر: ولد ~~الولد، والقبيلة من اليهود، وهذه المادة تدور على الكثرة والبسط؛ وبين ~~عظمتهم وكثرة انتشارهم وتشعبهم بقوله: { أمما } أي هم أهل لأن يقصدهم ~~الناس لما لهم من الكثرة والقوة والدين، أو أن كل أمة منهم تؤم خلاف ما ~~تؤمه الأخرى من غيرهم دينا. # ولما وصفهم بهذه الكثرة، وكان ذلك مجرى لذكر الإنعام عليهم بالكفاية في ~~الأكل والشرب، ذكر نعمة خارقة للعادة في الماء، وبدأ به لأنه الأصل في ~~الحياة، وهي من نوع تقسيمهم من نفس واحدة مشيرة إلى ظلمهم وإسراعهم في ~~المروق فقال: { وأوحينا إلى موسى إذ } أي حين { استسقاه قومه } أي طلبوا ~~منه برية لا ماء بها أن يسقيهم، وذلك في التيه، والتعبير بالقوم إشارة ~~إلى تبكيتهم بكونهم أهل قوة ولم يتأسوا بموسى عليه السلام في الصبر إلى ~~أن يأتي الله الذي أمرهم بهذا المسير بالفرج، بل طلبوا منه ذلك على الوجه ~~المذكور في البقرة من إظهار القلق والدمدمة { أن اضرب بعصاك } أي التي ~~جعلناها لك آية وضربت بها البحر فانفلق { الحجر } أي أي حجر أردته من ~~هذا الجنس؛ وبين سبحانه سرعة امتثال موسى عليه السلام وسرعة التأثير عن ~~ضربه بحذف: فضربه، وقوله مشيرا إليه: { فانبجست } أي فانشقت وظهرت ~~ونبعت، وذلك كاف في تعنيفهم وذمهم على كفرهم بعد المن به، وهذا السياق ~~الذي هو لبيان إسراعهم في المروق هو لا ينافي أن يكون على وجه الانفجار، ~~ويكون التعنيف حينئذ أشد { منه اثنتا عشرة عينا } على عدد الأسباط، ~~وأشار إلى شدة تمايزها بقوله؛ { قد علم كل أناس } أي من الأسباط { مشربهم ~~} ولما لم يتقدم للأكل ذكر ولا كان هذا سياق الامتنان، لم يذكر ما أتم ~~هذه الاية به في البقرة. # ولما ذكر تبريد الأكباد بالماء، أتبعه تبريدها بالظل فقال: { وظللنا } ~~أي في ms1662 التيه { عليهم الغمام } أي لئلا يتأذوا بالشمس؛ ولما أتم تبريد ~~الأكباد، أتبعه غذاء الأجساد فقال: { وأنزلنا عليهم المن } أي خبرا { ~~والسلوى } أي إداما؛ وقال السمؤال بن يحيى: وهو طائر صغير يشبه السماني، ~~وخاصيته أن أكل لحمه يلين القلوب القاسية، يموت إذا سمع صوت الرعد كما أن ~~الخطاف يقتله البرد، فيلهمه الله عز وجل أن يسكن جزائر البحر التي لا ~~يكون بها مطر ولا رعد إلى انفصال أوان المطر والرعد، فيخرج من الجزائر ~~وينتشر في الأرض. # ولما ذكر عظمته في ذلك، ذكر نتيجته فقال: { كلوا من طيبات ما رزقناكم } ~~أي بصفة العظمة القاهرة لما نريد مما لم تعالجوه نوع معالجة، ودل على ~~أنهم قابلوا هذا الإحسان بالطغيان والظلم والعدوان بقوله عطفا على ما ~~تقديره: فعدلوا عن الطبيات المأذون فيها، وأكلوا الخبائث التي حرمناها ~~عليهم بالاصطياد يوم السبت - كما يأتي - وفعلوا غير ذلك من المحرمات، ~~فظلملوا أنفسهم بذلك: { وما ظلمونا } أي بشيء مما قابلوا فيه الإحسان ~~بالكفران { ولكن كانوا } أي دائما جبلة وطبعا { أنفسهم } أي خاصة { ~~يظلمون* } وهو - مع كونه من أدلة { سأصرف عن آياتي } الآية - دليل على ~~صحة وصف هذا الرسول بالنبي، فإن من علم هذه الدقائق من أخبارهم مع كونه ~~أميا ولم يخالط أحدا من أحبارهم، كان صادقا عن علام الغيوب من غير ~~مؤيد وكذا ما بعده. # ولما ذكر ما حباهم في القفار، أتبعه إنعامه عليهم عند الوصول إلى الدار ~~فقال: { وإذ } أي اذكر لهم هذا ليصدقوك أو يصيروا في غاية الظلم كأصحاب ~~السبت فيتوقعوا مثل عذابهم، واذكر لهم ما لم تكن حاضره ولا أخذته عنهم، ~~وهو وقت إذ، وعدل عن الإكرام بالخطاب ونو العظمة، لأن السياق للأسراع في ~~الكفر فقال: { قيل لهم اسكنوا } أي ادخلوا مطمئنين على وجه الإقامة ، ولا ~~يسمى ساكنا إلا بعد التوطن بخلاف الدخول، فإنه يكون بمجرد الولوج في ~~الشيء على أي وجه كان { هذه القرية }. فهو دليل آخر على الأمرين: الصرف ~~والصدق؛ وعبر هنا بالمجهول في { قيل } إعراضا عن تلذيذهم بالخطاب ~~إيذانا بأن هذا السياق ms1663 للغضب عليهم بتساقطهم في الكفر وإعراضهم عن ~~الشكر، من أي قائل كان وبأي صيغة ورد القول وعلى أي حالة كان، ~~وإظهارا للعظمة حيث كانت، أدنى إشارة منه كافية في سكناهم في البلاد ~~واستقرارهم فيها قاهرين لأهلها الذين ملؤوا قلوبهم هيبة حتى قالوا # إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها # [المائدة: 24]. # ولما خلت نعمة الأكل في هذا السياق عما دعا إليه سياق البقرة من التعقيب ~~وهو الاستعطاف، ذكرت بالواو الدالة على مطلق الجمع، وهي لا تنافي تلك، ~~فقال: { وكلوا منها } أي القرية { حيث شئتم } وأسقط الرغد لذلك، وقدم { ~~وقولوا حطة } ليكون أول قارع للسمع مما أمروا به من العبادة مشعرا بعظيم ~~ما تحملوه من الآثام، إيذانا بما سيقت له هذه القصص في هذه السورة ~~المقام. # ولما أمروا بالحطة قولا، أمروا أن يشفعوها بفعل، لتحط عنهم ذنوبهم، ولا ~~ينافي التقديم هنا التأخير في البقرة، لأن الواو لا ترتب، فقال: { ~~وادخلوا الباب } أي باب بيت المقدس حال كونكم { سجدا نغفر لكم } ولما ~~كان السياق هنا لبيان إسراعهم في الكفر، ناسب ذلك جمع الكثرة في قوله: { ~~خطاياكم } في قراءة أبي عمرو، وأما قراءة ابن عامر { خطيتكم } بالإفراد ~~وقراءة غيرهما { خطياتكم } جمع قلة فللإشارة إلى أنها قليل في جنب عفوة ~~تعالى، وكذا بناء { نغفر } للمجهول تأنيثا وتذكيرا، كل ذلك ترجيه لهم ~~واستعطافا إلى التوبة، ولذلك ساق سبحانه ما بعده مساق السؤال لمن كأنه ~~قال: هذا الرجاء قد حصل، فهل مع مع المغفرة من كرامة؟ فقال: { سنزيد } أي ~~بوعد لا خلف فيه عن قريب، وهو لا ينافي إثبات الواو في البقرة { ~~المحسنين* } أي العريقين في هذا الوصف، وللسياق الذي وصفت قيد قوله: { ~~فبدل الذين ظلموا } بقوله: { منهم } لئلا يتوهم أنهم من الدخلاء فيهم { ~~قولا غير الذي }. # ولما كان من المعلوم أن القائل من له إلزامهم، بناه للمجهول فقال: { قيل ~~لهم } وقال: { فأرسلنا } أي بما لنا من العظمة { عليهم } بالإضمار ~~تهويلا لاحتمال العموم بالعذاب { رجزا من السماء } ولفظ الظلم - في ~~قوله: { بما كانوا يظلمون* } بما يقتضيه من ms1664 أنهم لا ينفكون عن الكون في ~~الظلام إما مطلقا وإما مع تجديد فعل فعل من هو فيه - أهول من لفظ الفسق ~~المقتضي لتجديد الخروج مما ينبغي الاستقرار فيه، كما أن لفظ الإرسال ~~المعدي ب { على } كذلك بالنسبة إلى لفظ الإنزال. # ولما فرغ من هتك أستارهم فيما عملوه أيام موسى عليه السلام وما يليها، ~~أتبعه خزيا آخر أشد مما قبله، كان بعد ذلك بمدة لا يعلمه أحد إلا من ~~جهتهم أو من الله، وإذا انتفى الأول ثبت الثاني، فقال: { وسئلهم } أي بني ~~إسرائيل مبكتا لهم ومقررا { عن القرية } أي البلد الجامع { التي كانت ~~حاضرة البحر } أي على شاطئه وهي أيلة، ولعله عبر بالسؤال، ولم يقل: وإذ ~~تعدو القرية التي - إلى آخره، ونحو ذلك، لأن كراهتهم للإطلاع على هذه ~~الفضيحة أشد مما مضى، وهي دليل على الصرف والصدق. ولما كان السؤال عن خبر ~~أهل القرية قال مبدلا بدل اشتمال من القرية { إذ } أي حين { يعدون } أي ~~يجوزون الحد الذي أمرهم الله به { في السبت إذ } أي العدو حين { تأتيهم } ~~وزاد في التبكيت بالإشارة إلى المسارعة في الكفر بالإضافة في قوله: { ~~حيتانهم } إيماء إلى أنها مخلوقة لهم، فلو صبروا نالوها وهم مطيعون،كما ~~في حديث جابر رضي الله عنه رفعه # " بين العبد وبين رزقه حجاب، فإن صبر خرج إليه، وإلا هتك الحجاب ولم ينل ~~إلا ما قدر له " # { يوم سبتهم } أي الذي يعظمونه بترك الاشتغال فيه بشيء غير العبادة { ~~شرعا } أي قريبة مشرفة لهم ظاهرة على وجه الماء بكثرة، جمع شارعة وشارع ~~أي دان { ويوم لا يسبتون } أي لا يكون سبت، ولعله عبربهذا إشارة إلى أنهم ~~لو عظموا الأحد على أنه سبت جاءتهم فيه، وهو من: سبتت اليهود - إذا عظمت ~~سبتها { لا تأتيهم } أي ابتلاء من الله لهم، ولو أنهم صبروا أزال الله ~~هذه العادة فأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم. # ولما كان هذا بلاء عظيما، قال مجيبا لسؤال من كأنه قال لشدة ما بهره ~~من هذا الأمر: هل وقع مثل هذا؟ مشيرا إلى ms1665 أنه وقع، ولم يكتف به، بل وقع ~~لهم أمثاله لإظهار ما في عالم الغيب منهم إلى عالم الشهادة: { كذلك } أي ~~مثل هذا البلاء العظيم { نبلوهم } أي نجدد اختبارهم كل قليل { بما } أي ~~سبب ما { كانوا } أي جبلة وطبعا { يفسقون* } أي يجددون في علمنا من ~~الفسق، وهو الخروج مما هو أهل للتوطن من الطاعات. ### || [7.164-167] # ولما أخبر أن الفسق ديدنهم، أكده بقوله عطفا على # إذ يعدون # [الأعراف: 163] { وإذ } أي واسألهم عن خبرهم حين { قالت أمة منهم } أي ~~جماعة ممن يعتبر ويقصد من الواعظين الصالحين الذين وعظوا حتى أيسوا لأمة ~~أخرى منهم لا يقلعون عن الوعظ تخويفا للموعوظين بما يتجاوزون به { لم ~~تعظون قوما } أي معتمدين على قوتهم { الله } أي الذي له الملك كله { ~~مهلكهم } أي لا محالة لأنهم لا ينتهون عن الفساد ولا يتعظون بالمواعظ { ~~أو معذبهم عذابا شديدا } أي بعظيم ما يرتكبونه وتماديهم فيه { قالوا } ~~أي الأمة الأخرى من الواعظين: وعظنا { معذرة إلى ربكم } أي المحسن إليكم ~~بالحفظ عما وقعوا فيه من الذنب والإقبال على الوعظ حتى إذا سئلنا عن ~~أمرنا في عصيانهم نقول: فعلنا في أمرهم جهدنا، هذا إن لم يرجعوا { ولعلهم ~~يتقون* } أي وليكون حالهم حال من يرجى خوفه لله فيرجع عن غيه. # ولما تراجعوا بهذا الكلام ليكون زاجرا للعاصين فلم يرجعوا، أخبر أنه ~~صدق ظنهم بإيقاع الأمرين معا: العذاب الشديد والإهلاك فقال: { فلما نسوا ~~ما ذكروا به } أي فعلوا في إعراضهم عنه فعل الناسي وتركوه ترك المنسي، ~~وهو أن الله لا يهملهم كما أن الإنسان لا يمكن أن يهمل أحدا تحت يده، ~~ليفعل ما يشاء من غير اعتراض { أنجينا } أي بعظمتنا { الذين ينهون } أي ~~استمروا على النهي { عن السوء } أي الحرام { وأخذنا } أي أخذ غلبة وقهر { ~~الذين ظلموا } أي بالعدو في السبت { بعذاب بئيس* } أي شديد جدا { بما ~~كانوا } أي جبلة وطبعا { يفسقون* } أي بسبب استمرارهم على تجديد الفسق. # ولما ذكر ما هددهم بهمن العذاب الشديد، أتبعه الهلاك فقال: { فلما عتوا ~~} أي تكبروا جلافة ويبسا عن الانتهاء ms1666 { عن ما نهوا عنه } أي بعد الأخذ ~~بالعذاب الشديد، وتجاوزوا إلى الاجتراء على جميع المعاصي عنادا وتكبرا ~~بغاية الوقاحة وعدم المبالاة، كان مواقعتهم لذلك الذنب وإمهالهم مع الوعظ ~~أكسبتهم ذلك وغلظت أكبادهم عن الخوف بزاجر العذاب، من عتا يعتو عتوا - ~~إذا أقبل على الآثام، فهو عات، قال عبد الحق في كتابة الواعي: وقيل إذا ~~أقدم على كل أموره، ومنه هذه الآية، وقيل: العاتي هو المبالغ في ركوب ~~المعاصي، وقيل: المتمرد الذي لا ينفع فيه الوعظ والتنبيه، ومنه قوله ~~سبحانه # فعتوا عن أمر ربهم # [الذاريات: 44] أي جاوزوا المقدار والحد في الكفر - انتهى. وحقيقته: ~~جاوزوا الأمر إلى النهي، أو جاوزوا الائتمار بأمره، والمادة ترجع إلى ~~الغلظ والشدة والصلابة { قلنا لهم } أي بما لنا من القدرة العظيمة { ~~كونوا قردة } أي في صورة القردة حال كونكم { خاسئين* } أي صاغرين مطرودين ~~بعدين عن الرحمة كما يبعد الكلب. ولما تبين بما مضى من جرأتهم على ~~المعاصي وإسراعهم فيها استحقاقهم لدوام الخزي والصغار، أخبر أنه فعل بهم ~~ذلك على وجه موجب للقطع بأنهم مرتبكون في الضلال، مرتكبون سيىء الأعمال، ~~ما دام عليهم ذلك النكال، فقال: { وإذ } وهو عطف على { وسئلهم } أي واذكر ~~لهم حين { تأذن } أي أعلم إعلاما عظيما جهرا معتنى به { ربك } أي ~~المربي لك والممهد لأدلة شريعتك والناصر لك على من خالفك. # ولما كان ما قيل جاريا مجرى القسم، تلقى بلامه، فكان كأنه قيل: تاذن ~~مقسما بعزته وعظمته وعلمه وقدرته: { ليبعثن } أي من مكان بعيد، وأفهم ~~أنه بعث عذاب بأداة الاستعلاء المفهمة لأن المعنى: ليسلطن { عليهم } أي ~~اليهود، ومد زمان التسليط فقال: { إلى يوم القيامة } الذي هو الفيصل ~~الأعظم { من يسومهم } أي ينزل بهم دائما { سوء العذاب } بالإذلال ~~والاستصغار وضرب الجزية والاحتقار، وكذا فعل سبحانه فقد سلط عليهم الأمم ~~ومزقهم في الأرض كل ممزق من حين أنكروا رسالة المسيح عليه السلام، كما ~~أتاهم به الوعد الصادق في التوارة، وترجمة ذلك موجودة بين أيديهم الآن في ~~قوله في آخر السفر الأول: لا يزول القضيب من آل ms1667 يهودا، لا يعدم سبط يهودا ~~ملكا مسلطا واتخاذه نبيا مرسلا ختى يأتي الذي له الملك - وفي نسخة: ~~الكل - وإياه تنتظر الشعوب، يربط بالحلبة جحشه؛ وقال السمؤال في أوائل ~~كتابه غاية المقصود: نقول لهم: فليس في التوارة التي في أيديكم ما ~~تفسيره: لا يزول الملك من آل يهودا والراسم بين ظهرانيهم إلى أن يأتي ~~المسيح فلا يقدرون على جحده، فنقول لهم: إذا علمتم أنكم كنتم أصحاب دولة ~~وملك إلى ظهور المسيح ثم انقضى ملككم - انتهى. ومن أيام رسالة المسيح سلط ~~الله عليهم الأمم ومزقهم في الأرض، فكانوا مرة تحت حكم البابليين، وأخرى ~~تحت أيدي المجوس، وكرة تحت قهر الروم من بني العيص، وأخرى في أسر غيرهم ~~إلى أن أتى النبي صلى الله عليه وسلم فضرب عليهم الجزية هو وأمته من ~~بعده. # ولما كان السياق للعذاب وموجباته، علل ذلك مؤكدا بقوله: { إن ربك } أي ~~المحسن إليك بإذلال أعدائك الذين هم أشد الأمم لك ولمن آمن بك عداوة { ~~لسريع العقاب } أي يعذب عقب الذنب بالانتقام باطنا بالنكته السوداء في ~~القلب، وظاهرا - إن أراد - بما يريد، وهذا بخلاف ما في الأنعام فإنه في ~~سياق الإنعام بجعلهم خلائف. # ولما رهب، رغب بقوله: { وإنه لغفور } أي محاء للذنوب عينا وأثرا لمن ~~تاب وآمن { رحيم* } أي مكرم منعم بالتوفيق لما يرضاه ثم بما يكون سببا ~~له من الإعلاء في الدينا والآخرة. ### || [7.168-169] # ذكر شيء مما هددوا به التوارة على العصيان والبغي والعدوان غير ما تقدم ~~في المائدة عند # من لعنه الله وغضب عليه # [المائدة: 60] وغيرها من الايات - قال في السفر الخامس: وإن لم تحفظ ~~وتعمل بجميع الوصايا والسنن التي كتبت في هذا الكتاب وتتق الله ربك وتهب ~~اسمه المحمود المرهوب، يخصك الرب بضربات موجعة ويبتليك بها، ويبتلي نسلك ~~من بعدك وتدوم عليك، ويبقى من نسلك عدد قليل من بعد كثرتهم التي كانت قد ~~صارت مثل نجوم السماء، وتجلون عن الأرض التي تدخلونها لترثوها، ويفرقكم ~~الرب بين الشعوب، وتعبدون هنالك الآلهة الأخرى التي عملت من الحجارة ~~والخشب، ولا ms1668 تسكنون أيضا بين تلك الشعوب، ولكن يصير الله قلوبكم هناك ~~فزعة مرتجفة بالغداة تقولون: متى نمسي؟ وبالعشي تقولون: متى نصبح؟ وذلك ~~من فزع قلوبكم وخوفكم وقلة حيلتكم، ويردكم الله إلى ارض مصر في الوف في ~~الطريق الذي قال الرب: لا تعودوا أن تروه، وتباعون هناك عبيدا وإماء، ~~ولا يكون من يشتريكم - هذه أقوال العهد التي أمر الله بها موسى أن يعاهد ~~بني إسرائيل في أرض مؤاب سوى العهد الذي عاهدهم بحوريب؛ ثم دعا موسى جميع ~~بني إسرائيل وقال لهم: قد رأيتم ما صنع الله بأرض مصر بفرعون وجميع عبيده ~~وكل شعبه والبلايا العظيمه التي رأت أعينكم والآيات والأعاجيب التي ~~شهدتموها، ولم يعطكم الرب قلوبا تفهم وتعلم، ولا أعينا تبصر ولا آذانا ~~تسمع إلى يومنا هذا، ودبركم في البرية أربعين سنة، لم تبل ثيابكم عليكم ~~ولم تخلق خفافكم أيضا ولم تأكلوا خبزا، لتعلموا أني أنا الله ربكم، ~~وأنا الذي أتيت بكم إلى هذه البلاد، فاحفظوا وصايا هذه التوارة واعملوا ~~بها وأتموا جميع الأعمال في طاعة الله وأكملوها، لأنكم قد عرفتم جميعا ~~أن كنا سكانا بأرض مصر وجزنا بين الشعوب، ورأيتم نجاستهم وأصنامهم، لعل ~~فيكم اليوم رجلا أو امرأة أو قبيلة أو سبطا يميل قلبه عن عبادة الله ~~ربنا ويطلب عبادة آلهة تلك الشعوب، فيسمع هذا العهد فيقول: يكون لي ~~السلام فاتبع مسرة قلبي، هذا لا يريد الرب أن يغفر له، ولكن هناك يشتد ~~غضب الرب وزجره عليه وينزل به كل اللعن الذي في هذا الكتاب، ويستأصل الرب ~~اسمه من تحت السماء ويفرزه الرب من جميع أسباط بني إسرائيل للشر والبلايا ~~ويقول الحقب الآخر بنوكم الذين يقومون من بعدكم والغرباء، وينظرون إلى ~~ضربات تلك الأرض والأوجاع أنزل الله بها ويقول الشعب: لماذا صنع الرب ~~هكذا؟ ولماذا اشتد غصبة على هذا الشعب العظيم؟ ويقولون: لأنهم تركوا عهد ~~الله إله آبائهم، فاشتد غضب الرب على هذه الأمة وأمر أن ينزل بها كل ~~اللعن الذي كتب في هذا الكتاب، ويجليهم الرب عن بلادهم بغضب وزجر ms1669 شديد ~~ويبعدهم إلى أرض غريبة كما ترى اليوم، فأما الخفايا والسرائر فهي لله ~~ربنا، والأمور الظاهرة المكشوفة هي لنا. # ولما أخبر سبحانه بالتأذن، كان كأنه قيل: فأسرعنا في عقابهم بذنوبهم ~~وبعثنا عليهم من سامهم سوء العذاب بالقتل والسبي، فعطف عليه قوله: { ~~وقطعناهم } أي بسبب ما حصل لهم من السبي المترتب على العذاب بما لنا من ~~العظمة تقطيعا كثيرا بأن أكثرنا تفريقهم { في الأرض } حال كونهم { ~~أمما } يتبع بعضهم بعضا، فصار في كل بلدة قليل منهم ليست لهم شوكة ولا ~~يدفعون عن أنفسهم ظلما. # ولما كان كأنه قيل: فهل أطبقوا بعد هذا العذاب على الخير؟ قيل:لا، بل ~~فرقتهم الأديان نحو فرقة الأبدان { منهم الصالحون } أي الذين ثبتوا على ~~دينهم إلى أن جاء الناسخ له فتبعوه امتثالا لدعوة كتابهم { ومنهم دون ~~ذلك } أي بالفسق تارة وبالكفر أخرى { وبلوناهم } أي عاملناهم معاملة ~~المبتلى ليظهر للناس ما نحن به منهم عالمون { بالحسنات } أي النعم { ~~والسيئات } أي النقم { لعلهم يرجعون* } أي ليكون حالهم حال من يرجى رجوعه ~~عن غيه رغبة أو رهبة. # ولما كان العذاب الذي وقع التأذن بسببه ممتدا إلى يوم القيامه، تسبب ~~عنه قوله: { فخلف } أي نشأ، ولما كانوا غير مستغرقين لزمان البعد، أتى ~~بالجار فقال: { من بعدهم خلف } أي قوم هم أسوأ حالا منهم { ورثوا الكتاب ~~} أي الذي هو نعمة، وهو التوراة، فكان لهم نقمة لشهادته عليهم بقبح ~~أفعالهم، لأنه بقي في أيديهم بعد أسلافهم يقرؤونه ولا يعملون بما فيه؛ ~~قال ابن فارس: والخلف ما جاء من بعد، أي سواء كان محركا أو ساكنا، وقال ~~أبو عبيد الهروي في الغريبين: ويقال:؛ خلف سوء - أي بالسكون - وخلف صدق، ~~وقال الزبيدي في مختصر العين: والخلف: خلف السوء بعد أبيه، والخلف: ~~الصالح، وقال ابن القطاع في الأفعال: وخلف خلف سوء: صاروا بعد قوم ~~صالحين، وخلف سوء، قال الأخفش: هما سواء، أي بالسكون، منهم من يسكن ~~ومنهم من يحرك فيهما جميعا، ومنهم من يقول: خلف صدق - أي بالتحريك - ~~وخلف سوء - أي بالسكون - يريد بذلك الفرق بينهما، ms1670 وكل إذا أضاف، يعني ~~فإذا لم يضف كان السكون - للفساد، والتحريك للصلاح؛ وقال في القاموس: خلف ~~نقيض قدام، والقرن بعد القرن، ومنه: هؤلاء خلف سوء، والرديء من القول، ~~وبالتحريك الولد الصالح، فإذا كان فاسدا أسكنت اللام، وربما استعمل كل ~~منهما مكان الآخر، يقال: هو خلف صدق من أبيه - إذا قام مقامه، أو الخلف ~~بالسكون وبالتحريك سواء، الليث: خلف للاشرار خاصة، وبالتحريك ضده. ~~والمادة ترجع إلى الخلف الذي هو نقيض قدام، كما بنيت ذلك في فن المضطرب ~~من حاشيتي على شرح ألفية العراقي. # ولما كان المظنون بمن يرث الكتاب الخير، فكان كأنه قيل: ما فعلوه من ~~الخير فيما ورثوه؟ قال مستأنفا: { يأخذون } أو يجددون الأخذ دائما، ~~وحقر ما أخذوه بالإعلام بأنه مما يعرض ولا يثبت بل هو زائل فقال: { عرض } ~~وزاده حقارة بإشارة الحاضر فقال { هذا } وصرح بالمراد بقوله: { الأدنى } ~~أي من الوجودين، وهو الدنيا { ويقولون } أي دائما من غير توبة. # ولما كان النافع الغفران من غير نظر إلى معين، بنوا للمفعول قولهم: { ~~سيغفر لنا } أي من غير شك، فأقدموا على السوء وقطعوا بوقوع ما يبعد وقوعه ~~في المستقبل حكما على من يحكم ولا يحكم عليه، وصرح بما افهمه ذلك من ~~إصرارهم معجبا منهم في جزمهم بالمغفرة مع ذلك بقوله: { وإن } أي والحال ~~أنه إن { يأتهم عرض مثله } أي في الدناءة والخسة - والحرمة كالرشى { ~~يأخذوه }. # ولما كان هذا عظيما، أنكر عليهم مشددا - للنكير بقوله مستأنفا: { ألم ~~يؤخذ عليهم } بناه للمفعول إشارة إلى أن العهد يجب الوفاء به على كل حال، ~~ثم عظمه بقوله: { ميثاق الكتاب } أي الميثاق المؤكد في التوارة { أن لا ~~يقولوا } أي قولا من الأقوال وإن قل { على الله } أي الذي له الكمال ~~العظمة { إلا الحق } أي المعلوم ثباته، وليس من المعلوم ثباته إثبات ~~المغفرة على القطع بغير توبة، بل ذلك خروج عن ميثاق الكتاب. # ولما كان ربما وقع في الوهم أنه أخذ على أسلافهم ولم يعلم هؤلاء به، نفى ~~ذلك بقوله: { ودرسوا ما فيه } أي ما في ذلك ms1671 الميثاق بتكرير القراءة للحفظ ~~{ والدار الأخرة } أي فعلوا ما تقدم من مجانبة التقوى والحال أن الآخرة { ~~خير } أي مما يأخذون { للذين يتقون } أي وهم يعلمون ذلك بإخبار كتابهم، ~~ولذلك أنكر عليهم بقولة: { أفلا تعقلون* } أي حين أخذوا ما يشقيهم ويفنى ~~بدلا مما يسعدهم ويبقى، وعلى قراءة نافع وابن عامر وحفص بالخطاب يكون ~~المراد الإعلام بتناهي الغضب. ### || [7.170-173] # ولما بين ما للمفسدين من كونهم قالوا على الله غير الحق فلا يغفر لهم، ~~بين ما للصالحين المذكورين في قوله # ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون # [الأعراف: 159] فقال عاطفا على تقديره: أولئك حبطت أعمالهم فيما درسوا ~~من الكتاب، ولا يغفر لهم ما أتوا من الفساد: { والذين يمسكون } أي يمسكون ~~إمساكا شديدا يتجدد على كل وجه الا ستمرار، وهو إشارة إلى إن التمسك ~~بالسنة في غاية الصعوبة لا سيما عند ظهور الفساد { بالكتاب } أي فلا ~~يقولون على الله إلا الحق، ومن جملة تمسيكهم المتجدد انتقالهم عن ذلك ~~الكتاب عند إتيان الناسخ لأنه ناطق بذلك - والله الموفق. # ولما كان من تمسيكهم بالكتاب عند نزول هذا الكلام انتقالهم عن دينهم إلى ~~الإسلام كما وقع الأمر به في المواضع التي تقدم بيانها، عبر عن إقامة ~~الصلاة المعهودة لهم بلفظ الماضي دون المضارع لئلا يجعلوه حجة في الثبات ~~على دينهم. فيفيد ضد المراد فقال: { وأقاموا الصلاة } وخصها إشارة إلى أن ~~الأولين توكوها كما صرح به في آية مريم، وتنويها بشأنها بيانا لأنها من ~~أعظم شعائر الدين، ولما كان التقدير إخبارا عن المبتدإ: سنؤتيهم أجورهم ~~لإصلاحهم، وضع موضعه للتعميم قوله: { إنا لا نضيع } أي بوجه من الوجوه { ~~أجر المصلحين* }. # ولما ذكر الكتاب أنه رهبهم من مخالفته ورغبهم في مؤالفته، وكان عذاب ~~الآخرة مستقبلا وغائبا، وكان ما هذا شأنه يؤثر في الجامدين، أمره أن ~~يذكرهم بترهيب دنيوي مضى إيقاعه بهم، ليأخذوا مواثيق الكتاب لغاية الجد ~~مع أنه لا يعلمه إلا علماؤهم، فيكون علم الأمي له من أعلام نبوته الظاهرة ~~فقال: { وإذ } أي اذكر لهم هذا، فإن لمن يتعظوا ms1672 اذكر لهم إذ { نتقنا } أي ~~قلعنا ورفعنا، وأتى بنون العظمة لزيادة الترهيب { الجبل } عرفه لمعرفتهم ~~به، وعبر لدلالة لفظه على الصعوبة والشدة دون الطور - كما في البقرة - ~~لأن السياق لبيان نكدهم بإسراعهم في المعاصي الدالة على غلظ القلب. # ولما كان مستغرقا لجميع الجهة الموازية لعساكرهم، حذف الجار فقال: { ~~فوقهم } ثم بين أنه كان أكبر منهم بقوله: { كأنه ظلة } أي سقف، وحقق أنه ~~صار عليهم موازيا لهم من جهة الفوق كالسقف بقوله: { وظنوا } هو على ~~حقيقته { أنه واقع } ولما كان ما تقدم قد حقق العلو، لم يحتج إلى حرف ~~الاستعلاء، فقال مشيرا إلى السرعة واللصوق: { بهم } أي إن لم يأخذوا ~~عهود التوارة، قالوا: ولما رأوا ذلك خر كل منهم ساجدا على حاجبه الأيسر، ~~وصار ينظر بعينه اليمنى إلى الجبل فزعا من سقوطه، وهي سنة لهم في سجودهم ~~إلى الآن، يقولون: هذه السجدة التي رفعت عنا بها العقوبة. # ولما كان كأنه قيل: فقالوا: أخذنا يارب عهودك، قال مشيرا إلى عظمته ~~ليشتد إقبالهم عليه إشارة إلى أنه علة رفع الجبل: { خذوا ما آتيناكم } أي ~~بعظمتنا، فهو جدير بالإقبال عليه وإن يعتقد فيه الكمال، وأكد ذلك بقوله: ~~{ بقوة } أي عزم عظيم على احتمال مشاقه؛ ولما كان الأخذ للشيء بقوة ربما ~~نسيه في وقت، قال: { واذكروا ما فيه } أي من الأوامر والنواهي وغيرهما - ~~فلا تنسوه { لعلكم تتقون* } أي ليكون حالكم حال من يرجى تقواه، فدل ~~سبحانه بهذا على تأكيد المواثيق عليهم في أخذ جميع ما في الكتاب الذي من ~~جملته ألا تقولوا على الله إلا الحق ولا تكتموا شيئا منه، قالوا: ولما ~~قرأ موسى عليه السلام الألواح وفيها كتاب الله لم يبق على الأرض شجر ولا ~~جبل ولا حجر إلا اهتز، فلذلك لا ترى يهوديا يسمع التوارة إلا اهتز وأنقض ~~رأسه. # ولما ذكر أنه ألزمهم أحكام الكتاب على هذه الهيئة القاهرة الملجئة ~~القاسرة التي هي من أعظم المواثيق عند أهل الأخذ وأنه أكد عليهم المواثيق ~~في كثير من فصول الكتاب، وكان ذلك كله خاصا بهم؛ ms1673 أمره أن يذكر لهم أنه ~~ركب لهم في عموم هذا النوع الآدمي من العقول ونصب من الأدلة الموضحة ~~للأمر إيضاح المشهود للشاهد ما لو عذب تاركه والمتهاون به لكان تعذيبه ~~جاريا على المناهج ملائما للعقول، ولكنه لسبق رحمته وغلبة رأفته لم ~~يؤاخذ بذلك حتى ضم إليه الرسل، وأنزل معهم الكتب، وأكثر فيها من ~~المواثيق، وزاد في الكشف والبيان، وإلى ذلك الإشارة باسم الرب، فكأن من ~~عنده علم أشد ملامة من الجاهل، فقال: { وإذ } أي واذكر لهم إذ { أخذ } أي ~~خلق بقوله وقدرته { ربك } أي المحسن إليك بالتمهيد لرسالتك كما يؤخذ ~~القمل بالمشط من الرأس. # ولما كان السياق لأخذ المواثيق والأخذ بقوة، ذكر أخذ الذرية من أقوى ~~نوعي الآدمي، وهم الذكور فقال: { من بني آدم } وذكر أنه جعلها من أمتن ~~الأعضاء فقال: { من ظهورهم } كل واحد من ظهر أبيه { ذريتهم } إشارة إلى ~~أنه أكد عليهم المواثيق وشددها لهم وأمرهم - بالقوة في أمرها، أعطاهم من ~~القوة في التركيب والمزاج ما يكونون به مطيعين لذلك، فهو تكليف بما في ~~الوسع، وجعل لهم عقولا عند من قال: هو على حقيقته كنملة سليمان عليه ~~الصلاة والسلام { وأشهدهم على أنفسهم } أي أوضح لهم من البراهين من ~~الإنعام بالعقول مع خلق السماوات والأرض وما فيهما على هذا المنوال ~~الشاهد له بالوحدانية وتمام العلم والقدرة، ومن إرسال الرسل المؤيدين ~~بالمعجزات ما كانوا كالشهود بأنه لا رب غيره؛ وقد ذكر معنى هذا الإمام ~~حجة الإسلام الغزالي في الكلام على العقل من باب العلم من الإحياء فإنه ~~قال معنى هذه الآية: والمراد إقرار نفوسهم، لا إقرار الألسنة، فإنهم ~~انقسموا في إقرار الألسنة حيث وجدت الألسنة والأشخاص؛ ثم ذكر أن النفوس ~~فطرت على معرفة الأشياء على ما هي عليه لقرب الاستعداد للإدراك. # ولما تبين أنه فرد لا شريك له فلا راد لأمره، وأنه رب فلا أرأف منه ولا ~~أرحم، كان ذلك أدعى إلى طاعته خوفا من سطوته ورجاء لرحمته، فكانوا بذلك ~~بمنزلة من سئل عن الحق فأقر به، فلذلك قال: { ألست ms1674 بربكم } أي المحسن ~~إليكم بالخلق والتربية بالرزق وغيره { قالوا بلى شهدنا } أي كان علمنا ~~بذلك علما شهوديا، وذلك لأنهم وصلوا بعد البيان إلى حد لا يكون فيه ~~الجواب إلا ذلك فكأنهم قالوه؛ فهو - والله أعلم - من وادي قوله تعالى # ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها # [الرعد: 15] - الآية و # لله يسجد ما في السماوات والأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون # [النحل: 49]. # ولما كان كأنه قيل: لم فعل ذلك؟ قيل: دلالة على أن المتقدم إنما هو على ~~طريق التمثيل يجعل تمكينهم من الاستدلال كالإشهاد، فعله كراهة { أن ~~تقولوا يوم القيامة } أي إن لم ينصب لهم الأدلة { إنا كنا عن هذا } أي ~~وحدانيتك وربوبيتك { غافلين* } أي لعدم الأدلة فلذلك أشركنا { أو تقولوا ~~} أي لو لم نرسل إليهم الرسل { إنما أشرك آباؤنا من قبل } أي من قبل أن ~~نوجد { وكنا ذرية من بعدهم } فلم نعرف لنا مربيا غيرهم فكنا لهم تبعا ~~فشغلنا اتباعهم عن النظر ولم يأتنا رسول منبه، فيتسبب عن ذلك إنكارهم في ~~قولهم: { أفتهلكنا بما فعل المبطلون* } أي من آبائنا؛ قال أبو حيان: ~~والمعنى أن الكفرة لو لم يؤخذ عليهم عهد ولا جاءهم رسول بما تضمنه العهد ~~من توحيد الله وعبادته لكانت لهم حجتان: إحدهما " كنا غافلين " والأخرى " ~~كنا تبعا لأسلافنا " فكيف والذنب إنما هو لمن طرق لنا وأضلنا - انتهى. ~~ومما يؤيد معنى التمثيل حديث أنس في الصحيح # " يقول الله لأهون أهل النار عذابا: لو أن لك ما في الأرض من شيء كنت ~~تفتدي به؟ قال: نعم، قال: فقد سألتك ما هو أهون من هذا وأنت في صلب آدم ~~أن لا تشرك شيئا، فأبيت إلا الشرك " # وذلك لأن التصريح بالآباء ينافي كون الإقرار على حقيقته، والأخذ وهو في ~~الصلب إنما هو بنصب الأدلة وتقرير الحق على و جه مهيىء للاستدلال بتركيب ~~العقل على القانون الموصل إلى المقصود عند التخلي من الحظوظ والشوائب، ~~وهذا الذي وقع تأويل الآية به لا يعارضه حديث الاستنطاق في عالم الذر على ~~تقدير صحته، فإنه ms1675 روي من طرق كثيرة جدا ذكرتها في كتابي سر الروح، منها ~~في الموطأ ومسند أحمد وإسحاق بن راهويه ومحمد بن نصر المروزي وأبي يعلى ~~الموصلي ومستدرك الحاكم وكتاب المائتين لأبي عثمان الصابوني عن صحابة ~~وتابعين مرفوعا وموقوفا - منهم عمر وأبي بن كعب وأبو هريرة وحكيم بن ~~حزام وعبدالله بن سلام وعبد الله بن عمرو وابن عباس وابن مسعود رضي الله ~~عنهم، وعن محمد بن كعب وعطاء بن يسار وسعيد بن المسيب وأبي العالية رحمهم ~~الله، وإنما كان لا يعارضه لأن في بعض طرقه عن أبي بن كعب رضي الله عنه ~~أنه سبحانه قال بعد أن استنطقهم: # " فإني أشهد عليكم السماوات السبع والأرضين السبع، وأشهد عليكم أباكم ~~آدم أن تقولوا يوم القيامة: إنا كنا عن هذا غافلين، فلا تشركوا بي شيئا، ~~فإني أرسل إليكم رسلي يذكرونكم عهدي وميثاقي، وأنزل عليكم كتبي، فقالوا: ~~نشهد أنك ربنا وإلهنا، لا رب لنا غيرك " # فالاستنطاق في الحديث على بابه، عبرة لأبينا آدم عليه السلام ومن حضر ~~ذلك من الخلق، وإيقافا لهم على بديع قدرته وعظيم علمه، وإشهاد ما أشهد ~~من المخلوقات بمعنى أنه نصب فيها من الأدلة ما يكون إقامة الحجة به عليهم ~~بالنقض إن أشركوا كشهادة الشاهد الذي لا يرد، وليس في شيء من الروايات ما ~~ينافي هذا؛ والحاصل أنه أخذ علينا عهدان: أحدهما حالي تهدى إليه العقول، ~~وهو نصب الأدلة، والآخر مقالي أخبرت به الرسل، كل ذلك للإعلام بمزيد ~~الاعتناء بهذا النوع البشري لما له من الشرف الكريم ويراد به من الأمر ~~العظيم - والله الموفق. ### || [7.174-178] # ولما كان كأنه قيل تبيها على جلالة هذه الآيات: انظر كيف فصلنا هذه ~~الآيات هذه التفاصيل الفائقة وأبرزناها في هذه الأساليب الرائقة، قال: { ~~وكذلك } أي ومثل ذلك التفصيل البديع الجليل الرفيع { نفصل الآيات } أي ~~كلها لئلا يواقعوا ما لا يليق بجانبنا جهلا لعدم الدليل { ولعلهم ~~يرجعون* } أي ليكون حالهم حال من يرجى رجوعه عن الضلال إلى ما تدعو إليه ~~الهداة من الكمال عن قرب إن حصلت غفلة ms1676 فواقعوه، وذلك من أدلة # والذي خبث لا يخرج إلا نكدا # [الأعراف: 58] و # ما وجدنا لأكثرهم من عهد # [الأعراف: 102] و # سأصرف عن آياتي # [الأعراف: 146]. # ولما ذكر لهم ما أخذ عليهم في كتابهم من الميثاق الخاص الذي انسلخوا ~~منه، واتبعه الميثاق العام الذي قطع بع الأعذار، أتبعهما بيان ما يعرفونه ~~من حال من انسلخ من الآيات، فأسقطه الله من ديوان السعداء، فأمره صلىالله ~~عليه وسلم أن يتلو عليهم، لأنه - مع الوفاء بتبكيتهم - من أدلة نبوته ~~الموجبة عليهم اتباعه، فذكره ما وقع له في نبذ العهد والانسلاخ من ~~الميثاق بعد أن كان قد أعطى الآيات وأفرغ عليه من الروح فقال: { واتل } ~~أي اقرأ شيئا بعد شيء { عليهم } أي اليهود وسائر الكفار الخلق كلهم { ~~نبأ الذي } وعظم ما أعطاه بمظهر العظمة ولفظ الإيتاء بعد ما عظم خبره ~~بلفظ الإنباء فقال: { آتيناه }. # ولما كان تعالى قد أعطاه من إجابة الدعاء وصحة الرؤيا وغير ذلك مما شاء ~~سبحانه أمرا عظيما بحيث دله تعالى دلالة لا شك فيها، وكانت الآيات كلها ~~متساوية الأقدام في الدلالة وإن كان بعضها أقوى من بعض، قال تعالى: { ~~آياتنا } وهو بلعام من غير شك للسباق واللحاق، وقيل: وهو رجل بعثه موسى ~~عليه السلام إلى ملك مدين فرشاه فتبع دينه فافتتن به الناس، وقيل: هو ~~أمية بن أبي الصلت الثقفي الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم # " آمن شعره وكفر قلبه " # قاله عبد الله بن عمرو وسعيد بن المسيب وزيد ابن أسلم، وقيل:هو أبو عامر ~~الراهب الذي سماه النبي صلى الله عليه وسلم الفاسق، وقيل: نزلت في منافقي ~~أهل الكتاب كانوا يعرفون النبي صلى الله عليه وسلم فأنكروه. # ولما كان الذي جرأهم على عظمته سبحانه ما أنعم عليهم به من إعطاء الكتاب ~~ظنا منهم أنه لا يشقيهم بعد ذلك، رهبهم ببيان أن الذي سبب له هذا الشقاء ~~هو إيتاء الآيات فقال: { فانسلخ منها } أي فارقها بالكيلة كما تنسلخ ~~الحية من قشرها، وذلك بسبب أنه لما كان مجاب الدعوة سأله ملك زمانه ~~الدعاء ms1677 على موسى وقومه فامتنع فلم يزل يرغبه حتى خالف أمر الله اتباعا ~~لهوى نفسه، فتمكن من الشيطان وأشار عليه أن يرسل إليهم النساء مزينات ~~ويأمرهن أن لا يمتنعن من أحد، فأشقاه الله، وهذا معنى { فأتبعه الشيطان } ~~أي فأدركه مكره فصار قرينا له { فكان } أي فتسبب عن إدراك الشيطان له أن ~~كان { من الغاوين* } أي الضالين الراكبين هوى نفوسهم،وعبر في هذه القصة ~~بقوله: { اتل } دون # وأسألهم عن # [الأعراف: 163] نحو ما مضى في القرية، لأن هذا الخبر مما يحبون ذكره لأن ~~سلخه من الآيات كان لأجلهم، فهو شرف لهم، فلو سألهم عنه لبادروا إلى ~~الإخبار به ولم يتلعثموه فلا تكون تلاوته صلى الله عليه وسلم بعد ذلك لما ~~أنزل في شأنه واقعا موقع ما لو أخبرهم به قبل، ولعل المقصود الأعظم من ~~هذه الآية والتي قبلها الاستدلال على كذب دعواهم في قولهم # سيغفر لنا # [الأعراف: 169] بما هم قائلون به، فيكون من باب الإلزام، وكأنه قيل: ~~أنتم قائلون بأن من أشرك لا يغفر له لتركه ما نصب له من الأدلة حتى إنكم ~~لتقولون # ليس علينا في الأميين سبيل # [آل عمران: 75] لذلك، فما لكم توسعون المغفرة لكم في ترك ما أخذ عليكم ~~به الميثاق الخاص وقد ضيقتموها على غيركم في ترك ما أخذ عليهم به الميثاق ~~العام؟ ما ذلك إلا مجرد هوى، فإن قلتم: الأمر في أصل التوحيد أعظم فلا ~~يقاس عليه، قيل لكم؛ أليس المعبود قد حرم الجميع؟ وعلى التنزل فمن ~~المسطور في كتابكم أمر بلعام وأنه ضل، وقد كان أعظم من أحباركم، فإنا ~~آتيناه الآيات من غير واسطة رسول، وكان سبب هلاكه - كما تعلمون - وخروجه ~~من ربقة الدين وإحلاله دمه مشورته على ملك زمانه بأن يرسل النساء إلى ~~عسكر بني إسرائيل متزينات غير ممتنعات ممن أرادهن، وذلك من الفروع التي ~~هي أخف من باب الأموال، فقد بحتم كذبكم في قولكم { سيغفر لنا } وأنكم لم ~~تتبعوا فيه إلا الهوى كما تبعه بلعام فانظروا ما فعل به. # ولما كان هذا السياق موهما لمن لم ms1678 يرسخ قدمه في الإيمان أن الشيطان له ~~تأثير مستقل في الإغواء، نفى ذلك غيره على هذا المقام في مظهر العظمة ~~فقال: { ولو شئنا } أي أن نرفعه بها على ما لنا من العظمة التي من دنا ~~ساحتها بغير إذن محق { لرفعناه } أي في المنزلة رفعة دائمة { بها } أي ~~الآيات حتى لا يزال عاملا بها. # ولما علق الأمر بالمشيئة تنبيها على أنها هي السبب الحقيقي وإن ما لم ~~يشأه سبحانه لا يكون، وكان التقدير: ولكنا لم نشأ ذلك وشئنا له الكفر ~~فأخلدناه - إلى آخره، عبر عنه تعليما للأدب في إسناد الخير إلى الله ~~والشر إلى غيره وإن كان الكل خلقه حفظا - لعقول الضعفاء من إيهام نقص أو ~~إدخال لبس بقوله مسندا نقصه إليه: { ولكنه أخلد } أي فعل فعل من أوقع ~~الخلد - وهو الدوام - وأوجده { إلى الأرض } أي رمى بنفسه إلى الدنيا ~~رميا، تهالكا على ما فيها من الملاذ الحيوانية والشهوات النفسانية { ~~واتبع } أي اتباعا شديدا { هواه } فأعرض عن التمسك بما آتاه الله من ~~الآيات مقدما لداعي نفسه على داعي روحه، لأن القلب الذي هو نتيجتهما في ~~عالم الأمر له وجهان: وجه إلى الروح العلوي الروحاني الذي هو الأب، وله ~~الذكورة المناسبة للعلو؛ ووجه إلى النفس التي هي الروح الحيواني التي هي ~~الأم ولها المناسبة للأرض بالأنوثة وبأن أصلها من التراب الذي له الرسوب ~~بوضع الجبلة فالتقدير: فحط نفسه حطا عظيما، لأنا لم نشأ رفعه بما ~~أعطيناه من الآيات، وإنما جعلناه وبالا عليه، فلا يغتر أحد بما أوتي من ~~المعارف، وما حاز من المفاخر واللطائف، فإن العبرة بالخواتيم، ولنا بعد ~~ذلك أن نفعل ما نشاء. # ولما كان هذا حاله، تسبب عنه أن قال تعالى: { فمثله } أي مع ما أوتي من ~~العلم في اتباعه لمجرد هواه من غير دليل بعد الأمر بمخالفة الهوى { كمثل ~~الكلب } أي في حال دوام اللهث. # ولما كان كأنه قيل: مثله في أي أحواله؟ قال: في كونه { إن تحمل عليه } ~~أي لتضربه { يلهث أو تتركه يلهث } فإن أوجب لك الحمل ms1679 عليه ظن أن لهثه لما ~~حاول من ذلك التعب ردك عنه لهثه في الدعة، فتعلم حينئذ أنه ليس له سبب ~~إلا اتباع الهوى، فتابع الهوى مثل الكلب كما بين، ومثال هذا المنسلخ ~~الجاهل الذي لا يتصور أن يتبع غير الهوى، لأنه يتبع الهوى مع إيتاء ~~الآيات فبعد الانسلاخ منها أولى، فقد وضح تشبيه مثله بمثل الكلب، لا ~~تشبيه مثله بالكلب؛ وهذه القصة تدل على أن من كانت نعم الله في حقه أكثر، ~~كان بعده عن الله إذا أعرض عنه أعظم وأكبر. # ولما تقرر المثلان، وكان كل منهما منطبقا على حالة كل مكذب، كانت ~~النتيجة قوله: { ذلك } أي كل من المثلين { مثل القوم } أي الأقوياء ما ~~يحاولونه { الذين كذبوا بآياتنا } أي في أن تركهم لها إنما هو بمجرد ~~الهوى، لأن لها من الظهور والعظمة بنسبتها إلينا ما لا يخفي على من له ~~أدنى بصيرة { فاقصص القصص } أي فأخبر الإخبار العظيم الذي تتبعت به مواقع ~~الوقائع وآثار الأعيان حتى لم تدع في شيء منها لبسا على كل من يسمع لك ~~من اليهود وغيرهم، وهو مصدر قص الشيء - إذا تبع أثره واستقصى في ذلك { ~~لعلهم يتفكرون* } أي ليكون حالهم حال من يرجى تفكره في هذه الآيات، ~~فيعلمون أنه لا يأتي بمثلها من غير معلم من الناس إلا نبي فيردهم ذلك إلى ~~الصواب حذرا من مثل حال هذا. # ولما ظهر بهذا أن مثل الكلب الذي اكتسب من ممثوله من السوء والقذارة ما ~~لا يعلمه حق علمه إلا الله تعالى مثل المكذبين بالآيات، أنتج ذلك قوله ~~تأكيدا لذمهم وزجرهم: { ساء مثلا القوم } أي مثل القوم { الذين كذبوا ~~بآياتنا } أي فلو لم يكن عليهم درك في فعلهم أن لا تنزل هذا المثل عليهم ~~لكان أعظم زاجرا له أدنى مروءة، لأنهم نزلوا عما لمن يتبعها من العظمة ~~إلى ما ظهر بهذا المثل من الخسة، فكيف وهم يضرون أنفسهم بذلك ولا يضرون ~~إلا إياها، وذلك معنى قوله: { وأنفسهم } أي خاصة { كانوا يظلمون* } أي ~~كان ذلك في طبعهم جبلة ms1680 لهم، لا يقدر غير الله على تغييره. # ولما كان ذلك محل عجب ممن يميل عن المنهج بعد إيضاحه هذا الإيضاح ~~الشافي، قال جوابا لمن كأنه قال: فما لهم لا يؤمنون؟ مفصلا لقوله { ولو ~~شئنا لرفعناه بها } [الأعراف:176]: { من يهد الله } أي يخلق الهداية في ~~قلبه الملك الأعظم الذي لا أمر لأحد معه { فهو المهتدي } أي لا غيره. # ولما كان في سياق الاستدلال على أن أكثر الخلق هالك بالفسق ونقض العهد، ~~وحد { المهتدي } [الأعراف: 177] نظرا إلى لفظ { من } وجمع الضال نظرا ~~إلى معناها فقال: { ومن يضلل فأولئك هم } أي البعداء البغضاء خاصة لا ~~غيرهم { الخاسرون* } إذ لا فعل لغيره أصلا، والآية من فذلكة ما مضى، وما ~~أحسن ختمها بالخسران في وعظ من ترك الآخرة بإقباله على أرباح الدنيا ~~وأعرضها الفانية،ثم تعقيبها بذرء جهنم الذين لا أخسر منهم. # ذكر قصة بلعام من التوراة - قال في السفر الرابع منها بعد أن ساق قتالهم ~~لسيحون ملك الأمورانيين: وفرق المؤابيون من الشعب فرقا شديدا لأنهم ~~رأوه شعبا عظيما، فاضطرب المؤابيون ورجفت قلوبهم خوفا من بني إسرائيل، ~~وقال ملك مؤاب لأشياخ مدين: اعلموا أن هذا الجمع يرتعي حرثنا، ولا يدع ~~أحدا إلا أهلكه، ويرتعي كل من حولنا كما يرتعي الثور عشب الأرض، وكان ~~ملك المؤابيين في ذلك الزمان بالاق بن صفور، فأرسل رسلا إلى بلعام بن ~~بعور العراف المعبر للأحلام الذي كان ينزل على شاطىء النهر قريبا من أرض ~~بني عمون ليدعوه إليه فيستعين به: أخبرك أنه قد خرج شعب من أرض مصر، فغشى ~~وجه الأرض كلها، وقد نزلوا جبالنا، فأطلب إليك أن تأتي وتلعن هذا الشعب ~~لأنه أقوى وأعز منا، لعلنا نقدر أن نحاربه ونهلكه عن جديد الأرض، لأني ~~عارف أن الذي تباركه هو مبارك، والذي تلعنه هو ملعون، وانطلق أشياخ مؤاب ~~وأشياخ مدين ومعهم هدايا وجوائز، فأتوا بلعام فقالوا له قول بالاق، فقال ~~لهم: بيتوا هاهنا ليلتكم هذه فأخبركم بما يقول الرب، فأقام أشراف مؤاب ~~عند بلعام، فأتى ملك الله بلعام وقال له: من ms1681 القوم الذين أتوك؟ قال بلعام ~~للملاك: بالاق بن صفور ملك مؤاب أرسل إلي وقال: قد خرج شعب من أرض مصر ~~فملأ وجه الأرض، فأقبل إلينا حتى تلعنه، لعلي أقدر أن أجاهده وأهلكه، ~~وقال الملاك لبلعام: لا تنطلق مع القوم ولا تلعن الشعب لأنه مبارك، فقال ~~بلعام بكرة لعظماء بالاق: انطلقوا إلى صاحبكم، لأن الرب لم يحب أن يدعني ~~أنطلق معكم، ونهض عظماء مؤاب فأتوا بالاق وقالوا له: لم يهو بلعام إتيانك ~~معنا، فعاد بالاق أيضا فأرسل رسلا أعظم وأكرم من الأولين، فأتوا بلعام ~~وقالوا له: هكذا يقول بالاق بن صفور: لا تمتنع أن تأتيني لأني سأعظمك ~~وأكرمك جدا، وما قلت لي من شيء فعلت، وأقبل إلينا لتلعن لي - هذا الشعب، ~~فرد بلعام على رسل بالاق قائلا: لو أن بالاق أعطاني ملء بيته ذهبا وفضة ~~لم أقدر أن أتعدى قول ربي وإلهي، ولا أحيد عن قول صغير ولا كبير من ~~أقواله، فعرجوا أنتم أيضا عندنا ليلتكم هذه حتى أنظر ما يخبروني ملاك ~~الله من أمركم، فنزل وحي الله على بلعام ليلا، وقال له: إن كان هؤلاء ~~القوم إنما أتوك ليدعوك فقم فانطلق معهم، ولكن إياك أن تعمل إلا ما أقول ~~فنهض بلعام بكرة وأسرج أتانه وانطلق مع عظماء مؤاب، فقال ملاك الرب في ~~الطريق ليكون له لددا، فرأت الأتان ملاك الله قائما في الطريق مخترطا ~~سيفه ممسكه في يده، فحادت عن الطريق وسارت في الحرث، فضربها بلعام ليردها ~~إلى الطريق، فقام ملاك الرب في طريق ضيق بين كرمين فرأت الأتانة ملك الرب ~~فزحمت الحائط وضغطت رجل بلعام في الحائط، فعاد يضربها أيضا، ثم عاد ملاك ~~الرب وقام في موضع ضيق حيث ليس لها موضع تحيد منه يمنة ولا يسره، فبصرت ~~بملاك الرب وربضت تحت بلعام، فاشتد غضب بلعام وضرب الأتان بالعصا، وفتح ~~الرب فم الأتان وقالت لبلعام: ما الذي صنعت بك حتى ضربتني ثلاث مرات؟ قال ~~بلعام: لأنك زريت بي، ولو أنه كان في يدي سيف كنت قد قتلتك الآن، فقالت: ms1682 ~~ألست أتانتك التي تركبني منذ صباك إلى اليوم؟ هل صنعت مثل هذا الصنع قط؟ ~~قال لها: لا وجلى الرب عن بصر بلعام فرأى ملك الله قائما في الطريق ~~مخترطا سيفه ممسكه بيده، فجثا وخر على وجهه ساجدا، فقال له ملاك الرب: ~~ما بالك ضربت أتانك ثلاث مرات أنا الذي خرجت لأكون لك لدادا، لأنك أخذت ~~في طريق خلافا لأمري، فلما رأتني الأتان حادت عني ثلاث مرات، ولو أنها ~~لم تحد عني كنت قتلتك وأبقيت عليها، قال بلعام لملاك الرب: أسأت وأجرمت، ~~لم أعلم أنك قائم بإزائي في الطريق، فالآن إن كان انطلاقي مما تكرهه ~~رجعت، قال ملاك الرب لبلعام: انطلق مع القوم وإياك أن تفعل شيئا إلا ما ~~أقول لك! فانطلق بلعام، فسمع بالاق فخرج ليتلقاه وقال بالاق: لم تأتني؟ ~~قال: قد أتيتك الآن، لعلك تظن أني أقدر أن أقول شيئا إلا القول الذي ~~يجريه اللهعلى لساني به أنطق، فلما كان الغد عمد بالاق إلى بلعام وأصعده ~~إلى بيت بعل الصنم، فرأى من هناك أقاصي منازل شعب إسرائيل، وقال بلعام ~~لبالاق: ابني لي هاهنا سبعة مذابح، وهيىء لي سبعة ثيران وسبعة كباش، وفعل ~~بالاق كما قال له بلعام، ورفع بالاق الكباش والثيران على المذبح قربانا، ~~وقال بلعام لبالاق: قم هاهنا عند قرابينك حتى أنطلق أنا، لعل الرب يوحي ~~إلي ما أهواه، وأنا مظهر لك ما يوحي به، فانطلق فظهر الله وألهمه قولا ~~وقال له: انطلق إلى بالاق وقل له هذا القول، فأتاه وهو قائم عند قرابينه ~~وجميع قواد مؤاب معه، ورفع بلعام صوته بأمثاله وقال:ساقني بالاق ملك ~~المؤابيين من أرام التي في المشرق، وقال لي: أقبل حتى تلعن يعقوب وتهلك ~~آل إسرائيل، فكيف ألعنه ولم يلعنه الله، وكيف أهلكه والرب لا يريد هلاكه، ~~رأيته من رؤوس الجبال، ونظرت إليه من فوق الآكام وإذا هو شعب وحده لا يعد ~~مع الشعوب، ومن يقدر يحصي جميع عدد يعقوب، أو من يقدر يحصي عدد ربع بني ~~إسرائيل، تموت نفسي موتا ويكون آخري إلى ms1683 آخرهم، قال بالاق لبلعام: دعوتك ~~لتلعن أعدائي فإذا أنت تباركهم وتدعوا لهم، فرد بلعام قائلا: الذي ~~يلهمني الرب ويجري على لساني إياه أحفظ، وبه أنطق: قال له بالاق: مر معي ~~إلى موضع آخر لنراهم من هناك، وإنما أسوقك لترى آخرهم ولا تراهم أجمعين، ~~وانطلق به إلى حقل الربية وأقامه على رأس الأكمة، وابتنى هناك سبعى ~~مذابح، وقرب عليها الثيران والكباش، قال بلعام: قف هاهنا عند قرابينك حتى ~~أنطلق أنا الآن، فانظر ما الذي يقال؟ وتجلى الرب على بلعام وأجرى على فيه ~~قولا وقال له: انطلق إلى بالاق فأخبره بهذا القول، فأتاه وهو قائم عند ~~قرابينه ومعه أشراف مؤاب، فرفع بلعام صوته بأمثاله وقال؛ انهض بالاق ~~واسمع قولي وأصغ لشهادتي يا ابن صفور! اعلم أن الله ليس مثل الرجل يحلف ~~ويكذب؛ إذا قال الرب قولا فعله، وكلامه دائم إلى الأبد، ساقني لأعود ~~وأبرك، ولا أرد البركة ولا أخالف ما أمرت به، لست أرى في آل يعقوب إثما ~~ولا غدرا عند بني إسرائيل ولا ظلما، لأن الله ربه معه الله الذي أخرجهم ~~من مصر بعزة وعظمة قوية، ولست أرى في آل يعقوب طيرة، ولا حساب نجوم أو ~~عراف بين بني إسرائيل، كيف أقول والشعب قائم مثل الضرغام لا يربض حتى ~~يفترس فريسته ويشرب دم القتل، فقال بالاق لبلعام: أطلب أن لا تلعنه ولا ~~تدعوا له، فرد بلعام على بالاق قائلا: ألست قلت لك: إني إنما أنطق بما ~~يقول لي الرب، فقال بالاق:انطلق بنا إلى موضع آخر، لعل الله يرضى بغير ~~هذا فتلعنه لي هناك، فأصعده إلى رأس فغور الذي بإزاء إستيمون، فأمره بمثل ~~ما تقدم من الذبح والقربان، فرأى بلعام أن الرب يحب أن يدعو لبني ~~إسرائيل، ولم ينطلق كما كان ينطلق في كل وقت ليطلب الوحي، ولكن أقبل ~~بوجهه إلى البرية ومد بصره، فرأى بني إسرائيل نزولا قبائل قبائل فحل ~~عليه روح الله، ورفع صوته بأمثاله وقال: قل يا بلعام بن بعور، قل أيها ~~الرجل الذي أجلى عن بصره، قل أيها ms1684 الذي سمع قول الله ورأى رؤيا الله وهو ~~ملقى وعيناه مفتوحتان، ما أحسن منزلك يا يعقوب ومنازلك يا إسرائيل! وخيمك ~~كالأدوية الجارية، ومثل الفراديس التي على شاطىء النهر، ومثل الجنى الذي ~~ركزه الله، ومثل شجر الأرز على شاطى النهر يخرج رجل من بينه وذريته أكثر ~~من الماء الكثير، ويعظم على الملك، وذلك بقوة الله الذي أخرجهم من أرض ~~مصر بغير توقف رثما، يأكل خيرات الشعوب أعدائه ويكسر عظامهم ويقطع ~~ظهوهم، رتع وربض كالأسد ومثل شبل الليث، ومن يقدر أن يبعثه، يبارك ~~مباركوك ويلعن لاعنوك، فاشتد غضب بالاق على بلعام وصفق بيديه متلهفا ~~وقال: دعوتك للعن أعدائي، فماذا أنت تباركهم وتدعو لهم ثلاث مرات، انصرف ~~الآن إلى بلادك، قد كنت عزمت على إكرامك وإجازتك فإذا الرب قد أحرمك ذلك، ~~فرد بلعام على بالاق قائلا: قد كنت قلت لرسلك الذين أرسلتهم إلي أنه لو ~~وهب لي بالاق ملء بيته من ذهب وفضة لم أقدر أتعدى عن قول الرب، ولكن إنما ~~انطق ما يلهمني الرب، فأنا أنطلق الآن إلى أرضي، فأسمع ما أشير عليك ~~وأخبرك ما يصنع هذا الشعب بشعبك آخر الأيام، ثم رفع صوته بأمثاله وقال: ~~قل يا بلعام بن بعور قل أيها الرجل المجلى عن بصره! قل أيها الذي سمع قول ~~الله وعلم علم العلي ورأى رؤيا الله إذ هو ملقى وعيناه مفتوحتان! فإني ~~رأيته وإذا ليس ظهوره الآن وإن كان متدانفا، ونظرت في أمره وإذا ليس ~~بقريب، يشرق نجم من آل يعقوب، ويقوم رئيس من بني إسرائيل، ويهلك جبابرة ~~من مؤاب ويبيد جميع بني شيث، وتثير أدوم ميراثه، وساعير وراثة أعدائه ~~يصير له، ويستفيد بنو إسرائيل قوة بقوته - ونحو ذلك من الكلام الذي فيه ~~ما يكون سببا لا نسلاخه من الآيات، لكن ذكر المفسرون أنه أشار عليه ~~باختلاط نساء بلاده ببني إسرائيل متزينات غير ممتنعات ممن أرادهن منهم ~~ليزنوا بهن فيحل بهم الرجز، فوقع بهم ذلك، وهو الصواب لأنه ستأتي الإشارة ~~إليه في التوارة عند فتح مدين بقوله: لماذا أبقيتم ms1685 على الإثاث وهن كن ~~عثرة لبني إسرائيل عن قول بلعام ومشورته - وسيأتي ذلك قريبا، وما فيه من ~~ذكر الوحي فهو محمول على المنام أو غير ذلك مما يليق؛ ثم قال: وقام بلعام ~~ورجع منصرفا إلى بلاده وبالاق أيضا رجع إلى بيته، وسكن بنو إسرائيل ~~شاطيم، وبدأ الشعب أن يسفح مع بنات مؤاب، ودعون الشعب إلى ذبائح آلهتهم، ~~وأكل الشعب - من ذبائحهم وسجدوا لآلهتهم، وكمل بنو إسرائيل لعبادة بعليون ~~الصنم، فاشتد غضب الله على بني إسرائيل، فقال الرب لموسى اعمد إلى جميع ~~بني إسرائيل فافضحهم، فقال موسى: يقتل كل رجل منكم كل من أخطأ وسجد ~~لبعليون، وإذا رجل من بني إسرائيل قد أتى بجرأة أمام إخوته من غير أن ~~يستحي، فدخل على امرأة مدينية وموسى وبنو إسرائيل يبكون في باب قبة ~~الآمد، فرآه فنحاس بن اليعازر بن هارون الحبر فنهض من الجماعة غضبا لله ~~وأخذ بيده رمحا ودخل إلى بيت الذي كانا فيه فطعنهما بالرمح فقتلهما، فكف ~~الموت الفاشي عن بني إسرائيل، وكان عدد الذين ماتوا في الموت البغتة ~~أربعة وعشرين ألفا، وكلم الرب موسى وقال له: فنحاس صرف غضبي عن بين ~~إسرائيل وغار غيرة لله بينهم وطهر بني إسرائيل، وكان اسم القتيل الذي قتل ~~مع المدينية زمري ابن سلو، وكان رئيسا في قبيلة شمعون، وكانت المرأة ~~المدينية كزبى بنت صور، وكان أبوها - من رؤساء أهل مدين، وقال بعض ~~المفسرين: أنه خرج رافعا الحربة إلى السماء، قد اعتمد بمرفقه على ~~خاصرته، وأسند الحربة إلى لحيته، فمن هنالك يعطي بنو إسرائيل ولد فنحاس ~~من كل ذبيحة القبة والذراع واللحي والبكر من كل أموالهم وأنفسهم لأنه كان ~~بكرا لعيزار بن هارون. # ثم كلم الرب موسى وقال له: ضيق على أهل مدين وأهلكهم كما ضيقوا عليكم ~~ولحسوكم، ثم قال: ثم كلم الرب موسى وقال له: إني لمنتقم من المدينيين ما ~~صنعوا بين بني إسرائيل، ثم تقتص إلى شعبك، ثم قال موسى للشعب: يتسلح منكم ~~قوم للحرب لينتقموا للرب من المدينيين، وليكونوا اثنى عشر ألفا، ms1686 فانتخب ~~موسى من بني إسرائيل ألفا من كل سبط، اثنى عشر أبطالا متسلحين وأرسلهم، ~~وصير قائدهم فنحاس بن اليعازر الحبر ومعه أوعية القدس وقرون ينفخ بها، ~~وتقووا على مدين كما أمر الرب موسى وقتلوا كل ذكر فيها وقتلو ملوك مدين ~~مع القتلى، وقتل بلعام بن بعور معهم في الحرب، وسبى بنو إسرائيل نساء ~~مدين وانتهبوا مواشيهم وسلبوا جميع دوابهم وأموالهم وأخربوا جميع قرى ~~مساكنهم وأتو بما انتهبوه إلى موسى، وخرج موسى وجميع عظماء الجماعة ~~فتلقوهم خارج العسكر، وغضب موسى على رؤساء الأحبار ورؤساء الألوف والمئين ~~الذي أتوه من الحرب فقال لهم: لماذا أبقيتم على الإناث وهن كن عثرة لبني ~~إسرائيل عن قول بلعام ومشورته، وفتنوا وغدروا وتمردوا على الرب في أمر ~~فغور - وفي نسخة السبعين: فإن هؤلاء كن شيئا لبني إسرائيل لقوم بلعام أن ~~يتباعدوا ويتهاونوا بكلمة الرب من أجل فغور - فواقعت السخطة جماعة الرب - ~~وفي النسخة الأخرى: وتسلط الموت على جماعة الرب - بغتة، فاقتلوا الآن ~~جميع الذكورة من الصبيان، وكل امرأة أدركت وعقلت وعرفت الرجال فاقتلوها، ~~وأبقوا على جميع النساء اللواتي لم يعرفن الرجال وأما أنتم فانزلوا ~~خارجا عن العسكر سبعة أيام - إلى آخر ما مضى قريبا في الآصار. ### || [7.179-184] # ولما انقضت هذه القصص فأسفرت عن أن أكثر الخلق هالك، صرح بذلك فقال ~~مقسما لأنه لا يكاد يصدق أن الإنسان يكون - أضل من البهائم،عاطفا على ~~ما تقديره: هؤلاء الذين قصصنا عليكم أخباركم ذرأناهم لجهنم: { ولقد } ~~وعزتنا وجلالنا { ذرأنا } أي خلقنا بعظمتنا وأنشأنا وبثثنا ونشرنا { ~~لجهنم كثيرا } أي وألجأناهم إليها ولم يجعل بينهم وبينها حائلا. # ولما كانوا يعظمون الجن ويخافونهم ويضلون بهم، بدأ بهم فقال: { من الجن ~~} أي بنصبهم أنفسهم آلهة بإضلالهم الإنس في تزيين عبادتهم غير الله، فهم ~~في الحقيقة المعبودون لا الحجارة، ونحوها { والإنس } أي بعبادتهم لمن لا ~~يصلح، وعلم أن الآية صالحة لأن تكون معطوفة على الجملة التي قبلها فهي من ~~فذلكة ما تقدم. # ولما كان كأنه قيل: ما لهم رضوا لأنفسهم بطريق جهنم؟ قيل: { لهم } ولما ms1687 ~~كان السياق للتفكر، بدأ بالقلوب فقال: { قلوب لا يفقهون بها } أي الفقه ~~الذي كلفوا به، وهو النظر في أدلة التوحيد وثبوت النبوة وما تفرغ عن ذلك، ~~وهو الفقه المسعد، عد غيره عدما لأنه لم ينفعهم النفع المقصود في ~~الحقيقة، وما أحسن التعبير بالفقه في السياق إقامه الأدلة التي منها ~~إرسال الرسل وإنزال الكتب. # ولما كان البصر أعم من السمع، لأنه ينتفع به الصغير الذي لا يفهم القول، ~~وكذا كل من في حكمه، قدمه فقال: { ولهم أعين } ولما لم يترتب عليهما ~~الإبصار النافع في الآخرة الباقية، نفى إبصارهم وإن كانوا أحد الناس ~~إبصارا فقال: { لا يبصرون بها } أي الآيات المرئية إبصار تفكر واعتبار { ~~ولهم آذان } ولما لم يترتب على سمعها ما ينفعهم، نفاه على نحو ما مضى ~~فقال: { لا يسمعون بها } أي الآيات المسموعة وما يدل عليها سماع ادكار ~~وافتكار، ولما سلبت عنهم هذه المعاني كانت النتيجة: { أولئك } أي البعداء ~~من المعاني الإنسانية { كالأنعام } أي في عدم الفقه، ولما كانوا قد زادوا ~~على ذلك تفقد نفع السمع والبصر قال: { بل هم أضل } لأنهم إما معاند وإما ~~جاهل بما يضره وينفعه، والأنعام تهرب إذا سمعت صوتا منكرا فرأت بعينها ~~أنه يترتب عليه ضرها، وتنتظر ما ينفعها من الماء والمرعى فتقصده، ~~والأنعام لا قدرة لها على ما يترتب على هذه المدارك من الفقه. وهؤلاء مع ~~قدرتهم على ذلك أهملوه فنزلوا عن رتبتها درجة كما أن من طلب الكمال وسعى ~~له سعيه مع نزاع الشهوات علا عن درجة الملائكة بما قاسى من الجهاد. # ولما تشاركوا الأنعام بهذه في الغفلة وزادوا عليها، أنتج ذلك قطعا على ~~طريق الحصر: { أولئك } أي البعداء البغضاء { هم } أي خاصة { الغافلون* } ~~لا الأنعام، فإنها - وإن كانت غافلة عما يراد بها - غير خالدة في العذاب، ~~فلم تشاركهم في العمى والصمم عما ينفعها ولا في الغفلة عن الخسارة ~~الدائمة، فقد أشارت الآية إلى تفضيل الإنسان على الملك كما اقتضته سورة ~~الزيتون، لأنه جعل في خلقه وسطا بين الملك الذي هو عقل صرف ms1688 والحيوان ~~الذي هو شهوة مجردة، فإن غلب عقله كان أعلى بما عالجه من جهاد الشهوات ~~فكان في # أحسن تقويم # [التين: 5] وإن غلبت شهوته كان اسفل من الحيوان بما أضاع من عقله فكان # أسفل سافلين # [التين: 5]. # ولما أنتج هذا أن لهم الأسماء السوأى ولمعبوداتهم أسوأ منها، عطف عليه ~~دفعا لوهم من يتوهم بالحكم بالضلال والذرء لجهنم ما لا يليق، وتنبيها ~~على أن الموجب لدخول جهنم الغفلة عن ذكر الله ودعائه - قوله: { ولله } أي ~~الملك الأعلى المحيط بجميع صفات الكمال وحده { الأسماء } ولما كان الاسم ~~إذا لحظت فيه المناسبة كان بمعنى الصفة، أنث في قوله { الحسنى } أي كلها ~~باتصافه دون غيره بصفات الكمال التي كل واحدة منها أحسن شيء وأجمله ~~وتنزهه عن شوائب النقص وسمات الحدث، فكل أفعاله حكمة وإنما كان مختصا ~~بذلك لأن الأشياء غيره ممكنه لتغيرها، وكل ممكن محتاج وأدنى ما يحتاج إلى ~~مرجح يرجح وجوده، وبذلك نعلم وجود المرجح ونعلم أن ترجيحه على سبيل الصحة ~~والاختيار لا الوجوب، وإلا لدام العالم بدوامه، وبذلك ثبتت قدرته، وتكون ~~أفعاله محمكه ثبت علمه فثبتت حياته وسمعه وبصره وكلامه وإرادته ~~ووحدانيته، وإلا لوقع التنازع فوقع الخلل، فالعلم بصفاته العلى ليس في ~~درجة واحدة بل مترتبا، وعلم بهذا أن الكمال له لذاته، وأما غيره فكماله ~~به وهو بذاته غرق في بحر الفناء واقع في حضيض النقصان { فادعوه } أي ~~فصفوه وسموه واسألوه { بها } لتنجوا من جهنم وتنالوا كل ما تحمد عاقبته، ~~فإن القلب إذا غفل عن ذكر الله أقبل على الدنيا وشهواتها فوقع في نار ~~الحرص وزمهرير الحرمان ولا يزال في رغبة إلى رغبة حتى لا يبقى له مخلص، ~~وإذا أقبل على الذكر تخلص عن نيران الآفات واستشعر بمعرفة الله حتى تخلص ~~من رق الشهوات فيصير حرا فيسعد بجميع المرادات، وكثرة الأسماء لا تقدح ~~في التوحيد بل تدل على عظيم المسمى { وذروا } أي اتركوا على حالة ذرية { ~~الذين يلحدون } أي يميلون عما حد لهم بزيادة فيشبهوا أو نقص فيعطوا { في ~~أسمائه } أي فيطلقونها على غيره ms1689 بأن يسموه إلها، فيلزمهم أن يطلقوا عليه ~~جميع أوصاف الإله. فقد ألحدوا في البعض بالفعل وفي الباقي باللزوم، أو ~~بأن يسموه بما لم يأذن فيه، وما لم يأذن فيه تارة يكون مأذونا فيه في ~~الجملة كالضار فلا يجوز ذكره إلا مع النافع، وتارة لا، مثل إطلاق الأب ~~عليه والجسم، وكذا كل ما أوهم نقصا، فلم يكن أحسن، ولورود إطلاق بعض ~~اشتقاقاته عليه مثل علم لا يجوز أن يقال لأجله:معلم، وكذا لحبهم لا يجوز ~~لأجله أن يقال: ياخالق الديدان والقردة مثلا، وكذا لا يجوز أن يذكر اسم ~~لا يعرف الذاكر معناه ولو كان الناس يفهمون منه مدحا كما يقول البعض ~~البدو: يا أبيض الوجه! يا أبا المكارم! فإن ذلك كله إلحاد، وهذا الفعل ~~يستعمل مجردا فيقال: لحد في كذا وألحد فيه - بمعنى واحد، وهو العدول عن ~~الحق والإدخال فيه ما ليس منه - نقله أبو حيان عن ابن السكيت؛ وقال ~~الإمام أبو القاسم علي بن جعفر بن القطاع في كتاب الأفعال: لحد الميت ~~لحدا وألحده: شق له القبر، وإلى الشيء وعنه وفي الدين: مال، وقرئ بهما ~~كذلك. # ولما كان كأنه قيل: فما يفعل بمن ألحد؟ وكان المرهب إيقاع الجزاء،لا ~~كونه من معين، قال بانيا للمفعول: { سيجزون } أي في الدنيا والآخرة بوعد ~~لا خلف فيه { ما كانوا } أي بجبلاتهم { يعملون* } أي فيفعل بهم من أنواع ~~الإهانة والعقوبة ما يوجب وصفهم بأقبح الأوصاف ضد ما كانوا يسمعونه في ~~الدنيا ممن يدانيهم. # ولما أخبر تعالى عن ذرء جهنم من القبلتين، تشوف السامع إلى معرفة حال ~~الباقين منهما، فقال مصرحا بالخبر عنهم عاطفا على { ولقد ذرأنا } ~~[الأعراف: 179] مشيرا بمن التبعيضية إلى قتلهم تصديقا لقوله # وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين # [الأعراف: 102] { وممن خلقنا } أي بما لنا من العظمة { أمة } أي جماعة ~~عرفت من هو أهل لأن يؤم ويهتدى به فقصدته فاقتبست من أنواره فصارت هي ~~أهلا لأن تقصد ويؤتم بها. # ولما أفهم لفظ الأمه هذا صرح به في قوله: { يهدون بالحق } أي الثابت ~~الذي يطابقه الواقع { وبه } أي ms1690 الحق خاصة { يعدلون* } أي يجعلون الأمور ~~متعادلة، لا زيادة في شيء منها على ما ينبغي ولا نقص، لأنا وفقناهم ~~فكشفنا عن بصائرهم حجاب الغفلة التي ألزمناها أولئك، قال أكثر المفسرين: ~~هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ورواه بعضهم عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأبهم الأمر بعد تعيين قوم موسى عليه السلام تعظيما لهم. # ولما بين حال الهادين المهديين، وكان أصل السياق الضالين المضلين، أتبعه ~~بقية الحديث عنهم على وجه ملوح بأن علة الهداية التوفيق، فقال عاطفا على ~~تقديره: فنحن نعلي أمرهم ونطيب ذكرهم: { والذين كذبوا } أي نسبوا الرسل ~~إلى الكذب بسبب إتيانهم { بآياتنا } على ما يشاهد من عظمتها { سنستدرجهم ~~} أي نستنزلهم ونستدنيهم بوعد لا خلف فيه إلى ما نريد بهم من الشر العظيم ~~درجة درجة بسبب أنهم كلما أحدثوا جريمة أسبغنا عليهم نعمة، وإذا عملوا ~~طاعة قصرنا عنهم في الإنعام، أو ضربناهم بسوط الانتقام، فيظنون أن ~~المعاصي سبب النعم فينسلخون من الدين، ولذلك قال: { من حيث لا يعلمون } ~~أي فيرتكبون ما يتعجب من مداناته فضلا عن مباشرته ومعاناته من له أدنى ~~بصيرة حتى يكمل ما نريد منهم من المعاصي، وهو من أدلة { سأصرف عن آياتي } ~~وأتى في الاستدراج بأداة العظمة وفي الإملاء بضمير الواحد فقال { وأملي ~~لهم } أي أمهلهم بوعد جازم زمانا طويلا وأمد لهم وهم يعصون حتى يظنون ~~أن الله يحبهم حتى يزيدوا في ذلك لأنهم لا يفعلون شيئا إلا بمرادي ولا ~~يفوتوني ولم يأت بهما على نهج واحد، لأن الاستدراج يكون بواسطة وبغيرها، ~~فكأنه قال: سأستدرجهم بنفسي من غير واسطة تارة وبمن أتيح لهم النعم على ~~يده من عبيدي وجنودي أخرى، وأما الإملاء وهو تطويل الأجل - فلا يتصور أن ~~يكون إلا من الله تعالى. # ولما كان هذا موجبا لهم - ولابد - الإصرار على المعاصي حتى يصلوا إلى ~~ما حكم عليهم به من النار، قال مستأنفا { إن كيدي } أي فعلي الذي ظاهرة ~~رفعة وباطنه ضيعة - ظاهره إحسان وباطنه خذلان { متين* } أي شديد قوي لا ~~يمكن أحدا قطعه، قال ms1691 الإمام بعد تأويل للمعتزله حملهم عليه إيجابهم ~~رعاية الأصلح: وأنا شديد التعجب من المعتزله، يرون القرآن كالبحر الذي ~~لاساحل له مملوءا من هذه الآيات، والدلائل العقلية القاهرة مطابقة لها، ~~ثم يكتفون في تأويلها - أي عن أنه تعالى يريد الشر - بهذه الوجوه الضعيفة ~~إلا أن علمي بما أراد الله كائن، مزيل هذا التعجب. # ولما كان السياق من أول السورة لإنذارهم، وكان لا بد في صحة الإنذار من ~~تصحيح الرسالة، وختم بأمر الاستدراج، وكانوا قد واقعوا من المعاصي ما لا ~~يجترىء عليه إلا مطموس البصيرة، وكان عندهم أن من قال: إنهم على حال ~~سيىء، - مع ما هم فيه من النعم الظاهر - مجنون، وكان التقدير دلالة على ~~صحة الاستدراج؛ ألم يروا أنهم يقدمون على ما لا يرضاه لنفسه عاقل من ~~عبادتهم للحجر وشماختهم عن أكمل البشر ووصفه بالجنون ووصفهم أفضل الكلام ~~بالسحر والكذب إلى غير ذلك مما يغضب من ليس النفع والضر إلا بيده، وهو مع ~~ذلك يوالي عليهم النعم، ويدفع عنهم النقم، هل ذلك إلا استدراج؛ قال ~~منكرا عليهم عطفا على ما أرشد السياق والعطف على غير معطوف عليه إلى ~~تقديره: { أولم يتفكروا } أي يعملوا أفكارهم ويمعنوا في ترتيب المقدمات ~~ليعلموا أنه لا يتوجه لهم طعن يورث شبهة بوجه من الوجوه، وبين المراد من ~~هذا التفكر وعينه بقوله: { ما بصاحبهم } أي الذي طالت خبرتهم لأنه أمتنهم ~~عقلا وأفضلهم شمائل ولم يقل: ما برسولي ونحوه، لئلا يقول متعنتهم مالا ~~يخفى، وأعرق في النفي فقال: { من جنة } أي حالة من حالات الجنون. # ولما نفى أن يكون به شيء مما نسبوه إليه وافتزوه عليه فثبتت رسالته، حصر ~~أمره في النذارة لأنها النافعة لهم مع أن المقام لها في هذه السورة فقال: ~~{ إن } أي ما { هو إلا نذير } أي بالغ في نذارته { مبين* } أي موضح ~~للطريق إيضاحا لا يصل إلى غيره، ومن أدلة ذلك عجز الخلق عن معارضة شيء ~~مما يأتي به من أنه أحسن الناس خلقا وأعلاهم خلقا وأفضلهم عشرة ~~وأرضاهم طريقة وأعدلهم سيرة وأطهرهم ms1692 سريرة وأشرفهم عملا وأحكمهم علما ~~وأرصنهم رأيا وأعظمهم عقلا وأشدهم أمانة وأظهرهم نبلا. ### || [7.185-188] # ولما كان النظر في أمر النبوة مفرعا على تقرير أدلة التوحيد، وكان ~~المقصود من الإنذار الرجوع عن الإلحاد، قال منكرا عليهم عدم النظر في ~~دلائل التوحيد الراد عن كل حال سيىء: { أولم } ولما كان الأمر واضحا ~~قال: { ينظروا } أي نظر تأمل واعتبار، ودل على أنه بالبصيرة لا البصر ~~بالصلة، فقال إشارة إلى كل ذرة فيها دلائل جمة { في ملكوت } وعظم الأمر ~~بقوله: { السماوات والأرض } أي ملكهما البالغ من حد العظمة أمرا باهرا ~~بظاهره الذي يعرفونه وباطنه الذي يلوح لهم ولا يدركونه. # ولما كانت أدلة التوحيد تفوت الحصر، ففي كل ذرة برهان قاهر ودليل ساطع ~~باهر، قال؛ { وما } أي وفيما { خلق الله } أي على ما له من الجلال ~~والجمال { من شيء } أي غيرهما، ليعلموا أنه لا يقدر على شيء من ذلك فضلا ~~عن ذلك غيره، ويتحققوا أن كتابه سبحانه مباين لجميع مخلوقاته فيعلموا أنه ~~صفته سبحانه وكلامه، فلا يلحدوا في أسمائه فلا يسموا بشيء منها غيره لما ~~ظهر لهم من تمام قدرته وتمام عجز غيره عن كل شيء ومن شمول علمه وتناهي ~~جهل غيره بكل شيء إلى غير ذلك حتى يعلموا بعضامة هذا الكون أنه سبحانه ~~عظيم، وبقهره لك شيء أنه قهار شديد، وبعجزه كل شيء عن كل شيء من أمره أنه ~~عزيز، وبإسباغه النعمة أنه رحيم كريم إلى غير ذلك من أسمائه الحسنى ~~وصفاته العلى التي تنطق الأشياء بها بألسنة الأحوال وتتحدث بها صدور ~~الكائنات وإن لم يكن لها مقال، ويشرحها كلام التدبير بما له من الكمال { ~~وأن عسى } أي وينظروا في الإشفاق والخوف من أنه ممكن وخليق وجدير { أن ~~يكون قد اقترب } أي دنا دنوا عظيما { أجلهم } أي الذي لا شك عندهم في ~~كونه بموته من موتات هذه الأمم التي أسلفنا أخبارهم كنفس واحدة أو ~~بالتدريج فيبادروا بالإيمان به خشية انخرام الأجل للنجاة من أعظم الوجل، ~~فإن كل عاقل إذا جوز خطرا ينبغي له أن ms1693 ينظر في عاقبته ويجتهد في الخلاص ~~منه. # ولما كان قد تقدم في أول السورة النهي عن التحرج من الإنذار بهذا ~~الكتاب، وبان بهذه الآيات أنه صلى الله عليه وسلم اتصف بالإنذار به حق ~~الاتصاف، وبان أن القرآن مباين لجميع المخلوقات، فثبت أنه كلام الله؛ ~~تسبب عن ذلك الإنكار على من يتوقف عن الإيمان به، والتخويف من إحلال أجله ~~قبل ذلك فيقع فيما لا يمكنه تداركه، وذلك في أسلوب دال على أن الإيمان ~~بعد هذا البيان مما لا يسوغ التوقف فيه إلا لانتظار كلام آخر فقال: { ~~فبأي حديث } أي كلام يتجدد له في كل واقعة بيان المخلص منها { بعده } أي ~~بعد هذه الرتبة العظيمة { يؤمنون* } فقد دلت هذه الآية على أن للإيمان ~~طريقين: أحدهما سمعي، والآخر عقلي، قال الحرالي في كتاب له في أصول ~~الفقه: الحكم إنما يتلقى من خطاب الله البالغ على ألسنة رسله، وقد اتضح ~~واشتهر أن السمع من طرق تفهم خطاب الله الذي تبلغه الرسل، وكذلك أيضا قد ~~تحقق لقوم من أولي الألباب أن الرؤية وسائر الحواس طريق من طرق تفهم خطاب ~~الله أيضا، يعي منه اللب العقلي معنى الإرسال في كتابه المخلوق كما يعي ~~العقل معنى الإرسال من مفهوم كلامه المنطوق، وقوم ممن فهم من مرئي كتاب ~~الله المشهود إرسالا ولقن أحكاما يسمون الحنيفيين كقس ابن ساعدة وزيد ~~بن عمرو بن نفيل، وقد شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن كل واحد ~~منهم " يبعث أمه واحدة " لاهتدائه من نفسه من غير رسالة هاد خارج عنه، بل ~~من رسول موجدته وإحساسه للعالم، ولأنه إنما أخذ بكلية حكم الإيمان ووجوب ~~المناصفة مع الخلق من شهود خلق الله، وصار مع ذلك يترقب تأكيد ما يحصل له ~~عقلا من مسموع خطاب الله، وعلى نحو هذه الحال - وأتم هي - حال الأنبياء ~~والصديقين قبل مورد الوحي على النبي وقبل سماع صديقه وارد وحيه، وهؤلاء ~~هم - الذين لا يتوقفون عن الإيمان بالنبي عند ابتداء دعوته، وكما أن ~~النبي لا يلزم ويحكم بل ms1694 يبلغ عن الله فكذلك نظر العقل لا يلزم ولا يحكم ~~بل يبلغ عن الله فيكون الحكم الذي هو تصرف الحق في أفعال الخلق بهذا على ~~ضربين، شرعي أي مأخوذ من الإرسال الشرعي، وعقلي أي مأخوذ من الإرسال ~~العقلي، وحاصل ذلك أن العالم المشهود مبين عن أمر الله، وكل مبين مبلغ، ~~فالعلم مبلغ أي بما يفهمه الفاهم من كلامه عن الله، فإن النحاة قالوا - ~~كما ذكره ابن عصفور في شرح الإيضاح لأبي علي وكذا غيره: إن الكلام في ~~الإصطلاح لا يقع الإ على اللفظ المركب وجودا أو تقديرا المفيد بالوضع، ~~قال: واحترزوا باللفظ عما يقال له كلام لغة وليس بلفظ كالخط والإشارة وما ~~في النفس وما يفهم من حال الشيء، وقال الحرالي: نحو حال الخجل والغضبان، ~~وبالفعل نحو الإشارة باليد والعقد بالأنامل وبآثار الفعل كالصنائع ~~والأعمال، وباللفظ الذي يلفظ به القلب إلى ظاهر اللسان، وبآثار رقوم ~~يحاذي بها حذو مفهوم اللفظ وهو الخط - انتهى. # ولما كان ذلك كله من أعجب العجب، كانت فذلكته قطعا تعليلا لما قبله من ~~إعراضهم عما لا ينبغي الإعراض عنه دليلا على أن الأمر ليس إلا بيد منزله ~~سبحانه قوله: { من يضلل الله } أي الذي له جميع العظمة { فلا هادي } ~~أصلا { له } بوجه من الوجوه؛ ولما دل بالإفراد على أن كل فرد في قبضته، ~~وكان التقدير: بل يستمر على ضلاله، وعطف عليه بضمير الجمع دلالة علىأن ~~جمعهم لا يغني من الله شيئا فقال: { ويذرهم } أي يتركهم على حالة قبيحة، ~~وعبر بالظرف إشارة إلى إحاطة حكمه بهم فقال: { في طغيانهم } أي تجاوزهم ~~للحدود حال كونهم { يعمهون } أي يتحيرون ويترددون في الضلال لا يعرفونه ~~طريقا ولا يفهمون حجة. # ولما بين التوحيد والنبوة والقضاء والقدر، أتبعه المعاد لتكمل المطالب ~~الأربعة التي هي أمهات مطالب القرآن، مبينا ما اشتمل عليه هذا الكلام من ~~تبلدهم في العمه وتلددهم في إشراك الشبه بقوله: { يسئلونك } أي مكررين ~~لذلك { عن الساعة } أي عن وقتها سؤال استهزاء { أيان مرساها } أي أي وقت ~~ثبات ثقلها واستقراره، والمرسى ms1695 يكون مصدرا وزمانا ومكانا، من رست ~~السفينة - إذا ثبتت بالحديدة المتشعبة، وإنما كان هذا بيانا لعمههم ~~فإنهم وقعوا بذلك في الضلال من وجهين: السؤال عما غيره لهم أهم، وجعله ~~على طريق الاستهزاء مع ما قام عليه من الأدلة، وسيكرره في هذه السورة، ~~وكان اللائق بهم أن يجعلوا بدل السؤال عنها اتقاءها بالأعمال الصالحة. # ولما كان السؤال عن الساعة عاما ثم خاصا بالسؤال عن وقتها، جاء الجواب ~~عموما عنها بقوله: { قل إنما علمها } أي علم وقت إرسائها وغيره { عند ~~ربي } أي المحسن إلي بإقامتها لينعم على تبعني وينتقم ممن تركني، لم ~~يطلع على ذلك أحدا من خلقه، ولا يقيمها إلا في أحسن الأوقات وأنفعها لي، ~~وإخفاؤها أنفع للخلق لأنه أعظم لشأنها وأهيب، فيكون أدعى إلى الطاعة ~~وأزجر عن المعصية وأقرب إلى التوبة، ثم خصصت من حيث الوقت بقوله مشيرا ~~إلى أن لها أشرطا تتقدمها: { لا يجليها } أي يبينها غاية البيان { ~~لوقتها إلا هو }. # ولما كان قد أشار إلى ثقل الساعة بالإرساء، وكان الشيء إذا جهل من بعض ~~الوجوه أشكل وإذا أشكل ثقل،قال: { ثقلت } أي الساعة فغاصت إلى حيث لم ~~يتغلغل إليها علم العباد فأهمهم كلهم علي شأنها، ولذلك عبر بالظرف فقال: ~~{ في السماوات والأرض } أي نسبة أهلهما إلى خفائها والخوف منها على حد ~~سواء لأن مالكها قادر على ما يشاء، وله أن يفعل ما يشاء - ثم قرر خفاءها ~~على الكل فقال: { لا تأتيكم } أي في حالة من الحالات { إلا بغتة } أي على ~~حين غفلة. # ولما كانوا قد ألحفوا في سؤاله صلى الله عليه وسلم عنها، وكانت صفة ~~الربوبية المذكورة في الجملة الأولى ربما حملت على سؤاله طمعا في تعرفها ~~من المحسن إليه، قطع الأطماع بقوله مؤكدا للمعنى: { يسئلونك } أي عن ~~الساعة مطلقا في وقت وقوعها وما يحصل من أمورها ويحدث من شدائدها، أي ~~ويلحفون في سؤالك كلما أخبرتهم أنه لا يعلمها إلا الله { كأنك حفي } أي ~~عالم بأمرها مستقص مبالغ في السؤال { عنها قل } أي قطعا لسؤالهم { إنما ~~علمها عند الله ms1696 } أي الذي له جميع العزة والعظمة والكبرياء فلا يستطاع ~~علم شيء مما عنده إلا بإذنه، ولم يأذن في علمها لأحد من الخلق { ولكن ~~أكثر الناس } أي الذين غلبت عليهم صفة الاضطراب { لا يعلمون } أي ليسوا ~~من أهل العلم فهم بالسؤال عنها يستهزئون، ولو كانوا من أهله ما كذبوك، ~~فوقعوا ما لا يعنيهم من السؤال عنها وغيره من أنواع التعنت، وتركوا ما ~~ينجيهم ويغنيهم من المبادرة إلى الإيمان بهذا القرآن خوف انخرام الآجال ~~وهم يهيمون في أدوية الضلال. # ولما كان علم الغيب ملزوما لجلب الخير ودفع الضير،وكانت الساعة أدق علم ~~الغيب، أمره بنفي هذا اللازم فينتفي الأعم فينتفي بانتفائه الأخص، وقدم ~~النفع لأنه أهم إلى النفس، وليس في السياق ما يوجب تأخيره بخلاف ما في ~~سورة يونس عليه السلام، فقال آمرا بإظهار ذل العبودية: { قل لا أملك } ~~أي في وقت من الأوقات أصلا { لنفسي نفعا } أي شيئا من جلب النفع ~~قليلا ولا كثيرا { ولا ضرا } كذلك، فإن قدرتي قاصرة وعلمي قليل، وكل ~~من كان عبدا كان كذلك. # ولما كان من المعلوم بل المشاهد أن كل حيوان يضر وينفع، أعلم أن ذلك ~~إنما هو بالله فقال: { إلا ما شاء الله } أي الذي له الأمر كله ولا أمر ~~لأحد سواه أن يقدرني عليه. # ولما بين لهم بهذا أن سؤالهم عن الساعة وغيرها من المغيبات جهل منهم، ~~لأن حاله واضح في أنه لا يعلم من ذلك إلا ما علمه الله الذي اختص بعلم ~~الغيب، دل عليه بقوله: { ولو كنت } أي من ذاتي { أعلم الغيب } أي جنسه { ~~لا ستكثرت } أي أوجدت لنفسي كثيرا { من الخير } باستجلاب المنافع بنصب ~~أسبابها. # ولما كان الضر لا يحتمل منه شيء قال: { وما مسني السوء } أي هذه الجنس ~~بإقامة الموانع له عني لأن لازم إحاطة العلم شمول القدرة كما سيقرر إن ~~شاء الله تعالى في سورة طه، ولما بين أن علم الغيب رتبة الإله، ختم الآيه ~~ببيان رتبته، فقال قالبا ما أدعوه فيه من الجنون لما بان بقوله: # " يا بني ms1697 عبد مناف! اتقوا الله، يا بني فلان يا بني فلان " # وكذا ما لزم عن إلزامهم له بعلم الساعة من أنه يكون إلها: { إن أنا إلا ~~} ولما كانت السورة للإنذار، قدمه فقال: { نذير } أي مطلقا للكافر ليرجع ~~عن كفره، والمؤمن ليثبت على إيمانه { وبشير لقوم يؤمنون* } أي خاصة، أو ~~الصفتان لهم خاصة بالنظر إلى النفع، وأما ما لا نفع فيه فعدم. ### || [7.189-196] # ولما ذكر سبحانه الساعة هنا كما ذكرها أول السورة بما لم يذكره هناك من ~~تهكمهم واستهزائهم، وختم هنا بحصر العلم والقدرة في الله الموجب لتفرده ~~بالإلهية، وكان الذي جرهم إلى ذلك الاستهزاء إشراكهم، ذكر ما ذكر قبلها ~~أول السورة من ابتداء الخلق على وجه الحصر المستلزم لتمام القدرة الموجب ~~لنفي الشريك واعتقاد القدرة على الساعة وغيرها والصدق في كل ما وقع ~~الإخبار به من أمرها وغيره الموجب للاستقامة في قبول بشارته ونذارته ~~والإقبال بالكلية على الخالق، فقال مقررا للتوحيد مؤكدا لأمره: { هو } ~~أي وحده { الذي خلقكم } أي ولم تكونوا شيئا { من نفس واحدة } أي خلقها ~~ابتداء من تراب وهي آدم عليه السلام - كما مر بيانه، ومن قدر على اختراع ~~حي من شيء ليس له أصل في الحياة، كان على إعادته حيا من ذلك الشيء بعد ~~أن صار له أصل في الحياة أقدر. # ولما كان آدم عليه السلام بعد صيرورته لحما ودما أقرب إلى السببية ~~لخلق ذات لحم ودم منه، قال معبرا بالواو لأنه كاف في نفي الشرك الذي ~~السياق للتحذير منه بخلاف الزمر فإنه للقهر، وتأخير المسببات عن الأسباب ~~مدة أدل عليه لأنه خلاف الأصل، { وجعل } لأن الجعل - كما قال الحرالي - ~~إظهار أمر عن سبب وتصيير { منها } أي لا من غيرها { زوجها } أي حواء من ~~لحمها ودمها وعظمها. # ولما كان المراد بالنفس آدم عليه السلام وكان الزوج يقال على الذكر ~~والأنثى، استخدم ضميره في المذكر ذاكرا علة الجعل بقوله: { ليسكن } أي ~~آدم هو المراد بالنفس هنا، ولما كان الزوج هنا هو المرأة أنث الضمير ~~فقال: { إليها } وتنقلكم من ذلك ms1698 السكون منه إليها - لأن النفس إلى الجنس ~~أميل وعليه أقبل، ولا سيما إن كان بعضا، ألا ترى إلى محبة الوالد لولده ~~والقريب لقريبه، وإنما منع سبحانه من نكاح الأصل والفرع لما في ذلك من ~~الضرار وغيره من الحكم الكبار، فيغشاها عند ما يسكن إليها فيحصل الحبل ~~والولادة فتتفرع النفوس من تلك النفس. # ولما كان السكون هنا كناية عن الجماع، أعاده بلفظ أقرب منه - فقال ~~مؤذنا بقرب غشيانها بعد جعلها، أو ناسقا له على ما تقديره: فسكن إليها ~~فمالت نفسه إليها فلم يتمالك أن غشيها { فلما تغشاها } أي غشيها آدم ~~عليه السلام المعبر عنه بالنفس بهمة عظيمة { حملت حملا خفيفا } أي لأنه ~~نطفة { فمرت به } أي فعالجت به أعمالها وقامت وقعدت، لم يعقها عن شيء من ~~ذلك، إعلاما بأن أمرها فيه كان على عادة النساء التي نعرفها { فلما ~~أثقلت } أي صارت ثقيلة بكبره وتحركه في بطنها { دعوا الله } أي آدم وحواء ~~عليهما السلام. # ولما ذكر الاسم الأعظم استحضارا لأن المدعو هو الذي له جميع الكمال، ~~فهو قادر على ما دعوا به لأنه قادر على كل ما يريد، ذكر صفة الإحسان رجاء ~~القبول والامتنان فقال: { ربهما } أي الذي أحسن إليهما، مقسمين { لئن ~~آتيتنا صالحا } أي ولدا لا عيب فيه { لنكونن من الشاكرين* } أي نحن ~~وأولادنا على نعمتك علينا، وذلك أنهما جوزا أن يكون غير سوى لقدرة الله ~~على كل ما يريد، لأنه الفاعل المختار لا الطبيعة ولا غيرها، وأشار بالفاء ~~إلى قرب الولادة من الدعاء فقال: { فلما آتاهما } أي أبويكم آدم وحواء { ~~صالحا } أي جنس الولد الصالح في تمام الخلق بدنا وقوة وعقلا، فكثروا ~~في الأرض وانتشروا في نواحيها ذكورا وإناثا { جعلا } أي النوعان من ~~أولادهما الذكور والإناث، لأن " صالحا " صفة لولد وهو للجنس فيشمل الذكر ~~والأنثى والقليل والكثير، فكأنه قيل: فلما آتاهما أولادا صالحي الخلقة ~~من الذكور والإناث جعل النوعان { له شركاء } أي بعضهم أصناما وبعضهم ~~نارا وبعضهم شمسا وبعضهم غير ذلك، هذا على قراءة الجماعة، وعلى قراءة ~~نافع وأبي بكر ms1699 عن عاصم بكسر الشين وإسكان الراء والتنوين التقدير: ذوي ~~شرك { فيما آتاهما } أي من القوى بالعبادة والرزق بالنذور ونحوها. # ولما لم يضر المشركون بالإشراك إلا أنفسهم، سبب عن ذلك قوله: { فتعالى ~~الله } أي بما له من صفات الكمال التي ليست لغيره تعاليا كثيرا، ~~والدليل على إرادة النوعين قوله: { عما يشركون* } بالجمع، وكذا ما بعده ~~من عيب عبادة الأصنام. # ولما ذكر علوه سبحانه، شرع يذكر من أوصافه عبارة وإشارة ما يدل على ذلك، ~~ويقيم الأدلة على عدم صلاحية ما أشركوا به للشركة بعجزها، بأنها من جملة ~~خلقه ولا تصرف لها تستحق به وجها من التعظيم، فقال منكرا على عبادها ~~دالا على أن المراد الشرك الحقيقي، لاما ذكر من قصة إبليس في تسببه في ~~التسمية بعبد الحارث ونحوه: { أيشركون } أي المشركون وأولادهما في ~~العبادة { ما لا يخلق } أي من الأصنام والطبائع والكواكب وغيرها { شيئا ~~} أي يوجده من العدم كما يفعل الله الذي أشركوها به. # ولما كان يلزم أن يكون ما لا يخلق شيئا مخلوقا لأنه لا يتكون عاجزا ~~بغير قادر أوجده، صرح به في قوله مجريا للأوثان مجرى أولي العلم ~~لتنزيلهم منزلتهم في الاعتقاد والعبادة: { وهم } ولما كان المصنوع لا ~~يكون صانعا، اكتفى بالبناء للمفعول فقال: { يخلقون* } أي متجددا خلق ~~أعراضهم وذواتهم وأمثالهم { ولا يستطيعون لهم } أي للمشركين الذين ~~يعبدونها { نصرا } وهو المعونة على العدو، ولعله عبر بصيغة العاقل إشارة ~~إلى أنهم لو كانوا يعقلون، وكانوا بهذه الصفات الخسيسة ما أهلوهم لأن ~~يكونوا أحبابهم فضلا عن أن يجعلوهم أربابهم. # ولما كان من لا ينصر غيره قد ينصر نفسه، نفي ذلك بقوله: { ولا أنفسهم ~~ينصرون* } أي في وقت من الأوقات عند يصيبهم بسوء، بل عبدتهم يدافعون ~~عنهم. # ولما تبين من هذا الاستفهام الإنكاري المعجب من حالهم في ضلالهم في ~~أسلوب الغيبة أن من أشركوه ليس فيه نوع قابلية لما أهلوه، فإن المعبود ~~يجب أن يكون قادرا، ومن كان عاجزا نوع عجز كان مربوبا، وكان للتنبيه ~~بالخطاب ما ليس له بالغيبة؛أتبع ذلك في إسلوبه ms1700 تعجيبا آخر منهم أشد من ~~الأول، وذلك أن معبوداتهم التي أشركوا بها كما أنها لا تفعل شيئا من ~~تلقاء أنفسها، لا تفعله عند دعاء الداعي ولا تهتدي إليه فقال تعالى { وإن ~~تدعوهم } أي وإن تدعوا أيها المشركون أصنامكم دعاء مستمرا متجددا { إلى ~~الهدى } أي إلى الذي يدل الداعي إليه قطعا، على أن المتخلف عنه سيىء ~~المزاح، محتاج إلى العلاج، لكونه تخلف عما لا يتخلف عنه من له نوع صلاح ~~لكونه أشرف الأشياء، فالمتخلف عنه راض لنفسه بالدون { لا يتبعوكم } أي في ~~ذلك الهدى الذي دعوتموهم إليه ولم بالغتم في الاستتباع، ولعله عبر بصيغة ~~الافتعال إشارة إلى أنها لا يتصور منها قصد التبع فضلا عن إيجاده، ثم ~~بين أن ذلك ليس بأمر عارض، بل هو مستمر دائم بقوله مستأنفا تأكيدا ~~للمعنى: { سواء عليكم }. # ولما كان السواء لا يكون إلا بين أمرين، تشوف السامع إليهما فقال؛ { ~~أدعوتموهم } أي وجد منكم ذلك الدعاء الذي أشير إلى استمراره، وعبر ~~بالاسمية إشارة إلى أنهم لا يدعونهم في وقت الشدائد، بل يدعون الله فقال: ~~{ أم أنتم صامتون* } أي عن ذلك على الدوام على عادتكم في الإعراض عن ~~دعائهم في أوقات الملمات، فالذين يدعون معتقديهم في وقت الضرورات أقبح ~~حالا في ذلك من المشركين ويجوز أن تكون الآية من الاحتباك، فيكون نظمها: ~~أدعوتموهم مرة أو أنتم داعوهم دائما أم صمتم عن دعائهم في وقت ما ~~أم أنتم صامتون دائما عن دعائهم، حاكم في كل هذه الأجوبة سواء في عدم ~~الإجابة، لا اختلاف فيه بوجه، دل بالفعل أولا على حذف مثله ثانيا، ~~وبالاسم ثانيا على حذف مثله أولا. # ولما كان اتباع من يدعي أنه أعقل الناس وأبعدهم عن النقائص وأعرقهم في ~~معالي الأخلاق وأرفعهم عن سفسافها لمن هذا سبيله أخزى الخزي وأقبح العار، ~~وكانوا مع العلم بهذا الذي وصفت به - معبوداتهم يفعلون في الإشراك بهم ~~وفي خوفهم ورجائهم ما هو عين الجهل؛ كرر تبكيتهم باتباعهم في أسلوب آخر ~~أوضح مما قبله في تبيين النقائص والتنبيه على المعايب ملجىء ms1701 إلى الاعتراف ~~أو التصريح بالعناد أو الجنون فقال مؤكدا: { إن الذين تدعون } أي أيها ~~المشركون دعاء عبادة ملازمين لذلك، أو أنه أطلق الدعاء على العبادة إشارة ~~إلى أنه لا تصح عبادة من ليس فيه قابيلة أن يدعى، والحاصل أن الدعاء ~~يلازم المعبود. # ولما كان دعاؤهم لهم إنما هو على سبيل الإشراك، قال مشيرا إلى سفول ~~رتبتهم بإثبات الجار: { من دون الله } أي الذي له صفات الكمال والعظمه ~~والجلال { عباد أمثالكم } أي في العجز عن كل شيء لا سيما عما وقع به ~~التحدي من معارضة القرآن وغيرها، وأنتم تزيدون عليها بالحياة والعقل، ~~والمعبود لا يصح أن يكون مثل العابد فكيف إذا كان دونه؛ ولما كانوا لا ~~يسلمون أنهم أمثالهم، سبب عن ذلك أمرهم بدعائهم لبيان دعوى المثلية بل ~~الدونية فقال: { فادعوهم } أي إلى شيء من الأشياء. # ولما كان الإله الحق يجيب وليه عند التحدي من غير تخلف، أشار إلى ذلك ~~بالربط بالفاء فقال: { فليستجيبوا لكم } أي يوجدوا لكم إجابة بينة في ~~الإتيان بسورة تماثل شيئا من القرآن وفي شيء من المنافع. # ولما كان المقام محتاجا إلى مزيد توبيخ وإلهاب، قدم منه ما رأيت، ثم ~~زاد في الإلهاب فقال: { إن كنتم } أي جبلة وطبعا { صادقين* } أي في دعوى ~~أنهم آلهة، فإن رتبة الإله تقتضي ذلك، وقرأ سعيد بن جبير { إن } خفيفة و ~~{ عبادا أمثالكم بنصب الدال واللام، واتفق المفسرون على تخريجها على أن ~~" إن " هي النافية أعملت عما " ما " الحجازية، فرفعت الاسم ونصبت الخبر، ~~وإعمالها هذا العمل فيه خلاف، أجازه الكسائي وأكثر الكوفيين، ومن ~~البصريين ابن السراج والفارسي وابن جني، ومنع منه الفراء وأكثر البصريين، ~~واختلف النقل عن سيبويه والمبرد، والصيحح أن إعمالها لغة ثبت ذلك في ~~النظم والنثر - ذكر ذلك كله أبو حيان وذكر أنه أشبع الكلام فيه في شرح ~~التسهيل، واعترض على هذا التخريج بأنه يلزم منه منافاتها للقراءة ~~المشهورة، وإنما يسلم له ذلك لو توارد النفي والإثبات على شيء واحد، وليس ~~الأمر هنا كذلك، فالإثبات لمماثلتها لهم في مطلق ms1702 العجز، والنفي لمساواتها ~~لهم فيه لزيادتهم عنها بالبطش ونحوه، أو يكون الأمر - كما قال الزمخشري - ~~أن الإثبات على سبيل التنزل والنفي على الحقيقة. # ولما أثبت عجزهم وأنهم أمثالهم، دل عليه وعلى أنهم دونهم بأسلوب إنكار ~~وتعجيب مفصلا لبعض ما نفاه عنهم - فقال مقدما الأرجل لأن أول ما يخشى ~~من الشيء انتقاله: { ألهم أرجل } ولما كانت لهم جوارح مصنوعة، بين المراد ~~بقوله: { يمشون بها }. # ولما كان المخشي بعد الانتقال مد اليد، قال: { أم لهم أيد } أي موصوفة ~~بأنهم { يبطشون بها } أي نوعا من البطش؛ ولما كان المخوف بعد البطش ~~باليد البصر خوفا من الدلالة قال: { أم لهم أعين } أي منعوتة بأنهم { ~~يبصرون بها } أي ضربا من الإبصار؛ ولما كان الإنسان ربما خاف مما يقصد ~~ضره فتغيب عنه فلا يصل إليه بعد ذلك إلا بالسمع قال خاتما: { أم لهم ~~آذان } أي مقول فيها أنهم { يسمعون بها } أي شيئا من السمع. # ولما سواها بهم ونفى عنهم ما تقدم، لزم نقصانها عنهم وأنه في الحقيقة ~~مسلوب عنهم لأنهم ليس لهم من ذواتهم إلا العدم، والقدرة فيما يقدرون عليه ~~إنما هي بيد الصانع لهم أشركهم معها، وقال دالا على ذلك مستأنفا: { قل ~~} أي لهولاءالمشركين { ادعوا شركاءكم } أي هذه التي تقدمت ومهما شئتم ~~غيرها، واستعينوا بها في عداوتي. # ولما كان هذا تحديا عظيما يحق لفاعله التمدح به، نبه عليه بآداة ~~التراخي فقال: { ثم كيدون } أي جميعا أنتم وهم وأنتم أكثر من حصى ~~البطحاء ورمل الفضاء وأنا وحدي، ولما كان المعنى: وعجلوا، عطف بفاء السبب ~~قوله: { فلا تنظرون* } أي تمهلون لحظة فما فوقها لئلا تعتلوا في الإنظار ~~بعلة، وعلل عدم المبالاة بكيدهم بقوله دالا على اتصاف معبوده بما نفاه ~~عن شركائهم من الإحاطة بمنافع الدارين فيما يتعلق بالأديان والأبدان، ~~وقدم الدين إشارة إلى أنه الأهم فقال مؤكدا في مقابلة إنكارهم: { إن ~~وليي } أي ناصري ومتولي جميع أموري { الله } أي الجامع لصفات الكمال { ~~الذي نزل } أي بحسب التديج متكفلا بفصل الوقائع { الكتاب } أي الجامع ~~لعلوم الأولين والآخرين وأمر ms1703 المعاش والمعاد وأحوال الدارين وكل ما فيه ~~صلاح من أحوال القلوب وغيرها الذي عجزتم بأجمعكم ومن دعيتم شركته عن ~~معارضة شيء منه. # ولما تكفل هذا التنزيل بجميع الصفات، وهي الحياة التامة المستلزمه ~~للإرادة والقدرة والعلم والسمع والبصر والكلام، وكان عجزهم عن المعارضة ~~للكتاب دليلا شهوديا قوليا على كذبهم، أتبع ذلك دليلا آخر شهوديا ~~فعليا فقال: { وهو } أي وحده { يتولى } أي يلي ولاية تامه { الصالحين* } ~~أي كلهم بنصرهم على كل مناو وكفايتهم لكل مهم وقد علمتم ما قدمه في هذه ~~السورة من وقائعه بمن كذب أنبياءه واستهزأ برسله وأنه أنجى كل من والاه، ~~وأهلك جميع من عاداه كمن عدوهم آلهة، وهو وما بعده وما قبله متلفت إلى ~~قوله تعالى # اتبعوا ما أنزل إليكم ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء # [الأعراف: 3] بالشرح، وهو دال على أنه الذي فعل ما تقدم لأجل أوليائه ~~بدليل أنه أعجزهم عن معارضة شيء من كتابه، وعن الوصول إلى جميع ما يريدون ~~من أوليائه وأحبابه. ### || [7.197-201] # ولما صور بهذا جلاله، وقرر عظمته وكماله، باتصافه بجميع الصفات العلى ~~التي منها القدرة التي تكفهم عنه؛ كرر التنفير عن أندادهم في أسلوب آخر ~~تأكيدا للمعنى السابق بزيادة بالغة في العجز وهو تصويب النظر من غير ~~إبصار، مع أن الأول للتقريع، وهذا الفرق بين من يعبد بحق ومن يعبد بباطل ~~ليرجعوا عن غيهم وعنادهم، فقال مبينا أنهم ليسوا في شيء من صفاته مصرحا ~~بنفي النصرة التي أثبتها له عنهم مع المواجهة بالخطاب الذي هو أفظع في ~~الجواب: { والذين تدعون } أي تديمون دعاءهم { من دونه } - فإنهم يدعونه ~~سبحانه في بعض الأوقات - أوتدعونهم تاركين له { لا يستطيعون نصركم } أي ~~بوجه من وجوه النصرة بدليل عجزكم عني وأنا وحدي وأنتم أهل الأرض { ولا ~~أنفسهم ينصرون* } بدليل أن الكلب يبول عليهم فلا يمنعونه. # ولما كان دعاء الجماعة أقرب إلى السماع من دعاء الواحد، نسق على ما قبله ~~قوله: { وإن تدعوهم } أي يا من هم أضل منهم وأعجز { إلى الهدى } أي إلى ~~الذي هو أشرف الخلال ليهتدوا ms1704 في نصر أنفسهم أو غير ذلك { لا يسمعوا } أي ~~شيئا من ذلك الدعاء ولا غيره؛ ولما كان حالهم في البصر بالنسبة إلى كل ~~أحد على حد سواء، قال مفردا للمخاطب: { وتراهم } أي أيها الناظر إليهم { ~~ينظرون إليك } أي كأنهم ينظرون لما صنعوا لهم من الأعين { وهم لا يبصرون* ~~} أي نوعا من الإبصار، وما أشبه مضمون هذه الآيات بما في سفر أنبياء بني ~~إسرائيل في نبوة أشعيا: هكذا يقول الرب ملك إسرائيل ومخلصه: أنا الأول ~~وأنا الآخر، وليس إله غيري. ومن مثلي يدعي ويظهر قوته ويخبر بما كان منذ ~~بسطت الدنيا إلى الأبد، والآيات القديمة تظهر للشعوب، فلا يفزعون ولا ~~يخافون، ألم أسمعكم منذ أول الدهر وأظهرها لكم وأبين لكم الأمور وأنتم ~~شهدائي أن ليس إله غيري، وليس عزيز منيع إلا وأنا أعز منه، لأن جميع ~~الصناع الذين يعملون الأصنام إنما عملهم باطل وليس في أعمالهم منفعة، وأن ~~الصناع الذين يعملونها هم يشهدون عليها أنها لا تبصر ولا تسمع ولا تعلم، ~~لذلك يخزي جميع صناع الأوثان المسبوكة لأن جميع ما صنعوا لا عقل له، ~~فيجمعون كلهم ويخزون ويفتضحون لأن النجار نحت بحديده وهيأ صنما بمنقاره ~~وسدده بقوة ساعده وجاع وعطش في عمله. والنجار اختار خشبة وقدرها وألصق ~~بعضها ببعض بالغراء وركبها وعملها كشبه الإنسان، أقام من الخشب الذي قطع ~~من الغيضة كشبه رجل الذي نبت من شرب المطر ليصير للناس للوقود فعملوه لهم ~~إلها وعبدوه وسجدوا له، الذي ينصفه خبزوا لهم خبزا وشووا لهم لحما على ~~جمرة وأكلوا وشربوا واصطلوا وقالوا: قد حمينا لأنا قد أوقدنا نارا ~~واصطلينا، والذي بقي منه اتخذوه إلها منحوتا وسجدوا له وصلوا وقالوا: ~~نجنا لأنك إلهنا. # ولم يخطر على بالهم فكر أن يقولوا: إنا قد أوقدنا نصفه بالنار، وخبزنا ~~خبزنا وشوينا على جمره اللحم وأكلنا، ولم يعلموا أن باقيه عمل منه صنم ~~وسجدوا له، لأن قلوبهم متمرغة في رماده، وضلت عقولهم فلا يقدرون ينجون ~~أنفسهم ولا يقولون: إن أيادينا عملت الباطل واتخذت الكذب، ثم قال: أليس ms1705 ~~أنا الرب منذ أول، وليس إله غيري ولا مخلص سواي، ادنوا إلي يا جميع ~~الذين في أقطار الأرض لتنجوا لأني أنا الرب وليس إله غيري، حلفت بيميني ~~وأخرجت كلمة صدق ولست أرجع عنها لأنه لي تنحني كل ركبة، وبي يحلف كل ~~إنسان ويقول: إنما البر بالرب، وإليه تدنو الأعزاء ويخزى جميع المبغضين، ~~وبي يمتدح ويتبرر، بمن شبهتموني؟ وإلى من نسبتموني؟ بالضالين الذين ~~أخرجوا الذهب من أكياسهم ووزنوا الفضة بالميزان واكتروا الصناع حتى عملوا ~~لهم آلهة يسجدون لها ويحملونها على أكتافهم ويمشون بها ثم يصلون لها ~~ويدعونها لا تجيبهم ولا تخلصهم من شدائدهم ثم يحملونها أيضا ويردونها ~~إلى مواضعها، اذكروا هذه الأشياء واعقلوا أيها الأثمة واخطروها على ~~قلوبكم وتذكروا الأيام التي كانت من الابتداء، إني أنا الله الخالق وليس ~~إله غيري ولا مثلي،فأنا أظهر العتيدات وأخبر بالذي يكون قبل أن يكون، ~~وأثبت رأيي وأكمل إراداتي وهواي، وأدعو من في المشارق فيأتون أسرع من ~~الطير، وأتاني الرجل الذي قد عمل مسرتي من الأرض البعيدة، لأني أنا إذا ~~تكلمت بشيء فعلته. أنا خلقت وأنا أخلق؛ وفي الزبور في المزمور الثالث عشر ~~بعد المائه: إلهنا في الأرض، كل ما يشاء يصنع، أوثان الأمم ذهب وفضة عمل ~~أيدي البشر، لها أفواه ولا تتكلم، لها أعين ولا تنظر، لها آذان ولا تسمع، ~~وآناف ولا تشم، وأيد ولا تلمس، وأرجل ولا تمشي، ولا صوت بحناجرها ولا روح ~~في أفواهها، فليكن صانعوها مثلها وجميع من يتوكل عليها - انتهى. # ولما كان محصل أمرهم الإعراض عما أتاهم بالتكذيب والإقبال على ما لم ~~يأتهم بالطلب والتعنت كالسؤال عن الساعة، والأمر بالمنكر من الشرك وما ~~يلزم منه من مساوي الأخلاق، والنهي عن المعروف الذي هو التوحيد وما يتبعه ~~من محاسن الشرع، وذلك هو الجهل، وختم ذلك بالإخبار بأنه سبحانه أصلح له ~~الدين بالكتاب، والدنيا بالحفظ من كل ما ينتاب، وكان حالهم ربما كان ~~موئسا من فلاحهم، مفترا عن دعائهم إلى صلاحهم، كان الداعي لهم صلى الله ~~عليه وسلم كأنه قال: فما أصنع ms1706 في أمرهم؟ فأجابه بالتحذير من مثل حالهم ~~والأمر بضد قالهم وفعالهم والإبلاغ في الرفق بهم فقال: { خذ العفو } أي ~~ما أتاك من الله والناس بلا جهد ومشقه، وهذا المادة تدور على السهولة، ~~وتارة تكون من الكثرة وتارة من القلة، فعفا المال، أي كثر، فصار يسهل ~~إخراجه ويسمح به لزيادته عن الحاجة، وعفا المنزل، أي درس، فسهل أمره حتى ~~صار لا يلتفت إليه. # ولما أمره بذلك في نفسه، أمره به في غيره فقال:؛ { وأمر بالعرف } أي بكل ~~ما عرفه الشرع وأجازه، فإنه من العفو سهولة وشرفا، وقد تضمن ذلك النهي ~~عن المنكر فأغنى بذلك عن ذكره لأن السياق للمساهلة؛ ولما أمره بالفعل في ~~نفسه وغيره، أتبعه الترك فقال: { وأعرض عن الجاهلين* } أي فلان تكافئهم ~~بخفتهم وسفههم ولا تمارهم فإن ذلك أسهل من غيره، وذلك بعد فضيحتهم ~~بالدعاء، وذلك - لأن محط حالهم اتباع الهوى فيدعوهم إلى تكلف ضد هذه ~~الخصال، وفيه إشارة إلى النهي عن أن يذهب نفسه عليهم حسرات مبالغة في ~~الشفقة عليهم، وعن جعفر الصادق أنه ليس في القرآن آية أجمع لمكارم ~~الأخلاق منها. # ولما كان الشيطان بعداوته لبني آدم مجتهدا في التنفير من هذه المحاسن ~~والترغيب في أضدادها، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد نزع منه حظ ~~الشيطان بطرح تلك العلقة السوداء من قبله إذ شق جبرائيل عليه السلام صدره ~~وغسل قلبه وقال: هذا حظ الشيطان منك؛ شرع لأمته ما يعصمهم منه عند نزغه ~~مخاطبا له بذلك ليكون أدعى لهم إلى القبول وأجدر باشتداد الخوف المقتضي ~~للفرار المثمر للنجاة، لأنهم إذا علموا قصد الشيطان لمن نزع منه حظه وعصم ~~من كل محنة علموا أنه لهم أشد قصدا وأعظم كيدا وصدا، فقال مؤكدا ~~بأنواع التأكيد إشارة إلى شدة قصد الشيطان للفتنة وإفراطه في ذلك، ليبالغ ~~في الحذر منه وإن كان قصده بذلك في محل الإنكار لعلمه بالعصمة - لذلك عبر ~~بأداة الشك إشارة إلى ضعف كيده للنبي صلى الله عليه وسلم، لأن الله تعالى ~~أعانه على قرينه فأسلم: { وإما } أي ms1707 إن، وأكدت ب { ما } إثباتا للمعنى ~~ونفيا لضده { ينزغنك } أي ينخسنك نخسا عظيما { من الشيطان نزغ } أي ~~نخس بوسوسته من شأنه أن يزعج فيسوق إلى خلاف ما تقدم من المحاسن في نحو ~~غضب من جهل الجاهل وسفه السفيه أو إفراط في بعض أوجه كما تساق الدابة بما ~~تنخس به، فيفسر ويجعل النخس ناخسا إشارة إلى شدته { فاستعذ } أي فأوجد ~~أو اطلب العوذ وهو الاعتصام { بالله } أي الذي له جميع العز والعظمة ~~والقدرة والقهر لا نقطاعك عن الإخوان والأنصار إليه فلا ولي لك ولا ناصر ~~إلا هو، فإنه إذا أراد إعاذتك ذكرك من عزيز نعمه وشديد نقمه ما يريد عن ~~الفساد رغبا ورهبا، والآية ناظرة إلى قوله تعالى أولها # لأقعدن لهم صراطك المستقيم # [الأعراف: 16]. # ولما أبطل تعالى أن يكون لشركائهم سمع أو علم، صار إثبات ذلك له كافيا ~~في اختصاصه به من غير حاجة إلى الحصر المتضمن لنفيه عن غيره لتقدمه ~~صريحا بخلاف ما في فصلت، فقال معللا: { إنه سميع } أي بالغ السمع فهو ~~يسمع استعاذتك فيجيبك إن شاء { عليم* } شامل العلم بما تريد ويريد منك ~~عدوك، فلا يعجزه شيء، وختم بصفة العلم في الموضعين لأن الوسوسة من باب ما ~~يعلم، وختمها في سورة المؤمن بالبصير المشتق من البصر والبصيرة، لأن ~~المستعاذ منه أمر الناس ومنه ما يبصر. # ولما كان لا يحصل للنبي صلى الله عليه وسلم إلا شيء خفيف جدا كما نبه ~~عليه بالنزغ، وهو ليس بمحقق كما نبهت عليه أداة الشك، وكان لا يستعيذ ~~بالله إلا المتقون فكان كأنه قيل: افعل ذلك عند أول نزغه لتكون من ~~المتقين، علله بقوله: { إن الذين اتقوا } أي حصل لهم هذا الوصف، وحقق ~~أذاه لهم بأداة التحقيق - بخلاف ما مضى عند إفراد الخطاب للنبي صلى الله ~~عليه وسلم - فقال: { إذا مسهم طائف } أي طواف على أنه مصدر، ويجوز أن ~~يكون تخفيف طيف كميت وهو بمعنى قراءة طائف على أنه فاعل كميت ومائت، ~~ويجوز أن يكون مصدرا أيضا، وهو إشارة إلى أن الشيطان دائر ms1708 حولهم لا ~~يفارقهم، فتارة يؤثر فيهم طوافه فيكون قد مسهم مسا هو أكبر من النزغ ~~لكونه أطاف بهم من جميع الجوانب، وتارة لا يؤثر { من الشيطان } أي البعيد ~~من الرحمة المحترق باللعنة { تذكروا } أي كلفوا أنفسهم ذكر الله بجميع ما ~~ينفعهم في ذلك إقداما وإحجاما. # ولما كانوا بإسراع التذكر كأنهم لم يمسهم شيء من أمره، أشاره إلى ذلك ~~بالجملة الاسمية مؤكدا لسرعة البصر بإذا الفجائية: { فإذا هم } أي بنور ~~ضمائرهم { مبصرون * } أي ثابت إبصارهم فلا يتابعون الشيطان، فإن المتقي ~~من يشتهي فينتهي، ويبصر فيقصر، وفي ذلك تنبيه على أن من تمادى مع الشيطان ~~عمي لأنه ظالم، والظالم هو من يكون كأنه في الظلام. ### || [7.202-206] # ولما وصف المتقون الذين هم العلماء ملوحا إلى نصح وليهم لهم، وعرف من ~~حالهم أنهم أعداء الشيطان، وعرف أن أضدادهم أولياؤه؛ أتبعه وصف الجاهلين ~~وغش أوليائهم لهم والكل غير متقين، فقال: { وإخوانهم } أي وإخوان ~~الجاهلين من شياطين الأنس والجن { يمدونهم } أي يمدون الجاهلين، من المد ~~وهو الإمهال والإطالة على قراءة الجماعة، وهو بمعنى قراءة أهل المدينة ~~بالضم من الإمداد، وقال الواحدي: إن هذا أكثر ما يأتي فيما يحمد ~~كأمددناهم بفاكهة، فهو من استعمال الشيء في ضده نحو { فبشرهم بعذاب } ، ~~وكأنه يشير إلى أن الشيطان أكثر ما يأتي الإنسان في صورة الناصح الشفيق، ~~والأوجه أن يكون الإخوان الجاهلين لأنهم في مقابلة { الذين اتقوا } ويكون ~~الضمير للشيطان المراد به الجنس، أي وإخوان الشياطين - وهم الجاهلون ~~الذين لا يتقون - يمدهم أولياؤهم من الشياطين { في الغي } وهو ضد الرشاد، ~~وأشار إلى مزيد اعتنائهم بالإغواء ومثابرتهم على الإضلال والإغراء بأداة ~~التراخي فقال: { ثم لا يقصرون* } أي لا يتركون إغواءهم ولو لحظة لجهلهم ~~وشرهم. # ولما تقرر ما شرعه من التعفف وعدم التنطع والتكلف، وكان قد أخبر أن من ~~عمههم تكلفهم السؤال عن الساعة، والشياطين لا يفترون عن إغوائهم، أخبره ~~عن مطلق تكلفهم تعجبا منهم وإشهادا لتماديهم مع إغواء شياطينهم، وأمره ~~صلى الله عليه وسلم بما يجيبهم به فقال عاطفا على { يمدونهم }: { وإذا ms1709 ~~لم تأتهم بآية } أي على حسب اقتراحهم { قالوا لولا } أي هلا { اجتبيتها } ~~والجبي: الجمع، والإجباء تركه، والاجتباء: الجد في الجمع، ويلزم منه ~~الاصطفاء والاختبار، فمعنى اجتبيتها اجتلبتها، أي تكلفت من عند نفسك ~~الإتيان بها مختاره. # ولما كان المقام داعيا إلى السؤال في تعليم الجواب،أسعف ذلك بقوله: { ~~قل } أي إذا قالوا ذلك { إنما أتبع } أي أتعمد وأتكلف اتباع { ما يوحي ~~إلي } أي يأتيني به الملك { من ربي } أي المحسن إلي بتعليمي ما ينفعني، ~~لا أني آتي بشيء من عند نفسي ولا أقترح على ربي. # ولما حصر حاله في اتباع الوحي كان كأنه قيل: ما هذا الذي يوحي إليك؟ ~~فقال - ويجوز أن يكون تعليلا لاتباعه لأنه كاف في إثبات نبوته مغن عن ~~الآيات المقترحه قاهر في وجوب اتباعه -: { هذا } مشيرا إلى ما يوحى إليه ~~تنبيها على أنه يجب أن يكون مستحضرا في سائر الأذهان، حاضرا بين عيني ~~كل إنسان { بصائر } أي أشياء هي - على حسب ما طلبتم - مجتباة، بل هي خيار ~~الخيار، يكون بها نور القلب فيصير للعيون أيضا بصر يقربه مما يحث الكتاب ~~على نظره من الآيات المرئيات إلى علوم لم تكن لها قبل ذلك، وهي حجج بينة ~~قاهرة على تصديقي وقبول كل ما جئت به، وسماه بذلك لأنه سبب لبصر العقول ~~بدلائل التوحيد والنبوة والمعاد وجميع الشريعة أصولا وفروعا، فهو تسمية ~~للسبب باسم المسبب، وعلي مدحها بقولة: { من ربكم } أي الذي لم يقطع ~~إحسانه عنكم أصلا، فهو جدير بأن يتلقي ما أتى منه بكل جميل. # ولما كانت البصائر جمعا، وكانت العادة جارية بأن مفردات الجمع تكون ~~متفاوتة، أكدها بما يشير إلى أنها خارقة للعادة في أنها على حد سواء في ~~أعلى طبقات الهداية فقال: { وهدى } أي بيان؛ ولما كان البيان قد لا يكون ~~على وجه الإكرام، قال: { ورحمة } أي إكرام. # ولما كان من لا ينتفع بالشيء يصح أن ينفي عن الشيء النافع النفع بالنسبة ~~إليه، قال: { لقوم يؤمنون* } أي يوجدون هذه الحقيقة ويستمرون على تجديدها ~~في كل وقت، وأما غيرهم ms1710 فقد يكون عليهم عذابا. # ولما عظم الله شأن القرآن، فكان التقدير: فآمنوا به تفلحوا، عطف عليه ~~قوله: { وإذا قرىء القرآن } أي وهو هذا الذي يوحى إلي، فتأدبوا وتواضعوا ~~لأنه صفة ربكم { فاستمعوا له } أي ألقوا إليه أسماعكم مجتهدين في عدم ~~شاغل يشغلكم عن السمع. # ولما كان بعض الفهماء يسمع وهو يتكلم، أشار إلى أن هذا الكتاب أعلى ~~قدرا من أن يناله من يشتغل عنه بأدنى شغل فقال: { وأنصتوا } أي للتأمل ~~والتدبر لتنجلي قلوبكم فتعلموا حقيقته فتعلموا بما فيه ولا يكون في ~~صدوركم حرج منه؛ ولما كان ظاهر الآية وجوب الإنصات لكل قارىء على كل أحد، ~~رغب فيه تعظيما لشأنه فقال: { لعلكم ترحمون* } أي لتكونوا على رجاء من ~~أن يكرمكم ربكم ويفعل بكم كل ما يفعله الراحم مع المرحوم. # ولما تقدم الأمر بالذكر عند نزغ الشيطان، ومر إلى أن أمر بالاستماع ~~لأعظم الذكر، وكان التالي ربما بالغ في الجهر ليكثر سامعه، وربما أسر ~~لئلا يوجب على غيره الإصغاء، علمهم أدب القراءة، وأطلق ذلك في كل حال ~~لأنه ربما فهم فاهم الاقتصار على ذكر في حالة النزغ، ورقي الخطاب منهم ~~إلى إمامهم ليكون أدعى لقبولهم مع الإشارة إلى أنه لا يكاد يقوم بهذا ~~الأمر حق قيامه غيره صلى الله عليه وسلم فقال: { واذكر } أي بكل ذكر من ~~القرآن وغيره - { ربك } أي الذي بلغ الغاية في الإحسان إليك { في نفسك } ~~أي ذكرا يكون راسخا فيك مظروفا لك لفهمك لمعانيه وتخلقك بما فيه، ~~وليكن سرا لأن ذلك أقرب إلى الإخلاص وأعون على التفكر، وكونه سرا دال ~~على أشرف الأحوال، وهو المراقبة مع تحقق القرب، فإذا كان كذلك أثمر قوله: ~~{ تضرعا } أي حال كونك ذا تضرع بالظاهر { وخيفة } أي لتدعو المخافة إلى ~~تذلل قبلك لتجمع بين تضرع السر والعلن، وبهذا يكمل ذل العبودية لعز ~~الربوبية. # ولما أمر بالسر، قال مقابلا له: { ودون الجهر } أي لأنه أدخل في ~~الإخلاص، ومن المعلوم أنه فوق السر، وإلا لم تفد الجملة شيئا، ولما كان ~~الجهر قد يكون في الأفعال، ms1711 أكده بقوله: { من القول } أي فإن ذلك يشعر ~~بالتذلل والخضوع من غير صياح كما يناجي الملوك ويستجلب منهم الرغائب، ~~وكما قال صلى الله عليه وسلم للصحابة وقد جهروا بالدعاء فوق المقدار # " إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا " # فإن المقصود حصول الذكر اللساني ليعين الذكر القلبي، والمقصود حاصل ~~بإسماع النفس فإنه يتأثر الخيال فيتقوى الذكر القلبي، ولا تزال الأنوار ~~تتزايد فينعكس تراجع بعضها إلى بعض حتى يزداد الترقي من ظلمات عالم ~~الأجسام إلى أنوار مدبر النور والظلام. # ولما أمر بالذكر مكيفا بكيفيته اللائقة به، أمره صلى الله عليه وسلم ~~بالمداومة عليه ذاكرا أحسن الأوقات له وأحقها به، لكونها لما فيها من ~~الشغل - أدل على إيثارة لمزيد المحبة والتعظيم فقال: { بالغدو } أي أوقات ~~البكر، ولعله أفرده على جعله مصدر غدا، لأنه ما ثم إلا صلاة الصبح، وجمع ~~ما بعده للعصرين والمغرب فقال: { والآصال } أي أوقات العشاء، وقيل: الغدو ~~وجمع غدوة، فيراد حينئذ مع الصبح الضحى، وآخر كل نهار متصل بأول ليلة ~~اليوم الثاني فسمي آخر اليوم أصيلا لأنه يتصل بما هو أصل اليوم الثاني، ~~وخص هذين الوقتين وإن كان المراد الدوام بتسمية كل من اليوم والليل باسم ~~جزئه، ليذكر بالغدو الانتشار من الموت، وبالأصيل السكون بالموت والرجوع ~~إلى حال العدم فيستحضر بذلك جلال الله عز وجل فيكون ذلك حاويا على ~~تعظيمه حق تعظيمه. # ولما كان ربما أوهم هذا الخصوص بهذين الوقتين وإن ظاهرا في الدوام، قال ~~مصرحا: { ولا تكن من الغافلين* } أي في وقت غيرهما، بل كن ذاكره في كل ~~وقت على كل حال؛ ثم علل الأمر بالمراقبة الدالة على أعظم الخضوع بأنها ~~وظيفة المقربين فقال: { إن الذين } وزاد ترغيبا في ذلك بقوله: { عند ربك ~~} أي المحسن إليك بتقريبك من جنابه وجعلك أكرم أحبابه، وهم الملائكة ~~الكرام أولو العصمة، والقرب دنو مكانة لا مكان { لا يستكبرون } أي لا ~~يوجدون ولا يطلبون الكبر { عن عبادته } أي الخضوع له والتلبس بانحاء ~~التذلل مع مزيد قربهم وغاية طهارتهم وحبهم { ويسبحونه } أي ينزهونه عن كل ~~مالا ms1712 يليق مع خلوصهم عن دواعي الشهوات والحظوظ. # ولما كان هذا يرجع إلى المعارف، وقدمه دلالة على أنه الأصل في العبادة ~~أعمال القلوب، أردفه بقوله: { وله } أي وحده { يسجدون } أي يخضعون ~~بإثباتهم له كل كمال، وبالمباشرة لمحاسن الأعمال، وقد تضمنت الآية ~~الإخبار عن الملائكة الأبرار بثلاثة أخبار: عدم الاستكبار الذي هو أجل ~~أنواع العبادة إذ هو الحامل على الطاعة كما أن ضده حامل على المعصية، ~~والتسبيح الذي هو التنزيه عن كل مالا يليق،وتخصيصه بالسجود، ولما كانت ~~العبادة ناشئة عن انتفاء الاستكبار، وكانت على قسمين: قلبية وجسمانية، ~~أشار إلى القلبية بالتنزيه، وإلى الجسمانية بالسجود، وهو الحال الذي يكون ~~العبد به عند ربه كالملائكة قربا وزلفى " أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ~~ساجد " نبه عليه أبو حيان على أن العبادتين مرجعهما القلب، وإحداهما ~~مدلول عليها بالقول والأخرى بالفعل، وقد رجع آخر السورة في الأمر باتباع ~~القرآن إلى أولها أحسن رجوع، ولوصف المقربين بعدم الاستكبار والمواظبة ~~على وظائف الخضوع إلى وصف إبليس بعصيان أمر الله في السجود لآدم عليه ~~السلام على طريق الاستكبار أي التفات، بل شرع في رد المقطع على المطلع ~~حين أتم قصص الأنبياء، فقوله # ولقد ذرأنا # [الأعراف: 179] هو قوله # والذي خبث لا يخرج إلا نكدا # [الأعراف: 58] يتضح لك ذلك إذا راجعت ما قدمته في المراد منها # ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها # [الأعراف: 180] هو - { ادعوا ربكم تضرعا وخفية } و # ممن خلقنا أمة يهدون بالحق # [الأعراف: 180] - هو # والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها أولئك أصحاب ~~الجنة # [الأعراف: 42] # والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها # [الأعراف: 36] # وإن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم # [الأعراف: 185] هو # إذا جاء أجلهم لا يستأخرون # [الأعراف: 34] و # يسئلونك عن الساعة # [النازعات: 42] هو # كما بدأكم تعودون # [الأعراف: 29] و # لكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين # [الأعراف: 24] و # هو الذي خلقكم من نفس واحدة # [الأعراف: 189] # لقد خلقناكم ثم صورناكم # [الأعراف: 11] # إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي # [الأعراف: 203] - إلى آخرها بعد التنفير من الأنداد - هو كتاب أنزل إليك ~~فلا ms1713 يكن في صدرك حرج منه - إلى قوله: # ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون # [الأعراف: 3] فسبحان من هذا كلامه، وتعالى حجابه وعز مرامه، وعلى من ~~أنزل عليه صلاته وسلامه، وتحيته وإكرامه. ### | [8 - سورة الأنفال] ### || [8.1-3] # قوله تعالى: { يسألونك } أي الذين عند ربك هم الذين هزموا الكفار في ~~الحقيقة كما علمتم ذلك - وسيأتي بيانه، فهم المستحقون للأنفال وليس لهم ~~إليها التفات وإنما همهم العبادة، والذين عندك إنما جعلتهم آلة ظاهرة ومع ~~ذلك فهم يسألون { عن الأنفال } التي توليتهم إياها بأيدي جنودي سؤال ~~منازعة ينبغي الاستعاذة بالله منها - كما نبه عليه آخر الأعراف - لأن ذلك ~~يفضي إلى افتراق الكلمة والضعف عن مقاومة الأعداد، وهو جمع نفل - ~~بالتحريك، وهو ما يعطاه الغازي زيادة على سهمه، والمراد بها هنا الغنيمة، ~~وهي المال المأخوذ من أهل الحرب قهرا، سميت هنا بذلك لأن أصلها في اللغة ~~الزيادة، وقد فضل المسلمون بها على سائر الأمم. # ولما كان السؤال عن حكمها، كان كأنه قيل: فماذا يفعل؟ فقال دالا على ~~أنهم سألوا عن مصرفها وحكمها - ليطابق الجواب السؤال: { قل } أي لهم في ~~جواب سؤالهم { الأنفال لله } أي الذي ليس النصر إلا من عنده لما له من ~~صفات الكمال { والرسول } أي الذي كان جازما بأمر الله مسلما لقضائه ~~ماضيا فيما أرسله به غير متخوف من مخالطة الردى بمواقعة العدى؛ قال أبو ~~حيان: ولا خلاف أن الآية نزلت في يوم بدر وغنائمه، وقال ابن زيد: لا نسخ، ~~إنما أخبر أن الغنائم لله من حيث إنها ملكه ورزقه، وللرسول عليه السلام ~~من حيث هو مبين لحكم الله والصادع فيها بأمره ليقع التسليم من الناس، ~~وحكم القسمة نازل خلال ذلك - انتهى. # ولما أخبر سبحانه أنه لا شيء لهم فيها إلا عن أمر الله ورسوله، وكان ذلك ~~موحبا لتوقفهم إلى بروز أمره سبحانه على لسانه رسوله صلى الله عليه ~~وسلم، وكانت التقوى موجبة للوقوف خوفا حتى يأتي الدليل الذي يجسر على ~~المشي وراءه، سبب عن ذلك قوله: { فاتقوا الله } أي خافوا خوفا عظيما ms1714 في ~~جميع أحوالكم من الذي لا عظمة لغيره ولا أمر لسواه، فلا تطلبوا شيئا ~~بغير أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تتخاصموا، فإن الله تعالى ~~الذي رحمكم بإرسال رسول لنجاتكم وإنزال كتاب لعصمتكم غير مهمل ما يصلحكم، ~~فهو يعطيكم ما سبق في علمه الحكم بأنه لكم، ويمنعكم ما ليس لكم { وأصلحوا ~~ذات بينكم } أي الحال التي هي صاحبة افتراقكم واجتماعكم، فإن أغلب أمرها ~~البين الذي هو القطيعة، وقد أشرفت على الفساد بطلب كل فريق الأثرة على ~~صاحبه فأقبلوا على رعايتها بالتسليم لأمر الله ورسوله الأمرين بالإعراض ~~عن الدنيا ليقسمها بينكم على سواء، القوي والضعيف سواء، فإنكم إنما ~~ترزقون وتنصرون بضعفائكم، لتجتمع كلمتكم فيشتد أمركم ويقوى أزركم فتقدروا ~~على إقامة الدين وقمع المفسدين { وأطيعوا الله } أي الذي له جميع العظمة ~~{ ورسوله } أي الذي عظمته من عظمته في كل ما يأمرانكم به من تنفيل لمن ~~يراه وإنفاذ شرط ووفاء عهد لمن عاهده. # ولما أمر ونهى هيج وألهب فقال مبينا كون الإيمان مستلزما للطاعة: { إن ~~كنتم مؤمنين* } أي صادقين في دعوى الإيمان، فليس كل من يدعي شيئا يكون ~~صادقا في دعواه حتى يحصل البيان بالامتحان، ولذلك وصل به قوله مؤكدا ~~غاية التأكيد لأن التخلص من الأعراض الدنيوية عسر: { إنما المؤمنون } أي ~~الراسخون في وصف الإيمان { الذين } أي يقيمون الدليل على دعوى الإيمان ~~بتصديق أفعالهم لأقوالهم فيكونون { إذا ذكر الله } أي الجامع لصفات ~~الكمال من الجلال والجمال مجرد ذكر في نحو قوله { الأنفال لله } { وجلت ~~} أي خافت خوفا عظيما يتخلل صميم عظامهم ويجول في سائر معانيهم ~~وأجسامهم { قلوبهم } أي بمجرد ذكره استعظاما له { وإذا تليت } أي قرئت ~~على سبيل الموالاة والاتصال من اي تال كان { عليهم آياته } أي كما يأتي ~~في إقامة الأدلة على ذلك الحكم الذي ورد ذكره فيه { زادتهم إيمانا } أي ~~بإيمانهم بها وبما حصل لهم من نور القلب وطمأنينة اليقين بسببها، فإنها ~~هي الدالة على الله بما تبين من عظيم أفعاله ونعوت جلاله وجماله، وتظاهر ~~الأدلة أقوى للمدلول عليه، ms1715 وكمال قدرة الله تعالى إنما يعرف بواسطة آثار ~~حكمته في مخلوقاته، وذلك بحر لا ساحل له، ولما كانت المراتب لا نهاية ~~لها، كانت مراتب التجلي والمعرفة لا نهاية لها، فالزيادة في أشخاص ~~التصديق { وعلى } أي والحال أنهم على { ربهم } أي الدائم الإحسان إليهم ~~وحده { يتوكلون } أي يجددون إسناد أمورهم إليه مهما وسوس لهم الشيطان ~~بالفقر أو غيره ليكفيهم من حيث لا يحتسبون، فإن خزائنه واسعة، ويده سحاء ~~الليل والنهار، كما أنهم لما توكلوا عليه في القتال نصرهم وقد كانوا في ~~غاية الخوف من الخذلان، وكان حالهم جديرا بذلك لقلقهم وخوفهم وقتلهم ~~وضعفهم. # ولما وصفهم بالإيمان الحامل على الطاعة والتوكل الجامع لهم الدافع ~~للمانع منها، منتقلا من عمل الباطن إلى عمل الظاهر مبينا أن همتهم إنما ~~هي العبادة والمكارم: { الذين يقيمون الصلاة } أي يفترون عن تجديد ذلك؛ ~~ولما كانت صلة بين الخلق والخالق، أتبعها الوصلة بين الخلائق فقال: { ~~ومما رزقناهم } أي على عظمتنا وهو لنا دونهم { ينفقون* } ولو كانوا مقلين ~~اعتمادا على ما عندنا فالإنفاق وإهانة الدنيا همتهم، لا الحرص عليها، ~~فحينئذ يكونون كالذين عند ربك في التحلي بالعبادة والتخلي من الدنيا ~~إعراضا وزهادة، وهو تذكير بوصف المتقين المذكور أول الكتاب بقوله: { ~~الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون }. ### || [8.4-9] # ولما حققوا إيمانهم بأفعال القلوب والجوارح والأموال، فاستوفوا بذلك ~~جميع شعب الدين،عظم سبحانه شأنهم بقوله: { أولئك } أي العالو الهمم { هم ~~} أي خاصة { المؤمنون } وأكد مضمون الجملة بقوله: { حقا }. # ولما كانت صفاتهم الخمس المذكورة المشتملة على الأخلاق والأعمال لها ~~تأثيرات في تصفية القلوب وتنويرها بالمعارف الإلهية، وكلما كان المؤثر ~~أقوى كانت التأثيرات أعلى، فلما كانت هي درجات كان جزاؤها كذلك، فلهذا ~~قال سبحانه تعالى في جواب من كأنه قال: فما جزاؤهم على ذلك؟ { لهم درجات ~~} ولما كثرها بجمع السلامة بما دل عليه سياق الامتنان، عظمها بقوله: { ~~عند ربهم } أي بتسليمهم لأمره. # ولما كان قدر الله عظيما، وكان الإنسان عن بلوغ ما يجب عليه من ذلك ~~ضعيفا حقيرا، وكان بأدنى شيء من ms1716 أعماله يستفزه الإعجاب، أشار سبحانه ~~إلى أنه لا يسعه إلا العفو ولو بذل فوق الجهد فقال: { ومغفرة } أي ~~لذنوبهم إن رجعوا عن المنازعة في الأنفال وغيرها، { ورزق كريم* } أي لا ~~ضيق فيه ولا كدر بوجه ما من منازعة ولا غيرها، فهو يغنيهم عن هذه ~~الأنفال، ويملأ أيديهم من الأموال من عنائم فارس والروم وغير ذلك، هذا في ~~الدنيا، واما في الآخرة فما لا يحيط به الوصف؛ قال أبو حيان: لما تقدمت ~~ثلاث صفات قلبية وهي الوجل وزيادة الإيمان والتوكل - وبدنية ومالية، ترتب ~~عليها ثلاثة أشياء، فقوبلت الأعمال القلبية بالدرجات والبدنية بالغفران، ~~وقوبلت المالية بالرزق الكريم، وهذا النوع من المقابلة من بديع علم ~~البديع - انتهى. ولما كان الإيمان عند الشافعي رحمه الله الاعتقاد ~~والإقرار والعمل جوز أن يقال: مؤمن إن شاء الله، لأن استيفاء الأعمال ~~مشكوك فيه وإن كان الاعتقاد والإقرار يقينا، وعند أبي حنيفة رحمه الله ~~الإيمان الاعتقاد والإقرار فقط، فلم يجوز الاستثناء، فالخلاف لفظي، هذا ~~إذا كان الاستثناء للشك، وإن كان لغيره كان لكسر النفس عن التمدح، ~~وللشهادة بالجنة التي هي للمؤمن، وللحكم على حالة الموت، على أن هذه ~~الكلمة لا تنافي الجزم، فهي بمجرد التبرك كقوله تعالى # لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين # [الفتح: 27] ذكر ذلك الإمام فخر الدين. # ولما كان ترك الدنيا شديدا على النفس، وترك النزاع بعد الانتساب فيه ~~أشد، شرع يذكر لهم ما كانوا له كارهين ففعله بهم وأمرهم به لعلمه ~~بالعواقب فحمدوا أثره، ليكون ادعى لتسليمهم لأمره وازدجارهم بزجره، فشبه ~~حال كراهتهم لترك مرادهم في الأنفال بحال كراهتهم لخروجهم معه ثم بحال ~~كراهتهم للقاء الجيش دون العير، ثم إنهم رأوا أحسن العاقبة في كلا ~~الأمرين فقال: { كما } أي حالهم في كراهية تسليم الأنفال - مع كون ~~التسليم هو الحق والأولى لهم - كما كانت حالهم إذ { أخرجك ربك } أي ~~المحسن إليك بالإشارد إلى جميع مقاصد الخير { من بيتك بالحق } أي الأمر ~~الفيصل الفارق بين الثابت والمزلزل { وإن } أي والحال أن { فريقا } عبر ~~به لأن آراءهم ms1717 كانت تؤول إلى الفرقة { من المؤمنين } أي الراسخين في ~~الإيمان { لكارهون* } ثم ذكر دليل كراهتهم فقال: { يجادلونك } أي يكررون ~~ذلك إرادة أن يفتلوك عن اللقاء للجيش إلى الرجوع عنه. # ولما كان الجيش امرا قد حتمه الله فلا بد من وقوعه مع أنه يرضيه، قال: ~~{ في الحق } أي الذي هو إيثار الجهاد { بعد ما تبين } أي وضح وضوحا ~~عظيما سهلا من غير كلفة نظر بقرائن الأحوال بفوات العير وتيسير أمر ~~النفير وبإعلام الرسول صلى الله عليه وسلم لهم تارة صريحا وتارة تلويحا ~~كقوله # " والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم، هذا مصرع فلان وذلك مصرع فلان ". # ولما كان سبحانه قد حكم باللقاء والنصرة تأييدا لوليه وإعلاء لكلمته مع ~~شدة كراهتهم لذلك، شبه سوقه لهم إلى مراده. فقال بانيا للمفعول لأن ~~المكروه إليهم السوق لا كونه من معين: { كأنما يساقون } أي يسوقهم سائق ~~لا قدرة لهم على ممانعته { إلى الموت وهم ينظرون* } لأنها كانت أول غزوة ~~غزاها النبي صلى الله عليه وسلم وكان فيها لقاء، وكانوا غير متأهبين ~~للقتال غاية التأهب، إنما خرجوا للقاء العير، هذا مع أنهم عدد يسير، وعدد ~~أهل النفير كثير، وكانوا في غاية الهيبة للقائهم والرعب من قتالهم، وكل ~~هذا تذكير لهم بأنه لم ينصرهم إلا الله بلا صنع منهم، بل كانوا في يد ~~قدرته كالآلة في يد أحدهم، لينتج ذلك أنه ليس لهم أن ينازعوا في الأنفال. # ولما لانوا بهذا الخطاب، وأقبلوا على الملك التواب، أقبل عليهم فقال: { ~~وإذ } أي اذكروا هذا الذي ذكره الله لكم وقد كان حالكم فيه ما ذكره، ثم ~~أفضى إلى سعادة عظيمة وعز لا يشبهه عز، واذكروا إذ { يعدكم الله } أي ~~الجامع لصفات الكمال { إحدى الطائفتين }: العير أو النفير، وأبدل من ~~الإحدى - ليكون الوعد بها مكررا - قوله: { أنها لكم } أي فتكرهون لقاء ~~ذات الشوكة { وتودون } أي والحال أنكم تحبون محبة عظيمة { أن غير ذات ~~الشوكة } أي السلاح والقتال والكفاح الذي به تعرف الأبطال ويميز بين ~~الرجال من ذوات الحجال { تكون لكم } أي العير ms1718 لكونها لم يكن فيها إلا ناس ~~قليل، يقال: إنهم أربعون رجلا، جهلا منكم بالعواقب، ثم تبين لكم أن ما ~~فعله الله خير لكم بما لا يبلغ كنهه، فسلموا له الأمر في السر والجهر ~~تنالوا الغنى والنصر، وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير العاصمي في مناسبة ~~تعقيب الأعراف بهذه السورة ومناسبة آخر تلك لأول هذه ما نصه: لما قص ~~سبحانه على نبيه صلى الله عليه وسلم في سوة الأعراف أخبار الأمم، وقطع ~~المؤمنون من مجموع ذلك بأنه لا يكون الهدى إلا بسابقة السعادة، لافتتاح ~~السورة من ذكر الأشقياء بقصة إبليس وختمها بقصة بلعام، وكلاهما كفر على ~~علم ولم ينفعه ما قد كان حصل عليه، ونبه تعالى عباده على الباب الذي أتى ~~منه على بلعام بقوله سبحانه ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فأشار ~~سبحانه إلى أن اتباع الأهواء أضل كل ضلال، نبهوا على ما فيه الحزم من ترك ~~الأهواء جملة فقال تعالى # يسألونك عن الأنفال # [الأنفال: 1] الآية، فكان قد قيل لهم: اتركوا ما ترون أنه حق واجب لكم، ~~وفوضوا في أمره لله وللرسول، فذلك أسلم لكم وأحزم في ردع أغراضكم وقمع ~~شهواتكم وترك أمور ربكم وقد ألف في هذه الشريعة السمحة البيضاء حسم ~~الذرائع كثيرا وإقامة مظنة الشيء مقامه كتحريم الجرعة من الخمر والقطرة، ~~والخطبة في العدة واعتداد النوم الثقيل ناقضا، فهذه مظان لم يقع الحكم ~~فيها على ما هو لأنفسها ولا بما هي كذا، بل بما هي مظان ودواع لما منع ~~لعينه أو استوجب حكما لعينه وعلته الخاصة به، ولما أمر المسلمون بحل ~~أيديهم عن الأنفال يوم بدر إذ كان المقاتلة قد هموا بأخذها وحدثوا أنفسهم ~~بالأنفراد بها ورأوا أنها من حقهم وأن من لم يباشر قتالا من الشيوخ ومن ~~انحاز منه لمهم فلا حق له فيها، ورأى الآخرون أيضا أن حقهم فيها ثابت ~~لأنهم كانوا فيه للمقاتلين عدة وملجأ وراء ظهورهم، كان ما أمرهم الله به ~~من تسليم الحكم في ذلك إلى الله رسوله من باب حسم الذرائع لأن ms1719 تمشية ~~أغراضهم في ذلك - وإن تعلق كل من الفريقين بحجة - مظنة لرئاسة النفوس ~~واستسهال اتباع الأهواء، فأمرهم الله بالتنزه عن ذلك والتفويض الله ~~ولرسوله فإن ذلك أسلم لهم وأوفى لدينهم وأبقى في إصلاح ذات البين وأجدى ~~في الأتباع # فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم # [الأنفال: 1] الآية، ثم ذكروا بما ينبغي لهم يلتزموا فقال تعالى # إنما المؤمنون # [الأنفال: 2] - إلى قوله: # زادتهم إيمانا # [الأنفال: 2] ثم نبهوا على أن أعراض الدنيا من نفل أو غيره لا ينبغي ~~للمؤمن أن يعتمد عليه اعتمادا يدخل عليه ضرارا من الشرك أو التفاتا ~~إلى غير الله سبحانه بقوله: { وعلى ربهم يتوكلون } ثم ذكروا بما وصف به ~~المتقين من الصلاة والإنفاق ثم قال { أولئك هم المؤمنون حقا } تنبيها ~~على أن من قصر في هذه الأحوال ولم يأت بها على كمالها لم يخرج عن الإيمان ~~ولكن ينزل عن درجة الكمال بحسب تقصيره، وكان في هذا إشعار بعذرهم في ~~كلامهم في الأنفال وأنهم قد كانوا في مطلبهم على حالة من الصواب وشرب من ~~التمسك والأتباع، ولكن أعلى الدرجات ما بين لهم ومنحوه، وأنه الكمال ~~والفوز، ثم نبههم سبحانه بكيفية أمرهم في الخروج إلى بدر وودهم أن غير ~~ذات الشوكة تكون لهم وهو سبحانه يريهم حسن العاقبة فيما اختاره لهم، فقد ~~كانوا تمنوا لقاء العير، واختاروا ذلك على لقاء العدو ولم يعلموا ما وراء ~~ذلك # ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين # [الأنفال: 7] إلى ما قصه تعالى عليهم من اكتنافهم برحمته وشمول ألطافه ~~وآلائه وبسط نفوسهم ونبههم على ما يثبت يقينهم ويزيد في إيمانهم، ثم أعلم ~~أن الخير كله في التقوى فقال: # يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا # [الأنفال: 29] الاية، وهذا الفرقان هو الذي حرمه إبليس وبلعام، فكان ~~منهما ما تقدم من اتباع الأهواء القاطعة لهم عن الرحمة، وقد تضمنت الآية ~~حصول خير الدنيا والآخرة بنعمة الاتقاء، ثم أجمل الخيران معا في قوله # والله ذو الفضل العظيم # [الأنفال: 29] بعد تفصيل ما إليه إسراع المؤمنين من الفرقان ms1720 والتكفير ~~والغفران، ولم يقع التصريح بخيري الدنيا الخاص بها مع اقتضاء الآية إياه ~~تنزيها للمؤمن في مقام إعطاء الفرقان وتكفير السيئات، والغفران من ذكر ~~متاع الدنيا التي هي لهو ولعب فلم يكن ذكر متاعها الفاني ليذكر مفصلا مع ~~ما لا يجانسه ولا يشاكله # وإن الدار الآخرة لهي الحيوان # [العنكبوت: 64] ثم التحمت الآي، ووجه آخر وهو أنه تعالى لما قال { وإذا ~~قرىء القرآن فاستمعوا له } بين لهم كيفية هذا الاستماع وما الذي يتصف ~~به المؤمن من ضروبه فقال # إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله # [الأنفال: 2] الآية، فهؤلاء لم يسمعوا بآذانهم فقط، ولا كانت لهم آذان ~~لا يسمعون بها ولا قلوب لا يفقهون بها، ولو كانوا كذا لما وجلت وعمهم ~~الفزع والخشية وزادتهم الآيات إيمانا، فإذن إنما يكون سماع المؤمن هكذا # ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون # [الأنفال: 21] ولما كان هؤلاء إنما أتى عليهم من اتباع أهوائهم والوقوف ~~مع أعراضهم وشهواتهم # يأخذون عرض هذا الأدنى # [الأعراف: 169] # ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه # [الأعراف: 176] وهذه بعينها كانت آفة إبليس، رأى لنفسه المزيد واعتقد ~~لها الحق ثم اتبع هذا الهوى حين قال # لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمأ مسنون # [الحجر: 33] فلما كان اتباع الهوى أصلا في الضلال وتنكب الصراط ~~المستقيم، أمر المؤمنين بحسم باب الأهواء، والتسليم فيما لهم به تعلق وغن ~~لم يكن هوى مجردا لكنه مظنة تيسير لاتباع الهوى، فافتتحت السورة بسؤالهم ~~عن الأنفال وأخبروا أنها لله ورسوله، يحكم فيها ما يشاء { فاتقوا الله } ~~واحذروا الأهواء التي أهلكت من قص عليكم ذكره { وأصلحوا ذات بينكم } برفع ~~التنازع، وسلموا لله ولرسوله، وإلا لم تكونوا سامعين وقد أمرتم أن تسمعوا ~~السماع الذي عنه ترجى الرحمة، وبيانه في قوله { إنما المؤمنون } - ~~الآيات، ووجه آخر وهو أن قصص بني إسرائيل عقب بوصاة المؤمنين وخصوصا ~~بالتقوى وعلى حسب ما يكون الغالب فيما يذكر من أمر بني إسرائيل، ففي ~~البقرة أتبع قصصهم بقوله # يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا # [البقرة: ms1721 104] ولما كان قصصهم مفتتحا بذكر تفضيلهم { يا بني إسرائيل ~~اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين } افتتح خطاب ~~هذه الأمة بما يشعر بتفضليهم، وتأمل ما بين { يا بني إسرائيل } و { يا ~~أيها الذين آمنوا } وأمر أولئك بالإيمان # وآمنوا بما أنزلت # [البقرة: 41] وأمر هؤلاء بتعبد احتياطي فقيل # وقولوا انظرنا واسمعوا # [البقرة: 104] ثم أعقبت البقرة بآل عمران وافتتحت ببيان المحكم ~~والمتشابه الذي من جهته أتى على بني إسرائيل في كثير من مرتكباتهم، ولما ~~ضمنت سورة آل عمران من ذكرهم ما ورد فيها، أعقبت بقوله تعالى؛ # يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد ~~إيمانكم كافرين # [آل عمران: 100] ثم أعقبت السورة بقوله # يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة # [النساء: 1] وعدل عن الخطاب باسم الإيمان للمناسبة، وذلك أن سورة آل ~~عمران خصت من مرتكبات بني إسرائيل بجرائم كقولهم في الكفار # هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا # [النساء: 51] فهذا بهت، ومنها قولهم # الله فقير ونحن أغنياء # [آل عمران: 181] إلى ما تخلل هاتين من الآيات المنبئة عن تعمدهم ~~الجرائم، فعدل عن { يا أيها الذين آمنوا } إلى { يا أيها الناس } ليكون ~~أوقع في الترتيب وأوضح مناسبة لما ذكر، ولما ضمنت سورة النساء قوله تعالى # فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات # [النساء: 160] - إلى قوله: # وأكلهم أموال الناس بالباطل # [النساء: 161] أتبعت بقوله تعالى # يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود # [المائدة: 51] ثم ذكر لهم ما أحل لهم وحرم عليهم ليحذروا مما وقع فيه ~~أولئك، فعلى هذا لما ضمنت سورة الأعراف من قصصهم جملة، وبين فيها ~~اعتداءهم، وبناه على اتباع الأهواء والهجوم على الأغراض، طلب هؤلاء ~~باتقاء ذلك والبعد عما يشبهه جملة، فقيل في آخر السورة # إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا # [الأعراف: 201] ثم افتتحت السورة الأخرى بصرفهم عما لهم به تعلق وإليه ~~تشبث يقيم عذرهم شرعا فيما كان منهم، فكان قد قيل لهم: ترك هذا أعلم ~~وأبعد عن اتباع الأهواء، فسلموا في ذلك الحكم لله ms1722 ورسوله واتقوا الله، ثم ~~تناسج السياق والتحمت الآي، وقد تبين وجه اتصال الأنفال بالأعراف من ~~وجوه، والحمد لله - انتهى. # ولما أخبر تعالى بما هو الحق من أن إرادتهم بل ودادتهم إنما كانت منصبة ~~إلى العير لا إلى النفير، تبين أنه لا صنع لهم فيما وقع إذ لو كان لكان ~~على ما أرادوا، فلا حظ لهم في الغنيمة إلا ما يقسمه الله لهم لأن الحكم ~~لمراده لا لمراد غيره، فقال تعالى عاطفا على { وتودون }: { ويريد الله } ~~أي بما له من العز والعظمة والعلم { أن يحق الحق } اي يثبت في عالم ~~الشهادة الثابت عنده في عالم الغيب، وهو هنا إصابة ذات الشوكة { بكلماته ~~} أي التي أوحاها إلى نبيه صلى الله عليه وسلم أنهم يهزمون ويقتلون ~~ويؤسرون، وأن هذا مصرع فلان وهذا مصرع فلان، ليعلي دينه ويظهر أمره على ~~كل أمر { ويقطع دابر } أي آخر { الكافرين* } أي كما يقطع أولهم، أي ~~يستأصلهم بحيث لا يبقى منهم أحد يشاقق أهل حزبه فهو يدبر أمركم على ما ~~يريد، فلذلك اختار لكم ذات الجد والشوكة ليكون ما وعدكم به من إعلاء ~~الدين وقمع المفسدين بقطع دابرهم { ليحق الحق } أي الذي هو دينه القيم ~~وفيه فوز الدارين { ويبطل الباطل } وهو كل ما خالفه { ولو كره } أي ذلك { ~~المجرمون* } أي الذين يقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويكسر قوتهم بضعفكم ~~ويفني كثرتهم بقلتكم ويمحق عزهم بذلتكم فيظهر علو أمره ويخضع الأعناق ~~لذكره { إذ } ظرف { ليحق الحق } { تستغيثون ربكم } أي تطلبون إغاثة ~~المحسن إليكم، وهو بدل من { إذ يعدكم } فهو من البيان لكراهتهم لقاء ذات ~~الشوكة بشدة جزعهم الموجب لهم الاستغاثة مع إسفار العاقبة عن أن الخير ~~فيما كرهوه، وأنه أحق الحق وأظهر الدين وأوهن أمر المشركين. # ولما أسرع سبحانه الإجابة، دل على ذلك بقوله: { فاستجاب } أي فأوجد ~~الإجابة إيجاد من هو طالب لها شديد الرغبة فيها { لكم } بغاية ما تريدون ~~تثبيتا لقلوبكم { أني } أي بأني { ممدكم } أي موجد المدد " لكم " أي ~~بإمدادكم، ولعله حول العبارة لما في ms1723 التصريح بضميره من العظمة والبركة { ~~بألف من الملائكة } حال كونهم { مردفين* } أي متبعين بأمثالهم. ### || [8.10-13] # ولما كانت نصرة المسلمين في هذه الغزوة ظاهرة جدا، قال: { وما جعله ~~الله } اي الإمداد والوعد به على ما له سبحانه من العظمة التي من راقبها ~~لم يهب شيئا { إلا بشرى } أي لتستبشر به نفوسكم، ولم يحتج إلى تقييد بأن ~~يقال: لكم، وأما في قصة أحد فقد كان المقتول منهم أكثر من المقتول من ~~الكفار فلولا قوله " لكم " لربما طرق بعض الأوهام حين سماع أول الكلام أن ~~الإمداد بشرى للكفار. # ولما كان الذي وقع الحكم به هنا على الإمداد أنه بشرى نفسه من غير قيد، ~~علم أن العناية به أشد، فكان المحكوم به الطمأنينة كذلك، فكان أصل ~~الكلام: إلا بشرى هو وطمأنينة هو، فلذلك وجب تقديم ضميره في قوله " به " ~~على القلوب تأكيدا لأمره وتفخيما لشأنه، وإشارة إلى إتمامه على عادة ~~العرب في تقديم ماهم به أعنى وهو عندهم أهم فقال: { ولتطمئن } أي ~~وطمأنينة لتطمئن { به } أي وحده من غير نظر إلى شيء من قوتكم ولا غيرها { ~~قلوبكم } فالآية من الاحتباك، وأما في قصة أحد فلما قيدت البشرى بالإمداد ~~بلكم لما تقدم، علم الطمأنينة كذلك، فكان الأنسب تأخير ضميره وتقديم ~~القلوب الملابسة لضميرهم موازنة لقوله " لكم ". # ولما كان ذلك مفهما أن النصر ليس إلا بيده وأن شيئا من الإمداد أو ~~غيره لا يوجب النصر بذاته، صرح به في قوله: { وما النصر } أي حاصلا ~~وموجودا بالملائكة وغيرهم من الأسباب { إلا من عند الله } أي لأن له ~~وحده صفات الكمال، فما عنده ليس منحصرا في الإمداد بالملائكة فالنصر وإن ~~كان بها فليس من عندها، فلا تعتمدوا على وجودها ولا تهنوا بفقدها ~~اعتمادا عليه سبحانه خاصة، فإن ما عنده من الأسباب لا يحيط به علما، ~~هذا إذا أراد النصر بالأسباب، وإن أراد بغير ذلك فعل فكان التعبير بعند ~~لإفهام ذلك. # ولما كانت هذه الغزوة في أول الأمر، وكانوا بعد بروز الوعد الصادق لهم ~~بإحدى الطائفتين كارهين للقاء ذات ms1724 الشوكة جدا، ثم وقع لهم ما وقع من ~~النصر، كان المقام مقتضيا لإثبات عزة الله وحكمته على سبيل التأكيد ~~إعلاما بأن صفات الكمال ثابتة له دائما، فهو ينصر من صبر واتقى بعزته، ~~ويحكم أمره على أتم وجه بحكمته، هذا فعله دائما كما فعل في هذه الغزوة ~~فلذلك قال معللا لما قبله مؤكدا: { إن الله } أي الملك الأعظم { عزيز } ~~أي هو في غاية الامتناع والقهر لمن يريد قهره أزلا وأبد. لا يغلب ولا ~~يحوج وليه إلى زيادة العدد ولا نفاسة العدد { حكيم } أي إذا قضى أمرا ~~كان في غاية الإتقان والإحكام، فلا يستطيع أحد نقص شيء منه، هذا له ~~دائما، فهو يفعل في نصركم هكذا مهما استأنستم إلى بشراه ولم تنظروا إلى ~~قوتكم ولا غيرها مما سواه فلا تقلقوا إذا أمركم بالهجوم على البأس ولو ~~كان فيه لقاء جميع الناس. # ولما أكد هنا، لم يحتج إلى إعادة تأكيده في آل عمران فقيل # العزيز الحكيم # [آل عمران: 126] أي الذي أخبركم عن عزته وحكمته في غزوة بدر بما يليق ~~بذلك المقام من التأكيد، وأخبركم أنكم إن فاديتم الأسرى قتل منها في ~~العام المقبل مثل عددهم، فوقوع الأمر على ما قال مغن عن التأكيد، ولم يكن ~~أحد من المسلمين في أحد مترددا في اللقاء ولا هائبا له الإ ما وقع من ~~الهم بالفشل من الطائفتين والعصمة منه في الحال، وقد مضى في آل عمران ~~لهذا مزيد بيان. # ولما ذكر البشرى والطمأنينة بالإمداد، ناسب أن يذكر لهم أنه أتبع القول ~~الفعل فألقى في قلوبهم بعزته وحكمته الطمأنينة والأمن والسكينة بدليل ~~النعاس الذي غشيهم في موضع هو أبعد الأشياء عنه وهو موطن الجلاد ومصاولة ~~الأنداد والتيقظ لمخاتلة أهل العناد، وكذا المطر وأثره، فقال مبدلا ~~أيضا من { إذ يعدكم } أو معلقا بالنصر أو بما في الظرف من رائحة الفعل ~~مصورا لعزته وحكمته: { إذ يغشاكم } بفتح حرف المضارعة في قراءة ابن كثير ~~وأبي عمرو فالفاعل { النعاس } وضم الباقون الياء، وأسكن نافع الغين ~~وفتحها الباقون وشددوا الشين المكسورة، فالفاعل ms1725 في القراءة الأولى مفعول ~~هنا، والفاعل ضمير يعود على الله، ولما ذكر هذه التغشية الغريبة الخارقة ~~للعوائد، ذكر ما فعلت لأجله فقال: { أمنة } ولما كان ذلك خارقا للعادة، ~~جاء الوصف بقوله: { منه } أي بحكمته لأنه لا ينام في مثل تلك الحال إلا ~~الآمن، ويمنع عنكم العدو وأنتم نائمون بعزته، ولم يختلف فاعل، الفعل ~~المعلل في القراءات الثلاث لأن كون النعاس فاعلا مجاز، ويصح عندي نصبها ~~على الحال. # ولما كان النعاس آية الموت، ذكر بعده آية الحياة فقال: { وينزل عليكم } ~~وحقق كونه مطرا بقوله: { من السماء ماء } ووقع في البيضاوي وأصله وكذا ~~تفسير أبي حيان أن المشركين سبقوا إلى الماء وغلبوا عليه، وليس كذلك بل ~~الذي سبق إلى بدر وغلب على مائها المؤمنون كما ثبت في صحيح مسلم وغيره، ~~فيكون شرح القصة أنم مطروا في المنزل الذي ساروا منه إلى بدر فحصل ~~للمسلمين منه ما ملؤوا منه أسقيتهم فتطهروا من حدث أو جنابة ولبد لهم ~~الرمل وسهل عليهم المسير، وأصاب المشركين ما زلق أرضهم حتى منعهم المسير، ~~فكان ذلك سببا لسبق المسلمين لهم إلى المنزل وتمكينهم من بناء الحياض ~~وتغوير ما وراء الماء الذي نزلوا عليه من القلب كما هو مشهور في السير، ~~ويكون رجز الشيطان وسوسته لهم بالقلة والضعف والتخويف بكثرة العدو، ~~والربط على القلوب طمأنينتهم وطيب نفوسهم بما أراهم من الكرامة كما يوضح ~~ذلك جميعه قول ابن هشام { وينزل عليكم من السماء } ماء للمطر الذي أصابهم ~~تلك الليلة، فحبس المشركين أن يسبقوا إلى الماء وخلى سبيل المؤمنين إليه ~~{ ليطهركم به } أي من كل درن، وابتدأ من فوائد الماء بالتطهير لأنه ~~المقرب من صفات الملائكة المقربين من حضرات القدس وعطف عليه - بقوله: { ~~ويذهب عنكم } أي لا عن غيركم { رجز الشيطان } بغير لام ما هو لازم له، ~~وهو العبد الذي كان مع الحدث الذي منه الجنابة المقربة من الخبائث ~~الشيطانية بضيق الصدر والشك والخوف لإبعاد من الحضرات الملائكة " لا تدخل ~~الملائكة بيتا فيه جنب " والرجز يطلق على القذر وعبادة الأوثان والعذاب ms1726 ~~والشرك، فقد كان الشيطان وسوس لهم، ولا شك أن وسوسته من أعظم القذر فإنها ~~تجر من تمادى معها إلى كل ما ذكر؛ ثم عطف عليه ما تهيأ له القلب من الحكم ~~الإلهية وهو إفراغ السكينة فقال: { وليربط } أي بالصبر واليقين. # ولما كان ذلك ربطا محكما غالبا عاليا، عبر فيه بأداة الاستعلاء ~~فقال: { على قلوبكم } أي بعد إسكانها الوثوق بلطفه عند كل ملمة حتى ~~امتلأت من كل خير وثبت فيها الربط، فشبهها بجراب ملىء شيئا ثم ربط رأسه ~~حتى لا يخرج من ذلك الذي فيه شيء، وأعاد اللام إشارة إلى أنه المقصد ~~الأعظم وما قبله وسيلة إليه وعطف عليه بغير لام لازمه من التثبيت فقال: { ~~ويثبت به } أي بالربط بالمطر { الأقدام* } أي لعدم الخوف فإن الخائف لا ~~تثبت قدمه في المكان الذي يقف به، بل تصير رجله تنتقل من غير اختيار أو ~~بتلبيد الرمل. # ولما ذكر حكمة الإمداد وما تبعه من الآثار المثبتة للقلوب والأقدام، ذكر ~~ما أمر به المدد من التثبيت بالقول والفعل فقال: { إذ } بدلا ثالثا من ~~{ إذ يعدكم } أو ظرفا ليثبت { يوحي ربك } أي المحسن إليك بجميع ذلك { ~~إلى الملائكة } وبين أن النصر منه لا من المدد بقوله: { أني معكم } أي ~~ومن كنت معه كان ظافرا بجميع مأموله { فثبتوا } أي بسبب ذلك { الذين ~~آمنوا } أي بأنواع التثبيت من تكثير سوادهم وتقوية قلوبهم وقتال أعدائهم ~~وتقليلهم في أعينهم وتحقير شأنهم؛ ثم بين المعية بقوله: { سألقي } أي ~~بوعد لا خلف فيه { في قلوب الذين كفروا } أي أوجدوا الكفر { الرعب } فلا ~~يكون لهم ثبات { فاضربوا } أي أيها المؤمنون من الملائكة والبشر غير ~~هائبين بسبب ذلك. # ولما كان ضرب العنق والراس أوحى مهلك للإنسان، وكان العنق يستر في الحرب ~~غالبا، عبر بقوله: { فوق الأعناق } أي الرؤوس أو أعالي الأعناق منهم ~~لأنها مفاصل ومذابح. # ولما كان إفساد الأصابع أنكى ما يكون بعد ذلك لأنه يبطل قتال المضروب أو ~~كمال قتاله، قال: { واضربوا منهم كل بنان } أي فإنه لا مانع من ذلك لكوني ~~معكم، ms1727 ثم علل تسليطهم عليهم بقوله: { ذلك } أي التسليط العظيم، وأخبر عنه ~~بقوله: { بأنهم } أي الذي تلبسوا الآن بالكفر ولو كانوا ممن يقضي بايمانه ~~بعد { شاقوا الله } أي الملك الأعلى الذي لا يطاق انتقامه { ورسوله } أي ~~طلبوا أن يكونوا بمخالفة الأوامر والنواهي في شق غير الذي فيه حزب الهدى ~~في مكر منهم وخداع، وشاقوه باشتهار السيف جهرا - ثم بين ما لفاعل ذلك، ~~فقال عاطفا على تقديره: فمن شاق الله ورسوله فافعلوا به ذلك، فإني فاعل ~~به ما فعلت بهؤلاء، وأظهر الإدغام في المضارع لأن القصة للعرب وأمرهم في ~~عداوتهم كان بعد الهجرة شديدا ومجاهرة، وأدغم في الماضي لأن ما مضى ~~قبلها كان ما بين مساترة بالمماكرة ومجاهرة بالمقاهرة، وعبر بالمضارع ~~ندبا إلى التوبة بتقييد الوعيد بالاستمرار، وأدغم في الحشر في الموضعين ~~لأن القصة لليهود وأمرهم كان ضعيفا ومساترة في مماكرة: { ومن يشاقق الله ~~} أي الذي له الأمر كله فلا أمر لأحد معه ويشاقه سرا أو جهرا { ورسوله ~~} بأن يكون في شق غير الشق الذي يرضيانه { فإن الله } أي الذي له جميع ~~صفات الكمال { شديد العقاب* } أي له هذه الصفة، فليتوقع مشاققه عذابه، ~~فالآية من الاحتباك: ذكر الفعل المدغم أولا دليل على حذف المظهر ثانيا، ~~والمظهر ثانيا على حذف المدغم أولا. # ولما ختم الآية ببيان السبب الموجب لإهانة الذين كفروا وبما له من الوصف ~~العظيم، أتبعه ما يقول لهم لبيان الحال عند ذلك بقوله التفاتا إليهم ~~لمزيد التبكيت والتوبيخ. ### || [8.14-21] # { ذلكم } أي هو سبحانه بما له من هذا الوصف الهائل يذيق عدوه من عذابه ~~ما لا طاقة لهم به ولا يدان، فيصير لسان الحال مخاطبا لهم نيابة عن ~~المقال: الأمر الذي حذرتكم منه الرسل وأتتكم به الكتب وكنتم تستهزئون به ~~أيها الكفرة هو هذا الأمر الشديد وقعه البعيد على من ينزل عليه دفعه ~~دهمكم، فما لكم لا تدافعونه! كلا والله شغل كلا ما قابله ولم يقدر أن ~~يزاوله. # ولما كان ما وقع لهم في وقعة بدر من القتل والأسر والقهر يسيرا جدا ms1728 ~~بالنسبة إلى ما لهم في الآخرة، سماه ذوقا لأنه يكون بالقليل ليعرف به ~~حال الكثير فقال: { فذوقوه } أي باشروه قهرا مباشرة الذائق واعلموا أنه ~~بالنسبة إلى ما تستقبلونه كالمذوق بالنسبة إلى المذوق لأجله { وأن } أي ~~والأمر الذي أتتكم به الرسل والكتب أن لكم مع هذا الذي ذقتموه في الدنيا، ~~هكذا كان الأصل ولكنه أظهر تعميما وتعليقا بالوصف فقال: { للكافرين } ~~أي على كفرهم وإن لم يظهروا المشاققة { عذاب النار* } وهو مواقعكم وهو ~~أكبر وسترون. # ولما قرر إهانتهم في الدنيا والآخرة بما حسر عليهم القلوب، حسن أن يتبع ~~ذلك نهي من ادعى الإيمان عن الفرار منهم وتهديد من نكص عنهم بعد هذا ~~البيان وهو يدعي الإيمان فقال: { يا أيها الذين آمنوا } أي بما أتاهم من ~~عند ربهم { إذا لقيتم الذين كفروا } أي بآيات ربهم فشاققوه، وعبر عن حال ~~لقائهم بالمصدر مبالغة في التشبيه فقال: { زحفا } أي حال كونهم زاحفين ~~محاربين وهم من الكثرة بحيث لا يدرك من حركتهم - وإن كانت سريعة - إلا ~~مثلل الزحف { فلا تولوهم الأدبار* } أي هربا منهم وإن كنتم أقل منهم { ~~ومن يولهم } ولما كان الأغلب في وقوع القتال النهار، وكان التولية مما لا ~~يكون الظرف معيارا له لأنها مما لا يمتد زمنه، فالعصيان يقع بمجرد ~~الالتفات بقصد الفرار، والتمادي تكرير أمثال، لا شرط في صحة إطلاق الاسم، ~~عبر باليوم، وجرده عن " في " ندبا إلى الكر بعد الفر مع عدم الالتباس، ~~فإن الظرف لا يكون معيارا للفعل إلا إذا كان ممتد الزمان كالصوم فقال { ~~يومئذ } أي إذ لقيتم على هذه الحالة في أي وقت كان من أوقات القتال من ~~ليل كان أو نهار { دبره } أي يجعل ظهره إليهم لشيء من الأشياء تولية لا ~~يريد الإقبال إلى القتال منها { إلا } أي حال كونه { متحرفا } أو الحال ~~التحرف، وهو الزوال عن جهة الاستواء { لقتال } أي لا يتسهل له إلا بذلك ~~يخيل إلى عدوه أنه منهزم خداعا له ثم يكر عليه { أو متحيزا } أي ~~متنقلا من حيز إلى آخر ومتنحيا { إلى فئة ms1729 } أي جماعة أخرى من أهل حزبه ~~هم أهل لآن يرجع إليهم ليستعين بهم أو يعينهم. # ولما كان هذا محل توقع السامع للجواب وتفريغ ذهنه له، أجاب رابطا ~~بالفاء إعلاما بأن الفعل المحدث عنه سبب لهذا الجزاء فقال: { فقد باء } ~~أي رجع { بغضب من الله } اي الحائز لجميع صفات الكمال { ومأواه جهنم } أي ~~تتجهمه كما أنه هاب تجهم الكفار ولقاء الوجوه العابسة بوجه كالح عابس { ~~وبئس المصير* } هذا إذا لم يزد الكفار عن الضعف - كما سيأتي النص به. # ولما تقدم إليهم في ذلك، علله بتقرير عزته وحكمته، وأن النصر ليس إلا من ~~عنده، فمن صح إيمانه لم يتوقف عن امتثال أوامره، فقال مسببا عن تحريمه ~~الفرار وإن كان العدو كثيرا، تذكيرا بما صنع لهم في بدر، ليجريهم على ~~مثل ذلك، ومنعا لهم من الإعجاب بما كان على أيديهم في ذلك اليوم من ~~الخوارق { فلم تقتلوهم } أي حل على المدبر الغضب لأنه تبين لكل مؤمن ~~أنه تعالى لا يأمر أحدا إلا بما هو قادر سبحانه على تطويقه له، فإنه قد ~~وضح مما يجري على قوانين العوائد أنكم لم تقتلوا قتلى بدر وإن تعاطيتم ~~أسباب قتلهم، لأنكم لم تدخلوا قلوب ذلك الجيش العظيم الرعب الذي كان سبب ~~هزيمتهم التي كانت سبب قتل من قتلتم، لضعفكم عن مقاومتهم في العادة، وفيه ~~مع ذلك زجر لهم عن أن يقول أحد منهم على وجه الافتخار: قتلت كذا وكذا ~~رجلا وفعلت كذا { ولكن الله } أي الذي له الأمر كله فلا يخرج شيء عن ~~مراده { قتلهم } أي بأن هزمهم لكم لما رأوا الملائكة وامتلأت أعينهم من ~~التراب الذي رماهم به صلى الله عليه وسلم وقلوبهم جزعا حتى تمكنتم من ~~قتلهم خرق عادة كان وعدكم بها، فصدق مقاله وتمت أفعاله. # ولما رد ما باشروه إليه سبحانه، أتبعه ما باشره نبيه صلى الله عليه وسلم ~~دلالة على ذلك لأنه صلى الله عليه وسلم لما رأى قريشا مقبلة قال: اللهم! ~~هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك، فقال جبرائيل ms1730 عليه ~~السلام: خذ قبضة من تراب فأرمهم بها، ففعل فملأت أعينهم فانهزموا فقال: { ~~وما رميت } أي يا سيد المؤمنين الرمل في أعين الكفار { إذ رميت } أي ~~أوقعت صورة قذفه من كفك، لأن هذا الأثر الذي وجد عن رميك خارق للعادة، ~~فمن الواضح أنه ليس فعلك، وهذا هو الجواب عن كونه لم يقل: فلم تقتلوهم إذ ~~قتلتموهم، لأن زهوق النفس عن الجراح المثخن هو العادة، فهم الذين قتلوهم ~~حين باشروا ضربهم، فلا يصح: فلم تقتلوهم حتى قتلتموهم، والمنفي إنما هو ~~السبب المتقدم على القتل الممكن من القتل، وهو تسكين قلوبهم الناشىء عند ~~إقدامهم وإرعاب الكفار الناشىء عند ضعفهم وانهزامهم الممكن منهم، فالمنفي ~~عنهم البداية والمنفي عنه صلى الله عليه وسلم الغاية، أو أن الملائكة ~~عليهم السلام لما باشرت قتل بعضهم صح أن ينفي عنهم قتل المجموع مطلقا، ~~أو أنهم لما افتخر بعضهم بقتل من قتل نفاه سبحانه عنهم مطلقا لأن ~~مباشرتهم لقتل من قتل في جنب ما أعد لهم من الأسباب وأيدهم به من الجنود ~~عدم، وأما النبي صلى الله عليه وسلم فإنه فعل ما أمر به من رمي الرمل ولم ~~يعد فعله ولا ذكره، فأثبته سبحانه له مع نفي تأثيره عنه وإثباته لمن إليه ~~ترجع الأمور تأديبا منه سبحانه لهذه الأمة، أي لا ينظر أحد إلى شيء من ~~طاعته، فإنا قد نفينا هذا الفعل العظيم عن أكمل الخلق مع أنه عالم مقر ~~بأنه منا فليحذر الذي يرى له فعلا من عظيم سطواتنا، ولكن لينسب جميع ~~أفعاله الحسنة إلى الله تعالى كما نسب الرمي إليه بقوله: { ولكن الله } ~~أي الذي لا راد لأمره { رمى } لأنه الذي أوصل أثره بما كان هازما ~~للكفار، فعل ذلك كله ليبلي الكفار منه بأيدي من أراد من عباده بلاء ~~عاقبته سيئة { وليبلي المؤمنين } أي الراسخين في الإيمان { منه } أي وحده ~~{ بلاء حسنا } أي من النصر والغنيمة والأجر، ومادة بلاء يائية أو واوية ~~بأي ترتيب كان تدور على الخلطة، وتارة تكون مطلقة نحو أبلاه عذرا، ~~وتارة بكثرة ms1731 ومحاولة وعناء وهو أغلب أحوال المادة، وتارة تكون للامتحان ~~وأخرى لغيره، وماأباليه بالة - أظنه من البال الذي هو الخاطر فهو من بول ~~لا بلو، أجوف لا من ذوات الأربعة، ومعناه: ما أفاعله بالبال، أي ما أكترث ~~به فما أصرف خاطري إلى مخالطة أحواله حيث يصرف خاطره إلي أي ما أفكر في ~~أمره لهوانه علي وسيأتي بسط معاني المادة إن شاء الله تعالى في سورة ~~يوسف عليه السلام عند قوله تعالى # ما بال النسوة # [يوسف: 50] وهذه المادة معناها ضد الدعة، لأن هذه يلزمها شغل الخاطر ~~الذي عنه ينشأ التعب بمدافعة الملابس، والدعة يلزمها هدوء السر وفراغ ~~البال الذي هو منشأ الراحة، فمعنى الآية أنه تعالى فعل ذلك من الإمكان من ~~إذلال الكفار ليخالطهم من شؤونه ما يكون لهم في مدافعته عاقبة سيئة، ~~وليخالط المؤمنين من ذلك ما يكون لهم في مزاولته عاقبة حسنة بل أحسن من ~~الراحة، لأنه يفضي بهم إلى راحة دائمة، والدعة تقضي إلى تعب طويل - والله ~~موفق. # ولما ثبت بما مضى أن له تعالى الأفعال العظيمة والبطشات الجسمية. ودلت ~~أقوال من قال من المؤمنين: إنا لم نتأهب للقاء ذات الشوكة، على ضعف ~~العزائم؛ ختم الآية بقوله: { إن الله } أي الذي له الإحاطة بصفات الكمال ~~{ سميع } أي لأقوالكم من الاستعانة في المعونة على النصرة وغيرها { عليم* ~~} أي بعزائمكم وإن لم تتكلموا بها، فهو يجازي المؤمن على حسب إيمانه ~~والكافر على ما يبدي ويخفي من كفرانه، الأمر { ذلكم } العظيم الشأن ~~البعيد المتناول الذي أمركم فيه بأوامره ونهاكم به عن مناهيه وأبلاكم فيه ~~البلاء الحسن، وأراكم بأعينكم توهينه لهذه الطائفة التي قصدتكم وأنتم ~~عندها أكلة جزور وعصفور بين يدي صقور، وبين لكم من علل ذلك وعجائب مقدوره ~~ما لم يبق معه عذر لمؤمن، فألزموا طاعته وسابقوا في طاعة رسوله ولا ~~تنظروا في عاقبة شيء مما يأمر به، فإنه ما ينطق عن الهوى بل إنما يأمر ~~عنا، ونحن لم نأمر بشيء إلا بعد تدبيره على أحكم الوجوه وأتقنها { وأن ~~} أي والأمر أيضا ms1732 أن { الله } أي الحاوي لجميع صفات العز والعظمة { موهن ~~} أي مضعف إضعافا شديدا ثابتا دائما أبدا { كيد الكافرين* } أي ~~الراسخين في الكفر جميعهم، فلا تهنوا في ابتغاء القوم وإن نالكم قرح فإنا ~~نجعله لكم تطهيرا وللكافرين تدميرا والعاقبة للتقوى، فنطلعكم على ~~عوراتهم ونلقي الرعب في قلوبهم ونفرق كلمتهم وننقض ما أبرموا. # ولما تضمن ذلك إيقاع الإهانة بالكفار بهذه الوقعة، والوعد بإلزامهم ~~الإهانة فيما يأتي، كان ذلك مفصلا للالتفات إلى تهديدهم في قالب ~~استجلائهم والاستهزاء بهم وتفخيم أمر المؤمنين فقال: { إن تستفتحوا } أي ~~تسألوا الفتح أيها الكفار بعد هذا اليوم كما استفتحتم في هذه الوقعة عند ~~أخذكم أستار الكعبة وقت خروجكم بقولكم: اللهم انصر أهدى الحزبين، وأكرم ~~الجندين، وأعلى الفئتين، وأفضل الدينين، ووقت ترائي الجمعين؛ بقول أبي ~~جهل: اللهم أقطعنا للرحم وآتانا بما لا يعلم فأحنه الغداة؛ أتاكم الفتح ~~كما أتاكم في هذا اليوم { فقد جاءكم } أي في هذا اليوم بنصر المؤمنين { ~~الفتح } أي الذي استفتحتم له لأنهم أهدى الفئتين وأكرم الطائفتين { وإن ~~تنتهوا } أي بعد هذا عن مثل هذه الأقوال والأفعال المتضمنه للشك أو ~~العناد { فهو خير لكم } وقد رأيتم دلائل ذلك { وإن تعودوا } أي إلى ~~المغالبة لأنكم لم تنتهوا { نعد } أي إلى خذلانكم { ولن تغني عنكم } أي ~~أبدا { فئتكم } أي جماعتكم التي ترجعون إليها للاعتزاز بها { شيئا } أي ~~من الإغناء { ولو كثرت } لأن الله على الكافرين { وأن الله } أي الملك ~~الأعظم { مع المؤمنين* } أي الراسخين في الإيمان، ولعله عبر المستقبل في ~~الشرط والماضي في الجزاء إشارة إلى أنكم استفتحتم في بدر وجاءكم من الفتح ~~ما رأيتم، فإن كان أعجبكم فألزموه في المستقبل، فإني لا أجيئكم أبدا ما ~~دمتم على حالكم إلا بما جئتكم به يومئذ، والفتح يحتمل أن يكون بمعنى ~~النصر فيكون تهكما بهم، وأن يكون بمعنى القضاء. # ولما كان سبب ما أحله بالكفار - من الإعراض عن إجابتهم فيما قصدوا من ~~دعائهم ومن خذلانهم في هذه الوقعة وإيجاب مثل ذلك لهم أبدا - هو عصيانهم ~~الرسول وتوليهم عن قبول ما ms1733 يسمعونه منه من الروح؛ حذر المؤمنين من مثل ~~حالهم بالتمادي في التنازع في الغنيمة أو غيرها فقال: { يا أيها الذين ~~آمنوا } أي ادعوا ذلك { أطيعوا الله } أي الذي له جميع العز والعظمة { ~~ورسوله } تصديقا لدعواكم الإيمان. # ولما كانت طاعة الرسول هي طاعة الله لأنه إنما يدعوه إليه وإنما خلقه ~~القرآن، وحد الضمير فقال: { ولا تولوا عنه } أي عن الرسول في حال من ~~الأحوال، في أمر من الأوامر من الجهاد وغيره، من الغنائم وغيرها، خف أو ~~ثقل، سهل أو صعب { وأنتم } اي والحال أنكم { تسمعون* } أي لكم سمع لما ~~يقوله، أو وأنتم تصدقونه، لأن ارتكاب شيء من ذلك يكذب دعوى الإيمان ~~وينطبق علىأحوال الكفار، وإلى ذلك إشارة بقوله: { ولا تكونوا كالذين ~~قالوا سمعنا } أي بآذاننا { وهم لا يسمعون* } أي لا يستجبون فكأنهم لم ~~يسمعوا، لما انتفت الثمرة عد المثمر عدما. ### || [8.22-24] # ولما كانت حال من هذا شأنه مشابهة لحال الأصم في عدم السماع لعدم ~~الانتفاع به، والأبكم في عدم كلامه لعدم تكلمه بما ينفع، والعادم للعقل ~~في عدم عقله لعدم انتفاعه به، قال معللا لهذا النهي معبرا بأنسب ~~الأشياء لما وصفهم به: { إن شر الدواب } أي التي تدب على وجه الأرض، ~~جعلهم من جنس الحشرات أو البهائم ثم جعلهم شرها. # ولما كان لهم من يفضلهم، وكانت العبرة بما عنده سبحانه، قال تعالى: { ~~عند الله } أي الذي له جميع الكمال من إحاطة العلم والقدرة وغيرها { الصم ~~البكم } أي الطرش الخرس طرشا وخرسا بالغين { الذين لا يعقلون* } أي لا ~~يتجدد لهم عقل، ومن لم ينتفع بسماع الداعي كان كذلك. # ولما كان ذلك ربما دعا السامع إلى أن يقول: ما للقادر لم يقبل بمن هذا ~~شأنه إلى الخير؟ أجاب بأنه جبلهم من أول الأمر - وله أن يفعل في ملكه ~~وملكه ما يريد - جبلة عريقة في الفساد، وجعل جواهرهم شريرة كجوهر العقرب ~~التي لا تقبل التأديب بوجه ولا تمر بشيء إلا لسبته، فعلم سبحانه أنه لا ~~خير فيهم فتركهم على ما علم منهم { ولو علم ms1734 الله } أي الذي له الكمال كله ~~{ فيهم خيرا } أي قبولا للخير { لأسمعهم } أي إسماعا هو الإسماع، وهو ~~ما تعقبه الإجابة المستمرة. # ولما كان علم الله تعالى محيطا، وجب أن يعلم كل ما كان حاصلا، فكان ~~عدم علمه بوجود الشيء من لوازم عدمه، فلا جرم كان التقدير هنا: ولكنه لم ~~يعلم فيهم خيرا، بل علم أنه لا خير فيهم فلم يسمعهم هذا الإسماع { ولو ~~أسمعهم } وهم على هذه الحالة من عدم القابلية للخير إسماعا قسرهم فيه ~~على الإجابة { لتولوا } أي بعد إجابتهم { وهم معرضون* } أي ثابت إعراضهم ~~مرتدين على أعقابهم، ولم يستمروا على إجابتهم لماة جبلوا عليه من ملاءمة ~~الشر ومباعدة الخير، فلم يريدوا الإسلام وأهله بعد إقبالهم إلا وهنا، ~~وكما كان لأهل الردة الذين قتلوا مرتدين بعد أن كانوا دخلوا في الإسلام ~~خوفا من السيف ورغبة في المال وهو من وادي # ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه # [الأنعام: 28] فإن علم الله تعالى أربعة أقسام: جملة الموجودات، وجملة ~~المعدومات، وأن كل واحد من الموجودات لو كان معدوما كيف يكون حاله، وأن ~~كل واحد من المعدومات لو كان موجودا كيف يكون حاله، والقسمان الأولان ~~علم بالواقع، والآخران علم بالقدر، والآية من القسم الأخير،ولعمري إنا ~~دفعنا إلى زمان أغلب من فيه على قريب من هذا الأمر، أجرأ الناس على ~~الباطل، وأثبتهم في المصاولة فيه، وأوسعهم حبلا في التوصيل إليه، ~~وأجبنهم عند الدعوة إلى الحق، وأسرعهم نكوصا عند الإقدام بعد جهد عليه، ~~وألكنهم عند الجدال له، فصار ما كان مقدرا مفروضا حاصلا وموجودا، ~~وكلمة { لو } هنا يحتمل أن تكون هي التي يعلق بها أمر على آخر هو بضده ~~أولى فيكون المراد أن المعلق. # وهو الثاني - موجود دائما مثل قول عمر رضي الله عنه: نعم العبد صهيب ~~رضي الله عنه! لو لم يخف الله لم يعصه، فالمراد هنا على هذا أنهم إذا ~~كانوا يتولون مع الإسماع والإجابة، فتوليهم مع عدمهما أولى - نبه على ذلك ~~الرازي، ويحتمل أن يكون على بابها من أن الجزءين بعدها منفيان، ms1735 وانتفاء ~~التولي إنما يكون خيرا إذا نشأ عن الإسماع المترتب على علم الخير فيهم، ~~وأما عدمه لعدم إسماعهم الإسماع الموصوف لأنه لا خير فيهم فليس من الخير ~~في شيء بل هو شر مخص، التولي المنفي عنهم ليس هو الموجود منهم، بل هو ~~الناشىء عن الإسماع الموصوف فلا يناقض ادعاؤه تحقق عنادهم وعدم انقيادهم، ~~وتحقيقه أن المنفي إنما هو زيادة التولي الناشئة عن الإسماع، فالمعنى: ~~ولو أسمعهم لزادوا إعراضا، فالمنفي في هذا السياق تلك الزيادة - والله ~~الموفق. # ولما كان ما مضى من نكال الكافرين مسببا عن عدم الاستجابة، أمر ~~المؤمنين بها تحذيرا من الكون الكفرة في مثل حالهم فيحشروا معهم في ~~مآلهم فقال: { يا أيها الذين آمنوا } أي أقروا بالإيمان بألسنتهم { ~~استجيبوا } أي صدقوا دعواكم ذلك بإيجاد الإجابة إيجاد من هو في غاية ~~الرغبة فيها { لله } أي واجعلوا إجابتكم هذه خاصة للذي له جميع صفات ~~الكمال { وللرسول } الذي أرسله إلى جميع الخلق. # ولما كان صلى الله عليه وسلم يدعوهم لا محالة لأن الله تعالى أمره ~~بدعائهم، وكان لا يدعوهم إلا إلى ما أمره الله به، وكان سبحانه لا يدعو ~~إلا إلى صلاح ورشد؛ عبر بأداة التحقيق ووحد الضمير وشوق بإثمار الحياة ~~فقال: { إذا دعاكم } أي الرسول بالندب والتحريض. # ولما كان اجتناء ثمرة الطاعة في غاية القرب، نبه على ذلك باللام دون " ~~إلى " فقال: { لما يحييكم } أي ينقلكم بعز الإيمان والعلم عن حال الكفرة ~~من الصمم والبكم وعدم العقل الذي هو الموت المعنوي إلى الحياة المعنوية، ~~ولا يعوقكم عن الاستجابة في أمر من الأمور أن تقولوا: إنا استجبنا إلى ~~الإيمان وكثير من شرائعه، فلولا أن ربنا علم فينا الخير ما أسمعنا، فنحن ~~ناجون؛ روى البخاري في التفسير وغيره عن أبي سعيد ابن المعلي رضي الله ~~عنه قال: # " كنت أصلي فمر بي رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاني فلم آته حتى ~~صليت ثم أتيته فقال: ما منعك أن تأتي؟ فقلت كنت أصلي، فقال: ألم يقل الله ~~{ يا أيها الذين آمنوا استجيبوا } - الآية، ms1736 ثم قال: لأعلمنك أعظم سورة في ~~القرآن قبل أن أخرج من المسجد، فذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخرج ~~فذكرت له فقال: هي { الحمد لله رب العلمين } [الفاتحة:1] " هي السبع ~~المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته " # وللترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه # " أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج على أبي بن كعب رضي الله عنه فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبي! وهو يصلي، فالتفت أبي فلم يجبه ~~وصلى أبي فخفف، ثم انصرف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: السلام ~~عليك يارسول الله! فقال رسول صلى الله عليه وسلم: يا أبي! وهو يصلي، ~~فالتفت أبي فلم يجبه وصلى أبي فخفف، ثم انصرف إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال: السلام عليك يا رسول الله! فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: وعليك السلام، ما منعك يا أبي أن تجيبني إذ دعوتك، فقال: يا رسول ~~الله! إني كنت في الصلاة، قال: فلم تجد فيما أوحي الله إلي أن { ~~استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم } [الأنفال:24] قال: بلى! ولا ~~أعود إن شاء الله! قال: تجب أن أعلمك سورة لم ينزل في التوراة ولا في ~~الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها؟ قال: نعم، يا رسول الله! ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف تقرأ في الصلاة؟ قال: فقرأ أم ~~القرآن، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده! ما أنزلت ~~في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها، وإنها ~~سبع من المثاني والقرآن العظيم الذي أعطيته " # - هذا حديث حسن صحيح. # ولما كان الإنسان إذا كان على حالة يستعبد جدا أن يصبر على غيرها، قال ~~تعالى مرغبا مرهبا: { واعلموا أن الله } أي الذي له جميع العظمة { يحول ~~} أي بشمول علمه وكمال قدرته { بين المرء وقلبه } فيرده إلى ما علم منه ~~فيصير فيما كشفه الحال كافرا معاندا بعد أن كان في ظاهر الحال مؤمنا ~~مستسلما فيكون ممن علم ms1737 الله أنه لا خير فيه وقسره على الإجابة فلم يستمر ~~عليها، ويرد الكافر بعد عناده إلى الإيمان بغاية ما يرى من سهولة قيادة، ~~فكنى سبحانه بشدة القرب اللازم للحيلولة عن شدة الاقتدار على تبديل ~~العزائم والمرادات، وهو تحريض على المبادرة إلى اتباع الرسول صلى الله ~~عليه وسلم ما دامت القلوب مقبلة على ذلك خوفا من تغييرها. # ولما خوفهم عاقبة الحال، حذرهم شأن المآل فقال: { وأنه } أي واعلموا أنه ~~تعالى { إليه تحشرون* } لا إلى غيره، فيحشر المستجيبين في زمرة المؤمنين، ~~والمعرضين في عداد الكافرين وإن أبوا حكما واحدا، لأن الدين لا يتجزأ، ~~وقدم علم أن " إذا " ليست قيدا وإنما هي تنبيه على وجوب اتباعه في كل ما ~~يدعو إليه لعصمته، وحكمة الإتيان بها الإعلام بأنه ما ترك خيرا إلا دعا ~~إليه؛ قال الحرالي في أواخر كتاب له في أصوال الفقه: ولها - أي العصمة - ~~معنيان: أحدهما عصمة الحفظ، وهو معنى ينشأ من التزام الحكم عليه بماضي ~~شرعته، وهي العصمة العامة للأنبياء، وفي هذه الرتبة يقع الكلام في الحفظ ~~من الصغائر بعد الاتفاق على الحفظ عما يخل بالتبليغ ويحط الرتبة ~~والكبائر، وحقيقة الصغائر مقدمات الذنوب التي لم تتم، فيكون تمامها ~~كبيرتها، وعلى ذلك بنى قوم احتمال وقوع الفعل محظورا من نبي، وكل ذلك - ~~وإن كان من أحوال أنبياء - فإن المتحقق من أمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~إنما هو علو عن هذا المحل؛ المعنى الثاني من العصمة رفع الحكم عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم بما حفظه الحافظ من ماضي ظاهر شرعته وبما بلغ إليه ~~فهمه من مبادىء التنشؤ من سننه، واتخاذ فعله مبدأ للأحكام في كل آن من ~~غير التفات لما تقرر في ماضي الزمان، وهذه هي العصمة الخاصة بالنبي صلى ~~الله عليه وسلم الجامع، فلا يكون لفعله حكم إلا ما يفهمه إنباؤه عن حال ~~وقوعه، ويكون الأحكام تبعا لفعله، لا أن فعله يتبع حكما، فهذا وجه ~~عصمته الخاصة الممتنع عليها جواز الخروج عنها، فمن كان يسبق إليه من ~~أكابر الصحابة نحو ms1738 من هذا المعنى لا يتوقف في شيء من أمره كالصديق رضي ~~الله عنه وكما كان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في اقتدائه حتى في ~~إدارة راحلته وصبغه بالصفرة ولبسه النعال السبتية ونحو ذلك من أمره وأمر ~~من حذا منهم هذا الحذو، ومن كان يتوهم الحكم عليه بمقتضى علمه وفهمه من ~~أمر شرعته لا يكاد يسلم من وقوع في أمر يرد عليه انتحاله كما حكم أبي ~~رضي الله عنه لما كان يصلي بإمضاء عمل الصلاة إذ دعاه حتى بين له قصور ~~فهمه عن الله في حقه أي بقوله: ألم تسمع الله يقول { استجيبوا لله ~~وللرسول } وكالذي قال: انزل فاجدع لنا، فقال: إن عليك نهارا، فقال له في ~~الثالثة أو الرابعة: انزل فاجدع لنا ويلك أو ويحك! فإذا وضح أن فعله مبدأ ~~الحكم ومعلم الإنباء لزم صحة التأسي به في جميع أحواله، إما على بيان من ~~تعين رتبة الحكم من وجوب أو ندب أو أباحة، أو على مطلق التأسي مع إبهام ~~رتبة الحكم والاتكال على ما عنده هو صلى الله عليه وسلم من العلم، فنية ~~التأسي به على إبهام في الحكم ربما كان أتم من العمل بما تبين حكمه، أحرم ~~علي رضي الله عنه وهو باليمن، توجه إلى مكه بإحرام رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ولا يتطرق لشيء من أمره صلى الله عليه وسلم بما وقع من كونه ~~يفتي بأمر ثم يوافق في غيره، لأن الآخذ في ذلك عن قصور في العلم بمكانته ~~من علم رحمانية الله وكلمته وتنزيله إلى موافقة أمر سنة الله وحكمته نحو ~~الذي أفتاه بتكفير الجهاد كل ذنب بناء على علمه برحمانية الله وإمضاء ~~كلمته، ثم ذكر له ما قال جبرائيل عليه السلام من استثناء الدين الدين مما ~~أنزل على حكم أمر الله في محكم شرعته وسنته، يعني - والله أعلم - أن من ~~صح جهاده تكفر كل ذنوبه، وأن توقف الدين على إرضاء الله لخصمه، فالإخبار ~~بالكفارة ناظر إلى المآل، والإخبار بنفيها ناظر إلى الابتداء، وكذلك ms1739 أفتى ~~بترك التلقيح بناء على إنفاذ كلمة الله، وردهم غلى عادة دنياهم حين لم ~~يتجشموا الصبر إلى ظهور كلمة الله على مستمر عادته، فقد عمل بأول فتياه ~~غير واحد ممن لم يسترب في نفاذ حكمه وصحته فأخفق ثمرات ثلاث سنين ثم عاد ~~- في غنى عن التلقيح - إلى أحسن من حاله في متقدم عادته، ولا يتقاصر عن ~~إدراك ذلك من أمره في كل نازلة من نحوه إلا من لم يسم به التأييد إلى ~~معرفة حظ من مكانته، فإذا وضح ذلك فكل فعل فعله رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فإن كان بيانا لواجب فهو منج من عقاب الله، وإن كان تعليما لقربي ~~من الله فهو وصلة إلى محبة الله كما قال تعالى # قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله # [آل عمران: 31] وإن لم يتضح له مجمل منهما تأسى بها على إبهام يغنيه ~~عمله وتعلو به نيته، وما كان مختصا به فلا بد من إظهار أمر اختصاصه ~~بخطاب من الله سبحانه أو منه عليه السلام كما قال تعالى # خالصة لك من دون المؤمنين # [الأحزاب: 50] -انتهى. ### || [8.25-27] # ولما كان لمجيب ربما قال: ليس علي إلا الإجابة في خاصة نفسي، وليس علي ~~تعريض نفسي للأذى بالأخذ على يد غيري، نبه سبحانه على أن ذلك منابذة ~~للدين واجتثاث له من أصله، لأن ترك العاصي على عصيانه كترك الكافر على ~~كفرانه، وذلك موجب لعموم البلاء، ومزيد القضاء فقال تعالى: { واتقوا فتنة ~~} أي بلاء مميلا محيلا إن لا تتقوه يعمكم، هكذا كان الأصل، لكن لما كان ~~نهي الفتنة على إصابتهم أروع من سوق ذلك مساق الشرط ومن نهيهم عن التعريض ~~لها لما فيه من تصوير حضورها وفهمها للنهي أتى به، ولما كان نهيها عن ~~تخصيص الظالم أشد روعة لإفهامه، أمرها بأن تعم؛ قال مجيبا للأمر: { لا ~~تصيبن } ولحقه نون التأكيد لأن فيه معنى النهي { الذين ظلموا } أي فعلوا ~~بموافقة المعصية ما لا يفعله إلا من لا نور له { منكم } أيها المأمورن ~~بالتقوى { خاصة } أي بل تعمكم، ms1740 فهو نهي للفتنة والمراد نهي مباشرتها، أي ~~لا يفعل أحد منكم الذنب يصبكم أثره عموما أو لا يباشر أسباب العذاب ~~بعضكم والبعض الآخر مقر له يعمكم الله به، وذلك مثل: لا أرينك هاهنا، ~~والمعنى فكن هاهنا فأراك فالتقدير: واجعلوا بينكم وبين البلاء العام ~~وقاية بإصلاح ذات بينكم واجتماع كلمتكم على أمر الله ورد من خالف إلى أمر ~~الله ولا تختلفوا كما اختلفتم في أمر الغنيمة فتفشلوا فيسلط عليكم عذاب ~~عام من أعدائكم أو غيرهم، فإن كان الطائع منكم أقوى من العاصي أو ليس ~~أضعف منه فلم يرده فقد اشترك الكل في الظلم، ذلك بفعله وهذا برضاه، فيكون ~~العذاب عذاب انتقام للجميع؛ روى أصحاب السنن الأربعة وحسنه الترميذي عن ~~أبي الصديق رضي الله عنه أنه قال في خطبة خطبها: أيها الناس! إنكم تقرؤون ~~هذه الآية وتأولونها على خلاف تأويلها # يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم # [المائدة: 105] إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " ما من قوم عملوا بالمعاصي وفيهم من يقدر أن ينكر عليهم فلم يفعل إلا ~~يوشك أن يعمهم الله بعذاب من عنده " # ؛ وللترمذي وحسنه عن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " والذي نفسي بيد! لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن ~~يبعث عليكم عقابا منه ثم تدعونه فلا يستجيب لكم " # ؛ وللإمام أحمد عنه رضي الله عنه أنه قال: لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن ~~المنكر ولتحاضن على الخير أو ليسحتنكم الله جميعا بعذاب أو ليؤمرن الله ~~عليكم شراركم ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لكم. وهو في حكم المرفوع لأنه لا ~~يقال من قبل الرأي، فإن كان الطائع أضعف من العاصي نزل على ما روى أبو ~~داود والترمذي - وحسنه - وابن ماجه عن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه أنه ~~قيل له: # " كيف تقول في هذه الآية { عليكم أنفسكم } [المائدة: 105] فقال: أما ~~والله لقد سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: بل ائتمروا ~~بالمعروف وتناهوا ms1741 عن المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودينا ~~مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بنفسك ودع عنك أمر العوام، فإن من ~~ورائكم أيام الصبر، الصبر فيهن مثل قبض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر ~~خمسين رجلا يعملون مثل عمله، قال: يارسول الله! أجر خمسين رجلا منهم؟ ~~قال: أجر خمسين منكم " # والأحاديث في مثله كثيرة، وحينئذ يكون العذاب للعاصي نقمة وللطائع رحمة ~~ويبعثون على نياتهم. # ولما حذرهم سبحانه عموم البلاء، أتبعه الإعلام بأنه قادر مربوب ليلزموا ~~سبيل الاستقامه فقال: { واعلموا أن الله } أي الذي له الإحاطة بصفات ~~العظمة { شديد العقاب* }. # ولما كان من أشد العقاب الإذلال، حذرهموه بالتذكير بما كانوا فيه من ~~الذل، لأنه أبعث على الشكر وأزجر عن الكفر فقال: { واذكروا } وذكر ~~المفعول به فقال: { إذ أنتم } أي في أوائل الإسلام { قليل } أي عددكم. # ولما كان وجود مطلق الاستضعاف دالا على غاية الضعف بنى للمفعول قوله: { ~~مستضعفون } أي لا منفذ عندكم { في الأرض } أطلقها والمراد مكة، لأنها ~~لعظمها كأنها هي الأرض كلها، ولأن حالهم كان في بقية البلاد كحالهم فيها ~~أو قريبا من ذلك، ولذلك عبر الناس في قوله: { تخافون } أي في حال ~~اجتماعكم فكيف عند الانفراد { أن يتخطفكم } أي على سبيل التدريج { الناس ~~} أي كما تتخطف الجوارح الصيود، فحذرهم سبحانه - بالتنبيه على قادر على ~~أن يعيدهم إلى ما كانوا عليه - من هذه الأحوال بالمخالفة بين كلمتهم وترك ~~التسبب إلى اجتماعها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي ذلك أيضا ~~إشارة إلى أنهم لما كانوا في تلك الحالة التي هي في غاية الضعف، وكانت ~~كلمتهم مجتمعه على أمر الله الذي هو توحيده وطاعة رسوله، أعقبهم الإيواء ~~في دار منيعة، قد أيدهم بالنصر وأحسن رزقهم، وذلك معنى قوله تعالى مسببا ~~عما قبله: { فآواكم } أي في دار الهجرة رحمة لكم { وأيدكم بنصره } أي ~~بأهلها مع الملائكة { ورزقكم من الطيبات } أي الغنائم الكاملة الطيبة ~~بالإحلال وعدم المنازع التي لم تحل لأحد قبلكم وغيرها { لعلكم تشكرون* } ~~أي ليكون حالكم حال من يرجى ms1742 شكره، فيكون بعيدا عن المنازعه في الأنفال، ~~وذلك إشارة إلى أنهم مهما استمروا على تلك الحالة، كان - بإقبالهم على ~~مثل ما أتاهم به وزادهم من فضله - أن جعلهم سادة في الدارين بما يهب لهم ~~من الفرقان الآتي في الآية بعدها والتوفيق عند إتيانه، فالآية منصبة إلى ~~الصحابه بالقصد الأول وهي صالحة للعرب كافة فتنصرف إليهم بالقصد الثاني؛ ~~قال قتادة: كان هذا الحي من العرب أذل الناس وأشقاهم عيشا وأجوعهم بطنا ~~وأعراهم جلدا وأبينهم ضلالا، من عاش شقيا ومن مات منهم تردى في النار ~~معكوفين على رأس الحجرين الشديدين: فارس والروم، يؤكلون ولا يأكلون، وما ~~في بلادهم شيء عليه يحسدون حتى جاء الله بالإسلام، فمكن لهم من البلاد ~~ووسع لهم في الرزق والغنائم وجعلهم ملوكا على قارب الناس، وبالإسلام ~~أعطى الله ما رأيتم فاشكروا الله على نعمه، فإن ربكم يحب شكره والشاكر في ~~مزيد من الله تعالى. # ولما ختم الآية هو في غاية النصيحة منه تعالى لهم من الإيواء والنصر ~~والرزق الطيب المشار به إلى الامتنان بإحلال المنعم، وختم ذلك بالحث على ~~الشكر؛ نهانا عن تضييع الشكر في ذلك بالخيانة في أوامره بالغلول أو غيره ~~فقال: { يا أيها الذين آمنوا } تذكيرا بما ألزموا به أنفسهم من الوفاء { ~~لا تخونوا الله } أي تنقصوا من حقوق الملك الأعظم، فإن أصل الخون النقص ~~ثم استعمل في ضد الأمانه والوفاء فصارت نقصا خاصا { والرسول } بغلول ~~ولا غيره، بل أدوا الأمانه في جميع ذلك، ولعله كرر العامل في قوله: { ~~وتخونوا آماناتكم } من الفرائض والحدود والنوافل وغيرها إشارة إلى أن ~~الخيانتين مختلفتان، فخيانتهم لله حقيقة، وخيانتهم للأمانه استعارة، لأن ~~حاملها لما أخل بها كان كأنه خانها؛ وخفف عنهم بقوله: { وأنتم تعلمون* ~~} حال الغفلة ونحوها، ويجوز أن يكون المفعول غير مراد فيكون المعنى: ~~وأنتم علماء، ويكون ذلك مبالغة في النهي عنها بأنهم جديرون بأن لا يقبل ~~منهم عذر بجهل ولا نسيان لأنهم علماء، والعالم هو العارف بالله، والعارف ~~لا ينبغي أن ينفك عن المراقبة. ### || [8.28-30] # ولما كان سبب ms1743 الخيانة غالبا محبة المال أو الولد، وكان سبب التقاول ~~المسبب عنه إنزال هذه السورة - كما سلف بيانه أولها - الأموال من ~~الأنفال، وكان من أعظم الخيانة في الأنفال الغلول، وكان الحامل على ~~الغلول المحنة بحب جمع المال إما استلذاذا به أو لإنفاقه على محبوب، ~~وكان الولد أعز محبوب؛ حسن كل الحسن إيلاء ذلك قوله: { واعلموا } وهي ~~كلمة ينبه بها السامع على أن ما بعدها مهم جدا { أنما أموالكم } قلت أو ~~جلت هانت أو عزت { وأولادكم } كذلك { فتنة } أي سببها، يفعل الله بها ~~فعل المختبر لينكشف للعباد من يغتر بالعاجل الفاني ممن تسمو نفسه عن ذلك، ~~فلا يحملنكم ذلك على مخالفة أمر الله فتهلكوا { وأن الله } أي المحيط بكل ~~كمال { عنده أجر عظيم* } عاجلا وآجلا لمن وقف عند حدوده، فيحفظ له ماله ~~ويثمر أولاده ويبارك له فيهم مع ما يدخر له في دار السعادة، وعنده عذاب ~~أليم لمن ضيعها، فأقبلوا بجميع هممكم إليه تسعدوا، وزاد وضعها هنا حسنا ~~سبب نزول التي قبلها من قصة أبي لبابة رضي الله عنه الحامل عليها ماله ~~وولده، وكانت قصته في قريظة سنة خمس وغزوة بدر في السنة الثانية. # ولما ذكرهم ما كانوا عليه قبل الهجرة من الضعف، وامتن عليهم بما أعزهم ~~به، وختم هذه بالتحذير من الأموال والأولاد الموقعة في الردى، وبتعظيم ما ~~عنده الحامل على الرجاء، تلاها بالأمر بالتقوى الناهية عن الهوى بالإشارة ~~إلى الخوف من سطواته إشارة إلى أنه يجب الجمع بينهما، وبين تعالى أنه ~~يتسبب عنه الأمن من غيره في الأولى والنجاة من عذابه في الأخرى فقال ~~تعالى: { يا أيها الذين آمنوا } تكريرا لهذا الوصف تذكيرا بما يلزم ~~بادعائه { إن تتقوا الله } بإصلاح ذات بينكم، وذلك جامع لأمر الدين كله { ~~يجعل لكم فرقانا } أي نصرا، لأن مادة " فرق " ترجع إلى الفصل، فكأن ~~الشيء إذا كان متصلا كان كل جزء منه مقهورا على ملازمة صاحبه، فإذا جعل ~~له قوة الفرق قدر على الاتصال والانفصال، فحقيقته: يجعل لكم عزا تصيرون ~~به بحيث تفترقون ممن أردتم ms1744 متى أردتم وتتصلون بمن أردتم متى أردتم لما ~~عندكم من عزة الممانعة، وتفرقون بين من أردتم متى أردتم لما لديكم من قوة ~~المدافعة، أي يجعل لكم ما يصير لكم به قوة التصرف فيما تريدون من الفصل ~~والوصل الذي هو وظيفة السادة المرجوع إلى قولهم عند التنازع، لا كما كنتم ~~في مكة، لا تأمنون في المقام ولا تقدرون على الكلام - فضلا عن الخصام - ~~إلا على تهيب شديد، ومع ذلك فلا يؤثر كلامكم أثرا يسمى به فارقا، ~~والفاروق من الناس الذي يفرق بين الأمور ويفصلها، وبه سمي عمر رضي الله ~~عنه لأنه أظهر الإسلام بمكة إظهارا فيه عز وقوة، جعل فيه الإيمان ~~مفارقا للكفر لا يخافه، وفرق - بالكسر بمعنى خاف - يرجع إلى ما دارت ~~عليه المادة، فإن المراد به: تفرقت همومه من اتساع الخوف، والفرق الذي هو ~~المكيال الكبير كأنه هو الفارق بين الغني والفقير، قال الهروي: هو اثنا ~~عشر مدا: وأفرق من علته - إذا برىء، أي صارت له حالة فرقت بين صحته ~~ومرضه الذي كان به، ومنه الفريقة وهي تمر وحلبة يطبخ للنفساء؛ وقرفت ~~الشيء - بتقديم القاف: قشرته، والقرف: الخلط، كأنه من الإزالة، لأنهم ~~قالوا: إن " فعل " يدخل في كل باب، ومنه: قرف الشيء واقترافه: اكتسبه، ~~والاقتراف بمعنى الجماع، ويمكن أن يرجع إلى الوعاء لأن القرف الوعاء، ~~لأنه يفصل مظروفه عن غيره، وفلان قرفتي، أي موضع ظني منه كأنه صار وعاء ~~لذلك، وفرس مقرف، أي بين القرفة، أي هجين لأنه واضح التميز من العربي، ~~وقرف بسوء: رمى به، أي جعل وعاء له أو فرق همومه؛ والقفر - بتقديم القاف: ~~المكان الخالي لانفصاله من الناس، وأقفر المكان: خلا، وأقفر الرجل من ~~أهله: انفرد عنهم، وقفر الطعام: خلا من الأدم، ورجل قفر الرأس: لا شعر ~~عليه لانفصاله عنه، وقفر الجسد: لا لحم عليه، والقفار: الطعام لا أدم له، ~~واقتفرت الأثر: اتبعته لتفصله من غيره؛ والفقرة - بتقديم الفاء - ~~والفقار: ما تنضد من عظام الصلب من لدن الكاهل إلى العجب لتميز كل واحدة ~~عن أختها، وفقرت ms1745 الأرض فقرا: حفرتها حفرا، فصارت كل واحدة منفصلة من ~~الأخرى، والفاقرة: الداهية الكاسرة للفقار، ومنه الفقر والافتقار للحاجة، ~~وأفقرني دابته: أعارني ظهرها، وراميته من أدنى فقرة: من أدنى معلم لأن ~~المعالم منفصل بعضها عن بعض، والتقفر في رجل الدابة بياض لانفصاله عن ~~بقية لونها، ورفقت بالأمر: لطفت به، ولا يكون ذلك إلا بفصله عما يضره، ~~ومنه الرفيق للصاحب من الرفقة، والمرفق من ذلك لما يحصل به من اللطف. # ولما كان الإنسان محل النقصان فلا يخلو من زلة أو هفوة، أشار إلى ذلك ~~بقوله: { ويكفر عنكم سيئاتكم } أي يسترها ما دمتم على التقوى { ويغفر ~~لكم } أي يمحو ما كان منكم غير صالح عينا وأثرا، وفيه تنبيه لهم على أن ~~السادات على خطر عظيم لأنهم مأمورون بالمساواة بين الناس، والنفس مجبولة ~~على ترجيح من لاءمها على من نافرها، وإشارة إلى أن الحكم بالعدل في أعلى ~~الدرجات لا يتسنمه إلا الفرد النادر،وقوله: { والله } أي المحيط بجميع ~~صفات الكمال { ذو الفضل العظيم* } مرج للزيادة على الكفارة والمغفرة من ~~فضله، ومعلم بأنه لا يمتنع عليه شيء، فمن الممكن أن يلزم كلا منهم طريق ~~العدل وإن كانت من خرق العادة في أعلى محل، وفي الآية أعظم مناسبة لقصة ~~أبي لبابة رضي الله عنه لأنه لما كان الحامل له على ما فعل بنفسه من ~~العقوبة التقوى، فكفرت عنه خطيئته وغفر له، عقبت بها ترغيبا لغيره في ~~الإسراع بالتوبة عند مواقعة الهفوة، وختم هذه الآية بالفضل على ما كان من ~~نقص، إشارة إلى تفضله سبحانه بما رزق أهل الإسلام من علو المنزلة وانتشار ~~الهيبة وفخامة الأمر في قلوب المخالفين كما هو مشاهد، وختم الآية المحذرة ~~من المداهنة بشديد العقاب، إشارة إلى ما ألبسهم من الأحوال المذكورة في ~~التي تليها من قلة منعتهم واستضعافهم وخوفهم من تخطف المخالفين لهم، ~~ولكنه تعالى رحمهم بأن جعل ذلك من بعضهم ممن يشمله اسم الإسلام لبعض، لا ~~من غيرهم فلبسهم شيعا وأذاق بعضهم بأس بعض، فكل خائف من الآخر، وصار ~~المتقي من كثرة ms1746 المخالف لا يزال من المعاطب والمتالف خائفا يترقب، ~~ومباعدا لا يقرب، على أنهم لا يعدمون أنصارا يؤيدهم الله بهم، ولا يزال ~~أهل الظلم يختلفون فيما بينهم فيرجع الفريقان إليهم ويعولون عليهم، فمن ~~نصروه فهو المنصور، فكلامهم عند المضايق هو الفرقان، ولهم في قلوب ~~الظالمين هيبة وإن نزلت بهم الحال أكثر مما للظلمة في قلوبهم من الهيبة ~~ليتيقن الكل أنهم على الحق الذي الله ناصره، وأن أهل الشر على الباطل ~~الذي الله خاذله، قال الحسن البصري رحمه الله في حق العالين في الأرض: ~~أما والله! إن للمعصية في قلوبهم لذلا وإن طفطف بهم اللحم، فقد انقسم ~~الخوف بينهم نصفين وشتان ما بين الحزبين، فخوفهم يزيدهم الله به أجرا ~~ويجعله لهم ذخرا، وخوف أهل الباطل يزيدهم به وزورا ويجعله لدينه أزرا، ~~فهذه حقيقة الحال في وصف أهل الحق والمحال. # ولما وعد سبحانه بهذا الفضل العظيم والنبأ الجسيم، ذكرهم من أحوال ~~داعيهم وقائدهم وهاديهم عليه الصلاة والسلام والتحية والإكرام بما يدعوهم ~~إلى ملازمة أسبابه في سياق المخاطبة له صلى الله عليه وسلم تذكيرا ~~بنعمته وإشارة إلى دوام نصرته فقال تعالى عاطفا على { إذ أنتم } { وإذ ~~يمكر بك } أي يدبر في أذاك على وجه الستر { الذين كفروا } أي أوجدوا هذا ~~الوصف، وفيهم من لم يكن راسخ القدم فيه؛ ثم بين غاية مكرهم فقال: { ~~ليثبتوك } أي ليمنعوك من التصرف بالحبس في بيت يسدون عليك بابه - كما هو ~~واضح من قصة مشاورتهم في دار الندوة في أمره صلى الله عليه وسلم في ~~السير، ومن قرأها بالموحدة ثم التحتانية من البيات الذي معناه إهلاك ~~العدو ليلا، فعطف { أو يقتلوك } عنده بمعنى القتل نهارا جهارا، وكأنه ~~عد البيات للاستخفاء به عدما بالنسبة غلى المجاهرة { أو يخرجوك } أي من ~~مكة { ويمكرون } أي والحال أنهم يمكرون بإخفاء ما يريدون بك من ذلك وغيره ~~من الكيد { ويمكر الله } أي يفعل المحيط بكل شيء قدرة وعلما في أمرهم ~~فعل من يمكر بإخفاء ما يقابلهم به { والله خير الماكرين* } لأنه لا يمكن ~~أحدا ms1747 علم ما يريد إخفاءه لأنه الملك الأعلى المحيط بالجلال والجمال، ~~فالنافذ إنما هو مكره، والعالي إنما هو نصره، فكأنه تعالى يقول: انظروا ~~إلى مصداق ما وعدتكم به في أحوال نبي صلى الله عليه وسلم فإنه كان وحده ~~وجميع الناس يخالفونه فثبت على أداء الرسالة إليهم وإبلاغ النصيحة لهم ~~على ما يصله منهم من الأذى ولا يزيده أذاهم له إلا اجتهادا في أداء ما ~~ينفعهم إليهم. ### || [8.31-35] # ولما ذكر مكرهم بالرسول، ذكر مكرهم بما أرسل به، فقال عاطفا على " إذ ~~أنتم ": { وإذا تتلى } أي من أي تال فرض { عليهم آياتنا } أي التي هي ~~الفرقان جلالة وعظما لم يدعوها تؤثر في تلك الحالة، بل { قالوا } ~~إظهارا لعنادهم لها وتشيعا بما لم يعطوا وادعاء لما لمن ينالوا { قد ~~سمعنا } ولما لم يتأثر عن سماعهم الإذعان، تشوف السامع إلى علة إعراضهم ~~فقال معللا أو مستأنفا: { لو نشاء } أي في أي وقت أردنا { لقلنا مثل ~~هذا } أي لأنه ليس قول الله كما يزعم محمد { إن } أي ما { هذا } الذي ~~يتلى عليكم { إلا أساطير } جمع سطور وأسطار جمع سطر { الأولين* } أي من ~~بني آدم، سطروا فيها علومهم وأخبارهم فهو من جنس كلامنا وقائله من جنسنا، ~~وهذا غاية المكابرة لأنه قد تحداهم بقطعة من مثله إن كان له - كما يزعمون ~~- مثل، وبالغ في تقريعهم فما منعهم - من إبراز شيء مما يدعون وليس بينهم ~~وبينه بزعمهم إلا أن يشاؤوا، مع انتقالهم إلى أشد الأمور: السيف الماحق ~~على تهالكهم على قهره صلى الله عليه وسلم وعلى ما لهم من فرط الأنفة من ~~العار والبعد مما يقضي عليهم بالغلب أو أن يوصفوا بالكذب - إلا علمهم بأن ~~ذلك فاضحهم، ومخزيهم مدى الدهر وقائحهم، والمعنى أني أثبت هذا النبي ~~الكريم على صبره على ذلك ومثابرته على أداء الأمانة بالاجتهاد في النصيحة ~~على ما يلقى إن نجيته منهم ومنعته من جميع ما كادوه به، وكنت لا أزل ~~أؤيده باتباع من أعلم فيه الخير إلى أن هيأت له دارا وخبأت له أنصارا، ~~وجعلت داره ms1748 بالأصحاب منيعة، وبنيت لها أعمدة بصوارم الأحباب ثابتة رفيعة، ~~نقلته إلى ذلك مع اجتهاد أهل العناد وهم جميع أهل الأرض في المنع، فلم ~~يؤثر كيدهم، ولا أفادهم مع أيدي أيدهم، وجعلت نفس نقلته له فرقانا يفرق ~~بها بين الحق والباطل، وصار إلى ما ترون من قبول الأمر وجلالة القدر ~~ونفاذ الفصل بين الأمور وظهر دينه أي ظهور، فلازموا التقوى ملازمته ~~وداوموا على الطاعة مدوامته أهب لكم من سيادته وأحملكم بملابس إمامته. # ولما كان ذلك موضع عجب من عدم إعجال الضلال بالعذاب وإمهالهم إلى أن ~~أوقع بهم في غزوة بدر لا سيما مع قوله { إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح } ~~بين السر في ذلك وإن بالغوا في استعجاله فقال: { وإذ قالوا } أي إرادة ~~المكابرة بالتخييل إلى الناس أنهم على القطع من أنه باطل وإلا لما دعوا ~~بهذا الدعاء { اللهم } أي يا من له تمام الملك وعموم الملك { إن كان هذا ~~} أي الأمر الذي أتانا به محمد { هو } أي لا ما نحن عليه { الحق } حال ~~كونه منزلا { من عندك } وقال الزجاج: إنه لا يعلم أحدا قرأ { الحق } ~~بالرفع - أفاده أبو حيان { فأمطر علينا حجارة } ولعل تقييده بقوله: { من ~~السماء } مع أن الأمطار لايكون إلا منها - لإزالة وهم من يتوهم أن ~~الإمطار مجاز عن مطلق الرجم وأنه إنما ذكر لبيان أن الحجارة المرجوم بها ~~في الكثرة مثل المطر { أو ائتنا بعذاب أليم* } أي غير الحجارة، ولعل ~~مرادهم بقولهم ذلك الإشارة إلى أن مجيء الوحي إليك من السماء خارق كما أن ~~إتيان الحجارة منها كذلك، فإن كنت صادقا في إتيان الوحي إليك منها فأتنا ~~بحجارة منها كما أتت الحجارة منها أصحاب الفيل صونا من الله لبيته الذي ~~أراد الجيش انتهاك حرمته وإعظاما له - أشار إلى ذلك أبو حيان، وهذه ~~الآية والتي قبلها في # " النضر بن الحارث أسره المقداد يوم بدر فأمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~بقتله فقال المقداد: أسيري يا رسول الله! فقال: إنه كان يقول في كتاب ~~الله تعالى ما يقول، فعاد المقداد ms1749 رضي الله عنه لقوله، فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: اللهم أغن المقداد من فضلك، فقال: ذاك الذي أردت يا رسول ~~الله! فقتله النبي صلى الله عليه وسلم فأنشدت أخته قتيلة أبياتا منها: " # ما كان ضرك لو مننت وربما # من الفتى وهو المغيظ المخنق # " فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لو بلغني هذا الشعر قبل قتله لمننت ~~عليه " # وعن معاوية رضي الله عنه أنه قال لرجل من سبأ: ما أجهل قومك حين ملكوا ~~عليهم امرأة! قال: أجهل من قومي قومك قالوا # إن كان هذا هو الحق من عندك # [الأنفال: 32] وما قالوا: فاهدنا به، والسر الذي بينه في هذه الآية في ~~إمهالهم هو أنه ما منعه من الإسراع في إجابة دعائهم كما فعل في وقعة بدر ~~إلا إجلال مقامه صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم فقال: { وما كان الله } ~~أي مع ما له من صفات الكمال والعظمة والجلال، وأكد النفي بقوله: { ~~ليعذبهم } أي ليجدد لهم ذلك في وقت من الأوقات { وأنت } أي يا أكرم الخلق ~~{ فيهم } فإنه لعين # تجازي ألف عين وتكرم # ولما بين بركة وجوده، أتبعه ما يخلفه صلى الله عليه وسلم إذا غاب في ~~العباد من العذاب فقال: { وما كان الله } أي الذي له الكمال كله { معذبهم ~~} أي مثبتا وصف تعذيبهم بحيث يدوم { وهم يستغفرون* } أي يطلبون الغفران ~~بالدعاء أو يوجدون هذا اللفظ فيقولون: أستغفر الله، فإن لفظه وإن كان ~~خبرا فهو دعاء وطلب، فوجوده صلى الله عليه وسلم في قوم أبلغ من نفي ~~العذاب عنهم، وهذا الكلام ندب لهم إلى الاستغفار وتعليم لما يدفع العذاب ~~عنهم كما تقول: ما كنت لأضربك وأنت تطيعني، أي فأطعني - نبه عليه الإمام ~~أبو جعفر النحاس، وفي ذلك حث عظيم لمن صار صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم ~~من المسلمين صادقهم ومنافقهم على الرغبة في مواصلته والرهبة من مفارقته، ~~وتعريف لهم بما لهم في حلول ذاته المشرقة في ساحتهم من جليل النعمة ~~ترغيبا في المحبة لطول عمره والاستمساك بعزره في نهيه وأمره إذ ms1750 المراد - ~~والله أعلم - بالاستغفار طلب المغفرة بشرطه من الإيمان والطاعة، وعن أبي ~~موسى الأشعري رضي الله عنه أنه كان في هذه الأمة أمانان، أما النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقد مضى، وأما الاستغفار فهو كائن فيكم إلى يوم القيامة. # ولما كان هذا ليس نصا في استحقاقهم العذاب، قال تعالى عاطفا على ما ~~تقديره: وليعذبهم الله إذ هاجرت عنهم ولم يؤمنوا فيستغفروا: { وما لهم } ~~قال أبو حيان: الظاهر أن " ما " استفهامية، أي أي شيء لهم في انتفاء ~~العذاب، وهو استفهام معناه التقرير، أي كيف لا يعذبون وهم متصفون بهذه ~~الصفة المتقضية للعذاب وهي صدهم المؤمنين عن المسجد الحرام وليسوا بولاة ~~البيت - انتهى. وتقدير الكلام: وأي حظ لهم في { ألا يعذبهم الله } أي ~~الذي له كمال العز والعظمة على الظالم والإكرام والرفق بالطائع عاجلا { ~~وهم } أي والحال أنهم مستحقون للعذاب فهو واقع بهم لا محالة وإن تأخر مدة ~~إبانه وأبطأ عنهم أوانه وقوعا ينسيهم ما نالوه من اللذات وإن عظم عندهم ~~شأنها وامتد طويلا زمانها لأنهم { يصدون } أي يوجدون الصد { عن المسجد } ~~أي من أراد تعظيمه بالصلاة التي وضع المسجد لها وغيرها { الحرام } أي ~~العظيم حرمته عند كل أحد فلا اختصاص به لشخص دون آخر، أي شأنهم فعل حقيقة ~~الصد في الماضي والحال والمآل، لا ينفكون عن ذلك، كما كانوا يمنعون من ~~شاؤوا من دخول البيت ويقولون: نحن ولاته، نفعل ما نشاء، ويصدون المؤمنين ~~عن الطواف به التعذيب والفتنة وصدوا رسول الله عليه وسلم ومن معه ~~بالإخراج ثم صدوهم عام الحديبية عن الوصول إلى البيت وعام عمرة القضية عن ~~الإقامة بعد الثلاثة الأيام { وما } أي والحال أنه لم يكن لهم ذلك لأنهم ~~ما { كانوا أولياءه } أي أهلا لولايته بحيث إن صدهم ربما يقع موقعه؛ روى ~~البخاري في التفسير عن أنس رضي الله عنه قال: قال أبو جهل: { اللهم إن ~~كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب ~~أليم } [الأنفال: 32] فنزلت { وما كان الله ليعذبهم } [الأنفال: 33] إلى ms1751 ~~{ عن المسجد الحرام } [الأنفال: 33]. # ولما نفى عنهم الولاية. ذكر أهلها فقال؛ { إن } أي ما { أولياؤه } أي ~~بالاستحقاق { إلا المتقون } أي العريقون في هذا الوصف بما يجعلون بينهم ~~وبين سخط الله من وقايات الطاعات، لا كل من آمن بل خاصة المؤمنين، وهم ~~ليسوا كذلك لتلبسهم الآن بالكفر { ولكن أكثرهم لا يعلمون* } أي ليس لهم ~~علم بالأمور ليميزوا بين الحق والباطل والمتقي والفاسق وحسن العواقب ~~وسيئها، ولعله عبر بالأكثر إعلاما بأن فيهم المعاند، ولأنه كان منهم من ~~آمن بعد ذلك فصار من أولي العلم. # ولما كانوا يفعلون عند البيت ما ينزه البيت عنه مما هو غاية في الجهل، ~~قال مبينا لجهلهم واستحقاقهم للنكال وبعدهم عن استحقاق ولايته: { وما ~~كان صلاتهم } أي التي ينبغي أن تكون مبنية على الخشوع، وزاد في التبشيع ~~عليهم بقوله: { عند البيت } أي فعلهم الذي يعدونه صلاة أو يبدلونها به { ~~إلا مكاء } أي صفيرا يشبه صفير الطير والدبر بريح الحدث - من مكا يمكو ~~مكوا ومكاء - إذا صفر بفيه أو شبك أصابعه ونفخ فيها، ومكت الشجرة ~~بريحها: صوتت، والدبر بريح الحدث: صوت - قال أبو حيان: وجاء على فعال أي ~~بالضم ويكثر فعال في الأصوات كالصراخ - انتهى. { وتصدية } أي و تصفيقا، ~~كان أهل الجاهلية يطوفون عراة ويصفرون بأفواههم ويصفقون بأيديهم مقصورة، ~~فيكون تصويتهم ذلك يشبه الذي رجع الصوت في المكان الخالي، فهو كناية عن ~~أن صلاتهم لا معنى لها، وأصله صدد - مضاعف - إذا أعرض ومال مثل التظني من ~~ظنن -، فهذا لهو لا عبادة وهزء لا جد مع أن الأمر جد وأي جد كما قال ~~تعالى: # أفمن هذا الحديث تعجبون وتضحكون ولا تبكون وأنتم سامدون # [النجم: 59- 61] أي ولا تبكون في حال جدكم بدأبكم في العمل الصالح، فهذا ~~الذي يعملونه مناف لحال البيت فهو تخريب لا تعمير، قال مقاتل: كان النبي ~~صلى الله عليه وسلم إذا صلى في المسجد قام رجلان من المشركين عن يمينه ~~يصفران ويصفقان، ورجلان كذلك عن يساره ليخلطوا عليه صلاته، وتقدير الكلام ~~على قراءة الأعمش: صلاتهم - بالنصب: وما كان ms1752 شيء إلا مكاء وتصدية صلاتهم، ~~فنفى عما يجعلونه صلاة كل شيء إلا المكاء والتصدية، فالصلاة مقصورة ~~عليهما بهذا الاعتبار، فقد صارت بهذا الطريق بمعنى القراءة المشهورة سواء ~~فتأمله فإنه نفيس جدا، وخرج عليه الخلاف في آية الأنعام # ثم لم تكن فتنتهم # [الأنعام: 23] وغيره، وقد مضى هناك ما ينفع هنا، ومما يجب أن يعلم أن ~~هؤلاء لم يذمهم الله لأنه أعلى الذم، بل ذمهم لكونهم اتخذوا العبادة ~~لعبا لينبه بذلك على ذم من أشبههم في ذلك فعمد إلى ما هو مباح في أصله ~~فاتخذه دينا فكيف إذا كان مكروها أم كيف إذا كان حراما، فقبح الله ~~قوما ادعوا أنهم أعرضوا عن الدنيا ثم اتخذوا الطبول والغنى والتصدية ~~شعارهم ثم ضربوا به حتى فعلوه في المساجد وزادوا على فعل الجاهلية الرقص ~~الذي ابتدعه قوم السامري لما عبدوا العجل، فأخذوا أنواعا من أفعال أنواع ~~من الكفرة وجعلوها عادتهم وشعارهم وديانتهم، فلقد انتهكوا حرمات الشريعة ~~وبدلوها واستهانوا بها واسترذلوها. # ولما كان مساق الكلام لبيان استحقاقهم العذاب، وأنه لا مانع لهم منه ~~وكان قد أوقع بهم في هذه الغزوة مباديه، وكانت المواجهة بالتعنيف وقت ~~إيقاع ما لا يطاق بالعدو إنكاء، قال مسببا عن قبيح كا كانوا يرتكبونه: { ~~فذوقوا العذاب } أي الذي توعدكم الله والذي رأيتموه ببدر وطلبتموه في ~~استفتائكم حكم الاستهانة به { بما كنتم تكفرون* } اي إنكم قد صرتم بهذا ~~الفعل أهلا لذوقه بما تسترون مما دلتكم عليه عقولكم من هذا الحق الواضح. ### || [8.36-40] # ولما أخبر سبحانه عن أحوال الكفار في الأعمال البدنية، وكان غلبهم مع ~~كثرتهم وقوتهم مستبعدا، أخبر بما يقربه مبينا لأعمالهم المالية فقال: { ~~إن الذين كفروا } أي مع كثرتهم لأنهم ستروا مرائي عقولهم التي هي الإنسان ~~بالحقيقة فنقصوا بذلك نقصا لا يدرك كنهه { ينفقون أموالهم } أي يعزمون ~~على إنفاقها فيما يأتي { ليصدوا } أي بزعمهم أنفسهم وغيرهم { عن سبيل ~~الله } أي عن سلوك طريق - الذي لا يدني عظمته عظمة مع اتساعه ووضوحه ~~وسهولته { فسينفقونها } أي بحكم قاهر لهم لا يقدرون على الانفكاك عنه ms1753 { ~~ثم تكون } أي بعد إنفاقها بمدة، وعبر بعبارة ظاهرة في مضرتها فقال: { ~~عليهم } وأبلغ في ذلك بأن أوقع عليها المصدر فقال: { حسرة } أي لضياعها ~~وعدم تأثيرها { ثم يغلبون* } أي كما اتفق لهم في بدر سواء، فإنهم أنفقوا ~~مع الكثرة والقوة ولم يغن عنهم شيء من ذلك شيئا مما أراد الله بهم، بل ~~كان وبالا عليهم، فإنه كان سببا لجرأتهم حتى أقدموا نظرا إلى الحاضر ~~وقصورا عن الغائب كالبهائم فهلكوا، وكان ذلك قوة للمؤمنين فما كان في ~~الحقيقة إلا لهم، وهذا الكلام منطبق على ما كان سبب نزوله الآية وعلى كل ~~ما شاكله، وذلك أنهم لما قهروا في بدر قال لهم أبو سفيان: إنه ينبغي أن ~~تنفقوا مال تلك العير - يعني التي كانت معه - ونحث على حرب محمد، فأجابوا ~~وأنفقوه على غزوة أحد فحصل لهم فيها بعض ظفر ثم تعقبه الحسرة والمغلوبية ~~في بدر الموعد وكل ما بعدها؛ ثم أظهر وصفهم الذي استحقوا به ذلك تعليقا ~~للحكم به وتعميما منذرا لهم بما هو أشد من ذلك فقال: { والذين كفروا } ~~أي حكم بدوام كفرهم عامة سواء زادوا على الكفر فعل ما تقدم أم لا { إلى ~~جهنم } أي لا إلى غيرها. # ولما كان المنكى هو الحشر، لا كونه من معين، بني للمفعول قوله: { ~~يحشرون* } أي بعد الموت فهم في خزي دائم دنيا وأخرى، ويجوز أن يتجوز ~~بجهنم عن أسبابها فيكون المعنى أنهم يستدرجون بمباشرة أسبابها إليها ~~ويحملون في الدنيا عليها، وهذه الآيات - مع كونها معلمة بما لهم في ~~الدنيا وما لهم في الآخرة من أن آخر أمرهم في الدنيا الغلب كما كشف عنه ~~الزمان علما من أعلام النبوة وفي الآخرة جهنم - هي مبينة لكذبهم في ~~قولهم # لو نشاء لقلنا مثل هذا # [الأنفال: 31] فإنهم لو كانوا صادقين في دعواهم لقالوا مثله ثم قالوا: ~~لو كان هذا هو الحق لا غيره لما قلنا مثله، موضع قولهم # إن كان هذا هو الحق # [الأنفال: 32] إلى آخره، وأما آية المكاء والتصدية فكأنها تقول: هذا ~~القرآن في أعلى درج ms1754 البلاغة ولم تؤهلوا أنتم - مع ادعائكم السبق في ~~البلاغة - لأن تعارضوا بشيء له أهلية لشيء من البلاغة، بل نزلتم إلى ~~أصوات الحيوانات العجم حقيقة، فلا أجلى من هذا البيان على ما ادعيتم من ~~الزور والبهتان، وأما آية الإنفاق فقائلة: لو قدرتم في معارضته على إنفاق ~~الأقوال لما عدلتم عنه إلى إنفاق الأموال المفضي إلى مقاساة الأهوال ~~وفساد الأشباح ونفوق ما حوت من الأرواح المؤدي إلى الذل السرمد بالعذاب ~~المؤبد. # ولما ذكر حشر الكافرين ذكر علته فقال معلقا بيحشرون: { ليميز الله } أي ~~الذي له صفات الكمال بذلك الحشر { الخبيث من الطيب } أي إنما جعل للكفار ~~دارا تخصهم ويخصونها لإظهار العدل والفضل بأن يميز الكافر من المؤمن ~~فجعل لكل دار يتميز بها عدلا في الكافرين وفضلا على المؤمنين، فيجعل ~~الطيب في مكان واسع حسن { ويجعل الخبيث } أي الفريق المتصف بهذا الوصف { ~~بعضه على بعض } والركم: جمع الشيء بعضه فوق بعض، فكأن قوله: { فيركمه ~~جميعا } عطف تفسير يؤكد الذي قبله في إرادة الحقيقة مع إفهام شدة ~~الاتصال حتى يصير الكل كالشيء الواحد كالسحاب المركوم، والنتيجة قوله: { ~~فيجعله في جهنم } أي دار الضيق والغم والتهجم والهم. # ولما كان هذا أمرا لا فلاح معه، استأنف قوله جامعا تصريحا بالعموم: { ~~أولئك } أي البعداء البغضاء الذين أفهمهم اسم الجنس في الخبيث { هم ~~الخاسرون* } أي خاصة لتناهي خسرانهم، لأنهم اشتروا بأموالهم إهلاك أنفسهم ~~بذلك الحشر. # ولما بين ضلالهم في عبادتهم البدنية والمالية، وكان في كثير من العبارات ~~السالفة القطع للذين كفروا بلفظ الماضي بالشقاء، كان ذلك موهما لأن يراد ~~من أوقع الكفر في الزمن الماضي وإن تاب، فيكون مؤيسا من التوبة فيكون ~~موجبا للثبات على الكفر، قال تعالى متلطفا بعباده مرشدا لهم إلى طريق ~~الصواب مبينا المخلص مما هم فيه من الوبال في جواب من كأنه قال: أما لهم ~~من جبلة يتخلصون بها من الخسارة { قل للذين } أي لأجل الذين { كفروا } ~~أني أقبل توبة من تاب منهم بمجرد انتهائه عن حاله { إن ينتهوا } أي يتجدد ~~لهم وقتا ما ms1755 الانتهاء عن مغالبتهم بالانتهاء عن كفرهم فيذلوا لله ~~ويخضعوا لأوامره { يغفر لهم } بناه للمفعول لأن النافع نفس الغفران وهو ~~محو الذنب { ما قد سلف } أي مما اجترحوه كائنا ما كان فيمحي عينا ~~وأثرا فلا عقاب عليه ولا عتاب { وإن } أي وإن يثبتوا على كفرهم و { ~~يعودوا } أي إلى المغالبة { فقد مضت سنت } أي طريقة { الأولين* } أي وجدت ~~وانقضت ونفذت فلا مرد لها بدليل ما سمع من أخبار الماضين وشوهد من حال ~~أهل بدر مما أوجب القطع بأن الله مع المؤمنين وعلى الكافرين، ومن كان معه ~~نصر، ومن كان عليه خذل وأخذ وقسر # كتب الله لأغلبن أنا ورسلي # [المجادلة: 21] # و لينصرن الله من ينصره # [الحج: 40] # والعاقبة للمتقين # [القصص: 128] وإن كانت الحرب سجالا. # ولما أشار ختم الآية قتالهم إن أصروا، وكان التقدير: فأقدموا عليهم ~~حيثما عادوكم إقدام الليوث الجريئة غير هائبين كثرتهم ولا قوتهم فإن الله ~~خاذلهم، عطف عليه قوله مصرحا بالمقصود: { وقاتلوهم } أي دائما { حتى لا ~~تكون فتنة } أي سبب يوجب ميلا عن الدين أصلا { ويكون الدين }. # ولما كانت هذه الوقعة قد سرت كتائب هيبتها في القلوب فوجبت أيما وجبت، ~~فضاقت وضعفت صدور الكافرين، وانشرحت وقويت قلوب المؤمنين؛ اقتضى هذا ~~السياق التأكيد فقال: { كله لله } أي الملك الأعظم خالصا غير مشوب بنوع ~~خوف أو إغضاء على قذى، وأصل الفتن: الخلطة المحيلة، ويلزم ذلك أن يكون ~~السبب عظيما لأن الشيء لا يحول عن حاله إلا لأمرعظيم لأن مخالفة المألوف ~~عسرة، ومنه النتف، وكذا نفت القدر، وهو أن يغلي المرق فيلزق بجوانبها، ~~والتنوفة: القفر، لأنه موضع ذلك، ويلزمه الإخلاص، من فتنت الذهب - إذا ~~أذبته فتميز جيده من رديئه، وتارة يكون الميل إلى جهة الرديء وهو الأغلب، ~~وتارة إلى الجيد، ومنه # وفتناك فتونا # [طه:40]. # ولما كان لهم حال اللقاء حالان: إسلام وإقبال، وكفر وإعراض وإخلال، قال ~~مبينا لحكم القسمين: { فإن انتهوا } أي عن قتالكم بالمواجهة بالإسلام ~~فاقبلوا منهم وانتهوا عن مسهم بسوء ولا تقولوا: أنتم متعوذون بذلك غير ~~مخلصين، تمسكا بالتأكيد بكله، فأنه ليس ms1756 عليكم إلا ردهم عن المخالفة ~~الظاهرة، وأما الباطن فإلى الله { فإن الله } أي المحيط علما وقدرة، ~~وقدم المجرور اهتماما به إفهاما لأن العلم به كالمختص به فقال: { بما ~~يعملون } أي وإن دق { بصير* } فيجاريهم عليه، وأما أنتم فلستم عالمين ~~بالظاهر والباطن معا فعليكم قبول الظاهر، والله بما تعملون أنتم أيضا - ~~من كف عنهم وقتل لله أو لحظ نفس - بصير، فيجازيكم على حقائق الأمور ~~وبواطنها وإن أظهرتم للناس ما يقيم عذركم، ويكمل لكل منكم أجر ما كان عزم ~~على مباشرته من قتالهم لو لم ينتهوا، وإن لم ينتهوا بل أقدموا على ~~قتالكم، هكذا كان الأصل، ولكنه سبحانه عبر بقوله: { وإن تولوا } أي عن ~~الإجابة تبشيرا لهم بهزيمتهم وقلة ثباتهم لما ألقى في قلوبهم من الرعب، ~~ويؤيد ذلك قوله: { فاعلموا أن الله } أي الذي له الإحاطة الكاملة بكل شيء ~~{ مولاكم } أي متولي أموركم فهو يعمل معكم ما يعمل من يتولى امر من يحبه ~~من الاجتهاد في تحصيل ما ينفعه ودفع ما يضره فهو لا محالة ناصركم؛ ثم ~~استأنف مدحه بما هو أهله تعريفا بقدره وترغيبا في تولية فقال: { نعم ~~المولى } ولم يدخل فاء السبب هنا لأن المأمور به العلم، واعتقاد كونه ~~مولى واجب لذاته لا لشيء آخر، بخلاف ما في آخر الحج، فإن المأمور هناك ~~الاعتصام { ونعم النصير* } أي فلا تخافوهم أصلا وإن زادت كثرتهم وقويت ~~شوكتهم فلا تبارحوهم حتى لا يكون إلا كلمة الله. ### || [8.41-46] # ولما كان التقدير: فإذا أعانكم مولاكم عليهم وغلبتموهم وغنمتم فيه فلا ~~تنسبوا إلى أنفسكم فعلا، بل اعلموا أنه هو الفاعل وحده لأن جميع الأفعال ~~متلاشية بالنسبة إلى فعله فلا تتنازعوا في المغنم تنازع من أخذه بقوته ~~وحازه بقدرته، عطف عليه قوله: { واعلموا } ابتداء بهذا الأمر إشارة إلى ~~أن ما بعدها من المهمات ليبذلوا الجهد في تفريغ أذهانهم لوعيه وتنزيله ~~منازله ورعيه { أنما } أي الذي { غنمتم } الغنيمة لغة: الفوز بالشيء، ~~وشرعا ما دخل في أيدي الملسمين من مال الكفار قهرا بالخيل والركاب، ~~وزاد في التعميم حتى لأقل ms1757 ما يمكن بقوله: { من شيء } أي حتى الخيط ~~والمخيط فإنه كله له، لأنه الناصر وحده وإنما أنتم آلة لا قدرة لكم على ~~مقاومة الأعداء لأنهم جميع أهل الأرض ولا نسبة لكم منهم في عدد ولا قوة ~~أصلا، فالجاري على منهاج العدل المتعارف عندكم أن يأخذه كله ولا يمكنكم ~~من شيء منه كما كان فيمن قبلكم، يعزل فتنزل نار من السماء فتأكله، ولكنه ~~سبحانه - علم ضعفكم فمن عليكم به ورضي منكم منه بالخمس فسماه لنفسه ورده ~~عليكم، وهو معنى قوله: { فأن لله } أي الذي له كل شيء { خمسه }. # ولما كان من المعلوم أن الله تعالى أجل من أن يناله نفع أو ضر، كان من ~~المعلوم أن ذكر اسمه سبحانه إنما هو للإعلام بأن إسلام هذا الخمس والتخلي ~~عنه لا حظ للنفس فيه، وإنما هو لمحض الدين تقربا إليه سبحانه، فذكر ~~مصرفه بقوله: { وللرسول } أي يصرف إليه خمس هذا الخمس ما دام حيا ليصرفه ~~في مصالح المسلمين،ويصرف بعده إلى القائم مقامه، يفعل فيه ما كان صلى ~~الله عليه وسلم يفعله { ولذي القربى } أي من الرسول، وهم الآل الذين تحرم ~~عليهم الزكاة: بنو هاشم وبنو المطلب { واليتامى } أي لضعفهم { والمساكين ~~} لعجزهم { وابن السبيل } أي المسافر لأن الأسفار مظنات الافتقار، ~~فالحاصل أنه سبحانه لم يرزأكم من المغنم شيئا، فاعرفوا فضله عليكم أولا ~~بالإنعام بالنصر، وثانيا بحل المغنم، وثالثا بالإمكان من الأربعة ~~الأخماس، ورابعا برد الخمس الخامس فيكم، فاشتعلوا بشكره فضلا عن أن ~~تغفلوا عن ذلك فضلا عن أن تتوهموا أن بكم فعلا تستحقون به شيئا فضلا ~~عن أن تفعلوا من المنازعة في المغنم فعل القاطع بالاستحقاق، اعلموا ذلك ~~كله علم المصدق المؤمن المذعن لما علم لتنشأ عنه ثمرة العمل { إن كنتم } ~~صادقين في أنكم { آمنتم بالله } أي الذي لا أمر لأحد معه { وما } أي ~~وبالذي { أنزلنا } أي إنزالا واحدا سريعا لأجل التفريج عنكم من القرآن ~~والجنود والسكينة في قلوبكم وغير ذلك مما تقدم وصفه { على عبدنا } أي ~~الذي يرى دائما أن الأفعال كلها لنا ms1758 فلا ينسب لنفسه شيئا إلا بنا { يوم ~~الفرقان } أي يوم بدر الذي جعلنا لكم فيه عزا ينفذ به أقوالكم وأفعالكم ~~في فصل الأمور. # ولما وصفه سبحانه بالفرقان تذكيرا لهم بالنعمة، بينه بما صور حالهم ~~إتماما لذلك - أو أبدل منه - فقال: { يوم التقى } أي عن غير قصد من ~~الفريقين بل بمحض تدبير الله { الجمعان } أي اللذان أحدهما أنتم وكنتم ~~حين الترائي - لولا فضلنا - قاطعين بالموت، وثانيهما أعداؤكم وكانوا على ~~اليقين بأنكم في قبضتهم، وذلك هو الجاري على مناهج العوائد، ولو قيل: يوم ~~بدر، لم يفد هذه الفوائد. # ولما كان انعكاس الأمر في النصر محل عجب، ختم الآية بقوله: { والله على ~~كل شيء } أي من نصر القليل على الكثير وعكسه وغير ذلك من جميع الأمور { ~~قدير* } فكان ختمها بذلك كاشفا للسر ومزيلا للعجب ومبينا أن ما فعل هو ~~الجاري على سنن سنته المطرد في قديم عادته عند من يعلم أيامه الماضية في ~~جميع الأعصر الخالية. # ولما ذكر لهم يوم ملتقاهم، صور لهم حالتهم الموضحة للأمر المبينة لما ~~كانوا فيه من اعترافهم بالعجز تذكيرا لهم بذلك ردعا عن المنازعة وردا ~~إلى المطاوعة فقال مبدلا من { يوم الفرقان } { إذ أنتم } نزول { ~~بالعدوة الدنيا } أي القربى إلى المدينة { وهم } أي المشركون نزول { ~~بالعدوة القصوى } أي البعدى منها القريبة إلى البحر، والقياس قلب واوه ~~ياء، وقد جاء كذلك إلا أن هذا أكثر كما كثر استصوب وقل استصاب، والعدوة ~~- بالكسر في قراءة ابن كثير وأبي عمرو ويعقوب، وبالضم في قراءة غيرهم: ~~جانب الوادي وشطه، ومادتها - بأي ترتيب كان - تدور على الاضطراب ويلزمه ~~المجاورة والسكون والإقبال والرجوع والاستباق والمحل القابل لذلك، فكأنها ~~الموضع الذي علا عن محل فكان السيل موضعا للعدو { والركب } أي العير ~~الذي فيه المتجر الذي خرجتم لاقتطاعه ورئيس جماعته أبو سفيان، ونصب على ~~الظرف قوله: { أسفل منكم } أي أيها الجمعان إلى جانب البحر على مدى من ~~قرية تكادون تقعون عليه وتمدون أيديكم إليه مسافة ثلاثة أميال - كما قال ~~البغوي، وهو كان قصدهم وسؤلكم، فلو كانت ms1759 لكم قوة على طرقه لبادرتم إلى ~~الطرف وغالبتم عليه الحتف، ولكن منعكم من إدراك مأمولكم منه من كان ~~جاثما بتلك العدوة جثوم الأسد واثقا بما هو فيه من القوى والعدد كما ~~قال صلى الله عليه وسلم لسلمة بن سلامة بن وقش رضي الله عنه - لما قال في ~~تحقيرهم بعد قتلهم وتدميرهم: إن وجدنا إلا عجائز صلعا، ما هو إلا أن ~~لقيناهم فمنحونا أكتافهم - جوابا له # " أولئك يا ابن أخي الملأ لو رأيتهم لهبتهم ولو أمروك لأطعتهم " # مع استضعافكم لأنفسكم عن مقاومتهم لولا رسولنا يبشركم وجنودنا تثبتكم، ~~وإلى مثل هذه المعاني أشار تصوير مكانهم ومكان الركب أيماء إلى ما كان ~~فيه العدو من قوة الشوكة وتكامل العدة وتمهد أسباب الغلبة وضعف حال ~~المسلمين وأن ظفرهم في مثل هذا الحال ليس إلا صنعا من الله، وما في ~~البيضاوي تبعا للكشاف من أن العدوة الدنيا كانت تسوخ فيها الأقدام ولا ~~ماء بها تقدم رده أول السورة بأن المشهور في صحيح مسلم والسير وغيرها أن ~~المؤمنين هم السابقون إلى الماء، وأن جميع أرض ذلك المكان كانت رملا ~~تسوخ فيه الأقدام، فأتى المسلمين به من المطر ما لبد لهم الأرض، وأتى ~~المشركين منه ما لم يقدروا معه على الحركة { ولو تواعدتم } أي أنتم وهم ~~على الموافاة إلى تلك المواضع في آن واحد { لاختلفتم في الميعاد } أي لأن ~~العادة قاضية بذلك لأمرين: أحدهما بعد المسافة التي كنتم بها منها وتعذر ~~توقيت سير كل فريق بسير صاحبه، والثاني كراهتكم للقائهم لما وقر في ~~أنفسهم من قوتهم وضعفكم، وقد كان الذي كره إليكم لقاءكم قادر على أن ~~يكره إليهم لقاءكم، فيقع الاختلاف من جهتهم كما كان في بدر الموعد، وأما ~~في هذه الغزوة فدعاهم من حماية غيرهم داع لم يستطيعوا التخلف معه، وطمس ~~الله بصائرهم وقسى قلوبهم مع قول أبي جهل الذي كان السبب الأعظم في ~~اللقاء لمن عرض عليه المدد بالسلاح والرجال: إن كنا نقاتل الناس فما بنا ~~ضعف عنهم، وإن كنا إنما نقاتل - كما يزعم محمد ms1760 - الله فما لأحد بالله من ~~طاقة، وقوله أيضا في هذه الغزوة للأخنس بن شريق: إن محمدا صادق وما كذب ~~قط، فعل الله ذلك لما علم في ملاقاتهم لكم من إعلاء كلمته وإظهار دينه { ~~ولكن } أي دبر ذلك سبحانه حتى توافيتم إلى موطن اللقاء كلكم في يوم واحد ~~من غير ميعاد ولم تختلفوا في موافاة ذلك الموضع مع خروج ذلك عن العادة ~~لكونه أتقن أسبابه، فأطمعكم في العير أولا مع ما أنتم فيه من الحاجة ثم ~~وعدكم إحدى الطائفتين مبهما وأخرج قريشا لحماية عيرهم إخراجا لم يجدوا ~~منه بدا، ولما نجت عيرهم أوردهم الرياء والسمعة والبطر بما هم فيه من ~~الكثرة والقوة كما قال أبو جهل: لا نرجع حتى نرد بدرا فننحر بها الجزور ~~ونشرب الخمور وتعزف علينا القيان ونطعم من حضرنا من العرب فلا يزالون ~~يهابوننا مدى الزمان - { ليقضي الله } أي الذي له جميع الأمر من إعزاز ~~دينه بإعرازكم زإذلالهم { أمرا كان } كما تكون الجبلات والطبائع في ~~التمكن والتمام { مفعولا } أي مقدرا في الأزل من لقائهم وما وقع فيه من ~~قتلهم وأسرهم على ذلك الوجه العظيم فهو مفعول لا محالة ليتبين به أيمان ~~من آمن باعتماده على الله وتصديقه بموعده وكفر من كفر. # ولما علل ذلك التدبير في اللقاء بقوله: { ليقضي الله } علل تلك العلة ~~بقوله: { ليهلك } أي لعد رؤية ذلك القضاء الخارق للعادة { من هلك } أي من ~~الفريقين: الكفار في حالة القتال وبعدها، والمسلمين هلاكا متجاوزا ~~وناشئا { عن } حالة { بينة } لما بان من صدق رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في هذه الوقعة في كل ما وعد به وكذب الكفار في كل ما كانوا يقولونه ~~قاطعين به مع أن ظاهر الحال يقضي لهم، فكان ذلك من أعظم المعجزات { ويحيى ~~من حي } أي بالإسلام حياة هي في أعلى الكمال بما تشير إليه قراءة نافع ~~والبزي عن ابن كثير وأبي بكر عن عاصم بإظهار الياءين، أو في أدنى الكمال ~~بما يشيرإليه إدغام الباقين تخفيفا حياة متجاوزة وناشئة { عن } حالة { ~~بينة } أي ms1761 كائنة بعد البيان في كون الكافرين على باطل والمؤمنين على حق ~~لما سيأتي من أنهم كانوا يقولون # غر هؤلاء دينهم # [الأنفال: 49] فحينئذ تبين المغرور وكشفت عجائب المقدور عن أعين القلوب ~~المستور. # ولما كان التقدير: فإن الله في فعل ذلك لعزير حكيم، عطف عليه قوله: { ~~وإن الله لسميع } أي لما كنتم تقولونه وغيره { عليم* } بما كنتم تضمرونه ~~وغيره فاستكينوا لعظمته وارجعوا عن منازعتكم لخشيته، ثم أتم سبحانه تصوير ~~حالتهم بقوله مبينا ما أشار إليه من لطف تدبره: { إذ } أي اذكر إذ أردت ~~علم ذلك حين { يريكهم الله } أي الذي له صفات الكمال فهو يفعل ما يشاء { ~~في منامك قليلا } تأكيدا لما تقدم إعلامه به من أن المصادمة - فضلا ~~عما نشأ عنها - ما كان إلا منه وأنهم كانوا كالآلة التي لا اختيار لها، ~~وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم رآهم في منامه قليلا فحدث أصحاب رضي ~~الله عنهم بذلك فاطمأنت قلوبهم وشجعهم ذلك؛ وعين ما كان يحصل من الفساد ~~لولا ذلك فقال: { ولو أراكهم } أي في منامك أو غيره { كثيرا }. # ولما كان الإخبار بعد الوقعة بضد ما وقع فيها مما يقتضي طبع البشر ~~التوقف فيه، أكد قوله: { لفشلتم } أي جبنتم { ولتنازعتم } أي اختلفتم ~~فنزع كل واحد منزعا خلاف منزع صاحبه { في الأمر } أي فوهنتم فزادكم ذلك ~~ضعفا وكراهة للقائهم { ولكن الله } أي الذي أحاط بكل شيء قدرة وعلما { ~~سلم } أي ولكن لم يركهم كذلك فحصلت السلامة عما كان يتسبب عنها من ~~النكوص، ثم بين العلة في ترتيبه ذلك وإخباره بهذا الأمر المفروض بقوله: { ~~إنه عليم } أي بالغ العلم { بذات الصدور* } أي ضمائرها من الجراءة والجبن ~~وغيرهما قبل خطورها في القلوب. # ولما بين ما نشأ عن رؤيته صلى الله عليه والسلم من قلتهم وما كان ينشأ ~~عن رؤيته الكثرة لو وقعت، لأنه صلى الله عليه وسلم - لما هو عليه من ~~النصيحة والشفقة - كان يخبرهم بما رأى كما أخبرهم في غزوة أحد بالبقر ~~المذبحة؛ أتبعه ما فعل من اللطف في رؤيتهم بأنفسهم يقظة ms1762 فقال: { وإذ } أي ~~واذكروا أيضا إذ { يريكموهم } أي يبصركم أياهم { إذ } أي حين { التقيتم ~~} ونبه على أن الرؤية ليست على حقيقة ما هم عليه بقوله: { في أعينكم } أي ~~لا في نفس الأمر حال كونهم { قليلا } أي عددهم يسيرا أمرهم مصدقا لما ~~أخبركم به النبي صلى الله عليه وسلم عن رؤياه لتجترئوا عليهم؛ روي عن ابن ~~مسعود رضي الله عنه أنه قال: لقد قللوا في أعيننا يوم بدر حتى قلت لرجل ~~إلى جنبي: أتراهم سبعين؟ قال: أراهم مائة، فأسرنا رجلا منهم فقلنا: كم ~~كنتم؟ قال: ألفا، قال الحرالي في آل عمران: فجعل القليل وصفا لهم ~~لازما ثابتا دائما عليهم بما أوجب فيهم من نقص ذواتهم بخفاء فطرتهم ~~وما وراء خلق الفطرة من الذوات، قال تعالى: { ويقللكم } صيغة فعل واقع ~~وقت لا وصفا لهم من حيث إنه لو أراهم أياهم على الإراءة الحقيقية لزادهم ~~مضاعفين بالعشر، فكانوا يرونهم ثلاثة آلاف ومائتين وثلاثين - انتهى. # { في أعينهم } قبل اللقاء ليجترئوا على مصادمتكم حتى قال أبو جهل: إنما ~~هم أكلة جزور، ثم كثركم في أعينهم حين المصادفة حتى انهزموا حين فاجأتهم ~~الكثرة فظنوا الظنون؛ قال الحرالي: قللهم حين لم يرهم أياهم على الإراءة ~~- الحقيقية العشرية، ولا أراهم أياهم على الصورة الحسية؛ فكان ذلك أية ~~للمؤمنين على قراءة ياء الغائب - أي في آل عمران - وكانت آية للكفار على ~~قراءة { ترونهم } - بتاء الخطاب، فكان في ذلك في إظهار الإراءة في اعين ~~الفئتين نحو مما كان من الإراءتين الواقعة بين موسى عليه السلام والسحرة ~~في أن موسى عليه السلام ومن معه خيل إليهم من سحرهم أنها تسعى وأن فرعون ~~ومن معه رأوا ثعبانا مبينا يلقف ما يأفكون رؤية حقيقة، فتناسب ما بين ~~الأيات الماضية القائمة لهذه الآية بوجه ما، وكان هذه الآية أشرف وألطف ~~بما هي في مدافعة بغير آلة من عصى ولا حبل في ذوات الفئتين وإحساسهم - ~~انتهى. # ولما ذكر ما أحاله سبحانه من إحساس الفئتين، علله بقوله: { ليقضي الله } ~~أي الذي له العزة البالغة والحكمة الباهرة ms1763 من نصركم وخذلانهم بأن تفاجئهم ~~كثرتكم بعد رؤيتكم قليلا فيشجعهم ذلك، ويهزمهم { أمرا كان مفعولا } أي ~~من إعجالهم - بما فجعهم من الكثرة بعد القلة - عن الحذر والاستعداد لذلك ~~وبما فعل بأيديكم في هذه الغزوة من القتل والأسر والهزيمة المثمر لذل ~~جميع أهل الكفر، كان مقدرا في الأزل فلا بد من وقوعه على ما حده لأنه لا ~~راد لأمره ولا يبدل القول لديه، فعل ذلك كله وحده. # ولما كان التقدير: فبيده سبحانه ابتداء الأمور بتقديره أياها في الأزل ~~لا بيد أحد غيره، عطف عليه قوله: { وإلى الله } أي الملك الأعلى الذي ~~بيده وحده كل أمر { ترجع الأمور* } أي كلها فلا ينفذ إلا ما يريد إنفاذه، ~~فلا تجري الأمور على ما يظنه العباد، وهو من قولك: هذا الأمر راجع إليك، ~~أي مهما أردته فيه مضى، ولو فرض أن غيرك عالجه لم يؤثر فيه؛ ولا يزال ~~كذلك حتى يرجع إليك فيمضي، فالحاصل أن فيه قوة الرجوع بهذا الاعتبار وإن ~~لم يكن هناك رجوع بالفعل، وفي هذا تنبيه على أن أمور الدنيا غير مقصودة ~~لذواتها، وإنما المراد منها ما يصلح أن يكون زادا ليوم المعاد، ولما ~~تقرر ذلك وتم على هذا السبيل الأحكم والمنهاج الأقوم، كان علة لمضمون ~~قوله: { يا أيها الذين آمنوا } الآيتين، فكانتا نتيجته، لأنه إذا علم أن ~~الأمر كله له ولا أثر لقلة ولا كثرة أثمر لمن هو في أدنى درجات الإيمان ~~فضلا عن غيره قلة المبالاة بالظالمين وإن تجاوزت قواهم الحد، وزادوا ~~كثرة على العد، والآيتان تذكرانهم بحالتهم التي أوجبت نصرهم ليلزموها في ~~كل معترك ولا يتنازعوا كما تنازعوا في المغنم { إذا لقيتم } أي قاتلتم ~~لأن اللقاء اسم للقتال غالب { فئة } أي طائفة مستحقة للقتال كما أغنى عن ~~وصفها بذلك وصفهم بالإيمان { فاثبتوا } أي في لقائها بقتالها كما ثبتم في ~~بدر ولا تحدثوا أنفسكم بفرار { واذكروا الله } أي الذي له كل كمال فكل ~~شيء يطلب فهو عنده يوجد { كثيرا } أي كما صنعتم ثم، لأن ذلك أمارة ~~الصدق في الاعتماد عليه ms1764 وحده، وذلك موجب للنصر لا محالة كما في الحديث ~~القدسي # " إن عبدي كل عبدي للذي يذكرني عند لقاء قرنه " # ولما أمر بذلك، علله بأداة الترجي، ليكون أدل على أنه سبحانه لا يجب ~~عليه شيء فيكون للإيمان فقال: { لعلكم تفلحون* } أي لتكونوا على رجاء من ~~الفلاح وهو الظفر بالمراد من النصر والأجر وكما كنتم إذ ذاك { وأطيعوا ~~الله } أي الذي له الغنى المطلق فلا يقبل إلا الخالص والكمال الأكمل فلا ~~يفعل إلا ما يريد { ورسوله } أي في الإقدام والإحجام لجهلكم بالعواقب، ~~وتلك الطاعة أمارة إخلاصكم في الذكر { ولا تنازعوا } بأن يريد كل واحد ~~نزع مال صاحبه من رأي وغيره وإثبات ما له، وأشار إلى عظيم ضرر التنازع ~~ببيان ثمرته المرة فقال؛ { فتفشلوا } أي تضعفوا؛ قال في القاموس: فشل ~~كفرح، فهو فشل، كسل وضعف وتراخي وجبن - انتهى. والمادة راجعة إلى الفيشلة ~~وهي الحشفة، ومن لازمها الرخاوة وينشأ عن الرخاوة الجبن مع الصلف والخفة ~~والطيش. # ولما كان الفشل ربما كان معه الظفر لفشل في العدو أكثر منه أو غير ذلك، ~~عطف ما يلزمه غالبا بالواو دون الفاء فقال: { وتذهب ريحكم } أي غلبتكم ~~وقوتكم، وأصله أن الريح إذا كانت في الحرب من جهة صف كانت في وجوه ~~أعدائهم فمنعتهم بما يريدون فخذلوا فصارت كأنها قوة من أتت من عنده، ~~فصارت يكنى بها عنها؛ ثم ختم هذه الأسباب بالجامع لشملها الناظم لمقاصد ~~أهلها فقال؛ { واصبروا } أي على ما يكون من تلك المشاق فإنكم إن تكونوا ~~تألمون فإن أعداءكم كذلك، وأنتم ترجون من الله ما لا يرجون؛ ثم علله بما ~~يكون النصر في الحقيقة فقال: { إن الله } أي الميحط بصفات الكمال { مع ~~الصابرين* } أي لأنهم لا يصبرون إلا اعتمادا عليه، ومن كان معه عز، وهذه ~~الجملة فيها - كما قال الإمام شمس الدين محمد بن قيم الجوزية في آخر كتاب ~~الفروسية المحمدية - تدبير الحروب أحسن جمع على أتم وجه، فأمر فيها بخمسة ~~أشياء ما اجتمعت قط في فئة إلا انتصرت وإن قلت في جنب عدوها، وخامسها ~~ملاك ms1765 ذلك وقوامه وأساسه وهو الصبر، فعلى هذه الدعائم الخمس تبنى قبة ~~النصر، ومتى زالت أو بعضها زال من النصر بحسبه، وإذا اجمتعت قوى بعضها ~~بعضا وصار لها أثر عظيم، لما اجتمعت في الصحابة رضي الله عنهم لم تقم ~~لهم أمة من الأمم، ففتحوا البلاد شرقا وغربا ودانت لهم العباد سلما ~~وحربا، ولما تفرقت فيمن بعدهم وضعفت آل الأمر قليلا قليلا إلى ما ترى ~~- فلا قوة إلا بالله، والجامع لذلك كله طاعة الله ورسوله فإنها موجبة ~~لتأييد المطيع بقوة من هو في طاعته، وذلك سر قول أبي الدرداء رضي الله ~~عنه الذي رواه البخاري في باب " عمل صالح قبل القتال ": إنما تقاتلون ~~الناس بأعمالكم؛ وهو شرع قديم، قال في أثناء السفر الخامس من التوارة: ~~وإن أنتم سمعتم قول الله ربكم وتحفظتم وعملتم بكل هذه الوصية التي آمركم ~~بها اليوم يبارك عليكم الله ربكم كما قال لكم، وترزقون إن تقرضوا شعوبا ~~كثيرة ولا تقرضون، وتسلطون على شعوب كثيرة ولا يتسلطون عليكم. ### || [8.47-48] # ولما ذكرهم سبحانه ما أوجب نصرهم آمرا لهم بالثبات عليه، ذكر لهم حال ~~أعدائهم الذي أوجب قهرهم ناهيا عنه تعريضا بحال المنازعة في الأنفال ~~وأنها حال من يريد الدنيا، ويوشك - إن تمادت - أن تجر إلى مثل حال هؤلاء ~~الذي محط نظرهم الدنيا فقال: { ولا تكونوا } أي يا معشر المؤمنين { ~~كالذين } وصور قبح عملهم من أوله إلى آخره فقال: { خرجوا من ديارهم } أي ~~كل واحد من داره وهم أهل مكة، وكل من عمل مثل عملهم كان مثلهم، ولذا عبر ~~بالوصف ليعم { بطرا } أي طغيانا وتكبرا على الحق، ومادة بطر - بأي ~~ترتيب اتفق - تدور على اللين القابل للعمل حتى ربط، فإنه لولا الضعف ما ~~استوثق من المربوط، ومنه بطر الجرح - وهو شقه - والبيطار، وتارة يكون ذلك ~~اللين عن دهش. ومنه أبطرت حلمه أي أدهشته عنه، وذهب دمه بطرا أي باطلا ~~للضعف عنه للحيرة في الأمر الموصل إليه، وتارة يكون عن مجاوزة الحد في ~~الصلابة، ومنه بطر النعمة - إذا لم يشكرها فتجاوز الحد ms1766 في المرح، فإن ~~فاعل ذلك يمكنه الحكيم من مقاتله فيأخذه وهو يرجع إلى عدم احتمال القوى ~~للشكر، ففاعل ذلك ضعيف وإن ظهر منه خلاف ذلك ما قال عمر رضي الله عنه: ~~العدل وإن رئي لينا أكف عن الظلم من الجور وإن رئي شديدا - أو كما قال ~~رضي الله عنه. وأقرب من ذلك أن تكون المادة دائرة على الخلطة الناقلة من ~~حال إلى حال. # ولما ذكر الحامل لهم على الخروج من أنفسهم، ذكر ما أوجبه لهم من غيرها ~~فقال: { ورئاء الناس } أي خرجوا يرون الناس خروجهم وما يتأثر عنه ليروهم ~~ما يقولون فيه، فإنهم لما قيل لهم؛ قد نجى الله عيركم فارجعوا، بطروا ~~النعمة تبعا لأبي جهل حيث قال: والله لا نرجع حتى نرد بدرا فنشرب ~~الخمور وننحر الجزور وتعزف علينا القيان فتسمع بنا العرب فلا تزال تهابنا ~~أبدا! فسقوا مكان الخمر كؤوس المنايا الحمر، وناحت عليهم نوائح الزمان ~~مكان العزف والقيان. # ولما ذكر نفس الخروج وما فيه من الفساد وذكر ثمرته الخبيثة الناشئة عن ~~ذينك الخلقين، وعبر عنهما بالاسم إشارة إلى الثبات كما هو شأن الأخلاق، ~~وعن الثمرة بالمضارع تنبيها على أنهم لا يزالون يجددونها فقال: { ويصدون ~~} أي يوجدون الصد وهو المنع لأنفسهم وغيرهم { عن سبيل الله } أي الملك ~~الأعظم في ذلك الوجه وهم عازمون على تجديد ذلك في كل وقت، فلما كانت هذه ~~مقاصدهم كان نسجهم هلهلا وبنيانهم واهيا، فإنها من عمل الشيطان، وكل ~~عمل لا يكون لله إذا صدم بما هو لله اضمحل، بذلك سبحانه أجرى سنته ولن ~~تجد لسنته تحويلا، فإن العاملين عبيد الله { والله } أي فعلوا ذلك ~~والحال أن المحيط بكل شيء الذي عادوا أولياءه { بما } أو يكون ذلك ~~معطوفا على تقديره: فأبطل الله بجلاله وعظمته أعمالهم وهو بكل ما { ~~يعملون محيط* } فهم في قبضته، فأوردهم - إذ خرجوا يحادونه - بدرا فنحر ~~مكان الجزور رقابهم وسقاهم مكان الخمور كؤوس المنايا، وأصاح عليهم مكان ~~القيان صوائح النوائح، ولعله قدم الجار إشارة إلى أنه لشدة إحاطته ~~بأعمالهم كأنه لا ms1767 نظر له إلى غيرها فلا شاغل له عنها. # ولما كان بين لهم فساد أعمالهم لفساد نياتهم تنفيرا منها، زاد في ~~التنفير بالإشارة إلى الأمر بدوام تذكرها بعاطف على غير معطوف عليه مذكور ~~فقال؛ { وإذ } فعلم أن التقدير قطعا: اذكروا ذلك واذكروا إذ، وزاد في ~~التنفير بذكر العدو المبين والتنبيه على أن كل ما يأمر به إنما هو خيال ~~لا حقيقة له كما كان ما سول لهم في هذا الأمر فقال: { زين لهم الشيطان } ~~أي العدو المحترق البعيد من الخير { أعمالهم } التي أتقنوها بزعمهم في ~~معاداة النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك أنه تبدى لهم في صورة سراقة بن ~~مالك بن جعشم الكناني حين خافوا من قومه بني كنانة أن يخلفوهم في أهليهم ~~بسوء لما كان بينهم مما يوجب ذلك، فكاد ذلك أن يثبطهم عن الميسر { وقال } ~~غارا لهم في أنفسهم { لا غالب لكم } والجار خبر { لا } وإلا لا انتصب ~~اسمها لكونه يكون إذ ذاك شبيها بالمضاف { اليوم من الناس } وغارا لهم ~~فيمن خلفوه بقوله: { وإني جار لكم } من أن تخلفكم كنانة بشيء تكرهونه، ~~وسار معهم إلى بدر ينشطهم وينشدهم ويسلطهم بهذا القول الظاهر إلى ما ~~يوسوس لهم به في الصدور { فلما تراءت الفئتان } أي رأت كل فئة الأخرى ~~ورأى جبريل عليه السلام في جنود الله { نكص } أي رجع يمشي القهقرى وبطل ~~كيده وآثار وسوسته { على عقبيه } أي إلى ورائه، فقالوا أين أي سراق؟ ولا ~~يظنونه إلا سراقة، فمر ولم يجبهم ولا عرج عليهم { وقال } أي بلسان الحال ~~أو القال وهو يسمعونه أو لا يسمعونه { إني بريء منكم } ثم علل براءته ~~منهم بقوله: { إني أرى } أي بعين بصري { ما لا ترون } أي من الملائكة ~~والغضب الذي هو نازل بكم، فقال له الحارث بن هشام وكانت يده في يده: ~~والله ما نرى إلا جواسيس يثرب! فاستأنف قوله مؤكدا لإنكارهم لذلك: { إني ~~أخاف الله } أي المحيط بكل شيء قدرة وعلما أن يهلكني معكم بالمعاجلة ~~بالعقاب { والله } أي الملك الأعظم { شديد العقاب* } فكانوا يقولون: ms1768 ~~انهزم بنا سراقة، فقال؛ بلغني أنكم تقولون كذا! والله ما علمت بمسيركم ~~هذا إلا عندما بلغني انهزامكم فكانوا يكذبونه حتى أسلموا فعلموا أن الذي ~~غرهم الشيطان، وذلك مشهور في السير، وهو أولى من أن يحمل على مجرد ~~الوسوسة، وفي الحديث # " ما رئي إبليس يوما أصغر ولا أحقر ولا أغيظ من يوم عرفة لما يرى من ~~نزول الرحمة إلا ما رئي يوم بدر ". ### || [8.49-52] # ولما استوفى ما كان يقطع به في حق أولئك مما هو من أنفسهم ومما هو من ~~تزيين الشيطان، أبدل منه ما كان يقطع به في حقهم من أهل الجهل بالله ~~وبأيامه الماضية وآثاره عند أوليائه وأعدائه فقال: { إذ يقول المنافقون } ~~أي من العرب وبني إسرائيل قولا يجددونه كل وقت لما لهم فيه من الرغبة { ~~والذين في قلوبهم مرض } أي ممن لم يرسخ الإيمان في قلبه ممن آمن ولم ~~يهاجر أو من اليهود المصارحين بالكفر حين يرون الكفار وقوتهم وكثرتهم ~~والمؤمنين وضعفهم وقلتهم { غر هؤلاء } مشيرين إليكم { دينهم } أي في ~~إقدامهم على ما يقطع فيه بهلاكهم ظنا منهم أن الله ناصرهم وهم ثلاثمائة ~~وبضعة عشر إلى زهاء ألف ملوك العرب، فيغيظكم ذلك، فكذبهم الله وصدق أمركم ~~بتوكلكم عليه وصبركم على دينكم { ومن } أي قالوا ذلك عالمين بأنكم ~~متوكلون عليه وصبركم على دينكم { ومن } أي قالو ذلك عالمين بأنكم متوكلون ~~على من تدينون له والحال أنه من { يتوكل على الله } أي الذي له الإحاطة ~~الشاملة، فهو يفعل ما يشاء منكم ومن غيركم بشرطه من الإيمان والسعي في ~~الطاعة كما فعلتم فإنه معز ومكرم. # ولما كان سبحانه محيطا بكل صفة كمال على الإطلاق من غير قيد توكل ولا ~~غيره، أظهر تعالى فقال عاطفا على تقديره: فإن الله قادر على نصره: { فإن ~~الله } أي الذي له الكمال المطلق { عزيز } أي غالب لكل من يغالبه فهو ~~جدير بنصره { حكيم* } أي متقن لأفعاله فهو حقيق بأن يأخذ عدو المتوكل ~~عليه من الموضع الذي لا ينفعه فيه حيلة. # ولما ذكر ما سرهم من حال ms1769 أعدائهم المجاهرين والمساترين في الدنيا ~~مرصعا ذلك بجواهر الحكم وبدائع الكلم التي بملازمتها تكون السعادة ~~وبالإخلال بها تحل الشقاوة، أتبعه ما يسرهم من حال أعدائهم عند الموت ~~وبعده، فقال مخاطبا لمن لو كشف الغطاء لم يزدد يقينا، حاديا بتخصيصه ~~بالخطاب كل سامع على قوة اليقين ليؤهل لمثل هذا الخطاب حكاية لحالهم في ~~ذاك الوقت { ولو } أي يقولون ذلك والحال أنك { لو ترى } يا أعلى الخلق { ~~إذ يتوفى } أي يستوفي إخراج نفوس { الذين كفروا } أي من هؤلاء القائلين ~~ومن غيرهم ممن قتلتموهم ببدر ومن غيرهم بعد ذلك وقبله { الملائكة } أي ~~جنودها الذي وكلناهم بهم حال كونهم { يضربون }. # ولما كان ضرب الوجه والدبر أدل ما يكون على الذل والخزي، قال: { وجوههم ~~وأدبارهم } أي أعلى أجسامهم وأدناها فغيره أولى { و } حال كونهم يقولون ~~لهم: ذوقوا ما كنتم به تكذبون { ذوقوا عذاب الحريق* } أي لرأيتم منظرا ~~هائلا وأمرا فظيعا. فسركم ذلك غاية السرور، وما أثر كلامهم في غيظهم، ~~فإنهم يعلمون حينئذ من الذي غره دينه و " لو " وإن كانت تقلب المضارع ~~ماضيا فلا يخلو التعبير بالمضارع في حيزها من فائدة، وهي ما ذكر من ~~الإشارة إلى أن هذا لا يخص ميتا منهم دون ميت، بل لا فرق بين متقدمهم ~~ومتأخرهم، من مات ببدر أو غيرها وليس في الكلام ما يقتضي أن يكون ~~القائلون { غر هؤلاء دينهم } حضروا بدرا، بل الظاهر أن قائليه كانوا ~~بالمدينة وتعبيرهم ب { هؤلاء } التي هي أداة القرب للتحقير واستسهال ~~أخذهم كما أن أداة البعد تستعمل للتعظيم ببعد الرتبة، وعلى مثل هذا يتنزل ~~قول فرعون بعد أن سار بنو إسرائيل زمانا أقله ليلة وبعض يوم كما حكاه ~~الله عنهم # إن هؤلاء لشرذمة قليلون # [الشعراء: 54] على أن البغوي قد نقل في تفسير قوله تعالى # يرونهم مثليهم رأي العين # [آل عمران: 13] أن جماعة من اليهود حضروا قتال بدر لينظروا على من تكون ~~الدائرة. وإذا تأملت هذا مع قوله تعالى { كدأب آل فرعون } علمت أن جل ~~المقصود من هذه الآيات إلى قوله { ذلك بأنهم ms1770 قوم لا يفقهون } اليهود، وفي ~~تعبيره ب { لا يفقهون } تبكيت شديد لهم كما قال تعالى في آية الحشر # لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله ذلك بأنهم قوم لا يفقهون # [الحشر: 13]. # ولما عذبوهم قولا وفعلا، عللوا لهم ذلك بقولهم زيادة في تأسيفهم: { ~~ذلك } أي هذا الفعل العظيم الذي يفعله بكم من العذاب الأليم { بما قدمت ~~أيديكم } أي من الجراءة على الله { وأن } أي وبسبب أن له أن يفعل ذلك وإن ~~لم تقدموا شيئا فإن { الله } أي الذي له صفات الكمال { ليس بظلام } أي ~~بذي ظلم { للعبيد* } فإن ملكه لهم تام. والمالك التام الملك على ما ~~يملكه الملك الذي لا شيء يخرج عن دائرة ملكه، وهو الذي جبلكم هذه الجبلة ~~الشريرة التي تأثرت عنها هذه الأفعال القبيحة، وهو لا يسأل عما يفعل، من ~~الذي يسأله! ويجوز أن يكون المعنى: وليس بذي ظلم لأنه لا يترك الظالم ~~يبغي على المظلوم من غير جزاء لكم على ظلمكم لأهل طاعته، وسيأتي في " ~~فصلت " حكمة التعبير بصيغة تحتمل المبالغة. # ولما بين بما مضى ما يوجب الاجتماع عليه والرجوع في كل أمر إليه، وبين ~~أن من خالف ذلك هلك كائنا من كان؛ أتبعه بما يبين أن هذا من العموم ~~والاطراد بحيث لا يخص زمانا دون زمان ولا مكانا سوى مكان فقال تعالى: { ~~كدأب } أي عادة هؤلاء الكفار وشأنهم الذي دأبوا فيه وداموا وواظبوا ~~فمونوا عليه كعادة { آل فرعون } أي الذين هؤلاء اليهود من أعلم الناس ~~بأحوالهم { والذين } ولما كان المهلكون لأجل تكذيب الرسل بعض أهل الزمان ~~الماضي، أدخل الجار فقال: { من قبلهم } وهو مع ذلك من أدلة { فلم تقتلوهم ~~} لأن هؤلاء الذين أشار إليهم كان هلاكهم بغير قتال، بل بعضهم بالريح ~~وبعضهم بالصيحة وبعضهم بالغرق وبعضهم بالخسف الذي هو غرق في الجامد، ~~فكأنه يقول: لا ينسب أحد لنفسه فعلا، فإنه لا فرق عندي في إهلاك أعدائي ~~بين أن يكون إهلاكهم بتسليط من قتال أو غيره، الكل بفعلي، لولا أنا ما ~~وقع، وذلك زاجر عظيم لمن افتخر ms1771 بقتل من قتله الله على يده، أو نازع في ~~النفل، وهو راجع إلى قوله تعالى # لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم # [الحديد: 23] وفي ذلك حث على التمرن على عدم الاكتراث بشيء يكون للنفس ~~فيه أدنى حظ ليصير ذلك خلقا كما هو دأب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~لا يضيف شيئا من محاسنه إلا إلى خالقه إلا إن كان مأمورا فيه بالتشريع، ~~بل يقول: قتلهم الله، صرفهم الله، نصرنا الله، كفى الله، فإذا صار ذلك ~~للمستمسكين به خلقا أفضى بهم إلى مدح الخالق والمخلوق لهم كما قال كعب ~~بن زهير رضي الله عنه في مدحهم: # ليسوا مفاريح إن نالت رماحهم # قوما وليسوا مجازيعا إذا نيلوا # ثم بين تعالى الحال الذي شابهوا فيه من قبلهم بقوله: { كفروا بآيات الله ~~} أي ستروا ما دلتهم عليه أنوار عقولهم من دلالات الملك الأعلى وغطوها ~~لأنهم لم يعملوا بها وصدوا عن ذلك من تبعهم، فكان جزاؤهم ما تسبب عن ذلك ~~من قوله: { فأخذهم الله } اي الذي له مجامع الكبر ومقاعد العظمة والعز ~~أخذ غلبة وقهر وعقوبة { بذنوبهم } كما أخذهم فإنهم تجرؤوا على رتبة ~~الألوهية التي تخسأ دون شوامخها نوافذ الأبصار، وتظلم عند بوارق أشعتها ~~سواطع الأنوار، وتضمحل بالبعد عن أول مراقبها القوى، وتنقطع بتوهم الدنو ~~من فيافيها الأعناق، فنزلت بهم صواعق هيبتها، وأناخت عليهم صروف عظمتها، ~~فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم ولا تحس إلا ملاعبهم وأمكاكنهم. # ولما أخبر بأخذهم، علله بقوله: { إن الله } أي الذي له الإحاطة الشامله ~~{ قوي } أي يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء { شديد العقاب* }. ### || [8.53-57] # ولما كان كأنه قيل: فما له يمهلهم ولا يعالجهم بالأخذ قبل النكاية في ~~أوليائه وأهل وده وأصفيائه؟ قال: { ذلك } أي الأخذ على هذه الحالة { بأن ~~الله } أي بسبب أنهم غيروا ما في أنفسهم، وقد كان له سبحانه أن يأخذهم ~~قبل أن يغيروا لعلمه بما في ضمائرهم، ولكنه تعالى أجرى سنته الإلهية ~~لتمام علمه وكمال قدرته وإحاطته بجميع صفات الكمال بأنه { لم يك } هكذا ms1772 ~~كان الأصل، ولكن حذف اختصارا تقريبا لبيان تعميم العلة وإبعاد للسامع ~~من مثل ذلك، وحذف نون " يكن " إرشادا إلى أن هذه الموعظة خليقة بأن يوجز ~~بها غاية الإيجاز فيبادر إلى إلقائها لما في حسن تلقيها من عظيم المنفعة، ~~لأن من خالفها جدير بتعجيل الانتقام { مغيرا نعمة } أي قلت أو جلت، وبين ~~أنه لا نعمة على أحد إلا منه فقال: { أنعمها على قوم } أي من أي طائفة ~~كانوا { حتى يغيروا } أي يبدلوا { ما } يعتقدونه { بأنفسهم } بغيره مما ~~هو غريزة لهم وهو حفي عنهم، يظنون اتصافهم بضده مما هو ظاهر لهم اتصافا ~~غريزيا { وأن } أي وبسبب أن { الله } أي الذي له الكمال كله { سميع } ~~أي لما يكذبون به الرسل ولأقوالهم: إن ما يظهرونه وصفهم الحقيقي { عليم* ~~} أي بما تكن ضمائرهم من غيره وإن جهلوه هم فيبتليهم ببلاء يظهر به ذلك ~~المكنون ويبرز به كل سر مصون، فإذا تعلق به العلم ظاهرا علق به الحكم ~~قاهرا لتمام قيام الحجة، ولتمام علمه بحالهم أمهلهم، وإنما يستعجل من ~~يخاف أن تخيب فراسته أو يتغير علمه، وأما الذي علمه بالظواهر والضمائر ~~على حد سواء فالحالتان عنده سيان، فهو يمهل لإتمام الحكمة ولا يهمل من ~~استحق النقمة، وذلك التغيير الذي أظهره البلاء هو التكذيب بالحق عنادا ~~والبعد عما كانوا يدعونه من العدل والمشي على مناهيج العقل والاستحياء من ~~العناد، والتنزه من طرق الفساد، هكذا كانت كل أمة أرسلت إليها الرسل تدعي ~~وما عندها من خلاف ذلك مستور في ضمائرها مكنون في سرائرها، لا تعلمه كما ~~تشاهد أكثر من تعاشره، يظن في نفسه ما ليس فيها، وعند الامتحان يكذبه ~~العيان، فلما جاءتهم الرسل وأوضحوا لهم الأمر إيضاحا ليس معه، لبس ~~فكذبوهم، غيروا ما كان في نفوسهم مما كانوا يزعمون؛ ثم كرر قوله: { كدأب ~~آل فرعون } أي فرعون وقومه فإنهم أتباعه فلا يخيل انهم يفعلون شيئا إلا ~~وهو قائدهم فيه { والذين من قبلهم } - لدقيقة، وهي أنه قد تقدم أنه ما من ~~أمة إلا ابتليت بالضراء والسراء، فالأولى ينظر إليها ms1773 مقام الإلهية الناظر ~~إلى العظمة والكبرياء والقهر والانتقام، والثانية ثمرة مقام الربوبية ~~الناشىء عنه التودد والرحمة والرأفه والإكرام، لذا عبر في الأولى باسم ~~الذات الجامع لجميع الصفات الذي لفظه - عند من يقول باشتقاقه - موضوع ~~لمعنى الإلهية إشارة إلى أنهم أعرضوا في حال الضراء عن التصديق وعاملوا ~~بالتجلد والإصرار، ولذا عبر في هذه الثانية باسم الرب فقال: { كذبوا } أي ~~عنادا زيادة على تغطية ما دل عليه العقل بالتكذيب بالنقل { بآيات ربهم } ~~فأشار بذلك إلى بطرهم بالنعم وتكذيبهم أنها بسبب دعاء الرسل. # ولما أشار بالتعبير به إلى أنه غرهم معاملته بالعطف والإحسان، قال: { ~~فأهلكناهم } أي جميعا { بذنوبهم وأغرقنا } فأتى بنون العظمه إشارة إلى ~~أنه أتاهم بما أنساهم ذلك البر { آل فرعون } وإشارة إلى أنهم نسوا أن ~~الرب كما أنه يتصف بالرحمة فلا بد أن يتصف بالعظمة والنقمة وإلا لم تتم ~~ربوبيته، وهذا واضح مما تقدم في الأعراف عن التوراة في شرح # فأرسلنا عليهم الطوفان # [الأعراف: 133] - إلى آخرها، من أن فرعون كان يسأل موسى عليه السلام عند ~~كل نازلة الدعاء برفعها معتلا بأن الرب ذو حلم وأناة ورحمة، وقدم الأولى ~~إشارة إلى أنهم بلغوا الغاية في الجرأة، والتعبير فيها ب { كفروا } يؤيد ~~لذلك، أي أن مجرد الستر للآيات بالإعراض عنها كاف في إيجاب الانتقام ولو ~~لم يصرح بتكذيب لعظم المقام، ومادة كفر - بأي ترتيبة كان - تدور على ~~الخلطة المميلة المحيلة، وبخصوص هذا الترتيب تدور على الستر، أي غطوا ~~التصديق بآيات ربهم، ويجوز - وهوالأحسن - أن يكون دورانها - مطلقا لا ~~بقيد ترتيب - على الفكر، وهو إرسال عين البصيرة في طلب أمر ويلزمه الكشف ~~والستر لأنه تارة يرفع أذيال الشبه عن ذلك الأمر فينجلي ويتحقق، وتارة ~~يسلط قواطع الأدلة عليه فينعدم ويتمحق، وربما أرخى أذيال الشبه عليه ~~فأخفى بعد أن كان جليا كما كان شمرها عنه فألقى وقد كان خفيا. # ولما أخبر سبحانه بهلاكهم، أخبر بالوصف الجامع لهم بالهلاك فقال: { وكل ~~} أي من هؤلاء ومن تقدمهم من آل فرعون ومن قبلهم { كانوا } أي جبلة ~~وطبعا { ظالمين ms1774 * } أي لأنفسهم وغيرهم واضعين الآيات في غير مواضعها وهم ~~يظنون بأنفسهم العدل؛ ثم علل اتصافهم بالظلم أو استأنف بيانا له بقوله: ~~{ إن شر الدواب } أي ظلموا لأنهم كفروا بآيات ربهم الذي تفرد بالإحسان ~~إليهم وشر الدواب { عند الله } أي في حكم الحكم العدل الذي له الأمر كله ~~وفي علمه { الذين كفروا } أي منهم ومن غيرهم، أي حكم عليهم بلزوم الكفر ~~لما ركب فيهم من فساد الأمزجة لعدم الملاءمة للخير، فكانوا بذلك قد نزلوا ~~عن رتبة الإنسان إلى رتبة مطلق الحيوان، ثم إلى دركة الحشرات والديدان بل ~~العجلان، لأن شر الناس الكفار، وشر الكفار المصرون منهم، وشر المصرين ~~الناكثون للعهود { فهم } أي بسبب ذلك { لا يؤمنون* } أي لا يتجدد منهم ~~إيمان يستمرون عليه لما سبق من علم الله فيهم، فلم ينتفعوا بما أتاهم من ~~صفة الربوبية فمحقتهم صفة الإلهية، ولعله إنما خص آل فرعون تذكيرا - ~~لأكثر من كان يقول { غر هؤلاء دينهم } وهم - اليهود - بأنهم كانوا ~~بالنسبة إلى فرعون وآله أضعف من الصحابة رضوان الله عليهم بالنسبة إلى ~~قريش وأتباعهم، فإن اليهود مع قلتهم عندهم كانوا قد دانوا لهم بذل العبيد ~~لمواليهم بل أعظم، ومع ذلك فإنهم نصروا عليهم لما كان الله معهم، ~~وإعلاما لهم بأنهم الآن كآل فرعون في العناد مع ما هم فيه من القلة ~~والذلة، فقد جمعوا من كل قوم أخس صفاتهم وأردأ حالاتهم، ولذلك أبدل من ~~عموم { الذين كفروا } { الذين عاهدت منهم } وهم اليهود بلا شك، إما بنو ~~قينقاع أو النضير أو قريظة أو الجميع بحسب التوزيع، فكل منهم نقض ما كان ~~أخذ عليه صلى الله عليه وسلم من العهود، وأخلف ما كان أكده من الوعود. # ولما كان العهد جديرا بالوفاء ولا سيما من العلماء، عبر بقوله: { ثم ~~ينقضون عهدهم } أي يجددون نقضه كلما لاح لهم خلب برق أو زور بطل يغير في ~~وجه الحق؛ ثم عظم الشناعة عليهم بقوله: { في كل مرة } ثم نبه على رضاهم ~~من رتبة الشرف العلية القدر وهدة السفه والسرف بعدم الخوف ms1775 من عاقبة ~~الغدر بقوله: { وهم لا يتقون* } أي الناس في الذم لهم على ذلك ولا الله ~~في الدنيا بأن يمكن منهم، ولا في الآخرة بأن يخزيهم ثم يركسهم بعد ~~المناداة بالعار في النار. # ولما أيأسه من تقواهم بما اشتملوا عليه من تكرير النقض الناشىء عن غاية ~~الحسد وصلابة الرقاب وقساوة القلوب والقساوة على الكفر، أمره بما يوهن ~~قواهم ويحل عراهم من إلباس اليأس بإنزال البأس كما جرت عادته سبحانه أنه ~~يوصيه بالرفق ببعض الناس لعلمه أن عمله يزكو لبنيانه على أحسن أساس، فقال ~~مؤكدا لأجل ما جبل عليه صلى الله عليه وسلم من محبة الرفق: { فإما ~~تثقفنهم } أي تصادفنهم وتظفرن بهم { في الحرب } أي التي من شأنها أن يحرب ~~فيها المبطل، ويربح المحق المجمل { فشرد بهم من خلفهم } أي فنكل بهم ~~تنكيلا يصدع ويفرق عن محاربتك من وراءهم ممن هو على مثل رأيهم في ~~المنافرة لك ولا تتركنهم أصلا لأن أتباعك أمهر منهم وأحذق، فهم لذلك ~~أثبت وأمكن، فإذا أوقعت بهم ذلك لم يجسر عليك أحد بعده اتعاظا بهم ~~واعتبارا بحالهم؛ ومادة شرد بكل ترتيب تدور على النفوذ، فإن كان على قصد ~~وسنن فهو رشد ويلزمه الاجتماع، وإن كان على غير سنن وجامع استقامة فهو ~~شرود، ودرشة، أي لجاجة ويلزمه التفرق؛ قال ابن فارس: شرد البعير شرودا ~~وشردت به تشريدا، فأما قوله لجاجة ويلزمه التفرق؛ قال ابن فارس: شرد ~~البعير شرودا وشردت به تشريدا، فأما قوله { فشرد بهم } فالمراد نكل بهم ~~وسمع، قال القزاز: شردت الرجل تشريدا - إذا طردته، وشردت به - إذا ~~سمعت به وذكرت عيوبه للناس، وقوله تعالى { فشرد بهم } أي اجعلهم مطردين ~~- انتهى. # فالمراد المبالغة في الإيقاع بهم لأنهم إذا ضربوا ضربة تفرقوا فيها على ~~غير وجه ولا انتظام علم من شردوا إليه ممن وراءهم أنه قد تناهى بهم الذعر ~~فذعر هو فوقع في الشرود قوة أو فعلا، فعلى قراءة من جعل " من " حرف جر ~~يكون المفعول محذوفا، والتقدير: أوقع - بما تفعل بهؤلاء من الأمور ~~الهائلة - التشريد في ms1776 المكان الذي خلفهم بشرود من فيه قوة أو فعلا بما ~~سمعوا أو رأوا من حال هؤلاء حين واجهوك للقتال، وعلى قراءة من جعلها ~~اسما موصولا تكون هي المفعول، فالمعنى: شرد الذين خلفهم من أماكنهم إما ~~بالفعل أو بالقوة بأن تفترق قلوبهم بما تفعل بهولاء فتصير - بما ترى من ~~قبيح حالهم - قابلة للشرود، ويكون اختلاف المعنى بالتبعيض في جعل " من " ~~حرف جر والتعميم في جعلها موصولا بالنظر إلى القوة أو الفعل. # ولما ذكر الحكم، ذكر ثمرته بأداة الترجي إدارة له على الرجاء فقال: { ~~لعلهم } أي المشردين والمشرد بهم { يذكرون* } ما سبق من أيام الله ~~فيعلموا أن هذه أفعاله، وهؤلاء رجاله، فينفعهم ذلك فلا ينقضوا عهدا بعده ~~ولقد فعل بهم صلى الله عليه وسلم ذلك فإنهم إن كانوا بني قريظة فقد ضربهم ~~صلى الله عليه وسلم ضربة لم يفلت منهم مخبر، بل ضرب أعناقهم في حفائر في ~~سوق المدينة وكانوا نحو سبعمائة على دم واحد. إلا من أسلم منهم وهم يسير، ~~وسبى ذراريهم ونساءهم وغنم أموالهم، وإن كانوا قينقاع فقد نزل بساحتهم ~~بعد نقضهم وإظهارهم غاية الاستخفاف والعناد فلم يكبتهم الله أن جعلهم في ~~قبضته وما بقي إلا ضرب أعناقهم كما وقع لبني قريظة فسأله فيهم عبد الله ~~بن أبي المنافق وألح عليه صلى الله عليه وسلم في أمرهم وكان يألفه ويتألف ~~به فتركهم له صلى الله عليه وسلم وأجلاهم من المدينة، وكانت واقعتهم أول ~~وقائع اليهود بالمدينة، وإن كانوا بني النضير فقد نقضوا أيضا فأحاط بهم، ~~ومناهم المنافقون الغرور فقذف الله الرعب في قلوبهم فسألوه صلى الله ~~عليه وسلم أن يجليهم ويكف عن دمائهم ففعل، ثم أتم الله له الأمر فيهم في ~~خيبر ووادي القرى وغيرهما إلى أن لم يدع منهم في جزيرة العرب فريقا إلا ~~ضربه بالذل وأجرى عليه الهوان والصغار، ووقائعه فيهم مشهورة الخبر معروفه ~~في السير. ### || [8.58-63] # ولما أمره بما يفعل تحقق نقضه، أرشده إلى ما يفعل بمن خاف غدره فقال: { ~~وإما تخافن } وأكده إشارة ظهور القرائن ووضوح ms1777 الأمارت { من قوم } أي ذوي ~~قوة، بينك وبينهم عهد { خيانة } أي في ذلك العهد { فانبذ } أي اطرح طرح ~~مستهين محتقر { إليهم } أي ذلك العهد نبذا كائنا { على سواء } أي أمر ~~مستو في العلم بزواله بينكم وبينهم وعدل ونصفه ولا تناجزوهم وهم على ~~توهم من بقاء العهد، وهذا إشارة إلى أن يكونوا على غاية الحذر والفحص عن ~~أخبار العدو بحيث لا يتركونه إلى أن ينقض ثم يعلمون ميله إلى النقض ~~فينبذون إليه عهده لأن ذلك أردع له، فهو أدعى إلى السلم؛ ثم علل جواز ~~النبذ ووجوب النصفة بقوله: { إن الله } أي الذي له صفات الكمال { لا يحب ~~الخائنين* } أي لا يفعل بهم فعل المحب لا منكم ولا من غيركم. # ولما كان نبذ العهد مظنة الخوف من تكثير العدو وإيقاظه، وكان الإيقاع ~~أولى بالخوف، أتبع سبحانه ذلك ما يجري عليه ويسلي عن فوت من هرب من ~~الكفار في غزوة بدر فلم يقتل ولم يؤسر فقال: { ولا يحسبن } بالياء غيبا ~~على قراءة ابن عامر وحمزة وحفص، أي أحد من أتباعك في وقت من الأوقات، ~~ووجه قراءة الباقين بالخطاب أن أمر الرئيس ونهيه أوقع في نفوس الأتباع ~~وأدعى لهم إلى السماع { الذين كفروا } أي عامة من نبذ ومن لم ينبذ { ~~سبقوا } أي وقع لهم السبق، وهو الظفر في وقت ما، فإنهم لم يفوتوا شيئا ~~من أوامرنا؛ ثم علل ذلك بقوله: { إنهم لا يعجزون* } أي لا يفوتون شيئا ~~مما يزيد تسليطه عليهم، أي لا يغرنك علوهم وكثرتهم وجرى كثير من الأمور ~~على مرادهم فكل ذلك بتدبيرنا، ولا يخرج شيء عن مرادنا، ولا بد أن نهلكهم ~~فإنهم في قبضتنا، لم يخرجوا منها ولا يخرجون فضلا عن أن يفوتوها فاصبر. # ولما كان هذا ربما أدى إلى ترك المناصبة والمحاربة والمغالبة اعتمادا ~~على الوعد الصادق المؤيد بما وقع لهم في بدر من عظيم النصر مع نقص دعوى ~~العدة والعدة، أتبعه ما يبين أن اللازم ربط الأسباب بمسبباتها، وليتبين ~~الصادق في دعوى الإيمان من غيره فقال: { وأعدوا لهم } أي ms1778 للأعداء { ما ~~استطعتم } أي دخل في طاعتكم وكان بقوة جهدكم تحت مقدروكم وطاقتكم { من ~~قوة } أي قوة كانت، وفسرها النبي صلى الله عليه وسلم بالرمي إشارة إلى ~~أنه أعظم عدده على نحو " الحج عرفة " وفي أمرهم بقوله { ومن رباط الخيل } ~~إيماء إلى باب من الامتنان بالنصر في بدر لأنهم لم يكن معهم فيه غير ~~فرسين، والرباط هو الخيل التي تربط في سبيل الله الخمس منها فما فوقها، ~~وخصها مع دخولها فيما قبل إشارة إلى عظيم غنائها، والرباط أيضا ملازمة ~~تغر العدو وربط الخيل به إعدادا للعدو؛ ثم أجاب من كأنه قال: لم نفعل ~~ذلك وما النصر إلا بيدك؟ بقوله: { ترهبون } أي تخافون تخويفا عظيما ~~باهرا يؤدي إلى الهرب على ما أجريت من العوائد { به } أي بذلك الذي ~~أمرتكم به من المستطاع أو من الرباط { عدو الله } أي الذي له العظمة كلها ~~لأنه الملك الأعلى { وعدوكم } أي المجاهدين، والأليق بقوله -: { وآخرين } ~~أي وترهبون بذلك آخرين { من دونهم } - أي يحمل على المنافقين لوصفهم ~~بقوله: { لا تعلمونهم } كما قال تعالى # وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا ~~تعلمهم # [التوبة: 101] ولأنهم لا يكونون دونهم إلا إذا لم يكونوا في العدواة ~~مثلهم، وكل من فرض غير المنافقين مظهرون للعدواة، وأما المنافقون فإنهم ~~مدعون بإظهار الإسلام أنهم أولياء لا أعداء { الله } أي المحيط بكل شيء ~~قدرة وعلما { يعلمهم } أي فهو يكفيكم ما يظن من أمرهم، وليس عليكم إلا ~~الجهد بحسب ما تعلمون، والآية بالنسبة إلى ما تقدمها من باب " اعقلها ~~وتوكل " والمعنى لا تظنوا أن الكفار فاتونا وأفلتوا من عذابنا بامتناعهم ~~منكم فإنهم في قبضتنا أينما توجهوا وحيثما حلوا فسوف نهلكهم ولا ~~يعجزوننا، ومع ذلك فلا يحملنكم الاتكال على قوتنا على ترك أسباب مغالبتهم ~~بما أعطيناكم من القوى بل ابذلوا جهدكم وطاقتكم في إعداد مكايد الحرب وما ~~يتعلق بالرمي من القوة وبالخيل من الطعن والضرب والفروسية لنلقي بذلك ~~رعبكم في قلوب عدوكم القريب والبعيد من تعلمونه منهم ومن لا تعلمونه. # ولما ms1779 كان أغلب معاني هذه الأية الإنفاق، لأن مبنى إعداد القوة عليه، رغب ~~فيه بقوله: { وما تنفقوا من شيء } أي من الأشاء وإن قل { في سبيل الله ~~} أي طريق من له صفات الكمال من الجهاد وغيره { يوف إليكم } أي أجره ~~كاملا في الدنيا والآخرة أوفى ما يكون مضاعفا أحوج ما تكونون إليه { ~~وأنتم لا }. # ولما كان المخوف مطلق النقص، بنى للمفعول قوله: { تظلمون* } أي لا ~~تنقصون شيئا منه، وأما الزيادة فلا بد منها وهي على قدر النية. # ولما كان ضمان النصر والحلف في النفقة موجبا لدوام المصادمة والبعد من ~~المسالمة، أتبعه قوله أمرا بالاقتصاد: { وإن جنحوا } اي مالوا وأقبلوا ~~في نشاط وطلب حازم { للسلم } أي المصالحة، والتعبير باللام دون " إلى " ~~لا يخلو عن إيماء إلى التهالك على ذلك ليتحقق صدق الميل { فاجنح } ولما ~~كان السلم مذكرا يجوز تأنيثه، قال: { لها } أي المصالحة، أو يكون تأنيثه ~~بتأنيث ضده الحرب، وكأنه اختير التأنيث إشارة إلى أنه يقتصر فيه على أقل ~~ما يمكن من المدة بحسب الحاجة، هذا إذا كان الصلاح للمسلمين في ذلك بأن ~~يكون بهم ضعف، وأقصى مدة الجواز عشر سنين اقتداء برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فلا تجوز الزيادة. # ولما كان ذلك مظنة أن يقال: إنه قد عهد منهم من الخداع ما أعلم انهم ~~مطبوعون منه على ما لا يؤمنون معه فمسالمتهم خطر بغير نفع، لوح إلى ما ~~ينافي ذلك بقوله: { وتوكل على الله } أي الذي له مجامع العظمة فيما تعهده ~~من خداعهم فإنه يكفيك أمره ويجعله سببا لدمارهم كما وقع في صلح الحديبية ~~فإن غدرهم فيه كان سبب الفتح، وحرف الاستعلاء في هذا وأمثاله معلم بأنه ~~يفعل مع المتوكل فعل الحامل لما وكل إليه المطيق لحمله؛ ثم علل الأمر ~~بالتوكل الذي معناه عدم الخوف من عاقبة أمرهم في ذلك بقوله: { إنه هو } ~~أي وحده { السميع } أي البالغ السمع، فهو يسمع كل ما أبرموه في ذلك وغيره ~~سرا كما يسمعه علانية { العليم* } أي البالغ العلم وحده فهو يعلم كل ما ms1780 ~~أخفوه كما أنه يعلم ما أعلنوه؛ ثم صرح بالاستهانة بكيدهم فقال: { وإن ~~يريدوا } أي الكفار { أن يخدعوك } أي بما يوقعون من الصلح أو بغيره { فإن ~~حسبك } أي كافيك { الله } أي الذي له صفات العز كلها، ثم علل كفايته أو ~~استأنف بيانها بقوله: { هو } أي وحده { الذي أيدك بنصره } أي إذ كنت وحدك ~~{ وبالمؤمنين* } أي بعد ذلك في هذه الغزوة التي كانت العادة قاضية فيها ~~بأن من معك لا يقومون للكفار فواق ناقة، ولعل هذا تذكير بما كان من الحال ~~في أول الإسلام، أي إن الذي أرسلك مع وحدتك في مكة بين جميع الكفار ~~وغربتك فيهم - وإن كانوا بني عمك - بسبب دعوتك إلى هذا الدين وعلوك عن ~~أحوالهم البهيمية إلى الأخلاق الملكية، هو الذي قواك وحده بالنصر عليهم ~~حتى لم يقدروا على أذى يردك عن الدعاء إلى الله مع نصب جميعهم لك ~~ولمتبعيك شباك الغدر ومدهم إليكم أيدي الكيد ثم سلكم من بين أظهرهم كما ~~تسل الشعرة من العجين مع اجتهادهم في منعكم من ذلك، وأيدكم بالأنصار وجمع ~~بين كلمتهم بعد شديد العدواة { وألف بين قلوبهم } بعد غاية التباغض، فصار ~~البعيد منهم قريبا والبغيض حبيبا والعدو صديقا، وكانوا على قلب واحد؛ ~~ثم استأنف الإخبار بما دل على تعذر ألفتهم لولا هو فقال: { لو أنفقت } أي ~~وأنت أتقن الخلق لما تصنعه { ما في الأرض جميعا } أي في إرادة ذلك { ما ~~ألفت بين قلوبهم } ثم أكد ذلك بقوله: { ولكن الله } أي وهو الذي له جميع ~~صفات الكمال { ألف بينهم } ثم علل نفوذ فعله وأمره فيه بقوله: { إنه عزيز ~~حكيم* } أي لأنه لولا عزته التي تغلب كل شيء ولا يغلبها شيء وحكمته التي ~~يتقن بها ما أراد بحيث لا يمكن لأحد أن يغير شيئا منه لما تألفوا بعد أن ~~كان قبل كل أحد من فريقيهم للآخر أشهى من لذيذ الحياة وصافي العيش لما ~~بينهم من الإحن التي لا تزال تثور فتغلي لها الصدور حتى تفور بقتل ~~الأحباب من الوالدين والأولاد والقهر بأنواع الأذى مع ms1781 المجاورة المقتضية ~~لدوام التحاسد وإثارة الضغائن، وكذا فعل سبحانه بجميع العرب بعدما كان ~~بينهم من القتل المنتشر مع ما لهم من الحمية والأنفة الحاملة على ~~الانتقام. # والذي أمدك بهذه الألطاف حي لا يموت باق على ما كان عليه من القدرة ~~والقوة، فهو الكفيل بحراستك ممن يريد خداعك، فإذا أمركم بأمر فامتثلوه ~~غير مفكرين في عاقبته، فإنه قد بينه بعزته وأتقنه بحكمته وستعلمون. ### || [8.64-67] # ولما صرح بأن الله كافيه، وكانت كفاية الله للعبد أعظم المقاصد، التفتت ~~الأنفس إلى أنه هل يكفيه مطلقا أو هو فعل مع المؤمنين أيضا مثل ذلك، ~~فأتبعها بقوله معبرا بوصف النبوة الذي معناه الرفعة والاطلاع من جهة ~~الله على ما لا يعلمه العباد، لأنه في سياق الإخبار ببعض المغيبات ~~والتصرف في الملكوت: { يا أيها النبي } أي العالي القدر الذي نعلمه ~~بعواقب أموره { حسبك } أي كافيك { الله } أي الذي بيده كل شيء { ومن } أي ~~مع من { اتبعك من المؤمنين* } يجوز أن يكون المعية من ضميره صلى الله ~~عليه وسلم فيكون المؤمنون مكفيين، وأن يكون من الجلالة فيكونوا كافين، ~~حتى يكون المعنى: فهو كافيهم أيضا وهم كافوك لأنه معهم، وساق سبحانه هذا ~~هكذا تطييبا لقلوبهم وجبرا لخواطرهم وبالمعنى الثاني - لتضمنه الأول ~~وزيادته عليه - قال ابن زيد والشعبي: حسبك الله وحسبك من اتبعك، وساقها ~~سبحانه على وجه مكرر لكفاية نبيه صلى الله عليه وسلم محتمل لأن فيمن كان ~~على اتباعه في ذلك الوقت لئلا يستقلوا بالنسبة إلى كثرة أعدائهم. # ولما بين أنهم كافون مكفيون، وكان ذلك مشروطا بفعل الكيس والحزم وهو ~~الاجتهاد بحسب الطاقة، أمره بأن يأمرهم بما يكونون به كافين من الجد في ~~القتال وعدم الهيبة للأبطال في حال من الأحوال، فقال معبرا بالوصف ~~الناظر إلى جهة التلقي عن الله ليشتد وثوق السامع لما يسمعه: { يا أيها ~~النبي } أي الرفيع المنزلة عندنا الممنوح من إخبارنا بكل ما يقر عينه ~~وعين أتباعه { حرض المؤمنين } أي الغريقين في الإيمان { على القتال } أي ~~بالغ في حثهم عليه وندبهم بكل سبيل إليه، ومادة ms1782 حرض - بأي ترتيب كان - ~~حرض، حضر، رحض، رضح، ضرح؛ ترجع إلى الحضور ويلزمه الخفض والدعة، ويلزم ~~الكسل فيلزمه الضعف فيلزمه الفساد، ومنه الحرض الذي أشفى على الهلاك، أي ~~حضر هلاكه وحضر هو موضعه الذي هو فيه فصار لما به لا يزايله ما دام حيا، ~~ورخص الثوب، أي غسله، من الدعه التي هي شأن الحضور غير المسافرين، ~~والرحضاء عرق الحمى تشبيه بالمغسول، والمرضاح الحجر الذي لا يزال حاضرا ~~لرضح النوى، والضريح شق مستطيل يوضع فيه الميت فيكون حاضره لازما له ~~دائما إلى الوقت المعلوم، ويلزمه الرمي والطول، ومنه المضرحي للطويل ~~الجناحين من الصقور لأن كل صيد عنده حاضر لقوة طيرانه، والرجل الكريم ~~لعلو همته، وأحضرت الدابة: عدت فجعلت الغائب حاضرا، والتحريض الحث على ~~حضور الشيء، فحرض على القتال: حث على الطيران إليه بتعاطي أسبابه ~~والاستعداد لحضوره حتى يصير المحثوث كأنه حاضر، متى قيل: يا صباحاه! طار ~~إلى المنادي، وكان أول حاضر إلى النادي، لأنه لا مانع له من شيء من ~~الأشياء بل استعداده استعداد الحاضر في الصف؛ وقال الإمام أبو الحسن علي ~~ابن عيسى الرماني في تفسيره: والتحريض: الدعاء الوكيد لتحريك النفس على ~~أمر من الأمور، والحث والتحريض والتحضيض نظائر، ونقيضه التفسير، والتحريض ~~ترغيب في الفعل بما يبعث على المبادرة إليه مع الصبر عليه - انتهى. # فهذه حقيقته، لا ما قال في الكشاف وتبعه عليه البيضاوي. # ولما ندبهم إلى القتال، أعلمهم بأنهم منصورون فيه إن لازموا آلة النصر، ~~فقال اسئنافا جوابا لمن قال: ما عاقبتهم إذا رغبوا فبادروا إلى ذلك؟: { ~~إن يكن } ولما كانت لذة الخطاب تثير الهمم وتبعث العزائم وتوجب غاية ~~الوثوق بالوعد، عدل عن الغيبة فقال: { منكم عشرون } أي رجلا: { صابرون } ~~أي الصبر المتقدم { يغلبوا مائتين } أي من الكفار، والآية من الوعد ~~الصادق الذي حققه وقائع الصحابة رضي الله عنهم { وإن يكن منكم مائة } أي ~~صابرة { يغلبوا ألفا } أي كائنين { من الذين كفروا } فالآية من ~~الاحتباك: أثبت في الأول وصف الصبر دليلا على حذفه ثانيا، وفي الثاني ~~الكفر دليلا على ms1783 حذفه أولا؛ ولعل ما أوجبه عليهم من هذه المصابرة علة ~~للأمر بالتحريض، أي حرضهم لأني أعنت كلا منهم على عشرة، فلا عذر لهم في ~~التواني؛ وعلل علوهم عليهم وغلبتهم لعن على هذا الوجه بقوله: { بأنهم } ~~أي هذا الذي أوجبته ووعدت بالنصر عنده بسبب أنهم، أي الكفار { قوم ~~لايفقهون* } أي ليس لهم فقه يعلمون به علم الحرب الذي دربه أهل الإيمان ~~وإن كنتم ترونهم أقوياء الأبدان فيهم كفاية للقيام بما ينوبهم من أمر ~~الدنيا لأنهم أبدان بغير معان، كما أن الدنيا كذلك صورة بلا روح، لأنهم ~~لم يبنوا مصادمتهم على تلك الدعائم الخمس التي قدمتها لكم وألهمتكم إياها ~~في بدر، فمن لم يجمعها لم يفقه الحرب، لأن الجيش إن لم يكن له رئيس يرجع ~~إليه لم يفلح، وذلك الرئيس إن لم يكن أمره مستندا إلى ملك الملوك كان ~~قلبه ضعيفا، وعزمه - وإن كثرت جموعه - مضطربا، فإنهم يكونون صورا لا ~~معاني لها، والصور منفعله لا فعالة، والمعاني هي الفعالة، والمعتمد على ~~الله صورته مقترنة بالمعنى، فأقل ما يكون في مقابلة اثنين من أعدائه كما ~~حط عليه الأمر في الجهاد، ولعل هذا هو السر في انتصار الخوارج - من أتباع ~~شبيب وأنظاره على قلتهم - على الجيوش التي كانوا يلقونها عن ملوك زمانهم ~~على كثرتهم، فإن الخوارج معتقدون أن قتالهم لله مستندين في هذا الاعتقاد ~~إلى ظلم أولئك الملوك وخروجهم عن أمر الله، والذين يلقونهم عن أولئك ~~الملوك وإن اعتقدوا أنهم أهل طاعة لطاعتهم الإمام الواجب طاعته، لكنهم ~~يعلمون أن استناد إمامهم إلى الله ضعيف لمخالفته لمنهاج الاستقامه، وذلك ~~الرئيس نفسه معتقد ذلك وأن ولايته مفسدة، وأن تحريم النبي صلى الله عليه ~~وسلم لقتاله إنما هو درء لأعظم المفسدتين، فصار استناد الخوارج إلى الملك ~~الملوك اعظم من استناد أولئك، ولهذا نشأ عن استناد الخوارج الزهد الذي هو ~~أعظم أسباب النصر، ونشأ عن استناد أولئك الملوك الإخلاد إلى الدنيا الذي ~~هو أعظم الموجبات للخذلان، مصداق ذلك أنهم لما خرجوا على علي رضي الله ~~عنه فسار فيهم ms1784 بسنة الله من اللطف بهم وتقديم وعظهم والإعذار إليهم وردهم ~~إلى الله فلما لم يقبلوا قصدهم في ساعة، قال له بعض من كان يعتني ~~بالنجوم: إنها ساعة نحس، أن سار فيها حذل، فقال: سيروا فيها فإنه ما كان ~~للنبي صلى الله عليه وسلم منجمون، فلما لقي الخوارج لم يواقفوه حلب ناقه ~~ولا أفلت منهم أحد ولا قتل من جماعته إنسان؛ وفهم الإيجاب في قوله تعالى ~~{ إن يكن منكم عشرون } - الآية وأن الخبر فيه بمعنى الأمر من قوله: { ~~الآن خفف الله } أي الملك الذي له الغنى المطلق صفات الكمال { عنكم } أي ~~رحمة لكم ورفقا بكم { وعلم } أي قبل التخفيف وعده { أن فيكم ضعفا } أي ~~في العدد والعدد، ولكنه أوجب عليكم ذلك ابتلاء، فبعد التخفيف علم ضعفهم ~~واقعا وقبله علم أنه سيقع، وتصديره هذه الجملة ب { الآن } يشير إلى أن ~~النسخ كان قبل أن تمضي مدة يمكن فيها غزو، وفائدة الأمر المعقب بالنسخ ~~حيازة الأجر بقبوله والعزم على امتثاله، وقيل: ما كان النسخ إلا بعد مدة ~~بعد أن سألوا في التخفيف؛ وروى البخاري في التفسير عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما قال: لما نزلت { إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين } شق ذلك ~~على المسلمين حين فرض عليهم ألا يفر واحد من عشرة، فجاء التخفيف فقال: { ~~الآن خفف الله عنكم } - الآية؛ فلما خفف الله عنهم من العدة نقص من الصبر ~~بقدر ما خفف عنهم. # والمعنى أنه كان كتب مقدرا من الصبر لكل مؤمن، فلما خفف أزال ذلك ~~بالنسبة إلى المجموع، وهذا لا يمنع استمرار البعض على ما كان كما فعل ~~سبحانه بالصحابة رضوان الله عليهم في غير موضع منها غزوة مؤته، فقد كانوا ~~فيها ثلاثة آلاف، وكان من لقوا من جموع هرقل مائتي ألف: مائة من الروم ~~ومائة من العرب المستنصرة، فصبروا لهم ونصروا عليهم كما في الصحيح أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال مخبرا عنهم في هذه الغزوة # " ثم أخذ الراية عن غير إمرة سيف من سيوف الله خالد بن ms1785 الوليد ففتح الله ~~عليه " # ولما توفي النبي صلى الله عليه وسلم ارتد عامة الناس حتى لم يثبت على ~~الإسلام عشر العشر فصبر الصحابة رضوان الله عليهم لهم ونصروا عليهم، بل ~~الذي صبر في الحقيقة أبو بكر رضي الله عنه وحده، ثم أفاض الله من صبره ~~ونوره على جميع الصحابة رضي الله عنهم فصبروا، ثم جهز الجيش وأميرهم الذي ~~سماه النبي صلى الله عليه وسلم سيف الله، فأخمد الله به نار الشرك وقطع ~~بصبره وحسن نيته جاذرة الكفر فلم تمض سنة وفي بلاد العرب مشرك. # فلما جمع الله العرب بهذا الدين على قلب رجل واحد قصدوا الأعاجم من ~~الفرس والروم والقبط، فقاتلوا أهل فارس في عدة وقائع منها القادسية، وكان ~~الصحابة رضي الله عنهم فيها دون أربعين ألفا، وكان المجوس أكثر من ~~أربعمائة ألف، وقاتلوا الروم كذلك فكانوا في اليرموك دون أربعين ألفا ~~وكان الروم نحو أربعمائة ألف - إلى غير ذلك من الوقائع وقد صبروا في ~~أكثرها ونصروا، ثم كانت لهم العاقبة فطردوا الشرك وأهله، وأظهر الله لهم ~~دينه كما وعد به سبحانه، وما اجتمع أهل الإسلام وأهل الضلال قط في معرك ~~إلا كانت قتلى الكفار أضعاف قتلى المسلمين غير أن الله تعالى جده وتبارك ~~اسمه وتمت كلمته ألطف بالعرب علما منه بأنهم خلاصة الناس بما طبعهم ~~سبحانه عليه من الخصال الحميدة والأخلاق السديدة فأسلم كل من اشتملت عليه ~~جزيرتهم بعد وقائع في زمان النبي صلى الله عليه وسلم وزمان الردة، ولم ~~تبلغ قتلاهم فيما أظن عشرة الآف إنسان، ثم لما جاهدوا الأعاجم من فارس ~~والروم وغيرهم كانت قتلى الكفار تبلغ في المعركة الواحدة مائة ألف ومائتي ~~ألف - كما هو مشهور في كتب الفتوح للمدائني وسيف وابن عبد الحكم ~~والبلاذري وغيرهم، وقد جمع أشتات ذلك الحافظ أبو الربيع بن سالم الكلاعي ~~وشيخه ابن حبيش، ولعله حذف في الثانية التقييد بالكفار ليشمل كل ما استحق ~~القتال من البغاة وغيرهم، فقال تعالى مسببا عن التخفيف المذكور رادا ~~الأمر من إيجاب مصابرة عشرة إلى ms1786 الأمر بمصابرة الضعف، فإن زاد العدد على ~~الضعف جاز الفرار والصبر أحسن: { فإن يكن منكم مائة صابرة } أي الصبر ~~الذي تقدم التنبيه عليه { يغلبوا مائتين } أي من غيركم بإذن الله { وإن ~~يكن منكم ألف } أي على النعت المذكور وهو الصبر { يغلبوا ألفين } ثم أرشد ~~إلى أن المراد بالصبر هو كل المأمور به في آية # إذا لقيتم فئة فاثبتوا # [الأنفال: 45] فقال: { بإذن الله } أي بإرادة الذي له جميع الأمر، ذلك ~~وإباحته لكم وتمكينه، فإن لم يقع الإذن لم يقع الظفر، فالآية من ~~الاحتباك: ذكر في الأول صابرة دلالة على حذفه ثانيا، وذكر ثانيا الإذن ~~دليلا على حذفه أولا؛ ثم نبه على عموم الحكم بقوله: { والله } أي ~~المحيط بصفات الكمال { مع الصابرين* } أي بنصره ومعونته، ومن ثم قال ابن ~~شبرمة: وأنا أرى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كذلك. ومادة " إذن " - ~~مهموزة وغير مهموزة وواوية ويائية بتقاليبها الأربعة: إذن ذان ذون ذين - ~~ترجع إلى العلم الناشىء عن حاسة السمع المتعلق بجارحة الأذن، وتارة يثمر ~~الإباحة وتارة المنع، فأذن بالشيء - كسمع: علم به " فأذنوا بحرب " أي ~~كونوا على علم من أن حربكم أبيح. # وأذن له بالشيء - كسمع أيضا: أباحه له، وآذنه الأمر وبه: أعلمه - وزنا ~~ومعنى، فجعله مباحا له أو ممنوعا منه، وأذن فلانا تأذينا: عرك أذنه، ~~وأذنه: رده عن الشرب فلم يسقه، كأن التفعيل فيه للإزالة، وآذن النعل ~~وغيرها: جعل لها أذنا، وفعله بإذني: بعلمي وتمكيني، وأذن إليه وله - ~~كفرح: استمع بأذنه، أي أباح ذلك سمعه وقلبه، وأذن لراتحة الطعام: اشتهاه ~~كأنه أباحه لنفسه، وآذنه إيذانا: أعجبه، مثل ذلك سواء، وآذنه أيضا: ~~منعه، كأنه الهمزة للإزالة، والأذن: الجارحة المعروفة - بضمة وبضمتين - ~~والمقبض والعروة من كل شيء وجبل، لأن كلا من ذلك سبب للتمكن من حمل ما ~~هو فيه، والأذن: الرجل المستمع القابل كل ما يقال له كأنه لما قبله أباحه ~~قلبه ومكنه منه، والأذان: النداء إلى الصلاة لأنه إعلام بإباحتها والمكنة ~~منها، وتأذن: أقسم وأعلم، وتارة يتأثر عنه إباحة ومكنة من الشيء وتارة ms1787 ~~منع وحرمة، فيكون من الإزالة، وآذن العشب: بدأ يجف فبعضه رطب وبعضه يابس ~~كأنه أمكن من جره وجمعه ببدو صلاحه، والآذن: الحاجب، لأنه للتمكين ~~والمنع، والأذنة محركة: صغار الإبل والغنم كأنها تبيح كل أحد ما يريد ~~منها، وطعام لا أذنة له: لا شهوة لريحه، فكأنه ممنوع منه لعدم اشتهائه، ~~وتأذن الأمير في الناس: نادى فيهم بتهدد، فهو يرجع إلى المنع والزجر عن ~~شيء تعزيرا، والذين - بالكسر والياء: العنب، وكذا الذان - بالألف منقلبة ~~عن واو: العنب، كأنه لسهولة تناوله ولذة مطعمه أمكن من نفسه، والتذون - ~~بالواو مشددة: الغنى والنعمة، كأنهما سبب للإمكان مما يشتهي، والذؤنون - ~~مهموزا كزنبور: نبت من نبات الأرض؛ والمعنى أنه إنما أذن لكم في ذلك إذا ~~فعلتم الشرط المذكور لأنكم فقهتم على الحرب وبنيتم أمركم فيه على دعائمها ~~الخمس التي ملاكها والداخل في كل منها الصبر، فكان الله معكم، وهو مع كل ~~صابر هذا الصبر المثبت في الدعائم الخمس في كل أوان، ومما يسأل عنه في ~~الآية أنه ابتدىء في العشرات بثاني عقودها، وفي المئات والآلاف بأولها. ~~سألت شيخنا الإمام الراسخ محقق زمانه شمس الدين محمد بن علي القاياتي ~~قاضي الشافعية بالديار المصرية: ما حكمته؟ فقال: الأصل الابتداء بأول ~~العقود، لكن لو قيل: إن يكن منكم عشرة صابرة يغلبوا مائة، لربما توهم انه ~~لا تجب مصابرة الواحد للعشرة إلا عند بلوغ المؤمنين هذا العقد، فعدل إلى ~~الابتداء بثاني عقود هذه المرتبة لينتفي هذا المحذور، فلما انتفى وعلم ~~أنه يجب مصابرة كل واحد لعشرة، ذكر باقي المراتب في الباقي على الأصل ~~المعتاد، وأما تكرير المعنى الواحد وهو مقاومة الجماعة لأكثر منها مرتين: ~~قبل التخفيف وبعده فللدلالة - كما قال في الكشاف - على أن الحال مع القلة ~~والكثرة واحدة لا تتفاوت وإن كان قد يظن تفاوته، وكأنه لم يذك الآحاد ~~بشارة بكثرة هذه الأمة واجتماعها وبدأ بالعشرات وختم بالألوف ليستوفي ~~مراتب الأعداد الأصلية - والله أعلم. # ولما تقدم الأمر بالإثخان في { فشرد بهم } ثم بإعداد القوة، ثم التحريض ~~على القتال بعد الإعلام ms1788 بالكفاية ثم إيجاب ثبات الواحد لعشرة ثم إنزال ~~التخفيف إلى اثنين؛ كذن ذلك مقتضيا للإمعان في الإثخان، فحسن عتاب ~~الأحباب في اختيار غير ما أفهمه هذا الخطاب، لكون ذلك أقعد في الامتنان ~~عليهم بالعفو والغفران بسبب أن أكثرهم مال إلى فداء الأسارى فإن النبي ~~صلى الله عليه وسلم استشارهم فيهم فأشار أبو بكر رضي الله عنه بالمفاداة ~~ومال معه الأكثر، وأشار عمر رضي الله عنه بضرب أعناقهم، وروي أنه قال صلى ~~الله عليه وسلم: # " لو نزل من السماء عذاب - أي في هذا - ما نجا منه غير عمر وسعد بن معاذ ~~رضي الله عنهما " # فقال تعالى استئنافا واستنتاجا: { ما كان } أي ما صح وما استقام { ~~لنبي } أي في شرع نبي الأنبياء مستقل ولا مقر، ولعله عبر بوصف النبوة ~~ليفيد مع العموم أن كلا من رفعه القدر والإخبار من الله يمنع من الإقدام ~~على فعل بدون إذن خاص { أن يكون له أسرى } أي أن يباح له أسر العدو { حتى ~~يثخن في الأرض } أي يبالغ في قتل أعدائه، فهو عتاب لمن أسر من الصحابة ~~غير من نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتله من المشركين أو رضي بذلك، ~~وإنما أسند إلى نبي - وقرىء شاذا بالتعريف - ولم يقل: ما كان في شرع ~~نبي، تهويلا للأسر تعظيما للعفو للمبالغة في القيام بالشكر، وهذا كان ~~يوم بدر والمسلمون يومئذ قليل، فلما كثروا واشتد سلطانهم أنزل الله ~~سبحانه وتعالى # فإما منا بعد وإما فداء # [محمد: 4] قاله ابن عباس رضي الله عنهما، ومادة ثخن تدور على الضخامة، ~~وتارة يلزمها اللين والضعف، وتارة الصلابة والقوة، فحقيقته: يبالغ في ~~القتل فيغلط أمره فيقوى، ويلين له أعداؤه ويضعفوا؛ ثم بين لهم أن الميل ~~عن ذلك إنما هو لإرادة الأعراض الدنيوية المبكت به اليهود في آخر التي ~~قبلها بقوله تعالى # يأخذون عرض هذا الأدنى # [الأعراف: 196] كما أن النزاع في الأنفال ميل إلى الدنيا، وكل ذلك بمعزل ~~عن معالي الأخلاق وكرائم السجايا، معللا لعدم الكون المذكور بما تقديره: ~~لأن الأسر إنما يراد ms1789 به الدنيا، هكذا الأصل ولكنه أبرز في أسلوب الخطاب ~~لأنه أوقع في النفس فقال: { تريدون } أي أنها المؤمنون المرغبون في ~~الإنفاق لا في الجمع، باستبقائهم { عرض الدنيا } قال الراغب: العرض ما لا ~~ثبات له، ومنه استعاره المتكلمون لما لا ثبات له إلا بالجوهر كاللون، ~~وقال ابن هشام في تهذيب السيرة، أي المتاع الفداء بأخذ الرجال { والله } ~~أي الذي له الكمال كله { يريد } أي لكم { الآخرة } اي جوهرها لأنه يأمر ~~بذلك أمرا هو في تأكيده ليمتثل كالإرادة التي لا يتخلف مرادها، وذلك ~~بالإثخان في قتلهم لظهور الدين الذي تريدون إظهاره والذي به تدرك الآخرة، ~~ولا ينبغي للمحب أن يريد إلا ما يريد حبيبه { والله } أي الملك الأعظم { ~~عزيز } أي منزه جنابه العلي عن لحاق شيء مما فيه أدنى سفول { حكيم* } أي ~~لا يصدر عنه فعل إلا وهو في غاية الإتقان فهو يأمر بالإثخان عند ظهور قوة ~~المشركين، فإذا ضعفت وقوي المسلمون فأنتم بالخيار، ولا يصح ادعاء ولايته ~~إلا لمن ترقى في معارج صفاته، فيكون عزيزا في نفسه فلا يدنسها بالأطماع ~~الفانية، وفعله فلا يحطه عن أوج المعالي إلى حضيض المهاوي، وحكيما فلا ~~ينشأ عنه فعل إلا وهو في غاية الإتقان. ### || [8.68-71] # ولما علم من الآية ما أشرت إليه، فكان كأنهم قالوا رضي الله عنهم: تقتضي ~~عزته وحكمته سبحانه من تطهيرنا عما تدنسنا به؟ استأنف تعالى الجواب عن ~~ذلك ممتنا غاية لامتنان ومحذرا من التعرض لمواقع الخسران فقال: { لولا ~~كتاب } أي قضاء حتم ثابت مبرم { من الله } أي الذي له الإحاطة الكاملة ~~بكل شيء قدرة وعلما { سبق } أي في أم الكتاب من الحكم بإسعادكم، ومن أنه ~~لا يعذب أحدا إلا بعد التقدم إليه بالنهي، ومن أنه سيحل لكم الفداء ~~والغنائم التي كانت حراما على من قبلكم تشريفا لكم - كما قاله ابن عباس ~~رضي الله عنهما { لمسكم فيما أخذتم } أي من الأسرى المراد بهم الفداء { ~~عذاب عظيم* } ولكن سبق حكمي بأن المغنم - ولو بالفداء - لكم حل وإن ~~تعجلتم فيه أمري. # ولما ساق سبحانه ms1790 هذه البشارة في النذارة، سبب عنها قوله: { فكلوا مما ~~غنمتم } أي من الفدية وغيرها حال كونه { حلالا } أي لا درك ولا تبعة فيه ~~من جهتي { طيبا } أي شهيا لكم ملائما لطباعكم، وهذا إذا كان مع الشروط ~~التي أقمتها لكم من عدم الغلول والخيانة بوجه من الوجوه والاستثار وشديد ~~الرغبة السائقة إلى ما لا يليق من التنازع وغيره، ذلك فيما تقدمت فيه ~~إليكم { واتقوا الله } أي الذي له جميع صفات الكمال في جميع ذلك فلا ~~تغلوا ولا تنازعوا ولا تقدموا إلا على ما يبيحه لكم الرسول صلى الله عليه ~~وسلم { إن الله } أي المتصف بالجلال والإكرام { غفور } أي لمن يعلم من ~~قبله أنه من أهل التقوى { رحيم* } أي له، فلأجل ما علم في قلوبكم من ~~الخير غفر لكم فلم يعذبكم بتسرعكم إلى إسار من لم يأمركم به الرسول صلى ~~الله عليه وسلم للمفاداة دون توقف على إذنه، ورحمكم فأحسن إليكم فأحل لكم ~~الغنائم، انظر إلى قوله تعالى { إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر ~~عنكم سيئاتكم ويغفر لكم } تعرف حسن تعليل الأمر بالتقوى بالمغفرة ~~والرحمة، ويجوز أن يكون علة للأكل، أي كلوا فإن الله قد غفر لكم ما ~~عاتبكم عليه، وفائدة الأمر بالتقوى التحذير من العود اعتمادا على سعة ~~الحلم، وايضا فقد تقدم تهديد ومغفرة فناسب أن يدلهم على أن علة المغفرة ~~التقوى، فكان ترجمة ذلك انه لما رهبهم بمس العذاب عند أخذ الفداء لولا ~~سبق الكتاب، رغبهم بأنه كلما صدهم عن جنابه صارف ذنب فردهم إليه عاطف ~~تقوى، أسبل عليهم ذيل المغفرة والرحمة، ولما علم من هذا إباحة ما يؤخذ من ~~الأسر من الفداء، وكان ما يؤخذ منهم تعظم مشقته عليهم، أقبل عليهم ~~مستعطفا لهم ترغيبا في الإسلام، فأقبل على نبيه صلى الله عليه وسلم ~~بالأمر بمخاطبتهم تنبيها على أنهم ليسوا بأهل لخطابه سبحانه بما أبعدوا ~~أنفسهم عنه من اختيارهم الكون في زمرة الأعداء على الكون في عداد ~~الأولياء، فقال معبرا بالوصف الناظر إلى تلقي العلم ترغيبا في التلقي ~~منه ms1791 صلى الله عليه وسلم: { يا أيها النبي } أي الذي أنبئه بكل معنى جليل، ~~يظهر دينه ويزكي أمته مع رفع مقداره وإتمام أنواره { قل لمن في أيديكم } ~~أي في أيدي أصحابك وأهل دينك، فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب { ~~من الأسرى } ترغيبا لهم فيما عند الله { إن يعلم الله } بما له من صفات ~~الجلال والجمال { في قلوبكم خيرا } أي شيئا من تقواه الحاملة على ~~الإيمان الذي هو رأس الخير وعلى كل خير { يؤتكم خيرا مما أخذ منكم } أي ~~مما يفتح به عليكم من المغانم في الدنيا ويدخره لكم من الثواب في الأخرى ~~{ ويغفر لكم } أي ما سلف من ذنوبكم { والله } أي الذي بيده كل شيء { غفور ~~رحيم } أي من شأنه ذلك، والمعنى على ما علم من قصة العباس الآتيه رضي ~~الله عنه أنه سبحانه يعاملكم وأمثالكم في غير ما يأخذه منكم جنده بالكرم، ~~وأما إنه يحكم بإسقاط الفداء عنكم ويأمرهم بتركه وإطلاقكم مجانا بما ~~يعلم في قلوبكم من خير وإيمان كنتم تكتمونه فلا تطمعوا فيه لأن ذلك يفتح ~~باب الدعاوى الباطلة المانعة من الغنائم الموهنة للدين؛ قال الحافظ أبو ~~عمر بن عبد البر في سيرته: قال ابن عباس وسعيد بن المسيب: # " كان العباس رضي الله عنه في الأسرى فقال له رسول صلى الله عليه وسلم: ~~افد نفسك وابني أخيك عقيلا ونوفلا وخليتك فإنك ذو مال، فقال: يارسول ~~الله! إني كنت مسلما ولكن القوم استكرهوني، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: الله أعلم بإسلامك، إن كان حقا ما تقول فالله يجزيك به، وأما ~~ظاهر أمرك فقد كان علينا، قال: ليس لي مال، فقال له رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: وأين المال الذي وضعت عند أم الفضل حين خرجت وليس معك أحد؟ ثم ~~قلت: إن أصبت في سفري هذا فأعطي الفضل كذا وعبد الله كذا! فقال: والذي ~~بعثك بالحق! ما علم بهذا أحد غيري وغيرها، ففدى نفسه بمائة أوقية وكل ~~واحد بأربعين أوقية وقال: تركتني أسأل الناس، وأسلم وأمر عقيلا ms1792 فأسلم، ~~ولم يسلم من الأساري غيرهما ". # ولما كان التقدير: فإن صدقوك وقبلوا - بشرى الله، وفي لهم، عطف عليه ~~قوله: { وإن يريدوا } أي الأسرى والكفار كلهم أو واحد منهم كأبي عزة { ~~خيانتك } أي وأنت أعلى الخلق في عهد من إسلام أو غيره يوثقونه لك ترضى به ~~في المن على أحد منهم، بغير فداء، يرد الله أن يكون وبال ذلك راجعا ~~إليهم فيمكن منهم، فلا تخش من أمرهم { فقد خانوا الله } أي الملك الأعظم؛ ~~ولما كانت خيانتهم غير مستغرقة للزمن، أدخل الجار فقال: { من قبل } أي من ~~قبل هذا الوقت بالكفر وغيره من أنواع الفسق { فأمكن } أي فأوجد الإمكان ~~منهم، وقصره ليدل على أنهم صاروا سلما لكل أحد { منهم } أي يوم بدر بسبب ~~خيانتهم، فمثل ما أمكن منهم عند وقوع الخيانة سيمكنك منهم إذا أرادوا ~~الخيانة، فإن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون { والله } أي الذي له ~~الإحاطة بكل شيء { عليم } أي بالغ العلم مطلقا فهو يعلم الأشياء كلها ~~التي منها أحوالهم { حكيم* } أي بالغ الحكمة فهو يتيقن كل ما يريده فهو ~~يوهن كيدهم ويتقن ما يقابلهم به فيلحقهم لا محالة، وكذا فعل سبحانه في ~~أبي عزة الجمحي فإنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم في المن عليه بغير شيء ~~لفقره وعياله وعاهده على أن لا يظاهر عليه أحدا ومدحه ثم خان فظهر به في ~~غزوة حمراء الأسد عقب يوم أحد أسيرا، فاعتذر له وسأله في العفو عنه ~~فقال: ألا تمسح عارضيك بمكة وتقول: سخرت بمحمد مرتين، لا يلدغ المؤمن من ~~جحر واحد مرتين، وأمر به فضربت عنقه، وقال أبو حيان في الخيانه: هي كونهم ~~اظهر بعضهم الإسلام ثم رجعوا إلى دينهم. ### || [8.72-73] # ولما بين للأسرى أن الخير الذي لم يطلع عليه من قلوبهم غير الله لا ~~ينفعهم في إسقاط الفداء عنهم لأنه لا دليل عليه، وكل ما لا دليل عليه ~~فحكمه حكم العدم، لأن مبنى الشرع على ما يمكن المكلف معرفته وهو الظواهر، ~~وختم بصفتي العلم والحكمة، شرع يبين الخبر الذي ms1793 يفيد القرب الذي تنبني ~~عليه المناصرة وكل خير، فقال مقسما أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~أربعة أقسام: قسم جمع الإيمان والهجرة أولا والجهاد، وقسم آوى، وقسم آمن ~~ولم يهاجر، وقسم هاجر من بعد: { إن الذين آمنوا } أي بالله ورسوله { ~~وهاجروا } أي واقعوا الهجرة من بلاد الشرك، وهم المهاجرون الأولون، هجروا ~~أوطانهم وعشائرهم وأحبابهم حبا لله ورسوله صلى الله عليه وسلم { وجاهدوا ~~} أي واقعوا الجهاد، وهو بذل الجهد في توهين الكفر وأهله. # ولما كانت الآيات المتقدمه في آلات الجهاد من النفس والمال تارة بالحث ~~على إنفاقه وأخرى بالنهي عن حبه وتارة بالتسلية للأسرى عند فقده، كان ~~الأنسب تقديم قوله: { بأموالهم } أي بإنفاقهم لها في الجهاد وتضييع بعضها ~~بالهجرة من الديار والنخيل وغيرها { وأنفسهم } بإقدامهم على القتال مع ~~شدة الأعداء وكثرتهم؛ وقدم المال لأنه سبب قيام النفس، وكان في غاية ~~العزة في أول الأمر، وأخر قوله: { في سبيل الله } أي الملك الأعظم لذلك، ~~" وفي " سببية أي جاهدوا بسببه حتى لا يصد عنه صاد فتظهر محاسنه ويسهل ~~المرور فيه من غير قاطع، ولعله عبر ب " في " إعلاما بأنه ينبغي أن يكون ~~متمكنا من السبيل تمكن المظروف من ظرفه حتى يكون الدين غالبا عليه لا ~~يخرج عنه بوجه من الوجوه، وأما في سورة براءة فلما كان السياق في بعض ~~الأماكن بها للسبيل قدم - كما سيأتي، وأيضا فإن هذه السورة نزلت في ~~أوائل الأمر بعد وقعه بدر في السنة الثانية من الهجرة، وكان الحال إذ ذاك ~~شديدا جدا، والأموال في غاية القلة، والأعداء لا يحصون، فناسب الاهتمام ~~بشأن المال والنفس فقدما ترغيبا في بذلهما، وأما براءة فنزلت في غزوة ~~تبوك في أواخر سنة تسع، فكان المال قد اتسع، والدين قد عز وضخم وقوي ~~وعظم، وأسلم غالب الناس، فبعدت مواضع الجهاد فعظمت المشقة، وتواكل الناس ~~بعضهم على بعض ورغبوا في الإقبال على إصلاح الأموال، فناسب البداءة هناك ~~بالسبيل. # ولما ذكر أهل الهجرة الأولى، أتبعهم أهل النصرة، وهم القسم الثاني من ~~المؤمنين الذين كانوا على زمنه ms1794 صلى الله عليه وسلم فقال: { والذين آووا } ~~أي من هاجر إليهم من النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم ~~فأسكنوهم في ديارهم، وقسموا لهم من أموالهم، وعرضوا عليهم أن ينزلوا لهم ~~عن بعض نسائهم ليتزوجوهن، وأنما قصر الفعل إشارة إلى تعظيم فعلهم بحيث ~~كأنه لا إيواء في الوجود غير ما فعلوا، وكذا قوله: { ونصروا } أي الله ~~ورسوله والمؤمنين، وهم الأنصار رضي الله عنهم، حازوا هذين الوصفين ~~الشريفين فكانوا في الذروة من كلتي الحسنيين، ولولا إيواؤهم ونصرهم لما ~~تم المقصود، والمهاجرون الأولون أعلى منهم لسبقهم في الإيمان الذي هو ~~رئيس الفضائل ولحملهم الأذى من الكفار زمانا طويلا وصبرهم على فرقة ~~الأوطان والعشائر. # وأشار إلى القسمين بأداة البعد لعلو مقامهم وعز مرامهم فقال: { أولئك } ~~أي العالو الرتبة { بعضهم أولياء بعض } أي في الميراث دون القرب العاري ~~عن ذلك، فبين أن الإيمان إن لم يقترن بشهيدين هما الهجرة والجهاد من ~~الغرب عن المدينة وشهيدين هما الإيواء والنصرة من أهل المدينة، كان ~~عائقا عن مطلق القرب بل مانعا من نفوذ لحمه النسب كل النفوذ، فكأن من ~~آمن ولم يهاجر لم يرث ممن هاجر قاله ابن عباس رضي الله عنهما، ومادة ولي ~~بجميع تصاريفها ترجع إلى الميل، ويلزم منه القرب والبعد، وربما نشأ عن كل ~~منهما الشدة، وترتيب ولي بخصوصه يدور على القرب، ومن لوازمه النصرة، ~~فالمعنى بعضهم أقرباء بعض، يلزم كلا منهم في حق الآخر من المناصرة وغيره ~~ما يلزم القريب لقريبه، فمتى جمعهم وصف جعلهم شركاء فيما يثمره، فوصف ~~الحضور في غزوة يشرك بينهم في الغنائم، لأن أنواع الجهاد كثيرة، وكل واحد ~~منهم باشر بعضها، فعن حضور الكل نشأت النصرة، والمهاجر في الأصل من فارق ~~الكفار بقلبه ولاواهم، ورافق المؤمنين بحبه ولبه ووالاهم، لكن لما كان ~~هذا قد يخفى، نيط الأمر بالمظنة وهي الدار، لأنها أمر ظاهر، فصار المهاجر ~~من باعد دار المشركين فرارا بدينه، ثم صار شرط ذلك بعد هجرة النبي صلى ~~الله عليه وسلم أن تكون النقلة إلى دار ms1795 هجرته: المدينة الشريفة هذا حكم ~~كل مهاجر إلا ما كان من خزاعة فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد علم ~~من مؤمنهم وكافرهم حبه ونصحه وبغض عدوه فلم يلزم مؤمنهم النقلة؛ قال ~~الحافظ أبو عمر ابن عبد البر في كتاب المدخل إلى الاستيعاب؛ ويقال لخزاعة ~~حلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنهم حلفاء بني هاشم وقد أدخلهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتاب القضية عام الحديبية - إلى أن قال: ~~وأعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم منزلة لم يعطها أحدا من الناس أن ~~جعلهم مهاجرين بأرضهم وكتب لهم بذلك كتابا - انتهى. وقال شاعرهم نجيد بن ~~عمران الخزاعي يفخر بذلك وغيره مما خصهم الله به على يد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # وقد أنشأ الله السحاب بنصرنا # ركام سحاب الهيدب المتراكب # وهجرتنا في أرضنا عندنا بها # كتاب أتى من خير ممل وكاتب # ومن أجلنا حلت بمكة حرمة # لندرك ثأرا بالسيوف القواضب # ذكر ذلك الحافظ أبو الربيع بن سالم الكلاعي في غزوة الفتح من سيرته، ~~والذي تولى حلفهم أولا هو عبد المطلب جد النبي صلى الله عليه وسلم، قال ~~الواقدي في أول غزوة الفتح: وكانت خزاعة حلفاء لعبد المطلب، وكان رسول ~~صلى الله عليه وسلم بذلك عارفا، لقد جاءته يومئذ - يعني يوم الحديبية - ~~خزاعة بكتاب عبد المطلب فقرأه وهو " باسمك اللهم هذا حلف عبد المطلب بن ~~هاشم لخزاعة إذ قدم عليه وسراتهم وأهل الرأي، غائبهم مقر بما قضى عليه ~~شاهدهم، إن بيننا وبينكم عهد الله وعقوده، ما لا ينسى أبدا، اليد واحدة ~~والنصر واحد، ما أشرف ثبير وثبت حراء، وما بل بحر صوفة، لا يزداد فيما ~~بيننا وبينكم إلا تجددا أبدا أبدا، الدهر سرمدا " فقرأة عليه أبي بن ~~كعب رضي الله عنه فقال: " ما أعرفني بحلفكم وأنتم على ما أسلمتم عليه من ~~الحلف، وكل حلف كان في الجاهلية فلا يزيده الإسلام إلا شدة، ولا حلف في ~~الإسلام "؛ قال الواقدي: " وجاءته أسلم هو بغدير الأشطاط " جاء بهم بريده ~~بن ms1796 الحصيب فقال: يارسول الله هذه أسلم وهذه محالها وقد هاجر إليك من ~~هاجر منها وبقي قوم منهم في مواشيهم ومعاشهم، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: أنتم مهاجرون حيث كنتم، ودعاء العلاء بن الحضرمي فأمره أن ~~يكتب لهم كتابا فكتب " هذا كتاب من محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لأسلم لمن آمن منهم بالله وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ~~ورسوله، فإنه آمن بأمان الله، وله ذمة الله وذمة رسوله، وإن أمرنا وأمركم ~~واحد على من دهمنا من الناس بظلم، اليد واحدة والنصر واحد، ولأهل باديتهم ~~مثل ما لأهل قرارهم وهم مهاجرون حيث كانوا " وكتب العلاء بن الحضرمي فقال ~~أبو بكر الصديق رضي الله عنه: يا رسول الله! نعم الرجل بريدة بن الحصيب ~~لقومه عظيم البركة عليهم، مررنا به ليلة مررنا ونحن مهاجرون إلى المدينة، ~~فأسلم وأسلم معه من قومه من أسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~نعم الرجل بريدة لقومه وغير قومه يا أبا بكر إن خير القوم من كان مدافعا ~~عن قومه ما لم يأثم، فإنة الإثم لا خير فيه " انتهى. وأسلم شعب من أربعة ~~شعوب من خزاعة. ولما فتحت مكة، انقطعت الهجرة لظهور الدين وضعف المشركين، ~~وقام مقام الهجرة النية الخالصة المدلول عليها بالجهاد كما قال صلى الله ~~عليه وسلم # " لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية " # وقال صلى الله عليه وسلم: # " المهاجر من هجر ما نهى الله عنه " # فإن كان المؤمن لا يتمكن من إظهار دينه وجبت عليه النقلة. # ولما بين سبحانه تعالى أمر من جمع الشروط، شرع يبين حكم من قعد عن بعضها ~~وهو القسم الثالث فقال؛ { والذين آمنوا } أي اشتهر إيمانهم { ولم يهاجروا ~~} أي قبل الفتح بل استمروا في بلادهم { ما لكم من ولايتهم } وأغرق في ~~النفي فقال: { من شيء } أي في التوارث ولا في غيره؛ ورغبهم في الهجرة ~~بقوله: { حتى يهاجروا } أي يواقعوا الهجرة لدار الشرك ومن فيها { وإن ~~استنصروكم } أي طلبوا نصركم { في الدين } أي ms1797 بسبب أمر من أموره وهم ~~متمكنون من الدين تمكن المظروف من الظرف { فعليكم النصر } أي واجب عليكم ~~أن تنصروهم على المشركين، فالمعنى أنه ليس لهم عليكم حق القريب إلا في ~~الاستنصار في الدين، فإن ترك نصرهم يجر إلى مفسدة كما أن موالاتهم تجر ~~إلى مفاسد؛ ثم استثنى من الوجوب فقال: { إلا على قوم } وقع وكان { بينكم ~~وبينهم ميثاق } أي لأن استنصارهم يوقع بين مفسدتين: ترك نصرة المؤمن ونقض ~~العهد وهو أعظمهما فقدمت مراعاته وتركت نصرتهم، فإن نصرهم الله على ~~الكفار فهو المراد من غير أن تدنسوا بنقض، وإن نصر الكفار حصل لمن قتل من ~~إخوانكم الشهادة ولمن بقي الضمان بالكفاية، وكان ذلك داعيا لهم إلى ~~الهجرة، ومن ارتد منهم أبعده الله ولن يضر إلا نفسه والله غنى حميد، فقد ~~وقع - كما ترى - تقسيم المؤمنين إلى ثلاثة أقسام: أعلاها المهاجر، ويليه ~~الناصر، وأدناها القاعد القاصر، وبقي قسم رابع ياتي؛ قال أبو حيان: فبدأ ~~بالمهاجرين - أي الأولين - لأنهم أصل الإسلام وأول من استجاب لله تعالى، ~~فهاجر قوم إلى المدنية، وقوم إلى الحبشة، وقوم إلى ابن ذي يزن، ثم هاجروا ~~إلى المدينة وكانوا قدوة لغيرهم في الإيمان وسبب تقوية الدين # " من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامه " # وثنى بالأنصار لأنهم ساووهم في الإيمان وفي الجهاد بالنفس والمال، لكنه ~~عادل بالهجرة الإيواء والنصرة، وانفرد المهاجرون بالسبق، وذكر ثالثا من ~~آمن ولم ينصر، ففاتهم هاتان الفضيلتان وحرموا الولاية حتى يهاجروا، ثم ~~قال: آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار، فكان ~~المهاجري يرثه أخوه الأنصاري إذا لم يكن له بالمدينة ولي مهاجري، ولا ~~توارث بينه وبين قريبه المسلم غير المهاجري، قال ابن زيد: واستمر أمرهم ~~كذلك إلى فتح مكة - انتهى. لكن ما ذكر ابن عبد البر - كما سيأتي - من أن ~~حكم ذلك زال بوقعه بدر أولى للآية الآتية آخر السورة مع ما يؤيد ذلك من ~~آية الأحزاب. # ولما كان التقدير: فالله بمصالحكم خبير، وكان للنفوس دواع إلى ms1798 مناصرة ~~الأقارب والأحباب ومعاداة غيرهم خفية، ولها دسائس تدرك، حذر من ذلك بقوله ~~عاطفا على هذا المقدر: { والله } أي المحيط علما وقدرة، ولما كان ~~السياق لبيان المصالح التي تنظم الدين وتهدم ما عداه، وكان للنفوس - كما ~~تقدم - أحوال، اقتضى تأكيد العلم بالخفايا فقدم الجار الدال على الاختصاص ~~الذي هو هنا كناية عن إحاطة العلم فقط مرهبا: { بما تعملون بصير* } وفي ~~ذلك أيضا ترغيب في العمل بما حث عليه من الإيمان والهجرة والنصرة ~~والإنفاق والتحري في جميع من ذلك وترهيب من العمل بأضدادها، وفي " البصير ~~" إشارة إلى العلم بما يكون من ذلك خالصا أو مشوبا، ففيه مزيد حث على ~~الإخلاص. # ولما بين شرط موالاة المسلم، بين مولاة الكافر وما يجب من مناظرتهم ~~ومباراتهم فيها، وأنه لا شرط لها غير مطلق الكفر فإنه وإن اختلفت أنواعه ~~وتباعدت أنحاؤه - يجمعه عداوة الله و ولاية الشيطان فقال: { والذين كفروا ~~} أي أوجدوا هذا الوصف على أي حال كانوا فيه { بعضهم أولياء بعض } أي في ~~الميراث والنصرة وغيرهما، وهو خبر محض مشير إلى نهي المسلم عن موالاتهم، ~~وأما الذي مضى في حق المؤمنين فهو أمر في صورة الخبر وصيغته، يعني أن في ~~كل من الكفار قوة الموالاة للآخر عليكم والميل العظيم الحاث لهم على ~~المسارعة في ذلك وإن اشتدت عداوة بعضهم لبعض لأنكم حزب وهم حزب، يجمعهم ~~داعي الشيطان بوصف الكفران كما يجمعكم داعي الرحمن بوصف الإيمان، قال أبو ~~حيان: كانوا قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم يعادي أهل الكتاب منهم ~~قريشا ويتربصون بهم الدوائر،فصاروا بعد بعثه النبي صلى الله عليه وسلم ~~يوالي بعضا وإلبا واحدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى. وما ~~ذكره مذكور في السير مشهور عند أهل الأثر { إلا تفعلوه } أي مثله من تولي ~~المؤمنين ومعاداة الكافرين كما يفعل الكفار بالتعاضد والتعاون بالنفس ~~والمال كما أرصدوا مال العير الذي فاتكم حتى استعانوا به على قتالكم في ~~أحد، فاللائق بكم أن تكونوا أعظم منهم في ذلك، لأنهم يريدون بذلك رم واهي ms1799 ~~دنياهم الفانية وأنتم تبنون آخرتكم الباقية، وداعيكم ولي غنى وداعيهم عدو ~~دنى فضلا عن أن تنزلوا إلى حضيض التنازع في الغنائم { تكن فتنة } أي ~~عظيمة { في الأرض } اي خلطة مميلة للمقاصد عن وجوهها { وفساد كبير* } أي ~~ينشأ عن تلك الفتنة، والكبير ناظر إلى العظم، وقرىء شاذا بالمثلثة فيكون ~~عظمة حينئذ مخصوصا بالأنواع، وبيان الفساد أنه إذا قارب المؤمن الكافر ~~والكافر المؤمن وتناصروا أو ترك المؤمنون التناصر فيما بينهم انخل ~~النظام فاختل كل من النقض والإبرام، فاختلف الكلام فتباعدت القلوب، ~~فتزايدت الكروب، فالواجب عليكم أن تكونوا إلبا واحدا ويدا واحدة في ~~الموالاة وتقاطعوا الكفار بكل اعتبار ليقوم أمركم وتطيب حياتكم، وتصلح ~~غاية الصلاح دنياكم وآخرتكم، والآية شاملة لكل ما يسمى توليا حتى في ~~الإرث وقتال الكفار ومدافعة المسلمين بالأمر والإنكار، ولما ترك بعض ~~العلماء إعانة بعض فئة حصل ما خوف الله تعالى منه من الفتنة والفساد حتى ~~صار الأمر إلى ما ترى من علو المفسدين وضعف أهل الدين، فالأمر بالمعروف ~~فيهم في غاية الذل والغربة، يرد عليه أدنى الناس فلا يجد له ناصرا، ويجد ~~ذلك الآخر له على الرد أعوانا كثيرة، وصار أحسن الناس حالا مع الأمراء ~~وأعظمهم له محبة من يقنع بلومه على فعله ظنا منه أن ذلك شفقة عليه - ~~والله المستعان. ### || [8.74-75] # ولما تقدمت أنواع المؤمنين: المهاجر والناصر والقاعد، وذكر أحكام ~~موالاتهم، أخذ يبين تفاوتهم في الفضل فقال: { والذين آمنوا } أي بالله ~~وما أتى منه { وهاجروا } أي فيه من يعاديه سابقين مع نبيه صلى الله عليه ~~وسلم { وجاهدوا } أي بما تقدم من المال والنفس أو بأحدهما { في سبيل الله ~~} أي الذي له صفات الكمال فبذلوا الجهد في إذلالهم كما بذل الأعداء الجهد ~~في إذلالهم، ولم يذكر آلة الجهاد لأنها - مع تقدم ذكرها لازمة { والذين ~~آووا } أي من هاجر إليهم { ونصروا } أي حزب الله، وأعلم بقوله: { أولئك } ~~أي الصنفين الأولين خاصة { هم المؤمنون حقا } أي حق الإيمان، لأنهم ~~حققوا أيمانهم: المهاجر بالانسلاخ من كل ما يحبه من الأمور الدنيوية، ~~والناصر ms1800 من جميع أهل الكفر بإيواء أهل الله ونصرتهم. # ولما بين وصفهم، بين ما حباهم به بقوله دالا على أن الإنسان محل ~~النقصان، فهو - وإن اجتهد حتى كان من القسم الأعلى - لا ينفك عن مواقعة ~~ما يحتاج فيه إلى الغفران: { لهم مغفرة } أي لزلاتهم وهفواتهم، لأن مبنى ~~الآدمي على العجز اللازم عنه التقصير وإن اجتهد، والدين متين فلن يشاده ~~أحد إلا غلبه؛ ولما ذكر تطهيرهم بالمغفرة، ذكر تزكيتهم بالرحمة فقال: { ~~ورزق } أي من الغنائم وغيرها في الدنيا والآخرة { كريم* } أي لا كدر فيه ~~بوجه، لا في قطعه ولا في نقصانه ولا في شيء من شأنه. # ولما حصر المؤمنين حقا في الموصوفين، بين أن من ترك ما هو عليه من لزوم ~~دار الكفر والقعود عن الجهاد، لحق بمطلق درجتهم وإن كانوا فيها أعلى منه ~~فقال ذاكرا القسم الرابع: { والذين آمنوا } ولما كانوا قد تأخروا عن ~~دعوة النبي صلى الله عليه وسلم مدة، أدخل الجار فقال: { من بعد } أي من ~~بعد تأخر إيمانهم عن السابقين { وهاجروا } أي لاحقين للسابقين، وعن ابن ~~عباس رضي الله عنهما أنهم من هاجر بعد الحديبية، قال: وهي الهجرة الثانية ~~{ وجاهدوا معكم } أي من تجاهدونه من حزب الشيطان { فأولئك منكم } أي لهم ~~ما لكم وعليهم ما عليكم من المواريث والمغانم وغيرها، لأن الوصف الجامع ~~هو المدار للأحكام وإن تأخرت رتبتهم عنكم كما أفهمته أداة البعد. # ولما بين أنهم منهم، بين أنه متى جمعهم الوصف المحصل للولاية، كان القرب ~~في الرحم أولى من غيره فقال: { وأولو الأرحام } أي من المؤمنين الموصوفين ~~{ بعضهم أولى ببعض } أي في الإرث وغيره من المتصفين بولاية الدين الخالية ~~عن الرحم { في كتاب الله } أي القرآن أو في حكمه وقسمه الذي أنزله إليكم ~~الملك الأعظم في آيات الإرث، وهي مقيدة بالعصبات فنسخت الولاية فلا دلالة ~~على توريث غيرهم، وذكر ابن عبد البر في الاستيعاب في ترجمة المنذر بن ~~عمرو أن بدرا قطعت المواخاة بين الصحابة رضي الله عنهم، يعني فتكون هذه ~~الآية ناسخة آية { بعضهم أولياء ms1801 بعض } وتكون تلك حينئذ مبينة أمر ما كان ~~قبل غزوة بدر - وهو حسن، والآية التي في سورة الأحزاب مؤيدة له، ثم علل ~~سبحانه ما ذكر بما يرغب فيه فقال: { إن الله } أي الذي له صفات الكمال ~~كلها { بكل شيء عليم* } فهو يعلم أن هذا هو الذي تدور عليه المصلحة وتدوم ~~به الألفة كما علم في أول الأمر أن نوط الإرث وغيره من لوازم القرب ~~بالأخوة الإسلامية أولى لما في ذلك من تكثير قلتكم ونصر ذلتكم وجمع ~~شتاتكم وجعل ما بينكم من الأخوة كلحمة النسب، فأما الآن فقد ضرب الدين ~~بجرانه، وثبت بقواعده وأركانه، وولى الكفر بسلطانه، ونكص مدبرا بأعوانه، ~~فتوارثوا بالإسلام والقرابة وتقاطعوا الكفار، وقربوا وبعدوا، وانحازوا ~~عنهم كما انحازو عنكم، وتبرؤوا منهم كما تبرؤوا منكم، فقد انطبق آخر ~~السورة بالإعراض عن الدنيا وإصلاح ذات البين وبيان المؤمنين حقا وتقليد ~~العليم في جميع الأعمال من غير اعتراض - على أولها، وببيان من يوالي ومن ~~يعادي على أول براءة - والله الموفق. ### | [9 - سورة التوبة] ### || [9.1-2] # { براءة } أي عظيمة، ثم وصفها بقوله: { من } أي حاصلة واصلة من { الله } ~~أي المحيط بصفات الكمال، فهو العالم بمن يستحق الولاية ومن يستحق البراءة ~~{ ورسوله } أي المتابع لأمره لعلمه به. # ولما كانوا قد توقفوا في الحديبية كلهم أو كثير منهم تارة في نفس العهد ~~وتارة في التأخر عن الأمر بالحلق، ثم تابعوا في كل منهما، وكان الكفار ~~بمحل البعد عن كل خير، أشار إلى ذلك بأداة الغاية، وجعل الرسول صلى الله ~~عليه وسلم مع الله إشارة إلى أنه لا يخالفه أصلا، وأسندت المعاهدة إليهم ~~إشارة إلى ذلك التوقف تحذيرا من أن يقع مثله، فقال مخبرا عن النبذ ~~الموصوف: { إلى الذين عاهدتم } أي أوقعتم العهد بينكم وبينهم { من ~~المشركين* } أي وإن كانت معاهدتكم لهم إنما كانت بإذن من الله ورسوله، ~~فكما فعلتم المعاهدة بإذنهما فافعلوا النقض تبعا لهما، ودل سياق الكلام ~~وما حواه من بديع الانتظام أن العهد إنما هو لأجل المؤمنين، وأما الله ~~ورسوله فغنيان عن ذلك، ms1802 أما الله فبالغنى المطلق، وأما الرسول صلى الله ~~عليه وسلم فبالذي اختاره للرسالة لأنه ما فعل ذلك به إلا وهو قادر على ~~نصره بسبب وبغير سبب، وعلم أن ذلك فيمن نقض أو قارب من قوله بعد { إلا ~~الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا } - الآية؛ قال البغوي: ~~لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك كان المنافقون يرجفون ~~الأراجيف، وجعل المشركون ينقضون عهودا كانت بينهم وبين رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فأمر الله بنقض عهودهم وذلك قوله تعالى # وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم # [الأنفال: 58] انتهى. وذكر ذلك ابن إسحاق وغيره، ولعله أطلق هنا ولم ~~يقيد ممن خيف نقضه ليكون ذلك أول السورة مؤذنا بأن الخيانة وهم بالنقض ~~شأن أكثرهم ولا سيما مشركو قريش، وهم - لكون قريش رؤوس الناس والناس تبع ~~لهم في الخير والشر - يستحقون أن يعبر عنهم بما يفهم الكل ومبنى هذه ~~السورة على البراءة من المشركين والموالاة للمؤمنين الدال على إيمانهم ~~طاعة الله بالصلاة والزكاة والجهاد لمن أمر بالبراءة منه قل أو كثر قرب ~~أو بعد في المنشط والمكره والعسر واليسر. # ولما كان ظاهر الحال وقت تكامل نزولها - وهو شوال أو ذو العقدة أو ذو ~~الحجة سنة تسع بعد مرجع النبي صلى الله عليه وسلم من تبوك - أن الحرب قد ~~وضعت أوزارها وأطفئت نارهم ببسط الإسلام في الخاص والعام، وما بين اليمن ~~والشام، وانتشار ألويته وأعلامه، وتأيد رئيسه وإمامه بقهر جيوش الكفار، ~~وقصد الناس له بالاتباع من جميع الأمصار، أكد أمر الجهاد ومصادمة الأنداد ~~في هذه السورة تأكيدا لم يؤكد في غيرها؛ ذكر الواقدي في أواخر غزوة تبوك ~~كلاما ثم قال: قالو: وقدم رسول الله صلى لله عليه وسلم المدينة - يعني ~~من غزوة تبوك - في رمضان سنة تسع ثم قال: وجعل المسلمون يبيعون أسلحتهم ~~ويقولون: قد انقطع الجهاد، فجعل القوي منهم يشتريها لفضل قوته، فبلغ ذلك ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فنهاهم عن ذلك وقال: # " لا تزال عصابة من أمتي يجاهدون ms1803 على الحق حتى يخرج الدجال " # وإنما قلت: إن تكامل نزولها كان في شوال أو في ذي القعدة أو في ذي الحجة ~~لأن البغوي نقل عن الزهري أن أولها نزل في شوال، وقال ابن إسحاق - ونقله ~~عنه البيهقي في دلائل النبوة -: ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بعد منصرفه من تبوك بقية شهر رمضان وشوالا وذا القعدة ثم بعث أبا بكر ~~رضي الله عنه أميرا على الحج في سنة تسع ليقيم للمؤمنين حجهم والناس من ~~أهل الشرك على منازلهم من حجهم - وأسند البيهقي في دلائله إلى عروة قال: ~~فلما أنشأ الناس الحج تمام سنة تسع بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا ~~بكر أميرا على الناس وكتب له سنن الحج - انتهى. فخرج أبو بكر والمؤمنون ~~رضي الله عنهم ونزلت براءة في نقض ما بين رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وبين المشركين من العهد الذي كانوا عليه فيما بينهم وبينه أن لا يصد عن ~~البيت أحد جاءه ولا يخاف أحد في الشهر الحرام؛ وكان ذلك عهدا عاما بينه ~~وبين الناس من أهل الشرك؛ ونقل أبو محمد البستي عنه أنه قال: فكانت هذه ~~المدة والعهد الذي كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين العرب أنه ~~لا يصد أحد عن البيت ولا يتعرض لحاج ولا معتمر، ولا يقاتل في الشهر ~~الحرام؛ وكان أمانا مستفيضا من بعضهم لبعض على غير مدة معلومة؛ رجع ~~إلى ما رأيته أنا في سيرته: وكانت بين ذلك عهود بين رسوله صلى الله عليه ~~وسلم وبين قبائل من العرب خصائص إلى آجال مسماة فنزلت فيه وفيمن تخلف من ~~المنافقين عنه في تبوك وفي قول من قال منهم، فكشف الله فيها سرائر أقوام ~~كانوا يستخفون بغير ما يظهرون؛ ثم قال ابن هشام: قال ابن إسحاق: وحدثني ~~حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف عن أبي جعفر محمد بن علي أنه قال: # " لما نزلت براءة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان بعث أبا ~~بكر ms1804 الصديق رضي الله عنه ليقيم للناس الحج قيل له: يارسول الله! لو بعثت ~~بها إلى أبي بكر! فقال:لا يؤدي عني إلا رجل من أهل بيتي، ثم دعا علي بن ~~أبي طالب رضي الله عنه فقال له: اخرج بهذه القصة من صدر براءة فأذن في ~~الناس يوم النحر إذا اجتمعوا بمنى أنه لا يدخل الجنة كافر، ولا يجح بعد ~~العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان له عند رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عهد فهو له إلى مدته " # فهذا فيه أنها نزلت بعد سفر أبي بكر رضي الله عنه، وإنما قيدت أنا ~~بتكامل نزولها لأنه ورد أن الذي في النقض فبعث به عليا رضي الله عنه ~~إنما هو عشر آيات أو سبع، وفي بعض الروايات التصريح بنزولها قبل سفر أبي ~~بكر رضي الله عنه، ففي زيادات مسند الإمام أحمد عن علي رضي الله عنه قال: # " لما نزلت عشر آيات من براءة على النبي صلى الله عليه وسلم دعا أبا بكر ~~رضي الله عنه فبعثه بها ليقرأها على أهل مكة، ثم دعاني النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال: أدرك أبا بكر، فحيث ما لحقته فخذ الكتاب منه فاذهب به ~~إلى أهل مكة فاقرأه عليهم - فذكره، وفيه أن أبا بكر رضي الله عنه قال ~~للنبي صلى الله عليه وسلم بعدما رجع: أنزل في شيء؟ قال: لا، ولكن جبريل ~~عليه السلام جاءني فقال: لن يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك " # ونقل البغوي عن ابن إسحاق أنه صلى الله عليه وسلم بعث مع أبي بكر ~~بأربعين آية من صدر سورة براءة ليقرأها على أهل الموسم، ثم بعث بعده ~~عليا على ناقته الغضباء ليقرأ على الناس صدر براءة وأمره أن يؤذن بمكة ~~ومنى وعرفة. وفيه أن أبا بكر رضي الله عنه قال: يا رسول الله! أنزل في ~~شأني شيء؟قال: # " لا، ولكن لا ينبغي لأحد أن يبلغ هذا الأمر إلا رجل من أهلي " # فتبين أن الأول من إطلاق الكل على الجزء لا سيما وهو ms1805 الذي فيه البراءة، ~~وما سميت السورة براءة إلا به؛ وأن المعنى: لا يؤدي عني في العهود، لا ~~مطلقا، فقد أرسل رسلا للأداء عنه من غير أهل بيته؛ وقال المهدوي في ~~تفسير { فسيحوا في الأرض }: وروي أن هذه الآية نزلت على النبي صلى الله ~~عليه وسلم بعد خروج أبي بكر بالناس ليحج بهم سنة تسع، فبعث بها النبي صلى ~~الله صلى عليه وسلم عليا رضي الله عنه ليتلوها على الناس بالموضع الذي ~~يجتمع فيه الفريقان وهو منى، وأمره أن ينادي: أن لا يحج بعد العام مشرك ~~ولا يطوف بالبيت عريان، فنادى علي وأعانه أبو هريرة وغيره رضي الله ~~عنهم، وكان على مكة حينئذ عتاب بن أسيد رضي الله عنه، استخلفه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عام الفتح وهو عام ثمان، وكان حج عتاب وأبي بكر سنة ~~تسع في ذي العقدة - كذا قال وسيأتي بيان بطلانه، وتقدم خلافه عن ابن ~~إسحاق في دلائل النبوة؛ وقال الإمام أبو محمد إسحاق بن إبراهيم البستي ~~القاضي في تفسيره: حدثنا قتيبة عن الحجاج عن ابن جريج عن مجاهد قال: أقبل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حين فرغ من تبوك فأراد الحج فقال: إنه يحضر ~~البيت المشركون يطوفون عراة فلا أحب أن أحج حتى لا يكون ذلك، فأرسل أبا ~~بكر وعليا رضي الله عنهما، فطافا في الناس بذي المجاز وبأمكنتهم التي ~~كانوا يتبايعون بها كلها وبالموسم كله، وآذنوا أصحاب العهد بأن يأمنوا ~~أربعة أشهر - يعني اشهر الحرم المنسلخات المتواليات: عشرون من آخر ذي ~~الحجة إلى عشر يخلون من ربيع الآخر، ثم لا عهد لهم، فآذن الناس كلهم ~~بالقتال إلا أن يؤمنوا، فآمن الناس أجمعون. # وفي سيرة ابن إسحاق: حدثنا يونس - يعني ابن بكير - عن أسباط بن نصر ~~الهمداني عن إسماعيل بن عبد الرحمن السدي { فسيحوا في الأرض أربعة أشهر } ~~قال: عشرين من ذي الحجة إلى عشر من ربيع الآخر ثم لا أمان لأحد ولا عهد ~~إلى السيف أو الإسلام؛ وقال ابن هشام: حتى إذا كان ms1806 يوم النحر قام علي بن ~~أبي طالب رضي الله عنه فأذن في الناس بالذي أمره به رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وأجل الناس أربعة اشهر من يوم أذن فيهم ليرجع كل قوم إلى ~~مأمنهم؛ وللترمذي عن زيد بن أثيع قال: سألت عليا رضي الله عنه: بأي شيء ~~بعثت؟ قال: بأربع: لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، ولا يطوف بالبيت عريان، ~~ولا يجتمع المسلمون والمشركون بعد عامهم هذا، ومن كان بينه وبين النبي ~~صلى الله عليه وسلم عهد فعهده إلى مدته ومن لا مدة له فأربعة أشهر. ونقل ~~ابن سيد الناس عن ابن عائذ انه لما ضرب للمشركين هذا الأجل قالوا: بل ~~الآن لا نبتغي تلك المدة، نبرأ منك ومن ابن عمك إلا بالضرب والطعن؛ فحج ~~الناس عامهم ذلك، فلما رجعوا رغب الله المشركين فدخلوا في الإسلام طوعا ~~وكرها. وصدق الله ورسوله فلم يحج بعد ذلك العام مشرك ولم يطف بالبيت ~~عريان. وقد وردت نصوص وظواهر في كثير من سورة براءة أنه نزل قبل الرجوع ~~عن تبوك أو قبل الاعتذار، فمن النصوص قوله تعالى { لو كان عرضا قريبا ~~وسفرا قاصدا لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة وسيحلفون بالله لو استطعنا ~~لخرجنا معكم } وقوله { فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج ~~فقل لن تخرجوا معي أبدا } - الآيات، { يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم قل ~~لا تعتذروا لن نؤمن لكم قد نبأنا الله من أخباركم } إلى أن قال: # سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم # [التوبة: 94] وأما الظواهر فإن الواقدي قال في سيرته فأنزل من القرآن في ~~غزوة تيوك، ثم ذكر اكثر سورة براءة وقال هو وغيره من أصحاب السير: # " وكان رهط من المنافقين يسيرون مع النبي صلى الله عليه وسلم في تبوك ~~منهم وديعة بن ثابت - فذكر القصة التي فيها أن بعضهم قال ترهيبا ~~للمؤمنين: أتحسبون قتال بني الأصفر كقتال غيرهم؟ والله لكأنا بكم غدا ~~مقرنين في الحبال، وقال كل منهم شيئا إلى أن قال: فقال رسول الله صلى ~~الله عليه ms1807 وسلم لعمار بن ياسر: أدرك القوم فإنهم قد احترقوا فسلهم عما ~~قالوا، فإن أنكروا فقل: بلى، قلتم كذا وكذا - إلى أن قال: إن بعضهم قال: ~~إنما كنا نخوض ونلعب! فأنزل الله فيه { ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ~~ونلعب - إلى قوله - بأنهم كانوا مجرمين } ثم قال: وجاء الجلاس إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فحلف ما قال من ذلك شيئا، وكان قد قال: إن كان ~~محمد صادقا فنحن شر من الحمير، فأنزل الله عز وجل فيه { يحلفون بالله ما ~~قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر } - إلى آخرها، فاعترف الجلاس حينئذ وتاب ~~وحسنت توبته " # ، وذكر مسجد الضرار وأن أهله كانوا سألوا النبي صلى الله عليه وسلم وهو ~~متجهز إلى تبوك أن يصلي لهم فيه فاعتذر إليهم بشغله بالسفر ووعدهم أن ~~يصلي فيه إذا رجع، فلما نزل صلى الله عليه وسلم بذي أوان - قال ابن هشام: ~~بلد بينه وبين المدينة ساعة من نهار - أتاه خبره وخبر أهله من السماء، ~~فدعا اثنين من أصحابه فأمرهما به فأحرقاه، وتفرق أهله ونزل فيه من القرآن ~~ما نزل { والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا } - إلى آخر القصة؛ قال ~~الواقدي: وكان عاصم ابن عدي يقول: كنا نتجهز إلى تبوك مع النبي صلى الله ~~عليه وسلم فرأيت عبد الله بن نبتل وثعلبة بن حاطب قائمين على المسجد ~~الضرار - إلى أن قال: فوالله ما رجعنا من سفرنا حتى نزل القرآن بذمه وذم ~~أهله # والذين اتخذوا مسجدا ضرارا # [التوبة: 107] - إلى آخرها، ومن ذلك تسميتها بالفاضحة، فلولا نزولها قبل ~~معرفة أخبارهم لم تكن فاضحة، وهي في الظاهر للمعاهدين وفي الباطن مشيرة ~~إلى أهل الردة وأن لا يقبل منهم إيمان ما لم يجمعوا بين الصلاة والزكاة ~~كما فهم أبو بكر رضي الله عنه، وأقيمت على ذلك قرائن منها تكرير الجمع ~~بين الصلاة والزكاة في سياق الإيمان تكريرا لم يكن في غيرها من السور، ~~فهي من أعلام النبوة؛ وروى أبو محمد إسحاق بن إبراهيم القاضي البستي في ~~تفسيره عن ابن عباس رضي الله عنهما ms1808 قال: إن هذا الإسلام ثلاثون سهما: ~~عشر منها في براءة، وعشر في الأحزاب، وعشر في المؤمنين وسأل سائل. # ولما أعلمهم سبحانه بأنه رد إليهم عهدهم، وكانوا مختلطين مع أهل ~~الإسلام، جعل لهم مخلصا إن آثروا البقاء على الشرك مع إعلامهم بأنه لا ~~خلاص لهم لأنهم في قبضته، فقال مخاطبا لهم ولكل مشرك مسببا عن البراءة: ~~{ فسيحوا } والسياحة: الاتساع في السير والبعد عن المدن والعمارة مع ~~الإقلال من الطعام، والشراب، ولذلك يقال للصائم: سائح: والمراد هنا مطلق ~~السير. # ولما كانت السياحة تطلق على غيره، حقق المعنى بقوله: { في الأرض } أي في ~~أي جهة شئتم { أربعة أشهر } أي من أيام الحج، فيكون آخرها عاشر شهر ربيع ~~الآخر، تأمنون فيها أمنا لا نعرض لكم بسوء، بل تذهبون فيها حيث شئتم، أو ~~ترمون حصونكم وتهيئون سلاحكم وتلمون شعثكم لا نغدركم، لأن ديننا مبني على ~~المحاسن، ولولا أن الأمر يتعلق بنفوسنا ما نبذنا عهدكم ولا نقضنا عقدكم، ~~ولكن الخطر في النفس وقد ظهرت منكم أمارات الغدر ولوائح الشر " وعن أي ~~نفس بعد نفسي أقاتل " فإذا نقضت الأربعة الشهر فتهيؤوا لقتالنا وتدرعوا ~~لنزالنا. # ولما كان الإسلام قد ظهر بعد أن كان خفيا، وقوي بعد أن كان ضعيفا، ~~افتتح وعظهم بالكلمة التي تقال أولا لمن يراد تقريع سمعه وإيقاظ قلبه ~~وتنبيهه على أن ما بعدها أمر مهم ينبغي مزيد الاعتناء به فقال: { واعلموا ~~أنكم } أي أيها الكفرة وإن كثرتم { غير معجزي الله } لأن علمه محيط بكل ~~شيء فهو قادر على كل ممكن { وأن الله } أي لما له من الإحاطة بالجلال ~~والإكرام { مخزي الكافرين* } أي كلهم منكم ومن غيركم في الدنيا والآخرة ~~لأن قوله قد سبق بذلك، ولا يبدل القول لديه، والإخزاء: الإذلال مع إظهار ~~الفضيحة والعار -. وأظهر الوصف موضع الضمير تعميما وتعليقا للحكم به؛ ~~ولعل الالتفات إلى الخطاب إشارة إلى أن من ترك أمر الله حدبا على قريب ~~أو عشير فهو منهم، وقد برئت منه الذمة، فلينج بنفسه ولا نجاء له، أو يكون ~~لا ستعطاف الكفار تلذيذ ms1809 الخطاب وترهيبهم بزواجر العقاب. ### || [9.3-5] # ولما أنزل البراءة، أمر بالإعلام بها في المجمع الأعظم ليقطع الحجج، ~~فقال عاطفا ظهرة الجملة إلى مضمونها: الإخبار بوجوب الإعلام بما ثبت ~~بالجملة الأولى المعطوفة عليها من البراءة: { وأذان } أي وهذا إعلام ~~وإعلان واقع وواصل { من الله } أي المحيط بجميع صفات العظمة { ورسوله } ~~أي الذي عظمته من عظمته، فلا يوجهه إلى شيء إلا أعلاه عليه؛ ولما كان ~~المقصود الإبلاغ الذي هو وظيفة الرسول، عداه بحرف الانتهاء فقال: { إلى ~~الناس } أي كلهم من أهل البراءة وغيرهم { يوم الحج الأكبر } قيده لأن ~~العمرة تسمى الحج الأصغر. # ولما كان كأنه قيل: ماهذا الإعلام؟ قال مفسرا له مصرحا بما هو المقصود ~~لئلا يقع فيه نوع لبس حاذفا الصلة إعلاما بأن هذا مستأنف على تقدير ~~سؤال سائل، لا معمول لأذان: { أن الله } أي الذي له الغنى المطلق والقوة ~~الباهرة { بريء من المشركين* } أي الذين لا عهد لهم خاص فلا مانع من ~~قتالهم، قيل: والذين وقعت البراءة منهم صنفان: أحدهما كانت مدته دون ~~أربعة أشهر فرفع إليها، والآخر مدته بغير حد فقصر عليها، ومن لم يكن له ~~عهد فهو أولى، ومن كان عهده محدودا بأكثر من أربعة أشهر ولم يحدث شرا ~~أمر بإتمام عهده إلى مدته { ورسوله } أي بريء منهم، فهو موفوع عطفا على ~~المنوي في " بريء " أو على محل { أن } المكسورة واسمها عند من كسرها، ~~وقرىء بالنصب عطفا على اسم { أن } أو لأن الواو بمعنى مع، وبالجر على ~~الجوار، وقيل: على القسم - قال في الكشاف، قال: ويحكى أن أعرابيا سمع ~~رجلا يقرؤها فقال: إن كان الله بريئا من رسوله فأنا منه بريء، فلببه ~~الرجل إلى عمر رضي الله عنه فحكى الأعرابي قراءته فعندما أمر عمر رضي ~~الله عنه بتعلم العربية، وروى الإمام أبو بكر محمد بن القاسم بن بشار ~~الأنباري في مقدمة كتاب الوقف والابتداء بسنده عن ابن أبي ملكية قال: قدم ~~أعرابي في زمان عمر رضي الله عنه فقال: من يقرئني مما أنزل الله على محمد ~~صلى الله عليه ms1810 وسلم؟ فأقرأه رجل براءة فقال: { أن الله بريء من المشركين ~~ورسوله } بالجر، فقال: أوقد بريء الله من رسوله؟ إن يكن الله بريء من ~~رسوله فأنا أبرأ منه، فبلغ عمر رضي الله عنه مقالة الأعرابي فدعاه - يعني ~~فسأله فأخبره - فقال عمر رضي الله عنه: ليس هكذا يا أعرابي! قال: فكيف هي ~~يا أمير المؤمنين؟ فقال { أن الله بريء من المشركين ورسوله } فقال ~~الأعرابي: وأنا والله أبرأ مما برىء الله ورسوله منه، فأمر عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه أن لا يقرىء القرآن إلا عالم باللغة. # وأمر أبا الأسود فوضع النحو، ونحو ذلك في الاهتمام بشأن العربية ما حكاه ~~الشريف محمد بن أسعد الجواني النسابة في كتابه في الأنساب في ترجمة أبي ~~الأسود الدؤلي بسنده إليه أنه قال: دخلت على أمير المؤمنين علي رضي الله ~~عنه فرأيته مطرقا مفكرا فقلت: فيم تفكر يا أمير المؤمنين؟ فقال: إني ~~سمعت ببلدكم هذا لحنا، فأردت أن أضع كتابا في أصول العربية، فقلت له: ~~إن فعلت هذا بقيت فينا هذه اللغة، ثم أتيته بعد أيام فألقى إلي صحيفة ~~فيها: بسم الله الرحمن الرحيم، الكلام كله اسم وفعل وحرف، فالاسم ما أنبأ ~~عن المسمى، الفعل ما أنبأ عن حركة المسمى، والحرف ما أنبأ عن معنى ليس ~~باسم ولا فعل: ثم قال: تتبعه وزد فيه ما وقع لك، واعلم أن الأشياء ثلاثة: ~~ظاهر ومضمر وشيء ليس بظاهر ولا مضمر، وإنما يتفاضل الناس في معرفة ما ليس ~~بمضمر ولا ظاهر، قال أبو الأسود الدؤلي: فجمعت أشياء فعرضتها عليه، فكان ~~من ذلك حروف النصب، فذكرت منها إن وأن وليت ولعل وكأن، ولم أذكر لكن، ~~فقال لي: لم تركتها؟ فقلت: لم أحسبها فيها، فقال بل هي منها فزدها فيها، ~~وقال أبو بكر محمد بن الحسن الزبيدي في طبقات النحويين: وقال أبو العباس ~~محمد بن يزيد: سئل أبو الأسود الدؤلي عمن فتح له الطريق إلى الوضع في ~~النحو وأرشده إليه، فقال: تلقنته من علي بن أبي طالب، وفي حديث آخر: ألقى ~~إلي ms1811 أصولا احتذيت عليها؛ وفي مختصر طباتهم للحافظ محمد بن عمران ~~المرزباني: كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه قد رسم لأبي الأسود الدؤلي ~~حروفا يعلمها الناس لما فسدت ألسنتهم فكان لا يحب أن يظهر ذلك ضنا به ~~بعد علي رضي الله عنه، فلما كان زياد وجه إليه أن عمل شيئا تكون فيه ~~إماما وينتفع به الناس فقد كنت شرعت فيه لتصلح ألسنة الناس، فدافع بذلك ~~حتى مر يوما بكلإ البصرة وإذا قارئ يقرأ { أن الله بريء من المشركين ~~ورسوله } وحتى سمع رجلا قال: سقطت عصاتي، فقال: لا يحل لي بعد هذا أن ~~أترك الناس! فجاء إلى زياد فقال: أنا أفعل ما أمر به الأمير فليبتغ لي ~~كاتبا حصيفا ذكيا يعقل ما أقول، فأتي بكاتب من عبد القيس فلم يرضه، ~~فأتي بآخر من ثقيف؛ وقال ابن الأنباري في كتاب الوقف: حدثني أبي قال: ~~حدثنا أبو عكرمه قال: قال العتبي: كتب معاوية إلى زياد يطلب عبيد الله ~~ابنه، فلما قدم عليه كلمه فوجده يلحن، فرده إلى زياد وكتب إليه كتابا ~~يلومه فيه ويقول: أمثل عبيد الله يضيع؟ فبعث زياد إلى أبي الأسود فقال: ~~يا أبا الأسود! إن هذه الحمراء قد كثرت وأفسدت من ألسن العرب، فلو وضعت ~~شيئا يصلح به الناس كلامهم ويعربون به كتاب الله، فأبى ذلك أبو الأسود ~~وكره إجابة زياد إلى ما سأل، فوجه زياد رجلا فقال له: اقعد في طريق أبي ~~الأسود، فإذا مر بك فاقرأ شيئا من القرآن وتعمد اللحن فيه، ففعل ذلك. # فلما مر به أبو الأسود رفع الرجل صوته يقرأ { أن الله بريء من المشركين ~~ورسوله } فاستعظم ذلك أبو الأسود وقال: عز وجه الله أن يبرأ من رسوله، ~~ثم رجع من فوره إلى زياد فقال: يا هذا، قد أجبتك إلى ما سألت، ورأيت أن ~~أبدأ بإعراب القرآن، فابعث إلي ثلاثين رجلا، فأحضرهم زياد فاختار منهم ~~أبو الأسود عشرة، ثم لم يزل يختارهم حتى اختار منهم رجلا من عبد القيس، ~~فقال: خذ المصحف وصبغا يخالف ms1812 لون المداد، فإذا فتحت شفتي فانقط واحدة ~~فوق الحرف، وإذا ضممتهما فاجعل النقطة إلى جانب الحرف، وإذا كسرتهما ~~فاجعل النقطة في أسفله، فإن أتبعت شيئا من هذه الحركات غنة فانقط ~~نقطتين، فابتدأ بالمصحف حتى أتى على آخره، ثم وضع المختصر المنسوب إليه ~~بعد ذلك - انتهى. ويوم الحج المذكور هنا للجنس، أي في جميع أيام الحج - ~~قاله سفيان الثوري - كيوم صفين والجمل وبعاث يراد به الحين والزمان الذي ~~كان فيه ذلك، ولذلك نادى علي رضى الله عنه بنفسه ومن ندبه لذلك في جميع ~~تلك الأيام، وقال أبو حيان: الظاهر أنه يوم واحد فقال عمر رضي الله عنه ~~وجماعة: هو يوم عرفة، وروي مرفوعا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وقال أبو موسى رضي الله عنه وجماعة: هو يوم النحر، وقيل: أيام الحج كلها ~~- قاله سفيان بن عيينة قال ابن عطية: والذي تظاهرت به الأحاديث أن عليا ~~رضي الله عنه أذن بتلك الآيات يوم عرفة إثر خطبة أبي بكر رضي الله عنه، ~~ثم رأى أنه لم يعم الناس بالإسماع فتتبعهم بالأذان بها أيضا يوم النحر، ~~وفي ذلك اليوم بعث أبو بكر رضي الله عنه من يعينه بها كأبي هريرة وغيره ~~رضي الله عنهم ويتبعوا ايضا أسواق العرب كذي المجاز وغيره؛ وبهذا يترجح ~~قول سفيان - انتهى. وروى عبد الرزاق عن علي رضي الله عنه أن يوم النحر، ~~وقال في تفسيره أيضا: أخبرنا معمر عن الحسن قال: إنما سمي الحج الأكبر ~~لأنه حج أبو بكر رضي الله عنه الحجة التي حجها، واجتمع فيها المسلمون ~~والمشركون، ووافق أيضا ذلك عيد اليهود والنصارى -. # ولما أعلم سبحانه بالبراءة عنها، سبب عنها مرغبا مرهبا قوله التفاتا ~~إلى الخطاب: { فإن تبتم } أي عن الكفر والغدر { فهو } أي ذلك الأمر ~~العظيم وهو المتاب { خير لكم } أي لأنكم تفوزون في الوفاء بالأمان في ~~الدنيا، وفي الإسلام بالسلامة في الدارين. # ولما كانت التوبة محبوبة بالطبع لما لها من النفع قال: { وإن توليتم } ~~أي كلفتم أنفسكم خلاف ما يشتهي من التوبة موافقة ms1813 للفطرة الأولى، وأصررتهم ~~على الكفر والغدر اتباعا للهوى المكتسب من خباثة الجبلة ورداءة الأخلاط ~~التي قعدت بالروح عن أوجها الأول إلى الحضيض الأسفل { فاعلموا } أي علما ~~لا شبهة فيه { أنكم غير معجزي الله } أي لأن له صفات الكمال من الجلال ~~والجمال، والالتفات هنا مثله في { فسيحوا } والإشارة به إلى ما ذكر في ~~ذلك. # ولما واجههم بالتهديد، أعرض عنهم وجه الخطاب تحقيرا لهم مخاطبا لأعلى ~~خلقه مبشرا له في أسلوب التهكم بهم، فقال عاطفا على ما تقديره: فبشر ~~الغادرين بالخدلان، أو فبشر التائبين بنعيم مقيم: { وبشر الذين كفروا } ~~أي أوقعوا هذا الوصف { بعذاب أليم* } أي في الدنيا والآخرة أو فيهما. # ولما أعلمهم بالبراءة وبالوقت الذي يؤذن بها فيه، وكان معنى البراءة ~~منهم أنه لا عهد لهم، استثنى بعض المعاهدين فقال: { إلا الذين عاهدتم } ~~أي أوقعتم بينكم وبينهم عهدا { من المشركين ثم } أي بعد طول المدة ~~اتصفوا بأنهم { لم ينقصوكم شيئا } أي من الأمارات الدالة على الوفاء في ~~أنفسهم كما نقض بنو الديل من بني بكر في قتالهم لخزاعة حلفاء النبي صلى ~~الله عليه وسلم { ولم يظاهروا } أي يعاونوا معاونة تظهر { عليكم أحدا } ~~أي من أعدائكم كما ظاهرت قريش حلفاءهم من بني الدليل على حلفائكم من ~~خزاعة { فأتموا } واشار إلى بعدهم عن الخير بحرف الغاية فقال: { إليهم ~~عهدهم إلى مدتهم } أي وإن طالت؛ قال البغوي: وهم بنو ضمرة حي من كنانة، ~~وكان قد بقي من عهدهم تسعة أشهر، وكان السبب فيه أنهم لم ينقضوا؛ وقال ~~النحاس: ويقال: إن هذا مخصوص يراد به بنو ضمرة خاصة؛ وقال أبو محمد ~~البستي: حدثنا قتيبة قال: ثنا الحجاج عن ابن جريج عن مجاهد قال: كان بين ~~بني مدلج وخزاعة عهد، وهم الذين قال الله { فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم ~~}. # ولما كانت محافظتهم على عهدهم من أفراد التقوى، وكان الأمر بالإحسان إلى ~~شخص من أفعال المحب، قال تعالى معللا: { إن الله } أي الذي له صفات ~~الكمال { يحب المتقين* } أي يفعل بهم وبكم افعال المحب، فهو قول حاث ms1814 للكل ~~على التقوى، وكل ينزله على ما يفهم، فهو من الإعجاز الباهر. # ولما قرر أمر البراءة إثباتا ونفيا، أمر بما يصنع بعد ما ضربه لهم من ~~الأجل فقال: { فإذا } أي فتسبب عن ذلك أنه إذا { انسلخ } أي انقضى وانجرد ~~وخرج ومضى { الأشهر الحرم } أي التي حرمت عليكم فيها قتالهم وضربتها ~~أجلا لسياحتهم، والتعريف فيها مثله # كما أرسلنا إلى فرعون رسولا فعصى فرعون الرسول # [المزمل: 15-16] { فاقتلوا المشركين } أي الناكثين الذين ضربتم لهم هذا ~~الأجل إحسانا وكرما؛ قال البغوي: قال الحسن بن الفضل: هذه الآية تنسخ ~~كل آية في القرآن فيها ذكر الإعراض والصبر على أذى الأعداء - انتهى. # ومعنى { حيث وجدتموهم } أي في حل أو حرم في شهر حرام أو غيره { وخذوهم } ~~أي بالأسر { واحصروهم } أي بالحبس عن إتيان المسجد والتصرف في بلاد ~~الإسلام وكل مقصد { واقعدوا لهم } أي لأجلهم خاصة فإن ذلك من أفضل ~~العبادات { كل مرصد } أي ارصدوهم وخذوهم بكل طريق يمكن ولو على غرة أو ~~اغتيالا من غير دعوة، وانتصابه على الظرف لأن معنى اقعدوا لهم: ارصدوهم، ~~ومتى كان العامل في الظرف المختص عاملا من لفظه أو من معناه جاز أن يصل ~~إليه بغير واسطة " في " فكما يتعدى الفعل إلى المصدر من غير لفظه إذا كان ~~بمعناه فكذلك إلى الظرف - ذكره أبو حيان، والتعبير بالقعود للارشاد إلى ~~التأني، وفي الترصد والاستقرار والتمكن وإيصال الفعل إلى الظرف إشارة إلى ~~أن يشغلوا في الترصد كل جزء من أجزاء كل مرصد إن قدروا على ذلك بخلاف ما ~~لو عبر ب " في " فإنه إنما يدل على شغل كل مرصد الصادق بالكون في موضع ~~واحد منه أي موضع كان. # ولما أمر تعالى بالتضييق عليهم، بين ما يوجب الكف عنهم فقال: { فإن ~~تابوا } أي عن الكفر { وأقاموا } أي وصدقوا دعواهم التوبة بالبينه ~~العادلة بأن أقاموا { الصلاة وآتوا الزكاة } أي فوصلوا ما بينهم وبين ~~الخالق وما بينهم وبين الخلائق خضوعا لله تعالى وتركا للفساد ومباشرة ~~للصلاح على الوجه الذي أمر به رسول الله صلى الله ms1815 عليه وسلم، فإذا وجد ~~هذان الشاهدان العدلان { فخلوا } أي بسبب ذلك { سبيلهم } أي بأن لا ~~تعرضوا لشيء مما تقدم لأن الله يقبل ذلك منهم ويغفر لهم ما سلف { إن } أي ~~لأن { الله } أي الذي له الجلال والإكرام { غفور رحيم* } أي بليغ المحو ~~للذنوب التي تاب صاحبها عنها والاتباع له بالإكرام. ### || [9.6-9] # ولما سد عليهم طريق مخالطتهم ما لم يتصفوا بالتوبة المدلول عليها ~~بالشهيدين المذكورين سدا مطلقا، وفتحه عند الاتصاف بها فتحا مطلقا، ~~عطف على ذلك طريقا آخر وسطا مقيدا فقال: { وإن أحد من المشركين } أي ~~الذين أمرناكم بقتالهم { استجارك } أي طلب أن تعامله في الإكرام معاملة ~~الجار بعد انقضاء مدة السياحة { فأجره } أي فآمنه ودافع عنه من يقصده ~~بسوء { حتى يسمع كلام الله } أي الملك الأعظم بسماع التلاوة الدالة عليه، ~~فيعلم بذلك ما يدعو إليه من المحاسن ويتحقق أنه ليس كلام الخلق. ولما ذكر ~~إجارته، وكان له بعدها توبة وإصرار. وكان حال التائب قد ذكر، بين ما يفعل ~~به إن أصر فقال: { ثم أبلغه } أي إن أراد الانصراف ولم يسلم { مأمنه } أي ~~الموضع الذي يأمن فيه ثم قاتله بعد بلوغه المأمن إن شئت من غير غدر ولا ~~خيانه؛ قال الحسن: هي محكمة إلى يوم القيامة؛ ثم علل ذلك بما يبين غدرهم ~~بقوله: { ذلك بأنهم } أي الأمر بالإجارة للغرض المذكور بسبب أنهم { قوم ~~لا يعلمون* } أي لا علم لهم لأنه لا عهد لهم بنبوة ولا رسالة ولا كتاب، ~~فإذا علموا أوشك أن ينفعهم العلم. # ولما كان الأمر بالنبذ مظنة لأن يعجب منه، عجب فقال: فمن يتعجب منه؟ ~~وأنكر عليه فقال: { كيف يكون للمشركين } أي أهل العراقة في الشرك الذين ~~توجب عراقتهم فيه ومحبتهم لظهوره نكث العهد الذي لا أقبح منه عند العرب ~~ولا أشنع { عهد عند الله } أي المستجمع لصفات الكمال، فهو لا يحب النقض ~~من أوليائه فكيف به من أعدائه { وعند رسوله } أي الذي هو أكمل الخلق ~~وأوفاهم وأحفظهم للعهود وأرعاهم فهم أضداده فأعمالهم أضداد أعماله، وقد ~~بدا منهم الغدر. ms1816 # ولما كان استفهام الإنكار في معنى النفي، صح الاستثناء منه، فكأنه قيل: ~~لا يكون للمشركين عهد { إلا الذين عاهدتم } أي منهم كما تقدم { عند ~~المسجد الحرام } أي الحرم يوم الحديبية، وهذا مما يدل على أن الاستثناء ~~المتقدم من { الذين } في قوله { براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم ~~من المشركين }؛ قال البغوي؛ قال السدي والكلبي وابن اسحاق: هم من قبائل ~~بكر: بنو خزيمة وبنو مدلج وبنو ضمرة وبنو الديل وهم الذين كانوا قد دخلوا ~~في عهد قريش يوم الحديبية، فلم يكن نقض العهد إلا قريش وبنو الديل من بني ~~بكر فأمر بإتمام العهد لمن لم ينقض، ولما استثنى، بين حكم المستثني فقال: ~~{ فما استقاموا لكم } أي ركبوا الطريق الأقوم في الوفاء بعهدهم { ~~فاستقيموا لهم } والقول في { إن الله } أي المحيط بالجلال والجمال { يحب ~~المتقين* } كما سبق. # ولما أنكر سبحانه ان يكون للمشركين غير المستثنين عهد، بين السبب الموجب ~~للانكار مكررا أداة الإنكار تأكيدا للمعنى فقال: { كيف } أي يكون لهم ~~عهد ثابت { وإن } أي والحال أنهم مضمرون لكم الغدر والخيانة فهم إن { ~~يظهروا عليكم } أي إن يعل أمر لهم على أمركم بأن يظفروا بكم بعد العهد ~~والميثاق { لا يرقبوا } أي لا ينظروا ويرعوا { فيكم } أي في أذاكم بكل ~~جليل وحقير { إلا } أي قرابة محققة { ولا ذمة } أي عهدا، يعني أن ~~الأمر المبيح للنبذ خوف الخيانة، وعلام الغيوب يخبركم أنهم في غاية ~~الخيانة لكم، والإل هذا: القرابة - وهو قول ابن عباس، والمادة تدور على ~~الألة وهي حربة في نصلها عرض، ويلزمها الصفاء والرقة والبريق، ويشبه به ~~الإسراع في العدو، والثبات في نفسها، ومنه القرابة والعهد والتغير في ~~وصفها، ومنه تغير رائحة الإناء وفساد الأسنان والصوت، ومنه الأنين ~~والجؤار في الدعاء مع البكاء وخرير الماء والطعن والقهر-، ومنه: إن هذا - ~~أي كلام مسيلمة - ما يخرخ من إل، أي من ربوبية، وفي إل الله، أي قدرته ~~وإلهيته. # ولما كان ذلك مظنة لأن يقال: قد أكدوا لنا الأيمان وأوثقوا العهود، ولم ~~يدعوا بابا من أبواب ms1817 الاستعطاف، قال معللا لما مضى مجيبا لمن استبعده: ~~{ يرضونكم } وعبر بأقصى ما يمكن الكلام به من القلوب تحقيقا لأنهم ليس ~~في قلوبهم شيء منه فقال: { بأفواههم } أي بذلك التأكيد، وصرح بالمقصود ~~بقوله: { وتأبى قلوبهم } أي العمل بما أبدته ألسنتهم، وقليل منهم من ~~يحمله الخوف ونحوه على الثبات أو يرجع عن الفسق ويؤمن { وأكثرهم فاسقون* ~~} أي راسخو الأقدام في الفسق خارجون - لمخالفة الفعل للقول - عما ~~تريدونه، وإذا نقض الأكثر اضطر الأقل إلى موافقتهم. # ولما دام ما ترى من كشف سرائرهم، شرع سبحانه يقيم لهم الدليل على فسقهم ~~وخيانتهم بتذكيرهم ما بدا من بعضهم من النقض بعد أن أثبت فيما مضى أنهم ~~شرع واحد بعضهم أولياء بعض، وفيما يأتي أنهم بعضهم من بعض، فقال معبرا ~~بما يفيد أنهم تمكنوا من ضد الإيمان تمكنا صار به كأنه في حوزتهم: { ~~اشتروا } أي لجوا في أهويتهم بعد قيام الدليل الذي لا يشكون فيه فأخذوا { ~~بآيات الله } أي الذي لا شيء مثله في جلال ولا جمال على ما لها من العظم ~~في أنفسها وبإضافتها إليه { ثمنا قليلا } من أعراض الدنيا فرضوا بها مع ~~مصاحبة الكفر، وذلك أن أبا سفيان أطعمهم أكلة فنقضوا بها عهودهم { فصدوا ~~} أي فسبب لهم ذلك وأداهم إلى أن صدوا { عن سبيله } أي من يريد السير ~~عليه ومنعوا من الدخول في الدين أنفسهم ومن قدروا على منعه. # ولما دل على ما أخبر به من فساد قلوبهم، استأنف بيان ما استحقوه من عظيم ~~الذم بقوله معجبا منهم: { إنهم ساء ما } وبين عراقتهم في القبائح وأنها ~~في جبلتهم بذكر الكون فقال: { كانوا يعملون* } أي يجددون عمله في كل وقت، ~~وكأنه سبحانه يشير بهذا إلى ما فعلت عضل والقارة بعاصم بن ثابت وخبيب بن ~~عدي، ذكر ابن إسحاق في السيرة عن عاصم بن عمر رضي الله عنه - والبخاري في ~~الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه -، كل يزيد على صاحبه وقد جمعت بين ~~حديثيهما أنه قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أحد رهط ms1818 من عضل ~~والقارة فقالوا: يا رسول الله إن فينا إسلاما فابعث معنا نفرا من ~~أصحابك يفقهوننا في الدين ويقرؤوننا القرآن ويعلموننا شرائع الإسلام فبعث ~~معهم نفرا ستة - وقال البخاري: عشرة - وأمر عليهم عاصم بن ثابت فخرج ~~معهم، حتى إذا كانوا بالرجيع ماء لهذيل غدروا بهم فاستصرخوا عليهم ~~هذيلا، فلما أتوهم أخذوا أسيافهم ليقاتلوهم، فقالوا: إنا والله لا نريد ~~قتلكم، ولكنا نريد أن نصيب بكم شيئا من أهل مكة، ولكن عهد الله وميثاقه ~~أن لا نقتل منكم أحدا، فأما عاصم فلم يقبل وقاتل حتى قتل هو ناس من ~~أصحابه، ونزل منهم ثلاثة نفر على العهد والميثاق، فلما استمكنوا منهم ~~أطلقوا أوتار قسيهم فربطوهم بها، فقال رجل منهم: هذا أول الغدر، والله لا ~~أصحبكم، إن لي بهؤلاء أسوة - يريد القتلى، فجرروه وعالجوه فأبى أن يصحبهم ~~فقتلوه؛ فانطلقوا بخبيب وزيد بن الدثنة حتى باعوهما بمكة فقتلوهما. # وقصة العرنيين الذين قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأظهروا ~~الإسلام ثم خرجوا إلى لقاح النبي صلى الله عليه وسلم فقتلوا الراعي ~~واستاقوا اللقاح بعد ما رأوا من الآيات، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم ~~في آثارهم فقتلهم؛ وفي تاريخ ابن الفرات عن القتبي أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم بعث عبد الله بن عوسجة البجلي إلى بني حارثة بن عمرو بن قرط ~~بكتاب فرقعوا دلوهم بالكتاب فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما لهم! أذهب ~~الله عقولهم، فهم أهل رعدة وكلام مختلط؛ ولما خرج أهل مكة بعد أن عاملهم ~~صلى الله عليه وسلم بغاية الإحسان أعتقهم وعفا عنهم بعد تلك الحروب ~~والأذى في المبالغة في النكايات التي لا يعفو عن مثلها إلا الأنبياء، ~~خرجوا معه إلى حنين غير مريدين لنصره ولا محبين لعلو أمره، بل هم الذين ~~انهزموا بالناس - كما نقله البغوي عن قتادة؛ وقال أبو حيان ويقال: إن ~~الطلقاء من أهل مكة فروا وقصدوا إلقاء الهزيمة في المسلمين وبلغ فلهم مكة ~~-انتهى. وقال الواقدي: وخرج رجال مكة مع النبي صلى الله عليه وسلم ms1819 فلم ~~يتغادر منهم أحد على غير دين ركبانا ومشاة، ينظرون لمن تكون الدائرة ~~فيصيبون من الغنائم، ولا يكرهون أن تكون الصدمة بمحمد وأصحابه، وقال هو ~~وغيره: فلما كانت الهزيمة حيث كانت والدائرة على المسلمين تكلم قوم بما ~~في أنفسهم من الكفر والضغن والغش، وذكروا أنه عزم ناس منهم على قتل النبي ~~صلى الله عليه وسلم ولكن الله منعه منهم. # هذا بعض ما غدر فيه كفار العرب، وأما اليهود فكلهم نقض: بنو قينقاع ثم ~~النضير ثم قريظة ثم أهل خيبر، حتى كان ذلك سبب إخراجهم منها وإجلائهم إلى ~~بلاد الشام، ويجوز أن يكون ذلك إشارة إلى أنهم قد تبين لهم مثل الصبح ~~جميعا ما أخبرهم به النبي صلى الله عليه وسلم، فلما لم يرجعوا لمجرد ~~أهوائهم كانوا قد اشتروا بذلك ثمنا قليلا، وهو التمتع بما هم فيه مدة ~~حياتهم على ما صاروا إليه من سفول الكلمة وإدبار الأمر، فمن قاده هواه ~~إلى ترك السعادة العظمى لهذا العرض الزائل اليسير كان غير مأمون على شيء ~~لأنه رهينة داعي الهوى وأمر الشيطان، لأنه أول ما بدأ بنفسه فغدر بها ~~وغشها غير ناظر في مصلحة ولا مفكر في عاقبة. ### || [9.10-14] # ولما أخبر تعالى بعراقتهم في الفسق، دل عليه بأن خيانتهم ليست خاصة ~~بالمخاطبين، بل عامة لكل من اتصف بصفتهم من الإيمان،فمدار خيانتهم على ~~الوصف، فقال: { لا يرقبون في مؤمن إلا } أي قرابة وأصلا جيدا ثابتا ~~{ ولا ذمة } أي عهدا أكيدا { وأولئك } أي البعداء من كل خير { هم } أي ~~خاصة لتناهي عدوانهم { المعتدون* } أي عادتهم المبالغة في حمل أنفسهم على ~~أن يعدوا الحدود لعدم ما يردهم عن ذلك من وازع إلهي ورادع شرعي كما فعل ~~عامر بن الطفيل بأهل بئر معونة مع أنهم في جوار عمه وكان من خبرهم أن عمه ~~أبا براء عامر بن مالك بن جعفر ملاعب الأسنة قدم على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال له: لو بعثت رجالا من أصحابك إلى أهل نجد رجوت أن ~~يستجيبوا لك، فقال رسول الله ms1820 صلى الله عليه وسلم: إني أخشى عليهم أهل ~~نجد، قال أبو براء: أنا لهم جار. فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~المنذر بن عمرو أخا بني ساعدة المعنق ليموت في سبعين رجلا من أصحابه من ~~خيار المسلمين، فما نزلوا بئر معونه بعثوا حرام بن ملحان بكتاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إلى عامر بن الطفيل فلم ينظر في كتابه وعدا عليه ~~فقتله، ثم استصرخ عليهم بني عامر فأبوا وقالوا: لن نخفر أبا براء، ~~فاستصرخ عليهم قبائل من بني سليم: عصية ورعلا وذكوان فقتلوهم فلم يفلت ~~منهم إلا ثلاثة نفر عمرو بن أمية الضمري أحدهم، فعظم ذلك النبي صلى الله ~~عليه وسلم ودعا على قتلتهم شهرا؛ قال البغوي: وقال ابن عباس رضي الله ~~عنهما: إن أهل الطائف أمدوهم - يعني قريشا - بالأموال ليقووهم على حرب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا الذي أحكمه تعالى من نبذ العهد نظر ~~للدين، لأنه نظر لجميع أهله الذين لا يوجد إلا بهم. # ولما بين ما أوجب بعدهم منهم ومعاداتهم لهم، بين ما يصيرون به أهلا ~~فقال { فإن تابوا } أي بالإيمان بسبب ما أبديتم لهم من الغلظة { وأقاموا ~~} أي أيدوا ذلك بأن أقاموا { الصلاة } أي بجميع حدودها { وآتوا الزكاة } ~~أي كما حده رسول الله صلى الله عليه وسلم { فإخوانكم } أي هم، وبين أنها ~~ليست أخوة النسب فقال: { في الدين } لهم ما لكم وعليهم ما عليكم، فلا ~~تعرضوا لهم بما يكرهونه. # ولما كان كأنه قيل بعثا وتحريضا على تأمل ما فصل: قد فصلنا لكم أمرهم ~~في هذه الآيات تفصيلا، عطف عليه قوله: { ونفصل } أي في كل أمر يحتاجون ~~جميع { الآيات } وعظم هذه الآيات وحثم على تدبرها بقوله: { لقوم يعلمون* ~~} أي صار العلم لهم صفة فلهم ملكة يتصرفون بها في أصوله وفروعه، لا ~~يغترون بمجرد كلام من شأنه الرداءة والمخالفة بين القول والعمل، ~~والاعتراض بهذا بين هذه الجمل المتلاحمة إشارة إلى عظم الأمر الذي نبه ~~عليه وتحريض على إنعام النظر فيه ليعلم أن مدخوله جليل الأمر ms1821 عظيم القدر ~~لئلا يظن أنه تكرار. # ولما بين السبب الموجب لمجازاتهم بجنس عملهم، وهو البراءة منهم وما يتبع ~~ذلك إلى أن ختم بتقدير توبتهم، رجع إلى قسيم قوله { فما استقاموا لكم } ~~فقال: { وإن نكثوا أيمانهم } أي التي حلفوها لكم؛ ولما كان النقض ضارا ~~وإن قصر زمنه، أتى بالجار فقال: { من بعد عهدهم } أي الذي عقدوه { وطعنوا ~~} أي أوقعوا الطعن { في دينكم } أي بقول أو فعل. # ولما كان هذا الفعل لا يستقل به في الأغلب إلا الرؤساء، أشار إلى ذلك ~~بقوله: { فقاتلوا } ووضع موضع ضميرهم تحريضا على قتالهم وإشارة إلى أنهم ~~ما نكثوا وأقدموا على هجنة الكذب ولم يستهجنوا الخروج عن عادات الكرام ~~إلا وقد رسخوا في الكفر فقال: { أئمة الكفر } ثم أشار - بقوله معللا ~~لجواز المقاتله: { إنهم لا أيمان لهم } إلى أن ذلك ولو فعله الأتباع ولم ~~يكفهم الرؤساء فهو عن تمال منهم فابدؤوا بالرؤوس فاقطعوها تنقطع الأذناب، ~~وقراءة ابن عامر بالكسر معناها: لا أمان لهم لأنهم قد نقضوا العهد الموجب ~~له بما وقع منهم، ومن طعن من أهل الذمة في الإسلام طعنا ظاهرا جاز ~~قتله، فإن العهد مأخوذ عليه أن لا يطعن، ثم علل المقاتله بقوله: { لعلهم ~~ينتهون* } أي اجعلوا قصدكم لقتالهم أن يكون حالهم حال من ينتهي عن غيه ~~بما يرى منكم من صادق الجد بماضي الحد، روى البخاري في التفسير عن حذيفة ~~رضي الله عنه قال: ما بقي من أصحاب هذه الآية إلا ثلاثة ولا من المنافقين ~~إلا أربعة احدهم شيخ كبير لو شرب الماء البارد لما وجد برده. # ولما نفى أيمانهم بنفي إيمانهم، شرع يقيم الدليل على ذلك بأمور ~~ارتكبوها، كل منها بسبب باعث على الإقدام عليهم، ويحث على قتالهم في صورة ~~تعجيب ممن يتواني فيه فقال: { ألا } وهو حرف عرض، ومعناه هنا الحض لدخول ~~همزة الإنكار على النافي فنفته فصار مدخولها مثبتا على سبيل الحث عليه ~~فهو ابلغ مما لو أثبت بغير هذا الأسلوب { تقاتلون قوما } أي وإن كانوا ~~ذوي منعة عظيمة { نكثوا أيمانهم } أي ms1822 في قصة عاصم وأصحابه والمنذر ~~وأصحابه والإعانة على خزاعة وغير ذلك، فكان النكث لهم عادة وخلقا، وهذا ~~يدل على أن قتال الناكثين أولى من قتال غيرهم ليكون ذلك زاجرا عن النقض، ~~وكانت قصة خزاعة أنه كان بينهم وبين بني بكر بن عبد مناة بن كنانة قتل في ~~الجاهلية، وكانت خزاعة قد دخلت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالحديبية لما كان لهم فيه من المحبة من مسلمهم وكافرهم لما بينهم من ~~الحلف - كما تقدم آخر الأنفال، ودخلت بنو بكر في عهد قريش فمرت على ذلك ~~مدة، ثم إن أنس بن زنيم الديلي هجا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمعه ~~غلام من خزاعة فوقع به فشجه فخرج إلى قومه فأراهم شجته فثار الشر مع ما ~~كان بينهم، وما تطلب بنو بكر من خزاعة من دمائها، فكلمت بنو نفاثة من بني ~~بكر أشراف قريش فوجدوا القوم إلى ذلك سراعا فأعانوهم بالسلاح والكراع ~~والرجال، فخرج نوفل بن معاوية الديلي وهو يومئذ قائدهم؛ قال ابن إسحاق: ~~وليس كل بني بكر بايعه - وقال الواقدي: واعتزلت بنو مدلج فلم ينقضوا ~~العهد - حتى بيت خزاعة وهم على الوتير ماء لهم، فأصابوا منهم رجلا ~~وتجاوزوا واقتتلوا وقاتل معهم من قريش من قاتل بالليل مستخفيا متنكرين ~~منتقبين: صفوان بن أمية ومكرز بن حفص بن الأخيف وحويطب بن عبد العزى ~~وعكرمة بن أبي جهل وأجلبوا معهم أرقاءهم، وكانت خزاعة آمنة لمكان العهد ~~والموادعة. # ولما ذكرهم بمطلق نكثهم في حقهم عامة، وذكرهم بما خصوا به سيدهم بل سيد ~~الخلق كلهم فقال: { وهموا بإخراج الرسول } أي من مكة في عمرة القضاء، بل ~~أمروه بالخروج عند انقضاء الثلاثة الأيام وألحو في ذلك وهو وإن كان ~~قاضاهم على ذلك، لكن قد نقل ابن إسحاق وغيره في قصة النداء بسورة براءة ~~أنه كان في القضية والعهد الذي كان بينه وبينهم أن لا يمنع من البيت أحد ~~جاءه زائرا، ولعلهم هموا بإخراجه قبل الثلاثة الأيام لما داخلهم من ~~الحسد عند ما عاينوا من نشاط ms1823 أصحابه وكثرتهم وحسن حالهم، وذلك غير بعيد ~~من أفعالهم، وإظهارهم التبرؤ به صلى الله عليه وسلم حتى اجترؤوا - وهو ~~أعلى الخلق مقدارا، وأظهرهم هيئة وأنوارا وأطهرهم رسوما وآثارا - على ~~الإلحاح عليه في الخروج من بلد آبائه وأجداده الذين هم أحقهم بها ومسقط ~~رأسه وموضع مرباه، ولكن لم أراه مصرحا به، وهوعندي على ما فيه أولى مما ~~ذكروه من الهم بإخراجه عند الهجرة على ما لا يخفى، أو يكون المراد ما هم ~~به ابن أبي المنافق ومن تابعه من أصحابه من إخراج النبي صلى الله عليه ~~وسلم من المدينة حيث قال في غزوة المريسيع: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن ~~الأعز منها الذل بعد إعطائهم العهود على الإيواء والنصرة والإسلام، وذلك ~~لتذكير المؤمنين بمسارعتهم إلى النقض بعد أن أثبت أنهم في الالتحام في ~~كيد الإسلام كالجسد الواحد، فكأنه يقول: إذا ترك هؤلاء إيمانهم فاولئك ~~أحرى أن ينقضوا أيمانهم، وهو بعث للمؤمنين على التبرؤ من الكافرين ~~منافقين كانوا أو مجاهرين مقاربين أو مباعدين. # ولما ذكرهم بالخيانة عامة وخاصة، أتبعها ما حققها بالقتال فقال: { وهم ~~بدءوكم } أي بتطابق من ضمائرهم وظواهرهم { أول مرة } أي بالقتال والصد في ~~الحديبية بعد إخباركم إياهم بأنكم لم تجيئوا للقتال وأنكم ما جئتم إلا ~~زوارا للبيت الحرام الذي الناس فيه سواء وأنتم أحق به منهم، وذلك أول ~~بالنسبة إلى هذا الثاني مثل قوله { إنكم رضيتم بالقعود أول مرة } وقال ~~بعض المفسرين: المراد بأول مرة قتالهم خزاعة، وهو واضح لأنه بعد عقد ~~الصلح، وقيل: في بدر بعد ما سلمت عيرهم وقالوا: لا نرجع حتى نستأصل ~~محمدا وأصحابه، وقيل:المراد به مطلق القتال لأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم جاءهم بالكتاب المنير ودعاهم بغاية اللين، وتحداهم به عند التكذيب، ~~فعدلوا عن ذلك إلى القتال فهم البادئون البادىء أظلم. # ولما أمرهم بالقتال وكان مكرها إلى النفوس على كل حال. شرع يبين ~~الأسباب الحاملة على التواني عن قتالهم، وحصرها في في الخشية والعاطفة، ~~وقسم العاطفة إلى ما سببه القرب في محاسن الأفعال وإلى ما ms1824 سببه القرب في ~~النسب والصهر، ونقض الكل وبين أنه لا شيء منها يصلح للسببية، فقال بادئا ~~بالخشية لأنها السبب الأعظم في ترك المصادمة منكرا عليهم موبخا لهم ~~ليكون أبلغ في الحث على قتالهم منبها على أن التواني عنهم مصحح للوصف ~~بالجبن ورقة الدين: { أتخشونهم } أي أتخافون أن يظفرون بكم في القتال بأن ~~يكونوا على باطلهم أشد منكم على حقكم { فالله } أي الذي له مجامع العظمة ~~{ أحق } أي منهم { أن تخشوة } أي بأن يكون مخشيا لكم لما تعلمون من ~~قدرته في أخذه لمن خالفه ولو بعد طول الأناة { إن كنتم مؤمنين* } أي فإن ~~من صدق بانه الواحد الذي تفرد بصفات العظمة لم ينظر إلى غير هيبته. # ولما بكت في التواني عنهم، وعدهم بما يزيل خشيتهم منهم، بل يوجب إقدامهم ~~عليهم ورغبتهم فيهم، فقال مصرحا فيهم، فقال مصرحا بما تضمنه الاستفهام ~~الإنكاري في { ألا تقاتلون } من الأمر: { قاتلوهم } أي لله لا لغرض غيره ~~{ يعذبهم الله } أي الذي أنتم مؤمنون بأنه المتفرد بصفات الجلال والجمال ~~{ بأيديكم } أي بأن تقتلوهم وتأسروهم وتهزموهم { ويخزهم } أي بالذل في ~~الدنيا والفضيحة والعذاب في الأخرى. # ولما كان ذلك قولا لا يقتضي النصر الذي هو علو العاقبة قال: { وينصركم ~~عليهم } أي فترضوا ربكم بذلك لإذلالة من يعاديه بكم؛ ولما كان نكالهم بما ~~ذكر يثمر لبعض المؤمنين سرورا لهم فيه حظ، بين تعالى أنه لا يؤثر في ~~العمل بعد ثباته على أساس الإخلاص فقال: { ويشف } أي بذلك { صدور قوم ~~مؤمنين* } أي راسخين في الإيمان، أسلفوا إليهم مساوىء أوجبت ضغائن وإحنا ~~كخزاعة وغيرهم ممن أعانوا عليه أو أساؤوا إليه. ### || [9.15-18] # ولما كان الشفاء قد لا يراد به الكمال، أتبعه تحقيقا لكماله قوله: { ~~ويذهب غيظ قلوبهم } أي يثبت بها من اللذة ضد ما لقوة منهم من المكروه، ~~وينفي عنها من الألم بفعل من يريد سبحانه من أعدائهم وذل الباقين ما كان ~~قد برح بها، ولقد وفى سبحانه بما وعد به، فكانت الآية ظواهر الدلائل. # ولما كان التقدير: قاتلوهم فإنكم إن قاتلتموهم كان ms1825 كذا، عطف سبحانه على ~~أصل هذه الجملة قوله: { ويتوب الله } أي الملك الذي له صفات الكمال { على ~~من يشاء } أي منهم فيصيروا إخوانا لكم أولياء، والمعنى قاتلوهم يكن ~~القتال سببا لهذه الخمسة الأشياء، وأما التوبة فتارة تسبب عنه وتارة عن ~~غيره، ولأجل احتمال تسببها عنه قرىء شاذا بالنصب على أن الواو للصرف؛ ~~ولما كان ما تضمنه هذا الوعد الصادق يدور على القدرة والعلم، وكان - ~~العلم يستلزم القدرة، فكان التقدير: فالله على كل شيء قدير، عطف عليه ~~قوله { والله } أي الذي له الإحاطة بكل شيء علما وقدرة { عليم } أي بكل ~~شيء وبمن يصلح للتوبة ومن لا يصلح وما في قلوبكم من الإقدام والإحجام لو ~~برز إلى الخارج كيف كان يكون { حكيم* } أي أحكم جميع أموره، ولم يعلق ~~الأحكام الشرعية من أفعالكم الكسبية إلا بما تعلق العلم به في حال ظهوره. # ولما كان التقدير - لما أرشد إليه تقاعدهم عن القتال وإدخال " أم " ~~المرشد إلى أن مدخوله وسط الكلام فإن الابتداء له الألف وحدها: وهل حسبتم ~~أنه تعالى لا يعلم ذلك أو لا يقدر على نصركم؟ بنى عليه قوله موبخا لمن ~~تثاقل عن ذلك بنوع تثاقل: { أم حسبتم } أي لنقص في العقل انه يبني الأمر ~~فيه على غير الحكمة، وذلك هو المراد بقوله: { أن تتركوا } أي قارين على ~~ما أنتم عليه من غير أن تبتلوا بما يظهر به المؤمن من المنافق { ولما } ~~عبر بها لدلالتها - مع استغراق الزمان الماضي - على أن يتبين ما بعدها ~~متوقع كائن { يعلم الله } أي المحيط بجميع صفات الكمال { الذين جاهدوا ~~منكم } أي علما ظاهرا تقوم به الحجة عليكم في مجاري عاداتكم على مقتضى ~~عقولكم بأن يقع الجهاد في الواقع بالفعل. # ولما كان المعنى: جاهدوا مخلصين، ترجمه وبسطه بقوله { ولم } أي ولما ~~يعلم الذين لم { يتخذوا } ويجوز أن يكون حالا، ودل على تراخي الرتب عن ~~مكانته سبحانه بقوله: { من دون الله } أي الذي لا يعدل عنه ويرغب في غيره ~~من له أدنى بصيرة - كما دل عليه الافتعال - لأنه المنفرد ms1826 بالكمال، وأكد ~~النفي بتكرير { لا } فقال: { ولا رسوله } أي الذي هو خلاصة خلقه { ولا ~~المؤمنين } أي الذين اصطفاهم من عباده { وليجة } أي بطانة تباطنونها ~~وتسكنون إليها فتلج أسراركم إليها وأسرارها إليكم، فإن الوليجة كل شيء ~~أدخلته في شيء ليس منه، والرجل يكون في قوم وليس منهم وليجة، فوليجة ~~الرجل من يختصه بدخيلة أمره دون الناس، يقال: هو وليجتي وهم وليجتي - ~~للواحد والجمع - نقل ذلك البغوي عن أبي عبيدة، قال ابن هشام وليجة: ~~دخيلا وجمعها ولائج، يقول: لم يتخذوا دخيلا من دونه يسرون إليه غير ما ~~يظهرون نحو ما يصنع المنافقون، يظهرون الإيمان للذين آمنوا وإذا خلوا إلى ~~شياطينهم قالوا: إنا معكم. # والحاصل أنه لا يكون الترك بدون علم الأمرين حاصلين، والمراد بنفي العلم ~~نفي المعلوم، فالمعنى: ولما يكن مجاهدون مخلصون. # ولما كان ظاهر ذلك مظنه أن يتمسك به من لم يرسخ قدمه في المعارف، ختم ~~بقوله: { والله } أي الذي له الإحاطة الكاملة { خبير بما تعملون* } أي ~~سواء برز إلى الخارج أو لا. # ولما حذرهم من اتخاذ وليجة من دونه، شرع يبين أن الوليجة التي يتخذها ~~بعضهم لا تصلح للعاطفة بما اتصفت به من محاسن الأعمال مالم توضع تلك ~~المحاسن على الأساس الذي هو الإيمان المبين بدلائلة، فقال سائقا له مساق ~~جواب قائل قال:إن فيهم من أفعال الخير ما يدعو إلى الكف عنهم من عمارة ~~المسجد الحرام وخدمته فيهم من أفعال الخير ما يدعو إلى الكف عنهم من ~~عمارة المسجد الحرام وخدمته وتعظيمه! { ما كان للمشركين } عبر بالوصف دون ~~الفعل لأن جماعة ممن أشرك أسلم بعد ذلك فصار أهلا لما نفى عنهم { أن ~~يعمروا مساجد الله } أي وهو المنزه بإحاطته بصفات الكمال؛ قال البغوي: ~~قال الحسن:ما كان للمشركين أن يتركوا فيكونوا أهل المسجد الحرام، ثم قال ~~في توجيه قراءة الجمع: قال الحسن: إنما قال: مساجد الله، لأنه قبلة ~~المساجد كلها - يعني فعامره عامر جميع المساجد، ويجوز أن يراد الجنس، ~~وإذا لم يصلحوا لعمارة الجنس دخل المسجد الحرام لأنه صدر الجنس، وذلك ms1827 آكد ~~لأنه بطريق الكناية - قال الفراء: وربما ذهب العرب بالواحد إلى الجمع ~~وبالجمع إلى الواحد، ألا ترى أن الرجل يركب البرذون فيقول: أخذت في ركوب ~~البراذين، ويقال: فلان كثير الدرهم والدينار - انتهى. # فتحرر أن المعنى: منعهم من إقامة شعائره بطواف أو زيارة أو غير ذلك ~~لأنهم نجس - كما يأتي { شاهدين على أنفسهم } أي التي هي معدن الأرجاس ~~والأهوية { بالكفر } أي بإقرارهم، لأنه بيت الله وهم يعبدون غير الله وقد ~~نصبوا فيه الأصنام بغير إذنه وادعوا أنها شركاؤه، فإذن عمارتهم تخريب ~~لتنافي عقدهم وفعلهم، قال البغوي: قال ابن عباس رضي الله عنهما: شهادتهم ~~سجودهم للأصنام، وذلك أنهم كانوا نصبوا أصنامهم خارج البيت الحرام عند ~~القواعد وكانوا يطوفون بالبيت عراة، كلما طافوا شوطا سجدوا لأصنامهم. # ولما نفي قبيح ما يفعلون حسن ما يعتقدون، أشار إلى بعدهم عن الخير ~~بقوله: { أولئك حبطت أعمالهم } أي من العمارة والحجابة والسقاية وغير ~~ذلك، فسدت ببطلان معانيها لبنائها على غير أساس { وفي النار هم } أي خاصة ~~ومن فعل كفعلهم فهو منهم { خالدون* } أي بجعلهم الكفر مكان الإيمان. # ولما نفى عنهم أهلية العمارة، بين من يصلح لها فقال { إنما يعمر مساجد ~~الله } أي إنما يؤهل لذلك القرب ممن له الأسماء الحسنى والصفات العلى ~~حسا بإصلاح الذات ومعنى بالتعظيم بالقربات من قمها وتنظيفها ورم ما ~~تهدم وتنويرها بالمصابيح الحسية وبالمعنوية من الذكر والقراءة - ودرس ~~العلم أجل ذلك - وصيانتها مما لم تبن له من أحاديث الدنيا { من آمن ~~بالله } أي الملك الأعلى الذي له الأمر كله { واليوم الآخر } أي فكان من ~~أهل المعرفة الذين تصح عبادتهم وتفيدهم، فإنها إنما تفيد في ذلك اليوم، ~~ولم يذكر الإيمان بالرسول لأن هذه البراءة عن لسانه أخذت، فالإيمان بها ~~إيمان به لا محالة، فعدم ذكره أقعد في إيجاب الإيمان به { وأقام الصلاة ~~وآتى الزكاة } أي وأيد دعواه الإيمان بهذين الشاهدين، وذلك أن عمارة ~~المساجد ليست مقصودة لذاتها، بل الدلالة على رسوخ الإيمان، والصلاة أعظم ~~عمارتها،والزكاة هي المعين لعمدتها على عمارتها. # ولما كان ربما فهم ms1828 من قوله: { آمن } أنه يكفي في الإيمان مجرد الإقرار ~~باللسان، أعلم أنه لابد في ذلك من إيجاد التصديق حقيقة المثمر لخشية الله ~~فلذلك قال: { ولم يخش } أي في الأعمال الدينية { إلا الله } أي ولم يعمل ~~بمقتضى خشية غير الملك الأعظم من كف عما يرضي الله بما فيه سخطه، بل تقدم ~~على ما انحصر رضى الله فيه ولو أن فيه تلفه، وحاصله أنه يقدم خشيته من ~~الله على خشيته من غيره، فهو يرجع إلى قوله { فالله أحق أن تخشوه } ولكن ~~هذا أبلغ لكونه نفى نفس الخشية وإن كان المراد نفي لازمها عادة، وفيه ~~تعرض لهم بأنهم لا يصلحون لخدمته لأنهم يخافون الأصنام ويفعلون معها ~~بعبادتها فعل من يخافها؛ ولما سبب عما مضى نفيا وإثباتا أن المتصف بهذه ~~الأصاف يكون جديرا بالهداية وحقيقا بها، قال تعالى: { فعسى أولئك } أي ~~العالو الهمم { أن يكونوا } أي جبلة ورسوخا { من المهتدين* } فأقامهم - ~~مع ما قدم لهم من الكمال بالمعارف والأفعال - بين الرجاء والخوف مع ~~الإشارة بإفراد الخشية إلى ترجيح الخوف على الرجاء إيذانا بعلو أمره ~~وعظيم كبره إشارة إلى أنه لا حق لأحد عليه وأنه إن شاء أثاب، وإن أراد ~~حكم - وهو الحكم العدل - بالعقاب، لا يسأل عما يفعل، وكرر الاسم الأعظم ~~لمزيد الترغيب لخطر المقام وعزة المرام، ومادة عسى بجميع تصاريفها تدور ~~على الحركة، وهذه بخصوصها للأطماع، والحاصل أن من اتصف بالأوصاف الأربعة ~~كان صالحا وخليقا وجديرا وحقيقا بان يتحرك طمعه ويمتد أمله إلى أن ~~يكون من جملة أهل الهدى، فكيف توجبون أنتم لمن لم يتصف بواحد منها ما ~~يختص به المهتدون من الموالاة، هكذا كان ظهر لي أولا في مدار المادة، ثم ~~ظهر لي أن ذلك في أكثر تقاليبها، مع إمكان أن يكون غيره للإزالة،وأن ~~الشامل لها - يائية وواوية بتقاليبها العشر: عسى، عيس، سعى يسع، عسو، ~~عوس، سعو، سوع، وسع، وعس - أنها لما يمكن أن يكون، وهو جدير وخليق بأن ~~يكون، من قولهم: أعس به - أي أخلق. # وبالعسى أن يفعل - أي بالحري، وإنه ms1829 لمعساة بكذا - أي مخلقه، وبهذا فسرها ~~سيبويه: قال ابن هشام الخضراوي في شرح الإيضاح لأبي علي: وقال سيبويه: إن ~~عسى بمنزلة اخلولق، والمعساء كمكسال: الجارية المراهقة لأنها جديرة بقبول ~~النكاح، ومن ثم اتت للطمع والإشفاق، وقد يزيد الرجاء فيطلق على القرب ~~فيكون مثل كاد، وقد يشتد فيصل إلى اليقين فنستعمله حينئذ في معنى كان، ~~ومنه: عسى الغوير ابؤسا لكن قال الرضى: وأنا لا أعرف عسى في غير كلامه ~~تعالى لليقين. وقد يضعف الرجاء فيصير شكا، ومنه المعسية كمحسنة للناقة، ~~قد شك أبها لبن أم لا، وعسى النبات - كفرح ودعا: غلظ ويبس، أي صار خليقا ~~لأن يرعى وأن يقطع، واليد من العمل مثله، أي فصارت جديرة بالصبر على ~~المشاق، والعاسي، والنخل: لأنه جدير بكمال ما يطلب منه من المنافع، وعسي ~~الشيخ كرضي عساء وعسا كدعا يعسو: كبر، أي صار خليقا بالموت وبأن لا ~~يتعلم ما لم يكن في غريزته، وكذا عسى وعسا الإنسان عن الأدب، أي كبر عنه، ~~والعود يبس وصلب واشتد أي فصار خليقا لما يراد منه، والليل: اشتدت ~~ظلمته، فصار جديرا بمطابقة اسمه لمسماه وبتغطية الأمور، والعسو: الشمع، ~~كأنه لإزالته ظلمة الليل بنوره إذا أحرق، وعسي بالشيء كفرح: لزمه، أي ~~فصار جديرا بإضافته إليه؛ والعيس - بالفتح: ضراب الفحل ويقال: ماؤه لأنه ~~جدير بالإنتاج، والعيس - بالكسر؛ الإبل البيض يخالط بياضها شقرة، وجمل ~~وظبي أعيس وناقة عيساء، لأنها خليقة بكل محمدة لحسن لونها، وتعيست الإبل ~~صارت بياضا في سواد كذلك أيضا وعيساء: امرأة والأنثى من الجراد، لشبهها ~~بلون العيس، وأعيس الزرع إذا لم يكن فيه رطب، لأنه صار حقيقا بالحصاد، ~~والعوس - بالفتح - والعوسان: الطوفان بالليل، لأنه جدير ببلوغ المقاصد، ~~وبالضم: ضرب من الغنم وهو كبش عوسي، إلحاقا لها بالعيس لكنها لصغرها ~~اختير لها الضم جبرا لها وتقوية وتفاؤلا بالكبر، واختير للإبل الكسر ~~تفاؤلا بسهولة القياد، وبالتحريك: دخول الشدقين عند الضحك وغيره: ~~تشبيها بالغنم، فكأنه جدير بأن يترك ما يحدث منه ذلك من الضحك وغيره، ~~والنعت أعوس وعوساء، وعاس على عياله: كد ms1830 عليهم وكدح، وعياله: قاتهم، ~~وماله عوسا وعياسة: أحسن القيام عليه فعمل بما هو الأليق به في كل ذلك ~~والعواسة - بالضم: الشربة من اللبن وغيره، لأنها جديرة بالري، والأعوس: ~~الصقيل والوصاف للشيء، لأنه جدير بإظهار الخبء، والعوساء كبراكاء: ~~الحامل من الخنافس، لأنها في تلك الحالة أجدر بما تفهمه مادتها من ~~الكراهة فإنه يقال: خنفس عن القوم: كرههم وعدل عنهم، والخنافس - بالضم: ~~الأسد، لأنه جدير بأن يكره ويعدل عنه؛ والسعي: عدو دون الشد وكل عمل سعي؛ ~~قال في القاموس: سعى كرعى: قصد وعلم ومشى وعدا ونم وكسب، وكل ذلك يكون ~~جديرا بدرك حاجته، والسعاية: مباشرة عمل الصدقات التي بها يدرك الإمام ~~أخذ الحقوق، فيكون خليقا بإغناء الفقراء، وسعت الأمة: بغت، فكانت خليقة ~~بعمل الإماء عند العرب، وساعاها: طلبها للبغاء، وأسعاه: جعله يسعى، ~~والمسعاة: المكرمة والمعلاة في أنواع المجد، لأنها جديرة بأن يسعى لها، ~~واستسعى العبد: كلفه من العمل ما يؤدي به عن نفسه إذا عتق بعضه ليعتق به ~~ما بقي لأنه جدير بذلك، والسعاية - بالكسر: ما كلف من ذلك؛ والسيع: الماء ~~الجاري على وجه الأرض، وقد انساع - إذا جرى، لأن الماء خليق بالجري ~~والحركة، وساع الماء والشراب: اضطرب على وجه الأرض، وسيعاء من الليل ~~وكسيراء: قطع منه، كأنه ينظر إلى الساعة وهي جزء، هو لنفاسته خليق بأن ~~يحفظ ولا يضيع وأن يتدارك إن ضيع، والسياع - بالفتح: ما يطين به، والشحم ~~تطلى به المزادة، كأنه يمنع ما هو خليق بالجري، وقد سيعت الجب - إذا ~~طينته بطين أو جص؛ وكذلك الزق والسفن إذا طليت بالقار، والمسيعة: خشبة ~~مملسة يطين بها تكون مع حذاق الطيانين، والتسييع، التطيين بها تكون مع ~~حذاق التدهين، وقال القزاز: والسياع: تطيينك بالجص أو الطين أو القير، ~~تسيع به السفن، والسياع: شجر العضاه له ثمر كهيئة الفستق وشجر اللبان، ~~وكل منها خليق بالرغبة فيه، والمسياع؛ الناقة تذهب في المرعى، كأنها شبهت ~~بالماء الجاري، وهي أيضا خليقة بالسمن، والتي تحمل الضيعة، وسوء القيام ~~عليها، والتي يسافر عليها ويعاد، لأنها خليقة بأن يرغب ms1831 فيها فيها وأساعة: ~~أهمله، أي أزال ما هو خليق به من الحفظ فصار خليقا بالهلاك، والسعوة - ~~بالكسر: الساعة كالسعواء بالكسر والضم - وقد تقدم تخريجها - والمرأة ~~البذية الخالعة، كأنها جديرة بسرعة الفراق كالساعة، والساعي: الوالي على ~~أي أمر وقوم كان، ولليهود والنصارى: رئيسهم، لأنه خليق بأن يسعى عليهم ~~ويذب عنهم، والسعاة: التصرف، لأن الإنسان جدير به، وسعيه علم للعنز، ~~لأنها خليقة بالسعي، والسعاوي - بالضم: الصبور على السهر والسفر، نسبة ~~إلى السعي على وجه بليغ وهو خليق بأن يرغب فبه، وأسعوا به، أي طلبوه بقطع ~~همزتها، والساعة: جزء من أجزاء الجديدين والوقت الحاضر والقيامة، لأن كل ~~ذلك جدير وحقيق بالاحتفاظ من إضاعته، والهالكون كالجاعة للجياع، كأنهم ~~أضاعوا ساعتهم فكانوا جديرين بما حصل لهم، وساعة سوعاء: شديدة، وساعت ~~الإبل تسوع: بقيت بلا راع، فصارت جديرة بالهلاك والضياع، وأساعه: أهمله ~~وضيعه، فصار كذلك، ومنه ناقة مسياع: تدع ولدها حتى يأكله السباع، وبعد ~~سوع من الليل وسواع، أي هدوئه، وأسوع: انتقل من ساعة إلى ساعة فصار ~~جديرا بأن يتحفظ فيتدارك في الثانية ما فاته في الأولى، وأسوع الحمار: ~~أرسل غرموله، فصار جديرا بالنزوان، وسواع: اسم صنم عبد في عهد نوح عليه ~~السلام، غرقه الطوفان فاستثاره إبليس حتى عبد أيضا، لأنه كان خليقا - ~~عندهم وفي زعمهم - بما أهلوه له - تعالى الله عن ذلك! والوسع مثلثة: ~~الجدة والطاقة كالسعة، ومعناها الخلاقة بالاحتمال، وسعه الشيء - بالكسر - ~~يسعه كيضعه سعة كدعة وزنة: كان جديرا باحتماله، واللهم سع علينا، أي ~~وسع، وليسعك بيتك، أمرا بالقرار فيه، وهذا الإناء يسع عشرين كيلا، أي ~~يتسع لها، والواسع: ضد الضيق - كالوسيع، وفي الأسماء الحسنى: الكثير ~~العطاء الذي يسع لما يسأل، أو المحيط بكل شيء أو الذي وسع رزقه جميع خلقه ~~ورحمته كل شيء، والوساع كسحاب: الندب، وهو الخفيف في الحاجة الظريف ~~النجيب، لأنه جدير بما يندب له، ومن الخيل: الجواد أو الواسع الخطو ~~والدرع - كالوسيع، وقد وسع ككرم وساعة وسعة وأوسع: صار ذا سعة، والله ~~عليه: أغناه، وتوسعوا في المجلس: تفسحوا، فصاروا جديرين ms1832 باحتمال الداخل ~~بينهم، ووسعه توسيعا ضد ضيقه، ورحمة والله وسعت كل شيء، اي أحاطت به، ~~ووسع كل شيء علما، أي أحاط به وأحصاه؛ والوعس كالوعد: شجر تعمل منه ~~البرابط والعيدان، لأنه أحق الأشجار بذلك، والرمل السهل يصعب فيه المشي، ~~لأنه يرى لسهولته خليقا بأن يمشى فيه، وإذا حقق النظر كان خليقا بصعوبة ~~المشي لكونه رملا، وأوعس ركبه، والوعساء:رابية من رمل لينة تنبت أحرار ~~البقول، لأنها للينها حقيقة من بين روابي الرمل بالنبت، ومكان أوعس ~~وأمكنه وعس، والميعاس: ما تنكب عن الغلظ، فهو جدير بالمشي فيه، والأرض؛ ~~لم توطأ، فهي جديرة بالكف عن سلوكها، والطريق، لأنه جدير بأن يسلك، قال ~~في القاموس: كأنه ضد، والمواعسة: ضرب من سير الإبل، كأنه وسط فهو جدير ~~بالخير والمباراة في السير، أو لا تكون إلا ليلا؛ وقال القزاز: توعست في ~~وجهه حمرة أو صفرة، أي كانت خليقة بالظهور، قال: وإذا ذكروا الرملة ~~قالوا: وعساء، وإذا ذكروا الرمل قالوا: أوعس - هذا ما في تنزيل الجزيئات ~~من اللغة على مدار هذه المادة، وأما كلام أهل العربية في قواعد " عسى " ~~الكلية فقال أبو عبد الله القزاز: هو فعل لا ينصرف فلا تقول؛ يعسى، ولا ~~هو عاس، وقال عبد الحق الإشبيلي: ولا يأتي منه مستقبل ولا فاعل ولا ~~مفعول ولا مصدر قال القزاز: ويصحبه " أن " ويجوز حذفها، و " أن " وما ~~بعدها بمعنى المصدر وهي في موضع نصب، ولا يقع بعدها المصدر ولا اسم ~~الفاعل، وإنما جاء هذا في مثل العرب: عسى الغوير أبؤسا، وأبؤس جمع بأس، ~~وهذا يدل على أن خبر عسى في موضع نصب، وقال في القاموس: والأبؤس: ~~الداهية، ومنه عسى الغوير أبؤسا، أي داهية، قال أبو عبيد في الغريب: ~~كأنه أراد: عسى الغوير أن يحدث أبؤسا وأن يأتي بأبؤس، فهذا طريق النصب، ~~ومما يبينه قول الكميت: # قالوا أساء بنو كرز فقلت لهم # عسى الغوير بإبآس وإغوار # وقال شارح الجزولية أبو محمد بن الموفق: لما كانت للرجاء دخلها معنى ~~الإنشاء فلم تتصرف، لأن تصرفها ينافي الإنشاء لأنها إذا ms1833 تصرفت دلت على ~~الخبر فيما مضى والحال والاستقبال، وذلك ينافي معنى الإنشاء الذي لا يصلح ~~لماض ولا مستقبل، وقال بعض المتأخرين: عسى موضوعة لفعل يتوهم كونه في ~~الاستقبال وهو على لفظ الماضي فاحتيج إلى " أن " بعده إذ لا مستقبل له، ~~وذهب بعضهم إلىأن عسى حرف لعدم تصرفها ولا معناها في غيرها، والصحيح أنها ~~فعل لفظا ومعنى، أما لفظا فظاهر، أي للحاق الضمائر وتاء التأنيث ~~الساكنة، وأما معنى فلأنه إخبار عن طمع وقع للمتكلم، وجعل لفظها بلفظ ~~الماضي لأن الطمع قد وقع، وإنما المطموع هو الذي يتوقع وينتظر، وأدخل " ~~أن " على المطموع فيه لأنه لم يقع بعد، وجردت أخواتها عن " أن " لأن ~~خبرها محقق في الحال إذ قد شرع فيه إلا " كاد " فإنها للمقاربة في ~~الجملة؛ وقال ابن هشام المصري في توضيحه: ويجب كون خبرها جملة، وشذ كونه ~~مفردا نحو عسى الغوير أبؤسا، ويكون الاسم مرفوعا بعسى وأن، والفعل في ~~موضع نصب على الخبر، وقال الرضى: إنما لم يتصرف في عسى لتضمنها معنى ~~الحرف، أي إنشاء الطمع والرجاء، وقوله: أبؤسا وصائما، لتضمن عسى معنى ~~كان فأجري مجراه ومذهب المتأخرين أن عسى ترفع الاسم وتنصب الخبر ككان، ~~وقال أبو طالب العبدي في شرح الإيضاح للفارسي: الأفعال موضوعة للتصرف من ~~حيث كانت مقسمة بأقسام الزمان، ولولا ذلك لأغنيت المصادر عنها، ولهذا قال ~~سيبوبة فأما الأفعال فأمثلة أخذت من لفظ أحداث الأسماء فبنيت لما مضى ~~ولما يكون ولما هو كائن لم ينقطع، ولما خالفت هذه الأفعال - يعني عسى ~~ونعم وبئس وفعل التعجب - سائر الأفعال في الدلالة ترك تصرفها أبدا بما ~~أريدت له من المبالغة فيما جعلت دالة عليه، فمعنى عسى الطمع والإشقاق - ~~كذا قال سيبوية، ولما اختصت بهذا المعنى ترك تصرفها، قال الرماني: منعت ~~ذلك حملا على " لعل " كما حملت " ما " على " ليس " والأول أولى لأنه ليس ~~ينبغي أن يحمل باب الأفعال على الحروف، ولأن الأفعال في بابها بمنزلة ~~الحروف في بابها في لزوم البناء، وإنما الأسماء تحمل عليها كما تقول في ~~قطام وحزام: ms1834 إنه بني لوقوعه موقع الفعل، وأن أسماء الاستفهام بنيت ~~لوقوعها موقع الحرف ولا تقول في الأفعال إنها بنيت حملا على الحروف ولا ~~الحروف بنيت حملا على الأفعال، بل كل منهما أصل فكذلك التصرف، ليس ~~امتناعه لحمله على الحرف وجريه مجراه، وعسى من أخوات " كان " وإنما لم ~~تذكر معها للمخالفة بترك التصرف وبلزوم " أن " الخبر وبكون فعلا، ويدل ~~على أنها من أخوات " كان " عسى الغوير أبؤسا، فقد انكشف الأصل كما انكشف ~~أصل أقام وأطال ونحوه بقوله: # صددت وأطولت الصدود وقلما # وصل على طول الصدود يدوم # ولزوم الفعل بخبرها لجعله عوضا من التصرف الذي كان ينبغي أن يكون لها، ~~وأما لزوم " أن " فلما أريد من صرف الكلام إلى تأويل الاستقبال لأن " أن ~~" تخلص إليه، والبيت الممثل به فيه شيء طريف، وهو مصدر مجموع واقع موقع ~~مصدر واقع موقع فعل، والمصادر في أصلها لا تجمع ولكنه ضرورة ومثل، فالأصل ~~أن " بأس " ثم أبؤسا - انتهى كلام العبدي، وعندي أنه عند ما يقوى المعنى ~~الذي سقيت له من طمع أو إشفاق يجعل خبرها اسما تنبيها على أنها الآن ~~بمنزلة كان لما اشتد من شبهها لها بذلك؛ قال أبو طالب: وإذا وليها " أن " ~~والفعل كان في موضع رفع، وسد طول الكلام مسد الخبر، ومعناها الذي هو ~~الإشفاق والطمع قريب من المقاربة في كاد، فلذلك حذف " أن " من خبرها ~~حملا لها على كاد كما جوزوا دخول " أن " في خبر كاد حملا لها على عسى؛ ~~وقال شارح الجزولية: وحذف " أن " من خبر عسى أكثر من إلحاق " أن " في خبر ~~" كاد " لمقاربة كاد ذات الفعل، و " أن " تنافي ذلك، قال: ومن الفرق ~~بينهما أن عسى لا يضمر فيها ضمير الشأن والقصة لشبهها بالحرف لعدم ~~تصرفها، وتضمر في كاد لتصرفها، ثم رجح أنه يضمر فيها وإن لن تتصرف كما ~~أضمر في نعم وبئس وقال ابن هشام الخضراوي في شرح الإيضاح أيضا: إن ~~سيبويه قدر عسى بقارب، أي فترفع وتنصب لأن قارب متعد، وقدرها بقرب، أي ~~فلا تنصب لعدم تعديه، قال: ms1835 ولا تدخل عسى على الماضي؛ قال أبو علي: لأنها ~~للاستقبال المحض ولذلك وقع بعدها " أن " فلا تصلح للماضي بوجه؛ وقال شارح ~~الجزولية: عسى لها مع الظاهر مذهبان: أحدهما أن تكون ناقصة بمعنى كان ~~الناقصة، تحتاج إلى اسم وخبر إلا أنه يشترط في خبرها أن يكون فعلا، ~~وأصله أن يكون اسما مثل خبر كان إلا أنه عدل عنه إلى الفعل تنبيها على ~~الدلالة على ما هو المقصود من الرجاء وتقوية لما يفيده الرجاء من ~~الاستقبال، وشبهت في هذا الوجه ب " قارب زيد الخروج " تحقيقا لبيان ~~الإعراب، لا في المعنى، لأن " قارب زيد الخروج " ليس فيه إنشاء رجاء ولا ~~غيره، وإنما هو تمثيل لتقدير الإعراب اللفظي لأنه أصلها أن تكون كذلك، ~~وإنما طرأ عليها إنشاء الرجاء كما كان ذلك في التعجب ونعم وبئس وغيرهما؛ ~~والمذهب الثاني أن تأتي تامة فتستعمل استعمال " قرب " فتدخل على " أن " ~~مع الفعل فتقول: عسى أن يقوم زيد، واستغنى فيها - بأن والفعل - عن ~~الخبرين كما استغنى في " ظننت أن يقوم زيد " عن المفعولين، وذلك لاشتماله ~~على مسند ومسند إليه، وهو المقصود بهذه الأفعال، فإذا قلت: زيد عسى أن ~~يقوم، احتمل أن تكون الناقصة فيكون فيها ضمير يعود على زيد هو اسمها و " ~~أن " مع الفعل خبرها، ويحتمل أن تكون التامة فلا يكون فيها ضمير وكون " ~~أن " مع الفعل فاعلها؛ وقال ابن الخباز الموصلي في كتابه النهاية في شرح ~~كفاية الكفاية: عسى للطمع للمبالغة في الطمع، فلا يكون خبرها ماضيا لأن ~~معناها الرجاء والطمع، والماضي لا يطمع فيه ولا يرجى لحصوله، واستدل على ~~أنها لا تستعمل إلا في المستقبل بقول بعض شعراء الحماسة: # عسى طيىء من طيىء بعد هذه # ستطفىء غلات الكلى والجوانح # فأتى بالسين لأنه لم يمكنه الإتيان ب " أن " في الشعر؛ وقال شارح ~~الجزولية ما معناه: إنه التزم في خبرها الفعل للدلالة على الاستقبال ~~وألزم " أن " تقوية لذلك، ولهذا لم يكن خبرها اسما وإن كان أصله أن يكون ~~اسما إذ لا دلالة للاسم على الزمان، ولم يوضع ms1836 مكانها السين وسوف لأنهما ~~يدلان على تنفيس في الزمان والغرض هنا تقريبه، وقد يجيء في الشعر قليلا ~~- وأنشد البيت المذكور؛ وقال ابن الخباز: ودخول الاستفهام عليها يؤذن ~~بأنها ليست للطمع لأن الاستفهام لا يدخل على الطمع ولا على ما ليس بخبر، ~~فدخول هل عليها مما يؤذن بأنها خبر - انتهى. فتفسيرها بما ذكرته - من ~~أنها لما يمكن أن يكون وهو خليق بأن يكون - أول، ويكون الطمع لازما ~~لمضمون الكلام لا أنه مدلولها بالمطابقة - والله الموفق. ### || [9.19-24] # ولما بين سبحانه الصالح لذلك من غيره، أنكر على من لم يفرق بين الصنفين ~~فقال: { أجعلتم سقاية الحاج } أي مجردة عن الإيمان { وعمارة المسجد ~~الحرام } أي كذلك كالإيمان بالله واليوم الآخر والجهاد، وأهل السقاية ~~والعمارة من غير إيمان في موالاتهم والكف عن معاداتهم { كمن آمن بالله } ~~أي الحامل اعتقاد كماله على كل كمال { واليوم الآخر } أي الحاث خوفه على ~~كل خير { وجاهد في سبيل الله } أي الملك الأعلى المحيط بكل شيء، فالآية ~~على قراءة الجماعة من الاحتباك: حذف أولا المشبه به لدلالة المشبه عليه ~~وثانيا المشبه لدلالة المشبه به عليه، وأما على رواية نسي بن وردان عن ~~أبي جعفر شاذا: سقاة وعمرة - بالجمع فلا يحتاج إلى تقدير. # ولما كان كأنه قيل: كنا نظن ذلك فما حالهم؟قال: { لا يستوون عند الله } ~~أي الذي له الكمال كله لأن المشركين ظلموا بترك الإيمان { والله } أي ~~الذي له الأمر كله ولا أمر لأحد معه { لا يهدي القوم الظالمين* } أي ~~الذين وضعوا الأشياء في غير مواضعها، والكفر أعظم الظلم، فلا توجبوا لهم ~~الهداية ولا المساواة بالمهتدين وإن باشروا جميع أفعال المهتدين ما عدا ~~الإيمان، ومن فعل ذلك منكم كان ظالما وخيف عليه سلب موجب الهداية. # ولما نفى عنهم المساواة من غير تصريح بأهل الترجيح ليشتد التشوف إلى ~~التصريح فيكون اثبت في النفس وأوقر في القلب، كان كأنه قيل: فمن الراجح؟ ~~فقال: { الذين آمنوا } أي أوقعوا هذا الفعل، وهو إيمان المخاطب من أن ~~يكذبوه بشيء مما يخبر به عن الله، وقصر ms1837 الفعل وهو في الأصل متعد ليفيد ~~أنه لا إيمان غير هذا، وإن وجد غيره فهو عدم بالنسبة إليه، وكذا كل فعل ~~قصر فهو على هذا المنوال ليشار به إلى أنه لعظيم نفعه لا فعل من جنسه ~~غيره { وهاجروا وجاهدوا }. # ولما كان المحدث عنه فيما قبل المجاهد في سبيل الله، اقتضى المقام ~~تقديمه على الآلة بخلاف ما في آخر الأنفال فإن المقام اقتضى هناك تقديم ~~المال والنفس لما تقدم من موجبه في غير آية - كما سلف بيانه، وأيضا ففي ~~هذا الوقت كان المال قد كثر، ومواضع الجهاد قد بعدت، فناسب الاهتمام ~~بالسبيل فلذا قدم { في سبيل الله } أي مخلصين له لأنه الملك الذي لا كفؤ ~~له، ثم أتبعه قوله: { بأموالهم وأنفسهم } فصرح بالنفس ترغيبا في ~~المباشرة بها { أعظم درجة } أي من جهة ارتفاع الدرجة، وهي الفضيلة ~~المقربة إلى الله. # ولما لم يكن العبرة إلا بما عنده سبحانه، لا بما عند الناس، قال تعالى: ~~{ عند الله } أي الملك الأعظم من أهل السقاية وما معها من غير إيمان ~~مدلول عليه بشواهده، وإنما لم يذكر المفضل عليه ليفيد أن فضيلتهم على ~~الإطلاق، فيكون المفضل عليه من جملة المدلول عليه، وكرر الاسم الأعظم ~~لمزيد الترغيب لخطر المقام وصعوبة المرام؛ وأفهم هذا أن تلك الأفعال ~~شريفة في نفسها، فمن باشرها كان على درجة عظيمة بالنسبة إلى من لم ~~يباشرها، ومن بناها على الأساس كان أعظم؛ ثم بين ما يخص أهل حزبه فقال: { ~~وأولئك } أي العالو التربة { هم } أي خاصة لا أنتم أيها المفاخرون مع ~~الشرك { الفائزون* } أي بالخير الباقي في الدارين دون من عداهم وإن فعل ~~من الخيرات ما فعل، لأنهم ترقوا من العبدية إلى العندية. # ولما بين أن جزاء أولئك الخلود في النار، بين ما لهؤلاء، فقال مفسرا ~~لفوزهم: { يبشرهم ربهم } أي المحسن إليم بهدايتهم واجتبائهم. وناهيك بهذه ~~البشارة الدالة على علو مقامهم لأنها بلا واسطة، وكون البشارة على قدر ~~المبشر دال أن هذه البشارة بشارة عظيمة لا نهاية لها ولا يحاط بمعرفة ~~مقدارها { برحمة ms1838 } أي عظيمة، وزادها عظما بقوله: { منه } وذلك إشارة إلى ~~أنه لا نجاة بدون العفو؛ ثم أخبر بأن الرحمة كما أثمرت العفو الذي هو ~~أدنى المنازل أسعدت بأعلاها فقال: { ورضوان } أي بأن يكون راضيا عن الله ~~للرضى بقضاء الله وذلك يكون إذا قصر نظره على الله فإنه لا يتغير أبدا ~~بقضاء من أقضيته كما أن الله - الذي هو راحمه - لا يتغير،ومن كان نظره ~~لطلب حظ له كان أبدا في تغير من الفرح إلى الحزن ومن السرور إلى الغم ~~ومن الراحة إلى الجراحة ومن اللذة إلى الألم، فثبت أن الرحمة التامة لا ~~تحصل إلا للراضي بقضاء الله ويكون الله راضيا عنه فتكون نفسه راضية ~~مرضية، ولهذا لم يقيده ب " منه " وهذان في الدنيا والآخرة. # ولما ذكر هذه الجنة الروحانية المنعم بها في الدنيا، أتبعه بيان الجنة ~~الروحانية البدنية الخاصة بالدار التي فيها القرار فقال: { وجنات } أي ~~بساتين كثيرة الأشجار والثمار { لهم فيها نعيم } أي عظيم جدا خالص عن ~~كدر ما، ودل على الخلود بقوله: { مقيم* } ثم صرح بخلودهم فيها بلفظ ~~الخلود ليكون أقر للنفس فقال: { خالدين فيها } وحقق أمره بقوله: { أبدا ~~} ثم استأنف المدح لذلك مؤذنا بالمزيد بقوله: { إن الله } أي الذي له ~~الغنى المطلق والقدرة الكاملة { عنده أجر عظيم* } وناهيك بما يصفه العظيم ~~دالا بالعظم، وخص هؤلاء المؤمنين بهذا الثواب المعبر عن دوامه بهذه ~~العبارات الثلاث المقرونه بالتعظيم والاسم الأعظم، فكان أعظم الثواب، لأن ~~إيمانهم أعظم الإيمان. # ولما فرغ من العاطفة بمحاسن الأعمال، شرع في العاطفة بالأنساب والأموال، ~~وقدم الأول إشارة إلى أن المجانسة في الأفعال مقدمة على جميع الأحوال، ~~ولما كان محط الموالاة المناصرة، وكانت النصرة بالآباء والإخوان أعظم من ~~النصرة بغيرهم، لأن مرجعها إلى كثرة الأعوان والأخدان، اقتصر عليها فقال: ~~{ يا أيها الذين آمنوا } أي أقروا بألسنتهم بالإيمان بربهم معرضين عما ~~سواه من الأنداد الظاهرة! صدقوا ادعاءكم ذلك بأن { لا تتخذوا } أي ~~تتعمدوا وتتكلفوا أن تأخذوا { آباءكم وإخوانكم أولياء } أي على ما يدعو ~~إليه الطباع وتقوية الأطماع فتلقوا إليهم ms1839 أسراركم وتؤثروا رضاهم والمقام ~~عندهم { إن استحبوا } أي طلبوا وأوجدوا أن أحبوا { الكفر } وهو تغطية ~~الحق والتكذيب { على الإيمان } نبه بصيغة الاستفعال على أن الإيمان لكثرة ~~محاسنه وظهور دلائله معشوق بالطبع، فلا يتركه أحد إلا بنوع معالجة ~~ومكابرة لعقله ومجاهدة. # ولما كان أعز الأشياء الدين، وكان لا ينال إلا بالهداية، وكان قد تقدم ~~سلبها عن الظالم، ورهبهم من انتزاعه بقوله: { ومن يتولهم } أي يتكلف أن ~~يفعل في أمرهم ما يفعل القريب مع قريبه { منكم } أي بعد ما أعلمكم الله ~~في أمرهم مما أعلم { فأولئك } أي المبعدون عن الحضرات الربانية { هم ~~الظالمون* } أي لوضعهم الموالاة في غير موضعها بعد أن تقدم إليهم سبحانه ~~بمثل هذه الزواجر، وهذا رجوع بالاحتراس إلى # وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض # [الأنفال: 75] - الآية الوالية لبيان المؤمنين حقا وإشارة إلى أنه ~~يضلهم ولا يهديهم لما تقدم من الخبر بأنه لا يهدي الظالمين. # ولما كانت الأنفس مختلفة الهمم متباينة السجايا والشيم، كان هذا غير ~~كاف في التهديد لكلها، فأتبعه تهديدا أشد منه بالنسبة إلى تلك النفوس ~~فقال منتقلا من أسلوب الإقبال إلى مقام الإعراض المؤذن بزواجر الغضب: { ~~قل } أي يا أعظم الخلق شفقة ورفقا ونصيحة لمن لم يزعمه ما تقدم من ~~الزواجر أنه يجب تحمل جميع هذه المضار في الدنيا ليبقى الدين سالما ولا ~~ينثلم { إن كان آباؤكم } أي الذين أنتم أشد شيء توقيرا لهم { وأبناؤكم } ~~أي الذين هم أعز الناس لديكم وأحبهم إليكم { وإخوانكم } أي الذين هم من ~~أصولكم فهم كأنفسكم { وأزواجكم } أي اللاتي هن سكن لكم { وعشيرتكم } أي ~~التي بها تمام الراحة وقيام العز والمنعة وهم أهل الإنسان الأدنون الذين ~~يعاشرونه. # ولما قدم سبحانه ما هو مقدم على المال عند أولي الهمم العوال قال: { ~~وأموال اقترفتموها } أي اكتسبتموها بالمعالجة من الأسفار وغيرها لمعاشكم ~~{ وتجارة تخشون كسادها } أي لفوات أوقات نفاقها بسبب اشتغالكم بما ندب ~~الله سبحانه إليه فيفوت - على ما تتوهمون - ما به قوامكم { ومساكن ~~ترضونها } أي لأنها مجمع لذلك كله، ولقد رتبها سبحانه أحسن ترتيب، فإن ms1840 ~~الأب أحب المذكورين لما هنا من شائبة النصرة، وبعده الابن ثم الأخ ثم ~~الزوج ثم العشير الجامع للذكور والإناث ثم المال الموجود في اليد ثم ~~المتوقع ربحه بالمتجر، وختم بالمسكن لأنه الغاية التي كل ما تقدم أسباب ~~للاسترواح فيه والتجمل به { أحب إليكم من الله } أي الجامع لصفات الكمال ~~الذي أنعم عليكم بجميع ما ذكر، ومتى شاء سلبكموه { ورسوله } أي الذي ~~أتاكم بما به حفظ هذه النعم في الدارين { وجهاد في سبيله } أي الرد ~~الشارد من عباده إليه وجمعهم عليه، وفي قوله -: { فتربصوا } أي انتظروا ~~متربصين - تهديد بليغ { حتى يأتي الله } أي الذي له الإحاطة بكل شيء { ~~بأمره } أي الذي لا تبلغه أوصافكم ولا تحتمله قواكم. # ولما كان من آثر حب شيء من ذلك على حبه تعالى، كان مارقا من دينه ~~راجعا إلى دين من آثره، وكان التقدير: فيصيبكم بقارعة لا تطيقونها ولا ~~تهتدون إلى دفعها بنوع حلية، لأنكم اخترتم لأنفسكم منابذة الهداية ومعلوم ~~أن من كان كذلك فهو مطبوع في الفسق، عطف عليه قوله: { والله } أي الجامع ~~لصفات الكمال { لا يهدي القوم } أي لا يخلق الهداية في قلوب { الفاسقين* ~~} أي الذين استعملوا ما عندهم من قوة القيام فيما يريدون من الفساد حتى ~~صار الفسق - وهو الخروج مما حقه المكث فيه و التقيد به وهو هنا الطاعة - ~~خلقا من أخلاقهم ولازما من لوازمهم، بل يكلهم إلى نفوسهم فيخسروا ~~الدنيا والآخرة. ### || [9.25-27] # ولما كان في بعض النفوس من الغرور بالكثرة ما يكسبها سكرة تغفلها عن بعض ~~مواقع القدرة، ساق قصة حنين دليلا على ذلك الذي أبهمه من التهديد جوابا ~~لسائل كان كأنه قال: ما ذاك الأمر الذي يتربص لإتيانه ويخشى من عظيم ~~شأنه؟ فقيل: الذل والهوان والافتقار والانكسار، فكأنه قيل: وكيف يكون ~~ذلك؟ فقيل: بأن يسلط القدير عليكم - وإن كنتم كثيرا - أقوياء غيركم وإن ~~كانوا قليلا ضعفاء كما سلطكم - وقد كنتم كذلك - حتى صرتم إلى ما صرتم ~~إليه: { لقد نصركم الله } أي الملك الأعلى مع شدة ضعفكم { في مواطن } أي ~~مقامات ms1841 ومواقف وأماكن توطنون فيها أنفسكم على لقاء عدوكم { كثيرة } أي من ~~الغزوات التي تقدمت لكم كبدر وقريظة والنضير وقينقاع والحديبية وخيبر ~~وغيرها من مخاصمات الكفار، وكنتم من الذلة والقلة والانكسار بحال لا ~~يتخيل معها نصركم وظهوركم على جميع الكفار وأنتم فيهم كالشعرة البيضاء في ~~جلد الثور الأسود، وما وكلكم إلى مناصرة من تقدم أمره لكم بمقاطعتهم، فدل ~~ذلك على أن من أطاع الله ورجع الدين على الدنيا آتاه الله الدين والدنيا ~~على أحسن الوجوه وإن عاداه الناس أجمعون، ودل بما بعدها من قصة حنين على ~~أن من اعتمد على الدنيا فاته الدين والدنيا إلا أن يتداركه الله برحمته ~~منه فيرجع به. فقال تعالى: { ويوم } أي ونصركم بعد أن قواكم وكثركم هو ~~وحده، لا كثرتكم وقوتكم يوم { حنين } وهو واد بين مكة والطائف إلى جانب ~~ذي المجاز، وهو إلى مكة أقرب، وراء عرفات إلى الشمال. # ولما كان سلمة بن سلامة بن وقش الأنصاري رضي الله عنه قد قال حين التقى ~~الجمعان وأعجبته كثرة الناس: لن نغلب اليوم من قلة! فساء النبي صلى الله ~~عليه وسلم كلامه وأن يعتمد إلا على الله، وكان الإعجاب سما قاتلا ~~للأسباب، أدبنا الله سبحانه في هذه الغزوة بذكر سوء أثره لنحذره، ثم عاد ~~سبحانه بالإنعام لكون الذي قاله شخصا واحدا كره غيره مقاتله. فقال: { ~~إذ } أي حين { أعجبتكم كثرتكم } أي فقطعتم لذلك أنه لا يغلبها غالب، ~~وأسند سبحانه الفعل للجمع إشارة إلى أنهم لعلو مقامهم ينبغي أن لا يكون ~~منهم من يقول مثل ذلك { فلم تغن عنكم شيئا } أي من الإغناء { وضاقت ~~عليكم الأرض } أي الواسعة { بما رحبت } أي مع اتساعها فصرتم لا ترون أن ~~فيها مكانا يحصنكم مما أنتم فيه لفرط الرعب، فما ضاق في الحقيقة إلا ما ~~كان من الآمال التي سكنت إلى الأموال والرجال، ولعل عطفه - لتوليهم بأداة ~~التراخي في قوله: { ثم وليتم } أي تولية كثيرة ظهوركم الكفار، وحقق ذلك ~~بقوله: { مدبرين* } أي انهزاما مع أن الفرار كان حين اللقاء لم يتأخر - ~~إشارة ms1842 إلى ما كان عندهم من استعباده اعتمادا على القوة والكثرة { ثم ~~أنزل الله } أي الذي له الإحاطة بصفات الكمال { سكينته } أي رحمته، وهي ~~الأمر الذي يسكن القلوب عن أن تتأثر يدهمها من البلاء من الوثوق به ~~سبحانه ومشاهدة جنابة الأقدس والغناء عن غيره. # ولما كان المقام للرسالة، وكان تأييد مدعيها من أمارات صدقه في دعوى أنه ~~رسول، وأن مرسله قادر على ما يريد لا سيما إن كان تأييده على وجه خارق ~~للعادة، عبر به دون وصف النبوة فقال: { على رسوله } أي زيادة على ما كان ~~به من السكينة التي لم يحز مثلها أحد، ثبت بها الثلاثين ألفا أو عشرين ~~ألفا أو أربعة آلاف على اختلاف الروايات في عشرة أنفس أو مائة أو ~~ثلاثمائة - على الاختلاف أيضا، لم يكن ثباتهم إلا به، ثم لم يزده ذلك ~~إلا تقدما حتى أن كان العباس عمه وأبو سفيان بن الحارث ابن عمه رضي الله ~~عنهما ليكفان بغلته عن بعض التقدم، ولعل العطف ب " ثم " إشارة إلى علو ~~رتبة ذلك الثبات واستبعاد أن يقع مثله في مجاري العادات { وعلى المؤمنين ~~} أي أما من كان منهم ثابتا فزيادة على ما كان له من ذلك، وأما غيره ~~فأعطي ما لم يكن في ذلك الوقت له، وذلك أنه صلى الله عليه وسلم قال لعمه ~~العباس رضي الله بعدما فر الناس: ناد فيهم يا عباس! فنادى وكان صيتا: ~~ياعباد الله! يا أصحاب الشجرة! يا أصحاب سورة البقرة! فكروا عنقا واحدا ~~يقولون: لبيك لبيك! ويحتمل أن يكون ذكر الرسول عليه السلام لمجرد التبرك ~~كما في ذكر الله في قوله: # فإن لله خمسه # [الأنفال: 41] وزيادة في تعظيم الامتنان به لأن النفوس إلى ما أعطى منه ~~الرسول أميل والقلوب له أقبل لاعتقاد جلاله وعظمته وكماله { وأنزل } أي ~~من السماء { جنودا لم تروها } أي من الملائكة عليهم السلام { وعذب } أي ~~بالقتل والأسر والهزيمة والسبي والنهب { الذين كفروا } عبر بالفعل لأن ~~فيهم من آمن بعد ذلك. # ولما كان ما عذب به من أوجد مطلق ms1843 هذا الوصف عظيما، أتبعه بيان جزاء ~~العريق في ذلك ترهيبا لمن آثر حب شيء مما مضى على حب الله فقال: { وذلك ~~} أي العذاب الذي منه ما عذب به هؤلاء وغيره { جزاء الكافرين* } أي ~~الراسخين في وصف الكفر الذين آثروا حب من تقدم من الآباء وغيرهم على الله ~~فثبتوا على تقليد الآباء في الباطل بعدما رأوا من الدلائل ما بهر الشمس ~~ولم يدع شيئا من لبس، وأما الذين لم يكن كفرهم راسخا فكان ذلك صلاحا ~~لهم لأنه قادهم إلى الإسلام، فقد تبين أن المنصور من نصره الله قليلا ~~كان أو كثيرا، وأن القلة والكثرة والقوة والضعف بالنسبة إلى قدرته سواء، ~~فلا تغتروا بما ألزمكم من النعم فإنه قادر على نزعها، لا يستحق أحد عليه ~~شيئا، ولا يقدر أحد على رد قضائه، وفي ذلك إعلام بأنه لا يرتد بعد ~~إيمانه إلا من كان عريقا في الكفر، وفيه أبلغ تهديد لأنه إذا عذب من ~~أوجد الكفر وقتا ما فكيف بمن رسخ فيه! # ولما بين أن العذاب جزاء الكافرين، بين أنه يتوب على من يريد منهم، وهم ~~كل من علم منه قابلية للإيمان وإن كان شديدا وصف الكفران، فقال عاطفا ~~على { وعذب }: { ثم يتوب الله } أي الذي له الإحاطة علما وقدرة، ولما لم ~~يكن احد تستغرق توبته زمان البعد أدخل الجار فقال: { من بعد ذلك } أي ~~العذاب العظيم { على من يشاء } أي فيهديه إلى الإسلام ويغفر له جميع ما ~~سلف من الآثام { والله } أي الذي له صفات الكمال { غفور رحيم * } أي محاء ~~للخطايا عظيم الإكرام لمن تاب، وفي ذلك إشارة إلى أنه جعل هذه الوقعة. # لحكمته التي اقتضت ربط المسببات بأسبابها - سببا لإسلام من حضرها من ~~كفار قريش وغيرهم من المؤلفة بما قسم فيهم صلى الله عليه وسلم من غنائم ~~هوزان وبما رأوا من عز الإسلام وعلوه، فكان في ذلك ترغيب لهم بالمال، ~~وترهيب بسطوات القتال، ولإسلام وفد هوزان بما حصل لهم من القهر وما ~~شاهدوا للنبي صلى الله عليه وسلم من عظيم النصر، ms1844 ولإسلام غيرهم من العرب ~~بسبب علم كل منهم بهذه الوقعة أنهم أضعف ناصرا وأقل عددا، كل ذلك رحمة ~~منه سبحانه لهم ورفقا لهم، وقد كان جميع ذلك كما أشار إليه سبحانه، ~~فأسلم الطلقاء وحسن إسلامهم، وقدم وفد هوزان وسألوا النبي صلى الله عليه ~~وسلم جبرهم برد ما أخذ لهم فقال لهم: إني استأنيت بكم، فلما أبطأتم قسمت ~~بين الناس فيئهم، فاختاروا المال أو السبي! فاختاروا السبي فشفع لهم عند ~~الناس فأجابوه فرد إليهم أبناءهم ونساءهم رحمة منه لهم، وذل العرب لذلك ~~فدخلوا في الدين أفواجا. وختم هذه الآية بالمغفرة والرحمة على ما هو ~~الأنسب لسياق التوبة بذلك على انه ما عدل إلى ختم الأولى ب " عليم حكيم ~~" إلا لما قررته من جعل أم في { أم حسبتم } معادلة للهمزة. والله أعلم. ### || [9.28-29] # ولما تقدم في الأمر والنواهي وبيان الحكم المرغبة والمرهبة ما لم يبق ~~لمن عنده أدنى تمسك بالدين شيئا من الالتفات إلى المفسدين، بين أن العلة ~~في مدافعتهم وشديد مقاطعتهم أنهم نجس وأن المواضع - التي ظهرت فيها أنوار ~~عظمته وجلالته وأشرقت عليها شموس نبوته ورسالته، ولمعت فيها بروق كبره ~~وجالت صوارم نهية وأمره - مواضع القدس ومواطن الأنس، من دنا إليها من غير ~~أهلها احترق بنارها، وبهرت بصره أشعة أنوارها، فقال مستخلصا مما تقدم ~~ومستنتجا: { يا أيها الذين آمنوا } أي أقروا بألسنتهم بالإيمان وهم ممن ~~يستقبح الكذب { إنما المشركون } أي العريقون في الشرك بدليل استمرارهم ~~عليه. # ولما كانوا متصفين به، وكانوا لا يغتسلون - ولا يغسلون - ثيابهم من ~~النجاسة، بولغ في وصفهم بها بأن جعلوا عينها فقال: { نجس } أي وأنتم ~~تدعون أنكم أبعد الناس عن النجس حسا ومعنى، فيجب أن يقذروا وأن يبعدوا ~~ويحذروا كما يفعل بالشيء النجس لما اشتملوا عليه من خلال الشر واتصفوا به ~~من خصال السوء، وأما أبدانهم فاتفق الفقهاء على طهارتها لأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم شرب من أوانيهم ولم ينه عن مؤاكلتهم ولا أمر بالغسل منها ~~ولو كانت نجسة ما طهرها الإسلام. ولما تسبب عن ذلك ms1845 إبعادهم، قال: { فلا ~~يقربوا } أي المشركون، وهذا نهي للمسلمين عن تمكينهم من ذلك، عبر عنه ~~بنهيهم مبالغة فيه { المسجد الحرام } أي الذي أخرجوكم منه وأنتم أطهر ~~الناس، واستغرق الزمان فأسقط الجار ونبههم على حسن الزمان واتساع الخير ~~فيه بالتعبير بالعام فقال: { بعد عامهم } وحقق الأمر وأزال اللبس بقوله: ~~{ هذا } وهو آخر سنة تسع سنة الوفود مرجعه صلى الله عليه وسلم من غزوة ~~تبوك، فعبر بقربانه لا بإتيانه بعد التقديم إليهم بأن لا يقبل من مشرك ~~إلا الإسلام أو القتل إشارة إلى إخراج المشركين من جزيرة العرب وانها لا ~~يجتمع بها دينان لأنها كلها محل النبوة العربية وموطن الأسرار الإلهية، ~~فمن كان فيها - ولو في أقصاها - فقد قارب جميع ما فيها، وتكون حينئذ ~~بالنسبة إلى الحرم كأفنية الدور ورحاب المساجد؛ وفي الصحيح عن أبي هريرة ~~رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل أبا بكر رضي الله عنه ~~أميرا على الحج بعد رجوعه من تبوك ثم أردفه بعلي رضي الله عنه فأمره أن ~~يؤذن ببراءة، قال أبو هريرة: فأذن معنا علي يوم النحر في أهل منى ببراءة ~~وأن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان. وهذه سنة قديمة فقد ~~أمر الله تعالى بني إسرائيل في غير موضع من التوارة بأن لا يبقوا في جميع ~~بلاد بيت المقدس أحدا من المشركين بخلاف غيرها من البلاد التي يفتحها ~~الله عليهم، منها ما قال المترجم في أواخر السفر الخامس: وإذا تقدمتم إلى ~~قرية أو مدينة لتقاتلوا أهلها ادعوهم إلى الصلح، فإن قبلوه وفتحوا لكم من ~~كان فيها من الرجال يكونوا عبيدا لكم يؤدوا إليكم الخراج، وإن لم يقبلوا ~~الصلح وحاربوكم فحاربوهم وضيقوا عليهم فإن الله ربكم يدفعها إليكم ~~وتظفرون بمن فيها، فإذا ظفرتم بمن فيها فاقتلوا الذكور كلهم بالسيف، كذلك ~~اصنعوا بجميع القرى البعيدة النائية التي ليست من قرى هذه الشعوب فأما ~~قرى هذه الشعوب التي يعطيكم الله ميراثا فلا تبقوا من أهلها احدا ولكن ~~اقتلوهم قتلا كالذي أمركم الله ms1846 ربكم لئلا يعلموكم النجاسة التي يعلمونها ~~لآلهتهم،ومثل ذلك كثير فيها، وقد مضى بعده فيما ذكرته عن التوارة. # والله الموفق، وجملة بلاد الإسلام في حق الكفار ثلاثة أقسام: أحدها ~~الحرم، فلا يجوز للكافر أن يدخله بحال لظاهر هذه الآية، الثاني الحجاز ~~وما في حكمه وهو جزيرة العرب، فيدخله الكافر بالإذن ولا يقيم أكثر من ~~مقام السفر ثلاثة أيام لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أخرجوا ~~المشركين من جزيرة العرب، وهي من أقصى عدن أبين، وهي في الجنوب إلى أطراف ~~الشام وهي في الشمال طولا، ومن جدة وهي أقصى الجزيرة غربا على شاطئ بحر ~~الهند إلى ريف العراق وهو في المشرق عرضا، والثالث سائر بلاد الإسلام ~~يجوز للكافر الإقامة فيها بذمة وأمان ما شاء، ولكن لا يدخل المساجد إلا ~~بإذن مسلم. ذكر ذلك البغوي، قال ابن الفرات في تاريخه عند غزو بخت نصر ~~لبني إسرائيل ولأرض العرب: إنما سميت بلاع العرب جزيرة لإحاطة البحار ~~والأنهار بها، فصارت مثل الجزيرة من جزائر البحر، وذلك أن الفرات أقبل من ~~بلاد الروم وظهر من ناحية قنسرين ثم انحط على الجزيرة وسواد العراق حتى ~~وقع في البحر من ناحية البصرة والأبلة وامتد البحر من ذلك الموضع مطيفا ~~ببلاد العرب، فأتى منه عنق على كاظمة وتعدى إلى القطيف وهجر وعمان ~~والشجر، ومال منه عنق إلى حضرموت وناحية أبهر وعدن، واستطال ذلك العنق ~~فطعن في تهامة اليمن ومضى إلى ساحل جدة، وأقبل النيل في غربي هذا العنق ~~من أعلى بلاد السودان مستطيلا معارضا للبحر معه حتى وقع في بحر مصر ~~والشام، ثم أقبل ذلك البحر من مصر حتى بلغ بلاد فلسطين فمر بعسقلان ~~وسواحلها، واتى على بيروت ونفذ إلى سواحل حمص وقنسرين حتى خالط الناحية ~~التي أقبل منها الفرات منحطاعلى أطراف قنسرين والجزيرة إلى سواد العراق، ~~وأقبل جبل السراة من قعرة اليمن حتى بلغ أطراف الشام فمسته العرب حجازا ~~لأنه حجز بين الغور ونجد فصار ما خلف ذلك الجبل في غربيه الغور وهو ~~تهامة، وما دونه في ms1847 شرقيه نجدا. # انتهى. # ولما كان ما والاها من أرض الشام ونحوها كله انهارا أو جداول، جعل كأنه ~~بحر لأنه في حكم شاطئه، ولما كان قوامهم بالمتاجر، وكان قوام المتاجر ~~باجتماعهم في أسواقهم، وكان نفيهم من تلك الأراضي مظنة لخوف انقطاع ~~المتاجر وانعدام الأرباح المفضي إلى الحاجة وكان قد أمر بنفيهم رعاية ~~لأمر الدين، وكان سبحانه عالما بأن ذلك يشق على النفوس لما ذكر من العلة ~~ولا سيما وقد قال بعضهم لما قرأ علي رضي الله عنه آيات البراءة على اهل ~~الموسم: يا أهل مكة! ستعلمون ما تلقونه من الشدة بانقطاع السبيل وبعد ~~الحمولات، وعد سبحانه - وهو الواسع العليم - بما يغني عن ذلك، لأن من ترك ~~الدنيا لأجل الدين أوصله سبحانه إلى مطلوبه من الدنيا مع ما سعد به من ~~أمر الدين " من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه " فقال: { وإن خفتم } ~~أي بسبب منعهم من قربان المواطن الإلهية { عيلة } أي فقرا وحاجة { فسوف ~~يغنيكم الله } أي هو ذو الجلال والإكرام { من فضله } وهو ذو الفضل والطول ~~والقوة والحول. # ولما كان سبحانه الملك الغني القادر القوي الذي لا يجب لأحد عليه شيء ~~وتجب طاعته على كل شيء، نبه على ذلك بقوله: { إن شاء } ولما كان ذلك ~~عندهم مستبعدا، علل تقريبا بقوله: { إن الله } أي الذي له الإحاطة ~~الكاملة { عليم } أي بوجوه المصالح { حكيم* } أي في تدبير استجلابها ~~وتقدير إدرارها ولقد صدق سبحانه ومن أصدق منه قيلا فإنه أغناهم - ~~بالمغانم التي انتثلها بأيديهم بعد نحو ثلاث سنين من إنزالها من كنوز ~~كسرى وقيصر - غنى لم يطرق أوهامهم قط، ثم جعل ذلك سببا لاختلاط بعض ~~الطوائف من جميع الناس ببعض لصيرورتهم إخوانا في الدين الذي كان سببا ~~لأن يجتمع في سوق منى وغيره في أيام الحج كل عام من المتاجر مع الغرب ~~والعجم ما لا يكون مثله في بقعة من الأرض، والعيلة: الفاقة والافتقار، ~~ومادتها بهذا الترتيب تدور على الحاجة وانسداد وجوه الحلية وقد تقدم أول ~~النساء انها - لا بقيد ترتيب - تدور ms1848 تقاليبها الثمانية على الارتفاع ~~ويلزمه الزيادة والميل، ومنه تأتي الحاجة، وبرهن على ذلك في جميع ~~الجزئيات. # ولما كان ذلك موضع تعجب يكون سببا لأن يقال: من أين يكون ذلك الغنى؟ ~~أجاب بقوله: { قاتلوا } أي أهل الأموال والغنى { الذين لا يؤمنون بالله } ~~أي الذي له جميع صفات الكمال إيمانا هو على ما أخبرت به عنه رسله، ولو ~~آمنوا هذا الإيمان ما كذبوا رسولا من الرسل، وأيضا فالنصارى مثلثة وبعض ~~اليهود مثنية { ولا باليوم الآخر } أي كذلك، وأقل ذلك أنهم لا يقولون ~~بحشر الأجساد { ولا يحرمون ما حرم الله } أي الملك الأعلى الذي له الأمر ~~كله { ورسوله } أي من الشرك وأكل الأموال بالباطل وغير ذلك وتبديل ~~التوراة والإنجيل { ولا يدينون } أي يفعلون ويقيمون، اشتق من الدين فعلا ~~ثم أضافه إلى صفته إغراقا في اتخاذه بذلك الوصف فقال: { دين الحق } أي ~~الذي أخذت عليهم رسلهم العهود والمواثيق باتباعه، ثم بين الموصول مع صلته ~~فقال: { من الذين } ودل على استهانته سبحانه بهم وبراءته منهم بأن بني ~~للمفعول قوله: { أوتوا الكتاب } أي من اليهود والنصاري ومن ألحق بهم { ~~حتى يعطوا الجزية } أي وهي ما قرر عليهم في نظر سكناهم في بلاد الإسلام ~~آمنين، فعله من جزى يجزي. # إذا قضى ما عليه { عن يد } أي قاهرة إن كانت يد الآخذ او مقهورة إن كانت ~~يد المعطي، من قولهم: فلان أعطى بيده { وهم صاغرون* } ففي ذلك غنى لا ~~يشبه ما كنتم فيه من قتال بعضكم لبعض لتغنم ما في يده من ذلك المال ~~الحقير ولا ما كنتم تعدونه غنى من المتاجر التي لا يبلغ أكبرها واصغرها ~~ما أرشدناكم إليه مع ما في ذلك العز الممكن من الإصلاح والطاعة وسترون، ~~وعبر باليد عن السطوة التي ينشأ عنها الذل والقهر لأنها الآلة الباطشة، ~~فالمعنى عن يد قاهرة لهم، أي عن قهر منكم لهم وسطوة بأفعالهم التي ~~أصغرتهم عظمتها وأذلتهم شدتها، قال أبو عبيدة:يقال لكل من أعطى شيئا ~~كرها عن غير طيب نفس، أعطاه عن يد. انتهى.وعبر ب " عن " التي ms1849 هي ~~للمجاوزة لأن الإعطاء لا يكون إلا بعد البطش المذل، هذا إذا أريد باليد ~~يد الآخد، ويمكن أن يراد بها يد المعطي، وتكون كناية عن النفس لأن مقصود ~~الجزية المال، واليد أعظم أسبابه، فالمعنى حتى يعطي كل واحد منهم الجزية ~~عن نفسه. ### || [9.30-33] # ولما كان المراد التعميمم أتى بها نكرة لتفيد ذلك، ويؤيد هذا ما نقل ~~العلماء عن الرواة لفتوح البلاد منهم الحافظ أبو الربيع بن سالم الكلاعي، ~~قال في كتابه الاكتفاء في وقعة جلولاء من بلاد فارس: قالوا: قال بعضهم: ~~فكان الفلاحون للطرق والجسور والأسواق والحرث والدلالة مع الجزي عن ~~أيديهم على قدر طاقتهم، وكانت الدهاقين للجزية عن أيديهم والعمارة، وإنما ~~أخذوا الجزية من المجوس لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخذها من مجوس هجر ~~وأخذها منهم لأنهم أهل كتاب في الأصل، قال الشافعي في باب المجمل والمفسر ~~من كتاب اختلاف الحديث: والمجوس أهل كتاب غير التوراة والإنجيل وقد نسوا ~~كتابهم وبدلوه، فأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أخذ الجزية منهم؛ ~~أخبرنا سفيان عن أبي سعد سعيد بن مرزبان عن نصر بن عاصم قال: قال فروة بن ~~نوفل الأشجعي: علام تؤخذ الجزية من المجوس وليسوا بأهل كتاب؟ فقام إليه ~~المستورد فأخذ بلببه فقال: ياعدو الله! تطعن على أبي بكر وعلى عمر وعلي ~~أمير المؤمنين - يعني عليا - وقد أخذوا منهم الجزية، فذهب به إلى القصر ~~فخرج علي رضي الله عنه عليهما فقال: البدا! البدا! فجلسا في ظل القصر ~~فقال علي: أنا أعلم الناس بالمجوس، كان لهم علم يعلمونه وكتاب يدرسونه، ~~وإن ملكهم سكر فوقع على ابنته أو أخته فاطلع عليه بعض أهل مملكته، فلما ~~صحا جاؤوا يقيمون عليه الحد فامتنع عليهم فدعا أهل مملكته فقال: تعلمون ~~دينا خيرا من دين آدم وقد كان آدم ينكح بنيه من بناته، فأنا على دين ~~آدم، فبايعوه وقاتلوا الذين خالفوهم حتى قتلوهم فأصبحوا وقد أسري على ~~كتابهم فرفع من بين أظهرهم وذهب العلم الذي في صدورهم، وهم أهل كتاب وقد ~~أخذ رسول ms1850 الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما منهم ~~الجزية. ولما أمر بقتالهم ووصفهم بما هو السبب الباعث على ذلك، عطف عليه ~~بعض أقوالهم المبيحة لقتالهم الموجبة لنكالهم فقال: { وقالت } أي قاتلوا ~~أهل الكتاب لأنهم كفروا بما وصفناهم به وقالت { اليهود } منهم كذبا ~~وبهتانا { عزير } تنوين عاصم والكسائي له موضح لكونه مبتدأ، والباقون ~~منعوه نظرا إلى عجمته مع العلمية وليس فيه تصغير، والخبر في القراءة ~~قولهم: { ابن الله } أي الذي له العلو المطلق فليس كمثله شيء، وعزير هذا ~~هو المسمى عندهم في سفر الأنبياء ملاخيا، ويسمى أيضا العازر وهو الأصل ~~والعزير تعريبه، وأما الذي جمع لهم هذه التوراة التي بين أيديهم فقال ~~السمؤال بن يحيى المغربي الذي كان يهوديا فأسلم: إنه شخص آخر اسمه عزرا، ~~وإنه ليس بنبي. ذكر ذلك في كتابه غاية المقصود في الرد على النصارى ~~واليهود، وهو كتاب حسن جدا، وكان السموأل هذا مع تمكنه من المعرفة ~~بشريعة اليهود وأخبارهم متمكنا من علوم الهندسة وغيرها، وكان فصيحا ~~بليغا وكان حسن الإسلام يضرب المثل بعقله، ورأيت اليهود في غاية النكاية ~~منه، وأراني بعضهم رسالة إليه لبعض أحبارهم يسفه فيها رأيه في إسلامه ~~ويشبه عليه بأشياء خطابيه وشعرية، فأجابه بجواب بديع افتتحه بقوله تعالى: # سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها # [البقرة: 142] ثم رد كلامه أحسن رد ثم قال له ما حاصله: دع عنك مثل هذه ~~الخرافات، وأجب عن الأمور التي ألزمتكم بها في كتاب غاية المقصود، فما ~~أحار جوابا، ثم القائل لهذا القول منهم روى عن ابن عباس رضي الله عنهما ~~أنهم أربعة، وقيل: قائله واحد وأسند إلى الكل كما يقال: فلان يركب الخيول ~~وقد لا يكون له إلا فرس واحد، وهو كقوله تعالى # الذين قال لهم الناس # [آل عمران: 173] وقيل: كان فاشيا فيهم فلما عابهم الله به تركوه وهم ~~الآن ينكرونه، والله تعالى أصدق حديثا { وقالت النصارى } أي منهم إفكا ~~وعدوانا { المسيح } وأخبروا عنه بقولهم: { ابن الله } أي مع أن ms1851 له الغنى ~~المطلق والكمال الأعظم، والمسيح هذا هو ابن الله مريم بنت عمران؛ ثم ~~استأنف قوله مترجما قولي فريقيهم: { ذلك } أي القول البعيد من العقول ~~المكذب للنقول { قولهم بأفواههم } أي حقيقة لم يحتشموا من قوله مع ~~سخافته، وهو مع ذلك قول لا تجاوز حقيقته الأفواه إلى العقول لأنه لا ~~يتصوره عاقل، بل هو قول مهمل كأصوات الحيوانات العجم لا يتحقق له المعنى؛ ~~قال: ومعناه الحال أن قائله لا عقل له، ليس له معنى وراء ذلك، ولبعده عن ~~أن يكون مقصودا لعاقل عبر فيه بالأفواه التي هي أبعد من الألسنة إلى ~~القلوب. # ولما كان كأنه قيل: فما لهم إذا كان هذا حالهم قالوه؟ قال ما حاصلة: ~~إنهم قوم مطبوعون على التشبه بمن يفعل المفاسد كما أنهم تشبهوا بعبدة ~~الأوثان، فعبدوها غير مرة والأنبياء بين أظهرهم يدعونهم إلى الله وكتابهم ~~ينادي بمثل ذلك وينذرهم أشد الإنذار { يضاهئون } أي حال كونهم يشابهون ~~بقولهم هذا { قول الذين كفروا } أي بمثله وهو العرب حيث قالوا: الملائكة ~~بنات الله، كما أنهم لما رأوا الذين يعكفون على أصنام لهم قالوا: { يا ~~موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة }. # ولما كان لا يمتنع أن يكون الذين شابهوهم إنما كانوا بعدهم أو في زمانهم ~~من قبل أن يبين فساد قولهم، نفى ذلك بقوله مشيرا بحرف الجر إلى أن كفرهم ~~لم يستغرق زمن القبل: { من قبل } أي من قبل أن يحدث منهم هذا القول، وهذا ~~دليل على أن العرب غيروا دين إسماعيل عليه السلام، اجترؤوا على مثل هذا ~~القول قبل إيقاع بخت نصر باليهود أو في حدوده، وليس ذلك ببعيد مع طول ~~الزمان وإغواء الشيطان، فقد كان بين زمان إبراهيم وعزير عليهما السلام ~~نحو ألف وخمسمائة سنة - هذا على ما ذكره بعض علماء أهل الكتاب عن كتبهم ~~وأيده ما ذكره المسعودي من مروج الذهب في تاريخ ملوك بابل من نمرود إلى ~~بخت نصر: وذكر بعض المؤرخين أن بين الزمنين زيادة على ألفي سنة على أنهم ~~قد نقلوا ما هو صريح ms1852 في كفر العرب في ذلك الزمان فرووا عن هشام بن الكلبي ~~أنه قال: كان بدء نزول العرب إلى أرض العراق أن الله عز وجل اوحى إلى ~~برخيا من ولد يهودا أن ائت بخت نصر فمره أن يغزو العرب الذين لا أغلاق ~~لبيوتهم ويطأ بلادهم بالجنود فيقتل مقاتلتهم ويسبي ذراريهم ويستبيح ~~أموالهم وأعلمه بكفرهم بي واتخاذهم الآلهة دوني وتكذيبهم أنبيائي ورسلي، ~~وعن غير ابن الكلبي أنه نظم ما بين أبلة والايلة خيلا ورجالا ثم دخلوا ~~على العرب فاستعرضوا كل ذي روح قدروا عليه، وأوصى الله برخيا وإرميا بمعد ~~بن عدنان الذي من ولده محمد المختوم به النبوة، وكان ذكر مشابهتهم لأهل ~~الشرك تحقيرا لشأنهم تجرئة على الإقدام عليهم إذ جعلهم مشابهين لمن ~~دربوا قتالهم وضربوا عليهم فأذلوهم بعد أن كانوا في عزة لا يخشون زوالها، ~~وعزائم شديدة لا يخافون انحلالها، كل ذلك بطاعة الله في قتالهم وطلب ~~مرضاته بنزالهم لأنه عليهم، ومن كان عليه لم يفلح، وإلى مثل ذلك إشارة ~~بقوله في حق هؤلاء: { قاتلهم الله } أي أهلكهم الملك الأعظم، لأن من ~~قاتله لم ينج منه، وقيل: لعنهم؛ روي عن ابن عباس قال: وكل شيء في القرآن ~~مثله فهو لعن { أنى يؤفكون* } أي كيف ومن أين يصرفون عن الحق مع قيام ~~الأدلة القاطعة عليه، ثم زادهم جرأة عليهم بالإشارة إلى ضعف مستندهم حيث ~~كان مخلوقا مثلهم بقوله: { اتخذوا } أي كلفوا أنفسهم العدول عن الله ~~القادر على كل شيء وأخذوا { أحبارهم } أي من علماء اليهود، والحبر في ~~الأصل العالم من أي طائفة كان { ورهبانهم } أي من زهاد النصارى، والراهب ~~في الأصل من تمكنت الرهبة في قلبه فظهرت آثارها على وجهه ولباسه، فاختص ~~في العرف بعلماء النصارى أصحاب الصوامع { أربابا } أي آلهة لكونهم ~~يفعلون ما يختص به الرب من تحريم ما حرموا وتحليل ما حللوا؛ وأشار إلى ~~سفول أمرهم بقوله: { من دون الله } أي الحائز لجميع صفات الجلال، فكانوا ~~يعولون عليهم ويسندون أمرهم إليهم حتى أن كانوا ليتبعونهم في الحلال ~~والحرام و { المسيح ms1853 } أي المبارك الذي هو أهل لأن المسيح بدهن القدس وأن ~~يمسح غيره { ابن مريم } أي اتخذوه كذلك لكونهم جعلوه ابنا فأهلوه ~~للعبادة بذلك مع كونه ابن امرأة، فهو لا يصلح للإلهية بوجه لمشاركته ~~للآدميين في الحمل والولادة والتربية والأكل والشرب وغير ذلك من أحوال ~~البشر الموجبة للحاجة المنافية للإلهية، ومع تصريحه لهم بأنه عبد الله ~~ورسوله، فتطابق العقل والنقل على أنه ليس بإله. # ولما قبح عليهم ما اختاروه لأنفسهم، قبحه عليهم من جهة مخالفته لأمره ~~تعالى فقال: { وما } أي فعلوا ذلك والحال أنهم ما { أمروا } أي من كل من ~~له الأمر من أدلة العقل والنقل { إلا ليعبدوا } أي ليطيعوا على وجه ~~التعبد { إلها واحدا } أي لا يقبل القسمة بوجه لا بالذات ولا ~~بالمماثلة، وذلك معنى وصفه بأنه { لا إله إلا هو } أي لا يصلح أن يكون ~~معه إله آخر، فلما تعين ذلك في الله وكانت رتبته زائدة أبعد عما أشركوا ~~به، نزهه بقوله: { سبحانه } أي بعدت رتبته وعلت { عما يشركون* } في كونه ~~معبودا أو مشروعا؛ ذكر أبو محمد إسحاق بن إبراهيم البستي القاضي في ~~تفسيره وغيره عن عدي ابن حاتم رضي الله عنه قال: أتيت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب فقال: اقطعه، فقطعته ثم أتيته وهو يقرأ ~~سورة براءة { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن ~~مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما ~~يشركون } قلت: يا رسول! إنا لم نكن نعبدهم! قال: أجل. أليس كانوا يحلون ~~لكم ما حرم الله فتستحلونه ويحرمون عليكم ما أحل الله فتحرمونه؟ قلت: ~~بلى، قال: تلك عبادتهم. # ولما وهى سبحانه أمرهم من جهة استنادهم، زاد توهية من جهة مرادهم ~~بالإعلام بأنهم بقتالهم لأهل الطاعة إنما يقاتلون الله وأنه لا ينفذ ~~غرضهم بل يريد غير ما يريدون، ومن المقرر أنه لا يكون إلا ما يريد، فقال ~~مستأنفا أو معللا لما مضى من أقوالهم وأفعالهم: { يريدون أن يطفئوا } ~~أي بما مضى ذكره من ms1854 أحوالهم { نور الله } أي دين الملك الأعلى الذي له ~~الإحاطة العظمى، وشرعه الذي شرعه لعباده على ألسنة الأنبياء والرسل، كل ~~ذلك ليتمكنوا من العمل بالأغراض والأهوية، فإن اتباع الرسل حاسم للشهوات، ~~وهم أبعد الناس عن ذلك. # ولما حقر شأنهم، هدمه بالكلية بقوله: { بأفواههم } أي بقول خال عن شيء ~~يثبته أو يمضيه وينفذه، وفي تسمية دينه نورا ومعاندتهم إطفاء بالأفواه ~~تمثيل لحالهم بحال من يريد إطفاء نور الشمس بنفخه { ويأبى } أي والحال ~~أنه يفعل فعل الأبي وهو أنه لا يرضي { الله } أي الذي له جميع العظمة ~~والعز ونفوذ الكلمة { إلا أن يتم نوره } أي لا يقتصر على مجرد إشراقه، بل ~~وعد - وقوله الحق - بأنه لا بد من إكماله وإطفائه لكل ما عداه وإحراقه. ~~ولما في " يأبى " من معنى الجحد دخل عليه الاستثناء، أي إنه يأبى كل حالة ~~إلا حالة إتمامه نوره على التجدد والاستمرار { ولو كره الكافرون* } أي ~~العريقون في الكفر فكيف بغيرهم. # ولما أخبر أنه معل لقوله ومكمل، ومبطل لقولهم مسفل، علل ذلك بما حاصله ~~أنه شأن الملوك، وهو أنهم إذا برز لهم أمر شيء لم يرضوا أن يرده أحد فإن ~~ذلك روح الملك الذي لا يجازي الطاعن فيه إلا بالهلك فقال: { هو } أي وحده ~~{ الذي أرسل رسوله } أي محمدا صلى الله عليه وسلم { بالهدى } أي لبيان ~~الشافي بالمعجزات القولية والفعلية { ودين الحق } أي الكامل في بيانه ~~وثباته كمالا ظاهرا لكل عاقل؛ ثم زادهم جرأة على العدو بقوله معللا ~~لإرساله: { ليظهره } أي الرسول صلى الله عليه وسلم والدين - أدام الله ~~ظهوره { على الدين كله } وساق ذلك كله مساق الجواب لمن كأنه قال: كيف ~~نقاتلهم وهم في الكثرة والقوة على ما لا يخفي؟ فقال: لم لا تقاتلونهم ~~وأنتم لا تعتمدون على أحد غير من كل شيء تحت قهره، وهم إنما يعتمدون على ~~مخاليق مثلكم، كيف لا تجسرون عليهم وهم في قتالكم إنما يقاتلون ربهم الذي ~~أنتم في طاعته؟ أم كيف لا تصادمونهم وهو الذي أمركم بقتالهم لينصركم ~~ويظهر آياته؟ ولعل الختم ms1855 بقوله: { ولو كره المشركون* } أبلغ لأن الكفر قد ~~لا يكون فيه عناد، والشرك مبناه على العناد باتخاذ الأنداد، أي لا بد من ~~نصركم خالف من خالف مجرد مخالفة أو ضم إلى ذلك العناد بالاستعانة بمن ~~أراد. ### || [9.34-36] # ولما حقر أمرهم بتقسيم اعتمادهم على رؤسائهم، وحالهم معروف في أنه لا ~~نفع عندهم ولا ضر، وأعلى أمر أهل الله باجتماعهم عليه وهو القادر على كل ~~شيء، وكان الإقبال على الدنيا أعظم أمارة على الخذلان ولو أنه بحق فكيف ~~إذا بالباطل! أقبل سبحانه وعز شأنه على أهل وده مستعطفا متلطفا مناديا ~~باسم الإيمان الذي بنى أمره في أول هذا الكتاب على الإنفاق لا على ~~التحصيل ولو كان بحق، فكيف إذا كان بباطل، ويؤتون الزكاة ومما رزقناهم ~~ينفقون، منبها على سفه من ترك من لا يسأله على بذل الهدى والدعوة إلى ~~دين الحق أجرا وهو سفير محض لا ينطق عن الهوى، ولم يعتقده رسولا واتخذ ~~مربوبا مثله وهو يأخذ ماله بالباطل ربوا، وذلك مقتض لتحقيرهم لا لمطلق ~~تعظيمهم فضلا عن الرتبة التي أنزلوهم بها وأهلوهم لها مع الترفع عليهم ~~لقصد أكل أموالهم بالباطل فقال: { يا أيها الذين آمنوا } أي أقروا بإيمان ~~داعيهم من التكذيب ومما يؤول إليه { إن كثيرا من الأحبار } أي من علماء ~~اليهود { والرهبان } أي من زهاد النصارى { ليأكلون } أي يتناولون، ولكنه ~~عبر به لأنه معظم المراد من المال، وإشارة إلى تحقير الأحبار والرهبان ~~بأنهم يفعلون ما ينافي مقامهم الذي أقاموا أنفسهم فيه { أموال الناس ~~بالباطل } أي بأخذها بالرشى وأنواع التصيد بإظهار الزهد والمبالغة في ~~التدين المستجلب لها بالنذور ونحوها فيكنزونها ولا ينفقونها في سبيل الله ~~من أتاهم بها بالإقبال بقلوب عباده إليهم. # ولما أخبر عن إقبالهم على الدنيا، أتبعه الإخبار عن إعراضهم عن الآخرة ~~فقال: { ويصدون } أي يحتالون في صرف من يأتيهم بتلك الأموال وغيرهم { عن ~~سبيل الله } أي دين الملك الذي له الأمر كله بإبعادهم عنه بإخفاء الآيات ~~الدالة عليه عنهم خوفا على انقطاع دنياهم بزوال رئاستهم لو أقبل أولئك ms1856 ~~على الحق. # ولما كان أكثرهم يكنزون تلك الأموال، شرع سبحانه على مطلق الكنز، ففهم ~~من باب الأولى الصد الذي هو سبب الجمع الذي هو سبب الكنز فقال: { والذين ~~} أي يفعلون ذلك والحال أنهم يعلمون أن الذين { يكنزون } أي يجمعون تحت ~~الأرض أو فوقها من قولهم للمجتمع اللحم: مكتنز { الذهب والفضة } أي منهم ~~ومن غيرهم من غير تزكية. # ولما كان من المعلوم أنهما أجل ما الناس، وكان الكنز دالا على المكاثرة ~~فيهما، أعاد الضمير عليهما بما يدل على الأنواع الكثيرة فقال: { ولا ~~ينفقونها } أي ينفقون ما وجب عليهم من هذه الأموال التي جمعوها من هذين ~~النوعين مجتمعين أو منفردين، ولو ثنى لأوهم أن اجتماعها شرط للترهيب، ~~وإنما أعاد الضمير عليها من غير ذكر " من " - وهي مرادة - لمزيد الترغيب ~~في الإنفاق والترهيب من تركه، ويجوز أن يعود الضمير إلى الفضة لأن الذم ~~على كنزها، والحاجة إليها لكثرتها أقل، فالذم على كنز الذهب من باب ~~الأولى لأنه أعلى منها وأعز بخلاف الذم على كنز الذهب؛ وقال الحرالي في ~~آل عمران: فأوقع الإنفاق عليهما ولم يخصه من حيث لم يكن، ولا ينفقون منها ~~كما قال في المواشي [خذ من أموالهم] لأن هذين الجوهرين خواتم ينال بها ~~أهل الدنيا منافعهم وقد صرف عنهم الانتفاع بهما فلم يكن لوجودهما فائدة ~~إلا بإنفاقهما لأنهما صنما هذه الأمة، فكان كسرهما بإذهابهما -انتهى. # { في سبيل الله } أي الوجه الذي أمر الملك الأعلى بإنفاقها فيه { فبشرهم ~~} أي نقول فيهم بسبب ذلك تهكما بهم: بشرهم { بعذاب أليم* } عوضا عما ~~أرادوا من السرور بإنجاح المقاصد. # ولما كان السياق دالا دلالة واضحة على أن هذا العذاب يحصل لهم ويقع ~~بهم، فنصب بذلك قوله: { يوم يحمى } أي يحصل الإحماء وهو الإيقاد الشديد { ~~عليها } أي الأموال التي جمعوها { في نار جهنم } أي التي لا يقاربها ~~ناركم، وتلقى داخلها بالتجهم والعبوسة كما كان يلقى بذلك الفقراء وغيرهم ~~من أهل الله لا سيما من منعه ما يجب له من النفقة { فتكوى بها } أي بهذه ~~الأموال { جباههم } التي ms1857 هي أشرف أعضائهم لأنها مجمع الوجوه والرؤوس ~~وموضع الجاه الذي يجمع المال لأجله لتعبيسهم بها في وجوه الفقراء { ~~وجنوبهم } التي يحوونه لملئها بالمآكل المشتهاة والمشارب المستلذة ~~ولازورارهم بها عن الفقراء { وظهورهم } التي يحوونه لتقويتها وتحميلها ~~بالملابس وتجليتها ولتوليتهم إياها إذا اجتمعوا مع الفقراء في مكان. ثم ~~يقال لهم: { هذا ما كنزتم } وأشار إلى الحامل على الجمع المنافي للعقل ~~بقوله: { لأنفسكم } أي لتنافسوا به وتلتذوا فلم تنفقوه فيما أمر الله { ~~فذوقوا ما } أي وبال وعذاب ما { كنتم تكنزون* } أي تجددون جمعه على سبيل ~~الاستمرار حريصين عليه، وأشار بفعل الكون إلى أنهم مجبولون على ذلك؛ روى ~~البخاري في التفسير عن زيد بن وهب قال: مررت على أبي ذر رضي الله عنه ~~بالربذة قلت: ما أنزلك بهذه الأرض قال: كنا بالشام فقرأت { والذين يكنزون ~~الذهب والفضة } - الآية، قال معاوية: ماهذه فينا، ما هذه إلا في أهل ~~الكتاب! قلت: إنها لفينا وفيهم؛ وروي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: ~~هذا قبل أن تنزل الزكاة، فلما أنزلت جعلها الله طهرا للأموال، يعني فما ~~أعطى صاحبه ما وجب عليه فيه فليس بكنز. # ولما تقدم كثير مما ينبني على التاريخ: الحج في غير موضع والأشهر وإتمام ~~عهد من له مدة إلى مدته والزكاة والجزية، وختم ذلك بالكنز الذي لا يطلق ~~شرعا إلا على ما لم تؤد زكاته، وكان مشركو العرب - الذين تقدم الأمر ~~بالبراءة منهم والتأذين بهذه الآيات يوم الحج الأكبر فيهم - قد أحدثوا في ~~الأشهر - بالنسيء الذي أمروا أن ينادوا في الحج بإبطاله - ما غير السنين ~~عن موضوعها الذي وضعها الله عليه، فضاهوا به فعل أهل الكتاب بالتدين ~~بتحليل أكابرهم وتحريمهم كما ضاهى أولئك قول أهل الشرك في النبوة ~~والأبوة، قال تعالى: { إن عدة الشهور } أي منتهى عدد شهور السنة { عند ~~الله } أي في حكم وعلم الذي خلق الزمان وحده وهو الإله وحده فلا أمر لأحد ~~معه { اثنا عشر شهرا } أي لا زيادة عليها ولا تغيير لها كما تفعلونه في ~~النسيء { في كتاب الله ms1858 } أي كلام الملك المحيط بكل شيء قدرة وعلما، ~~وحكمه الذي هو مجمع الهدى، فهو الحقيق بأن يكتب، وليست الشهور ثلاثة عشر ~~ولا أكثر كما كان يفعل من أمرتكم بالبراءة منهم كائنين منة كانوا في ~~النسيء { يوم } أي كان ذلك وثبت يوم { خلق السماوات والأرض } أي اللذين ~~نشأ عنهما الزمان. # والمعنى أن الحكم بذلك كان قبل أن يخلق الزمان { منها } أي الشهور { ~~أربعة حرم } أي بأعيانها لا بمجرد العدد { ذلك } أي الأمر العظيم والحكم ~~العالي الرتبة في الإتقان خاصة { الدين القيم* } أي الذي لا عوج فيه ولا ~~مدخل للعباد، وإنما هو بتقدير الله تعالى للقمر؛ روى البخاري عن أبي بكرة ~~رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال - يعني في حجة الوادع: # " إن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السماوات والأرض،السنة اثنا ~~عشر شهرا، منها أربعة حرم: ثلاث متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ~~ورجب مضر الذي بين جمادي وشعبان " # ولما بين الأمر سبب عنه قوله: { فلا تظلموا فيهن } أي الأشهر الحرم { ~~أنفسكم } أي بسبب إنساء بعضها وتحريم غيره مكانة لتوافقوا العدد - لا ~~العين - اللازم عنه إخلال كل منها بإيقاع الظلم فيه وتحريم كل من غيرها، ~~قال قتادة: العمل الصالح والفاسد فيها أعظم منه في غيرها وإن كان ذلك في ~~نفسه عظيما فإن الله تعالى لعظم من أمره ما شاء؛ وقال أبو حيان ما ~~حاصله: إن العرب تعيد الضمير على جمع الكثرة كالواحدة المؤنثة فلذا قال: ~~" منها أربعة " أي من الشهور، وعلى جمع القلة لما لا يعقل بنون جمع ~~المؤنث فلذا قال { فلا تظلموا فيهن } أي في الأربعة. # ولما كان إنساؤهم هو لتحل لهم المقاتلة على زعمهم قال: { وقاتلوا ~~المشركين كافة } أي كلكم في ذلك سواء، في الائتلاف واجتماع الكلمة { كما ~~يقاتلونكم كافة } أي كلهم في ذلك سواء وذلك الحكم في جميع السنة، لا ~~أنهاكم عن قتالهم في شهر منها، فأنتم لا تحتاجون إلى تغيير حكمي فيها ~~لقتال ولا غيره إن اتقيتم الله، فلا تخافوهم وإن زادت جموعهم ms1859 وتضاعفت ~~قواهم لأن الله يكون معكم { واعلموا أن الله } أي الذي له جميع العظمة ~~معكم، هكذا كان الأصل ولكنه أظهر الوصف تعليقا للحكم به وتعميما فقال: ~~{ مع المتقين* } جميعهم، وهم الذين يثبتون تقواهم على ما شرعه لهم، لا ~~على النسيء ونحوه، ومن كان الله معه نصر لا محالة. ### || [9.37] # ولما فهم من هذا إبطال النسيء لأنه فعل أهل الجاهلية فلا تقوى فيه، كان ~~كأنه قيل: أفما في النسيء تقوى فإن سببه إنما هو الخوف من انتهاك حرمة ~~الله بالقتال في الشهر الذي حرمه؟وذلك أنهم كانوا أصحاب غارات وحروب، ~~وكانوا يحترمون الأشهر الحرم عن القتال حتى لو رأى الإنسان قاتل أبيه لا ~~مانع منه لم يعرض له، فكان إذا جاء الشهر الحرام وهم محاربون شق عليهم ~~تركه، وكان يشق عليهم ترك ذلك ثلاثة أشهر متوالية، فجعلوا النسيء لذلك، ~~فقيل تصريحا بما أفهمه ما مضى: ليس فيه شيء من ذلك: { إنما النسيء } أي ~~تأخير الشهر إلى شهر آخر على أنه مصدر نسأ نسيئا - إذا أخره، أو هو اسم ~~مفعول، أي الشهر الذي تؤخر العرب حرمته من الأشهر الحرم عن وقتها { زيادة ~~في الكفر } أي لأنه على خلاف ما شرعه الله، ستر تحريم ما أظهر الله ~~تحريمه. # ولما بين ما في النسيء من القباحة، تحرر أنهم وقعوا على ضد مرادهم فإنهم ~~كانوا لو قاتلوا في الشهر الحرام قاتلوا وهم معتقدون الحرمة خائفون ~~عاقبتها فكانوا غير خارجين عن دائرة التقوى بالكلية، فإذا هم بتحليله قد ~~صاروا خارجين عن دائرتها بمراحل لارتكابهم فيه كل عظيمة مع الأمن لاعتقاد ~~الحل بتحليل ذلك الذي اعتقدوه ربا، فكان يقول: إني لا أجاب ولا أعاب، ~~وإنه لا مراد لقضائي، وإني حللت المحرم وحرمت صفرا - إلى غير ذلك من ~~الكلام الذي لايليق إلا بالإله؛ وذلك الذي معنى قوله تعالى بيانا لما ~~قبله: { يضل به } أي بهذا التأخير الذي هو النسيء { الذين كفروا } أي ~~يحصل لهم بذلك ضلال عما شرعه الله - هذا على قراءة الجماعة والمعنى على ~~قراءة حمزة والكسائي وحفص ms1860 - بالبناء للمفعول: يضلهم مضل من قبل الله، ~~وعلى قراءة يعقوب - بالضم: يضلهم الله؛ ثم بين ضلالهم بقوله: { يحلونه } ~~أي ذلك الشهر، وعبر عن الحول بلفظ يدور على معنى السعة إشارة إلى أنهم ~~يفعلونه ولو لم يضطرهم إلى ذلك جدب سنة ولا عض زمان، بل بمجرد التشهي ~~فقال: { عاما ويحرمونه عاما } هكذا دائما كلما أرادوا. وليس المراد ~~أنهم كل سنة يفعلون ذلك من غير إجلال لسنة من السنين، وهذا الفعل نسخ ~~منهم مع أنهم يجعلون النسخ من معايب الدين { ليواطئوا } أي يوافقوا { عدة ~~ما حرم الله } أي المحيط بالجلال والإكرام في كون الأشهر الحرم أربعة { ~~فيحلوا } أي فيتسبب عن هذا الفعل أن يحلوا { ما حرم الله } أي الملك ~~الأعظم منها كلها، فلا يدع لهم هذا الفعل شهرا إلا انتهكوا حرمته ~~فأرادوا بذلك عدم انتهاك الحرمة فإذا هم لم يدعوا حرمة إلا انتهكوها، فما ~~أبعده من ضلال! # ولما انهتكت بهذا البيان قباحة فعلهم، كان كأنه قيل: إن هذا لعجب! ما ~~حملهم على ذلك؟ فقيل: { زين } أي زين مزين، وقرىء شاذا بإسناد الفعل إلى ~~الله { لهم سوء أعمالهم } أي حتى رأوا حسنا ما ليس بالحسن فضلوا ولم ~~يهتدوا، فعل الله بهم ذلك لما علم من طبعهم على الكفر فلم يهدهم { والله ~~} أي الذي له صفات الكمال { لا يهدي } أي يخلق الهداية في القلوب { القوم ~~الكافرين* } أي الذي طبعهم على الكفر فهم عريقون فيه لا ينفكون عنه؛ ~~والنسيء - قال في القاموس -: الاسم من نسأ الشيء بمعنى زجره وساقه وأخره، ~~قال: وشهر كانت تؤخره العرب في الجاهلية فنهى الله عز وجل عنه؛ وقال ابن ~~الأثير في النهاية؛ والنسيء فعول بمعنى مفعول، وقال ابن فارس في المجمل: ~~والنسيء في كتاب الله التأخير، وكانوا إذا صدروا عن منى يقوم رجل من ~~كنانة فيقول: أنا الذي لا يرد لي قضاء! فيقولون: أنسئنا شهرا، اي أخر ~~عنا حرمة المحرم واجعلها في صفر - انتهى. # ومادة نسأ تدور على التغريب، وسبب فعلهم هذا أنهم كانوا ربما أرادوا ~~قتالا في شهر حرام ms1861 فيحلونه، ويحرمون مكانه شهرا من أشهر الحل ويؤخرون ~~ذلك الشهر؛ قال ابن فارس: وذلك أنهم كانوا يكرهون أن يتوالى عليهم ثلاثة ~~أشهر لا يغيرون فيها، لأن معاشهم في الغارة فيحل لهم الكناني المحرم - ~~انتهى. وكان النسأة من بني فقيم من كنانة، وكان أول من فعل ذلك منهم ~~القلمس وهو حذيفة بن عبد ابن فقيم، وآخرهم الذي قام عليه الإسلام أبو ~~ثمامة جنادة بن عوف بن أمية بن قلع بن عباد بن حذيفة بن عبد بن فقيم بن ~~عدي بن عامر بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة ابن خزيمة. نسأ أربعين ~~سنة، كانت العرب إذا فرغت من حجها اجتمعت إليه، فحرم الأشهر الحرم ~~الأربعة، فإذا أرادوا أن يحل منها شيئا أحل المحرم فأحلوه، وحرم مكانه ~~صفرا فحرموه، ليواطئوا عدة الأربعة الأشهر الحرم، فإذا أرادوا الصدر قام ~~فيهم فقال: اللهم إني قد أحللت لهم أحد الصفرين الصفر الأول، ونسأت الآخر ~~للعام المقبل - ذكر ذلك أهل السير، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن أول ~~من نسأ عمرو بن لحي. # وتحقيق معنى ما كانت العرب تفعله واختلاف أسماء الشهور به حتى يوجب ~~دوران السنين فلا تصادف أسماء الشهور مسمياتها إلا الحين بعد الحين عسر ~~قل من اتى فيه بما يتضح به قول النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع ~~كما مضى # " إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض " # وها أنا أذكر فيه ما لا يبقى بعده لبس إن شاء الله تعالى، فمعنى قوله: ~~ونسأت الآخر للعام المقبل، أنه إذا أحل المحرم وسماه صفرا ابتدأ السنة ~~بعده بالمحرم ثم صفر إلى آخرها، فيصير بين صفر وذي الحجة الذي وقع النسيء ~~فيه شهران، وقد كان ينبغي ان يكون بينهما شهر واحد، فأخر هذا الذي ينبغي ~~إلى العام المقبل، فالمعنى: وأخرت الصفر الآخر عن محله إلى العام المقبل ~~فإذا جاء العام المقبل انتهى تأخره، وإذا انتهى رجع إلى محله، ويمكن أن ~~يتنزل على هذا قول أبي عبيد في غريب الحديث، ms1862 قال بعد النصف من الجزء ~~الثالث منه في شرح الاستدارة: إن بدء ذلك - والله أعلم - أن العرب كانت ~~تحرم الشهور الأربعة، وكان هذا مما تمسكت به من ملة إبراهيم عليه السلام، ~~فربما احتاجوا إلى تحليل المحرم للحرب تكون بينهم، فيكرهون أن يستحلوه ~~ويكرهون تأخير حربهم فيؤخرون تحريم المحرم إلى صفر فيحرمونه ويستحلون ~~المحرم، وهذا هو النسيء الذي قال الله { إنما النسيء } [براءة: 37] ~~الآية، وكان ذلك في كنانة هم الذين كانوا ينسؤون الشهور على العرب، ~~والنسيء هو التأخير، فكانوا يمكثون بذلك زمانا يحرمون صفرا وهم يريدون ~~بذلك المحرم ويقولون: هو أحد الصفرين، وقد تأول بعض الناس قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم " لا صفر " على هذا، ثم يحتاجون أيضا إلى تأخير صفر إلى ~~الشهر الذي بعده كحاجتهم إلى تأخير المحرم فيؤخرون تحريمه إلى ربيع، ثم ~~يمكثون بذلك ما شاء الله ثم يحتاجون إلى مثله ثم كذلك، فكذلك يتدافع شهر ~~بعد شهر حتى استدار التحريم على السنة كلها، فقام الإسلام وقد رجع المحرم ~~إلى موضعه الذي وضعه الله به، وذلك بعد دهر طويل، فذلك قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم # " إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض " # يقول: رجعت الأشهر الحرم إلى موضعها وبطل النسيء، وقد زعم بعض الناس ~~أنهم كانوا يستحلون المحرم عاما، فإذا كان من قابل ردوه إلى تحريمه، قال ~~أبو عبيد: الأول أحب إلي لقول النبي صلى الله عليه وسلم # " إن الزمان قد استدار " # وليس في التفسير الأخير استدارة، وعلى هذا التفسير الذي فسرناه قد يكون ~~قوله { يحلونه عاما ويحرمونه عاما } مصدقا له لأنهم إذا حرموا العام ~~المحرم وفي قابل صفرا ثم احتاجوا بعد ذلك إلى تحليل صفر أيضا أحلوه ~~وحرموا الذي بعده، فهذا تأويل قوله في التفسير، يحلونه عاما ويحرمونه ~~عاما. وقال أبو حيان في النهر ما حاصله: كانت العرب لا عيش لأكثرها إلا ~~من الغارات، فيشق عليهم توالي الأشهر الحرم، وكان بنو فقيم أهل دين وتمسك ~~بشرع إبراهيم عليه السلام، فانتدب منهم القلمس وهو ms1863 حذيفة بن عبيد بن ~~فقيم، فنسأ الشهور للعرب، ثم خلفه على ذلك ابنه عباد ثم خلفه ابنه قلع ثم ~~خلفه ابنه أمية ثم خلفه ابنه عوف ثم ابنه جنادة بن عوف وعليه قام ~~الإسلام، كانوا إذا فرغوا من حجهم جاء إليه من شاء منهم مجتمعين فقالوا: ~~أنسئنا شهرا، فيحل المحرم، ثم يلزمون حرمة صفر ليوافقوا عدة الأشهر ~~الأربعة ويسمون ذلك الصفر المحرم ويسمون ربيعا الأول صفرا وربيعا ~~الآخر ربيعا الأول - وهكذا سائر الشهور، فيسقط على هذا حكم المحرم الذي ~~حلل لهم، وتجيء السنة من ثلاثة عشر شهرا أولها المحرم الذي هو في ~~الحقيقة صفر؛ وقال البغوي: قال مجاهد: كانوا يحجون في كل شهر عامين، ~~فحجوا في ذي الحجة عامين وحجوا في المحرم عامين ثم حجوا في صفر عامين ~~وكذلك في الشهور، فوافقت حجة أبي بكر السنة الثانية من ذي القعدة، ثم حج ~~النبي صلى الله عليه وسلم في العام المقبل حجة الوادع، فوافق حجه أشهر ~~الحج المشروع وهو ذو الحجة، وقال عبد الرزاق في تفسيره: أخبرنا معمر عن ~~ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله { إنما النسيء زيادة في الكفر } قال: فرض ~~الله الحج في ذي الحجة، فكان المشركون يسمون الأشهر: ذا الحجة والمحرم ~~وصفر وربيع وربيع وجمادى وجمادى ورجب وشعبان ورمضان وشوال وذا القعدة وذا ~~الحجة، ثم يحجون فيه مرة أخرى، ثم يسكتون عن المحرم ولا يذكرونه، فيسمونه ~~- أحسبه قال - المحرم صفر، ثم يسمون رجب بجمادى الآخرة، ثم يسمون شعبان ~~رمضان، ورمضان شوالا. # ثم يسمون ذا القعدة شوالا. ثم يسمون ذا الحجة ذا القعدة، ثم يسمون ~~المحرم ذا الحجة ثم يحجون فيه، واسمه عندهم ذو الحجة، ثم عادوا كمثل هذه ~~الصفة فكانوا يحجون عامين في كل شهر حتى وافق حجة أبي بكر الآخر من ~~العامين في ذي القعدة، ثم حج النبي صلى الله عليه وسلم حجته التي حج، ~~فوافق ذلك ذا الحجة، فلذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته # " إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله ms1864 السماوات والأرض " # وقال ابن إسحاق في السيرة؛ سألت ابن أبي نجيح عن قول رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال؛ كانت قريش يدخلون في كل سنة شهرا، وإنما كانوا يوافقون ~~ذا الحجة كل اثنتي عشرة سنة مرة، فوفق الله عز وجل لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في حجته التي حج ذا الحجة، فحج فيها فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض " # ، فقلت لابن أبي نجيح: فكيف بحجة أبي بكر وعتاب بن أسيد؟ فقال: على ما ~~كان الناس يحجون عليه، ثم قال ابن أبي نجيح: كانوا يحجون في الحجة ثم ~~العام المقبل في المحرم ثم صفر حتى يبلغوا اثنى عشر شهرا - انتهى. # وقوله هذا يوهم أن في حج أبي بكر وعتاب رضي الله عنهما اختلالا، وتقدم ~~عن المهدوي وغيره التصريح بأنه كان في ذي القعدة - وفيه نظر، لأن السنة ~~التي حج فيها أبو بكر رضي الله عنه نودي فيها بتحريم النسيء وغيره من ~~أمور الجاهلية، فلا شك أنه لم يكن في ذلك العام إنساء، ولما مضى من الشهر ~~الذي حج فيه عشرة أشهر، وكان الحادي عشر وهو ذو القعدة سار النبي صلى ~~الله عليه وسلم في أواخره إلى الحج موافيا لهلال ذي الحجة، فلما وقف ~~بعرفة أخبر أن الزمان قد استدار، فعلم قطعا أن استدارته كانت في حجة أبي ~~بكر، وكذا في سنة ثمان وهي السنة التي حج فيها عتاب بالمسلمين، وذلك لأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم لم يكونوا يعتبرون حساب ~~أهل الجاهلية لا نسأتهم ولا غير نسأتهم، لأنه يلزم من القول بأنهم ~~اعتبروا أمر النسأة أنهم اعتبروا ما هو زيادة من الكفر، وهذا ما لا يقوله ~~ذو مسكة، وقد تقدم النقل أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل أبا بكر رضي ~~الله عنه إلى الحج في أواخر ذي القعدة أو بعد انقضائه من سنة تسع، ووافاه ~~العرب في ذي الحجة: الكفار وغيرهم، فوقع إعلامهم ms1865 ببراءة في أيام الحج ~~وأماكنه، فلو كان حصل في سنة عتاب اختلال في ذي القعدة بنسيء لكان ذو ~~الحجة بحساب الكفار وهو المحرم بحساب الإسلام، فكان يتأخر مجيء الكفار ~~للحج عن مجيء المسلمين، فثبت بهذا أيضا أن حجه رضي الله عنه كان في ذي ~~الحجة، فحفظ الله أهل الإسلام من أن يقع في حجهم اختلال في سنة من ~~السنين، وما هي بأول نعمة عليهم - والله الموفق؛ وقال الإمام أبو العباس ~~أحمد بن أبي احمد المشهور بابن القاص من أكابر متقدمي أصحاب الشافعي رحمه ~~الله في كتابه دلائل القبلة في باب معرفة عدد أيام السنة: فالسنة اثنا ~~عشر شهرا بالأهلة، وربما كان الشهر ثلاثين وربما كان تسعا وعشرين، ~~فمبلغ السنة الهلالية ثلاثمائة وأربعة وخمسون يوما وثماني ساعات وأربعة ~~أخماس ساعة، وقالت الهند: السنة ثلاثمائة وخمسة وستون يوما وست ساعات ~~وخمس ساعة وجزء من أربعمائة جزء من ساعة، وذلك من دخول الشمس برأس الحمل ~~إلى أن تدخل فيه من قابل، ففضل ما بين السنة الهلالية والسنة الشمسية ~~عشرة أيام وإحدى وعشرون ساعة وخمسا ساعة، فإذا زيدت عليها هذه الساعات ~~والأيام استقام حسابه مع دوران الشمس، وكانت العرب تزيده في الجاهليه، ~~وكان الذي أبدع لهم ذلك رجل من كنانة يقال له القلمس، وذلك أنه يجمع هذه ~~الزيادة فإذا تمت شهرا زاده في السنة وجعل تلك السنة ثلاثة عشر شهرا، ~~وسماه نسيئا، ويحج بهم تلك السنة في المحرم، فأنزل الله تعالى { إنما ~~النسيء زيادة في الكفر } فلما كانت السنة التي حج فيها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حجة الوداع وافق الحج في تلك السنة ذا الحجة لما أراد ~~الله تعالى بإثبات الحج في تلك السنة، فخطب النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال: # " أيها الناس! ألا إن السنة قد استدارت كهيئتها يوم خلق الله السماوات ~~والأرض { منها أربعة حرم ذلك الدين القيم } " # يعنى به الحساب القيم، فاالحرم رجب جمادى وشعبان، وذو القعدة، وذو ~~الحجة، والمحرم، فسمي ذلك الحج الأقوم، وقال الشاعر: # وأبطل ذو العرش ms1866 النسي وقلمسا # وفاز رسول الله بالحج الأقوم - انتهى # والقلمس بفتح اللام وتشديد الميم، فالنسيء في البيت متروك الهمز ليصح ~~الوزن، والأقوم منقول حركة الهمزة، وقوله: إن علة النسيء التطبيق بين ~~السنة الشمسية والقمرية - فيه نظر، والظاهر أن علته ما ذكر في السير من ~~اضطرارهم إلى القتال، وأمر الاستدارة في كل من هذه الأقوال واضح ~~الاستنارة، وليس المراد بها مصادفة كل فصل من فصول السنة لموضعه من الحر ~~والبر، ومصادفة اسم كل شهر لمسماه بحسب اشتقاقه حتى يكون رمضان في شدة ~~الحر مثلا وكذلك غيره وإن كان الواقع أن الأمر كان في هذه الحجة كذلك، ~~لما تقدم من أن غزوة تبوك كان ابتداؤها في شهر رجب، وكان ذلك كما تقدم في ~~شدة الحر وحين طابت الثمار، وإنما المراد الأعظم بالاستدارة مصادفة اسم ~~كل شهر لمسماه لا لمسمى شهر آخر لأجل الدوران بالنسيء بدليل أنه صلى الله ~~عليه وسلم ما ذكر إلا لأجله، فقال في بعض طرق حديث جابر الطويل رضي الله ~~عنه: # " إن النسيء زيادة في الكفر، وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله ~~السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهرا " # فانظر إلى تعقيبه بحصر الأشهر في الاثنى عشر نفيا لجعلهم إياها سنة ~~النسيء ثلاثة عشر شهرا، وقال: منها أربعة حرم، وعينها وقال: أي شهر ~~هذا؟ فلما سكتوا قال: ذو الحجة شهر حرام، كل هذا لبيان أن المراد ~~بالاستدارة رجوع كل شهر عما غيره أهل الجاهلية إلى موضعه الذي وضعه الله ~~به موافقا اسمه لمسماه، وجعلت أشهرنا هلالية مع المنع من النسيء لتحصل ~~الاستدارة فيحصل بسببها كل عبادة تعبدنا بها من صوم وعيد وحج وغيره في كل ~~فصل من فصول السنة بخلاف من شهوره بالحساب، فإن عباداتهم خاصة بوقت من ~~السنة لا تتعداه - والله الموافق له، وقال القاضي أبو محمد إسحاق بن ~~إبراهيم البستي في تفسيره، حثنا ابن أبي عمر ثنا سفيان عن عمرو بن دينار ~~عن طاوس قال؛ الشهر الذي انتزعه الله من الشيطان المحرم. # والحاصل أنه لا شك في ms1867 أن النسيء لم يكن قط إلا للمحرم لما تقدم، وان ~~الحج لم يكن قط في جاهلية ولا إسلام إلا في شهر يسمى ذا الحجة لما قاله ~~نقلة اللغة والحديث والأخبار، قال ابن الأثير في النهاية ونشوان اليمني ~~في شمس العلوم والقزاز في ديوانه وابن مكتوم في ترتيب العباب والمحكم: ذو ~~الحجة بالكسر: شهر الحج، زاد المحكم: سمي بذلك للحج، وقال القزاز؛ إن ~~الفتح فيه أشهر، وفي النهاية: يوم التروية هو الثامن من ذي الحجة، سمى به ~~لأنهم كانوا يرتوون فيه من الماء لما بعده، أي يستقون ويسقون؛ وقال المجد ~~في القاموس: يوم عرفة التاسع من ذي الحجة، وفي كتاب أسواق العرب لأبي ~~المنذر هشام بن محمد الكلبي رواية أبي سعيد السكري أن عكاظ كانت من أعظم ~~أسواق العرب. فإذا أهل أهلها هلال ذي الحجة ساروا بأجمعهم إلى ذي المجاز ~~وهي قريب من عكاظ، وعكاظ في أعلى نجد، فأقاموا بها حتى التروية، ووافاهم ~~بمكة حجاج العرب ورؤوسهم ممن أراد الحج بمن لم يكن شهد تلك الأسواق. قال ~~الأزرقي في تاريخ مكة: فإذا رأوا هلال ذي الحجة انصرفوا إلى ذي المجاز ~~فأقاموا بها ثماني ليال أسواقهم قائمة، ثم يخرجون يوم التروية في ذي ~~المجاز إلى عرفة فيتروون ذلك اليوم من الماء بذي المجاز، وإنما سمي يوم ~~التروية لترويهم الماء بذي المجاز، ينادي بعضهم بعضا: ترووا من الماء، ~~إنه لا ماء بعرفة ولا بالمزدلفة يومئذ، ثم ذكر أنه لا يحضر ذلك إلا ~~التجار، قال: ومن لم يكن له تجارة فإنه يخرج من أهله متى أراد، ومن كان ~~من أهل مكة ممن لا يريد التجارة خرج من مكة يوم التروية. وروى البيهقي في ~~دلائل النبوة بسندة عن عروة وموسى بن عقبة - فرقهما - قالا: وأهل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بالعمرة من الجعرانة في ذي القعدة، ثم أسند عن ~~ابن إسحاق انه قال: فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من عمرته ~~انصرف راجعا إلى المدينة، واستخلف عتاب بن أسيد على مكة وخلف ms1868 معه معاذ ~~بن جبل يفقه الناس في الدين ويعلمهم، فكانت عمرة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في ذي القعدة أو في الحجة، وحج الناس تلك السنة على ما كانت العرب ~~يحج عليه، وحج تلك السنة عتاب بن أسيد سنة ثمان، وحديث اعتماره صلى الله ~~عليه وسلم في ذي العقدة رواه الشيخان ومضى على ما كانت العرب من الطواف ~~عراة ونحوه؛ وذكره الواقدي عن مشايخ قالوا: وانتهى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إلى الجعرانة ليلة الخميس لخمس ليال خلون من ذي القعدة، فأقام ~~بالجعرانة ثلاث عشرة ليلة، فلما أراد الانصراف إلى المدينة خرج من ~~الجعرانة ليلة الأربعاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من ذي القعدة ليلا فأحرم ~~- فذكرعمرته ثم قال: واستعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم عتاب بن أسيد ~~على مكة، وخلف معاذ بن جبل وأبا موسى الأشعري رضي الله عنهما يعلمان ~~الناس القرآن والفقه في الدين، وأقام للناس الحج عتاب بن أسيد رضي الله ~~عنه عن تلك السنة وهي سنة ثمان، وحج ناس من المسلمين والمشركين على ~~مدتهم، وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة يوم الجمعه لثلاث بقين ~~من ذي القعدة، قال الواقدي: فأقام بقية ذي القعدة وذا الحجة، فلما رأى ~~هلال المحرم بعث المصدقين - انتهى. # إذا تقرر هذا علم أن الحج لم يكن قط إلا في شهر يسمونه ذا الحجة، وهو ~~مما لا يدور في خلد ولا يقع في وهم فيه تردد، ولا يحتاج إلى تطويل ~~بذكره ولا إطناب في أمره، وتارة يوافق اسمه مسماه وتارة لا يوافقه لأجل ~~النسيء، وعلم أيضا أن حج عتاب بن أسيد كان في ذي الحجة بعد رجوع النبي ~~صلى الله عليه وسلم من الجعرانة إلى المدينة الشريفة، أنه ما تأخر عن ذي ~~الحجة إلا لنقل، وأن حج أبي بكر رضي الله عنه سنة تسع كان ذي الحجة لذلك ~~ولما تقدم من أن سفره له من المدينة الشريفة كان آخر ذي القعدة أو أول ذي ~~الحجة ولقولهم: إن الأربعة الأشهر ms1869 التي ضربت للمشركين من يوم النحر ~~ولقولهم: إن الأربعة الأشهر كان آخرها عاشر ربيع الآخر، وعلم أن ذا الحجة ~~تلك السنة لو كان وافق مسمى ذي القعدة لم يقع ذو الحجة سنة عشر التي حج ~~فيها النبي صلى الله عليه وسلم في موضعه الذي وضعه الله به إلا بأن تكون ~~تلك السنة ثلاثة عشر شهرا بنسيء أو غيره، وكل من الأمرين باطل، أما ~~الأول فلأن الله تعالى أبطل النسيء في تلك السنة فيما أبطله من أمور ~~الجاهلية في هذه السورة، وأرسل النبي صلى الله عليه وسلم بالمناداة بها ~~كما مر، وأما الثاني فهو أمر خارق للعادة لم يكن مثله من حين خلق الله ~~السماوات والأرض، والخارق مما تتوفر الدواعي [على] نقله، ولا ناقل لهذا ~~أصلا فبطل، وإذا بطل ثبت أن سنة عشر كانت اثني عشر شهرا ولا سيما بعد ~~إنزال الله تعالى في ذلك ما أنزل في هذه السورة، وإذا كان الأمر كذلك كان ~~الشهر الذي وقف فيه النبي صلى الله عليه وسلم في موضع الشهر الذي وقف فيه ~~الصديق رضي الله عنه سواء بسواء، وقد ثبت أن الزمان كان فيه قد استدار ~~كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، فثبت من غير مرية أن شهر الصديق ~~رضي الله عنه كذلك كان، وثبت أيضا أن سنة عتاب ابن أسيد رضي الله عنه ~~كذلك كانت بما قدمت من أنه لم يكن فيها نسيء لتوافق حج المسلمين ~~والمشركين في سنة تسع. # فدل ذلك على أنها كانت اثنى عشر شهرا، فكان ذو الحجة فيها في موضعه ~~الذي وضعه الله به كما كانت سنة تسع، بل ظاهر قوله أبي عبيد: فقام ~~الإسلام وقد رجع المحرم إلى موضعه - كما مضى - أن الله حفظ زمن الإسلام ~~كله عن نسيء، وهو الذي اعتقده، وقد لاح بذلك أن السبب في قول من قال: إن ~~حج الصديق رضي الله عنه وافق ذا القعدة، أنه فهم من قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم # " إن الزمان قد استدار " # أن الاستدارة لم تكن ms1870 إلا في تلك السنة وليس ذلك مدلول هذا التركيب ما لا ~~يخفي والله الوفق: ثم وجدت النقل الصريح في زوائد معجمي الطبراني: الأوسط ~~والأصغر للحافظ نور الدين الهيثمي بمثل ما فهمته، قال في تفسير براءة: ~~حدثنا إبراهيم - يعني ابن هشام - البغوي ثنا الصلت بن مسعود الجحدري ثنا ~~محمد بن عبد الرحمن الطفاوي ثنا دواد بن أبي هند عن عمرو بن شعيب عن أبيه ~~عن جده يعني عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: كانت العرب يحلون ~~عاما شهرا وعاما شهرين ولا يصيبون الحج إلا في كل ست وعشرين سنة مرة، ~~وهو النسيء الذي ذكره الله عز وجل في كتابه، فلما كان عام حج أبو بكر رضي ~~الله عنه بالناس وافق ذلك العام الحج فسماه الله الحج الأكبر، ثم حج رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من العام المقبل فاستقبل الناس الأهلة فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض " # لم يروه عن عمرو إلا داود تفرد به الصلت - انتهى. وهو حديث حسن إن شاء ~~الله تعالى، ثم رأيت الهيثمي في مجمع الزوائد قال: رجاله ثقات، فأكد ذلك ~~الجزم بما فهمت من أنه حسن، وإنما أطلت هذا بما قد لا يحتاج في إيضاحه ~~إليه لكثرة جدال المجادلين المعاندين ومحال المماحلين الجامدين. ### || [9.38-41] # ولما أوعز سبحانه في أمر الجهاد، وأزاح جميع عللهم وبين أن حسنه لا يختص ~~به شهر دون شهر وأن بعضهم كان يحل لهم ويحرم فيتبعونه بما يؤدي إلى تحريم ~~الشهر الحلال وتحليل الشهر الحرام بالقتال فيه، عاتبهم الله سبحانه على ~~تخلفهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الآمر لهم بالنفر في غزوة تبوك ~~عن أمره سبحانه، وكان ابتداؤها في شهر رجب سنة تسع، فقال تعالى على سبيل ~~الاستعطاف والتذكير بنعمة الإيمان بعد ختم التي قبلها بأنه لا يهدي ~~الكافرين - الذي يعم الحرب وغيره الموجب للجرأة عليهم [لأن لا هداية له ~~أعمى، والأعمى لا يخشى]: { يا أيها الذين آمنوا ms1871 } أي ادعوا ذلك { ما لكم ~~} أي ما الذي يحصل لكم في أنكم { إذا قيل لكم } أي من أي قائل كان { ~~انفروا } أي اخرجوا مسرعين بجد ونشاط جماعات ووحدانا إمدادا لحزب الله ~~ونصرا لدينه تصديقا لدعواكم الإيمان، والنفر: مفارقة مكان إلى مكان ~~لأمر هاج على ذلك { في سبيل الله } أي بسبب تسهيل الطريق إلى الملك الذي ~~له جميع صفات الكمال، وقال ابو حيان: بني " قيل " للمفعول والقائل النبي ~~صلى الله عليه وسلم ولم يذكر إغلاظا ومخاشنة لهم وصونا لذكره إذ أخلد ~~إلى الهوينا والدعة من أخلد وخالف أمره - انتهى. { اثاقلتم } أي تثاقلتم ~~تثاقلا عظيما، وفيه ما لم يذكروا له سببا ظاهرا بما أشار إليه ~~الإدغام إخلادا وميلا { إلى الأرض } أي لبرد ظلالها وطيب هوائها ونضج ~~ثمارها، فكنتم أرضيين في سفول الهمم، لا سمائيين بطهارة الشيم. # ولما لم يكن - في الأسباب التي تقدم أنها كانت تحمل على التباطؤ عن ~~الجهاد - ما يحتمل القيام بهم في هذه الغزوة إلا الخوف من القتل والميل ~~إلى الأموال الحاضرة وثوقا بها والإعراض عن الغنى الموعود به الذي ربما ~~يلزم من الإعراض عنه التكذيب، فيؤدي إلى خسارة الآخر، هذا مع ما يلزم على ~~ذلك - ولا بد - من الزهد في الأجر المثمر لسعادة العقبى بهذا الشيء ~~الخسيس؛ قال مبينا خسة ما أخلدوا إليه تزهيدا فيه وشرف ما أعرضوا عنه ~~ترغيبا منبها على أن ترك الخير الكثير لأجل الشر اليسير شر عظيم منكرا ~~على من تثاقل موبخا لهم: { أرضيتم بالحياة الدنيا } أي بالخفض والدعة في ~~الدار الدنية الغارة { من الآخرة } أي الفاخرة الباقية؛ قال أبو حيان: و ~~" من " تظافرت أقوال المفسرين أنها بمعنى بدل، وأصحابنا لا يثبتون أن من ~~تكون للبدل - انتهى. والذي يظهر لي أنهم لم يريدوا أنها موضوعة للبدل، بل ~~إنه يطلق عليها لما قد يلزمها في مثل هذه العبارة من ترك ما بعدها لما ~~قبلها فإنها لابتداء الغاية، فإذا قلت: رضيت بكذا من زيد، كان المعنى أنك ~~أخذت ذلك أخذا مبتدئا منه غير ملتفت إلى ما ms1872 عداه، فكأنك جعلت ذلك بدل ~~كل شيء يقدر أنه ينالك منه من غير ذلك المأخوذ. # ولما كانوا قد أعطوا الآخرة على الأتباع فاستبدلوا به الامتناع، كان ~~إقبالهم على الدنيا كأنه مبتدىء مما كانوا قد توطنوه من الآخرة مع ~~الإعراض عنها، فكأنه قيل: أرضيتم بالميل إلى الدنيا من الآخرة؟ ويؤيد ما ~~فهمته أن العلامة علم الدين أبا محمد القاسم بن الموفق الأندلسي ذكر في ~~شرح الجزولية انهم عدوا ل { من } خمسة معان كلها ترجع إلى ابتداء الغاية ~~عند المحققين، وبين كيفية ذلك حتى البيانية، فمعنى # فاجتنبوا الرجس من الأوثان # [الحج: 30] الذي ابتداؤه من الأوثان، لأن الرجس جامع للأوثان وغيرها. # ولما كان الاستفهام إنكاريا كان معناه النهي، فكان تقدير: لا ترضوا بها ~~فإن ذلك أسفه رأي وأفسده! فقال تعالى معللا لهذا النهي: { فما } أي بسبب ~~أنه ما { متاع الحياة الدنيا في } أي مغمورا في جنب { الآخرة إلا قليل* ~~} والذي يندب هم المتجر ويدعي البصر به ويحاذر الخلل فيه يعد فاعل ذلك ~~سفيها. # ولما كان طول الاستعطاف ربما كان مدعاة للخلاف وترك الإنصاف، توعدهم ~~بقوله: { إلا تنفروا } أي في سبيله { يعذبكم } أي على ذلك { عذابا ~~أليما* } أي في الدارين { ويستبدل } أي يوجد بدلا منكم { قوما غيركم } ~~أي ذوي بأس ونجدة مخالفين لكم في الخلال التي كانت سببا للاستبدال ~~لولايته ونصر دينه. # ولما هددهم بما يضرهم، أخبرهم أنهم لا يضرون بفتورهم غير أنفسهم فقال: { ~~ولا تضروه } أي الله ورسوله { شيئا } لأنه متم أمره ومنجر وعده ومظهر ~~دينه؛ ولما أثبت بذلك قدرته على ضره لهم وقصورهم عن الوصول إلى ضره، كان ~~التقدير: لأنه قادر على نصر دينه ونبيه بغيركم، فعطف عليه تعميما لقدرته ~~ترهيبا من عظيم سطوته قوله: { والله } أي الملك الذي له الإحاطة الكاملة ~~{ على كل شيء قدير* }. # ولما وصف سبحانه نفسه الأقدس بما هو له أهل من شمول القدرة وعظيم البأس ~~والقوة، أتبع ذلك بدليل يتضمن أن المستنفر لهم - وهو نبيه صلى الله عليه ~~وسلم - غير محتاج إليه ومتوقف نصره عليهم كما لم ms1873 يحتج إليهم - بحياطة ~~القادر له - فيما مضى من الهجر التي ذكرها، وأن نفع ذلك إنما هو لهم ~~باستجلاب ما عدوه واستدفاع ما أوعدوه في الدارين المشار إلى ذلك كله ~~بقوله { فما متاع الحياة الدنيا } الآية وقوله { إلا تنفروا } - الآية، ~~فقال: { إلا تنصروه } أي أنتم طاعة لأمر الله، والضمير للنبي صلى الله ~~عليه وسلم إما على طريق الاستخدام من سبيل الله لأنه الموضح له الداعي ~~إليه، أو لتقدم اسمه الشريف إضمارا في قوله { إذا قيل لكم } أي من رسول ~~الله صلى عليه وسلم استنصارا منه لكم، وإظهارا في قوله تعالى # هو الذي أرسل رسوله # [التوبة: 34] الاية وقوة ما في كل جملة من المناسبة المقتضية لأن تعانق ~~التي بعدها ولا تنفك عنها قصر الفصل بين الظاهر وضميره، وذكر الغاز ~~والصاحب أوضح الأمر.وذلك أنه سبحانه لما عابهم باتخاذ الرؤساء أربابا ~~اشتدت الحاجة إلى بيان أنهم في البعد عن ذلك على غاية لا تخفى على متأمل، ~~فوصفهم بالأكل المستلزم للجسمية المستلزمة للحاجة، وبأن مأكولهم أموال ~~غيرهم باطلا، وبأنهم يغشونهم لصدهم إياهم عن السبيل التي لا يخفى حسنها ~~على من له أدنى نظر؛ ولما كان ذلك شديد الإثارة لتشوف النفوس إلى السؤال ~~عن العرب: هل فعلوا فعلهم واتبعوا سنتهم؟ أجاب بأن عملهم في تحليل النسأة ~~لهم بعض الأشهر الحرم وتحريم بعض أشهر الحل والزيادة في عدة أشهر السنة ~~كعملهم سواء. # ولما أمر بقتال المشركين كافة وحثهم على التقوى، وكان بعضهم قد توانى في ~~ذلك، اشتد اقتضاء الحال لمعاتبة على التثاقل عن النفر، فلما تم ذلك في ~~هذا الأسلوب البديع والطراز الرفيع حث على نصر الرسول الذي أرسله ليظهره ~~على الدين كله فقال جوابا للشرط: { فقد } أي إن لم يتجدد منكم له نصر ~~فإن الله قادر على نصره وسينصره ويغنيه عنكم ولا تضرون إلا أنفسكم فقد { ~~نصره الله } أي الملك الأعظم وحده والأمر في غاية الشدة، ولا شك عند عاقل ~~أن المستقبل عنده كالماضي { إذ } أي حين { أخرجه الذين } وعبر بالماضي ~~لأن فيهم من أسلم بعد ms1874 ذلك فقال: { كفروا } أي من مكة وهم في غاية التمالؤ ~~عليه حين شاوروا في قتله أو إخراجه او إثباته، فكان ذلك سببا لإذن الله ~~له في الخروج من بينهم حال كونه { ثاني اثنين } أي أحدهما أبو بكر رضي ~~الله عنه ولا ثالث لهما ينصرهما إلا الله { إذ هما في الغار } أي غار ثور ~~الذي في أعلى الجبل المواجه للركن اليماني بأسفل مكة على مسيرة ساعة منها ~~لما كمنا به ثلاث ليال ليفتر عنهما الطلب، وذلك قبل أن يصلا إليكم أو ~~يعولا في النصر عليكم { إذ يقول } أي رسول الله صلى الله عليه وسلم { ~~لصاحبه } أي أبي بكر الصديق رضي الله عنه وثوقا بربه غير منزعج من شيء { ~~لا تحزن } والحزن: هم غليظ بتوجع يرق له القلب، حزنه وأحزنه بمعنى؛ وقال ~~في القاموس: أو أحزنه: جعله حزينا، وحزنه: جعل فيه حزنا؛ ثم علل نهيه ~~لصاحبه بقوله معبرا بالاسم الأعظم مستحضرا لجميع ما جمعه من الأسماء ~~الحسنى والصفات العلى التي تخضع دونها صلاب الرقاب وتندك بعظمتها شوامخ ~~الجبال الصلاب { إن الله } أي الذي له الأمر كله { معنا } أي بالعون ~~والنصرة، وهو كاف لكل مهم، قوي على دفع ملم، فالذي تولى نصره بالحراسة في ~~ذلك الزمان كان قادرا على أن يأمر الجنود التي أيده بها أن تهلك الكفار ~~في كل موطن من غير أن يكون لكم في ذلك أمر أو يحصل لكم به أخر، وكما أنه ~~كان موجودا في ذلك الزمان بأسمائه الحسنى وصفاته العلى هو على ذلك في ~~هذا الزمان وكل زمان، فتبين كالشمس أن النفع في ذلك إنما هو خاص بكم، ~~وأنه سبحانه ما رتب هذا كله على هذا المنوال إلا لفوزكم، وفي هذه الآية ~~من التنويه بمقدار الصديق وتقدمه وسابقته في الإسلام وعلو منصبه وفخامة ~~أمره ما لا يعلمه إلا الذي أعطاه إياه؛ قال أبو حيان وغيره: قال العلماء: ~~من أنكر صحبة أبي بكر رضي الله عنه كفر لإنكاره كلام الله، وليس ذلك ~~لسائر الصحابة. # ولما كان رضي الله عنه ms1875 نافذ البصيرة في المعارف الإلهية، راسخ القدم في ~~ذلك المقام لذلك لم يتلعثم من أول الأمر في عناد جميع العباد بخاع ~~الأنداد، ثم تدرب فيه مترقيا لثلاث عشرة سنة، وكان الذي به من القلق ~~إنما هو الخوف من أن يحصل للنبي صلى الله عليه وسلم أذى فيدركه من الحزن ~~لذلك ما يهلكه قبل سروره بظهور الدين وقمع المعتدين، ولم يكن جنبا ولا ~~سوء ظن، لما كان ذلك كذلك كان رضي الله عنه حقيقا لحصول السكينة له عند ~~سماع اسم الشريف الأعظم الدال على ذلك المقام المذكر بتلك العظمة التي ~~يتلاشى عندها كل عظيم، ويتصاغر في جنبها كل كبير، ولذلك ذكر هذا الاسم ~~الأعظم وقدم، وأشرك الصديق في المعية وبدأ بالنهي عن الحزن لأنه المقصود ~~بالذات ومابعده علة له. وأما بنو إسرائيل فلم يكن عندهم من المعرفة إلا ~~ما شاهدوا من إحسانه تعالى إلى موسى عليه السلام بإظهار تلك الآيات على ~~يده حتى استنقذهم بها مما كانوا فيه، ومنع موسى عليه السلام مع وحدته من ~~سطوات فرعون على عظمته وما كان يواجهه به من المكروه، فلما رأوا جموعه ~~مقبلة كان حالهم مقتضيا للسؤال عن ذلك المحسن بإظهار تلك الآيات: هل هو ~~مع موسى عليه السلام على ما كان عليه فيمنعهم ام لا؟ فلذلك قد إنكار ~~الإدراك ثم إثبات المعية على سيبل الخصوص به، وعبر عن الإله باسم الرب ~~الدال على ذلك الإحسان المذكر به فقال # كلا إن معي ربي # [الشعراء: 62] فكأن قيل: ماذا يفعل والبحر أمامنا والعدو وراءنا؟ فقال " ~~سيهدين " أي إلى ما أفعل، يعرف ذلك من كان متضلعا بالسير وقصص بني ~~إسرائيل على ما ذكرتها في الأعراف عن التوارة، مستحضرا لأن الصديق رضي ~~الله عنه كان في صعودهما إلى الغار يذكر الرصد فيتقدم النبي صلى الله ~~عليه وسلم ليفتديه بنفسه ثم يذكر الطلب فيتأخر ثم يذكر ما عن اليمين ~~والشمال فينتقل إليهما، ويقول للنبي صلى الله عليه وسلم: إن قتلت أنا ~~فأنا رجل واحد، وإن قتلت أنت هلكت الأمة، وأنه ms1876 كان عارفا بأن الله تعالى ~~تكفل بإظفار الدين على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم المتضمن لحراسة ~~نفسه الشريفة قبل ذلك، ولذلك كان به في هذا اليوم من القلق ما ذكر، وكان ~~عند وفاة النبي صلى الله عليه وسلم أثبت الناس، ولذلك أتى بالفاء المعقبة ~~في قوله: { فأنزل الله } أي الملك الأعظم { سكينته } أي السكون المبالغ ~~فيه المؤثر للنسك { عليه } أي الصديق - كما قاله ابن عباس رضي الله عنهما ~~- لأن السكينة لم تفارق النبي صلى الله عليه وسلم، ثم عطف على نصره الله ~~قوله: { وأيده } أي النبي صلى الله عليه وسلم واختلاف الضمائر هنا لا يضر ~~لأنه غير مشتبه { بجنود لم تروها } أي من الملائكة الكرام { وجعل كلمة } ~~أي دعوة { الذين كفروا } أي أوقعوا الكفر من آمن منهم بعد ذلك وغيره { ~~السفلى } فخيب سعيهم ورد كيدهم، ثم ابتدأ الإخبار بما له سبحانه على ~~الدوام من غير انقطاع أصلا في وقت من الأوقات فقال: { وكلمة الله } أي ~~الذي له الإحاطة الكاملة بكل شيء، ونصبها يعقوب عطفا على ما سبق { هي ~~العليا } أي وحدها، لايكون إلا ما يشاءه دائما أبدا، فالله قادر على ~~ذلك { والله } أي المحيط بكل شيء قدرة وعلما { عزيز } أي مطلقا يغلب كل ~~شيء من ذلك وغيره { حكيم* } لا يمكن أن ينقض شيء من مراده لما ينصب من ~~الأسباب التي لا مطمع لأحد في مقاومتها فلا محيص عن نفوذها. # ولما بلغت هذه الماعظ من القلوب الواعية مبالغا هيأها به للقبول، أقبل ~~عليها سبحانه بالأمر فقال: { انفروا خفافا وثقالا } والمراد بالخفة كل ~~ما يكون سببا لسهولة الجهاد والنشاط إليه، وبالثقل كل ما يحمل على ~~الإبطاء عنه؛ وقال أبو حيان: والخفة والثقل هنا مستعار لمن يمكنه السفر ~~بسهولة ومن يمكنه بصعوبة، وأما من لا يمكنه كالأعمى ونحوه فخارج عن هذا - ~~انتهى. قال البغوي: قال الزهري: خرج سعيد بن المسيب رحمه الله الغزو وقد ~~ذهبت إحدى عينيه فقيل له: إنك عليل صاحب ضرر فقال: استنفر الله الخفيف ~~والثقيل، فإن لم يمكني ms1877 الحرب كثرت السواد وحفظت المتاع؛ وروى أبو يعلى ~~الموصلي في مسنده بسند صحيح عن أنس أن أبا طلحة رضي الله عنهما قرأ سورة ~~براءة فأتى على هذه الآية فقال: لا أرى ربي يستنفرني شابا وشيخا! ~~جهزوني، فمات فلم يجدوا له جزيرة يدفنونه فيها إلا بعد سبعة أيام فما ~~تغير، { وجاهدوا } أي أوقعوا جهدكم ليقع جهد الكفار. # ولما كانت هذه الآية في سياق المعاتبة لمن تثاقل إلى الأرض عن الجهاد ~~عند الاستنفار في غزوة تبوك، وكان سبب التثاقل ما كان في ذلك ما كان في ~~ذلك الوقت من العسرة في المال والشدة بالحر وما كان من طيب الظلال في ~~أراضي الجنان وقت الأخذ في استواء الثمار - كما هو مشهور في السير؛ اقتضى ~~المقام هنا تقديم المال والنفس بخلاف ما مضى فإن الكلام كان في المفاضلة ~~بين الجهاد في سبيل الله وخدمة البيت ومن يحجه في هذه السورة التي صادف ~~وقت نزولها بعد مواطن الجهاد وطول المفارقة للأموال، والأولاد وقدم المال ~~لأن النظر إليه من وجهين: قلته، ومحبة الإقامة في الحدائق أيثارا للتمتع ~~بها وخوفا من ضياعها مع أن بها قوام الأنفس، فصار النظر إليها هو الحامل ~~على الشح بالأنفس فقال تعالى: { بأموالكم وأنفسكم } أي بهما معا على ما ~~أمكنكم أو بأحدهما { في سبيل الله } أي الملك الأعلى أي حتى لا يبقى منه ~~مانع { ذلكم } أي الأمر العظيم { خير } أي في نفسه حاصل { لكم } أي خاص ~~بكم، ويجوز أن يكون أفعل تفضيل بمعنى أن عبادة المجاهد بالجهاد خير من ~~عبادة القاعد بغيره كائنا ما كان، كما قال صلى الله عليه وسلم لمن سأله: ~~هل يمكن بلوغ درجة المجاهد؟ فقال: هل تستطيع أن تقوم فلا تفتر وتصوم فلا ~~تفطر؟ وختم الآية بقوله: { إن كنتم تعلمون* } إشارة إلى أن هذا الأمر وإن ~~كان عاما فإنما ينتفع به ذوو الأذهان الصافية والمعالم الوافية، فإن ~~العلم - ولا يعد علما إلا النافع - يحث على العمل وعلى إحسانه باخلاص ~~النية وتصحيح المقاصد وتقوية العزم وغير ذلك وضده يورث ms1878 ضده. ### || [9.42-43] # ولما كان هذا العتاب مؤذنا بأن فيهم من تباطأ عن الجهاد اشتغالا بنحو ~~الأموال والأولاد، وكان ما اشتملت عليه هذه الآيات من الأوامر والزواجر ~~والمواعظ جدير: بأن يخفف كل متثاقل وينشط كل متكاسل، تشوفت النفوس إلى ما ~~اتفق بعد ذلك فأعلم سبحانه به في أساليب البلاغة المخبرة عن أحوال ~~القاعدين وأقاصيص الجامدين المفهمة ان هناك من غلب عليه الشقاء فلم ينتفع ~~بالمواعظ، فالتفت من لطف الإقبال إلى تبكيت المتثاقلين بأسلوب الإعراض ~~المؤذن الغضب المحقق للسخط المبين لفضائحهم المبعثر لقبائحهم المخرج لهم ~~ما دخلوا فيه من عموم الدعاء باسم الإيمان فقال: { لو كان } أي ما تدعوا ~~إليه { عرضا } أي متاعا دنيويا { قريبا } أي سهل التناول { وسفرا ~~قاصدا } أي وسطا عدلا مقاربا { لا تبعوك } أي لأجل رجاء العرض مع ~~سهولة السفر لأن هممهم قاصرة ومنوطة بالحاضر { ولكن } أي لم يتبعوك ~~تثاقلا إلى الأرض ورضى بالفاني الحاضر من الباقي الغائب لأنها { بعدت ~~عليهم الشقة } أي المسافة التي تطوى بذرع الأرجل بالمسير فيحصل بها ~~النكال والمشقة فلم يواز ما يحصل لهم بها من التعب ما يرجونه من العرض، ~~فاستأذنوك، وفي هذا إشارة إلى ذمهم بسفول الهمم ودناءة الشيم بالعجز ~~والكسل والنهم والثقل، وإلى أن هذا الدين متين لا يحمله إلا ماضي الهم ~~صادق العزم كما قال الشاعر: # إذا هم ألقى بين عينيه عزمه # وأعرض عن ذكر العواقب جانبا # فلله در أولي العزائم والصبر على الشدائد والمغارم! ولما ذمهم بالشح ~~بالدنيا، أتبعه وصمهم بالسماح بالدين فقال مخبرا عما سيكون منهم علما ~~من أعلام النبوة: { وسيحلفون } أي المتخلفون باخبار محقق لا خلف فيه { ~~بالله } أي الذي لا أعظم منه عند رجوعكم إليهم جمعا إلى ما انتهكوا من ~~حرمتك بالتخلف عنك لانتهاك حرمة الله بالكذب قائلين: والله { لو استطعنا ~~} أي الخروج إلى ما دعوتمونا إليه { لخرجنا معكم } يحلفون حال كونهم { ~~يهلكون أنفسهم } أي بهذا الحلف الذي يريدون به حياتها لأنهم كذبوا فيه ~~فانتهكوا حرمة اسم الله { والله } أي والحال أن الملك الأعظم المحيط ~~علما وقدرة ms1879 سبحانه { يعلم إنهم لكاذبون* } فقد جمعوا بين إهلاك أنفسهم ~~والفضيحة عند الله بعلمه بكذبهم في انهم غير مستطيعين، وجزاء الكاذب في ~~مثل ذلك الغضب المؤيد الموجب للعذاب الدائم المخلد. # ولما بكتهم على وجه الإعراض لأجل التخلف والحلف عليه كاذبا، أقبل إليه ~~صلى الله عليه وسلم بالعتاب فبي لذيذ الخطاب على الاسترسال في اللين لهم ~~والائتلاف وأخذ العفو وترك الخلاف إلى هذا الحد، فقال مؤذنا بأنهم ما ~~تخلفوا إلا بإذنه صلى الله عليه وسلم لأعذار ادعوها كاذبين فيها كما ~~كذبوا في هذا الحلف، مقدما للدعاء على العتاب لشدة الاعتناء بشأنه ~~واللطف به صلى الله عليه وسلم: { عفا الله } أي ذو الجلال والإكرام { عنك ~~} وهذا كما كانت عادة العرب في مخاطبتهم لأكابرهم بأن يقولوا: أصلح الله ~~الأمير، والملك - ونحو ذلك. # ولما كان من المعلوم أنه لا يأذن إلا لما يرى أنه يرضي الله من تألفهم ~~ونحوه، بين أنه سبحانه يرضى منه ترك الإذن فقال كناية عن ذلك: { لم أذنت ~~لهم } أي في التخلف عنك تمسكا بما تقدم من الأمر باللين لهم والصفح عنهم ~~موافقا لما جبلت عليه من محبة الرفق، وهذا إنما كان في أول الأمر لخوف ~~التنازع والفتنة، وأما الآن فقد علا الدين وتمكن أمر المؤمنين فالمأمور ~~به الإغلاط على المنافقين فهلا تركت الإذن لهم { حتى يتبين لك } أي غاية ~~البيان { الذين صدقوا } أي في التزام الأوامر بما أقروا به من كلمة ~~التوحيد { وتعلم الكاذبين* } أي فيما أظهروا من الإيمان باللسان، فإنك إن ~~لم تأذن لهم لقعدوا بلا إذن غير مراعين ميثاقهم الذي واثقوك عليه بالطاعة ~~في العسر واليسر والمنشط والمكره؛ قال أبو حيان: و { حتى } غاية ~~الاستفهام - انتهى. وذلك لأنه وإن كان داخلا على فعل مثبت فمعناه النفي، ~~أي ما لك لم تحملهم على الغزو معك ليتحقق بذلك الحمل من يطيع ومن يعصي، ~~فالحاصل أن الذي فعله صلى الله عليه وسلم حسن موافق لما أمره الله به ~~فإنه لا ينطبق عن الهوى بل عن أمر الله إما بإيحاء واصل جديد، ms1880 أو استناد ~~إلى وحي سابق حاصل عتيد، والذي أشار إليه سبحانه أحسن مثل # ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك # [الفتح: 2] من باب " حسنات الأبرار سيئات المقربين " ومن باب الترقية من ~~مقام عال إلى مقام اعلى تسييرا فيهم بالعدل لما انكشف أنهم ليسوا بأهل ~~الفضل؛ قال الأستاذ أبو الحسن الحرالي في آخر كتاب العروة في تفاوت وجه ~~الخطاب فيما بين ما أنزل على وفق الوصية أو أنزل على حكم الكتاب: اعلم أن ~~الله سبحانه بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالرحمة لجميع العالمين وخلقه ~~بالعفو والمعروف، كما ورد في الكتب السابقة من قوله تعالى: " وأجعل العفو ~~والمعروف خلقه " وبذلك وصاه كما ورد عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " أوصاني ربي من غير ترجمان ولا واسطة بسبع خصال: بخشية الله في السر ~~والعلانية، وأن أصل من قطعني، وأصفح عمن ظلمني، وأعطي من حرمني، وأن يكون ~~نطقي ذكرا، وصمتي فكرا، ونظري عبرة ". # فكان فيما أوصاه به ربه تبارك وتعالى من غير ترجمان ولا واسطة أن يصل من ~~قطعة ويصفح عمن ظلمه، ولا أقطع له ممن كفر به وصد عنه، فكان هو صلى الله ~~عليه وسلم - بحكم ما بعث به وجبل عليه ووصى به - ملتزما للعفو عمن ظلمه ~~والوصل لمن قطعه إلا أن يعلن عليه بالإكراه على ترك ذلك والرجوع إلى حق ~~العدل والاقتصاص والانتصاف المخالف لسعة وصيته الموافق لما نقل من أحكام ~~سنن الأولين في مؤاخذتهم بالحق والعدل إلى جامع شرعته ليوجد فيها نحو مما ~~تقدم من الحق والعدل وإن قل، ولتفضل شرعته بما اختص هو به صلى الله عليه ~~وسلم من البعثة بسعة الرحمة والفضل # إن الله يأمر بالعدل والإحسان # [النحل: 9]، # وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم # [الأنفال: 33] فمن القرآن ما أنزل على الوجه الذي بعث له وجبل عليه ووصى ~~به نحو قوله تعالى: # ادفع بالتي هي أحسن السيئة # [المؤمنون: 96] وقوله تعالى: # خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين # [الأعراف: 199] وقوله تعالى: # ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك ms1881 فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم ~~في الأمر # [آل عمران: 159] وقوله تعالى: # فاصفح الصفح الجميل # [الحجر: 85] وقوله تعالى # فاصفح عنهم وقل سلام # [الزخرف: 89] وأصل معناه في مضمون قوله تعالى: # لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم # [التوبة: 128] فما كان من المنزل على هذا الوجه تعاضدت فيه الوصية ~~والكتاب وقبله هو صلى الله عليه وسلم جبلة وحالا وعملا ولم تكن له عنه ~~وقفة لتظافر الأمرين وتوافق الخطابين: خطاب الوصية، وخطاب الكتاب؛ وهذا ~~الوجه من المنزل خاص بالقرآن العظيم الذي هو خاص به صلى الله عليه وسلم، ~~لم يؤته أحد قبله # ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم # [الحجر: 87] ومن القرآن ما أنزل على حكم العدل والحق المتقدم فضله في ~~سنن الأولين وكتب المتقدمين وإمضاء عدل الله سبحانه في المؤاخذين ~~والاكتفاء بوصل الواصل وإبعاد المستغني والإقبال على القاصد والانتقام من ~~الشارد، وذلك خلاف ما جبل الله عليه نبيه وما وصى به حبيبه صلى الله عليه ~~وسلم؛ فكان صلى الله عليه وسلم إذا أنزل عليه - أي من الكتاب - على مقتضى ~~الحق وإمضاء العدل ترقب تخفيفه وترجى تيسيره حتى يعلن عليه بالإكراه في ~~أخذه والتزام حكمه فحينئذ يقوم لله به ويظهر عذره في إمضائه فيكون له في ~~خطاب التشديدعليه في أخذه أعظم مدح وأبلغ ثناء من الله ضد ما يتوهمه ~~الجاهلون، فمما أنزل إنباء عن مدحه بتوقفه على إمضاء حكم العدل والحق ~~رجاء تدارك الخلق واستعطاف الحق ما هو نحو قوله تعالى: # فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا # [الكهف: 6] ونحو قوله تعالى: # لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين # [الشعراء: 3] نحو قوله تعالى: # ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون # [الحجر: 97] ومما أنزل على وجه الإعلان عليه بما هو عليه من الرحمة ~~وتوقفه على الأخذ بسنن الأولين حتى يكره عليه ليقوم عذره ليقوم عذره في ~~الاقتصار على حكم الوصية وحال الجبلة ما هو نحو قوله تعالى: # ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده فلا تك في مرية ms1882 منه إنه الحق من ~~ربك # [هود: 17] ونحو قوله تعالى: # ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا ~~مؤمنين # [يونس: 99] ونحو قوله تعالى: # فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك لقد ~~جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين # [يونس: 94] أي لا تتوقف لطلب الرحمة لهم كما - يتوقف الممتري في الشيء ~~أو الشاك فيه لما قد علم أنه لا بد لأمته من حظ من مضاء كلمة العدل فيهم ~~وحق كلمة العذاب عليهم وإجراء بعضهم دون كلهم على سنة من تقدمهم من أهل ~~الكتب الماضية في المؤاخذة بذنوبهم وإنفاذ حكم السطوة فيهم فأخذهم الله ~~بذنوبهم # فكلا أخذنا بذنبه # [العنكبوت: 40] ولم ينفعهم الرجوع عند مشاهدة الآيات # الآن وقد عصيت قبل # [يونس: 91] # لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم # [الأنبياء: 13] وذلك أن كل مطالع بالعذاب راجع - ولا بد - عن باطله حين ~~لا ينفعه # وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون # [الأنبياء: 95] # إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا # [يونس: 98] لما أبطن تعالى في قلب نبيهم عليه السلام عزما على هلاكهم، ~~أظهر تعالى رحمة عليهم، ولما ملأ نبيه صلى الله عليه وسلم رحمة لأمته: ~~كافرهم ومؤمنهم ومنافقهم، أشار بآي من إظهار مؤاخذتهم وأعلم بكف نبيه صلى ~~الله عليه وسلم عن تألفهم وأحسبه بمؤمنهم دون كافرهم ومنافقهم # يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين # [الأنفال: 64] وكل ذلك معلوم عنده صلى الله عليه وسلم قبل وقوعه بمضمون ~~قوله تعالى: { سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا } # سنة الله التي قد خلت من قبل # [الفتح:23]، # فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل # [يونس: 94]، # كذلك نسلكه في قلوب المجرمين لا يؤمنون به وقد خلت سنة الأولين # [الحجر: 12-13] # " ولذلك قال صلى الله عليه وسلم حين أنزل عليه { فإن كنت في شك مما ~~أنزلنا إليك } [يونس: 94]: " أما أنا فلا أشك ولا أسأل " " # ، لأنه قد علم جملة أمر الله أن ms1883 منهم من يتداركه الرحمة ومن يحق عليه ~~كلمة العذاب، ولكنه لا يزال ملتزما لتألفهم واستجلابهم حتى يكره على ترك ~~ذلك بعلن خطاب نحو قوله تعالى: # عبس وتولى أن جاءه الأعمى وما يدريك لعله يزكى أو يذكر فتنفعه الذكرى ~~أما من استغنى فأنت له تصدى وما عليك ألا يزكى وأما من جاءك يسعى وهو ~~يخشى فأنت عنه تلهى كلا إنها تذكرة فمن شاء ذكره # [عبس: 1-12] ونحو قوله تعالى: # ما كان لنبي أن يكون له أسرى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله ~~يريد الآخرة والله عزيز حكيم لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم ~~عذاب عظيم فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا واتقوا الله إن الله غفور رحيم # [الأنفال: 67- 69] فهذه الآي ونحوها يسمعها العالم بموقعها على إكراه ~~لنبي الرحمة حتى يرجع إلى عدل نبي الملحمة من جملة أمداح القرآن له ~~والشهادة بوفائه بعهد ووصية حتى تحقق له تسميته بنبي الرحمة ثابتا على ~~الوصية ونبي الملحمة إمضاء في وقت لحكم الحق وإظهار العدل، فهو صلى الله ~~عليه وسلم بكل القرآن ممدوح وموصوف بالخلق العظيم جامع لما تضمنته كتب ~~الماضين وما اختصه الله به من سعة القرآن العظيم، فهذا وجه تفاوت ما بين ~~الوصية والكتاب في محكم الخطاب؛ والله سميع عليم - انتهى. ### || [9.44-47] # ولما فاته صلى الله عليه وسلم معرفتهم بهذا الطريق، شرع العالم بما في ~~الضمائر يصفهم له بما يعوض عن ذلك، فقال على طريق الجواب للسؤال: { لا ~~يستئذنك } أي يطلب إذنك بغاية الرغبة فيه { الذين يؤمنون بالله } أي ~~يجددون الإيمان كل وقت حقا من أنفسهم بالملك الذي له صفات الكمال { ~~واليوم الآخر } أي الذي يكون فيه الجزاء بالثواب والعقاب { أن } أي في أن ~~{ يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم } بل يبادرون إلى الجهاد عند إشارتك إليه ~~وبعثك عموما عليه فضلا عن أن يستأذنوك في التخلف عنه، فإن الخلص من ~~المهاجرين والأنصار كانوا يقولون: لا نستأذنه صلى الله عليه وسلم أبدا ~~في الجهاد فإن ربنا ندبنا إليه مرة بعد مرة فأي فائدة في الاستئذان! ms1884 ~~ولنجاهدن معه بأموالنا وأنفسنا، وكانوا بحيث لو أمرهم صلى الله عليه وسلم ~~بالعقود شق عليهم كما وقع لعلي رضي الله عنه في غزوة تبوك حتى قال له ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى " # ! ولما كان التقدير: فمن اتصف بذلك فاعلم أنه متق بأخبار الله، عطف عليه ~~قوله: { والله } أي الذي له الإحاطة الكاملة { عليم بالمتقين* } أي الذين ~~يخافون الله كلهم. # ولما أخبر بالمتقين، عرف بغيرهم على وجه الحصر تأكيدا لتحقيق صفة العلم ~~بما أخبر به سبحانه، فصار الاستئذان منفيا عن المؤمنين مرتين، فثبت ~~للمنافقين على أبلغ وجه { إنما يستئذنك } أي في مثل ذلك فكيف بالاستئذان ~~في التخلف! { الذين لا يؤمنون } أي يتجدد لهم إيمان { بالله } أي الملك ~~الأعلى الذي له نهاية العظمة إيمانا مستجمعا للشرائط { واليوم الآخر } ~~لأنهم لا يرجون ثوابا ولا يخافون عقابا وإن ادعوا ولما كانت [هذه] صفة ~~المصارحين بالكفر، بين أن المراد المنافقون بقوله: { وارتابت قلوبهم } أي ~~تابعت الوساوس وتعمدت المشي معها حتى تخلقت بالشك؛ ولما كان الشاك لا ~~يزال يتجاذبه حسن الفطرة وسوء الوسوسة، قال: { فهم } أي فتسبب عن ذلك ~~أنهم { في ريبهم يترددون* } أي بين النفي والإثبات دأب المتحير لا يجزمون ~~بشيء منهما وإن صدقوا أن الله موجود فإن المشركين يصدقون بذلك ولكنه لا ~~ينفعهم للإخلال بشرطه، وليس استئذانهم في أن يجاهدوا لإرادة الجهاد بل ~~توطئة لأن يقولوا إذا أمرتهم به: إنه لا عدة لنا في هذا الوقت فائذن لنا ~~في التخلف حتى نستعد! وقد كذبوا، ما ذلك بهم، إنما بهم أنهم لا يريدون ~~الخروج معك { ولو أرادوا الخروج لأعدوا له } أي قبل حلوله { عدة } أي قوة ~~واهبة من المتاع والسلاح والكراع بحيث يكونون متصفين بما قدمت إليهم من ~~التحريض على نحو ما وقع الأمر به في الأنفال فيكونون كالحاضرين في صلب ~~الحرب الواقفين في الصف قد استعدوا لها بجميع عدتها { ولكن } لم يريدوا ~~ذلك قط فلم يعدوا له عدة، فملا أمرت به شرعوا يعتلون بعدم ms1885 العدة وما ذاك ~~بهم، إنما مانعم كراهتهم للخروج وذلك بسبب أن { كره الله } أي ذو الجلال ~~والإكرام بأن فعل فعل الكاره فلم يرد { انبعاثهم } أي سيرهم معك مطاوعة ~~لأمرهم بذلك لما علم من عدم صلاحيتهم له { فثبطهم } أي حبسهم عنه حبسا ~~عظيما بما شغلهم بما بما حبب إليهم من الشهوات وكره إليهم من ارتكاب ~~المشقات بسبب أنهم لا يرجون ثوابا ولا يخشون غير السيف عقابا، قصروا ~~هممهم الدنية على الصفات البهيمية، فلما استولت عليهم الشهوات وملكتهم ~~الأنفس الدنيات نودوا من قبلها: إلى أين تخرجون؟ { وقيل } أي لهم لما ~~أسرعوا الإقبال إليها { اقعدوا } أي عن جندي لا تصحبوهم، وفي قوله -: { ~~مع القاعدين* } أي الذين شانهم ذلك كالمرضى والزمنى والصبيان والنساء - ~~من التبكيت ما لا يعلم مقداره إلا أولو الهمم العلية والأنفس الأبية، ~~وعبر بالمجهول إشارة إلى أنهم يطيعون الأمر بالقعود حقيقة ومجازا كائنا ~~من كان كما انهم يعصون الأمر بالنفر كائنا من كان لأن أنفسهم قابلة ~~للدنايا غير صالحة للمزايا بوجه. # ولما كان كأنه قيل: ما له ثبطهم وقد كنا قاصدين سفرا بعيدا وعدوا ~~كثيرا شديدا فنحن محتاجون إلى الإسعاد ولو بتكثير السواد! قيل: و { لو ~~} أي فعل ذلك بهم لأنهم لو { خرجوا فيكم } أي وإن كانوا قليلا معمورين ~~بجماعاتكم { ما زادوكم } أي بخروجهم شيئا من الأشياء { إلا خبالا } أي ~~ما أتوكم بشيء زائد على ما عندكم من الأشياء غير الخبال، والاستثناء مفرغ ~~والمستثنى منه - المقدر الثابت لهم الاتصاف به - هو الشيء، وذلك لا يقتضي ~~اتصاف أحد منهم بالخبال قبل خروج المنافقين، والخبال: الفساد، وهو ينظر ~~على الخداع والأخد على غرة { ولأوضعوا } أي أوقعوا الإيضاع، حذف المفعول ~~إشارة إلى أن مرادهم الإيضاع نفسه لا بقيد دابة، وعبر بالإيضاع لأنه ~~للراكب وهو أسرع من الماشي { خلالكم } أي لأسرعوا في السير ذهابا ~~وإيابا بينكم في تتبع عوراتكم وانتظار زلاتكم ليجدوا منها مدخلا إلى ~~الفساد بالنميمة وغيرها إن لم يجدوها، والإيضاع في السير يكون برفق ويكون ~~بإسراع، والمراد به هنا الإسراع، ومادة وضع بجميع ms1886 تراكيبها تدور على ~~الحركة، وتارة تكون إلى علو وتارة إلى سفول، ويلزم ذلك السكون والمحل ~~القابل لذلك، وعلى ذلك يتمشى العضو والعوض، وعوض الذي هو بمعنى الدهر، ~~وضوع الريح والتصويت بالبكاء، والضعة لشجرة في البادية، والوضع للطرح في ~~مكان والسير اللين والسريع؛ والخلال جمع الخلل وهو الفرجة { يبغونكم } أي ~~حال كونهم يريدون لكم { الفتنة } أي بتشتيت الشمل وتفريق الأصحاب وتقدم ~~عند # وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة # [الأنفال: 39] أنها الخلطة المميلة المحلية، أي يريدون لكم الشيء الذي ~~يصيبكم فغير حالتكم إلى ما يسوءكم فيسرهم { وفيكم } أي والحال أنه فيكم { ~~سماعون لهم } أي في غاية القبول لكلامهم لضعف معارفهم وآرائهم. # وربما كان سماعهم منهم مؤديا إلى مطلوبهم { والله } أي الذي أخبركم ~~بهذا من حالهم وله الإحاطة بكل شيء { عليم } بهم، فثقوا بأخبارهم. هكذا ~~كان الأصل وإنما قال: { بالظالمين* } إشارة إلى الوصف الذي أوجب لهم ~~الشقاء بمنعهم عن موطن الخير، وتعميما للحكم بالعلم بهم وبمن سمع لهم ~~ظالم، والحاصل أنه شبه سعيهم فيهم بالفساد بمن يوضع بعيره في أرض فيها ~~أجرام شاخصة متقاربة، فهو في غاية الالتفات إلى معرفة ما فيها من الفرج ~~والتأمل لذلك حذرا من أن يصيبه شيء من تلك الأجرام فيسقيه كأس الحمام، ~~فلا شغل لهم إلا بغية فسادكم بعدم وصولكم إلى شيء من مرادكم. ### || [9.48-51] # ولما أخبر سبحانه بذلك، وحث على قبول أخبارهم بما وصف به ذاته الأقدس من ~~إحاطة العلم، شرع يقيم الدليل على ما قال بتذكيرهم بأشياء تقدمت مشاهدتها ~~منهم، فقال معللا لما أخبر به: { لقد ابتغوا } أي طلبوا طلبا عظيما ~~كلهم لكم { الفتنة } أي لتشتيتكم { من قبل } أي قبل هذه الغزوة في يوم ~~أحد بكسر قلوب العسكر بالرجوع عنه حتى كاد بعضهم أن يفشل وفي المريسيع ~~بما قال ابن أبي # ليخرجن الأعز منها الأذل # [المنافقون: 8] وفي غزوة الخندق بما وقع منهم من التكذيب في أخذ كنوز ~~كسرى وقيصر والإرجاف بكم في نقض بني قريظة وغير ذلك كما صنعوا قبله في ~~غزوة قينقاع والنضير في قصدهم تقوية ms1887 كل منهم عليكم وفي غير ذلك من أيام ~~الله التي عكس فيها قصودهم وأنعس جدودهم { وقلبوا } أي تقليبا كثيرا { ~~لك الأمور } أي التي لك فيها أذى ظهرا لبطن بإحالة الآراء وتدبير ~~المكايد والحيل لعلهم يجدون فرصة في نقض أمرك ينتهزونها أو ثغرة في حالة ~~يوسعونها، وامتد بهم الحال في هذا المحال { حتى جاء الحق } أي الثابت ~~الذي لا مراء في مزاولته مما تقدم به وعده سبحانه من إظهار الدين وقمع ~~المفسدين { وظهر أمر الله } أي المتصف بجميع صفات الكمال من الجلال ~~والجمال حتى لا مطمع لهم في ستره { وهم كارهون* } أي لجميع ذلك فلم يبق ~~لهم مطمع في محاولة بمواجهة ولا مخاتلة فصار همهم الآن الاعتزال ~~والمبالغة في إخفاء الأحوال وستر الأفعال والأقوال. # ولما أجملهم في هذا الحكم، وكان قد أشار إلى أن منهم من كان قد استأذن ~~في الخروج توطئة للاعتذار عنه، شرع يفصلهم، وبدأ المفصلين بمن صرح ~~بالاستئذان في القعود فقال عاطفا على " لقد ابتغوا ": { ومنهم من يقول } ~~أي في جبلته تجديد هذا القول من غير احتشام { ائذن لي } أي في التخلف عنك ~~{ ولا تفتني } أي تكن سببا في فتنتى بالحزم بالأمر بالنفر فأفتتن إما ~~بأن أتخلف فأكون مصارحا بالمعصية أو أسافر فأميل إلى نساء بني الأصفر ~~فأرتد عن الدين فأنه لا صبر لي عن النساء، وقائل ذلك هو الجد ابن قيس، ~~كان من الأنصار منافقا. # ولما أظهروا أنهم قصدوا البعد من شيء فإذا هم قد ارتكبوا فيه، انتهزت ~~فرصة الإخبار بذلك على أبلغ وجه بإدخال ناف على ناف لتحصيل الثبوت الأكيد ~~بإقرار المسؤول فقيل: { ألا في الفتنة سقطوا } أي بما قالوا وفعلوا، ~~فصارت ظرفا لهم فوضعوا أنفسهم بذلك في جهنم، وفي التعبير بالسقوط دلالة ~~على انتشابهم في أشراك الفتنة انتشابا سريعا بقوة فصار يعسر خلاصهم معه ~~{ وإن جهنم لمحيطة } أي بسبب إحاطة الفتنة - التي أسقطوا أنفسهم فيها - ~~بهم، وإنما قال: { بالكافرين* } تعميما وتنبيها على الوصف الذي حملهم ~~على ذلك. # ولما كان كأنه قيل: ما الفتنة التي سقطوا ms1888 فيها فأحاطت بهم جهنم بسببها؟ ~~قيل: { إن } أي هي كونهم أن، ويجوز أن يكون علة لإحاطة جهنم بهم، وكأنهم ~~- لأجل أنهم من الأوس والخزرج فالأنصار أقاربهم - خصوا النبي صلى الله ~~عليه وسلم بالعدواة وشديد الحنق، وكذا ايضا كان لا يسوءهم ويسرهم من ~~الحسنة والسيئة إلا ما له وقع - بما أذن به التعبير بالإصابة دون المس - ~~لا ما دونه، حفظا لقلوب أقاربهم ورعيا لأسرار نسائهم، فقال إشارة إلى ~~ذلك: { تصبك } أي بتقدير الله ذلك { حسنة } أي بنصر أو غيره { تسؤهم } أي ~~لما في قلوبهم من الضغن والمرض { وإن تصبك مصيبة } أي نكبة وإن صغرت كما ~~وقع يوم أحد { يقولوا } أي سرورا وتبجحا بحسن آرائهم { قد أخذنا أمرنا ~~} أي عصينا الذي أمرنا ولم نسلم قيادنا لأحد فنكون كالأعمه، لأن الأمر ~~الحادثة وضد النهي، ومنه الأمير، رجل إمر وإمرة - بتشديد الميم المفتوحة ~~مع كسر الهمزة وتفتح: ضعف الرأي، يوافق كل أحد على ما يريد من أمره كله، ~~وهو الأعمه وزنا ومعنى { من قبل } أي قبل أن تكون هذه المصيبة، فلم نكن ~~مؤتمرين بأمر فيصيبنا فلم يكن ما أصاب من تبعه، فكان أمرهم - لو كانوا ~~مطيعين - كان شيئا متحققا بيد الآمر، فلما عصوه كانوا كأنهم قد أخذوه ~~منه. # ولما كان قولهم هذه بعيدا عن الاستقامة، فكان جديرا بأن لا يقال، وإن ~~قيل كان حقيقا بأن يستقال بالمباراة إلى الرجوع عنه والاستغفار منه، ~~أشار تعالى إلى تماديهم فيه فقال: { ويتولوا } أي عن مقامهم هذا الذي ~~قالوا فيه ذلك وإن طال إلى أهاليهم { وهم فرحون* } أي لمصيبتكم لكفرهم ~~ولخلاصهم منها. # ولما كان قولهم هذا متضمنا لتوهم القدرة على الاحتراس من القدر، قال ~~تعالى معلما بجوابهم مخاطبا للرأس لعلو المقام: { قل } أي إنا نحن لا ~~نقول مقالتكم لمعرفتنا بأنا لا نملك ضرا ولا نفعا، بل نقول: { لن ~~يصيبنا } أي من الخير والشر { إلا ما كتب } أي قدر { الله } أي المحيط ~~بكل شيء قدرة وعلما، ولما كان قضاء الله كله خيرا للمؤمن إن أصابته ~~سراء شكر وإن أصابته ms1889 ضراء صبر، عبر باللام فقال: { لنا } أي لا يقدر على ~~رده عنا إلا هو سبحانه { هو } أي وحده { مولانا } أي القريب منا الذي يلي ~~جميع أمورنا، لا قريب منا سواه، فلو أراد لدفع عنا كل مصيبة لأنه أقرب ~~إلينا منها، لا تصل إلينا بدون علمه وهو قادر، فنحن نعلم أن له في ذلك ~~لطيف سريرة تتضاءل دونها ثواقب الأفكار وتخسأ عن الإحاطة بتحقيقها نوافذ ~~الأبصار فنحن لا نتهمه في قضائه لأنا قد توكلنا عليه وفوضنا أمورنا إليه، ~~والموكل لا يتهم الوكيل { وعلى الله } أي الملك الأعلى لا غيره { فليتوكل ~~المؤمنون* } أي كلهم توكلا عظيما جازما لا معدل عنه، فالفيصل بين ~~المؤمن والكافر هو إسلام النفس إليه وحده بلا اعتراض عليه يقلبها كيف ~~يشاء ويحكم فيها بما يريد. ### || [9.52-54] # ولما تضمن ذلك أن سراءهم وضراءهم لهم خير من حيث إن الرضى بمر القضاء ~~موجب لإقبال القاضي على المقضي عليه بالرأفة والرحمة، صرح بذلك في قوله: ~~{ قل هل تربصون } أي تنتظرون انتظارا عظيما { بنا إلا إحدى الحسنيين } ~~أي وهي أن نصيب أعداءنا فنظفر ونغنم ونؤجر أو يصيبونا بقتل أو غيره ~~فنؤجر، وكلا الأمرين حسن: أما السراء التي توافقوننا على حسنها فأمرها ~~واضح، وأما الضراء فموجبة لرضى الله عنا ومثوبته لنا بالصبر عليها ورضانا ~~بها إجلالا له وتسليما لأمره فهي حسنى كما نعلم لا سوأى كما تتوهمون { ~~ونحن نتربص بكم } أي ننتظر إحدى السوأيين وهي { أن يصيبكم الله } أي الذي ~~له جميع القدرة ونحن من حزبه { بعذاب من عنده } أي لا تسبب لنا فيه كما ~~أهلك القرون الأولى بصائر للناس { أو بأيدينا } أي بسببنا من قتل أو نهب ~~وأسر وضرب وغير ذلك لأن حذركم لا يمنعكم من الله، وكل ذلك مكروه عندكم. # ولما تسبب عن هذا البيان ان السوء خاصة بحزب الشيطان، حسن أن يؤمروا ~~تهكما بهم بما أداهم إلى ذلك تخسيسا لشأنهم فقال: { فتربصوا } أي أنتم ~~{ إنا } أي نحن { معكم متربصون* } أي بكم، نفعل كما تفعلون، والقصد ~~مختلف، والآية من الاحتباك: حذف ms1890 أولا الإصابة للدلالة عليها بما أثبت ~~ثانيا، وثانيا إحدى السوأيين للدلالة عليها بإثبات الحسنيين أولا. # ولما كان جملة ما يصيبهم منهم من العذاب الإنفاق بتزكية ما طهر من ~~أموالهم بالإعانة في سبيل الله خوفا من اتهامهم بالنفاق في أقوالهم ~~ليفتدوا أنفسهم به من السفر، قال: { قل أنفقوا } أي أوجدوا الإنفاق لكل ~~ما يسمى إنفاقا { طوعا أو كرها } أي مظهرين الطواعية أو مظهرين ~~الكراهية؛ ولما كان الإعراض عنهم إنما سببه كفرهم لا إنفاقهم، لم يربط ~~الجواب بالفاء بل قال: { لن يتقبل منكم } أي يقع تقبل لشيء يأتي من قبلكم ~~أصلا من أحد له أن يتقبل كائنا من كان، ولذلك بناه للمفعول، لأن قلوبكم ~~كارهة ليست لها نية صالحة في الإنفاق ولا في غيره، فانقسام إنفاقكم إلى ~~طوع وكره إنما هو باعتبار الظاهر، وكأنه عبر بالتفعل إشارة إلى قبوله ~~منهم ظاهرا؛ ولما كان غير مقبول باطنا على حال من الأحوال علل بقوله: { ~~إنكم كنتم } أي جبلة وطبعا { قوما فاسقين* } أي عريقين في الفسق بالغين ~~أنهى غاياته. # ولما علل بالعراقة في الخروج عن الطاعة، بينه في قوله: { وما منعهم أن ~~تقبل } أي باطنا، ولذا عبر بالمجرد، ولذا بناه للمفعول لأن النافع ~~القبول في نفس الأمر لا كونه من معين { منهم نفقاتهم } أي وإن جلت { إلا ~~أنهم كفروا بالله } أي الذي له جميع صفات الكمال من الجلال والجمال لفساد ~~جبلاتهم وسوء غرائزهم. # ولما كان قبول النفقات مهيئا للطهارة التي تؤثرها الصلاة، كان السياق ~~لعدم قبولها - ليتسبب عنه النهي عن الصلاة عليهم - أبلغ لأنه أدل على ~~الخبث، فأكد كفرهم بزيادة الجار إشعارا بأن الكفر بكل منهما على حياله ~~مانع فقال: { وبرسوله } أي فسقهم بأنهم غير مؤمنين وهو السبب المانع ~~بمفرده من القبول: ثم قدح في شاهدي ما يظهرون من الإيمان وهما الصلاة ~~والزكاة وغيرهما من الإنفاق في الخيرات بما هو لازم للكفر ودال عليه ~~فقال: { ولا يأتون الصلاة } أي المفروضة وغيرها { إلا وهم كسالى } أي في ~~حال كسلهم، لا يأتونها قط بنشاط { ولا ينفقون } أي ms1891 نفقة من واجب أو غيره ~~{ إلا وهم كارهون* } أي في حال الكراهة وإن ظهر لكم خلاف ذلك، وذلك كله ~~لعدم النية الصالحة واعتقاد الآخرة، وهذا لا ينافي طوعا لأن ذلك بحسب ~~الفرض أو الظاهر وهذا بحسب الواقع. ### || [9.55-59] # ولما انتفى عن أموالهم النفع الأخروي الذي هو النفع، تسبب عن ذلك الزهد ~~فيها الموجب لعدم الالتفات إليها وعدم اعتقاد أن فيها بركة ودلالة على ~~خير، فقال - مبينا ما فيها من الفساد الذي يظن أنه صلاح: { فلا } - بفاء ~~السبب، فالسياق ابلغ من سياق الآتية بعد النهي عن الصلاة عليهم { تعجبك ~~أموالهم } أي وإن أنفقوها في سبيلي وجهزوا بها الغزاة. فإن ذلك عن غير ~~إخلاص منهم ولا حسن نية ولا جميل طوية، وإنما هو لما أذلهم من عزة ~~الإسلام وأخافهم من سطوة الانتقام فهو من جملة العذاب، وعطف عليها ~~الأولاد لمشاركتها لها في الملاذ والقوة والاستعمال في الجهاد، فقال ~~مؤكدا للنفي بإعادة النافي: { ولا أولادهم } فكأنه قيل: فماذا يراد ~~بإعطائهم ذلك؟ ولو منعوها وأعطيها المخلصون لكان قوة للدين، فقال: { إنما ~~يريد الله } أي يوقع الإرادة لهم بها الملك الذي له الإحاطة بجميع الحكمة ~~كما أن له الإحاطة بتمام القدرة، وأبلغ في الحصر بإدخال اللام في قوله: { ~~ليعذبهم } أي لأجل أن يعذبهم { بها في الحياة } أي وإن كان يتراءى أنها ~~لذيذة، لأن ذلك من شأن الحياة فإنما هي لهم موت في الحقيقة { الدنيا } أي ~~تارة بجمعها وتربيتها وتارة ببذلها كرها في سبيل الله أو في تزكيتها ~~وتارة بغيرذلك { وتزهق } أي وإنما يريد بتمكينهم منا لأجل أن يخرج وقت ~~الموت بغاية الصعوبة { أنفسهم } أي بسببها { وهم } أي والحال أنهم { ~~كافرون* } أي عريقون في الكفر، وهكذا كل من أراد استدراجه سبحانه فإنه في ~~الغالب يكثر أموالهم وأولادهم لنحو هذا لأنهم إذ رأوا زيادتهم بها على ~~بعض المخلصين ظنوا أن ذلك إنما هو لكرامتهم وحسن حالتهم فيستمرون عليها ~~حتى يموتوا فهو سبحانه لم يرد بها منحتهم بل فتنتهم ومحنتهم، وأما الدين ~~فإن القادر يقويه بغير ذلك فيكون ms1892 أظهر لدليله وأوضح لسبيله؛ فالحاصل أنه ~~ظهر لهم أنهم أكرموا بها وخفي عنهم أنها سبب لعذابهم في الحياة باتكالهم ~~عليها، وفي الممات بصعوبته عليهم المشار إليه بالزهوق، وفي الآخرة بسبب ~~موتهم على حال الكفر باستدراجهم بها، وأما المؤمن فلا يموت حتى يرى من ~~الثواب ما يسليه عن كل شيء فيشتاق إلى لقاء الله وتخرج نفسه وهو في غاية ~~المحبة لخروجها لأن البدن عائق له عما يرى. # ولما وضح بهذه الأمور منابذتهم للمؤمنين وخروجهم من ربقة الدين المصحح ~~لوصفهم بالفسق، أوضح لبسا آخر من أحوالهم يقيمونه بالأيمان الكاذبه ~~فقال: { ويحلفون } أي طلبوا لكم الفتنة والحال انهم يجددون الأيمان { ~~بالله } أي على ما له من تمام العظمة { إنهم } أي المنافقين { لمنكم } أي ~~أيها المؤمنون على اعتقادكم باطنا كما هم ظاهرا { وما } أي والحال أنهم ~~ما { هم } صادقين في حلفهم أنهم { منكم ولكنهم قوم } أي مع أن لهم قوة ~~وقياما فيما يحاولونه { يفرقون* } أي يخافون منكم على دمائهم خوفا ~~عظميا يفرق همومهم فهو الملجىء لهم إلى الحلف كذبا على التظاهر ~~بالإسلام، فكأنه قيل: فما لهم يقيمون بيننا والمبغض لا يعاشر من يبغضه؟ ~~فقيل: لأنهم لا يجدون ما يحميهم منكم { لو يجدون ملجئا } أي شيئا ~~يلجؤون إليه من حصن أو جبل أو قوم يمنعونهم منكم { أو مغارات } في الجبال ~~تسعهم، جمع مغارة - مفعلة من غار في الشيء - إذا دخل فيه، والغور: ما ~~انخفض من الأرض. # ولما كانت الغيران - وهي النقوب في الجبال - واسعة والوصول إليها سهلا، ~~قال: { أو مدخلا } أي مكانا يدخلونه يغاية العسر والصعوبة لضيقه أو ~~لمانع في طريقه أو قوما يداخلونهم وإن كانوا يكرهونهم - بما أرشد إليه ~~التشديد: { لولوا إليه } أي لاشتدوا في التوجه إليه متولين مرتدين عنكم ~~على أعقابهم { وهم يجمحون* } أي حالهم حال الدابة التي كانت مسرعة في ~~طواعية راكبها فإذا هي قد نكصت على عقبها ثم أخذت في غير قصده بغاية ~~الإسراع ونهاية الرغبة والداعية لا يردها بئر تقع فيه ولا مهلكة ولا شيء. # ولما قرر حال من يتخلف ms1893 عن الجهاد، وربما بذل ماله فيه افتداء لسفره، شرع ~~في ذكر من يشاركه في الإنفاق والنفاق ويخالفه فقال: { ومنهم من يلمزك } ~~أي يعيبك عند مشاكليه على طريق الملازمة في ستر وخفاء أو تظاهر وقلة حياء ~~{ في الصدقات } أي اللاتي تؤتيها لأتباعك، ولما أخبر عن اللمز، أخبر أنه ~~لحظ نفسه لا للدين فقال: { فإن أعطوا منها رضوا } أي عنك { وإن لم يعطوا ~~منها } فاجؤوا السخط الذي يتجدد في كل لحظة ولم يتخلفوا عنه أصلا، وعبر ~~عن ذلك بقوله: { إذا هم يسخطون* } فوافقوا الأولين في جعل الدنيا همهم، ~~وخالفوهم في أن أولئك أنفقوا ليتمتعوا بالتخلف وهؤلاء طلبوا ليتنعموا ~~بنفس المال الذي يأخذونه؛ قيل: إنها نزلت في ذي الخويصرة لما قال للنبي ~~صلى الله عليه وسلم وهو يقسم غنائم حنين: اعدل يامحمد! فإني لم أرك تعدل، ~~فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: # " ويلك! ومن يعدل إذا لم أعدل؟ " # وسيأتي حديثة. # ولما أخبر تعالى عن حالهم السيىء الدنيء الذي لا يجديهم في الدنيا ~~ويهلكهم في الأخرى، نبههم على ما هو الأصلح لهم من الحال الشريف السني ~~فقال: { ولو أنهم } أي المنافقين { رضوا ما آتاهم الله } أي المنعم بجميع ~~النعم لأن له جميع الكمال { ورسوله } الذي عظمته من عظمته قل ذلك المؤتي ~~أو كثر طال زمنه أو قصر { وقالوا } أي مع الرضى { حسبنا الله } أي كافينا ~~لأن له جميع العظمة فهو الغني المطلق. # ولما كانت الكفاية تارة تكون بالتنجيز العاجل وتارة بالوثوق بالوعد ~~الآجل، بين أن الثاني هو المراد لأنه أدل على الإيمان فقال: { سيؤتينا ~~الله } أي الملك الأعظم بوعد لا خلف فيه واعتقدوا أن لا حق لأحد فقالوا: ~~{ من فضله ورسوله } أي الذي لا يخالف أمره، على ما قدر لنا في الأزل؛ ثم ~~عللوا ذلك بقولهم: { إنا إلى الله } أي المستجمع لصفات الكمال وحده { ~~راغبون* } أي عريقون في الرغبة، فلذلك نكتفي بما يأتي من قبله كائنا ما ~~كان، أي لكان ذلك خيرا لهم لأنه لا ينالهم إلا ما قسم سبحانه لهم شاؤوا ~~أو ms1894 أبوا. ### || [9.60-62] # ولما أخبر عن لمزهم في الصدقات وقرر ما هو خير لهم إرشادا إلى النجاة، ~~علل فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها وبين أنه لا يفعل غيره لأنه ~~الحق الذي لا يجوز في شرعه الأكمل غيره لمزوا أو تركوا زهدوا أو رغبوا ~~فقال معبرا بأداة القصر على ما ذكر: { إنما الصدقات } أي هذا الجنس ~~بجميع ما صدق من أفراده، والظاهر أنه قدم الأهم فالأهم، فلذا قال ~~الشافعي: إن الفقير أشدهم حاجة لكونه ابتدأ به، فقال: { للفقراء } أي ~~الذين لا شيء لهم أو لهم شيء يقع موقعا من كفايتهم { والمساكين } أي ~~الذين لا كفاية لهم بدليل # أما السفينة # [الكهف: 79] وأما # مسكينا ذا متربة # [البلد: 16] فتقييده دل على أن المطلق بخلافه { والعاملين عليها } أي ~~المؤتمنين في السعاية والولاية على جمعها { والمؤلفة قلوبهم } أي ليسلموا ~~أو يسلم بسببهم غيرهم أو يثبتوا على إسلامهم؛ روى البخاري في التفسير ~~وغيره عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: # " بعث إلى النبي صلى الله عليه وسلم بشيء فقسمه بين أربعة وقال: ~~أتألفهم، فقال رجل: ما عدلت! فقال: يخرج من ضئضىء هذا قوم يمرقون من ~~الدين. وفي رواية: فاستأذنه رجل في ضرب عنقه فقال: لا، دعه فإن له ~~أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم - الحديث. ولئن أدركتهم لأقتلنهم قتل ~~عاد " # ولا يقال: إن العلة مقتضية لقتلهم لا للكف عنهم فإن عمله بالمقام الخضري ~~- كما تقدم - أنه ما من كرامة لنبي إلا وله صلى الله عليه وسلم مثلها أو ~~أعلى منها بنفسه أو بأحد من أمته. # ولما فرغ من هذه الأصناف الأربعة الذين يعطون الصدقة في أيديهم يتصرفون ~~فيها كيف شاؤوا، كما دل عليه التعبير باللام، ذكر الذين يعطون الصدقة ~~لقضاء ما بهم كما دل عليه التعبير ب " في " فقال: { وفي الرقاب } أي ~~والمكاتبين بسبب فك رقابهم من الرق { والغارمين } أي الذين استدانوا في ~~غير معصية، يصرف ما يعطونه إلى قضاء ديونهم فقط { وفي } أي والمجاهدين في ~~{ سبيل الله } أي الذي له الأمر كله بالنفقة والحمل ms1895 والإعانة بالسلاح ~~وغير ذلك، ونقل القفال عن بعض الفقهاء أنه عمم السبيل فأجاز صرفه إلى ~~جميع وجوه الخير من تكفين الموتى وعمارة المساجد ونحوها { وابن السبيل } ~~وهو المسافر المنقطع عن بلده، يعطى ما يوصله إليه، ففيه إشارة إلى أن ~~رسولنا صلى الله عليه وسلم لم يفعل ما أدى إلى لمزهم له بسببه إلا بأمر ~~حقا، فإنا قد عينا له أهل الصدقات فهو لا يعدل عنهم لشيء من الأشياء ~~لأنه واقف عند ما يرضينا، فإن كانوا منهم أعطاهم وإلا منعهم رضي من رضي ~~وسخط من سخط، وقد فرض ذلك، أو ثابتة للفقراء حال كونها { فريضة } كائنة { ~~من الله } أي المحيط بكل شيء قدرة وعلما لعلمه بأن في ذلك أعظم صلاح، ~~وهذا كالزجر عن مخالفة الظاهر { والله } أي الذي له جميع صفات الكمال { ~~عليم } أي بالغ العلم بما يصلح الدين والدنيا ويؤلف بين قلوب المؤمنين { ~~حكيم* } أي فهو يجعل أفعاله من الإحكام بحيث لا يقدر غيره على نقضها؛ قال ~~أبو حيان: " إنما " إن كانت وضعت للحصر فالحصر مستفاد من لفظها، وإن كانت ~~لم توضع للحصر فالحصر مستفاد من الأوصاف إذ مناط الحكم بالوصف يقتضي ~~التعليل به، والتعليل بالشيء يقتضي الاقتصار عليه. # وحكمة الزكاة من جهة المالك أن المال محبوب لأنه يحصل المحبوب والتمادي ~~في حبه يوجب الإعراض عن الله المعطي له، فكان من الحكمة تذكير المالك له ~~بالمالك الحقيقي في أنه أوجب عليه إخراج طائفة منه ليكف منه انصباب النفس ~~بالكلية إليه ويطهر النفس عن محبتها له ويطهره عن محض الإنفاق في ~~الشهوات، ومن جهة الآخذ أنه لما اجتمعت حاجته إليه وحاجة - المالك - ولو ~~احتمالا- كان هناك سببان للتسلط على المال: أحدهما اكتساب المالك له، ~~والثاني احتياج الآخذ إليه، فروعي السببان بقدر الإمكان، ورجح المالك ~~بإبقاء الكثير، وصرف إلى الآخذ اليسير. وأجرى الشافعي الآية على ظاهرها ~~فقال: إن أخرجها ذو المال سقط سهم العامل مع سهم المؤلفة وصرف إلى الستة ~~الأصناف، وإن قسم الإمام فعلى سبعة، ويجب أن يعطى من كل صنف ثلاثة ms1896 أنفس، ~~ومن لم يوجد من الأصناف رد نصيبه على الباقين ويستوي بين الأصناف لا بين ~~آحاد الصنف. وقال أبو حنيفة: يجوز صرف الكل لواحد من الأصناف لأن الآية ~~أوجبت أن لا تخرج الصدقة عنهم، لا أن تكون في جميع الأصناف - وهو قول عمر ~~بن الخطاب وحذيفة وابن عباس رضي الله عنهم وسعيد بن جبير وعطاء وأبي ~~العالية وميمون بن مهران. # ولما بين الصنفين السالفين، وختم أمرهما بصفتي العلم والحكمة، أتبعهما ~~بصنف آخر يؤذي بما يجعله نقصا في صفات الرسول صلى الله عليه وسلم فليزم ~~الطعن في علم مرسله وحكمته فقال: { ومنهم الذين يؤذون النبي } أي الذي ~~أعلى الله مقداره، فهو ينبئه بما يريد سبحانه من خفايا الأسرار؛ ولما ~~أخبر بمطلق الأذى الشامل للقول والفعل، عطف عليه قوله: { ويقولون هو } أي ~~من فرط سماعه لما يقال له { أذن } ومرادهم أنه يصدق كل ما يسمع ويقبل قول ~~كل أحد - كما سمي الجاسوس عينا؛ قال أبو حيان: كان خذام بن خالد وعبيد ~~بن هلال والجلاس بن سويد في آخرين يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال بعضهم: لا تفعلوا فإنا نخاف أن يبلغه فيوقع بنا، فقال الجلاس: بل ~~نقول ما شئنا فإن محمدا أذن سامعة، ثم نأتيه فيصدقنا، فنزلت، وقيل غير ~~ذلك. # رجل أذن - إذا كان يسمع مقال كل أحد، يستوي فيه الواحد والجمع - انتهى. ~~ومرادهم أنه صلى الله عليه وسلم لا يعرف مكر من يمكر به وخداع من يخادعه ~~وكذبوا، هو أعرف الناس بذلك،ولكنه يعرض عند المصالح، لا يليق بمحاسن ~~الدين غيرها، بينها تعالى بقوله: { قل أذن خير } ثم بين أن نفع ذلك عائد ~~إليهم بقوله: { لكم } ثم فسر ذلك بقوله: { يؤمن } أي يوقع الإيمان ~~للملائكة الذين يأتونه عن الله من التكذيب بأن يصدقهم معترفا { بالله } ~~أي بسبب ما يخبرونه عنه به حق الإيمان لما له من كمال العلم بما له ~~سبحانه من صفات الجلال والإكرام؛ وحاصله أن فعل الإيمان ضمن فعل التصديق ~~ثم حذف وانتزعت منه حال أقيمت مقامه ثم ms1897 حذفت وأتى بصلة تدل عليها كما ~~قالوا في قوله تعالى # ولتكبروا الله على ما هداكم # [البقرة: 185] أن التقدير: حامدين على ما هداكم، فالتقدير هنا: يؤمن ~~مصدقا بالله، فهدذا حقيقته وهو يثمر محبة المؤمنين وولايتهم، ولذا أتبعه ~~قوله: { ويؤمن للمؤمنين } أي الراسخين، يوقع الإيمان لهم من التكذيب بأن ~~يصدقهم في كل ما يخبرونه به مما يحتمل التصديق، وذلك لأجل مصالحهم ~~والتأليف بينهم مع ما ثبت من صدقهم، فإنه لو حملهم على عقله ومبلغ علمه ~~يحبه الكاذب وعاقب الخائن بمجرد علمه وتفرسه، لقصرت عن ذلك غالب الأفهام ~~وتاهت بسببه أكثر الأوهام، فنفرت القلوب ووقع من الأغلب الاتهام. ولما ~~كان التصديق بوجود الإله على ما له من صفات الكمال المقتضي للأمر والنهي ~~عدي بالباء، وهنا كان التصديق إنما هو للإخبار بأي شيء كان عدي باللام ~~وأشير - بقصر الفعل وهو متعد - إلى مبالغة في التصديق بحيث كأنه لا تصديق ~~غيره. # ولما بين سبحانه أن تصديقه ظاهرا وباطنا إنما هو للراسخين في الإيمان، ~~بين أن تصديقه لغيرهم إنما هو الظاهر فقال: { ورحمة } أي وهو رحمة { ~~للذين آمنوا } أي أظهروا الإيمان بألسنتهم { منكم } فهو - والله أعلم - ~~إشارة إلى المنافقين ومن في حكمهم ممن جزم لسانه وقلبه مزلزل، أي أن ~~إظهار تصديقهم قبولا لما ظهر منهم وستر قبائح أسرارهم سبب للكف عن ~~دمائهم، وإظهار المؤمنين لمقتهم ربما كان ذلك سببا لصدق إيمانهم بما ~~يرون من محاسن الإيمان بتمادي الزمان، ولا يستبعد كون التعبير بالماضي ~~إشارة إلى المنافقين لا سيما بعد التعبير باسم الفاعل، فقد قال الإمام ~~أبو الحسن الحرالي في كتابه المفتاح ما نصه: الباب الرابع في رتب البيان ~~عن تطور الإنسان بترقيه في درج الإيمان وترديه في درك الكفران: اعلم أن ~~الله محيط بكل شيء خلقا وأمرا أولا وآخرا ظاهرا وباطنا وهو حمده، ~~وله علو في ظهور أمره وكبير خلقه، واحتجاب في مقابل ذلك من خلقه وأمره ~~بما أبداه من حكمته وأسباب هداه وفتنته، وذلك العلو هو إلهيته، والاحتجاب ~~هو ملكه، وبينهما إقامة كل خلق لما ms1898 خلق له وتأييد كل أمر من الأمرين لما ~~أقيم له، وذلك هو ربانيته ولكل فتق من خلفه وأمره رتق سابق. # ولكل تفاوت سواء، وذلك هو رحمانيته، ولكل أقرب في مدد الحجاب اختصاص ~~وذلك هو رحيميته، ولكل أبعد في مدد الحجاب بطش منه شديد في رده إلى القرب ~~وتلك هي نقمته، ولكل من تنزلاته العلية ظاهرا وباطنا أمر خاص، ولكل أمر ~~خلق، يرد بيان القرآن لكل خلق بحسب كنه ذاته واختصاص رتبة قربه ومحل ~~بعده، وأن الله سبحانه جعل آدم وذرأه خليفة له في جميع أمره وتفصيله، ~~وأنزل القرآن بناء على جملة ذلك، فأردأ الأحوال لهذا المستخلف المحل الذي ~~سمي فيه بالإنسان، وهو حيث أنس بنفسه وغيره ونسي عهد ربه، فيرد لذلك ~~بناؤه بالذم في القرآن # قتل الإنسان ما أكفره # [عبس: 17] # إن الإنسان لربه لكنود # [العاديات: 6] ثم المحل الذي تداركه فيه تنبه لسماع الزجر من ربه، وهو ~~له بمنزلة سن الميز لابن سبع، ولا يقع إلا عن اجتماع وتراء، وذلك هو ~~السن المسمون فيه بالناس لنوسهم، أي ترددهم بين سماع الزجر من ربهم وغلبة ~~أهوائهم عليهم، فيرد لذلك بناؤهم بذم أكثرهم في القرآن # ولكن أكثر الناس لا يعلمون # [الأعراف: 187] - { ولا يشكرون } ثم المحل الذي يتحقق لهم قبول وسماع ~~وإيمان لغائب الأمر والخلق، لكنهم يتزلزلون عنه كثيرا عند كل عارضة نيل ~~خادعة رفعة، وهو لهم بمنزلة سن المحتلم الذي قد ذاق طعم بدو النطفة من ~~باطنه الناجم العقل للنظر في حقائق المحسوسات، وذلك هو السن الذي يسعون ~~فيه { الذين آمنوا } وهو أول سن التلقي، فلذلك جميع آداب القرآن وتعليمه ~~إنما مورده أهل هذا السن، كان ابن مسعود رضي الله عنه يقول: إذا سمعت ~~الله عز وجل يقول { يا أيها الذين آمنوا } فأعرها سمعك فإنه خير يأمر به ~~أو شر ينهي عنه، وكما أن ما يخص البالغ العاقل من الخطاب لا يدخل فيه ~~الصبي المميز، وما يخص المميز لا يدخل فيه البالغ، كذلك خطاب { الذين ~~آمنوا } لم يصل إليه الناس بعد، وخطاب الناس ms1899 قد جاوزه { الذين آمنوا } ~~لأنهم قد انزجروا بما قبلت قلوبهم عما ينزجر عنه الناس، وقد ائتمروا بما ~~يأتمر به الناس؛ وهذه الأسنان الخالية عند أولي البصائر، وخاص خطابها أشد ~~ظهورا من أسنان الأبدان عند أصحاب الأبصار، وعدم التبصرة بهذه المراتب ~~في الأحوال والبيان هي أقفال القلوب المانعة من تدبر القرآن، وكذلك ما ~~فوق سن " الذين آمنوا " من سن { الذين يؤمنون } وهم في أول حد القرب ~~منزلة بلوغ الأشد، وسن { الذين آمنوا } و { الناس } في مدد حد البعد ~~ولذلك يخاطبون بحرف " يا " المرسلة إلى حد البعد: # يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون ~~بالله ورسوله # [الصف: 10] وفوق ذلك سن المؤمنين وأدنى قربا، ولذلك لم يرد في القرآن ~~في خطابهم { يا } البعد، وهذا السن بمنزلة الاكتهال وسن الشيب، وتمام ~~سنهم { المؤمنون حقا } وكذلك إلى سن { المحسنين } إلى غيب سن { الموقنين ~~} إلى ما وراء ذلك، فإن أسنان الجسم أرابيع، وأسنان القلب أسابيع، يعرفها ~~من تطور فيها، ويجهلها من نبت سن قلبه على الجهل وتطور سن جسمه إلى الهرم ~~" يهرم ابن آدم ويشيب منه اثنتان: الحرص والأمل " فالحرص فقره ولو ملك ~~الدنيا، والأمل همه وتعبه، فمن لم يتحقق أسنان القلب وتفاوت خطابها لم ~~ينفتح له الباب إلى فهم القرآن، ومن لم يتضح له تنزلات الخطاب لم يبن له ~~خطاب الله من خطاب الرحمن من خطاب الملك الديان - انتهى. # ولما بين ما لمن صدقه باطنا أو ظاهرا من الرحمة، بين ما على من كذبه ~~فآذاه من النقمة فقال: { والذين يؤذون } أي هؤلاء ومن غيرهم { رسول الله ~~} أي الذي أظهر - وهو الملك الأعلى - شرفه وعظمته بالجمع بين الوصفين ~~وأعلاه بإضافته إليه، وزاد في رفعته بالتبير باسمه الأعظم الجامع، وهو ~~واسطة بين الحق والخلق في إصلاح أحوالهم فإنما يستحق منهم الشكر والإكرام ~~لا الأذى والإيلام. # ولما كان أذاهم مؤلما جعل جزاءهم من جنسه فقال: { لهم عذاب أليم * } ثم ~~علل ذلك باستهانتهم بالله ورسوله، وأخبر أنهم يخشون على دمائهم فيصلحون ~~ظواهرهم حفظا ms1900 لها بالأيمان الكاذبة فقال: { يحلفون بالله } أي الذي له ~~تمام العظمة { لكم } أي أنهم ما آذوا النبي صلى الله عليه وسلم خصوصا ~~ولا أولادكم بالمخالفة عموما؛ وبين غاية مرادهم بقوله: { ليرضوكم }. # ولما كان الرسول عليه الصلاة والسلام ليس بأذن بالمعنى الذي أرادوه، بين ~~أنه لم يكن راضيا بإيمانهم لعدم وقوع صدقتهم في قلبه ولكنه أظهر تصديقهم ~~لما تقدم من الإصلاح فقال: { والله } أي الذي له الأمر كله ولا أمر لأحد ~~معه { ورسوله } أي الذي هو أعلى خلقه، وبلغ النهاية في تعظيمه بتوحيد ~~الضمير الدال على وحدة الراضي لأن كل ما يرضي أحدهما يرضي الآخر فقال: { ~~أحق أن } أي بأن { يرضوه } ولما كان مناط الإرضاء الطاعة ومدار الطاعة ~~الإيمان، قال معبرا بالوصف لأنه مجزأه: { إن كانوا مؤمنين* } أي فهم ~~يعلمون أنه أحق بالإرضاء فيجتهدون فيه، وذلك إشارة إلى أنهم إن جددوا ~~إرضاءه كل وقت كان دليلا على إيمانهم، وإن خالفوه كان قاطعا على ~~كفرانهم. ### || [9.63-67] # ولما بين أن حلفهم هذا إنما هو لكراهة الخزي عند المؤمنين وبين من هو ~~الأحق بأن يرضوه، أقام الدليل على ذلك في استفهام إنكار وتوبيخ مبينا ~~أنهم فروا من خزي منقض فسقطوا في خزي دائم، والخزي: استحياء في ~~هوان،فقال: { ألم يعلموا } أي لدلالتهم على الأحق بالإرضاء.ولما كان ذكر ~~الشيء مبهما ثم مفسرا أضخم، أضمر للشأن فقال: { أنه } أي الشأن العظيم ~~{ من يحادد الله } وهو الملك الأعظم، ويظهر المحاددة - بما أشار إليه ~~الفك { ورسوله } أي الذي عظمته من عظمته، بأن يفعل معهما فعل من يخاصم في ~~حد أرض فيريد أن يغلب على حد خصمه، ويلزمه أن يكون في حد غير حده { فأن ~~له نار جهنم } أي فكونها له جزاء له على ذلك حق لا ريب فيه { خالدا فيها ~~} أي دائما من غير انقضاء كما كانت نيته المحادة أبدا؛ ثم نبه على عظمة ~~هذا الجزاء بقوله: { ذلك } أي الأمر البعيد الوصف العظيم الشأن { الخزي ~~العظيم* }. # ولما علل فعل المستهينين، أتبعه تعليل أمر صنف آخر أخف منهم نفاقا بما ms1901 ~~عندهم مما يقارب التصديق فقال: { يحذر المنافقون } وعبر بالوصف الدال على ~~الرسوخ تحذيرا لهم من أدنى النفاق فإنه يجر إلى أعلاه { أن تنزل } ولما ~~كانت السورة الفاضحة لهم داهية ونائبة من نوائب الدهر وشدائده، عدى الفعل ~~بعلى فقال: { عليهم سورة } أي قطعة من القرآن شديدة الانتظام { تنبئهم } ~~أي تخبرهم إخبار عظيما مستقصي { بما في قلوبهم } لم يظهروا عليه أحدا ~~من غيرهم او أحدا مطلقا، لعل هذا الصنف كانوا يسلفون الأيمان لعلها ~~تشكك بعض الناس أو تخفف عنهم إذا نزل ما يهتكهم، روي أنهم كانوا يقولون ~~ما يؤدي ويدل على النفاق ويقولون: عسى الله أن لا يفشي علينا سرنا، وقال ~~بعضهم بعد كلام قالوه: والله إني لأرانا شر خلق الله ولوددت أني قدمت ~~فجلدت مائة جلدة وأنه لا ينزل فينا شيء يفضحنا. # ولما كان حذرهم مع العمل ينافيه من كلام النفاق فعل المستهزىء، قال ~~مهددا: { قل استهزءوا } أي افعلوا فعل المستهزىء بغاية الرغبة { إن الله ~~} أي المحيط بكمال العلم وتمام القدرة { مخرج } أي كانت له وصف إخراجه { ~~ما تحذرون* } أي إخراجه من قبائحكم؛ وعن الحسن: كان المسلمون يسمون هذه ~~السورة الحفارة، حفرت ما في قلوب المنافقين وأظهرته. # ولما وصفهم بالنفاق، حققه بعدم مبادرتهم إلى التوبة التي هي فعل ~~المؤمنين، وباجترائهم على الإنكار مع كون السائل لهم من بلغ الغاية في ~~الجلال والوقار والكمال فقال: { ولئن سألتهم } أي وأنت من يجب أن يصدقه ~~مسؤوله عما أخرجت السورة مما أظهروا بينهم من الكفر، وذلك حين قال بعضهم: ~~انظروا إلى هذا الرجل يظن أنه يفتح قصور الشام وحصونها! هيهات هيهات! ~~فأعلمه الله فقال: احبسوا علي الركب. # فسألهم { ليقولن إنما } أي ما قلنا شيئا من ذلك، إنما { كنا نخوض } أي ~~نتحدث على غير نظام { ونلعب } أي بما لا خرج علينا فيه ويحمل عنا ثقل ~~الطريق، فكأنه قيل: فماذا يقال لهم إذا حلفوا على ذلك على العادة؟ فقال: ~~{ قل } أي لهم تقريرا على استهزائهم متوعدا لهم معرضا عما اعتذروا ~~إعلاما بأنه غير أهل لأن يسمع جاعلا ms1902 لهم كأنهم معترفون بالاستهزاء حيث ~~جعل المستهزأ به يلي حرف التقرير، وذلك إنما يستقيم بعد وقوع الاستهزاء ~~وثبوته تكذيبا لهم في قولهم: إنك إذن، بالمعنى الذي أرادوه، وبيانا لما ~~في إظهارك لتصديقهم من الرفق بهم { أبالله } أي هو المحيط بصفات بصفات ~~الكمال { وآياته } أي التي لا يمكن تبديلها ولا تخفى على ذي بصر ولا ~~بصيرة { ورسوله } أي الذي عظمته من عظمته وهو مجتهد في إصلاحكم وتشريفكم ~~وإعلائكم { كنتم } أي دائما { تستهزءون* }. # ولما حقق استهزاءهم، أنتج قوله: { لا تعتذروا } أي لا تبالغوا في إثبات ~~العذر، وهو ما ينفي الملام، فإن ذلك لا يغنيكم وإن اجتهدتم لأن القطع ~~حاصل بأنكم { قد كفرتم } أي بقولكم هذا، ودل - على أن كفرهم أحبط ما كان ~~لهم من عمل - بنزع الخافض تشديدا على من نكث منهم تخويفا له وتحقيقا ~~بحال من أصر فقال: { بعد إيمانكم } أي الذي ادعيتموه بألسنتكم صدقا من ~~بعضكم ونفاقا من غيره. # ولما كان الحال مقتضيا لبيان ما صاروا إليه بعد إكفارهم من توبتهم أو ~~إصرارهم، بين أنهم قسمان: أحدهما مطبوع على قلبه ومقضي توبته وحبه، وهذا ~~الأشرف هو المراد بقوله بانيا للمفعول إعلاما بأن المقصود الأعظم هو ~~الفعل، لا بالنظر إلى فاعل معين: { إن نعف } لأن كلام الملك وإن جري في ~~مضمار الشرط فهو مرشد إلى تحققه ليحصل الفرق بين كلام الأعلى والأدنى { ~~عن طائفة منكم } أي لصلاحيتها للتوبة { نعذب طائفة } أي قوم ذوو عدد فيهم ~~أهلية الاستدارة، وقرأ عاصم ببناء الفعلين للفاعل على العظمة { بأنهم } ~~أي بسبب أنهم { كانوا مجرمين* } أي كسبهم للذنوب القاطعة عن الخير صفة ~~لهم ثابتة لا تنفك، فهم غير متأهلين للعفو، وشرح هذه القصة أنه كان يسير ~~بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك ثلاثة نفر من المنافقين: ~~اثنان يستهزئان بالقرآن والرسول، والآخر يضحك، قيل: كانوا يقولون: إن ~~محمدا يزعم أنه يغلب الروم ويفتح مدائنهم، ما أبعده من ذلك! وقيل: كانوا ~~يقولون: إن محمدا يزعم أنه نزل في أصحابنا المقيمين في المدينة قرآن، ~~وإنما ms1903 هو قوله وكلامه، فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على ذلك فقال: ~~احسبوا الركب علي، فدعاهم وقال لهم: قلتم كذا وكذا؟ فقالوا: { إنما كنا ~~نخوض ونلعب } أي كنا نتحدث ونخوض في الكلام كما يفعل الركب لقطع الطريق ~~بالحديث واللعب، قال ابن اسحاق: والذي عفى عنه رجل واحد وهو مخشي بن حمير ~~الأشجعي، يقال: هو الذي كان يضحك، ولا يخوض وكان يمشي مجانبا لهم وينكر ~~بعض مايسمع، فلما نزلت هذه الآية تاب. # قال: اللهم! لا أزال أسمع آية تقرأ، تقشعر منها الجلود،وتجب منها ~~القلوب، اللهم اجعل وفاتي قتلا في سبيلك! لا يقول أحد: أنا غسلت أنا ~~كفنت أنا دفنت، فأصيب يوم اليمامة، فما أحد من المسلمين إلا عرف مصرعه ~~غيره رضي الله عنه. ولعل إطلاقا الطائفة عليه تعظيما له وسترا عليه ~~وتبشيرا بتوبة غيره، ولعل مخشيا كان مؤمنا ولكن كان إيمانه مزلزلا ~~فلذا عبر هنا بقوله { أكفرتم بعد إيمانكم } والتعبير بذلك أشنع في الذم ~~ولا سيما عند العرب لأنهم يتمادحون بالثبات على أي أمر اختاروه ويتذامون ~~بالطيش، ولعل الجلاس المعني بالقصة الآتية وحده أو مع غيره لم يكن آمن ~~كغيره ممن عني بها، وما آمن إلا حين تاب، فلذا عبر هناك بقوله: { وكفروا ~~بعد إسلامهم }؛ قال أبو حيان: قال ابن عمر: # " رأيت وديعة بن ثابت متعلقا بحقب ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يماشيها والحجارة تنكته وهو يقول { إنما كنا نخوض ونلعب } والنبي صلى ~~الله عليه وسلم يقول: " أبالله وآياته " # - الآية. # ولما بين سبحانه أفعالا وأقوالا لطوائف من المنافقين - منهم من كان ~~معه صلى الله عليه وسلم في العسكر - هي في غاية الفساد، كان ذلك ربما ~~اقتضى أن يسأل عن المتخلفين لو خرجوا ما كان يكون حالهم؟ فقال جوابا عن ~~ذلك واستدلالا على أن إجرام الذين لم يعف عنهم منهم خلق لازم: { ~~المنافقون والمنافقات } أي الذين أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفران { بعضهم ~~} ولما كان مرجعهم الجمود على الهوى والطبع والعادة والتقليد من التابع ~~منهم للمتبوع، قال: { من بعض } أي في ms1904 صفة النفاق هم فيها كالجسد الواحد، ~~أمورهم متشابهة في أقوالهم وأفعالهم وجميع أحوالهم، والقصد أن حالهم يضاد ~~حال أهل الإيمان ولذلك بينه بقوله: { يأمرون بالمنكر } أي مما تقدم من ~~الخبال والإيضاع في الخلال وغير ذلك من سيء الخصال { وينهون عن المعروف } ~~أي من كل ما يكون فيه تعظيم الإسلام وأهله، يبغون بذلك الفتنة { ويقبضون ~~أيديهم } أي يشحون فلا ينفقون إلا وهم كارهون. # ولما كان كأن قيل: أما خافوا بذلك من معاجلة العقاب؟ أجاب بقوله: { نسوا ~~الله } أي الملك الأعلى الذي له الأمر كله ولا أمر لأحد معه، ويصلح أن ~~يكون علة لما تقدم عليه؛ ولما اقدموا على ذلك، سبب عنه قوله: { فنسيهم } ~~أي فعل بهم فعل الناسي لما استهان به بأن تركهم من رحمته، فكان ذلك الترك ~~سببا لحلول نقمته؛ ولما تطبعوا بهذه النقائص كلها، اختصوا بكمال الفسق ~~فشرح ذلك في أسلوب التعجيب من حالهم فقال مظهرا موضع الإضمار تعميما ~~وتعليقا للحكم بالوصف: { إن المنافقين هم } أي خاصة { الفاسقون * } أي ~~الخارجون عن دائرة ما ينفعهم من الطاعة الراسخون في ذلك، فقد علم أنهم لو ~~غزوا فعلوا فعل هؤلاء سواء لأن الكل من طينة واحدة. ### || [9.68-69] # ولما بين كثيرا من أحوالهم فاشتد التشوف إلى مآلهم وكان مقصودها بإظهار ~~الإيمان والاعتذار عن النقائض بتأكيد الأيمان إنما هو التقرب إلى ~~المؤمنين والتحبب طمعا في العيش في أكنافهم وفرقا من المعاجلة بما ~~يستحقون من إتلافهم، بين أن لهم على هذا الخداع العذاب الدائم والطرد ~~اللازم، وجمع معهم المصارحين بالكفر إعلاما بأنهم إن لم يكونوا أعظم ~~عنادا منهم فهم سواء، فقال: { وعد الله } وساقه بصيغة البشارة تهكما ~~بهم وإبلاغا في مساءتهم { المنافقين والمنافقات } أي المساترين ~~باعتقادهم { والكفار } أي المجاهرين في عنادهم. # ولما كانوا مجبولين على تجهم المؤمنين والانقباض عنهم، وإن أظهروا خلاف ~~ذلك فهو تصنع، قال: { نار جهنم } أي النار التي من شأنها تجهم أهلها ~~ولقاؤهم بالعبوسة الزائدة { خالدين فيها } أي لا براح لهم عنها { هي ~~حسبهم } أي كافيتهم في العذاب، لكن لما كان الخلود ms1905 قد يتجوز به عن الزمن ~~الطويل فيكون بعده فرج، قال: { ولعنهم الله } أي طردهم وأبعدهم من رحمته ~~وهو الملك العليم الحكيم الذي لا أمر لأحد معه فأفهم أنه لا فرج لهم، ثم ~~نفي كل احتمال بقوله: { ولهم } أي بالأمرين { عذاب مقيم* } أي لا وصف له ~~غير الإقامة في الدنيا بما هم مقهورون به من سطوة الإسلام وجنوده الكرام ~~الأعلام، وفي الآخرة بما لا يعلمه حق علمه إلا الله الملك العلام. # ولما كان حالهم في الإقبال على العاجلة لكونها حاصلة والإعراض عن ~~العاقبة لأنها غائبة متشابها لحال من كان قبلهم من الأمم الخالية ~~والقرون الماضية، بين لهم ذلك وختم ببيان سوء أحوالهم وقبح مآلهم بتلاشي ~~أعمالهم فقال ملتفتا إلى أسلوب الخطاب لأنه أوقع في باب العتاب وأقعد في ~~استجلاب المصالح للمتاب: { كالذين } أي حاصل ما مضى من أمركم أيها ~~المنافقون أنكم مثل الذين؛ ولما كان فاعل ما يذكر إنما هو بعض من مضى ~~أثبت الجار فقال: { من قبلكم } أي من الأمم الخالية، ثم شرع في شرح ~~حالهم وذكر وجه الشبه فقال: { كانوا أشد منكم قوة } لأن الزمان كان إذ ~~ذاك أقرب إلى سن الشباب { وأكثر أموالا وأولادا } وهذا ناظر إلى قوله: ~~" فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم { فاستمتعوا } أي طلبوا المتاع ~~والانتفاع في الدنيا بغاية الرغبة معرضين عن العقبى { بخلاقهم } أي ~~نصيبهم الذي قدره الله وخلقه لهم، وكان الأليق بهم أن يتبلغوا به في ~~السفر الذي لا بد منه إلى الآخره { فاستمتعتم بخلاقكم } أي كالمقتفين ~~لآثارهم والقاصدين لنارهم { كما استمتع } وفي الإتيان بقوله: { الذين } ~~ولما كانوا لم يستغرقوا الزمن الماضي، أثبت الجار فقال: { من قبلكم ~~بخلاقهم } ظاهرا غير مضمر تنبيه على ذمهم بقلة النظر لنفسهم المستلزم ~~لقلة عقولهم حيث كانوا دونهم في القوة أبدانا وأموالا وأولادا لم ~~يكفوا عن الاستمتاع والخوض خوفا مما محق أولئك الأحزاب على قوتهم من ~~العذاب من غير أن ينفعهم سبب من الأسباب { وخضتم } أي ذهبتم في أقوالكم ~~وأفعالكم خبطا على غير سنن قويم { كالذي } أي كخوضهم الذي ms1906 { خاضوا } وهو ~~ناظر إلى قولهم { إنما كنا نخوض ونلعب } قال أبو حيان: وهو مستعار من ~~الخوض في الماء ولا يستعمل إلا في الباطل لأن التصرف في الحق إنما هو على ~~ترتيب ونظام، وأمور الباطل إنما هي خوض، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: # " رب متخوض في مال الله له النار يوم القيامة ". # ولما آذن هذا النظم لهم بالخسارة، حصل التشوف إلى عاقبة أمرهم فأخبر عن ~~ذلك بقوله: { أولئك } أي البعداء من الخير، والظاهر أنه إشارة إلى الذين ~~وصفهم بالشدة وكثرة الأموال والأولاد { حبطت } أي فسدت فبطلت { أعمالهم ~~في الدنيا } أي بزوالها عنهم ونسان لذاتها { والآخرة } أي وفي الدار ~~الباقية لأنهم لم يسعوا لها سعيها؛ وزاد في التنبيه على بعدهم مما قصدوا ~~لأنفسهم من النفع فقال: { وأولئك هم } أي خاصة { الخاسرون* } أي لا خاسر ~~في الحقيقة غيرهم لأنهم خسروا خلاقهم في الدارين فخسروا أنفسهم فلا أخسر ~~ممن تشبه بهم، ولعل في الالتفات إلى مقام الخطاب أيضا إشارة إلى تحذير ~~كل سامع من مثل هذه الحال لصحة أن يكون مرادا بهذا المقال، فإن من أسرار ~~القرآن في إعجازه أن تكون عبارته متوجهة إلى شيء وإشارته شاملة لغيره من ~~حيث اتصافه بعلة ذلك الحال أو غير ذلك من الخلال؛ قال الإمام أبو الحسن ~~الحرالي في آخر عروة المفتاح في بيان تناول كلية القرآن لكلية الآية ولكل ~~قارىء يقرؤه من أهل الفهم والإيقان: اعلم أن الله سبحانه وتعالى أنزل ~~القرآن نبأ عن جميع الأكوان، وأن جميع ما أنبأ عنه من أمر آدم إلى زمان ~~محمد عليهما السلام من أمر النبوات والرسالات والخلافات وأصناف الملوك ~~والفراعنة والطغاة وأصناف الجناة وجميع ما أصابهم من المثوبات والمثلات ~~في يوم آدم عليه السلام إلى زمان محمد صلى الله عليه وسلم الذي هو ستة ~~آلاف سنة ونحوها كل ذلك يتكرر بجملته في يوم محمد صلى الله عليه وسلم ~~الذي هو ألف سنة أو نحوها أعدادا بأعداد وأحوالا بأحوال في خير أو شرف، ~~لكل من الماضين مثل يتكرر في هذه ms1907 الأمة الخاتمة كما قال صلى الله عليه ~~وسلم # " " لكل نبي قبلي في أمتي نظير " ثم ذكر صلى الله عليه وسلم نظراء " مثل ~~إبراهيم كأبي بكر، ومثل موسى كعمر، ومثل هارون كعثمان، ومثل نوح كعلي، ~~ومثل عيسى كأبي ذر " وقال صلى الله عليه وسلم: " إني لأعرف النظراء من ~~أمتي بأسمائهم وأسماء آبائهم وعشائرهم كافرهم ومؤمنهم ممن كان وممن هو ~~كائن وممن سيكون بعد، ولو شئت أن أسميهم لفعلت " # فما صد أكثر هذه الأمة عن فهم القرآن ظنهم أن الذي فيه من قصص الأولين ~~وأخبار المثابين والمعاقبين من أهل الأديان أجمعين أن ذلك إنما مقصوده ~~الأخبار والقصص فقط، كلا وليس كذلك! إنما مقصوده الاعتبار والتنبيه ~~لمشاهدة متكررة في هذه الأمة من نظائر جميع أولئك الأعداد وتلك الأحوال ~~والآثار حتى يسمع السامع جميع القرآن من أوله إلى خاتمته منطبقا على هذه ~~الأمة وأئمتها هداتها وضلالها، فحينئذ ينفتح له باب الفهم ويضيء له نور ~~العلم ويتجه له حال الخشية ويرى في أصناف هذه الأمة ما سمع من أحوال ~~القرون الماضية وإنه كما قيل في مثل السائر: # إياك أعني واسمعي ياجارة # ثم إذا شهد انطباق القرآن على كلية الأمة فكان بذلك عالما ينفتح له باب ~~ترق، فيترقى سمعه إلى أن يجد جميع كلية القرآن المنطبق على كلية الأمة ~~منطبقا على ذاته في أحوال نفسه وتقلباته وتصرفات أفعاله وازدحام خواطره ~~حتى يسمع القرآن منطبقا عليه فينتفع بسماع جميعه ويعتبر بأي آية سمعها ~~منه فيطلب موقعها في نفسه فيجدها بوجه ما رغبة كانت أو رهبة تقريبا كانت ~~أو تبعيدا إلى أرفع الغايات أو إلى أنزل الدركات، فيكون بذلك عارفا، ~~هذا مقصود التنبيه في هذا الفصل جملة، ولنتخذ لذلك مثالا يرشد لتفهم ذلك ~~الانطباق على كلية الأمة علما وعلى خصوص ذات القارىء السامع عرفانا، ~~فاعلم أن أصول الأديان المزدوجه التي لم تترق إلى ثبات حقائق المؤمنين ~~فمن فوقهم من المحسنين والموقنين التي جملتها تحت حياطة الملك والجزاء ~~والمداينة، الذين تروعهم رائعة الموت أولا ثم رائعة القيامة ثانيا إلى ms1908 ~~ما يشتمل عليه يوم الدين من أهوال المواقف الخمسين التي كل موقف منها ألف ~~من السنين في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، فعدد هذه الأديان سبعة، ما ~~من دين منها إلا ويوجد في صنف من أصناف هذه الأمة، وتجده المعتبر في نفسه ~~في وقت ما بقلة أو كثرة بدوام أو خطرة بضعف أو شدة على إثر دين غالب أو ~~عن لمح عين زائل، وهذه الأديان السبعة هي دين { الذين آمنوا } من هذه ~~الأمة ولم يتحققوا لحقيقة الإيمان فيكونوا من المؤمنين الذين صار الإيمان ~~وصفا ثابتا في قلوبهم، الموحدين المتبرئين من الحول والقوة، المتحققين ~~لمعناه، إقدارا لله عليهم بما شاء لا بما يشاؤون # الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا ~~وعلى ربهم يتوكلون - أولئك هم المؤمنون حقا # [الأنفال: 2-4]، وأما الذين آمنوا فهم الذين لا يثبتون على حال إيمانهم ~~ولكن تارة وتارة، ولذلك هم المنادون والمنهيون والمأمورون في جميع القرآن ~~الذين يتكرر عليهم النداء في السورة الواحدة مرات عديدة من نحو ما بين ~~قوله تعالى # يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين # [التوبة: 119] إلى قوله تعالى # يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه # [المائدة: 54] إلى ما بين ذلك من نحو قوله تعالى # إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا # [النساء: 137] فهؤلاء هم أهل دين ثابت ينتظمون به مع من ليس له ثبات من ~~ماضي الأيان المنتظمين مع من له أصل في الصحة من الأديان الثلاثة في نحو ~~قوله تعالى # إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم ~~الآخر # [البقرة: 62] المنتظمين أيضا مع المغيرين لأديانهم والمفترين لدين لم ~~ينزل الله به من سلطان في نحو قوله تعالى: # إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا # [الحج: 17] فهذا هو الدين الأول؛ وأما الدين الثاني فهو دين الذين هادوا ~~والذين منهم الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها والذين ورثوا الكتاب ~~يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون: سيغفر لنا، وإن يأتهم ms1909 عرض مثله يأخذوه ~~والذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون: هذا من عند الله، والذين يحسدون ~~الناس على ما آتاهم الله من فضله، والذين يأكلون الربا وقد نهوا عنه، ~~والذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم، ~~وأما الدين الثالث فدين الذين قالوا: إنا نصارى، الذين منهم الذين ضلوا ~~عن سواء السبيل الذين غلوا في دينهم وقالوا على الله غير الحق واتخذوا ~~رهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم، وأما الدين الرابع فدين ~~الصابئة الذين منهم متألهو النجوم عباد الشمس والقمر والكواكب ومغيروهم، ~~هم بالترتيب أول من عبد محسوسا سماويا؛ وأما الدين الخامس فدين المجوس ~~الثنوية الذين جعلوا إلهين اثنين: نورا وظلمة، وعبدوا محسوسا آفاقيا، ~~وأما الدين السادس فدين الذين أشركوا وهم الذين عبدوا محسوسا أرضيا غير ~~مصور، وهم الوثنية أو مصورا وهم الصنمية - فهذه الأديان الستة الموفية ~~لعد الست لما جاء فيه؛ وأما الدين السابع فاعلم أن الله سبحانه حعل ~~السابع أبدا جامعا لستة خيرا كانت أو شرا، فالدين السابع هو دين ~~المنافقين الذين ظاهرهم مع الذين آمنوا وباطنهم مع أحد سائر الأديان ~~الخمسة المذكورة إلى أدنى دين مشركها الذين إذا لقوا الذين آمنوا قالوا: ~~آمنا واذا خلوا إلى شياطينهم قالوا: إنا معكم - فهذه الأديان السبعة ~~متكررة بكليتها في هذه الأمة بنحو مما وقع قبل في الأمم الماضية، وهو ~~مضمون الحديث الجامع لذكر ذلك في قوله صلى الله عليه وسلم # " لتأخذن كما أخذت الأمم من قبلكم ذراعا بذراع وشبرا بشبر وباعا ~~بباع حتى لو أن أحدا من أولئك دخل في حجر ضب لدخلتموه، قالوا: يارسول ~~الله! كما صنعت فارس والروم؟ قال: فهل الناس إلا هم " # وما بينه النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث هو من مضمون قوله ~~تعالى { كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا ~~فاستمتعوا بخلاقهم فاستمعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم ~~وخضتم كالذي خاضوا } ، وأهل هذه الأديان السبعة - أو منهم - عمرة دركات ~~جهنم السبع على ترتيبهم، والناجون ms1910 بالكلية الفائزون هم المؤمنون فمن ~~فوقهم من المحسنين والموقنين، ومزيد تفضيل في ذلك وتثنية قول بما ينبه ~~عليه بحول الله تعالى من جهات تتبع طوائف من هذه الأمة سنن من تقدمهم في ~~ذلك، أما وجه تكرار دين الذين أشركوا في هذه الأمة فباتخاذهم أصناما ~~وآلهة يعبدونها من دون الله محسوسة جمادية كما اتخذ المشركون الأصنام ~~والأوثان من الحجارة والخشب واتخذت هذه الأمة بوجه ألطف وأخفى أصناما ~~وأوثانا فإنها اتخذت الدينار والدرهم أصناما والسبائك والنقر أوثانا ~~من حيث إن الصنم هو ما له صورة والوثن ما ليس له صورة، قال صلى الله عليه ~~وسلم: # " صنم أمتي الدينار والدرهم " # وقال صلى الله عليه وسلم: # " لكل أمة عجل وعجل أمتي الدينار والدرهم " # فلا فرق بين ظن المشرك أن الصنم الذي صنعه بيده ينفعه وظن المفتونين من ~~هذه الأمة أن ما اكتسبوا من الدينار والدرهم ينفعهم حتى يشير مثلهم: ما ~~ينفعك إلا درهمك # يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم # [التوبة: 74] فما من آية نزلت في المشركين في ذكر أحوالهم وتبيين ضلالهم ~~وتفاصيل سرهم وإعلانهم إلا وهي منطبقة على كل مفتون بديناره ودرهمه، ~~فموقع قول المشركين في أصنامهم # ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى # [الزمر: 3] مثله موقع نظيره من قول المفتون: ما أحب المال إلا لأعمل ~~الخير وأستعين به على وجوه البر، ولو أراد البر لكان ترك التكسب والتمول ~~له أبر: قال صلى الله عليه وسلم # " إنما أهلك من كان قبلكم الدينار والدرهم وهما مهلكاكم " # فكل من أحبهما وأعجب بجمعهما فهو مشرك هذه الأمة وهما لاته وعزاه اللتان ~~تبطلان عليه قول لا إله إلا الله لأنه تأله ماله؛ قال صلى الله عليه وسلم # " لا إله إلا الله نجاة لعباد الله من عذاب الله ما لم يؤثروا صفقة ~~دنياهم على دينهم " # فمن وجد من هذا مسة فليسمع جميع ما أنزل في المشركين من القرآن منطبقا ~~عليه ومنزلا إليه وحافا به حتى يخلصه الله من شركه كما خلص من أخرجه من ms1911 ~~الظلمات إلى النور من الأولين، فتخلص هذا المشرك بما له من ظلمته التي ~~غشيت ضعيف إيمانه إلى صفاء نور الإيمان في مضمون قوله تعالى # ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور # [الطلاق: 11] فهذا وجه تفضيل يبين نحوا من تكرر دين الشرك في هذه ~~الأمة، وأما وجه وقوع المجوسية، ونظيرها في هذه الأمة فإطباق الناس على ~~رؤية الأفعال من أنفسهم خيرها وشرها وإسنادهم أفعال الله إلى خلقه حيث ~~استحكمت عقائدهم على أن فلانا فاعل وفلانا فاعل شر وفلانا يعطي ~~وفلانا يمنع وفلانا خير مني وفلانا أعطاني، حتى ملؤوا الدواوين من ~~الأشعار والخطب والرسائل أمداحا لخلق الله على ما لم يفعلوا وذما لهم ~~على ما لم يمنعوا يحمدون الخلق على رزق الله ويذمونهم على ما لم يؤته ~~الله ويلحدون في أسمائه حتى يكتب بعضهم لبعض " سيدي وسندي وأسنى عددي ~~عبدك ومملوكك " يبطلون بذلك أخوة الإيمان ويكفرون تسوية خلق الرحمن ~~ويدعون لأنفسهم أفعال الله فيقولون: فعلنا وصنعنا وأحسنا وعاقبنا - كلمة ~~نمرودية، آتاهم ما لم يشعروا باختصاص الله فيه بأمر كالذي حاج إبراهيم في ~~ربه أن آتاه الله الملك حين قال:أنا أحيي وأميت، وهذه هي المجوسية الصرف ~~والقدرية المحضة التي لا يصح دين الإسلام معها، لأن المسلم من أسلم الخلق ~~والأمر لربه # أسلمت وجهي لله ومن اتبعن # [آل عمران: 20]، # ألا له الخلق والأمر # [الأعراف: 54] وما سوى ذلك قدرية وهي مجوسية هذه الأمة حيث جعلوا للعبد ~~شركة في فعل الرب وجعلوا له معه تعالى قدرة وقوة ومشيئة واختيارا ~~وتدبيرا ولم يعلموا أن التقدير منع التدبير، وأنه تعالى هو يدبر الأمر ~~من السماء إلى الأرض؛ قال صلى الله عليه وسلم # " القدرية مجوس هذه الأمة " # فكل ما أنزل الله عز وجل في القرآن الجامع لذكر جميع الملل والأديان مما ~~عزاه لمن وزع الأفعال بين الحق والخلق من كلام ذي فرعنة أو نمرودية أو ذي ~~سلطان فللمعتقد المدح والذم حظ منه على حسب توغلهم واستغراقهم في الذين ~~زعموا أنهم فيهم شركاء فخافوهم ورجوهم، فكل خائف من ms1912 الخلق أو راج منهم من ~~عداد الذين آمنوا والذين أسلموا في هذه الأمة فهم من مجوس هذه الأمة، ~~فليسمع السامع ما يقرؤه من ذلك حجة عليه ليسأل الله تعالى التخلص منها ~~وليعلم أن ذلك لم يزل حجة عليه وإن كان لم يشعر به قبل. فهذا وجه من وقوع ~~المجوسية في هذه الأمة، وأما وجه وقوع الصابئة ونظيرها في هذه الأمة - ~~فما غلب على أكثرهم وخصوصا ملوكها وسلاطينها وذوو الرئاسة منها من النظر ~~في النجوم والعمل بحسب ما تظهره هيئتها عندهم من سعد ونحس والاستمطار ~~بالنجوم والاعتماد على الأنواء وإقبال القلب على الآثار الفلكية قضاء بها ~~وحكما بحسب ما جرى عليه الخليون الذين يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا ~~وهم عن الآخرة هم غافلون - من العناية بها، قال صلى الله عليه وسلم: # " أربعة من أمتي هن بهم كفر وليسوا بتاركيهن " # - فذكر منها الاستمطار بالنجوم فالمتعلق خوفهم ورجاؤهم بالآثار الفلكية ~~هم صابئة هذه الأمة كما أن المتعلق خوفهم ورجاؤهم بأنفسهم وغيرهم من ~~الخلق هم مجوس هذه الأمة، وكما أن المتعلق تشوفهم ورجاؤهم بدرهمهم ~~ودينارهم هم مشركو هذه الأمة وما انطوى عليه سر كل طائفة منهم مما تعلق ~~به خوفهم ورجاؤهم فهو ربهم ومعبودهم الذي إليه تصرف جميع أعمالهم، واسم ~~كل امرىء مكتوب على وجه ما اطمأن به قلبه فكل ما أنزل في القرآن من تزييف ~~أراء الصابئة فهو حجة عليه وجه يقرؤه أو يسمعه من حيث لا يشعر حتى يقرأ ~~قوم القرآن وهو نذير لهم بين يدي عذاب شديد وهم لا يشعرون ويحسبون أنهم ~~يرحمون به وهم الأخسرون # ولا يزيد الظالمين إلا خسارا # [الإسراء: 82] فمما يختص بهذه الطائفة المتصبئة ما هو نحو قوله تعالى # وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين # [الأنعام: 75] - الآيات في ذكر الكوكب والقمر والشمس إلى آيات ذكر ~~التسخير لهن نحو قوله تعالى # وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر والشمس ~~والقمر والنجوم مسخرات بأمره وسخر لكم الشمس والقمر دائبين # [إبراهيم: 33] # هو الذي جعل ms1913 الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين ~~والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق # [يونس: 5] # وإنه هو رب الشعرى # [النجم: 49] كل ذلك ليصرف تعالى خوف الخلق ورجاءهم عن الأفلاك والنجوم ~~المسخرة إلى المسخر القاهر فوق عبادة الذي استوى على جميعها، فهذا وجه من ~~وقوع الصائبة في الذين آمنوا والذين أسلموا في هذه الأمة، وأما وجه وقوع ~~ما غلب على هذه الأمة وكثر فيها وفشا في أعمالها وأحوالها من تمادي طوائف ~~منهم على نظير ما كان عليه اليهود والنصارى في اختلافهم وغلبة أحوالهم - ~~ملوكهم وسلاطينهم - على أحوال أنبيائهم وعلمائهم وأوليائهم فهو الذي ~~حذرته هذه الأمة وأشعر أولو الفهم بوقوعه فيهم بنحو ما في مضمون قوله ~~تعالى: # ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات # [آل عمران: 105] وما أنبأ به صلى الله عليه وسلم # " لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا حجر ~~ضب لاتبعتموهم " # وفي بعض طرقه # " حتى لو كان فيهم من أتى أمه جهارا لكان فيكم ذلك، قلنا: يارسول الله! ~~اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ " # وإنما قوي وكثر في هذه الأمة حال هاتين الملتين لما آتاهما الله من ~~الكتاب والعلم والحكمة فاختلفوا فيها بالأغراض والأهواء وإيثار عرض ~~الدنيا، وسامحوا الملوك والولاة وحللوا لهم ما حرم الله وحرموا لهم ما ~~حلل الله، وتوصلوا بهم إلى أغراضهم في الاعتداء على من حسدوه من أهل ~~الصدق والتقوم، وكثر البغي بينهم فاستقر حالهم على مثل حالهم، وسلطت ~~عليهم عقوبات مثل عقوباتهم، وتمادى ذلك فيهم منذ تبدلت الخلافة ملكا إلى ~~أن تضع الحرب أوزارها وتصير الملل كلها ملة واحدة ويرجع الافتراق إلى ~~ألفة التوحيد، فكل من اقتطع واقتصر من هذه الشريعة المحمدية الجامعة ~~للظاهر والباطن حظا مختصا من ظاهر أو باطن ولم يجمع بينهما في علمه ~~وحاله وعرفانه فهو بما لزم الظاهر الشرعي دون حقيقة باطنه من يهود هذه ~~الأمة كالمقيمين لظواهر الأحوال الظاهر التي بها تستمر الدنيا على حسب ما ~~يرضى ملوك الوقت وسلاطينهم، المضيعين لأعمال السرائر، ms1914 المنكرين لأحوال ~~أهل الحقائق الشاهد عليهم تعلق خوفهم ورجائهم بأهل الدنيا، المؤثرين لعرض ~~هذا الأدنى، فبهذا ظهرت أحوال اليهود في هذه الأمة، مر الأعراب مع النبي ~~صلى الله عليه وسلم بسدرة خضراء نضرة، وكان لأهل الجاهلية سدره يعظمونها ~~ويجتمعون عندها وينيطون بها أسلحتهم ويسمونها ذات أنواط فقالوا: يا رسول ~~الله! اجعل لنا هذه السدرة ذات أنواط كما لهم ذات أنواط! فقال صلى الله ~~عليه وسلم: # " قلتموها ورب الكعبة كما قالت بنو إسرائيل: اجعل لنا إلها كما لهم ~~آلهة! إنها السنن " # فحيث ظهرت أحداث اليهود من البغي والحسد وتعظيم ما ظهر تعظيمه من حيث ~~الدنيا واستحقار ضعفاء المؤمنين فهنالك أعلام اليهودية ظاهرة، وكذلك ~~ايضا من اقتصر من هذه الشريعة الجامعة المحمدية على باطن من إصلاح حال ~~أو قلب مع تضييع ظاهر الأمر ومجامع الخير وتعاضد الإسلام واكتفى بما ~~استبطن وتهاون بما استظهر فهو من نصارى هذه الأمة، ليس بصاحب فرقان فكيف ~~أن يكون صاحب قرآن، وذلك أن هذا الدين الجامع إنما يقوم بمعالم إسلام ~~ظاهرة وشعار إيمان في القلوب وأحوال نفس باطنة وحقائق إحسان شهودية، لا ~~يشهد المحسن مع الله سواه ولا يؤمن المؤمن مع الله بغيره، ولا يخضع ~~المسلم إلى شيء دونه، فبذلك يتم، وقد التزم بمعالم الإسلام طوائف يسمون ~~المتفقهة، والتزم بشعائر الإيمان طوائف يسمون الأصوليين والمتكلمين، ~~وترامى إلى الإحسان طوائف يسمون المتصوفه، فمتى كان المتفقه منكرا لصدق ~~أحوال الصوفية لما لعله يراه من خلل في أحوال المتصوفة فقد تسنن بسنن ~~اليهودية، ومتى كان المتصوف غير مجل للفقهاء لما لعله يراه من خلل في ~~أحوال المتفقه فقد تسنن بسنن النصارى، وكذلك حال المتكلم بين الفرقتين ~~لأيهما مال، وإنما أئمة الدين الذين جمع الله لهم إقامة معالم الإسلام ~~وإيمان أهل الإيمان وشهود أهل الإحسان، تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ~~فتأتم بهم الصوفية، وتظهر أنوار قلوبهم على ظلم المتشابهات فيأتم بهم أهل ~~الإيمان، وتبدو في أعمالهم معالم الإسلام تامة فيأتم بهم أهل الإسلام # عباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا ms1915 وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا ~~سلاما # [الفرقان: 63] # " أفضل الناس مؤمن في خلق حسن وشر الناس كافر في خلق سيىء " # فأولو الفرقان جامعون ومستبصرون فمن اقتصر على ظاهر وأنكر باطنا لزمته ~~مذام اليهود فيما أنزل من القرآن فيهم بحسب توغله واقتصاره، ومن اقتصر ~~على باطن دون ظاهر لزمته مذام النصارى فيما أنزل من القرآن فيهم؛ يذكر أن ~~رجلا من صلحاء المسلمين دخل كنيسة فقال لراهب فيها: دلني على موضع طاهر ~~أصلي فيه، فقال الراهب: طهر قلبك مما سواه وقم حيث شئت، قال ذلك الصالح ~~المسلم: فخجلت منه، فاعلم أن كل واحد من هذين الحالين ليس حال صاحب فرقان ~~ولا حال صاحب قرآن لأن صاحب القرآن لا يخجل لهذا القول لأنه حاله، وقلبه ~~مطهر مما سوى الله، ومع ذلك لابد أن ينظف ظاهره، لأن الله سبحانه كما أنه ~~الباطن فيحب صفاء البواطن فإنه الظاهر يحب صلاح الظواهر، فصاحب القرآن ~~إذا دعي إلى صفاء باطن أجاب ولم يتعلثم وإذا دعي إلى صلاح ظاهر أجاب ولم ~~يتلكأ لقيامه بالفرقان وحق القرآن، يذكر أن ملكا رحمه الله دخل المسجد ~~بعد العصر وهو ممن لا يرى الركوع بعد العصر فجلس ولم يركع فقال له صبي: ~~يا شيخ! قم فاركع، فقام وركع ولم يحاجه بما يراه مذهبا، فقيل له في ذلك ~~فقال: خشيت أن أكون من # الذين إذا قيل لهم اركعوا لا يركعون # [المرسلات: 48] ووقف النبي صلى الله عليه وسلم على سقاية زمزم وقد صنع ~~العباس رضي الله عنه أحواضا من شراب فضيخ التمر والمسلمون يردون عليه ~~وقد خاضوا فيه بأيديهم، فأهوى النبي صلى الله عليه وسلم يشرب من شرابهم، ~~فقال له العباس رضي الله عنه: يا رسول الله! ألا نسقيك من شراب لنا في ~~أسقية؟ فقال صلى الله عليه وسلم: # " أشرب من هذه ألتمس بركة أيدي المسلمين " # ، فشرب منه صلى الله عليه وسلم. فصاحب القرآن يعبد الله تبارك وتعالى ~~بقلبه وجسمه لا يقتصر على ظاهر دون باطن، ولا على باطن دون ظاهر، ولا على ~~أول دون آخر ms1916 ولا على آخر دون أول؛ قال صلى الله عليه وسلم # " أمتي كالمطر لا يدري أوله خير أم آخره " # فمن حق القارىء أن يعتبر القرآن نفسه ويلحظ مواضع مذامه للفرق ويزن به ~~أحوال نفسه من هذه الأديان الستة في هذه الأمة، وأما وجه وقوع النفاق ~~وأحوال المنافقين فهي داهية القراء وآفة الخليفة؛ قال صلى الله عليه وسلم # " أكثر منافقي أمتى قراؤها " # وقال بعض كبار التابعين: أدركت سبعين ممن رأى النبي صلى الله عليه وسلم ~~كلهم يخاف النفاق على نفسه. وأصل مداخله على الخلق من إيثار حرمة الخلق ~~على حرمة الحق جهلا بالله عز وجل واغترارا بالناس، فليزم لذلك محاسنة ~~أولى البر والصدق ظاهرا وتكرههم بقلبه باطنا، ويتبع ذلك من الذبذبة بين ~~الحالين ما وصف الله تعالى من أحوالهم وما بينه النبي صلى الله عليه وسلم ~~من علاماتهم حتى قال صلى الله عليه وسلم: # " بيننا وبين المنافقين شهود العتمة والصبح لا يستطيعونهما " # وكما قال تبارك وتعالى { لا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا ~~وهم كارهون } ينظر المنافق إلى ما يستسقط به فضائل أهل الفضل ويتعامى عن ~~محاسنهم، كما روي أن الله يبغض التارك لحسنة المؤمن الآخذ لسيئته، ~~والمؤمن الصادق يتغافل عن مساوىء أهل المساوىء فكيف بمعايب أهل المحاسن! ~~ومن أظهر علامات المنافق تبرمه بأعمال الصادق كما ذكر، ما كان مؤمن فيما ~~مضى ولا مؤمن فيما بقي إلا وإلى جنبه منافق يكره عمله، وعن ذلك المنافق ~~غماز لماز بخيل جبان مرتاع، مستثقل في مجامع الخير أجنبي منها، مستخف في ~~مواطن الشر متقدم فيها، طلق اللسان بالغيبة والبهتان، ثقيل اللسان عن ~~مداومة ذكر الله تبارك وتعالى، عم عن ذكر الله عز وجل في كل حال، ناظر ~~إلى الناس بكل وجه، وهو مع ذلك يصانعهم ولا يصادقهم، يأخذ من الدين ما ~~ينفعه في الدنيا ولا يأخذ ما ينفع في العقبى، ويجتنب في الدين ما يضر في ~~الدنيا ولا يجتنب ما يضر في في العقبى مما لا يضر في الدنيا، فهذا وجه من ~~وقوع ms1917 شياع النفاق في هذه الأمة، فلذلك من حق القارىء أن يستشعر مواقع آي ~~القرآن من نفسه في ذات قلبه وفي أحوال نفسه وأعمال بدنه وفي سره مع ربه ~~وفي علانيته مع خلقه، فإنه بذلك يجد القرآن كله منطبقا عليه خاصا به ~~حتى كأن جميعه لم ينزل إلا إليه حتى إذا رغب في أمر رغب هو فيه من وجه ~~ولا يقول: هذا إنما أنزل في كذا، وإذا رهب القرآن من أمر رهبه من وجه ما، ~~وإذا أعلى فكذلك وإذا أسفل فكذلك، ولا يقول: هذا إنما أنزل في كذا حتى ~~يجد لكل القرآن موقعا في عمله أي عمل كان ومحلا في نفسه أي حال كان ~~ومشعرا لقلبه أي ملحظ كان، فيستمع القرآن بلاغا من الله سبحانه وتعالى ~~إليه بلا واسطة بينه وبينه، فعند ذلك يوشك أن يكون ممن يقشعر له جلده ~~ابتداء ثم تلين له جلده وقلبه انتهاء، وربما يجد من الله سبحانه وتعالى ~~نفح رحمة يفتح له بابا إلى التخلق بالقرآن أسوة بالنبي صلى الله عليه ~~وسلم، سئلت عائشة رضي الله عنها عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقالت، كان خلقه القرآن وبذلك هو ذو الخلق العظيم - والله واسع عليم- ~~انتهى. ### || [9.70-71] # ولما قرر سبحانه بهذه الآية تشابههم في التمتع بالعاجل، وختمها بهذا ~~الختام المؤذن بالانتقام، اتبع ذلك بتخويفهم من متشابهتهم فيما حل بطوائف ~~منهم ملتفتا إلى مقام الغيبة لأنه أوقع في الهيبة، فقال مقررا ~~لخسارتهم: { ألم يأتهم } أي هؤلاء الأخابث من أهل النفاق { نبأ الذين من ~~قبلهم } أي خبرهم العظيم الذي هو جدير بالبحث عنه ليعمل بما يقتضيه حين ~~عصوا رسلنا؛ ثم أبدل من ذلك قوله: { قوم نوح } أي في طول أعمارهم وامتداد ~~آثارهم وطيب قرارهم بحسن التمتع في أرضهم وديارهم، أهلكهم بالطوفان، لم ~~يبق عن عصاتهم إنسان، وعطف على قوم القبيلة فقال؛ { وعاد } أي في قوة ~~أبدانهم وعظيم شأنهم ومصانعهم وبنيانهم وتجبرهم في عظيم سلطانهم، أهلكهم ~~بالريح الصرصر، لم يبق ممن كفر منهم بشر { وثمود* } أي في تمكنهم ms1918 من بلاد ~~الحجر عرضها وطولها، جبالها وسهولها، أهلكوا بالرجفة لم يبق من الكفار ~~منهم ديار { وقوم إبراهيم } أي في ملك جميع الأرض بطولها والعرض، سلب ~~الله منهم الملك بعد شديد الهلك { وأصحاب مدين } أي في جمع الأموال ومد ~~الآمال إلى أخذها من حرام وحلال ونقص الميزان والمكيال فعمهم الله ~~بالنكال { والمؤتفكات } أي في إعراضهم عن صيانة أعراضهم في اتباع لذائذ ~~أغراضهم، فأثمر لهم فعلهم بعد الخسف عموم انقراضهم. # ولما كان كأنه قيل: ما نبأهم؟ قال: { أتتهم رسلهم } أي أتى كل أمة منهم ~~رسولها { بالبينات } أي بالمعجزات الواضحات جدا بسبب أنهم ارتكبوا من ~~القبائح ما أوجب دمارهم { فما } أي فتسبب عن ذلك أنه { ما } { كان الله ~~} أي مع ما له من صفات الكمال مريدا { ليظلمهم } أي لأن يفعل بهم في ~~الإهلاك قبل الإنذار وإنارة البينات فعل من تعدونه فيما بينكم ظالما، ~~ولكنه أرسل إليهم الرسل فكذبوا ما أتوهم به من البينات، فصار العالم ~~بحالهم إذا سمع بهلاكهم وبزوالهم يقول:ما ظلمهم الله { ولكن كانوا } أي ~~دائما في طول أعمارهم { أنفسهم } أي لاغيرها { يظلمون* } أي بفعل ما ~~يسبب هلاكها، فإن لم ترجعوا أنتم فنحن نحذركم مثل عذابهم، ولعله خص هؤلاء ~~بالذكر من بين بقية الأمم لما عند العرب من أخبارهم وقرب ديارهم من ~~ديارهم مع أنهم كانوا أكثر الأمم عددا، وأنبياؤهم أعظم الأنبياء - نبه ~~على ذلك أبو حيان. ولعله قدم أصحاب مدين على قوم لوط وهم بعدهم في الزمان ~~لأن هذا في شأن من وصفوا بأنهم لم يجدوا ما يحميهم مما هم فيه من العذاب ~~بمشاهدة النبي صلى الله عليه وسلم من ملجأ أو مغارات أومدخل كما أن من ~~قبل المؤتفكات جمعهم هذا الوصف، فقوم نوح عليه السلام لم يمنعهم لما ~~أتاهم الماء معقل منيع ولا جبل رفيع مع أنه يقال؛ إنهم هم الذين بنوا ~~الأهرامات، منها ما هو بالحجارة ليمنعهم من الحادث الذي هددوا به إن كان ~~ماء، ومنها ما هو بالطوب التي لتحميهم منه إن كان نارا، وعاد لما أتتهم ~~الريح ms1919 بادروا إلى البيوت فقلعت الأبواب وصرعتهم في أجواف بيوتهم، ولم ~~يغنهم ما كانوا يبنون من المصانع المتقنة والقصور المشيدة والحصون ~~الممنعة، وحال ثمود معروف في توسعهم في البيوت جبالا وسهولا فما منعتهم ~~من الصيحة التي أعقبت الرجفة، وقوم إبراهيم عليه السلام بنوا الصرح، ~~ارتفاعه خمسة آلاف ذراع أو فرسخان ليتوصل به نمرود كما زعم - إلى السماء ~~فأتى الله بنيانهم من القواعد، ألقت الريح رأسه في البحر وخر عليهم ~~الباقي وهم تحته، وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون، وأصحاب مدين لما أتاهم ~~العذاب فأخذتهم الرجفة الرجفة لما تغن عنهم مدينتهم، وإن كانوا هم أصحاب ~~الأيكة فإنهم لما اشتد عليهم الحر يوم الظلة قصدوا المغارات فوجدوها أحر ~~من وجه الأرض فخرجوا منها هاربين، فجمعتهم الظلة بنسيم بارد خيلته إليهم ~~ولبست به عليهم، فلما اجتمعوا تحتها أحرقتهم نارها وبقي عليهم عارها، ~~وأما قوم لوط فأتاهم الأمر بغتة، لم يشعروا حتى قلبت مدائنهم بعد أن رفعت ~~إلى عنان السماء، واتبعت حجارة الكبريت تضطرم نارا،ولعله خص قوم لوط ~~بالذكر من بين من ليس له هذا الوصف لأن العرب كانوا يمرون على مواضع ~~مدائنهم ويشاهدونها، وعبر عنهم بالمؤتفكات لأن القصص للمنافقين الذين ~~مبنى أمرهم على الكذب وصرف الأمور عن ظواهرها وتقليبها عن وجوهها، ~~فالمعنى أن أولئك لما قلبوا فعل النكاح عن وجهه عوقبوا بقلب مدائنهم، ~~فهؤلاء جديرون بمثل هذه العقوبة لقلب القول عن وجهه، ومادة " إفك " بكل ~~ترتيب تدور على القلب، فإذا كافأت الرجل فكأنك قلبت فعله فرددته إليه ~~وصرفته عنك، وأكاف الدابة شبه بالإناء المقلوب، والكذب صرف الكلام عن ~~وجهه فهو إفك لذلك - والله أعلم. # ولما بين سبحانه أن المنافقين بعضهم من بعض وما توعدهم به وما استتبعه ~~من تهديدهم بإهلاك من شابهوه، وختم بما سبب هلاكهم من إصرارهم وعدم ~~اعتبارهم، عطف ببيان حال المؤمنين ترغيبا في التوبة طعما في مثل حالهم ~~فقال: { والمؤمنون } { والمؤمنات } أي بما جاءهم عن ربهم { بعضهم أولياء ~~} ولم يقل: من، كما قال في المنافقين: من { بعض } دلالة على أن أحدا ms1920 ~~منهم لم يقلد أحدا في أصل الإيمان ولا وافقه بحكم الهوى، بل كلهم مصوبون ~~بالذات وبالقصد الأول إلى اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدليل ~~القطعي على حسب فهم كل أحد منهم، فذلك دليل على صحة إيمانهم ورسوخهم في ~~تسليمهم وإذعانهم؛ ثم بين ولا يتهم بأنهم يد واحدة على من سواهم كالجسد ~~الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر فقال: { ~~يأمرون } أي كلهم على وجه التعاضد والتناصر { بالمعروف } وهو كل ما عرفه ~~الشرع وأجازه { وينهون } أي كذلك { عن المنكر } لا يحابون أحدا. # ولما ذكر الدليل القطعي على صحة الإيمان، أتبعه أفضل العبادات فقال: { ~~ويقيمون الصلاة } أي يوجدونها على صفة تقتضي قيامها بجميع أركانها ~~وشروطها وحدودها مراقبة لربهم واستعانة بذلك على جميع ما ينوبهم { ويؤتون ~~الزكاة } أي مواساة منهم لفقرائهم صلة للخلائق بعد خدمة الخالق، وذلك ~~مواز لقوله في المنافقين { ويقبضون أيديهم } ولما خص أمهات الدين، عم ~~بيانا لأنهم لا ينسون الله طرفة عين بل يذكرونه في كل حال بقوله: { ~~ويطيعون الله } أي الملك الأعظم الذي لا ملك سواه { ورسوله } إشارة إلى ~~حسن سيرتهم وجميل عشرتهم. # ولما ذكر مكارم أفعالهم، أتبعه حسن مآلهم فقال: { أولئك } أي العظماء ~~الشأن { سيرحمهم الله } أي المستجمع لصفات الكمال بوعد لا خلف فيه، وهذا ~~مع الجملة قبله مواز لقوله في المنافقين { نسوا الله فنسيهم } وهو إشارة ~~إلى أن الطريق وعر والأمر شديد عسر، فالسائر مضطر إلى الرحمة، وهي ~~المعاملة بعد الغفران بالإكرام، لا قدرة له على قطع مفاوز الطريق إلا ~~بها، ولا وصول له أصلا من غير سببها. # ولما بين أن حال المؤمنين مبني على الموالاة وكانت الموالاة فقيرة إلى ~~الإعانة قال: { إن الله } أي الذي له الإحاطة الكاملة { عزيز } أي غالب ~~غير مغلوب بوجه، فهو قادر على نصر من يوالي حزبه وأن ينيله من ثمرات ~~الرحمة ما يريد من غير أن يقدر أحد على أن يحول بينه وبين شيء من ذلك { ~~حكيم* } أي فلا يقدر أحد على نقض ما يحكمه ms1921 وحل يبرمه، وفي ذلك إشارة إلى ~~أن المؤمنين لا يزالون منصورين على كل مفسد ما داموا على هذه الخلال من ~~الموالاة وما معها من حميد الخصال. ### || [9.72-74] # ولما ختم الآية بوصف العزة والحكمة المناسب لافتتاحها بالموالاة ~~وتعقيبها بآية الجهاد، وذلك بعد الوعد بالرحمة إجمالا، أتبعها بما هو ~~أشد التئاما بها بيانا للرحمة وتفصيلا لها ترغيبا للمؤمنين بالإنعام ~~عليهم بكل ما رامه المنافقون بنفاقهم في الحياة الدنيا، وزادهم بأنه ~~دائم، وأخبر بأن ذلك هو الفوز لا غيره فقال: { وعد الله } أي الصادق ~~الوعد الذي له الكمال كله { المؤمنين والمؤمنات } أي الراسخين في التصديق ~~بكل ما أتاهم به الرسول صلى الله عليه وسلم { جنات تجري من تحتها الأنهار ~~} أي فهى لا تزال خضرة ذات بهجة نضرة؛ ولما كان النعيم لا يكمل إلا ~~بالدوام، قال: { خالدين فيها } كانت الجنان لا تروق إلا بالمنازل والدور ~~الفسيحة والمعازل قال: { ومساكن طيبة } ولما كان بعض الجنان أعلى من بعض، ~~وكان أعلاها ما شرف بوصف العندية المؤذن بالقرب من بنائه مما يؤكد معنى ~~الدوام، قال: { في جنات عدن } أي إقامة دائمة وهناء وصحة جسم وطيب مقر ~~وموطن ومنبت، وذلك كما قال في حق أضدادهم { عذاب مقيم } وما أنسب ذكر هذه ~~الجنة في سياق التعبير بالوصف المؤذن بالرسوخ فإنه ورد في الحديث أنها ~~خاصة بالنبيين والصديقين والشهداء. ولما كان ذلك لا يصفو عن الكدر مع ~~تجويز نوع من الغضب قال مبتدئا إشارة إلى أنهى التعظيم -: { ورضوان } أي ~~رضى لا يبلغه وصف واصف بما تشير إليه صيغة المبالغة ولو كان على أدنى ~~الوجوه بما أفاده التنوين - { من الله } أي الذي لا أعظم منه عندهم { ~~أكبر } أي مطلقا، فهو أكبر من ذلك كله لأن رضاه سبب كل فوز، ولا يقع ~~السرور الذي هو أعظم النعيم إلا برضى السيد، وإذا كان القليل منه أكبر ~~فما ظنك بالكثير. # ولما تم ذلك على أحسن مقابلة بما وصف به أضدادهم، قال يصفه زيادة في ~~الترغيب فيه: { ذلك } أي الأمر العالي الرتبة { هو } أي خاصة ms1922 لا غيره { ~~الفوز العظيم* } أي الذي يستصغر دونه كل شيء من أمور الدنيا والآخرة، وفي ~~كون ذلك وعدا لمن اتصف لأجل ما اتصف به ترغيب في الجهاد المأمور به ~~بعدها لكونه من أفراد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والداعي الأعظم ~~إلى الموالاة. # ولما ثبتت موالاة المؤمنين ومقاطعتهم للمنافقين والكافرين، وكان ما مضى ~~من الترغيب والترهيب كافيا في الإنانة، وكان من لم يرجع بذلك عظيم ~~الطغيان غريقا في الكفران، أتبع ذلك الأمر بجهادهم بما يليق بعنادهم ~~فقال آمرا لأعظم المتصفين بالأوصاف المذكروة مفخما لمقداره بأجل أفراد ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: { يا أيها النبي } أي العالي المقدار ~~بما لا يزال يتجدد له منا من الأنباء وفينا من المعارف؛ ولما كان الجهاد ~~أعرف في المصارحين، وكانوا أولى به لشدة شكائمهم وقوة نفوسهم وعزائمهم ~~بدأ بهم فقال؛ { جاهد الكفار } أي المجاهرين { والمنافقين } أي المسائرين ~~كلا بما يليق به من السيف واللسان. # ولما كان صلى الله عليه وسلم مطبوعا على الرفق موصى به، قال تعالى: { ~~واغلظ عليهم } أي في الجهادين ولا تعاملهم بمثل ملا عاملتهم به من اللين ~~عند استئذانهم في العقود، وهذا بخلاف ما مضى في وعيد المنافقين حيث قدمهم ~~فقال { المنافقين والمنافقات والكفار } فقدم في كل سياق الأليق به؛ ولما ~~كان المعنى: فإنك ظاهر عليهم وقاهر لهم وهم طعام السيف وطوع العصا، عطف ~~عليه قوله: { ومأواهم } أي في الآخرة { جهنم وبئس المصير* }. # ولما أتى بالدليل العام على إجرمهم، أتبعه الدليل الخاص عليه وهو أيضا ~~دليل على دليل فقال: { يحلفون بالله } أي الملك الأعلى الذي لا شيء أعظم ~~منه قدرا { ما قالوا } أي ما وقع منهم قول، فقصر الفعل تعميما للمفعول ~~إعلاما بأنهم مهما عنفوا على قول كائنا ما كان بادروا إلى الحلف على ~~نفيه كذبا لأنهم مردوا على النفاق فتطبعوا بأعلى الكذب ومرنوا على سيىء ~~الأخلاق، فصار حاصل هذا أنهم أطعموا في العفو وحذروا من عذاب الباقين ~~بسبب إجرامهم لأنهم يأمرون بالمنكر وما يلائمه مقتفين آثار من قبلهم في ~~الانهماك في الشهوات ms1923 غير مقلعين خوفا من الله أن يصيبهم بمثل ما أصابهم ~~ولا رجاء له أن ينيلهم مما أعد للمؤمنين مجترئين على الأيمان الباطلة ~~بأعظم الحلف على أي شيء فرض سواء كان يستحق اليمين أو لا غير خائفين من ~~الله أن يهتكهم كما هتك غيرهم ممن فعل مثل أفعالهم؛ ثم دل على عظيم ~~إجرامهم وما تضمنه قوله { المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض } - الآية، ~~من كبائر آثامهم، ويجوز أن تكون هذه الاية واقعة موقع التعليل للآية التي ~~قبلها بأنهم يقدمون على ما يستحقون به الجهاد والغلظة والنار من الحلف ~~كذبا على نفي كل ما ينقل عنهم استخفافا بالله وبأسمائه # اتخذوا أيمانهم جنة # [المجادلة: 6] فتكون جوابا لمن كأنه قال: أما جهاد الكفار فالأمر فيه ~~واضح، وأما المنافقون فكيف يجاهدون وهم يتكلون بلفظ الإيمان ويظهرون ~~أفعال أهل الإسلام فقال: لأنهم يحلفون { ولقد } أي والحال أنهم كاذبون ~~لقد { قالوا كلمة الكفر } أي الذي لا أكبر في الكفر منه، وهي تكذيب النبي ~~صلى الله عليه وسلم. # ولما كان هذا السيافق لصنف يجددون الاستخفاف بالله تعالى - بما دل عليه ~~المضارع كل وقت، دل على أن إقرارهم بالإيمان كذب وأفعالهم صور لا حقائق ~~لها، فعبر بالإسلام فقال: { وكفروا } أي اظهروا الكفر { بعد إسلامهم } أي ~~بما ظهر من أفعالهم وأقوالهم، وذلك غاية الفجور؛ ولما كان أعلى شغف ~~الإنسان بشيء ان تحدثه نفسه فيه بما لا يصل إليه، فيكون ذلك ضربا من ~~الهوس قال: { وهموا بما لم ينالوا } أي من قتل الرسول صلى الله عليه وسلم ~~أو إخراجه من المدينة، فجمعوا بين أنواع الكفر القول والفعل والاعتقاد، ~~ويجوز أن يكون حالا من الضمير في { مأواهم } والتقدير على هذا: يدخلون ~~جهنم حالفين بالله: ما قالوا كلمة الكفر، ولقد قالوها، فيكون كقوله # ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين # [الأنعام: 23]. # ولما بين من أحوالهم التي لا يحمل على فعلها إلا أمر عظيم، قال: { وما } ~~أي قالوا وفعلوا والحال انهم ما { نقموا } أي كرهوا شيئا من الأشياء ~~التي أتتهم ms1924 من الله { إلا أن أغناهم الله } أي الذي له جميع صفات الكمال ~~وهو غني عن العالمين { ورسوله } أي الذي هو أحق الخلق بأن يجوز عظمة ~~الإضافة إليه سبحانه، وكان أذاهم هذا النبي صلى الله عليه وسلم وهمهم ~~بقتله مع إعطائه لهم ما أغناهم بخلاف الآية السابقة، فكان الأقعد في ذمهم ~~تأخير قوله: { من فضله } فهو من باب: ولا عيب فيهم. # ولما نبه على أن هذه المساوىء قابلوا بها المحسن إليهم، رغبهم بأنه قابل ~~المتاب عليهم، ورهبهم بأنه لا مرد لما يريد من العذاب بقوله: { فإن ~~يتوبوا } ولما كان المقام جديرا بأن يشتد تشوف السامع إلى معرفة حالهم ~~فيه، حذف نون الكون اختصارا تنبيها على ذلك فقال { يك } أي ذلك { خيرا ~~لهم } من إصرارهم. # ولما كان للنفوس من أصل الفطرة الأولى داعية شديدة إلى المتاب، وكان ~~القرآن في وعظه زاجرا مقبول العتاب عظيم الأخذ بالقلوب والعطف للألباب، ~~أشار إلى ذلك بصيغة التفعيل فقال: { وإن يتولوا } أي يكلفوا أنفسهم ~~الإعراض عن المتاب { يعذبهم الله } أي المحيط بكل شيء قدرة وعلما بحوله ~~وقوته { عذابا أليما } أي لا صبر لهم عليه { في الدنيا } أي بما هم فيه ~~من الخوف والخزي والكلف وغيرها { والآخرة } أي بالعذاب الأكبر الذي لا ~~خلاص لهم منه { وما لهم في الأرض } أي التي لا يعرفون غيرها لسفول هممهم ~~{ من ولي } أي يتولى أمورهم فيصلح ما أفسد العذاب منهم أو يشفع لهم { ~~ولا نصير* } أي ينقذهم؛ وأما السماء فهم أقل من أن يطمعوا منها بشيء ناصر ~~أو غيره وأغلظ أكبادا من أن يرتقي فكرهم إلى ما لها من العجائب وما بها ~~من الجنود؛ وسبب نزول الآية على ما قال ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم كان جالسا في ظل شجرة فقال: سيأتيكم إنسان ينظر ~~إليكم بعيني شيطان، فإذا جاء فلا تكلموه، فلم يلبثوا أن طلع رجل أرزق ~~فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: علام تشتمني أنت وأصحابك؟ ~~فانطلق الرجل فجاء بأصحابه فحلفوا بالله. ما ms1925 قالوا، فأنزل الله الآية؛ ~~وقال الكلبي: نزلت في الجلاس بن سويد، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم خطب ذات يوم بتبوك فذكر المنافقين فسماهم رجسا وعابهم فقال الجلاس: ~~لئن كان محمدا صادقا لنحن شر من الحمير، فسمعه عامر بن قيس فقال: أجل، ~~إن محمدا لصادق وأنتم شر من الحمير، فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلى المدينة أتاه عامر بن قيس فأخبره بما قاله الجلاس، فقال الجلاس: ~~كذب علي يا رسول الله! فأمرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحلفا ~~عند المنبر فقام الجلاس عند المنبر بعد العصر فحلف بالله الذي لا إله إلا ~~هو ما قاله ولقد كذب علي عامر، وقام عامر فحلف بالله الذي لا إله إلا هو ~~لقد قاله وما كذبت عليه، ثم رفع عامر رضي الله عنه يديه إلى السماء فقال: ~~اللهم! أنزل على نبيك تصديق الصادق منا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~والمؤمنون: آمين! فنزل جبريل عليه السلام قبل أن يتفرقا بهذه الآية حتى ~~بلغ { فإن يتوبوا يك } أي التوب { خيرا لهم } فقام الجلاس فقال: يا رسول ~~الله! أسمع الله قد عرض علي التوبة، صدق عامر بن قيس فيما قاله، لقد ~~قلته، وانا أستغفر الله وأتوب إليه، فقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ذلك منه ثم تاب وحسنت توبته. # ولا مانع من أن يكون كل ذلك سببا لها كما تقدم ويأتي، والأوفق لها في ~~السببية الخبر الأول للتعبير في الكفر ب " أل " المؤذنة بالكمال، ومن ~~شتم نبينا صلى الله عليه وسلم فقد ارتكب كل كفر، وفي الاية دليل على قبول ~~توبة الزنديق المسر للكفر المظهر للايمان - كما قال أبو حيان وقال: وهو ~~مذهب أبي حنيفة والشافعي، وقال مالك: لا تقبل، فإن جاء تائبا من قبل ~~نفسه من قبل أن يعثر عليه قبلت توبته. ### || [9.75-80] # ولما أقام سبحانه الدليل على ما ذكر بهذه الآية التي ختمها بأنه أغناهم ~~من فضله، أتبها بإقامة الدليل عليها وعلى أنهم يقبضون أيديهم وعلى ms1926 ~~اجترائهم على اقبح الكذب فقال: { ومنهم من عاهد الله } أي الذي لا أعظم ~~منه { لئن آتانا } أي من خير ما عنده، واعتراف بأنه لا حق لأحد عليه ~~بقوله: { من فضله } أي بأي طريق كان من تجارة أو غنيمة أو زراعة أو ~~غيرها، وأكد لأنه كاذب يظن أن الناس يكذبونه، وهكذا كل كاذب فقال: { ~~لنصدقن } أي مما آتانا من غير رياء - بما يشير إليه الإدغام { ولنكونن } ~~أي كونا هو الدال على أنا مجبولون على الخير { من الصالحين* } أي لكل ~~خير نندب إليه { فلما آتاهم } وكرر قوله: { من فضله } تقريرا لما قاله ~~المعاهد تأكيدا للإعلام بأنه لا حق عليه لأحد ولا صنع فيما ينعم به ولا ~~قدرة عليه بوجه { بخلوا به } أي كذبوا فيما عاهدوا عليه وأكدوه غاية ~~التأكيد، فلم يتصدقوا بل منعوا الحق الواجب إظهاره فضلا عن صدقة السر { ~~وتولوا } أي كلفوا أنفسهم الإعراض عن الطاعة لمن تفضل عليهم مع معرفتهم ~~بقبح نقض العهد؛ ولما كان التولي قد يحمل على ما بالجسد فقط قال: { وهم ~~معرضون* } أي بقلوبهم، والإعراض وصف لهم لازم لم يتجدد لهم، بل كان غريزة ~~فيهم ونحن عالمون بها من حين أوقعوا العهد؛ قال أبو حيان: قال الضحاك: هم ~~نبتل ابن الحارث وجد بن قيس ومعتب بن قشير وثعلبة بن حاطب وفيهم نزلت ~~الآية - انتهى. وحسن تعقيبها بها أيضا أن في الأولى كفران نعمة الغني من ~~غير عهد، وفي هذه كفرانها مع العهد فهو ترق من الأدنى إلى الأعلى، ودل ~~عظيم شأن العهد بتعظيم الجزاء على خيانته بقوله: { فأعقبهم } أي الله أو ~~التمادي على البخل جزاء على ذلك { نفاقا } متمكنا { في قلوبهم } أي بأن ~~لا يزالوا يقولون ما لا يفعلون { إلى يوم يلقونه } أي بالموت عند فوت ~~الفوت { بما أخلفوا الله } أي وهو الملك الأعظم { ما وعدوه } لأن الجزاء ~~من جنس العمل؛ ولما كان إخلاف الوعد شديد القباحة، وكان مرتكبه غير متحاش ~~من مطلق الكذب، قال: { وبما كانوا يكذبون* } أي يجددون الكذب دائما مع ~~الوعدد ومنفكا عنه، فقد ms1927 استكملوا النفاق: عاهدوا فغدروا ووعدوا فأخلفوا ~~وحدثوا فكذبوا. # ولما كانت المعاهدة سببا للإغناء في الظاهر، وكان ذلك ربما كان مظنة ~~لأن يتوهم من لا علم له أن ذلك لخفاء أمر البواطن عليه سبحانه، وكان ~~الحكم هنا واردا على القلب بالنفاق الذي هو أقبح الأخلاق مع عدم القدرة ~~لصاحبه على التخلص منه، كان ذلك أدل دليل على أنه تعالى أعلم بما في كل ~~قلب من صاحب ذلك القلب، فعقب ذلك بالإنكار على من لا يعلم ذلك والتوبيخ ~~له والتقريع فقال: { ألم يعلموا أن الله } أي الذي له صفات الكمال { يعلم ~~سرهم } وهو ما أخفته صدورهم { ونجواهم } أي ما فاوض فيه بعضهم بعضا، لا ~~يخفى عليه شيء منه { وأن الله } أي الذي له الإحاطة الكاملة { علام ~~الغيوب* } أي كلها، أي ألم يعلموا أنه تعالى لا يخادع لعلمه بالعواقب ~~فيخشوا عاقبته فيوفوا بعهده، وفائدة الإعطاء مع علمه بالخيانة إقامة ~~الحجة؛ قال أبو حيان: وقرأ علي وأبو عبد الرحمن والحسن { ألم تعلموا } ~~بالتاء، وهو خطاب للمؤمنين على سبيل التقرير - انتهى. # وفائدة الالتفات الإشارة إلى أن هذا العلم إنما ينفع من هيىء للإيمان. # ولما أخبر تعالى أنه لم يكفهم كفران نعمة الغنى من غير معاهدة حتى ~~ارتكبوا الكفران بمنع الواجب مع المعاهدة، أخبر أنه لم يكفهم أيضا ذلك ~~حتى تعدوه إلى عيب الكرماء الباذلين بصفة حبهم لربهم ما لم يوجبه عليهم، ~~فقال تعالى معبرا بصيغة تصليح لجميع ما مضى من أقسامهم إفهاما لأنهم ~~كلهم كانوا متخلقين بذلك وإن لم يقله إلا بعضهم: { الذين يلمزون } أي ~~يعيبون في خفاء { المطوعين } أي الذين ليس عليهم واجب في أموالهم فهم ~~يتصدقون ويحبون إخفاء صدقاتهم - بما يشير إليه الإدغام { من المؤمنين } ~~أي الراسخين في الإيمان { في الصدقات } ولما كان ما مضى شاملا للموسر ~~والمعسر، نص على المعسر لزيادة فضله وإشارة إلى أن الحث على قليل الخير ~~كالحث على كثيره فقال عاطفا على { المطوعين }: { والذين لا يجدون } أي ~~من المال { إلا جهدهم } أي طاقتهم التي أجهدوا أنفسهم فيها حتى بلغوها. ms1928 # ولما كان اللمز هو العيب، وهو ينظر إلى الخفاء كالغمز، ومادته بكل ترتيب ~~تدور على اللزوم، والمعنى: يلزمون المطوعين عيبا ولا يظهرون ذلك لكل أحد ~~وإنما يتخافتون به فيما بينهم، وهو يرجع إلى الهزء والسخرية، سبب عنه ~~قوله: { فيسخرون منهم } ولما كان لا شيء أعظم للشخص من أن يتولى العظيم ~~الانتقام له من ظالمه، قال: { سخر الله } أي وهو الذي له الأمر كله ولا ~~أمر لغيره { منهم } أي جازاهم على فعلهم بأهل حزبه، وزادهم قوله: { ولهم ~~عذاب أليم* } أي بما كانوا يؤلمون القلوب من ذلك وإذا حوققوا عليه دفعوا ~~عن أنفسهم ما يردعهم عنه بالأيمان الكاذبة، روى البخاري في التفسير عن ~~أبي مسعود رضي الله عنه قال: لما أمرنا بالصدقة كنا نتحامل، فجاء أبو ~~عقيل بنصف صاع، وجاء إنسان بأكثر منه، فقال المنافقون: إن الله لغني عن ~~صدقة هذا، وما فعل هذا الآخر إلا رياء، فنزلت { الذين يلمزون } - الآية. # ولما كان صلى الله عليه وسلم معروفا بكثرة الاحتمال وشدة اللين المشير ~~إليه { عفا الله عنك لم أذنت لهم } للمبالغة في استجلابهم والحرص على ~~نجاة جميع الخلق فكان معروفا بالاستغفار لهم تارة على وجه الخصوص ~~بسؤالهم عند اعتذارهم وحلفهم وتارة على وجه العموم عند استغفاره لجميع ~~المسلمين، أخبره تعالى من عاقبة أمره بما يزهده فيهم ليعرض عنهم أصلا ~~ورأسا، لأنهم تجاوزوا حق الله في ترك الجهاد ومنع الصدقة وحقه صلى الله ~~عليه وسلم في لمزه في الصدقات ووصفه بما يجل عنه إلى حقوق المجاهدين ~~الذين هو سبحانه خليفتهم في أنفسهم وأهليهم وأموالهم مع ما سبق في علمه ~~للمنافقين من أنه لا يغفر لهم فقال: { استغفر } أي اطلب الغفران { لهم أو ~~لا تستغفر لهم } أي استوى في أمرهم استغفارك لهم وتركه { إن تستغفر } أي ~~تسأل الغفران { لهم سبعين مرة } أي على سبيل الحقيقة أو المبالغة؛ ولما ~~كان الإخبار باستواء الأمرين: الاستغفار وتركه ربما كان مسببا عن ~~الغفران وربما كان مسببا عن الخسران، عينه في هذا الثاني فقال: { فلن ~~يغفر الله } أي الذي ms1929 قضى بشقائهم وهو الذي لا يرد أمره { لهم } وهو يحتمل ~~أن يكون جوابا للأمر، وجواب الشرط محذوف لدلالته عليه، والمراد بالسبعين ~~على ما ظهر في المآل المبالغة في أنه لا يغفر لهم لشيء من الأشياء ولو ~~غفر لهم لشيء لكان لقبول شفاعة نبيه صلى الله عليه وسلم، والعرب تبالغ ~~بما فيه لفظ السبعة لأنها غاية مستقصاة جامعه لأكثر أقسام العدد، وهي ~~تتمة عدد الخلق كالسماوات والأرض والبحار والأقاليم والأعضاء. # ولما كان صلى الله عليه وسلم شديد الحرص على رشدهم ونفعهم، وكان حقيقة ~~نظم الآية التخيير في الاستغفار وتركه ونفي المغفرة بالاستغفار بالعدد ~~المحصور في سبعين، جعل صلى الله عليه وسلم الآية مقيدة لما في سورة ~~المنافقين فاستغفر لابن أبي وصلى عليه وقام على قبره وصرح بأنه لو يعلم ~~انه لو زاد على السبعين قبل لزاد، واستعظم عمر رضي الله عنه ذلك منه صلى ~~الله عليه وسلم وشرع يمسكه بثوبه ويقول: أتصلي عليه وقد نهاك الله عن ~~ذلك! لأنه لم يفهم من الآية غير المجاز لما عنده من بغض المنافقين، وأما ~~النبي صلى الله عليه وسلم فرأى التمسك بالحقيقة لما في الرفق بالخليفة من ~~جميل الطريقة بتحصيل الائتلاف الواقع للخلاف وغيره من الفوائد وجليل ~~العوائد، ولذلك كان عمر رضي الله عنه يقول لما نزل النهي الصريح: فعجبت ~~بعد من جراءتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم. أي تفطنت بعد هذا ~~الصريح أن ذلك الأول كان محتملا وإلا لأنكر الله الصلاة عليه، وفي ~~موافقة الله تعالى لعمر رضي الله عنه منقبة شريفة له، وقد وافقه الله ~~تعالى مع هذا في أشياء كثيرة، روى البخاري في التفسير وغيره عن ابن عمر ~~رضي الله عنهما قال: لما توفى عبد الله بن أبي جاء ابنه عبد الله بن عبد ~~الله رضي الله عنه - إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله ان يعطيه ~~قميصه يكفن فيه أباه فأعطاه، ثم سأله أن يصلي عليه؛ وفي رواية في اللباس، ~~فأعطاه قميصه وقال: إذا فرغت فآذنا، فلما ms1930 فرغ آذنه فجاء، وفي رواية: فقام ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! تصلي عليه وقد نهاك الله أن تصلي ~~عليه! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما خيرني الله فقال: { ~~استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة } وسأزيده على ~~السبعين؛ وفي رواية؛ لو أعلم أني إن زدت على السبعين يغفر له لزدت عليها، ~~قال: إنه منافق، فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فأنزل ~~الله عز وجل { ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره } إلى ~~{ وهم فاسقون } فترك الصلاة عليهم، قال: فعجيب بعد من جراءتي على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم والله ورسوله أعلم: وله في أواخر الجهاد عن جابر ~~بن عبد الله رضي الله عنهما قال: لما كان يوم بدر أتي بالأسارى وأتي ~~بالعباس ولم يكن عليه ثوب فنظر النبي صلى الله عليه وسلم قميصا فوجدوا ~~قميص عبد الله بن أبي يقدر عليه فكساه النبي صلى الله عليه وسلم إياه، ~~فلذلك نزع النبي صلى الله عليه وسلم قميصه الذي ألبسه، قال ابن عيينة: ~~كانت له عند النبي صلى الله عليه وسلم يد فأحب أن يكافئه، وفي رواية عنه ~~في اللباس أنه قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم ابن أبي بعد ما أدخل ~~قبره فأمر به فأخرج ووضع على ركبتيه ونفث عليه من ريقه وألبسه قميصه - ~~انتهى. # فكأن ابنه رضي الله عنه استحى من أن يؤذن النبي صلى الله عليه وسلم به ~~لما كان يعلم من نفاقه، أو آذنه صلى الله عليه وسلم به فصادف منه شغلا ~~فدفنه فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد إدخاله القبر وقبل تمام ~~الدفن فأخرجه تطييبا لخاطر ابنه الرجل الصالح ودفعا لما قد يتوهمه من ~~إحنة عليه وتأليفا لغيره، فقد روي أنه قال صلى الله عليه وسلم: إني أؤمل ~~من الله أن يدخل في ms1931 الإسلام كثير بهذا السبب، فأسلم ألف من الخزرج لما ~~رأوه طلب الاستشفاء بثوب النبي صلى الله عليه وسلم، ففي بعض الروايات أنه ~~هو الذي طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يكفنه في قميصه، وتعطفه ~~عليه، أدعى إلى تراحم المسلمين وتعاطف بعضهم على بعض، وقوله: وألبسه ~~قميصه - بالواو لا ينافي الرواية الأولى، وتحمل الرواية الأولى على أنه ~~وعده إعطاء القميص لمانع كان من التنجيز وقت السؤال، فحمل الجزم بالإعطاء ~~على الوعد الصادق ثم أنجزه بعد إخراجه من القبر - والله أعلم؛ ووردت هذه ~~الآية على طريق الجواب لمن كأنه قال: ما تقدم من أحوال المنافقين كان ~~انتهاكا لحرمة الله أو لحق الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يرد فيه أنه ~~يهينهم بالإماتة على النفاق، فكان يكفي فيه استغفار النبي صلى الله عليه ~~وسلم لهم، وأما هذان القسمان فأحدهما أخبر بأنه يميتهم منافقين، والثاني ~~انتهك حرمة المخلصين من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين فهل ينفعهم ~~الاستغفار لهم؟ فكأنه قيل: استوى الاستغفار وعدمه في أنه لا ينفعهم، ~~وختمها بعلة عدم المغفرة في قوله: { ذلك } أي الأمر الذي يبعد فعله من ~~الحكيم الكريم { بأنهم كفروا بالله } أي وهو الملك الأعظم { ورسوله } أي ~~فهم لا يستأهلون الغفران لأنهم لم يهتدوا لإصرارهم على الفسق وهو معنى ~~قائم بهم في الزيادة على السبعين كما هو قائم بهم في الاقتصار على ~~السبعين { والله } أي المحيط علما وقدرة { لا يهدي القوم الفاسقين } أي ~~أنه لا يهديهم لأنه جبلهم على الفسق، وكل من لا يهديه لأنه جلبه على ~~الفسق لا يغفر له، فهو لا يغفر لهم لما علم منهم مما لا يعلمه غيره، فهو ~~تمهيد لعذر النبي صلى الله عليه وسلم في استغفاره قبل العلم بالطبع الذي ~~لا يمكن معه رجوع. ### || [9.81-85] # ولما علل سبحانه عدم المغفرة بفسقهم، وأتى بالظاهر موضع المضمر إشارة ~~إلى اتصافهم به وتعليقا للحكم بالوصف، علل رسوخهم في الفسق بعد أن قدم ~~أن المنافقين بعضهم من بعض فهم كالجسد الواحد بقوله: { فرح المخلفون } أي ~~الذين ms1932 وقع تخليفهم بإذنك لهم وكراهة الله لانبعاثهم { بمقعدهم } أي ~~قعودهم عن غزوة تبوك، ولعله عبر بهذا المصدر لصلاحيته لموضع القعود ليكون ~~بدلالته على الفرح أعظم دلالة على الفرح بالموضوع، وهو مروي عن ابن عباس ~~رضى الله عنهما، وأظهر الوصف بالتخلف موضع الضمير زيادة في تهجين ما رضوا ~~به لأنفسهم، وزاده تهجينا أيضا بقوله: { خلاف } أي بعد وخلف أو لأجل ~~خلاف { رسول الله } أي الملك الأعظم الذي من تخلف عن حزبه هلك { وكرهوا ~~أن يجاهدوا }. # ولما كان هذا في سياق الأموال تارة بالرضى بنيلها والسخط بحرمانها، ~~وتارة بقبض اليد عن بذلها، وتارة بالاستمتاع بالخلاف الذي هو النصيب أعم ~~من أن يكون بالمال أو النفس، وتارة بعيب الباذلين وغير ذلك من شأنها قدم ~~قوله: { بأموالهم و أنفسهم } على قوله: { في سبيل الله } أي طريق الملك ~~الذي له صفات الكمال، لأنه ليس فيهم باعث الإيمان وداعي الإيقان الذي بعث ~~المؤمنين، ودل ذلك على عراقتهم في الفسق بأن الإنسان قد يفعل المعصية ~~ويحزن على فعلها وهؤلاء سروا بها مع ما فيها من الدناءة، وقد يسر الإنسان ~~بالمعصية ولا يكره أن يكون بدلها أو معها طاعة وهؤلاء ضموا إلى سرورهم ~~بها كراهية الطاعة، وقد يكره ولا ينهى غيره وهؤلاء جمعوا إلى ذلك كله نهي ~~غيرهم، ففعلوا ذلك كله { وقالوا } أي لغيرهم { لا تنفروا في الحر } بعدا ~~من الإسلام وعمى عن سيد الأحكام، لأن غزوة تبوك كانت في شدة الحر. # ولما كان هذا قول من لم تخطر الآخرة على باله، أمره تعالى أن يحذر من ~~يصغي إليهم أو يقبل عليهم بقوله: { قل } أي يا أعلم بخلقنا استجهالا لهم ~~{ نار جهنم } أي التي أعدها الله لمن خالف أمره { أشد حرا } ولفت ~~الكلام إلى الغيبة يدل على أن أعظم المراد بهذا الوعظ ضغفاء المؤمنين ~~لئلا يتشبهوا بهم طعما في الحلم فقال تعالى: { لو كانوا } أي المنافقون ~~{ يفقهون* } أي لو كان بهم فهم يعلمون به صدق الرسول وقدرة مرسله على ما ~~توعد به لعلموا ذلك فما كانوا يفرون من ms1933 الحر إلى أشد حرا منه، لأن من فر ~~من حر ساعة إلى حر الأبد كان أجهل الجهال، وقال أبو حيان: لما ذكر تعالى ~~ما ظهر من النفاق والهزء من الذين خرجوا معه إلى غزوة تبوك من المنافقين ~~ذكر حال المنافقين الذين لم يخرجوا معه، يعني في قوله { فرح المخلفون } - ~~انتهى. # فتكون الآية حيئنذ جوابا لمن كأنه قال: هذه أحوال من خرج فما حال من ~~قعد؟ وقد خرج بما في هذه الآية من الأوصاف كعب بن مالك ورفيقاه رضي الله ~~عنهم ونحوهم ممن لم يفرح بالقعود ولا اتصف بما ذكر معه من أوصافهم. # ولما كان غاية السرور الضحك، وكان اللازم لهم في الآخرة البكاء في دار ~~الشقاء الذي هو غاية الحزن لهم، فيها زفير وشهيق وهم يصطرخون فيها، قال ~~تعالى مهددا لهم مسببا عن قبيح ما ذكر من فعلهم مخبرا في صورة الأمر ~~إيذانا بأنه أمر لا بد من وقوعه: { فليضحكوا قليلا } أي فليتمتعوا في ~~هذه الدار بفرحتهم بمقعدهم التمتع الذي غاية السرور به الضحك - يسيرا، ~~فإنها دار قلعة وزوال وانزعاج وارتحال { وليبكوا كثيرا } أي في نار جهنم ~~التي أغفلوا ذكر حرورها وأهملوا الاتقاء من شديد سعيرها بدل ذلك الضحك ~~القليل كما استبدلوا حرها العظيم بحر الشمس الحقير { جزاء بما كانوا ~~يكسبون* } أي من الفرح بالمعاصي والسرور بالشهوات والانهماك في اللذات. # ولما كان المسرور بشيء الكاره لضده الناهي عنه لا يفعل الضد إلا تكلفا ~~ولا قلب له، إليه وكان هذا الدين مبنيا على العزة والغنى، أتبع ذلك ~~بقوله مسببا عن فرحهم بالتخلف: { فإن رجعك الله } أي الملك الذي له ~~العظمة كلها فله الغنى المطلق عن سفرك هذا { إلى طائفة منهم } أي وهم ~~الذين يمد الله في أعمارهم إلى أن ترجع إليهم، وهذا يدل على أنه أهلك ~~سبحانه في غيبته بعضهم، فأردت الخروج إلى سفر آخر { فاستأذنوك } أي طلبوا ~~أن تأذن لهم { للخروج } أي معك في سفرك ذلك { فقل } عقوبة لهم وغنى عنهم ~~وعزة عليهم ناهيا لهم بصيغة الخبر ليكون صدقك فيه ms1934 علما من أعلام النبوة ~~وبرهانا من براهين الرسالة { لن تخرجوا معي أبدا } أي في سفر من ~~الأسفار لأن الله قد أغناني عنكم وأحوجكم إلي { ولن تقاتلوا معي عدوا } ~~لأنكم جعلتم أنفسكم في عداد ربات الحجال ولا تصلحون لقتال؛ والتقييد ~~بالمعية كما يؤذن باستثقالهم يخرج ما كان بعده صلى الله عليه وسلم مع ~~أصحابه رضي الله عهنم من سفرهم وقتالهم. # ولما أخزاهم سبحانه بما أخزوا به أنفسهم، علله بقوله: { إنكم رضيتم ~~بالقعود } أي عن التشرف بمصاحبتي، ولما كانت الأوليات أدل على تمكن ~~الغرائز من الإيمان والكفران وغيرها قال: { أول مرة } أي في غزوة تبوك، ~~ومن فاتنا يكفيه أنا نفوته؛ قال أبو حيان: فعلل بالمسبب وهو الرضى ~~الناشىء عن السبب وهو النفاق - انتهى. # ولما أنهى الحكم والعلة، سبب عنه قوله: { فاقعدوا مع الخالفين* } أي ~~الذين رضوا لأنفسهم بهذا الوصف الذي من جملة معانيه: الفاسد فهم لا ~~يصلحون لجهاد ولا يلفون أبدا في مواطن الامجاد، وقال بعضهم: المراد بهم ~~الذين تخلفوا بغير عذر في غزوة تبوك، أو النساء والصبيان أو أدنياء الناس ~~أو المخالفون أو المرضى والزمنى أو أهل الفساد، والأولى الحمل على جميع، ~~أي لأن المراد تبكيتهم وتوبيخهم، ولما أتم سبحانه الكلام في الاستغفار ~~وتعليله إلى أن ختم بإهانة المتخلفين، وكان القتل المسبب عن الجهاد سببا ~~لترك الصلاة على الشهيد تشريفا له، جعل الموت الواقع في القعود المرضي ~~به عن الجهاد سببا لترك الصلاة إهانة لذلك القاعد، فقال عاطفا على ما ~~أفهمت جملة: { استغفر لهم أو لا تستغفر لهم } الآية، من نحو: فلا تستغفر ~~لهم أصلا: { ولا تصل } أي الصلاة التي شرعت لتشريف المصلى عليه ~~والشفاعه فيه { على أحد منهم } ثم وصف الأحد بقوله: { مات } وقوله { ~~أبدا } متعلق بالنهي لا بالموت { ولا تقم على قبره } أي لأن قيامك رحمة ~~وهم غير أهل لها، ثم علل ذلك بقوله: { إنهم كفروا بالله } أي الذي له ~~العظمة كلها ولما كان الموت على الكفر مانعا من الصلاة على الميت بجميع ~~معانيها لم يحتج إلى التأكيد باعادة ms1935 الجار فقيل -: { ورسوله } أي الذي هو ~~أعظم الناس نعمة عليهم بما له من نصائحهم بالرسالة، والمعنى أنهم لعظم ما ~~ارتكبوا من ذلك لم يهدهم الله فاستمروا على الضلالة حتى ماتوا على صفة من ~~وقع النهي على الاستغفار لهم المشار إليها بقوله { والله لا يهدي القوم ~~الفاسقين } وذلك المراد من قوله معبرا بالماضي والمعنى على المضارع ~~تحقيقا للخبر وأنه واقع لا محالة: { وماتوا وهم } أي والحال أنهم ~~بضمائرهم وظواهرهم { فاسقون* } أي غريقون في الفسق. # ولما كان ابن ابي سبب النهي عن الاستغفار لهم، وكان ابنه عبد الله بن ~~عبد الله من خيار المؤمنين وخلص المحسنين وكان لبعض المنافقين أبناء ~~مثله، وكان من طبع البشر أن يذكر في كثير من مقاله غلطا ما يندم عليه، ~~وكان شديد الوقوف لما حف به من العلائق البدنية وشمله من العوائق ~~بالأوهام النفسانية مع أوهامه وعوائقه قاصرا على قيوده وعلائقه، فكان ~~لإعادة الكلام وتكريره وترديده ومزيد تقريره تأكيد في النفوس وتعزية ~~وتثبيت في القلوب، كرر آية الإعجاب لهذه الأسباب لأن يكون حكمها على بال ~~من المخاطب لا ينساه لاعتقاد أن العمل به مهم جدا يفتقر إلى فضل عناية، ~~وأن ذلك شبيه بما أوهم صاحبه فهو يتكلم فيه ثم ينتقل إلى غيره لغرض صحيح ~~ثم يرجع إليه في أثناء حديثة لشدة اهتمامه به تنبيها على ذلك، ولا يرجع ~~إليه إلا على غاية ما يكون من حسن الربط وبراعة التناسب، وعطفها بالواو ~~دون الفاء لأن ذلك ليس مسببا عما قبله كما سبق في الآية الأولى، أي لا ~~تستغفر لهم ولا تصل عليهم ولا تعجبك قولهم: مستعطفين لك في طلب محبتك وإن ~~زخرفوه وأكدوه بالأيمان التي اتخذوها جنة { ولا تعجبك أموالهم } وأسند ~~النهي إليها إبلاغا فيه. # ولما لم يكن هنا ما اقتضى تأكيد النفي مما مضى في الآية الأولى، لم يعد ~~النافي ولا أثبت اللام ولا الحياة فقال: { وأولادهم } أي وإن أظهروا أنهم ~~يجاهدون بها معك ويتقربون بها إلى الله فإن الله لا يريد بهم ذلك فلا ~~ييسره لهم ms1936 لما علم من مباعدتهم للخير وعدم قابليتهم له فلا يحملك الإعجاب ~~بشيء من ذلك على فعل شيء مما تقدم النهي عنه تأليفا لأمثالهم للمساعدة ~~بأولادهم وأموالهم وتطييبا لقلوب المؤمنين من أولادهم، فإنهم إن كانوا ~~مؤمنين لم يضرهم ترك ذلك وإلا فبعدا لهم وسحقا { إنما يريد الله } أي ~~بعزه وعظمته وعلمه وإحاطته { أن يعذبهم } أي تعذيبهم { بها } فالفعل واقع ~~بخلافة في الآية السابقة { في الدنيا } أي بجمعها ومحبة الإخلاد إليها ~~وإلى الأولاد إن كانوا مثلهم في الاعتقاد وإلا كانوا زيادة عذاب لهم في ~~الدارين { وتزهق } أي تخرج بغاية العسر { أنفسهم وهم } لاغترارهم بها { ~~كافرون* } ولا شك أن خطاب الرأس بغاية العسر { أنفسهم وهم } لاغترارهم ~~بها { كافرون* } ولا شك أن خطاب الرأس بشيء أوقع في قلوب أصحابه فلذلك ~~وقع الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد غيره من أتباعه وجماعته ~~وأشياعه ممن قد يجنح إلى الأسباب ويقف عنده كما هو طبع النفوس في تأمل ما ~~شهد ونسيان ما غاب وعهد تدريبا لهم على الحب في الله والبغض فيه لأنه من ~~أدق أبواب الدين فهما وأجلها قدرا، وعليه تبتنى غالب أبوابه، ومنه ~~تجتنى أكثر ثمراته وآدابه، وذلك أنه ربما ظن الناظر فيمن بسطت عليه ~~الدنيا أنه من الناجين فيواده لحسن قوله غافلا عن سوء فعله، أو يظن أن ~~أهل الدين فقراء إلى مساعدته لهم في جهاد أو غيره بما له وذويه روية ~~فيداريه، فأعلمهم تعالى أن ما هذا سبيله مقطوع البركة نهيا عن النظر إلى ~~الصور وتنبيها على قصر الأنظار على المعاني # قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث # [المائدة: 100] - الآية # وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم # [المنافقون: 41]. ### || [9.86-93] # ولما افتتحت قصتهم بأن المتقين لا يتوقفون في الانتداب إلى الجهاد على ~~أمر جديد ولا استئذان، بل يكتفون بما سبق من عموم الحث عليه والندب إليه ~~فيبادرون إليه الطرف ولا يحاذرون الحتف، وأن من المنافقين من يستأذن في ~~الجهاد جاعلا استئذانه فيه بابا للاستئذان في التخلف عنه، ومنهم من ~~يصرح ms1937 بالاستئذان في العقود ابتداء من غير تستر، وعقب ذلك بالنهي عن ~~الإعجاب بأموالهم وأولادهم ثم مر في ذكر أقسامهم وما لزمهم من فضائحهم ~~وآثامهم، إلى أن ختم القصة بأن أموالهم إنما هي لفتنتهم لا لرحمتهم، ~~ولمحنتهم لا لمنحتهم، أتبع ذلك بدليله من أنهم لا يتوصلون بها إلى جهاد، ~~ولا يتوسلون إلى دار المعاد، فقال عاطفا على ما أفهمه السياق من نحو أن ~~يقال لأنهم لا يفعلون بها خيرا ولا يكسبون أجرا، أو بانيا حالا من ~~الكاف في " تعجبك ": { وإذا أنزلت سورة } أي وقع إنزال قطعة من القرآن. # ولما كان الإنزال يدل على المنزل حتما، فسره بقوله: { أن آمنوا بالله } ~~أي الذي له الكمال كله { وجاهدوا } أي أوقعوا الجهاد { مع رسوله استأذنك ~~} أي في التخلف من لا عذر له وهم { أولوا الطول } أي أهل الفضل من ~~الأموال والسعة والثروة في غالب الأحوال { منهم } وخصهم بالذكر لأن الذم ~~لهم ألزم ولا سيما بعد سماع القرآن، ويجوز أن يكون معطوفا على خبر { أن ~~} في قوله { ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله } هذا مع ما تضمن استئذانهم من ~~رذائل الأخلاق ودنايا الهمم المحكي بقوله: { وقالوا ذرنا } أي اتركنا ولو ~~على حالة سيئة { نكن } أي بما يوافق جبلاتنا { مع القاعدين* } أي بالعذر ~~المتضمن - لاسيما مع التعبير بذرنا الذي مادته تدور على ما يكره دون " ~~دعنا " - لما استأنف به أو بين من قوله: { رضوا بأن يكونوا } أي كونا ~~كأنه جبلة لهم { مع الخوالف } أي النساء { وطبع } أي وقع الطبع المانع { ~~على قلوبهم } أي حتى رضوا لأنفسهم بالتخلف عن سبب السعادة مع الكون في ~~عداد المخدرات بما هو عار في الدنيا ونار في العقبى. # ولما أبهم فاعل الطبع، نفى دقيق العلم فقال: { فهم } أي بسبب هذا الطبع ~~{ لا يفقهون* } أي لا فقه لهم يعرفون به ما في الجهاد من العز والسعادة ~~في الدارين، وما في التخلف من الشقاء والعار فلذلك لا يجاهدون، فلا شيء ~~أضر من هذه الأموال والأولاد التي أبعدت عن الممادح وألزمت المذام ~~والقوادح، فقد اكتنفت ms1938 آية الأموال في أول قصة وآخرها ما يدل على مضمونها. # ولما افتتح القصة بمدح المتقين لمسابقتهم إلى الجهاد من دون استئذان ~~ختمها بذلك وذكر ما أعد لهم فقال معلما بالغنى عنهم بمن هو الخير المحض ~~تبكيتا لهم وتقريعا: { لكن الرسول } أي والذي بعثه لرد العباد عن ~~الفساد إلى السداد { والذين آمنوا } أي إيمانا عظيما كائنا أو كائنين ~~{ معه } أي مصاحبين له ذاتا وحالا في جميع ما أرسلناه إليهم به { ~~جاهدوا بأموالهم وأنفسهم } أي بذلوا كلا من ذلك في حبه صلى الله عليه ~~وسلم فتحققوا بشرط الإيمان و " لكن " واقعة موقعها بين متنافسين لأن ما ~~مضى من حالهم كله ناطق بأنهم لم يجاهدوا. # ولما كان السياق لبخلهم بالنفس والمال، ولسلب النفع من أموالهم ~~وأولادهم، اقتصر في مدح أوليائه على الجهاد بالنفس والمال ولم يذكر ~~السبيل وقال: { أولئك } دالا على أنه معطوف على ما تقديره: فأولئك الذين ~~نورت قلوبهم فهم يفقهون، وقوله: { لهم } أي لا لغيرهم { الخيرات } تعرض ~~بذوي الأموال من المنافقين لأن الخير يطلق على المال وتحليته ب " ال " ~~على استغراقه لجميع منافع الدارين، والتعبير بأداة البعد إشارة إلى علو ~~مقام أوليائه وبعد مناله إلا بفضل منه تعالى، وكذا التعريض بهم بقوله: { ~~وأولئك هم } أي خاصة { المفلحون* } أي الفائزون بجميع مرادهم، لا غيرهم؛ ~~ثم بين الإفلاح الأعظم بقوله: { أعد الله } أي الذي له صفات الكمال { لهم ~~} أي الآن لينعمهم بها بعد موتهم وانتقالهم من هذه الدار التي هي معدن ~~الأكدار { جنات تجري } أي دائما { من تحتها } أي مع قربها { الأنهار } ~~ثم عرض بهذه الدنيا السريعة الزوال فقال: { خالدين فيها } ثم رغب فيها ~~بقوله: { ذلك } أي الأمر العالي الرتبة { الفوز العظيم* } أي لا غيره. # ولما ختم قصص أهل المدر بذم أولي الطول منهم بتخلفهم، وكان ذمهم إنما هو ~~لكونهم قادرين على الخروج في ذلك الوجه، وقدمهم لكثرة سماعهم للحكمة، ~~وكان أهل الوبر أقدر الناس على السفر لأن مبنى أمرهم على الحل والارتحال، ~~فهم أجدر بالذم لأنهم في غاية الاستعداد لذلك، تلاهم بهم ms1939 فقال: { وجاء ~~المعذرون } أي المبالغون في إثبات الخفايا من الأعذار المانعة لهم من ~~الجهاد - بما أشار إليه الإدغام، وحقيقة المعذر أن يتوهم أن له عذرا ولا ~~عذر له، والعذر: إيساع الحيلة في وجه يدفع ما ظهر من التقصير { من ~~الأعراب } قيل: هم رهط عامر بن الطفيل من بني عامر، وقيل: اسد وغطفان، ~~قيل: رهط من غفار { ليؤذن } أي ليقع الإذن من أي آذن كان في تخلفهم عن ~~الغزو { لهم } أي فاعتذروا بما كذبوا فيه وقعدوا عن الغزو معك، هكذا كان ~~الأصل فوضع موضعة: { وقعد الذين كذبوا الله } أي وهو المحيط علما وقدرة ~~{ ورسوله } تنبيها على وصفهم وليكون أظهر في شمول الأعراب وغيرهم. # ولما كان منهم المحتوم بكفره وغيره قال: { سيصيب } أي بوعد لا خلف فيه { ~~الذين كفروا } أي حتم بكفرهم { منهم عذاب أليم* } أي في الدارين. # ولما كان من القاعدين من أهل المدر والوبر من له عذر، استثناهم سبحانه ~~وساق ذلك مساق النتيحة من المقدمات الظاهرة فقال: { ليس على الضعفاء } أي ~~بنحو الهرم { ولا على المرضى } أي بنحو الحمى والرمد { ولا على الذين لا ~~يجدون } ولو بدين يؤدونه في المستقبل { ما ينفقون } أي لحاجتهم وفقرهم { ~~حرج } أي إثم يميل بهم عن الصراط المستقيم ويخرج دينهم. # ولما كان ربما كان أحد من المنافقين بهذ الصفة احترز عنه بقوله: { إذا ~~نصحوا } أي في تخلفهم وجميع أحوالهم { لله } أي الذي له الجلال والإكرام ~~{ ورسوله } أي سرا وعلانية، فإنهم حيئنذ محسنون في نصحهم الذي منه ~~تحسرهم على القعود على هذا الوجه وعزمهم على الخروج متى قدروا، وقوله: { ~~ما على المحسنين } في موضع " ما عليهم " لبيان إحسانهم بنصحهم مع عذرهم { ~~من سبيل } أي طريق إلى ذمهم أو لومهم، والجملة كلها بيان ل { نصحوا لله ~~ورسوله } وقوله: { والله } أي الذي له صفات الكمال { غفور } أي محاء ~~للذنوب { رحيم* } أي محسن مجمل إشارة إلى أن الإنسان محل التقصير والعجز ~~وإن اجتهد، لا يسعه إلا العفو؛ ثم عطف على ذلك قوله: { ولا على الذين إذا ~~} وأكد المعنى بقوله: ms1940 { ما أتوك } أي ولم يأتوا بغير قصدك راغبين في ~~الجهاد معك { لتحملهم } وهم لا يجدون محملا { قلت } أي أتوك قائلا أو ~~حال قولك، " وقد " مضمرة كما قالوا في # حصرت صدورهم # [النساء: 90] { لا أجد ما } أي شيئا { أحملكم عليه } وأجاب { إذا } ~~بقوله ويجوز أن يكون استئنافا و " قلت " هو الجواب { تولوا } أي عن سماع ~~هذا القول منك { وأعينهم تفيض } أي تمتلىء فتسيل، وإسناد الفيض إليها ~~أبلغ من حيث أنها جعلت كلها دمعا: ثم بين الفائض بقوله: { من الدمع } أي ~~دمعا والأصل: يفيض دمعها، ثم علل فيضها بقوله؛ { حزنا } ثم علل حزنهم ~~بقوله: { ألا يجدوا } أي لعدم وجدانهم { ما ينفقون } فحزنهم في الحقيقة ~~على فوات مرافقتك والكون في حزبك، وهذه قصة الكبائين صرح بها وإن كانوا ~~داخلين في { الذين لا يجدون } إظهارا لشرفهم وتقريرا لأن الناصح - وإن ~~اجتهد - لا غنى له عن العفو حيث بين أنهم - مع اجتهادهم في تحصيل الأسباب ~~وتحسرهم عند فواتها بما أفاض أعينهم - ممن لا سبيل عليه أو ممن لا حرج ~~عليه المغفور له. # ولما نفى السبيل عمن وصفه كر على ذم من انتفى عنه هذا الوصف فقال تعالى: ~~{ إنما السبيل } أي باللوم وغيره { على الذين يستأذنونك } أي يطلبون إذنك ~~في التخلف عنك راغبين فيه { وهم أغنياء } أي فلا عذر لهم في التخلف عنك ~~وعدم مواساتك، وتضمن قوله تعالى مستأنفا: { رضوا بأن يكونوا } أي كونا ~~كأنه جبلة لهم { مع الخوالف } انتفاء الضعف والمرض عنهم من حيث إنه علل ~~فعلهم برضاهم بالتخلف فأفهم ذلك أنه لا علة لهم سواه، وأفهم أيضا أن كل ~~من كان كذلك كان مثلهم ولو أنه ضعيف أو مريض، وكرر ذكر الخوالف تكريرا ~~لعيبهم برضاهم بالكون في عداد النساء إذ كان ذلك من أعظم المعايب عند ~~العرب، وسمى الفاعل للطبع حيث حذفه من الأولى: ولما ذكره، عظم الأمر ~~فاقتضى ذلك عظم الطبع فنفى مطلق العلم فقال عاطفا على " رضوا ": { وطبع ~~الله } أي له القدرة الكاملة والعلم المحيط { على قلوبهم } ثم سبب عن ذلك ~~الرضى والطبع ms1941 قوله: { فهم لا يعلمون* } أي لا علم له فلذلك جهلوا ما في ~~الجهاد من منافع الدارين لهم فلذلك رضوا بما لا يرضى به عاقل، وهو أبلغ ~~من نفي الفقه في الأولى، وزاد المناسبة حسنا ضم الأعراب في هذه الآيات ~~إلى أهل الحاضرة وهم بعيدون من الفقه جديرون بعدم العلم. ### || [9.94-98] # ثم شرع يخبر عن أشياء تقع منهم عند الرجوع دلالة على أن هذا كلامه وأنه ~~عالم بالمغيبات كليها وجزئيها، يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان ~~كيف كان يكون، فقال مبينا لعدم علمهم: { يعتذرون } أي يثبتون الأعذار ~~لأنفسهم: وأشار إلى بعدهم بالقلوب بقوله: { إليكم } أي عن التخلف { إذا ~~رجعتم إليهم } أي من هذه الغزوة، كأنه قيل: فماذا يقال في جوابهم؟ فقال ~~للرأس الذي لا تأخذه في الله لومة لائم: { قل لا تعتذروا } أي فإن ~~أعذاركم كاذبة، ولذلك علل النهي بقوله: { لن نؤمن لكم } أي نصدقكم في شيء ~~منها، ثم علل عدم تصديقهم بما أوجب لهم القطع بذلك فقال: { من نبأنا الله ~~} أي أعلمنا الملك الذي له الإحاطة الكاملة بكل شيء إعلاما جليلا { من ~~أخباركم } أي التي ظننتم جهلا بالله أنها تخفى فقد علمناها؛ ثم هددهم ~~بقوله: { وسيرى الله } أي لأنه عالم بكل شيء وإن دق قادر على كل شيء { ~~عملكم } أي بعد ذلك أتتبينون أم تثبتون على حالكم هذا الخبيث كما رأى ~~الذي قبل { ورسوله } أي بما يعلمه به سبحانه وحيا أو تفرسا، ولما كان ~~الكلام في المنافقين، فكانت الرؤية لنفاقهم الذي يجتهدون في إخفائه، وكان ~~المؤمنون لا اطلاع لجميعهم عليهم، لم يذكرهم بخلاف من يأتي بعد فإنهم ~~مؤمنون. # ولما كان هذا ربما أوهمهم أنه لا يعلم إلا ما أوقعوه بالفعل، نفى ذلك ~~بإظهار وصفه في موضع الإضمار مهددا بقوله مشيرا بأداة التراخي إلى ~~استبعادهم لقيامهم إلى معادهم: { ثم تردون } أي براد قاهر لا تقدرون على ~~دفاعه بعد استيفاء آجالكم بالموت وإن طالت ثم البعث { إلى عالم الغيب } ~~وهو ما غاب عن الخلق { والشهادة } وهو ما اطلع ms1942 عليه أحد منهم. فصار بحيث ~~يطلعون عليه وهذا ترجمة عن الذي يعلم الشيء قبل كونه ما يعلم بعد كونه { ~~فينبئكم } أي يخبركم إخبارا عظيما جليلا مستوعبا { بما كنتم } أي ~~بجبلاتكم { تعملون* } أي مما أبرزتموه إلى الخارج ومما كان في جبلاتكم، ~~ولو تأخرتم لبرز، وهو تهديد عظيم، ووقع ترتيبهم للاعتذار على الأسهل ~~فالأسهل على ثلاث مراتب: الأولى مطلق الاعتذار وقد مضى ما فيها؛ الثانية ~~تأكيد ذلك بالحلف للإعراض عنهم فقال سبحانه: { سيحلفون بالله } أي الذي ~~لا أعظم منه { لكم إذا انقلبتم إليهم } أي جهد إيمانهم أنهم كانوا ~~معذورين في التخلف كذبا منهم إرادة أن يقلبوا قلوبكم عما اعتقدتم فيهم { ~~لتعرضوا عنهم } أي إعراض الصفح عن معاتبتهم { فأعرضوا عنهم } إعراض ~~المقت؛ روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " لا تجالسوهم ولا تكلموهم " # ثم علل وجوب الإعراض بقوله { إنهم رجس } أي لا يطهرهم العتاب فهو عبث. # ولما كان من المقرر أنه لا بد لهم من جزاء، وأن النفس تتشوف إلى معرفته، ~~قال: { ومأواهم } أي في الآخرة { جهنم جزاء } أي لأجل جزائهم { بما كانوا ~~يكسبون* } أي فلا تتكلفوا لهم جزاء غير ذلك بتوبيخ ولا غيره؛ المرتبة؛ ~~الثالثة الحلف للرضى عنهم فقال: { يحلفون لكم } أي مجتهدين في الحلف بمن ~~تقدم أنهم يحلفون به وهو الله { لترضوا عنهم } خوفا من غائلة غضبكم { ~~فإن ترضوا عنهم } أي لمجرد أيمانهم المبني على عدم إيمانهم { فإن الله } ~~أي الذي له الغنى المطلق { لا يرضى } عنهم، هكذا كان الأصل ولكنه قال: { ~~عن القوم الفاسقين* } إشارة إلى تعليق الحكم بالوصف وتعميما لكل من اتصف ~~بذلك، والمعنى أنه لا ينفعهم رضاكم وتكونون به مخالفين الله، فهو في ~~الحقيقة نهي للمؤمنين عن الرضى عنهم، أبرز في هذا الأسلوب العجيب المرقص، ~~وفي ذلك رد على من يتوهم أن رضى المؤمنين لو رضوا عنهم يقتضي رضى الله، ~~فإن ذلك رد نزعة مما يفعل الأحبار والرهبان في رضاهم وغضبهم وتحليلهم ~~وتحريمهم الذي يعتقد أتباعهم أنه عن الله تعالى. # ولما ترتب سبحانه الاستئذان في العقود والرضى ms1943 بما فيه من الدناءة على ~~عدم الفقه تارة والعلم أخرى وختم بصنف الأعراب، بين أن الأعراب أولى بذلك ~~لكونهم أعرق في هذا الوصف وأجرأ على الفسق لبعدهم عن معدن العلم وصرفهم ~~أفكارهم في غير ذلك من أنواع المخازي لتحصيل المال الذي كلما داروا عليه ~~طار عنهم فأبعد. فهم لا يزالون في همه قد شغلهم ذلك عن كل هم وهم يحسبون ~~انهم يحسنون صنعا فقال تعالى: { الأعراب } أي أهل البدو { أشد } أي من ~~أهل المدر { كفرا ونفاقا } لبعدهم عن دار الهجرة ومعدن العلم وجفائهم ~~بأن مرائي قلوبهم لم تصقل بأنوار الكتاب والسنة { وأجدر أن } أي وأحق بأن ~~{ لا يعلموا } ولما كان الإحجام أصعب من الإقدام، وأطراف الأشياء ~~المختلطة في غاية الإلباس، قال: { حدود ما أنزل الله } أي المحيط علما ~~وحكمة بكل شيء { على رسوله } أي الذي أعلم الخلق من القرآن والشرائع ~~والأحكام لعدم إقبالهم عليه شغلا بغيره فإن الله يعلم ذلك منهم { والله ~~} أي الذي له جميع صفات الكمال { عليم } أي بالغ العلم بكل شيء { حكيم* } ~~أي بالغ الحكمة فهو يضع الأشياء في أتم محالها. # ولما أثبت هذا الوصف لهذا الصنف بين أن أفراده انقسموا إلى من ثبت على ~~ما هو الأليق بحالهم، وقسم نزع إلى ما هو الأليق بأهل المدر، كما انقسم ~~أهل المدر إلى مثل ذلك، وبدأ بالخبيث لأنه الأصل فيهم فقال: { ومن ~~الأعراب } أي المذكورين { من يتخذ } أي يتكلف غير ما تدعو إليه الفطرة ~~الأولى من الأريحية والهمم العلية بأن يعد { ما ينفق مغرما } أي فلا ~~يبذله إلا كرها ولا يرى له فائدة أخروية بل يراه مثل الصنائع بالنهب ~~ونحوه { ويتربص } أي يكلف نفسه الربص، وهو أن يسكن ويصبر وينتظر { بكم ~~الدوائر } أي الدواهي التي تدور بصاحبها فلا يتخلص منها، وذلك ليستريح من ~~الإنفاق وغيره مما ألزمه به الدين. # ولما تربصوا هذا التربص، دعا عليهم بمثل ما تربصوا فقال: { عليهم دائرة ~~السوء } أي دائما لا تنفك إما بإذلال الإسلام وإما بعذاب الاصطلام، فهم ~~فيما أرادوه بكم على الدوام، ms1944 وقراءة ابن كثير وأبي عمرو بضم السين على أن ~~معناه الشر والضر، وقراءة الباقين بالفتح على أنه مصدر، فهو ذم للدائرة. # ولما كان الانتقام من الأعداء وإيقاع البأس بهم لا يتوقف من القادر ~~غالبا إلا على سماع أخبارهم والعلم بها، جرت سنته تعالى في ختم مثل ~~بقوله: { والله } أي الملك الأعلى الذي له الإحاطة الكاملة { سميع } يسمع ~~ما يقولون { عليم* } أي فهو يعلم ما يضمرون عطفا على نحو أن يقال: فالله ~~على كل شيء قدير، ونحوه قوله { إنني معكما أسمع وأرى }. ### || [9.99-100] # ولما افتتح الآية الثانية بقوله: { ومن الأعراب من يؤمن } أي لا يزال ~~يجدد إيمانه آثار الدين { بالله واليوم الآخر } علم أن القسم الأول غير ~~مؤمن بذلك، وإنما وقع منهم الإقرار باللسان من غير إذعان، والإيمان هو ~~الأصل الذي يترتب عليه الإنفاق عن طيب نفس لما يرجى من ثوابه في اليوم ~~الآخر الذي لولا هو انتفت الحكمة من هذا الخلق على هذا الترتيب: ثم عطف ~~عليه ما يثمره الإيمان فقال: { ويتخذ } أي يحث نفسه ويجاهدها إن عرضت له ~~الوساوس الشيطانية على أن يعد { ما ينفق } أي فيما أمر الله به { قربات } ~~جمع قربة لما تقرب إليه سبحانه { عند الله } أي الذي لا أشرف من القرب ~~منه لأنه الملك الأعظم { وصلوات } أي دعوات { الرسول } أي الذي وظيفته ~~التبليغ فهو لا يقول لهم شيئا إلا عن الله، وأطلق القربة والصلاة على ~~سببها. # ولما أخبر عن أفعالهم، أخبر عن عاقبتهم ومآلهم؛ قال مستأنفا محققا ~~لرجائهم ترغيبا في الصدقة بأبلغ تأكيد لما لأعدائهم من التكذيب: { ألا ~~إنها } أي نفقاتهم { قربة لهم } أي كما أرادوا؛ ثم بين ثمرة كونها قربة ~~بقوله: { سيدخلهم الله } أي الذي له صفات الكمال بوعد لا خلف فيه { في ~~رحمته } أي إكرامه فتكون محيطة بهم ثم علل ذلك بقوله معبرا بالاسم ~~الأعظم تنبيها على أنه لا يسع الإنسان إلا العفو وإن أعظم الاجتهاد: { ~~إن الله } أي الذي الذي لا يقدر أحد على أن يقدره حق قدره { غفور } أي ~~بليغ الستر ms1945 لقبائح من تاب { رحيم* } أي بليغ الإكرام، ذلك وصف له ثابت، ~~يجلله كل من يستأهله. # ولما ذكر القسم الصالح منهم وكانوا متفاوتين فمنهم السابق وأكثرهم ~~التابع اللاحق، أتبعه السابقين على وجه شامل حاصر لصنفي البادي والحاضر ~~إشارة إلى أنه - وإن أجره - أصله فقد قدمه وصفه بحيث ساوى أهل الكمال في ~~مطلق الانخراط في ملكهم والفوز بدرجتهم لإحسانه في اتباعهم ترغيبا لأهل ~~القدرة والرحمة في اتباع أهل الرضوان والنعمة فقال: { والسابقون } ولما ~~دل على سبقهم بالعلو في مراتبه دل على قديم دخولهم فيه فقال: { الأولون } ~~أي إلى هذا الدين القيم { من المهاجرين } أي لدار الكفر فضلا عن أهلها { ~~والأنصار } أي الذين آووا ونصروا { والذين اتبعوهم } أي الفريقين { ~~بإحسان } أي في اتباعهم فلم يحولوا عن شيء من طريقهم { رضي الله } أي ~~الذي له الكمال كله { عنهم } أي بأفعالهم هذه التي هي وفق ما أمر به { ~~ورضوا عنه } أي بما أتاهم عنه من البشرى وقذف في قلوبهم من النور بلطيف ~~الوعظ والذكرى { وأعد لهم } أي جزاء على فعلهم { جنات تجري } ونبه على ~~عموم ريها وكثرة مائها بنزع الجار على قراءة الجماعة فقال: { تحتها ~~الأنهار } أي هي كثيرة المياه. فكل موضع أردته نبع منه ماء فجرى منه نهر؛ ~~ولما كان المقصود من الماء إنما هو السهولة في إنباطه بقربه ويسر جريه ~~وانبساطه أثبته ابن كثير دلالة على ذلك كسائر المواضع، ولعل تخصيص هذا ~~الموضع بالخلاف لأنه يخص هذه الأمة، فلعلها تخص بجنة هي أعظم الجنان ريا ~~وحسنا وزيا. # ولما كان أعظم العيوب الانقطاع، نفاه بقوله: { خالدين فيها } وأكد ~~المراد من الخلود بقوله: { أبدا } ثم استأنف مدح هذا الذي أعده لهم ~~بقوله: { ذلك } أي الأمر العالي المكانة خاصة { الفوز العظيم* }. ### || [9.101-104] # ولما استوفى الأقسام الأربعة: قسمي الحضر وقسمي البدو ثم خلط بين قسمين ~~منهم تشريفا للسابق وترغيبا للاحق، خلط بين الجميع على وجه آخر ثم ذكر ~~منهم فرقا منهم من نجز الحكم بجزائه بإصرار أو متاب. ومنهم من أخر أمره ~~إلى يوم الحساب، وابتدأ الأقسام ms1946 بالمستور عن غير علمه ليعلم أهل ذلك ~~القسم أنه سبحانه عالم بالخفايا فلا يزالوا أذلاء خوفا مما هددهم به ~~فقال مصرحا بما لم يتقدم التصريح به من نفاقهم: { وممن حولكم } أي حول ~~بلدكم المدينة { من الأعراب } أي الذين قدمنا أنهم أشد كفرا لما لهم من ~~الجفاء { منافقون } أي راسخون في النفاق، وكأنه قدمهم لجلافتهم وعتوهم، ~~وأتبعهم من هو أصنع منهم في النفاق فقال: { ومن أهل المدينة } أي منافقون ~~أيضا؛ ثم بين أنهم لا يتوبون بوصفهم بقوله: { مردوا } أي صلبوا وداموا ~~وعتوا وعسوا وعصوا وصار لهم به دربة عظيمة وضراوة حتى ذلت لهم فيه جميع ~~أعضائهم الظاهرة والباطنة وصار لهم خلقا { على النفاق } أي استعلوا على ~~هذا الوصف بحيث صاروا في غاية المكنة منه؛ ثم بين مهارتهم فيه بقوله: { ~~لا تعلمهم } أي بأعيانهم مع ما لك من عظيم الفطنة وصدق الفراسة لفرط ~~توقيهم وتحامي ما يشكل من أمره؛ ثم هددهم وبين خسارتهم بقوله: { نحن } أي ~~خاصة { نعلمهم } ثم استأنف جزاءهم بقوله: { سنعذبهم } أي بوعد لا خلف فيه ~~{ مرتين } أي إحداهما برجوعك سالما وشفوف أمرك وعلو شأنه وضخامة أركانه ~~وعز سلطانه وظهور برهانه، فإنهم قطعوا لغباوتهم وجلافتهم وقساوتهم كما ~~أشرت إليه بقولي { ويتربص بكم الدوائر } - أنك لا ترجع هذه المرة من هذه ~~السفرة لما يعرفونه من ثباتك للأقران، وإقدامك على الليوث الشجعان، ~~واقتحامك للأهوال، إذا ضاق المجال، ونكص الضراغمة الأبطال، ومن عظمة ~~الروم وقوتهم وتمكنهم وكثرتهم، وغاب عن الأغبياء وخفي عن الأشقياء ~~الأغنياء أن الله الذي خلقهم أعظم منهم وأكبر، وجنوده أقوى من جنودهم ~~وأكثر؛ والثانية بعد وفاتك بقهر أهل لردة ومحقهم ورجوع ما أصلته بخليفتك ~~الصديق رضي الله عنه إلى ما كان عليه في أيامك من الظهور وانتشار الضياء ~~والنور والحكم على من خالفه بالويل والثبور، وسيأتي أنه يمكن أن تكون ~~المرة الثانية إخراب مسجد الضرار والإخبار بما أضمروا في شأنه من خفي ~~الأسرار { ثم يردون } أي بعد الموت { إلى عذاب عظيم* } أي لا يعلم عظمة ~~حق علمه إلا الله تعالى، ms1947 وهو العذاب الأكبر الدائم الذي لا ينفك أصلا. # ولما ذكر هذا القسم المارد الجافي، ثنى بمقابلة اللين الصافي، وهي ~~الفرقة التي نجز المتاب عليها والنظر بعين الرحمة إليها فقال: { وآخرون } ~~أي ممن حولكم من الأعراب ومن أهل المدينة آخرون { اعترفوا بذنوبهم } أي ~~كلفوا أنفسهم ذكرها توبة منهم ندما وإقلاعا وعزما ولم يفزعوا إلى ~~المعاذير الكاذبة وهو المقتصدون. # ولما كان الخلط جمعا في امتزاج، كان بمجرد ذكره يفهم أن المخلوط امتزج ~~بغيره، فالإتيان بالواو في { آخر } يفهم أن المعنى: { خلطوا عملا صالحا ~~} بسيىء { وآخر سيئا } بصالح، فهو من ألطف شاهد لنوع الاحتباك، ولعل ~~التعبير بما أفهم ذلك إشارة إلى تساوي العملين وأنه ليس أحدهما بأولى ~~أحدهما بأولى من الآخر أن يكون أصلا، وقد فسرها النبي صلى الله عليه ~~وسلم بذلك في أناس رآهم في المنام شطر منهم حسن وشطر منهم قبيح كما رواه ~~البخاري في التفسير عن سمرة رضي الله عنه ثم أوجب تحقيق توبتهم الملزومة ~~للاعتراف بقبولها بقوله: { عسى الله } أي بما له من الإحاطة بأوصاف ~~الكمال { أن يتوب عليهم } فإن { عسى } منه سبحانه وتعالى واجبه لأن هذا ~~دأب الملوك ولعل التعبير بها يفيد - مع الإيذان بأنه لا يجب عليه لأحد ~~شيء وأن كل إحسان يفعله فإنما هو على سبيل الفضل إشارة إلى أنهم صاروا ~~كغيرهم من خلص المؤمنين غير المعصومين في مواقعة التقصير وتوقع الرحمة من ~~الله بالرجوع بهم إلى المراقبة، فكما أن أولئك معدودون في حزب الله مع ~~هذا التقصير المرجو له العفو فكذلك هؤلاء؛ ثم علل فعله بهم مرجيا للمزيد ~~بقولع: { إن الله } أي ذا الجلال والإكرام { غفور رحيم* } أي لم يزل ~~موصوفا بقبول المعرض إذا أقبل وإبدال سئيه بحسن فضلا منه وإكراما؛ روى ~~البخاري في صحيحه في التفسير عن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لنا: # " أتاني الللية آتيان فابتعثاني فانتهيا إلى مدينة مبنية بلبن ذهب ولبن ~~فضة فتلقانا رجال شطر من خلقهم كأحسن ما أنت راء وشطر ms1948 كأقبح ما أنت راء، ~~قالا لهم: اذهبوا فقعوا في ذلك النهر، فوقعوا فيه ثم رجعوا إلينا قد ذهب ~~ذلك السوء عنهم فصاروا في أحسن صورة، قالا لي: هذه جنة عدن، وهذاك منزلك، ~~قالا: أما القوم الذين كانوا شطر منهم حسن وشطر منهم قبيح فإنهم خلطوا ~~عملا صالحا وآخر سيئا عفا الله عنهم ". # ولما كان من شأن الرضوان قبول القربان، أمره صلى الله عليه وسلم تطهيرا ~~لهم وتطييبا لقلوبهم بقوله: { خذ } ورحمهم بالتبعيض فقال: { من أموالهم ~~صدقة } أي تطيب أنفسهم بإخراجها { تطهرهم } أي هي من ذنوبهم وتجري بهم ~~مجرى الكفارة { وتزكيهم } أي أنت تزيدهم وتنميهم { بها } بتكثير حسناتهم ~~{ وصل } أي اعطف { عليهم } وأظهر شرفهم بدعائك لهم؛ ثم علل ذلك بقوله: { ~~إن صلواتك } أي دعواتك التي تصلهم بها فتكون موصلة لهم إلى الله { سكن ~~لهم } أي تطمئن بها قلوبهم بعد قلق الخوف من عاقبة الذنب لما يعلمون من ~~أن القبول لا يكون إلا ممن حصل له الرضى عنهم ومن أن الله سمع قولك إجابة ~~لك ويعلم صدقك في صلاحهم { والله } أي المحيط بكل شيء { سميع عليم* } أي ~~لكل ما يمكن أن يسمع وما يمكن أن يعلم منك ومنهم ومن غيركم، فهو جدير ~~بالإجابة والإثابة، وذلك أن هذا الصنف لما اشتد ندمهم على التخلف أوثقوا ~~أنفسهم بسواري المسجد فسأل عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم ~~فقيل: ندموا على التخلف عنك فحلفوا:لا يطلقهم إلا أنت، فقال:وأنا أطلقهم ~~حتى أومر بذلك، فأنزل الله سبحانه وتعالى هذه الآيات فقالوا: يارسول ~~الله! هذه أموالنا التي خلفتنا عنك فتصدق بها! فقال: ما أمرت بذلك، فلما ~~أنزل الله هذه الآية أخذ الثلث فتصدق به. # ولما ساق توبتهم سبحانه في حيز { عسى } ، وكان الأصل فيها الترجية في ~~المحبوب والإشفاق في المكروه، وأمر سبحانه بالأخذ من أموالهم لذلك، وكان ~~إخراج المال شديدا على النفوس لا سيما في ذلك الزمان، كان ربما استوقف ~~الشيطان من لم يرسخ قدمه في الإيمان عن التوبة وما يترتب عليها من الصدقة ~~لعدم الجزم ms1949 بأنها تقبل، فأتبع ذلك سبحانه بقوله: { ألم يعلموا } أي ~~المعترفون بالذنوب حتى تسمح أنفسهم بالصدقة أو غيرهم حتى يرغبوا في ~~التوبة والصدقة { أن الله } أي الذي له الكمال كله { هو } أي وحده { يقبل ~~} أي من شأنه أن يقبل { التوبة } تجاوزا { عن عباده } أي التائبين ~~المخلصين { ويأخذ } أي يقبل قبول الآخذ لنفسه { الصدقات } أي ممن يتقرب ~~بها إليه بنية خالصة { وأن الله } أي المحيط بصفتي الجلال والإكرام { هو ~~} أي وحده { التواب الرحيم* } أي لم يزل التجاوز والإكرام من شأنه وصفته، ~~وفي ذلك إنكار على غيرهم من المختلفين في كونهم لم يفعلوا مثل فعلهم من ~~الندم الحامل على أن يعذبوا أنفسهم بالإيثاق في السواري ويقربوا بعض ~~أموالهم كما فعل هؤلاء أو نحو ذلك مما يدل على الاعتراف والندم. ### || [9.105-108] # ولما أمره من تطهيرهم بما يعيدهم إلى ما كانوا عليه قبل الذنب، عطف على ~~قوله { خذ } قوله تحذيرا لهم من مثل ما وقعوا فيه: { وقل اعملوا } أي ~~بعد طهارتكم { فسيرى الله } أي الذي له الإحاطة الكاملة { عملكم } أي بما ~~له من إحاطة العلم والقدرة فاعملوا عمل من يعلم أنه بعين الله { ورسوله } ~~أي بإعلام الله له. ولما كان هذا القسم من المؤمنين فكانت أعمالهم لاخفاء ~~فيها، قال { والمؤمنون } فزينوا أعمالكم جهدكم وأخلصوا، وفي الأحاديث # " لو أن رجلا عمل في صخرة لا باب لها لأظهر الله علمه للناس كائنا ما ~~كان ". # ولما كان هذا السياق للمؤمنين حذف منه " ثم " لكنه لما كان للمذنبين، ~~أكد بالسين فقال: { وستردون } أي بوعد لا خلف فيه { إلى عالم الغيب ~~والشهادة } أي بعد الموت والبعث { فينبئكم } أي بعلمه بكل شيء { بما كنتم ~~تعملون* } أي ما أظهرتم عمله وما كان في غرائزكم، فلو تأخرتم تظهرتم، ~~يجاريكم على حسنة ويزيد من فضله، وعلى سيئة عدلا إن شاء ولا يظلم مثقال ~~ذرة. # ولما ذكر القسمين المنجز عذابهم ومثابهم، ذكر المؤخر أمرهم وهو القسم ~~الظالم لنفسه في الذي بدأ به في سورة فاطر سورة الحشر الآخر، ولا يبعد أن ~~تكون هذه سورة الحشر ms1950 الأول لأنه صلى الله عليه وسلم ساق الناس إلى أرض ~~المحشر فقال: { وآخرون } أي ومنهم آخرون { مرجون } أي مؤخرون بين الرجاء ~~والخوف { لأمر الله } أي لما يأمر به فيهم الملك الأعظم الذي له الأمر ~~كله لا يدرون أيعذبون أم يرحمون؛ وقدم قوله -: { إما يعذبهم } إن أصروا - ~~تخويفا لهم حملا على المبادرة إلى التوبة وتصفيتها والإخلاص فيها وحثا ~~على أن يكون الخوف ما دام الإنسان صحيحا أغلب وثنى بقوله: { وإما يتوب ~~عليهم } أي إن تابوا ترجية لهم وترقيقا لقلوبهم بالتذكير بمنزل الأنس ~~الذي أخرجوا أنفسهم منه ومنعوها من حلوله وطيب مستقره ومقيله وحلي ~~أوقاته وعلي مقاماته وشهي أقواته. # ولما كان ربما قال قائل: ما فائدة التأخير وما المانع من التنجيز؟ قال: ~~{ والله } أي المحيط بكل شيء قدرة وعلما { عليم حكيم* } ترهيبا ~~وترغيبا وتبعيدا وتقريبا واحتراسا مما قد يوهمه الترديد من الشك ~~وتدريبا، وقراءة غفور رحيم للزيادة في الترجية. # ولما ذكر الذين أقامهم في مقام الخطر أتبعه تعيين طائفة من القسم الأول ~~المستور الموصوف بالمرود، فألحق بهم الضرر فقال: { والذين } وهو معطوف في ~~قراءة من أثبت الواو على قوله { وآخرون } وخبره على ما يليق بالقصة: ~~منافقون ماردون، وأما على قراءة المدنيين وابن عامر بحذفها فيكون على ~~تقدير سؤال سائل، وذلك أنه لما قال تعالى { لا تعلمهم نحن نعلمهم } تشوفت ~~النفس إلى الإعلام بهم، فلما قال { وآخرون اعترفوا بذنوبهم } اشتغل ~~السامع بتفهمه، وربما ظن أنه يأتي في آخر الكلام من تسميتهم ما يغنيه عن ~~السؤال، فلما إنتقل بقوله { وآخرون مرجون } إلى قسم آخر، وختم الآية ~~بصفتي العلم والحكمة ليعلم أن الترديد للتقسيم وأنه إن كان شك فهو ~~بالنسبة إلى العباد وأما الله تعالى فمنزه عنه فذكر السامع بالصفتين ما ~~كان دار في خلده ومال إليه قلبه من الإعلام بالماردين على النفاق، فاشتد ~~تشوفه إليه فكان كأنه قال: من من الماردين منهم؟ فقال تعالى الذين { ~~اتخذوا مسجدا } أي من الماردين وهم من أعظمهم مهارة في النفاق وإخفاء ~~الكيد والشقاق لأنهم توصلوا إلى ذلك بأن ms1951 كلفوا أنفسهم الأخذ لأعظم عرى ~~الدين مع المنازعة للفطرة الأولى والحذر من أن يفضحوا، فكان ختام هذه ~~الآية من بديع الختام فإن احتراس عما يتوهم فيما قلبه ودليل على ما بعده، ~~ولذلك ختم قصتهم أيضا بصفتي العلم والحكمة، ولاح من هذا أن قوله { ~~سنعذبهم مرتين } يمكن أن يراد به: مرة برجوعك، ومرة بإخرابك مسجدهم ~~وتفريقك لشملهم بعد هتك سرائرهم بكشف ضمائرهم، وبين سبحانه علة ~~اتخاذهم بقوله: { ضرارا } أي لأهل مسجد قباء أو لحزب الله عامة { وكفرا ~~} أي بالله لاتخاذ دينه هزؤا { وتفريقا } أي مما يبيتونه من المكايد ~~باستجلابهم لبعض من يخدعونه من المؤمنين ويطمعون فيه ليأتي مسجدهم ويترك ~~المسجد المؤسس على التقوى { بين المؤمنين } أي الراسخين في الإيمان بما ~~جاء من عند الله، لأنهم كانوا يجتمعون في مسجد قباء فيغتص بهم { وإرصادا ~~} أي إعدادا وانتظارا { لمن حارب الله } أي الملك الأعظم { ورسوله } ~~ولما لم تكن محاربتهم مستغرقة للزمن الماضي، أدخل الجار فقال: { من قبل } ~~أي قبل اتخاذهم لهذا المسجد بزمن قريب وهو أبو عامر الفاسق ليأتي إليهم ~~فيزيدهم قوة على نفاقهم بأن يصير كهفا يأوون إليه ورأسا لهم يتجمعون ~~عليه # " وذلك أنه كان من بني غنم بن عوف، وهو والد حنظلة الغسيل الذي كان من ~~خيار الصحابة، وكان أبو عامر قد ترهب في الجاهلية ولبس المسوح، فلما قدم ~~النبي صلى الله عليه وسلم المدينة قال له: ما هذا الدين الذي جئت به؟ ~~قال: الحنيفية دين إبراهيم، قال: أبو عامر: أنا عليها، قال صلى الله عليه ~~وسلم: لست عليها، قال: بلى ولكنك أدخلت فيها ما ليس منها، قال: ما فعلت، ~~ولكني جئت بها بيضاء نقية، قال أبو عامر: أمات الله الكاذب منا طريدا ~~شريدا وحيدا غريبا! فقال صلى الله عليه وسلم: آمين! وسماه الفاسق، ثم ~~تحيز إلى قريش وقاتل النبي صلى الله عليه وسلم معهم يوم أحد وقال: لا أجد ~~قوما يقاتلونك إلا قاتلتك معهم، فلما قاتل يوم حنين مع هوازن وانهزموا ~~أيس وهرب إلى الشام، وأرسل إلى المنافقين أن استعدوا ms1952 فإني ذاهب إلى قيصر ~~فآت بجنود ومخرج محمدا! وكانوا قد حسدوا إخوانهم بني عمرو بن عوف على ~~مسجد قباء لما بنوه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يأتيه ويصلي فيه، ~~فبنوا مسجد الضرار وأرسلوا إليه صلى الله عليه وسلم ليأتيهم فيصلي فيه، ~~وكان يتجهز لتبوك فقال: أنا على جناح سفر وحال شغل، وإذا قدمنا صلينا فيه ~~إن شاء الله! فلما قدم فكان قريبا من المدينة نزلت الآية، فدعا مالك بن ~~الدخشم وجماعة وقال لهم: انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه ~~وأحرقوه، ففعلوا، وأمر صلى الله عليه وسلم أن يتخذ مكانه كناسه يلقي فيها ~~الجيف والقمامه؛ ومات أبو عامر بالشام وحيدا غريبا طريدا " # وقيل: كل مسجد بني مباهاة أو لغرض ليس به إخلاص أو بمال مشتبه فهو لاحق ~~بمسجد الضرار. # ولما أخبر عن سرائرهم، أخبر عن نفاقهم في ظواهرهم بقوله: { وليحلفن } أي ~~جهد أيمانهم { إن } أي ما { أردنا } أي باتخاذ له { إلا الحسنى } أي من ~~الخصال؛ ثم كذبهم بقوله: { والله } أي الذي له الإحاطة الكاملة { يشهد } ~~أي يخبر إخبار الشاهد { إنهم لكاذبون* } وقد بان بهذا كله أن سبب فضيحتهم ~~ما تضمنه فعلهم من عظيم الضرر للإسلام وأهله؛ ثم قال ناهيا عن إجابتهم ~~إلى ما أرادوا به من التلبيس إنتاجاعن هذا الكلام الذي هو أمضى من ~~السهام: { لا تقم فيه } أي مسجد الضرار { أبدا } أي سواء تابوا أو لا، ~~وأراد بعض المخلصين أن يأخذه أولا، اي لا بد من إخرابه ومحو أثره عن وجه ~~الأرض. # ولما ذمه وذم أهله، مدح مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، إما الذي ~~بالمدينة الشريفة وإما الذي ببني عمرو بن عوف بقباء على الخلاف في ذلك. ~~وهو الذي اتخذ في أول الإسلام مسجدا إحسانا وإيمانا وجمعا بين ~~المؤمنين وإعدادا لمن صادق الله ورسوله، ومدح أهله إرشادا لكل من كان ~~مال إليه من المؤمنين لقرب أو غيره إلى العوض عنه، ولعله أبهم تعيينه ~~وذكر وصفه ليكون صالحا لكل من المسجدين. # لما اتصف بهذا الوصف من غيرهما فقال ms1953 مؤكدا تعريفا بما له من الحق ولما ~~للمنافقين من التكذيب: { لمسجد أسس } أي وقع تأسيسه { على التقوى } أي ~~فأحاطت التقوى به لأنها إذا أحاطت بأوله أحاطت بآخره؛ ولما كان التأسيس ~~قد تطول مدة أيامه فيكون أوله مخالفا لآخره، قال: { من أول يوم } أي من ~~أيام تأسيسه، وفيه إشارة إلى ما تقدم من احتمال أن يريد أحد من أهل ~~الإخلاص أن يتخذه مصلى، فبين أنه لايصلح لذلك لأن تأسيسه كان لما هو ~~مباعد له { أحق أن تقوم فيه } أي بالصلاة والوعظ وغيره من مسجد لم يقصد ~~به التقوى على التقدير فرض محال إلا في ثاني الحال. # ولما مدحه مدح أهله بقوله: { فيه رجال } أي لهم كمال الرجولية { يحبون ~~أن يتطهروا } أي في أبدانهم وقلوبهم كمال الطهارة - بما أشار إليه ~~الإظهار، فهم دائما في جهاد أنفسهم في ذلك فأحبهم الله { والله } أي ~~الذي له صفات الكمال { يحب } أي يفعل ما يفعل المحب من الإكرام بالفضل ~~والإحسان، ولإثبات ما أفهم الاجتهاد حصل الغنى عن إظهار تاء التفعل أو ~~للندب إلى الطهارة ولو على أدنى الوجوه المجزئة فقال: { المطهرين* } أي ~~قاطبة منهم ومن غيرهم. ### || [9.109-111] # ولما علم من هذا بطريق الإشارة والتلويح أن التأسيس مثل ابتداء خلق ~~الحيوان، فمن جبل من أول مرة جبلة شر لا يصلح للخير أبدا ولا يقبله كما ~~قال تعالى # ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون # [الأنفال: 23] ذكره على سبيل التصريح فسبب عما مضى قوله ممثلا الباطل ~~ببناء على حرف واد واه جدا على شفير جهنم: { أفمن أسس بنيانه } أي كما ~~أشرت إليه في المسجد المحثوث بالإقبال عليه { على تقوى من الله } أي ~~الملك الأعلى { ورضوان } فكان كمن بنى بنيانه على جبل لا تهدمه الأمطار ~~ولا تؤثر فيه السيول { خير أم من أسس بنيانه } على فسق وفجور وعدم اكتراث ~~بالأمور فكان كمن بنى بنيانه { على شفا } أي حرف، ومنه الشفه { جرف } أي ~~مكان جفرة السيل وجرفه فصار مشرفا على السقوط، ولذلك قال: { هار } أي ~~هائر، من هار الجرف - إذا أشرف لتخريق ms1954 السيول على السقوط { فانهار } أي ~~فكان بناؤه لذلك سببا لأنه سقط سقوطا لا تماسك معه { به } أي وهو فيه ~~آمنا من سقوطه بقلة عقله وسفاهة رأيه { في نار جهنم } فالجواب: لا شك ~~الأول خير بل، لا خير في الثاني أصلا، والعجب كل العجب من كونه بنى هذا ~~البناء هكذا، فأجيب بأنه لا عجب لأن الأمر بيد الله، لا مفر من قضائه، ~~وهو قد هدى الأول إلى ما فيه صلاحه، ولم يهد الثاني لما علم فيه من عدم ~~قابلية الخير { والله } الذي له صفات الكمال { لا يهدي القوم } أي الذين ~~لهم قوة المحاولة لما يريدون { الظالمين* } أي المطبوعين على ظلام ~~البصائر، فهم لا يكفرون في شيء إلا جاء في غير موضعه وعلى غير نظام ~~كخطوات الماشي في الظلام، وقد علم أن الآية من قبيل الاحتباك: أثبت أولا ~~التقوى لأن أهل الإسلام أحق بها، فدلت على حذف ضدها ثانيا، وأثبت ثانيا ~~ضعف البناء حسا لأن مسجد الضرار أولى به، فدل على حذف ضده أولا، فذكر ~~النهاية المعقولة لأهلها والبداية المحسوسة للناظرين لها؛ وروي عن جابر ~~رضي الله عنه قال: رأيت الدخان من مسجد الضرار؛ وحكي عن خلف بن يسار أنه ~~رأى فيه حجرا يخرج منه الدخان في أول دولة بني العباس. # ولما كان ما تقدم غير قاطع في إخرابه لما ثبت للمساجد من الحرمة، استأنف ~~الإخبار عن أنه لا يعد في عداد المساجد بوجه، وإنما هو في عداد بيوت ~~الأصنام فهو واجب الإعدام فقال: { لا يزال بنيانهم } أي نفس المبنى وهو ~~المسجد { الذي بنوا ريبة } أي شكا ونفاقا { في قلوبهم } كما أن بيوت ~~الأصنام كذلك لأهلها، فكان ذلك حثا على إخرابه ومحوه وقطع أثره. والمعنى ~~أنه جامع لهم على الريبة في كل زمان يمكن أن يكون { إلا أن } ولما كان ~~القطع محصلا للمقصود من غير نظر إلى قاطع معين، قال بانيا للمفعول: { ~~تقطع قلوبهم } أي إلا زمان يوجد فيه القطع البليغ الكثير لقلوبهم ~~وعزائمهم ويباعد بينهم ويفرق شملهم بإخراجه، وقراءة يعقوب ب ms1955 " إلى " ~~الجارة واضحة في المراد، أو يكون المراد أنه لايزال حاملا لهم على ~~التصميم على النفاق إلى أن يموتوا، فهو كناية عن عدم توبتهم. # ولما كان التقدير: فالله عليم بما أخبركم به فلا تشكوا فيه، عطف عليه ~~تعميما للحكم وتعظيما للأمر قوله: { والله } أي الذي له الإحاطة بكل ~~شيء { عليم } أي بالغ العلم بكل معلوم { حكيم* } فهو يتقن ما يأمر به. # ولما تقدم الإنكار على المتثاقلين عن النفر في سبيل الله في قوله تعالى # ما لكم إذا قيل لكم انفروا # [التوبة: 38] ثم الجزم بالأمر بالجهاد بالنفس والمال في قوله # انفروا خفافا وثقالا # [التوبة: 41] وكان أمره تعالى كافيا للمؤمن الذي صدق إيمانه بالإسلام ~~في امتثاله لذلك في منشطه ومكرهه، وكان كثير منهم قد فعلوا بتثاقلهم ما ~~يقدح في إيمانهم طعما في ستره بمعاذيرهم وإيمانهم، اقتضى المقام تبكيت ~~المتثاقلين وتأنيب المنافقين على وجه مهتك لأستارهم مكشف لأسرارهم، فلما ~~استوفى تعالى في ذلك أقسامهم، ونكس ألويتهم وأعلامهم، وختمهم بهذه ~~الطائفة التي ظهر فيها امتثاله صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى { جاهد ~~الكفار والمنافقين واغلظ عليهم } بأن هد مسجدهم وحرقة بالنار وأزال ~~بنيانه وفرقة، وقد أديمه عن جديد الأرض ومزقه، أتبع ذلك سبحانه بتذكير ~~المؤمنين ما أمرهم به في قوله تعالى { قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا ~~باليوم الآخر } وقوله { انفروا خفافا وثقالا } ليفعلوا فيه ما فعله ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أمر به، فساق مساق الجواب لسؤال من ~~كأنه قال: لقد طال المدى وعظم الخطب في هذه السورة في إبانة الفضائح وهتك ~~السرائر وإظهار القبائح، فلم فعل ذلك وقد جرت عادته بالأمر بالستر وأخذ ~~العفو؟ قوله: { إن الله } أي الملك الذي لا ملك في الحقيقة غيره ولا يخشى ~~إلا عذابه ولا يرجى إلا خيره { اشترى } أي بعهود أكيدة ومواثيق غليظة ~~شديدة، ولذلك عبر بما يدل على اللجاج فيها فقال: { من المؤمنين } أي ~~بالله وما جاء من عنده، وقدم النفس إشارة إلى المبايعة سابقة على اكتساب ~~المال فقال مقدما للأعز: { أنفسهم } أي ms1956 التي تفرد بخلقها { وأموالهم } ~~أي التي تفرد برزقها وهو يملكها دونهم. # ولما ذكر المبيع أتبعه الثمن فقال: { بأن لهم الجنة } أي خاصة بهم ~~مقصورة عليهم، لا يكون لغير مؤمن، فميزهم حتى يقابل كل بما يستحقه، فكأنه ~~قيل: اشترى منهم ذلك بماذا؟ فقيل: { يقاتلون في سبيل الله } أي الملك ~~الأعلى بسبب دينه الذي لا يرضي غيره، قتالا يكون الدين محيطا به ~~وظرفا، فلا يكون فيه شائبة لغيره؛ ثم سبب عن ذلك ما هو حقيق به، فقال: { ~~فيقتلون و يقتلون } أعم من يكون ذلك بالقوة أو بالفعل، فيخصهم بالجنة كما ~~وعدهم، وقراءة حمزة والكسائي بتقديم المبني للمفعول أمدح، لأن من طلب ~~الموت - لا يقف له خصمه فيكون المعنى: فطلبوا أن يكونوا مقتولين فقتلوا ~~أقرانهم، ويجوز أن يكون النظر إلى المجموع فيكون المعنى أنهم يقاتلون بعد ~~رؤية مصارع أصحابهم من غير أن يوهنهم ذلك، وعن بعض الأعراب أنه لما سمع ~~هذه الاية قال: بيع والله مربح! لا نقيل ولا نستقيل، فخرج إلى الغزو ~~فاستشهد. # ولما كان القتل لكونه سببا للجنة بشارة ووعدا، أكد ذلك بقوله: { وعدا ~~} وزاده بحرف الإيجاب فقال: { عليه } وأتم التأكيد بقوله: { حقا } ولما ~~أكد هذه المبايعة الكريمة هذه التأكيدات العظيمة، زاد ذلك بذكره في جميع ~~الكتب القديمة فقال: { في التوراة } كتاب موسى عليه السلام { والإنجيل } ~~كتاب عيسى عليه السلام { والقرآن } أي الكتاب الجامع لكل ما قبله ولكل ~~خير، وهؤلاء المذكورون في هذه السورة كلهم ممن ادعى الإيمان وارتدى به ~~حلل الأمان، ثم إنهم فعلوا بتخلفهم عن الإقباض وتوقفهم عن الإسراع ~~والإيقاض وغير ذلك من أقوالهم ومساوىء أفعالهم فعل الكاذب في دعواه أو ~~الشاك أعم من أن يكون كذب بالآخرة المشتملة على الجنة أو يكون شك في وعد ~~الله بإيراثهم إياها أو بتخصيصهم بها، وجوز أن يدخلها غيرهم وطمع أن يكون ~~هو ممن يدخلها مع التكذيب، والله تعالى منزه عن جميع ذلك وهو وفي بعهده { ~~ومن } أي وعد بذلك والحال أنه أوفى المعاهدين فهو مقول فيه على طريق ~~الاستفهام الإنكاري: من ms1957 { أوفى بعهده من الله } أي الذي له جميع صفات ~~الكمال لأن الإخلاف لا يقدم عليه الكرام من الناس فكيف بخالقهم الذي له ~~الغنى المطلق. # ولما كان ذلك سببا للتبشير، لأنه لا ترغيب في الجهاد أحسن منه، قال ~~مهنئا لهم: { فاستبشروا } أي فأوجدوا في نفوسكم غاية البشر يا معاشر ~~المجاهدين ولما ذكره في ابتداء العقد يدل على التأكيد، ذكره في آخر بلفظ ~~يدل على السعة إشارة إلى سعة الجزاء فقال: { ببيعكم الذي بايعتم } أي ~~أوقعتم المبايعة لله { به } فإنه موفيكم لا محالة فذلك هو الأجر الكريم { ~~وذلك } أي إيراثكم الجنة وتخصيصكم بها { هو } أي خاصة لا غيره { الفوز ~~العظيم* } فالحاصل أن هذه الآية واقعة موقع التعليل للأمر بالنفر بالنفس ~~والمال. ### || [9.112-114] # ولما ثبتت المعاقدة وأحكامها، وصف المعاقدين على طريق المدح للحث على ~~أوصافهم فقال: { التآئبون } مبتدئا أوصافهم بالتوبة التي هي أساس العمل ~~الصالح، ثم ابتدأ المؤسس بمطلق العبادة الشاملة لجميع أنواع الدين من ~~العلم وغيره فقال: { العابدون } أي الذين أقبلوا على العبادة فأخلصوها ~~لله؛ ولما كان التزام الدين لا يعرف إلا بالإقرار باللسان، أتبع ذلك ~~الحمد الذي تدور مادته على بلوغ الغاية الذي من جملته الثناء اللساني ~~بالجميل الشامل للتوحيد وغيره فقال: { الحامدون } أي المثنون عليه سبحانه ~~ثناء عظيما، تطابقت عليه ألسنتهم وقلوبهم فتبعته آثاره؛ ولما كان ~~الإقرار باللسان لا يقبل إلا عند مطابقة القلب، تلاه بالسياحة التي تدور ~~بكل ترتيب على الاتساع الذي منه إصلاح القلب ليتسع للتجرد عن ضيق ~~المألوفات إلى فضاء الحضرات الإلهيات فقال: { السائحون } ولما كانت ~~الصلاة نتيجة ذلك لكونها جامعة لعمل القلب واللسان وغيرهما من الأركان، ~~وهي أعظم موصل إلى بساط الأنس في حضرات القدس وأعلى مجرد عن الوقوف مع ~~المألوف. وكان أول مراتب التواضع القيام وأوسطها الركوع وغايتها السجود، ~~وكان جميع أشكال الصلاة موافقا للعادة إلا الركوع والسجود، أشار إليها ~~بقوله مخصصا لها بالذكر تنبيها على أن المراد من الصلاة نهاية الخضوع: ~~{ الراكعون } فبين أن تمام هذه البشرى لهذه الأمة أن صلاة غيرهم لا ركوع ms1958 ~~فيها، وأتمها بقوله: { الساجدون } ولما كان الناصح لنفسه بتهذيب لسانه ~~وقلبه وجميع جوارحه لا يقبل إلا إذا بذل الجهد في نصيحة غيره كما صرح به ~~مثال السفر في السفينة ليحصل المقصود من الدين وهو جمع الكل على الله ~~المقتضي للتعاضد والتناصر الموجب لدوام العبادة والنصرة وبذلك يتحقق ~~التجرد عن كل مألوف مجانس وغير مجانس، أتبع ذلك قوله: { الآمرون بالمعروف ~~} أي السنة. # ولما كان الدين متينا فلن يشاده أحد إلا غلبه، كان المراد من المأمورات ~~مسماها دون تمامها ومنتهاها # " إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم " # والمراد من المنهيات تركها كلها، ومن الحدود الوقوف عندها من غير مجاوزة # " وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه " # رواه البخاري في الاعتصام من صحيحه ومسلم ايضا عن أبي هريرة رضي الله ~~عنه، وكانت العرب - كما تقدم في البقرة عند قوله تعالى # والصلاة الوسطى # [البقرة: 238] وفي آل عمران عند قوله # الصابرين والصادقين # [آل عمران: 17] عن الأستاذ أبي الحسن الحرالي - إذا أتبعت بعض الصفات ~~بعضا من غير عطف علم أنها غير تامة، فإذا عطفتها أردت التمكن فيها ~~والعراقة والتمام، فأعلم سبحانه أن المراد فيما تقدم من الأوصاف الإتيان ~~بما أمكن منها، فأتى بها اتباعا دون عطف لذلك، وأشار إلى أن الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر والوقوف عند الحدود لا يقنع منه إلا بالتمام ~~لأن المقصر في شيء من ذلك إما راض بهدم الدين وإما هادم بنفسه، فيجب ~~التجرد التام فيه لأن النهي أصعب أقسام العبادة لأنه متعلق بالغير وهو ~~مثير للغضب موجب للحمية وظهور الخصومة، فربما كان عنه ضرب وقتل، فلذلك ~~عطفها ولم يتبعها فقال: { والناهون } أي بغاية الجد { عن المنكر } أي ~~البدعة. # ولما كان فاعل الخير لا ينفعه فعله إلا باستمراره عليه إلى الموت أتبعه ~~قوله: { والحافظون } أي بغاية العزم والقوة { لحدود الله } أي الملك ~~الأعظم التي حدها في هذا الشرع القيم فلم يتجاوزوا شيئا منها، فختم بما ~~به بدأ مع قيد الدوام بالرعي والقوة، والحاصل أن الوصف الأول للتجرد عن ~~ربقة مألوف خاص وهو شرك المعصية ms1959 بشركه أو غيره، والثاني للتجرد عن قيود ~~العادات إلى قضاء العبادات، والثالث لبلوغ الغاية في تهذيب الظاهر. ~~والرابع للتوسع إلى التجرد عن قيود الباطن، والخامس والسادس للجمع بين ~~كمال الباطن والظاهر، والسابع للسير إلى إفاضة ذلك على الغير، والثامن ~~للدوام على تلك الحدود بترك جميع القيود. فمقصود الآية العروج من الحضيض ~~الجسماني إلى الشرف الروحاني؛ ثم أمره صلى الله عليه وسلم بتبشير المتخلق ~~بهذه الأوصاف عاطفا لأمره به على محذوف تقديره - والله أعلم: فأنذر من ~~تخلى منها بكل ما يسوءه بعد سجنه في دار الشقاوة فإنه كافر وبشرهم، أي ~~هؤلاء الموصوفين، هكذا كان الأصل الإضمار، ولكنه أظهر ختاما بما به بدأ ~~وتعليقا يالوصف وتعميما فقال: { وبشر المؤمنين* } أي المتخلقين بها بكل ~~ما يسرهم بعد تخصيصهم بدار السعادة، وفي ختم الآيتين بالبشارة تارة من ~~الخالق وتارة من أكمل الخلائق أعظم مزية للمؤمنين، وفي جعل الأولى من ~~الله أعظم ترغيب في الجهاد وأعلى حث على خوض غمرات الجلاد، وفي ابتداء ~~الأيتين بالوصف المعشر بالرسوخ في الإيمان الذي هو الوصف المتمم للعشر ~~وختمهما بمثله إشارة إلى أن هذه مائدة لا يخلس عليها طفيلي، وأن من عدا ~~الراسخين في درجة الإهمال لا كلام معهم ولا التفات بوجه إليهم. # ولما كثرت في هذه السورة الأوامر بالبراءة من أحياء المشركين وجاء الأمر ~~أيضا بالبراءة من أموات المنافقين بالنهي عن الدعاء لهم، جاءت هذه الآية ~~مشيرة إلى البراءة من كل مشرك فوقع التصريح بعدها بما أشارت إليه، وذلك ~~أنه لما ثبت بهذه الآية في تقديم الجار أن المبايعة وقعت على تخصيص الجنة ~~بالمؤمنين وأنه تعالى أوفى من عاهد، ثبت أنه لا يجوز أن يدخل غيرهم الجنة ~~وأن غيرهم أصحاب النار، لأنه قد علم أن الآخرة داران: جنة ونار، ولما ثبت ~~هذا كله علم قطعا علم النتيجة من المقدمات الصحيحة أنه { ما كان } أي في ~~نفس الأمر { للنبي } أي الذي لا ينطق إلا بما عنده فيه بيان من الله { ~~والذين آمنوا } أي أقروا بأنهم صدقوا بدعوته فلا يفعلون ms1960 إلا ما عندهم منه ~~علم { أن يستغفروا } أي يطلبوا المغفرة ويدعوا بها { للمشركين } أي ~~الراسخين في الإشراك في عبادة ربهم { ولو كانوا } أي المشركين { أولي ~~قربى } أي للذين آمنوا { من بعد ما تبين لهم } أي بموتهم على الشرك ~~وإنزال هذه الآية للختم بالتخصيص بالجنة { أنهم أصحاب الجحيم* } أي لا ~~أهلية لهم للجنة. # فإن الاستغفار معناه محو الذنوب حتى ينجو صاحبها من النار ويدخل الجنة ~~وما ينبغي لهم أن يكون لهم إليهم التفات فإن ذلك ربما جر إلى ملاينة تفتر ~~عن القتال الواقع عليه المبايعة، فما ينبغي إلا محض المقاطعة والمخاشنة ~~والمنازعة. وتقييد النهي بالتبيين يدل على جواز الدعاء للحي فإن القصد ~~بالاستغفار الإقبال به إلى الإيمان الموجب للغفران. ولما أنكر أن يكون ~~لهم ذلك. وكان الخليل عليه السلام المأمور بالاقتداء به واللزوم بملته قد ~~استغفر لأبيه، بين أنه كان أيضا قبل العلم بما في نفس الأمر من استحقاقه ~~للتأبيد في النار، فقال دالا بواو العطف على أن التقدير: فما استغفر لهم ~~بعد العلم أحد من المؤمنين: { وما كان استغفار إبراهيم } أي خليل الله { ~~لأبيه } أي بعد أن خالفه في الدين { إلا عن موعدة } أي وهي قوله # لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء # [الممتحنة: 4] وأكد صدور الوعد بقوله: { وعدها إياه } أي الخليل ~~لأبيه قبل أن يعلم أنه أبدى الشقاوة، وقيل: الضمير لأبيه، كان وعده أنه ~~يسلم فاستغفر له ظنا منه أنه صدق في وعده فأسلم، والذي يدل على أنه كان ~~قبل علمه بذلك قوله: { فلما تبين له } أي بيانا شافيا قاطعا { أنه عدو ~~لله } أي الملك الأعلى مؤبد العداوة له بموته على الكفر أو بالوحي بأنه ~~يموت عليه { تبرأ } أي أكره نفسه على البراءة { منه } ثم علل ما أفهمته ~~صيغة التفعل من المعالجة بقوله: { إن إبراهيم لأواه } أي شديد الرقة ~~الموجبة للتأوه من خوف الله ومن الشفقة على العباد؛ قال الزجاج: والتأوه ~~أن يسمع للصدر صوت من تنفس الصعداء { حليم* } أي شديد التحمل والإغضاء عن ~~المؤذى له، هكذا ms1961 خلقه في حد ذاته فكيف في حق أبيه ولو قال له # لأرجمنك واهجرني # [مريم: 46] وأضعاف ذلك؛ قال الإمام أبو محمد إسحاق بن إبراهيم بن ~~إسماعيل البستي القاضي في تفسيره: حدثنا حرملة حدثنا ابن وهب أخبرني ابن ~~جريح عن أيوب بن هانىء عن مسروق بن الأجدع عن عبد الله مسعود رضي الله ~~عنه # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يوما وخرجنا معه حتى انتهى إلى ~~المقابر فأمرنا فجلسنا ثم تخطى القبور حتى انتهى إلى قبر منها فجلس إليه ~~فناجاه طويلا ثم ارتفع نحيب رسول الله صلى الله عليه وسلم باكيا فبكينا ~~لبكاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أقبل إلينا فتلقاه عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: ما الذي أبكاك يا ~~نبي الله فقد فقد أبكانا وأفزعنا، فأخذ بيد عمر رضي الله عنه ثم أقبل ~~إلينا فأتيناه فقال: أفزعكم بكائي؟ قلنا: نعم يا رسول الله! قال: إن ~~القبر الذي رأيتموني أناجي قبر آمنة بنت وهب وإني استأذنت ربي في ~~الاستغفار لها فلم ياذن لي ونزل علي { ما كان للنبي والذين آمنوا أن ~~يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولى قربى } حتى ختم الآية { وما كان ~~استغفار إبراهيم لأبية إلا عن موعدة وعدها إياه } فأخذني ما يأخذ الولد ~~من الرقة فذلك الذي أبكاني " # وهذا سند حسن، ولمسلم وأبي داود والنسائي وابن ماجه في الجنائز عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه قال: زار النبي صلى الله عليه وسلم قبر أمه فبكى ~~وأبكى من حوله وقال: # " استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يأذن لي واستأذنته أن أزور قبرها ~~فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت " # وللبخاري في التفسير وغيره ابن المسيب عن أبيه رضي الله عنه قال: # " لما حضرت أبا طالب الوفاة دخل النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أبو جهل ~~وعبد الله بن أبي أمية فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أي عم! قل: لا إله ~~إلا الله، أحاج لك بها عند الله، فقال ms1962 أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: ~~يا أبا طالب! أترغب عن ملة عبد المطلب؟ - وفي رواية: فكان آخر ما كلمهم ~~أن قال: هو على ملة عبد المطلب - فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~لأستغفرن لك ما لم أنه عنك، فنزلت { ما كان للنبي والذين آمنوا أن ~~يستغفروا للمشركين } وأنزل الله في أبي طالب { إنك لا تهدي من أحببت ولكن ~~الله يهدي من يشاء } [القصص:56] " # ولعله استمر يستغفر له ما بين موته وغزوة تبوك حتى نزلت، وروي في سبب ~~نزولها غير هذا أيضا، وقد تقدم أنه يجوز أن تتعدد الأسباب. ### || [9.115-117] # ولما كان الاستغفار للمشركين أمرا عظيما، وكان فيه نوع ولاية لهم، ~~أظهر سبحانه للمؤمنين ما من عليهم به من عدم المؤاخذة بالإقدام عليه ~~تهويلا لذلك وقطعا لما بين أوج الإيمان وحضيض الكفران بكل اعتبار فقال ~~تعالى: { وما كان الله } أي الذي له صفات الكمال؛ ولما كان الضلال سبب ~~الهلاك، وكان من شرع شريعة ثم عاقب ملتزمها من غير بيان كمن دل على طريق ~~غير موصل فهلك صاحبه فكان الدال بذلك مضلا، قال: { ليضل قوما } أي يفعل ~~بهم ما يفعل بالضالين من العقوبة لأجل ارتكابهم لما ينهي عنه بناسخ نسخه ~~{ بعد إذ هداهم } أي بشريعة نصبها لهم { حتى يبين لهم } أي بيانا شافيا ~~لداء العي { ما يتقون } أي مما هو جدير بأن يحذروه ويتجنبوه خوفا من ~~غائلته بناسخ ينسخ حال الإباحة التي كانوا عليها. # ولما كان الذي يأمر بسلوك طريق ثم يترك فيها ما يحتاج إلى البيان إنما ~~يؤتى عليه من الجهل أو النسيان. نفي ذلك سبحانه عن نفسه فقال معللا لعدم ~~الإضلال: { إن الله } أي المحيط بصفات الكمال { بكل شيء عليم* } أي بالغ ~~العلم فلا يتطرق إليه خفاء بوجه من الوجوه في حين من الأحيان فهو يبين ~~لكم جميع ما تأتون وتذرون وما يتوقف عليه الهدى، وما تركه فهو إنما يتركه ~~رحمة لكم # لا يضل ربي ولا ينسى # [طه: 52] فلا تبحثوا عنه؛ ثم علل علمه بكل شيء بأن قدرته ms1963 شاملة فهو قادر ~~على نصرة من يريد والانتقام ممن يريد، فلا ينبغي لأحد أن يحب إلا فيه ولا ~~يبغض إلا فيه ولا يهتم بعداوة أحد ممن عاداه فقال: { إن الله } أي الملك ~~الأعظم { له } أي بكل اعتبار تعدونه من اعتبارات الكمال { ملك السماوات ~~والأرض } فلا يخفى عليه شيء فهو خبير بكل ما ينفعكم ويضركم وهو وليكم، ~~يبينه لكم، ومن كان له جميع الملك كان بحيث لا يستعصي على أمره شيء: علم ~~ولا غيره، لأن العلم من أعظم القوى والقدر، ولا يكون الملك إلا عالما ~~قادرا؛ ثم علل قدرته وعلمه بما يشاهد متكررا من فعله في الحيوان ~~والنبات وغير ذلك فقال: { يحيي ويميت } أي بكل معنى فهو الذي أحياكم ~~وغيركم الحياة الجسمانية وخصم أنتم بالحياة الإيمانية، وكما جعل غيركم ~~بعضهم أولياء بعض وجمعهم كلهم على ولاية عدوهم الشيطان جعلكم أنتم أولياء ~~ربكم الرحمن فهو وليكم وناصركم { وما } أي والحال أنه ما { لكم } ولما ~~كان ليس لأحد أن يجوز كل ما دون رتبته سبحانه، أثبت الجار فقال. { من دون ~~الله } أي الملك الذي له الأمر كله، وأغرق في النفي بقوله: { من ولي } أي ~~قريب يفعل معكم من الحياطة والنصح ما يفعل القريب من النصرة وغيره. # ولما كان الإنسان قد ينصره غير قريبه قال. { ولا نصير* } أي فلا توالوا ~~إلا من كان من حزبه وأهل حبه وقربه، وفيه تهديد لمن أقدم على ما ينبغي أن ~~يتقي لا سيما الملاينة لأعداء الله من المساترين والمصارحين، فإن غاية ~~ذلك موالاتهم وهي لا تغني من الله شيئا. # ولما أشار إلى أنه هو وليهم أحياهم بروح منه مبين لهم ما يصلحهم وأنه لا ~~ولي لهم غيره، أقام الدليل على ذلك بقوله: { لقد تاب الله } أي الذي له ~~الجلال والإكرام { على النبي } أي الذي لا يزال عنده من الله خبر عظيم ~~يرشده إلى ما يؤذن بتقوية حياته برفع درجاته، فما من مقام يرقيه إليه إلا ~~رأى أنه لمزيد علوه وتقربه للمقام الذي كان دونه، فهو في كل لمحة ms1964 في ~~ارتقاء من كامل إلى أكمل إلى ما لا نهاية له. # ولما أخبر تعالى بعلو رتبة النبي صلى الله عليه وسلم بترقيته في رتب ~~الكمالات والأكمليات إلى ما لا نهاية له على وجه هو في غاية البعث لكل ~~مؤمن على المبادرة إلى التوبة، أكد ذلك بقوله: { والمهاجرين والأنصار } ~~بمحو هفواتهم ورفع درجاتهم { الذين اتبعوه } أي النبي صلى الله عليه وسلم ~~{ في ساعة العسرة } أي أزمنة عزوة تبوك، كانوا في عسرة من الزمان بالجدب ~~والضيقة الشديدة والحر الشديد، وعسرة من الظهر " يعتقب العشرة " على بعير ~~واحد. وعسرة من الزاد " تزودوا التمر المدود والشعير المسوس والإهالة ~~الزنخة " وبلغت بهم الشدة أن اقتسم التمر اثنان، وربما مصها الجماعة ~~ليشربوا عليها الماء، وفي عسرة من الماء حتى نحروا الإبل واعتصروا ~~فروثها؛ وسماها ساعة تهوينا لأوقات الكروب وتشجيعا على مواقعة المكاره ~~فإن أمدها يسير وأجرها عظيم خطير، فكانت حالهم باتباعه في هذه الغزوة ~~أكمل من حالهم قبلها، وأشار سبحانه إلى تفاوتهم في الثبات على مقامات ~~عالية، ترقوا بالتوبة إلى أعلى منها، وفي قبول وساوس أبعدتهم التوبة عن ~~قبولها بقوله: { من بعد ما كاد } أي قرب قربا عظيما { يزيغ } أي تزول ~~عن أماكنها الموجبة لصلاحها، وأشار ب " من " إلى تقارب ما بين كيدودة ~~الزيغ والتدارك بالتوبة. ولما كان المقام للزلازل، ناسب التعبير بما منه ~~الانقلاب والفرقة فقال: { قلوب فريق } أي هم بحيث تحصل منهم الفرقة لما ~~هناك من الزلازل المميلة { منهم } أي من عظيم ما نالهم من الشدائد فتميل ~~لذلك عن الحق كأبي خيثمة ومن أحب الراحة وهاب السفر في ذلك الحر الشديد ~~إلى بني الأصفر الملوك الصيد الأبطال الصناديد، وهم ملء الأرض كثرة وقدر ~~الحصى عدة ومثل الجبال شدة، ثم عزم الله له فلحق برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فرجع سبحانه بالجميع إلى ما كانوا عليه قبيل مقاربة الزيغ من ~~مباعدته، ولما صاروا كمن لم يقارب الزيغ. # أعلاهم إلى مقام آخر عبرعن عظمته بأداة التراخي فقال: { ثم تاب عليهم } ~~أي كلهم تكريرا للرفعة، أو ms1965 على من كاد يزيغ بالثبات على مباعدة الزلات ~~وبالترقي في أعالي الدرجات إلى الممات؛ ونقل أبو حيان عن الحسن أن زيغها ~~همها بالانصراف لما لقيت من المشقة، قال وقيل: ساء ظنها بما رأته من شدة ~~العسرة وقلة الوفر وبعد الشقة وقوة العدو المقصود -انتهى. ويجوز أن يكون ~~عبر ب { ثم } لوصولهم إلى حالة يبعد معها الثبات فضلا عن مباعدة مواقع ~~الزلات فثبتها حتى عادت كالحديد من غير سبب ظاهر من " جيش أو غيره " فثبت ~~بذلك أنه مالك الملك متمكن من فعل كل ما يريده وأنه لا ولي لهم سواه: ثم ~~علل لطفه بهم بقوله: { إنه بهم رؤوف رحيم* } والرأفة: شدة الرحمة، فقدم ~~الأبلغ فيقال فيه ما قيل في { الرحمن الرحيم } فالمعنى أنه يرحمهم أعلى ~~الرحمة بإسباغ جلائل النعم ودفع جلائل النقم، ويرحمهم أيضا بإسباغ دقائق ~~النعم ودفع دقائق النقم، وقيل: الرأفة: إزالة الضر، والرحمة: إيصال ~~النفع، ومادة رأف تدور مع السعة على ما أشير إليه في سورة سبحان على شدة ~~الوصلة. فالرأفة - كما قال الحرالي في البقرة - عطف العاطف على من يجد ~~عنده منه وصلة، فهي رحمة ذي الصلة بالراحم، والرحمة تعم من لا صلة له ~~بالراحم - انتهى. فتكون الرأفة حينئذ للثابتين والرحمة لمن قارب الزيغ. ~~فيصير الثابت مرحوما مرتين لأنه منظور إليه بالصفتين، وتقدم عند الحزبين ~~من البقرة ما ينفع هنا. ### || [9.118-120] # ولما صرح بالتوبة على من قارب الزيغ وخلط معهم أهل الثبات إشارة إلى أن ~~كل أحد فقير إلى الغني الكبير وليكون اقترانهم بأهل المعالي، وجعلهم في ~~حيزهم تشريفا لهم وتأنيسا لئلا يشتد إنكارهم، أتبعه التوبة على من وقع ~~منه الزيغ فقال غير مصرح بالزيغ تعليما للأدب وجبرا للخواطر المنكسرة: ~~{ وعلى } أي ولقد تاب الله على { الثلاثة الذين }. # ولما كان الخلع للقلوب مطلق التخليف، بني للمفعول قوله: { خلفوا } أي ~~خلفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهجران ونهى الناس عن كلامهم، وأخر ~~الحكم فيهم ليأتي أمر الله في بيان أمرهم واستمر تخليفهم { حتى إذا ضاقت ~~} أشار إلى عظيم ms1966 الأمر بأداة الاستعلاء فقال: { عليهم الأرض } أي كلها { ~~بما رحبت } أي مع شدة اتساعها،أي ضاق عليهم فسيحها ووسعها. # ولما كان هذا قد يراد به الحقيقة، وكان ضيق المحل قد لا يستلزم ضيق ~~الصدر، أتبعه الدلالة على أن المراد المجاز فقال: { وضاقت عليهم } بالهم ~~المزعج والغم المقلق { أنفسهم } أي من شدة ما لاقوا من الهجران حتى ~~بالكلام حتى برد السلام؛ ولما كان ذلك لا يقتضي التوبة إلا بالمراقبة، ~~أتبعه ذلك للتخلف بها قوله: { وظنوا } أي أيقنوا، ولعله عبر بالظن إيذان ~~بأنهم لشدة الحيرة كانت قلوبهم لا تستقر على حال، فكان يقينهم لشدة ~~الخواطر كأنه ظن، أو يقال - وهو حسن -: إن التعبير به عن يقين المخلصين ~~إشارة إلى أن أعلى اليقين في التوحيد لا يبلغ الحقيقة على ما هي عليه أن ~~لا يقدر أحد أن يقدر لله حق قدره - كما قال صدق الخلق صلى الله عليه ~~وسلم # " لا أحصى ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك " # وهذا من النفائس فاستعمله في أمثاله { أن لا ملجأ } أي مهرب ومفزع { من ~~الله } أي الذي له الإحاطة الكاملة { إلا إليه } أي بما يرضيه، وهو مثل ~~لتحيرهم في أمرهم، وجواب { إذا } محذوف دل عليه صدر الكلام تقديره: ~~تداركهم بالتوبة فردهم إلى ما كانوا عليه قبل مواقعة الذنب. # ولما كان ما عملوه من التخلف عن أمر الرسول صلى الله عليه وسلم عظيما ~~بمجرد المخالفة ثم يترك المواساة ثم بالرغبة عنه صلى الله عليه وسلم ثم ~~بأمور عظيمة شديدة القبح وخيمة فكان يبعد معه الزيادة عن رتبة التوبة، ~~أعلم سبحانه أنه رقاهم في رتب الكمال بأن جعل ذلك سببا لتطهيرهم من جميع ~~الأدناس وتنقيتهم من سائر الأردان المقتضي لمزيد القرب بالعروج في مصاعد ~~المعارف - كما أشار إليه قوله صلى الله عليه وسلم لكعب رضي الله عنه # " أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك " # ، أتبع ذلك سبحانه الإعلام به بقوله - مشيرا إلى ما بعده لولا فضل الله ~~- بأداة الاستبعاد: { ثم تاب عليهم } أي رجع بهم بعد التوبة إلى ms1967 مقام من ~~مقامات سلامة الفطرة الذي هو أحسن تقويم يعلو لعلوه بالنسبة إلى ما دونه، ~~توبة { ليتوبوا } أي ليرجعوا إلى ما تقتضيه الفطرة الأولى من الثبات على ~~ما كانوا عليه من الإحسان في الدين والتخلق بإخلاق السابقين، ولعله عبر ~~بالظن موضع العلم إشارة إلى أنه يكفي في الخوف من جلاله للانقطاع إليه ~~مجرد الظن بأنه لا سبب إليه إلا منه لأنه محيط بكل شيء لا يعجزه شيء، ~~ويمكن أن يكون التعبير - { ثم } إشارة إلى عظيم ما قاسوا من الأهوال وما ~~ترقوا إليه من مراتب الخوف، وامتنان عليهم بالتوبة من عظيم ما ارتكبوا، ~~وإنما خصوا عن رفقائهم بأن أرجئوا لأمر الله لعلو مقامهم بما لهم من ~~السابقة ورسوخ القدم في الإسلام، فالمخالفة اليسيرة منهم أعظم من الكثير ~~من غيرهم لأنهم أئمة الهدى ومصابيح الظلم، ومن هذا البارق - حسنات ~~الأبرار سيئات المقربين - ثم علل التوبة بأمر يعم غيرهم ترغيبا فقال ~~معبرا بما يشير مع أعلى مقامهم إلى نزوله عن مقام من قبلهم: { إن الله } ~~أي الذي له الكمال كله { هو } أي وحده { التواب } أي البليغ التوبة على ~~من تاب وإن عظم جرمه وتكررت توبته لتكرر ذنوبه { الرحيم* } أي المكرم لمن ~~أراد من عباده بأن يحفظه على ما يرتضيه فلا يزيغ، ويبالغ في الإنعام ~~عليه. # ولما كان الذي نالوا به الإقبال من مولاهم عليهم - مما وصفهم به من ~~الضيق وما معه - هو التقوى والصدق في الإيمان كما كان ما يجده الإنسان في ~~نفسه مما الموت عنده والقذف في النار أحب إليه من التلفظ به صريح الإيمان ~~بشهادة المصطفى صلى الله عليه وسلم، رغب سبحانه في الصدق فقال: { يا أيها ~~الذين آمنوا } أي ادعوا ذلك { اتقوا الله } أي خافوا سطوة من له العظمة ~~الكاملة تصديقا لدعواكم فلا تفعلوا إلا ما يرضيه { وكونوا } أي كونا ~~صادقا بجميع الطبع والجبلة { مع الصادقين* } أي في كل أمر يطلب منهم، ~~ولعله أخرج الأمر مخرج العموم ليشمل كل مؤمن، فمن كان مقصرا كانت آمره ~~له باللحاق، ومن كان مسابقا ms1968 كانت حاثة له على حفظ مقام الاستباق، ولعله ~~عبر ب { مع } ليشمل أدنى الدرجات، وهو الكون بالجثت، وقد روى البخاري ~~توبة كعب أحد هؤلاء الثلاثة رضي الله عنهم في مواضع من صحيحه منها ~~التفسير، وكذا رواه غيره عن كعب نفسه رضي الله عنه # " أنه لم يتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها قط غير ~~غزوتين: غزوة العسرة - يعني هذه - وغزوة بدر، وأن تخلفه ببدر إنما كان ~~لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يندب الناس إليها ولا حثهم عليها لأنه ~~ما خرج أولا إلا لأجل العير، قال: فأجمعت صدق رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، كان قل ما يقدم من سفر سافره إلا ضحى، وكان يبدأ بالمسجد فيركع ~~ركعتين ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن كلامي وكلام صاحبي - يعني مرارة ~~بن الربيع العمري وهلال بن أمية الواقفي - ولم ينه عن كلام أحد من ~~المتخلفين غيرنا، فاجتنب الناس كلامنا فلبثت كذلك حتى طال علي الأمر، ~~وما من شيء أهم إلي من أن أموت فلا يصلي علي النبي صلى الله عليه وسلم ~~أو يموت النبي صلى الله عليه وسلم فأكون من الناس بتلك المنزلة فلا ~~يكلمني أحد منهم ولا يصلي علي، فأنزل الله عز وجل توبتنا على نبيه صلى ~~الله عليه وسلم حين بقي الثلث الآخر من الليل ورسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عند أم سلمة رضي الله عنها، وكانت أم سلمة محسنة في شأني معنية في ~~أمري فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ياأم سلمة! تيب على كعب، قالت: ~~أفلا أرسل إليه فأشره؟ قال: إذن يحطمكم الناس فيمنعوكم النوم سائر الللية ~~حتى إذا صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر آذن بتوبة الله علينا، وكان إذا ~~استبشر استنار وجهه حتى كأنه قطعة من القمر، وكنا - أيها الثلاثة الذين ~~خلفوا - خلفنا عن الأمر الذي قبل من هؤلاء الذين اعتذروا حين أنزل الله ~~لنا التوبة، فلما ذكر الذين كذبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~المتخلفين ms1969 واعتذروا بالباطل ذكروا بشر ما ذكر به أحد، قال الله عز وجل { ~~يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم } ". # ولما كان ما نالهم من الأهوال إنما نالهم بتخلفهم عن أشرف الخلق، والذي ~~التفت بهم إلى مرابع الإقبال إنما هو الصدق، قال تعالى ناهيا بصيغة ~~الخبر ليكون أبلغ، جامعا إليهم من كان على مثل حالهم في مطلق التخلف: { ~~ما كان } أي ما صح وما انبغى بوجه من الوجوه { لأهل المدينة } أي التي هي ~~سكن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي دار الهجرة ومعدن النصرة { ومن ~~حولهم } أي في جميع نواحي المدينة الشريفة { من الأعراب } أي من سكان ~~البوادي الذين أقسموا بالإسلام { أن يتخلفوا } أي في أمر من الأمور { عن ~~رسول الله } أي الملك الأعلى، ومن شأن المرسل إليه أن لا يبرح عن جنان ~~الرسول لا سيما وهو رأس الصادقين الذين وقع الأمر بالكون معهم { ولا ~~يرغبوا } أي وما كان لهم أن يرغبوا، ولعله قللهم بصيغة القلة بالنسبة إلى ~~من أيده به صلى الله عليه وسلم من جنوده فقال تعالى: { بأنفسهم عن نفسه } ~~أي التي هي أشرف النفوس مطلقا بأن يصونوا نفوسهم عما باشره صلى الله ~~عليه وسلم بل يلقونها في المتالف دونه وصيانة لنفسه الشريفة عن أدنى ~~الأذى، فهى كالتعليل للأمر بالتقوى أي خافوا الله وأصدقوه كما صدق هؤلاء ~~ليتوب عليكم كما تاب عليهم فإنه لم يكن لكم التخلف فهو نهي بليغ مع تقبيح ~~وتوبيخ وإلهاب وتهييج. # ولما علل الأمر بالتقوى، علل النهي عن التخلف بما يدل على صدق الإيمان ~~فيصير نقيضه دالا على نقيضه فقال: { ذلك } أي النهي العظيم عن التخلف في ~~هذا الأسلوب النافي للكون { بأنهم لا يصيبهم ظمأ } أي عطش شديد { ولا نصب ~~} أي تعب بالغ { ولا مخمصة } أي شدة مجاعة { في سبيل الله } أي طرق دين ~~الملك الأعظم المتوصلة به إلى جهاد أعدائه، ورتبت هذه الأشياء ترتيبها في ~~الوجود فإن مطلق الحركة يهيج الحرارة فينشأ العطش وتماديها يورث التعب، ~~والأغلب أن يكون قبل الجوع. # ولما كان المقصود من ms1970 إجهاد النفس بما ذكر إرغام الكفار باقتحام أرضهم ~~المتوصل به إلى إيمانهم بالنيل منهم، أتبع ذلك قوله: { ولا يطؤون موطئا ~~} أي وطأ أو مكانا وطؤه { يغيظ الكفار } أي وطؤهم له بأرجلهم أو دوابهم ~~{ ولا ينالون من عدو نيلا } أي كائنا ما كان صغيرا او كبيرا { إلا ~~كتب لهم به } أي في صحائف الأعمال، بني للمفعول لأن القصد إثباته لا من ~~معين { عمل صالح } أي ترتب لهم عليه أجر جزيل. # ولما كان فاعل هذه الأشياء مقدما على المعاطب في نفسه ومحصلا لعرض ~~الجهاد، أشير على وجه التأكيد في جملة اسمية إلى أنه محسن، أما في حق ~~نفسه فبإقامة الدليل بطاعته على صدق إيمانه. وأما في غيره من المؤمنين ~~فبحمايتهم عن طمع الكافرين. وأما في حق الكفار فبحملهم على الإيمان بغاية ~~الإمكان، فقال تعالى معللا للمجازاة: { إن الله } أي الذي له صفات ~~الكمال { لا يضيع } أي لا يترك تركه ما من شأنه الإهمال { أجر المحسنين* ~~} وأظهر موضع الإضمار تعميما وتعليقا بالوصف. ### || [9.121-122] # ولما كانت المشقة بالإنفاق العائد ضرره إلى المال، ووطئ مطلق الأرض الذي ~~قد لا يلزم منه وصول إلى ما يغيظ العدو دون المشقة الحاصلة في النفس ~~بالظمأ وما معه من فعل ما يغيظ العدو وينقصه، قدم ذلك على قوله: { ولا ~~ينفقون } ولما كان القليل قد يحتقر، ابتدأ به ترغيبا في قوله: { نفقة ~~صغيرة } ولما كان ربما تعنت متعنت فجعل ذكرها قيدا، قال: { ولا كبيرة } ~~إعلاما بأنه معتد به لئلا يترك، وفيه إشارة إلى آية اللمز للمطوعين في ~~الصدقات { ولا يقطعون واديا } أي من الأدوية بالسير في الجهاد، والوادي: ~~كل منفرج بين جبال وآكام ينفذ فيه السيل، وهو في الأصل فاعل من ودى - إذا ~~سال { إلا كتب لهم } أي ذلك الإنفاق والقطع، بناه للمفعول لأن القصد ~~الحفظ بالكتابة مطلقا { ليجزيهم الله } أي ذو الجلال والإكرام، أي بذلك ~~من فضله { أحسن ما كانوا } أي جبلة وطبعا { يعملون* } مضاعفا على قدر ~~الثبات، وأكدت فاصلة الأولى دون هذه لزيادة تلك في المشقة والنفع، ولذا ms1971 ~~صرح فيها الأجر والعمل الصالح - نبه على ذلك الإمام أبو حيان. ومن هنا بل ~~من عند { إن الله اشترى } شرع في عطف الآخر على الأول الذي مضمونه ~~البراءة من المشركين والاجتهاد في قتالهم بعد انقضاء مدتهم حيث وجدوا - ~~إلى أن قال { قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ~~ما حرم الله ورسوله } - إلى أن قال { ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل ~~الله اثاقلتم إلى الأرض } ثم قال { انفروا خفافا وثقالا } ثم أتبع ذلك ~~قصص المنافقين كما أنه فعل هنا كذلك أن ختم بقوله { قاتلوا الذين يلونكم ~~من الكفار } الآية ثم أتبعها ذكر المنافقين. # ولما تواترت النواهي للمتخلفين وتواصلت الزواجر وتعاظم التبكيت ~~والتهديد، طارت القلوب وأشفقت النفوس، فكان ذلك مظنة أن لا يتخلف بعدها ~~أحد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمن يقوم مقامه فيتمكن حينئذ ~~الأعداء من الأموال والذراري والعيال، فأتبع ذلك قوله تعالى: { وما كان ~~المؤمنون } أي الذين حثهم على النفر الرسوخ في الإيمان { لينفروا كآفة ~~} أي جميعا فإن ذلك بخل بكثير من الأغراض الصالحة، وهو تعليم لما هو ~~الأنسب بالدين والدنيا من انقسام الناس قسمين: قسما للجهاد، وقسما ~~للنفقة وحفظ الأموال والأولاد، كل ذلك بأمره عليه الصلاة والسلام والعمل ~~بما يرضاه، ولا يخفى ذلك على المخلص، ولعل التعبير بالفعل الماضي في قوله ~~مسببا عما قبله: { فلولا نفر } ليفهم تبكيت من قصد تبكيته من المتخلفين ~~في جميع هذه السورة بأنه كان عليهم أن ينفر مع النبي صلى الله عليه وسلم ~~{ من كل فرقة } أي ناس كثير يسهل افتراقهم، قالوا: وهو اسم يقع على ثلاثة ~~{ منهم طائفة } أي ناس لا ينفكون حافين بالنبي صلى الله عليه وسلم ~~يلزمونه، قيل: والطائفة واحد واثنان، فالآية حجة على قبول خبر الواحد ~~ووجوب العمل به، وكأنه عبر به للإشارة إلى الحث على كثرة النافرين كما هو ~~أصل مدلولها الأغلب فيه { ليتفقهوا } أي ليكلف النافرون أنفسهم الفهم منه ~~صلى الله عليه وسلم شيئا فشيئا { في الدين } أي بما يسمعونه ms1972 من أقواله ~~ويرونه من جميل أفعاله ويصل إلى قلوبهم من مستنير أحواله، وهذا غاية ~~الشرف للعلم حيث جعل غاية الملازمة له صلى الله عليه وسلم للجهاد، هذا إن ~~كان هو صلى الله عليه وسلم النافر في تلك الغزاة، وإن كان غيره كان ضمير ~~{ يتفقهوا } للباقين معه صلى الله عليه وسلم. # ولما كان من العلم بشارة ومنه نذارة، وكان الإنسان - لما فيه من النقصان ~~- أحوج شيء إلى النذارة، خصها بالذكر فقال عطفا على نحو: ليخافوا في ~~أنفسهم فيعملوا في خلاصها: { ولينذروا قومهم } أي يحذروهم ما أمامهم من ~~المخاوف إن فرطوا في جانب التقوى { إذا رجعوا إليهم } أي ما أنذرهموه ~~الرسول صلى الله عليه وسلم ويبشروهم بما بشرهم به؛ ثم بين غاية العلم ~~مشيرا إلى أن من جعل له غاية غيرها من ترفع أو افتخار فقد ضل ضلالا ~~كبيرا، فقال موجبا لقبول خبر من بلغهم: { لعلهم } أي كلهم { يحذرون* } ~~أي ليكون حالهم حال أهل الخوف من الله بما حصلوا من الفقه لأنه أصل كل ~~خير، به تنجلي القلوب فتقبل على الخير وتعرض عن الشر، فإن الحذر تجنب ~~الشيء لما فيه من الضرر، والمراد بالفقه هنا حفظ الكتاب والسنة وفهم ~~معانيهما من الأصول والفروع والآداب والفضائل، وقال الرماني: الفقه فهم ~~موجبات المعاني المضمنة بها من غير تصريح بالدلالة عليها. ### || [9.123-125] # ولما علمت المقاصد وتهيأت القلوب لقبول الفوائد، وأمر بالإنذار بالفقه، ~~وكان من الناس من لا يرجع إلا بشديد البأس، أقبل على الكل مخاطبا لهم ~~بأدنى أسنان القلوب ليتوجه إلى الأدنى ويتناول الأعلى منه من باب الأولى ~~فقال: { يا أيها الذين آمنوا } أي ادعوا بألسنتهم الإيمان { قاتلوا } ~~أي تصديقا لدعواكم ذلك { الذين يلونكم } أي يقربون منكم { من الكفار } ~~فالذين يلونهم إن لم تروا غيره أصلح لمعنى يعرض لما في ذلك من حسن ~~الترتيب ومقتضى الحكمة ولأن الجهاد معروف وإحسان، والأقربون أولى ~~بالمعروف، ولتبعدوا العدو عن بلادكم فيكثر صلاحهم ويقل فسادكم وتكونوا قد ~~جمعتم بالتفقه والقتال بين الجهادين: جهاد الحجة وجهاد السيف مع الاحتراس ~~بهذا ms1973 الترتيب من أن يبقى وراءكم إذا قاتلتم من تخشون كيده. # ولما كانت الملاينة أولى بالمسالمة، والمخاشنة أولى بالمصارمة، قال: { ~~وليجدوا } من الوجدان { فيكم غلظة } أي شدة وحمية لأن ذلك أهيب في ~~صدورهم. وأكف عن فجورهم، وحقيقة الغلطة في الأجسام، استعيرت هنا للشدة في ~~الحرب، وهي تجمع الجراءة والصبر على القتال وشدة العدواة، فإذا فعلوا ذلك ~~كانوا جامعين بين جهاد الحجة والسيف كما قيل: # من لا يعدله القرآن كان له # من الصغار وبيض الهند تعديل # نبه على ذلك أبو حيان. # ولما كان التقدير: وليكن كل ذلك مع التقوى لا بسبب مال ولا جاه فإنها ~~ملاك الأمر كله، قال منبها على ذلك بقوله: { واعلموا أن الله } أي الذي ~~له الكمال كله { مع المتقين* } فلا تخافوا أن يؤدي شيء من مصاحبتها إلى ~~وهن فإن العبرة بمن كان الله معه. # ولما ذكر هذه السورة أي الطائفة الحاضة بصيغة " لولا " على النفر مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم الآمرة بجهاد الكفار والغلظة عليهم، وكان ~~لا يحمل على ذلك إلا ما أشار إليه ختم الآية السالفة من التقوى بتجديد ~~الإيمان كلما نزل شيء من القرآن، وكان قد ذكر سبحانه المخالفين لأمر ~~الجهاد بالتخلف دون أمر الإيمان حين قال { وإذا أنزلت سورة أن آمنوا ~~بالله وجاهدوا مع رسوله استأذنك أولوا الطول منهم وقالوا ذرنا نكن مع ~~القاعدين } التفت إلى ذلك ليذكر القسم الآخر وهو القاعد عن الإيمان فقال: ~~{ وإذا } وأكد بزيادة النافي تنبيها على فضل الإيمان فقال: { ما }. # ولما كان المنكي لهم مطلق النزول، بني للمفعول قوله: { أنزلت سورة } أي ~~قطعة من القرآن، أي في معنى من المعاني { فمنهم } أي من المنزل إليهم { ~~من يقول } أي إنكارا واستهزاء، وهم المنافقون { أيكم } أي أيها العصابة ~~المنافقة { زادته هذه إيمانا } إيهاما لأنهم متصفون بأصل الإيمان، لأن ~~الزيادة ضم الشيء إلى غيره مما يشاركه في صفته، هذا ما يظهرون تسترا، ~~وأما حقيقة حالهم عند أمثالهم فالاستهزاء استبعادا لكونها تزيد أحدا في ~~حاله شيئا، وسبب شكهم واستفهامهم أن سامعيها انقسموا ms1974 إلى قسمين: مؤمنين ~~ومنافقين، ولذلك أجاب تعالى بقوله مسببا عن إنزالها: { فأما الذين آمنوا ~~} أي أوقعوا الإيمان حقيقة لصحة أمزجة قلوبهم { فزادتهم } أي تلك السورة ~~{ إيمانا } أي بإيمانهم بها إلى ما كان لهم من الإيمان بغيرها وبتدبرها ~~ورقة القلوب بها وفهم ما فيها من المعارف الموجبة لطمأنينة القلوب وثلج ~~الصدور. # ولما كان المراد بالإيمان الحقيقة وكانت الزيادة مفهمة لمزيد عليه، ~~استغنى عن أن يقول: إلى إيمانهم، لذلك ولدلالة { الذين آمنوا } عليه { ~~وهم يستبشرون* } أي يحصل لهم البشر بما زادتهم من الخير الباقي الذي لا ~~يعدله شيء { وأما الذين } وبين أن أشرف ما فيهم مسكن الآفة فقال: { في ~~قلوبهم مرض } فمنعهم الإيمان وأثبت لهم الكفران فلم يؤمنوا. # ولما كان المراد بالمرض الفساد المعنوي المؤدي إلى خبث العقيدة، عبر عنه ~~بالرجس فقال: { فزادتهم رجسا } أي اضطرابا موجبا للشك، وزاد الأمر ~~بيانا بأن المراد المجاز بقوله: { إلى رجسهم } أي شكهم الذي كان في ~~غيرها { وماتوا } أي واستمر بهم ذلك لتمكنه عندهم إلى أن ماتوا { وهم ~~كافرون* } أي عريقون في الكفر، وسمي الشك في الدين مرضا لأنه فساد في ~~الروح يحتاج إلى علاج كفساد البدن في الاحتياج، ومرض القلب أعضل، وعلاجه ~~أعسر وأشكل، ودواءه أعز وأطباؤه أقل. ولما زاد الكفار بالسورة رجسا من ~~أجل كفرهم بها، كانت كأنها هي التي زادتهم، وحسن وصفها بذلك كما حسن: كفى ~~بالسلامة داء، وكما قال الشاعر: # أرى بصري قد رابني بعد نصحه # وحسبك داء أن تصح وتسلما # قاله الرماني، فالمؤمنون يخبرون عن زيادة إيمانهم وهؤلاء يخبرون عن عدمه ~~في وجدانهم، فهذا موجب شكهم وتماديهم في غيهم وإفكهم، ولو أنهم رجعوا إلى ~~حاكم العقل لأزال شكهم وعرفهم صدق المؤمنين بالفرق بين حالتيهم، فإن ظهور ~~الثمرات مزيل للشبهات، والآية من الاحتباك: إثبات الإيمان أولا دليل على ~~حذف ضده ثانيا، وإثبات المرض ثانيا دليل على حذف الصحة أولا. ### || [9.126-129] # ولما كان التقدير تسبيبا عما جزم به من الحكم بعراقتهم في الرجس ~~وازديادهم منه: أفلا يرون إلى تماديهم في النفاق وثباتهم عليه؟ ms1975 عطف عليه ~~تقريرهم بعذاب الدنيا والإنكار عليهم في قوله: { أولا يرون } أي ~~المنافقون، قال الرماني: والرؤية هنا قلبية لأن رؤية العين لا تدخل على ~~الجملة لأن الشيء لا يرى من وجوه مختلفة { أنهم } أي المنافقين؛ ولما كان ~~مطلق وقوع الفتنة من العذاب، بنى للمفعول قوله: { يفتنون } أي يخالطون من ~~حوادث الزمان ونوازل الحدثان بما يضطرهم إلى بيان أخلاقهم بإظهار سرائرهم ~~في نفاقهم { في كل عام } أي وإن كان الناس أخصب ما يكونون وأرفعه عيشا { ~~مرة أو مرتين } فيفضحون بذلك، وذلك موجب للتوبة للعلم بأن من علم سرائرهم ~~- التي هم مجتهدون في إخفائها - عالم بكل شيء قادر على كل مقدور، فهو ~~جدير بأن تمتثل أوامره وتخشى زواجره. # ولما كان عدم توبتهم مع فتنتهم على هذا الوجه مستبعدا، أشار إليه بأداة ~~التراخي فقال: { ثم لا يتوبون } أي لا يجددون توبة { ولا هم } أي ~~بضمائرهم { يذكرون* } أي أدنى تذكر بما أشار إليه الإدغام، فلولا أنه ~~حصلت لهم زيادة في الرجس لأوشك تكرار الفتنة أن يوهي رجسهم إلى أن يزيله ~~ولكن كلما أوهى شيئا خلقه مثله أو أكثر بسبب الزيادات المترتبة على وجود ~~نجوم القرآن، والتذكر طلب الذكر للمعنى بالكفر فيه، فالآية ذامة لهم على ~~عدم التوبة بإصابة المصائب لعدم تذكر أنه سبحانه ما أصابهم بها إلا ~~بذنوبهم # ويعفو عن كثير # [الشورى: 34] كما أن أحدهم لا يعاقب فتاة إلا بذنب وما لم يتب فهو يوالي ~~عقابه. # ولما ذكر ما يحدث منهم من القول استهزاء، أتبعه تأكيدا لزيادة كفرهم ~~وتوضيحا لتصويره ما يحدث من فعلهم استهزاء من الإيمان والتغامز بالعيون ~~فقال { وإذا } وأكد بالنافي فقال: { ما } ولما كان الغرض نفس الإنزال لا ~~تعيين المنزل، بني للمفعول قوله { أنزلت سورة } أي طائفة من القران { ~~نظر بعضهم } أي المنافقين { إلى بعض } أي متغامزين سخرية واستهزاء ~~قائلين: { هل يراكم } وأكدوا العموم فقالوا: { من أحد } أي من المؤمنين ~~إن انصرفتم، فإن يشق علينا سماع مثل هذا، ويشق علينا أن يطلع المؤمنون ~~على هذا السر منا. # ولما كان انصرافهم عن ms1976 مثل هذا المقام مستهجنا، أشار إلى شدة قبحه بأداة ~~التراخي فقال: { ثم انصرفوا } أي إن لم يكن أحد يراهم، وإن رآهم أحد من ~~المؤمنين تجشموا المشقة وثبتوا؛ ولما كانوا مستحقين لكل سوء، أخبر عنهم ~~في أسلوب الدعاء بقوله: { صرف الله } أي الذي له الغنى المطلق والكمال ~~كله { قلوبهم } أي عن الإيمان؛ ثم علل ذلك بقوله: { بأنهم قوم } وإن ~~كانوا ذوي قوة على ما يحاولونه فإنهم { لا يفقهون* } أي قلوبهم مجبولة ~~على عدم الفهم لما بها من الغلظة، وهذا دليل على ختام الآية قبلها، ~~وهاتان الآيتان المختتمتان - ب { لا يفقهون } التاليتان للأمر بالجهاد ~~في قوله { قاتلوا الذين يلونكم من الكفار } الموازي - { انفروا خفافا ~~وثقالا } الآية - قد احتوتا مع وجازتهما على حاصل أوصاف المنافقين ~~التالية لآية { انفروا } المختتم ما هو العام منها في أهل الحاضرة في ~~قوله { استأذنك أولوا الطول منهم } ب { يفقهون } ثم عند إعادة ذكرهم ب ~~{ لا يعلمون } وتصويب هاتين الآيتين إلى أهل الحاضرة ظاهر لكونهم ممن ~~يحضر نزول الذكر كثيرا مع احتمالهما للعموم، والختم هنا ب { لا يفقهون ~~} أنسب لأن المقام - وهو النظر في زيادة الإيمان بالنسبة إليهم - يقتضي ~~فكرا وتأملا وإن كان بالنظر إلى المؤمنين في غاية الوضوح. # ولما أمر صلى الله عليه وسلم أن يبلغ هذه الأشياء الشاقة جدا من أمر ~~هذه السورة، وكان من المعلوم أنه لا يحمل ذلك إلا من وفقه الله تعالى، ~~وأما المنافقون فيكرهون ذلك وكان انصرافهم دالا على الكراهة، عرفهم أن ~~الأمر كان يقتضي توفر دواعيهم على محبة هذا الداعي لهم المقتضي لملازمته ~~والبعد عما يفعلونه به من الانصراف عنه، وأن أحواله الداعية لهم إلى ~~محبته أعظم من أحوال آبائهم التي أوجبت لهم منهم من المحبة وعليهم من ~~الحقوق ما هم مفتخرون بالتلبس به والمغالاة فيه، وأن كل ما يحصل بهذا ~~القرآن من العز والشرف في الدنيا فهو لكل من آمن به فقال: { لقد جاءكم ~~رسول }. # ولما كان الرسول يجب إكرامه والوقوف في خدمته لأجل مرسله ولو تجرد عن ~~غير ذلك الوصف، ms1977 شرع يذكر لهم من أوصافه ما يقتضي لهم مزيد إكرامه فقال: { ~~من أنفسكم } أي ترجعون معه إلى نفس واحدة بأنكم لأب قريب، وذلك أقرب إلى ~~الألفة وأسرع إلى فهم الحجة وأبعد من المحل واللجاجة { عزيز } أي شديد ~~جدا { عليه ما عنتم } والعزة: امتناع الشيء بما يتعذر معه ما يحاول منه ~~بالقدرة أو بالقلة أو بالصعوبة، والعنت: لحاق الأذى الذي يضيق الصدر به ~~ولا يهتدي للمخرج منه { حريص } أي بليغ الحرص { عليكم } أي على نفعكم، ~~والحرص: شدة طلب الشيء على الاجتهاد فيه، وقدم الجار لإفادة الاختصاص ~~فقال: { بالمؤمنين } أي العريقين في هذا الوصف كافة خاصة، ولما ذكر الوصف ~~المقتضي للرسوخ، قدم ما يقتضي العطف على من يتسبب له بما يقتضي الوصلة ~~فقال: { رءوف } أي شديد الرحمة لمن له منه عاطفة وصلة لما تقدم من معنى ~~الرأفة قريبا. # ولما كان المؤمن يطلق مجازا على من يمكن منه الإيمان فوصلته الآن ليست ~~بالفعل بل الإمكان، قال تعميما لرحمته صلى الله عليه وسلم كما هو اللائق ~~بشريف منصبه وعظيم خلقه: { رحيم* } ولأجل مثل هذه الأغراض النفسية رتب ~~سبحانه هذين الوصفين هكذا، ولكن المعاني المراده تارة يظهرها الله تعالى ~~لعبده منحة له وإكراما، وتارة يخفيها إظهارا لعجزه ونقصانه ثم يظهرها ~~له في وقت آخر إن صدق في التضرع وإظهار الافتقار والتذلل وأدام الطلب، أو ~~لغيره ممن هو أقل منه علما وأضعف نظرا وفهما، وإذا تأملت كتابي هذا ~~ظهر لك أن كثيرا من الآيات فسرها على غير المراد منها قطعا أكابر ~~العلماء، فعلى الأنسان - إذا خفي عليه أمر - أن يقول: لا أعلم، ولا يظن ~~أنه رتب شيء من هذا الكتاب العزيز لأجل الفواصل، فلذلك أمر لا يليق بكلام ~~الله تعالى، وقد عاب النبي صلى الله عليه وسلم السجع، لأن الساجع يكون ~~محط نظره الألفاظ، فيدير المعاني عليها ويتبعها إياها، فربما عجز اللفظ ~~عن توفية المعنى؛ روى البخاري في الطب وغيره من صحيحه ومسلم في الديات ~~وأبو داود والنسائي وغيرهم عن أبي هريرة رضي الله عنه # " أن ms1978 رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في الجنين يقتل في بطن أمه بغرة ~~عبد أو وليدة، فقال الذي قضى عليه: كيف أغرم من لاشرب ولا أكل، ولا نطق ~~ولا استهل، فمثل ذلك بطل؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنما هذا من ~~إخوان الكهان " # من أجل سجعه الذي سجع، وفي رواية: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " سجع كسجع الأعراب " # وذلك - والله أعلم - أنه لو كان نظره إلى المعنى وتصحيحه لأغنى عن هذا ~~السجع أن يقال: كيف أغرم من لاحياة له، ولوقصد السجع وتهذيب المعنى لأتى ~~مما يدل على نفي الحياة التي جعلها محط أمره فإن ما أتى به لا يستلزم ~~نفيها، ولو تقيد بالصحة لاغتنى بنفي النطق عن نفي الاستهلال، فصح بهذا ~~أنه دائر مع تحسين اللفظ صح المعنى أم لا، وينطبع في عقل عاقل أن يكون ~~النبي صلى الله عليه وسلم يذم السجع وهو يأتي به ويقصده في القرآن أو في ~~السنة، ولو كان ذلك لأسرعوا الرد عليه، وذكر أصحاب فتوح البلاد في فتح ~~مكران من بلاد فارس أن الحكم بن عمرو لما فتحها أرسل بالأخماس مع صحار ~~العبدي، فلما قدم على عمر رضي الله عنه سأله عن مكران وكان لا يأتيه أحد ~~إلا سأله عن الوجه الذي يجيء منه فقال: يا أمير المؤمنين! أرض سهلها جبل، ~~وماءها وشل وثمرها دقل، وعدوها بطل، وخيرها قليل، وشرها طويل، والكثير ~~بها قليل، والقليل بها ضائع، وما وراءها شر منها؛ فقال، أسجاع أنت أم ~~مخبر؟ فقال: لا بل مخبر، قال: لاوالله! لا يغزوها جيش لي ما أطعت. # فقد جعل الفاروق السجع قسيما للخير فدل على أن التقيد به عيب لإخلاله ~~بالفائدة أو بتمام الفائدة، ولعله إنما جوز أن يكون مخبرا لنه انفك عن ~~السجع في آخر كلامه وكرر لفظ " قليل " فكان ما ظنه، لأنه لو أراد السجع ~~لأمكنه أن يقول والكثير بها ذليل، والقليل بها ضائع كليل، وما وراءها شر ~~منها بأقوم قيل؛ وقد نفى سبحانه عن هذا القرآن المجيد ms1979 تصويب النظر إلى ~~السجع كما نفى عنه الشعر فإنه تعالى قال # وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون # [الحاقة: 41، 42] فكما أن قول الشاعر إتيانه بالكلام موزونا، فكذلك قول ~~الكاهن إتيانه بالكلام مسجوعا والقرآن ليس من هذا ولا من هذا. وإن وقع ~~فيه كل من الأمرين فغير مقصود إليه ولا معول عليه، بل لكون المعنى انتظم ~~به على اتم الوجوه فيؤتي به لذلك، ثم تبين أنه غير مقصود بالانفكاك عنه ~~في كثير من الأماكن بقرينة ليس لها مجانس في اللفظ لتمام المعاني المرادة ~~عندها فيعلم قطعا أن ذلك غير مقصود أصلا لأن مثل ذلك لا يرضى به أقل ~~الساجعين، بل يراه عجزا وضيقا عن تكميل المشاكلة ونقصا - تعالى الله ~~عن ذلك علوا كبيرا، ومما يوجب لك القطع بأن ترتيب هذين الاسمين ~~الشريفين هكذا لغير مراعاة الفواصل قوله تعالى في سورة الحديد # وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة # [الحديد: 27] وسيأتي إن شاء الله في سورة طه عن الفخر الرازي والقاضي ~~أبي بكر الباقلاني منع النظر إلى السجع في الكتاب العزيز نقلا عن جميع ~~الأشاعرة، وإذا تأملت الفواصل في الإتيان بها تارة بكثرة وتارة بقلة، ~~وتارة تترك بالكلية ويؤتى في كل آية بفاصلة لا توافق الأخرى، علمت أن هذا ~~المذهب هو الصواب ولا سيما آخر سورة { اقرأ } وإذا تأملت كتب أهل العدد ~~أتقنت علم هذا المستند، وإذا تأملت ما قلته في هذا النحو من كتابي مصاعد ~~النظر للاشراف على مقاصد السور لم يبق عندك شك في شيء من هذا، فإياك ان ~~تجنح لهذا القول فتكون قد وقعت في أمر عظيم وأنت لا تشعر، وأورد سبحانه ~~هذه الآية إيراد المخاطب المتلطف المزيل لما عندهم من الريب بالقسم، ~~فكأنه قال: ما لكم تنصرفون عن حضرته الشماء وشمائله العلى! والله لقد ~~جاءكم - إلى آخره، ثم أقبل عليه مسليا له مقابلا لإعراضهم إن أعراضوا ~~بالإعراض عنهم والبراءة منهم ملتفتا إلى السورة الآمر بالبراءة من كل ~~مخالف، قائلا مسببا عن النصيحة ms1980 بهذه الآية التي لا شك عاقل في مضمونها: ~~{ فإن تولوا } أي اجتهدوا في تكليف فطرهم الأولى أو ولوا مدبرين عنك ~~بالانصراف المذكور أو غيره بعد النصيحة لهم بهذه الآية { فقل } اي ~~استعانة بالله تفويضا إليه { حسبي } أي كافي؛ قال الرماني: وهو من ~~الحساب لأنه جل ثناه يعطى بحسب الكفاية التي تعني عن غيره، ويزيد من ~~نعمته مالا يبلغ إلى حد ونهاية إذ نعمه دائمة ومننه متظاهر { الله } أي ~~الملك الأعلى الذي لا كفؤ له، وإنما كان كافيا لأنه { لا إله إلا هو } ~~فلا مكافىء له فلا راد لأمره ولا معقب لحكمه. # ولما قام الدليل على أنه لا كفؤ له، وجب قصر الرغائب عليه فقال: { عليه ~~} أي وحده { توكلت } لأن أمره نافذ في كل شيء { وهو رب } اي مالك ومخترع ~~ومدبر؛ ولما كان في سياق القهر والكبرياء بالبراءة من الكفار والكفاية ~~للأبرار، كان المقام بالعظمة أنسب كآية النمل فقال: { العرش العظيم* } أي ~~المحيط بجميع الأجسام الحاوي لسائر الأجرام الذي ثبت بآية الكرسي وغيرها ~~أن ربه أعظم منه لأن عظمته على الأطلاق فلا شيء إلا هو في قبضته وداخل في ~~دائرة مملكته، وإذا كان كافي فأنا بريء ممن تولى عني وبعد مني كائنا من ~~كان في كل زمان ومكان فقد عانق آخر السورة أولها وصافح منتهاها مبتدأها ~~وتأكد ما فهمته من سر الالتفات في { فسيحوا } وفي { فإن تبتم فهو خير لكم ~~وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله } والله تعالى أعلم. ### | [10 - سورة يونس] ### || [10.1-3] # { الر } فخم الراء ابن كثير ونافع وحفص عن عاصم، وأمالها ورش عن نافع ~~بين بين، والباقون بالإمالة المحضة، والأصل في ذلك الفتح، وكذا ما كان من ~~أمثالها مما ألفاتها ليست منقلبة عن ياء نحو ما ولا، وإمالتها للتنبيه ~~على أنها أسماء للحروف وليست حروفا - نقل ذلك عن الواحدي. # لما قدم في أول الأعراف الحث على إبلاغ النصيحة بهذا الكتاب وفرغ مما ~~اقتضاه السياق من التحذير من مثل وقائع الأولين ومصارع الماضين ومما ~~استتبع ذلك من توصيل القول ms1981 قي ترجمة هذا النبي الكريم مع قومه في أول ~~أمره وأثنائه وآخر في سورتي الأنفال وبراءة، وختم ذلك بأن سور الكتاب ~~تزيد كل أحد مما هو ملائم له متهيىء لقبوله وتبعده عما هو منافر له بعيد ~~من قبول ملاءمته. وأن الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك قد حوى من الأوصاف ~~والحلي والأخلاق العلى ما يوجب الإقبال عليه والإسراع إليه. والإخبار بأن ~~توليهم عنه لا يضره شيئا لأن ربه كافيه لأنه لامثل له وأنه ذو العرش ~~العظيم؛ لما كان ذلك كذلك، أعاد سبحانه القول في شأن الكتاب الذي افتتح ~~به الأعراف وختم سورة التوبة، وزاده وصف الحكمه وأشار بأداة البعد إلى أن ~~رتبته فيها بعيدة المنال بديعة المثال فقال: { تلك } أي الآيات العظيمة ~~جدا التي اشتملت عليها هذه السورة، أو السور التي تقدمت هذه السورة أو ~~هذه الحروف المقطعة المشيرة إلى أن القرآن كلام الله وإلا لما أعجز ~~القادرين على التلفظ بهذه الأحرف { آيات الكتاب } أي الذكر الجامع لكل ~~خير، وهو هذا القرآن الذي وافق كل ما فيه من القصص كل ما في التوارة ~~والإنجيل من ذلك، فدل ذلك على صدق الآتي به قطعا لأنه لم يكن يعرف شيئا ~~مما في الكاتبين ولا جالس أحدا يعلمه { الحكيم* } فكان فيما مضى - أن ~~كونه من عند الله كاف في وجوب اتباعه - وفيما هنا تأكيد الوجوب بكونه مع ~~ذلك حكيما والآية: العلامة التي تنبىء عن مقطع الكلام من جهة مخصوصة، ~~والحكيم: الناطق بالحكمة. وهي المعروف بما يجتمع عليه مما يمنع الفعل من ~~الفساد والنقص، استعير له ذلك لأنه دليل كالناطق بالحكمة لأنه يؤدي إلى ~~المعرفة التي يميز بها طريق النجاة من طريق الهلاك، وهو حاكم يبين الحق ~~من الباطل في الأصول والفروع ويحكم بالعدل الذي لا جور فيه بوجه في كل ~~نازلة، ومحكم لما أتى به، مانع له من الفساد، لا يمحوه الماء ولا تحرقه ~~النار ولا تغيره الدهور، وهذا ما ظهر لي في التحامها بما قبلها؛ وقال ~~الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما ms1982 تضمنت سورة براءة قوله تعالى # إلا تنصروه فقد نصره الله # [براءة: 40] وقوله # عفا الله عنك لما أذنت لهم # [براءة: 43] وقوله # ورحمة للذين آمنوا منكم والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم # [براءة: 61] وقوله: # لقد جاءكم رسول من أنفسكم # [براءة: 128] إلى آخر السورة إلى ما تخلل أثناء آي هذه السورة الكريمة ~~مما شهد لرسول الله صلى الله عليه وسلم بتخصيصه بمزايا السبق والقرب ~~والاختصاص والملاطفة في الخطاب ووصفه بالرأفة والرحمة، هذا ما انطوت هي ~~والأنفال عليه من قهره أعداءه وتأييده ونصره عليهم وظهوره دينه وعلو ~~دعوته وإعلاء كلمته إلى غير هذا من نعم الله سبحانه عليه، وكان ذلك كله ~~مظنة لتعجب المرتاب وتوقف الشاك ومثيرا لتحرك ساكن الحسد من العدو ~~العظيم ما منحه عيه السلام، قال تعالى { أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى ~~رجل منهم أن أنذر الناس } إلى قوله: { لسحر مبين } ثم قال { إن ربكم الله ~~} الآيات، فبين انفراده تعالى بالربوبية والخلق والاختراع والتدبير، فكيف ~~تعترض أفعاله أو يطلع البشر على وجه الحكمة في كل ما يفعله ويبديه، وإذا ~~كان الكل ملكه وخلقه فيفعل في ملكه ما يشاء ويحكم في خلقه بما يريد { ~~ذلكم الله ربكم فاعبدوه } { ما خلق الله ذلك إلا بالحق } ثم توعد سبحانه ~~الغافلين عن التفكر في عظيم آياته حتى أدتهم الغفلة إلى مرتكب سلفهم في ~~العجب والإنكار حتى قالوا # مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق # [الفرقان: 7] وقالوا # لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا # [الفرقان: 21] وهذه مقالات الأمم المتقدمة # قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا # [يس: 15] # قالوا أنؤمن لبشرين مثلنا # [المؤمنون: 47] # ما هذا إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم # [سبأ: 43] فقال تعالى متوعدا للغافلين { إن الذين لا يرجون لقاءنا ~~ورضوا بالحياة الدنيا } ، ثم وعد المعتبرين فقال { إن الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم } ، وكل هذا بين الالتحام جليل الالتئام، ~~تناسجت آي السور - انتهى. # ولما كان كونه من عند الله مع كونه حكيما - موجبا لقبوله بادىء بدء ~~والسرور به لما تقرر ms1983 في العقول وجبلت عليه الفطر من أنه تعالى الخالق ~~الرازق كاشف الضر ومدبر الأمر، كان ذلك موضع أن يقال: ما كان حال من تلي ~~عليهم؟ فقيل: لم يؤمنوا، فقيل: ماشبهتهم؟ هل قدروا على معارضته والطعن في ~~حكمته؟ فقيل:لا! بل تعجبوا من إنزاله على محمد صلى الله عليه وسلم وليس ~~بأكثرهم مالا ولا بأقدمهم سنا، فرجع حاصل تعجبهم إلى ما قاله تعالى ~~إنكارا عليهم. فإنه لو أرسل ذا سن قالوا مثل ذلك، وهل مثل ذلك محل ~~العجب! { أكان } أي بوجه من الوجوه { للناس عجبا } أي الذين فيهم أهلية ~~التحرك إلى المعالي، والعجب: تغير النفس بما لا يعرف سببه مما خرج عن ~~العادة؛ ثم ذكر الحامل على العجب وهو اسم " كان " فقال بعد ما حصل لهم ~~شوق إليه: { أن أوحينا } أي ألقينا أوامرنا بما لنا من العظمة بواسطة ~~رسلنا في خفاء منهين { إلى رجل } أي هو في غاية الرجولية، وهو مع ذلك { ~~منهم } بحيث إنهم يعرفون جميع أمره كما فعلنا بمن قبلهم والملك العظيم ~~الملك المالك التام الملك لا اعتراض عليه فيما به تظهر خصوصيته من إعلاء ~~من شاء. # ولما كان في الإيحاء معنى القول، فسره بقوله { أن أنذر الناس } أي عامة، ~~وهم الذين تقدم نداءهم أول البقرة، ما أمامهم من البعث وغيره إن لم ~~يؤمنوا أصلا أو إيمانا خالصا ينفي كل معصية صغيرة أو كبيرة وكل هفوة ~~جليلة أو حقيرة على اختلاف الرتب وتباين المقامات { وبشر } أي خص { الذين ~~آمنوا } أي أوجدوا هذا الوصف وعملوا تصديقا لدعواهم له الصالحات، أي من ~~الأعمال اللسانية وغيرها، بالبشارة بقبول حسناتهم وتكفير سيئاتهم ~~والتجاوز عن هفواتهم وترفع درجاتهم كما كان إرسال الرسل قبله وكما هو ~~مقتضى العدل في إثابة الطائع الطائع وعتاب العاصي، والإنذار: الإعلام بما ~~ينبغي أن يحذر منه، والتبشير: التعريف بما فيه السرور، واضاف القدم - ~~الذي هو السابقة بالطاعة - إلى الصدق في قوله تعالى موصلا لفعل البشارة ~~إلى المبشر به دون حرف جر: { أن لهم } أي خاصة { قدم صدق } أي أعمالا ~~حقة ثابته ms1984 قدموها لأنفسهم صدقوا فيها وأخلصوا فيما يسروا له لأنهم خلقوا ~~له وكان مما يسعى إليه بالأقدام، وزاد في البشارة بقوله: { عند ربهم } ~~ففي إضافة القدم تنبيه على أنه يجب أن يخلص له الطاعة كإخلاص الصدق من ~~شوائب الكذب، وفي التعبير بصفة الإحسان إشارة إلى المضاعفة. # ولما ثبت أن الرسول وما أرسل به على وفق العادة، انتفى أن يكون عجبا من ~~هذه الجهة، فصار المحل قابلا لأن يتعجب منهم فيقال: ما قالوا حين أظهروا ~~العجب؟ ومن أي وجه رأوه عجبا؟ فقيل: { قال الكافرون } أي الراسخون في ~~هذا الوصف منهم وتبعهم غيرهم مؤكدين ما يحق لقولهم من الإنكار { إن هذا } ~~أي القول وما تضمنه من الإخبار بما لا يعرف من البعث وغيره { لسحر } أي ~~محمد لساحر - كما في قراءة ابن كثير وحمزة والكسائي { مبين* } أي ظاهر في ~~نفسه، وهو من شدة ظهوره مظهر لكل شيء أنه كذلك، فجاؤوا بما هو في غاية ~~البعد عن وصفه، فإن السحر قد تقرر لكل ذي لب أنه - مع كونه تمويها لا ~~حقيقة له - شر محض ليس فيه شيء من الحكمة فضلا عن أن يمتطي الذروة منه ~~مع أن في ذلك ادعاءهم أمرا متناقضا، وهو أنه من قول البشر كما هي ~~العادة في السحر، وأنهم عاجزون عنه، لأن السحر فعل تخفى الحيلة فيه حتى ~~يتوهم الإعجاز به، فقد اعترفوا بالعجز عنه وكذبوا في ادعاء أنه لسحر لأن ~~الآتي به منهم لم يفارقهم قط وما خالط عالما لا بسحر ولا غيره حتى ~~يخالطهم فيه شبهة، فهم يعلمون أن قولهم في غاية الفساد، فشرع سبحانه يقيم ~~الدليل على بطلان قولهم من أنه - مع ما تضمنه من البعث - سحر، وعلى حقيقة ~~أنه من عنده من غير شبهة، وعلى أن الرسالة لا عجب فيها، لأنه سبحانه خلق ~~الوجود كله وهو نافذ الأمر فيه وقد ابتلى من فيه من العقلاء ليردهم إليه ~~ويحاسبهم فإنه لم يخلقهم سدى لأنه حكيم، فلا بد من رسول يخبرهم بما يرضيه ~~وما يغضبه لتقوم بذلك الحجة فقال: ms1985 { إن ربكم } أي الموجد لكم والمربي ~~والمحسن { الله } أي من ربى شيئا ينبغي أن يكون حكيما وقادرا على ~~أسباب صلاحه، فأيقظوا أنفسكم من سنة غفلتها تعلموا أن هذا الكتاب من عند ~~الذي له العظمة كلها قطعا، وأنه قادر على بعثكم لأنه ربكم { الذي } بدأ ~~الخلق بأن { خلق } أي قدر وأوجد { السماوات والأرض } على اتساعهما وكثرة ~~ما فيهما من المنافع { في ستة أيام } لحكمة أرادها على أن ذلك وقت يسير ~~لا يفعل مثل ذلك في مثله إلا من لا يعجزه شيء. # ولما أوجد سبحانه هذا الخلق الكثير المتباعد الأقطار الواسع الانتشار ~~المفتقر إلى عظيم التدبير ولطيف التصريف والتقدير، عبر سبحانه عن عمله ~~فيه عمل الملوك في ممالكهم بقوله مشيرا إلى عظمته بأداة التراخي: { ثم ~~استوى } أي عمل في تدبيره وإتقان ما فيه وإحكامه عمل المعتني بذلك { على ~~العرش } المتقدم وصفه بالعظمة، وليست " ثم " للترتيب بل كناية عن علو ~~الرتبة وبعد منالها؛ ثم بين ذلك الاستواء بقوله: { يدبر } لأن التدبير ~~أعدل أحوال الملك فالاستواء كناية عنه { الأمر } كله فلا يخفي عليه عاقبة ~~أمر من الأمور، فحصل الأمن بهذا من أن يفعل شيء بغير علمه، لأن التدبير ~~تنزيل الأمور في مراتبها على إحكام عواقبها، وهو مع ذلك منزه عما تعرفونه ~~من أحوال الملوك من أنه يكون في ممالكهم من يقضي بعض الأمور بغير إذن ~~منهم وإن علموا به لعجزهم عن المجاهرة بإدامة دفعه، بل هو متصف بأنه { ما ~~من شفيع } أي وإن كان بليغ الاتصاف بذلك. # ولما كان تمام قهره وعظيم سلطانه لا يفيد أحدا عند إذنه له إذنا عاما ~~لجميع الأزمان والأماكن، أتى بالجار فقال: { إلا من بعد إذنه } فإذا لم ~~يقدر شفيع على الكلام في الشفاعة إلا بإذنه فكيف يقدر أحد أن يأتي بشيء ~~من الأشياء بغير إذنه فكيف يأتي بكتاب حكيم ليس من عنده يعجز الخلق عن ~~معارضته، فحصل الأمن أن يكون غيره قاله أو شفع فيمن أبلغه فأبلغه من غير ~~إرادة منه سبحانه، فتحرر أنه ليس إلا من عنده ms1986 وأنه أمر بإبلاغه، وقد عرف ~~من هذا أن { ما من شفيع } في موضع الدلالة على أنه لا يخرج عن تدبيره أمر ~~من الأمور ولا يغلبه شيء اصلا فبطل ما كانوا يقولون في الأصنام من ~~الشفاعة وغيرها والشفيع: السائل في غيره بتبليغ منزلته من عفو أو زيادة ~~منزلة، وقد وقع ذكر الكتاب والرسول والعرش مرتبا في أول هذه على ما رتب ~~آخر تلك؛ فلما تقرر ما وصف به من العظمة التي لا يشاركه فيها أحد، وجب أن ~~يعبد عبادة لا يشاركه فيها شيء، فنبه على ذلك بقوله: { ذلكم } أي العظيم ~~الشأن العالي المراتب { الله } أي الملك الأعلى { ربكم } الذي تقرر له من ~~العظمة والإحسان بالإيجاد والتربية ما لا يبلغه وصف { فاعبدوه } أي ~~فخصوه بالعبادة فإن عبادتكم مع الإشراك ليست عبادة، ولولا فضله لم يكن ~~لمن زل أدنى زلة طاعة. # ولما سبب سبحانه عن أوصافه العلى ما وجب له من الأمر بالعبادة، تسبب عن ~~ذلك الإنكار عليهم في التوقف عنها والاحتياج فيها إلى بروز الأمر بها قام ~~على استحقاقه للأفراد بها من الأدلة التي فيهم شواهدها فقال: { أفلا ~~تذكرون* } أي ولو بأدنى أنواع التذكر بما أشار إليه الإدغام، ما أخبركم ~~سبحانه به ونبهكم عليه بما يعلمه كل أحد من نفسه من أنه لا يقدر أحد أن ~~يعمل كل ما يريد، ويعمل كثيرا مما لا غرض له فيه ويعلم أنه يضره إلى غير ~~ذلك من الأمور ليعلم قطعا أن الفاعل الحقيقي غيره وأنه لا بد لهذا ~~الوجود من مؤثر فيه هو في غاية العظمة لا يصح بوجه أن يشاركه شيء ولو كان ~~أعظم ما يعرف من الأشياء فكيف بجماد لا يضر ولا ينفع!. ### || [10.4-5] # فلما تقرر أنه هو الذي بدأ الخلق، تقرر بذلك أنه قادر على إعادته فقال: ~~{ إليه } أي خاصة { مرجعكم } أي رجوعكم وموضع رجوعكم ووقته حال كونكم { ~~جميعا } لا يتخلف منكم أحد، تقدم وعده لكم بذلك { وعد الله } أي الذي له ~~الكمال كله { حقا } فهو تعليل لعبادته لوحدانيته، فيحيون بعد الموت ms1987 ~~ويحشرون إلى موضع جزاء الله تعالى لهم زمانه الذي قدره له، ويرفع ما كان ~~لهم من المكنة في الدنيا، فعلم قطعا أنه لا بد من الرسول، فاستعدوا ~~للقاء هذا الملك الأعظم بكل ما أمركم به الرسول صلى الله عليه وسلم؛ ثم ~~أوضح التنبيه على قدرته مضمنا له بيان حكمته فقال معللا لوجوب المرجع ~~إليه مؤكدا عدا لهم في عداد المنكر للابتداء لأجل إنكارهم ما يلزم عنه ~~من تمام القدرة على البعث وغيره: { إنه يبدأ الخلق } أي ينشئه النشأة ~~الأولى، له هذه الصفة متجددة التعلق على سبيل الاستمرار { ثم يعيده } ~~ليقيم العدل في خلقه بأن ينجز لمن عبده، وعده بأن يعزه ويذل عدوه وذلك ~~معنى قوله: { ليجزي }. # ولما كان في سياق البعث، قدم أهل الجزاء وبدأ بأشرافهم فقال: { الذين ~~آمنوا } أي أوجدوا هذا الوصف الذي هو الأساس المتقن لكل عمل صالح { ~~وعملوا } أي وصدقوا إيمانهم بأن عملوا { الصالحات } جزاء كائنا { بالقسط ~~} ، واقتصر على العدل دون الفضل ليفهم أن ترك الحشو مخل بالعمل الذي هو ~~محط الحكمة التي هي أعظم مصالح السورة، والجزاء: الإعطاء بالعمل ما ~~يقتضيه من خير أو شر، فلو كان الإعطاء ابتداء لم يكن جزاء، ولو كان ما لا ~~يقتضيه العمل لم يكن جزاء مطلقا والقسط: العدل { والذين كفروا } أي ~~أوجدوا هذا الوصف { لهم } أي في الجزاء على جهة الاستحقاق { شراب من حميم ~~} أي مسخن بالنار أشد الإسخان { وعذاب أليم } أي بالغ الإيلام { بما ~~كانوا } أي جبلة وطبعا { يكفرون* } فإن عذابهم من أعظم نعيم المؤمنين ~~الذين عادوهم فيه سبحانه # فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون على الأرائك ينظرون هل ثوب الكفار ~~ما كانوا يفعلون # [سورة المطففين: 34-36] وكأنه قال: { يبدأ } مضارعا لا كما قال في آية ~~أخرى # كما بدأكم تعودون # [الأنفال: 29] حكاية للحال وتصويرا لها تنبيها على تأمل ما يتجدد ~~إنشاءه ليكون أدعى لهم إلى تصور القدرة على الإعادة؛ قال الرماني: وقد ~~تضمنت الآية البيان عما يوجبه التمكين في الدنيا من تجديد النشأة للجزاء ~~لأنه لا بد - مع التمكين ms1988 من الحسن والقبيح - من ترغيب وترهيب لا يؤمن معه ~~العذاب على الخلود ليخرج المكلف بالزجر عن القبيح عن حال الإباحة له يرفع ~~التبعة عليه - انتهى. فقد لاح بما ذكر ما تعين في أثناء السورة بتكريره ~~لتوضيحه وتقريره - أن مقصودها وصف الكتاب بما يدل قطعا على أنه من عنده ~~سبحانه وبإذنه، لأنه لا غائب عن علمه ولا مداني لقدرته ولا مجترىء على ~~عظمته، وأنه تام القدرة متفرد بالخلق والأمر فهو قادر على الإعادة كما ~~قدر على الابتداء، وأن المراد بالكتاب البشارة والنذارة للفوز عند البعث ~~والنجاة من غوائل يوم الحشر مع أنه سبحانه نافذ القضاء، فلا تغني الآيات ~~والدلالات البينات عمن حكم بشقاوته وقضى بغوايته، وأن ذلك من حكمته وعدله ~~فيجب التسليم لأمره وقطع الهمم عن سواه؛ ثم شرع سبحانه يقرر أمر بدئه ~~للخلق وإعادته في سياق مذكر بالنعم التي يجب شكرها، ويسمى المعرض عن شكره ~~كافرا فقال: { هو } أي غيره { الذي جعل } أي بما هيأ من الأسباب { الشمس ~~}. # ولما كان النور كيفية قابلة للشدة والضعف، خالف سبحانه في الأسماء مما ~~يدل على ذلك فقال نور الشمس: { ضياء } أي ذات نور قوي ساطع وقدرها منازل، ~~هكذا التقدير، لكن لما كانت في تقلبها بطيئة بالنسبة إلى القمر ذكره ~~دونها فقال: { والقمر } أي وجعل القمر { نورا } أي ذا نور من نورها { ~~وقدره } أي وزاده عليها بأن قدره مسيرة { منازل } سريعا يقلبه فيها، ~~وباختلاف حاله في زيادة نوره ونقصانه تختلف أحوال الرطوبات والحرارات ~~التي دبر الله بها هذا الوجود - إلى غير ذلك من الأسرار التي هي فرع وجود ~~الليل والنهار { لتعلموا } بذلك علما سهلا { عدد السنين } أي المنقسمة ~~إلى الفصول الأربعة وما يتصل بذلك من الشهور وغيرها ليمكن لكم تدبير ~~المعاش في أحوال الفصول وغيرها { والحساب } أي غير ذلك مما يدل على بعض ~~تدبيره سبحانه. # ولما كان ذلك مشاهدا لا مرية فيه، وصل به قوله: { ما خلق الله } أي ~~الذي له الكمال كله { ذلك } أي الأمر العظيم جدا { إلا بالحق } أي خلقا ~~ملتبسا بالحق ms1989 الكامل في الحقية لا مرية فيه، فعلم أنه قادر على إيجاد ~~الساعة كذلك إذ لا فرق، وإذا كان خلقه كذلك فكيف يكون أمره الناشىء عنه ~~الخلق غير الخلق بأن يكون من السحر الذي مبناه على التمويه والتخييل الذي ~~هو عين الباطل، أو ما خلقه إلا بسبب إظهار الحق من العدل بين العباد ~~بإعزاز الطائع وإذلال العاصي، فإنه لا نعيم كالانتصار على المعادي ~~والانتقام من المشانىء، والجعل: وجود ما به يكون الشيء على صفة لم يكن ~~عليها، والشمس: جسم عظيم النور فإنه يكون ضياء النهار؛ والقمر: جسم نير ~~يبسط نوره على جميع الظاهر من الأرض ويكسفه نور الشمس؛ والنور: شعاع فيه ~~ما ينافي الظلام؛ والحساب: عدد يحصل به مقدار الشيء من غيره. # ولما كان النظر في هذه الآيات من الوضوح بحيث لا يحتاج إلى كثير من ~~الاتصاف بقابلية العلم، ختم الآية بقوله: { يفصل } أي الله في قراءة ابن ~~كثير وأبي عمرو وحفص عن عاصم بالياء التحتية، وبالالتفات إلى أسلوب ~~العظمة تعظيما للبيان في قراءة الباقين بالنون { الآيات } أي يبين ~~الدلائل الباهرة واحدة في إثر واحدة متفاصلة بيانا شافيا. ولما كان ~~البيان لمن لا علم له كالعدم، قال: { لقوم } أي لهم قوة المحاولة لما ~~يريدون { يعلمون } أي لهم هذا الوصف على سبيل التجدد والاستمرار؛ ولما ~~كانت لهم المعرفة التامة والنظر الثاقب في منازل القمر عدت من الجلي. ### || [10.6-9] # ولما أشار سبحانه إلى الاستدلال على فناء العالم بتغيره وإلى القدرة على ~~البعث بإيجاد كل من الملوين بعد إعدامه في قوله - مؤكدا له لإنكارهم أن ~~يكون في ذلك دلالة: { إن في اختلاف الليل } أي على تباين أوصافه { ~~والنهار } أي كذلك { وما } أي وفيما { خلق الله } أي الذي له الإحاطة ~~الكاملة { في السماوات والأرض } من أحوال السحاب والأمطار وما يحدث من ~~ذلك الخسف والزلازل والمعادن والنبات والحيونات وغير ذلك من أحوال الكل ~~التي لا يحيط البشر بإحصائها؛ لما أشار إلى ذلك ختمها بقوله: { لآيات } ~~أي دلالات بينة جدا { لقوم يتقون* } أي أن من نظر في ms1990 هذا الاختلاف وتأمل ~~تغير الأجرام الكبار كان جديرا بأن يخاف من أن تغير أحواله وتضطرب أموره ~~فيتقي الله لعلمه قطعا بأن أهل هذه الدار غير مهملين، فلا بد لهم من أمر ~~ونهي وثواب وعقاب؛ والاختلاف: ذهاب كل من الشيئين في غير جهة الآخر، ~~فاختلاف الملوين: ذهاب هذا في جهة الضياء وذاك في جهة الظلام؛ والليل: ~~ظلام من غروب الشمس إلى طلوع الفجر الثاني، هو جمع ليلة كتمر وتمرة؛ ~~والنهار: اتساع الضياء من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس؛ والخلق: فعل ~~الشيء على ما تقتضيه الحكمة، وأصله التقدير؛ ونبه بما خلق في السماوات ~~والأرض على وجوه الدلالات. لأن الدلالة في الشيء قد تكون من جهة خلقه أو ~~اختلاف صورته أو حسن منظره أو كثرة نفعه أو عظم أمره أو غير ذلك. # ولما أشير بالآية إلى أنقراض الدنيا بأن الحادث لا ثبات له، وقام ~~الدليل القطعي على المعاد، ناسب تعقيبها بعيب من اطمأن إليها في سياق ~~مبين أن سبب الطمأنينة إنكار الطمأنينة اعتقادا أو حالا؛ ولما كانت ختم ~~تلك ب { يتقون } لاح أن ثم من يتقي ومن لا يتقي؛ ولما كان الغرور أكثر، ~~بدأ به تنفيرا عن حاله، لأن درء المفاسد أولى من جلب المصالح، فقال ~~مؤكدا لأجل إنكارهم: { إن الذين } ولما كان الخوف والرجاء معدن السعادة، ~~وكان الرجاء أقرب إلى الحث على الإقبال، قال مصرحا بالرجاء ملوحا إلى ~~الخوف: { لا يرجون لقاءنا } بالبعث بعد الموت ولا يخافون ما لنا من ~~العظمة { ورضوا } أي عوضا عن الاخرة { بالحياة الدنيا } أي فعملوا لها ~~عمل المقيم فيها مع ما إشتملت عليه مما يدل على حقارتها { واطمأنوا } ~~إليها مع الرضى { بها } طمأنينة من لا يزعج عنها مع ما يشاهدونه مع سرعة ~~زوالها { والذين هم } أي خاصة { عن آياتنا } أي على ما لها من العظمة لا ~~عن غيرها من الأحوال الدنية الفانية { غافلون } أي غريقون في الغفلة، ~~وتضمن قوله تعالى استئنافا: { أولئك } أي البعداء البغضاء { مأواهم ~~النار بما } أي بسبب ما { كانوا } أي جبلة وطبعا { يكسبون* ms1991 } فإن كسبهم ~~كله ضلال - أنه لا يعاجلهم بالعقاب على تأخير المتاب، وجعلت ملاقاة ما لا ~~يقدر إلا الله ملاقاة الله تفخيما لشأنها كما جعل إتيان جلائل آيات الله ~~في قوله: # إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام # [البقرة: 210] ونحوه، والاطمئنان: الركون إلى الشيء على تمكن فيه، ~~فهؤلاء مكنوا الأحوال للدنيا فصار فرحهم وسخطهم لها؛ والغفلة: ذهاب ~~المعنى عن القلب بما يضاد حضوره إياه، واليقظة نقيضها. # ولما أنقضى هذا القسم حالا ومآلا، أتبعه سبحانه القسم الآخر بقوله ~~مؤكدا لإنكار الكفار هدايتهم: { إن الذين آمنوا } أي أوجدوا هذا الوصف ~~بما لهم من القوة النظرية التي كمالها معرفة الأشياء وسلطانها معرفة الله ~~تعالى { وعملوا } أي وصدقوا دعواهم الإيمان بأن عملوا { الصالحات } ~~بالقوة العملية التي سلطانها عبودية الله تعالى، والصالح: ما جاء بالحث ~~عليه الأنبياء عليهم السلام { يهديهم } أي على سبيل التجدد والاستمرار { ~~ربهم } أي المحسن إليهم { بإيمانهم } أي بسبب تصديقهم وإذعانهم لمعرفة ~~الآيات التي غفل عنها الذين يأملون البقاء ولا يرجون اللقاء، فقادتهم إلى ~~دار السلام، وهذا كما كان كثير من الصحابة رضي الله عنهم بعد إسلامهم ~~يشتد تعجبهم مما كان من تباطئهم عن الإسلام، وكما ترى أنك تخنق على بعض ~~الكملة فلا يدعك حظ النفس ترى له حسنة، ثم أنك قد ترضى عنه فتراه كله ~~محاسن. # ولما ذكر أم مآل القسم الأول النار، ذكر مآل هذا القسم في معرض سؤال من ~~يقول: ماذا تورثهم هدايتهم؟ فقيل له: { تجري } وأشار إلى قرب منال المياه ~~وانكشافها عن كل ما ينتفع به في غير ذلك بإثبات الجار فقال: { من تحتهم } ~~أي تحت غرفهم وأسرتهم وغير ذلك من مشتهياتهم كقوله تعالى # قد جعل ربك تحتك سريا # [مريم: 14] وكذا قول فرعون # وهذه الأنهار تجري من تحتي # [الزخرف: 51] { الأنهار } كائنين { في جنات النعيم } أي التي ليس فيها ~~من غيره. ### || [10.10-11] # ولما كان الواجب على العباد أولا تنزيهه تعالى عن النقائض التي أعظمها ~~الإشراك. وكان من فعل ذلك سلم من غوائل الضلال فربح نفسه فعرف ربه وفاز ~~في ms1992 شهود حضرته بمشاهدة أوصاف الكمال، أشار التسليك في ذلك بقوله: { ~~دعواهم } أي دعاؤهم العظيم الثابت الكثير الذي يقولونه فيها لا على وجه ~~التكليف، بل يلهمونه إلهام النفس في الدنيا { فيها } وأشار إلى مجامع ~~التنزيه عن كل شائبة نقص فقال: { سبحانك اللهم } إشارة إلى الأمر الأول ~~هو الأساس وهو المعراج في الآخرة { وتحيتهم } أي لله وفيما بينهم { فيها ~~سلام } إشارة إلى أول نتائج الأساس بأنه لا عطب معه بوجه وهو نزول عن ~~المعراج بالنظر في أحوال الخلق { وآخر دعواهم } أي دعائهم العظيم وهو ~~المعراج الكمالي { أن الحمد } أي الكمال { لله } أي المحيط بجميع أوصاف ~~الجلال والجمال يعني أن التنزيه عن النقص أوجب لهم السلامة؛ ولما سلموا ~~من كل نقص وصلوا إلى الحضرة فغرقوا في بحار الجلال وانكشفت لهم سمات ~~الكمال؛ والدعوى: قول يدعى به إلى أمر؛ والتحية: التكرمة بالحال الجليلة، ~~وأصله من قولهم: أحياك الله حياة طيبة، وأشار بقوله: { رب العالمين } إلى ~~نعمة الإيجاد إرشادا بذلك إلى القدرة على المعاد، وفيه هبوط عن المعراج ~~الكمالي إلى الخلق، وذلك إشارة إلى أن الإنسان لا ينفك عن الحاجة ~~والنقصان. # ولما أشير في هذه الآية إلى تنزهه تعالى وعلوه وتفرده بنعوت الكمال، ودل ~~بختمها بالحمد على إحاطته وبرب العالمين على تمام قدرته وحسن تدبيره في ~~ابتدائه وإعادته، اتبعت بما يدل على ذلك من لطفه في معاملته من أنه لا ~~يفعل شيئا قبل أوانه لأن الاستعجال من سمات الاحتياج. بل وروى أبو يعلى ~~وأحمد بن منيع عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " التأني من الله والعجلة من الشيطان " # قال شيخنا ابن حجر: وفي الباب عن سهل وسعد رضي الله عنهما فقال تعالى ~~عاطفا على قوله { يدبر الأمر } ما معناه أنه تعالى يفعل فعل من ينظر في ~~ادبار الأمور فلا يفعل إلا ما هو في غاية الإحكام، فهو لا يعاجل العصاة ~~بل يمهلهم ويسبغ عليهم النعم وهم في حال عصيانهم له أضل من النعم ~~يطلبون خيراته ويستعجلونه بها: { ولو يعجل ms1993 الله } أي المحيط بصفات الكمال ~~{ للناس } أي الذين اتخذوا القرآن عجبا لما لهم من صفة الاضطراب { الشر ~~استعجالهم } أي عاملا في إرادته لإيقاع الشر بهم مثل عملهم في إرادتهم ~~وطلبهم العجلة { بالخير لقضي } أي حتم وبت وأدى، بناه للمفعول في قراءة ~~الجماعة دلالة على هوانه عنده، ولأن المحذور مجرد فراغه لا كونه من معين. # وبناه ابن عامر للفاعل ونصب الأجل { إليهم } أي الناس خاصة { أجلهم } أي ~~عمرهم أو آخر لحظة تكون منه، فأهلك من في الأرض فاختل النظام الذي دبره، ~~ولكنه لا يفعل إلا ما تقدم من إمهاله لهم إلى ما سمي من الآجال ~~المتفاوتة. وذلك سبب إضلال من يريد ضلاله. ولعل التعبير بنون العظمة في { ~~فنذر } إشارة إلى أن الأمر في غاية الظهور؛ فكان القياس هداهم لكثرة ما ~~عليه من الدلائل الظاهرة ولكنه تعالى أراد ضلالهم وهو من العظمة بحيث لا ~~يعجزه شيء. ويجوز أن يكون معطوفا على قوله { أولئك مأواهم النار } لأن ~~معناه: أولئك يمهلهم الله إلى انقضاء ما ضرب لهم من الآجال مع مبالغتهم ~~في الإعراض. ثم يكون مأواهم النار ولا يعجل لهم ما يستحقونه من الشر { ~~ولو يعجل الله للناس الشر } أي ولو يريد عجلة الشر للناس إذا خالفوه أو ~~إذا استعجلوه به في نحو قولهم # فأمطر علينا حجارة من السماء # [الأنفال: 32] ودعاء الإنسان على ولده وعبده، مثل استعجالهم أي مثل ~~إرادتهم تعجيل الخير. وعدل عن أن يقال: ولو يستعجل الله للناس الشر { ~~استعجالهم بالخير } أي يعجل، دفعا لإيهام النقص بأن من يستعجل الشيء ~~ربما يكون طالبا عجلته من غير لعدم قدرته، وتنبيها على أن الأمر ليس ~~إلا بيده { لقضي إليهم أجلهم } فإنه إذا أراد شيئا كان ولم يتخلف ~~أصلا. # ولما كان التقدير لأن " لو " امتناعية: ولكنه سبحانه لا يفعل ذلك لأنه ~~لا يفوته شيء بل يمهل الظالمين ويدر لهم النعم ويضربهم بشيء من النقم حتى ~~يقولوا: هذه عادة الدهر، قد مس آباءنا الضراء والسراء، سبب عن قوله: { ~~فنذر } أي على أي حالة كانت، ووضع موضع ms1994 الضمير تخصيصا وتنبيها على ما ~~أوجب لهم الإعراض والجرأة قوله: { الذين } وأشار بنفي الرجاء إلى نفي ~~الخوف على الوجه الأبلغ فقال: { لا يرجون لقآءنا } أي بعد الموت بهذا ~~الاستدراج على ما لنا من العظمة التي من أمنها كان أضل من الأنعام { في ~~طغيانهم } أي تجاوزهم للحدود تجاوزا لا يفعله من له أدنى روية { يعمهون ~~} أي يحكم مشيئتنا السابقة في الأزل عميا عن رؤية الآيات صما عن سماع ~~البينات؛ والتعجيل: تقديم الشيء على وقته الذي هو أولى به؛ والشر: ظهور ~~ما فيه الضر، وأصله الإظهار من قولهم: شررت الثوب - إذا أظهرته للشمس، ~~ومنه شرر النار -لظهوره بانتشاره؛ والطغيان: الغلو في ظلم العباد؛ ~~والعمه،شدة الحيرة. ### || [10.12-14] # ولما بين تعالى أن دأبهم استعجالهم بالخير، وكان منه استكشاف الضر، بين ~~أن حالهم عنده الاعتراف، وشكرهم على النجاة منه الإنكار فدأبهم الطغيان ~~والعمه، وذلك في غاية المنافاة لما يدعونه من رجاحة العقول وإصالة الآراء ~~وسلامة الطباع، فالحاصل أن الانسان عند البلاء غير صابر، وعند الرجاء غير ~~شاكر، فكأنه قيل: فإذا مس الإنسان منهم الخير كان في غفلة بالفرح والأشر ~~والمرح { وإذا مس الإنسان } منهم { الضر } وإن كان من جهة يتوقعها ~~لطغيان هو فيه ولا ينزع عنه خوفا مما يتوقعه من حلول الضر لشدة طغيانه ~~وجهله { دعانا } مخلصا معترفا بحقنا عالما بما لنا من كمال العظمة ~~عاملا بذلك معرضا عما ادعاه شريكا لنا كائنا { لجنبه } أي مضطجعا ~~حال إرادته للراحة، وكأنه عبر باللام إشارة إلى أن ذلك أسر أحواله إليه { ~~أو قاعدا } أي متوسطا في أحواله { أو قآئما } أي في غاية السعي في ~~مهماته، لا يشغله عن ذلك شيء في حال من الأحوال، بل يكون ظرف المس بالضر ~~ظرف الدعاء بالكشف، ويجوز أن يكون عبر بالأحوال الثلاثة عن مراتب الضر، ~~وقال: لجنبه، إشارة إلى استحكام الضر وغلبته بحيث لا يستطيع جلوسا كما ~~يقال: فلان لما به، وأشار بالفاء إلى قرب زمن الكشف فقال: { فلما كشفنا } ~~أي بما لنا من العظمة { عنه ضره } أي الذي دعانا لأجله ms1995 { مر } أي في كل ~~ما يريده لاهيا عنا بكل اعتبار { كأن } أي كأنه { لم يدعنآ } أي على ما ~~كان يعترف به وقت الدعاء من عظمتنا؛ ولما كان المدعو يأتي إلى الداعي ~~فيعمل ما دعاه لأجله قال: { إلى } أي كشف { ضر مسه } أي كأن لم يكن له ~~بنا معرفة أصلا فضلا عن أن يعترف بأنا نحن كشفنا عنه ضره، فهذه الآية ~~في بيان ضعف الإنسان وسوء عبوديته، والتي قبلها في بيان قدرة الله وحسن ~~ربوبيته؛ والمس: لقاء من غير فصل؛ والدعاء: طلب الفعل من القادر عليه؛ ~~والضر: إيجاب الألم بفعله أو السبب المؤدي إليه. # ولما كان هذا من فعل الإنسان من أعجب العجب. كان كأنه قيل:لم يفعل ذلك؟ ~~فقيل: لما يزين له من الأمور التي يقع بها الاستدراج لإسرافه. وهذا دأبنا ~~أبدا { كذلك } أي مثل هذا التزيين العظيم الرتبة؛ ولما كان الضار مطلق ~~التزيين، بنى للمفعول قوله: { زين للمسرفين } أي كلهم العريقين في هذا ~~الوصف { ما كانوا } أي بجبلاتهم { يعملون } أي يقبلون عليه على سبيل ~~التجديد والاستمرار من المعصية بالكفر وغيره مع ظهور فساده ووضوح ضرره؛ ~~والإسراف: الإكثار من الخروج عن العدل. # ولما كان محط نظرهم الدنيا، وكان هذا صريحا في الإمهال للظالمين ~~والإحسان إلى المجرمين، أتبعه بقوله تعالى مهددا لهم رادعا عما هم فيه ~~من اتباع الزينة مؤكدا لأنهم ينكرون أن هلاكهم لأجل ظلمهم: { ولقد ~~أهلكنا } أي بما لنا من العظمة { القرون } أي على ما لهم من الشدة ~~والقوة؛ ولما كان المهلكون هلاك العذاب المستأصل بعض من تقدم، أثبت الجار ~~فقال: { من قبلكم لما ظلموا } أي تكامل ظلمهم إهلاكا عم آخرهم وأولهم ~~كنفس واحدة دفعا لتوهم أنه سبحانه لا يعم بالهلاك، وقال تعالى عطفا على ~~{ أهلكنا }: { وجآءتهم رسلهم } أي إلى كل أمة رسولها { بالبينات } أي ~~التي بينت بمثلها الرسالة { وما } أي والحال أنهم ما { كانوا } أي ~~بجبلاتهم، وأكد النفي بمن ينكر أن يتأخر إيمانهم عن البيان فقال: { ~~ليؤمنوا } ولو جاءتهم كل آية، تنبيها لمن قد يطلب أنه سبحانه يريهم ~~بوادر ms1996 العذاب أو ما اقترحوه من الآيات ليؤمنوا، فبين سبحانه أن ذلك لا ~~يكون سببا لإيمان من قضى بكفره، بل يستوي في التكذيب حاله قبل مجيء ~~الآيات وبعدها ليكون سببا لهلاكه. # فكأنه قيل: هل يختص ذلك بالأمم الماضية؟ فقيل: بل { كذلك } أي مثل ذلك ~~الجزاء العظيم { نجزي القوم } أي الذين لهم قوة على محاولة ما يريدونه { ~~المجرمين } لأن السبب هو العراقة الإجرام وهو قطع ما ينبغي وصله، فحيث ما ~~وجد جزاؤه؛ والإهلاك: الإيقاع فيما لا يتخلص منه من العذاب؛ والقرن: أهل ~~العصر لمقارنة بعضهم لبعض. # ولما صرح بأن ذلك عام لكل مجرم، أتبعه قوله: { ثم جعلناكم } أي أيها ~~المرسل إليهم أشرف رسلنا { خلائف في الأرض } أي لا في خصوص ما كانوا فيه: ~~ولما كان زماننا لم يستغرق ما بعد زمان المهلكين أدخل الجار فقال: { من ~~بعدهم } أي القرون المهلكة إهلاك الاستئصال { لننظر } ونحن - بما لنا من ~~العظمة - أعلم بكم من أنفسكم، وإنما ذلك لنراه في عالم الشهادة لإقامة ~~الحجة { كيف تعملون } فيتعلق نظرنا بأعمالكم موجودة تخويفا للمخاطبين من ~~أن يجرموا فيصيبهم ما أصاب من قبلهم. ### || [10.15-18] # ولما تقدم أن من قضى بشقاوته لا يتأتى إيمانه بآية من الآيات حتى تنزل ~~به سطوته وتذيقه بأسه ونقمته. وكان القرآن أعظم آية أنزلت إلى الناس لما ~~لا يخفى. أتبع ذلك عطفا على قوله { قال الكافرون إن هذا لسحر مبين } ~~بقوله بيانا لذلك: { وإذا تتلى } بناه للمفعول إيذانا بتكذيبهم عند ~~تلاوة أي تال كان. وأبداه مضارعا إشارة إلى أنهم يقولون ذلك ولو تكررت ~~التلاوة { عليهم } أي على هؤلاء الناس { آياتنا } أي على ما لها من ~~العظمة بإسنادها إلينا { بينات } فإنه مع ما اشتمل عليه مما لزمهم به ~~الإقرار بحقيقته قالوا فيه ما لا معنى له إلا التلاعب والعناد، ويجوز ~~عطفه على { ثم جعلناكم خلائف } - الآية - والالتفات إلى مقام الغيبة ~~للإيذان بأنهم للإعراض لإساءتهم الخلافة، والموصول بصلته في قوله: { قال ~~الذين لا يرجون لقآءنا } في موضع الضمير تنبيها على أن هذا الوصف علة ~~قولهم، ولعله عبر ms1997 بالرجاء ترغيبا لهم لأن الرجاء محط أمرهم في طلب ~~تعجيله للخير ودفعه للضمير. فكان من حقهم أن يرجوا لقاءه تعالى رغبة في ~~مثل ما أعده لمن أجابه، ولوح إلى الخوف بنون العظمة ليكون ذلك أدعى لهم ~~إلى الإقبال { ائت } أي من عندك { بقرآن } أي كلام مجموع جامع لما تريد { ~~غير هذا } في نظمه ومعناه { أو بدله } أي بألفاظ أخرى والمعاني باقية وقد ~~كانوا عالمين صلى الله عليه وسلم مثلهم في العجز عن ذلك ولكنهم قصدوا أنه ~~يأخذ في التعبير حرصا على إجابة مطلوبهم فيبطل مدعاه أو يهلك. # ولما كان كأنه قيل: فماذا أقول لهم؟ قال: { قل ما يكون } أي يصح ويتصور ~~بوجه من الوجوه { لي } ولما كان التبديل يعم القسمين الماضيين قال: { أن ~~أبدله } وقال: { من تلقاء } أي عند وقبل { نفسي } إشارة إلى الرد عليهم ~~في إنكار تبديل الذي أنزله بالنسخ بحسب المصالح كما أنزل أصله لمصلحة ~~العباد مع نسخ الشرائع الماضية به، فأنتج ذلك قطعا قوله: { إن أتبع } أي ~~بغاية جهدي { إلا ما } ولما كان قد علم أن الموحي إليه الله قال { يوحى ~~إلي } أي سواء كان بدلا أو أصلا؛ ثم علل ذلك بقوله مؤكدا لإنكارهم ~~مضمونه: { إني أخاف } أي على سبيل التجدد والاستمرار { إن عصيت ربي } أي ~~المحسن إلي والموجد لي والمربي والمدبر بفعل غير ما شرع لي { عذاب يوم ~~عظيم } فإني مؤمن به غير مكذب ولا شاك كغيري ممن يتكلم من الهذيان بما لا ~~يخاف عاقبته في ذلك اليوم، وإذا خفته - مع استحضار صفة الإحسان - هذا ~~الخوف فكيف يكون خوفي مع استحضار صفة الجلال. ولما تم ما دفع به مكرهم في ~~طعنهم، اتبعه بعذره صلى الله عليه وسلم في الإبلاغ على وجه يدل قطعا على ~~أنه كلام الله وما تلاه إلا بإذنه فيجتث طعنهم من أصله ويزيله بحذافيره ~~فقال: { قل } أي لهم معلما أنه سبحانه إما أن يشاء الفعل وإما أن يشاء ~~عدمه وليست ثم حالة سكوت أصلا { لو شآء الله } أي الذي له العظمة كلها ~~أن ms1998 لا أتلوه عليكم { ما تلوته } أي تابعت قراءته { عليكم ولآ أدراكم } أي ~~أعلمكم على وجه المعالجة هو سبحانه { به } على لساني؛ ولما كان ذكر ذلك ~~أتبعه السبب المعرف به فقال: { فقد لبثت فيكم عمرا } ولما كان عمره لم ~~يستغرق زمان القبل قال: { من قبله } مقدار أربعين سنة بغير واحد من ~~الأمرين لكون الله لم يشأ واحدا منهما إذ ذاك، ثم أتيتكم بهذا الكتاب ~~الأحكم المشتمل على حقائق علم الأصول ودقائق علم الفروع ولطائف علم ~~الأخلاق وأسرار قصص الأولين في عبارة قد عجزتم - وأنتم أفصح الناس ~~وأبلغهم - عن معارضة آية منها، فوقع بذلك العلم القطعي الظاهر جدا أنه ~~من عند الله فلذلك سبب عنه إنكار العقل فقال: { أفلا تعقلون } إشارة إلى ~~أنه يكفي - في معرفة أن القرآن من عند الله وأن غيره عاجز عنه - كون ~~الناظر في أمره وأمري من أهل العقل، أي أفلا يكون لكم عقل فتعرفوا به ~~حقيقة القرآن بما أرشدكم إليه في هذه الآية من هذا البرهان الظاهر ~~والسلطان القاهر القائم على أنه ما يصح لي بوجه أن أبدله من قبل نفسي ~~لأني مثلكم وقد عرفتم أنكم عاجزون عن ذلك مع التظاهر، فأنا وحدي - مع ~~كوني أميا - أعجز، ومن أنه تعالى لو شاء ما بلغكم، ومن أني مكثت فيكم ~~إتياني به زمنا طويلا لا أتلو عليكم شيئا ولا أدعي فيكم علما ولا ~~أتردد إلى عالم؛ وتعرفوا أن قائل ما قلتم مكذب بآيات الله، وفاعل ما ~~طلبتم كاذب على الله، وكل من ذلك أظلم الظلم { فمن } أي فهو سبب لأن ~~يقال: من { أظلم ممن افترى } أي تعمد { على الله } أي الذي حاز جميع ~~العظمة { كذبا } أي أي كذب كان، وكان الأصل: مني، على تقدير أن لا يكون ~~هذا القرآن من عند الله كما زعمتم، ولكنه وضع هذا الظاهر مكانه تعميما ~~وتعليقا للحكم بالوصف { أو كذب بآياته } كما فعلتم أنتم، وذلك من أعظم ~~الكذب. # ولما كان التقدير: لا أحد أظلم منه فهو لا يفلح لأنه مجرم، علله بقوله ~~مؤكدا لأجل ms1999 إنكارهم: { إنه لا يفلح } أي بوجه من الوجوه { المجرمون } فد ~~وضح أن المقصود نفي الكذب عن نفسه صلى الله عليه وسلم وإلحاق الوعيد حيث ~~كذبوا بالآيات بعد ثبوت أنها من عند الله والإعلام بأنه لا أحد أظلم منهم ~~لأنهم كذبوا على الله في كل ما ينسبونه إليه مما نهى عنه وكذبوا بآياته، ~~والإتيان بالغير قد يكون مع وجود الأول والتبديل لا يكون إلا برفع الأول ~~ووضع غيره مكانه؛ والتلقاء: جهة مقابلة الشيء، أتبعه بمجيئه ~~بعده؛والمشيئة خاصة تكون سببا مؤديا إلى وقوع الشيء، ومرتبا له على ~~وجه قد يمكن أن يقع خلافه، والإرادة نظيرها؛ والعقل: العلم الغريزي الذي ~~يمكن به الاستدلال بالشاهد على الغائب، ويجوز أن يكون { ويعبدون } حالا ~~من { الذين لا يرجون لقاءنا } أي قالوا ذلك عابدين { من دون الله } أي ~~الملك الأعلى الذي له جميع صفات الكمال الذي ثبت عندهم أن هذا القرآن ~~كلامه لعجزهم عن معارضة شيء منه وهو ينهاهم عن عبادة غيره وهم يعلمون ~~قدرته على الضر والنفع. # ولما كان السياق للتهديد والتخويف، قدم الضر لذلك وتنبيها لهم على أنهم ~~مغمورون في نعمه التي لا قدرة لغيره على منع شيء منها، فعليهم أن يقيدوها ~~بالشكر فقال: { ما لا يضرهم } أي أصلا من الأصنام وغيرها { ولا ينفعهم } ~~في معارضة القرآن بتبديل أو غيره ولا في شيء من الأشياء، ومن حق المعبود ~~أن يكون مثيبا على الطاعة معاقبا على المعصية وإلا كانت عبادته عبثا، ~~معرضين عما جاءهم من الآيات البينات من عند من يعلمون أنه يضرهم وينفعهم ~~ولا يملك شيئا من ذلك أحد سواه، وقد أقام الأدلة على ذلك غير مرة، وفي ~~هذا غاية التبكيت لهم بمنابذة العقل مع ادعائهم رسوخ الأقدام فيه وتمكن ~~المجال منه؛ والعبادة: خضوع بالقلب في أعلى مراتب الخضوع؛ ثم عجب منهم ~~تعجيبا آخر فقال: { ويقولون } أي لم يكفهم قوله ذلك مرة من الدهر حتى ~~يجددوا قوله مستمرين عليه: { هؤلاء } أي الأصنام أو غيرهم { شفعاؤنا } أي ~~ثابته شفاعتهم لنا { عند الله } أي الملك الأعظم الذي ms2000 لا يمكن الدنو من ~~شيء من حضرته إلا بإذنه، وقد مضى إبطال ما تضمنته هذه المقالة في قوله ~~تعالى { ما من شفيع إلا من بعد إذنه } وفيه تخجيلهم في العجز عن تبديل ~~القرآن أو الإتيان بشيء من مثله حيث لم تنفعهم في ذلك فصاحتهم ولا أغنت ~~عنهم شيئا بلاغتهم، وأعوزهم في شأنه فصحاءهم، وضل عنهم شفعاءهم، فدل ذلك ~~قطعا على أنه ما من شفيع إلا بإذنه من بعد، فكأنه قال: بماذا أجيبهم؟ ~~فقال: { قل } منكرا عليهم هذا العلم { أتنبئون } أي تخبرون إخبارا ~~عظيما { الله } وهو العالم بكل شيء المحيط بكل كمال { بما لا يعلم } أي ~~لا يوجد له به علم في وقت من الأوقات { في السماوات } ولما كان الحال ~~مقتضيا لغاية الإيضاح، كرر النافي تصريحا فقال: { ولا في الأرض } وفي ~~ذلك من الاستخفاف بعقولهم مما لا يقدرون على الطعن فيه بوجه ما يخجل ~~الجماد، فإن ما لا يكون معلوما لله لا يكون له وجود أصلا، فلا نفي أبلغ ~~من هذا كما أنك إذا بالغت في نفي شيء عن نفسك تقول: هذا شيء ما عمله الله ~~مني. # ولما بين تعالى هنا ما هم عليه من سخافة العقول وركاكة الآراء، ختم ذلك ~~بتنزيه نفسه بقوله: { سبحانه } أي تنزه عن كل شائبة نقص تنزها لا يحاط ~~به { وتعالى } أي وفعل بما له من الإحاطة بأوصاف الكمال فعل المبالغ في ~~التنزه { عما يشركون* } أي يوجدون الإشراك به. ### || [10.19-20] # ولما بين شرارتهم بعبادة غير الله وختم بتنزيهه وكماله، بين أن هذا ~~الدين الباطل حادث، وين نزاهته وكماله ببيان أن الناس كانوا أولا ~~مجتمعين على طاعته ثم خالفوا أمره فلم يقطع إحسانه إليهم بل استمر في ~~إمهالهم مع تماديهم في سوء أعمالهم ما سبق في عمله ومضى به قضاءه فقال ~~تعالى: { وما كان الناس } أي كلهم مع ما لهم من الاضطراب { إلا أمة } ~~ولما أفهم ذلك وحدتهم في القصد حققه وأكده فقال: { واحدة } أي حنفاء ~~متفقين على طاعة الله { فاختلفوا } في ذلك على عهد نوح عليه ms2001 السلام - كما ~~روي عن ابن عباس رضي الله عنهما - عقب وحدتهم بسبب ما لهم من النوس ~~فاستحق كافرهم تنجيز العقاب { ولولا كلمة } أي عظيمة { سبقت } أي في ~~الأزل { من ربك } أي المحسن إليك برحمة أمتك بإمهالهم، وبين التأكيد بما ~~دل على القسم لأجل إنكارهم أن يكون تأخيرهم لأجل ذلك فقال: { لقضي بينهم ~~} أي عاجلا بأيسر أمر { فيما } ولما لم يبين الكلام على الاتخاذ الذي ~~محط أمره معالجة بالباطن، لم يذكر الضمير بخلاف الزمر فقال: { فيه } أي ~~لا في غيره بأن يعجل جزاءهم عليه: { يختلفون* } وأشار ذلك إلى أن هذا ~~الأمر الذي دعوا إليه ليس أمرا طارئا حادثا فيكون بحيث يتوقف فيه ~~للنظر في عواقبه والتأمل في مصادره وموارده، بل هو - مع ظهور دلائله ~~واستقامة مناهجه وصحة مذاهبه وإلقاء الفطر أزمة الانقياد إليه - أصل ما ~~كان العباد عليه، وما هم فيه الآن هو الطارىء الحادث مع ظهور فساده ووضوح ~~سقمه، وهو ناظر إلى قوله تعالى { أكان للناس عجبا } لأن قوله { قال ~~الكافرون إن هذا لسحر مبين } دال على أنهم قسمان: كافر ومؤمن؛ والأمة: ~~الجماعة على معنى واحد في خلق واحد كأنها تؤم - أي تقصد - شيئا واحدا؛ ~~ثم قال تعالى عطفا على قوله { ويعبدون }: { ويقولون } أي أنهم لما أتتهم ~~البينات قالوا: ائت بقرآن غير هذا، كافرين بمنزلها عابدين من دونه ما لا ~~يرضى عاقل بتسويته بنفسه فكيف بعبادته قائلين بفرط عنادهم وتماديهم في ~~التمرد { لولا } أي هلا ولم لا { أنزل } أي بأي وجه كان { عليه آية } أي ~~واحدة كائنة وآتية { من ربه } أي المحسن إليه غير ماجاء به وذلك إما ~~لطلبهم آية ملجئة لهم إلى الإيمان أو لكونهم لم يعدوا ما أنزل عليه عداد ~~الآيات فضلا عن كونها بينات، وكفى بالقرآن وحده آية باقية على وجه الدهر ~~بديعة في الآيات دقيقة المسلك بين المعجزات مع عجزهم عن معارضته بتبديل ~~أو غيره، فأي عناد أعظم من هذا. # ولما كان في ذلك شوب من الاستفهام، قال مسببا عن قولهم: { فقل } قاصرا ~~قصرا حقيقيا { إنما ms2002 الغيب } أي الذي عناه عيسى عليه السلام بقوله # ولا أعلم ما في نفسك # [المائدة: 116] وهو ما لم يطلع عليه مخلوق أصلا { لله } أي الذي له ~~الإحاطة الكاملة وحده، لا علم لي بعلة عدم إنزال ما تريدون، وهل تجابون ~~إليه أو لا. # ولما خصه سبحانه بالعلم. وكان إنزال الآيات من الممكنات. سبب عنه قوله: ~~{ فانتظروا } ثم أجاب من كأنه يقول له: فما تعمل أنت؟ بقوله: { إني معكم ~~} أي في هذا الأمر غير مخالف لكم في التشوف إلى آية تحصل بها هدايتكم، ثم ~~حقق المعنى وأكده فقال: { من المنتظرين* } أي لما يرد علي من آية وغيرها. ### || [10.21-23] # ولما كان طلبهم محركا لنفوس الخيرين إلى ترجى إجابة سؤالهم، أتبعه ~~سبحانه بما يبين أن ذلك غير نافع لهم لأنه محض تعنت. فقال تعالى عاطفا ~~على قوله { قال الكافرون إن هذا لسحر مبين } أو { وإذا مس الإنسان الضر ~~} مبينا أن رحمته محققة الوجود كثيرة الورود إليهم مبينا أن لهم آية ~~عظمى من أنفسهم لا يحتاجون معها إلى التعنت بطلب آية وهي دالة على نتيجة ~~مقصود السورة الذي هو الوحدانية وأن إشراكهم إنما هو بما لهم من نقص ~~الغرائز الموجب لكفران الإحسان، وذلك أنهم عامة إذا أكرموا بنعمة قابلوها ~~بكفر جعلوا ظرفه على مقدار ظرف تلك النعمة بما أشار إليه التعبير ب " ~~إذا " ثم إذا مسهم الضر ألجأهم إلى الحق فأخلصوا، لم يختلف حالهم في هذا ~~قط، وهذا الإجماع من الجانبين دليل واضح على كلا الأمرين؛ الكفر ظلما ~~بما جر إليه من البطر. والتوحيد حقا بما دعا إليه من الفطرة القويمة ~~الكائنة في أحسن تقويم بما زال عنها إلحاق الضرر من الحظوظ والشهوات ~~والفتور، وهذا كما وقع في سورة الروم المافقة لهذه في الدلالة على ~~الوحدانية فلذا عبر في كل منهما بالناس ليكون إجماعهم دليلا كافيا ~~عليها وسلطانا جليلا مضطرا إليها - والله الهادي: { وإذا أذقنا } أي ~~على ما لنا من العظمة { الناس } أي الذين لهم وصف الاضطراب { رحمة } أي ~~نعمة رحمناهم بها من غير استحقاق. # ولما ms2003 كان كان وجود النعمة لا يستغرق الزمان الذي يتعقب النقمة، أدخل ~~الجار فقال: { من بعد ضراء } أي قحط وغيره { مستهم } فاجأوا المكر وهو ~~معنى { إذا لهم مكر } أي عظيم بالمعاصي التي يفعلون في الاستخفاء بأغلبها ~~فعل الماكر { في آياتنا } إشارة إلى أنهم لا ينفكون عن آياته العظام، فلو ~~كانوا منتفعين بالآيات اهتدوا بها، فإذا أتتهم رحمة من بعد نقمة لم ~~يعدوها آية دالة على من أرسلها لهم لخرقها لما كانوا فيه من عادة النقمة ~~مع أنهم يعترفون بأنه لا يقدر على إرسالها وصرف الشدة إلا هو سبحانه، بل ~~يعملون فيها عمل الماكرين بأن يصرفوها عن ذلك بأنواع الصوارف كأن ينسبوها ~~إلى الأسباب كنسبة المطر للأنواء ونحو ذلك غير خائفين من إعادة مثل تلك ~~الضراء أو ما هو أشد منها. # ولما كانت هذه الجملة دالة على إسراعهم بالمكر من ثلاثة أوجه: التعبير ~~بالذوق الذي هو أول المخالطة ولفظ " من " التي هي للابتداء و " إذا " ~~الفجائية، كان كأنه قيل: أسرعوا جهدهم في المكر، فقيل: { قل الله } أي ~~الذي له له الإحاطة الكاملة بكل شيء { أسرع مكرا } ومعنى اوصف بالأسرعية ~~أنه قضى بعقابهم قبل تدبيرهم مكايدهم - نبه عليه أبو حيان ولما كان المكر ~~إخفاء الكيد، بين لهم سبحانه أنهم غير قادرين على مطلق المكر في جهته عز ~~شأنه وتعالى كبرياءه وسلطانه، لأنه عالم بالسر وأخفى، بل لا يمكرون مكرا ~~إلا ورسله سبحانه مطلعون عليه فكيف به سبحانه! فقال تعالى مؤكدا لأجل ~~إنكارهم: { إن رسلنا } أي على ما لهم من العظمة بإضافتهم إلينا { يكتبون ~~} أي كتابة متجددة على سبيل الاستمرار باستمرار المكتوب { ما تمكرون* } ~~لأنهم قد وكلوا بكم قبل كونكم نطفا ولم يوكلوا بكم إلا بعد علم موكلهم ~~بكل ما يفعلونه ولا يكتبون مكركم إلا بعد اطلاعهم عليه، وأما هو سبحانه ~~فإذا قضى لا يمكن أن يطلع عليه رسله إلا باطلاعه فكيف بغيرهم! وإذا تبين ~~أنه عالم بأمورهم وهم جاهلون بأموره، علم أنه لا يدعهم يدبرون كيدا إلا ~~وقد سبب له ما يجعله في ms2004 نحورهم؛ والمكر: فتل الشيء إلى غير وجهه على طريق ~~الحيلة فيه؛ والسرعة؛ الشيء في وقته الذي هو أحق به، وقد تضمنت الآية ~~البيان عما يوجبه حال الجاهل من تضييع حق النعمة والمكر فيها وإن جلت ~~منزلتها وأتت على فاقة إليها وشدة حاجة إلى نزولها مع الوعيد بعائد ~~الوبال على الماكر فيها، ثم أخذ سبحانه يبين ما يتضح به أسرعية مكره في ~~مثال دال على ما في الاية قبلها من نقله سبحانه لعباده من الضر إلى ~~النعمة ومن سرعة تقلبهم فقال: { هو } أي لا غيره { الذي يسيركم } أي في ~~كل وقت تسيرون فيه سيرا عظيما لا تقدرون على الانفكاك عنه { في البر ~~والبحر } أي يسبب لكم أسبابا توجب سيركم فيهما ويقدركم على ذلك ويهديكم ~~من بين سائر الحيونات إلى ما فيه من أصناف المنافع مع قدرته على إصابتكم ~~في البر بالخسف وما بالخسف وما دونه وفي البحر بالغرق وما أشبهه. # ولما كان العطب بأحوال البحر أظهر مع أن السير فيه من أكبر الآيات وأوضح ~~البينات، بينه معرضا عن ذكر البر فقال: { حتى إذا كنتم } أي كونا لا ~~براح لكم منه { في الفلك } أي السفن، يكون واحدا وجمعا؛ وأعرض عنهم بعد ~~الإقبال لما سيأتي فقال: { وجرين } أي الفلك؛ { بهم } ولما ذكر جريها وهم ~~فيها، ذكر سببه فقال: { بريح طيبة } ثم أوضح لهم عدم علمهم بالعواقب ~~بقوله: { وفرحوا بها } أي بتلك الريح وبالفلك الجارية بها { جاءتها ريح ~~عاصف } فأزعجت سفنهم وساءتهم { وجاءهم الموج } أي المعروف لكل أحد ~~بالرؤية أو الوصف { من كل مكان } أي يعتاد الإتيان منه فأرجف قلوبهم { ~~وظنوا أنهم } ولما كان المخوف الهلاك، لا كونه من معين، بني للمفعول ما ~~هو كناية عنه لأن العدو إذا أحاط بعدوه أيقن بالهلاك فقال: { أحيط بهم }. # ولما كان ما تقدم من حالهم الغريبة التي تجب لها القلوب وتضعف عندها ~~القوى - مقتضيا لأن يسأل عما يكون منهم عند ذلك، أتى المقال على مقتضى ~~هذا السؤال مخبرا عن تركهم العناد وإخلاصهم الدال على جزعهم عند سطواته ms2005 ~~وانحلال عزائمهم في مشاهدة ضرباته، وعبارة لرماني: اتصال دعوى الأجوبة، ~~كأنه قيل: لما ظنوا أنهم أحيط بهم { دعوا الله } أي الذي له صفات الكمال ~~بالرغبة إليه في الخلاص والعبادة له بالإخلاص { مخلصين } أي عن كل شرك { ~~له الدين * } أي التوحيد والتصديق بالظاهر والباطن، وقد تضمنت الآية ~~البيان عما يوجبه بديهة العقل من الفزع عند الشدة إلى واهب السلامة ومسبغ ~~النعمة في كشف تلك البلية؛ ثم أتبع سبحانه ذلك حكاية حالهم في وعدهم ~~الشكر على النجاة ثم كذبهم في ذلك مع ادعائهم أنهم أطهر الناس ذيولا عن ~~الكذب وأشدهم استقباحا له وأبعد الناس من كفران الإحسان،فقال تعالى ~~حاكيا قولهم الذي دلوا بتأكيدهم له أنهم قالوه بغاية الرغبة نافين ما ~~يظن بهم من الرجوع إلى ما كانوا فيه قبل تلك الحال من الكفر: { لئن ~~أنجيتنا } أي أيها الملك الذي لا سلطان لغيره { من هذه } أي الفادحه { ~~لنكونن } أي كونا لا ننفك عنه { من الشاكرين* } أي المديمين لشكرك ~~العريقين في الاتصاف به. # ولما أعلم سبحانه أنهم اكدوا هذا الوعد هذا التأكيد، أتبعه بيان أنهم ~~أسرعوا في نقضه غاية الإسراع فقال: { فلما أنجاهم } ولما أبانت الفاء عن ~~الإسراع في النقض، أكد مناجاتهم لذلك بقوله: { إذا هم يبغون } أي ~~يتجاوزون الحدود { في الأرض } أي جنسها { بغير الحق } أي الكامل، فلا ~~يزال الباغي مذموما حتى يكون على الحق الكامل الذي لا باطل فيه بوجه، ~~وجاء الخطاب أولا في { يسيركم } ليعم المؤمنين لأن التسيير يصلح ~~للامتنان، ثم التفت إلى الغيبة عند صدور ما لا يليق بهم - نبه على ذلك ~~أبو حيان، وأحسن منه أن يقال: إنه سبحانه أقبل عليهم تنبيها على أنه ~~جعلهم - بما هيأ فيهم من القوى - أهلا لخطابه ثم أعرض عنهم إشارة إلى ~~أنهم استحقوا الإعراض لإعراضهم اغترارا بما أتاحهم من الريح الطيبة في ~~محل يجب فيه الإقبال عليه والغنى عن كل ما سواه لعظم الخطر وشدة الأمر، ~~وكأنه يذكر لغيرهم من حالهم ما يعجبه منه لينكر عليهم ويقبح حالهم؛ ~~والتسيير: التحريك في جهة تمتد ms2006 كالسير؛ والبر: الأرض الواسعة التي تقطع ~~من بلد، ومنه البر لاتساع الخير به؛ والبحر: مستقر الماء الواسع حتى لا ~~يرى من وسطه حافتاه؛ والفلك: السفن التي تدور في الماء، وأصله الدور، ~~فمنه فلكة المغزل، والفلك الذي يدور فيه النجوم؛ والنجاة: التخليص من ~~الهلاك؛ والبغي: قصد الاستعلاء بالظلم، وأصله الطلب؛ والحق: وضع الشيء في ~~موضعه على ما يدعو إليه العقل؛ ثم بين أن ما هم فيه من الإمهال إنما هو ~~متاع الدنيا وأنها دار زوال فقال تعالى: { يا أيها الناس } أي الذي غلب ~~عليهم وصف الاضطراب { إنما بغيكم } أي كل بغي يكون منكم { على أنفسكم } ~~لعود الوبال عليها خاصة وهو على تقدير انتفاعكم به عرض زائل { متاع ~~الحياة الدنيا } ثم يبقى عاره وخزيه بعد الموت { ثم إلينا } أي خاصة { ~~مرجعكم } بعد البعث { فننبئكم } على ما لنا من العظمة إنباء عظيما { بما ~~كنتم } أي كونا هو كالجبلة { تعملون* } ونجازيكم عليه. ### || [10.24] # ولما كان السياق لإثبات البعث وتخويفهم به وكانوا ينكرونه ويعتقدون بقاء ~~الدنيا وأنها إنما هي أرحام تدفع وأرض تبلغ دائما بلا انقضاء فهي دار ~~يرضى بها فيطمئن إليها، وللتنفير من البغي والتعزز بغير الحق، وكانت ~~الأمثال أجلى لمحال الأشكال، قال تعالى ممثلا لمتاعها قاصرا أمرها على ~~الفناء ردا عليهم في اعتقاد دوامها من غير بعث: { إنما } فهو قصر قلب { ~~مثل الحياة الدنيا } التي تتنافسون فيها في سرعة انقضائها وانقراض نعيمها ~~بعد عظيم إقباله { كماء أنزلناه } أي بما لنا من العظمة وحقق أمره وبينه ~~بقوله: { من السماء } فشبهه بأمر النبات وأنه قليل يبلغ منتهاه فتصبح ~~الأرض منه بلاقع بعد ذلك الاخضرار والينوع، وفي ذلك إشارة إلى البعث وإلى ~~أنه تعالى قادر على ضربة قبل نهايته أو بعدها ببعض الآفات كما يوجد في ~~بعض السنين، فيقفرون منه ويفتقرون إليه، وفي ذلك تحذيرعظيم { فاختلط } أي ~~بسبب إنزالنا له { به } أي بسبب تليينه ولطافته { نبات الأرض } عموما في ~~بطنها { مما يأكل الناس } أي كافة { والأنعام } من الحبوب والثمار ~~والبقول فظهر على وجهها { حتى } ولم يزل ms2007 كذلك ينمو ويزيد في الحسن ~~والجرم؛ ولما كان الخصب هو الأصل، عبر عنه بأداة التحقيق فقال: { إذا } ~~ولما كانت بهجة النبات تابعة للخصب، فكان الماء كأنه يعطيها إياها ~~فتأخذه، قال: { أخذت الأرض } أي التي لها أهلية النبات { زخرفها وازينت } ~~بأنواع ذلك النبات زينة منها الجلي ومنها الخفي - بما يفهمه الإدغام { ~~وظن أهلها } أي ظنا مؤكدا جدا بما أفاده العدول عن " قدرتهم " إلى { ~~أنهم قادرون } أي ثابته قدرتهم { عليها } باجتناء الثمرة من ذلك النبات ~~وغاب عنهم لجهلهم علم العاقبة، فلما كان ذلك { أتاها أمرنا } أي الذي لا ~~يرد من البرد أو الحر المفرطين { ليلا أو نهارا فجعلناها } أي زرعها ~~وزينتها بعظمتها بسبب ذلك الأمر وتعقيبه بالإهلاك { حصيدا } وعبر بما ~~فهمه فعيل من المبالغة والثبات بقوله: { كأن } أي كأنها { لم تغن } أي لم ~~تكن غانية أي ساكنة حسنة غنية ذات وفر مطلوبة مرغوبا فيها أي زرعها ~~وزينتها { بالأمس } فكان حال الدنيا في سرعة انقضائها وانقراض نعيمها بعد ~~عظيم إقباله كحال نبات الأرض في جفافه وذهابه حطاما بعد ما التف وزين ~~الأرض بخضرته وألوانه وبهجته. # ولما كان هذا المثل في غاية المطابقة للساعة، هز السامع له فازداد عجبه ~~من حسن تفصيله بعد تأصيله فقيل جوابا له: { كذلك } أي مثل هذا التفصيل ~~الباهر { نفصل } أي تفصيلا عظيما { الآيات لقوم } أي ناس أقوياء فيهم ~~قوة المحاولة لما يريدون { يتفكرون* } أي يجددون الفكر على وجه الاستمرار ~~والمبالغة؛ والمثل: قول سائر يشبه فيه الحال الثاني بالأول؛ والاختلاط: ~~تداخل الأشياء بعضها في بعض؛ والزخرف: حسن الألوان. ### || [10.25-29] # ولما قرر سبحانه هذه الآيات التي حذر فيها من أنواع الآفات، بين أن ~~الدار التي رضوا بها وأطمأنوا إليها دار المصائب ومعدن الهلكات والمعاطب ~~وأنها ظل زائل تحذيرا منها وتنفيرا عنها، بين تعالى أن الدار التي دعا ~~إليها سالمة من كل نصب وهم ووصب، ثابته بلا زوال، فقال تعالى عاطفا على ~~قوله { إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض } ترغيبا في الآخرة وحثا ~~عيها: { والله } أي الذي له الجلال والإكرام { يدعوا ms2008 } أي يعلق دعاءه على ~~سبيل التجدد والاستمرار بالمدعوين { إلى دار السلام } عن قتادة أنه ~~سبحانه أضافها إلى اسمه تعظيما لها وترغيبا فيها، يعني بأناه لا عطب ~~فيها أصلا، والسلامة فيها دائمة، والسلام فيها فاش من بعضهم على بعض ومن ~~الملائكة وغيرهم؛ والدعاء: طلب الفعل بما يقع لأجله، والدواعي إلى الفعل ~~خلاف الصوارف عنه. # ولما أعلم - بالدعوة بالهداية بالبيان وأفهم ختم الآية بقوله: { ويهدي ~~من يشاء } أي بما يخلق في قلبه من الهداية { إلى صراط مستقيم* } أن من ~~الناس من يهديه ومنهم من يضله. وأن الكل فاعلون لما يشاء - كان موضع أن ~~يقال: هل هم واحد في جزائه كما هم واحد في الانقياد لمراده؟ فقيل: لا، بل ~~هم فريقان: { للذين أحسنوا } أي الأعمال في الدنيا منهم وهم من هداه { ~~الحسنى } أي الخصلة التي هي في غاية الحسن من الجزاء { وزيادة } أي عظيمة ~~من فضل الله فالناس: مزيد خرجت هدايته من الجهاد # والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا # [العنكبوت: 69]، ومراد خرجت هدايته من المشيئة، فالدعوة إلى الجنة ~~بالبيان عامة، والهداية إلى الصراط خاصة لأنها الطريق إلى المنعم. # ولما كان النعيم لا يتم إلا بالدوام بالأمن من المضار قال: { ولا يرهق ~~} أي يغشي ويلحق { وجوههم قتر } أي غبرة كغبره الموت وكربة، وهو تغير في ~~الوجه معه سواد وعبوسة تركبهما غلبة { ولا ذلة } أي كآبة وكسوف يظهر منه ~~الانكسار والهوان. # ولما كان هذا واضحا في أنهم أهل السعادة، وصل به قوله: { أولئك } أي ~~العالو الرتبة { أصحاب الجنة } ولما كانت الصحبة جديرة بالملازمة، صرح ~~بها في قوله: { هم } أي لا غيرهم { فيها } أي خاصة { خالدون } أي مقيمون ~~لا يبرحون، لأنهم لا يريدون ذلك لطيبها ولا يراد بهم. # ولما بين حال الفضل فيمن أحسن، بين حال العدل فيمن أساء فقال: { والذين ~~كسبوا } أي منهم { السيئات } أي المحيطة بهم { جزآء سيئة } أي منهم { ~~بمثلها } بعدل الله من غير زيادة { وترهقهم ذلة } أي من جملة جزائهم، ~~فكأنه قيل: أما لهم انفكاك عن ذلك؟ فقيل جوابا: { ما لهم من الله ms2009 } أي ~~الملك الأعظم؛ وأغرق في النفي فقال: { من عاصم } أي يمنعهم من شيء يريده ~~بهم. # ولما كان من المعلوم أن ذلك مغير لأحوالهم، وصل به قوله: { كأنما } ولما ~~كان المكروه مطلق كونها بالمنظر السيىء، بني للمفعول قوله: { أغشيت ~~وجوههم } أي أغشاها مغش لشدة سوادها لما هي فيه من السوء { قطعا } ولما ~~كان القطع بوزن عنب مشتركا بين ظلمة آخر الليل وجمع القطعة من الشيء. ~~بين وأكد فقال: { من الليل } أي هذا الجنس حال كونه { مظلما } ولما كان ~~ذلك ظاهرا في أنهم أهل الشقاوة، وصل به قوله: { أولئك } أي البعداء ~~البغضاء { أصحاب النار } ولما كانت الصحبة الملازمة، بينها بقوله: { هم ~~فيها } أي خاصة { خالدون } أي لا يمكنون من مفارقتها؛ والرهق: لحق ~~الأمر،ومنه: راهق الغلام - إذا لحق حال الرجال؛ والقتر:الغبار، ومنه ~~الإقتار في الإنفاق لقتله؛ والذلة: صغر النفس بالإهانة؛ والكسب: الفعل ~~لاجتلاب النفع إلى النفس أو النفس أو استدفاع الضر. # ولما بين سبحانه مآل الفريقين، نبه على بعض مقدمات ذلك المانعة أن يشفع ~~أحد من غير إذنه بقوله: { ويوم } أي وفرقنا بينهم لأنه لا أنساب هناك ولا ~~أسباب فلا تناصر يوم { نحشرهم } أي الفريقين: الناجين والهالكين العابدين ~~منهم والمعبودين حال كونهم { جميعا } ثم يقطع ما بين المشركين وشركائهم ~~فلا يشفع فيهم شيء مما يعتقدون شفاعته ولا ينفعهم بنافعة، بل يظهرون ~~الخصومة ويبارزون بالعداوة وهو ناظر إلى قوله تعالى # إنه يبدأ الخلق ثم يعيده # [يونس: 4] وإلى قوله # ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم # [يونس: 18] والحشر: الجمع بكره من كل جانب إلى موقف واحد؛وأشار سبحانه ~~إلى طول وقوفهم بقوله: { ثم نقول للذين أشركوا } أي بنا من لم يشارك في ~~خلقهم؛وقوله: { مكانكم } نقل أبو حيان عن النحوين أنهم جعلوه اسما ~~لأثبتوا، ورد على الزمخشري تقديره بألزموا لأنه متعد ويجب أن يساوي بين ~~الاسم والمسمى في التعدي واللزوم، أي نقول لهم: قفوا وقوف الذل { أنتم ~~وشركآؤكم } حتى ينفذ فيكم أمرنا إظهار لضعف معبوداتهم التي كانوا ~~يترجونها وتحسيرا لهم، فلا يمكنهم مخالفة ذلك. # ولما ms2010 كان التقدير: فوقفوا موافقة للأمر على حسب الإرادة، عطف عليه ~~مسببا عنه قوله: { فزيلنا } أي أزلنا إزالة كثيرة مفرقة ما كان { بينهم ~~} في الدنيا من الوصلة والألفة حتى صارت عداوة ونفرة فقال الكفار: ربنا ~~هؤلاء الذين أضلونا، وكنا ندعو من دونك { وقال شركاؤهم } لهم متبرئين ~~منهم بما خلق لهم سبحانه من النطق { ما كنتم } أي أيها المشركون، وأضاف ~~الشركاء إليهم لأنهم هم الذين نصبوهم بغير أمر ولا دليل ولأنهم جعلوا لهم ~~نصيبا من أموالهم { إيانا تعبدون } أي تخصوننا بالعبادة لأنا لا نستحق ~~ذلك إشارة لى أنه لا يعبد إلا من يستحق الإخلاص في ذلك بأن يعبد وحده من ~~غير شريك، ومن لا يستحق ذلك لا يستحق مطلق العبادة ولا يصلح لها، وكل ~~عبادة فيها شرك لا تعد أصلا ولا يرضى بها جماد لو نطق، فمتى نفي المقيد ~~بالخلوص نفي المطلق لأنه لا اعتداد به أصلا، ومن المعلوم أن ما كان بهذه ~~الصفة لا يقدم عليه أحد، فنحن نظن أنه لم يعبدنا عابد فضلا عن أن يخصنا ~~بذلك، والشخص يجوز له أن ينفي ما يظن نفيه ونحن لم نعلم شيئا من ذلك. # ولما نفوا ذلك عطفوا عليه مسببين عنه قولهم: { فكفى بالله } أي المحيط ~~علما وقدرة { شهيدا } أي هو يكفينا كفاية عظيمة جدا من جهة الشهادة ~~التي لا غيبة فيه بوجه ولا ميل أصلا { بيننا وبينكم } في ذلك يشهد لنا ~~وعلينا؛ ثم استأنفوا خبرا يصحح نفيهم فقالوا مؤكدين لأنهم كانوا يعتقدون ~~علمهم: { إن } أي إنا { كنا } أي كونا هو جبلة لنا { عن عبادتكم } لنا ~~أو لغيرنا مخلصة أو مشوبة؛ ولما كانت " إن " هي المخففة من الثقيلة تلقيت ~~باللام الفارقة بينها وبين النافية فقيل: { لغافلين } لأنه لا أرواح ~~فينا، فلم تكن بحيث نأمر بالعبادة ولانرضاها فاللوم عليكم دوننا، وذلك ~~افتداء من موقف الذل أو أنهم لما تخيلوا في الشركاء صفات عبدوها لأجلها ~~وكانت خالية عنها صح النفي لأنهم عبدوا ذوات موصوفة بصفات لا وجود لها في ~~الأعيان، وأيضا فإنهم ما عبدوا إلا ms2011 الشياطين التي كانت تزين لهم ذلك ~~وتغويهم، ويكون التقدير على ما دل عليه السياق: { فزيلنا بينهم } أي ~~منعناهم مما كانونا فيه من التواصل والتواد المقتضي للتناصر بعبادة ~~الأوثان، فقال المشركون لشركائهم لما أبطأ عنهم نصرهم: إنا كنا نعبدكم من ~~دون الله فأغنوا عنا كما كنا نذب عنكم وننصر دينكم { وقال شركاؤهم ما ~~كنتم إيانا تعبدون } أي كشف لنا اليوم بتفهيم الله أنه ليس الأمر كما ~~زعمتم وأنكم لم تخصونا بالعبادة حتى يلزمنا منعكم على أنكم لو خصصتمونا ~~ما قدرنا على ذلك قال الشيطان # ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي # [إبراهيم: 22] { فكفى } أي فتسبب عن نفينا لذلك على ما كشف لنا من العلم ~~أن نقول: كفى { بالله شهيدا بيننا وبينكم } في ذلك، يشهد أنكم لم تخصوا ~~أحدا منه ومنا بعبادة بل كنتم مذبذبين، وهذا كله إشارة إلى أن العبادة ~~المشوبة لا اعتداد بها ولا يرضاها جماد لو نطق، وإن من استحق العبادة ~~استحق الإخلاص فيها وأن لا يشرك به أحد وأنه لا يستحق ذلك إلا القادر ~~على كشف الكرب والمنع من أن يقطع بينه وبين متوليه وعابده قاطع؛ ولما ~~كانت فائدة الشاهد ضبط ما قد ينساه المتشاهدان، عللوا اكتفاءهم بشهادة ~~الله بقوله: { إن كنا عن عبادتكم } في تلك الأزمان { لغافلين } فأقروا ~~لهم بما هو الحق مما كان يعلمه كل من له تأمل صحيح أنهم لم يشعروا ~~بعبادتهم ساعة من الدهر قبل ساعتهم هذه، فهم أجدر الخلق بالاكتفاء بشهادة ~~الشهيد لأنهم أسوأ حالا ممن يعلم المشهود به ويخشى النسيان، أو يقال: ~~فقال المشركون لشركائهم: إنا كنا نعبدكم فهل أنتم ناصرونا أو شافعون لنا ~~فنجونا مما وقعنا فيه { وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا } وحدنا { تعبدون } ~~أي ما كنتم تخلصون لنا العبادة حتى يلزمنا أن نخلصكم كما أعلمنا بذلك ~~الله ربنا وربكم المحيط بكل شيء علما { فكفى } أي فتسبب عن ذلك أنه كفى ~~{ بالله شهيدا بيننا وبينكم } في ذلك، فكأن المشركين قالوا: قد تضمن ~~كلامكم أن عبدناكم على غير منهج الإخلاص، أفليس قد عبدناكم؟ ms2012 أفلا تغنون ~~عنا شيئا؟ فأجاب الشركاء بقولهم: { إن كنا عن عبادتكم } خالصة كانت أو ~~مشوبة { لغافلين } فلا نقر لكم بعبادة أصلا وإن تيقنا الإخلاص لسلب ~~العلم عنا بما كنا فيه من الجمادية فضلا عن أن نأمركم أو نرضى بعبادتكم ~~على أنه لا غناء عندنا على تقدير من التقادير؛ أو يقال - وهو أحسن مما ~~مضى -: { وقال شركاؤهم } لما تحققوا العذاب طلبا لأن يخفف عنهم منه ~~بتوزيعه عليهم وعلى كل من عبدوه من غيرهم { ما كنتم } أيها العابدون لنا ~~{ إيانا } أي خاصة { تعبدون } بل كنتم تعبدون أيضا غيرنا، وهذا يعم ~~والله كل من يرائيه غيره بعمل وهو يعلم أنه يرائيه فيقره ولا ينكره عليه؛ ~~ولما أفهموا بنفي العبادة بقيد الخصوص أنهم كانوا يعبدون معهم غيرهم، ~~وكان المخلوق قاصر العلم غير محيطه بوجه بأحوال نفسه فكيف يعبدون بأحوال ~~غيره، سببوا عن ذلك قولهم: { فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم إن } أي في ~~أنا { كنا عن عبادتكم } أي في الجملة { لغافلين } والحاصل أن هذا ترجمة ~~كلام الكفار وهو ناشىء منهم عن محض غلبة ودهش وفرط غم وندم وقلق، فلا ~~يشترط أن يكون معناه على الوجه الأسد والطريق الأبلغ،فالإعجاز في نظمه، ~~ومرادهم به أن يخفف عنهم من العذاب ولو بمشاركة من كانوا يعبدونهم معهم، ~~فهو من وادي قوله تعالى # فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء # [إبراهيم: 21]، # فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار # [غافر: 47] # فآتاهم عذابا ضعفا من النار # [الأعراف: 38] ونحوه # فما كان لكم علينا من فضل فذوقوا العذاب # [الأعراف: 39] - والله أعلم. ### || [10.30-33] # ولما أخبر عن حال المشركين، تشوفت النفس إلى الاطلاع على حال غيرهم فقال ~~مستأنفا مخبرا عن كلا الفريقين: { هنالك } أي في ذلك الموقف من المكان ~~والزمان العظيم الأهوال المتوالي الزلزال { تبلوا } أي تخبر وتخالط ~~مخالطة مميلة محلية { كل نفس } طائعة وعاصية { مآ أسلفت } أي قدمت من ~~العمل فيعرف هل كان خيرا أو شرا وهل كان يؤدي إلى سعادة أو شقاوة. # ولما كان مطلق الرد - وهو صرف الشيء إلى الموضع الذي ms2013 ابتدأ منه - كافيا ~~في الرهبة لمن له اب، بني للمفعول قوله: { وردوآ } أي بالبعث بالإحياء ~~كما كانوا أولا { إلى الله } أي الملك الأعظم { مولاهم الحق } فلم يكن ~~لهم قدرة على قصد غيره ولا الالتفات إلى سواه من تلك الأباطيل، بل انقطع ~~رجاءهم من كل ما كانوا يدعونه في الدنيا، وهو المراد بقوله: { وضل ~~عنهم } أي بطل وذهب وضاع { ما كانوا } أي كونا هو جبلة لهم { يفترون } ~~أي يتعمدون كذبه من أن معبوداتهم شركاء، وتيقنوا في ذلك المقام أن توليهم ~~لغير الله كان باطلا غير حق؛ والتزييل: تفريق يزول به كل واحد عن مكانه، ~~وهو من تفريق الجثث، وليس من الواوي، بل من اليائي، يقال: زلته عن الشيء ~~أزيله - إذا فرقت بينه وبينه؛ والكفاية: بلوغ مقدار الحاجة في دفع الأذية ~~أو حصول المنفعة؛ والإسلاف: تقديم أمر لما بعده؛ والرد: الذهاب إلى الشيء ~~بعد الذهاب عنه كالرجع؛ والمولى: من يملك تولى أمر مولاه. # ولما قدم سبحانه أن شركاءهم مربوبون مقهورون، لا قدرة لهم إلا على ما ~~يقدرهم الله عليه، وأنه وحده المولى الحق، وبانت بذلك فضائحهم، أتبعه ذكر ~~الدلائل على فساد مذهبهم، فوبخهم بأن وجه السؤال إليهم عما هم معترفون ~~بأنه مختص به ويدل قطعا على تفرده بجميع الأمر الموجب من غير وقفة ~~لاعتقاد تفرده بالإلهية فقال: { قل } أي يا أكرم خلقنا وأرفقهم بالعباد { ~~من يرزقكم } أي يجلب لكم الخيرات أيها المنكرون للبعث المدعون للشركة { ~~من السمآء } أي بالمطر وغيره من المنافع { والأرض } بالنبات وغيره ~~لتعيشوا { أمن يملك السمع } أي الذي تسمعون به الآيات، ووحده للتساوي ~~فيه في الغالب { والأبصار } التي تبصرون بها ما أنعم عليكم به في خلقها ~~ثم حفظها في المدد الطوال على كثرة الآفات فيفيضها عليكم لتكمل حياتكم ~~الحسية ببقاء الروح، والمعنوية بوجود العلم؛ روي عن علي رضي الله عنه أنه ~~قال: سبحان من بصر بشحم، وأسمع بعظم، وأنطق بلحم. # فلما سألهم عن أوضح ما هم فيه وأقربه، نبههم على ما قبله من بدء الخلق ~~فقال: { ومن يخرج الحي ms2014 } من الحيوان والنبات { من الميت } أي من النطفة ~~ونحوها { ويخرج الميت } أي من النطفة ونحوها مما لا ينمو { من الحي } أي ~~فينقل من النقص إلى الكمال؛ ثم عم فقال: { ومن يدبر الأمر } أي كله ~~التدبير العام. # ولما كانوا مقرين بالرزق وما معه من الخلق والتدبير، أخبر عن جوابهم إذا ~~سئلوا عنه بقوله: { فسيقولون الله } أي مسمى هذا الاسم الذي له الكمال ~~كله بالحياة والقيومية بخلاف ما سيأتي من الإعادة والهداية { فقل } أي ~~فتسبب عن ذلك أنا نقول لك: قل لهم مسببا عن جوابهم هذا الإنكار عليهم في ~~عدم التقوى: { أفلا تتقون } أي تجعلون وقاية بينكم وبين عقابه على ~~اعترافكم بتوحده في ربوبيته وإشراككم غيره في إلهيته؛ ثم علل إنكار عدم ~~تقواهم بقوله: { فذلكم } أي العظيم الشأن { الله } أي الذي له الجلال ~~والإكرام، فكانت هذه قدرته وأفعاله { ربكم } أي الموجد لكم المدبر ~~لأموركم الذي لا إحسان عندكم لغيره { الحق } أي الثابته ربوبيته ثباتا ~~لا ريب فيه لاجتماع الصفات الماضية له لا لغيره لأنه لا تكون الربوبية ~~حقيقة لمن لم تجتمع له تلك الصفات { فما } أي فتسبب عن ذلك أن يقال لكم: ~~ما { ذا بعد الحق } أي الذي له أكمل الثبات { إلا الضلال } فإنه لا ~~واسطة بينهما - بما أنبأ عنه إسقاط الجار، ولا يعدل عاقل عن الحق إلى ~~الضلال فانى تصرفون أنتم عن الحق إلى الضلال؛ ولذلك سبب عنه قوله: { ~~فأنى } أي فكيف ومن أي جهة { تصرفون } أي أنتم من صارف ما كائنا ما ~~كان، عن الحق إلى الضلال. # ولما كانوا جديرين عند تقريرهم بهذه الآية وإقرارهم بمضمونها بأن ~~يقولوا: سلمنا فأسلمنا ولا نصرف عن الحق أبدا، فلم يقولوا، كانوا حقيقين ~~بأن يقال لهم: حقت عليكم كلمة الله لفسقكم وزوغانكم عن الحق. فقيل: هل ~~خصوا بذلك؟ فقيل: بل { كذلك } أي مثل ذلك الحقوق العظيم { حقت كلمت ربك } ~~أي المحسن إليك بإهلاك أعدائك: الكلمة الواحدة النافذة التي لا تردد ~~فيها، ومعنى الجمع في قراءة نافع وابن عامر أنه لا شيء من كلماته يناقض ms2015 ~~الكلمة التي أوجبت عذابهم، بل كلها توافقها فالمراد واحد، أو يكون ذلك ~~كناية عن أن عذابهم دائم فإن كلماته لا تنفذ { على } كل { الذين } فعلوا ~~فعلهم لأنهم { فسقوا } أي أوقعوا الترك لأمر الله وأوجدوا عصيانه وفعلوا ~~الخروج عن طريق الحق والخروج عن دائرة الصلاح، وهو كونهم أمة واحدة إلى ~~دين أبيهم آدم صفي الله عليه السلام؛ثم علل ذلك الحقوق بقوله: { أنهم ~~لا يؤمنون* } أي لا يتجدد منهم إيمان أصلا، وعبر بالفسق المراد به الكفر ~~لأن السياق للخروج عن دائرة الدين الحق في قوله { وما كان الناس إلا أمة ~~واحدة فاختلفوا } وهذا المعنى أحق بالتعبير للفسق الذي أصله الخروج عن ~~محيط في قولهم: فسقت الرطبة عن قشرها - أي خرجت، أو يكون المعنى: حقت ~~الربوبية له سبحانه بهذا الليل، وهو فعل هذه الأمور المختتمة بالتدبير ~~المقتضي للوحدانية له سبحانه قطعا لأنه لو كان قادر يساويه في مقدوره ~~لأمكن أن يمانعه، وبطل أن يكون قادرا، وحق أن من زاغ عن الحق كان في ~~الضلال كما حق هذا { كذلك حقت } أي ثبتت ثباتا عظيما { كلمت ربك على } ~~كل { الذين } قضى بفسقهم منهم. و { أنهم لا يؤمنون } تفسير لكلمته التي ~~حقت؛ والرزق: جعل العطاء الجاري. ### || [10.34-36] # ولما علم أنهم معترفون بأمر الهداية وما يتبعها من الرزق والتدبير أعاد ~~سبحانه السؤال عنها مقرونة بالإعادة تنبيها لهم على ما يتعارفونه من أن ~~الإعادة أهون، فإنكارها مع ذلك إما جمود أو عناد، وإنكار المسلمات كلها ~~هكذا، وسوقه على الطريق الاستفهام أبلغ وأوقع في القلب فقال: { قل } أي ~~على سبيل الإنكار عليهم والتوبيخ لهم { هل من شركائكم } أي الذين ~~زعمتموهم شركاء لي وأشركتموهم في أموالكم من أنعامكم وزروعكم { من يبدأ ~~الخلق } كما بدأته ليصح لهم ما ادعيتم من الشركة { ثم يعيده }. # ولما كان الجواب قطعا من غير توقف. ليس فيهم من يفعل شيئا من ذلك، ~~وكان لجاجهم في إنكار الإعادة وعنادهم لا يدعهم انة يجيبوا بالحق، أمره ~~بجوابهم بقوله: { قل الله } أي الذي له الأمر كله { يبدأ الخلق } أي ms2016 مهما ~~أراد { ثم يعيده } وأتى هنا بجزئي الاستفهام وكذا ما يأتي في السؤال عن ~~الهداية تأكيدا للأمر بخلاف ما اعترفوا به، فإنه اكتفى فيه بأحد الجزأين ~~في قوله { فسيقولون الله } ولم يقل: يرزقنا - إلى آخره؛ ثم زاد في ~~تبكيتهم على عدم الإذعان لذلك بالتعجيب منهم في قوله: { فأنى تؤفكون* } ~~أي كيف ومن أي جهة تصرفون بأقبح الكذب عن وجه الصواب من صارف ما، وقد ~~استنارت جميع الجهات،ورتب هذه الجمل أحسن ترتيب، وذلك أنه سألهم أولا عن ~~سبب دوام حياتهم وكمالها بالرزق والسمع والبصر وعن بدء الخلق في إخراج ~~الحي من الميت وما بعده، وكل ذلك تنبيها على النظر في أحوال أنفسهم ~~مرتبا على الأوضح فالأوضح، فلما اعترفوا به كله أعاد السؤال عن بدء ~~الخلق ليقرن به الإعادة تنبيها على أنهما بالنسبة إلى قدرته على حد ~~سواء، فلما فرغ مما يتعلق بأحوال الجسد أمره أن يسألهم عن غاية ذلك، ~~والمقصود منه من أحوال الروح في الهداية التي في سبب السعادة إمعانا في ~~الاستدلال بالمصنوع على الصانع على وجه مشير إلى التفضيل فقال: { قل } أي ~~يا أفهم العباد وأعرفهم بالمعبود { هل من شركائكم } أي الذين زعمتم أنهم ~~شركاء لله، فلم تكن شركتهم إلا لكم لأنكم جعلتم لهم حظا من أموالكم ~~وأولادكم { من يهدي } أي بالبيان أو التوفيق ولو بعد حين { إلى الحق } ~~فضلا عن أن يهدي للحق على أقرب ما يكون من الوجود إعلاما. # ولما كانوا جاهلين بالجواب الحق في ذلك أو معاندين، أمره أن يجيبهم ~~معرضا عن انتظار جوابهم آتيا بجزئي الاستفهام أيضا فقال: { قل الله } ~~أي الذي له الإحاطة الكاملة { يهدي } ولما كان قادرا على غاية الإسراع، ~~عبر باللام فقال: { للحق } إن أراد، ويهدي إلى الحق من يشاء، لا أحد ممن ~~زعموهم شركاء، فالاشتغال بشيء منها بعبادة أو غيرها جهل محض واختلال في ~~المزاج كبير، فالآية من الاحتباك: ذكر { إلى الحق } أولا دليلا على ~~حذفه ثانيا، و { للحق } ثانيا دليلا على حذفه أولا، فتسبب عن ذلك ~~إنكار أتباعهم لهم فقال: ms2017 { أفمن يهدي } أي منتهيا في هداه ولو على بعد { ~~إلى الحق } أي الكامل الذي لا زيغ فيه بوجه ولو على أبعد الوجوه { أحق أن ~~يتبع } أي بغاية الجهد { أم من لا يهدي } أي يهتدي فضلا عن أن يهدي غيره ~~إلى شيء من الأشياء أصلا ورأسا؛ وإدغام تاء الافتعال للإيماء إلى ~~انتفاء جميع أسباب الهداية حتى أدانيها، فإن التاء عند أرباب القلوب ~~معناها انتهاء التسبب إلى أدناه { إلا أن يهدى } أي يهديه هاد غيره ~~كائنا من كان، وهذا يعم كل ما عبد من دون الله من يعقل وممن لا يعقل؛ ~~فلما أتم ذلك على هذا النهج القويم كان كأنه قيل: أتجيبون أم تسكتون؟ ~~وإذا أجبتم أتؤثرون الحق فترجعوا عن الضلال أم تعاندون، تسبب عن ذلك ~~سؤالهم عى وجه التوبيخ بقوله: { فما } اي أي شيء ثبت { لكم } في فعل غير ~~الحق من كلام أو سكوت؛ ثم استأنف تبكيتا آخر فقال: { كيف تحكمون* } فيما ~~سألناكم عنه مما لا ينبغي أن يخفى على عاقل، أبالباطل أم بالحق؟ فقد تبين ~~الرشد من الغي؛ والبدء:العقل الأول؛ والإعادة: إيجاد الشيء ثانيا؛ ~~والهداية: التعريف بطريق الرشد من الغي. # ولما أخبر بإقرارهم عن بعض ما يسألون عنه ثم عقبه بما لوح إلى إنكارهم ~~أو سكوتهم عن بعضه مما يتعلق بشركائهم، عطف على ما صرح به من قولهم { ~~فسيقولون } وما لوح إليه من " فسينكرون " أو " فسيسكتون " قوله: { وما ~~يتبع } أي بغاية الجهد { أكثرهم } أي نطقه أو سكوته في عبادته للأصنام ~~وقوله: إنها شفعاء، وغير ذلك { إلا ظنا } تنبيها على أنهم إنما هم ~~مقلدون وتابعون للأهواء. # ولما كان الظن لا ينكر استعماله في الشرائع، نبه على أن محله إنما هو ~~حيث لا يوجد نص على المقصود،فيقاس حينئذ على النصوص بطريقة، وأما إذا وجد ~~القاطع في حكم فإنه لا يجوز العدول عنه بوجه من الوجوه فقال تعالى في ~~جواب من يقول: أو ليس الظن مستعملا في كثير من الأحكام؟: { إن الظن لا ~~يغني } أي أصلا { من الحق } أي الكامل { شيئا } أي بدله، ms2018 ولايكون بدل ~~الحق إلا إذا كان تابعه مخالفا فيه لقاطع يعمله. # ولما صار ظهور الفرق ضروريا،أوقع تهديد المتمادي في غيه في جواب من ~~كأنه قال: إن ذلك غير خفي عنهم ولكنهم يستكبرون فلا يرجعون، فقال: { إن ~~الله } أي المحيط بكل شيء { عليم } أي بالغ العلم { بما يفعلون* } فاصبر ~~فلسوف يعملون. ### || [10.37-40] # ولما قدم في هذه السورة قولهم { لولا أنزل عليه آية من ربه } وأتى فيها ~~ردا عليهم ووعظا لهم من الآيات البالغة في الحكمة جدا يتجاوز قوى ~~البشر ويضمحل دونه من الخلق القدر، وكان آخر ذلك التنبيه على أن شركاءهم ~~لا يهتدون إلا أن هداهم الهادي فضلا عن أن يهدوا، وإقامة الدليل على أن ~~مذاهبهم ليست مستندة إلى علم بل هى تابعة للهوى، أتبع ذلك دليلا قطعيا ~~في أمر القرآن من أنه لا يصح أصلا أن يؤتى به من دون أمره سبحانه ردا ~~لقولهم: إنه مفترى،لأنه من وادي ما ختم به هذه الآيات من اتباعهم للظنون ~~لأنه لا سند لهم في ذلك بل ولا شبهة أصلا، وإنما هو مجرد هوى بل وأكثرهم ~~عالم بالحق في أمره، فنفى ذلك بما يزيح الظنون ويدمغ الخصوم ولا يدع شبهة ~~لمفتون، وأثبت أنه هو الآية الكبرى والحقيق بالاتباع لأنه هدى، فقال ~~تعالى: { وما كان } عاطفا له على قوله { ما يكون لي أن أبدله } إلى ~~آخره، فهو حينئذ مقول القول، أي قل لهم ذاك الكلام وقل لهم { ما كان } أي ~~قط بوجه من الوجوه، وعينه تعيينا لا يمكن معه لبس، فقال: { هذا القرآن } ~~أي الجامع لكل خير مع التأدية بأساليب الحكمة المعجزة لجميع الخلق { أن ~~يفترى } أي أن يقع في وقت من الأوقات تعمد نسبته كذبا إلى الله من أحد ~~من الخلق كائنا من كان؛ وعرف بتضاؤل رتبتهم دون شامخ رتبته سبحانه ~~بقوله: { من دون الله } أي الذي تقرر أنه يدبر الأمر كله، فما من شفيع ~~إلا من بعد إذنه وما يعزب عنه شيء فسبحان المتفضل على عباده بإيضاح الحجج ~~وإزالة الشكوك والدعاء إلى سبيل ms2019 الرشاد مع غناه عنهم وقدرته عليهم؛ ~~والافتراء: الإخبار على القطع بالكذب، لأنه من فرى الأديم وهو قطعه بعد ~~تفزيره. # ولما كان إتيان الأمي - الذي لم يجالس عالما - بالأخبار والقصص الماضية ~~على التحرير دليلا قطعا على صدق الآتي في ادعائه أنه لا معلم له إلا ~~الله، عبر بأداة العناد فقال: { ولكن } أي كان كونا لا يجوز غيره { ~~تصديق الذي } أي تقدم { بين يديه } أي قبله من الكتب، والدليل على تصادقه ~~شاهد الوجود مع أن القوم كانوا في غاية العدواة له صلى الله عليه وسلم ~~وكان أهل الكتابين عندهم في جزيرة العرب على غاية القرب منهم مع أنهم ~~كانوا يتجرون إلى بلاد الشام وهم متمكنون من السؤال عن كل ما يأتي به، ~~فلو وجدوا مغمزا ما لقدحوا به، فدل عدم قدحهم على التصادق قطعا. # ولما كان ذلك سلطانا قاهرا صلى الله عليه وسلم، زاده ظهورا بما اشتمل ~~الكتاب الآتي به عليه من التفصيل الذي هو نهاية العلم فقال: { وتفصيل ~~الكتاب } أي الجامع المجموع فيه الحكم والأحكام وجوامع الكلام من جميع ~~الكتب السماوية في بيان مجملاتها وإيضاح مشكلاتها، فهو ناظر إلى قوله { ~~أفمن يهدي إلى الحق } ، فهو برهان على أنه هو الهادي وحده، فهو الحقيق ~~بالاتباع والتفصيل بتبيين الفصل بين المعاني الملتبسة حتى تظهر كل معنى ~~على حقه، ونظيره التقسيم، ونقضيه التخليط والتلبيس،وبيان تفصيله أنه أتى ~~من العلوم العلمية الاعتقادية من معرفة الذات والصفات بأقسامها، والعملية ~~التكليفية المتعلقة بالظاهر وهي علم الفقه وعلم الباطن ورياضة النفوس بما ~~لا مزيد عليه و لا يدانيه فيه كتاب، وعلم الأخلاق كثير في القرآن مثل # خذ العفو # [الأعراف: 199] # إن الله يأمر بالعدل # [النحل: 90] وأمثالهما. # ولما كان - مع الشهادة بالصدق بتصديق ما ثبت حقيقة - معجزا بالجمع ~~والتفصيل لجميع العلوم الشريفة: عقليها ونقليها إعجازا لم يثبت لغيره، ~~ثبت أنه مناقض للافتراء حال كونه { لا ريب فيه } وأنه { من رب العالمين* ~~} أي موجدهم ومدبر أمرهم والمحسن إليهم لأنه - مع الجمع لجميع ذلك - لا ~~اختلاف فيه بوجه، وذلك خارج عن طوق ms2020 البشر. # ولما كان هذا موضع أن يذعنوا لأن هذا القرآن ليس إلا من عند الله وبأمره ~~قطعا، كان كأنه قيل: ارجعوا عن غيهم فآمنوا واستقاموا { أم } استمروا ~~على ضلالهم { يقولون } على سبيل التجديد والاستمرار عنادا { افتراه } أي ~~تعمد نسبته كذبا إلى الله، فكأنه قيل، تمادوا على عتوهم فقالوا ذلك ~~فكانوا كالباحث عن حتفه بظلفه، لأنهم أصلوا أصلا فاسدا لزم عليه قطعا ~~إمكان أن يأتوا بمثله لأنهم عرب مثله،بل منهم من قرأ وكتب وخالط العلماء ~~واشتد اعتناءه بأنواع البلاغة من النظم والنثر والخطب وتمرنه فيها بخلافه ~~صلى الله عليه وسلم في جميع ذلك، فلهذا أمره في جوابهم بقوله { قل } أي ~~لهم يا أبلغ خلقنا وأعرفهم بمواقع الكلام لجميع أنواعه،أتى بالفاء ~~السببية في قوله: { فأتوا } أي أنتم تصديقا لقولكم هذا الذي تبين وأنكم ~~فيه معاندون؛ ولما كانوا قد جزموا في هذه السورة بأنه افتراه، وكان ~~مفصلا إلى سور كل واحدة منها لها مقصد معين يستدل فيها عليه، وتكون ~~خاتمتها مرتبطة بفاتحتها متحدة بها، اكتفى في تحديهم بالإتيان بقطعة ~~واحدة غير مفصلة إلى مثل سورة لكن تكون مثل جميع القرآن في الطول والبيان ~~وانتظام العبارة والتئام المعاني فلذلك قال: { بسورة } قال الرماني: ~~والسورة منزلة محيطة بآيات من أجل الفاتحة والخاتمة كإحاطة سور البناء، ~~وهذا نظرا إلى أن المتحدي به سورة اصطلاحية والصواب أنها لغوية، وهي كما ~~قال الحرالي تمام جملة من المسموع تحيط بمعنى تام بمنزلة إحاطة السور ~~بالمدنية؛ووصفها بقوله: { مثله } أي قي البلاغة وحسن النظم وصحة المعاني ~~ومصادقة الكتب وتفصيل العلوم لأنكم مثلي في العربية وتزيدون بالكتابة ~~ومخالطة العلماء - من غير إتيان ب " من " لما تقدم من أن المراد كونها ~~مثل القرآن كله، ولذلك وسع لهم في الاستعانة بجميع من قدروا عليه ووصلت ~~طاقتهم إليه ولم يقصرهم على من بحضرتهم فقال: { وادعوا } أي لمعاونتكم { ~~من استطعتم } أي قدرتم على طاعته ولو ببذل الجهد من الجن والإنس وغيرهم ~~للمعاونة، وحقق أن هذا القرآن من عنده سبحانه باستثنائه في قوله: { من ~~دون الله } أي ms2021 الذي له الكمال كله، ونبه على أنهم متعمدون لما نسبوه إليه ~~- وحاشاه من تعمد الكذب - وأنهم معاندون بقوله: { إن كنتم } أي جبلة ~~وطبعا { صادقين* } أي في أنه أتى به من عنده، لأن العاقل لا يجزم بشيء ~~إلا إذا كان عنده منه مخرج، وذلك لا يكون إلا عن دليل ظاهر وسلطان قاهر ~~باهر، وقد مضى في البقرة ويأتي في هود إن شاء الله تعالى ما يوضح هذا ~~المعنى؛ والاستطاعة: حالة تتطاوع بها الجروح والقوى للفعل لأنه مأخوذ من ~~الطوع؛ ثم كان كأنه قيل: فقال لهم ذلك فلم يأتوا لقومهم بشبهة توجب شكا ~~فضلا عن مصدق، لأنه معجز لكونه كلاما في أعلى طبقات البلاغة بحسن ~~النظام والجزالة منزلا من عند الله المحيط علما وقدرة، فهو مشتمل من كل ~~معنى على ما علا كل العلو عن مدان { بل }. # وأحسن من ذلك أنه لما أقام الدليل على أن القرآن كلامه، وكان الدليل ~~إنما من شأنه أن يقام على من عرض له غلط أو شبهة، وكان قولهم { افتراه } ~~لا عن شبهة وإنما هو مجرد عناد، نبه سبحانه على ذلك وعلى أنه إنما أقام ~~الدليل لإظهار عنادهم لا لأن عندهم شبهة في كونه حقا بالإضراب عن قولهم ~~فقال: { بل } أي لم يقولوا { افتراه } عن اعتقاد منهم لذلك بل { كذبوا } ~~أي أوقعوا التكذيب الذي لا تكذيب أشنع منه مسرعين في ذلك من غير أن ~~يتفهموه مستهينين { بما لم يحيطوا بعلمه } اي في نظمه أو معناه من غير ~~شبهة أصلا بل عنادا وطغيانا ونفورا مما يخالف دينهم وشرادا، فهو من ~~باب " من جهل شيئا عاداه " والإحاطة: إرادة ما هو كالحائط حول الشيء، ~~فإحاطة العلم بالشيء العلم به من جميع وجوهه. # ولما كان لا بد من وقوع تأويله، وهو إتيان ما فيه من الإخبار بالمغيبات ~~على ما هي عليه، قال: { ولما يأتهم } أي إلى زمن تكذيبهم { تأويله } أي ~~ترجيعنا لأخباره إلى مراجعها وغاياتها حتى يعلموا أصدق هي أم كذب، فإنه ~~معجز من جهة نظمه ومن جهة صدقه في أخباره؛ ms2022 والتأويل: المعنى الذي يؤول ~~إليه التفسير، وهو منتهى التصريح من التضمين. # ولما كان كأنه قيل: إن فعلهم هذا لعجب، فما حملهم على التمادي فيه؟ ~~فقيل: تبعوا في ذلك من قبلهم لموافقتهم في سوء الطبع، قال مهددا لهم ~~ومسليا له صلى الله عليه وسلم: { كذلك } أي مثل تكذيبهم هذا التكذيب ~~العظيم في الشناعة قبل تدبير المعجز { كذب الذين } ولما كان المكذبون بعض ~~السالفين، أثبت الجار فقال: { من قبلهم } أي من كفار الأمم الخالية ~~فظلموا فأهلكناهم بظلمهم؛ ولما كان التكذيب خطرا لما يثير من السرور، ~~سبب عنه - تحذيرا منه - النظر في عاقبة أمره فقال: { فانظر } أي بعينك ~~ديارهم وبقلبك أخبارهم. # ولما كان من نظر هذا النظر وجد فيه أجل معتبر وأعلى مزدجر، وجه السؤال ~~إليه بقوله: { كيف كان عاقبة } أي آخر أمر { الظالمين* } أي الذين رسخت ~~أقدامهم في وضع الأشياء في غير مواضعها حتى كذبوا من لا يجوز عليه الكذب ~~بوجه، ومن المقطوع به أن هذا المسؤول يقول من غير تعلثم ولا تردد: عاقبة ~~وخيمة قاصمة ذميمة؛ والعاقبة سبب تؤدي إليه البادئة، فالذي أدى إلى إلى ~~هلاكهم بعذاب الاستئصال ما تقدم من ظلمهم لأنفسهم وعتوهم في كفرهم. # ولما ذكر سبحانه تكذيبهم، كان ذلك ربما أيأس من إذعانهم وتصديقهم، وآذن ~~باستئصالهم لتكمل المشابهة للأولين، وكان صلى الله عليه وسلم شديد الشفقة ~~عليهم والحرص على إيمانهم، فأتبعه تعالى بقوله بيانا لأن علمه بانقسامهم ~~أوجب عدم استئصالهم عاطفا على { كذبوا }: { ومنهم } أي قومك { من يؤمن ~~به } أي في المستقبل { ومنهم من لا يؤمن به } أي القرآن أصلا ولو رأى كل ~~آية { وربك } أي المحسن إليك بالرفق بأمتك { أعلم بالمفسدين* } أي الذين ~~هم عريقون في الإفساد فسيعاملهم بما يشفي صدرك. ### || [10.41-45] # ولما قسمتهم هذه الآية قسمين، وتليت بذكر القسم الثاني بالواو، عرف أنه ~~معطوف على مطوى القسم الأول، فكان كأنه قيل: فإن صدقوك فقل: الله ولي ~~هدايتكم ولي مثل أجوركم بنسبتي فيها فضلا من ربي: { وإن كذبوك فقل } أي ~~قول منصف معتمد على قادر عالم { لي ms2023 علمي } بالإيمان والطاعة { ولكم عملكم ~~} ما لأحد من ولا عليه من جزاء الآخر شيء؛ ثم صرح بالمقصود من ذلك بقوله ~~محذرا لهم: { أنتم بريئون مما أعمل } أي فإن كان خيرا لم يكن لكم منه ~~شيء وإن كان غيره لم يكن عليكم منه شيء { وأنا بريء مما تعملون* } لا ~~جناح علي في شيء منه لأني لا أقدر على ردكم عنه؛ والبراءة: قطع العلقة ~~الذي يوجب رفع المطالبة، ولا حاجة إلى ادعاء نسخ هذه الآية بآية السيف، ~~فإنه لا منافاة بينهما، لأن هذه في رفع لحاق الإثم وهو لا ينافي الجهاد. # ولما قسمهم إلى هذين القسمين، قسم القسم الأخير إلى قسمين فقال: { ومنهم ~~} أي المكذبين { من } ولما كان المستمع إليه أكثر لأنهم أشهى الناس إلى ~~تعرف حاله، وكان طريق ذلك السمع والبصر، وكان تحديق العين إليه لا يخفى، ~~فكان أكثرهم يتركه إظهارا لبغضه وخوفا من إنكار من يراه عليه، وكان ~~إلقاء السمع بغاية الجهد يمكن إخفاءه بخلاف الإبصار،عبر هنا بالافتعال، ~~وجمع دالا على كثرتهم نظرا إلى معنى " من " وأفرد في النظر اعتبارا ~~للفظها ودالا على قلة الناظر بما ذكر فقال: { يستمعون } وضمن الاستماع ~~الإصغاء ليؤدي مؤدي الفعلين، ودل على الإصغاء بصلته معلقة بحال انتزعت ~~منه فكأنه: قال مصغين { إليك } أي عند قراءة القرآن وبيانه بالسنة، ~~ولكنهم وإن كانوا قسمين بالنسبة إلى الاستماع والنظر فهم قسم واحد ~~بالنسبة إلى الضلال، فكان تعقيب ذلك بحشرهم بعد قصر الهداية عليه سبحانه ~~كذكر حشرهم فيما مضى تقسيمهم إلى قسمين بعد قوله { ويهدي من يشاء إلى ~~صراط مستقيم }. # ولما كان صلى الله عليه وسلم يريد - بإسماعه لهم ما أنزل الله - هدايتهم ~~به، سبب عن استماعهم إنكار إسماعهم الإسماع المترتب عليه الهدى فقال: { ~~أفأنت } أي وحدك { تسمع الصم } أي في آذان قلوبهم لأنهم يستمعون إليك وقد ~~ختم على أسماعهم فهم لا ينتفعون باستماعهم لأنهم يطلبون السمع للرد لا ~~للفهم؛ والسمع إدراك الشيء بما يكون به مسموعا، فكانوا بعدم انتفاعهم ~~كأنهم هم مجانين، لأن الأصم العاقل ربما فهم بالتفرس ms2024 في تحريك الشفاه ~~وغيرها فلذا قال: { ولو كانوا } أي جبلة وطبعا { لا يعقلون* } أي لا ~~يتجدد لهم عقل أصلا فصاروا بحيث لا يمكن إسماعهم لأنه لا يمكن إلا بسماع ~~الصوت الدال على المعنى وبفهم المعنى، والمانع من الأول الصمم، ومن ~~الثاني عدم العقل، فصاروا شرا من البهائم لأنها وإن كانت لا تعقل فهي ~~تسمع، والأصم: المنسد السمع بما يمنع من إدراك الصوت { ومنهم من ينظر } ~~محدقا أو راميا ببصره من بعيد { إليك } فهو من التضمين كما سبق في { ~~يستمعون }؛ نقل عن التفتازاني أنه قال في حاشية الكشاف: وحقيقة التضمين ~~أن يقصد بالفعل معناه الحقيقي مع فعل آخر يناسبه وهو كثير في كلام العرب، ~~وذلك مع حذف حال مأخوذ من الفعل الآخر بمعونة القرينة اللفظية، ويتعين ~~جعل الفعل المذكرو أصلا والمذكور حاله تبعا، لأن حذفه والدلالة عليه ~~بصلته يدل على اعتباره في الجملة لا على زيادة القصد إليه، ومن أمثلته: ~~أحمد إليك الله، أي منهيا إليك حمده، ويقلب كفيه على كذا،أي نادما ~~عليه، # ولا تعد عيناك عنهم # [الكهف: 28] أي مجاوزتين عنهم إلى غيرهم، { ولا تأكلوا أموالهم } ~~-ضاميها # إلى أموالكم # [النساء: 2]، { الرفث - مفضين - إلى نسائكم } [البقرة: 187]، # ولا تعزموا # [البقرة: 235] أي على النكاح وأنتم تنوون عقدته { ولا يسمعون } مصغين # إلى الملإ الأعلى # [الصافات: 8]، سمع الله - أي مستجيبا - لمن حمده، # والله يعلم المفسد # [البقرة: 220] مميزا له - { من المصلح } ، { والذين يؤلون } - ممتنعين ~~{ من } وطء # نسائهم # [البقرة: 226]. # ولما كان المعنى أنك يا أكرم الخلق تريد بنظر هذا الناظر إليك ان ينظر ~~إلى ما تأتي به من باهر الآيات فيهتدي وهو غير منتفع بنظره لما جعل عليه ~~من الغشاوة فكان كالأعمى الذي زاد على عدم بصره عدم العقل فلا بصر ولا ~~بصيرة، قال منكرا لذلك: { أفأنت تهدي العمي } أي عيونا وقلوبا { ولو ~~كانوا } أي بما جبلوا عليه { لا يبصرون* } أي لا يتجدد لهم بصر ولا ~~بصيرة، فلا تمكن هدايتهم، لأن هداية الطريق الحسي لا تمكن إلا بالبصر، ~~وهداية الطريق المعنوي لا تمكن إلا بالبصيرة؛ والنظر: طلب الرؤية ms2025 بتقليب ~~البصر، ونظر القلب طلب العلم بالفكر؛ والعمى: آفة تمنع الرؤية عن العين ~~والقلب؛ والإبصار: إدراك الشيء بما به يكون مبصرا، فكأنه قيل: ما له فعل ~~بهم هذا والأمر بيده؟ فقيل: لأنه تام الملك والملك وهو متفضل في جميع ~~نعمة لا يجب عليه لأحد شيء فهو لا يسأل عما يفعل، وبنى عليه قوله: { إن ~~الله } وأحسن منه أن يقال: ولما كان التقدير: إذا علمت ذلك فخفف عنك بعض ~~ما أنت فيه، فإنك لا تقدر على إسماعهم ولا هدايتهم لأن الله تعالى أراد ~~ما هم عليه منهم لاستحقاقهم ذلك لظلمهم أنفسهم، علله بقوله: { إن الله } ~~أي المحيط بجميع الكمال { لا يظلم الناس شيئا } وإن كان هو الذي جبلهم ~~على الشر { ولكن الناس } أي لما عندهم من شدة الاضطراب والتقلب { أنفسهم ~~} أي خاصة { يظلمون* } بحملهم لها على الشر وصرف قواهم فيه باختيارهم مع ~~زجرهم عن ذلك وحجبهم عما جبلوا عليه وإن كان الكل بيده سبحانه ولا يكون ~~إلا بخلقه. # ولما كان في هذه الآيات ما ذكر من أفانين جدالهم في أباطيلهم وضلالهم، ~~وكان فعل ذلك - ممن لا يرى حشرا ولا جزاء ولا نعيما وراء نعيم هذه ~~الدار - فعل فارغ السر مستطيل للزمان آمن من نوازل الحدثان،حسن تعقيبه ~~بأنهم يرون يوم الحشر من الأهوال ما يستقصرون معه مدة لبثهم في الدنيا، ~~فقد خسروا إذن دنياهم بالنزاع،وآخرتهم بالعذاب الذي لا يستطاع، وليس له ~~انقطاع،فقال تعالى مهددا لهؤلاء الكفار الذين يعاندون فلا يسمعون ولا ~~يبصرون عاطفا على { ويوم نحشرهم } الأولى: { ويوم يحشرهم } أي واستقصروا ~~مدة لبثهم في الدنيا يوم الحشر لما يستقبلهم من الأهوال والزلازل الطوال، ~~فكأنه قيل: إلى أي غاية؟ فقيل: { كأن } أي كأنهم { لم يلبثوا } في ~~دنياهم، والجملة في موضع الحال من ضمير { يحشرهم } البارز أي مشبهين بمن ~~لم يلبثوا { إلا ساعة } أي حقيرة { من النهار } وقوله: { يتعارفون بينهم ~~} حال ثانية، أي لم يفدهم تلك الساعة أكثر من أن عرف فيها بعضهم بعضا ~~ليزدادوا بذلك حسرة في ذلك اليوم بعدم القدرة على التناصر ms2026 والتعاون ~~والتظافر كما كانوا يفعلون في الدنيا. # ولما كانت حالهم هذه هي الخسارة التي ليس معها تجارة، فكان السامع ~~متوقعا للخبر عنها، قال متعجبا منهم موضع: ما أخسرهم: { قد خسر } أي ~~حقا { الذين كذبوا } أظهر موضع الإضمار تعميما وتعليقا للحكم بالوصف ~~مستهينين { بلقاء الله } أي الملك الأعلى بما أخذوا من الدنيا من الخسيس ~~الفاني وتركوا مما كشف لهم عنه البعث من النعيم الشريف الباقي؛ ولما كان ~~الذي وقع منه تكذيب مرة في الدهر قد يفيق بعد ذلك فيهتدي، قال عاطفا على ~~الصلة: { وما كانوا } أي جبلة وطبعا { مهتدين* } مشيرا إلى تسفيههم ~~فيما يدعون البصر فيه من أمر المتجر والمعرفة بأنواع الهداية. ### || [10.46-49] # ولما كان إخبار الصادق بهلاك الأعداء مقرا لعين، وكانت مشاهدة هلاكهم ~~أقر لها، عطف على قوله { قد خسر }: { وإما نرينك } أي إراءة عظيمة قبل ~~وفاتك { بعض الذي نعدهم } أي في الدنيا بما لنا من العظمة فهو أقر لعينك ~~{ أو نتوفينك } قبل ذلك { فإلينا مرجعهم } فنريك فيما هنالك ما هو أقر ~~لعينك وأسر لقلبك، فالآية من الاحتباك: ذكر أولا الإراءة دليلا على ~~حذفها ثانيا، والوفاة ثانيا دليلا على حذفها أولا؛ و " ثم " في قوله: ~~{ ثم الله } أي المحيط بكل شيء { شهيد } أي بالغ الشهادة { على ما ~~يفعلون* } في الدارين - يمكن أن يكون على بابها، فتكون مشيرة إلى التراخي ~~بين ابتداء رجوعهم بالموت وآخره بالقيامة، ليس المراد بقوله { شهيد } ~~ظاهره، بل العذاب الناشىء عن الشهادة في الآخرة إلى أن الله يعاقبهم بعد ~~مرجعهم، فيريك ما بعدهم لأنه عالم بما يفعلون. # ولما كان في هذه الآية التهديد بالعذاب إما في الدنيا أو في الآخرة غير ~~معين له صلى الله عليه وسلم واحدة منهما،أتبعها بما هو صالح للأمرين ~~بالنسبة إلى كل رسول إشارة إلى أن أحوال الأمم على غير نظام فلذلك لم ~~يجزم بتعيين واحدة من الدارين للجزاء،وجعل الأمر منوطا بالقسط، ففي أي ~~دار أحكم جعله فيها، فقال تعالى: دالا على أنه نشر ذكر الإسلام وهو ~~الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسوله واليوم ms2027 الآخر من عهد آدم عليه ~~السلام إلى آخر الدهر على وجه لم يحصل له اندراس في دهر من الدهور، فمن ~~تركه استحق العذاب سواء كان ممن بين عيسى ومحمد عليهما السلام أم لا، فلا ~~تغتر بما يقال من غير هذا: { ولكل أمة } أي من الأمم التي خلت قبلك { ~~رسول } يدعوهم إلى الله؛ ثم سبب عن إتيان رسولهم بيان القضاء فيهم فقال: ~~{ فإذا جاء } أي إليهم { رسولهم } في الدنيا بالبينات والهدى؛ وفي الآخرة ~~في الموقف بالإخبار بما صنعوا به في الدنيا من تكذيب أو تصديق { قضي ~~بينهم } أي في جميع الأمور بما أفاده نزع الخافض على أسهل وجه من غير شك ~~بما أفاده البناء للمفعول؛ ولما كان السياق بالترهيب أجدر، قال { بالقسط ~~} أي أظهر خفيا من استحقاقهم في القضاء بالعدل والقسمة المنصفة بينهم ~~كلهم بالسوية فأعطى كل أحد منهم مقدار ما يخصه من تعجيل العذاب وتأخيره ~~كما فعل معك؛ولما كان ذلك لا يستلزم الدوام، قال: { وهم لا يظلمون* } أي ~~لا يتجدد لهم ظلم منه سبحانه ولا من غيره. # ولما تقدم في هذه الآيات تهديدهم بالعذاب في الدنيا أو في الآخرة، حكى ~~سبحانه جوابهم عن ذلك عطفا على قوله: { ويقولون لولا أنزل عليه آية من ~~ربه } فقال: { ويقولون } أي هؤلاء المشركون مجددين لهذا القول مستمرين ~~على ذلك استهزاء: { متى هذا الوعد } أي بالعذاب في الدنيا أو في الآخرة، ~~وألهبوا وهيجوا بقولهم: { إن كنتم } أي أنت ومن قال بقولك { صادقين* } ~~والقول كلام مضمن في ذكره بالحكاية وقد يكون كلام لا يعبر عنه فلا يكون ~~له ذكر مضمن بالحكاية، فلا يكون قولا لأنه إنما يكون قولا من أجل تضمن ~~ذكره بالحكاية - قاله الرماني، ولتضمين جعل الشيء في وعاء؛ والوعد: خبر ~~بما يعطي من الخير،والوعيد: خبر بما يعطى من الشر، وقد يراد الإجمال كما ~~هنا فيطلق الوعد على المعنيين: وعد المحسن بالثواب والمسيء بالعقاب؛ ~~والصدق: الخبر عن الشيء على ما هو به؛ والكذب: الخبر عنه على خلاف ما هو ~~به. # ولما تضمن قولهم هذا استعجاله ms2028 صلى الله عليه وسلم بما يتوعدهم به، أمره ~~بأن يتبرأ من القدرة على شيء لم يقدره الله عليه بقوله: { قل } أي لقومك ~~المستهزئين { لا أملك لنفسي } فضلا عن غيري؛ ولما كان السياق للنقمة، ~~قدم الضر منبها على أن نعمه أكثر من نقمة؛ وأنهم في نعمه،عليهم أن ~~يقيدوها بالشكر خوفا من زوالها فضلا عن أن يتمنوه فقال: { ضرا ولا ~~نفعا }. # ولما كان من المشاهد أن كل حيوان يتصرف في نفسه وغيره ببعض ذلك قال: { ~~إلا ما شاء الله } أي المحيط علما وقدرة أن أملكه من ذلك، فكأنه قيل: ~~فما لك لا تدعوه بأن يشاء ذلك ويقدرك عليه؟ فقيل: { لكل أمة أجل } فكأنه ~~قيل: وماذا يكون فيه؟ فقيل: { إذا جاء أجلهم } هلكوا؛ ولما كان قطع ~~رجائهم من الفسحة في الأجل من أشد عذابهم، قدم قوله: { فلا يستأخرون } أي ~~عنه { ساعة } ثم عطف على الجملة الشرطية بكمالها { ولا يستقدمون* } فلا ~~تستعجلوه فإن الوفاء بالوعد لا بد منه. والسين فيهما بمعنى الوجدان، أي ~~لا يوجد لهم المعنى الذي صيغ منه الفعل مثل: استشكل الشيء واستثقله، ~~ويجوز كون المعنى: لا يوجدون التأخر ولا التقدم وإن اجتهدوا في الطلب، ~~فيكون في السين معنى الطلب والملك قوة يتمكن بها من تصريف الشيء أتم ~~تصريف، والنفع: إيجاب اللذة بفعلها والتسبب المؤدي إليها؛ والضر: إيجاب ~~الألم بفعله أو التسبب إليه؛ والأجل: الوقت المضروب لوقوع أمر. ### || [10.50-53] # ولما كان جل قصدهم بذلك الاستهزاء، وكان وقوعه أمرا ممكنا، وكان من ~~شأن العاقل أن يبعد عن كل خطر ممكن، أمره صلى الله عليه وسلم بجواب آخر ~~حذف منه واو العطف لئلا يظن أنه لا يكفي في كونه جوابا إلا بضمنه إلى ما ~~عطف عليه فقال: { قل } أي لمن استبطأ وعيدنا بالعذاب في الدنيا أو في ~~الأخرى، وهو لا يكون إلا بعد الأخذ في الدنيا إعلاما بأن الذي يطلبونه ~~ضرر لهم محض لا نفع فيه بوجه، فهو مما لا يتوجه إليه قصد عاقل { أرءيتم } ~~وهي من رؤية القلب لأنها دخلت على الجملة من ms2029 الاستفهام { إن أتاكم عذابه ~~} في الدنيا. # ولما كان أخذ الليل أنكى وأسرع، قدمه فقال: { بياتا } أي في الليل بغتة ~~وأنتم نائمون كما يفعل العدو؛ ولما كان الظفر ليلا لا يستلزم الظفر ~~نهارا مجاهرة قال: { أو نهارا } أي مكاشفة وأنتم مستيقظون، أتستمرون ~~على عنادكم فلا تؤمنوا؟ فكأنهم قالوا: لا، فليجعل به ليرى، فقيل: إنكم لا ~~تدرون ما تطلبون! إنه لا لمخلوق بنوع منه، ولا يجترىء على مثل هذا الكلام ~~إلا مجرم { ماذا } أي ما الذي؟ ويجوز أن يكون هذا جواب الشرط { يستعجل } ~~أي يطلب العجله { منه } أي من عذابه،وعذابه كله مكروه لا يحتمل شيء منه { ~~المجرمون* } إذ سنة الله قد استمرت بأن المكذب لا يثبت إلا عند مخايله، ~~وأما إذا برك بكلكه وأناخ بثقله فإنه يؤمن حيث لا ينفعه الإيمان # ولن تجد لسنة الله تحويلا # [فاطر: 43] وهذا معنى التراخي في قوله: { أثم إذا ما وقع } أي عذابه ~~وانتفى كل ما يضاده { آمنتم به } وذلك أنه كانت عادتهم كمن قبلهم ~~الاستعجال بالعذاب عند التوعد به، وكانت سنة الله قد جرت بأن المكذبين ~~إذا أتاهم العذاب يتراخى إيمانهم بعد مجىء مقدماته وقبل اجتثاثهم بعظائم ~~صدماته لشدة معاندتهم فيه وتوطنهم عليه كما وقع للأولين من الأمم بغيا ~~وعتوا كقوم صالح لما تغيرت وجوههم بألوان مختلفة في اليوم الأول ثم ~~الثاني ثم الثالث وأيقنوا بالهلكة وودع بعضهم بعضا ولم يؤمنوا. وجرت ~~بأنهم إذا ذاقوا مس العذاب وأخذتهم فواجئه الصعاب شغلتهم دواهيه عن ~~العناد واضطرتهم أهواله إلى سهل الانقياد، فكان في غاية الحسن وضع ~~تقريعهم على الاستعجال عقب الوعيد، ثم وضع التراخي عن الإيمان بالعناد ~~بعد الإشراف على الهلاك ومعاينة التلف، فكان كأنه قيل: أخبروني على تقدير ~~أان يأتيكم عذابه الذي لا عذاب أعظم منه - كما دل ذلك إضافته إليه - ~~فبيتكم أو كاشفكم، ما تفعلون؟ ألا تؤمنون؟ فقالوا لا، فليعجل به ليرى، ~~فناسب لما كان استعجالهم بعد هذا الإنذار تسفيههم على ذلك فقيل { ماذا } ~~أي أي نوع منه يطلب عجلته { المجرمون } ، ولا نوع منه الإ وهو ms2030 فوق الطاقة ~~ووراء الوسع، إن هذا لمنكر من الآراء، أفبعد تراخي إيمانكم عن مخايل ~~صدمته ومشاهدة مبادىء عظمته وشدته أوجدتم الإيمان به عند وقوعه؟ يقال لكم ~~حين اضطرتكم فواجئه إلى الإيمان وحملتكم قوارعه على صيورة الإذعان: { ~~آلآن } تؤمنون به - أي بسببه - بعد أن أزال بطشا قواكم وحل عزائم هممكم ~~وأوهاكم { وقد كنتم } أي كونا كأنكم مجبولون عليه { به تستعجلون* } أي ~~تطلبون تعجيله طلبا عظيما حتى كأنكم لاتطلبون عجلة شيء غيره تكذيبا ~~وعزما على الثبات على العناد، لو وقع فلم نقبل إيمانكم هذا منكم ولا كف ~~عذابنا عنكم، بل صيركم كأمس الدابر. # ولما كان ما ذكر هو العذاب الدنيوي، أتبعه ما بعده إعلاما بأنه لا ~~يقتصر عليه في جزائهم فقال: { ثم قيل } أي من أي قائل كان استهانة { ~~للذين ظلموا } أي وبعد أزكم في الدنيا والبرزخ بالعذاب وهزكم بشديد ~~العقاب قيل لكم يوم الدين بظلمكم بالآيات وبما أمرتم به فيها بوضعكم ~~كلا من ذلك في غير موضعه: { ذوقوا عذاب الخلد } فالإتيان ب " ثم " ~~إشارة إلى تراخي ذلك عن الإهلاك في الدنيا بالمكث في البرزخ أو إلى أن ~~عذابه أدنى من عذاب يوم الدين { هل تجزون } بناه للمفعول لأن المخيف مطلق ~~الجزاء؛ ولما كان الاستفهام الإنكاري بمعنى النفي، وكان المعنى: بشيء، ~~استثنى منه فقال: { إلا بما كنتم } أي بجبلاتكم { تكسبون* } أي في الدنيا ~~من العزم على الاستمرار على الكفر ولو طال المدى لاتنفكون عنه بشيء من ~~الأشياء وإن عظم، فكان جزاءكم الخلود في العذاب طبق النعل بالنعل؛ ~~والعذاب: الألم المستمر، وأصله الاستمرار، ومنه العذوبة لاستمرارها في ~~الحلق؛ والبيات: إتيان الشيء ليلا؛ والذوق: طلب الطعم بالفم في ابتداء ~~الأخذ. # ولما انقضى ما اشتملت عليه الآية من التهديد وصادع الوعيد، أخبر تعالى ~~أنهم صاروا إلى ما هو جدير بسامع ذلك من النزول عن ذلك العناد إلى مبادىء ~~الانقياد بقوله تعالى: { ويستنبئونك } عطفا على قوله " ويقولون متى هذا ~~الوعد " أي ويطلبون منك الإنباء وهو الإخبار العظيم عن حقيقة هذا الوعد ~~الجسيم، ويمكن أن يكون ذلك ms2031 منهم على طريق الاستهزاء كالأول، فيكون ~~التعجيب والتوبيخ فيه بعد ما مضى من الأدلة أشد { أحق هو } أي أثابت هذا ~~الذي تتوعدنا به أم هو كالسحر لا حقيقية له كما تقدم أنهم قالوه { قل } ~~أي في جوابهم { إي وربي } أي المحسن إلي المدبر لي والمصدق لجميع ما آتي ~~به؛ ولما كانوا منكرين، أكد قوله: { إنه لحق } أي كائن ثابت لا بد من ~~نزوله بكم. # ولما كان الشيء قد يكون حقا، ويكون الإنسان قادرا على دفعه فلا يهوله، ~~قال نفيا ذلك: { وما أنتم } أي لمن توعدكم { بمعجزين* } فيما يراد بكم. ### || [10.54-57] # ولما أخبرهم بحقيقته، أخبرهم بما يكون منهم من الظلم أيضا عند معياينته ~~بالسماح ببذل جميع ما في الأرض حيث لا ينفع البذل بعد ترك المأمور به وهو ~~من أيسر الأشياء وأحسنها فقال: { ولو أن لكل نفس ظلمت } أي عند المعاينة ~~{ ما في الأرض } أي كلها من خزائنها ونفائسها { لافتدت به } أي جعلت فدية ~~لها من العذاب لكنه ليس لهم ذلك، ولو كان من قبل منهم، فإذا وقع ما ~~يوعدون استسلموا { وأسروا الندامة } أي اشتد ندمهم ولم يقدروا على الكلام ~~{ لما رأوا العذاب } لأنهم بهتوا لعظم ما دهمهم فكان فعلهم فعل المسر، ~~لأنهم لم يطيقوا بكاء ولا شكاية ولا شيئا مما يفعله الجازع؛ والاستنباء: ~~طلب النبأ كما أن الاستفهام طلب الفهم؛ والنبأ: خبر عن يقين في أمر كبير؛ ~~والحق: عقد على المعنى على ماهو به تدعو لحكمة إليه، وكل ما بنى على هذا ~~العقد فهو حق لأجله، والحق في الدين ما شهد به الدليل على الثقة فيما ~~طريقه العلم، والقوة فيما طريقة غالب الأمر، وذلك فيما يحتمل أمرين ~~أحدهما أشبه بألاصل الذي جاء به النص؛ والافتداء: إيقاع الشيء بدل غيره ~~لرفع المكروه، فداه فدية وأفداه وافتداه افتداء وفاداه مفاداة وفداه ~~تفدية وتفادى منه تفاديا؛ والإسرار: إخفاء الشيء في النفس؛ والندامة: ~~الحسرة على ما كان يتمنى أنه لم يكن أوقعها، وهي حال معقولة يتأسف صاحبها ~~على ما وقع منها ويود أنه لم ms2032 يكن أوقعها. # ولما اشتملت الآيات الماضيات على تحتم إنجاز الوعد والعدل في الحكم، ~~وختمت بقوه: { وقضي } أي وأوقع القضاء على أيسر وجه وأسهله؛ ولما استغرق ~~القضاء جميع وقائعهم. دل بنزع الجار فقال: { بينهم } أي الظالمين ~~والمظلومين والظالمين والأظلمين { بالقسط } أي العدل؛ ولما كان وقوع ذلك ~~لا ينفي وقوع الظلم في وقت آخر قال: { وهم } أي والحال أنهم { لا يظلمون* ~~} أي لا يقع فيهم ظلم من أحد أصلا كائنا من كان في وقت ما. # ولما كان السبب الحامل لملوك الدنيا على الكذب والجور والظلم العجز أو ~~طلب التزيد في الملك، أشار إلى تنزهه عن ذلك بقوله مؤكدا سوقا لهم مساق ~~المنكر لأن فعلهم في عبادة الأصنام فعل من ينكر مضمون الكلام: { ألا إن ~~لله } أي الملك الأعظم وحده { ما في السماوات } بدأ بها لعلوها معنى ~~وحسا وعظمتها؛ ولما كان المقام للغنى عن الظلم لم يحوج الحال إلى تأكيد ~~بإعادة النافي فقال: { والأرض } أي من جوهر وعرض صامت وناطق، فلا شيء ~~خارج عن ملك يحوجه إلى ظلم أو إخلاف وعد لحيازته، والحاصل أنه لا يظلم ~~إلا ناقص الملك وأما من له الملك كله فهو الحكم العدل: لأن جميع الأشياء ~~بالنسبة إليه على حد سواء، ولا يخلف الوعد إلا ناقص القدرة وأما من له كل ~~شيء ولا يخرج عن قبضته شيء فهو المحق في الوعد العدل في الحكم، وفي الآية ~~زيادة تحسير وتنديم للنفس الظالمة حيث أخبرت بأن ما تود أن تفتدي به ليس ~~لها منه شيء ولا تقدر على التوصل إليه، ولو قدرت ما قبل منها،وإنما هو ~~لمن رضي منها بالقليل منه فضلا منه عليها على ما أمر به على لسان رسله، ~~وعلى هذا فيجوز أن يكون التقدير: لو أن لها ذلك لافتدت به، لكنه ليس لها ~~بل لله؛ فلما ثبت بذلك حكمه بالعدل وتنزهه عن إخلاف الوعد. # صرح بمضمون ذلك بقوله مؤكدا لإنكارهم: { ألا إن وعد الله } أي الذي له ~~الكمال كله { حق } لأنه تام القدرة والغنى، فلا حامل له على ms2033 الإخلاف { ~~ولكن أكثرهم } أي الذين تدعوهم وهم يدعون دقة الأفهام وسعة العقول { لا ~~يعلمون* } أي لا علم لهم فهم لا يتدبرون ما نصبنا من الأدلة فلا ينقادون ~~لما أمرنا به من الشريعة فهم باقون على الجهل معدودون مع البهائم؛ و { ~~ألا } مركبة من همزة الاستفهام و " لا " وكانت تقريرا وتذكيرا فصارت ~~تنبيها، وكسرت إن بعدها لأنها استئنافيه ينبه بها على معنى يبتدأ به ~~ولذا يقع بعدها الأمر والدعاء بخلاف " لو " و " إلا " للاستقبال فلم يجز ~~بعدها إلا كسر " إن " " أما " قد تكون بمعنى " حقا " في قولهم: أما إنه ~~منطلق، وهي للحال فجاز في " أن " بعدها الوجهان - ذكره الرماني؛ ~~والسماوات طبقات مرفوعه أولها سقف مزين بالكواكب. وهي من سما بمعنى علا. # ولما تقرر أنه لا شيء خارج عن ملكه، وأنه تام القدرة لأنه لا منجي من ~~عذابه، شامل العلم لقضائه بالعدل، صادق الوعد لأنه لا حامل له على غيره، ~~وثبت تفرده بأنه يحي ويميت؛ ثبت أنه قادر على الإعادة كما قدر على ~~الابتداء، فثبت أنه لا يكون الرد إلا إليه فنبه على ذلك بقوله: { هو } أي ~~وحده { يحيي } أي كما أنتم به مقرون { ويميت } كما أنتم له مشاهدون { ~~وإليه } أي لا إلى غيره { ترجعون* } لأنه وعد بذلك في قوله: # إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقا # [ يونس: 4] وفي قوله: # فإلينا مرجعهم # [يونس: 46] وفي قوله # إي وربي إنه لحق # [يونس: 53] وغير ذلك ولا مانع له منه؛ والحياة معنى يوجب صحة العلم ~~والقدرة ويضاد الموت، وهو يحل سائر أجزاء الحيوان فيكون بجميعه حيا ~~واحدا، والحي هو الذي يصح أن يكون قادرا، والقادر هو الذي يصح أن يذم ~~ويحمد بما فعل، والموت معنى يضاد الحياة على البنية الحيوانية، وليس كذلك ~~الجمادية. # ولما ثبت أن ذلك كله حق مباين للسحر الذي مبناه على التخييل، أقبل على ~~الذين تقدم الإخبار عنهم في أول السورة في قوله: أكان للناس عجبا أنهم ~~قالوا إنه سحر، فقال: { يا أيها الناس } أي الذين قالوا: إن وعدنا ~~والإخبار به سحر؛ ولما كان ms2034 بين الأرواح والأبدان حب غريزي بالتعلق، والتذ ~~الروح لذلك بمشتهيات هذه الحياة الدنيا بما انطبع فيه بمظاهر الحس فلم ~~يأته نور العقل حتى تعود النقائص بقوة التعلق فحدثت له أخلاق ذميمة هي ~~أمراض روحانية، فأرسل ربه الذي أوجده ودبره وأحسن إليه طبيبا حاذقا هو ~~الرسول صلى الله عليه وسلم لعلاج هذه الأمراض. # وأنزل كتابه العزيز لوصف الأدوية، فكان أحكم الطب منع المريض عن أسباب ~~المرض، قال تعالى: { قد جاءتكم موعظة } أي زاجر عظيم عن التخلي عن كل ما ~~يشغل القلب عن الله من المحظورات وغيرها من كل ما لا ينبغي، وذلك هو ~~الشريعة. # ولما كان تناول المؤذي شديد الخطر، وهو لذيذ إلى النفس بينهما من ملاءمة ~~النقص، وكان الانكفاف عنه أشق شيء عليها، رغبها في القبول بقوله: { من ~~ربكم } أي المحسن إليكم المدبر لمصالحكم بهذا القرآن؛ ولما كان أليق ما ~~يعمل بعد الحمية تعاطي الدواء المزيل للأخلاط الفاسدة من الباطن، قال: { ~~وشفاء } أي عظيم جدا { لما في الصدور } من أدواء الجهل، وذلك الشفاء ~~يحصل بتطهير الباطن بعد التخلي عن الأخلاق الذميمة بالتحلي بالصفات ~~الحميدة ليصير الباطن سالما عن العقائد الفاسدة والأخلاق الناقصة كما ~~سلم البدن من الأفعال الدنية، وهذا هو الطريق. # ولما كانت الروح إذا انصقلت مرآتها فصارت قابلة لتجلي الأنوار عليها ~~بفيض البروق الإلهية والنفخات القدسية والمواهب الملكوتية لأنها دائمة ~~اللمعان كما قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه الطبراني عن محمد بن مسلمة ~~رضي الله عنه: # " إن لربكم أيام دهركم نفحات، ألا فتعرضوا له " # الحديث. وليس المانع من نزولها في كل قلب إلا عدم القابلية من بعضها ~~لتراكم الظلمات فيها من صداء المخالفة ودين الإعراض والغفلة، فيكون بذلك ~~كالمرايا الصديئة لا تقبل انطباع الصور بها، قال تعالى: { وهدى } إلى ~~الحق لأنه نور عظيم يقود صاحبه - ولابد - إلى الطريق الأقوم، وهذا ~~للصديقين وهو الحقيقة. # ولما كان هذا النور إذا زاد عظمة وانتشر إشراقه يفيض - بعد الوصول إلى ~~هذه الدرجات الروحانية والمعارج الربانية - على أرواح الناقصين فيض النور ~~من جوهر ms2035 الشمس على أجرام العالم فينير كل قابل له مقبل عليه، قال تعالى: ~~{ ورحمة } أي إكرام عظيم بالإمامية بالغ في الكمال والإشراق إلى حد لا ~~مزيد عليه، وهذا للأنبياء عليهم السلام؛ ولما كان لا ينتفع بأنوارهم إلا ~~من توجه إليهم، ثم إن الانتفاع بهم يتفاوت بتفاوت درجات التوجه إليهم ~~والإقبال عليهم، قال: { للمؤمنين* } الذين اتبعوه وهم راسخون في التوجه ~~إلى المرشدين والاستسلام لهم فكان ذلك سببا لنجاتهم - أشار إلى هذا ~~الإمام وقال: فهذه درجات عقلية ومراتب برهانية مدلول عليها بهذه الكلمات ~~الأربع القرآنية على وجه لا يمكن تأخير شيء منها عن موضعه ولا تقديمه، ~~وهذا بخلاف ما نسبوه إليه صلى الله عليه وسلم من السحر فإنه داء كله ~~وضلال يجر إلى الشقاء، والموعظة: إبانة تدعو إلى الصلاح بطريق الرغبة ~~والرهبة، والوعظ ما دعا إلى الخشوع والنسك وصرف عن الفسوق والإثم؛ ~~والشفاء: إزالة الداء، وداء الجهل أضر من داء البدن وعلاجه أعسر وأطباؤه ~~أقل، والشفاء منه أجل؛ والصدر: موضع القلب، وهو أجل موضع في الحي لشرف ~~القلب؛ والهدى: بيان عن معنى يؤدي إلى الحق، وهو دلالة تؤدي إلى المعرفة؛ ~~والرحمة: نعمة على المحتاج. ### || [10.58-60] # ولما ثبت ذلك، حثهم عليه لبعده عن السحر بثباته وعدم القدرة على زلزلته ~~فضلا عن إزالته وبأن شفاء وموعظة وهدى ورحمة فهو جامع لمراتب القرب ~~الإلهي كلها، وزهدهم فيما هم عليه مقبلون من الحطام: لمشاركته للسحر في ~~سرعة التحول والتبدل بالفناء والاضمحلال فهو أهل للزهد فيه والإعراض عنه ~~فقال تعالى: { قل بفضل الله } الآية، وحسن كل الحسن تعقيب ذلك لقوله: { ~~هو يحيي ويميت } لما ذكر من سرعة الرحيل عنه، ولأن القرآن محيي لميت ~~الجهل، من أقبل عليه أفاده العلم والحكمة، فكان للقلب كالحياة للجسد، ومن ~~أعرض عنه صار في ضلال وخبط فوصل إلى الهلاك الدائم، فكان إعراضه عنه ~~مميتا له، وجعل أبو حيان متعلق الباء في بفضل محذوفا تقديره: { قل } ~~ليفرحوا { بفضل الله } أي الملك الأعلى { وبرحمته } ثم عطف قصر الفرح على ~~ذلك { فبذلك } أي الأمر العظيم جدا ms2036 وحده إن فرحوا يوما ما بشيء { ~~فليفرحوا } فهما جملتان وقال: إن ذلك أظهر، وفائدة الثانية قصر الفرح على ~~ذلك دون ما يسرون به من الحطام فإن السعادات الروحانية أفضل من السعادات ~~الجسمانية. ثم صرح بسبب الفرح فقال: { هو } أي المحدث عنه من الفضل ~~والرحمة { خير مما يجمعون* } أي من حطام الدنيا وإن كان أشرف ما فيها من ~~المتاع دائبين فيه على تعاقب الأوقات، والعاقل يختار لتعبه الأفضل؛ ~~والفضل: الزيادة في النعمة؛ والفرح: لذة في القلب بنيل المشتهى. # ولما وصف القرآن العظيم بالشفاء وما معه المقتضي لاستقامة المناهج وسداد ~~الشرائع ووضوح المذاهب، وأشار إلى أن العاقل ينبغي له أن يخصه بالفرح ~~لبقاء آثاره وما يدعو إليه وزهده فيما يجمعون لفنائه ولأنه يدعو إلى ~~رذائل الأخلاق فيحط من أوج المعالي، أشار إلى أنهم كما خبطوا في الفرح ~~فخصوه بما يفني معرضين عما يبقى فكذلك خبطوا في طريق الجمع فوعدوها على ~~أنفسهم بأن حرموا بعض ما أحله، فمنعوا أنفسهم ما هم به فرحون دون أمر من ~~الله تعالى فنقصوا بذلك حظهم في الدنيا بهذا المنع وفي الآخرة بكذبهم على ~~ربهم في تحريمه حيث جعلوه شرعا مرضيا وهو في غاية الفساد والبعد عن ~~الصواب والقصور عن مراقي السداد فقال تعالى: { قل } أي لهؤلاء الذين ~~يستهزئون بك استهزاء قاضيا عليهم بأنهم لا عقول لهم مستهزئا بهم ~~وموبخا لهم توبيخا هو في أحكم مواضعه، وساقه على طريق السؤال بحيث إنهم ~~لا يقدرون على الجواب أصلا بغير الإقرار بالافتراء فقال: { أرءيتم } أي ~~أخبروني، وعبر عن الخلق بالإنزال تنبيها على أنه شيء لا يمكن ادعاءه ~~لأصنامهم لنزول أسبابه من موضع لا تعلق لهم به بوجه فقال: { ما أنزل الله ~~} أي الذي له صفات الكمال التي منها الغنى المطلق { لكم } أي خاصا بكم { ~~من رزق } أي أي رزق كان { فجعلتم منه } أي ذلك الرزق الذي خصكم به { ~~حراما وحلالا } على النحو الذي تقدم في الأنعام وغيرها قصته وبيان ~~فساده على أنه جلي الفساد ظاهر العوج؛ ثم ابتدأ أمرا آخر ms2037 تأكيدا ~~للإنكار عليهم فقال: { قل } أي من أذن لكم في ذلك؟ { الله } أي الملك ~~الأعلى { أذن لكم } فتوضحوا المستند به { أم } لم يأذن لكم فيه مع نسبتكم ~~إياه إليه لأنكم فصلتموه إلى حرام وحلال ولا محلل ومحرم إلا الله، فأنتم ~~{ على الله } أي المحيط بكل شيء عظمة وعلما { تفترون* } مع نسبتكم ~~الافتراء إلي في هذا القرآن الذي أعجز الأفكار والشرع الذي بهر العقول ~~وادعائكم أنكم أبعد الناس عن مطلق الكذب وأطهرهم ذيولا منه، وتقديم ~~الجار للإشارة إلى زيادة التشنيع عليهم من حيث إنهم أشد الناس تبرؤا من ~~الكذب وقد خصوا الله - على تقدير التسليم لهم - بأن تعمدوا الكذب عليه. # ولما كان قد مضى من أدلة المعاد ما صيره كالشمس، وكان افتراءهم قد ثبت ~~بعدم قدرتهم على مستند بإذن الله لهم في ذلك، قال مشيرا إلى أن القيامة ~~مما هو معلوم لا يسوغ إنكاره: { وما ظن الذين يفترون } أي يتعمدون { على ~~الله } أي الملك الأعظم { الكذب } أي أنه نازل بهم { يوم القيامة } أي هب ~~أنكم لم تستحيوا منه ولم تخافوا عواقبه في الدنيا فما تظنون أنه يكون ذلك ~~اليوم؟ أتظنون أنه لا يحاسبكم فيكون حينئذ قد فعل ما لا يفعله رب مع ~~مربوبه. # ولما كان تعالى يعاملهم بالحلم وهم يتمادون في هذا العقوق، قال: { إن ~~الله } أي الذي له الكمال كله { لذو فضل } أي عظيم { على الناس } أي بنعم ~~منها إنزال الكتب مفصلا فيها ما يرضاه وما يسخطه وإرسال الرسل عليهم ~~السلام لبيانها بما يحتمله عقول الخلق منها، ومنها طول إمهالهم على سوء ~~أعمالهم فكان شكره واجبا عليهم { ولكن أكثرهم } أي الناس لاضطراب ~~ضمائرهم { لا يشكرون } أي لا يتجدد منهم شكر فهم لا يتبعون رسله ولا ~~كتبه، فهم يخبطون خبط عشواء فيفعلون ما يغضبه سبحانه؛ والتحريم: عقد معنى ~~النهي عن الفعل؛ والتحليل: حل معنى النهي بالإذن؛ والشكر: حق يجب بالنعمة ~~من الاعتراف به والقيام فيما تدعو إليه على قدرها؛ وافتراء الكذب: تزويره ~~وتنميقه فهو أفحش من مطلق الكذب. ### || [10.61-63] # ولما وصف ms2038 القرآن بما وصفه به من الشفاء وما معه بعد إقامة الدليل على ~~إعجازه، وأشار إلى أن ما تدينوا به في غاية الخبط وأنه مع كونه كذبا ~~يقدر كل واحد على تغييره بأحسن منه لكونه غير مبني على الحكمة، وختم ذلك ~~بتهديدهم على افتراء الكذب في شرع ما لم يأذن به مع ادعائهم أن القرآن ~~مفترى وهم عاجزون عن معارضته، وبأنهم لم يشكروه على نعمه التي أجلها ~~تخصيصهم بهذا الذكر الحكيم والشرع القويم، وكان قد أكثر في ذلك كله من ~~الأمر له صلى الله عليه وسلم بمحاجتهم { قل لا أملك لنفسي } ، { قل ~~أرأيتم إن أتاكم عذابه } ، { قل إي وربي إنه لحق } ، { قل بفضل الله } - ~~الآية، { قل أرأيتم ما أنزل الله لكم } ، { قل الله أذن لكم } ، قال ~~تعالى ناظرا إلى قوله: { وما كان هذا القرآن أن يفترى } الآية، تسلية له ~~صلى الله عليه وسلم وتقوية لهمته وزيادة في تهديدهم عطفا على ما تقديره: ~~فقد أنزلت إليهم على لسانك ما هو شرف لهم ونعمة عليهم وهو في غاية البعد ~~عن مطلق الكذب فإن كل شيء منه في أحكم مواضعه وأحسنها لا يتطرق إليه ~~الباطل بوجه وهم يقابلون نعمته بالكفر: { وما تكون } أنت { في شأن } أي ~~أي شأن كان { وما تتلوا منه } أي من القرآن المحدث عنه في جميع هذه ~~السورة، الذي تقدم أنهم كذبوا به من غير شبهة لهم { من قرآن } أي قليل أو ~~كثير { ولا تعملون } أي كلكم طائعكم وعاصيكم، وأغرق في النفي فقال: { من ~~عمل } صغير أو كبير { إلا كنا } أي بما لنا من العظمة { عليكم شهودا } ~~أي عاملين بإحاطة علمنا ووكالة جنودنا عمل الشاهد { إذ تفيضون فيه } ~~الآية إيذانا بأنك بعيني في جميع هذه المراجعات وغيرها من شؤونك وأنا ~~العالم بتدبيرك والقادر على نصرتك، وهي كلها من كتابي الذي تتضاءل القوى ~~دونه وتقف الأفكار عن مجاراته لأنه حكيم لكونه من عندي فجل عن مطلق ~~المعارضة لفظا أو معنى فضلا عن التغيير فضلا عن الإتيان بما هو مثله ~~فكيف بما هو ms2039 أحسن منه، لاستقامة أمره وتناسب أحكامه كونها شفاء وهدى ~~ورحمة، وما كان كذلك فهو من عندي قطعا وبإذني جزما لأني عالم بالإفاضة ~~فيه والانفصال عنه وجميع الأمور الواقعة منك ومنهم ومن غيرهم. # ولما كان ربما ظن ظان من إفهام { كنا } و { شهودا } للجنود أنه سبحانه ~~محتاج إليهم، نفى ذلك بقوله: { وما } أي والحال أنه ما { يعزب } أي يغيب ~~ويخفى { عن ربك } أي المربي لكل مخلوق بعام أفضاله ولك بخاص نعمه وأشرف ~~نواله، وأغرق في النفي فقال: { من مثقال ذرة } أي وزن نملة صغيرة جدا ~~وموضع وزنها وزمانه؛ ولما كان " في " بمزون أهل الأرض كان تقديمها أولى ~~فقال: { في الأرض } ولما لم يدع السياق إلى الجمع - كما سيأتي في سبأ - ~~قال اكتفاء بالمفرد الدال على الجنس: { ولا في السماء } أي ما علا عن ~~الأرض كائنا ما كان. # ولما كان ربما أدى الجمود بعض الأغبياء إلى أن يحمل المثقال على حقيقته ~~ويجهل أن المراد به المبالغة، قال عاطفا على الجملة من أولها وهو على ~~الابتداء سواء رفعنا الراءين على قراءة حمزة ويعقوب أو نصبناهما عند ~~الباقين: { ولا أصغر من ذلك } أي من مثقال الذرة { ولا أكبر } ولما أتى ~~بهذا الابتداء الشامل الحاصر، أخبر عنه بقوله: { إلا } أي لا شيء من ذلك ~~إلا موجود { في كتاب } أي جامع { مبين* } أي ظاهر في نفسه مظهر لكل ما ~~فيه، وسيأتي في سبأ ما يتم به هذا المكان، وفي ذلك تهديدا لهم وتثبيت له ~~صلى الله عليه وسلم، ولاح بهذا أن ما بعد { إلا } حال من الفاعل، أي ما ~~يفعل شيئا إلا وأنت بأعيننا فثبت أن القرآن بعلمه، فلو افتراه أحد عليه ~~لأمكن منه؛ والإفاضة: الدخول في العمل على جهة الانصباب إليه وهو ~~الانبساط في العمل أخذا من فيض الإناء إذا انصب ما فيه من جوانبه، ~~وأفضتم: تفرقتم كتفرق الماء الذي يتصبب من الإناء؛ والعزوب: ذهاب المعنى ~~عن العلم، وضده الحضور؛ والذر: صغار النمل وهو خفيف الوزن جدا، ومثقاله: ~~وزنه. # ولما تقدم أنه سبحانه شامل العلم، ms2040 وعلم - من وضع الأحوال ما لا يتسع ومن ~~لا تسع مجرد أسمائهم الأرض في كتاب مبين أي مهما كشف منه وجد من غير خفاء ~~ولا احتياج إلى تفتيش - أنه كامل القدرة بعد أن تقدم أنهم فريقان: صادق ~~في أمره، ومفتر عليه، وأنه متفضل على الناس بعدم المعاجلة والتأخير إلى ~~القيامة، وخوف المفتري عواقب أمره عاجلا وآجلا، ورجى المطيع، كان ~~موضع أن يقال: ليت شعري ماذا يكون تفصيل حال الفريقين في الدارين على ~~الجزم؟ فأجيب بأن الأولياء فائزون والأعداء هالكون ليشمر كل مطيع عن ساعد ~~جده ويبذل غاية جهده في لحاق المخلصين وتحامي جانب المفترين بقوله تعالى ~~مؤكدا لاعتقادهم أنهم يهلكون حزب الله وإنكارهم غاية الإنكار أن ~~يفوتوهم: { ألا إن أولياء الله } أي الذين يتولون بالطاعة من لا شيء أعز ~~منه ولا أعظم ويتولاهم { لا خوف } أي ثابت عال { عليهم } أي من شيء ~~يستقبلهم { ولا هم } أي بضمائرهم { يحزنون } أي يتجدد لهم حزن على فائت ~~لأن قلوبهم معلقة بالله سبحانه فلا يؤثر فيهم لذلك خوف ولا حزن أثرا ~~يقطع قلوبهم كما يعرض لغيرهم، وفسرهم بقوله: { الذين آمنوا } أي أوجدوا ~~هذا الوصف المصحح للأعمال وبه كمال القوة العلمية { وكانوا } أي كونا ~~صار لهم جبلة وخلقا { يتقون } أي يوجدون التقوى، وهي كمال القوة العملية ~~في الإيمان والأعمال ويجددونها فإنه لا يقدر أحد أن يقدر الله حق قدره؛ ~~وانتهى الجواب بقوله: { إن الذين يفترون على الله الكذب } - الآية، وهذا ~~الذي فسر الله به الأولياء لا مزيد على حسنه، وعن علي رضي الله عنه " هم ~~قوم صفر الوجوه من السهر عمش العيون من العبر خمص البطون من الخوى " ~~وقيل: الولي من لا يرائي ولا ينافق، وما أقل صديق من كان هذا خلقه، وصح ~~عن الإمامين: أبي حنيفة والتبيان أن كلا منهما قال: إن لم يكن العلماء ~~أولياء الله فليس لله ولي. # وهذا في العالم العامل بعلمه كما بينته عند قوله في سورة الزمر # قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون # [الزمر: 9]. ### || [10.64-67] # ولما نفىعنهم ms2041 الخوف والحزن، زادهم فقال مبينا لتوليه لهم بعد أن شرح ~~توليهم له: { لهم } أي خاصة { البشرى } أي الكاملة { في الحياة الدنيا } ~~أي بأن دينهم يظهر وحالهم يشتهر وعدوهم يخذل وعمله لا يقبل وبالرؤية ~~الصالحة { وفي الآخرة } بأنهم هم السعداء وأعداؤهم الأشقياء وتتلقاهم ~~الملائكة # هذا يومكم الذي كنتم توعدون # [الأنبياء: 103]. وما كان الغالب على أحوال أهل الله في الدنيا الضيق ~~ولا سيما في أول الإسلام، كان السامع لذلك بمعرض أن يقول: يا ليت شعري هل ~~يتم هذا السرور! فقيل: نعم، وأكد بنفي الجنس لأن الجبابرة ينكرون ذلك لهم ~~لما يرون من أن عزهم من وراء ذل ليس فيه سوء ما لباطل المتكبرين من ~~السورة والإرجاف والصولة: { لا تبديل } أي بوجه من الوجوه { لكلمات الله ~~} أي الملك الأعلى الذي له الإحاطة بكل شيء علما وقدرة؛ وقوله -: { ذلك ~~} أي الأمر العالي الرتبة { هو } أي خاصة { الفوز العظيم } في موضع ~~البيان والكشف لمضمون هذه البشرى؛ والخوف: انزعاج القلب بما يتوقع من ~~المكروه، ونظيره الجزع والفزع، ونقيضه الأمن؛ والحزن: انزعاجه وغلظ همه ~~مما وقع من المكروه، من الحزن للأرض الغليظة، ونقيضه السرور، وهما ~~يتعاقبان على حال الحي الذاكر للمحبوب؛ والبشرى: الخبر الأول بما يظهر ~~سروره في بشرة الوجه. # ولما تقدمت البشرى بنفي الخوف والحزن معا عن الأولياء، علم أن المعنى: ~~هذه البشرى للأولياء وأنت رأسهم فلا تخف، فعطف عليه قوله: { ولا يحزنك ~~قولهم } أي في نحو قولهم: إنهم يغلبون، وفي تكذيبك والاستهزاء بك ~~وتهديدك، فإن ذلك قول يراد به تبديل كلمات الله الغني القدير، وهيهات ذلك ~~من الضعيف الفقير فكيف بالعلي الكبير! وإلى هذا يرشد التعليل لهذا النهي ~~بقوله: { إن العزة } أي الغلبة والقهر وتمام العظمة { لله } أي الملك ~~الأعلى حال كونها { جميعا } أي فسيذلهم ويعز دينه، والمراد بذلك التسلية ~~عن قولهم الذي يؤذونه به. # ولما بدئت الآية بقولهم، ختمها بالسمع له والعلم به وقصرهما عليه لأن ~~صفات كل موصوف متلاشية بالنسبة إلى صفاته فقال: { هو } أي وحده { السميع ~~} أي البليغ السميع لأقوالهم { العليم } أي ms2042 المحيط العلم بضمائرهم وجميع ~~أحوالهم فهو البالغ القدرة على كل شيء فيجازيهم بما تقتضيه، وهو تعليل ~~لتفرده بالعزة لأنه تفرد بهذين الوصفين فانتفيا عن غيره، ومن انتفيا عنه ~~كان دون الحيوانات العجم فأنى يكون له عزة! والعزة: قدرة على كل جبار بما ~~لا يرام ولا يضام، والمعنى أنه يعزك على من ناواك، والنهي في { ولا يحزنك ~~} في اللفظ للقول وفي المعنى للسبب المؤدي إلى التأذي بالقول، وكسرت " إن ~~" هاهنا للاستئناف بالتذكر بما ينفي الحزن، لا لأنها بعد القول لأنها ~~ليست حكاية عنهم، وقرىء بفتحها على معنى " لأن ". # ولما ختمت بعموم سمعه وعلمه بعد قصر العزة عليه، كان كأنه قيل: إن العزة ~~لا تتم إلا بالقدرة فأثبت اختصاصه بالملك الذي لا يكون إلا بها، فقال ~~مؤكدا لما يستلزمه إشراكهم من الإنكار لمضمون هذا الكلام: { ألآ إن لله ~~} أي الذي له الإحاطة الكاملة؛ ولما كان بعض الناس قد أشركوا ببعض ~~النجوم، جمع فقال معبرا بأداة العقلاء تصريحا بما أفهمه التعبير سابقا ~~بأداة غيرهم: { من في السماوات } أي كلها، وابتدأ بها لأن ملكها يدل على ~~ملك الأرض بطريق الأولى، ثم صرح بها في قوله مؤكدا لما تقدم: { ومن في ~~الأرض } أي كلهم عبيده ملوكهم ومن دونهم، نافذ فيهم تصريفه، منقادون لما ~~يريده، وهو أيضا تعليل ثان لقوله { ولا يحزنك قولهم } أو للتفرد بالعزة، ~~وعبر ب " من " التي للعقلاء والمراد كل ما في الكون لأن السياق لنفي ~~العزة عن غيره، والعقلاء بها أجدر، فنفيها عنهم نفي عن غيرهم بطريق ~~الأولى، ثم غلبوا لشرفهم على غيرهم، ولذا تطلق " ما " التي هي لغيرهم في ~~سياق هو بها أحق ثم يراد بها العموم تغليبا للأكثر الذي لا يعقل على ~~الأقل؛ ثم نفى أن يكون له في ذلك شريك بقوله عاطفا على ما تقديره: فما ~~له شريك مما ادعاه المشركون منهما أو من إحداهما: { وما يتبع } أي بغاية ~~الجهد { الذين يدعون } أي على سبيل العبادة { من دون الله } أي الذي له ~~العظمة كلها { شركآء } على الحقيقة؛ ويجوز أن ms2043 تكون " ما " موصولة تحقيرا ~~للشركاء بالتعبير بأداة ما لا يعقل ومعطوفه على " من " { إن } أي ما { ~~يتبعون } في ذلك الذي هو أصل أصول الدين يجب فيه القطع وهو دعاءهم له ~~شركاء { إلا الظن } أي المخطىء على أنه لو كان صوابا كانوا مخطئين فيه ~~حيث قنعوا في الأصل بالظن، ثم نبه على الخطأ بقوله: { وإن } أي وما { هم ~~إلا يخرصون } أي يحزرون ذلك ويقولون ما لا حقيقة له أصلا؛ والاتباع: ~~طلب اللحاق بالأول على تصرف الحال، فهؤلاء اتبعوا الداعي إلى عبادة الوثن ~~وتصرفوا معه فيما دعا إليه، وظنهم في عبادتها إنما هو بشبيهة ضعيفة كقصد ~~زيادة التعظيم لله وتعظيم تقليد الأسلاف، ويجوز أن يكون { شركاء } ~~مفعولا تنازعه { يتبع } و { يدعون }؛ ثم أثبت سبحانه اختصاصه بشيء جامع ~~للعلم والقدرة تأكيدا لاختصاصه بالعزة وتفرده بالوحدانية، وأن من أشرك ~~به خارص لا علم له بوجه لكثرة الدلائل على وحدانيته ووضوحها فقال: { هو } ~~أي وحده { الذي جعل } أي بسبب دوران الأفلاك الذي أتقنه { لكم } أي نعمة ~~منه { الليل } أي مظلما { لتسكنوا فيه } راحة لكم ودلالة على قدرته ~~سبحانه على الإيجاد والإعدام وأنسا للمحبين لربهم { والنهار } وأعار ~~السبب وصف المسبب فقال: { مبصرا } أي لتنتشروا فيه، حذف وصف الليل وذكرت ~~علته عكس ما فعل بالنهار ليدل ما ثبت على ما حذف، فالآية من الاحتباك. # ولما كانت هذه الآيات من الظهور بحيث لا يحتاج إلى أكثر من سماعها، قال: ~~{ إن في ذلك } أي الأمر العظيم { لآيات لقوم } أي لهم قوة المحاولة على ~~ما يريدونه { يسمعون } أي لهم سمع صحيح، وفي ذلك أدلة واضحات على أنه ~~مختص بالعزة فلا شريك له، لأن الشريك لا بد وأن يقاسم شريكه شيئا من ~~الأفعال أو الأحوال أو الملك، وأما عند انتفاء جميع ذلك فانتفاء الشركة ~~أوضح من أن يحتاج فيه إلى دليل، ويجوز أن يكون المعنى: لآيات لقوم يبصرون ~~إبصار اعتبار ويسمعون سماع تأمل وإدكار، ولكنه حذف " يبصرون " لدلالة { ~~مبصرا } عليه، ويزيد ذلك وضوحا وحسنا كون السياق لنفي الشركاء، فهو ~~إشارة إلى ms2044 أنها لا تسمع ولا تبصر أصلا فكيف بالاعتبار والافتكار؟ فالذين ~~عبدوهم أكمل حالا منهم. ### || [10.68-73] # ولما لم يكن شبهة على ادعاء الولد لله سبحانه ولا لهم اطلاع عليه بوجه، ~~ساق قوله: { قالوا اتخذ } أي تكلف الأخذ بالتسبب على ما نعهد { الله } أي ~~المسمى بهذا الاسم الذي يقتضي تسميته به أن يكون له الكمال كله، فلا يكون ~~محتاجا إلى شيء بوجه { ولدا } مساق البيان لقوله { إن يتبعون إلا الظن ~~} وهذا صالح لأن يكون تعجيبا ممن ادعى في الملائكة أو عزير أو المسيح ~~وغيرهم. # ولما عجب منهم في ذلك لمنافاته بما يدل عليه من النقص لما ثبت لله تعالى ~~من الكمال كما مر، نزه نفسه الشريفة عنه فقال: { سبحانه } أي تنزه عن كل ~~شائبة نقص التنزه كله؛ ثم علل تنزهه عنه وبينه بقوله: { هو } أي وحده { ~~الغني } أي عن الولد وغيره لأنه فرد منزه عن الإبعاض والأجزاء والمجانسة؛ ~~ثم بين غناه بقوله: { له ما في السماوات } ولما كان سياق الاستدلال يقتضي ~~التأكيد، أعاد " ما " فقال: { وما في الأرض } من صامت وناطق، فهو غني ~~بالملك ذلك عن أن يكون شيء منه ولدا له لأن الولد لا يملك، وعدم ملكه ~~نقص مناف للغنى، ولعله عبر ب " ما " لأن الغني محط نظره الصامت مع ~~شمولها للناطق. # ولما بين بالبرهان القاطع والدليل الباهر الساطع امتناع أن يكون له ولد، ~~بكتهم بنفي أن يكون لهم بذلك نوع حجة فقال: { إن } أي ما { عندكم } وأغرق ~~في النفي فقال: { من سلطان } أي حجة { بهذا } أي الاتخاذ، وسميت الحجة ~~سلطانا لاعتلاء يد المتمسك بها؛ ثم زادهم بها تبكيتا بالإنكار عليهم ~~بقوله: { أتقولون } أي على سبيل التكرير { على الله } أي الملك الأعظم ~~على سبيل الاستعلاء { ما لا تعلمون } لأن ما لا برهان عليه في الأصول فهو ~~جهل، فكيف بما قام الدليل على خلافه؛ والسلطان: البرهان القاهر لأنه ~~يتسلط به على صحة الأمر ويقهر به الخصم، وأصله القاهر للرعية بعقد ~~الولاية. # ولما قدم أن قولهم كذب، وبكتهم عليه مواجهة، أتبعه بما يشير ms2045 إلى أنهم ~~أهل للإعراض في سياق مهدد على الكذب، فقال معرضا عن خطابهم مؤكدا لأن ~~اجتراءهم على ذلك دال على التكذيب بالمؤاخذة عليه: { قل } أي للذين ادعوا ~~الولد لله وحرموا ما رزقهم من السائبة ونحوها { إن الذين يفترون } أي ~~يتعمدون { على الله } أي الملك الأعلى { الكذب لا يفلحون } ثم بين عدم ~~الفلاح بقوله: { متاع } أي لهم، ونكره إشارة إلى قلته كما قال في الآية ~~الأخرى { متاع قليل } وأكد ذلك بقوله: { في الدنيا } لأنها دار ارتحال، ~~وما كان إلى زوال وتلاش واضمحلال كان قليلا وإن تباعد مده وتطاولت ~~مدده وجل مدده، وزاد على الحصر عدده؛ وبين حالهم بعد النقلة بقوله: ~~{ ثم } أي بعد ذلك الإملاء لهم وإن طال { إلينا } أي على ما لنا من ~~العظمة لا إلى غيرنا { مرجعهم } بالموت فنذيقهم عذابا شديدا لكنه دون ~~عذاب الآخرة { ثم نذيقهم } يوم القيامة { العذاب الشديد بما } أي بسبب ما ~~{ كانوا } أي كونا هو جبلة لهم { يكفرون } ووجب كسر " إن " بعد القول ~~لأنه حكاية عما يستأنف الإخبار به كما فعل في لام الابتداء لذلك. # ولما تقدم سؤالهم الإتيان بما يقترحون من الآيات، ومضت الإشارة إلى أن ~~تسييرهم في الفلك من أعظم الآيات وإن كانوا لإلفهم له قد نسوا ذلك، ~~وتناسجت الآي كما سلف إلى أن بين هذا أن متاع المفترين الكذب قليل ~~تخويفا من شديد السطوة وعظيم الأخذ، عقب ذلك بقصة قوم نوح لأنهم كانوا ~~أطول الأمم الظالمة مدة وأكثرهم عدة، ثم أخذوا أشد أخذ فزالت آثارهم ~~وانطمست أعلامهم ومنارهم فصاروا كأنهم لم يكونوا أصلا ولا أظهروا قولا ~~ولا فعلا، فقال تعالى عاطفا على قوله { قل إن الذين } مسليا لنبيه صلى ~~الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم لأن المصيبة إذا عمت خفت، وتخويفا ~~للكفار ليرجعوا أو يخفوا من أذاهم: { واتل } أي اقرأ قراءة متتابعة ~~مستعلية { عليهم نبأ نوح } أي خبره العظيم مذكرا بأول كون الفلك وأنه ~~كان إذ ذاك آية غريبة خارقة للعادة عجيبة، وأن قوم نوح لم ينفعهم ذلك ولا ~~أغنى عنهم ms2046 افتراءهم وعنادهم مع تطاول الأمد وتباعد المدد، بل صار أمرهم ~~إلى زوال، وأخذ عنيف ونكال # كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم # [يونس: 45] مع نجاة رسولهم وخيبة مأمولهم، قد لبث فيهم ما لم يلبثه نبي ~~في قولهم ولا رسول في أمته ألف سنة إلا خمسبن عاما، وما آمن معه إلا ~~قليل { إذ قال لقومه } أي بعد أن دعاهم إلى الله فأطال دعاءهم ومتعوا في ~~الدنيا كثيرا وأملى لهم طويلا فما زادهم ذلك إلا نفورا { يا قوم } أي ~~يا من يعز علي خلافهم ويشق علي ما يسوءهم لتهاونهم بحق ربهم مع قوتهم ~~على الطاعة { إن كان كبر } أي شق وعظم مشقة صارت جبلة { عليكم } ولما ~~كانت عادة الوعاظ والخطباء أن يكونوا حال الخطبة واقفين، قال: { مقامي } ~~أي قيامي، ولعله خص هذا المصدر لصلاحيته لموضع القيام وزمانه فيكون ~~الإخبار بكراهته لأجل ما وقع فيه من القيام أدل على كراهة القيام { ~~وتذكيري } أي بكم { بآيات الله } أي الذي له الجلال والإكرام، فإن ذلك لا ~~يصدني عن مجاهدتي بما يكبر عليكم من ذلك خوفا منكم لأن الله أمرني به ~~وأنا أخاف عذابه إن تركت، ولا أبالي بكراهيتكم لذلك خوف عاقبة قصدكم لي ~~بالأذى { فعلى } أي فإني على { الله } أي الذي له العزة كلها وحده { ~~توكلت } فإقامة ذلك المقام الجزاء من إطلاق السبب - الذي هو التوكل - على ~~المسبب - الذي هو انتفاء الخوف - مجازا مرسلا، إعلاما لهم بعظمة الله ~~وحقارتهم بسبب أنهم أعرضوا عن الآيات وهم يعرفونها، بما دل عليه التعبير ~~بالتذكير، فدل ذلك على عنادهم بالباطل، والمبطل لا يخشى أمره لأن الباطل ~~لا ثبات له، ودل على ذلك بقوله: { فأجمعوا أمركم } أي في أذاي بالإهلاك ~~وغيره، أعزموا عليه وانووه واجزموا به، والواو بمعنى " مع " في قوله: { ~~وشركآءكم } ليدل على أنه لا يخافهم وإن كانوا شركاءهم أحياء كائنين من ~~كانوا وكانت كلمتهم واحدة لا فرقة فيها بوجه. # ولما كان الذي يتستر بالأمور بما يفوته بعض المقاصد لاشتراط التستر، ~~أخبرهم أنه لا يمانعهم سواء أبدوا ms2047 أو أخفوا فقال: { ثم لا يكن } أي بعد ~~التأبي وطول زمان المجاوزة في المشاورة { أمركم } أي الذي تقصدونه بي { ~~عليكم غمة } أي خفيا يستتر عليكم شيء منه بسبب ستر ذلك عني لئلا أسعى في ~~معارضتكم، فلا تفعلوا ذلك بل جاهروني به مجاهرة فإنه لا معارضة لي بغير ~~الله الذي يستوي عنده السر والعلانية؛ والتعبير ب { ثم } إشارة إلى ~~التأني وإتقان الأمر للأمان من معارضته بشيء من حول منه أو قوة { ثم ~~اقضوا } ما تريدون، أي بتوه بتة المقضي إليه واصلا { إلي }. # ولما كان ذلك ظاهرا في الإنجاز وليس صريحا، صرح به في قوله: { ولا ~~تنظرون* } أي ساعة ما، وكل ذلك لإظهار قلة المبالاة بهم للاعتماد على ~~الله لأنه لا يعجزه شيء ومعبوداتهم لا تغني شيئا؛ ثم سبب عن ذلك قوله: { ~~فإن توليتم } أي كلفتم أنفسكم الإعراض عن الحق بعد عجزكم عن إهلاكي ولم ~~ينفعكم علمكم بأن الذي منعني - وأنا وحدي - منكم وأنتم ملء الأرض له ~~العزة جميعا وأن من أوليائه الذين تقدم وعده الصادق بأنهم لا خوف عليهم ~~ولا هم يحزنون { فما } أي فلم يكن توليكم عن تفريط مني لأني سقت الأمر ~~على ما يحب، ما { سألتكم } أي ساعة من الدهر، وأغرق في النفي فقال: { من ~~أجر } أي على دعائي لكم يفوتني بتوليكم ولا تتهموني به في دعائكم. # ولما كان من المحال أن يفعل عاقل شيئا لا لغرض، بين غرضه بقوله ~~مستأنفا: { إن } أي ما { أجري إلا على الله } أي الذي له صفات الكمال؛ ~~ثم عطف عليه غرضا آخر وهو اتباع الأمر خوفا من حصول الضر فقال: { وأمرت ~~} أي من الملك الأعلى الذي لا أمر لغيره، وبناه للمفعول للعلم بأنه هو ~~الآمر وليزيد في الترغيب في المأمور به وتغطية بجعله عمدة الكلام بإقامته ~~مقام الفاعل فقال { أن أكون } أي كونا أتخلق به فلا أنفك عنه؛ ولما كان ~~في مقام الاعتذار عن مفاجأته لهم بالإنذار، عبر بالإسلام الذي هو الأفعال ~~الظاهرة فقال: { من المسلمين* } أي الراسخين في صفة الانقياد بغاية ~~الإخلاص، ms2048 لي ما لهم وعلي ما عليهم، أنا وهم في الإسلام سواء، لا مرية لي ~~فيه أتهم بها، أن أستسلم لكل ما يصيبني في الله، لا يردني ذلك عن إنفاذ ~~أمره، والحاصل أنه لم يكن بدعائه إياهم في موضع تهمة، لا سألهم غرضا ~~دنيويا يزيده إن أقبلوا ولا ينقصه إن أدبروا، ولا أتى بشيء من عند نفسه ~~ليظن أنه أخطأ فيه ولا سلك به مسلكا يظن به استعباده إياهم في اتباعه، ~~بل أعلمهم بأنه أول مؤتمر بما أمرهم به مستسلم لما دعاهم إليه ولكل ما ~~يصيبه في الله، ولما لم يردهم كلامه هذا عن غيهم، سبب عنه قوله مخبرا ~~بتماديهم: { فكذبوه } أي ولم يزدهم شيء من هذه البراهين الساطعة والدلائل ~~القاطعة إلا إدبارا، وكانوا في آخر المدة على مثل ما كانوا عليه من ~~التكذيب { فنجيناه } أي تنجية عظيمة بما لنا من العظمة الباهرة بسبب ~~امتثاله لأوامرنا وصدق اعتماده علينا { ومن معه } أي من العقلاء وغيرهم { ~~في الفلك } كما وعدنا أولياءنا، وجعلنا ذلك آية للعالمين { وجعلناهم } ~~أي على ضعفهم بما لنا من العظمة { خلائف } أي في الأرض بعد من أغرقناهم، ~~فمن فعل في الطاعة فعلهم كان جديرا بأن نجازيه بما جازيناهم { وأغرقنا } ~~أي بما لنا من كمال العزة { الذين كذبوا } أي مستخفين مستهينين { بآياتنا ~~} كما توعدنا يفترون على الله الكذب. # ولما كان هذا أمرا باهرا يتعظ به من له بصيرة، سبب عنه أمر أعلى الخلق ~~فهما بنظره إشارة إلى أنه لا يعتبر به حق الاعتبار غيره فقال: { فانظر } ~~وأشار إلى أنه أهل لأن يبحث عن شأنه بأداة الاستفهام، وزاد الأمر عظمة ~~بذكر الكون فقال: { كيف كان } أي كونا كان كأنه جبلة { عاقبة } أي آخر ~~أمر { المنذرين* } أي الغريقين في هذا الوصف وهم الذين أنذرتهم الرسل، ~~فلم يكونوا أهلا للبشارة لأنهم لم يؤمنوا لنعلم أن من ننذرهم كذلك، لا ~~ينفع من أردنا شقاوته منهم إنزال آية ولا إيضاح حجة؛ والتوكل: تعمد جعل ~~الأمر إلى من يدبره للتقدير في تدبيره؛ والغمة: ضيق الأمر الذي ms2049 يوجب ~~الحزن؛ والتولي: الذهاب عن الشيء؛ والأجر: النفع المستحق بالعمل؛ ~~والإسلام الاستسلام لأمر الله بطاعته بأنها خير ما يكتسبه العباد. ### || [10.74-78] # ولما لم يكن في قصص من بينه وبين موسى عليهم السلام مما يناسب مقصود هذه ~~السورة إلا ما شاركوا فيه قوم نوح من أنهم لم تنفع الآيات من أريدت ~~شقاوته منهم، ذكره سبحانه طاويا لما عداه فقال تعالى: { ثم } أي بعد مدة ~~طويلة { بعثنا } أي على عظمتنا؛ ولما كان البعث لم يستغرق زمان البعد، ~~أدخل الجار فقال: { من بعده } أي قوم نوح { رسلا } كهود وصالح وإبراهيم ~~ولوط وشعيب عليهم الصلاة والسلام. # ولما كان ربما ظن أن قوم الإنسان لا يكذبونه، وإن كذبوه لم يتمادوا على ~~التكذيب لا سيما إن أتاهم بما يقترحونه من الخوارق قال: { إلى قومهم } أي ~~ففاجأهم قومهم بالتكذيب { فجاءوهم } أي فتسبب عن استنادهم إلى عظمتنا أن ~~جاؤوهم { بالبينات } ليزول تكذيبهم فيؤمنوا { فما } أي فتسبب عن ذلك ضد ~~ما أمروا به وقامت دلائله وهو أنهم ما { كانوا } أي بوجه من وجوه الكون { ~~ليؤمنوا } أي مقرين { بما كذبوا } أي مستهينين { به } أول ما جاؤوهم. ~~ولما كان تكذيبهم في بعض الزمن الماضي، أدخل الجار فقال: { من قبل } أي ~~قبل مجيء البينات لأنا طبعنا على قلوبهم؛ قال أبو حيان: وجاء النفي ~~مصحوبا بلام الحجود ليدل على أن إيمانهم في حيز الاستحالة والامتناع - ~~انتهى. ويجوز أن يكون التقدير: من قبل مجيء الرسل إليهم، ويكون التكذيب ~~أسند إليهم لأن أباهم كذبوا لما بدلوا ما كان عندهم من الدين الصحيح الذي ~~أتتهم به الرسل ورضوا هم بما أحدث آباؤهم استحسانا له، أو لأنه كان بين ~~أظهرهم بقايا على بقايا مما شرعته الرسل فكانوا يعظونهم فيما يبتدعون فلا ~~يعون ولا يسمعون كما كان قس بن ساعدة وزيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل ~~وغيرهم قبل بعث النبي صلى الله عليه وسلم، لكن المعنى الأول أولى - والله ~~أعلم. # ولما قرر عدم انتفاعهم بالآيات، بنى ما يليه على سؤاله من لعله يقول: هل ~~استمر الخلق ms2050 فيمن بعدهم؟ فكأنه قيل: نعم! { كذلك } أي مثل ما طبعنا على ~~قلوبهم هذا الطبع العظيم { نطبع } أي نوجد الطبع ونجدده متى شئنا بما لنا ~~من العظمة { على قلوب المعتدين* } في كل زمن لكل من تعمد العدو فيما لا ~~يحل له، وهذا كما أتى موسى عليه السلام إلى فرعون فدعاه إلى الله فكذبه ~~فأخبره أن معه آية تصدقه فقال له: إن كنت جئت بآية فائت بها إن كنت من ~~الصادقين، فلما أتاه بها استمرعلى تكذيبه وكان كلما رأى آية ازداد ~~تكذيبا، وكان فرعون قد قوي ملكه وعظم سلطانه وعلا في كبريائه وطال تجبره ~~على الضعفاء، فطمست أمواله وآثاره، وبقيت أحاديثه وأخباره، ولهذا أفصح ~~سبحانه بقصته فقال: دالا على الطبع: { ثم بعثنا } أي وبعد زمن طويل من ~~إهلاكنا إياهم بعثنا، ولعدم استغراق زمن البعد أدخل الجار فقال: { من ~~بعدهم } أي من بعد أولئك الرسل { موسى و } كذا بعثنا { هاورن } تأييدا ~~له لأن اتفاق اثنين أقوى لما يقررانه وأوكد لما يذكرانه؛ ولما استقر في ~~الأذهان بما مضى أن ديدن الأمم تكذيب من هو منهم حدا له ونفاسة عليه. # كان ربما ظن أن الرسول لو أتى غير قومه كان الأمر على غير ذلك، فبين أن ~~الحال واحد في القريب والغريب، فقال مقدما لقوله: { إلى فرعون وملئه } ~~أي الأشراف من قومه، فإن الأطراف تبع لهم { بآياتنا } أي التي لا تكتنه ~~عظمتها لنسبتها إلينا، فطبعنا على قلوبهم { فاستكبروا } أي طلبوا الكبر ~~على قبول الآيات وأوجدوا ما يدل عليه من الرد بسبب انبعاثه إليهم عقب ذلك ~~{ وكانوا } أي جبلة وطبعا { قوما مجرمين* } أي طبعهم قطع ما ينبغي وصله ~~ووصل ما ينبغي قطعه، فلذلك اجترؤوا على الاستكبار مع ما فيها أيضا من ~~شديد المناسبة لما تقدم من قول الكافرين { هذا سحر مبين } في نسبة موسى ~~عليه السلام إليه وبيان حقيقة السحر في زواله وخيبته متعاطية لإفساده إلى ~~غير ذلك من الأسرار التي تدق عن الأفكار، هذا إلى ما ينظم إليه من مناسبة ~~ما بين إهلاك القبط وقوم نوح ms2051 بآية الغرق، وأنه لم ينفع أحدا من الفريقين ~~معاينة الآيات ومشاهدة الدلالات البينات، بل ما آمن لموسى إلا ذرية من ~~قومه بعد تلك المعجزات الباهرة والبراهين الظاهرة، ثم اتبعهم فرعون بعد ~~أن كانت انحلت عن حبسهم عراه، وتلاشت من تجبره قواه، وشاهد من الضربات ما ~~يهد الجبال، ودخل في طلبهم البحر بحزات لا يقرب ساحتها الأبطال، لما قدره ~~عليه ذو الجلال، ولم يؤمن حتى أتاه البأس حيث يفوت الإيمان بالغيب الذي ~~هو شرط الإيمان، فلم ينفعه إيمانه مع اجتهاده فيه وتكريره لفوات شرطه ~~إجابة لدعوة موسى عليه السلام، ثم إن بني إسرائيل كانوا قبل مجيء موسى ~~عليه السلام على منهاج واحد. فما اختلفوا إلا بعد مجيء العلم إليهم وبيان ~~الطريق واضحة لديهم، ولهذا المراد ذكر هنا هارون عليه السلام لأن من أعظم ~~مقاصد السورة المنع من طلب الآيات لمن بعد الإيمان عند الإتيان بها، ~~إشارة إلى أن القول من الاثنين أوكد، ومع ذلك فلم يصدق من حكم القدير ~~بشقاوته، كل ذلك حثا على الرضا والتسليم، ووكل الأمر إلى الرب الحكيم، ~~فمهما أمر به قبل، وما أعرض عنه ترك السؤال فيه رجاء تدبيره بأحسن ~~التدبير وتقديره ألطف المقادير؛ ولما أخبر سبحانه باستكبارهم، بين أنه ~~تسبب عنه طعنهم في معجزاته من غير تأمل، بل بغاية المبادرة والإسراع بما ~~أشعرت به الفاء والسياق، فقال تعالى: { فلما جاءهم } أي فرعون وملؤه { ~~الحق } أي البالغ في الحقية، ثم زاد في عظمته بقوله: { من عندنا } أي على ~~ما لنا من العظمة التي عرفوا بها أنه منا، لا من الرسولين { قالوا } أي ~~غير متأملين له ولا ناظرين في أمره بل عنادا ودلالة على استكبارهم ~~مؤكدين لما علموا من تصديق الناس به { إن هذا لسحر مبين* } كما قال الناس ~~الذين أخبر عنهم سبحانه في أول السورة في هذا القرآن وما إبانه من البعث. # فلما قالوا كان كأنه قيل: فماذا أجابهم؟ فأخبر أنه أنكر عليهم، بقوله: { ~~قال موسى } ولما كان تكريرهم لذلك القول أجدر بالإنكار، عبر بالمضارع ~~الدال على ms2052 أنهم كرروه لينسخوا ما ثبت في قلوب الناس من عظمته { أتقولون ~~للحق } ونبه على أنهم بادروا إلى التكذيب من غير نظر ولا توقف بقوله: { ~~لما جاءكم } أي هذا القول الذي قلتموه وهو أنه سحر، فإن القول يطلق على ~~المكروه، تقول: فلان قال في فلان، أي ذمه، وفلان يخاف القالة، وبين الناس ~~تقاول؛ ثم كرر الإنكار بقوله: { أسحر هذا } أي الذي هو في غاية الثبات ~~والمخالفة للسحر في جميع الصفات حتى تقولون فيه ذلك. فالآية من الاحتباك: ~~ذكر القول في الأول دال على حذف مثله في الثاني، وذكر السحر الثاني دال ~~على حذف مثله في الأول. # ولما كان التقدير: أتقولون هذا والحال أنكم قد رأيتم فلاحه، بني عليه ~~قوله: { ولا يفلح } أي يظفر بما يريد في وقت من الأوقات { الساحرون* } أي ~~العريقون فيه لأن حاصل أمرهم تخييل وتمويه في الأباطيل، فالظفر بعيد ~~عنهم، ويجوز أن تجعل هذه الجملة معطوفه على قوله: { أسحر هذا } لأنه ~~إنكاري بمعنى النفي، فلما أنكر عليهم عليه السلام ما ظهر به الفرق الجلي ~~بين ما أتى به في كونه أثبت الأشياء وبين السحر، لأنه لا ثبات له أصلا، ~~عدلوا عن جوابه إلى الإخبار بما يتضمن أنهم لا يقرون بحقيته لأنه يلزم عن ~~ذلك ترك ما هم عليه من العلو وهم لا يتركونه، وأوهموا الضعفاء أن مراده ~~عليه السلام الاستكبار معللين لاستكبارهم عن اتباعه بما دل على أنهم لا ~~مانع أنهم منه إلا الكبر، فقال تعالى حكاية عنهم: { قالوا } أي منكرين ~~عليه معللين بأمرين: التقليد، والحرص على الرئاسة. # ولما كان هو الأصل في الرسالة. وكان أخوه له تبعا، وحدوا الضمير ~~فقالوا: { أجئتنا } أي أنت يا موسى { لتلفتنا } أي لتقتلنا وتصرفنا { عما ~~وجدنا عليه } وقالوا مستندين إلى التقليد غير مستحيين من ترك الدليل { ~~آباءنا } من عبادة الأصنام والقول بالطبيعة لنقل نحن بذلك { وتكون لكما } ~~أي لك أنت ولأخيك دوننا { الكبرياء } أي بالملك { في الأرض } أي أرض مصر ~~التي هي - لما فيها من المنافع - كأنها الأرض كلها { وما } أي وقالوا ms2053 ~~أيضا: ما { نحن لكما } وبالغوا في النفي وغلب عليهم الدهش فعبروا بما دل ~~على أنهم غلبهم الأمر فعرفوا أنه صدق ولم يذعنوا فقالوا: { بمؤمنين* } أي ~~عريقين في الإيمان، فهو عطف على { أجئتنا } أي قالوا ذاك وقالوا هذا، أو ~~يكون عطفا على نحو: فما نحن بموصليك إلى هذا الغرض، أفردوه أولا ~~بالإنكار عليه في المجيء ليضعف ويكف أخوه عن مساعدته، وأشركوه معه ثانيا ~~تأكيدا لذلك الغرض وقطعا لطمعه؛ والبعث: الإطلاق في أمر يمضي فيه، وهو ~~خلاف الإطلاق من عقال؛ والملأ: الجماعة الذين هم وجوه القبيلة، لأن ~~هيبتهم تملأ الصدور عند منظرهم؛ والاستكبار: طلب الكبر من غير استحقاق؛ ~~والمجرم من اكتسب سيئة كبيرة، من جرم التمر - إذا قطعه، فالجرم يوجب قطع ~~الخير عن صاحبه؛ والسحر: إيهام المعجزة على طريق الجيلة، ويشبه به البيان ~~في خفاء السبب؛ والحق: ما يجب الحمد عليه ويشتد دعاء الحكمة إليه ويعظم ~~النفع به والضرر بتركه؛ والكبرياء: استحقاق صفة الكبر في أعلى المراتب، ~~وهي صفة مدح لله وذم للعباد لأنها منافية لصفة العبودية. ### || [10.79-83] # ولما لبسوا بوصفه بما هم به متصفون، أرادوا الزيادة في التلبيس بما يوهم ~~أن ما أتى به سحر تمكن معارضته إيقافا للناس عن تباعه، فقال تعالى حكاية ~~عطفا على قوله: { قالوا أجئتنا }: { وقال فرعون } إرادة المناظرة لما ~~أتى به موسى عليه السلام { ائتوني بكل ساحر عليم* } أي بالغ في علم السحر ~~لئلا يفوت شيء من السحر بتأخر البعض، وقراءة حمزة والكسائي بصيغة فعال ~~دالة على زيادة لزعمه أقل من سياق الشعراء كما مضى في الأعراف. # ولما كان التقدير: فامتثلوا أمره وجمعوهم، دل على قرب اجتماعهم بالفاء ~~في قوله: { فلما جاء السحرة } أي كل من في أرض مصر منهم { قال لهم موسى } ~~مزيلا لهذا الإيهام { ألقوا } جميع { ما أنتم ملقون* } أي راسخون في ~~صنعة إلقائه، إشارة إلى أن ما جاؤوا به ليس أهلا لأن يلقى إليه بال { ~~فلما ألقوا } أي وقع منهم الإلقاء بحبالهم وعصيهم على إثر مقالاته وخيلوا ~~بسحرهم لعيون الناس ما زلزل عقولهم ms2054 { قال موسى } منكرا عليهم { ما جئتم ~~به } ثم بين أنه ما استفهم عنه جهلا بل احتقارا وإنكارا، وزاد في بيان ~~كل من الأمرين بقوله: { السحر } لأنه استفهام أيضا سواء قطعت الهمزة ~~ومدت كما في قراءة أبي عمرو وأبي جعفر أوجعلت همزة وصل كما في قراءة ~~الباقين، فإن همزة الاستفهام مقدرة، والتعريف إما للعهد وإما للحقيقة وهو ~~أقرب، ويجوز في قراءة الجماعة أن يكون خبرا لما يقصد به الحصر، أي هو ~~السحر لا ما نسبتموه إلي؛ ثم استأنف بيان ما حقره به فقال: { إن الله } ~~أي الذي له إحاطة العلم والقدرة { سيبطله } أي عن قريب بوعد لا خلف فيه؛ ~~ثم علل ذلك بما بين أنه فساد فقال: { إن الله } أي الذي له الكمال كله { ~~لا يصلح } أي وفي وقت من الأوقات { عمل المفسدين* } أي العريقين في ~~الفساد بأن لا ينفع بعملهم ولا يديمه؛ ثم عطف عليه بيان إصلاحه عمل ~~المصلحين فقال: { ويحق } أي يثبت إثباتا عظيما { الله } أي الملك ~~الأعظم { الحق } أي الشيء الذي له الثبات صفة لازمة؛ ولما كان في مقام ~~تحقيرهم، دل على ذلك بتكرير الاسم الجامع الأعظم. وأشار إلى ما له من ~~الصفات العلى بقوله: { بكلماته } أي الأزلية التي لها ثبات الأعظم، وزاد ~~في العظمة بقوله: { ولو كره المجرمون } أي العريقون في قطع ما أمر الله ~~به أن يوصل، فكان كما قال عليه السلام بطل سحرهم، واضمحل مكرهم، وحق الحق ~~- كما بين في سورة الأعراف. # ولما حكى سبحانه أن موسى عليه السلام أبان ما أبان من بطلان السحر وكونه ~~إفسادا، فثبت ما أتى به لمخالفته له، أخبر تعالى - تسلية للنبي صلى الله ~~عليه وسلم وفطما عن طلب الإجابة للمقترحات - أنه ما تسبب عن ذلك في أول ~~الأمر عقب إبطال سحرهم من غير مهلة إلا إيمان ناس ضعفاء غير كثير، فقال ~~تعالى: { فما آمن } أي متبعا { لموسى } أي بسبب ما فعل، ليعلم أن الآيات ~~ليست سببا للهداية إلا لمن أردنا ذلك منه؛ وبين أن الصغار أسرع إلى ~~القبول بقوله: ms2055 { إلا ذرية } أي شبانهم هم أهل لأن تذر فيهم البركة { من ~~قومه } أي قوم موسى الذين لهم القدرة على القيام في المحاولة لما ~~يريدونه، والظاهر أنهم كانوا أيتاما وأكثرهم - كما قاله مجاهد { على خوف ~~} أي عظيم { من فرعون وملئهم } أي أشراف قوم الذرية؛ ولما كان إنكار ~~الملأ إنما هو بسبب فرعون أن يسلبهم رئاستهم، انحصر الخوف فيه فأشار إلى ~~ذلك بوحدة الضمير فقال: { أن يفتنهم } وأتبعه ما يوضح عذرهم بقوله مؤكدا ~~تنزيلا لقريش منزلة من يكذب بعلو فرعون لتكذيبهم لأن ينصر عليهم الضعفاء ~~من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لعلوهم: { وإن فرعون لعال } أي غالب ~~قاهر متمكن بما فتناه به من طاعة الناس له { في الأرض } أي أرض مصر التي ~~هي بكثرة ما فيها من المرافق كأنها جميع الأرض { وإنه لمن المسرفين* } أي ~~العريقين في مجاوزة الحدود بظاهره وباطنه، وإذا ضممت هذه الآية إلى قوله ~~تعالى: # وإن المسرفين هم أصحاب النار # [غافر: 43] كان قياسا بديهيا منتجا إنتاجا صريحا قطعيا أن فرعون ~~من أصحاب النار، تكذبيا لأهل الوحدة في قولهم: إنه آمن، ليهونوا المعاصي ~~عند الناس فيحلوا بذلك عقائد أهل الدين. ### || [10.84-87] # ولما ذكر خوفهم وعذرهم، أتبعه ما يوجب طمأنينتهم، وهو التوكل على الله ~~الذي من راقبه تلاشى عنده كل عظيم، فقال: { وقال موسى } أي لمن آمن به ~~موطنا لهم على أن الجنة لا تنال إلا بمشقة عظيمة # " يبتلى الناس على قدر إيمانهم " # { يا قوم } فاستعطفهم بالتذكير بالقرب وهزهم إلى المعالي به فيهم من ~~القوة ثم هيجهم وألهبهم على الثبات بقوله: { إن كنتم } أي كونا هو في ~~ثباته كالخلق الذي لا يزول { آمنتم بالله } وثبتهم بذكر الاسم الأعظم وما ~~دل عليه من الصفات، وأجاب الشرط بقوله: { فعليه } أي وحده لما علمتم من ~~عظمته التي لا يداينها شيء سواه { توكلوا } وليظهر عليكم أثر التوكل من ~~الطمأنينة والثبات والسكينة { إن كنتم } أي كونا ثابتا { مسلمين* } ~~جامعين إلى تصديق القلب إذعان الجوارح؛ وجواب هذا الشرط ما دل عليه ~~الماضي من قوله: { فعليه توكلوا ms2056 } { فقالوا } أي على الفور كما يقتضيه ~~الفاء { على الله } أي الذي له العظمة كلها وحده { توكلنا } أي فوضنا ~~أمورنا كلها إليه { ربنا } أي أيها الموجد لنا المحسن إلينا { لا تجعلنا ~~فتنة } أي موضع مخالطة بما يميل ويحيل { للقوم الظالمين* } أي لا تصبنا ~~أنت بما يظنون به تهاونك بنا فيزدادوا نفرة عن دينك لظنهم أنا على الباطل ~~ولا تسلطهم علينا مما يفتننا عن ديننا فيظنوا أنهم على الحق { ونجنا ~~برحمتك } أي إكرامك لنا { من القوم } أي الأقوياء { الكافرين* } أي ~~العريقين في تغطية الأدلة، وفي دعائهم هذا إشارة إلى أن أمر الدين أهم من ~~أمر النفس. # ولما أجابوه إلى إظهار الاعتماد عليه سبحانه وفوضوا الأمور إليه، أتبعه ~~ما يزيدهم طمأنينة من التوطن في أرض العدو إشارة إلى عدم المبالاة به، ~~لأنه روي أنه كانت لهم متعبدات يجتمعون فيها، فلما بعث موسى عليه السلام ~~أخربها فرعون، فأمر الله تعالى أن تجعل في بيوتهم لئلا يطلع عليهم الكفرة ~~فقال تعالى عاطفا على قوله: { وقال موسى } { وأوحينا } أي بما لنا من ~~العظمة البالغة { إلى موسى وأخيه } أي الذي طلب مؤازرته ومعارضته { أن ~~تبوءا } أي اتخذا { لقومكما بمصر } وهي ما بين البحر إلى أقصى أسوان ~~والإسكندرية منها { بيوتا } تكون لهم مرجعا يرجعون إليه ويأوون إليه { ~~واجعلوا } أي أنتما ومن معكما من قومكما { بيوتكم قبلة } أي مصلى ~~لتتعبدوا فيها مستترين عن الأعداء تخفيفا من أسباب الخلاف { وأقيموا ~~الصلاة } أي بجميع حدودها وأركانها مستخفين ممن يؤذيكم جمعا بين آلتي ~~النصر: الصبر والصلاة، وتمرنا على الدين وتثبيتا له في القلب. # ولما كان الاجتماع فيما تقدم أضخم وأعز وأعظم، وكان واجب على الأمة ~~كوجوبه على الإمام جمع فيه، وكان إسناده البشارة عن الملك إلى صاحب ~~الشريعة أثبت لأمره وأظهر لعظمته وأثبت في قلوب أصحابه وأقر لأعينهم، ~~أفرد في قوله: { وبشر المؤمنين* } أي الراسخين في الإيمان من أخيك وغيره. ### || [10.88] # ولما ختم ببشارة من دل على إيمانهم إسلامهم بفعل ما يدل على هوان أمر ~~العدو، وكان هلاك المشانىء من أعظم البشائر، ms2057 وكان ضلال فرعون وقومه ~~بالزينة والمال إضلالا لغيرهم، سأل موسى عليه السلام إزاله ذلك كله ~~للراحة من شره، فقال تعالى حاكيا عنه: { وقال موسى } أي بعد طول دعائه ~~لفرعون وإظهار المعجزات لديه وطول تكبره على أمر الله وتجبره على ~~المستضعفين من عباده، ولما كان من أعظم أهل الاصطفاء، أسقط الأداة تسننا ~~بهم، وأشار بصفة الإحسان إلى أن هلاك أعدائهم أعظم إحسان إليهم فقال: { ~~ربنا } أي أيها المحسن إلينا { إنك } أكد لما للجهال من إنكار أن يكون ~~عطاء الملك الأعظم سببا للإهانة { آتيت فرعون وملأه } أي أشراف قومه على ~~ما هم فيه من الكفر والكبر { زينة } أي عظيمة يتزينون بها من الحلية ~~واللباس وغيرهما { وأموالا } أي كثيرة من الذهب والفضة وغيرهما { في ~~الحياة الدنيا } روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان لهم من فسطاط ~~مصر إلى أرض الحبشة جبال فيها معادن من ذهب وفضة وزبرجد وياقوت؛ ثم بين ~~غايتها لهم فقال مفتتحا بالنداء باسم الرب ليعيذه وأتباعه من مثل حالهم: ~~{ ربنا } أي أيها الموجد لنا المحسن إلينا والمدبر لأمورنا { ليضلوا } في ~~أنفسهم ويضلوا غيرهم { عن سبيلك } أي الطريق الواسعة التي نهجتها للوصول ~~إلى رحمتك. # ولما بين أن مآلهم الضلال، دعا عليهم فقال مفتتحا أيضا بالنداء باسم ~~الرب ثالثا لأن ذلك من أمارات الإجابة كما أشير إليه في آخر آل عمران ~~وإشارة إلى أنهم لا صلاح لهم بدون هلاكهم وهلاكها: { ربنا اطمس } أي أوقع ~~الطمس وهو التسوية بين المطموس وبين غيره مما ليس له نفعه { على أموالهم ~~}. # ولما كان قد رأى منهم من التكبر على الله والتكذيب لآياته والتعذيب ~~لأوليائه ما لا يشفي غيظه منه إلا إدامة شقائهم دنيا وأخرى، وكان عالما ~~بأن قدرة الله على إبقائهم على الكفر مع تحسيرهم بسلب المال كقدرته على ~~ذلك باستدراجهم إليه بالمال، قال: { واشدد } أي شدا ظاهرا لكل أحد - ~~بما أشار إليه الفك مستعليا { على قلوبهم } قال ابن عباس: اطبع عليها ~~وامنعها من الإيمان، وأجاب الدعاء بقوله: { فلا يؤمنوا } أي ليتسبب عن ~~ذلك ms2058 الشد عدم إيمانهم إذا رأوا مبادىء العذاب الطمس { حتى يروا } أي ~~بأعينهم { العذاب الأليم* } حيث لا ينفعهم الإيمان فيكونوا جامعين ذل ~~النفوس المطلوب منهم اليوم ليفيدهم العز الدائم إلى شدة الغضب بوضع الشيء ~~في غير موضعه المنتج لدوام ذلهم بالعقاب؛ وهذه الآية منبهة على أن الرضى ~~بكفر خاص لا يستلزم استحسان الكفر من حيث هو كفر؛ قال الإمام الحليمي في ~~كتاب شعب الإيمان المسمى بالمنهاج: وإذا تمنى مسلم كفر مسلم فهذا على ~~وجهين: أحدهما أن يتمناه له كما يتمنى الصديق لصديقه الشيء يستحسنه فيحب ~~أن يكون له فيه نصيب، فهذا كفر لأن استحسان الكفر كفر، والآخر أن يتمناه ~~له كما يتمنى لعدوه الشيء يستفظعه - فيجب أن يقع فيه، فهذا ليس بكفر، ~~تمنى موسى صلوات الله عليه وسلامه بعد أن أجهده فرعون ألا يؤمن فرعون ~~وملأه ليحق عليهم العذاب، وزاد على ذلك أن دعا الله تبارك وتعالى فلم ~~ينكر تعالى ذلك عليه لعلمه أن شدته على فرعون وغلظته عليه لما رآه من ~~عتوه وتجبره هي التي حملته على ذلك، فمن كان في معناه فله حكمه؛ وقد نقل ~~ذلك عنه الزركشي في حرف الثاء من قواعده مرتضيا له، ونقل عنه أيضا أنه ~~قال: ولو كان في قلب مسلم على كافر فأسلم فحزن المسلم لذلك وتمنى لو عاد ~~إلى الكفر لا يكفر، لأن استقباحه الكفر هو الذي حمله على تمنيه واستحسانه ~~الإسلام هو الحامل لله على كراهته؛ ونقل عن الشيخ عز الدين بن عبد السلام ~~أنه لو قتل عدو للإنسان ظلما ففرح هل يأثم ! إن فرح بكونه عصى الله ~~فيه فنعم، وإن فرح بكونه خلص من شره فلا بأس لاختلاف سببي الفرح - انتهى. # ويؤيده ما روى البيهقي في دلائل النبوة بسنده عن مقسم مرسلا أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم دعا عل عتبة بن أبي وقاص يوم أحد حين كسر رباعيته ~~ودمي وجهه فقال: # " اللهم لا تحل عليه الحول حتى يموت كافرا! " # فما حال عليه الحول حتى مات كافرا إلى النار، ومسألة أن ms2059 الرضى بالكفر ~~كفر نقلها الشيخان عن المتولي وسكتا عليها، ولكن قال الشيخ محيي الدين في ~~شرح المهذب: إن ذلك إفراط، فما تقدم من التفصيل عن الحليمي وابن عبد ~~السلام هو المعتمد، والمسألة في أصل الروضة. فإنه قال: لو قال لمسلم: ~~سلبه الله الإيمان، أو لكافر: رزقه الله الإيمان، فليس بكفر لأنه ليس رضى ~~بالكفر لكنه دعاء عليه بتشديد الأمر والعقوبة؛ قلت: ذكر القاضي حسين في ~~الفتاوى وجها ضعيفا أنه لو قال مسلم: سلبه الله الإيمان، كفر - والله ~~أعلم، وحكى الوجهين عن القاضي في الأذكار وقال: إن الدعاء بذلك معصية. ### || [10.89-92] # ولما أخبر سبحانه عن دعائه عليه السلام أخبر بإجابته بقوله مستأنفا: { ~~قال } ولما كان الموضع محل التوقع للإجابة، افتتحه بحرفه فقال: { قد ~~أجيبت دعوتكما } والبناء للمفعول أدل على القدرة وأوقع في النفس من جهة ~~الدلالة على الفاعل بالاستدلال، وثنى للإعلام بأن هارون عليه السلام مع ~~موسى عليه السلام في هذا الدعاء، لأنه معه كالشيء الواحد لا خلاف منه له ~~أصلا وإن كان غائبا، وذلك كما بايع النبي صلى الله عليه وسلم عن عثمان ~~رضي الله عنه في عمرة الحديبية فضرب بإحدى يديه على الأخرى وهو غائب في ~~حاجة النبي صلى الله عليه وسلم، وكذا ضرب له في غزوة بدر بسهمه وأجره ~~وكان غائبا. # ولما كانت الطاعة وانتظار الفرج وإن طال زمنه أعظم أسباب الإجابة، سبب ~~عن ذلك قوله: { فاستقيما } أي فاثبتا على التعبد والتذلل والخضوع لربكما ~~كما أن نوحا عليه السلام ثبت على ذلك وطال زمنه جدا واشتد أذاه ولم ~~يضجر؛ ولما كان الصبر شديدا. أكد قوله: { ولا تتبعان } بالاستعجال أو ~~الفترة عن الشكر { سبيل الذين لا يعلمون* } ولما أمر بالتأني الذي هو ~~نتيجة العلم، عطف على ذلك الإخبار بالاستجابة قوله: { وجاوزنا } أي فعلنا ~~بعظمتنا في إجازتهم فعل المناظر للآخر المباري له، ودل بإلصاق الباء بهم ~~على مصاحبته سبحانه لهم دلالة على رضاه بفعلهم فقال: { ببني إسراءيل } أي ~~عبدنا المخلص لنا { البحر } إعلاما بأنه أمرهم بالخروج من مصر وأنجز لهم ms2060 ~~ما وعد فأهلك فرعون وملأه باتباعهم سبيل من لا يعلم بطيشهم وعدم صبرهم، ~~ونجى بني إسرائيل بصبرهم وخضوعهم؛ والالتفات من الغيبة إلى التكلم لما في ~~هذه المجاوزة ومقدماتها ولواحقها من مظاهر العظمة ونفوذ الأوامر ومضاء ~~الأحكام؛ وبين سبحانه كيفية إظهار استجابة الدعوة بقوله مسببا عن ~~المجاوزة: { فأتبعهم } أي بني إسرائيل { فرعون وجنوده } أي أوقعوا تبعهم ~~أي حملوا نفوسهم على تبعهم، وهو السير في أثرهم، واتبعه - إذا سبقه ~~فلحقه، ويقال: تبعه في الخير واتبعه في الشر. ولما أفهم ذلك، صرح به ~~فقال: { بغيا } أي تعديا للحق واستهانة بهم { وعدوا } أي ظلما ~~وتجاوزا للحد. # ولما كان فاعل ذلك جديرا بأن يرجع عما سلكه من الوعورة، عجب منه في ~~تماديه فقال - عاطفا على ما تقديره: واستمر يتمادى في ذلك -: { حتى } ~~ولما كانت رؤية انفراج البحر عن مواضع سيرهم مظنة تحقق رجوع الماء إلى ~~مواضعه فيغرق، عبر بأداة التحقق فقال: { إذا أدركه } أي قهره وأحاط به { ~~الغرق } أي الموت بالماء كما سأل موسى في أنه لا يؤمن حتى يرى العذاب ~~الأليم { قال آمنت } أي أوقعت إيمان الداعي لي من التكذيب؛ ثم علل إيمانه ~~بقوله مبدلا من { آمنت } في قراءة حمزة والكسائي بالكسر مؤكدا من شدة ~~الجزع: { أنه } وعلى تقدير الباء تعليلا في قراءة الجماعة أي معترفا ~~بأنه { لا إله إلا الذي } ويجوز أن يكون أوقع { آمنت } على { أنه } وما ~~بعدها - أي { آمنت } نفي الإلهية عن كل شيء غير من استثنيه من أن أعبره ~~أو أرجع عنه. # ولما كان قد تحقق الهالك وعلم أنه لا نجاة إلا بالصدق، اراد الإعلام ~~بغاية صدقه فقال: { آمنت } أي أوقعت التصديق معترفة { به بنو إسراءيل } ~~فعينه تعيينا أزال الاحتمال؛ ثم قال: { وأنا من المسلمين* } فكرر قبول ~~ما كان دعي إليه فأباه استكبارا، وعبر بما دل على ادعاء الرسوخ فيه ~~بيانا لأنه ذل ذلا لم يبق معه شيء من ذلك الكبر ولم ينفعه ذلك لفوات ~~شرطه، فاتصل ذله ذلك بذل الخزي في البرزخ وما بعده، وقد كانت المرة ~~الواحدة كافية ms2061 له عند وجود الشرط، وزاده تعالى ذلا بالإيئاس من الفلاح ~~بقوله على لسان الحال أو جبريل عليه السلام أو ملك الموت أو غيره من ~~الجنود عليهم السلام: { آلآن } أي أتجيب إلى ما دعيت إليه في هذا الحين ~~الذي لا ينفع فيه الإجابة لفوات الإيمان بالغيب الذي لا يصح أن يقع اسم ~~الإيمان إلا عليه { وقد } أي والحال أنك قد { عصيت } أي بالكفر { قبل } ~~أي في جميع زمان الدعوة الذي قبل هذا الوقت، ومعصية الملك توجب الأخذ ~~والغضب كيف كانت، فكيف وهي بالكفر! { وكنت } أي كونا جبليا { من ~~المفسدين* } أي العريقين في الفساد والإفساد؛ ثم أكده - بدل شماتة ~~الأعداء به الذين كانوا عنده أقل شيء وأحقره - بقوله مسببا عما تضمنه ~~ذلك الإنكار من الإذلال بالإهلاك إشارة إلى أن الماء أحاط به وصار يرتفع ~~قليلا قليلا حتى امتد زمن التوبيخ: { فاليوم ننجيك } أي تنجية عظيمة. ~~ولما كان ذلك سارا وكانت المساءة بما يفهم السرور إنكاء، قال دالا على ~~أن ذلك يعد نزع روحه: { ببدنك } أي من غير روح وهو كامل لم ينقص منه شيء ~~حتى لا يدخل في معرفتك لبس { لتكون } أي كونا هو في غاية الثبات { لمن ~~خلفك } أي يتأخر عنك في الحياة من بني إسرائيل وغيرهم { آية } في أنك عبد ~~ضعيف حقير، لست برب فضلا عن أن تكون أعلى ويعرفوا أن من عصى الملك أخذ ~~وأن كان أقوى الناس , وأكثرهم جنودا، وقد ادعى بعض الملحدين إيمانه بهذه ~~الآية إرادة لما يعيذ الله منه من حل العقد الواجب من أن فرعون من أكفر ~~الكفرة بإجماع أهل الملل ليهون للناس الاجتراء على المعاصي، وادعى أنه لا ~~نص في القرآن على أنه من أهل النار وضل عن الصرائح التي في القرآن في ذلك ~~في غير موضع وعن أن قوله تعالى: # وإن فرعون لعال في الأرض وإنه لمن المسرفين # [يونس: 83] مع قوله تعالى: # وأن المسرفين هم أصحاب النار # [غافر: 43] قياس قطعي الدلالة بديهي النص على أنه من أهل النار، والآية ~~- كما ترى - دليل على ms2062 قوله: { قل أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا ~~} - الآية، لو كان فرعون مثل قريش، فكيف ولا نسبة لهم منه في شدة ~~الاستكبار التابعة لكثرة الجموع ونفوذ الكلمة بضخامة الملك وعز السلطان ~~والقوة بالأموال والأعوان، وقد وري أن جبريل عليه السلام كان أتاه بفتيا ~~في عبد نشأ في نعمة سيده فكفر نعمته وجحد حقه وادعى السيادة دونه، فكتب ~~فرعون جزاء العبد الخارج عن طاعة سيده الكافر نعماءه أن يغرق في البحر، ~~فلما ألجمه الغرق ناوله جبريل عليه السلام خطه فعرفه. # ولما لم يعمل فرعون وآله بمقتضى ما رأوا من الآيات، كان حكمهم حكم ~~الغافلين عنها، فكان التقدير: ولقد غفلوا عما جاءهم من الآيات { وإن ~~كثيرا } أكده لأن مثله ينبغي - لبعده عن الصواب - أن لا يصدق أن أحدا ~~يقع فيه { من الناس } أي وهم من لم يصل إلى حد أول أسنان أهل الإيمان لما ~~عندهم من النوس - وهو الاضطراب - والأنس بأنفسهم { عن آياتنا } أي على ما ~~لها من العظمة { لغافلون } والإصلاح: تقويم العمل على ما ينفع بدلا مما ~~يضر؛ وإحقاق الحق: إظهاره وتمكينه بالدلائل الواضحة حتى يرجع الطاعن عنه ~~حسيرا والمناصب له مفلولا؛ والإسراف: الإبعاد في مجاوزة الحق؛ والفتنة: ~~البلية، وهي معاملة تظهر الأمور الباطنة؛ والنجاة: الخلاص مما فيه ~~المخافة، ونظيرها السلامة، وعلقوا النجاة بالرحمة لأنها إنعام على ~~المحتاج بما تطلع إليه النفوس العباد، فهو على أوكد ما يكون من الدعاء ~~إلى الصلاح؛ والوحي: إلقاء المعنى إلى النفس في خفاء، والإيحاء والإيماء ~~والإشارة نظائر، ولا يجوز أن تطلق الصفة بالوحي إلا لنبي؛ وتبوأ: اتخذ، ~~وأصله الرجوع، فالمتبوأ: المنزل، لأنه يرجع إليه للمقام فيه: والطمس: محو ~~الأثر فهو تغير إلى الدثور والدروس؛ والإجابة: موافقة الدعوة فيما طلب ~~بها لوقوعها على تلك الصفة؛ والدعوة: طلب الفعل بصيغة الأمر، وقد تكون ~~بالماضي؛ والمجاوزة: الخروج عن الحد من إحدى الجهات؛ والبحر: مستقر الماء ~~الواسع بحيث لا يدرك طرفيه من كان في وسطه، وهو مأخوذ من الاتساع؛ ~~والاتباع: اللحاق بالأول؛ والبغي: طلب الاستعلاء بغير حق؛ والآن: ms2063 فصل ~~الزمانين الماضي والمستقبل، ومع أنه إشارة إلى الحاضر، ولهذا بنى كما بنى ~~" ذا "؛ والبدن: مسكن روح الحيوان على صورته. ### || [10.93] # ولما ذكر تعالى عاقبة أمر فرعون وقومه وأنهم لم ينتفعوا بما جاءهم من ~~البينات مع ما كان فيها من جلي البيان وفي بعضها من الشدائد والامتحان ~~حتى كان آخرها أنه لما رأى مبدأ الهلاك من انفراق البحر لم يزعه عن لجاجه ~~غفلة منه عن عاقبته. وختمها بالإخبار بكثرة الغفلة إشارة إلى أن هذا ~~الخلق في غير القبط أيضا، أتبع ذلك ذكر خاتمة أمر بني إسرائيل فيما ~~خولهم فيه بعد الإنجاء من النعم المقتضي للعلم القطعي بأنه لا إله غيره، ~~وأن من خالفه كان على خطر الهلاك، وأنهم - مع مشاهدتهم الآيات الآتيه ~~بسببهم إلى فرعون - آتاهم من الآيات الخاصة بهم المنجزة لصدق وعده سبحانه ~~لآبائهم ما فيه غاية الإحسان إليهم والإكرام لهم، وأنهم كانوا تحت يد ~~فرعون على طريق واحد، ليس بينهم خلاف، وما اختلفوا فصاروا فرقا في ~~الاعتقادات وأحزابا في الديانات حتى جاءهم العلم الموضح من الله، فكان ~~المقتضي لاجتماعهم على الله مفرقا لهم على سبيل الشيطان لخبث سرائرهم ~~وسوء ضمائرهم وقوفا مع الشاهد الزائل وجمودا مع المحسوس الفاني ~~ونسيانا للغائب الثابت والمعلوم المتيقن، كل ذلك لأنا قضينا به فالأمر ~~تابع لما نريد، لا لما يأمر به وينهى عنه، فكان أعظم زاجر عن طلب الآيات ~~وظن أنها توجب له الرد على الغوايات، فقال تعالى: { ولقد بوأنا } أي ~~أسكنا بما لنا من العظمة التي تنقطع الأعناق دون عليائها وتتضاءل ثواقب ~~الأفكار عن إحصائها { بني إسراءيل } مسكنا هو أهل لأن يرجع إليه من خرج ~~عنه، وهو المراد بقوله: { مبوأ صدق } أي في الأرض المقدسة لأن وعدنا كان ~~قد تقدم لهم بها وعادة العرب أنها إذا مدحت الشيء أضافته إلى الصدق لأنه ~~مع ثباته حبيب إلى كل نفس ويصدق ما يظن به من الخير. # ولما كان المنزل لا يطيب إلا بالرزق، وكان التعبير عنه بالمبوإ دالا ~~على الرزق بدلالة الالتزام، صرح به ms2064 فقال: { ورزقناهم } أي بما لنا من ~~العظمة { من الطيبات } أي الحسية حلاء واشتهاء من الفواكة والحبوب ~~والألبان والأعسال وغيرها. والمعنوية من الشريعة والكتاب والمعارف كما ~~تقدم وعدنا لآبائهم بذلك. ولما كانوا كغيرهم إذا كانوا على أمور يتواضعون ~~عليها تقاربوا فيها وتوافقوا، وإذا كانوا على حدود حدها لهم المحسن إليهم ~~وحده لم يلبثوا أن يختلفوا عابهم الله بذلك فقال: { فما } أي فتسبب عن ~~صدقنا لهم في الوعد أنهم ما { اختلفوا } أي أوقعوا الخلف المفضي إلى جعل ~~كل منهم صاحبه خلفه ووراء ظهره. واستهان به { حتى جاءهم العلم } الموجب ~~لاجتماعهم على كلمة واحدة لما له من الضبط حتى يكون أتباعه على قلب واحد. ~~فكأنه قيل: فماذا يفعل بهم؟ لا هم بعقولهم ينتفعون ولا بما جاءهم من الحق ~~يرجعون؟ فقيل مؤكدا لإنكار العرب البعث: { إن ربك } أي المحسن إليك ~~بإصاء الأنبياء بك ووصفك في كتبهم وجعلك صاحب لواء الحمد في القيامة { ~~يقضي بينهم }. # ولما كان هذا تهديدا عظيما، زاده هولا وعظمة بقوله: { يوم القيامة } ~~أي الذي هو أعظم الأيام { فيما كانوا } أي بأفعالهم الجبلية { فيه ~~يختلفون* } فيميز الحق من الباطل، والصديق من الزنديق، ويسكن كلا داره. # ذكر بعض ما في التوراة من المن عليهم بالأرض المقدسة: قال قي أثناء ~~السفر الخامس: قد رأت أعينكم جميع أعمال الله العظيمة التي عمل، فاحفظوا ~~جميع الوصايا التي أمركم الله بها اليوم لتدخلوا الأرض التي تجوزون إليها ~~لترثوها وتطول أعماركم في الأرض التي أقسم الله لآبائكم أن يعطيهم ويرثها ~~نسلهم الأرض التي تغل السمن والعسل. لأن الأرض التي تدخلونها لترثوها ~~ليست مثل أرض مصر التي خرجتم منها التي كنتم تحتاجون فيها أن تستقوا ~~بأرجلكم وتسقوها مثل بساتين السقي، ولكن الأرض التي تجوزون إليها لترثوها ~~هي أرض الجبال والصحارى، وإنما تشرب من مطر السماء. يتعاهدها الله ربكم ~~في كل حين، وعينا الله ربنا فيها منذ أول السنة إلى آخر السنة. فإن أنتم ~~سمعتم الأحكام التي آمركم بها اليوم وتتقون الله ربكم وتعبدونه من كل ~~قلوبكم وأنفسكم يديم نظره ms2065 إليكم، ويمطر لكم في الخريف والربيع جميعا، ~~وتستغلون طعاما وشرابا وزيتا، وينبت في حرثكم عشبا لمواشيكم، وتأكلون ~~وتشبعون، احفظوا أن لا تخدع قلوبكم وتروغوا إلى الآلهة الأخرى وتسجدوا ~~لها وتعبدوها فيشتد غضب الرب عليكم، ويمنع السماء من المطر والأرض من ~~غلاتها، وتهلكوا سريعا من الأرض التي يعطيكم الله ربكم، بل اجعلوا هذه ~~الآيات في قلوبكم، وصيروها ميسما بين أعينكم، وعلموها بينكم أن يتكلموا ~~بها في حضوركم وفي سفركم، وإذا رقدتم وإذا قمتم، واكتبوها على معاقم ~~بيوتكم وأبوابكم لتطول أعماركم وأعمار أولادكم في الأرض التي أقسم الله ~~لآبائكم أن يعطيهم. وإن أنتم حفظتم هذه الوصايا كلها وعملتم بها وأحببتم ~~الله ربكم وسرتم في طرقه ولحقتم بعبادته يهلك الرب الملوك كلها من بين ~~أيديكم وترثون شعوبا أعظم وأعز منكم، وكل بلاد تطأها أقدامكم تكون لكم ~~بين البرية ولبنان ومن النهر إلى الفرات: النهر الأكبر، وتكون تخومكم عند ~~البحر الآخر، ولا يقدر أحد أن يقاومكم، ويلقي الله ربكم خوفكم وفزعكم على ~~كل الأرض التي تطؤونها كما قال لكم الرب: انظروا! إني أتلوا عليكم دعاء ~~ولعنا، أما الدعاء فتصيرون إليه إن أنتم حفظتم وصايا الله ربكم، وأما ~~اللعن فيدرككم إن أنتم لم تسمعوا وصايا الله ربكم وزغتم عن الطريق الذي ~~أمركم به اليوم وتبعتم آلهة أخرى لم تعرفوها، وإذا أدخلكم الله ربكم إلى ~~الأرض التي تدخلونها لترثوها اتلوا الدعاء على جبل حوريب واللعن على جبل ~~من حيالها في مجاز الأردن خلف الطريق عند مغارب الشمس في أرض الكنعانين ~~الذين يسكنون المغرب بإزاء الجبال وجبال بلوط - وفي نسخة: مرج ممري، ~~لأنكم تجوزون الأردن لتدخلوا وترثوا الأرض التي يعطيكم الله ربكم ~~وتسكنونها وتحفظون وتعملون بجميع الوصايا التي آمركم بها اليوم - انتهى. # وفي سفر يوشع بن نون عليه السلام: ولما كان بعد موسى عبد الله قال الله ~~ليوشع ابن نون خادم موسى عليهما السلام: موسى عبدي مات، والآن فقم فاعبر ~~هذا الأردن أنت، وكل هذا الشعب إلى الأرض التي أنا معطيها لبني إسرائيل، ~~كل موضع تطؤه أرجلكم ms2066 لكم أعطيته، كما قلت لموسى عبدي. من البر وهذه ~~للبنان وإلى النهر الكبير نهر الفرات كل أرض الذاعرين، لا يقف أحد قدامك ~~طول ايام حياتك، كما كنت مع موسى أكون معك، لا أدعك ولا أتركك، اشتد ~~وتأيد، فإنك أنت تنحل هذا الشعب الأرض التي قسمت لآبائهم لإعطاء ذلك لهم، ~~لا يزول درس كتاب هذا الشريعة من فيك. وتلهج به نهارا وليلا لكي تحفظ ~~للعمل بجميع المكتوب. فحينئذ تنجح طرقك. وحينئذ ترشد، أليس قد أوصيتك؟ ~~اشتد وتأيد، و لا ترهب ولا تنذعر، لأن معك الله ربك في جميع ما تسير فيه، ~~ووصى بوضع يوشع عرفاء القوم قائلا: جوزوا في وسط العسكر ووصوا القوم ~~قائلين لهم: أعدوا لكم زادا فإنكم بعد ثلاثة أيام عابرون هذا الأردن ~~للدخول لإرث الأرض التي الله ربكم معطيها لكم، اذكروا ذكر القول الذي ~~أمركم به موسى عبد الله قائلا: الله ربكم مريحكم بما أعطاكم هذه الأرض، ~~نساءكم وأطفالكم ومواشيكم تجلسون في مدنكم التي أعطاكم موسى عبد الله في ~~مجاز الأردن وأنتم تجورون محزومي الخواطر إلى أن يريح الله إخوتكم كما ~~أراحكم فترثوا أيضا الأرض التي ربكم معطيكم، حينئذ ترجعون إلى أرض حوزكم ~~التي أعطاكم موسى عبد الله في مجاز الأردن مشرق الشمس، فأجابوا يوشع ~~قائلين: جميع ما أوصيتنا به نعمل، كل موضع ترسلنا نمضي كجميع ما قبلنا من ~~موسى كذاك نقبل منك. إذا كان الله معك كما كان مع موسى، كل إنسان يخالف ~~أمرك ولا يقبل كلامك كجميع ما تأمره به يقتل. فاشتد وتأيد، فبعث يوشع بن ~~نون من الكافرين رجلين جاسوسين في خفية قائلا: امضيا! انظرا الأرض كلها ~~مع أريحا، فمضيا ودخلا إلى بيت امرأة سواقة اسمها راحاب واضطجعا ثم، ~~فقيل لملك أريحا: هو ذا أناس من بني إسرائيل قد جاؤوا إلى هنا الليلة لجس ~~البلد. فأرسل ملك أريحا إلى راحاب قائلا: أخرجي القوم الجائين إليك ~~الذين دخلوا دارك. فإنهم لجس جميع البلد جاؤوا. فأخذت المرأة الرجلين ~~فأخفت أمرهما وقالت: كذاك كان القوم جاؤوا إلي ولم ms2067 أعلم من أين هم؟ وكان ~~عند إغلاق الباب في الظلام. # ثم خرج القوم ولم أعلم أين مضوا؟ اطلبوهم بسرعة فإنكم تلحقونهم؛ ثم ~~أصعدتهما إلى السطح وظهرتهما في فش الكتان. والقوم طلبوهما في طريق ~~الأردن إلى المعابر - وفي نسخة: إلى المخاضات - ولباب أغلقوا بعد ما خرج ~~الطالبون خلفهما. وهما قبل أن يناما صعدت إليهما راحاب إلى السطح فقالت ~~لهما: قد علمت أن الله سلم إليكم البلد، وأنه قد وقعت هيبتكم علينا. وقد ~~ماج جميع سكان البلد من قبلكم. وإنا قد سمعنا أن الله أيبس لكم بحر ~~القلزم عقب خروجكم من مصر وما عملتم بملكي الأمورانيين الذي في مجاز ~~الأردن: سيحون وعوج اللذين اصطلمتموهما، فعند ما سمعنا ذابت قلوبنا ولم ~~يثبت أيضا روح في واحد منا من جهتكم، فإن الله ربكم هو إله من في ~~السماوات من فوق ومن على الأرض من تحت، والآن فاحلفوا باسم الله إذ قد ~~عملت معكما فضلا، فتعملا أيضا أنتما مع أهل أبي فضلا، وتعطياني علامة ~~هي حق. لتستبقوا أبي وأمي وإخوتي وجميع من التصق بهم، وتخلصوا أنفسنا من ~~القتل. فقالا لها: نبذل أنفسنا دونكم للموت إن لم تخبروا بخبرنا هذا. ~~فيكون عند التسليم الله لنا البلد نعمل معك فضلا وأمانة فأحدرتهما ~~بالحبل من داخل الطاقة إذ منزلها في حائط السور. وفي السور هي ساكنة. ~~وقالت لهما: سيرا إلى الجبل كيلا يلقاكما الطالبون، وبعد ذلك سيرا: ~~لطريقكما، فقالا لها: أبرياء نحن من قسمك هذا الذي استقسمتنا إن لم تفعلي ~~ما نقول لك، هو ذا نحن داخلون إلى البلد فاعقدي خصلة خيط من القرمز في ~~الطاقة التي أخبرتنا منها. وأبوك وأمك وإخوتك وكل بيت أبيك تضمين إليك ~~المنزل، فيكون كل من يخرج من أبواب منزلك إلى خارج دمه في عنقه ونحن ~~أبرياء، وكل من يكون معك في المنزل دمه في أعناقنا إن بطشت به يد. وإن ~~أخبرت بخبرنا هذا فنحن أبرياء من قسمك الذي استقسمتنا، فقالت: كما قلتما، ~~فأطلقتهما ومضيا، وعقدت خصلة القرمز في الطاقة، فمضيا إلى الجبل ms2068 وجلسا ثم ~~ثلاثة أيام إلى أن رجع الطالبون ولم يجدوهما. ورجع الرسولان وانحدرا من ~~الجبل وجازا الأردن وجاءا إلى يوشع بن نون وقصا له كل ما وافاهما وقالا ~~ليوشع: إن الله دفع بأيدينا كل الأرض، وقد ماج جميع ساكنها منا؛ وأدلج ~~يوشع بالغداة ورحلوا من الكفرين، وجاؤوا إلى الأردن هو وجميع بني إسرائيل ~~وباتوا ثم قبل أن يجوزوا. فلما كان بعد ثلاثة أيام جاز النقباء في وسط ~~العسكر وأمروا القوم قائلين لهم: عند نظركم صندوق عهد الله ربكم والأئمة ~~اللاويين حاملين له أنتم ترحلون من موضعكم وتمشون خلفه، لكن بينكم وبينه ~~بعد مقدار ألفي ذارع بالمساحة، لا تقربوا منه لأجل أن تعرفوا الطريق التي ~~تمشون فيها إذ لم تمشوا فيها أمس وأول أمس. # و قال يوشع للقوم: استعدوا فإن غدا يعمل الله في وسطكم عجائب، وقال ~~يوشع للأئمة: احملوا صندوق العهد وجوزوا قدام القوم. فحملوا صندوق العهد ~~وساروا قدام القوم، وقال الله ليوشع: هذا اليوم ابتدىء بتعظيم اسمك بحضرة ~~جميع إسرائيل لكي يعلموا أنني كما كنت مع موسى أكون معك؛ وقال يوشع لبني ~~إسرائيل: تقدموا هاهنا وأسمعوا الله ربكم؛ قال يوشع: بهذه الخلة تعرفون ~~أن قادرا حيا لذاته في وسطكم، وأن قارضا يقرض من قدامكم قبائل الأمم: ~~الكنعانيين والذاعرين - وفي نسخة: الحاثبين المنسوبين إلى حاث جدهم - ~~والحويين أي الفصحاء البلغاء - وفي نسخة: المجتمعين إلى الحي - والربضيين ~~والفلاحين والأمورانيين - أي الرؤساء - واليبوسيين - أي الجبارين ~~القاهرين، ها هو ذا صندوق العهد، سيد كل الأرض جائز قدامكم في الأردن ~~والآن خذوا لكم اثني عشر رجلا من أسباط إسرائيل: رجلا واحدا من كل ~~سبط، ويكون عند قرار أقدام أرجل الأئمة حاملي صندوق العهد سيد كل الأرض ~~في مياه الأردن من الأمر العظيم أنه تنقطع مياه الأردن المنحدرة من فوق ~~وتقف طودا واحدا كأنها في زق محصورة. # ولما ارتحل الشعب وقطعوا خيمه ليجوزوا الأردن سار الكهنة الذين حملوا ~~التابوت أمام الشعب، فلما انتهوا إلى الأردن وكان ممتلئا يفيض كل أيام ~~الحصاد انشق الأردن وقام الماء ms2069 الذي كان ينحدر من فوق كأنه في زق ناحيته، ~~وتباعد عن قرية إدام التي عند صريم جدا، والذي كان يجري إلى البحر ~~العربي الذي يدعى بحر الملح انشق وحار وانقطع، وجاز الشعب حيال أريحا، ~~وقام الكهنة الذيم حملوا تابوت العهد في الأردن يابسا حتى عبر جميع ~~الشعب بحر الأردن؛ فلما جاز الشعب جميعا قال الرب ليوشع: اعمد إلى اثني ~~عشر رجلا من الشعب: من كل سبط رجل واحد، وقل لهم: خذوا من هاهنا من جوف ~~الأردن من تحت أقدام الكهنة اثني عشر حجرا وعبروها معكم وانصبوها في ~~موضع المبيت الذي تبيتون فيه الليلة، فأمرهم يوشع بذلك وأن يحمل كل رجل ~~حجره على عاتقه، فأخذوها إلى موضع مبيتهم ونصبوها هناك، فمكثت الحجارة - ~~التي أخذوها من الأردن من تحت أقدام الكهنة الذين حملوا التابوت - موضوعة ~~هناك إلى اليوم؛ والكهنة الذين حملوا التابوت كانوا قياما حتى تمت جميع ~~الأقوال التي أمر الرب يشوع أن يقص على الشعب كما أوصى موسى يشوع، وعجل ~~الشعب على المجاز وجازوا، فما جاز جميع الشعب وجاز الكهنة الذين كانوا ~~حاملين التابوت أمام الشعب وجاز بنو روبال وبنو جاد ونصف سبط منسا، وهم ~~متسلخون أمام إخوتهم - كما أمر موسى - أربعون ألفا ذوو قوة، جازوا أمام ~~الرب إلى قاع أريحا للمحاربة. # في ذلك اليوم عظم يشوع عند جميع بني إسرائيل وفرقوه كفرقهم من موسى طول ~~أيام حياته، وقال الرب ليشوع: مر الكهنة الذين حملوا تابوت الشهادة ~~يصعدوا من الأردن، فأمرهم، فلما صعدوا رجع ماء الأردن إلى مواضعه أول ما ~~استقرت أقدام الكهنة في الشط وجرى في سواحل الأردن كما كان أولا، فصعدوا ~~من الأردن في عشر خلت من الشهر الأول - قلت: وهو نيسان على ما قال بعض ~~فضلاء اليهود - ونزلوا الجلجال أقصى مشارق أريحا، فأما الاثنا عشر حجرا ~~التي أخذوها من الأردن فنصبها يشوع في الجلجال، وقال يشوع لبني إسرائيل: ~~إذا سألكم بنوكم غدا وقالوا لكم: ما هذه الحجارة؟ قولوا لهم: إن بني ~~إسرائيل فلق له هذا الأردن فجازوه يابسا، ms2070 لأن الله ربكم يبس ما الأردن ~~أمامهم حتى جازوه كما فعل الله ربكم ببحر سوف الذي يبسه أمامنا حتى جزناه ~~ليعلم جميع شعوب الأرض أن يد الرب قوية، وتتقوا الله ربكم كل الأيام. # فلما سمع جميع ملوك الأمورانيين الذين في جانب الأردن الغربي وجميع ملوك ~~الكنعانيين الذين على شاطىء البحر أن الرب يبس ماء الأردن أمام بني ~~إسرائيل حتى جازوا، فزعت قلوبهم ولم يبق فيهم رمق فزعا من بني إسرائيل ~~وفي ذلك الزمان قال الرب ليشوع: اتخذ سيفا من طوران واختن بني إسرائيل ~~ثانية، فختن بني إسرائيل ثانية في أكمة الغلف، والذي ختن يشوع جميع ~~الذكورة الذين كانوا ولدوا في البرية حين خرجوا من أرض مصر، لأن جميع ~~الرجال الأبطال المقاتلة هلكوا في البرية لأنهم لم يطيعوا الله ربهم ~~وكانوا كلهم مختتنين، فأقسم الرب عليهم أن لا يريهم الأرض التي وعد ~~آباءهم أن يعطيهموها الأرض التي تغل السمن والعسل، فبنوهم الذين كانوا من ~~بعدهم هم الذين ختن يشوع لأنهم كانوا غلفا. فلما ختن جميع الشعب مكثوا ~~مواضعهم في المعسكر حتى برئوا، وقال الرب ليشوع: اليوم صرفت عنكم عار أهل ~~مصر، ودعا اسم ذلك الموضع جلجالا، ونزل بنو إسرائيل الجلجال وعلموا ~~فصحا في أربعة عشر يوما من الشهر الأول عند المساء في قاع أريحا وأكلوا ~~من بر الأرض بعد الفصح وأكلوا في ذلك اليوم فطيرا وسنبلا مقلوا. ~~وارتفع المن عن بني إسرائيل منذ ذلك اليوم حيث أكلوا من بر الأرض ولم ~~ينزل المن لبني إسرائيل بعد ذلك اليوم وأكلوا من بر الأرض وغلات أرض ~~كنعان في تلك السنة. وبينا كان يشوع في قاع أريحا قائما إذ نظر رجلا ~~قائما إزاءه مخترطا سيفه ممسكه بيده، فاقبل يشوع إليه وقال له: أنت منا ~~أم من أعدائنا؟ قال: أنا سيد أجناد الرب، الآن أتيتك، فخر يشوع ساجدا ~~على وجهه على الأرض وقال: ما الذي يقول السيد لعبده؟ قال: اخلع خفيك عن ~~قدميك، فإن الموضع الذي أنت قائم فيه طاهر، ففعل يشوع ذلك؛ وكان بنو ms2071 ~~إسرائيل قد حاصروا أريحا، ولم يكن يقدر أحد من أهلها يدخل ولا يخرج، قال ~~الرب ليوشع: انظر! إني قد دفعت في يدك أريحا وملكها وكل أجنادها، فليحط ~~بالمدينة جميع رجال المقاتلة، ودوروا حول المدينة مرة في اليوم، وافعلوا ~~ذلك ستة أيام، ويحمل سبعة من الكهنة سبعة أبواق ويهتفون أمام التابوت، ~~حتى إذا كان اليوم السابع دوروا حول المدينة سبع مرات ويهتف الكهنة ~~بالقرون، فإذا هتفت الأبواق وسمعتهم أصواتها يهتف جميع الشعب بأعلى ~~أصواتهم صوتا شديدا، فيقع سور المدينة مكانه، ويصعد الشعب كل إنسان ~~حياله، فدعا يشوع الكهنة وقال لهم: احملوا تابوت الرب عهد الرب ويحمل ~~سبعة من الكهنة سبعة قرون وينفخون فيها أمام تابوت الرب، ثم قال للشعب: ~~دوروا حول المدينة، والمتسلخون يجوزون أمام تابوت الرب، فحمل سبعة من ~~الكهنة سبعة قرون وهتفوا أمام تابوت الرب فلم يزالوا ينفخون في القرون، ~~والذين كانوا يحملون التابوت يتبعون أصحاب الأبواق والمتسلخون يسيرون ~~أمام الكهنة الذي يهتفون بالقون ويسيرون أمام التابوت. # وقال يشوع للشعب: لا تهتفوا، ولا تسمعوا أصواتكم، ولا تخرج كلمة من ~~أفواهكم إلى اليوم الذي آمركم أن تهتفوا. فدارت الجماعة بالتابوت كل يوم ~~مرة كما أمرهم يشوع، فلما كان اليوم السابع أدلجوا سحرا وأحاطوا ~~بالمدينة كسنتهم ولكن في ذلك اليوم السابع داروا حولها سبع مرات، وفي ~~المرة السابعة هتف الكهنة بالقرون وقال يشوع للشعب: اهتفوا لأن الرب قد ~~دفع المدينة في أيديكم، ولكن صيروا هذه المدينة وكل ما فيها حريمة للرب، ~~لا يمسه إنسان منكم، وأبقوا على راحاب الزانية - يعني القندقانية كما ~~أخبرني بعض فضلائهم، ويؤيده التعبير عنها فيما مضى بالسواقة والله أعلم - ~~وعلى كل من معها في بيتها لأنها غيبت الدسيسين اللذين أرسلنا، فأما أنتم ~~فاحتفظوا من الحرام، ولا تنجسوا أنفسكم بأكل الحرام، فتصيروا عسكر بني ~~إسرائيل حراما، فنفخوا في القرون فلما سمع الشعب صوت الأبواق ضجوا كلهم ~~واحدة شديدة جدا، فوقع سور المدينة فصعد الشعب إلى المدينة كل إنسان ~~حياله، فافتتحوها وقتلوا كل من فيها رجالها ونساءها والمشيخة والصبيان ms2072 ~~والثيران والحمير والغنم، قتلوها بالسيف، وأما الرجلان اللذان اجتسا ~~الأرض فقال لهم يشوع: ادخلا إلى بيت المرأة الزانية - يعني الفندقانية ~~كما مضى - فأخرجاها وأخرجا كل من معها في البيت كما حلفتما لها، ففعلوا ~~وأنزلوهم خارج عسكر بني إسرائيل وأحرقوا المدينة وكل من فيها بالنار، ~~وأحيى يشوع الزانية ووالديها وكل من معها، وأقسم يشوع في ذلك الزمان ولعن ~~وقال: ملعونا يكون أمام الرب الرجل الذي يقوم يبني مدينة أريحا هذه، ~~وكان الرب بعونه مع يشوع ونصره، وشاع خبره في الأرض كلها، وأثم بنو ~~إسرائيل وتناولوا من الحرام، وذلك لأن عاجار ابن كرمي بن زبدي بن زرح من ~~قبيلة يهودا نحر وأخذ من الحرام وغيب في خيمته، فاشتد غضب الرب على بني ~~إسرائيل، ثم أرسل يشوع رجالا إلى عاي التي عند بيت آون من مشارق بيت إل ~~ليجتسوها، فقالوا له: إنه يجزىء في أخذها ألفان أو ثلاثة لأن أهلها قليل، ~~فصعدوا فحاربوهم عند باب المدينة فانهزم بنو إسرائيل وجرح منهم جرحى كثير ~~- فذكر القصة في سجود يشوع وانزعاجه وإخبار الله تعالى إياه أن قومه ~~غلوا، ثم أمره بالقرعة حتى خرج الذي عنده الغلول وهو عاجار، وكان غلوله ~~طنفسة بابلية ومائتي مثقال فضة وسبيكة من ذهب فيها خمسون مثقالا، فأخرجه ~~يشوع مع كل شيء هو له، وقد مضى ذلك في البقرة عند # أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة # [البقرة: 98] وتقدم في المائدة فتح بعض بلاد بيت المقدس بأعجوبة أخرى ~~واستمروا هكذا يفتحونها بلدا بعد بلد، ويقتلون من جبابرتها عددا بعد ~~عدد، ويرون في ذلك من عجائب الأمور وبدائع المقدور ما يبقي على كر الآباد ~~ومر الدهور، وهم في أثناء ذلك كل قليل يكفرون وينقضون العهود ولا يشكرون ~~كما هو مبين في سفر يوشع بن نون، وقد مضى شيء منه في المائدة عند قوله ~~تعالى # فعموا وصموا # [المائدة: 71] - الآية، كل ذلك بعد أن جاءهم من العلم ما لا تدخله مرية ~~لا يخالطه شك ولا يدنو منه لبس، فتبارك من له الأمر كله، لا مضل ms2073 لمن هدى ~~ولا هادي لمن يضله. ### || [10.94-97] # ولما كان ما مضى - من الآيات هذه السورة المبينة أن من أريدت شقاوته لا ~~ينفعه مشاهدة الآيات - سببا لنفي الشك عنها وإثبات اليقين بمضامينها بما ~~سلف من الأدلة على تلك المضامين غلى أن ختم ذلك بذم من عمل عمل الشاك بعد ~~أن جاء ما يوجب اليقين من العلم، وكان صلى الله عليه وسلم كما مضى في آخر ~~التي قبلها أشفق الخلق لا سيما على العرب لا سيما على قومه منهم، وكانت ~~الوصية قد برزت من الجناب الإلهي له بما يوافق طبعه من بذل الجهد في ~~ملاطفتهم، كان ذلك جديرا بأن يحرك طبع البشر لتمني الإجابة لما يقترحون، ~~وكان طلب ذلك بعد الفطام عنه من أفعال الشك في الجملة فأريد صرف النفس ~~عنه بالكلية ولو بالخطور في البال فقيل مسببا عما قبله: { فإن كنت } أي ~~يا أرحم الخلق { في شك } ولم يرد بهذا الكلام حقيقته - والله أعلم - بل ~~تقوية اليقين وتأكيده ورسوخه وتأييده بأن هذا أمر قد عزم عليه وفرغ منه ~~فلا يحتمل مراجعة، وذلك لأن المعنى أن ثباتهم على الشقاوة أمر لا يعلم ~~إلا من قبلنا، وذلك بأحد أمرين: إما بواسطة الأمين جبرئيل بما يأتي به ~~من الوحي عنا غضا طريا محفوظا من الغير فلا تحريف فيه ولا تبديل، وإما ~~بواسطة أهل الكتاب عن أنبيائهم - وفي ذلك نزول درجتين مع تجويز التخويف ~~والتبديل، وهذا ما لا يرضاه ذو همة علية ونفس أبية - فالمعنى: أنا قد ~~أخبرتك بأن الآيات لا تزيد المقضي بشقائه إلا ضلالا وأنا خبير بذلك { ~~ولا ينبئك مثل خبير } فلا تطلب إجابتي إياهم إلى ما يقترحون عليك رجاء ~~إيمانهم فإنهم لا يؤمنون بذلك { فإن كنت } أي في وقت من الأوقات { في شك ~~} أي ولو قل { ممآ أنزلنآ } أي بعظمتنا واصلا على لسان الواسطة { إليك } ~~في ذلك { فسئل } أي بسبب ذلك الشك { الذين يقرءون } أي متتابعين لذلك { ~~الكتاب } أي السماوي من اليهود والنصارى، فإنهم من الإحاطة بصحة ما ~~أنزلنا إليك على حد ms2074 عظيم. ومن آمن منهم أو كان منصفا جدير بأن يزداد من ~~فاوضه في ذلك إيمانا؛ ولما كانوا بعض من أوتي الكتاب في الزمن السالف، ~~أثبت الجار فقال: { من قبلك } وهم عن ذلك الخبر بمراحل، فلا تجنح إلى ~~سؤال غيري، وهذا مضمون قوله تعالى مؤكدا آتيا بحرف التوقع لأن كلا من ~~الأمرين في أحق مواضعه: { لقد جآءك الحق } أي الثابت الكامل ثباته وهو ~~إمضاء العدل فيهم؛ وزاده تشريفا وترغيبا فيه بقوله: { من ربك } أي ~~المحسن إليك باصطفائك لذلك، فلذا سيق مساق البيان له من غير واو، فإذا ~~ثبت أنه الحق أي الثابت أعلى الثبات تسبب عنه البعد من تزلزل من جاءه، ~~فناسب اتباعه بقوله: { فلا تكونن } أكده لأنه حقيق بأن لا ينثني عنه أحد ~~بوجه من الوجوه { من الممترين } أي الغافلين عن آيات الله فتطلب الفضل ~~لأهل العدل؛ قال ابن عباس رضي الله عنهما: لا والله! ما شك طرفة عين ولا ~~سأل أحدا منهم. # ولما نهى عن ذلك لم يبق مما اقتضته القسمة العقلية إلا العناد ممن يمكن ~~منه كما فعل بنو إسرائيل بعد مجيء العلم فأتبعه النهي عن مثل حالهم ~~بقوله: { ولا تكونن } أي بوجه من الوجوه، والمراد بهذا أتباعه { من الذين ~~كذبوا } أي فعلوا فعل المكذب مستهينين { بآيات الله } أي التي لا أعظم ~~منها بإضافتها إلى من لا أعظم منه { فتكون } أي كونا راسخا { من ~~الخاسرين } بل اثبت على ما أنت عليه من اليقين والطمأنينة والثقة بالله ~~والسكينة، وهذا ونحوه مما غلظت فيه العبارة دلالة على مزيد قرب المخاطب ~~وإن كان المراد غيره وعظيم منزلته ولطيف خصوصيته كما مضى بيانه عن الإمام ~~أبي الحسن الحرالي رحمه الله في سورة براءة عند قوله تعالى # عفا الله عنك # [براءة: 43] - الآية، وتغليظ العبارة فيه تأديب عظيم لتابعيه؛ والشك: ~~الوقوف بين النقيضين، وهو من شك العود فيما ينفذ فيه، لأنه يقف بذلك الشك ~~بين جهتيه؛ والإنزال: نقل الشيء من علو إلى سفل؛ والامتراء؛ طلب التشكك ~~مع ظهور الدليل، من مري الضرع وهو مسحه ms2075 ليدر. # ولما كان ما مضى من هذه الآيات وما كان من طرازها قاضيا بأنه لا تغني ~~الآيات عنهم. صرح به قوله تعالى: { إن الذين حقت } أي وجبت وثبتت { عليهم ~~} أي بأنهم أشقياء، وعبر بالاسم المفهم للإحسان إعلاما بأنه ما أوجب ~~عليهم العذاب إلا إحسانا إليه بما يقاسي من معالجتهم وغير ذلك من ~~الحكمة فقال: { كلمت ربك } أي المحسن إليك في جميع أمرك { لا يؤمنون } أي ~~لا قبول لهم لتجدد الإيمان { ولو جآءتهم كل آية } ونسبتها إلى قوله { لقد ~~جاءك الحق } نسبة { لقد جاءك الحق } إلى { فإن كنت في شك } الآية في ~~البيان المستفاد من حذف العاطف، وإذا كان الكلام في معنى واحد كان بمنزلة ~~الكلمة الواحدة فسمي بها { حتى يروا العذاب الأليم } أي حين لا ينفعهم ~~الإيمان لفوات شرطه كما لم ينفع فرعون لذلك # سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تحويلا # [الأحزاب: 92]. ### || [10.98-100] # ولما كان هذا موضع أن يقال: إنما تطلب الآيات لما يرجى من تسبب الإيمان ~~عنها، تسبب عنه أن يجاب بقوله تعالى: { فلولا } أي فهلا { كانت قرية } أي ~~واحدة من قرى الأمم الماضية التي أهلكناها { آمنت } أي آمن قومها عند ~~إتيان الآيات أو عند رؤية أسباب العذاب { فنفعهآ } أي فتسبب عن إيمانها ~~ذلك أنه نفعها - { إيمانها } ولما كان المعنى " لولا " النفي، كان ~~التقدير: لكن لم تؤمن قرية منهم إلا عند صدم العذاب كما فعل فرعون، لو ~~آمن عند رؤية البحر على حال الفلق أو عند توسطه وقبل انسيابه عليه قبل، ~~ولكنه ما آمن إلا بعد انهماره ومسه. وذلك حين لا ينفع لفوات شرطه من ~~الإيمان بالغيب { إلا قوم يونس } فإنهم آمنوا عند المخايل وقت بقاء ~~التكليف فنفعهم ذلك فإنهم { لمآ آمنوا } ودل على أنه قد كان أظلهم بقوله: ~~{ كشفنا } أي بعظمتنا { عنهم } أي حين إيمانهم، روي أنه لم يبق بينهم ~~وبين العذاب إلا قدر ميل { عذاب الخزي } أي الذي كان يوجب لهم لو برك ~~عليهم هوان الدارين { في الحياة الدنيا } أي فلم يأخذهم ms2076 وقت رؤيتهم له { ~~ومتعناهم } أي تمتيعا عظيما { إلى حين } وهو انقضاء آجالهم مفرقة كل ~~واحد منهم في وقته المضروب له، وما ذكرته في معنى الآية نقله القاضي أبو ~~محمد إسحاق بن إبراهيم البستي في تفسيره المسند عن ابن أبي عمر قال: قال ~~سفيان الثوري: { فلولا كانت قرية آمنت } قال: فلم تكن قرية آمنت، وهذا ~~تفسير معنى الكلام، وأما " لولا " فهو بمعنى هلا، وهي على وجوه تحضيض ~~وتأنيث، أي توبيخ، وهي هنا للتوبيخ. ويجوز أن تكون استفهامية بمعنى " ~~لولا " ، ويلزم كلا من المعنيين النفي؛ والنفع: إيجاب اللذة بفعلها أو ما ~~يؤدي إليها كالدواء الكريه المؤدي إلى اللذة؛ والخزي هو أن يفضح صاحبه، ~~وهو وضع من القدر للغم الذي يلحق به، وأصله التعب. # ولما كان ما مضى ربما أوجب اعتقاد أن إيمان مثل أولئك محال جاءت هذه ~~الآية في مقام الاحتراس منه مع البيان لأن حرص الرسول صلى الله عليه وسلم ~~على إيمانهم لا ينفع ومبالغته في إزالة الشبهات وتقرير الدلائل لا تفيد ~~إلا بمشيئة الله تعالى لتوفيقهم وهدايتهم، ولو كان ذلك وحده كافيا ~~لآمنوا بهذا السورة فإنها أزالت شبهاتهم وبينت ضلالاتهم وحققت بقصتي نوح ~~وموسى عليهما السلام ضعفهم ووهن مدافعاتهم فقال تعالى: { ولو شآء } أي ~~إيمان الناس { ربك } أي المحسن إليك بإقبال من أقبل لعلمه الخير فيه ~~وإدبار من أدبر لعدم قابليته للخير { لأمن من في الأرض } من الكفار. # ولما كان هذا ظاهرا في الكل، صرح به مؤكدا لأن المقام يقتضيه فقال: { ~~كلهم جميعا } أي مجتمعين في آن واحد لا يختلفون في شيء منه، ولكن لم يشأ ~~ذلك وأنت لحرصك على امتثال أوامري ووصيتي لك باللطف بخلقي الموافق لما ~~جبلتك عليه من الخير تريد ذلك { أفأنت تكره الناس } أي الذين لم يرد الله ~~إيمانهم مع ما طبعهم عليه من الاضطراب { حتى يكونوا } أي كونا جبليا { ~~مؤمنين } أي راسخين في الإيمان، وإيلاء الاستفهام الاسم مقدما على الفعل ~~للإعلام بأن الفعل - وهو هنا الإكراه - ممكن من غير ذلك الاسم وهو هنا ~~الله وحده ms2077 القادر على تحويل الطباع فإن قدرته قاهرة لكل شيء ومشيئته ~~نافذة في كل شيء مع الدلالة على أن وقوع خلاف المشيئة مستحيل لا يمكن ~~لغيره تعالى بإكراه ولا غيره، والمشيئة معنى يكون به الفعل مرادا أخذت ~~من الشيء، والمراد بالآية تخفيف ما يلحق النبي صلى الله عليه وسلم من ~~التحسر للحرص على إيمانهم { وما كان } أي وما ينبغي ولا يتأتى { لنفس } ~~أي واحدة فما فوقها { أن تؤمن } أي يقع منها إيمان في وقت ما { إلا بإذن ~~الله } أي بإرادة الملك الأعلى الذي له الخلق والأمر وتمكينه، فيجعل ~~الثبات والطمأنينة - اللازمين للإيمان الذي هو أبعد شيء عن السحر - على ~~الذين ينتفعون بعقولهم فيلزمون معالي الأخلاق التي هي ثمرات للإيمان { ~~ويجعل الرجس } أي الاضطراب والتزلزل الذي يلزمه التكذيب الذي هو أشبه شيء ~~بالسحر لأنه تخييل ما لا حقيقة له والقذر والقباحة والغضب والعقاب ~~الناشىء عنه. # ولما كان ما في هذه السورة من الدلائل قد وصل في البيان إلى حد لا يحتاج ~~فيه إلى غير مجرد العقل قال: { على الذين لا يعقلون } أي لا يوجد لهم ~~عقل، فهم لذلك لا ينتفعون بالآيات وهم يدعون أنهم أعقل الناس فيتساقطون ~~في مساوىء الأخلاق وهم يدعون أنهم أبعد الناس عنها، فلا تذهب نفسك عليهم ~~حسرات؛ والنفس: خاصة الشيء التي لو بطل ما سواها لم يبطل ذلك الشيء، ~~ونفسه وذاته واحد. ### || [10.101-105] # ولما تقرر ما مضى من النهي عن الإصغاء إليهم في طلب الآيات، وختم بتعليق ~~الأمر بمجرد المشيئة، كان كأنه قيل: فماذا يقال لهم إذا طلبوا؟ فقال: { ~~قل } أي يا أشرف الخلق لهم غير مهتم بأمرهم ومنبها لهم على إبطال مذهب ~~الجبر المتعلق أصحابه بنحو هذه الآية، لأن المشيئة مغيبة والعبد مأمور ~~ببذل الجهد في الطاعة بما له من القدرة والاختبار. # ولما أمر بهذا الفكر فكان ربما ظن لأجله أن للإنسان قدرة مستقلة، نبه ~~على مذهب أهل السنة القائل بالكسب الذي هو - كما قال الإمام علي رضي الله ~~عنه - أمر بين أمرين لا جبر ولا تفويض، ms2078 فقال معلما أن من حكم بشقائه لا ~~ينفعه شيء: { انظروا } أي بأبصاركم وبصائركم لتخرجوا بالانتفاع بالعقل عن ~~عداد البهائم؛ قال الإمام: ولو أن الإنسان تفكر في كيفية حكمة الله تعالى ~~في خلق جناح بعوضة لانقطاع فكره قبل أن يصل إلى أول مرتبة من مراتب تلك ~~الحكم والفوائد، فلذلك أبهم في قوله: { ماذا } أي الذي { في السماوات ~~والأرض } أي من الآيات وواضح الدلالات التي أخرجتموها - بإلفكم لها - عن ~~عداد الآيات، وهي عند التأمل من أعظم خوارق العادات، وقال الإمام: فكأنه ~~سبحانه نبه على القاعدة الكليه حتى ينتبه لأقسامها، وقال أبو حيان أخذا ~~من الإمام: السبيل إلى معرفته تعالى هو بالتفكر في مصنوعاته، ففي العالم ~~العلوي في حركات الأفلاك ومقاديرها وأوضاعها والكواكب وما يختص بذلك من ~~المنافع والفوائد، وفي العالم السفلي في أحوال العناصر والمعادن والنبات ~~والحيوان وخصوصا حال الإنسان - انتهى. # ولما كان ما فيها من الآيات في غايه الدلالة، نبه سبحانه على أن التوقف ~~عن الإيمان بعد التنبيه على كيفية الاستدلال معاندة فقال: { وما } وهي ~~نافية أو استفهامية { تغني الآيات } أي وإن كانت في غاية الوضوح { والنذر ~~} أي والإنذارات أو الرسل المنذرون { عن قوم } أي وإن كانت فيهم قوة { لا ~~يؤمنون* } أي للحكم بشقائهم، فكان ذلك سببا لتهديدهم بقوله: { فهل ~~ينتظرون } أي بجميع قواهم في تكذيبهم للرسول وتخلفهم عن الإيمان { إلا } ~~أي أياما أي وقائع { مثل أيام } أي وقائع { الذين خلوا } ولما كان أهل ~~الأيام الهائلة بعض من كان قبل، أتى بالجار فقال: { من قبلهم } أي من ~~مكذبي الأمم وهم القبط وقوم نوح ومن طوي بينهما من الأمم، أي من حقوق ~~الكلمة عليهم فنحل بهم بأسنا ثم ننجيكم لإيمانكم كما كنا نحل بأولئك إذا ~~كذبوا رسلنا، ثم ننجي الرسل ومن آمن بهم حقا علينا ذلك للعدل بين ~~العباد. # ولما تقدمت الإشارة إلى أن الكلمة حقت على الكافرين بعدم الإيمان والرجس ~~الذي هو العقاب، زاد في تهديدهم بالاعتراض بما سببه عن فعلهم فعل من ~~ينتظر العذاب بقوله: { قل فانتظروا } أي بجميع جهدكم ms2079 ما ترونه واقعا بكم ~~بسبب ما تقرر عندكم مما كان يقع بالماضين في أيام الله، وزاد التحذير ~~استئنافه قوله مؤكدا لما لهم من التكذيب: { إني } وأعلمهم بالنصفة ~~بقوله: { معكم من المنتظرين* }. # ولما كان التقدير: فإنا كنا في أيام الذين خلوا نوقع الرجس بالمكذبين، ~~عطف عليه بيانا لم كان يفعل بالرسل وأتباعهم إذا أهلك الظالمين قوله: { ~~ثم ننجي } أي تنجية عظيمة وننجيهم إنجاء عظيما وجاء به مضارعا حكاية ~~للأحوال الماضية وتصويرا لها تحذيرا لهم من مثلها وإعلاما بأنه كذلك ~~يفعل بهذا الرسول صلى الله عليه وسلم وأتباعه رضي الله عنهم، وأشار بأداة ~~التراخي إلى طول زمان الابتلاء وعظيم رتبة التنجية، وحذف مقابل الإنجاء ~~لأن المقام بعد آية { ألا إن أولياء الله } ناظر إلى البشارة أكثر من ~~النظر إلى النذارة { رسلنا } أي الذين عظمتهم من عظمتنا { والذين آمنوا } ~~أي بالرسل وهم معهم في زمانهم ولو كانوا في أدنى درجات الإيمان تشريفا ~~للرسل فإنهم بصدد الرسوخ بملازمتهم؛ ثم وصل بذلك تشريفا للراسخين ~~وترغيبا في مثل حالهم قوله: { كذلك } أي كما حق علينا إهلاك الكافرين ~~هذا الإهلاك العظيم { حقا علينا } أي بما أوجبناه على جنابنا الأعظم { ~~ننج المؤمنين } أي العريقين في الإيمان ولو كانوا بعد موت الرسل تنجية ~~عظيمة وتنجيهم إنجاء عظيما، فالآية من الاحتباك لما أشارت إليه ~~القراءتان بالتخفيف والتثقيل، أو يكون ذلك بني على سؤال من لعله يقول: هل ~~حقوق النجاة مختص بالرسل ومن معهم؟ فقيل: لا، بل { كذلك } أي الحقوق { ~~حقا علينا } على ما لنا من العظمة { ننج المؤمنين } في كل زمن وإن لم ~~يكن بين ظهرانيهم رسول، لأن العلة الاتصاف بالإيمان الثابت، فيكون الكاف ~~مبتدأ " وننج " خبره؛ والنظر: طلب المعنى بالقلب من جهة الذكر كما يطلب ~~إدراك المحسوس بالعين؛ والغنى: حصول ما ينافي الضر وصفة النقص، ونقيضه ~~الحاجة؛ والنذر: جمع نذير، من النذارة وهي الإعلام بموضع المخافة ليقع به ~~السلامة؛ والانتظار: الثبات لتوقع ما يكون من الحال؛ والمثل إن كان من ~~الجنس فهو ما سد مسد غيره من الحس، وإن ms2080 كان من غيره فالمراد ما كان فيه ~~معنى يقرب به من غيره كقربه من جنسه كتشبيه أعمال الكافر بالسراب؛ ~~والنجاة من النجوة وهي الارتفاع من الهلاك. # ولما تقدم الفطام عن الميل يطلب الآيات، وكان طلبهم لها إنما هو على وجه ~~الشك، وإن لم يكن على ذلك الوجه فإنه فعل الشاك غالبا وتقدمت أجوبة لهم، ~~وختم ذلك بتهديدهم وبشارة المؤمنين الموجبة لثباتهم، ناسبه كل المناسبة ~~أن اتبعت الأمر بجواب آخر دال على ثباته صلى الله عليه وسلم وأنه مظهر ~~دينه رضي من رضي وسخط من سخط، لأن البيان قد وصل إلى غايته في قوله ~~تعالى: { قل يا أيها الناس } أي الذين هم في حيز الاضطراب، لم ترقهم ~~هممهم إلى رتبة الثبات { إن كنتم } أي كونا هو كالجبلة منغمسين { في شك ~~} كائن { من } جهة { ديني } تطلبون لنزوله - بعد تكفل العقل بالدلالة ~~عليه - إنزال الآيات، فأنا لست على شك من صحة ديني وبطلان دينكم فاعرضوه ~~على عقلوكم وانظروا ما فيه من الحكم مستحضرين ما لدينكم من الوهي الذي ~~تقدم بيانه في قوله تعالى # قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق # [يونس: 59] ونحوه { فلا أعبد } أي الآن ولا في المستقبل الزمان { الذين ~~تعبدون } أي الآن أو بعد الآن { من دون الله } أي الملك الأعظم لعدم ~~قدرتهم على شيء من ضري، فلا تطمعوا في أنه يحصل لي شك بسبب حصول الشك ~~لكم، فإذا لا أعبد غير الله أصلا. # ولما كان سلب عبادته عن غيره ليس صريحا في إثباتها له قال: { ولكن أعبد ~~الله } أي الجامع لأوصاف الكمال عبادة مستمرة؛ ثم وصفه بما يوجب الحذر ~~منه ويدل على كمال قدرته { الذي يتوفاكم } بانتزاع أرواحكم التي لا شيء ~~عندكم يعدلها. فلا تطمعون - عند إرادنه لنزعها - في المحاولة لتوجيه دفاع ~~عن ذلك. وفي هذا الوصف - مع ما فيه من الترهيب - إشارة إلى الدلالة على ~~الإبداء والإعادة، فكأنه قيل: الذي أوجدكم من عدم كما أنتم به مقرون ~~بعدمكم بعد هذا الإيجاد وأنتم صاغرون، فثبت قطعا أنه قادر على ms2081 إعادتكم ~~بعد هذا الإعدام بطريق الأولي فاحذروه لتعبدوه كما أعبده فإنه قد أمرني ~~بذلك وأنتم تعرفون غائلة الملك إذا خولف، وقال { إن كنتم في شك } مع أنهم ~~يصرحون ببطلان دينه، لأنهم في حكم الشاك لاضطرابهم عند ورود الآيات، أو ~~لأن فيهم الشاك فغلب لأنه أقرب إلى الحيز؛ والشك: وقوف بين المعنى ~~ونقيضه، وضده الاعتقاد فإنه قطع بصحة المعنى دون نقيضه، وعبر ب " من " ~~إشارة إلى أن فعلهم ذلك ابتدأ من الدين، ولو عبر ب " في " لأفهم أنهم ~~دخلوا فيه لأنهم في الشك والشك في الدين، والظرف لظرف الشيء ظرف لذلك ~~الشيء، وترك العطف إشارة إلى أن كل جواب منها كاف على حياله. # ولما قرر ما هو الحقيق بطريق العقل، أتبعه بما رود من النقل بتأييده ~~وإيجابه بقوله: { وأمرت } أي بأمر جازم ماض ممن لا أمر لأحد معه، وعظم ~~المأمور به بجعله عمدة الكلام بإقامته مقام الفاعل فقال: { أن أكون } أي ~~دائما كونا جبليا، ولما كان السياق لما يحتمل الشك من الأمر الباطن، ~~عبر بالإيمان الذي هو للقلب فقال: { من المؤمنين } أي الراسخين في هذا ~~الوصف { وأن أقم } أي أيها الرسول { وجهك } أي كليتك على سبيل الإخلاص ~~الذي لا شوب فيه { للدين } فوصل أولا كلمه " أن " بمعنى الأمر أي { أن ~~أكون } دون " أكن " وثانيا بلفظه وهو { أقم } جمعا بين الأسلوبين، ~~وكلاهما بمعنى المصدر، وخص الثاني بذلك لطوله لأنه كالتفصيل للأول ~~فالخطاب فيه أوكد وألذ، وقوله: { حنيفا } حال من فاعل " أقم " ومعناه: ~~مسلما ميالا مع الدليل - كما أوضحته في البقرة، أي أجمع بين الإيمان ~~بالقلب والإسلام بالجوارح { ولا تكونن } أي في وقت من الأوقات { من ~~المشركين* } الذين هم على ضد صفة الإسلام من الجفاء والغلظة والجمود ~~والقسوة. ### || [10.106-109] # ولما نهاه عن الشرك، أكده بما هو كالتعليل له بما يلزمه من العبث ~~بالخضوع لما لا ضر فيه ولا نفع بقوله تعالى: { ولا تدع } أي في رتبة من ~~الرتب الكائنة { من دون الله } أي الذي بيده كل شيء { ما لا ينفعك } أي ~~إن فعلت ms2082 شيئا من ذلك فأتاك بأسنا { ولا يضرك } أي إن أقمت على طاعتنا مع ~~نصرنا { فإن فعلت } أي شيئا مما نهيناك عنه { فإنك إذا } إذا دعوت ذلك ~~الغير بسبب ذلك { من الظالمين* } أي العريقين في وضع الدعوة في غير محلها ~~لأن ما هو كذلك في غاية البعد عن منصب الإلهية؛ ثم قال تعالى عاطفا على ~~قوله { فإن فعلت }: { وإن يمسسك الله } أي الذي لا راد لأمره { بضر } أي ~~أي ضر كان على أي وجه كان وإن كان ظاهرا جدا بما أنبأ عنه الإظهار { ~~فلا كاشف له } أي أصلا بوجه من الوجوه { إلا هو } لأنه أراده وما أراده ~~لا يكون غيره فلا ترج سواه في أن يبذله بخير، وعبر بالمس لأنه أخوف { وإن ~~يردك } أي مطلق إرادة { بخير فلا } أي أصابك لا محالة فإنه لا { رآد } ~~ونبه على أنه لا يجب عليه سبحانه شيء بأن وضع مكان الضمير قوله: { لفضله ~~} أي عمن يريده به كما يفعل بعض العاتين من أتباع ملوك الدنيا في رد بعض ~~ما يريدون، بل هو بحيث لا ينطق أحد إلا بإذنه فلا تخش غيره، فالآيه من ~~الاحتباك: ذكر المس أولا دليلا على إرادته ثانيا، والإرادة ثانيا ~~دليلا على حذفها أولا، ولم يستثن في الإرادة كما استثنى في الكشف لأن ~~دفع المراد محال، وعبر بالإرادة في الخير وبالمس في الضير تنبيها على ~~أنه صلى الله عليه وسلم مراد بالخير بالذات وبالضر بالعرض تطييبا لقلبه ~~لما تكرر في هذه السورة من الإخبار بإحقاق العذاب على الفاسقين والإيئاس ~~من الظالمين، فلما تقرر ذلك حسن موقع قوله مبينا لحال ذلك الفضل: { يصيب ~~به } أي بذلك الفضل أو بالذي تقدم من الخير والضير { من يشاء } أي كائنا ~~من كان من أدنى وأعلى، وبين العلة في كونهم مقهورين بقوله: { من عباده } ~~وهذا كله إشارة إلى أن ما أوجب الإعراض عن معبوداتهم بانسلاله عنها أوجب ~~الإقبال عليه بثبوته له واختصاصه به، وختم الآية بقوله: { وهو الغفور } ~~أي البليغ الستر للذنوب { الرحيم* } أي البالغ في الإكرام ms2083 إشارة إلى أن ~~إصابته بالخير لا يمكن أن يكون إلا فضلا منه بعد الستر للذنوب والرحمة ~~للضعف، فهو الحقيق بأن يعبد؛ والمس: اجتماع التباين من غير نقص، ونظيره ~~المطابقة، والمجامعة نقيضها المباينة؛ والكشف: رفع الستار، جعل الضر كأنه ~~مانع من إدراك الإنسان وساتر له. # ولما كثرت في هذه السورة الأوامر والنواهي والأجوبة بسبب ما يقترحونه ~~على وجه التعنت، وختم بأن من دعا غيره كان راسخا في الظلم لا مجير له ~~منه، ختم ذلك بجواب معلم بأن فائدة الطاعة ليست راجعة إلا إليهم، وضرر ~~النفور ليس عائدا إلا عليهم فقال تعالى: { قل يا أيها الناس } أي غاية ~~كل من له قابلية التحرك والاضطراب { قد جاءكم الحق } أي الكامل بهذا ~~الرسول صلى الله عليه وسلم وهذا الكتاب، وذلكم خير عظيم أصابكم الله به، ~~وزاد الرغبة فيه بقوله: { من ربكم } أي المحسن إليكم { فمن } أي فتسبب عن ~~ذلك أنه من { اهتدى } أي آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم وعمل بما في ~~الكتاب { فإنما يهتدي لنفسه } أي لأنه تبع الحق الثابت وترك الباطل ~~الزائل فأنقذ نفسه من النار وأوجب لها الجنة { ومن ضل } أي كفر بهما أو ~~بشيء منهما { فإنما يضل عليها } لأنه ترك الباقي وتمسك بما ليس في يده ~~منه شيء لأنه فان فقد غر نفسه { وما أنا } ولما كان السياق لنفي تصرفه ~~فيهم وأن ذلك إنما هو إلى الله تعالى، كان تقديم ضميرهم أهم فقال: { ~~عليكم بوكيل* } فيطلب مني حفظكم مما يؤدي إلى الهلاك ومنعه عنكم كما يطلب ~~من الوكيل. # ولما كان أكثر ذلك وعظا لهم وتذكيرا ختمه بأمره صلى الله عليه وسلم ~~بما يفعله في خاصة نفسه أجابوا أو لمن يجيبوا، فقال عطفا على قوله { قل ~~يا أيها الناس }: { واتبع } أي بجميع جهدك { ما يوحى إليك } وبناه ~~للمفعول لأن ذلك كان بعد أن تقررت عصمته صلى الله عليه وسلم وعلم أن كل ~~ما يأتيه من عند الله، فكان ذلك أمكن في أمره باتباع كل ما يأتيه منه ~~سبحانه وفي الإيذان بأنه ms2084 لا ينطق عن الهوى { واصبر } في تبليغ الرسالة ~~على ما أصابك في ذلك من عظيم الضرر وبليغ الخطر من ضلال من لم يهتد ~~وإعراضه وجفوته وأذاه { حتى يحكم الله } أي الملك الأعظم بين من ضل من ~~أمتك ومن اهتدى { وهو } أي وحده { خير الحاكمين } لأنه يوقع الحكم في ~~أولى مواقعه وأحقها وأحسنها وأعدلها، وهو المطلع على السرائر فاعمل أنت ~~بما تؤمر به وبشر وأنذر وأخبر وادع إلى الله بجميع ما أمرك به واترك ~~المدعوين حتى يأمرك فيهم بأمره؛ قال الزمخشري: وروى أنها لما نزلت هذه ~~الآية جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم الأنصار قال: # " إنكم ستجدون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني " # وتبعه على ذلك أبو حيان وغيره، فإن صح فالسر فيه - والله أعلم - أنه لما ~~أعلمت هذه الآية أن من اتبع الوحي ابتلى بما ينبغي الصبر عليه وأفهمت أن ~~من كان له أشد اتباعا كان أشد بلاء، وكان الأنصار رضي الله عنهم أجمعين ~~أحق بهذا الوصف من غيرهم من حيث إنهم كانوا أول قبيلة جمعها الإيمان ومن ~~حيث كانوا له أسهل قيادا وألين عريكة مع كونهم لم يتقدم لهم عشرة بالنبي ~~صلى الله عليه وسلم ولا خبرة بأحواله توجب لهم من اتباعه ما يوجب لمن كان ~~من بني عمه قريش يخالطه ويأنس به ويرى منه معالي الأخلاق وكريم الشمائل ~~ما يوفر داعيته على اتباعه، فلما كان ذلك كذلك، خص النبي صلى الله عليه ~~وسلم الأنصار رضي الله عنهم لهذا الأمر، فتفضيلهم في ذلك من الجهتين ~~المذكورتين فلا يتوهم تفضيلهم على المهاجرين بل المهاجرون أفضل لأنهم ~~جمعوا إلى النصرة الهجرة مع أن أكثرهم له من قرب النسب من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم والسبق في الإسلام حظ وافر. # هذا ما ظهر لي من مناسبته على تقدير الصحة. والذي في الصحيح عن أنس رضي ~~الله عنه # " أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يقطع للأنصار من البحرين فقالت ~~الأنصار: حتى تقطع لإخواننا من المهاجرين مثل الذي تقطع لنا، وقال: ms2085 سترون ~~بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني " # فهذا فيه أن السبب حرصهم على الإنصاف وهو يدل على أن المنصف يقل إنصاف ~~الناس له وهو أمر مستقرى: والوحي: إلقاء المعنى غلى النفس في خفاء. وهو ~~هنا ما يجيء به الملك إلى النبي عليهما السلام عن الله تعالى فيلقيه إليه ~~على اختصاصه به من غير أن يرى ذلك سواه من الناس؛ والصبر: تجرع مرارة ~~الامتناع من المشتهي إلى الوقت الذي ينبغي فيه تعاطيه ويعين عليه العلم ~~بعاقبته وكثرة الفكر في الخبر الذي ينال به، واعتياد الصبر في خصلة يسهل ~~الصبر في خصلة أخرى لأن الخير يدعو إلى الخير فتمكن الإنسان في خصلة يصير ~~له ملكة تدعوه إلى ماشاكلها، وقد ختم سبحانه السورة بما ابتدأها به من ~~أمر الكتاب والإشارة إلى الإرشاد لما ينفع من ثمرة إنزاله وهو العمل بما ~~دل عليه أو أشار إليه إلى أن ينجلي الحكيم الذي انزله للحكم في الدنيا أو ~~في الآخرة بما لا مرد له مما برزت به مواعيده الصادقة في كلماته التامة، ~~وهذا لعينه هو أول التي بعدها، فكان ختم هذه السورة وسطا بين أولها وأول ~~التي تليها، ففيه رد المقطع على المطلع وتتبع لما استتبع والله الموفق. ### | [11 - سورة هود] ### || [11.1-3] # لما ختمت السورة التي قبلها - كما ترى - بالحث على اتباع الكتاب ولزومه ~~والصبر على ما يتعقب ذلك من مرائر الضير المؤدية إلى مفاوز الخير ~~اعتمادا على المتصف بالجلال والكبرياء والكمال. ابتدئت هذه بوصفه بما ~~يرغب فيه، فقال بعد الإشارة إلى إعادة القرع بالتحدي على ما سلف في ~~البقرة: { كتاب } أي عظيم جامع لكل خير، ثم وصفه بقوله: { أحكمت } بناه ~~للمفعول بيانا لأن إحكامه أمر قد فرغ منه على أيسر وجه عنه سبحانه وأتقن ~~إتقانا لا مزيد عليه { آياته } أي أتقنت إتقانا لا نقص معه فلا ينقصها ~~الذي أنزلها بنسخها كلها بكتاب آخر ولا غيره، ولا يستطيع غيره نقص شيء ~~منها ولا الطعن في شيء من بلاغتها أو فصاحتها بشيء يقبل، والمراد ب { ~~محكمات } في آل ms2086 عمران عدم التشابه. # ولما كان للتفصيل رتبة هي في غاية العظمة، أتي بأداة التراخي فقال: { ثم ~~} أي وبعد هذه الرتبة العالية التي لم يشاركه في مجموعها كتاب جعلت له ~~رتبة أعلى منها جدا بحيث لم يشاركه في شيء منها كتاب وذلك أنه { فصلت } ~~أي جعلت لها - مع كونها مفصلة إلى حلال وحرام وقصص وأمثال - فواصل ~~ونهايات تكون بها مفارقة لما بعدها وما قبلها، يفهم منها علوم جمة ومعارف ~~مهمة وإشارات إلى أحوال عالية، وموارد عذبة صافية، ومقامات من كل علة ~~شافية، كما تفصل القلائد بالفرائد، وهذا التفصيل لم يشاركه في شيء منه ~~شيء من الكتب السالفة، بل هي مدمجة إدماجا لا فواصل لها كما يعرف ذلك من ~~طالعها، ويكفي في معرفة ذلك ما سقته منها في تضاعيف هذا الكتاب، وما أنسب ~~ختام هذه الآية للإحكام والتفصيل بقوله: { من لدن } أي نزلت آياته محكمة ~~مفصلة حال كونها مبتدئة من حضرة هي أغرب الحضرات الكائنة من إله { حكيم ~~خبير } منتهية إليك وأنت أعلى الناس في كل وصف فلذلك لا يلحق إحكامها ولا ~~تفصيلها، أرسلناك به قائلا: { ألا تعبدوا } أي بوجه من الوجوه { إلا ~~الله } أي الإله الأعظم. # ولما كان هذا معظم ما أرسل به صلى الله عليه وسلم ومداره، استأنف ~~الإخبار بأنه أرسله سبحانه مؤكدا له لأجل إنكارهم فقال: { إنني } ولما ~~كان إرساله صلى الله عليه وسلم لأجل رحمة العالمين، قدم ضميرهم فقال: { ~~لكم منه } أي خاصة، ثم أجمل القرآن كله في وصفيه صلى الله عليه مسلم ~~بقوله: مفدما ما هو أنسب لختام التي قبلها بالصبر: { نذير وبشير } كامل ~~في كل من الوصفين غاية الكمال، وهذا التقدير يرشد إليه قوله تعالى أول ~~التي قبلها # أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس # [يونس: 2] مع إيضاحه لما عطف عليه قوله تعالى: # ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه أن # [هود: 25] عطفناه عليه، وإظهاره لفائدة عطفه كما سيأتي إن شاء الله ~~تعالى، ويرجح أن " لا " ناهية جازمة ل { تعبدوا } عطف { أن استغفروا } ~~عليه، ms2087 فقد ظهر من تلويح هذا وتصريحه وتصريح ما في بقية السورة أن مقصودها ~~وصف الكتاب بالإحكام والتفصيل بما يعجز الخلق لأنه من عند من هو شامل ~~العلم كامل القدرة فهو بالغ الحكمة يعيد الخلق للجزاء كما بدأهم للعمل ~~فوجب إفراده بالعبادة وأن يمتثل جميع أمره، ولا يترك شيء منه رجاء إقبال ~~أحد ولا خوف إدباره، ولا يخشى غيره. ولا يركن إلى سواه، على ذلك مضى جميع ~~النبيين ودرج سائر المرسلين صلى الله عليه وسلم أجمعين. # ولما تقدم أنه نذير وبشير. أتبع ذلك بما يشمل الأمرين بقوله عطفا على { ~~ألا تعبدوا } مشيرا إلى أنه لا يقدر أحد أن يقدر الله حق قدره: { وأن ~~استغفروا ربكم } أي اطلبوا مع الإخلاص في العبادة أن يغفر لكم المحسن ~~إليكم ما فرطتم فيه؛ وأشار بأداة التراخي إلى علو رتبة التوبة وأن لا ~~سبيل إلى طلب الغفران إلا بها فقال: { ثم توبوا إليه } أي ارجعوا بالظاهر ~~والباطن رجوعا لا رجعة فيه وإن كان المراد بها الدوام فجليل رتبته غير ~~خفي { يمتعكم } أي يمد في تلذيذكم بالعيش مدا، من متع النهار: ارتفع، ~~والضحى: بلغ غايته، وأمتعه الله بكذا: أبقاه وأنشأه إلى أن يبلغ شبابه؛ ~~ولما، كان التمتيع - وهو المتاع البالغ فيه حتى لا يكون فيه كدر - لا ~~يكون إلا في الجنة فلذلك جعل المصدر { متاعا } وأنه وضع موضع " تمتيعا ~~" ، هذا المصدر ووصفه بقوله: { حسنا } ليدل على أنه أنهى ما يليق بهذه ~~الدار، ولقد كان ما أوتيه الصحابة رضي الله عنهم في زمن عمر رضي الله عنه ~~من الظفر بالإهداء وسعة الدنيا ورغد العيش كذلك { إلى } أي ممتدا إلى { ~~أجل مسمى } أي في علمه إما بالموت لكل واحد أو بانقضاء ما ضربه من الأجل ~~للنعمة التي أشار إليها { ويؤت كل ذي فضل } أي عمل فاضل { فضله } أي جزاء ~~ما قصد بعمله على وجه التفضيل منه سبحانه فإنه لا يجب لأحد عليه شيء، وهو ~~مع ذلك على حسب التفضيل: الحسنة بعشرة أمثالها؛ قال ابن مسعود: وهلك من ~~غلبت آحاده ms2088 عشراته. # ولما انقضى التبشير مجزوما به، أتبعه التحذير مخوفا منه لطفا بالعباد ~~واستعطافا لهم فقال: { وإن تولوا } اي تكلفوا أنفسكم ضد ما طبعها الله ~~عليه من سلامة الفطرة وسهولة الانقياد من الإعراض ولو أدنى درجاته بما ~~اشار إليه حذف التاء { فإني أخاف عليكم } أي والعاقل من أبعد عن المخاوف ~~{ عذاب يوم كبير* } أي لكبر ما فيه من العذاب ممن قدر على إثباتكم، وخص ~~اسم الرب تذكيرا بما له من النعم في الإيجاد والإنشاء والتربية؛ ولما ~~كان الاستغفار - وهو طلب الغفران - مطلوبا في نفسه لكنه لا يعتبر إلا ~~إذا قرن بالتوبة، عطف عليه ب { ثم } إشارة إلى عظيم رتبتها وعلى منزلتها ~~وإن كان المراد بها الدوام عليها فجليل رتبته غير خفي، وفي التعبير عن ~~العمل بالفضل إشارة إلى أنه لم يقع التكليف إلا بما في الوسع مع أنه من ~~معالي الأخلاق، لأن الفضل في الأصل ما فضل عن الإنسان وتعانيه من كريم ~~الشمائل، وما كان كذلك فهو في الذروة من الإحكام، لأنه منع الفعل من ~~الفساد؛ والحكيم من الحكمة وهي العلم بما يجمع عليه مما يمنع الفعل من ~~الفساد والنقض، وبها يميز الحسن من القبيح والفاسد من الصحيح، وقد أشارت ~~الآية إلى أن الاستغفار والتوبة سبب السعة # ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من ~~فوقهم ومن تحت أرجلهم # [المائدة: 66] وأن الإعراض سبب الضيق، كما قال صلى الله عليه وسلم: # " إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه " # { ويؤت كل ذي فضل فضله } إشارة إلى ثواب الآخرة، فالتوبة سبب طيب العيش ~~في الدنيا والآخرة. # وقال الإمام أبو جعفر ابن الزبير في كتابه في مناسبة هذه السورة للتي ~~قبلها. ولما كانت سورة يونس عليه السلام قد تضمنت - من آي التنبيه ~~والتحريك للفطر ومن العظات والتخويف والتهديد والترهيب والترغيب وتقريع ~~المشركين والجاحدين والقطع بهم والإعلام بالجريان على حكم السوابق ووجوب ~~التفويض والتسليم - ما لم تشمل على مثله سورة لتكرر هذه الأغراض فيها، ~~وسبب تكرر ذلك فيها - والله أعلم - أنها أعقبت بها ms2089 السبع الطوال، وقد مر ~~التنبيه على أن سورة الأنعام بها وقع استيفاء بيان حال المتنكبين عن ~~الصراط المستقيم على اختلاط أحوالهم، ثم استوفت سورة الأنعام ما وقعت ~~الإحالة عليه من أحوال الأمم السالفة كما تقدم وبسطت ما أجمل من أمرهم، ~~ثم اتبع ذلك بخطاب المستجيبين لرسول الله صلى الله عليه وسلم وحذروا ~~وأنذروا، وكشف عن حال من تلبس بهم من عدوهم من المنافقين، وتم المقصود من ~~هذا في سورتي الأنفال وبراءة، ثم عاد الخطاب إلى طريقة الدعاء إلى الله ~~والتحذير من عذابه بعد بسط ما تقدم، فكان مظنة تأكيد التخويف والترهيب ~~لإتيان ذلك بعد بسط حال وإيضاح أدلة، فلهذا كانت سورة يونس مضمنة من هذا ~~ما لم يضمن غيرها، ألا ترى افتتاحها بقوله: # إن ربكم الله # [يونس: 3] الآيات. ومناسبة هذا الافتتاح دعاء الخلق إلى الله في سورة ~~البقرة بقوله تعالى: # يا أيها الناس اعبدوا ربكم # [البقرة: 21] ثم قد نبهوا هنا كما نبهوا هناك فقال تعالى: # أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله # [يونس: 38] ثم تأكدت المواعظ والزواجر والإشارات إلى أحوال المكذبين ~~والمعاندين، فمن التنبيه # إن ربكم الله # [يونس: 3]، # هو الذي جعل الشمس # [سورة يونس، آية: 5]، # إن في اختلاف الليل والنهار # [سورة يونس، آية: 6]، # قل هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده # [يونس: 34]، # قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق # [سورة يونس، آية: 35]، # قل انظروا ماذا في السماوات والأرض # [سورة يونس، آية: 101] - إلى غير هذا، وعلى هذا السنن تكررت العظات ~~والأغراض المشار إليها في هذه السورة إلى قوله: # يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم # [سورة يونس، آية: 108] فحصل من سورة الأعراف والأنفال وبراءة ويونس ~~تفصيل ما كان أجمل فيما تقدمها كما حصل مما تقدم تفصيل أحوال السالكين ~~والمتنكبين، فلما تقرر هذا كله أتبع المجموع بقوله: { كتاب أحكمت آياته ~~ثم فصلت من لدن حكيم خبير } وتأمل مناسبة الإتيان بهذين الاسمين الكريمين ~~وهما { الحكيم الخبير } ثم تأمل تلاؤم صدر السورة بقوله: # يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم ms2090 # [سورة يونس، آية: 108] وقد كان تقدم قوله تعالى: # قد جاءتكم موعظة من ربكم # [يونس: 57] فأتبع قوله: { قد جاءكم الحق من ربكم } بقوله في صدر سورة ~~هود # كتاب أحكمت آياته ثم فصلت # [هود: 41] فكأنه في معرض بيان الحق والموعظة، وإذا كانت محكمة مفصلة فحق ~~لها أن تكون شفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين، وحق توبيخهم في ~~قوله تعالى: # بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه # [يونس: 39] والعجب في عمههم مع إحكامه وتفصيله ولكن # الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون # [يونس: 96] وتأمل قوله سبحانه آخر هذه السورة # وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك # [هود: 120]، و # جاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين # [هود: 120] فكل الكتاب حق وموعظة وذكرى، وإنما الإشارة - والله أعلم - ~~بما أراد إلى ما تقرر الإيماء إليه من كمال بيان الصراط المستقيم ~~وملتزمات متبعيه أخذا وتركا، وذكر أحوال المتنكبين على شتى طرقهم، ~~واختلاف أهوائهم وغاياتهم وشرهم إبليس فإنه متبعهم والقائل لجميعهم في ~~إخبار الله تعالى # إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم # [إبراهيم: 22] وقد بسط من أمره وقصته في البقرة والأعراف ما يسر على ~~المؤمنين الحذر منه وعرفهم به وذكر اليهود والنصارى والمشركون والصابئون ~~والمنافقون وغيرهم، وفصل مرتكب كل فريق منهم كما استوعب ذكر أهل الصراط ~~المستقيم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وفصل أحوالهم ابتداء ~~وانتهاء والتزاما وتركا ما أوضح طريقهم، وعين حزبهم وفريقهم # أولئك الذين هدى الله # [الأنعام: 90] وذكر أحوال الأمم مع أنبيائهم وأخذ كل من الأمم بذنبه ~~مفصلا، وذكر ابتداء الخلق في قصة آدم عليه السلام وحال الملائكة في ~~التسليم والإذعان وذكر فريق الجن من مؤمن وكافر وأمر الآخرة وانتهاء حال ~~الخلائق واستقرارهم الأخروي وتكرير دعاء الخلق إلى الله تعالى طمعا فيه ~~ورحمة وإعلام الخلق بما هو علبه سبحانه وما يجب له من الصفات العلى ~~والأسماء الحسنى، ونبه العباد على الاعتبار وعملوا طرق الاستدلال ورغبوا ~~ورهبوا وبشروا وأنذروا وأعلموا بافتقار المخلوقات بجملتها إليه سبحانه ~~كما هو المتفرد بخلقهم إلى ما تخلل ذلك مما ms2091 يعجز الخلائق عن حصره ~~والإحاطة به # والله يقول الحق وهو يهدي السبيل # [الأحزاب: 4] فما تقدم هذا كله في السبع الطوال وما تلاها. أعقب ذلك ~~بقوله: { كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير } [هود: 1] ثم أتبع ~~هذا بالإيماء إلى فصول ثلاثة عليها مدار آي كتب، وهي فصل الإلهية، وفصل ~~الرسالة، وفصل التاكليف، أما الأول فأشار إليه قوله: { ألا تعبدوا إلا ~~الله } [هود: 2] وأما فصل الرسالة فأشار إليه قوله سبحانه: { إنني لكم ~~منه نذير وبشير } [هود: 2] وأما فصل التالكيف فأشار إليه قوله سبحانه { ~~وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه } [هود: 3]. وهذه الفصول الثلاثة هي ~~التي تدور عليها آي القرآن وعليها مدار السورة الكريمة، فلما حصل استيفاء ~~ذلك كله فيما تقدم ولم يبق وجه شبهة للمعاند ولا تعلق للجاحد واتضح الحق ~~وبان قال سبحانه وتعالى: # وجاءك في هذه الحق # [هود: 120] إشارة إلى كمال المقصود وبيان المطلوب واستيفاء التعريف ~~بوضوح الطريق وقد وضح من هذا تلاء السورة الكريمة لما تقدمها، ومما يشهد ~~لهذا - والله أعلم - قوله تعالى: # أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه # [هود: 17] وقوله تعالى: # فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا # [هود: 112] فقد وضح طريقك وفاز بالفلاح حزبك وفريقك # ولا تركنوا إلى الذين ظلموا # [هود: 113] فقد عرفتم سبيلهم ومصيرهم فقد بان طريق الحق، وكيف ينكب من ~~جزم سلوكه من الخلق! ونظيره قوله سبحانه # وجاءك في هذه الحق # [هود: 120] عقب ما ذكر سبحانه # لمن الملك اليوم # [غافر: 16] وقوله: # يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله # [الانفطار: 19] فتأمل ذلك والله المستعان - انتهى. ### || [11.4-6] # ولما خوف المنذرون باليوم الكبير كانوا كأنهم قالوا: ما هذا اليوم؟ فكان ~~الجواب: يوم يرجعون إليه، ولما كانوا ربما حملوا الرجوع على مجرد الموت ~~والصيرورة ترابا، نبههم على أنه بغير المعنى الذي يتوهمه بل بمعنى ~~إعادتهم كما كانوا فقال: { إلى الله } أي الملك المحيط بكل شيء قدرة ~~وعلما وحده { مرجعكم } أي رجوعكم ووقته ومكانه لأجل الحساب لا إلى ~~التراب و لا غيره، وهو ms2092 بكل شيء عليم، ومنه بدؤكم لأخذ الزاد للمعاد، وجعل ~~فاصلة الآية حكما على المراد فقال: { وهو } أي وحده { على كل شيء } أي ~~ممكن { قدير* } أي بالغ القدرة لأنهم يقرون بقدرته على أشياء هي أعظم من ~~الإعادة، فهو قادر على الإعادة كما قدر على البداءة، فالآية من الاحتباك: ~~ذكر المرجع أولا دليلا على المبدأ ثانيا، وتمام القدرة ثانيا دليلا ~~على تمام العلم أولا لأنهما متلازمان. # ولما تقدم من التخويف والإطماع ما هو مظنة لإقبالهم ورهبهم على التولي ~~بخصوصه، فكان موضع أن يقال: هل أقبلوا؟ فقيل: لا قال مبينا أن التولي ~~باطنا كالتوالي ظاهرا لأن الباطن هو العمدة، مؤكدا لأنه امر لا يكاد ~~أن يصدق، والتأكيد أقعد في تبكيتهم: { ألا إنهم } أي الكفار المعاندين { ~~يثنون صدورهم } أي يطوونها وينحرفون عن الحق على غل من غير إقبال لأن من ~~أقبل على الشيء عليه بصدره { ليستخفوا منه } أي يريدون أن يوجدوا إخفاء ~~سرهم على غاية ما يكون من أمره. فإن كان مرادهم بالثني الاستتار من الله ~~تعالى فالأمر في عود الضمير إليه سبحانه واضح، وإن كان من النبي صلى الله ~~عليه وسلم فالاستخفاء منه استخفاء ممن أرسله، ثم أعلم أن ذلك غير مغن ~~عنهم لأنه يعلم سرهم وعلنهم في أخفى أحوالهم عندهم، وهو حين استغشاهم ~~ثيابهم، فيغطون الوجوه التي تستقر عن بعض ما في القلوب للمتوسمين فقال: { ~~ألا حين يستغشون ثيابهم } أي يوجدون غشيانها أي تغطيتها لرؤوسهم، ~~لاستخفاء كراهية لسماع كلام الله وأخبار رسوله صلى الله عليه وسلم { يعلم ~~ما يسرون } أي يوقعون إسراره في أي وقت كان ومن أي نوع كان من غير بطء ~~لتدبر أو تأمل، ولما لم يكن بين علم السر والعلن ملازمة لاختصاص العلن ~~بما يكون لغيبة أو اختلاف بأصوات ولفظ أو اختلاف لغة ونحو ذلك قال ~~تصريحا: { وما يعلنون } أي يوقعون إعلانه لا تفاوت في علمه بين إسرار ~~وإعلان، فلا وجه لاستخفائهم نفاقا، فإن سوق نفاقهم غير نافق عنده ~~سبحانه. ثم علله بما هو أدق من ذلك كله مع ms2093 شموله للنوعين فقال: { إنه ~~عليم } أي بالغ العلم جدا { بذات الصدور* } أي بضمائر قلوبهم التي في ~~دواخل صدورهم التي يثنونها من قبل أن يقع لهم إضمارها، بل من قبل أن ~~يخلقهم؛ وأصل الثني العطف، ومنه الاثنان - لعطف أحدهما على الآخر، ~~والثناء - لعطف المناقب في المدح. # ولهذا لما قال العبد في الفاتحة { الرحمن الرحيم } بعد الحمد قال الله ~~تعالى: أثنى علي عبدي - كما في حديث # " قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين " # و الاستثناء - لعطف الثاني على الأول بالاستخراج منه؛ والاستخفاء: طلب ~~خفاء الشيء: ثم أتبع ذلك بما يدل على شمول العلم والقدرة معا فقال: { ~~وما } وأغرق في العموم بقوله: { من دآبة } ودل على أن الانتفاع بالأموال ~~مخصوص بأهل العالم السفلي بقوله: { في الأرض } أي صغرت أو كبرت { إلا على ~~الله } أي الملك الأعلى الذي، له الإحاطة وحده لا على غيره { رزقها } أي ~~قوتها وما تنتفع وتعيش به بمقتضى ما أوجبه على نفسه، تحقيقا لوصوله ~~وحملا على التوكل فيه، لأن الإفصال على كل نفس بما لا تعيش إلا به ولا ~~يلائمها إلا هو مدة حياتها أدق مما مضى في العلم مع تضمنه لتمام القدرة، ~~والآية مع ذلك ناظرة إلى ترغيب آية { وأن استغفروا ربكم } فالمراد: ~~أخلصوا العبادة له ولا تفتروا عن عبادته للاشتغال بالرزق فإنه ضمنه لكم ~~وهو عالم بكل نفس فلا تخشوا من أنه ينسى أحدا، وقال: { وفي الأرض } ليعم ~~ما يمشي على وجهها وما في أطباقها من الديدان ونحوها مما لا يعلمه إلا ~~هو، لقد شاهدت داخل حصاة من شاطىء بحر قبرس شديدة الصلابة كأنها العقيق ~~الأبيض دودة عندها ما تأكل، وأخبرني الفاضل عز الدين محمد بن أحمد ~~التكروري الكتبي أنه شاهد غير مرة في دواخل حجارة تقطع من جبل مصر الدود ~~عنده ما يأكل من الحشيش الأخضر وما يشرب من الماء؛ ونبه بقوله: { ويعلم ~~مستقرها } أي مكانها الذي تستقر فيه { ومستودعها } أي موضعها الذي تودع ~~فيه قبل الاستقرار من صلب أو رحم أو بيضة او بعده من قبر أو ms2094 فلاة أو غير ~~ذلك على ما يحيط به علمه من تفاصيل السكنات والحركات ما كان منها وما ~~يكون من كل ذلك مما يحير الفكر ويدهش الألباب، ثم جعل فاصلة الآية ما هو ~~في غاية العظمة عند الحق وهو { كل } أي من ذلك { في كتاب مبين* } فإنه ~~ليس كل ما يعلمه العبد يقدر على كتابته ولا كل ما يكتبه يكون مبينا بحيث ~~إنه كلما أراد الكشف منه وجد ما يريده، وإذا وجده كان مفهما له؛ ~~والدابة: الحي الذي من شأنه الدبيب؛ والمستقر: الموضع الذي يقر فيه ~~الشيء، وهو قراره ومكانه الذي يأوي إليه؛ والمستودع: المعنى المجعول في ~~قراره كالولد الذي يكون في البطن والنطفة التي في الظهر، وقد جعل سبحانه ~~في كتابه ما ذكر حكما منها ما للملائكة فيه من العبرة عند المقابلة بما ~~يكون من الأمور المكتوبة قبل وجودها. ### || [11.7-8] # ولما كان خلق ما منه الرزق أعظم من خلق الرزق وتوزيعه في شمول العلم ~~والقدرة معا، تلاه بقوله: { وهو } أي وحده { الذي خلق } أي أوجد وقدر { ~~السماوات والأرض } وحده لم يشركه في ذلك أحد كما أنتم معترفون { في ستة ~~أيام } ولما كان خلق العرش أعظم من ذلك كله فإن جميع السماوات والأرض ~~بالنسبة إليه كحلقة ملقاة في فلاة. وأعظم من ذلك أن يكون محمولا على ~~الماء الذي لا يمكن حمله في العادة إلا في وعاء ضابط محكم، تلاه بقوله: { ~~وكان } أي قبل خلقه لذلك { عرشه } مستعليا { على الماء } ولا يلزم من ~~ذلك الملاصقة كما أن السماء على الأرض من غير ملاصقة. وقد علم من هذا ~~السياق أنه كان قبل الأرض خلق فثبت أنه وما تحته محمولان بمحض القدرة من ~~غير سبب آخر قريب أو بعيد، فثبت بذلك أن قدرته في درجات من العظمة لا ~~تتناهى، وهذا زيادة تفصيل لما ذكر في سورة يونس عليه السلام من أمر العرش ~~لأن هذه السورة التفصيل ونبه بقوله تعالى معلقا ب " خلق ": { ليبلوكم } ~~أي أنه خلق ذلك كله لكم سكنا كاملا بمهده وسقفه من ms2095 أكله وشربه وكل ما ~~تحتاجونه فيه وما يصلحكم وما يفسدكم ومكنكم من جميع ذلك والحكمة في خلق ~~ذلك أنه يعاملكم معاملة المختبر، ودل على شدة الاهتمام بذلك بسوقه مساق ~~الاستفهام في قوله: { أيكم } أي أيها العباد { أحسن عملا } على أنه فعل ~~هذه الأفعال الهائلة لأجل هذه الأمور التي هم لها مستهينون وبها ~~مستهزئون، وعلق فعل البلوى عن جملة الاستفهام لما فيه من معنى العلم لأنه ~~طريق إليه، روى البخاري في التفسير عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: # " قال الله عز وجل: أنفق أنفق عليك " # ، وقال: # " يد الله ملأى لا تغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار، وقال: أرأيتم ما ~~أنفق مذ خلق السماء والأرض فإنه لم يغض ما في يده، وكان عرشه على الماء،. ~~وبيده الميزان يخفض ويرفع " # وفي الآية حث على محاسن الأعمال والترقي دائما في مراتب الكمال من ~~العلم الذي هو عمل القلب والعمل الظاهر الذي هو وظيفة الأركان. # ولما ثبت - بيده الخلق الذي هم به معترفون - القدرة على إعادته، وثبت ~~بالابتلاء أنه لا تتم الحكمة في خلق المكلفين إلا باعادتهم ليجازي كلا ~~من المحسن والمسيء بفعاله وأنهم ما خلقوا إلا لذلك. عجب من إنكارهم له ~~وأكده لذلك فقال: { ولئن قلت } أي لهؤلاء الذين ما خلقت هذا الخلق العظيم ~~إلا لابتلائهم { إنكم مبعوثون } أي موجودون، بعثكم ثابت قطعا لا بد منه. # ولما كان زمن البعث بعض الزمن قال: { من بعد الموت } الذي هو في غاية ~~الابتداء { ليقولن } أكده دلالة على العلم بالعواقب علما من أعلام ~~النبوة { الذين كفروا إن } أي ما { هذا } أي القول بالبعث { إلا سحر ~~مبين* } أي شيء مثل السحر تخييل باطل لا حقيقة له أو خداع يصرف الناس عن ~~الانهماك في اللذات للدخول في طاعة الأمر. # ولما كان ما تقدم عنهم من الأفعال ومضى من الأقوال مظنة لمعاجلتهم ~~بالأخذ، وكان الواقع أنه تعالى يعاملهم بالإمهال فضلا منه وكرما، حكى ~~مقالتهم في مقابلة رحمته لهم فقال: { ولئن أخرنا } أي بما ms2096 لنا من العظمة ~~التي لا يفوتها شيء { عنهم } أي الكفار { العذاب } أي المتوعد به { إلى ~~أمة } أي مدة من الزمان ليس فيها كدر { معدودة } أي محصورة الأيام أي ~~قصيرة معلومة عندنا حتى تعد الأنفاس { ليقولن } على سبيل التكرار { ما ~~يحبسه } أي العذاب عن الوقوع استعجلا له تكذيبا واستهزاء، وهو تهديد ~~لهم بأنه آتيهم عن قريب فليعتدوا لذلك. # ولما كان العاقل لا ينبغي أن يسأل عن مثل ذلك إلا بعد قدرته على الدفع، ~~أعرض عن جوابهم وذكر لهم أنهم عاجزون عن دفاعه عند إيقاعه إعلاما بأنهم ~~عكسوا في السؤال، وتحقيقا لأن ما استهزؤوا به لا حق بهم لا محالة، فقال ~~مؤكدا لشديد إنكارهم: { ألا يوم } وهو منصوب بخبر " ليس " الدال على ~~جواز تقدم الخبر { يأتيهم ليس } أي العذاب { مصروفا عنهم } أي بوجه من ~~الوجوه؛ وقدم الماضي موضع المستقبل تحقيقا ومبالغة في التهديد فقال: { ~~وحاق بهم } أي أدركهم إذ ذاك على سبيل الإحاطة { ما كانوا } أي بجبلاتهم ~~وسيىء طبائعهم، وقدم الظرف إشارة إلى شدة إقبالهم على الهزء به حتى كأنهم ~~لا يهزؤون بغيره فقال: { به } ولما كان استعجالهم استهزاء، وضع موضع ~~يستعجلون قوله: { يستهزءون } أي يوجدون الهزء به إيجادا عظيما حتى ~~كأنهم يطلبون ذلك. ### || [11.9-12] # ولما كان قولهم ذلك ناشئا عن طبع الإنسان على الوقوف مع الحالة الراهنة ~~والعمى عن الاستضاءة بنور العقل فيما يزيلها في العاقبة، بين ذلك ليعلم ~~أن طبعه مناف لما تضمنه مقصود السورة من الإحكام الذي هو ثمرة العلم. ~~وبعلم ذلك يعلم مقدار نعمته على من حفظه على ما فطره عليه من أحسن تقويم ~~بقوله مؤكدا لأن كل أحد ينكر أن يكون طبعه كذلك: { ولئن أذقنا } أي بما ~~لنا من العظمة { الإنسان } أي هذا النوع المستأنس بنفسه؛ ولما كان من ~~أقبح الخلال استملاك المستعار. وكانت النعم عواري من الله يمنحها من شاء ~~من عباده، قدم الصلة دليلا على العارية فقال: { منا رحمة } أي نعمة ~~فضلا منا عليه لا بحوله ولا بقوته من جهة لا يرجوها بما دلت عليه ms2097 أداة ~~الشك ومكناه من التلذذ بها تمكين الذائق من المذوق { ثم نزعناها } أي بما ~~لنا من العظمة وإن كره ذلك { منه } أخذا لحقنا { إنه ليئوس } أي شديد ~~اليأس من أن يعود له مثلها { كفور* } أي عظيم الستر لما سلفه له من ~~الإكرام لأن شأنه ذلك وخلقه إلا من رحم ربك { ولئن أذقناه نعماء } من ~~فضلنا. # ولما كان استملاكه العارية طبعا له، لا ينفك عنه إلا بمعونة شديد من ~~الله. دل عليه بما أفهم أنه لو كان طول عمره في الضر ثم نال حالة يرضاها ~~عقب زمن الضر سواء بادر إلى اعتقاد أنها هي الحالة الأصلية له وأنها لا ~~تفارقه أصلا ولا يشوبها نوع ضرر ولا يخالط صفوها شيء من كدر. فقال ~~دالا على اتصال زمن الضر بالقول بنزع الخافض من الظرف: { بعد ضراء } أي ~~فقر شديد مضر ببدنه، ولم يسند المس إليه سبحانه كما فعل في النعماء ~~تعليما للأدب فقال: { مسته } أي بما كسبت يداه { ليقولن } مع قرب عهده ~~بالضراء خفة وطيشا { ذهب السيئات } أي كل ما يسوءني { عني } وقوله { ~~إنه } الضمير فيه للإنسان، المعنى أن الإنسان. فهي كلية مشهورة بمستغرق، ~~أي أن كل إنسان { لفرح فخور } أي خارج عن الحد في فرحه شديد الإفراط في ~~فخره على غيره بكل نعمة تفضل الله عليه بها. لا يملك ضر نفسه ومنعها من ~~ذلك فلذا اتصل بها قوله مستثنيا من الإنسان المراد به اسم الجنس: { إلا ~~الذين صبروا } في وقت الشدائد وزوال النعم رجاء لمولاهم وحسن ظن به بسبب ~~إيمانهم الموجب لتقيدهم بالشرع { وعملوا الصالحات } أي من أقوال الشكر ~~وأفعاله عند حلول النعم، فهم دائما مشغولون بمولاهم شكرا وصبرا، وهم ~~الذين أتم عليهم سبحانه نعمه، وخلقهم في أحسن تقويم. وهم أقل من القليل ~~لعظيم جهادهم لنفوسهم فيما جبلت عليه من الحظوظ والشهوات وغيرها ~~وشياطينهم. # ولما كان كأنه قيل: فما لهم لم يكونوا كذلك! أنتج السياق مدحهم فقال: { ~~أولئك } أي العالو المراتب { لهم مغفرة } إذا وقعت منهم هفوة { وأجر ~~كبير* } على صبرهم وشكرهم؛ ms2098 والذوق: تناول الشيء بالفم لإدراك الطعم كما ~~أن الشم ملابسة الشيء الأنف لإدراك الرائحة؛ والنزع: رفع الشيء عن غيره ~~مما كان مشابكا له كالقلع والقشط؛ واليأس: القطع بأن الشيء لا يكون، وهو ~~ضد الرجاء، ويؤوس: كثير اليأس، وهو ذم لأنه للجهل بسعة الرحمة الموجبة ~~لقوة الأمل في كل ما يجوز في الحكمة فعله؛ والنعماء: إنعام يظهر أثره على ~~صاحبه، كما أن الضراء مضرة تظهر الحال بها، لأنها أخرجت مخرج الأحوال ~~الظاهرة من حمراء وعوراء مع ما في مفهومها من المبالغة؛ والسيئة: ما يسوء ~~من جهة نفور طبع أو عقل، وهي هنا المرض والفقر ونحوه؛ والفرح: انفتاح ~~القلب بما يلتذ به؛ وعبارة البغوي: هو لذة في القلب بنيل المشتهى وهو ~~أعظم من ملاذ الحواس؛ والفخر: التطاول بتعديد المناقب؛ والصبر: حبس النفس ~~عن المشتهى من المحارم ونحوها، والصبر على مر الحق يؤدي إلى الفوز في ~~الآخرة مع ما فيه من جمال في الدنيا؛ والكبير واحد يقصر مقدار غيره عنه؛ ~~والكثير: جمع يزيد على عدد غيره. # ولما استثنى سبحانه من الجارين مع الطبع الطائشين في الهوى من تحلى ~~برزانة الصبر الناشىء عن وقار العلم المثمر لصالح العمل، وكان صلى الله ~~عليه وسلم رأس الصابرين، وكان ما مضى من أقوالهم وأفعالهم مثل قولهم { ما ~~يحبسه } وتثنيهم صدورهم أسبابا لضيق صدره صلى الله عليه وسلم، فربما ~~كانت مظنة لرجائهم تركه صلى الله عليه وسلم بعض ما يوحى إليه من عيب ~~آلهتهم وتضليل آبائهم وتسفيه أحلامهم، وغير ذلك مما يشق عليهم طمعا في ~~إقبالهم أو خوفا من إدبارهم فإنهم كانوا يقولون: ما نراه يذكر من خالف ~~دينه من اليهود والنصارى بمثل الذي يذكرنا به من الشر، قال تعالى مسببا ~~عن ذلك ناهيا في صيغة الخبر: { فلعلك تارك } أي إشفاقا أو طمعا { بعض ~~ما } ولما كان الموحى قد صار معلوما لهم وإن نازعوا فيه بنى للمفعول ~~قوله: { يوحى إليك } كالإنذار وتسفيه أحلام آبائهم { وضآئق به } أي بذلك ~~البعض { صدرك } مخافة ردهم له إذا بلغته لهم؛ ثم علل ms2099 ذلك بقوله: { أن } ~~أي مخافة أو لأجل أن { يقولوا } تعنتا ومغالبة إذ لو كانوا مسترشدين ~~لكفتهم آية واحدة { لولا } أي هلا ولم لا { أنزل عليه كنز } يستغني به ~~ويتفرغ لما يريد، وبنوه للمفعول لأن المقصود مطلق حصوله وكانوا يتهاونون ~~بالقرآن لعلمهم أنه الآية العظمى فكانوا لا يعدونه آية عنادا ومكابرة { ~~أو جاء معه ملك } أي ليؤيد كلامه وليشهد له، فكان النبي صلى الله عليه ~~وسلم يضيق صدره بمثل أقوالهم هذه ويثقل عليه أن يلقي إليهم ما لا يقبلونه ~~ويضحكون منه فحركه الله بهذا لأداء الرسالة كائنا فيها ما كان، فكان ~~المعنى: فإذا تقرر أن الإنسان مطبوع على نحو هذا من التقلبات، فلا تكن ~~موضع رجائهم في أن تكون تاركا ما يغيظهم مما نأمرك به، بل كن من ~~الصابرين؛ قال أهل السير: فلما بادى رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه ~~بالإسلام وصدع به كما أمره الله لم يبعد منه قومه ولم يردوا عليه حتى ذكر ~~آلهتهم وعابها، فلما فعل ذلك أعظموه وناكروه وأجمعوا خلافه إلا من عصمه ~~الله؛ وعن ابن عباس رضي الله عنهما أم المشركين قالوا للنبي صلى الله ~~عليه وسلم: ائتنا بكتاب ليس فيه سب آلهتنا. # ولما أفهم هذا السياق الإنكار لما يفتر عن الإنذار، كان كأنه قيل له: ~~هذا الرجاء المرجو منكر، والمقصود الأعظم من الرسالة النذارة لأنها هي ~~الشاقة على النفوس، وأما البشارة فكل من قام يقدر على إبلاغها فلذا قال: ~~{ إنما أنت نذير } فبلغهم ما أرسلت به فيقولون لك ما يقدره الله لهم فلا ~~يهمنك فليس عليك إلا البلاغ وما أنت عليهم بوكيل تتوصل إلى ردهم إلى ~~الطاعة بالقهر والغلبة بل الوكيل الله الفاعل لما يشاء { والله } أي الذي ~~له الإحاطة الكاملة. # ولما كان السياق لإحاطته سبحانه، قدم قوله: { على كل شيء } منهم ومن ~~غيرهم ومن قبولهم وردهم ومن حفظك منهم ومن غيره { وكيل* } فهو يدبر ~~الأمور على ما يعلمه من الحكم، فإنشاء جاء بما سألوا وإن لم يشأ لم يأت ~~به ولا اعتراض عليه ms2100 فتوكل عليه في كل أمر وإن صعب، ولعله اقتصر على ~~النذارة لأن المقام يقتضيها من أجل أنهم أهل لها وأنها هي التي يطعمون في ~~تركها بإطماعهم في المؤالفة بالإعراض عما يوجب المخالفة؛ والصدر: مسكن ~~القلب، يشبه به رئيس القوم والعالي المجلس لشرف منزلته على غيره من ~~الناس؛ والكنز: المدفون، وقد صار في الدين صفة ذم لكل مال لم يخرج منه ~~الواجب من الزكاة وإن لم يكن مدفونا، والآية من الاحتباك: نفي أولا ~~قدرته صلى الله عليه وسلم على الإتيان بما سألوا دليلا على قدرة مرسله ~~على ذلك وغيره ثانيا. وأثبت الوكالة ثانيا دليلا على نفيها أولا. ### || [11.13-15] # ولما كانوا ذوو الهمم العوال، لا يصوبون إلى الكنوز والأموال، وكان ~~الملك إنما يراد لتطييب النفس بتثبيت الأمر. وكان فيما يشهد به إعجاز ~~القرآن ببديع نظمه وباهر حكمه وحكمه وزاجر غرائبه ووافر علمه ما يغني عن ~~ذلك، وكان في كل آية منه ما يبين للفهم سفساف قدحهم في الرسالة، كان موضع ~~الإنكار له، فكان كأنه قيل: أيقولون ذلك تعنتا منهم واقتراحا وإعراضا ~~عن معجز القرآن فأعرض عنه فإنه لا يضر في وجه الدليل { أم يقولون } أي ~~مكررين { افتراه } فكان ذلك موضع أن يقال: نعم، إنهم ليقولون ذلك فيقدحون ~~في الدليل فماذا يقال لهم؟ فقيل: { قل } أي لهم على سبيل التنزل { فأتوا ~~} يا معاشر العرب فإنكم مثلي في العربية واللسان والمولد والزمن وفيكم من ~~يزيد علي بالكتابة والقراءة ومخالطة العلماء والتعلم من الحكماء ونظم ~~الشعر واصطناع الخطب والنثر وتكلف الأمثال وكل ما يكسب الشرف والفخر { ~~بعشر سور } أي قطع، كل قطعة منها تحيط بمعنى تام يستدل فيها عليه { مثله ~~} أي تكون العشر مثل جميع القرآن في طوله وفي مثل احتوائه على أساليب ~~البلاغة وأفانين العذوبة والمتانة والفحولة والرشاقة حال كونها { مفتريات ~~} أي أنكم قد عجزتم عن الإتيان بسورة أي قطعة واحدة آية أو آيات من مثله ~~فيما هو عليه من البلاغة والإخبار بالمغيبات والحكم والأحكام والوعد ~~والوعيد والأمثال وادعيتم مكابرة أنه مفترى فارغ عن ms2101 الحكم فأتوا بعشر ~~مثله في مجرد البلاغة غير ملزمين بحقائق المعاني وصحة المباني - ذكره ~~البغوي عن المبرد، وقد مضى في البقرة عند { فأتوا بسورة من مثله } عن ~~الجاحظ وغيره ما يؤيده؛ قال أبو حيان: وشأن من يريد تعجيز شخص أن يطالبه ~~أولا بأن يفعل أمثالا مما يفعل هو، ثم إذا تبين عجزه قال: افعل مثلا ~~واحدا - انتهى. فكأنهم تحدوا أولا بجميع القرآن في مثل قوله: # فليأتوا بحديث مثله # [الطور: 34] أي في التحتم والتطبيق على الوقائع وما يحدث ويتجدد شيئا ~~في إثر شيء ثم قطع بعد عجزهم بدوام عجزهم في قوله تعالى: # قل لو اجتمعت الإنس والجن # [الإسراء: 88] تبكيتا لهم وإخزاء وبعثا على ذلك وإغراء، ثم تحدوا في ~~سورة يونس عليه السلام بسورة واحدة مثل جميع القرآن غير معتنين فيها ~~بالتفصيل إلى السور تخفيفا عليهم واستهانة بأمرهم، فلما عجزوا تحدوا ~~بعشر مفتراه، ولما خفف عنهم التقيد بصدق المعنى وحقيقة المباني، ألزمهم ~~بما خففه عنهم في يونس من التفصيل ولم يخلهم من التخفيف إشارة إلى هوان ~~أمرهم واحتقار شأنهم بأن جعلها إلى عشر فقط، فلما عجزوا أعيد في المدينة ~~الشريفة لأجل أهل الكتاب تحديهم بسورة، أي قطعة واحدة مقرونا ذلك ~~بالإخبار بدوام عجزهم عن ذلك في قوله تعالى في البقرة # فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا # [البقرة: 24]، فالمتحدى به في كل سورة غير المتحدى به في الأخرى، وقد ~~مضى في يونس والبقرة ويأتي في سبحان والطور إنشاء الله تعالى ما يتم به ~~فهم هذا المقام، والبلاغة ثلاث طبقات فأعلاها معجز، وأوسطها وأدناها ~~ممكن، والتحدي وقع بالعليا، وليس هذا أمرا بالافتراء لأنه تحد فهو ~~للتعجيز وقوله: { وادعوا من استطعتم } أي طلبتم أن يطيعكم ففعل، ولما ~~كانت الرتب كلها تحت رتبته تعالى والعرب مقرة بذلك قال: { من دون الله } ~~أي الملك الأعلى. وأشار إلى عجزهم بقوله: { إن كنتم صادقين* } وفي ذلك ~~زيادة بيان وتثبيت للدليل، فإن كل ظهير من سواهم دونهم في البلاغة، ~~فعجزهم عجز لغيرهم بطريق الأولى. # ولما كان أدنى درجات الافتراء إتيان الإنسان ms2102 بكلام غيره من غير علمه، ~~وكان عجزهم عن المعارضة دليلا قاطعا على أنهم لم يصلوا إلى شيء من ~~كلامه تعالى بغير علمه ولا وجدوا مكافئا له يأتيهم بمثله ثبت قطعا أن ~~هذا القرآن غير مفترى، فقال تعالى مخاطبا للجميع بخلاف ما في القصص ~~إشارة إلى وضوح الأمر لا سيما في الافتراء عند كل أحد وأن المشركين قد ~~وصلوا من ذل التبكيت بالتحدي مرة بعد مرة وزورهم لأنفسهم في ذلك المضمار ~~كرة في أثر كرة إلى حد من العجز لا يقدرون معه على النطق في ذلك ببنت ~~شفة: { فإن لم يستجيبوا لكم } أي يطلبوا إجابتكم ويوجدوها { فاعلموا } ~~أيها الناس كافة { أنما أنزل } أي ما وقع إنزال هذا القرآن خاصة إلا ~~ملتبسا { بعلم الله } أي المحيط بكل شيء قدرة وعلما بمقتضى أن محمدا ~~واحد منهم تمع العادة أن يعثر دون جميع أهل الأرض على ما لم يأذن فيه ربه ~~من كلامه فضلا عن أن يكون مخترعا له، ويجوز أن يكون ضمير { يستجيبوا } ~~ل " من " { من استطعتم } و { لكم } للمشركين، وكذا في قوله: فاعلموا و { ~~أنتم } { وأن } أي واعلموا أن { لا إله إلا هو } فإنه لو كان معه إله ~~آخر لكافأة في الإتيان بمثل كلامه وفيه تهديد وإقناط من أن يجيرهم من بأس ~~الله آلهتهم. # ولما كان هذا دليلا قطعيا على ثبوت القرآن، سبب عنه قوله مرغبا ~~مرهبا: { فهل أنتم مسلمون* } أي منقادون أتم انقياد. # ولما كان في هذا من الحث على الثبات على الإسلام والدخول فيه والوعيد ~~على التقاعس عنه ما من حق السامع أن يبادر إليه، وكان حق المسلم الإعراض ~~عن الدنيا لسوء عاقبتها، وكان أعظم الموانع للمشركين من التصديق اسستيلاء ~~أحوال الدنيا عليهم، ولذلك تعنتوا بالكنز، أشار إلى عواقب ذلك بقوله: { ~~من كان يريد } أي بقصده وأعماله من الإحسان إلى الناس وغيره { الحياة ~~الدنيا } أي ورضي بها مع دناءتها من الآخرة على علوها وشرفها { وزينتها } ~~فأخلد إليها لحضورها ونسي ما يوجب الإعراض عنها من فنائها وكدرها { نوف } ~~موصلين { إليهم أعمالهم ms2103 } أي جزاءها { فيها } أي الدنيا بالجاه والمال ~~ونحو ذلك { وهم فيها } أي في الأعمال أو الدنيا { لا يبخسون* } أي لا ~~ينقص شيء من جزائهم فيها، وأما أبدانهم وأرواحهم وأديانهم فكلها بخس في ~~الدارين معا، وفي الجملتين بيان سبب حبس العذاب عنهم في مدة إمهالهم مع ~~سوء أعمالهم. ### || [11.16-19] # ولما بين حالهم في الدنيا، بين حالهم في الأخرى مشيرا بأداة البعد إلى ~~أنهم أهل البعد واللعنة والطرد في قوله نتيجة لما قبله: { أولئك } أي ~~البعداء البغضاء { الذين ليس لهم } أي شيء من الأشياء { في الآخرة إلا ~~النار } أي لسوء أعمالهم واستيفائهم جزاءها في الدنيا { وحبط } أي بطل ~~وفسد { ما صنعوا فيها } أي مصنوعهم أو صنعهم أي لبنائه على غير أساس؛ ~~ولما كان تقييد الحبوط بالآخرة ربما أوهم أنه شيء في نفسه قال: { وباطل } ~~أي ثابت البطلان في كل من الدارين { ما كانوا يعملون* } أي معمولهم أو ~~عملهم وإن دأبوا فيه دأب من هو مطبوع عليه لأنه صورة لا معنى لها لبنائه ~~على غير أساس؛ والزينة: تحسين الشيء بغيره من لبسه أو حلية أو هيئة؛ ~~والتوفية: تأدية الحق على تمام؛ وحبوط العمل: بطلانه، من قولهم: حبط بطنه ~~- إذا فسد بالمأكل الرديء. # ولما اتضحت الحجج وانتهضت الدلائل فأغرقتهم عوالي اللجج، كان ذلك موضع ~~الإنكار على من يسوي بين المهتدي والمعتدي، فكيف يفضل إما باعتبار النظر ~~إلى الرئاسة الدنيوية غفلة من حقائق الأمور أو عنادا كمن قال من اليهود ~~للمشركين: أنتم أهدى منهم، فقال: { أفمن كان على بينة } أي برهان وحجة { ~~من ربه } بما آتاه من نور البصيرة وصفاء العقل فهو يريد الآخرة ويبني ~~أفعاله على أساس ثابت { ويتلوه } أي ويتبع هذه البينة { شاهد } هو القرآن ~~{ منه } أي من ربه، أو تأيد ذلك البرهان برسالة رسول عربي بكلام معجز ~~وكان { من قبله } أي هذا الشاهد مؤيدا له { كتاب موسى } أي شاهد أيضا ~~وهو التوارة حال كونه { إماما } يحق الاقتداء به { ورحمة } أي لكل من ~~اتبعه. # ولما كان الجواب ظاهرا حذفه، وتقديره - والله أعلم: كمن ms2104 هو على الضلالة ~~فهو يريد الدنيا فهو يفعل من المكارم ما ليس مبنيا على أساس صحيح، فيكون ~~في دار البقاء والسعادة هباء منثورا؛ ولما كان هذا الذي على البينة ~~عظيما، ولم يكن يراد به واحدا بعينه، استأنف البيان لعلو مقامه بأداة ~~الجمع بشارة لهذا النبي الكريم بكثرة أمته فقال: { أولئك } أي العالو ~~الرتبة بكونهم على هدى من ربهم وتأيد هداهم بشاهد من قبله وشاهد من بعده ~~مصدق له { يؤمنون به } أي بهذا القرآن الذي هو الشاهد ولا ينسبون الآتي ~~به إلى أنه افتراه { ومن يكفر به } أي بهذا الشاهد { من الأحزاب } من ~~جميع الفرق وأهل الملل سواء، سوى بين الفريقين جهلا أو عنادا { فالنار ~~موعده } أي وعيده وموضع وعيده يصلى سعيرها ويقاسي زمهريرها. # ولما عم بوعيد النار، اشتد تشوف النفس لما سبب عنه فقرب إزالة ما حملت ~~من ذلك بالإيجاز، فاقتضى الأمر حذف نون " تكن " فقيل: { فلا تك } أي ~~أيها المخاطب الأعظم { في مرية } أي شك عظيم ووهم { منه } أي من القرآن ~~ولا يضيق صدرك عن إبلاغه، أو من الوعد الذي هو النار والخيبة وإن أنعمنا ~~على المتوعد بذلك ونعمناه في الدنيا؛ ثم علل النهي بقوله: { إنه } القرآن ~~أو الموعد { الحق } أي الكامل، وزاد في الترغيب فيه بقوله: { من ربك } أي ~~المحسن إليك بانزاله عليك. # ولما كان كونه حقا سببا يعلق الأمل بإيمان كل من سمعه، قال: { ولكن ~~أكثر الناس } أي الذين هم في حيز الاضطراب { لا يؤمنون } بأنه حق لا لكون ~~الريب يتطرق إليه بل لما على قلوبهم من الرين ويؤولون إليه من العذاب ~~المعد لهم ممن لا يبدل القول لديه ولا ينسب الظلم إليه، والقصد بهذا ~~الاستفهام الحث على ما حث عليه الاستفهام في قوله { فهل أنتم مسلمون } من ~~الإقبال على الدين الحق على وجه مبين لسخافة عقول الممترين وركاكة ~~آرائهم. # ولما كان الكافرون قد كذبوا على الله بما أحدثوه من الدين من غير دليل ~~وما نسبوا إليه النبي صلى الله عليه وسلم من الافتراء، أتبع ذلك سبحانه ms2105 ~~قوله: { ومن أظلم } أي لا أحد أظلم { ممن افترى } أي تعمد أن اختلق ~~متكبرا { على الله } أي الملك الأعظم { كذبا } الآية، وهو موضع ضمير لو ~~أتى به لقيل: لا يؤمنون ظلما منهم، ومن أظلم منهم أي هم أظلم الظالمين، ~~فأتى بهذا الظاهر بيانا لما كفروا به لأنه إذا علق الحكم بالوصف دل على ~~أنه علته. # ولما بين أنهم أظلم، أتبعه جزاءهم بقوله استئنافا: { أولئك } المستحقو ~~البعد؛ ولما كان نفس العرض مخوفا، بنى للمجهول قوله: { يعرضون } أي لذلك ~~ولدلالة على أنهم على صفة الهوان ومستسلمون لكل عارض، فعرضهم في غاية ~~السهولة { على ربهم } أي الذي أحسن إليهم فلم يشكروه، العالم بالخفايا ~~فيفتضحون بين يديه بما قابلوا به إحسانه من اللوم { ويقول } على سبيل ~~التكرار { الأشهاد } وهم الذين آمنوا بالكتب الشاهد بعضها لبعض المشار ~~إليه بقوله { ويتلوه شاهد منه } والملائكة الذين شهدوا أعمالهم ومن ~~أعضائهم حين يختم على أفواههم { هؤلاء } إشارة بأداة القرب إلى تحقيرهم { ~~الذين كذبوا } متكبرين { على ربهم } في ادعاء الشريك والولد والتحليل ~~والتحريم وغير ذلك بما عراهم من إحسانه وطول حلمه، وفي الإتيان بصفة ~~الربوبية غاية التشنيع عليهم، فتكررت بهذا القول فضيحتهم عند جنسهم ~~وبعدهم عن كل من سمع هذا الكلام لأنه لا أبعد عن القلوب من الكاذب فكيف ~~بالمجترىء بالكذب على الرؤساء فكيف بملك الملوك الذي رباهم وكل من أهل ~~الموقف مرتقب بره خائف من انتقامه، وكأنه قيل: فما لهم بعد هذا العذاب ~~العظيم بهذه الفضيحة؟ فقيل: { ألا لعنة الله } وهي طرد الملك الأعظم ~~وإبعاده، وانظر إلى تهويل الأمر باسم الذات ما أشده { على الظالمين } ~~فكيف بأظلم الظالمين، ثم فصل ظلمهم بقوله: { الذين يصدون } أي يعرضون في ~~أنفسهم ويمنعون غيرهم { عن سبيل } أي دين { الله } أي الملك الذي له ~~الكمال كله مع أنه الولي الحميد { ويبغونها } أي يريدون بطريق الدين ~~الواسعة السهلة { عوجا } بإلقاء الشبهات والطعن في الدلائل مع كونها في ~~غاية الاستقامة. # ولما كان النظر شديدا إلى بيان كذبهم وتكذيبهم، بولغ في تأكيد قوله: { ~~وهم } أي بضمائرهم ms2106 وظواهرهم؛ ولما كان تكذيبهم بالآخرة شديدا، قدم قوله: ~~{ بالآخرة } وأعاد الضمير تأكيدا لتعيينهم وإثبات غاية الفساد لبواطنهم ~~واختصاصهم بمزيد الكفر فقال: { هم كافرون } أي عريقون في هذا الوصف؛ ~~والعرض: إظهار الشيء بحيث يرى للتوقيف على حالة، والصد: المنع بالإغراء ~~الصارف عن الأمر؛ والبغية: طلب أمر من الأمور، وهي إرادة وجدان المعنى ~~بما يطمه فيه؛ والعوج: العدول عن طريق الصواب، وهو في المعنى كالدين ~~بالكسر، وفي غيره كالعود بالفتح فرقا بين ما يرى وما لا يرى، جعلوا ~~السهل للسهل والصعب للصعب؛ روى البخاري في التفسير عن ابن عمر رضي الله ~~عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في النجوى: # " يدنى المؤمن من ربه حتى يضع كنفه عليه فيقرره بذنوبه: تعرف ذنب كذا؟ ~~يقول: أعرف رب أعرف - مرتين، ويقول: سترتها عليك في الدنيا وأغفرها لك ~~اليوم، ثم يطوي صحيفة حسناته، وأما الآخرون أو الكفار فينادي على رؤوس ~~الأشهاد { هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين } ". ### || [11.20-22] # ولما هددهم بأمور الآخرة، أشار إلى بيان قدرته على ذلك في الدارين ~~بقوله: { أولئك } أي البعداء عن حضرة الرحمة { لم يكونوا } أي بوجه من ~~الوجوه { معجزين } وأشار إلى عجزهم بأنهم لا يقدرون على بلوغ العالم ~~العلوي بقوله: { في الأرض } أي ما كان الإعجاز - وهو الامتناع من مراد ~~الله - لهم ولا هو في قدرتهم، لأن قدره على جميع الممكنات على حد سواء. # ولما نفى التعذر بأنفسهم، نفاه من جهة غيرهم فقال: { وما كان لهم } ولما ~~كانت الرتب التي هي دون عظمته سبحانه متكاثرة جدا، بين أنهم معزولون عن ~~كل منها بإثبات الجار فقال: { من دون الله } أي الملك الأعظم، وأغرق في ~~النفي بقوله: { من أوليآء } أي يفعلون معهم ما يفعل القريب من تولي ~~المصالح والحماية من المصائب، ومن لم يقدر على الامتناع وهو حي لم يمتنع ~~بعد موته فكأنه قيل: ماذا يفعل بهم؟ فقيل: { يضاعف } أي يفعل فيه فعل من ~~يناظر آخر في الزيادة، وبناه للمفعول لأن المرجع وجود المضاعفة مطلقا { ~~لهم العذاب ms2107 } أي بما كانوا يضاعفون المعاصي؛ ثم علل سبب المضاعفة بأنه ~~خلق لهم سمعا وبصرا فضيعوهما بتصامهم عن الحق وتعاميهم عنه، فكأن لا ~~فرق بينهم وبين فاقدهما فقال: { ما كانوا } أي بما لهم من فساد الجبلات { ~~يستطيعون السمع } أي يقدرون لما غلب على فطرهم الأولى السليمة بانقيادهم ~~للهوى من التخلق بنقائص الشهوات على أن توجد طاعته لهم فما كانوا يسمعون ~~{ وما كانوا } يستطيعون، الإبصار فما كانوا { يبصرون } حتى يعرضوا عن ~~الشهوات فتوجد استطاعتهم للسمع والإبصار، وهو كناية عن عدم قبولهم للحق ~~وأن شدة إعراضهم عنه وصلت إلى حد صارت فيه توصف بعدم الاستطاعة كما يقول ~~الإنسان لما تشتد كراهته له: هذا مما لا أستطيع أن أسمعه، وتكون المضاعفة ~~بالكفر والصد، ونفي الاستطاعة أعرق في العيب وأدل على النقص وأنكأ من نفي ~~السمع لأنهم قد يحملونه على الإجابة، وأما نفي البصر فغير منفك عن النقص ~~سواء كان للعين أو للقلب، هذا إن لم تخرج الآية على الاحتباك، وإن خرجت ~~عليه استوى الأمران، وصار نفي الاستطاعة أولا دالا على نفيها ثانيا، ~~ونفي الإبصار يدل على نفي السمع أولا. # ولما ثبت أنهم لا سمع ولا بصر، ثبت أنهم لا شيء فقال: { أولئك } أي ~~البعداء البغضاء { الذين خسروآ أنفسهم } أي بتضييع الفطرة الأولى التي هي ~~سهولة الانقياد للخير وصعوبة الانقياد للشر؛ ولما كان العاجز ربما نفعه ~~من كان يخدمه فيكسبه قوة بعد الضعف ونشاطا بعد العجز، نفى ذلك بقوله ~~عائدا إلى نفي النفع ممن عذرهم أولا على أحسن وجه: { وضل عنهم ما كانوا ~~} أي كونا جبلوا عليه فصاروا لا ينفكون عنه { يفترون } أي يتعمدون كذبه ~~مما ادعوا كونهم آلهة، ولا شك أن من خسر نفسه ومن خسرها من أجله بادعاء ~~أنه شريك لخالقه ونحو ذلك كان أخسر الناس، فلذلك قال: { لا جرم } أي لا ~~شك { أنهم } أي هؤلاء الذي بالغوا في إنكار الآخرة { في الآخرة } ولما ~~كان المقام جديرا بالمبالغة في وصفهم بالخسارة، أعاد الضمير فقال: { هم ~~} أي خاصة { الأخسرون } أي الأكثرون خسرانا من كل ms2108 من يمكن وصفه ~~بالخسران؛ والإعجاز: الامتناع من المراد بما لا يمكن معه إيقاعه؛ ~~والمضاعفة: الزيادة على المقدار بمثله أو أكثر؛ والاستطاعة: قوة ينطاع ~~بها الجوارح للفعل؛ وأما " لا جرم " فقد اضطرب علماء العربية في تفسيرها، ~~قال الرضي في شرح الحاجبية والبرهان السفاقسي في إعرابه ما حاصله: ~~والغالب بعد { لا جرم } الفتح، أي في { أن } ، ف { لا } إما رد الكلام ~~السابق - على ما هو مذهب الخليل - أو زائدة كما في { لا أقسم } لأن في ~~جرم معنى القسم، وهي فعل ماض عند سيبويه والخليل مركبة مع " لا " ، ~~وجعلها سيبويه فعلا بمعنى حق، ف " أن " " فاعله " ، وقيل: " جرم " ~~بمعنى حق، وهو اسم لا و " أنهم " خبره؛ وقال الكسائي معناها: لا صد ولا ~~منع؛ وعن الزجاج أنها غير مركبة، ولا نفي لما قيل من أن لهم أصناما ~~تنفعهم، وجرم - فعل ماض بمعنى كسب وفاعله مضمر معبر به عن فعلهم، و { ~~أنهم } مفعولة؛ وقال الفراهي: كلمة كانت في الأصل بمعنى لا بد ولا محالة، ~~لأنه يروي عن العرب " لا جرم " - يعني بضم ثم سكون، والفعل - يعني هكذا، ~~والفعل - يعني محركا، يشتركان في المصادر كالرشد والرعد والبخل؛ والجرم: ~~القطع، أي لا قطع من هذا كما أنه لا بد بمعنى لا قطع، فكثرت وجرت على ذلك ~~حتى صارت بمعنى القسم، فلذلك يجاب بما يجاب به القسم، فيقال: لا جرم ~~لآتينك، ولا جرم أنك قائم، فمن فتح فللنظر إلى أصل { لا جرم } كما نقول: ~~لا بد أن نفعل كذا وأنك تفعل، أي من أن ومن أنك تفعل، ومن كسر فلمعنى ~~القسم العارض في { لا جرم } - انتهى. # فتفسيره لها بالقطع نظر منه إلى أن مادة " جرم " بخصوصها دائرة على ~~القطع، والأصنع تفسيرها بالظن نظرا إلى ما تدور عليه المادة من حيث هي - ~~بأي ترتيب كان - من جرم وجمر ورجم ورمج ومجر ومرج، وإنما جعلتها كذلك ~~لأنهم قالوا جرم النخل: خرصها، وأجمر النخل أيضا: خرصها، ورجم - إذا ظن، ~~والمجر: العقل، ويلزم الظن اتقاد الذهن ومنه جمرة النار، والجرم - للأرض ~~الشديدة ms2109 الجر، ويلزم الظن أيضا اجتماع الفكر، ومنه الجمرة للقلبية وكل ~~ما شاكلها في الجمع، ومنه الجرم بالكسر وهو الجسد فإنه بالنظر إلى جميعه، ~~والصوت أو جهارته فإنه يجمع فيه الحلق لقطعه، ويلزم الاجتماع أيضا ~~العظمة، ومنه أجرم - إذا عظم، والجمير كأمير: مجتمع القوم، ومن الجمع ~~الرياء والعقل، فينشأ منه الصفاء، ومنه { مارج من نار } أي لا دخان فيه، ~~ومنه أجرم لونه: صفا، ومن الاجتماع المجر - بالتحريك، وهو أن يملأ بطنه ~~من الماء ولم يرو، والكسب، جرم لأهله - إذا كسب، ومنه الذنب فإنه كسب ~~خاص، ويمكن أن يكون من القطع لأنه يقطع صاحبه عن الخير، ويلزم الاجتماع ~~أيضا الاستتار ومنه أجمرت الليلة - استتر فيها الهلال، والمجر لما في ~~بطون الحوامل من الإبل والغنم، أو يجعل هذا مما يلزم نفس الظن من الخفاء، ~~ومن الاجتماع الضمور، أجمر الخيل: أضمرها، وشاة مجمرة: مهزولة، ويلزم ~~الاجتماع الصلابة والتمام، ومنه حول مجرم كمعظم: تام، فينشأ الافتراق، ~~ومنه تجرم الليل: ذهب، وابنا جمير كأمير: الليل والنهار، أو يكون ذلك من ~~لوازم القطع كما يأتي؛ ومن الاجتماع الرجم الذي هو الخليل والنديم، ويلزم ~~الظن الفصل بين الأشياء، ومنه جرام النخل لصرامها؛ والجمرة: الحصاة، ~~فيلزم مطلق الرمي فينشأ الرمي بالجمار، وهي الحجارة فينشأ القتل للمرجوم، ~~وهو يرجع أيضا إلى نفس القطع، فإنه قطع النفس عما كانت عليه، ويلزم ~~الفصل القذف والعيب؛ والرماج كسحاب: كعوب الرمح لانفصال بعضها عن بعض، ~~والرمج بالفتح وهو إلقاء الطير ذرقه، ويلزم الظن المبالغة في النظر فتأتي ~~المبالغة في الكلام والعزيمة، ومنه المرجام للماد عنقه في السير من ~~الإبل، وأجمر: أسرع في السير، وقد يلزم الظن الحيرة، ومنه حديث مرجم ~~كمعظم: لا يوقف على حقيقته، فيلزم حينئذ الذنب والفساد والقلق ~~والاضطراب، ومنه أمرج العهد: لم يف به، أي جعله مارجا مزلزلا، وعلى ~~الاضطراب تدور مادة " مرج " بخصوص هذا الترتيب، أو الترميج: إفساد سطور ~~بعد كتبتها، ويلزم الظن الاختلاط، ومنه الجرم للون لأنه لا يخلو عن شوب، ~~وأجرم الدم به: لصق، والإجرام: متاع الراعي، أو ms2110 هي من الكسب، والجرام ~~كرمان: السمك؛ والمرج: موضع الرعي، وقد علم من هذا أن جميع تصاريف المادة ~~تدور على الاضطراب وهو بين في غير العقل، وأما فيه فإنه يقدر العقل يكون ~~اضطراب الرأي لأن العاقل كلما أنعم النظر انفتح له ما كان مغلقا فيعدل ~~إليه، فإذا ظهر هذا ظهر أن معنى " لا جرم " أنهم لا ظن ولا اضطراب في ~~أنهم، ويكون نفي الظن في مثل هذا السياق نفيا لجميع ما يقابله إلا ~~العلم الذي هو بمعنى القطع كما إذا قيل: لا شك في كذا ولا ريب، فاتضح أن ~~تفسيرهم لها ب " حقا " تفسير معنى لمجموع الكلمتين لأنه إذا نفي في مثل ~~هذا السياق الظن ثبت اليقين والقطع، وإليه يرجع تفسير سيبويه لا حق لأنه ~~يريد - والله أعلم - أن لا صلة، وموضوعها في الأصل النفي، فهي نافية لضد ~~ما دخلت عليه، فكأنه قيل: حق وثبت أنهم كذا وانتفى كل ما يضاده، فهذا وجه ~~كونها صلة مؤكدة، وقريب من ذلك ما قيل في " إنما " نحو إنما زيد قائم، أي ~~أن زيدا قائم، ما هو إلا كذلك، فقد بان أن النافي مثل ذلك مؤكد - والله ~~الموفق. ### || [11.23-27] # ولما توعد الكافرين وأخبر عن مآلهم بسببه، كان موضع أن يسأل عن حال ~~المؤمنين فقال: { إن الذين آمنوا } أي أوجدوا هذه الحقيقة { وعملوا ~~الصالحات } ولما كان الحاصل ما مضى من وصف الكافرين بعد مطلق الأعمال ~~السيئة الإعراض عن ربهم والنفرة عن المحسن إليهم جلافة وغلظة، وصف ~~المؤمنين بالإقبال عليه والطمأنينة إليه فقال: { وأخبتوا } أي خشعوا ~~متوجهين منقطعين { إلى ربهم } أي المحسن إليهم فشكروه فوفقهم لاستطاعة ~~السمع والأبصار. # ولما ذكر وصفهم ذكر جزاءهم عليه بقوله: { أولئك } أي العالو الرتبة { ~~أصحاب الجنة } ولما كانوا مختصين بها أول أو بالخلود من أول الأمر، أعاد ~~الضمير فقال: { هم فيها } أي خاصة لا في غيرها { خالدون }. # ولما استوفى أوصاف الحزبين وجزاءهم، ضرب للكل مثلا بقوله: { مثل ~~الفريقين } أي الكافرين والمؤمنين، وهو من باب اللف والنشر المرتب، فإن ~~الكافر ذكر فيما قبل ms2111 أولا { كالأعمى } أي العام العمى في بصره وبصيرته { ~~والأصم } في سمعه كذلك، فهذا للكافرين { والبصير } بعينه وقلبه { والسميع ~~} على أتم أحوالهما، وهذا للمؤمنين، وفي أفراد المثل طباق أيضا { هل ~~يستويان } أي الفريقان { مثلا } أي من جهة المثل. ولما كان الجواب قطعا ~~لمن له أدنى تأمل: لا يستويان مثلا فلا يستويان ممثولا، حسن تسبب ~~الإنكار عنه في قوله: { أفلا تذكرون } أي يحصل لكم أدنى تذكر بما أشار ~~إليه الإدغام فتعلموا صدق ما وصفوا به بما ترونه من أحوالهم، وذلك ما قدم ~~في حق الكفار من قوله: { ما كانوا يستطيعون السمع } الآية؛ والإخبات: ~~الخشوع المستمر على استواء فيه، وأصله الاستواء من الخبت، وهو الأرص ~~المستوية الواسعة، ولعله وصله بإلى في موضع اللام إشارة إلى الإخلاص أي ~~إخباتا ينتهي إلى ربهم من غير أن يحجب عنه؛ والمثل قول سائر يشبه فيه ~~حال الثاني بحال الأول، والأمثال لا تغير عن صورتها. # ولما تم ذلك على أوضح المسالك، وختم بالحث على التذكر، وكان تقديم ذكر ~~كتاب موسى محركا لتوقع ذكر نبئه ونبأ غيره من الرسل، عطف - مقرونا بحرف ~~التوقع على العامل الذي قدرته في قوله: { ألا تعبدوا إلا الله } أو على ~~قوله: { إنما أنت نذير } وهو أحسن وأقرب - قوله: { ولقد أرسلنا } أي بما ~~لنا من العظمة { نوحا إلى قومه } أي الذين هم على لسانه؛ وما بعد ذلك من ~~القصص تقريرا لمضمون هذا المثل وتثبيتا وتسلية وتأييدا وتعزية لهذا ~~النبي الكريم لئلا يضيق صدره بشيء مما أمر بإبلاغه حرصا على إيمان أحد ~~وإن كان أقرب الخلائق إليه وأعزهم عليه كما تقدمت الإشارة إليه في قوله ~~تعالى: { فلا يكن في صدرك حرج منه } وقوله: { وضائق به صدرك } ويأتي في ~~قوله: { وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك } فوضح أن هذه ~~القصص لهذا المعنى سيقت، وأن سياقها في الأعراف وغيرها كان لغير ذلك كما ~~تقدم وأن تضمن هذا الغرض بيان إهلاك من كانوا أشد من العرب قوة وأكثر ~~جمعا وأمكن أمرا وأقوى عنادا وأعظم فسادا ms2112 وأحد شوكة وما اتفق في ~~ديارهم من الطامات والأهوال المفظعات تحذيرا من مثل حالهم بارتكاب ~~أفعالهم، ففرق بين ما يساق للشيء وما يلزم منه الشيء، ولهذا الغرض ~~المقصود هنا طولت قصة نوح في هذه السورة ما لم يطوله في غيرها، وصدرت ~~بقوله: { إني } أي قائلا على قراءة الجمهور بالكسر، والتقدير عند ابن ~~كثير وأبي عمرو والكسائي: ملتبسا بأني { لكم } أي خاصة { نذير مبين } أي ~~مخوف بليغ التحذير، أبين ما أرسلت به غاية البيان، وذكر فيها أنه طالت ~~مجادلته لهم وأنه لما أوضح له أمر الله تعوذ من السؤال فيه وفي كل ما ~~يشبهه، وخللت قصته بقوله: { أم يقولون افتراه } خطابا لهذا النبي الكريم ~~وختمت بقوله: { فاصبر إن العاقبة للمتقين } وذكرت قصة إبراهيم عليه ~~السلام لما ضمنته من أنه بشر الولد بما لم يجر بمثله عادة فلم يتردد فيه، ~~وأنه جادل الرسل في قوم ابن أخيه لوط، وأنه لما تحقق حتم الأمر وبت الحكم ~~سلم لربه مع كونه حليما أواها منيبا إلى غير ذلك مما يؤمىء إليه سياق ~~القصص، فكأنه قيل: إنما أنت نذير أرسلناك لتبلغ ما أرسلت به من الإنذار ~~وإن شق عليهم وعزتنا لقد أرسلنا من قبلك رسلا منذرين فدعوا إلى ما أمرت ~~بالدعوة إليه وأنذروهم ما يشق عليهم من بأسنا امتثالا لأمرنا وما تركوا ~~شيئا منه خوفا من إعراض ولا رجاء في إقبال على أن أممهم قالوا لهم ما ~~قالت لك أمتك كما يشير إليه قوله تعالى عن نوح: { ولا أقول لكم عندي ~~خزائن الله } - الآية، وقد كان في المخالفين من أممهم القريب منهم نسبه ~~والعزيز عليهم أمره من ابن وصاحبة وغيرهما، هذا مع أن قصصهم دليل على ~~قوله تعالى: { ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم } وزجر لهم عن مثل قولهم: ~~{ ما يحبسه } وتأييد لقوله: { ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة } - وغير ~~ذلك مما تقدم، فقد علم من هذا الوجه في تكرير هذه القصص، وأنه في كل ~~سورة لمقصد يخالف المقصد في غيرها وإن كان يستفاد من ذلك ms2113 فوائد أخر: منها ~~إظهار القدرة في بيان الإعجاز بتصريف المعنى في الوجوه المختلفة لما في ~~ذلك من علو الطبقة في البلاغة لأنه ربما قال متعنت عند التحدي: قد استوفى ~~اللفظ البليغ على الأسلوب الأكمل البديع في هذه القصص فلم تبق لنا ألفاظ ~~نعبر بها عن هذه المعاني حتى نأتي بمثل هذه القصة؛ فأتى بها ثانيا ~~إظهارا لعجزه وقطعا لحجته، وربما كررت ثالثا ورابعا توكيدا لذلك ~~وتمكينا للاعتبار بضروب البيان وتصبيرا للنبي صلى الله عليه وسلم على ~~أذى قومه حالا فحالا، فإن قيل: فما بالها تأتي تارة في غاية البسط ~~وتارة في غاية الإيجاز وتارة على الوسط؟ قيل: هذا من أعلى درجات البلاغة ~~وأجل مراتب الفصاحة والبراعة، فإن قبل: فإنا نرى القصة تبسط في بعض السور ~~غاية البسط ثم توجز في غيرها غاية الإيجاز ويؤتي فيها ما لم يؤت في ~~المبسوطة كما في العنكبوت فإنه عين فيها مقدار لبثه وأنه كان ألف سنة إلا ~~خمسين عاما، فلم لا استوعبت جميع المعاني في الموضع المبسوط كما هو ~~الأليق بمقام البسط لا سيما لمن لا يخفى عليه شيء ولا ينسى، وإذا وقع حذف ~~كان في الموجزة، قيل: قال شيخنا حافظ العصر أبو الفضل بن حجر: إن الإمام ~~أبا حاتم بن حبان البستي ذكر في كتابه التقاسيم والأنواع: إنما لم يرتبه ~~ليحفظ إذ لو رتبه ترتيبا سهلا لاتكل من يكون عنده على سهولة الكشف منه ~~فلا يتحفظه، وإذا وعر طريق الكشف كان أدعى إلى حفظه ليكون على ذكر من ~~جميعه، وذكر أنه فعل ذلك اقتداء بالكتاب العزيز فإنه ربما أتى بالقصص غير ~~مرتبة، قال شيخنا: ومن هنا يظهر أن من أسرار تخصيص بعض الموجزات بما ليس ~~في المبسوط الحث على حفظ الجميع - انتهى. # وهذه فوائد ينبغي إهمالها بل تستعمل حيث أمكن، والعمدة في المناسبة ~~الوجه الأول وهو أنها في كل سورة لمناسبة تخص تلك السورة، ثم يراعي في ~~البسط وغيره المعاني المناسبة للمقصد الذي سيقت له القصة - والله الموفق. ~~واللام في " لقد " للقسم: قال ms2114 الإمام أبو الحسن على بن عيسى الرماني: ~~لأنها تدخل على الفعل والحرف الذي يختص بالفعل مما يصح معناه معه. ولام ~~الابتداء للاسم خاصة، ومعنى (قد) توقع الخبر للتقريب من الحال، يقال: قد ~~ركب الأمير - لقوم يتوقعون ركوبه فعلى هذا القول جرى { ولقد أرسلنا } ~~والإبانة: إظهار المعنى للنفس بما يمكن إدراكه. وأصله القطع، فالإبانة ~~قطع المعنى من غيره ليظهر في نفسه - انتهى. والمقصود من الرسالة قوله ~~سبحانه: { أن } أي نذير لأجل أن { لا تعبدوا } أي شيئا أصلا { إلا الله ~~} أي الملك الأعظم - ومعنى النذارة قوله: { إني أخاف عليكم } وعظم العذاب ~~المحذر منه بقوله: { عذاب يوم أليم* } وإذا كان اليوم مؤلما فما الظن ~~بما فيه من العذاب! فهو إسناد مجازي مثل نهاره صائم، ولم يذكر بشارة كما ~~تقدم عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: # إنني لكم منه نذير وبشير # [هود: 2] إرشادا إلى ما سيقت له القصة من تقرير معنى # إنما أنت نذير # [هود: 12] ولذلك صرح بالألم بخلاف الأعراف، وكذا ما أمر به النبي صلى ~~الله عليه وسلم أول هذه من عذاب يوم كبير، وهما متقاربان؛ ثم ساق سبحانه ~~جواب قومه على وجه هو في غاية التسلية والمناسبة للسياق بقوله: { فقال } ~~أي فتسبب عن هذا النصح العظيم أن قال؛ ولما كان هذا بعد أن تبعه بعضهم ~~قال: { الملأ } وبين أن الجدال مع الضلال بعد أن بين أنهم هم الأشراف ~~زيادة في التسلية بقوله: { الذين كفروا } وبين أنهم اقارب أعزة بقوله: { ~~من قومه } أي الذين هم في غاية القوة لما يريدون محاولة القيام به { ما ~~نراك } أي شيئا من الأشياء { إلا بشرا } اي آدميا { مثلنا } أي في ~~مطلق البشرية، لست بملك تصلح لما لا تصلح له من الرسالة، وهذا قول ~~البراهمة، وهو منع نبوة البشر على الإطلاق، وهو قول من يحسد على فضل الله ~~ويعمى عن جلي حكمته فيمنع أن يكون النبي بشرا ويجعل الإله حجرا. # ولما كانت العظمة عندهم منحصرة في عظمة الأتباع قالوا: { وما نراك } ~~ولما انفوا الرؤية عنه فتشوف ms2115 السامع إلى ما يقع عليه من المعاني، بينوا ~~أن مرادهم رؤية من اتبعه فقالوا: { اتبعك } أي تكلف اتباعك { إلا الذين ~~هم } أي خاصة { أراذلنا } أي كالحائك ونحوه، وليس منا رذل غيرهم، وهو جمع ~~أرذل كأكلب جمع رذل ككلب، والرذل: الخسيس الدنيء، وهذا ينتج أنه لم يتبعك ~~أحد له قدر؛ قالوا: و { اتبعك } عامل في قوله: { بادي الرأي } وهو ظرف أي ~~اتبعوك بديهة من غير تأمل، فاتباعهم لا يدل على سداد لما اتبعوه من ~~وجهين: رذالتهم في أنفسهم، وأنهم لم يفكروا فيه، لكن يضعفه إيراد الاتباع ~~بصيغة الافتعال التي تدل على علاج ومجاذبة، فالأحسن إسناده - كما قالوه ~~أيضا - إلى أراذل. أي أنهم بحيث لا يتوقف ناظرهم عند أول وقوع بصره ~~عليهم أنهم سفلة أسقاط، ويجوز أن يكون المراد " بادي رأيك " أي أنك تظن ~~أنهم اتبعوك، ولم يتبعوك. # ولما كانوا لا يعظون إلا بالتوسع في الدنيا، قالوا: { وما نرى لكم } أي ~~لك ولمن تبعك { علينا } وأغرقوا في النفي بقولهم: { من فضل } أي شرف ولا ~~مال، وهذا - مع مامضى من قولهم - قول من يعرف الحق بالرجال ولا يعرف ~~الرجال بالحق، وذلك أنه يستدل على كون الشيء حقا بعظمة متبعه في الدنيا، ~~وعلى كونه باطلا بحقارته فيها، ومجموع قولهم يدل على أنهم يريدون: لو صح ~~كون النبوة في البشر لكانت في واحد ممن أقروا له بالعلو في الأرض، وعمل { ~~اتبعك } في { بادي } يمنعه تمادي الاتباع على الإيمان، فانتفى الطعن بعدم ~~التأمل { بل نظنكم كاذبين* } أي لكم هذا الوصف لازما دائما لأنكم لم ~~تتصفوا بما جعلناه مظنة الاتباع مما يوجب العظمة في القلوب والانقياد ~~للنفوس بالتقدم في الدنيا بالمال والجاه؛ فكان داؤهم بطر الحق وغمط ~~الناس، وهو احتقارهم، وهذا قد سرى إلى أكثر أهل الإسلام، فصاروا لا ~~يعظمون إلا بذلك، وهو أجهل الجهل لأن الرسل أتت للتزهيد في الدنيا وانظر ~~إلى رضاهم لأنفسهم بالعدول عن البينة إلى اتباع الظن ما أردأه! وهذا افظع ~~مما حكى هنا من قوله قريش { لولا أنزل عليه كنز أو جاء ms2116 معه ملك } وأبشع؛ ~~والبشر: الإنسان لظهور بشرته أي ظاهر جلده لأن الغالب على غيره من ~~الحيوان سترها بالصوف أو الشعر أو الوبر أو الريش؛ والمثل: الساد مسد ~~غيره في الحس بمعنى أنه لو ظهر للمشاهدة لسد مسده؛ والرذل: الحقير بما ~~عليه من صفات النقص وجمعه؛ والفضل: الزيادة من الخير، والإفضال: مضاعفة ~~الخير التي توجب الشكر. ### || [11.28-30] # ولما كان ختام جوابهم أشده، بدأ في جوابه برده مبينا لضلالاتهم مغضيا ~~عن شناعاتهم شفقة عليهم ومحبة لنجاتهم، فقال تعالى حكاية عنه: { قال يا ~~قوم } وشرع يكرر هذه اللفظة كل قليل تذكيرا لهم أنه منهم لتعطفهم ~~الأرحام وتردهم القرابات عن حسد أو اتهامه إلى قبول ما يلقي إليهم من ~~الكلام، وأشار بأداة البعد - مع قربهم - إلى مباعدتهم فيما يقتضي غاية ~~القرب { أرأيتم } أي أخبروني { إن كنت } على سبيل الفرض منكم والتقدير { ~~على بينة } أي برهان ساطع، وزاد ترغيبا فيه بقوله: { من ربي } أي الذي ~~أوجدني وأحسن إلي بالرسالة وغيرها يشهد بصحة دعواي شهادة لا يتطرق إليها ~~عند المنصف شبهة فكيف بالظن! { وآتاني } فضلا منه علي لا لمعنى في ~~أزيد عليكم به، بل { رحمة } أي إكراما بالرسالة بعد النبوة، وعظمها ~~بقوله: { من عنده } فيها فضل عظيم النور واضح الظهور. # ولما كانت البينة من الرحمة، وحد الضمير فقال: { فعميت } أي فتسبب عن ~~تخصيصي بها أن أظلمت،ووقع ظلامها { عليكم } أي فعميتم انتم عنها لضعف ~~عقولكم ولم يقع عليكم شيء من نورها، وذلك أن الدليل إذا كان أعمى عاد ~~ضرره على التابع بالحيرة والضلال، وهو معنى قراءة حمزة والكسائي وحفص عن ~~عاصم بالبناء للمفعول مشددة { أنلزمكموها } وقوله: { وأنتم لها كارهون } ~~مع تسميته لها بينة - إشاره إلى أنها لم تعم ولا خفيت عليهم لقوة نورها ~~وشدة ظهورها، وإنما هم معاندون في نفيهم لفضله وفضل من تبعه، والتعبير عن ~~ذلك بالجملة الاسمية واسم الفاعل إشارة إلى أن أفعالهم أفعال من كراهته ~~لها ثابتة مستحكمة، وكأنه لم يكن مأمورا بالقتال كما كان نبينا صلى الله ~~عليه وسلم في أول الأمر، والآية ms2117 ناظرة إلى قوله تعالى: # أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين # [يونس: 99] ويجوز أن يكون ذلك كناية عن أنهم معاندون مع قطع النظر عن ~~الجهاد وغيره فإن الأنبياء عليهم السلام مأمرون بالمجادلة للمعاندين إلى ~~أن يلزموهم الحجة، وهي لا تفيد إلا الإلزام في الظاهر مع الإنكار ~~والكراهة في الباطن، والدعوة إلى سبيل الله بالحكمة للكاملين، وبالموعظة ~~والخطابة للمنافقين الذي لا يعاندون ويحسنون الظن في الداعي، فيكون ~~المعنى أن البينة لم تنفعكم لشكاسة وإعوجاج في طباعكم، فلم يبق إلا ~~الموعظة وهي لا تفيد إلا مع حسن الظن، وأما مع الكراهة فلا ينفعكم النصح، ~~فلا فائدة في المجادلة إلا الإلزام، وهو مع الكراهة غير نافع لكم. # ولما كان نفي ذلك عاما للفضل الدنيوي، وكان الاتصاف بقلة ما في اليد ~~إنما يكون ضارا إذا كان صاحبه يسأل غيره، نفى عنه هذا اللازم العائب ~~فقال مجيبا عن نفيهم الفضل عنه وعن أتباعه بأنه قد يرد منهم على ذلك ~~ثوابا دنيويا: { ويا قوم } استعطافا لهم { لا أسئلكم } أي في وقت من ~~الأوقات { عليه } أي الإنذار كما يأخذ منكم من ينذركم أمر من يريد منكم ~~من ينذركم أمر من يريد بكم بعض ما تكرهون في أمور دنياكم حتى تكون عاقبة ~~ذلك أن تتهموني { مالا إن } أي ما { أجري إلا على الله } أي الذي له ~~الجلال والإكرام فبيده الخزائن كلها، ونبه بهذا على أنه لا غرض له من عرض ~~دنيوي ينفر المدعو عنه فوجب تصديقه، وفيه تلقين للجواب عن قول قريش: لولا ~~ألقي إليه كنز - كما سيأتي بأبين من ذلك عقب قصة يوسف عليه السلام في ~~قوله: { وما تسئلهم عليه من أجر } لأن هذه القصص كالشيء الواحد متتابعة ~~في بيان حقية هذا القرآن والتأسية في الاقتداء بالرسل في الصبر على أداء ~~جميع الرسالة مع ما يلزم ذلك من جليل العبر وبديع الحكم، فلما اتحد الغرض ~~منها مع تواليها اتحدت متفرقاتها. # ولما كان التعبير برذالة المتبع مما ينفر أهل الدنيا عن ذلك التابع، بين ~~لهم أن شأنه غير شأنهم ms2118 وأنه رقيق على من آمن به رفيق به رحيم له وإن كان ~~متأخرا في الدنيا محروما منها خوفا من الله الذي اتبعوه فيه فقال: { ~~وما أنا } وأغرق في النفي بقوله: { بطارد الذين آمنوا } أي أقروا ~~بألسنتهم بالإيمان؛ ثم علل ذلك بقوله مؤكدا لإنكارهم { إنهم ملاقوا ربهم ~~} أي المحسن إليهم بعد إيجادهم وترتيبهم لهدايتهم، فلو طردتهم لشكوني ~~إليه فلا أرى لكم وجها في الإشارة إلى طردهم ولا في شيء مما أجبتموني به ~~{ ولكني أراكم } أي أعلمكم علما هو كالرؤية { قوما تجهلون* } أي تفعلون ~~أفعال أهل الجهل فتكذبون الصادق وتعيرون المؤمنين بما لا يعنيهم وتنسون ~~لقاء الله وتوقعون الأشياء في غير مواقعها، وفي تعبيره ب { تجهلون } دون ~~{ جاهلين } إشارة إلى أن الجهل متجدد لهم وهو غير عادتهم استعطافا لهم ~~إلى الحلم، ثم عطف إلى صريح الاستعطاف في سياق محذر من سطوات الله فقال: ~~{ ويا قوم } أي الذين هم أعز الناس علي { من ينصرني من الله } أي الذي ~~له جميع العظمة { إن طردتهم } ولو لم يشكوني إليه لاطلاعه على ما دق وجل: ~~ولما تم الجواب عن ازدرائهم، سبب عنه الإنكار لعدم تذكرهم ما قاله لهم ~~بما يجدونه في أنفسهم فقال: { أفلا تذكرون* } أي ولو أدنى تذكر - بما ~~يشير إليه الإدغام - فتعلموا أن من طرد صديقا لكم عاديتموه وقصدتموه ~~بالأذى، فترجعوا عما طرأ لكم من جهل إلى عادتكم من الحلم الباعث على ~~التأمل الموقف على الحق؛ والطرد: إبعاد الشيء على جهة الهوان؛ والقوم: ~~الجماعة الذين يقومون بالأمر، اسم جمع لا واحد له من لفظه؛ والتذكير: طلب ~~معنى قد كان حاضرا للنفس، والتفكر طلبه وإن لم يكن حاضرا. ### || [11.31-34] # ولما كان نفيهم للفضل شاملا للأموال وعلم الغيب، أقرهم على ذلك منبها ~~على خطئهم فيه بأنه لم يقل بينهم قط ما يكون سببا له، فقال عاطفا على ~~قوله { لا أسئلكم عليه أجرا }؛ { ولا أقول لكم } أي في وقت من الأوقات { ~~عندي خزائن الله } أي الملك الأعظم فأتفضل عليكم بها؛ ولما كان من الجائز ~~أن يمكن الله ms2119 من يشاء من خزائن الأرزاق ونحوها فيسوغ له أن يطلق ملك ذلك ~~مجازا، ولا يجوز أن يمكنه من علم الغيب، وهو ما غاب عن الخلق كلهم، لأنه ~~خاصته سبحانه، قال عاطفا على { أقول } لا على المقول: { ولا أعلم الغيب ~~} لا حقيقة ولا مجازا فأعلم وقت ما توعدون به أو ما في قلوب المؤمنين ~~مما قد يتوهم به من السوء، وأعلمهم أنه لا مانع من إرسال البشر بقوله: { ~~ولا أقول إني ملك } فتكون قوتي أفضل من قوتكم أو خلقي أعظم قدرا من ~~خلقكم ونحو ذلك من الفضل الصوري الذي جعلتموه هو الفضل، فلا تكون الآية ~~دليلا على أفضلية الملائكة، وتقدم في الأنعام سر إسقاطه { لكم }. # ولما كان تعريضهم بنفي الملكية عنه من باب الإزراء، أتبعه تأكيد قبوله ~~لمن آمن كائنا من كان وإن ازدروه بقوله: { ولا أقول للذين } أي لأجل ~~الذين { تزدري } أي تحتقر { أعينكم } أي تقصرون به عن الفضل عند نظركم له ~~وتعيبونه { لن يؤتيهم الله } أي الذي له الكمال كله { خيرا } ولما كان ~~كأنه قيل: ما لك لا تقول ذلك؟ أجاب بما تقديره: لأني أعلم ضمائرهم ولا ~~أحكم إلا على الظاهر: { الله } أي المحيط بكل شيء { أعلم } أي حتى منهم { ~~بما في أنفسهم } ومن المعلوم أنه لا يظلم أحدا، فمن كان في نفسه خير ~~جازاه عليه، ويجوز أن يكون هذا راجعا إلى { بادي الرأي } بالنسبة إليه ~~صلى الله عليه وسلم كما تقدم؛ ثم علل كفه عن ذلك بقوله مؤكدا لإنكارهم ~~ظلمه على ذلك التقدير: { إني إذا } أي إذا قلت لهم ذلك { لمن الظالمين } ~~اي العريقين في وضع الشيء في غير موضعه؛ والخزائن: أخبية المتاع الفاخرة، ~~وخزائن الله مقدوراته لأنه يوجد منها ما يشاء، وفي وصفها بذلك بلاغة؛ ~~والغيب: ذهاب الشيء عن الإدراك، ومنه الشاهد خلاف الغائب، وإذا قيل: علم ~~غيب، كان معناه: علم من غير تعليم؛ والازدراء: الاحتقار، وهو افتعال من ~~الزراية، زريت عليه - إذا عبته، وأزريت عليه - إذا قصرت به؛ والملك أصله ~~مألك من الألوكة وهي الرسالة. # فلما ms2120 استوفى نقض ما أبرموه في زعمهم من جوابهم على غاية الإنصاف واللين ~~والاستعطاف، استأنف الحكاية عنهم بقوله: { قالوا } أي قول من لم يجد في ~~رده شبهة يبديها ولا مدفعا يغير به: { يا نوح قد جادلتنا } أي اردت ~~فتلنا وصرفنا عن آرائنا بالحجاج وأردنا صرفك عن رأيك بمثل ذلك { فأكثرت } ~~أي فتسبب عن ذلك وعن تضجرنا أنك أكثرت { جدالنا } أي كلامنا على صورة ~~الجدال { فأتنا } أي فتسبب عن ذلك وعن تضجرنا أن نقول لك: لم يصح عندنا ~~دعواك، ائتنا { بما تعدنا } من العذاب { إن كنت } أي كونا هو جبلة لك { ~~من الصادقين* } أي العريقين في الصدق في أنه يأتينا فصرحوا بالعناد ~~المبعد من الإنصاف والاتصاف بالسداد وسموه باسمه ولم يسمحوا بأن يقولوا ~~له: يا ابن عمنا، مرة واحدة كما كرر لهم: يا قوم، فكان المعنى أنا غير ~~قابلين لشيء مما تقول وإن أكثرت وأطلت - بغير حجة منهم بل عنادا وكبرا ~~فلا تتعب، بل قصر الأمر مما تتوعدنا به، وسموه وعدا سخرية به، أي أن هذا ~~الذي جعلته وعيدا هو عندنا وعد حسن سار باعتبار أنا نحب حلوله، المعنى ~~أنك لست قادرا على ذلك ولا أنت صادق فيه، فإن كان حقا فائتنا به، فكأنه ~~قيل: ماذا قال لهم؟ فقيل: { قال } جريا على سنن قوله { ولا أقول لكم ~~عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب }: { إنما يأتيكم به الله } أي الذي له ~~الإحاطة بكل شيء فتبرأ من الحول والقوة ورد ذلك إلى من هو له، وأشار ~~بقوله: { إن شاء } إلى أنه مخير في إيقاعه وإن كان قد تقدم قوله به ~~إرشادا إلى أنه سبحانه لا يجب عليه شيء ولا يقبح منه شيء، بل ولا يسأل ~~عما يفعل وإن كان لا يقع إلا ما أخبر به؛ ثم بين لهم عجزهم وخطأهم في ~~تعرضهم للهلاك فقال: { وما أنتم بمعجزين* } أي في شيء من الأوقات لشيء ~~مما يريده بكم سبحانه؛ والإكثار: الزيادة على مقدار الكفاية؛ والمجادلة: ~~المقابلة بما يفتل الخصم عن مذهبه بحجة أو شبهة، وهو من ms2121 الجدل وهو شدة ~~الفتل والمطلوب به الرجوع عن المذهب، والمطلوب بالحجاج ظهور الحجة، فهو ~~قد يكون مذموما كالمراء، وذلك حيث يكون للتشكيك في الحق بعد ظهوره، وحيث ~~قيد الجدال ب # التي هي أحسن # [العنكبوت: 46] فالمراد به إظهار الحق. # ولما بين أنهم إنما هم في قبضته سبحانه، زاد في بيان عظمته وأن إرادته ~~تضمحل معها كل إرادة في سياق دال على أنه بذلك ناصح لهم وأن نصحه خاص ~~بهم، فقال جوابا لما وهموا من أن جداله لهم كلام بلا طائل: { ولا ينفعكم ~~نصحي } وذكر إرادته لما يريد أن يذكره من إرادة الله فقال: { إن أردت } ~~أي جمعت إلى فعل النصح إرادة { أن أنصح لكم } بإعلام موضع الغي ليتقى ~~والرشد ليتبع، وجزاءه محذوف تقديره: لا ينفعكم نصحي { إن كان الله } أي ~~الذي له الأمر كله { يريد أن يغويكم } أي يضلكم ويركبكم غير الصواب فإنه ~~إرادته سبحانه تغلب إرادتي وفعلي معا لا ينفعكم شيء إشارة إلى أنكم لا ~~تقدرون على دفع العذاب بقوة فتكونوا غالبين، ولا بطاعة فتكونوا محبوبين ~~مقربين إن كان الله يريد إهلاككم بالإغواء، وأن أردت أنا نجاتكم، ولم ~~يقل: ولا ينفعكم نصحي إن نصحت لكم، إشارة إلى أني لا أملك إلا إرادتي ~~لنصحكم، فإذا أردته فغاية ما يترتب عليه من فعلي وقوع النصح وإخلاصه لكم، ~~وأما النفع به فلا شيء منه إلي، بل هو تابع لمراد الله، فإن أراد ~~غوايتكم حصلت لا محالة، ولم يقع ما قد يترتب على النصح من عمل المنصوح ~~بمقتضاه المستجلب لنفع المستدفع للضر؛ ثم رغبهم في إحسانه ورهبهم من ~~انتقامه معللا لعدم ما لا يريده: { هو ربكم } أي الموجد لكم المدبر ~~لأموركم فهو يتصرف وحده لما يريد. # ولما كان التقدير: فمنه مبدؤكم، عطف عليه قوله: { وإليه } أي لا إلى ~~غيره { ترجعون* } أي بأيسر أمر وأهونه بالموت ثم البعث فيجازيكم على ~~أعمالكم كما هي عادة الملوك مع عمالهم. ### || [11.35-40] # ولما كان مضمون هذه الآية نحو مضمون قوله: { إنما أنت نذير والله على كل ~~شيء وكيل } فإن ms2122 النذير من ينصح المنذر، والوكيل هو المرجوع إليه في أمر ~~الشيء الموكول إليه، وما قبلها تعريض بنسبة نوح عليه السلام إلى ~~الافتراء، تلاه بما تلا به ذاك من النسبة إلى الافتراء وإشارة إلى أن هذه ~~القصص كلها للتسلية في أمر النذارة والتأسية فكأنه قيل: أيقولون لك مثل ~~هذه الأقوال فقد قالوها لنوح كما ترى، ثم والى عليهم من الإنذار ما لم ~~يطعموا معه في ترك شيء مما أمرناه به أعجبهم أو أغضبهم، فلك به أسوة ~~وحسبك به قدوة في أن تعد كلامهم عدما وتقبل على ما أرسلناك به من بذل ~~النصيحة بالنذارة: { أم يقولون } في ا لقرآن { افتراه } إصرارا على ما ~~تقولوه فدمغه الدليل وأدحضته الحجة فكأنه قيل: نعم، إنهم يقولون ذلك، ~~فقيل: لا عليك فإنه قول يقصدون به مجرد العناد وهم يعلمون خلافه بعد ما ~~قام عليهم من الحجج التي وصلوا معها إلى عين اليقين فلا يهمنك قولهم هذا، ~~فإنهم يجعلونه وسيلة إلى تركك بعض ما يوحى إليك فلا تفعل، بل { قل } في ~~جواب قولهم هذا { إن افتريته } أي قطعت كذبه { فعلي } أي خاصا بي { ~~إجرامي } أي وباله وعقابه دونكم وإذا استعلى علي الإجرام عرف ذلك ~~لأرباب العقول وظهر ظهورا أفتضح به وأنتم أعرف الناس بأني أبعد من ذلك ~~مما بين اجتماع الضدين وارتفاع النقيضين لما تعلمون مني من طهارة الشيم ~~وعلو الهمم وطيب الذكر وشريف القدر وكريم الأمر، هذا لو كنت قادرا على ~~ذلك فكيف وأنا وأنتم في العجز عنه سواء { وأنا بريء } أي غاية البراءة { ~~مما تجرمون* } أي توجدون إجرامه، ليس علي من إجرامكم عائد ضرر بعد أن ~~أوضحته لكم وكشقت عنكم غطاء الشبه، إنما ضرره عليكم فاعملوا على تذكر هذا ~~المعنى فإن سوق جوابهم على هذا الوجه أنكى لهم من إقامة حجة أخرى لأنهم ~~يعلمون منه أنه إلزام لهم بالفضيحة لانقطاعهم لدى من له وعي، ويمكن أن ~~يكون التقدير: هل انتبه قومك يا محمد فعلموا قبح مثل هذه الحال وأنها حال ~~المعاندين، فرجعوا تكرما عن ركوب ms2123 مثلها واستحياء { أم يقولون افتراه } ~~أي كذبه متعمدا استمرارا على العناد وتماديا في البعاد كما تمادى قوم ~~نوح فيحل بهم ما حل بهم، أي هل رجعوا بهذا المقدار من قصة قوم نوح أم هم ~~مستمرون على ما نسبوك إليه في أوائل السورة من افترائه فيحتاجون إلى ~~تكميل القصة بما وقع من عذابهم ليخافوا مثل مصابهم؛ وافتراء الكذب: ~~افتعاله من قبل النفس فهو أخص من مطلق الكذب لأنه قد يكون تقليدا للغير. # ولما فرغ من هذه الجملة التي هي المقصود بهذا السياق كله وإن كانت ~~اعتراضية في هذه القصة، رجع إلى إكمالها بيانا لأن نوحا عليه السلام ~~كان يكاشف قومه بجميع ما أمر به وإن عظمت مشقته عليهم بحيث لم يكن قط ~~موضع رجاء لهم في أن يترك شيئا منه وتحذيرا لكل من سمع قصتهم من أن يحل ~~به ما حل بهم فقال: { وأوحي } أي من الذي لاموحي إلا هو وهو ملك الملوك { ~~إلى نوح } بعد تلك الخطوب { أنه لن يؤمن } بما جئت به { من قومك إلا من } ~~ولما كان الذي يجيب الإنسان إلى ما يسأله فيه يلوح عليه مخايل قبل ~~الإجابة يتوقع السائل بها الإجابة، قال: { قد آمن فلا } أي فتسبب عن علمك ~~بأنه قد تم شقاءهم أنا نقول لك: لا { تبتئس } أي يحصل لك بؤس، أي شدة ~~يعظم عليك خطبها بكثرة تأملك في عواقبها { بما كانوا } أي بما جبلوا عليه ~~{ يفعلون* } فإنا نأخذ لك بحقك منهم قريبا، وكأنه كان أعلمه أنهم إن لم ~~يجيبوه أغرقهم وأنجاه ومن معه في فلك يحملهم فيه على متن الماء فقال: { ~~واصنع الفلك } حال كونك محفوظا { بأعيننا } نحفظك أن تزيغ في عملها، ~~وجمع مبالغة في الحفظ والرعاية على طريق التمثيل { ووحينا } فنحن نلهمك ~~أصلح ما يكون من عملها وأنت تعلم ما لنا من العظمة التي تغلب كل شيء ولا ~~يتعاظمها شيء، فلا تهتم بكونك لا تعرف صنعتها؛ وعن ابن عباس رضي الله ~~عنهما أن الله أوحى إليه أن يصنعه مثل جؤجؤ الطائر - أي صدره. ms2124 وأشار إلى ~~شفقته على قومه وحبه لنجاتهم كما هو حال هذا النبي الكريم مع أمته فقال: ~~{ ولا تخاطبني } أي بنوع مخاطبة وإن قلت { في الذين ظلموا } أي أوجدوا ~~الظلم واستمروا عليه في أن أنجيهم؛ ثم علل النهي بأن الحكم فيهم قد انبرم ~~فقال: { إنهم مغرقون* } قد انبرم الأمر بذلك؛ والابتئاس: حزن في استكانة، ~~لأن أصل البؤس الفقر والمسكنة؛ والوحي: إلقاء المعنى إلى النفس في خفاء، ~~وقد يكون إفهاما من غير كلام بإشارة ونحوها، وقد يكون بكلام خفي؛ ~~والفلك: السفينة، يؤنث ويذكر، واحده وجمعه سواء، وأصله الإدارة من ~~الفلكة. # ولما أمره تعالى ونهاه، أخبر أنه امتثل ذلك بقوله عاطفا على ما تقديره: ~~فأيس من إيمان أحد منهم فترك دعاءهم وشرع يسلي نفسه: { ويصنع } أي صنعة ~~ماهر جدا، له ملكة عظيمة بذلك الصنع { الفلك } فحلى فعله حال علمه بأنه ~~سبحانه بت الأمر بأنه كان يعمل ما أمره به سبحانه ولم يخاطبه فيهم ولا ~~أسف عليهم، وأشار إلى أنهم ازدادوا بغيا بقوله: { وكلما } أي والحال أنه ~~كلما { مر عليه ملأ } أي أشراف { من قومه } وأجاب " كلما " بقوله: { ~~سخروا منه } أي ولم يمنعهم شرفهم من ذلك، وذلك أنهم رأوه يعاني ما لم ~~يروا قبله مثله ليجري على الماء وهو في البر وهو على صفة من الهول عظيمة ~~فعن الحسن أن طوالها ألف ذراع ومائتا ذراع وعرضها ستمائة، فقالوا: يانوح! ~~ما تصنع؟ قال: أبني بيتا على الماء، ويجوز أن يكون { سخروا }: صفة لملإ، ~~وجواب { كلما } { قال } ، ولما أيأسه الله من خيرهم، ترك ما كان من لينه ~~لهم واستعطافهم فعلم أن ذلك ما كان إلا له سبحانه، فقال حاكيا عنه ~~استئنافا: { قال إن تسخروا منا } ولما كانوا يظنون أنه غائب في عمله كان ~~عندهم موضعا لخزي والسخرية، وكان هو صلى الله عليه وسلم عالما بأن ~~عملهم سبب لخزيهم بالعذاب المستأصل، فكان المعنى: إن تسخروا منا - أي مني ~~وممن يساعدني - لظن أن عملنا غير مثمر { فإنا نسخر } أي نوجد السخرية { ~~منكم } جزاء لكم { كما تسخرون } منا الآن ms2125 لأن عملنا منج وعملكم ليس ~~مقتصرا على الضياع بل هو موجب لما توعدون من العذاب فأنتم المخزيون ~~دوني. # ولما كان قوله { نسخر منكم } واقعا موقع هذا الإخبار، حسن الإتيان ~~بالفاء المؤذنة بتسبب العلم المذكور عنه في قوله: { فسوف تعلمون } أي ~~بوعد لا خلف فيه { من يأتيه عذاب يخزيه } أي يفضحه فيذله، وكأن المراد به ~~عذاب الدنيا { ويحل عليه } أي حلول الدين الذي لا محيد عنه { عذاب مقيم* ~~} وهو عذاب الآخرة، وقد مضى نحوه في الأنعام عند قوله { فسوف تعلمون من ~~تكون له عاقبة الدار }؛ والسخرية: إظهار ما يخالف الإبطان على جهة تفهم ~~استضعاف العقل، من التسخير وهو التذليل استضعافا بالقهر، وهي تفارق ~~اللعب بأن فيها خدعة استنفاض، فلا تكون إلا بحيوان، واللعب قد يكون بجماد ~~لأنه مطلق طلب الفرح؛ والخزي: العيب الذي تظهر فضيحته والعار به، ونظيره ~~الذل والهوان؛ واستمر ذلك دأبه ودأبهم { حتى إذا جاء أمرنا } أي وقت ~~إرادتنا لإهلاكم { وفار } أي غلا وطفح { التنور } وعن ابن عباس رضي الله ~~عنهما والحسن ومجاهد أنه الحقيقي الذي يخبز فيه، وهذا هو الظاهر فلا يعدل ~~عنه إلا بدليل، لأن صرف اللفظ عن ظاهره بغير دليل عبث كما قاله أهل ~~الأصول { قلنا } بعظمتنا { احمل } ولما كان الله تعالى قد أمره أن يجعل ~~لها غطاء - كما قاله أهل التفسير - لئلا تمتلىء من شدة الأمطار، كانت ~~الظرفية فيها بخلاف غيرها من السفن واضحة فلذلك قال: { فيها } أي السفينة ~~{ من كل زوجين } من الحيوانات، والزوج فرد يكون معه آخر لا يكمل نفعه إلا ~~به { اثنين } ذكرا وأنثى { وأهلك } أي احملهم، والأهل: العيال { إلا من ~~سبق } غالبا { عليه القول } بأني أغرقه وهو امرأته وابنه كنعان { ومن } ~~أي واحمل فيها من { آمن } قال أبو حيان: وكانت السفينة ثلاث طبقات: ~~السفلى للوحوش، والوسطى للطعام والشراب، والعليا له ولمن آمن معه؛ ثم سلى ~~المخاطب بهذه القصص صلى الله عليه وسلم وذكره نعمته بكثرة من اتبعه مع ~~صدعهم بمؤلم الإنذار على قصر الزمان دون نوح عليهم السلام مع تطاول الزمن ms2126 ~~فقال: { وما } أي والحال أنه ما { آمن } كائنا { معه } أي بإنذاره { إلا ~~قليل* } بسبب تقديرنا لا باغضائهم بما كوفحوا به من الإنذار؛ والتنور - ~~قال أبو حيان: وزنه فعول عند أبي علي وهو أعجمي، وقال ثعلب: وزنه تفعول ~~من النور، وأصله تنوور، همزت الواو ثم خففت وشدد الحرف الذي قبلها، ~~والزوج قد كثر على الرجل الذي له امرأة؛ قال الرماني: وقال الحسن في # ومن كل شيء خلقنا زوجين # [الذاريات: 49]: السماء زوج والأرض زوج، والشتاء زوج، والصيف زوج، ~~والليل زوج، والنهار زوج، حتى يصير الأمر إلى الله الفرد الذي لا يشبهه ~~شيء، ومعنى ذلك في صحيح البخاري وأقل ما قيل فيمن كان في السفينة ثمانية: ~~نوح وامرأة له، وثلالة بنين: سام وحام ويافث، ونساؤهم؛ وأكثر ما قيل أنهم ~~ثمانون - روي عن ابن عباس رضي الله عنهما. ### || [11.41-44] # ولما أتاه الأمر بذلك، بادر الامتثال فجمع من أمره الله به إلى السفينة ~~بعد أن هيأها لهم { وقال } أي لمن أمر بحمله { اركبوا } ولما كانت ~~الظرفية أغلب على السفينة قال: { فيها } أي السفينة؛ ولما أمرهم بالركوب ~~فركبوا، استأنف قوله، أو أمرهم بالركوب قائلين: { بسم الله } أي الذي له ~~الإحاطة الكاملة { مجراها ومرساها } أي إجرائها وإرساءها ومحلهما ~~ووقتهما، وقرأ الحسن وقتادة وحميد العرج وإسماعيل بن مجالد عن عاصم بكسر ~~الراء والسين كسرا خالصا بعده ياءان خالصتان على أن الاسمين صفتان ~~للجلالة؛ ثم علل نجاتهم بالإجراء والإرساء اعترافا بأنه لا نجاة إلا ~~بعفوه بقوله: { إن ربي } أي المحسن إلي بما دبر مني هذا الأمر وغيره، ~~وزاد في التأكيد تطبيقا لقلوب من معه معرفا لهم بأن أحدا لن يقدر الله ~~حق قدره وأن العبد لا يسعه إلا الغفران فقال: { لغفور } أي بالغ الستر ~~للزلات والهفوات { رحيم* } أي بالغ الإكرام لم يريد، فركبوها واستمروا ~~سائرين فيها يقولون: بسم الله { وهي } أي والحال أنها { تجري بهم }. # ولما كان الماء مهيئا للإغراق، فكان السير على ظهره من الخوارق، وأشار ~~إلى ذلك بالظرف فقال: { في موج } ونبه على علوه بقوله: { كالجبال } أي ms2127 في ~~عظمه وتراكمه وارتفاعه، فالجملة حال من فركبوها، المقدر لأنه لظهوره في ~~قوة الملفوظ، وكان هذه الحال مع أن استدامة الركوب ركوب إشارة إلى شرعة ~~امتلاء الأرض من الماء وصيرورته فيها أمثال الجبال عقب ركوبهم السفينة من ~~غير كبير تراخ، قالوا: وكان أول ما ركب معه الذرة، وآخر ما ركب معه ~~الحمار، وتعلق إبليس بذنبه فلم يستطع الدخول حتى قال له نوح عليه السلام: ~~ادخل ولو كان الشيطان معك - كذا قالوا، وقيل: إنه منع الحية والعقرب ~~وقال: إنكما سبب الضر، فقالا: احملنا ولك أن لا نضر أحدا ذكرك، فمن قال # سلام على نوح في العالمين * إنا كذلك نجزي المحسنين إنه من عبادنا ~~المؤمنين # [الصافات: 79-80] لم تضراه. ولما كان ابتداء الحال في تفجر الأرض كلها ~~عيونا وانهمار السماء انهمارا - مرشدا إلى أن الحال سيصير إلى ما أخبر ~~الله به من كون الموج كالجبال لا ينجي منه إلا السبب الذي أقامه سبحانه، ~~تلا ذلك بأمر ابن نوح فقال عاطفا على قوله { وقال اركبوا } { ونادى نوح ~~ابنه } أي كنعان وهو لصلبه - نقله الرماني عن ابن عباس وسعيد بن جبير ~~والضحاك { وكان } أي الابن { في معزل } أي عن أبيه في مكانه وفي دينه ~~لأنه كان كافرا، وبين أن ذلك المعزل كان على بعض البعد بقوله: { يا بني ~~} صغره تحننا وتعطفا { اركب } كائنا { معنا } أي في السفينة لتكون ~~من الناجين { ولا تكن } أي بوجه من الوجوه { مع الكافرين* } أي في دين ~~ولا مكان إشارة إلى أن حرص الرسل عليهم السلام وشفقتهم - وإن كانت مع ~~رؤية الآيات العظام والأمور الهائلة - ليست سببا للين القلوب وخضوع ~~النفوس ما لم يأذن الله، انظر إلى استعطاف نوح عليه السلام بقوله { يا ~~بني } مذكرا له بالنبوة مع تصغير التحنن والتراؤف وفظاظة الابن مع عدم ~~سماحه بأن يقول: يا أبت، ولم يلن مع ما رأى من الآيات العظام ولا تناهى ~~لشيء منها عن تقحم الجهل بدلا من العلم وتعسف الشبهة بدلا من الحجة. # ولما كان الحال حال دهش واختلال. كان ms2128 السامع جديرا بأن لا يصبر بل ~~يبادر إلى السؤال فيقول: فما قال؟ فقيل: { قال } قول من ليس له عقل تبعا ~~لمراد الله { سآوي إلى جبل يعصمني } أي بعلوه { من الماء } أي فلا أغرق { ~~قال } أي نوح عليه السلام { لا عاصم } أي لا مانع من جبل ولا غير موجود { ~~اليوم } أي لأحد { من أمر الله } أي الملك الأعظم المحيط أمره وقدرته ~~وعلمه، وهو حكمه بالغرق على كل ذي روح لا يعيش في الماء { إلا من رحم } ~~أي إلا مكان من رحمة الله فإنه مانع من ذلك وهو السفينة، أو لكن من رحمه ~~الله فإن الله يعصمه. # ولما ركب نوح ومن أمره الله به وأراده. ولم تبق حاجة في تدرج ارتفاع ~~الماء، فعلا وطما وغلب وعتا فهال الأمر وزاد على الحد والقدر، قال ~~تعالى عاطفا على ما تقديره: فلم يسمع ابنه ذلك منه بل عصى أباه كما عصى ~~الله فأوى إلى الجبل الذي أراده فعلا الماء عليه ولم يمكنه بعد ذلك ~~اللحاق بأبيه ولا الوصول إليه: { وحال بينهما } أي بين الابن والجبل أو ~~بينه وبين أبيه { الموج } المذكور في قوله { في موج كالجبال } { فكان } ~~أي الابن بأهون أمر { من المغرقين* } وهم كل من لم يركب مع نوح عليه ~~السلام من جميع أهل الأرض؛ قال أبو حيان: قل كانا يتراجعان الكلام فما ~~استتمت لمراجعة حتى جاءت موجة عظيمة وكان راكبا على فرس قد بطر وأعجب ~~بنفسه فالتقمته وفرسه وحيل بينه وبين نوح عليه السلام فغرق - انتهى. ~~والركوب: العلو على ظهر الشيء، ركب الدابة والسفينة والبر والبحر؛ ~~والجري: مر سريع؛ يقال: هذه العلة تجري في أحكامها، أي تمر من غير مانع، ~~والموج جمع موجة - لقطعة عظيمة من الماء الكثير ترتفع عن حملته، وأعظم ما ~~يكون ذلك إذا اشتدت الريح؛ والجبل: جسم عظيم الغلظ شاخص من الأرض هو لها ~~كالوتد؛ والعصمة: المنع من الآفة { وقيل } أي بأدنى إشارة بعد هلاك أهل ~~الأرض وخلوها من الكافرين وتدمير من في السهول والجبال من الخاسرين، وهو ~~من إطلاق ms2129 المسبب - وهو القول - على السبب - وهو لإرادة - لتصوير أمر ~~ومأمور هو في غاية الطاعة فإنه أوقع في النفس. # ولما كان كل شيء دون مقام الجلال والكبرياء والعزة بأمر لا يعلمه إلا ~~الله، دل على ذلك بأداة البعد فقال { يا أرض ابلعي } أي اجذبي من غير مضغ ~~إلى مكان خفي بالتدريج، وعين المبلوع لئلا يعم فتبتلع كل شيء على ظهرها ~~من جبل وغيره، ولذلك أفرد ولم يجمع فقال: { ماءك } أي الذي تجدد على ظهرك ~~للإغراق ليكون كالغذاء للآكل الذي يقوي بدنه فيقوى به على الإنبات وسائر ~~المنافع وجعله ماءها لاتصاله بها اتصال الملك بالمالك { ويا سماء أقلعي } ~~أي أمسكي عن الإمطار، ففعلتا مبادرتين لأمر الملك الذي لا يخرج عن مراده ~~شيء { وغيض الماء } أي المعهود، حكم عليه بالدبوب في أعماق الأرض، من ~~المتعدي فإنه يقال: غاض الماء وغاضه الله، كما يقال: نقض الشيء ونقضته ~~أنا { وقضي الأمر } أي فرغ وانبت وانبرم في إهلاك من هلك ونجاة من نجا ~~كما أراد الجليل على ما تقدم به وعده نوحا عليه السلام، لم يقدر أحد أن ~~يحبسه عنهم ولا أن يصرفه ولا أن يؤخره دقيقة ولا أصغر منها. فليحمد الله ~~من أخر عنه العذاب ولا يقل ما " يحبسه " لئلا يأتيه مثل ما أتى هؤلاء أو ~~من بعدهم { واستوت } أي استقرت واعتدلت السفينة { على الجودي } إشارة ~~باسمه إلى أن الانتقام العام قد مضى، وما بقي إلا الجود بالماء والخير ~~والخصب والرحمة العامة، وهو الجبل بالموصل بعد خمسة أشهر؛ قال قتادة: ~~استقلت بهم لعشر خلون من رجب وكانت في الماء خمسين ومائة يوم، واستقرت ~~بهم على الجودي شهرا، وهبط بهم يوم عاشوراء { وقيل } أي إعلاما بهوان ~~المهلكين والراحة منهم { بعدا } هو من بعد - بالكسر مرادا به البعد من ~~حيث الهلاك، فإن حقيقته بعد بعيد لا يرجى منه عود، ثم استعير للهلاك وخص ~~بدعاء السوء، وعبر بالمصدر لتعليقه باللام الدالة على الاستحقاق والختصاص ~~{ للقوم } أي المعهودين في هذه القصة التي كان فيها من شدة القيام فيما ~~يحاولونه ms2130 ما لا يعلمه أحد إلا الله { الظالمين* } أي العريقين في الظلم، ~~وهذه الآية تسع عشرة لفظة فيها أحد وعشرون نوعا من البديع - عدها أبو ~~حيان وقال: وروي أن أعرابيا سمعها فقال: هذا كلام القادرين. وذكر ~~الرماني عدة من معانيها، منها إخراج الأمر على جهة التعظيم لفاعله من غير ~~معاناة ولا لغوب، ومنا حسن تقابل المعاني، ومنها حسن ائتلاف الألفاظ، ~~ومنها حسن البيان في تصوير الحال، ومنها الإيجاز من غير إخلال، ومنها ~~تقبل الفهم على أتم الكمال؛ والبلع: إجراء الشيء في الحلق إلى الجوف؛ ~~والإقلاع: إذهاب الشيء من أصله حتى لا يبقى له أثر؛ والغيض: غيبة الماء ~~في ألأرض على جهة النشف وإبراز الكلام على البناء للمفعول أدل على ~~الكبرياء والعظمة للفاعل للإشارة إلى أنه معلوم لأنه لا يقدر على مثل هذه ~~الأفعال غيره، ونقل الأصبهاني عن صاحب المفتاح فيها كلاما أغلى من ~~الجوهر. ### || [11.45-48] # ولما كان الاستثناء من أهله في قوله: { إلا من سبق عليه القول } يجوز أن ~~يراد به امرأته فقط، فتكون نجاة ابنه جائزة، وكان ما عند الأنبياء عليهم ~~الصلاة والسلام من فرط الشفقة على الخلق لا سيما الأقارب يحملهم على ~~السعي في صلاحهم ما كان لذلك وجه كما تقدم مثل ذلك في قوله تعالى # إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم # [التوبة: 80] لأن أجنحة الخلق كسيرة وأيديهم قصيرة وأمرهم ضعيف وحالهم ~~رث، فأدنى هوان يورثهم الخسران، وأما جناب الحق ففسيح وشأنه عظيم وأمره ~~علي، فلا يلحقه نقص بوجه ولا يدانيه ضرر ولا يعتري أمره وهن، لما كان ~~ذلك كذلك، سأل نوح عليه السلام نجاة ولده كما أخبر عنه تعالى في قوله: { ~~ونادى نوح ربه } أي الذي عوده بالإحسان الجزيل، ودل سبحانه بالعطف بالفاء ~~دون أن يأتي بالاستئناف المفسر للنداء على أن ما ذكر هنا من نداء نوح ~~عليه السلام بعض ندائه وأن هذا المذكور مرتب معقب على شيء منه سابق عليه ~~أقربه أن يكون ما أرشده إليه سبحانه في سورة المؤمنين ويشعر به قوله ~~تعالى ms2131 بعد هذا جوابا له { يا نوح اهبط بسلام منا } فيكون تقدير الكلام ~~قال: رب أنزلني منزلا مباركا - وما قدر له من الكلام { فقال } أي عقبة ~~لما حمله على ذلك من رحمة النبوة وشفقة الأبوة وسجية البشر متعرضا ~~لنفحات الرحمة وعواطف العفو؛ أو الفاء تفصيل لمجمل " نادى " مثل ما في: ~~توضأ فغسل { رب إن ابني } أي الذي غرق { من أهلي } أي وقد أمرتني بحمل ~~أهلي، وذلك الأمر محتمل للإشارة إلى إرادة نجاتهم { وإن وعدك الحق } أي ~~الكامل في نجاتهم إلا من سبق عليه القول، وقد علمت ذلك في المرأة الكافرة ~~{ وأنت أحكم الحاكمين* } لأنك أعلمهم، ومن كان أعلم كان أحكم فتعلم أن ~~قولك { إلا من سبق عليه القول } يصح باستثنائها وحدها، فإن كان ابني ممن ~~نجا فأتني به؛ وإن كان هذا الدعاء عند حيلولة الموج بينهما فالمعنى: فلا ~~تهلكه { قال يا نوح } وأكد في نفي ما تقدم منه إثباته فقال: { إنه ليس من ~~أهلك } أي المحكوم بنجاتهم لإيمانهم وكفره، ولهذا علل بقوله: { إنه عمل } ~~أي ذو عمل، ولكنه جعله نفس العمل في قراءة الجماعة مبالغة في ذمه، وذلك ~~لأن الجواهر متساوية الأقدام في نفس الوجود لا تشرف إلا بآثارها، فبين ~~أنه ليس فيه أثر صالح أصلا، ويثبت قراءة يعقوب والكسائي بالفعل أن من ~~باشر السوء مطلق مباشرة وجبت البراءة منه، ولا سيما للأمر فلا يواصل إلا ~~بإذن، وعبر بالعمل دون الفعل لزعمه أن أعماله مبنية على العلم، وأكده لما ~~لا يخص من سؤال نوح عليه السلام هذا { غير صالح } بعلمي، وقد حكمت في هذا ~~الأمر أني لا أنجي منه إلا من اتصف بالصلاح وأنا عليم بذات الصدور، وأنت ~~يخفي عليك كثير من الأمور فربما ظننت الإيمان بمن ليس بؤمن لبنائك الأمر ~~على ما نراه من ظاهره؛ وقد نقل الرماني عن الحسن أنه كان ينافق بإظهار ~~الإيمان، وهذا يدل على أن الموافق في الدين ألصق ما يكون وإن كان في غاية ~~البعد في النسب، والمخالف فيه أبعد ما يكون وإن كان في ms2132 غاية القرب في ~~النسب. # ولما تسبب عن هذا الجواب أن ترك السؤال كان أولى، ذكر أمرا كليا يندرج ~~فيه فقال: { فلا تسألن } أي بنوع من أنواع السؤال { ما ليس لك به علم } ~~فلا تعلم أصواب السؤال فيه أم لا، لأن اللائق بأمثالك من أولى القرب بناء ~~أمورهم على التحقيق وانتظار الإعلام منا، انظر إلى قول موسى عليه السلام ~~في حديث الشفاعة في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: # " وإني قد قتلت نفسا لم أومر بقتلها " # ومن المعلوم أن تلك النفس كانت كافرة من آل فرعون { إني أعظك } بمواعظي ~~كراهية { أن تكون } أي كونا تتخلق به { من الجاهلين* } أي في عداد الذين ~~يعملون بالظن لأنهم لا سبيل لهم إلى الوقوف على حقائق الأمور من قبلنا ~~فتسأل مثل ما يسألون. # ولما انجلى للسامع ما هو فيه صلى الله عليه وسلم من علو المقام وعظيم ~~الشأن الموجب للعقاب على كثير من الصواب فتشوف للجواب، استأنف بيانه ~~بقوله: { قال } أي مبادرا على ما يقتضيه له من كمال الصفات { رب } أي ~~أيها المحسن إلي، وأكد دلالة للسامعين على عظيم رغبته فقال: { إني أعوذ ~~بك أن } أي من أن { أسألك } أي في شيء من الأشياء { ما ليس لي به علم } ~~تأدبا بإذنك واتعاظا بموعظتك وارتقاء لما رقيتني إليه من علو الدرجة ~~ورفيع المنزلة { وإلا تغفر لي } أي الآن وفي المستقبل { وترحمني } أي ~~تستر زلاتي وتمحها وتكرمني { أكن من الخاسرين* } أي العريقين في الخسارة ~~فكأنه قيل: ماذا أجيب عن ذلك؟ فقيل: { قيل } بالبناء للمفعول دلالة على ~~العظمة والجلال الذي تكون الأمور العظيمة لأجله بأدنى إشارة { يا نوح ~~اهبط } أي من السفينة { بسلام } أي عظيم { منا } أي ومن سلمنا عليه فلا ~~هلك يلحقه { وبركات } أي خيرات نامية عظيمة صالحة { عليك } أي خاصة بك { ~~وعلى أمم } ناشئة { ممن معك } لكونهم على ما يرضينا ولا نمتعهم بالدنيا ~~إلا قليلا، ولهم إذا رجعوا إلينا نعيم مقيم، وقد دخل في هذا الكلام كل ~~مؤمن ومؤمنة إلى يوم القيامة { وأمم } أي ms2133 منهم { سنمتعهم } في الدنيا ~~بالسعة في الرزق والخفض في العيش على وفق علمنا وإرادتنا ولا بركات عليهم ~~منا ولا سلام، فالآية من الاحتباك: ذكر البركات والسلام أولا دليلا على ~~نفيهما ثانيا، والمتاع ثانيا، دليلا على حذفه أولا { ثم يمسهم منا } ~~أي في الدارين أو في الآخرة أو فيهما { عذاب أليم* } لجريهم على غير ~~هدينا وجرأتهم على ما يسخطنا، ويجوز أن يكون { وأمم } مبتدأ من غير تقدير ~~صفة محذوفة، فيكون المسوغ للابتداء كون المقام مقام التفضيل؛ والعياذ: ~~طلب النجاة بما يمنع من الشر؛ والبركة: ثبوت الخير بنمائه حالا بعد حال، ~~وأصله الثبوت، ومنه البروك والبركة لثبوت الماء فيها. # ذكر قصة نوح عليه السلام من التوراة وهو نوح بن لمك بن متوشلح بن خنوخ ~~بن يارد بن مهلاليل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم عليه السلام، وذلك ~~لأنه في أوائل السفر الأول منها: وإن آدم طاف نحو حليلته فحبلت وولدت ~~ابنا فسماه شيث وقال: الآن أخلف الله علي نسلا آخر بدل هابيل الذي ~~قتله قابيل، وذلك بعد أن عاش آدم مائة وثلاثين سنة، وكان جميع حياة آدم ~~تسعمائة وثلاثين سنة، وعاش شيث مائة وخمس سنين فولد له أنوش، وكان جميع ~~حياة شيث تسعمائة واثنتي عشرة سنة، فعاش أتوش تسعين سنة فولد له قينان ~~وكان جيمع حياة أنوش تسعمائة وخمس سنة، وعاش قينان سبعين سنة فولد له ~~مهلاليل وكان جميع حياة قينان تسعمائة وعشرين سنة، وعاش مهلاليل خمسا ~~وستين سنة فولد له يارد وكانت مائة واثنتين وستين سنة فولد به خنوخ فكانت ~~جميع حياة يارد تسعمائة واثنتين وستين سنة، وعاش خنوخ خمسا وستين سنة ~~فولد له متوشلح وكانت جميع حياة خنوخ ثلاثمائة وخمسا وستين سنة، وعاش ~~متوشلح مائة وسبعا وثمانين سنة فولد له لمك وكانت جميع حياة متوشلح ~~تسعمائة وتسعا وستين سنة، وعاش لمك مائة واثنتين وثمانين سنة فولد له ~~ابن فسماه نوحا، ثم قال: هذا يريحنا من أعمالنا، وكد أيدينا في الأرض ~~التي قد لعنها الله، وكانت جميع أيام حياة ms2134 لمك سبعمائة وسبعا وسبعين ~~سنة، وتوفي ونوح ابن خمسمائة سنة. فولد لنوح بنون: سام وحام ويافث، فلما ~~بدأ الناس أن يكثروا على وجه الأرض وولد لهم البنات نظر بنو الأشارف منهم ~~بنات العامة حسانا جدا فأخذوا منهم النساء على ما اختاروا وأحبوا، فقال ~~الله عند ذلك: لا تحل عنايتي وشفتي على هؤلاء الناس لأنهم يتبعون أهواء ~~الجسد واللحم وكانت على الأرض جبابرة في تلك الأيام ومن بعدها، لأن بني ~~الأشراف دخلوا على بنات العامة فولد لهم جبابرة مذكورون، فرأى الرب أن شر ~~الناس قد كثر على الأرض هوىء فكرهم وحقدهم ردىء في جميع الأيام، فقال ~~الرب: أمحق الذين خلقت وأبيدهم عن جديد الأرض من الناس والبهائم حتى ~~الهوام وطير السماء؛ وظفر نوح من الله برحمة ورأفة، وكان نوح رجلا بارا ~~تقيا في حقبه فأرضى الله، وفسدت الأرض بين يدي الله وامتلأت إثما ~~وفجورا، فرأى الرب الإله أن الأرض قد فسدت وقال الله لنوح: قد وصل إلى ~~أمر جميع الناس وسوء أعمالهم لأن الأرض قد امتلأت إثما وفجورا بسوء ~~سيرتهم. # فهأنذا مفسدهم مع الأرض فاتخذ لك أنت تابوتا مربعا من خشب الساج - وفي ~~نسخة: الشمشار - وأجعل في التابوت علالي. واطلها بالقار من داخلها ~~وخارجها، وليكن طول الفلك ثلاثمائة ذراع. وعرضه خمسين ذراعا، وسمكه ~~ثلاثين ذراعا، واجعل في التابوت كوى وليكن عرضها من أعلاها ذراعا ~~واحدا، واجعل باب الفلك في جانبه، واجعل فيه منازل أسفل وأوساط وعلالي. ~~وها أنذا محدر ماء الطوفان على الأرض لأفسد به كل ذي لحم فيه نسمة الحياة ~~من تحت السماء، ويبيد كل ما على الأرض، وأثبت عهدي بيني وبينك. وتدخل ~~التابوت أنت وبنوك وامرأتك ونساء بنيك معك، ومن كل حي من ذوي اللحوم من ~~كل صنف اثنان لتحيى معك، ولتكن ذكورا وإناثا، من كل الطيور كأجناسها. ~~ومن الأنعام لأصنافها، ومن كل الهوام التي تدب على الأرض لجواهرها، اثنين ~~اثنين أدخل معك من كلها لتستحييها ذكرا وانثى، واجعل من كل ما يؤكل ~~فاخزنه معك، وليكن مأكلك ومأكلها؛ فصنع ms2135 نوح كل شيء كما أمر الله ثم قال ~~الله لنوح: ادخل أنت وكل أهل بيتك إلى التابوت لأني إياك وجدت بارا ~~تقيا في هذا الحقب، ومن كل الأنعام الزكية أدخل معك سبعة سبعة من الذكور ~~والإناث، ومن الأنعام التي ليست بزكية أدخل معك اثنين ذكورا وإناثا. ~~ومن الطير الزكي سبعة سبعة ذكورا وإناثا، ومن الطير الذي ليس بزكي ~~اثنين اثنين ذكورا وإناثا، ليحي منها نسل على وجه الأرض، لأني من الآن ~~إلى سبعة أيام أهبط القطر على وجه الأرض أربعين يوما ولياليها، وأبيد كل ~~ما خلقت على وجه الأرض؛ فصنع نوح كما أمره الرب الإله. فلما كان بعد بعد ~~ذلك بسبعة ايام نزلت مياه الطوفان، تفجرت مياه الغمر وتفتحت مثاعب ~~السماء. وأقبلت الأمطار على وجه الأرض أربعين نهارا وأربعين ليلة، وفي ~~هذا اليوم دخل نوح وسام وحام ويافث بنو نوح وامرأة نوح ونساء بنيه الثلاث ~~معه الفلك هم وجميع السباع لأجناسها وجميع الدواب لأصنافها وكل حشرة تدب ~~على الأرض بجواهرها وجميع الطيور لأجناسها، ودخل مع نوح التابوت منكل ~~عصفور ومن كل ذي جناحين اثنان اثنان، ومن كل ذي لحم فيه روح الحياة وكل ~~شيء دخل من ذوي اللحوم دخلوا ذكورا وإناثا كما أمر الله نوحا، ثم أغلق ~~الله الرب الباب عليه، وكان الطوفان على الأرض أربعين يوما وأربعين ~~ليلة، وكثرت المياه حتى احتملت التابوت فارتفع عن الأرض، وعزرت المياه ~~وكثرت على الأرض جدا وجعل التابوت يسير على وجه الماء واشتدت المياه على ~~وجه الأرض جدا جدا. # وتوارت جميع الجبال العالية الشاهقة التي تحت السماء، وارتفعت المياة من ~~فوق كل جبل خمسة عشر ذراعا، وباد كل ذي لحم على الأرض من الطيور أجمع ~~والسباع والدواب وجميع الحشرة التي تدب على الأرض وجميع الناس والبهائم، ~~ومات كل شيء كان فيه نسمة الحياة مما في اليبس. وبقي نوح ومن معه في ~~الفلك، واشتدت المياه على الأرض مائة وخمسين يوما؛ وإن الله ذكر نوحا ~~وكل السباع والدواب وجميع الطيور التي معه في التابوت. فأهاج ms2136 الله ريحا ~~على وجه الأرض فسكنت المياه والأمطار. واشتدت ينابيع الغمر وميازيب وغاضت ~~المياه بعد مائة وخمسين يوما، وسكن التابوت ووقف في الشهر السابع لثلاث ~~عشرة ليلة بقيت من الشهر على جبال قودي وجعلت المياه تنصرف وتنتقص إلى ~~الشهر العاشر، وظهرت رؤوس الجبال في أول يوم الشهر العاشر، فلما كان بعد ~~ذلك بأربعين يوما فتح نوح الكوة التي عملها في التابوت فأرسل الغراب، ~~فخرج الغراب من عنده فلم يعد إليه حتى يبست المياه عن وجه الأرض، ثم أرسل ~~الحمامة من بعده ليرى هل قلت المياه عن وجه الأرض فلم تجد الحمامة موضعا ~~لموطىء رجليها فرجعت إلى التابوت لأن المياه كانت بعد على وجه الأرض، فمد ~~يده فأخذها وأدخلها إليه وانتظر سبعة أيام أخرى، ثم عاد فأرسل الحمامة ~~فعادت عند المساء وفي منقارها ورقة زيتون، فعلم أن الماء قد غاض عن وجه ~~الأرض فصبر أيضا سبعة أيام أخر، ثم أرسل الحمامة فلم تعد إليه أيضا، ~~ففتح نوح باب الفلك فرأى فإذا وجه الأرض قد ظهر وجفت الأرض. فكلم الرب ~~الإله نوحا وقال له: اخرج من التابوت أنت وامرأتك وبنوك ونساء بنيك معك ~~وكل السباع التي معك من كل ذي لحم والطيور والدواب، وأخرج كل الهوام التي ~~تدب على الأرض معك، ولتتولد وتنمو في الأرض وتكثر وتزداد على الأرض. فخرج ~~نوح ومن ذكر وبنى للرب مذبحا وأخذ من جميع الدواب والطيور الزكية فأصعد ~~منها على المذبح قربانا للرب الإله، فقال الرب الإله: لا أعود ألعن ~~الأرض أبدا من أجل أعمال الناس لأن هوى قلب الإنسان وحقده رديء منذ صباه ~~ولا أعود أيضا أبيد كل حي كما فعلت، ومن الآن جميع أيام الأرض يكون فيها ~~الزرع والحصاد والبرد والحر والقيظ والشتاء، فبارك الله على نوح وبنيه ~~وقال لهم: انموا واكثروا واملؤوا الأرض، وليغش رعبكم وخوفكم جميع السباع ~~وبهائم الأرض وكل طيور السماء وكل دابة تدب على الأرض، وجميع حيتان ~~البحور تكون تحت أيديكم، وكل الدواب الطاهرة الحية تكون لأكلكم، وقد جعلت ~~الأشياء كلها ms2137 حلالا لكم مثل عشب البرية خضرها، وأما المخنوق الذي دمه ~~فيه فلا تأكلوه فإن دمع نفسه، وأما دماؤكم من أنفسكم فأطلبها بالنهي من ~~يد جميع الحيوان ومن يد جميع الناس، أي إنسان قتل أخاه طالبته بدمه، ومن ~~سفك دم الإنسان سفك دمه لأن الله خلق آدم بصورته، وأنتم فانموا واكثروا ~~وولدوا في الأرض وأكثروا فيها؛ وقال الله لنوح ولبنيه معه: هأنذا مثبت ~~عهدي بيني وبينكم ومع أنسالكم من بعدهم ومع كل نفس حية منكم، ومع الطيور ~~والدواب ومع كل سباع الأرض جميع الذين خرجوا من الفلك. # وأثبت عهدي بيني وبينكم فلا يبيد كل ذي لحم أيضا بماء الطوفان ولا يهبط ~~الطوفان أيضا ليفسد جميع الأرض، قال الله لنوح: هذه علامة لعهدي الذي ~~أجعله بيني وبينكم وبين كل نفس حية معكم في جميع أحقاب العالم، قد أظهرت ~~قوسي في السحاب فهي أمارة ذكر العهد الذي بيني وبينك وبين أهل الأرض، ~~فإذا أنشأت السحاب في الأرض وأظهرت قوس السحاب فاذكروا العهد الذي بيني ~~وبينكم، وكان بنو نوح الذين خرجوا معه من التابوت سام وحام ويافث، وحاتم ~~يكنى أبا كنعان، هؤلاء الثلاثة ثم بنو نوح، وتفرق الناس من هؤلاء في ~~الأرض كلها؛ ثم ذكر أن نوحا عليه السلام نام فرأى حام عريه فأظهر ذلك ~~لأخويه، فتناول سام ويافث رداء فألقياه على أكتافهما ثم سعيا على ~~أعقابهما مدبرين فواريا عرى أبيهما، فلما علم نوح ما صنع ابنه الأصغر دعا ~~عليه أن يكون عبدا لأخويه، وكانت جميع أيام حياة نوح تسعمائة سنة وخمسين ~~سنة، ثم توفي عليه الصلاة والسلام والتحية والإكرام؛ ثم ذكر أن الناس ~~بعده أرادوا أن يبنوا صرحا لاحقا بالسماء، واجتمع جميعهم على ذلك لأن ~~لغتهم كانت واحدة ورأيهم واحد ففرق الله ألسنتهم وفرقهم من هنالك على وجه ~~الأرض ولم يبنوا القرية التي هموا بها، ولذلك سميت بابل وبوبال معناه ~~بالعبراني: الشتات، وما في تفسير البغوي وغيره من أن عوج ابن عوق - ~~بضمهما كما في القاموس - كان في زمن نوح وسلم من الطوفان، ms2138 وأن الماء لم ~~يجاوز ركبتيه ونحو هذا كذب بحت منابذ لقوله تعالى: # ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون # [هود: 27] وقوله: { لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم } وقوله: # رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا # [نوح: 26] ونحوها، فإن كل من ذكر ذلك ذكر أن موسى عليه السلام قتله ~~كافرا. ### || [11.49-52] # ولما تمت هذه القصة علىالنحو الوافي ببيان اجتهاد نوح علبه السلام في ~~إبلاغ الإنذار من غير مراعاة إقبال ولا إدبار، وكانت مع ذلك دالة على علم ~~تام واطلاع على دقائق لا سبيل إليها إلا من جهة الملك العلام، فهي على ~~إزالة اللبس عن أمره صلى الله عليه وسلم أوضح من الشمس، قال تعالى منبها ~~على ذلك: { تلك } أي هذه الأنباء البديعة الشأن الغريبة الأمر البعيدة عن ~~طوق المعارض، العلية الرتب عن يد المتناول { من أنباء الغيب } أي أخباره ~~العظيمة، ثم أشار إلى أنه لا يزال يجدد له أمثالها بالمضارع في قوله: { ~~نوحيها إليك } فكأنه قيل: إن بعض أهل الكتاب يعلم بعض تفاصيلها، فأشار ~~إلى أن ذلك مجموعة غيب وبما يعلمونه غيب نسبي بقوله: { ما كنت تعلمها } ~~أي على هذا التفصيل { أنت } ولما كان خفاءها عن قومه دليلا على خفائها ~~عنه لأنه لم يخالط غيرهم قال: { ولا قومك } أي وإن كانوا أهل قوة في ~~القيام على ما يحاولونه وعددا كثيرا، ومنهم من يكتب ويخالط العلماء. # ولما كان زمان خفاء ذلك عنهم - وإن كان عاما لهم - بعض الزمان الماضي، ~~أدخل الجار فقال: { من قبل هذا } أي من إيحائي إليك حتى يطرق الوهم حينئذ ~~أنك تعلمتها من أحد منهم وإن كان يعلم كثيرا منها أهل الكتاب كما رأيت ~~عن نص التوراة فبان أن لا عرض لقومك إلا العناد { فاصبر } على ذلك ولا ~~تفتر عن الإنذار فستكون لك العاقبة كما كانت لنوح لأجل تقواه { إن ~~العاقبة } أي آخر الأمر من الفوز والنصر والسعادة { للمتقين* } أي ~~العريقين في مخافة الله في كل زمن، وقد تضمنت القصة البيان عما يوجبه حال ~~أهل ms2139 الخير والإيمان وأهل الشر والطغيان من الاعتبار بالنبأ عن الفريقين ~~ليجتبي حال هؤلاء ويتقي حال أولئك لسوء العاقبة في الدنيا والآخرة. # ولما تم من ذلك ما هو كفيل بغرض السورة، وختم بأن العاقبة دائما ~~للمتقين، أتبع بالدليل على ذلك من قصص الأنبياء مع الوفاء بما سيقت له ~~قصة نوح - على جميعهم السلام - من الحث على المجاهرة بالإنذار فقال ~~تعالى: { وإلى } أي ولقد ارسلنا إلى { عاد أخاهم } وبينه فقال: { هودا } ~~ولما تقدم أمر نوح مع قومه، استشرف السامع إلى معرفة ما قال هود عليه ~~السلام هل هو مثل قوله أو لا؟ فاستأنف الجواب بقوله: { قال يا قوم } ~~الذين هم أعز الناس لدي { اعبدوا الله } أي ذا الجلال والإكرام وحده؛ ثم ~~صرح وعلل فقال: { ما لكم } وأغرق في النفي فقال: { من إله } أي معبود بحق ~~{ غيره } فدعا إلى أصل الدين كما هو دأب سائر النبين والمرسلين؛ ثم ختم ~~ذلك بمواجهتهم بما يسوءهم من الحق وما ثناه عن ذلك رجاء ولا خوف فقال: { ~~إن } أي ما { أنتم إلا مفترون* } أي متعمدون الكذب على الله في إشراككم ~~به سبحانه لأن ما على التوحيد من أدلة العقل غير خاف على عاقل فكيف مع ~~تنبيه النقل! وذلك مكذب لمن أشرك، أي فاحذروا عقوبة المفتري؛ ثم نفى أن ~~يكون له في ذلك غرض غير نصحهم بقوله موضع " إني ناصح لكم بهذا الأمر فلا ~~يسوءكم مواجهتي لكم فيه بما تكرهون " { يا قوم } مكررا لاستعطاف { لا ~~أسألكم } أي في المستقبل كما لم أسالكم في الماضي { عليه } أي على هذا ~~الإنذار { أجرا } أي فلست موضع تهمة { إن } أي ما؛ { أجري } ثم وصف من ~~توكل عليه سبحانه بما يدل على الكفاية فعلي وجوب شكره فقال: { إلا على ~~الذي فطرني } أي أبتدأ خلقي ولم يشاركه في أحد فهو الغني المطلق لا أوجه ~~رغبتي إلى غيره كما يجب على كل أحد لكونه فطرة. # ولما كان الخلاف الذي لا حظ فيه جهة الدنيا لا يحتاج الإنسان في الدلالة ~~على أن صاحبه ملجأ إليه من ms2140 جهة الله، وأنه لا نجاة إلا به إلى غير العقل، ~~سبب عن قوله هذا الإنكار عليهم في قوله: { أفلا تعقلون* }. # ولما دعاهم مشيرا إلى ترهيبهم مستدلا على الصدق بنفي الغرض، رغبهم في ~~إدامة الخوف مما مضى بقوله: { ويا قوم } ومن هم أعز الناس علي ولهم قدرة ~~على ما طلب منهم { استغفروا ربكم } أي اطلبوا غفرانه بطاعتكم له لما يجب ~~له بإحسانه إليكم. وأشار إلى علو رتبة التوبة بأداة التراخي فقال: { ثم ~~توبوا إليه } أي تسموا عالي هذه الرتبة بأن تطلبوا ستر الله لذنوبكم ثم ~~ترجعوا إلى طاعته بالندم والإقلاع والاستمرار { يرسل السماء } أي الماء ~~النازل منها أو السحاب بالماء { عليكم مدرارا } أي هاطلة بمطر غزير ~~متتابع { ويزدكم قوة } أي عظيمة مجموعة { إلى قوتكم } ثم عطف على قوله { ~~استغفروا } قوله: { ولا تتولوا } أي تكلفوا أنفسكم غير ما جبلت عليه من ~~سلامة الانقياد فتبالغوا في الإعراض - بما أشار إليه إثبات التاء { ~~مجرمين* } أي قاطعين لأنفسكم - ببناء أمركم على الظنون الفاسدة عن خيرات ~~الدنيا والآخرة. ### || [11.53-56] # ولما محض لهم النصح على غاية البيان، ما كان جوابهم إلا أن { قالوا } ~~أي عاد بعد أن أظهر لهم هود عليه السلام من المعجزات ما مثله آمن عليه ~~البشر { يا هود } نادوه باسمه غلظة وجفاء { ما جئتنا ببينة } فأوضحوا لكل ~~ذي لب أنهم مكابرون لقويم العقل وصريح النقل، فهم مفترون كما كان العرب ~~يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم بعد أن أتاهم من الآيات على يده ما يفوت ~~الحصر { لولا أنزل عليه آية من ربه } { وما نحن } وأغرقوا في النفي ~~فقالوا: { بتاركي آلهتنا } مجاوزين لها أو صادرين { عن قولك } وتركهم ~~للعطف بالفاء - المؤذنة بأن الأول سبب الثاني أي الواو في قولهم: { وما ~~نحن لك } أي خاصة، وأغرقوا في التفي فقالوا: { بمؤمنين* } - دليل على ~~أنهم تركوا إتباعه عنادا، لا أنهم يعتقدون أنه لم يأت ببينة؛ وإلى ذلك ~~يرشد أيضا تعبيرهم بالاسمية التي تدل على الثبات فإذا نفي لم ينتف ~~الأصل؛ والبينة: الحجة الواضحة في الفصل بين الحق والباطل، ms2141 والبيان: فصل ~~المعنى من غيره حتى يظهر للنفس محررا مما سواه، والحامل على ترك البينة ~~بعد ظهورها صد الشبهة عنها أو تقليد الرؤساء في دفعها واتهام موردها أو ~~اعتقاد أصول فاسدة تدعو إلى جحدها أو العناد للحسد ونحوه، والجامع له كله ~~وجود الشبهة. # ولما قالوا هذا الكلام البين الفساد من غير تعرض لنقض ما قال لهم بنوع ~~شبهة، كان كأنه قيل لهم: هذا الذي قلته لكم وهو لا أبين منه ولا أعدل، ~~افرضوا أنه ما ظهر لكم صحته فما تقولون إنه حملني عليه مع أن فيه ~~منابذتكم وأنتم أولاد عمي وأعز الناس علي؟ فقالوا: { إن نقول إلا اعتراك ~~} أي أصابك وغشيك غشيانا التصق بك التصاق العروة بما هي فيه مع التعمد ~~والقوة { بعض آلهتنا بسوء } من نحو الجنون والخبال فذاك الحامل لك على ~~النهي عن عبادتها. # ولما كان الطبع البشري قاضيا بأن الإنسان يخشى ممن مسه بسوء وهو يتوهم ~~أنه قادر على ضرره فلا يواجهه بما يكره، وكان قولهم محركا للسامع إلى ~~الاستعلام عن حوابه لهم، استأنف سبحانه الإخبار عنه بقوله: { قال } ~~نافيا لما قالوا مبينا أن آلهتهم لا شيء ضاما لهم معها، وأكد لأنهم ~~بحيث لا يظنون أن أحدا لا يقول ما قاله { إني أشهد الله } أي الملك ~~الأعظم ليقوم عذري عنده وعدل أدبا مع الله عن أن يقول: وأشهدكم - لئلا ~~يتوهم تسوية - إلى صيغة الأمر تهاونا بهم فقال: { واشهدوا } أي أنتم ~~لتقويم الحجة عليكم لأيكم ويبين عجزكم ويعرف كل أحد أنكم بحيث يتهاون بكم ~~وبدينكم ولا يبالي بكم ولا به { أني بريء مما تشركون* } وبين سفولها ~~بقوله: { من دونه } كائنا ما كان ومن كان، فكيف إذا لم يكن إلا جمادا { ~~فكيدوني } حال كونكم { جميعا } أي فرادى إن شئتم أو مجتمعين أنتم ~~وآلهتكم. # ولما كانت المعاجلة في الحرب أهول، وكان شأنها أصعب وأخطر، بين عظمها ~~بأداة التراخي فقال: { ثم لا تنظرون* } والكيد: طلب الغيظ بالسر في مكر، ~~وهذه الآية من أعلام النبوة الواضحة لهود عليه السلام، فكأنه قيل: هب ms2142 أن ~~آلهتنا لا شيء، فما حملك على الاجتراء على مخالفتنا نحن وأنت كثرتنا ~~وقوتنا وأنت لا تزيد على أن تكون واحدا منا فقال: { إني } أي جسرت على ~~ذلك لأني { توكلت } معتمدا { على الله } الملك المرهوب عقابه الذي لا ~~ملك سواه ولا رب غيره؛ وبين إحاطة ملكه بقوله: { ربي وربكم } أي الذي ~~أوجدنا ودبر أمورنا قبل أن يخلقنا فعلم ما يعمل كل منا في حق الآخرة لأنه ~~{ ما من دابة } أي صغرت أو كبرت { إلا هو آخذ } أي أخذ قهر وغلبة { ~~بناصيتها } أي قادر عليها، وقد صار الأخذ بالناصية عرفا في القدرة، لأن ~~الكل جارون مع مراده لا مع مرادهم بل لا ينفك أحد عن كراهة لبعض ما هو ~~فيه فدل ذلك قطعا على أنه بغير مراده وإنما هو بمراد قاهر قهره على ذلك ~~وهو الملك الأعلى سبحانه؛ والناصية: شعر مقدم الرأس، ومن أخذ بناصيته فقد ~~انقاد لأخذه لا يستطيع ميلا { إن } أي لأن { ربي } أي المحسن إلي بما ~~أقامني فيه { على صراط } أي طريق واسع بين { مستقيم* } ظاهر أمره لكل أحد ~~لا لبس فيه أصلا ولا خلل ولا اضطراب ولا اعوجاج بوجه، فلذلك كان كل من ~~في الكون يتألهه ويدعو ويخافه ويرجوه وإن اتخذ بعضهم من دونه شركاء، وأما ~~ما يعبد من دونه فلا يعظمه إلا عابده، وأما غير عابده فإنه لا يقيم له ~~وزنا؛ فصح بهذا غالب على كل شيء غلبة يعلمها كل موجود من غير خفاء ~~أصلا، فهو مرجو مرهوب بإجماع العقلاء بخلاف معبوداتكم، والحاصل أنه يلزم ~~الصراط المستقيم الظهور، فيلزم عدم الاختلاف لانتفاء اللبس، فمن كان عليه ~~كان علي القدر شهير الأمر، بصيرا بما يريد، مع الثبات والتمكن، مرهوب ~~العاقبة، مقصودا بالاتباع والمحبة، من لم يقبل إليه ضل، ومن أعرض عنه ~~أخذ لكثرة أعوانه وعز سلطانه، فظهرت قدرته على عصمة من يتوكل عليه وعجز ~~معبوداتهم معهم، لأن نواصي الكل بيده وهو ربها وربهم ورب كل شيء، فقد ~~انطبق ختام الآية على قولهم { ما جئتنا ببينة } ردا له ms2143 لأن من كان على ~~صراط مستقيم لم يكن شيء أبين من أمره، وعلى جوابه في توكله وما في حيزه ~~أتم انطباق؛ والناصية: مقدم الشعر من الرأس، وأصلها الاتصال من قولهم: ~~مفازة تناصي مفازة - إذا كانت متصلة بها. ### || [11.57-60] # ولما استوفى تشييده أمره وهدم قولهم، أخذ يحذرهم فقال مبينا أن العدول ~~عما جاء به لا يكون إلا بمعالجة الطبع السليم: { فإن تولوا } ولو أدنى ~~تولية - بما يشير إليه حذف التاء، فعليكم اللوم دوني، لأني فعلت ما علي ~~{ فقد } أي بسبب أني قد { أبلغتكم ما } أي كل شيء { أرسلت } أي تقدم ~~إرسالي من عند من لا مرسل في الحقيقة غيره { به إليكم } كاملا لم أدع ~~منه شيئا رجاء لإقبالكم ولا خوفا من إعراضكم، فأبيتم إلا التكذيب لي ~~والاستكبار عما جئت به، فالذي أرسلني ينتقم منكم فيهلككم { ويستخلف ربي } ~~أي يوجد المحسن إلي بإقامتي فيما يرضيه { قوما غيركم } يخلفونكم في ~~دياركم وأموالكم، فتكونون أعداءه، ويكون المستخلفون متعرضين لأن يكونوا ~~أولياء مع كونهم ذوي بأس وقوة فيختص الضرر بكم { ولا تضرونه } أي الله ~~بإعراضكم { شيئا } ثم علل وعيده لهم بقوله مؤكدا لأن العاصي فاعل ~~بعصيانه فعل من يظن أن الله غافل عنه: { إن ربي } أي المحسن إلي المدبر ~~لمصالحي. # ولما كان الأهم في هذا السياق بيان استعلائه وقدرته، قدم قوله: { على كل ~~شيء } صغيرا أو كبيرا جليل أو حقير { حفيظ* } أي عالم بكل شيء وقادر ~~على كل شيء وبالغ الحفظ له، فيعلم ما يعمل محفوظه فيجازيه بما يستحق من ~~نعمه ونقمه، فهو تعليل لاستخلاف غيرهم وتنزهه عن لحوق ضرر، لأن الحفظ: ~~الحراسة، ويلزمها العلم والقدرة، فمن القدرة حافظ العين، أي لا يغلبه ~~نوم، والحفيظة - للحمية والغضب، ومنهما معا المحافظة - للمواظبة على ~~الشيء؛ والتوالي عن الشيء: الذهاب إلى غير جهته إعراضا عنه؛ والإبلاغ: ~~إلحاق الشيء نهايته؛ والاستخلاف: جعل الثاني بدلا من الأول يقوم مقامه؛ ~~والضر: إيجاب الألم بفعله أو التسبب له. # ولما تم ذلك كان كأنه قيل: فلم يرجعوا ولم يرعووا لبينة ولا رغبة ولا ms2144 ~~رهبة فأنزلنا بهم أمرنا { ولما جاء أمرنا } أي وقت إرادتنا لإهلاك عاد { ~~نجينا } أي تنجية عظيمة بما لنا من العظمة { هودا والذين آمنوا } كائنين ~~{ معه } في الإيمان والنجاة من قومهم فلم يقدروا أن يصلوا إليهم بسوء مع ~~اجتهادهم في ذلك وإعجابهم بقواهم ويقال: إن الذين آمنوا كانوا أربعة ~~آلاف. # ولما كان سبحانه بحيث لا يجب عليه لأحد شيء لأنه لا يقدر أحد أن يقدره ~~حق وإن اجتهد في طاعته، فإن طاعته نعمة منه عليه، أشار إلى ذلك بقوله: { ~~برحمة منا } تحقيقا لتوكل عبدنا؛ ولما بين إنجاءهم من قومهم بين ~~إنجاءهم مما أهلكهم به فقال مكررا ذكر التنجية دلالة على أن عذابهم كان ~~في غاية الفظاعة: { ونجيناهم } أي بما لنا من العظمة، وبين فظاعة ما أهلك ~~به أعداءهم بقوله: { من عذاب غليظ* } أي أهلكنا به مخالفيهم وهو الريح ~~الصرصر، وهذا أولى من حمله على عذاب الآخرة لما يأتي من قوله { ومن خزي ~~يومئذ } كأنهم كانوا إذا رأوا مخايل العذاب قصدوا نبيهم ومن آمن به ~~ليهلكوهم قبلهم كما صرح به في قصة صالح؛ والنجاة: السلامة من الهلاك؛ ~~وحقيقة الغلظة عظم الجثة، فاستعير للعذاب لثقله على النفس وطول مكثه. # ولما تمت قصتهم على هذا الوجه لابديع والأسلوب المطرب، قال تعالى عاطفا ~~على قوله { تلك من أنباء الغيب }: { وتلك عاد } أي قصة القوم البعداء ~~البغضاء، ما كنت تعلمها على هذا التفصيل أنت ولا قومك ولا أهل الكتاب، ~~وإنما نفيت عن أهل الكتاب لأنهم لا يعلمون إلا ما له أصل عن أنبيائهم، ~~وهذه وقصة ثمود ليستا في التوراة ولا شيء من أسفار أنبيائهم، وسألت بعض ~~علمائهم فلم أجد عنده شيئا من علمها ولا حرفا واحدا ولا سمع بعاد ولا ~~هود، وتلخيص قصتهم أنهم { جحدوا } أي كذبوا عنادا واستهانة { بآيات ربهم ~~} المحسن إليهم { وعصوا رسله } فإن من عصى واحدا منهم فقد عصى الكل ~~لاتفاقهم على أمر واحد مع التساوي في مطلق المعجزة { واتبعوا } أي بغاية ~~جهدهم { أمر كل جبار } أي قاهر بليغ القهر يجبر غيره على ms2145 ما يريد، وهذا ~~يدل على أنه لا عذر في أصل الدين بوجه فإن الضمائر لا يعلمها إلا الله ~~فيمكن كل أحد مخالفة الجبار فيه { عنيد* } أي طاغ باغ لا يقبل الحق بوجه، ~~فأهلكوا ولم يمنعهم تجبرهم ولا أغنى عنهم عنادهم وتكبرهم { وأتبعوا } ~~جميعا بعد إهلاكهم بأيسر وجه لعظيم قدرة المتبع { في هذه الدنيا } حقرها ~~في هذه العبارة بما أشارت إليه الإشارة مع التصغير، وبما دل على الدنو ~~وبأن من اغتر بها فهو ممن وقف مع الشاهد لما له من الجمود { لعنة } أي ~~طردا وبعدا وإهلاكا { ويوم القيامة } أي كذلك بل أشد، فكأنه قيل: أفما ~~لمصيبتهم من تلاف؟ فقيل: لا، { ألا } مفتتحا للإخبار عنهم بهذه الأداة ~~التي لا تذكر إلا بين يدي كلام يعظم موقعه ويجل خطبه، والتأكيد في ~~الإخبار بكفرهم تحقيق لحالهم، وفيه من أدلة النبوة وأعلام الرسالة الرد ~~على طائفة قد حدثت بالقرب من زماننا يصوبون جيمع الملل وخصوا عادا هذه ~~لكونها أغناهم بأن قالوا: إنهم من المقربين إلى الله وإنهم بعين الرضى ~~منه، فالله المسؤول في الإدالة عليهم وشفاء الصدور منهم، وهم أتباع ابن ~~عربي الكافر العنيد أهل الاتحاد، المجاهرون بعظيم الإلحاد، المستخفون برب ~~العباد، فلذلك قال تعالى مبينا لحالهم بيانا لا خفاء معه: { إن عادا ~~كفروا } ولم يقصر الفعل، بل عداه إعظاما لطغيانهم فقال: { ربهم } أي ~~غطوا جميع أنوار الظاهر الذي لا يصح أصلا خفاءه لأنه لا نعمة على مخلوق ~~إلا منه، فكان كفرهم أغلظ الكفر، ومع ذلك فلم ينثن هود عليه السلام عن ~~إبلاغهم جميع ما أمر به ولا ترك شيئا مما أوحي إليه فلك به أسوة حسنة ~~وفيهم قدوة، ومن كفر من أحسن إليه بعد بعدا لا قرب معه. # ولما كان الأمر عظيما والخطب جليلا، كرر الأداة التي تقال عند الأمور ~~الجليلة فقال: { ألا بعدا لعاد } هو من بعد - بكسر العين إذا كان بعده ~~بالهلاك، وبينهم بقوله: { قوم هود } تحقيقا لهم لأنهم عادان: الأولى ~~والآخرة، وإيماء إلى أن استحقاقهم للإبعاد بما جرى لهو عليه السلام ms2146 معهم ~~من الإنكار والدعاء عليهم بعد الهلاك كناية عن الإخبار بأنهم كانوا ~~مستحقين للهلاك؛ والجحد: الخبر عما يعلم صحته أنه لا يعلمها، وهو ضد ~~الاعتراف كما أن النفي ضد الإثبات، فهو خبر بمجرد العدم فهو أعم؛ ~~والعصيان خلاف ما أمر به الداعي على طريق الإيجاب؛ واللعنة: الدعاء ~~بالإبعاد، وأصلها الإبعاد من الخير؛ والإتباع: جعل الثاني على أثر الأول، ~~والإبلاغ أخص منه، والمراد هنا بلوغها لهم لأن الذي قضى بذلك قادر وقد ~~ألحق بهم عذاب الدنيا المبعد لهم من مظان الرحمة. ### || [11.61-62] # ولما انقضت قصة عاد على ما أراد سبحانه، أتبعها قصة من كانوا عقبهم في ~~الزمن ومثلهم في سكنى أرض العرب وعبادة الأوثان والمناسبة في الأمر ~~المعذب به لأن الموصل للصيحة إلى الأسماع هو الريح وفي خفاء أمرهم، ~~مفصلا على أهل ذلك الزمان فقال: { *وإلى } أي ولقد أرسلنا إلى { ثمود ~~أخاهم } وبينه بقوله: { صالحا } ثم أخرج قوله صلى الله عليه وسلم على ~~تقدير سؤال فقال: { قال يا قوم } أي يا من يعز علي أن يحصل لهم سوء { ~~اعبدوا الله } أي الملك الأعظم وحده لأن عبادتكم له مع غيره ليست بشيء؛ ~~ثم استأنف تفسير ذلك فقال: { ما لكم } أغرق في النفي فقال: { من إله غيره ~~} جريا على منهاج الدعاة إلى الله في أصل الدين، وهو إفراد المنعم ~~بالعبادة. # ولما أمرهم بذلك، ذكرهم قدرته ونعمته مرغبا مرهبا فقال: { هو } أي ~~وحده { أنشأكم } أي ابتدأ خلقكم { من الأرض } بخلق آدم عليه السلام منها ~~بغير واسطة وبخلقكم من المني من الدم وهو من الغذاء وهو من النبات وهو من ~~الأرض كما أنشأ أوثانكم منها { و } وفع مقداركم عليه بأن { استعمركم } أي ~~أهلكم لما لم يؤهل له الأوثان من أن تكونا عمارا { فيها } فلا تنسوا حق ~~إلهكم وما فضلكم به من حق أنفسكم بخضوعكم لما لا يساويكم فكيف بمن أنشأكم ~~وإياها؛ والإنشاء: الابتداء بالإيجاد من غير استعانة بشيء من الأسباب. # ولما بين لهم سبحانه عظمته، وكان الشيطان قد شبه عليهم لأنه لعظمته لا ~~يوصل إليه ms2147 بوسيلة كما هو حال الملوك وألقى إليهم أن الأوثان وسائل، نفى ~~ذلك مبينا طريق الرجوع إليه بقوله: { فاستغفروه } أي فأقبلوا بكل قلوبكم ~~عليه طالبين أن يستر ذنوبكم؛ وذكر شرط المغفرة بقوله مشيرا بأداة البعد ~~إلى عظيم المنزلة: { ثم توبوا } أي ارجعوا بجميع قلوبكم { إليه } ثم علل ~~ذلك بلطفه وعطفه ترغيبا في الإقبال إليه فقال مؤكدا لأن من يرى إمهاله ~~للعصاة يظن الظنون ومن عصاه كان عمله عمل من ينكر قربه وإجابته: { إن ربي ~~} الذي أخلصت له العبادة لإحسانه إلي وأدعوكم إلى الإخلاص له لإحسانه ~~إليكم { قريب } من كل من أقبل إليه من غير حاجة إلى معاناة مشي ولا حركة ~~جارحة { مجيب* } لكل من ناداه لا كمعبوداتكم في الأمرين معا. # ولما دعاهم إلى الحق ونصب لهم عليه من الأدلة ما هم به معترفون وذكرهم ~~نعمه مومئا إلى التحذير من نقمه، وسهل لهم طريق الوصول إليه، ما كان ~~جوابهم إلا أن سلخوه من طور البشرية لمحض التقليد، فلذلك استأنف الإخبار ~~عن جوابهم بقوله: { قالوا } أي ثمود { يا صالح } نادوه باسمه قلة أدب ~~منهم وجفاء { قد كنت فينا } أي فيما بينا إذا تذاكرنا أمرك { مرجوا } أي ~~في حيز من يصح أن يرجى أن يكون فيه خير وسؤدد ورشد وصلاح، واستغرقوا ~~الزمان فحذفوا الجار وقالوا: { قبل هذا } أي الذي دعوتنا إليه فأما بعد ~~هذا فانسلخت من هذا العداد؛ ثم بينوا ما أوجب سقوطه عندهم بقولهم منكرين ~~إنكار محترق { أتنهانا } أي مطلق نهي { أن نعبد } أي دائما { ما يعبد ~~آباؤنا } وعبروا بصيغة المضارع تصويرا للحال كأن آباءهم موجودون فلا ~~تمكن مخالفتهم إجلالا لهم، فأجلوا من يرونه سببا قريبا في وجودهم ولم ~~يهابوا من أوجدهم وآباءهم أولا من الأرض وثانيا من النطف، ثم خولهم ~~فيما هم فيه، ثم فزعوا - في أصل الدين بعد ذكر الحامل لهم على الكفر ~~المانع لهم من تركه - إلى البهت بأن ما يوجب القطع لكل عاقل من آيته ~~الباهرة لم يؤثر عندهم إلا ما هو دون الظن في ترك إجابته، فقالوا مؤكدين ms2148 ~~لأن شكهم حقيق بأن ينكر لأنه في أمر واضح جدا لا يحتمل الشك أصلا: { ~~وإننا لفي شك } وزادوا التأكيد بالنون واللام وبالإشارة بالظرف إلى إحاطة ~~الشك بهم { مما } ولما كان الداعي واحدا وهو صالح عليه السلام لم يلحق ~~بالفعل غير نون واحدة هي ضميرهم بخلاف ما في سورة إبراهيم عليه السلام ~~فلذلك قالوا: { تدعونا إليه } من عبادة الله وحده { مريب* } أي موقع في ~~الريبة وهي قلق النفس وانتفاء الطمأنينة باليقين؛ والرجاء: تعلق النفس ~~لمجيء الخير على جهة الظن، ونظيره الأمل والطمع؛ والنهي: المنع من الفعل ~~بصيغة لا تفعل. ### || [11.63-68] # ولما أبرزوا له أمرهم في قالب الشك على سبيل الجزم، قابلهم بمثله على ~~سبيل الفرض إنصافا لهم لئلا يلائم الخطاب حال المخاطبين، فاستأنف سبحانه ~~الإخبار عنه بذلك في قوله: { قال } أي صالح ناديا لهم إلى النظر في أمره ~~برفق { يا قوم أرءيتم } أي أخبروني { إن كنت } أورده بصيغة الشك لأن ~~خطابه للجاحدين { على بينة من ربي } أي المحسن إلي، لا شك عندي فيها { ~~وآتاني منه رحمة } أي أوامر هي سبب الرحمة { فمن ينصرني } وأظهر موضع ~~الإضمار وعبر بالاسم الأعظم لاقتضاء المقام التهويل فقال: { من الله } أي ~~الملك الأعظم { إن عصيته } أي إن وقوعكم في الشك على زعمكم حملكم على ~~هيئة الإباء في التلبس بأعمالهم مع زوالهم واضمحلالهم لو كانوا موجودين ~~وعصيتموهم لم تبالوا بهم، وأما أنا فالذي أمرني بعبادته حي قادر على جزاء ~~من يطيعه أو يعصيه، وأقل ما يحمل على طاعته الشك في عقوبته، وهو كاف ~~للعاقل في ترك الخطر { فما } أي فتسبب عن نهيكم لي عن الدعاء إليه سبحانه ~~أنكم ما { تزيدونني } بذلك شيئا في عملي بما ترمونه مني من عطفي عنه ~~باتباعكم في عملكم أو الكف عنكم لأصير في عداد من يرجى عندكم ممن له عقل ~~{ غير تخسير* } أي إيقاعي في الخسارة على هذا التقدير: فلا تطمعوا في ~~تركي لشيء من مخالفتكم ما دمتم على ما أنتم عليه، والآية كما ترى ناظرة ~~إلى قوله تعالى { فلعلك تارك بعض ms2149 ما يوحى إليك }. # ولما أخبرهم أن معصية الله خسران، ذكرهم أمر الناقة التي أخرجها سبحانه ~~لهم من الأرض شاهدا على كونهم مساوين للأوثان في كونهم منها مفضلين ~~عليها بالحياة محذرا لهم من شديد انتقامه فقال: { ويا قوم هذه } إشارة ~~إلى حاضر، وذلكم بعد أن أخرجها لهم سبحانه عندما دعاه صالح عليه السلام؛ ~~وبين الإشارة بقوله: { ناقة الله } أي الملك الأعلى، ثم بني حالا من { ~~آية } مقدما عليها لئلا يكون صفة لها فقال: { لكم } أي خاصة لنظركم ~~إياها عندما خرجت ولكل من سمع بها بعدكم، وليس الخبر كالمعاينة، أشير ~~إليها حال كونها { آية } بكون الله تعالى أخرجها لكم من صخرة، وهي عشراء ~~على حسب ما اقترحتم وأنتم تشاهدون وبكونها تنفرد بشرب يوم، وتنفردون كلكم ~~بشرب يوم وتنفرد برعي يوم، وتنفرد جميع الحيوانات من دوابكم ووحوش بلادكم ~~برعي يوم إلى غير ذلك مما أنتم له مبصرون وبه عارفون { فذروها } أي ~~اتركوها على أي حالة كان ترككم لها { تأكل } أي مما أرادت { في أرض الله ~~} أي الملك الذي له الأمر كله التي خلقها منها { ولا تمسوها بسوء } ~~والأكل: مضغ يقع عند بلع؛ والمس مطلق الإصابة ويكون بين الحيوان وغيره، ~~واللمس أخص منه لما فيه من الإدراك { فيأخذكم } أي فيتسبب عن ذلك أن ~~يأخذكم { عذاب قريب* } أي من زمن إصابتكم لها بالسوء؛ ثم اشار إلى قرب ~~مخالفتهم لأمره فيها بقوله مسببا عن أوامره ونواهيه ومعقبا: { فعقروها ~~} أي الناقة { فقال } أي عند بلوغه الخبر { تمتعوا } أي أنتم تعيشون { في ~~داركم } أي داركم هذه، وهي بلدة الحجر { ثلاثة أيام } أي بغير زيادة ~~عليها، فانظروا ماذا يغني عنكم تلذذكم وترفهكم وإن اجتهدتم فيه. # ولما كان كأنه قيل: هل في هذا الوعيد مثنوية، قال مجيبا: { ذلك } أي ~~الوعد العالي الرتبة في الصدق والغضب { وعد غير مكذوب* } أي فيه؛ ~~والتمتع: التلذذ بالمدركات الحسان من المناظر والأصوات وغيرها مما يدرك ~~بالحواس، وسميت البلاد دارا لأنها جامعة لأهلها - كما تجمع الدار - ~~ويدار فيها، وأشار إلى تعقب العذاب للأيام وتسببه عن الوعيد ms2150 المعين ~~بقوله: { فلما جاء أمرنا } بالفاء بخلاف ما في قصة هود وشعيب عليهما ~~السلام، أي مع مضي الأيام كان أول ما فعالنا أن { نجينا } بنا لنا من ~~العظمة أولياءنا { صالحا والذين آمنوا معه } من كيد قومهم، وبين أن ~~إحسانه سبحانه لا يكون إلا فضلا منه بقوله: { برحمة منا } وذلك أنه عليه ~~السلام قال لهم: تصبحون غدا يوم مؤنس - يعني الخميس - ووجوهكم مصفرة، ثم ~~تصبحون يوم عروبة - يعني الجمعة - ووجوهكم محمرة، ثم تصبحون يوم شبار ~~ووجوهكم مسودة، ثم يصبحكم العذاب يوم أول - أي الأحد - فقال التسعة رهط ~~الذين عقروا الناقة: هلم فلنقتل صالحا، فإن كان صادقا عجلناه قبلنا، ~~وإن كان كاذبا قد كنا ألحقناه بناقته، فأتوه ليلا ليبيتوه في أهله ~~فدمغتهم الملائكة بالحجارة، فلما أبطؤوا على أصحابهم أتوا منزل صالح ~~فوجدوهم قد رضخوا بالحجارة فقالوا لصالح: أنت قتلتهم! ثم هموا به فقامت ~~عشيرته دونهم ولبسوا السلاح وقالوا لهم: والله لا تقتلونه أبدا فقد ~~وعدكم أن العذاب يكون بكم بعد ثلاث، فإن كان صادقا لم تزيدوا ربكم عليكم ~~إلا غضبا، وإن كان كاذبا فأنتم وراء ما تريدون، فانصرفوا فلما أصبحت ~~وجوههم مصفرة عرفوا أنه قد صدقهم، فطلبوه ليقتلوه فجاء إلى بطن منهم يقال ~~له (بنو غنم) فنزل على سيدهم رجل فغيبه عنده، فعدوا على أصحاب صالح ~~يعذبونهم ليدلوهم عليه فقالوا: يا نبي الله! إنهم يعذبوننا لندلهم عليك، ~~أفندلهم؟ قال: نعم، فدلوهم عليه فأتوه فقال الغنمي: نعم عندي ولا سبيل ~~إليه، فتركوه وشغلهم عنه ما أنزل الله بهم كذا ذكر ذلك البغوي عن ابن ~~اسحاق ووهب وغيرهما مطولا. # ولما ذكر نجاتهم من كل هلكة، ذكر نجاتهم من خصوص ما عذب به قومهم فقال: ~~{ ومن } أي ونجيناهم من { خزي } أي ذل وفضيحة { يومئذ } أي يوم إذ جاء ~~أمرنا بإهلاكهم بالصيحة وحل بهم دونهم فرقا بين أوليائنا وأعدائنا، وحذف ~~" نجينا " هنا يدل على أن عذابهم دون عذاب عاد؛ ثم عقب ذلك بتعليله ~~إهلاكا وإنجاء باختصاصه بصفات القهر والغلبة والانتقام فقال: { إن ربك } ~~أي المحسن إليك ms2151 كما أحسن إلى الأنبياء من قبلك { هو } أي وحده { القوي } ~~فهو يغلب كل شيء { العزيز* } أي القادر على منع غيره من غير أن يقدر أحد ~~عليه أو على الامتناع منه، من عز الشيء أي امتنع، ومنه العزاز - للأرض ~~الصلبة الممتنعة بذلك عن التصرف فيها؛ والخزي: العيب الذي تظهر فضيحته ~~ويستحي من مثله؛ ثم بين إيقاعه بأعدائه بعد إنجائه لأوليائه فقال معظما ~~للأخذ بتذكير الفعل: { وأخذ الذين ظلموا الصيحة } وأشار إلى عظمة هذه ~~الصيحة بإسقاط علامة التأنيث وسبب عنها قوله: { فأصبحوا في ديارهم ~~جاثمين* } أي ساقطين على وجوههم، وقيل: جاثين على الركب موتى لا حراك ~~بهم، وتقدم سر التعبير بالديار مع الصيحة والدار مع الرجفة في الأعراف، ~~وخصت هود بما ذكر فيها لأن مقصودها أعظم نظر إلى التفصيل، وكل من الديار ~~والصيحة أقرب إلى ذلك. # ولما كان الجثوم كناية عن الموت أوضحه بقوله: { كأن } أي كأنهم { لم ~~يغنوا } أي يقيموا أغنياء لاهين بالغناء { فيها } ثم نبه - على ما ~~استحقوا به ذلك لمن لعله يغفل فيسأل - بقوله مفتتحا بالأداة التي لا ~~تقال إلا عند الأمور الهائلة: { ألا إن ثمودا } قراءة الصرف دالة على ~~الاستخفاف بهم لطيشهم في المعصية { كفروا ربهم } أي أوقعوا التغطية ~~والستر على المحسن إليهم بالخلق والرزق والإرسال وهو الظاهر وبصفاته ~~وأفعاله، فلا يخفى على أحد أصلا، فإيصال الفعل دون قصره كما في أكثر ~~أضرابه بيان لغلظة كفرهم؛ ثم كرر ذلك تأكيدا له وإعلاما بتأبيد هلاكهم ~~بقوله: { ألا بعدا لثمود* } ترك صرفهم في قراءة غير الكسائي إيذانا ~~بدوام لبثهم في الطرد والبعد؛ والصيحة: صوت عظيم من فم حي، والجثوم لدوام ~~مكان واحد أو السقوط على الوجه، وقيل: القعود على الركب؛ وقال { أصبحوا } ~~زيادة في التخويف والتأسيف بما وقع لهم من التحسير لو أدركه أحد منهم لأن ~~الإنسان يفرح إذا أصبح بقيامه من نومه مستريحا قادرا على ما يريد من ~~الحركات للاستمتاع بما يشتهي من التصرفات، فأصبح هؤلاء - بعد هذه الصفة ~~على ما قص الله - خفوتا أجمعين كنفس واحدة رجالا ونساء ms2152 صغارا وكبارا ~~كأنهم بم يكونوا أصلا، ولا أصدروا فصلا ولا وصلا كأنهم لم يكونوا ~~للعيون قرة، ولم يعدوا في الأحياء مرة كأن لم يغنوا أي يقيموا لانقطاع ~~آثارهم إلا ما بقي من أجسادهم الدالة على الخزي؛ والمغاني: المنازل، وأصل ~~الغناء الاكتفاء؛ ومعنى " ألا " التنبيه؛ قال الرماني: وهي ألف الاستفهام ~~دخلت على " لا " فالألف تقتضي معنى، و " لا " تنفي معنى، فاقتضى الكلام ~~بهما معنى التنبيه مع نفي الغفلة - انتهى. # وكان حقيقته - والله أعلم - أن " لا " دخلت على ما بعدها فنفته، ثم دخلت ~~عليها همزة الإنكار فنفتها، ومن المعلوم أن نفي النفي إثبات فرجع المعنى ~~كما كان على أتم وجوه التنبيه والتأكيد، لأن إثبات المعنى بعد نفيه آكد ~~من إثباته عريا عن النفي ولا سيما إذا كان المفيد لذلك الإنكار، وهذا ~~المعنى مطرد في ألا العرضية وهلا التخصيصية ونحوهما، ويمشي في كل صلة بأن ~~تردها إلى أصل مدلولها في اللغة ثم تتصرف بما يقتضيه الحال - والله ~~الهادي! ولما جاز الصرف في ثمود باعتبار أنه اسم أبي القبيلة وعدمه ~~باعتبار إطلاقه على القبيلة اختير الصرف في النصب فقط لخفته. ### || [11.69-76] # ولما انقضت القصة على هذا الوجه الرائع، أتبعها قصة لوط عليه السلام إذ ~~كانت أشهر الوقائع بعدها وهي أفظع منها وأروع، وقدم عليها ما يتعلق بها ~~من أمر إبراهيم عليها لسلام ذكر بشراه لما في ذلك كله من التنبيه لمن ~~تعنت بطلب إنزال الملائكة في قولهم { أو جاء معه ملك } على أن ذلك ليس ~~عزيزا عليه. وقد أكثر من فعله ولكن نزولهم مرهب، وأمرهم عند المكاشفة ~~مرعب، وأما مع الستر فلا يقطع تعنتهم، هذا مع ما في ذلك من مناسبة أمر ~~هذا الولد لأمر الناقة في تكوين كل منهما بخارق للعادة إشارة إلى تمام ~~القدرة وكمال العلم المبني عليه أمر السورة في إحكام الكتاب وتفصيله ~~وتناسب جدالي نوح وإبراهيم عليهما السلام في أن كلا منهما شفقة على ~~الكافرين ورجاء لنجاتهم من العذاب بحسن المثاب، ولعله سبحانه كرر " لقد " ~~في صدرها عطفا على ما ms2153 في قصة نوح للتنبيه على مثل الأغراض، لأن " قد " ~~للتوقع فجاءت لتؤذن بأن السامع في حال توقع لذلك لأنه إذا انقضت قصة ~~الخبر عما بعدها فقال تعالى: { ولقد } قال الرماني: ودخلت اللام لتأكيد ~~الخبر كما يؤكد القسم { جاءت رسلنا } أي الذين عظمتهم من عظمتنا، قيل: ~~كانوا جبرئيل وميكائيل وإسرافيل عليهم السلام { إبراهيم } هو خليل الله ~~عليه السلام { بالبشرى } أي التي هي من أعظم البشائر وهي إكرامه بإسحاق ~~عليه السلام ولدا له من زوجته سارة رضي الله عنها، جاءوه في الصفة التي ~~يحبها وهي صفة الأضياف، فلم يعرفهم مع أنه الخليل بل إنكارهم كما قال ~~تعالى في الذاريات # قال سلام قوم منكرون # [الذاريات: 25] فيحمل إنكاره أولا على الاستغراب بمعنى أنه لم ير عليهم ~~زي أهل تلك البلاد ولا أثر سفر، فكأنه قيل: ما كان من أمرهم؟ فقيل: { ~~قالوا سلاما } أي سلمنا عليك سلاما عظيما { قال سلام } أي ثابت دائم ~~عليكم لا زوال له أبدا، فللرفع مزية على النصب لأنه إخبار عن ثابت، ~~والنصب تجديد ما لم يكن، فصار مندرجا في # فحيوا بأحسن منها # [النساء: 86] ثم أكرم نزلهم وذهب يفعل ما طبعه الله عليه من سجايا الكرم ~~وأفعال الكرام في أدب الضيافة من التعجيل مع الإتقان { فما لبث } أي ~~فتسبب عن مجيئهم وتعقبه أنه ما تأخر { أن جاء بعجل حنيذ* } أي مشوي على ~~حجارة محماة في أخدود وفوقه حجارة محماة ليشتد نضجه، فكان بعد الشي يقطر ~~دسمه لأنه سمين، كل ذلك وهو لا يعرف أنهم ملائكة، بل هو قاطع بأنهم ممن ~~يأكل، وهذا ناظر إلى قول قوم نوح { وما نرى لكم علينا من فضل } وقوله { ~~ولا أقول للذين تزدري أعينكم } الآية، أي إن الله جعل المعاني في القلوب ~~وناط بها السعادة والشقاوة، وقد تخفي تلك المعاني كما خفي على أكمل أهل ~~ذلك الزمان أن ضيفه ملائكة حتى خاف منهم وقد أتوه بالبشرى، فلا ينبغي ~~لأحد أن يحتقر أحدا إلا بما أذن الله فيه. # ولما وضع الطعام بين أيديهم لم يلموا به { فلما ms2154 رأى أيديهم } أي الرسل ~~عقب الوضع سواء { لا تصل إليه } أي إلى العجل الذي وضعه ليأكلوه { نكرهم ~~} أي اشتدت نكارته لهم وانفعل لذلك، وهذا يدل على ما قال بعض العلماء: إن ~~نكر أبلغ من أنكر { وأوجس } أي أضمر مخفيا في قلبه { منهم خيفة } أي ~~عظيمة لما رأى من أحوالهم وشاهد من جلالهم، وأصل الوجوس: الدخول، والدليل ~~- على أن خوفه كان لعلمه بالتوسم أنهم ملائكة نزلوا لأمر يكرهه من تعذيب ~~من يعز عليه أو نحو هذا - أنهم { قالوا لا تخف } ثم عللوا ذلك بقولهم { ~~إنآ أرسلنآ } أي ممن لا يرد أمره { إلى قوم لوط } فإنهم نفوا الخوف عنه ~~بالإعلام بمن أرسلوا إليه، لا بكونهم ملائكة، قالوا ذلك وبشروه بالولد { ~~وامرأته } أي جاءته الرسل بالبشرى أي ذكروها له والحال أن زوجة إبراهيم ~~التي هي كاملة المروءة وهي سارة { قآئمة } قيل: على باب الخيمة لأجل ما ~~لعلها تفوز به من المعاونة على خدمتهم، فسمعت البشارة بالولد التي دل ~~عليها فيما مضى قوله { بالبشرى } { فضحكت } أي تعجبت من تلك البشرى ~~لزوجها مع كبره، وربما طنته من غيرها لأنها - مع أنها كانت عقيما - ~~عجوز، فهو من إطلاق المسبب على السبب إشارة إلى أنه تعجب عظيم { فبشرناها ~~} أي فتسبب عن تعجبها أنا أعدنا لها البشرى مشافهة بلسان الملائكة ~~تشريفا لها وتحقيقا أنه منها { بإسحاق } تلده { ومن وراء إسحاق يعقوب } ~~أي يكون يعقوب ابنا لإسحاق، والذي يدل على ما قدرته - من أنهم بشروه ~~بالولد قبل امرأته فسمعت فعجبت - ما يأتي عن نص التوراة، والحكم العدل ~~على ذلك كله قوله تعالى في الذاريات # قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها # [الذاريات: 28-29] - الآية. # ولما شافهوها بذلك، صرحت بوجه العجب من أنه جامع بين عجبين في كونه منه ~~ومنها بأن { قالت يا ويلتي } وهي كلمة تؤذن بأمر فظيع تخف على أفواه ~~النساء ويستعملنها إلى اليوم، لكنهن غيرن في لفظها كما غير كثير من ~~الكلام؛ والويل: حلول الشر؛ والألف في آخره بدل عن ياء الإضافة، ms2155 كنى بها ~~هنا عن العجب الشديد لما فيه من الشهرة ومراجمة الظنون؛ وقال الرماني: إن ~~معناها الإيذان بورود الأمر الفظيع كما تقول العرب: يا للدواهي! أي ~~تعالين فإنه من أحيانك فحضور ما حضر من أشكالك. # ولما كان ما بشرت به منكرا في نفسه بحسب العادة قالت: { ءألد وأنا } ~~أي والحال أني { عجوز وهذا } أي من هو حاضري { بعلي شيخا } ثم ترجمت ذلك ~~بما هو نتيجته فقالت مؤكدة لأنه - لما له من خرق العوائد - في حيز المنكر ~~عند الناس: { إن هذا } أي الأمر المبشر به { لشيء عجيب } فكأنه قيل: ~~فماذا قيل لها؟ فقيل: { قالوا } أي الملائكة متعجبين من تعجبها { أتعجبين ~~من أمر الله } أي الذي له الكمال كله، وهو لا ينبغي لك لأنك معتادة من ~~الله بما ليس لغيركم من الخوارق، والعجب إنما يكون مما خرج عن أشكاله ~~وخفي سببه، وأنت - لثبات علمك بالسبب الذي هو قدرة الله على كل شيء ~~وحضوره لديك مع اصطفاء الله لكم وتكرر خرقه للعوائد في شؤونكم - لست ~~كغيرك ممن ليس كذلك؛ ثم عللوا إنكارهم لتعجبها بقولهم: { رحمت الله } أي ~~كرامة الذي له الإحاطة بصفات الجلال والإكرام { وبركاته } أي خيراته ~~النامية الثابتة { عليكم } وبينوا خصوصيتهم بإسقاط أداة النداء مدحة لهم ~~فقال: { أهل البيت } قد تمرنتم على مشاهدة العجائب لكثرة ما ترون من ~~آثاره بمثل ذلك وغيره؛ ثم علل إحسانه إليهم مؤكدا تثبيتا لأصل الكلام ~~الذي أنكرته فقال: { إنه } أي بخصوص هذا الإحسان { حميد مجيد } أي كثير ~~التعرف إلى من يشاء من جلائل التعمم وعظيم المقدور بما يعرف أنه مستحق ~~الحمد على المجد، وهو الكرم الذي ينشأ عنه الجود، فلما سمعوا ذلك ~~واطمأنوا، أخذ في قص ما كان بعده، فقال مشيرا بالفاء إلى قلة زمن ~~الإنكار الذي هو سبب الفزع: { فلما ذهب } بانكشاف الأمر { عن إبراهيم ~~الروع } أي الخوف والفزع الشديد { وجآءته البشرى } فامتلأ سرورا { ~~يجادلنا } أي أخذ يفعل معنا بمجادلة رسلنا فعل المجادل الذي يكثر كلامه ~~إرادة الفتل مخاطبه عما يقوله { في قوم لوط } أي يسألنا ms2156 في نجاتهم سؤالا ~~يحرص فيه حرص المجادل في صرف الشيء، من الجدل وهو الفتل، ووضع المضارع ~~موضع الماضي إشارة إلى تكرر المجادلة مع تصوير الحال، أي جادلنا فيهم ~~جدالا كثيرا؛ ثم علل مجادلته بقوله: { إن إبراهيم لحليم } أي بليغ ~~الحلم، وهو إمهال صاحب الذنب على ما يقتضيه العقل { أواه } أي رجاع ~~للتأوه خوفا من التقصير { منيب } أي رجاع إلى الله بالسبق في ارتقاء درج ~~القرب، فهو - لما عنده هذه المحاسن - لا يزال يتوقع الإقلاع من العصاة. # ولما كان أكثر المجادلة لما عنده من الشفقة على عباد الله لما له من هذه ~~الصفات الجليلة، أعلمه الله أن الأمر قد ختم بقوله حكاية أن الرسل قالت ~~له بعد طول المجادلة منادين بالأداة التي هي أم الباب إعلاما بأن ما ~~بعدها عظيم الشأن عالي المنزلة: { يا إبراهيم أعرض } أي بكليتك { عن هذا ~~} أي السؤال في نجاتهم؛ ثم علل ذلك بقوله مؤكدا لأنه بمجادلته في حيز من ~~ينكر بت الأمر: { إنه قد } افتتحه بحرف التوقع لأنه موضعه { جآء أمر ربك ~~} أي الذي عودك بإحسانه الجم، فلولا أنه حتم الأمر بعذابهم لأمهلهم ~~لأجلك، ولذا عطف على العلة قوله مؤكدا إعلاما بأنه أمر قد انبرم ومضى: ~~{ وإنهم آتيهم } أي إتيانا ثابتا { عذاب غير مردود } أي بوجه من الوجوه ~~من أحد كائنا من كان؛ الإعراض: الانصراف، وحقيقته الذهاب عن الشيء في ~~جهة العرض؛ والرد: إذهاب الشيء إلى ما جاء منه كالرجع؛ والدفع أعم لأنه ~~قد يكون إلى جهة القدام؛ فلما علم مراد الله فيهم، قدمه على مراده ولم ~~ينطق بعده ببنت شفة. # ذكر هذه القصة من التوراة: قال في السفر الأول: واستعلن الله لإبراهيم ~~في مرج - وفي نسخة: بين بلوط ممرى الأموراني - وكان جالسا على باب خيمته ~~إذ اشتد النهار، فرفع عينيه فنظر فإذا هو بثلاثة رجال وقوف على رأسه، ~~فلما رآهم أحضر إليهم من باب الخيمة وسجد على الأرض وقال: يا رب - وفي ~~نسخة: يا ولي الله - إن كان لي عندك مودة فلا تبعد عن عبدك ms2157 حتى آتي بما ~~أغسل به أرجلكم، واتكئوا تحت الشجرة وأصيبوا شيئا من الطعام تقرون به ~~أنفسكم، ثم حينئذ تجوزون لأنكم مررتم بعبدكم بغتة فقالوا له: اصنع كما ~~قلت، فاستعجل إبراهيم فأحضر إلى الخيمة إلى سارة وقال: عجلي بثلاثة آصع ~~من درمك - وفي نسخة: دقيق سميد - فاعجنيه واخبزي منه مليلا، وسعى إلى ~~قطيع البقر فأخذ عجلا سمينا شابا فدفعه إل الغلام وأمر بتعجيل صنعته ~~وأخذ سمنا ولبنا والعجل الذي صنع له أيضا فقربه إليهم، وكان هو واقفا ~~بين أيديهم تحت الشجرة وقالوا له: أين سارة امرأتك؟ فقال: في الخيمة، ~~فقال له: إني أرجع إليك في مثل هذا الحين من قابل وهي في الحياة ولها منك ~~ابن، فسمعت سارة وهي على باب الخيمة مستترة وكان هو خلفها، وكان إبراهيم ~~وسارة قد شاخا وقدم سنهما وانقطع عن سارة سبيل النساء، فضحكت سارة في ~~قلبها وقالت: أمن بعد ما بليت أرجع شابة وسيدي قد شاخ؟ فقال الله ~~لإبراهيم: لم ضحكت سارة وقالت: أني لي بالولد وقد شخت؟ أيعسر هذا على ~~الله؟ إني أرجع إليك في مثل هذا الحين من قابل وهي حية ولها ابن، فجحدت ~~سارة وقالت: كلا ما ضحكت، لأنها فزعت، فقال: كلا! ولكنك قد ضحكت، ثم قام ~~الرجال وتعمدوا طريق سدوم وعامورا، وانطلق معهم إبراهيم ليشيعهم. وقال ~~الله: أأكتم عبدي إبراهيم شيئا مما أصنع؟ وإبراهيم يكون رئيسا لشعب ~~عظيم كبير، وتتبارك به شعوب الأرض، لأني عالم أنه يوصي بنيه وأهل بيته من ~~بعده أن يحفظوا طرق الرب ليعملوا بالبر والعدل، لأن الرب يكمل لإبراهيم ~~جميع ما وعده به. # فقال الرب لإبراهيم: لقد وصل إلي حديث سدوم وعامورا وقد كثرت خطاياهم ~~جدا، ثم ولى القوم ومضوا إلى سدوم، وكان إبراهيم بعد واقفا قدام الرب، ~~فدنا إبراهيم وقال: يا رب! تهلك الأبرار مع الفجار بغضب واحد؟ إن كان في ~~القرية خمسون بارا أتهلكهم بغضب واحد؟ حاشاك يا رب أن تصنع هذا الصنيع ~~وتهلك البريء مع السقيم، ويكون البريء بحال السقيم، حاشا لك يا حاكم ms2158 ~~الأرض كلها! لا يكون هذا من صنيعك! فقال الرب: إن وجدت بسدوم خمسين بارا ~~في القرية عفوت عن جميع البلد من أجلهم، فأجاب إبراهيم وقال: إني قد بدأت ~~بالكلام بين يدي الرب، وإنما أنا تراب ورماد، فإن نقص من الخمسين بارا ~~خمسة تخرب القرية كلها من أجل الخمسة؟ فقال: لا أخربها إن وجدت بها خمسة ~~وأربعين بارا، فعاد إبراهيم وقال له: فإن وجد فيها أربعون؟ فقال: لا ~~أخربها إن وجدت فيها أربعين، فقال: لا يمكن الرب كلامي فأتكلم، فإن كان ~~هناك ثلاثون؟ فقال: لا أخربها إن وجدت فيها ثلاثين، فقال: إني قد أمعنت ~~في الكلام بين يدي الرب، فإن وجد بها عشرون؟ فقال: لا أخربها من أجل ~~العشرين، فقال لانشقن على الرب، فأتكلم هذه المرة يارب فقط، فإن وجد بها ~~عشرة رهط؟ فقال: لا أفسدها من أجل العشرة؛ فارتفع استعلان الرب عن ~~إبراهيم لما فرغ إبراهيم من كلامه ورجع إبراهيم إلى موضعه - انتهى. وقد ~~مضى أمر حبل سارة وولادها في البقرة. ### || [11.77-80] # ولما انقضى أمر إنبائهم ببشارة الأولياء وهلاك الأعداء، وعلم من ذلك ~~أنهم لا ينزلون إلا للأمور الهائلة والأحوال المعجبة، أخذ يقص أمرهم مع ~~لوط عليه السلام، فقال عاطفا على ما تقديره: فعلوا مع إبراهيم انفصالهم ~~عن إبراهيم عليه السلام ما ذكر، ثم فارقوه نحو لوط، ولم يذكر الحرف ~~المصدري لأن سياقه ومقصود السورة لا يقتضي ذلك كما نشير إليه في ~~العنكبوت: { ولما جآءت رسلنا } على ما قارنهم من عظمتنا { لوطا } بعد ~~انفصالهم عن إبراهيم عليه السلام، وبين البلدين ثمانية أميال، وقيل: ~~أربعة فراسخ، استضافوه فلم يجد بدا من قبولهم على ما أوصى الله بالضيف ~~مطابقا لعوائد أهل المكارم، فقبلهم وأزمع المقاتلة عنهم لما رأى من حسن ~~أشكالهم ورونق جمالهم مع ما يعلم من قبح أفعال قومه وخبث سرائرهم، ولما ~~جاؤوه على هذه الصفة { سيء بهم } أي حصلت له المساءة بسبب مجيئهم إلى ~~قريته لما يعلم من لؤم أهلها، والتعبير عن هذا المعنى بالمبني للمفعول ~~أحضر وأوقع في النفس ms2159 وأرشق { وضاق بهم ذرعا } أي ذرعه أي اتساعه في كل ~~وقت قوة أوتيها، وهو مثل يقال لمن لم يجد من المكروه مخلصا، ومادة ذرع - ~~بأي ترتيب كان - تدور على الاتساع لأنه لا يذرع إلا الكثير، وذرع ~~الرمل: اتسع، وموت ذريع: فاش، والمذرع: الذي أمه عربية وأبوه غير عربي، ~~فهو أكثر أنتشارا ممن انحصر في أحدهما؛ والذريعة: ما يختلي به الصيد، ~~فهو يوسع له من الأمل ما يحمله على الإقدام، وحلقة يتعلم عليها الرمي، ~~لأنها تسع السهم، أو لأن مصيبها واسع الأمر في صناعة الرمي، والوسيلة ~~لأنها توصل المتوسل؛ والذعر: الخوف، لاتساع الفكر فيه وتجويز أدنى ~~احتمال؛ والعذر: إيساع الحيلة في وجه يزيل ما ظهر من التقصير، من العذور ~~- للحمار الواسع الجوف، وهو أيضا الملك لسعته، والعذار: أوسع ما في ~~الوجه، وأعذرت الغلام: ختنته، أي أوسعت أكرته، والإعذار - لطعام الختان ~~ونحوه منه، وعذرة الجارية موجبة لعذرها في النفرة للخوف على نفسها، ~~والعذرة: وجع في الحلق، وهو سقوطه حتى يغمز، كأنه شبه بعذرة البكر في سده ~~الحلق بما يوجب الغمز، وكذا العذرة - للناصية لبذل الجهد في المدافعة ~~عنها، والعذراء: نجم إذا طلع اشتد الحر فاتسع بساط الأرض، والعذرة - بفتح ~~ثم كسر: فناء الدار، وبه سمي الحدث، والعذراء: شيء من حديد يعذب به ~~الإنسان، كأنه سمي لأنه يوسع الخوف بما يجنب ما يوجب الاعتذار، فلا تزال ~~تلك الحديدة بكرا لا يوجد من يعذب بها، وأما عذر - بالتشديد - إذا قصر ~~فهو للسلب، أي فعل ما لا يوجد له عذر، وكذا تعذر الأمر أي صعب، يعني أنه ~~تحنب العذر فلم يبق لسهولته وجه، وأعذر - إذا كثرت عيوبه، أي دخل فيما ~~يطلب له العذر كأنجد. # ولما ذكر حاله، ذكر قاله بقوله: { وقال } أي لوط { هذا } أي اليوم { يوم ~~عصيب* } أي شديد جدا لما أعلم من جهالة من أنا بين ظهرانيهم، وهو مشتق ~~من العصب وهو أطناب المفاصل وروابطها، ومدراه على الشدة { وجاءه قومه } ~~أي الذين فيهم قوة المحاولة { يهرعون } أي كأنهم يحملهم على ذلك حامل لا ms2160 ~~يستطيعون دفعه { إليه } أي في غاية الإسراع فعل الطامع الخائف فوت ما ~~يطلبه، فهو يضطرب لذلك، أو لأجل الرعب من لوط عليه السلام أو من الملائكة ~~عليهم السلام. # ولما كان وجدانهم - فكيف عصيانهم - لم يستغرق زمن القبل، أدخل الجار ~~فقال: { ومن قبل } أي قبل هذا المجيء { كانوا } أي جبلة وطبعا { يعملون ~~} أي مع الاستمرار { السيئات } أي الفواحش التي تسوء غاية المساءة فضربوا ~~بها ومرنوا عليها حتى زال عندهم استقباحها، فهو يعرف ما يريدون، وكأنهم ~~كانوا لا يدعون مليحا ولا غيره من الغرباء، فلذلك لم يذكر أن الرسل ~~عليهم السلام كانوا على هيئة المرد الحسان، ولا قيد الذكران في قصتهم في ~~موضع من المواضع بالمرودية. فكأنه قيل: فما قال لهم؟ فقيل: { قال يا قوم ~~} مستعطفا لهم { هؤلاء بناتي } حاديا لهم إلى الحياء والكرم. # ولما كان كأنه قيل: ما نفعل بهن؟ قال: { هن } ولما كان في مقام المدافعة ~~باللين، قال إرخاء للعنان في تسليم طهارة ما يفعلونه على زعمهم مشيرا ~~بلطافة إلى خبث ما يريدونه: { أطهر لكم } وليس المراد من هذا حقيقته، بل ~~تنبيه القوم على أنهم لا يصلون إليهم إلا إن وصلوا إلى بناته لأن الخزي ~~فيهما على حد سواء أو في الضيف أعظم، ومثل هذا أن يشفع الإنسان فيمن ~~يضرب، فإذا عظم الأمر ألقى نفسه عليه فصورته أنه فعله ليقيه الضرب بنفسه، ~~ومعناه احترامه باحترامه، وعلى هذا يدل قوله في الآية الأخرى { إن كنتم ~~فاعلين } وهنا قوله: { فاتقوا الله } أي الملك الأعظم في هذا الأمر الذي ~~تريدونه { ولا تخزون } أي توقعوا بي الفضيحة التي فيها الذل والهوان ~~والعار { في ضيفي } إذ لا يشك ذو مسكة من أمره في أن التقوى إذا حصلت ~~منعت من الأمرين، وأن الخزي على تقدير عدمها في البنات أعظم لأنه عار ~~لازم للزوم البنات للأب، وكل هذا دليل على أنه لا يشك أنهم آدميون ولم ~~يلم بخاطر أنهم ملائكة، فهو تنبيه للكفار على أنه لا ينتفع بإنزال ~~الملائكة إلا البار الراشد التابع للحق؛ ثم أنكر أشد ms2161 الإنكار حالهم في ~~أنهم لا يكون منهم رشيد حثا على الإقلاع عن الغي ولزوم سبيل الرشد فقال: ~~{ أليس منكم رجل } أي كامل الرجولية { رشيد* } كامل الرشد ليكفكم عن هذا ~~القبيح، فلم يكن منهم ذلك، بل { قالوا لقد علمت } أي يا لوط مجرين الكلام ~~على حقيقته غير معرجين على ما كني به عنه { ما لنا في بناتك } وأغرقوا في ~~النفي فقالوا: { من حق } أي حاجة ثابتة، ولم يريدوا به ضد الباطل لأن ~~البنات والضيف في نفي حقهم عنهم سواء، وأكدوا معلمين بما لهم من الرغبة ~~في الفجور وقاحة وجرأة فقالوا: { وإنك لتعلم } أي علما لا تشك فيه { ما ~~نريد* } وهو إتيان الذكور للتطرق والتطرف، فحملوا عرضه لبناته على ~~الحقيقة خبثا منهم وشرعوا يبنون على ذلك بوقاحة وعدم مبالاة بالعظائم، ~~فأخبر تعالى عن قوله لهم على طريق الاستئناف بقوله: { قال } أي متمنيا ~~أن يكون له بهم طاقة ليروا ما يصنع من الإيقاع بهم متفجعا على فوات ذلك ~~{ لو أن لي بكم } أي في دفعكم { قوة } بنفسي { أو } لو أني { آوي } من ~~الأعوان والأنصار { إلى ركن شديد* } أي جماعة هم كالركن الموصوف بالشدة ~~لحلت بينكم وبين ما جئتم له، وحذفه أبلغ لذهاب النفس فيه كل مذهب؛ ~~والسوء: ما يظهر مكروهه لصاحبه؛ والعصيب: الشديد في الشر خاصة كأنه التف ~~شره؛ والقوة خاصة يمكن أن يقع بها الفعل وأن لا يقع؛ والركن: معتمد ~~البناء بعد الأساس، والركن هنا من هو مثله؛ والشدة: مجمع يصعب معه ~~الإمكان، ووصفه الركن بالشدة وهو يتضمنها تأكيد يدل على أن قومه كانوا في ~~غاية القوة والجلادة، وأنه كان يود معاجلتهم لو قدر. # وذلك أن مادة (ركن) بكل ترتيب تدور على الرزانة، من ركن - بالضم بمعنى ~~رزن، ويلزمهما القوة، ومنه الركن للجانب الأقوى والأمر العظيم وما يتقوى ~~به من ملك وجند وغيره والعز والمنعة، ومن ذلك النكر بالضم للدهاء ~~والفطنة، والنكر للمنكر والأمر الشديد وما يخرج من الزحير من دم أو قيح، ~~ونكر الأمر: صعب وطريق ينكور: على غير قصد، والمنكر ms2162 ضد المعروف لأن الشيء ~~إذا جهل صعب أمره، وتناكر القوم: تعادوا، والتنكر: التغير من حال يسر إلى ~~حال يكره، والمكنر - كمحدث: الضخم السمج، ويلزم الرزانة أيضا الميل ~~والسكون، ومنه ركن إليه - بالفتح: مال وسكن، وركن بالمنزل - بالكسر: ~~أقام؛ والكنارة - بالكسر والتشديد: الشقة من ثياب الكتان، لأنه يمال إليه ~~لبهجته، وكذا الكنارات للعيدان والطبول، والكران ككتاب للعود أو الصنج، ~~أو يكون ذلك من الشدة لقوة أصواتها - والله أعلم. ### || [11.81-83] # فلما عظم الشقاق وضاق الخناق كان كأنه قيل: فما قال له الرسل؟ فقيل: { ~~قالوا } ودلوا بحرف النداء الموضوع للبعد على أنه كان قد خرج عن الدار ~~وأجاف بابها وأن الصياح كان شديدا { يا لوط } إنك لتأوي إلى ركن شديد؛ ~~ثم عللوا ذلك بقولهم: { إنا رسل ربك } أي المحسن إليك بإحسانك وكل ما ترى ~~مما يسوءك ويسرك؛ ثم لما ثبت له ذلك كان من المحقق أنه سبب في ألا يدانيه ~~معه سوء فأوضحوه بقولهم: { لن يصلوا إليك } من غير احتياج إلى الربط ~~بالفاء، أي ونحن مهلكوهم وقالبوا مدنهم بهم { فأسر } أي سر بالليل ماضيا ~~{ بأهلك } موقعا ذلك السير والإسراء { بقطع } أي بطائفة، أي والحال أنه ~~قد بقي عند خروجك جانب { من اليل ولا يلتفت } أي ينظر إلى ورائه ولا ~~يتخلف { منكم أحد } أي لا تلتفت أنت ولا تدع أحدا من أهلك يلتفت { إلا ~~امرأتك } استثناء من " أحد " بالرفع والنصب لأن المنهي كالمنفي في جواز ~~الوجهين، والنهي له صلى الله عليه وسلم، فالفعل بالنسبة إليه منهي، ~~وبالنسبة إليهم منفي. ويمكن أن يكون أخرجها معه لأن معنى الاستثناء أنه ~~غير مأمور بالإسراء بها إلا أنه منهي عنه، واستثناءها من الالتفات معهم ~~مفهم أنه لا حجر عليه في الإسراء بها، أو أنه خلفها فتبعتهم والتفتت، ~~فيكون قراءة النصب من { أهلك } ، وقراءة الرفع من { أحد } ولا يلزم من ~~ذلك أمرها بالالتفات بل مخالفتها للمستثنى منه في عدم النهي، ولذلك عللوا ~~ما أفهمه إهمالها من الإسراء والنهي من أنها تلتفت بقولهم مؤكدين لأن ~~تعلق الأمل بنجاتها شديد رحمة ms2163 لها: { إنه } أي الشأن { مصيبها } لا محالة ~~{ ما أصابهم } سواء التفت أو لا، تخلفت أو لا، ثم ظهر لي من التعبير في ~~حقها باسم الفاعل وفي حقهم بالماضي أنه حكم بإصابة العذاب لهم عند هذا ~~القول للوط عليه السلام لأن ذنوبهم تمت، وأما هي قإنما يبرم الحكم بذلك ~~في حقها عند تمام ذنوبها التي رتبت عليها الإصابة وذلك عند الالتفات. # ولما عبروا بالماضي تحقيقا للوقوع وتنبيها على أنه تقدم دخولها معهم ~~في أسباب العذاب، كان منبها لأن يقال: كان الإيقاع بهم قد دنا بهم جدا؟ ~~فقيل: نعم، وأكد تحقيقا للوقوع تلذيذا به ولأنه - لقرب الوقت - بحيث ~~ينكر: { إن موعدهم } أي لابتداء الأخذ { الصبح } وكأن لوطا عليه السلام ~~أبطأ في جميع أهله وما يصلحهم، فكان فعله فعل من يستبعد الصبح، فأنكروا ~~ذلك بقولهم: { أليس الصبح بقريب* } أي فأسرع الخروج بمن أمرت بهم؛ ~~والإسراء: سير الليل كالسرى. # ولما انقضى تسكين لوط عليه السلام والتقدم إليه فيما يفعل، أخبر تعالى ~~عن حال قومه فقال: { فلما جاء أمرنا } بالفاء لما مضى في قصة صالح عليه ~~السلام من التسبيب والتعقيب، أي فلما خرج منها لوط بأهله جاءنا أمرنا، ~~ولما جاء أمرنا الذي هو عذابنا والأمر به { جعلنا } بما لنا من العظمة { ~~عاليها } أي عالي مدنهم وهم فيها { سافلها وأمطرنا عليها } أي على مدنهم ~~بعد قلبها من أجلهم وسيأتي في سورة الحجر سر الإتيان هنا بضمير " ها " ~~دون ضمير " هم " { حجارة من سجيل } أي مرسلة من مكان هو في غاية العلو { ~~منضود } بالحجارة هي فيه متراكبة بعضها على بعض حال كونها { مسومة } أي ~~معلمة بعلامات تدل على أنها معدة للعذاب من السيما والسومة وهي العلامة ~~تجعل للإبل السائمة لتتميز إذا اختلطت في المرعى، وفي الذاريات # حجارة من طين # [الذاريات: 33] وذلك أن الحجارة أصلها تراب يجعل الله فيه بواسطة الماء ~~قابلية للاستحجار كما جعل فيه قابلية التحول إلى المعدن من الذهب والفضة ~~والحديد وغيرها، فباعتبار أصله هو طين، وباعتبار أوله حجر وكبريت ونار، ~~ولعل حجر الكبريت أثقل ms2164 الحجارة مع ما فيه من قوة النار وقبح الريح؛ ثم ~~فخمها بقوله: { عند ربك } وعبر بالرب إشارة إلى كثرة إحسانه وإليه وأنه ~~إنما أمره صلى الله عليه وسلم بالإنذار وحمة لأمته التي جعلها خير الأمم ~~وسيجعلها أكثر الأمم، ولا يهلكها كما أهلكهم؛ ومادة سجل - بأي ترتيب كان ~~- تدور على العلو، من الجلس لما ارتفع عن الغور وهو النجد، ويلزم منه ~~الغلظ والعلو، ومن الغلظ الجلس للغليظ من الأرض والجمل الوثيق، ويلزم ~~العلو التصويب ومن جلس - إذا قعد؛ والسجل للدلو العظيمة، ويكون غالبا في ~~مقابلتها أخرى، كلما نزلت واحدة طلعت الأخرى، فتاتي المساجلة بمعنى ~~المباراة والمفاخرة، والسجل: الضرع العظيم، والسجل - بالكسر وشد اللام: ~~الكتاب لأنه يذكر فيه ما يكون به المفاخرة والمغالبة؛ وسلج الطعام: بلعه، ~~والسلجان: نبات رخو، كأنه سمي بذلك لأن أغصانه تأخذ إلى أسفل لرخاوتها، ~~وقد دل على هذا المعنى في هذه الآية بثلاثة أشياء: الإمطار، ولفظ " على " ~~، وسجيل. # ولما كان المعنى أنها من مكان هو في غاية العلو ليعظم وقعها، حسن كل ~~الحسن اتباع ذلك قوله: { وما هي } على شدة بعد مكانها { من الظالمين } أي ~~من أحد من العريقين في الظلم في ذلك الزمان ولا هذا ولا زمن من الأزمان { ~~ببعيد } لئلا يتوهم الاحتياج في وصولها إلى المرمى بها إلى زمن طويل. # ذكر هذه القصة من التوراة: قال في السفر الأول بعد ما مضى في قصة بشرى ~~إبراهيم عليه السلام: فأتى الملكان إلى سدوم عشاء، وكان لوط جالسا على ~~باب سدوم، فنظر إليهما لوط فتلقاهما، ثم خر على وجهه ساجدا على الأرض ~~وقال: إني طالب إليكما يا سيدي، اعدلا إلى منزل عبدكما فبيتا فيه واغسلا ~~أقدامكما وبكرا فانطلقا في طريقكما، فقالا: كلا! ولكنا نبيت في السوق، ~~فألح عليهما لوط إلحاحا شديدا فانصرفا معه ودخلا منزله فأعد لهما ~~طعاما، ومن قبل وقت الهجوع إذا أهل القرية أهل سدوم قد أحاطوا بالباب من ~~الشبان إلى المشايخ جميع الشعب بأسره، فدعوا بلوط وقالوا له: أين الرجلان ~~اللذان أتياك ممسيين أخرجهما إلينا ms2165 فنعرفهما - وفي نسخة: حتى نواقعهما - ~~فخرج لوط إليهم وأغلق الباب خلفه، فقال لهم لوط: لا تسيئوا بي يا إخوة! ~~هذا لي بنتان لم يمسهما رجل، أخرجهما إليكم فاصنعوا بهما ما حسن في ~~أعينكم، ولا ترتكبوا من هذين الرجلين شيئا لأنهما ولجا ظلال بيتي، ~~فقالوا له: تنح عنا، إن واحدا أتى ليسكن بيتنا فصار يحكم فينا، فالآن ~~نسيء إليك أكثر منهما، فجاهد لوط القوم جدا فدنوا ليكسروا الباب فمد ~~الرجلان أيديهما فأدخلا لوطا إليهما إلى منزله، ثم إن القوم الذين كانوا ~~بالباب ضربوا بالعشى من كبيرهم حتى صغيرهم فأعيوا في طلب الباب، فقال ~~الملكان للوط: ماتصنع هاهنا؟ اعمد إلى أختانك وبينك وبناتك وجميع ما لك ~~في هذه القرية فأخرجهم من هذه البلدة لأنا نريد الخسف بالبلدة لأن فعالهم ~~وخبث صنيعهم قد بلغ الرب، فأرسلنا الرب لنفسدها، فخرج لوط وكلم أختانه ~~وأزواج بناته وقال لهم: قوموا فاخرجوا من هذه القرية فإن الرب مزمع ~~لخرابها، وكان عند أختانه كالمستهزىء بهم، فلما كان عند طلوع الصبح ألح ~~الملكان على لوط وقالا له: قم فأخرج امرأتك وابنتيك اللتين معك لكيلا ~~تبتلي بخطايا أهل هذه القرية، فابطأ لوط فأخذ الملكان بيده وبيد امرأته ~~وابنتيه لأن الله رحمه فأخرجاه وصيراه خارجا عن القرية، فلما أخرجاهم ~~خارجا قالا له: انج بنفسك ولا تلتفتن إلى خلفك ولا تقف في شيء من جميع ~~القاع، والتجىء إلى جبل وخلص نفسك، فقال لهما لوط: أطلب إليكما يا سيدي ~~أن أظفر الآن لأن عبدكما برحمة ورأفة وكثرت نعماكما إلي لتحيي نفسي، لست ~~أقدر أن أنجو إلى الجبل، لعل الشر يرهقني فأموت، وهذه القرية هي قريبة ~~للهرب إليها وهي صغيرة، أتأذنان لي بالهرب إليها لأنها حقيرة، فلتحييا ~~نفسي، فقال له: قد شفعتك في هذا أيضا فلا أقلب هذه القرية التي سألت، ~~أسرع فانج نفسك إلى هناك، لأنا لسنا نقدر أن نعمل شيئا حتى تدخلها، ~~ولذلك سميت تلك القرية صاغار - وفي نسخة: زغر - فشرقت الشمس على الأرض ~~وقد دخل لوط صاغار، وفي نسخة: زغر - فأهبط ms2166 الرب على سدوم وعامورا نارا ~~وكبريتا من بين يدي الرب من السماء فقلب هذه القرى والقاع بأسره، وأهلك ~~جميع سكانها وجميع من فيها وجمع نبت الأرض، فالتفتت امرأته إلى خلفها ~~لتنظر فصارت نصبة ملح، فأدلج إبراهيم باكرا إلى الموضع الذي كان يقف فيه ~~بين يدي الرب؛ فمد بصره نحو سدوم وعامورا وإلى جميع أرض القاع فنظر فإذا ~~دخان القرية يرتفع كدخان الأخدود، فلما خسف الله قرى القاع ذكر الله ~~إبراهيم فأرسل لوطا من المأفوكة إذ قلب الله القرى التي كان ينزلها لوط ~~فطلع لوط من صاغار - وفي نسخة: زغر - فسكن الجبل هو وابنتاه معه لأنه ~~تخوف أن يسكن صاغار، فجلس في مغارة. ### || [11.84-85] # ولما انتهت القصة معلمة لما قام به لوط عليه السلام من أمر الله غير ~~وان لرغبة ولا رهبة وبما في إنزال الملائكة من الخطر، أتبعت أقرب القصص ~~الشهيرة إليها في الزمن فقال تعالى: { *وإلى } أي ولقد أرسلنا إلى { مدين ~~} وهم قبيلة أبيهم مدين بن إبراهيم عليه السلام { أخاهم شعيبا } فكأن ~~قائلا قال: ما قال لهم؟ فقيل: { قال } ما قال إخوانه من الأنبياء في ~~البداءة بأصل الدين: { يا قوم } مستعطفا لهم مظهرا غاية الشفقة { ~~اعبدوا الله } أي الملك الأعلى غير مشركين به شيئا لأنه واحد { ما لكم } ~~وأغرق في النفي فقال: { من إله غيره } فلقد اتفقت - كما ترى - كلمتهم ~~واتحدت إلى الله وحده دعوتهم، وهذا وحده قطعي الدلالة على صدق كل منهم ~~لما علم قطعا من تباعد أعصارهم وتنائي ديارهم وأن بعضهم لم يلم بالعلوم ~~ولا عرف أخبار الناس إلا من الحي القيوم؛ قال الإمام شهاب الدين عمر بن ~~محمد السهروردي في كتابه " رشف النصائح الإيمانية وكشف الفضائح اليونانية ~~" في ذكر الأنبياء: اتحدت مصادرهم كأنهم بنيان مرصوص، عبروا بألسنة ~~مختلفة تنتهي إلى بحر متصل بالقلوب متحد بها يستمد من البحر المحيط ~~بعالمي الشهادة والغيب، واختلفت الموارد من الشرائع بحسب ما اقتضت الحكمة ~~الإلهية من مصلحة أهل كل زمان وكل ملة، فما ضر اختلافهم في الفروع مع ~~اتحادهم في ms2167 الأصول، وقال قبل ذلك: إن الفلاسفة لما لم يغترفوا من بحار ~~الأنبياء وقفت بهم أفراس أفكارهم في عالم الشهادة، فلما حاولوا الخوض في ~~الإلهيات انكشفت عورة جهلهم وافتضحوا باضطرابهم واختلافهم # تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى # [الحشر: 14] القطع بهم سير الفكر في منتهى عالم الملك والشهادة، ولم ~~يدخل إسكندر نظرهم ظلمات عالم الغيوب حتى يظفروا بعين الحياة التي من شرب ~~منها لا يموت - انتهى. # ولما دعا إلى العدل فيما بينهم وبين الله، دعاهم إلى العدل فيما بينهم ~~وبين عبيده في أقبح ما كانوا قد اتخذوه بعد الشرك ديدنا فقال: { ولا ~~تنقصوا } أي بوجه من الوجوه { المكيال والميزان } لا الكيل ولا آلته ولا ~~الوزن ولا آلته؛ والكيل: تعديل الشيء بالآلة في القلة والكثرة؛ والوزن: ~~تعديله في الخفة والثقل، فالكيل للعدل في الكمية والوزن للعدل في ~~الكيفية؛ ثم علل ذلك بقوله: { إني أراكم بخير } أي بسعة تغنيكم عن البخس ~~- مرهبا ومرغبا بالإشارة إلى أن الكفر موجب للنقمة كما أن الشكر موجب ~~للنعمة. # ولما كان كأنه قيل: فإني أخاف عليكم الفقر بالنقص، عطف عليه مؤكدا ~~لإنكارهم: { وإني أخاف عليكم } به وبالشرك { عذاب يوم محيط* } بكم صغارا ~~وكبارا وبأموالهم طيبا وخبيثا، أي مهلك كقوله # وأحيط بثمره # [الكهف: 42] وأصله من إحاطة العدو، ووصف اليوم بالإحاطة أبلغ لأنه محيط ~~بما فيه من عذاب وغيره، والعذاب محيط بالمعذب فذكر المحيط بالمحيط أهول، ~~وهو الدائر بالشيء من كل جانب، وذلك يكون بالتقاء طرفيه؛ والنقصان: أخذ ~~شيء من المقدار كما أن الزيادة ضم شيء إليه، وكلاهما خروج عن المقدار؛ ~~والوزن، تعديل الشيء بالميزان، كما أن الكيل تعديله بالمكيال، ومن ~~الإحاطة ما رواه ابن ماجة عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: # " لم ينقص قوم المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور ~~السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ~~ولولا البهائم لم يمطروا ". # ولما كان عدم النقص قد يفهم منه التقريب، أتبعه بما ينفي هذا الاحتمال ~~وللتنبيه على أنه لا يكفي الكف عن تعمد التطفيف، بل يلزم ms2168 السعي في ~~الإيفاء ولو بزيادة لا يتأتى بدونها، ولأن التصريح بالأمر بالشيء بعد ~~النهي عن ضده أوكد، فقال مستعطفا لهم بالتذكير بأنه منهم يسوءه ما ~~يسوءهم وبأنهم لما أعطاهم الله من القوة جديرون بأن يعرضوا عن تعاطي ~~سفساف الأخلاق ورذائلها: { ويا قوم } أي أيها الذين لهم قوة في القيام ~~فيما ينوبهم { أوفوا } أي أتموا إتماما حسنا { المكيال والميزان } أي، ~~المكيل والموزون وآلتهما؛ وأكده بقوله: { بالقسط } أي العدل السوي، فصار ~~الوفاء مأمورا به في هاتين الجملتين مرارا تأكيدا له وحرصا عليه ~~وإظهارا لعموم نفعه وشمول بركته، فزال بالمجموع توهم المجاز على أبلغ ~~وجه، وقد مضى في الأنعام ويأتي في هذه السورة عند { غير منقوص } أن الشيء ~~يطلق مجازا على ما قاربه؛ ثم أكده أيضا بتعميم النهي عن كل نقص بذلك ~~وغيره في جميع الأموال فقال: { ولا تبخسوا } أي تنقصوا على وجه الجحد ~~والإهانة { الناس أشياءهم } ثم بين أن أفعالهم ثمرة الهجوم عن غير فكر ~~لأنها ليست ناشئة عن شرع فأولها سفه وآخرها فساد فقال: { ولا تعثوا في ~~الأرض } أي تتصرفوا وتضطربوا فيها عن غير بصيرة ولا تأمل حال كونكم { ~~مفسدين* } أي فاعلين ما يكون فسادا في المعنى كما كان فسادا في الصورة، ~~فهو دعاء إلى تقديم التأمل والتروي على كل فعل وذلك لأن مادة " عثى " بكل ~~ترتيب دائرة على الطلب عن غير بصيرة، من العيث - للأرض السهلة، فإنها ~~لسهولتها يغتر بها فيسلكها الغبي بلا دليل فيأتي الخفاء والجهل، ومنه ~~التعييث - لطلب الأعمى الشيء؛ والأعثى: الأحمق الثقيل، واللون إلى ~~السواد، والكثير الشعر، ويلزم ذلك اتباع الهوى فيأتي الإفساد والمسارعة ~~فيه، وذلك هو معنى العثى؛ قال أئمة اللغة: عثى وعاث: أفسد، وفي مختصر ~~العين للزبيدي: عثى في الأرض بمعنى عاث يعيث عيثا، وهو الإسراع في ~~الفساد، فالمعنى على ما قال الجمهور: ولا تفعلوا الفساد عمدا وهو واضح، ~~وعلى ما قدرته من أصل المعنى الذي هو للمدار أوضح، وعلى ما قال الزبيدي: ~~ولا تسرعوا فيه، فلا يظن أنه يكون الإسراع حينئذ قيدا حتى ينصب ms2169 النهي ~~إليه، بل هو إشارة إلى أنه لا يكون الإقدام بلا تأمل إلا كذلك لملاءمته ~~للشهوة - والله أعلم؛ والوفاء: تمام الحق؛ والبخس: النقص، فهو أخص من ~~الظلم لأنه وضع الشيء في غير موضعه. ### || [11.86-88] # ولما كان نظرهم بعد الشرك مقصورا على الأموال، وكان نهيه عما نهى عنه ~~موجبا لمحقها في زعمهم، كانوا كأنهم قالوا: إنا إذا اتبعناك فيما قلت ~~فنيت أموالنا أو قلت فتضعضعت أحوالنا، فلا يبقى لنا شيء؟ فقال: { بقيت ~~الله } أي فضل الملك الأعلى المستجمع لصفات الكمال، وبركته في أموالكم ~~وجميع أحوالكم وإبقائه عليكم نظره إليكم الموجب لعفوه الذي هو ثمرة اتباع ~~أمره { خير لكم } مما تظنونه زيادة بالنقص والظلم، وذلك أن بقية الشيء ما ~~فضل منه، وتكون أيضا بمعنى البقيا، من أبقى عليه يبقي إبقاء، واستبقيت ~~فلانا - إذا عفوت عن ذنبه، كأن ذلك الذنب أوجب فناء وده أو فناه عندك، ~~فإذا استبقيته فقد تركت ما كان وجب، ويقولون: أراك تبقي هذا ببصرك - إذا ~~كان ينظر إليه - قاله الإمام أبو عبد الله القزاز في ديوانه الجامع، ~~وسيأتي في آخر السورة بيان ما تدور عليه المادة. # ولما كانت خيرية ما يبقيه العدل من الظهور بمحل لا يخفى على ذي لب، ~~تركها وبين شرطها بقوله: { إن كنتم } أي جبلة وطبعا { مؤمنين } أي ~~راسخين في الإيمان إشارة إلى أن خيريتها لغير المؤمن مبنية على غير أساس، ~~فهي غير مجدية إلا في الدنيا، فهي عدم لسرعة الزوال والنزوح عنها ~~والارتحال، ودلت الواو العاطفة على غير مذكور أن المعنى: فآمنوا فاعلين ~~ما أمرتكم به لتظفروا بالخير فإنما أنا نذير { وما أنا } وقدم ما ~~يتوهمونه من قصده للاستعلاء نافيا له فقال: { عليكم } وأعرق في النفي ~~فقال: { بحفيظ* } أعلم جميع أعمالكم وأحوالكم وأقدر على كفكم عما يكون ~~منها فسادا؛ وأصل البقية ترك شيء من شيء قد مضى. # ولما كان الحاصل ما دعاهم إليه ترك ما كان عليه آباؤهم من السفه في حق ~~الخالق بالشرك والخلائق بالخيانة، وكان ذلك الترك عندهم قطيعة وسفها، ~~كان ذلك محكا ms2170 للعقول ومحزا للآراء يعرف به نافذها من جامدها، فكان كأنه ~~قيل: ما قالوا؟ فقيل: { قالوا يا شعيب } سموه باسمه جفاء وغلظة وانكروا ~~عليه مستهزئين بصلاته { أصلواتك تأمرك } أي تفعل معك فعل من كان يأمر ~~دائما بتكليفنا { أن نترك ما يعبد } أي على سبيل المواظبة { آباؤنا أو } ~~نترك { أن نفعل } أي دائما { في أموالنا ما نشاء } من قطع الدرهم ~~والدينار وإفساد المعاملة والمقامرة ونحوها مما يكون إفسادا للمال، ~~يعنون أن ما تأمرنا به لا يمشي على منهاج العقل، فما يأمرك به إلا ما ~~نراك تفعله من هذا الشيء الذي تسميه صلاة، أي أنه من وداي: فعلك للصلاة؛ ~~ومادة صلا - واوية ويائية مهموزة وغير مهموزة بجميع تقاليبها - تدور على ~~الوصلة، فالصلاة لصلة العبد بربه، وكذا الدعاء والاستغفار، وصلوات ~~اليهود: كنائسهم اللاتي تجمعهم، والصلا: وسط الظهر ومجمعه وما حول الذنب ~~أيضا، والمصلى من الخيل: التابع للسابق، وصال الفحل - إذا حمل على ~~العانة، ولصوت الرجل ولصيته: عبته، كأنك ألصقت به العيب، والواصلة ~~واضحة في ذلك، وكأنها الحقيقة التي تفرعت منها جميع معاني المادة، وسيأتي ~~شرح ذلك عند قوله تعالى { بالغدو والآصال } في سورة الرعد إن شاء الله، ~~فمعنى الآية حينئذ: أما تعانيه من الصلوات: الحقيقية ذات الأركان، ~~والمعنوية من الدعاء والاستغفار وجميع أفعال البر الحاملة على أنواع ~~الوصل الناهية عن كل قطيعة تأمرك بمجاهرتنا لآبائنا بالقطيعة مع تقدير ~~حضورهم ومشاهدتهم لما نفعل مما يخالف أغراضهم وبترك التنمية لأموالنا ~~بالنقص وهو مع مخالفة أفعال الآباء تبذير فهو سفه - فدارت شبهتهم في ~~الأمرين على تلقيد الآباء وتنزيههم عن الغلط لاحتمال أن يكون لأفعالهم ~~وجه من الصواب خفي عنهم، وزادت في ألأموال بظن التبذير - فقد صرت بدعائنا ~~إلى كل من الأمرين حينئذ داعيا إلى ضد ما أنت متلبس به { إنك } إذا { ~~لأنت } وحدك { الحليم } في رضاك بما يغضب منه ذوو الأرحام { الرشيد* } في ~~تضييع الأموال، يريدون بهذا كما زعموا - سلخه من كل ما هو متصف به دونهم ~~من هاتين الصفتين الفائقتين بما خيل إليهم سفههم أنه دليل ms2171 عليه قاطع، ~~وعنوا بذلك نسبته إلى السفه والغي على طريق التهكم. # ولما اتهموه بالقطيعة والسفه، شرع في إبطال ما قالوا ونفي التهمة فيهن ~~وأخرج مخرج الجواب لمن كأنه قال: ما أجابهم به؟ فقيل: { قال يا قوم } ~~مستعطفا لهم بما بينهم من عواطف القرابة منبها لهم على حسن النظر فيما ~~ساقه على سبيل الفرض والتقدير ليكون أدعى إلى الوفاق والإنصاف { أرءيتم } ~~أي أخبروني { إن كنت } أي كونا هو في غاية الثبات { على بينة } أي برهان ~~{ من ربي } الذي أحسن إلي بما هو إحسان إليكم، وعطف على جملة الشرط ~~المستفهم عنه قوله: { و } قد { رزقني } وعظم الرزق بقوله: { منه رزقا ~~حسنا } جليلا ومالا جما حلالا لم أظلم فيه أحدا، والجواب محذوف ~~لتذهب النفس فيه كل مذهب، ويمكن أن يقال فيه: هل يسع عاقلا أن ينسبني ~~إلى السفه بتبذير المال بترك الظلم، أو يسعني أن أحلم عمن عبد غيره وأترك ~~دعاءكم إلى الله، فقد بان بهذا أني ما أمرتكم بما يسوءكم من ترك ما ألفتم ~~وتعرضت لغضبكم كلكم، وتركت مثل أفعالكم إلا خوفا من غضبه ورجاء لرضاه، ~~فظهر أن لا تهمة في شيء من أمري ولا خطأ، ما فعلت قط ما نهيتكم عنه فيما ~~مضى { وما أريد } أي في وقت من الأوقات { أن أخالفكم } أي بأن أذهب وحدي ~~{ إلى ما أنهاكم عنه } في المستقبل، وما نقص مال بترك مثل أفعالكم، فهو ~~إرشاد إلى النظر في باب: # لا تنه عن خلق وتأتي بمثله # عار عليك إذا فعلت عظيم # فابدأ بنفسك فانهها عن غيها # فإذا انتهيت عنه فأنت حكيم # وقد نبهت هذه الأجوبة الثلاثة على أن العاقل يجب أن يراعي في كل ما يأتي ~~ويذر أحد حقوق ثلاثه أهمها وأعلاها حق الله وثانيها حق النفس وثالثها حق ~~العباد على وجه الإخلاص في الكل فثبت ببعده عن التهمة مع سداد الأفعال ~~وحسن المقاصد - حلمه صلى الله عليه وسلم ورشده، فلذلك أتبعه بما تضمن ~~معناه مصرحا به فقال: { إن } أي ما { أريد } أي شيئا من الأشياء { إلا ms2172 ~~الإصلاح } وأقر بالعجز فقال: { ما استطعت } أي مدة استطاعتي للاصلاح وهو ~~كما أردت فإن مالي - مع اجتنابي ما أنتم عليه - صالح، ليس بدون مال أحد ~~منكم، فعلم، مشاهدة أن لا تبذير في العدل، وأما التوحيد فهو - مع انتفاء ~~التهمة عنى فيه - دعاء إلى القادر على كل شيء الذي لا خير إلى منه ولا ~~محيص عن الرجوع إلأيه؛ ثم تبرأ من الحول والقوة، وأسند الأمر إلى من هو ~~له فقال: { وما توفيقي } إي فيما استطعت من فعل الإصلاح { إلا بالله } أي ~~الذي له الكمال كله؛ ثم بين أنه الأهل لأن يرجى فقال مشيرا إلى محض ~~التوحيد الذي هو أقصى مرتب العلم بالمبدأ { عليه } أي وحده { توكلت } ~~ولما طلب التوفيق لإصابة الحق فيما يأتي ويذر من الله والاستعانة به في ~~مجامع أمره وأقبل عليه بكليته وحسم أطماع الكفار عنه وأظهر الفراغ عنهم ~~وعدم المبالاة بهم، وكان في قوله { ما استطعت } إقرار بأنه محل التقصير، ~~أخبر بأنه لا يزال يجدد التوبة لعظم الأمر، وعبر عن ذلك بعبارة صالحة ~~للتحذير من يوم البعث تهديدا لهم فقال منبها على معرفة المعاد ليكمل ~~الإيمان بالله واليوم الآخر: { وإليه } أي خاصة { أنيب* } أي أرجع معنى ~~سبقي للتوبة وحسا تيقني بالبعث بعد الموت؛ والوفيق: خلق قدرة ما هو وفق ~~الأمر من الطاعة، من الموافقة للمطابقة؛ والتوكل على الله: تفويض الأمر ~~إليه على الرضاء بتدبيره مع التمسك بطاعته. ### || [11.89-91] # ولما بين لهم عذره بما انتفت به تهمته، أتبعه بما يدلهم على أن الحق وضح ~~لهم وضوحا لم يبق معه إلا المعاندة، فحذرهم عواقبها وذكرهم أمر من ~~ارتكابها فقال: { ويا قوم } وأعز الناس علي { لا يجرمنكم } أي يحملنكم { ~~شقاقي } أي شقاقكم لي على { أن يصيبكم } من العذاب { مثل ما } أي العذاب ~~الذي { أصاب قوم نوح } بعد طول أعمارهم وتنائي أقطارهم { أو قوم هود } ~~على شدة أبدانهم وتمادي أمانهم { أو قوم صالح } مع نحتهم البيوت من ~~الصخور وتشييدهم عوالي القصور. # ولما كان للمقاربة أثر المشاكلة والمناسبة، غير الأسلوب تعظيما للتهويل ~~فقال: ms2173 { وما قوم لوط } أي على قبح أعمالهم وسوء حالهم وقوة أخذهم ووبالهم ~~{ منكم ببعيد* } أي لا في الزمان ولا في المكان فأنتم أجدر الناس بذكر ~~حالهم للاتعاظ بها، وإنما فسرت جرم بحمل لأن ابن القطاع نقل أنه يقال: ~~جرمت الرجل: حملته على الشيء، وقد عزا الرماني تفسيرها بذلك للحسن ~~وقتادة، ويجوز أن تفسر بما تدور عليه المادة من القطع، أي لا يقطعنكم ~~شقاقي عن اتباع ما أدعوكم إليه خوف أن يصيبكم، وقد جوزه الرماني. # ولما رهبهم، أتبعه الترغيب في سياق مؤذن بأنهم إن لم يبادروا إلى المتاب ~~بادرهم العذاب، بقوله عاطفا لهذا الأمر على ذلك النهي المتقدم: { ~~واستغفروا ربكم } أي اطلبوا ستر المحسن إليكم، ونبه على مقدار التوبة ~~بأداة التراخي فقال: { ثم توبوا إليه } ثم علل ذلك مرغبا في الاقبال ~~عليه بقوله: { إن ربي } أي المختص لي بما ترون من الإحسان دينا ودنيا { ~~رحيم ودود* } أي بليغ الإكرام لمن يرجع إليه بأن يحفظه على ما يرضاه بليغ ~~التحبب إليه، ولم يبدأه بالاستعطاف على عادته بقوله: يا قوم، إشارة إلى ~~أنه لم يبق لي وقت آمن فيه وقوع العذاب حتى أشتغل فيه بالاستعطاف، فربما ~~كان الأمر أعجل من ذلك فاطلبوا مغفرته بأن بأن تجعلوها غرضكم ثم توصلوا ~~إليها بالتوبة؛ فثم على بابها في الترتيب، وأما التراخي فباعتبار عظم ~~مقدار التوبة وعلو رتبتها لأن الغفران لا يحصل بالطلب إلا إن اقترن بها، ~~هذا الشأن في كل كبيرة من أنها لا تكفر إلا بالتوبة، وذلك لأن الطاعة ~~المفعولة بعدها يكون مثلها كبيرة في جنس الطاعات كما أن تلك كبيرة في جنس ~~المعاصي فلا تقوى الطاعة على محوها وتكرر الطاعات يقابله تكرر المعاصي ~~بالإصرار الذي هو بمنزلة تكرير المعصية في كل حال، فلما رأوه لا ينزع ~~عنهم ولم يقدروا لكلامه على جواب، أيأسوه من الرجوع إليه بأن أنزلوا ~~أنفسهم عنادا في الفهم لهذا الكلام الواضح جدا إلى عداد البهائم، ~~وهددوه فأخبر تعالى عنهم بذلك استئنافا في جواب من يقول: ما قالوا بعد ~~هذا الدعاء ms2174 الحسن؟ بقوله: { قالوا يا شعيب } منادين له باسمه جفاء وغلظة ~~{ ما نفقه } أي الآن لأن " ما " تخص بالحال { كثيرا مما تقول } وإذا لم ~~يفهم الكثير من الكلام لم يفهم مقصوده، يعنون: خفض عليك واترك كلامك فإنا ~~لا نفهمه تهاونا به كما يقول الإنسان لخصمه إذا نسبه إلى الهذيان: أنا ~~لا أدري ما تقول، ولما كان غرضهم مع العناد قطع الأمر، خصوا عدم الفهم ~~بالكثير ليكون أقرب إلى الإمكان، وكأنهم - والله أعلم - أشاروا إلى أنه ~~كلام غير منتظم فلا حاصل له ولا لمضمونه وجود في الخارج. # ولما كان في ذلك إشارة إلى أنه ضعيف العقل لأن كلامة مثل كلام المجانين، ~~أتبعوه قولهم: { وإنا لنراك } أي رؤية مجددة مستمرة { فينا ضعيفا } أي ~~في البدن وغيره، فلا تتعرض لسخطنا فإنك لا تقدر على الامتناع من مكروه ~~نحله بك بقوة عقل ولا جسم ولا عشيرة، وأشاروا إلى ضعف العشيرة بتعبيرهم ~~بالرهط في قولهم: { ولولا رهطك لرجمناك } أي قتلناك شر قتلة - فإن الرهط ~~من ثلاثة إلى عشرة وأكثر ما قيل: إن فخذه أربعون - فما أنت علينا بممتنع ~~لضعفك وقلة قومك { وما أنت } أي خاصة، لأن " ما " لنفي الحال اختصاص ~~بالزمان، والقياس أن يكون مدخولها فعلا أو شبهه، وحيث أوليت الاسم لا ~~سيما الضمير دل على أن التقديم للاهتمام والاختصاص { علينا بعزيز* } ~~بكريم مودود، تقول: أعززت فلانا - إذا كان له عندك ود، بل قومك هم ~~الأعزة عندنا لموافقتهم لنا، ولو كان المراد: ما عززت علينا، لكان ~~الجواب: لم لا أعز وقد شرفني الله - أو نحو هذا، ويصح أن يراد بالعزيز ~~القوي الممتنع، ويصير إفهامه لامتناع رهطه محمولا على أن المانع لهم ~~موافقتهم لهم لا قوتهم؛ والفقه: فهم الكلام على ما تضمن من المعنى، وقد ~~صار اسما لضرب من علوم الدين، وأصل الرهط: الشدة، من الترهيط لشدة ~~الأكل، ومنه الراهطاء: حجر اليربوع لشدته وتوثقه ليخبأ فيه ولد. ### || [11.92-95] # ولما كان تخصيصهم نفي العزة به يفهم أن رهطه عليهم أعزة، أنكر عليهم ذلك ~~في سياق مهدد لهم فقال ms2175 تعالى حاكيا عنه استئنافا: { قال } أي شعيب { يا ~~قوم } ولم يخل الأمر من جذب واستعطاف بذكر الرحم العاطفة { أرهطي } أي ~~أقاربي الأقربون منكم { أعز عليكم من الله } أي المحيط بكل شيء علما ~~وقدرة حتى نظرتم إليهم في لقرابتي منهم ولم تنظروا إلى الله في قربي ~~منه بما ظهر علي من كرامته { واتخذتموه } أي بما كلفتم به أنفسكم مما هو ~~خلاف الفطرة الأولى { وراءكم } أي أعرضتم عنه إعراض من جعل الشيء وراءه؛ ~~وحقق معنى الوراء بقوله: { ظهريا } أي جعلتموه كالشيء الغائب عنكم ~~المنسي عندكم الذي لا يعبأ به، ولم تراقبوه في لنسبتي إليه بالرسالة ~~والعبودية. # ولما كان معنى الكلام لأجل الإنكار: إنكم عكستم في الفعل فلم تعرفوا ~~الحق لأهله إذ كان ينبغي لكم أن لا تنسوا الله بل تراقبوه في كل أموركم، ~~حسن تعليل هذا المفهوم بقوله: { إن ربي } أي المحسن إلي؛ ولما كان ~~المراد المبالغة في إحاطة علمه تعالى بأعمالهم قدم قوله: { بما تعملون ~~محيط* } من جليل وحقير، فهو مقتدر في كل فعل من أفعالكم على إنفاذه ~~وإبطاله، فهو محيط بكم لا يرده عن نصرتي منكم والإيقاع بكم مراعاة أحد ~~لعزة ولا قوة، بل لكم عنده أجل هو مؤخركم إليه لأنه لا يخشى الفوت؛ ~~والاتخاذ: أخذ الشيء لأمر يستمر في المستأنف كاتخاذ البيت؛ والمحيط: ~~المدير على الشيء كالحائط يحصره بحيث لا يفوته منه شيء. # ولما ختم الآية بتهديدهم بما بين أن تهديدهم له عدم لا يبالي به، أتبعه ~~ما يصدقه من أنه ليس بتارك شيئا من عمله مما جبلوا به، وزاد في التهديد ~~فقال: { ويا قوم اعملوا } أي أوقعوا العمل لكل ما تريدون قارين مستعلين { ~~على مكانتكم } أي حالكم الذي تتمكنون به من العمل { إني عامل } على ما ~~صار لي مكانة، أي حالا أتمكن به من العمل لا أنفك عنه ما أنا عامل من ~~تحذيري لمن كفر وتبشيري لمن آمن وقيامي بكل ما أوجب علي الملك غير هائب ~~لكم ولا خائف منكم ولا طامع في مؤالفتكم ولا معتمد على سواه. ms2176 # ولما كانت ملازمتهم لأعمالهم سببا لوقوع العذاب المتوعد به ووقوعه ~~سببا للعلم بمن يخزي لمن يعلم أي هذين الأمرين يراد، ذكره بعد هذا ~~التهديد فحسن حذف الفاء من قوله: { سوف تعلمون* } أي بوعد لا خلف فيه وإن ~~تأخر زمانه، وسوقه مساق الجواب لمن كأنه قال: ما المراد بهذا الأمر ~~بالعمل المبالغ قبل في النهي عنه؟ وقد تقدم في قصة نوح عليه السلام ما ~~يوضحه. # وأحسن منه أنهم لما قالوا { ما نفقه كثيرا مما تقول } كذبهم - في إخراج ~~الكلام على تقدير سؤال من هو منصب الفكر كله إلى كلامه - قائل: ماذا يكون ~~إذا عملنا وعملت؟ فهذا وصل خفي مشير إلى تقدير السؤال ولو ذكر الفاء لكان ~~وصلا ظاهرا، وقد ظهر الفرق بين كلام الله العالم بالإسباب وما يتصل بها ~~من المسبباب المأمور بها أشرف خلقه صلى الله عليه وسلم في سورة الأنعام ~~والزمر والكلام المحكي عن نبيه شعيب عليه السلام في هذه السورة { من } أي ~~أينا أو الذي { يأتيه عذاب يخزيه } ولما كان من مضمون قولهم { ما نفقه ~~كثيرا مما تقول } النسبة إلى الكذب لأنه التكلم بما ليس له نسبة في ~~الواقع تطابقه، قال: { ومن هو كاذب } أي مني ومنكم، فالتقدير إن كانت " ~~من " موصولة: ستعلمون المخزي بالعذاب والكذب أنا وأنتم، وإن كانت ~~استفهامية: أينا يأتيه عذاب يخزيه وأينا هو كاذب، فالزموا مكانتكم لا ~~تتقدموا عنها { وارتقبوا } أي انتظروا ما يكون من عواقبها. # ولما كانوا يكذبونه وينكرون قوله، أكد فقال: { إني معكم رقيب* } لمثل ~~ذلك، وإنما قدرت هذا المعطوف عليه لفصل الكلام في قوله { سوف } ويجوز ~~عطفه على { اعملوا } وجرد ولم يقل: مرتقب، إشارة إلى أن همه الاجتهاد في ~~العمل بما أمره الله لأنه مبالغ في ارتقاب عاقبته معهم استهانة بهم. # ولما كان كأنه قيل: فأخذوا الكلام على ظاهره ولم ينتفعوا بصادع وعيده ~~وباهره، فاستمروا على ما هم عليه من القبيح إلى أن جاء أمرنا في الأجل ~~المضروب له، قال عاطفا عليه، وكان العطف بالواو لأنه لم يتقدم وعيد بوقت ~~معين ms2177 - كما في قصتي صالح ولوط عليهما السلام - يتسبب عنه المجيء ويتعقبه: ~~{ ولما جاء أمرنا } أي تعلق إرادتنا بالعذاب { نجينا } بما لنا من العظمة ~~{ شعيبا } أي تنجية عظيمة { والذين آمنوا } كائنين { معه } منهم ومما ~~عذبناهم به، وكان إنجاءنا لهم { برحمة منا } ولما ذكر نجاة المؤمنين، ~~أتبعه هلاك الكافرين فقال: { وأخذت الذين ظلموا } أي أوقعوا الظلم ولم ~~يتوبوا { الصيحة } وكأنها كانت دون صيحة ثمود لأنهم كانوا أضعف منهم ~~فلذلك أبرز علامة التأنيث في هذه دون تلك. # ولما ذكر الصيحة ذكر ما تسبب عنها فقال: { فأصبحوا } أي في الوقت الذي ~~يتوقع الإنسان فيه السرور وكل خير { في ديارهم جاثمين* } أي ساقطين ~~لازمين لمكانهم. # ولما كان الجثوم قد لا يكون بالموت، أوضح المراد بقوله: { كأن لم يغنوا ~~فيها } أي لم يقيموا في ديارهم أغنياء متصرفين مترددين مع الغواني لاهين ~~بالغناء؛ ولما كان مضمون ذلك الإبعاد أكده بقوله: { ألا بعدا لمدين } ~~بعدا مع أنه بمعنى ضد القرب معه هلاك، فهو من بعد بالكسر وأيد ما فهمته ~~من أن أمرهم كان أخف من أمر ثمود بقوله: { كما بعدت ثمود }. ### || [11.96-99] # ولما كان شعيب ختن موسى عليهما السلام، كان ذكر قصته هنا متوقعا مع ما ~~حرك إلى توقعها من ذكر كتابه أول السورة وما في عصا موسى من مناسبة ناقة ~~من ختم بالتشبيه بحالهم، فذكرها بعدها مفتتحا لها بحرف التوقع فقال ~~مؤكدا تنبيها على أن فرعون فعل فعل قريش في الإدبار عن الآيات العظيمة ~~ولم يترك موسى عليه السلام شيئا مما أوحي إليه من إنذاره: { ولقد أرسلنا ~~} أعاد الفعل وأبرزه في مظهر العظمة إشارة إلى باهر معجزاته { موسى ~~بآياتنا } أي المعجزات التي أظهرها { وسلطان } أي أمر قاهر للقبط، ~~والظاهر أنه حكاية موسى عليه السلام منه على ما كان له من السطوة والتحرق ~~عليه { مبين* } أي بين بنفسه، وهو في قوة بيانه كأنه مبين لغيره ما فيه ~~من الأسرار، والآية تعم الأمارة والدليل القاطع، و السلطان يخص القاطع، ~~والمبين يخص ما فيه جلاء { إلى فرعون } طاغية القبط { وملئه ms2178 } أي أشراف ~~قومه الذين تتبعهم الأذناب، لأن القصد الأكبر رفع أيديهم عن بني إسرائيل. # ولما كان الناصح لنفسه من لا يتبع أحدا إلا فيما يعلم أنه صواب، قال ~~معجبا من الملأ مشيرا إلى سرعة تكذيبهم بالبينات وإتباعهم فيما ضلاله ~~لا يخفى على من له مسكة: { فاتبعوا } أي فتسبب عن هذا الأمر الباهر أن ~~عصى فرعون وحمل ملؤه أنفسهم على أن تبعوا لإرادتنا ذلك منهم { أمر فرعون ~~} أي كل ما يفهمون عنه أنه يهواه ويأمره به وتبعهم السفلة فأطبقوا على ~~المنابذة إلا من شاء الله منهم { وما } أي والحال أنه ما { أمر فرعون ~~برشيد* } أي سديد، مع أن في هذا التعقيب بعد ذكر ثمود من التذكير بآيتي ~~الناقة والعصا إشارة إلى القدرة على البعث المذكور أول السورة الموجب ~~خوفه لكل خير كما أن ذلك أيضا كان من فوائد تعقيب قصة إبراهيم لقصة صالح ~~عليهما السلام، واقتصر هنا على ذكر فرعون وقومه لأن المقصود من هذه القصص ~~- كما تقدم - التثبيت في المكافحة بإبلاغ الإنذار وإن اشتدت كراهية ~~المبلغين وقل المتبع منهم، وأن لا يترك شيء منه خوف إصرارهم أو إدبارهم ~~ولا رجاء إقبالهم وكثرة مؤمنيهم، وهذه حال آل فرعون، وأما بنو إسرائيل ~~فإنهم لم يتوقفوا إلا خوفا من فرعون في أول الأمر، ثم أطبق كلهم على ~~الإتباع، ثم صاروا بعد ذلك كل قليل يبدلون لا كراهية للإنذار بل لغير ذلك ~~من الأمور وعجائب المقدور كما بين في قصصهم؛ والملأ: الأشراف الذين تملأ ~~الصدور هيبتهم عند رؤيتهم؛ والإتباع، طلب، طلب الثاني للتصرف بتصرف الأول ~~في أي جهة أخذ، وقد يكون عن كره بخلاف الطاعة؛ والأمر: الإيجاب بصيغة " ~~أفعل " وهو يتضمن إرادة المأمور به في الجملة، وقد لا يراد امتثال عين ~~المأمور؛ والرشيد: القائد إلى الخير الهادي إليه؛ ثم أوضح عدم رشد أمر ~~فرعون بقوله: { يقدم قومه } أي الذين كان لهم قوة المدافعة { يوم القيامة ~~} ويكونون له تبعا كما كانوا في الدنيا، وأشار بإيراد ما حقه المضارع ~~ماضيا إلى تحقق وقوعه تحقق ما وقع ms2179 ومضى فقال: { فأوردهم النار } أي كما ~~أوردهم في الدنيا غطاءها وهو البحر. # ولما كان التقدير: فبئس الواردون، عطف عليه بيان الفعل والمفعول فقال: { ~~وبئس الورد المورود* } كما كان البحر إذ وردوه أقبح ورد ورده إنسان، لأن ~~الورد يراد لتسكين العطش وتبريد الأكباد، وهذا يفيد ضد ذاك. # ولما كان فرعون موصوفا بعظم الحال وكثرة الجنود والأموال وضخامة ~~المملكة، حقر تعالى دنياه بتحقير جميع الدنيا التي هي منها بإسقاطها في ~~الذكر اكتفاء بالإشارة إليها ولم يثبتها كما في قصة عاد فقال: { وأتبعوا ~~} ببنائه للمفعول لأن المنكي الفعل لا كونه من معين { في هذه } أي الحياة ~~الخسيسة { لعنة } فهم يلعنون فيها من كل لاعن من المسلمين وغيرهم من أهل ~~الملل فلعنة الله على من حسن حالهم وارتضى ضلالهم لإضلال العباد من أهل ~~الإلحاد بفتنة الاتحاد { ويوم القيامة } أيضا يلعنهم اللاعنون، حتى أهل ~~الاتحاد الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين؛ ثم بين ما يحق أن ~~يقوله سامع ذلك بقوله: { بئس الرفد المرفود* } أي التبع المتبوع والعون ~~المعان، فإن اللعنة تابعة لعذابهم في الدنيا ومتبوعة باللعنة في الآخرة ~~والعذاب رفد لها وهي رفد له، ومادة " رفد " تدور على التبع، أو يكون ~~المراد أن لعنهم لا يزال مترادفا تابعا بعضه لبعض، فكل لعنة تابعة لشيء ~~من الخزي: عذاب أو لعن، متبوعة بلعنة مضافة إليها، وسمي ذلك رفدا وهو ~~حقيقة العون من باب قولهم: تحية بينهم ضرب وجيع ومعنى { يقدم } أنه يكون ~~قدامهم غير سائق لهم، بل هم على أثره متلاحقين، فيكون دخولهم إلى النار ~~معا؛ والقيامة: القومة من الموت للحساب؛ والإتباع: طلب الثاني للحاق ~~بالأول كيف تصرف؛ واللعن من الله: الإبعاد من الرحمة بالحكم بذلك، ومن ~~العباد: الدعاء به. ### || [11.100-103] # ولما كانت هذه الأخبار على غاية منا التحذير، لا يعرفه إلا بالغ في ~~العلم، كان من المعلوم قطعا أنه صلى الله عليه وسلم لم يأت بها إلا من ~~عند الله للعلم المشاهد بأنه لم يعان علما ولا ألم بعالم يوما، هذا مع ~~ما اشتملت عليه ms2180 من أنواع البلاغة وتضمنته من أنحاء الفصاحة وأومأت إليه ~~بحسن سياقاتها من صروف الحكم وإفادة تفصيلها من فنون المعارف، فلذلك ~~استحقت أن يشار إليها بأداة البعد إيماء إلى بعد المرتبة وعلو الأمر فقال ~~تعالى: { ذلك } أي النبأ العظيم والخطب الجسيم { من أنباء القرى } وأكد ~~هذا المعنى بلفظ النبأ لأنه الخبر فيه عظيم الشأن، ومنه النبي، وأشار ~~بالتعبير بالمضارع في قوله: { نقصه عليك } إلى أنا كما قصصناها عليك في ~~هذا الحال للمقصد المتقدم سنقصها عليك لغير ذلك من الأغراض في فنون ~~البلاغة وتصاريف الحكم كما سترى عند قصه؛ ثم أشار - بما أخبر من حلها ~~بقوله: { منها } أي القرى { قائم وحصيد* } إلى أنك مثل ما سمعت ما قصصنا ~~عليك من أمرها بأذنك ووعيته بقلبك تحسها بعينك بمشاهدة أبنيتها وآثارها ~~قائمة ومستحصدة، أي متهدمة لم يبق من بنيانها إلا بعض جدرانها. # ولما كان فيما تقدم في هذه السورة من القصص أشد تهديد وأعظم وعيد لمن له ~~تبصرة، صرح لغليظي الأكباد بأن الموجب للايقاع بهم إنما هو الظلم، فقال ~~تعالى عاطفا على نحو أن يقال: فعلنا بهم وأنبأناك به: { وما ظلمناهم } ~~في شي منه { ولكن ظلموا أنفسهم } واعتمدوا على أندادهم معرضين عن جنابنا ~~آمنين من عذابنا فأخذناهم { فما } أي فتسبب عن اعتمادهم على غيرنا أنه ما ~~{ أغنت عنهم } أي بوجه من الوجوه { آلهتهم التي } وصور حالهم الماضية ~~فقال: { يدعون } أي دعوها واستمروا على دعائهم لها إلى حين الأخذ، وين ~~خسة رتبتها فقال: { من دون الله } أي الذي له جميع صفات الكمال؛ وذكر ~~مفعول " اغنت " معرقا في النفي فقال: { من شيء } أي وإن قل { لما جاء ~~أمر } أي عذاب { ربك } أي المحسن إليك بتأخير العذاب المستأصل عن أمتك ~~وجعلك نبي الرحمة { وما زادوهم } في أحوالهم التي كانت لهم قبل عبادتهم ~~إياها { غير تتبيب* } أي إهلاك وتخسير، فإنهم كانوا في عداد من يرجى ~~فلاحه، فلما تورطوا في عبادتها ونشبوا في غوايتها وبعدوا عن الاستقامة ~~بضلالتها خسروا أنفسهم التي هي رأس المال فكيف لهم بعد ذلك بالأرباح؛ ms2181 ~~والقص: إتباع الأثر، فهو هنا الإخبار بالأمور التي يتلو بعضها بعضا؛ ~~والدعاء: طلب الطالب الفعل من غيره، ونداء الشيء باسمه بحرف النداء، وكلا ~~الأمرين مرادان؛ و { من دون الله }: من منزلة أدنى من منزلة عبادة الله ~~لأنه من الأدون، وهو الأقرب إلى جهة السفل؛ والتب: الهلك والخسر. # ولما كان المقصود من ذلك رمي قلوب العرب بما فيه من سهام التهديد ~~ليقلعوا عما تمكنوا فيه من عمى التقليد، قال تعالى معلما بأن الذي أوقع ~~بأولئك لظلمهم وهو لكل ظالم بالمرصاد سواء ظلم نفسه أو غيره: { وكذلك } ~~أي ومثل ذلك الأخذ العظيم { أخذ ربك } ذكره بوصف الإحسان ما له إليه من ~~البر لئلا يخاف على قومه من مثل هذا الأخذ { إذا أخذ القرى } أي أهلها ~~وإن كانوا غير من تقدم الإخبار عنهم وإن عظموا وكثروا، ولكن الإخبار عنها ~~أهول لأنه يفهم أنه ربما يعمها الهلاك لأجلهم بشدة الغضب من فعلهم كقرى ~~قوم لوط عليه السلام { وهي ظالمة } روى البخاري في التفسير عن أبي موسى ~~رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته " # ثم قرأ { وكذلك أخذ ربك } الآية. # ولما كان مثل هذا الآخذ لا يداينه مخلوق ولا يقدر عليه ملك، حسن كل ~~الحسن إتباع ذلك قوله: { إن أخذه أليم } أي مؤلم قاطع للآمال مالىء البدن ~~والروح والنفس بالنكال { شديد* } أي صعب مفتت للقوى، ولعله عبر هنا باسم ~~الرب مضيفا له إلى المنبأ بهذه الأنباء مكررا لذلك في هذا المقام الذي ~~ربما سبق فيه الوهم إلى أنه باسم الجبار والمنتقم مثلا أليق، إشارة إلى ~~أنه سبحانه يربيك أحسن تربية في إظهارك على الدين كله وانقياد العظماء ~~لأمرك وذل الأعزة لسطوتك وخفض الرؤوس لعلو شأنك، فلا تتكلف أنت شيئا من ~~قصد إجابتهم إلى إنزال آية أو ترك ما يغيظ من إنذار ونحو ذلك - والله ~~الموفق. # ولما كان مما جر هذه القصص وهذه المواعظ تكذيبهم لما يوعدون من العذاب ~~الناشىء عن إنكار البعث ms2182 المذكور في قوله تعالى: { ولئن قلت إنكم مبعوثون ~~من بعد الموت } ، أشار تعالى إلى تحقق أمر الآخرة وأنه مما ينبغي ~~الاهتمام به ردا للمقطع على المطلع، وإعلاما بأنه لا فرق بينه وبين ما ~~تحقق إيقاعه من عذاب هذه الأمم في القدرة عليه بقوله مؤكدا لأجل جحودهم ~~أن يكون في شيء مما مضى دلالة عليه بوجه من الوجوه: { إن في ذلك } أي ~~النبأ العظيم والقصص والوعظ بما يذكر { لآية } أي لعلامة عظيمة ودلالة ~~بتة ولما كان وجود الشيء عدما بالنسبة إلى ما لا نفع له به، قال: { لمن ~~خاف عذاب } يوم الحياة { الآخرة } لأنه نفع خاص به، وإنما كان آية له ~~لأنه إذا نظر إلى إهلاكه للظالمين إهلاكا عاما بسبب ظلمهم وإنجائه ~~للمؤمنين، علم أنه قادر على ما يريد، وأنه لا بد أن يجازي كلا بما فعل، ~~فإذا رأى أن ظلمه كثيرين يموتون بغير انتقام، علم أنه لا بد من يوم ~~يجازيهم فيه، وهو اليوم الذي أخبرت به عنه رسله، وزاد في الإشارة إلى ~~تهويله بإعادة اسم الإشارة في قوله: { ذلك } أي اليوم العظيم الذي يكون ~~فيه عذاب الآخرة { يوم } وأشار - إلى يسر البعث وسهولته عليه وأنه أمر ~~ثابت لا بد منه - باسم المفعول من قوله: { مجموع له } أي لإظهار العدل ~~فيه والفضل { الناس } أي كل من فيه أهلية التحرك والاضطراب وما ثم يوم ~~غيره يكون بهذه الصفة أصلا. # ولما لم يسبقه يوم اجتمع فيه جميع الخلق من الجن والإنس والملائكة وجميع ~~الحيوانات أحياء، وكان ذلك مسوغا لأن تعد شهادة غيره عدما فقال تعالى: ~~{ وذلك } أي اليوم العظيم { يوم مشهود* } أي هو نفسه لهم ولغيرهم من جميع ~~الخلق، فيكون تنوينه للتعظيم بدلالة المقام، أو يكون المعنى أنه أهل لأن ~~يشهد، وتتوفر الدواعي على حضوره لما فيه من عجائب الأمور والأهوال العظام ~~والمواقف الصعبة، فلا يكون ثم شغل إلا نظر ما فيه والإحاطة بحوادثه خوف ~~التلاف ورجاء الخلاص؛ والآية: العلامة العظيمة لما فيها من البيان عن ~~الأمر الكبير؛ والخوف: انزعاج النفس بتوقع ms2183 الشر، وضده الأمن وهو سكون ~~النفس بتوقع الخير؛ والعذاب: استمرار الألم. ### || [11.104-107] # ولما تقدم قولهم { ما يحبسه } كان كأنه قيل في الرد عليهم: نحن قادرون ~~على تعجيله، وهو - كما أشرنا إليه في هذه الآية - عندنا متى شئنا في غاية ~~السهولة: { وما نؤخره } أي اليوم أو الجزاء مع ما لنا من العظمة والقدرة ~~التامة على إيجاده لشيء من الأشياء { إلا لأجل } أي لأجل انتهاء أجل { ~~معدود* } سبق في الأزل تقديره ممن لا يبدل القول لديه وكل شيء في حكمه، ~~فهو لا يخشى الفوت؛ ومادة " أجل " بتراكيبها الأربعة: أجل وجأل وجلأ ولجأ ~~تدور على المدة المضروبة للشيء، فالأجل - محركة: مدة الشيء وغاية الوقت ~~في الموت وحلول الدين من تسمية الجزء باسم الكل، والتأجيل: تحديد الأجل، ~~ويلزمه التأخير، ومنه أجل الشيء كفرح - إذا تأخر، والآجلة: الآخرة، وأجل ~~الشيء - بالفتح: حبسه ومنعه، لأن الأجل حابس ومانع للمؤجل، ومنه أجلى ~~كجمزى، وهو مرعى لهم معروف كأنه لحسنه يحبس الراعي فيه، وأجل الشر عليهم: ~~حناه وأثاره وهيجه،ولأهله: كسب وجمع واحتال، لأن ذلك كله من لوازم ذي ~~الأجل، أو المعنى أنه أوجد أجل ذلك، وكمقعد ومعظم: مستنفع الماء، لأنه ~~محيط به إحاطة الأجل بالمؤجل، وأجله فيه تأجيلا: جمعه فتأجل، والمأجل: ~~الحوض يحبس فيه الماء، وأجلوا ما لهم: حبسوه في المرعى، والاجل - بالكسر: ~~قطيع من بقر الوحش، تشبيها له في اجتماعه من حيث إنه أحصن له بالأجل ~~لأنه - كما قيل - حصن حصين، والاجل - بالكسر أيضا: وجع في العنق، لأنه ~~من أسباب حلول الأجل، وأجله: داواه منه، وبالضم جمع أجيل للمتأخر ~~وللمجتمع من الطين يجعل حول النخلة، لإحاطته بها إحاطة الأجل وتحصينه ~~لها، وتأجل القوم: تجمعوا، لأن التجمع أحصن لهم، وأجل - بفتحتين ثم سكون: ~~جواب كنعم وزنا ومعنى إلا أنه أحسن منه في التصديق، ونعم منه في ~~الاستفهام، وحقيقة ذلك الإخبار بأن أجل - أي وقت - ذلك الفعل الموجب أو ~~المستفهم عنه قد حضر، وفعلت ذلك من أجلك - من غير " من " - ومن أجلك، ومن ~~أجلاك ومن أجلالك ويكسر في الكل، ms2184 أي من جللك - قاله في القاموس، وقال في ~~فصل الجيم: وفعلته من جلك - بالضم - وجلالك وجللك - محركة - وتجلتك ~~وإجلالك - بالكسر، ومن أجل إجلالك ومن أجلك بمعنى - انتهى. وحقيقته أن ~~فعلي مبتدىء من أجلك - بالتحريك، أو تكون " من " سببية، اي أجلك سبب فيه، ~~ولولا وجودك ما فعلته فهو لتعظيمك؛ والملجأ واللجأ - محركة: المعقل ~~والملاذ، كأنه شبه بالأجل، ومنه لجأ إليه - كمنع وفرح: لاذ، وألجأ أمره ~~إلى الله: أسنده، وألجأ فلانا إلى كذا: اضطره، والتلجئة: الإكراه، ~~واللجأ - محركا: الضفدع، لالتجائها إلى الماء؛ ومن ذلك الجيأل - كصقيل، ~~وجيأل وجيألة ممنوعين، وجيل بلا همز كله اسم الضبع لكثرة لجائها إلى ~~وجارها، ومنه جئل - كفرح - جألانا: عرج، كأنه تشبيه بمشيتها، لأن من ~~أسمائها العرجاء، أو تشبيه بمشية الراقي في درج الملجأ، أي الحصن، وكذا ~~الأجل - كقنب وقبر - وهو ذكر الأوعال، لأن قرونه كالحصن له، وجيألة ~~الجرح: غثيثه، وهو مرية، لأنه من أسباب قرب الأجل، وكذا الاجئلال - أي ~~الفزع - ربما كان سببا لذلك، وربما كان سببا للمبادرة إلى الحصن، وجأل ~~- كمنع: ذهب وجاء، والصوف: جمعه واجتمع - لازم متعد، كله من لوازم الأجل ~~بمعنى المدة، وجلأ بالرجل - كمنع: صرعته، وبثوبه: رماه، كأنه جعله في قوة ~~من حضر أجله، وإن شئت قلت في ضبط ذلك: إن المادة - مع دورانها على المدة ~~- تارة تنظر إلى نفس المدة، وتارة إلى آخرها، وتارة إلى امتدادها ~~وتأخرها، وتارة إلى ما يدني منه، وتارة إلى منفعتها، وتارة إلى ما يلزم ~~فيها، فمن النظر إلى نفس المدة: التأجيل بمعنى تحديد الأجل، وهو مدة ~~الشيء، وفعلت هذا من أجلك، أي لولا وجودك ما فعلته، وأجل بمعنى نعم، أي ~~حضرت مدة الفعل، ومن النظر إلى الآخر: دنا الأجل - في الموت والدين، ومن ~~النظر إلى التأخر: أجل الشيء - إذا تأخر، والآجلة: الآخرة، ومن النظر إلى ~~السبب المدني: الأجل - بالكسر - لوجع في العنق، وجيألة الجرح - لغثيثه أي ~~مريه، وجلأ بالرجل: صرعه وبثوبه: رماه، وأجل الشر عليهم: جناه، أو أثاره ~~وهيجه، والاجئلال: الفزع، ومن النظر إلى المنفعة وهي أن ms2185 التأجيل الذي هو ~~تحديد الأجل للشيء مانع من أخذه دون ما ضرب له من المدة: الاجل - بالكسر ~~- للقطيع من بقر الوحش، وأجل الشيء: حبسه ومنعه، وأجلى كجمزي: مرعي لهم ~~معروف، وتأجل القوم: تجمعوا، وجأل الصوف جمعه، واللجأ والملجأ: المعقل ~~والملاذ، والضفدع للزومها ملجأها من الماء، والجيأل للضبع للزومها ~~وجارها، ولذلك تسمى أم عامر، وجئل - كفرح: عرج، كأنه شبه بمشيتها لأنها ~~تسمى العرجاء، والأجل كقنب وقبر - لذكر الأوعال، لتحصنه بقرونه، والأجل - ~~بالضم: المجتمع من الطين يجعل حول النخلة، والمآجل: الحوض يحبس فيه ~~الماء، ومستنقع الماء مطلقا، وأجله تأجيلا: جمعه، ومن النظر إلى ما ~~يلزم في المدة: أجل لأهله: كسب وجمع وجلب واحتال، وجأل - كمنع: جاء وذهب؛ ~~فقد تبين أن المراد بالأجل هنا الحين. # ولما كان كأنه قيل: يا ليت شعري ماذا يكون حال الناس إذا أتى ذلك الأجل ~~وفيها الجبابرة والرؤساء وذوو العظمة والكبراء! أجيب بقوله: { يوم يأت } ~~أي ذلك الأجل لا يقدرون على الامتناع بل ولا على مطلق الكلام، وحذف ابن ~~عامر وعاصم وحمزة الياء اجتزاء عنها بالكسرة كما هو فاش في لغة هذيل، ~~وكان ذلك إشارة إلى أن شدة هوله تمنع أهل الموقف الكلام أصلا في مقدار ~~ثلثية، ثم يؤذن لهم في الكلام في الثلث الآخر بدلالة المحذوف وقرينة ~~الاستثناء، فإن العادة أني يكون المستثنى أقل من المستثنى منه { لا تكلم ~~} ولو أقل كلام بدلالة حذف التاء { نفس } من جميع الخلق في ذلك اليوم ~~الذي هو يوم الآخرة، وهو ظرف هذا الأجل وهو يوم طويل جدا ذو ألوان وفنون ~~وأهوال وشؤون، تارة يؤذن فيه في الكلام، وتارة يكون على الأفواه الختام، ~~وتارة يسكتهم الخوف والحسرة والآلام، وتارة ينطقهم الجدال والخصام { إلا ~~بإذنه } أي بإذن ربك المكرر ذكره في هذه الآيات إشارة إلى حسن التربية ~~وإحكام التدبير. # ولما علم من هذا أنه يوم عظمة وقهر، سبب عن تلك العظمة تقسيم الحاضرين ~~فقال: { فمنهم } أي الخلائق الحاضرين لأمره { شقي } ثبتت له الشقاوة فيسر ~~في الدنيا لأعمالها { وسعيد* } ثبتت له السعادة فمشى ms2186 على منوالها؛ ~~والتأخير: الإذهاب عن جهة الشيء بالإبعاد منه، وضده التقديم؛ والأجل: ~~الوقت المضروب لوقوع أمر من الأمور؛ واللام تدل على العلة والغرض والحكمة ~~بخلاف " إلى "؛ والشقاء: قوة أسباب البلاء. # ولما كان أكثر الخلق هالكا مع أن المقام مقام تهديد وتهويل، بدأ تعالى ~~بالأشقياء ترتيبا للنشر على ترتيب اللف فقال: { فأما الذين شقوا } أي ~~أدركهم العسر والشدة { ففي النار } أي محكوم لهم بأنهم يدخلون الناء التي ~~هي النار لو علمتم { لهم فيها زفير } أي عظيم جدا { وشهيق* } من زفر - ~~إذا أخرج نفسه بعد مده إياه، وشهيق - إذ تردد البكاء في صدره - قاله في ~~القاموس؛ وقال ابن كثير في تفسير سورة الأنبياء: الزفير خروج أنفاسهم، ~~والشهيق: ولوج أنفسهم؛ وعن ابن عباس رضي الله عنهما: الزفير: الصوت ~~الشديد، والشهيق: الصوت الضعيف، وعن الضحاك ومقاتل: الزفير أول نهيق ~~الحمار، والشهيق آخره حين يفرغ من صوته إذا رده في جوفه، وسيأتي كلام ~~الزماني في ذلك { خالدين فيها } أي بلا انقطاع، وعبر عنه بقوله جريا على ~~أساليب العرب: { ما دامت السماوات والأرض }. # ولما كان له شيء لا يقبح منه شيء وهو قادر على كل شيء، دل على ذلك ~~بقوله: { إلا ما شاء } أي مدة شاءها فإنه لا يحكم لهم بذلك فيها فلا ~~يدخلونها. # ولما كان الحال في هذه السورة مقتضيا - كما تقدم - لتسلية النبي صلى ~~الله عليه وسلم عما أخبر به سبحانه في قوله { فلعلك تارك بعض ما يوحى ~~إليك } - الآية، من ضيق صدره، ولذلك أتى بهذه القصص كما مضى بيان ذلك، ~~عبر باسم الرب إشارة إلى أنه يحسن إليه بكل ما يسر قلبه ويشرح صدره فقال: ~~{ ربك } وقد جرى الناس في هذا الاستثناء على ظاهره ثم أطالوا الاختلاف في ~~تعيين المدة المستثناة، والذي ظهر لي - والله أعلم - أنه لما تكرر الجزم ~~بالخلود في الدارين وأن الشرك لا يغفر والإيمان موجب للجنة فكان ربما ظن ~~أنه لا يمكن غير ذلك كما ظنه المعتزلة لا سيما إذا تؤمل القطع في مثل ~~قوله { أن الله لا يغفر ms2187 أن يشرك به } مع تقييد غيره بالمشيئة في قوله { ~~ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } جاء هذا الاستثناء معلما أن الأمر فيه إلى ~~الله تعالى كغيره من الأمور، له أن يفعل في كلها ما يشاء وإن جزم القول ~~فيه، لكنه لا يقع غير ما أخبر به، وهذا كما تقول: اسكن هذه الدار عمرك ~~إلا ما شاء زيد، وقد لا يشاء زيد شيئا، فكما أن التعليق بدوام السماوات ~~والأرض غير مراد الظاهر كذلك الاستثناء لا يشاء الله قطع الخلود لأحد من ~~الفريقين، وسوقه هكذا أدل على القدرة وأعظم في تقليد المنة، ثم رأيت ~~الإمام أبا أحمد البغوي قد ذكر معنى هذا آخر ما أورده في تفسيره من ~~الأقوال في الآية وحكي نحوه عن الفراء، ومثله بأن تقول: والله لأضربنك ~~إلا إن أرى، وعزيمتك أن تضربه، وعزاه الطحاوي في بيان المشكل إلى أهل ~~اللغة منهم الفراء. # ولما كان تخليد الكفار من الحكم بالقسط بين الفريقين لأنه من أكبر تنعيم ~~المؤمنين الذين عادوهم في الله كما تقدم التنبيه عليه أول سورة يونس عليه ~~السلام عند قوله { ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط } كان ربما ~~توهم أن الاستثناء لو أخذ على ظاهره لم يكن إخراجهم من النار حينا، نفى ~~هذا التوهم بقوله: { إن ربك } أي المحسن إليك { فعال لما يريد } أي لا ~~يجوز عليه البدء بالرجوع عما أراد ولا المنع عن مراده ولا يتعذر عليه شيء ~~منه مع كثرة المرادات فلا اعتراض عليه ولا يلزمه لأحد شيء، بل له أن يخلد ~~العاصين في الجنة ويخلد الطائعين في النار، ولكنه كما ثبت ذلك ليعتقد ~~لكونه من صفة الكمال ثبت أنه لا يفعل ذلك سبحانه ولا يبدل القول لديه لأن ~~ذلك من صفات الكمال أيضا مع أن في ختم الآية بذلك ترجية لأهل النار في ~~إخراجهم منها زيادة في عذابهم. ### || [11.108-112] # ولما تم أمر الأشقياء، عطف عليه قسيمهم فقال: { وأما الذين سعدوا } أي ~~فازوا بمطالبهم وتيسر أمرهم { ففي الجنة } أي التي صارت معلومة من الدين ~~بالضرورة ms2188 { خالدين فيها } دائما أبدا { ما دامت السماوات والأرض } على ~~ما جرت به عادة العرب في إرادة التأبيد بلا آخر بمثل هذا { إلا ما شآء ~~ربك } وأدل دليل على ما قلت في الاستثناء قوله: { عطاء } هو نصب على ~~المصدر { غير مجذوذ } أي مقطوع ولا مكسور ولا مفصول - لعطاء من الأعطية ~~ولا مفرق ولا مستهان به: لأنهم لو انفكوا من النعيم حقيقة أو معنى ولو ~~لحظة لكان مقطوعا أو منقوصا؛ وفي الختم بذلك من الجزم بالدوام طمأنينة ~~لأهل الجنة زيادة في نعيمهم عكس ما كان لأهل النار؛ قال أبو الحسن ~~الرماني: والزفير: ترديد النفس مع الصوت حتى تنتفخ الضلوع، وأصله الشدة ~~من المزفور الخلق، والزفر: الحمل على الظهر، لشدته، والزفر: السيد لأنه ~~يطيق حمل الشدائد، وزفرت النار - إذا سمعت لها صوتا في شدة توقدها، ~~والشهيق: صوت فظيع يخرج من الجوف بمد النفس، وأصله الطول المفرط من ~~قولهم: جبل شاهق أي ممتنع طولا؛ والخالد: الكائن في الشيء أبدا، ~~والدائم: الباقي أبدا، ولهذا يوصف الله تعالى بالدائم دون الخالد. # ولما أخبره تعالى بوقوع القضاء بتمييز الناس في اليوم المشهود إلى ~~القسمين المذكورين على الحكم المشروح مرهبا ومرغبا، كان ذلك كافيا في ~~الثبات على أمر الله والمضي لإنفاذ جميع ما أرسل به وإن شق اعتمادا على ~~النصرة في ذلك اليوم بحضرة تلك الجموع، فكان ذلك سببا للنهي عن القلق في ~~شيء من الأشياء وإن جل وقعه وتعاظم خطبه، فقال تعالى: { فلا } ولما كان ~~ما تضمنه هذا التقسيم أمرا عظيما وخطبا جسيما، اقتضى عظيم تشوف النفس ~~وشديد شوقها لعلم ما سبب عنه، فاقتضى ذلك حذف النون من " كان " إيجازا ~~في الكلام للإسراع بالإيقاف على المراد والإبلاغ في نفي الكون على أعلى ~~الوجوه فقال: { تك } أي في حالة من الأحوال { في مرية } والمرية: الشك مع ~~ظهور الدلالة للتهمة - قاله الرماني { مما يعبد هؤلآء } أي لا تفعل فعل ~~من هو في مرية بأن تضطرب من أجل ما يعبدون مواظبين على عبادتهم مجددين ~~ذلك في كل حي فتنجع نفسك ms2189 في إرادة مبادرتهم إلى امتثال الأوامر في النزوع ~~عن ذلك بالكف عن مكاشفتهم بغائظ الإنذار والطلب لإجابة مقترحاتهم رجاء ~~الأزدجار كما مضى في قوله تعالى { فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك } - ~~الآية، وذلك أن مادة مرى - بأي ترتيب كان - تدور على الاضطراب، وقد ~~يلزمه الطرح والفصل: رمى يرمي رميا، والمرماة: ظلف الشاة لأنه يطرح، ~~والرمي: قطع من السحاب رقاق؛ والريم: البراح، ما يريم يفعل كذا: ما يزال، ~~والريم: الدرج للاضطراب فيها، والقبر لنبذه في جانب من الأرض وطرح الميت ~~فيه، وريم فلان بالمكان: أقام به مجاوزا لغيره منفصلا عنه كأنه رمى ~~بنفسه فيه، وريمت السحابة - إذا دامت فلم تقلع، لأن من شأنها رمي القطر، ~~ومرى الضرع: مسحه للحلب، والريح تمري السحاب، والمري: المعدة لقذفها ما ~~فيها، والمرية: الشك، أي تزلزل الاعتقاد، والميرة: جلب الطعام؛ ثم استأنف ~~تعالى خبرا هو بمنزلة العلة لذلك فقال: { ما يعبدون } أي يوقعون العبادة ~~على وجه الاستمرار { إلا كما يعبد آباؤهم } ولما كانت عبادتهم في قليل ~~من الزمن الماضي أدخل الجار فقال: { من قبل } أي أنهم لم يفعلوا ذلك ~~لشبهة إذا كشف عنها القناع رجعوا، بل لمحض تقليد الآباء مع استحضارهم ~~لتلبسهم بالعبادة كأنهم حاضرون لديهم يشاهدونهم مع العمى عن النظر في ~~الدلائل والحجج كما كان من قصصنا عليك أخبارهم من الأمم في تقليد الآباء ~~سواء بسواء مع عظيم شكيمتهم وشدة عصبتهم للأجانب فكيف بالأقارب فكيف ~~بالآباء! فأقم عليهم الحجة بإبلاغ جميع ما نأمرك به كما فعل من قصصنا ~~عليك أنباءهم من إخوانك من الرسل غير مخطر في البال شيئا مما قد يترتب ~~عليه إلى أن ينفذ ما نريد من أوامرنا كما سبق في العلم فلا تستعجل فإنا ~~ندبر الأمر في سفول شأنهم وعلو شأنك كما نريد { وإنا } بما لنا من العظمة ~~{ لموفوهم نصيبهم } من الخير والشر من الآجال وغيرها وما هو ثابت ثباتا ~~لا يفارق أصلا؛ ولما كانت التوفية قد تطلق على مجرد الإعطاء وقد يكون ~~ذلك على التقريب، نفى هذا الاحتمال بقوله: { غير منقوص ms2190 } والنصيب: القسم ~~المجعول لصاحبه كالحظ؛ والمنقوص: المقدار المأخوذ جزء منه؛ والنقص: أخذ ~~جزء من المقدار. # ولما ذكر في هذه الآية إعراضهم عن الإتباع مع ما أتى به من المعجزات ~~وأنزل عليه من الكتاب، سلاه بأخيه عليهما السلام لأن الحال إذا عم خف، ~~وابتدأ ذكره بحرف التوقع بما دعا إلى توقعه من قرب ذكره مع فرعون مع ذكر ~~كتابه أول السورة فقال تعالى: { ولقد آتينا } أي بما لنا من العظمة { ~~موسى الكتاب } أي التوراة الجامعة للخير. # ولما كان الضار والمسلي نفس الاختلاف، بني للمفعول قوله: { فاختلف فيه } ~~فآمن به قوم وكفر به آخرون مع أنه إمام ورحمة وكتب سبحانه له فيه من كل ~~شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء، وكان معجبا لأهل ذلك الزمان كما اختلف في ~~كتابك مع إعجابه لأهل هذا الزمان وبيانه للهدى أتم بيان، إشارة إلى أن ~~الخلق مهما جاءهم عن الله، وهو لا يكون إلا مصحوبا بالأدلة القاطعة ~~نأوا عنه واختلفوا فيه، ومهما تلقفوه عن آبائهم تلقوه بالقبول وناضلوا ~~عنه و سمحوا فيه بالمهج وإن كان منابذا للعقول، فكان قوم موسى باختلافهم ~~في الكتاب كل قليل يأبى فريق منهم بعض أحكامه ويريدون نقض إبرامه كما سلف ~~بيانه غير مرة عن نص التوراة وسفر يوشع إلى أن آل أمرهم الآن إلى أن ~~صاروا ثلاث فرق: ربانيين، وقرابين، وسامرة؛ يضلل بعضهم بعضا، ومع ذلك ~~فلم يعاجلهم بالأخذ مع قدرته على ذلك كما فعل بمن قص أمره من الأمم لما ~~سبق من حكمه بتأخيرهم إلى الأجل المعدود، وفصل بين هذا وبين قصة موسى ~~عليه السلام مع فرعون ليكون مع ما دعا إلى تقديم ما تقدم من الآيات أوقع ~~في التسلية وأبلغ في التعزية والتأسية كما هو شأن كل ما ألقي إلى المحتاج ~~شيئا فشيئا { ولولا كلمة } أي عظيمة لا يمكن تغييرها لأنها من كلام ~~الملك الأعظم { سبقت من ربك } أي المحسن إليك وإليهم بإرسالك رحمة ~~للعالمين { لقضي } أي لوقع القضاء { بينهم } أي بين من اختلف في كتاب ~~موسى عاجلا، ولكن سبقت ms2191 الكلمة أن القضاء الكامل إنما يكون يوم القيامة ~~كما قال في سورة يونس { فما اختلفوا حتى جاءهم العلم } - الآية. # ولما كان الاختلاف قد يكون بغير الكفر بين أنه به، فقال مؤكدا لأن كل ~~طائفة من اليهود تنكر شكها فيه وفعلها فعل الشاك: { وإنهم لفي شك } أي ~~عظيم محيط بهم { منه } أي من القضاء أو الكتاب { مريب } أي موقع في الريب ~~والتهمة والاضطراب مع ما رأوا من الآيات التي منها سماع كلام الله ورؤية ~~ما كان يتجلى في جبل الطور من الجلال ويتبدى لهم في قبة الزمان من خارق ~~الأحوال { وإن كلا } من المختلفين في الحق من قوم موسى وغيرهم ممن هو ~~على الحق وممن هو على الباطل؛ و { إن } عند نافع وابن كثير وأبي بكر عن ~~عاصم عاملة مع تخفيفها من الثقيلة في قراءة غيرهم اعتبارا بأصلها { لما ~~} هي في قراءة ابن عامر وحمزة وعاصم بالتشديد الجازمة حذف فعلها - قال ~~ابن الحاجب: وهو شائع فصيح، وفي قراءة غيرهم بالتخفيف مركبة من لام ~~الابتداء و { ما } المؤكدة بنفي نقيض ما أثبته الكلام ليكون ثبوته مع نفي ~~نقيضه على أبلغ وجه. # ولما كان الشرط في حذف الفعل بعد " لما " الجازمة أن يكون مما يتوقع ~~بوقوع فعل قبلها يدل عليه، كان التقدير: يقض بينهم، وسيقضي وهو معنى ما ~~قرن بعدها بلام القسم من قوله: { ليوفينهم ربك } أي المحسن إليك بإقامتك ~~على المنهاج الأعدل والفضل من العباد { أعمالهم } لا يدع منها شيئا لأنه ~~لا يخفى عليه منها شيء، والسياق يقتضي أن يكون { ما } في { لما } في ~~قراءة التخفيف للتأكيد على النحو الذي مر غير مرة أن النافي إذا زيد في ~~سياق الإثبات كان كأنه نفي النقيض تأكيدا لمثبت { إنه بما يعملون } قدم ~~الظرف لتأكيد الخبر { خبير } فإذا علمت أن شأنك في أمتك شأن الرسل في ~~أممهم وأنه لا بد من الاختلاف في شأن الرسول والكتاب كما جرت بذلك السنة ~~الإلهية وأن الجزاء بالأعمال كلها لا يد منه { فاستقم } أي أوجد القوم ~~بغاية جهدك بسبب ms2192 أنك لا تكلف إلا نفسك وأن الذي أرسلك لا يغفل عن شيء، ~~ومن استقام استقيم له. # ولما كان من المقطوع به أن الآمر له صلى الله عليه وسلم من له الأمر ~~كله، بني للمفعول قوله: { كمآ أمرت } أي كما استقام إخوانك من الأنبياء ~~في جميع الأصول والفروع سواء كان في نفسك أو في تبليغ غيرك معتدلا بين ~~الإفراط والتفريط ولا يضيق صدرك من استهزائهم وتعنتهم واقتراحهم للآيات ~~وإرادتهم أن تترك بعض ما يوحى إليك من التشنيع عليهم والعيب لدينهم بل ~~صارحهم بالأمر واتركهم وأهواءهم، نحن ندبر الأمر كما نريد على حسب ما ~~نعلم. # ولما كان الفاصل بين المعطوف والمعطوف عليه يقوم مقام تأكيد الضمير ~~المستتر، عطف عليه قوله: { ومن } أي وليستقم أيضا من { تاب } عن الكفر ~~مؤمنا { معك } على ما أمروا تاركين القلق من استبطائهم للنصرة كما روى ~~البخاري وابو داود والنسائي عن خباب بن الأرت رضي الله عنه قال: # " شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة في ظل الكعبة ~~وقد لقينا من المشركين شدة فقلنا: ألا تدعو الله لنا، فقعد وهو محمر وجهه ~~فقال: كان الرجل فيمن كان قبلكم يحفر له في الأرض فيجعل فيه فيجاء ~~بالمنشار فيوضع فوق رأسه فيشق باثنين، وما يصده ذلك عن دينه ويمشط بأمشاط ~~الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب وما يصده ذلك عن دينه والله ليتمن الله ~~هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب ~~على غنمه ولكنكم تستعجلون " # ؛ وعن ابن عباس رضي الله عنهما: ما نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم ~~آية أشد ولا أشق من هذه الآية. والاستقامة: الاستمرار في جهة واحدة. # ولما كانت وسطا بين إفراط وتفريط وكان التفريط لا يكاد يسلم منه إلا ~~الفرد النادر، وهو في الأغلب يورث انكسار النفس واحتقارها والخوف من ~~الله، وكان الإفراط يورث إعجابا، وربما أفضى بالإنسان إلى ظن أنه شارع ~~فينسلخ لذلك من الدين، طوى التفريط ونهى عن الإفراط فقال: ms2193 { ولا تطغوا } ~~أي تتجاوزوا الحد فيما أمرتم به أو نهيتم عنه بالزيادة إفراطا، فإن الله ~~تعالى إنما أمركم ونهاكم لتهذيب نفوسكم لا لحاجته إلى ذلك ولن تطيقوا أن ~~تقدروا الله حق قدره، والدين متين لن يشاده أحد إلا غلبه، فقد رضي منكم ~~سبحانه الاقتصاد في العمل مع حسن المقاصد، ويجوز أن يكون المعنى: ولا ~~تبطركم النعمة فتخرجكم عن طريق الاستقامة يمنة أو يسرة. # ولما نهي عن الإفراط وهو الزيادة تصريحا، فأفهم النهي عن التفريط، وهو ~~النقص عن المأمور تلويحا من باب الأولى، على ذلك مؤكدا تنزيلا لمن ~~يفرط أو يفرط منزلة المنكر فقال: { إنه بما تعملون } قدم الظرف لما تقدم ~~من تأكيد الإبصار { بصير* } ومادة " طغى " واوية ويائية بكل ترتيب تدور ~~على مجاوزة الحد مع العلو، فالغطاء: ما ستر به الشيء عاليا عليه، ولا ~~يكون ساترا لجميعه إلا إذا فضل عنه فتجاوز حده، وغطى الليل - إذا غشي، ~~وكل شي ارتفع فهو غاط. وطغى السيل - إذا جاء بماء كثير، والبحر: هاجت ~~أمواجه، والطغيان: مجاوزة الحد في العصيان، والغائط والغيط: المطمئن من ~~الأرض، لأن ما كان كذلك وكانت أرضه طيبة كانت لا تزال ريا فيعلو ما نبت ~~فيها ويخصب فيتجاوز الحد في ذلك، ومنه الغوطة - لموضع بالشام كثير الماء ~~والشجر. ### || [11.113-117] # ولما نهي عن الإفراط في الدين، أتبعه النهي عن التفريط بالتقصير فيه ~~بسفول الهمم على وجه عام، وكان الحب في الله والبغض منه أوثق عرى ~~الإيمان، إشارة إلى ضده الذي هو أوثق عرى الشيطان فقال: { ولا تركنوا } ~~أي شيئا من ركون، وقال: { إلى الذين ظلموا } أي وجد منهم الظلم ولم يقل ~~الظالمين، أي بالميل إليهم بأن تثاقل أنفسكم نحوهم للميل إلى أعمالهم ولو ~~بالرضى به والتشبه بهم والتزيي بزيهم، وحاصل الآيتين: لا تظلموا بأنفسكم ~~ولا تستحسنوا أفعال الظالمين، وفسر الزمخشري الركون بالميل اليسير، وهو ~~حسن من جهة المعنى لكني لن أره لغيره من أهل اللغة، وقال الرماني - وهو ~~أقرب: الركون: السكون إلى الشيء بالمحبة والانصباب إليه، ونقيضه النفور ~~عنه. وهو على ms2194 التفسير الثاني في { تطغوا } من عطف الخاص على العام، ~~والآية ملتفتة إلى قوله تعالى { فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك } { ~~فتمسكم النار } أي فتسبب عن ركونكم إليهم مسها لكم فلا تقدروا على ~~التخلص منها بنوع حيلة من أنفسكم؛ ومن إجلال النبي صلى الله عليه وسلم ~~إفراده بالخطاب في الأمر بأفعال الخير، والإتيان بضمير الجمع في النهي عن ~~أفعال الشر - نبه على ذلك الإمام أبو حيان. # ولما كان كل موجود سوى الله في قهره وتحت أمره، قال تعالى: { وما لكم } ~~ولما كان دون رتبته تعالى من الرتب والذوات ما لا يحصيه غيره سبحانه، ~~أدخل الجار تبعيضا فقال: { من دون الله } أي الملك لأعظم، وأعرق في ~~النفي فقال: { من أولياء } أي يخلصونكم من عذابه لما تقرر أن { دون } من ~~الأدون وهو الأقرب إلى جهة السفل؛ والولي: المختص بأن من شأنه تولي ~~المعونة عند الحاجة، وأشار إلى أن نصر من لا ناصر له من الله محال ~~بأداة البعد وبناء للمفعول فقال: { ثم لا تنصرون* } أي ثم إذا فإنكم هذا ~~وذاك فما أبعدكم من النصرة! # ولما كان العلم حاصلا بما سبق من الحكم من أن الآدمي محل العجز ~~والتقصير، أتبع ذلك بأعلى مكفر لما يوجبه العجز ويقضي به الفتور والوهن ~~من الصغائر وأعمه وأجلبه للاستقامة، وذلك يدل على أنها بعد الإيمان أفضل ~~العبادات، فقال تعالى: { وأقم الصلاة } أي اعملها على استواء { طرفي ~~النهار } بالصبح والعصر كما كان مفروضا بمكة في أول الأمر قبل الإسراء، ~~ويمكن أن يراد مع ذلك الظهر لأنها من الطرف الثاني { وزلفا } أي طوائف ~~ودرجات وأوقات، جمع زلفة { من اليل } يمكن أن يكون المراد به التهجد، ~~فقد كان مفروضا في أول الإسلام، ويمكن أن يراد المغرب والعشاء مع الوتر ~~أو التهجد؛ ثم علل ذلك بقوله: { إن الحسنات } أي الطاعات كلها الصلاة ~~وغيرها المبنية على أساس الإيمان { يذهبن السيئات } أي الصغائر، وأما ~~الكبائر التي يعبر عنها بالفواحش ونحوه فقد تقدم في قصة شعيب عليه السلام ~~عند قوله { ثم توبوا إليه } أنه لا ms2195 يكفرها إلا التوبة لما فيها من ~~الإشعار بالتهاون بالدين، واجتنابها لا يكفر إلا إذا كان عن نية صالحة ~~كما أفهمه صيغة الافتعال من قوله # إن تجتنبوا # [النساء: 30]؛ روى البخاري في التفسير عن ابن مسعود رضي الله عنه # " أن رجلا أصاب من امرأة قبلة، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ~~له ذلك فأنزل الله عليه { أقم الصلاة طرفي النهار } - الآية، قال الرجل: ~~ألي هذه؟ قال: لمن عمل بها من أمتي " # وهذا الحديث يؤيد قول ابن عباس رضي الله عنهما: إن هذه الآية من هذه ~~السورة المكية المدنية. # ولما تم هذا على هذا الوجه الأعلى والترتيب الأولى، قال تعالى مادحا له ~~ليعرف مقداره فيلزم: { ذلك } أي الأمر العالي الرتبة الذي تقدم من ~~الترغيب والترهيب والتسلية وتعليم الداء والدواء للخلاص من الشقاء { ذكرى ~~} أي ذكر عظيم { للذاكرين* } أي لمن فيه أهلية الذكر والانتباه به بحضور ~~القلب وصفاء الفكر ونفوذ الفهم. # ولما كان الصبر لله على المكاره أعلى الطاعة، أتبع ذلك قوله: { واصبر } ~~أي ليكن منك صبر على الطاعات وعن المعاصي ولا تترك إنذارهم بما أمرت به ~~مهما كان ولا تخفهم، فإن العاقبة لك إذا فعلت؛ ولما كان المقام الصبر ~~صعبا والاستقامة على المحمود منه خاصة خطرا، وكانت النفس - لما لها من ~~الجزع في كثير من الأحوال - كالمنكرة، أكد قوله: { فإن } الصبر هو ~~الإحسان كل الإحسان وإن { الله } أي المحيط بصفات الكمال { لا يضيع } أي ~~بوجه من الوجوه { أجر المحسنين* } أي العريقين في وصف الإحسان بحيث إنهم ~~يعبدون الله كأنهم يرونه، فلذلك يهون عليهم الصبر، ولذلك لأن الطاعة كلفة ~~فلا تكون إلا بالصبر، وكل ما عداها فهو هوى النفس لا صبر فيه، فالدين كله ~~صبر # " حفت الجنة بالمكاره والنار بالشهوات " # ولذا فضل ثواب الصابر # إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب # [الزمر: 10] والصبر المحمود: حبس النفس عن الخروج إلى ما لا يجوز من ترك ~~الحق، ونقيضه الجزع، قال الشاعر: # إن تصبر فالصبر خير مغبة # وإن تجزعا فالأمر ما تريان # وهو من الصبر الذي ms2196 هو المر المعروف لأنه تجرع مرارة الحق بحبس النفس عن ~~الخروج إلى المشتهى مع الزاجر المعتبر من الشرع والعقل، فهو أكره شيء إلى ~~النفس، والمعين عليه ما في استشعار لزوم الحق من العز والأجر بالطاعة ~~والعلم بما يعقب من الخير في كل وجه وعادة النفس له، وقد غلب إطلاقه على ~~الحق حتى لا يجوز إطلاقه إلا فيه - قاله الرماني. # ولما كان ما تقدم كله مشيرا إلى استبعاد إيمان المعاندين بشيء من تدبير ~~آدمي كما تكاد القصص تنطق به، وكذا الإعلام بأن عبادتهم إنما هي للتقليد ~~وباختلاف قوم موسى في كتابه الذي هو هدى ورحمة، وكل ذلك فطما عن طلب ما ~~قد يهجس في الخاطر من تمني إجابتهم إلى ما يقترحون أو الكف عن بعض ما ~~يغيظ من الإنذار، وكان من طبع البشر البعد عن الانتهاء عن الخواطر إلا ~~بعد التجربة، كان ذلك ربما أوجب أن يقال: لو أجيبوا إلى سؤالهم لربما ~~رجعوا عن كثير مما هم فيه، فدعاهم ذلك إلى الرشاد، فتسبب عنه أن يقال ~~دفعا له: { فلولا كان } ويجوز أن يكون مناسبتها أنه لما ذكر إهلاك ~~القرون الماضية والأمم السالفة بما مضى إلى أن ختم بالأمر بالصبر على ~~الإحسان من الأمر بالمعروف والنهي عن النمكر، كان من الجائز أن يقع في ~~فكر الاعتراض بأن يقال: ما الموجب لذلك؟ فبين أن سبب الهلاك الإعراض عن ~~نهي منتهك الحرمات والمجترىء على هتك الأستار الجليلة والرتع في الحمى مع ~~تمكنهم بما أودع فيهم سبحانه من القوى والقدرة على اختيار جانب الخير ~~والإعراض عن جانب الشر فقال تعالى: { فلولا } بصيغة تحتمل التخصيص، وفيها ~~معنى التفجع والتأسف لاعتبار كل من كان على مثل حالهم { من القرون } أي ~~المهلكين الأشداء الكائنين في زمان ما. # ولما كان المراد القرون التي تقدم ذكر إهلاكها، وكانت أزمنتهم بعض ~~الزمان الماضي، أتى بالجار فقال: { من قبلكم أولوا } أي أصحاب { بقية } ~~أي حفظ وخير ومراقبة لما يصلحهم، لأن مادة " بقي " تدور على الجمع، ~~ويلزمه القوة والثبات والحفظ، من قولهم: ابقه ms2197 بقوتك مالك - وزن ادعه - أي ~~احفظه حفظك مالك، ويلزمه النظر والمراقبة: بقيت الشيء - إذا نظرت إليه ~~ورصدته، ويلزمه الثبات: بقي بقاء - إذا دام، والخير والجودة؛ قال ~~الزمخشري: لأن الرجل يستبقي مما يخرجه أجوده وأفضله، ويقال: فلان من بقية ~~قوم، أي من خيارهم، وسيأتي شرح ذلك مستوفى عند قوله تعالى { وجعلنا بينهم ~~موبقا } إن شاء الله تعالى { ينهون } أي يجددون النهي في كل حين إشارة ~~إلى كثرة المفسدين { عن الفساد } الكائن { في الأرض } و " لولا " هنا ~~كالتي في يونس توبيخية أو استفامية كما جوزهما الرماني، ويجوز أن تكون ~~تخصيصية كما قال الزمخشري، ويكون للسامع لا للمهلك، لأن الآية لما تضمنت ~~إهلاك المقر على الفساد كان في ذلك أقوى حث لغيرهم على الأمر والنهي ~~وأوفى تهديد زاجر عن ارتكاب مثل حالهم الموقع في أضعاف نكالهم، وفي تعقيب ~~هذه الآية لآية الصبر إشارة إلى أن الصبر على الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر في الذروة العليا، والآية ناظرة إلى قوله تعالى { إنما أنت نذير ~~}. # ولما كانت المعاني الثلاثة متضمنة للنفي، كان المعنى: لم يكن من يفعل ~~ذلك، فاتصل الاستثناء في قوله: { إلا قليلا } أي صالحين { ممن أنجينا ~~منهم } والظاهر أن " من " بيانية، أي هم الذين أنجينا فإنهم نهوا عن ~~الفساد، عبر بالإنجاء لأنه الدال على الخير الحامل للنهي عن الفساد دون ~~التنجية الدالة على التدريج والإبلاغ في الإنجاء فلو عبر بها فسد المعنى ~~{ واتبع } الأكثر وهم { الذين ظلموا } أي أوقعوا الظلم بترك النهي عن ~~الفساد، وما أحسن إطلاقها عن التقييد ب { منهم } { ما } ولما كان ~~المبطر لهم نفس الترف، بني للمفعول قوله: { أترفوا فيه } فأبطرتهم ~~النعمة حتى طغوا وتجبروا { وكانوا مجرمين* } أي متصفين على سبيل الرسوخ ~~بالإجرام، وهو قطع حبل الله على الدوام، فأهلكهم ربك لإجرامهم، ولولا ذلك ~~لما فعل، فإن إهلاكهم على تقدير الانفكاك عن الإجرام يكون ظلما على ما ~~يتعارفون. # ولما لاح بما مضى أن العبرة في الإهلاك والإنجاء للاكثر، قرره وأكده ~~وبينه بقوله: { وما كان ربك } ذكر سبحانه بالوصف المفهم للإحسان ms2198 تثبيتا ~~له وتأمينا { ليهلك القرى } أي إهلاكا عاما { بظلم } أي أي ظلم كان، ~~صغير أو كبير { وأهلها مصلحون* } أي في حال ظلم بأن يوقع إهلاكهم في حال ~~إصلاحهم الذي هم عريقون فيه، فيكون الإهلاك في غير موقعه على ما يتعارف ~~العباد مع العلم بأن له أن يفعل ذلك في نفس الأمر لأنه لا يسأل عما يفعل؛ ~~والإهلاك: إيجاب ما يبطل الإحساس، والهلاك: ضياع الشيء وهو حصوله بحيث لا ~~يدري أين هو؛ والإصلاح: إيجاب ما يستقيم به الأمر على ما يدعو إليه ~~العقل. ### || [11.118-122] # ولما كان مثل هذه الآيات ربما أوهم أن إيمان مثل هؤلاء مما لا يدخل تحت ~~المشيئة، نفى ذلك الوهم مبينا انفكاك المشيئة عن الأمر بقوله: { ولو شاء ~~ربك } أي المحسن إليك بكل إحسان يزيدك رفعة { لجعل الناس } أي كلهم { أمة ~~واحدة } على الإصلاح، فهو قادر على أن يجعلهم كلهم مصلحين متفقين على ~~الإيمان فلا يهلكهم، ولكنه لم يشأ ذلك، بل شاء اختلافهم والأمر تابع ~~لمشيئته فاختلفوا { ولا يزالون مختلفين } أي ثابتا اختلافهم لكونهم على ~~أديان شتى { إلا من رحم ربك } أي المحسن إليك بالتأليف بينهم في جعلهم من ~~أهل طاعتك فإنهم لا يختلفون في أصول الحق. ولما كان ما تقدم ربما أوجب أن ~~يقال: لم لم يقبل بقلوبهم إلى الهدى ويصرفهم عن موجبات الردى إذا كان ~~قادرا؟ قال تعالى مجيبا عن ذلك: { ولذلك } أي الاختلاف { خلقهم } أي ~~اخترعهم وأوجدهم من العدم وقدرهم، وذلك أنه لما طبعهم سبحانه على خلائق ~~من الخير والشر تقتضي الاختلاف لتفاوتهم فيها، جعلوا كأنهم خلقوا له ~~فجروا مع القضاء والقدر، ولم يمكنهم الجري على ما تدعو إليه العقول في أن ~~الاتفاق رحمة والاختلاف نقمة، فاستحق فريق منهم النار وفريق جنة، وليس ~~ذلك مخالفا لقوله تعالى: # وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون # [الذاريات: 56] بل هو من شكله، أي أنه تعالى لما ركبهم على العجز ومنحهم ~~العقول مع نصب الأدلة، كان ذلك مهيئا للعبادة فكانوا كأنهم ما خلقوا إلا ~~لها أي ما خلقتهم إلا ليعرفون ms2199 بنفوذ أقضيتي وتصاريفي فيهم فيعبدون، أي ~~يخضعوا لي فمن كان منهم طائعا فهو عابد حقيقة، ومن كان عاصيا كان ~~عابدا مجازا، أي خاضعا للأمر لنفوذه فيه وعجزه عن الامتناع كما قال ~~تعالى # ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها # [الرعد: 15]، فقد بان أن خلقهم للعبادة فقط ينافي خلقهم للاختلاف، لأن ~~جريهم في قضائه بالاختلاف عبادة وسجود لغة، وذلك أن مادتي عبد وسجد ~~تدوران على الخضوع والذل والانقياد، وبذلك كان الكل عبيد الله، أو ~~الإشارة إلى مجمع الاتفاق والاختلاف ليظهر فضله على من ثبتهم ويظهر عدله ~~فيمن خذلهم. # ولما كان هذا الاختلاف سبب الكفر الذي أرسل رسله بالقتال عليه، كان ربما ~~ظن أنه بغير مشيئته، فبين أنه إنما هو بمراده ولا اعتراض عليه فقال: { ~~وتمت } أي فبادروا إلى ما خلقهم لهم معرضين عن أوامره ولم تغن عنهم ~~عقولهم، وتمت حينئذ { كلمة ربك } أي المحسن إليك بقهر أعدائك التي سبقت ~~في الأزل وهي وعزتي { لأملأن جهنم } أي التي تلقى المعذب فيها بالتجهم ~~والعبوسة { من الجنة } أي قبيل الجن، قدمهم لأنهم أصل في الشر، ثم عم ~~فقال: { والناس أجمعين* } فمشوا على ما أراد ولم يمكنهم مع عقولهم الجيدة ~~الاستعدد وقواهم الشداد غير إلقاء القياد، فمن قال: إنه يخلق فعله أو له ~~قدرة على شيء فليفعل غير ذلك بأن يخبر باتفاقهم ثم يفعله ليتم قوله. # وإلا فليعلم أنه مربوب مقهور فيسمع رسالات ربه إليه بقالبه وقلبه. # ولما أخبر سبحانه بما فعل بالقرى الظالمة، وحذر كل من فعل أفعالهم ~~بسطواته في الدنيا والآخرة، وأمر باتباع أمره والاعراض عن اختلافهم الذي ~~حكم به وأراده، عطف على قوله { نقصه عليك } قوله: { وكلا نقص } أي ونقص ~~{ عليك } كل نبأ أي خبر عظيم جدا { من أنباء الرسل } مع أممهم: صالحيهم ~~وفاسديهم، فعم تفخيما للأمر، ولما كان الذي جر هذه القصص ما مضى من ~~قوله: { فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك } ، وكان ساكن الصدر ~~القلب، وهو الفؤاد الذي به قوام الإنسان بل الحيوان، وهو أحر ما ms2200 فيه، ~~ولذا عبر عنه بما اشتق من الفأد وهو الحرف، وكان من لازم الحرارة ~~الاضطراب والتقلب الذي اشتق منه القلب فيضيق به الصدر، أبدل من { كلا } ~~قوله: { ما نثبت } أي تثبيتا عظيما { به فؤادك } أي فيسكن في موضعه ~~ويطمئن أو يزداد يقينه فلا يضيق الصدر من قولهم { لولا أنزل عليه كنز أو ~~جاء معه ملك } ونحوه، وبهذا تبين أن المراد بذلك العام خاص لحصوله ~~المقصود له، وهو التسلية نظرا إلى قوله تعالى { وضائق به صدرك } لأن ~~المشاركة في الأمور الصعبة تهون على الإنسان ما يلقى من الأذى، والإعلام ~~بعقوبات المكذبين فيها تأنيس للمكروب؛ والتثبيت: تمكين إقامة الشيء؛ ~~والفؤاد: العضو الذي من شأنه أن يحمى بالغضب الحال فيه، من المفتأد وهو ~~المستوي. # ولما بين أن كل ما قص عليه من أخبارهم يستلزم هذا المقصود، بين أنه ليس ~~كما يعلل به غالبا من الأخبار الفارغة والأحاديث المزخرفة الباطلة ولا ~~مما ينقله المؤرخون مشوبا بالتحريف فقال: { وجاءك في هذه } أي الأخبار { ~~الحق } أي الكامل في الثبات الذي لا مرية فيه، وفائدة الظرف التأكيد لعظم ~~المقصود من آية { فلعلك } وصعوبته. # ولما كان الحق حقا بالنسبة إلى كل أحد عرفه ونكر ما هو خاص بقوم دون ~~قوم فقال: { وموعظة } أي مرقق للقلوب { وذكرى } أي تذكير عظيم جدا { ~~للمؤمنين* } أي الراسخين في الإيمان، وقد تضمنت الآية الاعتبار من قصص ~~الرسل بما فيها من حسن صبرهم على أممهم واجتهادهم على دعائهم إلى عبادة ~~الله بالحق وتذكير الخير والشر وما يدعو إليه كل منهما من عاقبة النفع ~~والضر للثبات على ذلك جميعه اقتداء بهم. # ولما ذكر نفع هذا الحق، كان كأنه قيل: فعظهم بذلك وذكرهم به، فعطف عليه ~~قوله: { وقل } ويجوز أن يكون معطوفا على قوله { واصبر } أي اصبر على ما ~~أمرناك به من تبليغ وحينا وامتثاله، وقل { للذين } أي لم تؤثر فيهم هذه ~~الموعظة فهم { لا يؤمنون } أي لا يتجدد لهم إيمان منذرا لهم { اعملوا } ~~متمكنين { على مكانتكم } أي طريقتكم التي تتمكنون من العمل عليها. # ولما كان ms2201 العمل واجبا عليه صلى الله عليه وسلم وعلى كل من تبعه فهم ~~عاملون لا محالة سواء عمل الكفار أو لا، قال مؤكدا لأجل إنكار الكفار أن ~~يدوموا على العمل المخالف لهم مع ما يصل إليهم لأجله من الضر، معريا له ~~عن فاء السبب لذلك والاستئناف: { إنا } أي أنا ومن معي { عاملون* } أي ~~ثابت عملنا لا نحول عنه لأن ما كان لله فهو دائم بدوامه سبحانه، وحذف ~~النون الثانية اكتفاء بمطلق التأكيد لأنه كاف في الإعلام بالجزم في ~~النية، وفيه تأدب بالإشارة إلى أن المستقبل أمر لا اطلاع عليه لغير الله ~~فينبغي أن لا يبلغ في التأكيد فيه غيره، وهذا بخلاف ما في سورة فصلت مما ~~هو جار على ألسنة الكفرة { وانتظروا } أي ما أنتم منتظرون له من قهرنا { ~~إنا منتظرون* } أي ما وعدنا الله في أمركم، فإن الله مهلكهم ومنجيك لأنه ~~عالم بغيب حالك وحالهم وقادر عليكم؛ والانتظار: طلب الإدراك لما يأتي من ~~الأمر الذي يقدر النظر إليه؛ والتوقع: طلب ما يقدر أنه يقع، وهما يكونان ~~في الخير والشر ومع العلم والشك، والترجي لا يكون إلا مع الخير والشك. ### || [11.123] # ولما تضمن هذا التهديد العلم والقدرة، قال عاطفا على ما تقديره: فلله ~~كل ما شوهد من أمرنا وأمركم وأمر عالم الغيب والشهادة كله ما كان من ~~ابتداء أمورنا { ولله } أي المحيط وحده بكل شيء مع ذلك { غيب السماوات ~~والأرض } أي جميع ما غاب علمه عن العباد فهو تام العلم، ومنه ما ينهى عنه ~~وإن ظن الجهلة أنه خارج عن قدرته لما أظهر من الزجر عنه ومن كراهيته. # ولما كان السياق هنا لأنه سبحانه خلق الخلق ذواتهم ومعانيهم للاختلاف، ~~وكان تهديدهم على المعاصي ربما أوهم أنه بغير إرادته، فكان ربما قال ~~جاهل: أنا بريء من المخالفين لأوليائه كثيرا جدا، وعادة الخلق أن من ~~خالفهم خارج عن أمرهم، كان الجواب على تقدير التسليم لهذا الأمر الظاهر: ~~فله كان الأمر كله ظاهرا وباطنا { وإليه } أي وحده { يرجع } بعد أن كان ~~ظهر للجاهل أن ms2202 خرج عنه؛ والرجوع: ذهاب الشيء إلى حيث ابتدأ منه { الأمر ~~كله } في الحال على لبس وخفاء، وفي المال على ظهور واتضاح وجلاء، فهو ~~شامل القدرة كما هو شامل العلم، فلا بد من أن يرجع إليه أمرك وأمر ~~أعدائك، أي يعمل فيه عمل من يرجع إليه الأمر فيجازي المحسن بإحسانه ~~والمسيء بإساءته، ولذلك سبب عن إسناد الأمور كلها إليه قوله: { فاعبده } ~~أي وحده عبادة لا شوب فيها { وتوكل } معتمدا في أمورك كلها { عليه } ~~فإنه القوي المتين، وفي تقديم الأمر بالعبادة على التوكل تنبيه على أنه ~~إنما ينفع العابد. # ولما كانت العادة جارية بأن العالم قد يغفل، نزه عن ذلك سبحانه نفسه ~~فقال مرغبا مرهبا: { وما ربك } أي المحسن إليك بما يعمله بإحاطة عمله ~~إحسانا، وأغرق في النفي فقال: { بغافل عما تعملون* } ولا تهديد أبلغ من ~~العلم، وهذا بعينه مضمون قوله تعالى # كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير الا تعبدوا إلا الله إنني ~~لكم منه نذير وبشير # [هود 1 - 2]. ### | [12 - سورة يوسف] ### || [12.1-3] # { بسم الله } الذي وسع كل شيء قدرة وعلما { الرحمن } الذي لم يدع لبسا ~~لعموم رحمته في طريق الهدى { الرحيم * } الذي خص حزبه بالإبعاد عن موطىء ~~الردى. # لما خلل سبحانه تلك مما خللها به من القصص والآيات القاطعة بأن القرآن ~~من عنده وبإذنه نزل، وأنه لا يؤمن إلا من شاء إيمانه، وأنه مهما شاءه ~~كان، وبين عظيم قدرته على مثل ما عذب به الأمم وعلى التأليف بين من أراد ~~وإيقاع الخلاف بين من شاء، وأشار إلى أنه حكم بالنصرة لعابديه فلا بد أن ~~يكون ما أراد لأنه إليه يرجع الأمر كله، تلاها بهذه السورة لبيان هذه ~~الأغراض بهذه القصة العظيمة الطويلة التي لقي فيها يوسف علية الصلاة ~~والسلام ما لقي من أقرب الناس إليه ومن غيرهم ومن الغربة وشتات الشمل، ثم ~~كانت له العاقبة فيه على أتم الوجوه لما تدرع به من الصبر على شديد ~~البلاء والتفويض لأمر الله جل وعلا تسلية لهذا النبي الأمين وتأسية بمن ms2203 ~~مضى من إخوانه المرسلين فيما يلقى في حياته من أقاربه الكافرين وبعد ~~وفاته ممن دخل منهم في الدين في آل بيته كما وقع ليوسف عليه السلام من ~~تعذيب عقبه وعقب إخوته ممن بالغ في الإحسان إليهم، وقد وقع ليوسف عليه ~~السلام بالفعل ما هم الكفار من أقارب النبي صلى الله عليه وسلم بفعله به ~~كما حكاه سبحانه في قوله # ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك # [الأنفال: 30] فنجا منهم أن يكون شيء منه بأيديهم إلا ما كان من الحصر ~~في شعب أبي طالب ومن الهجرة بأمر الحكيم العليم، ثم نصر الله يوسف عليه ~~السلام على إخوته الذين فعلوا به ذلك وملكه قيادهم، فكان في سوق قصته عقب ~~الإخبار بأن المراد بهذه القصص تثبيته صلى الله عليه وسلم وتسلية فؤاده ~~إشارة إلى البشارة بما وقع له صلى الله عليه وسلم يوم الفتح من ملك ~~قيادهم ورد عنادهم ومنه عليهم وإحسانه إليهم، وفي إشارتها بشارة بأن ~~المحسود يعان ويعلى إن عمل ما هو الأحرى به والأولى، ومن فوائد ذكرها ~~التنبيه على أن الحسد داء عظيم شديد التمكن في النفوس حتى أنه بعزم تمكنه ~~وكثرة مكانه وتعدد كائنه ربما غلب أهل الصلاح ألا من بادر منهم بالتوبة ~~داعي الفلاح، وتركت إعادتها دون غيرها من القصص صونا للأكابر عن ذكر ما ~~ربما أوجب اعتقاد نقص، أو توجيه طعن أو غمص، أو هون داء الحسد، عند ذي ~~تهور ولدد، وخللها سبحانه ببليغ الحكم وختمها بما أنتجت من ثبوت أمر ~~القرآن ونفي التهمة عن هذا النبي العظيم. # هذا مناسبة ما بين السورتين، وأما مناسبة الأول للآخر فإنه تعالى لما ~~أخبر في آخر تلك بتمام علمه وشمول قدرته، دل على ذلك أهل السبق من ~~الفصاحة والفوت في البلاغة في أول هذه بما فعل في كلامه من أنه تعالى ~~يقدر على أن يأتي بما تذهب الأفهام والعقول - على كر الأزمان وتعاقب ~~الدهور وتوالي الأيام وتمادي الليالي - في معناه كل مذهب وتطير كل مطار ~~مع توفر الدواعي واستجماع القوى، ولا تقف ms2204 من ذلك على أمر محقق ولا مراد ~~معلوم وعلى أن يأتي بما يفهم بأوائل النظر أدنى معناه فهما يوثق بأنه ~~مراد، ثم لا يزال يبرز منه من دقائق المعاني كلما كرر التأمل وتغلغل ~~الفهم إلى حد يعلم أنه معجوز عن كل ما فيه من جليل معانيه ولطيف مبانيه ~~فقال تعالى: { الر } قال الروماني: لم تعد الفواصل لأنها لا تشاكل رؤوس ~~الآيات لأنها على حرفين، فأجريت مجرى الأسماء الناقصة، وإنما يؤم ~~بالفواصل التمام، وأما " طه " فيعد لأنه يشبه رؤوس آيها - انتهى. # وهذا قول من ذهب سهوا إلى أن السجع مقصود في القرآن، وهو قول مردود غير ~~معتد به كما مضى القول فيه في آخر سورة براءة، فإنه لا فرق بين نسبته إلى ~~أنه شعر وبين نسبته إلى أنه سجع، لأن السجع صنع الكهان فيؤدي ذلك إلى ~~ادعاء أنه كهانة وذلك كفر لا شك فيه، وقد أطنبت فيه في كتابي مصاعد ~~النظر، وبينت مذاهب العادين للآيات وأن مرجعها التوقيف مثل نقل القراءات ~~سواء - والله الهادي. # ولما ابتدئت السورة الماضية بأن هذا الكتاب محكم، وختمت بالحكمة ~~المقصودة من قص أنباء الرسل، وكان السياق للرد عليهم في تكذيبهم به في ~~قوله # أم يقولون افتراه # [سجدة:3 ] ودل على أنه أنزل بعلمه، ابتدئت هذه لإتمام تلك الدالة ~~بالإشارة إلى ما له من علو المحل وبعد الرتبة، فعقب سبحانه هذه المشكلة ~~التي ألقاها بالأحرف المقطعة وبان أنها مع إشكالها عند التأمل واضحة ~~بقوله مشيرا إلى ما تقدم من القرآن وإلى هذه السورة: { تلك } أي الآيات ~~العظيمة العالية { آيات الكتاب } أي الجامع لجميع المرادات. # ولما تقدم أول سورتي يونس وهود وصفة بالحكمة والإحكام والتفصيل، وصف هنا ~~بأخص من ذلك فقال تعالى: { المبين* } أي البين في نفسه أنه جامع معجز لا ~~يشتبه على العرب بوجه، والموضح لجميع ما حوى، وهو جميع المرادات لمن أمعن ~~التدبر وأنعم التفكير، ولأنه من عند الله # ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه # [يوسف: 111] و # موعظه وذكرى للمؤمنين # [هود: 120]؛ والبيان: إظهار المعنى ms2205 للنفس بما يفصله عن غيره وهو غرض كل ~~حكيم في كلامه، ويزيد عليه البرهان بأنه إظهار صحة المعنى بما يشهد به، ~~وأبان - لازم متعد؛ ثم علل المبين بقوله معبرا بالإنزال لأنه في سياق ~~تكذيبهم به بخلاف ما عبر فيه بالجعل كما يأتي في الزخرف: { إنا أنزلناه } ~~بنون العظمة أي الكتاب المفسر بهذه السورة أو بالقرآن كله { قرآنا } سمي ~~بعضه بذلك لأن القرآن اسم جنس يقع على الكل والبعض { عربيا } وعلل ~~إنزاله كذلك بقوله: { لعلكم تعقلون * } أي لتكونوا على رجاء من أن تكونوا ~~من ذوي العقل أو من أن تعقلوا ما يراد منكم؛ قال: أبو حيان و " لعل " ~~ترج فيه معنى التعليل. # وهذه الآية تدل على أن اللسان العربي أفصح الألسنة وأوسعها وأقوامها ~~وأعدلها، لأن من المقرر أن القول - وإن خص بخطابه قوم - يكون عاما لمن ~~سواهم. # ولما بين أنه يقص عليه من أنباء الرسل ما يثبت به فؤاده، قال مثبتا ~~ومعللا بأنه الكتاب بعلة أخرى مشاهدة هي أخص من الأول: { نحن نقص عليك } ~~وعظم هذه القصة بمظهر العظمة وأكد ذلك بقوله تعالى: { أحسن القصص } أي ~~الاقتصاص أو المقصوص بأن نتبع بعض الحديث كما نعلمه بعضا فنبينه أحسن ~~البيان - لأنه من قص الأثر - تثبيتا لفؤادك وتصديقا لنبوتك وتأييدا ~~على أحسن ترتيب وأحكم نظام وأكمل أسلوب وأوفى تحرير وأبدع طريقة مع ما ~~نفصلها به من جواهر الحكم وبدائع المعاني من الأصول والفروع، وهي قصة ~~يوسف عليه السلام قصة طويلة هي في التوراة في نيف وعشرين ورقة لا يضبطها ~~إلا حذاق أحبارهم، من تأمل اقتصاصها فيها أو في غيرها من تواريخهم ذاق ~~معنى قوله تعالى # أحسن القصص # [يونس: 3] حتى لقد أسلم قوم من اليهود لما رأوا من حسن اقتصاصها، روى ~~البيهقي في أواخر الدلائل بسنده عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما # " أن حبرا من اليهود دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم ~~وكان قارئا للتوراة فوافقه وهو يقرأ سورة يوسف عليه السلام كما أنزلت ~~على موسى عليه السلام في ms2206 التوراة فقال له الحبر: يا محمد! من علمكها؟ ~~قال: الله علمنيها، فرجع إلى اليهود فقال لهم: أتعلمون والله أن محمدا ~~ليقرأ القرآن كما أنزل في التوراة! فانطلق بنفر منهم حتى دخلوا عليه ~~فعرفوه بالصفة ونظروا إلى خاتم النبوة بين كتفيه، فجعلوا يستمعون إلى ~~قراءته لسورة يوسف، فتعجبوا منه وقالوا: يا محمد! من علمكها؟ فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: علمنيها الله، فأسلم القوم عند ذلك ". # وقد ضمنها سبحانه من النكت والعبر والحكم أمرا عظيما، وذكر فيها حسن ~~مجاورة يوسف عليه الصلاة والسلام لإخوته وصبره على أذاهم وحلمه عنهم ~~وإغضاءه عند لقائهم عن تبكيتهم وكرمه في العفو، والأنبياء والصالحين ~~والملائكة والشياطين والإنس والجن والأنعام والطير وسير الملوك والمماليك ~~والتجار والعلماء والجهال والرجال والنساء ومكرهن والتوحيد والنبوة ~~والإعجاز والتعبير والسياسة والمعاشرة وتدبير المعاش وجميع الفوائد التي ~~تصلح للدين والدنيا، وذكر الحبيب والمحبوب، ولم يدخل فيها شيئا من غيرها ~~دون سائر القصص، وكان عقابها إلى خير وسلامة واجتماع شمل وعفو من الله ~~وتجاوز عن الكل { بما أوحينا } أي بسبب إيحائنا { إليك }. # ولما كان إنزال القرآن مجمع الخيرات، عين المراد بالإشارة واسم العلم ~~فقال: { هذا القرآن } الذي قالوا فيه: إنه مفترى، فنحن نتابع فيه القصص ~~بعد قصة بعد قصة والحكم حكمة في أثر حكمة حتى لا يشك شاك ولا يمتري ممتر ~~في أنه من عندنا وبإذننا ويكون أمره في البعد من اللبس أظهر من الشمس. # ولما كانوا مع معرفتهم به صلى الله عليه وسلم عارفين بأنه كان مباعدا ~~للعلم والعلماء، وكان فعلهم في التكذيب فعل من ينكر ذلك، قال: { وإن } أي ~~وإن الشأن والحديث { كنت } ولما كان كونه لم يستغرق الزمان الماضي، أثبت ~~الجار فقال: { من قبله } أي هذا الكتاب أو إيحائنا إليك به { لمن ~~الغافلين } أي عن هذه القصة وغيرها، مؤكدا له بأنواع التأكيد، وهو ناظر ~~إلى قوله آخرها { وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون } بعد ~~التفاته عن كثب إلى آخر التي قبلها { وما ربك بغافل عما تعملون } والحسن: ~~معنى ms2207 يتقبله العقل ويطرق إلى طلب المتصف به أنواع الحيل، ومادة، غفل، بكل ~~ترتيب تدور على الستر والحجب، من الغلاف الذي يوضع فيه الشيء فلا ينظر ~~منه شيئا ولا ينظره شيء ما دام فيه، ومنه الغفلة - للجلدة التي التي على ~~الكمرة، والغفل - بالضم: ما لا علاقة له من الأرض، ودابة غفل، لا سمة ~~لها، لأن عدم العلامة مؤد إلى الجهل بها فكأنها في غلاف لا ينظر منه، ~~ومنه رجل غفل: لا حسب عنده، لأن ذلك أقرب إلى جهله، والتغفل: الختل، أي ~~أخذ الشيء من غير أن يشعر، فقد ظهر أن مقصود السورة وصف الكتاب بعد ~~الحكمة والتفصيل بالإبانة عن جميع المقاصد المنزل لها؛ وقال الإمام ابو ~~جعفر بن الزبير: هذه السورة من جملة ما قص عليه صلى الله عليه وسلم من ~~أنباء الرسل وأخبار من تقدمه مما فيه التثبيت الممنوح في قوله سبحانه ~~وتعالى # وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك # [هود: 120] ومما وقعت الإحالة عليه في سورة الأنعام - كما تقدم - وإنما ~~أفردت على حدتها ولم تنسق على قصص الرسل مع أنهم في سورة واحدة لمفارقة ~~مضمونها تلك القصص، ألا ترى أن تلك قصص إرسال من تقدم ذكرهم عليهم الصلاة ~~والسلام وكيفية تلقي قومهم لهم وإهلاك مكذبيهم، أما هذه القصة فحاصلها ~~فرج بعد شدة وتعريف بحسن عاقبة الصبر، فإنه تعالى امتحن يعقوب عليه ~~الصلاة والسلام بفقد ابنيه وبصره وشتات بنيه، وامتحن يوسف عليه الصلاة ~~والسلام بالجب والبيع وامرأة العزيز وفقد الأب والإخوة والسجن، ثم امتحن ~~جميعهم بشمول الضر وقلة ذات اليد # مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا # [يوسف:88] ثم تداركهم الله بالفهم وجمع شملهم ورد بصر أبيهم وائتلاف ~~قلوبهم ورفع ما نزع به الشيطان وخلاص يوسف عليه الصلاة والسلام من كيد ~~كاده واكتنافه بالعصمة وبراءته عند الملك والنسوه، وكل ذلك مما أعقبه ~~جميل صبره وجلالة اليقين في حسن تلقي الأقدار بالتفويض والتسليم على ~~توالي الامتحان وطول المدة، ثم انجر في أثناء هذه القصة ms2208 الجليلة إنابة ~~امرأة العزيز ورجوعها إلى الحق وشهادتها ليوسف عليه الصلاة والسلام بما ~~منحه الله من النزاهة عن كل ما يشين، ثم استخلاص العزيز إياه - إلى ما ~~انجر في هذه القصة الجليلة من العجائب والعبر # لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب # [ يوسف: 111] فقد انفردت هذه القصة بنفسها ولم تناسب ما ذكر من قصص نوح ~~وهود وصالح ولوط وشعيب وموسى عليهم الصلاة والسلام وما جرى في أممهم، ~~فلهذا فصلت عنهم، وقد أشار في سورة برأسها إلى عاقبة من صبر ورضى وسلم ~~ليتنبه المؤمنون على ما في طي ذلك، وقد صرح لهم مما أجملته هذه السورة ~~من الإشارة في قوله تعالى # وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض # [النور:55] - إلى قوله # آمنا # [ النور: 55] وكانت قصة يوسف عليه الصلاة والسلام بجملتها أشبه شيء بحال ~~المؤمنين في مكابدتهم في أول الأمر وهجرتهم وتشققهم مع قومهم وقلة ذات ~~أيديهم إلى أن جمع الله شملهم # اذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته ~~إخوانا # [ آل عمران:103] وأورثهم الله الأرض وأيدهم ونصرهم، ذلك بجليل إيمانهم ~~وعظيم صبرهم، فهذا ما أوجب تجرد هذه القصة عن تلك القصص - والله أعلم، ~~وأما تأخر ذكرها عنها فمناسب لحالها ولأنها إخبار بعاقبة من آمن واتعظ ~~ووقف عند ما حد له، فلم يضره ما كان، ولم تذكر إثر قصص الأعراف لما بقي ~~من استيفاء تلك القصص الحاصل ذلك في سورة هود؛ ثم إن ذكر أحوال المؤمنين ~~مع من كان معهم من المنافقين وصبرهم عليهم مما يجب أن يتقدم ويعقب بهذه ~~القصة من حيث عاقبة الصبر والحض عليه - كما مر، فأخرت إلى عقب سورة هود ~~عليه الصلاة والسلام لمجموع هذا - والله تعالى أعلم؛ ثم ناسبت سورة يوسف ~~عليه الصلاة والسلام أيضا أن تذكر إثر قوله تعالى # إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين # [هود:114]، وقوله # واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين # [هود:115] وقول # ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة # - [هود:118] الآية، وقوله # وقل للذين ms2209 لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم إنا عاملون وانتظروا إنا ~~منتظرون # [هود:121] فتدبر ذلك، إما نسبتها للأولى فإن ندم إخوة يوسف عليه الصلاة ~~والسلام واعترافهم بخطاء فعلهم وفضل يوسف عليه الصلاة والسلام عليهم # لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين # [يوسف:91] وعفوه عنهم # لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم # [يوسف:92] وندم امرأة العزيز وقولها # الآن حصحص الحق # [يوسف:51] - الآية، كل هذا من باب إذهاب الحسنة السيئة، وكأن ذلك مثال ~~لما عرف المؤمنون من إذهاب الحسنة السيئة؛ وأما نسبة السورة لقوله تعالى ~~{ واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين } فإن هذا أمر منه سبحانه لنبيه ~~عليه الصلاة والسلام بالصبر على قومه، فأتبع بحال يعقوب ويوسف عليهما ~~الصلاة والسلام وما كان من أمرهما وصبرهما مع طول المدة وتوالى امتحان ~~يوسف عليه الصلاة والسلام بالجب ومفارقة الأب والسجن حتى خلصه الله أجمل ~~خلاص بعد طول تلك المشقات، ألا ترى قول نبينا وقد ذكر يوسف عليه الصلاة ~~والسلام فشهد له بجلالة الحال وعظيم الصبر فقال # " " ولو لبثت في السجن ما لبث اخي يوسف لأجبت الداعي " # فتأمل عذره له عليهما الصلاة والسلام وشهادته بعظيم قدر يوسف عليهما ~~الصلاة والسلام # وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك # [هود:120]. # لما قيل له # واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين # [هود:115] أتبع بحال يعقوب ويوسف عليهما الصلاة والسلام من المحسنين # ووهبنا له إسحاق ويعقوب # [الأنعام:84] - إلى قوله # وكذلك نجزي المحسنين # [الأنعام:84] وقد شملت الآية ذكر يعقوب ويوسف عليهما الصلاة والسلام، ~~ونبينا عليه أفضل الصلاة والسلام قد أمر بالاقتداء في الصبر بهم، وقيل له # فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل # [الأحقاف:35] ويوسف عليه الصلاة والسلام من أولي العزم؛ ثم إن حال يعقوب ~~ويوسف عليهما الصلاة والسلام - في صبرهما ورؤية حسن عاقبة الصبر في ~~الدنيا مع ما أعد الله لهما من عظيم الثواب - أنسب شيء لحال نبينا عليه ~~الصلاة والسلام في مكابدة قريش ومفارقة وطنه، ثم تعقب ذلك بظفره بعدوه ~~وإعزاز دينه وإظهار كلمته ورجوعه إلى ms2210 بلده على حالة قرت بها عيون ~~المؤمنين وما فتح الله عليه وعلى أصحابه - فتأمل ذلك، ويوضح ما ذكرنا ختم ~~السورة بقوله تعالى # حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاء نصرنا # [يوسف: 110] الآيه فحاصل هذا كله الأمر بالصبر وحسن عواقب أولياء الله ~~فيه؛ وأما النسبة لقوله # ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين # [هود:118] فلا أنسب لهذا ولا أعجب من حال إخوة فضلاء لأب واحد من أنبياء ~~الله تعالى وصالحي عباده جرى بينهم من التشتت ما جعله الله عبرة لأولي ~~الألباب؛ وأما النسبة لآية التهديد فبينة، وكأن الكلام في قوة # اعملوا على مكانتكم - وانتظروا # [هود: 121] فلن نصبر عليكم مدة صبر يعقوب ويوسف عليهما الصلاة والسلام، ~~فقد وضح بفضل الله وجه ورود هذه السورة عقب سورة هود - والله أعلم. ~~انتهى. ### || [12.4-5] # ولما تم ما أراد تعالى من تعليل الوصف بالمبين أبدل من قوله " أحسن ~~القصص " قوله: { إذ } أي نقص عليك خبر إذ، أي خبر يوسف إذ { قال يوسف } ~~أي ابن يعقوب إسرائيل الله عليهما الصلاة والسلام { لأبيه } وبين أدبه ~~بقوله - مشيرا بأداة البعد إلى أن أباه عالي المنزلة جدا، وإلى أن ~~الكلام الآتي مما له وقع عظيم، فينبغي أن يهتم بسماعه والجواب عليه، وغير ~~ذلك من أمره: { يأبت } تاءه للتأنيث لأنه يوقف عليها عند بعض القراء ~~بالهاء، وكسرتها عند من كسر دالة على ياء الإضافة التي عوض عنها تاء ~~التأنيث، واجتماع الكسرة معها كاجتماعها مع الياء، وفتحها عند من فتح عوض ~~عن الألف القائمة مقام ياء الإضافة. # ولما كان صغيرا، وكان المنام عظيما خطيرا، اقتضى المقام التأكيد ~~فقال: { إني رأيت } أي في منامي، فهو من الرؤيا التي هي رؤية في المنام، ~~فرق بين حال النوم واليقظة في ذلك بألف التأنيث { أحد عشر كوكبا } أي ~~نجما كبيرا ظاهرا جدا مضيئا براقا، وفي عدم تكرار هذه القصة في ~~القرآن رد على من قال: كررت قصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام تمكينا ~~لفصاحتها بترادف السياق، وفي تكرير قصصهم رد على من ms2211 قال: إن هذه لم تكرر ~~لئلا تفتر فصاحتها، فكأن عدم تكريرها لأن مقاصد السور لم تقتض ذلك - ~~والله أعلم. # ولما كان للنيرين اسمان يخصانهما هما في غاية الشهرة، قال معظما لهما: ~~{ والشمس والقمر } ولما تشوفت النفس إلى الحال التي رآهم عليها، فكان ~~كأنه قيل: على أي حال؟ وكانت الرؤيا باطن البصر الذي هو باطن النظر، ~~فكان التعبير بها للإشارة إلى غرابة هذا الأمر، زاد في الإشارة إلى ذلك ~~بإعادة الفعل، وألحقه ضمير العقلاء لتكون دلالته على كل من عجيب أمر ~~الرؤيا ومن فعل المرتى الذي لا يعقل فعل العقلاء من وجهين فقيل: { رأيتهم ~~لي } أي خاصة { ساجدين * } أجراهم مجرى العقلاء لفعل العقلاء. فكأنه قيل: ~~ماذا قال له أبوه؟ فقيل: { قال } عالما بأن إخوته سيحسدونه على ما تدل ~~عليه هذه الرؤيا إن سمعوها { يابني } فبين شفقته عليه، وأكد النهي بإظهار ~~الإدغام فقال: { لا تقصص رؤياك } أي هذه { على إخوتك } ثم سبب عن النهي ~~قوله: { فيكيدوا } أي فيوقعوا { لك كيدا } أي يخصك، فاللام للاختصاص. ~~وفي الآية دليل على أنه لا نهي عن الغيبة للنصيحة، بل هي مما يندب إليه؛ ~~قال الرماني: والرؤيا: تصور المعنى في المنام على توهم الإبصار، وذلك أن ~~العقل مغمور بالنوم، فإذا تصور الإنسان المعنى توهم أنه يراه؛ وقال ~~الإمام الرازي في اللوامع: هي ركود الحواس الظاهرة عن الإدراك والإحساس، ~~وحركة المشاعر الباطنة إلى المدارك، فإن للنفس الإنسانية حواس ظاهرة ~~ومشاعر باطنة، فإذا سكنت الحواس الظاهرة استعملت الحواس الباطنة في إدراك ~~الأمور الغائبة، فربما تدركها على الصورة التي هي عليها، فلا يحتاج إلى ~~تعبير، وربما تراها في صورة محاكية مناسبة لها فيحتاج إلى التعبير، مثال ~~الأول رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم أنه دخل المسجد الحرام، والثاني ~~كرؤيا يوسف عليه الصلاة والسلام هذه. # وقال الرماني: والرؤيا الصادقة لها تأويل، والرؤيا الكاذبة لا تأويل لها ~~- انتهى. وهذا لمن ينام قلبه وهم من عدا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. # ولما كانت العادة جارية بأن شفقة الإخوة تمنع من مثل ذلك، علله تقريبا ms2212 ~~له بقوله: { إن الشيطان } أي المحترق المبعد { للإنسان } أي عامة ولا ~~سيما الأكابر منهم { عدو مبين * } أي واضح العداوة وموضحها لكل واع فيوقع ~~العداوة بما يخيله من فوت الحظوظ بتركها، وفي الآية دليل على أن أمر ~~الرؤيا مشكل، فلا ينبغي أن تقص إلا على شفيق ناصح. ### || [12.6-8] # ولما علم يعقوب عليه الصلاة والسلام من هذه الرؤيا ما سيصير إليه ولده ~~من النبوة والملك قال: { وكذلك } أي قد اجتباك ربك للإطلاع على هذه ~~الرؤيا العظيمة الدالة على شرف وعز، ومثل ما اجتباك لها { يجتبيك } أي ~~يختارك ويجمع لك معالي الأمور { ربك } المربي لك بالإحسان للملك والنبوة ~~{ ويعلمك من } أي بعض { تأويل الاحاديث } من الرؤيا وغيرها من كتب الله ~~وسنن الأنبياء وغوامض ما تدل عليه المخلوقات الروحانية والجسمانية، لأن ~~الملك والنبوة لا يقومان إلا بالعلم والتأويل المنتهي الذي يصير إليه ~~المعنى، وذلك فقه الحديث الذي هو حكمة لأنه إظهار ما يؤول إليه أمره مما ~~عليه معتمد فائدته، وأكثر استعماله في الرؤيا { ويتم نعمته } بالنبوة { ~~عليك } بالعدل ولزوم المنهج السوي { وعلى آل يعقوب } أي جميع إخوتك ومن ~~أراد الله من ذريتهم، فيجعل نعمتهم في الدنيا موصولة بنعمة الآخرة، لأنه ~~عبر عنهم في هذه الرؤيا بالنجوم المهتدي بها، ولا يستعمل الآل إلا فيمن ~~له خطر وشرف، وإضافته مقصورة على إعلام الناطقين، قال الراغب: وأما آل ~~الصليب إن صح نقله فشاذ، ويستعمل فيمن لا خطر له الأهل { كما أتمها على ~~أبويك }. # ولما كان وجودهما لم يستغرق الماضي، أدخل الجار فقال: { من قبل } أي من ~~قبل هذا الزمان؛ ثم بين الأبوين بجده وجد أبيه فقال: { إبراهيم } أي ~~بالخلة وغيرها من الكرامة { و } ولده { إسحاق } بالنبوة وجعل الأنبياء ~~والملوك من ولده، وإتمام النعمة: الحكم بدوامها على خلوصها من شائب فيها ~~بنقصها. # ولما كان ذلك لا يقدر عليه إلا بالعلم المحيط بجميع الأسباب ليقام منها ~~ما يصلح، والحكمة التي بها يحكم ذلك السبب عن أن يقاومه سبب غيره، وكان ~~السياق بالعلم أولى لما ذكر من علم التأويل مع ms2213 ما تقدم من قوله آخر تلك # ولله غيب السماوات والأرض # [هود: 123] الآية وما شاكل ذلك أول هذه، قال: { إن ربك عليم } أي بليغ ~~العلم { حكيم * } أي بليغ الحكمة، وهي وضع الأشياء في أتقن مواضعها. # ولما كان ذلك، توقع السامع له ما يكون بينه وبين إخوته هل يكتمهم الرؤيا ~~أو يعلمهم بها؟ وعلى كلا التقديرين ما يكون؟ فقال جوابا لمن كأنه قال: ~~ما كان من أمرهم؟ - مفتتحا له بحرف التوقع والتحقيق بعد لام القسم ~~تأكيدا للأمر وإعلاما بأنه على أتقن وجه -: { لقد كان } أي كونا هو في ~~أحكم مواضعه { في يوسف وإخوته } أي بسبب هذه الرؤيا وما كان من تأويلها ~~وأسباب ذلك { آيات } أي علامات عظيمة دالات على وحدانية الله تعالى ونبوة ~~محمد صلى الله عليه وسلم وغير ذلك مما تضمنته القصة { للسائلين * } أي ~~الذين يسألون عنها من قريش واليهود وغيرهم، وآيات عظمة الله وقدرته في ~~تصديق رؤيا يوسف عليه الصلاة والسلام ونجاته ممن كاده وعصمته وإعلاء ~~أمره، والمراد بإخوته هنا العشرة الذين هم من أبيه وهم: روبيل وشمعان - ~~بمعجمة أوله، ولاوي، ويهوذا، وزيلون - بزاي وموحدة، وإيساخار، بهمزة ~~مكسورة وتحتانية وسين مهملة وخاء معجمة، ودان - بمهملة، وجاد بجيم. # بينها وبين الكاف، وآشير - بهمزة ممدودة وشين معجمة ثم تحتانية ومهملة. ~~ونفتالي - بنون مفتوحة وفاء ساكنة ومثناة فوقانية ولام بعدها ياء. وشقيقه ~~بنيامين - بضم الموحدة، هكذا ذكرهم في التوراة، وحررت التلفظ بهم من ~~العلماء بها، وقد تقدم ذلك في البقرة بزيادة. والآية: الدلالة على ما كان ~~من الأمور العظيمة، ومثلها العلامة والعبرة، والحجة أخص منها، لأنها ~~معتمد البينة التي توجب الثقة بصحة المعنى الذي فيه أعجوبة. # ولما تقرر ذلك، ابتدأ بذكر الآيات الواقعة في ظرف هذا الكون فقال: { إذ ~~قالوا } أي كان ذلك حين قال الإخوة بعد أن قص الرؤيا عليهم وسول لهم ~~الشيطان - كما ظن يعقوب عليه الصلاة والسلام - مقسمين دلالة على غاية ~~الاهتمام بهذا الكلام، وأنه مما حركهم غاية التحريك، أو هي لام الابتداء ~~المؤكدة المحققة لمضمون الجملة { ليوسف وأخوه } أي ms2214 شقيقه بنيامين { أحب } ~~وحددا لأن أفعل ما يستوي فيه الواحد وما فوقه مذكرا كان أو مؤنثا إذا ~~لم يعرف أو يضف { إلى أبينا منا } أي يحبهما أكثر مما يحبنا؛ والحب: ميل ~~يدعو إلى إرادة الخير والنفع للمحبوب بخلاف الشهوة، فإنها ميل النفس ~~ومنازعتها إلى ما فيه لذتها { و } الحال أنا { نحن عصبة } أي أشداء في ~~أنفسنا ويشد بعضنا بعضا، وأما هما فصغيران لا كفاية عندهما؛ والعصبة من ~~العشرة إلى الأربعين، فكأنه قيل: فكان ماذا؟ - على تقدير أن يكونا أحب ~~إليه، فقالوا مؤكدين لأن حال أبيهما في الاستقامة والهداية داع إلى ~~تكذيبهم: { إن أبانا لفي ضلال } أي ذهاب عن طريق الصواب في ذلك { مبين * ~~} حيث فضلهما علينا، والقرب المقتضي للحب في كلنا واحد، لأنا في البنوة ~~سواء، ولنا مزية تقتضي تفضيلنا، وهي أنا عصبة، لنا من النفع له والذب عنه ~~والكفاية ما ليس لهما؛ قال الإمام أبو حيان: وأحب أفعل التفضيل، وهو مبني ~~من المفعول شذوذا، ولذلك عدي ب " إلى " لأنه إذا كان ما تعلق به فاعلا ~~من حيث المعنى عدي إليه ب " إلى " وإذا كان مفعولا عدي إلية ب " في " ~~، تقول زيد أحب إلى عمرو من خالد، فالضمير في " أحب " مفعول من حيث ~~المعنى، وعمرو هو المحب، وإذا قلت: زيد أحب في عمرو من خالد، كان الضمير ~~فاعلا وعمرو هو المحبوب، ومن خالد - في المثال الأول محبوب، وفي المثال ~~الثاني فاعل، قال: والضلال هنا هو الهدى - قاله ابن عباس رضي الله عنهما ~~- انتهى. ### || [12.9-11] # ولما كان ذلك، وكان عندهم أن الشاغل الأعظم لأبيهم عنهم إنما هو حب يوسف ~~عليه الصلاة والسلام، وحب أخيه إنما هو تابع، كان كأنهم تراجعوا فيما ~~بينهم فقالوا: قد تقرر هذا، فما أنتم صانعون؟ فقالوا أو ما شاء الله ~~منهم: { اقتلوا يوسف } أصل القتل: إماتة الحركة بالسكون { أو اطرحوه ~~أرضا } أوصلوا الفعل بدون حرف ونكروها دلالة على أنها منكورة مجهولة ~~بحيث يهلك فيها، وعنى قائلهم بذلك: إن تورعتم عن مباشرة قتله بأيديكم. # ولما كان التقدير: إن ms2215 تفعلوا ذلك، أجابه بقوله: { يخل لكم } أي خاصا ~~بكم { وجه أبيكم } أي قصده لكم وتوجهه إليكم وقصدكم ونيتكم. ولما كان أهل ~~الدين لا يهملون إصلاح دينهم لأنه محط أمرهم، قالوا: { وتكونوا } أي ~~كونا هو في غاية التمكن، ولما كانوا عالمين بأن الموت لا بد منه. فهو ~~مانع من استغراقهم للزمان الآتي، أدخلوا الجار فقالوا: { من بعده } أي ~~يوسف عليه الصلاة والسلام { قوما } أي ذوي نشاط وقوة على محاولة الأمور ~~{ صالحين } أي عريقين في وصف الصلاح مستقيمين على طريقة تدعو إلى الحكمة ~~بوقوع الألفة بينكم واستجلاب محبة الوالد بالمبالغة في بره وبالتوبة من ~~ذنب واحد يكون سببا لزوال الموجب لداء الحسد الملزوم لذنوب متصلة من ~~البغضاء والمقاطعة والشحناء، فعزموا على التوبة قبل وقوع الذنب فكأنه ~~قيل: إن هذا لمن أعجب العجب من مطلق الأقارب فضلا عن الإخوة، فماذا ~~قالوا عند سماعه؟ فقيل: { قال } ولما كان السياق لأن الأمر كله لله، فهو ~~ينجي من يشاء بما يشاء، لم يتعلق القصد ببيان الذي كانت على يده النجاة، ~~فقال مبهما إشعارا بأنه يجب قول النصح من أي قائل كان، وأن الإنسان لا ~~يحقر نفسه في بذل النصح على أي حال كان: { قائل } ثم عينه بعض التعيين ~~فقال: { منهم } أي إخوة يوسف عليه الصلاة والسلام { لا تقتلوا يوسف } لا ~~بأيديكم ولا بالإلقاء في المهالك، فإن القتل أكبر الكبائر بعد الشرك، ~~وكأنه لم يكن في ناحيتهم تلك غير جب واحد فعرفه فقال: { وألقوه } وكأنه ~~كان فيه ماء ومكان يمكن الاستقرار فيه ولا ماء به، فأراده بقوله: { في ~~غيابت الجب } أي غوره الغائب عن الأعين، فإن ذلك كاف في المقصود، وإنكم ~~إن تفعلوا { يلتقطه بعض السيارة } جمع سيار، وهو المبالغ في السير، هذا ~~{ إن كنتم } ولا بد { فاعلين * } ما أردتم من تغييبه عن أبيه ليخلو لكم ~~وجهه؛ والجب: البئر التي لم تطو، لأنه قطع عنها ترابها حتى بلغ الماء، ~~وعن أبي عمرو: إن هذا كان قبل أن يكونوا أنبياء، فكأنه قيل: إن هذا لحسن ~~من حيث إنه ms2216 صرفهم عن قتله، فهل استمروا عليه أو قام منهم قائم في ~~استنزالهم عنه بعاطفة الرحم وود القرابة؟ فقيل: بل استمروا لأنهم { قالوا ~~} إعمالا للحيلة في الوصول إليه، مستفهمين على وجه التعجب لأنه كان أحس ~~منهم الشر، فكان يحذرهم عليه { يا أبانا ما لك } أي أي شيء لك في حال ~~كونك { لا تأمنا على يوسف و } الحال { إنا له لناصحون * } والنصح دليل ~~الأمانة وسببها، ولهذا قرنا في قوله # ناصح أمين # [الأعراف:68] والأمن: سكون النفس إلى انتفاء الشر، وسببه طول الإمهال في ~~الأمر الذي يجوز قطعة بالمكروة فيقع الاغترار بذلك الإمهال من الجهال، ~~وضده الخوف، وهو انزعاج النفس لما يتوقع من الضر؛ والنصح: إخلاص العمل من ~~فساد يتعمد، وضده الغش، وأجمع القراء على حذف حركة الرفع في تأمن وإدغام ~~نونه بعد إسكانه تبعا للرسم، بعضهم إدغاما محضا وبعضهم مع الإشمام، ~~وبعضهم مع الروم، دلالة على نفي سكون قلبه عليه عليهما الصلاة والسلام ~~بأمنه عليه منهم على أبلغ وجه مع أنهم أهل لأن يسكن إليهم بذلك غاية ~~السكون، ولو ظهرت ضمة الرفع عند أحد من القراء فات هذا الإيماء إلى هذه ~~النكتة البديعة. ### || [12.12-15] # ولما كان هذا موضع أن يقال: لأي غرض يكون ذلك؟ قالوا في جوابه: { أرسله ~~معنا غدا } إلى مرعانا، إن ترسله معنا { يرتع } أي نأكل ونشرب في الريف ~~ونتسع في الخصب { ويلعب } أي نعمل ما تشتهي الأنفس من المباحات تاركين ~~الجد، وهو كل ما فيه كلفة ومشقة، فإن ذلك له سار { وإنا له لحافظون * } ~~أي بليغون في الحفظ؛ قال أبو حيان: وانتصب { غدا } على الظرف، وهو ظرف ~~مستقبل يطلق على اليوم الذي يلي يومك وعلى الزمن المستقبل من غير تقييد، ~~وأصل غد غدو، فحذفت لامه - أنتهى. فكأنه قيل: ماذا قال لهم؟ فقيل: { قال ~~} ما زاد صدورهم توغرا لأن ما قالوه له هو بحيث يسر به لسرور يوسف عليه ~~الصلاة والسلام به { إني ليحزنني } أي حزنا ظاهرا محققا - بما أشار ~~إليه إظهار النون وإثباته لام الابتداء { أن تذهبوا به } أي يتجدد ms2217 الذهاب ~~به مطلقا - لأني لا أطيق فراقه - ولا لحظة، وفتح لهم بابا يحتجون به ~~عند فعل المراد بقوله جامعا بين مشقتي الباطن، والبلاء - كما قالوا - ~~مؤكل بالمنطق: { وأخاف } أي إذا ذهبتم به واشتغلتم بما ذكرتم { أن يأكله ~~الذئب } أي هذا النوع كأنه كان كثيرا بأرضهم { وأنتم عنه } أي خاصة { ~~غافلين * } أي عريقون في الغفلة لإقبالكم على ما يهمكم من مصالح الرعي؛ ~~والحزن: ألم القلب مما كان من فراق المحبوب، ويعظم إذا مان فراقه إلى ما ~~يبغض؛ والأكل: تقطيع الطعام بالمضغ الذي بعده البلع؛ فكأنه قيل: إن ~~تلقيهم لمثل هذا لعجب، فماذا قالوا؟ فقيل: { قالوا } مجيبين عن الثاني ~~بما يلين الأب لإرساله، مؤكدين ليطيب خاطره، دالين على القسم بلامه: { ~~لئن أكله الذئب ونحن } أي والحال أنا { عصبة } أي أشداء تعصب بعضنا لبعض؛ ~~وأجابوا القسم بما أغنى عن جواب الشرط: { إنا إذا } أي إذا كان هذا { ~~لخاسرون * } أي كاملون في الخسارة لأنا إذا ضيعنا أخانا فنحن لما سواه من ~~أموالنا أشد تضييعا؛ وأعرضوا عن جواب الأول لأنه لا يكون إلا بما يوغر ~~صدره ويعرف منه أنهم من تقديمه في الحب على غاية من الحسد لا توصف، وأقله ~~أن يقولوا: ما وجه الشح بفراقه يوما والسماح بفراقنا كل يوم، وذلك مما ~~يحول بينهم وبين المراد، فكأنه قيل: إن هذا الكيد عظيم وخطب جسيم، فما ~~فعل أبوهم؟ فقيل: أجابهم إلى سؤلهم فأرسله معهم { فلما ذهبوا } ملصقين ~~ذهابهم { به وأجمعوا } أي كلهم، وأجمع كل واحد منهم بأن عزم عزما ~~صادقا؛ والإجماع على الفعل: العزم عليه باجتماع الدواعي كلها { أن ~~يجعلوه } والجعل: إيجاد ما به يصير الشيء على خلاف ما كان عليه، ونظيره ~~التصيير والعمل { في غيابت الجب } فعلوا ذلك من غير مانع، ولكن لما كان ~~هذا الجواب في غاية الوضوح لدلالة الحال عليه ترك لأنهم إذا أجمعوا عليه ~~علم أنهم لا مانع لهم منه؛ ثم عطف على هذا الجواب المحذوف لكونه في قوة ~~الملفوظ قوله: { وأوحينا } أي بما لنا من العظمة { إليه } أي إلى يوسف ms2218 ~~عليه الصلاة والسلام. # ولما كان في حال النجاة منها بعيدة جدا، أكد له قوله: { لتنبئنهم } أي ~~لتخبرنهم إخبارا عظيما على وجه يقل وجود مثله في الجلالة { بأمرهم هذا ~~} أي الذي فعلوه بك { وهم لا يشعرون } - لعلو شأنك وكبر سلطانك وبعد حالك ~~عن أوهامهم، ولطول العهد المبدل للهيئات المغير للصور والأشكال - أنك ~~يوسف - قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما والحسن وابن جريج على ما نقله ~~الرماني؛ والشعور: إدراك الشيء مثل الشعرة في الدقة، ومنه المشاعر في ~~البدن، وكان يوسف عليه الصلاة والسلام حين ألقوه في الجب ابن اثنتي عشرة ~~سنة - قاله الحسن، قالوا: وتصديق هذا أنهم لما دخلوا عليه ممتارين دعا ~~بالصواع فرضعه على يديه ثم نقره فطن، فقال: إنه ليخبرني هذا الجام أنه ~~كان لكم أخ من أبيكم يقال له يوسف، وكان أبوكم يدنيه دونكم، وأنكم ~~انطلقتم به وألقيتموه في غيابة الجب وقلتم لأبيكم: أكله الذئب. ### || [12.16-18] # ولما كان من المعلوم أنه ليس بعد هذا الفعل إلا الاعتذار، عطف على ~~الجواب المقدر قوله: { وجاؤوا أباهم } دون يوسف عليه الصلاة والسلام { ~~عشاء } في ظلمة الليل لئلا يتفرس أبيهم في وجوههم إذا رآها في ضياء ~~النهار ضد ما جاؤوا به من الاعتذار، وقد قيل: لا تطلب الحاجة بالليل فإن ~~الحياء في العينين، ولا تعتذر بالنهار من ذنب فتتلجلج في الاعتذار. ~~والآية دالة على أن البكاء لا يدل على الصدق لاحتمال التصنع { يبكون * } ~~والبكاء: جريان الدمع في العين عند حال الحزن، فكأنه قيل: إنهم إذا بكوا ~~حق لهم البكاء خوفا من الله وشفقة على الأخ، ولكن ماذا يقولون إذا سألهم ~~أبوهم عن سببه؟ فقيل: { قالوا ياأبانا }. # ولما كانوا عالمين بأنه عليه الصلاة والسلام لا يصدقهم لما له من نور ~~القلب وصدق الفراسة ولما لهم من الريبة، أكدوا فقالوا: { إنا ذهبنا نستبق ~~} أي نوجد المسابقة بغاية الرغبة من كل منا في ذلك { وتركنا يوسف } أخانا ~~{ عند متاعنا } أي ما كان معنا مما نحتاج إليه في ذلك الوقت من ثياب وزاد ~~ونحوه { فأكله } أي ms2219 فتسبب عن انفراده أن أكله { الذئب وما } أي والحال ~~أنك ما { أنت بمؤمن لنا } أي من التكذيب، أي بمصدق { ولو كنا } أي كونا ~~هو جبلة لنا { صادقين * } أي من أهل الصدق والأمانة بعلمك، لأنك لم تجرب ~~علينا قط كذبا، ولا حفظت عنا شيئا منه جدا ولا لعبا. # ولما علموا أنه لا يصدقهم من وجوه منها ما هو عليه من صحة الفراسة لنور ~~القلب وقوة الحدس، ومنها أن الكذب في نفسه لا يخلو عن دليل على بطلانه، ~~ومنها أن المرتاب يكاد يعرب عن نفسه، أعملوا الحيلة في التأكيد بما يقرب ~~قولهم. فقال تعالى حاكيا عنهم: { وجاؤوا على قميصه } أي يوسف عليه ~~الصلاة والسلام { بدم كذب } أي مكذوب، أطلق عليه المصدر مبالغة لأنه غير ~~مطابق للواقع، لأنهم ادعوا أنه دم يوسف عليه الصلاة والسلام والواقع أنه ~~دم سخلة ذبحوها ولطخوه بدمها - نقله الرماني عن ابن عباس رضي الله عنهما ~~وعن مجاهد. قال: والدم: جسم أحمر سيال، من شأنه أن يكون في عروق الحيوان، ~~وله خواص تدرك بالعيان من ترجرج وتلزج وسهوكة، وروي أن يعقوب عليه الصلاة ~~والسلام أخذ القميص منهم وألقاه على وجهه وبكى حتى خضب وجهه بدم القميص ~~وقال: تالله ما رأيت كاليوم ذئبا أحلم من هذا، أكل ابني ولم يمزق قميصه، ~~وكان القميص ثلاث آيات: دلالته على كذبهم، ودلالته على صدق يوسف عليه ~~الصلاة والسلام في قده من دبر، وعود البصر إلى أبيه به، فكأنه قيل: هل ~~صدقهم؟ فقيل: لا! لأن العادة جرت في مثله أنه لا يأكله كله، فلا بد من أن ~~يبقى منه شيء يعرف معه أنه هو، ولو كان كذلك لأتوا به تبرئة لساحتهم ~~وليدفنوه في جبانتهم مع بقية أسلافهم، وقد كان قادرا على مطالبتهم بذلك، ~~ولكنه علم أنهم ما قالوا ذلك إلا بعد عزم صادق على أمور لا تطاق، فخاف من ~~أن يفتح البحث من الشرور أكثر مما جاؤوا به من المحذور، بدليل قوله بعد ~~ذلك # فتحسسوا من يوسف وأخيه # [يوسف:87] ونحو ذلك، فكأنه قيل: فماذا ms2220 قال؟ فقيل: { قال بل } أي لم ~~يأكله الذئب، بل { سولت } أي زينت وسهلت، من السول وهو الاسترخاء { لكم ~~أنفسكم أمرا } أي عظيما أبعدتم به يوسف { فصبر } أي فتسبب عن ذلك ~~الفادح العظيم أنه يكون صبر { جميل } منى، وهو الذي لا شكوى معه للخلق { ~~والله } أي المحيط علما وقدرة { المستعان } أي المطلوب منه العون { على ~~} احتمال { ما تصفون * } من هلاك يوسف عليه الصلاة والسلام، ولا يقال: ~~إنهم بهذا أجمعوا أوصاف المنافق " إذا وعد أخلف، وإذا حدث كذب، وإذا ~~اؤتمن خان " لأن هذا وقع منهم مرة، والمنافق يكون ذلك فعله دائما أو في ~~أغلب أحواله، ومادتا سول بتقاليبها الخمسة: ولس وسلا ووسل ولوس وسول، ~~وسيل بتقاليبها الخمسة: لسي ويسل وسيل وسلي وليس، تدوران على ما يطمع فيه ~~من المراد، ويلزمه رغد العيش والزينة وبرد القلب والشدة والرخاوة والعلاج ~~والمخادعة والملازمة، فمن الرجاء للمراد: السول - بالواو، وقد يهمز، وهو ~~المطلوب؛ والوسيلة: الدرجة والمنزلة عند الملك، قال القزاز: وقيل: توسلت ~~وتوصلت - بمعنى، والوسيلة: الحاجة، ووسل فلان - إذا طلب الوسيلة؛ واللؤس: ~~الظفر؛ ومن العمل والعلاج: توسل بكذا - أي تقرب، واللوس: الأكل، ولاس ~~الشيء في فيه بلسانه - إذا أداره، وولست الناقة في مشيتها تلس ولسانا: ~~تضرب من العنق؛ ومن رغد العيش: فلان في سلوة من العيش، أي رغد يسليه ~~الهم، ومنه السلوى، وهي طائر معروف، وهي أيضا العسل، وأسلي القوم: إذا ~~أمنوا السبع: ومن الزينة: سولت له نفسه كذا، أي زينته فطلبه؛ ومن برد ~~القلب: سلوت عن الشيء: إذا تركه قلبك وكان قد صبا به، وسقيتني منك سلوة، ~~أي طيبت نفسي عنك، والليس - محركا: الغفلة، والأليس: الديوث لا يغار، ~~والحسن الخلق، وتلايس عنه: أغمض؛ ومن الرخاوة: السلي الذي يكون فيه ~~الولد، وهو يائي تقول منه: سليت الشاة كرضى سلي: انقطع سلاها، ومنه ~~السول، وهو استرخاء في مفاصل الشاة، والسحاب الأسول: الذي فيه استرخاء ~~لكثرة مائه، والأسول: المسترخي، ومنه: ليس أخت كان - لأن الشيء إذا زاد ~~في الرخاوة ربما عد عدما، ومنه: سال - بمعنى: جرى، والسائلة من ms2221 الغرر: ~~المعتدلة في قصبة الأنف، وأسال غرار النصل: أطاله، والسيلان - بالكسر: ~~سنخ قائم السيف، والسيالة: نبات له شوك أبيض طويل، إذا نزع خرج منه ~~اللبن، أو ما طال من السمر؛ ومن المخادعة: الولس، وهي الخيانة، ~~والموالسة: المداهنة، والتوسل: السرقة؛ ومن اللزوم: الليس - محركا ~~والمتلايس: البطيء، وهو أيضا من الرخاوة، والأليس: من لا يبرح منزله؛ ~~ومن الشدة: الليس - محركا وهو الشجاعة، وهو أليس، والأليس: البعير يحمل ~~ما حمل، والأسد، ووقعوا في سلي جمل: أمر صعب، لأن الجمل لا سلي له، ~~وانقطع السلي في البطن مثل كبلغ السكين العظم، ويمكن أن يكون من الشدة ~~أيضا: اليسل - بفتح وسكون - وهم يد أي جماعة من قريش الظواهر، والبسل - ~~بالباء الموحدة: اليد الأخرى، ولسا: أكل أكلا شديدا. ### || [12.19-21] # ولما تم أمرهم هذا وشبوا على أبيهم عليه السلام نار الحزن، التفتت النفس ~~إلى الخبر عن يوسف عليه الصلاة والسلام فيما أشار إليه قوله: # لتنبئنهم # [يوسف: 15] الآية، فقال تعالى مخبرا عن ذلك في أسبابه: { وجاءت سيارة } ~~أي قوم بليغو السير إلى الأرض التي ألقوا يوسف عليه الصلاة والسلام في ~~جبها { فأرسلوا واردهم } أي رسولهم الذي يرسلونه لأجل الإشراف على الماء ~~إلى الجب ليستقي لهم { فأدلى } فيه { دلوه } أي أرسلها في البئر ليملأها ~~- وأما " دلى " فأخرجها ملأى - فاستمسك بها يوسف عليه الصلاة والسلام ~~فأخرجه، فكأنه قيل: ماذا قال حين أدلى للماء فتعلق يوسف بالحبل فأطلعه ~~فإذا هو بإنسان أجمل ما يكون؟ فقيل: { قال } أي الوارد يعلم أصحابه ~~بالبشرى { يابشرى } أي هذا أوانك فاحضري، فكأنه قيل: لم تدعوا البشرى؟ ~~فقال: { هذا غلام } فأتى به إلى جماعته فسروا به كما سر { وأسروه } أي ~~الوارد وأصحابه { بضاعة } أي حال كونه متاعا بزعمهم يتجرون فيه { والله ~~} أي المحيط علما وقدرة { عليم } أي بالغ العلم { بما يعملون * } وإن ~~أسروه؛ قال أبو حيان ونعم ما قال: وتعلقه بالحبل يدل على صغره إذ لو كان ~~ابن ثمانية عشر أو سبعة عشر لم يحمله الحبل غالبا، ولفظة " غلام " ترجع ~~ذلك إذ تطلق عليه ما بين الحولين ms2222 إلى البلوغ حقيقة، وقد تطلق على الرجل ~~الكامل - انتهى. # ولما كان سرورهم به - مع ما هو عليه من الجمال والهيبة والجلال - ~~مقتضيا لأن ينافسوا في أمره ويغالوا بثمنه، أخبر تعالى أنهم لم يفعلوا ~~ذلك ليعلم أن جميع أموره على نسق واحد في خرقها للعوائد فقال: { وشروه } ~~أي تمادي السيارة ولجوا في إسرارهم أياه بضاعة حتى باعوه من العزيز، ~~ولمعنى التمادي عبر ب " شرى " دون " باع " ، ويمكن أن يكون " شرى " ~~بمعنى اشترى، أي واشتراه السيارة من إخوته { بثمن } وهو البدل من الذهب ~~أو الفضة، وقد يقال على غيره تشبيها به { بخس } أي قليل، ومادة " شرى " ~~- يائية بتقاليبها الثلاثة: شرى، وشير، وريش، وواويه بتراكيبها الستة: ~~شور، وشرو، ووشر، وورش، ورشو، وروش، ومهموزة بتراكيبها الثلاثة: أرش، ~~وأشر، ورشأ - تدور على اللجاجة، وهي التمادي في الانتشار، ويلزمه تبيين ~~ذلك الأمر، ويلزمها القوة تارة والضعف أخرى، فمن مطلقة: شريت الشيء، ~~بمعنى ملكته بالبيع، وشريته، بمعنى: أزلت ملكي عنه به، وكذا اشتريت ~~فيهما، والاسم الشراء بالمد ويقصر، فحصل التمادي والانتشار تارة بالإزالة ~~وتارة بالتحصيل، وكل من ترك شيئا وتمسك بغيره فقد اشتراه، وشاراه ~~مشاراه: بايعه، وشروى الشيء: مثله واوه مبدلة من ياء كأنه مأخوذ من بدل ~~المبيع لأنه يتحرى فيه المماثلة، وهو أوسع مما لم يوجد له مثل، وشرى ~~البرق: استطار، وزيد: غضب ولج حتى استطار غضبا، والفرس في سيره: بالغ، ~~واستشرى الرجل: لج، والبرق: لمع، والمشاراة: الملاحة والمجادلة ~~والمبايعة، والشرية - كغنية: الطريقة والطبيعة، وكأن هذا أصل المعنى الذي ~~عنه تفرعت أغصانه، لأن الطبع مظنة الدجاج، وشرى الثوب واللحم والإقط: ~~شررها، أي وضعها على خصفة أو غيرها منشورة لتجف، وشرى فلانا: سخر به أو ~~أرغمه، كأنه تمادى معه حتى قهره، وشرى بنفسه عن القوم: تقدم بين أيديدهم ~~فقاتل عنهم، أو إلى السلطان فتكلم عنهم، والشرى - كعلي: الجبل - لانتشاره ~~علوا، والطريق - للانتشار فيه، وطريق بسلمى كثيرة الأسد، وجبل بتهامه ~~كثير السباع - لانتشارها فيه أو لأن الساتر فيه أقوى الناس وألجهم، وجبل ~~بنجد لطيىء، والناحية، ويمد، وأشراه: ملاه، ms2223 وأماله - لما يلزم من انتشار ~~ما فيه، وأشرى الجمل: تفلقت عقيقته، أي صوفه، وبينهم: أغرى، وشرى البعير ~~في سيره؛ أسرع، وشرى الفرس في لجامه - إذا جذبه، والشرية كغنية: من ~~النساء اللاتي يلدن الإناث، كأنها تمادت في الميل مع طبعها: الأنوثة، ~~فلجت فيه، أو هو راجع إلى الضعف اللازم للحاجة، والمشتري: نجم لتلألؤه، ~~وطائر - للمعه بجناحه وانتشاره، واشرورى: اضطرب، وشرى زمام الناقة: كثر ~~اضطرابه، هو من الانتشار ومن الضعف، واستشرت الأمور: تفاقمت وعظمت، وشرى ~~جلده: أصابه بثور صغار حمر حكاكة مكربة تحدث دفعة غالبا وتشتد ليلا، ~~كأنها سميت لانتشارها في جميع البدن وقوتها، وتشرى القوم: افترقوا، وتشرى ~~السحاب: تفرق، والشرى: شجر الحنظل أو الحنظل نفسه، والنخل ينبت من ~~النواة، كأنه لنباته بغير سبب آدمي لجوج، والشريان من شجر القسي، كأنه ~~لقوته ونشره السهام إذا رميت عنه، وواحد الشرايين للعروف النابضة، لقوتها ~~وانتشارها؛ وشيار - بالكسر: يوم السبت، لأنه أول يوم ابتدئت فيه الخلائق، ~~فكأنها انتشرت عنه؛ والريش بالكسر - من الطائر معروف كالراش - لأنه منتشر ~~في جميع بدنه، وله قوة نشره متى شاء، وهو سبب صلاحه وقوته على الانتشار ~~في الهواء، ومنه الريش والرياش: اللباس الفاخر، والخصب والمعاش، وذات ~~الريش: نبات كالقيصوم، وراش الصديق: أطعمة وسقاه وكساه وأصلح حاله، وكلا ~~ريش - كهين وهين: كثير الورق، والريش - محركا: كثرة الشعر في الأذنين ~~والوجه، والمريش - كمعظم: البعير الأزب، ورشت السهم: فوقته، أي ألزقت ~~عليه الريش عند فوقه، فكان له بذلك قوة الانتشار، ورمح راش: خوار شبه ~~بالريش صعفا، والمريش: الرجل الضعيف الصلب، وهو أيضا: البرد الموشى، ~~لتلونه كالريش، وهو أيضا: القليل اللحم، وناقة مريشة: قليلة اللحم، لأن ~~ذلك أقوى لها على السير، والمريش أيضا: الهودج المصلح بالقد، لأن ذلك ~~سبب قوته، وهو له كالريش والعصب، والشوار والشورة والشارة: الحسن والجمال ~~والهيئة واللباس والسمن والزينة، واستشار فلان: لبس لباسا حسنا، كأنه ~~من الريش، ولأنها ملزومة اللجاج والانتشار غالبا، واستشارات الإبل وأخذت ~~مشوارها: سمنت، والمشوار - بالكسر: المكان تعرض فيه الدواب، وشارها: ~~راضها، أي انتشر بها لتقوى على ms2224 ما يراد منها، وشار العسل واستشاره: ~~استخرجه من الوقبة - للمبالغة في ذلك، والشرو - مقدم الراء بالفتح ~~ويكسر: العسل، والمشوار: ما شاره به، وما أبقت الدابة من علفها - معرب، ~~كأنه شبه بما يبقى من مشار العسل مما لا يعتد به، أو أصله: نشوار - ~~بالنون، فأبدلت منها الميم لتقاربهما، فإن كان كذلك فهو نشر، والشوار - ~~مثلثة: متاع البيت، لانتشاره فيه، وذكر الرجل وخصياه واسته، لما ينتشر من ~~كل منها، وشور بفلان: فعل به فعلا يستحي منه، كأنه لج في ذلك حتى قطع ~~انتشاره في الاعتذار، وتشور الرجل: خجل، كأنه مطاوع شورته، وشور إليه: ~~أومأ كأشار - لنشر ما أشار به، وأشار النار: رفعها، والشوران: العصفر - ~~للمعه، وجبل قرب عقيق المدينة، فيه مياه سماء كثيرة، لقوته على إمساكها ~~وقوة من يقيم فيه بها على الانتشار فيه، وخيل شياء: سمان حسان، والشورة - ~~بالضم الناقة السمينة، لقوتها على الانتشار، وبالفتح: الخجلة، لانتشارها ~~وعلوها، وأشرت عليه بكذا: أمرته للانتشار في الكلام قبل الإشارة للوقوع ~~على الرأي، والاسم: المشورة، أو هو من الإشارة التي هي تحريك اليد أو ~~الحاجب ونحوهما نحو المشار إليه، والرشوة - مثلثة: الجعل، ورشاه: أعطاه ~~إياها، فنشره للفعل، ولا يفعل ذلك إلا من لج في الأمر، ويمكن رده إلى ~~الضعف، والرائش: السفير بين الراشي والمرتشي، واسترشى: طلب الرشوة، ~~والفصيل: طلب الرضاع، وأرشية اليقطين والحنظل: خيوطهما، لانتشارها، ~~وشبهها بالرشاء - بالكسر والمد، وهو الحبل، والرشى كغنى، الفصيل والبعير ~~يقف فيصيح الراعي: ارشه ارشه، أو أرشه أرشه، فيحك خورانه، أي مبعره بيده ~~فيعدو، وقال ابن فارس: والخوران: مجرى الروث في الدابة، وأرشى: فعل ذلك، ~~والقوم في دمه: شركوا، لأن ذلك انتشار، وبسلاحهم فيه: أشرعوه، والرشاة: ~~نبت يشرب للمشي؛ ومن مهموزه: رشأ: جامع، ولا ألج من المتهيىء للجماع، ~~وفيه الانتشار أيضا، ورشأت الظبية: ولدت، والرشأ - بالتحريك اسم للظبي ~~إذا قوي ومشى مع أمه، فيكون حينئذ أهلا للانتشار واللجاج في الجري، ~~والرشأ أيضا: شجرة تسمو فوق القامة، وعشبة كالقرنوة، بالقاف، كأنها ~~شديدة الحرافة فشبهت باللجوج، لأن القرنوة يدبغ بها - انتهى ms2225 المهموز. # ووشر الخشبة بالميشار - غير مهموز، لغة في: أشرها - إذا نشرها، أي فرقها ~~باثنين أو أكثر، والوشر أيضا: تحديد المرأة أسنانها وترقيقها، وهو من ~~القوة واللمعان والتفريق، والمؤتشرة التي تسأل أن يفعل بها ذلك، وموشر ~~العضدين - ويهمز: الجعل، لأن أعضاده كالمنشرة حزوزا؛ ومن مهموزه: أشر - ~~بالكسر، أي مرح، أي ازدرى الخلق وعاملهم معاملة المستهين بهم، فظلمهم ولج ~~في عتوه، وناقة مئشير: نشيطة، وأشر الاسنان: تحزيزها - تشبيها لها ~~بأسنان المئشار الذي يقطع به الخشب ونحوه قطعا سريعا، فهو كفعل اللجوج ~~- انتهى المهموز؛ وورش الطعام: تناوله وأكل شديدا حريصا، وطمع وأسف ~~لمداق الأمور، لأن ذلك لا يكون إلا عن تماد ولجاج، وورش فلان بفلان: ~~أغراه، وورش عليهم: دخل وهم يأكلون ولم يدع، وورش اسم شيء يصنع من اللبن، ~~لأنه انتشر عن أصل خلقته، والورش - بالتحريك: وجع في الجوف، وككتف: ~~النشيط الخفيف من الإبل وغيرها، وهي بهاء، والتوريش: التحريش، والورشان: ~~طائر. # ومن مهموزه الأرش، وهي الدية، لأنها يلج في طلبها والرضى بها وأكثر ما ~~يتعاطى من أمرها، وهو أيضا الرشوة، وما نقص العيب من الشيء - قال في ~~القاموس، لأنه سبب للارش والخصومة، وبينهما أرش، أي اختلاف وخصومة، ~~والأرش: الإغراء والإعطاء، لأن المعطي يغلب نفسه، فكأنه خاصمها فلج حتى ~~غلبها، والأرش: الخلق، لأنه منشأ اللجاج، يقال: ما أدري أي الأرش هو؟ أي ~~الخلق، والمأروش: المخلوق، وآرش - كصاحب: جبل - انقضى المهموز. والروش: ~~الأكل الكثير، والأكل القليل - ضد، وفهو من التمادي والضعف الذي ربما نشأ ~~من التمادي مع شبهه بالريش، وجمل راش: كثير شعر الأذن؛ ومن التبيين: شار ~~الدابة - إذا ركبها عند العرض على مشتريها، وشورها: نظر كيف مشوارها، أي ~~سيرها، أو بلاها ينظر ما عندها أو قلبها وكذا الأمة، واستشار الفحل ~~الناقة: كرفها فنظر إليها ألاقح هي أم لا؟ واستشار أمر فلان: تبين، ~~والمستشير: من يعرف الحائل من غيرها، وهو يرجع إلى التمادي، لأنه لولاه ~~ما عرف الأمر؛ ومن الضعف: راشاه: حاباه وصانعه، وترشاه: لاينه، وإنك ~~لمسترش لفلان: مطيع له تابع لمسرته، وهو من الرشوة، ms2226 وجمل راش: ضعيف ~~الصلب، وكذا رمح راش، وهي بهاء، وراشه المرض: ضعفه، كأنه من الريش، وكل ~~ذلك يرجع بعد التأمل إلى التمادي - والله أعلم. # ومادة " بخس " بكل ترتيب من بخس وخبس وسبخ وسخب تدور على القلة، ويلزمها ~~الأخذ بالكف: بخسته حقه: نقصته فجعلته أقل مما كان، والبخس: فقء العين، ~~فهو نقص خاص، والبخس: أرض تنبت بلا سقي، كأنه لقلة ما نبت بها بالنسبة ~~إلى أرض السقي، والبخس: المكس، وسبخت عن فلان: خففت عنه، والسبخة: أرض ~~ملحة، لقلة نبتها ونفعها، وسبخت القطن - إذا قطعته، فصارت جملته قليلة؛ ~~والتسبيخ: ما يسقط من ريش الطائر - لنقصه منه، والتسبيخ: النوم الشديد - ~~لنقصه صاحبه وتخفيفه ما عنده من الثقل؛ ومن ذلك الخبس، وهو الأخذ بالكف - ~~وهو لازم للقلة، ومنه قيل للأسد: الخابس، لأخذه ما يريده بكفه؛ والسخاب: ~~قلادة من قرنفل ليس فيها جوهر ولا لؤلؤ. # ولما كان البخس القليل الناقص، أبدل منه - تأكيدا للمعنى تسفيها ~~لرأيهم وتعجيبا من حالهم - قوله: { دراهم } أي لا دنانير { معدودة } أي ~~أهل لأن تعد، لأنه لا كثره لها يعسر معها ذلك، روى عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما أنها كانت عشرين درهما { وكانوا } أي كونا هو كالجبلة { فيه } أي ~~خاصة دون بقية متاعهم، انتهازا للفرصة فيه قبل أن يعرف عليهم فينزع من ~~أيديهم { من الزاهدين * } أي كمال الزهد حتى رغبوا عنه فباعوه بما طف، ~~والزهد: انصراف الرغبة عن الشيء إلى ما هو خير منه عند الزاهد، وهذا يعين ~~أن الضمير للسيارة لأن حال إخوته في أمره فوق الزهد بمراحل، فلو كان لهم ~~لقيل: وكانوا له من المبعدين أو المبغضين، ونحو ذلك. # ولما كانت العادة جارية بأن القن يمتهن، أخبر تعالى أنه أكرمه عن هذه ~~العادة فقال منبها على أن شراءه كان بمصر: { وقال الذي اشتراه } أي أخذه ~~برغبة عظيمة، ولو توقفوا عليه غالى في ثمنه { من مصر } أي البلدة ~~المعروفة، والتعبير بهذا دون ما هو أخصر منه للتنبيه على أن بيعه ظلم، ~~وأنه لم يدخل في ملك أحد أصلا { لامرأته ms2227 } آمرا لها بإكرامه على أبلغ ~~وجه { أكرمي مثواه } أي موضع مقامه، وذلك أعظم من الأمر بإكرامه نفسه، ~~فالمعنى: أكرميه إكراما عظيما بحيث يكون ممن يكرم كل ما لابسه لأجله، ~~ليرغب في المقام عندنا. ولما كانت كأنها قالت: ما سبب إيصائك لي بهذا دون ~~غيره؟ استأنف قوله: { عسى أن } أي إن حاله خليق وجدير بأن { ينفعنا } أي ~~وهو على اسم المشتري { أو نتخذه } أي برغبة عظيمة إن رأيناه أهلا { ~~ولدا } فأنا طامع في ذلك. # ولما أخبر تعالى بمبدأ أمره، وكان من المعلوم أن هذا إنما هو لما مكن له ~~في القلوب مما أوجب توقيره وإجلاله وتعظيمه، أخبر تعالى بمنتهى أمره، ~~مشبها له بهذا المضمون المعلم به فقال: { وكذلك } أي مثل ما مكنا ليوسف ~~بتزهيد السيارة: أهل البدو تارة، وإكرام مشتريه ومنافسته فيه أخرى { مكنا ~~ليوسف في الأرض } أي أرض مصر التي هي كالأرض كلها لكثرة منافعها بالملك ~~فيها لتمكنه من الحكم بالعدل { و } بالنبوة { لنعلمه } بما لنا من العظمة ~~{ من تأويل الأحاديث } أي بترجيعها من ظواهرها إلى بواطنها، فأشار تعالى ~~إلى المشبه به مع عدم التصريح به لما دل عليه من السياق، وأثبت التمكين ~~في الأرض ليدل على لازمه من الملك والتمكين من العدل، وذكر التعليم ليدل ~~على ملزومه وهو النبوة، فدل أولا بالملزوم على اللازم، وثانيا باللازم ~~على الملزوم، وهو كقوله تعالى: # فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة # [آل عمران:13] فهو احتباك أو قريب منه. # ولما كان من أعجب العجب أن من وقع له التمكين من أن يفعل به مثل هذه ~~الأفعال يتمكن من أرض هو فيها مع كونه غريبا مستبعدا فردا لا عشيرة له ~~فيها ولا أعوان، قال تعالى نافيا لهذا العجب: { والله } أي الملك الأعظم ~~{ غالب على أمره } أي الأمر الذي يريده، غلبة ظاهر أمرها لكل من له ~~بصيرة: أمر يعقوب يوسف عليهما الصلاة والسلام أن لا يقص رؤياه حذرا عليه ~~من إخوته، فغلب أمره سبحانه حتى وقع ما حذره، فأراد إخوته قتله فغلب أمره ~~عليهم، وأرادوا ms2228 أن يلتقطه بعض السيارة ليندرس اسمه فغلب أمره سبحانه وظهر ~~اسمه واشتهر، ثم باعوه ليكون مملوكا فغلب أمره تعالى حتى صار ملكا ~~وسجدوا بين يديه، ثم أرادوا أن يغروا أباهم ويطيبوا قلبه حتى يخلو لهم ~~وجهه فغلب أمره تعالى فأظهره على مكرهم، واحتالت عليه امراة العزيز ~~لتخدعه عن نفسه فغلب أمره سبحانه فعصمه حتى لم يهم بسوء، بل هرب منه غاية ~~الهرب، ثم بذلت جهدها في إذلاله وإلقاء التهمة عليه فأبى الله إلا إعزازه ~~وبراءته، ثم أراد يوسف عليه الصلاة والسلام ذكر الساقي له فغلب أمره ~~سبحانه فأنساه ذكره حتى مضى الأجل الذي ضربه سبحانه، وكم من أمر كان في ~~هذه القصة وفي غيرها يرشد إلى أن لا أمر لغيره سبحانه! { ولكن أكثر الناس ~~} أي الذين هم أهل الاضطراب { لا يعلمون } لعدم التأمل أنه تعالى عال ~~على كل أمر، وأن الحكم له وحده، لاشتغالهم بالنظر في الظواهر للأسباب ~~التي يقيمها، فهو سبحانه محتجب عنهم بحجاب الأسباب. # ذكر ما مضى من قصة يوسف عليه الصلاة والسلام من التوراة: # قال في أواخر السفر الثاني منها: كان يوسف بن يعقوب ابن سبع عشرة سنه، ~~وكان يرعى الغنم مع إخوته، وكان إسرائيل يحب يوسف أكثر من حبه إخوته، ~~لأنه ولد على كبر سنه، فاتخذ له قميصا ذا كمين، فرأى إخوته أن والدهم ~~أشد حبا له منهم، فأبغضوه ولم يستطيعوا أن يكلموه بالسلام، فرأى رؤيا ~~قصها على إخوته فقال لهم: اسمعوا هذه الرؤيا التي رأيت، رأيت كأنا نحزم ~~حزما من الزرع في الزراعة، فإذا حزمتي قد انتصبت وقامت، وإذا حزمكم قد ~~أحاطت بها تسجد لها، قال له إخوته: أترى تملكنا وتتسلط علينا؟ وازدادوا ~~له بغضا لرؤياه وكلامه، فرأى رؤيا أخرى فقال: إني رأيت رؤيا أخرى، رأيت ~~كأن الشمس والقمر وأحد عشر كوكبا يسجدون لي، فقصها على أبيه وإخوته، ~~فزجره أبوه وقال له: ما هذه الرؤيا؟ هل آتيك أنا وأمك وإخوتك فنسجد لك ~~على الأرض؟ فحسده إخوته، وكان أبوه يحفظ هذه الأقاويل. # وانطلق إخوة يوسف يرعون ms2229 غنمهم في نابلس فقال إسرائيل ليوسف: هو ذا إخوتك ~~يرعون في نابلس، هلم أرسلك إليهم! فقال: هأنذا! فقال أبوه: انطلق فانظر ~~كيف إخوتك وكيف الغنم؟ وائتني بالخبر، فأرسله يعقوب عليه الصلاة والسلام ~~من قاع حبرون، فأتى إلى نابلس، فوجده رجل وهو يطوف في الحقل فسأله الرجل ~~وقال: ما الذي تطلب في الحقل؟ فقال أطلب إخوتي، دلني عليهم أين يرعون؟ ~~قال له الرجل: قد ارتحلوا من هاهنا، وسمعتهم يقولون: ننطلق إلى دوثان، ~~فتبع يوسف إخوته فوجدهم بدوثان، فرأوه من بعيد، ومن قبل أن يقترب إليهم ~~هموا بقتله، فقال بعضهم لبعض: هو ذا حالم الأحلام قد جاء، تعالوا نقتله ~~ونطرحه في بعض الجباب، ونقول: قد افترسه سبع خبيث، فننظر ما يكون من ~~أحلامه! فسمع روبيل فأنقذه من أيديهم وقال لهم: لا تقتلوا نفسا، ولا ~~تسفكوا دما، بل ألقوه في هذا الجب الذي في البرية، ولا تمدوا أيديكم ~~إليه، وأراد أن ينجيه من أيديهم ويرده إلى أبيه. # فلما أتى يوسف إخوته خلعوا عنه القميص ذا الكمين الذي لابسه، وأخذوه ~~فطرحوه في الجب فارغا لا ماء فيه، فجلسوا يأكلون خبزا فمدوا أبصارهم ~~فرأوا فإذا رفقة من العرب مقبلة من جلعاد - وفي نسخة: من الجرش - وكانت ~~إبلهم موقرة سمنا ولبنا وبطما، وكانوا معتمدين إلى مصر فقال يهوذا ~~لإخوته: ما متعتنا بقتل أخينا وسفك دمه؟ تعالوا نبيعه من العرب، ولا نبسط ~~أيدينا إليه لأنه أخونا: لحمنا ودمنا، فأطاعه إخوته، فمر بهم قوم تجار ~~مدينيون، فأصعدوا يوسف من الجب وباعوه من الأعراب بعشرين درهما، فأتوا ~~به إلى مصر. # فرجع روبيل إلى الجب فإذا ليس فيه يوسف، فشق ثيابه ورجع إلى إخوته وقال ~~لهم: أين الغلام؟ إلى أين أذهب أنا الآن؟ فأخذوا قميص يوسف عليه الصلاة ~~والسلام فذبحوا عتودا من المعز ولوثوا القميص بدمه وأرسلوا به مع من ~~أتى به أباهم وقالوا: وجدنا هذا، أثبته هل هو قميص ابنك أم لا؟ فعرفه ~~وقال: القميص قميص ابني، سبع خبيث افترس ابني يوسف افتراسا، فحزن على ~~ابنه أياما كثيرة، فقام ms2230 جميع بنيه وبناته ليعزوه فأبى أن يقبل العزاء ~~وقال: أنزل إلى القبر وأنا حزين على يوسف، فبكى عليه أبوه. وباع ~~المدينيون يوسف من قوطيفر الأمير صاحب شرطة فرعون - انتهى، وفيه ما يخالف ~~ظاهرة القرآن ويمكن تأويله - والله أعلم. ### || [12.22-24] # ولما أخبر تعالى يوسف عما يريد بيوسف عليه الصلاة والسلام بما ختمه ~~بالإخبارعن قدرته، أتبعه الإعلام بإيجاد ذلك الفعل دلالة على تمام القدرة ~~وشمول العلم فقال: { ولما بلغ أشده } أي مجتمع قواه { آتيناه } أي ~~بعظمتنا { حكما } أي نبوة أو ملكة يكف بها النفس عن هواها، من حكمة ~~الفرس، فلا يقول ولا يفعل إلا أمرا فصلا تدعو إليه الحكمة؛ قال ~~الرماني: والأصل في الحكم تبيين ما يشهد به الدليل، لأن الدليل حكمة من ~~أجل أنه يقود إلى المعرفة { وعلما } أي تبيينا للشيء على ما هو عليه ~~جزاء له لأنه محسن { وكذلك } أي ومثل ذلك الجزاء الذي جزيناه به { نجزي ~~المحسنين * } أي العريقين في الإحسان كلهم الذين رأسهم محمد صلى الله ~~عليه وسلم الذي أسرى به فأعلاه ما لم يعل غيره؛ وعن الحسن: من أحسن عبادة ~~الله في شبيبته آتاه الله الحكمة في اكتهاله، والأشد: كمال القوة، وهو ~~جمع شدة عند سيبوبه مثل نعمة وأنعم، وقال غيره: جمع شد؛ قال ابن فارس في ~~المجمل: وبعضهم يقول: لا واحد لها، ويقال: واحدها شد - انتهى. قيل: وهذا ~~هو القياس نحو ضب وأضب، وصك وأصك، وحظ وأحظ، وضر وأضر، وشر وأشر قال ~~الرماني: قال الشاعر: # هل غير أن كثر الأشر وأهلكت # حرب الملوك أكاثر الأموال # انتهى. # واختلفوا في حد الأشد فقيل: هو من الحلم، وروي عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما أنه من عشرين سنة، وروى غير ذلك، والمادة تدور على الصعوبة، وهي ضد ~~الرخاوة، ويلزمها القوة، فالشد على العدو منها، وشد الحبل وغيره: أحكم ~~فتله، والشديد والمتشدد: البخيل - لصعوبة البذل عليه، والشدة: صعوبة ~~الزمان، وشد النهار: ارتفاعه، وهو قوته، وشددت فلانا: قويت يده ودبرت ~~أمره، وأشد القوم - إذا كانت دوابهم شدادا فهم مشدون ضد مضعفين. ms2231 # ولما أخبر تعالى أن سبب النعمة عليه إحسانه، أتبعه دليله فقال: { ~~وراودته } أي راجعته الخطاب ودارت عليه بالحيل، فهو كناية عن المخادعة ~~التي هي لازم معنى راد يرود - إذا جاء وذهب { التي } هي متمكنة منه غاية ~~المكنة بكونه { هو في بيتها } وهو في عنفوان الشباب { عن نفسه } أي ~~مراودة لم تكن لها سبب إلا نفسه، لأن المراودة لا يمكن أن تتجاورز نفسه ~~إلا بعد مخالطتها - كما تقول: كان هذا عن أمره، وذلك بأن دارت عليه بكل ~~حيلة ونصبت له أشراك الخداع وأقامت حينا تفتل له في الذروة والغارب، ~~وذلك لأن مادة " راد " واوية ويائية بجميع تقاليبها السبعة: رود، ودور، ~~وورد، " ودير " وردي، وريد، ودري - تدور على الدوران، وهو الرجوع إلى ~~موضع الابتداء، ويلزم منه القصد والإتيان والإقبال والإدبار والرفق ~~والمهلة وإعمال الحيلة وحسن النظر، وربما يكون عن غير قصد فتأتي منه ~~الحيرة فيلزم الفساد والهلاك، يقال: دار فلان يدور - إذا مشى على هيئة ~~الخلقة، والدهر دواري - لدورانه باهله بالرفع والحط، والدوار: شبه دوران ~~في الرأس، ودارة القمر معروفة، والدائرة: الحلقة والدار تجمع العرصة ~~والبناء - لدوران بنائها وللدوران فيها وللذهاب منها والرجوع إليها، ~~والداري: الملاح الذي يلي الشراع، وهو القلع - لأنه يديره على عمود ~~المركب، أو لأنه يلزم دار السفينة؛ والرائد: الذي يرتاد الكلأ، أي يذهب ~~ويجيء في طلبه - لما لم يكن له مقصد من الأرض معين كأنه يدور فيها، ~~والذي لا يكذب أهله، وكل طالب حاجة - قاله ابن دريد. # وراودت الرجل: أردته على فعل؛ ورائد الرحى: يدها، أي العود الذي تدار به ~~ويقبض عليه الطاحن، والرياد: اختلاف الإبل في المرعى مقبلة ومدبرة، ورادت ~~المرأة - إذا اختلفت إلى بيوت جاراتها، وراد وساده - إذا لم يستقر، ~~والرود: الطلب والذهاب والمجيء، وامش على رود - بالضم، أي مهل، وتصغيره ~~رويد، والمرود: الذي يكتحل به، لأنه يدار في العين، وحديدة تدور في ~~اللجام، ومحور البكرة من حديد، والدير: معروف، ويقال لرجل إذا كان رأس ~~أصحابه: هو رأس الدير - كأنه من إرادة أصحابه به، وترديت الرداء ms2232 وارتديت ~~- كأنه من الإدارة، والرداء: السيف - لأنه يتقلد به في موضع الردى، ~~والرديان - محركا: مشى الحمار بين آريه ومتمعكه، وراديت فلانا، مثل: ~~راودته، وردت الجارية - إذا رفعت إحدى رجليها وقفزت بواحدة، لأت مشيها ~~حينئذ يشبه الدوران، والريد - بالكسر: الترب، لأنه يراودك، أي يمشي معك ~~من أول زمانك؛ ومن الإتيان: الورود، وهو إتيان المورد من ماء وطريق، ~~والوارد: الصائر إلى الماء للاستقاء منه، وهو الذي ينزل إلى الماء ~~ليتناول منه، والورد معروف، ونور كل شجرة ورد، لأنه يقصد للشم وغيره، ~~ويخرج هو منها فهو وارد أي آت، وهو أيضا مع ذلك مستدير، والورد - ~~بالكسر: يوم الحمى إذا أخذت صاحبها لوقت لأنها تأتيه، وهو من الدوران ~~أيضا لأنها تدور في ذلك الوقت بعينه، وهذا كله يصلح للإقبال، ومنه: ~~أرنبة واردة، أي مقبلة على السبلة، والريد: أنف الجبل - قاله ابن فارس، ~~وقال ابن دريد: والريد: الحيد الناتىء من الجبل، والجمع ريود؛ وفي ~~القاموس: الحيد من الجبل شاخص كأنه جناح، ويسمى الشجاع الوارد، لإقباله ~~على كل ما يريده واستعلائه عليه، والوريدان: عرقان مكتنفا صفحتي العنق ~~مما يلي مقدمة غليظان، والورد: النصيب من القرآن، لأنه يقصد بالقراءة ~~ويقبل عليه ويدار عليه، ودريت الشيء: علمته، فأنت مقبل عليه وارد إليه، ~~والدرئة - مهموزة: حلقة يتعلم عليها الطعن والرمي، والدرية - مهموزة وغير ~~مهموزة: دابة يستتر بها رامي الصيد فيختله، فهي من الإقبال والخداع، وإن ~~بنى فلان أدورا مكانا، أي اعتمدوا بالغزو والغارة، والدري: شبيه بمدرى ~~الثور وهو قرنه، لأنه يقصد به الشيء ويقبل به على مراده فيصلحه به، وما ~~أدري أين ردي؟ أي أين ذهب؟ والإرواد: المهلة في الشيء؛ وامش رويدا: على ~~مهل، والرادة والريدة: السهلة من الرياح، فكأنها تأتي على مهل؛ ومن ~~الحيرة والفساد والهلاك: ردي الرجل - إذا هللك، وأرداه الله، وتردى في ~~هوة: تهور فيها، ورديته بالحجارة: رميته، والرداة: الصخرة، يكسر بها ~~الشيء، والمرادي: المرامي؛ ومن حسن النظر: أرديت على الخمسين: زدت، لأنه ~~يلزم حسن النظر الزيادة، وأراد الشيء على غيره، أي ربا عليه، وسيأتي بيان ms2233 ~~المهموز من هذه المادة في # سنراود # [يوسف:61] من هذه السورة إن شاء الله تعالى { وغلقت } أي تغليقا كثيرا ~~{ الأبواب } زيادة في المكنة، قالوا: وكانت سبعة؛ والإغلاق: إطباق الباب ~~بما يعسر معه فتحه { وقالت هيت } أي تهيأت وتصنعت { لك } خاصة فأقبل إلي ~~وامتثل أمري؛ والمادة - على تقدير إصالة التاء وزيادتها بجميع تقاليبها: ~~يائية وواوية مهموزة وغير مهموزة - تدور على إرادة امتثال الأمر: هيت لك ~~- مثلثة الآخر وقد يكسر أوله، أي هلم، وهيت تهييتا: صاح ودعاه، وهات - ~~بكسر التاء أعطني - قال في القاموس، والمهاياة مفاعلة منه، والهيت: ~~الغامض من الأرض، كأنه يدعو ذا الهمة إلى الوقوف على حقيقته، والتيه - ~~بالكسر: الكبرياء والصلف، فالتائه داع بالقوة إلى امتثال أمره، والمفازة، ~~فإنها تقهر سالكها، والضلال من المفازة - تسمية للشي باسم موضعه، ومنه: ~~تها - بمعنى غفل، ومنه: مضى تهواء من الليل - بالكسر، أي طائفة، لأنها ~~محل الغفلة، أو لأنها تدعو ساهرها إلى النوم ونائمها إلى الانتباه، هذا ~~على تقدير إصالة التاء، وأما على تقدير أنها زائدة فهاء بنفسه إلى ~~المعالي: رفعها، فهو يراه أهلا لأن يمتثل أمرها، والهوء: الهمة والأمر ~~الماضي، والهوء أيضا: الظن، ويضم، وهؤت به: فرحت، ولا يكون ذلك إلا ~~لفعل ما يشتهي، فكأنه امتثل أمرك، وهوىء إليه - كفرح: هم، وهاء كجاء: ~~لبى، أي امتثل الأمر، وهاء - بالكسر: هات، وهاء - كجاء، أي هاك، بمعنى ~~خذ، والهيئة: حال الشيء وكيفيته الداعية إلى تركه أو لزومه، وتهايؤوا: ~~توافقوا، وهاء إليه: اشتاق، فكأنه دعاه إلى رؤيته، وتهيأ للشيء: أخذ له ~~هيئته، فكأنه صار قابلا للأمر، أو لأن يمتثل أمره، وهيأه: أصلحه، والهيء ~~- بالفتح والكسر: الدعاء إلى الطعام والشراب ودعاء الإبل للشرب، وإيه - ~~بكسر الهمزة: كلمة استزاده واستنطاق، وبإسكان الهاء: زجر بمعنى حسبك، ~~وهأهأ: قهقه في ضحكه، ولا يكون ذلك إلا بمن امتثل مراده. # ولما قالت ما قالت وفعلت ما فعلت، مع ما هي عليه من القدرة في نفسها ~~ولها عليه من التسلط وهو عليه من الحسن والشباب، كان كأنه قيل: إن هذا ~~لموطن لا يكاد ينجو ms2234 منه أحد، فماذا كان منه؟ فقيل: { قال } أي يوسف ~~مستعملا للحكم بالعلم { معاذ } أي أعوذ من هذا الأمر معاذ { الله } أي ~~ألزم حصن الذي له صفات الكمال وهو محيط بكل شيء علما وقدرة، وملجأة الذي ~~ينبغي الاعتصام به واللجاء إليه؛ ثم علل ذلك بقوله: { إنه } أي الله { ~~ربي } أي موجدي ومدبري والمحسن إلي في كل أمر، فأنا أرجو إحسانه في هذا ~~{ أحسن مثواي } بأن جعل لي في قلب سيدك مكانة عظيمة حتى خولني في جميع ما ~~يملك وائتمنني على كل ما لديه، فإن خالفت أمر ربي فخنت من جعلني موضعا ~~للأمانة كنت ظالما واضعا للشيء في غير موضعه، وهذا التقدير - مع كونه ~~أليق بالصالحين المراقبين - أحسن، لأنه يستلزم نصح العزيز، ولو أعدنا ~~الضمير على العزيز لم يستلزم التقوى. # ولما كان من المعلوم أن لسان حالها يقول: وإذا كان ظلما كان ماذا؟ قال ~~ما تقديره: إني إذن لا أفلح، وعلله بقوله: { أنه لا يفلح } أي لا يظفر ~~بمراده أصلا { الظالمون * } أي العريقون في الظلم - وهو وضع الشيء في ~~غير موضعه - الذين صرت في عدادهم على تقدير الفعل، فيا له من دليل على ~~إحسانه وحكمه وعلمه، فإنه لما رأى المقام الدحض بادر إلى الاعتصام بمن ~~بيده ملكوت كل شيء، ثم استحضر إحسانه إليه الموجب للشكر عليه المباعد عن ~~الهفوات ثم مقام الظلم وما يوجب لصاحبه من الحزن بعدم الفلاح. # ولما كان هذا الفعل لا يتم حسنه إلا إذا كان عند غلبة الهوى وترامي ~~الشهوة كما هو شأن الرجولية، قال تعالى ردا على من يتوهم ضد ذلك: { ولقد ~~همت به } أي أوقعت الهم، وهو القصد الثابت والعزم الصادق المتعلق ~~بمواقعته، ولا مانع لها من دين ولا عقل ولا عجز فاشتد طلبها { وهم بها ~~} كما هو شأن الفحول عند توفر الأسباب { لولا أن رءآ } أي بعين قلبه { ~~برهان ربه } الذي آتاه إياه من الحكم والعلم، أي لهم بها، لكنه لما كان ~~البرهان حاضرا لديه حضور من يراه بالعين، لم يغطه وفور شهوة ولا غلبة ms2235 ~~هوى، فلم يهم أصلا مع كونه في غاية الاستعداد لذلك لما آتاه الله من ~~القوة مع كونه في سن الشباب، فلولا المراقبة لهم بها التوفر الدواعي غير ~~أن نور الشهود محاها أصلا، وهذا التقدير هو اللائق بمثل مقامه مع أنه هو ~~الذي تدل عليه أساليب هذه الآيات من جعله من المخلصين والمحسنين المصروف ~~عنهم السوء، وأن السجن أحب إليه من ذلك، مع قيام القاطع على كذب ما تضمنه ~~قولها # ما جزاء من أراد بأهلك سوءا # [يوسف:25] - الآية، من مطلق الإرادة، ومع ما تحتم تقدير ما ذكر بعد " ~~لولا " في خصوص هذا التركيب من أساليب كلام العرب، فإنه يجب أن يكون ~~المقدر بعد كل شرط من معنى ما دل عليه ما قبله، وهذا مثل قوله تعالى # إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها # [ القصص:10] أي لأبدت به، وأما ما ورد عن السلف مما يعارض ذلك فلم يصح ~~منه شيء عن أحد منهم مع أن الأقوال التي رويت عنهم إذا جمعت تناقضت ~~فتكاذبت، ولا يساعد على شيء منها كلام العرب لأنهم قدروا جواب " لولا " ~~المحذوف بما لا دليل عليه من سابق الكلام ولا لاحقه - نبه على ذلك الإمام ~~أبو حيان، وسبقه إلى ذلك الإمام الرازي وقال: إن هذا قول المحققين من ~~المفسرين، وأشبع في إقامة الدلائل على هذا بما يطرب الأسماع، وقدم ما يدل ~~على جواب الشرط ليكون أول ما يقرع السمع ما يدل على أنه كان في غاية ~~القدرة على الفعل، وأنه ما منعه منه إلا العلم بالله، فكأنه قيل: إن هذا ~~التثبيت عظيم، فقيل إشارة إلى أنه لازم له كما هو شأن العصمة: { كذلك } ~~أي مثل ذلك التثبيت نثبته في كل أمر { لنصرف عنه السوء } أي الهم بالزنا ~~وغيره { والفحشاء } أي الزنا وغيره، فكأنه قيل: لم فعل به هذا؟ فقيل { ~~إنه من عبادنا } أي الذين عظمناهم بما لنا من العظمة { المخلصين * } أي ~~هو في عداد الذين هم خير صرف، لا يخالطهم غش، ومن ذريتهم أيضا، وهذا مع ~~قول ms2236 إبليس # لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين # [ص:83] شهادة من إبليس أن يوسف عليه الصلاة والسلام بريء من الهم في ~~هذه الواقعة؛ قال الإمام: فمن نسبه إلى الهم إن كان من أتباع دين الله ~~فليقبل شهادة الله، وإن كان من أتباع إبليس وجنوده فليقبل شهادة إبليس ~~بطهارته، قال: ولعلهم يقولون: كنا تلامذة إبليس ثم زدنا عليه - كما قيل: # وكنت فتى من جند إبليس فارتقى # من الأمر حتى صار إبليس من جندي # فلو مات قبلي كنت أحسن بعده # طراييق فسق ليس يحسنها بعدي ### || [12.25-29] # ثم ذكر سبحانه وتعالى مبالغته في الامتناع بالجد في الهرب دليلا على ~~إخلاصه وأنه لم يهم أصلا فقال: { واستبقا الباب } أي أوجد المسابقة ~~بغاية الرغبة من كل منهما، هذا للهرب منها، وهذه لمنعه، فأوصل الفعل إلى ~~المفعول بدون " إلى " ، دليلا على أن كلا منهما بذل أقصى جهده في السبق، ~~فلحقته عند الباب الأقصى مع أنه كان قد سبقها بقوة الرجولية وقوة الداعية ~~إلى الفرار إلى الله، ولكن عاقة إتقانها للمكر بكون الأبواب كانت مغلقة، ~~فكان يشتغل بفتحها فتعلقت بأدنى ما وصلت إليه من قميصه، وهو ما كان من ~~ورائه خوف فواته، فاشتد تعلقها به مع إعراضه هو عنها وهربه منها، ففتحه ~~وأراد الخروج فمنعته { و } لم تزل تنازعه حتى { قدت قميصه } وكان القد { ~~من دبر } أي الناحية الخلف منه، وانقطعت منه قطعة فبقيت في يدها { وألفيا ~~} أي وجدا مع ما بهما من الغبار والهيئة التي لا تليق بهما { سيدها } أي ~~زوجها، ولم يقل: سيدهما، لأن يوسف عليه الصلاة والسلام لم يدخل في رق - ~~كما مضى - لأن المسلم لا يملك وهو السيد { لدا } أي عند ذلك { الباب } أي ~~الخارج، على كيفية غريبة جدا، هكذا ينبغي أن يفهم هذا المقام لأن السيد ~~لا يقدر على فتحه فضلا عن الوصول إلى غيره لتغليق الجميع. # ولما علم السامع أنهما ألفياه وهما على هذه الحالة كان كأنه قيل: فما ~~اتفق؟ فقيل: { قالت } مبادرة من غير حياء ولا تلعثم { ما } نافية، ويجوز ~~أن ms2237 تكون استفهامية { جزاء من أراد } أي منه ومن غيره كائنا من كان، لما ~~لك من العظمة { بأهلك سوءا } أي ولو أنه غير الزنا { إلا أن يسجن } أي ~~يودع في السجن إلى وقت ما، ليحكم فيه بما يليق { أو عذاب أليم } أي دائم ~~ثابت غير السجن؛ والجزاء: مقابلة العمل بما هو حقه، هذا كان حالها عند ~~المفاجأة، وأما هو عليه الصلاة والسلام فجرى على سجايا الكرام بأن سكت ~~سترا عليها وتنزها عن ذكر الفحشاء، فكأنه قيل: فماذا قال حين قذفته ~~بهذا؟ فقيل { قال } دافعا عن نفسه لا هاتكا لها { هي } بضمير الغيبة ~~لاستيحائه عن مواجهتها بإشارة أو ضمير خطاب { راودتني عن نفسي } وما قال ~~ذلك إلا حين اضطرته إليه بنسبته إلى الخيانة، وصدقه لعمري فيما قال لا ~~يحتاج إلى بيان أكثر من الحال الذي كانا فيه، وهو أنهما عند الباب، ولو ~~كان الطلب منه لما كانا إلا في محلها الذي تجلس فيه، وهو صدر البيت وأشرف ~~موضع فيه { وشهد } ولما كان كل صالح للشهادة كافيا، فلم تدع ضرورة إلى ~~تعيينه، قال: { شاهد } أي عظيم { من أهلها } لأن الأهل أعظم في الشهادة، ~~رضيع ببراءته - نقله الرماني عن ابن عباس وأبي هريرة رضي الله عنهما ~~وسعيد ابن جبير، كما شهد للنبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع صبي من ~~أهل اليمامة يوم ولد بأنه رسول الله، فكان يدعي: مبارك اليمامة. # فقال ذلك الشاهد { إن كان } أي حال المراوغة { قميصه } أي فيما يتبين ~~لكم { قد } أي شق شقا مستأصلا { من قبل } أي من جهة ما أقبل من جسده ~~{ فصدقت } ولا بد من تقدير فعل التبين، لأن الشروط لا تكون معانيها إلا ~~مستقبلة ولو كانت ألفاظها ماضية. # ولما كان صدقها ليس قاطعا في منع صدقه، قال: { وهو من الكاذبين * } ~~لأنه لولا إقباله - وهي تدفعه عنها أو تهرب منه وهو يتبعها ويعثر في ~~قميصه - ما كان القد من القبل { وإن كان } أي فيما يظهر لكم { قميصه } أي ~~يوسف عليه الصلاة والسلام { قد من دبر } أي ms2238 من جهة ما أدبر منه، وبنى " ~~قد " للمجهول للنزاع في القاد { فكذبت } ولما كان كذلك كذبها في ~~إرادته السوء لا يعين صدقه في إرادتها له، قال: { وهو من الصادقين * } ~~لأنه لولا إدباره عنها وإقبالها عليه لما وقع ذلك، فعرف سيدها صحة ذلك ~~بلا شبهة، لأن معنى " إن " هنا الشرط في جهة التقرير للمعنى الذي يوجب ~~غيره لا على الشك، وقدم أمارة صدقها لأنه مما يحبه سيدها، فهو في الظاهر ~~اهتمام بها، وفي الحقيقة تقرير لكذبها مرتين: الأولى باللزوم، والثانية ~~بالمطابقة. # ولما كان المعنى: فنظر، بنى عليه قوله: { فلما رءا } أي سيدها { قميصه } ~~أي يوسف عليه الصلاة والسلام { قد من دبر قال } لها وقد قطع بصدقه ~~وكذبها، مؤكدا لأجل إنكارها { إنه } أي هذا القذف له { من كيدكن } معشر ~~النساء؛ والكيد: طلب الإنسان بما يكرهه { إن كيدكن عظيم * } والعظيم: ما ~~ينقص مقدار غيره عنه حسا أو معنى، فاستعظمه لأنه أدق من مكر الرجل وألطف ~~وأخفى، لأن الشيطان عليهن لنقصهن أقدر، وكيدهن الذي هو من كيد الشيطان ~~أضعف ضعيف بالنسبة إلى ما يدبره الله عز وجل في إبطاله؛ ثم قال العزيز ~~آمرا له عليه السلام مسقطا لحرف النداء دلالة على أن قربه من قلبه على ~~حاله: { يوسف أعرض } أي انصرف بكليتك مجاوزا { عن هذا } أي اجعله بمنزلة ~~ما تصرف وجهك عنه إلى جهة العرض بأن لا تذكره لأحد ولا تهتم به، فإني لم ~~أتأثر منك بوجه، لأن عذرك قد بان، وأقبل إليها فقال: { واستغفري } أي ~~اطلبي الغفران { لذنبك } في أن لا يحصل لك عقوبة مني ولا من الله؛ ~~واستأنف بيان ما أشار إليه بقوله: { إنك كنت } أي كونا جبليا { من ~~الخاطئين } أي العريقين في الخطأ بغاية القوة، يقال: خطىء يخطأ - إذا ~~أذنب متعمدا. ### || [12.30-34] # ولما كان في هذا من شرف العفة ما يدل على كمال العصمة، وأكده تعالى بما ~~يدل على تسامي حسنه وتعالي جماله ولطفه، لأن العادة جرت بأن ذلك كان بعضه ~~لأحد كان مظنة لميله، لتوفير الدواعي على الميل إليه، فقال ms2239 تعالى: { وقال ~~نسوة } أي جماعة من النساء لما شاع الحديت؛ ولما كانت البلدة كلما عظمت ~~كان أهلها أعقل وأقرب إلى الحكمة، قال: { في المدينة } أي التي فيها ~~امرأة العزيز ساكنة { امرأت العزيز } فأضفنها إلى زوجها إرادة الإشاعة ~~للخبر، لأن النفس إلى سماع أخبار أولى الأخطار أميل؛ والعزيز: المنيع ~~بقدرته من أن يضام، فالعزة أخص من مطلق القدرة، وعبرن بالمضارع في { ~~تراود فتاها } أي عبدها نازلة من افتراش العزيز إلى افتراشه { عن نفسه } ~~إفهاما لأن الإصرار على المراودة صار لها كالسجية؛ والفتى: الشاب، وقيده ~~الرماني بالقوي، قال: وقال الزجاج: وكانوا يسمون المملوك فتى شيخا كان ~~أو شابا، ففيه اشتراك على هذا { قد شغفها } ذلك الفتى { حبا } أي من ~~جهة الحب، قال الرماني: شغاف القلب غلافه، وهو جلدة عليه، يقال: دخل الحب ~~الجلد حتى أصاب القلب، عن السدى وأبي عبيدة وعن الحسن أنه باطن القلب، ~~وعن أبي علي: وسط القلب -انتهى. والذي قال في المجمل وغيره أنه غلاف ~~القلب، وأحسن من توجيه أبي عبيدة له أن حبه صار شغافا لها، أي حجابا، ~~أي ظرفا محيطا بها، وأما " شعفها " - بالمهملة فمعناه: غشى شعفة قلبها، ~~وهي رأسه عند معلق النياط، وقال الرماني: أي ذهب بها كل مذهب، من شعف ~~الجبال، وهي رؤوسها. # ولما قيل ذلك، كان كأنه قد قيل: فكان ماذا؟ فقيل - وأكد لأن من رآه ~~عذرها وقطع بأنهن لو كن في محلها عملن عملها ولم يضللن فعلها: { إنا ~~لنراها } أي نعلم أمرها علما هو كالرؤية { في ضلال } أي محيط بها { مبين ~~} لرضاها لنفسها بعد عز السيادة بالسفول عن رتبة العبد، ودل بالفاء على ~~أن كلامهن نقل إليها بسرعة فقال: { فلما سمعت } أي امرأة العزيز { بمكرهن ~~} وكأنهن أردن بهذا الكلام أن يتأثر عنه ما فعلت امرأة العزيز ليرينه، ~~فلذلك سماه مكرا { أرسلت إليهن } لتريهن ما يعذرنها بسببه فتسكن قالتهن ~~{ وأعتدت } أي هيأت وأحضرت { لهن متكا } أي ما يتكئن عليه من الفرش ~~اللينة والوسائد الفاخرة، فأتينها فأجلستهن على ما أعدته لهن { وأتت كل ~~واحدة } على ms2240 العموم { منهن سكينا } ليقطعن بها ما يحتاج إلى القطع مما ~~يحضر من الأطعمة في هذا المجلس؛ قال أبو حيان: فقيل: كان لحما، وكانوا ~~لا ينهشون اللحم، إنما كانوا يأكلونه حزا بالسكاكين. وقال الرماني: ~~ليقطعن فاكهة قدمت إليهن - انتهى. هذا الظاهر من علة إتيانهن وباطنه ~~إقامة الحجة عليهن بما لا يجدن له مدفعا مما يتأثر عن ذلك { وقالت } ~~ليوسف فتاها عليه الصلاة والسلام { اخرج عليهن } فامتثل له ما أمرته به ~~كما هو دأبه معها في كل ما لا معصية فيه، وبادر الخروج عليهن { فلما ~~رأينه } أي النسوة { أكبرنه } أي أعظمن يوسف عليه الصلاة والسلام جدا ~~إعظاما كربهن { وقطعن } أي جرحن جراحات كثيرة { أيديهن } وعاد لومهن ~~عذرا، والتضعيف يدل على التكثير، فكأن السكين كانت تقع على يد إحداهن ~~فتجرحها فترفعها عن يدها بطبعها، ثم يغلبها الدهش فتقع على موضع آخر ~~وهكذا { وقلن حاش } أي تنزيها عظيما جدا { لله } أي الملك الأعلى الذي ~~له صفات الكمال التي خلق بها مثل هذا. # ولما كان المراد بهذا التنزيه تعظيمه، بينه بقولهن: { ما هذا بشرا } ~~لأنه فاق البشر في الحسن جدا، وأعرض عن الشهوة من غير علة، نراها مانعة ~~له لأنه في غاية القوة والفحولية، فكأنه قيل: فما هو؟ فقلن: { إن } أي ما ~~{ هذا } أي في هذا الحسن والجمال، وأعدن الإشارة دفعا لإمكان الغلط { ~~إلا ملك كريم * } وذلك لما ركز في الطباع من نسبة كل معنى فائق إلى ~~الملائكة من الحسن والعفة وغيرهما وإن كانوا غير مرئيين، كما ركز فيها ~~نسبة ضد ذلك إلى الجن والشياطين، فكأنه قيل: فما قالت لهن امرأة العزيز؟ ~~فقيل: { قالت فذالكن } أي الفتى العالي الرتبة جدا { الذي لمتنني فيه }. # ولما علمت أنهن عذرنها، قالت مؤكدة استلذاذا بالتهتك في حبه: { ولقد } ~~أي أقول هذا والحال أني والله لقد تحقق أني { راودته عن نفسه } أي لأصل ~~إليه بما أريد { فاستعصم } أي فأوجد العصمة والامتناع علي فاشتد ~~اعتصامه، وما أنا براجعة عنه؛ ثم توعدته وهو يسمع ليلين، فقالت لهن ~~مؤكدة لأن حال حبها يوجب ms2241 الإنكار لأن تفعل ما يؤذي المحبوب: { ولئن لم ~~يفعل } أي هذا الفتى الذي قام عذرى عندكن فيه { ما أمره } أي أمري { ~~ليسجنن } أي ليمنعن من التصرف بالحبس بأيسر سعي مني. ولما كان عزمها على ~~السجن أقوى من العزم على إيقاع الصغار به، أكدته بالنون الثقيلة وقالت: { ~~وليكونا } بالنون الخفيفة { من الصاغرين * } أي الأذلاء، أو أن الزيادة ~~في تأكيد السجن لأنه يلزم منه إبعاده، وإبعاد الحبيب أولى بالإنكار من ~~إهانته، فقال له النسوة: أطعها لئلا تسجنك وتهينك، فكأنه قيل: فما قال؟ ~~فقيل: { قال } يهتف بمن فنى بشهوده عن كل مشهود، دافعا عن نفسه ما ورد ~~عليه من وسوسة الشيطان في أمر جمالها وأمر رئاستها ومالها، ومن مكر ~~النسوة اللاتي نوعن له القول في الترغيب والترهيب عالما بأن القوة ~~البشرية تضعف عن حمل مثل هذا إلا بتأييد عظيم، مسقطا للأداة على عادة ~~أهل القرب: { رب السجن } وهو محيط مانع من الاضطراب فيما خرج عنه { أحب ~~إلي } أي أقل بغضا { مما يدعونني } أي هؤلاء النسوة كلهن { إليه } لما ~~علم من سوء عاقبة المعصية بعد سرعة انقضاء اللذة، وهذه العبارة تدل على ~~غاية البغض لموافقتها، فإن السجن لا يتصور حبه عادة، وإنما المعنى أنه لو ~~كان يتصور الميل إليه كان ميلي إليه أكثر، لكنه لا يتصور الميل إليه لأنه ~~شر محض، ومع ذلك فأنا أوثره على ما دعونني إليه، لأنه أخف الضررين، ~~والحاصل أنه أطلق المحبة على ما يضادها في هذا السياق من البغض بدلالة ~~الالتزام، فكأنه قيل: السجن أقل بغضا إلى ما تدعونني إليه، وذلك هو ضد " ~~أحب " الذي معناه أكثر حبا، ولكن حولت العبارة ليكون كدعوى الشيء ~~مقرونا بالدليل، وذلك أنه لما فوضل في المحبة بين شيئين أحدهما مقطوع ~~ببغضه، فهم قطعا أن المراد إنما هو أن بغض هذا البغيض دون بغض المفضول، ~~فعلم قطعا أن ذلك يظن حبه أبغض من هذا المقطوع ببغضه، وكذا كل ما فوضل ~~بينهما في وصف يمنع من حمله على الحقيقة كون المفضل متحققا بضده - والله ~~الموفق؛ ms2242 والدعاء: طلب الفعل من المدعو،وصيغته كصيغة الأمر إلا أن الدعاء ~~لمن فوقك، والأمر لمن دونك { وإلا تصرف } أي أنت يا رب الآن وفيما يستقبل ~~من الزمان، مجاوزا { عني كيدهن } أي ما قد التبس من مكرهن وتدبيرهن الذي ~~يردن به الخبث احتيالا على الوصول إلى قصدهن خديعة وغرورا { أصب } أي ~~أمل ميلا عظيما { إليهن } لما جبل الآدمي عليه من الميل النفساني إلى ~~مثل ذلك، ومتى انخرق سياج صيانته بواحدة تبعها أمثالها، واتسع الخرق على ~~الراقع، ولذلك قال: { وأكن } أي كونا هو كالجبلة { من الجاهلين } أي ~~الغريقين في الجهل بارتكاب مثل أفعالهم { فاستجاب له ربه } أي أوجد ~~المحسن إليه إيجادا عظيما إجابة دعائه الذي تضمنه هذا الثناء، لأن ~~الكريم يغنيه التلويح عن التصريح - كما قيل: # إذا أثنى عليك المرء يوما # كفاه من تعرضه الثناء # وفعل ذلك سبحانه وتعالى إكراما له وتحقيقا لما سبق من وعده في قوله: # كذلك لنصرف عنه السوء # [يوسف: 24] الآية { فصرف عنه كيدهن } ثم علل ذلك بقوله: { إنه هو السميع ~~} أي للأقوال { العليم * } بالضمائر والنيات، فيجيب ما صح فيه القصد وطاب ~~منه العزم. ### || [12.35-38] # ولما كانت هذه الأمور موجبة لرفعته، فكان حينئذ أبعد شيء عن السجن لو ~~كان الناس متمكنين من جري أمورهم على حسب السديد من عقولهم، أخبر تعالى ~~أنهم خالفوا داعي السداد واستبدلوا الغي بالرشاد، لحكمه بأن السجن سبب ~~عظيم لصرف كيدهن عنه وإثبات العز والمكنة له، ففعلوا - مع علمهم بأن ذلك ~~ظلم وسفه - إجابة لغالب أمر الله وإظهارا لعلي قدره بمخالفة العوائد ~~مرة بعد مرة، وهدم سداد الأسباب كرة أثر كرة؛ فقال: { ثم } لهذا المعنى، ~~وهو أنهم كان ينبغي أن يكونوا من سجنه في غاية البعد { بدا } أي ظهر بعد ~~الخفاء كما هي عادتهم { لهم } والبداء في الرأي: التلون فيه لظهور ما لم ~~يكن ظهر منه. # ولما كان ذلك الظهور في حين من الدهر تلونوا بعده إلى رأي آخر، أدخل ~~الجار دلالة على ذلك فقال: { من بعد ما رأوا } أي رؤيتهم { الأيات } ~~القاطعة ببراءته القاضية بنزاهته ms2243 من قد القميص وشهادة الشاهد وغير ذلك. # ولما كان فاعل " بداء " رأى، فسره بقوله مؤكدا، لأنه لا يصدق أن ~~الإنسان يفعل ما ظهر له المانع منه: { ليسجننه } فيمكث في السجن { حتى ~~حين } أي إلى أن تنسى تلك الإشاعة، ويظهر الناس أنها لو كانت تحبه ما سعت ~~في سجنه، وقيل: إن ذلك الحين سبع سنين، قيل: كان سبب ذلك أنها قالت ~~للعزيز: إن هذا قد فضحني في الناس وهو يعتذر إليهم ويصف الأمر كما يحب، ~~وأنا محبوسة، فإما أن تأذن لي فأخرج فأعتذر كما يعتذر، وإما أن تسويه بي ~~في السجن؛ قال أبو حيان: قال ابن عباس رضي الله عنهما: فأمر به فحمل على ~~حمار وضرب أمامه بالطبل، ونودي عليه في أسواق مصر أن يوسف العبراني أراد ~~سيدته، فهذا جزاءه أن يسجن! قال أبو صالح: ما ذكر ابن عباس رضي الله ~~عنهما هذا الحديث إلا بكى - انتهى. وهذا دليل على قوله # إن كيدكن عظيم # [يوسف: 28]. # قال الإمام فخر الدين الرازي في كتاب اللوامع: وعلى الجملة فكل أحوال ~~يوسف عليه الصلاة والسلام لطف في عنف، ونعمة في طي بلية ونقمة، ويسر في ~~عسر، ورجاء في يأس، وخلاص بعد لات مناص، وسائق القدر ربما يسوق القدر إلى ~~المقدور بعنف، وربما يسوقه بلطف، والقهر والعنف أحمد عاقبة وأقل تبعة - ~~انتهى. # ولما ذكر السجن، وكان سببا ظاهرا في الإهانة، شرع سبحانه يقص من أمره ~~فيه ما حاصله أنه جعله سبب الكرامة، كل ذلك بيانا للغلبة على الأمر ~~والاتصاف بصقات القهر، مع ما في ذلك من بيان تحقق ما تقدم به الوعد الوفي ~~ليوسف عليه الصلاة والسلام وغير ذلك من الحكم، فقال تعالى: { ودخل } أي ~~فسجنوه كما بدا لهم ودخل { معه السجن فتيان }: خباز الملك وساقيه، ورفع ~~إليه أن الخباز أراد أن يسمه، وظن أن الساقي مالأه على ذلك، و " مع " تدل ~~على الصحبة واستحداثها، فهي تدل على دخول الثلاثة السجن في آن واحد - ~~قاله أبو حيان، فلما دخلوا السجن كان يوسف عليه الصلاة والسلام يحسن ms2244 إلى ~~أهله فيسلي حزينهم، ويعود مريضهم، ويسأل لفقيرهم، ويهديهم إلى الخير، ~~ويذكرهم بالله، فمالت إليه القلوب وكلفت به النفوس لحسن حديثه ولطيف ~~تأتيه وما جباه الله به من الفضل والنبل وحسن الخلق والخلق، وكان في ~~السجن ناس قد انقطع رجاءهم واشتد بلاءهم، فلم يزل يرفق بهم حتى قالوا: ~~بارك الله فيك! ما أحسن وجهك وأحسن خلقك وأحسن حديثك! لقد بورك لنا في ~~جوارك، ما نحب أنا كنا في غير هذا لما تخبرنا به من الأجر والكفارة ~~والثواب والطهارة، من أنت يا فتى؟ فأخبرهم بنسبه الشريف، فقال عامل ~~السجن: لو استطعت لخليت سبيلك! ولكن سأحسن جوارك وإيثارك، وأحبه الفتيان ~~ولزماه فقال: أنشد كما الله أن تحباني، فوالله ما أحبني أحد قط إلا دخل ~~على من جهته بلاء! لقد أحبتني عمتي فدخل علي من جهتها بلاء، ثم أحبني ~~أبي فدخل علي من جهته بلاء، ثم أحبتني زوجة صاحبي هذا فدخل علي من ~~جهتها بلاء، فلا تحباني، فأبيا إلا حبه، فكأنه قيل: أي شيء اتفقى لهما ~~بعد الدخول معه؟ فقيل: { قال أحدهمآ } ليوسف عليه الصلاة والسلام، ولعل ~~التأكيد إما لأنه كانت عادتهما المزح، وإما لأنهما ما رأيا شيئا - كما ~~قال الشعبي - وإنما صنفا هذا ليختبراه به { إني أراني } حكى الحال ~~الماضية في المنام { أعصر } والعصر: الاعتماد على ما فيه مائية ليحتلب ~~منه { خمرا } أي عنبا يؤل إلى الخمر { وقال الآخر } مؤكدا لمثل ما مضى ~~{ إني أراني أحمل } والحمل: رفع الشيء بعماد نقله { فوق رأسي خبزا } أي ~~طعاما مهيأ للأكل بالخبز، وهو عمل الدقيق المعجون بالبسط واللزق في حام ~~بالنار حتى يصلح للأكل { تأكل الطير منه } وسيأتي شرح الرؤيا من التوراة، ~~فكأنه قيل: فماذا تريدان من الإخبار بهذا؟ فقالا: { نبئنا } أي أخبرنا ~~إخبارا عظيما { بتأويله } أي ما يرجع أمره ويصير إليه، فكأنه قيل: وما ~~يدريكما أني أعرف تأويله؟ فقالا: { إنا نراك } على حال علمنا بها علما ~~هو كالرؤية أنك { من المحسنين * } أي العريقين في وصف الإحسان لكل أمر ~~تعانيه، فلذلك لاح لنا أنك تحسن ms2245 التأويل قياسا، فلما رآهما بصيرين ~~بالأمور { قال } إشارة إلى أنه يعرف ذلك وأدق منه، ليقبلا نصحه فيما هو ~~أهم المهم لكل أحد، - وهو ما خلق العباد له من الاجتماع على الله - ~~لتفريغهما للفهم لكلامه والقبول لكل ما يلقيه لاحتياجهما إلى إفتائهما، ~~مؤكدا ما وصفاه به من الإحسان بما اتبعه من وصف نفسه بالعلم، انتهازا ~~لفرصة النصيحة عند هذا الإذعان بأعظم ما يكون النصح به من الأمر بالإخلاص ~~في عبادة الخالق والإعراض عن الشرك، فعلى كل ذي علم إذا احتاج إلى سؤاله ~~أحد أن يقدم على جوابه نصحه بما هو الأهم له، ويصف له نفسه بما يرغبه في ~~قبول علمه إن كان الحال محتاجا إلى ذلك، ولا يكون ذلك من باب التزكية بل ~~من الإرشاد إلى الإئتمام به بما يقرب إلى الله فيكون له مثل أجره: { لا ~~يأتيكما } أي في اليقظة { طعام } وبين أنه خاص بهما دون أهل السجن بقوله: ~~{ ترزقانه } بناه للمفعول تعميما { إلا نبأتكما } أي أخبرتكما إخبارا ~~جليلا عظيما { بتأويله } أي به وبما يؤل ويرجع إليه أمره. # ولما كان البيان في جميع الوقت الذي بينه وبين الطعام الذي قبله، نزع ~~الخافض فقال: { قبل أن يأتيكما } أي أخبرتكما بأنه يأتيكما طعام كذا، ~~فيكون سببا لكذا، فإن المسبب الناشىء عن السبب هو المال. # ولما وصف نفسه من العلم بما يدعو كل ذي همة إلى السعي في الأسباب التي ~~حصل له ذلك بها ليصير مثله أو يقرب منه، وكان محل أن يقال: من علمك ذلك؟ ~~قال مرشدا إلى الله داعيا إليه أحسن دعاء بما تميل إليه النفوس من ~~الطمع في الفضل: { ذلكما } أي الأمر العظيم؛ ونبه على غزارة علمه ~~بالتبعيض في قوله: { مما علمني ربي } أي الموجد لي والمربي لي والمحسن ~~إلي، ولم أقله عن تكهن ولا تنجم، فكأنه قيل: ما لغيرك لا يعلمه مثل ما ~~علمك؟ فقال معللا له مطمعا كل من فعل فعله في فضل الله، مؤكدا إعلاما ~~بأن ذلك أمر عظيم يحق لمثله أن يفعل: { إني تركت ملة قوم ms2246 } أي وإن كانوا ~~أقوياء على محاولة ما يريدون، فلذلك قدروا على أذاي وسجني بعد رؤية ~~الآيات الشاهدة لي، ونبه على أن ذلك لا يقدم عليه إلا من لا يحسب ~~العاقبة بوجه، فقال: { لا يؤمنون } أي يجددون الإيمان لما لهم من العراقة ~~في الكفر { بالله } أي الملك الأعظم الذي لا يخفى أمره على ذي لب من أهل ~~مصر وغيرهم؛ ثم لوح إلى التحذير من يوم الجزاء الذي لا يغنى فيه أحد عن ~~أحد، منبها على أن الكفر به هو القاطع عن العلم وعن كل خير، فقال مؤكدا ~~تأكيدا عظيما، إشارة إلى أن أمرهم ينبغي أن ينكره كل من يسمعه، ولا ~~يصدقه، لما على الآخرة من الدلائل الواضحة جدا الموجبة لئلا يكذب به ~~أحد: { وهم بالآخرة } أي الدار التي لا بد من الجمع إليها، لأنها محط ~~الحكمة { هم } أي بضمائرهم كما هم بظواهرهم، وفي تكرير الضمير تنبيه على ~~أن هؤلاء اختصوا بهذا الجهل، وأن غيرهم وقفوا على الهدى { كافرون } أي ~~عريقون في التغطية لها، فلذلك أظلمت قلوبهم فكانوا صورا لا معاني لها؛ ~~والملة: مذهب جماعة يحمي بعضها لبعض في الديانة، وأصله من المليلة، وهي ~~حمى تلحق الإنسان - قاله الرماني. # وفي القاموس إن المليلة: الحر الكامن في العظم. وعبر ب { تركت } موضع " ~~تجنبت " مثلا مع كونه لم يلابس تلك الملة قط، تأنيسا لهما واستدراجا ~~إلى تركهما؛ ثم اتبع ذلك بما يدل على شرف أصله وقدم فضله بأنه من بيت ~~النبوة ومعدن الفتوة، ليكون ذلك أدعى إلى قبول كلامه وإصابة سهامه وإفضاء ~~مرامه، فقال: { واتبعت } أي بغاية جهدي ورغبتي { ملة آباءي إبراهيم } ~~خليل الله، وهو جد أبيه { وإسحاق } ابنه نبي الله وهو جده { ويعقوب } ~~أبيه إسرائيل: الله. وهو أبوه حقيقة، وتلك هي الحنيفية السمحة التي هي ~~الميل مع الدليل من غير جمود مع هوى بوجه من الوجوه؛ روى البخاري في ~~التفسير وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: # " سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الناس أكرم؟ قال: أكرمهم عند ~~الله أتقاهم، ms2247 قالوا: ليس عن هذا نسألك. قال: فأكرم الناس يوسف نبي الله ~~ابن نبي الله ابن نبي الله: ابن خليل الله، قالوا: ليس عن هذا نسألك، ~~قال: فعن معادن العرب تسألوني؟ قالوا: نعم، قال: فخياركم في الجاهلية ~~خياركم في الإسلام إذا فقهوا " # فكأنه قيل: ما تلك الملة؟ فقال: { ما كان لنا } أي ما صح وما استقام ~~بوجه من الوجوه، لما عندنا من نور العلم الذي لم يدع عندنا لبسا بوجه ~~أصلا { أن نشرك } أي نجدد في وقت ما شيئا من إشراك { بالله } أي الذي ~~له الأمر كله، وأعرق في النفي فقال: { من شيء } أي بما شرعه لنا من الدين ~~القويم كانت ملتنا التوحيد، ومن التأكيد العموم في سياق النفي، ليعم ذلك ~~كل شيء من عاقل ملك أو إنسي أو جنى أو غيره؛ ثم علل ذلك بما يعرف به أنه ~~كما وجب عليهم ذلك وجب على كل أحد فقال: { ذلك } أي كان هذا الانتفاء أو ~~ذلك التشريع - للملة الحنيفية وتسهيلها وجعل الفطر الأولى منقادة لها ~~مقبلة عليها - العلي الشأن العظيم المقدار { من } أجل { فضل الله } أي ~~المحيط بالجلال والإكرام { علينا } خاصة { وعلى الناس } الذين هم إخواننا ~~في النسب عامة، فنحن وبعض الناس شكرنا الله، فقبلنا ما تفضل به علينا، ~~فلم نشرك به شيئا؛ والفضل: النفع الزائد على مقدار الواجب، فكل عطاء ~~الله فضل، فإنه لا واجب عليه، فكان لذلك واجبا على كل أحد إخلاص التوحيد ~~له شكرا على فضله لما تظافر عليه دليلا العقل والنقل من أن شكر المنعم ~~واجب { ولكن أكثر الناس } أي لما لهم من الاضطراب مع الهوى عموا عن هذا ~~الواجب، فهم { لا يشكرون * } فضله بإخلاص العمل له ويشركون به إكراها ~~لفطرهم الأولى، فالآية من الاحتباك: ذكر نفي الشرك أولا يدل على وجوده ~~ثانيا، وذكر نفي الشكر ثانيا يدل على حذف إثباته أولا. ### || [12.39-40] # ولما أقام لهم الدليل على ما هو عليه من الدين الحنيفي تبعا لخلاصة ~~الخلق، بما تقرر في الأذهان من أن الله تعالى هو المنعم وحده ms2248 سبحانه فيجب ~~شكره، بعد أن قرر لهم أمر نبوته وأقام دليلها بما يخبرهم به من المغيبات، ~~ودعاهم إلى ما يجب عليهم من التوحيد وهو الإسلام، وكان أكثر الخلق إلا ~~الفذ النادر يقرون بالإله الحق، ولكنهم يشركون به بعض خلقه، أتبعه برهان ~~التمانع على فساد كل ملة غير الإسلام الذي يطابق عليه الأنبياء والرسل ~~كلهم، تأييدا لأدلة النقل بقاطع العقل، فقال مناديا لهما باسم الصحبة ~~بالأداة التي تقال عند ما له وقع عظيم في النفوس في المكان الذي تخلص فيه ~~والمودة، وتمحض فيه النصيحة، وتصفي فيه القلوب، ويتعمد الإخلاص رجاء ~~الخلاص -: { ياصاحبي السجن } والصحبة: ملازمة اختصاص كأصحاب الشافعي ~~مثلا، لملازمة الاختصاص بمذهبه، وهي خلاف ملازمة الاتصال. # ولما فرغ أفهامهما بالنداء لما يلقيه، قرع أسماعهما بالإنكار مع التقرير ~~فقال: { أرباب } أي آلهة { متفرقون } متباينون بالذوات والحقائق ~~تشاهدونهم محتاجين إلى المكان مع كونهم جمادا، ولو كانوا أحياء لأمكن ~~تمانعهم، فأدى إلى إمكان عجز كل منهم القاطع بعدم صلاحيته للإلهية { خير ~~} أي أعظم في صفة المدح وأولى بالطاعة { أم الله } أي الملك الأعلى { ~~الواحد } بالذات، فهو لا يحتاج إلى شيء أصلا { القهار * } لكل شيء، لا ~~يزال قهره يتكرر أبدا، فهذا برهان لا خطأ به كما ظن، وأبرزه صلى الله ~~عليه وسلم على وجه الاستفهام استجلابا للسامع برد العلم إليه، وسماها ~~أربابا لمثل ذلك بناء على زعمهم، وكذا المشاركة في أفعل التفضيل، لأن ~~ذلك أقرب إلى الإنصاف، لكونه ألين في القول، فيكون أدعى إلى القبول. # ولما كان الجواب لكل من يعقل: الله خير، أشار إلى ذلك بجزم القول بعد ~~ذلك الاستفهام في سلب صلاحيتهم قبل هذا الإمكان بعدم حياتهم، وعلى تقدير ~~حياتهم بعجزهم، فقال: { ما تعبدون } والعبادة: خضوع بالقلب في أعلى مراتب ~~الخضوع، وبين حقارة معبوداتهم وسفولها بقوله: { من دونه } أي الله الذي ~~قام برهان التمانع - الذي هو البرهان الأعظم - على إلهية وعلى اختصاصه ~~بذلك { إلا أسماء } وبين ما يريد وأوضحه بقوله: { سميتموها } أي ذوات ~~أوجدتم لها أسماء { أنتم وآباؤكم } لا معاني لها، لأنه لا ms2249 أرواح لها ~~فضلا عن أن تتحقق بمعنى ما سميتموها به من الإلهية، وإن كان لها أرواح ~~فهي منتف عنها خاصة الإلهية، وهي الكمال المطلق الذي يستلزم إحاطة العلم ~~والقدرة. # ولما كان مقصود السورة وصف الكتاب بالإبانة للهدى، وكان نفي الإنزال ~~كافيا في الإبانة، لأن عبادة الأصنام باطلة،ولم يكن في السياق كالأعراف ~~مجادلة توجب مماحكة ومماطلة ومعالجة ومطاولة، قال نافيا للإنزال بأي وصف ~~كان: { ما أنزل الله } أي المحيط علما وقدرة. # فلا أمر لأحد معه { بها } وأعرق في النفي فقال: { من سلطان } أي برهان ~~تتسلط به على تعظيمها، فانتفى تعظيمها لذاتها أو لغيرها، وصار حاصل ~~الدليل: لو كانوا أحياء يحكمون لم يصلحوا للإلهية، لإمكان تمانعهم المؤدي ~~إلى إمكان عجز كل منهم الملزوم لأنهم لأ صلاحية فيهم للإلهية، لكنهم ~~ليسوا أحياء، فهم أجدر بعدم الصلاحية، فعلم قطعا أنه لا حكم لمقهور، وأن ~~كل من يمكن أن يكون له ثان مقهور؛ فأنتج هذا قطعا أن الحكم إنما هو لله ~~الواحد القهار، وهو لم يحكم بتعظيمها؛ وذلك معنى قوله: { إن } أي ما { ~~الحكم إلا لله } أي المختص بصفات الكمال؛ والحكم: فصل الأمر بما تدعو ~~إليه الحكمة. # ولما انتقى الحكم عن غيره، وكان ذلك كافيا في وجوب توحيده، رغبة فيما ~~عنده، ورهبة مما بيده، أتبعه تأكيدا لذلك وإلزاما به أنه حكم به، فقال: ~~{ أمر ألا تعبدوا } أي أيها الخلق في وقت من الأوقات على حال من الأحوال ~~{ إلا إياه } أي وهو النافذ الأمر المطاع الحكم. # ولما قام هذا الدليل على هذا الوجه البين، كان جديرا بالإشارة إلى ~~فضله، فأشار إليه بأداة البعد، تنبيها على علو مقامه وعظيم شأنه فقال: { ~~ذلك } أي الشأن الأعظم، وهو توحيده وإفراده عن خلقه { الدين القيم } أي ~~الذي لا عوج فيه فيأتيه الخلل من جهة عوجه، الظاهر أمره لمن كان له قلب { ~~ولكن أكثر الناس } أي لما لهم الاضطراب مع الحظوظ { لا يعلمون * } أي ليس ~~لهم علم، لأنهم لا ينتفعون بعقولهم، فكأنهم في عداد البهائم العجم، فلأجل ~~ذلك هم لا يفردون ms2250 الله بالعبادة. ### || [12.41-42] # ولما تم نصحه وعلا قدحه بإلقائه إليهما ما كان أهم لهما لو علما لمآله ~~إلى الحياة الأبدية والرفعة السرمدية. أقبل على حاجتهما تمكينا لما ذكره ~~وتأكيدا للذي قرره، فناداهما بالأداة الدالة على أن ما بعدها كلام له ~~موقع عظيم لتجتمع أنفسهما لسماع ما يلقى إليهما من التعبير، فقال: { ~~ياصاحبي السجن } أي الذي تزول فيه الحظوظ ويحصل الانكسار للنفس والرقة في ~~القلب فتتخلص فيه المودة. # ولما كان في الجواب ما يسوء الخباز، أبهم ليجوز كل واحد أنه الفائز، ~~فإن ألجأه إلى التعيين كان ذلك عذرا له في الخروج عن الأليق فقال: { أما ~~أحدكما } وهو الساقي فيلخص ويقرب { فيسقي ربه } أي سيده الذي في خدمته { ~~خمرا } كما كان { وأما الآخر } وهو الخباز. # ولما كان الذي له قوة أن يصلب إنما هو الملك، بنى للمفعول قوله: { فيصلب ~~} ويعطب { فتأكل } أي فيتسبب عن صلبه أنه تأكل { الطير من رأسه } والآية ~~من الاحتباك: ذكر ملزوم السلامة والقرب أولا دليلا على العطب ثانيا، ~~وملزوم العطب ثانيا دليلا على السلامة أولا، وسيأتي شرح تعبيره من ~~التوراة، فكأنه قيل: انظر جيدا ما الذي تقول! وروى أنهما قالا: ما رأينا ~~شيئا، إنما كنا نلعب، فقال مشيرا بصيغة البناء للمفعول إلى عظمة الله ~~وسهولة الأمور عليه: { قضي الأمر } وبينه بقوله: { الذي فيه } أي لا في ~~غيره { تستفتيان * } أي تطلبان الإفتاء فيه عملا بالفتوة، فسألتما عن ~~تأويله، وهو تعبير رؤياكما كذبتما أو صدقتما، لم أقله عن جهل ولا غلط. ~~وما أحسن إيلاء هذا العلم الثابت لختم الآية السالفة بنفي العلم عن ~~الأكثر، والأحد: المختص من المضاف إليه بمبهم له مثل صفة المضاف، ولا ~~كذلك " البعض " فلا يصدق: رأيت أحد الرجلين - ألا برجل منهما، بخلاف " ~~بعض " والفتيا: الجواب بحكم المعنى، وهو غير الجواب بعلته - ذكره ~~الرماني. ولعل رؤيتهما تشيران إلى ما تشير إليه رؤيا الملك، فالعصير يشير ~~إلى السنابل الخضر والبقر السمان، لأنه لا يكون إلا عن فضل، والخبز - ~~الذي طارت به الأطيار، وسارت بروح صاحبه الأقدار -يشير إلى ms2251 اليابسة ~~والعجاف - والله أعلم. # ولما كان كل علم بالنسبة إلى علم الله عدما، عبر عن علمه بالظن، ويمكن ~~أن يكون الظن على بابه لكونه قال ما مضى اجتهادا بقرائن فيؤخذ منه أنه ~~يسوغ الجزم بما أدى إلى ظن، فقال: { وقال } أي يوسف عليه الصلاة والسلام ~~{ للذي ظن } مع الجزم بأنه أراد به العلم لقوله: { قضى الأمر } ، ويجوز ~~أن يكون ضمير " ظن " للساقي، فهو حينئذ على بابه { أنه ناج منهما } وهو ~~الساقي { اذكرني عند ربك } أي سيدك ملك مصر، بما رأيت مني من معالي ~~الأخلاق وطهارة الشيم الدالة على بعدي مما رميت به، والمراد بالرب هنا ~~غير المراد به في قوله: # أرباب متفرقون # [ يوسف:39]. فنجا الساقي وصلب صاحبه وفق ما قال لهما يوسف عليه الصلاة ~~والسلام { فأنساه } أي الساقي { الشيطان } أي البعيد من الرحمة المحترق ~~باللعنه { ذكر } يوسف عليه الصلاة والسلام عند { ربه } أي بسبب اعتماده ~~عليه في ذلك { فلبث } أي يوسف عليه الصلاة والسلام بسبب هذا النسيان { في ~~السجن } من حين دخل إلى أن خرج { بضع سنين * } ليعلم أن جميع الأسباب ~~إنما أثرها بالله تعالى، وحقيقة البضع من الثلاث إلى التسع، والمروي هنا ~~أنه كان سبعا. # ذكر ما مضى من هذه القصة من التوراة # قال بعد ما مضى: فأهبط المدينيون يوسف إلى مصر، فاشتراه قوطيفر الأمير ~~صاحب شرطة فرعون - رجل مصري - من يد الأعراب الذين أهبطوه إلى هناك، فكان ~~الرب سبحانه وتعالى بعونه مع يوسف، وكان رجلا منجحا، وأقام في منزل ~~المصري سيده، فرأى سيده أن الرب بعونه معه، وأن الرب ينجح جميع أفعاله، ~~فظفر يوسف منه برحمة ورأفة فخدمه، وسلطه على بيته، وخوله جميع ما له، ومن ~~اليوم الذي سلطه على بيته وخوله جميع ما له بارك الرب في بيت المصري من ~~أجل يوسف وفي سببه، فحلت بركة الرب في جميع ما له في البيت والحقل، ~~فخول كل شيء له، ولم يكن يعلم بشيء مما له في يده لثقته به ما خلا الخبز ~~الذي كان يأكله، وكان يوسف حسن ms2252 المنظر صبيح الوجه. # فلما كان بعد هذه الأمور لمحت امرأة سيده بنظرها إلى يوسف فقالت له: ~~ضاجعني: فأبى ذلك وقال لامرأة سيده: إن سيدي لثقته بي ليس يعلم ما في ~~بيته، وقد سلطني على جميع ما له، وليس في هذا البيت أعظم مني، ولم يمنعني ~~شيئا ما خلاك أنت لأنك امرأته، فكيف أرتكب هذا الشر العظيم، فأخطئي بين ~~يدي الله، وإذا كانت تراوده كل يوم لم يطعها ليضاجعها ويصير معها، فبينا ~~هو ذات يوم دخل يوسف إلى البيت ليعمل عملا، ولم يكن أحد من أهل البيت ~~هناك، فتعلقت بقميصه وقالت له: ضاجعني، فترك قميصه في يدها وهرب، فخرج ~~إلى السوق، فلما رأت أنه قد ترك قميصه في يدها وخرج هاربا إلى السوق، ~~دعت بأهل بيتها وقالت لهم: انظروا، إنه أتانا رجل عبراني ليفضحنا، لأنه ~~دخل علي يريد مضاجعتي، وهتفت بصوت عال، فلما رآني قد رفعت صوتي وهتفت، ~~ترك قميصه في يدي وهرب إلى السوق. # فصيرت قميصه عندها حتى دخل سيدها البيت، فقالت: له مثل هذه الأقاويل: ~~دخل علي هذا العبد العبراني الذي جلبته علينا يريد يفضحني، فلما رفعت ~~صوتي فصحت ترك قميصه في يدي وهرب فخرج إلى السوق؛ فلما سمع سيده كلام ~~امرأته استشاط غيظا، فأمر به سيده فقذف في الحبس الذي كان أسرى الملك ~~فيه محبوسين فمكث هناك في السجن، وكان الرب يبصره، ورزقه المحبة والرحمة، ~~وألقى له في قلب السجان رحمة، فولى يوسف جميع المسجونين الذين في الحبس، ~~وكل فعل كانوا يفعلونه هناك كان عن أمره، ولم يكن رئيس السجن يضرب على ~~يديه في شيء، لأن الرب كان بعونه معه، وكل شيء كان يفعله ينجحه الرب. # فلما كان بعد هذه الأمور، أذنب صاحب شراب ملك مصر والخباز - وفي نسخة ~~موضع الخباز: ورئيس الطباخين - بين يدي سيدهما ملك مصر، فغضب فرعون على ~~خادميه: على رئيس أصحاب الشراب ورئيس الخبازين - وفي نسخة: الطباخين - ~~فأمر بحبسهما في سجن صاحب الشرط في الحبس الذي كان فيه يوسف، فسلط صاحب ~~السجن يوسف عليهما ms2253 فخدمهما، فلبثا في السجن أياما، فرأيا رؤيا جميعا، ~~كل واحد منهما رئيا بكل في ليلة واحدة، وكل واحد منهما أحب تعبير حلمه،: ~~الساقي وخباز - وفي نسخة: وطباخ - ملك مصر، فدخل عليهما يوسف بالغداة، ~~فرآهما عابسين مكتئبين فسألهما وقال: ما بالكما يومكما هذا عابسي ~~مكتئبين؟ فقالا له: إنا رأينا رؤيا وليس لها معبر، فقال لهما يوسف: إن ~~علم التعبير عند الله، قصا علي. # فقص رئيس أصحاب الشراب على يوسف وقال له: إني رأيت في الرؤيا كأن حبلة ~~بين يدي، في الحبلة ثلاثة قضبان، فبينا هي كذلك إذ فرعت ونبت ورقها، ~~وأينعت عناقيدها، فصارت عنبا، وكأن كأس فرعون في يدي، فتناولت من العنب، ~~فعصرته في كأس فرعون، وناولت الكأس فرعون، فقال له يوسف عليه السلام: هذا ~~تفسير رؤياك: الثلاثة قضبان هي ثلاثة أيام، ومن بعد ثلاثة أيام يذكرك ~~فرعون فيردك على عملك، وتناول فرعون الكأس في يده على العادة الأولى التي ~~لم تزل تسقيه، فاذكرني حينئذ إذا أنعم عليك، وأنعم علي بالنعمة والقسط، ~~فاذكرني بين يدي فرعون، وأخرجني من هذا الحبس، لأني إنما سرقت من أرض ~~العبرانين سرقة، وحصلت في الحبس هاهنا أيضا بلا جرم جاء مني. فرأى رئيس ~~الخبازين - وفي نسخة: الطباخين - أنه قد فسر تفسيرا حسنا فقال يوسف: ~~رأيت أنا أيضا في منامي كأن ثلاثة أطباق فيها خبز درمك على رأسي، وفي ~~الطبق الأعلى من كل مآكل فرعون مما يصنعه الخباز - وفي نسخة: عمل طباخ ~~حاذق - وكان السباع والطير تأكلها من الطبق من فوق رأسي؛ فأجاب يوسف وقال ~~له: هذا تفسير رؤياك: ثلاثة أطباق هي ثلاثة أيام، وبعد ثلاثة أيام يأمر ~~فرعون بضرب عنقك وصلبك على خشبة، ويأكل الطير لحمك. # فلما كان اليوم الثالث - وهو يوم ولاد فرعون - اتخذ فرعون وليمة، فجمع ~~عبيده وافتقد رئيس أصحاب الشراب ورئيس الخبازين - وفي نسخة: الطباخين - ~~فأمر برد رئيس أصحاب الشراب على موضعه، وسقى فرعون الكأس كعادته، وأمر ~~بصلب رئيس الخبازين كالذي فسر لهما يوسف عليهما الصلاة والسلام، فلم يذكر ~~رئيس أصحاب الشراب يوسف ms2254 عليه الصلاة والسلام ونسيه. ### || [12.43-44] # ولما بطل هذا السبب الذي أمر به يوسف عليه الصلاة والسلام، وهو تذكير ~~الشرابي به، أثار الله سبحانه سببا ينفذ به ما أراد من رئاسته وقضى به ~~من سجود من دلت عليه الكواكب فقال دالا على ذلك: { وقال الملك } وهو شخص ~~قادر واسع المقدور إليه السياسه والتدبير، لملاه وهم السحرة والكهنة ~~والحزرة والقافة والحكماء، وأكد ليعلم أنه محق في كلامه غير ممتحن: { إني ~~أرى } عبر بالمضارع حكاية للحال لشدة ما هاله من ذلك { سبع بقرات سمان } ~~والسمن: زيادة البدن من اللحم والشحم { يأكلهن سبع } أي بقرات { عجاف } ~~والعجف: يبس الهزال { و } إني أرى { سبع }. # ولما كان تأويل المنام الجدب والقحط والشدة، أضاف العدد إلى جمع القلة ~~بخلاف ما كان في سياق المضاعفة في قوله # أنبتت سبع سنابل # [البقرة:261] فقال: { سنبلات خضر و } إني أرى سبع سنبلات { أخر يابسات } ~~التوت على الخضر فغلبت عليها، وكأنه حذف هذا لدلالة العجاف عليه؛ ~~والسنبلة: نبات كالقصبة حملة حبوب منتظمة، وكأنه قيل: فكان ماذا؟ فقيل: ~~قال الملك: { ياأيها الملأ } أي الأشراف النبلاء الذين تملأ العيون ~~مناظرهم والقلوب مخابرهم ومآثرهم { أفتوني } أي أجيبوني وبينوا لي كرما ~~منكم بقوة وفهم ثاقب. # ولما كان مراده أن لا يخرجوا بالجواب عن القصد ولا يبعدوا به، عبر بما ~~يفهم الظرف فقال: { في رؤياي } ومنعهم من الكلام بغير علم بقوله: { إن ~~كنتم للرؤيا } أي جنسها { تعبرون * } وعبارة الرؤيا: تأويلها بالعبور من ~~علنها إلى سرها كما تعبر، من عبر النهر - أي شطه - إلى عبره الآخر، ومثله ~~أولت الرؤيا - إذا ذكرت مالها ومرجعها المقصود بضرب المثال. # والمادة - بتراكيبها الستة: عرب، وعبر، ورعب، وربع، وبعر، وبرع - تدور ~~على الجواز من محل إلى محل ومن حال إلى حال، وأكثر ذلك إلى أجود، فالعرب ~~سموا لأن مبنى أمرهم على الارتحال لاستجادة المنازل، وأعرب - إذا أفصح، ~~أي تكلم بكلام العرب فأبان عن مراده، أي أجازه من العجمة والإبهام إلى ~~البيان، وأعرب الفرس - إذا خلصت عربيته، فكأنه جاز مرتبة الهجن إلى ~~العرب، وكذا ms2255 الإبل العراب، والعروبة: يوم الجمعة - لعلو قدرها عن بقية ~~الأيام، والعروب: المرأة الضاحكة العاشقة لزوجها المتحببه إليه المظهرة ~~له ذلك، وهي أيضا العاصية لزوجها - لأن كل ذلك أفعال العرب، فهم أعشق ~~الناس وأقدرهم على الاستمالة بالكلام العذب، وهم أعصى الناس وأجفاهم إذا ~~أرادوا، والعرب - ويحرك: النشاط - لأنه انتقال عن الكسل، وقد عرب - كفرح ~~- إذا نشط وإذا ورم، لأن الوارم يتجاوز هيئة غيره، وعربت البئر: كثر ~~ماءها فارتفع، وعرب - كضرب: أكل، والعربة، محركة: النهر الشديد الجري، ~~والنفس - لكثرة انتقالها بالفكر، والعربون: ما عقد به المبايعة من الثمن، ~~فنقل السلعة من حال إلى حال، واستعربت البقر: اشتهت الفحل، إما من العروب ~~العاشقة لزوجها، وإما لنقل الشهوة لها من حال إلى أخرى، وتعرب: أقام ~~بالبادية، مع الأعراب الذين لا يوطنون مكانا، وإنما هم مع الربيع، ~~وعروباء: اسم السماء السابعة - لارتفاعها عن جميع السماوات، فكأنها جازت ~~الكل، ولأن حركتها حركة للكل، والعرب - بالكسر: يبيس البهمي، لأنه صار ~~أهلا للنقل ولو بتطيير الهواء، والعربي: شعير أبيض سنبله حرفان - كأنه ~~نسب إلى العرب لجودته، والإعراب: إجراء الفرس ومعرفتك بالفرس العربي من ~~الهجين - لانتقال حال الجهل بذلك إلى حال العلم، وأن لا يلحن في الكلام - ~~كأنه انتقل بذلك من العجمة إلى العربية، وعرب الرجل - بالكسر - إذا أتخم، ~~وكذا الفرس من العلف، ومعدته: فسدت، وجرحه: بقي به أثر بعد البرء، كل ذلك ~~ناقل من حال إلى غيرها، والتعريب: تهذيب المنطق من اللحن - كأنه رفع نفسه ~~إلى العرب، وقطع سعف النخل - لأنه نقلها عن حالها إلى أصلح منه، وأن تكون ~~الدابة على أشاعرها ثم تبزع بمبزع، والتعريب أيضا والإعراب: ما قبح من ~~الكلام، وتقبيح قول القائل كأنه حكم بزوال عربيته، وهما أيضا الرد عن ~~القبيح، وذلك إدخاله في خصال العرب التي هي معالي الأخلاق، وهما أيضا ~~النكاح، أو التعريض به لأن نقله من حال إلى حال وفعل إلى فعل قولا ~~وعملا، والتعريب: الإكثار من شرب الماء الصافي، واتخاذ فرس عربي، وسما ~~بها عريب، أي أحد يعرب؛ وعبر الرؤيا - إذا ms2256 فسرها وأخبر بما يؤول إليه ~~أمرها، كأنه جاز ظاهرها إلى بطن منها، وعبرت الكتاب أعبره عبرا: تدبرته ~~ولم ترفع به صوتك، وعبرت النهر: قطعته من عبره - أي شطه - إلى عبره، ~~والعبر أيضا: الجانب، لأنه يعبر منه وإليه، والمعبر: سفينة يعبر عليها ~~النهر وشط هيىء للعبور، وعبر القوم: ماتوا، والعبرة - بالكسر: العجب، ~~وبالفتح: الدمعة قبل أن تفيض - كأن لها قوة الجري، أو هي تردد البكاء في ~~الصدر أو الحزن بلا بكاء، لأن ذلك مبدأ جري الدمع؛ وفي مختصر العين: ~~وعبرة الدمع: جريه، والعبرة: الدمع نفسه. # والعبر - بالضم ويحرك: سخة العين، والكثير من كل شيء، وبالجماعة - لأن ~~ذلك جوازعن حد القلة، ولأنهم يجيزون ما شاؤوا، ومجلس عبر - بالكسر ~~والفتح: كثير الأهل - من ذلك، وأيضا هو أهل لأن يعبر بجماعته من حال إلى ~~حال، وبامرأة مستعبرة - وتفتح الباء: غير محظية، أي هي أهل لجري العبرة، ~~وناقة عبر أسفار - مثلثة قوية، وعبرت عن الرجل فتكلمت عنه - كأنك عبرت من ~~خاطره إلى خاطر المخاطب، وعبرت الدنانير تعبيرا: وزنتها ولم تبالغ في ~~وزنها - كأنك عبرت من الجهل بمقدارها إلى الظن، أو عابر سبيل، أحي مار؛ ~~والشعري: العبور: نجم خلف الجوزاء، والعبور: الجذعة من الغنم - لأنها ~~جازت سنة وتأهلت العبور مع الغنم وكانت في عدادها، والعبور: لأقلف - لأن ~~كمرته عابرة في قلفته، وغلام معبر: لم يختن، ورجل عبر: كاد أن يحتلم ولم ~~يختن بعد، أي كاد أن يصير إلى خذ البالغين على هذه الحال، وهي أن كمرته ~~عابرة في قلفته، وعبر به الأمر تعبيرا: اشتد عليه - كأنه جاز من حالة ~~الرخاء إلى الشدة وعبرت به أهلكته، والمعبرة - بالتخفيف: ناقة لم تنتج ~~ثلاث سنين، فيكون أصلب لها - لأنها صارت أهلا لأن يعبر عليها في ~~الأسفار، والعبير ضرب من الطيب - لعبور ريحه، والزعفران - لعبور لونه ~~وريحه، والعبرى: السدر النهري - لنباته في عبر النهر، والمعبر من الجمال: ~~الكثير الوبر، ومن الشاء: التي لم تجز - كأنه لجواز الصوف عن حد جلدهما، ~~وسهم معبر وعبير: كثير الريش - كأنه عبر عن حد العادة، ms2257 والعبر - بالضم: ~~الثكلى، لأنها أهل لإرسال العبرة، والسحاب التي تسير شديدا، والعقاب - ~~لقوتها على قطع المسافات، ونبات عبر: الكذب والباطل - لسرعة زواله؛ ورعبت ~~فلانا: أفزعته، فهو مرعوب - لأنك أجزته من الأمن إلى الخوف، وسيل راعب: ~~أي يملأ الوادي، وراعب: أرض، منها الحمام الراعبية، والحمام أيضا لها ~~قوة العبور بالرسائل من مكان إلى مكان، ورعبت الحمامة في صوتها ترعيبا: ~~رفعته، ورعبت السنام: قطعته، والرعبوبة: قطعة منه - لأنها جازت مكانها، ~~وجارية رعبوبة ورعبوب: حسنة القوام تامة - كأنها جازت أقرانها حسنا، ~~والرعب: القصار، واحدهم رعيب وأرعب، تشبيه بالقطعة من السنام؛ والبعر: ~~رجيع الخف والظلف إلا البقر الأهلية، لأنها تخثى، والوحشية تبعر بعرا - ~~لأنه يجوز من مكانه من غير أن يلوثه، فلا يبقى منه به شيء، والمعبر، ~~مكانه، والبعير: الجمل البازل أو الجذع، وقد يكون الحمار وكل ما يحمل؛ ~~وفي مختصر العين: وإذا رأت العرب ناقة أو جملا من بعيد قالوا: هذا بعير، ~~فإذا عرفوا قالوا للذكر: جمل، وللأنثى: ناقة، والبعرة - بالتحريك: ~~الكمرة، تشبيها بها، والربع: المنزل والدار بعينها، والمحلة - لأنها ~~يخرج منها ويدخل إليها، ولذلك سميت متبوأ، لأنها يتبوأ إليها، أي يرجع، ~~وربع يربع: أقام، وأربع على نفسك: انتظر، كأنه من الربع، أي المنزل، لأنه ~~يقام فيه: وربع - إذا أخصب - للانتقال من حال إلى حال أخرى، وهم على ~~ربعاتهم، أي استقامتهم وأمرهم الأول - كأنه من المنزل، والروبع - كجوهر: ~~الضعيف الدنيء - كأن ذلك يلزم من الإقامة في المنزل، وبهاء: قصير ~~العرقوب، والرجل القصير - كأنه تشبيه بالربعة في مطلق القصر عن الطويل، ~~وربع الحجر: رفعه، والحمل: رفعه على الدابة، والمربوع: المنعوش المنفس ~~عنه - لتحول الحال في كل ذلك، والمربعة: خشبة يرفع بها العدل، والمرابعة: ~~أن تأخذ يد صاحبك وترفعا الحمل على الدابة - كأنه مع النقل مأخوذ من ~~الأربعة، وهي أيضا المعادلة بالربيع، ومنه تربعت الناقة سناما طويلا، ~~أي حملته، وربيع الشهور: شهران بعد صفر، وربيع الفصول اثنان الذي فيه ~~النور والكمأة، والذي تدرك فيه الثمار - للانتقال في كل منهما، والربع - ~~كصرد: الفصيل ينتج في الربيع، ms2258 وناقة مربع: ذات ربع، وأربع القوم: صاروا ~~أربعة، ودخلوا في الربيع، وأقاموا في المربع، وربعت الأرض: أصابها مطر ~~الربيع، والمرابيع: الأمطار أول الربيع، وأربع الرجل - إذا ولد له في ~~شبابه، تشبيها للشباب بالربيع، وناقة مرباع - إذا كانت عادتها أن تنتج ~~في ربعية القيظ، والربعية: أول الشتاء، والربيع: الجدول - لجريه وإنبات ~~ما حوله، وجمعه أربعاء، والحجر يشيلونه لتجربة القوى، والرابع تلو الثالث ~~- لأنه جاز الجمع، ووتر وحبل مربوع: مفتول على أربع قوى، وربعت القوم ~~أربعهم: صرت رابعهم، والأربعاء: يوم، والمرباع: ربع الغنيمة الذي كان ~~يأخذه الرئيس، والرباعية - كثمانية: السن بين الثنية والناب، وعدتها ~~أربع، وكل ما بلغ الأربعة رباع كثمان، ويقول للغنم في الرابعة وللبقر ~~والحافر في الخامسة وللخف في السابعة: أربعت، كأنه لا يجوز في كل نوع من ~~حد الصغر إلى الكبر إلا بذلك، وأربع الفرس: ألقى رباعيته، وحمى ربع: تأتي ~~في اليوم الرابع، وقد ربع الرجل وأربع، وهو معنى ما قال في القاموس: ~~وربعته الحمى: أخذته الحمى يوما بعد يومين، لأن يومها الثاني هو رابع ~~يومها الأول، والربعة - بالفتح: جونة العطار - لتضوع ريحها، والرجل بين ~~الطويل والقصير - ويحرك - كالمربوع، لجوازه حد كل منهما، هذا إلى الطول، ~~وهذا إلى القصر، وارتبع: صار ربعة، والربعة - محركة: أشد عدو الإبل، ~~والمسافة بين أثافي القدر - لعبور كل منهما عن محل صاحبتها، وأربع ماء ~~الركية: كثر، فجاز عن محله الأول، وعلى فلان: سأله ثم ذهب ثم عادوه، وعلى ~~المرأة: كر إلى جماعها، والقوم إبلهم مكان كذا: رعوها وأرسلوها على الماء ~~ترد متى شاءت، ويجوز أن يكون هذا أيضا من الربيع، وأربعت الناقة - إذا ~~استغلقت رحمها فلم تقبل الماء، كأنها أزالت العبور، أي الانتقال من حال ~~إلى أخرى، والربيعة: البيضة من السلاح - لنقلها صاحبها إلى الحصانة، ~~والروضة - لجواز النبت فيها عن حد الأرض، والمربع: شراع السفينة - لأنه ~~آلة السير، والمربع: الرجل الكثير النكاح - لعبوره عن حالة الأولى، ~~ولجلوسه بين الشعب الأربع، وتربع في جلوسه ضد جثا، إما لأنه صار على شكل ~~المربع، وإما أخذا من ms2259 الربع إلى المنزل، لأنها جلسة المقيم في منزله، ~~وتربعت النخيل: خرقت وصرمت - لتحول حالها، واستربع الرمل: تراكم، إما ~~لجوازه عن حاله الأولى، وإما من الإقامة في الربع، واستربع الغبار، ~~ارتفع، والبعير للمسير: قوى عليه وصبر، والرجل بالأمر: استقل وصبر، وفلان ~~يقيم رباعة قومه، أي شأنهم وحالهم أي يجيزهم من حال إلى أخرى، ومضى من ~~بني فلان ربوع بعد ربوع، أي أحياء بعد أحياء، إما لأن ذلك جواز من دار ~~إلى دار وحال إلى حال، وإما على حذف مضاف، أي أهل ربوع منازل، واليربوع: ~~دابة كالفأرة، إما لشدة جريها، وإما لجعلها نافقاءين تهرب من أيهما شاءت، ~~فهي عبارة منتقلة بالقوة وإن كانت ساكنة، واليربوع: لحمة المتن - كأنه ~~مشبه بالدابة؛ وبرع الرجل - مثلثة: فاق أصحابه في علم أو غيره، أو تم في ~~كل فضيلة وجمال، وهذا أبرع منه: أضخم - لأنه جاز مقداره، والبارع: الأصيل ~~الجيد الرأي، وتبرع بالعطاء: تفضل بما لا يجب عليه من عند نفسه كأنه جاز ~~رتبة الواجب - والله أعلم. # وفي الآية ما يوجبه حال العلماء من حاجة الملوك إليهم، فكأنه قيل: فما ~~قالوا؟ فقيل: { قالوا } هذه الرؤيا { أضغاث } أي أخلاط، جمع ضغث - بكسر ~~الضاد وإسكان الغين المعجمة، وهو قبضه حشيش مختلطة الرطب باليابس { أحلام ~~} مختلفة مشتبهة، جمع حلم - بضم الحاء وإسكان اللام وضمه، وهو الرؤيا - ~~فقيدوها بالأضغاث، وهو ما يكون من الرؤيا باطلا - لكونه من حديث النفس ~~أو وسوسة الشيطان، لكونها تشبه أخلاط النبات التي لا تناسب بينها، لأن ~~الرؤيا تارة تكون من الملك وهي الصحيحة، وتارة تكون من تحريف الشيطان ~~وتخليطاته، وتارة من حديث النفس؛ ثم قالوا: { وما نحن } أي بأجمعنا { ~~بتأويل } أي ترجيع { الأحلام } أي مطلق الأضغاث وغيرها، وأعرقوا في النفي ~~بقولهم: { بعالمين * } فدلسوا من غير وجه، جمعوا - وهي حلم واحد - ~~ليجعلوها أضغاثا لا مدلول لها، ونفوا عن أنفسهم " العلم المطلق " ~~المستلزم لنفي " العلم بالمقيد " بعد أن أتوا بالكلام على هذه الصورة، ~~ليوهموا أنهم ما جهلوها إلا لكونها أضغاثا - والله أعلم؛ والقول: كلام ~~متضمن بالحكاية في البيان ms2260 عنه، فإذا ذكر أنه قال، اقتضى الحكاية لما قال، ~~وإذا ذكر أنه تكلم، لم يقتض حكاية لما تكلم به، ومادة " حلم " بجميع ~~تقاليبها تدور على صرف شيء عن وجهه وعادته وما تقتضيه الجبلة - كما يأتي ~~في الرعد في قوله: # شديد المحال # [ الرعد:13]. ### || [12.45-47] # ولما كان هذا حالا مذكرا للساقي بيوسف عليع الصلاة والسلام - أخبر ~~سبحانه بأنه ذكره بعد نسيانه، فقال عادلا عن الفاء إيذانا بأنه من ~~الملا: { وقال الذي نجا } أي خلص من الهلاك { منهما } أي من صاحبي السجن، ~~وهو الساقي { و } الحال أنه { ادكر } - بالمهملة، أي طلب الذكر - ~~بالمعجمة، وزنه افتعل { بعد أمة } من الأزمان، أي أزمان مجتمعة طويلة { ~~أنا أنبئكم } أي أخبركم إخبارا عظيما { بتأويله } أي بتفسير ما يؤول ~~إليه معنى هذا الحلم وحده كما هو الحق، وسبب عن كلامه قوله: { فأرسلون * ~~} أي إلى يوسف عليه الصلاة والسلام فإنه أعلم الناس، فأرسلوه إليه؛ قال ~~ابن عباس رضي الله عنهما: ولم يكن السجن في المدينة، فأتاه فقال الساقي ~~المرسل بعد وصوله إليه مناديا له بالنداء القرب تحببا إليه: { يوسف } ~~وزاد في التحبب بقوله: { أيها الصديق } أي البليغ في الصدق والتصديق لما ~~يحق تصديقه بما جربناه منه ورأيناه لائحا عليه { أفتنا } أي اذكر لنا ~~الحكم { في سبع } وميز العدد بجمع السلامة الذي هو للقلة - كما مضى لما ~~مضى - فقال: { بقرات سمان } أي رآهن الملك { يأكلهن سبع } أي من البقر { ~~عجاف } أي مهازيل جدا { و } في { سبع سنبلات } جمع سنبلة، وهي مجمع الحب ~~من الزرع { خضر و } في سبع { أخر } أي من السنابل { يابسات } وساق جواب ~~السؤال سياق الترجي إما جريا على العوائد العقلاء في عدم البت في ~~الأمور المستقبلة، وإما لأنه ندم بعد إرساله خوفا من أن يكون التأويل ~~شيئا لا يواجه به الملك، فعزم على الهرب - على هذا التقدير، وإما ~~استعجالا ليوسف عليه الصلاة والسلام بالإفتاء ليسرع في الرجوع، فإن ~~الناس في غاية التلفت إليه، فقال: { لعلي أرجع إلى الناس } قبل مانع ~~يمنعني. # ولما كان تصديقهم ليوسف عليه الصلاة ms2261 والسلام وعلمهم بعد ذلك بفضله ~~وعملهم بما أمرهم به مظنونا، قال: { لعلهم يعلمون * } أي ليكونوا على ~~رجاء من أن يعلموا فضلك أو ما يدل ذلك عليه من خير أو شر فيعلموا لكل حال ~~ما يمكنهم عمله، فكأنه قيل: فما قال له؟ فقيل: { قال }: تأويله أنكم { ~~تزرعون } أي توجدون الزراعة. فهو إخبار بمغيب، فهو أقعد في معنى الكلام، ~~ويمكن أن يكون خبرا بمعنى الأمر { سبع سنين دأبا } أي دائبين مجتهدين - ~~والدأب: استمرار الشيء على عادته - كما أشارت إليه رؤياك بعصر الخمر الذي ~~لا يكون إلا بعد الكفاية، ودلت عليه رؤيا الملك للبقرات السمان والسنابل ~~الخضر، والتعبير بذلك يدل على أن هذه السبع تكون - كما تعرفون - من أغلب ~~أحوال الزمان في توسطه بخصب أرض وجدب أخرى، وعجز الماء عن بقعة وإغراقه ~~لأخرى - كما أشار إليه الدأب: ثم أرشدهم إلى ما يتقوون به على ما يأتي من ~~الشر، فقال: { فما حصدتم } أي من شيء بسبب ذلك الزرع - والحصد: قطع الزرع ~~بعد استوائه - في تلك السبع الخصبة { فذروه } أي اتركوه على كل حال { في ~~سنبله } لئلا يفسد بالسوس أو غيره { إلا قليلا مما تأكلون } قال أبو ~~حيان: أشار برأي نافع بحسب طعام مصر وحنطتها التي لا تبقى عامين بوجه إلا ~~بحيلة إبقائها في السنبل - انتهى. ### || [12.48-51] # ولما أتم المشورة، رجع إلى بقية عبارة الرؤيا، فقال: { ثم يأتي } ولما ~~كانت مدة الإتيان غير مستغرقة لزمان البعد، أتى بالجار فقال: { من بعد ~~ذلك } أي الأمرالعظيم، وهي السبع التي تعملون فيها هذا العمل { سبع } أي ~~سنون { شداد } بالقحط العظيم، وهن ما أشارت إليه رؤيا صاحبك الذي طار ~~برزقه الطيور، وسار بروحه غالب المقدور، ودلت عليه رؤيا الملك من البقرات ~~العجاف والسنابل اليابسات { يأكلن } أسند الأكل إليهن مجازا عن أكل ~~أهلهن تحقيقا للأكل { ما قدمتم } أي بالادخار من الحبوب { لهن } ~~والتقديم: التقريب إلى جهة القدام، وبشرهم بأن الشدة تنقضي ولم يفرغ ما ~~أعدوه، فقال: { إلا قليلا مما تحصنون * } والإحصان: الإحراز، وهو إلقاء ~~الشيء فيما هو كالحصن المنيع - هذا ms2262 تعبير الرؤيا، ثم زادهم على ذلك قوله: ~~{ ثم يأتي } وعبر بالجار لمثل ما مضى فقال: { من بعد ذلك } أي الجدب ~~العظيم { عام } وهو اثنا عشر شهرا، ونظيره الحول والسنة، وهو مأخوذ من ~~العلوم - لما لأهله فيه من السبح الطويل - قاله الرماني. والتعبير به دون ~~مرادفاته إشارة إلى أنه يكون فيه - من السعة بعموم الري وظهور الخصب ~~وغزير البركة - أمر عظيم، ولذا اتبعه بقوله: { فيه }. # ولما كان المتشوف إليه الإغاثة، على أنه من المعلوم أنه لا يقدر عليها ~~إلا الله، قال بانيا للمفعول: { يغاث الناس } من الغيث وهو المطر، أو من ~~الغوث وهو الفرج، ففي الأول يجوز بناءه من ثلاثي ومن رباعي، يقال غاث ~~الله الأرض وأغاثها: أمطرها، وفي الثاني هو رباعي خاصة، يقال: استغاث به ~~فأغاثه، من الغوث وهو واوي، ومعناه النفع الذي يأتي على شدة حاجته بنفي ~~المضرة، والغيث يائي وهو المطر الذي يأتي في وقت الحاجة { وفيه } أي ذلك ~~العام الحسن. # ولما كان العصر للأدهان وغيرها لا يكون إلا عن فضله، قال: { يعصرون * } ~~أي يخرجون عصارات الأشياء وخلاصاتها، وكأنه أخذ من انتهاء القحط ابتداء ~~الخصب الذي دل عليه العصر في رؤيا السائل، والخضرة والسمن في رؤيا الملك ~~فإنه ضد القحط، وكل ضدين انتهاء أحدهما ابتداء الآخر لا محالة، فجاء ~~الرسول فأخبر الملك بذلك، فأعجبه ووقع في نفسه صدقه { وقال الملك } أي ~~الذي العزيز في خدمته { ائتوني به } لأسمع ذلك منه وأكرمه، فأتاه الرسول ~~ليأتي به إلى الملك { فلما جاءه } أي يوسف عليه الصلاة والسلام عن قرب من ~~الزمان { الرسول } بذلك وهو الساقي { قال } له يوسف: { ارجع إلى ربك } أي ~~سيدك الملك { فاسأله } بأن تقول له مستفهما { ما بال النسوة } ولوح ~~بمكرهن به ولم يصرح، ولا ذكر امرأة العزيز كرما وحياء فقال: { التي قطعن ~~أيديهن } أي ما خبرهن في مكرهن الذي خالطني، فاشتد به بلائي فإنهن يعلمن ~~أن امرأة العزيز ما دعتهن إلا بعد شهادتهن بأنها راودتني، ثم اعترفت لهن ~~بأنها راودتني، وأني عصيتها أشد عصيان، فإذا سألهن بان ms2263 الحق، فإن ربك ~~جاهل بأمرهن. # ولما كان هذا موطنا يسأل فيه عن علم ربه سبحانه لذلك، قال مستأنفا ~~مؤكدا لأنهم عملوا في ذلك الأمر بالجهل عمل المكذب بالحساب الذي هو ~~نتيجة العلم: { إن ربي } أي المدبر لي والمحسن إلي بكل ما أتقلب فيه من ~~شدة ورخاء { بكيدهن } لي حين دعونني إلى طاعة امرأة العزيز { عليم * } ~~وأنا لا أخرج من السجن حتى يعلم ربك ما خفي عنه أمرهن الذي علمه ربي، ~~لتظهر براءتي على رؤوس الأشهاد مما وصموني به من السجن الذي من شأنه أن ~~لا يكون إلا عن جرم، وإن لم تظهر براءتي لم ينقطع عني كلام الحاسدين، ~~ويوشك أن يسعوا في حط منزلتي عند الملك، ولئلا يقولوا: ما لبث هذا السجن ~~إلا لذنب عظيم فيكون في ذلك نوع من العار لا يخفى، وفي هذا دليل على أن ~~السعي في براءة العرض حسن، بل واجب، وأخرج الكلام على سؤال الملك عن ~~أمرهن - لا على سؤاله في أن يفحص عن أمرهن - لأن سؤال الإنسان عن علم ما ~~لم يعلم يهيجه ويلهبه إلى البحث عنه، بخلاف سؤاله في أن يفتش لغيره، ~~ليعلم ذلك الغير، فأراد بذلك حثه لأن يجد في السؤال حتى يعلم الحق، ~~ليقبل بعد ذلك جميع ما حدثه به؛ والكيد: الاحتيال في إيصال الضرر. # وإنما فسرت " بال " بذلك لأن مادته - يائية بتراكيبها الخمسة: بلى، ~~وبيل، ولبى، وليب، ويلب، وواوية بتراكيبها الستة: بول، وبلو، وولب، ووبل، ~~ولوب، ولبو، ومهموزة - بتراكيبها الأربعة: لبأ، وبأل، وأبل وألب - تدور ~~على الخلطة المحيلة المميلة، وكأن حقيقتها البلاء بمعنى الاختبار ~~والامتحان والتجربة، ويكون في الخير والشر، أي خالطه بشيء يعرف منه خفي ~~أمره؛ قال القزاز: والفتنة تكون في الشر خاصة، والبلاء: النعمة، من قولك: ~~أبليته خيرا - إذا اصطنعته عنده، وقد تقدم في سورة الأنفال شيء من معاني ~~المادة، وناقة بلو سفر وبلى سفر - إذا أنضاها السفر، وإذا كانت قوية ~~عليه، والبلوى: البلية، وأبليت فلانا عذرا، أي جئت فيما بيني وبينه ما ~~لا لوم فيه، أي خالطته ms2264 بشيء أزال اللوم، والبلية: دابة كانت تشد في ~~الجاهلية عند قبر صاحبها ولا تعلف ولا تسقي حتى تموت، ويقال: الناس بذي ~~بلى وبذي بليان، أي متفرقين، كأن حقيقته أنه حل بهم صاحب خلطة شديدة فرقت ~~بينهم، وبلى الشيء - بالكسر بلى مقصورا وبلاء ممدودا - إذا فنى وعطب، ~~وبلي فلان بكذا - مبنيا للمفعول، وابتلى به - إذا أصابه ذلك؛ والبول: ~~ولد الرجل، والعدد الكثير، والانفجار، وضد الغائط، ولا ريب أن كلا من ~~ذلك إذا خالطه الحيوان أحال حاله؛ والبال: الاكتراث والفكر والهم، ومن ~~ذلك عندي: ما باليت به: لم أكترث به، وكذا ما أباليه بالة، وهي مصدر منه، ~~ولم أبال به، ولم أبل، ولكنهم قلبوه من: باولت به، لئلا يلتبس بالبول - ~~والله أعلم، وحقيقتهما: ما استعملت بالي الذي هو فكري فيه وإن أعمل هو ~~فكره في أمري، أي إنه أقل من أن يفكر في أمره، ومن المعلوم أن الفكر محل ~~الخلطة المميلة، والبال: المر الذي يعتمل به في أرض الزرع - لمشقة العمل ~~به، والبال: سمكة غليظة تسمى جمل البحر - لأن من خالطته أحالت أمره، ~~والبال: رخاء العيش، والحال، والبالة: القارورة - كأنها من البول، ~~والجراب، ووعاء الطيب، والولب: الوصل، ولبت الشيء: وصلته، وولب هو: وصل ~~ودخل وأسرع، والوالب: الذاهب في وجهه - كأنه خالطه من الهم ما حمله على ~~ذلك، وولب الزرع - إذا صارت له والبة، وهي أفراخ تولدت من أصوله، ~~والوالبة: نسل القوم، ونسل المال، والوالبة: سريع النبات؛ ولاب يلوب - ~~إذا عطش، واللابة: الحرة، وهي مكان ذو حجارة سود كبيرة متصلة صلبة حسنة، ~~فمن خالطها أتعبته وأعطشته، وبها سميت الإبل السود المجتمعة، والصمان، ~~واللابة: شقشقة البعير، وهي شيء كالرئة يخرجه البعير من فيه إذا هاج - ~~كأنها هي التي أهاجته، والملاب: ضرب من الطيب، والزعفران، والملوب - ~~كمعظم - من الحديد: الملوى، واللوب - بالضم: البضعة التي تدور في القد - ~~لأنها تغير ما في القدر بدورانها، واللواب أيضا: اللعاب، والأب: عطشت ~~إبله، واللبوة: أنثى الأسد؛ والوابل: المطر الكثير الشديد الوقع الضخم ~~القطر، والوابلة: نسل الإبل والغنم، ورأس العضد ms2265 الذي في الحق، وما التف ~~من لحم الفخذ، والموابلة: المواظبة، والميبل: ضفيرة من قد مركبة في عود ~~تضرب به الإبل، ووبل الصيد: طرد حثيث شديد، بالنعجة وبلة شديدة - إذا ~~أرادت الفحل، والوبال: الشدة وسوء العاقبة، وهو من الشدة والثقل، وأصابه ~~وبل الجوع، أي جوع شديد، والوبيل: المرعى الوخيم، واستوبلت الأرض - إذا ~~لم توافقك في مطعمك وإن كنت محبا لها، وهي من الوبيل - للطعام الذي لا ~~يشتهي، والوبيل من العقوبة: الشديدة، وهو أيضا العصا، وخشبة القصار التي ~~يدق بها الثياب بعد الغسل، وخشبة صغيرة يضرب بها الناقوس، والحزمة من ~~الحطب؛ وبلى: حرف يجاب بها الاستفهام الداخل على كلام منفي فتحيله إلى ~~الإثبات بخلاف " نعم " فإنه يجاب بها الكلام الموجب، وتأتي " بلى " في ~~النفي من غير استفهام، يقال: ما أعطيتني درهما، فتقول: بلى؛ ولبى من ~~الطعام - كرضى: أكثر منه، واللباية - بالضم: شجر الأمطى؛ واللياب - ~~بتقديم التحتانية وزن سحاب: أقل من ملء الفم؛ واليلب - محركة: الترسة، ~~ويقال: الدرق، والدروع من الجلود، أو جلود يخرز بعضها إلى البعض، تلبس ~~على الرؤوس خاصة، والعظيم من كل شيء، والجلد؛ والأبيل - كأمير: العصا، ~~والحزين - بالسريانية، ورئيس النصارى، أو الراهب، أو صاحب الناقوس، صنيع ~~مختصر العين يقتضي أن همزته زائدة، وصنيع القاموس أنها أصلية، وعلى كلا ~~التقديرين هو من مدار المادة، فإن من خالطته العصا غيرته، وكذا الرئيس؛ ~~ومن مهموزة اللبأ - كضلع: أول اللبن، وهو أحق الأشياء بالإحالة، وألبأ ~~الفصيل: شدة إلى رأس الخلف - أي حلمة ضرع الناقة - ليرضع اللبأ، ولبأت ~~وهي ملبىء: وقع اللبأ في ضرعها، ولا يكون ذلك إلا بما يخالطها، فيحيل ذلك ~~منها، واللبء - بالفتح: أول السقي، وهو أشد مما في الأثناء في الخلطة ~~والإحالة، وبهاء: الأسدة، وخلطتها محيلة للذكور من نوعها، ولغيرها ~~بالنفرة منها، وكذا اللبوة - بالواو، وعشار ملابي - كملاقح: دنا نتاجها، ~~وهو واضح في الإحالة: ولبأت الشاة ولدها وألبأته: أرضعته اللبأ، ولبأت ~~الشاة والتبأتها: حلبت لبأها؛ والبئيل - كأمير: الصغير الضعيف، بؤل - ~~ككرم، ويقال ضئيل بئيل؛ والإبل - بكسرتين وتسكن الباء - معروف، واحد يقع ~~على ms2266 الجمع، ليس بجمع ولا اسم جمع، جمعه آبال، الإحالة في خلطتها بالركوب ~~والحمل وغيرهم واضحة، والإبل: السحاب الذي يحمل ماء المطر، وهو ظاهر في ~~ذلك، وتأبل عن امرأته: امتنع عن غشيانها - من الإزالة، ونسك: أي امتنع ~~عن خلطة الدنيا المحيلة، وبالعصا: ضرب، ومن خالطته العصا أحالته، وأبل ~~العشب أبولا: طال، فاستمكن منه الإبل، وهو ظاهر في الإحالة، والإبالة - ~~كالإجانة: القطعة من الطير والخيل والإبل أو المتتابعة منها، من نظر ~~شيئا من ذلك أحاله عن حاله، وكأمير: العصا، ورئيس النصارى، أو الراهب، ~~أو صاحب الناقوس، وكل ذلك واضح في الإحالة، والأبل - بالضم الباء: الحزمة ~~من الحشيش، وخلطتها محيلة لما يأكلها، والإبالة - ككتابة: السياسة، وهي ~~في غاية الإحالة لمن خولط بها، والأبلة - كفرحة: الحاجة والطلبة، وهي ~~معروفة في ذلك، والمباركة في الإبل، وإنه لا يأتبل: لا يثبت على رعية ~~الإبل ولا يحسن مهنتها، أو لا يثبت عليها راكبا، أي إنه سريع التأثر ~~والإحالة من خلطتها، وتأبيل الإبل: تسمينها، أي مخالطتها بما أحالها، ~~والإبلة - بالكسر: العداوة، وإحالتها معروفة، بالضم - العاهة، وهي كذلك، ~~وبالفتح أو بالتحريك: الثقل والوخامة والإثم كذلك، وتأبيل الميت: تأبينه، ~~أي الثناء عليه بعد موته، وهو يهيج الحزن عليه، وجاء في إبالته - بالكسر، ~~وأبلته - بضمتين مشددة: أصحابه، ولا شك أن من جاء كذلك أحال من أتاه، ~~وضغث على إبالة كإجانة ويخفف: بلية على أخرى، أو خصب على خصب - كأنه ضد، ~~وهو واضح الإحالة، وأبلت الإبل تأبل وتأبل أبولا وأبلا: جزأت - أي اكتفت ~~- بالرطب عن الماء، والرطب بضمتين: الإخضر من البقل والشجر أو جماعة ~~العشب الأخضر، والأبول: الإقامة في المرعى، ولا شك في أن من خالطه ذلك ~~أحاله؛ وألب إليه القوم: أتوه من كل جانب، وذلك محيل، وألب الإبل: ساقها، ~~والإبل: انساقت وانضم بعضها إلى بعض، والحمار طريدته: طردها شديدا، ~~وجمع، واجتمع، وأسرع، وعاد، والإحالة في كل ذلك ظاهرة، والسماء: دام ~~مطرها، أي فأحال الأرض وأهلها، والتألب كثعلب: المجتمع منا ومن حمر الوحش ~~والوعل، وهي بهاء، وما كان كذلك أحال ما خالطه، ms2267 والإلب - بالكسر: الفتر، ~~وشجرة كالأترج سم، وذلك ظاهر في الإحالة، وبالفتح: نشاط الساقي، وميل ~~النفس إلى الهوى، والعطش، والتدبير على العدو من حيث لا يعلم، ومسك ~~السخلة، والسم، والطرد الشديد، وشدة الحمى والحر، وابتداء برء الدمل، وكل ~~ذلك ظاهر الإحالة، وريح ألوب: باردة تسفي التراب، ورجل ألوب: سريع إخراج ~~الدلو، أو نشيط، فمن خالطه أحاله، وهم عليه ألب وإلب واحد: مجتمعون عليه ~~بالظلم والعداوة، وذلك محيل لا شك فيه، والإلبة بالضم: المجاعة، ~~وبالتحريك: اليلبة، والتأليب: التحريض والإفساد، وكل ذلك ظاهر في ~~الإحالة، وكذا المئلب - للسريع، والألب: الصفو، وهو محيل، والألب - ~~بالتحريك: اليلب، وقد مضى أنها الترسة - والله أعلم. # ولما قال يوسف عليه الصلاة والسلام ذلك وأبى أن يخرج من السجن قبل تبين ~~الأمر، رجع الرسول إلى الملك فأخبره بما قال عليه الصلاة والسلام فكأنه ~~قيل: فما فعل الملك؟ فقيل: { قال } للنسوة بعد أن جمعهن: { ما خطبكن } أي ~~شأنكن العظيم؛ وقوله: { إذ راودتن } أي خادعتن بمكر ودوران ومراوغة { ~~يوسف عن نفسه } دليل على أن براءته كانت متحققة عند كل من علم القصة، ~~فكأن الملك وبعض الناس - وإن علموا مراودتهن وعفته - ما كانوا يعرفون ~~المراودة هل هي لهن كلهن أو لبعضهن، فكأنه قيل: ما قلن؟ فقيل: مكرن في ~~جوابهن إذ سألهن عما عملن من السوء معه فأعرضن عنه وأجبن بنفي السوء عنه ~~عليه الصلاة والسلام، وذلك أنهن { قلن حاش لله } أي عياذا بالملك الأعظم ~~وتنزيها له من هذا الأمر، فأوهمن بذلك براءتهن منه؛ ثم فسرن هذا العياذ ~~بأن قلن تعجبا من عفته التي لم يرين مثلها، ولا وقع في أوهامهن أن تكون ~~لآدمي وإن بلغ ما بلغ: { ما علمنا عليه } أي يوسف عليه الصلاة والسلام، ~~وأعرقن في النفي فقلن: { من سوء } فخصصنه بالبراءة، وهذا كما تقدم عند ~~قول الملأ { أضغاث أحلام } هذا وهو جواب للملك الذي تبهر رؤيته وتخشى ~~سطوته، فكان من طبع البلد عدم الإفصاح في المقال - حتى لا ينفك عن طروق ~~احتمال فيكون للتفصي فيه مجال - وعبادة الملوك إلا من ms2268 شاء الله منهم. # ولما تم ذلك، كان كأنه قيل: فما قالت التي هي أصل هذا الأمر؟ فقيل: { ~~قالت امرأت العزيز } مصرحة بحقيقة الحال: { الآن حصحص الحق } أي حصل على ~~أمكن وجوهه، وانقطع عن الباطل بظهوره، من: حص شعره. إذا استأصل قطعه بحيث ~~ظهر ما تحته، ومنه الحصة: القطعة من الشيء، ونظيره: كب وكبكب، وكف وكفكف، ~~فهذه زيادة تضعيف، دل عليه الاشتقاق وهو قول الزجاج - قاله الرماني. ~~ووافقه الرازي في اللوامع وقال: وقال الأزهري: هو من حصحص البعير: أثرت ~~ثفناته في الأرض إذا برك حتى تستبين آثارها فيه { أنا راودته } أي خادعته ~~وراودته { عن نفسه } وأكدت ما أفصحت به مدحا ونفيا لكل سوء بقولها ~~مؤكدا لأجل ما تقدم من إنكارها: { وإنه لمن الصادقين * } أي العريقين في ~~هذا الوصف في نسبة المراودة إلي وتبرئة نفسه، فقد شهد النسوة كلهن ~~ببراءته، وإنه لم يقع منه ما ينسب به شيء من السوء إليه، فمن نسب إليه ~~بعد ذلك هما أو غيره فهو تابع لمجرد الهوى في نبي من المخلصين. ### || [12.52-56] # ولما انجلى الأمر، أمر الملك بإحضاره، ليستعين به فيما إليه من الملك، ~~لكن لما كانت براءة الصديق أهم من ذلك - وهي المقصود من رد الرسول - قدم ~~بقية الكلام فيها عليه، وليكون كلامه في براءته متصلا بكلام النسوة في ~~ذلك، والذي دل على أن ذلك كلامه ما فيه من الحكم التي لا يعرفها في ذلك ~~الزمان غيره، فقال - بناء على ما تقديره: فلما رجع الرسول إلى يوسف عليه ~~الصلاة والسلام فأخبره بشهادتهن ببراءته قال -: { ذلك } أي الخلق العظيم ~~في تثبتي في السجن إلى أن تبين الحق { ليعلم } العزيز علما مؤكدا { أني ~~لم أخنه } أي في أهله ولا في غيرها { بالغيب } أي والحال أن كلا منا ~~غائب عن صاحبه { و } ليعلم بإقرارها وهي في الأمن والسعة، وتثبتي وأنا في ~~محل الضيق والخوف ما من شأنه الخفاء عن كل من لم يؤيده الله بروح منه من ~~{ إن الله } أي الذي له الإحاطة بأوصاف الكمال { لا يهدي } أي ms2269 يسدد وينجح ~~بوجه من لوجوه { كيد الخائنين } أي العريقين في الخيانة، بل لا بد أن ~~يقيم سببا لظهور الخيانة وإن اجتهد الخائن في التعمية؛ والخيانة: مخالفة ~~الحق بنقض العهد العام. وضدها الأمانة، والغدر: نقضه خاصا، والمعنى أني ~~لما كنت بريئا سدد الله أمري، وجعل عاقبتي إلى خير كبير وبراءة تامة، ~~ولما كان غيري خائنا، أنطقه الله بالإقرار بها. # ولما كان ذلك ربما جر إلى الإعجاب، قال: { وما أبرىء } أي تبرئة عظيمة { ~~نفسي } عن مطلق الزلل وإن غلبه التوفيق والعصمة، أي لم أقصد بالبراءة عما ~~تقدم مجرد التزكية للنفس، وعلل عدم التبرئة بقوله - مؤكدا لما لأكثر ~~الناس من الإنكار، أو لأن اتباعهم لأهويتهم فعل من ينكر فعل الأمارة -: { ~~إن النفس } أي هذا النوع { لأمارة } أي شديدة الأمر { بالسوء } أي هذا ~~الجنس دائما لطبعها على ذلك في كل وقت { إلا ما } أي وقت أن { رحم ربي } ~~بكفها عن الأمر به أو بستره بكفها عن فعله بعد إطلاقها على الأمر به، أو ~~إلا ما رحمه ربي من النفوس فلا يأمر بسوء؛ ثم علل ذلك بقوله مؤكدا دفعا ~~لظن من يظن أنه لا توبة له: { إن ربي } أي المحسن إلي { غفور } أي بليغ ~~الستر للذنوب { رحيم * } أي بليغ الإكرام لمن يريد. # ولما أتم ما قدمه مما هو الأهم - من نزاهة الصديق، وعلم الملك ببراءته ~~وما يتبعها - على ما كان قلبه من أمر الملك بإحضاره إليه، أتبعه إياه ~~عاطفا له على ما كان في نسقه من قوله { قال ما خطبكن } فقال: { وقال ~~الملك } صرح به ولم يستغن بضميره كراهية الإلباس لما تخلل بينه وبين ~~جواب امرأة العزيز من كلام يوسف عليه الصلاة والسلام، ولو كان الكل من ~~كلامها لاستتغنى بالضمير ولم يحتج إلى إبرازه { ائتوني به أستخلصه } أي ~~أطلب وأوجد خلوصه { لنفسي } أي فلا يكون لي فيه شريك، قطعا لطمع العزيز ~~عنه، ودفعا لتوهم أنه يرده إليه، ولعل هذا هو مراد يوسف عليه الصلاة ~~والسلام بالتلبث في السجن إلى إنكشاف الحال، خوفا من أن يرجع ms2270 إلى العزيز ~~فتعود المرأة إلى حالها الأولى فيزداد البلاء. # ولما كان التقدير: فرجع رسول الملك إليه فأخبره أن الملك سأل النسوة ~~فقلن ما مضى، وأمر بإحضاره ليستخلصه لنفسه، فقال يوسف عليه الصلاة ~~والسلام ما تقدم من تلك الحكم البالغة، وأجاب أمر الملك فأتى إليه بعد أن ~~دعا لأهل السجن فقال: اللهم! عطف عليهم قلوب الأخيار ولا تعم عليهم ~~الأخبار، وكتب على باب السجن: هذه منازل البلوى، وقبور الأحياء، وبيوت ~~الأحزان، وتجربة الأصدقاء، وشماتة الأعداء. ثم اغتسل وتنظف ولبس ثيابا ~~جددا وقصد إليه، عطف عليه بالفاء - دليلا على إسراعه في ذلك - قوله: { ~~فلما كلمه } وشاهد الملك فيه ما شاهد من جلال النبوة وجميل الوزارة وخلال ~~السيادة ومخايل السعادة { قال } مؤكدا تمكينا لقوله دفعا لمن يظن أنه ~~بعد السجن وما قاربه لا يرفعه هذه الرفعة: { إنك اليوم } وعبر بما هو ~~لشدة الغرابة تمكينا للكلام أيضا فقال: { لدينا مكين } أي شديد المكنة، ~~من المكانة، وهي حالة يتمكن بها صاحبها من مراده { أمين * } من الأمانة، ~~وهي حال يؤمن معها نقض العهد، وذلك أنه قيل: إن الملك كان يتكلم بسبعين ~~لسانا فكلمه بها، فعرفها كلها، ثم دعا للملك بالعبراني، فلم يعرفه الملك ~~فقال له: ما هذا اللسان؟ قال: لسان آبائي، فعظم عنده جدا، فكأنه قيل: ~~فما قال الصديق؟ فقيل: { قال } ما يجب عليه من السعي في صلاح الدين ~~والدنيا { اجعلني } قيما { على خزائن الأرض } أي أرض مصر التي هي لكثرة ~~خيرها كأنها الأرض؛ ثم علله بما هو مقصود الملوك الذي لا يكادون يقفون ~~عليه فقال: { إني حفيظ } أي قادر عل ضبط ما إلي أمين فيه { عليم * } أي ~~بالغ العلم بوجوه صلاحه واستنمائه فأخبر بما جمع الله له من أداتي الحفظ ~~والفهم، مع ما يلزم الحفظ من القوة والأمانة، لنجاة العباد مما يستقبلهم ~~من السوء، فيكون ذلك سببا لردهم عن الدين الباطل إلى الدين الحق. # ولما سأل ما تقدم، قال معلما بأنه أجيب بتسخير الله له: { وكذلك } أي ~~ومثل ما مكنا ليوسف في قلب الملك من ms2271 المودة والاعتقاد الصالح وفي قلوب ~~جميع الناس، ومثل ما سأل من التمكين { مكنا } أي بما لنا من العظمة { ~~ليوسف في الأرض } أي مطلقا لا سيما أرض مصر بتولية ملكها إياه عليها { ~~يتبوأ } أي يتخذ منزلا يرجع إليه، من باء - إذا رجع { منها حيث يشاء } ~~بإنجاح جميع مقاصده، لدخولها كلها تحت سلطانه. # لتبقى أنفس أهل المملكة وما ولاها على يده، فيجوز الأجر وجميل الذكر مع ~~ما يزيد يه من علو الشأن وفخامة القدر، فكأنه قيل: لم كان هذا؟ فقال: ~~لأمرين: أحدهما أن لنا الأمر كله { نصيب } على وجه الاختصاص { برحمتنا } ~~بما لنا من العظمة { من نشاء } من مستحق فيما ترون وغيره، لا نسأل عما ~~نفعل، وقد شئنا إصابة يوسف بهذا، والثاني أنه محسن يعبد الله فانيا عن ~~جميع الأغيار { و } نحن { لا نضيع } بوجه { أجر المحسنين * } أي العريقين ~~في تلك الصفة وإن كان لنا أن نفعل غير ذلك؛ روى أبو القاسم عبد الرحمن بن ~~عبد الحكم في أول فتوح مصر من طريق الكلبي عن ابن عباس رضي الله عنهما ~~قال: فأتاه الرسول فقال: ألق عنك ثياب السجن، والبس ثيابا جددا، وهو ~~يومئذ ابن ثلاثين سنة، فلما أتاه رأى غلاما حدثا فقال: أيعلم هذا رؤياي ~~ولا يعلمها السحرة والكهنة! وأقعده قدامه ثم قال: قال عثمان - يعني ابن ~~صالح - وغيره في حديثهما: فلما استنطقه وسايله عظم في عينه، وجل أمره في ~~قلبه، فدفع إليه خاتمة وولاه ما خلف بابه - ورجع إلى ابن عباس قال: وضرب ~~بالطبل بمصر أن يوسف خليفة الملك؛ وعن عكرمة أن فرعون قال ليوسف: قد ~~سلطتك على مصر غير أني أريد أن أجعل كرسي أطول من كرسيك بأربع أصابع! ~~قال يوسف: نعم. ### || [12.57] # ولما كان هذا مما يستعظمه الناس في الدنيا، وكان عزها لا يعد في الحقيقة ~~إلا إن كان موصولا بنعيم الآخرة، نبه على ما له في الآخرة مما لا يعد ~~هذا في جنبه شيئا، فقال مؤكدا لتكذيب الكفرة بذلك: { ولأجر الآخرة خير ~~} ولما كان سياق الأحكام على وجه ms2272 عام لتعليقها بأوصاف يكون السياق ~~مرغوبا فيها أو مرهبا منها أحسن وأبلغ، قال: { للذين آمنوا } أي أوجدوا ~~هذا الوصف { وكانوا } أي بجبلاتهم { يتقون * } أي يوجدون الخوف من الله ~~واتخاذ الوقايات منه إيجادا مستمرا، وهو من أجلهم حظا وأعلاهم كعبا - ~~كما تقدم بيانه مما يدل على كمال إيمانه وتقواه. # ولما كان من المعلوم أن من هذه صفاته يقوم بما وليه أتم قيام وينظر فيه ~~أحسن نظر، كان كأنه قيل: فجعله الملك على خزائن الأرض فدبرها بما أمره ~~الله به وعلمه حتى صلح الأمر وجاء الخير وذهب الشر، وإنما طوى هذا ~~للدلالة عليه بلوازمه من قصة إخوته التي هي المقصودة بالذات - كما سيأتي، ~~وقد فهم من هذه القصة أن الغالب على طبع مصر الرداءة: بغض الغريب، ~~واستذلال الضعيف، والخضوع للقوي، فإنهم أساؤوا إليه بالسجن بعد تحقق ~~البراءة، ثم عفا عنهم وأحسن إليهم بما استبقى به مهجهم، ثم أعتقهم بعد أن ~~استرقهم، ورد إليهم أموالهم بعد أن استأصلها بما عنده من الغلال، فجزوره ~~على ذلك بأن استعبدوا أولاده وأولاد إخوته بعده وساموهم سوء العذاب، وأدل ~~دليل على أن هذا طبع البلد أن بني إسرائيل لما خرجوا مع موسى عليه الصلاة ~~والسلام وخلصهم من جميع ذلك الذل وشرفهم بما شرفهم الله به من الآيات ~~العظام والكتاب المبين، كانوا كل قليل ينكثون مجترئين على ما لا يطاق ~~الاجتراء عليه، وإذا أمرهم عن الله بأمر جنبوا عنه - كما مضى ذلك عن ~~التوراة في الأعراف والبقرة وغيرهما، فعاقبهم الله بالتيه، وكان يسميهم ~~الجيل المعوج - لما علم من سوء طباعهم، حتى مات كل من نشأ بأرض مصر، ثم ~~صار أولادهم يمتثلون الأوامر حتى ملكوا ما وعد الله به آباءهم من البلاد، ~~وقد ذكر ذلك في زبور داود عليه الصلاة والسلام في غير موضع، منها في ~~المزمور الرابع والتسعين: هلموا نسجد ونركع ونخضع أمام الرب خالقنا، لأنه ~~إلهنا ونحن شعب رعيته، وضأن ماشيته، اليوم إذا سمعتم صوته فلا تقسو ~~قلوبكم وتسخطوه كمثل السخط يوم التجربة في البرية حيث جربني ms2273 آباؤكم، ~~فأحصوا أعمالي ونظروها، أربعين سنة مقت ذلك الجيل وقلت: هو شعب في كل ~~حين يطغون بقلوبهم، فلم يعتدوا لسلبي كما أقسمت برجزي أنهم لا يدخلون ~~راحتي. آباؤنا بمصر لم يفهموا عجائبك، ولم يذكروا كثرة رحمتك حين أغضوك ~~وهم صاعدون من البحر الأحمر، فنجيتهم باسمك لتظهر عجائبك، زجر البحر ~~الأحمر فجف، أجازهم في اللجج كأنهم في البر، خلصهم من أيدي الأعداء، ~~وأنقذهم من أيدي المبغضين، وأطلق الماء على مبغضيهم فلم يبق منهم واحد، ~~فآمنوا بكلامه، ومجدوا بسبحته. # ثم أسرعوا فنسوا أعماله، ولم ينتظروا إرادته، اشتهوا شهوة في البرية، ~~جربوا الله حيث لا ماء، فأعطاهم سؤلهم، وأرسل شبعا لنفوسهم، أغضبوا موسى ~~في المعسكر وهارون قديس الرب، انفتحت الأرض، وابتلعت داثان، وانطبقت على ~~جماعة بيرون، واشتعلت النار في محافلهم، وأحرق اللهيب الخطأة، صنعوا ~~عجلا في حوريب، وسجدوا للمنحوت، وبدلوا مجدهم بشبه عجل يأكل عشبا، ~~ونسوا الله الذي نجاهم، وصنع العظائم بمصر والعجائب في أرض حام، ~~والمهولات في البحر الأحمر، قال: إنه يهلكهم لولا موسى صفيه قام بين يديه ~~ليصرف سخطه، لئلا يستأصلهم، ورذلوا الأرض الشهيه، ولم يؤمنوا بكلمته، ~~وتقمقموا في مضاربهم، ولم يسمعوا قول الرب، فرفع يده عليهم ليهلكهم في ~~البرية، ويفرق ذريتهم في الأمم، ويبددهم في البلدان، لأنهم قربوا لباعل ~~فاغور، وأكلوا ضحايا ميتة، وأسخطوه بأعمالهم، وكثر الموت فيهم بغتة، فقام ~~فنحاس واستغفر لهم، فارتفع الموت عنهم، فحسب ذلك برا لجيل بعد جيل إلى ~~الأبد، ثم أسخطوه على ماء الخصام، وتألم موسى لأجلهم، وأغضبوا روحه، ~~وخالفوا كلام شفتيه، ولم يستأصلوا الأمم الذين أمرهم الرب، واختلطوا ~~بالشعوب وتعلموا أعمالهم، فكانت عشرة لهم، ذبحوا بنيهم وبناتهم ~~للشياطين، وضحوا لأصنام كنعان، ودنسوا الأرض بالدماء، وتنجسوا بأعمالهم، ~~وزنوا بأفعالهم، فاشتد غضب الرب على شعبه، ورذل ميراثه، فأسلمهم في أيدي ~~الشعوب، وسلط عليهم شناتهم، واستعبدهم أعداؤهم وخضعوا تحت أيديهم، مرارا ~~كثيرة بجاهم، وهم يسخطونه بأفكارهم، وذلوا بسيئاتهم - انتهى؛ على أنك إذا ~~تأملت وجدت أن الله تعالى يعلي كعب الغريب الذي يستذلونه ويحل سعده ويؤثل ~~مجده - كما ms2274 فعل بيوسف عليه الصلاة والسلام بعد السجن وببني إسرائيل بعد ~~الاستعباد، وهو نعم المولى ونعم النصير! فليحذر الساكن بها من أن يغلب ~~عليه طبعها فيتصف بكل ذلك من قلة الغيرة وبغض الغريب، والجرأة في الباطل ~~استصناعا ومداهنة، والجبن في الحق، وكمال الذل للجبارين، والمجمجة في ~~الكلام، بأن لا يزال يتعهد نفسه بأوامر الله ويحملها على طاعته، واتباع ~~رسوله ومحبته، والنظر في سيرته وسير أتباعه، والتعشق لذلك كله، حتى يصير ~~له طبعا يسلخه من طبع البلد، كما فعل عبادها، وأهل الورع منها وزهادها ~~- أعاذنا الله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، ونسأله أن يختم لنا ~~بالصالحات، وأن يجعلنا من الذين لا خوف عليهم أبدا. # ذكر ما مضى بعدما تقدم من هذه القصة من التوراة: قال: فلما كان بعد ~~سنتين رأى فرعون رؤيا كأنه واقف على شاطىء البحر، وكأن سبع بقرات صعدن من ~~بحر النيل حسنات المنظر سمينات اللحوم، يرعين في المرج، وكأن سبع بقرات ~~صعدن خلفهن من النيل قبيحات المنظر وحشيات مهزولات اللحوم، فوقفن إلى ~~جانب البقرات السمان على شاطىء النهر، فابتلع البقرات القبيحات الحسنات ~~المنظر السمينات، فهب فرعون من سنته، ورقد أيضا فرأى ثاني مرة كأن سبع ~~سنبلات طلعن في قصبة واحدة ممتلئة سمانا، وكأن سبع سنبلات مهزولات ضربهن ~~ريح السموم - وفي نسخة: القبول - نبتن بعدهن، فبلغ السنبل المهزول السبع ~~سنبلات الممتلئات، فاستيقظ فرعون فآذته رؤياه، فلما كان بالغداة كربت نفس ~~فرعون، فأرسل فدعا جميع السحرة وكل حكماء مصر، فقص عليهم رؤياه، فلم يوجد ~~إنسان يفسرها لفرعون. # فتكلم رئيس أصحاب الشراب بين يدي فرعون وقال: إني ذكرت يومي هذا ذنبي ~~عند غضب فرعون على عبده، فقذفني في محبس صاحب الشرطة، فحبست أنا ورئيس ~~الخبازين - وفي نسخة: الطباخين - فرأينا جميعا رؤيا في ليلة واحدة، رأى ~~كل امرىء منا كتفسير رؤياه، وكان معنا هناك في الحبس فتى عبراني عند صاحب ~~الشرطة فقصصنا عليه ففسر أحلامنا، وعبر لكل منا على قدر رؤياه، وكل الذي ~~فسر لنا كذلك أصابنا، أما أنا فردني الملك إلى موضعي، ms2275 وأما ذلك فأمر ~~بصلبه. # فأرسل فرعون فدعا يوسف عليه الصلاة والسلام، فأحضروه من السجن، فحلق ~~شعره وغير ثيابه، ودخل فوقف بين يدي فرعون، فقال فرعون ليوسف عليه الصلاة ~~والسلام: إني رأيت رؤيا وليس لي من يفسرها، وقد بلغني عنك أنك تسمع ~~الرؤيا فتفسرها بأحسن تأويل! فأجاب يوسف عليه الصلاة والسلام فقال ~~لفرعون: ألعلك تخال أني أجيب فرعون بسلام عن غير أمر الله تعالى. # فقال فرعون ليوسف: إني رأيت في الرؤيا كأني واقف على شاطىء النهر، وكأن ~~سبع بقرات طلعن من النهر حسنات المنظر سمينات اللحم، يرعين في المرج، ~~وكأن سبع بقرات طلعن من النهر بعدهن سمجات قبيحات المنظر مهزولات اللحم ~~جدا، لم أر على هزالها في جميع أرض مصر، فابتلعت البقرات المهزولات ~~الضعيفات القبيحات أولئك السبع بقرات السمان، فدخلن أجوافهن، فلم يتبين ~~دخولهن، وكأن منظرهن قبيحا كالذي كان من قبل، فانتبهت فاضطجعت فرأيت ~~أيضا في الرؤيا كأن سبع سنبلات حسنات في قصبة واحدة ممتلئة سمانا ~~حسانا، وكأن سبع سنبلات مهزولات ضربهن ريح السموم نبتن خلفهن، فابتلع ~~السنبل المهزول الضعيف السبع سنبلات الممتلئات الحسان، فقصصت ذلك على ~~السحرة، فلم أجد من يبين. # فقال يوسف عليه الصلاة والسلام لفرعون: الرؤيا يا فرعون واحدة، أطلع ~~الله فرعون على ما هو مزيع أن يفعله، السبع بقرات الحسان والسبع سنبلات ~~الحسان هي سبع سنين: خير، الرؤيا واحدة، والسبع بقرات الضعيفات المهزولات ~~اللاتي صعدان بعدهن والسبع سنبلات المهزولات اللاتي ضربها ريح السموم ~~تكون سبع سنين: جوع، وهذا القول الذي قلت لفرعون. # إن الله أظهر ما هو مزمع عتيد أن يفعله، وها هذه سبع سنين يأتي الشبع ~~والخصب العظيم جميع أرض مصر، ويأتي بعدها سبع سنين أخر يكون فيها الجوع، ~~وينسى جميع الشبع، والخصب الذي كان في جميع أرض مصر، فيبيد أهل الأرض من ~~الجوع من أجل الغم الذي يأتي من بعد لكثرته وشدته، وإنما أعيدت الرؤيا ~~لفرعون ثاني مرة، لأن الأمر معد بين يدي الرب، والله معجل فعله. # والآن فلينظر فرعون رجلا حكيما فهما. فيوليه أرض ms2276 مصر، فيقاسم أهل مصر ~~على الخمس في السبع السنين، فيجمعوا جميع أفقال هذه السنين الخصبة ~~الآتية، ويخزنوا الأفقال تحت يدي فرعون، ويحفظ القمح في القرى، وليكن ~~الفقل معدا محفوظا لأهل مصر لسبع سني الجوع المزمع أن يكون في جميع أرض ~~مصر، ولا يبيد أهل الأرض بالجوع. # فحسن هذا القول عند فرعون وعند عبيده، فقال فرعون لقواده: هل يوجد مثل ~~هذا الرجل الذي روح الله حال فيه؟ ثم قال فرعون ليوسف عليه الصلاة ~~والسلام: إذا أطلعك الله على هذا كله، ليس أحد فهما مثلك، أنت المسلط على ~~بيتي، وعن أمرك وقولي فيك يقبل جميع الشعب، وإنما أنا أعظم منك بالمنبر ~~فقط، وقال فرعون ليوسف: انظر فقد وليتك جميع أرض مصر، وخلع فرعون خاتمه ~~من خنصره، فوضعه في خنصر يوسف عليه الصلاة والسلام، وألبسه ثياب كتان، ~~وطوقه بطوق من ذهب، وحمله على بعض مراكبه، ونادى بين يديه: هذا أب ومسلط، ~~وسلطانه على جميع أرض مصر، ثم قال فرعون ليوسف عليه الصلاة والسلام: إني ~~قد أمرت أن لا يكون أحد يشير بيديه أو يخطو بقدميه دون أمرك في جميع أرض ~~مصر. # ودعا فرعون اسم يوسف: موضح الخفايا، وزوجه بأسنة - وفي نسخة: بأسنات - ~~بنت قوطفيرع إمام إسكندرية - وفي نسخة: حبر وان - فخرج يوسف عليه السلام ~~واليا على جميع أرض مصر، وكان قد أتى على يوسف ثلاثون سنة إذ وقف بين ~~يدي فرعون، فطاف في جميع أرض مصر. # وأغلت الأرض في جميع السبع سني الخصب، ملأ الخزائن وجمع الأقفال في ~~القرى، جمع قمح حقول كل قرية وما أحاط بها فخزنة فيها، وخزن يوسف عليه ~~الصلاة والسلام من الأقفال مثل كثيب - وفي نسخة: رمل البحر - كثيرا جدا ~~حتى أعيى إحصاء ذلك فصار غير محصى. # فولد ليوسف عليه الصلاة والسلام ابنان قبل دخول سنة الجوع، ولدت له أسنة ~~- وفي نسخة: أسنات - نبت قوطيفرع حبر وان - وفي نسخة: إمام إسكندرية - ~~فدعا يوسف عليه الصلاة والسلام اسم ابنه بكر منشا، لأنه قال: إن الله ~~أنساني جميع تعبي - وفي نسخة: ms2277 شقائي - وما كان منه في بيت أبي، وسمى ~~الآخر أفراثيم، وقال: لأن الله كثرني في أرض تعبدي، فنفدت سنو الشبع الذي ~~كان في أرض مصر، وبدأت سنو الجوع ليأتي كما قال يوسف عليه الصلاة ~~والسلام، فكان الجوع في جميع أرض مصر، ولم يوجد الخبز في جميع أرض مصر، ~~فجاع جميع أهل مصر، فضج الشعب على فرعون من أجل الخبز، فقال فرعون لجميع ~~المصريين: انطلقوا إلى يوسف عليه السلام فافعلوا جميع ما يأمركم به. ### || [12.58-66] # ولما كان المعنى - كما تقدم: فجعل إليه خزائن الأرض، فجاءت السنون ~~المخصبة، فدبرها بما علمه الله، ثم جاءت السنون المجدبة فأجدبت جميع أرض ~~مصر وما والاها من بلاد الشام وغيرها، فأخرج ما كان ادخره من غلال سبع ~~سنين بالتدريج أولا فأولا - كما حد له { العليم الحكيم } فتسامع به ~~الناس فجاؤوا للامتيار منه من كل أوب { وجاء إخوة يوسف } العشرة لذلك، ~~وحلف أبوهم بنيامين أخا يوسف عليه السلام لأمه عنده، ودل على تسهيله ~~إذنهم بالفاء فقال: { فدخلوا عليه } أي لأنه كان يباشر الأمور بنفسه كما ~~هو فعل الكفاة الحزمة، لا يثق فيه بغيره { فعرفهم } لأنه كان مرتقبا ~~لحضورهم لعلمه بجدب بلادهم وعقد همته بهم. مع كونه يعرف هيئاتهم في ~~لباسهم وغيره، ولم يتغير عليه كبير من حالهم. لمفارقته إياهم رجالا { ~~وهم له منكرون * } ثابت إنكارهم عريق فيهم وصفهم به، لعدم خطوره ببالهم ~~لطول العهد، مع ما تغير عليهم من هيئته بالسن وانضاف إليه من الحشم ~~والخدم واللباس وهيئة البلد وهيبة الملك وعز السلطان، وغير ذلك مما ينكر ~~معه المعروف، ويستوحش لأجله من المألوف، وفق ما قال تعالى # لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون # [ يوسف:15] والدخول: الانتقال إلى محيط، والمعرفة: تبين الشيء بالقلب ~~بما لو شوهد لفرق بينه وبين غيره مما ليس على خاص صفته. # ولما كان المعنى في قوة أن يقال: فطلبوا منه الميرة فباعهم بعد أن ~~استخبرهم عن أمرهم، وقال لهم: لعلكم جواسيس؟ وسألهم عن جميع حالهم. ~~فأخبروه بأبيهم وأخيهم منه، ليعلم صلاحهم ولا يظن أنهم ms2278 جواسيس، عطف عليه ~~قوله: { ولما جهزهم } أي يوسف عليه الصلاة والسلام { بجهازهم } الذي ~~جاؤوا له وقد أحسن إليهم؛ والجهاز: فاخر المتاع الذي يحمل من بلد إلى بلد ~~{ قال } أي لهم { ائتوني } أيها العصابة { بأخ لكم } كائن { من أبيكم } ~~يأتي برسالة من أبيكم الرجل الصالح حتى أصدقكم، أو أنهم طلبوا منه لأخيهم ~~حملا، فأظهر أنه لم يصدقهم، وطلب إحضاره ليعطيه، فإنه كان يوزع الطعام ~~على قدر الكفاية؛ ثم رغبهم بإطماعهم في مثل ما فعل بهم من الإحسان، وكان ~~قد أحسن نزلهم، فقال مقررا لهم بما رأوا منه: { ألا ترون } أي تعلمون ~~علما هو كالرؤية { أني أوفي الكيل } أي أتمه دائما على ما يوجبه الحق { ~~وأنا خير المنزلين * } أضع الشيء في أولى منازله. # ولما رغبهم، رهبهم فقال: { فإن لم تأتوني به } أي بأخيكم أول قدمة ~~تقدمونها { فلا كيل لكم } وعرفهم أنه لا يمنعهم من غيره فقال: { عندي ولا ~~تقربون * } ومع ذلك فلم يخطر ببالهم أنه يوسف، فكأنه قيل: فما قالوا؟ ~~فقيل: { قالوا سنراود } أي بوعد لا خلف فيه حين نصل { عن أباه } أي نكلمه ~~فيه وننازعه الكلام ونحتال عليه فيه، ونتلطف في ذلك، ولا ندع جهدا؛ ثم ~~أكدوا ذلك - بعد الجملة الفعلية المصدرة بالسين - بالجملة الاسمية ~~المؤكدة بحرفي التأكيد، فقالوا: { وإنا لفاعلون * } أي ما أمرتنا به ~~والتزامناه، وقد مضى عند { وراودته } أن المادة - يائية وواوية بهمز ~~وبغير همز - تدور على الدوران، ومن لوازمه القصد والإقبال والإدبار ~~والرفق والمهلة، وقد مضى بيان غير المهموز، وأما المهموز فمنه درأه، أي ~~دفعه - لأن المدفوع يرد إلى الموضع الذي أتى منه، والمدارأة: المدافعة ~~والمنازعة مطلقا، أي سواء كانت برفق أو بعنف، ثم كثرت فقصرت على ~~الملاينة، ويلزم من الدفع حلول المدفوع في موضع لا يريده بغتة، ومنه: درأ ~~علينا، أي خرج مفاجأة، قال القزاز: وأصله من قولهم: جاء السيل درأ، أي ~~يدرأ بعضه بعضا، وهو الذي يأتي من مكان لا يعلم به، واندرأ فلان علينا ~~بالشر - إذا أتى به من حيث لم ندر، والدرء: النشوز، وهو ms2279 من الدفع، وكوكب ~~دريء: متوقد متلألىء - كان نوره يدفع بعضه بعضا، ومنه درأت النار: ~~أضاءت، واندرأ الحريق: انتشر، ودرأ الشيء: بسطه - لأن المبسوط لا يخلو عن ~~دفع، وتدارؤوا: تدافعوا في الخصومة. # ودرأ البعير: أغد، ومع الغدة ورم في ظهره، وناقة دارىء: مغدة، وذلك لأن ~~الغدة ملزومة للدفع، لا تنفك عنه بالقتب والركب وغيرهما، وكل ناتىء في ~~الجسد هذا شأنه، ومنه الدرء: لقطعة من الجبل مشرقة، وناقة مدرىء: أنزلت ~~اللبن وأرخت ضرعها عند النتاج - كأنها دفعتهما، وادرأت الصيد - على " ~~افتعلت ": اتخذت له دريئة، وقد تقدمت " الدرية " في الواوي، ومنه: ادرأت ~~فلانا - ذا اعتمدته، والدرء: الميل والعوج - لأنه أهل لأن يدفع ليقوم، ~~وطريق ذو دروء، أي كور وأخاقيق أي شقوق - فكأنها تدفع صاحبها عن القصد، ~~وتدرؤوا عليهم: تطاولوا - لأن ذلك لا يخلو عن مدافعة كالنشوز، ويلزم ~~الدفع القوة، ومنه رجل ذو تدرا، أي منعه وقوة، ورادته بكذا - بتقديم ~~الراء: جعلته قوة له وعمادا يدافع عنه، والردء: العون والمادة والعدل ~~الثقيل - لأنه يدافع ليعتدل، وردأ الحائط: دعمه، وردأه بحجر: رماه به، ~~لأنه إذا أصابه دفعه، والإبل: أحسن القيام عليها، لأن ذلك لا يكون إلا ~~بمدافعة، وأردأ الستر: أرخاه، بدفعه له من المكان الذي كان به، وأردأ ~~الولد: سكنه وأنسه، فدفع الهم عنه، وأردأ الشيء: أقره - كأنه لسلب الدفع، ~~وكذا أردأه أي أفسده، إما بأنه لم يدافعه بإحسان القيام عليه فأفسده، أو ~~أنه زاد في الدفع حتى فسد، ومن ذلك أردأ - إذا فعل رديئا، أي فعلا ~~فاسدا ليس بجيد، وكأن من ذلك الأدرة - بالضم ساكنة وتحرك - وهي عظم ~~الخصيتين في الناس والخيل؛ ومن التدافع: ترأدت الحية: اهتزت في انسيابها ~~ورفعت رأسها، والريح: اضطربت - فكأن بعضها يدفع بعضا، ومنه رأد الضحى: ~~ارتفاعه، وترأد الضحى: ارتفع، وكذلك الجارية الرأدة والرؤد - بالضم، أي ~~الناعمة، وقال القزاز: السريعة الشباب مع حسن غذاء، وقال ابن دريد: جارية ~~رأدة - غير مهموز: كثيرة المجيء والذهاب، فإذا قلت: جارية رؤدة فهي ~~الناعمة. # فإذا فسرت بالذهاب والمجيء فهو من الدوران الذي هو المدار، ms2280 وإذا فسرت ~~بالناعمة فهو من الاضطراب اللازم له، وغصن رؤد - بالضم: رطب - من ذلك، ~~قال القزاز: وأحسب الجارية الناعمة إنما سميت رؤدا من هذا، وترأد: اهتز ~~نعمة، وزيد: قام فأخذته رعدة، والغصن: تفيأ، والعنق: التوى - كله من ~~الدوران وما يلزمه من الاضطراب، ورئد الإنسان: صديقه، لأنه يراوده ~~ويداوره، والرأدة: أصل اللحى، وهو أصول منبت الأسنان، وهو العظم الذي ~~يدور فيه طرفا اللحيين مما يلي الصدغين؛ ومن الرفق والمهلة: الرؤدة - ~~بالضم، وهي التؤدة. # ولما أعلمنا سبحانه أنه رغبهم في شأن أخيه، ورهبهم بالقول، أعلمنا بأنه ~~رغبهم فيه بالفعل، فقال عاطفا على قوله الماضي لهم: { وقال } أي يوسف ~~عليه الصلاة والسلام شفقة على إخوته وإرادة لنصحهم فيما سألهم فيه: { ~~لفتيانه } أي غلمانه، وأصل الفتى: الشاب القوي، وسيأتي شرحه عند قوله ~~تعالى: { تفتؤا تذكر يوسف } { اجعلوا بضاعتهم } أي ما بضعوه أي قطعوه من ~~مالهم للتجارة وأخذناه منهم ثمنا لطعامهم الذي دفعناه لهم { في رحالهم } ~~أي عدولهم؛ والرحل: ما أعد للرحيل من وعاء أو مركب { لعلهم يعرفونها } أي ~~بضاعتهم؛ وعبر بأداة التحقق تفاؤلا لهم بالسلامة، أو ظنا، أو علما ~~بالوحي، فقال: { إذا انقلبوا } راجعين { إلى أهلهم } أي يعرفون أنها هي ~~بعينها، رددتها عليهم إحسانا إليهم، ويجزمون بذلك، ولا يظنون أن الله ~~أخلف عليهم مثلها نظرا إلى حالهم وكرامة لأبيهم، ويعرفون هذه النعمة لي ~~{ ولعلهم يرجعون * } أي ليكون حالهم وحال من يرجع إلينا إذا عرفوها، ~~لردها تورعا، أو للميرة بها إن لم يكن عندهم غيرها، أو طمعا في مثل ~~هذا، وإنما لم يبادر إلى تعريفهم بنفسه والتعجيل بإدخال السرور على أبيه، ~~لأن ذلك غير ممكن عادة - لما يأتي من الحكم البالغة والتدبير المتين، ودل ~~على إسراعهم في الرجوع بالفاء فقال: { فلما رجعوا } أي إخوة يوسف عليه ~~الصلاة والسلام { إلى أبيهم } حملهم ما رأوا - من إحسان الصديق وحاجتهم ~~إليه وتبرئتهم لأنفسهم عن أن يكونوا جواسيس - على أن { قالوا ياأبانا }. # ولما كان المضار لهم مطلق المنع، بنوا للمفعول قولهم: { منع منا الكيل } ~~لأخينا بنيامين على بعيره لغيبته، ms2281 ولنا كلنا بعد هذه المرة إن لم نذهب به ~~معنا ليظهر صدقنا؛ والمنع: إيجاد ما يتعذر به على القادر الفعل. # وضده: التسليط، وأما العجز فضده القدرة { فأرسل } أي بسبب إزالة هذا ~~المنع { معنا أخانا } إنك إن ترسله معنا { نكتل } أي لنفسه كما يكتال كل ~~واحد منا لنفسه - هذا على قراءة حمزة والكسائي بالتحانية، ولنؤوله على ~~قراءة الجماعة بالنون - من الميرة ما وظفه العزيز، وهو لكل واحد حمل، ~~وأكدوا لما تقدم من فعلهم بيوسف عليه الصلاة والسلام مما يوجب الارتياب ~~بهم، فقالوا: { وإنا له } أي خاصة { لحافظون * } أي عن أن يناله مكروه ~~حتى نرده إليك، عريقون في هذا الوصف، فكأنه قيل: ما فعل في هذا بعد ما ~~فعلوا إذ أرسل معهم يوسف عليه الصلاة والسلام؟ قيل: عزم على إرساله معهم، ~~ولكنه أظهر اللجاء إلى الله تعالى في أمره غير قانع بوعدهم المؤكد في ~~حفظه، لما سبق منهم من مثله في يوسف عليه الصلاة والسلام بأن { قال هل ~~آمنكم } أي أقبل منكم الآن وفي مستقبل الزمان تأمينكم لي فيه مما يسوءني ~~تأمينا مستعليا { عليه } أي بنيامين { إلا كما آمنتكم } أي في الماضي { ~~على أخيه } أي يوسف عليه الصلاة والسلام. # ولما كان لم يطلع يوسف عليه الصلاة والسلام على خيانة قبل ما فعلوا به، ~~وكان ائتمانه لهم عليه إنما هو زمان يسير، أثبت الجار فقال: { من قبل } ~~فإنكم أكدتم غاية التأكيد فلم تحفظوه لي ولم تردوه إلي - والأمن: ~~اطمئنان القلب إلى سلامة النفس - فأنا في هذا لا آمن عليه إلا الله { ~~فالله } أي المحيط علما وقدرة { خير حافظا } منكم ومن كل أحد { وهو } ~~أي باطنا وظاهرا { أرحم الراحمين * } فهو أرحم بي من أن يفجعني به بعد ~~مصيبتي بأخيه؛ فأرادوا تفريغ ما قدموا به من الميرة { ولما فتحوا } أي ~~أولاد يعقوب عليه الصلاة والسلام { متاعهم } أي أوعيتهم التي حملوها من ~~مصر { وجدوا بضاعتهم } أي ما كان معهم من كنعان بشراء القوت. # ولما كان المفرح مطلق الرد. بنى للمفعول قوله: { ردت إليهم } والوجدان: ~~ظهور الشيء ms2282 للنفس بحاسة أو ما يغني عنها، فكأنه قيل: ما قالوا؟ فقيل: { ~~قالوا } أي لأبيهم { ياأبانا ما } أي أي شيء { نبغي } أي نريد، فكأنه قال ~~لهم: ما الخبر؟ فقالوا بيانا لذلك وتأكيدا للسؤال في استصحاب أخيهم: { ~~هذه بضاعتنا } ثم بينوا مضمون الإشارة بقولهم: { ردت إلينا } هل فوق هذا ~~من إكرام. # ولما كان التقدير: فنرجع بها إليه بأخينا، فيظهر له نصحنا وصدقنا، بنى ~~عليه قوله: { ونمير أهلنا } أي نجلب إليهم الميرة برجوعنا إليه؛ والميرة: ~~الأطعمة التي تحمل من بلد إلى بلد { ونحفظ أخانا } فلا يصيبه شيء مما ~~يخشى عليه، تأكيدا للوعد بحفظه وبيانا لعدم ضرر في سفره، ويدل على ما ~~في التوراة - من أنه كان سجن أحدهم ليأتوا بأخيهم الأصغر - قوله: { ~~ونزداد كيل بعير } أي فيكون جملة ما نأتي به بعد الرجوع إليه اثني عشر ~~حملا، لكل منا حمل، وللمسجون حملان - لكرته الأولى والثانية، وذلك أنه ~~كان لا يعطي إلا حملا لكل رأس، فكأنه ما أعطاهم لما جهزهم غير تسعة ~~أحمال، فكأنه قيل: وهل يجيبكم إلى ذلك في هذه الأزمة؟ فقالوا: نعم، لأن { ~~ذلك كيل يسير * } بالنسبة إلى ما رأينا من كرم شمائله وضخامه ملكه وفخامة ~~همته، فكأنه قيل: فما قال لهم؟ فقيل: { قال } أي يعقوب عليه الصلاة ~~والسلام { لن أرسله } أي بنيامين كائنا { معكم } أي في وقت من الأوقات { ~~حتى تؤتون } من الإيتاء وهو الإعطاء، أي إيصال الشيء إلى الأخذ { موثقا ~~} وهو العقد المؤكد. # ولما كان مراده موثقا ربانيا، وكان الموثق الرباني - وهو ما كان ~~بأسمائه تعالى لكونه أذن سبحانه فيه وأمر بالوثوق به - كأنه منه، قال: { ~~من الله } أي الملك الأعظم بأيمان عظيمة: والله { لتأتنني } كلكم { به ~~} من الإيتان، وهو المجيء في كل حال { إلا } في حال { أي يحاط } أي تحصل ~~الإحاطة بمصيبة من المصائب، لا طاقة لكم بها { بكم } فتهلكوا من عند ~~آخركم، كل ذلك زيادة في التوثيق، لما حصل له من المصيبة بيوسف عليه ~~الصلاة والسلام وإن كان الاعتماد في حفظه إنما هو على الله، وهذا من باب ms2283 ~~" اعقلها وتوكل " فأجابوه إلى جميع ما سأل { فلما آتوه } أي أعطاه بنوه { ~~موثقهم قال الله } أي الذي له جميع صفات الكمال { على ما نقول وكيل * } ~~هو القادر على الوفاء به المرجو للتصرف فيه بالغبطة، لا أنتم. ### || [12.67-68] # ولما سمح لهم بخروجه معهم، أتبع تعالى ذلك الخبر عن أمره لهم بالاحتياط ~~من المصائب لأنهم أحد عشر رجلا إخوة أهل جمال وبسطة، وكانوا قد شهروا ~~عند المصريين بعض الشهرة، بسبب ما دار بينهم وبين يوسف عليه الصلاة ~~والسلام من الكلام في المرة الأولى، فكانوا مظنة لأن ترمقهم الأبصار ~~ويشار إليهم بالأصابع، فيصابوا بالعين، ولم يوصهم في المرة الأولى، لأنهم ~~كانوا مجهولين، مع شغل الناس بما هم فيه من القحط، فقال حكاية عنه: { ~~وقال } أي يعقوب عليه الصلاة والسلام لبنيه عندما أرادوا السفر: { يابني ~~} محذرا لهم من شر الحسد والعين - { لا تدخلوا } إذا قدمتم إلى مصر { من ~~باب واحد } من أبوابها؛ والواحد على الإطلاق: الذي لا ينقسم، وأما المقيد ~~بإجرائه على موصوف كباب واحد، فهو ما لا ينقسم في معنى ذلك الموصوف { ~~وادخلوا من أبواب } واحترز من أن تكون متلاصقة أو متقاربة جدا، فقال: { ~~متفرقة } أي تفرقا كبيرا، وهذا حكم التكليف لئلا يصابوا بالعين - كما ~~نقله الرماني عن ابن عباس رضي الله عنهما والحسن وقتادة والضحاك والسدي، ~~فإن العين حق، وهي من قدر الله، وقد ورد شرعنا بذلك، ففي الصحيحين ~~وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " العين حق " # وفي رواية عند أحمد وابن ماجه: # " يحضرها الشيطان وحسد بن آدم " # ولمسلم والترمذي والنسائي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " العين حق، ولو شيء سابق القدر لسبقته العين، وإذا استغسلتم فاغسلوا " # ولأبي نعيم في الحلية عن جابر رضي الله عنه أن النبي قال: # " إن العين لتدخل الجمل القدر والرجل القبر " # ولأبي داود عن أسماء بنت يزيد رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " وإنما لتدرك الفارس فتدعثره ms2284 " # ولأحمد والترمذي عن أسماء بنت عميس رضي الله عنها أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " لو كان شيء سابق القدر لسبقته العين " # قال الإمام الرازي: ومنشأ إصابة العين توهم النفس الخبيثة هلاك من ~~تصيبه. وقد تقدم معنى ذلك في رواية أحمد وابن ماجه من حديث أبي هريرة مع ~~انضمام حضور الشيطان، وهذا الاحتياط من باب الأخذ بالأسباب المأمور بها، ~~لأنها من القدر، لا من من باب التحرز من القدر، كما روى مسلم وأحمد وابن ~~ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من الضعيف، وفي كل خير احرص على ما ~~ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا ~~وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن " لو " تفتح عمل الشيطان " # معناه - والله أعلم: افعل فعل الأقوياء، ولا تفعل فعل العجزة، وذلك بأن ~~تنعم النظر، تمعن في التأمل وتتأنى، حتى تعلم المصادر والموارد، فلا تدع ~~شيئا يحتمل أن ينفعك في الأمر الذي أنت مقبل عليه ولا يضرك إلا فعلته، ~~ولا تدع أمرا يمكن أن يضرك إلا تركته واحترزت منه جهدك، فإنك إذا فعلت ~~ذلك وأتى أمر من عند الله بخلاف مرادك كنت جديرا بأن لا تقول في نفسك: ~~لو أني فعلت كذا، فإنك لم تترك شيئا، وأما إذا فعلت فعل العجزة، وتركت ~~الجزم فما أوشك أن تؤتى من قبل ترك الأسباب، فما أقربك إلى أن تقول ما ~~يفتح عمل الشيطان من " لو ". # ولما خاف أن يسبق من أمره هذا إلى بعض الأوهام أن الحذر يغني من القدر، ~~نفى ذلك مبينا أنه لم يقصد غير تعاطي الأسباب على ما أمر الله وأن الأمر ~~بعد ذلك إليه: إن شاء سبب عن الأسباب مسبباتها، وإن شاء أبطل تلك الأسباب ~~وأقام أسبابا تضادها ويتأثر عنها المحذور، فقال: { وما أغني } أي أجزي ~~وأسد وأنوب { عنكم من الله } أي بعض أمر الملك الأعظم، وعمم النفي فقال: ~~{ من ms2285 شيء } أي إن أراد بكم، سواء كنتم مفترقين أو مجتمعين، وهذا حكم ~~التقدير، ثم علل ذلك بقوله: { إن } أي ما { الحكم } وهو فصل الأمر بما ~~تدعو إليه الحكمة { إلا الله } أي الذي له الأمر كله، لا يقدر أحد سواه ~~على التفصي عن شيء من مراده والفرار من شيء من قدره، ولهذا المعنى - وهو ~~أنه لا ينفع أصلا سبب إلا بالله - أنزل الله التسمية مقرونة بهاء السبب ~~أول كتابه، وأمر بها أول كل شيء؛ وروى أبو نعيم في الحلية في ترجمة ~~إمامنا الشافعي بسنده إليه ثم إلى علي ابن أبي طالب رضي الله عنه أنه خطب ~~الناس يوما فقال في خطبته: وأعجب ما في الإنسان قلبه، ولو مواد من ~~الحكمة وأضداد من خلافها، فإن سنح له الرجاء أولهه الطمع. وإن هاج به ~~الطمع أهلكه الحرص، وإن ملكه اليأس قتله الأسف، وإن عرض له الغضب اشتد به ~~الغيظ، وإن أسعد بالرضى نسي التحفظ وإن ناله الخوف شغله الحزن، وإن ~~أصابته مصيبة قصمه الجزع، وإن أفاد مالا أطغاه الغنى، وإن عضته فاقة ~~شغله البلاء، وإن أجهده الجوع قعد به الضعف، وإن أجهده الجوع قعد به ~~الضعف، وإن أفرط به الشبع كظته البطنة، فكل تقصير به مضر. وكل إفراط له ~~مفسد. قال: فقام إليه رجل ممن كان شهد معه الجمل، فقال: يا أمير ~~المؤمنين؟ أخبرنا عن القدر، فقال: بحر عميق فلا تلجه، فقال: يا أمير ~~المؤمنين! أخبرنا عن القدر، فقال بيت مظلم فلا تدخله، فقال: يا أمير ~~المؤمنين! أخبرنا عن القدر، فقال: سر الله فلا تتكلفه، فقال: يا أمير ~~المؤمنين! أخبرنا عن القدر، فقال: أما إذا أبيت فإنه أمر بين أمرين، لا ~~جبر ولا تفويض، فقال: يا أمير المؤمنين! إن فلانا يقول بالاستطاعة وهو ~~حاضرك، فقال: علي به! فأقاموه، فلما رآه سل من سيفه قدر أربع أصابع ~~فقال: الاستطاعة تملكها مع الله أو من دون الله؟ وإياك أن تقول أحدهما ~~فترتد فأضرب عنقك! فقال: فما أقول يا أمير المؤمنين؟ قال: قل: أملكها ~~بالله الذي ms2286 إن شاء ملكنيها. # وسيأتي إن شاء الله تعالى في سورة الحج عند # إن الله يفعل ما يشاء # [الحج: 18] ما يتصل بهذا. # ولما قصر الأمر كله عليه سبحانه، وجب رد كل أمر إليه، وقصر النظر عليه، ~~فقال منبها على ذلك: { عليه } أي على الله وحده الذي ليس الحكم إلا له { ~~توكلت } أي جعلته وكيلي فرضيت بكل ما يفعله { وعليه } أي وحده { فليتوكل ~~المتوكلون * } أي الثابتون في باب التوكل، فإن ذلك من أعظم الواجبات، من ~~فعله فاز، ومن أغفله خاب، ثم إنه سبحانه صدق يعقوب فيما قال، مؤكدا لما ~~أشار إلى اعتقاده، فقال: { ولما } وعطفه بالواو يدل على أنهم ما أسرعوا ~~الكرة في هذه المرة خوفا من أن يقول لهم: لم يفرغ ما عندكم حتى تضطروا ~~إلى الاستبدال به، والزمان زمان رفق، لا زمان تبسط { دخلوا } أي أخوة ~~يوسف عليه الصلاة والسلام عند وصولهم إلى مصر { من حيث أمرهم } أي به { ~~أبوهم } من أبواب متفرقة، قالوا: وكان لمصر أربعة أبواب { ما كان } ذلك ~~الدخول { يغني } أي يدفع ويجزي { عنهم من الله } أي الملك الأعلى الذي ~~لاراد لأمره، وأعرق في النفي فقال: { من شيء } كما تقدم من قول يعقوب ~~عليه الصلاة والسلام { إلا حاجة } أي شيئا غير أتم حاجة { في نفس يعقوب ~~} وهو الدخول على ما أمر به شفقة عليهم { قضاها } يعقوب، وأبرزها من نفسه ~~إلى أولاده، فعملوا فيها بمراده فأغنى عنهم ذلك الإخلاص من عقوق أبيهم ~~فقط، فإنهم ابتلوا في هذه السفرة بأمر عظيم لم يجدوا منه خلاصا، وهو ~~نسبهم إلى السرقة، وأسر أخيهم منهم، قال أبو حيان: وفيه حجة لمن زعم أن " ~~لما " حرف وجوب لوجوب، لا ظرف زمان بمعنى " حين " ، إذا لو كان ظرف زمان ~~ما جاز أن يكون معمولا لما " بعد " ما النافية - انتهى. # ولما كان ذلك ربما أوهم أنه لا فائدة في الاحيتاط، أشار تعالى إلى رده ~~بمدح يعقوب عليه الصلاة والسلام، حثا على الاقتداء به في التسبب مع ~~اعتقاده أن الأمر بيد الله فقال: { وإنه } أي يعقوب ms2287 عليه الصلاة والسلام ~~مع أمره لبنيه بذلك { لذو علم } أي معرفة بالحكمين: حكم التكليف، وحكم ~~التقدير، واطلاع على الكونين عظيم { لما } أي للذي { علمناه } إياه من ~~أصول الدين وفروعه، ويجوز أن يكون المعنى: لذو علم لأجل تعليمنا أياه. # فاقتدوا به في الاحتياط في تعاطي الأسباب، مع اعتقاد أنه لا أثر لها إلا ~~أن أمضاها الواحد القهار، فبهذا التقدير يتبين أن الاستثناء متصل، وفائدة ~~إبرازه - في صورة الأستثناء عند من جعله منقطعا - الإشارة إلى تعظيم ~~يعقوب عليه الصلاة والسلام، وأنه جدير بأن يكون ما يأمر به مغنيا، لأنه ~~من أمر الله، فلو كان كل شيء يغني من قدر الله لأغنى ما أشار به، وإنما ~~فسرت " يغنى " ب " يدفع " لأن مادة " غنى " - بأي ترتيب كان - تدور على ~~الإقامة، فيكون أغنى للسلب، وهو معنى للدفع، بيانه أن غنى بمعنى أقام، ~~وعاش، ولقي، ومغنى الدار: موضع الحلول، ويلزم من الإقامة الكفاية ~~والتمول، لأن الفقير منزعج مضطرب، والغني - كإلى: التزوج، وإذا فتح مد، ~~والاسم الغنية - بالضم، وذلك لأن التزوج لازم الإقامة، والغانية: المرأة ~~تطلب ولا تطلب، أو الغنية بحسنها عن الزينة، أو الشابة المتزوجة، أو ~~الشابة العفيفة ذات زوج كانت أم لا، ومثلها يلزم المنزل ويقصر في الخيام، ~~وأغنى عنه غناء فلان: ناب عنه منابه وأجزأ مجزأه، وحقيقته جعل إقامة كذا ~~متجاوزة عنه، فالمفعول محذوف، فإذا قال مثلا: فلان أغنى عني في الحرب، ~~كان المعنى: أغنى عني ضرب الأبطال أو شدة الحرب، أي أزال إقامة ذلك عني ~~فجعله متجاوزا، ولا شك أن معنى ذلك: دفعه عني، وكذا كل ما كان من ذلك، ~~وما فيه غناء ذاك، أي إقامته والاضطلاع به، ويلزم أيضا - من الإقامة ~~التي هي المدار والكفاية التي هي سببها - الغناء - بالكسر والمد، وهو ~~التطريب بالصوت، والغناء أيضا: الرمل - لإقامته، وغنى بالمرأة: تغزل، أي ~~نظم فيها الغزل، وغنى بزيد: مدحه أو هجاه - من لوازم الإقامة والكفاية، ~~ومنه غنى الحمام: صوت؛ ونغى - كرمى: تكلم بكلام يفهم - لأن ذلك يسكن ~~الخاطر عن القلق، ومنه المناغاة - وهي ms2288 تكليم الصبي بما يهوى، ونغيت إليه ~~نغية، أي ألقيت إليه كلمة، والنغية - كالنغمة: أول الخبر قبل أن تستثبته، ~~من تسمية الجزء باسم الكل، وناغاه: داناه، ومنه الموج يناغي السماء - إذا ~~ارتفع، وناغاه: باراه أي عارضه، والمرأة: غازلها، أي حادثها - كل ذلك من ~~لوازم الإقامة؛ والغين: حرف هجاء مجهور مستعل - كأنها لقوتها مقيمة في ~~مخرجها غير متزعزعة عنه كالراء والحروف الهوائية وغيرها، والغين: العطش - ~~لأنه الأصل لاقتضاء الحرارة له والري حادث، والغين: الغيم - لإقامته في ~~الهواء، والغينة: أرض - لأنها موضع الإقامة، والأشجار الملتفة بلا ماء، ~~هي أيضا موضع لذلك، لأنها ظليلة ولا ماء بأرضها يمنع من الانتفاع بشيء ~~من ظلها، والغيناء: الخضراء من الشجر، وبئر، وبالقصر: قنة ثبير من ~~الأثبرة السبعة - لأن ذلك كله موضع للإقامة، ولعل قنة هذا الجبل كثيرة ~~الشجر فترجع إلى الشجرة، والأغين: الطويل - إما تشبيه بقنة الجبل، أو ~~بالشجرة، والغانة: حلقة رأس الوتر في القوس، وغين على قلبه: غطى عليه أي ~~أقام عليه ساترا له فصار كالسماء بالنسبة إلى الغيم، ومنه غين عليه - ~~إذا تغشته الشهوة وألبس أو غشي عليه، أو أحاط به الرين وهو الطبع والدنس، ~~والغينة - بالكسر: الصديد وما سل من الميت - كأنه من سلب الإقامة، وكذا ~~الغين بالكسر - لموضع كثير الحمى، وغانت نفسي تغين: غثت، والإبل: غامت، ~~أي حصل لها داء كالقلاب غير أنه لا يقتل - انتهى. # ولما كان قد يظن أن كل أحد يكون كذلك، أي يعلم ما علمه، نفى ذلك سبحانه ~~بقوله: { ولكن أكثر الناس } أي لأجل ما لهم من الاضطراب { لا يعلمون * } ~~أي ليسوا بذوي علم لما علمناهم لإعراضهم عنه واستفرغ قواهم في الاهتمام ~~بما وقع التكفل لهم به من أحوال الدنيا، ومغالبة فطرهم القويمة السليمة ~~بردها إلى ما تدعو إليه الحظوظ والشهوات حتى لا يكون فيها طب مخلوق. ### || [12.69-76] # ولما أخبر تعالى عن دخولهم إلى البلد، أخبر عن دخولهم لحاجتهم إلى يوسف ~~عليه الصلاة والسلام فقاتل: { ولما دخلوا } أي بنوه عليه الصلاة والسلام ~~{ على يوسف } في هذه القدمة الثانية { آوى ms2289 إليه أخاه } شقيقه بنيامين بعد ~~أن قالوا له: هذا أخونا الذي أمرتنا به قد أحضرناه، فقال: أصبتم، وستجدون ~~ذلك عندي؛ والإيواء: ضم النفس بالتصيير إلى موضع الراحة، وسبب إيوائه ~~إليه أنه أمر كل اثنين منهم أن يأكلوا على حدة، فبقي بنيامين بلا ثان، ~~فقال: هذا يأكل معي، ثم قال ليا: وكل اثنين منكم في بيت من خمسة أبيات ~~أفردها لهم، وهذا الوحيد يكون معي في بيتي، وهذا التفريق موافق لما أمرهم ~~به أبوهم في تفريق الدخول، فكأنه قيل: ماذا قال له، هل أعلمه بنفسه أو ~~كتم ذلك عنه كما فعل بسائر إخوته؟ فقيل: بل { قال } معلما له، لأنه لا ~~سبب يقتضي الكتم عنه - كما سيأتي بيانه، مؤكدا لما للأخ من إنكاره لطول ~~غيبته وتغير أحواله وقطع الرجاء منه: { إني أنا أخوك } يوسف: ثم سبب عن ~~ذلك قوله: { فلا تبتئس } أي تجتلب البؤس. وهو الكراهة والحزن { بما كانوا ~~} أي سائر الإخوة، كونا هم راسخون فيه { يعملون * } مما يسوءنا وإن ~~زعموا أنهم بنوا ذلك العمل على علم، وقد جمعنا له خير ما يكون عليه ~~الاجتماع، ولا تعلمهم بشيء من ذلك، ثم إنه ملأ لهم أوعيتهم كما أرادوا. ~~وكأنه في المرة الأولى أيضا في تجهيزهم ليتعرف أخبارهم في طول المدة من ~~حيث لا يشعرون، ولذلك لم يعطف بالفاء، وأسرع في تجهيزهم في هذه المرة ~~قصدا إلى انفراده بأخيه من غير رقيب بالحيلة التي دبرها. فلذلك أتت ~~الفاء في قوله: { فلما جهزهم } أي أعجل جهاز وأحسنه { بجهازهم } ويؤيده # فلما جاء أمرنا # [هود:66 و 82] في قصتي صالح ولوط عليهما الصلاة والسلام - كما مضى في ~~سورة هود عليه الصلاة والسلام { جعل } أي بنفسه أو بمن أمره { السقاية } ~~التي له. وهي إناء يسقي به { في رحل أخيه } شقيقه، ليحتال بذلك على ~~إبقائه عنده مع علمه بأن البصير لا يقضي بسرقته بذلك، مع احتمال أن يكون ~~الصواع دس في رحله بغير علمه كما فعل ببضاعتهم في المرة الأولى، وأما غير ~~البصير فضرر ثبوت ذلك في ذهنه مفتقر لأنه ms2290 يسير بالنسبة إلى ما يترتب عليه ~~من النفع من ألف إخوته بيوسف عليه الصلاة والسلام وزوال وحشتهم منه ~~بإقامته عنده - كما سيأتي مع مزيد بيان - هذا مع تحقق البراءة عن قرب، ~~فهو من باب ارتكاب أخف الضررين، ثم أمهلهم حتى انطلقوا، ثم أرسل إليهم ~~فحبسوا { ثم } أي بعد انطلاقهم وإمعانهم في السير { أذن } أي أعلم فيهم ~~بالنداء { مؤذن } قائلا برفيع صوته وإن كانوا في غاية القرب منه - بما ~~يدل عليه إسقاط الأداة: { أيتها العير } أي أهلها، وأكد لما لهم من ~~الإنكار { إنكم لسارقون * } أي ثابت لكم ذلك لا محالة حقيقة بما فعلتم في ~~حق يوسف عليه الصلاة والسلام، أو مجازا بأنكم فاعلون فعل السارق - كما ~~سيأتي بيانه آنفا، مع أن هذا النداء ليس من قول يوسف عليه الصلاة ~~والسلام، ويحتمل أن لا يكون بأمره حتى يحتاج إلى تصحيحه، بل يكون قائله ~~فهم ذلك من قوله عليه السلام: صواعي مع الركب، أو كأنهم أخذوا صواعي ~~فاذهب فآتني به أو بهم - ونحو ذلك مما هو حق في نفسه؛ والعير: القافلة ~~التي فيها الأحمال، والأصل فيها الحمير، ثم كثر حتى أطلق على كل قافلة ~~تشبيها بها، وقد تضمنت الآية البيان عما يوجبه التلطف في بلوغ المراد من ~~إيقاع الأسباب التي تؤدي إليه وتبعث عليه بظاهر جميل وباطن حق مما يخفى ~~على كثير من الناس موقعه، ويشكل عليه وجهه، لأنه أنفذ له وأنجح للمطلوب ~~منه، فكأنه قيل: إن هذه لتهمة عظيمة، فما قالوا في جوابها؟ فقيل: { قالوا ~~} في جواب الذين لحقوهم { و } الحال أن آل إسرائيل { أقبلوا } ودل - على ~~أن الذين لحقوهم كانوا جماعة المؤذن أحدهم، كما كما هو شأن ذوي الرئاسة ~~إذا أرسلوا في مهم - بالجمع في قوله: { عليهم } أي على جماعة الملك: ~~المنادي وغيره { ماذا تفقدون * } مما يمكننا أخذه { قالوا نفقد } وكأن ~~السقاية كان لها اسمان، فعبروا هنا بقولهم: { صواع الملك } والصواع: ~~الجام يشرب فيه { ولمن جاء به } أي أظهره ورده من غير تفتيش ولا عناء { ~~حمل بعير } وهو بالكسر: قدر من ms2291 المتاع مهيأ لأن يحمل على الظهر، وأما ~~الحمل في البطن فبالفتح { وأنا به زعيم * } أي ضامن وكفيل أوديه إليه، ~~وإفراد الضمير تارة وجمعه أخرى دليل على أن القاتل واحد، وأنه نسب إلى ~~الكل لرضاهم به، وفي الآية البيان عما يوجبه حال بهت الإنسان للتثبت في ~~الأمر وترك الإسراع إلى ما لا يجوز من القول، فكأنه قيل: فما قال إخوة ~~يوسف؟ قيل: { قالوا } قول البريء { تالله } أي الملك اوعظم فأقسموا قسما ~~مقرونا بالتاء، لأنها يكون فيها التعجب غالبا، قال الرماني: لأنها لما ~~كانت نادرة في أدوات القسم جعلت للنادر من المعاني، والنادر من المعاني ~~يتعجب منه، وقال: إنها بدل من الواو، والواو بدل من الباء، فهي بدل من ~~بدل، فلذلك ضعفت عن التصريف في سائر الأسماء، ثم أكدوا براءتهم بقولهم: { ~~لقد علمتم } أي بما جربتم من أمانتنا قبل هذا في كرتي مجيئنا { ما جئنا } ~~وأكدوا النفي باللام فقالوا: { لنفسد } أي نوقع الفساد { في الأرض و } ~~لقد علمتم { ما كنا } أي بوجه من الوجوه { سارقين * } أي موصوفين بهذا ~~الوصف قط، بما رأيتم من أحوالنا: من ردنا بضاعتنا التي وجدناها في رحالنا ~~وغير ذلك مما عاينتم من شرف فعالنا مع علمنا بأنها خلق لنا لا تصنع ~~يظهر لبعض الأذكياء بأدنى تأمل، فكأنه قيل: فما قال الذين من جهة العزيز؟ ~~قيل: { قالوا } قول واثق بأنه في رحالهم: { فما جزاؤه } أي الصواع { إن ~~كنتم كاذبين * } في تبرئكم من السرقة؛ والجزاء: مقابلة العمل بما يستحق ~~عليه من خير أو شر { قالوا } وثوقا منهم بالبراءة وإخبارا بالحكم عندهم ~~{ جزاؤه } أي الصواع { من }. # ولما كان العبرة بنفس الوجدان، بنوا للمفعول قولهم: { وجد في رحله } ~~ولتحققهم البراءة علقوا الحكم على مجرد الوجدان لا السرقة؛ ثم أكدوا ذلك ~~بقولهم: { فهو جزاءه } أي ليس غير، فكأنه قيل: هل هذا أمر أحدثتموه الآن ~~أو هو مشروع لكم؟ فقالوا: { كذلك } أي بل هو سنة لنا، مثل ذلك الجزاء ~~الشديد { نجزي الظالمين * } أي بالظلم دائما، نرقه في سرقته؛ فحينئذ ~~فتش أوعيتهم { فبدأ } أي فتسبب ms2292 عن ذلك أنه بدأ المؤذن أو غيره ممن أمر ~~بذلك { بأوعيتهم }. # ولما لم يكن - بين فتح أوعيتهم وفتح وعاء أخيه - فاصل يعد فاصلا، فكانت ~~بداءته بأوعيتهم مستغرقة لما بينهما من الزمان، لم يأت بجار، فقال { قبل ~~وعاء أخيه } أي أخي يوسف عليه الصلاة والسلام شقيقه، إبعادا عن التهمة { ~~ثم } أي بعد تفتيش أوعيتهم والتأني في ذلك { استخرجها } أي أوجد إخراج ~~السقاية التي تقدم أنه جعلها في وعاء أخيه { من وعاء أخيه }. # ولما كان هذا كيدا عظيما في أخذ أخيه بحكمهم، مع ما توثق منهم أبوهم، ~~عظمه تعالى بالإشارة إليه بأداة البعد والإسناد إليه قال: { كذلك } أي ~~مثل هذا الكيد العظيم { كدنا ليوسف } خاصة بأن علمناه إياه جزاء لهم على ~~كيدهم بيوسف عليه الصلاة والسلام، ولذلك صنعنا جميع الصنائع التي أعلت ~~يوسف عليه الصلاة والسلام وألجأت إخوته الذين كادوه بما ظنوا أنه أبطل ~~أمره إلى المجيء إليه إلى أن كان آخرها حكمهم على أنفسهم بما حكموا، ثم ~~علل ذلك بقوله: { ما كان } أو هو استئناف تفسير للكيد، وأكد النفي باللام ~~فقال: { ليأخذ أخاه }. # ولما كان الأخذ على جهات مختلفة، قيده بقوله: { في دين الملك } يعني ملك ~~مصر، على حالة من الحالات، لأن جزاء السارق عندهم غير هذا { إلا أن يشاء ~~الله } أي الذي له الأمر كله، ذلك بسبب يقيمه كهذا السبب الذي هو حكم ~~السارق وأهله على أنفسهم، فلا يكون حينئذ من الملك إلا تخليتهم وما حكموا ~~به على نفوسهم. # ومادة " سرق " بتراكيبها الأربعة: سرق، وسقر، وقسر، وقرس - تدور على ~~الغلبة المحرقة والموجعة، وتارة تكون بحر، وتارة ببرد، وتارة بغير ذلك، ~~وتلازمها القوة والضعف والكثرة والقلة والمخادعة، فيأتي الخفاء والليل، ~~فمن مطلق الغلبة: القسر، وهو الغلبة والقهر، وقال ابن دريد: القسر: الأخذ ~~بالغلبة والاضطهاد، والقسورة: الأسد، والعزيز كالقسور، والرماة من ~~الصيادين، واحده قسور، ونبات سهلي - كأنه يكثر فيه الصيد، فتنتابه ~~القساورة، وقسور النبت: كثر، وركز الناس، أي صوتهم الخفي وحسهم - لأن ~~الصيادين يتخافتون؛ والسقر لغة في الصقر - لطير يصيد؛ وقسر: جبل ms2293 السراة - ~~كأنه موضع الصيد والقسر والغلبة، والقيسري: الكثير - لأنه ملزوم للغلبة، ~~وضرب من الجعلان - كأنه سمي لمطلق الكثرة ولأذاه بما يعانيه من النجاسات، ~~والقيسري - أيضا من الإبل: العظيم أو الصلب أو الضخم الشديد: وجمل ~~قراسية - بالضم وتخفيف الياء: ضخم، والقرس - بالكسر: صغار البعوض؛ ~~والقسورة أيضا من الغلمان: الشاب القوي، والرامي - لأنه أهل لأن يغلب، ~~ولقسور أيضا: الصياد مطلقا؛ ويلزمه المخادعة والاستخفاء، ومنه القسورة: ~~نصف الليل أو أوله أو معظمه - لأنه محل الاستخفاء والمقاهرة؛ ومنه السرق، ~~وهو الأخذ في خفية، وعبارة القزاز: في ختل وغفلة، وسرق - كفرح: خفي، ~~والسوارق: الزوائد في فراش القفل - لغرابتها وخفاء أمرها، أو لسلبها ~~السرقة بمنعها السارق من فتح القفل، والمسترق: المستمع مختفيا، وانسرق ~~عنهم: خنس ليذهب، ويلزم المخادعة والاختفاء نوع ضعف، ومنه: سرقت مفاصله - ~~كفرح: ضعفت، والمسترق: الناقص الضعيف الخلق؛ وانسرق: فتر وضعف - إما منه ~~وإما من السلب، لأن من فتر أو ضعف يكف عن السرقة والأذى؛ وقسور الرجل: ~~أسن، وكان منه القارس والقريس أي القديم، ومسترق العنق: قصيرها - كأنه ~~سرق منها شيء، وهو يسارق النظر إليه، أي يطلب غفلته لينظر إليه، وتسرق: ~~سرق شيئا فشيئا، وسرق - كسكر - كان اسمه الحباب فابتاع من بدوي ~~راحلتين، ثم أجلسه على باب دار ليخرج إليه بثمنهما فخرج من الباب الآخر ~~فهرب بهما، فسماه النبي صلى الله عليه وسلم سرقا، وكان لا يحب أن يسمى ~~بغيره، والسرق - محركا: أجود الحرير أو الحرير الأبيض، أو الحرير عامة، ~~فارسي معرب أصله سره، قال القزاز: ومعناه: جيد، لأنه أهل لأن يقصد ~~بالسرقة لخفة محمله وكثرة تمنه، والسرقين معرب سركين يمكن أن يكون من ~~الضعف، ولعل المعرب يكون خارجا عن أصل المادة، لأنه لا أصل له في ~~العربية؛ ومن الأذى بالحر السفر: حر الشمس وأذاه، يقال: سقرته الشمس - ~~بالسين والصاد - إذا آلمت دماغه، ومنه اشتقاق سقر، وهو اسم إحدى طبقات ~~النار، والسقر: القيادة على الحرم، والسقر: ما يسيل من الرطب - من ~~التسمية باسم السبب، لأن الحر سببه، والقوسرة: القوصرة - ويخففان - لأنه ~~يوضع فيه التمر ms2294 الذي قد يكون منه السقر، والساقر: الكافر واللعان لغير ~~المستحقين - لكثرة الأذى، أو لاستحقاق الكون في سقر، والساقور: الحر ~~والحديدة يكوى بها الحمار؛ ومن الأذى بالبرد: القرس - وهو البرد الشديد ~~والبارد، والقرس - ويحرك: أبرد الصقيع وأكثفه، والقرس - بالتحريك: ~~الجامد، وأقرس العود جمد ماءه، ومنه القريس - لسمك طبخ وترك حتى جمد، ~~وقرس الماء: جمد، والبرد: اشتد كقرس كفرح، وآل قرايس ويقال: نبات قراس - ~~كسحاب: أجبل باردة أو هضاب بناحية السراة، وقرسنا الماء: بردناه. # إذا تقرر ذلك فتصحيح قول المؤذن " إنكم لسارقون " إن نظر إلى الغلبة في ~~خفاء فلا شك أنهم متصفون بذلك لأخذهم يوسف من أبيه عليهما السلام على هذه ~~الحالة، وإن نظر إلى مطلق الأخذ في خفاء فيكون إطلاق ذلك عليهم مجازا، ~~لأن معهم - في حال ندائه لهم وهم سائرون - شيئا ليس هو لهم هم ذاهبون به ~~في خفاء، أي أنتم في هذه الحالة فاعلون فعل السارق، ويقوي إرادة الأول ~~قوله تعالى { لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون } وقوله تعالى: { من ~~وجدنا متاعنا عنده } كما سيأتي. # ولما كان يوسف عليه الصلاة والسلام إنما تمكن من ذلك بعلو درجته وتمكنه ~~ورفعته، بعد ما كان فيه عندهم من الصغار، كان ذلك محل عجب، فقال تعالى - ~~التفاتا إلى مقام التكلم تقوية للكلام بمقام الغيبة والتكلم، وزاده ~~إشعارا بعظمة، هذا الفعل بصوغه في مظهر العظمة منبها لمن قد يغفل: { ~~نرفع } أي لنا من العظمة، وكان الأصل: درجاته، ولكنه عمم لأنه أدل على ~~العظمة، فكان أليق بمظهرها، فقال منبها على أنه كان حصل ليوسف عليه ~~الصلاة والسلام من الهضم ما ظن كما ظن أنه لا يرتفع بعده: { درجات من ~~نشاء } أي بالعلم. # ولما كان سبب الرفعة هو الأعلمية بالأسباب، وذلك أن الخلق لو اجتهدوا في ~~خفض أحد فنصبوا له كل سبب علموه وقدروا عليه، وأراد الله ضد ذلك، لقيض ~~بعلمه سببا واحدا إن شاء فأبطل جميع تلك الأسباب وقضى برفعته، نبه ~~تعالى على ذلك بقوله: { وفوق كل ذي علم } أي من الخلق { عليم } عظيم ~~العلم، ms2295 لا تكتنه عظمة علمه العقول، ولا تتخيلها الفهوم، فهو يسبب من ~~الأسباب ما تطيح له أسباب العلماء وتحير له ألباب العقلاء البصراء، وهو ~~الله تعالى - كما نقله الرماني عن ابن عباس رضي الله عنهما والحسن وسعيد ~~بن جبير، فالتنوين للتعظيم. ### || [12.77-79] # ولما تم ذلك، كان كأنه قيل: إن انتزاع أخيهم منهم - بعد تلك المواثيق ~~التي أكدوها لأبيهم - لداهية تطيش لها الحلوم، فماذا كان فعلهم عندها؟ ~~فقيل: { قالوا } تسلية لأنفسهم ودفعا للعار عن خاصتهم { إن يسرق } فلم ~~يجزموا بسرقته، لعلمهم بأمانته، وظنهم هذا الصواع دس في رحله وهو لا ~~يشعر، كما دست بضاعتهم في رحالهم وإنما أوهى ظنهم هذا سكوت أخيهم عن ~~الاعتذار به، على أنه قد ورد أنهم لاموه فقال لهم: وضعه في رحلي الذي وضع ~~البضاعة في رحالهم { فقد سرق أخ } أي شقيق { له } ولما كان ما ظنوه كذلك ~~في زمن يسير، أدخلوا الجار فقالوا: { من قبل } يعنون يوسف عليه الصلاة ~~والسلام، وذلك أنه قيل: إن عمته كانت لا تصبر عنه، وكان أبوه لا يسمح ~~بمكثه عندها، لأنه لا يصبرعنه، فحزمته من تحت ثيابه بمنطقة أبيها إسحاق ~~عليه السلام وكانت عندها، ثم قالت: فقدت منطقة أبي، فاكشفوا أهل البيت، ~~فوجدوها مع يوسف عليه الصلاة والسلام، فسمح يعقوب عليه الصلاة والسلام ~~حينئذ لها ببقائه عندها { فأسرها } أي إجابتهم عن هذه القولة القبيحة { ~~يوسف في نفسه } على تمكنه مما يريد بهم من الانتقام. # ولما كان ربما ظن ظان أنه بكتهم بها بعد ذلك، نفى هذا الظن بقوله تعالى: ~~{ ولم يبدها } أي أصلا { لهم } فكأنه قيل: فما قولته التي أسرها في ~~نفسه؟ فقيل: { قال أنتم شر مكانا } أي من يوسف وأخيه، لأن ما نسب إليهما ~~من الشر إنما هو ظاهرا لأمر خير اقتضاه، وأما أنتم ففعلتكم بيوسف شر ~~مقصود منكم ظاهرا وباطنا، ونسبة الشر إلى مكانهم أعظم من نسبته إليهم، ~~وإنما قدم الإخبار بالإسرار مع اقترانه بالإضمار قبل الذكر، لئلا يظن ~~بادىء بدء أنهم سمعوا ما وصفهم به من الشر { والله } أي ms2296 الذي له الإحاطة ~~الكاملة { أعلم بما تصفون * } منكم، وأنه ليس كما قلتم؛ والوصف: كلمة ~~مشتقة من أصل من الأصول لتجري على مذكور فتفرق بينه وبين غيره بطريق ~~النقيض كالفرق بين العالم والجاهل ونحوهما، فكأنه قيل: إن ذلك القول على ~~فحشه ليس مغنيا عنهم ولا عن أبيهم شيئا، فهل اقتصروا عليه؟ فقيل: لا، ~~بل { قالوا } التماسا لما يغنيهم: { ياأيها العزيز } فخاطبوه بما يليق ~~بالأكابر ليرق لهم { إن له } أي هذا الذي وجد الصواع في رحله { أبا ~~شيخا كبيرا } أي في سنه وقدره وهو مغرم به، لا يقدر على فراقه ولا يصبر ~~عنه { فخذ أحدنا مكانه } وأحسن إلى أبيه بإرساله إليه { إنا نراك } أي ~~نعلمك علما هو كالرؤية أو بحسب ما رأيناه { من المحسنين * } أي العريقين ~~في صفة الإحسان، فأجر في أمرنا على عادة إحسانك، فكأنه قيل: فما أجابهم؟ ~~قيل: { قال معاذ الله } أي نعوذ بالذي لا مثل معاذا عظيما { أن نأخذ } ~~أي لأجل هذا الأمر { إلا من } أي الشخص الذي { وجدنا متاعنا عنده } ولم ~~يقل: سرق متاعنا، لأنه - كما أنه لم يفعل في الصواع فعل السارق - لم يقع ~~منه قبل ذلك ما يصحح إطلاق الوصف عليه؛ علل ذلك بقوله: { إنا إذا } أي ~~إذا أخذنا أحدا مكانه { لظالمون * } أي عريقون في الظلم في دينكم، فلم ~~تطلبون ما هو ظلم عندكم. # ذكر ما بعد ما سلف من هذه القصة من التوراة # قال: وكان القهم - وفي نسخة: الجوع - والإرجاف على جميع وجه الأرض، ففتح ~~يوسف الأهراء، وأقبل يبيع المصريين، واشتد الجوع بأرض مصر، وأقبل جميع ~~أهل الأرض يأتون للامتيار من يوسف. # فبلغ يعقوب عليه الصلاة والسلام أن بمصر طعام ميرة، فقال يعقوب عليه ~~السلام لبنيه: لا خوف عليكم، لأنه قد بلغني أن بمصر ميرة فاهبطوا إلى ~~هناك، فامتاروا لنا فنحيى ولا نموت. فهبط بنو يعقوب عليه الصلاة والسلام ~~العشرة ليمتاروا ميرة من مصر، فأما بنيامين أخو يوسف فلم يرسله يعقوب مع ~~إخوته، لأنه قال: لعله أن يعرض له عارض، فأتى بنو إسرائيل ليمتاروا مع ms2297 ~~الذين كانوا ينطلقون، لأن الجوع اشتد في أرض كنعان، وكان يوسف هو المسلط ~~على الأرض، وكان يميز جميع شعب الأرض، فأتى إخوة يوسف عليه الصلاة ~~والسلام فخروا له سجدا على الأرض، فرأى يوسف إخوته فأثبتهم وتناكر عليهم ~~وكلمهم بفظاظة وقساوة، وقال لهم: من أين أنتم؟ فقالوا: أتينا من أرض ~~كنعان لنمتار ميرة، فذكر يوسف عليه الصلاة والسلام الرؤيا التي قصها ~~عليهم وقال لهم: إنكم جواسيس، وإنما أتيتم لتفحصوا وتطلعوا الأرض. ~~فقالوا: كلا يا سيدنا! إن عبيدك إنما أتوا ليمتاروا، نحن أجمعون بنو رجل ~~واحد، ونحن أبرياء، وليس عبيدك بطلائع، فقال لهم يوسف: ليس الأمر كما ~~تقولون، بل إنما أتيتم لتجسسوا أرضنا. فقالوا له: نحن اثنا عشر رجلا ~~إخوة عبيدك بنو رجل واحد بأرض كنعان، والآخر هو عند أبينا يومنا هذا، ~~والآخر فقدناه، فقال لهم يوسف: إني إنما قلت لكم: إنكم جواسيس، من أجل ~~هذا بهذه تمتحنون، وحق فرعون! لا أخرجنكم من هاهنا حتى يأتي أخوكم الأصغر ~~إلى هاهنا. فنفحص عن أقاويلكم إن كنتم نطقتم بالحق والقسط، وإلا وحق ~~فرعون! إنكم طلائع، فقذفهم في الحبس ثلاثة أيام، ودعا بهم يوسف عليه ~~الصلاة والسلام في اليوم الثالث، وقال لهم: افعلوا ما آمركم به فتحيوا، ~~فإني أراقب الله فيكم، إن كنتم أبرياء فليحبس أحدكم في محبسكم وانطلقوا ~~أنتم بالميرة للجوع الذي في بيوتكم، فأتوني بأخيكم الأصغر فأصدق قولكم ~~ولا تموتوا، ففعلوا كما أمرهم، فقال كل امرىء منهم لصاحبه: حقا إنا قد ~~استوجبنا السجن على أخينا إذ رأينا كرب نفسه إذا كان يتضرع إلينا فلم ~~نرحمه ولم نتراءف عليه، فمن أجل ذلك نزلت بنا هذه البلية والشر، فأجاب ~~روبيل وقال لهم: ألم أقل لكم: لا تأثموا بالغلام، فلم تقبلوا، وهو ذا ~~الآن نحن مطالبون بدمه. # ولم يعلموا أن يوسف يفهم كلامهم، لأنه أوقف ترجمانا بينه وبينهم، فتنحى ~~عنهم فبكى، ثم رجع إليهم يكلمهم، ثم أخذ منهم شمعون فأوثقه تجاههم. # وأمر يوسف بملء أوعيتهم ميرة، وأمر برد ورق كل امرىء منهم في وعائه، وأن ~~يزودوا ms2298 زادا للطريق، ففعل ذلك بهم كما أمر يوسف عليه السلام، فحملوا ~~ميرتهم على حميرهم وانطلقوا، ففتح بعضهم وعاءه ليلقي قضيما لحماره في ~~مبيتهم. فرأى ورقه موضوعا على طرف حمولته. فقال لإخوته: ورقي رد إلي ~~وهو ذا على طرف حمولتي، فارتجفت قلوبهم وفزعت نفوسهم، وتعجب كل امرىء ~~منهم، فقالوا: يا ليت شعري ما هذا الذي صنعه الله بنا! فأتوا يعقوب أباهم ~~إلى أرض كنعان، فأخبروه بجميع ما عرض لهم وقالوا: إن الرجل سيد الأرض ~~كلمنا بفظاظة وقساوة. وحسبنا بمنزلة الجواسيس أتينا لنطالع الأرض، فقلنا: ~~إنا أبرياء عدول، فلسنا بطلائع، فنحن اثنا عشر أخا بنو أب واحد، فقد ~~واحد منا والآخر عند أبينا يومنا هذا بأرض كنعان، فقال لنا الرجل سيد ~~الأرض ورئيسها: بهذا أعلم بأنكم أبرار عدول، خلفوا عندي أحد إخوتكم، ~~واحملوا ميرة للجوع الذي في بيوتكم. وانصرفوا فأتوني بأخيكم الأصغر معكم، ~~فأعلم حينئذ أنكم لستم بطلائع، بل أنتم أبرياء عدول، وآمر بدفع أخيكم ~~إليكم، وتتجرون في الأرض، فبينما هم يفرغون أوعيتهم فإذا هم بصرة كل ~~امرىء منهم على طرف وعائه فرأوا ورقهم مصرورا ففزعوا هم وأبوهم. فقال ~~لهم أبوهم: إنكم قد أثكلتموني ولدي وأفقدتموني إياهما، لأن يوسف فقدته. ~~وشمعان محبوس، وتنطلقون ببنيامين أيضا وقد كملت علي المصائب كلها، فقال ~~روبيل لأبيه: ثكلت ابني جميعا إن لم آتك به! ادفعه إلي وأنا أرده ~~إليك، فقال: لا يهبط ابني معكم، لأن أخاه يوسف توفي وهو وحده الباقي ~~لأمه، فتعرض له آفة في الطريق الذي تسلكونه فتنزلون شيبتي إلى الجدث ~~بالشقاء والشحب. # فاشتد الجوع على الأرض، فلما أكلوا الذي أتوا به من مصر وأفنوه قال لهم ~~يعقوب أبوهم عليه السلام: اهبطوا فامتاروا لنا شيئا من قمح، فقال له ~~يهوذا: إن الرجل أنذرنا وتقدم إلينا وقال: لا تعاينوا وجهي إلا وأخوكم ~~معكم، فإن أنت أرسلت أخانا معنا فإنا نهبط فنمتار، وإن لم تبعثه لم ~~ننطلق، فقال لهم أبوهم: ولم أسأتم إلي فأخبرتم الرجل أن لكم أخا؟ ~~فقالوا: الرجل سأل عنا وعن رهطنا وقال: إن ms2299 أباكم في الحياة بعد؟ وهل لكم ~~أخ؟ فأخبرناه من أجل هذا الكلام، أكنا نعلم أنه يقول: اهبطوا معكم ~~بأخيكم؟ وقال يهوذا لإسرائيل أبيه: سرح الغلام فننطلق فنحيى ولا نموت نحن ~~وأنت أيضا وحشمنا، أنا أكفل به. # فإن لم آتك به فأقيمه بين يديك فأنا مخطىء بين يدي أبي جميع الأيام. # فقال أبوهم إسرائيل: إذا كان الأمر هكذا فافعلوا ما آمركم به: احملوا في ~~أوعيتكم من ثمار هذه الأرض شيئا من صنوبر وعسل وعلك البطم وخروب وحب ~~السرو وبطم ولوز، وخذوا من الورق ضعف الذي في أوعيتكم، لعل ذلك أن يكون ~~وهما منهم، وانطلقوا بأخيكم إلى الرجل، وارجعوا إلي كلكم، وإله ~~المواعيد يظفركم من الرجل برحمة ورأفة، فيرسل بأخيكم الآخر معكم وبنيامين ~~أيضا، فأخذ القوم هذه الهدية وضعفا من الفضة، وانطلقوا معهم ببنيامين ~~وأتوا يوسف فوقفوا بين يديه. فرأى يوسف بنيامين معهم فقال لحاجبه: أدخل ~~القوم إلى المنزل، واذبح ذبيحا، وهيىء الغداء، لأن القوم يتغدون معي ~~ظهرا، ففعل العبد كما أمره يوسف عليه السلام، وأدخل القوم إلى منزل يوسف ~~عليه السلام وقالوا: إنهم إنما يدخلوننا لسبب الورق الذي وجدنا في ~~أعدالنا من قبل، فيريدون أن يتطاولوا علينا ويمكروا بنا، فيجعلونا عبيدا ~~ودوابنا ملكا، فدنوا من الرجل حاجب - وفي نسخة: خازن - يوسف عليه ~~السلام. فكلموه على باب المنزل، وقالوا له: إنا نطلب إليك يا سيدنا أنا ~~هبطنا أولا إلى هاهنا فامترنا قمحا، فلما طلعنا وصرنا في البيت إذا نحن ~~بورق كل واحد منا في عدله، فقد رددنا أوراقنا بوزنها معنا وأتينا معها ~~بأوراق أخر لنمتار بها، ولا نعلم من الذي صير أوراقنا في أوعيتنا؟ فقال ~~لهم: السلام لكم، لا تخافوا ولا تستوفضوا، إلهكم إله المواعيد إله أبيكم ~~ذخر لكم هذه الذخيرة في أوعيتكم، لأن ورقكم قد صار في قبضتي، وأخرج إليهم ~~شمعون، فأدخل العبد القوم إلى منزل يوسف عليه السلام، وأتاهم بماء فغسلوا ~~أيديهم وأقدامهم، وألقى قضميا لدوابهم، فأعد القوم هديتهم قبل دخول يوسف ~~عليه السلام وقت القائلة لأنه بلغهم أن غداءهم ms2300 يكون هناك، فدخل يوسف إلى ~~منزله، فأدخلوا هديتهم فوضعوها بين يديه في منزله، وخروا له سجدا على ~~الأرض، فسألهم عن سلامتهم وقال: أسالم هو؟ أبوكم الذي أخبرتموني عنه أنه ~~الحياة هو بعد؟ فقالوا: إن أبانا عبدك سالم، ثم جثوا فسجدوا فرفع بصره ~~فأبصر بنيامين أخاه ابن أمه فقال لهم: هذا أخوكم الذي أخبرتموني عنه؟ ~~فقالوا: نعم؟ فقال له: الله يترأف عليكم يا بني، فاستعجل يوسف عليه ~~السلام لأنه رق له وتحنن عليه فأراد البكاء، فدخل إلى مكانه فبكى هناك، ~~ثم غسل وجهه وخرج فصبر نفسه، فأمر أن يأتوهم بالغداء، فوضعوا بين يديه ~~وحده، وقربوا إليهم وحدهم، لأنه لا يستطيع أهل مصر أن يأكلوا مع ~~العبرانيين، لأن هذه نجاسة عند المصريين، فأمر فاتكأ الأكبر على قدر سنه ~~والأصغر على قدر سنه، فتعجب القوم ومكثوا محيرين مشدوهين، فأعطى كل واحد ~~منهم من بين يديه جزءا، وأعطى بنيامين أكثر منهم: خمسة أنصبة، فشربوا. # فأمر خازنه وقال له: أوقر أوعية القوم من البر ما أمكنهم حمله، وصير ورق ~~كل امرىء منهم على طرف وعائه، وخذ طاسي طاس الفضة وصيره في وعاء الأصغر ~~مع ورق ميرته، ففعل العبد كما أمر يوسف عليه السلام، فلما كان من الغد ~~سرح القوم لينطلقوا هم وحميرهم، فخرجوا من القرية، وقبل أن يخرجوا منها ~~قال يوسف لخازنه: قم فامض في طلب القوم وألحقهم وقل لهم: لم كافيتم الشر ~~بدل الخير، فأخذتم الطاس الذي يشرب فيه سيدي ويعتاف فيه اعتيافا، فأسأتم ~~فيما جاء منكم، فلحقهم وقال لهم هذه الأقاويل، فقالوا له: لا تقولن يا ~~سيدنا هذه الأقاويل، معاذ الله أن يفعل عبيدك هذه الفعال! نحن رددنا ~~أوراقنا التي وجدنا في أوعيتنا من أرض كنعان، فكيف نسرق من بيت سيدك ~~ذهبا أو فضة، من وجد عنده من عبيدك فليمت ونكن نحن عبيدا لسيدنا! قال ~~لهم: هو على ما تقولون، من وجد عنده فهو يكون لي عبدا، وأنتم تكونون ~~فلحين طاهين، فاستعجل كل منهم وعاءه، ففتشوا ابتداء بالأكبر وانتهاء إلى ~~الأصغر، فوجدوا الطاس ms2301 في وعاء بنيامين، فمزقوا ثيابهم وخرقوها. وحمل كل ~~امرىء منهم وعاءه على حماره، ورجعوا إلى القرية، فدخل يهوذا وإخوته على ~~يوسف وكان في منزله بعد، فخرجوا بين يديه على الأرض، فقال لهم يوسف: ما ~~هذا الفعل الذي جاء منكم؟ أما تعلمون أن رجلا مثلي يعتاف - وفي نسخة: ~~يمتحن - بكأس اعتيافا؟ لم تتعدون عليه وتأخذونه؟ فقال يهوذا: بماذا نكلم ~~سيدنا! وبماذا ننطق! وبماذا نفلح - وفي نسخة: نحتج - من عند الله نزلت ~~هذه الخطيئة بعبيدك، هوذا نحن عبيد لسيدنا نحن ومن أصيب الكأس عنده، ~~فقال: معاذ الله أن أفعل هذا! بل الرجل الذي وجد الكأس عنده يكون لي ~~عبدا، وأنتم فاصعدوا بسلام إلى أبيكم. # فدنا منه يهوذا فقال: أنا أطلب إليك يا سيدي أن تأذن لعبدك بالكلام بين ~~يديك، يا سيد! ولا تشعل غضبك على عبيدك، لأنك مثل فرعون، سأل سيدي عبيده ~~فقال لهم: هل لكم أب أو أخ؟ فقلنا لسيدنا: إن لنا أبا شيخا وابنا له ~~صغيرا ولد على كبر سنه، وإن أخاه مات، وهو الباقي وحده لأمه، وأبوه ~~يحبه، وأمرت عبيدك وقلت: اهبطوا به إلي حتى أعرفه وأعاينه، فقلنا ~~لسيدنا: لا يقدر الغلام على مفارقة أبيه، لأنه إن فارقه أبوه توفي، فقلت ~~لعبيدك: إنه لم يهبط أخوكم الأصغر معكم فلا تعودوا أن تعاينوا وجهي، فلما ~~صعدنا إلى عبدك أبينا أخبرناه بقول سيدنا فقال لنا عبدك أبونا: ارجعوا ~~فامتاروا شيئا من بر، فقلنا لأبينا: لا نقدر على الهبوط إلى أن نهبط ~~بأخينا الأصغر معنا، لأنا لا نقدر على معاينة وجه الرجل إن لم يكن أخونا ~~معنا، فقال لنا عبدك أبونا: أنتم تعلمون أن امرأتي ولدت لي ابنين، فخرج ~~واحد من عندي فقلتم: إنه قتل قتلا، فلم أعاينه إلى يوم الناس هذا، ~~فتحملون أيضا هذا من عندي فيعرض له صيد فتهبطون بشيخوختي بحزن وشر ~~القبر، والآن إذا نحن انطلقنا إلى عبدك أبينا وليس الغلام معنا ونفسه ~~حبيبة إليه، فإذا علم أن الغلام ليس هو معنا يموت فيهبط عبدك شيبة أبينا ~~بالشقاء والتشحيب، ms2302 لأن عبدك ضمن الغلام لأبينا، وقلت: إني إذا لم آتك به ~~أخطىء باقي جميع الأيام، والآن فليبق عبدك بدل الغلام عبدا لسيدي، ~~وليصعد الغلام مع إخوته، لأني أفكر كيف أصعد إلى أبي وليس الغلام معي ~~كيلا أعاين الشر الذي ينزل بأبي. ### || [12.80-84] # ولما أياسهم بما قال عن إطلاق بنيامين، حكى الله تعالى ما أثمر لهم ذلك ~~من الرأي فقال: { فلما } دالا بالفاء على قرب زمن تلك المراجعات { ~~استيئسوا منه } أي تحول رجاءهم لتخلية سبيله لما رأوا من إحسانه ولطفه ~~ورحمته يأسا شديدا بما رأوا من ثباته على أخذه بعينه وعدم استبداله { ~~خلصوا } أي انفردوا من غيرهم حال كونهم { نجيا } أي ذوي نجوى يناجي ~~بعضهم بعضا، من المناجاة وهي رفع المعنى من كل واحد إلى صاحبه في خفاء، ~~من النجو وهو الارتفاع عن الأرض - قاله الرماني، أو تمحضوا تناجيا ~~لإفاضتهم فيه بجد كأنهم صورة التناجي، فكأنه قيل: فما قالوا؟ فقيل: { قال ~~كبيرهم } في السن وهو روبيل: { ألم تعلموا } مقررا لهم بما يعرفونه مع ~~قرب الزمان ليشتد توجههم في بذل الجهد في الخلاص من غضب أبيهم { أن أباكم ~~} أي الشيخ الكبير الذي فجعتموه في أحب ولده إليه. # ولما كان المقام بالتقرير ومعرفة صورة الحال لتوقع ما يأتي من الكلام، ~~قال: { قد أخذ عليكم } أي قبل أن يعطيكم هذا الولد الآخر { موثقا } ولما ~~كان الله تعالى هو الذي شرعه - كما مضى - كان كأنه منه، فقال: { من الله ~~} أي أيمان الملك الأعظم: لتأتنه به إلا أن يحاط بكم { ومن قبل } أي قبل ~~هذا { ما فرطتم } أي قصرتم بترك التقدم بما يحق لكم في ظن أبيكم أو فيما ~~ادعيتم لأبيكم تفريطا عظيما، فإن زيادة " ما " تدل على إرادته لذلك { ~~في } ضياع { يوسف } فلا يصدقكم أبوكم أصلا، بل يضم هذه إلى تلك فيعلم ~~بها خيانتكم قطعا، وأصل معنى التفريط،: التقدم، من قوله صلى الله عليه ~~وسلم: # " أنا فرطكم على الحوض ". # ولما كان الموضع موضع التأسف والتفجع والتلهف، أكده ب " ما " النافية ~~لنقيض المثبت كما سلف غير ms2303 مرة، أي أن فعلكم في يوسف ما كان إلا تفريطا ~~لا شك فيه { فلن أبرح } أي أفارق هذه { الأرض } بسبب هذا، وإيصاله الفعل ~~بدون حرف دليل على أنه صار شديد الالتصاق بها { حتى يأذن لي أبي } في ~~الذهاب منها { أو يحكم الله } أي الذي له الكمال كله ووثقنا به { لي } ~~بخلاص أخي أو بالذهاب منها بوجه من الوجوه التي يعلمها ويقدر على التسبب ~~لها { وهو } أي ظاهرا وباطنا { خير الحاكمين * } إذا أراد أمرا بلغه ~~بإحاطة علمه وشمول قدرته، وجعله على أحسن الوجود وأتقنها، فكأنه قيل: هذا ~~ما رأى أن يفعل في نفسه، فماذا رأى لإخوته؟ فقيل: أمرهم بالرجوع ليعلموا ~~أباهم لإمكان أن يريد القدوم إلى مصر ليرى ابنه أو يكون عنده رأي فيه ~~فرج، فقال: { ارجعوا إلى أبيكم } أي دوني { فقولوا } أي له متلطفين في ~~خطابكم { ياأبانا } وأكدوا مقالتكم فإنه ينكرها لكم فقولوا: { إن ابنك } ~~أي شقيق يوسف عليه الصلاة والسلام الذي هو أكملنا في البنوة عندك { سرق ~~}. # ولما كانوا في غاية الثقة من أن أحدا منهم لا يلم بمثل ذلك، أشاروا ~~إليه بقولهم: { وما شهدنا } أي في ذلك { إلا بما علمنا } ظاهرا من ~~رؤيتنا الصواع يخرج من وعائه؛ والشهادة: الخبر عن إحساس قول أو فعل، ~~وتجوز الشهادة بما أدى إليه الدليل القطعي { وما كنا للغيب } أي الأمر ~~الذي غاب عنا { حافظين * } فلعل حيلة دبرت في ذلك غاب عنا علمها كما صنع ~~في رد بضاعتنا { واسأل القرية } أي أهلها وجدرانها إن كانت تنطق { التي ~~كنا فيها } وهي مصر، عما أخبرناك به يخبروك بصدقنا، فإن الأمر قد اشتهر ~~عندهم { و } اسأل { العير } أي أصحابها وهم قوم من كنعان جيران يعقوب ~~عليه الصلاة والسلام { التي أقبلنا فيها } والسؤال: طلب الإخبار بأداته ~~من الهمزة وهل ونحوهما، والقرية: الأرض الجامعة لحدود فاصلة، وأصلها من ~~قريت الماء، أي جمعته، وسيأتي شرح لفظها آخر السورة، والعير: قافلة ~~الحمير، من العير - بالفتح، وهو الحمار، هذا الأصل - كما تقدم ثم كثر حتى ~~استعمل في غير الحمير. # ولما كان ms2304 ذلك جديرا بالإنكار لما يتحقق من كرم أخيهم، أكدوه بقولهم: { ~~وإنا } أي والله { لصادقون * } فكأنه قيل: فرجعوا إلى أبيهم وقالوا ما ~~قال لهم كبيرهم، فكأنه قيل: فما قال لهم؟ فقيل: { قال بل } أي ليس الأمر ~~كذلك، لم تصح نسبة ابني إلى السرقة ظاهرا ولا باطنا، أي لم يأخذ شيئا ~~من صاحبه في خفاء بل { سولت } أي زينت تزيينا فيه غي { لكم أنفسكم أمرا ~~} أي حدثتكم بأمر ترتب عليه ذلك، والأمر: الشيء الذي من شأنه أن تأمر ~~النفس به، وكلا الأمرين صحيح، أما النفي فواضح، لأن بنيامين لم يسرق ~~الصواع ولا هم بذلك، ولذلك لم ينسبه يوسف عليه الصلاة والسلام ولا ~~مناديه إلى ذلك بمفرده، وأما الإثبات فأوضح، لأنه لولا فعلهم بيوسف عليه ~~الصلاة والسلام لما سولت لهم فيه أنفسهم لم يقع هذا الأمر لبنيامين عليه ~~السلام { فصبر جميل } مني، لأن ظني في الله جميل، وفي قوله: { عسى الله } ~~أي المحيط بكل شيء قدرة وعلما { أن يأتيني بهم } أي بيوسف وشقيقه ~~بنيامين وروبيل { جميعا } ما يدل الفطن على أنه تفرس أن هذه الأفعال ~~نشأت عن يوسف عليه الصلاة والسلام، وأن الأمر إلى سلامة واجتماع؛ ثم علل ~~ذلك بقوله: { إنه هو } أي وحده { العليم } أي البليغ العلم بما خفي علينا ~~من ذلك، فيعلم أسبابه الموصلة إلى المقاصد { الحكيم * } أي البليغ في ~~إحكام الأمور في ترتيب الأسباب بحيث لا يقدر أحد على نقض ما أبرمه منها، ~~وترتيب الوصفين على غاية الإحكام - كما ترى - لأن الحال داع إلى العلم ~~بما غاب من الأسباب أكثر من دعائه إلى معرفة حكمتها؛ قال هذه المقالة { ~~وتولى } أي انصرف بوجهه { عنهم } لما تفاقم عليه من الحزن، وبلغ به من ~~الجهد، وهاج به باجتماع حزن إلى حزن من الحرق كراهية لما جاؤوا به ~~وإقبالا على من إليه الأمر { وقال } مشتكيا إلى الله لا غيره، فهو ~~تعريض بأشد التصريح والدعاء: { ياأسفي } أي يا أشد حزني، والألف بدل عن ~~ياء الإضافة لتدل على بلوغ الأسف إلى ما لا حد له، وجناس ms2305 " الأسف " مع " ~~يوسف " مما لم يتعمد، فيكون مطبوعا، فيصل إلى نهاية الإبداع، وأمثاله في ~~القرآن كثير { على يوسف } هذا أوانك الذي ملأني بك فنادمني كما أنادمك، ~~وخصه لأنه قاعدة إخوانه، انبنى عليها وتفرع منها ما بعدها { وابيضت عينه ~~} أي انقلب سوادهما إلى حال البياض كثرة الاستعبار، فعمى البصر { من ~~الحزن } الذي هو سبب البكاء الدائم الذي هو سبب البياض، فذكر السبب ~~الأول، يقال: بلغ حزنه عليه السلام حزن سبعين ثكلى وما ساء ظنه قط. # ثم علل ذلك بقوله: { فهو } أي بسبب الحزن { كظيم * } أي شديد الكظم ~~لامتلائه من الكرب، مانع نفسه من عمل ما يقتضيه ذلك من الرعونات بما آتاه ~~الله من العلم والحكمة، وذلك أشد ما يكون على النفس وأقوى ما يكون للحزن، ~~فهو فعيل بمعنى مفعول، وهو أبلغ منه، من كظم السقاء - إذا شده على ملئه. # ومادة " كظم " تدور على المنع من الإظهار، يلزمه الكرب - لأنه من شأن ~~الممنوع مما قد امتلأ منه، ويلزمه الامتلاء، لأن ما دونه ليس فيه قوة ~~الظهور، كظم غيظه -إذا سكت بعد امتلائه منه، وكظمت السقاء - إذا ملأته ~~وسددته، وكظم البعير جرته - إذا ردها وكف، والكظم: مخرج النفس، لأنه به ~~يمنع من الجري في هواه؛ والكظامة: حبل يشد به خرطوم البعير، لمنعه مما ~~يريد، وأيضا يوصل بوتر القوس العربية ثم يدار بطرف السية العليا، منعا ~~له من الانحلال وأيضا قناة في باطن الأرض يجري فيهما الماء، لأنه يمنع ~~الماء من أن يأخذ في هواه فيرتفع في موضع النبع فيظهر على وجه الأرض، ~~وخرق يجري فيه الماء من بئر إلى بئر، لأنه لا يصنع إلا عند ضعف إحدى ~~البئرين، فلولاه لفاضت القوية، فهو تصريف لمائها في غير وجهه، وكظامة ~~الميزان: المسمار الذي يدور فيه اللسان، لأنه يربطه فيمنعه من الانفكاك، ~~ويقال: ما زلت كاظما يومي كله، أي ممسكا عن الأكل وقد امتلأت جوعا، ~~وقد يطلق على مطلق النبع، ومنه كاظمة - لقرية على شاطىء البحر، لأن البحر ~~قد كظمها عن الانفساح وكذا هي منعته عن ms2306 الانسياح. ### || [12.85-88] # فلما رأوا أنه قد فاتهم ما ظنوا أنه يكون بعد ذهاب يوسف من صلاح الحال ~~مع أبيهم بقصر الإقبال عليهم، ووقع لأبيهم هذا الفادح العظيم، تشوف ~~السامع إلى قولهم له، فاستأنف الإخبار عنه بقوله: { قالوا } أي حنقا من ~~ذلك { تالله } أي الملك الأعظم، يمينا فيها تعجب { تفتئوا } أي ما تزال ~~{ تذكر يوسف } حريصا على ذكره قويا عليه حرص الفتى الشاب الجلد الصبور ~~على مراده { حتى } أي إلى أن { تكون حرضا } أي حاضر الهلاك مشرفا عليه ~~متهيئا له بدنف الجسم وخبل العقل - كما مضى بيانه في الأنفال عند { حرض ~~المؤمنين على القتال } { أو تكون } أي كونا لازما هو كالجبلة { من ~~الهالكين * }. # ولما تشوفت النفس إلى ما كان عنه بعد ما رأى من غلطة بنيه، شفى عيها ~~بقوله: { قال إنما } أي نعم لا أزال كذلك لأنه من صفات الكمال للإنسان، ~~لدلالته على الرقة والوفاء، وإنما يكون مذموما إذا كان على وجه الشكاية ~~إلى الخلق وأنا لا أشكو إلى مخلوق، إنما { أشكوا بثي } والبث أشد الحزن، ~~سمي بذلك لأنه من صعوبته لا يطاق حمله فيباح به وينشر { وحزني } مطلقا ~~وإن كان سببه خفيفا يقدر الخلق على إزالته { إلى الله } أي المحيط بكل ~~شيء علما وقدرة تعرضا لنفحات كرمه، لا إلى أحد غيره، وهذا - الذي ~~سمعتوه مني فقلقتم له - قليل من كثير. # ولما كان يجوز أن يكونوا صادقين في أنهم لم يجدوا إلا قميص يوسف ملطخا ~~دما، وأن يكون قطعهم بأكل الذئب له مستندا إلى ذلك، وكان يعقوب عليه ~~السلام يغلب على ظنه أن يوسف عليه السلام حي ويظن في الله أن يجمع شمله ~~به، قال: { وأعلم من الله } أي الملك الأعلى من اللطف بنا أهل هذا البيت ~~ومن التفريج عن المكروبين والتفريح للمغمومين { ما لا تعلمون * } ومادة " ~~فتا " يائية وواوية مهموزة وغير ومهموزة بكل ترتيب وهي فتأ، وفأت وتفأ ~~وأفت، وفتى وفوت وتوف وتفو تدور على الشباب، وتلزمه القوة وشدة العزيمة ~~وسلامة الانقياد: ما فتأ يفعل كذا - مثلثة العين: ما زال ms2307 كما أفتا، أي ~~إنه ما زال فاعلا في ذلك فعل الشاب الجلد الماضي العزم، وما فتىء أن ~~فعل، ما برح أي أنه بادر إلى ذلك بسهولة انقياد وشدة عزيمة، وحقيقته: ما ~~فتىء عن فعل كذا، أي ما تجاوزه إلى غيره وما نسيه بل قصر فتاءه وهمته ~~وجلده عليه، وعن ابن مالك في جمع اللغات المشكلة وعزاه للفراء - وصححه في ~~القاموس: فتأ - كمنع: كسر وأطفأ، وهو واضح في القوة، وفتىء عنه - كسمع: ~~نسيه وانقذع عنه، أي انكف أو خاص بالجحد، أي بأن يكون قبله حرف نفي، ~~ومعناه أن قوته تجاوزته فلم تخالطه؛ ومن يائيه: الفتاء - كسماء: الشباب، ~~وكأنه أصل المادة، والفتي - بالقصر؛ السخي والكريم، أي الجواد الشريف ~~النفس، والفتى: السيد الشجاع - لأن ذلك يلزم الشباب، والفتى: المملوك وإن ~~كان بخيلا أو شيخا - لأنه غالبا لا يشتري إلا الشباب، والفتى: ~~التلميذ، والتابع كذلك، والفتى - كغنى: الشاب أيضا، والفتوة: الكرم، وقد ~~تفتى وتفاتى، وفتوتهم: غلبتهم فيها، وأفتاه في الأمر: أبانه له، والفتيا ~~- بالضم والفتوى - ويفتح: ما أفتى به الفقيه، وهو يرجع إلى الجود وحسن ~~الخلق، والفتيان: الليل والنهار، ولذلك يسميان الجديدين، وفتيت البنت ~~تفتية: منعت اللعب مع الصبيان، فهو من سلب الشباب، أي فعله ومن مقلوبه ~~مهموزا: افتأت علي الباطل: اختلقه، وبرأيه: استبد، وكلاهما يدل على ~~جرأة وطيش، وهو بالشاب الذي لم يحنكه الدهر أجدر، وافتئت - على البناء ~~للمفعول: مات فجأة - كأن ذلك أشد الموت؛ ومن واوية: فات الشيء فوتا ~~وفواتا: ذهب فسبق فلم يدرك، وفاته وافتاته: ذهب عنه فسبقه، وذلك يدل على ~~قوة السابق، وبينهما فوت، أي بون - كأن كلا منهما سابق للآخر، وتفاوت ~~الشيئان وتفوتا: تباعد ما بينهما، ويلزم ذلك الاختلاف والاضطراب، ويلزمه ~~العيب { فما ترى في خلق الرحمن من تفوت }: من عيب، يقول الناظر: لو كان ~~كذا كان أحسن، وموت الفوات: الفجأة، وهو فوت رمحه ويده، أي حيث يراه ولا ~~يصل إليه، والفوت: الفرجة بين إصبعين، وافتأت عليه برأيه: سبقه به، وفاته ~~به وعليه: غلبه، ولا يفتات عليه أي لا ms2308 يعمل دون أمره، أي لا أحد أشد منه ~~فيسبقه، وافتات الكلام: ابتدعه - كما تقدم في المهموز، وافتات عليه: حكم ~~- لقوته، والفويت - كزبير: المنفرد برأيه - للمذكر والمؤنث، وذلك لعدة ~~نفسه شديدا، وتفوت عليه في ماله: فاته به؛ ومن مقلوبه مهموزا: تفىء ~~كفرح: احتد وغضب - وذلك لشدته، وتفيئة الشيء: حينه وزمانه، وذلك أحسن ~~أحواله، ودخل على تفيئته أي أثره أي لم يسبقه بكثير، وذلك أشد له؛ ومن ~~واوية: التفة كقفة: عناق الأرض وهي تصيد، وفيها خلاف يبين إن شاء الله ~~تعالى في قوله: { جزاء موفورا } من سورة سبحان؛ ومن مقلوبه واويا: تاف ~~بصره يتوف: تاه - كأنه لسلب الشدة أو المعنى أنه وقع في توقة، أي شدة، ~~وما فيه توفة - بالضم - ولا تافة: عيب أو مزيد أو حاجة وأبطأ وكل ذلك يدل ~~على شدته، وطلب علي توفة بالفتح،: عثرة وذنبا - من ذلك لأن العثرة ~~والذنب لا يصيبان شيئا إلا عن شدتهما وضعفه؛ ومن مقلوبه مهموزا: الأفت ~~- بالفتح: النافة التي عندها من الصبر والبقاء ما ليس عند غيرها، والسريع ~~الذي يغلب الإبل على السير، والكريم من الإبل - ويكسر - والداهية والعجب، ~~وكل ذلك واضح في القوة، والإفت - بالكسر: الأول - لأنه أصل كل معدود، ~~وأفته عن كذا: صرفه. # ولما أخبرهم عليه السلام أن علمه فوق علمهم، أتبعه استئنافا ما يدل ~~عليه فقال: { يابني اذهبوا } ثم سبب عن هذا الذهاب وعقب به قوله: { ~~فتحسسوا } أي بجميع جهدكم { من يوسف وأخيه } أي اطلبوا من أخبارهما ~~بحواسكم لعلكم تظفرون بهما، وهذا يؤكد ما تقدم من احتمال ظنه أن فاعل ذلك ~~يوسف - عليهم الصلاة والسلام. # ولما لم يكن عندهم من العلم ما عنده، قال: { ولا تيأسوا } أي تقنطوا { ~~من روح الله } أي الذي له الكمال كله؛ والروح - قال الرماني - يقع بريح ~~تلذ، وكأن هذا أصله فالمراد: من رحمته وفرجه وتيسيره ولطفه في جمع الشتات ~~وتيسير المراد؛ ثم علل هذا النهي بقوله: { إنه لا يبأس } أي لا يقنط { من ~~روح الله } أي الذي له جميع صفات الجلال والإكرام { إلا القوم } أي ms2309 الذين ~~لهم قوة المحاولة { الكافرون * } أي العريقون في الكفر، فأجابوه إلى ما ~~أراد، قتوجهوا إلى مصر لذلك ولقصد الميرة لما كان اشتد بهم من القحط، ~~وقصدوا العزيز؛ وقوله: { فلما دخلوا عليه } بالفاء يدل على أنهم أسرعوا ~~الكرة في هذه المرة { قالوا } منادين بالأداة التي تنبه على أن ما بعدها ~~له وقع عظيم { يا أيها العزيز }. # ولما تلطفوا بتعظيمه، ترققوا بقولهم: { مسنا } أي أيتها العصابة التي ~~تراها { وأهلنا } أي الذين تركناهم في بلادنا { الضر } أي لابسنا ملابسة ~~نحسها { وجئنا ببضاعة مزجاة } أي تافهة غير مرغوب فيها بوجه، ثم سببوا عن ~~هذا الاعتراف - لأنه أقرب إلى رحمة أهل الكرم - قولهم: { فأوف لنا } أي ~~شفقة علينا بسبب ضعفنا { الكيل وتصدق } أي تفضيل { علينا } زيادة على ~~الوفاء كما عودتنا بفضل ترجو ثوابه. # ولما رأوا أفعاله تدل على تمسكه بدين الله، عللوا ذلك بقولهم: { إن الله ~~} أي الذي له الكمال كله { يجزي المتصدقين * } أي مطلقا وإن أظهرت - بما ~~أفاد الإظهار - وإن كانت على غني قوي، فكيف إذا كانت على أهل الحاجة ~~والضعف. ### || [12.89-92] # فلما رأى أن الأمر بلغ الغاية ولم يبق شيء يتخوفه، عرفهم بنفسه فاستأنف ~~تعالى الإخبار عن ذلك بقوله حكاية: { قال هل علمتم } مقررا لهم بعد أن ~~اجترؤوا عليه واستأنسوا به، والظاهر أن هذا كان بغير ترجمان { ما } أي ~~قبح الذي { فعلتم بيوسف } أي أخيكم الذي حلتم بينه وبين أبيه { وأخيه } ~~في جعلكم إياه فريدا منه ذليلا بينكم، ثم في قولكم له لما وجدوا الصواع ~~في رحله: لا يزال يأتينا البلاء من قبلكم يا بني راحيل! وأعلمهم بأن ظنه ~~فيهم الآن جميل تسكينا لهم فقال: { إذ } أي حين { أنتم جاهلون * } أي ~~فاعلون فعلهم - تلويحا لهم إلى معرفته وتذكيرا بالذنب ليتوبوا، وتلطفا ~~معهم في ذلك المقام الذي يتنفس فيه المكروب، وينفث فيه المصدور، ويشتفي ~~فيه المغيظ المحنق، ويدرك ثأره الموتور، بتخصيص جهلهم - بمقتضى " إذا " - ~~بذلك الزمان إفهاما لهم أنهم الآن على خلاف ذلك، فكأنه قيل: إنه قد قرب ~~لهم الكشف عن أمره، لأنه لا ms2310 يستفهم ملك مثله - لم ينشأ بينهم ولا تتبع ~~أحوالهم وليس منهم - هذا الاستفهام ولا سيما وقد روى أنه لما قال هذا ~~تبسم، وكان في تبسمه أمر من الحسن لا يجهله معه من رآه ولو مرة واحدة، ~~فهل عرفوه؟ فقيل: ظنوه ظنا غالبا، ولذلك { قالوا } مستفهمين { أإنك } ~~وأكدوا بقولهم: { لأنت يوسف }. # ولما كان المتوقع من مثله فيما هو فيه من العظمة أن يجازيهم على سوء ~~صنيعهم إليه، استأنف بيان كرمه فقال: { قال أنا يوسف } وزادهم قوله: { ~~وهذا أخي } أي بنيامين شقيقي لذكره لهم في قوله { وأخيه } وليزيدهم ذلك ~~معرفة له، وثبتها في أمره بتصديقه له مع مكثه عنده مدة ذهابهم وإيابهم، ~~وليبني عليه قوله: { قد من الله } أي الذي له الجلال والإكرام { علينا ~~} بأن جمع بيننا على خير حال تكون؛ ثم تعليله بقوله: { إنه من يتق } وهو ~~مجزوم لأنه فعل الشرط، وأثبت قنبل - بخلافه عنه - ياءه في الحالين ~~معاملا له معاملة الصحيح إشارة إلى وصف التقوى بالصحة الكاملة والمكنة ~~الزائدة والملازمة لها في كل حال { ويصبر } أي يوفه الله أجره لإحسانه { ~~فإن الله } أي الذي له الإحاطة بأوصاف الكمال { لا يضيع } أي أدنى إضاعة ~~- أجره، هكذا كان الأصل، ولكنه عبر بما يعرف أن التقوى والصبر من ~~الإحسان، فقال: { أجر المحسنين * } والتقوى: دفع البلاء بسلوك طريق ~~الهدى؛ والصبر: حبس النفس بتجرع مرارة المنع عما يشتهي، ولعله إنما ستر ~~أمره عنهم إلى هذا الحد لأنه لو أرسل إلى أبيه يخبره قبل الملك لم يأمن ~~كيد إخوته، ولو تعرف إليهم بعده أو أول ما رآهم لم يأمن من أن تقطع ~~أفئدتهم عند مفاجأتهم بانكشاف الأمر وهو فيما هو فيه من العز، فإنهم ~~فعلوا به فعل القاتل من غير ذنب قدمه إليهم، فهم لا يشكون في أنه إذا قدر ~~عليهم يهلكهم لما تقدم لهم إليه من سوء الصنيعة، وعلى تقدير سلامتهم لا ~~يأمنونه وإن بالغ في إكرامهم، فإن الأمور العظام - إن لم تكن بالتدريج - ~~عظم خطرها، وتعدى ضررها، فإن أرسلهم ليأتوا بأبيهم خيف أن يختلوا ms2311 أباهما ~~من ملك مصر ويحسنوا له الإبعاد عن بلاده، فيذهبوا إلى حيث لا يعلمه، وإن ~~أرسل معهم ثقات من عنده لم يؤمن أن يكون بينهم شر، وإن سجنهم وأرسل إلى ~~أبيه من يأتي به لم يحسن موقع ذلك من أبيه، ويحصل له وحشة بحبس أولاده، ~~وتعظم القاله بين الناس من أهل مصر وغيرهم في ذلك، ففعل معهم ما تقدم ~~ليظهر لهم إحسانه وعدله ودينه وخيره، وكفه عنهم وعفوه عن فعلهم بالتدريج، ~~ويقفوا على ذلك منه قولا وفعلا من أخيه الذي ربى معهم وهم به آنسون وله ~~ألفون، فتسكن روعتهم، وتهون زلتهم، ومما يدل على ذلك أنه لما انتفى عن ~~أخيه بنيامين ما اتصفوا به مما ذكر، تعرف إليه حين قدم عليه ونهاه أن ~~يخبرهم بحقيقة الأمر، وشرع يمد في ذلك لتستحكم الأسباب التي أرادها، فلما ~~ظن أن الأمر قد بلغ مداه، لوح لهم فعرفوه وقد أنسهم حسن عقله وبديع جماله ~~وشكله ورائع قوله وفعله، فكان موضع الوجل والخجل، وموضع اليأس الرجاء، ~~فحصل المراد على وفق السداد - والله الموفق؛ وذلك تنبيه لمن قيل لهم أول ~~السورة # لعلكم تعقلون # [يوسف:2] على الاقتداء بأفعال الهداة المهديين في التأني والاتئاد ~~وتفويض الأمور إلى الحكيم، وأن لا يستعجلوه في أمر، وأن يعلموا أن سنته ~~الإلهية جرت بأن الأمور الصعاب لا تنفذ إلا بالمطاولة لترتب الأسباب ~~شيئا فشيئا على وجه الإحكام، وفي ذلك فوائد من أجلها امتحان أولى ~~الطاعة والعصيان - كما ستأتي الإشارة إليه آخر السورة بقوله؛ # حتى إذا استيئس الرسل # [ يوسف:110] الآية والله أعلم. # ولما كان ما ذكر، كان كأنه قيل: لقد أتاهم ما لم يكونوا يحتسبون فما ~~قالوا؟ فقيل: { قالوا } متعجبين غاية التعجب. ولذلك أقسموا بما يدل على ~~ذلك: { تالله } أي الملك الأعظم { لقد آثرك الله } أي الذي له الأمر كله ~~{ علينا } أي جعل لك أثرا يغطي آثارنا بعلوه فالمعنى: فضلك علينا أي ~~بالعلم والعقل والحكم والحسن والملك والتقوى وغير ذلك { وإن } خففوها من ~~الثقيلة تأكيدا بالإيجاز للدلالة على الاهتمام بالإبلاغ في الاعتذار في ms2312 ~~أسرع وقت { كنا } أي كونا هو جبلة لنا { لخاطئين * } أي عريقين في ~~الخطأ، وهو تعمد الإثم، فكأنه قيل: ما قال لهم على قدرته وتمكنه مع ما ~~سلف من إساءتهم؟ فقيل: { قال } قول الكرام اقتداء بإخوانه من الأنبياء ~~والرسل عليهم الصلاة والسلام { لا تثريب } أي لا لوم ولا تعنيف ولا هلاك ~~{ عليكم اليوم } وإن كان هذا الوقت مظنة اللوم والتأنيب، فإذا انتفى ذلك ~~فيه فما الظن بما بعده! # ومادة " ثرب " تدور على البرث - بتقديم الموحدة، وهو أسهل الأرض ~~وأحسنها؛ ولثبرة - بتقديم المثلثة: أرض ذات حجارة بيض، فإنه يلزمه ~~الإخلاد، والدعة، ومنه: ثابر على الأمر: دوام، والمثبر - كمنزل: لمسقط ~~الولد أي موضع ولادته، والمقطع والمفصل، فيأتي الكسل واللين فيأتي ~~الفساد، ومنه الثبور للهلاك، والبثر بتقديم الموحدة: خراج معروف: والماء ~~البثر: الذي بقى منه على الأرض شيء قليل؛ والربث - بتقديم الموحدة أيضا: ~~حبس الإنسان، وهو يرجع إلى الإقامة والدوام أيضا؛ والتثريب: التقرير ~~بالذنب، فهو إزالة ما على الإنسان من ساتر العفو، من الثرب وهو شحم يغشى ~~الكرش والأمعاء ويسترهما، وهو من لوازم الأرض السهلة لما يلزم من خصبها، ~~فالتثريب إزالته، وذلك للقحط الناشىء عنه الهلاك، فأغلب مدار المادة ~~الهلاك. # ولما أعفاهم من الترثيب، كانوا في مظنة السؤال عن كمال العفو المزيل ~~للعقاب من الله، فأتبعه الجواب عن ذلك بالدعاء لهم بقوله: { يغفر الله } ~~أي الذي له صفات الكمال { لكم } أي ما فرط منكم وما لعله يكون بعد هذا؛ ~~ولعله عبر في هذا الدعاء بالمضارع إرشادا لهم إلى إخلاص التوبه، ورغبهم ~~في ذلك ورجاهم بالصفة التي هي سبب الغفران، فقال: { وهو } أي وحده { أرحم ~~الراحمين * } أي لجميع العباد ولا سيما التائب، فهو جدير بإدرار النعم ~~بعد الإعاذة من النقم، وروى أنهم أرسلوا إليه أنك لتدعونا إلى طعامك ~~وكرامتك بكرة وعشيا ونحن نستحي لما فرط منا، فقال: إن أهل مصر ينظرونني ~~- وإن ملكت فيهم - بعين العبودية فيقولون: سبحان من بلغ عبدا بيع بعشرين ~~درهما ما بلغ، ولقد شرفت الآن بكم وعظمت في العيون حيث علم ms2313 الناس أنكم ~~إخوتي، وأني من ذرية إبراهيم عليه الصلاة والسلام. ### || [12.93-98] # ولما أقر أعينهم بعد اجتماع شملهم بإزالة ما يخشونه دنيا وأخرى، بقي ما ~~يخص أباهم من ذلك، فكأنه وقع السؤال عنه فأجيب بقوله: { اذهبوا بقميصي } ~~ولما كان قوله هذا ربما أوقع في أفهامهم قميصه الذي سلبوه إياه، احترز عن ~~ذلك بقوله: { هذا فألقوه } أي عقب وصولكم { على وجه أبي يأت } أي يرجع ~~إلى ما كان { بصيرا } أو يأت إلى حالة كونه بصيرا، فإنه إذا رد إليه ~~بصره وعلم مكاني لم يصبر عن القصد إلي لما عنده من وفور المحبة وعظيم ~~الشوق، وكونه قميصا من ملابس يوسف المعتادة أدخل في الغرابة وأدل على ~~الكرامة؛ والقميص ألصق الثياب بالجسم، فإظهار الكرامة به أدل على كمال ~~دين صاحبه وعراقته في أمور الإيمان، وهو يؤول في المنام بالدين، وذلك ~~أدخل في كمال السرور ليعقوب عليه الصلاة والسلام { وأتوني } أي بأبي ~~وأنتم { بأهلكم } أي مصاحبين لهم { أجمعين * } لا يتخلف منهم أحد، فرجعوا ~~بالقميص لهذا القصد، قيل: كان يهوذا هو الذي حمل قميصه لما لطخوه بالدم، ~~فقال: لا يحمل هذا غيري لأفرحه كما أحزنته، فحمله وهو حاف حاسر من مصر ~~إلى كنعان وبينهما ثمانون فرسخا { ولما فصلت العير } من العريش آخر بلاد ~~مصر إلى بلاد الشام { قال أبوهم } لولد ولده ومن حوله من أهله، مؤكدا ~~لعلمه أنهم ينكرون قوله: { إني لأجد } أي لأقول: إني لأجد { ريح يوسف } ~~وصدهم عن مواجهته بالإنكار بقوله: { لولا أن تفندون * } أي لقلت غير مستح ~~ولا متوقف، لأن التفنيد لا يمنع الوجدان، وهو كما تقول لصاحبك: لولا أن ~~تنسبني إلى الخفة لقلت كذا، أي إني قائل به مع علمي بأنك لا توافقني ~~عليه، " وفصل " هنا لازم يقال: فصل من البلد يفصل فصولا، والفصل: القطع ~~بين الشيئين بحاجز، والوجدان: ظهور من جهة إدراك يستحيل معه انتفاء ~~الشيء، والريح: عرض يدرك بحاسة الأنف أي الشم، والتفنيد: تضعيف الرأي ~~بالنسبة إلى الفند، وهو الخوف وإنكار العقل من هرم، يقال: شيخ مفند، ولا ~~يقال: عجوز ms2314 مفندة، لأنها لم تكن في شبيبتها ذات رأي فيفندها كبرها؛ ثم ~~استأنف حكاية جوابهم فقال: { قالوا } أي السامعون له ما ظنه بهم، مقسمين ~~بما دل على تعجبهم، وهو { تالله } أي الملك الأعظم، وأكدوا لمعرفتهم أنه ~~ينكر كلامهم وكذا كل من يعرف كماله { إنك لفي ضلالك } أي بحيث صار ظرفا ~~لك { القديم * } أي خطئك في ظن حياة يوسف؛ قال الرماني: والضلال: الذهاب ~~عن جهة الصواب. فصحح الله قوله وحقق وجدانه، وعجلوا إليه بشيرا فأسرع ~~بعد الفصول، ولذلك عبر بالفاء في { فلما } وزيدت { أن } لتأكيد مجيئه على ~~تلك الحال وزيادتها قياس مطرد { جاء البشير } وهو يهوذا بذلك، معه القميص ~~{ ألقاه } أي القميص حين وصل إلى يعقوب عليه الصلاة والسلام من غير فاصل ~~ما بين أول المجيء وبينه كما أفادته زيادة " أن " لتأكيد ما تفيده " لما ~~" من وقوع الفصل الثاني وهو هنا الإلقاء عقب الأول وترتبه عليه وهو هنا ~~المجيء { على وجهه } أي يعقوب عليه الصلاة والسلام { فارتد } من حينه { ~~بصيرا } والارتداد: انقلاب الشيء إلى حال كان عليها، فالتفت الخاطر إلى ~~حاله مع فنده، فأخبر تعالى عن ذلك بقوله مستأنفا: { قال } أي يعقوب عليه ~~الصلاة والسلام { ألم أقل لكم }: إني أجد ريحه؛ ثم علل هذا التقرير بقوله ~~مؤكدا لأن قولهم قول من ينكر: { إني أعلم من الله } أي المختص بصفات ~~الكمال { ما لا تعلمون * } لما خصني به تعالى من أنواع المواهب، وهو عام ~~لأخبار يوسف عليه الصلاة والسلام وغيرها، وهو من التحديث بنعمة الله. # ولما كان ذلك تشوفت النفس إلى علم ما يقع بينه وبين أولاده في ذلك، فدفع ~~عنها هذا العناء بقوله: { قالوا ياأبانا } منادين بالأداة التي تدل على ~~الاهتمام العظيم بما بعدها لما له من عظيم الوقع: { استغفر } أي اطلب من ~~الله أن يغفر { لنا ذنوبنا } ورد كل ضمير من هذه الضمائر إلى صاحبه في ~~غاية الوضوح، فلذلك لم يصرح بصاحبه. # ولما سألوه الاستغفار لذنوبهم، عللوه بالاعتراف بالذنب، لأن الاعتراف ~~شرط التوبة - كما قال صلى الله عليه وسلم: # " إن العبد إذا ms2315 اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه " # فقالوا مؤكدين تحقيقا للإخلاص في التوبة: { إنا كنا خاطئين * } أي ~~متعمدين للإثم بما ارتكبنا في أمر يوسف علية الصلاة والسلام؛ ثم حكى ~~جوابه بقوله مستأنفا: { قال } أي أبوهم عليه السلام مؤكدا لكلامه: { ~~سوف أستغفر } أي أطلب أن يغفر { لكم ربي } أي الذي لم يزل يحسن إلي ~~ويربيني أحسن تربية، فهو الجدير بأن يغفر لبني حتى لا يفرق بيني وبينهم ~~في دار البقاء؛ والربوبية: ملك هو أتم الملك على الإطلاق، وهو ملك الله ~~تعالى لإنشاء الأنفس باختراعها وتصريفها أتم التصريف من الإيجاد والإعدام ~~والتقليب من حال إلى حال في جميع الأمور من غير تعب؛ ثم علل ذلك بقوله: { ~~إنه هو } أي وحده { الغفور الرحيم * } كل ذلك تسكينا لقلوبهم وتصحيحا ~~لرجائهم ليقوى أملهم، فيكون تعالى عند ظنهم بتحقيق الإجابة وتنجيزا ~~لطلبه؛ ولعله عبر ب " سوف " لتقديم هاتين الجملتين على المسألة لما ~~ذكرته من الأغراض، وقيل: لأنه أخر الدعاء إلى صلاة الليل، وقيل: إلى ليلة ~~الجمعة؛ وقيل: يؤخذ منها أن طلب الحوائج إلى الشباب أسهل منه إلى الشيوخ. ### || [12.99-100] # ولما وقع ما ذكر، وكان قد أرسل معهم من الدواب والمال والآلات ما ~~يتجهزون به، أقبلوا على التجهيز كما أمرهم يوسف عليه الصلاة والسلام، ثم ~~قدموا مصر وهم اثنان وسبعون نفسا من الذكور والإناث، وكأنهم أسرعوا في ~~ذلك فلذلك قال: { فلما } بالفاء { دخلوا على يوسف } في المكان الذي ~~تلقاهم إليه في وجوه أهل مصر وضرب به مضاربه { آوى إليه أبويه } إكراما ~~لهما بما يتميزان به، قيل: هو المعانقة، والظاهر أنها أمه حقيقة، وبه قال ~~الحسن وابن إسحاق - كما نقله الرماني وأبو حيان، وعن ابن عباس رضي الله ~~عنهما أنها خالته، وغلب الأب في هذه التثنية لذكورته كما غلب ما هو مفرد ~~في أصله على المضاف في العمرين { وقال } مكرما للكل { ادخلوا مصر } أي ~~البلد المعروف، وأتى بالشرط للأمن لا للدخول، فقال: { إن شاء الله } أي ~~الملك الأعلى الذي له الأمر كله { آمنين * } من جميع ما ينوب حتى ms2316 مما ~~فرطتموه في حقي وحق أخي. # ولما ذكر الأمن الذي هو ملاك العافية التي بها لذة العيش، أتبعه الرفعة ~~التي بها كمال النعيم، فقال: { ورفع أبويه } أي بعدما استقرت بهم الدار ~~بدخول مصر مستويين { على العرش } أي السرير الرفيع؛ قال الرماني: أصله ~~الرفع. { وخروا } أي انحطوا { له سجدا } الأبوان والإخوة تحقيقا لرؤياه ~~ممن هو غالب على كل أمر، والسجود - وأصله: الخضوع والتذلل - كان مباحا ~~في تلك الأزمنة { وقال } أي يوسف عليه الصلاة والسلام { ياأبت } ملذذا ~~له بالخطاب بالأبوة { هذا } أي الذي وقع من السجود { تأويل رؤياي } التي ~~رأيتها، ودل على قصر الزمن الذي رآها فيه بالجار فقال: { من قبل } ثم ~~استأنف قوله: { قد جعلها ربي } أي الذي رباني بما أوصلني إليها { حقا } ~~أي بمطابقة الواقع لتأويلها، وتأويل ما أخبرتني به أنت تحقق أيضا من ~~اجتبائي وتعليمي وإتمام النعمة علي؛ والتأويل: تفسير بما يؤول إليه معنى ~~الكلام؛ وعن سلمان رضي الله عنه أن ما بين تأويلها ورؤياها أربعون سنة. { ~~وقد أحسن } أي أوقع إحسانه { بي } تصديقا لما بشرتني به من إتمام ~~النعمة، وتعدية { أحسن } بالباء أدل على القرب من المحسن من التعدية ب " ~~إلى " وعبر بقوله: { إذا أخرجني من السجن } معرضا عن لفظ " الجب " حذرا ~~من إيحاش إخوته مع أن اللفظ يحتمله احتمالا خفيا { وجاء بكم } وقيل: ~~إنهم كانوا أهل عمد وأصحاب مواش، يتنقلون في المياه والمناجع، فلذلك قال: ~~{ من البدو } من أطراف بادية فلسطين، وذلك من أكبر النعم كما ورد في ~~الحديث # " من يرد الله به خيرا ينقله من البادية إلى الحاضرة " # والبدو: بسيط من الأرض يرى فيه الشخص من بعيد، وأصله من الظهور، وأنس ~~إخوته أيضا بقوله مثبتا الجار لأن مجيئهم في بعض أزمان البعد: { من بعد ~~أن نزغ } عبر بالماضي ليفهم أنه انقضى { الشيطان } أي أفسد البعيد ~~المحترق بوسوسته التي هي كالنخس { بيني وبين إخوتي } حيث قسم النزع بينه ~~وبينهم ولم يفضل أحدا من الفريقين فيه، ولم يثبت الجار إشارة إلى عموم ~~الإفساد للبينين، كل ذلك إشارة إلى ms2317 تحقق ما بشر به يعقوب عليه الصلاة ~~والسلام من إتمام النعمة وكمال العلم والحكمة؛ ثم علل الإحسان إليهم ~~أجمعين بقوله: { إن ربي } أي المحسن إلي على وجوه فيها خفاء { لطيف } - ~~أي يعلم دقائق المصالح وغوامضها، ثم يسلك - في إيصالها إلى المستصلح - ~~سبيل الرفق دون العنف، فإذا اجتمع الرفق في الفعل واللطف في الإدراك فهو ~~اللطيف - قاله الرازي في اللوامع. # وهو سبحانه فاعل اللطف في تدبيره ورحمته { لما يشاء } لا يعسرعليه أمر؛ ~~ثم علل هذه العلة بقوله: { إنه هو } أي وحده { العليم } أي البليغ العلم ~~للدقائق والجلائل { الحكيم * } أي البليغ الإتقان لما يصنعه طبق ما ختم ~~به يعقوب عليه الصلاة والسلام بشراه في أول السورة، أي هو منفرد بالاتصاف ~~بذلك لا يدانيه أحد في علم ليتعرض إلى أبطال ما يقيمه من الأسباب، ولا في ~~حكمة ليتوقع الخلل في شيء منها. ### || [12.101] # ولما ذكر هاتين الصفتين، تذكر ما وقع له بهما من الأسباب، فغلب عليه ~~مقام الشهود وازدادت نفسه عن الدنيا عزوفا، فقال مخاطبا: { رب قد ~~آتيتني } وافتتح ب " قد " لأن الحال حال توقع السامع لشرح مآل الرؤيا { ~~من الملك } أي بعضه بعد بعدي منه جدا، وهو معنى روحه تمام القدرة { ~~وعلمتني } وقصر دعواه تواضعا بالإتيان بالجار فقال: { من تأويل الأحاديث ~~} طبق ما بشرني به أبي وأخبرت به أنت من التمكين والتعليم قبل قولك، ~~والله غالب على أمره؛ ثم ناداه بوصف جامع للعلم والحكمة فقال: { فاطر ~~السماوات والأرض } ثم أعلمه بما هو أعلم به منه من أنه لا يعول على غيره ~~في شيء من الأشياء فقال: { أنت وليي } أي الأقرب إلي باطنا وظاهرا { ~~في الدنيا والآخرة } أي لا ولي لي غيرك، والولي يفعل لمولاه الأصلح ~~والأحسن، فأحسن بي في الآخرة أعظم ما أحسنت بي في الدنيا. # ولما كان توليه لله لا يتم إلا بتولي الله له، أتبعه بما يفيده فقال: { ~~توفني } أي اقبض روحي وافيا تاما في جميع أمري حسا ومعنى حال كوني { ~~مسلما } ولما كان المسلم حقيقة من كان عريقا في ms2318 الإخلاص، حققه بقوله: { ~~وألحقني بالصالحين * } فتوفاه الله كما سأل؛ قالوا: وتخاصم أهل مصر فيه، ~~كلهم يرجو أن يدفن في محلته يرجو بركته، ثم اصطلحوا على أن عملوا له ~~صندوقا من رخام ودفنوه في وسط النيل، ليفترق الماء على جميع الأرض ~~فتنالها بركته وتخصب كلها على حد سواء، ويكونوا كلهم في الماء سواء. # ذكر ما بقي من القصة عن التوراة: # قال بعدما مضى: فلم يقدر يوسف على الصبر - يعني على ترفق إخوته - فأمر ~~بإخراج جميع من كان عنده، فلم يبق عنده أحد حيث ظهر يوسف لإخوته، فرفع ~~صوته فبكى حتى سمع المصريون فأخبروا في آل فرعون، فقال يوسف لإخوته: أنا ~~أخوكم يوسف، هل أبي باق؟ فلم يقدر إخوته على إجابته لأنهم رهبوه، فقال ~~يوسف لإخوته: ادنوا مني فدنوا فقال لهم: أنا يوسف الذي بعتموني لمن ورد ~~إلى مصر، والآن فلا تحزنوا، ولا يشقن عليكم ذلك، ولا يشتدن عليكم بيعكم ~~إياي إلى ما هنا، لأن الله أرسلني أمامكم لأعد لكم القوت، لأن للجوع مذ ~~أتى سنتين، وستأتي خمس سنين أخر لا يكون فيها زرع ولا حصاد، فأرسلني الرب ~~أمامكم لأصير لكم بقاء في الأرض وأخلصكم وأستنقذكم، لتحيوا وتستبشروا على ~~الأرض، والآن فلستم أنتم الذين بعثتموني إلى هاهنا بل الله أرسلني وجعلني ~~أبا لفرعون وسيدا لجميع أهل بيته، ومسلطا على جميع أرض مصر، فاصعدوا ~~الآن عجلين علي بأبي وقولوا له: هكذا يقول ابنك يوسف: إن الله جعلني ~~سيدا لجميع أهل مصر، فاهبط إلي ولا تتأخر، وانزل إلى أرض السدير - وفي ~~نسخة: خشان - فكن قريبا مني أنت وبنوك وأهل بيتك وعمتك وبقرك وجميع ~~مالك، فأمونكم هناك، لأنه قد بقي خمس سنين جوعا، لئلا تهلك أنت وأهل ~~بيتك وكل مالك، وهذه أعينكم تبصر وعينا أخي بنيامين، إني أكلمكم مشافهة، ~~وأخبروا أبي بجميع كرامتي ووقاري في أرض مصر، وبجميع ما رأيتم، وأسرعوا ~~واهبطوا بأبي إلى ما هاهنا، فاعتنق أخاه بنيامين أيضا وبكى، وقبل جميع ~~إخوته وبكى، ومن بعد ذلك كلمه إخوته، فبلغ ذلك فرعون وقيل له: ms2319 إن إخوة ~~يوسف قد أتوه، فسر ذلك فرعون، عبده - وفي نسخة: وجميع قواده - فقال فرعون ~~ليوسف: قل لإخوتك فليفعلوا هكذا، أوقروا دوابكم ميرة، وانطلقوا بها إلى ~~أرض كنعان، وأقبلوا بأبيكم وأهل بيوتاتكم وائتوني فأنحلكم خيرات أرض مصر ~~وخصبها، وكلوا خصب الأرض، وهذا أنت المسلط، فأمر إخوتك أن يفعلوا هذا ~~الفعل، احملوا من أرض مصر عجلا لنسائكم وحشمكم، وأظعنوا بأبيكم فأقبلوا، ~~ولا تشفقن على أمتعتكم، لأن جميع خيرات مصر وأرضها وخصبها هو لكم، ففعل ~~بنو إسرائيل كما أمر فرعون، ودفع إليهم يوسف عجلا عن أمر فرعون، وزودهم ~~جميع أزودة الطريق، وخلع على كل أمرىء منهم خلعة، فأما بنيامين فأجازه ~~بثلاثمائة درهم - وفي نسخة: مثقال فضة - وخلع عليه خمس خلع، وبعث إلى ~~أبيه بمثل ذلك أيضا وعشرة حمير موقرة من البر والطعام وأزودة لأبيه ~~للطريق وأرسلهم، فانطلقوا، وتقدم إليهم وقال لهم: لا تقع المشاجرة فيما ~~بينكم في الطريق، فظعنوا من مصر فأتوا أرض كنعان إلى يعقوب أبيهم، ~~فأخبروه وقالوا له: إن يوسف بعد في الحياة، وهو المسلط على جميع أرض مصر، ~~ورأى يعقوب العجل الذي بعث يوسف لحمله فاطمأنت نفسه وقال: إن هذا لعظيم ~~عندي، إذ كان ابني يوسف بعد الحياة، أنطلق الآن فأنظر إليه قبل الموت. # فظعن إسرائيل وجميع ما له، فأتى بئر السبع، وقرب قربانا لإله إسحاق ~~أبيه، فكلم الله إسرائيل في الرؤيا وقال له: يا يعقوب! فقال: هاأنذا! ~~فقال: إني أنا إيل إله أبيك، لا تخف من الحدور إلى مصر، لأني أجعلك هناك ~~إلى شعب عظيم - وفي نسخة: لأني أصير منك أمة عظيمة - أنا أهبط معك، وأنا ~~أصعدك، ويوسف يضع يده على عينيك، فنهض يعقوب من بئر السبع وظعن بنو ~~إسرائيل بيعقوب أبيهم وبحشمهم ونسائهم على العجل الذي بعث فرعون لحمله، ~~وساقوا دوابهم ومواشيهم التي استفادوها بأرض كنعان، فأتوا بها مصر يعقوب ~~وجميع نسله وبنوه معه وبنو بنيه وبناته وبنات بناته، وأدخل إلى مصر كل ~~نسله، # ثم سماهم واحدا واحدا، ثم قال: فجميع بني يعقوب الذين ادخلوا مصر ~~سبعون ms2320 إنسانا، ثم بعث يعقوب يهوذا بين يديه إلى يوسف عليه الصلاة ~~والسلام ليدله على السدير - وفي نسخة: خشان - فألجم يوسف مراكبه، وصعد ~~للقاء أسرائيل أبيه إلى خشان - وفي نسخة: السدير - فتلقاه واعتنقه وبكى ~~إذ اعتنقه، فقال إسرائيل ليوسف: أتوفى الآن بعد نظري إليك يا بني، فأنت ~~في الحياة بعد، فقال يوسف لإخوته وآل أبيه: أصعد فأخبر فرعون وأقول: إن ~~إخوتي وآل أبي الذين كانوا بأرض كنعان قد أتوني والقوم رعاء غنم، لأنهم ~~أصحاب مواش وقد أتوا بغنمهم وبقرهم وبكل شيء لهم، فإذا دعاكم فقولوا له: ~~إنا عبيدك أصحاب ماشية منذ صبانا، وحتى الآن نحن وآباؤنا من قبل أيضا، ~~لكي تنزلوا أرض خشان - وفي نسخة: السدير - لأن رعاة الغنم هم مرذولون عند ~~المصريين. # فأتى يوسف فأخبر فرعون وقال له: إن أبي وإخوتي أتوني وغنمهم وبقرهم ~~وجميع ما لهم في أرض كنعان، وهو ذا هم حلول بأرض السدير، وحمل من إخوته ~~خمسة رهط، فأدخلهم على فرعون فوقفوا بين يديه، فقال فرعون لإخوة يوسف: ما ~~صنعتكم؟ فقالوا: إن عبيدك رعاء غنم نحن منذ صبانا، وآباؤنا أيضا من قبل. ~~وقالوا لفرعون: إنا أتينا لنسكن هذه الأرض لأنه فقد الحشيش والعشب والكلأ ~~من مرابع غنم عبيدك، وذلك لأن الجوع اشتد في أرض كنعان، فأمر عبيدك أن ~~ينزلوا بأرض السدير، فقال فرعون ليوسف: إن أباك وإخوتك قد أتوا، وهذه أرض ~~مصر بين يديك، فأسكن أباك وإخوتك في أحسن الأرض وأخصبها لينزلوا أرض ~~السدير، وإن كنت تعلم أن فيهم قوما ذوي قوة وبطش ونفاذ فولهم جميع مالي، ~~فأدخل يوسف عليه السلام أباه يعقوب عليهم الصلاة والسلام على فرعون ~~فأقامه بين يديه، فقال فرعون ليعقوب عليه الصلاة والسلام: كم عدد سني ~~حياتك؟ فقال يعقوب عليه السلام لفرعون: مبلغ حياتي مائة وثلاثون سنة، وإن ~~أيام حياتي لناقصة، ولم أبلغ سني حياة آبائي في أيام حياتهم، فبارك يعقوب ~~فرعون ودعا له، وخرج من بين يديه، فأسكن يوسف عليه السلام أباه يعقوب ~~عليه السلام وإخوته وأعطاهم وراثة في أرض مصر في ms2321 أخصب الأرض وأحسنها في ~~أرض رعمسيس - وفي نسخة: أرض عين شمس - كما أمر فرعون، فقات يوسف أباه ~~وإخوته وجميع أهل بيته بالميرة على قدر الحشم، ولم تكن ميرة في جميع ~~الأرض كلها لأن الجوع اشتد جدا، فخرجت جميع أرض مصر وأرض كنعان، فصار ~~إلى يوسف عليه الصلاة والسلام كل ورق ألفي في أرض مصر وأرض كنعان، وذلك ~~ثمن البر الذي كانوا يبتاعونه، فأورد يوسف الورق بيت مال فرعون، ونفد ~~الورق من أرض مصر وأرض كنعان، فأتى جميع المصريين إلى يوسف عليه الصلاة ~~والسلام فقالوا له: أعطنا من القمح حاجتنا فنحيى ولا نموت، لأن ورقنا قد ~~نفذ، فقال لهم يوسف: ادفعوا إلي مواشيكم إن كانت الأوراق قد نفدت، ~~فأقوتكم بمواشيكم، فأتوه بمواشيهم فأعطاهم يوسف من الميرة بخيلهم وبمواشي ~~الغنم وماشية البقر والحمير، وقاتهم سنتهم تيك بجميع مواشيهم، فأتوه في ~~السنة الأخرى وقالوا له: لسنا نكتم سيدنا أمرنا، لأنن أوراقنا وماشيتنا ~~ودوابنا قد نفدت وصارت عند سيدنا، ولم يبق بين يدي سيدنا غير أنفسنا ~~وأرضنا، فلم نهلك بين يديك؟ فابتعنا وأراضينا بإطعامك إيانا الخبز، فنصير ~~نحن عبيدا لفرعون وأرضنا ملكا له، وأعطنا البذر فنحيا ولا نموت، ولا ~~تخلو الأرض وتخرب لفقد سكانها، فابتاع يوسف لفرعون جميع أرض مصر، فصارت ~~الأرض لفرعون، فنقل الشعب من قرية إلى قرية وحولهم من أقاصي الأرض نحو ~~مصر إلى أقطارها ما خلا أرض الأجناد - وفي نسخة: أئمتهم - فإنه لم ~~يبتعها، لأنه كان يجري على الأجناد - وفي رواية: أئمتهم - وظيفة ونزلا من ~~عند فرعون، وكانوا يأكلون برهم الموظف لهم من قبل فرعون، ولذلك لم يبيعوا ~~أرضهم، فقال يوسف للشعب: إني قد اشتريتكم اليوم وأرضكم لفرعون، وهاأنذا ~~معطيكم البذر لتزرعوا في الأرض، فإذا دخلت الغلة فأعطوا فرعون الخمس ~~منها، وتكون لكم لزراعة الحقل أربعة أخماس، ولمأكل أهل بيوتاتكم وإطعام ~~حشمكم، فقالوا له: لقد أحييتنا، فلنظفر من سيدنا برحمة ورأفة، ونكون ~~عبيدا لفرعون، فسن يوسف هذه السنة على أرض مصر إلى يوم الناس هذا، فصار ~~الخمس لفرعون ما خلا أرض ms2322 أئمتهم - وفي رواية: الأجناد - فإنها لم تكن ~~لفرعون. # فسكن إسرائيل أرض مصر وأرض السدير، فعظموا واعتزوا فيها واستيسروا ~~وتماجدوا، وعاش يعقوب في أرض مصر سبع عشرة سنة، وكانت جميع أيام حياة ~~يعقوب مائة وسبعا وأربعين سنة، ودنت أيام وفاة إسرائيل عليه السلام، ~~فدعا يوسف ابنه عليه السلام وقال له: إن ظفرت منك برحمة ورأفة، فضع يدك ~~تحت ظهري حتى أستحلفك بالله وأقسم عليك به، وأنعم علي بالنعمة والقسط، ~~لا تدفني بمصر، بل أضطجع مع آبائي، احملني من مصر فادفني في مقبرتهم، ~~فقال يوسف: أنا فاعل ذلك كقولك وأمرك، فقال له: أقسم لي، فأقسم له فتوكأ ~~إسرائيل على عصاه وسجد شكرا. # فلما كان بعد هذه الأقاويل بلغ يوسف عليه السلام أن أباه قد مرض، فانطلق ~~بابنيه معه: منشا وإفرايم، فبلغ يعقوب وقيل له: إن ابنك يوسف قد أتاك، ~~فتقوى إسرائيل وجلس على أريكته، فقال إسرائيل ليوسف: إن إله المواعيد ~~اعتلن لي بلوز في أرض كنعان، فباركني وقال لي: هاأنذا مباركك ومكثرك، ~~وأجعلك أبا لجميع الشعوب، وأعطي نسلك من بعدك هذه الأرض ميراثا إلى ~~الأبد، وأنا إذ كنت مقبلا من فدانة أرام توفيت عني راحيل أمك في أرض ~~كنعان في الطريق، وكان بيني وبين الدخول إلى إفراث قدر مسيرة ميل - وفي ~~نسخة: - فرسخ - فدفنتها هناك في طريق إفراث - وهي بيت لحم - ونظر إسرائيل ~~إلى ابني يوسف فقال له: من هذان؟ فقال: ابناي اللذان رزقني الله هاهنا، ~~فقال أدنهما مني، فقبلهما واعتنقهما وقال: ما كنت أرجو النظر إلى وجهك ~~فقد أراني الله نسلك أيضا، وقال إسرائيل ليوسف عليهما الصلاة والسلام: ~~هاأنذا متوف، ويكون الله بنصره وعونه معكم، ويردكم إلى أرض آبائكم، ~~وهأنذا قد فضلتك على إخوتك بسهم من الأرض التي غلبت عليها الأمورانيون ~~بسيفي وقوسي، ثم إن يعقوب دعا بنيه وقال؛ اجتمعوا إلي فأبين لكم ما هو ~~كائن من أمركم في آخر الأيام، فذكر ذلك ثم قال: وهذا ما أخبرهم به يعقوب ~~أبوهم، نبأهم بذلك وبارك عليهم كل امرىء منهم على قدره، ثم ms2323 أوصاهم وقال ~~لهم: إنني أنتقل إلى شعبي فادفنوني إلى جانب آبائي في المغارة التي في ~~حقل عفرون الحيثاني، في المغارة التي في الروضة المضاعفة إلى جانب ممري ~~بأرض كنعان التي ابتاعها إبراهيم: روضة من عفرون الحيثاني وراثة المقبرة، ~~هنالك دفن إبراهيم وسارة حليلته، وفيها دفن إسحاق ورفقا حليلته، وهنالك ~~دفنت ليا في الروضة المبتاعة والمغارة التي فيها من بني حاث. # فلما فرغ يعقوب من وصيته لبنيه بسط رجليه على أريكته فمات ونقل إلى ~~شعبه. # فوقع يوسف عليه فقبله وبكى عليه، فأمر عبيده الأطباء بتحنيطه، فحنط ~~الأطباء إسرائيل وتمت له أربعون ليلة، لأنه هكذا تكمل أيام المحنطين، ~~وناح المصريون عليه سبعين يوما، فقال يوسف لآل فرعون: إن ظفرت منكم ~~برحمة ورأفة فأخبروا فرعون أن أبي أحلفني وأقسم علي وقال لي: هاأنا ~~متوف، فاقبرني في القبر الذي ابتعته في أرض كنعان، فيأذن لي فأصعد فأدفن ~~أبي ثم أرجع، فقال له فرعون: اصعد فادفن أباك كما أقسم عليك، فصعد يوسف ~~ليدفن أباه، وصعد معه جميع عبيد فرعون وأشياخ بيته وجميع أشياخ مصر وجميع ~~أهل بيت يوسف، وصعد معه إخوته وآل أبيه، وأما حشمهم وبقرهم وغنمهم ~~فخلفوها بأرض خشان - وفي نسخة: السدير - وأصعد المراكب والفرسان أيضا، ~~فصار في عسكرعظيم منيع، فأتوا إلى بيادر أطرا - وفي نسخة: أندر العوسج - ~~التي في مجاز الأردن، فرنوا هناك وناحوا نوحا عظيما مرا، فنظر سكان ~~أرض كنعان إلى التأبل والنواح في أجران العوسج، فقالوا: إن هذا التأبل ~~عظيم للمصريين، ولذلك دعي ذلك الموضع " تأبل مصر " ، الذي في مجاز ~~الأردن، ففعل بنو إسرائيل كما أمرهم، وحملوه وانطلقوا به إلى أرض كنعان ~~فدفنوه ثم في المغارة المضاعفة التي في الروضة التي ابتاعها إبراهيم ~~وراثة المقبرة من عفرون الحيثاني وهي إمام ممري. # ثم رجع يوسف إلى مصر هو وإخوته وجميع من صعد معه في دفن أبيه، ومن بعد ~~ما دفن أباه نظر إخوة يوسف إلى أبيهم قد توفى، ففرقوا وقالوا: لعل يوسف ~~أن يؤذينا وينكأنا ولعله أن يكافئنا على جميع الشر الذي ms2324 ارتكبنا منه، ~~فدنوا من يوسف وقالوا له: إن أباك أوصى قبل وفاته وقال: هكذا قولوا ~~ليوسف: نطلب إليك أن تعفو عن جهل إخوتك وعن خطاياهم بارتكابهم الشر منك، ~~فالآن نطلب إليك أن تعفو عن ذنب عبيد إله أبيك، فبكى يوسف لما قالوا ذلك، ~~فدنا إخوته فخروا بين يديه سجدا وقالوا له: هوذا نحن لك عبيد، فقال لهم: ~~لا تخافوني لأني أخاف الله، أما أنتم فهممتم بي شرا فصيره الله لي خيرا ~~كما فعل بي يومنا هذا، فأحيي على يدي خلقا عظيما، والآن فلا خوف عليكم، ~~أنا أقوتكم وحشمكم، فعزاهم وملأ قلوبهم خيرا. # ثم أقام يوسف بمصر هو وآل بيته، فعاش يوسف مائة وعشر سنين ورأى يوسف ولد ~~ولده، فقال يوسف لإخوته: هاأنذا متوف، والله سيذكركم ويخرجكم من هذه ~~الأرض إلى الأرض التي أقسم بها لإبراهيم وإسحاق ويعقوب، فأقسم يوسف على ~~بني أسرائيل وقال: إن الله سيذكركم، فأصعدوا عظامي معكم، فتوفي يوسف وهو ~~ابن مائة وعشر سنين، فحنطوه ووضعوه في صندوق بأرض مصر - وسيأتي ما بعد ~~ذلك من استعبادهم وما يتبعه في سورة القصص إن شاء الله تعالى. # وهذا الذي ذكر من القصة في التوراة مصدق لما في القرآن وشاهد بإعجازه، ~~غير أنه لم يذكر شرح قوله تعالى: # فلما استيئسوا منه خلصوا نجيا # [يوسف:80] في أنه بعد أخذ الصواع من رحل أخيه تركهم من غير تعريف لهم ~~بنفسه فمضوا إلى أبيهم فأخبروه بذلك، ثم عادوا مرة أخرى للميرة والطلب ~~ليوسف وأخيه فعرفهم يوسف عليه السلام بنفسه وجلا لهم الأمر في هذه القدمة ~~الثالثة، فكأنهم أسقطوا ما في التوراة من ذلك تدليسا وتلبيسا، وهو لا ~~يضر غيرهم، فإن ما صار في كتابهم لا يتمشى على قوانين العقل لمن تدبر، ~~فلم يفدهم ذلك غير التحقق لخيانتهم وجهلهم - والله الهادي إلى الصواب. ### || [12.102-106] # ولما تم الذي كان من أمرهم على هذا الوجه الأحكم والصراط الأقوم من ~~ابتدائه إلى انتهائه، قال مشيرا إلى أنه دليل كاف في تصحيح دعوى النبوة ~~مخاطبا لمن لا يفهم هذا ms2325 الحق فهمه غيره، مسليا له مثبتا لفؤاده ~~وشارحا لصدره، منبها على أنه مما ينبغي السؤال عنه: { ذلك } أي النبأ ~~العالي الرتبة الذي قصصناه قصا يعجز البلغاء من حملته ورواته فكيف ~~بغيرهم { من أنباء الغيب } أي أخباره التي لها شأن عظيم { نوحيه إليك } ~~وعبر بصيغة المضارع تصويرا لحال الإيحاء الشريف وإشارة إلى أنه لا يزال ~~معه يكشف له ما يريد { و } الحال أنك { ما كنت لديهم } أي عند إخوة يوسف ~~عليه الصلاة والسلام في هذا النبأ الغريب جدا { إذ } أي حين { أجمعوا ~~أمرهم } على رأي واحد في إلقاء يوسف عليه الصلاة والسلام في الجب بعد أن ~~كان مقسما { وهم يمكرون * } أي يدبرون الأذى في خفية، من المكر وهو ~~القتل - لتعرف ذلك بالمشاهدة، وانتفاء تعلمك لذلك من بشر مثل انتفاء كونك ~~لديهم في ذلك الحين، ومن المحقق لدى كل ذي لب أنه لا علم إلا بتعليم، ~~فثبت أنه لا معلم لك إلا الله كما علم إخوانك من الأنبياء عليهم الصلاة ~~والسلام، فيا له من دليل جل عن مثيل، وهذا من المذهب الكلامي، وهو إيراد ~~حجة تكون بعد تسليم المقدمات مستلزمة للمطلوب، وهو تهكم عظيم ممن كذب ~~النبي صلى الله عليه وسلم. # ولما سألت قريش واليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم - كما نقله أبو ~~حيان عن ابن الأنباري - عن قصة يوسف عليه الصلاة والسلام فنزلت مشروحة ~~هذا الشرح الشافي، مبينة هذا البيان الوافي، فأمل صلى الله عليه وسلم أن ~~يكون ذلك سبب إسلامهم فخالفوا تأميله، عزاه الله بقوله: { وما } أي نوحيه ~~إليك على هذا الوجه المقتضي لإيمانهم والحال أنه ما { أكثر الناس } أي ~~كلهم مع ذلك لأجل ما لهم من الاضطراب { ولو حرصت } أي على إيمانهم { ~~بمؤمنين * } أي بمخلصين في إيمانهم واصفين الله بما يليق به من التنزه عن ~~شوائب النقص، فلا تظن أنهم يؤمنون لإنزال ما يقترحون من الآيات، أو لترك ~~ما يغيظهم من الإنذار؛ والكثير - قال الرماني: العدة الزائدة على مقدار ~~غيرها، والأكثر: القسم الزائد على القسم الآخر من الجملة، ms2326 ونقيضه الأقل؛ ~~والناس: جماعة الإنسان، وهو من ناس ينوس - إذا تحرك يمنيا وشمالا من ~~نفسه لا بجر غيره. # ولما ذكر تعالى ما هم عليه من الكفر، ذكر ما يعجب معه منه فقال: { وما } ~~أي هم على ذلك والحال أن موجب إيمانهم موجود، وذلك أنك - مع دعائهم إلى ~~الطريق الأقوم وإيتانك عليه بأوضح الدلائل ما { تسئلهم عليه } أي هذا ~~الكتاب الذي أوحيناه إليك، وأعرق في النفي فقال: { من أجر } حتى يكون ~~سؤالك سببا لأن يتهموك أو يقولوا: لولا أنزل عليه كنز ليستغني به عن ~~سؤالنا. # ولما نفى عنهم سؤالهم الأجر، نفى عن هذا الذكر كل غرض دنيوي فقال: { إن ~~هو } أي هذا الكتاب { إلا ذكر } أي تذكير وشرف { للعالمين * } قال ~~الرماني: والذكر: حضور المعنى للنفس، والعالم: جماعة الحيوان الكثيرة ~~التي من شأنها أن تعلم، لأنه أخذ من العلم، وفيه معنى التكثير، وقد يقال: ~~عالم الفلك وما حواه على طريق التبع للحيوان الذي ننتفع به وهو مجعول ~~لأجله. # ولما كان القرآن العظيم أعظم الآيات بما أنبأ فيه عن الإخبار الماضية ~~والكوائن الآتية على ما هي عليه مضمنة من الحكم والأحكام، في أساليب ~~البلاغة التي لا ترام، وغير ذلك ما لا يحصر بنظام، كما أشار إليه أول ~~السورة، كان ربما قيل: إن هذا ربما لا يعلمه إلا الراسخون في العلوم ~~الإلهية، عطف عليه الإشارة إلى أن له تعالى غيره من الآيات إلتي لا تحتاج ~~لوضوحها إلى أكثر من العقل ما لا يحيط به الحصر، ومع ذلك فلم ينتفعوا به، ~~فقال: { وكأين من آية } أي علامة كبيرة دالة على وحدانيته { في السماوات ~~} أي كالنيرين وسائر الكواكب والسحاب وغير ذلك { والأرض } من الجبال ~~والشجر والدواب وغير ذلك مما لا يحصيه العد - كما سيأتي بيانه في سورة ~~الرعد مفصلا { يمرون عليها } مشاهدة بالحس ظاهرة غير خفية { وهم عنها } ~~أي خاصة لا عن ملاذهم وشهواتهم بها { معرضون * } أي عن دلالتها على ~~السعادة من الوحدانية وما يتبعها. # ولما كان ربما قيل: كيف يوصفون بالإعراض وهم يعتقدون أن الله ms2327 فاعل تلك ~~الآيات، بين أن إشراكهم مسقط لذلك، فقال: { ما يؤمن أكثرهم } أي الناس { ~~بالله } أي الذي لا شيء إلا وهو داع إلى الإيمان به، لأنه المختص بصفات ~~الكمال { إلا وهم مشركون * } به من لا يقدر على شيء فضلا عن أن يأتي ~~بآية، كانوا يقرون بأن الله خالقهم ورازقهم ويعبدون غيره، وكذا المنافقون ~~يظهرون الإيمان ويبطنون الكفران، وكذا أهل الكتابين يؤمنون بكتابهم ~~ويقلدون علماءهم في الكفر بغيره، فعلم أن إذعانهم بهذا الإيمان غير تابع ~~لدليل، وهو محض تقليد لمن زين له سوء علمه فرآه حسنا، لما سبق فيه من ~~علم الله أنه لا صلاحية له فأفسده بما شابهه به من الشرك، والآية صالحة ~~لإرادة الشرك الخفي الذي أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: # " الشرك أخفى في أمتي من دبيب النمل " # وهو شرك الأسباب التي قدر الله وصول ما يصل إلى العبد بواسطتها، فقل من ~~يتخطى من الأسباب إلى مسببها! قال الرازي في اللوامع: وقال الإمام محمد ~~بن علي الترمذي: إنما هو شك وشرك فالشك ضيق الصدر عند النوائب، ومنه ثوب ~~مشكوك، والشرك بنور التوحيد، فعند هذا يتولاه الله تعالى، وقال الواسطي: ~~إلا وهم مشركون: في ملاحظة الخواطر والحركات. ### || [12.107-109] # ولما أخبر الله تعالى عن ارتباكهم في أشراك إشراكهم، وأنهم يتعامون عن ~~الأدلة في الدنيا، وكان الأكثر المبهم القطع بعدم إيمانهم من توجيه الأمر ~~والنهي والحث والزجر إلى الجميع وهم في غمارهم، وكان بعض الناس كالحمار ~~لا ينقاد إلا بالعذاب، قال سبحانه وتعالى: { أفأمنوا } إنكارا فيه معنى ~~التوبيخ والتهديد { أن تأتيهم غاشية } أي شيء يغطيهم ويبرك عليهم ويحيط ~~بهم { من عذاب الله } أي الذي له الأمر كله في الدنيا كما أتى من ذكرنا ~~قصصهم من الأمم. # ولما كان العاقل ينبغي له الحذر من كل ممكن وإن كان لا يقربه، قال ~~تعالى: { أو تأتيهم الساعة } وأشار إلى أشد ما يكون من ذلك على القلوب ~~بقوله: { بغتة } أي وهم عنها في غاية الغفلة بعدم توقعها أصلا؛ قال ~~الرماني: قال يزيد بن ms2328 مقسم الثقفي: # ولكنهم بانوا ولم أدر بغتة # وأفظع شيء حين يفجؤك البغت # ولما كان هذا المعنى مهولا، أكده الله بقوله: { وهم لا يشعرون * } أي ~~نوعا من الشعور ولو أنه كالشعرة، إعلاما بشدة جهلهم في أن حالهم حال من ~~هو في غاية الأمن مما أقل أحواله أنه ممكن، لأن الشعور إدراك الشيء بما ~~يلطف كدقة الشعر، وإنما قلت: إنه تأكيد، لأنه معنى البغتة؛ قال الإمام ~~أبو بكر الزبيدي في مختصر العين: البغتة: المفاجأة، وقال الإمام أبو عبد ~~الله القزاز في ديوانه: فاجأت الرجل مفاجأة - إذا جئته على غفلة مغافصة، ~~ثم قال: وفاجأته مفاجأة - إذا لقيته ولم يشعر بك، وفي ترتيب المحكم: فجئه ~~الأمر وفجأه وفاجأه مفاجأة: هجم عليه من غير أن يشعر به، ويلزم ذلك ~~الإسراع وهو مدار هذه المادة، لأنه يلزم أيضا التغب - بتقديم المثناة ~~محركا وهو الهلاك، لأنه أقرب شيء إلى الإنسان إذ هو الأصل في حال الحدث، ~~والسلامة فيه هي العجب، والتغب أيضا: الوسخ والدرن، وتغب - بكسر الغين: ~~صار فيه عيب، ويقال للقحط: تغبة - بالتحريك، والتغب - ساكنا: القبيح ~~والريبة، وكل ذلك أسرع إلى الإنسان من أضداده إلا من عصم الله، وما ذاك ~~إلا لأن هذه الدار مبينة عليه. # ولما وصف الله سبحانه له صلى الله عليه وسلم أكثر الناس بما وصف من سوء ~~الطريقة للتقليد الذي منشؤه الإعراض عن الأدلة الموجبة للعلم، أمر أن ~~يذكر طريق الخلص فقال: { قل } أي يا أعلى الخلق وأصفاهم وأعظمهم نصحا ~~وإخلاصا: { هذه } أي الدعوة إلى الله على ما دعا إليه كتاب الله وسننه ~~صلى الله عليه وسلم { سبيلي } القريبة المأخذ، الجلية الأمر، الجليلة ~~الشأن، الواسعة الواضحة جدا، فكأنه قيل: ما هي؟ فقال: { أدعوا } كل من ~~يصح دعاؤه { إلى الله } الحائز لجميع الكمال حال كوني { على بصيرة } أي ~~حجة واضحة من أمري بنظري الأدلة القاطعة والبراهين الساطعة وترك التقليد ~~الدال على الغباوة والجمود، لأن البصيرة المعرفة التي يتميز بها الحق من ~~الباطل دينا ودنيا بحيث يكون كأنه يبصر المعنى بالعين. # ولما كان الموضع ms2329 في غاية الشرف، أكد الضمير المستتر تعيينا وتنبيها ~~على التأهل لظهور الإمامة، فقال: { أنا ومن } أي ويدعو كذلك من { اتبعني ~~} لا كمن هو على عمى جائر عن القصد، حائر في ضلال التقليد، فهو لا يزال ~~في غفلة هدفا للحتوف؛ والاتباع: طلب الثاني اللحاق بالأول للموافقة في ~~مكانه أو في أمره الذي دعا إليه، ومما دخل تحت { قل } عطفا على { أدعوا ~~} قوله: منبها على أن شرط كل دعوة إليه سبحانه اقترانها بتنزيهه عن كل ~~شائبة نقص - { وسبحان الله } أي وأسبح الذي اختص بصفات الكمال سبحانا، ~~أي أقدره حق قدره فأثبت له من صفات الكمال ما يليق بجلاله، وأنزهه عما هو ~~متعال عنه تنزيها يعلم هم أنه يليق بجلالة ويرضى به، وفي تخصيص الله ~~بذلك عقب ما أثبت له ولأتباعه تلويح بنسبة النقص إليهم تواضعا، اعتذارا ~~عما يلحقهم من الوهن وطلبا للعفو عنه { وما أنا } وعدل عن " مشركا " ~~إلى أبلغ منه فقال: { من المشركين * } أي في عداد من يشرك به شيئا بوجه ~~من الوجوه، لأني علمت بما آتاني من البصيرة أنه منعوت بنعوت الكمال، منزه ~~عن سمات النقص، متعال عنها، وأن ذلك أول واجب لأنه الواحد الذي جل عن ~~المجانسة، القهار الذي كل شيء تحت مشيئته، وفسرت { سبحان } بما تقدم لأن ~~مادة " سبح " بكل ترتيب تدور على القدر والشدة والاتساع؛ وتارة يقتصر فيه ~~على الكفاية ومنه الحسب: مقدار الشيء. وتارة يقتصر فيه على الكفاية ~~فيلزمه الحصر ومنه: أحسبني الشيء: كفاني، واحتساب الأجر: الاكتفاء به، ~~والحساب: معرفة المقدار، والحسب بمعنى الظن راجع إلى ذلك أيضا، والأحسب: ~~الذي ابيضت جلدته من داء وفسدت شعرته، بمعنى أن ذلك الداء كفاه في الفساد ~~عن كل داء كأنه ما بقي يسع معه داء، والتحسيب: التكفين بما يسع الميت، ~~وهو كفاية له لا يحتاج بعده إلى شيء، ومنه الحبس وهو المنع من مجاوزة ~~الكفاية؛ وتتجاوز الكفاية فيسبح ويتسع مداه فلا ينحصر ومنه: الحسب - ~~بالتحريك، وهو الشرف؛ ومنه السحب وبه سمي السحاب لانسياحه في الهواء؛ ~~ومنه السبح في الماء، ms2330 ومد الفرس يديه في الجري، والسبحة: صلاة التطوع - ~~لأنه لا حد لها يحصرها، ولأنها تجاوزت الفرض، والسبح: الفراغ - للتمكن ~~معه من الانبساط، والتسبيح: التنزيه - لأنه الإبعاد عن النقص، قال ~~الرماني: وأصله البراءة من الشيء، وقال ابن مكتوم في الجمع بين العباب ~~والمحكم: سبحان الله معناه تنزيها لله من الصحابة والولد، وتبرئة من ~~السوء - هذا معناه في اللغة وبذلك جاء الأثر عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، قال سيبويه: زعم أبو الخطاب أن " سبحان الله " كقولك براءة الله من ~~السوء، كأنه يقول: أبرىء براءة الله من السوء، وزعم أن مثل ذلك قول ~~الأعشى: # أقول لما جاءني فخره # سبحان من علقمه الفاخر # أي براءة منه، وبهذا استدل على أن سبحان معرفة إذ لو كان نكرة لانصرف، ~~قال: وقد جاء في الشعر منونا نكرة، قال أمية: # سبحانه ثم سبحانا يعود له # وقبلنا سبح الجودي والجمد # وقال ابن جني: سبحان اسم علم لمعنى البراءة والتنزيه بمنزلة عثمان ~~وحمران، اجتمع في سبحان التعريف والألف والنون، وكلاهما علة تمنع من ~~الصرف - انتهى. وقال الزجاج: جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أن قوله " ~~سبحان الله " تبرئة لله من السوء، وأهل اللغة كذلك يقولون من غير معرفة ~~بما فيه من الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ولكن تفسيره يجمعون ~~عليه، وقد سبح الرجل: قال سبحان الله، وفي التنزيل # كل قد علم صلاته وتسبيحه # [ النور:41] وسبح لغة في سبح، وحكى ثعلب: سبح تسبيحا وسبحانا، قال ~~ابن سيده: وعندي أنا سبحانا ليس مصدرا لسبح، إنما هو مصدر سبح، وقال ~~النصر: سبحان الله معناه السرعة إليه والخفة في طاعته، وسبوحة - بفتح ~~السين: البلد الحرام، وسباح علم الأرض الملساء عند معدن بني سليم، وسبحات ~~وجه الله: أنواره، والسبحة: الدعاء، وأيضا صلاة التطوع - انتهى. وكله ~~راجع إلى الإبعاد عن السوء، والسبحان: النفس، وكل أحد يبرىء نفسه ويرفعها ~~عن السوء. # ولما أوضح أبطال ما تعنتوا به من قولهم " لو أنزل عليه كنز " أتبعه ما ~~يوضح تعنتهم في قولهم { أو جاء معه ms2331 ملك } بذكر المرسلين، وأهل السبيل ~~المستقيم، الداعين إلى الله على بصيرة، فقال: { وما أرسلنا } أي بما من ~~العظمة. ولما كان الإرسال لشرفه لا يتأتى على ما جرت به الحكمة في كل زمن ~~كما أنه لا يصلح للرسالة كل أحد، وكان السياق لإنكار التأييد بملك في ~~قوله { أو جاء معه ملك } كالذي في النحل، لا لإنكار رسالة البشر، أدخل ~~الجار تنبيها على ذلك فقال: { من قبلك } أي إلى المكلفين { إلا رجالا } ~~أي مثل ما أنك رجل، لا ملائكة ولا إناثا - كما قاله ابن عباس رضي الله ~~عنهما، والرجل مأخوذ من المشي على الرجل { نوحي إليهم } أي بواسطة ~~الملائكة مثل ما يوحى إليك { من أهل القرى } مثل ما أنك من أهل القرى، أي ~~الأماكن المبنية بالمدر والحجر ونحوه، لأنها متهيئة للإقامة والاجتماع ~~وانتياب أهل الفضائل، وذلك أجدر بغزارة العقل وأصالة الرأي وحدة الذهن ~~وتوليد المعارف من البوادي، ومكة أم القرى في ذلك لأنها مجمع لجميع ~~الخلائق لما أمروا به من حج البيت، وكان العرب كلهم يأتونها؛ قال ~~الرماني: وقال الحسن: لم يبعث الله نبيا من أهل البادية ولا من الجن ولا ~~من النساء - انتهى. # وذلك لأن المدن مواضع الحكمة، والبوادي مواطن لظهور الكلمة، ولما كانت ~~مكة أو القرى مدينة، وهي مع ذلك في بلاد البادية، جمعت الأمرين وفازت ~~بالأثرين، لأجل أن المرسل إليها جامع لكل ما تفرق في غيره من المرسلين، ~~وخاتم لجميع النبيين - صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين. # ومادة " قرى " - يائية وواوية مهموزة وغير مهموزة بتراكيبها الخمسة عشر ~~- تدور على الجمع، ويلزمه الإمساك، وربما كان عنه الانتشار، فالقرية - ~~بالفتح ويكسر: المصر الجامع، وأقرى: لزم القرية، والقاري: ساكنها، ~~والقارية: الحاضرة الجامعة، وطير أخضر، إما للزومها، وإما لجمع لونه ~~للبصر، والقريتين - مثنى وأكثر ما يتلفظ به بالياء: مكة والطائف، وقرية ~~النمل: مجتمع ترابها، وقريت الماء في الحوض: جمعته، والمقراة: شبه حوض، ~~وكل ما اجتمع فيه ماء، والقري: ماء مستجمع، والمدة تقرى في الجرح - أي ~~تجتمع، والقواري: الشهود - لجمعهم الأمور، والقواري: الناس الصالحون ms2332 - ~~كأنه مخفف من المهموز، وقريت الضيف قرى بالكسر والقصر، وبالفتح والمد: ~~أضفته كاقتريته، والمقراة: الجفنة يقرى فيها الضيف، والمقاري: القدور، ~~وقرى البعير وكل ما اجتر: جمع جرته في شدقه، وقرت الناقة: ورم شدقاها من ~~وجع الأسنان كأنها لا تقدر مع ذلك على جمع الجرة، فيكون من السلب، وقرى ~~البلاد: تتبعها يخرج من أرض إلى أرض كاقتراها واستقرها - لجمعه بينها، ~~وقري الماء كغني: مسيله من التلاع، أو موقعه من الربو إلى الروضة - لأنه ~~مكان اجتماعه، وقرى الخيل: واد - كأنها اجتمعت فيه، والقرية - كغنية: ~~العصا لأن الراعي يجمع بها ما يرعاه. وبها يجمع كل ما يراد جمعه، ~~وأعواد فيها فرض يجعل فيها رأس عمود البيت، لأنه بها يقام فيجمع من يراد، ~~وعود الشراع الذي في عرضه من أعلاه، لأنه يجمع الشراع ملفوفا ومنشورا، ~~وقريت الصحيفة لغة في قرأتها - إذا تلوتها فجمعت علمها وكلامها، ~~والقارية: أسفل الرمح، لأنه يجمع زجه، أو أعلاه، لأنه يجمع عاليته، وحد ~~الرمح، لأنه يجمع مراد صاحبه، وكذا حد السيف، والقارية - بالتشديد: طائر ~~أخضر إذا رأوه استبشروا بالمطر - كأنه رسول الغيث أو مقدمة السحاب، جمعه ~~قواري، كأنه سمي بذلك لأنه سبب جمع الهم للمطر؛ والقير والقار: شيء أسود ~~تطلى به السفن، والإبل، والحباب، والزقاق، أو هما الزفت، وعلى كل تقدير ~~هو ساد للشقوق والمسام فكان الجامع بين أجزاء السفينة وغيرها، وهذا أقير ~~من هذا أشد مرارة - تشبيه بالقير الطعم، والمر أيضا يجمع الفم نحوه ~~بالقبض، والقيور - كتنور: الخامل النسب، شبه به أيضا لأن القير لما قل ~~احتياج أكثر الناس إليه في كثير من الأوقات صار قليل الذكر - وهذا معنى ~~الخمول، والقيار كشداد: صاحب القير، وبئر لبني عجل قرب واسط، وكأنها سميت ~~لجمعها إياهم، وقيار اسم فرس، كأنه لجودته يجمع لصاحبه ما يريد، والقارة: ~~الدبة كذلك، والقارة: حي من العرب سموا لأن ابن الشداخ أراد أن يفرقهم ~~في كنانة فقال شاعرهم: # دعونا قارة لا تجفلونا # فنجفل مثل إجفال الظليم # ذكره مختصر العين هنا وغيره في الواو، واقتار الحديث اقتيارا: بحث ms2333 عنه ~~- لأن ذلك سبب لجمعه، والقير - كهين: الأسوار من الرماة الحاذق، لأنه ~~يجمع بذلك ما يريد؛ ورقيت الرجل بالفتح رقية: عوذته، ونفثت في عوذته - ~~لأن الراقي يجمع ريقه وينفث، ورقيت في الشيء رقيا - إذا صعدت عليه - ~~كأنك جمعت بين درجه، والمرقاة بالفتح ويكسر: الدرجة، لأن العلو من آثار ~~الجمع، ورقى عليه كلاما ترقية: رفع، لأنه جمعه عليه، ومرقيا الأنف: ~~حرفاه لأنهما الجامعان له؛ والرائق من الماء: الخالص، لأنه إذا خلص اشتد ~~تلاصق أجزائه لزوال ما كان يتخللها من الغبر، وراق الماء يريق - إذا ~~انصب، إما لأنه اجتمع إلى المحل الذي انصب إليه، أو يكون من السلب كأراقه ~~بمعنى صبه، وراق السراب يريق وتريق يتريق - إذا تضحضح فوق الأرض أي تردد، ~~إما من السلب، وإما تشبيه بالمجتمع، والريق: تردد الماء على وجه الأرض من ~~الضحضاح أي ليسير ونحوه، لأنه لا يتردد إلا وهو مجتمع، والريق: أول كل ~~شيء وأفضله من الرائق بمعنى الخالص، ولأن الأول يجتمع إليه غيره، والأفضل ~~يجمع ما يراد، والريق أيضا: الباطل، كالريوق كتنور - تشبيها بالسراب، ~~وريق الفم معروف، لاجتماعه، والريق: القوة، لجمعها المراد، والريق ~~الرائق: الخالص وكل ما أكل أو شرب على الريق، ومن ليس في يده شيء، كأنه ~~خلص عن العلائق فاجتمع همه، ومن هو على الريق كريقي ككيس، وهو يريق ~~بنفسه: يجود بها عند الموت، من راق الماء: انصب، والمريق - كمعظم: من لا ~~يزال يعجبه شيء، ولعله من راقه يروقه - إذا أعجبه، فجمع همه إليه؛ ~~واليارق: ضرب من الأسورة، لأنه يجمع المعصم، واليرقان - ويسكن: الاستقامة ~~والطريقة وآفة للزرع. ومرض معروف، وسيذكر في " أرق " في أول سورة الحجر ~~إن شاء الله تعالى. # ولما كان الاعتبار بأحوال من سلف للنجاة مما حل بهم أهم المهم، اعترض ~~بالحث عليه بين الغاية ومتعلقها، فقال: { أفلم يسيروا } أي يوقع السير ~~هؤلاء المكذبون { في الأرض } أي في هذا الجنس الصادق بالقليل والكثير. ~~ولما كان المراد سير الاعتبار سبب عنه قوله { فينظروا } أي عقب سيرهم ~~وبسببه، ونبه على أن ذلك أمر عظيم ms2334 ينبغي الاهتمام بالسؤال عنه بذكر أداة ~~الاستفهام فقال { كيف كان عاقبة } أي آخر أمر { الذين } ولما كان الذين ~~يعتبر بحالهم - لما حل بهم من الأمور العظام - في بعض الأزمنة الماضية، ~~وكان المخاطبون بهذا القرآن لا يمكنهم الإحاطة بأهل الأرض وإن كان في حال ~~كل منهم عظه، أتى بالجار فقال: { من قبلهم } في الرضى بأهوائهم في تقليد ~~آبائهم، وهذا كما تقدم في سورة يونس من أن الآيات لا تغني عمن ختم على ~~قلبه، والتذكير بأحوال الماضين من هلاك العاصين ونجاة الطائعين، ~~والاعتراض بين ذلك بقوله { قل انتظروا إني معكم من المنتظرين } وهو يدل ~~على أنه تعالى يغضب ممن أعرض عن تدبر آياته؛ والسير: المرور الممتد في ~~جهة، ومنه أخذ السير، وأخذ السيور من الجلد؛ والنظر: طلب إدراك المعنى ~~بالعين أو القلب، وأصله مقابلة الشيء بالبصر لإدراكه. # ولما كان من الممكن أن يدعي مطموس البصيرة أنه كان لهم نوع خير، قال على ~~طريقة إرخاء العنان: { ولدار } أي الساعة أو الحالة { الآخرة } أي التي ~~وقع التنبيه عليها بأمور تفوت الحصر منها دار الدنيا فإنه لا تكون دنيا ~~إلا بقصيا { خير للذين اتقوا } أي حملهم الخوف على جعل الائتمار ~~والانزجار وقاية من حياة أهون مآلها الموت، وإن فرض فيها من المحال أنها ~~امتدت ألف عام، وكان عيشها كله رغدا من غير آلام. # ولما كان تسليم هذا لا يحتاج فيه إلى أكثر من العقل، قال مسببا عنه ~~منكرا عليهم مبكتا لهم: { أفلا تعقلون * } أي فيتبعوا الداعي إلى هذا ~~السبيل الأقوم. ### || [12.110-111] # ولما كان المعنى معلوما من هذا السياق تقديره: فدعا الرجال المرسلون ~~إلى الله واجتهدوا في إنذار قومهم لخلاصهم من الشقاء، وتوعدهم عن الله ~~بأنواع العقوبات إن لم يتبعوهم، وطال عليهم الأمر وتراخى النصر وهم ~~يكذبونهم في تلك الإيعادات ويبكتونهم ويستهزئون بهم، واستمر ذلك من حالهم ~~وحالهم، قال مشيرا إلى ذلك: { حتى إذا استيئس الرسل } أي يئسوا من النصر ~~يأسا عظيما كأنهم أوجدوه أو طلبوه واستجلبوه من أنفسهم { وظنوا أنهم قد ~~كذبوا } أي فعلوا فعل ms2335 اليأس العظيم اليأس الذي ظن أنه قد أخلف وعده من ~~الإقبال على التحذير والتبشير والجواب - لمن استهزأ بهم وقال: ما يحبس ما ~~وعدتمونا به - بإن ذلك أمره إلى الله، إن شاء أنجزه، وإن شاء أخره، ليس ~~علينا من أمره شيء؛ ويجوز أن يراد أنهم لمن استبطؤوا النصر وضجروا مما ~~يقاسون من أذى الأعداء، واستبطاء الأولياء { حتى يقول الرسول والذين ~~آمنوا معه } كما يقول الآئس { متى نصر الله } مع علمهم بأن الله تعالى له ~~أن يفعل ما يشاء، عبر عن حالهم ذلك بما هنا - نقل الزمخشري في الكشاف ~~والرازي في اللوامع معناه عن ابن عباس رضي الله عنهما، هذا على قراءة ~~التخفيف، وأما على قراءة التشديد فالتقدير: وظنوا أنهم قد كذبهم أتباعهم ~~حتى لقد أنكرت عائشة رضي الله عنها قراءة التخفيف، روى البخاري في ~~التفسير وغيره عن عروة بن الزبير أنه سألها عن القراءة: أهي بالتشديد أم ~~بالتخفيف؟ فقالت: إنها بالتشديد، قال قلت: فقد استيقنوا أن قومهم كذبوهم ~~فما هو بالظن، قالت: أجل، لعمري لقد استيقنوا بذلك! فقلت لها: وظنوا أنهم ~~قد كذبوا أي بالتخفيف - قالت: معاذ الله! لم تكن الرسل تظن ذلك بربها، ~~قلت: فما هذه الآية؟ قالت: هم أتباع الرسل الذين آمنوا بربهم وصدقوهم، ~~فطال عليهم البلاء، واستأخر عنهم النصر، حتى إذا استيأس الرسل ممن كذبهم ~~من قومهم وظنوا أنهم أتباعهم قد كذبوهم جاءهم نصر الله عند ذلك. { جاءهم ~~نصرنا } لهم بخذلان أعدائهم { فنجي من نشاء } منهم ومن أعدائهم { ولا يرد ~~بأسنا } أي عذابنا لما له من العظمة { عن القوم } أي وإن كانوا في غاية ~~القوة { المجرمين * } الذين حتمنا دوامهم على القطيعة كما قلنا { ألا يوم ~~يأتيهم ليس مصروفا عنهم } وحققنا بمن ذكرنا مصارعهم من الأمم، وكل ذلك ~~إعلام بأن سنته جرت بأنه يطيل الامتحان، ويمد زمان الابتلاء والاعتبار، ~~حثا للأتباع على الصبر وزجرا للمكذبين عن التمادي في الاستهزاء. # ومادة " كذب " تدور على ما لا حقيقة له، وأكثر تصاريفها واضح في ذلك، ~~ويستعمل في غير الإنسان، قالوا: كذب البرق ms2336 والحلم والرجاء والطمع والظن، ~~وكذبت العين: خانها حسها، وكذب الرأي: تبين الأمر بخلاف ما هو به، وكذبته ~~نفسه: منته غير الحق، والكذوب: النفس، لذلك، وأكذبت الناقة وكذبت - إذا ~~ضربها الفحل فتشول أي ترفع ذنبها ثم ترجع حائلا، لأنها أخلفت ظن حملها، ~~وكذا إذا ظن بها لبن وليس بها، ويقال لمن يصاح به وهو ساكن يرى أنه نائم: ~~قد أكذب، أي عد ذلك الصياح عدما، والمكذوبة من النساء: الضعيفة، لأنه ~~لما اجتمع فيها ضعف النساء وضعفها عدت عدما، والمكذوبة على القلب: ~~المرأة الصالحة - كأنها لعزة الصلاح في النساء جعلت عدما، وكذب الوحشي - ~~إذا جرى ثم وقف ينظر ما وراءه، كأنه لم يصدق بالذي أنفره، ومنه كذب عن ~~كذا - إذا أحجم عنه بعد أن أراده، أو لأنه كذب ما ظنه عند الحملة من قتل ~~الأقران، وكذبك الحج أي أمكنك وكذبك الصيد مثله، وهو يؤول إلى الحث لأن ~~المعنى أن الحج لعظم مشقته وطول شقته تنفر النفس عنه، فيكاد أن لا يوجد، ~~وكذا الصيد لشدة فراره وسرعة نفاره وعزة استقراره يكاد أن لا يتمكن منه ~~فيكون صيده كالكذب لا حقيقة له، فقد تبين حينئذ وجه كون " كذب " بمعنى ~~الإغراء ولاح أن قوله " ثلاثة أسفار كذبن عليكم: الحج والعمرة والجهاد " ~~معناه أنها لشدة الصعوبة لا تكاد تمكن من أرادها منها، مع أنه - لقوة ~~داعيته لكثرة ما يرى فيها من الترغيب بالأجر - يكون كالظافر بها، ويؤيده ~~ما قال ابن الأثير في النهاية عن الأخفش: الحج مرفوع ومعناه نصب، لأنه ~~يريد أن يأمره بالحج كما يقال: أمكنك الصيد، يريد: ارمه، وقال أبو علي ~~الفارسي في الحجة في قول عنترة: # كذب العتيق وماء شن بارد # إن كنت سائلتي غبوقا فاذهبي # وإن شئت قلت:إن الكلمة لما كثر استعمالها في الإغراء بالشيء والبعث على ~~طلبه وإيجاده صار كأنه قال بقوله لها: عليك العتيق، أي الزميه، ولا يريد ~~نفيه ولكن إضرابها عما عداه، فيكون العتيق في المعنى مفعولا به إن كان ~~لفظه مرفوعا، مثل " سلام عليكم " ونحوه مما يراد به ms2337 الدعاء واللفظ على ~~الرفع، وحكى محمد بن السري رحمه الله عن بعض أهل اللغة في " كذب العتيق " ~~أن مضر تنصب به وأن اليمن ترفع به، وقد تقدم وجه ذلك - انتهى. وأقرب من ~~ذلك جدا وأسهل تناولا وأخذا أن الإنسان لا يزال منيع الجناب مصون ~~الحجاب ما كان لازما للصدق فإذا كذب فقد أمكن من نفسه وهان أمره، فمعنى ~~" ثلاثة أسفار كذبن عليكم أمكنتكم من أنفسها، الحج كل سنة بزوال مانع ~~الكفار عنه، والعمرة كل السنة بزوال المفسدين بالقتل وغيره في أشهر الحل، ~~والجهاد كل السنة أيضا لإباحته في الأشهر الحرم وغيرها، وتخريج مثل: ~~كذبتك الظهائر، وغيره على هذا بين الظهور ولا وقفة فيه ولكون الكاذب ~~يبادر إلى المعاذير ويحاول التخلص كان التعبير بهذا من باب الإغراء، أي ~~انتهز الفرصة وبادر تعسر هذا الإمكان. # ولما ذكر سبحانه هذه القصص كما كانت، وحث على الاعتبار بها بقوله: { ~~أفلم يسيروا } وأشار إلى أنه بذلك أجرى سنته وإن طال المدى، أتبعه الجزم ~~بأن في أحاديثهم أعظم عبرة، فقال حثا على تأملها والاستبصار بها: { لقد ~~كان } أي كونا هو في غاية المكنة { في قصصهم } أي الخبر العظيم الذي تلي ~~عليك تتبعا لأخبار الرسل الذين طال بهم البلاء حتى استيأسوا من نوح إلى ~~يوسف ومن بعده - على جميعهم أفضل الصلاة والسلام والتحية والإكرام { عبرة ~~} أي عظة عظيمة وذكرى شريفة { لأولي الألباب } أي لأهل العقول الخالصة من ~~شوائب الكدر يعبرون بها إلى ما يسعدهم بعلم أن من قدر على ما قص من أمر ~~يوسف عليه السلام وغيره قادر على أن يعز محمدا صلى الله عليه وعلى آله ~~وسلم ويعلي كلمته وينصره على من عاداه كائنا من كان كما فعل بيوسف وغيره ~~- إلى غير مما ترشد إليه قصصهم من الحكم وتعود إليه من نفائس العبر؛ ~~والقصص: الخبر بما يتلو بعضه بعضا، من قص الأثر، والألباب: العقول، لأن ~~العقل أنفس ما في الإنسان وأشرف. # ولما كان من أجل العبرة في ذلك القطع بحقية القرآن لما بينه من حقائق ~~أحوالهم ms2338 وخفايا أمورهم ودقائق أخبارهم على هذه الأساليب الباهرة ~~والتفاصيل الظاهرة والمناهيج المعجزة القاهرة، نبه على ذلك بتقدير سؤال ~~فقال: { ما كان } أي هذا القرآن العربي المشتمل على قصصهم وغيره { حديثا ~~يفترى } كما قال المعاندون - على ما أشير إليه بقوله: { أم يقولون افتراه ~~} ، والافتراء: القطع بالمعنى على خلاف ما هو به في الإخبار عنه، من: ~~فريت الأديم { ولكن } كان { تصديق الذي } كان من الكتب وغيرها { بين يديه ~~} أي قبله الذي هو كاف في الشهادة بصدقه وحقيته في نفسه { و } زاد على ~~ذلك بكونه { تفصيل كل شيء } أي يحتاج إليه من أمور الدين والدنيا ~~والآخرة؛ والتفصيل: تفريق الجملة بإعطاء كل قسم حقه { وهدى ورحمة } ~~وبيانا وإكراما. ولما كان الذي لا ينتفع بالشيء لا يتعلق بشيء منه، ~~قال: { لقوم يؤمنون } أي يقع الإيمان منهم وإن كان بمعنى: يمكن إيمانهم، ~~فهو عام، وما جمع هذه الخلال فهو أبين البيان، فقد انطبق هذا الآخر على ~~أول السورة في أنه الكتاب المبين، وانطبق ما تبع هذه القصص - من الشهادة ~~بحقية القرآن، وأن الرسل ليسوا ملائكة ولا معهم ملائكة للتصديق يظهرون ~~للناس، وأنهم لم يسألوا على الإبلاغ أجرا - على سبب ما تبعته هذه القصص، ~~وهو مضمون قوله تعالى: # فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك # [ هود: 12] الآية من قولهم # لولا ألقي عليه كنز أو جاء معه ملك # [ هود: 12] وقولهم: إنه افتراه، على ترتيب ذلك، مع اعتناق هذا الآخر ~~لأول التي تليه، فسبحان من أنزله معجزا باهرا، وقاضيا بالحق لا يزال ~~ظاهرا، وكيف لا وهو العليم الحكيم - والله سبحانه وتعالى أعلم. ### | [13 - سورة الرعد] ### || [13.1-2] # { بسم الله } الحق الذي كل ما عداه باطل { الرحمن } الذي عم بالرغبة ~~والرهبة بعموم رحمته { الرحيم } الذي خص من شاء بما يرضاه عظيم الوهية { ~~المر }. # لما ختم التي قبلها بالدليل على حقية القرآن وأنه هدى ورحمة لقوم ~~يؤمنون، بعد أن أشار إلى كثرة ما يحسونه من آياته في السماوات والأرض مع ~~الإعراض، ابتدأ هذه بذلك على طريق اللف والنشر المشوش لأنه أفصح للبداءة ~~في ms2339 نشره بالأقرب فالأقرب فقال: { تلك } أي الأنباء المتلوة والأقاصيص ~~المجلوة المفصلة بدر المعاني وبديع الحكم وثابت القواعد والمباني العالية ~~المراتب { آيات } والآية: الدلالة العجيبة في التأدية إلى المعرفة { ~~الكتاب } المنزل إليك { و } جميع { الذي }. # ولما كان تحقق أن هذا الكتاب من عند الملك أمرا لا يطرقه مريه لما له ~~من الإعجاز، وكذا ما تبعه من بيانه بالسنة لما له من الحق الذي لا يخف ~~على كل عاقل، وكان ما تحقق أنه كذلك يعلم أن الآتي به لا يكون إلا ~~عظيما، بني للمفعول قوله: { أنزل إليك } كائن { من ربك } فثبت حينئذ ~~قطعا أنه هو { الحق } أي الموضوع كل شيء منه في موضعه على ما تدعو إليه ~~الحكمة، الواضح الذي لا يتخلف شيء منه عن مطابقة الواقع من بعث ولا غيره، ~~فهو أبعد شيء عن قولهم: إن وعده بالبعث سحر، فوجب لثبوت حقيته على كل من ~~اتصف بالعقل أن يؤمن به { ولكن أكثر الناس } أي الآنسين بأنفسهم ~~المضطربين في آرائهم، { لا يؤمنون * } أي لا يتجدد منهم إيمان أصلا بأنه ~~الحق في نفسه وأنه من عند الله، بل يقولون: إنه من عند محمد صلى الله ~~عليه وعلى آله وسلم، وإنه تخييل ليست معاينة - كما قلنا # وما أكثر الناس ولو حرصت بؤمنين # [يوسف: 103] فليس هدى لهم كاملا ولا رحمة تامة، هذا التقدير محتمل، ~~ولكن الذي يدل عليه ظاهر قوله تعالى: # أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق # [ الرعد: 19] أن { الذي } مبتدأ، و { من ربك } صلة { أنزل } والخبر { ~~الحق } والمقصود من هذه السورة هذه الآية، وهي وصف المنزل بأنه الحق ~~وإقامة الدليل عليه، وذلك لأنه لما تم وصف الكتاب بأنه حكيم محكم مفصل ~~مبين، عطف الكلام إلى تفصيل أول سورة البقرة، والإيماء إلى أنه حان ~~اجتناء الثمرة في هذه السورة والتي بعدها، ويلتحم بذلك وصف المصدقين بذلك ~~- كما ستقف عليه. # وقال الإمام أبو جعفر بن زبير رحمه الله في برهانه: هذه السورة تفصيل ~~لمجمل قوله سبحانه في خاتمة سورة يوسف عليه السلام # وكأين من ms2340 آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون * وما ~~يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون * أفامنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب ~~الله أو تأتيهم الساعة بغتة وهم لا يشعرون * قل هذه سبيلي ادعوا إلى الله ~~على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين # [يوسف: 105-106-107-108] فبيان آي السماوات في قوله { الله الذي رفع ~~السماوات بغير عند ترونها ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر كل يجري ~~لأجل مسمى } وبيان آي الأرض في قوله: { وهو الذي مد الأرض وجعل فيها ~~رواسي وأنهارا ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين } فهذه آي السماوات ~~والأرض، وقد زيدت بيانا في مواضع، ثم في قوله تعالى: { يغشى اليل ~~النهار } ما يكون من الآيات عنهن، لأن الظلمة عن جرم الأرض، والضياء عن ~~نور الشمس وهي سماوية، ثم زاد تعالى آيات الأرض بيانا وتفصيلا في قوله ~~تعالى: # وفي الأرض قطع متجاورات # [الرعد: 4] إلى قوله: # لقوم يعقلون # [الرعد:4]. ولما كان إخراج الثمر بالماء النازل من السماء من أعظم آية، ~~ودليلا واضحا على صحة المعاد، ولهذا قال تعالى في الآية الأخرى # كذلك نخرج الموتى # [ الأعراف: 57] وكان قد ورد هنا أعظم جهة في الاعتبار من إخراجها ~~مختلفات في الطعوم والألوان والروائح مع اتحاد المادة " يسقى " بماء واحد ~~ونفضل بعضها على بعض في الأكل لذلك ما أعقب قوله تعالى: { وفي الأرض قطع ~~متجاورات } الآية بقوله { وإن تعجب فعجب قولهم إذا كنا ترابا أئنا لفي ~~خلق جديد } ثم بين سبحانه الصنف القائل بهذا وأنهم الكافرون أهل الخلود ~~في النار، ثم أعقب ذلك ببيان عظيم حلمه وعفوه فقال # ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة # [الرعد: 6] الآية، ثم أتبع ذلك بما يشعر بالجري على السوابق في قوله # إنما أنت منذر ولكل قوم هاد # [ الرعد: 7] ثم بين عظيم ملكه واطلاعه على دقائق ما أوجده من جليل صنعه ~~واقتداره فقال { الله يعلم ما تحمل كل انثى وما تغيض الأرحام } الآيات ~~إلى قوله: { وما لكم من دونه من وال } ثم خوف عباده وأنذرهم ورغبهم # هو ms2341 الذي يريكم البرق خوفا وطمعا # [الرعد: 12]، الآيات وكل ذلك راجع إلى ما أودع سبحانه في السماوات ~~والأرض وما بينهما من الآيات، وفي ذلك أكثر آي السورة ونبه تعالى على ~~الآية الكبرى والمعجزة العظمى فقال: # ولو أن قرانا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى # [الرعد:31] والمراد: لكان هذا القرآن # ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا # [النساء:82] والتنبيه بعظيم هذه الآيات مناسب لمقتضى السورة من التنبيه ~~بما أودع تعالى من الآيات في السماوات والأرض، وكأنه جل وتعالى لما بين ~~لهم عظيم ما أودع من السماوات والأرض وما بينهما من الآيات وبسط ذلك ~~وأوضحه، أردف ذلك بآية أخرى جامعة للآيات ومتسعة للاعتبارات فقال تعالى # ولو أن قرآنا سيرت به الجبال # [ الرعد:31] فهو من نحو # إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين وفي خلقكم # [الجاثية:3] أي لو فكرتم في آيات السماوات والأرض لأقلتكم وكفتكم في ~~بيان الطريق إليه ولو فكرتم في أنفسكم وما أودع تعالى فيكم من العجائب ~~لاكتفيتم " من عرف نفسه عرف ربه " فمن قبيل هذا الضرب من الاعتبار هو ~~الواقع في سورة الرعد من بسط آيات السماوات والأرض، ثم ذكر القرآن وما ~~يحتمل، فهذه إشارة إلى ما تضمنت هذه السورة الجليلة من بسط الآيات ~~المودعة في الأرضين والسماوات. وأما قوله تعالى # وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون # [يوسف:106] فقد أشار إليه قوله تعالى: { ولكن أكثر الناس لا يؤمنون إنما ~~يتذكر أولوا الألباب } وقوله تعالى: # الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله لا بذكر الله تطمئن القلوب # [الرعد:28] فالذين تطمئن قلوبهم بذكر الله هم أولو الألباب المتذكرون ~~التامو الإيمان وهم القليل المشار إليهم في قوله تعالى # وقليل ما هم # [ص:24] والمقول فيهم # أولئك هم المؤمنون حقا # [الأنفال:4] ودون هؤلاء طوائف من المؤمنين ليسوا في درجاتهم ولا بلغوا ~~يقينهم، وإليهم الإشارة بقوله: # وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون # [يوسف:106] قال عليه الصلاة والسلام # " الشرك في أمتي أخفى من دبيب النمل " # فهذا بيان ما أجمل في ms2342 قوله { وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون } ~~وأما قوله تعالى: # أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله # [يوسف:107] فما عجل لهم من ذلك في قوله: { ولا يزال الذين كفروا تصيبهم ~~بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا من دارهم حتى يأتي وعد الله } القاطع ~~دابرهم، والمستأصل لأمرهم، وأما قوله تعالى: # قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة # [يوسف:108] الآية، فقد أوضحت آي سورة الرعد سبيله عليه السلام بينه بما ~~تحملته من عظيم التنبيه وبسط الدلائل بما في السماوات والأرض وما بينهما ~~وما في العالم بجملته وما تحمله الكتاب المبين - كما تقدم، ثم قد تعرضت ~~السورة لبيان جلي سالكي تلك السبيل الواضحة المنجية فقال تعالى: # الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق # [الرعد:20] إلى آخر ما حلاهم به أخذا وتركا، ثم عاد الكلام بعد إلى ما ~~فيه من التنبيه والبسط وتقريع الكفار وتوبيخهم وتسليته عليه السلام في ~~أمرهم # إنما أنت منذر ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية # [الرعد: 38]، # فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب # [الرعد:40] # ويقول الذين كفروا لست مرسلا # [الرعد: 43]، والسورة بجملتها غير حائدة عن تلك الأغراض المجملة في ~~الآيات الأربع المذكورات من آخر سورة يوسف، ومعظم السورة وغالب آيها في ~~التنبيه وبسط الدلالات والتذكير بعظيم ما أودعت من الآيات؛ ولما كان هذا ~~شأنها أعقبت بمفتتح سورة إبراهيم عليه السلام - انتهى. # فلما أثبت سبحانه لهذا الكتاب أنه المختص بكونه حقا فثبت أنه أعظم ~~الأدلة والآيات، شرع يذكر ما أشار إليه بقوله: { وكأين من آية } من ~~الآيات المحسوسة الظاهرة الدالة على كون آيات الكتاب حقا بما لها في ~~أنفسها من الثبات، والدلالة بما لفاعلها من القدرة والاختيار - على أنه ~~قادر على كل شيء، وأن ما أخبر به من البعث حق لما له من الحكمة، والدالة ~~- بما للتعبير عنها من الإعجاز - على كونها من عند الله، وبدأ بما بدأ به ~~في تلك من آيات السماوات لشرفها ولأنها أدل، فقال: { الله } أي الملك ~~الأعظم الذي له جميع صفات الكمال وحده ms2343 { الذي رفع السماوات } بعد إيجادها ~~من عدم - كما أنتم بذلك مقرون؛ والرفع: وضع الشيء في جهة العلو سواء كان ~~بالنقل أو بالاختراع، كائنة { بغير عمد } جمع عماد كأهب وإهاب أو عمود، ~~والعمود: جسم مستطيل يمنع المرتفع أن يميل، وأصله منع الميل { ترونها } ~~أي مرئية حاملة لهذه الأجرام العظام التي مثلها لا تحمل في مجاري عاداتكم ~~إلا بعد تناسبها في العظم، هذا على أن { ترونها } صفة، ويجوز - ولعله ~~أحسن - أن يكون على تقدير سؤال من كأنه قال: ما دليل أنها بغير عمد؟ ~~فقيل: المشاهدة التي لا أجلى منها. # ولما كان رفع السماوات بعد خلق الأرض وقبل تسويتها، ذكر أنه شرع في ~~تدبير ما للكونين من المنافع وما فيهما من الأعراض والجواهر، وأشار إلى ~~عظمة ذلك التدبير بأداة التراخي فقال: { ثم استوى على العرش } قال الرازي ~~في لوامع البرهان: وخص العرش لأنه أعلى خلقه وصفوته ومنظره الأعلى وموضع ~~تسبيحه ومظهر ملكه ومبدأ وحيه ومحل قربه، ولم ينسب شيئا من خلقه كنسبته، ~~فقال تعالى: { ذو العرش } كما قال { ذو الجلال } و " ذو " كلمة لحق ~~واتصال وظهور ومبدأ، وقال الرماني: والاستواء: الاستيلاء بالاقتدار ونفوذ ~~السلطان، وأصله: استوى التدبير، كما أن أصل القيام الانتصاب، ثم يقال: ~~قائم بالتدبير - انتهى. وعبر ب " ثم " لبعد هذه الرتبة عن الأطماع ~~وعلوها عما يستطاع، فليس هناك ترتيب ولا مهلة حتى يفهم أن ما قبل كان على ~~غير ذلك، والمراد أنه أخذ في التدبير لما خلق كما هو شأن الملوك إذا ~~استووا على عروشهم، أي لم يكن لهم مدافع، وإن لم يكن هناك جلوس أصلا، ~~وذلك لأن روح الملك التدبير وهو أعدل أحواله والله أعلم { وسخر } أي ذلل ~~تذليلا عظيما { الشمس } أي التي هي آية النهار { والقمر } أي الذي هو ~~آية الليل لما فيهما من الحكم والمنافع والمصالح التي بها صلاح البلاد ~~والعباد، ودخلت اللام فيهما وكل واحد منهما لا ثاني له لما في الاسم من ~~معنى الصفة، إذا لو وجد مثل لهما لم يتوقف في إطلاق الاسم عليه، ولا ms2344 كذلك ~~زيد وعمرو. والتسخير: التهيئة لذلك المعنى المسخر له ليكون بنفسه من غير ~~معاناة صاحبه فيما يحتاج إليه كتسخير النار للإنضاج والماء للجريان { كل ~~} أي من الكوكبين { يجري }. # ولما كان السياق للتدبير، علم أن المراد بجريهما لذلك، وهو تنقلهما في ~~المنازل والدرجات التي يتحول بها الفصول، ويتغير النبات وتضبط الأوقات، ~~وكلما كان التدبير أسرع، علم أن صاحبه أعلم ولا سيما إن كان أحكم، فكان ~~الموضع للام لا لإلى، فعلل بقوله: { لأجل } أي لأجل اختصاصه بأجل { مسمى ~~} هذي أجلها سنة، وذاك أجله شهر؛ والأجل: الوقت المضروب لحدوث أمر ~~وانقطاعه. # ولما كان كل من ذلك مشتملا من الآيات على ما يجل عن الحصر مع كونه في ~~غاية الإحكام، استأنف خبرا هو كالتنبيه على ما فيما مضى من الحكمة، فقال ~~مبينا للاستواء على العرش بعد أن أشار إلى عظمة هذا الخبر بما في صلة ~~الموصول من الأوصاف العظيمة: { يدبر الأمر } أي في المعاش والمعاد وما ~~ينظمهما بأن يفعل فيه فعل من ينظر في أدباره وعواقبه ليأتي محكما يجل عن ~~أن يرام بنقض، بل هو بالحقيقة الذي يعلم أدبار الأمور وعواقبها، لا يشغله ~~شأن عن شأن، مع أن هذا العالم - من أعلى العرش إلى ما تحت الثرى - محتو ~~عل أجناس وأنواع وفصول وأصناف وأشخاص لا يحيط بها سواه، وذلك دال قطعا ~~على أنه سبحانه في ذاته وصفاته متعال عن مشابهة المحدثات واحد أحد صمد ~~ليس له كفوا أحد. # ولما كان هذا بيانا عظيما لا لبس فيه، قال { يفصل الآيات } أي التي ~~برز إلى الوجود تدبيرها، الدالة على وحدانيته وكمال حكمته، المشتملة ~~عليها مبدعاته، فيفرقها ويباين بينها مباينة لا لبس فيها، تقريبا ~~لعقولكم وتدريبا لفهومكم، لتعلموا أنها فعل الواحد المختار، لا فعل ~~الطبائع ولا غيرها من الأسباب التي أبدعها، وإلا فكانت على نسق واحد، ~~وجمعها لما تقدم من الإشارة إلى كثرتها بقوله: { وكأين من آية في ~~السماوات والأرض } فكأن هذه الألف واللام لذلك المنكر هناك. # ولما كان التدبير وهذا التفصيل دالا على تمام القدرة وغاية ms2345 الحكمة، ~~وكان البعث لفصل القضاء والحكم بالعدل وإظهار العظمة هو محط الحكمة، علل ~~بقوله: { لعلكم بلقاء ربكم } أي لتكون حالكم حال من يرجى له بما ينظر من ~~الدلالات الإيقان بلقاء الموجد له المحسن إليه بجميع ما يحتاجه التربية { ~~توقنون * } أي تعلمون ذلك من غير شك استدلالا بالقدرة على ابتداء الخلق ~~على القدرة على ما جرت العادة بأنه أهون من الابتداء وهو الإعادة، وأنه ~~لا تتم الحكمة إلا بذلك. ### || [13.3-4] # ولما انقضى ما أراد من آيات السماوات، ثنى بما فيما ثنى به في آية يوسف ~~من الدلالات فقال: { وهو } أي وحده { الذي مد الأرض } ولو شاء لجعلها ~~كالجدار أو الأزج لا يستطاع القرار عليها، وهذا لا ينافي أن تكون كرية، ~~لأن الكرة إذا عظمت كان كل قطعة منها تشاهد كالسطح، كما أن الجبال أوتاد ~~والحيوان يستقر عليها { وجعل فيها } جبالا مع شهوقها { رواسي } أي ~~ثوابت، واحدها راسية أي ثابتة باقية في حيزها غير منتقلة عن أماكنها لا ~~تتحرك، فلا يتحرك ما هي راسية فيه. ولما غلب على الجبال وصفها بالرواسي، ~~صارت الصفة تغني عن الموصوف فجمعت جمع الاسم كحائط وكاهل - قاله أبو ~~حيان، ولما كانت طبيعة الأرض واحدة كان حصول الجبل في جانب منها دون آخر ~~ووجود المعادن المتخالفة فيها تارة جوهرية، وتارة خامية، وتارة نفطية، ~~وتارة كبريتية - إلى غير ذلك، دليلا على اختصاصه تعالى بتمام القدرة ~~والاختيار لأن الجبل واحد في الطبع كما أن تأثير الشمس واحد، فقال تعالى: ~~{ وأنهارا } أي وجعل فيها خارجة منها، وأكثر ما تكون الأنهار من الجبال، ~~لأنها أجسام صلبة عالية، وفي خلال الأرض أبخرة فتصاعد تلك الأبخرة ~~المتكونة في قعر الأرض، ولا تزال تخرق حتى تصل إليها فتحتبس بها فلا تزال ~~تتكامل حتى يعظم تكاثفها، فإذا بردت صارت ماء فيحصل بسببها مياه كثيرة ~~كما تنعقد الأبخرة البخارية المتكاثفة في أعالي الحمامات إذا بردت ~~وتتقاطر، فإذا تكامل انعقاد تلك المياه وعظمت شقت أسافل الجبال أو غيرها ~~من الأماكن التي تستضعفها لقوتها وقوة الأبخرة المصاحبة لها، فإن ms2346 كان ~~لتلك المياه مدد من جهة الفواعل والقوابل بحيث كلما نبع منها شيء حدث ~~عقيبه شيء، وهكذا على الاتصال فهي النهر، والنهر: المجرى الواسع من مجاري ~~الماء، وأصله الاتساع، ومنه النهار - لاتساع ضيائه. # ولما ذكر الأنهار ذكر ما ينشأ عن المياه فقال: { ومن كل الثمرات } ويجوز ~~أن يكون متعلقا بما قبله، ثم يكون كأنه قيل: من ينتفع بهذه الأشياء؟ ~~فقيل: { جعل فيها } أي الأرض { زوجين اثنين } ذكرا وأنثى من كل صنف من ~~الحيوان ينتفع بها، ويجوز أن يكون متعلقا بما بعده فيكون التقدير: وجعل ~~فيها من كل الثمرات زوجين اثنين ذكرا وأنثى تنتفع الأنثى بلقاحها من ~~الذكر أو قربه منها فيجود ثمرها؛ والثمرة طعمة الشجرة، والزوج: شكل له ~~قرين من نظير أو نقيض، فكأنه قيل: ما الذي ينضجها؟ فقال: { يغشي اليل ~~النهار } أي والنهار الليل، فينضج هذا بحره ويمسك هذا ببرده، فيعتدل ~~فعلهما على ما قدره تعالى لهما في السير من الزيادة والنقصان للحر والبرد ~~للإخراج والإنضاج إلى غير ذلك من الحكم النافعة في الدين والدنيا الظاهر ~~لكل ذي عقل أنها بتدبيره بفعله واختياره وقهره واقتداره. # ولما ساق سبحانه هذه الآيات مفصلة إلى أربع وكان فيها دقة، جمعها وناطها ~~بالفكر فقال: { إن في ذلك } أي الذي وقع التحديث عنه من الآيات متعاطفا ~~{ لآيات } أي دلالات واضحات عجيبات باهرات على أن ذلك كله مستند إلى ~~قدرته واختياره، ونبه على أن المقام يحتاج إلى تعب بتجريد النفس من الهوى ~~وتحكيم العقل صرفا بقوله: { لقوم } أي ذوي قوة زائدة على القيام فيما ~~يحاولونه { يتفكرون * } أي يجتهدون في الفكر، قال الرماني: وهو تصرف ~~القلب في طلب المعنى، ومبدأ ذلك معنى يخطره الله تعالى على بال الإنسان ~~فيطلب متعلقاته التي فيها بيان عنه من كل وجه يمكن فيه، والختم بالتفكر ~~إشارة إلى الاهتمام بإعطاء المقام حقه في الرد على الفلاسفة، فإنهم ~~يسندون حوادث العالم السفلي إلى الاختلافات الواقعة في الأشكال الكوكبية، ~~وهو كلام ساقط لمن تفكر فيما قرره سبحانه في الآية السالفة من إسقاط ~~وروده ms2347 من أنه سبحانه هو الذي أوجد الأشياء كلها من عدم ثم أخذ في ~~تدبيرها، فاختصاص كل شيء من الأجرام العلوية بطبع وصفة وخاصية إنما هو ~~بتخصيص المدبر الحكيم الفاعل بالاختيار، فصار وجود الحوادث السفلية لو ~~سلم أنه متأثر عن الحوادث العلوية إنما يكون مستندا إليها باعتبار ~~السببية، والسبب والمسبب مستند إلى الصانع القديم المدبر الحكيم. # ولما كان الدليل - مع وضوحه - فيه بعض غموض، شرع تعالى في شيء من تفصيل ~~ما في الأرض من الآيات التي هي أبين من ذلك دليلا ظاهرا جدا على إبطال ~~قول الفلاسفة، فقال: { وفي الأرض } أي التي أنتم سكانها، تشاهدون ما فيها ~~مشاهدة لا تقبل الشك { قطع متجاورات } فهي متحدة البقعة مختلفة الطبع، ~~طيبة إلى سبخة، وكريمة إلى زهيدة، وصلبة إلى رخوة، وصالحة للزرع لا للشجر ~~وعكسها، ومع انتظام الكل في الأرضية { وجنات } جمع جنة، وهي البستان الذي ~~تجنه الأشجار { من أعناب } وكأنه قدمها لأن أصنافها - الشاهدة بأن صانعها ~~إنما هو الفعال لما يريد - لا تكاد تحصر حتى أنه في الأصل الواحد يحصل ~~تنوع الثمرة ولذلك جمعها. # ولما كان تفاوت ما أصله الحب أعجب، قال: { وزرع } أي منفردا - في قراءة ~~ابن كثير وأبي عمرو وحفص عن عاصم بالرفع، وفي خلل الجنات - في قراءة ~~الباقين بالجر. # ولما كان ما جمعه أصل واحد ظاهر أغرب أخر قوله: { ونخيل صنوان } فروع ~~متفرقة على أصل واحد { وغير صنوان } باعتبار افتراق منابتها وأصولها؛ قال ~~أبو حيان: والصنو: الفرع يجمعه وآخر أصل واحد، وأصله المثل، ومنه قيل ~~للعم: صنو وقال الرماني: والصنوان: المتلاصق، يقال: هو ابن أخيه صنو أبيه ~~أي لصيق أبيه في ولادته، وهو جمع صنو، وقيل: الصنوان: النخلات التي أصلها ~~واحد - عن البراء بن عازب وابن عباس ومجاهد وقتادة رضي الله عنهم؛ وقال ~~الحسن رضي الله عنه: الصنوان: النخلتان أصلهما واحد - انتهى. # وهو تركيب لا فرق بين مثناه وجمعه إلا بكسر النون من غير تنوين وإعرابها ~~مع التنوين، وسيأتي في يس إن شاء الله تعالى سر تسمية الكرم بالعنب. # ولما ms2348 كان الماء بمنزلة الأب والأرض بمنزلة الأم، وكان الاختلاف مع اتحاد ~~الأب والأم أعجب وأدل على الإسناد إلى الموجد المسبب، لا إلى شيء من ~~الأسباب، قال: { ويسقى } أي أرضها الواحدة كلها { بماء واحد } فتخرج ~~أغصانها وثمراتها في وقت معلوم لا يتأخر عنه ولا يتقدم بعد أن يتصعد ~~الماء فيها علوا ضد ما في طبعه من التسفل، ثم يتفرق في كل من الورق ~~والأغصان والثمار بقسطه مما فيه صلاحه { ونفضل } أي بما لنا من العظمة ~~المقتضية للطاعة { بعضها } أي بعض تلك الجنات وبعض أشجارها { على بعض } ~~ولما كان التفضيل على أنحاء مختلفة، بين المراد بقوله: { في الأكل } أي ~~الثمر المأكول، ويخالف في المطعوم مع اتحاد الأرض وبعض الأصول، وخص الأكل ~~لأنه أغلب وجوه الانتفاع، وهو منبه على اختلاف غيره من الليف والسعف ~~واللون للمأكول والطعم والطبع والشكل والرائحة والمنفعة وغيرها مع أن ~~نسبة الطبائع والاتصالات الفلكية إلى جميع الثمار على حد سواء لا سيما ~~إذا رأيت العنقود الواحد جميع حباته حلوة نضيجة كبيرة إلا واحدة فإنها ~~حامضة صغيرة يابسة. # ولما كان المراد في هذا السياق - كما تقدم - تفصيل ما نبه على كثرته ~~بقوله: { وكأين من آية في السماوات والأرض } الآية، قال: { إن في ذلك } ~~أي الأمر العظيم الذي تقدم { لآيات } بصيغة الجمع فإنها بالنظر إلى ~~تفصيلها بالعطف جمع وإن كانت بالنظر إلى الماء مفردة، وهذا بخلاف ما يأتي ~~في النحل لأن المحدث عنه هناك الماء، وهنا ما ينشأ عنه، فلما اختلف ~~المحدث عنه كان الحديث بحسبه، فالمعنى: دلالات واضحات على أن ذلك كله فعل ~~واحد مختار عليم قادر على ما يريد من ابتداء الخلق ثم تنويعه بعد إبداعه، ~~فهو قادر على إعادته بطريق الأولى. # ولما كانت هذه المفصلة أظهر من تلك المجملة، فكانت من الوضوح بحال لا ~~يحتاج ناظره في الاعتبار به إلى غير العقل، قال: { لقوم } أي ذوي قوة على ~~ما يحاولونه { يعقلون } فإنه لا يمكن التعبير في وجه هذه الدلالة إلا بأن ~~يقال هذه الحوادث السفلية حدثت بغير محدث، ms2349 فيقال للقائل: وأنت لا عقل لك، ~~لأن العلم بافتقار الحادث إلى المحدث ضرورة، فعدم العلم بالضروري يستلزم ~~عدم العقل. ### || [13.5-6] # ولما ثبت قطعا بما أقام من الدليل على عظيم قدرته بما أودعه من الغرائب ~~في ملكوته التي لا يقدر عليها سواه أن هذا إنما هو فعل واحد قهار مختار ~~يوجد المعدوم ويفاوت بين ما تقتضي الطبائع اتحاده، كان إنكار شيء من ~~قدرته عجبا، فقال عطفا على قوله: # ولكن أكثر الناس لا يؤمنون # [هود: 17] مشيرا إلى أنهم يقولون: إن الوعد بالبعث سحر لا حقيقة له { * ~~إن تعجب } أي يوما من الأيام أو ساعة من الدهر فاعجب من إنكارهم البعث { ~~فعجب } عظيم لا تتناهى درجاته في العظم { قولهم } بعد ما رأوا من الآيات ~~الباهرة والدلالات الناطقة بعظيم القدرة على كل شيء منكرين: { إذا كنا ~~ترابا } واختلط التراب الذي تحولنا إليه بالتراب الأصلي فصار لا يتميز، ~~ثم كرروا التعجب والإنكار بالاستفهام ثانيا فقالوا: { إنا لفي خلق جديد ~~} هذا قولهم بعد أن فصلنا من الآيات ما يوجب أنهم بلقاء ربهم يوقنون، ~~وهذا الاستفهام الثاني مفسر لما نصب الأول بما فيه من معنى { أنبعث } ، ~~والعجب: تغير النفس بما خفي سببه عن العادة، والجديد: المهيا بالقطع إلى ~~التكوين قبل التصريف في الأعمال، وأصل الصفة القطع؛ قال الرماني: وقد ~~قيل: لا خير فيمن لا يتعجب من العجب، وأرذل منه من يتعجب من غير عجب - ~~انتهى، يعني: فالكفار تعجبوا من غير عجب: ومن تعجبهم فقد تعجب من العجب. # ولما كان هذا إنكار المحسوس من القدرة، استحقوا ما يستحق من يطعن في ملك ~~الملك، فقال: { أولئك } أي الذين جمعوا أنواعا من البعد مع كل خير { ~~الذين كفروا بربهم } أي غطوا كل ما يجب إظهاره بسبب الاستهانة بالذي بدأ ~~خلقهم ثم رباهم بأنواع اللطف، فإذا أنكروا معادهم فقد أنكروا مبدأهم { ~~وأولئك } أي البعداء البغضاء { الأغلال } أي الحدائد التي تجمع أيدي ~~الأسرى إلى أعناقهم، ويقال لها: جوامع، وتارة تكون في الأعناق فقط يعذب ~~بها الناس؛ ولما كان طرفا العنق غليظين، فلا ms2350 تكون إحاطة الجامعة منها إذا ~~كانت ضيقة إلا بالوسط، جعل الأعناق ظروفا باعتبار أنها على بعض منها، ~~وذلك كناية عن ضيقها، فقال: { في أعناقهم } أي بكفرهم وإن لم تكن الأغلال ~~مشاهدة الآن، فهي لقدرة المهدد بها على الفعل كأنها موجودة، وهم منقادون ~~لما قدر عليهم من أسبابها كما يقاد المغلول بها إلى ما يريد قائده، ~~والغل: طوق تقيد به اليد في العنق، وأصله: انغل في الشيء - إذا انتشب ~~فيه، وغل المال - إذا خان بانتشابه في المال الحرام { وأولئك } أي الذين ~~لا خسارة أعظم من خسارتهم { أصحاب النار }. ولما كانت الصحبة تقتضي ~~الملازمة، صرح بها فقال: { هم } أي خاصة { فيها } أي متمحضة لا يخلطها ~~نعيم { خالدون * } أي ثابت خلودهم دائما. # ولما تضمنت هذه الآية إثبات القدرة التامة مع ما سبق من أدلتها المحسوسة ~~المشاهدة، كان أيضا من العجب العجيب والنبأ الغريب استهزاءهم بها، فقال ~~معجبا منهم: { ويستعجلونك } أي استهزاء وتكذيبا؛ والاستعجال: طلب ~~التعجيل، وهو تقديم الشيء قبل وقته الذي يقدر له { بالسيئة } من العذاب ~~المتوعد به من عذاب الدنيا وعذاب الآخرة جرأة منهم تشير إلى أنهم لا ~~يبالون بشيء منه ولا يوهن قولهم شيء { قبل الحسنة } من الخير الذي تبشرهم ~~به { و } الحال أنه { قد خلت } ولما كان المحدث عنه إنما كان في بعض ~~الزمان، أدخل الجار فقال: { من قبلهم المثلات } جمع مثله بفتح الميم وضم ~~المثلثة كصدقة وصدقات، سميت بذلك لما بين العقاب والمعاقب عليه من ~~المماثلة، وهي العقوبات التي تزجر عن مثل ما وقعت لأجله من الأمم الذين ~~اتصلت بهم أخبارهم، وخاطبتهم بعظيم ما اتفق لهم آثارهم وديارهم، وما ~~يؤخرهم الله إلا لاستيفاء آجالهم التي ضربها لهم مع قدرته التامة عليهم. # ولما كانوا ربما قالوا: ما نرى إلا تهديدا لا يتحقق شيء منه: قال ~~مؤكدا لإنكارهم واعتقادهم أن المسار والمضار إنما هي عادة الدهر، عطفا ~~على ما تقديره: فإن ربك حليم لا يخاف الفوت فلا يستعجل في الأخذ: { وإن ~~ربك } أي المحسن إليك بجعلك نبي الرحمة { لذو مغفرة } أي ms2351 عظيمة ثابتة { ~~للناس } حال كونهم ظالمين متمكنين في الظلم مستقلين { على ظلمهم } وهو ~~إيقاعهم الأشياء في غير مواضعها، فلا يؤاخذهم بجميع ماكسبوا # ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة # [النحل:61] فلذلك يقيم الناس دهرا طويلا يكفرون ولا يعاقبون حلما منه ~~سبحانه، والآية مقيدة بآية النساء # ويعفر ما دون ذلك لمن يشاء # [ النساء:48] وإن لم يكن توبة، فإن التائب ليس على ظلمه. # ولما كان يمهل سبحانه ولا يهمل وذكر إمهاله، ذكر أخذه مؤكدا لمثل ما ~~مضى فقال: { وإن ربك } أي الموجد لك المدبر لأمرك بغاية الإحسان { لشديد ~~العقاب * } للكفار ولمن شاء من غيرهم، فلذلك يأخذ أخذ عزيز مقتدر إذا جاء ~~الأجل الذي قدره. ### || [13.7-9] # ولما بين سبحانه أنهم غطوا آيات ربهم المتفضل عليهم بتلك الآيات وغيرها، ~~عجب منهم عجبا آخر في طلبهم إنزال الآيات مع كونها متساوية الأقدام في ~~الدلالة على الصانع وما له من صفات الكمال، فلما كفروا بما أتاهم كانوا ~~جديرين بالكفر بما يأتيهم فقال: { ويقول } أي على سبيل الاستمرار { الذين ~~كفروا } استهزاء بالقدرة { لولا } أي هلا ولم لا { أنزل } أي بإنزال أي ~~كائن كان { عليه آية } جاحدين عنادا لما أتاه من الآيات { من ربه } أي ~~المحسن إليه تصديقا له. # ولما كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم راغبا في إجابة مقترحاتهم ~~لشدة التفاته إلى أيمانهم، كان كأنه سأل في ذلك لتحصل لهم النجاة، فأجيب ~~بقوله تعالى - مقدما ما السياق أولى به لأنه لبيان أن الأكثر لا يؤمن -: ~~{ إنما أنت منذر } أي نبي منذر هاد لهم تهديهم ببيان ما أنزله عليك مما ~~يوقع في الهلاك أو يوصل إلى النجاة، سائر فيهم على حسب ما أحده لك، وأصل ~~الإنذار الإعلام بموضع المخافة ليتقى، لا أنك مثبت للإيمان في الصدور { ~~ولكل قوم } ممن أرسلنا إليهم نبي { هاد * } أي داع يهديهم إلى مراشدهم ~~ومنذر ينذرهم من مغاويهم، أي يبين لهم ما أرسلنا به من النذارة والبشارة، ~~وأعطى كل منذر وهاد آيات تليق به وبقومه على مثلها ms2352 يؤمن البشر، فيهدي ~~الله من يعلم فيه قابلية الهدى بما نصب من الآيات المشاهدات، فلا يحتاج ~~إلى شيء من المقترحات، ويضل من يعلم فيه دواعي الضلال ولو جاءته كل آية، ~~لأنه الذي جبلهم على طبائع الخير والشر # ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير # [تبارك:14] فهو كقوله تعالى: # وإن من أمة إلا خلا فيها نذير # [فاطر:24] وكقوله في هذه السورة { ويقولون لولا أنزل عليه آية من ربه قل ~~إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب } والآية من الاحتباك: ذكر ~~المنذر أولا يدل على حذفه ثانيا، وذكر الهاد ثانيا دال على حذف مثله ~~أولا. # ولما كان ما مضى مترتبا على العلم والقدرة ولا سيما ختم هذه الآية ~~بهاد، وكان إنكارهم البعث إنكارا للنشأة الأولى، وكان سبحانه وتعالى ~~يعلم أن إجابتهم إلى ما اقترحوا غير نافع لهم، لأنهم متعنتون لا ~~مسترشدون، شرع سبحانه - بعد الإعراض عن إجابة مقترحاتهم - يقرر من أفعاله ~~المحسوسة لهم المقتضية لاتصافه من العلم والقدرة بما هو كالإعادة سواء ~~إشارة منه تعالى إلى أن إنكار البعث إن كان لاستحالة الإعادة فهي مثل ~~البداءة، وإن كان لاستحالة تمييز التراب الذي كان منه الحيوان - بعد ~~اختلاطه بغيره وتفرق أجزائه - فتمييز الماء الذي يكون منه الولد من الماء ~~الذي لا يصلح لذلك أعجب، لأن الماء أشد اختلاطا وأخفى امتزاجا، ومع ذلك ~~فهو يعلمه فقال: { الله } أي المحيط بكل شيء علما وقدرة { يعلم } أي ~~علما قديما في الأزل بما سيوجد وعلما يتجدد تعلقه بحسب حدوث الحادثات ~~على الاستمرار { ما تحمل } أي الذي تحمله في رحمها { كل أنثى } أي الماء ~~الذي يصلح لأن يكون حملا { وما تغيض } أي تنقص { الأرحام } من الماء ~~فتنشفه فيضمحل لعدم صلاحيته لأن يكون منه ولد، وأصل الغيض - كما قال ~~الرماني: ذهاب المائع في العمق الغامض، وفعله متعد لازم { وما تزداد } أي ~~الأرحام من الماء على الماء الذي قدر تعالى كونه حملا فيكون توأما ~~فأكثر في جماع آخر بعد حمل الأول كما صرح بإمكان ذلك ابن سينا وغيره ms2353 من ~~الأطباء، وولدت في زماننا أتان حمارا وبغلا، وذلك لأن الزيادة ضم شيء ~~إلى المقدار وكثرته شيئا بعد شيء فيقدر ذلك، ولا يمكن أحدا زيادته ولا ~~نقصانه، وذلك كله يستلزم الحكمة فلذا ختمه بقوله: { وكل شيء } أي من هذا ~~وغيره من الآيات المقترحات وغيرها { عنده } أي في قدرته وعلمه { بمقدار * ~~} في كيفيته وكميته لا يتجاوزه ولا تقصر عنه، لأنه عالم بكيفية كل شيء ~~وكميته على الوجه المفصل المبين، فامتنع وقوع اللبس في تلك المعلومات وهو ~~قادر على ما يريد منها، فالآية بيان لقوله تعالى: { الذين كفروا بربهم } ~~من حيث بين فيها تربيته لهم على الوجه الذي هم له مشاهدون وبه معترفون. # ولما كان هذا عيبا وكان علمه مستلزما لعلم الشهادة، وكان للتصريح مزية ~~لا تخفى، صرح به على وجه كلي يعم تلك الجزيئات وغيرها فقال: { عالم الغيب ~~} وهو ما غاب عن كل مخلوق { والشهادة } قال الرماني: الغيب: كون الشيء ~~بحيث يخفى عن الحس، والشهادة: كونه بحيث يظهر له. # ولما كان العلم والحكمة لا يتمان إلا بكمال القدرة والعظمة قال: { ~~الكبير } أي الذي يتضاءل عنده كل ما فيه صفات تقتضي الكبر، قال الإمام ~~أبو الحسن الحرالي: والكبر: ظهور التفاوت في ظاهر وباهر القدر الذي لا ~~يحتاج إلى فكر، ولذلك كان فطرة للخلق أن الله أكبر، ولما كان لا ظاهر قدر ~~للخلق لما عليهم من بادي الضروريات والحاجات المعلنة بصغير بالقدر، ومن ~~حاول منهم أن يكبر بسطوة أو تسلط وفساد زاد صغار قدره بما اكتسب في أعين ~~أرباب البصائر في الدنيا، ويبدو ذلك منه لعيون جميع الخلق في الأخرى # " يحشر المتكبرون يوم القيامة كأمثال الذي يطؤهم الناس بأقدامهم " # فلذلك اختصاص معنى أنه لا كبير إلا الله - انتهى. { المتعال * } أي الذي ~~لا يدنو - من أوج علوه في ذات أو صفة أو فعل - عال، وأخرجه مخرج التفاعل ~~ليكون أدل على المعنى وأبلغ فيه؛ وقال أبو الحسن الحرالي رحمه الله: ~~والتعالي: فوت التناول والمنال بحكم أو حجة، وأشعر التفاعل بما يجري من ~~توهم المحتجين في ms2354 أمره بأوهام حجج داحضة # حجتهم داحضة عند ربهم # [الشورى: 16] فهو تعالى يأذن في الاحتجاج والجدال ثم يتعالى بما له من ~~الحجة البالغة # قل فلله الحجة البالغة # [الأنعام: 149] فهو المتعالي علما وحكما وحجة، وحقيقة المتعالي الذي ~~لا يتعالى إلا هو - انتهى. والحاصل أنه لما وصف نفسه مما تقدم، أشار إلى ~~أن ذلك على ما تحتمله العقول وأن الحق في وصفه الكبر المطلق والتعالي ~~المطلق، لأن العقول لا تحتمل أكثر من ذلك. ### || [13.10-14] # ولما كانت العادة قاضية بتفاوت العلم بالنسبة إلى السر والجهر، والقدرة ~~بالنسبة إلى المتحفظ بالحرس وغيره، أتبع ذلك سبحانه بما نفي هذا الاحتمال ~~عنه على وجه الشرح والبيان لاستواء الغيب والشهادة بالنسبة إلى علمه ~~فقال: { سواء منكم } أي في علمه { من أسر القول } أي أخفى معناه في نفسه ~~{ ومن جهر به } وفي علمه { و } قدرته { من هو مستخف } أي موجد الخفاء ~~وطالب له أشد طلب { باليل } في أخفى الأوقات فسارب أو كامن فيه، يظن أن ~~ذلك الاستخفاء يغنيه من القدرة { و } من هو { سارب } أي ذاهب على وجهه ~~الأرض ومتوجه جار في توجهه إلى قصده بسرعة { بالنهار * } متجاهر بسروبه ~~فيه، فالآية من الاحتباك: ذكر { مستخف } أولا دال على ضده ثانيا، وذكر ~~{ سارب } ثانيا دال على ضده أو مثله أولا { له } أي لذلك المستخفي أو ~~السارب - كما قاله ابن عباس رضي الله عنهما { معقبات } أي أعوان وأنصار ~~يتناوبون في أمره بأن يخلف كل واحد منهم صاحبه ويكون بدلا منه. # ولما كان حفظ جهتي القدام والخلف يستلزم حفظ اليمين والشمال وكان ملأ كل ~~من الجهتين من الحفظة على المخلوق متعذرا، قال آتيا بالجار: { من بين ~~يديه } أي من قدامه { ومن خلفه } واستأنف بيان فائدة المعقبات فقال: { ~~يحفظونه } أي في زعمه من كل شيء يخشاه { من أمر الله } أي الذي له ~~الإحاطة الكاملة. # ولما دل هذا على غاية القدرة، وجرت عادة المتمكنين من ملوك الأرض ~~بالتعدي على جيرانهم واستلاب ممالكهم والعسف في شأنهم، زيادة في المكنة ~~وتوسعا في الملك، ولا سيما إذا ms2355 كان ذلك الجار ظانا مع ضعفه وعجزه أن ~~يحفظه مانه من أخذه، أخبر تعالى من كأنه سأل عن ذلك أنه غير هذا لغناه ~~عنه، فقال: { إن الله } أي الذي له الإحاطة والكمال كله { لا يغير ما ~~بقوم } أي خيرا كان أوشرا { حتى يغيروا ما } أي الذي { بأنفسهم } مما ~~كانوا يزينونها به من التحلي بالأعمال الصالحة والتخلي من أخلاق ~~المفسدين، فإذا غيروا ذلك غير ما بهم إذا أراد وإن كانوا في غاية القوة. # ولما كان ملوك الدنيا لا يتمكنون غالبا من جميع مراداتهم لكثرة ~~المعارضين من الأمثال الصالحين للملك، قال تعالى عاطفا على ما تقديره: ~~فإذا غيروا ما بأنفسهم أنزل بهم السوء: { وإذا أراد الله } أي الذي له ~~صفات الكمال { بقوم } أي وإن كانوا في غاية القوة { سوءا فلا مرد له } ~~من أحد سواه، وقد تقدم لهذه الآية في الأنفال مزيد بيان. # ولما كان كل أحد دونه في الرتبة لا إمكان له أن يقوم مقامه بوجه، قال: { ~~وما لهم } وبين سفول الرتب كلها عن رتبته فقال: { من دون } وأعرق في ~~النفي فقال: { من } ولما كان السياق ظاهرا في أنه لا منفذ لهم مما ~~أراده، أتى بصيغة فاعل منقوص إشارة إلى نفي أدنى وجوه الولاية فكيف بما ~~فوقها فقال: { وال * } أي من ملجأ يعيذهم، بأن الفعل معهم من الإنجاء ~~والنصرة ما يفعل القريب مع وليه الأقرب إليه، ثم أخبر تعالى بأمر هو أدلة ~~ما قبله جامع للعلم والقدرة وهو ألطف من ذلك كله، معلم بجليل القدرة في ~~أنه إذا أراد سوءا فلا مرد له، ودقيق الحكمة لأنه مظهر واحد ترجى منه ~~النعمة وتخشى منه النقمة فقال: { هو } أي وحده { الذي يريكم } أي على ~~سبيل التجديد دائما { البرق } وهو لمع كعمود النار { خوفا } أي لأجل ~~إرادة الخوف من قدرته على جعله صواعق مهلكة، والخوف: انزعاج النفس بتوهم ~~وقوع الضر. # ولما لم يكن لهم السبب في إنزال المطر، لم يعبر بالرجاء وقال: { وطمعا ~~} أي ولأجل إرادة طمعكم في رحمته بأن يكون غيثا نافعا، ولا ms2356 بد من هذا ~~التقدير ليكونا فعل فاعل الفعل المعلل، ويجوز أن يكون المعنى: يريكم ذلك ~~إخافة وإطماعا فتخافون خوفا وتطمعون طمعا، فتكون الآية من الاحتباك: ~~فعل الإراءة دال على الإخافة والإطماع، والخوف والطمع دالان على " تخافون ~~وتطمعون " ويجوز أن يكونا حالين من ضمير المخاطبين أي ذوي خوف وطمع { ~~وينشىء } والإنشاء: فعل الشيء من غير سبب مولد { السحاب } وهو غيم ينسحب ~~في السماء، وهو اسم جنس جمعي، واحده سحابه { الثقال * } بأنهار الماء ~~محمولة في الهواء على متن الريح؛ والثقل: الاعتماد على جهة الثقل بكثافة ~~الأجزاء { ويسبح الرعد } أي ينزه عن صفات النقص تنزيها ملتبسا { بحمده ~~} أي بوصفه بصفات الكمال، ويروى عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن ~~الرعد ملك وإن لم يصح أنه ملك فتسبيحه دلالته على أن موجده سبحانه منزه ~~عن النقص محيط بأوصاف الكمال { والملائكة } أي تسبح { من خيفته } قال ~~الرماني: والخيفة مضمنة بالحال، كقولك: هذه ركبة، أي حال من الركوب حسنة، ~~وكذلك هذه خيفة شديدة، والخوف مصدر غير مضمن بالحال. { ويرسل الصواعق } ~~المحرقة من تلك السحائب المشحونة بالمياه المغرقة؛ والصاعقة - قال ~~الرازي: نار لطيفة تسقط من السماء بحال هائلة. { فيصيب بها } أي الصواعق ~~{ من يشاء } كما أصاب بها أربد بن ربيعة { وهم } أي والحال أنهم مع ذلك ~~الذي تقدم من إحاطة علمه وكمال قدرته { يجادلون } والجدال: فتل الخصم عن ~~مذهبه بطريق الحجاج { في الله } أي الملك الأعظم بما يؤدي إلى الشك في ~~قدرته وعلمه. ولما كان لا يغني من قصده بالعذاب شيء قال: { وهو شديد ~~المحال * } لأن المحال - ككتاب: الكيد وروم الأمر بالحيل والتدبير والمكر ~~والقدرة والجدال والعذاب والعقاب والعداوة والمعاداة والقوة والشدة ~~والهلاك والإهلاك، يأتي أعداءه بما يريد من إنزال العذاب بهم من حيث لا ~~يحتسبون، وكلها صالح هنا حقيقة أو مجازا، وقال الرماني: والمحال: الأخذ ~~بالعقاب من قولهم: ما حلت فلانا - إذا فتلته إلى هلكه - انتهى. # ومادة " محل " بجميع تقاليبها تدور على صرف الشيء عن وجهه وعادته وما ~~تقتضيه جبلته، وذلك يستلزم القدرة والقوة ms2357 والشدة، فالحامل يمسك المحمول ~~بقوته عن أن يهوي إلى جهة السفل، والحملة: الكرة في الحرب، ويلزم الحمل ~~المشقة، ومنه تحمل الشيء وحمل عنه أي حلم فهو حمول: ذو حلم، والحميل - ~~كأمير: الدعي والغريب - كأنهما محمولان لحاجتهما إلى ذلك، والكفيل، لأنه ~~حامل لكل مكفول واحتمل لونه - للمفعول: غضب وامتقع - كأن الغضب صرفه عما ~~كان من عادته، والمحمل - كمحسن: المرأة ينزل لبنها من غير حبل، لأن ذلك ~~شيء على غير وجهه، والحمل - محركة: الخروف - لسهولة حمله، والحليم: من ~~يحبس غيظه بقوة حلمه - أي عقله - عن أن يستخفه الغضب، والحلم - بالكسر: ~~الأناة والعقل، والحلم - بالضم وبضمتين: الرؤيا، لأنها صرف النفس عما هي ~~عليه، وهو من شأنها من الغفلة، ومنه الحلم - بالضم - والاحتلام للجماع في ~~النوم، والاسم الحلم - كعنق، وذلك يكون غالبا عند فراغ البال عن الهموم، ~~وإليه يرجع حلم المال - بالضم: سمن، والصبي وغيره: أقبل شحمه، أو هو من ~~الحلمة - محركة: اللحمة الناتئة وسط الثدي كالثؤلول - لصرفها لون الثدي ~~وهيئته عما كان عليه، وشجر السعدان - لأنه مرعى جيد يسمن، والصغيرة من ~~القردان أو الضخمة - لشبهها بحلمة الثدي ودود يقع في الجلد قبل الدبغ ~~فيأكله، لأن ذلك يغيره عن هيئته، والحالوم: ضرب من الأقط، لأنه لحراقته ~~يغير اللسان، ودم حلام: هدر، لأنه خرج عما عليه عادة الدماء؛ والملح يصرف ~~المملوح عن الفساد، وأما الماء الملح فمشبه به الطعم، وكذا الملح - ~~محركا - للون كالبياض يخالطه سواد، والملحاء: شجرة سقط ورقها، شبهت بأرض ~~الملح في عدم الإنبات. ولما عرف الملح بالصلاح شبه به العلم فسمي ملحا، ~~وكذا الرضاع والحسن والشحم والسمن والحرمة والذمام وخفقان الطائر بجناحيه ~~يصلح بذلك طيرانه ويتملح به استرواحا إليه، وملح الشاة: سمطها، والملاح ~~- ككتاب: الريح تجري بها السفينة، وهي أيضا تصرفها عما يقتضيه حالها من ~~عدم السير، ومعالجة حياء الناقة منه، وملحه على ركبته - أي لا وفاء له، ~~لأن الملح لا يثبت هناك، أو هو سمين أو حديد في غضبه، بمعنى أنه لا صلاح ~~له، وملحه: اغتابه، شبه بمن يتطعم الملح ليعدل ms2358 مزاجه، وكذا الملاح - ~~ككتاب، وهو هبوب الجنوب عقب الشمال، وكذا الملاحي - كفرابي وقد يشدد، وهو ~~عنب أبيض طويل، ونوع من التين، ومن الأراك ما فيه بياض وحمرة، والملح - ~~بضم الميم وفتح اللام من الأحاديث، وامتلح: خلط كذبا بحق، والملح - ~~محركة: ورم في عرقوب الفرس، صرفه عن هيئته المعتادة، والملاح ككتاب: سنان ~~الرمح، لتهيئته له بعد الوقوف للنفوذ، والسترة، لصرفها البصر عن النفوذ ~~إلى ما وراءها، وبرد الأرض حين ينزل الغيث، لأنه يصرف حالها التي كانت ~~عليها إلى أخرى، والملحة - بالضم: المهابة، لصرفها المجترىء عن قصده ولأن ~~سببها صرف النفس عن هواها، والملحاء: الكثيبة العظيمة، ومنه البركة، ~~لمنعها الماشي عن حاله في المشي، ومنه الملحة - بالفتح - للجة البحر، ~~وملحان: الكانون الثاني لصرفه بقوة برده الزمان عما كان عليه والناس عما ~~كانوا عليه، والملحاء: لحم في الصلب من الكاهل إلى العجز، لمنعه من رؤية ~~عظام الصلب ورؤوس الأضلاع؛ والمحل صرف ما في الزمان عن عادته بعدم المطر ~~والإنبات ورفاهة العيش، وكذا المحل للكيد والمكر والغبار والشدة والمحال، ~~لما تقدم من تفسيره، ومنه ماحله: قاواه، والمتماحل: الطويل المضطرب ~~الخلق، لخروجه عن العادة، وتمحل له: احتال، والممحل - كمعظم - من اللبن: ~~الآخذ طعم حموضة، والمحالة: البكرة العظيمة - لصرفها بفتلها الشيء عن ~~وجهه، والفقرة من فقر البعير - لمشابهتها والخشبة التي يستقر عليها ~~الطيانون - لحملها إياهم ومنعها لهم من السقوط، والمحل - ككتف: من طرد ~~حتى أعيا، لأنه صرف عما كان من عادته، ورأيته متماحلا: متغير اللون؛ ~~واللمح: صرف البصر عما كان عليه، ولمح البرق: لمع بعد كمونه؛ واللحم من ~~لحمة الثوب - بالضم، كأنه سد ما حصل بالهزال من فرج، ومنه: لحم كل شيء: ~~لبه؛ ولحم الأمر - كمنع: أحكمه، والصائغ الفضة: لأمها، وكذا كل صدع، ولحم ~~- كعلم: نشب في المكان، كأنه وقع فيما يشبه اللحم فالتصق به فأدخله ~~وشغله، وهذا لحيم هذا، أي وفقه وشكله - وهو يرجع إلى لحمة الثوب، واستلحم ~~الطريق: تبعه أو تبع أوسعه - كأنه جعل نفسه مثل لحمة السدى، واستلحم ~~الطريق: اتسع، كأنه طلب ما ms2359 يلحمه أي يسده، وحبل ملاحم - بفتح الحاء: شديد ~~الفتل، لأنه سدت فرجه كما تسد اللحمة فرج الثوب، ونبي الملحمة - من ~~القتال، لأنه ضرب اللحم بالسيف، ومن التأليف كما يكون عن لحمة الثوب، لأن ~~غاية قتاله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أعظم خير وألفة، والتحم الجرح ~~للبرء: التأم - من ذلك ومن اللحم أيضا لأنه به التأم - والله أعلم. # ولما بين تعالى تصديقا لقوله # وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون # [يوسف:105] ما له من الآيات التابعة لصفات الكمال التي منها التنزه عما ~~لا يليق بالجلال وأنه شديد المحال، شرع يبين ضلالهم في اشتراكهم المشار ~~إليه في قوله: { وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون } بما هو علة لختم ~~ما قبلها من أنه لا كفؤ له، فقال: { له } أي الله سبحانه { دعوة الحق } ~~إن دعاه أحد سمعه فأجابه - إن شاء - بما يشاء، وإن دعا هو أحدا دعوة ~~أمر، بين الصواب بما يكشف الارتياب، أو دعوة حكم لبى صاغرا وأجاب { ~~والذين يدعون } أي يدعو الكافرون، وبين سفول رتبتهم بقوله: { من دونه } ~~أي الله { لا يستجيبون } أي لا يوجدون الإجابة { لهم } أي الكافرين { ~~بشيء } والاستجابة: متابعة الداعي فيما دعا إليه بموافقة إرادته { إلا ~~كباسط } أي إلا إجابة كإجابة الماء لباسط { كفيه } تثنيه كف، وهو موضع ~~القبض باليد، وأصله من كفه - إذا جمع أطرافه { إلى الماء ليبلغ } أي ~~الماء { فاه } دون أن يصل كفاه إلى الماء- بما يدل عليه التعدية ب " إلى ~~" ، فما الماء بمجيب دعاءه في بلوغ فيه { وما هو } أي الماء { ببالغه } ~~أي فيه، فللكافرين بذلك دعوة الباطل كما أن الماء جماد لا يحس بدعوة هذا ~~فلا يجيبه، فأصنامهم كذلك. # ولما كان دعاؤهم منحصرا في الباطل، قال في موضع " وما دعاؤهم " مظهرا ~~تعميما وتعليقا للحكم بالوصف: { وما دعاء الكافرين } أي الساترين لما ~~دلت عليه أنوار عقولهم بمعبوداتهم أو غيرها { إلا في ضلال * } لأنه لا ~~يجد لهم نفعا، أما معبوداتهم فلا تضر ولا تنفع، وأما الله فلا يجيبهم ~~لتضييعهم الأساس. ms2360 ### || [13.15] # ولما كانت دعوة الأمر واضحة السبل جلية المناهج في جميع كتبه، وكلها إلى ~~الناظرين وبين دعوة الحكم بقوله: { ولله } أي الملك الأعلى { يسجد } أي ~~يخضع وينقاد ويتذلل كما بين عند قوله # ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك # [هود:119] { من في السماوات والأرض } لجميع أحكامه النافذة وأقضيته ~~الجارية { طوعا } والطوع: الانقياد للأمر الذي يدعى إليه من قبل النفس { ~~وكرها } قال الرازي رحمه الله: والكافر في حكم الساجد وإن أباه لما به ~~من الحاجة الداعية إلى الخضوع، واعلم أن سجود كل صنف هو تذلله وتسخره ~~وانقياده لما أريد له، فكل موجود جماد وحيوان عاقل وغير عاقل وروحاني ~~وغير روحاني مسخر لأمر من له الخلق والأمر؛ وقال الشيخ محيي الدين النووي ~~رضي الله عنه في شرح المهذب: أصله - أي السجود - الخضوع والتذلل، وكل من ~~تذلل وخضع فقد سجد، وسجود كل موات في القرآن طاعته لما سخر له - هذا أصله ~~في اللغة، ثم قيل لمن وضع جبهته في الأرض: سجد، لأنه غاية الخضوع. # ولما كانت الظلال مسخرة لما أراد سبحانه، لا قدرة لأحد على تغيير ذلك ~~بوجه، قال: { وضلالهم } أي أيضا تسجد له بامتدادها على الأرض، تقصر تارة ~~بارتفاع الشمس وتطول أخرى بانحطاطها، لا يقدرون على منع ظلالهم من ذلك ~~حيث يكون لهم ظلال، وذلك { بالغدو } جمع غداة، وهي البكرة: أول النهار { ~~والآصال * } جمع أصيل، دائما في جميع البلاد، وفي وسط النهار في بعض ~~البلاد؛ والظل: ستر الشخص ما بإزائه، والفيء: الذي يرجع بعد ذهاب ضوئه، ~~والأصيل: العشي ما بين العصر إلى المغرب - كأنه أصل الليل الذي ينشأ ~~منه. # ومادة " صلا " - واوية ويائية مهموزة وغير مهموزة بتراكيبها الأحد عشر، ~~وهي: صلو، صول، لصو، لوص، وصل، صلي، صيل، لصي، ليص، أصل، صأل - تدور على ~~الوصالة، فالصلاة وصلة بين العبد وربه سواء كانت دعاء أو استغفارا أو ~~رحمة أو حسن الثناء من الله على رسوله، أو ذات الأركان، وصلوات اليهود ~~لمتعبداتهم من ذلك في الأصل، والصلا: وسط الظهر منا، أو من كل ذي أربع، ms2361 ~~أو ما انحدر من الوركين، أو الفرجة بين الجاعرة والذنب - يجوز أن يكون من ~~ذلك، لأنه يقرب من غيره من الأعضاء إذا انثنى الحيوان، ويجوز أن يكون شبه ~~بالعود المعوج الذي يقوم بإصلائه النار، وأصلت الناقة وصليت - إذا استرخى ~~صلواها لقرب نتاجها، والمصلي من خيل الحلبة: الذي يجيء على إثر السابق، ~~فإنه يواصله، وصلى الحمار أتنه: طردها وقحمها الطريق - فكأنه بذلك قومها ~~بعد أن كانت معوجة، أو أراد مواصلتها؛ صال الرجل صولة - إذا سطا واستطال، ~~لأن ذلك مواصلة على وجه القهر والغلبة، وكذا صال الفحل على الإبل - إذا ~~قاتلها، والعير - إذا حمل على العانة فشلها، وصال على كذا: وثب، وصاوله: ~~واثبه، والتصويل: إخراجك الشيء بالماء، لأن ذلك سبب الخلوص، وإذا خلص ~~الشيء تواصلت أجزاؤه، لأن ذلك المخرج كان حائلا بينها، والتصويل - ~~أيضا: كنس نواحي البيدر، لأنه سبب لتواصل ما كان متفرقا، ومن ذلك ~~المصول - كمنبر: شيء ينقع فيه الحنظل لتذهب مرارته، وبهاء: المكنسة، ~~والصيلة - بالكسر: عقدة العذبة - لتواصل محل العقد بعضه ببعض وبه يتماسك ~~اتصال بعض العمامة ببعض، والجراد يصول في مشواه، من التصويل، أي يساط، ~~بمعنى يخلط بالتقليب فيتواصل منه ما كان متفرقا، وصال يصيل - لغة في ~~يصول، وصيل له - كذا بالكسر: قيض وأتيح، لأنه صار مقارنا له، ولصوت ~~الرجل عبته وقذفته - لأنك وصلت به العيب، وفلان لا يلصو إلى ريبة، أي لا ~~ينضم إليها ولا ينضاف؛ واللوص: اللمح من خلل باب ونحوه كالملاوصة - ~~كأنه وصلة بالنظر من موضع غير معهود، أو لأنه سبب الوصلة إلى ما يراد، ~~ولاوص: نظر كأنه يختل ليروم أمرا، والشجرة: أراد أن يقطعها بالفأس، ~~فلاوص في نظره يمنة ويسرة كيف يأتيها وكيف يضربها - لأن حاصل ذلك ~~المواصلة على وجه الشدة كما تقدم في صال عليه، وتلوص: تلوى وتقلب، ومنه ~~أليص - أي أرعش، وألاصه على الشيء: أداره عليه وأراده منه - كأنه طلب منه ~~مواصلته، واللواص - كسحاب: الفالوذ كالملوص كمعظم، والعسل الصافي - لأنه ~~أهل للمواصلة، ولوص: أكل، واللوص: وجع الأذن والنحر، واللوصة؛ وجع الظهر ~~- كأنه لشدته ms2362 لا مواصل للبدن سواه، ولاص: حاد - أي سلب الوصلة؛ والوصلة - ~~التي هي مدار المادة وكأنها الحقيقة التي تشعبت منها فروعها - هي الضم ~~وهي التئام الشيء بالشيء، وكل ما اتصل بشيء فالذي بينهما وصلة، وضدها ~~الفرقة، والوصل: ضد القطع، والأوصال المفاصل ومجتمع العظام، لأنها موضع ~~اتصال العظم بالآخر، والوصلان - بالكسر والضم: طبقا الظهر، ويقال: هما ~~العجز والفخذ، والوصيلة: الشاة تلد ذكرا ثم تلد أنثى، فتصل أخاها، وفيها ~~خلاف كثير كله يدور على الوصلة، ووصل الشيء بالشيء: لأمه، ووصل الشيء ~~وإلى الشي: بلغه وانتهى إليه، وأوصله واتصل: لم ينقطع، ووصله وواصله - ~~كلاهما يكون في عفاف الحب ودعارته، والوصائل جمع وصيلة - لثياب حمر مخططة ~~يمنية يتخذها الناس دروعا يشق من جانبيها، كأنه لأنها توصل بغيرها أو ~~يقطع بعضها ثم يوصل بها لتصير دروعا، والوصيلة: العمارة والخصب والرفقة ~~والسيف - لأن ذلك أهل لأن يوصل، والوصيلة: كبة الغزل لشدة التباس بعضها ~~ببعض، والأرض الواسعة - لأن اتصالها لم يحل بينه جبال، وليلة الوصل: آخر ~~ليالي الشهر، لأنها تصل بين الشهرين، وحرف الوصل: الذي بعد الروي - لأنه ~~وصل حركة حرف الروي، ووصيلك: من يدخل ويخرج معك، وتصل: بئر ببلاد ~~هذيل، واتصل الرجل - إذا انتسب، لأنه وصل نفسه بمن انتسب إليهم، ~~والموصول: دابة كالدبر تلسع الناس، كأنه من السلب؛ وصليت اللحم: شويته - ~~لأنك وصلته بالنار، وصليته: ألقيته في النار للإحراق، والصلاء - ككساء: ~~الشواء أو النار كالصلى فيهما، وكأن منه: صلىعصاه على النار، أي أحماها ~~ليقومها - لأن كلا منهما وصله بالنار للإصلاح، وأصليته النار: أدخلته ~~إياها وأثويته فيها، وصلى يده بالنار: سخنها - لأنه وصلها بها، وصلي ~~النار - كرضي: قاسى حرها، وصليت فلانا: درايته وخاتلته وخدعته - كل ذلك ~~لإرادة مواصلته لأمر، والصلاية - ويهمز: الجبهة، لكثرة مباشرتها الأرض في ~~الصلاة، ومدق الطيب - لمواصلة الدق، وصليت للصيد تصلية - إذا نصبت له ~~شركا ليقع فيه فتصل إليه، ومنه الحديث " إن للشيطان مصالي وفخوخا " جمع ~~مصلاة وفخ، والصليان - بكسر ثم تشديد - قال في مختصر العين: نبت معروف، ~~وقال القزاز: وهو شجر له جعثن ضخم، ms2363 ربما جرد وسطه ونبت ما حوله، وهو من ~~أفضل المراعي وهو خبز الإبل، وقيل: إن الخيل تأكله ولونه أصهب - انتهى. # فسمي بذلك لكثرة مواصلة الإبل له؛ ولصيت الرجل كرميت ورضيت - إذا عبته ~~وقذفته بالفجور، وقال القزاز: وقيل: هو أن يضيفه إلى ربية، ولصي إليه: ~~انضم إليه لريبة؛ ولاص يليص: حاد، ولصته أليصه وألصته - إذا أزعجته أو ~~حركته لتنتزعه - كأنه من السلب، وألصته عن كذا - إذا راودته عنه، يمكن أن ~~يكون سلبا وأن يكون إيجابا؛ والأصل: أسفل كل شيء - لأن جميع الأشياء ~~واصله إليه، وأصل - ككرم: صار ذا أصل أو ثبت أو رسخ كتأصل، والرأي: جاد - ~~كل ذلك تشبيه بالأصل، والأصيل: من له أصل، والعاقب الثابت الرأي، وقد أصل ~~- ككرم، والأصيل: العشي - لأنه وصلة ما بين النهار والليل، أو الليل، أو ~~لأنه لما آذن بتصرم النهار كان كأنه اجتثه من أصله، ومنه الأصيل - للهلاك ~~والموت كالأصيلة فيهما، ولقيتهم مؤصلا أي بالأصيل، وأخذه بأصلته - ~~محركا، وأصيلته أي كله بأصله، وأصيلتك: جميع مالك أو نخلتك، والأصل - ~~ككتف: المستأصل، وأصله علما: قتله - كأنه أدام مواصلته حتى أتقنه، ~~والأصلة - محركة: حية قصيرة تساورالإنسان - قاله في مختصر العين، وفي ~~القاموس: حية صغيرة أو عظيمة تهلك بنفخها، فإن نظرت إلى المساورة فهو من ~~المواصلة - كما تقدم في صال عليه، وإن نظرت إلى الهلاك فهو من الاستئصال، ~~وأصل الماء - كفرح: أسن من حمأة، واللحم: تغير، يجوز أن يكون من الوصلة ~~أي لشدة مواصلة الحمأة للماء والهواء للحم، وأن يكون من الأصيل أي الهلاك ~~بجملته وأصله، وأن يكون من سلب المواصلة؛ وصؤل البعير - ككرم صآلة: واثب ~~الناس أو صار يقتل الناس ويعدو عليهم، وصئيل الفرس: صهيله - لمواصلة ~~نغماته، وهذا وقد مضى عند قوله تعالى في سورة هود عليه السلام { صلواتك ~~تأمرك } إشارة إلى هذا - والله سبحانه وتعالى أعلم. ### || [13.16] # فلما تبين قطعا أنه سبحانه المدبر للسماوات والأرض القاهر لمن فيهما، ~~وتبين قطعا أنه المختص بربوبيتهما فأمره تعالى أن يوجه السؤال نحوهم عن ~~ذلك - ردا على عبدة الأصنام وغيرهم من ms2364 الملحدين - بقوله: { قل } أي بعد ~~أن أقمت هذه الأدلة القاطعة، مقررا لهم { من رب } أي موجد ومدبر { ~~السماوات والأرض } أي وكل ما فيهما. # ولما مضى في غير آية أنهم معترفون بربوبيته مقرون بخلقه ورزقه ثم لم ~~يزعهم ذلك عن الإشراك، جعلوا هنا كأنهم منكرون لذلك عنادا، فلم ينتظر ~~جوابهم بل أمره أن يجيبهم بما يجيبون به، إشارة إلى أنهم لا يتحاشون من ~~التناقض في اتباع الهوى ولا تصونهم عقولهم الجليلة وآراؤهم الأصلية - ~~بزعمهم - عن التساقط في مهاوي الردى، فقال: { قل الله } أي الذي له الأمر ~~كله،فثبت حينئذ أن لا ولي إلا هو، فتسبب عن ذلك توجه الإنكار عليهم في ~~اعتماد غيره، فأمره بالإنكار في قوله: { قل أفاتخذتم } أي فتسببتم عن ~~انفراده بربوبيتكم أن أوجدتم الأخذ بغاية الرغبة، فتسببتم الإشراك عما ~~يجب أن يكون سبب التوحيد، وبين سفول رتبتهم بقوله: { من دونه أولياء } لا ~~يساوونكم في التسبب في الضر والنفع، بل { لا يملكون لأنفسهم } فكيف ~~بغيرهم { نفعا } ونكره ليعم، وقدمه لأن السياق لطلبهم منهم، والإنسان ~~إنما يطلب ما ينفعه. # ولما كان من المعلوم أنه لا قدرة لأحد على أن يؤثر في آخره أثرا لا ~~يقدر على مثله في نفسه قال: { ولا ضرا } فثبت أن من سواهم بالله أضل ~~الضالين، لأنه يلزمه أن يسوي بين المتضادات، فكان معنى قوله: { قل هل ~~يستوي } والاستواء: استمرار الشيء في جهة واحده { الأعمى } في عينه أو في ~~قلبه { والبصير * } كذلك { أم هل تستوي } بوجه من الوجوه { الظلمات ~~والنور * }: هل أدتهم عقولهم إلى أن سووا بين هذه المتضادات الشديدة ~~الظهور لغباوة أو عناد حتى سووا من يخلق بمن لا يخلق، فجعلوا له شريكا ~~كذلك لغباوة أو عناد { أم جعلوا لله } أي الذي له مجامع العظمة { شركاء } ~~ثم بين ما يمكن أن يكون به الشركة، فقال واصفا لهم: { خلقوا كخلقه } ~~وسبب عن ذلك قوله: { فتشابه } والتشابه: التشاكل بما يلتبس حتى لا يفصل ~~فيه بين أحد الشيئين والآخر { الخلق عليهم } فكان ذلك الخلق الذي خلقه ~~الشركاء سبب عروض شبهة ms2365 لهم، وساق ذلك في أسلوب الغيبة إعلاما بأنهم أهل ~~للإعراض عنهم، لكونهم في عداد البهائم لقولهم ما لا يعقل بوجه من الوجوه، ~~وهذا قريب مما يأتي قريبا في قوله: # أم بظاهر من القول # [الرعد:33]. أي بشبهة يكون فيها نوع ظهور لبعض الأذهان. # ولما كان من المعلوم قطعا أن جوابهم أن الخلق كله لله. # ولم يمنعهم ذلك من تأله سواه، أمره أن يجيبهم معرضا عن جوابهم فقال { ~~قل الله } أي الملك الأعلى { خالق كل شيء } إشارة إلى أنهم في أحوالهم ~~كالمنكر لذلك عنادا أو خرقا لسياج الحياء وهتكا لجلباب الصيانة، وإذ ~~قد ثبت أنه المنفرد بالخلق وجب أن يفرد بالتأله فقال: { وهو الواحد } ~~الذي لا يجانسه شيء، وكل ما سواه لا يخلو عن مجانس يماثله، وأين رتبة من ~~يماثل من رتبة من لا مثل له { القهار * } الذي كل شيء تحت قهره بأنفسهم ~~وظلالهم، وهو القادر بما لا يمكن أن يغلبه غالب وهو لكل شيء غالب، وهذا ~~إشارة - كما مضى في مثله غير مرة في سورة يوسف وغيرها - إلى برهان ~~التمانع، فإن أربابهم متعددون، فلو كانت لهم حياة وكانوا متصرفين في ~~الملك لأمكن بينهم تمانع وكان كل منهم معرضا لأن يكون مقهورا، فكيف وهم ~~جماد! فثبت قطعا أنه لا شيء منهم يصلح للإلهية على تقدير من التقادير؛ ~~قال الرماني: والواحد على وجهين: شيء لا ينقسم أصلا، وشيء لا ينقسم في ~~معنى كالدنيا. ### || [13.17] # ولما كان حمل الماء في العلو لا يمكن إلا عن قهر، وإنزاله في وقت دون ~~غيره كذلك، أتبع هذا الختم قوله دليلا مشاهدا عليه: { أنزل } ولما كان ~~الإنزال قد يتجوز به عن إيجاد ما يعظم إيجاده، حقق أمره بقوله: { من ~~السماء } ولما كان المنزل منها أنواعا شتى قال: { ماء فسالت } أي فتسبب ~~عن إنزاله لكثرته أن سالت { أودية } أي مياهها منها الكبير والصغير؛ ~~والوادي: سفح الجبل العظيم الذي يقابله جبل أو تل فيجتمع فيه المطر، ~~فيجري في فضائه، ومنه أخذت الدية - لجمع المال العظيم الذي يؤدى عن القتل ~~{ بقدرها ms2366 } والقدر: اتزان الشيء بغيره من غير زيادة ولا نقصان، فالمعنى ~~أن المياه ملأت الأودية مع ما ذلك من الدلالة على التفرد بالربوبية مما ~~هو مثال للحق والباطل، وهو قوله: { فاحتمل } والاحتمال: رفع الشيء على ~~الظهر بقوة الحامل له { السيل } وهو ماء المطر الجاري من الوادي بعظم { ~~زبدا رابيا } أي عاليا بانتفاخه: والزبد: الرغوة التي تعلو الماء، ~~ومدار المادة على الخفة، ويلزمها العلو، ومنه زبد البحر والبعير - للرغوة ~~الخارجة من شدقه، والغضبان، وزبدت المرأة القطن - إذا نفشته، والزباد - ~~كرمان: ضرب من النبت تنفرش أفنانه، وشاة مزبدة أي سمينة، ومنه الزباد - ~~للطيب المعروف وهو وسخ يشبه الرغوة يجتمع تحت ذنب نوع من السنانير، ومنه ~~الزبد - بضم وسكون - لخالص اللبن فإنه أخفه، يقال منه: زبدت فلانا أزبده ~~- إذا أطعمته الزبد، ثم اتسع فيه حتى قيل لمطلق العطية، ومنه: " نهى ~~النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن زبد المشركين "؛ ومنه الزدب - بكسر ~~ثم سكون، وهو النصيب، ويمكن أن يكون من زبد اللبن الزباد للنبت، فإنه ~~مرعى ناجع، كأنه شبه به أو لأنه سببه، وكذا شاة مزبدة أي سمينة ويلزم ~~الخفة الإسراع، يقال: تزبد اليمين - إذا أسرع إليها، أو إنها شبهت بالزبد ~~في سهولة التقامه. # ولما الزبد أحسن مثل لمعبوداتهم، وكان لا يختص بالماء الذي هو مائع ~~بطبعه بجمع الأوضار والأقذار بجريه، ذكر معه ما يشبهه في النفع من ~~الجوامد الصلبة التي تزبد عند الإذابة مع كونها في حال الجمود في غاية ~~الصفاء والخلوص عن الشوائب على ما يظهر، فقال: { ومما يوقدون } أي ~~إيقادا مستعليا { عليه } أي للإذابة { في النار } من المعادن { ابتغاء ~~حلية } تتحلون بها من الأساور والحلق ونحوها { أو } ابتغاء { متاع } ~~تتمتعون به من الدراهم والدنانير والسيوف والأواني ونحوها، وأصل المتاع: ~~التمتع الحاضر، فهذا تقسيم حاصر لأنواع الفلز المنوه إليها مع إظهار ~~التهاون به وإن تنافس الناس فيه كما هو شأن الملوك يظهرون المجد والفخار ~~بالاستهانة بما يتنافس الناس فيه { زبد مثله } أي مثل زبد الماء يكشط عن ~~وجهه أو يعلق بأطراف ms2367 الإناء فيذهب ويبقى ذلك الجوهر خالصا كالحق إذا ~~زالت عنه الشكوك وانزاحت الشبه. # ولما كان هذا في غاية الحسن والانطباق على المقصود، كان سامعه جديرا ~~بأن يهتز فيقول: هذا مما لا يقدر على سوقه هكذا إلا الله تعالى، فيا له ~~من مثل! فأجيب قوله: { كذلك } أي مثل هذا الضرب، العلي الرتب، الغريب ~~العجب، المتين السبب { يضرب الله } أي الذي له الأمر كله { الحق والباطل ~~} أي مثلهما؛ وضرب المثل: تسييره في البلاد يتمثل به الناس. # ولما نبه بهذا الفصل على علو رتبه هذا المثل، شرع في شرحه، فقال مبتدئا ~~بما هو الأهم في هذا المقام، وهو إبطال الباطل الذي أضلهم، وهو في تقسيمه ~~على طريق النشر المشوش، فقال: { فأما الزبد } أي الذي هو مثل للباطل ~~المطلق { فيذهب } متعلقا بالاشجار وجوانب الأودية لأنه يطفو بخفته ويعلق ~~بالأشياء الكثيفة بكثافته { جفاء } قال أبو حيان: أي مضمحلا متلاشيا لا ~~منفعة فيه ولا بقاء له؛ وقال ابن الأنباري: متفرقا، من جفأت الريح الغيم ~~- إذا قطعته، وجفأت الرجل: صرعته - انتهى. فهذا مثل الباطل من الشكوك ~~والشبه وما أثاره أهل العناد، لا بقاء له وإن جال جولة - يمتحن الله بها ~~عباده ليظهر الثابت من المزلزل - ثم ينمحق سريعا؛ وقال الرماني: ~~والجفاء: بنو مكان الشيء به حتى يهلك { وأما ما ينفع الناس } من الماء ~~والفلز الذي هو مثل الحق { فيمكث في الأرض } ينتفع الناس بالماء الذي به ~~حياة كل شيء، والفلز الذي به التمام، فالماء والمعدن مثل القرآن لما فيه ~~من حياة القلوب وبقاء الشرع كما أن الماء يحيى الأراضي الميتة، والمعادن ~~تحيي موات العيش وتنظم المعاملات المقتضية لاختلاط بعض الناس ببعض ~~وائتلافهم بالحاجة، والأودية والأواني مثل القلوب يثبت منه فيها ما ~~تحتمله على قدر سعة القلب وضيقه بحسب الطهارة وقوة الفاهمة. # ولما انقضى هذا المثل على هذا البيان الذي يعجز دونه الثقلان، لأنه أحسن ~~شيء معنى بأوجر عبارة وأوضح دلالة، كان كأنه قيل: هل يبين كل شيء هذا ~~البيان؟ فقيل: نعم، { كذلك } أي مثل ذلك الضرب { يضرب ms2368 الله } أي الذي له ~~الإحاطة الكاملة علما وقدرة { الأمثال } فيجعلها في غاية الوضوح وإن ~~كانت في غاية الغموض. # ومادة " جفا " - واوية ويائية مهموزة وغير مهموزة بكل ترتيب، وهي جفأ ~~جأف فجأ، جفي جيف فيج، جفو جوف فوج، فجو وجف - تدور على الطرح: جفأ ~~الوادي والقدر: رميا بالجفاء أي الزبد وجفأ القدر والوادي: مسح غثاءه أي ~~فطرحه - وجفأه: صرعه، والبرمة في القصعة: كفاها - أي طرح ما فيها - ~~والباب: أغلقه وفتحه - ضد، لأنه في كليهما كالمرمي به، والبقل: قلعه من ~~أصله، والجفاء - كعزاب: الباطل، لأنه أهل للقذف به والطرح، والسفينة ~~الخالية، لأنا بمعرض قذف الماء لها. # وأجفا ماشيته: أتعبها بالسير ولم يعلفها أي سيرها سيرا كأنها يقذف بها، ~~وجفأ به: طرحه، وجفات البلاد: ذهب خيرها، فكانت طرحته أو صارت هي أهلا ~~لأن تطرح وتبعد، والعام جفأة إبلنا، وهو أن ينتج أكثرها، لأنها طرحت ~~أجنتها. # ومن يائيه: جفيته أجفيه: صرعته، والجفاية - بالضم: السفينة الفارغة، ~~والمجفي: المجفو. # ومن واويه: جفا الشيء يجفو - إذا لم يلزم مكانه، كأنه فصل من مكانه فطرح ~~به، والجفاء والجفوة: ترك الصلة، واجتفيته: أزلته عن مكانه، وجفا عليه ~~كذا: ثقل، فصار أهلا لطرحه والانفصال منه، ورجل جافي الخلقة والخلق: كز ~~غليظ، لأن الشيء إذا غلظ لم يلتصق التصاق اللطيف، وأجفى الماشية: أتبعها ~~ولم يدعها تأكل، وفيه جفوة أي هو جاف، فإن كان مجفوا قيل: به جفوة. # ومن مقلوبه مهموزا: جافة: صرعه وذعره أي قذف في قلبه رعبا: والشجرة: ~~قلعها من أصلها، والجآف - كشداد: الصياح، كأنه يقذف بصوته، ورجل مجأف: ~~لا ثبات له - كأنه يقذف به من مكانه، والمجؤوف: الجائع والمذعور، كأنه من ~~الجوف، وإنما همزت واوه الأولى لانضمامها مع أنه يمكن تنزيله على أنه قذف ~~فيه ذلك. # ومن يائيه: الجيفة: جثة الميت وقد أراح، والجياف - كشداد: النباش، ~~وجافت تجيف: أنتنت فصارت متهيئة للطرح والتغييب، وجيفه: ضربه، لما رآه ~~أهلا للبعد، وجيف فلان في كذا وجيف أي فزع وأفزع أي طرح في قلبه ~~رعب، فصار لا تسعه أرض، بل يقذف بنفسه ms2369 من مكان إلى آخر. # ومن واويه: الجوف: المطمئن من الأرض، لأنه يسع ما يطرح فيه ويمسكه، ~~ومهما طرح من الجبال من شيء استقر به، والجوف منك: بطنك، لافتقاره إلى ~~طرح الغذاء فيه، وأهل الأغوار يسمون فساطيط عمالهم الأجواف - لطرح أنفسهم ~~وأمتعتهم فيها - وجوف الليل: وسطه - تشبيه بالجوف، والأجوفان: البطن ~~والفرج، والجوف - محركة السعة، والجوفاء من الدلاء: الواسعة، ومن القنا ~~والشجر: الفارغة، والجائفة: جراحة تبلغ الجوف، وتلعه جائفة: قعيرة - ~~لأنها لقعرها بالجوف أشبه منها بالجبل، وجوائف النفس: ما تقعر من الجوف ~~في مقار الروح، والمجوف - كمعظم: من لا قلب له - كأن قلبه طرح من جوفه ~~فصار خاليا. والجوفان - بالضم: أير الحمار - لسعة جوفه، وأجفت الباب: ~~رددته - كأنه من السلب، لأنك سددت جوف البيت، أو أنه شبه الإغلاق بطرح ~~الباب. # ومن مقلوبه مهموزا: فجئه الأمر - كسمعه ومنعه: هجم عليه من غير أن ~~يشعر، كأنه قذف به إليه، وفجئت الناقة - كفرح: عظم بطنها، كأنه قذف فيه ~~بشيء، وفجأ - كمنع: جامع، لأنه طرحها وطرح نفسه عليها، والمفاجىء: الأسد، ~~لأنه يخرج بغتة فيثب من غير توقف. # ومن مقلوبه واويا: الفجوة: المتسع من الأرض والفرجة - لتهيئها لما يطرح ~~فيها، والفجوة - أيضا: ساحة الدار وما بين حوافي الحوافر، أي ميامنها ~~ومياسرها، وفجا قوسه: رفع وترها عن كبدها فهي فجواء، وفجا بابه: فتحه، ~~فصار كالجوف، والفجا: تباعد ما بين الركبتين أو الفخذين أو الساقين أو ~~عرقوبي البعير؛ فجي - كرضي فهو أفجى، وعظم بطن الناقة، والفعل كالفعل، ~~والتفجية: الكشف، لأنك طرحت الغطاء، والتفجية - أيضا: التنحية، وهي ~~واضحة في الطرح، وأفجى: وسع النفقة على عياله - كأنه يقذف بها قذفا. # ومن مقلوبه يائيا: أفاج الرجل - إذا أسرع، ومنه الفيج - لرسول السلطان ~~على رجليه - كأنه لسرعته يطرح به في الأرض - هذا هو الصحيح الذي صححه ~~صاحب العباب، لأنه معرب بيك، وقيل: إنه واوي، أصله: فيوج، ثم قيل: فيج - ~~ككيس، ثم خفف، وجمعه الفيوج، وقيل: الفيوج: الذين يدخلون السجن ويخرجون ~~ويحرسون، وأفاج في الأرض: ذهب، والقوم: ذهبوا وانتشروا - كأنه قذف بهم، ~~والفيج: الوهد ms2370 المطمئن من الأرض، لأنه موضع لطرح ما في الأعالي. # ومن مقلوبه واويا: الفوج: الجماعة، كأنهم اقتطعوا من الجمهور فقذف بهم، ~~وفاج المسك: فاح وسطع، أي انتشرت رائحته، والنهار: برد، إما بمعنى طرح ~~برده على ما فيه، وإما لإحواجه الحيوان إلى أن يطرح عليه ما يدفئه، ~~وأفاج: أسرع وعدا وأرسل الإبل على الحوض قطعة قطعة، والفاتج: البساط ~~الواسع من الأرض، لتهيئه لما يطرح فيه، من تسمية المحل باسم الحال، وأفاج ~~في عدوه: أبطأ. فهو للسلب، وفاجت الناقة برجيلها: نفحت بهما من خلفها، ~~والفائجة: متسع ما بين كل مرتفعين، كأنه محل طرح ما ينزل منهما. # ومن مقلوبه: وجف يجف وجيفا: اضطرب، والوجف ضرب من سير الإبل والخيل، ~~وجف يجف وأوجفته واستوجف الحب فؤاده: ذهب به، كأنه طرحه منه. ### || [13.18-19] # ولما تم ما للحق والباطل في أنفسهم من الثبات والاضطراب، ذكر ما لأهلهما ~~من الثواب والعقاب جوابا لمن كأنه قال: ما لمن تدبر هذه الأمثال، وأبعد ~~عما أشارت إليه من الضلال، أو حاد عما دعت إليه ومال؟ فأجيب بقوله: { ~~للذين استجابوا } أي طلبوا من أنفسهم الإجابة وأوجدوها { لربهم } أي ~~المحسن إليهم شكرا له، الحالة { الحسنى } أي العظيمة في الحسن، وهي ~~القرار في الجنة فهو جزاءهم؛ قال أبو حيان: وذلك هو النصر في الدنيا وما ~~اختصوا به من نعمه تعالى ودخول الجنة في الآخرة - انتهى. وقد تقدم في ~~سورة يونس عليه الصلاة والسلام أنهم يزادون ما لا يعلم قدره إلا الذي ~~فعلوا ذلك خوف عقابه ورجاء ثوابه. # ولما ذكر ما للطائعين، أتبعه جزاء العاصين، فقال مبتدئا: { والذين لم ~~يستجيبوا } أي يرغبوا في إيجاد الإجابة { له } وأخبر عن هذا الابتداء ~~قوله معلما بأن استعجالهم بالعذاب باستعجالهم بالسيئة قبل الحسنة جراءة ~~منهم ناشئة عن جهل صرف تزول عند رؤيتهم عذابه سبحانه، فيبلغون حينئذ ~~بالافتداء غاية الذل فلا يقبل منهم -: { لو أن لهم } أي في ملكهم وتحت ~~قدرتهم { ما في الأرض } وأكد بقوله: { جميعا ومثله } وأوضح بقوله: { معه ~~لافتدوا به } أي جعلوا فكاك أنفسهم بغاية جهدهم، وأكده ms2371 لادعاء الكفرة ~~أنهم لا يذلون لشيء ولا يوهن قواهم شيء، والافتداء: جعل أحد الشيئين ~~بدلا من الآخر على جهة الاتقاء به، فكأنه قيل: ما الذي دهاهم حتى كان ~~هذا حالهم؟ فقيل - دلالة على أنه لا يقبل منهم الفداء ولو عظم -: { أولئك ~~} أي البعداء البغضاء { لهم سوء الحساب * } والحساب: إحصاء ما على العبد ~~وله، وسوء المؤاخذة، وعدم العفو عن شيء { ومأواهم } أي مستقرهم { جهنم } ~~أي الطبقة التي تلقى داخلها بالتجهم والعبوسة. ولما كان المأوى إنما يأوى ~~إليه صاحبه للراحة فيه بالاتكاء على فرش ونحوه، قال معبرا بمجمع المذام: ~~{ وبئس المهاد * }. # ولما افترق حال ما أجاب ومن أعرض في الجزاء، وكان ما مضى مستوفيا طرق ~~البيان بإيضاح الأمر بالجزيئات والأمثلة مع الترغيب والترهيب. فكان ~~جديرا بترتيب الأثر عليه، تسبب عنه الإنكار على من سوى بين العالم ~~العامل وغيره التفاتا إلى قوله { هل يستوي الأعمى والبصير } وسوى بين ~~الحق والباطل التفاتا إلى قوله { كذلك يضرب الله الحق والباطل } فحسن ~~قوله: { أفمن } بفاء السبب { يعلم } علما نافعا هو عامل به { إنما } أي ~~الذي { أنزل } أي وجد إنزاله وفرغ منه { إليك من ربك } أي المحسن إليك ~~بأحسن التدبير { الحق } أي الكامل في الحقية، فهو نير العين للبصر والقلب ~~للاستبصار والاعتبار، يهتدي بما يعلم إلى طريق الرشد فيسلكها، وإلى طريق ~~الغي فيتركها، ويفهم الأشارات، وينتفع بالأمثال السائرات، كما يبصر ~~بالبصر طريق النجاة من طريق الهلاك { كمن هو أعمى } لا بصر له ولا بصيرة، ~~لأنه لا يعمل وإن كان عالما، فهو لا ينتفع بالأمثال، فكأنه قيل: لا ~~يستويان مثلا أصلا، ثم علل هذا الإنكار بقوله: { إنما } أي لأنه إنما ~~يعلم ذلك بالتذكر، وإنما { يتذكر } أي يطلب الذكر طلبا عظيما فيعمل { ~~أولوا } أي أصحاب { الألباب * } أي العقول الصافية الخالصة القابلة ~~للتذكر بالتفكر في أن ما أنزل من عند الله ثابت الأركان راسي القواعد، لا ~~قدر لأحد على إزالة معنى من معانيه ولا هدم شيء من مبانيه وأن ما عداه ~~هلهل النسج رث القوى، مخلخل الأركان، دارس الرسم، منطمس ms2372 الأعلام، مجهول ~~المسالك، مظلم الأرجاء، جم المهالك، وأما القلب الذي لا يرجع عن غيه لمثل ~~هذا البيان فكأنه غير قابل للذكرى، فاستحق أن يعد عدما، وأن يخص التذكر ~~بالقلب، ومن المعلوم أنه لا يستوي من له لب ومن لا لب له؛ واللب والقلب: ~~أجل ما في الشيء وأخلصه وأجوده. ### || [13.20-24] # ولما منح سبحانه من فيهم أهلية التذكر بالعقول الدالة على توحيده ~~والانقياد لأوامره، كان كأنه عهد في ذلك، فقال يصف المتذكرين بما يدل ~~قطعا على أنه لا لب لسواهم: { الذين يوفون } أي يوجدون الوفاء لكل شيء { ~~بعهد الله } أي بسبب العقد المؤكد من الملك الأعلى بأوامره ونواهيه، ~~فيفعلون كلا منهما كما رسمه لهم ولا يوقعون شيئا منهما مكان الآخر؛ ~~والعهد: العقد المتقدم على الأمر بما يفعل أو يجتنب، والإيفاء: جعل الشيء ~~على مقدار غيره من غير زيادة ولا نقصان. # ولما كان الدليل العقلي محتما للثبات عليه كما أن الميثاق اللفظي موجب ~~للوفاء به، قال تعالى: { ولا ينقضون الميثاق * } أي الإيثاق ولا الوثاق ~~ولا مكانه ولا زمانه؛ والنقض: حل العقد بفعل ما ينافيه ولا يمكن أن يصح ~~معه، والميثاق: العقد المحكم وهو الأوامر والنواهي المؤكدة بحكم العقل. # ولما كان أمر الله جاريا على منهاج العقل وإن كان قاصرا عنه لا يمكن ~~نيله له من غير مرشد، قال: { والذين يصلون } أي من كل شيء على سبيل ~~الاستمرار { ما أمر الله } أي الذي له الأمر كله؛ وقال: { به أن يوصل } ~~دون " يوصله " ليكون مأمورا بوصله مرتين، ويفيد تجديد الوصل كلما قطعه ~~قاطع على الاستمرار لما تظافر على ذلك من دليلي العقل والنقل؛ والوصل: ضم ~~الثاني إلى الأول من غير فرج. # ولما كان الدليل يرشد إلى أن الله تعالى مرجو مرهوب قال: { ويخشون ربهم ~~} أي المحسن إليهم، من أن ينتقم منهم إن خالفوا بقطع الإحسان. ولما كان ~~العقل دالا بعد تنبيه الرسل على القدرة على المعاد بالقدرة على المبدأ، ~~وكان الخوف منه أعظم الخوف، قال تعالى: { ويخافون } أي يوجدون الخوف ~~إيجادا مستمرا { سوء الحساب ms2373 * } وهو المناقشة فيه من غير عفو، ومن أول ~~السورة إلى هنا تفصيل لقوله تعالى أول البقرة # ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب # [البقرة:1] مع نظره إلى قوله آخر يوسف # ما كان حديثا يفترى # [يوسف:111]. # ولما كان الوفاء بالعهد في غاية الشدة على النفس، قال مشيرا إلى ذلك مع ~~شموله لغيره: { والذين صبروا } أي على طاعات الله وعن معاصيه وفي كل ما ~~ينبغي الصبر فيه، والصبر: الحبس، وهو تجرع مرارة المنع للنفس عما تحب مما ~~لا يجوز فعله { ابتغاء } أي طلب { وجه ربهم } أي المحسن إليهم، وكأنه ذكر ~~الوجه إثارة للحياء وحثا عليه لا ليقال: ما أجلده! ولا لأنه يعاب ~~بالجزع، ولا لأنه لا طائل تحت الهلع ولا خوف الشماتة. # ولما كانت أفراد الشيء قد تتفاوت في الشرف، خص بالذكر أشياء مما دخل في ~~العهد والميثاق تشريفا لها فقال: { وأقاموا الصلاة } لأنها في الوصلة ~~بالله كالميثاق في الوصلة بالموثق له، وقال -: { وأنفقوا } وخفف عنهم ~~بالبعض فقال: { مما رزقناهم } - لأن الإنفاق من أعظم سبب يوصل إلى ~~المقاصد، فهذا إنفاق من المال، وتلك إنفاق من القوى، وقال: { سرا ~~وعلانية } إشارة إلى الحث على استواء الحالتين تنبيها على الإخلاص، ~~ويجوز أن يكون المراد بالسر ما ينبغي فيه الإسرار كالنوافل، وبالعلانية ~~ما يندب إلى إظهاره كالواجب إلا أن يمنع مانع، وهذا تفصيل قوله تعالى # ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون # [البقرة:3] # واستعينوا بالصبر والصلاة # [البقرة: 45] وقال: { ويدرؤون } أي يدفعون بقوة وفطنة { بالحسنة } أي من ~~القول أو الفعل { السيئة } إشارة إلى ترك المجازاة أو يتبعونها إياها ~~فتمحوها، خوفا ورجاء وحثا على جميع الأفعال الصالحة، فهي نتيجة أعمال ~~البر ودرجة المقربين. # ولما ختم تلك بما يدل على ما بعد الموت ترهيبا، ختم هذه بمثل ذلك ~~ترغيبا فقال: { أولئك } أي العالو الرتبة { لهم عقبى الدار * } وبينها ~~بقوله: { جنات عدن } أي إقامة طويلة - ومنه المعدن وهي أعلى الجنان؛ ثم ~~استأنف بيان تمكنهم فيها فقال: { يدخلونها }. # ولما كانت الدار لا تطيب بدون الحبيب، قال عاطفا على الضمير ms2374 المرفوع ~~إشارة إلى أن النسب الخالي غير نافع: { ومن صلح } والصلاح: استقامة الحال ~~على ما يدعو إليه العقل والشرع { من آبائهم } أي الذين كانوا سببا في ~~إيجادهم { وأزواجهم وذرياتهم } أي الذين تسببوا عنهم؛ ثم زاد في الترغيب ~~بقوله سبحانه وتعالى: { والملائكة يدخلون عليهم } لأن الإكثار من ترداد ~~رسل الملك أعظم في الفخر وأكثر في السرور والعز. # ولما كان إتيانهم من الأماكن المعتادة مع القدرة على غيرها أدل على ~~الأدب والإكرام، قال: { من كل باب * } يقولون لهم: { سلام عليكم } ~~والسلام: التحية بالكرامة على انتفاء كل شائب من مضرة، وبين أن سبب هذا ~~السلام الصبر فقال: { بما صبرتم } أي بصبركم، والذي صبرتم له، والذي ~~صبرتم عليه، إشارة إلى أن الصبر عماد الدين كله. ولما تم ذلك. تسبب عنه ~~قوله: { فنعم عقبى الدار * } وهي المسكن في قرار، المهيأ بالأبنية التي ~~يحتاج إليها والمرافق التي ينتفع بها؛ والعقبى: الانتهاء الذي يؤدي إليه ~~الابتداء من خير أو شر. ### || [13.25-29] # ولما ذكر ما للناجين، ذكر مآل الهالكين فقال: { والذين ينقضون عهد الله ~~} أي الملك الأعلى فيعملون بخلاف موجبه؛ والنقض: التفريق الذي ينفي تأليف ~~البناء. ولما كان النقض ضارا ولو كان في أيسر جزء، أدخل الجار فقال: { ~~من بعد ميثاقه } أي الذي أوثقه عليهم بما أعطاهم من العقول وأودعها من ~~القوة على ترتيب المقدمات المنتجة للمقاصد الصالحة الدالة على صحة جميع ~~ما أخبرت به رسله عليهم الصلاة والسلام والتحية والإكرام؛ والميثاق: ~~إحكام العقد بأبلغ ما يكون في مثله { ويقطعون ما } أي الشيء الذي { أمر ~~الله } أي غير ناظرين إلى ما له من العظمة والجلال، وعدل عن أن يوصله لما ~~تقدم قريبا فقال: { به أن يوصل } أي لما له من المحاسن الجلية والخفية ~~التي هي عين الصلاح { ويفسدون } أي يوقعون الإفساد { في الأرض } أي في ~~أي جزء كان منهم بوصل ما أمر الله به أن يقطع اتباعا لأهوائهم، معرضين ~~عن أدلة عقولهم، مستهينين بانتقام الكبير المتعال. ولما كانوا كذلك، ~~استحقوا ضد ما تقدم للمتقين، وذلك هو الطرد والعقاب ms2375 والغضب والنكال وشؤم ~~اللقاء، فقال سبحانه وتعالى: { أولئك } أي البعداء البغضاء { لهم اللعنة ~~} أي الطرد والبعد { ولهم سوء الدار * } أي أن يكون دارهم الآخرة سيئة ~~بلحاق ما يسوء فيها دون ما يسر. # ولما تقدم الحث العظيم على الإنفاق، وأشير إلى أنه من أوثق الأسباب في ~~الوصلة لجميع أوامر الله، وختم بأن للكافر البعد والطرد عن كل خير ~~والسوء، كان موضع أن يقول الكفار: ما لنا يوسع علينا مع بعدنا ويضيق على ~~المؤمن مع وصله واتصاله، وما له لا يبسط له رزقه ليتمكن من إنفاذ ما أمر ~~به إن كان ذلك حقا؟ فقيل: { الله } أي الذي له الكمال كله { يبسط الرزق ~~} ودل على تمام قدرته سبحانه وتعالى بقوله - جلت قدرته -: { لمن يشاء } ~~فيطيع في رزقه أو يعصي { ويقدر } على من يشاء فيجعل رزقه بقدر ضرورته ~~فيصبر أو يجزع لحكم دقت عن الأفكار، ثم يجعل ما للكافر سببا في ~~خذلانه، وفقر المؤمن موجبا لعلو شأنه، فليس الغنى مما يمدح به، ولا ~~الفقر مما يذم به، وإنما يمدح ويذم بالآثار. # ولما كانت السعة مظنة الفرح إلا عند من أخلصه الله وهم أقل من القليل، ~~قال عائبا لمن اطمأن إليها: { وفرحوا } أي فبسط لهؤلاء الرزق فبطروا ~~وكفروا وفرحوا { بالحياة الدنيا } أي بكمالها؛ والفرح: لذة في القلب بنيل ~~المشتهى. ولما كانت الدنيا متلاشية في جنب الدار التي ختم بها للمتقين، ~~قال زيادة في الترغيب والترهيب: { وما الحياة الدنيا في الآخرة } أي في ~~جنبها { إلا متاع * } أي حقير متلاش؛ قال الرماني: والمتاع: ما يقع به ~~الانتفاع في العاجل، وأصله: التمتع وهو التلذذ بالأمر الحاضر. # ولما كان العقل أعظم الأدلة، وتقدم أنه مقصور على المتذكرين، إشارة إلى ~~أن من عداهم بقر سارحة، وعرف أن ما دعا إليه الشرع هو الصلاح، وضده هو ~~الفساد، وكان العقل إنما هو لمعرفة الصلاح فيتبع، والفساد فيجتنب، وكان ~~الطالب لإنزال آية إلى غير ذلك لا سيما بعد آيات متكاثرة ودلالات ظاهرة ~~موضعا لأن يعجب منه، قال على سبيل التعجب عطفا على قوله ms2376 { وفرحوا } ~~مظهرا لما من شأنه الإضمار تنبيها على الوصف الذي أوجب لهم التعنت: { ~~ويقول الذين كفروا } أي ستروا ما دعتهم إليه عقولهم من الخير وما لله من ~~الآيات عنادا { لولا } أي هلا ولم لا. # ولما كان ما تحقق أنه من عند الملك لا يحتاج إلى السؤال عن الآتي به، ~~بني للمفعول قوله: { أنزل عليه } أي هذا الرسول صلى الله عليه وسلم { آية ~~} أي علامة بينة { من ربه } أي المحسن إليه بالإجابة لما يسأله لنهتدي ~~بها فنؤمن به، وأمره بالجواب عن ذلك بقوله: { قل } أي لهؤلاء المعاندين: ~~ما أشد عنادكم حيث قلتم هذا القول الذي تضمن إنكاركم لأن يكون نزل إلي ~~آية مع أنه لم يؤت أحد من الآيات مثل ما أوتيت، فعلم قطعا أنه ليس إنزال ~~الآيات سببا للايمان بل أمره إلى الله { إن الله } أي الذي لا أمر لأحد ~~معه { يضل من يشاء } إضلاله ممن لم ينب، بل أعرض عن دلالة العقل ونقض ما ~~أحكمه من ميثاق المقدمات المنتجة للقطع بحقية ما دعت إليه الرسل لما جبل ~~عليه قلبه من الغلظة، فصار بحيث لا يؤمن ولو نزلت عليه كل آية، لأنها ~~كلها متساوية الأقدام في الدعوة إلى ما دعا إليه العقل لمن له عقل، وقد ~~نزل قبل هذا آيات متكاثرة دالات أعظم دلالة على المراد { ويهدي } عند ~~دعاء الداعين { إليه } أي طاعته. بمجرد دليل العقل من غير طلب آية { من ~~أناب } أي من كان قلبه ميالا مع الأدلة رجاعا إليها لأنه شاء إنابته ~~كأبي بكر الصديق وغيره ممن تبعه من العشرة المشهود لهم بالجنة وغيرهم، ثم ~~أبدل منهم { الذين آمنوا } أي أوجدوا هذا الوصف { وتطمئن قلوبهم } أي ~~تسكن وتستأنس إلى الدليل بعد الاضطراب بالشكوك لإيجادهم الطمأنينة بعد ~~صفة الإيمان إيجادا مستمرا دالا على ثبات إيمانهم لترك العناد، وهذا ~~المضارع في هذا التركيب مما لا يراد به حال ولا استقبال، إنما يراد به ~~الاستمرار على المعنى مع قطع النظر عن الأزمنة { بذكر الله } الذي هو ~~أعظم الآيات في أن المذكور ms2377 مستجمع لصفات الكمال، فالآية من الاحتباك: ذكر ~~المشيئة أولا دال على حذفها ثانيا، وذكر الإنابة ثانيا دال على حذف ~~ضدها أولا. # ولما كان ذلك موضع أن يقول المعاند: ومن يطمئن بذلك؟ فقال: { ألا بذكر ~~الله } أي الذي له الجلال والإكرام، لا بذكر غيره { تطمئن القلوب * } ~~فتسكن عن طلب غيره آية غيره، والذكر: حضور المعنى للنفس، وذلك إشارة إلى ~~أن من لم يطمئن به فليس له قلب فضلا عن أن يكون في قلبه عقل، بل هو من ~~الجمادات، أو إلى أن كل قلب يطمئن به، فمن أخبر عن قلبه بخلاف ذلك فهو ~~كاذب معاند، ومن أذعن وعمل بموجب الطمأنينة فهو مؤمن، ثم أخبر عما لهذا ~~القسم بقوله: { الذين آمنوا } أي أوجدوا وصف الإيمان { وعملوا } أي ~~تصديقا لدعواهم الإيمان { الصالحات } لطمأنينة قلوبهم إلى الذكر { طوبى ~~لهم } أي خير وطيب وسرور وقرة عين { وحسن مآب * } فكان ذلك مفهما لحال ~~القسم الآخر، فكأنه قيل: ومن لم يطمئن أو اطمأن قلبه ولم يذعن بؤسي لهم ~~وسوء مآب. ### || [13.30-31] # ولما كان في ذلك فطم عن إنزال المقترحات، وكان إعراض المقترحين قد طال، ~~وطال البلاء بهم والصبر على أذاهم، كان موضع أن يقال من كافر أو مسلم عيل ~~صبره: أولست مرسلا يستجاب لك كما كان يستجاب للرسل؟ فقيل: { كذلك } أي ~~مثل إرسال الرسل الذي قدمنا الإشارة إليه في آخر سورة يوسف عليه الصلاة ~~والسلام في قولنا # وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم # [الأنبياء:7] الآية، وفي هذه السورة في قولنا { ولكل قوم هاد } ومثل هذا ~~الإرسال البديع الأمر البعيد الشأن، والذي دربناك عليه غير مرة من أن ~~المرجع إلى الله والكل بيده، فلا قدرة لغيره على هدى ولا ضلال، لا بإنزال ~~الآية ولا غيره { أرسلناك } أي بما لنا من العظمة { في أمة } وهي جماعة ~~كثيرة من الحيوان ترجع إلى معنى خاص لها دون غيرها { قد خلت }. # ولما كانت الرسل لمن تعم بالفعل الزمان كله، قال: { من قبلها أمم } طال ~~أذاهم لأنبيائهم ومن آمن بهم واستهزاءهم في ms2378 عدم الإجابة إلى المقترحات ~~وقول كل أمة لنبيها عنادا بعد ما جاءهم من الآيات { لولا أنزل عليه آية ~~} حتى كأنهم تواصوا بهذا القول حتى فعل الرسل وأتباعهم في إقبالهم على ~~الدعاء وإعراضهم عمن يستهزىء بهم - فعل الآئس من الإنزال { لتتلوا } أي ~~أرسلناك فيهم لتتلو { عليهم } أي تقرأ؛ والتلاوة: جعل الثاني يلي الأول ~~بلا فصل { الذي أوحينا إليك } من ذكر الله الذي هو أعظم الآيات { وهم } ~~أي والحال أنهم { يكفرون } لا تمل تلاوته عليهم في تلك الحال فإن لنا في ~~هذا حكما وإن خفيت، وما أرسلناك ومن قبلك من الرسل إلا لتلاوة ما يوحى، ~~لا لطلب الإجابة إلى ما يقترح الأمم من الآيات ظنا أنها تكون سببا ~~لإيمان أحد، نحن أعلم بهم، وهذا كله تسلية لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وقوله: { بالرحمن } إشارة إلى كثرة حلمه وطول أناته، وتصوير لتقبيح ~~حالهم في مقابلتهم الإحسان بالإساءة والنعمة بالكفر بأوضح صورة وهم يدعون ~~أنهم أشكر الناس للإحسان وأبعدهم من الكفران. ولما تضمن كفرهم بالرحمن ~~كفرهم بالقرآن ومن أنزل عليه، وكان الكفر بالمنعم في غاية القباحة، كان ~~كأنه قيل: فماذا أفعل حينئذ أنا ومن اتبعني؟ لا نتمنى إجابتهم إلى ~~مقترحاتهم إلا رجاء إيمانهم، وكان جوابهم عن الكفر بالموحى أهم، بدأ به ~~فقال: { قل } عند ذلك إيمانا به { هو } أي الرحمن الذي كفرتم به { ربي } ~~المربي لي بالإيجاد وإدرار النعم، والمحسن إلي لا غيره، لا أكفر إحسانه ~~كما كفرتموه أنتم، بل أقول: إنه { لا إله إلا هو } أنا به واثق في ~~التربية والنصرة وغيرها. # ولما كان تفرده بالإلهية علة لقصر الهمم عليه، قال: { عليه } أي وحده لا ~~شريك له { توكلت } والتوكل: التوثيق في تدبير النفس برده إلى الله على ~~الرضى بما يفعل { وإليه } أي لا إلى غيره { متاب * } أي مرجعي، معنى ~~بالتوبة وحسا بالمعاد، وهذا تعريض بهم في أن سبب كفرتم إنكار يوم الدين. # ولما فرغ من الجواب عن الكفر بالموحى، عطف على " هو ربي " الجواب عن ~~الكفر بالوحي فقال: { ولو } إشارة إلى أنه ms2379 يعتقد في القرآن ما هو أهله ~~بعد ما أخبر عن اعتقاده في الرحمن، أي وقل: لو { أن قرآنا } كانت به ~~الآيات المحسوسات بأن { سيرت } أي بأدنى إشارة من مشير ما { به الجبال } ~~أي فأذهبت على ثقلها وصلابتها عن وجه الأرض { أو قطعت } أي كذلك { به ~~الأرض } أي على كثافتها فشققت فتفجرت منها الأنهار { أو كلم به الموتى } ~~فسمعت وأجابت لكان هذا القرآن، لأنه آية لا مثل لها، فكيف يطلبون آية ~~غيره! أو يقال: إن التقدير: لو كان شيء من ذلك بقرآن غيره لكان به - ~~إقرارا لأعينكم - إجابة إلى ما تريدون، لكنه لم تجر عادة لقرآن قبله بأن ~~يكون به ذلك، فلم يكن بهذا القرآن، لأن الله لم يرد ذلك لحكمه علمها، ~~وليس لأحد غير الله أمر في خرق شيء من العادات، لا لولي ولا لنبي ولا ~~غيرهما حتى يفعل لأجلكم بشفاعة أو بغيرها شيئا لم يرده الله في الأزل { ~~بل } ويجوز أن يكون التقدير: لو وجد شيء من هذا بقرآن يوما ما لكان بهذا ~~القرآن، فكان حينئذ يصير كل من حفظ منه شيئا فعل ما شاء من ذلك، فسير له ~~ما شاء من الجبال إلى ما أراد من الأراضي لما رام من الأغراض، وقطع به ما ~~طلب من الأرض أنهارا وجنانا وغيرها، وكلم به من اشتهى من الموتى، ثم ~~إذا فتح هذا الباب فلا فرق بين القدرة على هذا والقدرة على غيره، فيصير ~~من حفظ منه شيئا قادرا على شيء، فبطلت حينئذ حكمة اختصاص الله سبحانه ~~بذلك من أراد من خلص عباده، وأدى ذلك إلى أن يدعي من أراد من الفجرة أن ~~أمر ذلك بيده، يفعل فيه ما يشاء متى شاء، فيصير ادعاءه مقرونا بالفعل ~~شبهة في الشرك، وليعلم قطعا أنه ليس في يد أحد أمر، بل { الله } أي الذي ~~له صفات الكمال وحده { الأمر } وهو ما يصح أن يؤمر فيه وينهى { جميعا } ~~في ذلك وغيره، لا لي ولا لأحد من الأنبياء الذين قلتم إني لست أدنى منزلة ~~منهم، وأما ms2380 الخوارق التي كانت لهم فلولا أن شاءها لما كانت، فالأمر إليه ~~وحده، مهما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وكأن هذا جواب لما حكي في السيرة ~~النبوية أن الكفار تفتنوا به؛ قال ابن إسحاق: ثم إن الإسلام جعل يفشو ~~بمكة في قبائل قريش في الرجال والنساء، فاجتمع أشرافهم فأرسلوا إليه صلى ~~الله عليه وسلم فكلموه في الكف عنهم وعرضوا عليه أن يملكوه عليهم وغير ~~ذلك فأبى وقال: # " " إن الله بعثني إليكم رسولا، وأنزل علي كتابا، وأمرني أن أكون لكم ~~بشيرا ونذيرا " # ، فقالوا: فإنك قد علمت أنه ليس أحد من الناس أضيق بلدا ولا أقل ماء ~~ولا أشد عيشا منا، فسل لنا ربك الذي بعثك بما بعثك به فليسير عنا هذه ~~الجبال التي قد ضيقت علينا، وليبسط لنا بلادنا، وليخرق فيها أنهارا ~~كأنهار الشام والعراق - زاد البغوي: فلست كما زعمت بأهون على ربك من داود ~~حيث سخر له الجبال تسبح معه، أو سخر لنا الريح فنركبها إلى الشام ~~لميرتنا، ونرجع في يومنا فقد سخرت الريح لسليمان كما زعمت - رجع إلى ابن ~~إسحاق: وليبعث لنا من مضى من آبائنا، وليكن فيمن يبعث لنا منهم قصي بن ~~كلاب، فإنه كان شيخ صدق، فنسألهم عما تقول أحق هو أم باطل! فإن صدقوك ~~وصنعت ما سألناك صدقناك وعرفنا به منزلتك من الله، وأنه بعثك إلينا ~~رسولا كما تقدم - زاد البغوي: فإن عيسى كان يحيي الموتى، ولست بأهون على ~~ربك منه " فكان سؤالهم هذا متضمنا لادعائهم أن دعواه إنزال القرآن لا ~~تصح إلا أن فعل هذه الاشياء. # ولما كان هذا كله إقناطا من حصول الإيمان لأحد بما يقترح، تسبب عنه ~~الإنكار على من لم يفد فيه ذلك فقال تعالى: { أفلم } بفاء السبب { ييئس ~~الذين آمنوا } من إيمان مقترحي الآيات بما يقترحون لعلمهم { أن } أي بأنه ~~{ لو يشاء الله } أي الذي له صفات الكمال - هداية كل أحد مشيئة مقترنة ~~بوجوده { لهدى الناس } وبين أن اللام للاستغراق بقوله: { جميعا } أي ~~بأيسر مشيئة، والعلم بالشيء يوجب اليأس من ms2381 خلافه، لكنه لم يهدهم جميعا ~~فلم يشأ ذلك، ولا يكون إلا ما شاءه، فلا يزال فريق منهم كافرا، فقد وضح ~~أن { ييئس } على بابها، وكذا في البيت الذي استشهدوا به على أنها بمعنى " ~~علم " يمكن أن يكون معناه: ألم تيأسوا عن أذاي أو عن قتلي علما منكم ~~بأني ابن فارس زهدم، فلا يضيع لي ثأر، وكذا قراءة علي ومن معه من الصحابة ~~رضوان الله عليهم أجمعين - أفلم - يتبين الذين آمنوا - أي أن أهل الضلال ~~لا يؤمنون لآية من الآيات علما منهم بأن الأمر لله جميعا، وأن إيمانهم ~~ليس موقوفا على غير مشيئته. # ولما علم من ذلك أن بعضهم لا يؤمن، ضاقت صدور المؤمنين لذلك لما ~~يعاينونه من أذى الكفار فأتبعه ما يسليهم عاطفا على ما قدرته من نتيجة ~~عدم المشيئة، فقال: { ولا يزال الذين كفروا } أي ستروا ضياء عقولهم { ~~تصيبهم بما صنعوا } أي مما مرنوا عليه من الشر حتى صار لهم طبعا { قارعة ~~} أي داهية تزعجهم بالنقمة من بأسه على يد من يشاء، وهو من الضرب ~~بالمقرعة { أو تحل } أي تنزل نزولا ثانيا تلك القارعة { قريبا من ~~دارهم } أي فتوهن أمرهم { حتى يأتي وعد الله } أي الملك الأعظم بفتح مكة ~~أو بالنصر على جميع الكفرة في زمن عيسى عليه السلام فينقطع ذلك، لأنه لا ~~يبقي على الأرض كافرا، وفي غير ذلك من الأزمان كزمن فتح مكة المشرفة، ~~فيكون المعنى خاصا بالبعض { إن الله } أي الذي له مجامع الكمال { لا ~~يخلف الميعاد } أي الوعد ولا زمانه ولا مكانه؛ والوعد: عقد الخبر بتضمن ~~النفع، والوعيد: عقده بالزجر والضر، والإخلاف: نقض ما تضمن الخبر من خير ~~أو شر. ### || [13.32-34] # ولما تم الجواب عن كفرهم بالموحي وما أوحاه إليه وما اشتد تعلقه به، عطف ~~على ذلك تأسية بالموحى إليه صلى الله عليه وسلم، لأن الحاث على تميز ~~الإجابة إلى الآيات المقترحات استهزاء الكفار، فقال: { ولقد استهزىء } أي ~~من أدنى الخلق وغيرهم { برسل }. # ولما كان الإرسال لم يعم جميع الأزمان فضلا عن الاستهزاء، أدخل الجار ms2382 ~~فقال: { من قبلك } لعدم إتيانهم بالمقترحات؛ والاستهزاء: طلب الهزوء، وهو ~~الإظهار خلاف الإضمار للاستصغار { فأمليت } أي فتسبب عن استهزائهم ذلك ~~أني أمليت { للذين كفروا } أي أمهلتهم في خفض وسعة كالبهيمة يملى لها، أي ~~يمد في المرعى، ولم أجعل ذلك سببا لإجابتهم إلى ما اقترحوا ولا معاجلتهم ~~بالعذاب فعل الضيق الفطن { ثم } بعد طول الإملاء { أخذتهم } أي أخذ قهر ~~وانتقام { فكيف } أي فكان أخذي لهم سببا لأن يسأل من كان يستبطىء رسلنا ~~أو يظن بنا تهاونا بهم، فيقال له: كيف { كان عقاب * } فهو استفهام معناه ~~التعجب مما حل بالمكذبين والتقرير، وفي ضمنه وعيد شديد. # فلما تقرر - بما مضى من قدرته تعالى على الثواب والعقاب وخفضه الأرضين ~~ورفعه السماوات ونصبه الدلالات بباهر الآيات البينات - أن ليس لأحد غيره ~~أمر ما، وتحرر أن كل أحد في قبضته، تسبب عن ذلك أن يقال: { أفمن هو قائم ~~} ولما كان القيام دالا على الاستعلاء أوضحه بقوله: { على كل نفس } أي ~~صالحة وغيرها { بما كسبت } - يفعل بها ما يشاء من الإملاء والأخذ وغيرهما ~~- كمن ليس كذلك، مثل شركائهم التي ليس لها قيام على شيء أصلا. # ولما كان الجواب قطعا: ليس كمثله شيء، كان كأنه قيل استعظاما لهذا ~~السؤال: من الذي توهم أن له مثلا؟ فقيل: الذين كفروا به { وجعلوا لله } ~~أي الملك الأعظم { شركاء } ويجوز أن يقدر ل " من " خبر معناه: لم ~~يوحدوه، ويعطف عليه { وجعلوا } ، فكأنه قيل: فماذا يفعل بهم؟ فقيل: { قل ~~سموهم } بأسمائهم الحقيقية، فإنهم إذا سموهم وعرفت حقائقهم أنها حجارة أو ~~غير ذلك مما هو مركز العجز ومحل الفقر، عرف ما هم عليه من سخافة العقول ~~وركاكة الآراء، ثم قل لهم: أرجعتم عن ذلك إلى الإقرار بأنهم من جملة ~~عبيده { أم تنبئونه } أي تخبرونه إخبارا عظيما { بما لا يعلم } وعلمه ~~محيط بكل شيء { في الأرض } من كونها آلهة ببرهان قاطع. # { أم بظاهر من القول } أي بحجة إقناعية تقال بالفم، وكل ما لا يعلمه ~~فليس بشيء، وهذا قريب مما مضى في قوله # أم جعلوا لله ms2383 شركاء خلقوا كخلقه # [الرعد: 16] في أنه لو كان كذلك كان شبهه فيها ظهور ما، وهذه الأساليب ~~منادية على الخلق بالعجز، وصادحة بأنه ليس من كلام الخلق. # ولما كان التقدير: ليس لهم على شيء من ذلك برهان قاطع ولا قول ظاهر، بنى ~~عليه قوله: { بل زين } أي وقع التزيين بأمر من لا يرد أمره على يد من كان ~~{ للذين كفروا } أي لهم، وعبر بذلك تنبيها على الوصف الذي دلاهم إلى ~~اعتقاد الباطل، وهو ستر ما أدى إليه برهان العقل المؤيد بدليل النقل { ~~مكرهم } أي أمرهم الذي أرادوا به ما يراد بالمكر من إظهار شيء وإبطان ~~غيره، وذلك أنهم أظهروا أن شركاءهم آلهة حقا، وهم يعلمون بطلان ذلك، ~~وليس بهم في الباطن إلا تقليد الآباء، وأظهروا أنهم يعبدونها لتقربهم إلى ~~الله زلفى ولتشفع لهم، أو أنهم غيروا في وجه الحق بما ختلوا به الضعفاء ~~وتمادى بهم الحال حتى اعتقدوه حقا. # ومادة مكر بأي ترتيب كان: مكر، ركم، رمك، كرم، كمر؛ تدور على التغطية ~~والستر، فالمكر: الخديعة، قالوا: وهو الاحتيال بما لا يظهر، فإذا ظهر ~~فذلك الكيد، ويلزم منه الاجتهاد في ضم أشتات الأمر لستر ما يراد، فمن ~~الضم المكر الذي هو حسن خدالة الساق أي امتلائها، ويلزم منه خصب البدن ~~ونعمته، وكان منه المكر - لضرب من النبات، والواحدة مكرة، سميت مكرة ~~لارتوائها، أبو حنيفة: المكر من عشب القيظ، وهي عشبة غبراء ليس فيها ورق، ~~وهو ينبت في السهل والرمل - كأنه شبه بالساق لخلوه من الورق أو لأنه ~~لغبرته وتجرده كالمستور، والمكر: طين أحمر يشبه بالمغرة - كأنه سمي بذلك ~~لما فيه من الكدرة، والمكرة من البسر: التي ليست برطبة ولكن فيها لين - ~~كأنها سميت به لكون لونها حينئذ يأخذ في الكدرة؛ والركم: إلقاء الشيء ~~بعضه على بعض فهو مركوم وركام، وتراكم الشيء - إذا تكاثف بعضه على بعض، ~~وذلك مظنة الخفاء، والركمة: الطين المجموع وكذا التراب المجموع، وقال: ~~وجز عن مرتكم الطريق - يريد المحجة، لأن ترابها تلبد فاشتد تلبده، ~~والرمك والرمكة - بالضم - من ألوان ms2384 الإبل وهو أكدر من الورقة وهو لون ~~خالطت غبرته سوادا، فهو أرمك - لأنه مظنة لخفاء ما فيه، ومنه اشتقاق ~~الرامك، وهو أخلاط تخلط بالمسك فتجعل سكا، ورمك الرجل بالمقام - إذا ~~أقام به، لأنه يستره بنفسه وأمتعته ويستتر هو فيه، وأرمكت غيري - إذا ~~ألزمته مكانا يقيم فيه، والرمكة: الأنثى من البراذين - فارسي معرب، ~~لأنها تستر أصالة العربي إذا ولدته، ورمكان: موضع معروف - معرفة، ويقال: ~~رمك الرجل - إذا هزل وذهب ما في يده فستر عنه أو صار هو مستورا بعد أن ~~كان بحسن حاله مشهورا، ورمكت البازي والصقر ترميكا - إذا أشرت إليه ~~بالطير لأنك سلبت عنه الستر؛ واليرموك: مكان به لهب عظيم، يستر ما يكون ~~فيه؛ والكريم: ضد اللئيم، وهو البخيل المهين النفس، والخسيس الآباء، فإذا ~~كان شحيحا ولم تجتمع له هذه الخصال قيل له: بخيل، ولم يقل: لئيم، ~~فالكريم إذن من ستر مساوىء الأخلاق بإظهار معاليها، وتكرم - إذا تنزه عن ~~الدناءة ورفع نفسه عنها، وأصل الكرم في اللغة: الفصل والرفعة، فإذا ~~قالوا: فلان كريم، فإنما يريدون رفيعا فاضلا، فيلزم الكرم ستر العيوب، ~~والله الكريم أي الفاضل الرفيع - كذا قال بعض أهل اللغة، وقيل: الصفوح عن ~~الذنوب، وقيل: الذي لا يمن إذا أعطى، وإذا قالوا: فلان أكرم قومه، فإنما ~~يريدون: أرفعهم منزلة وأفضلهم قدرا، وكل هذا يلزم منه السخاء وستر ~~الذنوب، ومن هذا قيل: فرس كريم، وشجرة كريمة - إذا كانت أرفع من نظائرها ~~وأفضل، # إني ألقي إلي كتاب كريم # [النحل:29] أي رفيع شريف - كأنه أطلق هنا على ما فيه مجرد فضل تشبيها ~~بالكريم في جزء المعنى، وكارمت الرجل: فعل كل منا في حق صاحبه مقتضى ~~الكرم، والكرم: شجر العنب ولا يسمى به غيره، والكروم: قلائد تتخذها ~~النساء كالمخانق، لدلالتها على قدر صاحبتها، والكرامة: طبق يوضع على رأس ~~الحب - لأنه غطاءه، ولا يغطى إلا ما له فضل، ومنه يقولون: لك الحب ~~والكرامة، والكرم: القصير من الرجال - كأنه شبه بطبق الحب؛ والكمرة - ~~محركة: طرف قضيب الإنسان خاصة، سميت بذلك لسترها القلفة، ورجل مكمور - ~~إذا ms2385 قطع الخاتن كمرته، وتكامر الرجلان - إذا تكابرا بأيريهما، وقال في ~~القاموس: وتكامرا: نظرا أيهما أعظم كمرة، والكمري: الرطب ما لم يرطب على ~~شجره، بل سقط بسرا فأرطب في الأرض - كأنه سمي بذلك لأنه يكون أكدر مما ~~يرطب على الشجر، وهو أيضا يشبه الكمرة في تكوينها، والكمري عن ابن دريد: ~~الرجل القصير، كأنه شبه بالرطبة، وقال غيره: وهو اسم مكان. # ولما ذكر تزيين مكرهم، أتبعه الدلالة عليه فقال: { وصدوا } أي فلزموا ما ~~زين لهم، أو فمكروا به حتى ضلوا في أنفسهم وصدوا غيرهم { عن السبيل } ~~الذي لا يقال لغيره سبيل وهو المستقيم، فإن غيره جور وتيه وحيرة فهو عدم، ~~بل العدم أحسن منه، فلم يسلكوا السبيل ولا تركوا غيرهم يسلكه، فضلوا ~~وأضلوا، ليس ذلك بعجب فإن الله أضلهم { ومن يضلل الله } أي الذي له الأمر ~~كله بإرادة ضلاله { فما له من هاد * } فكأنه قيل: فماذا لهم على ما فعلوا ~~من ذلك؟ فقيل: { لهم } أي الذين كفروا { عذاب } وهو الألم المستمر، ومنه ~~العذب لأنه يستمر في الحلق { في الحياة الدنيا } شاق، بممانعة حزب الله ~~لهم في صدهم عن السبيل إلى ما يتصل بذلك من قتل وأسر، ولهم في الآخرة إن ~~ماتوا على ذلك عذاب { ولعذاب الآخرة أشق } أي أشد في المشقة، وهي غلظ ~~الأمر على النفس بما يكاد يصدع القلب { وما لهم من الله } أي الملك ~~الأعظم { من واق * } أي مانع يمنعهم إذا أراد بهم سوءا في الدنيا ولا في ~~الآخرة، والواقي فاعل الوقاية، وهي الحجر بما يدفع الأذية. ### || [13.35-37] # ولما توعدهم على تفريطهم في جانب الله، تشوفت النفس إلى ما لأضدادهم، ~~فكان كأنه قيل: فما لمن عاداهم في الله؟ فقيل: الجنة، فكأنه قيل: وما هي؟ ~~فقيل: إنها في الجلال، وعلو الجمال، وكرم الخلال، مما تعالى عن المنال، ~~إلا بضرب الأمثال، فقيل: ما مثلها؟ فقيل: { مثل الجنة التي } ولما كان ~~المقصود حصول الوعد الصادق ولا سيما وقد علم أن الوعد هو الله، بنى ~~للمفعول قوله: { وعد المتقون } والخبر محذوف تقديره: ما أقص ms2386 عليكم، وهو ~~أنها بساتين: قصور وأشجار، فقال الزجاج: الخبر جنة مخبر عنها بما ذكر ~~ليكون تمثيلا لما غاب عنا بما نشاهد { تجري }. ولما كانت - لو عمها ~~الماء الجاري - بحرا لا بساتين، أدخل الجار للدلالة على أنه خاص ببعض ~~أرضيها فقال: { من تحتها } أي قصورها وأشجارها { الأنهار } وقيل: هذا ~~المذكور هو الخبر كما تقول: صفة زيد أسمر. # ولما كان هذا ريا حقيقيا في أرض هي في غاية الخلوص والطيب، كان سببا ~~لدوام ثمرها واستمساك ورقها، فلذلك أتبعه قوله: { أكلها } أي ثمرها الذي ~~يؤكل { دائم } لا ينقطع أبدا { وظلها } ليس كما في الدنيا، لا ينسخ بشمس ~~ولا غيرها، قال أبو حيان: تقول: مثلت الشيء - إذا وصفته وقربته للفهم، ~~وليس هذا ضرب مثل، فهو كقوله # ولله المثل الأعلى # [النحل:60]، أي الصفة العليا - كذا قال، ويمكن أن يكون ذلك حقيقة، ويكون ~~هناك محذوف، وهو جنة من جنان الدنيا تجري من تحتها الأنهار - إلى آخره، ~~وهو من قول الزجاج. # ثم ابتدأ إخبارا آخر تعظيما لشأنها وتفخيما لأمرها في قوله تعالى: { ~~تلك } أي الجنة العالية الأوصاف { عقبى } أي آخر أمر { الذين اتقوا } ثم ~~كرر الوعيد للكافرين فقال: { وعقبى } أي منتهى أمر { الكافرين } بالرحمن، ~~المتضمن للكفر بالوحي والموحى إليه { النار * }. # ولما وصف العالمين بأن المنزل إليه هو الحق برجاحة العقول وأصالة الأداء ~~المؤدية إلى الصلاح الموجب لكل سعادة، والكافرين به بضعف العقول الدافع ~~إلى الفساد الموصل إلى سوء الدار، ومر فيما يلائمه إلى أن ختمه بمثل ما ~~ختم به ذلك، عطف على ذلك قوله - ويمكن أن يكون اتصاله بما قبله أنه معطوف ~~على محذوف هو علة لختم الآية السالفة، تقديره: لأنهم ساءهم ما أنزل إليه ~~حسدا وجهلا -: { والذين آتيناهم } أي بما لنا من العظمة التي استنقذتهم ~~من الضلال { الكتاب } ولم يكفروا بالرحمن ولا بما أنزل ولا بمن أرسل { ~~يفرحون بما } ولما كان المنزل دالا بإعجازه على المنزل، بنى للمفعول ~~قوله: { أنزل إليك } أي من هذا الكتاب الأعظم لموافقته تلك الكتب لأن ~~كلام الله كله من مشكاة واحدة، ms2387 وتخصيصهم لأنهم هم المنتفعون بالكتاب دون ~~غيرهم، فكأنه ما أنزل إلا إليهم، وهذا العطف يرجح أن يكون الموصول هناك ~~مرفوعا بالابتداء { ومن الأحزاب } من أهل الأوثان والكتاب الذين تحزبوا ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم { من ينكر بعضه } كالتوحيد ونعت ~~الإسلام ونبوة النبي صلى الله عليه وسلم وما يتبع ذلك مما حرفوه وبدلوه، ~~ويريد أن يكون الأمر تابعا فيه لغرضه، فالمشركون يريدون أن يمدح آلهتهم ~~في بعض الآيات أو أن يسقط وصفها بالعيب، واليهود يريدون أن ينزل ما يوافق ~~فروع التوراة كما أنزل ما وافق الأصول، وينكرون النسخ، وأهل الإنجيل ~~يريدون أن ينزل في المسيح ما يهوون ونحو ذلك؛ قال المفسرون: كانوا لا ~~ينكرون الأقاصيص وبعض الأحكام والمعل مما هو ثابت في كتبهم غير محرف، ~~فلكفرهم بذلك البعض أمره أن يعلمهم باعتقاده كفروا أو شكروا فقال: { قل ~~إنما أمرت } أي وقع الأمر الجازم الذي لا شك فيه ولا تغير ممن له الأمر ~~كله { أن أعبد الله } أي الذي لا شيء مثله وحده، ولذلك قال: { ولا أشرك ~~به } لا أفعل إلا ما يأمرني به من غير نظر إلى سواه، ديني مقصور على ما ~~أنكرتموه { إليه } وحده { أدعوا وإليه } خاصة { مآب * } أي إيابي ومكانه ~~وزمانه، معنى بالتوبة عند الفتور عن القيام بحقه، وحسا بالبعث للجزاء؛ ~~والكتاب: الصحيفة التي فيها الخط - وهو الكتابة، وهي تأليف الحروف التي ~~تقرأ في الصحيفة، والفرح: لذة القلب التي تجلي الهم بنيل المشتهى، ~~والحزب: الجماعة التي تقوم بالنائبة. # ولما بينت هذه الآيات من مراتب الإعجاز ما بينت، أتبع تعالى ذكر ما أنزل ~~قوله: { وكذلك } أي ومثل هذا الإنزال، البديع المثال، البعيد المنال؛ ولا ~~يبعد أن يكون عطفا على { كذلك أرسلناك } أو مثل إنزال كتب أهل الكتاب { ~~أنزلناه } بما لنا من العظمة حال كونه { حكما عربيا } أي ممتلئا حكمة ~~تقضي بالحق، فائقا لجميع الكتب بهذا الوصف؛ والحكم: القطع بالمعنى على ~~ما تدعو إليه الحكمة، وهو أيضا فصل الأمر على الحق؛ فالمعنى أنه لا يقدر ~~أحد على نقض شيء ms2388 منه، فإن ذلك في الحقيقة هو الحكم، وما ليس كذلك فليس ~~بحكم، والعربي: الجاري على مذاهب العرب في كلامها، فلا تلتفت إلى ما ~~تدعوهم إليه أهويتهم فيقترحونه من تأييدك بملك أو إتحافك بكنز أو تركك ~~لبعض ما يوحى إليك من سبب آلهتهم وتسفيه أحلامهم وتضليل آبائهم أو غير ~~ذلك من طلباتهم التي لو أتيتهم بها لم يكونوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله - ~~هذا في عباد الأوثان، وكذا في أهل الكتاب فيما يدعون إليه من العود إلى ~~قبلتهم ونحوه { ولئن اتبعت أهواءهم } في شيء من ذلك من النسخ أو غيره في ~~القلبة أو غيرها ولا سيما مما يطلبونه من الآيات المقترحة كما قال تعالى: # ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك وما أنت بتابع ~~قبلتهم وما بعضهم بتابع قبلة بعض ولئن اتبعت أهواءهم # [ البقرة:145]. ولما كان المراد التعميم في الزمان، نزع الجار، وأتى ب ~~" ما " لأنها أعم من " الذي " وأشد إبهاما، فهي الخفي معنى، فناسب سياق ~~الوحي الذي هو غيب، ومعناه غامض - إلا لبعض الأفراد - في الأغبياء بخلاف ~~آية البقرة الأولى فإنها في الملة الإبراهيمية المدركة بنور العقل ~~الناشىء عن نظر المحسوسات فقال: { بعدما جاءك } ولما كان قد أنعم عليه ~~صلى الله عليه وسلم بأشياء غير العلم، بين المراد بقوله: { من العلم } أي ~~بالوحي بأن ذلك الاتباع لا يردهم سواء كان ذلك الاتباع في أصول الشريعة ~~أو فروعها خفية كانت أو جلية. # ولما كان المشروط استغراق جميع زمان البعد باتباع الأهواء، قال: { ما لك ~~} حينئذ { من الله } أي الملك الأعلى وأعرق في النفي فقال: { من ولي } ~~أي ناصر يتولى من نصرك وجميع أمرك ما يتولاه القريب مع قريبه. ولما كان ~~مدلول " ما " أعم من مدلول " الذي " لشمولها الظاهر والخفي، وكان من خالف ~~الخفي أعذر ممن خالف الظاهر، نفى الأخص من النصير فقال: { ولا واق * } أي ~~يقيك بنفسه فيجعلها دون نفسك، وقد يوجد من الأنصار من لا يسمع بذلك، وهذا ~~بعث للأمة وتهييج على الثبات في الدين والتصلب فيه، ms2389 والهوى - مقصورا: ~~ميل الطباع إلى الشيء بالشهوة، والعلم: تبين الشيء على ما هو به. ### || [13.38-40] # ولما حسمت الأطماع عن إجابتهم رجاء الاتباع أو خشية الامتناع، وكان ~~بعضهم قد قال: لو كان نبيا شغلته نبوته عن كثرة التزوج، كان موضع توقع ~~الخبر عما كان للرسل في نحو ذلك، فقال تعالى: { ولقد أرسلنا } أي بما لنا ~~من العظمة { رسلا } ولما كانت أزمان الرسل غير عامة لزمان القبل، أدخل ~~الجار فقال: { من قبلك } أي ولم نجعلهم ملائكة بل جعلناهم بشرا، { و } ~~أثقلنا ظهورهم بما يدعو إلى المداراة والمسالمة بإرضاء الأمم في بعض ~~أهوائهم، أو فصل الأمر عند تحقق المصارمة بإنجاز الوعيد بأن { جعلنا } أي ~~بعظمتنا { لهم أزواجا } أي نساء ينكحونهن؛ والزوج: القرين من الذكر ~~والأثى، وهو هنا الأنثى { وذرية } وهي الجماعة المتفرقة بالولادة عن أب ~~واحد في الجملة، وفعل بهم أممهم ما يفعل بك من الاستهزاء، فما اتبع أحد ~~منهم شيئا من أهواء أمته { و } لم نجعل إليهم الإتيان بما يقترح ~~المتعنتون من الآيات تالفا لهم، بل { ما كان لرسول } أي رسول كان { أن ~~يأتي بآية } مقترحة أو آية ناسخة لحكم من أحكام شريعته أو شريعة من قبله ~~أو غير ذلك { إلا بإذن الله } أي المحيط بكل شيء علما وقدرة، فإن الأمور ~~عنده ليست على غير نظام ولا مفرطا فيها ولا ضائعا شيء منها بل { لكل ~~أجل } أي غاية أمر قدره وحده لأن يكون عنده أمر من الأمور { كتاب * } قد ~~أثبت فيه أن أمر كذا يكون في وقت كذا من الثواب والعقاب والأحكام ~~والإيتان بالآيات وغيرها، إثباتا ونسخا على ما تقتضيه الحكمة، والحكمة ~~اقتضت أن النبوة يكفي في إثباتها معجزة واحدة، وما زاد على ذلك فهو إلى ~~المشيئة؛ ثم علل ذلك بقوله: { يمحوا الله } أي الملك الأعظم { ما يشاء } ~~أي محوه من الشرائع والأحكام وغيرها بالنسخ فيرفعه { ويثبت } ما يشاء ~~إثباته من ذلك بأن يقره ويمضي حكمه كما قال تعالى: # ما ننسخ من آية أو ننساها # [البقرة:106] إلى قوله تعالى: # ألم تعلم أن ms2390 الله على كل شيء قدير # [البقرة:106] كل ذلك بحسب المصالح التابعة لكل زمن، فإنه العالم بكل ~~شيء، وهو الفعال لما يريد لا اعتراض عليه، وقال الشافعي رحمه الله تعالى ~~في الرسالة: يمحو فرض ما يشاء ويثبت فرض ما يشاء. وإثبات واو " يمحوا " ~~في جميع المصاحف مشير - بما ذكر أهل الله من أن الواو معناه العلو ~~والرفعة - إلى أن بعض الممحوات تبقى آثارها عالية، فإنه قد يمحو عمر شخص ~~بعد أن كانت له آثار جميلة، فيبقيها سبحانه وينشرها ويعليها، وقد يمحو ~~شريعة ينسخها ويبقى منها آثارا صالحة تدل على ما أثبت من الشريعة ~~الناسخة لها، وأما حذفها باتفاق المصاحف أيضا في { يمح الله الباطل } في ~~الشورى مع أنه مرفوع أيضا، فللبشارة بإزهاق الباطل إزهاقا هو النهاية - ~~كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وذلك لمشابهة الفعل بالأمر المقتضي لتحتم ~~الإيقاع بغاية الاتقان والدفاع، وقال: { وعنده } مع ذلك { أم } أي أصل { ~~الكتاب * } لمن وهمه مقيد بأن الحفظ بالكتابة، وهو اللوح المحفوظ الذي هو ~~أصل كل كتاب، وقد تقدم غير مرة أنه الكتاب المبين الذي هو بحيث يبين كل ~~ما طلب علمه منه كلما طلب؛ قال ابن عباس رضي الله عنهما: هما كتابان: ~~كتاب سوى أم الكتاب، يمحو منه ما يشاء ويثبت، وأم الكتاب الذي لا يغير ~~منه شيء - انتهى. # والمراد - والله أعلم - أنه يكون في أم الكتاب أنا نفعل كذا - وإن كان ~~في الفرع على غير ذلك، فإنه بالنسبة إلى شريعة دون أخرى، فإذا نقضت ~~الشريعة الأولى فإنا نمحوه في أجل كذا، أو يكون المعنى: يمحو ما يشاء من ~~ذلك الكتاب بأن يعدم مضمونه بعد الإيجاد، ويثبت ما يشاء بأن يوجده من ~~العدم وعنده أم الكتاب؛ قال الرازي في اللوامع: وقد أكثروا القول فيها، ~~وعلى الجملة فكل ما يتعلق به المشيئة من الكائنات فهو بين محو وإثبات، ~~محو بالنسبة إلى الصورة التي ارتفعت، إثبات بالنسبة إلى الصورة الثانية، ~~والقضاء الأزلي، والمشيئة الربانية مصدر هذا المحو والإثبات، فلذلك هو ~~القضاء وهذا هو القدر، فالقضاء ms2391 مصدر القدر، والقدر مظهر القضاء، والله ~~تعالى وصفاته منزه عن التغير. # ولما تم ما أراد مما يتعلق بتألفهم، وختم بأنه سبحانه يفعل ما يشاء من ~~تقديم وتأخير ومحو وإثبات، وكان من مقترحاتهم وطلباتهم استهزاء استعجال ~~السيئة مما توعدوا به، وكانت النفس ربما تمنت وقوع ذلك للبعض وإثباته ~~ليؤمن غيره تقريبا لفصل النزاع، قال سبحانه وتعالى: { وإن ما نرينك } ~~أكده لتأكيد الإعلام بأنه لا حرج عليه في ضلالة من ضل بعد إبلاغه، نفيا ~~لما يحمله عليه صلى الله عليه وسلم شدة رحمته لهم وشفقته عليهم من ظن أنه ~~عليه أن يردهم إلى الحق حتما { بعض الذي نعدهم } وأنت حي مما تريد أو ~~يريد أصحابك، فصل الأمر به فثبت وقوعه إقرارا لأعينكم قبل وفاتك؛ ~~والوعد: الخبر عن خير مضمون، والوعيد: الخبر عن شر مضمون، والمعنى هاهنا ~~عليه، وسماه وعدا لتنزيلهم إياه في طلب نزوله منزلة الوعد { أو نتوفينك ~~} قبل أن نريك ذلك، وهو ممحو الأثر لم يتحقق، فالذي عليك والذي إلينا ~~مستو بالنسبة إلى كلتا الحالتين { فإنما عليك البلاغ } وهو إمرار الشيء ~~إلى منتهاه، وهو هنا الرسالة؛ وليس عليك أن تحاربهم ولا أن تأتيهم ~~بالمقترحات { وعلينا الحساب * } وهو جزاء كل عامل بما عمل في الدنيا ~~والآخرة، ولنا القوة التامة عليه؛ والآية من الاحتباك - كما مضى بيان ذلك ~~في مثلها من سورة يونس عليه السلام. ### || [13.41-43] # ولما أرشد السياق إلى أن التقدير في تحقيق أنه سبحانه قادر على الجزاء ~~لمن أراد: ألم يروا أنا أهلكنا من قبلهم وكانوا أقوى منهم شوكة وأكثر ~~عدة؟ عطف عليه قوله: { أولم يروا أنا } أي بما لنا من العظمة { نأتي ~~الأرض } التي هؤلاء الكفرة بها، فكأنه قيل: أي إتيان؟ فقيل: إتيان البأس ~~إذا أردنا، والرحمة إذا أردنا { ننقصها } والنقص: أخذ شيء من الجملة تكون ~~به أقل { من أطرافها } بما يفتح الله على المسلمين مما يزيد به في أرض ~~أهل الإسلام بقتل بعض الكفار واستسلام البعض حتى يبيد أهلها على حسب ما ~~نعلمه حكمة من تدبير الأمور وتقليبها حالا ms2392 إلى حال حتى تنتهي إلى ~~مستقرها بعد الحساب في دار ثواب أو عقاب، وذلك أن المسلمين كانوا يغزون ~~ما يلي المدينة الشريفة من أطراف بلاد الكفار كما أرشد تعالى إليه بقوله: ~~{ قاتلوا الذين يلونكم من الكفار } فيفتحونها أولا فأولا حتى دان العرب ~~كلهم طوعا أو كرها بعد قتل السادة وذل القادة - ولله غالب على أمره؛ ~~والطرف: المنتهى، وهو موضع من الشيء ليس وراءه منه شيء، وأطراف الأرض: ~~جوانبها، وكان يقال: الأطراف: منازل الأشراف، يطلبون القرب على الأضياف؛ ~~ثم أثبت لنفسه تعالى أمرا كليا يندرج ذلك فيه، فقال لافتا الكلام من ~~أسلوب التكلم بالعظمة إلى غيبة هي أعظم العظمة بالاسم الأعظم: { والله } ~~أي الملك الأعلى { يحكم } ما يريد لأنه { لا معقب } أي أراد، لأن ~~التعقيب: رد الشيء بعد فصله { لحكمه } وقد حكم للإسلام بالغلب والإقبال، ~~وعلى الكفر بالانتكاس والإدبار، وكل من حكم على غير هذه الصفة فليس ~~بحاكم، وذلك كاف في الخوف من سطوات قدرته { وهو } مع تمام القدرة { سريع ~~الحساب * } جزاءه محيط بكل عمل لا يتصور أن يفوته شيء فلا بد من لقاء ~~جزائه، وكل ما هو آت سريع، وهو مع ذلك يعد لكل عمل جزاءه على ما تقتضيه ~~الحكمة من عدل أو فضل حين صدوره، لا يحتاج إلى زمان ينظر فيه ما جزاءه؟ ~~ولا: هل عمل أو لا؟ لأنه لا تخفى عليه خافية؛ والسرعة: عمل في قلة المدة ~~على ما تحده الحكمة، والإبطاء: عمله في طول مدة خارجة عن الحكمة، والسرعة ~~محمودة، والعجلة مذمومة، وهو تعالى قادر على الكفرة وإن كانوا كالقاطعين ~~بأنهم يغلبون، لما لهم من القوة والكثرة، مع جودة الآراء وحدة الأفكار ~~والقدرة بالأموال وإن اشتد مكرهم، فهو لا يغني عنهم شيئا، فقد مكروا بك ~~غير مرة ثم لم أزدك إلا علوا { وقد مكر الذين } ولما كان المراد بالمكرة ~~إنما هو بعض الناس في بعض الزمان قال: { من قبلهم } أي بالرسل وأتباعهم، ~~فكان مكرهم وبالا عليهم، فطوى في هذه الجملة مكرهم الذي اجتمعوا عليه ~~غير مرة وأتقنوه ms2393 بزعمهم، فكان سبب الرفعة للإسلام وأهله وذل الشرك وأهله، ~~ودل على ذلك المطوي بواو العطف في قوله { وقد } وطوى في الكلام السابق ~~إهلاك الأمم الماضية في الاستدلال على قدرته على الجزاء الذي هو روح ~~الحساب ودل عليه بواو العطف في { أولم يروا } فتأمل هذا الإبراز في قوالب ~~الإعجاز. # ولما كان ذلك كذلك، تسبب عنه أن يقال: { فلله } أي الملك الأعظم المحيط ~~علمه وقدرته خاصة { المكر جميعا } والمكر: الفتل عن البغية بطريق ~~الحيلة، ويلزمه الستر - كما مضى بيانه، ولا شيء أستر عن العباد من أفعاله ~~تعالى: فلا طريق لهم إلى علمها إلا من جهته سبحانه، وسمي فعله مكرا ~~مجازا لأنه ناشىء عن مكرهم جزاء لهم؛ ثم علل ذلك بقوله: { يعلم } ويجوز ~~أن يكون تفسيرا لما قبله، لأن علم المكر من الماكر مكن حيث لا يشعر أدق ~~المكر { ما تكسب كل نفس } أي من مكر وغيره، فيجازيهم إذا أراد بأن ينتج ~~عن كل سبب أقاموه مسببا يكون ضد ما أرادوا، ولا تمكنهم إرادة شيء إلا ~~بإرادته، فستنظرون ماذا يحل بهم من بأسه بواسطتكم أو بغيرها حتى تظفروا ~~بهم فتبيدوهم أجمعين { وسيعلم الكافر } أي كل كافر بوعد لا خلف فيه، إن ~~كان من الجهل بحيث لا يعلم الأشياء إلا بالتصريح أو الحس { لمن عقبى ~~الدار * } حين نأتيهم ضد مرادهم؛ والكسب: الفعل لاجتلاب النفع أو دفع ~~الضر. # ولما تقدم قوله تعالى: { ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية } عطف ~~عليه - بعد شرح ما استتبعه - قوله: { ويقول الذين كفروا } أي أوجدوا ~~الكفر ولو على أدنى الرتب، قولا على سبيل التكرار: { لست مرسلا } لكونك ~~لا تأتي بمقترحاتهم مع أنه لم يقل يوما: إنه قادر عليها، فكأنه قيل: فما ~~أقول لهم؟ فقال: { قل كفى } والكفاية: وجود الشيء على مقدار الحاجة؛ ~~ومعنى الباء في { بالله } أي الذي له الإحاطة الكاملة - التأكيد، لأن ~~الفعل جاز أن يضاف إلى غير فاعله إذا أمر به أزيل هذا الاحتمال من وجهين: ~~جهة الفاعل وجهة صرف الإضافة { شهيدا } أي بليغ العلم في شهادته ms2394 بلاطلاع ~~على ما ظهر وما بطن { بيني وبينكم } يشهد بتأييد رسالتي وتصحيح مقالتي ~~بما أظهر لي من الآية وأوضح من الدلالة بهذا الكتاب، ويشهد بتكذيبكم ~~بادعائكم القدرة على المعارضة وترككم لها عجزا، وهذا على مراتب الشهادة، ~~لأن الشهادة قول يفيد غلبة الظن بأن الأمر كما شهد به، والمعجزة فعل ~~مخصوص يوجب القطع بأن ما جاءت لأجله كما هو { ومن عنده علم الكتاب } مما ~~أنزله فيه من الأصول والفروع والخبر عما كان يكون على نحو من الأساليب ~~ونمط من المناهيج أخرس الفصحاء، وأبكم البلغاء، وأبهت الحكماء، وهو الله ~~تعالى، تأييدا وتحقيقا لدعواي، ويؤيد أن المراد به " الله " قراءة { من ~~} على أنها جارة، وفي سوقه هكذا على طريق الإبهام من ترويع النفس بهزها ~~إلى تطلب المتصف بهذا الوصف ما ليس في التعيين، فهو إذن كدعوى الشيء ~~مقرونا بدليله، فقد انطبق هذا الآخر على أول السورة في أن المنزل حق من ~~عنده وأنهم لا يؤمنون - والله الموفق. ### | [14 - سورة ابراهيم] ### || [14.1-2] # { كتاب } أي عظيم في درجات من العظمة. لا تحتمل عقولكم الإخبار عنها ~~بغير هذا الوصف، ودل تعليل وصفه بالمبين بأنه عربي على أن التقدير: { ~~أنزلناه } أي بما لنا من العظمة { إليك } بلسان قومك لتبين لهم. # ولما استجمع التعريف بالأوصاف الموجبة للفلاح المذكورة أول السورة ~~المستدل عليها بكل برهان منير وسلطان مبين، فصار بحيث لا يتوقف عن اجتناء ~~ثمرته من وقف على حقائق تلك النعوت، شوق إلى تلك الثمرة بعد تفصيل ما في ~~أول البقرة في التي قبلها كما مضى بما يحث عليه ويقبل بقلب كل عاقل إليه ~~فقال: { لتخرج الناس } أي عامة قومك وغيرهم بدعائك إياهم به وإن كانوا ~~ذوي اضطراب { من الظلمات } التي هي أنواع كثيرة من الضلالات التي أدت ~~إليها الجهالات { إلى النور } الذي هو واحد، وهو سبيل الله المدعو ~~بالهداية إليه في الفاتحة، أو لتبين للعرب قومك لأنه بلسانهم بيانا ~~شافيا، فتجعلهم - بما تقيم عليهم من الحجج الساطعة، وتوضح لهم من ~~البراهين القاطعة، وتنصب لهم من الأعلام الظاهرة، وتحكم ms2395 لهم من الأدلة ~~الباهرة - في مثل ضوء النهار بما فتح من مقفل أبصارهم، وكشف عن أغطية ~~قوبهم، فيكونوا متمكنين من أن يخرجوا من ظلمات الكفر التي هي طرق الشيطان ~~إلى نور الإيمان الذي هو سبيله # ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله # [الأنعام:153] وشبه الإيمان وما أرشد إليه بالنور، لأنه عصمة العقل من ~~الخطأ في الطريق إلى الله كما أن النور عصمة البصر من الضلال عن الطريق ~~الحسي، وإذا خرجوا إلى النور كانوا جديرين بأن يخرجوا جميع الناس { بإذن ~~ربهم } أي المحسن إليهم؛ والإذن: الإطلاق في الفعل بقول يسمع بالأذن، هذا ~~أصله - قاله الرماني. # ولما كان النور مجملا، بينه على سبيل الاستئناف أو البدل بتكرير العامل ~~فقال: { إلى صراط العزيز } الذي تعالى عن صفات النقص فعز عن أن يدخل أحد ~~صراطه الذي هو ربه، أو يتعرض أحد إلى سالكه بغير إذنه { الحميد } المحيط ~~بجميع الكمال، فهو المستحق لجميع المحامد لذاته وبما يفيض على عباده من ~~النعم التي يربيهم ويتحمد إليهم بها على كل حال، فكيف إذا سلكوا سبيله ~~الواضح الواسع السهل!. # ولما أضاف طريق النجاة إلى وصفين يجوز إطلاق كل منهما على الخلق، بينهما ~~باسمه الشريف العلم على الاستئناف في قراءة نافع وابن عامر بالرفع. وعلى ~~أنه عطف بيان في قراءة الباقين بالجر لأنه جرى مجرى الأسماء الأعلام ~~لاختصاصه بالمعبود بحق ووصفه بما اقتضى توحيده، فقال: { الله } أي المحيط ~~علما وقدرة { الذي له ما في السماوات } أي الأجسام العالية من الأراضي ~~وغيرها. ولما كان في سياق الدلالة على الخالق وإثبات توحيده، أكد بإعادة ~~الموصول مع صلته فقال: { وما في الأرض } أي فويل لمن أشرك به شيئا منهما ~~أو فيهما، فإنه لا أبين من أن ما كان مملوكا لا يصلح لأن يكون شريكا. ~~ويجوز أن يكون التقدير: فوأل ونجاة وسلامة لمن اهتدى به فخرج من ظلمات ~~الكفر { وويل } مصدر بمعنى الهلاك، ينصب نصب المصادر ثم يرفع رفعها ~~لإفادة أن معنى الهلاك - وهو ضد الوأل الذي هو النجاة - ثابت { للكافرين ~~} الذين ستروا ms2396 أدلة عقولهم { من عذاب شديد } تتضاعف آلامه وقوته؛ والشدة: ~~تجمع يصعب معه التفكيك. ### || [14.3-4] # ولما أشار إلى ما للكافرين، وصفهم بما عاقهم عن قبول الخير وتركهم في ~~أودية الشر فقال: { الذين يستحبون } أي يطلبون أن يحبوا أو يوجدون المحبة ~~بغاية الرغبة متابعة للهوى { الحياة الدنيا } وهي النشأة الأولى التي هي ~~دار الارتحال، مؤثرين لها { على الآخرة } أي النشأة الأخرى التي هي دار ~~المقام، وذلك بأن يتابعوا أنفسهم على حبها حتى يكونوا كأنهم طالبون لذلك، ~~وهذا دليل على أن المحبة قد تكون بالإرادة؛ والمحبة: ميل الطباع إلى ~~الشيء بالشهوة، فهم يمتنعون خوفا على دنياهم التي منها رئاستهم عن سلوك ~~الصراط { و } يضمون إلى ذلك أنهم { يصدون } أي يعرضون بأنفسهم ويمنعون ~~غيرهم { عن سبيل الله } أي طريق الملك الأعظم؛ والسبيل: المذهب المهيأ ~~للسلوك { و } يزيدون على ذلك أنهم { يبغونها } أي يطلبون لها، حذف الجار ~~وأوصل الفعل تأكيدا له { عوجا } والعوج: ميل عن الاستقامة، وهو بكسر ~~العين في الدين والأمر والأرض، وبالفتح في كل ما كان قائما كالحائط ~~والرمح ونحوهما { أولئك } أي البعداء البغضاء { في ضلال بعيد * } أي عن ~~الحق، إسناد مجازي، لأن البعيد أهل الضلال بميلهم عن الباقي إلى الفاني ~~وبطلبهم العوج فيما قومه الله المحيط بكل شيء قدرة وعلما. # ولما قدم ما أفهم أنه أرسله صلى الله عليه وسلم بلسان قومه إلى الناس ~~كافة لأن اللسان العربي أسهل الألسنة وأجمعها وأفصحها وأبينها، فكان في ~~غاية العدالة، وختم بأن السبيل إليه في غاية الاستقامة والاعتدال، دل ~~على شرف هذا اللسان لصلاحيته لجميع الأمم وخفته عليهم بخصوص لسان كل من ~~الرسل بقومه، فلذلك أتبعه قوله: { وما أرسلنا } أي بما لنا في العظمة، ~~وأعرق في النفي فقال: { من رسول } أي في زمن من الأزمان { إلا بلسان } أي ~~لغة { قومه } أي الذين فيهم قوة المحاولة لما يريدون { ليبين } أي بيانا ~~شافيا { لهم } كما تقدم أنا أرسلناك بكتاب عربي بلسان قومك لتبين لهم ~~ولجميع الخلق، فإن لسانك أسهل الألسنة وأعذبها، فهو معطوف على { أنزلناه ~~} بالتقدير الذي ms2397 تقدم، فإذا تقرر ذلك علم أنه لا مانع حينئذ لأمة من ~~الأمم عن الاستقامة على هذا الصراط إلا إذن الله ومشيئته { فيضل } أي ~~فتسبب عن ذلك أنه يضل { الله } أي الذي له الأمر كله { من يشاء } إضلاله، ~~وقدم سبحانه هذا اهتماما بالدلالة على أنه سبحانه خالق الشر كما أنه ~~خالق الخير مع أن السياق لذم الكافرين الذين هم رؤوس أهل الضلال { ويهدي ~~من يشاء } هدايته فإنه سبحانه هو المضل الهادي، وأما الرسل فمبينون ~~ملزمون للحجة تمييزا للضال من المهتدي { وهو } أي وحده { العزيز } الذي ~~لا يرام ما عنده إلا به، ولا يمتنع عليه شيء أراده { الحكيم * } الذي لا ~~ينقض ما دبره، فلذلك دبر بحكمته إرساله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى ~~الخلق كافة باللسان العربي، لأن المقصود جمع الخلق على الحق، فجمعهم على ~~لسان واحد أنسب ما يكون لذلك، ولو أنزل بألسنة كلها لكان منافيا لهذا ~~المقصود، وإن كان مع الإعجاز بكل لسان كان قريبا من الإلجاء فيفوت ~~الإيمان بالغيب، ويؤدي أيضا إلى ادعاء أهل كل لسان أن التعبير عنه ~~بلسانهم أعظم، فيؤدي ذلك إلى المفاخرة والعصبية المؤدي إلى أشد الفرقة، ~~وأنسب الألسنة لسان قوم الرسول لأنهم، أقرب إليه، فيكون فهمهم لأسرار ~~شريعته ووقوفهم على حقائقها أسهل، ويكونون عن الغلط والخطأ أبعد، فإذا ~~فهموا عنه دعوا من يليهم بالتراجمة وهلم جرا، فانتشر الأمر وعم وسهل، ~~وكان مع ذلك أبعد من التحريف وأسلم من التنازع. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما كانت سورة الرعد على ما تمهد بأن ~~كانت تلك الآيات والبراهين التي سلفت فيها لا يبقى معها شك لمن اعتبر بها ~~لتعظيم شأنها وإيضاح أمرها، قال تعالى: # كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور # [إبراهيم:1] أي إذا هم تذكروا به واستبصروا ببراهينه وتدبروا آياته # ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض # [الرعد: 31]. ولما كان هذا الهدى والضلال كل ذلك موقوف على مشيئته ~~سبحانه وسابق إرادته وقد قال لنبيه عليه السلام { إنما أنت منذر ms2398 ولكل قوم ~~هاد } قال تعالى هنا { بإذن ربهم } ، إنما عليك البلاغ. ولما قال تعالى: # وكأين من آية من السماوات والأرض # [يوسف:105] تم بسطها في سورة الرعد، أعلم هنا أن ذلك كله له وملكه فقال: # الذي له ما في السماوات وما في الأرض # [إبراهيم: 2] فالسماوات والأرض بجملتهما وما فيهما من عظيم ما أوضح لكم ~~الاعتبار به، كل ذلك له ملكا وخلقا واختراعا، # وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها # [آل عمران:83] # وويل للكافرين من عذاب شديد # [إبراهيم:2] لعنادهم مع وضوح الأمر وبيانه # ويصدون عن سبيل الله # [التوبه:34] مع وضوح السبيل وانتهاج ذلك الدليل، ثم قال تعالى: { وما ~~أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه } [إبراهيم:4] وكأن هذا من تمام قوله ~~سبحانه # ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية # [الرعد:38] وذلك أن الكفار لما حملهم الحسد والعناد وبعد الفهم بما جبل ~~على قلوبهم وطبع عليها على أن أنكروا كون الرسل من البشر حتى قالوا: # أبشر يهدوننا # [التغابن:6]، # ما أنتم إلا بشر مثلنا # [يس:15] وحتى قالت قريش: # لولا أنزل عليه ملك # [الأنعام: 8]، { ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق } # وقالوا لولا أنزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم # [الزخرف:31] فما كثر هذا منهم وتبع خلفهم في هذا سلفهم، رد تعالى ~~أزعامهم وأبطل توهمهم في آيات وردت على التدريج في هذا الغرض شيئا ~~فشيئا، فأول الوارد من ذلك في معرض الرد عليهم وعلى ترتيب سور الكتاب ~~قوله تعالى: # أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم # [يونس:2]، الآية ثم أتبع ذلك بانفراده تعالى بالخلق والاختراع والتدبير ~~والربوبية، وفي طي ذلك أنه يفعل ما يشاء لأن الكل خلقه وملكه، وأنه ~~العليم بوجه الحكمة في إرسال الرسل وكونهم من البشر، فأرغم الله تعالى ~~بمضمون هذة الآي كل جاحد معاند؛ ثم ذكر تعالى في سورة هود قول قوم نوح # ما نراك إلا بشرا مثلنا # [ هود:27]، الآية وجوابه عليه السلام # أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده فعميت عليكم ~~أنلزمكموها ms2399 وأنتم لها كارهون # [هود:63] أي أني وإن كنت في البشرية مثلكم فقد خصني الله بفضله وآتاني ~~رحمة من عنده وبرهانا على ما جئتكم به عنه، وفي هذه القصة أعظم عظة، ثم ~~جرى هذا لصالح وشعيب عليهما السلام، وديدن الأمم أبدا مع أنبيائهم ~~ارتكاب هذه المقالات، وفيها من الحيد والعجز عن مقاومتهم ما لا يخفى وما ~~هو شاهد على تعنتهم، ثم زاد سبحانه تعالى نبيه صلى الله عليه وعلى آله ~~وسلم تعريفا بأحوال من تقدمه من الأنبياء عليهم السلام ليسمع ذلك من جرى ~~له مثل ما جرى لهم فقال مثل مقالتهم، فقال تعالى: # ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية # [الرعد:38] وأعلم سبحانه أن هذا لا يحط شيئا من مناصبهم، بل هو واقع في ~~قيام الحجة على العباد. ثم تلا ذلك بقوله: { وما أرسلنا من رسول إلا ~~بلسان قومه } [إبراهيم: 4] أي ليكون أبلغ في الحجة وأقطع للعذر، فربما ~~كانوا يقولون عند اختلاف الألسنة: لا نفهم عنهم، إذ قالوا ذلك مع اتفاق ~~اللغات، فقد قال قوم شعيب عليه السلام # وما نفقة كثيرا مما تقول # [هود:91] هذا وهو عليه السلام يخاطبهم بلسانهم فكيف لو كان على خلاف ذلك ~~بل لو خالفت الرسل عليهم السلام الأمم في التبتل وعدم اتخاذ الزوجات ~~والأولاد واستعمال الأغذية وغيرها من مألوفات البشر لكان منفرا، فقد بان ~~وجه الحكمة في كونهم من البشر ولو كانوا من الملائكة لوقع النفار والشرود ~~لافتراق الجنسية، وإليه الإشارة بقوله تعالى: # ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون # [الأنعام:9] أي ليكون أقرب إليهم لئلا يقع تنافر فكونهم من البشر أقرب ~~وأقوم للحجة. ولما كانت رسالة محمد صلى الله عليه وسلم عامة، كان عليه ~~الصلاة والسلام يخاطب كل طائفة من طوائف العرب بلسانها ويكلمها بما تفهم، ~~وتأمل كم بين كتابه صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأنس رضي الله عنه في ~~الصدقة وكتابه إلى وائل بن حجر مع اتحاد الغرض، وللكتابين نظائر يوقف ~~عليها في مظانها، وكل ذلك لتقوم الحجة على ms2400 الجميع، واستمر باقي سورة ~~إبراهيم عليه السلام على التعريف بحال مكذبي الرسل ووعيد من خالفهم وبيان ~~بعض أهوال الآخرة وعذابها - انتهى. ### || [14.5-6] # ولما ذكر سبحانه الرسل بما ذكره، توقع السامع تفصيل شيء من أخبارهم، ~~فابتدأ بذكر من كتابه أجل كتاب بعد القرآن هدى للناس دليلا على أنه يفعل ~~ما يشاء من الإضلال والهداية، وتسلية للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ~~وتثبيتا وتصبيرا على أذى قومه، وإرشادا إلى ما فيه الصلاح في ~~مكالمتهم، فقال مصدرا بحرف التوقع: { ولقد أرسلنا } أي بعظمتنا { موسى ~~بآياتنا } أي البينات؛ ثم فسر الإرسال بقوله: { إن أخرج قومك } أي الذين ~~فيهم قوة على مغالبة الأمور { من الظلمات } أي أنواع الجهل { إلى النور * ~~} بتلك الآيات { وذكرهم } أي تذكيرا عظيما { بأيام الله } أي الذي له ~~الجلال والإكرام من وقائعه في الأمم السالفة وغير ذلك من المنح لأوليائه ~~والمحن لأعدائه كما أرسلناك لذلك { إن في ذلك } أي التذكير العظيم { ~~لآيات } على وحدانية الله وعظمته { لكل صبار } أي بليغ الصبر بلاء الله، ~~قال في العوارف: وقال أبو الحسن بن سالم: هم ثلاثة: متصبر، وصابر، وصبار، ~~فالمتصبر من صبر في الله، فمرة يصبر ومرة يجزع، والصابر من يصبر في الله ~~ولله ولا يجزع ولكن يتوقع منه الشكوى، وقد يمكن منه الجزع، فأما الصبار ~~فذلك الذي صبره الله في الله ولله وبالله، فهذا لو وقع عليه جميع ~~البلايا لا يجزع ولا يتغير من جهة الوجوب والحقيقة، لا من جهة الرسم ~~والخليقة، وإشارته في هذا ظهور حكم العلم فيه مع ظهور صفة الطبيعة. { ~~شكور * } أي عظيم الشكر لنعمائه، فإن أيامه عند أوليائه لا تخلو من نعمة ~~أو نقمة، وفي صيغة المبالغة أشارة إلى أن عادته تعالى جرت بأنه إنما ينصر ~~أولياءه بعد طول الامتحان بعظيم البلاء ليتبين الصادق من الكاذب # حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله # [ البقرة:214] # حتى إذا استيئس الرسل # [يوسف:110]، # الم أحسب الناس أن يتركوا # [العنكبوت:2] وذلك أنه لا شيء أشق على النفوس من مفارقة المألوف لا سيما ms2401 ~~إن كان دينا ولا سيما إن كان قد درج عليه الأسلاف، فلا يقوم بالدعاء إلى ~~الدين إلا من بلغ الذروة في الصبر. # ولما ذكر ما أمر به موسى عليه السلام، وكان قد تقدم أمره في الشريف إليه ~~صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالاقتداء بالأنبياء الذين هو من رؤوسهم ~~وأولي عزمهم، كان كأنه قيل: فبين أنت للناس ما نزل إليهم وذكرهم بأيام ~~الله اقتداء بأخيك موسى عليه السلام { و } اذكر لهم خبره فإن أيامه من ~~أعظم أيام الله: أشدها محنة وأجلها منحة { إذ قال موسى } امتثالا لما ~~أمرناه به { لقومه } مذكرا لهم بأيام الله معهم ثم أيامه مع غيرهم. # ولما كان المراد بالتذكير بالأيام زيادة الترغيب والترهيب، أشار إلى أن ~~مقام الترهيب هنا أهم للحث على تركهم الضلال بترك عادته في الترفق بمثل ~~ما في البقرة والمائدة من الاستعطاف بعاطفة الرحم بقوله: { ياقوم } ~~فأسقطها هنا إشارة إلى أن المقام يقتضي الإبلاغ في الإيجاز في التذكير ~~للخوف من معاجلتهم بالعذاب فقال: { اذكروا نعمة الله } أي ذي الجلال ~~والإكرام، وعبر بالنعمة عن الإنعام حثا على الاستدلال بالأثر على المؤثر ~~{ عليكم } ثم أبدل من " نعمة " قوله: { إذ } وهو ظرف النعمة. # ولما كانوا قد طال صبرهم جدا بما طال من بلائهم من فرعون على وجه لا ~~يمكن في العادة خلاصهم منه، وإن أمكن على بعد لم يكن إلا في أزمنة طوال ~~جدا بتعب شديد، أشار إلى أسراعه بخلاصهم بالنسبة إليه لو جرى على مقتضى ~~العادة جزاء لهم على طول صبرهم، فعبر بالإفعال دون التفعيل الذي اقتضاه ~~سياق البقرة فقال: { أنجاكم من } بلاء { آل فرعون } أي فرعون نفسه ~~وأتباعه وأوليائه؛ قال في القاموس: ولا يستعمل إلا لما فيه شرف غالبا، ~~فكأنهم قالوا: من أي بلائهم؟ فقال: { يسومونكم } أي يكلفونكم ويولونكم ~~على سبيل الاستهانة والقهر { سوء العذاب } بالاستعباد. # ولما كان السياق للصبر البليغ، اقتضى ذلك العطف في قوله: { ويذبحون } أي ~~تذبيحا كثيرا مميتا - بما أفاده تعبير الأعراف بالقتل، ومعرفا بإعادة ~~التعبير بالذبح أن الموت بالسكين { أبناءكم ms2402 ويستحيون } أي يطلبوا أن ~~يحيوا { نساءكم } لإفادة أن ذلك بلاء آخر { و } الحال أن { في ذلكم } أي ~~الأمر الشديد المشقة من العذاب المتقدم أو الإنجاء أو هما { بلاء من ربكم ~~} أي المربي لكم المدبر لأموركم { عظيم * }. ### || [14.7-9] # ولما ذكرهم بنعمة الأمن رغبهم فيما يزيدها، ورهبهم مما يزيلها فقال: { ~~وإذ } أي واذكروا إذ { تأذن ربكم } أي أعلم المحسن إليكم إعلاما بليغا ~~ينتفي عنه الشكوك قائلا: { لئن شكرتم } وأكده لما للأنفس من التكذيب ~~بمثل ذلك لأعتقادها أن الزيادة بالسعي في الرزق والنقص بالتهاون فيه { ~~لأزيدنكم } من نعمي، فإن الشكر قيد الموجود وصيد المفقود " إن عطائي ~~لعتيد فأرجوه " { ولئن كفرتم } النعمة فلم تقيدوها بالشكر لأنقصنكم ~~ولأعذبنكم { إن عذابي } بإزالتها وغيرها { لشديد * } فخافوه، فالآية - ~~كما ترى - من الاحتباك. # ولما كان من حث على شيء وأثاب عليه أو نهى عنه وعاقب على فعله يكون لغرض ~~له، بين أن الله سبحانه متعال عن أن يلحقه ضر أو نفع، وأن ضر ذلك ونفعه ~~خاص بالعبد فقال تعالى حاكيا عنه: { وقال موسى } مرهبا لهم معلما أن ~~وبال الكفران خاص بصاحبه { إن تكفروا } والكفر: تضييع حق النعمة بجحدها ~~أو ما يقوم في العظم مقامه { أنتم ومن في الأرض } وأكد بقوله: { جميعا } ~~فضرره لاحق بكم خاصة غير عائد على الله شيء منه { فإن الله } أي الملك ~~الأعظم { لغني } أي في ذاته وصفاته عن كل أحد، والغنى هنا المختص بما ~~ينفي لحاق الضرر أو النقص، والمختص بأنه قادر لا يعجزه شيء، عالم لا يخفى ~~عليه شيء، وذلك بنفسه لا بشيء سواه، ومن لم يكن كذلك لم يكن غنيا { حميد ~~* } أي بليغ الاستحقاق للحمد بما له من عظيم النعم وبما له من صفات ~~الكمال، وكل مخلوق يحمده بذاته وأفعاله وجميع أقواله كائنة ما كانت، لأن ~~إيجاده لها ناطق بحمده سبحانه. # ذكر التأذن بذلك المذكر به من التوراة: # قال في السفر الخامس: واختاركم الله ربكم أن تكونوا له شعبا حبيبا من ~~جميع الشعوب التي على وجه الأرض، وليس لأنكم أكثر من جميع الشعوب ms2403 أحبكم ~~الرب واختاركم، ولكن ليثبت الأيمان التي أقسم لآبائكم، لذلك أخرجكم الرب ~~بيد منيعة، وأنقذكم من العبودية، وخلصكم من يدي فرعون ملك مصر، لتعلموا ~~أن الله ربكم هو إله الحق، إله مهيمن يحفظ النعمة والعهد لأوليائه الذين ~~يحفظون وصيته لألف حقب، ويكافىء شنأته في حياتهم ويجزيهم بالهلاك والتلف، ~~احفظوا السنن والأحكام والوصايا التي آمركم بها اليوم فافعلوها يحفظ الله ~~الرب العهد والنعمة التي أقسم لآبائكم، ويحبكم ويبارك عليكم ويكثركم، ~~ويبارك في أولادكم وفي ثمرة أرضكم وفي بركم وخبزكم وزيتكم، وفي أقطاع ~~بقركم وجفرات غنمكم، وتكونوا مباركين من جميع الشعوب، ولا يكون فيكم عاقر ~~ولا عقيم ولا في بهائمكم، ويصرف الله عنكم كل وجع، وجميع الضربات التي ~~أنزل الله بأهل مصر - كما تعلمون - لا ينزلها بكم بل ينزلها بجميع ~~شنأتكم، وتأكلون جميع خيرات الشعوب التي يعطيكم الله ربكم، ولا تشفق ~~أعينكم عليهم، ولا تعبدوا آلهتهم لأنهم فخاخ لكم، وإن قلتم في قلوبكم: إن ~~هذه الشعوب أكثر منا فكيف نقدر أن نهلكها! فلا تفرقوا منها ولكن اذكروا ~~جميع ما صنع الله ربكم بفرعون ملك مصر وكل أصحابه، والبلايا العظيمة التي ~~رأيتم بأعينكم، والآيات والأعاجيب واليد المنيعة والذراع العظيمة، وكيف ~~أخرجكم الله ربكم! كذلك يفعل الله ربكم بجميع الشعوب التي تخافونها. # ويسلط الله ربكم عليهم عاهات حتى يهلكهم، والذين يبقون ويختفون منكم لا ~~تخافوهم لأن الله ربكم بينكم. الإله العظيم المرهوب، فيهلك الله ربكم هذه ~~الشعوب من بين أيديكم رويدا رويدا، لأنكم لا تقوون أن تهلكوهم سريعا ~~لئلا يكثر السباع، ولكن يدفعهم الله ربكم إليكم وتضربونهم ضربة شديدة حتى ~~تهلكوهم، ويدفع ملوكهم في أيديكم وتهلكون أسماءهم من تحت السماء، لا يقدر ~~أحد أن يقوم بين أيديكم حتى تهلكوهم وتحرقوا آلهتهم المنحوتة بالنار، ولا ~~تشتهوا الفضة والذهب الذي عليها وتأخذوه منها لئلا تتنجسوا بها، لأنها ~~مرذولة عند الله ربكم، فلا تدخلوا نجاسة إلى بيوتكم لئلا تكونوا منفيين ~~مثلها، ولكن أرذلوها ونجسوها وصيروها نفاية بخسة لأنها حرام. ثم قال: ~~انظروا! إني أتلو عليكم دعاء ولعنا، ms2404 أما الدعاء فتصيرون إليه إن أنتم ~~حفظتم وصايا الله ربكم، وأما اللعن فيدرككم إن أنتم لم تسمعوا وصايا الله ~~ربكم، وزغتم عن الطريق الذي أمركم به اليوم - وقد مضى كثير من أمثال هذا ~~عن التوراة، ولا ريب في أن هذا الترغيب والترهيب والتذكير للتحذير كما ~~أنه كان لبني إسرائيل، فهو لكل من سمعه من المكلفين. # ولما حذرهم انتقام الله إن كفروا، ذكرهم أيامه في الأمم الماضية، وعين ~~منهم الثلاثة الأولى لأنهم كانوا أشدهم أبدانا، وأكثرهم أعوانا، ~~وأقواهم آثارا، وأطولهم أعمارا، لأن البطش إذا برز إلى الوجود كان ~~أهول، لأن النفس للمحسوس أقبل، فقال دالا على ما أرشدهم إليه من غناه ~~سبحانه وحمده مخوفا لهم من سطوات الله سبحانه: { ألم يأتكم } أي يا بني ~~إسرائيل { نبأ الذين } ولما كان المراد قوما مخصوصين لم يستغرقوا الزمان ~~قال: { من قبلكم } ثم أبدل منهم فقال: { قوم } أي نبأ قوم { نوح } وكانوا ~~ملء الأرض { و } نبأ { عاد } وكانوا أشد الناس أبدانا وأثبتهم جنانا { ~~و } نبأ { ثمود } وكانوا أقوى الناس على نحت الصخور وبناء القصور { و } ~~نبأ { الذين } ولما كان المراد البعض، أدخل الجار فقال: { من بعدهم } أي ~~في الزمن حال كونهم في الكثرة بحيث { لا يعلمهم } أي حق العلم على ~~التفصيل { إلا الله } أي الذي له الإحاطة الكاملة، كفروا فأهلكهم الله ~~ولم يزل غنيا حميدا عند أخذهم وبعده كما كان قبله، وكان ابن مسعود رضي ~~الله عنه إذا قرأ هذه الآية قال: كذب النسابون. # ثم فصل سبحانه خبرهم، فقال - جوابا لمن كأنه قال: ما كان نبأهم؟ { ~~جاءتهم رسلهم بالبينات } وترك عطفه لشدة التباسه بالمستفهم عنه { فردوا } ~~أي الأمم عقب مجيء الرسل من غير تأمل جامعين في تكذيبهم بين الفعل والقول ~~{ أيديهم في أفواههم } وهو أشارة إلى السكوت عن ذلك والتسكيت، كأنه لا ~~يليق أن يتفوه ولو على سبيل الرد؛ قال الرازي في اللوامع: حكى أبو عبيد: ~~كلمته في حاجتي فرد يده في فيه - إذا سكت ولم يجب. { و } بعد أن فعلوا ~~ذلك لهذه الأغراض الفاسدة ms2405 { قالوا } أي الأمم { إنا كفرنا } أي غطينا ~~مرائي عقولنا مستهينين { بما } ولما كان رد الرسالة جامعا للكفر، وكانوا ~~غير مسلمين أن المرسل لهم هو الله، بنوا للمفعول قولهم: { أرسلتم به } ~~أي لأنكم لم تأتونا بما يوجب الظن فضلا عن القطع، فلذا لا يحتاج رده إلى ~~تأمل. # ولما كان ما أتى به الرسل يوجب القطع بما يعلمه كل أحد، فكانوا بما ~~قالوه في مظنة الإنكار، أكدوا: { وإنا لفي شك } أي محيط بنا، وهو وقوف ~~بين الضدين من غير ترجيح أحدهما، يتعاقب على حال الذكر ويضاد العلم ~~والجهل. # ولما كان الدعاء مسندا إلى جماعة الرسل، أثبت نون الرفع مع ضمير ~~المتكلمين بخلاف ما مضى في هود، فقالوا { مما } أي شيء { تدعوننا } أيها ~~الرسل { إليه } أي من الدين { مريب } أي موجب للتهمة وموقع في الشك ~~والاضطراب والفزع، من أراب الرجل: صار ذا ريبة أي قلق وتزلزل. ### || [14.10-12] # ولما كان سامع هذا الكلام يشتد تشوفه إلى جوابه، وكان أصل الدعوة في كل ~~ملة التوحيد، وكان الشاك فيه شاكا في الله، وكان أمر الله من الظهور ~~بحيث لا يشك فيه عاقل حكم عقله مجردا عن الهوى، ساغ الإنكار وإيراد ~~الكلام على تقدير سؤال معرى من التقييد مبهم في قوله: { * قالت رسلهم } ~~ولما كان ما شكوا فيه من الظهور بحيث لا يتطرق إليه ريب، أنكروا أن يكون ~~فيه شك، لأن ذلك يتضمن إنكار شكهم وشك غيرهم فقالوا: { أفي الله } أي ~~الذي له جميع صفات الكمال { شك }. # ولما كان الجواب عاما لا يخص ناسا دون ناس، لم يأت بصلة فقال بخلاف ~~قوله: { إن نحن إلا بشر } ثم نبهوهم بالمصنوع على مقصود الدعوة من وجود ~~الصانع وتفرده وظهوره في قولهم: { فاطر السماوات } ولما كان المقام ~~لادعاء أنه في غاية الظهور، لم يحتج إلى تأكيد بإعادة العامل، فقال: { ~~والأرض } أي على هذا المثال البديع والنمط الغريب المنتظم الأحوال، ~~الجميل العوائد، والمتسق الفصول؛ فلما أوضحوا لهم الأدلة على وحدانيته ~~بينوا لهم بأن ثمرة الدعوة خاصة بهم، إنه لا يأباها من ms2406 له أدنى بصيرة، ~~فقالوا: { يدعوكم } أي على ألسنتنا { ليغفر لكم }. # ولما كان الكافر إنما يدعى أولا إلى الإيمان، وكان الإيمان إنما يجب ما ~~كان قبله من الذنوب التي معهم بينهم وبينه دون المظالم، قال: { من ذنوبكم ~~} ولو عم بالغفران لأفهم ذلك أنهم لا يدعون بعد الإيمان إلى عمل أصلا { ~~و } لا يفعل بكم فعل من تعهدون من الملوك في المعاجلة بالإهلاك لمن ~~خالفهم، بل { يؤخركم } وإن أخطأتم أو تعمدتم وتبتم { إلى أجل مسمى } عنده ~~سبق علمه به، وهو آجالكم على حسب التفريق، ولا يستأصلكم بالعذاب في آن ~~واحد كما فعل بمن ذكر من الأمم. # فلما بين لهم الأصيل بدليله فروع عليه ما لا ريب فيه في قصر نفعه عليهم، ~~علموا أنه لا يتهيأ لهم عن ذلك جواب فأعرضوا عنه إلى أن { قالوا } عنادا ~~{ إن } أي ما { أنتم } أي أيها الرسل { إلا بشر } وأكدوا ما أرادوا من ~~نفي الاختصاص فقالوا: { مثلنا } يريدون: فما وجه تخصيصكم بالرسالة دوننا؟ ~~ثم كان كأنه قيل: فكان ماذا؟ فقالوا: { تريدون أن تصدونا } أي تلفتونا ~~وتصرفونا { عما كان } أي كونا هو كالجبلة، وأكدوا هذا المعنى للتذكير ~~بالحال الماضية بالمضارع فقالوا: { يعبد آباؤنا } أي أنكم - لكونكم من ~~البشر الذين يقع بينهم التحاسد - حسدتمونا على اتباع الآباء وقصدتم تركنا ~~له لنكون لكم تبعا { فأتونا } أي فتسبب - عن كوننا لم نر لكم فضلا ~~وإبدائنا من إرادتكم ما يصلح أن يكون مانعا - أن نقول لكم: ائتونا ~~لنتيعكم { بسلطان مبين * } أي حجة واضحة تلجئنا إلى تصديقكم مما نقترحه ~~عليكم، وهذا تعنت محض فإنهم جديرون بأن يعرضوا عن كل سلطان يأتونهم به ~~كائنا ما كان كما ألغوا ما أتوا هم به من البينات فلم يعتدوا به، فكأنه ~~قيل: فما كان جواب الرسل؟ فقيل: { قالت }. # ولما أرادوا تخصيصهم برد ما قالوا، قيد بقوله: { لهم رسلهم } مسلمين أول ~~كلامهم غير فاعلين فعلهم في الحيدة عن الجواب { إن } أي ما { نحن إلا بشر ~~مثلكم } ما لنا عليكم فضل بما يقتضيه ذواتنا غير أن التماثل في البشرية ms2407 ~~لا يمنع اختصاص بعض البشر عن بعض بفضائل؛ والمثل: ما يسد مسد غيره حتى لو ~~شاهده مشاهد ثم شاهد الآخر لم يقع فصل { ولكن الله } أي الذي له الأمر ~~كله فضلنا عليكم لأنه { يمن على من يشاء } أي أن يمن عليه { من عباده } ~~رحمة منه له، بأن يفضله على أمثاله بما يقسمه له من المزايا كما أنتم به ~~عارفون، فلم يصرحوا بما تميزوا به من وصف النبوة، ولم يخصوا أنفسهم بمن ~~الله بل أدرجوها في عموم من شاء الله، كل ذلك تواضعا منهم واعترافا ~~بالعبودية؛ والمن: نفع يقطع به عن بؤس، وأصله القطع، ومنه { غير منون } ، ~~والمنة قاطعة عن الدنيا. # ولما بينوا وجه المفارقة، عطفوا عليه بيان العذر فيما طلبوه منهم ~~فقالوا: { وما } أي فما كان لنا أن نتفضل عليكم بشيء من الأشياء لم يؤذن ~~لنا فيه، وما { كان } أي صح واستقام { لنا أن نأتيكم بسلطان } مما ~~تقترحونه تعنتا، وهو البرهان الذي يتسلط به على إبطال مذهب المخالف للحق ~~غير المعجزة التي يثبت بها النبوة { إلا بإذن الله } أي بإطلاق الملك ~~الأعظم وتسويفه، فنحن نتوكل على الله في أمركم إن أذن لنا في الإتيان ~~بسلطان أو لم يأذن وافقتم أو خالفتم { وعلى الله } أي الذي له الأمر كله ~~ولا أمر لأحد معه وحده { فليتوكل } أي بأمر حتم { المؤمنون * } فكيف ~~بالأنبياء؛ ثم بينوا سبب وجوب التوكل بقولهم: { وما } أي وأي شيء { لنا } ~~في { ألا نتوكل على الله } أي ذي الجلال والإكرام { و } الحال أنه { قد ~~هدانا سبلنا } فبين لنا كل ما نأتي وما نذر، فلا محيص لنا عن شيء من ~~ذلك،فلنفعلن جميع أوامره، ولننتهين عن جميع مناهيه { ولنصبرن } أكدوا ~~لإنكار أن يصبر الرسول - مع وحدته - على أذاهم مع كثرتهم وقوتهم { على ما ~~} وعبر بالماضي إشارة إلى أنهم عفوا عن أذاهم في الماضي فلا يجازونهم به، ~~فهو استجلاب إلى توبة أولئك المؤذين، وعدلوا عن المضارع لأنهم ينتظرون ~~أمر الله في الاستقبال فقد يأمرهم بالصبر، فقال: { آذيتمونا } أي في ذلك ~~الذي أمرنا به ms2408 كائنا فيه ما كان لأنا توكلنا على الله ونحن لا نتهمه في ~~قضائه { وعلى الله } أي الذي له جميع صفات الكمال وحده { فليتوكل ~~المتوكلون * } الذين علموا من أنفسهم العجز سواء كانوا مؤمنين أو لا، ~~فوكلوا أمرا من أمورهم إلى غيرهم ليكفيهم إياه، فإنه محيط العلم كامل ~~القدرة، وكل من عداه عاجز، والصبر مفتاح الفرج، ومطلع الخيرات المطلق من ~~الكرب، والحق لا بد وأن يصير غالبا قاهرا، والباطل لا بد وأن يصير ~~مغلوبا مقهورا وإن طال الابتلاء. ### || [14.13-18] # ولما انقضت هذه المحاورة وقد علم منها كل منصف ما عليه الرسل من الحلم ~~والعلم والحكمة، وما عليه مخالفهم من الضلال والجهل والعناد، وكان في ~~الكلام ما ربما أشعر بانقضائه، ابتدأ تعالى عنهم محاورة أخرى، عاطفا لها ~~على ما مضى، فقال: { وقال الذين كفروا لرسلهم } مستهينين بمن قصروا ~~التجاءهم عليه، مؤكدين لاستشعارهم بإنكار من رأى مدافعة الله عن أوليائه ~~لقولهم: والذي يحلف به! ليكونن أحد الأمرين: { لنخرجنكم من أرضنا } أي ~~التي لنا الآن الغلبة عليها { أو لتعودن في ملتنا } بأن تكفوا عن ~~معارضتنا كما كنتم دعوى الرسالة، فإطلاق ملتهم على السكوت عنهم من إطلاق ~~اسم الكل على الجزء على زعمهم مثل # جعلوا أصابعهم في آذانهم # [نوح:7] وهو مجاز مرسل، فصبروا على ذلك كما أخبروا به توكلا على ربهم ~~واستمروا على نصيحتهم لهم بدعائهم إلى الله { فأوحى إليهم } أي كلمهم في ~~خفاء بسبب توعد أممهم لهم، مختصا لهم بذلك { ربهم } المحسن إليهم الذي ~~توكلوا عليه، تسكينا لقلوبهم وتسلية لنفوسهم، وأكد لما - لمن ينظر كثرة ~~الكفار وقوتهم - من التوقف في مضمون الخبر ولا سيما إن كان كافرا، ~~قائلا: { لنهلكن } بما لنا من العظمة المقتضية لنفوذ الأمر؛ والإهلاك: ~~إذهاب الشيء إلى حيث لا يقع عليه الإحساس { الظالمين * } أي العريقين في ~~الظلم، وربما تبنا على بعض من أخبرنا عنه بأنه كفر، وهو من لم يكن عريقا ~~في كفره الذي هو أظلم الظلم { ولنسكننكم } أي دونهم { الأرض } أي مطلقها ~~وخصوص أرضهم، وأشار إلى عدم الخلود بالجار فقال: { من ms2409 بعدهم } بأن ~~نورثكموها سواء قدرناهم على إخراجكم أم لا، فكأنه قيل: هل ذلك خاص بهم؟ ~~فقيل: لا، بل { ذلك } أي الأمر العالي المرام { لمن خاف مقامي } أي ~~المكان الذي يقوم فيه من أحاسبه: ماذا تكون عاقبته فيه، وهو أبلغ من: ~~خافني، { وخاف وعيد * } لا بد أن أهلك ظالمه وأسكنه أرضه بعده، فاستبشروا ~~بذلك الوعد من الله تعالى { واستفتحوا } على أعدائهم فأفلحوا وأنجحوا { ~~وخاب كل جبار عنيد } فأهلكناهم كلهم، وكان لنا الغنى والحمد بعد إهلاكهم ~~كما كان قبله؛ والعناد: الامتناع من الحق مع العلم به كبرا وبغيا، من ~~عند عن الحق عنودا، والجبرية: طلب علو المنزلة بما ليس وراءه غاية في ~~الصفة، فهو ذم للعبد من حيث إنه طالب ما ليس له؛ ثم أتبعه ما هو كدليل ~~على خيبته من أن سيره إلى ما أمامه من العذاب، فهو واقع فيه لا محالة وهو ~~لا يشعر، وعبر عن غفلته عنه بقوله: { من ورائه جهنم } أي لا بد أنه ~~يتبوأها. # ولما كان المرجع وجود السقي للصديد مطلقا، بني للمفعول قوله: { ويسقى } ~~أي فيها { من ماء صديد } وهو غسالة أهل النار كقيحهم ودمائهم { يتجرعه } ~~أي يتكلف بلعه شيئا فشيئا لمرارته وحرارته، فيغص به ويلقى منه من الشدة ~~ما لا يعلم قدره إلا الله { ولا يكاد يسيغه } ولا يقرب من إساغته، فإن ~~الإساغة جر الشيء في الحلق على تقبل النفس { ويأتيه الموت } أي أسبابه ~~التي لو جاءه سبب منها في الدنيا لمات { من كل مكان } والمكان: جوهر مهيأ ~~للاستقرار، فهو كناية عن أنه يحصل له من الشدائد ما يميت من قضى بموته { ~~وما هو بميت } أي بثابت له الموت أصلا. # لأنا قضينا بدوام حياته زيادة في عذابه، والموت: عرض يضاد الإدراك في ~~البنية الحيوانية { ومن ورائه } أي هذا الشخص، بعد ذلك في يوم الجزاء ~~الذي لا بد منه، وما خلقنا السماوات والأرض إلا من أجله { عذاب غليظ * } ~~يأخذه في ذلك اليوم - مع ما قدمته له في الدنيا - وهو غافل عنه أخذ ما ~~يكون من وراء، ms2410 فيكون أشد كما هو الحال الآتي بغتة، أو يكون المعنى أن من ~~بعد هذا العذاب في جهنم عذابا آخر، لا تحتمل عقولكم وصفه بأكثر من ~~الغلظ. فلما فرغ من محاوراتهم، وما تبعها مما بين فيه أنه لا يغنيهم من ~~بطشه شيء، ضرب لهم في ذلك مثلا فقال: { مثل } وهو مستعار هنا للصفة التي ~~فيها غرابة { الذين كفروا } مستهينين { بربهم } مثل من قصد أمرا ثم لم ~~ينظر لنفسه في السلوك إليه بل اغتر بمن جار به عن الطريق، فأبعد كل البعد ~~حتى وصل إلى شعاب لا يمكن فيها المقام، ولا يتأتى منها الرجوع فهلك ~~ضياعا. # ولما كان الفرق بين الإنسان والعدم إنما هو بالعمل، ذكر ما علم منه أن ~~المثل لأعمالهم على طريق الجواب لمن كأنه قال: ما مثلهم؟ فقال: { أعمالهم ~~} أي المكارم التي كانوا يعملونها في الدنيا من الصلة والعتق وفداء ~~الأسرى والجود ونحو ذلك، في يوم الجزاء، ويجوز أن يكون مبتدأ ثانيا - ~~كما قال الحوفي وابن عطية. وهو وخبره خبر المبتدأ الأول، ولا يحتاج إلى ~~رابط لأنه نفس المثل الذي معناه الصفة { كرماد } وهو ما سحقه الاحتراق ~~سحق الغبار { اشتدت به الريح } أي أسرعت بالحركة على عظم القوة؛ والريح: ~~جسم رقيق مثبت في الجو من شأنه الهبوب، والرياح خمس: شمال وجنوب وصبا ~~ودبور ونكباء { في يوم عاصف } أي شديد الريح، فأطارته في كل صوب، فصاروا ~~بحيث { لا يقدرون } أي يوم الجزاء؛ ولما كان الأمر هنا متمحصا للأعمال، ~~قدم قوله: { مما كسبوا } في الدنيا من أعمالهم في ذلك اليوم { على شيء } ~~بل ذهب هباء منثورا لبنائه على غير أساس، فثبت بمقتضى ذلك أن الذين ~~كفروا بربهم واستحبوا الحياة الدنيا على الآخرة في ضلال بعيد، بل { ذلك } ~~أي الأمر الشديد الشناعة { هو } أي خاصة { الضلال البعيد * } الذي لا ~~يقدر صاحبه على تداركه. ### || [14.19-21] # ولما ذكر الآخرة في أول السورة، ذكر ما هو ثابت لا نزاع فيه، ثم جر ~~الكلام إليه هنا على هذا الوجه الغريب، وأتبعه مثل أعمال الكفار في ~~الآخرة، ms2411 أتبع ذلك الدليل عليه وعلى أنه لا يسوغ في الحكمة في أعمال ~~الضلال إلا الإبطال فقال: { ألم تر أن الله } أي الذي أحاط بكل شيء علما ~~وقدرة { خلق السماوات } على عظمها وارتفاعها { والأرض } على تباعد ~~أقطارها واتساعها { بالحق } بالأمر الثابت من وضع كل شيء منها في موضعه ~~على ما تدعو إليه الحكمة لا بالخيال والتمويه كالسحر، ومن المعلوم أنهما ~~ظرف، ولا يكون المظروف الذي هو المقصود بالذات إلا مثل ظرفه أو أعلى منه، ~~فكيف يظن أنه يخلق شيئا فيهما سدى بأن يكون باطلا فلا يبطله، أو حقا ~~فلا يحقه، أم كيف يتوهم أنه - مع القدرة على إخراجهما من العدم وهما أكبر ~~خلقا وأعظم شأنا - لا يقدر على إعادة من فيهما وهم أضعف أمرا وأصغر ~~قدرا، أو خلقهما بسبب الحق وهو إعادة الناس إعادة يثبتون بها ويبقون ~~بقاء لا فناء بعده، فتسبب عن ذلك أنه عظيم القدرة، فهو بحيث { أن يشأ ~~يذهبكم } أي بنوع من أنواع الإذهاب: الموت أو غيره { ويأت بخلق جديد } ~~غيركم أو يأت بكم بعد أن فنيتم بحيث تعودون - كما أنتم - خلقا جديدا؛ ~~والجديد: المقطوع عنه العمل في الابتداء، وأصله القطع، فالجد أب الأب، ~~انقطع عن الولادة بالأب، والجد ضد الهزل، يقطع به المسافة حسا أو معنى { ~~وما ذلك } الإذهاب والإتيان على عظمه { على الله } أي الملك الأعلى { ~~بعزيز * } وهو الممتنع بوجه من وجوه الامتناع لأنه ليس مثل خلق السماوات ~~والأرض فضلا عن أن يكون أعظم منه، فلا وجه لقولكم # هل ندلكم على رجل ينبئكم # [سبأ:7]، الآية لأن من قدر على جميع الممكنات لا اختصاص له بمقدور دون ~~مقدور، فثبت بهذا إبعادهم في الضلال الموجب لهلاك أعمالهم - التي هي ~~أسبابهم - الموجب لهلاكهم. # ولما ثبت بهذا البرهان قدرته على الإعادة بعد الموت، عطف على قوله: # لا يقدرون مما كسبوا على شيء # [إبراهيم:18] قوله - بيانا لهو أن البعث عنده وسهولته عليه -: { وبرزوا ~~} أي في ذلك اليوم، عبر بصيغة المضي الذي وجد وتحقق، لأن أخبار الملوك ~~يجب تحققها لقدرتهم وغناهم عن ms2412 الكذب، فكيف بملك الملوك! وفيه من هز النفس ~~وروعتها ما ليس في العبارة بالمضارع لمن تأمل المعنى حق التأمل { لله } ~~أي الملك الأعظم { جميعا } فكانوا بحيث لا يخفى منهم خافية على ما هو ~~متعارفهم، لأنه لا ساتر لهم، فإن البروز خروج لشيء عما كان ملتبسا به ~~إلى حيث يقع عليه الحس في نفسه، وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون ~~من العذاب، فتقطعت بهم الأسباب { فقال الضعفاء } أي الأتباع من أهل ~~الضلال بسبب علمهم أنهم في القبضة لا ملجأ لهم، تبكيتا لرؤسائهم ~~وتوبيخا، تصديقا لقوله تعالى: # الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين # [الزخرف:67] { للذين استكبروا } أي طلبوا الكبر وادعوه فاستتبعوهم به ~~حتى تكبروا على الرسل وأتباعهم ولم يكن لهم ذلك. { إنا كنا } أي كونا هو ~~كالجبلة { لكم تبعا } أي تابعين أو ذوي تبع فكنتم سبب ضلالنا، وقد جرت ~~عادة الأكابر بالدفع عن أتباعهم المساعدين لهم على أباطيلهم { فهل أنتم ~~مغنون } أي دافعون { عنا من عذاب الله } أي الذي له العظمة كلها فلا يطاق ~~انتقامه، وأبلغوا بعد التبعيض ب " من " الأولى في التقليل، فقالوا: { من ~~شيء } كأن العذاب كان محتاجا إلى أخذهم فأغنوه بشيء غيرهم حتى يجاوزهم ~~لو دفعوه عنهم، فكأنه قيل: إن ذلك لعادة الرؤساء، فماذا قالوا؟ فقيل: { ~~قالوا } علما منهم بأنه لا طاقة لهم على نوع من أنواع التصرف: لا نغني ~~عنكم شيئا، بل كل مجزي بما فعل، علينا إثم ضلالنا في أنفسنا وإضلالنا ~~لكم، وعليكم ضلالكم وذبكم عنا وتقويتكم لجانبنا حتى استكبرنا فاستغرقنا ~~في الضلال، ولو أن الله هداكم حتى تبعتم الأدلة التي سمعتموها كما ~~سمعناها وتركتمونا، لكسر ذلك من شدتنا وأوهى من شوكتنا، فكان ربما يكون ~~سببا لهدايتنا كما أنه { لو هدانا الله } أي المستجمع لصفات الكمال { ~~لهديناكم } فكان يكون لنا جزاء اهتدائنا وهدايتنا لكم، ولكم جزاء ~~اهتدائكم وتقويتكم لنا على ذلك، ولكنه لم يهدنا فضللنا وكنتم لنا تبعا ~~فأضللناكم. # ولما كان الموجب لقولهم هذا الجزع، قالوا: { سواء علينا } أي نحن وأنتم ~~{ أجزعنا } والجزع: انزعاج ms2413 النفس بورود ما يغم { أم صبرنا } لا فائدة لنا ~~في واحد منهما لأن الأمر أطم من ذلك فإنه { ما لنا من محيص } يصلح للمصدر ~~والزمان والمكان، أي محيد وزوال عن المكروه على كلا التقديرين، فلم يبق ~~في الجزاء إلا زيادة العذاب بسوء القالة وانتشار السبة، وهذا الاستفهام ~~ليس على بابه، بل المراد به التنبيه على أنه حالهم مما ينبغي السؤال عنه ~~وترديد الأمر فيه لينتهي عن مثله. ### || [14.22-23] # ولما كان الشيطان أعظم المستكبرين، خص بالإفراد بالجواب فقيل: { وقال } ~~أول المتبوعين في الضلال { الشيطان } الذي هو رأس المضلين المستكبرين ~~المقضي ببعده واحتراقه { لما قضي الأمر } بتعين قوم للجنة وقوم للنار، ~~جوابا لقول الأتباع مذعنا حيث لا ينفع الإذعان، ومؤمنا حيث فات نفع ~~الإيمان: { إن الله } أي الذي له صفات الكمال { وعدكم وعد الحق } بأن ~~أرسل إليكم رسلا وأنزل معهم براهين وكتبا أخبركم فيها بأنه ربكم الواحد ~~القهار، ودعاكم إليه بعد أن أخابتكم الشياطين، وبشر من أجاب، وحذر من ~~أبى، بما هو قادر أتم القدرة، فكل ما قاله طابقه الواقع - كما ترون - ~~فصدقكم فيه ووفى لكم { ووعدتكم } أنا بما زينت لكم به المعاصي من الوساوس ~~وعد الباطل { فأخلفتكم } فلم أقل شيئا إلا كان زيغا، فاتبعتموني مع ~~كوني عدوكم، وتركتم ربكم وهو ربكم ووليكم؛ فالآية من الاحتباك: ذكر { وعد ~~الحق } أولا دليلا على حذف ضده ثانيا، و { أخلفتكم } ثانيا دليلا ~~على حذف " صدقكم " أولا. # ولما بين غروره، بين سهولة اغترارهم زيادة في تنديمهم فقال: { وما كان } ~~لي إليكم في ذلك من ذنب لأنه ما كان { لي عليكم } وأبلغ في النفي فقال: { ~~من سلطان } أي تسلط كبير أو صغير بشيء من الأشياء { إلا أن } أي بأن { ~~دعوتكم } بالوسوسة التي كانت سببا لتقوية دواعيكم إلى الشر { فاستجبتم } ~~أي أوجدتم الإجابة إيجاد من هو طالب لها، راغب فيها { لي } محكمين ~~الشهوات، معرضين عن مناهيج العقول ودعاء النصحاء، ولو حكمتم عقولكم ~~لتبعتم الهداة لما في سبيلهم من النور الداعي إليها وما في سبل غيرهم من ~~الظلام الساد ms2414 لها، والمهالك الزاجرة عنها دنيا وأخرى، وساقه على صورة ~~الاستثناء - وإن لم يكن دعاءه من السلطان في شيء - لأن السلطان أخص من ~~البرهان إذ معناه برهان يتسلط به على إبطال مذهب الخصم إشارة إلى أنهم ~~تبعوه ولا قدرة له على غير هذا الدعاء الذي لا سلطان فيه، وتركوا دعاء من ~~أنزل إليهم من كل سلطان مبين، مع تهديدهم بما هو قادر على عليه وضربهم ~~ببعضه، وفاعل مثل ذلك لا لوم له على غير نفسه { فلا } أي فاذ قد تقرر هذا ~~تسبب عنه أني أقول لكم: لا { تلوموني ولوموا أنفسكم } لأنكم مؤاخذون ~~بكسبكم، لأنه كانت لكم قدرة واختيار فاخترتم الشر على الخير، وعلم منه ~~قطعا أن كلا منا مشغول عن صاحبه بما جزي به، فعلم أني { ما أنا ~~بمصرخكم } أي بمغيثكم فيما يخصكم من العذاب، فآتيكم بما يزيل صراخكم منه ~~{ وما أنتم بمصرخي } فيما يخصني منه لتقطع الأسباب، بما دهى من العذاب، ~~ثم علل ذلك بقوله: { إني كفرت } مستهينا { بما أشركتمون } أي باتخاذكم ~~لي شريكا مع الله. # ولما كان إشراكهم لم يستغرق الزمان، أتى بالجار فقال: { من قبل } لأن ~~ذلك ظلم عظيم، ثم علل هذه العلة بقوله: { إن الظالمين } أي العريقين في ~~هذا الوصف { لهم عذاب أليم * } مكتوب لكم منهم مقداره، لا يغني أحد منهم ~~عن الآخر شيئا، بل كل مقصور على ما قدر له، وحكاية هذه المحاورة لتنبيه ~~السامعين على النظر في العواقب والاستعداد لذلك اليوم قبل أن لا يكون إلا ~~الندم وقرع السن وعض اليد. # ولما ذكر الظالمين. أتبعه ذكر المؤمنين، فقال بانيا للمفعول لأن الدخول ~~هو المقصود بالذات: { وأدخل } والإدخال: النقل إلى محيط - هذا أصله { ~~الذين آمنوا } أي أوجدوا الإيمان { وعملوا الصالحات } أي تصديقا لدعواهم ~~الإيمان { جنات تجري } وبين أن الماء غير عام لجميع أرضها بإدخال الجار ~~فقال: { من تحتها الأنهار } فهي لا تزال ريا، لا يسقط ورقها ولا ثمرها ~~فداخلها لا يبغي بها بدلا { خالدين فيها }. # ولما كانت الإقامة لا تطيب إلا بإذن المالك قال: { بإذن ربهم ms2415 } الذي أذن ~~لهم - بتربيته وأحسانه - في الخروج من الظلمات إلى النور، وقرىء " وأدخل ~~" على التكلم فيكون عدل عن أن يقول " بإذني " إلى { بإذن ربهم } للإعلام ~~بالصفة المقتضية للرحمة كما قال تعالى # إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك # [الكوثر:1] ولم يقل: لنا - سواء، ومن شكله # إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله # [الفتح:1] فلا تنبغي المسارعة إلى إنكار شي يمكن توجيهه، بل يتعين إمعان ~~النظر، فإن الأمر كما قال الإمام أبو الفتح بن جني في كتابه المحتسب في ~~توجيه # لما يهبط من خشية الله # [البقرة:74] أن كلام العرب لمن عرفه - ومن الذي يعرفه؟ - ألطف من السحر، ~~وأنقى ساحى من مشوف الفكر، وأشد تساقطا بعضا على بعض، وأمس تساندا ~~نفلا إلى فرض { تحيتهم } أي فيما بينهم وتحية الملائكة لهم؛ والتحية: ~~التلقي بالكرامة في المخاطبة، فهي إظهار شرف المخاطب { فيها سلام * } أي ~~عافية وسلامة وبقاء، وقول من كل منهم للآخر: أدام الله سلامتك، ونحو هذا ~~من الإخبار بدوام العافية، كما أن حال أهل الباطل في النار عطب وآلام. ### || [14.24-26] # ولما تقرر بما مضى أن الحق ما قاله الله أو فعله أو أذن فيه، وأن الباطل ~~ما كان على غير أمره مما ينسب إلى الشيطان أو غيره من قول أو فعل، وأنه ~~لا يصلح في الحكمة أن ينفي الحق ولا أن يبقى الباطل # إن الله لا يصلح عمل المفسدين # [يونس:81]، { ويحق الله الحق بكلماته } ، # ليحق الحق ويبطل الباطل # [الأنفال:8]، وقص سبحانه كلام أوليائه الذي هو من كلامه، فهو أثبت ~~الأشياء وأطيبها وأعظمها ثمرة، وكلام أعدائه الذي هو من كلام الشيطان، ~~فهو أبطل الأشياء وأخبثها، قرب سبحانه ذلك بمثل يتعارفه المخاطبون فقال: ~~{ ألم تر } أي يا من لا يفهم عنا هذا المثل حق الفهم سواه! { كيف ضرب ~~الله } أي المحيط بكل شيء قدرة وعلما { مثلا } أي سيره بحيث يعم نفعه؛ ~~والمثل: قول سائر يشبه فيه حال الثاني بالأول؛ ثم بينه بقوله: { كلمة ~~طيبة } أي جمعت أنواع الكرم فليس فيها شيء من الخبث، وتلك الكلمة { كشجرة ms2416 ~~طيبة }. # ولما كانت لا تسر إلا بالثبات، قال: { أصلها ثابت } أي راسخ في الأرض ~~آمن من الاجتثاث بالرياح ونحوها { وفرعها } عال صاعد مهتز { في } جهة { ~~السماء * } لحسن منبتها وطيب عنصرها؛ فالآية من الاحتباك: ذكر " ثابت " ~~أولا دال على عال صاعد ثانيا، وذكر " السماء " ثانيا دال على الأرض ~~أولا. # ولما ذكر حالها، ذكر ثمرتها فقال: { تؤتي أكلها } أي ثمرتها بحسن أرضها ~~ودوام ريها { كل حين } على أحسن ما يكون من الإيتاء، لأن علوها منعها من ~~عفونات الأرض وقاذورات الأبنية، فكانت ثمرتها نقية من شوائب الأدناس. # ولما كان الشيء لا يكمل إلا بكمال مربيه قال: { بإذن ربها } فهي بحيث لا ~~يستجيز عاقل أن يتسبب في إفسادها، ومن سعى في ذلك منعه أهل العقول ولو ~~وصلوا إلى بذل النفوس؛ روى البخاري في التفسير وغيره عن ابن عمر رضي الله ~~عنهما قال: # " كنا عند رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: أخبروني بشجرة ~~كالرجل المسلم لا يتحات ورقها [....]، تؤتي أكلها كل حين، قال ابن عمر ~~رضي الله عنهما: فوقع في نفسي أنها النخلة، ورأيت أبا بكر وعمر لا ~~يتكلمان، فكرهت أن أتكلم، فلما لم يقولوا شيئا قال رسول الله صلى الله ~~عليه وعلى آله وسلم: هي النخلة، فلما قمنا قلت لعمر: يا أبتاه! والله لقد ~~كان وقع في نفسي أنها النخلة، فقال: ما منعك أن تكلم؟ قال: لم أركم ~~تكلمون فكرهت أن أتكلم، قال عمر: لأن تكون قلتها أحب إلي من كذا وكذا ". # ثم نبه سبحانه على عظم هذا المثل ليقبل على تدبره ليعلم المراد منه ~~فيلزم، فقال: { ويضرب الله } أي الذي له الإحاطة الكاملة { الأمثال للناس ~~} أي الذين يحتاجون إلى ذلك لاضطراب آرائهم، لأن في ضربها زيادة إفهام ~~وتصوير للمعاني، لأن المعاني الصرفة إذا ذكر مناسبها من المحسوسات ارتسمت ~~في الحس والخيال والوهم، وتصورت فتركت هذه القوى المنازعة فيها، فيحصل ~~الفهم التام والوصول إلى المطلوب { لعلهم يتذكرون * } أي ليكون حالهم حال ~~من يرجى له غاية التذكر - بما أشار إليه الإظهار، فهذا ms2417 مثل كلام ~~الأولياء، فكلمتهم الطيبة كلمة التوحيد التي لا أطيب منها، وهي أصل كل ~~سعادة راسخة في قلوبهم، معرقة في كل عرق منهم أوجب إعراقها أن بسقت ~~فروعها التي هي الأعمال الدينية من أعمال القلوب والجوارح، فصارت كلما ~~هزت اجتنى الهاز ثمراتها التي لا نهاية لها، عالما بأنها من فتح مولاه ~~لا صنع له فيها بوجه، بل له سبحانه المن عليه في جميع ذلك وكما أن الشجر ~~لا تتم إلا بعرق راسخ وأصل قائم وفروع عالية، فكذلك الإيمان لا يتم إلا ~~بمعرفة القلب وقول اللسان وعمل الأركان، ثم أتبعه مثل حال الأعداء فقال: ~~{ ومثل كلمة خبيثة } أي عريقة في الخبث لا طيب فيها { كشجرة خبيثة }. # ولما كان من أنفع الأمور إعدامها والراحة من وجودها على أي حالة كانت، ~~بنى للمفعول قوله: { اجتثت } أي استؤصلت بقلع جثتها من أصلها { من فوق ~~الأرض } برأي كل من له رأي؛ ثم علل ذلك لقوله: { ما لها } وأعرق في النفي ~~بقوله: { من قرار * } أي عند من له أدنى لب، لأنه لا نفع لها بل وجودها ~~ضار ولو بشغل الأرض، فكذلك الكلمة الخبيثة الباطلة لا بقاء لها أصلا وإن ~~علت وقتا، لأن حجتها داحضة فجنودها منهزمة. ### || [14.27-29] # فلما برز الكلام إلى هذين المثالين، حصل التعجب ممن يترك ممثول الأول ~~ويفعل ممثول الثاني، فوقع التنبيه على أن ذلك بفعل القاهر، فقال تعالى - ~~جوابا لمن كأنه قال: إن هذا الصريح الحق، ثم إنا نجد النفوس مائلة إلى ~~الضلال، وطائشة في أرجاء المحال، فكيف لنا بالامتثال؟ { يثبت الله } أي ~~الذي له الجلال والجمال { الذين آمنوا } أي أوجدوا هذه الحقيقة ولو على ~~أقل درجاتها { بالقول الثابت } أي الذي هو متابعة الدليل { في الحياة ~~الدنيا } بمثل ما تقدم من محاولات أنبيائه { وفي الآخرة } ويهديهم عند كل ~~سؤال إلى أحسن الأقوال حيث تطيش العقول وتدهش الأفكار لشدة الأهوال { ~~ويضل الله } أي الذي له الأمر كله { الظالمين } أي العريقين في الظلم، ~~ويزلزلهم لتقلبهم في الظلمات التي من شأن صاحبها الضلال والخبط، فيفعلون ~~ما ms2418 لا يرضاه عاقل، فالآية من الاحتباك: ذكر الثبات أولا دليلا على ضده ~~ثانيا، والإضلال ثانيا دليلا على الهدى أولا { ويفعل الله } أي الذي ~~له الأمر كله، فلا يسأل عما يفعل { ما يشاء } لأن الكل بحكمه وقضائه وهو ~~القادر القاهر، فلا يتعجب من شيء، وفي هذا إرشاد إلى الإقبال عليه وإلقاء ~~أزمة الافتقار إليه؛ روى البخاري في التفسير وغيره ومسلم في أواخر صفة ~~الجنة والنار عن البراء رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وعلى ~~آله وسلم قال: # " المسلم إذا سئل في القبر يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول ~~الله " # ، فذلك قوله تعالى { يثبت الله } الآية. # ولما أخبر سبحانه أنه هو الفاعل وحده، أتبعه الدليل عليه إضلال الذين ~~بدلوا الكلمة الطيبة من التوحيد بالإشراك وزلزلتهم واجتثاث كلمتهم فقال: ~~{ ألم تر } وأشار إلى بعدهم عن مقامه صلى الله عليه وعلى آله وسلم بقوله: ~~{ إلى الذين بدلوا } والتبديل: جعل الشيء مكان غيره { نعمت الله } أي ~~المستجمع لصفات الكمال التي أسبغها عليهم من كلمة التوحيد، وما أورثهم من ~~دين أبيهم إسماعيل عليه السلام ومن جميع النعم الدنيوية من أمن البلد ~~وتيسير الرزق وغير ذلك، بأن جعلوا مكان شكرها { كفرا } وهم يدعون أنهم ~~أشكر الناس للإحسان، وأعلاهم همما في الوفاء، وأبعدهم عن الخناء { ~~وأحلوا قومهم } بذلك { دار البوار * } أي الهلاك، مع ادعائهم أنهم أذب ~~الناس عن الجار فضلا عن الأهل، روى البخاري في التفسير أنهم كفار أهل ~~مكة. والبوار: الهلاك الزائد، والإحلال: جعل الشيء في محل، فإن كان ~~جوهرا فهو إحلال مجاورة. وإن كان عرضا فهو إحلال مداخلة. # ولما أفاد أنها مهلكة، بينها بما يفهم أنها تلقاهم بالعبوسة كما كانوا ~~يلقون أولياء الله من الرسل وغيرهم بذلك فقال: { جهنم } حال كونهم { ~~يصلونها } أي يباشرون حرها مع انغماسهم فيها بانعطافها عليهم؛ ولما كان ~~التقدير: فبئس الإحلال أحلوه أنفسهم وقومهم، عطف عليه قوله: { وبئس ~~القرار * } ذلك المحل الذي أحلوهم به. ### || [14.30-31] # ولما كان هذا الفعل من لا عقل له، بينه بقوله: { وجعلوا ms2419 لله } الذي ~~يعلمون أنه لا شريك له في خلقهم ولا في رزقهم لان له الكمال كله { ~~أندادا } وقال: { ليضلوا } أي بأنفسهم على قراءة ابن كثير وأبي عمرو، ~~ويعموا غيرهم على قراءة الباقين { عن سبيله } لأنهم إن كانوا عقلاء فإنهم ~~يعلمون أن هذا لازم لفعلهم فهم قاصدون له، وإلا فلا عقول لهم، لأنه لا ~~يقدم على ما لا يعلم عاقبته إلا أبله، وهم يقولون: إنهم أبصر الناس ~~قوبا، وأصفاهم عقولا. وأنفذهم أفكارا، وأمتنهم آراء، فمن ألزم منهم ~~بطريق النجاة ومن أحذر منهم لطرق الهلاك؟ مع ما أوقعوا أنفسهم فيه من هذا ~~الداء العضال. # ولما تقرر أنهم على الضد من جميع ما يدعونه فكانوا بذلك أهلا للإعراض ~~عنهم، وكان صلى الله عليه وعلى آله وسلم بمعرض أن يقول: فماذا أفعل بهم ~~وقد أمرتني بإخراجهم إلى صراطك؟ أمره أن يدق أعناقهم بإخبارهم أن ما ~~أضلهم من النعم إنما هو استدراج، فقال: { قل } أي تهديدا لهم فإنهم لا ~~يشكون في قولك وإن عاندوا: { تمتعوا } وبالغوا في فعل البهائم مهما ~~قدرتم، فإن ذلك ضائركم غير نافعكم { فإن مصيركم } أي صيرورتكم { إلى ~~النار * } بسبب تمتعكم على هذا الوجه. # ولما ذكر كفرهم وضلالهم عن السبيل وما أمره صلى الله عليه وعلى آله وسلم ~~بأن يقول لهم، وكان ذلك محركا لنفس السامع إلى الوقوف على ما يقال لمن ~~خلع الأنداد وكان أوثق عرى السبيل بعد الإيمان وأعمها الصلاة الناهية ~~عن الفحشاء والمنكر، والنفقة الشاملة لوجوه البر، أمره تعالى أن يندب ~~أولياءه إلى الإقبال إلى ما أعرض عنه أعداؤه، والإعراض عما أقبلوا ~~بالتمتع عليه من ذلك، فقال { قل لعبادي } فوصفهم بأشرف أوصافهم، وأضافهم ~~إلى ضميره الشريف تحبيبا لهم فيه، ثم أتبع هذا الوصف ما يناسبه من ~~إذعانهم لسيدهم فقال: { الذين آمنوا } أي أوجدوا هذا الوصف. # ولما كان قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أحسن قول، فهو جال لصدأ ~~القلوب، وموجب لتهذيب النفوس، قال جازما: { يقيموا الصلاة } التي هي ~~زكاة القوة وصلة العبد بربه { وينفقوا } وخفف عنهم بقوله: { مما ms2420 رزقناهم ~~} أي بعظمتنا، فهو لنا دونهم، من أنواع النفقات المقيمة لشرائعه من ~~الصدقات وغيرها، إتقانا لما بينهم وبينه من الأسباب لينقذوا أنفسهم من ~~النار، واقتصر على هاتين الخلتين لأنه لم يكن فرض في مكة غيرهما مع ما ~~تقدم من فضلهما وعمومهما، ولعله سيق سياق الشرط تنبيها لهم على أن مجرد ~~قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أقوى الأسباب فيجب عليهم ألا يتخلفوا ~~عنه أصلا؛ ثم أشار إلى المداومة على هاتين الخصلتين بقوله: { سرا ~~وعلانية } ويجوز أن يراد بالسر النافلة، وبالعلانية الفرض؛ ثم رهب من ~~تهاون في خدمته من اليوم الذي كان الإعراض عنه سبب الضلال، فقال مشيرا ~~بالجار إلى قصر مدة أعمالهم: { من قبل أن يأتي يوم } أي عظيم جدا ليس هو ~~كشيء من الأيام التي تعرفونها { إلا بيع فيه } لأسير بفداء { ولا خلال * ~~} أي مخالات وموادات يكون عنها شفاعة أو نصر، جمع خلة كقلة وقلال، أو هو ~~مصدر، وذلك إشارة إلى أنه لا يكون شيء منهما سببا لخلاص هالك. ### || [14.32-34] # ولما نفى جميع الأسباب النافعة في الدنيا في ذلك اليوم، كان كأنه قيل: ~~فمن الحكم فيه حتى أنه يسير سيرة لا نعرفها؟ فقيل: { الله } أي الملك ~~الأعلى المحيط بكل شيء؛ ثم أتبعه بصفات تدل على ما دعا إليه الرسل من ~~وحدانيته وما أخبروا به من قدرته على كل شيء فلا يقدر أحد على مغالبته، ~~وعلى المعاد وعلى غناه فلا يبايع، فقال: { الذي خلق السماوات والأرض } ~~وهما أكبر خلقا منكم وأعظم شأنا، ثم عقبه بأدل الأمور على الإعادة مع ~~ما فيه من عظيم المنة بأن به الحياة، فقال: { وأنزل من السماء ماء } ولما ~~كان ذلك سبب النمو قال: { فأخرج به } أي بالماء الذي جعل منه كل شيء حي { ~~من الثمرات } أي الشجرية وغيرهما { رزقا لكم } بعد يبس الأرض وجفاف ~~نباتها، وليس ذلك بدون إحياء الموتى؛ ثم أتبعه ما ادخره في الأرض من مياه ~~البحار والأنهار، وذكر أعم ما يظهر من البحار فقال: { وسخر لكم الفلك } ~~وعلل ذلك بقوله: { لتجري ms2421 في البحر } ولما كان ذلك أمرا باهرا للعقل، ~~بين عظمته بقوله: { بأمره } ولما كانت الأنهار من النعم الكبار بعد نعمة ~~البحار، قال: { وسخر لكم الأنهار * } ثم أتبعه ما جعله سببا لكمال ~~التصرف وإنضاج الثمار المسقية بالماء النازل من السماء والنابع من الأرض ~~فقال: { وسخر لكم الشمس والقمر } حال كونهما { دائبين } أي في سيرهما ~~وإنارتهما وما ينشأ عنهما من الإصلاح بالطبخ والإنضاج في المعادن والنبات ~~والحيوان؛ قال الرماني: والدؤوب: مرور الشيء في العمل على عادة جارية ~~فيه؛ ثم ذكر تعالى ما ينشأ عن وجود الشمس وعدمها فقال: { وسخر لكم اليل ~~} أي الذي القمر آيته { والنهار * } أي الذي الشمس آيته، يوجد كل منهما ~~بعد تصرمه، ولو كان أحدهما سرمدا لاختل الحال بعدم النبات والحيوان كما ~~هو كذلك حيث لا تغرب الشمس في الجنوب وحيث لا تطلع في الشمال؛ ثم عم بعد ~~أن خص فقال: { وآتاكم }. # ولما كان الكمال لا يكون إلا في الجنة قال: { من كل ما سألتموه } أي ما ~~أنتم محتاجون إليه فأنتم سائلوه بالقوة؛ ثم حقق وجه العظم بفرض ما يوجب ~~العجز فقال: { وإن تعدوا } أيها الناس كلكم { نعمت الله } أي تروموا عد ~~إنعام الملك الأعلى الذي له الكمال المطلق أو تأخذوا في عده، وعبر عنه ~~بالنعمة إرشادا إلى الاستدلال بالأثر على المؤثر { لا تحصوها } أي لا ~~تحيطوا بها ولا تعرفوا عد الحصى المقابلة لها إن عددتموها بها كما كانت ~~عادة العرب، أو لا تجدوا من الحصى ما يوفي بعددها، هذا في النعمة الواحدة ~~فكيف بما زاد! فهذا شرح قوله أول السورة { الله الذي له ما في السماوات ~~وما في الأرض } وقد ظهر به أنه لا يوجد شيء إلا هو ملك الله فضلا عن أن ~~يوجد شيء يداينه فضلا عن شيء يماثله، فثبت أنه لا بيع ولا خلال يوم ~~دينونة العباد، وتقريب العجز عن العد للإفهام أن السلامة من كل داء ذكره ~~الأطباء في كتبهم - على كثرتها وطولها - نعمة على العبد، وذلك متعسر ~~الحصر، وكل ما ذكروه صريحا في جنب ms2422 ما دخل تحت كلياتهم تلويحا - قليل، ~~فكيف بما لم يطلعهم الله عليه ولم يهدهم بوجه إليه، هذا في الجسم، وأما ~~في العقل فالسلامة من كل عقد زائغ، ودين باطل وضلال مائل، وذلك لا يحصيه ~~إلا خالق الفكر وفاطر الفطر سبحانه، ما أعزه وأعظم شأنه!. # ولما كان أكثر هذه السورة في بيان الكفرة وما لهم، وبيان أن أكثر الخلق ~~هالك معرض عما يأتيه من نعمة الهداية على أيدي الرسل الدعاة إلى من له ~~جميع النعم للحياة الطيبة بسعادة الدارين، ختم الآية ببيان ما اقتضى ذلك ~~من صفات الإنسان فقال: { إن الإنسان } أي هذا النوع لما له من الأنس ~~بنفسه، والنسيان لما ينفعه ويضره، والاضطراب بسبب ما يغمه ويسره { لظلوم ~~كفار } أي بليغ الظلم والكفر حيث يهمل الشكر، ويتعداه إلى الكفر، وختم ~~مثل ذلك في سورة النحل ب { غفور رحيم } لأن تلك سورة النعم، بدئت بالنهي ~~عن استعجال العذاب، لأن الرحمة أسبق، ومن الرحمة إمهال الناس وإمتاعهم ~~بالمنافع، فالتقدير إذن هناك: { وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها إن ~~الإنسان لظلوم كفار } ولكن ربه لا يعاجله بالعقوبة لأنه غفور رحيم، وأما ~~هذه السورة فبدئت بأن الناس في الظلمات. ### || [14.35-37] # ولما انقضى المأمور به من القول لكافر النعمة وشاكرها وسبب ذلك والدليل ~~عليه، وبان أنه خالق الموجودات كلها وربها، فلا يصح أصلا أن يكون شيء ~~منها شريكا. أمره صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يذكرهم بأيام الله عند ~~أبيهم إبراهيم عليه السلام للدلالة على تبديلهم النعمة ظلما منهم ~~وكفرا، في أسلوب دال على البعث، مشير إلى وجوب براءتهم من الأصنام حيث ~~كان محط حالهم فيها تقليد الآباء وهو أعظم آبائهم، وإلى ما سنه لهم من ~~إقامتهم الصلاة وشكرهم لنعمه بالانفاق وغيره، فقال ناعيا عليهم - مع ~~المخالفة لصريح العقل وقاطع النقل عقوق أبيهم الأعظم، عطفا على { قل ~~لعبادي الذين آمنوا } أو على { وإذ قال موسى لقومه }: { وإذ } أي واذكر ~~لهم مذكرا بأيام الله خبر إبراهيم إذ { قال إبراهيم رب } أي أيها المحسن ~~إلي بإجابة ms2423 دعائي في جعل القفر الذي وضعت به ولدي بلدا عظيما. # ولما كان السياق لإخراج الرسل من محالهم، وكان ذلك مفهما لأن المحل ~~الذي يقع الإخراج منه بلد يسكن فيه، واتبعه سبحانه بأن المتعرضين بدلوا ~~نعمة الله - بما أسكن فيه من الأمن بعد جعله له بلدا - بما أحدثوا فيه ~~من الإخافة لخير أهله، ومن الإنذار لمن أنعم عليهم بكل ما فيه من الخير، ~~كان الأنسب تعريفه فقال: { اجعل هذا البلد } أي الذي يريدون إخراج الرسول ~~منه { آمنا } أي ذا أمن بأمان أهله، وكأن هذا الدعاء صدر منه بعد أن سكن ~~الناس مكة وصارت مدينة، والذي في البقرة كان حيث وضع ابنه مع أمه وهي ~~خالية عن ساكن، فدعا أن يجعلها الله بلدا، وأن يجعلها بعد ذلك موصوفة ~~بالأمن، وهو سكون النفس إلى زوال الضر. # ولما دعا بالأمن من فساد الأموال والأبدان، أتبعه بالدعاء بالأمن من ~~فساد الأديان، فقال: { واجنبني } أي اصرفني { وبني } أي لصلبي، وأسقط ~~البنات إشارة إلى الاستقلال، وإنما هن تابعات دائما { أن نعبد } أي ~~عبادة مستمرة تكون موجبة للنار { الأصنام * } أي اجعلنا في جانب غير جانب ~~عبادتها، والصنم: المنحوت على خلقة البشر، وما كان منحوتا على غير خلقة ~~البشر فهو وثن - قاله الطبري عن مجاهد؛ تم بين زيادة الاهتمام بأمر ~~الأصنام بإعادة النداء، وأسقط الأداة - زيادة في التملق بكونه من أهل ~~القرب والانقطاع إليه سبحانه معللا لما قبله - في قوله: { رب } بإفراد ~~المضاف إليه ليكون الكلام الواحد على نظام واحد { إنهن أضللن } إسناد ~~مجازي علاقته السببية { كثيرا من الناس فمن } أي فتسبب عن بغضي لهن أن ~~أقول: من { تبعني } من جميع الناس في تجنبها { فإنه مني } أي من حزبي ~~لكونه على طريقتي وديني، فأتني ما وعدتني فيه من الفوز { ومن عصاني } فضل ~~بها فقد استحق النار، فإن عذبته فهو عبادك، وإن غفرت له فأنت لذلك، لأن ~~لك أن تفعل ما تشاء { فإنك غفور } أي بليغ الستر { رحيم * } أي بليغ ~~الإكرام بعد ستر الذنوب؛ وأكد للإعلام بزيادة رغبته في العفو ms2424 لأنه لا ~~ينقص به شيء من عزته سبحانه ولا حكمته - كما أشار إليه دعاء عيسى عليه ~~السلام في المائدة. # ولما دعا بدرء المفاسد الناشئة من من نوعي الإنسان والشيطان بأمن البلد ~~وإيمانه ذكر السبب الحامل له على تخصيصه بذلك مستجلبا للمصالح، فقال: { ~~ربنا } أي يا رب ورب من قضيت أنه يتبعني بتربيتك لنا أحسن تربية { إني ~~أسكنت } وكأن الله سبحانه كان قد أخبره أنه يكثر نسله حتى يكونوا ~~كالنجوم، وذلك بعد البشارة بإسحاق عليه السلام فقال: { من ذريتي } وساقه ~~مؤكدا تنبيها على أنه - لكونه على وجه لا يسمح به أحد - لا يكاد يصدق، ~~وللإعلام بأنه راغب فيه { بواد } هو مكة المشرفة لكونها في فضاء منخفض ~~بين جبال تجري به السيول { غير ذي زرع }. # ولما نفى عنه الرفد الدنيوي، أثبت له الأخروي، إشارة إلى أن الدارين ~~ضرتان لا تجتمعان، وكأن هذا الدعاء كان بعد بنائه البيت - كما تقدمت ~~الإشارة إليه أيضا بتعريف البلد، فقال: { عند بيتك المحرم } أي الذي ~~حرمت التعرض إليه ومنعته بالهيبة فلم يملكه أحد سواك، وجعل له حريم يأمن ~~فيه الوحش والطير؛ والكسنى: اتخاذ مأوى يسكن إليه متى شاء، والوادي: سفح ~~الجبل العظيم، ومنه قيل للأنهار: أودية، لأن حافاتها كالجبال لها، ~~والزرع: نبات ينفرش من غير ساق؛ ثم بين غرضه من إسكانهم هناك فقال: { ~~ربنا } أي أيها المحسن إلينا { ليقيموا الصلاة } ما أسكنتهم في هذا ~~الوادي الموصوف إلا لهذا الغرض المنافي لعبادة غيرك، ولأن أولى الناس ~~بإقامتها حاضرو البيت المتوجه بها إليه. # ولما كان اشتغالهم بالعبادة وكونهم في ذلك الوادي أمرين بعيدين عن أسباب ~~المعاش، تسبب عنه قوله: { فاجعل أفئدة } أي قلوبا محترقة بالأشواق { من ~~الناس } أي من أفئدة الذين هم أهل للاضطراب، بكون احتراقها بالشوق مانعا ~~من اضطرابها { تهوي } أي تقصدهم فتسرع نحوهم برغبة وشوق إسراع من ينزل من ~~حالق؛ وزاد المعنى وضوحا وأكده بحرف الغاية الدال على بعد لأن الشيء ~~كلما بعد مدى مرماه اشتد وقعه فقال: { إليهم } ولما دعا لهم بالدين، دعا ~~لهم بالرزق المتضمن ms2425 للدعاء لجيرانهم فقال: { وارزقهم } أي على يد من يهوي ~~إليهم { من الثمرات } أي التي أنبتها في بلادهم؛ وبين العلة الصالحة ~~بقوله: { لعلهم يشكرون * } أي ليكون حالهم حال من يرجى شكرهم لما يرون من ~~نعمك الخارقة للعوائد في ذلك الموضع البعيد عن الفضل لولا عنايتك ~~فيشتغلوا بعبادتك لإغنائك لهم وإحسانك إليهم، وقد أجاب الله دعوته؛ ~~فالآية لتذكير قريش بهذه النعم الجليلة عليهم ببركة أبيهم الأعظم الذي ~~نهى عن عبادة الأوثان. ### || [14.38-40] # ولما فرغ من الدعاء بالأهم من الإبقاء على الفطرة الأولى المشوقة ~~للعزائم إلى العكوف في دارة الأنس، ومن الكفاية لهم المعاش، المنتج للشكر ~~بإنفاق الفضل،وتبين من ذلك أنهم خالفوا أعظم آبائهم في جميع ما قصده لهم ~~من المصالح، أتبعه ما يحث على الإخلاص في ذلك وغيره له ولغيره ليكون أنجح ~~للمراد بضمان الإسعاد ولا سيما مع تكرير النداء الدال على مزيد التضرع ~~فقال: { ربنا } أي أيها المحسن إلينا المالك لجميع أمورنا { إنك تعلم ما ~~} أي جميع ما { نخفي وما نعلن } ثم أشار إلى عموم علمه فقال: { وما يخفى ~~على الله } أي الذي أحاط بكل شيء قدرة وعلما. وبالغ في النفي فقال: { من ~~شيء } من ذلك ولا غيره { في الأرض } ولما كان في سياق المبالغة، أعاد ~~النافي تأكيدا فقال: { ولا في السماء * } أي فهو غير محتاج إلى التعريف ~~بالدعاء، فالدعاء إنما هو لإظهار العبودية، واسم الجنس شامل لما فوق ~~الواحد، ومن فوائد التعبير بالإفراد الدلالة على أن من كان محيطا بكل ما ~~في المتقابلين من غير أن يحجبه أحدهما عن الآخر، كان محيطا بغيرهما كذلك ~~من غير فرق. # ولما تم ما دعا به من النزاهة عن رجاسة الشرك وتبين بتقديمه أن أهم ~~المهمات البراءة منه، أتبعه الحمد على ما رزق من النعم وما تبع ذلك من ~~الإشارة إلى وجوب الشكر فقال: { الحمد لله } أي المستجمع لصفات الكمال { ~~الذي وهب } والهبة: هبة تمليك من غير عقد، منا منه { لي } حال كوني ~~مستعليا { على الكبر } ومتمكنا منه على يأس من الولد { إسماعيل } الذي ms2426 ~~أسكنته هنا { وإسحاق } وهذا يدل على ما تقدم فهمي له من أن هذا الدعاء ~~كان بعد بناء البيت وطمأنينته بإسحاق عليه السلام، عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما أن سنه كان عند ولادة إسماعيل عليه السلام تسعا وتسعين سنة، وعند ~~ولادة إسحاق عليه السلام كان مائة سنة واثنتي عشرة سنة. # ولما كان إتيان الولد له في سن لا يولد فيه لمثله، وجميع ما دعا به من ~~الخوارق فوجوده لا يكاد يصدق، أشار إلى ذلك بتأكيد قوله: { إن ربي } أي ~~المحسن إلي { لسميع الدعاء * } أي من شأنه إجابة الدعاء على الوجه ~~الأبلغ تعريضا بالأنداد وإشارة إلى ما تضمنه تأسفه على العقم، فقد تقدم ~~في سورة البقرة عن التوراة أنه لما خلص ابن أخيه لوطا من الأسر قال له ~~الله: يا إبراهيم! أنا أكانفك وأساعدك لأن ثوابك قد جزل، فقال إبرم: ~~اللهم ربي! ما الذي تنحلني وأنا خارج من الدنيا بلا نسل ويرثني اليعازر ~~غلامي الدمشقي؟ فقال له الرب: لا يرثك هذا، بل ابنك الذي يخرج من صلبك ~~فهو يرثك، وقال له: انظر إلى السماء وأحص النجوم إن كنت تقدر أن تحصيها، ~~فكذلك تكون ذريتك، فآمن إبرم بالله. # ولما تم الحمد على النعمة بعد الدعاء بالتخلي من منافي السعادة وختمه ~~بالحمد على إجابة الدعاء، انتهز الفرصة في إتباعه الدعاء بالتحلي بحلية ~~العبادة التي أخبر أنها قصده بإسكانه من ذريته ثم إقامتها، إشارة إلى ~~صعوبتها على النفس إلا بمعونة الله فقال: { رب } أي أيها الموجد لي ~~المالك لأمري { اجعلني مقيم الصلاة } أي هذا النوع الدال على غاية ~~الخضوع، دائم الإقامة لها، وكأن الله تعالى أعلمه بأنه يكون من ذريته من ~~يكفر فقال أدبا: { ومن ذريتي }. # ولما كانت أعظم الأركان بعد الإيمان، أفراد الضمير للدعاء بها متملقا ~~لله تعالى بما عليه من النعم التي لم ينعمها على أحد كان في ذلك الزمان ~~غيره، كما أشار إلى ذلك باسم الرب، ثم زاد في التضرع بقوله: { ربنا } أي ~~أيها المحسن إلينا، وجمع الضمير المضاف إليه بالنظر ms2427 إلى من تبعه من ذريته ~~لأن ما بعده كلام آخر، أي رب ورب من وفقته بتربيتك وإحسانك لإقامة ~~الصلاة من ذريتي { وتقبل دعاء * } كله بذلك وغيره، بأن تجعله مقبولا ~~جعل من كأنه راغب فيه مفتن به. ### || [14.41-46] # ولما كان الإنسان ولو اجتهد كل الاجتهاد - محل العجز الموجب للتقصير ~~المفتقر للستر، قال مشيرا إلى ذلك: { ربنا } أي أيها المالك لأمورنا ~~المدبر لنا { اغفر لي } ثم أشرك معه أقرب الناس إليه وأحقهم بشكره فقال: ~~{ ولوالدي } وقد كان استغفاره لهما قبل أن يعلم أن أباه مات كافرا، وقد ~~علم من السياق أنه إذا كان وحده أضاف إلى ضميره، وإذا تقدم ما يحسن جمعه ~~معه جمع إن كان ما بعده مستقلا، ثم كل من تبعه في الدين من ذريته وغيرهم ~~فقال: { وللمؤمنين } أي العريقين في الوصف { يوم يقوم } أي يظهر ويتحقق ~~على أعلى وجوهه { الحساب * }. # ولما ختم دعاءه بيوم الحساب الموجب ذكره لكل سعادة ونسيانه لكل شقاوة، ~~ذكر بعض ما يتفق فيه رجوعا إلى ما مضى من أحوال يوم القيامة على أحسن ~~وجه، فقال - عاطفا على قوله { قل لعبادي } وجل المقصد تهديد أهل الظلم ~~بالإشراك وغيره، وخاطب الرأس الذي لا يمكن ذلك منه ليكون أوقع في قلب ~~غيره -: { ولا تحسبن الله } أي الملك الأعظم الذي هو أحكم الحاكمين. # ولما كان اعتقاد ترك الحساب يلزم منه نسبة الحاكم إلى العجز أو السفه أو ~~الغفلة، وكان قد أثبت قدرته وحكمته في هذه السورة وغيرها نزهة عن الغفلة ~~لينتبه المنكرون للبعث من غفلتهم فقال: { غافلا } والغفلة: ذهاب المعنى ~~عن النفس { عما يعمل الظالمون * } الذين بدلوا نعمة الله كفرا، فكانوا ~~عريقين في الظلم وإن كان مستند ظلمهم شبها علمية يقيمونها، فكأنه قيل: ~~فما الذي يفعل بهم؟ فقال: { إنما يؤخرهم } أي يؤخر حسابهم على النقير ~~والقطمير سواء عذبوا في الدنيا أو لا { ليوم تشخص } أي تفتح فتكون بحيث ~~لا تطرف { فيه } منهم { الأبصار * } أي حال كونهم { مهطعين } أي مسرعين ~~غاية الإسراع إلى حيث دعوا خوفا وجزعا، مع الإقبال بالبصر ms2428 نحو الداعي ~~لا يلفتونه إلى غيره { مقنعي رؤوسهم } أي رافعيها وناصبيها ناظرين في ذل ~~وخشوع إلى جهة واحدة، وهي جهة الداعي، لا يلتفتون يمينا ولا شمالا، ~~وهذا كناية عن أشد الذل والصغار، ثم أتبعه ما يؤكده فقال مصرحا بمعنى ~~الشخوص: { لا يرتد إليهم } ولما كانوا في هيئة الأعين في الطرف والسكون ~~قريبا من السواء، وحد فقال: { طرفهم } بل أعينهم شاخصة دائمة الفتح لا ~~تطرف كالمحتضر لما بأصحابها من الهول { وأفئدتهم } جمع فؤاد، وهو العضو ~~الذي من شأنه أن يحمى بالغضب؛ قال في القاموس: والتفؤد: التحرق والتوقد، ~~ومنه الفؤاد للقلب مذكر، جمعه أفئدة. { هواء * } أي عدم فارغة لا شيء ~~فيها من الجرأة والأنفة التي يظهرونها الآن كما قال حسان بن ثابت رضي ~~الله عنه: # ألا أبلغ أبا سفيان عني # فأنت مجوف نخب هواء # والهواء: الخلاء الذي لم تشغله الأجرام، والنخب: الجبان، وكذا الهواء - ~~قاله في القاموس. فأنذرهم أهوال ذلك اليوم فإنه لا يبقى معهم فيه شيء مما ~~هم فيه من الإباء والاستكبار { وأنذر } أي يا محمد { الناس } جميعا، ما ~~يحل بهم { يوم يأتيهم العذاب } وينكشف عنهم الغطاء بالموت أو البعث. # ولما كانوا عند إتيان العذاب قبل الموت لا ينكسرون بالكلية، بين أنهم إذ ~~ذاك على غير هذا، فقال عاطفا على " يأتيهم ": { فيقول الذين ظلموا } أي ~~أوجدوا هذا الوصف ولو على أدنى الوجوه منهم ومن غيرهم بسبب إتيانه من غير ~~تمهل، وقد زال عنهم ما يفتخرون به من الأنفة والحمية والشماخة والكبر لما ~~رأوا من الأهوال التي لا قبل لهم بها ولا صبر عليها: { ربنا } أي أيها ~~المحسن إلينا بالخلق والرزق والتربية { أخرنا } أي أمهلنا { إلى أجل قريب ~~} فإنك إن تؤخرنا إليه { نجب دعوتك } أي استدراكا لما فرطنا فيه؛ ~~والإجابة: القطع على موافقة الداعي بالإرادة { ونتبع } أي بغاية الرغبة { ~~الرسل } فيقال لهم: إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر، أولم تكونوا تقولون: إن ~~عرى صبركم لا تنحل، وحد عزائمكم لا يفل؟ { أولم تكونوا } أي كونا أنتم ~~فيه في غاية المكنة { أقسمتم } أي ms2429 جهلا وسفها أو أشرا وبطرا. # ولما لم يكن وقت إقسامهم مستغرقا للزمان قال: { من قبل } وبين الجواب ~~المقسم عليه بقوله - حاكيا معنى قولهم لا لفظه - ليكون صريحا في المراد ~~من غير احتمال لتعنت لو قيل: ما لنا؟: { ما لكم } وأكد النفي فقال: { من ~~زوال } عما أنتم عليه من الكفران وعدم الإذعان للإيمان، أو من هذه الدار ~~إلى الدار الآخرة، أو من منازلكم التي أنتم بها، كناية عن ثبات الأمر ~~وعدم المبالاة بالمخالف كائنا من كان { و } الحال أنكم { سكنتم } أي في ~~الدنيا { في مساكن الذين ظلموا } أي بوضع الأشياء في غير مواضعها كما ~~فعلتم أنتم { أنفسهم } فأحلوا قومهم مثلكم دار البور { وتبين } أي غاية ~~البيان { لكم } بالخبر والمشاهدة. # ولما كان حال أحدهم في غاية العجب، بنه بالاستفهام على أنه أهل لأن يسأل ~~عنه فقال: { كيف فعلنا } أي على عظمتنا { بهم } حين انتقمنا منهم فلم ~~تعتبروا بأحوالهم { وضربنا } أي على ما لنا من العظمة { لكم الأمثال * } ~~المبينة أن سنة الله جرت - ولن تجد لسنة الله تبديلا - أن الظالمين كما ~~جمعهم اسم الظلم يجمعهم ميسم الهلاك، فجمعنا لكم بين طريقي الاعتبار: ~~السمع والبصر، ثم لم تنتفعوا بشيء منهما { و } الحال أنه بان لكم أنهم ~~حين فعلنا بهم ما فعلنا { قد مكروا مكرهم } أي الشديد العظيم الذي ~~استفرغوا فيه جهدهم بحيث لم يبق لهم مكر غيره في تأييد الكفر وإبطال ~~الحق؛ والمكر: الفتل إلى الضرر على وجه الحيلة { و } الحال أنه { عند ~~الله } أي المحيط علما وقدرة { مكرهم } هو وحده به عالم من جميع وجوهه ~~وإن دق، وعلى إبطاله قادر وإن جل { وإن كان مكرهم } من القوة والضخامة { ~~لتزول } أي لأجل أن تزول { منه الجبال * } والتقدير على قراءة فتح اللام ~~الأولى ورفع الثانية: وإن كان بحيث إنه تزول منه الجبال، والمعنيان ~~متقاربان، وقيل: " إن " نافية، واللام لتأكيد النفي؛ والجبال: الآيات ~~والشرائع، بل هي أثبت. ### || [14.47-52] # ولما تقرر ذلك من علمه سبحانه وقدرته، تسبب عنه أن يقال وهو كما تقدم في ~~أن المراد الأمة ms2430 لبلوغ الأمر كل مبلغ، خوطب به الرأس ليكون أوقع في ~~قلوبهم: { فلا تحسبن الله } أي الذي له الكمال كله، فإن من ظن ذلك كان ~~ناقص العقل { مخلف وعده رسله } في أنه يعز أوليائه ويذل أعداءه ويهلكهم ~~بظلمهم، ويسكن أولياءه الأرض من بعدهم؛ ثم علل ذلك بقوله - مؤكدا لأن ~~كثرة المخالفين وقوتهم على تمادي الأيام تعرض السامع للإنكار: { إن الله ~~} أي ذا الجلال والإكرام { عزيز } أي يقدر ولا يقدر عليه { ذو انتقام * } ~~ممن يخالف أمره. # ولما تقررت عظمة ذلك اليوم الذي تشخص فيه الأبصار، وكان أعظم يوم يظهر ~~فيه الانتقام، بينه بقوله: { يوم تبدل } أي تبديلا غريبا عظيما { ~~الأرض } أي هذا الجنس { غير الأرض } أي التي تعرفونها { والسماوات } بعد ~~انتشار كواكبها وانفطارها وغير ذلك من شؤونها؛ والتبديل: تغيير الشيء أو ~~صفته إلى بدل { وبرزوا } أي الظالمون الذين كانوا يقولون: إنهم لا يعرضون ~~على الله للحساب؛ والبروز: ظهور الشخص مما كان ملتبسا به { لله } أي ~~الذي له صفات الكمال { الواحد } الذي لا شريك له { القهار * } الذي لا ~~يدافعه شيء عن مراده، فصاروا بذلك البروز بحيث لا يشكون أنه لا يخفى منهم ~~خافية، وأما المؤمنون فلم يزالوا يعلمون ذلك: روى مسلم والترمذي عن عائشة ~~رضي الله عنها قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن قوله ~~تعالى: { يوم تبدل الأرض } الآية قلت: يا رسول الله فأين يكون للناس ~~يومئذ؟ قال: على الصراط. # ولما ذكر بروزهم له ذكر حالهم في ذلك البروز فقال: { وترى المجرمين } أي ~~وتراهم، ولكنه أظهر لتعدد صفاتهم التي أوجبت لهم الخزي؛ والإجرام: قطع ما ~~يجوز من العمل بفعل ما لا يجوز { يومئذ } أي إذ كانت هذه الأمور العظام { ~~مقرنين } أي مجموعا كل منهم إلى نظيره، أو مجموعة أيديهم إلى أعناقهم ~~جمعا فيه شدة وضيق { في الأصفاد * } أي القيود، والمراد هنا الأغلال، أي ~~السلاسل التي تجمع الأيدي فيها إلى الأعناق ويقرنون فيها مع أشكالهم؛ ثم ~~بين لباسهم بقوله: { سرابيلهم } أي قمصهم السابغة { من قطران } وهو ما ~~يهنأ به ms2431 الإبل، ومن شأنه أنه سرع فيه اشتعال النار، وهو أسود اللون منتن ~~الريح. # ولما كان هذا اللباس مع نتنه وفظاعته شديد الانفعال بالنار، بين أنه ~~يسلطها عليهم فقال: { وتغشى } ولما كان الوجه أشرف ما في الحيوان، ~~فإهانته إهانة عظيمة لصاحبه، ذكره وقدمه تعجيلا لإفهام الإهانة فقال: { ~~وجوههم النار } أي تعلوها باشتعالها، فعلم أنه يلزم من غشيانها لها ~~اضطرامها فيما ضمخ بالقطران من باب الأولى؛ ثم بين علة هذه الأفعال في ~~ذلك اليوم، فقال معبرا بالجزاء والكسب الذي هو محط التكليف وظن النفع، ~~لاقتضاء سياق القهر لهما: ب { ليجزي الله } أي الذي له الكمال كله { كل ~~نفس } طائعة أو عاصية. # ولما عظم الأمر بإسناد الجزاء إلى الاسم الأعظم الجامع لجميع صفات ~~الكمال، اقتضى ذلك أن يكون نفس الكسب هو الجزاء، لأن ذلك أبدع وأدق في ~~الصنع وأبرع بأن يصور بما يحق من الصور المليحة عند إرادة الثواب، ~~والقبيحة عند إرادة العقاب، فلذلك أسقط الباء - التي ستذكر في " حم ~~المؤمن " وقال: { ما كسبت } والجزاء: مقابلة العمل بما يقتضيه من خير أو ~~شر؛ والكسب: فعل ما يستجلب به نفع أو يستدفع به ضر، ومن جزاء المؤمن ~~عقوبة من عاداه في الله. # ولما كان حساب كل نفس جديرا بأن يستعظم، قال: { إن الله } أي الذي له ~~الإحاطة المطلقة { سريع الحساب * } أي لا يشغله حساب نفس عن حساب أخرى ~~ولا شأن عن شأن. # ولما اشتملت هذه السورة على ما قرع سمعك من هذه المواعظ والأمثال والحكم ~~التي أبكمت البلغاء، وأخرست الفصحاء، وبهرت العقول، ترجمها سبحانه بما ~~يصلح عنوانا لجميع القرآن فقال: { هذا } أي الكتاب الذي يخرج الناس من ~~الظلمات إلى النور { بلاغ } أي كاف غاية الكفاية في الإيصال { للناس } ~~ليصلوا به إلى الله بما يتحلون به من المزايا في سلوك صراطه القويم، فإن ~~مادة " بلغ " بأي ترتيب كان - تدور على الوصول، وتارة تلزمها القوة وتارة ~~الإعياء الناشىء عن الضعف: # بلغ المكان بلوغا: وصل إليه؛ وبلغ الرجل - كعني: جهد، والبليغ: الفصيح ~~يبلغ بعبارته كنه ضميره، والبلاغ ms2432 - كسحاب: الكفاية، لأنها توصل إلى ~~القصد، وبالغ مبالغة - إذا اجتهد ولم يقصر، وتبلغت به العلة: اشتدت. # والغلباء: الحديقة المتكاثفة، ومن القبائل: العزيزة الممتنعة، والأغلب: ~~الأسد. # ولغب: أعيا - لاجتهاده في البلوغ، واللغب: ما بين الثنايا من اللحم، ~~واللغب - ككتف: الكلام الفاسد - يرجع إلى الإعياء، وكذا الضعيف الأحمق، ~~والسهم الذي لم يحسن بريه كاللغاب - بالضم، والتغلب: طول الطرد. # والبغل من أشد الحيوان وأبلغها للقصد، وبغل تبغيلا: بلد وأعيا، ~~والإبل: مشت بين الهملجة والعنق. # ولما كان متعلق البلاغ الذي قدرته بالوصول يتضمن البشارة، عطف عليه ~~النذارة بانيا للمفعول، لأن النافع مطلق النذارة، وكل أحد متأهل لأن ~~يكون واعظا به مقبولا، لأن من سمعه فكأنما سمعه من الله لتميزه بإعجازه ~~عن كل كلام، فقال: { ولينذروا } أي من أي منذر كان فيقوم عليهم الحجة { ~~به } فيحذروا عقاب الله فيتخلوا عن الدنايا. # ولما أشار إلى جميع الفروع فعلا وتركا، مع إشارته إلى أصل التوحيد ~~لأنه أول الوصول، صرح به على حدته لجلالته في قوله: { وليعلموا أنما هو } ~~أي الإله { إله واحد } فيكون همهم واحدا. # ولما تمت الإشارة إلى الدين أصلا وفرعا، نبه على المواعظ والأمثال ~~بتذكر ما له من الآيات والمصنوعات، والبطش بمن خالفه من الأمم، وأشار إلى ~~أن أدلة الوحدانية والحشر لا تحتاج إلى كبير تذكر، لأنها في غاية الوضوح ~~ولا سيما بعد تنبيه الرسل، فأدغم تاء التفعل، فقال: { وليذكر } أي منهم { ~~أولوا الألباب * } أي الصافية، والعقول الوافية، فيفتحوا عيون بصائرهم ~~فيعلموا أنه لا وصول لهم مع الغفلة فيلزموا المراقبة فلا يزالوا في رياض ~~المقاربة. ويعلموا - بما ركز في طبائعهم وجرى من عوائدهم - أن أقل حكامهم ~~لا يرضى بأن يدع رعيته يتهارجون لا ينصف بينهم ولا يجزى أحدا منهم بما ~~كسب، فيكون ذلك منه انسلاخا من رتبة الحكم التي هي خاصته، فكيف يدعون ~~ذلك في أحكم الحاكمين، فقد تكفلت هذه الآية على وجازتها بجميع علم ~~الشريعة أصولا وفروعا، وعلم الحقيقة نهايات وشروعا، على سبيل الإجمال ~~وقد انطبق آخر السورة على أولها، لأن هذا عين الخروج ms2433 من الظلمات إلى ~~النور بهذا الكتاب الحامل على كل صواب - والله سبحانه وتعالى الموفق ~~للصواب وحسن المآب. ### | [15 - سورة الحجر] ### || [15.1-7] # { بسم الله } الواحد الأحد الجامع لما شتت من بدد { الرحمن } الذي جمع ~~خلقه في رحمة البيان { الرحيم * } الذي خص الأبرار بما أباحهم الرضوان. # لما ختم التي قبلها بعنوان الكتاب، ابتدأ هذه بشرح ذلك العنوان، وأوله ~~وصفه بأنه جامع والخير كله في الجمع والشر كله في الفرقة، فقال تعالى: { ~~الر تلك } أي هذه الآيات العالية المقام، النفسية المرام { آيات الكتاب } ~~أي الكامل غاية الكمال الذي لا كتاب على الحقيقة غيره، الجامع لجمع ما ~~يقوم به الوجود من الخيرات، القاطع في قضائه من غير شك ولا تردد، الغالب ~~بأحكامه القاهرة في وعده ووعيده وأحكامه في إعجازه لجميع من يعانده. # ولما كان الغالب في هذه السورة القطع الذي هو من لوازم الكتاب قدمه، ~~وذلك أنه قطع بأمر الأجل والملائكة، وحفظ الكتاب والرمي بالشهب، وكفاية ~~المستهزئين، فكان كما قال سبحانه { و } آيات { قرآن } أي قرآن جامع ناشر ~~مفصل واصل، إذ التنوين للتعظيم { مبين * } لجميع ما يجمع الهمم على الله ~~فيوصل إلى السعادة، وهذه الإبانة - التي لم تدع لبسا - هو متصف بها، مع ~~كونه جامعا للأصول ناشرا للفروع لا خلل فيه يدخل منه عليه، ولا فصم ~~يؤتى منه إليه، فأعجب لأمر حاو لجميع وفرق وفصل ووصل: والإبانة: إظهار ~~المعنى للنفس بما يميزه عن غيره، لأن أصل الإبانة الفصل: فهذا شرح كونه ~~بلاغا، فمقصود هذه السورة اعتقاد كون القرآن بلاغا جامعا للأمور ~~الموصلة إلى الله، مغنيا عن جميع الأسباب، فلا ينبغي الالتفات إلى شيء ~~سواه { ذرهم يأكلوا } ، { لا تمدن عينيك } { واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ~~} وكان الجمع بين الوصفين الدال كل منهما على الجمع إشارة إلى الرد عليهم ~~في جعلهم القرآن عضين، وأن قولهم شديد المباعدة لمعناه. مع أن المفهومين ~~- مع تصادقهما على شيء واحد - متغايران، فالكتاب: ما يدون في الطروس، ~~والقرآن: ما يقرأ باللسان، فكأن الأول إشارة إلى حفظه في الطروس ~~بالكتابة، والثاني إلى ms2434 حفظه في الصدور بالدراسة، وسيأتي قوله { وإنا له ~~لحافظون } مؤيدا لذلك، وكل من مادتي كتب وقرأ بجميع التقاليب تدور على ~~الجمع. # أما " كتب " - وتنقلب إلى كبت وتبك وبكت وبتك - فقال في المجمل: كتبت ~~الكتاب أكتبه وهو من الجمع، والكتاب أيضا: الدواة - تسمية للشيء باسم ما ~~هو آلته، والمكتب - كمعظم: العنقود أكل بعض ما فيه - تشبيها له ~~بالمكتوب، والكتيبة: الجيش والجماعة المستحيزة من الخيل إذا أغارت من ~~المائة إلى الألف - انتهى. وكتبت البغلة - إذا جمعت بين شفري رحمها ~~بحلقة؛ وقال القزاز: وأصله - أي الكتاب - ضمك الشيء إلى الشيء، فكأنه سمي ~~بذلك لضم الحروف بعضها إلى بعض، كتبت المزادة - إذا خرزتها، يعني: فضممت ~~بعضها إلى بعض. # والكتبة - بالضم: السير يخرز به، وما يكتب به حياء الناقة لئلا ينزي ~~عليها، والإكتاب: شد رأس القربة، والكتيبة: جماعة تكتبوا، أي تجمعوا، ~~وتكتب الرجل - بتقديم الموحدة - إذا تقبض، ومنه الكتاب - بضم الكاف ~~وتخفيف التاء الفوقانية لسهم صغير يتعلم به الصبيان الرمي - كذا قال ~~القزاز إنه مخفف، وفي القاموس: وزنه كرمان - وزاد أنه مدور الرأس، وكتبت ~~الناقة تكتيبا: صررتها، واكتتب بطنه: أمسك، والمكتوتب: الممتلىء ~~والمنتفخ؛ ويلزم الجمع القطع والغلبة التي هي من لوازم القدرة، فمن ~~القطع: الكتاب بمعنى الفرض والحكم والقدر؛ والبتك: القطع ولذلك قيل ~~للسيف: باتك، أي قاطع، ومن الغلبة والقدرة: الكتاب بمعنى القدر، قال ابن ~~الأعرابي: والكاتب عندهم العالم، وقال القزاز: والكاتب: الحافظ، وهذان ~~يرجعان أيضا إلى نفس الجمع - لجمع الحافظ المحفوظ والعالم المعلوم؛ وكبت ~~الله العدو - بتقديم الموحدة: صرفه ذليلا، وهو من تكبت الرجل - إذا ~~تقبض، وعبارة القزاز: كبت أعداءه: ردهم بغيظهم، أي فانقمعوا وانجمعوا عما ~~كانوا انتشروا له، وكبت الرجل - إذا صرعه على وجهه، وبكته تبكيتا - إذا ~~أنبه أو ضربه بعصى أو سيف ونحوهما، لما يلزمه من تصاغر نفسه وتقبضها. # وأما قرأ، مهموزا - وينقلب إلى رقأ، وأرق، وأقر، وغير مهموز يائيا ~~وتراكيبه خمسة: قري، وقير، ورقي، وريق، وواويا وتراكيبه ستة: قرو، وقور، ~~ورقو، وروق، ووقر، وورق - فهو للجمع أيضا، ويلزمه الإمساك، وربما كان ms2435 ~~عنه الانتشار، فمن الجمع: قرأت القرآن، أي تلوته فجعلت بعض حروفه وكلماته ~~وآياته تاليا لبعض متصلا به مجموعا معه، ويلزم القراءة النسك، ومنه ~~القارىء والمتقرىء والقراء - كرمان. أي الناسك، ويلزم عنه الفقه، ولذا ~~قيل: تقرأ - إذا تفقه، وهو من الجمع نفسه أيضا لأن الناسك جمع النسك إلى ~~القراءة وانجمع همه، والفقيه جمع الفقه إليها؛ قال في المجمل: والقرآن من ~~القرء وهو الجمع، أي وزنا ومعنى، وفي القاموس: وقرأ عليه السلام: أبلغه ~~كأقرأه، ولا يقال: أقرأه، إلا إذا كان السلام مكتوبا؛ وقال الزبيدي في ~~مختصر العين: وقرأت المرأة قرءا، إذا رأت دما، وأقرأت - إذا حاضت فهي ~~مقرىء - انتهى. فكأنه عبر بذلك عند رؤية الدم لأنه لا يعرف أن المرأة ~~جمعته إلا برؤيته، وهو من الانتشار الذي قد يلزم الجمع، أو يكون فعل هنا ~~للإزالة، فمعناه: أزالت إمساك الدم كما أن هذا معنى أقرأت فإن فعل - ~~لخفته وكثرة دوره - يتصرف في معاني جميع الأبواب، وقال في المجمل: وأقرأت ~~المرأة: خرجت من طهر إلى حيض أو حيض إلى طهر، قلت: فالأول يكون فيه أفعل ~~للإزالة، والثاني للدخول في الشيء كما تقول: اتهم الرجل وأنجد - إذا دخل ~~في تهامة أو نجد، قال: والقرء: وقت يكون للطهر مرة وللحيض مرة، قلت: ~~فالأول للجمع نفسه، والثاني لأنه دليل الجمع، قال: والجمع قروء، ويقال: { ~~القروء } هو الطهر، وذلك أن المرأة الطاهرة كان الدم اجتمع وامتسك في ~~بدنها فهو من: قريت الماء، وقرى الآكل الطعام في شدقه، وقد يختلف اللفظان ~~فيهمز أحدهما ولا يهمز الآخر، والمعنى واحد إذا كان الأصل واحدا، وقوم ~~يذهبون إلى أن القرء: الحيض، وفي القاموس: والقرء - ويضم: الحيض والطهر ~~ضد - وقد تقدم تخريج ذلك، والوقت - لأنه جامع لما فيه، والقافية - لأنها ~~جامعة لشمل الأبيات، جمعه أقرؤ وقروء، وجمع الحيض أقراء، وكأن العلة في ~~ذلك أنه لما كان جمع الكثرة هو الأصل في الجمع، لأن المراد بالجمع نفسه ~~الكثرة، فكلما كان أكثر كان به أجدر، لما كان الأصل كذلك، وكان القرء ~~بمعنى الطهر هو الأصل ms2436 في مدلول الجمع، كان أحق بجمع الكثرة الذي هو أعرق ~~في الجمع، ولما كان القرء بمعنى الحيض فرعا، كان له جمع القلة الذي هو ~~فرع في باب الجمع؛ وأقرأت: حاضت وطهرت، وأقرأت الرياح: هبت لوقتها - لأن ~~هبوبها دال على اجتماعها كظهور دم الحيض، وقرأ الشيء: جمعه وضمه، ~~والحامل: ولدت - لأن ظهور الولد هو المحقق لجمعها إياه في بطنها، وأقرأ: ~~رجع ودنا وأخر واستأخر وغاب وانصرف وتنسك كتقرأ، بعضه للإيجاب وبعضه ~~للسلب، والمقرأة - كمعظمة: التي ينتظر بها انقضاء أقرائها، وقد قرئت: ~~حبست لذلك، وأقراء الشعر: أنواعه وانحاؤه - لأنها جامعة للأجزاء، والقرءة ~~- بالكسر: الوباء - لجمعه الهم، واستقرأ الجمل الناقة: تاركها لينظر ~~ألقحت أم لا - من التتبع والسبر، وهو بمعنى جمع الأدلة، وقرأت الناقة - ~~إذا حملت، فهي قارىء، أي جمعت في بطنها ولدا، وأقرأت - إذا استقر الماء ~~في رحمها؛ ومن الإمساك: رقأ الدم والدمع رقوءا - إذا انقطعا، قال أبو ~~زيد: والرقوء - أي بالفتح: ما يوضع على الدم فيسكن، ورقأ بينهم: أصلح ~~وأفسد، وفي الدرجة: صعد، وهي المرقاة وتكسر، ورقأ العرق: ارتفع - منه ما ~~هو بمعنى الجمع ومنه ما هو بمعنى الانتشار والعلو الذي ربما لزماه، ومن ~~الإمساك: الأرق، وهو السهر لأنه يمسك النوم، والإرقان: دود يكون في الزرع ~~- فكأنه يوجب الهم الذي يكون عنه الأرق، ويمكن أن يكون من الانتشار الذي ~~ربما يلزم الجمع، ويمكن أن يكون من الجمع نفسه، لأنه يجمع الهم - والله ~~أعلم؛ وفي القاموس: والإرقان بالكسر: شجر أحمر، والحناء، والزعفران، ودم ~~الأخوين - كأنه سبب للعكوف عليه بالاسترواح إليه، أو أنه يجمع بصبغه ~~لونا إلى لون، والإرقان أيضا: آفة تصيب الزرع والناس كالأرقان محركة ~~وبكسرتين وبفتح الهمزة وضم الراء، والأرق والأرقان - بفتحهما، والأراق - ~~كغراب، واليرقان - محركة، وهذه أشهر داء يتغير منه لون البدن فاحشا إلى ~~صفرة أو سواد - كأن ذلك لما كان سبب الأرق كان هو الأرق البليغ، وزرع ~~مأروق وميروق: مؤوف، والأقر - بضمتين: واد واسع مملوء حمضا ومياها، وهو ~~واضح في معنى الجمع، قد مضى من هذه المادة جملة في ms2437 آخر سورة يوسف عليه ~~السلام عند قوله تعالى # إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى # [يوسف:109] وتأتي بقيتها إن شاء الله تعالى في سورة سبحان عند قوله # وفي آذانهم وقرا # [ الكهف:57]. # ولما وصف سبحانه هذا القرآن بما وصفه من العظمة والإبانة لجميع المقاصد ~~التي منها سؤال الكفرة عند رؤية العذاب التأخير للطاعة في قوله تعالى { ~~وانذر الناس يوم يأتيهم العذاب } كان كأنه قيل: ما له لم يبين للكفرة سوء ~~عاقبتهم بيانا يردهم؟ فقال سبحانه باسطا لقوله { ولينذروا به } { ربما ~~يود } أشار تعالى بكونه مضارعا إلى أن ودهم لذلك يكون كثيرا جدا ~~متكررا، وإيلاءه لربما - وإنما يليها في الأغلب الماضي - معلم بأنه ~~مقطوع به كما يقطع بالماضي الذي تحقق ووقع { الذين كفروا } أي ولو وقتا ~~ما والود: التمني وهو تقدير المعنى في النفس للاستمتاع، وإظهار ميل ~~الطباع له إليه، وفيه اشتراك بين التمني والحب - قال الرماني، وهو هنا ~~للتمني فإنه بين مودودهم بقوله: { لو كانوا } أي كونا جبليا { مسلمين * ~~} أي عريقين في وصف الإسلام من أول أمرهم إلى آخره؛ قال الرماني: ~~والإسلام: إعطاء الشيء على حال سلامة كإسلام الثوب إلى من يقصره، وإسلام ~~الصبي إلى من يعلمه، فالإسلام الذي هو الإيمان - إعطاء معنى الحق في ~~الدين بالإقرار والعمل به - انتهى. وقد كان ما أخبر الله به فقد ندم كل ~~من أسلم من الصحابة على تأخير إسلامه لما علموا فضل الإسلام ورأوا فضائل ~~السابقين - كما هو مذكور في السير وفتوح البلدان وسيكون ما شاء من ذلك في ~~القيامة وما قبلها، فالمعنى أنكم إن كذبتم في القطع - في نحو قوله # فيقول الذين ظلموا ربنا أخرنا # [ إبراهيم:44]، الآية - بأنكم ترجعون عن هذا الشمم وتتبرؤون من هذه ~~السجايا والهمم فتسألون الله تعالى في الطاعة، وقد فات الفوت بحلول حادث ~~الموت إلى غيره، فلا أقل من أن يكون عندكم شك في الأمور التي يجوز كونها، ~~ولا ينبغي حينئذ للعاقل ترك الاهتمام بالاستعداد على تقدير هذا الاحتمال، ~~هذا - أعني التقليل - مدلول " رب " ، وقال بعضهم: إنها قد ترد ms2438 للتكثير، ~~وقال الجمال ابن هشام في كتاب المغني: إنه أغلب أحوالها، واستدل بشواهد ~~لا تدل عند التأمل. ولا يصح قول من نسب إلى الكشاف ذلك، فإن كلامه مأخوذ ~~من الزجاج، وعبارة الزجاج - كما نقلها الإمام جمال الدين محمد بن المكرم ~~في كتابه لسان العرب ومن خطه نقلت: من قال: إن رب يعني بها التكثير فهو ~~ضد ما تعرفه العرب، فإن قال قائل: فلم جازت في قوله { ربما يود الذين ~~كفروا } و { رب } للتقليل؟ فالجواب أن العرب خوطبت بما تعلمه في التهدد، ~~والرجل يتهدد الرجل فيقول: لعلك ستندم على فعلك؟ وهو لا يشك أنه يندم، ~~ويقول: ربما ندم الإنسان على ما صنعت، وهو يعلم أن الإنسان يندم كثيرا، ~~ولكن مجازه أن هذا لو كان مما يود في حال واحدة من أحوال العذاب، أو كان ~~الإنسان يخاف أن يندم على الشيء لوجب عليه اجتنابه، والدليل عل أنه معنى ~~التهدد قوله تعالى { ذرهم يأكلوا ويتمتعوا } انتهى. # فقد علم من هذا أنهم يطلقونها بمعنى القلة فيما يعلمون أنه كثير إرخاء ~~للعنان وتنبيها على وجوب الأخذ بالأحوط، وذلك واقع في التهديد، وفرق ~~كبير بين ما يعلم أنه كثير من أمر خارج عن العبارة المخبر بها عنه وبين ~~ما تعرف كثرته من تلك العبارة، وزيدت ما فيها تأكيدا من حيث إنها تفهم ~~أن الأمر لا يكون إلا كذلك، ولتهيئتها لمجيء الفعل بعدها؛ قال الإمام أبو ~~حيان: والظاهر أن ما في رب، مهيئة، وذلك أنها من حيث هي حرف جر - على ~~خلاف فيه - لا يليها إلا الأسماء، فجيء بها مهيئة لمجيء الفعل بعدها، ~~وعلى كثرة مجيء رب في كلام العرب لم تجىء في القرآن إلا في هذا الموضع - ~~انتهى. ودخلت ههنا على المضارع - وهي للماضي - لأنه لصدق الوعد كأنه عيان ~~قد كان، أو لأن " ما " إذا لحقتها سوغت دخولها على المستقبل كما تدخل على ~~المعرفة - قال الرماني. # ولما طرق لهم سبحانه الاحتمال، كان كأنه قيل: هل جوزوه فأخذوا في ~~الاستعداد له؟ فقيل: بل استمروا على عنادهم، فقال ms2439 - مستأنفا ملتفتا إلى ~~ما أشار إليه في أول سورة ابراهيم في قوله # الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة # [ إبراهيم:3] من المانع لهم عن الإذعان -: { ذرهم } يا أعز الخلق عندنا! ~~كالبهائم { يأكلوا ويتمتعوا } والتمتع: التلذذ، وهو طلب اللذة حالا بعد ~~حال كالتقرب في أنه طلب القرب حالا بعد حال { ويلههم } أي يشغلهم عن أخذ ~~حظهم من السعادة { الأمل } أي رجاءهم طول العمر وبلوغ ما يقدره الوهم من ~~الملاذ من غير سبب مهيىء لذلك # ولما كان هذا امرا لا يشتغل به إلا أحمق، سبب عنه التهديد بقوله: { ~~فسوف يعلمون * } أي ما يحل بهم بعد ما فسحنا لهم من زمن التمتع. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير في برهانه: لما تقدم من وعيد الكفار ما ~~تضمنه الآي المختتم بها سورة ابراهيم من لدن قوله سبحانه # ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون # [إبراهيم:42] إلى خاتمتها، أعقب ذلك بقوله: { ربما يود الذين كفروا لو ~~كانوا مسلمين } أي عند مشاهدة تلك الأحوال الجلائل، ثم قال تعالى تأكيدا ~~لذلك الوعيد { ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون } ثم أعقب ~~تعالى: هذا ببيان ما جعله سنة في عباده من ارتباط الثواب والعقاب معجلة ~~ومؤجلة بأوقات وأحيان، لا انفكاك لها عنها ولا تقدم ولا تأخر، إذ استعجال ~~البطش في الغالب إنما يكون ممن يخاف الفوت، والعالم بجملتهم لله تعالى ~~وفي قبضته لا يفوته أحد منهم ولا يعجزه، وقال تعالى: { وما أهلكنا من ~~قرية إلا ولها كتاب معلوم } وكان هذا يزيد أيضاحا قوله عز وجل: # إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار # [إبراهيم: 42] وقوله: [ وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب } وقوله: # يوم تبدل الأرض غير الأرض # [إبراهيم: 48] الآية؛ وتأمل نزول قوله: { ربما يود الذين كفروا لو كانوا ~~مسلمين } على هذا وعظيم موقعه في اتصاله به ووضوح ذلك كله، وأما افتتاح ~~السورة بقوله: { الر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين } فإحالة على أمرين ~~واضحين: أحدهما ما نبه به سبحانه من الدلائل والآيات كما يفسر، والثاني ~~ما بينه القرآن المجيد وأوضحه وانطوى عليه من ms2440 الدلائل والغيوب والوعد ~~والوعيد وتصديق بعض ذلك بعضا، فكيف لا يكون المتوعد به في قوة الواقع ~~المشاهد، لشدة البيان في صحة الوقوع فالعجب من التوقف والتكذيب! ثم أعقب ~~هذا بقوله { ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين } انتهى. # ولما هددوا بآية التمتع وإلهاء الأمل، وكان من المعلوم جدا من أحوالهم ~~الاستعجال بالعذاب تكذيبا واستهزاء، كان الكلام في قوة أن يقال: فقالوا: ~~يا أيها الذي نزل عليه الذكر! عجل لنا ما تتوعدنا به، وكان هذا غائظا ~~موجعا حاملا على تمني سرعة الإيقاع بهم، فقيل في الجواب: إن لهم أجلا ~~بكتاب معلوم لا بد من بلوغهم له، لأن المتوعد لا يخاف الفوت فهو يمهل ولا ~~يهمل، لأنه لا يبدل القول لديه، فليستعدوا فإن الأمر غيب، فما من لحظة ~~إلا وهي صالحة لأن يتوقع فيه العذاب، فإنا لا نهلكهم إلا إذا بلغوا ~~كتابهم المعلوم { وما } جعلنا هذا خاصا بهم، بل هو عادتنا، ما { أهلكنا ~~} أي على ما لنا من العظمة، وأكد النفي فقال: { من قرية } أي من القرى. # ولما كان السياق للإهلاك واستعجالهم واستهزائهم به، وكان تقديره سبحانه ~~وكتبه من عالم الغيب، اقتضى الحال التأكيد بما يدل على أنه محتوم مفروغ ~~منه سابق تقديره على زمن الإهلاك، فأتى بالواو لأن الحال بدون الواو ~~كالجزء من سابقها كالخبر والنعت الذي لا يتم المعنى بدونه، والتي بالواو ~~هي زيادة في الخبر السابق، ولذلك احتيج إلى الربط بالواو كما يربط بها في ~~العطف، فقال: { إلا ولها } أي والحال أنه لها في الإهلاك أو لإهلاكها { ~~كتاب معلوم * } أي أجل مضروب مكتوب في اللوح المحفوظ، أو يكون التقدير: ~~فسوف يعلمون إذا جاءهم العذاب في الأجل الذي كتبناه لهم: هل يودون ~~الإسلام أم لا؟ ثم بين الآية السابقة بقوله: { ما تسبق } وأكد الاستغراق ~~بقوله: { من أمة } وبين أن المراد بالكتاب الأجل بقوله: { أجلها } أي ~~الذي قدرناه لها { وما يستأخرون * } أي عنه شيئا من الأشياء، ولم يقل: ~~تستأخر - حملا على اللفظ كالماضي، لئلا يصرفوه إلى خطابه صلى الله عليه ~~وعلى ms2441 آله وسلم تعنتا. # ثم لما أجابهم بهذا الجواب الدال على تمام القدرة وكمال العلم الدالين ~~على الوحدانية، عطف على ما تقدم أنه في قوة الملفوظ قوله دالا على تركهم ~~الجواب إلى التعنت والسفه: { وقالوا } أي لم يجوزوا أنهم يودون ذلك، بل ~~استمروا على العناد وقالوا: { يأيها الذي } ولما كان تكذيبهم بالتنزيل ~~نفسه، بني للمفعول قوله: { نزل عليه } أي بزعمه { الذكر } وبينوا أنهم ما ~~سموه تنزيلا إلا تهكما، فقالوا مؤكدين لمعرفتهم بأن قولهم منكر: { إنك ~~لمجنون } أي بسبب ادعائك أن الله أنزل عليك ذكرا والذي تراه جني يلقى ~~إليك تخليطا، فكان هذا دليلا على عنادهم، فإنهم أقاموا الشتم مقام ~~الجواب عما مضى صنعه المغلوب المقطوع في المناظرة، تم أتبعوه ما زعموا ~~أنه دليل على قولهم فقالوا: { لو ما } أي هلا ولم لا { تأتينا بالملائكة ~~} دليلا على صدقك إما للشهادة لك وإما لإهلاك من خالفك { إن كنت } أي ~~جبلة وطبعا { من الصادقين * } فيما تقول، أي ما وجه اختصاصك عنا بنزول ~~الملائكة عليك ورؤيتك إياهم وأنت مثلنا في الإنسانية والنسب والبلد؟ هذا ~~بعد أن قامت على صدقه الأدلة القاطعة والبراهين الساطعة التي أعظمها ~~القرآن الداعي لهم إلى المبارزة كل حين المبكت لهم بالعجز عن المساجلة كل ~~وقت. ### || [15.8-15] # ولما كان في قولهم أمران، أجاب عن كل منهما على طريق الاستئناف على ~~تقدير سؤال من كأنه قال: ربما إذا أجابهم؟ فقيل: أجاب عن الثاني لأنه ~~أقرب بقوله: { ما ننزل الملائكة } أي هذا النوع { إلا } تنزلا ملتبسا ~~{ بالحق } أي بسبب عمل الأمر الثابت، وهو معنى ما قال البخاري في كتاب ~~التوحيد: قال مجاهد: بالرسالة والعذاب، وأما على الرسل فبالحق من ~~الأقوال، وأما على المنذرين فبالحق من الأفعال من الهلاك والنجاة، فلو ~~نزلوا عليهم كما اقترحوا لقضي الأمر بينك وبينهم فهلكوا { وما كانوا } أي ~~الكفار { إذا } أي إذ تأتيهم الملائكة { منظرين * } أي حاصلا لهم ~~الإنظار على تقدير من التقادير، لأن الأمر الثابت يلزمه نجاة الطائع ~~وهلاك العاصي في الحال من غير إمهال، وكان حينئذ يفوت ما ms2442 قضينا به من ~~تأخيرهم وإخراج من أردنا إيمانه من أصلابهم، وأجاب سبحانه عن الأول بقوله ~~مؤكدا لتكذيبهم: { إنا نحن } أي على ما لنا من العظمة لا غيرنا من جن ~~ولا إنس { نزلنا } أي بالتدريج على لسان جبريل عليه السلام { الذكر } أي ~~الموعظة والشرف { وإنا له } أي بعظمتنا وإن رغمت أنوف الحاسدين { لحافظون ~~* } أي دائما، بقدرتنا وعلمنا، لما في سورة هود من أن ذلك لازم للحفظ ~~فانتفى حينئذ جواز أن ينزل على مجنون مخلط لا سيما وهو على هذه الأساليب ~~البديعة والمناهيج الرفيعة، فكأن المعنى: أرسلناك به حال كونك بشرا لا ~~ملكا قويا سويا، يعلمون أنك أكملهم عقلا، وأعلاهم همة، وأيقنهم ~~فكرا، وأتقنهم أمرا وأوثقهم رأيا، وأصلبهم عزيمة؛ روى البخاري في ~~التفسير والفتن عن زيد بين ثابت رضي الله عنه قال: أرسل إلي أبو بكر رضي ~~الله عنه مقتل أهل اليمامة وعنده عمر رضي الله عنه، فقال أبو بكر: إن عمر ~~أتاني فقال: إن القتل قد استحر يوم اليمامة بالناس - وفي رواية: بقراء ~~القرآن - وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن، فيذهب كثير من ~~القرآن، إلا أن تجمعوه، وإني لأرى أن تجمع القرآن، قال أبو بكر: فقلت ~~لعمر: كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ ~~فقال عمر: هو والله خير! فلم يزل عمر يراحعني فيه حتى شرح الله لذلك ~~صدري، ورأيت الذي رأى عمر. قال زيد بين ثابت: وعمر جالس عنده لا يتكلم، ~~فقال أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل ولا نتهمك، كنت تكتب الوحي لرسول الله ~~صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فتتبع القرآن فاجمعه، فوالله لو كلفني نقل ~~جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن، قلت: كيف ~~تفعلان شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقال أبو ~~بكر: هو والله خير! فلم أزل أراجعه حتى شرح الله صدري للذي شرح الله له ~~صدر أبي بكر وعمر، فقمت فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع ms2443 والأكتاف والعسب ~~وصدور الرجال، حتى وجدت من سورة التوبة آيتين مع خزيمة - أو أبي خزيمة - ~~الأنصاري، لم أجدهما - أي مكتوبتين - عند أحد غيره { لقد جاءكم رسول من ~~أنفسكم } - إلى آخرها، وكانت الصحف التي جمع فيها القرآن عند أبي بكر حتى ~~توفاه الله تعالى ثم عند عمر حتى توفاه الله، ثم حفصة بنت عمر - رضي الله ~~عنهم. # وساق هذا الأثر أيضا في فضائل القرآن، وروي بعده عن أنس رضي الله عنه ~~أن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قدم على عثمان رضي الله عنه، وكان يغازي ~~أهل الشام في فتح أرمينية وآذربيجان مع أهل العراق فأفزع حذيفة رضي الله ~~عنه اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان رضي الله عنهما: يا أمير ~~المؤمنين! أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود ~~والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة - رضي الله عنهما أن أرسلي إلينا بالصحف ~~ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد ~~بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن ~~هشام رضي الله عنهم، فنسخوها في المصاحف؛ وقال عثمان رضي الله عنه للرهط ~~القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن ~~فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم، ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في ~~المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، ~~وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق. وله عن خارجه بن ~~زيد بن ثابت أنه سمع زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: لما نسخنا الصحف في ~~المصاحف فقدت آية من سورة الأحزاب كنت كثيرا أسمع الرسول صلى الله عليه ~~وعلى آله وسلم يقرأها، لم أجدها مع أحد إلا مع خزيمة الأنصاري - وفي ~~رواية: فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة - الذي جعل رسول الله صلى الله عليه ~~وعلى آله وسلم شهادته شهادة رجلين # من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه # [الأحزاب:23] فألحقناها في سورتها في المصحف. ms2444 وفي الأثر الأول دلالة على ~~أنه كان - لما أمره الصديق رضي الله عنه - لا يكتب شيئا إلا إذا وجد ما ~~كان قد كتب منه بحضرة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأمره، وقابله ~~مع ذلك على المحفوظ في صدور الرجال؛ وفي الأخير دليل من قوله: نسخنا ~~المصحف في المصاحف - إلى آخره، أنه أعاد التتبع كما فعل أولا ليصح قوله: ~~فقدت آية من سورة الأحزاب. # لأن افتقادها فرع العلم بها، ومن أبعد البعيد أن يكون سمع النبي صلى ~~الله عليه وعلى آله وسلم كثيرا يقرأها ولا يحفظها، ولا سيما وهو مذكور ~~فيمن جمع القرآن في حياة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما رواه ~~البخاري من غير وجه عن أنس رضي الله عنه، والظاهر من مثل هذا التتبع الذي ~~لا يجوز لمن مارس أمثال هذه الهمم أن يفهم غيره أن يكون لا ينقل آية ~~إلا إذا وجد من حفاظها على حسب ما هي مكتوبة عدد التواتر والله أعلم. # ولما كان هذا الكلام الذي قالوه عليه صلى الله عليه وعلى آله وسلم شاقا ~~وله غائظا موجعا، قال تعالى تسلية له على وجه راد عليهم: { ولقد أرسلنا ~~} أي على ما لنا من العظمة والجلال والهيبة؛ ولما كان الإرسال بالفعل غير ~~عام للزمان كله، قال: { من قبلك } أي كثيرا من الرسل { في شيع } أي فرق، ~~سموا شيعا لمتابعة بعضهم بعضا في الأحوال التي يجتمعون عليها في الزمن ~~الواحد من مملكة أو عمارة أو ديانة أو نحو ذلك من الأمور الجارية في ~~العادة { الأولين * } كلهم، فما أرسلنا إلا رجالا من أهل القرى مثلك ~~يوحى إليهم، ولم نرسل مع أحد منهم ملائكة تراها أممهم، بل جعلنا مكاشفة ~~الملائكة أمرا خاصا بالرسل، فكذبوا رسلهم { وما يأتيهم } عبر بالمضارع ~~تصويرا للحال، إيذانا بما يوجب من الغضب، فإن ما تجعل المضارع حالا ~~والماضي قريبا منه، وأكد النفي فقال: { من رسول } أي على أي وجه كان { ~~إلا كانوا به } أي جبلة وطبعا { يستهزئون * } مكررين لذلك دائما، ~~فكأنهم تواصوا ms2445 بمثل هذا، ولم ينقص هذا من عظمتنا شيئا، فلا تبتئس بما ~~يفعلون بك؛ والاستهزاء في الأصل: طلب الهزوء، والمراد به هنا - والله ~~أعلم - الهزء، وهو إظهار ما يقصد به العيب على إيهام المدح كاللعب ~~والسخرية، ولعله عبر عنه بالسين المفهمة للطلب إشارة إلى أن رغبتهم فيه ~~لا تنقضي كما هو شأن الطالب للشيء، مع أنهم لا يقعون على مرادهم في حق ~~أهل الله أصلا، لأنهم لا يفعلون من ذلك فعلا إلا كان ظاهر البعد عما ~~يريدون، لظهور ما يدعو إليه حزب الله وثباته، فكانوا لذلك كطالب ما لم ~~يقع، وإنما كان الناس إلى ما يوجبه الجهل من الاستهزاء ونحوه أسرع منهم ~~إلى ما يوجبه العلم من الأخذ بالحزم والنظر في العواقب، لما في ذلك من ~~تعجل الراحة واللذة وإسقاط الكلفة بإلزام النفس الانتقال من حال إلى حال ~~- قاله الرماني. # ولما كانت قلوب أهل الضلال موصوفة بالضيق والحرج، كان الداخل إليها لا ~~يدخل إلا بغاية العسر، فلذلك قال جوابا لمن كأنه قال: أهذا خاص بهؤلاء؟ ~~فقيل: لا، بل { كذلك } أي مثل هذا السلك العجيب الشأن، وعبر بالمضارع ~~الدال مع التجدد على الاستمرار، لاقتضاء المقام له كما تقدم في أولها ~~فقال: { نسلكه } أي الذكر { في قلوب المجرمين * } أي العريقين في الإجرام ~~في كل زمن كما يسلك الخيط والرمح ونحوه فيما ينظر فيه من مخيط وغيره ~~بغاية العسر، فلا يتسع له المحل فلا ينفع، حال كونهم { لا يؤمنون به } ~~لشيء من الأشياء، لأن صدورهم لا تنشرح له كما رأيت سنتنا بذلك في قومك { ~~وقد خلت } أي مضت من قبل هذا { سنة } أي طريقة { الأولين * } بذلك، ونحن ~~قادرون على فعل ما نريد من تلك السنة بهذه الأمة من إهلاك وتيسير إيمان ~~وغير ذلك، فهو ناظر إلى قوله { وقرآن مبين } والغرض بيان أنه تعالى يعمي ~~بعض الأبصار على الجلي، ويبصر بعضها بالخفي، إظهارا للقدرة والاختيار ~~بإنفاذ الأمر على خلاف القياس. # ولما أخبره بهذه الأسرار منبئة عن أحوالهم، وكانت النفس أشد شيء طلبا ~~لقطع حجة المتعنت ms2446 بإجابة سؤله، قال تعالى مخبرا بتحقيق ما ختم به من ~~أنهم لا يؤمنون للخوارق ولو رأوا أعجب من الإيتان بالملائكة: { ولو فتحنا ~~} أي بما لنا من العظمة { عليهم } أي على من قال: لو ما تأتينا بالملائكة ~~{ بابا } يناسب عظمتنا { من السماء } وأشار إلى أن ذلك حالهم - ولو ~~كانوا في أجلى الأوقات وهو النهار - بقوله: { فظلوا } أي الكفار { فيه } ~~أي ذلك الباب العالي { يعرجون * } أي يصعدون ماشين في الصعود مشية الفرح ~~{ لقالوا } عنادا وإبعادا عن الإيمان: { إنما سكرت } أي سدت وغشيت { ~~أبصارنا } أي حتى ظننا ما ليس بواقع واقعا { بل نحن قوم } أي وإن كان ~~لنا غاية القوة على ما نريد محاولته { مسحورون * } أي ثابت وقوع السحر ~~علينا حتى صرنا نرى الأشياء على خلاف ما هي عليه ونثبت ما لا حقيقة له؛ ~~والسكر: السد بإدخال اللطيف في المسام فيمنع الشيء كمال ما كان عليه، ~~ومنه السكر بالشراب، والسحر: حيلة خفية توهم معنى المعجزة من غير حقيقة. ### || [15.16-22] # ولما كان ذكر هذه الآية السماوية على سبيل الفرض في الجواب عن إنكارهم ~~النبوة، دليلا على مرودهم على الكفر، وكان من المعلوم أن ثبوت النبوة ~~مترتب على ثبوت الوحدانية، توقع السامع الفهم الإخبار عما له تعالى من ~~الآيات المحققة الوجود المشاهدة الدالة على قدرته، فأتبعها بذلك ~~استدلالا على وحدانيته بما له من المصنوعات شرحا لقوله # وليعلموا أنما هو إله واحد # [ إبراهيم: 52] ودليلا على عدم إيمانهم بالخوارق، وابتدأ بالسماويات ~~لظهورها لكل أحد وشرفها وظهور أنها من الخوارق بعدم ملابستها والوصول ~~إليها، فقال مفتتحا بحرف التوقع: { ولقد حعلنا } أي بما لنا من العظمة ~~التي لا يقدر عليها سوانا مما هو مغن عن فتح باب ونحوه { في السماء ~~بروجا } أي منازل للقمر، جمع برج، وهو في الأصل القصر العالي أولها ~~الحمل وآخرها الحوت، سميت بذلك لأنها للكواكب السيارة كالمنازل لسكانها، ~~وهي مختلفة الطبائع، فسير الشمس والقمر بكل منها يؤثر ما لا يوثره الآخر، ~~فاختلافها في ذلك - مع أن نسبتها إلى السماء واحدة - دليل على الفاعل ~~المختار الواحد، ms2447 والعرب أعرف الناس بها وباختلافها. # ومادة " برج " بكل تقليب تدور على الظهور الملزوم للعلو الملزوم للقوة، ~~وقد يفرط فيلزمه الضعف، فمن مطلق الظهور: بروج السماء، قال القزاز: سميت ~~بروجا لأنها بيوت الكواكب، فكأنها بمنزلة الحصون لها، وقيل: سميت ~~لارتفاعها، وكل حصن مرتفع فهو برج، والبرج - أي محركا: سعة بياض العين ~~وصفاء سوادها، وقيل: البرج في العين هو أن يكون البياض محدقا بالسواد، ~~يظهر في نظر الإنسان فلا يغيب من سواد العين شيء، وتبرجت المرأة: أبدت ~~محاسنها، والجربياء: الشمال - لعلوها، والجريب: الوادي - لظهوره، ~~والجريب: مكيال أربعة أقفزة، وجريب الأرض معروف، وهو ساحة مربعة كل جانب ~~منها ستون ذراعا، ومنه الجراب - لوعاء من جلود، والجورب - للفافة الرجل، ~~لأنهما ظاهران بالنسبة إلى ما فيهما، وكذا الجربان - لغلاف السيف، وجرب ~~البئر: جوفها؛ والأرجاب: الأمعاء - شبها بالجراب؛ والبارجة: سفينة من ~~سفن البحر تتخذ للقتال، والبجرة: كل عقدة في البطن، والعجرة: كل عقدة في ~~الجسد، والبجرة: السرة الناتئة، وسرة البعير عظمت أولا، والبجر والبجري: ~~الأمر العظيم، وجاء فلان بالبجارة، وهي الداهية: وفيه ما جمع إلى الظهور ~~القوة؛ ومن ذلك رجب: اسم شهر، ورجبت الرجل: عظمته، والرجبة من وصف ~~الأدوية، والرجب: الحياء والعفو، والرجب: الهيبة؛ والمجرب: الذي بلي ~~بالشدائد؛ ورجبت النخل ترجيبا: بنيت من جانبها بناء لئلا يسقط؛ والجبر: ~~خلاف الكسر، والملك - لوجود الجبر به لقوته، وجبرت العظم، والجبارة: ما ~~يوضع على الكسر لينجبر، وجبرت الرجل: أحسنت إليه، وأجبرته: ضممته إلى ما ~~يريد، وأجبرته على كذا: قهرته عليه، أي أزلت جبره، والجيرية: العانة من ~~الحمير، وهي أيضا الأقوياء من الناس، والجبار من النخل: الطويل الفتي، ~~والجبار اسم من أسماء الله تعالى، والجبار: كل عات، وكل ما فات اليد، ~~والعظيم القوي الطويل، والمتكبر الذي لا يرى لأحد عليه حقا والمتجبر: ~~الأسد، وجبار بالضم مخففا: يوم الثلاثاء - لأن الله تعالى خلق المكروه ~~فيه - كما في الصحيح، ومن الضعف: الجبار - بالضم مخففا، وهو الهدر من ~~الدماء والحروب وغيرها، وقد يكون من جبر الكسر، لأنه جبر به المهدر عنه ~~وقوي به ms2448 وأحسن إليه، وكل ما أفسد وأهلك فهو جبار - كأنه شبه بالجبيرة ~~التي تفسد لإصلاح الكسر، والجبر: العبد - لضعفه واحتياجه إلى التقوية؛ ~~ومن الضعف أيضا الجرب بالنسبة إلى من يحل به، وهو من القوة بالنسبة إلى ~~نفسه، ومن الظهور والانتشار أيضا، والجرباء: السماء - تشبيها بالأجرب، ~~وأرض جرباء: مقحوطة؛ والتربج: التجبر، والروبج: درهم صغير؛ قال الزبيدي: ~~وهو دخيل، ومادة " جبر " منها بخصوص ترتيبها تدور على النفع، وتارة تنظر ~~إلى ما يلزمه من عدم الضر مثل الجبار بالضم مخففا لما هدر، وتارة تنظر ~~إلى ما يلزم النفع من التكبر والقهر. # ولما ذكر البروج، وصف سبحانه السماء المشتملة عليها فقال: { وزيناها } ~~أي السماء لأنها المحدث عنها بالكواكب { للناظرين } أي لكل من له أهبة ~~النظر، في دلائل الوحدانية، لا عائق له عن معرفة ذلك إلا عدم صرفه النظر ~~إليه بالبصر أو بالبصيرة { وحفظناها } أي بما لنا من العظمة { من كل ~~شيطان } أي بعيد من الخير محترق { رجيم } مستحق للرجم وهو رمي الشيء ~~بالاعتماد من غير آلة مهيأة للإصابة كالقوس فإنها للرمي لا للرجم ومستحق ~~للشتم، لأنه قوال بالظن وما لا حقيقة له { إلا من استرق السمع } منهم ~~فإنا لم نرد تمام الحفظ منه { فأتبعه } أي تبعه تبع من هو حاث لنفسه سائق ~~لها { شهاب } وهو عمود من نور يمتد بشدة ضيائه كالنار { مبين * } يراه من ~~فيه أهلية الرؤية حين يرجم به؛ روى البخاري في التفسير عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه يبلغ به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: # " إذا قضي الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله، كأنه ~~سلسلة على صفوان ينفذه ذلك، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ ~~قالوا للذي قال: الحق وهو العلي الكبير، فيسمعها مسترقي السمع ومسترقو ~~السمع، هكذا واحد فوق آخر - ووصف سفيان بيده ففرج بين أصابعه اليمنى، ~~نصبها بعضها فوق بعض - فربما أدرك الشهاب المستمع قبل أن يرمي بها إلى ~~صاحبه فيحرقه وربما لم يدركه حتى يرمي بها إلى الذي يليه إلى الذي هو ms2449 ~~أسفل منه حتى بلغوها إلى الأرض " # ، وربما قال سفيان: حتى ينتهي إلى الأرض، فتلقى على فم الساحر فيكذب ~~معها مائة كذبه فيصدق فيقولون: ألم يخبرنا يوم كذا وكذا يكون كذا وكذا ~~فوجدناه حقا للكلمة التي سمعت من السماء. قال المفسرون رضي الله عنهم: ~~كانت الشياطين لا تحجب عن السماوات فيلقون ما يسمعون منها إلى الكهنة، ~~فلما ولد عيسى عليه السلام منعوا من ثلاث سماوات، فلما ولد محمد صلى الله ~~عليه وعلى آله وسلم منعوا من السماوات كلها هكذا رأيت ولد ولعله " بعث " ~~فإن في الصحيح أن الذي منعهم نزول القرآن. # ولما ذكر آية السماء، ثنى بآية الأرض فقال: { والأرض مددناها } أي بما ~~لنا من العظمة، في الأبعاد الثلاثة: الطول والعرض والعمق، على الماء { ~~وألقينا } أي بعظمتنا { فيها } أي الأرض، جبالا { رواسي } أي ثوابت، ~~لئلا تميل بأهلها وليكون لهم علامات؛ ثم بنه على إحياء الموتى بما أنعم ~~به في الأرض بقياس جلي بقوله: { وأنبتنا فيها } أي الأرض ولا سيما الجبال ~~بقوتنا الباهرة { من كل شيء موزون * } أي مقدر على مقتضى الحكمة من ~~المعادن والنبات { وجعلنا لكم } أي إنعاما منا عليكم { فيها معايش } وهي ~~بياء صريحة من غير مد، جمع معيشة، وهي ما يحصل به العيش من المطاعم ~~والملابس والمعادن وغيرها { ومن لستم } أي أيها الأقوياء الرؤساء { له ~~برازقين * } مثلكم في ذلك، جعلنا له فها معايش من العيال والخدم وسائر ~~الحيوانات التي تنتفعون بها وإن ظننتم أنكم ترزقونهم، فإن ذلك باطل لأنكم ~~لا تقدرون على رزق أنفسكم فكيف بغيركم؟ فلما ظهر كالشمس كمال قدرته وأنه ~~واحد لا شريك له، بين أنه - كما كانت هذه الأشياء عنده بحساب قدره على ~~حكمة دبرها - كان غيرها كذلك، فذلك هو المانع من معاجلتهم بما يهزؤون به ~~من العذاب، فقال: { وإن } أي وما { من شيء } أي مما ذكر وغيره من الأشياء ~~الممكنة، وهي لا نهاية لها { إلا عندنا } أي لما لنا من القدرة الغالبة { ~~خزائنه } أي كما هو مقرر عندكم، لا تنازعون فيه، قال في الكشاف: ذكر ms2450 ~~الخزائن تمثيل { وما ننزله } أي مطلق ذلك الشيء لا بقيد عدم التناهي، فإن ~~كل ما يبرز إلى الوجود متناه، فهو استخدام { إلا بقدر معلوم * } على حسب ~~التدريج كما ترونه؛ وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: ليس عام بأمطر من ~~عام، ولكن الله يقسمه ويقدره في الأرض كيف يشاء، عاما ههنا وعاما ههنا، ~~وربما كان في البحر. فهذا دليل قطعي على أن الفاعل المخصص له بوقت دون ~~وقت وأرض دون أخرى فاعل واحد مختار. # فلما تم ما أراد من آيتي السماء والأرض، وختمه بشمول قدرته لكل شيء، ~~أتبعه ما ينشأ عنهما مما هو بينهما مودعا في خزائن قدرته فقال: { ~~وأرسلنا } أي بما لنا من التصريف الباهر { الرياح } جمع ريح، وهي جسم لطف ~~منبث في الجو سريع المر { لواقح } أي حوامل تحمل الندى ثم تمجه في السحاب ~~التي تنشئها، فهي حوامل للماء، لواحق بالجو، قوته على ذلك عالية حسا ~~ومعنى؛ والريح: هواء متحرك، وحركته بعد أن كان ساكنا لا بد لها من سبب، ~~وليس هو نفس كونه هواء ولا شيئا من لوازم ذاته، وإلا دامت حركته. # فليست إلا بتحريك الفاعل الواحد المختار { فأنزلنا } أي بعظمتنا بسبب ~~تلك السحائب التي حملتها الرياح { من السماء } أي الحقيقية أو جهتها أو ~~السحاب، لأن الأسباب المتراقية بسند الشيء تارة إلى القريب منها وتارة ~~إلى البعيد وأخرى إلى الأبعد { ماء } وهو جسم مائع سيال، به حياة كل ~~حيوان من شأنه الاغتذاء { فأسقيناكموه } جعلناه لكم سقيا، يقال: سقيته ~~ماء أي ليشربه، وأسقيته أي مكنته منه ليسقي به ماشيته ومن يريد. ونفى ~~سبحانه عن غيره ما أثبته أولا لنفسه فقال { وما أنتم له } أي ذلك الماء ~~{ بخازنين * } والخزن: وضع الشيء في مكان مهيأ للحفظ، فثبت أن القادر ~~عليه واحد مختار. # ومادة " لقح " بتقاليبها الست تدور على اللحاق، وتلزمه القوة والعلو ~~حسا أو معنى، فاللقاح اسم ماء الفحل - لأنه يلحق الأنثى فتحمله، وقد ~~ألقح الفحل الناقة، ولقحت لقاحا: حملت، والملقوح: ما لقحته من الفحل، أي ~~أخذته، وهي الملاقيح - يعني ms2451 الأجنة، واللقحة: الناقة الحلوب - لأنها أهل ~~لأن يلحقها جائع، وألقح القوم النخل ولقحوها - إذا ألحقوها بالفحالة ~~فعلقوها عليها. # والقاحل: اليابس من الجلود، لأن أجزاءه تلاحق بعضها ببعض فضمرت، ومنه ~~شيخ قاحل. # واللحق: كل شيء لحق شيئا أي أدركه، والملحق: الدعي - لأنه متهيىء لأنه ~~يستلحقه كل من يريده، والملحاق: الناقة التي لا يفوتها الإبل: قال ~~الزبيدي في مختصر العين: وفي القنوت: إن عذابك بالكغار ملحق - بالكسر، أي ~~لاحق - لغة. # والحقل: القراح الطيب - لتهيئها لمن يلحق بها، وقيل: هو الزرع إذا تشعب ~~ورقة، وهو من ذلك أيضا ومن لحوقه بالحصاد فيصير كالمحلوق، والحقيل: نبت، ~~والحقيلة: الماء الرطب، أي الأخضر من البقل والشجر في الأمعاء منه، ~~والحقيلة: حشافة التمر - للحاق كل من أرداه به، والحوقلة: الغرمول اللين ~~- كأنه مشبه بالنبت الأخضر، أو لإمكان تثنيه كل وقت ولحوق بعض أجزائه ~~ببعض، والحوقل: الشيخ الضعيف النكاح - كأنه منه، والحوقلة: سرعة المشي، ~~وحقل الفرس - إذا وجع من أكل التراب - كأنه مأخوذ من الحقل، وحوقل الشيخ: ~~اعتمد بيديه على خصره إذا تمشى - كأنه للحاق يديه خصره. # والحلق مساغ الطعام والشراب، وحلوق الأرض: أوديتها ومجاريها - للحاق ~~المياه بها، ولشبيهها بالحلوق، والحلق: حلق الشعر بالموسى، من اللحاق ~~والقوة، والمحالق: الأكسية الخشنة التي تحلق الشعر من خشونتها، والحالق: ~~المشؤوم الذي يحلق قومه؛ والحلق: ضرب من النبات، لورقه حموضة - كأنه ~~لسرعة لحاق الماشية به لأنه كالفاكهة لها، والحلقة: الخاتم بلا فص - ~~لتلاحق أجزائها بعضها ببعض، ومنه حلقة القوم، والحلقة: السلاح كله، إما ~~من هذا لأن منها الدروع ذات الحلق، تسمية للشيء باسم جزئه، وإما من القوة ~~والعلو المعنوي لما يلزم عنها، والحلق: المال الكثير، إما من ذلك وإما من ~~لحاق صاحبه بمراده، والحالق: الجبل المنيف - لظهوره وعلوه ولحاقه بالجو، ~~والحوقلة: القارورة الطويلة العنق، وحلق الطائر: ارتفع في الهواء، من ~~هذا؛ واللقحة: الغراب؛ والحالق من الكرم والشرى: ما تعلق منه بالقضبان، ~~فهو ظاهر في اللحاق، وحلق الضرع - إذا ارتفع إلى البطن وانضم، فهو من ~~العلو واللحاق، وقيل: إذا كثر لبنه فهو إذا ms2452 من اللحاق، وتحلق القمر: ~~صارت حوله دارة، وحلق قضيب الفرس حلقا - إذا تقشر، كأنه شبه بما حلق ~~شعره، وحي لقاح: لم يملكوا قط كأنه من القوة والعلو المعنوي؛ والقلح: ~~صفرة تعلو الأسنان، فهو من اللحاق مع العلو، ويسمى الجعل أقلح من هذا. ### || [15.23-26] # فلما تقرر تفصيل الخبر عما هو سبب للاحياء في الجملة، فتهيأت النفس ~~للانتقال منه إلى الإحياء الحقيقي قياسا، قال تعالى: { وإنا لنحن نحيي } ~~أي لنا هذه الصفة على وجه العظمة، فنحيي بها ما نشاء من الحيوان بروح ~~البدن، ومن الروح بالمعارف، ومن النبات بالنمو، وإن كان أحدها حقيقة، ~~والآخران مجاز إلا أن الجمع بينهما جائز { ونميت } أي لنا هذه الصفة، ~~فنبرز بها من عظمتنا ما نشاء { ونحن الوارثون * } أي الإرث التام إذا مات ~~الخلائق، الباقون بعد كل شيء كما كنا ولا شيء، ليس لأحد فينا تصرف بإماتة ~~ولا إحياء، فثبت بذلك الوحدانية والفعل بالاختيار، فلما ثبت بهذا كمال ~~قدرته، وكانت آثار القدرة لا تكون محكمة إلا بالعلم، قال تعالى: { ولقد ~~علمنا } أي بما لنا من الإحاطة المعجزة { المستقدمين منكم } وهم من قضينا ~~بموته أولا، فيكون في موته كأنه يسارع إلى التقدم وإن كان هو وكل من ~~أهله مجتهدا بالعلاج في تأخيره { ولقد علمنا } بعظمتنا { المستأخرين * } ~~أي الذين نمد في أعمارهم فنؤخر موتهم حتى يكونوا كأنهم يسابقون إلى ذلك ~~وإن عالجوا الموت بشرب سم وغيره، أو عالجه لهم غيرهم بضربهم بالسيف أو ~~غيره، فعرف بذلك قطعا أن الفاعل واحد مختار، وكذا كل متقدم ومتأخر في ~~وصف من الأوصاف غير الموت، والمعنى على الأول: فنحن لا نميت أحدا قبل ~~أجله فلا تستعجلونا بالوعيد وتهيؤوا لدفاعه إن كنتم رجالا، فإنه لا بد ~~أن يأتي لأنه لا يبدل القول لدي. # ولما تم الدليل على تمام القدرة وشمول العلم، ثبت قطعا إحياء الموتى ~~لانتفاء المانع من جهة القدرة، واقتضاء الحكمة له من جهة العلم للعدل بين ~~العباد بالمقابلة على الصلاح والفساد، فقال تعالى مؤكدا لإنكارهم: { وإن ~~ربك } أي المحسن إليك بالانتقام لك ms2453 ممن يعاديك، وإقرار عينك من مخالفيك { ~~هو } أي وحده { يحشرهم } أي يجمعهم إلى أرض القيامة بعد إعادتهم؛ قال ~~الرماني: وأصله جمع الحيوان إلى مكان؛ ثم علل ذلك فقال مؤكدا لأجل ~~اعتقادهم ما يستلزم الإنكار: { إنه حكيم } أي يفعل الأشياء في أتم ~~مواضعها بحيث لا يقدر أحد على نقضها { عليم * } بالغ العلم فلا يخفى عليه ~~شيء، وهو يريد أن ترى حكمته بكشف الغطاء عند تمييز أهل السعادة والشقاء؛ ~~والحكمة: العلم الذي يصرف عما لا ينبغي، وأصلها المنع. # ولما جرت سنته الإلهية أنه يذكر ابتداء الخلق دليلا على الإعادة سابقا ~~ولاحقا، وابتدأ هنا بذكر الحشر لما قام عليه من الدليل بإحياء الأرض، ~~توقع السامع تفصيل ابتداء الخلق الذي هو أدل دليل على البعث بعد إجماله ~~في قوله { وإنا لنحن نحيي } فقال مفتتحا بحرف التوقع: { ولقد خلقنا } أي ~~بالعظمة الباهرة { الإنسان } أي الآنس بنفسه، الناسي لغيره { من صلصال } ~~أي طين يابس، له عند النقر صلصلة أي صوت شديد متردد في الهواء، فإن كان ~~فيه مد من غير ترجيع فهو صلل، فالمراد شديد يبسه ولكنه غير مطبوخ، وأما ~~المطبوخ فهو فخار: ثم بين أصل الصلصال فقال: { من حمإ } أي طين أسود ~~منتن { مسنون * } أي مصبوب مهيأ لعمل ما يراد منه بالدلك والتحسين من ~~الذهاب والاضطراب والجعل على طبع وطريقة مستوية، وكل ذلك على غاية ~~السهولة والطواعية والهوان، فذكر أصل الإنسان وما وقع له من إبليس - الذي ~~هو أصل الجن كما أن آدم عليه السلام أبو البشر - من الكيد حتى أخرجه من ~~دار الصفاء إلى دار الكدر، ليحذره العقلاء من بني آدم، وفي التنبيه ~~بابتداء الخلق على وصول البشر إلى أصل كان بمحض القدرة مخالف لهم في ~~التكوين بين أبوين، وانتهاء الجن إلى أصل ليس خلقه كخلقهم تنبيه عظيم على ~~انتهاء الموجودات إلى موجود لا يجانسهم، بل هو خالق غير مخلوق، فاعل ~~بالاختيار، واحد لا شريك له، ولا اعتراض عليه، قادر على ما يريد سبحانه، ~~وفي خلقه من الماء - الذي هو كالأب - والطين - الذي هو ms2454 كالأم - بمساعدة ~~النار والهواء من الحكمة أن يكون ملائما لما في هذا العالم، فيكون بقاءه ~~بذلك الذي خلق منه في مأكله ومشربه وملبسه وسائر أموره، وذلك أدل على ~~حكمة الخالق وعلمه ووحدانيته. # ومادة " صل " تدور على الصلصال الذي هو الطين مطلقا، أو الطين الحر ~~يخلط بالرمل، أو الطين ما لم يجعل خزفا، ويتفرع جميع معاني المادة منه، ~~لأن من لوازمه في أوله الماء واللين بنداوته وسهولة خلطه لغيره، فيأتي ~~الخفاء لأنه يغرز فيه بغير صوت، ومنها قبول التصفية من الغش، ومنها في ~~آخره الصلابة لشدة اليبس، فيلزم تضام الأجزاء وتضايقها على انتظام أو ~~غير انتظام، والصوت، وشدة الانفصال بالتشقق، ومن لوازمه التغير بالنتن، ~~فيأتي الخبث والفساد، ومن لوازمه شدة الاختلاط بحيث إذا نشب فيه شيء عسر ~~خلاصه، ومن لوازمه تميزه عما عداه، ومحل يصنع فيه. # فمن الصوت واليبس: صليل الحديد والإبل ونحو ذلك، يقال: صل الحديد ~~واللجام: امتد صوته، فإن توهم ترجيع الصوت قيل: صلصل، وصل البيض: سمع له ~~طنين عند القراع، والمسمار صليلا: ضرب فأكره أن يدخل في الشيء، والإبل ~~صليلا: يبست أمعاؤها من العطش فسمع لها صوت عند الشرب. # ومن الصوت: صلصل: أوعد وتهدد، وقتل سيد العسكر - لظهور الصيت بذلك، ~~وصلصل الرعد: صفا صوته، والكلمة: أخرجها متحذلقا، وطائر أو الفاختة، ~~والراعي الحاذق، والمصلل - كمحدث: السيد الكريم الحسيب، والخالص النسب، ~~والأسكف وهو الإسكاف عند العامة، وتصلصل الغدير: جفت حمأته، فتهيأ لأن ~~يصوت يبسه، والحلي: صوت، وحمار صلصل وصلاصل - بضمهما، وصلصال ~~ومصلصل: مصوت. # ومن النتن: صلول اللحم والماء، يقال: صل اللحم صلولا: أنتن، والماء: ~~أجن، والصليان - بكسرتين مشددة اللام: ما تغير من اللحم، والصلة - بالضم: ~~الريح المنتنة. # ومن اليبس: الصلة، وهي الجلد اليابس قبل الدباغ، والنعل، والأرض، أو ~~اليابسة - وصل السقاء صليلا: يبس. أو أرض لم تمطر بين ممطورتين، والصل - ~~بالكسر: القرن، وشجر، والسيف القاطع. # ومن النداوة: الصلة، وهي التراب الندي؛ ومن الماء أعم من أن يكون كثيرا ~~أو قليلا: الصلة للمطرة الواسعة والمتفرقة القليلة، والصلة - بالضم: ~~بقية الماء وغيره، ms2455 وكذا الصلصلة والصلصل - بضمهما: بقية الماء في الغدير، ~~وكذا من الدهن والزيت، وأما التفرق فمن التشقق، والصلة: القطعة من العشب، ~~سميت باسم المطر تسمية للمسبب باسم السبب. # ومن اللين: الصلالة - بالكسر - لبطانة الخف أو ساقها، والصلصل - كهدهد: ~~ناصية الفرس ويفتح، أو بياض في شعر معرفته، وما ابيض من شعر ظهره، وهذا ~~من التمييز أيضا؛ ومن المحل: القدح أو الصغير منه، والمصلة - بالكسر: ~~الإناء يصفى فيه الشراب؛ ومن الخبث: الصل - بالكسر للحية مطلقا، أو ~~الدقيقة الصفراء، والداهية، والتسيف القاطع - شبه بذلك لإهلاكه، وإنه لصل ~~أصلال: داه منكر في الخصومة وغيرها، وصلتهم الصالة: أصابتهم الداهية، ~~وهذا أيضا من شدة الانتشاب، ومن التشقق: الصال وهو الماء يقع على الأرض ~~فتشقق. # ومن التصفية: صللنا الحب المختلط بالتراب: صببنا فيه ماء فعزلنا كلا ~~على حياله، وصل الشراب صلا صفاه، والمصلة - بالكسر: الإناء يصفي فيه. # ومن تضام الأجزاء وتضايقها، وقد يكون مع الانتظام ومنه: تلصيص البنيان، ~~أي ترصيصه، وقد لا يشترط فيه الانتظام ومنه: التص بمعنى التزق، واللص وهو ~~تقارب المنكبين، وتقارب الأضراس، وتضام مرفقي الفرس إلى زوره، واللصاء من ~~الجباه: الضيقة، والمرأة الملتزقة الفخدين لا فرجة بينهما، والزنجي: ألص ~~الأليتين، وإغلاق الباب؛ ومن إطلاقه على ما ليس منتظما وإن لم يكن ~~تقارب: اللصاء من الغنم، وهي ما أقبل أحد قرينها وأدبر الآخر، ومن الخفاء ~~الذي هو من لوازم الطين وهو ندي: اللص - بالفتح، وهو فعل الشيء في ستر، ~~والسارق، ويثلث. # ومادة " سن " تدور على الدلك، ويلزمه التحسين، فمن الدلك: السن - ~~بالكسر، وهو الضرس والخبة من الثوم - تشبه به، والثور الوحشي، وسنان ~~الرمح، ومكان البري من القلم، والأكل الشديد، والقرن، وشعبة المنجل، ~~ومقدار العمر - لأنه لما مر على صاحبه كان كأنه دلكه، والمسان من الإبل: ~~الكبار، وسن السكين وغيره فهو مسنون، والمسن - بالكسر: آلة السن، وسنن ~~رمحه إليه: سدده، وسن الأضراس: سوكها، والإبل: ساقها سريعا - لتدالكها ~~عند الازدحام، وسن الأمر: بينه - فكأنه هيأه لأن يركب فيدلك بالأفكار أو ~~غيرها، وسن الطين: عمله فخارا، وفلانا: طعنه بالسنان ms2456 أو عضه بالأسنان، ~~والفحل الناقة: كبها على وجهها، وعليه الدرع أو الماء: صبه، والطريقة: ~~سارها، واستن: استاك. # والفرس: قمص، والسراب: اضطرب، والسنة - بالكسر: الفأس لها خلفان، ~~والسنة - بالضم: السيرة أو الطبيعة - كأنها عولجت حتى انقادت، والسنة من ~~الله: حكمه وأمره ونهيه، وسنن الطريق - مثلثة وبضمتين: نهجه وجهته، وجاءت ~~الريح سناسن: على طريقة واحدة، والحمأ المسنون: المنتن - لأنه تهيأ لأن ~~يدلك بالآية جبلا حتى يصلح لما يستعمل فيه، والفحل يسان الناقة: يكدمها ~~ويطردها حتى ينوخها ليسفدها، والسنين - كأمير: ما يسقط من الحجر إذا ~~حككته، والأرض التي أكل نباتها كالمسنونة، والسنسن - بالكسر: العطش - ~~كأنه سن الأمعاء حتى أحرقها، ورأس المحالة، أي البكرة العظيمة، وحرف فقار ~~الظهر كالسن والسنسنة، ورأس عظام الصدر، أو طرف الضلع التي في الصدر، ~~والمستسن: الطريق المسلوك، والمستن: الأسد، والسنن - محركة: الإبل تستن ~~في عدوها، والسنينة - كسفينة: الرمل المرتفع المستطيل على وجه الأرض، وهو ~~من المسنون بمعنى المصبوب: وسنني هذا الشيء: شهى إلي الطعام - كأنه سن ~~المعدة حتى قطعت بعد كلالها، وتسانت الفحول: تكادمت، والنس: سرعة ~~الذهاب، ويلزمه تدالك الأعضاء، ونسيس الإنسان: مجهوده - لأن ذلك لا يكون ~~إلا بعد أشد الاضطراب، والنسيسة: الحشاشة، وهي بقية الروح من المريض ~~والجريح - كأنها صدمت حتى ذهب أكثرها، ونس اللحم: ذهب بلله من شدة الطبخ ~~- لأن إحراق النار أعظم دلك، وكذا نس الحطب - إذا أخرجت النار زبده على ~~رأسه - لقيام الإحراق مقام الرضخ فيما يستخرج دهنه، ونس من العطش: جف، من ~~ذلك؛ ومن التحسين: سنن المنطق - إذا حسنه، وسن الأمر: بينه، والطين: عمله ~~فخارا، والمال: أرسله في الرعي أو أحسن القيام عليه حتى كأنه صقله، ~~والشيء: صوره، والسنة - بالضم: الوجه، أو حره، أو دائرته، أو الصورة ~~أو الجبهة، ورجل مسنون الوجه: مملسه حسنه سهله، أو في وجهه وأنفه طول، ~~وكل ذلك يرجع إلى الدلك أيضا - والله أعلم. وقال أبو حيان: قال ابن عباس ~~رضي الله عنهما: المسنون: الرطب، ومعناه المصبوب، لأنه لا يكون مصبوبا ~~إلا وهو رطب؛ وقال الرازي في اللوامع: وهذا إشارة ms2457 إلى درجات خلق آدم عليه ~~السلام ومراتبه، وأشار الله تعالى إلى ذلك في مواضع مختلفة حسبما اقتضته ~~الحكمة فقال في موضع # خلقه من تراب # [آل عمران:59] إشارة إلى المبدإ الأول، وفي آخر { من طين } إشارة إلى ~~الجمع بين الماء والتراب، وفي آخر { من حمإ مسنون } إشارة إلى الطين ~~المتغير المستقر على حالة من الاعتدال تصلح لقبول الصورة، وفي آخر { من ~~صلصال } إشارة إلى يبسه وسماع صلصلة منه، وفي آخر # من صلصال كالفخار # [الرحمن:14] وهو الذي قد أصلح بأثر من النار فصار كالخذف، وبهذه القوة ~~النارية حصل في الإنسان أثر من الشيطنة - انتهى. وقال الرماني: وقد تضمنت ~~الآيات البيان عما يوجبه تقليب الحيوان من حال إلى حال من جاعل قادر ~~قلبه من أصل هو أبعد شيء من حال الحيوان إلى الحيوان، وقال: إن الحكمة ~~في جعله من الحمأة العبرة في أنه قلب من تلك الحال الحقيرة في الصفة إلى ~~هذه الحال الجليلة. ### || [15.27-30] # ولما ذكر سبحانه خلق الإنسان، أتبعه ذكر ما خلقه قبله من الجنان فقال: { ~~والجان } أي الذي هو للجن كآدم عليه السلام للناس: وقيل: هو إبليس { ~~خلقناه } وعبر عن تقليل زمان سبق خلقه وتقريبه بإثبات الجار فقال: { من ~~قبل } أي قبل خلق الإنسان { من نار السموم * } أي الحر الشديد، قيل: هي ~~نار لا دخان لها، يكون منها الصواعق، وهي بين السماء وبين الحجاب، فإذا ~~أراد الله تعالى خرقت الحجاب، فهدت إلى ما أمرت به، فالهداة التي يسمعها ~~الناس هي خرق ذلك الحجاب؛ وقال الرازي في اللوامع: نار لطيفة تناهت في ~~الغليان في أفق الهواء، وهي بالإضافة إلى النار التي جعلها الله تعالى ~~متاعا كالجمد إلى الماء والحجر إلى التراب - انتهى. وقال عبد الله: هذه ~~السموم جزء من سبعين جزءا من السموم التي خلق الله منها الجان، وهي ~~مأخوذة من دخولها بلطفها في مسام البدن، ومنه السم القاتل - انتهى. # ولما كانت نعمة الإيجاد كافية في إخلاص العبادة للموجد، ثم لم يعتبرها ~~أهل الضلال، أشار تعالى إلى نعمة هي أكبر منها، ms2458 وهي التفضيل على جميع ~~المخلوقات على وجه مبين لسبب الضلال، فقال عاطفا على ما تقديره: اذكر ~~هذا فإنه كاف في المراد لكل ذي لب: { وإذ } أي واذكر قول ربك إذ { قال ~~ربك } أي المحسن إليك بتشريف أبيك آدم عليه السلام لتشريفك { للملائكة } ~~ولما كان مما يتوقف فيه، أكده فقال: { إني خالق بشرا } أي حيوانا غير ~~ملبس البشرة بما جعله عليه من الطبيعة على الصورة الإنسانية { من صلصال ~~} أي طين شديد اليبس { من حمإ } أي طين أسود منتن { مسنون * } أي مصور ~~بصورة الآدمي في تجويفه وأعضائه كأنه مصبوب في قالب؛ قال الرماني: وأصله ~~الاستمرار في جهة من قولهم: على سنن واحد { فإذا سويته } أي عدلته ~~وأتممته وهيأته لنفخ الروح تهيئة قريبة من الفعل { ونفخت فيه من روحي } ~~أي خلقت الحياة فيه كما تعلق النار بالفتيلة بالنفخ، وهو تمثيل، وأضاف ~~الروح إليه تشريفا، وهو ما يصير به الجسم حيا، وأشرف منه ما يصير به ~~الروح عالما، وأشرف منه ما يصير به العالم عاملا خاشعا { فقعوا له } ~~أي تعظيما، حال كونكم { ساجدين * } أي اسجدوا له سجود من كان في مبادرته ~~به وسهولة انقياده كأنه وقع من غير اختياره { فسجد الملائكة } أي بسبب ~~هذا الأمر من غير توقف لما جاء الوقت الذي أمرتهم فيه لذلك البشر، وهو ~~أبوكم آدم عليه السلام وأنتم في صلبه { كلهم أجمعون * }. ### || [15.31-35] # ولما أبلغ في تأكيد ما أفهمه الجمع، استثنى فقال: { إلا إبليس } قيل: هو ~~من قوم من الملائكة، وقيل: بل - لكونه كان واحدا بينهم منضافا إليهم ~~عاملا بأعمالهم - كان معمورا فيهم، فكان كأنه منهم، فصح استثناءه لذلك، ~~فكأنه قيل: ما فعل. فقيل استعظاما لمخالفته: { أبى أن يكون } أي لشكاسة ~~في جبلته { من الساجدين * } أو إنه لم يقل: فأبى - بالعطف، لأن الاستثناء ~~منقطع، فإن إبليس من نار والملائكة من نور، وهم لا يأكلون ولا يشربون ولا ~~ينكحون بخلافه، فكأنه قيل: فما فعل به الملك؟ فقيل: لم يعاجله بالعقوبة، ~~بل أخره إلى أجله المحكوم به في الأزل كما أنه لم ms2459 يعاجلكم لذلك، فكأنه ~~قيل: فما قال له؟ فقيل: { قال } له ليقيم الحجة عليه عند الخلائق ظاهرا ~~كما قدمت عليه الحجة في العلم باطنا: { يا إبليس } اختار هذا الاسم هنا ~~لأن الإبلاس معناه اليأس من كل خير، والسكون والانكسار، والحزن والتحير، ~~وانقطاع الحجة والندم { مالك } أي شيء لك من الأعذار في { ألا تكون } أي ~~بقلبك وقالبك { مع الساجدين * } لمن أمرتك بالسجود له وأنت تعلم مما أنا ~~عليه من العظمة والجلال ما لا يعلمه كثير من الخلق { قال لم أكن } وأكد ~~إظهارا للإصرار والإضرار بالكبر فقال: { لأسجد لبشر } أي ظاهر البدن، لا ~~قدرة له على التشكل والتطور { خلقته من صلصال } أي طين يابس لا منعة فيه، ~~بل إذا نقر أجاب بالتصويت { من حمإ } أي طين متغير أسود كدر { مسنون * } ~~أي مصور بصورة الفخار متهيىء للدلك، لا يرد يد لامس، وأنا خير منه لأنك ~~خلقتني من نار نافعة بالإشراق، ممتنعة ممن يريدها بالإحراق، فخضوعي له ~~مناف لحالي وممتنع مني، وإلزامي به جور، فكأنه قيل: فماذا أجيب؟ فقيل: { ~~قال فاخرج } أي تسبب عن كبرك أني أقول لك: اخرج { منها } أي من دار ~~القدس، قيل: السماء، وقيل: الجنة { فإنك رجيم * } أي مطرود إذ الرجم لا ~~يكون إلا لمن هو بعيد يراد الزيادة في إبعاده بل إهلاكه، وعلة الإخراج ~~أنها دار لا يقيم بها متكبر عاص بمخالفة أمري، فإن لي الحاكم النافذ ~~والعظمة التامة المقتضية لوجوب الطاعة، لا ينبغي لمن أمرته بما مر أن ~~يتخلف عن أمري فضلا عن أن يضرب لي الأمثال، ويواجهني بالجدال، طاعنا ~~فيما لي من الجلال والجمال؛ ثم أكد بعده بالإخبار باستمراره فقال: { وإن ~~عليك } أي خاصة { اللعنة } أي الكاملة للقضاء بالمباشرة لأسباب البعد { ~~إلى يوم الدين * } أي إلى يوم انقطاع التكليف وطلوع صبح الجزاء بفناء ~~الخلق أجمعين وفوات الأمد التي تصح فيه التوبة التي سبب القرب، فذلك ~~إيذان بدوام الطرد، وتوالي البعد والمقت، فلا يتمكن في هذا الأمد من عمل ~~يكون سببا للقرب من حضرة الأنس، وجناب القدس، ومن منع من ms2460 التوبة عن ~~الكفر في وقتها يعلم قطعا أنه لا يغفر له، فهو معذب أبدا. ### || [15.36-45] # ولما علم من هذا دوام لعنه، لأنه منع التقرب في دار العمل، وما بعد ذلك ~~محل الجزاء لا العمل، وكان ذلك مفهما لإنظاره إلى ذلك الحد، وكان ظاهره ~~أن لعنه معني به، كان كأنه قيل: فماذا قال حين سمع ذلك؟ فقيل: { قال } ~~ذاكرا صفة الإحسان والتسبب في سؤال الإنظار: { رب } فاعترف بالعبودية ~~والإحسان إليه، ولم يحمله ذلك على التوبة للحكم بدوام لعنه فلا يطمع طامع ~~في إيمان من ختم بكفره بالإجابة إلى ما يقترح، وأتى بفاء السبب لما فهم ~~من الإملاء فقال: { فأنظرني } والإنظار: تأخير المحتاج للنظر في أمره { ~~إلى يوم يبعثون * } فحمل يوم الدين على حقيقته، وأراد التصريح بالإنظار ~~إليه ليأمن الموت. فكأنه قيل: ماذا قيل له؟ فقيل: { قال } له ربه: { فإنك ~~} أي بسبب ما تقدم من الحكم { من المنظرين * } وقطع عليه ما دبج به من ~~المكر فقال: { إلى } ولما كان اليوم ما يتم فيه أمر ظاهر، وكانت الأيام ~~الهائلة ثلاثة: زمان موت الأحياء الخارجين من دار الخلد، ثم بعث الأموات، ~~ثم الفصل بينهم بإحلال كل فريق في داره، قال: { يوم } ولما كان الوقت أدل ~~ألفاظ الزمان على الأجل، قال: { الوقت } ولما كان قد دبج في سؤاله هذا ~~تدبيجا أوهم تجاهله بتحتم الموت على كل مكلف، بين تعالى أنه مما لا يجهل ~~فقال: { المعلوم * } أي الذي قدرت عليك الموت فيه، وهو النفخة الأولى وما ~~يتبعها من موت كل مخلوق لم يكن في دار الخلد. # ولما أفهم ما تقدم - كما قلنا - الحكم بإغوائه، كان السامع كأنه قال: ~~فماذا قال؟ فقيل: { قال } منسوبا نفسه بالمعبود العلي - الذي لا يسأل ~~عما يفعل، وكل أفعاله عدل وحكمة - بعد أن رفع نفسه على العبد البشري: { ~~رب } أي أيها الموجد والمربي لي وعزتك { بما أغويتني } أي بسبب إغوائك لي ~~من أجلهم، وللاهتمام بهذا السبب قدمه على جواب القسم الدال على المقسم ~~به، وهو قوله: { لأزينن لهم } أي تزيينا عظيما، المعاصي ms2461 والمباحات ~~الجارة إليها الشاغلة عن الطاعة الصارفة عنها { في الأرض } أي التي هي ~~محل الغفلة وهم منها، والشيء إلى ما هو منه أميل، فهي بهذا التقدير ~~مساوية لآية " ص " " فبعزتك "؛ والتزيين: جعل الشيء متقبلا في النفس من ~~جهة الطبع والعقل بحق أو بباطل { ولأغوينهم } أي بالإضلال عن الطريق ~~الحميدة { أجمعين } انتقاما لنفسي { إلا عبادك منهم } أي المشرفين ~~بالإضافة إليك، فهم لذلك لا يميلون عنك إلى شيء سواك، فلذلك أبدل منهم { ~~المخلصين * } فزاد بهذا الكلام في الضلال، ولم يقدر أن يقول بدل ذلك: رب ~~تب علي - ونحوه من الاستعطاف كما قال آدم عليه السلام لما حفه اللطف ~~وداركه العفو، فارعوا هذه النعمة! والإخلاص: إفراد الشيء عما يشوبه من ~~غيره، فكأنه قيل: فبماذا أجيب؟ فقيل: { قال } الله في جوابه، رادا على ~~ما أوهمه كلامه من أن له فعلا يستقل به، مكذبا له: { هذا } أي الذي ~~ذكرته من حال المستثنى والمستثنى منه { صراط علي مستقيم * } لأني قضيت ~~به ولو لم تقله أنت وحكمت به عليك وعليهم، فلا محيص لكم عنه، فكأنه قيل: ~~علي إقامته، أو هو وارد علي ألا عوج لسالكيه عن الرجوع إلي والمرور ~~علي - يعني أنه لا يقدر أحد أن يعمل شيئا بغير إرادتي، فإني بالمرصاد؛ ~~ثم شرح ذلك بقوله - مضيفا جميع العباد إليه كما هو الحقيقة، نافيا ما ~~قد يوهمه الكلام من أن لإبليس عملا مستقلا -: { إن عبادي } أي عامة { ~~ليس لك } أي بوجه من الوجوه { عليهم سلطان } أي لتردهم كلهم عما يرضيني { ~~إلا من اتبعك } أي بتعمد منه ورغبة في اتباعك { من الغاوين } ومات عن غير ~~توبة؛ فإني جعلت لك عليهم سلطانا بالتزيين والإغواء، وقيل وهو ظاهر: إن ~~الإضافة للتشريف، فلا تشمل إلا الخلص، فحينئذ يكون الاستثناء منقطعا، ~~وفائدة سوقه بصورة الاستثناء - على تقدير الانقطاع - الترغيب في رتبة ~~التشرف بالإضافة إليه والرجوع عن اتباع العدو إلى الإقبال عليه، لأن ذوي ~~الأنفس الأبية والهمم العلية ينافسون في ذلك المقام، ويرونه - كما هو ~~الحق - أعلى مرام { وإن جهنم لموعدهم } أي الغاوين ms2462 من إبليس ومن شايعه { ~~أجمعين * } ثم بين أنهم متفاوتون فيها فقال: { لها سبعة أبواب } قال ~~الرماني: وهي أطباق بعضها فوق بعض - عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ~~والحسن وقتادة وابن جريح رحمهم الله { لكل باب منهم } أي الغاوين خاصة، ~~لا يشاركهم فيه مخلص { جزء مقسوم * } معلوم لنا من القدم لتقديرنا إياه، ~~لا يزيد شيئا ولا ينقص شيئا، فلا فعل فيه بغير التسبب الذي أظهرناه، ~~لنربط به الأحكام على ما يقتضيه عقولكم ومجاري عاداتكم، وعن ابن جريح أن ~~العليا جهنم، ثم لظى، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم سقر، ثم الجحيم، ثم ~~الهاوية، وفي نسخة تقديم سقر على لظى، وعن الضحاك أن العليا لأهل ~~التوحيد، ثم يخرجون، والثانية للنصارى، والثالثة لليهود، والرابعة ~~للصائبة، والخامسة للمجوس، والسادسة لمشركي العرب، والسابعة للمنافقين، ~~والسبب في تصاعدها اختلاف أنواع الكفر في الغلط والخفة # ولا يظلم ربك أحدا # [الكهف:49] رحمة منه سبحانه، ولعلها كانت سبعة باعتبار أصناف الكفار، ~~لأنهم إما معطلة أو مثبتة، والمثبتة إما يهود أو صابئة أو نصارى أو مجوس ~~أو عباد أوثان، والكل إما مصارحون أو منافقون، ولما كان المنافق لا يعرف ~~ظاهرا من أيها هو؟ عد قسما واحدا ووكل أمره في ميزه إلى العليم ~~الخبير، ولما كان الكل عاملين بما لم يأذن به الله كانوا في حكم المعطلة، ~~لوصفهم الله بغير صفته، فرجعت الأقسام إلى ستة، فأضيفت إليها العصاة من ~~كل فرقة فجعلت جزء الطبقة العليا من النار مقابلة لقسم المنافقين من كل ~~أمة، لعملهم أعمال الكفار مع الإيمان، كما أن عمل المنافقين عمل المؤمنين ~~مع الكفران، فكانوا أخفى الكفار فكان لهم الدرك الأسفل من النار، ثم رأيت ~~في " رشف النصائح الإيمانية وكشف الفضائح اليونانية " للعارف بالله تعالى ~~شهاب الدين عمر بن محمد السهروردي رحمه الله أنها جعلت سبعة على وفق ~~الأعضاء السبعة من العين، والأذن، واللسان، والبطن، والفرج، واليد، ~~والرجل، لأنها مصادر السيئات، فكانت مواردها الأبواب السبعة - وهو مأخوذ ~~من كتاب المحاسبة من كتاب الإحياء للإمام الغزالي - ولما كانت هي ms2463 بعينها ~~مصادر الحسنات بشرط النية، والنية من أعمال القلب، زادت الأعضاء واحدا، ~~فجعلت أبواب الجنان ثمانية هذا معنى قوله، قال: وأعمال القلوب من السيئات ~~غير مؤاخذ بها. # ولما ذكر الكافرين وما جرهم إلى الضلال، وجرأهم على قبائح الأعمال، ذكر ~~المخلصين فقال - مؤكدا لإنكار المكذبين بالبعث: { إن المتقين } أي ~~العريقين في هذا الوصف؛ والمتقي: من جعل الإيمان بإخلاصه حاجزا بينه ~~وبين العقاب { في جنات وعيون }. ### || [15.46-52] # ولما كان المنزل لا يحسن إلا بالسلامة والأنس والأمن، قال تعالى: { ~~ادخلوها } أي يقال لهم ذلك { بسلام } أي سالمين من كل آفة، مرحبا بكم ~~ومسلما عليكم حال الدخول { آمنين * } من ذلك دائما. # ولما كان الأنس لا يكمل إلا بالجنس مع كمال المودة وصفاء القلوب عن ~~الكدر، قال: { ونزعنا } أي بما لنا من العظمة { ما في صدورهم من غل } أي ~~حقد ينغل أي ينغرز في القلب حال كونهم { إخوانا } أي متصافين، حال كونهم ~~{ على سرر } جمع سرير، وهو مجلس رفيع موطأ للسرور { متقابلين * } لا يرى ~~بعضهم قفا بعض؛ في آخر الثقفيات عن الجنيد رحمه الله أنه قال: ما أحلى ~~الاجتماع مع الأصحاب! وما أمر الاجتماع مع الأضداد! ولما كان النظر في ~~الدوام والمآل بعد ذلك، قال: { لا يمسهم فيها نصب } أي إعياء وتعب وجهد ~~ومشقة { وما هم منها } ولما كان المنكى في كل شيء إنما هو الإكراه، بني ~~للمفعول قوله: { بمخرجين * }. # ولما كان المفهوم من هذا السياق أن الناجي إنما هو المتقي المخلص الذي ~~ليس للشيطان عليه سلطان، وكان مفهوم المخلص من لا شائبة فيه، وكان ~~الإنسان محل النقصان، وكان وقوعه في النقص منافيا للوفاء بحق التقوى ~~والإخلاص، وكان ربما أيأسه ذلك من الإسعاد، فأوجب له التمادي في البعاد، ~~قال سبحانه - جوابا لمن كأنه قال: فما حال من لم يقم بحق التقوى؟ { نبىء ~~عبادي } أي أخبرهم إخبارا جليلا { أني أنا } أي وحدي { الغفور الرحيم * ~~} أي الذي أحاط - محوه للذنوب وإكرامه لمن يريد - بجميع ما يريد، لا ~~اعتراض لأحد عليه. # ولما كان ذلك ربما سببا للاغترار الموجب ms2464 للإصرار، قال تعالى: { وأن ~~عذابي هو } أي وحده { العذاب الأليم * } أي الكامل في الإيلام، فعلم أن ~~الأول لمن استغفر، والثاني لمت أصر، وعرف من ذلك أن المتقين إنما دخلوا ~~الجنة بعفوه، والغاوين إنما عذبوا بعدله، فهو لف ونشر مشوش - على ما هو ~~الأفصح. # ولما أتم سبحانه شرح قوله: { وليعلموا أنما هو إله واحد } وما تبعه من ~~الدلالة على البعث، شرع في شرح { وليذكر أولوا الألباب } بقصة الخليل ~~عليه السلام وما بعدها مع الوفاء بذكر المعاد، تارة تلويحا وتارة ~~تصريحا، والرجز عن الاجتراء على طلب الإتيان بالملائكة عليهم السلام، ~~والالتفات إلى قوله: # الحمد لله الذي وهب لي على الكبر اسماعيل واسحاق # [ إبراهيم:39] في أسلوب شارح لما تعقبه هذه القصة، فإن حصول القنوط سبب ~~لآية المغفرة، والإخبار بعذاب الأمم تمثيل لآية العذاب ليزدجر المخاطبون، ~~وأفراد لهم ذكر من هو أقرب إلى بلادهم ممن يعرفونه من المعذبين لأنه أوقع ~~في النفس، فقال تعالى: { ونبئهم } أي خبرهم إخبارا عظيما { عن ضيف ~~إبراهيم * } والضيف هو المنضم إلى غيره لطلب القرى، فهؤلاء سموا بهذا ~~الاسم لأنهم على صورة الضيف، فهو من دلالة التضمن { إذ دخلوا عليه } أي ~~إبراهيم عليه السلام { فقالوا } أي عقب الدخول { سلاما }. # ولما كان طلبهم في هذه الصورة للملائكة على وجه أوكد مما في سورة هود ~~عليه السلام، أشار لهم إلى ما في رؤية الملائكة من الخوف ولو كانوا ~~مبشرين وفي أحسن صورة من صور البشر - بقوله: { قال } بلسان الحال أو ~~القال: { إنا } أي أنا ومن عندي { منكم وجلون * } وأسقط ذكر جوابه ~~بالسلام، ولا يقدح ذلك فيما في سورة هود وغيرها من ذكره، فإن إذ ظرف زمان ~~بمعنى حين، والحين قد يكون واسعا، فيذكر ما فيه تارة جميعه على ترتيبه، ~~وأخرى على غير ذلك، وتارة بعضه مع إسقاط البعض مع صدق جميع وجوه الإخبار ~~لكونه كان مشتملا على الجميع، وتكون هذه التصرفات على هذه الوجوه لمعان ~~يستخرجها من أراد الله. ### || [15.53-58] # ولما أخبر أنه أخبرهم بوجله منهم، تشوف السامع إلى جوابهم فقال: { قالوا ms2465 ~~} مريدين أمنه: { لا توجل } والوجل: اضطراب النفس لتوقع ما يكره؛ ثم ~~عللوا ذلك بقولهم مؤكدين لقلع ما في نفسه من الوجل المنافي للبشرى { إنا ~~نبشرك بغلام } أي ولد ذكر هو في غاية القوة وليس هو كأولاد الشيوخ ~~ضعيفا. ولما كان خوفه لخفاء أمرهم عليه، كان للوصف بالعلم في هذا السياق ~~مزيد مزية فقالوا: { عليم * } فكأنه قيل: فما قال؟ فقيل: { قال } مظهرا ~~للتعجب إرادة تحقيق الأمر وتأكيده: { أبشرتموني } أي بذلك { على أن مسني ~~الكبر } أي الذي لا حركة معه يأتي منها ولد، أم على أن أعود شابا؟ ولذلك ~~سبب عنه قوله: { فبم تبشرون * } بينوا لي ذلك بيانا شافيا { قالوا ~~بشرناك بالحق } أي الأمر الثابت المقطوع به الواقع لا محالة الذي يطابق ~~خبرنا { فلا تكن } أي بسبب تبشيرنا لك بالحق { من القانطين * } أي ~~الآئسين الذين ركنوا إلى يأسهم، لقولك نحو أقوالهم. # فلما ألهبوه بهذا النهي { قال } منكرا لأن يكون من القانطين: { ومن ~~يقنط } أي ييأس هذا اليأس { من رحمة ربه } أي الذي لم يزل إحسانه دارا ~~عليه { إلا الضالون * } أي المخطئون طريق الاعتقاد الصحيح في ربهم من ~~تمام القدرة وأنه لا تضره معصية ولا تنفعه طاعة، وهذا إشارة إلى أنه ما ~~كان قانطا، وإنما كان مريدا لتحقيق الخبر، وفي هذا تلويح إلى أمر ~~المعاد. # فلما تحقق البشرى ورأى إتيانهم مجتمعين على غير الصفة التي يأتي عليها ~~الملك للوحي، وكان هو وغيره من العارفين بالله عالمين بأنه ما تنزل ~~الملائكة إلا بالحق، كان ذلك سببا لأن يسألهم عن أمرهم ليزول وجله كله، ~~فلذلك { قال فما } بفاء السبب { خطبكم } قال أبو حيان: والخطب لا يكاد ~~يقال إلا في الأمر الشديد - انتهى. وقال الرماني: إنه الأمر الجليل { يا ~~أيها المرسلون * } فإنكم ما جئتم إلا لأمر عظيم يكون فيصلا بين هالك ~~وناج { قالوا إنا } ولما كان عالما بمرسلهم، بنوا للمفعول قولهم: { ~~أرسلنا } أي بإرسال العزيز الحكيم الذي أنت أعرف الناس في هذا الزمان به ~~{ إلى قوم } أي ذوي منعة { مجرمين } أي عريقين في الإجرام كلهم. ### || [15.59-62] ms2466 # ولما كان إرسالهم للعذاب، قالوا مستثنين من الضمير في { مجرمين } أي قد ~~أجرموا كلهم إجراما عظيما { إلا آل لوط } فاستثنوهم من أن يكونوا ~~مجرمين، المستلزم لكونهم ما أرسلوا لتعذيبهم، فكان ذلك محركا للنفس إلى ~~السؤال عن حالهم، فإنهم ممن وقع الإرسال بسببه، فأجابوا بقولهم: { إنا ~~لمنجوهم } أي تنجية عظيمة بتدريج الأسباب على العادة { أجمعين إلا امرأته ~~}. # فلما استثنوها من أن ينجوها فكان أمرها محتملا لأن تعذب ولأن ينجيها ~~الله تعالى بسبب غيرهم، تشوفت النفس للوقوف على ما قضى الله به من ذلك، ~~فقيل بإسناد الفعل إلى أنفسهم لما لهم من الاختصاص بالمقدر سبحانه: { ~~قدرنا } ولما كان فعل التقدير متضمنا للعلم، علقه عن قوله: { إنها } أي ~~امرأته، وأكد لأجل ما أشير إليه هنا من عظيم تشوف الخليل عليه السلام إلى ~~معرفة أمرهم وتشديد سؤاله، في نجاة لوط عليه السلام وجميع آله - كما مضى ~~التصريح به في هود - فطما له عن سؤال في نجاتها بخلاف ما في النمل، فإن ~~سياقها عار عن ذلك { لمن الغابرين } أي الباقين الذين لا ينجون مع لوط ~~عليه السلام، بل تكون في الهلاك والعبرة؛ والآل - قال الرماني: أهل من ~~يرجعون إلى ولايته، ولهذا يقال: أهل البلد، ولا يقال آل البلد، والتقدير: ~~جعل الشيء على مقدار غيره لتظهر المساواة والمباينة، والغابر: الباقي ~~فيمن يهلك. # فلما تم ما أريد الإخبار عنه من تحاورهم مع إبراهيم عليه السلام، أخبر ~~عن أمرهم مع لوط عليه السلام، فقال: { فلما } بالفاء الدالة على سرعة ~~وصولهم إليه، وكأنه ما اشتد إنكاره لهم إلا بعد الدخول إلى منزله، إما ~~لخوفه عليهم وهم لا يخافون، أو غير ذلك من أحوال لا تشبه أحوال البشر ~~فلذا قال: { جاء آل لوط } أي في منزله { المرسلون * } أي لإهلاك قومه { ~~قال إنكم قوم } أي أقوياء { منكرون * } لا بد أن يكون عن إتيانكم إلى هذه ~~البلدة شر كبير لأحد من أهل الأرض، وهو معنى # سيء بهم # [ العنكبوت:33] الآية، فقدم حكاية إنكاره إياهم وإخبارهم عن العذاب لمثل ~~ما تقدم في قصة إبراهيم ms2467 عليه السلام من الزجر عن قولهم { لو ما تأتينا ~~بالملائكة } المحتمل لإرادة جميع الملائكة { إن كنت من الصادقين } ~~تعريفا لهم بأن بعض الملائكة أتوا من كانا أكمل أهل ذلك الزمان على أجمل ~~صور البشر، مبشرين لهما، ومع ذلك خافهم كل منهما، فكيف لو كان منهم جمع ~~كثير؟ أم كيف لو كانوا على صورهم؟ أم كيف لو كان الرائي لهم غيرهما؟ أم ~~كيف لو كان كافرا # يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ويقولون حجرا محجورا # [ الفرقان: 22] ويجوز أن يكون قوله لهم هذه المقالة إنما كان عند ~~إخبارهم له بأنهم رسل الله، ويكون المعنى حينئذ أنكم لستم على صفة الآتي ~~بالوحي، فقد اشتد على أمركم، لكوني لا أعرفكم مع الاستيحاش منكم، وذلك ~~بعد محاورته لقومه ثم مقارعتهم عنهم، فكان خائفا عليهم، فلما أخبروه ~~أنهم ملائكة خاف منهم أن يكونوا أتوا بشيء يكرهه، وقد تقدم آنفا أن ~~الإخبار عما كان في حين من الأحيان لا يضر تقديم بعضه على بعض ولا إسقاط ~~بعض وذكر آخر، ولم يزد هنا الحرف الذي أصله المصدر، وهو " أن " كما في ~~العنكبوت، لأن استنكاره لهم وإن كان مرتبا على مجيئهم إلا أنه ليس ~~متصلا بأوله بخلاف المساءة. ### || [15.63-66] # ولما كانت حقيقة المنكر ما خرج عن عادة أشكاله، ولم يكن على طريقة ~~أمثاله، أضربوا عن قوله، وكان جوابهم أن { قالوا بل } أي لسنا منكرين ~~لأنا { جئناك } لنفرج عنك { بما } أي بسبب إيقاع ما { كانوا } أي جبلة ~~وطبعا { فيه يمترون * } بما جرت عادتنا أن نأتي بمثله من العذاب الذي ~~كانوا يشكون فيه شكا عظيما، يحملون نفوسهم عليه ويكذبون به، والجاهل ~~يوصف بالشك وإن كان مكذبا من جهة ما يعرض له منه، من حيث إنه لا يرجع ~~إلى ثقة فيما هو عليه { وأتيناك بالحق } الفاصل بينك وبينهم، الواقع بهم ~~مطابقا لإخبارنا؛ والإتيان: الانتقال إلى جهة الشيء، والذهاب: الانتقال ~~عنه { وإنا لصادقون * } في الإخبار بما يطابق الواقع. # ولما أخبروه بوقوع العذاب بهم، أمروه بما يكون سببا فيما أمروا به من ~~إنجائه، ms2468 فقالوا: { فأسر } فأتو بالفاء لأن ما بعدها مسبب عما قبلها { ~~بأهلك بقطع } أي طائفة { من الليل واتبع } أي كلف نفسك أن تتبع { أدبارهم ~~} لتكون أقربهم إلينا وإلى محل العذاب، لأنك أثبتهم قلبا وأعرفهم بالله، ~~والشر من ورائكم، وقد جرت عادة الكبراء أن يكونوا أدنى جماعتهم إلى الأمر ~~المخوف سماحا بأنفسهم وتثبيتا لغيرهم، وعلما منهم بأن مداناة ما فيه ~~وجل لا يقرب من أجل، وضده لا يغني من قدر، ولا يباعد من ضرر، ولئلا يشتغل ~~قلبك بمن خالفك، وليحتشموك فلا يلتفتوا، أو يتخلف أحد منهم - وغير ذلك من ~~المصالح؛ والدبر: جهة الخلف وهو ضد القبل { ولا يلتفت } أي أصلا { منكم ~~أحد } إذ لا فائدة فيه لأن الملتفت غير ثابت، لأنه إما غير مستيقن لخبرنا ~~أو متوجع لهم، فمن التفت ناله العذاب، وذلك أيضا أجد في الهجرة، وأسرع ~~في السير، وأدل على إخراج ما خلفوه من منازلهم وأمتعتهم من قلوبهم، وعلى ~~أنهم لا يرقون لمن غضب الله عليهم مع أنهم ربما رأوا ما لا تطيقه أنفسهم ~~{ وامضوا حيث } وتعبيره بالمضارع يشعر بأنه يكون معهم بعض الملائكة عليهم ~~السلام في قوله: { تؤمرون * }. # ولما تقرر بهذا أمر إهلاكهم من غير تصريح ولا تعيين لوقت، قال تعالى: { ~~وقضينا } أي بما لنا من العظمة، موحين { إليه } أي خاصة { ذلك الأمر } ~~وأشار إلى تعظيمه بالإشارة إليه بأداة البعد، ثم فسره بقوله: { أن دابر } ~~أي آخر { هؤلاء } أي الحقيرين عند قدرتنا، وأشار بصيغة المفعول إلى عظمته ~~سبحانه وسهولة الأمر عنده فقال تعالى: { مقطوع } حال كونهم { مصبحين * } ~~ولا يقطع الدابر حتى يقطع ما دونه، لأن العدو يكون مستقبلا لعدوه، فهو ~~كناية عن الاستئصال بأن آخرهم وأولهم في الأخذ سواء، لأن الآخذ قادر، لا ~~كما يفعل بعض الناس مع بعض من أنهم يملون في آخر الوقائع فيفوتهم البعض. ### || [15.67-72] # فلما تم ما دار بينه وبين الرسل مقدما لما بين، أتبعه البيان عن حال ~~قومه إشارة إلى أن الملائكة إن كانوا بصفات البشر لم يعرفهم الكفرة، وإن ~~كانوا بصفاتهم أو بإظهار ms2469 شيء من خوارقهم لم تحتمله قواهم، فلا نفع لهم في ~~مكاشفتهم في حالة من الحالات، فسؤالهم الإتيان بهم جهل عظيم، فقال تعالى: ~~{ وجاء أهل المدينة } أي التي كان هذا الأمر فيها - قالوا: وهي سدوم - ~~لإرادة عمل الفاحشة بالأضياف { يستبشرون * } أي يلوح على بشراتهم السرور، ~~فهم يوجدونه لأنفسهم إيجاد من هو شديد الرغبة في طلبه، فكان حال لوط عليه ~~السلام أن { قال } لهم: { إن هؤلاء } أي الأقرباء مني { ضيفي }. # ولما كان إكرام الضيف إكراما لمن هو عنده وإهانته إهانته، سبب عن ذلك ~~ما أشار إليه الكلام فقال: { فلا تفضحون * } في إصابتهم بفاحشة، وكان ذلك ~~قبل معرفته أنهم ملائكة { واتقوا الله } أي الذي له جميع العظمة { ولا ~~تخزون * } أي بإهانة ضيفي، فيكون ذلك عارا علي مدى الدهر، فلم يكفهم ~~ذلك بل { قالوا } بفظاظة، عاطفين على ما تقديره: ألم تعلم أنا لا نترك ~~هذا الأمر لشيء من الأسباب: { أو لم ننهك } أي من قبل هذا { عن العالمين ~~* } أن تجير علينا أحدا منهم، فما وصلوا إلى هذا الحد من الوقاحة، ذكر ~~لهم الحريم ليحملهم ذلك على الحياء، لأنه دأب من له أدنى مروءة ولا سيما ~~ذكر الأبكار في سياق يكاد يصرح بمراده، بأن { قال هؤلاء } مشيرا إلى ~~بيته الذي فيه بناته صلى الله عليه وسلم ورضي عنهن { بناتي إن كنتم } ولا ~~بد { فاعلين * } أي قد عزمتم عزما ماضيا على هذا الفعل، إشارة بأداة ~~الشك إلى أن هذا الفعل مما لا ينبغي أن يفعل، يعني وأنتم عالمون بأني لا ~~أسلم بناتي أبدا، فعلم من ذلك أن وصولكم إلى أضيافي دون هلاكي محال. # ولما ذكر ما ذكر من أمورهم وعظيم فجورهم، وهم قد فرغ من أمرهم وقضي ~~باستئصالهم، كان كل من يعلم ذلك قاضيا بأنهم لا عقول لهم، فأتبع سبحانه ~~ذلك ما يدل عليه بقوله: { لعمرك } أي وحياتك يا كريم الشمائل، وأكد لأن ~~الحال قاض في ذلك الحين استبعاد ردهم، ولتحقيق أن ذلك ضلال منهم صرف ~~وتعنت محض، فقال: { إنهم لفي سكرتهم } أي غوايتهم الجاهلية { يعمهون ms2470 * } ~~أي يتحيرون ولا يبصرون طريق الرشد، فلذلك لا يقبلون قول النصوح، فإن كان ~~المخاطب لوطا عليه السلام، كان ضمير الغيبة لقومه، وإن كان المخاطب ~~نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم - وهو الظاهر - كان الضمير لقومه، ~~وكان التقدير أنهم في خبط بعيد عن السنن في طلبهم إتيان الملائكة كما كان ~~قوم لوط عليه السلام يقصدون الالتذاذ بالفاحشة بمن مكن من هلاكهم، فشتان ~~ما بين القصدين! وهيهات لما بين الفعلين! فصار المعنى أن ما قذفوك به أول ~~السورة بهم لابك، لأن من يطلب إتيان الملائكة - مع جواز أن يكون حاله حال ~~قوم لوط عليه السلام عند إتيانهم - هو المجنون؛ والعمر - بالفتح: العمر - ~~بالضم، وهو مدة بقاء الشيء حيا، لكنه لا يقال في القسم إلا بالفتح ~~لخفته مع كثرة دور القسم، ولذلك حذفوا الذي تقديره: قسمي، والسكرة: غمور ~~السهو للنفس. ### || [15.73-79] # ولما تم ذلك، سبب عن القضاء دابرهم قوله تعالى: { فأخذتهم } أي أخذ ~~انتقام وغلبة { الصيحة } أي التي هي لعظمها وهولها هي الصيحة، وغيرها عدم ~~بالنسبة إليها؛ والأخذ: فعل يصير به الشيء في جهة الفاعل، والصيحة: صوت ~~يخرج من الفم بشدة؛ وقوله: { مشرقين * } أي داخلين في الإشراق، وهو ضياء ~~الشمس عند بزوغها، وتبين به أن وقته يسمى صبحا لغة، فإن الصبح والصباح ~~والإصباح أول النهار، ولعله يطلق عليه إلى وقت الغداء أو الزوال، أو تكون ~~الصيحة وقت الإشراق آخر أمرهم، وقلع المدائن من أماكنها وقت الصبح ابتداء ~~أمرهم؛ ثم بين سبحانه ما تسبب عن الصيحة متعقبا لها فقال: { فجعلنا ~~عاليها } أي مدائنهم { سافلها وأمطرنا }. # ولما كان الزجر في هذه السورة أعظم من الزجر في سورة هود عليه السلام، ~~لطلبهم أن يأتي بجميع الملائكة، أعاد الضمير على المعذبين لا على مدنهم - ~~كما مضى في سورة هود عليه السلام - لأن هذا أصرح، فقال: { عليهم } أي أهل ~~المدائن التي قلبت المدائن لأجلهم { حجارة من سجيل } ثم حقق أن ذلك كله ~~شرح لقوله { وليذكر أولوا الألباب } بقوله: { إن في ذلك } أي الأمر ~~العظيم جدا { لآيات } أي ms2471 عدة من جهة غمرها بالماء بعد خسفها، ومن جهة ~~كونه مخالفا لمياه الأرض بالنتن والخباثة، وعدم عيش الحيوان فيه، وعدم ~~النفع به، ومن جهة فظاعة منظرة - وغير ذلك من أمره { للمتوسمين * } جمع ~~متوسم، وهو الناظر في السمة الدالة - وهي الأثر الدال في الوجه - ~~والقرائن القاضية بالخير والشر، وكانوا يدعون أنهم أبصر الناس بمثل ذلك، ~~فهو إلهاب لهم وتبكيت؛ ثم بين أن ذلك غير خفي عنهم ولا بعيد عمن أراد ~~الاتعاظ به، فقال جعلا لهم - لعدم اعتبارهم بها ومع رؤيتهم إياها في كل ~~حين - في عداد المنكرين: { وإنها } أي هذه المدائن { لبسبيل مقيم * } أي ~~ثابت، وهو مع ذلك مبين، فالاعتبار بها في غاية السهولة لقومك، وكانوا ~~يمرون عليها في بعض أسفارهم إلى الشام. # ولما أشار سبحانه إلى الاستدلال بالتوسم الدال - مما هي عليه من ~~المخالفة لسائر مياه الأرض العذبة الورادة إليها على كثرتها ومع أن ~~البلاد التي هي بها من أبهج البلاد في عذوبة المياه وطراوة الأرض وحسن ~~الأشجار وغير ذلك - على أن لها نبأ هو في غاية الغرابة، وأتبع ذلك سهولة ~~الوصول إليها حثا على إتيانها بقصد نظرها والاعتبار بها والسؤال عن سبب ~~كونها كذلك، قال تعالى مشيرا إلى زيادة الحث بالتأكيد: { إن في ذلك } أي ~~الأمر العظيم من حالها { لآية } أي علامة عظيمة في الدلالة علينا { ~~للمؤمنين * } أي الراسخين في الصدق والتصديق، فإذا أخبروا أن سبب كونها ~~هكذا أن الله أمر بعض جنده فرفعها ثم قلبها ثم أتبعها الحجارة ثم خسف بها ~~وغمرها بهذا الماء - الذي هو في القذارة وعدم الثمرة مناسب لأفعال أهلها ~~- لأجل عصيانهم رسوله صلى الله علية وعلى آله وسلم، آمنوا حذرا من مثل ~~هذا العذاب إيمانا بالغيب. # ولما ذكر هذه القصة، ضم إليها ما هو على طريقها مما عذب قومه بنوع آخر ~~من العذاب يشابه عذاب قوم لوط في كونه نارا من السماء، فقال مؤكدا لأجل ~~إنكار الكفار أن يكون عذابهم لأجل التكذيب، أو عدا لهم - لأجل تماديهم ~~على الغواية مع العلم به - عداد المنكرين: ms2472 { وإن } أي وإنه { كان } أي ~~جبلة وطبعا { أصحاب الأيكة } وهم قوم شعيب عليه السلام؛ والأيكة: الشجرة ~~- عن الحسن، وجمعه الأيك كشجرة وشجر، وقيل: الأيكة: الشجر الملتف { ~~لظالمين * } أي العريقين في الظلم { فانتقمنا منهم } أي بسبب ذلك؛ ثم ~~أخبر عن البلدين لتقاربهما في العذاب والمكان وكونهما على طريق واحدة من ~~طرق متاجر قريش فقال: { وإنهما } أي قرى قوم لوط ومحال أصحاب الأيكة { ~~لبإمام } أي طريق يؤم ويتبع ويهتدي به { مبين * } واضح لمن أراده، بحيث ~~إنه من شدة وضوحه موضح لعظمة الله وانتصاره لأنبيائه ممن يكذبهم، وهو مع ~~وضوحه مقيم في مكانه لم تندرس أعلامه، ولم تنطمس آثاره، فالآية من ~~الاحتباك: ذكر في الأولى { مقيم } دلالة على حذف مثله ثانيا، وفي ~~الثانية { مبين } دلالة على حذف مثله أولا. ### || [15.80-84] # ولما كان ربما قيل: إنه لو كان لأصحاب الأيكة بيوت متقنة لمنعتهم من ~~العذاب؟ عطف عليهم من هم على طريق أخرى من متاجرهم إلى الشام، وكانوا قد ~~طال اغترارهم بالأمل حتى اتخذوا الجبال بيوتا، وكانت آيتهم في غاية ~~الوضوح فكذبوا بها، تحقيقا لأن المتعنتين لو رأوا كل آية لقالوا إنما ~~سكرت أبصارنا فقال: { ولقد كذب }. # ولما كان السياق للمكذبين وما وقع لهم بتكذيبهم، قدم فاعل، فقال مشيرا ~~إلى إتقان بيوتهم: { أصحاب الحجر } وهم ثمود قوم صالح عليه السلام، ~~وديارهم بين المدينة الشريفة والشام { المرسلين * } أي كلهم بتكذيب ~~رسولهم كما كذب هؤلاء المرسلين بتكذيبك، لأن الرسل يشهد بعضهم لبعض ~~بالصدق، فمن كذب واحدا منهم فقد كذب الجميع، وهم في إثبات الرسالة ~~بالمعجزة على حد سواء؛ ثم أتبع ذلك قوله: { وءاتيناهم } أي بعظمتنا على ~~يد رسولهم صالح عليه السلام { ءاياتنا } أي كلها، بإيتاء الناقة وسقيها ~~ودرها وشربها، لأن الممكنات كلها بالنسبة إلى قدرته على حد سواء، فمن كذب ~~بواحدة منها فقد كذب بالجميع { فكانوا } أي كونا هو كالجبلة { عنها } أي ~~الآيات كلها خاصة، لا عن زينة الدنيا التي تجر إلى الباطل { معرضين * } ~~أي راسخين في الإعراض، لم يؤمنوا بها، التفاتا إلى قوله تعالى { ولو ~~فتحنا ms2473 عليهم بابا من السماء } - الآيتين، وتمثيلا له ردا للمقطع على ~~المطلع؛ ثم أخبر أنهم كانوا مثل هؤلاء في الأمن من العذاب والغفلة عما ~~يراد بهم مع أنهم كانوا أشد منهم فقال: { وكانوا ينحتون } والنحت: قلع ~~جزء بعد حزء من الجسم على سبيل المسح { من الجبال } التي تقدم أنا ~~جعلناها رواسي { بيوتا ءامنين * } عليها من الانهدام، وبها من لحاق ما ~~يكره، لا كبيوتكم التي لا بقاء لها على أدنى درجة { فأخذتهم } أي فتسبب ~~عن تكذيبهم أن أخذتهم أخذ العذاب والانتقام { الصيحة } حال كونهم { ~~مصبحين * } أي داخلين في الصبح { فما } أي فتسبب عن الصيحة أنه ما { أغنى ~~} أي أجزأ { عنهم ما كانوا } أي بجبلاتهم { يكسبون * } من البيوت ~~والأعمال والعدد والآلات الخبيثة، لأنه لا يعجزنا شيء لأنه لا كلفة علينا ~~فيما نفعل { إنما نقول له كن فيكون } وفعلنا بهم ذلك لأنهم كانوا على ~~باطل، فكان تعذيبنا لهم حقا. ### || [15.85-87] # ولما كان المتعنت ربما قال: ما له يخلقهم ثم يهلكهم وهو عالم حين خلقهم ~~أنهم يكذبون؟ وكانت هذه الآية ملتفتة - مع ما فيها من ذكر الأرض - إلى ~~تلك التي أتبعها ذكر الخافقين، استدلالا على الساعة، قال على ذلك النمط: ~~{ وما خلقنا } أي على عظمتنا { السماوات } أي على ما لها من العلو والسعة ~~{ والأرض } على ما بها من المنافع والغرائب { وما بينهما } من هؤلاء ~~المكذبين وعذابهم، ومن المياه والرياح والسحاب المسبب عنه النبات وغير ~~ذلك { إلا بالحق } أي خلقا ملتبسا بالحق، فيتفكر فيه من وفقه الله ~~فيعلم النشأة الآخرة بهذه النشأة الأولى، أو بسبب الحق من إثبات ثوابت ~~الأمور ونفي مزلزلها، لتظهر عظمتنا بإنصاف المظلوم من الظالم، وإثابة ~~الطائع وعقاب العاصي في يوم الفصل - إلى غير ذلك من الحكم كما قال تعالى # ولله ما في السماوات وما في الأرض ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا ويجزي ~~الذين أحسنوا بالحسنى # [النجم:31] فمن أمهلناه في الدنيا أخذنا منه الحق بعد قيام الساعة، فلا ~~بد من فعل ذلك { وإن الساعة لآتية } لأجل إقامة الحق لا شك في إتيانها ~~لحكم ms2474 علمها سبحانه فيظهر فيها كل ذلك، ويمكن أن يكون التقدير: فما أغنى ~~عنهم ما كانوا يكسبون، وما فعلنا ذلك إلا بالأمر من قولنا " كن " وهو ~~الحق { وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق } أي بالأمر # ألا له الخلق والأمر # [الأعراف:54] يعني أنه لا مشقة علينا في شيء من ذلك، وسنعدم ذلك بالحق ~~إذا أردنا قيام الساعة، وأن الساعة لآتيه، لأنا قد وعدنا بذلك، وليس ~~بينكم وبين كونها إلا أن نريد فتكون كما كان غيرها مما أردناه { فاصفح ~~الصفح } أي فأعرض - بسبب تحقق الأخذ بثارك - الإعراض { الجميل * } بالحلم ~~ولإغضاء وسعة الصدر، في مثل قولهم { ياأيها الذي نزل عليه الذكر إنك ~~لمجنون } فإنه لا بد من الأخذ لك منهم بالحق ولو لم يكن لك نصرة إلا في ~~ذلك اليوم لكانت كافية؛ ثم علل هذا الأمر بقوله: { إن ربك } أي المحسن ~~إليك الآمر لك بهذا { هو } أي وحده { الخلاق } المتكرر منه هذا الفعل في ~~كل وقت بمجرد الأمر، فلا عجب في إيجاد ما ينسب إليه من إبداع الساعة أو ~~غيرها، وهو لذلك عالم بأحوالكم أجمعين وما يكون منها صلاحا لك على غاية ~~الحكمة، لأن المصور أعلم بالصورة من ناظرها والمتبصر فيها، وصانع الشيء ~~أدرى به من مشتريه، وباني البيت أخبر به من ساكنه، وهو الذي خلق كل ما ~~تراه منهم فهو فعله فسلم له. # ولما كان إحكام المصنوعات لا يتم إلا بالعلم، قال تعالى: { العليم * } ~~أي البالغ العلم بكل المعلومات، فلا ترى أفعالهم وأقوالهم إلا منه سبحانه ~~لأنه خالقها، وقد علمت أنه لا يضيع مثقال ذرة فاعتمد عليه في أخذ حقك، ~~فإنه نعم المولى ونعم النصير، ولا يخفي عليه شيء منه؛ ويدل على ما قلته ~~آية يس # أو ليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو ~~الخلاق العليم # [يس:81] أو يقال: فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون شيئا مما أردنا من ~~الحق، لأنا ما خلقنا عذابهم إلا بالحق كما خلقناهم بالحق، فلم يمتنع ~~علينا شيء من ذلك { وما ms2475 خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق } أي ~~بسبب إقامة الحق وإظهار أمرنا في العدل، ولولا أن سلطنا بعض الناس على ~~بعض لم يظهر لهم منا هذه الصفة غاية الظهور، فنحن نعجل من الحق الذي ~~خلقنا ذلك بسببه على قيام الساعة - ما شئنا من الابتلاء والانتقام كما ~~فعلنا ممن قصصنا أمرهم، ونؤخر من ذلك ما بقي إلى قيام الساعة { وإن ~~الساعة لآتية } لا شك فيها، فلا ندع هناك شيئا من الحقوق إلا أقمناه { ~~فأصفح الصفح الجميل } فلا بد من الأخذ لك بحقك إما في الدنيا وإما في ~~الآخرة أن أي لأن { ربك هو الخلاق } أي الفاعل للخلق مرة بعد مرة، لا ~~تنفذ قدرته ولا تهن كلمته { العليم } التام العلم، فهو قادر على ذلك عالم ~~بوجه الحكمة فيه في وقته وكيفيته، فهو يعيد الخلائق في الساعة كما بدأهم، ~~ويستوفي إذ ذاك جميع الحقوق ويؤتيك في ذلك اليوم ما يقر به عينك. # ولما ذكر صفة العلم بصيغة المبالغة، أتبعها ما آتاه في هذه الدار من ~~مادة العلم بصيغة العظمة، فقال عطفا على ما قدرته مما دل عليه السياق: { ~~ولقد آتيناك } مما يدل على علمنا { سبعا من المثاني } وهي الفاتحة ~~الجامعة على وجازتها جميع معاني القرآن فتثني في النزول فإنها نزلت ~~مرتين، وتثني في كل ركعة من الصلاة، وهي ثناء على الله والصالحين من ~~عباده، وهي مقسومة بين الله وعبده، وتثني فيه مقاصدها، ويورد كل معنى من ~~معانيها فيه بطرق مختلفة في إيضاح الدلالة عليه في قوالب الألفاظ وجواهر ~~التراكيب الهادية إليه - وغير ذلك من التثنية { والقرآن العظيم * } أي ~~الحاوي لجميع علوم الأولين والآخرين مما في جميع الكتب السالفة وغيره. ### || [15.88-94] # ولما كان ما أوتيه وما سيؤتاه أعظم ما أوتيه مخلوق، اتصل به قوله: { لا ~~تمدن عينيك } أي مدا عظيما بالتمني والاشتهاء المصمم، ولذلك ثنى العين ~~احتزازا عن حديث النفس { إلى ما متعنا } أي على عظمتنا { به أزواجا } ~~أي أصنافا { منهم } أي أهل الدنيا؛ أو يقال: إنه لما كان المقصود لكل ذي ~~لب ms2476 إنما هو التبليغ بدار الفناء إلى دار البقاء، المؤكد إتيانها في الآية ~~السابقة، وكان القرآن - كما تقدم - كفيلا بذلك، وسلاه صلى الله عليه ~~وعلى آله وسلم عما يؤذونه من أقوالهم، وتبين من ذلك علو درجته، توقع ~~السامع ذكر ما أسبغ عليه من النعم فقال تعالى؛ أو يقال: إنه لما أمره ~~سبحانه بالصبر على أذاهم، علل ذلك مما معناه أنهم خلقه، وأنه منفرد ~~بالخلق، وهو بليغ العلم بأفعالهم مريد لها، فليس الفعل في الحقيقة إلا ~~له، وعلى المحب أن يرضى بفعل حبيبه من حيث إنه فعله، ولما كان التقدير: ~~فهو الذي خلقهم، وعلم قبل خلقهم ما يفعلون، عطف عليه تسلية له صلى عليه ~~وعلى آله وسلم قوله { ولقد آتيناك } أي بما لنا من العظمة كما أتينا ~~صالحا ما تقدم { سبعا من المثاني } يكون كل سبع منها كفيلا بإغلاق باب ~~من أبواب النيران السبعة، وهي أم القرآن الجامعة لجميع معاني القرآن التي ~~أمرنا بإعادتها في كل ركعة، زيادة في حفظها، وتبركا بلفظها، وتذكيرا ~~لمعانيها، تخصيصا لها عن بقية الذكر الذي تكلفنا بحفظه { و } آتيناك { ~~القرآن العظيم } الجامع لجميع معاني الكتب السماوية المتكفلة بخيري ~~الدارين مع زيادات لا تحصى، المشار إلى عظمته أول السورة بالتنوين ووصفه ~~بأنه مبين للبراهين الساطعة على نبوتك، والأدلة القاطعة على رسالتك، ~~الدالة على الله الموصلة إليه، والآية مع ذلك دليل على العلم المختتم به ~~ما قبلها، فكأنه قيل: فماذا أعمل؟ فقيل في معنى { ذرهم يأكلوا }: { لا ~~تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم } اكتفاء بهذا البلاغ العظيم ~~الذي من تحلى به وأشربه قلبه أراه معايب هذه الدار فبغضه فيها وأشرف به ~~على ما أمامه { ولا تحزن عليهم } لكونهم لم يؤمنوا فيخلصوا أنفسهم من ~~النار، ويقوى بهم جانب الإسلام، وكأن هذا هو الصفح المأمور به، وهو ~~الإعراض عنهم أصلا ورأسا إلا في أمر البلاغ. # ولما أمره في عشرتهم بما أمر، أتبعه أمره بعشرة أصحابه رضي الله عنهم ~~بالرفق واللين فقال تعالى: { واخفض } أي طأطىء { جناحك للمؤمنين * } أي ~~العريقين ms2477 في هذا الوصف، واصبر نفسك معهم، واكتف بهم، فإن الله جاعل فيهم ~~البركة، وناصرك ومعز دينك بهم، وغير محوجك إلى غيرهم، فمن أراد شقوته فلا ~~تلتفت إليهم، وهذا كناية عن اللين، وأصله أن الطائر إذا ضم الفرخ إليه ~~بسط جناحه ثم قبضه عليه - قاله أبو حيان؛ وفي الجزء العاشر من الثقفيات ~~عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ~~قال: # " المؤمن لين حتى تخاله من اللين أحمق ". # ولما كان الغالب على الخلق التقصير، قال له: { وقل } أي للفريقين، ~~مؤكدا لما للكفار من التكذيب، ولما للمؤمنين به من طيب النفس: { إني أنا ~~} أي لا غيري من المنذرين بالأعداء الدنيوية { النذير المبين * } لمن ~~تعمد التقصير، إنذاري منقذ له من ورطته، لأنه محتف بالأدلة القاطعة. # ولما ذكر ما التحم بقصة أصحاب الحجر المقتسمين على قتل رسولهم، وختمه ~~بالإنذار الذي هم أهله، عاد إلى تتميم أمرهم فشبههم بمن كذب من هذه الأمة ~~فقال: { كما } أي كذب أولئك وآتيناهم آياتنا فأعرضوا عنها ففعلنا بهم من ~~العذاب ما هم أهله مثل ما { أنزلنا } أي بعظمتنا من الآيات { على ~~المقتسمين * } أي مثلهم من قريش حيث اقتسموا شعاب مكة، ينفرون الناس عنك ~~ويفرقون القول في القرآن، فلا تأس عليهم لتكذيبهم وعنادهم مع رؤيتهم ~~الآيات البينات، فإن سنتنا جرت بذلك فيمن أردنا شقوته كقوم صالح؛ ثم قال: ~~{ الذين } أي مع أنهم تقاسموا على قتلك واقتسموا طرق مكة للتنفير عنك { ~~جعلوا القرءان } بأقوالهم { عضين * } أي قسموا القول فيه والحال أنه جامع ~~المعاني، لا متفرق المباني - منتظم التأليف أشد انتظام. متلائم الارتباط ~~أحكم التئام، كما قدمنا الإشارة إليه بتسميته كتابا وقرآنا، وختمنا بأن ~~ذلك على وجه الإبانة لاخفاء فيه، فقولهم كله عناه، فقالوا: سحر، وقالوا: ~~شعر، وقالوا: كهانة، وقالوا: أساطير الأولين - وغير ذلك، أنزلنا عليهم ~~آياتنا البينات وأدلتنا الواضحات، فأعرضوا عنها واشتغلوا بما لا ينفعهم ~~من التعنت وغيره دأب أولئك فليرتقبوا مثل ما حل بهم، ومثلهم كل من تكلم ~~في القرآن بمثل ذلك مما ms2478 لا ينبغي من العرب وغيرهم؛ وروى البخاري عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما { جعلوا القرآن عضين } قال: هم أهل الكتاب: اليهود ~~والنصارى، جزؤوه أجزاء فآمنوا ببعضه وكفروا ببعضه. وسيأتي معنى هذه ~~اللفظة { فوربك } أي فتسبب عن فعلهم هذا أنا نقسم بالموجد لك، المدبر ~~لأمرك، المحسن إليك بإرسالك { لنسئلنهم أجمعين * } أي هؤلاء وأولئك { عما ~~كانوا } أي كونا هو جبلة لهم { يعملون * } أي من تعضية القرآن وغيرها ~~لأنا نسأل كلا عما صنع { فاصدع } أي اجهر بعلو وشدة، فارقا بين الحق ~~والباطل بسبب ذلك { بما تؤمر } به من القرآن وكتاب مبين { وأعرض } أي ~~إعراض من لا يبالي { عن المشركين * } بالصفح الجميل عن الأذى والاجتهاد ~~في الدعاء، ويؤيد أن قوله { كما } راجع إلى قصة صالح ومتعلق بها - وإن لم ~~أر من سبقني إليه - ذكر الوصف الذي به تناسبت الآيتان وهو الاقتسام، ثم ~~وصف المقتسمين بالذين جعلوا القرآن عضين، لئلا يظن أنهم الذين تقاسموا في ~~بيات صالح، أي أتينا أولئك الآيات المقتضية للإيمان فما كان منهم إلا ~~التكذيب والتقاسم كما أنزلنا على هؤلاء الآيات فما كان منهم إلا ذلك، ~~وإنما عبر في أولئك ب { ءاتيناهم } لأن آياتهم الناقة وولدها والبئر، ~~وهي معطاة محسوسة، لا منزلة معقولة، وقال في هؤلاء أنزلنا إشارة إلى ~~القرآن الذين هو أعظم الآيات، أو إلى الجميع وغلب عليها القرآن لأنه ~~أعظمها، وإلى أنهم مبطلون في جحدهم وأنه لا ينبغي لهم أن يتداخلهم نوع شك ~~في أنه منزل لأنه أعظم من تلك الآيات مع كونها محسوسات، وأما اعتراض ما ~~بينهما من الآيات فمن أعظم أفانين البلاغة، فإنه لما أتم قصة صالح عليه ~~السلام، علم أنه المتعنتين ربما قالوا: لأي شيء يخلقهم ثم يهلكهم مع ~~علمه بعدم إجابتهم؟ فرد عليهم بأنه ما خلق { السماوات والأرض وما بينهما ~~} من هؤلاء المعاندين ومن أفعالهم وعذابهم وغير ذلك { إلا بالحق وأن ~~الساعة لآتية } فيعلم ذلك كله بالعيان من يشك فيه الآن، وذلك حين يكشف ~~الغطاء عن البصائر والأبصار فاصفح عنهم، فإنه لا بد من الأخذ لك ms2479 بحقك، إن ~~لم يكن في الدنيا ففي يوم الجمع، ثم أكد التصرف بالحكمة بقوله { إن ربك ~~هو الخلاق العليم } ثم سلاه - عما يضيقون به صدره من التكذيب بالساعة، ~~وأن الوعد بها إنما هو سحر، ونحو ذلك من القول، ومن افتخارهم بأموالهم ~~ونسبته إلى الحاجة إلى المشي بالأسواق - بما آتاه من كنوز القرآن، وأمره ~~بأن يزيد في التواضع واللين للمؤمنين لتطيب نفوسهم فلا يأسوا على ما ~~فاتهم من الدنيا، وأن ينذر الجميع ويحذرهم من سطوات الله أمثال ما أنزل ~~بالأقدمين، ثم عاد إليهم فشبههم بهؤلاء في التكذيب ليعلم أنهم أجدر منهم ~~بالعذاب لأنهم مشبه بهم، والمشبه به أعلى من المشبه، وذلك لكونهم أشد ~~كفرا لأن نبيهم أعظم وآياته أجل وأكثر، وأجلى وأبهر، فيكون ذلك سبب ~~اشتداد حذرهم، ولك أن تقول ولعله أحسن: إنه تعالى لما ذكر أن ثمود سكنوا ~~الأرض سكنى الآمنين. # فأزعجتهم عنها صيحه سلبت أرواحهم، وقلبت أشباحهم، كما سيكون لأهل الأرض ~~قاطبة بنفخة الصور، عند نفوذ المقدور، وكان قد قدم ذكر كثير مما في ~~السماوات والأرض من الآيات والعبر بقوله تعالى { ولقد جعلنا في السماء ~~بروجا } وما بعد ذلك من الجن والإنس وغيرهما مما جعل ذكر اختراعه دليلا ~~على الساعة، أتبع ذلك أن سبب خلق ذلك كله وما حواه من الخافقين إنما هو ~~الساعة فقال { وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق } أي ~~بالأمر الثابت لا بالتمويه والسحر كما أنتم تشاهدون، أو بسبب إقامة الحق ~~وإبانته من الباطل إبانة لا شك فيها يوم الجمع الأكبر، ومن إقامة الحق ~~تنعيم الطائع وتعذيب العاصي، وذلك بعد إتيان الساعة بنفختي الصور { وإن ~~الساعة لآتيه بالحق } أيضا، وليست سحرا كما تظنون، ولما كان إتيانها ~~لهذا العرض مما يشفي القلب لإدراك الثأر وهو حق لا بد منه، تسبب عنه قوله ~~تعالى { فاصفح الصفح الجميل }. # ولما كانت النفس بخبر الأعلم أوثق، وكان صانع الشيء أعلم به من غيره ~~فكيف إذا كان مع ذلك تام للعلم قال الله تعالى معللا لذلك { إن ربك } أي ~~المحسن ms2480 إليك { وهو الخلاق } أي التام القدرة على الإيجاد والإعدام، ~~الفعال لذلك " العليم " البالغ العلم؛ ولما ختم بهذين الوصفين بعد تقدم ~~الأخبار عما أوتى أهل الحجر من الآيات، وأنه خلق الوجود بالحق لا ~~بالتمويه، وكان ذلك موجبا لتوقع الإخبار عما أوتي هذا النبي الكريم منها ~~لإرشاد أمته، وكانت الآيات إما أن تكون من قسم الخلق كآية صالح، أو من ~~قسم الأمر الذي هو مدار العلم، أشار إلى تفضيله صلى الله عليه وسلم بفضل ~~ابنه، فقال عاطفا على ذلك { ولقد ءاتيناك } أي إن كنا أتينا صالحا أو ~~غيره آية مضت فلم يبق إلا ذكرها فقد آتيناك { سبعا من المثاني } وهي ~~الفاتحة التي خصصت بها، ثنى فيها البسملة للمبادىء، والحمدلة للكمالات، ~~والرحمانية والرحيمية فيها للإبداع الأول والمرضي من الأعمال، وملك ~~الدنيا المسمى بالربوبية لكونه مستورا، وملك يوم الدين، وبينهما رحمانية ~~الإيجاد الثاني بالمعاد ورحيمية الثواب للمرضي من الأسباب، والعبادة التي ~~لا تكون إلا مع القدرة والاختيار، والاستعانة الناظرة إلى العجز عن كمال ~~الاقتدار، والهداية بالهادي والمهدي، والضلال في مقابل ذلك بالمضل ~~والضال، وفي ذلك أسرار لا تسعها الأفكار { والقرآن الكريم } الجامع لجميع ~~الآيات مع كونه حقا ثابتا لا سحرا وخيالا، بل هو آية باقية على وجه ~~الدهر، مستمرا أمرها، دائما تلاوتها وذكرها، تفني الجبال الرواسي وهي ~~باقية، وتزول السماوات والأراضي وهي جديدة، إذا اصطف عسكر الفجرة قالت كل ~~آية منها هل من مبارز؟ وإن رام عدو مطاولة لتحققه بالضعف صاحت لدوام ~~قوتها: إني أناجز فلا تقوم لها قائم، ولا يحوم حول حماها حائم، ولا يروم ~~خوض بحرها رائم. # ولما كانت هذه الآية لصاحبها مغنية، ولمن فاز بقبولها معجبة مرضية، حسن ~~كل الحسن اتباعها بقوله { لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم } ~~ولما كان كفرهم بعد بيانها إنما هو عناد، قال تعالى " ولا تحزن عليهم " ~~ولما كان الغني بها ربما طن حسن أنفة الغنى، عقبه قوله { واخفض جناحك ~~للمؤمنين } ولما كان ربما ظن أن تلاوتها تغني عن الدعاء لا سيما لمن ~~أعرض، ms2481 نفى ذلك بقوله { وقل إني أنا النذير المبين } تحريضا على الاجتهاد ~~في التحذير، وتثبيتا للمؤمنين وإرغاما للمعاندين، واستجلابا لمن أراد ~~الله إسعاده من الكافرين، إعلاما بأن القلوب للمؤمنين بيد الله سبحانه ~~وتعالى، فلا وثوق مع ذلك بمقبل، ولا يأمن عن مدبر. # ولما تم ذلك على هذا النظم الرصين، والربط الوثيق المتين، التفت الخاطر ~~إلى حال من يندرهم، وكان كفار قريش - في تقسيمهم القول في القرآن ~~واقتسامهم طرق مكة لإشاعة ذلك البهتان، تنفيرا لمن أراد الإيمان - أشبه ~~شيء بالمقتسمين على صالح عليه السلام، قال تعالى { كما } أي آتينا أولئك ~~المقتسمين آياتنا فكانوا عنها معرضين، مثل ما { أنزلنا } آياتنا { على ~~المقتسمين } أي الذين تقاسموا برغبة كبيرة واجتهاد في ذلك { الذين جعلوا ~~القرآن عضين } أي ذا أعضاء أي أجزاء متفاصلة متباينة مثل أعضاء الجزور ~~إذا قطعت، جمع عضة مثل عدة وأصلها عضوة { فوربك لنسئلنهم أجمعين } أي لا ~~يمتنع علينا منهم أحد { عما كانوا يعملون فاصدع } أي بسبب أمرنا لك ~~بالإنذار وإخبارك أنا نسأل كل واحد عما عمل { بما تؤمر وأعرض عن المشركين ~~}. ### || [15.95-99] # ولما كان هذا الصدع في غاية الشدة عليه صلى الله عليه وعلى آله وسلم ~~لكثرة ما يلقى عليه الأذى، خفف عنه سبحانه بقوله معللا له: { إنا كفيناك ~~} أي بما لنا من العظمة { المستهزءين * } أي شر الذين هم عريقون في ~~الاستهزاء بك وبما جئت به، فأقررنا عينك بإهلاكهم، وزال عنك ثقل ما آذوك ~~به، وبقي لك أجره، وسنكفيك غيرهم كما كفيناكهم، ثم وصفهم بقوله: { الذين ~~يجعلون مع الله } أي مع ما رأوا من آياته الدالة على جلاله، وعظيم إحاطته ~~وكماله { إلها }. # ولما كانت المعية تفهم الغيرية، ولا سيما مع التعبير بالجعل، وكان ربما ~~تعنت منهم متعنت باحتمال التهديد على تألهه سبحان على سبيل التجريد، أو ~~على دعائه باسم غير الجلالة، لما ذكر المفسرون في قوله # قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن # [ الإسراء: 110] الآية آخر سبحان، زاد في الصراحة بنفي كمال كل احتمال ~~بقوله: { ءاخر } قال البغوي: قال ابن عباس رضي الله ms2482 عنهما: سجد رسول الله ~~صلى الله عليه وعلى آله وسلم بمكة ذات ليلة فجعل يقول في سجوده: يا الله ~~يا رحمن، فقال أبو جهل: إن محمدا ينهانا عن آلهتنا وهو يدعو إلهين؟ ~~فأنزل الله هذه الآية يعني آية سبحان، وتسبب عن أخذنا للمستهزئين - ~~وكانوا أعتاهم - أن يهدد الباقون بقولنا: { فسوف يعلمون } أي يحيط علمهم ~~بشدة بطشنا وقدرتنا على ما نريد، ليكون وازعا لغيرهم، أو يعلم ~~المستهزئون وغيرهم عاقبة أمورهم في الدارين. # ولما كان صدعه صلى الله عليه وعلى آله وسلم بذلك على حد من المشقة عظيم ~~وإن أريح من المستهزئين، لكثرة من بقي ممن هو على مثل رأيهم، قال يسليه ~~ويسخي بنفسه فيه: { ولقد نعلم } أي تحقق وقوع علمنا على ما لنا من العظمة ~~{ أنك } أي على ما لك من الحلم وسعة البطان { يضيق صدرك } أي يوجد ضيقه ~~ويتجدد { بما يقولون } عند صدعك لهم بما تؤمر، في حقك من قولهم: { ياأيها ~~الذي نزل عليه الذكر } إلى آخره، وفي حق الذي أرسلك من الشرك والصاحبة ~~والولد وغير ذلك { فسبح } بسبب ذلك، ملتبسا { بحمد ربك } أي نزهه عن ~~صفات النقص التي منها الغفلة عما يعمل الظالمون، مثبتا له صفات الكمال ~~التي منها إعزاز الولي وإذلال العدو { وكن } أي كونا جبليا لا انفكاك ~~له { من الساجدين * } له، أي المصلين، أي العريقين في الخضوع الدائم له ~~بالصلاة التي هي أعظم الخضوع له وغيرها من عبادته، ليكفيك ما أهمك فإنه ~~لا كافي غيره، فلا ملجأ إلى سواه، وعبر عنها بالسجود إشارة إلى شرفه وما ~~ينبغي من الدعاء فيه لا سيما عند الشدائد، فقد قال تعالى: # واستعينوا بالصبر والصلاة # [ البقرة: 45] وروي أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان إذا ~~حزبه أمر فزع إلى الصلاة - ذكره البغوي بغير سند، وهو في مسند أحمد وسنن ~~أبي داود عن حذيفة رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وعلى آله ~~وسلم إذا حزبه أمر صلى. وفي سنن النسائي الكبرى ومسند أحمد عن علي رضي ~~الله ms2483 عنه قال: لقد رأيتنا ليلة بدر وما فينا إنسان إلا نائم إلا رسول ~~الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فإنه كان يصلي إلى شجرة ويدعو حتى ~~أصبح. وفي لفظ لأحمد: لقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول الله صلى ~~الله عليه وعلى آله وسلم تحت شجرة يصلي ويبكي حتى أصبح. ولأحمد ومسلم ~~وأبي يعلى عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله ~~وسلم قال: # " أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد ". # ولما أمره بعبادة خاصة، أتبعه بالعامة فقال: { واعبد ربك } أي دم على ~~عبادة المسحن إليك بهذا القرآن الذي هو البلاغ بالصلاة وغيرها { حتى ~~يأتيك اليقين } بما يشرح صدرك من الموت أو ما يوعدون به من الساعة أو ~~غيرها مما { يود الذين كفروا معه لو كانوا مسلمين } قال الرازي في ~~اللوامع: وهذا دليل على أن شرف العبد في العبودية، وأن العبادة لا تسقط ~~عن العبد بحال ما دام حيا - انتهى. وقال البغوي: وهذا معنى ما في سورة ~~مريم عليها السلام # وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا # [ مريم:31] فقد انطبق آخر السورة - في الأمر باتخاذ القرآن بلاغا لكل ~~خير والإعراض عن الكفار - على أولها أتم انطباق، واعتنق كل من الطرفين: ~~الآخر والأول أي اعتناق - والله الموفق للصواب، وإليه المرجع والمآب. ### | [16 - سورة النحل] ### || [16.1-3] # { بسم الله } المحيط بدائرة الكمال ما شاء فعل { الرحمن } الذي عمت ~~نعمته جليل خلقه وحقيره وصغيره وكبيره { الرحيم * } الذي خص من شاء بنعمة ~~النجاة مما يسخطه بما يرضاه. # لما ختم الحجر بالإشارة إلى إتيان اليقين، وهو صالح لموت الكل، ولكشف ~~الغطاء بإتيان ما يوعدون مما يستعجلون به استهزاء من العذاب في الآخرة ~~بعد ما يلقون في الدنيا، ابتدأ هذه بمثل ذلك سواء، غير أنه ختم تلك باسم ~~الرب المفهم للإحسان لطفا بالمخاطب، وافتتح هذه باسم الأعظم الجامع ~~لجميع معاني الأسماء لأن ذلك أليق بمقام التهديد، ولما ستعرفه من المعاني ~~المتنوعة في أثناء السورة، وسيكرر هذا الاسم فيها تكريرا تعلم ms2484 منه صحة ~~هذه الدعوى، وعبر عن الآتي بالماضي إشارة إلى تحققه تحقق ما وقع ومضى، ~~وإلى أن كل آت ولا بد قريب، فقال تعالى: { أتى أمر الله } أي الملك ~~الأعظم الذي له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، بما يذل الأعداء، ويعز ~~الأولياء، ويشفي صدورهم، ويقر أعينهم. # ولما كانت العجلة نقصا، قال مسببا عن هذا الإخبار: { فلا تستعجلوه } ~~أيها الأعداء استهزاء، وأيها الأولياء استكفاء واستشفاء، وذلك مثل ما ~~أفهمه العطف في قوله تعالى { وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم } ~~كما تقدم؛ والضمير يجوز أن يكون لله وأن يكون للأمر. # ولما كان الجزم بالأمور المستقبلة لا يليق إلا عند نفوذ الأمر، ولا نفوذ ~~إلا لمن لا كفوء له، وكانت العجلة - وهي الإتيان بالشيء قبل حينه الأولى ~~به - نقصا ظاهرا لا يحمل عليها إلا في ضيق الفطن، وكان التأخير لا يكون ~~إلا عن منازع مشارك، نزه نفسه سبحانه تنزيها مطلقا جامعا بقوله تعالى: ~~{ سبحانه } أي تنزه عن الاستعجال وعن جميع صفات النقص { وتعالى } أي ~~تعاليا عظيما جدا { عما يشركون * } أي يدعون أنه شريك له، فلا مانع ~~مما يريد فعله، وساقه في غير قراءة حمزة والكسائي - في أسلوب الغيبة، ~~إظهارا للإعراض الدال على شدة الغضب، وهي ناظرة إلى قوله آخر التي قبلها # وأعرض عن المشركين # [ الحجر:94] وقوله: # الذين يجعلون مع الله إلها ءاخر # [ الحجر:96] وقد آل الأمر في نظم الآية إلى أن صار كأنه قيل: إنه لا ~~يعجل لأنه منزه عن النقص، ولا بد من إنفاذ أمره لأنه متعال عن الكفوء؛ ~~أو يقال: لا تستعجلوه لأنه تنزه عن النقص فلا يجعل، وتعالى عن أن يكون له ~~كفوء يدفع ما يريد فلا بد من وقوعه، فهي واقعة موقع التعليل لصدر الآية ~~كما أن صدر الآية تعليل لآخر سورة الحجر. # ولما تقرر بذلك تنزهه عن كل نقص: شرك وغيره، شرع يصف نفسه سبحانه بصفات ~~الكمال من الأمر والخلق، ولما كان الأمر أقدم وأعلى، بدأ به، ولما كان من ~~أمره إنزال الملائكة على الصورة التي طلبوها ms2485 في قولهم # لو ما تأتينا بالملائكة # [ الحجر:7] وقص عليهم في سورة إبراهيم ولوط عليهما السلام ما يترتب على ~~إنزالهم مجتمعين، وفهم منه أن لهم في نزولهم حالة أخرى لا تنكرها الرسل، ~~وهي حالة الإتيان إليهم بالعلم الذي نسبته إلى الأرواح نسبة الأرواح إلى ~~الأشباح، وكان ذلك ربما أثار لهم اعتراضا يطلبون به الفرق بينهم وبين ~~الرسل في إنزالهم عليهم دونهم - كما تقدم في الحجر، وكان ما يشركون به لا ~~تصرف له أصلا بإنزال ولا غيره، قال تعالى مشيرا إلى ذلك وإلى أن الوحي ~~بواسطة الملك، وأن النبوة عطائية لا كسبية: { ينزل الملائكة } الذين هم ~~الملأ الأعلى { بالروح } أي المعنى الأعظم الذي هو للأرواح بمنزلة ~~الأرواح للأشباح { من أمره } الذي هو كلامه المشتمل على الأمر والنهي { ~~ألا له الخلق والأمر } وهو مما تميز به لحقيته وإعجازه عن جميع ~~المخلوقات، فكيف بما لا يعقل منها كالأصنام! { على ما يشاء من عباده } ~~دون بعض، لأن ذلك نتيجة فعله بالاختيار، وأبدل من الروح أو فسر الإنزال ~~بالوحي لأنه متضمن معنى القول فقال: { أن أنذروا } أي الناس سطواتي، ~~فإنها لا محالة نازلة بمن أريد إنزالها به، بسبب { أنه لا إله إلا أنا } ~~وعبر بضمير المتكلم لأنه أدل على المراد لكونه أعرف؛ وسبب عن وحدانيته ~~التي هي منتهى كمال القوة العلمية قوله آمرا بما هو أقصى كمال القوة ~~العملية: { فاتقون * } أي فليشتد خوفكم مني وأخذكم لما يكون وقاية لكم من ~~عذابي، فإنه لا مانع مما أريد، فمن علمت أنه أهل للنقمة أنزلتها به، ومن ~~علمته أهلا لتلقي الروح منحته إياه. # ولما وحد نفسه، دل على ذلك بقوله، شارحا لإيجاده أصول العالم وفروعه ~~على وجه الحكمة: { خلق السماوات } أي التي هي السقف المظل { والأرض } أي ~~التي هي البساط المقل { بالحق } أي بالأمر المحقق الثابت، لا بالتمويه ~~والتخييل { ألا له الخلق والأمر }. # ولما كان ذلك من صفات الكمال المستلزمة لنفي النقائص، وكان قاطعا في ~~التنزه عن الشريك، لأنه لو كان، لزم إمكان الممانعة، فلزم العجز عن ~~المراد، أو ms2486 وجود الضدين المرادين لهما، وكل منهما محال، فإمكان الشريك ~~محال، ولأنهما وكل ما فيهما ملكه وفي تصرفه، لا نزاع لمن أثبت الإله في ~~ذلك، تلاه بقوله - نتيجة لذلك دالة على أنه تعالى ليس من قبيل الأجرام: { ~~تعالى } أي تعاليا فات الوصف { عما يشركون * } - عريا عن افتتاحه ~~بالتنزيه كالأولى. ### || [16.4-6] # ولما كان خلق السماوات والأرض غيبا لتقدمه، وكان خلق الإنسان على هذه ~~الصفة شهادة، مع كونه أدل على ذلك من حيث إنه أشرف من كل ما يعبده من دون ~~الله، ولن يكون الرب أدنى من العبد أصلا، قال معللا: { خلق الإنسان } ~~أي هذا النوع الذي خلقه أدل ما يكون على الوحدانية والفعل بالاختيار، ~~لأنه أشرف ما في العالم السفلي من الأجسام لمشاركته للحيوان الذي هو أشرف ~~من غيره بالقوى الشريفة من الحواس الظاهرة والباطنة، والشهوة والغضب، ~~واختصاصه بالنطق الذي هو إدراك الكليات والتصرف فيها بالقياسات { من نطفة ~~} أي آدم عليه السلام من مطلق الماء، ومن تفرع منه بعد زوجه من ماء مقيد ~~بالدفق. # ولما كان - مع مشاركته لغيره من الحيوان في كونه من نطفة - متميزا ~~بالنطق المستند إلى ما في نفسه من عجائب الصنع ولطائف الإدراك، كان ذلك ~~أدل دليل على كمال قدرة الفاعل واختياره، فقال تعالى: { فإذا هو } أي ~~الإنسان المخلوق من الماء المهين { خصيم } أي منطيق عارف بالمجادلة { ~~مبين * } أي بين القدرة على الخصام، وموضح لما يريده غاية الإيضاح بعد أن ~~كان ما لا حس به ولا حركة اختيارية عنده بوجه، أفلا يقدر الذى ابتدأ ذلك ~~على إعادته! # ولما صار التوحيد بذلك كالشمس، وكان كل ما في الكون - مع أنه دال على ~~الوحدانية - نعمة على الإنسان يجب عليه شكرها، شرع يعدد ذلك تنبيها له ~~على وجوب الشكر بالتبرؤ من الكفر، فقال مقدما الحيوانات لأنها أشرف من ~~غيرها، وقدم منها ما ينفع الإنسان لأنه أجل من غيره. مبتدئا بما هو ~~أولاها بالذكر لأنه أجلها منفعة في ضرورات المعيشة وألزمها لمن أنزل ~~الذكر بلسانهم: { والأنعام } أي الأزواج الثمانية: الضأن والمعز والإبل ms2487 ~~والبقر { خلقها } غير ناطقة ولا مبينة مع كونها أكبر منكم خلقا وأشد ~~قوة. # ولما كان أول ما يمكن أن يلقى الإنسان عادة من نعمها اللباس، بدأ به، ~~فقال على طريق الاستئناف: { لكم فيها دفء } أي ما يدفأ به فيكون منه حر ~~معتدل من حر البدن الكائن بالدثار بمنع البرد، وثنى بما يعم جميع نعمها ~~التي منها اللبن فقال: { ومنافع } ثم ثلث بالأكل لكونه بعد ذلك فقال ~~تعالى: { ومنها تأكلون * } وقدم الظرف دلالة على أن الأكل من غيرها ~~بالنسبة إلى الأكل منها مما لا يعتد به، ثم تلاه بالتجمل لأنه النهاية ~~لكونه للرجال فقال تعالى: { ولكم } أي أيها الناس خاصة { فيها } أي ~~الأنعام { جمال } أي عظيم. # ولما كان القدوم أجل نعمة وأبهج من النزوح، قدمه فقال: { حين يريحون } ~~بالعشي من المراعي وهي عظيمة الضروع طويلة الأسنمة { وحين تسرحون * } ~~بالغداة من المراح إلى المراعي، فيكون لها في هاتين الحالتين من الحركات ~~منها ومن رعاتها ومن الحلب والتردد لأجله وتجاوب الثغاء والرغاء أمر عظيم ~~وأنس لأهلها كبير. ### || [16.7-8] # ولما كانت الأسفار بعد ذلك، تلاه بقوله تعالى: { وتحمل } أي الأنعام { ~~أثقالكم } أي أمتعتكم مع المشقة { إلى بلد } أي غير بلدكم أردتم السفر ~~إليه { لم تكونوا } - أي كونا أنتم مجبولون عليه - قادرين على حملها ~~إليه، وتبلغكم - بحملها لكم - إلى بلد لم تكونوا { بالغيه } بغير الإبل { ~~أي بشق } أي بجهد ومشقة وكلفة { الأنفس } ويجوز أن يكون المعنى: لم ~~تبلغوه بها، فكيف لو لم تكن موجودة؛ والشق: أحد نصفي الشيء، كأنه كناية ~~عن ذهاب نصف القوة لما يلحق من الجهد؛ والآية من الاحتباك: ذكر حمل ~~الأثقال أولا دليلا على حمل الأنفس ثانيا، وذكر مشقة البلوغ ثانيا ~~دليلا على مشقة الحمل أولا. # ولما كان هذا كله من الإحسان في التربية، ولا يسخره للضعيف إلا البليغ ~~في الرحمة، وكان من الناس من له من أعماله سبب لرضى ربه، ومنهم من أعماله ~~كلها فاسدة، قال: { إن ربكم } أي الموجد لكم والمحسن إليكم { لرؤوف } أي ~~بليغ الرحمة لمن يتوسل إليه بما ms2488 يرضيه { رحيم * } أي بليغ الرحمة بسبب ~~وبغير سبب. # ولما كانت الأنعام أكثر أموالهم، مع أن منافعها أكثر، بدأ بها ثم ثنى ~~بما هو دونها، مرتبا له على الأشراف فالأشراف، فقال تعالى: { والخيل } ~~أي الصاهلة { والبغال } أي المتولدة بينها وبين الحمر { والحمير } أي ~~الناهقة. # ولما كان الركوب فعل المخاطبين، وهو المقصود بالنفعة، ذكره باللام التي ~~هي الأصل في التعليل فقال: { لتركبوها } ولما كانت الزينة تابعة للمنفعة، ~~وكانت فعلا لفاعل الفعل المعلل، نصبت عطفا على محل ما قبلها فقال: { ~~وزينة }. # ولما دل على قدرته بما ذكر في سياق الامتنان، دل على أنها لا تتناهى في ~~ذلك السياق، فنبه على أنه خلق لهم أمورا لو عدها لهم لم يفهموا المراد ~~على سبيل التجديد والاستمرار في الدنيا والآخرة { ما لا تعلمون * } فلا ~~تعلمون له موجدا غيره ولا مدبرا سواه. ### || [16.9-11] # ولما كانوا في أسفارهم واضطرابهم في المنافع بهذه الحيوانات وغيرها ~~يقصدون أسهل الطرق وأقومها وأوصلها إلى الغرض، ومن عدل عن ذلك كان عندهم ~~ضالا سخيف العقل غير مستحق للعد في عداد النبلاء، نبههم على أن ما تقدم ~~في هذه السورة قد بين الطريق الأقوم الموصل إليه سبحانه بتكفله ببيان أنه ~~واحد قادر عالم مختار، وأنه هو المنعم، فوجب اختصاصه بالعبادة، وأخبرهم ~~سبحانه أنه أوجب هذا البيان على نفسه فضلا منه فقال تعالى: { وعلى } أي ~~قد بين لكم الطريق الأمم وعلى { الله } أي الذي له الإحاطة بكل الشيء { ~~قصد السبيل } أي بيان الطريق العدل، وعلى الله بيان الطريق الجائر حتى لا ~~يشك في شيء منهما، فإن الطريق المعنوية كالحسية، منها مستقيم من سلكه ~~اهتدى { ومنها جائر } من سلكه ضل عن الوصول فهلك # وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم # [التوبة:115 ] الآية # وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا # [الإسراء: 15] فالآية من الاحتباك: ذكر أن عليه بيان القصد أولا دلالة ~~على حذف أن عليه بيان الجائر ثانيا، وذكر أن من الطرق الجائر ثانيا ~~دلالة على حذف أن منها المستقيم أولا، وتعبير الأسلوب لبيان أن المقصود ~~بالذات ms2489 إنما هو بيان النافع، ومادة قصد تدور على العدل المواه، ومنه ~~القصد، أي الاستقامة، واستقامة الطريق من غير تعريج، وضد الإفراط ~~كالاقتصاد، ورجل ليس بالجسيم ولا بالضئيل، وذلك لا يكون إلا عن إرادة ~~وتوجه، فإطلاق القصد على العزم مستقيما كان أو جائرا، إذا قلت: قصدته - ~~بمعنى أتيته أو أممته ونويته، من دلالة الالتزام، وكذا القصد بمعنى الكسر ~~بأي وجه كان، وقيل: لا يقال: قصد، إلا إذا كان بالنصف، والقصيد: ما تم ~~شطر أبياته، لأن ذلك أعدل حالاته، قال في القاموس: ثلاثة أبيات فصاعدا ~~أو ستة عشر فصاعدا؛ وقال الإمام أبو الفتح عثمان بن جني في آخر كتابه ~~المغرب في شرح القوافي: فالبيت على ثلاثة أضرب: قصير، ورمل، وزجر، فأما ~~القصيد فالطويل التام، والبسيط التام، والكامل التام، والمديد التام، ~~والوافر التام، والرجز التام، والخفيف التام، وهو كل ما تغنى به الركبان، ~~ومعنى قولنا: المديد التام والوافر التام. نريد أتم ما جاء منهما في ~~الاستعمال، أعني الضربين الأولين منهما، فأما أن يجيئا على أصل وضعهما في ~~دائرتيهما فذلك مرفوض مطرخ؛ والقصيد: المخ السمين أو دونه، والعظم ~~الممخ، والناقة السمينة بها نفي، والسمين من الأسنمة - لأن بهذا الحال ~~استقامة كل ما ذكر، وكذا القاصد: القريب، وبيننا وبين الماء ليلة قاصدة، ~~أي هينة السير، لأنه أقرب إلى الاستقامة، ومنه قصدت كذا - إذا اعتمدته ~~وأممته وتوجهت إليه سواء كان ذلك عدلا أو جورا، وانقصد الرمح - إذا ~~انكسر على السواء، كأنه مطاوع قصده، والواحدة من تلك الكسر قصده ~~بالكسر، ورمح قصد - ككتف: متكسر، والقصد - بالتحريك: العوسج - لأنه سريع ~~التكسر، والجوع - لأن الجائع قاصد لما يأكله متوجه إليه، والقصد: مشرة ~~العضاه تخرج في أيام الخريف لدنة تتثنى في أطراف الأغصان، وهي خوصة تخرج ~~فيها، وفي كثير من الشجر في تلك الأيام، أو هي الأغصان، أو هي الأغصان ~~الرطبة قبل أن تتلون وتشتد - سميت بذلك لخروجها وتوجهها إلى منظر العين، ~~أو توجه النظر إليها للسرور بها، والقصيد: العصا - لأنها تقصد ويقصد بها، ~~وأقصد السهم: أصاب فقتل مكانه، وأقصد ms2490 فلانا: طعنه فلم يخطئه، والحية: ~~لدغت فقتلت - يمكن أن يكون ذلك من الاستقامة لأن قصد فاعله القتل، فكأنه ~~استقام قصده بنفوذه، ويمكن أن يكون من السلب أي أنه أزال الاستقامة لأن ~~من مات فقد زالت استقامة حياته، ومنه المقصد كمخرج، وهو من يمرض ويموت ~~سريعا، والقصيد بمعنى اليابس من اللحم - فعيل بمعنى مفعل، أي أقصد فزالت ~~استقامته بأن هلك جفافا يبسا. # والصدق ضد الكذب، وهو من أعدل العدل وأقوم القصد، والصدق: الشدة، إذ بها ~~يمتحن الصادق من الكاذب، ومنه رجل صدق، أي يصدق ما يعزم عليه أو يقوله ~~بفعله، فهو شديد العزم سديد الأمر، والصديق - كأمير: الحبيب الذي يصدق ~~قوله في الحب بفعل، والمصادقة والصداق - بالكسر: المخالة كالتصادق، ~~والصيدق - كصقيل: الأمين - لأنه مصدق في قوله، والملك - لأن محله يقتضي ~~الصدق لعدم حاجته إلى الكذب، والقطب - لأنه أصدق النجوم دلالة لثباته، ~~وقال أبو عبد الله القزاز: هو اسم للسها، وهو النجم الخفي الذي مع بنات ~~نعش، والصدق - بالفتح: الصلب المستوي من الرماح - لأنه صدق ظن الطاعن به، ~~وكذا من الرجال، والكامل من كل شيء، ورجل صدق اللقاء والنظر، ومصداق ~~الشيء: ما يصدقه، وشجاع ذو مصدق - كمنبر: صادق الحملة، أي شديدها، ~~والصدقة - محركة: ما أعطيته في ذات الله لأنها تصدق دعوى الإيمان ~~لدلالتها على شدة العزم فيه، والصدقة - بضم الدال وسكونها: مهر المرأة ~~لأنه يصدق العزم فيه وكسكيت: الكثير الصدق، وصدقت الله حديثا إن لم أفعل ~~كذا - يمين لهم، أي لا صدقت، وفعله غب صادقة، أي بعد ما تبين له الأمر، ~~وصدقه تصديقا - ضد كذبه، والوحشي: عدا ولم يلتفت لما حمل عليه، والمصدق ~~- كمحدث: آخذ الصدقات، والمتصدق: معطيها. # ولما كان أكثر الخلق ضالا، كان ربما توهم متوهم أنه خارج عن الإرادة، ~~فنفي هذا التوهم بقوله - عطفا على ما تقديره: فمن شاء هداه قصد السبيل، ~~ومن شاء أسلكه الجائر، وهو قادر على ما يريد من الهداية والإضلال -: { ~~ولو شاء } هدايتكم { لهداكم أجمعين * } بخلق الهداية في قلوبكم بعد بيان ~~الطريق القصد، ولكنه لم يشأ ms2491 ذلك فجعلكم قسمين. # ولما كان ما مضى كفيلا ببيان أنه الواحد المختار، شرع يوضح ذلك بتفصيل ~~الآيات إيضاحا يدعه في أتم انكشاف في سياق معدد للنعم مذكر بها داع إلى ~~شكرها، فقال بعد ما دل به من الإنسان وما يليه في الشرف من الحيوان ~~مبتدئا بما يليهما في الشرف من النبات الذي هو قوام حياة الإنسان وما به ~~قوام حياته من الحيوان: { هو } لا غيره مما تدعي فيه الإلهية { الذي أنزل ~~} أي بقدرته الباهرة { من السماء } قيل: نفسها. وقيل: جهتها، وقيل: ~~السحاب - كما هو مشاهد { ماء } أي واحدا تحسونه بالذوق والبصر { لكم منه ~~} أي خاصة { شراب } ظاهر على وجه الأرض من العيون والأنهار والغدران ~~وغيرها. # ولما كان أول ما يقيم الآدمي شراب اللبن الناشىء عن الماء فقدمه، أتبعه ~~ما ينشأ منه أشرف أغذيته وهو الحيواني، فقال تعالى: { ومنه شجر } لسريانه ~~في الأرض الواحدة واختلاطه بها، فينعقد من ذلك نبات { فيه تسيمون * } أي ~~ترعون على سبيل الإطلاق ليلا ونهارا ما خلق لكم من البهائم، والشجر هنا ~~- بما أفهمته الإسامة - عام لما يبقى في الشتاء حقيقة، ولغيره مجازا؛ ~~قال القزاز: الشجر ما بقي له ساق في الشتاء إلى الصيف، ثم يورق، والبقل ~~ما لا يبقى له ساق، قال الخليل: جل الشجر عظامه وما يبقى منه في الشتاء، ~~ودقه صنفان: أحدهما تبقى له أرومة في الأرض في الشتاء، وينبت في الربيع، ~~ومنه ما ينبت من الأرض كما تنبت البقلة، والفرق بينه وبين البقل أن الشجر ~~يبقى له أرومة على الشتاء ولا يبقى للبقل، وعن أبي حنيفة رضي الله عنه أن ~~النبات ثلاثة أقسام: شجر وهو ما يبقى في الشتاء، ولا يذهب فرعه ولا أصله، ~~وما نبت في بزر ولم ينبت في أرومة ثابتة فهو البقل، وما نبت في أرومة - ~~أي أصل - وكان مما يهلك فرعه وأصله في الشتاء فهو الجنبة، لأنه فارق ~~الشجر الذي يبقى فرعه وأصله، والبقل الذي يبيد فرعه وأصله، فكان جنبة ~~بينهما. # ولما كان الشجر عاما، شرع سبحانه يفصله تنويعا ms2492 للنعم وتذكيرا ~~بالتفاوت، إشارة إلى أن الفعل بالاختيار، فقال مبتدئا بالأنفع في ~~القوتية والائتدام والتفكه: { ينبت } أي هو سبحانه { لكم } أي خاصة { به ~~} مع كونه واحدا في أرض واحدة { الزرع } الذي تشاهدونه من أقل الشجر ~~مكثا وأصغره قدرا، { والزيتون } الذي ترونه من أطول الأشجار عمرا ~~وأعظمها قدرا. # ولما كانت المنافع كثيرة في شجر التمر، سماه باسمه فقال تعالى: { ~~والنخيل } ولما كانت المنفعة في الكرم بغير ثمرته تافهة، قال تعالى: { ~~والأعناب } وهما من أوسط ذلك { ومن كل الثمرات } وأما كلها فلا يكون إلا ~~في الجنة، وهذا الذي في الأرض بعض من ذلك الكل مذكر به ومشوق إليه { إن ~~في ذلك } أي الماء العظيم المحدث عنه وعن فروعه، أو في إنزاله على الصفة ~~المذكورة { لآية } بينة على أن فاعل ذلك تام القدرة يقدر على الإعادة كما ~~قدر على الابتداء، وأنه مختار يفعل ذلك في الوقت الذي يريده. # ولما كان ذلك ممن يحس، وكان شغل الحواس بمنفعته - لقربه وسهولة ملابسته ~~- ربما شغل عن الفكر في المراد به، فكان التفطن لدلالته يحتاج إلى فضل ~~تأمل ودقة نظر، قال تعالى: { لقوم يتفكرون * } أي في أن وحدته وكثرة ما ~~يتفرع عنه دليل على وحدة صانعه وفعله بالاختيار، وأفرد الآية لوحدة ~~المحدث عنه، وهو الماء - كما قال تعالى في آية # تسقى بماء واحد # [ الرعد:4] وسيأتي في آية النحل كلام الإمام أبي الحسن الحرالي في هذا. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: هذه السورة في التحامها بسورة الحجر ~~مثل الحجر بسورة إبراهيم من غير فرق، لما قال تعالى # فوربك لنسئلنهم أجمعين عما كانوا يعملون # [الحجر:92] وقال تعالى بعد ذلك في وعيد المستهزئين { فسوف يعلمون } أعقب ~~هذا ببيان تعجيل الأمر فقال تعالى # أتى أمر الله فلا تستعجلوه # [النحل:1] وزاد هذا بيانا قوله { سبحانه وتعالى عما يشركون } فنزه ~~سبحانه نفسه عما فاهوا به في استهزائهم وشركهم وعظيم بهتهم، وأتبع ذلك ~~تنزيها وتعظيما فقال تعالى { خلق السماوات والأرض بالحق تعالى عما ~~يشركون } ثم أتبع ذلك بذكر ابتداء خلق الإنسان وضعف جبلته ms2493 { خلق الإنسان ~~من نطفة } ثم أبلغه تعالى حدا يكون فيه الخصام والمحاجة، كل ذلك ابتلاء ~~منه واختبار ليميز الخبيث من الطيب، وأعقب هذا بذكر بعض ألطافه في خلق ~~الأنعام وما جعل فيها من المنافع المختلفة، وما هو سبحانه عليه من الرأفة ~~والرحمة اللتين بهما أخر العقوبة عن مستوجبها، وهدى من لم يستحق الهداية ~~بذاته بل كل هداية فبرأفة الخالق ورحمته، ثم أعقب ما ذكره بعد من خلق ~~الخيل والبغال والحمير وما في ذلك كله بقوله { ولو شاء لهداكم أجمعين } ~~فبين أن كل الواقع من هداية وضلال خلقه وفعله، وأنه أوجد الكل من واحد، ~~وابتدأهم ابتداء واحدا { خلق الإنسان من نطفة } فلا بعد في اختلاف ~~غاياتهم بعد ذلك، فقد أرانا سبحانه مثال هذا الفعل ونظيره في قوله { وهو ~~الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر - إلى قوله: لآية لقوم ~~يتفكرون } انتهى. ### || [16.12-13] # ولما كان ربما قال بعض الضلال: إن هذه الأشياء مستندة إلى تأثير ~~الأفلاك، نبه على أنها لا تصلح لذلك بكونها متغيرة فلا بد لها من قاهر ~~أثر فيها التغير، ولا يزال الأمر كذلك إلى أن ينتهي إلى واحد قديم فاعل ~~بالاختيار، لما تقرر من بطلان التسلسل، فقال تعالى: { وسخر لكم } أي أيها ~~الناس لإصلاح أحوالكم { اليل } للسكنى { والنهار } للابتغاء؛ ثم ذكر ~~آية النهار فقال تعالى: { والشمس } أي لمنافع اختصها بها، ثم ذكر آية ~~الليل فقال: { والقمر } لأمور علقها به { والنجوم } أي لآيات نصبها لها، ~~ثم نبه على تغيرها بقوله: { مسخرات } أي بأنواع التغير لما خلقها له على ~~أوضاع دبرها { بأمره } سببا لصلاحكم وصلاح ما به قوامكم، دلالة على ~~وحدانيته وفعله بالاختيار، ولو شاء لأقام أسبابا غيرها أو أغنى عن ~~الأسباب. # ولما كان أمرها مع كونه محسوسا - ليس فيه من المنافع القريبة الأمر ~~السهلة الملابسة ما يشغل عن الفكر فيه، لم يحل أمره إلى غير مطلق العقل، ~~إشارة إلى وضوحه وإن كان لا بد فيه من استعمال القوة المفكرة، ولأن ~~الآثار العلوية أدل على القدرة الباهرة، وأبين ms2494 شهادة للكبرياء والعظمة، ~~فقال: { إن في ذلك } أي التسخير العظيم { لآيات } أي كثيرة متعددة عظيمة ~~{ لقوم يعقلون } وجمع الآيات لظهور تعدادها بالتحديث عنها مفصلة. # ولما كان ما مضى موضعا للتفكر المنتج للعلم بوحدة الصانع واختياره، ~~وكان التفكر في ذلك مذكرا بما بعده من سر التفاوت في اللون الذي لا يمكن ~~ضبط أصنافه على التحرير، وكان في ذلك تمام إبطال القول بتأثير الأفلاك ~~والطبائع، لأن نسبتها إلى جميع أجزاء الورقة الواحدة والحبة الواحدة ~~واحدة، قال تعالى عطفا على الليل: { وما ذرأ } أي خلق وبث وفرق التراب ~~والماء { لكم } أي خاصة، فاشكروه واعلموا أنه ما خصكم بهذا التدبير ~~العظيم إلا لحكم كبيرة أجلها إظهار جلاله يوم الفصل { في الأرض } أي ~~مما ذكر ومن غيره حال كونه { مختلفا ألوانه } حتى في الورقة، الواحدة، ~~فترى أحد وجهيها - بل بعضه - في غاية الحمرة، والآخر في غاية السواد أو ~~الصفرة ونحو ذلك، فلو كان المؤثر موجبا بالذات لامتنع حصول هذا التفاوت ~~في الآثار، فعلم قطعا أنه إنما هو قادر مختار، ولم يذكر اختلاف الصور ~~لأن دلالتها - لأجل اختلاف أشكال النجوم من السماء وصور الجبال والروابي ~~والوهاد من الأرض - ليست على إبطال الطبيعة كدلالة اختلاف اللون. # ولما كان ذلك - وإن كان خارجا عن الحد في الانتشار - واحدا من جهة ~~كونه لونا، وحد الآية فقال: { إن في ذلك } الذي ذرأه في هذه الحال على ~~هذا الوجه العظيم { لآية } ولما نبه في التي قبلها على أن الأمر وصل في ~~الوضوح إلى حد لا يحتاج معه إلى غير بديهة العقل، نبه هنا على أن ذلك ~~معلوم طرأ عليه النسيان والغفلة، حثا على بذل الجهد في تأمل ذلك، وإشارة ~~إلى أن دلالته على المقصود في غاية الوضوح فقال: { لقوم يذكرون * } ولو ~~لم يمنعوا - بما أفاده الإدغام؛ والتذكر: طلب المعنى بالتفكر في متعلقه، ~~فلا بد من حضور معنى يطلب به غيره، وقد رتب سبحانه ذلك أبدع ترتيب، فذكر ~~الأجسام المركبة عموما، ثم خص الحيوان، ثم مطلق الجسم النامي وهو ~~النبات، ثم البسائط ms2495 من الماء ونحوه، ثم الأعراض من الألوان. ### || [16.14] # ولما دل على قدرته واختياره سبحانه دلالة على القدرة على كل ما أخبر به ~~لاسيما الساعة، بخلق السماوات والأرض الذي هو أكبر من خلق الناس، ثم ذكر ~~بعض ما في المكشوف من الأرض المحيط به الهواء من التفاوت الدال على تفرد ~~الصانع واختياره، وختمه باللون، أتبع ذلك بالمغمور بالماء الذي لا لون له ~~في الحقيقة، إشارة إلى أنه ضمنه من المنافع والحيوانات التي لها من ~~المقادير والكيفيات والأشكال والألوان البديعة التخطيط، الغريبة الصباغ - ~~ما هو أدل من ذلك فقال: { وهو } أي لا غيره { الذي سخر البحر } أي ذلله ~~وهيأه لعيش ما فيه من الحيوان وتكون الجواهر، وغير ذلك من المنافع، ~~والمراد به السبعة الأبحر الكائنة في الربع المرتفع عن الماء، وهو ~~المسكون من كرة الأرض المادة من البحر المحيط الغامر لثلاثة أرباع ~~الأرض، فجعله بالتسخير بحيث يتمكن الناس من الانتفاع به بالركوب والغوص ~~وغيرهما { لتأكلوا منه } أي بالاصطياد وغيره من لحوم الأسماك { لحما ~~طريا } لا تجد أنعم منه ولا ألين، وهو أرطب اللحوم فيسرع إليه الفساد ~~فيبادر إلى أكله عذبا لذيذا مع نشبه في ملح زعاق { وتستخرجوا منه } أي ~~بجهدكم في الغوص وما يتبعه { حلية تلبسونها } أي نساؤكم، وهن بعضكم لكم، ~~فكأن اللابس أنتم، وهي من الحجارة التي لا ترى أصلب منها ولا أصفى من ~~اللؤلؤ وكذا من المرجان وغيره، مع نسبة هذا الصلب وذاك الطري إلى الماء، ~~فلو أنه فاعل بطبعه لاستويا. # ولما ذكر المنافع العامة مخاطبا لهم بها، وكان المخر - وهو أن تجري ~~السفينة مستقبلة الريح، فتشق الماء، فيسمع لجريها صوت معجب، وذلك مع ~~الحمل الثقيل - آية عظيمة لا يتأملها إلا أرباب القلوب خص بالخطاب أعلى ~~أولي الألباب، ومن قاربه في ابتغاء الصواب، فقال: { وترى الفلك } ولما ~~كان النظر إلى تعداد النعم هنا أتم منه في سورة فاطر، قدم المخر في قوله: ~~{ مواخر فيه } أي جواري تشق الماء مع صوت، لتركبوها فتستدلوا - بعدم ~~رسوبها فيه مع ميوعه ورقته وشدة لطافته ms2496 - على وحدانية الإله وقدرته. # ولما علل التسخير بمنفعة البحر نفسه من الأكل وما تبعه، عطف على ذلك ~~النفع به، فقال تعالى: { ولتبتغوا } أي تطلبوا طلبا عظيما بركوبه { من ~~فضله } أي الله بالتوصل بها إلى البلدان الشاسعة للمتاجر وغيرها { ولعلكم ~~تشكرون * } هذه النعم التي أنتم عاجزون عنها لولا تسخيره؛ والمخر: شق ~~الماء عن يمين وشمال، وهو أيضا صوت هبوب الريح إذا اشتد هبوبها، وقد ~~ابتدىء فيه بما يغوص تارة ويطف أخرى بالاختيار، وثنى بما طبعه الرسوب، ~~وثلث بما من طبعه الطفوف. ### || [16.15-17] # ولما ذكر الأغوار، الهابطة الضابطة للبحار، أتبعها الأنجاد الشداد، التي ~~هي كالأوتاد، تذكيرا بما فيها من النعم فقال: { وألقى في الأرض } أي وضع ~~فيها وضعا، كأنه قذفه فيها قذفا، جبالا { رواسي } مماسة لها ومزينة ~~لنواحيها، كراهة { أن تميد } أي تميل مضطربة يمينا وشمالا، أي فيحصل ~~لكم الميد، وهو دوار يعتري راكب البحر { بكم } فهي ثابتة لأجل ذلك ~~الإلقاء، ثابتة مع اقتضائها بالكرية التحرك. # ولما ذكر الأوهاد، وأتبعها الأوتاد، تلاها بما تفجره غالبا منها، ~~عاطفا على { رواسي } لما تضمنه العامل من معنى " جعل " فقال: { وأنهارا ~~} وأدل دليل على ثبات الأرض ما سبقها من ذكر البحار، ولحقها من الحديث عن ~~الأنهار، فإنها لو تحركت ولو بمقدار شعرة في كل يوم لأغرقت البحار من ~~إلى جانب الانخفاض، وتعاكست مجاري الأنهار، فعادت منافعها أشد المضار، ~~ولو زادت البحار، بما تصب فيها الأنهار، على مر الليل وكر النهار، لأغرقت ~~الأرض، ولكنه تعالى دبر الأمر بحكمته تدبيرا تعجز عن الاطلاع على كنهه ~~أفكار الحكماء، بأن سلط حرارة الشمس على الأرض في جميع مدة الصيف وبعض ~~غيره من الفصول، فسرت في أغوارها، وحميت في أعماقها في الشتاء، فأسخنت ~~مياه البحار وغيرها فتصاعدت منها بخارات كما يتصاعد من القدر المغلي بقدر ~~ما صبت فيها الأنهار، فانعقدت تلك البخارات في الجو مياها لما بردت، ~~فنزل منها المطر، فأحيا الأرض بعد موتها، وتخلل أعماقها منه ما شاء الله، ~~فأمد الأنهار، ولذلك تزيد بزيادة المطر وتنقص بنقصه، وهكذا في كل ms2497 عام، ~~فأوجب ذلك بقاء البحر على حاله من غير زيادة، فسبحان المدبر الحكيم ~~العزيز العليم! ولما ذكر ذلك، أتبعه ما يتوصل به إلى منافع كل منه فقال ~~تعالى: { وسبلا }. # ولما كانت الجبال والبحار والأنهار أدلة على السبل الحسية والمعنوية، ~~قال تعالى: { لعلكم تهتدون * } أي يحصل الاهتداء فتهتدوا إلى مقاصدكم. # ولما كانت الأدلة في الأرض غير محصورة فيها، قال: { وعلامات } أي من ~~الجبال وغيرها، جمع علامة وهي صورة يعلم بها المعنى من خط، أو لفظ أو ~~إشارة أو هيئة، وقد تكون علامة وضعية، وقد تكون برهانية. # ولما كانت الدلالة بالنجم أنفع الدلالات وأعمها وأوضحها برا وبحرا ~~ليلا ونهارا، نبه على عظمها بالالتفات إلى مقام الغيبة لإفهام العموم ~~لئلا يظن أن المخاطب مخصوص، وأن الأمر لا يتعداه، فقال تعالى: { وبالنجم ~~هم } أي أهل الأرض كلهم، وأولى الناس بذلك أول المخاطبين، وهم قريش ثم ~~العرب كلها، لفرط معرفتهم بالنجوم { يهتدون * } وقدم الجار تنبيها على ~~أن دلالة غيره بالنسبة إليه سافلة. # ولما لم يبق - بذكر الدلائل على الوحدانية على الوجه الأكمل، والترتيب ~~الأحسن، والنظم الأبلغ - شبهة في أن الخالق إنما هو الله، لما ثبت من ~~وحدانيته، وتمام علمه وقدرته، وكمال حكمته، لجعله تلك الدلائل نعما ~~عامة، ومننا تامة، مع اتضاح العجز في كل ما يدعون فيه الإلهية من دونه، ~~واتضاح أنه سبحانه في جميع صنعه مختار، للمفاوتة في الوجود والكيفيات بين ~~ما لا مقتضى للتفاوت فيه غير الاختيار، فثبت بذلك أنه قادر على الإتيان ~~بما يريد. # قال مسببا عن ذلك: { أفمن يخلق } أي يجدد ذلك حيث أراد ومتى أراد فلا ~~يمكن عجزه بوجه لتمكن شركته { كمن } شركته ممكنة، فهو أصل في ذلك بسبب ~~أنه { لا يخلق } أي لا يقع ذلك منه وقتا ما من الأصنام وغيرها، في العجز ~~عن الإتيان بما يقوله؛ المستلزم لأن يكون ممكنا مخلوقا، ولو كان ~~التشبيه معكوسا كما قيل لم يفد ما أفاد هذا التقدير من الإبلاغ في ذمهم ~~بإنزال الأعلى عن درجته، وعبر ب " من " لأنهم سموها آلهة، وأنهى ms2498 أمرها ~~أن تكون عاقلة، فإذا انتفى عنها وصف الإلهية معه لعدم القدرة على شيء ~~انتفى بدونه من باب الأولى. # ولما سبب عن هذه الأدلة إنكار تسويتهم الخالق بغيره في العجز، سبب عن ~~هذا الإنكار إنكار تذكرهم، حثا لهم على التذكر المفيد لترك الشرك فقال: ~~{ أفلا تذكرون * } بما تشاهدونه من ذلك ولو من بعض الوجوه - بما أفاده ~~الإدغام - لتذكروا ما يحق اعتقاده. ### || [16.18-21] # ولما كانت المقدورات لا تحصر، وأكثرها نعم العباد مذكرة لهم بخالقهم، ~~قال تعالى ممتنا عليهم بإحسانه من غير سبب منهم: { وإن تعدوا } أي كلكم ~~{ نعمة الله } أي إنعام الملك الذي لا رب غيره، عليكم وإن كان في واحدة ~~فإن شعبها تفوت الحصر { لا تحصوها } أي لا تضبطوا عددها ولا تبلغه طاقتكم ~~مع كفرها وإعراضكم جملة عن شكرها، فلو شكرتم لزادكم من فضله. # ولما كانوا مستحقين لسلب النعم بالإعراض عن التذكير، والعمى عن التبصر، ~~أشار إلى سبب إدرارها، فقال تعالى: { إن الله } أي الذي له صفات الكمال ~~بجميع صفات الإكرام والانتقام { لغفور رحيم * } فلذلك هو يدر عليكم نعمه ~~وأنتم منهمكون فيما يوجب نقمه. # ولما جرت العادة بأن المكفور إحسانه يبادر إلى قطعه عند علمه بالكفر، ~~فكان ربما توهم متوهم أن سبب مواترة الإحسان عدم العلم بالكفران، أو عدم ~~العلم بكفران لا يدخل تحت المغفرة، قال مهددا مبرزا للضمير بالاسم ~~الأعظم الذي بنيت عليه السورة للفصل بالفرق بين الخالق وغيره ولئلا يتوهم ~~تقيد التهديد بحيثية المغفرة إيماء إلى أن ذلك نتيجة ما مضى: { والله } ~~أي الذي له الإحاطة الكاملة بجميع صفات الإكرام والانتقام { يعلم } أي ~~على الإطلاق { ما تسرون } أي كله. ولما كان الإسرار ربما حمل على حالة ~~الخلوة، فلم يكن علمه دالا على الإعلان، قال تعالى: { وما تعلنون * } ~~ليعلم مقدار المضاعفة لموجبات الشكر وقباحة الكفر، وأما الأصنام فلا تعلم ~~شيئا فلا أسفه ممن عبدها. # ولما أثبت لنفسه تعالى كمال القدرة وتمام العلم وأنه المنفرد بالخلق، ~~شرع يقيم الأدلة على بعد ما يشركونه به من الإلهية بسلب تلك الصفات فقال ms2499 ~~تعالى: { والذين يدعون } أي دعاء عبادة { من دون الله } أي الذي له جميع ~~صفات الكمال { لا يخلقون شيئا } ولما كان ربما ادعى مدع في شيء أنه لا ~~يخلق ولا يخلق، قال: { وهم يخلقون * }. # ولما كان من المخلوقات الميت والحي، وكان الميت أبعد شيء عن صفة الإله، ~~قال نافيا عنها الحياة - بعد أن نفى القدرة والعلم - المستلزم لأن يكون ~~عبدتها أشرف منها المستلزم لأنهم بخضوعهم لها في غاية السفه: { أموات } ~~ولما كان الوصف قد يطلق على غير الملتبس به مجازا عن عدم نفعه بضده وإن ~~كان قائما به عريقا فيه قال: { غير أحياء } مبينا أن المراد بذلك ~~حقيقة سلب الحياة على ضد ما عليه الله { ألا له الخلق } من كونه حيا لا ~~يموت، ولعله اقتصر على وصفهم - مع أنهم موات - بأنهم أموات لأن ذلك مع ~~كونه كافيا في المقصود من السياق - وهو إبعادهم عن الإلهية - يكون ~~صالحا لكل مخلوق ادعى فيه الإلهية وإن اتصف بالحياة، لأن حياته زائلة ~~يعقبها الموت، ومن كان كذلك كان بعيدا عن صفة الإلهية. # ولما كانوا - مع علمهم بأن الأصنام حجارة لا حياة لها - يخاطبون من ~~أجوافها بألسنة الشياطين - كما هو مذكور في السير وغيرها من الكتب ~~المصنفة في هواتف الجان، فصاروا يظنون أن لها علما بهذا الاعتبار، ولذلك ~~كانوا يظنون أنها تضر وتنفع، احتيج إلى نفي العلم عنها، ولما كانوا ~~يخبرون على ألسنتها ببعض ما يسترقونه من السمع، فيكون كما أخبروا، لم ينف ~~عنها مطلق العلم، بل نفي ما لا علم لأحد غير الله به، لأنهم لا يخبرون ~~عنه بخبر إلا بان كذبه، فقال تعالى عادا للبعث عداد المتفق عليه: { وما ~~يشعرون } أي في هذا الحال كما هو مدلول ما { أيان } أي أي حين { يبعثون ~~* } فنفى عنهم مطلق الشعور الذي هو أعم من العلم، فينتفي كل ما هو أخص ~~منه. ### || [16.22-24] # ولما كانت أدلة البعث قد ثبت قيامها، واتضحت أعلامها، وعلا منارها، ~~وانتشرت أنوارها، ساق الكلام فيها مساق ما لا خلاف إلا في العلم بوقته مع ms2500 ~~الاتفاق على أصله، لأنه من لوازم التكليف، ولما اتضح بذلك كله عجز ~~شركائهم، أشار إلى أن منشأ العجز قبول التعدد، إرشادا إلى برهان ~~التمانع، فقال على طريق الاستئناف لأنه نتيجة ما مضى قطعا: { إلهكم } أي ~~أيها الخلق كلكم، المعبود بحق { إله } أي متصف بالإلهية على الإطلاق ~~بالنسبة إلى كل أحد وكل زمان وكل مكان { واحد } لا يقبل التعدد - الذي هو ~~مثار النقص - بوجه من الوجوه، لأن التعدد يستلزم إمكان التمانع المستلزم ~~للعجز المستلزم للبعد عن رتبة الإلهية { فالذين } أي فتسبب عن هذا أن ~~الذين { لا يؤمنون بالآخرة } أي دار الجزاء ومحل إظهار الحكم الذي هو ~~ثمرة الملك والعدل الذي هو مدار العظمة { قلوبهم منكرة } أي جاهلة بأنه ~~واحد، لما لها من القسوة لا لاشتباه الأمر - لما تقدم في هود من أن مادة ~~" نكر " تدور على القوة وهي تستلزم الصلابة فتأتي القسوة { وهم } أي ~~والحال أنهم بسبب إنكار الآخرة { مستكبرون * } أي صفتهم الاستكبار عن كل ~~ما لا يوافق أهواءهم وهو طلب الترفع بالامتناع من قبول الحق أنفة من ~~أهله، فصاروا بذلك إلى حد يخفى عليهم معه الشمس كما قال تعالى: # ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون # [هود: 20] وربما دل { مستكبرون } على أن { منكرة } بمعنى " جاحدة ما هي ~~به عارفة ". # ولما كانوا - لكون الإنسان أكثر شيء جدلا - ربما أنكروا الاستكبار، ~~وادعوا أنه او ظهر لهم الحق لأنابوا، قال على طريق الجواب لمن كأنه قال: ~~إنهم لا يأبون استكبارا ما لا يشكون معه في أن هذا كلام الله { لا جرم } ~~أي لا ظن في { أن الله } أي المحيط بكل شيء قدرة وعلما { يعلم } علما ~~غيبيا وشهاديا { ما يسرون } أي يخفون مطلقا أو بالنسبة إلى بعض الناس. ~~ولما كان علم السر لا يستلزم علم الجهر - كما مضى غير مرة، قال: { وما ~~يعلنون } فهو أخبر بذلك إلا عن أمر قطعي لا يقبل المراء. # ولما كان في ذلك معنى التهديد، لأن المراد: فليجازينهم على دق ذلك وجهل ~~من غير أن يغفر منه شيئا - كما يأتي ms2501 التصريح به في قوله: # ليحملوا أوزارهم كاملة # [ النحل: 25] علل هذا المعنى بقوله: { إنه } أي العالم بالسر والعلن { ~~لا يحب المستكبرين * } أي على الحق، كائنا ما كان. # ولما كان الطعن في القرآن - بما ثبت من عجزهم عن معارضته - دليل ~~الاستكبار قال تعالى عاطفا على قوله { قلوبهم منكرة }: { وإذا قيل } أي ~~من أي قائل كان في أي وقت كان ولو تكرر { لهم } أي لمنكري الآخرة: { ~~ماذا } أي أي شيء { أنزل ربكم } أي المحسن إليكم المدبر لأموركم { قالوا ~~} مكابرين في إنزاله عادين " ذا " موصولة لا مؤكدة للاستفهام: الذي ~~تعنون أنه منزل ليس منزلا، بل هو { أساطير الأولين } - مع عجزهم بعد ~~تحديهم عن معارضة سورة منه مع علمهم بأنه أفصح الناس وأنه لا يكون من أحد ~~من الناس متقدم أو متأخر قول إلا قالوا أبلغ منه. ### || [16.25-26] # ولما كان الكتاب هو الصراط المستقيم المنقذ من الهلاك، وكان قولهم هذا ~~صدا عنه، فكان - مع كونه ضلالا - إضلالا، ومن المعلوم أن من ضل كان ~~عليه إثم ضلاله، ومن أضل كان عليه وزر إضلاله - هذا ما لا يخفى على ذي ~~عقل صحيح، فلما كان هذا بينا، وكانوا يدعون أنهم أبصر الناس بالخفيات ~~فكيف بالجليات، حسن جدا قوله: { ليحملوا } فإنهم يعلمون أن هذا لازم لهم ~~قطعا وإن قالوا بألسنتهم غيره، أو يقال: إنه قيل ذلك لأنه - مع أن الجهل ~~أولى لهم منه - أخف أحوالهم لأنهم إما أن يعلموا أنهم فعلوا بهذا الطعن ~~ما ليس لهم أولا، فعلى الثاني هم أجهل الناس، وعلى الأول فإما أن يكونوا ~~ظنوا أنهم يؤخذون به أو لا، فعلى الثاني يكون الخلق سدى، وليس هو من ~~الحكمة في شيء، فمعتقد هذا من الجهل بمكان عظيم، وعلى الأول فهم يشاهدون ~~كثيرا من الظلمة لا يجازون في الدنيا، فيلزمهم في الحكمة اعتقاد الآخرة، ~~ليجازى بها المحسن والمسيء، وهذا أخف الأحوال المتقدمة، ولا يخفى ما في ~~الإقدام على مثله من الغباوة المناقضة لادعائهم أنهم أبصر الناس، فقد آل ~~الأمر إلى التهكم بهم لأنهم نسبوا إلى علم الجهل ms2502 خير منه { أوزارهم } ~~التي باشروها لنكوبهم عن الحق تكبرا لا عن شبهة. # ولما كان الله من فضله يكفر عن أهل الإيمان صغائرهم بالطاعات وباجتناب ~~الكبائر فكان التكفير مشروطا بالإيمان، وكان هؤلاء قد كفروا بالتكذيب ~~بالكتاب، قال تعالى: { كاملة } لا ينقص منها وزر شيء مما أسروا ولا مما ~~أعلنوا، لخفاء ولا ذهول بتكفير ولا غيره من دون خلل في وصف من الأوصاف، ~~فهو أبلغ من " تامة " لأن التمام قد يكون في العدة مع خلل في بعض الوصف { ~~يوم القيامة } الذي لا شك فيه ولا محيص عن إتيانه { و } ليحملوا { من } ~~مثل { أوزار } الجهلة الضعفاء { الذين يضلونهم } فيضلون بهم كما بين ~~أولئك الذين ضلوا { بغير علم } يحملون من أوزارهم من غير أن يباشروها لما ~~لهم فيها من التسبب من غير أن ينقص من أوزار الضالين بهم شيء وإن كانوا ~~جهلة، لأن لهم عقولا هي بحيث تهدي إلى سؤال أهل الذكر، وفطرا أولى تنفر ~~من الباطل " أول " ما يعرض علهيا فضيعوها؛ ثم استأنف التنبيه على عظيم ما ~~يحصل لهم من مرتكبهم من الضرر وعيدا لهم فقال تعالى: { ألا ساء ما يزرون ~~* } فأدخل همزة الإنكار على حرف النفي فصار إثباتا على أبلغ وجه. # ولما كان المراد من هذا الاستكبار محو الحق وإخفاء أمره من غير تصريح ~~بالعناد - بل مع إقامة شبه ربما راجت - وإن اشتد ضعفها - على عقول هي ~~أضعف منها، وكأن هذا حقيقة المكر التي هي التغطية والستر كما بين في ~~الرعد عند قوله تعالى: # بل زين للذين كفروا مكرهم # [ الرعد: 23] شرع يهدد الماكرين ويحذرهم وقوع ما وقع بمن كانوا أكثر ~~منهم عددا وأقوى يدا، ويرجي المؤمنين في نصرهم عليهم، بما له من عظيم ~~القوة وشديد السطوة، فقال تعالى: { قد مكر الذين } ولما كان المقصود ~~بالإخبار ناسا مخصوصين لم يستغرقوا زمان القبل، أدخل الجار فقال تعالى: ~~{ من قبلهم } ممن رأوا آثارهم ودخلوا ديارهم { فأتى الله } أي بما له من ~~مجامع العظمة { بنيانهم } أي إتيان بأس وانتقام { من القواعد } التي بنوا ~~عليها مكرهم { فخر ms2503 } أي سقط مع صوت عظيم لهدته { عليهم السقف }. # ولما كانت العرب تقول: خر علينا سقف ووقع علينا حائط - إذا كان يملكه ~~وإن لم يكن وقع عليه كما نقله أبو حيان عن ابن الأعرابي، قال تعالى صرفا ~~عن هذا إلى حقيقة السقوط المقيد بالجار: { من قولهم } وكانوا تحته فهلكوا ~~كما هو شأن البنيان إذا زالت قواعده. # ولما كان المكر هو الضر في خفية، لأنه القتل بالحيلة إلى جهة منكرة، بين ~~أن ما حصل لهم من العذاب هو من باب ما فعلوا بقوله: { وأتاهم العذاب } أي ~~الذي اتفقت كلمة الرسل على الوعيد به لمن أبى { من حيث لا يشعرون * } لأن ~~السبب الذي أعدوه لنصرهم كان بعينه سبب قهرهم، وهذا على سبيل التمثيل، ~~وقيل: إنه على الحقيقة فيما بناه نمرود من الصرح. # ذكر قصته من التوراة: # قال في السفر الأول منها في تعداد أولاد نوح عليه السلام: وكوش - يعني ~~ابن حام بن نوح - ولد نمرود، وكان أول جبار في الأرض، وهو كان مخوفا ذا ~~صيد بين يدي الرب، ولذلك يقال: هذا مثل نمرود الجبار القناص، فكان مبدأ ~~ملكه بابل والكوش والأهواز والكوفة التي بأرض شنعار، ومن تلك الأرض خرج ~~الموصلي فابتنى نينوى ورحبوت القرية - وفي نسخة: قرية الرحبة - والإيلة ~~والمدائن؛ ثم قال بعد أن عد أحفاد نوح عليه السلام وممالكهم: هؤلاء قبائل ~~بني نوح وأولادهم وخلوفهم وشعوبهم، ومن هؤلاء تفرقت الشعوب في الأرض بعد ~~الطوفان، وإن أهل الأرض كلهم كانت لغتهم واحدة، ومنطقهم واحدا، فلما ~~ظعنوا في المشرق انتهوا إلى قاع في أرض شنعار - وفي نسخة: العراق - ~~فسكنوه، فقال كل امرىء منهم لصاحبه: هلم بنا نلبن اللبن ونحرقه بالنار، ~~فيصير اللبن مثل الحجارة ويصير الجص بدل الطين للملاط، ثم قال: هلموا! ~~نبن لنا قرية نتخذها، وصرحا مشيدا لاحقا بالسماء، ونخلف لنا شيئا ~~نذكر به، لعلنا ألا نتفرق على الأرض كلها، فنظر الرب القرية والصرح الذي ~~يبينه الناس، فقال الرب: إني أرى هذا الشعب رأيهم واحد ولغتهم واحدة وقد ~~هموا أن يصنعوا هذا الصنيع ms2504 فهم الآن غير مقصرين فيما هموا أن يفعلوه، ~~فلأورد أمرا أشتت به لغتهم حتى لا يفهم المرء منهم لغة صاحبه، ثم فرقهم ~~الرب من هنالك على وجه الأرض كلها، ولم يبنوا القرية التي هموا ببنائها، ~~ولذلك سميت بابل لأن هنالك فرق الرب لغة أهل الأرض كلها - انتهى. # قال لي بعض علماء اليهود: إن بابل معرب بوبال، ومعنى بوبال بالعبراني ~~الشتات - هذا ما في التوراة، وأما المفسرون فإنهم ذكروا أن الصرح بني على ~~هيئة طويلة في الطول والإحكام، وأن الله تعالى هدمه، فكانت له رجة تفرقت ~~لعظم هولها لغة أهل الأرض إلى أنحاء كثيرة لا يحصيها إلا خالقها فالله ~~أعلم. ### || [16.27-28] # ولما بين سبحانه وتعالى حال المكرة المتمردين عليه في الدنيا، أخذ يذكر ~~حالهم في الآخرة تقريرا للآخرة وبيانا لأن عذابهم غير مقصور على ~~الدنيوي، فقال تعالى: { ثم يوم القيامة يخزيهم } أي الله تعالى الذي فعل ~~بهم في الدنيا ما تقدم، خزيا يشهده جميع الخلائق الوقوف في ذلك اليوم، ~~فيحصل لهم من الذل - جزاء على تكبرهم - ما يجل عن الوصف، وعطفه ب " ثم " ~~لاستبعادهم له ولما له من الهول والعظمة التي يستصغر لها كل هول { ويقول ~~} أي لهم في ذلك الجمع تبكيتا وتوبيخا: { أين شركاءي } على ما كنتم ~~تزعمون، وأضاف سبحانه إلى نفسه المقدس لأنه أقطع في توبيخهم وأدل على ~~تناهي الغضب { الذين كنتم } أي كونا لا تنفكون عنه { تشاقون فيهم } ~~أوليائي، فتكونون بمخالفتهم في شق غير شقهم، فتخضعون لما لا ينبغي الخضوع ~~له، وتتكبرون على من لا ينبغي الإعراض عنه، ما لهم لا يحضرونكم ويدفعون ~~عنكم في هذا اليوم؟ وقرىء بكسر النون لأن مشاققة المأمور مشاققة الآمر. # ولما كان المقام للجلال والعظمة المستلزم لزيادة الهيبة التي يلزم عنها ~~غالبا خرس المخزي عن جوابه لو كان له جواب، وكان من أجل المقاصد في ~~تعذيبهم العدل بتفريح الأولياء وإشماتهم بهم، جزاء لما كانوا يعملون بهم ~~في الدنيا، وكانت الشماتة أعلى محبوب للشامت وأعظم مرهوب للمشموت فيه، ~~وأعظم مسل للمظلوم، دل على سكوتهم ms2505 رغبا عن المبادرة بالجواب بتأخير ~~الخبر عنه وتقديم الخبر عن شماتة أعدائهم فيهم في سياق الجواب عن سؤال من ~~قال: هل علم بذلك المؤمنون؟ فقيل: { قال الذين } ولما كان العلم شرفا ~~للعالم مطلقا، بني للمفعول قوله: { أوتوا العلم } أي انتفعوا به في سلوك ~~سبيل النجاة من الأنبياء عليهم السلام ومن أطاعهم من أممهم، إشارة إلى أن ~~الهالك يصح سلب العلم عنه وإن كان أعلم الناس، وعدل عن أن يقول: أعداؤهم ~~أو المؤمنون ونحوه، إجلالا لهم بوصفهم بالعلم الذي هو أشرف الصفات لكونه ~~منشأ كل فضيلة، وتعرضا بأن الحامل للكفار على الاستكبار الجهل الذي هو ~~سبب كل رذيلة { إن الخزي } أي البلاء المذل { اليوم } أي يوم الفصل الذي ~~يكون للفائز فيه العاقبة المأمونة { والسوء } أي كل ما يسوء { على ~~الكافرين * } أي العريقين في الكفر الذين تكبروا في غير موضع التكبر، لا ~~على غيرهم؛ ثم رغبهم في التوبة بقوله: { الذين تتوفاهم } بالفوقية في ~~قراءة الجمهور لأن الجمع مؤنث، وبالتحتية في قراءة حمزة لأن المجموع غير ~~مؤنث، وكان وفاتهم على وجهين: وجه خفيف - بما أشار إليه التأنيث لخفة كفر ~~صاحبه، وآخر ثقيل شديد لشدة كفر صاحبه، ولم يحذف شيء من التاءين للإشارة ~~إلى نقصان حالهم لأنه لا يمكن خيرها لموتهم على الكفر بخلاف ما تقدم في ~~تارك الهجرة في النساء { الملائكة } أي المؤكلون بالموت، حال كونهم { ~~ظالمي أنفسهم } بوضعها من الاستكبار على الملك الجبار غير موضعها. # فلما تم ذلك على هذا الوجه البديع، والأسلوب الرفيع المنيع، ابتدأ الخبر ~~عن جوابهم على وجه معلم بحالهم فقال: { فألقوا } أي من أنفسهم عقب قول ~~الأولياء وبسبب سؤال ذي الكبرياء { السلم } أي المقادة والخضوع بدل ذلك ~~التكبر والعلو قائلين ارتكابا للكذب من غير احتشام: { ما كنا نعمل } ~~وأعرقوا في النفي فقالوا: { من سوء } فكأنه قيل: إن هذا لبهتان عظيم في ~~ذلك اليوم الجليل، فماذا قيل لهم؟ فقيل: { بلى } قد عملتم أعظم السوء؛ ثم ~~علل تكذيبهم بقوله: { إن الله } أي المحيط بكل شيء { عليم } أي بالغ ~~العلم من ms2506 كل وجه { بما كنتم } أي جبلة وطبعا { تعملون * } أي من الضلال ~~والإضلال، فلا يسعكم الإنكار، أفما آن لكم أن تنزعوا عن الجهل فيما يضركم ~~ولا ينفعكم ويخفضكم ولا يرفعكم! ### || [16.29-32] # ولما كان هذا الفعل مع هذا العلم سببا لدخول جهنم من غير أن يقام لهم ~~وزن، لأنه لا وزن لما ضيع أساسه، قال معقبا مسببا: { فادخلوا } أي أيها ~~الكفرة { أبواب جهنم } أي أبواب طبقاتها ودركاتها { خالدين } أي مقدرين ~~الخلد { فيها } أي في جهنم التي دأبها تجهم من دخلها. # ولما كان هذا المقام للمشاققة. وكان أمرها زائد القباحة. كان هذا الدخول ~~أقبح دخول، وكان سببا لأن يقال: { فلبئس } بالأداة الجامعة لمجامع الذم ~~{ مثوى المتكبرين * } على وجه التأكيد وبيان الوصف الذي استحقوا به ذلك، ~~لتقدم كذبهم في قولهم { ما كنا نعمل من سوء } تعريضا بأنهم جديرون - ~~لغاية ما لهم من البلادة - أن يستحسنوا النار كما كذبوا مع العلم التام ~~بأنه لا يروج في ذلك اليوم كذب. # ولما تم الخبر عن المنكر لما أنزل الله على ألسنة الملائكة من الروح من ~~أمره على الأنبياء عليهم السلام، إنكارا لفضلهم وتكبرا بما ليس لهم، ~~بالاعتراض على خالقهم، ابتدأ الخبر عن المقرين تصديقا لهداتهم واعترافا ~~بفضلهم وتسليما لمن هم عبيده في تفضيل من يشاء، منبها على الوصف الذي ~~أوجب لهم الاعتراف بالحق، فقال حاذفا ل " إذا " دلالة على الرضى بأيسر ~~شيء من الخير والمدح عليه ولو لم يتكرر: { وقيل للذين اتقوا } أي خافوا ~~عقاب الله { ماذا } أي أي شيء { أنزل ربكم } أي المحسن إليكم من روحه ~~المحيي للأرواح، على رسوله { قالوا } معترفين بالإنزال، غير متوقفين في ~~المقال، فاهمين أن ذا مؤكدة للاستفهام لا بمعنى الذي: أنزل { خيرا } ~~وإنما أطبق القراء على نصب هذا ورفع الأول فرقا بين جوابي المقر والجاحد ~~بمطابقة المقر بين الجواب والسؤال، وعدول الجاحد بجوابه عن السؤال؛ ثم ~~أخذ يرغب بما لهم من حسن المآل على وجه الجواب لسؤال من كأنه قال: ما لهم ~~على ذلك؟ فقيل مظهرا موضع الإضمار مدحا لهم وتعميما ms2507 لمن اتصف بوصفهم: ~~{ للذين أحسنوا } فبين أن اعترافهم بذلك إحسان؛ ثم أخبر عنه بقوله: { في ~~هذه الدنيا حسنة } أي جزاء لهم على إحسانهم # هل جزاء الإحسان إلا الإحسان # [ الرحمن: 60]. # ولما كانت هذه الدار سريعة الزوال، أخبر عن حالهم في الآخرة فقال: { ~~ولدار الآخرة خير } أي جزاء ومصيرا؛ ثم مدحها ومدحهم بقوله تعالى: { ~~ولنعم دار المتقين * } أي هي، مرغبا في الوصف الذي كان سبب حيازتهم لها، ~~وهو الخوف المنافي لما وصف به الأشرار من الاستكبار، بإظهاره موضع ~~الإضمار وحذف المخصوص بالمدح لتقدم ما يدل عليه، وهو صالح لتقدير الدنيا ~~- أي لمن عمل فيها بالتقوى - ولتقدير الآخرة، وهو واضح. # ولما كان هذا المدح مشوفا لتفصيل ذلك قيل: { جنات عدن } أي إقامة لا ~~ظعن فيها { يدخلونها } حال كونها { تجري من تحتها } أي من تحت غرفها { ~~الأنهار } ثم أجيب من كأنه سأل عما فيها من الثمار وغيرها بقوله تعالى: { ~~لهم فيها } أي خاصة، لا في شيء سواها من غير أن يجلب إليهم من غيرها { ما ~~يشاؤون } ثم زاد في الترغيب بقوله: { كذلك } أي مثل هذا الجزاء العظيم { ~~يجزي الله } أي الذي له الكمال كله { المتقين * } أي الراسخين في صفة ~~التقوى، ثم حث على ملازمة التقوى بالتنبيه على أن العبرة بحال الموت، ~~فقال تعالى: { الذين تتوفاهم } أي تقبض أرواحهم وافية من نقص شيء من ~~الروح أو المعاني - بما أشار إليه إثبات التاءين والإظهار { الملائكة ~~طيبين } أي طاهرين من ظلم أنفسهم بالكفر متحلين بحلية الإيمان، فكأنه ~~قيل: ماذا تقول لهم الملائكة؟ فقيل: { يقولون } أي مكررين للتأكيد ~~تسكينا لما جبلوا عليه من تعظيم جلال الله بالتقوى { سلام عليكم } ويقال ~~لهم لتحقق فوزهم { ادخلوا الجنة } أي دار التفكه التي لا مثل لها { بما ~~كنتم } أي جبلة وطبعا { تعملون * } ترغيبا لهم في الأعمال التي لا ~~يستطيعونها إلا برحمة الله لهم بتوفيقهم لها. ### || [16.33-35] # ولما أخبر تعالى عن أحوال الكفار السائلين في نزول الملائكة بعد أن وهى ~~شبههم، وأخبر عن توفي الملائكة لهم ولأضدادهم المؤمنين، مشيرا بذلك إلى ~~أن سنته ms2508 جرت بأنهم لا ينزلون إلا لإنزال الروح من أمره على من يختصه لذلك ~~أو لأمر فيصل لا مهلة فيه، قال منكرا عليهم: { هل ينظرون } أي هؤلاء ~~الكفار في تقاعسهم عن تصديق الرسل في الإخبار بما أنزل ربهم، وجرد الفعل ~~إشارة إلى قرب ما ينتظرونه { إلا أن تأتيهم } أي بأمر الله { الملائكة } ~~وهم لا يأتونهم إلا بمثل ما أتوا به من قبلهم ممن قصصنا أمرهم من ~~الظالمين إن لم يتوبوا { أو يأتي أمر ربك } أي المحسن إليك المدير لأمرك ~~بأمر يفصل النزاع من غير واسطة ملك أو غيره. # ولما كان هذا أمرا مفزعا، كان موجبا لمن له فهم أن يقول: هل فعل هذا ~~أحد غير هؤلاء؟ فقيل: نعم! { كذلك } أي مثل هذا الفعل البعيد لبشاعته عن ~~مناهج العقلاء، مكرا في تدبير الأذى، واعتقادا وقولا { فعل الذين } ~~ولما كان الفاعلون مثل أفعالهم في التكذيب لم يستغرقوا الزمان، أدخل ~~الجار فقال تعالى: { من قبلهم وما } أي والحال أنه ما { ظلمهم الله } أي ~~الذي له الكمال كله في تقديره ذلك عليهم، لأنه المالك المطلق التصرف ~~والملك الذي لا يسأل عما يفعل { ولكن كانوا } أي جبلة وطبعا { أنفسهم } ~~أي خاصة { يظلمون * } فاستحقوا العقاب لقيام الحجة عليهم على السنن الذي ~~جرت به عوائدكم فيمن باشر سوء من غير أن يكره عليه إكراها ظاهرا، وهذا ~~بعينه هو العلة في إرسال الرسل، ونصب الشرئع والملل { فأصابهم } أي فتسبب ~~عن ظلمهم لأنفسهم أن أصابهم { سيئات } أي عقوبات أو جزاء سيئات { ما ~~عملوا وحاق } أي أحاط ضابطة { بهم } من العذاب والمرسل به من الملائكة { ~~ما كانوا به } أي خاصة { يستهزؤن * } تكبرا عن قبول الحق. # ومادة حاق واوية ويائية - بتراكيبها الست: حوق، حقو، قحو، قوح، وقح، حيق ~~- تدور على الإحاطة، ويلزمها صلابة المحيط ولين المحاط به: حاق به الشيء ~~- إذا نزل به فأحاط، والحيق: ما يشتمل على الإنسان من مكروه فعله، وحاق ~~فيه السيف: حاك أي عمل - من التسمية باسم الجزء، ولأنه في الأغلب يكون في ~~عمله الموت المحيط بالأجل، وحاق ms2509 بهم الأمر: لزمهم ووجب عليهم ونزل بهم، ~~والحيقة: شجرة كالشيح يؤكل بها التمر - كأنه يحيط بالتمرة، وحايقه: حسده ~~وأبغضه - لإحاطة ذلك. # والحوق - بالضم: ما أحاط بالكمرة من حروفها، وبالضم والفتح معا: ~~استدارة في الذكر، والحوق - بالفتح فقط: الإحاطة، والأحوق والمحوق - ~~كمعظم: الكمرة - كأنها مختصة بذلك لكبرها، ومنه فيشلة حوقاء: عظيمة - ~~كأنها لعظمها هي التي ظهر حرفها دون غيرها، وأرض محوقة - بضم الحاء: ~~قليلة النبت لقلة المطر - كأنه تشبه بالكمرة في ملاستها، وتركت النخلة ~~حوقاء - إذا أشعل في الكرانيف - لاستدارة النار بها أو لشبهها بعد حريق ~~السعف بالذكر أو رأسه، والحوقة بالفتح: الجماعة الممخرقة - لأن الجماعة ~~لها قوة الاستدارة، والممخرق إن كان من الكذب فمن لازمه العوج، وإن كان ~~من المخراق - وهو المنديل الذي يلف للعب به - فاللعب به على هيئة ~~الاستدارة، وحوق عليه تحويقا: عوج عليه الكلام، والحوق - بالفتح أيضا: ~~الكنس والدلك والتمليس لأن كلا منها ترد فيه اليد إلى قريب من مكانها ~~فيشبه الإحاطة ولو بالتعويج. # والحقو: الكشح، وهو ما بين عظم رأس الورك إلى الضلع الخلف لأنه موضع ~~إحاطة الإزار، والإزار نفسه حقو لأنه آلته أو الحقو معقد الإزار، والحقو: ~~موضع غليظ مرتفع عن السيل - من الصلابة والاستدارة لأن السيل يحيط به أو ~~يكاد، ومن السهم: موضع الريش لأنه يشبه الحقو في استدارته وغلظ بعض ودقة ~~بعض، وفي إحاطة الريش به، ومن الثنية: جانباها - من الإحاطة أو مطلق ~~العوج، والحقوة: وجع في البطن من أكل اللحم - للحوق وجعه الحقو. # والأقحوان: نبت يستدير به زهرة، وأقاحي الأمر: تباشيره - لأنها تحيط به ~~غالبا، وقحا المال: أخذه - لما يلزمه من الإحاطة، والمقحاة: المجرفة - ~~لأنها تحيط بالمجروف. # ومن اللين: قاح الجرح يقوح: صارت فيه مدة خالصة لا يخالطها دم كقاح يقيح ~~- واوية ويائية، ولما يلزمه من الاستدارة غالبا، وقوح الجرح: انتبر - ~~إما من الموضع الغليظ المرتفع عن السيل، وإما من استدارته، وقاح البيت: ~~كنسه كقوحه، والقاحة: الساحة - لاستدارتها غالبا، وأقاح: صمم على المنع ~~بعد السؤال - إما من لإزالة - أي أزال اللين - وإما ms2510 من الصلابة. # ومن الصلابة: الوقاح - للحافر الصلب، وهو من الاستدارة أيضا، ورجل وقاح ~~الوجه: قليل الحياء - منه، والموقح - كمعظم: المجرب، وتوقيح الحوض: ~~إصلاحه بالمدر والصفائح - للاستدارة والصلابة. # ولما تم ما هو عجب من مقالهم ومآلهم، في سوء أحوالهم، وختم بتهديدهم، ~~عطف على قوله { وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم } موجبا آخر للتهديد، ~~معجبا من حالهم فيه، فقال: { وقال الذين أشركوا } أي الراسخ منهم في هذا ~~الوصف والتابع له، على سبيل الاعتراض على من يدعوهم إلى التوحيد من نبي ~~وغيره، محتجين بالقدر عنادا منهم، ومعترضين على من لا يسأل عما يفعل ~~بأنه - لقدرته على كل شيء - غير محتاج إلى بعث الرسل، فإرسالهم عبث - ~~تعالى الله الحكيم عن قولهم، فهو قول من يطلب العلة في أحكامه تعالى وفي ~~أفعاله، وهو قول باطل، لأنه سبحانه الفعال لما يريد سواء أطلع العباد على ~~حكمته أم لا: { لو شاء الله } أي الملك الأعظم المحيط بكل شيء قدرة ~~وعلما، عدم عبادتنا لغيره { ما عبدنا }. # ولما كانت الرتب كلها متقاصرة عن رتبته وكانت متفاوته، وكان ما يعبدونه ~~من الأصنام في أدناها رتبة، أدخلوا الجار فقالوا: { من دونه } وأعرقوا في ~~النفي فقالوا: { من شيء } أي من الأشياء { نحن ولا ءاباؤنا } من قبلنا! ~~ولما ذكروا الأصل أتبعوه الفرع فقالوا: { ولا حرمنا } أي على أنفسنا { من ~~دونه } أي دون أمره { من شيء } لأن ما يشاء لا يتخلف على زعمكم، لكنه لم ~~يشأ العدم، فقد شاء وجود ما نحن عليه، فنحن نتبع ما شاءه لا نتغير عنه، ~~لأنه لا يشاء إلا ما هو حق، وضل عن الأشقياء - بكلمتهم هذه الحق التي ~~أرادوا بها الباطل - أن مدار السعادة والشقاوة إنما هو موافقة الأمر لا ~~موافقة الإرادة، فما كان من الفعل والكف على وفق الأمر سعد فاعله، وما ~~خالفه قامت به الحجة على فاعله على ما جرت به عوائد الناس فشقي. # فلما انتهك ستر هذه المقالة المموهة، وكان كأنه قيل استبعادا لها: هل ~~قالها غيرهم؟ فقيل: نعم! { كذلك } أي مثل هذا البعيد من ms2511 السداد، والقول ~~الخارج عن الهداية والرشاد، وهو الاعتراض على ربهم في إرسال الرسل، ~~مانعين لجواز الإرسال بهذه الشبهة الضعيفة، فإنه تعالى يريد إظهار ثمرة ~~الملك بالحكم على ما يتعارفه العباد من إقامة الحجة بالأفعال الاختيارية ~~وإن كانت بقضائه، لأن ذلك مستور عن العباد { فعل } أي كذب بدليل الأنعام ~~{ الذين } ودل على عدم الاستغراق للزمان بقوله: { من قبلهم } وكان ~~تكذيبا، لأن قولهم اقتضى أن يكون ما هم عليه مما يرضاه الله، والرسل ~~يقولون: لا يرضاه، ولا يرضى إلا ما أخبروا بأن صاحبه مثاب عليه أو غير ~~معاقب، فكان ذلك سببا للإنكار عليهم بقوله: { فهل } أي فما { على الرسل ~~} أي الذين لا رسل في الحقيقة غيرهم، وهم الذين أرسلهم الله لدعاء العباد ~~خلفا عن سلف؛ ولما كان الاستفهام بمعنى النفي - كما تقدم - إلا أنه صور ~~بصورته ليكون كدعوى الشيء بدليلها فقال: { إلا البلاغ المبين * } وقد ~~بلغوكم وأوضحوا لكم، فصار وبال العصيان خاصا بكم. ### || [16.36-38] # ولما كان جمع الرسل مفهما لتوزيعهم على الأمم، كان موضع توقع التصريح ~~بذلك، فقال - دافعا لكرب هذا الاستشراف، نافيا لطروق احتمال، دالا علا ~~أن هذا القول السابق منصب إنكاره بالذات إلى اعتراضهم على الإرسال، ~~ومسليا لنبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وحاثا لهم على الاعتبار، ~~عطفا على ما تقديره: فلقد بعثناك في أمتك هذه لأن يعبدوا الله وحده ~~ويجتنبوا الطاغوت، فمنهم من هدينا، ومنهم من حقت عليه الضلالة، فكان من ~~غير شك بعضهم مرض لله وبعضهم مغضب له، فإنه لا يكون حكم المتنافيين ~~واحدا أبدا: { ولقد } أي والله لقد { بعثنا } أي على ما لنا من العظمة ~~التي من اعترض عليها أخذ { في كل أمة } من الأمم الذين قبلكم { رسولا } ~~فما بقي في الأرض أحد لم تبلغه الدعوة، ولأجل أن الرسل قد تكون من غير ~~المرسل إليهم كلوط وشعيب عليهما السلام في أصحاب الأيكة وسليمان عليه ~~السلام في غير بني إسرائيل من سائر من وصل إليه حكمه من أهل الأرض لم ~~يقيد ب " منهم ". # ولما كان البعث متضمنا ms2512 معنى القول، كان المعنى: فذهبوا إليهم قائلين: { ~~أن اعبدوا الله } أي الملك الأعلى وحده { واجتنبوا } أي بكل جهدكم { ~~الطاغوت } كما أمركم رسولنا { فمنهم } أي فتسبب عن إرسال الرسل أن كانت ~~الأمم قسمين: منهم { من هدى الله } أي الذي له الإحاطة الكاملة، للحق ~~فحقت له الهداية فأبصر الحق وعمل به باتباع الدعاة الهداة فيما أمروا به ~~عن الله، فحقت له الجنة { ومنهم من حقت } أي ثبتت غاية الثبات { عليه ~~الضلالة } بأن أضله الله فنابذ الأمر فلم يعمل به وعمل بمقتضى الإرادة، ~~فإن الأمر قد لا يكون ما تعلق به، والإرادة لا بد أن يكون ما تعلقت به، ~~وقد يكون موافقها عاملا بالضلالة فحق عليه عذابها فحقت له النار فهلك، ~~لأنه لم تبق له حجة يدفع بها عن نفسه، فلو كان كل ما شاءه حقا كان ~~الفريقان محقين فلم يعذب أحدهما، لكنه لم يكن الأمر كذلك، بل عذب العاصي ~~ونجى الطائع في كل أمة على حسب ما قال الرسل، وهذا هو معنى رضي الله، ~~إطلاقا لاسم الملزوم على اللازم، فدل ذلك قطعا على صدق الرسل وكذب ~~مخالفيهم، فالآية من الاحتباك: ذكر فعل الهداية أولا دليلا على فعل ~~الضلال ثانيا، وحقوق الضلالة ثانيا دليلا على حقوق الهداية أولا. # ثم التفت إلى مخاطبتهم إشارة إلى أنه لم يبق بعد هذا الدليل القطعي في ~~نظر البصيرة إلا الدليل المحسوس للبصر فقال: { فسيروا } أي فإن كنتم أيها ~~المخاطبون في شك من إخبار الرسل فسيروا { في الأرض } أي جنسها { فانظروا ~~} أي إذا سرتم ومررتم بديار المكذبين وآثارهم، وعبر هنا بالفاء المشيرة ~~إلى التعقب دون تراخ لأن المقام للاستدلال المنقذ من الضلال الذي تجب ~~المبادرة إلى الإقلاع عنه بخلاف { ثم انظروا } في الأنعام لما تقدم، ~~وأشار بالاستفهام إلى أن أحوالهم مما يجب أن يسأل عنه للاتعاظ به فقال: { ~~كيف كان } أي كونا لا قدرة على الخلاص منه { عاقبة } أي آخر أمر { ~~المكذبين * } أي من عاد ومن بعدهم الذين تلقيتم أخبارهم عمن قلدتموهم في ~~الكفر من أسلافكم، فإنهم كذبوا ms2513 الرسل فيما أمرتهم بإبلاغه مخالفة لأمري ~~وعملا بمشيئتي، فأوقعت بهم لأنهم خالفوا أمري باختيارهم مع جهلهم ~~بإرادتي، فقامت عليهم الحجة على ما يتعارفه الناس بينهم. # ولما كان المحقق أنه ليس بعد الإيصال في الاستدلال إلى الأمر المحسوس ~~إلا العناد، أعرض عنهم ملتفتا إلى الرؤوف بهم الشفيق عليهم، فقال مسليا ~~له صلى الله عليه وعلى آله وسلم: { إن تحرص على هداهم } فتطلبه بغاية جدك ~~واجتهادك { فإن الله } أي الملك الأعظم { لا يهدي } أي هو بخلق الهداية ~~في القلب - هذا على قراءة الكوفيين بفتح الياء وكسر الدال، ومن هاد ما ~~بوجه من الوجوه على قراءة الجمهور بالبناء للمفعول { من يضل } أي من يحكم ~~بضلاله، وهو الذي أضلهم فلا يمكن غيره أن يهديهم لأنه لا غالب لأمره؛ ~~وقرىء شاذا بفتح الياء من ضل بمعنى نسي، أي فلا تمكن هداية من نسيه، أي ~~تركه من الهداية ترك المنسي فإنه ليس في يد غيره شيء، ونقل الصغاني في ~~مجمع البحرين أنه يقال: ضل فلان البعير أي أضله، والضلال عند العرب سلوك ~~غير سبيل القصد، فالمعنى أنه كان سببا لسلوك البعير غير المقصود، فمعنى ~~الآية: لا تهدي من يضله الله - بفتح الياء، أي يكون سببا لسلوكه غير ~~سبيل القصد، فلا تحزن ولا يضيق صدرك من عدم تأثرهم بنصحك وإخلاصك في ~~الدعاء، ولا يقع في فكرك أن في دعائك نقصا، إنما النقص في مرائيهم ~~العمياء، وليس عليك إلا البلاغ. وقوله تعالى -: { وما لهم } أي هؤلاء ~~الذين أضلهم الله وجميع من يضله { من ناصرين * } أي ينصرونهم عند ~~مجازاتهم على الضلال، لينقذوهم مما لحقهم عليه من الوبال، كما فعل ~~بالمكذبين من قبلهم - عطف على نتيجة ما قبله، وهو فلا هادي لهم ما أراد ~~الله ضلالهم، وتبكيت لهم وتقريع وحث وتهييج على أن يقوموا بأنفسهم ~~ويستعينوا بمن شاؤوا على نصب دليل ما يدعونه من أنهم أتبع الناس للحق، ~~إما بأن يبرهنوا على صحة معتقدهم أو يعينوهم على الرجوع عنه عند العجز عن ~~ذلك، أو يكفوا عنهم العذاب إذا حاق بهم. ms2514 # ولما كان من حقهم - بعد قيام الأدلة على كمال قدرته وشمول علمه وبلوغ ~~حكمته في إبداع جميع المخلوقات مما نعلم وما لا نعلم على أبدع ترتيب ~~وأحسن نظام - تصديق الهداة في إعلامهم بأنه سبحانه يعيدهم للبعث وأنهم لم ~~يفعلوا ولا طرقوا لذلك احتمالا، بل حلفوا على نفيه من غير شبهة عرضت لهم ~~ولا إخبار عن علم وصل إليهم فعل الجلف الجافي الغبي العاسي، أتبع ذلك ~~سبحانه تعجيبا آخر من حالهم، فقال - عاطفا على { وقال الذين أشركوا } ~~لأن كلا من الجملتين لبيان تكذيبهم الرسل والتعجيب منهم في ذلك، دالا ~~على ان اعتقادهم مضمون هذه الجملة هو الذي جرأهم على قول الأولى وما تفرع ~~منها -: { وأقسموا بالله } أي الملك الأعظم { جهد أيمانهم } جعلت الأيمان ~~جاهدة لكثرة ما بالغوا فيها: { لا يبعث الله } أي الذي له الإحاطة بكل ~~شيء { من يموت } أي يحيي أحدا بعد موته، استنادا منهم إلى مجرد استبعاد ~~مالم تجر به نفسه عندهم عادة، جمودا منهم عن حلها بأن النشأة الأولى ~~كانت من غير عادة، مع ادعائهم أنهم أعقل الناس وأحدهم أذهانا وأثقبهم ~~أفهاما. # ثم رد عليهم بقوله تعالى: { بلى } أي ليبعثهم لأنه لا مانع له من ذلك ~~وقد وعد به { وعدا } وبين أنه لا بد منه بقوله: { عليه } وزاده تأكيدا ~~في مقابلة اجتهادهم في أيمانهم بقوله: { حقا } أي لأنه قادر عليه وهو لا ~~يبدل القول لديه، فصار واجبا في الحكمة كونه، وأمر البعث معلوم عند كل ~~عاقل سمع أقوال الهداة تاركا لهواه { ولكن أكثر الناس } أي بما لهم من ~~الاضطراب { لا يعلمون * } أي لا علم لهم يوصلهم إلى ذلك لأنه من عالم ~~الغيب لا يمكن عقولهم الوصول إليه بغير إرشاد من الله، ولا هم يقبلون ~~أقوال الدعاة إليه الذين أيدهم بروح منه لتقيدهم بما توصلهم إليه عقولهم، ~~وهي مقصورة على عالم الشهادة لا يمكنها الترقي منه إلى عالم الغيب بغير ~~وساطة منه سبحانه تعالى، فلذلك ترى الإنسان منهم يأبى ذلك استعبادا لأن ~~يكون شيء معقول لا يصل إليه بمجرد ms2515 عقله وهو خصيم مبين. ### || [16.39-41] # ولما بين أنه لا بد من ذلك لسبق الوعد به من القادر، بين حكمته بأمر ~~مبين أنه لا يسوغ تركه بوجه، وهو أنه لا يجوز في عقل عاقل أن أحدا ملكا ~~فما دونه يأمر عبيده بشيء ثم يهملهم فلا يسألهم ولا سيما إن اختلفوا ولا ~~سيما إن أدى اختلافهم إلى المقاطعة والمقاتلة فكيف إن كان حاكما فكيف ~~إذا كان حكيما فكيف وهو أحكم الحاكمين! فقال معلقا بما دل عليه { بلى ~~}: { ليبين } أي فعله ووعد به فهو يبعثهم ليبين { لهم } أي للناس { الذي ~~يختلفون } أي يوجد اختلافهم { فيه } من البعث وغيره، ويجزي كلا بما عمل ~~لأن ذلك من العدل الذي هو فعله { وليعلم الذين كفروا } أي جهلوا الآيات ~~الدالة عليه، فكأنهم ستروها لأنها لظهورها لا تجهل { أنهم كانوا } أي ~~جبلة وطبعا { كاذبين * } أي عريقين في الكذب في إنكارهم للمعاد وزعمهم ~~أنهم المختصون بالمفاز علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين. # ولما بين تحتمه وحكمته، بين إمكانه ويسره عليه وخفته لديه، فقال تعالى: ~~{ إنما قولنا } أي بما من العظمة { لشيء } إبداء وإعادة { إذا أردناه } ~~أي أردنا كونه { أن نقول له } ثم ذكر محكى القول النفسي فقال - بانيا من ~~" كان " التامة ما دل على موافقة الأشياء المرادة موافقة المأمور للآمر ~~المطاع -: { كن } أي أحدث { فيكون * } أي فيتسبب عن ذلك القول أنه يكون ~~حين تعلق القدرة به من غير مهلة أصلا، فنحن خلقنا الخلق لنأمرهم ~~وننهاهم. # ولما كان التقدير تفصيلا لفريقي المبين لهم وترغيبا في الهجرة لأنها ~~بعد الإيمان أوثق عرى الإسلام: فالذين كفروا واغتروا بما شاهدوه من العرض ~~الفاني لنخزينهم في الدنيا والآخرة ولنجازينهم بجميع ما كانوا يعملون، ~~عطف عليه قوله تعالى: { والذين هاجروا } أي أوقعوا المهاجرة فرارا ~~بدينهم فهجروا آباءهم وأبناءهم وأقاربهم من الكفار وديارهم وجميع ما نهوا ~~عنه { في الله } أي الملك الأعلى الذي له صفات الكمال، بعدما " تمادى " ~~المكذبون بالبعث على إيذائهم، فتركوا لهم بلادهم. # ولما كانت هجرتهم لم تستغرق زمان البعد لموت بعض من هجروه ms2516 وإسلام آخرين ~~بعد احتمالهم لظلمهم ما شاء الله، قال تعالى: { من بعد ما ظلموا } أي وقع ~~ظلمهم من الكفار، بناه للمفعول لأن المحذور وقوع الظلم لا كونه من معين { ~~لنبوئنهم } أي نوجد لهم منزلا هو أهل لأن يرجع إليه، بما لنا من ~~الملائكة وغيرهم من الجنود وجميع العظمة { في الدنيا } مباءة { حسنة } ~~كبيرة عظيمة، جزاء لهم على هدمتنا، بأن نعلي أمرهم وإن كره المشركون، كما ~~يراه من يتدبر بمعني لأوليائي على قلتهم، وسينكشف الأمر عما قريب ~~انكشافا لا يجهله أحد، فالآية دليل على ما قبلها. # ولما كان التقدير: ولنبوئنهم في الآخرة أجرا كبيرا، عطف عليه قوله ~~تعالى: { ولأجر الآخرة } المعد لهم { أكبر } مما جعلته لهم في الدنيا { ~~لو كانوا يعلمون * } أي لو كان الكفار لهم بجبلاتهم علم بأن يكون لهم عقل ~~يتدبرون به لعلموا - بإحساني إلى أوليائي في الدنيا من منعي لهم منهم في ~~عنادهم مع كثرتهم وقلتهم، وإسباغي لنعمي عليهم لا سيما في الأماكن التي ~~هاجروا إليها من الحبشة والمدينة وغيرهما مع اجتهادهم في منعها عنهم - ~~أني أجمع لأوليائي الدارين، وأن إحساني إليهم في الآخرة أعظم - روي أن ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا أعطى الرجل من المهاجرين عطاء قال: ~~خذ بارك الله لك فيه، هذا ما وعدك الله في الدنيا، وما ادخر لك في الآخرة ~~أكثر وأفضل - ثم تلا هذه الآية. ### || [16.42-44] # ولما نبه على إحسانه إليهم، وكان فيه من أول الأمر نوع غموض لظهور ~~الكفرة في بادي الرأي، وصفهم بما يحتاج إليه في الاستجلاب لتمامه حثا ~~وإلهابا، فقال تعالى - واصفا للمهاجرين بيانا لأصل ما حملهم على ما ~~استحقوا به هذا لأجر الجزيل -: { الذين صبروا } أي استعملوا الصبر على ما ~~نابهم من المكاره من الكفار وغيرهم في الإقامة بين أظهرهم مدة ثم في ~~الهجرة بمفارقة الوطن الذي هو حرم الله المشرب حبه لكل قلب، فكيف بقلوب ~~من هو مسقط رؤوسهم ومألف أبدانهم ونفوسهم، وفي بذل الأرواح في الجهاد ~~وغير ذلك، ولفت الكلام إلى وصف والإحسان تنبيها ms2517 على ما يحمل على التوكل ~~فقال تعالى: { وعلى ربهم } أي المحسن إليهم بإيجادهم وهدايتهم وحده { ~~يتوكلون * } في كل حالة يريدونها رضى بقضاء الله تعالى. # ولما أخبر تعالى أنه بعث الرسل، وكان عاقبة من كذبهم الهلاك، بدلالة ~~آثارهم، وكانوا قد قدحوا في الرسالة بكون الرسول بشرا ثم بكونه ليس معه ~~ملك يؤيده، رد ذلك بقوله - مخاطبا لأشرف خلقه صلى الله عليه وعلى آله ~~وسلم لكونه أفهمهم عنه مع أنه أجل من توكل وصبر، عائدا إلى مظهر الجلال ~~بيانا لأنه يظهر من يشاء على من يشاء -: { وما أرسلنا } أي بما لنا من ~~العظمة. # ولما كان الإرسال بالفعل إنما كان في بعض الأزمنة، دل عليه بالجار فقال: ~~{ من قبلك } إلى الأمم من طوائف البشر { إلا رجالا } لا ملائكة بل ~~آدميين، هم في غاية الاقتدار على التوكل والصبر الذي هو محط الرجلة { ~~نوحي إليهم } بواسطة الملائكة، وما أحسن تعقيب ذلك للصابرين، لأن الرسل ~~أصبر الناس. # ولما كانوا قد فزعوا إلى سؤال أهل الكتاب في بعض الأمور، وكانوا قد أتوا ~~علما من عند الله، سبب عن هذا الإخبار الأمر بسؤالهم عن ذلك، فقال ~~مخاطبا لهم ولكل من أراد الاستثبات من غيرهم: { فسئلوا } أي أيها ~~المكذبون ومن أراد من سواهم { أهل الذكر } أي العلم بالكتاب، سمي ذكرا ~~لأن الذكر - الذي هو ضد السهو - بمنزلة السبب المؤدي إليه فأطلق عليه، ~~كأن الجاهل ساه وإن لم يكن ساهيا، وكذا الذكر - الذي هو الكلام المذكور ~~- سبب للعلم. # ولما كان عندهم حس من ذلك بسماع أخبار الأمم قبلهم، أشار إليه بقوله ~~تعالى: { إن كنتم } أي جبلة وطبعا { لا تعلمون* } أو هو التنفير من ~~الرضى بالجهل. # ولما كانت رسل الملوك تقترن بما يعرف بصدقهم، قال - جوابا لمن كأنه ~~قال: بأي دلالة أرسلوا؟ -: { بالبينات } المعرفة بصدقهم { والزبر } أي ~~الكتب الهادية إلى أوامر مرسلهم. # ولما كان القرآن أعظم الأدلة، أشار إلى ذلك بذكره مدلولا على غيره من ~~المعجزات بواو العطف، فقال - عاطفا على ما تقديره: وكذلك أرسلناك ~~بالمعجزات الباهرات -: { وأنزلنا } أي بما لنا ms2518 من العظمة { إليك } أي ~~وأنت أشرف الخلق { الذكر } أي الكتاب الموجب للذكر، المعلي للقدر، الموصل ~~إلى منازل الشرف { لتبين للناس } كافة بما أعطاك الله من الفهم الذي فقت ~~فيه جميع الخلق، واللسان الذي هو أعظم الألسنة وأفصحها وقد أوصلك الله ~~فيه إلى رتبة لم يصل إليها أحد { ما نزل } أي وقع تنزيله { إليهم } من ~~هذا الشرع الحادي إلى سعادة الدارين بتبيين المجمل، وشرح ما أشكل، من علم ~~أصول الدين الذي رأسه التوحيد، ومن البعث وغيره، وهو شامل لبيان الكتب ~~القديمة لأهلها ليدلهم على ما نسخ، وعلى ما بدلوه فمسخ. # ولما كان التقدير: لعلهم بحسن بيانك يعملون! عطف عليه بيانا لشرف العلم ~~قوله تعالى: { ولعلهم يتفكرون * } إذا نظروا أساليبه الفائقة، ومعانيه ~~العالية الرائقة، فيصلوا بالفكر فيه - بسبب ما فتحت لهم من أبواب البيان ~~- إلى حالات الملائكة، بأن تغلب أرواحهم على أشباحهم فيعلموا أنه تعالى ~~واحد قادر فاعل بالاختيار، وأنه يقيم الناس للجزاء فيطيعونه رغبة ورهبة، ~~فيجمعون بين شرفي الطاعة الداعية إليها الأرواح، والانكفاف عن المعصية ~~الداعية إليها النفوس بواسطة الأشباح. ### || [16.45-50] # ولما نبه سبحانه على التفكر، وكان داعيا للعاقل إلى تجويز الممكن ~~والبعد من الخطر، سبب عنه إنكار الأمن من ذلك فقال تعالى: { أفأمن } أي ~~أتفكروا فتابوا، أو استمروا على عتوهم؟ أفأمن { الذين مكروا } بالاحتيال ~~في قتل الأنبياء وإطفاء نور الله الذي أرسلهم به، المكرات { السيئات أن } ~~يجازوا من جنس عملهم بأن { يخسف الله } أي المحيط بكل شيء { بهم } أي ~~خاصة { الأرض } فإذا هم في بطنها، لا يقدرون على نوع تقلب بمدافعة ولا ~~غيرها، كما فعل بقارون وأصحابه وبقوم لوط عليه السلام من قبلهم { أو ~~يأتيهم العذاب } على غير تلك الحال { من حيث لا يشعرون * } به في حالة من ~~هاتين الحالتين شعورا ما، هم في حال سكون ودعة بنوم أو غفلة { أو يأخذهم ~~} أي الله بعذابه { في } حال { تقلبهم } وتصرفهم ومشاعرهم حاضرة وقواهم ~~مستجمعة. # ولما كانت هذه الأحوال الثلاثة مفروضة في حال أمنهم من العذاب وكان ~~الأمن من العدو يكون عن ms2519 ظن عدم قدرته عليه، علل ذلك بقوله تعالى: { فما ~~هم بمعجزين * } أي في حالة من هذه الأحوال، سواء علينا غفلتهم ويقظتهم، ~~ولم يعلل ما بعده بذلك لأن المتخوف مجوز للعجز، فقال تعالى: { أو يأخذهم ~~} أي الله أخذ غضب { على تخوف } منهم من العذاب وتحفظ من أن يقع بهم ما ~~وقع بمن قبلهم من عذاب الاستئصال، ويجوز أن يراد بما مضى عذاب الاستئصال، ~~وبهذا الأخذ شيئا فشيئا، فإن التخوف التنقص عند هذيل، روي أن عمر رضي ~~الله عنه سأل الناس عنها فسكتوا فأجابه شيخ من هذيل بأنه التنقص، فقال ~~عمر رضي الله عنه: هل تعرف العرب ذلك في أشعارها؟ قال: نعم! قال شاعرنا ~~أبو كثير الهذلي يصف ناقة: # تخوف الرحل منها تامكا قردا # كما تخوف عود النبعة السفن # فقال عمر رضي الله عنه: أيها الناس! عليكم بديوانكم لا يضل، قالوا: وما ~~ديواننا؟ قال: شعر الجاهلية، فإن فيه تفسير كتابكم ومعاني كلامكم. # ولما كان التقدير: لم يأمنوا ذلك في نفس الأمر، ولكن جهلهم بالله - لطول ~~أناته وحلمه - غرهم سبب عنه قوله التفاتا إلى الخطاب استعطافا: { فإن ~~ربكم } أي المحسن إليكم بإهلاك من يريد وإبقاء من يريد { لرءوف } أي بليغ ~~الرحمة لمن يتوسل إليه بنوع وسيلة، وكذا لمن قاطعه أتم مقاطعة، وإليه ~~أشار بقوله تعالى: { رحيم * } أي فتسبب عن إمهاله لهم في كفرهم وطغيانهم ~~مع القدرة عليهم العلم بأن تركه لمعاجلتهم ما هو إلا لرأفته ورحمته. # ولما خوفهم، دل على تمام قدرته على ذلك وغيره بقوله: عاطفا على ما ~~تقديره: أو لم يروا إلى عجزهم عما يريدون وقسره لهم على ما لا يريدون، ~~فيعلموا بذلك قدرته وعجزهم، فيعلموا أن عفوه عن جرائمهم إحسان منه إليهم ~~ولطف بهم: { أولم } ولما كان حقهم المبادرة بالتوبة فلم يفعلوا، أعرض ~~عنهم في قراءة الجماعة تخويفا فقال تعالى: { يروا } بالياء التحتية، ~~وقرأ حمزة والكسائي بالخطاب على نسق ما قبله، أي ينظروا بعيون الأبصار ~~متفكرين بالبصائر، وبين بعدهم عن المعارف الإلهية بحرف الغاية فقال ~~تعالى: { إلى ما خلق الله ms2520 } أي الذي له جميع الأمر { من شيء } أي له ظل { ~~يتفيؤا } أي تترجع إلى جهة الشاخص { ظلاله } وهو ما ستره الشاخص عن الشمس ~~متجاوزة له { عن اليمين } وهي ما على يمين المستدير للشمال، المستقبل ~~للجنوب، الذي هو ناحية الكعبة لمن في بلاد الشام التي هي مسكن الأنبياء ~~عليهم السلام، وأفراد لأن الظل يكون أول ما تشرق الشمس مستقيما إلى تلك ~~الجهة على استواء، وجمع في قوله: { والشمائل } لأن الشمس كلما ارتفعت ~~تحول ذلك الظل راجعا إلى جهة ما وراء الشاخص، ولا يزال كذلك إلى أن ~~ينتصب عند الغروب إلى جهة يساره قصدا على ضد ما كان انتصب إليه عند ~~الشروق، فلما كان بعد انتصابه إلى جهة اليمين طالبا في تفيئه جهة ~~اليسار، سميت تلك الجهات التي تفيأ فيها باسم ما هو طالبه تنبيها على ~~ذلك، وفيه إشارة إلى قلة الجيد المستقيم وكثرة المنحرف الرديء. # ولما كانت كثرة الخاضعين أدل على القهر وأهيب، جمع بالنظر إلى معنى " ما ~~" في قوله: { سجدا } أي حال كونهم خضعا { لله } أي الملك الأعلى بما ~~فيهم من الحاجة إلى مدبرهم. # ولما كان امتداد الظل قسريا لا يمكن أحدا الانفصال عنه، قال جامعا ~~بالواو والنون تغليبا: { وهم داخرون * } ذلا وصغارا، لا يمتنع شيء ~~منهم على تصريفه، وخص الظل بالذكر لسرعة تغيره، والتغير دال على المغير. # ولما حكم على الظلال بما عم أصحابها من جماد وحيوان، وكان الحيوان أشرف ~~من الجماد، رقي الحكم إليه بخصوصه فقال تعالى: { ولله } أي الذي له الأمر ~~كله { يسجد } أي يخضع بالانقياد للمقادير والجري تحت الأقضية، وعبر بما ~~هو ظاهر في غير العقلاء مع شموله لهم فقال تعالى: { ما في السماوات } ~~ولما كان المقام للمبالغة في إثبات الحكم على الطائع والعاصي، أعاد ~~الموصول فقال تعالى: { وما في الأرض } ثم بين ذلك بقوله تعالى: { من دآبة ~~} أي عاقلة وغير عاقلة. # ولما كان المقرب قد يستهين بمن يقربه، قال مبينا لخضوع المقربين ~~تخصيصا لهم وإن كان الكلام قد شملهم: { والملائكة }. # ولما كان الخاضع قد يحكم ms2521 بخضوعه وإن كان باطنه مخالفا لظاهره، قال - ~~دالا على أن في غيرهم من يستكبر فيكون انقياده للإرادة كرها، وعبر عن ~~السجودين: الموافق للأمر والإدارة طوعا، والموافق للارداة المخالف للأمر ~~كرها، بلفظ واحد، لأنه يجوز الجمع بين مفهومي المشترك والحقيقة والمجاز ~~بلفظ: { وهم } أي الملائكة { لا يستكبرون * } ثم علل خضوعهم بقوله دلالة ~~على أنهم كغيرهم في الوقوف بين الخوف والرجاء: { يخافون ربهم } أي الموجد ~~لهم، المدبر لأمورهم، المحسن إليهم، خوفا مبتدئا { من فوقهم } إشارة ~~إلى علو الخوف عليهم وغلبته لهم، أو حال كون ربهم مع إحسانه إليهم له ~~العلو والجبروت، فهو المخوف المرهوب، فهم عما نهوا عنه ينتهون { ويفعلون ~~} أي بداعية عظيمة علما منهم بما عليهم لربهم من الحق مع عدم منازع من ~~حظ أو شهوة أو غير ذلك، ودل على أنهم مكلفون بقوله تعالى: { ما يؤمرون * ~~} فهم لرحمته لهم يرجون؛ فالآية من الاحتباك: ذكر الخوف أولا دال على ~~الرجاء ثانيا، وذكر الفعل ثانيا دال على الانتهاء أولا. ### || [16.51-53] # ولما كان التوحيد أعظم المأمورات، وكان العصيان فيه أعظم العصيان، وكان ~~سبحانه قد أكثر التخويف من عصيانه، أبلغ الأمر إلى نهايته بالإخبار بأن ~~الملائكة تخافه، وكان الملائكة من أعظم الموحدين، كما كانوا من أعظم ~~الساجدين، من أهل السماوات والأرضين، وكانت هذه الآيات من أعظم أدلة ~~التوحيد، أتبعها - عطفا على { وأنزل إليك الذكر } ليتظافر على ذلك أدلة ~~العقل والنقل وتسليكا بأحوال الملائكة - قوله تعالى: { وقال الله } فعبر ~~لأجل تعظيم المقام بالاسم الأعظم الخاص الذي بنيت عليه السورة: { لا ~~تتخذوا } أي لا تكلفوا فطركم الأولى السليمة المجبولة على معرفة أن الإله ~~واحد إلى أن تأخذ في اعتقادها { إلهين } ويجوز أن يكون معطوفا على ما ~~علم من المقدمات المذكورة أول السورة إلى قوله: { وما يشعرون أيان يبعثون ~~} من النتيجة وهي { إلهكم إله واحد } لاحتمال أن يقول متعنت: إنه لم ~~يأمرنا بذلك وإن دلت عليه الأدلة، ويجوز وهو أقرب - أن يعطف على قوله: { ~~وقال الذين أشركوا } تبكيتا لهم بأنهم احتجوا بحكمه، ولم يبادروا إلى ~~امتثال أمره. ms2522 # ولم كان قد فهم المراد من التثنية، وكان ربما قال المتعنت: إن المنهي ~~عنه تكثير الأسماء، قال مؤكدا ومحققا: { اثنين } تنبيها على أن ~~الألوهية لأنه موضع لإمكان التنازع الملزوم للعجز المنافي لتلك الرتبة ~~مطلق العدد ينافي المنيفة الشماء، وفي ذلك أيضا - مع كون معبوداتهم كانت ~~كثيرة - إشارة إلى أن ما يسمى آلهة - وإن زاد عدده - يرجع بالحقيقة إلى ~~اثنين: خالق ومخلوق، ومن المعلوم لكل ذي لب أن المخلوق غير صالح ~~للألوهية، فانحصر الأمر في الخالق، وإن لم يكن فيه الخالق كان منقسما لا ~~محالة، وأقل ما ينقسم إلى اثنين: وباب الاتخاذ إذا كان مفعوله نكرة، ~~اكتفى بواحد كما تقول: اتخذت بيتا، واتخذت زوجة - ونحو ذلك، ثم علل ذلك ~~النهي بما اقتضاه السياق من الوحدانية فقال تعالى: { إنما هو } أي الإله ~~المفهوم من لفظ { إلهين } الذي لا يستحق غيره أن يطلق عليه هذا الضمير ~~إلا مجازا، لأنه لا يطلق إطلاقا حقيقيا إلا على ما وجدوه من ذاته { ~~إله } أي يستحق هذا الوصف على الإطلاق. # ولما كان السياق مفهما للوحدانية من النهي عن التثنية، وكان ربما تعنت ~~متعنت بأن المراد إثبات الإله الدال على الجنس، قال رافعا لكل شبهة: { ~~واحد } أي لا يمكن أن يثني بوجه ولا أن يجزأ لغناء المطلق عن كل شيء ~~واحتياج كل شيء إليه، فكونوا ممن يسجد له طوعا ولا تكونوا ممن لا يسجد ~~له إلا كرها. # ولما كان أسلوب الغيبة لا يعين الإله في المتكلم، التفت إلى أسلوب ~~التلكم فقال تعالى: { فإياي } أي ذلك الواحد أنا وحدي لا شريك لي، فمن لم ~~يوحدني أوقعت به بقوتي ما لا يطيقه لعجزه. # ولما كانت الوحدانية مما لا يخفى على عاقل، وكانت مركوزة في كل فطرة ~~بدليل الاضطراب عند المحن، والشدائد والفتن، وكانت الرهبة - كما مضى عن ~~الحرالي في البقرة - خاصة بالخوف مما خالف العاصي فيه العلم، عبر بها ~~فقال تعالى: { فارهبون * } مختصا بذلك ولا تخافوا شيئا غيري من صنم ولا ~~غيره، فإنه ليس لشيء من ذلك قدرة، وإن أودعته ms2523 فإنه لا يتمكن من إنفاذها، ~~فالأمر كله إلي وحدي. # ولما كان أسلوب الغيبة من الحاضر دالا على التردي بحجاب الكبر المؤذن ~~بشدة البطش وسرعة الانتقام وبعد المقام، رجع إليه فقال تعالى: { وله } ~~فأعاد الضمير على الله الاسم العلم الجامع لجميع الأسماء الحسنى { ما في ~~السماوات }. # ولما كان الأمر قد تأكد وتأطد، وظهر المراد منه غاية الظهور، لم يحتج ~~إلى تأكيده بإعاداة النافي، فقال تعالى: { والأرض } أي مما تعبدونه ~~وغيره، فكيف يتصور أن يكون شيء من ذلك إلها وهو ملكه، مع كونه محتاجا ~~إلى الزمان والمكان وغيرهما { وله الدين } أي الخضوع والتذلل من كل ما ~~فيهما ومن فيهما بالطوع والكره، بإنفاذ القضاء والقدر، بالصحة والسقم، ~~والغنى والفقر، والحياة والموت، والإيجاد والإعدام، والإذلال والإعزاز، ~~والإقبال والإعراض - كما بين آنفا، وله الدينونة بالمجازاة { واصبا } ~~أي دائما ثابتا عاما لا كالملوك الذين تنقطع ممالكهم مع خصوصها، ~~والمعبودات التي تنقطع عبادتها في وقت من الأوقات فتصير كاسدة بعد أن ~~كانت رابحة وإن طال المدى، مع خصوصها بناس دون غيرهم، ولا يخلو يوم من ~~الأيام لملك غيره من جري أمور على غير مراده وإن عظم سلطانه، وعلا شأنه، ~~وكثرت أعوانه، فكيف يتصور من له أدنى بصر أن يكون غيره إلها، وقد تقدم ~~في # إن ربي على صراط مستقيم # [هود: 56] في هود ما ينفع استحضاره هنا. # ولما تقرر هذا الدليل على هذه الصفة، وكان من مفهومات الدين الجزاء ~~الناظر إلى الأفعال الواقية مما يضر، تسبب عنه الإنكار الشديد على من ~~يلتفت بشيء من أفعاله إلى غيره بعد علمه بأنه دائم لا يزول، وأن كل ما ~~سواه زائل، فقال معبرا بالتقوى التي هي نتيجة الرهبة: { أفغير الله } أي ~~الذي له العظمة كلها { تتقون * } وأتبع ذلك ما يوجب تعظيم الإنكار عليهم، ~~فقال مبينا أنه لا ينبغي أن يتعلق خوف ولا رجاء إلا به: { وما بكم } أي ~~التبس بكم أيها الناس عامة مؤمنكم وكافركم { من نعمة } أي جليلة أو حقيرة ~~{ فمن الله } أي المحيط بكل شيء وحده لا من غيره. ms2524 # ولما كان إخلاصهم له - مع ادعائهم ألوهية غيره - أمرا مستبعدا، عبر ~~بأداة التراخي والبعد في قوله تعالى: { ثم إذا مسكم } أي أدنى مس { الضر ~~} بزوال نعمة مما أنعم به عليكم { فإليه } أي وحده { تجأرون * } أي ~~تعرفون أصواتكم بالاستعانة لما ركز في فطركم الأولية السليمة من أنه لا ~~ملجأ ولا منجى منه إلا إليه. ### || [16.54-58] # ولما كان الرجوع إلى الإشراك بعد الإخلاص مستبعدا أيضا لاستهجانهم ~~سرعة الاستحالة، قال تعالى: { ثم إذا كشف } سبحانه عما تشركون { الضر } ~~أي الذي مسكم { عنكم } ونبه على مسارعة الإنسان في الكفران فقال تعالى: { ~~إذا فريق } أي جماعة هم أهل فرقة وضلال { منكم } أيها العباد! { بربهم ~~} الذي تفرد بالإنعام عليهم { يشركون * } أي يوقعون الإشراك به بعبادة ~~غيره تغيرا منهم عما كانوا عليه عند الاستغاثة به في الشدة، فكان ~~منطبقا عليهم ما ضربوا المثل بكراهته بقولهم: # وإذا تكون كريهة أدعى لها # وإذا يحاس الحيس يدعى جندب # وهذا أجهل الجهل. # ولما كان هذا ملزوما بجحد النعمة، وكان من شأن العاقل البصير بالأمور - ~~كما يدعونه لأنفسهم - أن يغفل عن شيء من لوازم ما يقدم عليه، قال: { ~~ليكفروا } أي يوقعوا التغطية لأدلة التوحيد التي دلتهم عليها غرائز ~~عقولهم { بما ءاتينهم } أي من النعمة، تنبيها على أنهم ما أقدموا على ~~ذلك الشرك إلا لهذا الغرض إحلالا لهم محل العقلاء البصراء الذين يزعمون ~~أنهم أعلاهم، ورفعا لهم عن أحوال من يقدم على ما لا يعلم عاقبته، ولا ~~خزي أعظم من هذا، لأنه أنتج أن الجنون خير من عقل يكون هذا مآله، فهو من ~~باب التهكم { فتمتعوا } أي فتسبب عن هذا أن يقبل على هذا الفريق إقبال ~~عالم قادر عليه قائلا: تمتعوا { فسوف } أي فإن تمتعكم على هذا الحال سبب ~~لأن يقال لكم تهديدا: سوف { تعلمون * } غب تمتعكم، فهو إقبال الغضب ~~والتهديد بسوء المنقلب، وحذف المتهدد به أبلغ وأهول لذهاب النفس في ~~تعيينه كل مذهب. # ولما هددهم بإشراكهم المستلزم لكفر النعمة، أتبعه عجبا آخر من أمرهم ~~فقال عاطفا على قوله تعالى { وأقسموا بالله جهد ms2525 أيمانهم }: { ويجعلون } ~~أي على سبيل التكرير { لما لا يعلمون } مما يعبدونه من الأصنام وغيرها ~~لكونه في حيز العدم في نفسه وعدما محضا بما وصفوه به كما قال تعالى # أم تنبئونه بما لا يعلم # [الرعد:33] { نصيبا مما رزقناهم } بما لنا من العظمة، من الحرث ~~والأنعام وغير ذلك، تقربا إليها كما مضى شرحه في الأنعام، ولك أن تعطفه ~~- وهو أقرب - على { يشركون } فيكون داخلا في حيز " إذا " أي فاجأوا ~~مقابلة نعمته في الإنجاء بالإشراك والتقرب برزقه إلى ما الجهل به خير من ~~العلم به، لأنه عدم لأنه لا قدرة له ولا نفع في المقام الذي أقاموه فيه؛ ~~ثم التفت إليهم التفاتا مؤذنا بما يستحق على هذا الفعل من الغضب فقال ~~تعالى: { تالله } أي الملك الأعظم { لتسئلن } يوم الجمع { عما كنتم } أي ~~كونا هو في جبلاتكم { تفترون * } أي تتعمدون في الدنيا من هذا الكذب، ~~سؤال توبيخ، وهو الذي لا جواب لصاحبه إلا بما فيه فضيحته. # ولما بين سفههم في صرفهم مما آتاهم إلى ما هو في عداد العدم الذي لا ~~يعلم، بين لهم سفها هو أعظم من ذلك بجعلهم لمالك الملك وملكه أحقر ما ~~يعدونه مما أوجده لهم، لافتقارهم إليه وغناه عنه على وجه التوالد ~~المستحيل عليه مع كراهته لأنفسهم، فصار ذلك أعجب العجب، فقال تعالى: { ~~يجعلون لله } أي الذي لا معلوم على الحقيقة سواه لاستجماعه لصفات الجلال ~~والإكرام. ولما كان المراد تقريعهم، وكانت الأنوثة ربما أطلقت على كرائم ~~الأشجار، نص على المراد بقوله: { البنات } فلا أعجب منهم حيث يجعلون ~~الوجود للمعدوم المجهول، ويجعلون العدم للموجود المعلوم؛ ثم نزه نفسه عن ~~ذلك معجبا من وقوعه من عاقل بقوله تعالى: { سبحانه }. # ولما ذكر ما جعلوا له مع الغنى المطلق، بين ما نسبوا لأنفسهم مع لزوم ~~الحاجة والضعف فقال: { ولهم ما يشتهون * } من البنين، وذلك في جملة اسمية ~~مدلولها الثبات، ليكون مناديا عليهم بالفضيحة، لأنهم لا يبقون لأبنائهم ~~ولا يبقى أبناؤهم لهم، وقد يكونون أعدى أعدائهم؛ ثم بين حالهم إذا حصل ~~لهم نوع ما جعلوه ms2526 له سبحانه فقال تعالى: { وإذا } أي جعلوا كذا والحال ~~أنه إذا { بشر أحدهم } ولما تعين وزال المحذور، جمع بين الخساستين كما ~~بين آخر الصافات فقال تعالى: { بالأنثى } أي قابل هذه البشرى التي تستحق ~~السرور بحصول نسمة تكون سببا لزيادة هذا النوع، وقد تكون سبب سعادته، ~~دالة على عظمة الله - بضد ما تستحق مما لا يفيده شيئا بأن { ظل وجهه } ~~وكنى عن العبوس والتكدر والغبرة بما يفوز فيه من الغيظ بقوله تعالى: { ~~مسودا } أي من الغم والكراهة، ولعله اختير لفظ " ظل " الذي معناه العمل ~~نهارا وإن كان المراد العموم في النهار وغيره دلالة على شهرة هذا الوصف ~~شهرة ما يشاهد نهارا { وهو كظيم * } ممتلىء غيظا على المرأة ولا ذنب ~~لها بوجه، والبشارة في أصل اللغة: الخبر الذي يغير البشرة من حزن أو ~~سرور، ثم خص في عرف اللغة بالسرور، ولا تكون إلا بالخبر الأول، ولعله عبر ~~عنه بهذا اللفظ تنبيها على تعكيسهم للأمور في جعلهم وسرورهم وحزنهم وغير ~~ذلك من أمرهم. ### || [16.59-61] # ولما كان سواد الوجه والكظم قد لا يصحبه الخزي، وصل به قوله تعالى: { ~~يتوارى } أي يستخفي بما يجعله في موضع كأنه الوراء لا اطلاع لأحد عليه { ~~من القوم } أي الرجال الذين هو فيهم { من سوء ما بشر به } لعده له خزيا، ~~ثم بين ما يلحقه من الحيرة في الفكر عند ذلك بقوله تعالى: { أيمسكه على ~~هون } أي ذلك وسفول أمر، ولما كانوا يغيبون الموءودة في الأرض على غير ~~هيئة الدفن، عبر عنه بالدس فقال تعالى: { أم يدسه في التراب } قال ابن ~~ميلق: قال المفسرون: كانت المرأة إذا أدركها المخاض احتفرت حفيرة وجلست ~~على شفيرها، فإن وضعت ذكرا أظهرته، وظهر السرور أهله، وإن وضعت أنثى ~~استأذنت مستولدها، فإن شاء أمسكها على هون وإن شاء أمر بإلقائها في ~~الحفيرة ورد التراب عليها وهي حية لتموت - انتهى. قالوا: وكان الوأد في ~~مضر وخزاعة وتميم. # ولما كان حكمهم هذا بالغا في القباحة، وصفه بما يستحقه فقال مؤكدا ~~لقبحه: { ألا ساء ما يحكمون * } أي ms2527 بجعل ما يكرهونه لمولاهم الذي لا نعمة ~~عندهم إلا منه، وجعل ما يختارونه لهم خاصا بهم. # ولما كان شرح هذا أنهم تكلموا بالباطل في جانبه تعالى وجانبهم، بين ما ~~هو الحق في هذا المقام، فقال تعالى على تقدير الجواب لمن كأنه قال: فما ~~يقال في ذلك؟ مظهرا في موضع الإضمار، تنبيها على الوصف الذي أوجب ~~الإقدام على الأباطيل من غير خوف: { للذين لا يؤمنون } أي لا يوجدون ~~الإيمان أصلا { بالآخرة مثل } أي حديث { السوء } من الضعف والحاجة والذل ~~والرعونة { ولله } أي الذي له الكمال كله { المثل } أي الحديث أو المقدار ~~أو الوصف أو القياس { الأعلى } من الغنى والقوة وجميع صفات الكمال بحيث ~~لا يلحقه حاجة ولا ضعف ولا شائبة نقص أصلا، وأعدل العبارات عن ذلك لا ~~إله إلا الله، ويتأتى تنزيل المثل على الحقيقة كما سيأتي إيضاحه إن شاء ~~الله تعالى في سورة الروم. # ولما كان أمره سبحانه وتعالى أجل مما تدركه العقول، وتصل إليه الأفهام، ~~أشار إلى ذلك بقوله تعالى: { وهو } لا غيره { العزيز } الذي لا يمتنع ~~عليه شيء فلا نظير له { الحكيم * } الذي لا يوقع شيئا إلا في محله، فلو ~~عاملهم بما يستحقونه من هذه العظائم التي تقدمت عنهم لأخلى الأرض منهم { ~~ولو يؤاخذ الله } أي الملك الأعظم الذي له صفات الكمال { الناس } كلهم. # ولما كان السياق للحكمة، وكان الظلم - الذي هو إيقاع الشيء في غير موقعه ~~- شديد المنافاة لها، وكان الشرك - الذي هذا سياقه - أظلم الظلم، قال ~~معبرا بالوصف الشامل لما وقع منهم منه بالفعل ولما هم منطوون وهو وصف ~~لهم ولم يباشروه إلى الآن بالفعل قال: { بظلمهم } أي يعاملهم معاملة ~~الناظر لخصمه المعامل له بمحض العدل من غير نظر إلى الفضل، وعبر بصيغة ~~المفاعلة لأن دلالتها على المناقشة أبلغ { ما ترك } ولما اقتضى الحال ذكر ~~الظلم، وكان سياق هذه الآية أغلظ من سياق فاطر، عبر بما يشمل كل محمول ~~الأرض سواء كان على الظهر أو في البطن مغمورا بالماء أو لا فقال تعالى: ~~{ عليها } أي الأرض ms2528 المعلوم أنها مستقرهم المدلول عليها التراب، وأعرق في ~~النفي فقال تعالى: { من دآبة } أي نفس تدب على وجه الأرض، لأن الكل إما ~~ظالم يعاقب بظلمه، وإما من مصالح الظالم فيهلكه عقوبة للظالم، أو لأنه ما ~~خلقهم إلا للبشر، فإذا أهلكهم أهلكهم كما وقع قريب منه في زمن نوح عليه ~~السلام { ولكن } لا يفعل بهم ذلك فهو { يؤخرهم } إمهالا بحكمته وحلمه { ~~إلى أجل مسمى } ضربه لهم في الأزل. # ولما قطع العلم بالغاية عما يكون، سبب عن ذلك الإعلام بما يكون فيه ~~فقال: { فإذا جاء أجلهم } الذي حكم بأخذهم عنده { لا يستأخرون } أي عنه { ~~ساعة } أي وقتا هو عام التعارف بينكم، ثم عطف على جملة الشرط من أولها ~~قوله تعالى: { ولا يستقدمون * } أي عن الأجل شيئا. ### || [16.62-64] # ولما كان ما تقدم أمارة على كراهتهم لما نسبوه إلى الله تعالى، أتبعه ~~التصريح بعد التلويح بقوله تعالى: { ويجعلون لله } أي وهو الملك الأعظم { ~~ما يكرهون } أي لأنفسهم، من البنات والأموال والشركاء في الرئاسة، ومن ~~الاستخفاف برسلهم وجنودهم والتهاون برسالاتهم، ثم وصف جراءتهم مع ذلك، ~~الكائنة في محل الخوف، المقتضية لعدم التأمل اللازم لعدم العقل فقال: { ~~وتصف } أي تقول معتقدة مع القول الصفاء، ولما كان قولا لا حقيقة له ~~بوحه، أسنده إلى اللسان فقال: { ألسنتهم } أي مع ذلك مع أنه قول لا ينبغي ~~أن يتخيله عاقل { الكذب } ثم بينه بقوله: { أن لهم الحسنى } أي عنده، ولا ~~جهل أعظم ولا حكم أسوأ من أن تقطع بأن من تجعل له ما تكره يجعل لك ما ~~تحب، فكأنه قيل: فما لهم عنده؟ فقيل: { لا جرم } أي لا ظن ولا تردد في { ~~أن لهم النار } التي هي جزاء الظالمين { وأنهم مفرطون * } أي مقدمون ~~معجلون إليها بتقديم من يسوقهم وإعجاله لهم؛ وقال الرماني: متروكون فيها، ~~من قول العرب: ما أفرطت ورائي أحدا، أي ما خلفت ولا تركت، وقرأ نافع ~~بالتخفيف والكسر، أي مبالغون في الإسراف والجراءة على الله. ولما بين ~~مآلهم، وكانوا يقولون: إن لهم من يشفع فيهم، بين لهم ms2529 ما يكون من حالهم، ~~بالقياس على أشكالهم تهديدا، وتسلية للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ~~فقال تعالى: { تالله } أي الملك الأعلى { لقد أرسلنا } أي بما لنا من ~~العظمة، رسلا من الماضين { إلى إمم } ولما كان الإرسال بالفعل لم يستغرق ~~زمان القبل، قال: { من قبلك } كما أرسلناك إلى هؤلاء { فزين لهم الشيطان ~~} أي المحترق بالغضب. المطرود باللعنة { أعمالهم } كما زين لهؤلاء فضلوا ~~كما ضلوا فأهلكناهم { فهو } لا غيره { وليهم اليوم } بعد إهلاكهم حال ~~كونهم في النار ولا قدرة له على نصرهم { ولهم عذاب أليم * } فلا ولي لأنه ~~لو قدر على نصرهم لما أسلمهم للهلاك وقد أطاعوه، بل لو عدموا ولايته كان ~~ذلك أولى لهم، فهو نفي لأن يكون لهم ولي على أبلغ الوجوه. # ولما كان حاصل ما مضى الخلاف والضلال والنقمة، كان كأنه قيل: فبين لهم ~~وخوفهم ليرجعوا، فإنا ما أرسلناك إلا لذلك { وما أنزلنا } أي بما لنا من ~~العظمة من جهة العلو { عليك الكتاب } أي الجامع لكل هدى. ولما كان في ~~سياق الدعاء والبيان عبر بما يقتضي الإيجاب فقال: { إلا لتبين } أي غاية ~~البيان { لهم } أي لمن أرسلت إليهم وهم الخلق كافة { الذي اختلفوا فيه } ~~من جميع الأمور دينا ودنيا لكونك أغزرهم علما وأثقبهم فهما، وعطف على ~~موضع " لتبين " ما هو فعل المنزل، فقال تعالى: { وهدى } أي بيانا شافيا ~~{ ورحمة } أي وإكراما بمحبة. # ولما كان ذلك ربما شملهم وهم على ضلالهم، نفاه بقوله تعالى: { لقوم ~~يؤمنون * } والتبيين: معنى يؤدي إلى العلم بالشيء منفصلا عن غيره، وقد ~~يكون عن المعنى نفسه، وقد يكون عن صحته، والبرهان لا يكون إلا عن صحته ~~فهو أخص، والاختلاف: ذهاب كل إلى غير جهة صاحبه، والهدى: بيان طريق العلم ~~المؤدي إلى الحق. ### || [16.65-67] # ولما انقضى الدليل على أن قلوبهم منكرة استكبارا وما يتعلق به، وختمه ~~بما أحيا به القلوب بالإيمان والعلم بعد موتها بالكفر والجهل، وكان ~~المقصود الأعظم من القرآن تقرير أصول أربعة: الإلهيات، والنبوات، ~~والمعاد، وإثبات القضاء والقدر والفعل بالاختيار، وكان أجل هذه المقاصد ms2530 ~~الإلهيات، شرع في أدلة الوحدانية والقدرة والفعل بالاخيتار المستلزم ~~للقدرة على البعث على وجه غير المتقدم ليعلم أن أدلة ذلك أكثر من أوراق ~~الأشجار، وأجلى من ضياء النهار فعطف على قوله: { والله يعلم ما تسرون وما ~~تعلنون } قوله جامعا في الدليل بين العالم العلوي والعالم السفلي: { ~~والله } أي الذي له الأمر كله { أنزل من السماء } في الوقت الذي يريده { ~~ماء } بالمطر والثلج والبرد { فأحيا به الأرض } الغبراء. ولما كانت عادته ~~بذلك مستمرة، وكان السياق لإثبات دعائم الدين، وكان الإحياء بالماء لا ~~يزال أثره قائما في زرع أو شجر في بعض الأراضي، أعرى الظرف من الجار لأن ~~المعنى به أبلغ فقال: { بعد موتها } باليبوسة والجدب وتفتت النبات أصلا ~~ورأسا. # ولما كان ما أقامه على ذلك في هذه السورة من الأدلة قد صار إلى حد لا ~~يحتاج معه السامع العاقل إلى أكثر من السماع، قال تعالى { إن في ذلك } ~~الماء المؤثر بتدبيره هذا الأثر العظيم { لآية لقوم يسمعون * } هذا ~~التنبيه في هذا الأسلوب المتضمن لما مضى من التشبيه، فيعلمون أنه ينزل من ~~أمره ما يريده فيحيي به أجساد العباد بعد موتها كما أحيى أجساد النبات ~~بالماء بعد موتها وأرواح الأشباح بالعلم بعد موتها، والحاصل ان هذه ~~الأدلة لا تحتاج مع الحس إلى كبير عمل بالقلب غير الانقياد إلى الحق، ~~وترك العناد والجهل، فهو من سماع الأذن وما ينشأ عنه من الإجابة، ~~استعمالا للشيء في حقيقته ومجازه، ولعله لم يختمها ب " يبصرون " لئلا ~~يظن أن ذلك من البصيرة، فيظن أنه يحتاج فيها إلى كبير فكر فيفوت ما أريد ~~من الإشارة إلى شدة الوضوح. # ولما ذكر سبحانه هذا الأمر العام، ونبه على ما فيه من غريب الصنع الذي ~~غفل عنه لشدة الألف به، أتبعه بعض ما ينشأ عنه من تفاصيل الأمور، ~~المحتوية على عجائب المقدور، وبدأ بأعمها وأشدها ملابسة لهم، وأكثرها في ~~نفسه وأعظمها منفعة ودخلا في قوام عيشهم، فقال: { وإن لكم } أي أيها ~~المخاطبون المغمورون في النعم! { في الأنعام } ولما كانت الأدلة يعبر ms2531 بها ~~من الجهل إلى العلم قال: { لعبرة } فكأنه قيل: ما هي؟ فقيل: { نسقيكم } ~~بضم النون في قراءة الجماعة من أسقاه - إذا أعد له ما يشربه دائما من ~~نهر أو لبن وغيرهما، وبالفتح في قراءة نافع وابن عامر وعاصم في رواية ~~شعبة: من سقاه - إذا ناوله شيئا فشربه. # ولما كان الأنعام اسم جمع، فكان مفردا كما نقل ذلك سيبويه، وذكر المسقي ~~وهو اللبن، لما اقتضاه سياق السورة من تعداد النعم فتعينت إرادة الإناث ~~لذلك، فانتفى الالتباس مع تذكير الضمير، قال تعالى: { مما } أي من بعض ~~الذي { في بطونه } فذكر الضمير لأمن اللبس والدلالة على قوة المعنى ~~لكونها سورة النعم بخلاف ما في المؤمنون. # ولما كان موضع العبرة تخليص اللبن من غيره، قدم قوله تعالى: { من بين ~~فرث } وهو الثفل الذي ينزل إلى الكرش، فإذا خرج منه لم يسم فرثا { ودم ~~لبنا خالصا } من مخالط منهما أو من غيرهما يبغي عليه بلون أو رائحة؛ عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما: إذا أكلت البهيمة العلف واستقر في كرشها طبخته، ~~فكان أسفله فرثا، وأوسطه لبنا، وأعلاه دما. والكبد مسلطة على هذه ~~الأصناف الثلاثة تقسمها، فيجري الدم في العروق، واللبن في الضرع، ويبقى ~~الفرث في الكرش. { سائغا } أي سهل المرور في الحقل { للشاربين * } ثم ~~عطف عليه ما هو أنفس منه عندهم وأقرب إليه في المعاني المذكورة، فقال ~~تعالى معلقا ب " نسقيكم " { ومن ثمرات النخيل والأعناب }. # ولما كان لهم مدخل في اتخاذ ما ذكر منه بخلاف اللبن الذي لا صنع لهم يه ~~أصلا، أسند الأمر إليهم وليكون ذلك إشارة إلى كراهة السكر وتوطئة للنهي ~~عنه في قوله مستأنفا: { تتخذون } أي باصطناع منكم وعلاج، ولأجل استئناف ~~هذه الجملة كان لا بد من قوله: { منه } أي من مائه، وعبر عن السكر ~~بالمصدر إبلاغا في تقبيحه، وزاد في الإبلاغ بالتعبير بأثقل المصدرين وهو ~~المحرك، يقال: سكر سكرا وسكرا مثل رشد رشدا ورشدا، ونحل نحلا ~~ونحلا، فقال تعالى: { سكرا } أي ذا سكر منشيا مطربا سادا لمجاري ~~العقل قبيحا غير مستحسن ms2532 للرزق { ورزقا حسنا } لا ينشأ عنه ضرر في بدن ~~ولا عقل من الخل والدبس وغيرهما، ولا يسد شيئا من المجاري، بل ربما ~~فتحها كالحلال الطيب، فإنه ينير القلب، ويوسع العقل، والأدهان كلها تفتح ~~سدد البدن، وهذا كما منحكم سبحانه العقل الذي لا أحسن منه فاستعمله قوم ~~على صوابه في الوحدانية، وعكس آخرون فدنسوه بالإشراك؛ قال الرماني: قيل: ~~السكر ما حرم من الشراب، والرزق الحسن: ما أحل منه - عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما وسعيد بن جبير وإبراهيم والشعبي وأبي رزين والحسن ومجاهد ~~وقتادة رضي الله عنهم. والسكر في اللغة على أربعة أوجه: الأول ما أسكر. ~~الثاني ما أطعم من الطعام. الثالث السكون. الرابع المصدر من السكر، وأصله ~~انسداد المجاري مما يلقي فيها، ومنه السكر - يعني بكسر ثم سكون، ومن حمل ~~السكر على السكر قال: إنها منسوخة بآية المائدة، والتعبير عنه بما يفهم ~~سد المجاري يفهم كراهته عندما كان حلالا؛ والآية من الاحتباك: ذكر السكر ~~أولا دال على الفتح ثانيا، وذكر الحسن دال القبيح أولا، فالآية أدل ما ~~في القرآن على المعتزلة في أن الرزق يطلق على الحرام، ولتقارب آيتي ~~الأنعام والأشجار جمعهما سبحانه فقال تعالى: { إن في ذلك } أي الأمر ~~العظيم من هذه المنافع { لآية } ولوضوح أمرهما في كمال قدرة الخالق ~~ووحدانيته قال تعالى: { لقوم يعقلون * }. ### || [16.68-69] # ولما كان أمر النحل في الدلالة على تمام القدرة وكمال الحكمة أعجب مما ~~تقدم وأنفس، ثلث به وأخره لأنه أقل الثلاثة عندهم، وغير الأسلوب وجعله من ~~وحيه إيماء إلى ما فيه من غريب الأمر وبديع الشأن فقال تعالى: { وأوحى ~~ربك } أي المحسن إليك بجعل العسل في مفاوز البراري المقفرة المفرطة ~~المرارة وغيرها من الأماكن وبغير ذلك من المنافع، الدال على الفعل ~~بالاختيار وتمام الاقتدار { إلى النحل } أي بالإلهام؛ قال الرازي في ~~اللوامع: فالله تعالى أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، فبعضها بالتسخير المجرد ~~كالجمادات، وبعضها بالإلهام والتسخير كالنحل والسرفة - أي بضم وسكون، وهي ~~دويبة تتخذ بيتا من دقاق العيدان فتدخله وتموت - والعنكبوت، وبعضها ms2533 ~~بالتسخير والإلهام والعقل المتفق على نظام واحد كالملائكة، وبعضها بكل ~~ذلك والفكر والتمييز والأعمال المختلفة المبنية على الفكر كالإنسان. # ولما كان في الإيحاء معنى القول، أتى ب " أن " المفسرة فقال تعالى: { ~~أن اتخذي } أي افعلي ما يفعله المتكلف من أن يأخذ { من الجبال بيوتا } ~~أي بيوت! ما أعجبها! { ومن الشجر } أي الصالحة لذلك في الغياض والجبال ~~والصحارى { ومما يعرشون * } أي يرفع الناس من السقوف والجدران وغيرها، ~~وبدأ بالبيوت لأنها من عجب الدهر في حسن الصنعة وبداعة الشكل وبراعة ~~الإحكام وتمام التناسب. # ولما كان أهم شيء للحيوان بعد الراحة من هم المقيل الأكل، ثنى به، ولما ~~كان عاما في كل ثمر، ذكره بحرف التراخي إشارة إلى عجيب الصنع في ذلك ~~وتيسيره لها، فقال تعالى: { ثم كلي } وأشار إلى كثرة الرزق بقوله تعالى: ~~{ من كل الثمرات } قالوا: من أجزاء لطيفة تقع على أوراق الأشجار من الظل، ~~وقال بعضهم: من نفس الأزهار والأوراق. # ولما أذن لها في ذلك كله، وكان من المعلوم عادة أن تعاطيه لا يكون إلا ~~بمشقة عظيمة في معاناة السير إليه، نبه على خرقه للعادة في تيسيره لها ~~فقال تعالى: { فاسلكي } أي فتسبب عن الإذن في الأكل الإذن في السير إليه ~~{ سبل ربك } أي المحسن إليك بهذه التربية العظيمة لأجل الأكل ذاهبة إليه ~~وراجعة إلى بيوتك حال كون السبل { ذللا } أي موطأة للسلوك مسهلة كما قال ~~تعالى # هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا # [الملك: 15] وأشار باسم الرب إلى أنه لولا عظيم إحسانه في تربيتها لما ~~اهتدت إلى ذلك؛ ثم أتبعه نتيجة ذلك جوابا لمن كأنه قال: ماذا يكون عن ~~هذا كله؟ فقال تعالى: - { يخرج من بطونها } - بلفت الكلام لعدم قصدها إلى ~~هذه النتيجة { شراب } أي شراب! وهو العسل لأنه مع كونه من أجل المآكل ~~هو " مما يشرب " { مختلف ألوانه } من أبيض وأحمر وأصفر وغير ذلك، ~~اختلافا دالا على أن فاعله مع تمام قدرته مختار، ثم أوضح ذلك بقوله ~~تعالى: { فيه } أي مع كونه من الثمار النافعة والضارة { شفاء للناس } قال ms2534 ~~الإمام الرازي في اللوامع: إذ المعجونات كلها بالعسل، وقال إمام الأولياء ~~محمد بن علي الترمذي: إنما كان ذلك لأنها ذلت لله مطيعة وأكلت من كل ~~الثمرات: حلوها ومرها محبوبها ومكروهها، تاركة لشهواتها، فلما ذلت لأمر ~~الله، صار هذا الأكل لله، فصار ذلك شفاء للأسقام، فكذلك إذا ذل العبد لله ~~مطيعا، وترك هواه، صار كلامه شفاء للقلوب السقيمة - انتهى. # وكونه شفاء - مع ما ذكر - أدل على القدرة والاختيار من اختلاف الألوان، ~~لا جرم وصل به قوله تعالى: { إن في ذلك } أي الأمر العظيم من أمرها كله { ~~لآية } وكما أشار في ابتداء الآية إلى غريب الصنع في أمرها، أشار إلى مثل ~~ذلك في الختم بقوله تعالى: { لقوم يتفكرون * } أي في اختصاص النحل بتلك ~~العلوم الدقيقة واللطائف الخفية بالبيوت المسدسة، والاهتداء إلى تلك ~~الاجزاء اللطيفة من أطراف الأشجار والأوراق - وغير ذلك من الغرائب حيث ~~ناطه بالفكر المبالغ فيه من الأقوياء، تأكيدا لفخامته وتعظيما لدقته ~~وغرابته في دلالته على تمام العلم وكمال القدرة، وقد كثر في هذه السورة ~~إضافة الآيات إلى المخاطبين، تارة بالإفراد وتارة بالجمع، ونوطها تارة ~~بالعقل وتارة بالفكر، وتارة بالذكر وتارة بغيرها. # وقد جعل الإمام الرباني أبو الحسن الحرالي في كتابه المفتاح لذلك بابا ~~بعد أن جعل أسنان الألباب مثل أسنان الأجساد ما بين تمييز واحتلام وشباب ~~وكهولة وغيرها كما تقدم نقله عنه في سورة براءة عند قوله تعالى # ومنهم الذين يؤذون النبي # [براءة: 61] فقال: الباب التاسع في وجوه إضافات الآيات واتساق الأحوال ~~لأسنان القلوب في القرآن - أي فإن لذلك مراتب في العلم والأفهام -: اعلم ~~أن الآيات والأحوال تضاف وتتسق لمن اتصف بما به أدرك معناها، ويؤنب عليها ~~من تقاصر عنها، وينفي منالها عمن لم يصل إليها، وهي أطوار أظهرها آيات ~~الاعتبار البادية لأولي الأبصار، لأن الخلق كله إنما هو علم للاعتبار ~~منه، لا أنه موجود للاقتناع به # ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن ءاياتنا غافلون أولئك ~~مأواهم النار بما كانوا يكسبون # [ يونس:7-8] اتخذوا ما خلق للعبرة به إلى ms2535 ربه كسبا لأنفسهم حتى صار ~~عندهم وعند أتباعهم آيتهم، لا آية خالقه # أتبنون بكل ريع ءاية تعبثون # [الشعراء:128]، { والله خلقكم وما تعملون } ثم يلي آيات الاعتبار ما ~~ينال إدراك آيته العقل الأدنى ببداهة نظره # وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك ~~لآيات لقوم يعقلون # [النحل:12] جمع الآيات لتعدد وجوهها في مقصد البيان، ثم يلي ما يدرك ~~ببداهة العقل ما يحتاج إلى فكر يثيره العقل الأدنى لشغل الحواس بمنفعته ~~عن التفكر في وجه آيته # هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون ينبت لكم ~~به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك لآية لقوم ~~يتفكرون # [النحل:10] أفرد الآية لاستناد كثرته إلى وحدة الماء ابتداء ووحدة ~~الانتفاع انتهاء؛ ثم يلي ما يدرك بفكر العقل الأدنى ما يقبل بالإيمان ~~ويكون آية أمر قائم على خلق، وهو مما يدرك سمعا لأن الخلق مرئي والأمر ~~مسموع # وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم ~~يؤمنون والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها إن في ذلك ~~لآية لقوم يسمعون # [النحل: 63-64-65] هذه آية حياة القلوب بنور العلم والحكمة الذي أخذ ~~سمعا عند تقرر الإيمان، وعند هذا الحد يتناهى العقل إلى فطرة الأشد ~~وتعلو بداهته وتترقى فطره إلى نظر ما يكون آية في نفس الناظر لأن محار ~~غيب الكون يرد إلى وجدان نقص الناظر، وكما أن الماء آية حياة القلوب صار ~~الشرابان: اللبن والخمر، آيتين على أحوال تخص القلوب بما يغذوها من الله ~~غذاء اللبن وينشيها نشوة السكر، منبعثا من بين فرث ودم ونزول الخلق ~~المقام عن الأمر القائم عليه { وإن لكم في الأنعام لعبرة } - الآيتين إلى ~~قوله تعالى: { إن في ذلك لآية لقوم يعقلون } وهذا العقل الأعلى، وأفرد ~~الآية لانفراد موردها في وجد القلب، وكما للعقل الأدنى فكرة تنبىء عن ~~بداهته فكذلك للعقل الأعلى فكرة تنبىء عن علي فطرته { وأوحى ربك إلى ~~النحل أن اتخذي ms2536 من الجبال بيوتا ومن الشجر - إلى قوله: لآية لقوم ~~يتفكرون } وهذا العقل الأعلى هو اللب الذي عنه يكون التذكر بالأدنى من ~~الخلق لللأعلى من الأمر # وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ألوانه إن في ذلك لآية لقوم يذكرون # [النحل: 13] وفي مقابلة كل من هذه الأوصاف أضداد يرد البيان فيها بحسب ~~مقابلتها، وكذلك حكم وصف المسلمين فيها يظهر أن " لا أنجى للعبد من ~~إسلامه نفسه لربه " ووصف المحسنين فيما يظهر قيام ظاهر حسه # آلم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين # [ البقرة: 1] من استغنى بما عنده من وجد لم يتفرغ لقبول غيب # يا أيها الذين ءامنوا اتقوا الله وءامنوا برسوله # [ الحديد: 28]، # إذا ما اتقوا وءامنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وءامنوا ثم اتقوا ~~وأحسنوا # [ المائدة: 93]، { ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه } ، { ثم ~~اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين } " فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع ~~به، وبصره الذي يبصر به " # وفي خلقكم وما يبث من دابة ءايات لقوم يوقنون # [ الجاثية: 4] # وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين # [الأنعام: 75] ولجملة هذه الأوصاف أيضا أضداد يرد بيان القرآن فيها ~~بحسب تقابلها ويجري معها إفهامه، وما أوصله خفاء المسمع والمرأى إلى ~~القلب هو فقهه، ومن فقد ذلك وصف سمعه بالصمم وعينه بالعمى، ونفى الفقه عن ~~قلبه، ونسب إلى البهيمية، ومن لم تنل فكرته أعلام ما غاب عيانه نفي عنه ~~العلم # الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا لا يستطيعون سمعا # [ الكهف: 101]، # لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم ءاذان لا يسمعون ~~بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون # [ الأعراف: 179]، # يقولون لئن رجعنا إلى المدينة # [المنافقون:8] -إلى قوله: # ولكن المنافقين لا يعلمون # [المنافقون: 8]، { يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا } ~~- الآية إلى قوله تعالى: { ولكن المنافقين لا يفقهون } نفي العلم فيما ~~ظهرت أعلامه والفقه فيما خفي أمره، ومراد البيان عن أضدادها هذه الأوصاف ~~بحسب تقابلها، وهذا الباب لمن يستفتحه من أنفع فواتح الفهم في ms2537 القرآن - ~~انتهى. ### || [16.70-73] # ولما أيقظهم من رقدتهم، ونبههم على عظيم غفلتهم من عموم القدرة وشمول ~~العلم، المقتضي للفعل بالاختيار، المحقق للبعث وغيره، من كل ما يريده ~~سبحانه ببعض آياته المبثوثة في الآفاق من جماد ثم حيوان، وختم ذلك بما هو ~~شفاء، ثنى ببعض ما في أنفسهم من الأدلة على ذلك مذكرا بمراتب عمر ~~الإنسان الأربع، وهي سن الطفولية والنمو، ثم سن الشباب الذي يكون عند ~~انتهائه الوقوف، ثم سن الكهولة وفيه يكون الانحطاط مع بقاء القوة، ثم سن ~~الانحطاط مع ظهور الضعف وهو الشيخوخة، مضمنا ما لا يغني عنه دواء، حثا ~~على التفكر في آياته والتعقل لها قبل حلول ذلك الحادث، فيفوت الفوت، ~~ويندموا حيث لا ينفع الندم، فقال: { والله } أي المحيط بكل شيء قدرة ~~وعلما { خلقكم } فجعلكم بعد العدم أحياء فهما خصما { ثم يتوفاكم } ~~على اختلاف الأسنان، فلا يقدر الصغير على أن يؤخر، ولا الكبير على أن ~~يقدم، فمنكم من يموت حال قوته { ومنكم من يرد } أي بأيسر أمر منا، لا ~~يقدر على مخالفته بوجه { إلى أرذل العمر } لأنه يهرم فيصير إلى مثل حال ~~الطفولية في الضعف مع استقذار غيره له، ولا يرجى بعده { لكي لا يعلم }. # ولما كان مقصود السورة الدلالة على تمام القدرة وشمول العلم والتنزه عن ~~كل شائبة نقص، وكان السياق هنا لذلك أيضا بدليل ختم الآية، نزع الخافض ~~للدلالة على استغراق الجهل لزمن ما بعد العلم، فيتصل بالموت، ولا ينفع ~~فيه دواء ولا تجدي معه حيلة فقال: { بعد علم شيئا } لا يوجد في شيء من ~~ذلك عند إحلاله شفاء، ولا يمنعه دواء: فبادروا إلى التفكر والاعتبار قبل ~~حلول أحد هذين، ثم علل ذلك بقوله تعالى: { إن الله } أي الذي له الإحاطة ~~الكاملة { عليهم قدير * } أي بالغ العلم شامل القدرة، فمهما أراد كان، ~~ومهما أراد غيره ولم يرده هو، أحاط به علمه، فسبب له بقدرته ما يمنعه. # ولما ذكر المفاوتة في الأعمار المنادية بإبطال الطبائع الموجبة للمسابقة ~~إلى الاعتبار لأولي الأبصار للخوف كل لحظة من مصيبة ms2538 الموت، ثنى بالمفاوتة ~~في الأرزاق فقال تعالى: { والله } أي الذي له الأمر كله { فضل بعضكم } ~~أيها الناس { على بعض }. # ولما كانت وجوه التفضيل كثيرة، وكان التفضيل في المعاش الذي يظن الإنسان ~~أن له قدرة على تحصيله، وكانت المفاوتة فيه أدل على تمام القدرة والفعل ~~بالاختيار الذي السياق له، قال تعالى: { في الرزق } أي ولربما جعل الضعيف ~~العاجز الجاهل أغنى من القوي المحتال العالم، فاتقوا الله وأجملوا في ~~الطلب، وأقبلوا بجميع قلوبكم على ما ينفعكم من الاستبصار؛ قال الإمام أبو ~~نعيم في الحلية: حدثنا سليمان بن أحمد ثنا أحمد ثنا أحمد بن أحمد بن عمرو ~~الخلال قال: سمعت ابن أبي عمر يقول: كنا عند سفيان بن عيينة فذكروا الفضل ~~بن الربيع ودهاءه، فأنشأ سفيان يقول: # كم من قوي قوي في تقلبه # مهذب الرأي عنه الرزق منحرف # ومن ضعيف ضعيف العقل مختلط # كأنه من خليج البحر يغترف # وعن نوادر أبي علي القالي أنه قال: قال أبو بكر بن الأنباري: وحدثني أبي ~~قال: بعث سليمان المهلبي إلى الخليل بن أحمد بمائة ألف درهم وطالبه ~~بصحبته فرد عليه المائة ألف، وكتب إليه هذه الأبيات: # أبلغ سليمان أني عنه في سعة # وفي غنى غير أني لست ذا مال # سخي بنفسي أني لا أرى أحدا # يموت هزلا ولا يبقى على حال # فالرزق عن قدر لا العجز ينقصه # ولا يزيدك فيه حول محتال # والفقر في النفس لا في المال تعرفه # ومثل ذاك الغنى في النفس لا المال # ولما كان جعل المملوك في رتبة المالك مما يتعاظمهم في حقوقهم مع أنه في ~~الحقيقة لا مالك ولا ملك، فلا يدينون لذلك ولا يدانونه وإن جل الخطب ~~وأدى إلى ذهاب الأرواح، بل من كانت أمه مملوكة حطوا رتبته وإن كان أبوه ~~من كان، وإن كانت العبرة عندهم في النسب بالأب، وهذا هو الذي أحوج عنترة ~~إلى قوله: # إني امرؤ من خير عبس منصبا # شطري وأحمي سائري بالمنصل # إلى غير ذلك مما كان يعتذر به عن جهة أمه، نبههم سبحانه على ms2539 ما وقعوا ~~فيه في حقه من ذلك بسبب الإشراك مع أنه مالك الملك وملك الملوك بعد ما ~~اجترؤوا عليه في تفضيل أنفسهم في نسبة البنات إليه، فقال تعالى: { فما ~~الذين فضلوا } أي في الرزق { برادي رزقهم } أي الذي اختصوا به { على ما ~~ملكت أيمانهم } وإن جل نفعهم وتعاظم عندهم وقعهم { فهم فيه سواء } أي ~~فيكون بذلك الرد المالك والمملوك سواء، فهو جواب للنفي - نقله الرمال عن ~~ابن عباس ومجاهد وقتادة رضي الله عنهم. # ولما وضح ذلك وضوح الشمس وظهر حتى ما به أصلا نوع لبس، تسبب عنه ~~الإنكار في قوله على وجه الإعراض عن خطابهم المؤذن بالمقت: { أفبنعمة ~~الله } أي الذي لا رب غيره { يجحدون * } في جعلهم له شركاء يضيفون إليهم ~~بعض ما أنعم به عليهم، فيسوون بينهم وبينه في ذلك وبنعمتهم يعترفون ولها ~~يحفظون في إنزال ما ملكت أيمانهم عنهم في المراتب والأموال. # ولما ذكر الخلق والرزق، أتبعهما الألذاذ بالتأنس بالجنس من الأزواج ~~والأولاد وغيرهما اللازم له القيام بالمصالح فقال تعالى: { والله } أي ~~الذي له تمام القدرة وكمال العلم { جعل لكم } ولما كان الأزواج من الجنس، ~~قال: { من أنفسكم } لأن الشيء آلف لنوعه وأقرب إلى جنسه { أزواجا } أي ~~تتوالدون بها ويبكون السكون إليها سببا لبقاء نوعكم { وجعل لكم } أي ~~أيها الناس الذين يوجهون رغباتهم إلى غيره! { من أزواجكم بنين } ولعله ~~قدمهم للشرف؛ ثم عطف على ذلك ما هو أعم فقال: { وحفدة } أي من البنات ~~والبنين وأولادهم والأصهار والأختان، جمع حافد، يخفون في أعمالكم ~~ويسرعون في خدمكم طاعة وموالاة، لا كما يفعل الأجانب وبعض العاقين، وهذا ~~معنى ما نقله الرماني عن ابن عباس رضي الله عنهما من أنه فسرهم بالخدام ~~والأعوان، وهو الصواب لأن مادة حفد تدور على الإسراع والخفة. # حفد: خف في العمل وأسرع، والحفد - محركة: الخدم - لخفتهم، ومشي دون ~~الخبب، والحفدة: البنات وأولاد الأولاد أو الأصهار - لذلك، وصناع الوشي - ~~لإسراعهم فيه وإسراع لابسه إلى لبسه منبسط النفس، والمحفد - كمجلس ومنبر: ~~شيء يعلف فيه الدواب - لإسراعها إليه، وكمنبر: طرف ms2540 الثوب لإسراع حركته، ~~وقدح يكال به - لخفته، وكمجلس الأصل - لدوران الأمور عليه وإسراعها إليه، ~~وسيف محتفد: سريع القطع، وأحفده: حمله على الإسراع، والفادحة: النازلة، ~~وفوادح الدهر - خطوبه - لإسراعها بالمكروه وإسراع المنزول به ومن يهمه ~~شأنه إلى مدافعتها، ومن ذلك فدحه الأمر: أثقله - لأن المكروه يسرع فيثقل ~~فيكثر اضطراب المنزول به. # ولما ذكر ذلك سبحانه، أتبع ما لا يطيب العيش إلا به، فقال تعالى: { ~~ورزقكم } أي لإقامة أودكم وإصلاح أحوالكم؛ ولما كان كل النعيم إنما هو في ~~الجنة، بعض فقال: { من الطيبات } بجعله ملائما للطباع، شهيا للأرواح، ~~نافعا للإشباع، فعلم من هذا قطعا أن صاحب هذه الأفعال، هو المختص ~~بالجلال، ومن أنكر شيئا من حقه فقد ضل أبعد الضلال، فكيف بمن أنكر خيره، ~~وعبد غيره، وهو باسم العدم أحق منه باسم الوجود، فلذلك تسبب عنه قوله ~~معرضا عن خطابهم إعراض المغضب: { أفبالباطل } أي من الأصنام وما جعلوا ~~لهم من النصيب { يؤمنون } أي على سبيل التجديد والاستمرار { وبنعمت الله ~~} أي الملك الأعظم { هم } وله عليهم خاصة - غير ما يشاركون فيه الناس - ~~من المنن ما له { يكفرون } حتى أنهم يجعلون مما أنعم به عليهم من السائبة ~~والوصيلة والحامي وغيرها لأصنامهم، وذلك متضمن لكفران النعمة الكائنة ~~منه، ومتضمن لنسبتها إلى غيره، لأنه لم يأذن لهم في شيء مما حرموه، ولا ~~يحل التصرف في مال المالك إلا بإذنه؛ ثم قال عطفا على ما أنكره عليهم ~~هناك: { ويعبدون } وأشار إلى سفول المراتب كلها عن رتبته سبحانه فقال ~~تعالى: { من دون الله } أي من غير من له الجلال والإكرام مما هو في غاية ~~السفول من الأصنام وغيرها { ما لا يملك } أي بوجه من الوجوه { لهم رزقا ~~} تاركين من بيده جميع الرزق، وهو ذو العلو المطلق الذي رزقهم من ~~الطيبات؛ ثم بين جهة الرزق فقال تعالى: { من السماوات والأرض } ثم أكد ~~تعميم هذا النفي بقوله - مبدلا من { رزقا } ، مبينا أن تنوينه للتحقير ~~-: { شيئا } ثم أكد حقارتهم بقوله جامعا لأن ما عجز عند الاجتماع فهو ~~عند الانفراد أعجز: { ولا ms2541 يستطيعون } أي ليس لهم نوع استطاعة أصلا، ولك ~~أن تجعله معطوفا على ما مضى من المعجب منه من أقوالهم وأفعالهم في ~~قوله { ويجعلون لله ما يكرهون } ونحوه. ### || [16.74-76] # ولما دحض بهذه الحجة جميع ما أقاموه من الشبه وضربوه من الأمثال فيما ~~ارتكبوه من قولهم إن الملك لا يتوصل إليه إلا بأعوان من حاجب ونائب ونحو ~~ذلك، ولا يتوصل إليه إلا بأنواع القربان، فعبدوا الأصنام، وفعلوا لها ما ~~يفعل له تشبيها به عز شأنه، وتعالى سلطانه، لأن الفرق أن ملوك الدنيا ~~المقيس عليهم إنما أقاموا من ذكر لحاجتهم وضعف ملكهم وملكهم، فحالهم ~~مخالف لوصف من لا تأخذه سنة ولا نوم، ولا يشغله شأن عن شأن، وكل شيء في ~~قبضته وتحت قهره وعظمته، فلذلك تسبب عنها قوله تعالى: { فلا تضربوا لله } ~~أي الذي له الإحاطة الكاملة { الأمثال } أي فتشبهوه تشبيها بغيره وإن ~~ضرب لكم هو الأمثال؛ قال أبو حيان وغيره: قال ابن عباس رضي الله عنهما: ~~أي لا تشبهوه بخلقه - انتهى. وهو - كما قال في الكشاف - تمثيل للإشراك ~~بالله والتشبيه به، لأن من يضرب الأمثال مشبه حالا بحال وقصة بقصة - ~~انتهى. وهذا النهي عام في كل مثل لخطر الأمر خشية أن يكون ذلك المثل غير ~~لائق بمقداره، وقد تقرر أن درء المفاسد أولى من جلب المصالح، لا سيما في ~~هذا لأن الخطأ فيه كفر، ويدل على ذلك تعليل الحكم بقوله تعالى: { إن الله ~~} أي الذي له الأمر كله ولا أمر لغيره { يعلم } أي له جميع صفة العلم، ~~فإذا ضرب مثلا أتقنه بإحاطة علمه بحيث لا يقدر غيره أن يبدي فرقا ما ~~بين الممثل والممثل به في الأمر الممثل له { وأنتم لا تعلمون * } أي ليس ~~لكم علم أصلا، فلذلك تعمون عن الشمس وتلبس عليكم ما ليس فيه لبس، وهذا ~~المقام عال ومسلكه وعر، وسالكه على غاية من الخطر. # ولما ختم سبحانه بذلك تأكيدا لإبطال مذهب عبدة الأصنام بسلب العلم الذي ~~هو مناط السداد عنهم، حسن أن يصل به قوله - إقامة للدليل على علمه ms2542 بأن ~~أمثاله لا يتطرق إليها الطعن، ولا يتوجه نحوها الشكوك -: { ضرب الله } أي ~~الذي له كمال العلم وتمام القدرة { مثلا } بالأحرار والعبيد له ولما ~~عبدتموه معه؛ ثم أبدل من مثلا: { عبدا } ولما كان العبد يطلق على الحر ~~بالنسبة إلى الله تعالى، قال تعالى: { مملوكا } لا مكاتبا ولا فيه ~~شائبة للحرية { ولا يقدر على شيء } بإذن سيده ولا غيره، وهذا مثل ~~شركائهم، ثم عطف على " عبدا " قوله: { ومن رزقناه منا } من الأحرار { ~~رزقا حسنا } واسعا طيبا { فهو ينفق منه } دائما، وهو معنى { سرا ~~وجهرا } وهذا مثل الإله وله المثل الأعلى؛ ثم بكتهم إنكارا عليهم بقوله ~~تعالى: { هل يستوون } أي هذان الفريقان الممثل بهما، لأن المراد الجنس، ~~فإذا كان لا يسوغ في عقل أن يسوي بين مخلوقين: أحدهما حر مقتدر والآخر ~~مملوك عاجز، فكيف يسوي بين حجر موات أو غيره وبين الله الذي له القدرة ~~التامة على كل شيء؟ # ولما كان الجواب قطعا: لا، وعلم أن الفاضل ما كان مثالا له سبحانه، ~~على أن من سوى بينهما أو فعل ما يؤول إلى التسوية أجهل الجهلة. # فثبت مضمون { إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون } وأن غيره تعالى لا يساوي ~~شيئا، فثبت بلا ريب أنه المختص بالمثل الأعلى، فعبر عن ذلك بقوله تعالى: ~~{ الحمد لله } أي له الإحاطة بالعلم وجميع صفات الكمال التي منها اختصاصه ~~بالشكر، لكونه هو المنعم وليس لغيره إحاطة بشيء من ذلك ولا غيره، فكأنهم ~~قالوا: نحن نعلم ذلك، فقيل: { بل أكثرهم } أي في الظاهر والباطن - بما ~~أشار إليه الإضمار { لا يعلمون * } لكونهم يسوون به غيره، ومن نفى عنه ~~العلم - الذي هو أعلى صفات الكمال - كان في عداد الأنعام، فهم لذلك ~~يشبهون به ما ذكر، ويضربون الأمثال الباطلة، ويضيفون نعمه إلى ما لا يعد، ~~ولعله أتى بضمير الغيبة لقصر ذلك على من ختم بموته على الضلال، أو يقال ~~وهو أرشق: لما كان الجواب قطعا: لا يستووت والفاضل مثالك، فقد علم كل ذي ~~لب أن لك المثل الأعلى، فترجم عن وصفه بقوله ms2543 " الحمد لله " أي الإحاطة ~~بصفات الكمال للملك الأعظم، وعن نسبتهم إلى علم ذلك بقوله تعالى { بل ~~أكثرهم لا يعلمون } أي ليس لهم علم بشيء أصلا، لأنهم يعملون في هذا ~~بالجهل، فنسبتهم إلى الغباوة أحسن في حقهم من نسسبتهم إلى الضلال على ~~علم، وسيأتي في سورة لقمان إن شاء الله تعالى ما يكون نافعا في هذا ~~المقام، وإنما فسرت الحمد بما تقدم لأنه قد مضى في سورة الفاتحة أن مادة ~~" حمد " تدور على بلوغ الغاية، ويلزم منه الاتساع والإحاطة والاستدارة، ~~فيلزمها مطأطأة الرأس وقد يلزم الغاية الرضى فيلزمه الشكر، وبيانه أن ~~الحمد بمعنى الرضا والشكر لأنهما يكونان غالبا من غاية الإحسان، ويرجع ~~إلى ذلك الحمد بمعنى الجزاء وقضاء الحق، وحماداك - بالضم، أي غايتك، ويوم ~~محتمد: شديد الحر، وحمد النار - محركة: صوت التهابها، وأما يتحمد علي - ~~بمعنى يمتن - فأصله: يذكر ما يلزم منه حمده، ومنه المدح: وهو حسن الثناء، ~~وتمدح بمعنى تكلف أن يمدح وافتخر وتشبع بما ليس عنده، فإنه في كل ذلك بذل ~~جهده، ودحمه - كمنع: دفعه شديدا، والمرأة: نكحها - لما في ذلك من بلوغ ~~الغاية في الشهوة وما يلزمها من الدفع ونحوه، والدحم - بالكسر: الأصل - ~~لأنه غاية الشيء الذي ينتهي إليه، وحدم النار - ويحرك: شدة احتراقها ~~وحميها، واحتدم الدم: اشتدت حمرته حتى يسود، والحدمة - محركة: النار - ~~لأنها غاية الحر، والحدمة أيضا: صوتها - لدلالته على قوة التهابها، ومن ~~ذلك الحدمة أيضا لصوت جوف الحية، أو صوت في الجوف كأنه تغيظ - لأنه يدل ~~على غاية التهاب الباطن، والحدمة - كفرحة: السريعة الغلي من القدور؛ ومن ~~الاتساع: تمدحت الأرض أي اتسعت؛ ومن الاستدارة: الداحوم لحبالة الثعلب - ~~لأنها بلغت الغاية من مراد الصائد، ولأنه لما لم يقدر على الخلاص منها ~~كانت كأنها قد أحاطت به، والدمحمح: المستدير الململم، ودمح تدميحا: طأطأ ~~رأسه - لأن الانعطاف مبدأ الاستدارة - والله سبحانه وتعالى الموفق. # ولما انقضى هذا المثل كافيا في المراد، ملزما لهم لاعترافهم بأن ~~الأصنام عبيد الله في قولهم " لبيك اللهم لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو ms2544 ~~لك، تملكه وما ملك، وكان ربما كابر مكابر فقال: إنهم ليسوا ملكا له، ~~أتبعه مثلا آخر لا تمكن المكابرة فيه، فقال تعالى: { وضرب الله } أي ~~الذي له الإحاطة الكاملة أيضا { مثلا } ثم أبدل منه { رجلين } ثم ~~استأنف البيان لما أجمل فقال تعالى: { أحدهما أبكم } أي ولد أخرس؛ ثم ~~ترجم بكمته التي أريد بها أنه لا يفهم ولا يفهم بقوله: { لا يقدر على ~~شيء } أي أصلا { وهو كل } أي ثقل وعيال، والأصل فيه الغلظ الذي يمنع من ~~النفوذ، كلت السكين كلولا - إذا غلظت شفرتها فلم تقطع، وكل لسانه - إذا ~~لم ينبعث في القول، لغلظه وذهاب حده - قاله الرماني { على مولاه } الذي ~~يلي أمره؛ ثم بين ذلك بقوله تعالى: { أينما يوجهه } أي يرسله ويصرفه ذلك ~~المولى { لا يأت بخير } وهذا مثل شركائهم الذين هم عيال ووبال على ~~عبدتهم. # ولما انكشف ضلالهم في تسويتهم الأنداد - الذين لا قدرة لهم على شيء ما - ~~بالله الذي له الإحاطة بكل شيء قدرة وعلما، حسن كل الحسن توبيخهم ~~والإنكار عليهم بقوله تعالى: { هل يستوي هو } أي هذا المذكور { ومن } أي ~~ورجل آخر على ضد صفته، فهو عالم فطن قوي خبير مبارك الأمر ميمون النقيبة ~~{ يأمر } بما له من العلم والقدرة { بالعدل } أي ببذل النصيحة لغيره { ~~وهو } في نفسه ظاهرا وباطنا { على صراط } أي طريق واضح واسع { مستقيم } ~~أي عامل بما يأمر به، وهذا مثال للمعبود بالحق الذي يكفي عابده جميع ~~المؤن، وهو دال على كمال علمه وتمام قدرته. ### || [16.77-79] # ولما تم هذان المثلان، الدالان على تمام علمه وشمول قدرته، والقاضيان ~~بأن غيره عدم، عطف على قوله { إن الله يعلم } قوله مصرحا بتمام علمه ~~وشمول قدرته: { ولله } أي هذا علم الله في المشاهدات الذي علم من هذه ~~الأدلة أنه مختص به، ولذي الجلال والإكرام وحده { غيب السماوات والأرض } ~~كما أن له وحده شهادتهما، فما أراد من ذلك كانت قدرته عليه كقدرته على ~~الشهادة من الساعة التي تنكرونها استعظاما لها، ومن غيرهما بما فصله لكم ~~من أول السورة إلى ms2545 هنا من خلق السماوات والأرض وما فيهما { وما أمر ~~الساعة } وهي الوقت الذي يكون فيه البعث، على اعتقادكم أنها لا تكون ~~استبعادا لها واستصعابا لأمرها في سرعته عند الناس لو رأوه، ولذا عبر ~~عنه بالساعة { إلا كلمح البصر } أي كرجع الطرف المنسوب إلى البصر أي بصر ~~كان { أو هو أقرب } وإذا الخلق قد قاموا من قبورهم مهطعين إلى الداعي - ~~هذا بالنسبة إلى علمهم وقياسهم، وأما بالنسبة إليه سبحانه فأمره في ~~الجلالة والعظم والسرعة والإتقان يجل عن الوصف، وتقصر عنه العقول، ولا شك ~~فيه ولا تردد، ولذلك علله بقوله تعالى: { إن الله } أي الملك الأعظم { ~~على كل شيء } أي ممكن { قدير * }. # ولما انقضى توبيخهم على إيمانهم بالباطل وكفرانهم بالحق وما استتبعه، ~~وختم بأمر الساعة، عطف على قوله تعالى { والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا ~~} ما هو من أدلة الساعة وكمال القدرة والفعل بالاختيار من النشأة الأولى، ~~فقال تعالى: { والله } أي الذي له العظمة كلها { أخرجكم } بعلمه وقدرته { ~~من بطون أمهاتكم } والذي أخرجكم منها قادر على إخراجكم من بطن الأرض بلا ~~فرق بل بطريق الأولى، حال كونكم عند الإخراج { لا تعلمون شيئا } من ~~الأشياء قل أو جل، وعطف على { أخرجكم } قوله: { وجعل لكم } بذلك أيضا { ~~السمع والأبصار والأفئدة } آلات لإزالة الجهل الذي وقعت الولادة عليه، ~~وفتق مواضعها وسواها وعدلها وأنتم في البطون حيث لا تصل إليه يده، ولا ~~يتمكن من شق شيء منه بآلة، فالذي قدر على ذلك في البطون إبداعا قادر على ~~إعادته في بطن الأرض، بل بطريق الأولى، ولعله جمعهما دون السمع، لأن ~~التفاوت فيهما أكثر من التفاوت فيه بما لا يعلمه إلا الله؛ والأفئدة هي ~~القلوب التي هيأها للفهم وإصلاح البدن بما أودعها من الحرارة اللطيفة ~~القابلة للمعاني الدقيقة { لعلكم تشكرون * } أي لتصيروا - بمعارف القلوب ~~التي وهبكموها إذا سمعتم المواعظ وأبصرتم الآيات - في حال يرجى فيها ~~شكركم لما أفاض عليكم من لطائف صنعه، بأن تعرفوا ما له من العلم والقدرة ~~وحسن التعرف، فتعترفوا له بجميع ما أتتكم به رسله، ms2546 وأهمه الذي تبنى عليه ~~جميع مقاصد الأصول أو المنعم عليكم بهذه النعم إله واحد عالم بكل شيء ~~قادر على كل شيء فاعل بالاختيار، وأن الطبائع من جملة مقدوراته، لا فعل ~~لها إلا بتصريفه. # ولما كان المقصود من تعداد هذه النعم الإعلام بأنه الفاعل بالاختيار ~~وحده لا الطبائع ولا غيرها، دلهم على ذلك مضمونا إلى ما مضى بقوله ~~مقررا لهم: { ألم يروا } بالخطاب والغيبة - على اختلاف القراءتين لأن ~~سياق الكلام وسباقه يحتمل المقبل والمعرض بخلاف سياق الملك فإنه للمعرض ~~فقط، فلذا اختلف القراء هنا وأجمعوا هناك { إلى الطير مسخرات } أي مذللات ~~للطيران بما أقامهن الله فيه من المصالح والحكم بالطيران وغيره { في جو ~~السماء } في الهواء بين الخافقين بما لا تقدرون عليه بوجه من الوجوه مع ~~مشاركتكم لها في السمع والبصر وزيادتكم عليها بالعقول، فعلم قطعا ما وصل ~~بذلك من قوله: { ما يمسكهن } أي في الجو عن الوقوع. # ولما كان للسياق هنا مدخل عظيم في الرد على أهل الطبائع وهم الفلاسفة، ~~ولهم وقع عظيم في قلوب الناس، عبر بالاسم الأعظم، إشارة إلى أنه لا يقوى ~~على رد شبههم إلا من أحاط علما بمعاني الأسماء الحسنى، فكان متمكنا من ~~علم أصول الدين فقال: { إلا الله } أي الملك الأعظم، لأن نسبتكم وإياها ~~إلى الطبيعة واحدة، فلو كان ذلك فعلها لا ستويتم؛ ثم نبههم على ما في ذلك ~~من الحكم بقوله: { إن في ذلك } أي الأمر العظيم من إخراجكم على تلك ~~الهيئة، والإنعام عليكم بما ليس لها، وتقديرها على ما لم تقدروا عليه مع ~~نقصها عنكم { لآيات } ولما كان من لم ينتفع بالشيء كأنه لم يملكه، قال ~~تعالى: { لقوم يؤمنون * } أي هيأهم الفاعل المختار للإيمان. ### || [16.80-81] # ولما ذكرهم سبحانه بنعمة الإدراك بعد ابتداء الخلق، وأتبعه ما من به ~~على الطير من الارتفاع الحامي لها من الحر، أتبعه ما يسكنون إليه فيظلهم ~~ويجمعهم لأنه أهم الأشياء للحيوان، فقال تعالى: { والله } أي الذي له ~~الحكمة البالغة والقدرة الشاملة { جعل لكم } أي أيها الغافلون { من ~~بيوتكم } أصل ms2547 البيت المأوى ليلا ثم اتسع فيه { سكنا } هو مصدر بمعنى ~~مفعول، ولم يسلط عليكم فيها الحشرات والوحوش كما سلطكم عليهم؛ ثم أتبع ما ~~يخص الحضر ما يصلح له وللسفر بما ميزهم به عن الطير وغيرها من سائر ~~الحيوانات، فقال تعالى: { وجعل لكم } أي إنعاما عليكم { من جلود الأنعام ~~} التي سلطكم عليها. # ولما كانت الخيام، التي من جلود الأنعام، في ظلها الظليل تقارب بيوت ~~القرى، جمعها جمعا فقال تعالى: { بيوتا } فإنهم قالوا: إن هذا الجمع ~~بالمسكن أخص، والأبيات بالشعر أخص { تستخفونها } أي تطالبون بالاصطناع ~~خفها فتجدونها كذلك { يوم ظعنكم } أي وقت ارتحالكم، وعبر به لأنه في ~~النهار أكثر { ويوم إقامتكم } ثم أتبعه ما به كمال السكن فقال تعالى: { ~~ومن أصوافها } أي الضأن منها { وأوبارها } وهي للإبل كالصوف للغنم { ~~وأشعارها } وهي ما كان من المعز ونحوه من المساكن والملابس والمفارش ~~والأخبية وغيرها { أثاثا } أي متاعا من متاع البيت كثيرا، من قولهم: ~~شهر أثيث أي كثير، وأث النبت. إذا كثر { ومتاعا } تتمتعون به { إلى حين ~~* } أي وقت غير معين بحسب كل إنسان في فقد ذلك، وأعرض عن ذكر الحرير ~~والكتان والقطن لأنها لم تكن من صناعتهم، وإشارة إلى الاقتصاد وعدم ~~الإسراف. # ولما ذكر ما يخصهم، أتبعه ما يشاركون فيه سائر الحيوانات فقال: { والله ~~} أي الذي له الجلال والإكرام { جعل لكم } أي من غير حاجة منه سبحانه { ~~مما خلق ظلالا } من الأشجار والجبال وغيرها { وجعل لكم } أي مع غناه ~~المطلق { من الجبال أكنانا } جمع كن وهو ما يستكن به - أي يستتر - من ~~الكهوف ونحوها، ولو كان الخالق غير مختار لكانت على سنن واحد لا ظلال ولا ~~أكنان؛ ثم أتبع ذلك ما هداهم إليه عوضا مما جعله لسائر الحيوان فقال: { ~~وجعل لكم } أي منا منه عليكم { سرابيل } أي ثيابا { تقيكم الحر } وهي ~~كل ما لبس من قميص وغيره - كما قال الزجاج. # ولما كانت السرابيل نوعا واحدا، لم يكرر " جعل " فقال تعالى: { ~~وسرابيل } أي دروعا ومغافر وغيرها { تقيكم بأسكم } أضافه إليهم إفهاما ~~لأنه الحرب، وذلك كما ms2548 جعل لبقية الحيوان - من الأصواف ونحوها والأنياب ~~والأظفار ونحوها - ما هو نحو ذلك يمنع من الحر والبرد، ومن سلاح العدو، ~~ولم يذكر سبحانه هنا وقاية البرد لتقدمها في قوله تعالى # لكم فيها دفء # [النحل:5]. # ولما تم ذلك كان كأنه قيل: نبهنا سبحانه بهذا الكلام على تمام نعمة ~~الإيجاد، فهل بعدها من نعمة؟ فقال: نعم! { كذلك } أي كما أتم نعمة ~~الإيجاد عليكم هذا الإتمام العظيم بهذه الأمور ونبهكم عليها { يتم نعمته ~~عليكم } في الدنيا والدين بالهداية والبيان لطريق النجاة والمنافع، ~~والتنبيه على دقائق ذلك بعد جلائله { لعلكم تسلمون * } أي ليكون حالكم - ~~بما ترون من كثرة إحسانه بما لا يقدر عليه غيره مع وضوح الأمر - حال من ~~يرجى منه إسلام قياده لربه، فلا يسكن ولا يتحرك إلا في طاعته. ### || [16.82-89] # فلما صار هذا البيان، إلى أجلى من العيان، كان ربما وقع في الوهم أنهم ~~إن لم يجيبوا لحق الداعي بسبب إعراضهم حرج، فقال تعالى نافيا لذلك ~~معرضا عنهم بإعراض المغضب، مقبلا عليه صلى الله عليه وعلى آله وسلم ~~إقبال المسلي، معبرا بصيغة التفعل المفهمة لأن الفطر الأولى داعية إلى ~~الإقبال على الله فلا يعرض صاحبها عما يرضيه سبحانه إلا بنوع معالجة: { ~~فإن تولوا } أي كلفوا أنفسهم الإعراض ومتابعة الأهواء فلا تقصير عليك ~~بسبب توليهم ولا حرج { فإنما } أي بسبب أنه إنما { عليك البلاغ المبين * ~~} وليس عليك أن تردهم عن العناد، فكأنه قيل: فهل كان إعراضهم عن جهل أو ~~عناد؟ فقيل فيهم وفيهم: { يعرفون } أي كلهم { نعمت الله } أي الملك ~~الأعظم، التي تقدم عد بعضها في هذه السورة وغيرها { ثم ينكرونها } ~~بعبادتهم غير المنعم بها أو بتكذيب الآتي بالتنبيه عليها، بعضهم لضعف ~~معرفته، وبعضهم عنادا، وكان بعضهم يقول: هي من الله ولكن بشفاعة آلهتنا ~~{ وأكثرهم } أي المدعوين بالنسبة إلى جميع أهل الأرض الذين أدركتهم دعوته ~~صلى الله عليه وعلى آله وسلم { الكافرون * } أي المعاندون الراسخون في ~~الكفر. # ولما كان من أجل المقاصد بهذه الأساليب التخويف من البعث، وكان من ~~المعلوم أنه ليس بعد ms2549 الإعراض عن البيان والإصرار على كفران المعروف من ~~الإحسان إلا المجازاة لأن الحكيم يمهل ولا يهمل، قال تعالى: عاطفا على ~~ثمرة { فإنما عليك البلاغ المبين } وهي: فبلغهم وبين لهم ولا تيأس من ~~رجوعهم: { ويوم } أي وخوفهم يوم { نبعث } بعد البعث { من كل أمة شهيدا } ~~يحكم بقوله الملك إجراء للأمر على ما يتعارفون وإن كان غنيا عن شهيد. # ولما كان الإذن لهم في الاعتذار في بعض المواقف الطويلة في ذلك اليوم ~~متعذرا، عبر عنه سبحانه بأداة البعد فقال تعالى: { ثم لا يؤذن } أي لا ~~يقع إذن على تقدير من التقادير { للذين كفروا } أي بعد شهادة الشهداء في ~~الاعتذار كما يؤذن في هذه الدار للمشهود عليه عند السؤال في الإعذار، ~~لأنه لا عذر هناك في الحقيقة { ولا هم } أي خاصة { يستعتبون * } أي ولا ~~يطلب منهم الإعتاب المؤثر للرضى وهو إزالة العتب وهو الموجدة المعبر بها ~~عن الغضب المعبر به عن آثاره من السطوة والانتقام، وأخذ العذاب لأهل ~~الإجرام من قبيح ما ارتكبوا، لأن تلك الدار ليست بدار تكليف؛ ثم وصل به ~~أن ما يوجبه الغضب يدوم عليهم في ذلك اليوم، فقال تعالى عاطفا على ما ~~بعد " ثم ": { وإذا رءا } وأظهر موضع الإضمار تعميما فقال تعالى: { ~~الذين ظلموا } فعبر بالوصف الموجب للعذاب { العذاب } بعد الموقف وشهادة ~~الشهداء، وجزاء الشرط محذوف لدلالة ما قرن بالفاعلية تقديره: لابسهم { ~~فلا يخفف } أي يحصل تخفيف بنوع من الأنواع ولا بأحد من الخلق { عنهم } ~~شيء منه { ولا هم ينظرون * } بالتأخير ولا لحظة بوجه من الوجوه على تقدير ~~من التقادير من أحد ما. # ولما بين سبحانه حاصل أمرهم في البعث وما بعده، وما من أهم المهم أمرهم ~~في الموقف مع شركائهم الذين كانوا يترجونهم، عطف على ذلك قوله تعالى: { ~~وإذا رءا } أي بالعين يوم القيامة { الذين أشركوا } فأظهر أيضا الوصف ~~المناسب للمقام { شركاءهم } أي الآلهة التي كانوا يدعونها شركاء { قالوا ~~ربنا } يا من أحسن إلينا وربانا! { هؤلاء شركاؤنا } أضافوهم إلى أنفسهم ~~لأنه لا حقيقة لشركتهم سوى تسميتهم لها الموجب ms2550 لضرهم؛ ثم بينوا المراد ~~بقولهم: { الذين كنا ندعوا } أي نعبد. # ولما كانت المراتب متكثرة دون رتبته سبحانه لأن علوه غير منحصر، أدخل ~~الجار فقال تعالى: { من دونك } ليقربونا إليك، فأكرمنا لأجلهم جريا على ~~منهاجهم في الدنيا في الجهل والغباوة، فخاف الشركاء من عواقب هذا القول ~~والإقرار عليه سطوات الغضب { فألقوا } أي الشركاء { إليهم } أي المشركين ~~{ القول } أي بادروا به حتى كان إسراعه إليهم إسراع شيء ثقيل يلقى من ~~علو؛ وأكدوا قولهم لأنه مطاعنة لقول المشركين فقالوا: { إنكم لكاذبون * } ~~في جعلنا شركاء وأنا نستحق العبادة أو نشفع أو يكون لنا أمر نستحق به أن ~~نذكر { وألقوا } أي الشركاء { إلى الله } أي الملك الأعلى { يومئذ } أي ~~يوم القيامة إذ نبعث من كل أمة شهيدا { السلم } أي الانقياد والاستسلام ~~بما علم به الكفار أنهم من جملة العبيد لا أمر لهم أصلا، فأصلد زندهم، ~~وخاب قصدهم، وقيد بذلك اليوم لأنهم كانوا في الدنيا - بتزيين الشياطين ~~لأمورهم ونطقهم على ألسنتهم - بحيث يظن عابدوهم أن لهم منعة، وبهم قوة ~~ويجوز أن يكون ضمير " ألقوا " للمشركين { وضل عنهم } أي عن الكفار { ما ~~كانوا } أي بجبلاتهم { يفترون * } أي يتعمدون من دعوى النفع لهم والضر ~~كذبا وفجورا، فكأنه قيل: هذا للذين أشركوا، فما للذين كانوا دعاة إلى ~~الشرك مانعين من الانتقال عنه؟ فقيل: { الذين كفروا } أي أوجدوا الكفر في ~~أنفسهم { وصدوا } مع ذلك غيرهم { عن سبيل الله } أي الذي له الإحاطة كلها ~~{ زدناهم } أي بما لنا من العظمة، بصدهم غيرهم { عذابا فوق العذاب } ~~الذي استحقوه على مطلق الشرك { بما كانوا } أي كونا جبليا { يفسدون * } ~~أي يوقعون الفساد ويجددونه؛ ثم كرر التحذير من ذلك اليوم على وجه يزيد ~~على ما أفهمته الآية السالفة، وهو أن الشهادة تقع على الأمم لا لهم، ~~وتكون بحضرتهم، فقال تعالى: { ويوم } أي وخوفهم يوم { نبعث } أي بما لنا ~~من العظمة { في كل أمة } من الأمم { شهيدا } أي هو في أعلى رتب الشهادة ~~{ عليهم }. # ولما كانت بعثة الأنبياء السابقين عليهم السلام خاصة بقومهم إلا قليلا، ~~قال: ms2551 { من أنفسهم } وهو نبيهم. # ولما كان لذلك اليوم من التحقق ما لا شبهة فيه بوجه وكذا شهادة النبي ~~صلى الله عليه وعلى آله وسلم، عبر بالماضي إشارة إلى ذلك، وإلى أنه صلى ~~الله عليه وعلى آله وسلم لم يزل من حين بعثه متصفا بهذه الصفة العلية ~~فقال تعالى: { وجئنا } أي بما لنا من العظمة { بك شهيدا } أي شهادة هي ~~مناسبة لعظمتنا { على هؤلاء } أي الذين بعثناك إليهم وهم أهل الأرض، ~~وأكثرهم ليس من وقوعه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولذلك لم يقيد بعثته ~~بشيء؛ ثم بين أنه لا إعذار في شهدائه فإنه لا حجة في ذلك اليوم لمن خالف ~~أمره اليوم، لأنه سبحانه أزاح العلل، وترك الأمر على بيضاء نقية ليلها ~~كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، فقال عاطفا على قوله { وما أنزلنا عليك ~~الكتاب } - الآية، المتعقب لقوله { لا جرم } - الآيتين: { ونزلنا } أي ~~بعظمتنا بحسب التدريج والتنجيم { عليك الكتاب } الجامع للهدى { تبيانا } ~~أي لأجل البيان التام، قالوا: وهو اسم وليس بمصدر كتلقاء { لكل شيء } ورد ~~عليك من أسئلتهم ووقائعهم وغير ذلك، وهو في أعلى طبقات البيان كما أنه في ~~أعلى طبقات البلاغة، لأن المعنى به أسرع إلى الأفهام وأظهر، في الإدراك، ~~والنفس أشد تقبلا له لما هو عليه من حسن النظام والقرب إلى الافهام، ~~وإنما احتيج إلى تفسيره مع أنه في نهاية البيان لتقصير الإنسان في العلم ~~بمذاهب العرب الذين هم الأصل في هذا اللسان، وتقصير العرب عن جميع مقاصده ~~كما قصروا عن درجته في البلاغة، فرجعت الحاجة إلى تقصير الفهم لا إلى ~~تقصير الكلام في البيان، ولهذا تفاوت الناس في فهمه لتفاوتهم في درجات ~~البلاغة ومعرفة طرق العرب في جميع أساليبها؛ قال الإمام الشافعي رضي الله ~~عنه في آخر خطبة الرسالة بعد أن دعا الله تعالى أن يرزقه فهما في كتابه ~~ثم في سنة نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم: فليست تنزل بأحد من أهل دين ~~الله نازلة إلا وفي كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها، ms2552 واحتج بآيات ~~منها هذه، وذلك لأنه سبحانه بين فيه التوحيد والمبدأ والمعاد والأمر ~~والنهي والحلال والحرام والحدود والأحكام بالنص على بعضها، وبالإحالة على ~~السنة في الآخر، وعلى الإجماع في نحو قوله تعالى # ويتبع غير سبيل المؤمنين # [ النساء: 115] وعلى الاقتداء بالخلفاء الراشدين في قوله صلى الله عليه ~~وعلى آله وسلم # " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي " # وبالاقتداء بجميع أصحابه رضي الله عنهم في قوله صلى الله عليه وعلى آله ~~وسلم # " أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم " # وقد اجتهدوا وقاسوا ووطؤوا طرق القياس والاجتهاد ولم يخرج أحد منهم عن ~~الكتاب والسنة، فهو من دلائل النبوة في كونه صلى الله عليه وعلى آله وسلم ~~شهيدا لكونه ما أخبر عنهم إلا بما هم أهله. # ولما كان لتبيان قد يكون للضلال، قال تعالى: { وهدى } أي موصلا إلى ~~المقصود. ولما كان ذلك قد لا يكون على سبيل الإكرام، قال تعالى: { ورحمة ~~} ولما كان الإكرام قد لا يكون بما هو في أعلى طبقات السرور، قال سبحانه: ~~{ وبشرى } أي بشارة عظيمة جدا { للمسلمين } ويجوز أن يكون التقدير { في ~~كل أمة شهيدا عليهم } وهو رسولهم الذي أرسلناه إليهم في الدنيا { وجئنا ~~بك شهيدا على هؤلاء } لكوننا أرسلناك إليهم وجعلناك أمينا عليهم { ~~ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء } فلا عذر لهم، فيكون معطوفا على ما ~~دل الكلام السابق دلالة واضحة على تقديره. ### || [16.90-92] # ولما بين تعالى فضل هذا القرآن بما يقطع حجتهم، وكان قد قدم فضل من يأمر ~~بالعدل وهو على صراط مستقيم، أخذ يبين اتصاف القرآن ببيان كل شيء، وتضمنه ~~لذلك الطريق الأقوم، فقال تعالى جامعا لما يتصل بالتكاليف فرضا ونفلا، ~~وما يتصل بالأخلاق والآداب عموما وخصوصا: { إن الله } أي الملك ~~المستجمع لصفات الكمال { يأمر بالعدل } وهو الإنصاف الذي لا يقبل عمل ~~يدونه، وأول درجاته التوحيد الذي بنيت السورة عليه، والعدل يعتبر تارة في ~~المعنى فيراد به هيئة في الإنسان تطلب بها المساواة، وتارة في العقل ~~فيراد به التقسيط القائم على الاستواء، وتارة يقال: هو الفضل كله من حيث ms2553 ~~إنه لا يخرج شيء من الفضائل عنه، وتارة يقال: هو أكمل الفضائل من حيث إن ~~صاحبه يقدر على استعماله في نفسه وفي غيره، وهو ميزان الله المبرأ من كل ~~زلة وبه يستتب أمر العالم، وبه قامت السماوات والأرض، وهو وسط كل أطرافه ~~جور، وبالجملة الشرع مجمع العدل، وبه تعرف حقائقه، ومن استقام على نهج ~~الحق فقد استتب على منهج العدل - ذكره الرازي في اللوامع وفيه تلخيص، وفي ~~آخر الجزء الخامس عشر من الثقفيات أن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه قال ~~لمحمد بن كعب القرظي رضي الله عنه: صف لي العدل، فقال: كن لصغير الناس ~~أبا، ولكبيرهم ابنا، وللمثل أخا، وللنساء كذلك، وعاقب الناس بقدر ~~ذنوبهم على قدر أجسامهم، ولا تضربن لغضبك سوطا واحدا فتعدى فتكون من ~~العادين انتهى. { والإحسان } وهو فعل الطاعة على أعلى الوجوه، فالعدل ~~فرض، والإحسان فضل، وهو مجاوزة النصفة إلى التحامل على النفس، لأنه ربما ~~وقع في الفرض نقص فجبر بالنفل، وهو في التوحيد الارتقاء عن أول الدرجات، ~~ومن أعلاه الغنى عن الأكوان، وتكون الأكوان في غيبتها عند انبساط نور ~~الحق كالنجوم في انطماسها عند انتشار نور الشمس، وغايته الفناء حتى عن ~~هذا الغنى، وشهود الله وحده، وهو التوحيد على الحقيقة كما في حديث أبي ~~هريرة رضي الله عنه المتفق عليه # " الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك " # وهو روح الإنسانية، ففي الجزء الثامن من الثقفيات عن عاصم بن كليب ~~الجرمي قال:: # " حدثني أبي كليب أنه شهد مع أبيه جنازة شهدها رسول الله صلى الله عليه ~~وعلى آله وسلم، قال: وأنا غلام أعقل وأفهم، قال: فانتهى بالجنازة إلى ~~القبر ولما يمكن لها فجعل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقولسو ~~ذا أو خذ ذا! قال: حتى ظن الناس أنها سنة، فالتفت إليهم فقال: أن هذا لا ~~ينفع الميت ولا يضره، ولكن الله تعالى يحب من العامل إذا عمل أن يحسن " # { وإيتاء ذي القربى } فإنه من الإحسان، وهو أولى ms2554 الناس بالبر، وذلك جامع ~~للاحسان في صلة الرحم. # ولما أمر بالمكارم، نهى عن المساوىء والملائم فقال تعالى: { وينهى عن ~~الفحشاء } وهي ما اشتد تقصيره عن العدل فكان ضد الإحسان { والمنكر } وهو ~~ما قصر عن العدل في الجملة { والبغي } وهو الاستعلاء على الغير ظلما، ~~وقال البيضاوي في سورة الشورى: هو طلب تجاوز الاقتصاد فيما يتجزأ كمية أو ~~كيفية. وهو من المنكر، صرح به اهتماما، وهو أخو قطيعة الرحم ومشارك لها ~~في تعجيل العقوبة # " ما من ذنب أحرى أن يعجل الله لصاحبه العقوبة مع ما يدخر له في الآخرة ~~من البغي وقطيعة الرحم " # رواه أحمد وأبو داود والترمذي عن أبي بكرة رضي الله عنه ورفعه، وأصل ~~البغي الإدارة، كأنه صار بفهم هذا المعنى المحظور - المحذور عند حذف ~~مفعوله، لأن الإنسان - لكونه مجبولا على النقصان - لا يكاد يصلح منه ~~إرادة، فعليه أن يكون مسلوب الاختيار، مع الملك الجبار، الواحد القهار، ~~فتكون إرادته تابعة لإرادته، واختياره من وراء طاعته، وعن الحسن أن ~~الخلقين الأولين ما تركا طاعة إلا جمعاها والأخيرين ما تركا معصية إلا ~~جمعاها. # ولما دعا هذا الكلام على وجازته إلى أمهات الفضائل لي هي العلم والعدل ~~والعفة والشجاعة، وزاد من الحسن ما شاء، فإن الإحسان من ثمرات العفة، ~~والنهي عن البغي الذي هو من ثمرات الشجاعة المذمومة إذن فيما سواه منها، ~~ولا يقوم شيء من ذلك إلا بالعلم وكان هذا أبلغ وعظ، نبه عليه سبحانه ~~بقوله تعالى: { يعظكم } أي يأمركم بما يرقق قلوبكم من مصاحبة ثلاثة ~~ومجانبة ثلاثة { لعلكم تذكرون * } أي ليكون حالكم حال من يرجى تذكره، لما ~~في ذلك من المعالي بما وهب الله من العقل، الداعي إلى كل خير، الناهي عن ~~كل ضير، فإن كل أحد من طفل وغيره يكره أن يفعل معه شيء من هذه المنهيات، ~~فمن كان له عقل واعتبر بعقله علم أن غيره يكره منه ما يكره هو منه، ويعلم ~~أنه إن لم يكف عن فعل ما يكره أخوه وقع التشاجر، فيحصل الفساد المؤدي إلى ~~خراب الأرض، ms2555 هذا في الفعل مع أمثاله من المخلوقين، فكيف بالخالق بأن يصفه ~~بما لا يليق به سبحانه، وعز اسمه، وتعالى جده، وعظم أمره!. # ولما تقررت هذه الجمل التي جمعت - بجمعها للمأمورات والمنهيات ما تضيق ~~عنه الدفاتر والصدور، وشهد لها المعاندون من بلغاء العرب أنها بلغت قاموس ~~البحر وتعالت عن طوق البشر، عطف على ما أفهمه السياق - من نحو: فتذكروا ~~أو فالزموا ما أمرتم به ونابذوا ما نهيتم عنه - بعض ما أجملته، وبدأ بما ~~هو مع جمعه أهم وهو الوفاء بالعهد الذي يفهم منه العلماء بالله ما دل ~~عليه العقل من الحجج القاطعة بالتوحيد وصدق الرسل ووجوب اتباعهم، فكانت ~~أعظم العهود، ويفهم منه غيرهم ما يتعارفونه مما يجري بينهم من المواثيق، ~~فإذا ساروا فيها بما أمر سبحانه وتحروا رضاه علما منهم بأنه العدل، ~~قادهم ذلك إلى رتبة الأولين فقال تعالى: { وأوفوا } أي أوقعوا الوفاء ~~الذي لا وفاء في الحقيقة غيره { بعهد الله } أي الملك الأعلى الذي عاهدكم ~~عليه بأدلة العقل والنقل من التوحيد وغيره من أصول الدين وفروعه # الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق # [الرعد:20] # وما يضل به إلا الفاسقين الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه # [البقرة:27] { إذا عاهدتم } بتقبلكم له بإذعانكم لأمثاله من الأدلة فيما ~~عرف من عوائدكم، وصرحتم به عند شدائدكم { ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون ~~} ثم عطف عليه ما هو من جنسه وأخص منه فقال تعالى: { ولا تنقضوا الأيمان ~~} واحترز عن لغو اليمين بقوله تعالى: { بعد توكيدها } وحذف الجار لأن ~~المنهي عنه إنما هو استغراق زمان البعد بالنقض، وذلك لا يكون إلا بالكذب ~~الشامل له كله، بعضه بالقوة وبعضه بالفعل، ولعله جمع إشارة إلى أن ~~المذموم استهانتها من غير توقف على كفارة، لأن من فعل ذلك ولو في واحدة ~~كان فاعلا ذلك في الجميع، بخلاف من ينقض ما نقضه خير بالكفارة فإنه ناقض ~~للبعض لا للكل، لأنه دائر مع الخير والأول دائر مع الهوى؛ ثم حذرهم من ~~النقض بأنه مطلع قادر، فقال تعالى مقبحا حالهم إذ ms2556 ذاك: { وقد جعلتم الله ~~} أي الذي له العظمة كلها { عليكم كفيلا } أي شاهدا ورقيبا. # ولما كان من شأن الرقيب حفظ أحوال من يراقبه، قال تعالى مرغبا مرهبا: ~~{ إن الله } أي الذي له الإحاطة الكاملة { يعلم ما تفعلون * } فلم تفعلوا ~~شيئا إلا بمشيئته وقدرته، فكانت كفالته مجعولة بهذا الاعتبار وإن لم ~~يصرح بالجعل، فمتى نقضتم فعل بكم فعل الكفيل القادر بالمكفول المماطل من ~~أحد الحق والعقوبة. # ولما أمر بالوفاء ونهى عن النقض، شرع في تأكيد وجوب الوفاء وتحريم النقض ~~وتقبيحه تنفيرا منه فقال تعالى: { ولا تكونوا } أي في نقضكم لهذا الأمر ~~المعنوي { كالتي نقضت غزلها } ولما كان النقض لم يستغرق زمان البعد، قال ~~تعالى: { من بعد قوة } عظيمة حصلت له { أنكاثا } أي أنقاضا، جمع نكث ~~وهو كل شيء نقض بعد الفتل سواء كان حبلا أو غزلا، فهو مصدر مجموع من ~~نقضت لأنه بمعنى نكثت، قال في القاموس: النكث - بالكسر أن تنقض أخلاق ~~الأكسية لتغزل ثانية. فيكون مثل جلست قعودا، أي فتكونوا بفعلكم ذلك كهذه ~~المرأة التي ضربتم المثل بها في الخرق مع ادعائكم أنه يضرب بأدناكم المثل ~~في العقل، ثم وصل بذلك ما يعرف أنهم أسفه من تلك المرأة بسبب أن ضررها لا ~~يتعداها، وأما الضرر بفعلهم فإنه مفسد لذات البين فقال تعالى: { تتخذون } ~~أي بتكليف الفطرة الأولى ضد ما تدعو إليه من الوفاء { أيمانكم دخلا } أي ~~فيضمحل كونها أيمانا إلى كونها ذريعة إلى الفساد بالخداع والغرور { ~~بينكم } من حيث إن المحلوف له يطمئن فيفجأه الضرر، ولو كان على حذر لما ~~نيل منه ولا جسر عليه، وكل ما أدخل في الشيء على فساد فهو دخل { إن } أي ~~تفعلون ذلك بسب أن { تكون أمة } أي وهي الخادعة أو المخدوعة لأجل سلامتها ~~{ هي } أي خاصة { أربى } أي أزيد وأعلى { من أمة } في القوة أو العدد، ~~فإذا وجدت نفادا لزيادتها غدرت. # ولما عظم عليهم النقض، وبين أن من أسبابه الزيادة، حذرهم غوائل البطر ~~فقال تعالى: { إنما يبلوكم } أي يختبركم { الله } أي الذي له الأمر ms2557 كله { ~~به } أي يعاملكم معاملة المختبر بالأيمان والزيادة ليظهر للناس تمسككم ~~بالوفاء أو انخلاعكم منه اعتمادا على كثرة أنصاركم وقلة أنصار من نقضتم ~~عهده من المؤمنين " أو غيرهم " مع قدرته سبحانه على ما يريد، فيوشك أن ~~يعاقب بالمخالفة فيضعف القوي ويقلل الكثير { وليبينن لكم } أي إذا تجلى ~~لفصل القضاء { يوم القيامة } مع هذا كله { ما كنتم } أي بجبلاتكم { فيه ~~تختلفون * } فاحذروا يوم العرض على ملك الملوك بحضرة الرؤساء والملوك ~~وجميع المعبودات والكل بحضرته الشماء داخرون، ولديه صاغرون، ومن نوقش ~~الحساب يهلك. ### || [16.93-102] # ولما أمر ونهى، وخوف من العذاب في القيامة، وكان ربما ظن من لا علم له - ~~وهم الأكثر - من كثرة التصريح بالحوالة على القيامة نقص القدرة في هذه ~~الدار، صرح بنفي ذلك بقوله تعالى: { ولو شاء الله } أي الملك الأعلى الذي ~~لا أمر لأحد معه، أن يجعلكم أمة واحدة لا خلاف بينكم في أصول الدين ولا ~~فروعه { لجعلكم أمة واحدة } متفقة على أمر واحد لا تؤم غيره، منفيا عنها ~~أسباب الخلاف { ولكن } لم يشأ ذلك وشاء اختلافكم، فهو { يضل من يشاء } ~~عدلا منه، لأنه تام الملك عام الملك ولو كان الذي أضله على أحسن الحالات ~~{ ويهدي } بفضله { من يشاء } ولو كان على أخس الأحوال، فبذلك يكونون ~~مختلفين في المقاصد، يؤم هذا غير ما يؤمه هذا، فيأتي الخلاف مع تأدية ~~العقل إلى أن الاجتماع خير من الافتراق فالاختلاف مع هذا من قدرته ~~الباهرة. # ولما تقرر بهذا أن الكل فعله وحده فلا فعل لغيره أصلا، كان ربما أوقع ~~في الوهم أنه لا حرج على أحد في شيء يفعله بين أن السؤال يكون عن ~~المباشرة ظاهرا على ما يتعارف الناس في إسناد الفعل إلى من ظهر اكتسابه ~~له، فقال تعالى مرغبا مرهبا مؤكدا لإنكارهم البعث عما ينشأ عنه: { ~~ولتسئلن عما كنتم } أي كونا أنتم مجبولون عليه { تعلمون * } وإن دق، ~~فيجازي كلا منكم على عمله وإن كان غنيا عن السؤال، فهو بكل شيء عليم. # ولما بين أن الكذب وما جر إليه أقبح القبائح، ms2558 وأبعد الأشياء عن المكارم، ~~وكان من أعظم أسباب الخلاف، فكان أمره جديرا بالتأكيد، أعاد الزجر عنه ~~بأبلغ مما مضى بصريح النهي مرهبا مما يترتب على ذلك، فقال معبرا ~~بالافتعال إشارة إلى أن ذلك لا يفعل إلا بعلاج شديد من النفس لأن الفطرة ~~السليمة يشتد نفارها منه: { ولا تتخذوا أيمانكم دخلا } أي فسادا ومكرا ~~وداء وخديعة { بينكم } أي في داخل عقولكم وأجسامكم { فتزل } أي فيكون ذلك ~~سببا لأن تزل { قدم } هي في غاية العظمة بسبب الثبات { بعد ثبوتها } عن ~~مركزها الذي كانت به من دين أو دنيا، فلا يصير لها قرار فتسقط عن ~~مرتبتها، وزلل القدم تقوله العرب لكل ساقط في ورطة بعد سلامة { وتذوقوا ~~السوء } مع تلك الزلزلة { بما صددتم } أي أنفسكم ومنعتم غيركم بأيمانكم ~~التي أردتم بها الإفساد لإخفاء الحق { عن سبيل الله } أي الملك الأعلى، ~~يتجدد لكم هذا الفعل ما دمتم على هذا الوصف { ولكم } مع ذلك { عذاب عظيم ~~} ثابت غير منفك إذا متم على ذلك. # ولما كان هذا خاصا بالأيمان، أتبعه النهي عن الخيانة في عموم العهد ~~تأكيدا بعد تأكيد للدلالة على عظيم النقض فقال تعالى: { ولا تشتروا } أي ~~تكلفوا أنفسكم لجاجا وتركا للنظر في العواقب أن تأخذوا وتستبدلوا { ~~بعهد الله } أي الذي له الكمال كله { ثمنا قليلا } أي من حطام الدنيا ~~وإن كنتم ترونه كثيرا، ثم علل قلته بقوله تعالى: { إنما عند الله } أي ~~الذي له الجلال والإكرام من ثواب الدارين { هو خير لكم } ولا يعدل عن ~~الخير إلى ما دونه إلا لجوج ناقص العقل؛ ثم شرط علم خيريته بكونهم من ذوي ~~العلم فقال تعالى: { إن كنتم } أي بجبلاتكم { تعلمون * } أي ممن يتجدد له ~~علم ولم تكونوا في عداد البهائم، فصار العهد الشامل للأيمان مبدوءا في ~~هذه الآيات بالأمر بالوفاء به ومختوما بالنهي عن نقضه، والأيمان التي هي ~~أخص منه وسط بين الأمر والنهي المتعلقين به، فصار الحث عليها على غاية من ~~التأكيد عظيمة ورتبة من التوثيق جليلة، ثم بين خيريته وكثرته بقوله تعالى ~~على سبيل ms2559 التعليل: { ما عندكم } أي من أعراض الدنيا، وهو الذي تتعاطونه ~~بطباعكم { ينفد } أي يفنى، فصاحبه منغص العيش أشد ما يكون به اغتباطا ~~بانقطاعه أو بتجويز انقطاعه إن كان في عداد من يعلم { وما عند الله } أي ~~الذي له الأمر كله من الثواب { باق } فليؤتينكم منه إن ثبتم على عهده؛ ثم ~~لوح بما في ذلك من المشقة عطفا على هذا المقدر فقال تعالى مؤكدا لأجل ~~تكذيب المكذبين: { ولنجزين } أي الله - على قراءة الجماعة بالياء ونحن - ~~على قراءة ابن كثير وعاصم بالنون التفاتا إلى التكلم للتعظيم { الذين ~~صبروا } على الوفاء بما يرضيه من الأوامر والنواهي { أجرهم } ولما كان ~~كرماء الملوك يوفون الأجور بحسب الأعمال من الأحسن وما دونه، أخبر بأنه ~~يعمد إلى الأحسن فيرفع الكل إليه ويسوي الأدون به فقال: { بأحسن ما كانوا ~~} أي كونا هو جبلة لهم { يعملون * }. # ولما وعد بعد أن توعد، أتبعه ما يبين أن ذلك لا يخص شريفا ولا وضيعا، ~~وإنما هو دائر مع الوصف الذي رمز إليه فيما مضى بالعدل تارة، وبالعهد ~~أخرى، وهو الإيمان، فقال تعالى جوابا لمن كأنه قال: هذا خاص بأحد دون ~~أحد، مرغبا في عموم شرائع الإسلام: { من عمل صالحا } ولما كانت عامة، ~~وكانت ربما خصت الذكور، بين المراد من عمومها بقوله تعالى: { من ذكر أو ~~أنثى } فعم ثم قيد مشيرا بالإفراد إلى قلة الراسخين بقوله تعالى: { وهو ~~مؤمن }. # ولما كان الإنسان كلما علا في درج الإيمان، كان جديرا بالبلاء ~~والامتحان، بين تعالى أن ذلك لا ينافي سعادته، ولذلك أكد قوله: { ~~فلنحيينه } دفعا لما يتوهمه المستدرجون بما يعجل لهم طيباتهم في الحياة ~~الدنيا { حياة طيبة } أي في الدنيا بما نؤتيه من ثبات القدم، وطهارة ~~الشيم { ولنجزينهم } كلهم { أجرهم } في الدنيا والآخرة { بأحسن ما كانوا ~~} أي كونا جبليا { يعملون * } قال العلماء رضي الله عنهم: المطيع في ~~عيشه هنيئة، إن كان موسرا فلا كلام فيه، وإن كان معسرا فبالقناعة ~~والرضى بحكم النفس المطمئنة، والفاجر بالعكس، إن كان معسرا فواضح، وإن ~~كان موسرا فحرصه لا يدعه ms2560 يتهنأ فهو لا يزال في عيشة ضنك. # ولما تقررت هذه الأحكام على هذه الوجوه الجليلة، وأشارت بحسن ألفاظها ~~وشرف سياقها إلى أغراض هي مع جلالتها غامضة دقيقة، فلاح بذلك أن القرآن ~~تبيان لكل شيء في حق من سلم من غوائل الهوى وحبائل الشيطان، وختم ذلك ~~بالحث على العمل الصالح، وكان القرآن تلاوة وتفكرا وعملا بما ضمن أجل ~~الأعمال الصالحة، تسبب عن ذلك الأمر بأنه إذا قرىء هذا القرآن المنزل على ~~مثل تلك الأساليب الفائقة يستعاذ من الشيطان لئلا يحول بوساوسه بين ~~القارىء وبين مثل تلك الأغراض والعمل بها، وحاصله الحث على التدبر وصرف ~~جميع الفكر إلى التفهم والالتجاء إليه تعالى في كل عمل صالح لئلا يفسده ~~الشيطان بوساوسه، أو يحول بين الفهم وبينه، بيانا لقدر الأعمال الصالحة، ~~وحثا على الإخلاص فيها وتشمير الذيل عند قصدها، لا سيما أفعال القلوب ~~التي هي أغلب ما تقدم هنا، فقال تعالى مخاطبا لأشرف خلقه ليفهم غيره من ~~باب الأولى فيكون أبلغ في حثه وأدعى إلى اتباعه: { فإذا قرأت } أي أردت ~~أن تقرأ مثل # وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا # [الأعراف: 4] { القرآن } الذي هو قوام العمل الصالح والداعي إليه والحاث ~~عليه، مع كونه تبيانا لكل شيء، وهو اسم جنس يشمل القليل منه والكثير { ~~فاستعذ } أي إن شئت جهرا وإن شئت سرا؛ قال الإمام الشافعي: والإسرار ~~أولى في الصلاة، وفي قول: يجهر كما يفعل خارج الصلاة. { بالله } أي سل ~~الذي له الكمال كله أن يعيذك { من الشيطان } أي المحترق باللعنة { الرجيم ~~* } أي المطرود عن الرحمة من أن يصدك بوساوسه عن اتباعه، فإنه لا عائق عن ~~الإذعان، لأساليبه الحسان، إلا خذلان الرحمن، بوساوس الشيطان، فقل: أعوذ ~~بالله من الشيطان الرجيم، لأن ذلك أوفق للقرآن، وقد ورد به بعض الأخبار ~~عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه مرفوعا وهو المشهور ونص عليه الإمام ~~الشافعي رضي الله عنه، والصارف لهذا الأمر عن الوجوب أحاديث كثيرة فيها ~~القراءة بدون ذكر تعوذ كحديث البخاري وغيره # " عن أبي سعيد بن المعلى ms2561 رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله ~~وسلم قال له ما منعك أن تجيبني؟ قال: كنت أصلي، قال: ألم يقل الله: { ~~استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم } [ الأنفال: 24] ثم قال: لأعلمنك سورة ~~هي أعظم سورة في القرآن { الحمد لله رب العالمين } " # وفي رواية الموطأ # " أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم نادى أبيا وأنه قال: كيف تقرأ إذا ~~افتتحت الصلاة؟ قال أبي: فقرأت { الحمد لله رب العالمين } حتى أتيت على ~~آخرها " # ومن طالع كتابي " مصاعد النظر للإشراف على مقاصد السور " رأى مثل هذا ~~أحاديث جدا من أحسنها حديث نزول سورة الكوثر، وقيل: التعوذ بعد القراءة ~~لظاهر الآية، وختام القرآن بالمعوذتين موافق لهذا القول بالنسبة إلى ~~الحال، والقول الأول الصحيح بالنسبة إلى ما ندب إليه المرتحل من قراءة ~~الفاتحة وأول البقرة. # ولما كان ذلك ربما هو أوهم تعظيمه، نفى ذلك بقوله جوابا لمن كأنه قال: ~~هل له سلطان؟: { إنه ليس له سلطان } أي بحيث لا يقدر المسلط عليه على ~~الانفكاك عنه { على الذين ءامنوا } بتوفيق ربهم لهم { وعلى ربهم } أي ~~وحده { يتوكلون * } ويجوز أن يكون المعنى أنه لما تقرر في الأذهان أنه لا ~~نجاة من الشيطان، لأنه سلط علينا بأنه يرانا من حيث لا نراه ويجري فينا ~~مجرى الدم، وكانت فائدة الاستعاذة الإعاذة، أشير إلى حصولها بقوله على ~~سبيل التعليل " إنه " أي استعذ بالله يعذك منه، لأنه ليس له سلطان على ~~الذين آمنوا بالله ليردهم كلهم عما يرضي الله، وعلى ربهم وحده يتوكلون، ~~ثم وصل بذلك ما أفهمه من أن له سلطانا على غيرهم فقال تعالى: { إنما ~~سلطانه } أي الذي يتمكن به غاية التمكن بإمكان الله له { على الذين ~~يتولونه } أي تولوه وأصروا على ذلك بتجديد ولايته كل حين { والذين هم } ~~أي بظواهرهم وبواطنهم { به } أي بالشيطان { مشركون * } دائما لأنهم إذا ~~تبعوا وساوسه، وأطاعوا أوامره فقد عبدوه فجعلوه بذلك شريكا، فهم لا ~~يتأملون دقائق القرآن بل ولا يفهمون ظواهره على ما هي عليه لما أعماهم به ~~الشيطان من وساوسه، ms2562 وحبسهم به عن هذه الأساليب من محابسه، فهم لا يزالون ~~يطعنون فيه بقلوب عمية وألسنة بذية؛ ثم عطف على هذا المقدر - الذي دل ~~عليه الكلام - ما أنتجه تسلط الشيطان عليهم فقال تعالى: { وإذا بدلنا } ~~أي بعظمتنا بالنسخ { ءاية } سهلة كالعدة بأربعة أشهر وعشر، وقتال الواحد ~~من المسلمين لاثنين من الكفار، أو شاقة كتحريم الخمر وإيجاب صلوات خمس، ~~فجعلناها { مكان ءاية } شاقة كالعدة بحول، ومصابرة عشرة من الكفار، أو ~~سهلة كالآيات المتضمنة لإباحة الخمر وإيجاب ركعتين أول النهار وركعتين ~~آخره، فكانت الثانية مكان الأولى وبدلا منها، أو يكون المعنى: نسخنا آية ~~صعبة فجعلنا مكانها آية سهلة؛ والتبديل: رفع الشيء مع وضع غيره مكانه { ~~والله } أي الذي له الإحاطة الشاملة { أعلم بما ينزل } من المصالح بحسب ~~الأوقات والأحوال بنسخ أو بغيره { قالوا } أي الكفار { إنما أنت } أي يا ~~محمد! { مفتر } أي فإنك تأمر اليوم بشيء وغدا تنهى عنه وتأمر بضده، وليس ~~الأمر كما قالوا { بل أكثرهم } وهم الذين يستمرون على الكفر { لا يعلمون ~~* } أي لا يتجدد لهم علم، بل هم في عداد البهائم، لعدم انتفاعهم بما ~~وهبهم الله من العقول، لانهماكهم في اتباع الشيطان، حتى زلت أقدامهم في ~~هذا الأمر الواضح بعد إقامة البرهان بالإعجاز على أن كل ما كان معجزا ~~كان من عند الله، سواء كان ناسخا أو منسوخا أو لا، فصارت معرفة أن هذا ~~القرآن وهذا غير قرآن بعرضه على هذا البرهان من أوضح الأمور وأسهلها ~~تناولا لمن أراد ذلك منهم أو من غيرهم من فرسان البلاغة فكأنه قيل: فما ~~أقول؟ فقال: { قل } لمن واجهك بذلك منهم: { نزله } أي القرآن بحسب ~~التدريج لأجل اتباع المصالح لإحاطة علم المتكلم به { روح القدس } الذي هو ~~روح كله، ليس فيه داع إلى هوى، فكيف يتوهم فيما ينزله افتراء لا سيما مع ~~إضافته الطهر البالغ، فهو ينزله { من ربك } أيها المخاطب الذي أحسن إليك ~~بإنزاله ثم بتبديله بحسب المصالح كما أحسن تربيتك بالنقل من حال إلى حال ~~لا يصلح في واحدة منها ما يصلح ms2563 في غيرها من الظهر إلى البطن، ثم من ~~الرضاع إلى الفطام، فما بعده، فكيف تنكر تبديل الأحكام للمصالح ولا تنكر ~~تبديل الأحوال لذلك، حال كون ذلك الإنزال { بالحق } أي الأمر الثابت الذي ~~جل عن دعوى الافتراء بأنه لا يستطاع نقضه { ليثبت } أي تثبيتا عظيما { ~~الذين آمنوا } في دينهم بما يرون من إعجاز البدل والمبدل مع تضاد ~~الأحكام، وما فيه من الحكم والمصالح بحسب تلك الأحوال - مع ما كان في ~~المنسوخ من مثل ذلك بحسب الأحوال السالفة - وليتمرنوا على حسن الانقياد، ~~ويعلم بسرعة انقيادهم في ترك الألف تمام استسلامهم وخلوصهم عن شوائب ~~الهوى؛ ثم عطف على محل { ليثبت } قوله: { وهدى } أي بيانا واضحا { ~~وبشرى } أي بما فيه من تجدد العهد بالملك الأعلى وتردد الرسول بينه ~~وبينهم بوساطة نبيهم صلى الله عليه وعلى آله وسلم { للمسلمين * } ~~المنقادين المبرئين من الكبر الطامس للأفهام، المعمي للأحلام، ولولا مثل ~~هذه الفوائد لفاتت حكمة تنجيمه. ### || [16.103-107] # ولما نقض شبهتهم هذه إشارة وعبارة بما فضحهم، نقض لهم شبهة أخرى بأوضح ~~من ذلك وأفضح فقال تعالى: { ولقد نعلم } أي علما مستمرا { أنهم يقولون ~~} أي أيضا قولا متكررا لا يزالون يلهجون به { إنما يعلمه بشر } وهم ~~يعلمون أن ذلك سفساف من القول؛ ثم استأنف الرد عليهم فقال تعالى: { لسان ~~} أي لغة وكلام { الذين يلحدون } أي يميلون أو يشيرون { إليه } بإن علمه ~~إياه، مائلين عن القصد جائرين عادلين عن الحق ظالمين { أعجمي } أي غير ~~لغة العرب، وهو مع ذلك ألكن في النادية غير بين، وهو غلام كان نصرانيا ~~لبعض قريش اختلف في اسمه، وهذا التركيب وضع في لسان العرب للإبهام ~~والإخفاء، ومنه عجم الزبيب - لاستتاره، والعجماء: البهيمة - لأنها لا ~~تقدر على أيضاح ما في نفسها، وأما أعجمت الكتاب فهو للإزالة. { وهذا } أي ~~القرآن { لسان عربي مبين * } أي هو من شدة بيانه مظهر لغيره أنه ذو بيان ~~عظيم، فلو أن المعلم عربي للزمهم أن لا يعجزوا عن الإتيان بمثل ما علم، ~~فكيف وهو أعجمي. # فلما بانت بهذا فضيحتهم، كان كأنه قيل: ms2564 إن من العجب إقدامهم على مثل هذا ~~العار وهم يدعون النزاهة؟ فأجاب بقوله تعالى: { إن الذين لا يؤمنون } أي ~~يصدقون كل تصديق معترفين { بآيات الله } أي الذي له العظمة كلها { لا ~~يهديهم الله } أي الملك الأعلى الذي له الغنى المطلق، بل يضلهم عن القصد، ~~فلذلك يأتون بمثل هذه الخرافات فأبشر لمن بالغ في العناد، بسد باب الفهم ~~والسداد. # ولما كان ربما توهم أنه لكونه هو المضل لا يتوجه اللوم عليهم نفى ذلك ~~بقوله: { ولهم عذاب أليم * } أي بذلك، لمباشرتهم له مع حجب المراد عنهم ~~وخلق القدرة لهم، إجراء على عوائد بعض الخلق مع بعض. # ولما زيف شبههم، أثبت لهم ما قذفوه به وهو بريء منه مقصورا عليهم، فقال ~~تعالى: { إنما يفتري } أي يتعمد { الكذب الذين لا يؤمنون } أي لا يتجدد ~~منهم الإيمان { بآيات الله } أي الذي له الكمال كله، فإن ردهم لما قام ~~الدليل على أنه حق وعجزوا عنه تعمد منهم للكذب؛ ثم قصر الكذب عليهم فقال: ~~{ وأولئك } أي البعداء البغضاء { هم } أي خاصة { الكاذبون * } أي ~~العريقون في الكذب ظاهرا وباطنا. # ولما ذكر الذين لا يؤمنون مطلقا، أتبعهم صنفا منهم هم أشدهم كفرا ~~فقال تعالى: { من } أي أي مخلوق وقع له أنه { كفر بالله } أي الذي له ~~صفات الكمال، بأن قال أو عمل ما يدل على الكفر، ولما كان الكفر كله ضارا ~~وإن قصر زمنه، أثبت الجار فقال تعالى: { ومن بعد إيمانه } بالفعل أو ~~بالقوة، لما قام على الإيمان من الأدلة التي أوصلته إلى حد لا يلبس فصار ~~استكباره عن الإيمان ارتدادا عنه وجوب الشرط دل ما قبله وما بعده على ~~أنه: فهو الكاذب، أو فعليه غضب من الله { إلا من أكره } أي وقع إكراهه ~~على قول كلمة الكفر { وقلبه } أي والحال أن قلبه { مطمئن بالإيمان } فلا ~~شيء عليه، وأجمعوا - مع إباحة ذلك له - أنه لا يجب عليه التكلم بالكفر، ~~بل إن ثبت كان ذلك أرفع درجة، والآية # " نزلت في عمار بن ياسر رضي الله عنه أكرهوه فتابعهم وهو كاره، ms2565 فأخبر ~~النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأنه كفر، فقال النبي صلى الله عليه ~~وعلى آله وسلم:كلا! إن عمارا ملىء إيمانا من قرنه إلى قدمه واختلط ~~الإيمان بلحمه ودمه، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبكي، فجعل ~~رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يمسح عينيه ويقول: إن عادوا فعد ~~لهم بمثل ما قلت " # { ولكن من شرح } أي فتح فتحا صار يرشح به { بالكفر صدرا } أي منه أو ~~من غيره بالتسبب فيه لأن حقيقة الإيمان والكفر يتعلق بالقلب دون اللسان، ~~وإنما اللسان معبر وترجمان معرف بما في القلب لتوقع الأحكام الظاهرة { ~~فعليهم } لرضاهم به { غضب } أي غضب؛ ثم بين جهة عظمه بكونه { من الله } ~~أي الملك الأعظم { ولهم } أي بظواهرهم وبواطنهم { عذاب عظيم * } ~~لارتدادهم على أعقابهم. # ولما كان من يرجع إلى الظلمات بعد خروجه منها إلى النور جديرا بالتعجب ~~منه، كان كأنه قيل: لم يفعلون، أو لم يفعل بهم ذلك؟ فقال تعالى: { ذلك } ~~الارتداد أو الوعيد العظيم { بأنهم } أي بسبب أنهم { استحبوا } أي أحبوا ~~حبا عظيما { الحياة الدنيا } أي الدنيئة الحاضرة الفانية، فآثروها { ~~على الآخرة } الباقية الفاخرة لأنهم رأوا ما فيه المؤمن من الضيق والكافر ~~من السعة { و } بسبب { أن الله } أي الملك الذي له الغنى الأكبر { لا ~~يهدي القوم الكافرين * } الذين علم استمرارهم عليه، بل يخذلهم ويسلط ~~الشيطان عليهم يحتالهم عن دينهم. ### || [16.108-110] # ولما كان استمرارهم على الكفر أعجب من ارتدادهم، أتبعه سببه فقال تعالى: ~~{ أولئك } أي البعداء البغضاء { الذين طبع } أي ختم ختما هو كفيل بالعطب ~~{ الله } أي الملك الذي لا أمر لأحد معه { على قلوبهم } ولما كان التفاوت ~~في السمع نادرا، وحده فقال تعالى: { وسمعهم وأبصارهم } فصاروا - لعدم ~~انتفاعهم بهذه المشاعر - كأنهم لا يفهمون ولا يسمعون ولا يبصرون { وأولئك ~~} أي الأباعد من كل خير { هم الغافلون * } أي الكاملو الغفلة؛ ثم أتبع ~~ذلك جزاءهم عليه فقال تعالى: { لا جرم } أي لا شك { أنهم في الآخرة هم } ~~أي خاصة { الخاسرون * } أي أكمل خسارة لأنهم خسروا ms2566 رأس المال وهو نفوسهم، ~~فلم يكن لهم مرجع يرجعون إليه. # ولما قدم الفاتن والمفتون، أتبع ذلك ذكر حكمهما على القراءتين فقال ~~تعالى: بحرف التراخي إشارة إلى تقاصر رتبتهما عن رتبة من لم يفعل ذلك: { ~~ثم إن ربك } أي المحسن إليك بالعفو عن أمتك وتخفيف الآصار عنهم في قبول ~~توبة من ارتد بلسانه أو قلبه { للذين هاجروا } أهل الكفر بالنزوح من ~~بلادهم توبة إلى الله تعالى مما كانوا فيه. # ولما كان سبحانه يقبل اليسير من العمل في أي وقت كان، أشار إلى ذلك ~~بالجار فقال تعالى مبينا أن الفتنة بالأذى - وإن كان بالغا - غير قادحة ~~في الهجرة وما تبعها، فيفيد ذلك في الهجرة بدونها من باب الأولى { من بعد ~~ما فتنوا } بالبناء للمجهول - على قراءة الجماعة، لأن المضر هو الفتنة ~~مطلقا، وللفاعل على قراءة ابن عامر، أي ظلموا بأن فتنوا من آمن بالله ~~حين كانوا كفارا، أو أعطوا الفتنة من أنفسهم ففتنوها بأن أطاعوا في كلمة ~~الكفر، أو في الرجوع مع من ردهم إلى بلاد الكفر بعد الهجرة من بعد ~~إيمانهم { ثم جاهدوا } أي أوقعوا جهاد الكفار مع النبي صلى الله عليه ~~وعلى آله وسلم توبة إلى الله تعالى { وصبروا } على ذلك إلى أن ماتوا عليه ~~{ إن ربك } أي المحسن إليك بتسخير من هذه صفاتهم لك. # ولما كان له سبحانه أن يغفر الذنوب كلها ما عدا الشرك، وأن يعذب عليها ~~كلها وعلى بعضها، وأن يقبل الصالح كله، وأن يرد بعضه، أشار إلى ذلك ~~بالجار فقال تعالى: { من بعدها } أي هذه الأفعال الصالحة الواقعة بعد تلك ~~الفاسدة وهي الفتنة { لغفور } أي بليغ المحو للذنوب { رحيم * } أي بليغ ~~الإكرام فهو يغفر لهم ويرحمهم. ### || [16.111-113] # ولما تقدم كثير من التحذير والتبشير، وتقدم أنه لا يؤذن للذين كفروا ولا ~~هم يستعتبون، وختم ذلك بانحصار الخسار في الكفار، بين اليوم الذي تظهر ~~فيه تلك الآثار، ووصفه بغير الوصف المقدم باعتبار المواقف، فقال تعالى ~~مبدلا من { يوم نبعث من كل أمة شهيدا } { يوم تأتي } أي فيه { كل ms2567 نفس ~~} أي إنسان وإن عظم جرمها { تجادل } أي تعتذر، وعبر بالمجادلة إفهاما ~~للذفع بأقصى ما تقدر عليه، وأظهر في قوله: { عن نفسها } أي ذاتها بمفردها ~~لا يهمها غير ذلك لما يوهم الإضمار من أن كل أحد يجادل عن جميع الأنفس. ~~ولما كان مطلق الجزاء مخوفا مقلقا، بني للمفعول قوله: { وتوفى كل نفس ~~} صالحة وغير صالحة { ما عملت } أي جزاء من جنسه { وهم } ولما كان ~~المرهوب مطلق الظلم، وكان البناء للمفعول أبلغ جزاء في نفيه قال تعالى: { ~~لا يظلمون * } أي لا يتجدد عليهم ظلم لا ظاهرا ولا باطنا، ليعلم بإبدال ~~" يوم " من ذلك المتقدم أن الخسارة بإقامة الحق عليهم لا بمجرد إسكاتهم. # ولما عقب سبحانه ما ضرب سابقا من الأمثال بقوله تعالى { ورزقكم من ~~الطيبات } وتلاه بذكر الساعة بقوله تعالى: { وما أمر الساعة } إلى آخره، ~~واستمر فيما مضت مناسباته آخذا بعضه بحجز بعض حتى ختم بالساعة وآمن من ~~الظلم فيها، وبين أن الأعمال هناك هي مناط الجزاء، عطف على ما مضى - من ~~الأمثال المفروضة المقدرة المرغبة - مثلا محسوسا موجودا، مبينا أن ~~الأعمال في هذه الدار أيضا مناط الجزاء، مرهبا من المعاجلة فيها بسوط ~~من العذاب فقال تعالى: { وضرب الله } أي الملك المحيط بكل شيء قدرة ~~وعلما لكم أيها المعاندون! { مثلا قرية } من قرى الماضين التي تعرفونها ~~كقرية هود أو صالح أو لوط أو شعيب عليهم السلام كان حالها كحالهم، وعن ~~ابن عباس رضي الله عنهما أنها مكة { كانت ءامنة } أي ذات أمن يأمن به ~~أهلها في زمن الخوف { مطمئنة } أي تارة بأهلها، لا يحتاجون فيها إلى نجعة ~~وانتقال بسبب زيادة الأمن بكثرة العدد وقوة المدد، وكف الله الناس عنها، ~~ووجود ما يحتاج إليه أهلها { يأتيها } أي على سبيل التجدد والاستمرار { ~~رزقها رغدا } أي واسعا طيبا { من كل مكان } برا وبحرا بتيسير الله ~~تعالى لهم ذلك. # ولما كانت السعة تجر إلى البطر غالبا، نبه تعالى لهم ذلك بالفاء فقال ~~تعالى: { فكفرت } ونبه سبحانه على سعة فضله بجمع القلة الدال على أن كثرة ms2568 ~~فضلة عليهم تافهة بالنسبة إلى ما عنده سبحانه وتعالى فقال: { بأنعم الله ~~} أي الذي له الكمال كله كما كفرتم { فأذاقها الله } أي المحيط بكل شيئ ~~قدرة وعلما { لباس الجوع } بعد رغد العيش { والخوف } بعد الأمن ~~والطمأنينة حتى صار لهم ذلك بشموله لهم لباسا، وبشدة عركهم ذواقا، فكأن ~~النظر إلى المستعار له، وهو هنا أبلغ لدلالته على الإحاطة والذوق، ولو ~~نظر إلى المستعار لقال: فكساها، فكان يفوت الذوق، وذلك كما نظر إليه ~~كثير في قوله: # غمر الرداء إذا تبسم ضاحكا # غلقت لضحكته رقاب المال # استعار الرداء للمعروف لأنه يصون صون الرداء لما يلقى عليه، ووصفه ~~بالغمر الذي هو وصف المعروف والنوال، لا وصف الرداء الذي هو المستعار، ~~ولو نظر إليه لوصفه بالسعة أو الطول مثلا كما نظر إليه من قال ذاكرا ~~السيف الذي يصون به الإنسان نفسه: # ينازعني ردائي عبد عمرو # رويدك يا أخا بكر بن عمرو # لي الشطر الذي ملكت يميني # ودونك فاعتجر منه بشطر # فنظر إلى المستعار وهو الرداء في لفظ الاعتجار، فبانت فضيحة ابن ~~الراوندي في زندقته إذ قال لابن الأعرابي: هل يذاق اللباس؟ فقال له: لا ~~بأس يا أيها النسناس! هب أن محمدا ما كان نبيا، أما كان عربيا؟ { بما ~~كانوا } أي بجبلاتهم { يصنعون * } من الكفر والكبر، قد مرنوا عليه بكثرة ~~المداومة مرون الإنسان على صنعته. # ولما كان تعالى لا يعذب حتى يبعث رسولا، حقق ذلك بقوله تعالى: { ولقد ~~جاءهم } أي أهل هذه القرية { رسول منهم } كما وقع لكم { فكذبوه } كما ~~فعلتم { فأخذهم العذاب } كما سمعتم، وإن كان المراد بها مكة فالمراد به ~~الجوع الذي دعا عليهم به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما قال # " اللهم أعني بسبع كسبع يوسف " # وأما الخوف فما كان من جهاد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لهم { ~~وهم ظالمون * } أي عريقون في وضع الأشياء في غير مواضعها، لأنهم استمروا ~~على كفرهم مع الجوع، وسألوا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في ~~الإغاثة فدعا لهم. ### || [16.114-115] # ولما تقرر ms2569 بما مضى من أدلة التوحيد، فثبت ثباتا لا يتطرق إليه شك أن ~~الله هو الإله وحده كما أنه هو الرازق وحده، ونبههم على دقائق في تقديره ~~للأرزاق تدل على عظمته وشمول علمه وقدرته واختياره، فثبت أنهم ظالمون ~~فيما جعلوا للأصنام من رزقه، وأنه ليس لأحد أن يتحرك إلا بأمره سبحانه، ~~وختم ذلك بهذا المثل المحذر من كفران النعم، عقبه بقوله تعالى صادا لهم ~~عن أفعال الجاهلية: { فكلوا } أي فتسبب عن جميع ما مضى أن يقال لهم: كلوا ~~{ مما رزقكم الله } أي الذي له الجلال والجمال مما عده لكم في هذه السورة ~~وغيرها، حال كونه { حلالا طيبا } أي لا شبهة فيه ولا مانع بوجه { ~~واشكروا نعمت الله } أي الذي له صفات الكمال حذرا من أن يحل بكم ما أحل ~~بالقرية الممثل بها { إن كنتم إياه } أي وحده { تعبدون * } كما اقتضته ~~هذه الأدلة، لأن وحده هو الذي يرزقكم وإلا عاجلكم بالعقوبة لأنه ليس بعد ~~العناد عن البيان إلا الانتقام، فصار الكلام في الرزق والتقريع على عدم ~~الشكر مكتنفا الأمثال قبل وبعد. # ولما كان الإذن إنما هو في بعض الرزق في الحال المذكور فاحتيج إلى ~~معرفته، وكانت المباحات أكثر من المحظورات، حصر القليل ليعلم منه الكثير، ~~لأن كل ضدين معروفين إجمالا عين أحدهما، عرف من تعيينه الآخر، فقال ~~تعالى: { إنما حرم } أي الله الذي لا أمر لأحد معه { عليكم الميتة } التي ~~بينت على لسان الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنها ميتة وإن ذكيت { ~~والدم ولحم الخنزير } خصه بالذكر بعد دخوله في الميتة لاتخاذ النصارى ~~أكله كالدين { وما أهل } أي بأي إهلال كان من أي مهل كان. ولما كان ~~مقصود السورة لبيان الكمال، كان تقديم غيره لتقبيح حال المعتنى به أولى ~~فقال تعالى: { لغير الله } أي الملك الأعظم الذي لا ملك سواه { به }. # ولما كان الإنسان قد يضطر إلى أكل كل ما يمكن أكله، بين لهم أنه رفق ~~بهم فأباح لهم سد الرمق من الحرام فقال تعالى: { فمن اضطر } أي كيفما وقع ms2570 ~~له الاضطرار { غير باغ } على مضطر آخر { ولا عاد } سد الرمق. # ولما كان الإذن في الأكل من هذه الأشياء حال الضرورة إنما هو رخصة، ~~وكانت الشهوة داعية إلى ما فوق المأذون فيه قال تعالى: { فإن الله } أي ~~المختص بصفات الكمال، بسبب تناوله منها على ما حده { غفور رحيم * } فمن ~~زاد على ما أذن له فيه فهو جدير بالانتقام. ### || [16.116-119] # ولما تبين بهذه الآية - كما مضى تقريره في الأنعام - جميع المحرم أكله ~~من الحيوانات، فعلم بذلك جهلهم فيما حرموه على أنفسهم لأجل أصنامهم، صرح ~~بالنهي عنه إبلاغا في تأكيد ذلك الحصر فقال تعالى: { ولا تقولوا } أي ~~بوجه من الوجوه في وقت ما. # ولما كان تحليلهم وتحريمهم قولا فارغا ليس له حقيقة أصلا، لأنه لا ~~دليل عليه، عبر عنه بأنه وصف باللسان لا يستحق أن يدخل إلى القلب فقال ~~تعالى: { لما تصف } أي لأجل الذي تصفه { ألسنتكم } أي من الأنعام والحروث ~~والزروع. ولما حرك النفس إلى معرفة ما يقال لأجل ذلك، بين مقول ذلك القول ~~فقال تعالى: { الكذب } أي القول الذي هو عين الكذب. # ولما اشتد التشوف إلى تعيين ذلك المقول، أبدل منه فقال تعالى: { هذا ~~حلال وهذا حرام } ويجوز أن يكون { الكذب } مفعول { تصف } فتكون { ما } ~~مصدرية، أي لوصفها إياه، فكأن حقيقة الكذب كانت مجهولة فلم تعرف إلا بوصف ~~ألسنتهم لها، فهو مبالغة في وصف كلامهم بالكذب، وما بعده مقول القول. # ولما كانوا - كما تقدم يدعون أنهم أعقل الناس، فكان اللائق بهم إرخاء ~~للعنان النسبة إلى معرفة اللوازم عند الإقدام على الملزومات، قال تعالى: ~~{ لتفتروا على الله } أي الملك الأعلى { الكذب } لأن من قال على أحد ما ~~لم يأذن فيه كان قوله كذبا، وكان كذبه لقصد افتراء الكذب، وإلا لكان في ~~غاية الجهل، فدار أمرهم في مثل هذا بين الغباوة المفرطة أو قصد ما لا ~~يقصده عاقل، وهذا باب من التهكم عجيب، فكأنه قيل: فما يستحقون على ذلك؟ ~~فأجاب بقوله تعالى: { إن الذين يفترون } أي يقتطعون عمدا { على الله } ~~أي الذي ms2571 له الأمر كله { الكذب } منكم ومن غيركم { لا يفلحون * }. # ولما كان الفلاح عندهم هو العيش الواسع في هذه الدنيا، أجاب من كأنه ~~قال: فإنا ننظرهم بنعمة ورفاهة؟ فقال تعالى: { متاع قليل } أي ما هم فيه ~~لفنائه وإن امتد ألف عام { ولهم } بعده { عذاب أليم * } ومن ألمه العظيم ~~دوامه فأي متاع هذا. # ولما بين لهم نعمته بتوسعته عليهم بما ضيقوا به على أنفسهم، بين لهم ~~نعمة أخرى بتمييزهم على بني إسرائيل فقال تعالى: { وعلى الذين هادوا } أي ~~اليهود { حرمنا } أي بعظمتنا عقوبة لهم بعدوانهم وكذبهم على ربهم { ما ~~قصصنا } أي بما لنا من العظمة التي كان المقصوص بها معجزا { عليك }. # ولما لم يكن قص ذلك عليه صلى الله عليه وعلى آله وسلم مستغرقا زمان ~~القبل، أدخل الجار فقال: { من قبل } أي في الأنعام { وما ظلمناهم } أي ~~الذين وقع منهم الهود بتحريمنا عليهم ما حرمنا { ولكن كانوا } أي دائما ~~طبعا لهم وخلقا مستمرا { أنفسهم } أي خاصة { يظلمون * } أي بالبغي ~~والكفر، فضيقنا عليهم معاملة بالعدل، وعاملناكم أنتم حيث ظلمتم بالفضل، ~~فاشكروا النعمة واحذروا غوائل النقمة. # ولما بين هذه النعمة الدنيوية عطف عليها نعمة هي أكبر منها جدا، ~~استجلابا لكل ظالم، وبين عظمتها بحرف التراخي فقال تعالى: { ثم إن ربك } ~~أي المحسن إليك { للذين عملوا السوء } وهو كل ما من شأنه أن يسوء، وهو ما ~~لا ينبغي فعله { بجهالة } كما عملتم وإن عظم فعلهم وتفاحش جهلهم { ثم ~~تابوا }. # ولما كان سبحانه يقبل اليسير من العمل، أدخل الجار فقال تعالى: { من بعد ~~ذلك } أي الذنب ول كان عظيما، فاقتصروا على ما أذن فيه خالقهم { وأصلحوا ~~} بالاستمرار على ذلك { إن ربك } أي المحسن إليك بتسهيل دينك وتيسيره. ~~ولما كان إنما يغفر بعد التوبة ما عدا الشرك الواقع بعدها، أدخل الجار ~~فقال تعالى: { من بعدها } أي التوبة وما تقدمها من أعمال السوء { لغفور } ~~أي بليغ الستر لما عملوا من السوء { رحيم * } أي محسن بالإكرام فضلا ~~ونعمة. ### || [16.120-124] # ولما دعاهم إلى مكارم الأخلاق ونهاهم عن مساوئها بقبوله لمن ms2572 أقبل إليه ~~وإن عظم جرمه، إجابة لدعوة أبيهم إبراهيم عليه السلام في قوله # فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم # [إبراهيم: 36] أتبع ذلك ذكره ترغيبا في اتباعه في التوحيد والميل مع ~~الأمر والنهي إقداما وإحجاما إن كانوا ممن يتبع الحق أو يقلد الآباء، ~~فقال على سبيل التعليل لما قبله: { إن إبراهيم } أي أباكم الأعظم إمام ~~الموحدين { كان أمة } فيه من المنافع الدنيوية والأخروية ما يوجب أن يؤمه ~~ويقصده كل أحد يمكن انتفاعه به { قانتا } أي مخلصا { لله } أي الملك ~~الذي له الأمر كله ليس فيه شيء من الهوى { حنيفا } ميالا مع الأمر ~~والنهي بنسخ أو بغيره، فكونوا حنفاء أتباعا للحق، لما قام عليه من ~~الأدلة، واستنانا بأعظم آبائكم. # ولما كان السياق لإثبات الكمال لإبراهيم عليه السلام، وكانت الأوصاف ~~الثبوتية قريبة المأخذ سريعة الوصول إلى الفهم، وأتى بعدها وصف سلبي ~~بجملة، حذف نون { يكن } منها إيجازا وتقريبا للفهم تخفيفا عليه وحفظا ~~له من أن يذهب قبل تمامها إلى غير المراد، وإعلاما بأن الفعل منفي عنه ~~عليه السلام على أبلغ وجوه النفي لا ينسب إليه شيء منه ولو قل، فقيل: { ~~ولم يك } ولما كانوا مشركين هم وكثير من أسلافهم، قبح عليهم ذلك بأن أعظم ~~من يعتقدون عظمته من آبائهم ليس من ذلك القبيل، فقال تعالى: { من ~~المشركين * } الواقفين مع الهوى، فلا تكونوا منهم؛ ثم بين حاله فقال: { ~~شاكرا } ولما كان لله على من جعله أمة من النعم ما لا يحصى، بين أن ذلك ~~كله قليل في جنب فضله، فقال مشيرا إلى ذلك بجمع القلة وإلى أن الشاكر ~~على القليل يشكر إذا أتاه الكثير من باب الأولى: { لأنعمه } فهو لا يزال ~~يزيده من فضله، فتقبل دعاءه لكم فاشكروا الله اقتداء به ليزيدكم، فكأنه ~~قيل: فما أثابه على ذلك؟ أو علل ما قبل، فقال تعالى: { اجتباه } أي ~~اختاره اختيارا تاما { وهداه } أي بالبيان الأعظم والتوفيق الأكمل { ~~إلى صراط مستقيم * } وهو الحنيفية السمحة، فكان ممن يأمر بالعدل وهو على ~~صراط مستقيم، وكان مخالفا ms2573 للأبكم الموصوف في المثل السابق؛ ثم قال: { ~~وءاتيناه } أي بما لنا من العظمة { في الدنيا } بلسان الصدق والثناء ~~الجميل الذي ذللنا له ألسنة الخلق { حسنة } ونبه بالتعبير عن المعطي بنون ~~العظمة على جلالته حيث جعله إماما معظما لجميع أهل الملل، فجمع القلوب ~~على محبته، وجعل له فيهم لسان صدق، ورزقه في أولاده من النبوة والصلاح ~~والملك والكثرة ما هو مشهور. # ولما كانت عظمة الدنيا لا تعتبر إلا مقرونة بنعمة الآخرة، قال تعالى: { ~~وإنه في الآخرة } وقال تعالى -: { لمن الصالحين * } أي له ما لهم من ~~الثواب العظيم - معبرا ب " من " تعظيما لمقام الصلاح وترغيبا فيه. # ولما قرر من عظمته في الدنيا والآخرة ما هو داع إلى اتباعه، صرح بالأمر ~~به تنبيها على زيادة عظمته بأمر متباعد في الرتبة على سائر النعوت التي ~~أثنى عليه بها، وذلك كونه صار مقتدي لأفضل ولد آدم، مشيرا إلى ذلك بحرف ~~التراخي الدال على علو رتبته بعلو رتبة من أمر باتباعه فيما مهده مما أمر ~~به من التوحيد والطريق الواضح السهل فقال سبحانه: { ثم أوحينا } أي ثم ~~زدناه تعظيما وجلالة بأن أوحينا { إليك } وأنت أشرف الخلق، وفسر الإيحاء ~~بقوله عز وجل ترغيبا في تلقي هذا الوحي أحسن التلقي باقتفاء الأب ~~الأعظم: { أن اتبع } أي بغاية جهدك ونهاية همتك. # ولما كان المراد أصل الدين وحسن الاقتضاء فيه بسهولة الانقياد والانسلاخ ~~من كل باطل، والدعوة بالرفق مع الصبر، وتكرير الإيراد للدلائل وكل ما ~~يدعوا إليه العقل الصرف والفطرة السليمة، عبر بالملة فقال تعالى: { ملة ~~إبراهيم } ولا بعد في أن يفهم ذلك الهجرة أيضا. # ولما كانت الحنيفية أشرف أخلاق إبراهيم عليه السلام، فكانت مقصودة ~~بالذات، صرح بها فقال تعالى: { حنيفا } أي الحال كونك أو كونه شديد ~~الانجذاب مع الدليل الحق؛ ورغب العرب في التوحيد ونفرهم من الشرك بقوله ~~تعالى: { وما كان } أي بوجه من الوجوه { من المشركين * } ولما دعا سبحانه ~~فيها إلى معالي الشيم وعدم الاعتراض، وختم بالأمر بالملة الحنيفية التي ~~هي سهولة الانقياد للدليل، وعدم الكون مع الجامدين، ms2574 اقتداء بالأب الأعظم، ~~وكان الخلاف والعسر مخالفا لملته، فكان لا يجر إلى خير، وكان من المعلوم ~~أن كل حكم حدث بعده ليس من ملته، وكان اليهود يزعمون جهلا أنه كان على ~~دينهم، وكان السبت من أعظم شعائرهم، أنتج ذلك قوله تعالى جوابا لمن قد ~~يدعي من اليهود أنه كان على دينهم، وتحذيرا من العقوبة على الاختلاف في ~~الحق بالتشديد في الأمر. { إنما جعل } أي بجعل من لا أمر لغيره { السبت } ~~أي تحريمه واحترامه أو وباله { على الذين اختلفوا فيه } حين أمرهم نبيهم ~~بالجمعة فقبل ذلك بعضهم وأراد السبت آخرون، فبدلوا بالجمعة السبت. وشدد ~~عليهم في أمره انتقاما منهم بما تفهمه التعدية ب " على " فكان ذلك ~~وبالا عليهم، وفي ذلك تذكير بنعمة التيسير علينا؛ قال البغوي؛ قال ~~الكلبي: أمرهم موسى عليه السلام بالجمعة فقال: تفرغوا لله في كل سبعة ~~أيام يوما، فاعبدوه يوم الجمعة، ولا تعملوا فيه عملا لصنعتكم، وستة ~~أيام لصناعتكم، فأبوا إلا شرذمة منهم وقالوا: لا نريد إلا اليوم الذي فرغ ~~الله فيه من الخلق يوم السبت، فجعل ذلك اليوم عليهم وشدد عليهم فيه، ثم ~~جاءهم عيسى عليه السلام بيوم الجمعة فقالوا: لا نريد أن يكون عيدهم بعد ~~عيدنا، فأخذوا الأحد، فأعطى الله الجمعة هذه الأمة فقبلوها وبورك لهم ~~فيها. # وقال عبد الرزاق في تفسيره: أخبرني معمر أخبرني من سمع مجاهدا يقول في ~~قوله تعالى { إنما جعل السبت } فقال: ردوا الجمعة وأخذوا السبت مكانه. ~~وروى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله ~~وسلم قال: # " نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا ~~وأوتيناه من بعدهم، فهذا يومهم الذي فرض الله عليهم فاختلفوا فيه فهدانا ~~الله له. فهم لنا فيه تبع، فاليهود غدا والنصارى بعد غد ". # ولما كان الإشراك واضحا في أمر النصارى، استغنى بنفيه عنه عن التصريح ~~بأنه ليس على دينهم؛ ثم حذر من الاختلاف مثبتا أمر البعث فقال تعالى: { ~~وإن ربك } أي المحسن إليك بطواعية أصحابك لك { ليحكم ms2575 بينهم } أي هؤلاء ~~المختلفين { فيه يختلفون * } من قبول الجمعة وردها، ومن الإذعان لتحريم ~~الصيد وإبائه وغير ذلك، فيجازى كل فريق منهم بما يستحقه. ### || [16.125-128] # ولما قدم سبحانه في هذه السورة حكاية كثير من استهزائهم بوعده ووعيده، ~~وتكذيبهم لرسله على أبشع وجه، والتفتير عن حرقة الحرص عليهم، المفضي إلى ~~شدة التأسف على ضلالهم وغير ذلك مما ربما أيأس منهم فأقعد عن دعائهم، ~~وأتبعه ضرب الأمثال، ونصب الجدال - على تلك المناهيج المعجزة بما يسبق من ~~ظواهرها إلى الفهم عند قرع السمع من المعاني الجليلة، والمقاصد الجميلة - ~~لعامة الخلق ما يجل عن الوصف، وإذا تأملها الخواص وجدوا فيها من دقائق ~~الحقائق، ومشارع الرقائق، ومحكم الدلائل، ومتقن المقاصد والوسائل، ما ~~يوضح - بتفاوت الأفهام وتباين الأفكار - أنه بحر لا ساحل له ولا قرار، ~~ولا منتهى لما تستخرج منه الأنظار، وختم باتباع الأب الأعظم، لما كان ~~ذلك، وأمر سبحانه نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو السميع المطيع أن ~~يستن بآثاره، ويقتدي بإضماره وإظهاره، فسر له تلك الملة التي أمره ~~باتباعها فقال تعالى: { ادع } أي كل من تمكن دعوته { إلى سبيل ربك } أي ~~المحسن إليك، بتسهيل السبيل الذي تدعو إليه واتساعه، وهو الإسلام الذي هو ~~الملة الحنيفية { بالحكمة } وهي المعرفة بمراتب الأفعال في الحسن والقبح ~~والصلاح والفساد، وقيل لها حكمة لأنها بمنزلة المانع من الفساد وما لا ~~ينبغي أن يختار، فالحكيم هو العالم بما يمنع من الفساد - قاله الرماني، ~~وهي في الحقيقة الحق الصريح، فمن كان أهلا له دعا به { والموعظة } بضرب ~~الأمثال والوعد والوعيد مع خلط الرغبة بالرهبة والإنذار بالبشارة { ~~الحسنة } أي التي يسهل على كل فهم ظاهرها، ويروق كل نحرير ما ضمنته ~~سرائرها، مع اللين في مقصودها وتأديتها هذا لمن لا يحتمل إلا ذلك { ~~وجادلهم } أي الذين يحتملون ذلك منهم افتلهم عن مذاهبهم الباطلة إلى ~~مذهبك الحق بطريق الحجاج { بالتي هي أحسن } من الطرق بالترفق واللين ~~والوقار والسكينة، ولا تعرض عنهم يأسا منهم، ولا تجازهم بسيىء مقالهم ~~وقبيح فعالهم صفحا عنهم ورفقا بهم، ms2576 فهو بيان لأصناف الدعوة بحسب عقول ~~المدعوين، لأن الأنبياء عليهم السلام مأمورون بأن يخاطبوا الناس على قدر ~~عقولهم، وقيل: الدعوة إن كانت لتقرير الدين وتثبيت الاعتقاد في قلوب أهله ~~- وهي مع ذلك يقينية مطهرة عن احتمال نقيض - فهي الحكمة وهي لطالب الحق ~~المذعن إن كان مستعدا للقبول بفكره الثاقب، وإن كانت مقارنة لاحتمال ~~النقيض مفيدة للظن والإقناع فهي الموعظة وهي للمذعن الذي لا استعداد له، ~~وإن كانت لإلزام الجاحدين وإفحام المعاندين فهي المجادلة، فإن كانت مركبة ~~من مقدمات مسلمة عند الجمهور أو عند الخصم فقط فهي الحسنة، وإن كانت من ~~مقدمات كاذبة غير مسلمة يراد ترويجها بالحيل الباطلة والطرق الفاسدة فهي ~~السيئة التي لا تليق بمنصف؛ ثم علل الملازمة لدعائهم على هذا الوجه بقوله ~~تعالى: { إن ربك } أي المحسن إليك بالتخفيف عنك { هو } أي وحده { أعلم } ~~أي من كل من يتوهم فيه علم { بمن ضل عن سبيله } فكان في أدنى درجات ~~الضلال - وهو أعلم بالضالين الراسخين في الجور عن الطريق - فلا انفكاك له ~~عن الضلال، وهو أعلم بمن اهتدى لسبيله فكان في أدنى درجات الهداية { وهو ~~} أي خاصة { أعلم بالمهتدين * } أي الذين هم في النهاية منها، فالآية من ~~الاحتباك: ذكر أولا " من ضل " دليلا على حذف ضده ثانيا، و { المهتدين ~~} ثانيا دليلا على حذف ضدهم أولا. # وأما أنت فلا علم لك بشيء من ذلك إلا بإعلامنا، وقد ألزمناك البلاغ ~~المبين، فلا تفتر عنه معرضا عن الحرص المهلك واليأس فإنه ليس عليك ~~هداهم. # ولما بين أمر الدعوة وأوضح طرقها وقدم أمر الهجرة والإكراه في الدين ~~والفتن فيه المشير إلى ما سبب ذلك من المحن والبلاء من الكفار ظلما، ~~وختم ذلك بالأمر بالرفق بهم، عم - بعد ما خصه صلى الله عليه وعلى آله ~~وسلم به من الأمر بالرفق، بالأمر لأشياعه بالعدل والإحسان كما تقدم ولو ~~مع أعدى الأعداء، والنهي عن مجازاتهم إلا على وجه العدل - فقال تعالى: { ~~وإن عاقبتم } أي كانت لكم عاقبة عليهم تتمكنون فيها من أذاهم { فعاقبوا ~~بمثل ما } ولما ms2577 كان الأمر عاما في كل فعل من المعاقبة من أي فاعل كان ~~فلم يتعلق بتعيين الفاعل غرض، بنى للمفعول قوله تعالى: { عوقبتم به } وفي ~~ذلك إشارة - على ما جرت به عوائد الملوك في كلامهم - إلى إدالتهم عليهم ~~وإسلامهم في يديهم، وجعله بأداة الشك إقامة بين الخوف والرجاء. # ولما أباح لهم درجة العدل، رقاهم إلى رتبة الإحسان بقوله تعالى: { ولئن ~~صبرتم } بالعفو عنهم { لهو } أي الصبر { خير للصابرين * } وأظهر في موضع ~~الإضمار تعميما وتعليقا بالوصف. # ولما كان التقدير: فاصبروا، عطف عليه إفرادا له صلى الله عليه وعلى آله ~~وسلم بالأمر، إجلالا له وتسلية فيما كان سبب نزول الآية من التمثيل بعمه ~~حمزه رضي الله عنه، وتنويها بعظم مقام الصبر زيادة في حث الأمة، لأن أمر ~~الرئيس أدعى لامتثال أتباعه، فقال تعالى: { واصبر } ثم اتبع ذلك بما يحث ~~على دوام الالتجاء إليه المنتج للمراقبة والفناء عن الأغيار ثم الفناء عن ~~الفناء، لئلا يتوهم أن لأحد فعلا مستقلا فقال تعالى: { وما صبرك } أي ~~أيها الرسول الأعظم! { إلا بالله } أي الملك الأعظم الذي شرع لك هذا ~~الشرع الأقوم وأنت قائم في نصره، ولقد قابل هذا الأمر صلى الله عليه وعلى ~~آله وسلم بأعلى مقامات الصبر، وذلك أنهم مثلوا بقتلى المسلمين في غزوة ~~أحد إلا حنظلة الغسيل رضي الله عنه فإن أباه كان معهم فتركوه له، فلما ~~وقف النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على عمه حمزة رضي الله عنه فوجدهم ~~قد جدعوا أنفه وقطعوا أذنيه وجبوا مذاكيره وبقروا بطنه، نظر إلى شيء لم ~~ينظر قط إلى أوجع لقلبه منه فقال: # " رحمة الله عليك، فإنك كنت فعالا للخير وصولا للرحم، ولولا أن تحزن ~~صفيه لسرني أن أدعك حتى تحشر من أجواف شتى، أما والله! لئن أظفرني الله ~~بهم لأمثلن بسبعين منهم " # ، وقال الصحابة رضي الله عنهم: لنزيدن على صنيعهم، فلما نزلت الآية بادر ~~صلى الله عليه وعلى آله وسلم الامتثال، وكان لا يخطب خطبة إلا نهى عن ~~المثلة، وأحسن يوم الفتح بأن نهى عن ms2578 قتالهم بعد أن صاروا في قبضته - صلى ~~الله عليه وعلى آله وسلم وشرف وكرم وبجل وعظم دائما أبدا. # ولما كان - بعد توطين النفس على الصبر وتفريغ القلب من الأحنة - يرجع ~~إلى الأسف على إهلاكهم أنفسهم بتماديهم على العتو على الله تعالى، قال ~~سبحانه: { ولا تحزن عليهم } أي في شدة كفرهم فتبالغ في الحرص الباخع ~~للنفس. # ولما كان سبحانه في مقام التبشير، بالمحل الكبير والموطن الخطير، الذي ~~ما حازه قبل نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم بشير ولا نذير، وذلك هو ~~الإسراء إلى الملكوت الأعلى، والمقام الأسمى من السماوات العلى، في حضرات ~~القدس، ومحال الأنس، ووطأ لذلك في سورة النعم بمقامات الكرم إلى أن قارب ~~الوصول إليه، أوجز في العبارة بحذف حرف مستغنى عنه دلالة عليه فقال: { ~~ولا تك } بحذف النون أشارة إلى ضيق الحالة عن أدنى إطالة: # وأبرح ما يكون الشوق يوما # إذا دنت الديار من الديار # وهذا بخلاف ما يأتي في سورة النمل إن شاء الله تعالى { في ضيق } ولو قل ~~- كما لوح إليه تنوين التحقير بما يشير إليه حذف النون، فإن أذى الكفار ~~الذي السياق للتسلية عنه لا يضرك في المقصود الذي بعثت لأجله، وهو إظهار ~~الدين وقمع المفسدين بوجه من الوجوه { مما يمكرون * } أي من استمرار ~~مكرهم بك { واعبد ربك حتى يأتيك اليقين } وكأنك به، وقد أتى فاصبر فإن ~~الله تعالى معزك ومظهر دينك وإن كرهوا؛ ثم علل ذلك بقوله تعالى: { إن ~~الله } أي الجامع لصفات الكمال بلطفه وعونه { مع الذين اتقوا } أي وجد ~~منهم الخوف من الله تعالى، فكانوا في أول منازل التقوى، وهو مع المتقين ~~الذين كانوا في النهاية منها، فعدلوا في أفعالهم من التوحيد وغيره عملا ~~بأمر الله في الكتاب الذي هو تبيان لكل شيء، وهو مع الذين أحسنوا وكانوا ~~في أول درجات الإحسان { والذين هم } أي بضمائرهم وظواهرهم { محسنون * } ~~أي صار الإحسان صفة لهم غير منفكة عنهم، فهم في حضرات الرحمن، وأنت رأس ~~المتقين المحسنين، فالله معك، ومن كان الله معه كان ms2579 غالبا، وصفقته ~~رابحة، وحالته صالحة، وأمره عال، وضده في أسوإ الأحوال، فلا تستعجلوا ~~قلقا كما استعجل الكفار استهزاء، تخلقا في التأني والحلم بصفة من تنزه ~~عن نقص الاستعجال، وتعالى عن ادعاء الأكفاء والأمثال، فقد عانق آخرها ~~أولها، ووافق مقطعها، وآخرها احتباك: ذكر { الذين اتقوا } أولا دليلا ~~على حذف { الذين أحسنوا } ثانيا، { والمحسنين } ثانيا دليلا على حذف ~~المتقين أولا - والله الموفق للصواب، وإليه المرجع والمآب. ### | [17 - سورة الإسراء] ### || [17.1-5] # لما كان مقصود النحل التنزه عن الاستعجال وغيره من صفات النقص، والاتصاف ~~بالكمال المنتج لأنه قادر على الأمور الهائلة ومنها جعل الساعة كلمح ~~البصر أو أقرب، وختمها بعد تفضيل إبراهيم عليه السلام والأمر باتباعه ~~بالإشارة إلى نصر أوليائه - مع ضعفهم في ذلك الزمان وقلتهم - على أعدائه ~~على كثرتهم وقوتهم، وكان ذلك من خوارق العادات ونواقص المطردات، وأمرهم ~~بالتأني والإحسان، افتتح هذه بتحقيق ما أشار الختم إليه بما خرقه من ~~العادة في الإسراء، وتنزيه نفسه الشريفة من توهم استبعاد ذلك، تنبيها ~~على أنه قادر على أن يفعل الأمور العظيمة الكثيرة الشاقة في أسرع وقت، ~~دفعا لما قد يتوهم أو يتعنت به من يسمع نهيه عن الاستعجال وأمره بالصبر، ~~وبيانا لأنه مع المتقي المحسن، وتنويها بأمر محمد صلى الله عليه وعلى ~~آله وسلم، وإعلاما بأنه رأس المحسنين وأعلاهم رتبة وأعظمهم منزلة، بما ~~آتاه من الخصائص التي منها المقام المحمود، وتمثيلا لما أخبر به من أمر ~~الساعة فقال تعالى: { سبحان } وهو علم للتنزيه، دال على أبلغ ما يكون من ~~معناه، منصوب بفعل متروك إظهاره، فسد مسده { الذي أسرى } فنزه نفسه ~~الشريفة عن كل شائبة نقص يمكن أن يضفيها إليه أعداؤه بهذا اللفظ الأبلغ ~~عقب الأمر بالتأني آخر النحل. كما نزه نفسه الشريفة بذلك اللفظ عقب النهي ~~عن الاستعجال في أولها، وهو راد لما علم من ردهم عليه وتكذيبهم له إذا ~~حدثهم عن الإسراء، وفيه مع ذلك إيماء إلى التعجيب من هذه القصة للتنبيه ~~على أنها من الأمور البالغة في العظمة إلى حد لا يمكن استيفاء ms2580 وصفه. # ولما كان حرف الجر مقصورا على إفادة التعدية في " سرى " الذي بمعنى ~~أسرى وكان أسرى يستعمل متعديا وقاصرا عبر به، واختير القاصر للدلالة ~~على المصاحبة زيادة في التشريف فقال تعالى: { بعبده } أي الذي هو أشرف ~~عباده وأحقهم بالإضافة إليه الذي لم يتعبد قط لسواه من صنم ولا غيره ~~لرجاء شفاعة ولا غيرها. # ولما كان الإسراء هو السير في الليل، وكان الشيء قد يطلق على جزء معناه ~~بدلالة التضمن مجازا مرسلا، نفي هذا بقوله تعالى: { ليلا } وليدل ~~بتنوين التحقير على أن هذا الأمر الجليل كان في جزء يسير من الليل، وعلى ~~أنه عليه الصلاة والسلام لم يحتج - في الإسراء والعروج إلى سدرة المنتهى ~~وسماع الكلام من العلي الأعلى - إلى رياضة بصيام ولا غيره، بل كان مهيئا ~~لذلك متأهلا له، فأقامه تعالى من الفرش إلى العرش { من المسجد الحرام } ~~أي من الكعبة المشرفة مسجد إبراهيم عليه السلام، قيل: كان نائما في ~~الحطيم، وقيل: في الحجر، وقيل: في بيت أم هانىء - وهو قول الجمهور، ~~فالمراد بالمسجد حينئذ الحرم لأنه فناء المسجد { إلى المسجد الأقصى } أي ~~الذي هو أبعد المساجد حينئذ وأبعد المسجدين الأعظمين مطلقا من مكة ~~المشرفة، بينهما أربعون ليلة، فصلى بالأنبياء كلهم: إبراهيم وموسى ومن ~~سواهما - على جميعهم أفضل الصلاة والسلام، ورأى من آياتنا ما قدرناه له، ~~ورجع إلى بين أظهركم إلى المسجد الأقرب منكم في ذلك الجزء اليسير من ~~الليل وأنتم تضربون أكباد الإبل في هذه المسافة شهرا ذهابا وشهرا ~~إيابا، ثم وصفه بما يقتضي تعظيمه وأنه أهل للقصد فقال تعالى: { الذي ~~باركنا } أي بما لنا من العظمة، بالمياه والأشجار وبأنه مقر الأنبياء ~~ومهبط الملائكة وموطن العبادات ومعدن الفواكه والأرزاق والبركات { حوله } ~~أي لأجله فما ظنك به نفسه! فهو أبلغ من " باركنا فيه " ثم منه إلى ~~السماوات العلى إلى سدرة المنتهى إلى ما لم ينله بشر غيره صلى الله عليه ~~وعلى آله وسلم وشرف وكرم وبجل وعظم دائما أبدا؛ ولعله حذف ذكر المعراج ~~من القرآن هنا لقصور فهومهم عن إدراك ms2581 أدلته لو أنكروه بخلاف الإسراء، ~~فإنه أقام دليله عليهم بما شاهدوه من الأمارات التي وصفها لهم وهم قاطعون ~~بأنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يرها قبل ذلك، فلما بان صدقه بما ~~ذكر من الأمارات أخبر بعد ذلك من أراد الله بالمعراج؛ ثم ذكر سبحانه ~~الغرض من الإسراء بما يزيد في تعظيم المسجد فقال: { لنريه } بعينه وقلبه ~~{ من ءاياتنا } السماوية والأرضية كما أرينا أباه الخليل عليه السلام ~~ملكوت السماوات والأرض، وجعل الالتفات لتعظيم الآيات والبركات؛ روى ~~البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أتى النبي صلى الله عليه وعلى ~~آله وسلم ليلة أسري به بإيلياء بقدحين من خمر ولبن، فنظر إليهما فأخذ ~~اللبن فقال جبرئيل عليه السلام: الحمد لله الذي هداك للفطرة، لو أخذت ~~الخمر غوت أمتك. # وعن جابر رضي الله عنه سمعت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: # " لما كذبتني قريش قمت في الحجر فجلى الله لي بيت المقدس فطفقت أخبرهم ~~عن آياته وأنا أنظر إليه ". # ولما كان المعول عليه غالبا في إدراك الآيات حس السمع والبصر، وكان ~~تمام الانتفاع بذلك إنما هو بالعلم، وكان سبحانه قد خص هذا النبي صلى ~~الله عليه وعلى آله وسلم من كمال الحس مما يعد معه حس غيره عدما، عبر عن ~~ذلك كله بقوله تعالى: { إنه } أي هذا العبد الذي اختصصناه بالإسراء { هو ~~} أي خاصة { السميع } أي أذنا وقلبا بالإجابة لنا والإذعان لأوامرنا { ~~البصير * } بصرا وبصيرة بدليل ما أخبر به من الآيات، وصدقه من الدلالات، ~~حين نعت ما سألوه عنه من بيت المقدس ومن أمر عيرهم وغيرهما مما هو مشهور ~~في قصة الإسراء مما كان يراه وهو ينعت لهم وهم لا يرونه ولا يقاربون ذلك ~~ولا يطمعون فيه، وقال من كان دخل منهم إلى بيت المقدس: أما النعت والله ~~فقد أصاب، أخبرنا عن عيرنا، فأخبرهم بعدد جمالها، وأحوالها وقال: تقدم ~~يوم كذا مع طلوع الشمس يقدمها جمل أورق، فخرجوا ذلك اليوم نحو الثنية ~~يشتدون، فقال قائل: هذه والله الشمس ms2582 قد طلعت، فقال آخر: وهذه والله العير ~~قد أقبلت، يقدمها جمل أورق كما قال محمد، ثم لم يؤمنوا وقالوا: إن هذا ~~إلا سحر مبين. # قال الإمام الرازي في اللوامع: وكان صلى الله عليه وعلى آله وسلم أبصر ~~جميع ما في الملكوت بالعين المبصرة مشاهدة لم يسترب فيه حتى روي أنه قال: # " رأيت ليلة أسري بي إلى العلى الذرة تدب على وجه الأرض من سدرة المنتهى ~~" # وذلك لحدة بصره، والبصر على أقسام: بصر الروح، وبصر العقل الذي منه ~~التوحيد، وبصر القربة الذي خص به الأولياء وهو نور الفراسة، وبصر النبوة، ~~وبصر الرسالة. وهذه الأبصار كلها مجموعة لرسولنا صلى الله عليه وعلى آله ~~وسلم وشرف وكرم وبجل وعظم دائما أبدا، وله زيادة بصر قيادة الرسل ~~وسيادتهم، فإنه سيد المرسلين وقائدهم، وكان مطلعا على الملك والملكوت ~~كما قال: زويت لي الأرض مشارقها ومغاربها - انتهى. وهذا الأخير رواه مسلم ~~وأبو داود والترمذي عن ثوبان رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وعلى آله ~~وسلم قال: # " إن الله تعالى زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها " # وكان يبصر من ورائه كما يبصر من أمامه - كما أخرجه الشيخان وغيرهما من ~~حديث أنس رضي الله عنه، وفي كثير من طرقه عدم التقييد بالصلاة، وهذا صريح ~~في أن بصره لم يكن متقيدا بالعين، بل خلق الله تعالى الأبصار في جميع ~~أعضائه وكذا السمع، فإن كون العين محلا لذلك وكذا الأذن إنما هو بجعل ~~الله، ولو جعل ذلك في غيرهما لكان كما يريد سبحانه ولا مانع، ولم يكن ~~الظلام يمنعه من نفود البصر ففي مسند أحمد عن جابر بن عبد الله رضي الله ~~عنهما قال: فقدت رحلي ليلة فمررت على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله ~~وسلم وهو يشد لعائشة رضي الله عنها، فقال: ما لك يا جابر؟ فقلت: فقدت ~~جملي أو ذهب في ليلة ظلماء، فقال لي: هذا جملك، اذهب فخذه، فذهبت نحو ما ~~قال لي، فلم أجده فرجعت إليه فقلت: بأبي وأمي يا رسول الله! ما وجدته، ms2583 ~~فقال لي: على رسلك، حتى إذا فرغ أخذ بيدي فانطلق حتى أتينا الجمل فدفعه ~~إلي، قال: هذا جملك - الحديث. وروى البيهقي في دلائل النبوة عن ابن عباس ~~رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يرى ~~بالليل في الظلمة كمل يرى بالنهار في الضوء، وروي مثل ذلك عن عائشة رضي ~~الله عنها، وقال القاضي عياض في الشفا: حكى بقي بن مخلد عن عائشة رضي ~~الله عنها قالت، كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يرى في الظلمة ~~كما يرى في الضوء، وأسند عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله ~~عليه وعلى آله وسلم أنه قال: لما تجلى الله لموسى عليه الصلاة والسلام ~~كان يبصر النملة على الصفا في الليلة الظلماء مسيرة عشرة فراسخ. # وجوز أن يكون اختصاص نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم بذلك بعد ~~الإسراء - انتهى. وقد أخرج حديث أبي هريرة هذا الحافظ نور الدين الهيثمي ~~في زوائد المعجمين: الأوسط والأصغر للطبراني، ولعل هذا من مناسبة تعقيب ~~هذه الآية بذكر موسى عليه السلام. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما تقدم قوله { إن إبراهيم كان أمة ~~قانتا لله حنيفا } إلى قوله تعالى { ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة ~~إبراهيم حنيفا } الآية، كان ظاهر ذلك تفضيل إبراهيم عليه السلام على ~~محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم وعلى جميع الأنبياء لا سيما مع الأمر ~~بالاتباع، فأعقب ذلك بسورة الإسراء، وقد تضمنت من خصائص نبينا صلى الله ~~عليه وعلى آله وسلم، وانطوت على ما حصل منه المنصوص في الصحيح والمقطوع ~~به والمجمع عليه من أنه - صلى الله عليه وعلى آله وسلم وشرف وكرم وبجل ~~وعظم - سيد ولد آدم، فاستفتحت السورة بقصة الإسراء وقد تضمنت - حسبما وقع ~~في صحيح مسلم وغيره - إقامته بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام وفيهم ~~إبراهيم وموسى وغيرهما من الأنبياء من غير استثناء، هذه رواية ثابت عن ~~أنس رضي الله عنه، وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أنه - صلى ms2584 الله عليه ~~وعلى آله وسلم وشرف وكرم وبجل وعظم دائما أبدا - أثنى على ربه فقال: ~~الحمد لله الذي أرسلني رحمة للعالمين، وكافة للناس بشيرا ونذيرا، وأنزل ~~علي القرآن فيه تبيان كل شيء، وجعل أمتي خير أمة أخرجت للناس، وجعل أمتي ~~وسطا وجعل أمتي هم الأولون وهم الآخرون، وشرح لي صدري، ووضع عني وزري، ~~ورفع لي ذكري، وجعلني فاتحا وخاتما، فقال إبراهيم عليه السلام: بهذا ~~فضلكم محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ وفي رواية أبي هريرة رضي الله ~~عنه من طريق الربيع بن أنس وذكر سدرة المنتهى وأنه تبارك وتعالى قال له: ~~سل! فقال: إنك اتخذت إبراهيم خليلا، وأعطيته ملكا عظيما، وكلمت موسى ~~تكليما، وأعطيت داود ملكا عظيما، وألنت له الحديد، وسخرت له الجبال، ~~وأعطيت سليمان ملكا عظيما، وسخرت له الجن والإنس والشياطين والرياح، ~~وأعطيته ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، وعلمت عيسى التوراة والإنجيل، ~~وجعلته يبرىء الأكمه والأبرص، وأعذته وأمه من الشيطان الرجيم، فلم يكن له ~~عليهما سبيل، فقال له ربه تبارك وتعالى: قد اتخذتك حبيبا فهو مكتوب في ~~التوراة - " محمد حبيب الرحمن " وأرسلتك إلى الناس كافة، وجعلت أمتك هم ~~الأولون والآخرون. # وجعلت أمتك لا تجوز لهم خطبة حتى يشهدوا أنك عبدي ورسولي، وجعلتك أول ~~النبيين خلقا وآخرهم بعثا، وأعطيتك سبعا من المثاني ولم أعطها نبيا ~~قبلك، وأعطيتك خواتم سورة البقرة من كنز تحت العرش لم أعطها نبيا قبلك، ~~وجعلتك فاتحا وخاتما. وفي حديث شريك أنه رأى موسى عليه السلام في ~~السماء السابعة قال: بتفضيل كلام الله، قال: ثم علا به فوق ذلك ما لا ~~يعلمه إلا الله، فقال موسى: لم أظن أن يرفع علي أحد. وفي حديث علي بن ~~أبي طالب رضي الله عنه خرجه البزار # " في ذكر تعليمه عليه الصلاة والسلام الأذان وخروج الملك فقال صلى الله ~~عليه وعلى آله وسلم: يا جبريل! من هذا؟ قال: والذي بعثك بالحق! إني لأقرب ~~الخلق مكانا، وإن هذا الملك ما رأيته قط منذ خلقت قبل ساعتي هذه. وفيه: ~~ثم أخذ ms2585 الملك بيد محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقدمه، فأم بأهل ~~السماء فيهم آدم ونوح " # ، وفي هذا الحديث قال أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين راويه: فيومئذ ~~أكمل الله لمحمد - صلى الله عليه وعلى آله وسلم وشرف وكرم وبجل وعظم - ~~الشرف على أهل السماوات والأرض؛ قال ابن الزبير: وقد حصل منه تفضيله صلى ~~الله عليه وعلى آله وسلم - وشرف وكرم وبجل وعظم دائما أبدا - بالإسراء ~~وخصوصه بذلك، ثم قد انطوت السورة على ذكر المقام المحمود، وهو مقامه في ~~الشفاعة الكبرى، وذلك مما خص به حسبما ثبت في الصحيح وانعقد عليه إجماع ~~أهل السنة، ولا أعلم في الكتاب العزيز سورة تضمنت من خصائصه صلى الله ~~عليه وعلى آله وسلم - وشرف وكرم وبجل وعظم دائما أبدا - الذي فضل به ~~كافة الأنبياء عليهم أفضل الصلاة والسلام مثل ما تضمنت هذه والحمد لله - ~~انتهى. # ولما ثبت بهذه الخارقة ما أخبر به عن نفسه المقدسة من عظيم القدرة على ~~كل ما يريد، وما حباه صلى الله عليه وعلى آله وسلم به من الآيات البينات ~~في هذا الوقت اليسير، أتبعه ما منح في المسير من مصر إلى الأرض المقدسة ~~من الآيات في مدد طوال جدا موسى عليه السلام الذي كان أعظم الأنبياء ~~بركة على هذه الأمة ليلة الإسراء لما أرشد النبي صلى الله عليه وعلى آله ~~وسلم إليه من مراجعة الله تعالى في تخفيف الصلاة حتى رجعت من خمسين إلى ~~خمس مع أجر خمسين، والذي كان أنهى العروج به إذ ناجاه الله وقربه رأس جبل ~~الطور بعد الأمر بالرياضة بالصوم والتخلي أربعين يوما، والذي تقدم في ~~آخر النحل أن قومه اختلفوا عليه في السبت، تنفيرا من مثل حالهم، وتسلية ~~عمن تبعهم في تكذيبهم وضلالهم، وذلك في سياق محذر للمكذبين عظائم البلاء، ~~فقال تعالى - عاطفا على ما تقديره، فآتينا عبدنا محمدا صلى الله عليه ~~وعلى آله وسلم الكتاب المفصل المعجز، وجعلناه هدى للخلق كافة، وتولينا ~~حفظه فكان آية باقية حافظا لدينه دائما: { وءاتينا } أي بعظمتنا ms2586 { موسى ~~الكتاب } أي الجامع لخيري الدارين لتقواه وإحسانه، معظما له بنون ~~العظمة، فساوى بين النبيين في تعظيم الإراءة والإيتاء وخص محمدا صلى ~~الله عليه وعلى آله وسلم بإضافة آياته إلى مظهر العظمة، وكان إيتاء موسى ~~عليه السلام الكتاب في نيف وأربعين سنة بعد أن أخرج معه بني أسرائيل من ~~حبائل فرعون وجنوده الذين كانوا لا يحصون كثرة بتلك الآيات الهائلة التي ~~لا يشك عاقل أن من قدر عليها لا يمتنع عليه شيء أراده، وفي هذه المدة ~~الطويلة - بل بزيادة - كان وصول بني إسرائيل من مصر إلى هذا المسجد الذي ~~أوصلنا عبدنا إليه ورددناه إليكم في بعض ليلة راكبا البراق الذي كان ~~يركبه الأنبياء قبله، يضع حافره في منتهى طرفه، وبنو إسرائيل كانوا ~~يسيرون جميع النهار مجتهدين ثم يبيتون في الموضع الذي أدلجوه منه في ~~التيه لا يقدرون أن يجوزوه أربعين سنة - على ما قال كثير من العلماء، أو ~~أنهم كانوا في هذه المدة يدورون حول جبل أدوم كما في التوراة، فثبت أنا ~~إنما نفعل بالاختيار على حسب ما نراه من الحكم، ثم ذكره ثمرة كتاب موسى ~~عليه السلام فقال تعالى: { وجعلناه } أي الكتاب، بما لنا من العظمة { هدى ~~}. # ولما كان هذا التنوين يمكن أن يكون للتعظيم يستغرق الهدى، بين الحال ~~بقوله: { لبني إسرائيل } بالحمل على العدل في التوحيد والأحكام، وأسرينا ~~بموسى عليه السلام وبقومه من مصر إلى بلاد المسجد الأقصى، فأقاموا سائرين ~~إليها أربعين سنة ولم يصلوا، ومات كل من خرج منهم من مصر إلا " النقيبين ~~الموفيين " بالعهد، فقد بان الفصل بين الإسرائين كما بان الفصل بين ~~الكتابين، فذكر الإسراء أولا دليل على حذف مثله لموسى عليه السلام ~~ثانيا، وذكر إيتاء الكتاب ثانيا دليل على حذف مثله أولا، فالآية من ~~الاحتباك؛ ثم نبه على أن المراد من ذلك كله التوحيد اعتقادا وعبادة ~~بقوله تعالى: { ألا } أي لئلا { تتخذوا } بالياء التحتية في قراءة أبي ~~عمرو، وبالفوقانية في قراءة الباقين، فنبه بصيغة الافتعال على أنه - ~~لكثرة ما على وحدانيته من الدلائل، وله ms2587 إلى خلقه من المزايا والفضائل - ~~لا يعدل عنه إلى غيره إلا بتكلف عظيم من النفس، ومنازعة بين الهوى والعقل ~~وما فطر سبحانه عليه النفوس من الانقياد إليه والإقبال عليه، ونفر من له ~~همة علية ونفس أبية من الشرك بقوله منبها بالجار على تكاثر الرتب دون ~~رتبة عظمته سبحانه وعد الاستغراق لها، تاركا نون العظمة للتنصيص على ~~المراد من دون لبس بوجه: { من دوني } وقال تعالى: { وكيلا * } أي ربا ~~يكلون أمورهم إليه ويعتمدون عليه من صنم ولا غيره، لتقريب إليه بشفاعة ~~ولا غيرها - منبها بذكر الوكالة على سفه آرائهم في ترك من يكفي في كل ~~شيء إلى من لا كفاية عنده لشيء، ثم أتبعه ما يدل على شرفهم بشرف أبيهم، ~~وأنه لم ينفعهم إدلاءهم إليه - عند إرادة الانتقام - بما ارتكبوا من ~~الإجرام، فقال - منبها على الاهتمام بالتوحيد والأمر بالإخلاص بالعود ~~إلى مظهر العظمة حيث لا لبس، ناصبا على الاختصاص في قراءة أبي عمرو، ~~وعلى النداء عند الباقين، تذكيرا بنعمة الإيحاء من الغرق: { ذرية من ~~حملنا } أي في السفينة بعظمتنا، على ظهر ذلك الماء الذي طبق ما تحت أديم ~~السماء، ونبه على شرفهم وتمام نعمتهم بقوله تعالى: { مع نوح } أي من ~~أولاده وأولادهم الذين أشرفهم إبراهيم الذي كان شاكرا ثم إسرائيل عليهما ~~السلام، لأن الصحيح أن من كان معه من غيرهم ماتوا ولم يعقبوا، ولم يقل: ~~ذرية نوح، ليعلم أنهم عقب أولاده المؤمنين لتكون تلك منة أخرى؛ ثم نبه ~~على تقواه وإحسانه حثا على الاقتداء به بقوله: { إنه كان } أي كونا ~~جبليا { عبدا شكورا * } أي مبالغا في الشكر الذي هو صرف جميع ما أنعم ~~الله به فيما خلقه له فأحسن إليه لشكره بأن جعل في ذريته النبوة والكتاب ~~كما فعل بإبراهيم عليه السلام لأنه كان شاكرا، فاقتدوا بهذين الأبوين ~~العظيمين في الشكر يزدكم، ولا تقلدوا غيرهما في الكفر يعذبكم، وخص نوحا ~~عليه السلام لأنه ما أملى لأحد ما أملى لقومه ولا أمهل أحدا ما أمهلهم، ~~ثم أهلكهم أجمعين كما أومأ إليه قوله ms2588 { حملنا } إهلاك نفس واحدة، ثم أذهب ~~الماء بعد إغراقهم بالتدريج في مدة طويلة، فثبت أنه منزه عن العجلة، وأنه ~~سبحانه تارة يفعل الأمور الكثيرة الشاقة في أسرع وقت، وترة يعمل ما هو ~~دونها في أزمان طوال، فبان كالشمس أنه إنما يفعل على حسب ما يريد مما ~~تقتضيه حكمته؛ روى البخاري في التفسير عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ~~أتي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بلحم فرفع إليه الذراع وكانت ~~تعجبه فنهش منها نهشة ثم قال: أنا سيد الناس يوم القيامة، وهل تدرون مما ~~ذلك؟ يجمع الله الناس: الأولين والآخرين في صعيد واحد، يسمعهم الداعي، ~~وينفذهم البصر، وتدنو الشمس، فبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا ~~يحتملون، فيقول الناس: ألا ترون ما قد بلغكم؟ ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ~~ربكم؟ فذكر حديث الشفاعة العظمى وإتيانهم الأنبياء آدم وبعده أولي العزم ~~عليهم الصلاة والسلام، وأنهم يقولون لنوح عليه السلام: وقد سماك الله ~~عبدا شكورا، وكلهم يتبرأ ويحيل على من بعده إلى أن وصل الأمر نبينا صلى ~~الله عليه وعلى آله وسلم فيقولون: يا محمد أنت رسول الله وخاتم الأنبياء، ~~وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، اشفع لنا إلى ربنا، ألا ترى ~~إلى ما نحن فيه، فأنطلق فآتي تحت العرش فأقع ساجدا لربي، ثم يفتح الله ~~علي من محامده وحسن الثناء عليه شيئا لم يفتحه على أحد قبلي، ثم يقال: ~~يا محمد! ارفع رأسك سل تعط واشفع تشفع! فأرفع رأسي فأقول: أمتي يا رب ~~أمتي يا رب، فيقال: يا محمد أدخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب ~~الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب، ثم ~~قال: والذي نفسي بيده! إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة ~~وحمير أو كما بين مكة وبصرى ثم أتبع ذلك ما يدل على شرف كتاب موسى وصحة ~~نسبته إليه تعالى بما يقتضي شمول العلم وتمام القدرة بما ms2589 كشف عنه الزمان ~~من صدق إخباره، وفظاظة وعيده وإنذاره، تنبيها على أن من كذب بكتابه ~~أهلكه كائنا من كان وإن طال إمهاله، فلا تغتروا بحلمه لأن الملوك لا تقر ~~على أمر يقدح في ملكها، فقال تعالى: { وقضينا } أي بعظمتنا بالوحي ~~المقطوع به، منزلين ومنهين { إلى بني إسرائيل } أي عبدنا يعقوب عليه ~~السلام الذي كان أطوع أهل زمانه لنا { في الكتاب } الذي أوصلناه إليهم ~~على لسان موسى عليه السلام { لتفسدن } أكد بالدلالة على القسم باللام ~~لأنه يستبعد الإفساد مع الكتاب المرشد { في الأرض } أي المقدسة التي ~~كأنها لشرفها هي الأرض بما يغضب الله { مرتين ولتعلن } أي بما صرتم إليه ~~من البطر لنسيان المنعم { علوا كبيرا * } بالظلم والتمرد، ولا ينتقم ~~منكم إلا على حسب ما تقتضيه حكمتنا في الوقت الذي نريد بعد إمهال طويل؛ ~~والقضاء: فصل الأمر على إحكام { فإذا جاء وعد أولاهما } أي وقته الذي ~~حددناه له للانتقام فيه { بعثنا } أي بعظمتنا؛ ونبه على أنهم أعداء ~~بقوله: { عليكم } ونبه على عظمته، قدرته وسعة ملكه بقوله تعالى: { عبادا ~~لنا } أي لا يدان لكم بهم لما وهبنا لهم من عظمتنا { أولي بأس } أي عذاب ~~وشدة في الحرب شديدة { شديد فجاسوا } أي ترددوا مع الظلم والعسف وشديد ~~السطوة؛ والجوس: طلب الشيء باستقصاء { خلال } أي بين { الديار } الملزوم ~~لقهر أهلها وسفولهم بعد ذلك العلو الكبير؛ والخلال: انفراج ما بين ~~الشيئين وأكثر لضرب من الوهن { وكان } أي ذلك البعث ووعد العقاب به { ~~وعدا مفعولا * } أي لا شك في وقوعه ولا بد أن يفعل لأنه لا حائل بيننا ~~وبينه، ولا يبدل القول إلا عاجز أو جاهل؛ عن ابن عباس رضي الله عنهما ~~أنهم جالوت وجنوده؛ وعن سعيد بن المسيب أنهم بختنصر وجنوده؛ وعن الحسن: ~~العمالقة؛ وعن سعيد بن جبير: سنجاريب وجنوده؛ قال في السفر الخامس من ~~التوراة إشارة إلى هذه المرة الأولى - والله أعلم: وإن أنتم لم تسمعوا ~~قول الله ربكم لم تحفظوا ولم تعملوا بجميع سننه التي آمركم بها اليوم، ~~ينزل بكم هذا اللعن الذي أقص ms2590 عليكم كله، ويدرككم العقاب، وتكونوا ملعونين ~~في القرية والسفر وفي الخصر، ويلعن نسلكم وثمار أرضكم، وتكونوا ملعونين ~~إذا دخلتم، وملعونين إذا خرجتم، ينزل بكم الرب البلاء والحشرات، وينزل ~~بكم الضربات الشديدة وبكل شيء تمدون أيديكم إليه لتعملوه حتى يهلككم ~~ويتلفكم سريعا، من أجل سوء أعمالكم وترككم لعبادتي، يسلط الله عليكم ~~الموت فيهلككم من الأرض التي تدخلونها لترثوها، يضربكم الله بحيران العقل ~~والبهق والبرص، وبالحريق باشتمال النار، وباليرقان والجرب والسموم، ويسلط ~~عليكم هذه الشعوب حتى تهلكوا، وتكون السماء التي فوقكم عليكم شبه النحاس، ~~والأرض التي تحتكم شبه الحديد، ويصير الرب مطر أرضهم غبارا ويكسركم الرب ~~بين يدي أعدائكم، تخرجون إليهم في طريق واحدة وتهربون في سبعة طرق، ~~وتكونون مثلا وفزعا لجميع مملكات الأرض، وتكون جيفكم طعاما لجميع ~~السباع وطيور السماء، ولا يذب أحد عنكم، ويضربكم الرب بالجراحات التي ضرب ~~بها أهل مصر، ويبليكم بالبرص والزحير وبالحكة، ولا يكون لكم شفاء من ذلك، ~~ويضربكم الرب بالعمى والكمه ورعب القلب، وتكونون تجسسون في الظهيرة مثل ~~ما يتجسس العميان، ولا يتم شيء مما تعملون، ولا يكون له تمام، وتكونون ~~مقهورين مظلومين مغصوبين كل أيام حياتكم ولا يكون لكم منقذ، تخطبون ~~المرأة فيتزوجها غيركم، وتبنون بيتا ويسكنه غيركم، وتغرسون كروما ولا ~~تعصرون منها، وتذبحون ثيرانكم بين أيديكم ولا تأكلون منها شيئا، ويؤخذ ~~حمارك ظلما ولا تقدر أن تخلصه، ويسوق العدو أغنامكم ولا يكون لكم منقذ، ~~ويسبي بنيك وبناتك شعب آخر وتنظر إليهم ولا تقدر لهم على خلاص، وتشقى ~~وتغتم نهارك كله أجمع ولا يكون لك حيلة، وثمار أرضك وكل كدك يأكله شعب لا ~~تعرفه، وتكون مضطهدا مظلوما طول عمرك، ويضربك الرب بجرح رديء على ~~ركبتيك وساقيك ولا يكون لك، ويسلط عليك الجراحات من قرنك إلى قدمك ويسوقك ~~الرب، ويسوق ملكك الذي ملكته عليك إلى شعب لم يعرفه أبوك، وتعبد هناك ~~آلهة عملت من خشب وحجارة، وتكون مثلا وعجبا ويفكر فيك كل من يسمع خبرك ~~ثم قال: ويولد لك بنون وبنات ولا يكونون لك بل يسبون، ms2591 وينطلق بهم مسبيين. # ثم قال: ويسلط الرب عليك شعبا يأتيك وأنت جائع ظمآن، وتخدم أعداءك ~~الذين يسلطهم الله عليك من بعيد من أقصى الأرض، ويسرع إليك مثل طيران ~~النسر شعب لا تعرف لغتهم شعب وجوههم صفيقة لا تستحيي من الشيوخ، ولا ترحم ~~الصبيان، ويضيق عليك في جميع قراك حتى يظفر بسوراتك المشيدة التي تتوكل ~~عليها وتثق بها، وتضطر حتى تأكل لحم ولدك من الحاجة والضيق الذي يضيق ~~عليك عدوك، والرجل المدلل منكم المتلذذ المفيق تنظر عيناه إلى أخيه ~~وحليلته وإلى من بقي من ولده جائعا ولا يعطيهم من لحم ابنه الذي يأكل، ~~لأنه لا يبقى عنده شيء من الاضطهاد والضيق الذي يضيق عليك عدوك في كل ~~قراك، والمرأة المخدرة المدللة المفيقة التي لم تطأ الأرض قدماها من ~~الدلال تنظر عيناها إلى زوجها وإلى ابنها وبنتها وإلى ولدها التي تلد، ~~وهي تأكلهم، وذلك من الحاجة والفقر وعدم الطعام مما يضيق عليك عدوك ~~ويضطهدك في جميع قراك. ### || [17.6-8] # ولما بين سبحانه أنه قادر على إذلال العزيز بعد ضخامة عزه، بين أنه ~~مقتدر على إدالته على من قهره بعد طول ذله إذا نقاه من درنه وهذبه من ~~ذنوبه، فقال تعالى مشيرا بأداة التراخي إلى عظمة هذه الإدالة بخرقها ~~للعوائد: { ثم رددنا } أي بما لنا من العظمة، وعجل لهم البشرى بقوله ~~تعالى: { لكم } أي خاصة { الكرة } أي العودة والعظمة؛ وبين أن ذلك مع ~~السطوة بقوله سبحانه: { عليهم } قال بعض المفسرين: في زمان داود عليه ~~السلام { وأمددناكم } أي أعناكم بعظمتنا { بأموال } تستعينون بها على ~~قتال أعدائكم { وبنين } أي تقوون بهم { وجعلناكم } أي بعظمتنا { أكثر } ~~أي من عدوكم { نفيرا * } أي ناسا ينفرون معكم إذا استنفرتموهم للقتال ~~ونحوه من المهمات، والظاهر أنه ليس المراد بهذه المرة ما كان على يدي ~~داود عليه السلام لأن الله يقول في هذه المرة الثانية { وليدخلوا المسجد ~~كما دخلوه أول مرة } وداود عليه السلام أسس المسجد ولم يكمله، إنما أكمله ~~ابنه سليمان عليهما السلام من بعده، والذي عز من قال ذلك أن ms2592 بني إسرائيل ~~كانوا قهروا قبل داود عليه السلام من الفلسطينيين وغيرهم، ثم كان خلاصهم ~~على يده عليه السلام - كما مضت الإشارة إليه في سورة البقرة، قال في ~~الزبور في المزمور الثالث عشر: من يعطي صهيون الخلاص لإسرائيل؟ إذا رد ~~الرب سبي شعبه يتهلل يعقوب ويفرح إسرائيل؛ وفي الثالث والأربعين: اللهم! ~~إنا قد سمعنا بآذاننا وأخبرنا آباؤنا بالأعمال التي صنعت في أيامهم ~~الأولى، فلنسبحك يا إلهنا كل يوم، ونشكر اسمك إلى الدهر، الآن أضعفتنا ~~وأقصيتنا، ولم تكن يا رب تصحب جيوشنا، لكن رددتنا على أعقابنا عن ~~أعدائنا، واختطفنا مبغضونا، جعلتنا مأكلة كالغنم، مددتنا بين الشعوب، بعت ~~شعبك بلا ثمن، أقللت كثرة عددهم، صيرتنا عارا في جيرتنا، هزا وطنزا ~~لمن حولنا، صرنا مثلا في الشعوب، وهزا للرؤوس في الأمم، حزني بين يدي ~~النهار كله، الخزي غطى وجهي، من صوت المعير، اللهم! إن هذا كله قد نالنا ~~ولم ننس اسمك، ولا نكثنا عهدك، ولا صرفنا قلوبنا عنك، عدلت بقصدنا عن ~~سبلك، أنزلتنا محال وعرة، غشيتنا بظلال الموت، ولم ننسك يا رب، وقال في ~~المزمور الثامن والسبعين والذي بعده: اللهم! إن الأمم دخلت ميراثك ونجست ~~هيكل قدسك، جعلوا أورشليم خرابا كالمحرس، وصيروا جثث عبيدك طعاما لطير ~~السماء، ولحوم أصفيائك لوحوش الأرض، سفكوا دماءهم كالماء حول أورشليم ~~وليس لهم دافن، صرنا عارا في جيراننا، هزءا وطنزا لمن حولنا، حتى متى ~~تسخط يا رب، دائما يشتعل مثل النار غضبك، أفض رجزك على الأمم الذين لا ~~يعرفونك وعلى الملوك الذين لم يدعوا اسمك، فإنهم أكلوا يعقوب وأخربوا ~~دياره، لا تذكر خطايانا الأولى بل تغشانا رأفتك سريعا، لأنا قد تمسكنا ~~جدا، فكن لنا معينا يا إلهنا ومخلصنا، ونمجد اسمك يا رب، نجنا واغفر ~~لنا خطايانا لأجل اسمك الكريم، لئلا تقول الأمم: أين إلههم؟ عند ذلك تعلم ~~الشعوب وتنظر عيوننا انتقام دماء عبيدك المسفوكة، وليدخل إليك تنهد ~~الأسارى، وكمثل عظمة ذراعك أنقذ بني المقتولين، جاز جيراننا في حضنهم ~~للواحد سبعة بالعار الذي عيروك يا رب! نحن شعبك وغنم رعيتك، ms2593 نشكرك إلى ~~الأبد ونخبر بتسابيحك من جيل إلى جيل. # أنصت يا راعي إسرائيل الذي هدى يوسف كالخروف، انظر أيها الجالس على ~~الكروبين استعلن قدام إفرام وبنيامين ومنشا، وأظهر جبروتك وتعال لخلاصنا، ~~اللهم! أقبل وأشرق وجهك علينا وخلصنا، اللهم ربنا القوي! حتى متى تسخط ~~على صلاة عبيدك، وتطعمهم الخبز بدموعهم وتسقيهم الدموع بالكيل، جعلتنا ~~عارا لجيراننا، واستهزأ بنا أعداؤنا، اللهم رب القوات! أقبل بنا وأشرق ~~وجهك علينا وخلصنا، أنت نقلت الكرمة من مصر، طردت الشعوب وغرستها، سهلت ~~طريقا أمامها، مكنت أصولها، امتلأت الأرض منها، ظلل الجبال ظلها ~~وأغصانها على أرز الله، كذلك امتدت عروقها إلى البحر وإلى الأنهار ~~فروعها، ثم إنك هدمت سياجها، وقطعها كل عابري السبيل، خنزير الغاب ~~أفسدها، وحيوان الوحش رعتها، اللهم رب القوات! اعطف علينا، واطلع من ~~السماء، وانظر وتعاهد هذه الكرمة، وأصلح الغرس الذي غرسته يمينك وابن ~~الإنسان الذي قويته، ولتهلك الذين أحرقوها بالنار برجزك، ولتكن يدك على ~~رجل يمينك وابن الإنسان الذي اصطفيته لك، لا تبعدنا منك وأنقذنا لنمجد ~~اسمك، اللهم رب القوات! اعطف علينا وأشرق وجهك علينا وخلصنا؛ وفي الرابع ~~والثمانين: رضيت يا رب عن أرضك، ورددت سبي يعقوب، غفرت ذنوب شعبك سترت ~~جميع خطاياهم، سكنت كل رجزك، ورددت شدة غضبك؛ وفي الثامن والثمانين: قدوس ~~إسرائيل ملكنا بالوحي، كلمت نبيك وقلت: إني جعلت عونا للقوى، رفعت ~~مختارا من شعبي، ووجدت داود عبدي، مسحته بدهن قدسي، يدي أعانته، وذراعي ~~قوته، عدوه لا يضره، وابن الخطيئة لا يذله، وقطعت أعداءه من بين يديه، ~~ولمغضبيه قهرت، أمانتي ورحمتي معه، وباسمي يرتفع قرنه، جعلت في البحار ~~طريقه، وفي الأنهار يمينه، هو يدعوني: أنت أبي وإلهي ناصري وخلاصي، وأنا ~~أجعله بكرا رفيعا على جميع ملوك الأرض وأحفظ عليه رحمتي إلى الأبد؛ ثم ~~قال: وأنت رفضت وأقصيت مسيحك، ونقضت عهد عبدك في الأرض، ودنست قدسه، ~~وهدمت جميع سياجه، وكل حصونه أخفت، اختطفه عابرو السبيل، صار عارا في ~~جيرته، رفعت يمين أعدائه، فرحت جميع مبغضيه، رددت نصرة سيفه، لم تعنه في ~~الحرب، ms2594 أبطلت شجاعته، طرحت في الأرض كرسيه، صغرت أيام سنيه، صببت حزنا ~~عليه، فحتى متى تسخط يا رب؟ إلى الأبد يتقد مثل النار رجزك، اذكر خلقك ~~لي، فإنك لم تخلق الإنسان باطلا، من هو الإنسان الذي يعيش ولا يعاين ~~الموت أو ينجي نفسه من الجحيم؟ اللهم! أين رحمتك القديمة التي حلفت بحقك ~~لداود عليه السلام؟ اللهم أعداؤك عيروا آثار مسيحك، تبارك الرب إلى ~~الأبد، يكون يكون؛ وفي الخامس بعد المائة: خلصنا يا إلهنا واجمعنا من ~~الأمم لنشكر اسمك القدوس، ونفتخر بتسبيحك، تبارك الرب إله إسرائيل من ~~الآن وإلى الأبد، يقول جميع الشعب: يكون، وفي الخامس والعشرين بعد ~~المائة: إذا رد الرب سبي صهيون صرنا كالمتغربين، حينئذ تمتلىء أفواهنا ~~فرحا وألسنتنا تهليلا، هناك يقال في الأمم: قد أكثر الرب الصنيع إلى ~~هؤلاء، أكثر الرب الصنيع إلينا فصرنا فرحين، يا رب اردد سبينا كأودية ~~اليمن، الذين يزرعون بالدموع ويحصدون بالفرح، كانوا ينطلقون يبذرون زرعهم ~~باكين ويأتون مقبلين بالتهليل حاملين غلاتهم؛ وفي السادس والثلاثين بعد ~~المائة: على أنهار بابل جلسنا هناك وبكينا حين ذكرنا صهيون، وعلقنا ~~قيتاراتنا على الصفصاف الذي في وسطها، لأن الذين سبونا سألونا هناك قول ~~التمجيد، والذين انطلقوا قالوا: سبحوا لنا في تسابيح صهيون! كيف نسبح لكم ~~تسابيح الرب في أرض غريبة؟ إن نسيتك يا يروشليم فتنساني يميني، ويلصق ~~لساني بحنكي إن لم أذكروك وإن لم أسبق وأصعد إلى يروشليم في ابتداء فرحي، ~~اذكر يا رب بني أدوم في يوم أورشليم القائلين: اهدموا إلى الأساس. # يا ابنه الشقية! طوبى لمن يجازيك جزاء صنيعك بنا، طوبى لمن أخذ أطفالك ~~وضرب بهم الصخرة. # وهذا الذي في هذا المزمور إيذان بما يحل بهم من بختنصر، وقد تقدم غير ~~مرة أن ما كان فيما ينقل من هذه الكتب القديمة من لفظة توهم نقصا كالأب ~~ونحوه فإنها على تقدير صحتها عنهم لا يجوز إطلاقها في شرعنا، والظاهر أن ~~هذه الادلة المذكورة في القرآن في هذه الكرة هي التي كانت في أيام عزير ~~عليه السلام على يد ms2595 كورش ملك الفرس - كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وأن ~~الذين كانوا قهروهم أولا هم أجناد بختنصر - كما تقدم، ففي سفر أنبياء ~~بني إسرائيل الذين كانوا بعد موسى عليه السلام أن الله تعالى أوحى إلى ~~إرميا بن حلقيا من الأحبار الذين كانوا في عناثوث في أرض بنيامين على عهد ~~يوشيا ملك يهوذا في السنة الثالثة عشرة من ملكه يتوعدهم بأنهم إن لم ~~يرجعوا عما أحدثوا من الضلالات سلط عليهم ملك بابل، ولم يزل يحذرهم مثل ~~ذلك ويخبرهم بما يحصل لهم من الشر بذنوبهم إلى أن تمت أيام يواكيم بن ~~يوشيا، وفي إحدى عشرة سنة لصديقيا بن يوشيا إلى يوم سبيت أورشليم في ~~الشهر الخامس، وهو شهر آب وكان يخبرهم بأن ملك بابل يأسر صديقيا ملك ~~اليهود، ويسوقه مع الأسرى إلى بابل، ويستمرون في أسرهم سبعين سنة ثم ~~يردهم الله تعالى إلى بيت المقدس. # قال إرميا عليه السلام: إن الله تعالى قال لي: من قبل أن أصورك في البطن ~~عرفتك، وخصصتك لي نبيا من قبل أن تخرج من الرحم وجعلتك نبيا للشعوب، ~~فقلت: أطلب إليك يا رب وإلهي أن تعفيني، لأني لست أعلم أن أنطق لأني حدث، ~~فقال لي الرب: لا تقل: إني حدث. لأنك تتوجه إلى كل ما أرسلك فيه وتجمع ما ~~آمرك به من القول، فأده ولا تخف لأني معك أنقذك من كل آفة، وإن الرب مد ~~يده وقربها إلى في وقال لي الرب: قد صيرت أقوالي في فيك، فاعلم أني قد ~~سلطتك اليوم على جميع مملكات الأمم لتهدم وتنقض وتهلك وتستأصل وتبكت ~~وتتنبأ وتقدسني، ثم أوحى إلي الرب وقال: ما الذي رأيت يا إرميا؟ فقلت: ~~رأيت غصنا من شجر اللوز، فقال لي الرب: ما أحسن ما رأيت لأن معجل فصل ~~أقوالي؛ ثم أوحى إلي الرب ثانية: ما الذي رأيت؟ فقلت منجلا منصوبا ~~ووجهه إلى ناحية الجربياء - أي الشمال - فقال لي الرب: من ناحية الجربياء ~~ينفتح الشر وينزل في جميع الأرض التي ليهوذا، ها أنا مرسلك أن تدعو جميع ms2596 ~~عشائر مملكات الجربياء، يقول الرب. فيأتون ويلقي كل رجل منهم كرسيه في ~~مدخل أبواب أورشليم، ويحوطون بسورها كما يدور، وبجميع قرى يهوذا، وأنتقم ~~منهم بأحكام وقضائي من أجل جميع سرورهم وبسوء أعمالهم، لأنهم اجتنبوني ~~وبخروا لآلهة غريبة بالبخور، وسجدوا لصنعة أيديهم فأمت أنت فشد على ظهرك، ~~وقم فقل عليهم جميع الأقوال التي آمرك بها ولا تخفهم ولا تحابهم لئلا ~~أكسرك بين أيديهم وأذلك، وقد جعلتك اليوم كالقرية العزيزة الممتنعة، ومثل ~~قضيب من حديد، وصيرتك مثل سور من نحاس على الأرض كلها، وعلى جميع ملوك ~~يهوذا وعلى عظمائهم وعلى أحبارهم وآبائهم، وعلى جميع شعب الأرض، فإن ~~جاهدوك لم يقهروك لأني معك وأنا منقذك منهم. # ولم يزل يقوم فيهم بمثل هذا من كلام في غاية البلاغة والرقة بحيث يفتت ~~الأكباد، ويصدع القلوب، ويفيض العيون، نحو أربع كراريس، لولا خوف الملالة ~~وكراهة الإطالة لأتيت بكثير منه، وكان المتنبئون الكذبة يقومون فيهم ~~بخلاف ذلك مما يؤمنهم إلى أن ضربوا إرميا ليترك عنهم مثل ذلك، فلم يكن ~~يستطيع تركه وقال لشخص من المتنبئين اسمه حنينا: إن الرب لم يرسلك، أنت ~~وكلت هذا الشعب على الزور، ومن أجل هذا يقول الرب: هو ذا أطرحك عن وجه ~~الأرض، وفي هذه السنة تموت، لأنك تكلمت بالإثم قدام الرب، فمات حنينا ~~النبي الكذاب في تلك السنة في الشهر السابع. ثم زاد تحذير إرميا لهم إلى ~~أن حبسوه، ثم إن الله تعالى أمره أن يكتب لهم ما يوحيه إليه في صحيفة ~~ويرسلها إليهم، فدعا باروخ بن ناريا الكاتب وأمره بكتابة ما أنطقه به ~~الرب وقال له ها أنا محبوس ولست أستطيع أن أدخل بيت الرب، فخذ هذه ~~الصحيفة وادخل أنت إلى بيت الرب في يوم الصوم واقرأها عليهم، فإنها كلام ~~الرب، لعلهم يرجعون عن طريقة السوء، ويكف الرب عن الشر الذي قاله عليهم. # لأنه عظيم الرجز والغضب الذي تكلم به الرب على هذا الشعب. ففعل باروخ ~~ذلك، فأخذوا الصحيفة من يده وأوصلوها إلى الملك يواقيم بن يوشيا فشققها ~~وأحرقها بالنار، ms2597 فأمره الله أن يكتب صحيفة أخرى مثلها ويزيد ما يأمره ~~الله به، ومنه أن يواقيم ملك يهوذا لا يكون له من يجلس على كرسي داود ~~عليه السلام، وجيفته تكون مطروحة في السموم بالنهار وفي الجليد بالليل، ~~وآمر به وبذريته وبعبيده، وآتى على أورشليم وعلى سكانها وعلى بيت يهوذا ~~بكل الشر الذي قلت عليهم، لأنهم لم يسمعوا صوتي. # ولما ملك صاديقيا على اليهود، وكانت السنة العاشرة من ملكه، وهي الثامنة ~~عشرة لبختنصر ملك بابل، أحاطت جيوش ملك بابل بأورشليم، وكان إرميا النبي ~~محبوسا في دار حرس الملك، حبسه فيها صاديقيا ملك يهوذا، وقال له: ما لك ~~تتنبأ وتقول: هكذا يقول الرب: هوذا أدفع هذه القرية وصديقيا ملك يهوذا في ~~يدي ملك بابل ويضبطها، ولا ينجو من أيدي الكلدانيين، لأن الرب دفاع يدفعه ~~في يدي ملك بابل ويكلمه فمه لفمه وعيناه إلى عينيه، وينطلق به إلى بابل؟ ~~فأوحى الله إلى إرميا وهو محبوس فقال: يقول الرب: هوذا أدفع هذه القرية ~~إلى ملك بابل فيحرقها بالنار، وأنت فلا تفلت من يديه، ولكنك أخذا تؤخذ ~~وتدفع إليه وعيناك إلى عينيه تنظر، وفمك إلى فمه يكلم، وإلى بابل تذهب، ~~ولكن اسمع يا صديقيا ملك يهوذا قول الرب، هكذا يقول الرب عليك: إنك لست ~~تموت بالحرب، ولكنك موت سلامة تموت، وكالذي ناحوا على آبائك الملوك ~~الأولين الذين كانوا قبلك ينوحون عليك ويقولون: واسيداه! لأن هذا القول ~~الذي تكلمت به قاله الرب، هذا كله، وأجناد ملك بابل تحاصر أورشليم ~~وتقاتلها. # ثم إن صديقيا أرسل إلى فرعون بمصر ليستنجد به فخرج جنده، فلما سمع بهم ~~الكلدانيون انصرفوا عن أورشليم، وحل قول الرب على إرميا أن هكذا يقول ~~الرب إله إسرائيل لملك يهوذا الذي بعث إلى جند فرعون ليعينوه: هوذا الآن ~~جند فرعون يرجعون إلى أرض مصر، ويرجع الكلدانيون ويقاتلون هذه القرية ~~ويحتوون عليها ويحرقونها بالنار، هكذا يقول الرب، لا تظنوا في أنفسكم أن ~~الكلدانيين الذين انصرفوا عنكم ليس يرجعون، بل إنهم يرجعون ويحرقون ~~القرية بالنار ثم إن اليهود ms2598 اتهموا إرميا بأنه يريد أن يفر إلى ~~الكلدانيين فجلدوه وطرحوه في السجن، فأخرجه الملك صديقيا وسأله في البيت ~~سرا عن قول الرب فقال له: في يد ملك بابل تدفع، وقال له: ماذا أخطأت ~~إليك وإلى عبيدك وإلى هذا الشعب إذ طرحتموني في السجن؟ وأين الذين كانوا ~~يتنبؤون لكم أنه لا يأتي عليكم ملك بابل ولا على هذه الأرض؟ فرده إلى ~~السجن ولم ينزله إلى الجب لأنه كان لا يقدر على مخالفة أشراف مملكته. # ثم قال إرميا: هكذا يقول الرب: من يسكن هذه القرية بالحرب فبالجوع ~~والموتان يذهب، فأما من يخرج إلى الكلدانيين فإنه يحيي نفسه ويعيش، هكذا ~~يقول الرب، فقال الأشراف: يقتل هذا الرجل لأنه يسقط أيادي المقاتلة الذين ~~بقوا في القرية وأيادي الشعب إذا قال هذا الكلام، فقال الملك صديقيا: ~~هوذا منذ وقع في أيديكم لا يستطيع أن يغير هذا الكلام، ولم يكن الملك ~~يقدر يقول لهم شيئا، فأخذوا إرميا وطرحوه في جب إميلخيا بن الملك في دار ~~السجن، والجب لم يكن فيه ماء ولكن حمأة، فغرق إرميا في الحمأة، وسمع عبد ~~الملك حبشي وكان رجلا مؤمنا فقال للملك: يا سيدي! بئس ما صنع هؤلاء ~~القوم بالنبي إذ طرحوه في جب، وهو ذا يموت، فقال الملك: خذ معك من هنا ~~ثلاثين رجلا، وانطلقوا اصعدوا إرميا من الجب قبل أن يموت، وإن عبد الملك ~~أخذ رجالا ودخل إلى الخزانة التي أسفل بيت الملك، وأخذ من ثم خلقانا ~~فسبسبها إلى إرميا بالحبل وقال له: خذ هذه الخلقان، واجعلها تحت إبطيك، ~~لئلا يعقرك الحبل، ففعل إرميا كذلك وأصعدوه من الجب وأجلسوه في دار ~~السجن، وأرسل الملك فأدخل إرميا إليه وجعله في داخل ثلاثة أبيات، مخدع ~~داخل مخدع وقال له: إني أسألك أن لا تكتمني شيئا، قال إرميا لصديقيا: ~~إني أخاف أن تقتلني، وإن أنا أشرت عليك لم تطعني، فقال صديقيا: حي هو ~~الرب الذي خلقني إني لا أقتلك ولا أدفعك إلى الناس الذين يريدون نفسك، ~~فقال إرميا: هكذا يقول الرب إله إسرائيل: ms2599 لئن خرجت إلى أشراف ملك بابل ~~لتحيين نفسك، وهذه القرية تسلم ولا تحرق بالنار، وتعيش أنت وبنوك، وإن ~~أنت لم تخرج إليهم فستدفع هذه القرية إلى الكلدانيين ويحرقونها بالنار ~~وأنت فلا تنجو من أيديهم، فقال الملك لإرميا: إني أخشى من اليهود أن أخرج ~~إلى الكلدانيين فلعلهم يدفعونني في أيديهم ويهزؤون بي، قال إرميا: إنهم ~~ليس يدفعونك في أيديهم، اسمع إلى كلمة الرب لمنفعتك لتحيي نفسك. # وحل على إرميا قول الرب إذ كان محبوسا في دار الحرس: انطلق فقل للعبد ~~الحبشي الذي للملك: هكذا يقول الرب القوي إله إسرائيل: هو ذا آتي على هذه ~~القرية بالشر، ويكونون قدامك في ذلك اليوم، وأنجيك، قال الرب: ولا تدفع ~~في يد القوم الذين لا يخشون الله، ولا تسقط في الحرب، ولكنك تنجو بنفسك ~~لأنك توكلت على ما قال لك الرب. # وجلس إرميا في دار السجن حتى اليوم الذي أخذ فيه الكلدانيون أورشليم في ~~السنة التاسعة لصديقيا ملك يهوذا في الشهر العاشر، وفي تسعة من الشهر أتى ~~بختنصر ملك بابل في كل أجناده إلى أورشليم وحلوا عليها، وفي إحدى عشرة ~~سنة لصديقيا في الشهر الخامس انثلمت القرية، فأتى كل أشراف ملك بابل إلى ~~الباب الأوسط، فلما رأى صديقيا أنهم قد جلسوا في الباب الأوسط وقد هرب ~~المقاتلة وخرجوا بالليل، خرج الملك أيضا من الباب الذي بين السورين في ~~طريق نيسان، فلما صار إلى الصحراء طلبه جند الكلدانيين على الأثر، ~~فأدركوه في صحراء أريحا وافترق عنه أجناده فساقوه حتى أصعدوه إلى بختنصر ~~ملك بابل في ديلاب من أرض حماة وذبح ملك بابل بني صديقيا وكل أشراف ~~يهوذا، وأعمى عيني صديقيا وأوثقه في السلاسل لكي يذهب به إلى بابل، وأحرق ~~بيت الملك وبيوت الشعب بالنار، واستأصل السور المحيط بأورشليم، وكذا بقية ~~الشعب، الذين بقوا في القرية والذين هربوا إليه سباهم ودفعهم إلى وازردان ~~صاحب شرطته، فانطلق بهم إلى بابل، ومساكين الشعب - الذين ليس لهم شيء - ~~تركهم في أرض يهوذا، واستعمل عليهم أخيقام بن شافان، وأمر بختنصر صاحب ms2600 ~~شرطته أن يأخذ إرميا وقال: لتكن عينك عليه، ولا تفعل به بأسا، وما قال ~~لك من شيء فافعله، فأرسل إلى إرميا فأخذه من دار الحبس، ودفعه إلى أجدليا ~~بن أخيقام بن شافان ليرده إلى بيته، وقال وازردان صاحب الشرطة لإرميا: ~~إلهك الذي قال هذا الشر على هذه البلدة وفعل كالذي قال، لأنكم أخطأتم ~~للرب ولم تسمعوا صوته، فأنزل بكم هذا الأمر، وأما أنت فهاأناذا قد أحللتك ~~من السلاسل التي كانت في يديك، فإن شئت أن تأتي معي إلى بابل فتعال، وإن ~~شئت فأقم، فهذه الأرض في يديك كلها، فحيثما كان خيرا لك وحيث يحسن في ~~عينيك فانطلق إليه، وإلا فاجلس عند جدليا بن أخيقام بن شافان الذي سلطه ~~بختنصر في يهوذا، وأعطاه صاحب الشرطة مواهب في الطريق وسرحه بسلام، فأتى ~~إرميا إلى أجدليا بن أخيقام إلى مسفيا، وجلس عنده مع الشعب الذين خلفهم ~~ملك بابل في الأرض. # هذا ما دل على أولي البأس الشديد الذين سلطهم الله عليهم، وأما ما دل ~~على رحمة الله لهم ففي تأريخ يوسف بن كريون أن الروم لما بلغهم أن بختنصر ~~ملك بابل فتح مدينة المقدس ازداد خوفهم من الكسدانيين، فأرسلوا إلى ~~بختنصر رسلا وهدايا، وطلبوا منه الأمان والمسالمة، فآمنهم وعاهدهم على ~~طاعته وموالاته، فاطمأنوا وآمنوا وانقطعت عنهم تلك الحروب إلى زمان دارا ~~الملك، وكان سبب الحروب بين الروم وبين الكسدانيين. أن الكسدانيين كانوا ~~يعادون اليونانيين، فأعان الروم اليونانيين فغضب الكسدانيون من ذلك ~~فحاربوا أهل رومية، واتصلت الحروب بينهم إلى هذا الحد، فلما انتقد الله ~~العزيز على الكسدانيين طول تجبرهم وحكم بزوال ملكهم وانقضاء دولتهم كما ~~أخبرت به الأنبياء عليهم السلام، أثار عليهم من ملوك الأمم ملكين عظيمين: ~~أحدهما دارا ملك ماداي، والآخر كورش ملك الفرس، فتزوج كورش ملك الفرس بنت ~~دارا واتفقا على معصية الكسدانيين، وأظهر الخلاف على بلتشصار بن بختنصر ~~ملكهم، ثم سار إلى بابل في عساكر قوية، فأرسل إليهم بلتشصر عسكرا ~~كبيرا، فجرت بينهم حرب عظيمة، قتل فيها من الفريقين خلق كثير، ms2601 ثم انهزم ~~عسكر بلتشصر وهربوا، فتبعهم كورش ودارا إلى مسيرة يوم عن بابل، وقتلا ~~كثيرا منهم، وأقام دارا وكورش في ذلك الموضع، ثم إن بلتشصر بعث إليهما ~~بألف قائد من قواده ومعهم جميع خاصته وجبابرته، فخرجوا من بابل آخر ~~النهار، وساروا ليلتهم فانتهوا إلى عسكر دارا وكورش عند الصباح فكبسوهم ~~وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، فانهزم دارا وثبت كورش فقاتل الكسدانيين ومنعهم ~~أن يتبعوا عسكر دارا، وقامت الحرب بينهم طول النهار، ثم استظهر ~~الكسدانيون على الفرس وقتلوا جماعة منهم، فانهزم الفرس وعاد قواد بلتشصار ~~إليه ظافرين غانمين، فعظم سرور بلتشصار بذلك، وصنع لقواده صنيعا عظيما ~~أحفل فيه وأحضر الآلات الحسنة من الفضة والذهب، وبالغ في إكرامهم وحضر ~~معهم مجلس الشراب، فأكل وشرب وعظم سرورهم وسروره، فلما أخذ الشراب منه ~~أراد أن يزيد في إكرام أصحابه وسرورهم، فأمر بإحضار آلات الذهب والفضة ~~التي كان جده بختنصر الملك قد أخذها من هيكل بيت المقدس، ونقلها مع جالية ~~بني إسرائيل إلى بابل، فأحضرت تلك الآلات بحضرة بلتشصر فشرب فيها الخمر ~~وسقى فيها قواده ونساءه وجواريه، وأقبلوا يسبحون لأصنامهم ويحمدونها، ~~قال: فسخط الله سبحانه من ذلك وكره ما فعله بلتشصار من ابتذال آلات القدس ~~ولم يخف من الله ولم يشكره على ما ظفره بأعدائه، فأرسل ملاكا وأمره أن ~~يكتب بحضرة بلتشصار ألفاظا بأحمر تتضمن ذكر ما حكم الله به عليه وعلى ~~مملكته، فحل الملاك بأمر الله عز وجل وكتب الألفاظ على حائط المجلس مقابل ~~المنارة، وكان يرى أصابع الملاك وهي تكتب وما رأى بقية شخصه، وكانت تلك ~~الأصابع شديدة البهار والنور، فلما رآها ذهل ولحقه رعب شديد وفزع وارتعد ~~جميع جسمه رعدة شديدة، ورعب جيمع جنده، ولم يفهم تلك الكتابة ولا وجد في ~~أصحابه من يقرأها لأن الخط كان كسدانيا وكان اللفظ عبرانيا. # فأمر بإحضار دانيال النبي - صلى الله على نبينا محمد وعليه السلام - ~~فقرأها وفسرها وقال: أيها الملك! قد أخطأت خطأ عظيما بابتذالك آلات قدس ~~الله بأيدي جندك وجواريك فنجسوها، ولذلك سخط الله وأرسل ms2602 ملاكه حتى كتب ~~هذه الألفاظ ليعلمك ما يريد أن يفعله، فأما هذه الألفاظ المكتوبة فهي " ~~حسب ووزن ونقل " وتفسيرها أن الله حسب مدة دولتكم التي قد جعلها لكم ~~فوجدها قد انقضت وانتهت ولم يبق منها شيء، ووزنك في الميزان فوجدك ~~ناقصا، يريد أنه جربك بالإحسان إليك والظفر بأعدائك فوجدك غير شاكر ~~لإحسانه ولم تحمده، بل سبحت الأصنام، وأما تفسير " نقل " فإن الله قد قضى ~~وحكم بزوال الملك عنك ونقله إلى كورش ودارا؛ قال: فلما سمع بلتشصار ما ~~قال دانيال ازداد خوفه وفزعه واضطرب قواده أيضا وفزعوا فزعا شديدا ~~وانصرفوا إلى منازلهم وهم خائفون، فلما نام بلتشصر في تلك الليلة جاء ~~إليه خادم من خدمه فقتله على فراشه، وأخذ رأسه ومضى إلى دارا وكورش، ~~وأخبرهما بخبر بلتشصار وما فعل من ابتذال آنية القدس، وخبر الكتابة التي ~~كتبها الملاك قدامه وتفسير دانيال لها، وما أخبره به من انقضاء ملكه ~~وانتقال دولته إلى ملوك مادي وفارس بسبب ابتذاله آنية القدس، فلما سمع ~~دارا وكورش ما أخبرهما به ونظرا رأس بلتشصار شكرا الله عز وجل واعترفا ~~بقدرته وأكثرا تسبيحه وتمجيده، ونذر كورش أنه يبني بيت الله بأورشليم، ~~ويرد تلك الآنية، ويطلق جالية اليهود أن يرجعوا إلى بلادهم، ثم سار كورش ~~ودارا من مواضعهما، ودخلا بابل وقتلا جميع أهلها بأشد القتل وأعظم ~~العذاب، فتم عند ذلك ما أخبرت به الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من ~~انتقام الله تعالى من الكسدانيين وأهل بابل ومجازاتهم بما فعلوه بآنية ~~قدسه، ثم اقتسم دارا وكورش مملكة الكسدانيين فأخذ دارا مدينة بابل ~~وأعمالها وتسلم قصر بلتشصار وجلس على سريره، وأخذ كورش جميع مملكة ~~الكسدانيين التي هي غير بابل وأعمالها واستقر الأمر بينهما على ذلك، وكان ~~دارا في ذلك الوقت شيخا فلم تطل مدته فلما مات اتفق عظماء مادي وفارس ~~على أن ملكوا عليهم كورش، ومنذ ذلك الوقت صار ملك مادي وفارس واحدا، ~~وبقي الأمر على ذلك ولم يتغير، ولما تسلم كورش مملكة الكسدانيين، وجلس ~~على كرسي بابل وملك على مادي وفارس ms2603 حركه الله تعالى في السنة الأولى من ~~ملكه، فذكر نذره الذي كان قد نذر أنه يطلق لجالية بني إسرائيل الرجوع إلى ~~بلدهم، وأنه يبني قدس الله، ويرد آلاته إليه، فأمر بإحضار شيوخ الجالية ~~وكبرائهم، فأخبرهم بما قد عزم عليه من بناء بيت المقدس وإطلاقهم وقال ~~لهم: من اختار من جالية اليهود أن يمضي إلى مدينة القدس لبناء الهيكل ~~الذي أخربه بختنصر فليمض ويستعن بالله عز وجل فإنه يعينه، وأنا كورش عبد ~~الإله العظيم أطلق من خزائني جميع ما يحتاج إليه من المال والعدد لعمارة ~~بيت الرب الذي ظفرني بالكسدانيين، وأعطاني ملكهم، قال: فلما سمع شيوخ ~~الجالية مقالة كورش عظم سرورهم بذلك وشكروا الله عز وجل على إحسانه، ~~وطلعوا إلى مدينة بيت المقدس، ومعهم جماعة كثيرة، ومعهم عزرا الكاهن عليه ~~السلام ونحميا ومردخاي ويشوع وسائر رؤساء الجالية ومقدميهم، فبنوا بيت ~~الله على المقدار الذي رسم لهم كورش، وبنوا المذبح على واجبه وحدوده، ~~وقربوا القرابين على واجبها، وكان كورش يطلق لهم كل سنة ما يحتاجون إليه ~~لخدمة بيت الله من المال والحنطة والزيت والخمر والغنم والبقر، وأطلق لهم ~~مالا كثيرا، ولم يزل الأمر يجري على ذلك طول مملكة الفرس، قال: ثم عظم ~~أمر كورش وبسط الله يده على جميع الأمم والممالك، وفتح له الحصون المنيعة ~~وأعطاه كنوز الأرض وذخائرها، ولم يزل مقبلا مظفرا حيثما توجه كما أخبر ~~الله تعالى على يد أشعيا النبي عليه السلام أنه يفعل ذلك بكورش من أجل ~~إحسانه إلى بني إسرائيل؛ قال في سفر الأنبياء في نبوة أشعيا بن آموص: ~~هكذا يقول الرب: أنا الذي أبطل آيات العرافين، وأصير كل تعريفهم جهلا، ~~وأرد الحكماء إلى خلفهم، وأعرف أعمالهم للناس، وأثبت كلمة عبيدي، وأتمم ~~قول رسلي، لأنه قال لأورشليم: إنها تعمر، ولقرى يهوذا: إنها تبنى وتعمر ~~خراباتها، ويقول للغور أن يخرب وتيبس أنهاره، ويقول لكورش: ارع لتتم جميع ~~إرادتي، وتأمر ببناء أورشليم وتقيم هياكلها، هكذا يقول الرب لمسيحه وكورش ~~الذي أخذ بيمينه لتخضع له الشعوب ويظهر على الملوك أبدا: ms2604 افتح الأبواب ~~بين يديه، ولا تغلق الأبواب أمامه، أنا أسير قدامه، وأسهل له العسر، أكسر ~~أبواب النحاس، وأحطم أمخال الحديد، وأعطيه الذخائر التي في الظلمات، ~~والأشياء المطمورة المستورة، ليعلم أني أنا الرب الذي دعوته قبل مولده ~~إله إسرائيل، من أجل عبدي يعقوب وإسرائيل صفي دعوتك باسمك، وكنيتك من ~~قبل أن تعرفني، أنا الرب ولا إله غيري - انتهى ما في سفر الأنبياء. # ولم يزل كورش يحسن إلى بني إسرائيل حتى مات وملك بعده ابنه تمكيشه فأنفذ ~~ما كان صنعه أبوه من البر إلى اليهود وإطلاق الأموال الكثيرة لهم تعظيما ~~لبيت الله، وكان من بعده من ملوك الفرس على ذلك، ويطلقون ما كان كورش ~~يطلقه للقرابين وغيرها، ويجلون بيت الله ويعظمونه ويتبركون به، حتى كان ~~أحشويرش - وهو أردشير الملك - فتغيرت حال اليهود في زمانه بسبب وزير ~~استوزره من العماليق يسمى هامان، ثم إن الله تعالى عطفه عليهم بسبب زوجة ~~له من اليهود، ولم يزل أمرهم مستقيما وهم تحت طاعة الفرس إلى أن ملك ~~الإسكندر الثاني، قال ابن كثير في سورة الكهف: وهو الذي يؤرخ له من مملكة ~~الروم، وقد كان قبل المسيح بنحو من ثلاثمائة سنة انتهى. وهو الماقيدوني ~~اليوناني الرومي، ملك بعد قتل أبيه فليفوس، وكان عمره حين ملك عشرين سنة، ~~وكان حكيما عارفا بسائر العلوم، وكان الذي علمه الحكمة أرسطاطاليس ~~الحكيم، وكان الإسكندر يشاوره في أموره ويرجع إلى رأيه ويتدرب بتدبيره، ~~ولم يكن يشبه أباه ولا أمه، وكان وجهه كوجه الأسد وعيناه مختلفتين: ~~اليمنى سوداء تنظر إلى أسفل، واليسرى صافية اللون كعين السنور تنظر إلى ~~فوق، وأسنانه دقيقة حادة كأسنان الكلب، وكان شجاعا جريئا مقداما من ~~صباه، فلما فتح بلاد المغرب ورجع منها قصد بلاد الشام وتوجه إلى بيت ~~المقدس فلقيه ملاك الرب فأمره أن يعظم القدس وأهلها، ففعل ثم قصد دارا ~~الثاني ملك الفرس، فلما حاذى نابلس خرج إليه سنبلاط السامري صاحبها وحمل ~~إليه أموالا كثيرة وهدايا، ثم سار إلى دارا فقتله، ثم إلى ملك الهند ~~فكذلك، ثم إلى ms2605 مطلع الشمس، ثم أحب أن يرى أطراف الأرض فضرب فيها، ورأى من ~~الأمم والعجائب ما هو مذكور في سيره، ورجع فمات ببابل، ثم كان أمر اليهود ~~تارة وتارة وهم تحت حكم اليونان الذين ملكوا بعد الإسكندر، ثم غلب الروم ~~فكان اليهود تحت أيديهم، وكانوا يقومون ويقعدون تارة وتارة إلى أن كثرت ~~فيهم الأحداث، وعظمت المصائب والفتن، وعم الفساد، وكثرت فيهم الخوارج، ~~واتصل القتل والغدر والنهب والغارات، وقتلوا زكريا ويحيى وابنه عليهما ~~السلام، وأطبقوا على إرادة قتل المسيح ابن مريم عليهما السلام، فرفعه ~~الله تعالى إليه ثم سلط عليهم طيطوس قيصر فأهلكهم وأخرب البيت الخراب ~~الثاني - كما سيأتي ثم لم يقم لليهود أمر إلى الآن. # فلما ثبت بكون ما توعد به سبحانه في أوقاته كما أخبر به بطشه وحلمه، ~~فثبتت قدرته وعلمه، أشار إلى أن من سبب إذلاله لمن يريد به الخير ~~المعصية، وسبب إعزازه الطاعة، فقال تعالى: { إن أحسنتم } أي بفعل الطاعة ~~على حسب الأمر في الكتاب الداعي إلى العدل والإحسان { أحسنتم لأنفسكم } ~~فإن ذلك يوجب كوني معكم فأكسبكم عزا في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما { ~~وإن أسأتم } أي بارتكاب المحرمات والإفساد { فلها } الإساءة، وذكرها ~~باللام تنبيها على أنها أهل لزيادة النفرة لأن كل أحد يتطير من نسبتها ~~إليه عبارة كانت، فإذا تطير مع العبارة المحبوبة فكيف يكون حاله مع ~~غيرها. # ولما انتهزت فرصة الترغيب في الطاعة والترهيب من المعصية، عطف الوعيد ~~الثاني بالفاء إشارة إلى أنه بعد نصر بني إسرائيل على أهل المرة الأولى، ~~ولعلها أيضا مؤذنة بقرب مدتها من مدة الإدالة فقال تعالى: { فإذا جاء } ~~أي أتى إتيانا هو كالملجأ إليه قسرا على خلاف ما يريده الآتي إليه { ~~وعد الآخرة } أي وقته، فاستأهلتم البلاء لما أفسدتم وأحدثتم من البلايا ~~التي أعظمها قتل زكريا ويحيى عليهما السلام والعزم على قتل عيسى عليه ~~السلام { ليسوءوا } أي بعثنا عليكم عبادا لنا ليسوءوا { وجوهكم } أي ~~يجعل آثار المساءة بادية فيها، وحذف متعلق اللام لدلالة الأول عليه { ~~وليدخلوا المسجد } أي الأقصى الذي ms2606 سقناكم إليه من مصر في تلك المدد ~~الطوال وأعطيناكم بلاده بالتدريج، وجعلناه محل أمنكم وعزكم، ثم جعلناه ~~محلا لإكرام أشرف خلقنا بالإسراء به إليه وجمع أرواح النبيين كلهم فيه ~~وصلاته بهم ثم، وهذا تعريض بالتهديد لقريش بأنهم إن لم يرجعوا أبدل ~~أمنهم في الحرم خوفا وعزهم ذلا، فأدخل عليهم جنودا لا قبل لهم بها، ~~وقد فعل ذلك عام الفتح لكنه فعل إكرام لا إهانة ببركة هذا النبي الكريم ~~صلى الله عليه وعلى آله وسلم وشرف وكرم وبجل ومجد وعظم دائما أبدا { ~~كما دخلوه } أي الأعداء { أول مرة } بالسيف، ويقهروا جميع جنودكم دفعة ~~واحدة { وليتبروا } أي يهلكوا ويدمروا مع التقطيع والتفريق { ما علوا } ~~أي عليه من ذلك، وقيل: ما مصدرية، أي مدة علوهم فيكون { يتبروا } قاصرا ~~فيعظم مدلوله، وأكد الفعل وحقق الوعد فقال: { تتبيرا * }. # وقال في التوراة إشارة إلى هذه المرة الأخيرة - والله أعلم - بعد ما مضى ~~من الإشارة إلى المرة الأولى سواء: وإن لم تحفظ وتعمل بجميع الوصايا ~~والسنن التي كتبت في هذا الكتاب لتتقي الله ربك وتهاب اسمه المحمود ~~المرهوب، يخصك الرب بضربات موجعة ويبتليك بها ويبتلي نسلك من بعدك، وينزل ~~بك جميع الضربات التي أنزلها بأهل مصر تدوم عليك، وكل وجع وكل ضربة لم ~~تكتب في هذا الكتاب يبتليك الله بها حتى تهلك وتبقى من نسلك عدد قليل من ~~بعد كثرتهم التي كانت قد صارت مثل نجوم السماء، لأنك لم تسمع قول الله ~~ربك، فيكون كما فرحكم الرب وأنعم عليكم وكثركم يستأصلكم بالعقاب والنكال، ~~ويدمر عليكم ويتلفكم، وتجلون عن الأرض التي تدخلونها لترثوها، ويفرقكم ~~الرب بين جميع الشعوب من أقطار السماء إلى أقطارها، وتعبدون هناك الآلهة ~~الأخرى التي عملت من الحجارة والخشب لم تعرفوها أنتم ولا آباؤكم، ولا ~~تسكنون أيضا بين تلك الشعوب ولا تكون راحة لأقدامكم، ولكن يصير الله ~~قلوبكم فزعة مرتجفة، ويبتليكم بظلمة العين وسيلان الأنفس، وتكون حياتكم ~~معلقة حيالكم من بعيد؛ وتكونون فزعين الليل والنهار، ولا تصدقون أنكم ~~تعيشون، بالغداة تقولون: متى نمسي؟ وبالعشي تقولون: ms2607 متى نصبح؟ وذلك من ~~فزع قلوبكم وخوفكم ومن ظلمة أبصاركم وقلة حيلتكم، ويردكم الله إلى أرض ~~مصر في سفن على الحال الذي قلت لكم، لا تعودون أن تروها أبدا، وتباعون ~~هناك عبيدا وإماء، ولا يكون من يشتريكم، هذه أقوال العهد التي أمر الله ~~بها موسى أن يعاهد بني إسرائيل في أرض موآب سوى العهد الذي عاهدهم بحوريب ~~- انتهى. # وإنما قلت: إن هذا إشارة إلى المرة الثانية، لأنه تكرير لذلك الذي قدمته ~~في الأولى، فحمله على أن يكون مشيرا إلى غير ما أشار إليه الأول أولى، ~~بل ربما كان متعينا، ثم أخبرني بعض فضلاء اليهود أن علماءهم قالوا كذلك، ~~وكان الخراب في هذه المرة على يد طيطوس بعد أن تملك أبوه أسفسيانوس على ~~الروم ورجع من الأرض المقدسة بعد موت ملكهم تيروس الذي كان أرسله لقتال ~~اليهود لما خرجوا عن طاعته، وكان معه يوسف بن كريون أحد أكابر اليهود، ~~وكان أحد من ندبه اليهود لقتال أسفسيانوس ومن معه، فأسروه وأحسنوا إليه ~~فاستمر عندهم، فلما مات تيروس وملكه أصحابه رجع إلى رومية وبعث ابنه ~~للفراغ من القدس وبعث يوسف معه بعد أن استمر البيت عامرا من عمارة ~~العزير عليه السلام أربعمائة سنة وعشرين سنة، ولم يدخل بعد هذا الخراب في ~~أيدي اليهود، وكان هذا لثلاثمائة سنة وثمانين سنة من ولاية الإسكندر، ~~وقال مؤرخهم في شرح هذا الخراب: إن طيطوس كان في قيسارية، فسار منها حتى ~~انتهى إلى يالو فأخذ من نقاوة عسكره ستمائة رجل، وسار إلى بيت المقدس ~~ليقف على أحوال المدينة، وينظر الحصن، ويعلم ما يحتاج إلى علمه، ويدبر ~~الأمور بحسب ذلك، وعمل على أن يراسل أهل بيت المقدس بالجميل ويدعوهم إلى ~~المسالمة ويبذل لهم الأمان، فلما قرب من المدينة وجد الأبواب مغلقة، وليس ~~يخرج من المدينة ولا يدخل إليها أحد لما بين الخوارج من الحروب المتصلة، ~~فما وجد من خاطبه من القوم، فانصرف راجعا إلى عسكره. # قال: وكان قوم من أصحاب الخوارج لما علموا بمجيء طيطوس قد خرجوا من ~~المدينة، ms2608 فكمنوا له في بعض الطريق، فما اجتاز بهم وهو راجع أحاطوا به ~~وحالوا بينه وبين أصحابه، فقاتلهم قتالا شديدا حتى خلص بعد أن أشرف على ~~الهلاك، فعلم ما القوم عليه من النجدة والشر فأعد لذلك عدته لما أراد ~~الله من خراب القدس، وكان الله سبحانه وتعالى ملكه وعز سلطانه قد أظهر ~~لبني إسرائيل أمورا دلتهم على زوال أمرهم لو أنهم تبصروا، منها شبه كوكب ~~كبير له نور قوي وضوء شديد كان القدس يضيء منه البلد كله طول الليل ~~قريبا من ضوء النهار، فأقام كذلك سبعة أيام مدة عيد الفصح، ففرح به ~~الجهال واغتم العلماء، ومنها أنهم أحضروا في هذا العيد بقرة ليقربوها، ~~فولدت خروفا فاستنكر الناس ذلك، ومنها أن باب القدس الشرقي كان عظيما ~~ثقيلا لا يعالجه إلا جماعة، فلما كان في تلك الأيام كانوا يجدونه كل يوم ~~مفتوحا من غير فاتح، فيجتمع الرجال المعتادون له فيغلقونه ثم يعودون ~~إليه فيجدونه مفتوحا، فكان الجهال يفرحون والعلماء يغتمون، ومنها أنه ~~ظهر على بيت قداس الأقداس في الهواء صورة وجه الإنسان شديد الحسن عظيم ~~البهاء والنور، ومنها أنه ظهر أيضا في الجو صور ركبان من نار يطيرون في ~~الهواء قريبا من الأرض على بيت المقدس وعلى جميع أرض اليهود، ومنها أنه ~~سمع الكهنة في ليلة عيد العنصرة في القدس حس جماعة كثيرة يذهبون ويجيئون ~~في الهيكل من غير أن يروهم بل كانوا يسمعون وطأهم فقط، ثم سمعوا صوتا ~~عظيما يقول: امضوا بنا حتى نرتحل عن هذا البيت، ومنها أنه كان قد ظهر ~~قبل هذا بأربع سنين في المدينة رجل يمشي كالمجنون ويصيح بأعلى صوت يقول: ~~صوت من المشرق، صوت من المغرب، صوت من أربع جهات الدنيا، صوت على ~~أورشلام، وصوت على الهيكل، وصوت عل الحصن، وصوت على الفروس، وصوت على ~~جميع الناس، الويل على أورشلام، الويل على أورشلام، وكان لا يهدأ من هذا ~~الكلام، وكان الناس يبغضونه ويزجرونه ويتصورونه بالجنون، فلم يزل على ذلك ~~إلى أن أحاط العدو بالمدينة، فابتدأ في بعض ms2609 الأيام يتكلم على عادته، ~~فأتاه حجر في رأسه فمات ووجد في حائط قدس الأقداس حجر قديم مكتوب عليه " ~~إذا صار بنيان الهيكل مربعا ملك على أرض بني إسرائيل ملك عظيم، ويتسلط ~~على سائر الأرض " فقال قوم: هو ملك بني إسرائيل، وقال الحكماء والكهنة: ~~بل الروم، ووجد أيضا حجر قديم مكتوب عليه " إذا كمل بنيان القدس وصار ~~مربعا فإنه عند ذلك يخرب " فلما وقع الحصار وانهدم أنطونيا سدوا السور ~~فصار الهيكل مربعا كما سيأتي، وأعظم الأمارات ما كان عليه خوارجهم من ~~القتال، وسفك دماء الخاص والعام، والحريق والجوع، بحيث إنه أحاط البلاء ~~بهم وبجميع الناس ولا يجدون مهربا حتى كرهوا الحياة. # ولما خلص طيطوس من الخوارج بات في عسكره، ثم سار بالليل من يالو، فأصبح ~~على بيت المقدس ونزل على رأس جبل الزيتون الذي في شرقي المدينة أورشليم، ~~ليحجز الوادي بينه وبينها ولا يخفى عليه من يخرج إليه منها، ثم رتب عسكره ~~ووصاهم بالتعاون والتظافر واليقظة والحذر، وأن لا يفارق بعضهم بعضا، ~~وقال: إنكم تقاتلون قوما لم تقاتلوا مثلهم في البأس والشجاعة والصبر على ~~القتال والبصر بالحرب، فلما رآه اليهود اصطلح رؤساء الخوارج يوحانان ~~وشمعون والعازار على أن لا يحارب بعضهم بعضا ويتفقوا على محاربة الروم، ~~واجتمعوا وفتحوا باب المدينة ولقوا من كان قرب من الروم، فقاتلوهم واشتد ~~الحرب فانهزم الروم، فردهم طيطوس وشجعهم فعادوا فكانت بينهم حرب عظيمة ~~قتل فيها خلق كثير، وانهزم اليهود فوقفوا عند السور وبعثوا جريدة من ~~أصحابهم في عدد كثير من جهة أخرى، فداروا من وراء عسكر الروم، وزحف أولئك ~~من أمامهم، فكان الروم بين العسكرين فقتل منهم خلق كثير فانهزموا، وثبت ~~طيطوس في جمع من أصحابه فاشتد الأمر حتى كاد يقتل، فقال أصحابه: امض إلى ~~الجبل، فاختار الموت على الهزيمة ولم يزل يقاتلهم حتى تخلص بعد أن استظهر ~~عليه اليهود ثلاث دفعات، ولما عاد اليهود إلى المدينة نقضوا عهودهم وحارب ~~بعضهم بعضا كما كانوا، لأن يوحانان كان يريد الرئاسة، وكان شمعون ~~والعازار يأبيان ذلك، وحضر ms2610 عيد الفصح - وهو الفطير - فدخل يوحانان في ~~أصحابه إلى القدس في اليوم الأول، فلقيهم الناس بالجميل وسروا بهم، ~~فنزعوا ما ظهر من ثيابهم فإذا تحتها السلاح، وأخذوا على الناس الأبواب، ~~فقتلوا خلقا كثيرا من الكهنة وغيرهم ولم يرحموا صغيرا ولا كبيرا، ~~فقتل العازار وشمعون من كان خارج القدس من جماعة يوحانان، فخرج إليهم ~~واشتد الأمر واتصلت الحرب، فلما علم طيطوس زحف إلى المدينة فقال له قوم ~~من اليهود الذين على السور: نفتح لك الباب على أن تؤمننا وتريحنا من ~~هؤلاء الخوارج، فلم يثق بهم لما ظهر لهم من شرهم وغدرهم، وعلت الأصوات في ~~المدينة، لأن بعضهم كان يريد أن يفتح لطيطوس وبعضهم يمنع، وتبادروا إلى ~~حفظ الأبواب والسور، فتقدم جماعة من الروم إلى المدينة طمعا في أن يفتح ~~لهم الباب فرماهم الخوارج بالحجارة والنشاب، وأعانهم الذين كانوا استدعوا ~~الروم للدخول، ثم خرج جماعة من اليهود فهزموا الروم وأنكوا فيهم وتبعوهم ~~إلى قرب عسكرهم، وشرعوا يهزؤون بهم ويعيرونهم بالهزيمة، فأراد من في ~~العسكر أن يلاقوهم فمنعهم طيطوس واشتد غضبه على أصحابه وقال: لست أعجب من ~~اليهود في غدرهم، ولكن أعجب منكم مع بصركم بالحرب وكثرة تجاربكم فكيف ~~خدعوكم؟ فمضيتم إلى المدينة بغير أمري وخالفتم وصيتي، ولذلك انهزمتم لأنه ~~لا يجوز للرعيه أن تخالف أمر الملك، وقد علمتم أن بعض ملوكنا قتل ابنه ~~لأنه مضى إلى الحرب بغير أمره، فأنتم مستحقون للقتل بعصياني، مستوجبون ~~لما جرى عليكم من الهزيمة، فسجد أصحاب طيطوس له واعترفوا بخطئهم وقالوا: ~~لا نعاود، فأمرهم أن يعدلوا ما حول المدينة من المعاثر والوهدات، ويسدوا ~~الآبار ليسهل عليهم القتال ويهدم السور، ففعلوا ذلك وقطعوا كل ما حول ~~المدينة من الشجر والنبات، وكان حولها من سائر الجهات بساتين كثيرة فيها ~~أنواع الأشجار والفواكه مسيرة أميال من كل جهة، فكان إذا أقبل إنسان ~~عليها يرى أحسن منظر فلم يبق الروم من ذلك شيئا، وكان من يعرف تلك ~~البساتين إذا رآها بعد إتلافها يبكي ويستوحش، واشتغل اليهود بخوارجهم، ~~واتفق شمعون والعازار على ms2611 يوحانان وكان قد ملك القدس ومعه ثمانية آلاف ~~وأربعمائة رجل من الشجعان، وكان مع شمعون عشرة آلاف من اليهود وخمسة آلاف ~~من أدوم - أي النصارى - وكان الكهنة وجماعة من أهل المدينة مع العازار، ~~وحصل الناس بين هؤلاء بأسوأ حال، وكانوا إذا استظهر الروم على المدينة ~~اتفقوا وحاربوهم، فإذا دفعوهم عادوا إلى الشر فيما بينهم. # ثم إن طيطوس أحضر كبش الحديد وغيره من آلات القتال ليهدم السور، وصنع ~~أبراجا عظيمة من الخشب توازي سور المدينة وتحتها بكر ليدفعها الرجال ~~وتصعد عليها المقاتلة، وأرسل إليهم رجلا من أصحابه يدعوهم إلى المسالمة ~~فرماه بعض من على السور فقتله، واصطلح الخوارج وخرجوا إلى الروم فقاتلوهم ~~وأحرقوا الكبش وجميع تلك الآلات وأبعدوهم ورجعوا إلى المدينة يتقاتلون، ~~فلما علم طيطوس بذلك دفع الكبش على السور فهدم منه قطعة كبيرة، فهرب من ~~كان وراءه إلى السور الثاني، فأبعد الروم ما سقط من حجارة السور ليتسع ~~لهم المجال، فاصطلح الخوارج وفرقوا أصحابهم على جهات المدينة، واشتد ~~بينهم وبين الروم، وصدق الفريقان، وتولى طيطوس الحرب بنفسه، وأقبل يشجع ~~أصحابه ويعدهم بالأموال والصلات، وشجع الخوارج أصحابهم ونادى شمعون: من ~~انهزم قتل وهدم منزله. # فلما رأى طيطوس ثبات أصحاب شمعون مال إلى جهة يوحانان، ولأنها معتدلة ~~وطيئة، وأراد أن ينطح السور الثاني، فناداه رجل اسمه قصطور من فوق السور: ~~أسألك يا سيدي أن تشفق على هذه المدينة والأمر يجري على ما تحب، فظن ~~طيطوس صدقه فتوقف وشرع يكلمه، وأطال المراجعة احتيالا منه ليتمكن أصحابه ~~من إحراق الكبش، ثم سأله أن يبعث له شخصا من أصحابه ليتفق معه، فأرسل ~~إليه شخصا من وجوه الروم فقال له: اقرب حتى ألقي إليك ما لي ثم انزل، ~~فألقى عليه صخرة فأخطأته وقتلت رجلا كان معه، فغضب طيطوس ودفع الكبش على ~~السور الثاني فانهدم منه قطعة كبيرة، فاشتد أسف قصطور فقتل نفسه، وتبادر ~~اليهود فمنعوا الروم من الدخول من الموضع الذي انثلم، وحاربوهم إلى أن ~~أخرجوهم عن السور الأول وقتلوا جماعة منهم، واتصلت الحرب بين الفريقين ms2612 ~~أربعة أيام، وورد على طيطوس في اليوم الرابع عسكر كبير من أمم مختلفة ~~تعينه على اليهود، فخرج اليهود على عادتهم فقاتلوهم فلم تكن لهم بهم طاقة ~~فانهزموا ودخلوا إلى الحصن الثالث، فأمر طيطوس برفع الحرب وكف عنهم خمسة ~~أيام، وركب في اليوم الخامس وتقدم إلى قرب السور، فوجد يوحانان وشمعون ~~وأصحابهما قد خرجوا من المدينة ليحرقوا الكبش، فابتدأهم طيطوس بالسلام ~~وخاطبهم بالجميل والملاطفة وقال: قد رأيتم ما جرى من هدم هذين السورين، ~~وليس يتعذر هدم السور الثالث، وقد علمتم أنكم ما انتفعتم في هذه المدة ~~بما فعلتموه، وكذلك لا تنتفعون أيضا بدوامكم على ما أنتم عليه من اللجاج ~~في مخالفتنا. فارجعوا عن ذلك قبل أن أهدم هذا السور الباقي، وأستبيح ~~المدينة، وأخرب الهيكل، ولست أختار ذلك ولا أريده، فإن رجعتم إلى طاعتنا ~~كنا لكم على أفضل ما عهدتموه منا، ودامت لكم السلامة، وزال عنكم ما أنتم ~~فيه من المكروه. # وأمر يوسف بن كريون أن يقرب منهم ويبلغ معهم الغاية في القول ويستدعيهم ~~إلى المسالمة ويبذل لهم من الأمان والعهود ما يثقون به ويسكنون إليه، ~~فوقف قدام باب المدينة وقال: اسمعوا مني يا معشر بني إسرائيل ما أنا ~~مخاطبكم به، فإني إنما أخاطبكم يما ينفعكم ويعود بصلاحكم إن قبلتموه، ~~واعلموا أن محاربة الأعداء ومقاومتهم قد كانت تحسن بكم حين كانت بلدانكم ~~عامرة، وعساكركم متوافرة، وأحوالكم مستقيمة، فأما بعد أن بلغتم إلى هذه ~~الحال، من خراب البلدان وفناء الرجال، وذهاب النعم واختلال الأحوال، فكيف ~~تطمعون في مقاومة هذه الأمة العظيمة القوية التي قد قهرت الممالك والأمم ~~واستولت عليهم، فعلى أي شيء تعتمدون؟ فإن قلتم: إنا نعتمد على الله عز ~~وجل ونرجو أن ينصرنا كما جرت عادته مع آبائنا، فيجب أن تعلموا أنه هو ~~الذي سلط عليكم هذه الأمة لسوء أفعالكم وكثرة ذنوبكم، لأنكم ارتكبتم ~~المحارم، وسفكتم الدماء، ونجستم هيكل الله المقدس، وقتلتم كهنته وصلحاء ~~أمته ظلما، فكيف ترجون من الله النصر والمعونة مع هذه الأفعال القبيحة ~~والله لا ينصر من عصاه، وإن ms2613 كنتم تتكلون على الحصون والعدد والعساكر ~~فأنتم تعلمون أن جميع ذلك قد ذهب أكثره، ولم يبق منه إلا القليل، وهذه ~~المدينة قد هدم سوران من أسوارها ولم يبق غير واحد وهم مجدون في هدمه، ~~وأنتم كل يوم في نقصان وضعف وعدوكم في زيادة وقوة، فإن دمتم على ما أنتم ~~عليه هلكتم ولم يبق منكم باقية، فإن قلتم: إنا نختار القتل على الذل ~~للأمم وطاعتهم، فقد علمتم أن آباءنا وأصولنا - وهم السادة الذين يجب ~~علينا أن نقتدي بهم - لم يمتنعوا من مسالمة الأمم الذين جاوروهم ~~ومداراتهم، ولو كان أمرا مكروها لقد كانوا أولى بكراهته منكم، ~~والمتقدمون منا أطاعوا المصريين في أزمان كثيرة وملوك الموصل والكسدانيين ~~والفرس ثم اليونانيين الذين جاروا عليهم وأساؤوا إليهم وصبروا على ظلمهم ~~لهم على أن أذن الله بخلاصهم منهم على أيدي بني حشمناي الكهنة، ثم أطاعوا ~~بعد ذلك ملوك الروم إلى هذه الغاية، ولم يروا أن عليهم نقصا في طاعتهم، ~~وكذلك أنتم إن أطعتموهم كان ذلك أولى بكم من أن تعرضوا أنفسكم للهلاك، ~~ونعمتكم للزوال، وبلدكم للخراب، وتحصلوا بعد ذلك في أضعاف ما كرهتموه من ~~الذلن ولا يعذركم في ذلك عاقل ولا يحمد رأيكم، على أن الروم ما زالوا ~~محسنين إليكم، كفوكم أمر أعدائكم من اليونانيين، وأزالوا سلطانهم عنكم، ~~وأعانوكم على كثير من الأمم الذين يعادونكم حتى غلبتموهم واستوليتم ~~عليهم، فأنتم بطاعتهم أولى منكم بمعصيتهم، وقد علمتم أن الله عز وجل قد ~~جعل لكل أمة دولة وسلطانا سلطها فيه، فإذا انقضى ذلك الزمان زالت دولتها ~~وسلطانها فذلت لغيرها وخضعت لمن كان يخضع لها، وقد بسط الله أيديكم ~~زمانا، وسلطكم على غيركم دهرا، ثم جعل الدولة والسلطان لسواكم، وأراد ~~أن يذلكم لهم، فمتى خالفتم مراد الله ولم تقبلوا حكمه هلكتم، وليس يشك في ~~أن الله أراد في هذا الزمان أن يرفع الروم ويبسط أيديهم، لأنه قد أذل لهم ~~الملوك وظفرهم بالأمم حتى أطاعهم من في سائر جهات الدنيا ممن هو أشد منكم ~~بأسا، وأكثر عددا، وأقوى سلطانا، وكيف ms2614 تطمعون في أن تغلبوهم وأنتم ~~تشاهدون إقبالهم وقوة أمرهم ومعونة الله لهم، وترون أنفسكم بخلاف ذلك، ~~وليس يعيب الإنسان ولا ينقصه طاعته لمن هو أقوى منه وأعلى يدا، لأن الله ~~عز وجل قد جعل أمر الخلق في الدنيا مبنيا على أن يكون بعضهم تابعا ~~لبعض، وبعضهم قاهرا لبعض، وبعضهم محتاجا إلى بعض، وكل صنف يخضع لمن هو ~~أقوى منه ويذل له ويطيعه، وذلك ظاهر موجود في الناس على طبقاتهم، وفي ~~الحيوانات على اختلافها، وليس يستغني عن ذلك أحد، ولا يذمه عاقل، وإذ كان ~~الأمر كذلك فليس ينقصكم طاعة الروم، ولا الروم بأول من أطعتموهم وقد ~~تقدمت طاعتكم لهم منذ سنين؛ وقد ابتدؤوكم في هذا الوقت بالجميل، ودعوكم ~~إلى المسالمة، وبذلوا لكم الأمان، وضمنوا لكم الإحسان، وظهر منهم الإشفاق ~~على مدينتكم وقدسكم فاتقوا الله، وتلافوا أمركم، وأحسنوا النظر لمن بقي ~~منكم، فارجعوا إلى ما كنتم عليه من طاعتهم لتبقوا وتتماسك أحوالكم، وتسلم ~~هذه المدينة وهذا القدس الجليل قبل أن يهدم هذا الحصن الباقي فتهلكوا. # فصاح الخوارج بشتم يوسف والفرية عليه ورموه بالسهام والحجارة، فتباعد ~~قليلا وأغلظ لهم في الكلام وقال: يا معشر العصاة! أخبروني ما الذي حملكم ~~على قتال الروم إن كنتم تقصدون بذلك صيانة القدس عن الأعداء فأنتم قد ~~ابتذلتموه بالمعاصي ونجستموه بما سفكتم فيه من الدماء الكثيرة ظلما، وإن ~~كنتم تريدون نصرة الأمة وإعزازها فأنتم تقتلونها بأيديكم وتبالغون في ~~ظلمها والإساءة إليها، وهل يفعل الأعداء بكم أكثر مما فعلتموه؟ أو يبلغون ~~فيكم أكثر مما قد بلغتموه في أنفسكم؟ أخبروني متى كان من تقدم من أمتنا ~~أو تأخر يغلبون من يحاربهم ويستظهرون على أعدائهم بالعساكر والعدد دون ~~الصلاح والتقوى؟ وهل تخلص من تخلص من الشدائد إلا بطاعة الله والدعاء له؟ ~~وهل كانوا يغلبون إلا بنصر الله لهم ومعونته إياهم؟ وهل كان ينصرهم إلا ~~إذا أطاعوه واتقوه؟ فلما عصوه سلط عليهم الأعداء ومكنهم منهم حتى قهروهم ~~وأذلوهم، ولم ينتفعوا بعددهم وسلاحهم ولا قدروا على مقاومة الأعداء ~~ببأسهم وقوتهم، وقد علمتم أن ms2615 الله عز وجل كفى الصالحين في كل زمان أمر ~~أعدائهم، فمنهم من دعا الله عز وجل عند الشدائد فاستجاب له بلا حرب، ~~وأظهر الآيات العظيمة في معونتهم وكفايتهم، فبلغوا بذلك ما لم يكونوا ~~يبلغون إليه بحولهم وقوتهم، ومنه من حارب الأعداء واستعان بالله عز وجل ~~فأعانه على عدوه وظفره به، ولم يفعل الله مثل ذلك مع العصاة ليظهر فضيلة ~~الصالحين، اعتبروا بأبيكم إبراهيم عليه السلام، لما أخذ فرعون امرأته ألم ~~يضرب الله فرعون وأهله بالبلاء العظيم حتى خضع فانكسر ورد امرأة إبراهيم ~~عليه السلام وهي سليمة، ثم أحسن إليه وأكرمه، فهل قدر إبراهيم عليه ~~السلام على ذلك بالسيف والمحاربة أو بالصلاح والدعاء إلى الله عز وجل؟ ~~وكذلك فعل الله مع إسحاق عليه السلام لما أخذ أبيمالخ ملك فلسطين امرأته، ~~وقد علمتم أن موسى عليه السلام لم يستظهر على فرعون وعساكر المصريين حتى ~~هلكوا وتخلصت أمة بني إسرائيل منهم بحرب ولا عدة، بل بالدعاء وكفاية الله ~~له، ولما حارب عماليق بني إسرائيل هل غلبوه إلا بدعاء موسى عليه السلام ~~وصلاته؟ ويوشع بن نون عليه السلام لما عبر الأردن مع بني إسرائيل قد كان ~~في جمع كبير وقوة فهل فتح يريحا بالحرب أو بالآية العجيبة في سقوط الحصن؟ ~~ولما أخطأ عاخان بما أخذه من يريحا من الغنيمة التي نهى الله عنها بني ~~إسرائيل ألم يسخط الله على الأمة بسببه حتى غلبهم أهل مدينة عاي وهم ~~قليل، فلم يقدر بنو إسرائيل مع كثرتهم على مقاومتهم إلى أن صلى يوشع بن ~~نون عليه السلام ودعا إلى الله عز وجل فاستجاب الله دعاءه ونصر بني ~~إسرائيل على عاي وجدعون لما غلب عسكر مدين وعماليق مع كثرتهم هل غلبهم ~~إلا بمعونة الله لهم؟ واذكروا كيف انهزم عسكر الأرمن العظيم عن سبسطية ~~بصلاة اليشع النبي عليه السلام ودعائه، وقد كان أهل المدينة أشرفوا على ~~الهلاك من الجوع، فأوقع الله الخوف في قلوب الأرمن فانهزموا بغير حرب ولا ~~قتال، وخرج أهل المدينة فغنموا عسكرهم وزال عنهم الجوع، واذكروا ms2616 ما فعل ~~الله مع نساء الملك ويوشافاط لما ظفرهما بأعدائهما بالدعاء والصلاة، وقد ~~علمتم أن شمشون قبل أن يخطىء كان جبارا مظفرا، فلما أخطأ أسره أعداؤه ~~فصار ذليلا في أيديهم مثل أقل الناس وأضعفهم وطحنوه بالرحى مثل الإماء، ~~وكذلك شاوول - وفي نسخة: طالوت - الملك لما كان طائعا لله تعالى كان ~~الله ينصره، فلما عصاه أسلمه الله إلى أعدائه فظفروا به، ولم ينتفع ~~بعساكره وعدده، وأمصيا لما حارب أدوم غلبهم وظفر بهم، فلما أخذ أصنامهم ~~ونصبها في بيت المقدس سخط الله عليه، فلما حارب يواش ملك بني إسرائيل بعد ~~ذلك انهزم أقبح هزيمة لخذلان الله له وتركه معونته، واذكروا هلاك عسكر ~~سنحاريب ملك الموصل العسكر العظيم بغير حرب ولا قتال بل بصلاة حزقيا ~~الملك والأنبياء عليهم السلام ودعائهم، واعتبروا بصدقيا الملك لما عصى ~~الكسدانيين وظن أنهم يغلبهم بعساكره وبعدته وخالف الأنبياء عليهم السلام ~~في مسالمتهم، هل انتفع بذلك؟ وهل كانت عاقبته وعاقبة الأمة إلا إلى ~~الهلاك؟ فهذا وغيره مما لم أذكره لكم يدلكم على عناية الله بالأخيار، ~~وخذلانه للعصاة الأشرار. # وساق لهم من مثل هذا كلاما كثيرا بلغيا، ثم رغبهم في طاعة اسفسيانوس ~~بالخصوص بما اشتهر من حسن سيرته، وقال: ولو لم تعلموا ذلك إلا بما عاملني ~~به من الجميل، وقد كنت أستوجب منه غير ذلك لكفاكم، لأني كنت أول من اجتهد ~~في محاربته، وقتلت خلفا كثيرا من أصحابه، ولقد كنت أعلم أني خالفت ~~الصواب، ولكني لما رأيتكم بأجمعكم قد اتفقتم على محاربتهم وبعثتموني لم ~~أخالفكم، وبذلت المجهود في مناصحتكم، وثبت في حصن يودنات إلى أن فنى ~~أصحابي، وغلبني الأمر، ولم يبق لي حيلة، ثم حصلت مع الروم فما أساؤوا ~~إلي بل أحسنوا وأجملوا وعفوا عني وأنا معهم إلى هذه الغاية على ما أحب، ~~وقد كنت اجتهدت قبل حصولي معهم أن أهرب إليكم فما تم لي ذلك، وأنا الآن ~~أحمد الله تعالى إذ لم يسهل لي ذلك، فإني لو كنت معكم لكنت إما أن ~~أشارككم في أفعالكم هذه فأكون مخطئا، أو ms2617 أخالفكم فتقتلوني ظلما، ~~فتأملوا ما خاطبتكم به ولا تظنوا أن الله ينصركم، فإنكم لا تستحقون ذلك ~~لأنكم قد أسخطتموه، واستدلواعلى ذلك بآية عين سلوان، فإنها قد كانت قريبة ~~من الجفاف قبل أن ينزل بكم هذه العساكر، فلما نزلوا غزرت فصارت كالنهر ~~لتعلموا أن الله تعالى يريد معونة أعدائكم عليكم، وأنا أعلم أن كلامي لا ~~يؤثر فيكم ليتم ما قد حكم الله به من هلاك هذه المدينة وخراب هذا القدس ~~الجليل، ولذلك قد قست قلوبكم فصارت كالحجارة بل هي أقسى وأصلب من ~~الحجارة، لأن الحجر قد يؤثر فيه الماء إذا دام انصبابه عليه، وأنتم لا ~~تؤثر فيكم المواعظ الكثيرة، ولا تلين قلوبكم ولا تنكسر، ولكني قد بلغت ~~الغاية فيما يلزمني من نصيحتكم، فاقبلوا نصحي وأشفقوا على هذا القدس ~~الجليل الذي بنته الأنبياء المقدسون والملوك العظماء، فإن بقاء عزكم ~~وثبات أمركم مقرون ببقائه وعمارته، وإن خرب لم يبق لكم عز ولا إقبال ولا ~~دولة، فاقبلوا ما بذله لكم ابن الملك من الأمان، وثقوا بعهده وما ضمنه من ~~الإحسان، وأنا الضامن لكم عنه، وإن اتهمتموني بأني أخدعكم وأريد معاونة ~~الروم عليكم فأنتم تعلمون أن أبي وأمي وزوجتي الكريمة علي وأولادي معكم، ~~فإن ظهر لكم من طيطوس بعد مسالمتكم له ما تكرهون فاقتلوهم واقتلوني فقد ~~وهبتكم دماءهم ودمي على ذلك. # ثم بكى يوسف بكاء شديدا، وكان طيطوس يسمع كلامه فرق له وأمر بإطلاق من ~~كان من السبي في عسكره، وأطلق لهم أن يمضوا حيث شاؤوا فمال أكثر أهل ~~المدينة إلى طاعة طيطوس، فمنعهم الخوارج ووكلوا بأبواب المدينة من ~~يحفظها، وأمروا الموكلين أن يقتلوا كل من أراد الخروج، ولما طال الحصار ~~اشتد الجوع، وكان الخوارج يفتشون منازل الناس وينهبون الطعام ويقتلون من ~~مانعهم عنه، فكان الناس يموتون في المدينة بالجوع، ومن أراد الخروج إلى ~~ظاهر المدينة ليأخذ شيئا من نبات الأرض قتله الخوارج، وإن قدر على ~~الخروج قتله الروم، فأفناهم ذلك، وكان طيطوس إذا سمع ذلك رق لهم ~~واستعطفهم، فلا يزيد استعطافه الخوارج إلا قسوة، ms2618 ويخاطبونه بالقبيح ليكف ~~عن ذلك لئلا يميل معه الناس، فلما رأى ذلك جد في إخراب السور الثالث ~~ليخلص الناس من الخوارج، فقسم عسكره أربعة أقسام ونصب كباشا على الجهات ~~الأربع، فخرج إليهم الخوارج فقاتلوهم قتالا شديدا، وقتلوا من الروم ~~خلقا كثيرا، وكانوا قد ندبوا أربعة من أشدائهم لإحراق الكباش إذا ~~اشتغلوا بالقتال، ولم يزالوا يقاتلونهم حتى تم لهم ما أرادوا وأحرقوا ~~الكباش وجميع آلاتها، ونظر الروم من شجاعة اليهود وبأسهم ما هالهم ~~فانهزموا، فردهم طيطوس وجعل يشجعهم وقال: أما تأنفون أن يغلبكم اليهود ~~بعد أن استظهرنا عليهم، وهدمنا سورين من أسوار المدينة، ولم يبق غير سور ~~واحد، وقد هلك أكثرهم وليس لهم من ينصرهم، ونحن فعساكرنا متوافرة، ومعنا ~~أمم كثيرة تعيننا عليهم، ثم أمرهم أن يتركوا قتالهم حتى يهلكوا من الجوع، ~~فضبطوا جميع طرق المدينة، فضاق الأمر بهم جدا واشتد الجوع، ولم يكن أحد ~~يقدر أن يطحن قمحا لئلا ينهب، ولا يخبر لئلا يفضحه الدخان، فكان من عنده ~~شيء يستفون القمح والدقيق، فمات كثير من الناس، واشتغل الأحياء بأنفسهم، ~~فما كانوا يدفنون موتاهم، وكان الحي ربما أخذ ميته فألقاه في بئر ثم يلقي ~~نفسه بعده ليموت، وكان بعضهم يحفر له قبرا ثم يضطجع فيه حتى يموت، ~~وامتلأت الشوارع بالموتى، فكان الخوارج يلقونهم من السور إلى الوادي ~~الشرقي، فلما رآهم طيطوس اغتم ورق لهم، وكان ببيت المقدس امرأة من أهل ~~النعم، أصلها من مدينة في حيرة الأردن، فلما كثرت الفتن هناك انتقلت في ~~جملة من انتقل إلى بيت المقدس بجميع عبيدها وسائر نعمتها، ولم يكن لها ~~غير ابن واحد صغير وهي تحبه حبا شديدا، فلما قويت المجاعة، ونهب ~~الخوارج جميع ما عندها، اشتد بها الأمر وكان ابنها يتضور من الجوع، فلما ~~زاد بها الجوع وما يؤلم قلبها من تضور ابنها، أرادت قتل ابنها لتأكله، ~~فبقيت حائرة لا تدري على أي الأمرين تحمل نفسها، هل تقتل ولدها العزيز ~~عليها بيدها، وذلك من أعظم الأمور وأشنعها، أم تصبر على ما تراه به ~~وبنفسها ms2619 من البلاء وقد فارقها الصبر وعدمت الجلد، ثم زاد بها الجوع فزال ~~عنها التمييز فقالت: يا ابني وواحدي! قد كنت آمل أن تعيش حتى تبرني، وكنت ~~أخاف أن تموت قبلي فأفجع بموتك، فيا ليتني كنت قد ثكلتك فدفنتك واحتسبتك ~~عند الله، والآن يا ولدي فقد أحاط بنا المكروه وأيقنا بالهلاك، فالحي لا ~~يرجو الحياة والميت لا يدفن، وأنا وأنت هالكان، وإن مت يا بني لم يدفنك ~~أحد وكنت كغيرك ممن أكلته الكلاب وطيور السماء، وقد رأيت أن أقتلك ~~لتستريح مما أنت فيه ثم آكلك فأجعل بطني التي حملتك فيها قبرا لك، وأسد ~~بك جوعي، فيكون ذلك عوض برك بي الذي كنت أرجوه، وتنال بذلك الأجر العظيم، ~~ويكون ذلك عارا على هؤلاء الخوارج الذي أوقعونا في هذا البلاء، وزيادة ~~في سخط الله عليهم، ويذكر ذلك على ممر الدهر، ويتحدث به بعدنا الأجيال، ~~ويعتبر به ذوو الألباب، ثم قبضت على ابنها بيدها الواحدة وأخذت الحديدة ~~بالأخرى وهي كالمجنونة، وحولت وجهها عنه لئلا تراه وضربته بالحديدة فمات، ~~ثم أخذت منه وشوته وأكلته، فلما شم الخوارج ريح ذلك اللحم هجموا عليها ~~فقالوا لها: من أين لك هذا اللحم؟ ولم استأثرت به علينا؟ فقال: ما كنت ~~بالتي أوثر نفسي عليكم فاجلسوا، فجاءت بالمائدة وأخرجت ما بقي من جسم ~~ابنها وقالت: هذا ولدي وأعز الناس عندي قتلته بيدي لإفراط الجوع وأكلت من ~~لحمه، وهذا بقية جسمه عزلتها لكم، فكلوا واشعبوا ولا تكونوا أشد رحمة ~~لولدي مني، ولا تضعف قلوبكم عن ذلك فإنه قبيح لشجعان مثلكم أن تكون امرأة ~~أقوى قلبا منكم، وأنتم أحق بأن ترضوا بهذا مني، لأنكم الذين سببتم علينا ~~البلاء حتى بلغنا هذا المبلغ، ثم رفعت صوتها تبكي وتنتحب وتنوح على ~~ابنها، فلما رأوا ذلك هالهم وخرجوا مذعورين واشتهر خبرها، فقلق الناس ~~قلقا شديدا، وتحققوا صحة الوعيد الذي سبق من الله، وانكسر الخوارج لذلك ~~واستعظموه وأطلقوا للناس الخروج، فخرج في ذلك الوقت خلق كثير. # فلما اتصل ذلك بطيطوس استعظمه واشتد خوفه من الله تعالى، ms2620 فرفع يده إلى ~~السماء وقال: اللهم! أنت العالم بالخفيات والمطلع على السرائر والنيات، ~~أنت تعلم أني لم أجىء إلى هذه المدينة لأسيء إلى أهلها ولقد ساءني أمر ~~هذه المرأة فلا تؤاخذني به، وطالب هؤلاء الخوارج وانتقم منهم، وظفرني بهم ~~ولا تمهلهم. وأمر بالإحسان إلى من خرج إليه من اليهود، فكان كثير منهم لا ~~يقدرون على فتح أفواههم، وكثير منهم مات لما أكل الطعام، وكان الصبيان ~~وغيرهم يختطفون الخبز إذا نظروه وينهشونه بلا عقل، فإذا أكلوا ماتوا، ~~فقال طيطوس ليوسف بن كريون: ما الحيلة في هؤلاء حتى لا يموتوا؟ فقال: ~~ينبغي أن يسقوا اللبن والحساء الرقيق أياما حتى تلين أمعاؤهم، ثم الطعام ~~بعد ذلك، ففعل ذلك فسلم منهم جماعة. وتقدم الروم إلى السور الثالث ~~ليهدموه فخرج إليهم يوحانان وشمعون وأصحابهما مع ما هم فيه من الضر ~~فقاتلوهم قتالا شديدا، وقتلوا منهم جماعة، فأمر طيطوس بدفع الكبش على ~~السور، فدفع عليه في الليل فهدم، وكبر الروم تكبيرا عظيما وكبر اليهود ~~من داخل المدينة، فلم يجسر الروم على دخول المدينة، فلما أصبحوا إذا سور ~~جديد بإزاء الهدم قد بناه اليهود تلك الليلة وهم قيام عليه، فاستعظم ~~الروم ذلك وأيسوا من الفتح، فقال طيطوس: هذا رطب لم يستحكم، وإذا ضربه ~~الكبش أسرع الانهدام، فطلع الروم على السور الذي هدموه، ووقف اليهود على ~~الجديد واشتد القتال، فهزمهم اليهود بعد أن قتلوا كثيرا منهم فضجر الروم ~~وعزموا على الرحيل، فجمع طيطوس أصحابه وقال: اعلموا أن كل من يعمل عملا ~~فإنما قصده إلى الغاية: ولذلك يصبر على التعب ليبلغ ما أراد، وربما كان ~~آخر العمل أشق من أوله، فإن تركه ذهب تعبه ضائعا وبقي عمله ناقصا لا ~~ينتفع به. # وضرب لهم أمثالا في ذلك ثم قال: وأنتم قد صبرتم على محاربة هؤلاء القوم ~~واستظهرتم عليهم إلى هذه الغاية حتى هلك رؤساؤهم وجبابرتهم، وخربت حصونهم ~~ونفوا بالجوع والسيف، ولم يبق منهم غير شرذمة يسيرة كالموتى، فأن انصرفتم ~~كنتم قد ضيعتم تعبكم وأنتم على أنفسكم وأهنتموها عند كل من ms2621 يسمع خبركم، ~~ولو كنتم انصرفتم عنهم قبل هذا كان أحسن بكم، وأما الآن فلا عذر لكم في ~~عجزكم عن محاربة قوم قد بلغ بهم الضر والجوع هذا المبلغ، فإن رجعتم عنهم ~~طمع فيكم كل أحد، واجترأ عليكم كل من يخافكم، ولم لا تتأسون باليهود في ~~الصبر والشجاعة مع فناء رجالهم، واجتماع المكاره عليهم، وانقطاع رجائهم، ~~فصبرهم إما طمعا في الظفر، أو أنفة من الغلبة، أو رغبة في بقاء الذكر، ~~فأنتم أحق بذلك منهم لتدفعوا العار عن أنفسكم على أنكم قد صبرتم في أيام ~~تيروس قيصر على محاربة هؤلاء القوم، وعملتم على أن لا ترجعوا عنهم إلا ~~بعد الظفر، فلما ملك أسفسيانوس الذي هو أشجع من تيروس وأعظم بأسا، أردتم ~~أن ترجعوا عنهم قبل أن تظفروا، فأي عذر لكم. فلما سمعوا هذا ثبتوا. # ثم مضى جماعة منهم ليلا، فصعدوا من تلك الثلمة ودخلوا إلى المدينة ~~فكبروا، فانتبه اليهود وكانوا قد ناموا لطول تعبهم وضرهم، ولزم كل منهم ~~مكانه، ومضى طيطوس إلى أصحابه فوقف عند السور إلى أن أصبحوا، فانهزم ~~اليهود إلى القدس وتبعهم الروم فاقتتلوا في الصحن البراني، ولم يكن إلا ~~السيوف لضيق الموضع، فكان بينهما قتال لم يكن فيما مضى لاستقبال الجميع، ~~لأنهم حصلوا في موضع لا مطمع فيه بالسلامة إلا بالصدق في القتال، وكان ~~الكل رجالة، فعظمت الحرب بينهم وعلت أصواتهم وضجيجهم حتى سمعت من البعد، ~~وكثرت القتلى في الفريقين واستظهر اليهود آخرا وأخرجوا الروم قرب ربع ~~النهار، وأمر طيطوس بهدم سور مضوع متصل بالقدس يسمى أنطونيا ليتسع المجال ~~لأصحابه، فلما هدم ذلك انثلم سور القدس وسهلت الطريق إليه، فبادر اليهود ~~وبنوه وأدخلوه في جملة القدس فصار مربعا، فكان ذلك تصديق ما رأوه قبل ~~ذلك مكتوبا على الحجر القديم المقدم ذكره " إذا كمل بنيان القدس فصار ~~مربعا فعند ذلك يخرب بيت المقدس " وكان اليهود قد نسوا ذلك، فلما رأوه ~~تذكروا وعلموا أن المدة قد تمت وأنه سيخرب. # وكان يوم هذه الحرب العظيمة عيد العنصرة، فقرب طيطوس من القدس وكلمهم ms2622 ~~ورغبهم في المسالمة ليتمكنوا من العبادة في هذا العيد، ووعدهم بالإحسان ~~إليهم وقال: قد علمتم أن ملككم بحنيا لما حاصره بختنصر ملك بابل وخرج ~~إليه مستأمنا، انتفع بذلك ونفع قومه وبلده فسلموا، وأن صدقيا الملك لما ~~لج في محاربة بختنصر ولم يسالمه كما أمرته الأنبياء، أهلك المدينة والأمة ~~وأساء إلى نفسه وإليهم، فسبيلكم أن تعتبروا بهما وتهتدوا بأصوبهما فعلا ~~وأحمدهما عاقبة، فاقبلوا نصيحتي، واكتفوا بما جرى، ووعدهم أن يعفو عن ~~جميع ما تقدم ويحسن إليهم - وأطال الكلام. # وكان يوسف بن كريون يترحم لهم ويبكي بكاء شديدا، ثم قال لهم يوسف: إني ~~لست أعجب من خراب هذه المدينة، لعلمي بأن مدتها قد انتهت، ولكني أتعجب ~~منكم وأنتم تقرؤون كتاب دانيال النبي عليه السلام وتعلمون ما ذكره من ~~بطلان القرابين وعدم الكاهن المسيح، وأنتم مع ذلك لا تنكسرون ولا تخضعون ~~لله، ولا تستسلمون لمن قد سلطه الله عليكم. فلم يقبل الخوارج ولا رجعوا ~~غير أن جماعة من الكهنة والرؤساء تم لهم الخروج إلى الروم فآمنهم وأحسن ~~إليهم، فمنع الخوارج من بقي، وضبطوا الطرق، فبكى اليهود وشكوا منع ~~الخوارج لهم من الخروج، فأراد الخوارج قتلهم فبادر الروم ليخلصوهم فهجموا ~~إلى القدس فقاتلوهم قتالا شديدا فانهزم الروم، وأدتهم الهزيمة إلى داخل ~~القدس الأعظم قدس الأقداس، فقتلهم اليهود فيه، فاختار طيطوس من عسكره ~~ثلاثين ألفا وأمرهم أن يدخلوا إلى صحن القدس لمحاربتهم، وأراد هو الدخول ~~معهم فمنعه أصحابه وقالوا: قف على موضع عال لتقوى قلوب أصحابك، ويبذلوا ~~المجهود في القتال، ولا تخاطر بنفسك وبنا، واتفق رأيهم على بيات، فعلم ~~بذلك اليهود فلم يناموا تلك الليلة، فلما أصبحوا افترق اليهود على أبواب ~~صحن القدس وأقاموا على مقاتلة الروم سبعة أيام، فقتلوا منهم جماعة كثيرة ~~وأبعدوهم عن القدس، فأمر طيطوس أصحابه بالكف عنهم ليفنيهم الجوع، وكان ~~بقرب القدس قصر عظيم من بناء سليمان بن داود عليهما السلام، ثم زاد فيه ~~ملوك البيت الثاني طبقة عالية من الخشب الحسن ووزروا جميع الجدر بالخشب، ~~فطلوا جميع ما فيه من ms2623 الخشب بالنفط والكبريت والزفت، ثم أخفوا فيه رجلا ~~منهم ليشعل النار في مواضع من ذلك الخشب إذا دخله الروم، وكان فيه باب ~~خفي يخرج إلى موضع آخر لا يفطن له إلا من يعرفه، ثم مضوا إلى عسكر الروم ~~ليلا وهم في القدس فناوشوهم، فاجتمع عليهم من الروم خلق كثير فقاتلوهم ~~ساعة، ثم انهزموا فدخلوا هذا القصر، فدخل الروم وراءهم فلم يجدوا أحدا ~~منهم، فصعدوا إلى الطبقة العالية، فخرج اليهودي الذي كان قد اختفى، ~~فاختلط بهم وأطلق النار في تلك المواضع، فاضطرمت النار في جميع جوانبه ~~فبادر الروم إلى الباب فوجدوا اليهود قد سدوه بسيوفهم فهلكوا، وكان فيهم ~~جماعة من وجوه الروم، فخاف الروم من اليهود ولم يأمنوا أن يحتالوا عليهم ~~بأمر آخر، فخرجوا من القدس والمدينة ورجعوا إلى معسكرهم، فأمر طيطوس بضبط ~~الطرق والتضييق عليهم ليهلكهم الجوع فمات أكثرهم، وخرج كثر من أصحاب ~~الخوارج إلى طيطوس فقتلهم، ثم دخلت الروم إلى بيت الله فلم يجدوا من ~~يمانعهم، وكان طيطوس قد أكد على أصحابه في أن لا يحرقوا القدس فقال له ~~رؤساء أصحابه: إنك إن لم تحرقه لم تتمكن من اليهود، لأنهم لا يزالون ~~يقاتلون ما كان باقيا، فإذا أحرق ذهب عزهم فانكسرت قلوبهم فلم يبق لهم ~~ما يقاتلون عنه، فقال: لا تحرقوه إلا أن آمركم، وكان في طريقه باب مغشى ~~بصفائح الفضة وهو مغلق، فأحرقه بعض الروم ليأخذوا الفضة، فلما احترق ~~وجدوا الطريق إلى القدس الأجل، فدخلوه وحملوا أصنامهم فنصبوها فيه، فخرج ~~قوم ممن بقي من اليهود في الليل إلى أولئك الذين في القدس فقتلوهم، فلما ~~بلغ ذلك طيطوس جاء إلى القدس فقتل أكثر من وجد فيه من اليهود، وهرب من ~~بقي منهم إلى جبل صهيون، فلما كان الغد أحرق الروم أبواب قدس الأقداس، ~~وكانت مغشاة بالذهب، فلما سقطت كبروا وصرخوا صراخا عظيما، فجاء طيطوس ~~مسرعا ليمنع من إحراقه فلم يتم له ذلك، ويقال: إنه صاح حتى انقطع صوته، ~~فلما علم أن الأمر قد خرج عن يده دخل لينظره قبل ms2624 أن يحترق، فلما رأى حسنه ~~وبهجته تحير وتعجب وقال: حقا إن هذا البيت الجليل ينبغي أن يكون بيت ~~الله إله السماء ومسكن جلاله ونوره، وإنه ليحق لليهود أن يحاربوا عنه ~~ويستقلوا عليه، ولقد أصابت الأمم وأحسنت فيما كانت تفعله من إعظام هذا ~~البيت وإكرامه وحمل الهدايا إليه، وإنه لأعظم من هيكل رومية ومن جميع ~~هياكل الأمم التي شاهدناها وبلغنا خبرها، وما أردت إحراقه ولكن هم فعلوا ~~ذلك بشرهم ولجاجهم، وكان من بقي من الكهنة لما رأوا الحريق حاربوا الروم ~~عنه، فلما علموا أنهم عاجزون عن دفعهم قالوا: ما نريد أن نبقى بعده ~~فطرحوا أنفسهم في النار فهلكوا، ومضى عند ذلك من بقي من اليهود إلى جميع ~~ما في المدينة من القصور الجليلة والمنازل الحسنة فأحرقوها بجميع ما فيها ~~من الذخائر والآلات، وكان حريق القدس في اليوم العاشر من الشهر الخامس ~~وهو آب، وذلك نظير اليوم الذي أحرق فيه الكسدانيون البيت الأول. # ولما كان في غد هذا اليوم ظهر من اليهود رجل متنبىء فقال لهم: اعلموا أن ~~هذا القدس سيعود عن قليل مبنيا كما كان من غير أن يبنيه الآدميون، بل ~~بقدرة الله تعالى، فداوموا على ما أنتم عليه من محاربة الروم والامتناع ~~من طاعتهم، فاجتمع عليه جماعة فقاتلوا، فظفر بهم الروم فقتلوهم بأسرهم، ~~وقتلوا كثيرا من عوام اليهود وضعفائهم ممن كانوا قد رحموه قبل ذلك، ~~وراسل يوحانان وشمعون طيطوس يطلبان منه الأمان فقال: قد كنت طلبت إليكما ~~ذلك قبل، فأما الآن فأنتما في قبضتي وليس لي عذر عند الله ولا عند أحد من ~~الناس في استبقائكما. # فانحدر ليلا إلى القدس بأصحابهما فقتلوا قائدين من الروم فأمر طيطوس ~~بقتل من بقي في المدينة من اليهود ممن كان قدر رحمه، فلما رأى أصحاب ~~شمعون ذلك خافوا على أنفسهم، فأرسلوا إلى طيطوس أن يؤمنهم، فقتل شمعون ~~رؤساءهم وهرب الباقون إلى طيطوس فآمنهم وكف أصحابه عمن بقي من اليهود في ~~المدينة؛ ثم هرب شمعون ويوحانان من جبل صهيون إلى موضع استترا فيه، فتم ~~استيلاء ms2625 طيطوس على جميع البلد وهدم سور جبل صهيون، ولما طال عليهما ~~الاستتار واشتد بهما الجوع خرجا إلى طيطوس فقتلهما، ثم رحل متوجها إلى ~~رومية ومعه السبي والغنائم، وكان كلما نزل منزلا يقدم جماعة ممن ظفر به ~~من الخوارج إلى السباع التي معه حتى أفناهم، وكان العازر لما رأى إفساد ~~شمعون وقتله من لم يكن له ذنب من اليهود قد علم أن لا مخلص لهم من ~~البلاء، فخرج عنه قبل استيلاء الروم على البلد عنها وأقام في بعض ~~المواضع، فلما رحل طيطوس مضى إلى قرية مصيرا فعمر حصنها، فسمع به طيطوس ~~وهو بأنطاكية فرد إليه قائدا من قواده فحاصره، فلما عاين الهلكة دعا ~~أصحابه إلى قتل من خلفهم من العيال والاستقتال ليموتوا أعزة، فأجابوه إلى ~~ذلك وقاتلوا حتى قتلوا كلهم - فسبحان القوي الشديد، الفعال لما يريد. # ولما انقضى ذلك، كان كأنه قيل: أما لهذه المرة من كرة كالأولى؟ فأطمعهم ~~بقوله سبحانه وتعالى: { عسى ربكم } أي الذي عودكم بإحسانه { أن يرحمكم } ~~فيتوب عليكم ويكرمكم؛ ثم أفزعهم بقوله تعالى: { وإن عدتم } أي بما نعلم ~~من دبركم إلى المعصية مرة ثالثة فما فوقها { عدنا } أي بما تعلمون لنا من ~~العظمة، إلى عذابكم في الدنيا، وقد عادوا غير مرة بما أشار إليه الكلام، ~~وإن كان في سياق الشرط، ليظهر الفرق بين كلام العالم وغيره، وأشار إلى ~~ذلك قوله في التوراة عقب ما مضى: وإذا تمت عليك هذه الأقوال كلها والدعاء ~~واللعن الذي تلوت عليك فتب في قلبك وأنت متفرق بين الشعوب التي يفرقك ~~الله فيها، واقبل إلى ربك واسمع قوله، واعمل بجميع ما آمرك به اليوم أنت ~~وبنوك من كل قلبك، فيرد الرب سبيك ويرحمك، ويعود فيجمعك من جميع الشعوب ~~التي فرقك فيها، وإن كان المبددون يا آل إسرائيل في أقطار الأرض يجمعك ~~الله ربك من هناك ويقربك من ثم ويردك إلى الأرض التي ورثها أبوكم وترثون، ~~وينعم عليكم وتكثرون أفضل من آبائكم، ويختن الله الرب قلوبكم وقلوب نسلكم ~~إلى الأبد، وتتقون الله ربكم من ms2626 كل قلوبكم وأنفسكم لما يريحكم وينعمكم ~~وينزل الله كل هذا اللعن بأعدائكم وشنأتكم الذي آذوكم. { وجعلنا } أي بعد ~~ذلك بعظمتنا { جهنم } التي تلقى داخلها بالتهجم والكراهة { للكافرين } ~~وهذا الوصف الظاهر موضع ضمير لبيان تعليق الحكم به على سبيل الرسوخ سواء ~~في ذلك هم وغيرهم، وفيه إشارة إلى أنهم يعودون إلى الإفساد، وإلى أن منهم ~~من يؤمن ومنهم من يكفر { حصيرا * } أي محبسا يحصرهم غاية الحصر، وعن ~~الحسن أن الحصير هو الذي يفرش ويبسط، فالمعنى أنه يجعلها مهادهم. ### || [17.9-11] # ولما ثبت أن كتاب موسى عليه السلام الذي أنزل عليه فيما بين مصر وبيت ~~المقدس في تلك المدة المتطاولة هو هدى لبني إسرائيل، صادق الوعد والوعيد ~~فيما قضى فيه إليهم من أمرهم وأمر بيت المقدس من ترقية حال من أطاعه ~~وإعلائهم وأخذ من عاداهم ومن تعكيس أحوال العصاة مرة بعد أخرى بتسليط ~~الأعداء عليهم بالقتل والأسر والنهب وتخريب البلاد، تنبيها على أن طاعة ~~الله تجلب كل خير وكرامة، ومعصيته توجب كل بلية، كما كشف عنه الزمان على ~~ما هو معروف من تواريخ اليهود وغيرها، لاح أن القرآن يزيد عليه في كل ~~معنى حسن وأمر شريف فيما أتى به من الوعود الصادقة، والأحكام المحكمة، ~~والمعاني الفائقة، في النظوم العذبة الرائقة، مع الإعجاز عن الإتيان بآية ~~من مثله لجميع الإنس والجان بنسبة ما زاد المسير المحمدي إلى بيت المقدس ~~- الذي أراه فيه من آياته - على المسير الموسوي الذي آتاه فيه الكتاب، ~~فقال - في جواب من كأنه قال: قد علم أن كتاب موسى عليه السلام الذي أنزل ~~في مسيرة لقصد محل المسجد الأقصى قيم في الهداية والوعود الصادقة، فما ~~حال الكتاب محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم الذي أنزل عليه منه في سبب ~~مسيرة إليه في ذلك؟ { إن هذا القرءان } أي الجامع لكل حق والفارق بين كل ~~ملتبس { يهدي }. # ولما كان صاحب الذوق السليم يجد لحذف الموصوف هزة وروعة، لما يجد من ~~الفخامة بإبهامه لا يجدها عند ذكره وإيضاحه، قال { للتي } أي للطرائق ~~والأحوال ms2627 والسنن التي { هي أقوم } من كل طريقة وسنة وحال دعا إليها كتاب ~~من الكتب السماوية، أما في الصورة فباعتبار ما علا به من البيان، وأما في ~~الوعود فباعتبار العموم لجميع الخلق في الدارين، وأما في الأصول فبتصريف ~~الأمثال وتقريب الوسائل، وحسم مواد الشبه وإيضاح وجوه الدلائل، وأما ~~الفروع فباعتبار الأحسنية تارة في السهولة والخفة، وتارة في غير ذلك - ~~كما هو واضح عند من تأمل ما بين الأمرين. # ولما انقسم الناس إلى مهتد به وضال، أتبع سبحانه ذلك بيانه، وكان ~~التعبير عن حالهما بالبشرى في قوله تعالى: { ويبشر المؤمنين } أي ~~الراسخين في هذا الوصف، ولهذا قيدهم بيانا لهم بقوله تعالى: { الذين } ~~يصدقون إيمانهم بأنهم { يعملون } أي على سبيل التجديد والاستمرار والبناء ~~على العلم { الصالحات } من التقوى والإحسان { أن لهم } أي جزاء لهم في ~~ظاهرهم وبواطنهم { أجرا كبيرا * } إشارة إلى صلاح هذه الأمة وثباتهم ~~على دينهم وأنه لا يزال أمرهم ظاهرا كما كان إنذار كتاب موسى عليه ~~السلام قومه إشارة إلى إفسادهم وتبديلهم دينهم. # ولما بشرهم بما لهم في أنفسهم، أتبعه ما لهم في أعدائهم فقال تعالى: { ~~وأن } أي ويبشر المؤمنين أيضا بأن { الذين لا يؤمنون } أي لا يتجدد منهم ~~إيمان { بالآخرة } حقيقة أو مجازا، المسبب عنه أنهم لا يعملون الصالحات ~~حقيقة لعدم مباشرتها، أو مجازا ببنائها على غير أساس الإيمان؛ وعبر ~~بالعتاد تهكما بهم، فقال تعالى: { أعتدنا } أي أحضرنا وهيأنا ما هو في ~~غاية الطيب والنفاسة والملاءمة على سبيل الوعد الصادق الذي لا يتخلف ~~بوجه، وهو مع ذلك منظور إليه، لعظمتنا { لهم } من عندنا بواسطة المؤمنين ~~أو بلا واسطة. # ولما استشرف الأعداء إلى هذا الوعد استشراف المغتبط المسرور، أتاهم في ~~تفسيره بما خلع قلوبهم على طريقة " تحية بينهم ضرب وجيع " وسر قلوب ~~الأولياء سرورا عظيما، فقال تعالى: { عذابا أليما * } فإنه لا بشرى ~~لذوي الهمم أعلى ولا أسر من الانتقام من مخالفيهم، فصار فضل الكتاب على ~~الكتاب كفضل الذهاب على الذهاب، وحذف المؤمنين الذين لا يعملون الصالحات، ~~لتمام البشارة بالإشارة إلى أنهم ms2628 من القلة في هذه الأمة الشريفة بحيث لا ~~يكادون أن يوجدوا. # ولما ذكر سبحانه ما لكلامه من الدعاء إلى الأقوام، أتبعه ما عليه ~~الإنسان من العوج الداعي له إلى العدول عن التمسك بشرائعه القويمة ~~والإقدام على ما لا فائدة فيه، تنبيها على ما يجب عليه من التأني للنظر ~~فيما يدعو إليه نفسه ووزنه بمعيار الشرع، فقال تعالى: { ويدع } حذف واوه ~~- الذي هو لام الفعل - خطأ في جميع المصاحف ولا موجب لحذفه لفظا في ~~العربية - مشير إلى أنه يدعو بالشر لسفهه وقلة عقله، وهو لا يريد علو ~~الشر عليه - بما أشير إليه بحذف ما معناه عند أهل الله الرفعة والعلو، ~~وإلى أن غاية فعله الهلاك إلى أن يتداركه الله، وقد ذكرت حكم الوقف عليه ~~وعلى أمثاله في سورة القمر { الإنسان } أي عند الغضب ونحوه على نفسه وعلى ~~من يحبه، لما له من الأنس بنفسه والنسيان لما يصلحه { بالشر } أي ينادي ~~ربه ويتضرع إليه بسبب إيقاع الشر به { دعاءه } أي مثل دعائه { بالخير } ~~أي بحصول الخير له ولمن يحبه؛ ثم نبه على الطبع الذي هو منبع ذلك، فقال ~~تعالى: { وكان الإنسان } أي هذا النوع بما له من قلة التدبر لاشتغاله ~~بالنظر في عطفيته والأنس بنفسه، كونا هو مجبول عليه { عجولا * } أي ~~مبالغا في العجلة يتسرع إلى طلب كل ما يقع في قلبه ويخطر بباله من غير ~~أن يتأنى فيه تأني المتبصر الذي لا يريد أن يوقع شيئا إلا في أتم ~~مواقعه، ولذلك يستعجل العذاب لنفسه استهزاء، ولغيره استشفاء؛ والعجلة: ~~طلب الشيء في غير وقته الذي لا يجوز تقديمه عليه، وأما السرعة فهي عمله ~~في أول وقته الذي هو أولى به. ### || [17.12-16] # ولما ثبت ما لصفته تعالى من العلو، ولصفة الإنسان من السفول تلاه بما ~~لأفعاله تعالى من الإتقان، ذاكرا ما هو الأقوم من دلائل التوحيد والنبوة ~~في العالمين: العلوي والسفلي، ثم ما لأفعال الإنسان من العوج جريا مع ~~طبعه، أو من الإحسان بتوفيق اللطيف المنان، فقال تعالى مبينا ما منحهم ~~به من ms2629 نعم الدنيا بعد ما أنعم عليهم به من نعم الدين: { وجعلنا } أي بما ~~لنا من العظمة { اليل والنهار آيتين } دالتين على تمام العلم وشمول ~~القدرة، آية الليل كالآيات المتشابهة، وآية النهار كالمحكمة، فكما أن ~~المقصود من التكليف لا يتم إلا بذكر المحكم والمتشابه فكذلك الزمان لا ~~يتيسر الانتفاع به إلا بهاتين الآيتين { فمحونا } أي بعظمتنا الباهرة { ~~آية اليل } بإعدام الضياء فجعلناها لا تبصر بها المرئيات كما لا يبصر ~~الكتاب إذا محي { وجعلنا } أي بعظمتنا { ءاية النهار } ولما كانت في غاية ~~الضياء يبصر بها كل من له بصر، أسند الإبصار إليها مبالغة فقال: { مبصرة ~~} أي بالشمس التي جعلها منيرة في نفسها، فلا تزال هذه الدار الناقصة في ~~تنقل من نور إلى ظلمة ومن ظلمة إلى نور كما للإنسان - بعجلته التي يدعو ~~إليها طبعه وتأنيه الداعي إليه عقله - من انتقال من نقصان إلى كمال ومن ~~كمال إلى نقصان، كما أن القمر الذي هو أنقص من الشمس كذلك: ثم ذكر بعض ~~المنافع المترتبة على ذلك، فقال تعالى: { لتبتغوا } أي تطلبوا طلبا ~~شديدا { فضلا من ربكم } أي المحسن إليكم فيهما بضياء هذا تارة وبرد هذا ~~أخرى { ولتعلموا } بفصل هذا من هذا { عدد السنين } أي من غير حاجة إلى ~~حساب، لأن النيرين يدلان على تحول الحول بمجرد تنقلهما. # ولما كانا أيضا يدلان على حساب المطالع والمغارب، والزيادة والنقصان، ~~وغير ذلك من الكوائن، لمن أمعن النظر، وبالغ في الفكر، قال تعالى: { ~~والحساب } أي جنسه، فصلناهما لذلك على هذا الوجه المتقن بالزيادة ~~والنقصان، وتغير الأحوال في أوقات معلومة، على نظام لا يختل على طول ~~الزمان مقدار ذرة، ولا ينحل قيس شعرة إلى أن يريد الله خراب العالم وفناء ~~الخلق، فيبيد ذلك كله في أسرع وقت وأقرب زمن، ولولا اختلافهما لاختلطت ~~الأوقات وتعطلت الأمور { وكل شيء } غيرهما مما تحتاجون إليه في دينكم أو ~~دنياكم { فصلناه } أي بعظمتنا، وأزلنا ألباسه، وأكد الأمر تنبيها عل ~~تمام القدرة، وأنه لا يعجزه شيء يريده، فقال تعالى: { تفصيلا * } ~~فانظروا بأبصاركم وبصائركم، وتتبعوا في ms2630 علانياتكم وسرائركم، تجدوا أمرا ~~متقنا ونظاما محكما # ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير # [الملك: 4]. # ولما كان هذا أمرا دقيقا جدا، أتبعه ما هو أدق منه وأغرب في القدرة ~~والعلم من تفاصيل أحوال الآدميين، بل كل مكلف بعضها من بعض من قبل أن ~~يخلقهم، فقال تعالى: { وكل إنسان } أي من في طبعه التحرك والاضطراب { ~~ألزمناه } أي بعظمتنا { طائره } أي عمله الذي قدرناه عليه من خير وشر، ~~ولعله عبر به لأنهم كانوا لا يقدمون ولا يحجمون في المهم من أعمالهم إلا ~~بالطائر فيقولون: جرى لفلان الطائر بكذا. # { في عنقه } أي الذي محل الزين بالقلادة ونحوها، والشين بالغل ونحوه، ~~إلزاما لا يقدر أن ينفك عن شيء منه كما لا يقدر على الانفكاك عن العنق، ~~وذلك كما ألزمنا بني إسرائيل ما قضينا إليهم في الكتاب، فكان كما قلنا، ~~وهم يعلمون نه من السوء بمكان، فلم يقدروا على الاحتراز منه والانفصال ~~عنه، فلا يمكن أن يظهر في الأبد إلا ما قضى به في الأزل " جف القلم بما ~~هو كائن " { ونخرج } أي بما لنا من العظمة وشمول العلم وتمام القدرة { له ~~يوم القيامة } أي الذي لا بد من إيجاده { كتابا } بجميع ما عمل { يلقاه ~~} حال كونه { منشورا * } تكتبه حفظتنا كل يوم، ثم إذا صعدوا قابلوا ~~ما فيه على ما سطرناه قديما في اللوح المحفوظ فيجدونه كما هو، لا خلاف ~~فيه أصلا، فإذا لقي كتابه يوم العرض قيل له: { اقرأ كتابك } أنت بنفسك ~~غير ملزم بما يقرأه غيرك { كفى } وحقق الفاعل بزيادة الباء فقال تعالى: { ~~بنفسك اليوم } أي في جميع هذا اليوم الذي تكشف فيه الستور، وتظهر جميع ~~الأمور { عليك حسيبا * } أي حاسبا بليغا، فإنك تعطي القدرة على قراءته ~~أميا كنت أو قارئا، ولا ترى فيه زيادة ولا نقصا، ولا تقدر أن تنكر منه ~~حرفا، إن أنكره لسانك شهدت عليك أركانك، فيا لها من قدرة باهرة، وقوة ~~قاهرة، ونصفة ظاهرة!. # ولما كان ما مضى، أنتج قطعا معنى ما قلنا لبني إسرائيل { إن أحسنتم ms2631 } ~~الآية، لكل أحد منهم ومن غيرهم، وذلك قوله تعالى: { من اهتدى } فتبع ~~الهدى { فإنما يهتدي لنفسه } لأن ثوابه لا يتعداه { ومن ضل } بالإعراض ~~عما أنزلنا من البيان { فإنما يضل عليها } لأن عقابه عليه، لا يتجاوزه { ~~ولا تزر وازرة } أي أي وازرة كانت { وزر أخرى } لتخفف عنها، بل لكل جزاء ~~عمله لا يتعداه إلى غيره، فنثيب من اهتدى ونعذب من ضل { وما كنا } أي على ~~عظمتنا { معذبين } أحدا { حتى نبعث } أي بعثا يناسب عظمتنا { رسولا * ~~} فمن بلغته دعوته فخالف أمره واستكبر عن اتباعه عذبناه بما يستحقه، وهذا ~~أمر قد تحقق بإرسال آدم عليه السلام ومن بعده من الأنبياء الكرام عليهم ~~الصلاة والسلام في جميع الأمم كما قال تعالى # ولقد بعثنا في كل أمة رسولا # [ النحل: 36] # وإن من أمة إلا خلا فيها نذير # [ فاطر: 24] فإن دعوتهم إلى الله تعالى قد انتشرت، وعمت الأقطار ~~واشتهرت، انظر إلى قول قريش الذين لم يأتهم نبي بعد إسماعيل عليه السلام # ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة # [ص: 7] فإنه يفهم أنهم سمعوه في الملة الأولى فمن بلغته دعوة أحد منهم ~~بوجه من الوجوه فقصر في البحث عنها فهو كافر مستحق للعذاب، فلا تغتر بقول ~~كثير من الناس في نجاة أهل الفترة مع إخبار النبي صلى الله عليه وعلى آله ~~وسلم أن آباءهم الذين مضوا في الجاهلية في النار، وأن ما يدحرج الجعل خير ~~منهم - إلى غير ذلك من الأخبار؛ قال الإمام أبو عبد الله الحليمي أحد ~~أجلاء الشافعية وعظماء أئمة الإسلام رضي الله عنهم في أوائل منهاجه في ~~باب من لم تبلغه الدعوة: وإنما قلنا: إن من كان منهم عاقلا مميزا إذا ~~رأى ونظر إلا أنه لا يعتقد دينا فهو كافر، لأنه وإن لم يكن سمع دعوة ~~نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم فلا شك أنه سمع دعوة أحد من الأنبياء ~~الذين كانوا قبله صلى الله عليه وعلى آله وسلم على كثرتهم، وتطاول أزمان ~~دعوتهم، ووفور عدد الذين آمنوا بهم واتبعوهم والذين كفروا بهم وخالفوهم، ~~فإن ms2632 الخبر قد يبلغ على لسان المخالف كما يبلغ على لسان الموافق، وإذا سمع ~~آية دعوة كانت إلى الله فترك أن يستدل بعقله على صحتها وهو من أهل ~~الاستدلال والنظر، كان بذلك معرضا عن الدعوة فكفر - والله أعلم، وإن ~~أمكن أن يكون لم يسمع قط بدين ولا دعوة نبي ولا عرف أن في العالم من يثبت ~~إلها - وما نرى أن ذلك يكون - فإن كان فأمره على الاختلاف - يعني عند من ~~يوجب الإيمان بمجرد العقل ومن لا يوجبه إلا بانضمام النقل. وما قاله ~~الحليمي نقل نحوه عن الإمام الشافعي نفسه رضي الله عنه؛ قال الزركشي في ~~آخر باب الديات من شرحه على المنهاج: وقد أشار الشافعي إلى عسر قصور - أي ~~عدم بلوغ - الدعوة حيث قال: وما أظن أحدا إلا بلغته الدعوة إلا أن يكون ~~قوم من وراء النهر بكوننا، وقال الدميري: وقال الشافعي: ولم يبق من لم ~~تبلغه الدعوة. # ولما أشار إلى عذاب المخالفين، قرر أسبابه وعرف أنها بقدره، وأن قدره لا ~~يمنع حقوق العذاب، لبناء الأمر على ما يتعارفه ذوو العقول بينهم فقال ~~تعالى: { وإذا } أي فنبعث الرسل بأوامرنا ونواهينا، وإذا أردنا أن نحيي ~~قرية الحياة الطيبة في الدنيا والآخرة، ألقينا في قلوب أهلها امتثال ~~أوامرنا والتقيد باتباع رسلنا، وإذا { أردنا } وإرادتنا لا تكون إلا ~~عظيمة جدا { أن نهلك } أي بعظمتنا { قرية } في الزمن المستقبل { أمرنا } ~~أي بما لنا من العظمة التي لا يقدر أحد على مخالفتها { مترفيها } الذين ~~لهم الأمر والنهي بالفسق، أي استدرجناهم بإدرار النعم ودفع النقم على ما ~~يعملون من المعاصي، الذي كان - بكونه سببا لبطرهم ومخالفتهم - كالأمر ~~بالفسق { ففسقوا فيها } بعد ما أزال الرسول معاذيرهم بتبليغ الرسالة كما ~~قال تعالى # فلما نسوا ما ذكروا به # [الأنعام:44] - أي على ألسنة الرسل - # فتحنا عليهم أبواب كل شيء # [الأنعام: 44] الآية # وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها # [ الأنعام: 123] وخص المترفين لأن غيرهم لهم تبع، ولأنهم أحق الناس ~~بالشكر وأولى بالانتقام عند الكفر، ويجوز أن يكون: أمرناهم بأوامرنا ~~ففسقوا ms2633 فيها، أي الأوامر بالطاعات التي يعلم قطعا أن أوامرنا تكون بها ~~ولا تكون بغيرها، لأنا لا نأمر بالفحشاء، وقد جرت العادة بأن المترف عسر ~~الانقياد، لا تكاد تسمح نفسه بأن يصير تابعا بعدما كان متبوعا، فعصوا ~~فتبعهم غيرهم لأن الأصاغر تبع للأكابر فأطبقوا على المعصية فأهلكناهم، ~~وقرأ يعقوب: آمرنا - بمد الهمزة بمعنى كثرنا، من آمرت الشيء وأمرته فأمر ~~- إذا كثرته، وفي الحديث # " خير المال سكة مأبورة ومهرة مأمورة " # أي كثيرة النتاج؛ وروى البخاري في التفسير عن عبد الله بن مسعود رضي ~~الله عنه قال: كنا نقول للحي إذا كثروا في الجاهلية: آمر بنو فلان. ~~والكثرة راجعة إلى الأمر الذي هو ضد النهي، فإنه نتيجة العز الذي هو لازم ~~الكثرة، ويجوز أن يكون من المؤامرة، أي أمرناهم بأوامرنا فما امتثلوا ~~وأمرونا بأوامرهم، أي سألونا ما يريدون فأعطيناهم ذلك استدراجا فأبطرهم ~~نيل الأماني ففسقوا { فحق } أي وجب وجوبا لا شك في وقوعه { عليها القول ~~} الذي توعدناهم به على لسان الرسول بمباشرة البعض للفسق وسكوت الباقين ~~على حسب ما تتعارفونه بينكم في أن من خالف الأمر الواجب للفسق وسكوت ~~الباقين على حسب ما تتعارفونه بينكم في أن من خالف الأمر الواجب عليه ~~استحق العقاب { فدمرناها } أي أهلكناها إهلاكا شديدا بغتة غير مبالين ~~بها فجعلناها كالمدرة المفتتة، وكان أمرها على عظمتنا هينا، ولذلك أكد ~~فقال تعالى: { تدميرا * }. ### || [17.17-21] # ولما قرر أن هذا شأنه إذا أراد أن يهلك، أخبر أنه فعل ذلك بمن لا يحصيهم ~~العد من القرون، ولا يحيط بهم الحد من الأمم، لأن الاعتبار بالمشاهد أوقع ~~في القلب وأهول عند النفس، فكأنه قال: كم فعلنا ذلك بالقرى ولم نستعجل في ~~إهلاك قرية منهم ولا أخذناهم من غير إنذار، بل أرسلنا فيهم وأملينا لهم ~~إلى أن كان ما علمناه في الأزل، وجاء الوقت الذي قدرناه، وبلغوا في ~~الذنوب ما يستحقون به الأخذ، ولقد أهلكنا قوم نوح على هذا السنن، وكانوا ~~أهل الأرض - كما مضت الإشارة إليه ووقع التنبيه عليه، وإهلاكهم كان في ~~إبلاغ أهل ms2634 الأرض ما أرسلنا به رسلنا من التوحيد لأن ذلك لم يخفف على أحد ~~بعدهم، وعطف على هذا المقدر قوله تعالى: { وكم أهلكنا } أي بما لنا من ~~العظمة، وبين مدلول " كم " بقوله تعالى: { من القرون } على هذا السنن. # ولما كان الإهلاك بعذاب الاستئصال لم يستغرق ما بعده، أدخل الجار فقال ~~تعالى: { من بعد نوح } الذي أنتم ذرية من أنجيناه بالحمل معه بذنوبهم ~~أمهلناهم حتى أعذرنا إليهم ثم أخذناهم في مدد متفاوتة، فكان بعضهم أقصر ~~مدة من بعض وبعضهم أنجيناه بعد أن أحطنا به مخايل العذاب، وأما من قبل ~~نوح فالظاهر من عبارة التوراة وسكوت القرآن أنهم لم يكونوا كفارا، وبه ~~صرح كثير من المفسرين في تفسير # كان الناس أمة واحدة # [البقرة: 213]. # ولما كان ذلك ربما أوجب أن يقال: كيف يعذب الساكت مع إمكان عذره بعجز أو ~~غيره؟ قال دافعا لذلك تاركا مظهر العظمة، تلطفا بهذا النبي الكريم، ~~عليه أفضل الصلاة والتسليم، في جملة حالية: { وكفى بربك } أي المحسن إليك ~~بالعفو عن أمتك وأعقابهم من الاستئصال { بذنوب عباده } أي لكونه خلقهم ~~وقدر ما فيهم من جميع الحركات والسكنات { خبيرا } من القدم، فهو يعلم ~~السر وأخفى، وأما أنتم فلستم هناك، فكم من إنسان كنتم ترونه من أكابر ~~الصالحين ثم أسفرت عاقبته عند الامتحان عن أنه من أضل الضالين { بصيرا * ~~} بها، إذا وقعت لا يخفى عليه شيء منها، وأما أتم فكم من شخص كنتم ترونه ~~مجتهدا في العبادة، فإذا خلا بارز ربه بالعظائم. # ولما تقرر أنه سبحانه خبير بذنوبهم بعد تزهيده في الدنيا بما ذكر من ~~مصارع الأولين، أتبعه الإخبار بأنه يعاملهم على حسب علمه على وجه معرف ~~بعلمه بجميع طوياتهم من خير وشر، مرغب في الآخرة، مرهب من الدينا، لأنها ~~المانعة من اتباع الرسل والتقيد بطاعتهم، خوفا من نقص الحظ من الدينا ~~بزوال ما هو فيه من الرئاسة والمال والانهماك في اللذة جهلا بأن ما قدر ~~لا يكون غيره سواء كان صاحبه في طاعة أو معصيته فقال تعالى: { من كان ~~يريد } أي إرادة ms2635 هو فيها في غاية الإمعان بما اقتضاه طبعه المشار إليه ~~بفعل الكون. # ولما كان مدار مقصود السورة على الإحسان الذي هو العبادة على المشاهدة، ~~وكان ذلك منافيا لحال من يلتفت إلى الدنيا، عبر بقوله تعالى: { العاجلة ~~} أي فقط { عجلنا } أي بعظمتنا { له فيها } أي العاجلة { ما نشاء } مما ~~يريده لا جميع ما يريده؛ ثم أبدل من " له " قوله تعالى: { لمن نريد } أي ~~لا لكل من أراد ذلك، تنبيها على أن ذلك بقوتنا لا بقوة ذلك المريد { ثم ~~جعلنا } أي بما لنا من العظمة { له } أي لظاهره وباطنه { جهنم } أي ~~الدركة النارية التي تلقى بالتجهم من كان يلقى الدنيا وأهلها بالتبسم { ~~يصلاها } في الآخرة { مذموما } أي مفعولا به الذم، وهو ضد المدح { ~~مدحورا * } مدفوعا مطرودا مبعدا، فينبغي لمريد الدنيا أن لا يزال على ~~حذر لأنه لا ينفك من عذاب الآخرة، فإن لم يعط شيئا من مناه - كما أشار ~~إليه { لمن نريد } اجتمع له العذابان كاملين: فقر الدنيا وعذاب الآخرة، ~~وإن أعطى فهو لا يعطي كل ما يريد - بما أشار إليه " ما نشاء " - فيجتمع ~~له عذاب ما منعه منها مع عذاب الآخرة. # ولما ذكر الجاهل ذكر العالم العامل فقال تعالى: { ومن أراد الآخرة } أي ~~مطلق إرادة - بما أشار إليه التجريد { من كان } { وسعى } أي وضم إلى ~~نيته العمل بأن سعى { لها سعيها } أي الذي هو لها، وهو ما كانت جديرة به ~~من العمل بما يرضي الله بما شرعه في كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى ~~آله وسلم، لا أي سعي كان بما لم يشهد ظاهر الكتاب والسنة، إعلاما بأن ~~النية لا تنفع إلا مع العمل، إما بالفعل عند التمكن، وإما بالقوة عند ~~عدمه؛ ثم ذكر شرط السعي الذي لا يقبل إلا به، فقال تعالى: { وهو مؤمن } ~~أي راسخ في هذا الوصف كما جاء عن بعض السلف: من لم يكن له ثلاث لم ينفعه ~~عمله: إيمان ثابت، ونية صادقة، وعمل مصيب - وتلا هذه الآية، وهذا الرسوخ ~~هو الإحسان الذي يدور عليه مقصود ms2636 السورة؛ ثم رتب عليه الجزاء فقال: { ~~فأولئك } أي العالو الرتبة لجمعهم الشرائط الثلاثة { كان } أي كونا لا ~~بد منه { سعيهم مشكورا * } أي مقبولا مثابا عليه بالتضعيف مع أن بعضهم ~~نفتح عليه أبواب الدنيا كداود وسليمان عليهما الصلاة والسلام ونستعمله ~~فيها بما يحب، وبعضهم نزويها عنه كرامة له لا هوانا، فالحاصل أنها إن ~~وجدت عند الوالي لم تشرفه، وإن عدمت عنه لم تحقره، وإنما الشرف وغيره عند ~~الله بالأعمال. # ولما أخبر عن نفسه الشريفة بما يشير إلى التوسعة على من يريد من أهل ~~الباطل، أخبر بأنه قضى بذلك في الأزل تفضلا فقال تعالى: { كلا } أي من ~~الفريقين: مريد الدنيا ومريد الآخرة { نمد } أي بالعطاء؛ ثم أبدل من { ~~كلا } قوله تعالى: { هؤلاء } أي الذين طلبوا الدنيا نمد { وهؤلاء } ~~الذين طلبوا الآخرة نمد { من عطاء ربك } أي المحسن إليه بجميع قضائه، إن ~~ضيق على مؤمن فبالحماية من الدنيا الفانية التي إنما هي لهو ولعب، وإن ~~وسع فبالاستعمال فيها على حسب ما يرضيه ويعلي كلمته { وما كان عطاء ربك } ~~أي الموجد لك المدبر لأمرك { محظورا * } أي ممنوعا في الدنيا عن مؤمن ~~ولا كافر، بل هو ملء السهل والجبل من الذهب والفضة والحديد والنحاس ~~والجواهر والثمار وأقوات الناس والبهائم، وغير ذلك مما لا يحصيه إلا الله ~~حتى لو اجتمع كل الناس على جمعه ليلا ونهارا، ولم يكن لهم شغل سوى ذلك، ~~لأعياهم ولم يقدروا عليه، فسبحان الجواد الواسع المعطي المانع، ثم أمر ~~بالنظر في عطائه هذا على وجه مرغب في الآخرة مزهد في الدنيا، فقال تعالى ~~آمرا بالاعتبار: { انظر } وبين أن حالهم لغرابته أهل لأن يسأل عنه فقال ~~تعالى: { كيف فضلنا } أي بما لنا من العظمة القاهرة { بعضهم على بعض } في ~~هذه الحياة الدنيا بالعطاء، فصار الفاضل يسخر المفضول، والمفضول يرغب في ~~خدمة المفضل ويتشرف بالتقرب إليه، مع أن رزق الله - وهوعطاءه - بالنسبة ~~إلى الكل على حد سواء، خلق ما هو موجود في هذه الدنيا للبر والفاجر، وكل ~~حريصون على أن يأخذوا فوق كفايتهم من ms2637 الأرزاق التي هي أكثر منهم، فما كان ~~هذا التفاضل إلا بقسر قادر قهرهم على ذلك، وهو من تنزه عن النقص وحاز على ~~كمال، فاستحق أن لا توجه رغبة راغب إلا إليه. # ولما نبه على أن ما نراه من التفضيل إنما هو بمحض قدرته، أخبر أن ما بعد ~~الموت كله كذلك من غير فرق فقال: { وللآخرة } أكد الإخبار عما فيها ~~المستلزم لتأكيد الإعلام بوجودها لهم من إنكاره { أكبر درجات } من هذه ~~الحياة الدنيا { وأكبر تفضيلا * } أولا بالجنة والنار أنفسهما، وثانيا ~~بالدرجات في الجنة والدركات في النار؛ ولما كان العلم هنا مقيدا ~~بالذنوب، ذكر بعد المفاضلة في الدنيا، ولعل في ذلك إشارة إلى أن أكثر من ~~يزاد في الدنيا تكون زيادته نقصا من آخرته بسبب ذنب اكتسبه أو تقصير ~~ارتكبه، ولما كان العلم فيما يأتي في قوله تعالى: { وربك أعلم } مطلقا، ~~طوى بعده الرذائل، وعطف على ذلك المطوي الفضائل، فقال تعالى: { ولقد ~~فضلنا بعض، النبيين على بعض } الآية، فمن كانت له نفس أبيه وهمة علية كان ~~عليه أن يزهد في علو فان لأجل العلو الباقي. ### || [17.22-25] # ولما تقرر بما مضى أن له سبحانه الأمر كله، وأنه متصف بجميع الكمال منزه ~~عن شوائب النقص، أنتج أنه لا إله غيره، فقال تعالى يخاطب الرأس لأن ذلك ~~أوقع في أنفس الأتباع، وإشارة إلى أنه لا يوحده حق توحيده سواه، ويجوز أن ~~يكون خطابا عاما لكل من يصح أن يخاطب به: { لا تجعل مع الله } الذي له ~~جميع صفات الكمال { إلها } وسيأتي قريبا سر قوله: { ءاخر } أنه مفهوم ~~من المعية { فتقعد } أي فيتسبب عن ذلك أن تقعد أي تصير في الدنيا قبل ~~الآخرة { مذموما }. # ولما كان الذم قد يحتمله بعض الناس مع بلوغ الأمل، بين أنه مع الخيبة ~~فقال تعالى: { مخذولا * } أي غير منصور فيما أردته من غير أن يغني عنك ~~أحد بشفاعة أو غيرها. ولما قرع الأسماع بهذا النهي المحتم لتوحيده، أتبعه ~~الإخبار بالأمر بذلك جمعا في ذلك بين صريحي الأمر والنهي تصريحا بعد ~~التنزيه ms2638 له عن الشريك بالإفراد له في العبادة في أسلوب الخبر، إعلاما ~~بعظم المقام فقال تعالى: { وقضى } أي نهاك عن ذلك وأمر { ربك } أي المحسن ~~إليك أمرا حتما مقطوعا به ماضيا لا يحتمل النزاع؛ ثم فسر هذا الأمر ~~بقوله تعالى: { ألا تعبدوا } أي أنت وجميع أهل دعوتك، وهم جميع الخلق { ~~إلا إياه } فإن ذلك هو الإحسان. # ولما أمر بمعرفة الحق المحسن المطلق منبها على وجوب ذلك باسم الرب، ~~أتبعه الأمر بمعرفة الحق لأول المربين من الخلق فقال: { وبالوالدين } أي ~~وأحسنوا، أي أوقعوا الإحسان بهما { إحسانا } بالإتباع في الحق إن كانا ~~حنيفين شاكرين لأنعمه كإبراهيم ونوح عليهما السلام فإن ذلك يزيد في ~~حسناتهما، وبالبراءة منهما في الباطل فإن ذلك يخفف من وزرهما واللطف بهما ~~ما لم يجر إلى فساد ليكون الله معكم فإنه مع الذين اتقوا والذين هم ~~محسنون. # ولما كان سبحانه عليما بما في الطباع من ملال الولد لهما عند أخذهما في ~~السن، قال تعالى: { إما } مؤكدا بإدخال " ما " على الشرطية لزيادة ~~التقرير للمعنى اهتماما بشأن الأبوين { يبلغن عندك } أي بأن يضطر إليك ~~فلا يكون لهما كافل غيرك { الكبر } ونفى كل احتمال يتعلق به المتعنت ~~بقوله تعالى: { أحدهما أو كلاهما } فيعجزا بحيث يكونان في كفالتك { فلا ~~تقل لهما أف } أي لا تتضجر منهما، وفي سورة الأحقاف ما ينفع كثيرا هنا؛ ~~ثم صرح بما ينهى عنه الكلام من باب الأولى تعظيما للمقام فقال: { ولا ~~تنهرهما } فيما لا ترضاه؛ والنهر: زجر بإغلاظ وصياح. وقال الأستاذ أبو ~~الحسن الحرالي رحمه الله في كتابه في أصول الفقه: وقد أولع الأصوليون بأن ~~يذكروا في جملة هذا الباب - أي باب الاستدلال بالملزوم على اللازم ~~والأدنى على الأعلى - قوله تعالى: { ولا تقل لهما أف } بناء على أن ~~التأفيف عندهم أقل شيء يعق به الأب، وذلك حائد عن سنن البيان ووجه ~~الحكمة، لأنه ليس في العقوق شيء أشد من التأفيف لأنه إنما يقال للمستقذر ~~المسترذل، ولذلك عطف عليه { ولا تنهرهما } لأنه لا يلزم منه لزوم سواء ~~ولا لزوم أحرى، ms2639 ولا يصلح فيما يقع أدنى أن يعطف عليه ما يلزمه سواء أو ~~أحرى، كما لو قال قائل: من يعمل ذرة خيرا يره، ومن يعمل قيراطا يره، لم ~~يصلح عطفه عليه لإفادة الأول إياه، ولعل ذلك شيء وهل فيه واهل فسلك إثره ~~من غير اعتبار لقوله - انتهى. # ولما نهاه عن عقوقهما تقديما لما تدرأ به المفسدة، أمره ببرهما جلبا ~~للمصلحة، فقال تعالى: { وقل لهما } أي بدل النهر وغيره { قولا كريما * ~~} أي حسنا جميلا يرضاه الله ورسوله مع ما يظهر فيه من اللين والرقة ~~والشفقة وجبر الخاطر وبسط النفس، كما يقتضيه حسن الأدب وجميل المروءة، ~~ومن ذلك أنك لا تدعوهما بأسمائهما، بل بيا أبتاه ويا أمتاه - ونحو هذا { ~~واخفض لهما } ولما كان الطائر يخفض جناحه عند الذل، استعار لتعطفه عليهما ~~رعيا لحقوقهما قوله تعالى: { جناح الذل } أي جناح ذلك، وبين المراد ~~بقوله تعالى: { من الرحمة } أي لا من أجل امتثال الأمر والنواهي وما تقدم ~~لهما من من أجل الرحمة لهما، بأن لا تزال تذكر نفسك بالأوامر والنواهي ~~وما تقدم لهما من الإحسان إليك، فصارا مفتقرين إليك وقد كنت أفقر خلق ~~الله إليهما، حتى يصير ذلك خلقا لازما لك فإن النفس لأمارة بالسوء، وإن ~~لم تقد إلى الخير بأنواع الإرغاب والإرهاب والإمعان في النظر في حقائق ~~الأمور وعجائب المقدور، ولذلك أتبعه قوله تعالى آمرا بأن لا يكتفي ~~برحمته التي لا بقاء لها، فإن ذلك لا يكافىء حقهما بل يطلب لهما الرحمة ~~الباقية: { وقل رب } أي أيها المحسن إلي بعطفهما علي حتى ربياني وكانا ~~يقدماني على أنفسهما { ارحمهما } بكرمك برحمتك الباقية وجودك كما رحمتهما ~~أنا برحمتي القاصرة مع بخلي وما في من طبع اللوم { كما ربياني } ~~برحمتهما لي { صغيرا * } وهذا مخصوص بالمسلمين بآية { ما كان للنبي } لا ~~منسوخ، ولقد أبلغ سبحانه في الإيصاء بهما حيث بدأه بأن شفع الإحسان ~~إليهما بتوحيده ونظمه في سلكه، وختمه بالتضرع في نجاتهما، جزاء على ~~فعلهما وشكرا لهما، وضيق الأمر في مراعاتهما حتى لم يرخص في أدنى شيء من ms2640 ~~امتهانهما، مع موجبات الضجر ومع أحوال لا يكاد يدخل الصبر إليها في حد ~~الاستطاعة إلا بتدريب كبير. # ولما كان ذلك عسرا جدا حذر من التهاون به بقوله تعالى: { ربكم } أي ~~المحسن إليكم في الحقيقة، فإنه هو الذي عطف عليكم من يربيكم وهو الذي ~~أعانهم على ذلك { أعلم } أي منكم { بما في نفوسكم } من قصد البر بهما ~~وغيره، فلا يظهر أحدكم غير ما يبطن، فإن ذلك لا ينفعه ولا ينجيه إلا أن ~~يحمل نفسه على ما يكون سببا لرحمتهما { إن تكونوا } أي كونا هو جبلة ~~لكم { صالحين } أي متقين أو محسنين في نفس الأمر؛ والصلاح: استقامة الفعل ~~على ما يدعو إليعه الدليل، وأشار إلى أنه لا يكون ذلك إلا بمعالجة النفس ~~وترجيعها كرة بهد فرة بقوله تعالى: { فإنه كان للأوابين } أي الرجاعين ~~إلى الخير مرة إثر مرة بعد جماع أنفسهم عنه { غفورا * } أي بالغ الستر، ~~تنبيها لمن وقع منه تقصير، فرجع عنه على أنه مغفور. ### || [17.26-29] # ولما حث على الإحسان إليهما بالخصوص، عم بالأمر به لكل ذي رحم وغيره، ~~فقال تعالى: { وءات ذا القربى } من جهة الأب أو الأم وإن بعد { حقه و } ~~آت { المسكين } وإن لم يكن قريبا { وابن السبيل } وهو المسافر المنقطع ~~عن ماله لتكون متقيا محسنا. # ولما رغب في البذل، وكانت النفس قلما يكون فعلها قواما بين الإفراط ~~والتفريط، أتبع ذلك قوله تعالى: { ولا تبذر } بتفريق المال سرفا، وهو ~~بذله فيما لا ينبغي، وفي قوله { تبذيرا * } تنبيه على أن الارتقاء نحو ~~ساحة التبذير أولى من الهبوط إلى مضيق الشح والتقتير؛ والتبذير: بسط اليد ~~في المال على حسب الهوى جزافا، وأما الجود فبمقدار معلوم، لأنه اتباع ~~أمر الله في الحقوق المالية، ومنها معلوم بحسب القدر، ومنها معلوم بحسب ~~الوصف كمعاضدة أهل الملة وشكر أهل الإحسان إليك ونحو ذلك، وقد سئل ابن ~~مسعود رضي الله عنه عن التبذير فقال: إنفاق المال من غير حقه، وعن مجاهد ~~رضي الله عنه: لو أنفق الإنسان ماله كله في الحق ما كان تبذيرا، ولو ms2641 ~~أنفق مدا في باطل كان تبذيرا. ثم علل ذلك بقوله: { إن المبذرين } أي ~~جبلة وطبعا { كانوا } أي كونا هم راسخون فيه { إخوان الشياطين } أي ~~كلهم، البعيدين من الرحمة، المحترقين في اللعنة، فإن فعلهم فعل النار ~~التي هي أغلب أجزائهم، وهو إحراق ما وصلت إليه لنفع وغير نفع، فإذا لم ~~يجدوا أخذوا ما ليس لهم، والعرب تقول لكل ملازم سنة قوم وتابع أمرهم: هو ~~أخوهم. # ولما كان الاقتصاد أدعى إلى الشكر، والتبذير أقود إلى الكفر، قال تعالى: ~~{ وكان الشيطان } أي هذا الجنس البعيد من كل خير، المحترق من كل شر { ~~لربه } أي الذي أحسن إليه بإيجاده وتربيته { كفورا * } أي ستورا لما ~~يقدر على ستره من آياته الظاهرة، ونعمه الباهرة، مع الحجة. # ولما أمر بما هو الأولى في حالة الوجدان، أمر بمثل ذلك حالة العدم، فقال ~~مؤكدا تنبيها على أنه ينبغي أن يكون الإعراض عنهم في حيز الاستبعاد ~~والاستنكار: { وإما تعرضن عنهم } أي عن جميع من تقدم ممن أمرت بالبذل له، ~~لأمر اضطرك إلى ذلك لا بد لك منه، لكونك لا تجد ما تعطيه، فأعرضت حياء لا ~~لإرادة المنع، بل { ابتغاء } أي طلب { رحمة } أي إكرام وسعة { من ربك } ~~الكثير الإحسان { ترجوها } فإذا أتتك واسيتهم فيها { فقل لهم } في حالة ~~الإعراض { قولا ميسورا * } أي ذا يسر يشرح صدورهم، ويبسط رجاءهم، لأن ~~ذلك أقرب إلى طريق المتقين المحسنين الذين أنا معهم؛ قال أبو حيان: وروي ~~أنه عليه الصلاة والسلام كان بعد نزول هذه الآية إذا لم يكن عنده ما يعطي ~~وسئل قال: يرزقنا الله وإياكم من فضله - انتهى. # وقد وضع هنا الابتغاء موضع الفقر لأنه سببه، فوضع المسبب موضع السبب. # ولما أمر بالجود الذي هو لازم الكرم، نهى عن البخل الذي هو لازم اللوم، ~~في سياق ينفر منه ومن الإسراف، فقال ممثلا بادئا بمثال الشح: { ولا ~~تجعل يدك } بالبخل { مغلولة } أي كأنها بالمنع مشدودة بالغل { إلى عنقك } ~~لا تستطيع مدها { ولا تبسطها } بالبذل { كل البسط } فتبذر { فتقعد } أي ~~توجد كالمقعد، بالقبض { ملوما } أي ms2642 بليغ الرسوخ فيما تلام بسببه عند ~~الله، لأن ذلك مما نهى عنه، وعند الناس، وبالبسط { محسورا * } منقطعا ~~بك لذهاب ما تقوى به وانحساره عنك، وكل من الحالتين مجاوز لحد الاعتدال. ### || [17.30-33] # ولما كان سبب البخل خوف الفقر، وسبب البسط محبة إغناء المعطي، قال ~~مسليا لرسوله صلى الله عليه وسلم عما كان يرهقه من الإضافة عن التوسعة ~~على من يسأله بأن ذلك إنما هو لتربية العباد بما يصلحهم، لا لهوان ~~بالمضيق عليه، ولا لإكرام للمسوع عليه: { إن ربك } أي المحسن إليك { يبسط ~~الرزق لمن يشاء } البسط له دون غيره { ويقدر } أي يضيق كذلك سواء قبض يده ~~أو بسطها # ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض # [ الشورى: 27] ولكنه تعالى لا يبلغ بالمبسوط له غاية مراده، ولا ~~بالمقبوض عنه أقصى مكروهه، فاستنوا في إنفاقكم على عباده بسنته في ~~الاقتصاد { إنه كان } أي كونا هو في غاية المكنة { بعباده خبيرا } أي ~~بالغ الخبر { بصيرا * } أي بالغ البصر بما يكون من كل القبض والبسط لهم ~~مصلحة أو مفسدة. # ولما أتم سبحانه ما أراد من الوصية بالأصول وما تبع ذلك، وختمه بما قرر ~~من أن قبض الرزق وبسطه منه من غير أن ينفع في ذلك حيلة، أوصاهم بالفروع، ~~لكونهم في غاية الضعف وكانوا يقتلون بناتهم خوف الفقر، وكان اسم البنت قد ~~صار عندهم لطول ما استهجنوه موجبا للقسوة، فقال في النهي عن ذلك مواجها ~~لهم، إعلاما ببعده صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن هذا الخلق قبل ~~الإسلام وبعده: { ولا تقتلوا أولادكم } معبرا بلفظ الولد هو داعية إلى ~~الحنو والعطف { خشية إملاق } أي فقر متوقع لم يقع بعد؛ ثم وصل بذلك ~~استئنافا قوله: { نحن نرزقهم وإياكم } مقدما ضمير الأولاد لكون الإملاق ~~مترقبا من الإنفاق عليهم غير حاصل في حال القتل، بخلاف آية الأنعام فإن ~~سياقها يدل على أن الإملاق حاصل عند القتل، والقتل للعجز عن الإنفاق، ثم ~~علل ذلك بما هو أعم منه فقال تعالى: { إن قتلهم } أي مطلقا لهذا أو غيره ~~{ كان خطأ } أي ms2643 إثما { كبيرا * } قال الرماني: والخطأ - أي بكسر ثم ~~سكون - لا يكون إلا تعمدا إلى خلاف الصواب، والخطأ - أي محركا - قد ~~يكون من غير تعمد. # ولما كان في قتل الأولاد حظ من البخل، وفي فعل الزنا داع من الإسراف، ~~أتبعه به فقال تعالى: { ولا تقربوا } أي أدنى قرب بفعل شيء من مقدماته ~~ولو بإخطاره بالخاطر { الزنى } مع أن السبب الغالب في فعل النساء له ~~الحاجة وطلب التزيد، وفيه معنى قتل الولد بتضييع نسبه، وفيه تسبب في ~~إيجاد نفس الباطل، كما أن القتل تسبب في إعدامها بالباطل، وعبر بالقربان ~~تعظيما له لما فيه من المفاسد الجارة إلى الفتن بالقتل وغيره؛ ثم علله ~~بقوله مؤكدا إبلاغا في التنفير عنه لما للنفس من شدة الداعية إليه: { ~~إنه كان } أي كونا لا ينفك عنه { فاحشة } أي زائدة القبح، وقد نهاكم عن ~~الفحشاء في آية العدل والإحسان { وساء } الزنا { سبيلا * } أي ما أسوأه ~~من طريق! والتعبير عنه بالسبيل يدل على كثرة متعاطيه بالدلالة على سعة ~~منهجه. # ولما أتم النهي عن هذين الأمرين المتحدين في وصف الفحش وفي السبب على ~~تقدير، وفي إهلاك الولد بالقتل وما في معناه، أتبعهما مطلق القتل الذي من ~~أسبابه تحصيل المال فقال تعالى: { ولا تقتلوا النفس } أي بسبب ما جعل ~~خالقها لها من النفاسة { التي حرم الله } أي الملك الأعلى الذي له الأمر ~~كله بالإسلام أو العهد { إلا بالحق } أي بأمر يحل الله به تلك الحرمة ~~التي كانت، فصارت الأسباب المنهي عنها بتحريم مسبباتها منع الموجود بخلا ~~ثم بذله إسرافا ثم تحصيل المفقود بغيا؛ ثم عطف على ما أفهم السياق ~~تقديره وهو: فمن قتل نفسا بغير حق فقد عصى الله ورسوله { ومن قتل } أي ~~وقع قتله من أي قاتل كان { مظلوما } أي بأي ظلم كان، من غير أن يرتكب ~~إحدى ثلاث: الكفر، والزنا بعد الإحصان، وقتل المؤمن عمدا، عدوانا { فقد ~~جعلنا } أي بما لنا من العظمة { لوليه } أي سواء كان قريبا أو سلطانا { ~~سلطانا } أي أمرا متسلطا { فلا يسرف } الولي، أو فلا ms2644 تسرف أيها الولي ~~{ في القتل } بقتل غير القاتل، ولا يزد على حقه بوجه { إنه } أي القتيل { ~~كان منصورا * } في الدنيا بما جبل الله في الطباع من فحش القتل، وكراهة ~~كل أحد له، وبغض القاتل والنفرة منه، والأخذ على يده، وفي الآخرة بأخذ ~~حقه منه من غير ظلم ولا غفلة، فمن وثق بذلك ترك الإسراف، فإنه لخوف الفوت ~~أو للتخويف من العود. ### || [17.34-36] # ولما نهى عن الإغارة على الأرواح والأبضاع التي هي سببها، أتبعه النهي ~~عن نهب ما هو عديلها، لأن به قوامها، وهو الأموال، وبدأ بأحق ذلك بالنهي ~~لشدة الطمع فيه لضعف مالكه فقال تعالى: { ولا تقربوا } أي فضلا عن أن ~~تأكلوا { مال اليتيم } فعبر بالقربان الذي هو قبل الأخذ تعظيما للمقام { ~~إلا بالتي هي أحسن } من طرائق القربان، وهو التصرف فيه بالغبطة تثميرا ~~لليتيم { حتى يبلغ } اليتيم { أشده } وهو إيناس الرشد منه بعد بلوغه. # ولما كانت الوصية نوعا من أنواع العهد، أمر بوفاء ما هو أعم منها فقال ~~تعالى: { وأوفوا } أي أوقعوا هذا الجنس في الزمان والمكان، وكل ما يتوقف ~~عليه الأمر المعاهد عليه ويتعلق به { بالعهد } أي بسببه ليتحقق الوفاء به ~~ولا يحصل فيه نقص ما، وهو العقد الذي يقدم للتوثق. # ولما كان العلم بالنكث والوفاء متحققا، كان العهد نفسه كأنه هو المسؤول ~~عن ذلك، فيكون رقيبا على الفاعل به، فقال تعالى مرهبا من المخالفة: { ~~إن العهد كان } أي كونا مؤكدا عنه { مسؤولا * } أي عن كل من عاهد هل ~~وفى به؟ أو مسؤولا عنه من كل من يتأتى منه السؤال. # ولما كان التقدير بالكيل أو الوزن من جملة الأمانات الخفية كالتصرف ~~لليتيم، وكان الائتمان عليه كالمعهود فيه، أتبعه قوله: { وأوفوا الكيل } ~~أي نفسه فإنه أمر محسوس لا يقع فيه إلباس واشتباه؛ ولما كان صالحا لمن ~~أعطى ومن أخذ، قال: { إذا كلتم } أي لغيركم، فإن اكتلتم لأنفسكم فلا جناح ~~عليكم إن نقصتم عن حقكم ولم توفوا الكيل { وزنوا } أي وزنا متلبسا { ~~بالقسطاس } أي ميزان العدل الذي هو أقوم الموازين، ms2645 وزاد في تأكيد معناه ~~فقال تعالى: { المستقيم } دون شيء من الحيف على ما مضى في الكيل سواء { ~~ذلك } أي الأمر العالي الرتبة الذي أمرناكم به { خير } لكم في الدنيا ~~والآخرة وإن تراءى لكم أن غيره خير { وأحسن تأويلا * } أي عاقبة في ~~الدارين، وهو تفعيل من الأول وهو الرجوع، وأفعل التفضيل هنا لاستعمال ~~النصفة لإرخاء العنان، أي على تقدير أن يكون في كل منهما خير، فهذا الذي ~~أزيد خيرا والعاقل لا ينبغي أن يرضى لنفسه بالدون. # ولما كان ذلك مما تشهد القلوب بحسنه، وأضداده مما تتحقق النفوس قبحه، ~~لأن الله تعالى جبل الإنسان على ذلك كما قال صلى الله عليه وعلى آله ~~وسلم: # " البر ما سكن إليه القلب واطمأنت إليه النفس، والإثم ما حاك في القلب ~~وتردد في الصدر وإن أفتاك المفتون وأفتوك " # وقال: # " إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحي فاصنع ما شئت ~~" # وكان قد جمع الضمائر سبحانه، تلاه سبحانه بما يعمه وغيره فقال تعالى ~~مفردا الضمير ليصوب النهي إلى كل من الجمع والإفراد في حالتي الاجتماع ~~والانفراد على حد سواء: { ولا } أي افعلوا ما أمرتم به من ذلك، وانتهوا ~~عما نهيتم عنه منه، لما تقرر في الجبلات من العلم الضروري بخيريته وحسنه، ~~ولا { تقف } أي تتبع أيها الإنسان مجتهدا بتتبع الآثار { ما ليس لك به ~~علم } من ذلك وغيره، كل شيء بحسبه، لا سيما البهت والقذف، فما كان ~~المطلوب فيه القطع لم يقنع فيه بدونه، وما اكتفى فيه بالظن وقف عنده؛ ثم ~~علل ذلك مخوفا بقوله: { إن السمع والبصر } وهما طريقا الإدراك { والفؤاد ~~} الذي هو آلة الإدراك؛ ثم هول الأمر بقوله تعالى: { كل أولئك } أي هذه ~~الأشياء العظيمة، العالية المنافع، البديعة التكوين، وأولاء وجميع أسماء ~~الإشارة يشار بها للعاقل وغيره كقوله: # ذم المنازل بعد منزلة اللوى # والعيش بعد أولئك الأيام # { كان } أي بوعد لا خلف فيه { عنه } أي وحده { مسؤولا * } بسؤال يخصه، ~~هل استعمله صاحبه في طلب العلم مجتهدا في ذلك، ليعمل عند الوقوف على ms2646 ~~الحقائق بما يرضي الله، ويجتنب ما يسخطه أو لا؟ وأول حديث النفس السابح ~~ثم الخاطر ثم الإرادة والعزيمة، فيؤاخذ بالإرادة والعزيمة لدخولهما تحت ~~الاختيار فيتعلق بهما التكليف، ولعدم دخول الأولين خفف عنا بعدم المؤاخذة ~~بهما، كما قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: # " إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسهم ما لم تعمل به أو تكلم ". ### || [17.37-40] # ولما كان الكبر والأنفة أعظم موقف عن العلم الداعي إلى كل خير، ومرض ~~بمرض الجهل الحامل على كل شر، قال تعالى: { ولا تمش } أي مشيا ما، وحقق ~~المعنى بقوله تعالى: { في الأرض } أي جنسها { مرحا } وهو شدة الفرح التي ~~يلزمها الخيلاء، لأن ذلك من رعونات النفس بطيش الهوى وداعي الشهوة وما ~~طبعت عليه من النقائص، فإنه لا يحسن إلا بعد بلوغ جميع الآمال التي تؤخذ ~~بالجد ولن يكون ذلك لمخلوق، ولذلك علله بقوله تعالى: { إنك لن تخرق } أي ~~ولو بأدنى الوجوه { الأرض } أي تقطعها سيرا من مكانك إلى طرفها { ولن ~~تبلغ } أي بوجه من الوجوه { الجبال طولا * } أي طول الجبال كلها بالسير ~~فيها، فإذا كنت تعجز في قدرتك وعلمك عن خط مستقيم من عرض الأرض مع الجد ~~والاجتهاد وعن التطاول على أوتادها فبماذا تفخر؟ وبأي شيء تتكبر حتى ~~تتبختر؟ وذلك من فعل من بلغ جميع ما أمل؛ ثم عظم جميع ما مضى من المنهيات ~~وأضداد المأمورات بقوله تعالى: { كل ذلك } أي الأمر البعيد من المكارم { ~~كان } أي كونا غير مزايل. # ولما كانت السيئة قد صارت في حكم الأسماء كالإثم والذنب وزال عنها حكم ~~الصفات، حملها على المذكر ووصفها به فقال تعالى: { سيئه } وزاد بشاعته ~~بقوله تعالى: { عند ربك } أي المحسن إليك إحسانا لا ينبغي أن يقابل عليه ~~إلا بالشكر { مكروها * } أي يعامله معاملة المكروه من النهي عنه والذم ~~لفاعله والعقاب، والعاقل لا يفعل ما يكرهه المحسن إليه حياء منه، فإن لم ~~يكن فخوفا من قطع إحسانه، وخضوعا لعز سلطانه، ويجوز أن يكون المراد ~~بهذا الإفراد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ms2647 إشارة إلى أنه لا يقدر ~~أحد غيره على امتثال هذا المعنى على ما ينبغي، لأنه لا يعلم أحد العلم ~~على ما هو عليه سواء، ولأن الرأس إذا خوطب بشيء كان الأتباع له أقبل وبه ~~أعنى. # ولما تمت هذه الأوامر والزواجر على هذا الوجه الأحكم والنظام الأقوم، ~~أشار إلى عظيم شأنه ومحكم إتقانه بقوله على طريق الاستئناف، تنبيها ~~للسامع على أن يسأل عنه: { ذلك } أي الأمر العالي جدا { مما أوحى } أي ~~بعث في خفية { إليك ربك } أي المحسن إليك { من الحكمة } التي لا يستطاع ~~نقضها ولا الإتيان بمثلها من الدعاء إلى الخير والنهي عن الشر، ومن حكمة ~~هذه الأشياء المشار إليها من الأوامر والنواهي أنها لم تقبل النسخ في ~~شريعة من الشرائع، بل كانت هكذا في كل ملة. # ولما بين أن الجهل سبب لكل سوء، وكان الشرك أعظم جهل، أتبعه - ليكون ~~النهي عنه بدءا وختاما، دلالة على فرط شناعته عطفا على ما مضى من ~~النواهي - قوله تعالى: { ولا تجعل } أو يقدر له ما يعطف عليه نحو: فالزمه ~~ولا تجعل { مع الله } أي الملك الأعظم الذي له الأمر كله { إلها }. # ولما كانوا لتعنتهم ربما جعلوا تعداد الأسماء تعدادا للمسميات كما ورد ~~في سبب نزول { قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن } قال تعالى مع إفهام ~~المعية للغيرية: { ءاخر } فإن ذلك أعظم الجهل الذي نهى عن قفوه { فتلقى } ~~أي فيفعل بك في الآخرة في الحبس { في جهنم } من الإسراع فيه وعدم القدرة ~~على التدارك فعل من ألقى من عال، حال كونك { ملوما } أي معنفا على ما ~~فعلت بعد الذم { مدحورا * } أي مطرودا بعد الخذلان، فهذان الوصفان أشنع ~~من وصفي الذم والخذلان في الآية الأولى كما هي سنته تعالى أن يبدأ بالأخف ~~تسليكا لعباده، وإنما كان الشرك أجهل الجهل لأن من الواضح أن الإله لا ~~يكون إلا واحدا بالذات فلا ينقسم، وبالاعتبار فلا يجانس؛ وعن ابن عباس ~~رضي الله عنهما أن هذه الثماني عشرة آية كانت في ألواح موسى عليه السلام ~~أولها { لا تجعل مع ms2648 الله إلها ءاخر } وهي عشر آيات في التوراة، جعل ~~فاتحتها وخاتمتها النهي عن الشرك، لأن التوحيد رأس كل حكمة وملاكها، ومن ~~عدمه لم تنفعه حكمه وعلومه وإن بذ فيها الحكماء، وحك بيافوخه السماء، ما ~~أغنت عن الفلاسفة أسفار الحكم، وهم عن دين الله أضل من النعم. # ولما كان ادعاءهم أن الملائكة بنات الله ادعاء لأن له مناسبا ومجانسا ~~في أخص الصفات وهي الإلهية، وكانت عبادتهم لهم تحقيقا لذلك، وكان ذلك ~~أزيد من مجرد الشرك في الجهل، ساقه مساق التقريع والتوبيخ تنبيها على ~~ظهور فساده متصلا بما مضى من النهي عن الشرك بالعطف بفاء السبب على { ما ~~} بعد الاستئناف بهمزة الإنكار، فكان كأنه قيل: لا تفعل ذلك كما فعل ~~هؤلاء الذين أفرطوا في الجهل فنسبوا إليه من خلقه أدنى الجزءين كما تقدم ~~في النحل في قوله تعالى # ويجعلون لله البنات # [النحل: 54] ثم عبدوا ذلك الجزء وهم لا يرضونه لأنفسهم؛ ثم التفت إليهم ~~مخاطبا بما دل على تناهي الغضب فقال: { أفأصفاكم ربكم } أي أخلق المحسن ~~إليكم بنين وبنات فأصفاكم إحسانا إليكم وأنتم تكفرون به { بالبنين } ~~الذين هم أفضل صنفي الأولاد، { و } لم يحسن إلى نفسه بأن شارككم في ~~البنين، بل { اتخذ } عبر بالافتعال لأن من عدل إلى أحد الصنفين مع التمكن ~~من الآخر لا يكون إلا شديد الرغبة فيما عدل إليه { من الملائكة } الذين ~~هم أقرب عباده أولادا، ثم ما كفاه نقص الولدية ومعالجة أسبابها حتى جعل ~~ما اتخذه { إناثا } فرضي لنفسه - وهو إلهكم الخالق الرازق - با لا ~~ترضونه لأنفسكم، ووصلتم في كراهته في بعض الحالات إلى القتل، فصار ~~مشاركا لكم في البنات مخصصا لكم دونه بالبنين، وذلك خلاف عادتكم، فإنه ~~العبيد لا يؤثرون بالأجود ويكون الأدون للسادات، وعبر أولا بالبنين دون ~~الذكور لأن اسم الابن ألذ في السمع، مرض لمن بشر به من غير نظر في ~~العاقبة، وقد يكون أنثى الأفعال، ولأن اسم الذكر مشترك المعنى، وعبر في ~~الثاني بالإناث لإفهام الرخاوة بمدلول اللفظ، ولأنهن بنات بالمعادلة، ~~ويمكن أن تنزل الآية ms2649 على الاحتباك، فيكون التقدير: بالبنين ورضي لنفسه ~~بالبنات، وخصكم في نوعكم الذي هو أضعف ما يكون بالذكور، واتخذ من ~~الملائكة الذين منهم من يقدر على حمل الأرض وقلب أسفلها على أعلاها ~~إناثا في غاية الرخاوة، ولذلك استأنف الإنكار عليهم معظما لذلك بقوله ~~تعالى: { إنكم لتقولون } وأكده لما لهم من التهاون له والاجتراء عليه ~~بقوله تعالى: { قولا } وزاد في ذلك بقوله: { عظيما * } أي في الجهل ~~والإفك، عليه وعلى ملائكة الذين لا يعصونه ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، ~~فتضيفون إليه الأولاد وهم من خصائص الأجسام ثم تفضلون أنفسكم عليه ~~فتجعلون له ما تكرهون. ### || [17.41-44] # ولما كان في هذا من البيان ما لا يخفى على الإنسان ولم يرجعوا، أشار إلى ~~أن لهم أمثال هذا الإعراض عن أمثال هذا البيان فقال تعالى: { ولقد صرفنا ~~} أي طرقنا تطريقا عظيما بأنواع طرق البيان من العبر والحكم، والأمثال ~~والأحكام، والحجج والأعلام، في قوالب الوعد والوعيد، والأمر والنهي، ~~والمحكم والمتشابه - إلى غير ذلك { في هذا القرءان } من هذه الطرق ما لا ~~غبار عليه، ونوعناه من جهة إلى جهة، ومن مثال إلى مثال؛ والتصريف لغة: ~~صرف الشيء من جهة إلى أخرى، ثم صار كناية عن التبيين - قاله أبو حيان. # ولما كان ذلك مركوزا في الطباع، وله في العقول أمثال تبرز عرائسها من ~~خدورها بأدنى التفات من النفس، سمي الوعظ بها تذكيرا بما هو معلوم فقال ~~تعالى: { ليذكروا } أي نوعا من التذكير - بما أشار إليه الإدغام، فإنه ~~سبحانه كريم يرضى باليسير - هذا في قراءة الجماعة، وقرأ حمزة والكسائي ~~بإسكان الذال وضم الكاف إشارة إلى أن جميع ما في القرآن لا يخرج شيء منه ~~عن العقل، بل هو مركوز في الطباع، وله شواهد في الأنفس والآفاق، يستحضرها ~~الإنسان بأدنى إشارة وأيسر تنبيه، إذا أزيل عنها ما سترها عن العقل من ~~الحظوظ والشواغل، وأتبعه قوله تعالى معجبا منهم: { وما يزيدهم } التصريف ~~{ إلا نفورا * } عن السماع فضلا عن التذكير، لاعتقادهم أن ذلك ليس ~~ببراهين، بل هو شبه وخيل إلى صرفهم عما هم فيه ms2650 مما ألفوه وتلقوه عن ~~آبائهم وتمادت عليهم الدهور في اعتقاد كونه حقا، فكأنه قيل: فما يفعل ~~بهم؟ فقال تعالى: { قل } لهم ولا تيأس من رجوع بعضهم: { لو كان معه } أي ~~ربكم الذي تقدم وصفه بالإحسان والتنزيه { ءالهة كما يقولون } من هذه ~~الأقوال التي لو قالها أعظمكم في حق أدناكم وهو يريد بها حقيقتها لصار ~~ضحكة للعباد { إذا لابتغوا } أي طلبوا طلبا عظيما { إلى ذي العرش } أي ~~صاحب السرير الأعظم المحيط الذي من ناله كان منفردا بالتدبير { سبيلا * ~~} أي طريقا سالكا يتوصلون به إليه ليقهروه ويزيلوا ملكه كما ترون من ~~فعل ملوك الدنيا بعضهم مع بعض، أو ليتخذوا عنده يدا تقربهم إليه، وصرح ~~بالعرش تصويرا لعظمته وتعيينا للمبتغي والمبتغى؛ ثم نزه نفسه تعظيما ~~عن ذلك وعن كل نقص فقال تعالى: { سبحانه } أي تنزه التنزه الأعظم عن كل ~~شائبة نقص { وتعالى } أي علا أعظم العلو بصفات الكمال { عما يقولون } من ~~هذه النقائض التي لا يرضاها لنفسه أحد من عقلاء خلقه فضلا عن رئيس من ~~رؤسائكم، فكيف بالعلي الأعلى! وأتى بالمصدر المجرد في قوله تعالى: { ~~علوا } إيذانا بأن الفعل مجرد في الحقيقة وإن أتى به على صيغة التفاعل ~~إيذانا بالمبالغة { كبيرا * } لا تحتمل عقولكم الوقوف على حقيقته ولا ~~تدركون منه أكثر من مفهوم هذا الوصف عندكم بحسب ما تتعارفونه: # والأمر أعظم من مقالة قائل # إن رقق البلغاء أو إن فخموا # ثم استأنف بيان عظمة هذا التنزيه مقرونا بالوصف بالكمال فقال تعالى: { ~~تسبح } أي توقع التنزيه الأعظم { له } أي الإله الأعظم الذي تقدم وصفه ~~بالجلال والإكرام خاصة { السماوات السبع } كلها { والأرض } أيضا { ومن ~~فيهن } من ذوي العقول { وإن } أي وما، وأعرق في النفي فقال تعالى: { من ~~شيء } أي ذي عقل وغيره { إلا يسبح } أي ينزه له متلبسا { بحمده } أي ~~بوصفه بما له من صفات الكمال بما له تعالى في ذلك الشيء من الآيات الدالة ~~على كل من السلب والإيجاب، وهذا تسبيح بلسان المقال ممن يصح منه، وبلسان ~~الحال منه ومن غيره، كما قال الجدار ms2651 للوتد: لم تشقني؟ فقال: سل من يدقني. ~~وهو تسبيح من جهات شتى ليسمعها العارفون بسمع الفهم وصفاء الذهن من جهة ~~ذاتها في خلقها ثم في معنى صفتها بحاجتها من جهة حدوثها إلى صانع أحدثها ~~قديم غير مصنوع، ومن جهة إتقانها إلى كونه مدبرا حكيما، ومن جهة فنائها ~~إلى كونه مع ذلك قادرا مختارا، قاهرا جبارا - إلى غير ذلك، بخلاف ما ~~لو قصر التسبيح على لسان المقال فإنه يكون من نوع واحد، وأوضح مرشدا إلى ~~ذلك قوله تعالى: { ولكن لا تفقهون } دون " تسمعون " { تسبيحهم } لإعراضكم ~~عن النظر ونفوركم عن سماع الذكر الذي هو أعظم أسبابه، على أن هذا إنما هو ~~بالنسبة لعامة الخلق، وأما الخاصة فإنهم يسمعون تسبيح الجمادات؛ روى ~~البخاري عن عبد الله رضي الله عنه قال: كنا نعد الآيات بركة وأنتم ~~تعدونها تخويفا، كنا مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في سفر ~~فقل الماء فقال: اطلبوا فضلة من ماء، فجاؤوا بإناء فيه ماء قليل: فأدخل ~~يده في الإناء وقال: حي على الطهور المبارك والبركة من الله، فلقد رأيت ~~الماء ينبع من بين أصابع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم - وشرف ~~وكرم وبجل وعظم - ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل. وتسبيح الحصى ~~مشهور، وفي زبور داود عليه السلام تكرير كثير لهذه الآية وحث على تأملها، ~~قال في المزمور الثامن والستين: تسبح له السماوات والأرض والبحار وكل ما ~~يدب فيها. وفي المزمور الخامس والثمانين: فليس مثلك يا ربي وإلهي ولا مثل ~~أعمالك، لأن جميع الأمم الذين خلقت يأتون ويسجدون أمامك يا رب ويسبحون ~~لاسمك، لأنك عظيم صانع الآيات. وفي الثامن والثمانين: بذراعك العزيزة ~~فرقت أعداءك، لك السماوات ولك الأرض، أنت أسست الدنيا بكمالها، خلقت البر ~~والبحر، تابور وحرمون باسمك يسبحان، لك القوة والجبروت، تعتز يدك، وتعلو ~~يمينك، بالعدل والحكم أتقنت كرسيك، الرحمة والعدل ينطلقان أمامك، طوبى ~~للشعب الذي يعرف تسبيحك. # وفي الخامس والتسعين: سبحوا الرب تسبيحا جديدا، الأرض كلها تسبح الرب، ~~اسجدوا للرب في هياكل ms2652 قدسه لأن جميع الأرض تتزلزل بين يديه، قولوا في ~~الشعوب: إن الله هو الملك أتقن الدنيا لكيلا تزول، يقضي بين الشعوب ~~بالعدل، تفرح السماوات وتبتهج الأرض، ينقلب البحر في عمقه، تتهلل البقاع ~~وما فيها، هنالك يسبح جميع شجر الغياض قدام الرب. وفي السابع والتسعين: ~~ولله تسبح كل الأرض، مجدوا وهللوا وسبحوا الرب. وفي الثامن والأربعين بعد ~~المائة: سبحوا الرب من السماوات، سبحوه من العلى يا جميع ملائكته! وكل ~~جنوده تسبحه، الشمس والقمر يسبحانه، وجميع الكواكب والنور تسبحه، يسبح ~~الرب سماء الدنيا والمياه التي فوق السماوات، تسبح جميعا اسم الرب لأنه ~~قال فكانوا، وأمر فخلقوا، وأقامهم إلى الأبد والدهر، جعل لها مقدرا لا ~~تتجاوزه، يسبح الرب من في الأرض: التنانين وجميع الأعماق، النار والبرد ~~والثلج والجليد والريح العاصفة عملت كلمته، الجبال وكل الآكام، الشجر ~~المثمرة وجميع الأرز، السباع وكل البهائم والوحوش وكل حيوان وكل طائر ذي ~~جناح، ملوك الأرض وسائر الشعوب العظماء وجميع حكام الأرض، الشبان ~~والعذارى والشيوخ والصبيان يسبحون اسم الرب، لأن اسمه قد تعالى وحده. وفي ~~الخمسين بعد المائة: سبحوا الله في كل قديسيه، سبحوه في جلد قوته، سبحوه ~~كمثل جبروته، سبحوه بكثرة عظمته، سبحوه بصوت القرن، وسبحوه بأصوات عالية، ~~كل نسمة تسبح الرب. # ولما كان تسبيح جميع المخلوقات أمرا واضح الفهم ظاهر الشأن، فكانوا ~~مستحقين للعقاب في عدم فهمه بعدم التأمل في المصنوعات حق التأمل، نبههم ~~على أن عافيتهم إنما هي لحلمه عنهم، فهو ينظرهم إلى المدة التي ضربها لهم ~~لأنه لا يعجل لتنزهه عن شوائب النقص الذي نطق كل شيء بتنزيهه عنها فقال ~~تعالى: { إنه كان حليما } حيث لا يعاجلكم بالعقوبة على إعراضكم عن صرف ~~الأفكار فيما أمركم بصرفها إليه. # ولما كان الغالب على أحوال البشر أن حليمهم إذا غضب لا يغفر، وإن عفا ~~كان عفوه مكدرا، قال تعالى: { غفورا * } مشيرا بصيغة المبالغة إلى أنه ~~على غير ذلك ترغيبا في التوبة. ### || [17.45-46] # ولما قرر في سياق التوحيد أنهم في الحضيض من الغباوة، التفت إلى سيد ~~أولي الفهم، ms2653 فقال مشيرا إلى النبوة عاطفا على { لا تفقهون } منبها على ~~أنهم لا يفهمون لسان القال فضلا عن لسان الحال: { وإذا قرأت القرءان } ~~الذي لا يدانيه واعظ، ولا يساويه مفهم، وهو تبيان لكل شيء { جعلنا } أي ~~بما لنا من العظمة { بينك } وبينهم، ولكنه أظهر هذا المضمر بالوصف المنبه ~~على إعراضهم عن السماع على الوجه المفهم فقال تعالى: { وبين الذين لا ~~يؤمنون } أي لا يتجدد لهم إيمان { بالآخرة } أي التي هي قطب الإيمان { ~~حجابا } مالئا لجميع ما بينك وبينهم مع كونه ساترا لك عن أن يدركوك حق ~~الإدراك على ما أنت عليه { مستورا * } عنهم وعن غيرهم، لا يراه إلا من ~~أردنا، وذلك أبلغ في العظمة وأعجب في نفود الكلمة { وجعلنا } أي بما لنا ~~من العظمة { على قلوبهم أكنة } أي أغطية، كراهة { أن يفقهوه } أي يفهموا ~~القرآن حق فهمه { وفي ءاذانهم وقرا } أي شيئا ثقيلا يمنع سماعهم ~~السماع النافع بالقصور في إدراكهم لا في بيانه، فرؤيتهم للنبي صلى الله ~~عليه وعلى آله وسلم حال التلاوة غير صحيحة كما أن سمعهم وإدراكهم لما ~~يقرأه كذلك كما قال تعالى # ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة # [البقرة: 7] { وإذا ذكرت ربك } أي المحسن إليك وإليهم { في القرءان } ~~حال كونه { وحده } مع الإعراض عن آلهتهم { ولوا } وحقق المعنى وصوره بما ~~يزيد في بشاعته تنفيرا عنه فقال: { على أدبارهم نفورا * } مصدر من غير ~~اللفظ مؤكد لأنه محصل لمعناه، أو جمع نافر كقاعد وقعود. # ومادة " وقر " بجميع تقاليبها عشر تدور على الجمع كما مضى في آخر يوسف ~~وأول الحجر، فالوقر - بالفتح: ثقل في الأذن أو ذهاب السمع كله - لأن ذلك ~~يوجب اجتماعا في النفس وسكونا يحمل على الوقار الذي هو السكينة بفقد ~~بعض ما كان يشعب الفكر من السمع، ومن ذلك ذلك الوقر - بالكسر: الحمل ~~مطلقا أو الثقيل، أو لأن الحمل جامع لما فيه والأذن جمعت ما سدها، فكأنه ~~جمع خرقها فصيرها صلدا كالصخرة الصماء لا ينفذ فيها شيء، ولذلك يسمى ~~الطرش الصمم ونخلة موقرة، أي مستجمعة ms2654 حملا، واستوقرت الإبل: سمنت أي ~~جمعت الشحم واللحم، ووقر كوعد: جلس - لاستجماع بعض أعضائه إلى بعض، ~~والوقير: القطيع من الغنم أو صغارها أو خمسمائة منها أو عام، أو الغنم ~~بكلبها وحمارها وراعيها كالقرة - لاستجماع بعضها إلى البعض، والوقري - ~~محركة: راعي الوقير أو مقتني الشاء وصاحب الحمير وساكنو المصر، والقرة - ~~كعدة: العيال والثقل والشيخ الكبير - لأن الكبر والثقل يثمران الوقار ~~الناشىء عن استجماع النفس والعزم وترك الانتشار بالطيش، وما قبلهما واضح ~~في الجمع، والموقر - كمعظم: المجرب العاقل قد حنكته الدهور - لأن ذلك ~~يثمر استجماع العقل، ووقرت الرجل توقيرا: بجلته ورزنته، والدابة: سكنتها ~~- فكان كأنه جمع إليها حمل ثقيل، والتيقور فيعول من الوقار تاءه مبدلة من ~~واو، يقال: وقر في بيته يقر، أي جمع نفسه فيه لاجتماع همه، والموقر - ~~كمجلس: الموضع السهل عند سفح الجبل - لعله شبه بالرجل الوقور المطمئن ~~الساكن النفس، والحامل الذي يوطئه الحمل، والوقرة: وكتة - أي حفرة - تكون ~~في الحافر والعين والحجر - لأن من شأن الحفرة أن تجمع ما تودعه، ومنه ~~توقير الشيء: أن تصير له وقرات، أي آثارا، والوقر: الصدع في الساق ~~وكالوكتة أو الهزمة تكون في العظم والحجر والعين، وأوقر الله الدابة: ~~أصابها بوقرة، وفقير وقير، أي مكسور العظام أو الفقار، أو تشبيه بصغار ~~الشاء أو اتباع، أو المعنى أن الدين أوقره، والوقير: النقرة العظيمة في ~~الصخرة تمسك الماء - وهو واضح في الجمع. # والروق: القرن - لشدة اجتماعه لصلابته واستدارته، ولأنه يجمع إقدام ~~صاحبه وعزمه، والروق أيضا: عزم الرجل وفعاله - لجمعهما أمره، والروق من ~~الليل: طائفة - لاجتماع ساعاتها، والروق من البيت: رواقه، أي شقته التي ~~دون الشقة العليا - لأنها تكمل جمعه لما يقصد منه من الستر، ورواق البيت ~~- ككتاب وغراب. ما أطاف به، قال القزاز: وقيل: الرواق كالفسطاط يحمل على ~~عمود واحد في وسطه، قال في القاموس: أو سقف في مقدم البيت وحاجب العين - ~~ولعله شبه بالستر، ومن الليل: مقدمه وجانبه - شبه بجانب البيت، والروق من ~~الشباب: أوله كالريق بالفتح، والريق ككيس، وأصله ريوق - لأنه ينبني عليه ~~ما ms2655 بعده ويجتمع إليه كأنه الأصل الذي يجمع جميع الفروع، والريق أيضا أن ~~يصيبك من المطر شيء يسير - كأنه أول المطر، والروقة: الشيء اليسير، وهي ~~من ذلك، والروق أيضا: العمر - لأنه الجامع للحال، وراقني الشيء: أعجبني ~~- لأن الفكر يجمع الخواطر لأجله فلا يظهر له وجه ما صار به معجبا، ووصيف ~~روقة - إذا أعجبك، وجارية روقة وغلمان روقة، جمع رائق، والروقة: الشيء ~~الجميل جدا، والروق - بالفتح العجب والإعجاب بالشيء، ومن الخيل: الحسن ~~الخلق يعجب الرائي، والجمال الرائق، والريق والروق والرواق: الستر - لأنه ~~يجمع البصر والهم عما وراءه، وهو أيضا موضع الصائد - لأنه يجمعه على ما ~~يريد ويوصله إليه، والروق: الرواق ومقدم البيت والشجاع لا يطاق - لاجتماع ~~همه لما يريد، والفسطاط والسيد - لجمع الفضائل، والصافي من الماء وغيره - ~~لأن الصفاء أجدر باجتماع الأجزاء، والروق: الجماعة والحب الخالص ومصدر ~~راق عليه، أي زاد عليه فضلا - لأن الزيادة لا تكون إلا عن جمع، والروق: ~~البدن من الشيء - لجمعه له، والحية - لتحويها أي تجمعها، وداهية ذات ~~روقين، أي عظيمة مشبهة بالثور، ورمى بأرواقه على الدابة: ركبها، أي بجميع ~~أعضائه، ورمى بأرواقه عنها: نزل، وألقى أرواقه: عدا فاشتد عدوه - كأنه ~~خرج من جميع أعضائه - فعدا روحا بلا بدن فصار أعظم من الطائر، أي غلبت ~~روحه على بدنه، وألقى أوراقه: أقام بالمكان مطمئنا؛ قال في القاموس: ~~كأنه ضد - انتهى. # والمفعول فيه في هذا محذوف، كأنه قال: في مكان كذا، ومن المعلوم أن بدنه ~~إذا كان في مكان وهو حي فقد أقام به، وألقى عليك أرواقه، وهو أن تحبه ~~شديدا، والمعنى أنه ألبسك بدنه فصارت روحك مديرة له فصرت إياه. وتعبير ~~القزاز بقوله " وهو أن تحبه حتى تستهلك في حبه " يدل على ذلك، وألقت ~~السحابة أرواقها، أي مطرها ووبلها أو مياهها الصافية - وذلك هو مجموع ما ~~فيها، وأرواق الليل: أثناء ظلمته بأرواقه - إذا قام وثبت، وقيل: أرواقه: ~~مقاديمه، وأسلبت العين أرواقها: سالت دموعها، أي جميع ما فيها - كأن ذلك ~~كناية عن اشتداد البكاء، وروق الفرس: الذي يمده الفارس من ms2656 رمحه بين أذنيه ~~- تشبيه له بقرن الثور، وذلك الفرس أروق، ومنه الروق - محركة، وهو طول ~~الأسنان - تشبيها لها بالروق أي القرن - قال القزاز: وقيل: الروق: طول ~~الأسنان وانثناءها إلى داخل الفم، وإشراف العليا على السفلى، والقوم روق ~~- إذا كانوا كذلك، وهو يصلح لأن يكون تشبيها بما ذكر، ولأن يكون من ~~الجمع من أجل الانثناء، ومنه أكل فلان روقه - إذا أسن فطال عمره حتى ~~تتحات أسنانه - المشبهة بالقرن، والترويق: التصفية - وقد تقدم أن الشيء ~~إذا خلص من الأغيار كانت أجزاؤه أشد تلاصقا، والترويق: أن يبيع سلعة ~~ويشتري أجود منها - مشبهة بالتصفية، والراووق: المصفاة يروق بها الشراب ~~بلا عصر والكأس بعينها، والباطية وناجود الشراب الذي يروق به - لأنها ~~تجمع الشراب. # والقرو: القصد والتتبع كالاقتراء والاستقراء والطعن وهو واضح في الجمع، ~~والقرو: حوض طويل ترده الإبل، وعبارة القزاز: شبه حوض ممدود مستطيل إلى ~~جنب الحوض، يفرغ منه في الحوض الأعظم، ترده الإبل والغنم، وكذا إن كان من ~~خشب. والقرو: الأرض لا تكاد تقطع - كأنها حمت اجتماع أجزائها عن أن ~~يفرقها أحد، والقرو: مسيل المعصرة ومثعبها - لاجتماع ما يسيل فيه، وأسفل ~~النخلة ينقر فينتبذ فيه أو يتخذ منه المركن والإجانة للشرب، وقدح أو إناء ~~صغير، وميلغة الكلب، وحق عليه طبق، ومنقع الماء، والعرب تقول: أصبحت ~~الأرض قروا واحدا - إذا كثر الخصب والمطر، وكل ذلك واضح في الجمع، وأن ~~يعظم جلد البيضتين لريح أو ماء، أو نزول الأمعاء كالقروة، وذلك إما ~~لشبههما بالقدح أو لجمعهما ما أوجب كبرهما، وقرى كفعلى: ماء بالبادية - ~~لجمعه الناس، والقرى: القرع يؤكل - لأنه صالح لأن يجعل إناء، والقرا: ~~الظهر - لجمعه الأعضاء، وناقة قرواء: طويلة السنام، والمقروري: الطويل ~~الظهر، وأقرى: اشتكى - إما أن يكون من شكاية القرا، وإما أن يكون للسلب، ~~أي أزال اجتماع همه وعزمه، والقرواء: العادة - لجمعها أهلها، والدبر - ~~لجمعها ما فيها، وأقرى: طلب القرى، ولزم القرى، وأقرى الجل على الفرس: ~~ألزمه، والمقاري: رؤوس الإكام - لأنها تجمع، وتركتهم قروا واحدا على ~~طريقة واحدة - أي مجتمعين وشاة مقروة: جعل رأسها ms2657 في خشبة لئلا ترضع ~~نفسها - أي جمع فكاها، وقروة الرأس: طرفه، وعبارة القزاز: وقروان الرأس ~~وقروة الرأس: أعلاه - كأنه مجتمع أمره لأنه موضع المفكرة، وقروة الأنف: ~~طرفه - لأنه آخر جامع لجماله، واستقرى الدمل: صارت فيه المدة - أي ~~اجتمعت، والقيروان: معظم العسكر ومعظم القافلة - وسيأتي إن شاء الله ~~تعالى بقية المادة في # بورقكم هذه # في [الكهف:19]. ### || [17.47-55] # ولما كانوا ربما ادعوا السمع والفهم فشككوا بعض من لم يرسخ إيمانه -، ~~أتبعه تعالى ما يؤكد ما مضى ويثبت السامعين فيه فقال تعالى على طريقة ~~الجواب مهددا ودالا على أن مداركهم معروفة: { نحن أعلم } أي من كل عالم ~~{ بما يستمعون } أي يبالغون في الإصغاء والميل لقصد السمع { به } من ~~الآذان والقلوب، أو بسببه من إرادة الوقوع على سقطة يجعلونها موضع ~~تكذيبهم واستهزائهم { إذ } أي حين { يستمعون } أي يصغون بجهدهم، وبين ~~بعدهم المعنوي بقوله تعالى: { إليك وإذ } أي وحين { هم } ذوو { نجوى } أي ~~يتناجون بأن يرفع كل منهم سره على صاحبه بعد إعراضهم عن الاستماع: ثم ذكر ~~ظرف النجوى فقال تعالى: { إذ يقول } مبرزا لضميرهم بالوصف الدال على ~~حملهم على ما تناجوا به، وهم { الظالمون } ومقولهم: { إن تتبعون } أي ~~أيها التابعون له بغاية جهدكم { إلا رجلا مسحورا * } مختلط العقل، ~~فامتطوا في هذا الوصف ذروة الظلم، وسيأتي في آخر السورة سر استعمال اسم ~~المفعول موضع اسم الفاعل؛ ثم وصل بذلك الدليل على نسبته سبحانه لهم إلى ~~الجهل الذي كان نتيجة قولهم هذا فقال تعالى: { انظر } ولما كان أمرهم بما ~~يزيد العجب منه وتتوفر الدواعي على السؤال عنه قال تعالى: { كيف ضربوا } ~~أي هؤلاء الضلال { لك الأمثال } التي هي أبعد شيء عن صفتك من قولهم: ساحر ~~وشاعر ومجنون ونحوه { فضلوا } عن الحق في جميع ذلك { فلا } أي فتسبب عن ~~ضلالهم أنهم لا { يستطيعون سبيلا * } أي يسلكون فيه، إلى إصابة المحن في ~~مثل، أو إحكام الأمر في عمل، وهذا بعد أن نهاهم الله بقوله تعالى # فلا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون # [ النحل:74] فكأن هذا ms2658 أول دليل على ما وصفناهم به من عدم الفهم والسمع ~~فضلا عن أن يكون لهم إلى مقاومة هذا القرآن - الذي يدعون أنه قول البشر ~~- سبيل أو يغبروا في وجهه بشبهة فضلا عن دليل. # ولما جرت عادة القرآن بإثبات التوحيد والنبوة والمعاد، وقدم الدلالة على ~~الأولين، وختم بإثبات جهلهم في النبوة مع ظهورها، أتبع ذلك أمرا جليا ~~في ضلالهم عن السبيل في أمر المعاد وقرره غاية التقرير، وحرره أتم تحرير، ~~فقال تعالى معجبا منهم: { وقالوا } أي المشركون المنكرون للتوحيد ~~والنبوة والبعث مع اعترافهم بأنا ابتدأنا خلقهم ومشاهدتهم في كل وقت أنا ~~نحيي الأرض بعد موتها: { أإذا } استفهاما إنكاريا كأنهم على ثقة من عدم ~~ما ينكرونه، والعامل في { إذا } فعل من لفظ { مبعوثون } لا هو. فإن ما ~~بعد { إن } لا يعمل فيما قبلها. فالمعنى: أنبعث إذا { كنا } أي بجملة ~~أجسامنا كونا لازما { عظاما ورفاتا } أي حطاما مكسرا مفتتا ~~وغبارا { إنا لمبعوثون } حال كوننا مخلوقين { خلقا جديدا * } فكأنه ~~قيل: فماذا يقال لهم في الجواب؟ فقيل: { قل } لهم: لا تكونوا رفاتا، بل ~~{ كونوا } ترابا، بل كونوا أصلب التراب { حجارة } أي هي في غاية اليبس { ~~أو حديدا * } زاد على يبس الحجارة شدة اتصال الأجزاء { أو خلقا } ~~غيرهما { مما يكبر } أي يعظم عظمة كبيرة { في صدوركم } عن قبول الحياة ~~ولو أنه الموت، حتى تعلموا حال الإعادة، كيف يكون حالكم في الإجابة إلى ~~ما يريد؟ فإن الكل أصله التراب، فالذي فضل طينكم - الذي خلقتم منه على ~~سائر الطين بالنمو ثم بالحياة ثم بالنطق وفضل بعض الناطقين على بعض ~~بمواهب لا تحصى - قادر أن ينقل تلك الفضيلة إلى الطين الذي نقله طورا ~~بعد طور إلى أن جعله حجرا أو حديدا { فسيقولون } تماديا في الاستهزاء: ~~{ من يعيدنا } إذا كنا كذلك { قل الذي فطركم } أي ابتدأ خلقكم { أول مرة ~~} ولم تكونوا شيئا يعيدكم بالقدرة التي ابتدأكم بها، فكما لم تعجز تلك ~~القدرة عن البداءة فهي لا تعجز عن الإعادة { فسينغضون } أي مصوبين بوعد ~~لا خلف فيه مشيرين { إليك رؤوسهم } أي ms2659 يحركونها من شدة التعجب والاستهزاء ~~كأنهم في شدة جهلهم على غاية البصيرة من العلم بما يقولون؛ والنغض ~~والإنغاض: تحريك بارتفاع وانخفاض { ويقولون } استهزاء: { متى هو } ثم وصل ~~به قوله تعالى: { قل } قول مقتصد غير ممتعض بحالهم ولا ضيق بقولهم: { عسى ~~أن يكون } أي كونا لا انفكاك عنه { قريبا * } مطرقا إليه الاحتمال ~~لإمكانه غير جازم، ثم استأنف جازما بقوله: { يوم } أي يكون ذلك يوم { ~~يدعوكم } أي يناديكم المنادي من قبله بالنفخة أو بغيرها كأن يقول: يا أهل ~~القبور! قوموا إلى الجزاء - أو نحو ذلك { فتستجيبون } أي توافقون الداعي ~~فتفعلون ما أراد بدعائه وتطلبون إجابته وتوجدونها، أو استعار الدعاء ~~والاستجابة للبعث والانبعاث تنبيها على سرعتهما وتيسر أمرهما، أو أن ~~القصد بهما الإحضار للحساب { بحمده } أي بإحاطته سبحانه بكل شيء قدرة ~~وعلما من غير تخلف أصلا، بل لغاية الإذعان كما يرشد إليه صيغة استفعل، ~~وأنتم مع سرعة الإجابة تحمدون الله تعالى، أي تثبتون له صفة الكمال { ~~وتظنون } مع استجابتكم وطول لبثكم { إن } أي ما { لبثتم } ميتين { إلا ~~قليلا * } لشدة ما ترون من [الأهوال التي أحاطت بكم والتي تستقبلكم، أو ~~جهلا منكم بحقائق الأمور كما هي حالكم اليوم كما ترون من - جدة خلقكم ~~وعدم تغيره. # ولما أمره سبحانه بإبلاغهم هذا الكلام، وفيه من التهكم بهم والتبكيت لهم ~~والاستخفاف بعقولهم ما لا يعلم مقداره إلا مثلهم من البلغاء والعرب ~~العرباء، وكان لكونه كلام العليم بالعواقب، الخبير بما تجن الضمائر - ~~ربما استن به المؤمنون فخاطبوهم بنحوه من عند أنفسهم، نهاهم عن ذلك لئلا ~~يقولوا ما يهيج شرا أو تثير ضرا، فقال تعالى: { وقل } أي قل لهم ذلك من ~~الحكمة والموعظة الحسنة، وقل { لعبادي } أي الذين هم أهل للإضافة إلي، ~~واعظا لهم لئلا يتجاوزوا الحد من شدة غيظهم من المشركين، إن تقل لهم ذلك ~~{ يقولوا } الموعظة والحكمة والمجادلة { التي هي أحسن } لأكون معهم لأني ~~مع الذين اتقوا والذين هم محسنون؛ ثم علل ذلك بقوله تعالى: { إن الشيطان ~~} أي البعيد من الرحمة، المحترق باللعنة { ينزغ بينهم } أي يفسد ms2660 ويغري ~~ويوسوس، وأصل النزغ الطعن، وهم غير معصومين، فيوشك أن يأتوا بما لا يناسب ~~الحال أو الوقت بأن يذكروا مساوىء غيرهم أو محاسن أنفسهم فيوقع في شر؛ ثم ~~علل هذه العلة بقوله تعالى: { إن الشيطان كان } أي في قديم الزمان وأصل ~~الطبع كونا هو مجبول عليه { للإنسان عدوا } أي بليغ العداوة { مبينا * ~~} ثم فسر " التي هي أحسن " مما علمهم ربهم من النصفة بقوله تعالى: { ربكم ~~أعلم بكم } ثم استأنف فقال تعالى: { إن يشأ } رحمتكم { يرحمكم } بأن ييسر ~~لكم أفعال الخير { أو إن يشأ } عذابكم { يعذبكم } بأن ييسركم لأفعال ~~الشر، فإذا قالوا لهم ذلك كانوا جديرين بأن يعرضوا - أو من أراد الله ~~منهم - أفعالهم على ما يعلمونه من الخير والشر فينظروا أيهما أقرب إليها، ~~وربما ردهم ذلك من أنفسهم عن الفساد، لحسم مادة العناد، ويجوز - وهو - ~~عندي أحسن - أن تكون الآية استئنافا واقعا موقع التعليل للأمر بقول ~~الأحسن، أي { ربكم } أيها العباد { أعلم بكم } وبما يؤول أمركم إليه من ~~سعادة وشقاوة { إن يشأ يرحمكم } بهدايتكم { أو إن يشأ يعذبكم } بإضلالكم، ~~فلا تحتقروا أيها المؤمنون المشركين فتقطعوا بأنهم من أهل النار فتعيروهم ~~بذلك، فإنه يجر إلى الإحن وحر الصدور وغيظ القلوب بلا فائدة، لأن الخاتمة ~~مجهولة، ولا تتجاوزوا فيهم ما آمركم به من قول وفعل فإنه الأحسن؛ ثم رقى ~~الخطاب إلى أعلى الخلق ورأس أهل الشرع ليكون من دونه أولى بالمعني منه ~~فقال تعالى: { وما } أي فما أرسلناك إلا للدعاء بمثل ذلك على حسب ما ~~نأمرك به، وما { أرسلناك } أي مع ما لنا من العظمة الغنية عن كل شيء { ~~عليهم وكيلا * } أي حفيظا وكفيلا لغيرهم على ما يرضي الله، وإنما ~~أرسلناك بشيرا ونذيرا فدارهم وأمر أصحابك بمداراتهم. # ولما أمرهم بأن ينسبوا الأعلمية بهم إليه سبحانه، أخبر بما هو أعم من ~~ذلك فقال تعالى عاطفا على { ربكم } إعلاما بأن علمه ليس مقصورا عليهم، ~~بل هو محيط، قاصرا الخطاب على أعلم الخلق به سبحانه إشارة إلى أنه لا ~~يعلم هذا حق علمه غيره: { وربك ms2661 } أي المحسن إليك بأن جعلك أكمل الخلق { ~~أعلم } أي من كل عالم { بمن في السماوات } أي كلها { والأرض } منهم ومن ~~غيرهم، بأحوالهم ومقاديرهم وآجالهم وما يستأهل كل واحد منهم، لأنه هو ~~الذي خلقهم وفاوت بينهم في أخلاقهم وهيئاتهم فكيف يستبعدون أن يكون يتيم ~~أبي طالب - على ما كانوا يقولون - نبيا، وأن يكون أصحابه العراة الجياع ~~أفضل منهم. # ولما كان قد فهم من هذا السياق تفضيل بعض الأشياء على بعض حتى تصير ~~قابلة الروح الحياة بدءا وإعادة، بعد أن فهم من أول السورة وآخر التي ~~قبلها اختصاص بعض الأنبياء بفضائل من روح العلم والحكمة لم يحزها غيره، ~~صرح بهذا هنا فقال تعالى عطفا على ما أرشد إليه سياق الإخبار بالأعلمية، ~~ملتفتا إلى مقام العظمة الداعي إليه الحال، وهو الوصف بالأعلمية: { ولقد ~~} أي فميزنا بينهم بالرذائل والفضائل تفضيلا لبعضهم على بعض على حسب ~~إحاطة علمنا بهم وشمول قدرتنا لهم في تأهلهم للسعادة والشقاوة ففضلنا بعض ~~الناس على بعض، ففضلنا العلماء على غيرهم، وفضلنا النبيين منهم على ~~غيرهم، ولقد { فضلنا } أي بما لنا من العظمة { بعض النبين } أي سواء ~~كانوا رسلا أو لا { على بعض } بعد أن جعلنا الكل فضلاء لتقوى كل منهم ~~وإحسانه، فلا ينكر أحد من العرب أو بني إسرائيل أو غيرهم تفضيلنا لهذا ~~النبي الكريم الذي صدرنا السورة بتفضيله على جميع الخلائق، فإنا نفعل ما ~~نشاء، بما لنا من القدرة التامة والعلم الشامل، والحاصل أن من أعظم ثمرات ~~العمل التفضيل بإعطاء كل واحد بل كل شيء ما يستحقه، وبذلك يستدل على تمام ~~- حكمته في شمول علمه وكمال قدرته، فلذلك ذكر التفضيل هنا بعد ذكر العلم ~~المطلق، وصرح بتفضيل أشرف الخلائق وطوى ذكر غيرهم، كما ذكر التفضيل في ~~الدنيا بعد إثبات العلم المقيد بالذنوب في قوله: { من كان يريد العاجلة - ~~إلى قوله تعالى: انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض }. # ولما كان القصد إلى بني إسرائيل في هذه السورة سابقها ولاحقها ظاهرا، ~~والتعريض بهم في كثير منها بينا، وكان داود عليه السلام ms2662 هو المؤسس ~~للمسجد الأقصى الذي وقع الإسراء إليه، وكان قد خص بأن ألين له الحديد ~~الذي أمر المشركون أن يكونوه، لاستبعادهم الإعادة، وكان - مع كونه ملكا ~~- من أشد الناس تواضعا، وأكثرهم بكاء، وأبعدهم من المرح في الأرض، قال ~~تعالى: { وءاتينا } أي بما لنا من العظمة { داود } أي الذي هو من أتباع ~~موسى الذي آتيناه الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل ألا يتخذوا من دوني ~~وكيلا { زبورا * } لأنهم قاطعون بأن من بين موسى وعيسى من أنبياء بني ~~إسرائيل دون موسى في الرتبة، وكل منهم داع إلى شريعته، عامل بحكم ~~التوراة التي شرفه الله بها، غير خارج عن شيء من سنتها، فكان القياس ~~يقتضي أن يكونوا في الفضيلة سواء، فلم يجر ذلك على مقتضى عقول الناس، بل ~~فاوت سبحانه بينهم على حسب علمه بأحوالهم حتى في الوحي، فخص من بينهم ~~داود عليه السلام بكتاب كله مواعظ، والمواعظ أشد شيء منافاة للمشي في ~~الأرض مرحا، ونهيا عنه، وأعظم شيء أمرا بالقول الذي هو أحسن من ~~الإخلاص والمراقبة والإحسان، هذا إلى ما ذكر فيه من التسبيح من كل شيء ~~الذي هو من أعظم مقاصد السورة كما تقدم نص الزبور به قريبا، فكان ذكر ~~تفضيله به هنا أنسب شيء لهذا المقام، وفي ذلك أعظم إشارة وأجل تنبيه على ~~فضل بيت المقدس الذي جعله سببا لتفضيل الأنبياء تارة بالهجرة إليه ~~كإبراهيم عليه السلام وتارة بقصد تطهيره من الشرك وتنويره بالتوحيد كموسى ~~عليه السلام، وتارة بتأسيس بنيانه وتشييد أركانه كداود عليه السلام، ~~وتارة بالإسراء إليه والإمامة بالأنبياء عليهم السلام به والعروج منه إلى ~~سدرة المنتهى والمقام الأعلى، وأما تفضيله وتفضيل ابنه سليمان - على ~~نبينا محمد وعليهما الصلاة والسلام - بالملك وسعة الأمر فدخل في قوله ~~تعالى: { انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض } وروى البخاري في التفسير عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: خفف على داود ~~القراءة فكان يأمر بدوابه لتسرج، فكان يقرأ قبل أن يفرغ - يعني القرآن، ~~ومن أعظم المناسبات لتخصيص داود ms2663 عليه السلام وزبوره بالذكر هنا ذكر البعث ~~الذي هذا مقامه فيه صريحا، وكذا ذكر النار مع خلو التوراة عن ذلك، أما ~~البعث فلا ذكر له فيها أصلا، وأما النار فلم يذكر شيء مما يدل عليها إلا ~~الجحيم في موضع واحد، وأما الزبور فذكر فيه النار والهاوية والجحيم في ~~غير موضع، وأما البعث فصرح به، وهو ظاهر في كونه بالروح والجسد، قال في ~~المزمور الثالث بعد المائة: نفسي تبارك الرب، الرب إلهي عظيم جدا، لبس ~~المجد، وعظيم البهاء، وتجلل بالنور كالرداء، ومد السماء كالخباء، جعل ~~الماء أساسها، واستوى على السحاب، ومشى على أجنحة الرياح، خلق ملائكته ~~أرواحا وخدمه نارا واقدة، وتجلل بالغمر كالرداء، وعلى الجبال تقف ~~المياه، ومن رجزك قهرت، ومن صوت رعدك تجزع الجبال عالية، والبقاع منهبطة ~~في الأماكن التي أسست، جعلت حدا لا تتجاوزه، لا تعود تغطي الأرض، أرسل ~~الماء عيونا في الأودية، وبين الجبال تجري المياه لتسقي حيوان البر، ~~وتروي عطاش الوحوش، يقع عليها طائر السماء إلى أن قال: وكل بحكمة صنعت، ~~امتلأت الأرض من خليقتك، هذا البحر العظيم السعة فيه حيتان لا تحصى كبار ~~وصغار، وفيه تسلك السفن، وهذا التنين الذي خلقته ليتعجب منه، والكل إياك ~~يرجون لتعطيهم طعامهم في حينه، فإذا أنت أعطيتهم يعيشون، وعند بسط يدك ~~بالطيبات يشبعون، وحين تصرف وجهك يجزعون، تنزع أرواحهم فيموتون، وإلى ~~التراب يرجعون، ترسل روحك فيخلقون، وتجدد وجه الأرض دفعة أخرى، ويكون مجد ~~الرب إلى الأبد - انتهى. # فكأن ذلك جواب لقول من لعله يقول للعرب من اليهود: إن الأمر كما تقولون ~~في أنه لاقيامة - كما يقوله بعض زنادقتهم كما ذكر عنهم في نص الإنجيل ~~وكما نقل عنهم في سورة النساء أنهم قالوا: أنتم أهدى سبيلا، ودينكم خير ~~من دين محمد، وفي الزبور - كما تقدم في أول السورة عن توراة موسى عليه ~~الصلاة والسلام - ألا تتخذوا من دون الله وكيلا، وذلك من أعظم مقاصد ~~السورة، قال في المزمور الخامس والأربعين بعد المائة: لا تتوكلوا على ~~الرؤساء ولا على بني البشر الذين ms2664 ليس عندهم خلاص، فإن أرواحهم تفارقهم ~~ويعودون إلى ترابهم، في ذلك اليوم تبطل أعمالهم. ### || [17.56-58] # ولما أثبت أن شأنه تعالى فعل ذلك وأمثاله من التفضيل والتحويل على حسب ~~علمه وقدرته، ثبت بغير شبهة أن لا مفزع إلا إليه، فأمره صلى الله عليه ~~وعلى آله وسلم تحقيقا لذلك أن يأمرهم بما يظهر به عجز شركائهم، ردا ~~عليهم في قولهم: لسنا بأهل لعبادته استقلالا، فنحن نعبد بعض المقربين ~~ليشفع لنا عنده، فقال تعالى: { قل ادعوا الذين } وأشار إلى ضعف عقولهم ~~وعدم تثبتهم بالتعبير بالزعم فقال تعالى: { زعمتم } أنهم آلهة؛ وبين سفول ~~رتبتهم بقوله تعالى: { من دونه } أي من سواه كالملائكه وعزير والمسيح ~~والأصنام، ليجلبوا لكم خيرا، أو يدفعوا عنكم ضرا { فلا } أي فإن ~~دعوتموهم أو لم تدعوهم فإنهم لا { يملكون كشف الضر } أي البؤس الذي من ~~شأنه أن يرض الجسم كله { عنكم } حتى لا يدعوا شيئا منه { ولا تحويلا * ~~} له من حالة إلى ما هو أخف منها، فضلا عن أن يبدلوه بحالة حسنة أو ~~يحولوه إلى عدوكم، والآية نحو قوله تعالى: # فما يستطيعون صرفا ولا نصرا # [ الفرقان: 19] فكيف يتخذ أحد منهم دوني وكيلا؟ قالوا: وسبب نزولها ~~شكوى قريش إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما نزل بهم من القحط ~~حين دعا عليهم بسبع كسبع يوسف عليه السلام. ولم ينضب { يملكون } لئلا يظن ~~أن النفي مسبب عن الدعاء فيتقيد به. # ولما بين أنه لا ضر لهم ولا نفع، بين أنهم يتسابقون إلى القرب إليه رجاء ~~أن ينفعهم وخوف أن يضرهم فقال تعالى: { أولئك } أي الذين أعلوا مراتبهم ~~بالإقبال على طاعة الله، وكان المشركون يعلون مراتبهم بتألههم، وعبر عن ~~ذلك واصفا للمبتدإ بقوله تعالى: { الذين يدعون } أي يدعوهم الكفار ~~ويتألهونهم؛ ثم أخبر عن المبتدإ بقوله تعالى: { يبتغون } أي يطلبون طلبا ~~عظيما { إلى ربهم } المحسن إليهم وحده { الوسيلة } أي المنزلة والدرجة ~~والقربة بالأعمال الصالحة { أيهم أقرب } أي يتسابقون بالأعمال مسابقة من ~~يطلب كل منهم أن يكون إليه أقرب ولديه أفضل { ويرجون رحمته } رغبة ms2665 فيما ~~عنده { ويخافون عذابه } تعظيما لجنابه، المكلف منهم كالملائكة والمسيح ~~وعزير بالفعل، وغيرهم كالأصنام بالقوة من حيث إنه قادر على أن يخلق فيها ~~قوة الإدراك للطاعة والعذاب فتكون كذلك فالعابدون لهم أجدر بأن يعبدوه ~~ويبتغوا إليه الوسيلة؛ وروى البخاري في التفسير عن عبد الله رضي الله عنه ~~{ إلى ربهم الوسيلة } قال: كان ناس من الإنس يعبدون ناسا من الجن فأسلم ~~الجن وتمسك هؤلاء بدينهم. ثم علل خوفهم بأمر عام فقال تعالى: { إن عذاب ~~ربك } أي المحسن إليك برفع انتقام الاستئصال منه عن أمتك { كان } أي ~~كونا ملازما له { محذورا * } أي جديرا بأن يحذر لكل أحد من ملك مقرب ~~ونبي مرسل فضلا عن غيرهم، لما شوهد من إهلاكه للقرون ومن صنائعه ~~العظيمة. # ولما كان المعنى: فاحذرونا فإنا أبدنا الأمم السالفة ودمرنا القرى ~~المشيدة، عطف عليه قوله تعالى: { وإن } أي وما؛ وأعرق في النفي فقال ~~تعالى: { من قرية } من القرى هذه التي أنتم بها وغيرها { إلا نحن } أي ~~بما لنا من العظمة { مهلكوها } بنوع من الهلاك، لما هم عليه من الكفر أو ~~العصيان، وعن مقاتل أنها عامة للصالحة بالموت والطالحة بالعذاب. # ولما كان الممكن ليس له من ذاته إلا العدم، وذلك مستغرق لزمان القبل، ~~حذف الجار فقال تعالى: { قبل يوم القيامة } الذي أنتم به مكذبون، كما ~~فعلنا في بيت المقدس في المرتين المذكورتين أول السورة لإفساد أهلها ~~فاحذروا مثل ذلك { أو معذبوها } أي القرية بعذاب أهلها { عذابا شديدا } ~~مع بقائها. # ولما أكد ذلك بالاسمية، زاده تأكيدا في جواب من كأنه قال: هل في ذلك من ~~ثنيا لأن مثله لا يكاد يصدق؟ فقال تعالى: { كان ذلك } أي الأمر العظيم { ~~في الكتاب } الذي عندنا { مسطورا * } على وجه الخبر، والأخبار لا تنسخ، ~~فلو لم يكن حشر كان أمرنا جديرا بأن يمتثل حذرا من سطواتنا، ولا بد من ~~أن نخيفكم بعد طول أمنكم ونهلك كثيرا من أعزائكم على يد هذا الرجل ~~الواحد الذي أنتم كلكم متمالئون عليه مستهينون بأمره، مع أنا أرسلناه ~~لعزكم وعلو ذكركم، ولا ms2666 بد أن ندخله إلى بلدكم هذا بجنود أولي بأس شديد، ~~لإفسادكم فيه واستهانتكم به كما فعلنا ببني إسرائيل حين أفسدوا في مسجدهم ~~كما تقدم؛ قال الإمام الحافظ أبو عمرو عثمان بن سعيد الداني في كتاب ~~الفتن: حدثنا عبد بن أحمد بن محمد الهروي في كتابه ثنا عمر بن أحمد بن ~~عثمان بن شاهين ثنا محمد بن هارون الحضرمي ثنا علي بن عبد الله التميمي ~~ثنا عبد المنعم بن إدريس قال: أخبرنا أبي عن وهب بن منبه قال: الجزيرة ~~آمنة من الخراب حتى تخرب إرمينية، وإرمينية آمنة من الخراب حتى تخرب مصر، ~~ومصر آمنة من الخراب حتى تخرب الكوفة، ولا تكون الملحمة الكبرى حتى تخرب ~~الكوفة، فإذا كانت الملحمة الكبرى فتحت القسطنطينية على يدي رجل من بني ~~هاشم، وخراب الأندلس من قبل الزنج، وخراب إفريقية من قبل الأندلس، وخراب ~~مصر من انقطاع النيل واختلاف الجيوش فيها، وخراب العراق من قبل الجوع ~~والسيف، وخراب الكوفة من قبل عدو من ورائهم يحقرهم حتى لا يستطيعوا أن ~~يشربوا من الفرات قطرة، وخراب البصرة من قبل العراق، وخراب الأبلة من قبل ~~عدو يحفزهم مرة برا ومرة بحرا، وخراب الري من قبل الديلم، وخراب ~~خراسان من قبل تبت، وخراب تبت من قبل الصين، وخراب الصين من قبل الهند، ~~وخراب اليمن من قبل الجراد والسلطان، وخراب مكة من قبل الحبشة، وخراب ~~المدينة من قبل الجوع؛ حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد حدثنا علي ~~بن محمد بن نصير حدثنا محمد بن خلف أخبرنا سالم بن جنادة أخبرنا أبي عن ~~هشام بن عروة عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: رسول الله صلى الله ~~عليه وعلى آله وسلم: # " آخر قرية من قرى الإسلام خرابا المدينة " # انتهى. وقد أخرجه الترمذي من هذا الوجه. ### || [17.59-60] # ولما كانت كفار قريش تكرر اقتراحهم للآيات بعد أن اشتد أذاهم، وكان صلى ~~الله عليه وعلى آله وسلم - لشدة حرصه على إيمان كل أحد فكيف بقومه العرب ~~فكيف ببني عمه منهم - ربما ms2667 أحب أن الله تعالى يجيبهم إلى مقترحهم طمعا ~~في إيمانهم وإراحة له ولأتباعه من أذاهم، وكان ما رأوه من آية الإسراء ~~أمرا باهرا ثم لم يؤمنوا، بل ارتد بعض من كان آمن منهم، كان المقام في ~~قوة اقتضائه أن يقال بعد ذكر آية العذاب: ما لهم لا يعجل عذابهم أو ~~يجابون إلى مقترحاتهم ليقضى الأمر؟ فيقال في الجواب: ما منعنا من تعجيل ~~عذابهم إلا أنا ضربنا لهم أجلا لا بد من بلوغه { وما منعنا } أي على ما ~~لنا من العظمة التي لا يعجزها شيء ولا يمنعها مانع { أن نرسل } أي ~~إرسالا يظهر عظمتنا على وجه العموم { بالآيات } أي التي اقترحتها قريش، ~~فكان كأنه لا آيات عندهم سواها { إلا } علمنا في عالم الشهادة بما وقع من ~~{ أن كذب بها } أي المقترحات { الأولون } وعلمنا في عالم الغيب أن هؤلاء ~~مثل الأولين في أن الشقي منهم لا يؤمن بالمقترحات كما لم يؤمن بغيرها، ~~وأنه يقول فيها ما قال في غيرها من أنها سحر ونحو هذا، والسعيد لا يحتاج ~~في إيمانه إليها، فكم أجبنا أمة إلى مقترحها فما زاد ذلك أهل الضلالة ~~منهم إلا كفرا، فأخذناهم لأن سنتنا جرت أنا لا نمهل بعد الإجابة إلى ~~المقترحات من كذب بها، ونحن قد قضينا برحمة هذه الأمة وتشريفها على الأمم ~~السالفة بعدم استئصالها، لما يخرج من أصلاب كفرتها من خلص عبادنا، والمنع ~~هنا مبالغة مراد بها نفي إجابتهم إلى مقترحاتهم، ولا يجوز أخذه على ~~ظاهره، لأنه وجود ما يتعذر معه وقوع الفعل من القادر عليه، ثم عطف على ما ~~دل عليه المقام وهو: فكم أجبنا - إلى آخر ما ذكرته، قوله تعالى: { ~~وءاتينا } أي بما لنا من العزة الباهرة { ثمود الناقة } حال كونها { ~~مبصرة } أي مضيئة، جديرة بأن يستبصر بها كل من شاهدها { فظلموا بها } أي ~~فوقعوا في الظلم الذي هو كالظلام بسببها، بأن لم يؤمنوا ولم يخافوا ~~عاقبتها، وخص آية ثمود بالذكر تحذيرا بسبب أنهم عرب اقترحوا ما كان ~~سببا لاستئصالهم، ولأن لهم من علمها وعلم ms2668 مساكنهم بقربها إليهم وكونها ~~في بلادهم ما ليس لهم من علم غيرها، وخص الناقة لأنها حيوان أخرجه من ~~حجر، والمقام لإثبات القدرة على الإعادة ولو كانوا حجارة أو حديدا، ودل ~~على سفههم في كلا الأمرين على طريق النشر المشوش بذكر داود عليه السلام ~~إشارة إلى الحديد، والناقة إشارة إلى الحجارة، فلله هذه الإشارة ما ~~أدقها! وهذه العبارة ما أجلها وأحقها! { وما نرسل } أي بما لنا من ~~الجلالة التي هي بحيث تذوب لها الجبال { بالآيات } أي المقترحات وغيرها { ~~إلا تخويفا * } أي للمرسل إليهم بها، فإن خافوا نجوا وإلا هلكوا فإذا ~~كشف الأمر لكم في عالم الشهادة عن أنهم لا يخافونها وفق ما كان عندنا في ~~عالم الغيب، علم أنه لا فائدة لكم فيها. # ولما كان التقدير للتعريف بمطابقة الخبر الخبر: اذكر أنا قلنا لك # إن الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل ءاية # [يونس: 96] واذكر ما وقع من ذلك ماضيا من آيات الأولين وحالا من قصة ~~الإسراء، عطف عليه قوله تعالى: { وإذ } أي واذكر إذ { قلنا } على ما لنا ~~من العظمة المحيطة { لك إن ربك } المتفضل بالإحسان إليك بالرفق بأمتك { ~~أحاط بالناس } علما وقدرة، تجد ذلك إذا طبقت بعضه على بعض أمرا سويا ~~حذو القذة لا تفاوت فيه، واعلم أنه مانعك منهم وحائطك ومظهر دينك كما ~~وعدك؛ ثم عطف على { وما نرسل } قوله تعالى: { وما جعلنا } أي بما لنا من ~~القوة الباهرة التي لها الغنى المطلق { الرءيا التي أريناك } أي بتلك ~~العظمة التي شاهدتها ليلة الإسراء { إلا فتنة } أي امتحانا واختبارا { ~~للناس } ليتبين بذلك في عالم الشهادة المتقي المحسن والجاهل المسيء كما ~~هو عندنا في عالم الغيب، فنقيم بها عليهم الحجة، لا ليؤمن أحد من حقت ~~عليهم الكلمة ولا لنزداد نحن علما بسرائرهم، ولا شك في أن قصة الإسراء ~~إلى بيت المقدس ثم إلى السماوات العلى كان يقظة لا مناما بالدليل القطعي ~~المتواتر من تكذيب من كذب وارتداد من ارتد، وهذا مذهب الجمهور وأهل السنة ~~والجماعة، وقد ورد ms2669 في صحته ما لا يحصى من الأخبار - هذا النقل، وأما ~~الإمكان العقلي فثابت غير محتاج إلى بيان، فإن كل ذرة من ذرات الموجودات ~~فيها من العجائب والغرائب والدقائق والرقائق ما يتحير فيه العقول، لكن ~~لما كان على وفق العادة ألفته الطباع، فلم تنكره الأبصار ولا الأسماع، ~~وأما مثل هذا فلما كان على خلاف العادة استنكره ضعفاء العقول الذين لا ~~يتجاوز فهمهم المحسوسات، على ما ألفوا من العادات، وأما أولو الألباب ~~الذين سلموا من نزعات الشيطان ووساوس العادة، ونظروا بأعين البصائر إلى ~~آثار رحمة الله في صنع المصنوعات وإحداث المحدثات في الملك والملكوت، ~~والشهادة والغيب، والخلق والأمر، فاعترفوا به، وأنه من عظيم الآيات، ~~وبدائع الدلائل النيرات، وأدل دليل على ذلك قوله تعالى { فتنة } لأنه لو ~~كان رؤيا منام لم يكن بحيث يستبعده أحد فلم يكن فتنة، ولعله إنما سماه ~~رؤيا - وهي للمنام - على وجه التشبيه والاستعارة، لما فيه من الخوارق ~~التي هي بالمنام أليق في مجاري العادات، روى البخاري في التفسير عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما { وما جعلنا الرءيا التي أريناك } الآية، قال: هي ~~رؤيا عين أريها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليلة أسري به. # ولما كان كل ما خفي سببه وخرج عن العادة فتنة يعلم به في طبعه الحق ومن ~~في طبعه الباطل، ومن هو سليم الفطرة ومن هو معكوسها، وكان قد أخبر أن ~~شجرة الزقوم تنبت في أصل الجحيم، وكان ذلك في غاية الغرابة، ضمه إلى ~~الإسراء في ذلك فقال تعالى: { والشجرة } عطفا على الرؤيا { الملعونة في ~~القرءان } بكونها ضارة، والعرب تسمي كل ضار ملعونا، وبكونها في دار ~~اللعنة، وكل من له عقل يريد بعدها عنه، وهي كما رواه البخاري في التفسير ~~عن ابن عباس رضي الله عنهما شجرة الزقوم جعلناها أيضا فتنة للناس نقيم ~~بها عليهم الحجة في الكفر والإيمان، فنثبتهم أي من أردنا إيمانه منهم ~~بالأول وهو الإسراء { ونخوفهم } بالثاني وأمثاله { فما يزيدهم } أي ~~الكافرين منهم التخويف حال التخويف، فما بعده من أزمنة ms2670 الاستقبال أجدر ~~بالزيادة { إلا طغيانا } أي تجاوزا للحد هو في غاية العظم { كبيرا * } ~~فيقولون في الأول ما تقدم في أول السورة، وفي الثاني: إن محمدا يقول: إن ~~وقود النار الناس والحجارة، ثم يقول: إن فيها شجرا، قد علمتم أن النار ~~تحرق الشجر، ولم يقولوا ما هم أعلم الناس به من أن الذي جعل لهم من الشجر ~~الأخضر نارا قادر على أن يجعل في النار شجرا، ومن أنسب الأشياء ~~استحضارا هنا ما ذكره العلامة شيخ مشايخنا زين الدين أبو بكر بن الحسين ~~المراغي بمعجم العين المدني في تأريخ المدينة الشريفة في أوائل الباب ~~الرابع في ذكر الأودية فإنه قال: وادي الشظاة - أي بمعجمتين مفتوحتين - ~~يأتي من شرقي المدينة من أماكن بعيدة عنها إلى أن يصل السد الذي أحدثته ~~نار الحرة التي ظهرت في جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين وستمائة - يعني: ~~وهي المشار إليها بقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم # " لا تقوم الساعة حتى تخرج نار بالحجاز تضيء لها أعناق الإبل ببصرى " # قال: وكان ظهورها من واد يقال به أحيليين في الحرة الشرقية، وصارت من ~~مخرجها إلى جهة الشمال مدة ثلاثة أشهر تدب دبيب النمل، تأكل ما مرت عليه ~~من جبل وحجر ولا تأكل الشجر، فلا تمر على شيء من ذلك إلا صار سدا لا ~~مسلك لإنسان فيه ولا دابة إلى منتهى الحرة من جهة الشمال - فذكر القصة ~~وهي غريبة، وأسند فيها عن المطري فيما يتعلق بعدم أذاها للخشب. ### || [17.61-63] # ولما تقدم أنهم استبعدوا الإعادة من أجل صيرورتهم بعد الموت رفاتا، ~~وأخبر تعالى بقدرته على ذلك ولو صاروا إلى ما هو أعسر عندهم في الإعادة ~~من الرفات بأن يكونوا حجارة أو حديدا، وأشار إلى قدرته على التصرف بخرق ~~العادة في الحديد بإلانته لعبد من عبيده، ثم في الحجارة على سبيل الترقي ~~في النشر المشوش بما هو أعجب من ذلك، وهو إفاضة الحياة عليها لعبد آخر من ~~عبيده، أشار إلى تصرفه في التراب الذي هو نهاية الرفات الذي حملهم على ~~الاستبعاد ms2671 بما هو أعجب من كل ما تقدمه، وذلك بإفاضة الحياة الكاملة ~~بالنطق عليه من غير أن تسبق له حالة حياة أصلا، وذلك بخلق آدم عليه ~~السلام الذي هو أصلهم، مع ما في ذلك من حفظ السياق في التسلية بأن الآيات ~~لا تنفع المحكوم بشقاوته وبأن آدم عليه السلام قد سلط عليه الحاسد واشتد ~~أذاه له مع أنه صفي الله وأول أنبيائه، مع البيان لأن أغلب أسباب الطغيان ~~الحسد الذي حمل إبليس على ما فعل فقال تعالى: { إذ } أي واذكر أيضا ما ~~وقع من الطغيان مع رؤية الآيات في أول هذا الكون من إبليس الذي هو من ~~أعلم الخلق بآيات الله وعظمته، ثم ممن اتبعه من ذرية آدم عليه السلام بعد ~~تحقق عداوته في مخالفة ربهم المحسن إليهم مع ادعاء ولايته إذ { قلنا } أي ~~بما لنا من العظمة التي لا يعصي مرادها شيء { للملائكة } حين خلقنا أباكم ~~آدم وفضلناه: { اسجدوا لآدم } امتثالا لأمري { فسجدوا إلا إبليس } أبى ~~أن يسجد لكونه ممن حقت عليه الكلمة ولم ينفعه ما يعلمه من قدرة الله ~~وعظمته، وذلك معنى قوله: { قال } أي لنا منكرا متكبرا: { ءأسجد } أي ~~خضوعا { لمن خلقت } حال كون أصله { طينا * } فكفر بنسبته لنا إلى الجور ~~وعدم الحكمة، متخيلا أنه أكرم من آدم عليه السلام من حيث إن الفروع ترجع ~~إلى الأصول، وأن النار التي هي أصله أكرم من الطين، وذهب عليه إن الطين ~~أنفع من النار فهو أكرم، وعلى تقدير التنزل فإن الجواهر كلها من جنس ~~واحد، والله تعالى الذي أوجدها من العدم يفضل بعضها على بعض بما يحدث ~~فيها من الأعراض، كما تقدمت الإشارة إليه في # ولقد فضلنا بعض النبين على بعض # [الإسراء:55]. # ولما أخبر تعالى بتكبره، كان كأنه قيل: إن هذه لوقاحة عظيمة واجتراء على ~~الجناب الأعلى، فهل كان غير هذا؟ فقيل: نعم! { قال أرءيتك } أي أخبرني { ~~هذا الذي كرمت علي } بم كرمته علي مع ضعفه وقوتي؟ فكأنه قيل: لقد أتى ~~بالغاية في إساءة الأدب، فما كان بعد هذا؟ فقيل: ms2672 قال مقسما لأجل استبعاد ~~أن يجترىء أحد هذه الجراءة على الملك الأعلى: { لئن أخرتن } أي أيها ~~الملك الأعلى تأخيرا ممتدا { إلى يوم القيامة } حيا متمكنا { لأحتنكن ~~} أي بالإغواء { ذريته } أي لأستولين عليهم بشدة احتيالي كما يستولي ~~الآكل على ما أخذه في حنكه، بتسليطك لي عليهم { إلا قليلا * } وهم ~~أولياؤك الذين حفظتهم مني، فكأنه قيل: لقد أطال في الاجتراء فما قال له ~~ربه بعد الثالثة؟ فقيل: { قال } مهددا له: { اذهب } أي امض لثباتك الذي ~~ذكرته بإرادتي لا بأمري، فإنك لن تعدو أمرنا فيك وقد حكمنا بشقاوتك ~~وشقاوة من أردنا طاعته لك، ولذلك سبب عنه قوله تعالى: { فمن تبعك } أي ~~أدنى اتباع { منهم } أي أولاد آدم عليه السلام، ويجوز أن يراد بتجريد ~~الفعل أن من تبعه بغير معالجة من فطرته الأولى لا يكون إلا عريقا في ~~الشر. # ولما كان التقدير: أذقته من خزيك، عبر عنه بقوله تعالى: { فإن جهنم } أي ~~الطبقة النارية التي تتجهم داخلها { جزاؤكم } أي جزاءك وجزاءهم، تجزون ~~ذلك { جزاء موفورا * } مكملا وافيا بما تستحقون على أعمالكم الخبيثة. # ومادة " وفر " بجميع تراكيبها - وهي خمسة عشر، في الواوي ستة: وفر، ورف، ~~فور، فرو، رفو، روف، وفي اليائي ثلاثة: فري، رفي، ريف، وفي المهموز ستة: ~~رفأ، رأف، فرأ، فأر، أفر، أرف - تدور على السعة، والمجاوزة للحد، والعلو ~~على المقدار، والفضل عن الكفاية؛ فالوفر: المكان الكبير، وسقاء وفر: لم ~~ينقص من أديمه شيء، وإداوة وفراء، والوفرة: ما بلغ الأذنين من الشعر، ~~والوافر: ضرب من العروض وزنه مفاعلتن ست مرات، والوفر: الغنى، ومن المال: ~~الكثير الواسع، والعام من كل شيء، ووفره توفيرا: أكثره، ووفر له عرضه: ~~لم يشتمه، ووفر عطاءه: رده عليه وهو راض، ووفره توفيرا: أكمله وجعله ~~وافرا - لأن الكمال لا يكاد يتحقق إلا مع زيادة، والثوب: قطعه وافرا، ~~والوافرة: ألية الكبش إذا عظمت، والدنيا، والحياة، وكل شحمة مستطيلة، وهم ~~متوافرون: فيهم كثرة، واستوفر عليه حقه: استوفاه. # وورف النبت يرف إذا رأيت له بهجة من ريه، ولا يكون ذلك إلا من نضارته ~~واتساعه ms2673 وكونه ملء العين، وورف الظل يرف ورفا ووريفا ووروفا: اتسع ~~وطال وامتد كأورف وورف والورف: ما رق من نواحي الكبد - لزيادته ~~واسترخائه، والرفة - كعدة: الناضر من النبت، وورفته توريفا: مصصته، ~~والأرض: قسمتها - كأنه من الإزالة. # وفارت القدر - إذا غلت حتة يعلو ما فيها فتفيض، وكل حار يفور فورا، ~~وفار العرق - إذا انتفخ، زاد في القاموس: وضرب، والمسك، انتشر، وفارة ~~الإبل: فوح جلودها إذا نديت بعد الورد، والفائر: المنتشر العصب من الدواب ~~وغيرها، وأتوا من فورهم: من وجههم أو قبل أن يسكنوا - لأن حركتهم توسع ~~وانتشار فسميت فورا والفار: عضل الإنسان - لأنه أثخن مما دونه، والفور - ~~بالضم: الظباء، جمع فائر - لأنه من أسرع الحيوان نفارا، وأشدها وثبا، ~~وأوسعها عدوا، وقال القزاز: والفارة والفورة: ريح تكون في رسغ الفرس ~~تنفش إذا مسحت وتجتمع إذا تركت، وقال في فأر: فإذا مشى انفشت، وأعاده في ~~القاموس في المهموز فقال: والفأرة له - أي للذكر من الحيوان المعروف - ~~وللأنثى، وريح في رسغ الدابة تنفش إذا محست وتجتمع إذا تركت كالفورة ~~بالضم، والفور: ولد الحمار - لخفته وسرعة حركته ووثبه، وفوارتا الكرش: ~~غدتان في جوف لحمتين، وقيل: الفوارة: اللحمة - التي في داخلها الغدة، ~~وقيل: تكونان لكل ذي لحم، وذلك لوجوب الزيادة سواء قلنا: إنها لحمة أو ~~غدة، وقال القزاز: وقالوا: ماء الرجل إنما يقع في الكلية ثم في الفوارة ~~ثم في الخصية، فعلى هذا سمي لأنه يقذف ما فيه إلى الخصية، والفياران - ~~بالكسر: حديدتان تكتنفان لسان الميزان لاتساعهما عن اللسان، والفيرة - ~~بالكسر بالهمز وبغيره: تمر يغلى ويمرس ويطبخ بحلبة تشربها النفساء قاله ~~القزاز، وفي مختصر العين: حلبة تطبخ؛ فإذا فارت فوارتها ألقيت في معصرة ~~ثم صفيت وتحسيها النفساء، وأعاده في القاموس في المهموز وقال: والفئرة - ~~بالكسر - والفؤارة كثمامة والفئيرة والفئرة كعنبة ويترك همزها: حلبة تطبخ ~~للنفساء - سميت إما لغليانها وإما للاتساع بجمع التمر والحلبة. # والفرو والفروة: لبس معروف - لخروج صوفها وزيادة الرفق به، كأنها أصل ~~المادة كلها، وفروة الرأس: جلدته بشعرها، والفروة: الأرض البيضاء ليس لها ~~نبات - لأنه ms2674 أوسع لها من حيث هي، والفروة: الغنى والثروة وقطعة نبات ~~مجتمعة يابسة، وجبة شمر كماها - لأنه لولا زيادتهما ما شمرا، ونصف كساء ~~يتخذ من أوبار الإبل - كأنه شبه بالفروة لطول وبره، وخريطة يجعل السائل ~~فيها صدقته، والتاج - لاتساعه وعلوه وكماله ولغنى صاحبه، وخمار المرأة - ~~لزيادته على كفايتها ولسبوغه وفضله عن رأسها. # ورفا الثوب يرفوه: أصلحه ولأم خرقه: وقال في القاموس: في المهموز: وضم ~~بعضه إلى بعض، قال القزاز: والهمز أكثر؛ والرفاء - ككساء: الالتحام ~~والاجتماع والاتفاق، ومنه ما يدعى به للمتزوج: بالرفاء والبنين، وأعادوه ~~في المهموز. وقال في القاموس: أي بالالتئام وجمع الشمل، قال القزاز: ~~ومعنى رفا: تزوج، والأرفى: العظيم الأذنين في استرخاء، قال القزاز: ~~والأذن الرفواء هي التي تقبل على الأخرى حتى تكاد تماس أطرافهما؛ ورفوت ~~الرجل: إذا سكنته من رعب، وأعاده في القاموس في المهموز - لأن ذلك أوسع ~~لفكره لأنه أقر لعينه. # والروف: السكون - وهو أوسع من الاضطراب لأنه لا يكون إلا عن قرار العين، ~~قال في القاموس: وليس من الرأفة، والروفة: الرحمة، وراف يراف لغة في رأف ~~يرأف - وستأتي بقيتها قريبا إن شاء الله تعالى. ### || [17.64-65] # ولما بدأ سبحانه بالوعيد لطفا بالمكلفين، عطف على " اذهب " قوله ممثلا ~~حاله في تسلطه على من يغويه بمغوار أوقع بقوم فصوت بهم صوتا يستفزهم من ~~أماكنهم، ويقلعهم عن مراكزهم، وأجلب عليهم بجنده من خيالة ورجالة حتى ~~استأصلهم: { واستفزز } أي استخف، والفز أصله القطع، أي استزله بقطعه عن ~~الصواب - قاله الرماني { من استطعت منهم } وهم الذين سلطناك عليهم { ~~بصوتك } أي دعائك بالغنى والمزامير وكل ما تزينه بالوساس { وأجلب } أي ~~اجمع أو سق بغاية ما يمكنك من الصياح { عليهم بخيلك } أي ركبان جندك { ~~ورجلك } أي ومشاتهم؛ والمعنى: افعل جميع ما تقدر عليه، ولا تدع شيئا من ~~قوتك، فإنك لا تقدر على شيء لم أقدره لك. # ولما كان الشيطان طالبا شركة الناس في جميع أمورهم بوساوسه الحاملة لهم ~~على إفسادها، فإن أطاعوه كانوا طالبين لأن يشركوه وإن كانوا لا شعور لهم ~~بذلك، عبر بصيغة المفاعلة ms2675 فقال تعالى: { وشاركهم } أي بوثوبك على ~~مخالطتهم عند ما يشاركونك بفعل ما يوافق هواك { في الأموال } أي التي ~~يسعون في تحصيلها { والأولاد } أي التي ينسلونها، إن اقتنوها بوجه محرم ~~أو لم يذكروا اسمي عليها، وكذا قرابينهم لغير الله وإنفاقهم في المحرمات ~~وتعليمهم أولادهم المعاصي والكفر مشاركة فيها { وعدهم } من المواعيد ~~الباطلة ما يستخفهم ويغرهم من شفاعة الآلهة والكرامة على الله تعالى ~~وتسويف التوبة - ونحو ذلك؛ ثم التفت إلى الصالحين من عباده فأخبرهم ~~تثبيتا لهم وتنبيها لغيرهم على أنه ليس بيده شيء، فقال تعالى مظهرا ~~لضميره بما يدل على تحقيره، تقبيحا لأمره وتنفيرا منه: { وما يعدهم ~~الشيطان } أي المحترق المطرود باللعنة، من عدم البعث وطول الأجل وشفاعة ~~الآلهة ونحو ذلك { إلا غرورا * } والغرور: تزيين الخطأ بما يوهم أنه ~~صواب، ثم رجع إلى مواجهته بما يحقر أمره، فإن المواجهة بالتحقير أنكأ، ~~مصرحا بنتيجة ذلك، وهي أنه غير قادر إلا بإذنه سبحانه، وممنوع عنه ما لم ~~يقدره له، دفعا لما قد يوهمه ما مضى من أنه يؤثر شيئا استقلالا فقال ~~تعالى: { إن } أي اجهد جهدك، لأن أهل الشهوات سلطتك عليهم زيادة في شقائك ~~بما أردته منهم قبل خلقك وخلقهم، لا تقدر أن تتعدى شيئا منه إلى خالصتي ~~ومن ارتضيته لعبادتي، إن { عبادي } الذين أهلتهم للإضافة إلي فقاموا ~~بحق عبوديتي بالتقوى والإحسان { ليس لك } أي بوجه من الوجوه { عليهم ~~سلطان } أي فلا تقدر أن تغويهم وتحملهم على ذنب لا يغفر، فإني وفقتهم ~~للتوكل علي فكفيتهم أمرك { وكفى بربك } أي الموجد لك المدبر لأمرك { ~~وكيلا * } يحفظ ما هو وكيل فيه من كل ما يمكن أن يفسده. ### || [17.66-69] # ولما ذكر أنه الوكيل الذي لا كافي غيره في حفظه، لاختصاصه بشمول علمه ~~وتمام قدرته، أتبعه بعض أفعاله الدالة على ذلك فقال تعالى، عودا إلى ~~دلائل التوحيد الذي هو المقصود الأعظم بأحوال البحر الذي يخلصون فيه، في ~~أسلوب الخطاب استعطافا لهم إلى المتاب: { ربكم } أي المحسن إليكم، هو { ~~الذي يزجي } أي يسوق ويدفع وينفذ { لكم } أي لمنفعتكم { الفلك ms2676 } التي ~~حملكم فيها مع أبيكم نوح عليه السلام { في البحر لتبتغوا } أي تطلبوا ~~طلبا عظيما بذلك أنواع المنافع التي يتعذر أو يتعسر الوصول إليها في ~~البر { من فضله } ثم علل فعله ذلك بقوله تعالى: { إنه } أي فعل ذلك لكم ~~لأنه { كان } أي أزلا وأبدا { بكم } أي أيها المؤمنون خاصة { رحيما * ~~} أي مكرما بالتوفيق إلى فعل ما يرضيه في المتجر وغيره، لا لشيء غير ~~ذلك، أو يكون ذلك خطابا لجميع النوع فيكون المعنى: خصكم به من بين ~~الحيوانات. # ولما كان المراد المؤمنين خاصة وإن كان خطابا للمجموع، خص المشركين ~~كذلك فقال: { وإذا } أي فإذا نعمكم بأنواع الخير كنتم على إشراككم به ~~سبحانه، وإذا { مسكم } ولم يقل: أمسكم - بالإسناد إلى نفسه، تأديبا لنا ~~في مخاطبته بنسبة الخير دون الشر إليه، مع اعتقاده أن الكل فعله، ~~وتنبيها على أن الشر مما ينبغي التبرؤ منه والبعد عنه { الضر في البحر } ~~من هيج الماء واغتلامه لعصوف الريح وطمو الأمواج { ضل } أي ذهب وبطل عن ~~ذكركم وخواطركم { من تدعون } من الموجودات كلها { إلا إياه } وحده، ~~فأخلصتم له الدعاء علما منكم أنه لا ينجيكم سواه { فلما نجاكم } من ~~الغرق وأوصلكم بالتدريج { إلى البر أعرضتم } عن الإخلاص له ورجعتم إلى ~~الإشراك { وكان الإنسان } أي هذا النوع { كفورا * } أي بليغ التغطية لما ~~حقه أن يشهر، فأظهر في موضع الإضمار تنبيها على أن هذا الوصف لا يخصهم، ~~بل يعم هذا النوع لطبعه على النقائص إلا من أخلصه الله له. # ولما كان التقدير: أعرضتم بعد إذ أنجاكم فكفرتم بذلك وكان الكفر وصفا ~~لكم لازما، فتسبب عن ذلك أنكم أمنتم، أي فعلتم بذلك فعل الآمن، أنكر ~~عليهم هذا الأمر لكونه من أجهل الجهل فقال تعالى: { أفأمنتم } أي أنجوتم ~~من البحر فأمنتم بعد خروجكم منه { أن نخسف } أي بما لنا من العظمة { بكم ~~} ودل على شدة إسراعهم بالكفر عند وصولهم إلى أول الساحل بقوله تعالى: { ~~جانب البر } أي فنغيبكم فيه في أي جانب كان منه، لأن قدرتنا على التغييب ~~في التراب في جميع ms2677 الجوانب كقدرتنا على التغييب في الماء سواء، فعلى ~~العاقل أن يستوي خوفه من الله في جميع الجوانب { أو } أمنتم إن غلظت ~~أكبادكم عن تأمل مثل هذا أن { يرسل عليكم } من جهة الفوق شيئا من أمرنا ~~{ حاصبا } أي يرمي بالحصباء، أي بالحصى الصغار - قاله الرازي في ~~اللوامع، وقال الرماني: حجارة يحصب بها، أي يرمي بها، حصبه - إذا رماه ~~رميا متتابعا - انتهى. # يرميكم ذلك الحاصب في وجوهكم أو فوق رؤوسكم رميا يهلك مثله كما وقع ~~لقوم لوط أنا أرسلنا عليهم حاصبا، وقيل: الحاصب: الريح، ولم يقل: حاصبة ~~لأنه وصف لزمها، ولم يكن لها، مذكر تنتقل إليه في حال فكان بمنزلة حائض { ~~ثم لا تجدوا } أيها الناس { لكم } وأطلق ليعم فقال تعالى: { وكيلا * } ~~ينجيكم من ذلك ولا من غيره كما لم تجدوا في البحر وكيلا غيره { أم أمنتم ~~} إن جاوزت بكم الغباوة حدها فلم تجوزوا ذلك { أن يعيدكم فيه } أي البحر ~~بما لنا من العظمة التي تضطركم إلى ذلك فتقركم عليه وإن كرهتم { تارة ~~أخرى } بأسباب تضطركم إلى ذلك { فنرسل عليكم } أي بما لنا من صفة الجلال ~~{ قاصفا } وهو الكاسر بشدة { من الريح } كما عهدتم أمثاله يا من وقفت ~~أفكارهم مع المحسوسات فرضوا بذلك أن يكونوا كالبهائم لا يفهمون إلا ~~الجزئيات المشاهدات { فيغرقكم } أي في البحر الذي أعدناكم فيه، لعظمتنا { ~~بما كفرتم } كما يفعل أحدكم إذا ظفر بمن كفر إحسانه { ثم لا تجدوا لكم } ~~وإن أمعنتم في الطلب، وطالت أزمانكم في إتقان السبب. ولما كان إطلاق ~~النفي في ختام الآية الماضية - وإن كان لإرادة التعميم - يحتمل أن يدعي ~~تقييده بما يخالف المراد، وكان المقصود هنا التخويف بسطوته سبحانه تارة ~~بالخسف وتارة بغيره، قيد بما عين المراد، وقدم قوله تعالى: { علينا } ~~دلالة على باهر العظمة { به } أي بما فعلنا بكم { تبيعا * } أي مطالبا ~~يطالبنا به. ### || [17.70-72] # ولما قرر سبحانه بهذه الجمل ما يسر لهم من البر، وسهل من شدائد البحر في ~~معرض التهديد، أتبعه أنه فعل ذلك تكريما لهم على سائر مخلوقاته، كما هو ms2678 ~~شأنه في القدرة على ما يريد في المفاوتة بين الأمور التي كانت متساوية ~~عند أول خلقه لها، ليستدلوا بذلك على سهولة الإعادة، مشيرا إلى أنه ركب ~~جوهر الإنسان من نفس هي أشرف النفوس بما فضلها على قوى النفس النباتية من ~~الاغتذاء والنمو والتوليد بالحس ظاهرا وباطنا وبالحركة بالاختيار، وخصه ~~على سائر الحيوان بالقوة العاقلة المدركة لحقائق الأشياء كما هي، ويتجلى ~~بها نور معرفة الله، ويشرق فيها ضوء كبريائه وتطلع على عالمي الخلق ~~والأمر، وتحيط بأقسام المخلوقات من الأرواح والأجسام كما هي، فكانت بذلك ~~النفس الإنسانية أشرف نفوس هذا العالم، وبدنه كذلك باختصاصه باعتدال ~~القامة وامتدادها والتناول باليد وغير ذلك، فقال تعالى عاطفا على ما ~~يرشد إليه السياق من مثل أن يقال: فلقد كرمناكم بذلك من إزجاء الفلك ~~وإنجائكم في وقت الشدائد، أو على: ولقد فضلنا: { ولقد كرمنا } أي بعظمتنا ~~تكريما عظيما { بني ءادم } أي على سائر الطين بالنمو، وعلى سائر النامي ~~بالحياة، وعلى سائر الحيوان بالنطق، فكان حذف متعلق التكريم دالا على ~~عمومه لجميع الخلق، وذلك كله تقديرا للقدرة على البعث { وحملناهم في ~~البر } على الدواب وغيرها { والبحر } على السفن وغيرها { ورزقناهم } أي ~~رزقا يناسب عظمتنا { من الطيبات } أي المستلذات من الثمرات والأقوات ~~التي يأكل غيرهم من الحيوان قشها { وفضلناهم } في أنفسهم بإحسان الشكل، ~~وفي صفاتهم بالعلم المنتج لسعادة الدارين، وفي رزقنا لهم بما تقدم. # ولما حذف متعلق التكريم دلالة على التعميم، وكان أغلب أفراده ضالا، قال ~~لذلك: { على كثير ممن خلقنا } أي بعظمتنا التي خلقناهم بها وأكد الفعل ~~بالمصدر إشارة إلى إعراقهم في الفضيلة فقال تعالى: { تفضيلا * } هذا ما ~~للمجموع، وأما الخلص فهم أفضل الخلائق لما علمنا من معالجتهم بالإخلاص ~~وجهادهم لأهويتهم، لما طبعت عليه نفوسهم من النقائص، ولما لها من الدسائس ~~حتى امتطوا بعد رتبة الإيمان درجتي التقوى والإحسان، وتقديم الأمر ~~للملائكة بالسجود لآدم عليه السلام توطئة لهذه الآية أدل دليل على هذا. # ولما قرر سبحانه قدرته على التفضيل في الحياة الحسية والمعنوية، ~~والمفاضلة بين الأشياء في الشيئين ms2679 فثبت بذلك قدرته على البعث، وختم ذلك ~~بتفضيل البشر، وكان يوم الدين أعظم يوم يظهر في التفضيل، أبدل من قوله { ~~يوم يدعوكم } مرهبا من سطواته في ذلك اليوم، ومرغبا في اقتناء الفضائل ~~في هذا اليوم قوله تعالى: { يوم ندعوا } أي بتلك العظمة { كل أناس } أي ~~منكم { بإمامهم } أي بمتبوعهم الذي كانوا يتبعونه، فيقال: يا أتباع نوح! ~~يا أتباع إبراهيم! يا أتباع عيسى! يا أتباع محمد! فيقومون فيميز بين ~~محقيهم ومبطليهم، ويقال: يا أتباع الهوى! يا أتباع النار! يا أتباع ~~الشمس! يا أتباع الأصنام! ونحو هذا، أو يكون المراد بسبب أعمالهم التي ~~ربطناهم بها ربط المأموم بإمامه كما قال تعالى { وكل إنسان الزمناه طائره ~~في عنقه } وسماها إماما لكونهم أموها واجتهدوا في قصدها، وندفع إليهم ~~الكتب التي أحصت حفظتنا فيها تلك الأعمال { فمن أوتي } منهم من مؤت ما { ~~كتبه بيمينه } فهم البصراء القلوب لتقواهم وإحسانهم، وهم البصراء في ~~الدنيا، ومن كان في هذه الدنيا بصيرا فهو في الآخرة أبصر وأهدى سبيلا { ~~فأولئك } أي العالو المراتب { يقرءون كتابهم } أي يجددون قراءته ~~ويكررونها سرورا بما فيه كما هو دأب كل من سر بكتاب { ولا يظلمون } بنقص ~~حسنة ما من ظالم ما { فتيلا * } أي شيئا هو في غاية القلة والحقاره، بل ~~يزادون بحسب إخلاص النيات وطهارة الأخلاق وزكاء الأعمال، ومن أوتي كتابه ~~بشماله فهو لا يقرأ كتابه لأنه أعمى في هذه الدار { ومن كان } منهم { في ~~هذه } الدار { أعمى } أي ضالا يفعل في الأعمال فعل الأعمى في أخذ ~~الأعيان، لا يهتدي إلى أخذ ما ينفعه وترك ما يضره، ولا يميز بين حسن وقبح ~~{ فهو في الآخرة } لأن كل أحد يقوم على ما مات عليه { أعمى } أي أشد عمى ~~مما كان عليه في هذه الدار، لا ينجح له قصد، ولا يهتدي لصواب، ولا يقدر ~~على قراءة كتاب، لما فيه من موجبات العذاب، ولم يقل: أشد عمى، كما ~~يقولونه في الخلق اللازمة لحالة واحدة من العور والحمرة والسواد ونحوها، ~~لأن هذا مراد به عمى القلب الذي ms2680 من شأنه التزايد والحدوث في كل لحظة ~~شيئا بعد شيء، فخالف ما لا يزيد؛ ولم يمله أبو عمرو مع إمالة الأول ليدل ~~على أن معناه: أفعل من كذا، فهو وسط، والإمالة إنما يحسن في الأواخر، ~~ولأن هذا معناه، عطف عليه قوله تعالى: { وأضل سبيلا * } لأن هذه الدار ~~دار الاكتساب والترقي بالأسباب، وأما تلك فليس فيها شيء من ذلك؛ فالآية ~~من الاحتباك: أثبت الإيتاء باليمين والقراءة أولا دليلا على حذف ضدهما ~~ثانيا، وأثبت العمى ثانيا دليلا على حذف ضده أولا. ### || [17.73-76] # ولما قرر أن من ترك سبيل الرشد كان كالأعمى، ومن تبعها كان كالبصير، ~~أتبعه دليله فقال محذرا للبصراء عن الاغترار بوساوس الأشقياء: { وإن } ~~أي وأكثر هؤلاء أعمى، قد افتتن في نفسه بهواه مع بياننا لطريق الرشد بما ~~أوحينا إليك من هذه الحكمة حتى صارت أوضح من الشمس وإن الأعداء { كادوا } ~~أي قاربوا في هذه الحياة الدنيا لعماهم في أنفسهم عن عصمة الله لك بسبب ~~عماهم عما جبلت عليه من الفطنة، وجودة الفطرة، وذكاء القريحة، وثقوب ~~الفهم، وبعد المرمى في الوقوف على خداع المخادعين، ومكر الماكرين، لتجلي ~~الدقائق في مرآة قلبك الصقيلة وصافي فكرتك الشفافة. ولما كانت " إن " ~~مخففة من الثقيلة أتى باللام الفارقة بينها وبين النافية فقال تعالى: { ~~ليفتنونك } أي ليخالطونك مخالطة تمليك إلى جهة قصدهم بكثرة خداعهم ~~بإطماعهم لك في الموافقة لما يعلمون من ظاهر الحياة الدنيا { عن الذي ~~أوحينا } أي بما لنا من العظمة { إليك } من الحكمة { لتفتري } أي تقطع ~~متعمدا { علينا } على عظمتنا { غيره } من طرد من أوحينا إليك الأمر ~~بمصابرتهم، إطماعا منهم في إسلام من هو بحيث يرجى إسلامه إسلام الجم ~~الغفير منهم لشرفه ونحو ذلك مما عناه الله سبحانه وهو أعلم بمراده؛ قال ~~الرماني: وأصل الفتنة ما يطلب به خلاص الشيء مما لابسه { وإذا } أي لو ~~ملت إليهم { لاتخذوك } أي بغاية الرغبة { خليلا * } ومن كان خليل الكفار ~~لم يكن خليل الله، ولكنك أبصرت رشدك فلزمت أمر الله، واستمروا على عماهم ~~إتماما لتفضيلنا لك على كل ms2681 مخلوق، وقد تقدم قريبا ما تدور عليه مادة " ~~فرا " وأنه السعة، وقد بقي من تقاليبها اليائي والمهموز، فمعنى فريت ~~الأديم: شققته فاسدا أو صالحا - لأنه يتسع بذلك، وقال القزاز: الفري ~~مصدر فريت الأديم - إذا شققته للإصلاح، وأفريته - إذا شققته للإفساد - ~~كأن همزته للإزالة، وحكى أبو عبيدة: فريت الشيء وأفريته: قطعته، وفرى ~~الكذب وافتراه: اختلقه - لأنه اتساع في القول وزيادة على ما يكفي من ~~الصدق وتجاوز للحد، وفرى المزادة: خلقها وصنعها، وقال القزاز: خرزها - ~~لأنها تسع ما لا تسعه قبل الخرز، قال: وأصل الفري الشق - يعني: والخرز ~~واقع في الشق، فالعلاقة المحل، وفرى الأرض: سارها وقطعها - تشبيها لها ~~بالأديم، وفرى - كرضي: تحير ودهش - من التسمية باسم السبب، لأن سبب الدهش ~~كثرة وعظم في المحسوس، وأفراه، أصلحه أو أمر بإصلاحه - لأن الإصلاح سعة ~~بالنسبة إلى الإفساد، وأفرى فلانا: لامه - لأنه يلزم منه الزيادة في ~~الكلام لما يحاج به الملوم، والفرية: الجلبة - لأنها زيادة عن الكلام ~~المعتاد، وبالكسر: الكذب، وكغنى: الأمر المختلق المصنوع أو العظيم، ~~والواسعة من الدلاء كالفرية، والحليب ساعة تحلب - لارتفاع الرغوة، وتفرى ~~الشيء: انشق، والعين: انبجست، وهو يفري الفرى كغنى: يأتي بالعجب في عمله. # وقال القزاز: وتركت فلانا يفري ويقد، أي حاد في الأمر، وفلانا يفري ~~منذ اليوم - إذا جاء بالعجب، لأنه لا يعجب إلا ما زاد على الكفاية. # والرفة: التبن - لأنه ما فضل عن الحب، والرفة: دويبة تصيد تسمى عناق ~~الأرض - لأن حالها أوسع من حال ما لا يصيد، ذكر هذا صاحب مختصر العين في ~~المعتل بالياء فوزنه ثبة، وساقه صاحب القاموس في الهاء وقال فيما مدلوله ~~التبن: إنه كصرد، ثم ساقه في المعتل الواوي في ورف وقال: والرفة كثبة: ~~التبن، فاضطرب كلامه فوجب قبول مختصر العين، لكن ذكره الإمام أبو غالب بن ~~التباني - وهو من يخضع له - في كتابه الموعب في مقلوب رهف فقال ناسبا له ~~إلى كتاب العين ما نصه: والرفة: التبن، قال غيره: ويقال في مثل من ~~الأمثال: استغنت التفه عن الرفه، والتفه: عناق الأرض، وهي ms2682 دويبة كالثعلب ~~خبيثة، تصيد كل شيء، وذلك أنها لا تأكل إلا اللحم - أبو حنيفة مثله، كله ~~انتهى بحروفه، وقال صاحب القاموس في المعتل: والتفة ذكر في ت ف ف، وقال ~~في الهاء: والتفه كثبه: عناق الأرض، وقال في الفاء: والتفة - كقفة: دويبة ~~كجرو الكلب أو كالفأرة، واستغنت التفة عن الرفة؛ ويخففان، يضرب للئيم إذا ~~شبع. فلعل هذا الاختلاف لغات - والله أعلم. # قال في مختصر العين: والأرفي مثل كركي: اللبن المحض الطيب - لفيضه ~~كالغائر، جعله المختصر يائيا، والقاموس واويا، ثم أعاده في المهموز ~~فقال: والأرفي - كقمري: اللبن الخالص، وساق القزاز في اليائي: رافيت ~~الرجل أرافيه مرافاة - إذا وافقته - لأن ذلك أوسع في العشرة، والريف ~~بالكسر - الخصب، وقال في القاموس: أرض فيها زرع وخصب، والسعة في المأكل ~~والمشرب، وما قارب الماء من أرض العرب، أو حيث الخضر والمياه والزروع، ~~وراف البدوي: أتى الريف، والراف: الخمر - وهو لا يكون إلا عن سعة، وأرض ~~ريفة ككيسة: خصبة، وأرافت الأرض: أخصبت. # ومن المهموز: رفأ السفينة - كمنع وأرفأها: أدناها من الشط - لاتساع من ~~فيها بالبر، وبالنسبة إليها يكون للسلب، والموضع مرفأ، ويضم، ورفأ بينهم: ~~أصلح، وأرفأ، جنح، وامتشط ودنى وأدنى وحابى ودارأ كرافأ وإليه لجأ، ~~وترافؤوا: توافقوا وتواطؤوا، واليرفيء كاليلمعي: راعي الغنم والظليم ~~النافر والظبي القفوز المولى والمنتزع القلب فزعا - كأنه شبه بالظليم في ~~اتساع حركته وعدم ثباته، وذلك شبيه أيضا بفوران القدر في مجاوزة الحد، ~~ورفأت العروس ترفئة وترفيئا - تقدم في الواوي، والرأف: الخمر والرجل ~~الرحيم، أو الرأفة: أشد الرحمة أو أرقها، ولا شك في دخول ذلك في السعة، ~~ورأف: موضع أو رملة - ولعلهما واسعان، والفرأ - كجبل وسحاب: حمار الوحش ~~أو الفتي منه - لشدة نفاره كالقدر في فورانها، وأمر فريء كفري، وكل ~~الصيد في جوف الفرا، أي كله دونه، وفرأ - محركة: جزيرة باليمن - لعله بها ~~بكثرة، والفأر معروف، والواحدة فأرة، والجمع فئران - سمي لقفزه في جرية، ~~ولأنه وسع من الحشرات تصرفا بالمشي في الجدر والسقوف ونحوها، والفأرة: ~~شجرة ونافجة المسك، قال في القاموس: أو الصواب ms2683 إيراد فارة المسك في ف و ر ~~لفوران رائحتها، أو يجوز همزها لأنها على هيئة الفأرة، وفأر كمنع: حفر ~~وخبأ ودفن - يمكن أن يكون من السعة ومن سلبها؛ ولبن فئر - ككتف: وقعت فيه ~~الفأرة، وأرض فئرة ومفأرة: كثيرة الفأر، وأفرت القدر بالفتح تأفر أفرا: ~~اشتد غليانها، والإنسان: وثب وعدا، والبعير: نشط وسمن بعد الجهد كأفر ~~كفرح فيهما، وخف في الخدمة، والذي يسعى بين يدي الإنسان ويخدمه مئفر، ~~والأفرة - بضمتين وتشديد الراء: الجماعة - وقيدها في مختصر العين بذات ~~الجلبة - والبلية والاختلاط، وكل ذلك واضح في الاتساع والزيادة على ~~الكفاية، والأفرة أيضا شدة الشر - لشدة فورانه كالقدر، وشدة الشتاء أو ~~مطلق الشدة، ومن الصيف: أوله - لأنه يتسع به، قال في القاموس: ويفتح ~~أولها ويحرك في الكل؛ والأرفة - بالضم: الحد بين الأرضين والعقدة - وكأن ~~هذا سلب الاتساع، والأرفي كقمري: الماسح، وأرف على الأرض تأريفا: جعلت ~~لها حدود وقسمت، وتأريف الحبل: عقده، وهو مؤارفي حده إلى حدي في السكنى ~~والمكان - والله الموفق. # ولما ذكره سبحانه بما كان في ذلك من رشده صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ~~أتبعه ببيان أنه إنما كان بعصمة الله له ليزداد شكرا، فقال تعالى: { ~~ولولا أن ثبتناك } أي بما لنا من العظمة على ما أمرنا لما تقدم من أنا مع ~~الذين اتقوا والذين هم محسنون، وأنت رأس المتقين والمحسنين { لقد كدت } ~~أي قاربت { تركن إليهم } أي الأعداء { شيئا قليلا * } لمحبتك في ~~هدايتهم وحرصك على منفعتهم، وكنا عصمناك فلم تركن إليهم لا قليلا ولا ~~كثيرا، ولا قاربت ذلك، كما أفادته { لولا } لأنها تدخل على جملة اسمية ~~فجملة فعلية لربط امتناع الثانية بوجود الأولى، فامتناع قرب الركون مرتبط ~~بوجود التثبيت، وذلك لأن { لولا } لانتفاء الثاني لأجل انتفاء الأول، وهي ~~هنا داخلة على لا النافية، فتكون لانتفاء قرب الركون لأجل انتفاء ~~التثبيت، وانتفاء النفي وجود، فإذن التثبيت موجود، وقرب الركون منتف. ~~ويجوز أن يكون المراد الدلالة على شدة مكرهم وتناهي خداعهم إلى حالة لا ~~يدرك وصفها، فيكون الفعل مسندا إليه صلى الله ms2684 عليه وعلى آله وسلم، ~~والمراد إسناده إليهم ليكون المعنى: كادوا أن يجعلوك مقاربا للركون ~~إليهم، كما تقول لصاحبك: لقد كدت تقتل نفسك، أي فعلت ما قاربت به أن ~~يقتلك غيرك لأجل فعلك، وهذه الآية من الأدلة الواضحة على ما خص به النبي ~~صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الفضائل في شرف جوهره، وزكاء عنصره، ~~ورجحان عقله، وطيب أصله، لأنها دلت على أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم ~~لو وكل إلى نفسه وما خلق الله في طبعه وجبلته من الغرائز الكاملة ~~والأوصاف الفاضلة، ولم يتداركه بما منحه من التثبيت زيادة على ذلك حال ~~النبوة لم يركن إليهم، وهم أشد الناس أفكارا، وأصفاهم أفهاما، وأعلمهم ~~بالخداع، مع كثرة عددهم، وعظم صبرهم وجلدهم - ركونا ما أصلا، وإنما كان ~~قصاراهم أن يقارب الركون شيئا قليلا، فسبحان من يخص من يشاء بما يشاء، ~~وهو ذو الفضل العظيم { إذا } أي لو قاربت الركون الموصوف إليهم { ~~لأذقناك } أي بعظمتنا { ضعف } عذاب { الحياة وضعف } عذاب { الممات } أي ~~ذلك العذاب مضاعفا. # وهذه المادة تدور على الوهي، ويلزمه التقوية بالضعف - بكسر الضاد أي ~~المثل وما زاد، وكل شيء له مكاثر فهو ضعيف بدونه، ويلزم الضعف الذي هو ~~المثل المضموم إلى مثله: القوة، فمن الوهي: الضعف والضعف بالفتح والضم، ~~وهو خلاف القوة، وقيل: الضعف بالفتح في العقل والرأي، وبالضم في الجسد، ~~والضعيف: الأعمى - حميرية، وأرض مضعفة للمفعول: أصابها مطر ضعيف، وضعف ~~الشيء بالكسر: مثله - لأن كل ما له مثل فهو ضعيف، وضعفاه مثلاه. ويقال: ~~لك ضعفه، أي مثلاه، وثلاثة أمثاله، لأن أصل الضعف زيادة غير محصورة، ~~وضاعفت الشيء، أي ضممت إلى الشيء شيئين فصار ثلاثة، وأضعاف الكتاب: أثناء ~~سطوره - لأنها أمثال للسطور من البياض وزيادة عليها ومن القوة التي تلزم ~~المثل: أضعاف البدن وهي أعضاؤه - لأن غالبها مثنى، أو هي عظامه - لأنها ~~أقوى ما فيه، ومن الضعف أيضا مقلوبة الذي هو ضفع - إذا أحدث وضرط، وكذا ~~مقلوبة فضع، والضفع نجو الفيل، والضفعانة: تمرة السعدانة ذات الشوك ~~مستديرة - كأنها فلكة، ms2685 فالمعنى - والله أعلم: أذقناك وهي الحياة ووهي ~~الممات مضاعفا أضعافا كثيرة. # ولما كانت القوة بعد هذا في غاية البعد، عبر بأداة التراخي في قوله ~~تعالى: { ثم لا تجد لك } أي وإن كنت أعظم الخلق وأعلاهم همة { علينا ~~نصيرا * } والآية دالة على أن القبيح يعظم قبحه بمقدار عظيم شأن مرتكبه ~~وارتفاع منزلته، وعلى أن أدنى مداهنة للغواة مضادة لله وخروج عن ولايته، ~~فعلى من تلاها أن يتدبرها وأن يستشعر الخشية وعظيم التصلب في الدين. # ولما بين أنهم استمالوه بالرفق حتى كادوا - لولا العصمة - أن يميلوه، دل ~~على أنهم أخافوه بعد ذلك حتى كادوا أن يخرجوه من وطنه قبل الإذن الخاص ~~بالهجرة فقال تعالى: { وإن } أي وإنهم { كادوا } أي الأعداء { ليستنفرونك ~~} أي يستخفونك بكثرة الأذى الذي من شأنه ذلك فيما جرت به العوائد { من ~~الأرض } أي المكية التي هي الأرض كلها لأنها أمها { ليخرجوك منها } مع أن ~~وجودك عندهم رحمة لهم، فلا أعمى منهم! وأصل الفز القطع بشدة - قاله ~~الرماني { وإذا } أي وإذا أخرجوك { لا يلبثون خلافك } أي بعد إخراجك لو ~~أخرجوك { إلا قليلا * } وسيعلمون إذا أذنا لك في النزوح كيف نصب عليهم ~~العذاب بعد خروجك بقليل، برمحك الطويل، وسيفك الصقيل، وسيوف أتباعك ~~المؤمنين، لثبوت هذا الدين، وقد حقق الله سبحانه هذا الوعيد بقتل ~~صناديدهم في غزوة بدر في رمضان من السنة الثانية من الهجرة بعد ثمانية ~~عشر شهرا من مهاجرته صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وحرم على المشركين ~~الذين أخرجوه صلى الله عليه وعلى آله وسلم من مكة المشرفة الدخول إليها ~~والإقامة في حريمها من جزيرة العرب، إكراما له صلى الله عليه وعلى آله ~~وسلم، وانتقاما ممن يعتقد شيئا من كفر من أخرجوه؛ ورفع { يلبثون } لأن ~~{ إذن } إذا وقعت بعد الواو والفاء جاز فيها الإلغاء، لأنها متوسطة في ~~الكلام كما أنه لا بد من أن تلغى في آخر الكلام، وفي الآية بيان لأن ~~الجاهل لا يزال ينصب للعالم الحبائل، ويطلب له الغوائل، فيعود ذلك عليه ~~بالوبال، في الحال والمآل. ### || [17.77-80] ms2686 # ولما أخبره بذلك، أعلمه أنه سنته في جميع الرسل فقال تعالى: { سنة } أي ~~كسنة أو سنتنا بك سنة { من قد أرسلنا } أي بما لنا من العظمة. # ولما كان الإرسال قد عمت بركته بهذه العظمة جميع الأزمان بما حفه به من ~~قويم الفطرة، أسقط الجار فقال تعالى: { قبلك } أي في الأزمان الماضية ~~كلها { من رسلنا } بأن جعلنا وجودهم بين ظهراني قومهم رحمة لقومهم، فإذا ~~أخرجوهم عاجلنا من رضي بإخراجهم بالعقوبة { ولا تجد لسنتنا } أي لما لها ~~من العظمة { تحويلا } أي بمحول غيرنا يحولها، لكنهم خصوا عن الأمم ~~السالفة بأنهم لا يعذبون عذاب الاستئصال تشريفا لهم بهذا النبي الكريم. # ولما قرر أمر أصول الدين بالوحدانية والقدرة على المعاد، وقرر أمرهم ~~أحسن تقرير، واستعطفهم بنعمه، وخوفهم من نقمه، وقرر أنه سبحانه عصمه عليه ~~الصلاة والسلام من فتنتهم بالسراء والضراء بما أنار به من بصيرته، وأحسن ~~من علانيته وسريرته، صار من المعلوم أنه قد تفرغ للعبادة، وتهيأ ~~للمراقبة، فبدأ بأشرفها فوصل بذلك قوله تعالى: { أقم } أي حقيقة بالفعل ~~ومجازا بالعزم عليه { الصلاة } بفعل جميع شرائطها وأركانها ومبادئها ~~وغاياتها، بحيث تصير كأنها قائمة بنفسها، فإنها لب العبادة بما فيها من ~~خالص المناجاة بالإعراض عن كل غير، وفناء كل سوى، بما أشرق من أنوار ~~الحضرة التي اضمحل لها كل فان، وفي ذلك إشارة عظيمة إلى أن الصلاة أعظم ~~ناصر على الأعداء الذين يريدون بمكرهم استفزاز الأولياء، وأدفع الأشياء ~~للضراء، وأجلبها لكل سراء، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ~~إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة كما تقدم تخريجه في آخر الحجر؛ ثم عين له ~~الأوقات بقوله تعالى: { لدلوك الشمس } أي زوالها واصفرارها وغروبها، قال ~~في القاموس: دلكت الشمس: غربت أو اصفرت أو مالت أو زالت عن كبد السماء. ~~فحينئذ في هذه اللفظة دلالة على الظهر والعصر والمغرب من استعمال المشترك ~~في معانيه، أما في الظهر والمغرب فواضح، وأما في العصر فلأن أول وقتها ~~أول أخذ الشمس في الاصفرار، وأدل دليل على ذلك أنه غيا ms2687 الإقامة بوقت ~~العشاء فقال تعالى: { إلى } حثا على نية أن يصلي كلما جاء الوقت ليكون ~~مصليا دائما، لأن الإنسان في صلاة ما كان ينتظر الصلاة، فهو بيان لأن ~~وقت المغرب من الدلوك الذي هو الغروب إلى أن يذهب الشفق { غسق اليل } ~~فالغسق: ظلمة أول الليل، وهو وقت النوم؛ وقال الرازي في اللوامع: وهو ~~استحكام ظلمة الليل، وقال الرماني: ظهور ظلامه؛ ثم عطف عليه بتغيير ~~السياق قوله تعالى: { وقرءان } فكأنه قال: ثم نم وأقم قرآن { الفجر } ~~إشارة إلى الصبح، وقيل: نصب على الإغراء، وكأنه عبر عنها بالقرآن لأنه مع ~~كونه أعظم أركان الصلاة يطول فيها القراءة ما لا يطول في غيرها، ويجهر به ~~فيها دون أختها العصر وتشويقا بالتعبير به إليها لثقلها بالنوم. # ولما كان القيام من المنام صعبا، علل مرغبا مظهرا غير مضمر لأن ~~المقام مقام تعظيم فقال تعالى: { إن قراءن الفجر كان مشهودا * } يشهده ~~فريقا الملائكة، وهو أهل لأن يشهده كل أحد، لما له من اللذة في السمع، ~~والإطراب للقلب، والإنعاش للروح، فصارت الآية جامعة للصلوات؛ روى البخاري ~~في التفسير عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: فضل صلاة الجميع على صلاة ~~الواحد خمس وعشرون درجة، وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة ~~الفجر، يقول أبي هريرة: اقرؤوا إن شئتم { إن قرءان الفجر } - الآية. ~~قالوا: وهذا دليل على وجوب الصلاة بأول الوقت، وأن التغليس بصلاة الفجر ~~أفضل؛ ثم حث بعدها على التهجد لأفضليته وأشديته فقال تعالى: { ومن } أي ~~وعليك بعض، أو قم بعض { اليل فتهجد } أي اترك الهجود - وهو النوم - ~~بالصلاة { به } أي بمطلق القرآن، فهو من الاستخدام الحسن { نافلة لك } أي ~~زيادة مختصة بك؛ قال عبد الغافر الفارسي في مجمع الغرائب: وأصل النفل ~~الزيادة، ومنه الأنفال الزائدة على الغنائم التي أحلها الله لهذه الأمة، ~~وقال أبو عبد الله القزاز: النوافل: الفواضل، ومن هذا يقولون: فلان ممن ~~ترجى نوافله - انتهى. فهو زيادة للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في ~~الفرض وللأمة في التطوع، وخص به ترغيبا للأمة لأنهم ms2688 يعلمون أنه لا يخص ~~إلا بخير الخير، لأنه الوقت الذي كني فيه عن استجابة الدعاء بالنزول إلى ~~السماء الدنيا اللازم منه القرب الوارد في الأحاديث الصحيحة أنه يكون في ~~جوف الليل، لأن من عادة الملوك في الدنيا أن يجعلوا فتح الباب والقرب منه ~~ورفع الستر والنزول عن محل الكبرياء أمارة على قضاء الحوائج، وكل ما يعبر ~~به عن الله تعالى مما ينزه سبحانه عن ظاهره يكون كناية عن لازمه، وبين ~~ذلك حديث رويناه في جزء العبسي عن عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه أن ~~النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: # " إن في الليل ساعة يفتح فيها أبواب السماء فينادي مناد: هل من داع ~~فيستجاب له؟ " # إلى آخره، فهذا شاهد عظيم لهذا التأويل. # ولما أمره سبحانه بالتهجد والتذلل، وكان السياق للعظمة رجاء في النوال ~~بما يليق بالسياق فقال تعالى: { عسى أن } أي لتكون بمنزلة الراجي لأن { ~~يبعثك } ولما كان السياق قد انصرف للترجية، عبر بصفة الإحسان فقال تعالى: ~~{ ربك } أي المحسن إليك بعد الموت الأكبر وقبله، كما بعث نفسك من الموت ~~الأصغر إلى خدمته { مقاما } نصب على الظرف { محمودا * } وذلك لأن " عسى ~~" للترجي في المحبوب والإشفاق في المكروه، وقد يضعف ذلك فيلزم الشك في ~~الأمر، وقد يقوى فيأتي اليقين، وهي هنا لليقين، قالوا: إن عسى تفيد ~~الإطماع، ومن أطمع أحدا في شيء ثم حرمه كان عارا، والله تعالى أكرم من ~~أن يفعل ذلك، وعبر بها دون ما يفيد القطع لأن ذلك أقعد في كلام الملوك ~~لأنه أدل على العظمة، وللبخاري في التفسير عن ابن عمر رضي الله عنهما ~~قال: إن الناس يصيرون يوم القيامة جثى، كل أمة تتبع نبيها، يقولون: يا ~~فلان اشفع! يا فلان اشفع! حتى تنتهي الشفاعة إلى النبي صلى الله عليه ~~وعلى آله وسلم، فذلك يوم يبعثه الله المقام المحمود. # أي فيظهر ما له من الحظ من اسمه أحمد ومحمد في ذلك الحين بحمد كل ذي روح ~~بإيصال الإحسان إلى كل منهم بالفعل، وله في ms2689 التفسير وغيره عن جابر بن عبد ~~الله رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: # " من قال حين يسمع النداء اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة! ~~آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته حلت له ~~شفاعتي يوم القيامة " # يعني - والله أعلم - الشفاعة الخاصة، وأما العامة فللكل بغير شرط. # ولما كان هذا المقام صالحا للشفاعة ولكل مقام يقومه، وكان كل مقام ~~يحتاج إلى التوفيق في مباشرته والانفصال عنه، تلاه حاثا على دوام ~~المراقبة واستشعار الافتقار بقوله مقدما المدخل لأنه أهم: { وقل رب } أي ~~أيها الموجد لي، المدبر لأمري، المحسن إلي { أدخلني } في كل مقام تريد ~~إدخالي فيه حسي ومعنوي دنيا وأخرى { مدخل صدق } يستحق الداخل فيه أن يقال ~~له: أنت صادق في قولك وفعلك، فإن ذا الوجهين لا يكون عند الله وجيها { ~~وأخرجني } من كل ما تخرجني منه { مخرج صدق }. # ولما كان الصدق في الأمور قد لا يقارنه الظفر، قال تعالى: { واجعل لي } ~~أي خاصة { من لدنك } أي عندك من الخوارق التي هي أغرب الغريب { سلطانا } ~~أي حجة وعزا { نصيرا * } وفيه إشعار بالهجرة وأنها تكون على الوجه الذي ~~كشف عنه الزمان من العظمة التي ما لأحد بها من يدان. ### || [17.81-85] # ولما كان الدعاء قد لا يستجاب، قال مبشرا له بأنه ليس بين دعائه وبين ~~استجابته إلا قوله، ومحققا لتلك البشرى بالأمر بأن يخبر بها: { وقل } أي ~~لأوليائك وأعدائك: { جاء الحق } وهو كل ما أمرني به ربي وأنزله إلي { ~~وزهق } أي اضمحل وبطل وهلك { الباطل } وهو كل ما خالفه؛ ثم علل زهوقه ~~بقوله: { إن الباطل كان } في نفسه بجبلته وطبعه { زهوقا * } قضاء قضاه ~~الله تعالى من الأزل؛ روى البخاري في التفسير وغيره عن ابن مسعود رضي ~~الله عنه قال: دخل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وحول البيت ستون ~~وثلاثمائة نصب، فجعل يطعنها بعود في يده ويقول { جاء الحق وزهق الباطل إن ~~الباطل كان زهوقا } ، # جاء الحق وما يبدىء الباطل وما يعيد # [سبأ: 49]. # ولما ms2690 كان القرآن الذي نوه به في آية { أقم الصلاة } هو السبب الأعظم في ~~إزهاق الباطل الذي هو كالسحر خيال وتمويه، وهو الجامع لجميع ما مضى من ~~الإلهيات والبعث وما تبع ذلك، قال عاطفا على { ولقد كرمنا }: { وننزل } ~~أي بعظمتنا؛ ثم بين المنزل بقوله تعالى: { من القرءان } أي الجامع الفارق ~~الذي هو أحق الحق { ما هو شفاء } للقلوب والأبدان { ورحمة } أي إكرام ~~وقوة { للمؤمنين } أي الراسخين في الإيمان، لإنارته لقلوبهم من صدإ ~~الجهل، وحمله لهم على سبيل الرشد الذي هو سبب الرحمة، ولحراسته لهم من كل ~~شيطان ومرض ومحنة إذا وقع الصدق في الاستشفاء به، هو كله كذلك وكذا جميع ~~أبعاضه؛ قال الرازي في اللوامع: وهو أنس المحبين، وسلوة المشتاقين، وإنه ~~النور المبين، الذي من استبصر به انكشف له من الحقائق ما كان مستورا، ~~وانطوى عنه من البوائق ما كان منشورا، كما أن الباطل داء ونقمة للكافرين ~~{ و } من أعجب العجب أن هذا الشفاء { لا يزيد الظالمين } أي الراسخين في ~~هذا الوصف، وهم الذين يضعون الشيء في غير موضعه، بإعراضهم عما يجب قبوله ~~{ إلا خسارا * } أي نقصانا، لأنهم إذا جاءهم وقامت به الحجة عليهم، ~~أعرضوا عنه، فكان إعراضهم ذلك زيادة في كفرانهم، كما أن قبول المؤمنين له ~~وإقبالهم على تدبره زيادة في إيمانهم، وفي الدارمي عن قتادة قال: ما جالس ~~القرآن أحد فقام عنه بزيادة أو نقصان - ثم قرأ هذه الآية؛ ثم عطف على هذا ~~المقدر المعلوم تقديره ما هو أعم منه وأبين في الفتنة والاجتراء فقال ~~تعالى: { وإذا أنعمنا } أي بما لنا من العظمة { على الإنسان } أي هذا ~~النوع هؤلاء وغيرهم بأي نعمة كانت، من إنزال القرآن وغيره { أعرض } أي ~~عن ذكر المنعم كإعراض هؤلاء عند مجيء هذه النعمة التي لا نعمة مثلها { ~~ونأ } أي تباعد تكبرا { بجانبه } بطرا وعمى عن الحقائق { وإذا مسه الشر ~~} أي هذا النوع وإن قل { كان يئوسا * } أي شديد اليأس هلعا وقلة ثقة ~~بما عنده من رحمة الله إلا من حفظه الله وشرفه بالإضافة إليه ms2691 فليس ~~للشيطان عليه سلطان. # ولما كان المفرد المحلى باللام يعم، كان هذا ربما اقتضى من بعض ~~المتعنتين اعتراضا بأن يقال: إنا نرى بعض الإنسان إذا أعطى شكر، وإذا ~~ابتلى صبر، وكان هذا الاعتراض ساقطا لا يعبأ به، أما أولا فلأنه قد ~~تقدم الجواب عنه في سورة يونس عليه السلام في قوله تعالى # كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون # [يونس: 12] بأن هذا في المسرفين دون غيرهم، وبقوله تعالى في سورة هود ~~عليه السلام # إلا الذين صبروا # [ هود: 11] ولعله طواه في هذا المقام إشارة إلى أنه لقلة أفراده كأنه ~~عدم، وأما ثانيا فلأن المحلى باللام سواء كان مفردا أو جمعا في قوة ~~الجزئي حتى يرد ما يدل على أنه كلي، فلذلك أعرض تعالى عنه وأمره بالجواب ~~عن القسمين المشار إليه والمنصوص عليه فقال تعالى: { قل } أي يا أشرف ~~خلقنا! { كل } من الشاكر والكافر { يعمل على شاكلته } أي طريقته التي ~~تشاكل روحه وتشاكل ما طبعنا عليه من خير أو شر { فربكم } أي فتسبب عن ذلك ~~أن الذي خلقكم ودرجكم في أطوار النمو، لا غيره { أعلم } مطلقا { بمن هو ~~} منكم { أهدى سبيلا * } أي أرشد وأقوم من جهة المذهب بتقواه وإحسانه، ~~فيشكر ويصبر احتسابا فيعطيه الثواب، ومن هو أضل سبيلا، فيحل به العقاب، ~~لأنه يعلم ما طبعهم عليه في أصل الخلقة وغرزه فيهم من الخلائق، وغيره ~~إنما يعلم أمور الناس في طرائقهم بالتجربة؛ وقد روى الإمام أحمد - لكن ~~بسند منقطع - عن أبي الدرداء رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى ~~آله وسلم قال: # " إذا سمعتم بجبل زال عن مكانه فصدقوا، وإذا سمعتم برجل تغير عن خلقه ~~فلا تصدقوا به، فإنه يصير إلى ما جبل عليه " # هذا كله الإعراض بالفعل، وإن كان بالقوة التزمنا أنها كلية، والله أعلم ~~بالمهتدي فيحفظه من الإعراض واليأس بالفعل هو فيه بالقوة. # ولما بين سبحانه - بعد التعجيب من إنكارهم البعث - جهل الإنسان، وما هو ~~عليه من الضلال والنسيان، إلا من فضله على أنباء نوعه كما فضل طينته على ~~سائر ms2692 الطين، وختم بآية المشاكلة التي منها مشاكلة بعض الأرواح لبعض ~~ومشاكلتها للطباع، وبان بذلك أنه سبحانه وتعالى قادر على فعل ما يشاء ~~عالم بكل معلوم، رجع إلى التعجب منهم بما هو من شأن الأرواح التي من ~~شأنها التشاكل فقال تعالى عاطفا على { وقالوا إذا كنا عظاما }: { ~~ويسئلونك } أي تعنتا وامتحانا { عن الروح } الذي تقدم أنها تعاد إلى ~~أجسادهم يوم البعث ولو كانوا حجارة أو حديدا: ما هي؟ هل هي جسم أم لا؟ ~~وهل هي متولدة من امتزاج الطبائع التي في البدن أم امتزاجه مبتدأ؟ وهل هي ~~قديمة أم حادثة؟ ولما كان ذلك تعنتا، مع أنه لا يفتقر إليه في صحة ~~اعتقاده، أمره بأن يجيبهم عنه بما يليق بحالهم بقوله تعالى: { قل الروح } ~~أي هذا النوع الذي تصير به الأجسام حية { من أمر ربي } أضافها إلى الأمر ~~وهو الإرادة وإن كانت من جملة خلقه، تشريفا لها وإشارة إلى أنه لا سبب ~~من غيره يتوسط بينها وبين أمره، بل هو يبدعها من العدم، أو يقال - وهو ~~أحسن: إن الخلق قسمان: ما كان بتسبيب وتنمية وتطوير، وهو الذي يترجم في ~~القرآن بالخلق، والثاني ما كان إخراجا من العدم بلا تسبيب ولا تطوير، ~~وهو المعبر عنه بالأمر، ومنه هذه الروح المسؤول عنها وكل روح في القرآن، ~~وكذا ما هو للحفظ والتدبير كالأديان، والجامع لذلك القيومية كما مضى عن ~~الحرالي عند روح القدس في البقرة، فأفادت هذه العبارة أنها محدثة، وأنها ~~غير مطورة ولا مسببة، وهي جسم لطيف سار في البدن كماء الورد في الورد على ~~الصحيح عند أهل السنة، وأمسك السلف عن الإمعان في الكلام على الروح ~~أدبا، لأنهم علموا أن في عدم الجواب لسؤالهم بغير هذا إشارة إلى أن ~~السكوت عنه أولى لهم؛ ثم أتبعه التنبيه على جهلهم لتعكيسهم في الأسئلة ~~بتركهم الإقبال على ما لا يفهمونه بلا شك وينفعهم في الدارين من هذا ~~الروح المعنوي وهو القرآن، وإقبالهم على ما لا يفهمونه من الروح المحسوس ~~لقلة علمهم، ومن فهمه منهم لا يفهمه ms2693 إلا بعسر عظيم، وفيه أسئلة كثيرة ~~جدا لا برهان على أجوبتها، منها أنه متحيز أم لا؟ وأنه مغاير للنفس أم ~~لا؟ وهل تبقى بعد الموت أم لا؟ فعلمنا به أنه إنما هو على الإجمال، ولا ~~يلزم من عدم العلم بحقيقته المخصوصة نفيه، فإن أكثر حقائق الأشياء ~~مجهولة، وهي موجودة. # فالسكنجبين خاصيته قمع الصفراء، وحقيقة تلك الخاصية مجهولة، وهي معلومة ~~الوجود، وليس وراء العلم بما سألوا عنه من الروح بعد فهمه من الفائدة ما ~~لذلك الذي تركوه ولا قريب منه، فقال تعالى دالا على حدوثه بتغيره، فإنه ~~يكون في المبدإ جاهلا ثم يحدث له العلم شيئا بعد شيء، وكل متغير حادث: ~~{ وما أوتيتم } أي من أي مؤت كان بعد أن كنتم لا تعلمون شيئا { من ~~العلم } أي مطلق هذه الحقيقة، فكيف بالمشكل منها { إلا قليلا * } ومما ~~تجهلونه أمور ضرورية لكم، لأن تماديكم على الجهل بها سبب لهلاككم في ~~الدارين، فمن أجهل الجهل وأضل الضلال أن تسألوا عما لا يضركم الجهل به، ~~ويتوقف إثباته على أمور دقيقة، ومقدمات صعبة، وتتركوا ما يضركم الجهل به ~~في الدين والدنيا، مع كونه في غاية الوضوح، لكثرة ما قام عليه من الأدلة، ~~وله بحضرتكم من الأمثلة، والذي سألتموه منزه عن الغش والضيق، فهو ينبهكم ~~على عبثكم نصيحة لكم ويعدل عن جوابكم عنه إلى ما ينفعكم رفقا بكم، ولفهم ~~هذا سكت السلف عن الخوض في أمره، والخطاب لليهود والعرب، أما العرب ~~فواضح، وأما اليهود فإنهم وإن كانوا أهل الكتاب فذلك إشارة إلى تلاشي ~~علمهم في جنب علم الله؛ كما ستأتي الإشارة إليه بقول الخضر لموسى عليهما ~~الصلاة والسلام في العصفور الذي نقر من البحر نقرة أو نقرتين، فحيث ورد ~~تعظيم على أحد وتكثره فهو بالنسبة إلى غيره من الخلق، وحيث ورد تقليله - ~~كما في هذه الآية - فهو من حيث إضافته إلى علم الله تعالى، وهذه الآية ~~ورد في سبب نزولها ما يظن أنه متناقض، فإنه روي في الصحيح عن عبد الله بن ~~مسعود رضي الله عنه أنه ms2694 كان يمشي مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ~~في المدينة، فسأله اليهود عن الروح فأوحى إليه، فلما انجلى عنه الوحي تلا ~~عليهم - الآية. # وفي السيرة الهشامية والدلائل للبيهقي وتفسير البغوي وغيره من التفاسير ~~عن ابن عباس رضي الله عنهما أن قريشا أرسلت إلى اليهود قبل الهجرة ~~تسألهم عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأنهم أهل الكتاب الأول ~~وعندهم من علم الأنبياء ما ليس عند قريش، فأمروهم أن يسألوه عن الروح، ~~وعن قصتي أصحاب الكهف وذي القرنين، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه ~~وعلى آله وسلم: # " أخبركم بما سألتم عنه غدا " # - ولم يستثن، فانصرفوا عنه، فمكث فيما يذكرون خمس عشرة ليلة، لا يحدث ~~الله إليه في ذلك وحيا، حتى أرجف به أهل مكة، وحتى حزن رسول الله صلى ~~الله عليه وعلى آله وسلم، وشق عليه ما يتكلم به أهل مكة، وروي أيضا أن ~~لبث الوحي كان أربعين ليلة. وروي: اثنتي عشرة ليلة، وفي مسند أبي يعلى عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما قال: قالت قريش ليهود: أعطونا شيئا نسأل عنه ~~هذا الرجل! فقالوا: سلوه عن الروح، فسألوه، ونزلت { ويسئلونك } - الآية. ~~وليس ذلك وأمثاله بحمد الله بمشكل، فإنه محمول على أنه نزل للسبب الأول، ~~فلما سئل عنه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ثانيا لم يجب فيه ~~بالجواب الأول، إما لرجاء أن يؤتى بأوضح منه، أو خشية أن يكون نسخ - أو ~~نحو ذلك لأمر رآه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فيعيد الله سبحانه إنزاله ~~عليه تثبيتا له وإعلاما بأنه هو الجواب، وفيه مقنع، وفي تأخير الجواب ~~في هذا الأمر برهان قاطع لقريش وكل من له أدنى لب على صدق النبي صلى الله ~~عليه وعلى آله وسلم في أن هذا القرآن من عند الله، لا يقدر عليه غيره، ~~لأنه لو كان قادرا على الإتيان بشيء منه من عند نفسه أو من عند أحد من ~~الخلق لبذل جهده في ذلك، تنزيها لنفسه الشريفة، وهمته المنيفة، وعرضه ~~الطاهر، ms2695 عن مثل ما خاضوا فيه بسبب إخلاف موعدهم. # ولما كانت الروح من عالم الأمر الذي هو من سر الملكوت، ضمت إلى سورة ~~الإسراء الذي هو من أبطن سر الملكوت لاسيما بما علا به من المعراج الذي ~~جعل لغرابته كالرؤيا { وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس } ~~ولذلك فصلت عن السؤالين الآخرين، لأنهما من عالم الملك، وسيأتي بقية ~~الكلام على هذا في سورة الكهف إن شاء الله تعالى. ### || [17.86-93] # ولما شرح إرادتهم الفتنة عما جاءهم من العلم بتبديل المنزل، وإخراج ~~المرسل، وما تبع ذلك حتى ختم بتجهيلهم إذ سألوا تعنتا عن الروح الحسي، ~~وكان الأنفع لهم سؤالهم استفادة وتفهما عن دقائق الروح المعنوي الذي ~~أعظم الله شرفهم به بإنزاله إليهم على لسان رجل منهم هو أشرفهم مجدا، ~~وأطهرهم نفسا، وأعظمهم مولدا، وأزكاهم عنصرا، وأعلاهم همة، وختم ~~بتقليل علمهم إشارة إلى أنهم لا يفهمون إلا أن يفهمهموه سبحانه وهو أعلم ~~بما يفهمونه وما لا يفهمونه، قال عاطفا على { وإن كادوا ليفتنونك } ~~تنبيها لهم على أنه لو شاء لذهب بسبب هذا العلم القليل الذي وهبهموه، ~~فعمهم الجهل كما كانوا، وعلى أنه لم يكفهم ترك السؤال عما يعنيهم حتى ~~سألوا عما لا يعنيهم، وأرادوا تبديل ما ينفعهم ويعنيهم بما يبيدهم ~~ويفنيهم، فضلوا قولا وفعلا: { ولئن شئنا } ومشيئتنا لا يتعاظمها شيء، ~~ولامه موطئة للقسم، وأجاب عن القسم بما أغنى عن جواب الشرط فقال تعالى: { ~~لنذهبن } أي بما لنا من العظمة ذهابا محققا { بالذي أوحينا } أي بما ~~لنا من العظمة { إليك } مما أرادوا الفتنة فيه من القرآن على أن فيه من ~~العلم ما يغنيهم - لو أقبلوا على تفهمه - عن شيء من الأشياء فلا تبقى ~~عندك نحن ولا وحينا، ولإفادة هذا لم يقل: لأذهبنا. { ثم } أي بعد الذهاب ~~به { لا تجد لك } ولما كان السياق هنا للروح الذي هو الوحي، فكانت ~~العناية به أشد، قدم قوله: { به } ولما كان السياق لمن يأخذ ما يريد ~~طوعا وكرها، قال تعالى: { علينا } أي بما لنا من العظمة التي لا ms2696 تعارض ~~{ وكيلا * } يأتيك به أو بشيء منه. # ولما كان لا ملجأ منه سبحانه إلا إليه، قال تعالى: { إلا } أي لكن تجد { ~~رحمة } مبتدئة وكائنة { من ربك } أي المحسن إليك بأن أوجدك ورباك، ولم ~~يقطع إحسانه قط عنك، يعيد بها إليك ويأتيك بما يقوم مقامه، وعبر عن أداة ~~الانقطاع بأداة الاتصال إشارة إلى أن رحمته سبحانه له - التي اقتضتها صفة ~~إحسانه إليه لعظمها - كالوكيل الذي يتصرف بالغبطة على كل حال. # ولما كان في إنزاله إليه ثم إبقائه لديه من النعمة عليه وعلى أمته ما لا ~~يحصى، نبه على ذلك بقوله تعالى مستأنفا مؤكدا لأن كون الرحمة هكذا من ~~أغرب الغريب، فهو بحيث لا يكاد يصدق، وهو مما يتلذذ بذكره { إن فضله كان ~~} أي كونا ثابتا { عليك } أي خاصة { كبيرا * } أي بالغ الكبر، وقد ورد ~~أنه يذهب بالقرآن في آخر الزمان، يسري بما في المصاحف وبما في القلوب، ~~وقد أفهمت ذلك هذه الآية لأن كلام الملوك يفهم أصل الشيء ولو كان في سياق ~~الشرط. # ولما كان بمعرض أن يقولوا: إن ذهب عليك من شيء فائت بمثله من عند نفسك ~~ومما اكتسبته منه من الأساطير، أمره أن يجيبهم عن هذا بقوله دلالة على ~~مضمون ما قبله: { قل }. # ولما أريد هنا المماثلة في كل التفصيل إلى جميع السور في المعاني ~~الصادقة، والنظوم الرائقة، كما دل عليه التعبير بالقرآن، زاد في التحدي ~~قيد الاجتماع من الثقلين وصرف الهمم للتظاهر والتعاون والتظافر بخلاف ما ~~مضى في السور السابقة، فقال تعالى مؤكدا باللام الموطئة للقسم لادعائهم ~~أنهم لو شاؤوا أتوا بمثله، والجواب حينئذ للقسم، وجواب الشرط محذوف دل ~~عليه جواب القسم: { لئن اجتمعت الإنس } الذين تعرفونهم وتعرفون ما أتوا ~~من البلاغة والحكمة والذين لا تعرفونهم، وقدمهم لسهولة اجتماعهم بهم ~~ولأنهم عندهم الأصل في البلاغة { والجن } الذين يأتون كهانكم ويشجعون لهم ~~ويعلمونهم ببعض المغيبات عنهم، وترك الملائكة لأنهم لا عهد لهم بشيء من ~~كلامهم { على أن يأتوا } أي يجددوا إيتاء ما في وقت ما في حال اجتماعهم ~~{ بمثل ms2697 هذا القرآن } أي جميعه على ما هو عليه من التفصيل، وخصه بالإشارة ~~تنبيها على أن ما يقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن الله وحي من ~~الله، ليس فيه شيء من عند نفسه، وأن المراد في هذا السياق المتحدى به ~~الذي اسمه القرآن خاصة { لا يأتون }. # ولما كانت هذه السورة مكية، فكان أكثر ما يمكن في هذه الآية أن يكون آخر ~~المكي فيختص التحدي به، وكان المظهر إذا أعيد مضمرا أمكن فيه الخصوص، ~~وكان المراد إنما هو الشمول، ومتى أريد الشمول استؤنف له إحاطة باستئناف ~~إظهار محيط كما يأتي عن الحرالي في أواخر سورة الكهف، لم يقل هنا " به " ~~لذلك، ولئلا يظن أنه يعود على القرآن لا على مثله، بل أظهر فقال دالا ~~على أن المراد جميع المكي والمدني: { بمثله } أي لا مع التقيد بمعانيه ~~الحقة الحكيمة حتى يأتوا بكلام في أعلى طبقات البلاغة، مبينا لأحسن ~~المعاني بأوضح المباني، ولا مع الانفكاك عنها إلى معان مفتراة؛ ثم أوضح ~~أن المراد الحكم لعجزهم مجتمعين ومنفردين متظاهرين وغير متظاهرين فقال ~~تعالى: { ولو } ولما كان المكلفون مجبولين على المخالفة وتنافي الأغراض ~~قال تعالى: { كان } أي جبلة وطبعا على خلاف العادة { بعضهم لبعض ظهيرا ~~* } أي معينا بضم أقوى ما فيه إلى أقوى ما في صاحبه، وقد تقدم في السور ~~المذكور فيها التحدي ما يتم هذا المعنى. # ولما تمت هذه الجمل على هذا الوجه الجميل، والوصف الجليل، نبه على ذلك ~~سبحانه بقوله عطفا على نحو: صرفنا هذه الأمثال كما ترون على أعلى منهاج ~~وأبلغ سياق في أبدع انتظام: { ولقد صرفنا } أي رددنا وكررنا تكريرا ~~كثيرا بما لنا من العظمة، ولما كان مبنى السورة على بيان العناية بالناس ~~الذين اتقوا والذين هم محسنون، اقتضى المقام لمزيد الاهتمام تقديم قوله ~~تعالى: { للناس } أي الذين هم ناس { في هذا القرءان } الهادي للتي هي ~~أقوم { من كل مثل } أي من كل ما هو في غرابته وسيره في أقطار الأرض ~~وبلاغته ووضوحه ورشاقته كالمثل الذي يجب الاعتبار به؛ والتصريف: ms2698 تصيير ~~المعنى دائرا في الجهات المختلفة بالإضافة والصفة والصلة ونحو ذلك { ~~فأبى } أي فتسبب عن ذلك الذي هو سبب للشفاء والشكر والهدى، تصديقا ~~لقولنا { ولا يزيد الظالمين إلا خسارا } أنه أبى { أكثر الناس } وهم من ~~هم في صورة الناس وقد سلبوا معانيهم. # ولما كان " أبى " متأولا بمعنى النفي، فكان المعنى: فلم يرضوا مع الكبر ~~والشماخة، استقبله بأداة الاستثناء فقال تعالى: { إلا كفورا * } لما لهم ~~من الاضطراب. # ولما كان هذا أمرا معجبا، عجب منهم تعجيبا آخر، عاطفا له على { ~~ويسئلونك } إن كان المراد بالناس في قوله { فأبى أكثر الناس } الكل، وعلى ~~" فأبى " إن كان المراد بهم قريشا فقال تعالى: { وقالوا } أي كفار قريش ~~ومن والاهم تعنتا بعد ما لزمهم من الحجة ببيان عجزهم عن المعارضة ولغير ~~ذلك فعل المبهوت المحجوج المعاند، مؤكدين لما لزمهم من الحجة التي صاروا ~~بها في حيز من يؤمن قطعا من غير توقف: { لن نؤمن } أي نصدق بما تقول ~~مذعنين { لك حتى تفجر } أي تفجيرا عظيما { لنا } أي أجمعين { من الأرض ~~ينبوعا * } أي عينا لا ينضب ماءها { أو تكون لك } أي أنت وحدك { جنة من ~~نخيل و } أشجار { عنب } عبر عنه بالثمرة لأن الانتفاع منه بغيرها قليل { ~~فتفجر } أي بعظمة زائدة { الأنهار } الجارية { خلالها تفجيرا * } وهو ~~تشقيق عما يجري من ماء أو ضياء أو نحوهما؛ فالفجر: شق الظلام من عمود ~~الصبح، والفجور: شق جلباب الحياء بما يخرج إلى الفساد { أو تسقط السماء } ~~أي نفسها { كما زعمت } فيما تتوعدنا به { علينا كسفا } أي قطعا جمع ~~كسفه وهي القطعة، ويجوز أن يكون المراد بذلك الحاصب الآتي من جهة العلو ~~وغيره مما توعدوا به في نحو قوله # أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم # [ الأنعام: 65] وتسمية ذلك سماء كتسمية المطر بل والنبات سماء: # إذا نزل السماء بأرض قوم # رعيناه وإن كانوا غضابا # { أو تأتي } معك { بالله } أي الملك الأعظم { والملائكة قبيلا * } أي ~~إتيانا عيانا ومقابلة ينظر إليه لا يخفى على أحد منا شيء منه، وكان ~~أصله الاجتماع الذي يلزم منه المواجهة ms2699 بالإقبال من قبائل الرأس الجامعة { ~~أو يكون لك } أي خاصا بك { بيت من زخرف } أي ذهب كامل الحسن والزينة { ~~أو ترقى } أي تصعد { في السماء } درجة درجة ونحن ننظر إليك صاعدا { ولن ~~نؤمن } أي نصدق مذعنين { لرقيك } أي أصلا { حتى تنزل } وحققوا معنى كونه ~~{ من السماء } بقولهم: { علينا كتابا } ومعنى كونه، { في رق } أو نحو ~~قولهم: { نقرؤه } يأمرنا فيه باتباعك. # فلما تم تعنتهم فكان لسان الحال طالبا من الله تعالى الجواب عنه، أمره ~~الله تعالى بجوابهم بقوله: { قل سبحان ربي } أي تنزه عن أن يكون له شريك ~~في ملكه يطلب منه ما لا يطلب إلا من الإله، فهو تنزيه لله وتعجيب منه ~~لوضوح عنادهم بطلبهم ما لا قدرة عليه إلا للإله ممن لا قدرة له على شيء ~~منه إلا بإذن الله، ولم يدع قط أنه قادر على شيء منه، فحسن الاستفهام ~~جدا في قوله تعالى: { هل كنت إلا بشرا } لا يقدر على غير ما يقدر عليه ~~البشر { رسولا * } كما كان من قبلي من الرسل، لا أتعدى ما أمرت به من ~~التبليغ، فلا آتي بشيء إلا بإذن الله، ولم أقل: إني إله، حتى يطلب مني ما ~~يطلب من الإله ورتبوا أنفسهم هذا الترتيب لأنهم حصروا حاله في دعوى أن ~~يكون عظيما بالرسالة أو غيرها ليتبعه الناس، فإن كان الأول كان مقبول ~~القول عند مرسله، وحينئذ فإما أن يسأله في نفع عام بالينبوع، أو خاص به ~~بالجنة إن بخل بالعام، أو ضر بالكشف أو يسأله في الإتيان مع جنده لأن ~~يصدقه، وإن كانت عظمته بغير ذلك فإما أن يكون ملكا ليكون له البيت ~~المذكور بما جرت العادة أن يكون تابعا له، أو يكون ممن يجتمع بالملك ~~الذي أرسله فيرقى على ما قالوا. ### || [17.94-100] # ولما أمر بما تضمن أنه كإخوانه من الرسل في كونه بشرا، أتبعه قوله ~~تعالى عطفا على: { فأبى } أو { فقالوا }: { وما منع الناس } أي قريشا ~~ومن قال بقولهم لما لهم من الاضطراب { أن يؤمنوا } أي لم يبق لهم مانع من ms2700 ~~الإيمان، والجملة مفعول " منع " { إذ جاءهم الهدى } أي الدليل القاطع على ~~الإيمان وهو القرآن وغيره من الأدلة { إلا } وفاعل منع { أن قالوا } أي ~~منكرين غاية الإنكار متعجبين متهكمين: { أبعث الله } أي بما له من العظمة ~~الباهرة من صفات الجلال والإكرام { بشرا ورسولا * } وسبب اتباع الضلال ~~- مع وضوح ضره - وترك الهدى - مع ظهور نفعه - وقوع الشبهة أو الشهوة ~~لضعفاء العقول - وهم أكثر الناس - في أوله ثم تقليد الرؤساء وتمكن العادة ~~السيئة فيما بعد ذلك، فلما أنكروا كون الرسول بشرا بعد أن جعلوا الإله ~~حجرا، علمه جوابهم بقوله تعالى: { قل } لهم: قال ربي سبحانه وتعالى: { ~~لو كان } أي كونا متمكنا { في الأرض } التي هي مسكن الآدميين { ملائكة ~~يمشون } عليها كالآدميين من غير طيران كالملائكة إلى السماء { مطمئنين } ~~باتخاذهم لها قرارا كما فعل البشر { لنزلنا } أي بما لنا من العظمة { ~~عليهم } مرة بعد مرة كما فعلنا في تنزيل جبريل عليه السلام على الأنبياء ~~من البشر، وحقق الأمر بقوله تعالى: { من السماء ملكا رسولا * } لتمكنهم ~~من التلقي منه لمشاكلتهم له بخلاف البشر كما هو مقتضى الحكمة، لأن رسول ~~كل جنس ينبغي أن يكون منهم، إذ الشيء عن شكله أفهم، وبه آنس، وإليه أحسن، ~~وله آلف، إلا من فضله بتغليب نفسه وعقله على شهوته فأقدره بذلك على ~~التلقي من الملك. # ولما نصب البرهان القاطع على أن القرآن الموحى إليه من عند الله، ونفى ~~شبهتهم في إنكار كون الرسول بشرا، بأنه ما خرج عن عادة من قبله ممن ~~كانوا مقرين بأنهم أنبياء، وبأن الجنس لا يفهم عن جنس آخر، فالبشر لا ~~يفهم عن الملك إلا بخارقة، ولا يكون ذلك إلا للرسل ومن أراد الله من ~~أتباعهم، لم يبق إلا محض العناد الذي لا رجوع فيه إلا إلى السيف عند ~~القدرة، وإلى الله عند فقدها، وكان في مكة المشرفة غير قادر على السيف، ~~أمره الله تعالى بالرجوع إلى السيف فقال تعالى: { قل كفى بالله } أي ~~المحيط بكل شيء قدرة وعلما { شهيدا } أي فيصلا يكون { بيني وبينكم } ~~يعامل ms2701 كلا منا بما يستحق؛ ثم علل كفايته لذلك بقوله تعالى: { إنه كان ~~بعباده } قبل أن يخلقهم { خبيرا } بما يؤول إليه أمرهم بعد إيجاده لهم { ~~بصيرا * } بما يكون منهم بعد وجوده. # ولما تقدم أنه سبحانه وتعالى أعلم بالمهتدي والضال، وكان ختم هذه الآية ~~مرشدا إلى أن المعنى: فمن علم منه بجوابه قابلية للخير وفقه للعمل على ~~تلك المشاكلة، ومن علم منه قابلية للشر أضله، عطف عليه قوله تعالى: { ومن ~~يهد الله } أي الذي له الأمر كله لأنه لا شريك له، بخلق الهداية في قلبه، ~~وأشار إلى قلة المهتدي على طريقة الإحسان بإفراد ضميره، وإلى كثرة الضال ~~بجمعه فقال تعالى: { فهو } أي لا غيره { المهتد } لا يمكن أحدا غيره أن ~~يضله { ومن يضلل } فهو الضال لا هادي له، وذلك معنى قوله تعالى: { فلن ~~تجد لهم } أي للضالين { أولياء } أي أنصارا في هذه الدنيا { من دونه } ~~يهدونهم ولا ينفعونهم بشيء أراد الله غيره، ولذلك نفوا أصلا ورأسا، ~~لأنهم إذا انتفى نفعهم كانوا كالعدم، وإذا انتفى على الجمع انتفى عن ~~المفرد من باب الأولى؛ فالآية من الاحتباك: خبر الأول يدل على حذف ضده ~~ثانيا، ونتيجة الثاني تدل على حذف ضدها من الأول. # ولما كان يوم الفصل يوما يظهر فيه لكل أحد في كل حالة من عظمته تعالى ~~ما يضمحل معه كل عظمة قال تعالى: { ونحشرهم } بنون العظمة أي نجمعهم بكره ~~{ يوم القيامة } أي الذي هو محط الحكمة { على وجوههم } يمشون أو مسحوبين ~~عليها إهانة لهم فيها كما لم يذلوها بالسجود لنا { عميا وبكما وصما } ~~كما كانوا في الدنيا لا ينتفعون بأبصارهم ولا نطقهم ولا أسماعهم، بل يكون ~~ضررا عليهم لما ينظرون من المعاطب، ويسمعون من المصائب، وينطقون به من ~~المعايب؛ قال الرازي في اللوامع إذ يحشر المرء على ما مات عليه، فلم يكن ~~له في الآخرة شيء إلا حصل أوله ومبدأه في الدنيا وتمامه في الآخرة - ~~انتهى. # ولما كان المقام للانتقال من مقام إلى آخر، قدم البصر لأنه العمدة في ~~ذلك، وثنى بالنطق لأنه ms2702 يمكن الأعمى الاسترشاد، وختم بالسمع لأنه يمكن معه ~~وحده نوع رشاد، وعطفها بالواو إن كان لتشريك الكل في كل من الأوصاف ~~فللتهويل، لأن المتكلم إذا نطق بالعاطف ظن السامع الانتقال إلى شيء آخر، ~~فإذا أتى بالوصف كان أروع للعلم بأن صاحبه عريق فيه، لما تقدم في براءة، ~~وإن كان للتنويع فلتصويرهم بأقبح صورة من حيث إنه لا ينتفع فريق منهم ~~بالآخر كبير نفع، فكأنه قيل: إلى أي مكان يحشرون؟ فقال تعالى: { مأواهم ~~جهنم } تستعر عليهم وتتجهمهم، كل واحد منهم يقاسي عذابها وحده وإن كان ~~وجهه إلى وجه صاحبه، لأنه لا يدرك سوى العذاب للختم على مشاعره، فيا ~~طولها من غربة! ويا لها من كربة! فكأنه قيل: هل يفتر عنهم عذابها؟ فقيل: ~~لا بل هم كل ساعة في زيادة، لأنها { كلما خبت } أي أخذ لهبها في السكون ~~عند إنضاجها لجلودهم { زدناهم } أي بما لنا من العظمة { سعيرا * } ~~بإعادة الجلود؛ ثم بين علة تعذيبهم ليرجع منهم من قضى بسعادته فقال ~~تعالى: { ذلك } أي العذاب العظيم { جزاؤهم بأنهم } أهل الضلالة { كفروا ~~بآيتنا } القرآنية وغيرها، مع ما لها من العظمة بنسبتها إلينا، وكانوا كل ~~يوم يزدادون كفرا، وهم عازمون على الدوام على ذلك ما بقوا { وقالوا } ~~إنكارا لقدرتنا { إذا كنا عظاما ورفاتا } ممزقين في الأرض؛ ثم كرروا ~~الإنكار كأنهم على ثقة من أمرهم هذا الذي بطلانه أوضح من الشمس بقولهم: { ~~أإنا لمبعوثون } أي ثابت بعثنا { خلقا جديدا * } فنحن نريهم جزاء على ~~هذا الإنكار المكرر الخلق الجديد في جلودهم مكررا كل لحظة # كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب # [النساء: 56] ثم أتبعه بقاطع في بيان جهلهم فقال منبها على أنهم أولى ~~بالإنكار عاطفا على ما تقديره: ألم يروا أن الله الذي ابتدأ خلقهم قادر ~~على أن يعيدهم { أو لم يروا } أي يعلموا بعيون بصائرهم علما هو كالرؤية ~~بعيون أبصارهم لما قام عليه من الدلائل، ونادى بصحته من الشواهد الجلائل ~~{ أن الله } أي الملك الأعلى المحيط بكل شيء قدرة وعلما لا غيره { الذي ~~خلق السماوات ms2703 } جمعها لما دل على ذلك من الحسن، ولما لم يكن للأرض مثل ~~ذلك أفردها مريدا الجنس الصالح للجمع فقال تعالى: { والأرض } على كبر ~~أجرامها، وعظم أحكامها، وشدة أجزائها، وسعة أرجائها، وكثرة ما فيها من ~~المرافق والمعاون التي يمزقها ويفنيها ثم يجددها ويحييها { قادر على أن ~~يخلق } أي يجدد في أي وقت أراد { مثلهم } بدءا فكيف بالإعادة وهم أضغف ~~أمرا وأحقر شأنا { و } أنه { جعل لهم أجلا } لعذابهم أو موتهم أو ~~بعثهم لأنه معلوم في نفسه { لا ريب فيه } بوجه من الوجوه لما تكرر لهم من ~~مشاهدة أنه لا تؤخر نفس إذا جاء أجلها، وكذا لا تقدم على أجلها، فكم ممن ~~اجتهد الضراغمة الأبطال وفحول الرجال في ضره أو قتله؛ وهم قاطعون أنه في ~~قبضتهم فلم يقدروا على ذلك، ثم كان ذلك بأضعف الناس أو بأوهى سبب فعلم ~~بذلك أنه المنفرد بالقدرة على الإيجاد والإعدام { فأبى } أي بلى قد علموا ~~ذلك علما كالمحسوس المرئي فتسبب عن ذلك السبب للإيمان أن أبوا - هكذا ~~كان الأصل فأظهر تعميما وتعليقا بالوصف فقال: { الظالمون } أي أبى ~~هؤلاء المتعنتون لظلمهم { إلا كفورا * } أي جحودا لعدم الشركة. # ولما قدم في هذه السورة أنه هو المعطي وأن عطاءه الجم - الذي فات الحصر، ~~وفضل عن الحاجة، وقامت به الحجة على العباد في تمام قدرته وكمال علمه - ~~غير محظور عن أحد، وأنهم يقتلون أولادهم مع ذلك خشية الإملاق، وهم يطلبون ~~أن يظهر لهم من جنس ما خلق من الينابيع والجنات والذهب والزخرف على ~~كيفيات مخصوصة لغير حاجة ما تقدم ذكره، وقد امتنعوا بخلا وأنفة وجهلا ~~عن الاعتراف له بما أوجبه عليهم شكرا لنعمته، واستدفاعا لنقمته، بعد ~~قيام الدلائل وزوال الشبه فلا أبخل منهم لأنهم بخلوا مما يجب عليهم من ~~الكلام كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: # " أبخل الناس من بخل بالسلام " # أمره أن ينبههم على سفههم في ذلك بقوله تعالى: { قل لو }. # ولما كان من حق " لو " الدخول على الأفعال، علم أن بعدها فعلا من جنس ~~ما ms2704 بعد تقديره: تملكون ولكنه حذفه وفصل الضمير لأن المقصود الحكم عليهم ~~بادىء بدء فقال تعالى: { أنتم } أي دون غيركم { تملكون خزائن } عبر بصيغة ~~منتهى الجموع، لأن المقام جدير المبالغة { رحمة } أي إرزاق وإكرام { ربي ~~} المحسن إلي بإيتائي جميع ما ثبت أمري وأوضحه، وهي مقدوراته التي يرحم ~~بها عباده بإضافتها عليهم { إذا لأمسكتم } أي لوقع منكم الإمساك عن ~~الإنفاق في بعض الوجوه التي تحتاجونها { خشية } عاقبة { الإنفاق } أي ~~الموصل إلى الفقر، ثم استدل على صحة هذا المفروض بالمشاهد من مضمون قوله ~~تعالى: { وكان } أي جبلة وطبعا { الإنسان } أي الذي من شأنه الإنس ~~بنفسه، فهو لذلك لا يعقل الأمور حق عقلها { قتورا * } أي بخيلا ممسكا ~~غاية الإمساك لإمكان أن يكون فقيرا فلا تراه إلا مضيقا في النفقة على ~~نفسه، ومن تلزمه نفقته، شديدا في ذلك وإن اتسعت أحواله، وزادت على الحد ~~أمواله، لما فيه من صفة النقص اللازمة بلزوم الحاجة له، طبع على ذلك فهو ~~في غريزته بالقوة، فكلهم يفعله إلا من وفقه الله تعالى فغلب عقله على ~~هواه وقليل ما هم! أي فإذا كان هذا أمركم فيما تملكونه مع الحاجة إلى ~~الوجوه المنفق فيها فكيف تطلبون من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما ~~لا يملكه، ولا ادعى القدرة عليه؟ أو من الخالق الحكيم أن يفعل ما تتعنتون ~~به عبثا بغير حاجة أصلا، لأنه إن كان لإثبات قدرته فأنتم لا تمترون ~~فيها، وإن كان لإثبات رسالة نبيكم فقد ثبت بأمور أعظمها هذا القرآن الذي ~~مر آنفا إقامة الدليل عليها به، وهتك أستار شبهتكم في استبعاد كون ~~الرسول بشرا، والله تعالى قد أكرمكم بنبيكم عن أن يعاجلكم بالاستئصال ~~عند العصيان بعد كشف الغطاء كما جرت به سنته في جميع الأمم، وإن كان ~~لإثبات غناكم فهو شيء لا يغني نفوسكم فيردها عن طلب المزيد وعن التقتير ~~لما طبعتم عليه. بل تكونون عند حصول ذلك لكم لحصول الغنى كالمستجير من ~~الرمضاء بالنار، وهو قد قضى أنه يظهر أمره على كل من ناواه وإن ms2705 كره ~~الكافرون، وقد علم من يؤمن فييسر له الإيمان ويجعله عونا لحزب الرحمن، ~~ومن لا يؤمن فهو يجعله مع أولياء الشيطان، ويذيق الكل الهوان، ويجعلهم ~~وقودا للنيران، فلم يبق بعد هذا كله في إجابتكم إلى تعنتكم إلا العبث ~~الذي هو سبحانه متعال عنه، فلا وجه يحصل به الإنسان الغني إلا اتباع ~~السنة والانسلاخ عن الهوى، فمن وصل إلى ذلك استوى عنده الذهب والحصباء. ### || [17.101-103] # ولما قدم سبحانه أن أكثر الناس جحد الآيات لكونه حكم بضلاله، ومن حكم ~~بضلاله لا يمكن هداه، وختم بأن من جبل على شيء لم ينفك عنه، شرع يسلي ~~نبيه عليه الصلاة والسلام بما اتفق لمن قبله من إخوانه الأنبياء، مع ~~التنبيه على أنه يجود بالآيات على حسب المقتضيات، وعلى أن خوارق العادات ~~لا تنفع في إيمان من حكم عليه بالضلال، وتوجب - كما في سنه الله - إهلاك ~~من عصى بعد ذلك بعذاب الاستئصال، فقال عاطفا على قوله { ولقد صرفنا ~~للناس }: { ولقد ءاتينا } أي بما لنا من العظمة { موسى } بن عمران المتقي ~~المحسن عليه السلام لما أرسلناه إلى فرعون { تسع آيات بينات } وهي - كما ~~في التوراة: العصى، ثم الدم، ثم الضفادع، ثم القمل، ثم موت البهائم، ثم ~~البرد الكبار التي أنزلها الله مع النار المضطرمة، فكانت تهلك كل ما مرت ~~عليه من نبات وحيوان، ثم الجراد، ثم الظلمة، ثم موت الأبكار من الآدميين ~~وجميع الحيوان - كما مضى ذلك في هذا الكتاب عن التوراة في سورة الأعراف، ~~وكأنه عد اليد مع العصى آية، ولم يفرد اليد لأنه ليس فيها ضرر عليهم، وقد ~~نظمتها ليهون حفظها فقلت: # عصى قمل موت البهائم ظلمة # جراد دم ثم الضفادع والبرد # وموت بكور الآدمي وغيره # من الحي آتاها الذي عز وانفرد # وهي ملخصة في الزبور فإنه قال في المزمور السابع والسبعين: صنع آياته ~~وعجائبه في مصارع صاعان، وجعل أنهارهم دما وصهاريجهم لكيلا يشربوا ~~الماء: أرسل عليهم الهوام وذباب الكلاب فأكلهم الضفادع وأفسدهم، أطعم ~~القمل ثمارهم والجراد كدهم، كسر بالبرد كرومهم، وبالجليد تبنهم، أسلم ~~للبرد ms2706 مواشيهم وللحريق أموالهم، أرسل عليهم شدة حنقه سخطا وغضبا، أرسل ~~ملائكة الشر، فتح طرق سخطه، ولم يخلص من الموت أنفسهم، أسلم للموت ~~دوابهم، قتل جميع أبكار مصر وأول أولادهم في مساكن حام. وقال في المزمور ~~الرابع بعد المائة بعد أن ذكر صنائع الله عند بني إسرائيل وآبائهم: بعث ~~جوعا على الأرض، حطم زرع أرضهم، أرسل أمامهم رجلا، بيع يوسف للعبودية، ~~وأوثقوا بالقيود رجليه، صارت نفسه في الحديد حتى جاءت كلمته، وقول الرب ~~ابتلاه، أرسل الملك فأطلقه، وجعله رئيسا على شعبه، وأقامه ربا على ~~بنيه، وسلطانه على كل ما له، ليؤدب أراجينه كنفسه ويفقه مشايخه، دخل ~~إسرائيل مصر، وتغرب يعقوب في أرض حام، وكثر شعبه جدا، وعلا على أعدائه، ~~وصرف قلبه ليبغض شبعه ويغدر بعبيده، أرسل موسى عبده وهارون صفيه، فصنعا ~~فيهم آياته وعجائبه في أرض حام، بعث ظلمة فصار ليلا، وأسخطوا كلامه، ~~فحول مياههم دما، وأمات حيتانهم، وانبعثت أرضهم ضفادع في قياطين ملوكهم، ~~أمر الهوام فجاء وذباب الكلب والقمل في جميع تخومهم، جعل أمطارهم بردا، ~~واشتعلت النار في أرضهم، ضرب كرومهم وتبنهم، وكسر شجر تخومهم، أذن للجراد ~~فجاء وذباب لا يحصى، فأكل جميع عشب الأرض وثمارها، وقتل كل أبكار مصر ~~وأول ولد ولد لهم غير أنه لم يذكر العصى، وكأن ذلك لشهرتها جدا عندهم، ~~ولأن جميع الآيات كانت بها، فهي في الحقيقة الآية الجامعة للكل، وإنما ~~قلت: إن الآيات هذه، لأن السياق يدل على أن فرعون رآها كلها، وعاند بعد ~~رؤيتها، وذلك إشارة إلى أنه لو أعطى كفار قريش ما اقترحوه من تفجير ~~الينبوع وما معه، لم يكفهم عن العناد، فالإتيان به عبث لا مصلحة فيه. # ولما كان اليهود الذين أمروا قريشا بسؤال النبي صلى الله عليه وعلى آله ~~وسلم عن الروح التي مضى الجواب عنها - كما في بعض الروايات - وعن أهل ~~الكهف وذي القرنين الآتي شرح قصتيهما في الكهف، نبههم على سؤالهم - إن ~~كانوا يقبلون كلامهم - عن أمر موسى عليه السلام في كونه كهذا النبي ~~الكريم في أنه بشر ms2707 مع كونه رسولا وفي كونه أتى بالخوارق فكذب بها ~~المعاندون فاستؤصل المكذب، فقال تعالى: { فسئل } أي يا أعظم خلقنا! { بني ~~إسراءيل } أي عامة الذين نبهوا قريشا على أمر الروح عن حديث موسى عليه ~~السلام أو المؤمنين كعبد الله بن سلام وأصحابه { إذ } أي عن ذلك حين { ~~جاءهم } أي جاء آباءهم، فوقع له من التكذيب بعد إظهار المعجزات الباهرات ~~ما وقع لك، ولم يكذب لخلل من أمره ولا لقوة من عدوه على مدافعة العذاب، ~~وإنما كان جهلا وعنادا، ليكون ذلك مسلاة لك وعلما على خبث طباعهم وحجة ~~قاطعة عليهم { فقال } أي فذهب إلى فرعون فأمره بإرسالهم معه فأبى فأظهر ~~له الآيات واحدة بعد أخرى فتسبب عن ذلك ضد ما يقتضيه الحال، وهو أن قال { ~~له فرعون } عتوا واستكبارا: { إني لأظنك } أكد قوله لما أظهر موسى عليه ~~السلام مما يوجب الإذعان له والإيمان والإنكار لأن يكذبه أحد { يا موسى ~~مسحورا * } أي فكل ما ينشأ عنك فهو من آثار السحر الذي بك، خيال لا ~~حقيقة له، وأنت في الحقيقة مسحور، ولوجود السحر عنك ساحر، قال أبو عبيد: ~~كما يقال: ميمون - بمعنى يأمن. وكأنه موه على جنوده لما أراهم آية اليد ~~بهذه الشبهة، وهذا كما قالت قريش { إن تتبعون إلا رجلا مسحورا } وقالوا ~~في موضع آخر: ساحر، فإنهم ربما أطلقوا اسم المفعول مريدين اسم الفاعل ~~مبالغة في أنه كالمجبر على الفعل، وفي الأمر بسؤال اليهود تنبيه على ~~ضلالهم، قال الشيخ ولي الدين الملوي: ولعل منه اقتباس الأئمة في المناظرة ~~مطالبة اليهود والنصارى ونحوهم بإثبات نبوة أنبيائهم، فكل طريق يسلكون ~~يسلك مثله في تقرير نبوة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وكل اعتراض ~~يوردونه يورد عليهم مثله، وما كان جوابا لهم فهو جواب لنا، ومن تفطن ~~للآية الكريمة رأى منها العجب في ذلك - انتهى ولم يؤمن فرعون على تواتر ~~تلك الآيات وعظمها، فكأنه قيل: فما قال موسى عليه السلام؟ فقيل: { قال } ~~لفرعون: { لقد علمت } أي أنا بضم التاء على قراءة الكسائي ليفيد أن عنده ms2708 ~~العلم القطعي بأن ما أتى به منزل من ربه، فهو أعقل أهل ذلك الزمان وليس ~~على ما ادعاه فرعون، أو بفتح التاء - على قراءة الباقين أي أنك يا فرعون ~~صرت بما أظهرته أنا من الأدلة في عداد من يعلم أنه { ما أنزل } على يدي { ~~هؤلاء } الآيات { إلا رب السماوات والأرض } أي خالقهما ومدبرهما حال كون ~~هذه الآيات { بصائر } أي بينات ثابتا أمرها عليا قدرها، يبصر بها صدقي، ~~وأما السحر فإنه لا يخفى على أحد أنه خيال لا حقيقة له { وإني } أي وإن ~~ظننتني يا فرعون مسحورا { لأظنك } أكد لما كان مع فرعون من ينكر قوله ~~ويظهر القطع بسعادة فرعون { يا فرعون مثبورا * } أي ملعونا مطرودا ~~مغلوبا مهلكا ممنوعا من الخير فاسد العقل، وظني قريب إلى الصحة بخلاف ~~ظنك لعنادك لرب العالمين، لوضوح مكابرتك للبصائر التي كشف عنها وبها ~~الغطاء، فهي أوضح من الشمس، وذلك لإخلادك إلى الحال التي أنت بها وكسلك ~~عن الانتقال عنها إلى ما هو أشرف منها، وقد بينت مدار " ثبر " في { لا ~~تثريب } في سورة يوسف عليه السلام، فإذا راجعتها اتضح لك ما أشرت إليه { ~~فأراد } أي فما تسبب عن هذا الذي هو موجب الإيمان في العادة إلا أن فرعون ~~أراد { أن يستفزهم } أي يستخف موسى ومن آمن معه ويخرجهم فيكونوا كالماء ~~إذا سال، من قولهم: فز الجرح: سال { من الأرض } بالنفي والقتل للتمكن من ~~استعباد الباقين كما أراد هؤلاء أن يستفزوك من الأرض ليخرجوك منها للتمكن ~~مما هم عليه من الكفر والعناد؛ ثم أخذ يحذرهم سطواته بما فعل بمن كانوا ~~أكثر منهم وأشد فقال: { فأغرقناه } أي فتسبب عن ذلك أن رددنا - بما لنا ~~من العظمة - كيده في نحره: فلم نقدره على مراده واستفززناه نحن فلم يقدر ~~على الامتناع، بل خف غير عالم بما نريد به حتى أدخلناه في البحر حيث ~~أدخلنا بني إسرائيل فأنجيناهم وأغرقناه { ومن معه جميعا * } كما جرت به ~~سنتنا فيمن عاند بعد أن رأى الخوارق وكفر النعمة وأفرط في البغي بعد ظهور ~~الحق، ms2709 فليحذر هؤلاء مثل ذلك ولا سيما إذا أخرجنا رسولنا من بين ظهرانيهم ~~ففي هذه الآية وأمثالها بشارة له بإسلاكنا له في النصرة، والتمكن سبيل ~~إخوانه من الرسل عليهم السلام { وقلنا } أي بما لنا من العظمة التي لا ~~يتعاظمها شيء. ### || [17.104-109] # ولما كان هذا القول غير مستغرق لزمان البعد، أثبت الجار فقال تعالى: { ~~من بعده } أي الإغراق { لبني إسراءيل } الذين كانوا تحت يده أذل من ~~العبيد لتقواهم وإحسانهم: { اسكنوا الأرض } أي مطلق الأرض إشارة إلى أن ~~فرعون كان يريد محوهم عن الأرض أو إلى أن سكناهم مع وجوده كانت عدما، ~~لما بهم من الذل - والأرض التي أراد أن يستفزهم منها، وهي أرض مصر، أي ~~صيروا بحيث تسكنونها لا يد لأحد عليكم، ولا مانع لكم مما تريدون منها، ~~كما كان فرعون وجنوده إذا شئتم مملكين فيها بعد أن كنتم عبيدا تسامون ~~سوء العذاب { فإذا جاء } أي مجيئا محققا { وعد الآخرة } أي القيامة بعد ~~أن سكنتم الأرض أحياء ودفنتم فيها أمواتا { جئنا } أي بما لنا من العظمة ~~{ بكم } منها { لفيفا * } أي بعثناكم وإياهم مختلطين، لا حكم لأحد على ~~آخر، ولا دفع لأحد عن آخر على غير الحالة التي كانت في الدنيا، ثم ميزنا ~~بعضكم عن بعض، ونعمنا الطيب منكم بإهانة الخبيث، أن يسأل بنو إسرائيل ~~الذين يقبل هؤلاء المشركون الجهلة كلامهم ويستنصحونهم في أمورهم - عن هذا ~~الذي تلوناه عليك يخبروا به كما أخبرناك، فيثبت حينئذ عندهم أمر الآخرة، ~~وإلا كان قبولهم لبعض كلامهم دون بعض بغير دليل تحكما وترجيحا من غير ~~مرجح. # ولما ثبت أمر الحشر بإثبات القدرة على كل ممكن تارة، وبإخبار بني ~~إسرائيل الذين ألزموا أنفسهم قبول كلامهم وقطع المفاوز إليهم لسؤالهم عن ~~بعض الأمور أخرى، ثبت أن هذا القرآن المخبر بذلك حق، وكانوا قد سألوه عن ~~المسائل المذكورة فأجابهم عن أولها وهي الروح بأمر مجمل وعقبه بأنهم ~~سألوه في أشياء اقترحوها وقالوا: لن نؤمن لك حتى تفعلها، وأشار تعالى ~~بالإخبار عن آيات موسى عليه السلام إلى أنه لم يترك إجابتهم ms2710 بخلا ولا ~~عجزا، فإنها من جنس ما سألوا من التصرف في المياه تارة بإنزالهما وتارة ~~بتبديلها دما الموجب للقدرة على إنبات الأشجار بها، ومن إسقاط السماء ~~كسفا بإسقاط البرد المهلك، فثبت بذلك صحة الإخبار بتصريف الأمثال في هذا ~~الكتاب، فعطف على قوله: { ولقد صرفنا } قوله تعالى: { وبالحق } أي من ~~المعاني الثابتة التي لا مرية فيها لا بغيره { أنزلناه } نحن القرآن أو ~~هذا الذي أخبر منه بالحشر لبني إسرائيل ملتفين بالقبط وبما قبله على ما ~~لنا من العظمة { وبالحق } لا بغيره { نزل } هو ووصل إليهم على لسانك بعد ~~إنزاله عليك كما أنزلنا سواء غضا طريا محفوظا لم يطرأ عليه طارىء، ~~فليس فيه شيء من تحريف ولا تبديل كما وقع في كتاب اليهود الذين يسألهم ~~قومك، فأفاد هذا أن القرآن معجز بكونه مع إعجازه بالبلاغة في تصريف ~~الأمثال، وغيرها من نظم المقال { وما أرسلناك } أي بما لنا من العظمة { ~~إلا مبشرا ونذيرا * } على غاية التمكن في كل من الوصفين - بما أشار ~~إليه الواو والصيغة، تبلغهم ما فيه من بشارة لمن آمن بذلك اليوم، ونذارة ~~لمن لم يؤمن به، فإن قبلوا فهو حظهم، وإن لم يقبلوا كان عليهم وزرهم، ولم ~~يكن عليك لوم، فإنا ما أرسلناك عليهم وكيلا، وسنزهق باطلهم بهذا الحق لا ~~محالة، فلا تستعجل لهم { إن الباطل كان زهوقا } ولم نرسلك لتفجير ~~الأنهار ولا إنبات الأشجار؛ ثم أخبر أن الحكمة في إنزال القرآن منجما ~~فقال تعالى: { وقرءانا } أي وفصلنا أو وأنزلنا قرآنا { فرقناه } أي ~~أنزلناه منجما في أوقات متطاولة وميزناه بالحقيقة عن كل باطل، وبالإعجاز ~~عن كل كلام { لتقرأه على الناس } أي عامة كل من أمكنك منهم، فإنك مرسل ~~إليهم كلهم. # ولما كانوا لما لهم من النوس في غاية الزلزلة، لا يتهذبون إلا في أزمان ~~طويلة وعلاج كبير، قال مشيرا إلى ذلك: { على مكث } أي تؤدة وترسل بأن ~~تقرأ منه كل نجم في وقته الذي أنزلناه فيه مدة ثلاث وعشرين سنة { ونزلناه ~~} من عندنا بما لنا من العظمة { تنزيلا * } بعضه في ms2711 إثر بعض، مفرقا ~~بحسب الوقائع لأنه أتقن في فصلها، وأعون على الفهم لطول التأمل لما نزل ~~من نجومه في مدة ما بين النجمين لغزارة ما فيه من المعاني، وكثرة ما ~~تضمنه من الحكم، وذلك أيضا أقرب للحفظ، وأعظم تثبيتا للفؤاد، وأشرح ~~للصدر، لأن أخبار الحبيب إذا كانت متواصلة كان المحب كل يوم في عيد، ~~بهناء جديد، فعلنا بك ذلك لما تقدم من أن الله مع الذين اتقوا والذين هم ~~محسنون، فلما طالت الدلائل، وزالت الشبه، وعلم أن الله مع الذين اتقوا ~~والذين هم محسنون، فلما طالت الدلائل، وزالت الشبه، وعلم أن الحظ لمن ~~أقبل، والخيبة لمن أدبر، أمره أن يقول منبها لهم على ذلك مبكتا لهم ~~بتقاعسهم عنه وعنادهم فيه بقوله تعالى: { قل آمنوا به } أي القرآن { أو ~~لا تؤمنوا } فالإيمان به غير محتاج إليكم ولا موقوف عليكم لأنكم إن آمنتم ~~به كان الحظ لكم، وإلا لم تضروا إلا أنفسكم، وهو احتقار لهم حيث صرف لهم ~~من كل مثل فأبوا إلا كفورا، ثم علل ذلك بما يقبل بكل ذي لب إليه، فإن ~~كان ل " قل " فهو تسلية له صل الله عليه وعلى آله وسلم، وإن كان لما ~~بعدها فهو تبكيت لهم وتحقير، فقال تعالى: { إن الذين أوتوا العلم } وبني ~~للمفعول دلالة على أن العلم الرباني - وهو العلم في الحقيقة من أي مؤت ~~كان، حاث على الإيمان بهذا القرآن، وتنبيها على أن من كان يعلم ولا ~~يحمله علمه على الإيمان بهذا الكتاب الذي لا شيء أبين من حقيقته بمصادقته ~~لكتب الأنبياء الذين ثبتت رسالاتهم ومضت عليها الدهور، واطمأنت بها ~~النفوس، وزيادته عليها بما أودعه الله من الإعجاز والحكم - فعلمه كلا علم ~~بل هو أجهل الجهلة، سواء كان ممن سألتموه عني أو من غيرهم - كما سيأتي إن ~~شاء الله تعالى تحقيقه في الزمر. # ولما كان المراد أن من اتصف بهذا الوصف ولو زمنا يسيرا نفعه، أدخل ~~الجار فقال مرغبا في العلم ليحمل على الإيمان بالقرآن: { من قبله } أي ~~قبل إنزاله ممن آمن ms2712 من بني إسرائيل الذين أمرني الله بسؤالهم تسميعا لكم ~~وتثبيتا لكونكم أقبلتم عليهم بالسؤال وجعلتموهم محط الوثوق: { إذا يتلى ~~} أي من أي تال كان { عليهم } في وقت من الأوقات، ينقلهم من حال إلى ~~حال، فيرقيهم في مدارج القرب ومعارج الكمال، إلى أعلى الرتب، بأنهم { ~~يخرون } أي يسقطون بسرعة؛ وأكد السرعة وأفاد الاختصاص بقوله تعالى: { ~~للأذقان } باللام دون إلى أو على، دالا بالأذقان على أنهم من شدة ما ~~يحصل لهم من الخشوع يسقطون سقوط من ليس له اختيار، وأول ما يلاقي الأرض ~~ممن يسقط كذلك ذقنه، وهو مجتمع اللحيين من منبت لحيته - فإن الإنسان ~~مجبول بالطبع على صيانة وجهه، فهو يرفع رأسه فتصير ذقنه وفمه أقرب ما في ~~وجهه إلى الأرض حال السقوط، ولهذا قال شاعرهم: فخر سريعا لليدين وللفم. # ثم بين أن ذلك ليس سقوطا اضطراريا من كل جهة بقوله تعالى: { سجدا * } ~~أي يفعلون ذلك لما يعلمون من حقيته بما أوتوا من العلم السالف، وما في ~~قلوبهم من الإذعان، والخشية للرحمن { ويقولون } أي على وجه التحديد ~~المستمر: { سبحان ربنا } أي تنزه الموجد لنا، المدبر لأمورنا، المحسن ~~إلينا، عن شوائب النقص، لأنه وعد على ألسنة رسلنا أن يبعثنا بعد الموت ~~ووعده الحق، فلا بد أن يكون، ووعد أن يأتي بهذا الكتاب على لسان هذا ~~النبي العربي، وأوصل هذا الوعد إلينا في الكتب السالفة فأنجز ما سبق به ~~وعده { إن } أي أنه { كان } أي كونا لا ينفك { وعد ربنا } أي المحسن ~~إلينا بالإيمان، وما تبعه من وجوه العرفان { لمفعولا * } دون خلف، ولا ~~بد أن يأتي جميع ما وعد به من الثواب والعقاب، وهو تعريض بقريش حيث كانوا ~~يستهزئون بالوعيد في قولهم { أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا } ~~ونحوه مما معناه الطعن في قدرة الله القادر عل كل شيء { ويخرون } عند ~~تكرار سماعه { للأذقان } مع سجودهم { يبكون ويزيدهم } تكراره { خشوعا * ~~} أي خضوعا وتواضعا وإخباتا، فإن كان سؤالكم إياهم لتؤمنوا إذا ~~أخبروكم أني على الحق فآمنوا، وإن كان لغير ذلك فقد تبين سفهكم ms2713 وضعف ~~أمركم وسوء رأيكم، وعبر في البكاء بالفعل إشارة إلى تجدده في بعض الأحيان ~~لما لهم في بعضها من السرور ببعض ما أبيح من الملاذ، وفي السجود بالاسم ~~إشارة إلى دوام ذلهم بالسجود المشروع، أو بمطلق الخضوع، وسيأتي في سورة ~~مريم ما يزيده وضوحا. ### || [17.110-111] # ولما كان إيمان أهل العلم الأول به وإذعانهم له وتركهم لأديانهم - التي ~~أخذوها عن الأنبياء الآتين إليهم بالكتب لأجله بعد إقامة الدليل القاطع ~~على أنه من عند الله - موجبا لكل من له أدنى إنسانية أن يؤمن به ويقبل ~~عليه ويدعو من أنزله دون غيره دائما، لا في أوقات الشدة فقط { وإذا مسكم ~~الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه } وكانت أوقات الإجابة أولى بالدعاء ~~من غيرها، وكانت حالة السجود لا سيما مع البكاء والخشوع أولاها " أقرب ما ~~يكون العبد من ربه وهو ساجد " كان المعاندون من العرب كأنهم قالوا لأن ~~ذلك من شأنهم ومن حقهم بعد ما قام من الأدلة: آمنا فعلمنا كيف ندعو ~~وبأي اسم نهتف؟ ولما كان الجلالة هو الاسم الجامع لجميع معاني الأسماء ~~الحسنى، وكان قد ورد في النحل من التنويه به ما لم يرد في غيرها لما تقدم ~~من الأسرار مع أنه عد فيها من النعم ما لم يعد في غيرها، ومنها تعليم ~~الإنسان البيان، وذلك أليق باسم الرحمن # الرحمن علم القرآن # [الرحمن: 1] الآيات، وكانت الرحمة دنيوية وأخروية من الخالق ومن الخلائق ~~قد كررت في هذه السورة ثماني مرات { عسى ربكم أن يرحمكم } ، { جناح الذل ~~من الرحمة } ، { وقل رب ارحمهما } { ابتغاء رحمة من ربك } ، { ربكم أعلم ~~بكم إن يشأ يرحمكم } ، { إنه كان بكم رحيما } ، { إلا رحمة من ربك } ~~خزائن رحمة ربي وكان ذلك ظاهرا في إرادة عمومها، فكان اسم الرحمن به ~~أليق، وقع الجواب بقوله تعالى: { قل ادعوا الله } أي الملك الأعظم ذا ~~الجلال والإكرام في ذات إحاطته { أو ادعوا الرحمن } في معنى استغراقه ~~بالرحمة، أي سموا - أي أوقعوا الدعاء مسمين في حال دعائكم - ربكم الذي ~~سبحتموه في السجود بأي ms2714 اسم أردتم مما أذن فيه، فاهتفوا بهذا الاسم الدال ~~على الجلال، واستحقاق مسماه الدعاء لذاته، أو بهذا الاسم الدال على ~~الجمال واستحقاقه الدعاء لإنعامه، مطلقا وفي حالة السجود { أيا ما ~~تدعوا } أي به من أسمائه فقد حصلتم به على القصد، فإن المسمى واحد وإن ~~تعددت أسماؤه الدالة على الشرف. ولما كان في الرحمن جمال ظاهر في باطنه ~~جلال، لأن عموم الرحمة لبعض نعمة، ولبعض استدراج ونقمة، فكان لذلك جامعا ~~لجميع الأسماء الحسنى والصفات العلى، سبب عن ذكر كل من الاسمين: العلم ~~الجامع، والوصف الواقع موقعه، قوله: { فله } أي المسمى بهذين الاسمين ~~وحده، وهو الواحد الأحد { الأسماء الحسنى } هذان الاسمان وغيرهما مما ورد ~~عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو دال على التحميد والتمجيد ~~والتقديس والتعظيم، فهذا الضمير استخدام، وقد تضمن هذا القول أن معنى اسم ~~الرحمن أشمل من اسم الرحيم وإن كان بناء كل منهما للمبالغة؛ قال الإمام ~~أبو الحسن الحرالي رحمه الله في شرحه للأسماء الحسنى: الرحمانية استغراق ~~الخلق بالرحمة في إنشائهم، والرحيمية إجراء الخلق على ما يوافق حسهم ~~ويلائم خلقهم وخلقهم ومقصد أفئدتهم، فإذا اختص ذلك بالبعض كان رحيمية، ~~وإذا استغرق كان رحمانية ولاستغراق معنى اسم الرحمن لم يكن لتمام معناه ~~وجود الخلق، فلم يجر بحق على أحد منهم، وإنما يوجد فيهم حظ خاص من معناه ~~يجري عليهم به اسم الرحيم لا اسم الرحمن، فلذلك لحق اسم الرحمن في معنى ~~استغراقه باسم الله في ذات إحاطته فقال تعالى { قل ادعوا الله أو ادعوا ~~الرحمن } فإذا تحقق القلب اختصاصه بالله علما كان أصلا للفظ به قولا ~~فعلمت أنه لا رحمن إلا الله كما أنه لا إله إلا الله، ولحق باسم الإله ~~فقد علم فقد التمام لمعناه في الخلق كما قد فقد أصل علم الاعتبار من ~~معناه في اسم إله، والتوحيد في اسم الرحمن واجب لاحق بالفرض في توحيد ~~الإله، ولذلك ولي اسم الله في موارده في الكتب وفي هذا التعديد أي الوارد ~~في حديث الترمذي والبزار وغيرهما ms2715 من أسماء الله الحسنى عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه - انتهى. # وقد مر في آخر الحجر ما ينفع هنا. # ولما ذكر السجود وعقبه بالدعاء، أشار إلى أنه في كل حالة حسن، وفي ~~الصلاة أولى وأحسن، بعد أن ذكر قريبا الصلوات الخمس، وكان ربما فهم من ~~قوله { إن قرءان الفجر كان مشهودا } ، ومن قوله: { إذا يتلى عليهم } قوة ~~الجهر به قال تعالى: { ولا تجهر بصلاتك } أي بقراءتك فيها، أو سمى ~~القراءة صلاة لأنها شرط فيها جهرا قويا حتى تسمعه المشركون، فإن ~~المخالفين قد عرف عنادهم فلا يؤمن سبهم للقرآن ولمن أنزله ولمن جاء به، ~~بل كانوا يفعلون ذلك ويلغون، وربما صفقوا وصفروا ليغلطوا النبي صلى الله ~~عليه وعلى آله وسلم ويخلطوا عليه قراءته { ولا تخافت } أي تسر { بها } ~~إسرارا بليغا كأنك تناظر فيه آخر بحيث لا تسمع من وراءك ليأخذوه عنك { ~~وابتغ } أي اطلب بغاية جهدك { بين ذلك } أي الجهر والمخافتة التي أفهمت ~~أداة البعد عظمة شأنهما { سبيلا * } أي طريقا وسطا؛ روى البخاري في ~~التفسير عن ابن عباس رضي الله عنهما في هذه الآية قال: نزلت ورسول الله ~~صلى الله عليه وعلى آله وسلم مختف بمكة، كان إذا صلى بأصحابه رفع صوته ~~بالقرآن، فإذا سمعه المشركون سبوا القرآن ومن أنزله ومن جاء به فقال الله ~~عز وجل لنبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم { ولا تجهر بصلاتك } أي ~~بقراءتك، فيسمع المشركون فيسبوا القرآن { ولا تخافت بها } عن أصحابك فلا ~~تسمعهم - انتهى. # أطلق هنا اسم الكل على الجزء إشارة إلى أن المقصود الصلاة وفيما تقدم ~~اسم الجزء على الكل لأن المقصود الأعظم هناك القراءة في الفجر، وروى ~~البخاري عن عائشة رضي الله عنها أن هذه الآية نزلت في الدعاء، وقد تقدم ~~غير مرة أنه ليس ببدع أن يكون للشيء أسباب كثيرة. # ولما تقدم إحاطة هذين الاسمين، أما الله فبجميع معاني الأسماء الحسنى، ~~وأما الرحمن فبالرحمانية، المأمور بالدعاء بهما كل مخاطب، خصه صلى الله ~~عليه وعلى آله وسلم بالأمر بالتحميد الذي معناه الإحاطة ms2716 واسمه صلى الله ~~عليه وعلى آله وسلم مشتق منه لاتصافه به حامدا ومحمودا، وبالتكبير عن ~~كل ما يفهمه العباد من أسمائه الحسنى فقال تعالى: { وقل الحمد } أي ~~الإحاطة بالأوصاف الحسنى { لله } أي الملك الأعظم { الذي لم يتخذ } لكونه ~~محيطا بالصفات الحسنى { ولدا } فإن ذلك لا يكون إلا للحاجة وبالحاجة ~~وهي من أسوأ الأوصاف { ولم يكن } أي يوجد بوجه من الوجوه { له شريك في ~~الملك } ولا ولد ولا غيره فإن ذلك لا يكون إلا بالعجز { ولم يكن له ولي } ~~ناصر أعم من أن يكون ذلك الناصر ولدا أو شريكا أو غيره: ثم قيده واصفا ~~بقوله تعالى: { من الذل } إفهاما بأن له أولياء جاد عليهم بالتقريب ~~وجعلهم أنصارا لدينه رحمة منه لهم لا احتياجا منه إليهم { وكبره } عن ~~أن يشاركه أحد في شيء من الأشياء وعن كل ما يفهمه فاهم، ويصفه به واصف، ~~والتكبير أبلغ لفظ للعرب في معنى التعظيم والإجلال - قاله أبو حيان. وأكد ~~بالمصدر تحقيقا له وإبلاغا في معناه، أي فقال: { تكبيرا } عن أن يدرك ~~أحد كنه معرفته أو يجهله أحد من كل وجه، بل احتجب سبحانه بكبريائه وجلاله ~~فلا يعرف، وتجلى بإكرامه وكماله فلا ينكر، فكان صريح اتصافه بالحمد أنه ~~تعالى متصف بجميع صفات الكمال، وصريح وصفه بنفي ما ذكر أنه منزه عن شوائب ~~النقص وأنه أكبر من كل ما يخطر للعباد المطبوعين على النقص المجبولين على ~~غزائز العجز، ولذلك وغيره من المعاني العظمى سمى النبي صلى الله عليه ~~وعلى آله وسلم هذه الآية آية العز كما رواه الإمام أحمد عن سهل عن أبيه ~~رضي الله عنهما، وذلك عين ما افتتحت به السورة من التنزيه وزيادة - والله ~~سبحانه وتعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ### | [18 - سورة الكهف] ### || [18.1-8] # لما ختمت تلك بأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالحمد عن التنزه عن صفات ~~النقص لكونه أعلم الخلق بذلك، بدئت هذه بالإخبار باستحقاقه سبحانه الحمد ~~على صفات الكمال التي منها البراءة عن كل نقص، منبها بذلك على وجوب حمده ~~بما شرع ms2717 من الدين على هذا الوجه الأحكم بهذا الكتاب القيم الذي خضعت ~~لجلاله العلماء الأقدمون، وعجز عن معارضته الأولون والآخرون، الذي هو ~~الدليل على ما ختمت به تلك من العظمة والكمال، والتنزه والجلال، فقال ~~ملقنا لعباده حمده، معلما لهم كيف يثنون عليه، مفقها لهم في اختلاف ~~العبارات باختلاف المقامات: { الحمد } أي الإحاطة بصفات الكمال { لله } ~~أي المستحق لذلك لذاته. # ولما أخبر باستحقاقه ذلك لذاته، أخبر بأنه يستحقه أيضا لصفاته وأفعاله، ~~فقال تعالى: { الذي } ولما كان المراد وصف جملة الكتاب بالإعجاز من غير ~~نظر إلى التفريق واللتدريج، عبر بالإنزال دون التنزيل فقال: { أنزل } ~~وعدل عن الخطاب بأن يقول: عليك، كما يقول: فلعلك باخع نفسك، كما في ذلك ~~من الوصف بالعبودية والإضافة إليه سبحانه من الإعلام بتشريفه صلى الله ~~عليه وعلى آله وسلم والتنبيه على علة تخصيصه بالإنزال عليه كما تقدم في ~~سورة البقرة، فقال. مقدما له على المنزل لأن المراد الدلالة على صحة ~~رسالته بما لا يحتاج فيه قريش إلى سؤال اليهود ولا غيرهم من تخصيصه بما ~~لا يقدر عليه غيره: { على عبده } وإشارة إلى أنه الذي أسرى به إلى حضرات ~~مجده ليريه من آياته { الكتاب } الجامع لمعاني الكتب المشار إليه في آخر ~~التي قبلها بما أشير إليه من العظمة كما آتى موسى التوراة الآمرة بالعدل ~~في الأحكام، وداود الزبور الحادي إلى الزهد والإحسان، على ما أشير إليه ~~في { سبحان }. # ولما كان الجامع لا يخلو من عوج أو قابلية له إلا أن كان من علام ~~الغيوب، نفى القابلية والإمكان دلالة على أنه من عنده لينتفي العوج بطريق ~~الأولى فقال تعالى: { ولم } أي والحال أنه لم { يجعل له } ولم يقل: فيه { ~~عوجا * } أي شيئا من عوج، أي بل هو مستقيم في جميع معانيه من غير ~~اختلاف أصلا، هاد إلى كل صواب، لأن العوج - بالكسر: فقد الاستقامة في ~~المعاني، وبالفتح في الأعيان؛ وأتبعه حالا أخرى له بقوله تعالى: { قيما ~~} تصريحا باللازم تأكيدا له، ومقيدا أنه مهيمن على ما قبله من الكتب ~~مقيم لغيره، وقد ms2718 مضى في الفاتحة ثم في الأنعام عن الإمام سعد الدين ~~التفتازاني الشافعي رحمه الله أن كل سورة افتتحت بالحمد فللإشارة إلى ~~نعمة من أمهات النعم التي هي إيجاد وإبقاء أولا، وإيجاد وإبقاء ثانيا، ~~وأنه أشير في الفاتحة لكونها أم الكتاب إلى الأربع، وفي الأنعام إلى ~~الإيجاد الأول وهو ظاهر، وفي هذه السورة إلى الإبقاء الأول، فإن نظام ~~العالم وبقاء النوع الإنساني يكون بالنبي والكتاب. # انتهى. ويؤيده أنه في هذه السورة ذكر أنه انتظم بأهل الكهف أمر من اطلع ~~عليهم من أهل زمانهم ثم بالخضر عليه السلام كثير من الأحوال، ثم بذي ~~القرنين أمر جميع أهل الأرض بما يسر له من الأسباب التي منها السد الذي ~~بيننا وبين ياجوج وماجوج الذين يكون بهم. إذا أخرجهم الله تعالى - فساد ~~الأرض كلها، ثم ذكر في التي تليهما من أهل وده واصطفائه من اتبعهم لنظام ~~العالم بما وفقهم له من طاعته، وبصرهم به من معرفته، واستمر كذلك في أكثر ~~السور حتى ذكر السورة التي أشار فيها إلى الإيجاد الثاني، وأتبعها بالتي ~~أشار فيها إلى الإبقاء الثاني، ولما كان إبقاء الأول يقتضي مهلة لبلوغ حد ~~التكليف وإجراء القلم ثم مهلة أخرى يكون فيها العمل والاستعداد لما لأجله ~~كان هذا الوجود من العرض على الرحمن، للجزاء بالإساءة أو الإحسان، ومهلة ~~أخرى يحبس فيها السابق من الخلائق إلى ورود مشرع الموت لانتظار اللاحق، ~~إلى بلوغ ما ضرب سبحانه من الآجال، لأزمان الإمهال، وقيام الناس أجمعين، ~~لرب العالمين، وهو البرزخ وكان ما قبل التكليف شبيها بالعدم إلا في تعلم ~~الكتاب والتوحيد والاجتماع على أهل الدين والوفاء بما تقدموا فيه بالعهد ~~من الأحكام، ودربوا عليه من الحلال والحرام، أشير إليه بما بين الفاتحة ~~والأنعام التي هي سورة الإيجاد الأول من السور الأربع، وكأن سن الاحتلام ~~كان أول الإيجاد من الإعدام، وأشير إلى بقية العمر وهو زمان التكليف بما ~~بين الأنعام وهذه السورة من السور التي ذكر فيها مصارع الأولين وأخبار ~~الماضين تحذيرا من مثل أحوالهم، لمن نسج على منوالهم، ms2719 وختمت بالتحميد ~~مقترنا بالتوحيد إشارة إلى أنه يجب الاجتهاد في أن يختم الأجل في أعلى ~~ما يكون من خصال الدين، وأشير إلى مهلة البرزخ بما بين هذه وسورة الإيجاد ~~الثاني من السور التي ذكر في غالبها مثل ذلك، وأكثر فيها كلها من ذكر ~~الموت وما بعده من البرزخ الذي يكون لانقطاع العلائق باجتماع الخلائق، ~~لأجل التجلي في رد العظمة، والكشف البليغ عن نفوذ الكلمة، والتحلي بالحكم ~~باستقرار الفريقين في دار النعيم أو غار الجحيم، وأكثر فيما بين هذه وبين ~~سبأ من أمر البعث كثرة ليست فيما مضى حتى صدر بعضها به، وبناها عليه ~~كسورتي الأنبياء # اقترب للناس حسابهم # [الأنبياء: 1] والحج # إن زلزلة الساعة شيء عظيم # [الحج: 1] ولما لم يكن بين البعث وما بعده مهلة لشيء من ذلك، عقب سورة ~~الإيجاد الثاني بسورة الإبقاء الثاني من غير فاصل ولا حاجز ولا حائل - ~~والله أعلم. # ولما وصف الكتاب بما له من العظمة في جميع ما مضى من أوصافه من الحكمة ~~والإحكام، والتفصيل والبيان، والحقية، والإخراج من الظلمات إلى النور، ~~والجمع لكل معنى والتبيان لكل شيء، أتبعه ذكر فائدته مقدما ما هو الأهم ~~من درء المفسدة بالإنذار، لأنه مقامه كما هو ظاهر من { سبحان } فقال: { ~~لينذر } وقصره على المفعول الأول ليعم كل من يصح قبوله الإنذار ولو ~~تقديرا، وليفيد أن الغرض بيان المنذر به لا المنذر { بأسا شديدا } ~~كائنا { من لدنه } أي أغرب ما عنده من الخوارق بما في هذا الكتاب من ~~الإعجاز لمن خالف أمره من عذاب الدنيا والآخرة كوقعة بدر وغيرها المفيد ~~لإدخال الإسلام عليهم وهم كارهون، بعد ما كانوا فيه من القوة وهو من ~~الضعف { ويبشر المؤمنين } أي الراسخين في هذا الوصف { الذين يعملون ~~الصالحات } وهو ما أمر به خالصا له، وذلك من أسنان مفتاح الإيمان { أن ~~لهم } أي من حيث هم عاملون { أجرا حسنا * } وهو النعيم، حال كونهم { ~~ماكثين فيه أبدا * } بلا انقطاع أصلا، فإن الأبد زمان لا آخر له، فجمعت ~~هاتان العلتان جميع معاني الكتاب فإنه لا يكون ms2720 كذلك إلا وقد جمع أيضا ~~جميع شرائع الدين وأمر المعاش وأمر المعاد وما يعنيهم فعله أو تركه أو ~~اعتقاده، وما يتبع ذلك، وذلك هو القيم، أي المستقيم في نفسه، المقيم ~~لغيره. # ولما كان الغالب على الإنسان المخالفة للأوامر، لما جبل عليه من ~~النقائص، كان الإنذار فأهم أعاده لذلك ولأن المقام له كما مضى، ذاكرا ~~فيه بعض المتعلق المحذوف من الآية التي قبلها، تبكيتا لليهود المضلين ~~لهؤلاء العرب ولمن قال بمقالتهم فقال تعالى: { وينذر } واقتصر هنا على ~~المفعول الأول ليذهب الفكر في الثاني الذي عبر عما يحتمل تقديره به فيما ~~مضى ب { لدنه } - كل مذهب فيكون أهول { الذين قالوا اتخذ الله } أي تكلف ~~ذو العظمة التي لا تضاهى كما يتكلف غيره أن أخذ { ولدا * } وهم بعض ~~اليهود والنصارى والعرب؛ قال الأصبهاني: وعادة القرآن جارية بأنه إذا ذكر ~~قصة كلية عطف عليها بعض جزئياتها تنبيها على كون ذلك لبعض أعظم جزئيات ~~ذلك الكل، ولم أجعل الآية من الاحتباك لنقص المعنى، ثم استأنف معللا في ~~جواب من كأنه قال: ما لهم خصوا به الوعيد الشديد؟ فقال تعالى: { ما لهم ~~به } أي القول { من علم } أصلا لأنه مما لا يمكن أن يعلق العلم به لأنه ~~لا وجود له ولا يمكن وجوده، ثم قرر هذا المعنى وأكد بقوله تعالى: { ولا ~~لأبائهم } الذين هم مغتبطون بتقليدهم في الدين حتى في هذا الذي لا يتخيله ~~عاقل، ولو أخطؤوا في تصرف دنيوي لمن يتبعوهم فيه، تنبيها عل أنه لا يحل ~~لأحد أن يقول على الله تعالى ما لا علم له به، ولا سيما في أصول الدين، ~~ثم هول أمر ذلك بقوله تعالى: { كبرت } أي مقالتهم هذه { كلمة } أي ما ~~أكبرها من كلمة! وصور فظاعة اجترائهم على النطق بها بقوله تعالى: { تخرج ~~من أفواههم } أي لم يكفهم خطورها في نفوسهم، وترددها في صدورهم، حتى ~~تلفظوا بها، وكان تلفظهم بها على وجه التكرير - بما أشار إليه التعبير ~~بالمضارع؛ ثم بين ما أفهمه الكلام من أنه كما أنهم لا علم لهم ms2721 بذلك لا ~~علم لأحد به أصلا، لأنه لا وجود له فقال تعالى: { إن } أي ما { يقولون ~~إلا كذبا * } أي قولا لا حقيقة له بوجه من الوجوه. # وقال ابن الزبير في برهانه: من الثابت المشهور أن قريشا بعثوا إلى ~~اليهود بالمدينة يسألونهم في أمر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ~~فأجابت يهود بسؤاله عن ثلاثة أشياء، قالوا: فإن أجابهم فهو نبي، وإن عجز ~~فالرجل متقول فرؤا فيه رأيكم، وهي الروح، وفتية ذهبوا في الدهر الأول وهم ~~أهل الكهف، وعن رجل طواف بلغ مشارق الأرض ومغاربها، فأنزل الله عليه جواب ~~ما سألوه، وبعضه في سورة الإسراء # ويسئلونك عن الروح # [الإسراء: 85] الآية، واستفتح سبحانه وتعالى سورة الكهف بحمده، وذكر ~~نعمة الكتاب وما أنزل بقريش وكفار العرب من البأس يوم بدر وعام الفتح، ~~وبشارة المؤمنين بذلك وما منحهم الله تعالى من النعيم الدائم، وإنذار ~~القائلين بالولد من النصارى وعظيم مرتكبهم وشناعة قولهم { إن يقولون إلا ~~كذبا } وتسلية نبي الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في أمر جميعهم { ~~فلعلك باخع نفسك } [ الكهف:6]، والتحمت الآي أعظم التحام، وأحسن التئام، ~~إلى ذكر ما سأل عنه الكفار من أمر الفتية # أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا # [ الكهف: 9] ثم بسطت الآي قصتهم، وأوضحت أمرهم، واستوفت خبرهم؛ ثم ذكر ~~سبحانه أمر ذي القرنين وطوافه وانتهاء أمره، فقال تعالى # ويسئلونك عن ذي القرنين # [ الكهف: 83] الآيات، وقد فصلت بين القصتين بمواعظ وآيات مستجدة على أتم ~~ارتباط، وأجل اتساق، ومن جملتها قصة الرجلين وجنتي أحدهما وحسن الجنتين ~~وما بينهما وكفر صاحبهما واغتراره، وهما من بني إسرائيل، ولهما قصة، وقد ~~أفصحت هذه الآي منها باغترار أحدهما بما لديه وركونه إلى توهم البقاء، ~~وتعويل صاحبه على ما عند ربه ورجوعه إليه وانتهاء أمره - بعد المحاورة ~~الواقعة في الآيات بينهما - إلى إزالة ما تخيل المفتون بقاءه، ورجع ذلك ~~كأن لم يكن، ولم يبق بيده إلا الندم، ولا صح له من جنته بعد عظيم تلك ~~البهجة سوى التلاشي والعدم، وهذه ms2722 حال من ركن إلى ما سوى المالك، ومن كل ~~شيء إلا وجهه سبحانه وتعالى فان وهالك # إنما الحياة الدنيا لعب ولهو # [محمد: 36] # ففروا إلى الله # [ الذاريات: 50] ثم أعقب ذلك بضرب مثل الحياة الدنيا لمن اعتبر واستبصر، ~~وعقب تلك الآيات بقصة موسى والخضر عليها السلام إلى تمامها، وفي كل ذلك ~~من تأديب بني إسرائيل وتقريعهم وتوبيخ مرتكبهم في توقفهم عن الإيمان ~~وتعنيفهم في توهمهم عند فتواهم لكفار قريش بسؤاله عليه السلام عن القصص ~~الثلاث أن قد حازوا العلم وانفردوا بالوقوف على ما لا يعلمه غيرهم، فجاء ~~جواب قريش بما يرغم الجميع ويقطع دابرهم، وفي ذكر قصة موسى والخضر إشارة ~~لهم لو عقلوا، وتحريك لمن سبقت له منهم السعادة، وتنبيه لكل موفق في ~~تسليم الإحاطة لمن هو العليم الخبير، وبعد تقريعهم وتوبيخهم بما أشير ~~إليه عاد الكلام إلى بقية سؤالهم فقال تعالى { يسئلونك عن ذي القرنين } ~~إلى آخر القصة، وليس بسط هذه القصص من مقصودنا وقد حصل، ولم يبق إلا ~~السؤال عن وجه انفصال جوابهم ووقوعه في السورتين مع أن السؤال واحد، وهذا ~~ليس من شرطنا فلننسأه بحول الله إلى موضعه إن قدر به - انتهى. # وقد تقدم في سورة الإسراء من الجواب عن هذا أن الروح ضمت إليها، لأنه من ~~سر الملكوت كالإسراء، وبقي أنه لما أجمل سبحانه أمرها لما ذكر من عظيم ~~السر، وعيب عليهم اشتغالهم بالسؤال وترك ما هو من عالمها، وهو أعظم منها ~~ومن كل ما برز إلى الوجود من ذلك العالم من الروح المعنوي الذي به صلاح ~~الوجود كله، وهو القرآن العظيم، وعظم أمره بما ذكر في الإسراء إلى أن ~~اقتضى الحال في إنهاء عظمته أن يدل على إصلاح الوجود به بما حرره وفصله ~~وقرره من أمر السؤالين الباقيين اللذين هما من ظاهر الملك فيما ضم إليهما ~~مما تم به الأمر، واتضح به ما له من جليل القدر، كان الأكمل في ذلك أن ~~يكون ما انتظم به ذلك سورة على حدتها، ولما كان أمر أهل الكهف من حفظ ms2723 ~~الروح في الجسد على ما لم يعهد مثله ثم إفاضتها، قدم الجواب عن السؤال ~~عنهم ليلي أمر الروح، وختم بذي القرنين لإحاطة أمره بما طاف من الأرض، ~~ولما جعل من السد علما على انقضاء شأن هذه الدار وختام أمرها، وطي ما ~~برز من نشرها والله سبحانه وتعالى أعلم. # ولما كان صلى الله عليه وعلى آله وسلم شديد الحرص على إيمانهم شفقة ~~عليهم وغيرة على المقام الإلهي الذي ملأ قلبه تعظيما له، خفض عليه ~~سبحانه بقوله تعالى: { فلعلك باخع } أي فتسبب عن قولهم هذا، المباين جدا ~~لما تريد لهم، الموجب لإعراضهم عنك أنك تشفق أنت ومن يراك على تلك الحالة ~~من أتباعك من أن تكون قاتلا { نفسك } من شدة الغم والوجد، وأشار إلى شدة ~~نفرتهم وسرعة مفارقتهم وعظيم مباعدتهم بقوله تعالى: { على ءاثارهم } أي ~~حين تولوا عن إجابتك فكانوا كمن قوضوا خيامهم وأذهبوا أعلامهم { إن لم ~~يؤمنوا }. # ولما صور بعدهم، صور قرب ما دعاهم إليه ويسر تناوله بقوله تعالى: { بهذا ~~الحديث } أي القيم المتجدد تنزيله على حسب التدريج { أسفا * } منك على ~~ذلك، والأسف: أشد الحزن والغضب؛ ثم بين علة إرشاده إلى الإعراض عنهم بغير ~~ما يقدر عليه من التبليغ للبشارة والنذارة بأنهم لم يخرجوا عن مراده ~~سبحانه، وأن الإيمان لا يقدر على إدخاله قلوبهم غيره فقال تعالى: { إنا } ~~أي لا نفعل ذلك لأنا { جعلنا } بما لنا من العظمة { ما على الأرض } من ~~المواليد الثلاثة: الحيوان والمعدن والنبات { زينة لها } بأن حسناه في ~~العيون، وأبهجنا به النفوس، ولولا مضرة الحيوانات المؤذية من الحشرات ~~وغيرها كانت الزينة بها ظاهرة، والظاهر أنه لو أطاع الناس كلهم لذهبت ~~مضرتها فبدت زينتها، كما يكون على زمن عيسى عليه السلام حيث تصير لعبا ~~للولدان. # ولما أخبر بتزيينها، أخبر بعلته فقال تعالى: { لنبلوهم } أي نعاملهم ~~معاملة المختبر الذي يسأل لخفاء الأمر عليه بقوله تعالى: { أيهم أحسن ~~عملا * } أي بإخلاص الخدمة لربه، فيصير ما كنا نعلمه منهم ظاهرا بالفعل ~~تقام به عليهم الحجة على ما يتعارفونه بينهم بأن من ms2724 أظهر موافقة الأمر ~~فيما نال من الزينة حاز المثوبة، ومن اجترأ على مخالفة الأمر بما آتيناه ~~منها فعمل على أنها للتنعم بها فقط استحق العقوبة. ولما كان دعاء الزينة ~~إلى حقيقة الحياة الدنيا من اللهو واللعب ظاهرا لموافقته لما طبعت عليه ~~النفوس من الهوى لم يحتج إلى التنبيه عليه أكثر من لفظ الزينة. # ولما كان دعاءها إلى الزهد فيها والإعراض عنها جملة والاستدلال بها على ~~تمام علم صانعها وشمول قدرته على إعادة الخلائق كما ابتدأهم وغير ذلك ~~خفيا، لكونه مستورا عن العقول بهوى النفوس، نبه عليه بقوله تعالى: { ~~وإنا لجاعلون } أي بما لنا من العظمة ثابت لنا هذا الوصف دائما { ما ~~عليها } من جميع تلك الزينة لا يصعب علينا شيء منه { صعيدا } أي ترابا ~~بأن نهلك تلك الزينة بإزالة اخضرارها فيزول المانع من استيلاء التراب ~~عليها ثم نسلط عليها الشموس والرياح فيردها بذلك إلى أصلها ترابا { ~~جزرا * } أي يابسا لا ينبت شيئا بطبعه، وكذا نفعل بمن سبب تسليط ~~البلاء عليه من الحيوان آدميا كان أو غيره سواء. ولما كان من المشاهد ~~إعادة النبات بإذن الله تعالى بإنزال الماء عليه إلى الصورة النباتية ~~التي هي الدليل على إحياء الموتى مرة بعد مرة ما دامت الأرض موجودة على ~~هذه الصورة، طوي ذكر ذلك سترا لهذا البرهان المنير عن الأغبياء ~~المشغولين بالظواهر، علما منه سبحانه بظهوره لأولي البصائر. ### || [18.9-12] # ولما كان هذا من العجائب التي تضاءل عندها العجائب، والغرائب التي تخضع ~~لديها الغرائب، وإن صارت مألوفة بكثرة التكرار، والتجلي على الأبصار، هذا ~~إلى ما له من الآيات التي تزيد على العد، ولا يحصر بحد، من خلق السماوات ~~والأرض، واختلاف الليل والنهار، وتسخير الشمس والقمر والكواكب - وغير ~~ذلك، حقر آية أصحاب الكهف - وإن كانت من أعجب العجب - لاضمحلالها في جنب ~~ذلك، لأن الشيء إذا كان كذلك كثر ألفه فلم يعد عجبا، فنبه على ذلك بقوله ~~تعالى عطفا على ما تقديره: أعلمت أن هذا وغيره من عجائب قدرتنا؟: { أم ~~حسبت } على ما لك من العقل ms2725 الرزين والرأي الرصين { أن أصحاب الكهف } أي ~~الغار الواسع المنقور في الجبل كالبيت { والرقيم } أي القرية أو الجبل { ~~كانوا } هم فقط { من ءاياتنا عجبا * } على ما لزم من تهويل السائلين من ~~الكفرة من اليهود والعرب، والواقع أنهم - وإن كانوا من العجائب - ليسوا ~~بعجب بالنسبة إلى كثرة آياتنا، وبالنسبة إلى هذا العجب النباتي الذي ~~أعرضتم عنه بإلفكم له من كثرة تكرره فيكم، فإنه سبحانه أخرج نبات الأرض ~~على تباين أجناسه، واختلاف ألوانه وأنواعه، وتضاد طبائعه، من مادة واحدة، ~~يهتز بالينبوع، يبهج الناظرين ويروق المتأملين، ثم يوقفه ثم يرده باليبس ~~والتفرق إلى التراب فيختلط به حتى لا يميزه عن بقية التراب، ثم يرسل ~~الماء فيختلط بالتراب فيجمعه أخضر يانعا يهتز بالنمو على أحسن ما كان، ~~وهكذا كل سنة، فهذا بلا شك أعجب حالا ممن حفظت أجسامهم مدة عن التغير ثم ~~ردت أرواحهم فيها، وقد كان في سالف الدهر يعمر بعض الناس أكثر من مقدار ~~ما لبثوا، وهذا الكهف - قيل: هو في جبال بمدينة طرسوس وهو المشهور، وقال ~~أبو حيان: قيل: هو في الروم، وقيل: في الشام، وقيل: في الأندلس، قال: في ~~جهة غرناطة بقرب قرية تسمى لوشة كهف فيه موتى ومعهم كلب رمة، وأكثرهم قد ~~انجرد لحمه، وبعضهم متماسك وقد مضت القرون السالفة ولم نجد من عرف شأنهم، ~~ويزعم ناس أنهم أصحاب الكهف، ونقل عن ابن عطية قال: دخلت إليهم سنة أربع ~~وخمسمائة فرأيتهم بهذه الحالة وعليهم مسجد وقريب منهم بناء رومي يسمى ~~الرقيم، وهو في فلاة من الأرض، وبأعلى حضرة غرناطة مما يلي القبلة آثار ~~مدينة قديمة يقال لها مدينة دقيوس، ونقل أبو حيان عن أبيه أنه حين كان ~~بالأندلس كان الناس يزورون هذا الكهف ويذكرون أنهم يغلطون في عدتهم إذا ~~عدوهم وأن معهم كلبا، قال: وأما ما ذكرت من مدينة دقيوس التي بقبلي ~~غرناطة، فقد مررت عليها مرارا لا تحصى، قال: ويترجح كون أصحاب الكهف ~~بالأندلس - انتهى ملخصا. # قلت: وفيه نظر، والذي يرجح المشهور ما نقل البغوي وغيره عن سعيد ms2726 بن جبير ~~عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: غزونا مع معاوية بحر الروم فمررنا ~~بالكهف الذي فيه أصحاب الكهف فإن معاوية لم يصل إلى بلاد الأندلس والله ~~أعلم. # ولما صغر أمرهم بالنسبة إلى جليل آياته وعظيم بيناته وغريب مصنوعاته، ~~لخص قصتهم التي عدوها عجبا وتركوا الاستبصار على وحدانية الواحد القهار ~~بما هو العجب العجيب، والنبأ الغريب، فقال تعالى: { إذ أوى } أي كانوا ~~على هذه الصفة حين أووا، ولكنه أبرز الضمير لبيان أنهم شبان ليسوا بكثيري ~~العدد فليست لهم أسنان استفادوا بها من التجارب والتعلم ما اهتدوا إليه ~~من الدين والدنيا، ولا كثرة حفظوا بها ممن يؤذيهم أيقاظا ورقودا فقال ~~تعالى: { الفتية } وهو أصحاب الكهف المسؤول عنهم، والشبان أقبل للحق ~~وأهدى للسبيل من الشيوخ { إلى الكهف } المقارب لقريتهم المشهور ببلدتهم ~~فرارا بدينهم كما أويت أنت والصديق إلى غار ثور فرارا بدينكما { فقالوا ~~} عقب استقرارهم فيه: { ربنا ءاتنا } ولما كانت الموجودات - كما مضى عن ~~الحرالي في آل عمران - على ثلاث رتب: حكميات جارية على قوانين العادات، ~~وعنديات خارقة للمطردات ولدنيات مستغرقة في الأمور الخارقات، طلبوا ~~أعلاها فقالوا: { من لدنك } أي من مستبطن الأمور التي عندك ومستغربها { ~~رحمة } أي إكراما تكرمنا به كما يفعل الراحم بالمرحوم { وهيىء لنا } أي ~~جميعا لا تخيب منا أحدا { من أمرنا رشدا * } أي وجها ترشدنا فيه إلى ~~الخلاص في الدارين، لا جرم صارت قصتهم على حسب ما أجابهم ربهم بديعة ~~الشأن فردة في الزمان، يتحدث بها في سائر البلدان، في كل حين وأوان. # ولما أجابهم سبحانه، عبر عن ذلك بقوله تعالى: { فضربنا } أي عقب هذا ~~القول وبسببه { على ءاذانهم } أي سددناها وأمسكناها عن السمع، وكان أصله؛ ~~ضربنا عليها حجابا بنوم ثقيل لا تزعج منه الأصوات، لأن من كان مستيقظا ~~أو نائما نوما خفيفا وسمعه صحيح سمع الأصوات { في الكهف } أي المعهود. # ولما كانت مدة لبثهم نكرة بما كان لأهل ذلك الزمان من الشرك، عبر بما ~~يدل على النكرة فقال تعالى: { سنين }: ولما كان ربما ظن أنه ذكر ms2727 السنين ~~للمبالغة لأجل بعد هذا النوم عن العادة، حقق الأمر بأن قال مبدلا منها ~~معرفا لأن المراد بجمع القلة هنا الكثرة: { عددا } أي متكاثرة؛ قال ~~الزجاج كل شيء مما يعد إذا ذكر فيه العدد ووصف أريد كثرته لأنه إذا قل ~~فهم مقدار عدده بدون التقدير فلم يحتج إلى أن يعد. { ثم بعثناهم } أي ~~نبهناهم من ذلك النوم { لنعلم } علما مشاهدا لغيرنا كما كنا نعلم غيبا ~~ما جهله من يسأل فيقول: { أي الحزبين } هم أو من عثر عليهم من أهل زمانهم ~~{ أحصى } أي حسب وضبط { لما } أي لأجل علم ما { لبثوا أمدا * } أي وقع ~~إحصاءه لمدة لبثهم فإنهم هم أحصوا لبثهم فقالوا: لبثنا يوما أو بعض يوم، ~~ثم تبرؤوا من علم ذلك وردوه إلى عالمه وأهل البلد، أحصوا ذلك بضرب النقد ~~الذي وجد معهم أو غير ذلك من القرائن التي دلتهم عليه، ولكنهم وإن صادق ~~قولهم ما في نفس الأمر أو قريبا منه فعلى سبيل الظن والتقريب، لا القطع ~~والتحديد، بقوله تعالى # قل الله أعلم بما لبثوا # [الكهف: 26] فإذا علم بجهل كل من الحزبين بأمرهم أن الله هو المختص بعلم ~~ذلك، علم أنه المحيط بصفات الكمال، وأنه لم يتخذ ولدا، ولا له شريك في ~~الملك، وأنه أكبر من كل ما يقع في الوهم. ### || [18.13-15] # ولما كان الكلام على اختلاف وقع في مدتهم، وكان الحزبان معا هم ومن ~~خالفهم متقاربين في الجهل بإحصائه على سبيل القطع وكان اليهود الذين ~~أمروا قريشا بالسؤال عن أمرهم تشكيكا في الدين لا يعلمون أمرهم على ~~الحقيقة، نبه على ذلك بقوله - جوابا لمن كأنه قال: أيهما أحصاه؟: { نحن ~~} أو يقال: ولما أخبر الله سبحانه عن مسألة قريش الثانية، وهي قصة أهل ~~الكهف، مجملا لها بعض الإجمال بعد إجمال الجواب عن المسألة الأولى، وهي ~~الروح، كان السامع جديرا بأن تستشرف نفسه إلى بيان أكثر من ذلك فيضيق ~~صدره خشية الاقتصار على ما وقع من ذلك من الأخبار، فقال جوابا لمن كأنه ~~قال: اسأل الإيضاح وبيان الحق من خلاف ms2728 الحزبين: نحن { نقص } أي نخبر ~~إخبارا تابعا لآثارهم قدما فقدما { عليك } على وجه التفصيل { نبأهم ~~بالحق } أي خبرهم العظيم وليس أحد غيرنا إلا قصا ملتبسا بباطل: زيادة ~~أو نقص، فكأنه قيل: ما كان نبأهم؟ فقال تعالى: { إنهم فتية } أي شبان { ~~ءامنوا بربهم } المحسن إليهم الناظر في مصالحهم الذي تفرد بخلقهم ورزقهم، ~~وهداهم بما وهب لهم في أصل الفطرة من العقول الجيدة النافعة. # ولما دل على الإحسان باسم الرب، وكان في فعله معهم من باهر القدرة ما لا ~~يخفى، التفت إلى مقام العظمة فقال تعالى عاطفا على ما تقديره: فاهتدوا ~~بإيمانهم: { وزدناهم } بعد أن آمنوا { هدى } بما قذفنا في قلوبهم من ~~المعارف، وشرحنا لهم صدورهم من المواهب التي حملتهم على ارتكاب المعاطب، ~~والزهد في الدنيا والانقطاع إليه { وربطنا } بما لنا من العظمة { على ~~قلوبهم } أي قويناها، فصار ما فيها من القوى مجتمعا غير مبدد، فكانت ~~حالهم في الجلوة كحالهم في الخلوة { إذ قاموا } لله تعالى حق القيام في ~~ذلك الجيل الكافرين بين يدي طاغيتهم دقيانوس { فقالوا } مخالفين لهم: { ~~ربنا } الذي يستحق أن نفرده بالعبادة لتفرده بتدبيرنا، هو { رب السماوات ~~والأرض } أي موجدهما ومدبرهما { لن ندعوا من دونه إلها * } بعد أن ثبت ~~عجز كل من سواه، والله { لقد قلنا إذا } أي إذا دعونا من دونه غيره { ~~شططا } أي قولا ذا بعد مفرط عن الحق جدا؛ ثم شرعوا يستدلون على كونه ~~شططا بأنه لا دليل عليه، ويجوز أن يكونوا لما قالوا ذلك عرض لهم الشيطان ~~بشبهة التقليد فقالوا مجيبين عنها: { هؤلاء } وأن يكونوا قالوا ذلك للملك ~~إنقاذا له من شرك الجهل، وبين المشار إليهم بقولهم: { قومنا } أي وإن ~~كانوا أسن منا وأقوى وأجل في الدنيا { اتخذوا } أي مخالفين مع منهاج ~~العقل داعي الفطرة الأولى { من دونه ءالهة } أشركوهم معه لشبهة واهية ~~استغواهم بها الشيطان؛ ثم استأنفوا على طريق التخصيص ما ينبه على أنهم من ~~حين عبادتهم إلى الآن لم يأتوا على ذلك بدليل، فقالوا منبهين على فساد ~~التقليد في أصول الدين وأنه لا ms2729 مقنع فيه بدون القطع: { لولا } أي هلا { ~~يأتون } الآن. # ولما كانوا بعبادتهم لهم قد أحلوهم محل العلماء، قال تعالى: { عليهم } ~~أي على عبادتهم إياهم، وحققوا ما أرادوا من الاستعلاء بقولهم: { بسلطان } ~~أي دليل قاهر { بين } مثل ما نأتي نحن على تفرد معبودنا بالأدلة الظاهرة، ~~والبراهين الباهرة، فإن مثل هذا الأمر لا يقنع فيه بدون ذلك، وقد جمعنا ~~الأدلة كلها في الاستدلال على تفرد الله باستحقاقه للعبادة بأنه تفرد ~~بخلق الوجود، فتسبب عن عجزهم عن دليل أنهم أظلم الظالمين لافتعالهم الكذب ~~عن ملك الملوك ومالك الملك، فلذلك قالوا: { فمن أظلم ممن افترى } أي تعمد ~~{ على الله } أي الملك الأعظم { كذبا * } فالآية دالة على فساد التقليد ~~في الوحدانية. ### || [18.16-17] # ولما استدلوا على معتقدهم، وعلموا سفه من خالفهم، وهم قوم لا يدان لهم ~~بمقاومتهم، لكثرتهم وقلتهم، تسبب عن ذلك هجرتهم ليسلم لهم دينهم، فقال ~~تعالى شارحا لما بقي من أمرهم، عاطفا على ما تقديره: وقالوا أو من شاء ~~الله منهم حين خلصوا من قومهم نجيا: لا ترجعوا إلى قومكم أبدا ما داموا ~~على ما هم عليه، هذا إن كان المراد قيامهم بين يدي دقيانوس، وإن كان ~~المراد من القيام الانبعاث بالعزم الصادق لم يحتج إلى هذا التقدير: { وإذ ~~} أي حين { اعتزلتموهم } أي قومكم { وما } أي واعتزلتم ما { يعبدون إلا ~~الله } أي الذي له صفات الكمال، وهذا دليل على أنهم كانوا يشركون، ويجوز ~~أن يكونوا سموا الانقياد كرها لمشيئته والخضوع بزعمهم لاقضيته عبادة { ~~فأوا } أي بسبب هذا الاعتزال، وهذا دليل العامل في { إذ } { إلى الكهف } ~~أي الغار الذي في الجبل { ينشر } أي يحيي ويبعث { لكم ربكم } الذي لم يزل ~~يحسن إليكم { من رحمته } ما يكفيكم به من المهم من أمركم { ويهيىء لكم من ~~أمركم } الذي من شأنه أن يهمكم { مرفقا * } ترتفقون به، وهو بكسر الميم ~~وفتح الفاء في قراءة الجماعة، وبفتحها وكسر الفاء للنافع وابن عامر، وهذا ~~الجزم من آثار الربط على قلوبهم بما علموا من قدرته على كل شيء، وحمايته ~~من لاذ به ms2730 ولجأ إليه وعبده وتوكل عليه، ففعلوا ذلك ففعل الله ما رجوه ~~فيه، فجعل لهم أحسن مرفق بأن أنامهم ثم أقامهم بعد مضي قرون ومرور دهور، ~~وهدى بهم ذلك الجيل الذي أقامهم فيه { وترى } لو رأيت كهفهم { الشمس إذا ~~طلعت }. # ولما كان حالهم خفيا، وكذا حال انتقال الشمس عند من لم يراقبه، أدغم ~~تاء التفاعل نافع وابن كثير وأبو عمرو، وأسقطها عاصم وحمزة والكسائي، ~~فقال تعالى: { تزاور } أي تتمايل وتتحرف، ولعل قراءة ابن عامر ويعقوب ~~تزور بوزن تحمر ناظرة إلى الحال عند نهاية الميل { عن كهفهم } بتقلص ~~شعاعها بارتفاعها إلى أن تزول { ذات اليمين } إذا كنت مستقبلا القبلة ~~وأنت متوجه إليه أو مستقبلا الشمس فيصيبهم من حرها ما يمنع عنهم التعفن ~~ويمنع سقف الكهف شدة الحرارة المفسدة في بقية النهار { وإذا غربت } أي ~~أخذت في الميل إلى الغروب { تقرضهم } أي تعدل في مسيرها عنهم { ذات ~~الشمال } كذلك، لئلا يضرهم شدة الحرارة، ويصيبهم من منافعها مثل ما كان ~~عند الطلوع، فلا يزال كهفهم رطبا، ويأتيه من الهواء الطيب والنسيم ~~الملائم ما يصونهم عن التعفن والفساد، فتحرر بذلك أن باب الغار مقابل ~~لبنات نعش، وأن الجبل الذي هم فيه شمالي مكة المشرفة، ويجوز أن يكون ~~المراد يمين من يخرج من الكهف وشماله، فلا يلزم ذلك، وقال الأصبهاني: ~~قيل: إن باب ذلك كان مفتوحا إلى جانب الشمال إذا طلعت الشمس عن يمين ~~الكهف، وإذا غربت كانت على شماله. # ومادة (قرض) وليس لها إلا هذا التركيب - تدور على القطع، ويلزمه الميل ~~عن الشيء والعدول والازورار عنه، قرضت الشيء، - بالفتح - أقرضه - بالكسر: ~~قطعته بالمقراض أو بغيره - لأنك إذا وصلت إليه فقد حاذيته فإذا قطعته ~~تجاوزته فانحرفت عنه، والقرض: قول الشعر خاصة - لأنه لا شيء من الكلام ~~يشبهه فهو مقطوع منه مائل عنه بما خص به من الميزان، وهل مررت بمكان كذا؟ ~~فتقول: قرضته ذات اليمين ليلا، أي كان عن يميني، والقرض: ما تعطيه من ~~المال لتقضاه - لأنك قطعته من مالك، والقرض - بالكسر: لغة فيه عن ~~الكسائي، ms2731 والقرض: ما سلفت من إحسان أو إساءة - على التشبيه، والتقريض: ~~المدح والذم - لأنه يميز الكلام فيه تمييزا ظاهرا، وهما يتقارضان كذا - ~~كأن كلا منهما مقرض لصاحبه وموف له على ما أقرضه، والمقارضة: المضاربة ~~- لأن صاحب المال قطع من ماله، والعامل قطع من عمله حصة لهذا المال، قرض ~~فلان الرباط - إذا مات، لأنه إذا انقطعت حياته انقطع كل رباط له في ~~الدنيا، وجاء فلان وقد قرض رباطه - إذا جاء مجهودا قد أشرف على الموت - ~~كأنه أطلق عليه ذلك للمقاربة، والمقارضة: المشاتمة - لقطعها العرض وما ~~بين المتشاتمين، والاقتراض: الاغتياب - من ذلك ومن القرض أيضا، لأن من ~~اغتاب اغتيب، وقرض - بالكسر - إذا زال من شيء إلى شيء - لأنه بوصل الثاني ~~قطع الأول، وقرض - إذا مات، والمقارض: الزرع القليل - إما للإزالة على ~~الضد من الكثير، أو تشبيه بمواضع الاستقاء في البئر القليلة الماء، فإن ~~المقارض أيضا المواضع التي يحتاج المستقي إلى أن يقرض منها الماء، أي ~~يميح، أي يدخل الدلو في البئر فيملأها لقلة الماء - لأنها مواضع قطع ~~الماء برفعه عن البئر والمقارض أيضا: الجرار الكبار - كأنها لكبرها ~~وقطعها كثيرا من الماء هي التي قطعت دون الصغار، وما عليه قراض، أي ما ~~يقرض عنه العيون فيستره لتعدل عنه العيون - لعدم نفوذها إلى جلده، والقرض ~~في السير هو أن تعدل عن الشيء في مسيرك، فإذا عدلت عنه فقد قرضته، ~~والمصدر القرض وأصله من القطع، وابن مقرض - كمنبر: ويبة تقتل الحمام - ~~كأنها سميت لقطعها حياة الحمام، وقرض البعير جرته: مضغها فهي قريض - ~~لتقطيعها بالمضغ ولقطعها من بطنه بردها إلى حنكه للمضغ. # ولما بين تعالى أنه حفظهم من حر الشمس، بين أنه أنعشهم بروح الهواء، ~~وألطفهم بسعة الموضع في فضاء الغار فقال: { وهم في فجوة منه } أي في وسط ~~الكهف ومتسعه. # ولما شرح هذا الأمر الغريب، والنبأ العجيب، وصل به نتيجته فقال تعالى: { ~~ذلك } أي المذكور العظيم من هدايتهم، وما دبروا لأنفسهم، وما دبر لهم من ~~هذا الغار المستقبل للنسيم الطيب المصون عن كل مؤذ، وما حقق ms2732 به رجاءهم ~~مما لا يقدر عليه سواه { من ءايات الله } أي الملك الأعلى المحيط بكل شيء ~~علما وقدرة، وإن كان إذا قيس إلى هذا القرآن القيم وغيره مما خصت به هذه ~~الأمة كان يسيرا. # ولما كان انفرادهم بالهدى عن أهل ذلك القرن كلهم عجبا، وصل به ما إذا ~~تؤمل زال عجبه فقال تعالى: { من يهد } ولو أيسر هداية - بما دل عليه حذف ~~الياء في الرسم { الله } أي الذي له الأمر كله بخلق الهداية في قلبه ~~للنظر في آياته التي لا تعد والانتفاع بها { فهو } خاصة { المهتد } في أي ~~زمان كان، فلن تجد له مضلا مغويا { ومن يضلل } إضلالا ظاهريا بما دل ~~عليه الإظهار بإعمائه عن طريق الهدى، فهو لا غيره الضال { فلن تجد له } ~~أصلا من دونه، لأجل أن الله الذي له الأمر كله ولا أمر لأحد معه أضله { ~~وليا مرشدا * } فتجده يرى الآيات بعينه، ويسمعها بأذنه، ويحسها بجميع ~~حواسه، ولا يعلم أنها آيات فضلا عن أن يتدبرها وينتفع بها، فالآية من ~~الاحتباك: ذكر الاهتداء أولا دليلا على حذف الضلال ثاينا، والمرشد ~~ثانيا دليلا على حذف المضل أولا. ### || [18.18-19] # ولما نبه سبحانه هذا التنبيه تسلية للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ~~وتثبيتا أن يبخع نفسه، عطف على ما مضى بقية أمرهم فقال: { وتحسبهم ~~أيقاظا } لانفتاح أعينهم للهواء ليكون أبقى لها، ولكثرة حركاتهم { وهم ~~رقود ونقلبهم } بعظمتنا في حال نومهم تقليبا كثيرا بحسب ما ينفعهم كما ~~يكون النائم { ذات } أي في الجهة التي هي صاحبة { اليمين } منهم { وذات ~~الشمال } لينال روح النسيم جميع أبدانهم ولا يتأثر ما يلي الأرض منها ~~بطول المكث { وكلبهم باسط } وأعمل اسم الفاعل هذا، لأنه ليس بمعنى الماضي ~~بل هو حكاية حال ماضية فقال: { ذراعيه بالوصيد } أي بباب الكهف وفنائه ~~كما هي عادة الكلاب، وذكر هذا الكلب على طول الآباد بجميل هذا الرقاد من ~~بركة صحبة الأمجاد. # ولما كان هذا مشوقا إلى رؤيتهم، وصل به ما يكف عنه بقوله تعالى: { لو ~~اطلعت عليهم } وهم على تلك ms2733 الحال { لوليت منهم فرارا } أي حال وقوع بصرك ~~عليهم { ولملئت } في أقل وقت بأيسر أمر { منهم رعبا * } لما ألبسهم الله ~~من الهيبة، وجعل لهم من الجلالة، وتدبيرا منه لما أراد منهم { وكذلك } ~~أي فعلنا بهم هذا من آياتنا من النوم وغيره، ومثل ما فعلناه بهم { ~~بعثناهم } بما لنا من العظمة { ليتساءلوا } وأظهر بالافتعال إشارة إلى ~~أنه في غاية الظهور. ولما كان المراد تساؤلا عن أخبار لا تعدوهم قال ~~تعالى: { بينهم } أي عن أحوالهم في نومهم ويقظتهم فيزدادوا إيمانا، ~~وثباتا وإيقانا، بما ينكشف لهم من الأمور العجيبة، والأحوال الغريبة ~~فيعلم أنه لا علم لأحد غيرنا، ولا قدرة لأحد سوانا، وأن قدرتنا تامة، ~~وعلمنا شامل، فليعلم ذلك من أنكر قدرتنا على البعث وسأل اليهود البعداء ~~البغضاء عن نبيه الحبيب الذي أتاهم بالآيات، وأراهم البينات، فإن كانوا ~~يستنحصون اليهود فليسألوهم عما قصصنا من هذه القصة، فإن اعترفوا به لزمهم ~~جميعا الإيمان والرجوع عن الغي والعدوان، وإن لم يؤمنوا علم قطعا أنه ~~لا يؤمن من أردنا هدايته بالآيات البينات كأهل الكهف وغيرهم، لا بإنزال ~~الآيات المقترحات. # ولما كان المقام مقتضيا لأن يقال: ما كان تساؤلهم؟ أجيب بقوله تعالى: { ~~قال قائل منهم } مستفهما من إخوانه: { كم لبثتم } نائمين في هذا الكهف ~~من ليلة أو يوم، وهذا يدل على أن هذا القائل استشعر طول لبثهم بما رأى من ~~هيئتهم أو لغير ذلك من الأمارات؛ ثم وصل به في ذلك الأسلوب أيضا قوله ~~تعالى: { قالوا لبثنا يوما } ودل على أن هذا الجواب مبني على الظن بقوله ~~دالا حيث أقرهم عليه سبحانه على جواز الاجتهاد والقول بالظن المخطىء، ~~وأنه لا يسمى كذبا وإن كان مخالفا للواقع { أو بعض يوم } كما تظنون ~~أنتم عند قيامكم من القبور إن لبثتم إلا قليلا، لأنه فرق بين صديق ~~وزنديق في الجهل بما غيبه الله تعالى: فكأنه قيل: على أي شيء استقر أمرهم ~~في ذلك؟ فأجيب بأنهم ردوا الأمر إلى الله بقوله: { قالوا } أي قال بعضهم ~~إنكارا على أنفسهم ووافق الباقون بما عندهم ms2734 من التحاب في الله والتوافق ~~فيه في الحقيقة إخوان الصفا وخلان الألفة والوفا { ربكم } المحسن إليكم { ~~أعلم } أي من كل أحد { بما لبثتم فابعثوا } أي فتسبب عن إسناد العلم إلى ~~الله تعالى أن يقال: اتركوا الخوض في هذا واشتغلوا بما ينفعكم بأن تبعثوا ~~{ أحدكم بورقكم } أي فضتكم { هذه } التي جمعتموها لمثل هذا { إلى المدينة ~~} التي خرجتم منها وهي طرطوس ليأتينا بطعان فإنا جياع { فلينظر أيها } أي ~~أي أهلها { أزكى } أي أطهر وأطيب { طعاما فليأتكم } ذلك الأحد { برزق ~~منه } لنأكل { وليتلطف } في التخفي بأمره حتى لا يتفطنوا له { ولا يشعرن ~~} أي هذا المبعوث منكم في هذا الأمر { بكم أحدا * } أن فطنوا له فقبضوا ~~عليه، وإن المعنى: لا يقولن ولا يفعلن ما يؤدي من غير قصد منه إلى الشعور ~~بكم فيكون قد أشعر بما كان منه من السبب، وفي قصتهم دليل على أن حمل ~~المسافر ما يصلحه من المنفعة رأى المتوكلين لا المتآكلين المتكلين على ~~الإنفاقات على ما في أوعية القوم من النفقات، وفيها صحة الوكالة؛ ومادة ~~(ورق) بجميع تراكيبها الخمسة عشر قد تقدم في سورة سبحان وغيرها أنها تدور ~~على الجمع، فالورق مثلثة وككتف وجبل: الدراهم المضروبة - تشبيها بالورق ~~في الشكل وفي الجمال، وبها جمع حال الإنسان، وحالها مقتض للجمع، ~~والوراق: الكثير الدراهم وهو أيضا مورق الكتب، وحرفته الوراقة، وما ~~زلت منك موارقا، أي قريبا مدانيا - أي كالذي يساجلك في قطاف الورق من ~~شجرة واحدة فهو يأخذ من ناحية وأنت من أخرى، والمداناة: أول الجمع والورق ~~- محركة: جمال الدنيا وبهجتها - لأنها تجمع ألوانا وأنواعا، ولعل منه ~~الورقة، قال في مختصر العين: إنها سواد في غبرة. # وحمامة ورقاء - أي منه، وفي القاموس: والأورق من الإبل: ما في لونه بياض ~~إلى سواد، ورأى رجل الغول على جمل أورق فقال: جاء بأم الربيق على أريق، ~~أي بالداهية العظيمة، صغر الأورق كسويد في أسود، والأصل وريق فقلبت واوه ~~همزة، والأورق أيضا من الكتاب والشجر معروف - لأنك لا تكاد تحد واحدة ~~منه على لون واحد، ولأنه ms2735 يجمع الواحدة منه إلى الأخرى ويجمع معنى ما ~~يحمله، قال في مختصر العين: والورق: أدم رقاق منه ورق المصحف، والورق ~~أيضا: الخبط - لأنه لما كانت الإبل تعلفه كان كأنه هو الورق لا غيره، ~~والورق: الحي من كل حيوان - لأن الحياة هي الجمال، وبها جماع الأمور، ~~ولأن الورق دليل على حياة الحي من الشجر، فهو من إطلاق اسم الدال على ~~المدلول، والورق أيضا: ما استدار من الدم على الأرض، أو ما سقط اسم من ~~الجراحة - لأن الاستدارة أجمع الأشكال، وهو تشبيه بورق الشجر في الشكل، ~~والورق: المال من إبل ودراهم وغيرها - لأن جماع حياة الإنسان وكمالها ~~بذلك كما أن كمال حياة الشجر بالورق، ولرعي المال من الحيوان الورق، ~~والورق: حسن القوم وجمالهم - من ذلك، لأنه يجمع أمرهم ويجمع إليهم غيرهم، ~~والورق من القوم: أحداثهم أو الضعاف من الفتيان - تشبيه بالورق لأنه لا ~~يقيم غالبا أكثر من عام، ولأنه ضعيف في نفسه، وضعيف النفع بالنسبة إلى ~~الثمر، والورقة - بهاء: الخسيس والكريم، ضد - للنظر تارة إلى كونه نافعا ~~للمرعى ودالا على الحياة، وإلى كونه غير مقصود بالذات أخرى، ورجل ورق ~~وامرأة ورقة: خسيسان أي لا ثمرة لهما، ومن ذلك أورق الصائد - إذا رمى ~~فأخطأ أي لم يقع على غير الورق، أي لم تحصل له ثمرة، بل وقع على شجرة غير ~~مثمرة، وكذا أورق القوم: أخفقوا في حاجتهم، أي رجعوا بلا ثمرة، ومن ذلك ~~أيضا أورقوا: كثر مالهم ودراهمهم - ضد، هذا بالنظر إلى أن في الورق جمال ~~الشجر وحياته، والتجارة مؤرقة للمال كمجلبة أي مكثرة؛ ومنه قول القزاز في ~~ديوانه: هذا رجل مؤرق له دراهم، والمؤرق: الذي لا شيء له - ضد، أو أنه ~~تارة يكون للإيجاب والصيرورة نحو أغد البعير، وتارة للسلب نحو أشكيته، ~~والوراق ككتاب: وقت خروج الورق من الشجر، وشجرة وريقة وورقة: كثيرة ~~الورق، والوارقة: الشجرة الخضراء الورق الحسنته، والوراق - كسحاب: خضرة ~~الأرض من الحشيش، وليس من الورق في شيء، وذلك أن تلك الخضرة لا تخلو عن ~~لون آخر، والرقة - كعدة: أول ms2736 نبات النصي والصليان وهما نباتان أفضل مراعي ~~الإبل، لأنهما سبب لجمع المال للرعي، والرقة: الأرض التي يصيبها المطر في ~~الصفرية - أي أول الخريف - أو في القيظ فتنبت فتكون خضراء - كأن ذلك ~~النبات يكون أقل خضرة من نبات الربيع، ويكون اختلاطه لغيره من الألوان ~~أكثر مما في الربيع، وفي القوس ورقة - بالفتح: عيب، والورقاء: الذئبة - ~~من أجل أن الورق الخالي عن الثمر تقل الرغبة في شجره وهو دون المثمر، ~~ولأن الورق مختلط اللون، والاختلاط في كل شيء عيب بالنسبة إلى الخالص، ~~وتورقت الناقة: أكلت الورق. # وقار الرجل يقور: مشى على أطراف قدميه لئلا يسمع صوتهما - لأن فاعل ذلك ~~جدير بالوصول إلى ما أراد مما يجمع شمله، ومنه قار الصيد: ختله - لأن أهل ~~الخداع أولى بالظفر، ألا ترى الأسود تصاد به، ولو غولبت عز أخذها، وقار ~~الشيء: قطعه من وسطه خرقا مستديرا كقوره - لأن الثوب يصير بذلك الخرق ~~يجمع ما يراد منه، والاستدارة أجمع الأشكال كما سلف، والقوارة - كثمامة: ~~ما قور الثوب وغيره، أو يخص بالأديم، وما قطعت من جوانب الشيء، والشيء ~~الذي قطع من جوانبه - ضد، وهو من تسميه موضع الشيء باسمه، والقارة: الجبل ~~الصغير الصلب المنقطع عن الجبال - لشدة اجتماع أجزائه بالصلابة واجتماعه ~~في نفسه بانقطاعه عن غيره مما لو خالطه لفرقه، ولم يعرف حد على ما هو، ~~والقارة: الصخرة العظيمة، والأرض ذات الحجارة السود - لاجتماعها في نفسها ~~بتميزها عن غيرها بتلك الحجارة، ودار قوراء: واسعة - تشبيها بقوارة ~~الثواب، ولأنها كلما اتسعت كانت أجمع، والقار: الإبل أو القطيع الضخم ~~منها، والاقورار: تشنج الجلد وانحناء الصلب هزالا وكبرا - لأن كلا من ~~التشنج والانحناء اجتماع، والاقورار: الضمر - لأن الضامر اجتمعت أجزاؤه، ~~والاقورار: السمن - ضد، لأن السمين جمع اللحم والشحم، والاقورار: ذهاب ~~نبات الأرض - لأنها تصير بذلك قوراء فتصير أجدر بأن تسع الجموع، ويمكن أن ~~يكون الأقورار كله من السلب إلا ما للسمن، والقور: القطن الحديث أو ما ~~رزع من عامة لأنه يلبس فيجمع البدن، ولقيت منه الأقورين - بكسر الراء، ~~والأقوريات أي الدواهي ms2737 القاطعة - تشبيها بما قور من الثوب، فهي للسلب، ~~والقور - محركة: العين - لأن محلها يشبه القوارة، والمقور - كمعظم: ~~المطلي بالقطران - لاجتماع أجزائه بذلك، واقتار: احتاج، أي صار أهلا لأن ~~يجمع، وتقور الليل: تهور، أي مضى، من القطع، وتقورت الحية: تثنت أي ~~تجمعت، والقار: شجر مر - كأنه الذي تطلى به السفن، وهذا أقير من هذا: أشد ~~مرارة - لأن المرارة تجمع اللهوات عند الذوق، والقارة قبيلة - لأن ابن ~~الشداخ أراد أن يفرقهم فقال شاعرهم: # دعونا قارة لا تذعرونا # فنجفل مثل إجفال الظليم # فسموا القارة بهذا وكانوا رماة، وفي المثل: قد أنصف القارة من راماها. # والرقوة: فويق الدعص من الرمل، ويقال رقو، بلا هاء - كأنه لجمعه الكثير ~~من الرمل، أو لجمعه من يطلب الإشراف على الأماكن البعيدة بالعلو عليه ~~لترويح النفس - والله الموفق. ### || [18.20-21] # ولما نهوا رسولهم عن الإشعار بهم عللوا ذلك فقالوا: { إنهم } أي أهل ~~المدينة { إن يظهروا } أي يطلعوا عالين { عليكم يرجموكم } أي يقتلوكم ~~أخبث قتله إن استمسكتم بدينكم { أو يعيدوكم } قهرا { في ملتهم } إن لنتم ~~لهم { ولن تفلحوا إذا } أي إذا عدتم فيها مطمئنين بها، لأنكم وإن أكرهتم ~~ربما استدرجكم الشيطان بذلك إلى الإجابة حقيقة { أبدا * } أي فبعثوا ~~أحدهم فنظر الأزكى وتلطف في الأمر، فاسترابوا منه لأنهم أنكروا ورقه ~~لكونها من ضرب ملك لا يعرفونه فجهدوا به فلم يشعر بهم أحدا من ~~المخالفين، وإنما أشعر بهم الملك لما رآه موافقا لهم في الدين لأنه لم ~~يقع النهي عنه { وكذلك } أي فعلنا بهم ذلك الأمر العظيم من الربط على ~~قلوبهم، والستر لأخبارهم والحماية من الظالمين والحفظ لأجسامهم على مر ~~الزمان، وتعاقب الحدثان، ومثل ما فعلنا بهم ذلك { أعثرنا } أي أظهرنا ~~إظهار أضطراريا، أهل البلد وأطلعناهم، وأصله أن الغافل عن الشيء ينظر ~~إليه إذا عثر به نظر إليه فيعرفه، فكان العثار سببا لعلمه به فأطلق اسم ~~السبب على المسبب { عليهم ليعلموا } أي أهل البلد بعد أن كان حصل لبعضهم ~~شك في حشر الأجساد لأن اعتقاد اليهود والنصارى أن البعث إنما هو للروح ~~فقط ms2738 { أن وعد الله } الذي له صفات الكمال بالبعث للروح والجسد معا { حق ~~} لأن قيامهم بعد نومهم نيفا وثلاثمائة سنة مع خرق العادة بحفظ أبدانهم ~~عن الفناء من غير أكل ولا شرب مثل قيام من مات بجسمه الذي كان سواء على ~~أن مطلق النوم دال على ذلك كما قال بعض العارفين " علمك باليقظة بعد ~~النوم علم بالبعث بعد الموت، والبرزخ واحد غير أن للروح بالجسم في النوم ~~تعلقا لا يكون بالموت، وتستيقظ على ما نمت عليه كذلك تبعث على ما مت ~~عليه ". # ولما كان من الحق ما قد يداخله شك قال تعالى: { وأن } أي وليعلموا أن { ~~الساعة لا ريب فيها } مبينا أنها ليست موضع شك أصلا لما قام عليها من ~~أدلة العقل، المؤيد في كل عصر بقواطع النقل، ومن طالع تفسير ( الزيتون) ~~من كتابي هذا حصل له هذا ذوقا؛ ثم بين أن هذا الإعثار أتاهم بعلم نافع ~~حال تجاذب وتنازع فقال: { إذ } أي ليعلموا ذلك، وأعثرنا حين { يتنازعون } ~~أي أهل المدينة. # ولما كان التنازع في الغالب إنما يكون ما بين الأجانب، وكان تنازع هؤلاء ~~مقصورا عليهم كان الأهم بيان محله فقدمه فقال تعالى: { بينهم أمرهم } أي ~~أمر أنفسهم في الحشر فقائل يقول: تحشر الأرواح مجردة: وقائل يقول: ~~بأجسادها، أو أمر الفتية فقائل يقول: ناس صالحون، وناس يقولون: لا ندري ~~من أمرهم غير أن الله تعالى أراد هدايتنا بهم { فقالوا } أي فتسبب عن هذا ~~الإعثار أو التنازع أن قال أكثرهم: { ابنوا عليهم } على كل حال { بنيانا ~~} يحفظهم، واتركوا التنازع فيهم، ثم عللوا ذلك بقولهم: { ربهم } أي ~~المحسن إليهم بهدايتهم وحفظهم وهداية الناس بهم { أعلم بهم } أن كانوا ~~صالحين أو لا، وأما أنتم فلا طريق لكم إلى علم ذلك؛ ثم استأنف على طريق ~~الجواب لمن كأنه قال: ماذا فعلوا؟ فقال: { قال الذين غلبوا على } أي وقع ~~أن كانوا غالبين على { أمرهم } أي ظهروا عليه وعلموا أنهم ناس صالحون ~~فروا بدينهم من الكفار وضعف من ينازعهم؛ ويجوز - وهو أحسن - أن يكون ~~الضمير لأهل البلد ms2739 أو للغالبين أنفسهم، إشارة إلى أن الرؤساء منهم وأهل ~~القوة كانوا أصلحهم إيماء إلى أن الله تعالى أصلح بهم أهل ذلك الزمان { ~~لنتخذن عليهم } ذلك البنيان الذي اتفقنا عليه { مسجدا * } وهذا دليل على ~~أنهم حين ظهروا عليهم وكلموهم أماتهم الله بعد أن علموا أن لهم مدة طويلة ~~لا يعيش مثلها أحد في ذلك الزمان، وقبل أن يستقصوا جميع أمرهم، وفي قصتهم ~~ترغيب في الهجرة. ### || [18.22-24] # ولما ذكر تعالى تنازع أولئك الذين هداهم الله بهم، ذكر ما يأتي من إفاضة ~~من علم قريشا أن تسأل صلى الله عليه وعلى آله وسلم منهم في الفضول الذي ~~ليس لهم إليه سبيل، ولا يظفرون فيه بدليل علما من أعلام النبوة فقال ~~تعالى: { سيقولون } أي أهل الكتاب ومن وافقهم في الخوض في ذلك بعد ~~اعترافهم بما قصصت عليك من نبأهم بوعد لا خلف فيه: هم { ثلاثة } أشخاص { ~~رابعهم كلبهم } ولا علم لهم بذلك، ولذلك أعراه عن الواو فدل إسقاطها على ~~أنهم ليسوا ثلاثة وليس الكلب رابعا { ويقولون } أي وسيقولون أيضا: { ~~خمسة سادسهم كلبهم }. # ولما تغير قولهم حسن جدا قوله تعالى: { رجما بالغيب } أي رميا بالأمر ~~الغائب عنهم الذي لا اطلاع لهم عليه بوجه { ويقولون } أيضا دليلا على ~~أنه لا علم لهم بذلك: { سبعة وثامنهم كلبهم } وتأخير هذا عن الرجم - وإن ~~كان ظنا - مشعر بأنه حق، ويؤيده هذه الواو التي تدخل على الجملة الواقعة ~~صفة للنكرة كما تدخل الواو حالا عن المعرفة في نحو # إلا ولها كتاب معلوم # [الحجر: 4] فإن فائدتها توكيد لصوق الصفة بالموصوف، والدلالة على أن ~~اتصاف الموصوف بالصفة أمر ثابت مستقر، فدلت هذه الواو على أن أهل هذا ~~القول قالوه عن ثبات علم وطمأنينة نفس، ولم يرجموا بالظن، وفي براءة، ~~كلام نفيس عن اتباع الوصف تارة بواو وتارة مجردا عنها. فلما ظهر كالشمس ~~أنه لا علم لهم بذلك كان كأنه قيل: ماذا يقال لهم؟ فقيل: { قل ربي } أي ~~المحسن إلي بإعلامي بأمرهم وغيره { أعلم بعدتهم } أي التي لا زيادة فيها ~~ولا نقص، فكان ms2740 كأنه قيل: قد فهم من صيغة " أعلم " أم من الخلق من يعلم ~~أمرهم فقيل: { ما يعلمهم إلا قليل * } أي من الخلق وهو مؤيد لأنهم أصحاب ~~القول الغالب، وهو، قول ابن عباس رضي الله عنهما، وكان يقول: أنا من ذلك ~~القليل. { فلا } أي فتسبب عن ذلك أن يقول لك على سبيل البت الداخل تحت ~~النهي عن قفو ما ليس لك به علم: لا { تمار } أي تجادل وتراجع { فيهم } ~~أحدا ممن يتكلم بغير ما أخبرتك به { إلا مرآء ظاهرا } أدلته، وهو ما ~~أوحيت إليك به ولا تفعل فعلهم من الرجم بالغيب { ولا تستفت } أي تسأل ~~سؤال مستفيد { فيهم } أي أهل الكهف { منهم } أي من الذين يدعون العلم من ~~بني إسرائيل أو غيرهم { أحدا * }. # ولما كان نهيه عن استفتائهم موجبا لقصر همته على ربه سبحانه فكان من ~~المعلوم أنه إذا سئل عن شيء، التفتت نفسه إلى تعرفه من قبله، فربما قال ~~لما يعلم من إحاطة علم الله سبحانه وكرمه لديه: سأخبركم به غدا، كما وقع ~~من هذه القصص، علمه الله ما يقول في كل أمر مستقبل يعزم عليه بقوله ~~تعالى: { ولا تقولن لشيء } أي لأجل شيء من الأشياء التي يعزم عليها ~~جليلها وحقيرها، عزمت على فعله: عزما صادقا من غير تردد وإن كنت عند ~~نفسك في غاية القدرة عليه: { إني فاعل ذلك } أي الشيء وإن كان مهما { ~~غدا * } أي فيما يستقبل في حال من الأحوال { إلا } قولا كائنا معه { ~~أن يشاء } في المستقبل ذلك الشيء { الله } أي مقرونا بمشيئة الملك ~~الأعلى الذي لا أمر لأحد معه سبحانه تعظيما لله أن يقطع شيء دونه ~~واعترافا بأنه لا حول ولا قوة إلا به، ولأنه إن قيل ذلك دون استثناء فات ~~قبل الفعل أو عاقه عنه عائق كان كذبا منفرا عن القائل. # ولما كان النسيان من شأن الإنسان وهو غير مؤاخذ به قال تعالى: { واذكر ~~ربك } أي المحسن إليك برفع المؤاخذة حال النسيان { إذا نسيت } الاستثناء ~~بالاستعانة والتوكل عليه وتفويض الأمر كله بأن تقول: إن شاء ms2741 الله، ونحوها ~~في أي وقت تذكرت؛ وأخرج الطبراني في معجمه الأوسط في ترجمة محمد بن ~~الحارث الجبيلي - بضم الجيم وفتح الموحدة - عن ابن عباس رضي الله عنهما ~~أن هذا خاص برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وليس لأحد منا أن ~~يستثني إلا بصلة اليمين. ثم عطف على ما أفهمه الكلام وهو: فقل إذا نسيت: ~~إني فاعل ذلك غدا إن شاء الله - ونحو ذلك من التعليق بالمشيئة المؤذن ~~بأنه لا حول ولا قوة إلا بالله ولا مشيئة لأحد معه قوله: { وقل عسى أن ~~يهدين ربي } أي المحسن إلي { لأقرب } أي الى أشد قربا { من هذا } أي ~~الذي عزمت على فعله ونسيت الاستثناء فيه فقضاه الله ولم يؤاخذني، أو ~~فاتني أو تعسر علي لكوني لم أقرن العزم عليه بذكر الله { رشدا * } أي ~~من جهة الرشد بأن يوفقني للاستثناء فيه عند العزم عليه مع كونه أجود ~~أثرا وأجل عنصرا فأكون كل يوم في ترق بالأفعال الصالحة في معارج القدس، ~~و " اقرب " أفعل تفضيل من قرب - بضم الراء - من الشيء، لازم، لا من ~~المكسور الراء المتعدي نحو # ولا تقربوا الزنى # [الإسراء: 32] # ولا تقربوا مال اليتيم # [الإسراء: 34] الآية، والأقرب من رشد الاستدلال بقصة أهل الكهف التي ~~الحديث عنها على صحة نبوة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ونحو ذلك ~~الاستدلال على وحدانية الصانع وقدرته على البعث وغيره بالأمور الكلية أو ~~الجزئيات القريبة المتكررة، لا بهذا الأمر الجزئي النادر المتعب ونحو هذا ~~من المعارف الإلهية. ### || [18.25-28] # ولما فرغ من هذه التربية في أثناء القصة وختمها بالترجية في الهداية ~~للأرشد، وكان علم مدة لبثهم أدق وأخفى من علم عددهم، شرع في إكمالها ~~مبينا لهذا الأخفى، عاطفا على قوله # قالوا ربكم أعلم بما لبثتم # [ الكهف: 19] أو على " فأووا إليه " الذي أرشد إلى تقديره قولهم: { ~~فأووا إلى الكهف } كما مضى، المختوم بنشر الرحمة وتهيئة المرفق بعد قوله ~~{ إذ أوى الفتية } المختوم بقولهم { وهيىء لنا من أمرنا رشدا } فقال ~~بيانا لإجمال { سنين عددا } محققا لقوله تعالى: { قل ms2742 الله أعلم بما ~~لبثوا }: { ولبثوا في كهفهم } نياما { ثلاث } أي مدة ثلاث { مائة سنين } ~~شمسية بحساب اليهود الآمرين بهذا السؤال، وعبر بلفظ السنة إشارة إلى ذمها ~~بما وقع فيها من علو أهل الكفر وطغيانهم بما أوجب خوف الصديقين وهجرتهم ~~وإن كان وقع فيها خصب في النبات وسعة في الرزق، وذلك يدل على استغراق ~~الكفر لمدة نومهم. # ولما كان المباشرون للسؤال هم العرب قال: { وازدادوا تسعا * } أي من ~~السنين القمرية إذا حسب الكل بحساب القمر، لأن تفاوت ما بين السنة ~~الشمسية والقمرية عشرة أيام وإحدى وعشرون ساعة وخمسا ساعة كما تقدم في ~~النسيء من براءة، فإذا حسبت زيادة السني القمرية على الثلاتمائة الشمسية ~~باعتبار نقص أيامها عنها كانت تسع سنين، وكأن مدة لبثهم كانت عند اليهود ~~أقل من ذلك أو أكثر، فقال على طريق الجواب لسؤال من يقول: فإن قال أحد ~~غير هذا فما يقال له؟ { قل الله } أي الذي له الإحاطة الكاملة { أعلم } ~~منكم { بما لبثوا } ثم علل ذلك بقوله تعالى: { له } أي وحده { غيب ~~السماوات والأرض } يعلمه كله على ما هو عليه، ولا ينسى شيئا من الماضي ~~ولا يعزب عنه شيء من الحاضر، ولا يعجز عن شيء من الآتي، فلا ريب فيما ~~يخبر به. # ولما كان السمع والبصر مناطي العلم، وكان متصفا منهما بما لا يعلمه حق ~~علمه غيره، عجب من ذلك بقوله تعالى: { أبصر به وأسمع } ولما كان القائم ~~بشيء قد يقوم غيره مقامه إما بقهر أو شرك، نفى ذلك فانسد باب العلم عن ~~غيره إلا من جهته فقال تعالى: { ما لهم } أي لهؤلاء السائلين ولا ~~المسؤولين الراجمين بالغيب من أصحاب الكهف { من دونه } وأعرق بقوله ~~تعالى: { من ولي } يجيرهم منه أو بغير ما أخبر به { ولا يشرك } أي الله { ~~في حكمه أحدا * } فيفعل شيئا بغير أمره أو يخبر بشيء من غير طريقه. # ولما تقرر أنه لا شك في قوله: ولا يقدر أحد أن يأتي بما يماثله فكيف بما ~~ينافيه مع كونه مختصا بتمام العلم وشمول القدرة، حسن ms2743 تعقيبه بقوله عطفا ~~على { قل لله أعلم }: { واتل } أي اقرأ على وجه الملازمة { ما أوحي إليك ~~} وبنى الفعل للمجهول لأن الخطاب مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ~~وهو على القطع بأن الموحى إليه هو الله سبحانه وتعالى { من كتاب ربك } ~~الذي أحسن تربيتك في قصة أهل الكهف وغيرها، على من رغب فيه غير ملتفت إلى ~~غيره واتبعوا ما فيه واثقين بوعده ووعيده وإثباته ونفيه وعلى غيرهم. # ولما كان الحامل على الكف عن إبلاغ رسالة المرسل وجدان من ينقضها أو عمي ~~على المرسل، قال تعالى: { لا مبدل لكلماته } فلا شك في وقوعها فلا عذر في ~~التقصير في إبلاغها، والنسخ ليس بتبديل بهذا المعنى بل هو غاية لما كان { ~~ولن تجد } أي بوجه من الوجوه { من دونه } أي أدنى منزلة من رتبته الشماء ~~إلى آخر المنازل { ملتحدا * } أي ملجأ ومتحيزا تميل إليه فيمنعك منه إن ~~قصرت في ذلك. # ولما كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم شديد الحرص على إيمانهم ~~كثير الأسف على توليهم عنه يكاد يبخع نفسه حسرة عليهم وكانوا يقولون له ~~إذا رأوا مثل هذا الحق الذي لا يجدون له مدفعا: لو طردت هؤلاء الفقراء ~~وأبعدتهم عنك مثل عمار وصهيب وبلال فإنه يؤذينا ريح جبابهم ونأنف من ~~مجالستهم جلسنا إليك وسمعنا منك ورجونا أن نتبعك، قال يرغبه في أتباعه ~~مزهدا فيمن عداهم كائنا من كان، معلما أنه ليس فيهم ملجأ لمن خالف أمر ~~الله وأنهم لا يريدون إلا تبديل كلمات الله فسيذلهم عن قريب ولا يجدون ~~لهم ملتحدا: { واصبر نفسك } أي احبسها وثبتها في تلاوته وتبيين معانيه { ~~مع الذين يدعون ربهم } شكرا لإحسانه، واعترافا بامتنانه، وكنى عن ~~المداومة بما يدل على البعث الذي كانت قصة أهل الكهف دليلا عليه فقال ~~تعالى: { بالغداة } أي التي الانتقال فيها من النوم إلى اليقظة كالانتقال ~~من الموت إلى الحياة { والعشي } أي التي الانتقال فيها من اليقظة إلى ~~النوم كالانتقال من الحياة إلى الموت؛ ثم مدحهم بقوله تعالى معللا ~~لدعائهم: { يريدون } أي ms2744 بذلك { وجهه } لا غير ذلك في رجاء ثواب أو خوف ~~عقاب وإن كانوا في غاية الرثاثة، وأكد ذلك بالنهي عن ضده فقال مؤكدا ~~للمعنى لقصر الفعل وتضمينه فعلا آخر: { ولا تعد عيناك } علوا ونبوءا ~~وتجاوزا { عنهم } إلى غيرهم، أي لا تعرض عنهم، حال كونك { تريد زينة ~~الحياة الدنيا } التي قدمنا في هذه السورة أنا زينا بها الأرض لنبلوهم ~~بذلك، فإنهم وإن كانوا اليوم عند هؤلاء مؤخرين فهم عند الملك الأعلى ~~مقدمون، وليكونن عن قريب - إذا بعثنا من نريد من العباد بالحياة من برزخ ~~الجهل - في الطبقة العليا من أهل العز، وأما بعد البعث الحقيقي فلتكونن ~~لهم مواكب يهاب الدنو منها كما كان لأهل الكهف بعد بعثهم من هذه الرقدة ~~بعد أن كانوا في حياتهم قبلها هاربين مستخفين في غاية الخوف والذل، وأما ~~إن عدت العينان أحدا لما غفل عنه من الذكر، وأحل به من الشكر، فليس ذلك ~~من النهي في شيء لأنه لم يرد به الإ الآخرة. # ولما بلغ في أمره صلى الله عليه وعلى آله وسلم بمجالسة المسلمين، نهاه ~~عن الالتفات إلى الغافلين، وأكد الإعراض عن الناكبين فقال تعالى: { ولا ~~تطع من أغفلنا } بعظمتنا { قلبه } أي جعلناه غافلا، لأن الفعل فيه لنا ~~لا له { عن ذكرنا } بتلك الزينة. # ولما كان التقدير: فغفل، لأن عظمتنا لا يغلبها شيء فلا يكون إلا ما ~~نريد، عطف على فعل المطاوعة قوله تعالى: { واتبع هواه } بالميل إلى ما ~~استدرجناه به منها والأنفة من مجالسة أوليائنا الذين أكرمناهم بالحماية ~~منها لأن ذكر الله مطلع الأنوار، فإذا أفلت الأنوار تراكمت الظلمة فجاء ~~الهوى فأقبل على الخلق { وكان أمره فرطا * } أي متجاوزا للحد مسرفا ~~فيه متقدما على الحق، فيكون الحق منبوذا به وراء الظهر مفرطا فيه ~~بالتقصير فإن ربك سبحانه سينجي أتباعك على ضعفهم منهم كما أنجى أصحاب ~~الكهف، ويزيدك بأن يعليهم عليهم ويدفع الجبابرة في أيديهم لأنهم مقبلون ~~على الله معرضون عما سواه، وغيرهم مقبل على غيره معرض عنه. ### || [18.29-31] # ولما رغبه في أوليائه، وزهده في ms2745 أعدائه، ترضية بقدره بعد أن قص الحق من ~~قصة أهل الكهف للمتعنتين، علمه ما يقول لهم على وجه يعمهم ويعم غيرهم ~~ويعم القصة وغيرها فقال تعالى مهددا ومتوعدا - كما نقل عن علي رضي الله ~~عنه وكذا عن غيره: { وقل } أي لهم ولغيرهم: هذا الذي جئتكم به من هذا ~~الوحي العربي العري عن العوج، الظاهر الإعجاز، الباهر الحجج { الحق } ~~كائنا { من ربكم } المحسن إليكم في أمر أهل الكهف وغيرهم من صبر نفسي مع ~~المؤمنين، والإعراض عمن سواهم وغير ذلك، لا ما قلتموه في أمرهم، ويجوز أن ~~يكون الحق مبتدأ { فمن شاء } أي منكم ومن غيركم { فليؤمن } بهذا الذي ~~قصصناه فيهم وفي غيرهم، فهو مقبول مرغوب فيه وإن كان فقيرا زري الهيئة ~~ولم ينفع إلا نفسه { ومن شاء } منكم ومن غيركم { فليكفر } فهو أهل لأن ~~يعرض عنه ولا يلتفت إليه وإن كان أغنى الناس وأحسنهم هيئة، وإن تعاظمت ~~هيبته لما اشتد من أذاه، وأفرط من ظلمه، وسنشفي قلوب المؤمنين في الدارين ~~بالانتقام منه، والآية دالة على أن كلا من الكفر والإيمان موقوف على ~~المشيئة بخلق الله تعالى، لأن الفعل الاختياري يمتنع حصوله بدون القصد ~~إليه وذلك القصد إن كان بقصد آخر يتقدمه لزم أن يكون كل قصد مسبوقا بقصد ~~آخر إلى غير النهاية وهو محال، فوجب أن تنتهي تلك القصود إلى قصد يخلقه ~~الله في العبد على سبيل الضرورة يجب به الفعل، فإلإنسان مضطر في صورة ~~مختار، فلا دليل للمعتزلة في هذه الآية. # ولما هدد السامعين بما حاصله: ليختر كل امرىء لنفسه ما يجده غدا عند ~~الله تعالى، اتبع هذا التهديد تفصيلا لما أعد للفريقين من الوعد والوعيد ~~لفا ونشرا مشوشا - بما يليق بهذا الأسلوب المشير إلى أنه لا كفوء له ~~من نون العظمة فقال تعالى: { إنا اعتدنا } أي هيأنا بما لنا من العظمة ~~تهيئة قريبة جدا، وأحضرنا على وجه ضخم شديد تام التقدير { للظالمين } أي ~~لمن لم يؤمن، ولكنه وصف إشارة إلى تعليق الحكم به { نارا } جعلناها معدة ~~لهم { أحاط بهم ms2746 } كلهم { سرادقها } أي حائطها الذي يدار حولها كما يدار ~~الحظير حول الخيمة من جميع الجوانب. # ولما كان المحرور شديد الطلب للماء قال تعالى: { وإن يستغيثوا } من حر ~~النار فيطلبوا الغيث - وهو ماء المطر - والغوث بإحضاره لهم؛ وشاكل ~~استغاثتهم تهكما بهم فقال تعالى: { يغاثوا بماء } ليس كالماء الذي قدمنا ~~الإشارة إلى أنا نحيي به الأرض بعد صيرورتها صعيدا جرزا، بل { كالمهل } ~~وهو القطران الرقيق وما ذاب في صفر أو حديد والزيت أو درديه - قاله في ~~القاموس. # وشبهه به من أجل تناهي الحر مع كونه ثخينا، وبين وجه الشبه بقوله ~~تعالى: { يشوي الوجوه } أي إذا قرب إلى الفم فكيف بالفم والجوف! ثم وصل ~~بذلك ذمه فقال تعالى: { بئس الشراب } أي هو، فإنه أسود منتن غليظ حار، ~~وعطف عليه ذم النار المعدة لهم فقال تعالى: { وساءت مرتفقا * } أي ~~منزلا يعد للارتفاق، فكأنه قيل: فما لمن آمن؟ فقال تعالى: { إن الذين ~~ءامنوا } ولما كان الإيمان هو الإذعان للأوامر، عطف عليه ما يحقق ذلك ~~فقال تعالى: { وعملوا الصالحات } ثم عظم جزاءهم بقوله تعالى: { إنا لا ~~نضيع } أي بوجه من الوجوه لما يقتضيه عظمتنا { أجر من أحسن عملا * } ~~مشيرا بإظهار ضميرهم إلى أنهم استحقوا بذلك الوصف بالإحسان، فكأنه قيل: ~~فما لهم؟ فقال مفصلا لما أجمل من وعدهم: { أولئك } أي العالو الرتبة { ~~لهم جنات عدن } أي إقامة، فكأنه قيل: ما لهم فيها؟ فقيل: { تجري من تحتهم ~~} أي تحت منازلهم { الأنهار } فكأنه قيل: ثم ماذا؟ فقيل: { يحلون فيها } ~~وبنى الفعل للمجهول لأن القصد وجود التحلية، وهي لعزتها إنما يؤتى بها من ~~الغيب فضلا من الله تعالى. # ولما كان الله أعظم من كل شيء، فكانت نعمه لا يحصى نوع منها، قال تعالى ~~مبعضا: { من أساور } جمع أسورة جمع سوار، كما يلبس ذلك ملوك الدنيا من ~~جبابرة الكفرة في بعض الأقاليم كأهل فارس. ولما كان لمقصودها نظر إلى ~~التفضيل والفعل بالاختيار على الإطلاق، وقع الترغيب في طاعته بما هو أعلى ~~من الفضة فقال مبعضا أيضا: { من ذهب } أي ذهب هو ms2747 في غاية العظمة. ولما ~~كان اللباس جزاء العمل وكان موجودا عندهم، أسند الفعل إليهم فقال تعالى: ~~{ ويلبسون ثيابا خضرا } ثم وصفها بقوله تعالى: { من سندس } وهو ما رق ~~من الديباج { وإستبرق } وهو ما غلظ منه؛ ثم استأنف الوصف عن حال جلوسهم ~~فيها بأنه جلوس الملوك المتمكنين من النعيم فقال تعالى: { متكئين فيها } ~~أي لأنهم في غاية الراحة { على الأرائك } أي الأسرع عليها الحجل، ثم مدح ~~هذا فقال تعالى: { نعم الثواب } أي هو لو لم يكن لها وصف غير ما سمعتم ~~فكيف ولها من الأوصاف ما لا يعلمه حق علمه إلا الله تعالى! وإلى ذلك أشار ~~بقوله تعالى: { وحسنت } أي الجنة كلها، وميز ذلك بقوله تعالى: { مرتفقا ~~* }. ### || [18.32-37] # ولما كان إنما محط حال المشركين العاجل، وكان قد تقدم قولهم # أو يكون لك جنة من نخيل وعنب # [ الإسراء: 91] الآية، وقوله تعالى: # إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها # [الكهف:7] الآية، وقوله تعالى: في حق فقراء المؤمنين الذين تقذروهم # ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا # [الكهف: 28] الآية واستمر إلى أن ختم بأن جنات المؤمنين عظيم حسنها من ~~جهة الارتفاق، عطف على قوله تعالى # وقل الحق من ربكم # [الكهف: 29] قوله تعالى كاشفا بضرب المثل أن ما فيه الكفار من الارتفاق ~~العاجل ليس أهلا لأن يفتخر به لأنه إلى زوال: { واضرب لهم } أي لهؤلاء ~~الضعفاء والمتجبرين الذين يستكبرون على المؤمنين، ويطلبون طردهم لضعفهم ~~وفقرهم: { مثلا } لما آتاهم الله من زينة الحياة الدنيا، فاعتمدوا عليهم ~~وركنوا إليه ولم يشكروا من آتاهم إياه عليه، بل أداهم إلى الافتقار ~~والتكبر على من زوى ذلك عنه إكراما له وصيانة عنه { رجلين } فكأنه قيل: ~~فما مثلهما؟ فقيل: { جعلنا } أي بما لنا من العظمة { لأحدهما } وهو ~~المجعول مثلا لهم { جنتين } أي بساتين يستر ما فيهما من الأشجار من ~~يدخلهما على أي وضع من الأوضاع كانتا، ومن جملة الأوضاع أن تكون إحداهما ~~من السهل والأخرى في الجبل، ليبعد عموم عاهة لهما لأنها إما من برد أو حر ~~{ من أعناب } لأنها ms2748 من أشجار البلاد الباردة وتصبر على الحر، وهي فاكهة ~~وقوت بالعنب والزبيب والخل وغيرها { وحففناهما } أي حططناهما بعظمتنا { ~~بنخل } لأنها من أشجار البلاد الحارة، وتصبر على البرد، وربما منعت عن ~~الأعناب بعض أسباب العاهات، وثمرها فاكهة بالبسر والرطب وقوت بالتمر ~~والخل فكأن النخل كالإكليل من وراء العنب، وهو مما يؤثره الدهاقين لأنه ~~في غاية البهجة والمنفعة { وجعلنا بينهما } أي أرضي الجنتين { زرعا * } ~~لبعد شمول الآفة للكل، لأن زمان الزرع ومكانه غير زمان أثمار الشجر ~~المقدم ومكانه، وذلك هو العمدة في القوت، فكانت الجنتان أرضا جامعة لخير ~~الفواكه وأفضل الأقوات، وعمارتهما متواصلة متشابكة لم يتوسطها ما يقطعها ~~ويفصل بينها، مع سعة الأطراف، وتباعد الأكناف، وحسن الهيئات والأوصاف. # ولما كان الشجر قد يكون فاسدا من جهة أرضه، نفى ذلك بقوله تعالى؛ ~~جوابا لمن كأنه قال: ما حال أرضهما المنتج لزكاء ثمرهما؟: { كلتا } أي ~~كل واحدة من { الجنتين } المذكورتين { ءاتت أكلها } أي ما يطلب منها ~~ويؤكل من ثمر وحب، كاملا غير منسوب شيء منهما إلى نقص ولا رداءة، وهو ~~معنى: { ولم تظلم } أي تنقص حسا ولا معنى كمن يضع الشيء في غير موضعه { ~~منه شيئا }. # ولما كان الشجر ربما أضر بدوامه قلة السقي قال تعالى: { وفجرنا } أي ~~تفجيرا يناسب عظمتنا { خلالهما نهرا * } أي يمتد فيتشعب فيكون ~~كالأنهار لتدوم طراوة الأرض ويستغني عن المطر عند القحط؛ ثم زاد في ضخامة ~~هذا الرجل فبين أن له غير هاتين الجنتين والزرع بقوله تعالى: { وكان له } ~~أي صاحب الجنتين { ثمر } أي مال مثمر غير ما تقدم كثير، ذو أنواع ليكون ~~متمكنا من العمارة بالأعوان والآلات وجميع ما يريد { فقال } أي هذا ~~الكافر { لصاحبه } أي المسلم المجعول مثلا لفقراء المؤمنين { وهو } أي ~~صاحب الجنان { يحاوره } أي يراجعه الكلام، من حار يحور - إذا رجع ~~افتخارا عليه وتقبيحا لحاله بالنسبة إليه، والمسلم يحاوره بالوعظ ~~وتقبيح الركون إلى الدنيا: { أنا أكثر منك مالا } لما ترى من جناني ~~وثماري { وأعز نفرا * } أي ناسا يقومون معي في المهمات، وينفرون عند ~~الضرورات، لأن ذلك ms2749 لازم لكثرة المال { ودخل جنته } وحد لإرادة الجنس ~~ودلالة على ما أفاده الكلام من أنهما لاتصالهما كالجنة الواحدة، وإشارة ~~إلى أنه لا جنة له غيرها لأنه لا حظ له في الآخرة { وهو } أي والحال أنه ~~{ ظالم لنفسه } بالاعتماد على ماله والإعراض عن ربه؛ ثم استأنف بيان ظلمه ~~بقوله: { قال } لما استولى عليه من طول أمله وشدة حرصه وتمادي غفلته ~~واطراحه للنظر في العواقب بطول المهلة وسبوغ النعمة: { ما أظن أن تبيد } ~~أي تهلك هلاكا ظاهرا مستوليا { هذه أبدا * } ثم زاد في الطغيان ~~والبطر بقصر النظر على الحاضر فقال: { وما أظن الساعة قائمة } استلذاذا ~~بما هو فيه وإخلادا إليه واعتمادا عليه. # ولما كان الإنسان مجبولا على غلبة الرجاء عليه، فإذا حصل له من دواعي ~~الغنى وطول الراحة وبلوغ المأمول والاستدراج بالظفر بالسؤال ما يربيه، ~~ويثبت أصوله ويقويه، اضمحل الخوف فلم يزل يتضاءل حتى لا يتلاشى فكان ~~عدما، فقال تعالى حاكيا عن هذا الكافر ما أثمر له الرجاء من أمانه من ~~سوء ما يأتي به القدر مقسما: { ولئن رددت } أي ردني راد { إلى ربي } ~~المحسن إلي في هذه الدار، في السعة على تقدير قيامها الذي يستعمل في فرضه ~~أداة الشك { لأجدن خيرا منها } أي هذه الجنة؛ وقرأ ابن كثير وابن عامر ~~بالتثنية للجنتين { منقلبا * } أي من جهة الانقلاب وزمانه ومكانه، لأنه ~~ما أعطاني ذلك إلا باستحقاقي، وهو وصف لي غير منفك في الدارين، وإن لم ~~يقولوا نحو هذا بألسنة مقالهم فإن ألسنة أحوالهم ناطقة به، فكأنه قيل: إن ~~هذا لفي عداد البهائم حيث قصر النظر على الجزئيات، ولم يجوز أن يكون ~~التمويل استدراجا، فما قال له الآخر؟ فقيل: { قال له صاحبه وهو } أي ~~والحال إن ذلك الصاحب { يحاوره } منكرا عليه: { أكفرت }. # ولما كان كفره بإنكار البعث، دل عليه بقوله تعالى: { بالذي خلقك من تراب ~~} بخلق أصلك { ثم من نطفة } متولدة من أغذية أصلها تراب { ثم سواك } بعد ~~أن أولدك وطورك في أطوار النشأة { رجلا * } حيث نفيت إعادته لمن ابتدأ ~~خلقهم على هذا ms2750 الوجه تكذيبا للرسل واستقصارا للقدرة، ولم تثبت لها في ~~الإعادة ما ثبت لها بعلمك في الابتداء، ثم لم تجوزها بعد القطع بالنفي ~~إلا على سبيل الفرض بأداة الشك، وهي من دعائم أصول الدين الذي لا يقتنع ~~فيه إلا بالقطع، ونسبته إلى العبث الذي لا يرضاه عاقل إذ جعلت غاية هذا ~~الخلق البديع في هذا التطوير العظيم الموت الذي لو كان غاية كما زعمت - ~~لفوت على المطيع الثواب، وعلى العاصي العقاب. ### || [18.38-41] # ولما أنكر على صاحبه، أخبر عن اعتقاده بما يضاد اعتقاد صاحبه، فقال ~~مؤكدا لأجل إنكار صاحبه مستدركا لأجل كفرانه: { لكنا } لكن أنا. ولما ~~كان سبحانه لا شيء أظهر منه ولا شيء أبطن منه، أشار إلى ذلك جميعا ~~بإضماره قبل الذكر فقال تعالى: { هو } أي الظاهر أتم ظهور فلا يخفى ~~أصلا، ويجوز أن يكون الضمير للذي خلقك { الله } أي المحيط بصفات الكمال ~~{ ربي } وحده، لم يحسن إلي خلقا ورزقا أحد غيره، هذا اعتقادي في ~~الماضي والحال { ولا أشرك بربي } المحسن إلي في عبادتي { أحدا * } كما ~~لم يشاركه في إحسانه إلي أحد، فإن الكل خلقه وعبيده، وأنى يكون العبد ~~شريكا للرب! فإني لا أرى الغنى والفقر إلا منه، وأنت - لما اعتمدت على ~~مالك - كنت مشركا به. # ولما كان المؤمنون على طريق الأنبياء في إرادة الخير والإرشاد إلى سبيل ~~النجاة وعدم الحقد على أحد بشر أسلفه وجهل قدمه، قال له مصرحا بالتعليم ~~بعد أن لوح له به فيما ذكره عن نفسه مما يجب عليه: { ولولا إذ } أي وهلا ~~حين { دخلت جنتك قلت } ما يدل على تفويضك الأمر فيها وفي غيرها إلى الله ~~تعالى كما تقدم الإرشاد إليه في آية # ولا تقولن لشي # [ الكهف: 23] تاركا للافتخار بها، ومستحضرا لأن الذي وهبكها قادر على ~~سلبك إياها ليقودك ذلك إلى التوحيد وعدم الشرك، فلا تفرح بها ولا بغيرها ~~مما يفنى لأنه لا ينبغي الفرح إلا بما يؤمن عليه بالزوال { ما شاء الله } ~~أي الذي له الأمر كله، كان، سواء كان حاضرا أو ماضيا أو مستقبلا، ms2751 ~~ولذلك أعراها عن الجواب، لا ما يشاؤه غيره ولا يشاؤه هو سبحانه؛ ثم علل ~~ذلك بقوله تعالى: { لا قوة } أي لأحد على بستان وغيره { إلا بالله } أي ~~المتوحد بالكمال، فلا شريك له، وأفادت هذه الكلمة إثبات القوة لله وبراءة ~~العبد منها، والتنبيه على أنه لا قدرة لأحد من الخلق إلا بتقديره، فلا ~~يخاف من غيره، والتنبيه على فساد قول الفلاسفة في الطبائع من أنها مؤثرة ~~بنفسها. # ولما قدم ما يجب عليه في نفسه منبها به لصاحبه، ثم ما يجب عليه من ~~التصريح بالإرشاد في أسلوب مقرر أن الأمر كله لله، لا شيء لأحد غيره، ~~أنتج قوله تعالى: { إن ترن } أي أيها المفتخر بما له علي! { أنا } ولما ~~ذكر ضمير الفصل، ذكر مفعول (ترى) الثاني فقال: { أقل منك } وميز القليل ~~بقوله: { مالا وولدا * } أي من جهة المال والولد الذي هو أعز نفر ~~الإنسان. # ولما أقر هذا المؤمن بالعجز والافتقار، في نظير ما أبدى الكافر من ~~التقوى والافتخار، سبب عن ذلك ما جرت به العادة في كل جزاء، داعيا بصورة ~~التوقع فقال تعالى: { فعسى ربي } المحسن إلي { أن يؤتين } من خزائن رزقه ~~{ خيرا من جنتك } فيحسن إلي بالغنى كما أحسن إلي بالفقر المقترن ~~بالتوحيد، المنتج للسعادة { ويرسل عليها } أي جنتك { حسبانا } أي مرامي ~~من الصواعق والبرد الشديد { من السماء }. # ولما كانت المصابحة بالمصيبة أنكى ما يكون، قال تعالى: { فتصبح } بعد ~~كونها قرة للعين بما تهتز به من الأشجار والزروع { صعيدا زلقا * } أي ~~أرضا يزلق عليها لملاستها باستئصال نباتها، فلا ينبت فيها نبات، ولا ~~يثبت فيها قدم { أو يصبح ماؤها غورا } وصف بالمصدر لأنه أبلغ { فلن ~~تستطيع } أنت { له طلبا * }. ### || [18.42-44] # ولما كان من المعلوم أن هذا المؤمن المخلص بعين الرضى، كان من المعلوم ~~أن التقدير: فاستجيب لهذا الرجل المؤمن، أو: فحقق له ما توقعه فخيب ظن ~~المشرك، فعطف عليه قوله: { وأحيط } أي أوقعت الإحاطة بالهلاك، بني ~~للمفعول لأن الفكر حاصل بإحاطة الهلاك من غير نظر إلى فاعل مخصوص، ~~وللدلالة على سهولته { بثمرة ms2752 } أي الرجل المشرك، كله فاستؤصل هلاكا ما ~~في السهل منه وما في الجبل، وما يصبر منه على البرد والحر وما لا يصبر { ~~فأصبح يقلب كفيه } ندما، ويضرب إحداهما على الأخرى تحسرا { على ما أنفق ~~فيها } لعمارتها ونمائها { وهي خاوية } أي ساقطة مع الخلو { على عروشها } ~~أي دعائمها التي كانت تحملها فسقطت على الأرض وسقطت هي فوقها { ويقول } ~~تمنيا لرد ما فات لحيرته وذهول عقله ودهشته: { يا ليتني } تمنيا ~~لاعتماده على الله من غير إشراك بالاعتماد على الفاني { لم أشرك بربي ~~أحدا * } كما قال له صاحبه، فندم حيث لم ينفعه الندم على ما فرط في ~~الماضي لأجل ما فاته من الدنيا، لا حرصا على الإيمان لحصول الفوز في ~~العقبى، لقصور عقله ووقوفه مع المحسوسات المشاهدات { ولم تكن له فئة } أي ~~جماعة لا من نفره الذين اعتز بهم ولا من غيرهم { ينصرونه } مما وقع فيه { ~~من دون الله } أي بغير عون من الملك الأعظم { وما كان } هو { منتصرا * } ~~بنفسه، بل ليس الأمر في ذلك إلا لله وحده. # ولما أنتج هذا المثل قطعا أنه لا أمر لغير الله المرجو لنصر أوليائه ~~بعد ذلهم، ولإغنائهم بعد فقرهم، ولإذلال أعدائه بعد عزهم وكبرهم، ~~وإفقارهم بعد إغنائهم وجبرهم، وأن غيره إنما هو كالخيال لا حقيقة له، صرح ~~بذلك في قوله تعالى: { هنالك } أي في مثل هذه الشدائد العظيمة { الولاية ~~} أي النصرة - على قراءة الفتح، والسلطان - على الكسر، وهي قراءة حمزة ~~والكسائي، والفتح لغيرهما، وهما بمعنى واحد، وهو المصدر كما صدر به في ~~القاموس. { لله } أي الذي له الكمال كله { الحق } أي الثابت الذي لا يحول ~~يوما ولا يزول، ولا يغفل ساعة ولا ينام، ولا ولاية لغيره بوجه - هذا على ~~قراءة الجماعة بالجر على الوصف وهو في قراءة أبي عمرو والكسائي بالرفع ~~على الاستئناف والقطع تقليلا، تنبيها على أن فزعهم في مثل هذه الأزمات ~~إليه دون غيره برهان قاطع على أنه الحق وما سواه باطل، وأن الفخر بالعرض ~~الزائل من أجهل الجهل، وأن المؤمنين لا يعيبهم فقرهم ms2753 ولا يسوغ طردهم ~~لأجله، وأنه يوشك أن يعود فقرهم غنى وضعفهم قوة. ولما علم من ذلك من أنه ~~آخذ بأيدي عبيدة الأبرار وعلى أيدي عصاته الأشرار، قال تعالى: { هو خير ~~ثوابا } لمن أثابه { وخير عقبا * } أي عاقبة عظيمة، فإن فعلا - بضمه ~~وبضمتين - من صيغ جموع الكثرة فيفيده ذلك مبالغة وإن لم يكن جمعا، ~~والمعنى أنه أي ثوابه لأوليائه خير ثواب وعقباه خير عقبى. ### || [18.45-47] # ولما أتم المثل لدنياهم الخاصة بهم التي أبطرتهم، فكانت سبب إشقائهم وهم ~~يحسبون أنها عين إسعادهم ضرب لدار الدنيا العامة لجميع الناس في قلة ~~بقائها وسرعة فنائها، وأن من تكبر بها كان أخس منها فقال تعالى: { واضرب ~~لهم } أي لهؤلاء الكفار المغترين بالعرض الفاني، المفتخرين بكثرة الأموال ~~والأولاد وعزة النفر { مثل الحياة الدنيا } أي التي صفتها - التي هم بها ~~ناطقون - تدل على أن ضدها الأخرى، في ينوعها ونضرتها، واختلابها للنفوس ~~ببهجتها، واستيلائها على الأهواء بزهرتها، واختداعها لذوي الشهوات ~~بزينتها، ثم اضمحلالها وسرعة زوالها، أفرح ما كانوا بها، وأرغب ما كانوا ~~فيها مرة بعد أخرى، على مر الأيام وكر الشهور، وتوالي الأعوام وتعاقب ~~الدهور، بحيث نادت على نفسها بالتحذير منها والتنفير عنها للعاقل اللقن، ~~والكيس الفطن، رغبة إلى الباقي الذي يدوم سروره، ويبقى نعيمه وحبوره، ~~وذلك المثل { كماء أنزلناه } بعظمتنا واقتدارنا بعد يبس الأرض وجفاف ما ~~فيها وزواله، وبقلعه كما تشاهدونه واستئصاله، وقال: { من السماء } ~~تنبيها على بليغ القدرة في إمساكه في العلو وإنزاله في وقت الحاجة على ~~الوجه النافع { فاختلط } أي فتعقب وتسبب عن إنزاله أنه اختلط { به نبات ~~الأرض } أي التراب الذي كان نباتا ارفت بطول العهد في بطنها، فاجتمع ~~بالماء والتف وتكاثف، فهيأناه بالتخمير والصنع الذي لا يقدر عليه سوانا ~~حتى أخرجناه من الأرض أخضر يهتز على ألوان مختلفة ومقادير متفاوتة ثم ~~أيبسناه { فأصبح هشيما } أي يابسا مكسرا مفتتا { تذروه } أي تثيره ~~وتفرقه وتذهب به { الرياح } حتى يصير عما قليل كأنه بقدرة الله تعالى لم ~~يكن { وكان الله } أي المختص بصفات الكمال { على كل ms2754 شيء } من ذلك وغيره ~~إنشاء وإفناء وإعادة { مقتدرا * } أزلا وأبدا، فلا تظنوا أن ما ~~تشاهدونه من قدرته حادث. # ولما تبين بهذين المثلين وغيرهما أن الدينا - التي أوردت أهلها الموارد ~~وأحلتهم أودية المعاطب - سريعة الزوال، وشيكة الارتحال، مع كثرة الأنكاد، ~~ودوام الأكدار، من الكد والتعب، والخوف والنصب كالزرع سواء، تقبل أولا ~~في غاية النضرة والبهجة، تتزايد نضرتها وبهجتها شيئا فشيئا، ثم تأخذ في ~~الانتقاص والانحطاط إلى أن تنتهي إلى الفناء، فهي جديرة لذلك بالزهد فيها ~~والرغبة عنها، وأن لا يفتخر بها عاقل فضلا عن أن يكاثر بها غيره، قال ~~تعالى: { المال والبنون } الفانيان الفاسدان وهما أجل ما في هذه الدار ~~من متاعها { زينة الحياة الدنيا } التي لو عاش الإنسان جميع أيامها لكان ~~حقيقا لصيرورة ما هو في منها إلى زوال بالإعراض عنها والبغض لها، وأنتم ~~تعلمون ما في تحصيلهما من التعب، وما لهما بعد الحصول من سرعة العطب، ~~وهما مع ذلك قد يكونان خيرا إن عمل فيهما بما يرضي الله، وقد يكونان ~~شرا ويخيب الأمل فيهما، وقد يكون كل منهما سبب هلاك صاحبه وكدره، وسوء ~~حياته وضرره { والباقيات الصالحات } وهي أعمال الخير المجردة التي يقصد ~~بها وجه الله تعالى التي رغبنا فيها بقولنا # لنبلوهم أيهم أحسن عملا # [ الكهف: 7] وما بعده { خير } أي من الزينة الفانية. ولما كان أهم ما ~~إلى من حصل النفائس لكفايته من يحفظها له لوقت حاجته قال: { عند ربك } أي ~~الجليل المواهب، العالم بالعواقب، وخير من المال والبنين في العاجل ~~والآجل { ثوابا وخير } من ذلك كله { أملا * } أي من جهة ما يرجو فيها ~~من الثواب ويرجو فيها من الأمل، لأن ثوابها إلى بقاء، وأملها كل ساعة في ~~تحقيق وعلو وارتقاء، وأمل المال والبنين يختان أحوج ما يكون إليهما. # ولما ذكر المبدأ ونبه على زواله، وختم بأن المقصود منه الاختبار للرفعة ~~بالثواب أو الضعة بالعقاب، وكان الخزي والصغار، أعظم شيء ترهبه النفوس ~~الكبار، لا سيما إذا عظم الجمع واشتد الأمر، فكيف إذا انضم إليه الفقر ~~فيكف إذا صاحبهما الحبس ms2755 وكان يوم الحشر يوما يجمع فيه الخلائق، فهو ~~بالحقيقة المشهود، وتظهر فيه العظمة فهو وحده المرهوب، عقب ذكر الجزاء ~~ذكره، لأنه أعظم يوم يظهر فيه، فقال تعالى عاطفا على { واضرب }: { ويوم ~~} أي واذكر لهم يوم { نسير الجبال } عن وجه الأرض بعواصف القدرة كما يسير ~~نبات الأرض - بعد أن صار هشميا - بالرياح # فترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب # [النحل: 88] { وترى الأرض } بكمالها { بارزة } لا غار فيها ولا صدع ولا ~~جبل ولا نبت ولا شجر ولا ظل { و } الحال أنا قد { حشرناهم } أي الخلائق ~~بعظمتنا قبل التسيير بتلك الصيحة، قهرا إلى الموقف الذي ينكشف فيه ~~المخبآت، وتظهر الفضائح والمغيبات، ويقع الحساب فيه على النقير والقطمير، ~~والنافذ فيه بصير، فينظرون ويسمعون زلازل الجبال عند زوالها، وقعاقع ~~الأبنية والأشجار في هدها وتباين أوصالها، وفنائها بعد عظيم مرآها ~~واضمحلالها { فلم نغادر } أي نترك بما لنا من العظمة { منهم } أي الأولين ~~والآخرين { أحدا * } لأنه لا ذهول ولا عجز. ### || [18.48-50] # ولما ذكر سبحانه حشرهم، وكان من المعلوم أنه للعرض، ذكر كيفية ذلك ~~العرض، فقال بانيا الفعل للمفعول عل طريقة كلام القادرين، ولأن المخوف ~~العرض لا كونه من معين: { وعرضوا على ربك } أي المحسن إليك برفع أوليائك ~~وخفض أعدائك { صفا } لاتساع والمسايقة إلى داره، لعرض أذل شيء وأصغره، ~~وأطوعه وأحقره، يقال لهم تنبيها على مقام العظمة: { لقد جئتمونا } أحياء ~~سويين حفاة عراة غرلا { كما خلقناكم } بتلك العظمة { أول مرة } منعزلين ~~من كل شيء كنتم تجمعونه وتفاخرون به منقادين مذعنين فتقولون # هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون # [يس: 52] فيقال لكم: { بل زعمتم } أي ادعيتم جهلا بعظمتنا { أن } أي ~~أنا { لن نجعل لكم } على ما لنا من العظمة { موعدا * } أي مكانا ووقتا ~~نجمعكم فيه هذا الجمع فننجز ما وعدناكم به على ألسنة الرسل { ووضع } ~~بأيسر أمر بعد العرض المستعقب للجمع بأدنى إشارة { الكتاب } المضبوط فيه ~~دقائق الأعمال وجلائلها على وجه بين لا يخفى على قارىء ولا غيره شيء ~~منه { فترى المجرمين } لتقر عينك منهم بشماتة لا خير بعدها ms2756 { مشفقين مما ~~فيه } من قبائح أعمالهم، وسيىء أفعالهم وأقوالهم أي خائفين دائما خوفا ~~عظيما من عقاب الحق والفضيحة عند الخلق { ويقولون } أي يجددون ويكررون ~~قولهم: { ياويلتنا } كناية عن أنه لا نديم لهم إذ ذاك إلا الهلاك { مال ~~هذا الكتاب } أي أي شيء له حال كونه على غير حال الكتب في الدنيا، ورسم ~~لام الجر وحده إشارة إلى أنهم صاروا من قوة الرعب وشدة الكرب يقفون على ~~بعض الكتب، وفسروا حال الكتاب التي أفظعتهم وسألوا عنها بقولهم: { لا ~~يغادر } أي يترك أي يقع منه غدر، أي عدم الوفاء وهو من غادر الشيء: تركه ~~كأن كلا منهما يريد غدر الآخر، أي عدم الوفاء به، من الغدير - لقطعة من ~~الماء يتركها السيل كأنه لم يوف لهما بأخذ ما معه، وكذا الغديرة لناقة ~~تركها الراعي { صغيرة } أي من أعمالنا. # ولما هالهم إثبات جميع الصغائر، بدؤوا بها، وصرحوا بالكبائر - وإن كان ~~إثبات الصغائر يفهمها - تأكيدا لأن المقام للتهويل وتعظيم التفجع، ~~وإشارة إلى أن الذي جرهم إليها هو الصغائر - كما قال الفضيل بن عياض رضي ~~الله عنه - فقالوا: { ولا كبيرة إلا أحصاها } ولما كان الإحصاء قد لا ~~يستلزم اطلاع صاحب الكتاب وجزاءه عليه، نفى ذلك بقوله تعالى: { ووجدوا ما ~~عملوا حاضرا } كتابة وجزاء من غير أن يظلمهم سبحانه أو يظلم من عادوهم ~~فيه { ولا يظلم ربك } الذي رباك بخلق القرآن { أحدا * } منهم ولا من ~~غيرهم في كتاب ولا عقاب ولا ثواب، بل يجازى الأعداء بما يستحقون، تعذيبا ~~لهم وتنعيما لأوليائه الذين عادوهم فيه للعدل بينهم؛ روى الإمام أحمد في ~~المسند عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه سافر إلى عبد الله بن ~~أنيس رضي الله عنه مسيرة شهر فاستأذن عليه قال: فخرج يطأ ثوبه فاعتنقني ~~واعتنقته، قلت: حديث بلغني عنك أنك سمعته من رسول الله صلى الله عليه ~~وعلى آله وسلم في القصاص، فخشيت أن تموت قبل أن أسمعه، فقال سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: # " يحشر الله عز وجل ms2757 الناس - أو قال: العباد - حفاة عراة بهما قلت: وما ~~بهما؟ قال: ليس معهم شيء، ثم يناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من ~~قرب: أنا الملك أنا الديان، لا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار ~~وله عند أحد من أهل الجنة حق حتى أقصه منه، ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة ~~أن يدخل الجنة وله عند أحد من أهل النار حق حتى أقصه منه حتى اللطمة، ~~قال: قلنا: كيف وإنما نأتي الله حفاة عراة بهما؟ قال: بالحسنات والسيئات ~~". # ولما ذكر البعث وختمه بإحسانه بالعدل المثمر لإعطاء كل أحد ما يستحقه، ~~أتبعه - بما له من الفضل - بابتداء الخلق الذي هو دليله، في سياق مذكر ~~بولايته الموجبة للإقبال عليه، وعداوة الشيطان الموجبة للإدبار عنه، مبين ~~لما قابلوا به عدله فيهم وفي عدوهم من الظلم بفعلهم كما فعل من التكبر ~~على آدم عليه السلام بأصله، فتكبروا على فقراء المؤمنين بأصلهم وأموالهم ~~وعشائرهم، فكان فعلهم فعله سواء، فكان قدوتهم وهو عدوهم، ولم يقتدوا بخير ~~خلقه وهو وليهم وهو أعرف الناس به، فقال تعالى عاطفا على { واضرب }: { ~~وإذ } أي واذكر لهم إذ { قلنا } بما لنا من العظمة { للملائكة } الذين هم ~~أطوع شيء لأوامرنا وإبليس فيهم، قال ابن كثير: وذلك أنه كان قد ترسم ~~بأفعال الملائكة وتشبه بهم وتعبد وتنسك، ولهذا دخل في خطابهم وعصى ~~بالمخالفة { اسجدوا لآدم } أبيهم نعمة منا عليه يجب عليهم شكرنا فيها { ~~فسجدوا } كلهم { إلا إبليس } فكأنه قيل: ما له لم يسجد؟ فقيل: { كان } أي ~~لأنه كان { من الجن } المخلوقين من نار، ولعل النار لما كانت نيرة وإن ~~كانت نورانيتها مشوبة بكدورة وإحراق، عد من الملائكة لاجتماع العنصرين في ~~مطلق النور، مع ما كان غلب عليه من العبادة، فقد روى مسلم في صحيحه عن ~~عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: # " خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان - وفي رواية: إبليس - من مارج من ~~نار، وخلق آدم مما وصف لكم " # وفي مكائد الشيطان لابن ms2758 أبي الدنيا عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الجن ~~كانت قبيلة من الملائكة. # ولما كان أكثر الجن مفسدا، رجوعا إلى الأصل الذي هو النار المحرقة لما ~~لاصقها، المفسدة له، سبب فسقه عن كونه منهم فقال تعالى: { ففسق } أي خرج، ~~يقال: فسقت الفأرة من حجرها - إذا خرجت للعيث والفساد. { عن أمر ربه } أي ~~سيده ومالكه المحسن إليه بإبداعه، وغير ذلك من اصطناعه، في شأن أبيكم، إذ ~~تكبر عليه فطرده ربه من أجلكم، فلا تستنوا به في الافتخار والتكبر على ~~الضعفاء، فإن من كانت خطيئته في كبر لم يكن صلاحه مرجوا، ومن كانت ~~خطيئته في معصية كان صلاحه مرجوا، ثم سبب عن هذا ما هو جدير بالإنكار ~~فقال تعالى في أسلوب الخطاب لأنه أدل على تناهي الغضب وأوجع في التبكيت، ~~والتكلم لأنه أنص على المقصود من التوحيد: { أفتتخذونه } أي أيفسق ~~باستحقاركم فيطرده لأجلكم فيكون ذلك سببا لأن تتخذوه { وذريته } شركاء ~~لي { أولياء } لكم { من دوني } أي اتخاذا مبتدئا من غيري أو من أدنى ~~رتبة من رتبتي، ليعم الاتخاذ استقلالا وشركة، ولو كان المعنى: من دون - ~~أي غير - اتخاذي، لأفاد الاستقلال فقط، ولو كان الاتخاذ مبتدئا منه بأن ~~كان هو الآمر به لم يكن ممنوعا، وأنا وليكم المفضل عليكم { وهم لكم } ~~ولما كان بناء فعول للمبالغة ولا سيما وهو شبيه بالمغالاة في نحو القول، ~~أغنى عن صيغة الجمع فقال: { عدو } إشارة إلى أنهم في شدة العداوة على قلب ~~واحد. ولما كان هذا الفعل أجدر شيء بالذم، وصل به قوله تعالى: { بئس } ~~وكان الأصل: لكم، ولكنه أبرز هذا الضمير لتعليق الفعل بالوصف والتعميم ~~فقال تعالى: { للظالمين بدلا * } إذا استبدلوا من ليس لهم شيء من الأمر ~~وهم لهم عدو بمن له الأمر كله وهو لهم ولي. ### || [18.51-52] # ولما كان الشريك لا يستأثر بفعل أمر عظيم في المشترك فيه من غير علم ~~لشريكه به، قال معللا للذم على هذا الظلم بما يدل عل حقارتهم عن هذه ~~الرتبة، عادلا في أسلوب التكلم إلى التجريد عن مظهر ms2759 العظمة لئلا يتعنت ~~من أهل الإشراك متعنت كما عدل في { دوني } لذلك: { ما أشهدتهم } أي إبليس ~~وذريته { خلق السماوات والأرض } نوعا من أنواع الإشهاد { ولا خلق أنفسهم ~~} إشارة إلى أنهم مخلوقون وأنه لا يصح في عقل عاقل أن يكون مخلوق شريكا ~~لخالقه أصلا { وما كنت } أي أزلا وأبدا متخذهم، هكذا الأصل ولكنه أبرز ~~إرشادا إلى أن المضل لا يستعان به، لأنه مع عدم نفعه يضر، فقال تعالى: { ~~متخذ المضلين عضدا * } إشارة إلى أنه لا يؤسف على فوات إسلام أحد، فإن ~~من علم الله فيه خيرا أسمعه، ومن لم يسمعه فهو مضل ليس أهلا لنصرة ~~الدين. # ولما أقام البرهان القاطع على بعد رتبتهم عن المنزلة التي أحلوهم بها من ~~الشرك، أتبعه التعريف بأنهم مع عدم نفعهم لهم في الدنيا يتخلون عنهم في ~~الآخرة أحوج ما يكونون إليهم تخييبا لظنهم أنهم يقربونهم إلى الله زلفى، ~~فقال تعالى عاطفا على { إذ قلنا } عادلا إلى مقام الغيبة، إشارة إلى ~~بعدهم عن حضرته الشماء وتعاليه عما قد يتوهم من قوله تعالى # وعرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا # [ الكهف: 48] في حجب الجلال والكبرياء، وجرى حمزة في قراءته بالنون على ~~أسلوب التكلم الذي كان فيه مع زيادة العظمة: { ويوم } أي واذكر يوم { ~~يقول } الله لهم تهكما بهم: { نادوا شركاءي } وبين أن الإضافة ليست على ~~حقيقتها، بل هي توبيخ لهم فقال تعالى: { الذين زعمتم } أنهم شركاء { ~~فدعوهم } تماديا في الجهل والضلال { فلم يستجيبوا لهم } أي لم يطلبوا ~~ويريدوا أن يجيبوهم إعراضا عنهم استهانة بهم واشتغالا بأنفسهم فضلا عن ~~أن يعينوهم. # ولما كانوا في غاية الاستبعاد لأن يحال بينهم وبين معبوداتهم، قال في ~~مظهر العظمة: { وجعلنا بينهم } أي المشركين والشركاء { موبقا * } أي ~~هلاكا أو موضع هلاك، فاصلا حائلا بينهم، مهلكا قويا ثابتا حفيظا، ~~لا يشذ عنه منهم أحد، وإنما فسرته بذلك لأنه مثل قوله تعالى # فزيلنا بينهم # [يونس: 28] أي بالقلوب أي جعلنا ما كان بينهم من الوصلة عداوة، ومثل ~~قوله تعالى # ربنا هؤلاء أضلونا فأتهم عذابا ضعفا من النار ms2760 # [ الأعراف: 38] # هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعو من دونك # [ النحل: 86] ونحوه، لأن معنى ذلك كله أنه يبدل ما كان بينهم من الود في ~~الدنيا والوصلة ببغض وقطيعة كما قال تعالى # ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا # [ العنكبوت: 25] وأن كل فريق يطلب للآخر الهلاك، فاقتضى ذلك اجتماع الكل ~~فيه، هذا ما يرشد إلى المعنى من آيات الكتاب، ونقل ابن كثير عن عبد الله ~~بن عمرو رضي الله عنهما أنه قال: هو واد عميق فرق به يوم القيامة بين أهل ~~الهدى وأهل الضلالة، وقال الحسن البصري: عداوة. # وأما أخذه من اللفظ فلأن مادة وبق - يائية وواوية مهموزة وغير مهموزة، ~~ولها أحد عشر تركيبا: واحد يائي: بقي، وستة واوية: قبو، قوب، بقو، بوق، ~~وقب، وبق، وأربعة مهموزة: قبأ، قأب، بأق، أبق - كلها تدور على الجمع، ~~وخصوصا ترتيب وبق يدور على الحائل بين شيئين، ويلزمه القوة والثبات ~~والحفظ والهلاك قوة أو فعلا، لأن من حيل بينه وبين شيء فقد هلك بفقد ذلك ~~الشيء بالفعل إن كان الحائل موتا، وبالقوة إن كان غيره، يقال: قبل ~~الشيء: جمعه بأصابعه، والبناء: رفعه، والزعفران: جناه، والقبا - بالقصر: ~~نبت - لأنه سبب الاجتماع لرعيه والانتفاع به وهو يجمع أيضا، والقبا: ~~تقويس الشيء - لأنه أقرب إلى اجتماع بعض أجزائه ببعض، والقبوة: انضمام ما ~~بين الشفتين، ومنه القباء من الثياب، وقباه تقبية: عباه، أي جمعه حتى صار ~~كأنه في مكان مقبو، وقبى عليه تقبية: عدا عليه في أمره - لأنه كان كأنه ~~أوقعه في حفرة، والثوب: جعل منه قباء، وتقبى القباء: لبسه، وزيدا: أتاه ~~من قفاه - لأن من يريد رمي أحد في حفرة كذلك يأتيه مخاتلة، وتقبى الشيء: ~~صار كالقبة، وامرأة قابية: تلقط العصفر وتجمعه، والقابياء: اللئيم - لأنه ~~بناء مبالغة، فيدل على كثرة الجمع والحرص اللازمين للؤم، وبنو قابياء: ~~المجتمعون لشرب الخمر - لأنها حالة تظهر لؤم اللئام، وقباء - بالضم ويذكر ~~ويقصر - موضع قرب المدينة الشريفة، وموضع بين مكة والبصرة، وانقبى: ~~استخفى، وقبى قوسين وقباء قوسين - ككساء: قاب قوسين، والمقبي: الكثير ~~الشحم ms2761 - كأنه جمع لنفسه منه بالراحة ما صار كالبناء، والقباية: المفازة - ~~لأنها تجمع ما فيها كما تجمع القبة والقباء والوقبة ما فيها. ومن مهموزة: ~~قبأ الطعام - كجمع: أكله، ومن الشراب: امتلأ، والقباءة: حشيشة ترعى - لأن ~~المال يجتمع على رعيها. # ومن الواوي: قاب الأرض يقوبها وقوبها: حفر فيها شبه التقوير - لأن ~~الدائرة أجمع ما يكون لغيرها وفي نفسها، لأنه لا زوايا فيها فاصلة، وقوبت ~~الأرض: آثرت فيها، والقوبة: ما يظهر في الجسد ويخرج عليه - لأنه يكون ~~غالبا على هيئة الدائرة، وتقوب جلده: تقلع عنه الجرب، وانحلق عنه الشعر ~~- إما من الإزالة، وإما لأن آثاره تكون كالدوائر، وقوب الشيء: قلعه من ~~أصله - لأن أثره إذا انقلع يكون حفرا مستديرا، وتقوب هو: تقلع، ~~والقائبة والقابة: البيضة - لأنها لتدويرها تشبه ذلك الحفر، والقوب - ~~بالفتح: فلق الطير بيضه، وبالضم: الفرخ - لأنه منها، وفي المثل: تخلصت ~~قائبة من قوب - يضرب لمن انفصل من صاحبه، والقوبي: المولع بأكل الأقواب ~~أي الفراخ، والقوب - كصرد: قشور البيض، وتقوبت البيضه: انقابت أي انحفرت، ~~وأم قوب: الداهية - لجمعها ما تأتي عليه كأنه ابتلعه حفر، وقاب: قرب - ~~لأن القرب مبدأ الجمع، وقاب: هرب، أي سلب القرب - ضد، وقاب: فلق، أي شق ~~الجمع فهو من الإزالة أيضا، وقاب قوس وقيبه، أي قدره - لأن القوس شبه ~~نصف دائرة من ذلك الحفر، والقاب: ما بين المقبض والسية - لأنه بعض ذلك، ~~ولكل قوس قابان، والأسود المتقوب: الذي انسلخ جلده من الحيات - لتدور ~~ذلك الجلد وشبهه بالحفرة، واقتاب الشيء: اختاره، أي جمعه إليه، ورجل مليء ~~قوبة - كهمزة: ثابت الدار مقيم - من الثبات الذي هو لازم الجمع، وقوب من ~~الغبار: اغبر - إما لأن من يحفر ذلك بغير، وإما لأن الغبار كثر عليه حتى ~~غطاه فصار له مثل تلك الحفرة. # ومن مهموزه: قأب الطعام - كمنع: أكله، والماء: شربه كقئبه - كفرح، أو ~~شرب كل ما في الإناء، وقئب من الشراب: تملأ، وهو مقأب - كمنبر: كثير ~~الشرب للماء، وإناء قوأب: كثير الأخذ للماء - فهو كما ترى جمع مخصوص ~~بالأكل والشرب، أو أنه ms2762 جمعه في وقبة بطنه. # ومن الواوي: بقاه بعينه: نظر إليه - فهو من الحفظ اللازم للجمع، وابقه ~~بقوتك مالك، وبقاوتك مالك أي احفظه حفظك مالك، وبقوته: انتظرته - ~~وهو يرجع إلى الثبات والمراقبة التي ترجع إلى الحفظ، ويلزم الحفظ الثبات. ~~ومن اليائي: بقي الشيء بقاء: ثبت ودام ضد فني، والاسم البقوى - كدعوى، ~~ويضم، والبقيا - بالضم والبقية، وقد توضع الباقية موضع المصدر. # ومن واويه: البوقة: الجمع والدفعة من المطر الشديد أو المنكرة تنباق - ~~أنها نزلت من وقبة لشدتها، والبوائق: العوائد - لأنها جامعة لمن اعتادها، ~~والبوائق: الشر - لأنه مهلك، فكأنه موقع في المهالك، والبوق - بالضم: شبه ~~منقاب ينفخ فيه الطحان، أو الذي ينفخ فيه مطلقا ويرمز - لأنه لتجويفه ~~يشبه الوقبة، والبوق أيضا: الباطل والزور - لأن صوته أشبع شيء بذلك، ~~والمبوق - كمعظم: الكلام الباطل، والبوق - بالفتح: من لا يكتم السر - لأن ~~البوق متى نفخ فيه صوت، والبوقة: شجرة دقيقة - لأنها لدقتها يسرع إليها ~~الهلاك كمن وقع فيه وقبة، والبائقة: الداهية - كأنها تدفع من أتته في ~~الوقبة، وانباقت عليه بائقة: انفتقت، وباق: جاء بالشر والخصومات - من ~~ذلك، وكذا باق، أي تعدى على إنسان، وانباق به: ظلمه، والبائقة القوم: ~~أصابتهم، كانباقت عليهم، أي خرجت لشدتها من وقبة، والباقة: الحزمة من بقل ~~- لاجتماعها، وباق بك: طلع عليك من غيبة - كأنه كان في حفرة فخرج، ومنه ~~باق فلان: هجم على قوم بغير إذنهم، وباق القوم: سرقهم، وباق به: حاق به، ~~أي - أحاط كما تحيط الوقبة، وباق القوم عليه: اجتمعوا فقتلوه ظلما، وباق ~~المال: فسد وبار - كحال من وقع في حفرة، ومنه متاع بائق: لا ثمن له، ~~وتبوق في الماشية: وقع فيها الموت وفشا، والحاق باق: صوت الفرج عند ~~الجماع - لأنه من الجمع، ولأن الفرج وقبة، ومن مهموزه: بأقتهم الداهية ~~بؤوقا: أصابتهم، وانبأق عليهم الدهر: هجم عليهم بالداهية. # ومن الواوي، الوقبة: كوة عظيمة فيها ظل، والوقب والوقبة: نقرة في الصخرة ~~يجتمع فيها الماء، وقيل: هي نحو البئر في الصفا تكون قامة أو قامتين ~~يستنقع فيها ماء السماء، وكل نقر في ms2763 الجسد وقب كنقر العين والكتف، ~~والوقبان من الفرس: هزمتان فوق عينيه، ووقب المحالة: الثقب الذي يدخل فيه ~~المحور، ووقبة الدهن: أنقوعته، وكذا وقبة الثريد، ووقب الشيء: دخل في ~~الوقب، وأوقب الشيء: أدخله فيه، وركية وقباء: غامرة الماء، وامرأة ميقاب: ~~واسعة الفرج وبنو الميقاب نسبوا إلى أمهم، يريدون سبهم بذلك، والميقاب: ~~الرجل الكثير الشرب للماء، والحمقاء أوالمحمقة، وسير الميقاب: أن تواصل ~~سير يوم وليلة - كأن ذلك سير الأحمق الذي لا يبقى على ظهره، ووقب القمر ~~وقوبا: دخل في الظل الذي يكسفه - كأنه حفرة ابتلعته، ووقبت الشمس ~~وقوبا: غابت كذلك، وقيل: كل ما غاب فقد وقب، ووقب الظلام، أقبل. أي فصار ~~كالوقبة، فابتلع الضياء أو ابتلع ما في الكون فحجبه عن الضياء، ورجل وقب: ~~أحمق - كأنه وعاء لكل ما يسمع، لا أهلية له في تمييز جيده من رديئه، ~~والأنثى: وقبة، وقال ثعلب: الوقب: الدنيء، أي لأنه يتبع نفسه هواها فيصير ~~كأنه الوقبة لا ترد شيئا مما يلقي فيها، ووقب الفرس وقبا وهو صوت قنبه، ~~أي وعاء قضيبه، وقيل: صوت تقلقل جردان الفرس في قنبه - لأن وعاء جردانه ~~كالوقبة، فهو من اطلاق اسم المحل على ما فيه، والقبة - كعدة: الإنفحة إذا ~~عظمت من الشاة، قال ابن الأعرابي: ولا يكون ذلك في غير الشاء - لأن شبه ~~الإنفحة بالوقبة ظاهر، والوقباء: موضع يمد ويقصر، والوقبى: ماء لبني مازن ~~- لأنه يجمعهم كما تجمع الوقبة ما فيها، والأوقاب: قماش البيت كالبرمة ~~والرحيين والعمد - لأن البيت لها كالوقبة لجمعها أو لأنها جامعة لشمل من ~~فيه، والميقب: الودعة، وأوقب القوم: جاعوا، أي تهيؤوا لإدخال الطعام في ~~وقبة الجوف، وذكر أوقب: ولاج في الهنات - لأنها كالأوقاب أي الحفر، ~~والوقب: الإقبال والمجيء، وهو سبب الجمع. # ووبق - كوعد ووجل وورث وبوقا وموبقا: هلك، أي وقع فيه وقبة، أي حفرة ~~كاستوبق، وكمجلس: المهلك والمحبس، وواد في جهنم، وكل شيء حال بين شيئين - ~~لأن الوقبة تحول بين ما فيها وبين غيره. # ومنه قيل للموعد: موبق، وأوبقه: حبسه أو أهلكه. # ومن مهموزه: أبق العبد - كسمع ms2764 وضرب ومنع - أبقا ويحرك - وإباقا - ~~ككتاب: ذهب بلا خوف ولا كد عمل، أو استخفى ثم ذهب - وكل ذلك يوجع إلى ~~جعله كأنه نزل في وقبة، ومن شأنه حينئذ أن يخفى، ومنه تأبق: استتر أو ~~احتبس، وتأبق الشيء: أنكره - لأن سبب الإنكار الخفاء، وتأبق: تأثم، أي ~~جانب الإثم، فهو لسلب الجمع أو لسلب الهلاك في الوقبة، والأبق - محركة: ~~القنب - لشبهه لتجويفه بالوقبة، والأبق: قشره - لقوته اللازمة للجمع أو ~~لأنه خيوط مجتمعة. ### || [18.53-56] # ولما قرر سبحانه ما لهم مع شركائهم، ذكر حالهم في استمرار جهلهم، فقال ~~تعالى: { ورءا المجرمون } أي العريقون في الإجرام { النار } أي ورأوا، ~~ولكنه أظهر للدلالة على تعليق الحكم بالوصف { فظنوا } ظنا { أنهم ~~مواقعوها ولم } أي والحال أنهم لم { يجدوا عنها مصرفا * } أي مكانا ~~ينصرفون إليه، فالموضع موضع التحقق، ولكن ظنهم جريا على عادتهم في الجهل ~~كما قالوا # اتخذ الله ولدا # [ الكهف: 4] بغير علم # وما أظن أن تبيد هذه أبدا # [ الكهف: 35]، # وما أظن الساعة قائمة # [الكهف: 36]، # إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين # [الجاثية: 32] مع قيام الأدلة التي لا ريب فيها. # ولما كان الكلام في قوة أن يقال: صرفنا هذه الأخبار بما أشارت إليه من ~~الأسرار الكبار، فقامت دلائل الشريعة الجلائل، وأضاءت بها جواهر المعاني ~~الزواهر، عطف على ذلك: { ولقد صرفنا } أي بما لنا من العظمة. ولما كانت ~~هذه السورة في وصف الكتاب، اقتضى الاهتمام به تقديمه في قوله تعالى: { في ~~هذا القرءان } أي القيم الذي لا عوج فيه، مع جمعه للمعاني ونشره الفارق ~~بين الملبسات { للناس } أي المزلزلين فضلا عن الثابتين { من كل مثل } أي ~~حولنا الكلام وطرقناه في كل وجه من وجوه المعاني وألبسناه من العبارات ~~الرائقة، والأساليب المتناسقة، ما سار بها في غرابته كالمثل، يقبله كل من ~~يسمعه، وتضرب به آباط الإبل في سائر البلاد، بين العباد، فتبشر به ~~قلوبهم، وتلهج به ألسنتهم، فلم يتقبلوه وجادلوا فيه؛ ثم نبه على الوصف ~~المقتضي لذلك بقوله تعالى: { وكان الإنسان } الذي جعل خصيما وهو آنس ~~بنفسه جبلة وطبعا { أكثر ms2765 شيء } وميز الأكثرية بقوله تعالى: { جدلا * } ~~لأنه لم ينته عن الجدل بعد هذا البيان، الذي أضاء جميع الأكوان. # ولما بين إعراضهم، بين موجبه عندهم فقال: { وما منع } ولما كان الناس ~~تبعا لقريش قال: { الناس } أي الذين جادلوا بالباطل، الإيمان - هكذا كان ~~الأصل، ولكنه عبرعن هذا المفعول الثاني بقوله تعالى: { أن يؤمنوا } ليفيد ~~التجديد وذمهم على الترك { إذ } أي حين { جاءهم الهدى } بالكتاب على لسان ~~الرسول، وعطف على المفعول الثاني - معبرا بمثل ما مضى لما مضى - قوله ~~تعالى: { ويستغفروا ربهم } أي المحسن إليهم. # ولما كان الاستثناء مفرغا، أتى بالفاعل فقال تعالى: { إلا أن } أي طلب ~~أن { تأتيهم سنة الأولين } في إجابتهم إلى ما اقترحوه على رسلهم، المقتضي ~~للاستئصال لمن استمر على الضلال، ومن ذلك طلبهم أن يكون النبي ملكا، ~~وذلك نقمة في صورة نعمة وإتيان بالعذاب دبرا، أي مستورا { أو } طلب أن ~~{ يأتيهم العذاب قبلا * } أي مواجهة ومعاينة ومشاهدة من غير ستر له، هو ~~في قراءة من كسر القاف وفتح الباء واضح، من قولهم: لقيت فلانا قبلا، أي ~~معاينة، وكذا في قراءة من ضمهما، من قولهم: أنا آتيك قبلا لا دبرا، أي ~~مواجهة من جهة وجهك لا من جهة قفاك، قال تعالى: # إن كان قميصه قد من قبل # [ يوسف: 26]، ويصح أن يراد بهذه القراءة الجماعة، لأن المراد بالعذاب ~~الجنس أي يأتيهم أصنافا مصنفة صنفا ونوعا نوعا، وقد مضى في الأنعام ~~بيانه، وهذا الشق قسيم الإتيان بسنة الأولين، فمعناه: من غير أن يجابوا ~~إلى ما اقترحوا كما تقدم في التي قبلها # فأبى أكثر الناس إلا كفورا وقالوا لن نؤمن لك # [الإسراء:89-90] - إلى قوله تعالى: # أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا # [الإسراء: 92] الآية وهذه الآية من الاحتباك: ذكر { سنة الأولين } أولا ~~يدل على ضدها ثانيا، وذكر المكاشفة ثانيا يدل على المساترة أولا. # ولما كان ذلك ليس إلى الرسول، إنما هو إلى الإله، بينه بقوله تعالى: { ~~وما نرسل } على ما لنا من العظمة التي لا أمر لأحد معنا فيها { المرسلين ~~إلا مبشرين } بالخير ms2766 على أفعال الطاعة { ومنذرين } بالشر على أفعال ~~المعصية، فيطلب منهم الظالمون من أممهم ما ليس إليهم من فصل الأمر { ~~ويجادل الذين كفروا } أي يجددون الجدال كلما أتاهم أمر من قبلنا { ~~بالباطل } من قولهم: لو كنتم صادقين لأتيتم بما نطلب منكم، مع أن ذلك ليس ~~كذلك لأنه ليس لأحد غير الله من الأمر شيء { ليدحضوا } أي ليزلقوا ~~فيزيلوا ويبطلوا { به الحق } الثابت من المعجزات المثبتة لصدقهم. # ولما كان لكل مقام مقال، ولكل مقال حد وحال، فأتى في الجدال بصيغة ~~الاستقبال، وكان اتخاذ الاستهزاء أمرا واحدا، أتى به ماضيا فقال ~~تعالى: { واتخذوا } أي كلفوا أنفسهم أن أخذوا { ءاياتي } بالبشارات التي ~~هي المقصودة بالذات لكل ذي روح { وما أنذروا } من آياتي، بني للمفعول لأن ~~الفاعل معروف والمخيف الإنذار { هزوا * } مع بعدهما جدا عن ذلك، فلا ~~بالرغبة أطاعوا، ولا للرهبة ارتاعوا، فكانوا شرا من البهائم. ### || [18.57-58] # ولما حكي عنهم هذا الجدال، والاستهزاء والضلال، وصفهم بما يموجب الخزي ~~فقال - عاطفا على ما تقديره: فكانوا بذلك أظلم الظالمين: { ومن أظلم } ~~منهم - استفهاما على سبيل التقرير، ولكنه أظهر للتنبيه على الوصف الموجب ~~للإنكار على من شك في أنهم أظلم. فقال تعالى: { ممن ذكر } أي من أي مذكر ~~كان { بأيات } أي علامات { ربه } المحسن إليه بها؛ قال الأصبهاني: وهذا ~~من أفصح التقرير أن يوقف الرجل على ما لا جواب فيه إلا الذي يريد خصمه. # ولما كان التذكير سببا للإقبال فعكسوا فيه قال تعالى: { فأعرض عنها } ~~تاركا لما يعرف من تلك العلامات العجيبة وما يوجبه ذلك الإحسان من الشكر ~~{ ونسي ما قدمت يداه } من الفساد الذي هو عارف - لو صرف عقله إلى الفكر ~~فيما ينفعه - أن الحكمة تقتضي جزاءه عليه، وأفرد الضمير في جميع هذا على ~~لفظ { من } إشارة إلى أن من فعل مثل هذا - ولو أنه واحد - كان هكذا، ~~والأحسن أن يقال: إنهم لما كانوا قد سألوا اليهود عنه صلى الله عليه وعلى ~~آله وسلم كما أشير إليه عند # ويسألونك عن الروح # [ الإسراء: 85] فأمروهم بسؤاله عما جعلوه أمارة ms2767 على صدقه، فلم يؤثر ذلك ~~فيهم، واستمروا بعد إخباره بالحق على التكذيب، شرح حالهم بالتعقيب ~~بالفاء، فكان المعنى: من أظلم منهم، لأنهم ذكروا فأعرضوا ونسوا ما ~~اعتقدوا أنه دليل الصدق، وأنه لا جدال بعده، وسيأتي لموقع الفاء في آخر ~~السجدة مزيد بيان، وإسناد الفعل في الإعراض وما بعده إليهم حقيقة مما لهم ~~من الكسب كما أن إسناد الجعل وما بعده إلى الله حقيقة بما له من الخلق. # ولما كان كأنه قيل: ما لهم فعلوا ذلك؟ أيجهل قبح هذا أحد؟ قيل: { إنا ~~جعلنا } بما لنا من القدرة على إعماء البصائر والأبصار { على قلوبهم } ~~فجمع رجوعا إلى أسلوب { واتخذوا ءاياتي } لأنه أنص على ذم كل واحد { ~~أكنة } أي أغطية مستعلية عليها استعلاء يدل سياق العظمة على أنه لا يدع ~~شيئا من الحيز يصل إليها، فهي لا تعي شيئا من آياتنا، ودل بتذكير ~~الضمير على أن المراد بالآيات القرآن فقال تعالى: { أن } أي كراهة أن { ~~يفقهوه } أي يفهموه { وفي ءاذانهم وقرا } أي ثقلا فهم لا يسمعون حق ~~السمع، ولا يعون حق الوعي { وإن تدعهم } أي تكرر دعاءهم كل وقت { إلى ~~الهدى } لتنجيهم بما عندك من الحرص على ذلك والجد { فلن يهتدوا } أي كلهم ~~بسبب دعائك { إذا } أي إذا دعوتهم { أبدا * } لأن من له العظمة التامة ~~- وهو الذي إذا عبر عن نفسه بنونها كانت على حقيقتها - حكم عليها ~~بالضلال، أي أنه لا يكون الدعاء وحده هاديا لأكثرهم، بل لا بد معه من ~~السيف كما سنأمرك به فتقطع الرؤوس فيذل غيرهم، وقد يكون المراد أن من كان ~~هكذا معاندا على هذا الوجه مؤبد الشقاء، وقد نفى آخر هذه الآية الفعل عن ~~العباد وأثبته لهم أولها، وقلما نجد في القرآن آية تسند الفعل إليهم إلا ~~قارنتها أخرى تثبته لله وتنفيه عنهم، ابتلاء من الله لعباده ليتميز ~~الراسخ - الذي ينسب للمكلفين الكسب المفيد لأثر التكليف، ولله الخلق ~~المفيد لأنه سبحانه لا شريك له في خلق ولا غيره - من الطائش الذي يقول ~~بالجبر أو التفويض. # ولما كان هذا ms2768 مقتضيا لأخذهم، عطف على ما اقتضاه السياق مما ذكرته من ~~العلة قوله تعالى: { وربك } مشيرا بهذا الاسم إلى ما اقتضاه الوصف من ~~الإحسان بأخذ من يأخذ منهم وإمهال غيره لحكم دبرها؛ ثم أخبر عنه بما ناسب ~~ذلك من أوصافه فقال: { الغفور } أي هو وحده الذي يستر الذنوب إما بمحوها ~~وإما بالحلم عنها إلى وقت { ذو الرحمة } أي الذي يعامل - وهو قادر - مع ~~موجبات الغضب معاملة الراحم بالإكرام؛ ثم استشهد على ذلك بقوله تعالى: { ~~لو يؤاخذهم } أي هؤلاء الذين عادوك وآذوك، وهو عالم بأنهم لا يؤمنون لو ~~يعاملهم معاملة المؤاخذ { بما كسبوا } حين كسبهم { لعجل لهم العذاب } ~~واحدا بعد واحد، ولكنه لا يعجل لهم ذلك { بل لهم موعد } يحله بهم فيه، ~~ودل على أن موعده ليس كموعد غيره من العاجزين بقوله دالا على كمال ~~قدرته: { لن يجدوا من دونه } أي الموعد { موئلا * } أي ملجأ ينجيهم منه، ~~فإذا جاء موعدهم أهلكناهم فيه بأول ظلمهم وآخره. ### || [18.59-63] # ولما كانت هذه سنته في القرون الماضية والأمم الخالية، قال تعالى عاطفا ~~على قوله " لهم موعد " مروعا لهم بالإشارة إلى ديارهم المصورة لدمارهم: ~~{ وتلك القرى } أي الماضية من عاد وثمود ومدين وقوم لوط وأشكالهم { ~~أهلكناهم } أي حكمنا بإهلاكهم بما لنا من العظمة { لما ظلموا } أي أول ما ~~ظلموا، أو أهلكناهم بالفعل حين ظلمهم لكن لا في أوله، بل أمهلناهم إلى ~~حين تناهيه وبلوغه الغاية، فليحذر هؤلاء مثل ذلك { وجعلنا } أي بما لنا ~~من العظمة { لمهلكهم } أي إهلاكهم بالفعل { موعدا * } أي وقتا نحله بهم ~~فيه ومكانا لم نخلفه، كما أنا جعلنا لهؤلاء موعدا في الدنيا بيوم بدر ~~والفتح وحنين ونحو ذلك، وفي الآخرة لن نخلفه، وكذا كل أمر يقوله نبي من ~~الأنبياء عنا لا يقع فيه خلف وإن كان يجوز لنا ذلك، بخلاف ما يقوله من ~~نفسه غير مسند إلينا فإنه يمكن وقوع الخلف فيه، كما وقع في الوعد ~~بالإخبار عن هذه المسائل التخلف أربعين ليلة أو ما دونها على حسب فهمهم ~~أن { غدا } على حقيقته. # ولما ms2769 قدم الكلام على البعث، واستدل عليه بابتداء الخلق، ثم ذكر بعض ~~أحواله، ثم عقبه بما ضرب لذلك وغيره من الأمثال، وصرف من وجوه الاستدلال، ~~وختم ذلك بأنه يمهل عند المساءة، عقب ذلك بأنه كذلك يفعل عند المسرة، ~~فلكل شيء عنده كتاب، وكل قضاء بقدر وحساب، فذكر قصة موسى مع الخضر عليهما ~~السلام وما اتفق له في طلبه، وجعله سبحانه له الحوت آية وموعدا للقائه، ~~ولو أراد سبحانه لقرب المدى ولم يحوج إلى عناء، مع ما فيها من الخارق ~~الدال على البعث، ومن الدليل على أن من ثبت فضله وعلمه لا يجوز أن يعترض ~~عليه إلا من كان على ثقة مما يقوله من ربه ولا أن يمتحن، ومن الإرشاد إلى ~~ذم الجدل بغير علم، ووجوب الانقياد للحق عند بيانه، وظهور برهانه، ومن ~~إرشاد من استنكف أن يجالس فقراء المؤمنين بما اتفق لموسى عليه السلام من ~~أنه - وهو كليم الله - أتبع الخضر عليه السلام ليقتبس من علمه، ومن تبكيت ~~اليهود بقولهم لقريش لما أمروهم بسؤال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ~~" إن لم يخبركم فليس بنبي " الموهم للعرب الذين لا يعلمون شيئا أن من ~~شرط النبي أن لا يخفى عليه شيء، مع ما يعلمون من أن موسى عليه السلام خفي ~~عليه جميع ما فعله الخضر عليه السلام، وإلى نحو هذا أشار الخضر عليه ~~السلام بقوله إذ وقع العصفور على حرف السفينة ونقر من البحر نقرة أو ~~نقرتين # " ما نقص علمي وعلمك يا موسى من علم الله إلا كما نقص هذا العصفور من ~~البحر " # وبإعلامهم بما يعلمونه من أن موسى عليه السلام جعل نفسه تابعا للخضر ~~عليه السلام، تكذيبا لهم في ادعائهم أنه ليس أحد أعلى من موسى عليه ~~السلام في وصف من الأوصاف، وأنه لا ينبغي لأحد اتباع غيره، ومن جوابهم ~~عما لعلهم يقولون للعرب بهتا وحسدا " لو كان نبيا ما قال: أخبركم ~~غدا، وتأخر عن ذلك " بما اتفق لموسى في وعده الخضر عليهما السلام ~~بالصبر، وبما خفي عليه مما اطلع ms2770 عليه الخضر عليهما السلام، فقال تعالى ~~عاطفا على قوله سبحانه { وإذ قلنا للملائكة }: { وإذ } أي واذكر لهم حين ~~{ قال موسى } أي ابن عمران المرسل إلى بني إسرائيل، أي قوله الذي كان في ~~ذلك الحين { لفتاه } يوشع بن نون عليهما السلام: { لا أبرح } أي لا أزال ~~سائرا في طلب العبد الذي أعلمني ربي بفضله - كما دل عليه ما يأتي { حتى ~~أبلغ مجمع البحرين } أي ملتقاهما وموضع اختلاطهما الذي سبق إليه فهمي، ~~فتعينت البداءة به فألقاه ثم { أو أمضي حقبا * } إن لم أظفر بمجمع ~~البحرين الذي جعله ربي موعدا لي في لقائه؛ والحقب - قال في القاموس - ~~ثمانون سنة أو أكثر والدهر والسنة أو السنون - انتهى. وما أنسب التوقيت ~~بمجمع بحري الماء بمجمع بحري العلم وتزودهما بالنون الذي قرنه الله ~~بالقلم وما يسطرون، وعين الحياة لأن العلم حياة القلوب، فسارا وتزودا ~~حوتا مشويا في مكتل كما أمر به، فكانا يأكلان منه إلى أن بلغا المجمع { ~~فلما بلغا مجمع بينهما } أي البحرين، فلم يكن هناك بين أصلا لصيرورتهما ~~شيئا واحدا { نسيا حوتهما } فلم يعلم موسى عليه السلام شيئا من حاله ~~ونسي أن يسأل عنه، وعلم يوشع عليه السلام بعض حاله فنسي أن يذكر ذلك له { ~~فاتخذ } أي الحوت معجزة في معجزة { سبيله } أي طريقه الواسع الواضح { في ~~البحر سربا * } أي خرقا في الماء غير ملتئم، من السرب الذي هو جحر ~~الوحشي، والحفير تحت الأرض، والقناة يدخل منها الماء الحائط. وقد ورد في ~~حديثه في الصحيح أن الله تعالى أحياه وأمسك عن موضع جريه في الماء، فصار ~~طاقا لا يلتئم. ويوشع عليه السلام ينظر ذلك، وكأن المجمع كان ممتدا، ~~فظن موسى عليه السلام أن المطلوب أمامه أو ظن أن المراد مجمع آخر فسار { ~~فلما جاوزا } أي موسى وفتاه عليهما السلام ذلك الموضع من المجمع تعب، ولم ~~يتعب حتى جاوز المكان الذي أمر به معجزة أخرى، فلما جاع وتعب { قال ~~لفتاه ءاتنا } أي أحضر لنا { غداءنا } أي لنتقوى به على ما حصل لنا من ~~الإعياء، ولذلك ms2771 وصل به قوله تعالى: { لقد لقينا من سفرنا } أي الذي ~~سافرناه في هذا اليوم خاصة، ولذلك أشار إليه بأداة القرب فقال تعالى: { ~~هذا نصبا * } وكان الحوت زادهم فلم يكن معه، فكأنه قيل: فما كان عن ~~أمره؟ فقيل: { قال } لموسى عليه السلام معجبا له: { أرءيت } ما دهاني؟ { ~~إذ أوينا إلى الصخرة } التي بمجمع البحرين { فإني } أي بسبب أني { نسيت ~~الحوت } أي نسيت أن أذكر لك أمره الذي كان هناك؛ ثم زاد التعجيب من هذا ~~النسيان بالاعتراض بين الإخبار به مجملا وبين تفصيل أمره وبإيقاع ~~النسيان عليه ثم على ذكره فقال تعالى: { وما أنسانيه } مع كونه عجيبا { ~~إلا الشيطان } بوساوسه. # ولما كان المقام للتدريب في عظيم تصرف الله تعالى في القلوب بإثبات ~~العلم ونفيه وإن كان ضروريا، ذكر نسيانه، ثم أبدل من ضميره قوله تعالى: ~~{ أن أذكره } لك فإنه عاش فانساب من المكتل في البحر { واتخذ سبيله } أي ~~طريقه الذي ذهب فيه { في البحر عجبا * } وذكره له الآن مانع من أن يكون ~~للشيطان عليه سلطان على أن هذا الإنساء ليس مفوتا لطاعة، بل فيه ترقية ~~لهما في معارج المقامات العالية لوجدان التعب بعد المكان الذي فيه ~~البغية، وحفظ الماء منجابا على طول الزمان وغير ذلك من آيات الإيقان، ~~وقوله تعالى # إنما سلطانه على الذين يتولونه # [النحل:100] مبين أن السلطان الحمل على المعاصي، وقد كان في هذه القصة ~~خوارق حياة الحوت وإيجاد ما كان أكل منه، وإمساك الماء عن مدخله، وقد ~~اتفق لنبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم نفسه أو أتباعه ببركته مثل ذلك. # أما إعادة ما أكل من الحوت المشوي - وهو جنبه - فقد روى البيهقي في ~~أواخر دلائل النبوة عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، قال: # " خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى الحجة التي حجها ~~حتى إذا كنا ببطن الروحاء - فذكر قصة المرأة التي أبرأ النبي صلى الله ~~عليه وعلى آله وسلم ولدها من الجنون إلى أن قال: فلما قضى رسول الله صلى ~~الله عليه ms2772 وعلى آله وسلم حجته انصرف حتى إذا نزل ببطن الروحاء أتته تلك ~~المرأة بشاة قد شوتها، فأمر بأخذ تلك الشاة منها ثم قال: يا أسيم - وكان ~~إذا دعاه رخمه! ناولني ذراعا، وكان أحب الشاة إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وعلى آله وسلم مقدمها، ثم قال: يا أسيم! ناولني ذراعا! فناولته، ثم ~~قال: يا أسيم! ناولني ذراعا! فقلت: يا رسول الله! إنما هما ذراعان وقد ~~ناولتك، فقال: والذي نفسي بيده لو سكت ما زلت تناولني ذراعا ما قلت ~~لك: ناولني ذراعا " # فقد أخبر صلى الله عليه وسلم أنه لو سكت أوجد الله لها ذراعا ثم ذراعا ~~وهكذا، وقوله الحق الذي لا فرق بينه وهو في عالم الغيب وبين ما وجد في ~~عالم الشهادة. # وأما حياة الحوت المشوي فقد مضى عند # والله يعصمك من الناس # [ المائدة: 67] ما هو أكبر من ذلك في قصة الشاة المشوية المسمومة، وهو ~~أن ذراعها أخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه مسموم فهو أعظم من ~~عود الحياة من غير نطق، وكذا حنين الجذع، وسلام الحجر، وتسبيح الحصا، ~~وتأمين أسكفة الباب وحوائط البيت ونحو ذلك أعظم من عود الحياة إلى ما كان ~~حيا، فقد روى البيهقي في الدلائل عن عمرو بن سواد قال: قال لي الشافعي: ~~ما أعطى الله نبيا ما أعطى محمدا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقلت: ~~أعطى عيسى عليه السلام إحياء الموتى؟ فقال: أعطى محمدا صلى الله عليه ~~وعلى آله وسلم الجذع - الذي كان يخطب إلى جنبه حتى هيىء له المنبر، فلما ~~هيىء له المنبر حن الجذع حتى سمع صوته - فهذا أكبر من ذاك - انتهى. على ~~أنه قد تقدم في آل عمران وفي آخر البقرة في قصة إبراهيم عليه السلام ~~أشياء من إحياء الموتى له صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولبعض أمته. # وأما آية الماء فمرجعها إلى صلابته، ولا فرق بين جموده بعدم الالتئام ~~بعد الانخراق وبين جموده وصلابته بالامتناع من الانخراق، وقد روى البيهقي ~~في ذلك ما فيه آية ms2773 من الإحياء بسند منقطع عن أنس رضي الله عنه قال: كنا ~~في الصفة عند رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فأتته امرأة مهاجرة ~~ومعها ابن لها قد بلغ فأضاف المرأة إلى النساء وأضاف ابنها إلينا، فلم ~~يلبث أن أصابه وباء المدينة فمرض أياما ثم قبض فغمضه النبي صلى الله ~~عليه وعلى آله وسلم وأمر بجهازه، فلما أردنا أن نغسله قال: ائت أمه ~~فأعلمها، فجاءت حتى جلست عند قدميه فأخذت بهما، ثم قالت: اللهم إني أسلمت ~~لك طوعا، وخلعت الأوثان زهدا، وهاجرت إليك رغبة، اللهم لا تشمت بي عبدة ~~الأوثان، ولا تحملني من هذه المصيبة ما لا طاقة لي بحملها، قال: فوالله ~~ما تقضي كلامها حتى حرك قدميه، وألقى الثوب عن وجهه، وعاش حتى قبض الله ~~رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم حتى هلكت أمه؛ ثم جهز عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه - يعني جيشا، واستعمل عليه العلاء بن الحضرمي، قال: وكنت ~~في غزاته، فأتينا مغازينا فوجدنا القوم قد تدروا بنا، فعفوا آثار الماء، ~~قال: وكان حر شديد، فجهدنا العطش ودوابنا، وذلك يوم الجمعة فلما مالت ~~الشمس لغروبها صلى بنا ركعتين، ثم مد يده وما نرى في السماء شيئا، ~~فوالله ما حط يده حتى بعث الله ريحا وأنشأ سحابا فأفرغت حتى ملأت الغدر ~~والشعاب، فشربنا وسقينا واستقينا ثم أتينا عدونا وقد جاوزوا خليجا في ~~البحر إلى جزيرة، فوقف على الخليج وقال: يا علي يا عظيم يا حليم يا كريم! ~~ثم قال: أجيزوا باسم الله! فأجزنا ما يبل الماء حوافر دوابنا، فأصبنا ~~العدو غيلة فقتلنا وأسرنا وسبينا ثم أتينا الخليج فقال مثل مقالته فأجزنا ~~ما يبل الماء حوافر دوابنا. # وأخبرنا أبو الحسين بن بشران أنا إسماعيل الصفار نا الحسن بن علي بن ~~عفان أنبأنا ابن نمير عن الأعمش عن بعض أصحابه، قال: انتهينا إلى دجلة ~~وهي مادة، والأعاجم خلفها، فقال رجل من المسلمين: بسم الله، ثم أقحم فرسه ~~فاندفع على الماء، فقال الناس: بسم الله بسم الله، ثم اقتحموا ms2774 فارتفعوا ~~على الماء، فلما نظر إليهم الأعاجم قالوا: ديوان ديوان، ثم ذهبوا على ~~وجوههم، فما فقدوا إلا قدحا كان معلقا بعذبة سرج، فلما خرجوا أصابوا ~~الغنائم فاقتسموها. أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي أنا أبو محمد عبد الله ~~بن محمد السمذي ثنا أبو العباس السراج ثنا الفضل بن سهل وهارون بن عبد ~~الله قالا: ثنا سليمان بن المغيرة أن أبا مسلم الخولاني جاء إلى الدجلة ~~وهي ترمي بالخشب من مدها، فمشى على الماء والتفت إلى أصحابه وقال: هل ~~تفقدون من متاعكم شيئا فندعو الله - قال البيهقي: هذا إسناد صحيح. ### || [18.64-67] # وفي هذا الأمر من هذه القصة قاصمة للسائلين والآمرين لهم بالسؤال، لأن ~~المراد - والله أعلم - أن هذا الأمر وقع لنبي هؤلاء المضلين، فمر قريشا ~~أن يسألوهم عن هذه القصة، فإن أخبروهم عنها بمثل ما أخبرتهم فصدقوهم، ~~لزمهم أن يؤمنوا بالبعث لأمر هذا الحوت الذي أحياه الله بعد أن كان ~~مشويا وصار كثير منه في البطون، وإن لم يصدقوهم في هذا وصدقوهم في غيره ~~مما يتعنتون به عليك فهو تحكم، وإن كانوا يتهمونهم في كل أمر كان سؤالهم ~~لهم عبثا، ليس من أفعال من يعقل، فكأنه قيل: فما قال موسى حينئذ؟ فقيل: ~~{ قال } منبها على أن ذلك ليس من الشيطان، وإنما هو إغفال من الله تعالى ~~بغير واسطة ليجدا العلامة التي أخبره الله بها كما قال النبي صلى الله ~~عليه وعلى آله وسلم: # " إنى لأنسى - أي ينسيني الله تعالى - لأسن " # { ذلك } أي الأمر العظيم من فقد الحوت { ما كنا نبغ } أي نريد من هذا ~~الأمر المغيب عنا، فإن الله تعالى جعله موعدا لي في لقاء الخضر { فارتدا ~~على ءاثارهما } يقصانها { قصصا * } وهذا يدل على أن الأرض كانت رملا، ~~لا علم فيها، فالظاهر - والله أعلم - أنه مجمع النيل والملح الذي عند ~~دمياط، أو رشيد من بلاد مصر، ويؤيده نقر العصفور في البحر الذي ركبا في ~~سفينته للتغذية - كما في الحديث، فإن الطير لا يشرب من الملح، ومن ~~المشهور في بلاد رشيد أن الأمر ms2775 كان عندهم، وأن عندهم سمكا ذاهب الشق ~~يقولون: أنه من نسل تلك السمكة - والله أعلم. فاستمرا يقصان حتى انتهيا ~~إلى موضع فقد الحوت { فوجدا عبدا من عبادنا } مضافا إلى حضرة عظمتنا ~~وهو الخضر عليه السلام { ءاتيناه } بعظمتنا { رحمة } أي وحيا ونبوة، ~~وكونه نبيا قول الجمهور { من عندنا } أي مما لم يجر على قوانين العادات ~~غير أنه ليس بمستغرب عند أهل الاصطفاء { وعلمناه من لدنا } أي من الأمور ~~المستبطنة المستغربة التي عندنا مما لم يحدث عن الأسباب المعتادات، فهو ~~مستغرب عند أهل الاصطفاء { علما } قذفناه في قلبه بغير واسطة؛ وقال ~~الأستاذ أبو الحسن الحرالي: " عند " في لسان العرب لما ظهر، و " لدن " ~~لما بطن، فيكون المراد بالرحمة ما ظهر من كراماته، وبالعلم الباطن الخفي ~~المعلوم قطعا أنه خاص بحضرته سبحانه، فأهل التصوف سموا العلم بطريق ~~المكاشفة العلم اللدني، فإذا سعى العبد في الرياضيات يتزين الظاهر ~~بالعبادة، وتتخلى النفس عن الأخلاق الرذيلة، وتتحلى بالأخلاق الجميلة، ~~وتصير القوى الحسية والخيالية والوهمية في غاية القوة، وحينئذ تصير القوة ~~العقلية قوية صافية، وربما كانت النفس بحسب أصل الفطرة نورانية إلهية ~~علوية قليلة التعلق بالحوادث البدنية، شديدة الاستعداد لقبول الأمور ~~الإلهية، فتشرق فيها الأنوار الإلهية وتفيض عليها من عالم القدس على وجه ~~الكمال فتحصل المعارف والعلوم من غير تفكر وتأمل، فهذا هو العلم اللداني. # ثم أورد سبحانه وتعالى القصة على طريق الاستئناف على تقدير سؤال سائل عن ~~كل كلام يرشد إليه ما قبله، وذلك أنه من المعلوم أن الطالب للشخص إذا ~~لقيه كله، لكن لا يعرف عين ذلك الكلام فقال لمن كأنه سأل عن ذلك: { قال ~~له موسى } طالبا منه على سبيل التأدب والتلطف بإظهار ذلك في قالب ~~الاستئذان: { هل أتبعك } أي اتباعا بليغا حيث توجهت؛ والاتباع: الإتيان ~~لمثل فعل الغير لمجرد كونه آتيا به؛ وبين أنه لا يطلب منه غير العلم ~~بقوله: { على أن تعلمن } وزاد في التلطف بالإشارة إلى أنه لا يطلب جميع ~~ما عنده ليطول عليه الزمان بل جوامع منه يسترشد بها إلى ms2776 باقيه فقال: { ~~مما علمت } وبناه للمفعول لعلم المخاطبين - لكونهم من الخلص - بأن الفاعل ~~هو الله سبحانه وتعالى، وللإشارة إلى سهولة كل أمر على الله عز وجل { ~~رشدا * } أي علما يرشدني إلى الصواب فيما أقصده، ولا نقص في تعلم نبي ~~من نبي حتى يدعي أن موسى هذا ليس موسى بن عمران عليه السلام فإنه قد ثبت ~~كونه ابن عمران في الصحيح، وأتى صلى الله عليه وعلى آله وسلم في سؤاله له ~~بهذه الأنواع من الآداب والإبلاغ في التواضع لما هو عليه من الرسوخ في ~~العلم، لأن كل من كانت إحاطته بالعلوم أكثر، كان علمه بما فيها من البهجة ~~والسعادة أكثر، فكان طلبه لها أشد، فكان تعظيمه لأرباب العلوم أكمل. # ولما أتم العبارة عن السؤال، استأنف جوابه له بقوله تعالى: { قال } أي ~~الخضر عليه السلام: { إنك لن تستطيع } يا موسى { معي صبرا * } أي هو من ~~العظمة على ما أريد لما يحثك على عدم الصبر من ظاهر الشرع الذي أمرت به، ~~فالتنوين للتعظيم بما تؤذن به تاء الاستفعال، وأكد لما في سؤال موسى عليه ~~السلام من التلطف المؤذن بأنه يصبر عليه ولا يخالفه في شيء أصلا، ويؤخذ ~~منه أن العالم إن رأى في التغليظ على المتعلم ما يفيده نفعا وإرشادا ~~إلى الخير كان عليه ذكره، فإن السكوت عنه يوقع المتعلم في الغرور ~~والنخوة، وذلك يمنعه من التعلم. ### || [18.68-74] # ولما كان المقام صعبا جدا لأنه بالنسبة إلى أوامر الله تعالى، بينه ~~على وجه أبلغ من نفي الأخص، وهو الصبر البليغ، بالتعجيب من مطلق الصبر ~~معتذرا عن موسى في الإنكار، وعن نفسه في الفعل، بأن ذلك بالنسبة إلى ~~الظاهر والباطن، فقال عاطفا على ما تقديره: فكيف تتبعني الاتباع البليغ: ~~{ وكيف تصبر } يا موسى { على ما لم تحط به خبرا * } أي من جهة العلم به ~~ظاهرا وباطنا، فأشار بالإحاطة إلى أنه كان يجوز أن يكون على صواب، ولكن ~~تجويزا لا يسقط عنه وجوب الأمر، ويجوز أن يكون هذا تعليلا لما قبله، ~~فيكون الصبر الثاني هو الأول، ms2777 والمعنى أنك لا تستطيع الصبر الذي أريده ~~لأنك لا تعرف فعلي على ما هو عليه فتراه فاسدا { قال } أي موسى عليه ~~السلام، آتيا بنهاية التواضع لمن هو أعلم منه، إرشادا لما ينبغي في طلب ~~العلم رجاء تسهيل الله له والنفع به: { ستجدني } فأكد الوعد بالسين؛ ثم ~~أخبر عنه سبحانه أنه قوى تأكيده بالتبرك بذكر الله تعالى لعلمه بصعوبة ~~الأمر على الوجه الذي تقدم الحث عليه في هذه السورة في قوله تعالى { ولا ~~تقولن لشيء إني فاعل } الآية ليعلم أنه منهاج الأنبياء وسبيل الرسل، فقال ~~تعالى: { إن شاء الله } أي الذي له صفات الكمال { صابرا } على ما يجوز ~~الصبر عليه؛ ثم زاد التأكيد بقوله عطفا بالواو على " صابرا " لبيان ~~التمكن في كل من الوصفين: { ولا أعصي } أي وغير عاص { لك أمرا * } ~~تأمرني به غير مخالف لظاهر أمر الله { قال } أي الخضر عليه السلام: { فإن ~~اتبعتني } يا موسى اتباعا بليغا { فلا تسألني عن شيء } أقوله أو أفعله ~~{ حتى أحدث لك } خاصة { منه ذكرا * } يبين لك وجه صوابه، فإني لا أقدم ~~على شيء إلا وهو صواب جائز في نفس الأمر وإن كان ظاهره غير ذلك. # ولما تشارطا وتراضيا على الشرط سبب قوله تعالى: { فانطلقا } أي موسى ~~والخضر عليهما السلام على الساحل، يطلبان سفينة يركبان فيها واستمرا { ~~حتى إذا ركبا في السفينة } وأجاب الشرط بقوله تعالى: { خرقها } وعرفها ~~لإرشاد السياق بذكر مجمع البحرين إلى أن انطلاقهما كان لطلب سفينة، فكانت ~~لذلك كأنها مستحضرة في الذهن، ولم يقرن " خرق " بالفاء لأنه لم يكن ~~مسببا عن الركوب ولا كان في أول أحيانه؛ ثم استأنف قوله تعالى: { قال } ~~أي موسى عليه السلام، منكرا لذلك لما في ظاهره من الفساد بإتلاف المال ~~المفضي إلى فساد أكبر منه بإهلاك النفوس، ناسيا لما عقد على نفسه لما ~~دهمه مما عنده من الله - وهو الإله العظيم - من العهد الوثيق المكرر في ~~جميع أسفار التوراة بعد إثباته في لوحي الشهادة في العشر كلمات التي ~~نسبتها من التوراة كنسبة الفاتحة من القرآن بالأمر ms2778 القطعي أنه لا يقر على ~~منكر، ومن المقرر أن النهي واجب على الفور، على أنه لا يقر على منكر، ومن ~~المقرر أن النهي واجب على الفور، على أنه لو لم ينس لم يترك الإنكار، كما ~~فعل عند قتل الغلام، لأن مثل ذلك غير داخل في الوعد، لأن المستثنى شرعا ~~كالمستثنى وضعا، ففي الأولى نسي الشرط، وفي الثانية نسي - لما دهمه من ~~فظاعة القتل الذي لم يعلم فيه من الله أمرا - أنه ينبغي تقليده لثناء ~~الله تعالى عليه: { أخرقتها } وبين عذره في الإنكار بما في غاية الخرق من ~~الفظاعة فقال: { لتغرق أهلها } والله! { لقد جئت شيئا إمرا } أي عظيما ~~منكرا عجيبا شديدا { قال } أي الخضر عليه السلام: { ألم أقل إنك } يا ~~موسى! { لن تستطيع معي صبرا * } فذكره بما قال له عند الشرط { قال } ~~موسى: { لا تؤاخذني } يا خضر { بما نسيت } من ذلك الاشتراط { ولا ترهقني ~~} أي تلحقني بما لا أطيقه وتعجلني عن مرادي باتباعك على وجه القهر ناسبا ~~لي إلى السفه والخفة وركوب الشر { من أمري عسرا * } بالمؤاخذة على ~~النسيان، فكل منهما صادق فيما قال، موف بحسب ما عنده، أما موسى عليه ~~السلام فلأنه ما خطر له قط أن يعاهد على أن لا ينهى عما يعتقده منكرا، ~~وأما الخضر فإنه عقد على ما في نفس الأمر لأنه لا يقدم على منكر، ومع ذلك ~~فما نفي إلا الصبر البليغ الذي دل عليه بزيادة تاء الاستفعال، وقد حصل ما ~~يطلق عليه صبر. # لأنه لما ذكره كف عنه لما تذكر بثناء الله عليه أنه لا يفعل باطلا، ولم ~~يحصل الصبر البليغ الذي في نفس الخضر بالكسوت في أول الأمر وآخره { ~~فانطلقا } بعد نزولهما من السفينة وسلامتها من الغرق والغصب { حتى إذا ~~لقيا غلاما } لم يبلغ الحلم وهو في غاية القوة { فقتله } حين لقيه - كما ~~دلت عليه الفاء العاطفة على الشرط. ثم أجاب الشرط بقوله مشعرا بأن شروعه ~~في الإنكار في هذه أسرع: { قال } أي موسى عليه السلام: { أقتلت } يا خضر ~~{ نفسا زكية } بكونها على ms2779 الفطرة الأولى من غير أن تدنس بخطيئة توجب ~~القتل { بغير نفس } قتلتها ليكون قتلك لها قودا؛ وهذا يدل على أنه كان ~~بالغا حتى إذا قتل قتيلا أمكن قتله به إلا أن يكون شرعهم لا يشترط ~~البلوغ؛ ثم استأنف قوله: { لقد جئت } في قتلك إياها { شيئا } وصرح ~~بالإنكار في قوله: { نكرا * } لأنه مباشرة. والخرق تسبب لا يلزم منه ~~الغرق. ### || [18.75-79] # ولما كانت هذه ثانية { قال } الخضر عليه السلام: { ألم أقل } وزاد قوله: ~~{ لك إنك } يا موسى { لن تستطيع معي } أي خاصة { صبرا * قال } موسى عليه ~~السلام حياء منه لما أفاق بتذكر مما حصل من فرط الوجد لأمر الله فذكر أنه ~~ما تبعه إلا بأمر الله: { إن سألتك عن شيء بعدها } يا أخي! وأعلم بشدة ~~ندمه على الإنكار بقوله: { فلا تصاحبني } بل فارقني؛ ثم علل ذلك بقوله { ~~قد بلغت } وأشار إلى أن ما وقع منه من الإخلال بالشرط من أعظم الخوارق ~~التي اضطر إليها فقال: { من لدني عذرا * } باعتراضي مرتين واحتمالك لي ~~فيهما. وقد أخبرني الله بحسن حالك في غزارة علمك { فانطلقا } بعد قتله { ~~حتى إذا أتيا أهل قرية } عبر عنها هنا بالقرية دون المدينة لأنه أدل على ~~الذم، لأن مادة قرا تدور على الجمع الذي يلزمه الإمساك كما تقدم في آخر ~~سورة يوسف عليه السلام؛ ثم وصفها ليبين أن لها مدخلا في لؤم أهلها بقوله ~~تعالى: { استطعما } وأظهر ولم يضمر في قوله: { أهلها } لأن الاستطعام ~~لبعض من أتوه، أوكل من الإتيان والاستطعام لبعض ولكنه غير متحد، وهذا هو ~~الظاهر، لأنه هو الموافق للعادة. # قال الإمام أبو الحسن الحرالي في كتابه مفتاح الباب المقفل لفهم القرآن ~~المنزل: ولتكرار الأسماء بالإظهار والإضمار بيان سنين الأفهام في القرآن: ~~اعلم أن لوقوع الإظهار والإضمار في بيان القرآن وجهين: أحدهما يتقدم فيه ~~الإظهار وهو خطاب المؤمنين بآيات الآفاق وعلى نحوه هو خطاب الخلق بعضهم ~~لبعض لا يضمرون إلا بعد أن يظهروا، والثاني يتقدم فيه الإضمار وهو خطاب ~~الموقنين بآية الأنفس، ولم يصل إليه تخاطب الخلق. فإذا ms2780 كان البيان عن ~~إحاطة، تقدم الإضمار { قل هو الله أحد } وإذا كان عن اختصاص، تقدم ~~الإظهار { الله الصمد } وإذا رد عليه بيان على حدة أضمر { لم يلد ولم ~~يولد ولم يكن له كفوا أحد } أي هذا الذي عم بأحديته وخص بصمديته، وإذا ~~أحاط البيان بعد اختصاص استؤنف له إحاطة باستئناف إظهار محيط أو بإضمار، ~~أو بجمع المضمر والمظهر # يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله ~~سميع عليم # [الحجرات: 1] # إن بطش ربك لشديد إنه هو يبدىء ويعيد # [ البروج: 12] # هو الله لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة # [الحشر: 22] والتفطن لما اختص به بيان القرآن عن بيان الإنسان من هذا ~~النحو من مفاتيح أبواب الفهم، ومن نحوه { أتيا أهل قرية استطعما أهلها } ~~استأنف للمستطعمين إظهارا غير إظهار المأتيين - انتهى. وجعل السبكي ~~الإتيان للبعض، والاستطعام للكل، لأنه أشد ذما لأهل القرية وأدل على شر ~~طبعها، ومن قال بالأول مؤيد بقول الشافعي في كتاب الرسالة في باب ما نزل ~~من الكتاب عاما يراد به العام ويدخلها الخصوص وهو بعد البيان الخامس في ~~قول الله عز وجل { حتى إذا أتيا قرية استطعما أهلها }: وفي هذه الآية أدل ~~دلالة على أنه لم يستطعما كل أهل القرية وفيها خصوص - انتهى، وبيان ذلك ~~أن نكرة إذا أعيدت كانت الثانية غير الأولى، وإذا أعيدت معرفة كانت عينا ~~في الأغلب. # ولما أسند الإتيان إلى أهل القرية كان ظاهره تناول الجميع، فلو قيل: ~~استطعماهم لكان المراد بالضمير عين المأتيين، فلما عدل عنه - مع أنه أخصر ~~- إلى الظاهر ولا سيما إن جعلناه نكرة كان غير الأولى وإلا لم يكن للعدول ~~فائدة، وقد كان الظاهر أن الأول للجميع فكان الثاني للبعض، وإلا لم يكن ~~غيره ولا كان للعدول فائدة. { فأبوا } أي فتسبب عن استطعامهما أن أبى ~~المستطعمون من أهل القرية { أن يضيفوهما } أي ينزلوهما ويطعموهما فانصرفا ~~عنهم { فوجدا فيها } أي القرية، ولم يقل: فيهم، إيذانا بأن المراد وصف ~~القرية بسوء الطبع { جدارا } مشرفا على السقوط، وكذا ms2781 قال مستعيرا لما ~~لا يعقل صفة ما يعقل: { يريد أن ينقض } أي يسقط سريعا فمسحه الخضر بيده ~~{ فأقامه }. # ولما انقضى وصف القرية وما تسبب عنه أجاب " إذا " بقوله: { قال } أي له ~~موسى عليه السلام: { لو شئت لتخذت } لكوننا لم يصل إلينا منهم شيء { عليه ~~} أي على إقامة الجدار { أجرا * } نأكل به، فلم يعترض عليه في هذه المرة ~~لعدم ما ينكر فيها، وإنما ساق ما يترتب عليها من ثمرتها مساق العرض ~~والمشورة غير أنه يتضمن السؤال { قال } الخضر عليه السلام: { هذا } أي ~~الوقت أو السؤال. ولما كان ذلك سبب الفراق أو محله، سماه به مبالغة فقال: ~~{ فراق بيني وبينك } يا موسى بعد أن كان البينان بينا واحدا لاتصالهما ~~فلا بين، فهو في الحقيقة فوق ما كان متصلا من بينهما، أو فراق التقاول ~~الذي كان بيننا، أي الفراق الذي سببه السؤال، وإذا نزل على الاحتباك ~~ازداد ظهورا، تقديره: فراق بيني وبينك كما أخبرت، وفراق بينك من بيني ~~كما شرطت، وقد أثبتت هذه العبارة الفراق على أبلغ وجه، وذلك أنه إذا وقع ~~فراق بيني من بينك بحائل يحول بينهما فقد وقع منك بطريق الأولى، وحقيقته ~~أن البين هو الفراغ المنبسط الفاصل بين الشيئين وهو موزع بينهما، فبين كل ~~منهما من منتصف ذلك الفراغ إليه، فإذا دخل في ذلك الفراغ شيء فصل بينهما، ~~وصار بين كل منهما ينسب إليه، لأنه صار بين ما ينسب إلى كل منهما من ~~البينين، وحينئذ يكون بينهما مباينة، أي أن بين كل منهما غير بين الآخر ~~ومن قال: إن معنى " هذا فراق بيننا " زوال الفصل ووجود الوصل، كذبه أن ~~معنى " هذا اتصال بيننا " المواصلة، فلو كان هذا معنى ذاك أيضا لاتحد ~~معنى ما يدل على الوصل بمعنى ما يدل على الفصل، وقد نبه الله سبحانه ~~وتعالى موسى عليه السلام - كما في تفسير الأصبهاني وغيره - بما فعل الخضر ~~عليه السلام على ما وقع له هو من مثله سواء بسواء، فنبهه - بخرق السفينة ~~الذي ظاهره هلك وباطنه نجاة من يد الغاصب ms2782 - على التابوت الذي أطبق عليه ~~وألقي في اليم خوفا عليه من فرعون الغاصب فكان ظاهره هلكا وباطنه نجاة، ~~وبقتل الغلام على أنه كان معصوم الحركة في نفس الأمر في قتله القبطي وإن ~~لم يكن إذ ذاك يعلمه لكونه لم ينبأ، وبأقامة الجدار من غير أجر على سقيه ~~لبنات شعيب عليهم السلام من غير أجر مع احتياجه لذلك. # ولما كان من المعلوم شدة استشراف موسى عليه السلام إلى الوقوف في باطن ~~هذه الأمور، قال مجيبا له عن هذا السؤال: { سأنبئك } يا موسى بوعد لا ~~خلف فيه إنباء عظيما { بتأويل } أي بترجيع { ما لم تستطع عليه صبرا * } ~~لمخالفته عندك الحكمة إلى الحكمة وهو أن عند تعارض الضررين يجب ارتكاب ~~الأدنى لدفع الأقوى بشرط التحقق، وأثبت تاء الاستفعال هنا وفيما قبله ~~إعلاما بأنه ما نفى إلا القدرة البليغة على الصبر، إشارة إلى صعوبة ما ~~حمل موسى من ذلك، لا مطلق القدرة على الصبر { أما السفينة } التي أحسن ~~إلينا أهلها فخرقتها { فكانت لمساكين } وهو دليل للشافعي على أن الفقير ~~أسوأ حالا من المسكين، لأن هؤلاء يملكون سفينة { يعملون في البحر } ~~ليستعينوا بذلك على معاشهم. # ولما كان التعييب من فعله، أسنده إليه خاصة، تأدبا مع الله تعالى فقال: ~~{ فأردت أن أعيبها } فإن تفويت منفعتها بذلك ساعة من نهار وتكليف أهلها ~~لوحا يسدونها به أخف ضررا من تفويتهم منفعتها أخذا ورأسا بأخذ الملك ~~لها، ولم أرد إغراق أهلها كما هو المتبادر إلى الفهم؛ ثم عطف على ذلك علة ~~فعله فقال: { وكان وراءهم } أي أمامهم، ولعله عبر بلفظ (وراء) كناية عن ~~الإحاطة بنفوذ الأمر في كل وجهة وارتهم و واروها، وفسره الحرالي في سورة ~~البقرة بأنه وراءهم في غيبته عن علمهم وإن كان أمامهم في وجهتهم، لأنه ~~فسر الوراء بما لا يناله الحس ولا العلم حيثما كان من المكان، قال: فربما ~~اجتمع أن يكون الشيء، وراء من حيث إنه لا يعلم، ويكون أماما في المكان. ~~{ ملك يأخذ } في ذلك الوقت { كل سفينة } ليس فيها عيب { غصبا } من ms2783 ~~أصحابها ولم يكن عند أصحابها علم به. ### || [18.80-82] # ولما كان كل من الغصب والمسكنة سببا لفعله، قدمها على الغصب، إشارة إلى ~~أن أقوى السببين الحاملين على فعله الرأفة بالمساكين { وأما الغلام } أي ~~الذي قتلته { فكان أبواه مؤمنين } وكان هو مطبوعا على الكفر - كما يأتي ~~في حديث أبي رضي الله عنه. # ولما كان يحتمل عند الخضر عليه السلام أن يكون هذا الغلام مع كفره في ~~نفسه سببا لكفر أبويه إن كبر، وكان أمر الله له بقتله مثل فعل من يخشى ~~ذلك، أسند الفعل إليهما في قوله: { فخشينا أن يرهقهما } أي يغشيهما ~~ويلحقهما إن كبر بمحبتهما له أو بجراءته وقساوته { طغيانا } أي تجاوزا ~~في الظلم وإفراطا فيه { وكفرا * } لنعمتهما فيفسد دنياهما أو يحملهما ~~حبهما له على الطغيان والكفر بالله طاعة فيفسد دينهما، روى مسلم في القدر ~~وأبو داود في السنة والترمذي في التفسير عن ابن عباس عن أبي بن كعب رضي ~~الله عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: # " إن الغلام الذي قتله الخضر طبع كافرا، ولو عاش لأرهق أبويه طغيانا ~~وكفرا " # وهذا حديث: # " الله أعلم بما كانوا عاملين " # يدل على أن العذاب - على ما لو وجد شرطه لوقع - إنما يكون على ما كان ~~جبلة وطبعا، لا ما كان عارضا، وإلا لعذب الأبوان على تقدير أن يكون ~~المعلوم من الكفر منهما. # ولما ذكر ما يلزم على تقدير بقائه من الفساد سبب عنه قوله: { فأردنا } ~~أي بقتله وإراحتهما من شره، ولما كان التعويض عن هذا الولد لله وحده، ~~أسند الفعل إليه في قوله: { أن يبدلهما ربهما } أي المحسن إليهما بإعطائه ~~وأخذه { خيرا منه زكاة } طهارة وبركة، أي من جهة كونه كان ظاهر الزكاء ~~في الحال، وأما في المآل فلو عاش كان فيه خبيثا ظاهر الخبث، وهذا البدل ~~يمكن أن يكون الصبر، ويمكن أن يكون ولدا آخر، وهو المنقول وأنها كانت ~~بنتا { وأقرب رحما * } برا بهما وعطفا عليهما ورحمة لهما فكان الضرر ~~اللاحق لهما بالتأسف عليه أدنى من الضرر اللاحق لهما ms2784 عند كبره بإفساد ~~دينهما أو دنياهما { وأما الجدار } الذي أشرت بأخذ الأجر عليه { فكان ~~لغلامين } ودل على كونهما دون البلوغ بقوله { يتيمين }. # ولما كانت القرية لا تنافي التسمية بالمدينة، وكان التعبير بالقرية ~~أولا أليق، لأنها مشتقة من معنى الجمع، فكان أليق بالذم في ترك الضيافة ~~لإشعاره ببخلهم حالة الاجتماع وبمحبتهم للجمع والإمساك، وكانت المدينة ~~بمعنى الإقامة، فكان التعبير بها أليق للإشارة به إلى أن الناس يقيمون ~~فيها، فينهدم الجدار وهم مقيمون فيأخذون الكنز، قال: { في المدينة } ~~فلذلك أقمته احتسابا { وكان تحته كنز } أي مال مدخور { لهما } لو وقع ~~لكان أقرب إلى ضياعه { وكان أبوهما صالحا } ينبغي مراعاته وخلفه في ~~ذريته بخير. # ولما كان الإبلاغ إلى حد البلوغ والاستخراج فعل الله وحده، أسند إليه ~~خاصة فقال: { فأراد ربك } أي المحسن إليك بهذه التربية، إشارة إلى ما فعل ~~بك من مثلها قبل النبوة كما بين { أن يبلغا } أي الغلامان { أشدهما } أي ~~رشدهما وقوتهما { ويستخرجا كنزهما } لينتفعا به وينفعا الصالحين { رحمة } ~~بهما { من ربك } أي الذي أحسن تربيتك وأنت في حكم اليتيم فكان التعب في ~~إقامة الجدار مجانا أدنى من الضرر اللازم من سقوطه لضياع الكنز وفساد ~~الجدار، وقد دل هذا على أن صلاح الآباء داع إلى العناية بالأبناء، روي ~~عن الحسن بن علي رضي الله عهنما أنه قال لبعض الخوارج في كلام جرى ~~بينهما: بم حفظ الله كنز الغلامين؟ قال: بصلاح أبيهما، قال فأبي وجدي خير ~~منه، قال أنبأنا الله أنكم قوم خصمون. { وما فعلته } أي شيئا من ذلك { ~~عن أمري } بل عن أمر من له الأمر، وهو الله. # ولما بان سر تلك القضايا، قال مقدرا للأمر: { ذلك } أي لشرح العظيم { ~~تأويل ما لم تسطع } يا موسى { عليه صبرا } وحذف تاء الاستطاعة هنا ~~لصيرورة ذلك - بعد كشف الغطاء - في حيز ما يحمل فكان منكره غير صابر ~~أصلا لو كان عنده مكشوفا من أول الأمر، وسقط - ولله الحمد - بما قررته ~~في هذه القصة ما يقال من أن النبي صلى الله عليه وعلى آله ms2785 وسلم أخبر في ~~قول سليمان عليه السلام المخرج في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله ~~عنه # " لأطوفن الليلة على مائة امرأة كلهن تلد فارسا يجاهد في سبيل الله، ~~فلم تلد منهن إلا واحدة جاءت بشق آدمي أنه لو قال: إن شاء الله، لجاهدوا ~~فرسانا أجمعون " # فأفهم ذلك أن ذلك كل نبي استثنى في خبره صدقه الله تعالى كما وقع للذبيح ~~أنه قال: # ستجدني إن شاء الله من الصابرين # [الصافات: 102] فوفى، فما لموسى عليه السلام - وهو من أولي العزم - فعل ~~مع الاستثناء ما فعل؟ فإن الذبيح صبر على ما هو قاطع بأنه بعينه أمر ~~الله، بخلاف موسى عليه السلام فإنه كان ينكر ما ظاهره منكر قبل العلم ~~بأنه من أمر الله، فإذا نبه صبر، وأما قول النبي صلى الله عليه وعلى آله ~~وسلم: # " يرحم الله أخي موسى! وددنا لو أنه صبر حتى يقص علينا من أمرهما " # فمعناه: صبر عن الإذن للخضر عليه السلام في مفارقته في قوله { فلا ~~تصاحبني } ويدل عليه أن في رواية لمسلم # " رحمة الله علينا وعلى موسى! لولا أنه عجل لرأى العجب ولكنه أخذته من ~~صاحبه ذمامة " # { قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني }. فتحرر أنه وفى بمقام الشرع ~~الذي أقامه الله فيه فلم يخل بمقام الصبر الذي ليس فيه ما يخالف ما يعرف ~~ويستحضر من الشرع، وكيف لا وهو من أكابر أولي العزم الذين قال الله تعالى ~~لأشرف خلقه في التسليك بسيرهم # فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل # [الأحقاف: 35] وقال تعالى: # أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده # [الأنعام: 90] وقال عليه السلام فيما خرجه الشيخان عن ابن مسعود رضي ~~الله عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أوذي من بعض من كان معه ~~في حنين فتلون وجهه وقال: # " يرحم الله أخي موسى! لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر " # وعلم أن في قصته هذه حثا كثيرا على المجاهرة بالمبادرة بالأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر والمصابرة عليه، وأن لا يراعى فيه كبير ولا ~~صغير إذا ms2786 كان الإمرء على ثقة من أمره في الظاهر بما عنده في ذلك من العلم ~~عن الله ورسوله وأئمة دينه، وتنبيها على أنه لا يلزم من العلم اللدني - ~~سواء كان صاحبه نبيا أو وليا - معرفة كل شيء كما يدعيه أتباع بعض ~~الصوفية، لأن الخضر سأل موسى عليهما السلام: من أنت؟ وهل هو موسى نبي بني ~~إسرائيل - كما سيأتي. روى البخاري في التفسير من روايات مختلفة عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما أن أبي بن كعب رضي الله عنه حدثه قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وعلى آله وسلم: # " موسى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذكر الناس يوما حتى إذا فاضت ~~العيون ورقت القلوب ولى فأدركه رجل فقال: أي رسول الله! هل في الأرض أحد ~~أعلم منك؟ قال: لا! فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه، فأوحى إليه: ~~بلى! عبد من عبادي بمجمع البحرين، قال: أي رب! كيف السبيل إليه؟ قال: ~~تأخذ حوتا في مكتل فحيث ما فقدته فاتبعه - وفي رواية: خذ نونا ميتا ~~حيث ينفخ فيه الروح - فخرج ومعه فتاه يوشع بن نون حتى انتهيا إلى الصخرة، ~~فوضع موسى رأسه فنام في ظل الصخرة في مكان ثريان إذ تضرب الحوت - وفي ~~رواية: وفي أصل تلك الصخرة عين يقال له الحياة لا يصيب من مائها شيء إلا ~~حيى، فأصاب الحوت من ماء تلك العين فانسل من المكتل فدخل البحر - فأمسك ~~الله عنه جرية البحر حتى كان أثره في حجر، فقال فتاه: لا أوقظه، حتى إذا ~~استيقظ نسي أن يخبره، فذكر سفرهما وقول موسى عليه السلام { لقد لقينا من ~~سفرنا هذا نصبا } قال: قد قطع الله عنك النصب، فرجعا فوجدا خضرا على ~~طنفسة خضراء على كبد البحر مسجى بثوبه، قد جعل طرفه تحت رجليه، وطرفه تحت ~~رأسه، فسلم عليه موسى فكشف عن وجهه وقال: هل بأرضي من سلام؟ من أنت؟ قال: ~~أنا موسى! قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم! قال: فما شأنك؟ قال: جئت ~~لتعلمني، قال: أما يكفيك أن التوراة ms2787 بيديك وأن الوحي يأتيك؟ يا موسى! إن ~~لي علما لا ينبغي لك أن تعلمه، وإن لك علما لا ينبغي لي أن أعلمه - أي ~~لا ينبغي لك أن تعمل بالباطن ولا ينبغي لي أنا أن أقف مع الظاهر، أطلق ~~العلم على العمل لأنه سببه - فانطلقا يمشيان على الساحل، فوجدوا معابر ~~صغارا تحمل أهل هذا الساحل إلى أهل الساحل الآخر، فعرف الخضر فقالوا: ~~عبد الله الصالح! لا تحمله بأجر، فحملوهم في سفينتهم بغير نول: بغير أجر ~~- فركبا السفينة، ووقع عصفور على حرف السفينة فغمس منقاره في البحر؛ وفي ~~رواية: فأخذ بمنقاره من البحر، وفي رواية: فنقر نقرة أو نقرتين فقال: ~~والله ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا كما نقص هذا من البحر، فلم يفجأ ~~موسى إلا الخضر عمد إلى قدوم فخرق السفينة ووتد فيها وتدا فذكر إنكاره ~~وجوابه ثم قال: وكانت الأولى من موسى نسيانا، والوسطى شرطا، والثالثة ~~عمدا - فذكر القصة، وقال في آخرها: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~وددنا أن موسى صبر حتى يقص علينا من أمرهما ". ### || [18.83-90] # ولما فرغ من هذه القصة التي حاصلها أنها طواف في الأرض لطلب العلم، ~~عقبها بقصة من طاف الأرض لطلب الجهاد، وقدم الأولى إشارة إلى علو درجة ~~العلم لأنه أساس كل سعادة، وقوام كل أمر، فقال عاطفا على # ويجادل الذين كفروا بالباطل # [ الكهف:56] { ويسألونك عن } الرجل الصالح المجاهد { ذي القرنين } سمي ~~لشجاعته أو لبلوغه قرني مغرب الشمس ومشرقها، أو لانقراض قرنين من الناس ~~في زمانه، أو لأنه كان له ضفيرتان من الشعر أو لتاجه قرنان، وهو الإسكندر ~~الأول - نقل ابن كثير عن الأزرقي أنه كان على زمن الخليل عليه السلام، ~~وطاف معه بالبيت، ومن المناسبات الصورية أن في قصة كل منهما ثلاثة أشياء ~~آخرها بناء جدار لا سقف له، وإنما هو لأجل حفظ ما يهتم به خوف المفسد، ~~وصدرها بالإخبار عن سؤالهم إشارة إلى أنهم لم يسألوا عن التي قبلها على ~~ما فيها من العجائب واللطائف، والأسرار والمعارف، تبكيتا لليهود ms2788 في ~~إغفال الأمر بالسؤال عنها إن كان مقصودهم الحق، وإن لم يكن مقصودا لهم ~~كانوا بالتبكيت أجدر، أو تكون معطوفة على مسألتهم الأولى وهي الروح، ~~وصدرها بالإخبار بالسؤال تنبيها على ذلك لطول الفصل، إشارة إلى أن ذلك ~~كله مرتبط بجوابهم ارتباط الدر بالسلك. # ولما كان من المعلوم أنه يقول صلى الله عليه وعلى آله وسلم: فبماذا ~~أجيبهم؟ قال: { قل } أي لهم: { سأتلوا } أي أقص قصا متتابعا في مستقبل ~~الزمان إن أعلمني الله به { عليكم } أيها المشركون وأهل الكتاب المعلمون ~~لهم مقيدا بأن شاء الله كما سلف لك الأمر به { منه ذكرا * } كافيا لكم ~~في تعرف أمره، جامعا لمجامع ذكره. # ولما كانت قصته من أدل دليل على عظمة الله، جلاها في ذلك المظهر فقال: { ~~إنا } مؤكدا لأن المخاطبين بصدد التعنت والإنكار { مكنا } أي بما لنا من ~~العظمة، قيل: بالملك وحده، وقيل مع النبوة، لأن ما ينسب إلى الله تعالى ~~على سبيل الامتنان والإحسان جدير بأن يحمل على النهاية لا سيما إذا عبر ~~عنه بمظهر العظمة { له في الأرض } مكنة يصل بها إلى جميع مسلوكها، ويظهر ~~بها على سائر ملوكها { وءاتيناه } بعظمتنا { من كل شيء } يحتاج إليه في ~~ذلك { سببا } قال أبو حيان: وأصل السبب الحبل، ثم توسع فيه حتى صار يطلق ~~على ما يتوصل به إلى المقصود. فأراد بلوغ المغرب، ولعله بدأ به لأن باب ~~التوبة فيه { فأتبع } أي بغاية جهده - هذا على قراءة ابن كثير ونافع وأبي ~~عمرو بالتشديد، والمعنى على قراءة الباقين بقطع الهمزة وإسكان الفوقانية: ~~ألحق بعض الأسباب ببعض، وذلك تفسير لقراءة التشديد { سببا * } يوصله ~~إليه، واستمر متبعا له { حتى إذا بلغ } في ذلك المسير { مغرب الشمس } أي ~~الحد الذي لا يتجاوزه آدمي في جهة الغرب { وجدها } فيما يحس بحاسة لمسه { ~~تغرب } كما أحسه بحاسة بصره من حيث إنه متصل بما وصل إليه بيده، لا حائل ~~بينه وبينه { في عين حمئة } أي ذات حمأة أي طين أسود، وهي مع ذلك حارة ~~كما ينظر من في وسط البحر أنها ms2789 تغرب فيه وتطلع منه وعنده القطع بأن الأمر ~~ليس كذلك { ووجد عندها } أي على الساحل المتصل بتلك العين { قوما } ~~كفارا لهم قوة على ما يحاولونه ومنعة، فكأنه قيل: ماذا أمر فيهم؟ فأجيب ~~بقوله: { قلنا } بمظهر العظمة: { يا ذا القرنين } إعلاما بقربه من الله ~~وأنه لا يفعل إلا ما أمره به، إما بواسطة الملك إن كان نبيا وهو أظهر ~~الاحتمالات، أو بواسطة نبي زمانه، أو باجتهاده في شريعته الاجتهاد ~~المصيب، { إما أن تعذب } أي هؤلاء القوم ببذل السيف فيهم بكفرهم { وإما ~~أن تتخذ } أي بغاية جهدك { فيهم حسنا * } أمرا له حسن عظيم، وذلك هو ~~البداءة بالدعاء، إشارة إلى أن القتل وإن كان جائزا فالأولى أن لا يفعل ~~إلا بعد اليأس من الرجوع عن موجبه { قال أما من ظلم } باستمراره على ~~الكفر فإنا نرفق به حتى نيأس منه ثم نقتله، وإلى ذلك أشار بقوله: { فسوف ~~نعذبه } بوعد لا خلف فيه بعد طول الدعاء والترفق { ثم يرد } بعد الحياة ~~بالموت، أو بعد البرزخ بالبعث، ردا هو في غاية السهولة { إلى ربه } الذي ~~تفرد بتربيته { فيعذبه عذابا نكرا * } شديدا جدا لم يعهد مثله لكفره ~~لنعمته، وبذل خيره في عبادة غيره، وفي ذلك إشارة بالتهديد الشديد لليهود ~~الغارين لقريش، وإرشاد لقريش إلى أن يسألوهم عن قوله هذا، ليكون قائدا ~~لهم إلى الإقرار بالبعث { وأما من ءامن وعمل صالحا } تصديقا لما أخبر ~~به من تصديقه { فله } في الدارين { جزاء } طريقته { الحسنى } منا ومن ~~الله بأحسن منها { وسنقول } بوعد لا خلف فيه بعد اختباره بالأعمال ~~الصالحة { له } أي لأجله { من أمرنا } الذي نأمر به فيه { يسرا * } أي ~~قولا غير شاق من الصلاة والزكاة والخراج والجهاد وغيرها، وهو ما يطيقه ~~ولا يشق عليه مشقة كبيرة { ثم أتبع } لإرادته بلوغ مشرق الشمس { سببا * ~~} من جهة الجنوب يوصله إلى المشرق واستمر فيه لا يمل ولا تغلبه أمة مر ~~عليها { حتى إذا بلغ } في مسيره ذلك { مطلع الشمس } أي الموضع الذي تطلع ~~عليه أولا من المعمور من الأرض { وجدها تطلع على ms2790 قوم } على ساحل البحر ~~لهم قوة شديدة { لم نجعل لهم } ولما كان المراد التعميم، أثبت الجار ~~فقال: { من دونها } أي من أدنى الأماكن إليهم أول ما تطلع { سترا * } ~~يحول بينهم وبين المحل الذي يرى طلوعها منه من البحر من جبل ولا أبنية ~~ولا شجر ولا غيرها. ### || [18.91-102] # ولما كان أمره مستغربا في نفسه وفي الاطلاع عليه لا سيما عند القرب، ~~قال تعالى: { كذلك } أي أمره كما ذكرنا لكم على سبيل الاقتصار { وقد ~~أحطنا } بما لنا من العظمة، { بما لديه } أي كله من الأمور التي هي أغرب ~~المستغرب { خبرا * } أي من جهة بواطن أموره فضلا عن ظواهرها، فلا ~~يستغرب إخبارنا عن ذلك ولا عن أمر أصحاب الكهف، ولا يظن أن تفصيل أمر ~~الروح خفي عنا، لأنا مطلعون على خفايا الأمور وظواهرها، شواهدها ~~وغوائبها، وكيف لا ونحن أوجدناها ولكنا لا نذكر من ذلك إلا ما نريد على ~~ما تدعو إليه الحكمة، فلو شئنا لبسطنا هذه القصة وقصة أهل الكهف وفصلنا ~~أمر الروح تفصيلا يعجز عن حفظه الألباء { ثم أتبع } في إرادته ناحية ~~السد مخرج يأجوج ومأجوج { سببا * } من جهة الشمال، واستمر أخذا فيه { ~~حتى إذا بلغ } في مسيره ذلك { بين السدين } أي الجبلين المانعين من ~~وراءهما من الوصول منهما إلى من أمامهما وهما بمنقطع أرض الترك مما يلي ~~بلاد أرمينية وآذربيجان، أملسان يزلق عليهما كل شيء؛ قرأ ابن كثير وأبو ~~عمرو وحفص عن عاصم بفتح السين، والباقون بضمهما، فقيل: هما بمعنى واحد، ~~وقيل: المضموم من فعل الله، والمفتوح من فعل الناس. { وجد من دونهما } أي ~~بقربهما من الجانب الذي هو أدنى منهما إلى الجهة التي أتى منها ذو ~~القرنين { قوما } أي أقوياء لغتهم في غاية البعد من لغات بقية الناس ~~لبعد بلادهم من بقية البلاد، فهم لذلك { لا يكادون يفقهون قولا * } أي ~~لا يقربون من أن يفهموه ممن مع ذي القرنين فهما جيدا كما يفهم غيرهم، ~~ودل وصفهم بما يأتي على أنهم يفهمون فهما ما بعد بعد ومحاولة طويلة، ~~لعدم ماهر بلسانهم ms2791 ممن مع ذي القرنين، وعدم ماهر منهم بلسان أحد ممن معه، ~~وهذا يدل على أن بينهم وبين بقية سكان الأرض غير يأجوج ومأجوج براري ~~شاسعة، وفيافي واسعة، منعت من اختلاطهم بهم، وأن تطيعهم بلسان غيرهم بعيد ~~جدا لقلة حفظهم لخروج بلادهم عن حد الاعتدال، أو لغير ذلك، ويلزم من ذلك ~~أنهم لا يكادون يفهمون غيرهم شيئا من كلامهم، وذلك معنى قراءة حمزة ~~والكسائي بضم التحتانية وكسر القاف، ودل على أن عدم فهمهم وأفهامهم مقيد ~~بما مضى قوله: { قالوا } أي مترجموهم أو جيرانهم - الذين من دونهم - كما ~~في مصحف ابن مسعود ممن يعرف بعض كلامهم، أو بالإشارة كما يخاطب إليكم: { ~~يا ذا القرنين } مسنا الضر { إن يأجوج ومأجوج } وهما قبيلتان من الناس من ~~أولاد يافث، لا يطاق أمرهم، ولا يطفأ جمرهم، وقد ثبت في الصحيح في حديث ~~بعث النار أنهم من ذرية آدم عليه السلام { مفسدون في الأرض } بأنواع ~~الفساد { فهل نجعل لك خرجا } نخرجه لك من أموالنا - هذا على قراءة ~~الجماعة، وزاد حمزة والكسائي ألفا، فقيل: هما بمعنى واحد، وقيل: بل ~~الخرج ما تبرعت به، والخراج بالألف ما لزمك. # { على أن تجعل } في جميع ما { بيننا وبينهم } من الأرض التي يمكن توصلهم ~~إلينا منها بما آتاك الله من المكنة { سدا * } يصل بين هذين الجبلين { ~~قال } بعفة وديانة وقصد للخير: { ما مكني }. # ولما كان لمكنته حالتان: إحداهما ظاهرة، وهي ما شوهد من فعله بعد وقوعه، ~~وباطنة ولا يقع أحد عليها بحدس ولا توهم، لأنها مما لم يؤلف مثله، فلا ~~يقع المتوسم عليه، قرأ ابن كثير بإظهار النون في { مكنني } وغيره ~~بالإدغام، إشارة إليهما. ولما كان النظر إلى ما يقع المكنة فيه أكثر، قدم ~~ضميره فقال: { فيه ربي } أي المحسن إلي بما ترون من الأموال والرجال، ~~والفهم في إتقان الأمور، والتوصل إلى جميع الممكن للمخلوق { خير } أي من ~~خرجكم الذي تريدون بذله لمكنتي كما قال سليمان عليه السلام # فما آتاني الله خير مما آتاكم # [النمل: 36] { فأعينوني بقوة } أي آلات وعمال أتقوى بها ms2792 في فعل ذلك، فإن ~~أهل البلاد أخبر بما يصلح في هذا العمل من بلادهم وما معي إنما هو للقتال ~~وما يكون من أسبابه، لا لمثل هذا { أجعل بينكم } أي بين ما تختصون به { ~~وبينهم ردما * } أي حاجزا حصينا موثقا بعضه فوق بعض، مع التلاصق ~~المتلاحم الموجب لأن لا يميز بعضه من بعض وهو أعظم من السد؛ قال البغوي: ~~فحفر له الأساس حتى بلغ الماء وجعل حشوه الصخر وطينه النحاس يذاب فيصب ~~عليه فصار كأنه عرق من جبل تحت الأرض. { ءاتوني } بفتح الهمزة بعدها ~~ساكنة، ومدها على قراءة أي أعطوني وبهمزة وصل، وهمزة بعدها ساكنة أي ~~جيئوني وتعالوا إلي فقد أجبتكم إلى سؤالكم، ثم ابتدأ مغريا على هذه ~~القراءة فقال: { زبر الحديد } أي عليكم به فأحضروا إلي قطعة، فأتوه بذلك ~~فردم ما فوق الأساس بعضه على بعض صفا من الحديد وصفا من الحطب، قال ~~البغوي: فلم يزل يجعل قطع الحديد على الحطب والحطب على الحديد. { حتى إذا ~~ساوى } أي بذلك البناء { بين الصدفين } أي أعلى منقطع الجبلين الموصوفين، ~~سميا لتصادفهما - أي تقابلهما وتقاربهما - بالبناء على تلك الحالة عرضا ~~وطولا، وقراءة من فتح الصاد والدال - وهم نافع وحمزة والكسائي وحفص عن ~~عاصم - دالة على أن تقابلهما في غاية الاستقامة، فكأنهما جدار فتح فيه ~~باب، وقراءة ابن كثير وأبي عمرو وابن عامر بضمهما دالة على أنه مع ذلك في ~~غاية القوة حتى أن أعلاه وأسفله سواء، وقراءة شعبة عن عاصم بالضم وإسكان ~~الدال على أشد ثبات وأتقنه في كل منهما، فلا ينتخر شيء منهما على طول ~~الزمان بريح ولا غيرها من فساد في أحد الجانبين برخاوة من سياخ أو غيره { ~~قال } أي للصناع: { انفخوا } في الأكوار فنفخوا فأضرم فيه النار، واستمر ~~كذلك { حتى إذا جعله } أي كله { نارا قال } للقوم: { ءاتوني } بالنحاس { ~~أفرغ عليه } أي الحديد المحمى { قطرا * } منه بعد إذابته، فإن القطر: ~~النحاس الذائب، هذا في قراءة حمزة وأبي بكر عن عاصم بإسكان الهمزة، ~~وقراءة الباقين بفتح الهمزة ومدها بمعنى أعطوني النحاس. ms2793 # ففعلوا ذلك فاختلط والتصق بعضه ببعض وصار جبلا صلدا، ثم قال الله ~~تعالى: { فما } أي فتسبب عن ذلك أنه لما أكمل عمله وأحكمه ما { اسطاعوا } ~~أي يأجوج ومأجوج وغيرهم { أن يظهروه } أي يعلو ظهره لعلوه وملاسته { وما ~~استطاعوا له نقبا * } لثخنه وصلابته، وزيادة التاء هنا تدل على أن العلو ~~عليه أصعب من نقبه لارتفاعه وصلابته والتحام بعضه ببعض حتى صار سبيكة ~~واحدة من حديد ونحاس في علو الجبل، وقد حكى ابن خرداذبه عن سلام الترجمان ~~الذي أرسله أمير المؤمنين الواثق إليه حتى رآه أن ارتفاعه مد البصر، ~~ولأنهم لو احتالوا ببناء درج من جانبهم أو وضع تراب حتى ظهروا عليه لم ~~ينفعهم ذلك لأنه لا حيلة لهم على النزول من الجانب الآخر، ويؤيده أنهم ~~يخرجون في آخر الزمان بنقبه لا بظهوره، ولا ينافي نفي الاستطاعة لنقبه ما ~~رواه الإمام أحمد والترمذي في التفسير وابن ماجه في الفتن عن أبي رافع عن ~~أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: # " إن يأجوج ومأجوج ليحفرن السد كل يوم حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس ~~قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه غدا، فيعودون إليه كأشد ما كان حتى ~~إذا بلغت مدتهم وأراد الله أن يبعثهم على الناس حفروا حتى إذا كادوا يرون ~~شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه غدا إن شاء الله فيستثنى ~~فيعودون إليه وهو كهيئته حين تركوه فيحفرونه ويخرجون على الناس " # - الحديث. وفي حديث الصحيحين عن زينب بنت جحش رضي الله عنها عن النبي ~~صلى الله عليه وعلى آله وسلم: # " فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا، وحلق رسول الله صلى الله عليه ~~وعلى آله وسلم " # وروياه عن أبي هريرة رضي الله عنه وفيه: # " مثل هذا وعقد تسعين " # فكأنه قيل: فما قال حين أفرغه؟ قيل: { قال هذا } أي السد { رحمة من ربي ~~} المحسن إلي بإقداري عليه ومنع الفساد به { فإذا جاء وعد ربي } بقرب ~~قيام الساعة { جعله دكاء } بإقدراهم على نقبه وهدمه وتسهيل ms2794 ذلك عليهم، ~~والتعبير بالمصدر المنون في قراءة الجماعة للمبالغة في دكه هو الذي أشارت ~~إليه قراءة الكوفيين بالمد ممنوعا من الصرف. # ولما كان هذا أمرا مستعظما خارقا للعادة، علله بقوله: { وكان وعد ربي ~~} الذي وعد به في خروج يأجوج ومأجوج واختراقهم الأرض وإفسادهم لها ثم ~~قيام الساعة { حقا * } كائنا لا محالة، فلذلك أعان على هدمه، وعن قتادة ~~قال: " ذكر لنا أن رجلا - وفي رواية: عن رجل من أهل المدينة قال: يا ~~رسول الله! قد رأيت سد يأجوج ومأجوج، قال انعته لي، قال: كالبرد المحبر: ~~طريقة سوداء وطريقة حمراء، وفي وراية: طريقة حمراء من حديد وطريقة سوداء ~~من نحاس، وفي رواية أنه قال: انتهيت إلى أرض ليس لهم إلا الحديد يعملونه ~~" - رواه الطبري وابن أبي عمر والطبراني في مسند الشاميين وابن مردويه ~~عنه والبزار من وجه آخر من طريق أبي بكرة رضي الله عنه - ذكر ذلك شيخنا ~~ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف، وفي حديث فتح الباب من سيرة الحافظ أبي ~~الربيع بن سالم الكلاعي وشيخه ابن حبيش - وكان أمير تلك الجيوش التي بها ~~عبد الرحمن بن ربيعة في أيام عمر رضي الله عنه - ما نصه: وحدث مطر بن ثلج ~~التميمي قال: دخلت على عبد الرحمن بن ربيعة بالباب وشهربراز عنده - يعني: ~~وكان ملك الباب من جهة آل كسرى فأقبل رجل عليه شحوبة حتى جلس إلى شهربراز ~~فتساءلا، ثم إن شهربراز قال لعبد الرحمن: أيها الأمير! أتدري من أين جاء ~~هذا الرجل؟ إني بعثته منذ سنين نحو السد لينظر لي ما حاله ومن دونه، ~~وزودته مالا عظيما، وكتبت له إلى من يليني وأهديت له وسألته أن يكتب ~~إلى من وراءه، وزودته لكل ملك هدية، ففعل ذلك بكل ملك بيني وبينه حتى ~~انتهى إلى الملك الذي السد في ظهر أرضه، فكتب له إلى عامله على ذلك ~~البلد، فأتاه فبعث معه بازياره ومعه عقابه، فذكر أنه أحسن إلى البازيار، ~~قال: فتشكر لي البازيار فلما انتهينا إذا جبلان بينهما سد مسدود حتى ~~ارتفع على ms2795 الجبلين بعد ما استوى بهما، وإذا دون السد خندق أشد سوادا من ~~الليل لبعده، فنظرت إلى ذلك وتفرست فيه، ثم ذهبت لأنصرف فقال لي ~~البازيار: على رسلك! أكافيك أنه لا يلي ملك بعد ملك إلا تقرب إلى الله ~~تعالى بأفضل ما عنده من الدنيا فيرمي به في هذا اللهب، فشرح بضعة لحم معه ~~فألقاها في ذلك الهواء وانقضت عليها العقاب وقال: إن أدركتها قبل أن تقع ~~فلا شيء، وإن لم تدركها حتى تفع فذلك شيء، فخرجت علينا باللحم في مخالبها ~~وإذا فيه ياقوتة فأعطانيها، وهي هذه، فتناولها منه شهربراز وهي حمراء ~~فناولها عبد الرحمن فنظر إليها ثم ردها إليه فقال شهربراز: هذه خير من ~~هذه البلدة - يعني الباب - وايم الله! لأنتم أحب إلي ملكة من آل كسرى، ~~ولو كنت في سلطانهم ثم بلغهم خبرها لانتزعوها مني، وايم الله! لا يقوم ~~لكم شيء ما وفيتم أو وفى ملككم الأكبر، فأقبل عبد الرحمن على الرسول ~~وقال: ما حال الردم وما شبهه؟ فقال: هذا الثوب الذي على هذا الرجل، وأشار ~~إلى مطر بن ثلج وكان عليه قباء برود يمنية أرضه حمراء ووشيه أسود، أو ~~وشيه أحمر وأرضه سوداء، فقال مطر: صدق والله الرجل! لقد نفذ ورأى، قال ~~عبد الرحمن: أجل! ووصف صفة الحديد والصفر وقرأ { آتوني زبر الحديد } إلى ~~آخر الآية، وقال عبد الرحمن لشهربراز: كم كانت هديتك؟ قال: قيمة مائة ألف ~~في بلادي هذه، وثلاثة آلاف ألف أو أكثر في تلك البلدان - انتهى. # وقد ظهر أن ما تعنتوا به من قصتي أصحاب الكهف وذي القرنين وما أدرج ~~بينهما تبكيتا لليهود الآمرين بذلك - دال من قصة موسى عليه السلام على ~~قيام الساعة فصار كله أعظم ملزم لهم إن قبلوه، وأوضح فاضح لعنادهم إن ~~تركوه. # ولما انقضى ما سألوا عنه على أحسن وجه في أبلغ سياق وأبدع تناسب، وأدرج ~~في خلاله ما أدرج من التذكير والوعظ، والأمر والنهي، والوعد والوعيد، ~~والترغيب والترهيب، والتبكيت للكاتمين لما عندهم من العلم، الناكبين عما ~~استبان لهم من الطريق ms2796 اللاحب والمنهج الواضح صنع القادر الحكيم الذي لا ~~يستخفه ضجر فيستعجل، ولا يعيبه أمر فيستمهل، وختمه بما هو علم عظيم ~~للساعة، ذكر ما يكون إذإ ذاك وما يكون بعده إلى حصول كل من الفريقين في ~~داره ومحل استقراره؛ ولما كان ذلك أمرا عظيما، دل عليه بالنون فقال ~~عاطفا على تقديره: فقد بان أمر ذي القرنين أي بيان، وصدق في قوله { فإذا ~~جاء وعد ربي } فإنه إذا جاء وعدنا جعلناه بقدرتنا التي نؤتيها ليأجوج ~~ومأجوج دكاء فأخرجناهم على الناس بعد خروج الدجال: { وتركنا بعضهم } أي ~~بعض من خلف السد ومن أمامه { يومئذ } أي إذ جعلنا السد دكاء وخرجوا ~~مقدمتهم بالشام وساقطتهم بخراسان، وهم - كما قال الله تعالى - { من كل ~~حدب ينسلون }. { يموج } أي يضطرب { في بعض } كما يموج البحر، فأهلكوا ما ~~مروا عليه من شيء إلا ما أراد الله، ثم أبادهم الذي خلقهم وبقرب ذلك أفنى ~~الخلائق أجمعين { ونفخ في الصور } أي النفخة الثانية لقوله: { فجمعناهم } ~~ويجوز أن تكون هذه الفاء الفصيحة فيكون المراد النفخة الأولى، أو ونفخ في ~~الصور فمات الخلائق كلهم، فبليت أجسامهم، وتفتتت عظامهم، كما كان من ~~تقدمهم، ثم نفخ فيه النفخة الثانية فجمعناهم من التراب بعد تمزقهم فيه، ~~وتفرقهم في أقطار الأرض بالسيول والرياح وغير ذلك { جمعا } فأقمناهم ~~دفعة واحدة كلمح البصر، وحشرناهم إلى الموقف للحساب ثم العقاب أو الثواب ~~{ وعرضنا } أي أظهرنا { جهنم يومئذ } أي إذ جمعناهم لذلك { للكافرين ~~عرضا * } ظاهرا لهم كل ما فيها من الأهوال وهم لا يجدون عنها مصرفا؛ ~~ثم وصفهم بما أوجب سجنهم فيها وتجهمها لهم فقال: { الذين كانت } كونا ~~كأنه جبلة لهم { أعينهم } الوجهية والقلبية { في غطاء عن ذكري } بعدم ~~النظر فيما جعلنا على الأرض من زينة دليلا على الساعة بإفنائه إثر ~~إحيائه وإعادته بعد إبدائه { وكانوا } بما جبلناهم عليه { لا يستطيعون } ~~أي استطاعة عظيمة تسعدهم، لضعف عقولهم، وغرق استبصارهم في فضولهم { سمعا ~~* } لآياتي التي تسمع الصم وتبصر الكمه، وهو أبلغ في التبكيت بالغباوة ~~والتقريع بالبلادة من مجرد نفي البصر والسمع، ms2797 لأن ذلك لا ينفي الاستطاعة؛ ~~ثم عطف على ما أفهمه ذلك قوله موبخا لهم ومبكتا: { أفحسب } أي أغطوا ~~أعينهم عن آياتي وأصموا أسماعهم عن كلماتي، وعبدوا عبادي فحسبوا لضعف ~~عقولهم، وإنما قال: { الذين كفروا } دلالة على الوصف الذي أوجب لهم ذلك { ~~أن يتخذوا } أي ولو بذلوا الجهد { عبادي } من الأحياء كالملائكة وعزير ~~والمسيح، والأموات كالأصنام. # ولما كان كل شيء دونه سبحانه، وكان لا يستغرق شيء من الأشياء جميع ما ~~دون رتبته من المراتب، أثبت الجار فقال: { من دوني أولياء } أي مبتدئين ~~اتخاذهم من دون إذني، والمفعول الثاني ل { حسب } محذوف تقديره: ينصرونهم ~~ويدفعون عنهم ويجعلون بعضهم ولدا ولا أعذبهم. ولما كانت غاية اتخاذ ~~الولي أن يفعل ما يفعل القريب من النصر والحماية من كل مؤذ، جاز كون هذا ~~سادا مسد مفعولي { حسب } لأن معناه: أحسبوا اتخاذهم مانعهم مني؟ ولما ~~كان معنى الاستفهام الإنكاري: ليس الأمر كذلك، بل أصلد زندهم، وخاب جدهم، ~~وغاب سعدهم، حسن جدا قوله مؤكدا لأجل إنكارهم: { إنا اعتدنا جهنم } ~~التي تقدم أنا عرضناها لهم { للكافرين نزلا * } نقدمها لهم أول قدومهم ~~كما يعجل للضيف، فلا يقدر أحد على منعها عنهم، ولهم وراءها ما يحتقر ~~بالنسبة إليه كما هو شأن ما بعد النزل بالنسبة إليه. ### || [18.103-110] # ولما تبين بذلك الذي لا مرية فيه أنهم خسروا خسارة لا ربح معها، وخاب ما ~~كانوا يؤملون، أمره أن ينبههم على ذلك فقال: { قل هل ننبئكم } أي نخبركم ~~أنا وكل عبد لله ليست عينه في غطاء عن الذكر، ولا في سمعه عجز عن الوعي، ~~إخبارا عظيما أيها التاركون من لا خالق ولا رازق لهم سواه، والمقبلون ~~على من ليس بيده شيء من خلق ولا رزق ولا غيره { بالأخسرين } ولما كانت ~~أعمالهم مختلفة، فمنهم من يعبد الملائكة، ومنهم من يعبد النجوم، ومنهم من ~~يعبد بعض الأنبياء، ومنهم من يعبد الأوثان، ومنهم من يكفر بغير ذلك، جمع ~~المميز فقال: { أعمالا * } ثم وصفهم بضد ما يدعونه لأنفسهم من نجاح ~~السعي وإحسان الصنع فقال: { الذين ضل سعيهم ms2798 } أي حاد عن القصد فبطل { في ~~الحياة الدنيا } بالإعراض عمن لا ينفعهم ولا يضرهم إلا هو، والإقبال على ~~ما لا نفع فيه ولا ضر { وهم } أي والحال أنهم مع ظهور ذلك كالشمس { ~~يحسبون } لضعف عقولهم { أنهم يحسنون صنعا * } أي فعلا هو في غاية ~~الإحكام وهم في غاية الدربة به؛ وروى البخاري في التفسير عن سعد بن أبي ~~وقاص رضي الله عنه أن الأخسرين اليهود والنصارى، قال: أما اليهود فكفروا ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم، وأما النصارى فكفروا بالجنة وقالوا: لا طعام ~~فيها ولا شرب - انتهى. قلت: وكذا قال اليهود لأن الفريقين أنكروا الحشر ~~الجسماني وخصوه بالروحاني. # ولما كانوا ينكرون أنهم على ذلك، لملازمتهم لكثير من محاسن الأعمال، ~~البعيدة عن الضلال، بين لهم السبب في بطلان سعيهم بقوله: { أولئك } أي ~~البعداء البغضاء { الذين كفروا } أي أوقعوا الستر والتغطية لما من حقه أن ~~يظهر ويشهر، مستهينين { بأيات ربهم } من كلامه وأفعاله، وبين سبب هذا ~~الكفر بقوله: { ولقائه } أي فصاروا لا يخافون فلا يردهم شيء عن أهوائهم { ~~فحبطت } أي سقطت وبطلت وفسدت بسبب جحدهم للدلائل { أعمالهم } لعدم بنائها ~~على أساس الإيمان { فلا } أي فتسبب عن سقوطها أنا لا { نقيم لهم } ما لنا ~~من الكبرياء والعظمة المانعين من اعتراض أحد علينا أو شفاعته بغير إذننا ~~لدينا { يوم القيامة وزنا * } أي لا نعتبرهم لكونهم جهلوا أمرنا الذي لا ~~شيء أظهر منه، وآمنوا مكرنا ولا شيء أخطر منه. # ولما كان هذا السياق في الدلالة على أن لهم جهنم أوضح من الشمس قال: { ~~ذلك } أي الأمر العظيم الذي بيناه من وعيدهم { جزاؤهم } لكن لما كان ~~حاكما بضلالهم وغباوتهم، بين الجزاء بقوله: { جهنم } وصرح بالسببية ~~بقوله: { بما كفروا } أي وقعوا التغطية للدلائل { واتخذوا ءاياتي } التي ~~هي مع إنارتها أجد الجد وأبعد شيء عن الهزل { ورسلي } المؤيدين بباهر ~~أفعالي مع ما لهم من الشهامة والفضل { هزوا * } فلم يكتفوا بالكفر الذي ~~هو طعن في الإلهية حتى ضموا إليه الهزء الذي هو أعظم احتقار. # ولما بين ما لأحد قسمي أهل الجمع ms2799 تنفيرا عنهم، بين ما للآخر على تقدير ~~الجواب لسؤال تقتضيه الحال ترغيبا في اتباعهم والاقتداء بهم، فقال: { إن ~~الذين ءامنوا } أي باشروا الإيمان { وعملوا } تصديقا لإيمانهم { ~~الصالحات } من الخصال { كانت لهم } لبناء أعمالهم على الأساس { جنات } أي ~~بساتين { الفردوس } أي أعلى الجنة، وأصله البستان الذي هو الجنة بالحقيقة ~~لانخفاض ما دونه عنه، وستر من يدخله بكثرة أشجاره { نزلا * } كما كان ~~السعير والأغلال لأولئك نزلا، يعد لهم حين الدخول { خالدين فيها } بعد ~~دخولهم { لا يبغون } أي يريدون أدنى إرادة { عنها حولا * } أي تحولا ~~لأنه مزيد عليها، دفعا لما قد يتوهم من أن الأمر كما في الدنيا من أن كل ~~أحد في أي نعيم كان يشتهي ما هو أعلى منه لأن طول الإقامة قد يورث ~~السآمة، بل هم في غاية الرضى بها، لما فيها من أنواع الملاذ التي لا حصر ~~لها ولا انقضاء، لا يشتهي أحد منهم غير ما عنده سواء كان في الفردوس أو ~~فيما دونه، وهو تعريض بالكفرة في أنهم يصطرخون في النار # ربنا أخرجنا منها # [المؤمنون: 107] وذلك عكس ما كان في الدنيا من ركون الكفار إليها، ~~ومحبتهم في طول البقاء فيها، وعزوف المؤمنين عنها، وشوقهم إلى ربهم ~~بمفارقتها. # ولما تم الجواب عن أسئلتهم على أحسن الوجوه مخللا بما تراه من الحجج ~~البينة والنفائس الملزمة لهم بفصل النزاع، وأتبع ذلك بقص الأمر الذي ~~بإغفاله تجرؤوا على الكفر، وهو أمر البعث إلى أن ختمه بما يقتضي أن ~~معلوماته لا تحد، لأن مقدوراته في تنعيم أهل الجنة لا آخر لها فلا تعد، ~~وكان اليهود قد اعترضوا على قوله في أولها # وما أوتيتم من العلم إلا قليلا # [الإسراء: 85] بأنهم أوتوا التوراة، وكان لكل ما سألوا عنه من الفصول ~~الطويلة الذيول أمور تهول، وكان ربما قال قائل: ما له لا يزيد ذلك شرحا؟ ~~قال تعالى آمرا بالجواب عن ذلك كله، معلما لهم بأنهم لا يمكنهم الوقوف ~~على تمام شرح شيء من معلوماته، وآخر استفصال شيء من مقدوراته، قطعا لهم ~~عن السؤال، وتقريبا إلى أفهامهم ms2800 بضرب من المثال: { قل } أي يا أشرف ~~الخلق لهم: { لو كان البحر } أي ماؤه على عظمته عندكم { مدادا } وهو اسم ~~لما يمد به الدواة من الحبر { لكلمات } أي لكتب كلمات { ربي } أي المحسن ~~إلي في وصف ذكر وغيره مما تعنتموه في السؤال عما سألتم عنه أو غير ذلك { ~~لنفد } أي فني مع الضعف فناء لا تدارك له { البحر } لأنه جسم متناه. # ولما كانت المخلوقات - لكونها ممكنة - ليس لها من ذاتها إلا العدم، ~~وكانت الكلمات من صفات الله، وصفات الله واجبة الوجود، فكان نفادها ~~محالا، فكان نفاد الممكن من البحر وما يمده بالنسبة إليها مستغرقا ~~للأزمنة كلها، جرد الظرف من حرف الجر فقال: { قبل أن تنفد } أي تفنى ~~وتفرغ { كلمات ربي } لأنها لا تتناهى لأن معلوماته ومقدوراته لا تتناهى، ~~وكل منها له شرح طويل، وخطب جليل؛ ولما لم يكن أحد غيره يقدر على إمداد ~~البحر قال: { ولو جئنا } أي بما لنا من العظمة التي لا تكون لغيرنا { ~~بمثله مددا * } أي له يكتب منه لنفد أيضا، وهذا كله كناية عن عدم ~~النفاد، لأنه تعليق على محال عادة كقولهم: لا تزال على كذا ما بل بحر ~~صوفة وما دجى الليل، ونحو هذا، ولعله عبر بجمع السلامة إشارة إلى أن ~~قليلها بهذه الكثرة فكيف بما هو أكثر منه، وذلك أمر لا يدخل تحت وصف، ~~وعبر بالقبل دون أن يقال " ولم تنفد " ونحوه، لأن ذلك كاف في قطعهم عن ~~الاستقصاء في السؤال ولأن التعبير بمثل ذلك ربما فتح بابا من التعنت وهو ~~أن يجعلوا الواو للحال فيجعلوا النفاد مقيدا بذلك، وأما سورة لقمان ~~فاقتضى سياقها في تأسيس ما فيها على # الغني الحميد # [لقمان: 26] ومقصودها أن يكون التعبير فيها بغير ما ههنا، فما في كل ~~سورة أبلغ بالنسبة إلى سياقه، مع أنه ليس في إفصاح واحدة منهما ما يدل ~~على نفاد الكلمات ولا عدمه، وفي إفهام كل منهما بتدبر القرائن في السياق ~~وغيره ما يقطع بعدم نفاذها، ولا تخالف بين الآيتين وإن كان التعبير في ~~هذه ms2801 السورة أدخل في التشابه، ويجاب عنه بما قالوا في مثل قول الشاعر " ~~على لاحب لا يهتدى بمناره " من أن ما في حيز السلب لا يقتضي الوجود، ولعل ~~التعبير بمثل ذلك من الفتن المميزة بين من في قلبه مرض وبين الراسخ الذي ~~يرد المتشابه إلى المحكم، وهو ما دل عليه البرهان القاطع من أن الله ~~تعالى لا نهاية لذاته، ولا لشيء من صفاته، بل هو الأول والآخر الباقي بلا ~~زوال - والله أعلم. # ولما كانوا ربما قالوا: ما لك لا تحدثنا من هذه الكلمات بكل ما نسألك ~~عنه حيثما سألناك؟ وكانوا قد استنكروا كون النبي بشرا، وجوزوا كون الإله ~~حجرا، وغيوا إيمانهم به بأمور سألوه في الإتيان بها كما تقدم بعد أول ~~مسائلهم، وهي الروح آخر سبحان، وكان قد ثبت بإجابتهم عن المسائل على هذا ~~الوجه أنه رسول، أمره سبحانه أن يجيبهم عن ذلك كله بما يرد عليهم غلطهم، ~~ويفضح شبههم، إرشادا لهم إلى أهم ما يعنيهم من الحرف الذي النزاع كله ~~دائر عليه وهو التوحيد فقال: { قل إنما أنا } أي في الاستمداد بالقدرة ~~على إيجاد المعدوم والإخبار بالمغيب { بشر مثلكم } أي لا أمر لي ولا قدرة ~~إلا على ما يقدرني عليه ربي، ولا استبعاد لرسالتي من الله فإن ذلك سنته ~~فيمن قبلي { يوحى إلي } أي من الله الذي خصني بالرسالة كما أوحى إلى ~~الرسل قبلي ما لا غنى لأحد عن علمه واعتقاده { أنما إلهكم } وأشار إلى أن ~~إلهيته بالإطلاق لا بالنظر إلى جعل جاعل ولا غير ذلك فقال: { إله واحد } ~~أي لا ينقسم بمجانسة ولا غيرها، قادر على ما يريد، لا منازع له، لم يؤخر ~~جواب ما سألتموني عنه من عجز ولا جهل ولا هوان بي عليه - هذا هو الذي ~~يعني كل أحد علمه، وأما ما سألتم عنه من أمر الروح والقصتين تعنتا فأمر ~~لو جهلتموه ما ضركم جهله، وإن اتبعتموني علمتموه الآن وما دل عليه من أمر ~~الساعة إيمانا بالغيب علم اليقين، وعلمتموه بعد الموت بالمشاهدة عين ~~اليقين، وبالمباشرة حق ms2802 اليقين، وإن لم تتبعوني لم ينفعكم علمه { فمن } أي ~~فتسبب عن وحدته المستلزمة لقدرته أنه من { كان يرجوا } أي يؤمن بمجازاته ~~له على أعماله في الآخرة برؤيته وغيرها، وإنما قال: { لقاء ربه } تنبيها ~~على أنه هو المحسن إلى كل أحد بالتفرد بخلقه ورزقه، لا شريك له في شيء من ~~ذلك على قياس ما نعلمه من أنه لا مالك إلا وهو قاهر لمملوكه على لقائه، ~~مصرف له في أوامره في صباحه ومسائه. # ولما كان الجزاء من جنس العمل، كان الواجب على العبد الإخلاص في عمله، ~~كما كان عمل ربه في تربيته بالإيجاد وما بعده، فقال: { فليعمل } وأكده ~~للإعلام بأنه لا بد مع التصديق من الإقرار فقال: { عملا } أي ولو كان ~~قليلا { صالحا } وهو ما يأمره به من أصول الدين وفروعه من التوحيد ~~وغيره من أعمال القلب والبدن والمال ليسلم من عذابه { ولا يشرك } أي ~~وليكن ذلك العمل مبنيا على الأساس وهو أن لا يشرك ولو بالرياء { بعبادة ~~ربه أحدا * } فإذا عمل ذلك فاز فحاز علوم الدنيا والآخرة، وقد انطبق آخر ~~السورة على أولها بوصف كلمات الله ثم ما يوحى إليه، وكل منهما أعم من ~~الكتاب بالأقومية للدعاء إلى الحال الأسلم، في الطريق الأقوم، وهو ~~التوحيد عن الشريك الأعم من الولد وغيره، والإحسان في العمل، مع البشارة ~~لمن آمن، والنذارة لمن أعرض عن الآيات والذكر، فبان بذلك أن لله تعالى - ~~بوحدانيته وتمام علمه وشمول قدرته صفات - الكمال، فصح أنه المستحق لجميع ~~الحمد - والله الموفق، والحمد لله على إتمام سورة الكهف من كتاب نظم ~~الدرر من تناسب الآي والسور. ### | [19 - سورة مريم] ### || [19.1-15] # ولما كانت هذه السورة تالية للسورة الواصفة للكتاب - الذي به نعمة ~~الإبقاء الأول - بالاستقامة البالغة، افتتحها بالأحرف المقطعة، كما افتتح ~~السورة التي تلي أم الكتاب، الداعية إلى الصراط المستقيم، الواصفة ~~الكتاب بالهدى الضامن للاستقامة، والتي تلي واصفته، والتي تلي الأنعام ~~المشيرة إلى نعمة الإيجاد الأول، فقال: { كهيعص * } وهي خمسة أحرف على ~~عددها مع تلك السور، وهي جامعة النعم، وواصفة الكتاب، ms2803 وذات النعمة ~~الأولى، وذات النعمة الثانية، كما افتتحت الأعراف التالية لذات النعمة ~~الأولى بأربعة على عددها مع قبلها من الأم الجامعة والواصفة وذات النعمة ~~الأولى، وكما افتتحت آل عمران التالية للواصفة بثلاثة على عددها مع الأم ~~والواصفة { ذكر } أي هذا الذي أتلوه عليكم ذكر { رحمت ربك } أي المحسن ~~إليك بالتأييد بكشف الغوامض وإظهار الخبء { عبده } منصوب برحمة، لأنها ~~مصدر بني على التاء، لا أنها دالة على الوحدة { زكريا * } أي ابن ماثان، ~~جزاء له على توحيده وعمله الصالح الذي حمله عليه الرجاء للقاء ربه، ~~والرحمة منه سبحانه المعونة والإجابة والإيصال إلى المراد ونحو ذلك من ~~ثمرات الرحمة المتصف بها العباد { إذ نادى } ظرف الرحمة { ربه }. # ولما قدم تشريفه بالذكر والرحمة والاختصاص بالإضافة إليه فدل ذلك على ~~كمال القرب، قال: { نداء خفيا * } أي كما يفعل المحب القريب مع حبيبه ~~المقبل عليه في قصد خطاب السر الجامع بين شرف المناجاة ولذاذة الانفراد ~~بالخلوة، فأطلع سبحانه عليه لأنه يعلم السر وأخفى، فكأنه قيل: كما ذلك ~~الندا؟ فقيل: { قال رب } بحذف الأداة للدلالة على غاية القرب { إني وهن } ~~أي ضعف جدا { العظم مني } أي هذا الجنس الذي هو أقوى ما في بدني، وهو ~~أصل بنائه، فكيف بغيره! ولو جمع لأوهم أنه وهن مجموع عظامه لا جميعها { ~~واشتعل الرأس } أي شعره مني { شيبا ولم أكن } فيما مضى قط مع صغر السن { ~~بدعائك } أي بدعائي إياك { رب شقيا * } فأجرني في هذه المرة أيضا على ~~عوائد فضلك، فإن المحسن يربي أول إحسانه بآخره وإن كان ما ادعوا به في ~~غاية البعد في العادة، لكنك فعلت مع أبي إبراهيم عليه السلام مثله، فهو ~~دعاء شكر واستعطاف؛ ثم عطف على " إني وهن " قوله: { وإني خفت الموالي } ~~أي فعل الأقارب أن يسيئوا الخلافة { من وراءي } أي في بعض الزمان الذي ~~بعد موتي { وكانت امرأتي عاقرا } لا تلد أصلا - بما دل عليه فعل الكون ~~{ فهب لي } أي فتسبب - عن شيخوختي وضعفي وتعويدك لي بالإجابة، وخوفي من ~~سوء خلافة أقاربي، ويأسي عن الولد ms2804 عادة بعقم امرأتي، وبلوغي من الكبر ~~حدا لاحراك بي معه - إني أقول لك يا قادرا على كل شيء: هب لي { من لدنك ~~} أي من الأمور المستبطنة المستغربة التي عندك، لم تجرها على مناهج ~~العادات والأسباب المطردات، لا من جهة سبب أعرفه، فإن أسباب ذلك عندي ~~معدومة. # وقد تقدم في آل عمران لذلك مزيد بيان { وليا * } أي من صلبي بدلالة { ~~ذرية } في السورة الأخرى { يرثني } في جميع ما أنا فيه من العلم والنبوة ~~والعمل { ويرث } زيادة على ذلك { من ءال يعقوب } جدنا مما خصصتهم به من ~~المنح، وفضلتهم به من النعم، من محاسن الأخلاق ومعالي الشيم، وخص اسم ~~يعقوب اقتداء به نفسه إذ قال ليوسف عليهما الصلاة والسلام # ويتم نعمته عليك وعلى ءال يعقوب # [ يوسف: 6] ولأن إسرائيل صار علما على الأسباط كلهم، وكانت قد غلبت ~~عليهم الأحداث؛ وقد استشكل القاضي العضد في " الفوائد الغياثية " كون { ~~يرث } على قراءة الرفع صفة بأنه يلزم عليه عدم إجابة دعائه عليه الصلاة ~~والسلام لأن يحيى عليه السلام قتل في حياته، ولا يكون وارثا إلا إذا ~~تخلف بعده، وقد قال تعالى # فاستجبنا له ووهبنا له يحيى # [ الأنبياء:90] قال: فتجعل استئنافية، ولا يلزم حينئذ إلا خلف ظنه عليه ~~السلام - هكذا نقل لي عنه، وأنا أجله عن ذلك، لأنه لا يلزم تخلف دعائه ~~ولا يتجرأ على علي مقامه بإخلاف ظنه، لأن الإخبار عن قتله قبله إن كان ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم وصح السند، كان تسمية العلم الذي أخذه عنه ~~في حياته إرثا مجازا مرسلا باعتبار ما يؤول إليه في الجملة، لا سيما ~~مع جواز أن يكون يحيى عليه السلام علمه لمن عاش بعد أبيه عليهما الصلاة ~~والسلام، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم سمى العلم إرثا على وجه ~~الاستعارة التبعية بقوله عليه الصلاة والسلام # " العلماء ورثة الأنبياء " # ولا شك أن من ضرورة تعلم العلم حياة المأخوذ عنه، ولم يرد منع من تسميته ~~إرثا حال الأخذ، هذا إذا صح أن يحيى عليه السلام مات قبل زكريا ms2805 عليه ~~السلام، وحينئذ يؤول { من وراءي } بما غاب عنه، أي عجزت عن تتبع أفعال ~~الموالي بنفسي في حال الكبر، وخفت سوء فعلهم إذا خرجوا من عندي وغابوا ~~عني، فهب لي ولدا يكون متصفا بصفاتي، فكان ما سأله، وإن لم يصح موته ~~قبله بالطريق المذكور لم يصح أصلا، وينتفي الاعتراض رأسا، فإن التواريخ ~~القديمة إنما هي عن اليهود فهي لا شيء، مع أن البغوي نقل في أول تفسير ~~سورة بني إسرائيل ما يقتضي موت زكريا قبل يحيى عليهما الصلاة والسلام، ~~فإنه قال: آخر من بعث الله فيهم من أنبيائهم زكريا ويحيى وعيسى عليهم ~~الصلاة والسلام، وكانوا من بيت آل داود عليه السلام فمات زكريا عليه ~~السلام، وقيل: قتل، فلما رفع الله عيسى عليه الصلاة والسلام من بين ~~أظهرهم وقتلوا يحيى ابتعث الله عليهم ملكا من ملوك بابل يقال له خردوش ~~فسار إليهم بأهل بابل حتى دخل عليهم الشام، فلما ظهر عليهم أمر رأسا من ~~رؤوس جنوده يدعى بيوزردان صاحب الفيل فقال: إني كنت قد حلفت بإلهي: لئن ~~أنا ظهرت على أهل بيت المقدس لأقتلنهم حتى تسيل دماؤهم في وسط عسكري إلا ~~أن لا أجد أحدا أقتله، فأمره أن يقتلهم حتى يبلغ ذلك منهم، وأن بيوزردان ~~دخل بيت المقدس فقام في البقعة التي كانوا يقربون فيها قربانهم، فوجد ~~فيها دما يغلي فقال: يا بني إسرائيل! ما شأن هذا الدم يغلي؟ قالوا: هذا ~~دم قربان لنا قربناه فلم يقبل منا، فقال: ما صدقتموني، قالوا: لو كان ~~تأول زماننا لتقبل منا، ولكن قد انقطع منا الملك والوحي فلذلك لم يقبل ~~منا، فذبح منهم بيوزردان على ذلك الدم سبعمائة وسبعين رجلا من رؤوسهم ~~فلم يهدأ، فأتى بسبعمائة غلام من غلمانهم فذبحهم على الدم يهدأ، فأمر ~~بسبعة آلاف من شيبهم وأزواجهم فذبحهم على الدم فلم يبرد، فلما رأى ~~بيوزردان أن الدم لا يهدأ قال لهم: يا بني إسرائيل! ويلكم! أصدقوني ~~واصبروا على أمر ربكم، فقد طال ما ملكتم الأرض تفعلون فيها ما شئتم قبل ~~أن لا ms2806 أترك منكم نافخ نار أنثى ولا ذكر إلا قتلته، فلما رأوا الجد وشدة ~~القتل صدقوا الخبر فقالوا: إن هذا دم نبي كان ينهانا عن أمور كثيرة من ~~سخط الله عز وجل، فلو أطعناه فيها لكان أرشد منا، وكان يخبرنا بأمركم فلم ~~نصدقه فقتلناه فهذا دمه، فقال لهم بيوزردان: ما كان اسمه؟ قالوا: يحيى بن ~~زكريا، قال: الآن صدقتموني، بمثل هذا ينتقم منكم ربكم، فلما رأى بيوزردان ~~أنهم صدقوه خر ساجدا وقال لمن حوله: أغلقوا أبواب المدينة وأخرجوا من ~~كان ههنا من جيش خردوش، وخلا في بني إسرائيل، ثم قال: يا يحيى بن زكريا! ~~قد علم ربي وربك ما قد أصاب قومك من أجلك وما قتل منهم فاهدأ بإذن الله ~~قبل أن لا أبقي من قومك أحدا، فهدأ الدم بإذن الله تعالى، ورفع بيوزردان ~~عنهم القتل وقال: آمنت بالذي آمن به بنو إسرائيل وأيقنت أنه لا رب غيره، ~~وقال لبني إسرائيل: إن خردوش أمرني أن أقتل منكم حتى تسيل دماؤكم وسط ~~عسكره، وإني لست أستطيع أن أعصيه، قالوا له: افعل ما أمرت به، فأمرهم ~~فحفروا خندقا وأمر بأموالهم من الخيل والبغال والحمير والإبل والبقر ~~والغنم، فذبحها حتى سال الدم في العسكر، وأمر بالقتلى الذين قتلوا قبل ~~ذلك فطرحوا على ما قتل من مواشيهم، فلم يظن خردوش إلا أن ما في الخندق من ~~بني إسرائيل، فلما بلغ الدم عسكره أرسل بيوزردان أن ارفع عنهم القتل، ثم ~~انصرف إلى بابل وقد أفنى بني إسرائيل أو كاد. # فهذا كما ترى ظاهر في أن يحيى تخلف بعد أبيه عليهما الصلاة والسلام وكذا ~~ما تقدم في آل عمران عن الإنجيل في قصة ولادته. # ولما ختم دعاءه بقوله: { واجعله رب } أي أيها المحسن إلي { رضيا * } أي ~~بعين الرضا منك دائما حتى يلقاك على ذلك، قيل في جواب من كأنه قال: ماذا ~~قال له ربه الذي أحسن الظن به؟: { يا زكريا إنا } أي على ما لنا من ~~العظمة { نبشرك } إجابة لدعائك؛ وقراءة الجماعة غير حمزة بالتشديد أوفق ~~من ms2807 قراءة حمزة للتأكيد الذي جيء به، لأن المبشر به لغرابته جدير بالإنكار ~~{ بغلام اسمه يحيى } ثم وصفه بما عرف به أن مما شرفه به أن ادخر له هذا ~~الاسم فقال: { لم نجعل له } فيما مضى، ولعله أتى بالجار الدال على ~~التبعيض تخصيصا لزمان بني إسرائيل قومه فقال: { من قبل سميا * } فكأنه ~~قيل: ما قال في جواب هذه البشارة العظمى؟ فقيل: { قال } عالما بصدقها ~~طالبا لتأكيدها، والتلذيذ بترديدها، وهل ذلك من امرأته أو غيرها؟ وهل ~~إذا كان منها يكونان على حالتهما من الكبر أو غيرها غير طائش ولا عجل { ~~رب } أي المحسن إلي بإجابة دعائي دائما { أنى } أي من أين وكيف وعلى ~~أي حال { يكون لي غلام } يولد لي على غاية القوة والنشاط والكمال في ~~الذكورة { وكانت } أي والحال أنه كانت { امرأتي } كانت شابة { عاقرا } ~~غير قابلة للولد عادة وأنا وهي شابان فلم يأتنا ولد لاختلال أحد السبيبن ~~فكيف بها وقد أسنت! { وقد بلغت } أنا { من الكبر عتيا } أي أمرا في ~~اليبس مجاوزا للحد هو غاية في الكبر ما بعدها غاية، وقد حصل من ذلك من ~~الضعف ويبس الأعضاء وقحلها ما يمنع في العادة من حصول الولد مطلقا ~~لاختلال السببين معا فضلا عن أن يصلح لأن يعبر عنه بغلام؛ قال البغوي ~~في آل عمران: وقال الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما: كان ابن عشرين ~~ومائة سنة، وكانت امرأته بنت ثمان وتسعين سنة؛ وقال الرازي في اللوامع: ~~إن هذا على الاستخبار أيعطيه الله الولد بتلك الحال أم يقلبه شابا؟ ولله ~~تعالى في كل صنع تدبيران: أحدهما المعروف الذي يسلكه الناس من توجيه ~~الأسباب إلى المسببات، والآخر يتعلق بالقدرة المحضة، ولا يعرفه إلا أهل ~~الاستبصار - انتهى. { قال كذلك } أي الأمر؛ ثم علله بقوله: { قال ربك } ~~أي الذي عودك بالإحسان، وذكر مقول القول فقال: { هو } أي خلق يحيى منكما ~~على هذه الحالة { علي } أي خاصة { هين } لا فرق عندي بينه وبين غيره { ~~وقد خلقتك } أي قدرتك وصورتك وأوجدتك. # ولما كان القصد تشبيه حاله ms2808 بالإتيان منه بولد على ضعف السبب بتقديره من ~~النطفة على ضعف سبيتها لكونها تارة تثمر وتارة لا، وهو الأغلب، أتى ~~بالجار إشارة إلى ذلك فقال: { من قبل } أي قبل هذا الزمان { ولم } أي ~~والحال أنك لم: ولما كان عليه السلام شديد التشوف لما يلقى عليه من ~~المعنى في هذه البشرى، أوجز له حتى بحذف النون وليثبت أنه ليس له من ذاته ~~إلا العدم المحض، وينفي أن يكون له من ذاته وجود ولو على أقل درجات الكون ~~لاقتضاء حاله في هذا التعجب لتذكيره في ذلك فقال: { تك شيئا * } أي يعتد ~~به، ثم أبرزتك على ما أنت عليه حين أردت، فتحقق بهذا أنه من امرأته هذه ~~العاقر في حال كونهما شيخين، ثم قيل جوابا لمن كأنه قال: ما قال بعد ~~علمه بذلك؟: { قال رب } أي أيها المحسن إلي بالتقريب! { اجعل لي } على ~~ذلك { ءاية } أي علامة تدلني على وقوعه { قال } أي الله: { ءايتك } على ~~وقوع ذلك { ألا تلكم الناس } أي لا تقدر على كلامهم. # ولما بدئت السورة بالرحمة، وكان الليل محل تنزلها # " ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا فيقول " # - الحديث، قال: { ثلاث ليال } أي بأيامها - كما ذلك عليه التعبير ~~بالأيام في آل عمران حال كونك { سويا * } من غير خرس ولا مرض ولا حبسة ~~عن مطلق الكلام، بل تناجي ربك فيها بتسبيحه وتحميده وتلاوة كتابه وكل ما ~~أردت من مثل ذلك وكذا من عدا الناس من الملائكة وغيرهم من صالح عباد ~~الله، وجعلت الآية الدالة عليه سكوتا عن غير ذكر الله دلالة على إخلاصه ~~وانقطاعه بكليته إلى الله دون غيره { فخرج } عقب إعلام الله له بهذا { ~~على قومه } أي عاليا على العلية منهم { من المحراب } الذي كان فيه وهو ~~صدر الهيكل وأشرف ما فيه، وهو منطلق اللسان بذكر الله منحبسه عن كلام ~~الناس { فأوحى إليهم } أي أشار بشفتيه من غير نطق: قال الإمام أبو الحسن ~~الرماني في آل عمران: والرمز: الإيماء بالشفتين، وقد يستعمل في الإيماء ~~بالحاجبين والعينين واليدين، والأول أغلب؛ قال: ms2809 وأصله الحركة. وسبقه إلى ~~ذلك الإمام أبو جعفر بن جرير الطبري فقال: وأما الرمز فإن الأغلب من ~~معانيه عند العرب الإيماء بالشفتين، وقد يستعمل في الإيماء بالحاجبين ~~والعينين أحيانا، وذلك غير كثير فيهم، وقد يقال للخفي من الكلام الذي ~~مثل الهمس بخفض الصوت الرمز. ثم نقل أن المراد به هنا تحرك الشفتين عن ~~مجاهد - انتهى. وهو ظاهر أيضا في الوحي لأنه مطلق الإشارة والكناية ~~والكلام الخفي، فيجوز أن يكون وحيه بكل منهما، لا يقدر على غير ذلك في ~~مخاطبته للناس، فإذا توجه إلى مناجاة ربه سبحانه انطلق أحسن انطلاق { أن ~~سبحوا } أي أوجدوا التنزيه والتقديس لله تعالى بالصلاة وغيرها { بكرة ~~وعشيا * } فحملت امرأته كما قلنا فولدت ولدا فسماه يحيى كما بشرناه به ~~فكبر حتى ميز فقلنا: { يا يحيى خذ الكتاب } أي التوراة { بقوة }. # ولما كانت النبوة لا يستضلع بأمرها ويقوى على حملها إلا عند استحكام ~~العقل ببلوغ الأشد، وكان التطويق على أمرها قبل ذلك من العظمة بمكان، دل ~~عليه النون في قوله: { وءاتيناه } بما لنا من العظمة { الحكم } أي النبوة ~~والفهم للتوراة { صبيا * } لغلبة الروح عليه، وهذه الخارقة لم تقتض ~~الحكمة أن تكون لنبينا صلى الله عليه وسلم لأن قومه لا عهد لهم بالنبوة، ~~فكانوا إذا كذبوا لا يكون لهم من أنفسهم ما يلزمهم من التناقض، فعوض ~~أعظم من ذلك بغرائز الصدق التي أوجبت له تسميته بالأمين ليكونوا بذلك ~~مكذبين لأنفسهم في تكذيبهم له. وبمزيد إبقاء معجزته القرآنيه بعده تدعو ~~الناس إلى دينه دعاء لا مرد له { و } آتيناه { حنانا } أي رحمة وهيبة ~~ووقارا ورقة قلب ورزقا وبركة { من لدنا } من مستقرب المستغرب من عظمتنا ~~بلا واسطة تعليم ولا تجربة { وزكاة } أي طهارة في نيته تفيض على أفعاله ~~وأقواله { وكان } أي جبلة وطبعا { تقيا * } حوافا لله تعالى { وبرا } ~~أي واسع الأخلاق محسنا { بوالديه ولم يكن } جبلة وطبعا { جبارا } ~~عليهما ولا على غيرهما؛ ثم قيده بقوله: { عصيا * } إشارة إلى أن يفعل ~~فعل الجبارين من الغلظة والقتل والبطش بمن يستحق ذلك كما ms2810 قال تعالى لخاتم ~~النبيين صلى الله عليه وسلم # جاهد الكفار والمنافقين وأغلظ عليهم # [التحريم: 9] فكان مطيعا لله قائما بحقوقه وحقوق عباده على ما ينبغي، ~~فهنيئا له ما أعطاه من هذه الخلال القاضية بالكمال، والتعبير بصيغة ~~المبالغة يفهم أن المنفي الجبل عليها، وما دونها يذهبه الله بغسل القلب ~~أو غيره { وسلام } أي أي سلام { عليه } منا { يوم ولد } من كل سوء يلحق ~~بالولادة وما بعدها في شيء من أمر الدين { ويوم يموت } من كرب الموت وما ~~بعده، ولعله نكر السلام لأنه قتل فما سلم بدنه بخلاف ما يأتي في عيسى ~~عليه الصلاة والسلام { ويوم يبعث } من كل ما يخاف بعد ذلك { حيا * } ~~حياة هي الحياة للانتفاع بها، إجابة لدعوة أبيه في أن يكون رضيا، وخص ~~هذه الأوقات لأن من سلم فيها سلم في غيرها لأنها أصعب منه؛ أخرج الطبراني ~~عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " كل بني آدم يلقى الله يوم القيامة بذنب وقد يعذبه عليه إن شاء أو ~~يرحمه إلا يحيى بن زكريا عليهما السلام فإنه كان سيدا وحصورا ونبيا من ~~الصالحين، وأهوى النبي صلى الله عليه وسلم إلى قذاة من الأرض فأخذها ~~وقال: ذكره مثل هذه القذاة " # قال الهيثمي: وفيه حجاج ابن سليمان الرعيني وثقه ابن حبان وغيره وضعفه ~~أبو زرعة وغيره، وبقية رجاله ثقات، وأخرجه أيضا عن عبد الله بن عمرو ابن ~~عباس رضي الله عنهم، لكن ليس فيه ذكر الذكر، ولفظ ابن عباس رضي الله ~~عنهما: كنت في حلقة في المسجد نتذاكر فضائل الأنبياء - فذكره حتى قال: ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما ينبغي أن يكون أحد خيرا من يحيى بن زكريا، قلنا: يا رسول الله! ~~وكيف ذاك؟ قال: ألم تسمعوا الله كيف نعته في القرآن؟ { يا يحيى خذ الكتاب ~~} - إلى قوله: { حيا } ، مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من ~~الصالحين لم يعمل سيئة ولم يهم بهم " # ورواه أيضا البزار وفيه على بن زيد بن جدعان ms2811 ضعفه الجمهور - وقد وثق، ~~وبقية رجاله ثقات. وأشار سبحانه بالتنقل في هذه الأطوار إلى موضع الرد ~~على من ادعى لله ولدا من حيث إن ذلك قاض على الولد نفسه وعلى أبيه ~~بالحاجة، وذلك مانع لكل من الولد والوالد من الصلاحية لمرتبة الإلهية ~~المنزهة عن الحاجة، وقد مضى في آل عمران ما تجب مراجعته. ### || [19.16-25] # ولما كان حاصل القصة أنه ولد أخرجه الله تعالى عن سبب هو في ضعفه قريب ~~من العدم، أما من جهته فبلوغه إلى حد من السن وحال في المزاج لا يقبل ~~حركة الجماع عادة، أما من جهة زوجته فلزيادتها مع يأسها ببلوغها إلى نحو ~~ذلك السن بكونها عاقرا لم تقبل حبلا قط، أتبعه بقصة هي أغرب من قصته ~~بكونها ليس فيها إلا سبب واحد وهو المرأة، وعدم فيها سبب الذكورية أصلا، ~~إشارة إلى أنه تعالى يخلق ما يشاء تارة بسبب قوي، وتارة بسبب ضعيف، وتارة ~~بلا سبب، ومن كان كذلك كان مستغنيا عن الولد؛ ولما كان على اليهود ~~الآمرين بالسؤال تعنتا عن قصتي أصحاب الكهف وذي القرنين أن ينصحوا العرب ~~بالإعلام بأن دينهم باطل لشركهم، فلم يفعلوا فكانوا جديرين بالتبكيت، ~~وكانت قصة زكريا أعظم في تبكيتهم بمباشرتهم لقتله وقتل ولده يحيى عليهما ~~السلام، قدمها في الذكر، وتوطئة لأمر عيسى عليه السلام كما مضى بيانه في ~~آل عمران إلزاما لهم بالاعتراف به، وللنصارى بالاعتراف بأنه عبد، كما ~~اعترف كل منهما بأمر يحيى عليه السلام، وذلك بما جمع بينهما من خرق ~~العادة، وكانت قصة يحيى أولى من قصة إسحاق عليهما السلام لما تقدم، ~~ولمشاهدة الذين اختلفوا في عيسى عليه السلام من الفريقين لأمره وأمر يحيى ~~عليهم الصلاة والسلام لما لهما من الاتحاد في الزمن مع ما لهما من قرب ~~النسب، ولما كانت قصة عيسى عليه السلام أغرب، أشار إلى ذلك بتغيير السياق ~~فقال عاطفا على ما تقديره: اذكر هذا لهم: { واذكر } - بلفظ الأمر { في ~~الكتاب مريم } ابنة عمران خالة يحيى - كما في الصحيح من حديث أنس بن مالك ~~عن ms2812 مالك بن صعصعة الأنصاري رضي الله عنهما في حديث الإسراء: # " فلما خلصت فإذا يحيى وعيسى وهما ابنا خالة " # ثم أبدل من { مريم } بدل اشتمال قوله: { إذ } أي اذكر ما اتفق لها حين { ~~انتبذت } أي كلفت نفسها أن اعتزلت وانفردت { من أهلها } حالة { مكانا ~~شرقيا * } عن مكانهم، فكان انفرادها في جهة مطالع الأنوار إشارة إلى ما ~~يأتيها من الروح الإلهي { فاتخذت } أي أخذت بقصد وتكلف، ودل على قرب ~~المكان بالإتيان بالجار فقال: { من دونهم } أي أدنى مكان في مكانهم ~~لانفرادها للاغتسال أو غيره { حجابا } يسترها { فأرسلنا } لأمر يدل على ~~عظمتنا { إليها روحنا } جبرائيل عليه السلام ليعلمها بما يريد الله بها ~~من الكرامة بولادة عيسى عليه السلام من غير أب، لئلا يشتبه عليها الأمر، ~~ويتشعب بها الفكر، فتقتل نفسها غما { فتمثل لها } أي تشبح وهو روحاني ~~بصورة الجسماني { بشرا سويا * } في خلقه حسن الشكل لئلا تشتد نفرتها ~~وروعها منه؛ ثم أخرج القصة مخرج الاستئناف فقال دالا على حزمها وخلوص ~~تعبدها لله والتجائها إليه وشهودها له بحيث لا تركن إلى سواه: { قالت }. # ولما كان على أنهى ما يكون من الجمال والخلال الصالحة والكمال، فكان ~~بحيث يستبعد غاية الاستبعاد أن يتعوذ منه أكدت فقالت: { إني أعوذ بالرحمن ~~} ربي الذي رحمته عامة لجميع عباده في الدنيا والآخرة، وله بنا خصوصية في ~~إسباغ الرحمة وإتمام النعمة { منك } ولما تفرست فيه - بما أنار الله من ~~بصيرتها وأصفى من سريرتها - التقوى، ألهبته وهيجته للعمل بمضمون هذه ~~الاستعاذة بقولها: { إن كنت تقيا * قال } جبرئيل عليه السلام مجيبا لها ~~بما معناه: إني لست ممن تخشين أن يكون متهما، مؤكدا لأجل استعاذتها، { ~~إنما أنا رسول ربك } أي الذي عذت به أي فأنا لست متهما، متصف بما ذكرت ~~وزيادة الرسلية، وعبر باسم الرب المقتضي للإحسان لطفا بها، ولأن هذه ~~السورة مصدرة بالرحمة، ومن أعظم مقاصدها تعداد النعم على خلص عباده { ~~لأهب } بأمره أو ليهب هو على القراءة الأخرى { لك } وقدم المتعلق تشويقا ~~إلى المفعول ليكون أوقع في النفس؛ ثم بينه معبرا بما ms2813 هو أكثر خيرا ~~وأقعد في باب البشرى وأنسب لمقصود السورة مع أنه لا ينافي ما ذكر في آل ~~عمران بقوله: { غلاما } أي ولدا ذكرا في غاية القوة والرجولية { زكيا ~~* } طاهرا من كل ما يدنس البشر: ناميا على الخير والبركة { قالت } ~~مريم: { أنى } أي من أين وكيف { يكون لي غلام } ألده { ولم يمسسني بشر } ~~بنكاح أصلا حلال ولا غيره بشبهة ولا غيرها. # ولما هالها هذا الأمر، أداها الحال إلى غاية الإسراع في إلقاء ما تريد ~~من المعاني لها لعلها تستريح مما تصورته، فضاق عليها المقام، فأوجزت حتى ~~بحذف النون من " كان " ولتفهم أن هذا المعنى منفي كونه على أبلغ وجوهه ~~فقالت { ولم أك }. ولما كان المولود سر من يلده، وكان التعبير عنه بما هو ~~من مادة الغلمة دالا على غاية الكمال في الرجولية المقتضي لغاية القوة ~~في أمر النكاح نفت أن يكون فيها شيء من ذلك فقالت: { بغيا * } أي ليكون ~~دأبي الفجور، ولم يأت " بغية " لغلبة إيقاعه على النساء، فكان مثل حائض ~~وعاقر في عدم الإلباس ولأن بغية، لا يقال إلا للمتلبسة به { قال } أي ~~جبريل عليه السلام { كذلك } القول الذي قلت لك يكون. # ولما كان لسان الحال قائلا: كيف يكون بغير سبب؟ أجاب بقوله: { قال } ~~ولما بنيت هذه السورة على الرحمة واللطف والإحسان بعباد الرحمن، عبر باسم ~~الرب الذي صدرت به بخلاف سورة التوحيد آل عمران المصدرة بالاسم الأعظم ~~فقال: { ربك هو } أي المذكور وهو أيجاد الولد على هذه الهيئة { علي } ~~أي وحدي لا يقدر عليه أحد غيري { هين } أي خصصناك به ليكون شرفا به لك. # ولما كان ذلك أعظم الخوارق، نبه عليه بالنون في قوله، عطفا على ما ~~قدرته مما أفهمه السياق: { ولنجعله } بما لنا من العظمة { ءاية للناس } ~~أي علامة على كمال قدرتنا على البعث أدل من الآية في يحيى عليه السلام، ~~وبه تمام القسمة الرباعية في خلق البشر، فإنهه أوجده من أنثى بلا ذكر، ~~وحواء من ذكر بلا أنثى وآدم عليه السلام لا من ذكر ولا أنثى، ms2814 وبقية ~~أولاده من ذكر وأنثى معا { ورحمة منا } لمن آمن به في أول زمانه، ولأكثر ~~الخلق بالإيمان والإنجاء من المحن في آخر زمانه، لا كآية صالح عليه ~~السلام لأنها كانت آية استئصال لأهل الضلال { وكان } ذلك كله { أمرا ~~مقضيا * } أي محكوما به مبتوتا هو في غاية السهولة لا مانع منه أصلا، ~~ونبه على سرعة تسبيب الحمل عن هذا القول وإن كان التقدير بما أرشد إليه ~~في غير هذه السورة: فنفخ في درعها فوصل النفخ إلى جوفها { فحملته } وعقب ~~بالحمل قوله: { فانتبذت به } أي فاعتزلت - وهو في بطنها - حالة { مكانا ~~قصيا * } أي بعيدا من أهلها أو من المكان الشرقي، وأشار إلى قرب ~~الولادة من الحمل بفاء التعقيب في قوله: { فأجاءها } أي فأتى بها وألجأها ~~{ المخاض } وهو تحرك الولد في بطنها للولادة { إلى جذع النخلة } وهو ما ~~برز منها من الأرض ولم يبلغ الأغصان، وكان تعريفها لأنه لم يكن في تلك ~~البلاد الباردة غيرها، فكانت كالعلم لما فيها من العجب، لأن النخل من أقل ~~الأشجار صبرا على البرد، ولعلها ألجئت إليها دون غيرها من الأشجار على ~~كثرتها لمناسبة حال النخلة لها، لأنها لا تحمل إلا بإلقاح من ذكور النخل، ~~فحملها بمجرد هزها أنسب شيء لإتيانها بولد من غير والد، فكيف إذا كان ذلك ~~في غير وقته! فكيف إذا كانت يابسة! مع ما لها فيها من المنافع بالاستناد ~~إليها والاعتماد عليها، وكون رطبها خرسة للنفساء وغاية في نفعها وغير ~~ذلك. # ولما كان ذلك أمرا صعبا عليها جدا، كان كأنه قيل: يا ليت شعري! ما ~~كان حالها؟ فقيل: { قالت } لما حصل عندها من خوف العار: { ياليتني مت } ~~ولما كانت كذلك أشارت إلى استغراق الزمان بالموت بمعنى عدم الوجود فقالت ~~من غير جار: { قبل هذا } أي الأمر العظيم { وكنت نسيا } أي شيئا من ~~شأنه أن ينسى { منسيا * } أي متروكا بالفعل لا يخطر على بال، فولدته { ~~فناداها من تحتها } وهو عيسى عليه السلام { ألا تحزني } قال الرازي في ~~اللوامع: والأصح أن مدة حملها له وولادته ساعة ms2815 لأنه كان مبدعا، ولم يكن ~~من نطفة تدور في أدوار الخلقة - انتهى. ونقله ابن كثير وقال: غريب عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما، ويؤيده أنه لم ينقل في كتابنا ولا عن نبينا صلى ~~الله عليه وسلم أنهم أنكروا عليها زمن الحمل، ولو علموا به لأنكروه ولو ~~أنكروه لنقل كما نقل إنكار الولادة. # ولما أنكروا الولادة فكأنها قالت: لم لا أحزن؟ وتوقعت ما يعلل به؟ قال: ~~{ قد جعل ربك } أي المحسن إليك { تحتك } في هذه الأرض التي لا ماء جاريا ~~بها { سريا * } جدولا من الماء جليلا آية لك تطيب نفسك { وهزي إليك } ~~أي أوقعي الهز وهو جذب بتحريك. # ولما كان المقصود التهويل لصرف فكرها عما دهمها من الهم جعله قاصرا ~~فكأنها قالت: ما أهز؟ إذ لم يكن في الجذع ما يتوقع نفعه بهزه، فقال ~~مصرحا بالمهزوز: { بجذع النخلة } التي أنت تحتها مع يبسها وكون الوقت ~~ليس وقت حملها فكأنها قالت: ولم ذاك؛ فقال: { تساقط عليك } من أعلاها { ~~رطبا جنيا * } طريا آية أخرى عظيمة تطيب النفس وتذهب بالحزن، وتدل على ~~البراءة، والتعبير بصيغة التفاعل في قراءة الجماعة وحمزة للدلالة على أن ~~التمر يسقط منها، ومن حقه أن يكون منتفيا لأنها غير متأهلة لذلك، فهو ~~ظاهر في أنه على وجه خارق للعادة، وقراءة الجماعة بالإدغام تشير مع ذلك ~~إلى أنه مع شدته يكاد أن يخفي كونه منها ليبسها وعدم إقنائها، وقراءة ~~حمزة بالفتح والتخفيف تشير إلى سهولة تساقطه وكثرته، وقراءة حفص عن عاصم ~~بالضم وكسر القاف من فاعل، تدل على الكثرة وأنه ظاهر في كونه من فعلها. ### || [19.26-33] # ولما كان من المعلوم أنها هزت فتساقط الرطب، سبب عنه قوله: { فكلي } أي ~~فتسبب عن الإنعام عليك بالماء والرطب أن يقال لك تمكينا من كل منهما كلي ~~من الرطب { واشربي } من ماء السرى { وقري } أي استقري { عينا } بالنوم، ~~فإن المهموم لا ينام، والعين لا تستقر ما دامت يقظى، وعن الأصمعي أن ~~المعنى: ولتبرد دمعتك، لأن دمعة الفرح باردة ودمعة الحزن حارة، واشتقاق " ~~قري " من القرور، ms2816 وهو الماء البارد - انتهى. # وقال الإمام أبو عبد الله القزاز في ديوانه: وحكى الفراء أن قريشا ومن ~~حولهم يقولون: قررت به عينا - أي بكسر العين - أقر، وأن أسدا وقيسا ~~وتميما يقولون: قررت به عينا - أي بالفتح - أقر، قال - يعني الفراء: ~~فمن قال: قررت - أي بالكسر - قرا، وقرى عينا - أي بالفتح، وهي القراءة ~~المعروفة، ومن قال: قررت، - أي بالفتح قرا وقري عينا - بكسر القاف أي ~~وهي الشاذة، قال - أي القزاز: هي لغة كل من لقيت من أهل نجد، والمصدر قرة ~~وقرور. # وسيأتي في القصص ما ينفع هنا، وهو على كل حال كناية عن طيب النفس ~~وتأهلها لأن تنام بالكفاية في الدنيا بطعام البدن وغذاء الروح بكونه آية ~~باهرة، والآخرة بالكرامة وذلك على أنفع الوجوه، قيل: ما للنفساء خير من ~~الرطب ولا للمريض خير من العسل؛ ثم سبب عن ذلك قوله مؤكدا إيذانا بأن ~~أكثر رؤيتها في تلك الأوقات الملائكة عليهم السلام { فإما ترين } أي يا ~~مريم { من البشر أحدا } لا تشكين أنه من البشر ينكر عليك { فقولي } لذلك ~~المنكر جوابا له مع التأكيد تنبيها على البراءة لأن البريء يكون ساكنا ~~لاطمئنانه والمرتاب يكثر كلامه وحلفه: { إني نذرت للرحمن } أي الذي عمت ~~رحمته فأدخلني فيها على ضعفي وخصني بما رأيت من الخوارق { صوما } أي ~~صمتا ينجي من كل وصمة وإمساكا عن الكلام { فلن } أي فتسبب عن النذر أني ~~لن { أكلم اليوم إنسيا * } فإن كلامي يقبل الرد والمجادلة ولكن يتكلم ~~عني المولود الذي كلامه لا يقبل الدفع، وأما أنا فأنزه نفسي عن مجادلة ~~السفهاء فلا أكلم إلا الملائكة أو الخالق بالتسبيح والتقديس وسائر أنواع ~~الذكر، قالوا: ومن أذل الناس سفيها لم يجد مسافها، ومن الدلالة عليه ~~بالصمت عن كلام الناس مع ما تقدم الإشارة إلى أنه ردع مجرد { فأتت } أي ~~فلما سمعت هذا الكلام اشتد قلبها، وزال حزنها، وأتت { به } أي بعيسى { ~~قومها } وإن كان فيهم قوة المحاولة لكل ما يريدونه إتيان البريء الموقن ~~بأن الله معه { تحمله } غير مبالية بأحد ولا مستخفية ms2817 فكأنه قيل: فما ~~قالوا لها؟ فقيل: { قالوا يا مريم } ما هذا؟ مؤكدين لأن حالها في إتيانها ~~يقتضي إنكار كلامهم { لقد جئت } بما نراه { شيئا فريا * } قطيعا ~~منكرا { ياأخت هارون } في زهده وورعه وعفته وهو صالح كان في زمانها أو ~~أخو موسى عليه السلام { ما كان أبوك } أي عمران ساعة من الدهر { امرأ سوء ~~} لنقول: نزعك عرق منه { وما كانت أمك } في وقت من الأوقات { بغيا * } ~~أي ذات بغي أي عمد لتتأسى بها { فأشارت } امتثالا لما أمرت به { إليه } ~~أي عيسى ليكلموه فيجيب عنها { قالوا كيف نكلم } يا مريم { من كان في ~~المهد } أي قبيل إشارتك { صبيا * } لم يبلغ سن هذا الكلام، الذي لا ~~يقوله إلا الأكابر العقلاء بل الأنبياء والتعبير ب " كان " يدل على أنه ~~حين الإشارة إليه لم يحوجهم إلى أن يكلموه، بل حين سمع المحاورة وتمت ~~الإشارة بدا منه قوله خارق لعادة الرضعاء والصبيان، ويمكن أن تكون تامة ~~مشيرة إلى تمكنه في حال ما دون سن الكلام، ونصب { صبيا } على الحال، ~~فلما كانت هذه العبارة مؤذنة بذلك استأنف قوله: { قال } أي واصفا نفسه ~~بما ينافي أوصاف الأخابث، مؤكدا لإنكارهم أمره فقال: { إني عبد الله } ~~أي الملك الأعظم الذي له صفات الكمال لا أتعبد لغيره، إشارة إلى الاعتقاد ~~الصحيح فيه، وأنه لا يستعبده شيطان ولا هوى { ءاتاني الكتاب } أي التوراة ~~والإنجيل والزبور وغيرها من الصحف على صغر سني { وجعلني } أي في علمه { ~~نبيا * } ينبىء بما يريد في الوقت الذي يريد، وقيل في ذلك: فانبئكم به { ~~وجعلني مباركا } بأنواع البركات { أين ما } في أي مكان { كنت } فيه. # ولما سبق علمه سبحانه أنه يدعي في عيسى الإلهية أمره أن يقول: { وأوصاني ~~بالصلاة } له طهرة للنفس { والزكاة } طهرة للمال فعلا في نفسي وأمرا ~~لغيري { ما دمت حيا } ليكون ذلك حجة على من أطراه لأنه لا شبهة في أن من ~~يصلي لإله ليس بإله { وبرا } أي وجعلني برا، أي واسع الخلق طاهره. # ولما كان السياق لبراءتها فبين الحق في وصفه، صرح ببراءتها فقال: ms2818 { ~~بوالدتي } أي التي أكرمها الله بإحصان الفرج والحمل بي من غير ذكر، فلا ~~والد لي غيرها { ولم يجعلني جبارا شقيا * } بأن أفعل فعل الجبارين بغير ~~استحقاق، إنما أفعل ذلك بمن يستحق، وفيه إيماء إلى أن التجبر المذموم فعل ~~أولاد الزنا، وذلك أنه يستشعر ما عنده من النقص فيريد أن يجبره بتجبره، ~~ثم أخبر بما له من الله من الكرامة الدائمة مشيرا إلى أنه لا يضره عدو، ~~وإلى أنه عبد لا يصلح أن يكون إلها وإلى البعث فقال: { والسلام } أي ~~جنسه { علي } فلا يقدر أحد على ضرري { يوم ولدت } فلم يضرني الشيطان ~~ومن يولد لا يكون إلها { ويوم أموت } كذلك أموت كامل البدن والدين، لا ~~يقدر أحد على انتقاصهما مني كائنا من كان { ويوم أبعث حيا * } يوم ~~القيامة كما تقدم في يحيى عليه السلام، إشارة إلى أنه في البشرية مثله ~~سواء لم يفارقه أصلا إلا في كونه من غير ذكر، وإذا كان جنس السلام عليه ~~كان اللعن على أعدائه، فهو بشارة لمن صدقة فإنه منه، ونذارة لمن كذبه، ~~ولم يكن لنبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم مثل هذه الخارقة لئلا يلتبس ~~حاله بالكهان، لأن قومه لا عهد لهم بالخوارق إلا عندهم، وإذا تقرر ذلك في ~~نفوسهم من الصغر صعب زواله، ولم يكن هناك ما ينفيه حال الصغر، فعوض عن ~~ذلك إنطاق الرضعاء كمبارك اليمامة وغيره، وإنطاق الحيوانات العجم، بل ~~والجمادات كالحجارة وذراع الشاة المسمومة والجذع اليابس وغيرها. ### || [19.34-37] # ولما كان في ذلك من أقوال عيسى وأحواله - المنادية بالحاجة للتنقل في ~~أطوار غيره من البشر والكرامة من الله - أعظم البيان عن بعده عما ادعى ~~فيه النصارى من الإلهية واليهود من أنه لغير رشده، نبه على ذلك مشيرا ~~إليه بأداة البعد فقال مبتدئا: { ذلك } أي الولد العظيم الشأن، العلي ~~الرتبة، الذي هذه أحواله وأقواله البعيدة عن صفة الإله وصفة من ارتاب في ~~أمره؛ ثم بين اسم الإشارة أو أخبر فقال: { عيسى ابن مريم } أي وحدها ليس ~~لغيرها فيه بنوة أصلا، وهي من ms2819 أولاد آدم، فهو كذلك؛ ثم عظم هذا البيان ~~تعظيما آخر فقال: { قول } أي هو - أي نسبته إلى مريم فقط - قول { الحق } ~~أي الذي يطابقه الواقع، أو يكون القول عيسى نفسه كما أطلق عليه في غير ~~هذا الموضع " كلمة " من تسمية المسبب باسم السبب وهو على هذه القراءة خبر ~~بعد خبر أو بدل أو خبر مبتدأ محذوف، وعلى قراءة عاصم وابن عامر بالنصب، ~~هو اغراء، أي الزموا ذلك وهو نسبته إلى مريم عليهما السلام وحدها ثم عجب ~~من ضلالهم فيه بقوله: { الذي فيه يمترون * } أي يشكون شكا يتكلفونه ~~ويجادلونه به مع أن أمره في غاية الوضوح، ليس موضعا للشك أصلا؛ ثم دل ~~على كونه حقا في كونه ابن مريم لا غيرها بقوله ردا على من ضل: { ما كان ~~} أي ما صح ولا تأتي ولا تصور في العقول ولا يصح ولا يتأتى لأنه من ~~المحال لكونه يلزم منه الحاجة { لله } الغني عن كل شيء { إن يتخذ } ولما ~~كان المقام يقتضي النفي العام، أكده ب " من " فقال: { من ولد }. # ولما كان اتخاذ الولد من النقائص، أشار إلى ذلك بالتنزيه العام بقوله: { ~~سبحانه } أي تنزه عن كل نقص من احتياج إلى ولد أو غيره ثم علل ذلك بقوله: ~~{ إذا قضى أمرا } أي أمر كان { فإنما يقول له كن } أي يريده ويعلق قدرته ~~به { فيكون * } من غير حاجة إلى شيء أصلا، فكيف ينسب إلى الاحتياج إلى ~~الإحبال والإيلاد والتربية شيئا فشيئا كما أشار إليه الاتخاذ. # ولما كان لسان الحال ناطقا عن عيسى عليه الصلاة والسلام بأن يقول: وقد ~~قضاني الله فكنت كما أراد، فأنا عبد الله ورسوله فاعتقدوا ذلك ولا ~~تعتقدوا سواه من الأباطيل، عطف عليه في قراءة الحرميين وأبي عمرو قوله: { ~~وإن الله } أي الذي له الأمر كله { ربي وربكم } أي أحسن إلى كل منا ~~بالخلق والرزق، لا فرق بيننا في أصل ذلك { فاعبدوه } وحده لتفرده ~~بالإحسان كما أعبده، وقراءة الباقين بالكسر على أنه مقول عيسى عليه ~~السلام الماضي، ويكون اعتراض ما تقدم من ms2820 كلام الله بينهما للتأكيد ~~والاهتمام. # ولما كان اشتراك الخلائق في عبادة الخالق بعمل القلب والجوارح علما ~~وعملا أعدل الأشياء، أشار إلى ذلك بقوله: { هذا } أي الذي أمرتكم به { ~~صراط مستقيم * } لأنا بذلنا الحق لأهله بالاعتقاد الحق والعمل الصالح، ~~ولم يتفضل أحد منا فيه على صاحبه. # ولما كان المنهج القويم بحيث يكون سببا للاجتماع عند كل صحيح المزاج، ~~عجب منهم في استثمار غير ذلك منه فقال: { فاختلف } أي فتسبب عن هذا السبب ~~للاجتماع أنه اختلف { الأحزاب } الكثيرون. ولما كان الاختلاف لم يعم جميع ~~المسائل التي في شرعهم قال: { من بينهم } أي بني إسرائيل المخاطبين بذلك ~~خاصة لم تكن فيهم فرقة من غيرهم في هذه المقالة القويمة التي لا تنبغي ~~لمن له أدنى مسكة أن يتوقف في قبولها، فمنهم من أعلم أنها الحق فاتبعها ~~ولم يحد عن صوابها، ومنهم من أبعد في الضلال عنها بشبه لا شيء أو هي ~~منها؛ روي عن قتادة أنه اجتمع من أحبار بني إسرائيل أربعة: يعقوب ونسطور ~~وملكا وإسرائيل، فقال يعقوب: عيسى هو الله نزل إلى الأرض فكذبه الثلاثة ~~واتبعه اليعقوبية، وقال نسطور: عيسى ابن الله فكذبه الاثنان واتبعه ~~النسطورية، وقال ملكا: عيسى أحد ثلاثة: الله إله، ومريم إله، وعيسى إله، ~~فكذبه الرابع واتبعه طائفة، وقال إسرائيل: عيسى عبد الله كلمته ألقاها ~~إلى مريم وروح منه، فاتبعه فريق من بني إسرائيل، ثم اقتتل الأربعة فغلب ~~المؤمنون وقتلوا وظهرت اليعقوبية على الجميع - ذكر معناه أبو حيان وابن ~~كثير ورواه عن عبد الرزاق عن معمر عن قتادة { فويل } أي فتسبب عن ~~اختلافهم أنا نقول: ويل { للذين كفروا } منهم ومن غيرهم { من مشهد يوم ~~عظيم * } في جمعه لجميع الخلائق، وما فيه من الأهوال والقوارع. ### || [19.38-41] # ولما كان ذلك المشهد عظيم الجمع، شديد الزحام مستوي الأرض، بعيد ~~الأرجاء، كان حاله مقتضيا لئلا يطلعوا على غير ما يليهم من أهواله، فقال ~~في جواب من يقول: وما عسى أن يسمعوا أو يبصروا فيه، معلما بأن حالهم في ~~شدة السمع والبصر جديرة بأن يعجب ms2821 منها: { أسمع بهم وأبصر } أي ما أشد ~~سمعهم وما أنفذ بصرهم! { يوم يأتوننا } سامعين لكل أهواله، مبصرين لسائر ~~أحواله، فيطلعون بذلك على جميع ما أدى عمله في الدنيا إلى ضرهم في ذلك ~~اليوم، وجميع ما كان ينفعهم لو عملوه، فيندمون حيث لا ينفعهم الندم، ~~ويتمنون المحال من الرجوع إلى الدنيا ونحوه ليتداركوا فلا يجابون إلى ~~ذلك، بل يسلك بهم في كل ما يؤذيهم ويهلكهم ويرديهم، فيكونون بسلوك ذلك - ~~وهم يعلمون ضرره عميا وبكما وصما، لأنهم لا ينتفعون بمداركهم كما ~~كانوا في الدنيا كذلك، لكنهم - هكذا كان الأصل، وإنما أظهر فقال: { لكن ~~الظالمون } تنبيها على الوصف الذي أحلهم ذلك المحل { اليوم في ضلال مبين ~~* } لا يسمعون ولا يبصرون. # ولما كان هذا الذي تقدم إنذارا بذلك المشهد، كان التقدير: أنذر قومك ~~ذلك المشهد وما يسمعونه فيه ويبصرونه { وأنذرهم يوم الحسرة } نفسه في ذلك ~~المشهد العظيم، يوم تزل القدم، ولا ينفع الندم، للمسيء على إساءته، ~~وللمحسن على عدم ازدياده من الإحسان. # ولما كان { يوم } مفعولا، لا ظرفا، أبدل منه، أو علل الإنذار فقال: { ~~إذ } أي حين، أو لأنه، وعبر عن المستقبل بالماضي، إيذانا بأنه أمر حتم ~~لا بد منه فقال: { قضي الأمر } أي أمره وفرغ منه بأيسر شأن وأهون أمر، ~~وقطعنا أنه لا بد من كونه { وهم } حال من { أنذرهم } أي والحال أنهم الآن ~~{ في غفلة } عما قضينا أن يكون في ذلك الوقت من أمره، لا شعور لهم بشيء ~~منه، بل يظنون أن الدهر هكذا حياة وموت بلا آخر { وهم لا يؤمنون * } بأنه ~~لا بد من كونه؛ وفي الصحيح ما يدل على أن يوم الحسرة حين يذبح الموت فقد ~~روى مسلم عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " يجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح فيقال: يا أهل الجنة! هل ~~تعرفون هذا، فيشرئبون وينظرون ويقولون: نعم! هذا الموت، ويقال: يا أهل ~~النار! هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون ويقولون: نعم! هذا الموت، فيؤمر ~~به فيذبح، ثم يقال: ms2822 يا أهل الجنة! خلود فلا موت، ويا أهل النار! خلود فلا ~~موت، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي وراية: فذلك قوله { ~~وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر } " # " الآية. # وأما الغفلة ففي الدنيا، روى ابن حبان في صحيحه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم { إذ قضي الأمر وهم في غفلة } قال في الدنيا. قال المنذري: وهو في ~~مسلم بمعناه في آخر حديث. # ولما كان الإرث هو حوز الشيء بعد موت أهله، وكان سبحانه قد قضى بموت ~~الخلائق أجمعين، وأنه يبقى وحده، عبر عن ذلك بالإرث مقررا به مضمون ~~الكلام السابق، فقال مؤكدا تكذيبا لقولهم: إن الدهر لا يزال هكذا، حياة ~~لقوم وموت لآخرين { إنا نحن } بعظمتنا التي اقتضت ذلك ولا بد، وأفاد ~~الأصبهاني أن تأكيد اسم { إن } أفاد أن الإسناد إليه سبحانه لا إلى أحد ~~من جنده { نرث الأرض } فلا ندع بها عامرا من عاقل ولا غيره. ولما كان ~~العاقل أقوى من غيره، صرح به بعد دخوله فقال: { ومن عليها } أي من ~~العقلاء، بأن نسلبهم جميع ما في أيديهم { وإلينا } لا إلى غيرنا من ~~الدنيا وجبابرتها إلى غير ذلك { يرجعون * } معنى في الدنيا وحسا بعد ~~الموت. # ولما ذم الضالين في أمر المسيح، وعلق تهديدهم بوصف دخل فيه مشركو العرب، ~~فأنذرهم بصريح تكذيبهم بالبعث، وغيرهم بأنهم لسوء أعمالهم كالمكذبين به، ~~وختم ذلك بأنه الوارث وأن الرجوع إليه، ودخل في ذلك الإرث بغلبة أنبيائه ~~وأتباعهم على أكثر أهل الأرض برجوع أهل الأديان الباطلة إليهم حتى يعم ~~ذلك جميع أهل الأرض في زمن عيسى عليه الصلاة والسلام، وكان إبراهيم عليه ~~السلام لكثرة أولاده من العرب والروم وأهل الكتابين وراثا لأكثر الأرض، ~~وكان مثل زكريا في هبة الولد على كبر سنه وعقم زوجه، أتبع ذلك قوله: { ~~واذكر } أي يا محمد! { في الكتاب } أي الذي أنزل عليك وتبلغه للناس ~~وتعلمهم أن هذه القصة من القرآن { إبراهيم } أعظم آبائكم الذي نهى أباه ~~عن الشرك يا من يكفرون تقليدا للآباء! ثم علل تشريفه بذكره له ms2823 على سبيل ~~التأكيد المعنوي بالاعتراض بين البدل والمبدل منه، واللفظي ب " إن " ~~بقوله منبها على أن مخالفتهم له بالشرك والاستقسام بالأزلام ونحو ذلك ~~تكذيب بأوصافه الحسنة: { إنه كان } أي جبلة وطبعا { صديقا } أي بليغ ~~الصدق في نفسه في أقواله وأفعاله، والتصديق بكل ما يأتيه مما هو أهل لأن ~~يصدق لأنه مجبول على ذلك ولا يكون كذلك إلا وهو عامل به حق العمل فهو ~~أبلغ من المخلص { نبيا * } أي يخبره الله بالأخبار العظيمة جدا التي ~~يرتفع بها في الدارين وهو أعظم الأنبياء بعد محمد - على جميعهم أفضل ~~الصلاة والسلام كما رواه الحافظ أبو البزار بسنده عن أبي هريرة رضي الله ~~عنه وأكده وكذا أكد فيما بعده من الأنبياء عليهم السلام وإن كانوا مقرين ~~بنبواتهم تنزيلا لهم منزلة المنكر، لجريهم في إنكارهم نبوة البشر على ~~غير مقتضى عليهم. ### || [19.42-50] # ولما تكفل ما تقدم من هذه السورة بنفي الشريك بقيد كونه ولدا، أتبع ذلك ~~من قصته ما ينفي الشريك ليقتدي به أولاده في ذلك إذ كانوا يقلدون الآباء ~~وليس في آبائهم مثله، فقال مبدلا من { إبراهيم } { إذ قال } أي اذكر ~~وقت قوله { لأبيه } هاديا له من تيه الضلال بعبادة الأصنام مستعطفا له ~~في كل جملة بقوله: { يا أبت }. # ولما كان العاقل لا يفعل فعلا إلا لثمره، نبهه على عقم فعله بقوله: { ~~لم تعبد } مريدا بالاستفهام المجاملة، واللطف والرفق واللين والأدب ~~الجميل في نصحه له كاشفا الأمر غاية الكشف بقوله: { ما لا يسمع ولا يبصر ~~} أي ليس عنده قابلية لشيء من هذين الوصفين ليرى ما أنت فيه من خدمته أو ~~يجيبك إذا ناديته حالا أو مآلا. ولما كان الأعمى الأصم قد ينفع بكلام ~~أو غيره، قال: { ولا يغني عنك شيئا * } من الإغناء. # ولما نبهه على أن ما يعبده لا يستحق العبادة، بل لا تجوز عبادته، لنقصه ~~مطلقا ثم نقصه عن عابده، ولن يكون المعبود دون العابد أصلا، وكان أقل ~~ما يصل إليه بذلك مقام الحيرة، نبهه على أنه أهل للهداية، فقال مكررا ~~لوصفه المذكور ms2824 بالعطف والود: { ياأبت } وأكد علما منه أنه ينكر أن يكون ~~ابنه أعرف منه بشيء فقال: { إني قد جاءني } من المعبود الحق { من العلم ~~ما لم يأتك } منه { فاتبعني } أي فتسبب عن ذلك أني أقول لك وجوبا على ~~النهي عن المنكر ونصيحة لما لك علي من الحق: اجتهد في تبعي { أهدك صراطا ~~سويا * } لا عوج فيه، كما أني لو كنت معك في طريق محسوس وأخبرتك أن ~~أمامنا مهالك لا ينجو منها أحد، وأمرتك أن تسلك مكانا غير ذلك، لأطعتني، ~~لو عصيتني فيه عدك كل أحد غاويا. # ولما بين أنه لا نفع فيما يعبده، ونبهه على الوصف المقتضي لوجوب ~~الاقتداء به، بين له ما في عبادة معبوده من الضر فقال: { يا أبت لا تعبد ~~الشيطان } فإن الأصنام ليس لها دعوة أصلا، والله تعالى قد حرم عبادة ~~غيره مطلقا على لسان كل ولي له، فتعين أن يكون الآمر بذلك الشيطان، فكان ~~هو المعبود بعبادتها في الحقيقة؛ ثم علل هذا النهي فقال: { إن الشيطان } ~~البعيد من كل خير المحترق باللعنة، وذكر الوصف الموجب للإملاء للعاصي ~~فقال: { كان للرحمن } المنعم بجميع النعم القادر على سلبها، ولم يقل: ~~للجبار - لئلا يتوهم أنه ما أملى لعاصيه مع جبروته إلا للعجز عنه { عصيا ~~* } بالقوة من حين خلق، وبالفعل من حين أمره بالسجود لأبيك آدم فأبى فهو ~~عدو لله وله، والمطيع للعاصي لشيء عاص لذلك الشيء، لأن صديق العدو عدو. # فلما بين له أنه بذلك عاص للمنعم، خوفه من إزالته لنعمته فقال: { يا أبت ~~إني أخاف } لمحبتي لك وغيرتي عليك { أن يمسك عذاب } أي عذاب كائن { من ~~الرحمن } أي الذي هو ولي كل من يتولاه لعصيانك إياه { فتكون } أي فتسبب ~~عن ذلك أن تكون { للشيطان } وحده وهو عدوك المعروف العداوة { وليا * } ~~فلا يكون لك نصرة أصلا، مع ما يوصف به من السخافة باتباع العدو الدني، ~~واجتناب الولي العلي. # فلما وصل إلى هذا الحد من البيان، كان كأنه قيل: ماذا كان جوابه؟ فقيل: ~~{ قال } مقابلا لذلك الأدب العظيم والحكمة البالغة ms2825 الناشئة عن لطافة ~~العلم بغاية الفظاظة الباعث كثافة الجهل، منكرا عليه في جميع ما قال ~~بإنكار ما بعثه عليه من تحقير آلهته: { أراغب } قدم الخبر لشدة عنايته ~~والتعجيب من تلك الرغبة والإنكار لها، إشارة إلى أنه لا يفعلها أحد؛ ثم ~~صرح له بالمواجهة بالغلظة فقال: { أنت } وقال: { عن ءالهتي } بإضافتها ~~إلى نفسه فقط، إشارة إلى مبالغته في تعظيمها؛ والرغبة عن الشيء: تركه ~~عمدا. ثم ناداه باسمه لا بلفظ النبوة المذكر بالشفقة والعطف زيادة في ~~الإشارة إلى المقاطعة وتوابعها فقال: { يا إبراهيم } ثم استأنف قوله ~~مقسما: { لئن لم تنته } عما أنت عليه { لأرجمنك } أي لأقتلنك، فإن ذلك ~~جزاء المخالفة في الدين، فاحذرني ولا تتعرض لذلك مني وانته { واهجرني } ~~أي ابعد عني { مليا } أي زمانا طويلا لأجل ما صدر منك هذا الكلام، وفي ~~ذلك تسلية لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وتأسية فيما كان يلقى ~~من الأذى، ويقاسي من قومه من العناء، ومن عمه أبي لهب من الشدائد ~~والبلايا - بأعظم آبائه وأقربهم به شبها { قال } أي إبراهيم عليه السلام ~~مقابلا لما كان من طيش الجهل بما يحق لمثله من رزانة العلم: { سلام عليك ~~} أي أنت سالم مني ما لم أومر فيك بشيء؛ ثم استأنف قوله: { سأستغفر } ~~بوعد لا خلف فيه { لك ربي } أي المحسن إلي بأن أطلب لك منه غفران ذنوبك ~~بأن يوفقك للاسلام الجاب لما قبله، لأن هذا كان قبل أن يعلم أنه عدو لله ~~محتوم بشقاوته بدليل عدم جزمه بعذابه في قوله: { إني أخاف أن يمسك }. # ثم علل إقدامه على ذلك إشارة إلى أنه مقام خطر بما له من الإذلال لما له ~~من مزيد القرب فقال: { إنه كان بي } أي في جميع أحوالي { حفيا * } أي ~~مبالغا في إكرامي مرة بعد مرة وكرة إثر كرة، ثم عطف على عدوه بالإحسان ~~وعده بما سأل فيه الهجرة فقال: { وأعتزلكم } أي جميعا بترك بلادكم؛ ~~وأشار إلى أن من شرط المعبود أن يكون أهلا للمناداة في الشدائد بقوله: { ~~وما تدعون } أي تعبدون { من ms2826 دون الله } الذي له الكمال كله، فمن أقبل ~~عليه وحده أصاب، ومن أقبل على غيره فقد خاب ولم يقيد الاعتزال بزمن، بل ~~أشار إلى أنهم ما داموا على هذا الدين فهو معتزل لهم { وأدعوا } أي أعبد ~~{ ربي } وحده لاستحقاقه ذلك مني بتفرده بالإحسان إلي، ثم دعا لنفسه بما ~~نبههم به على خيبة مسعاهم فقال غير جازم بإجابة دعوته وقبول عبادته ~~إجلالا لربه وهضما لنفسه: { عسى ألا أكون } أي كونا ثابتا كأنه ~~احترز بذلك عما لا بد للأولياء منه في الدنيا من البلاء { بدعاء ربي } ~~المتفرد بالإحسان إلي { شقيا * } كما كنتم أنتم أشقياء بعبادة ما ~~عبدتموه، لأنه لا يجيب دعاءكم ولا ينفعكم ولا يضركم. # ولما رأى من أبيه ومعاشريه ما رأى، عزم على نشر شقة النوى مختارا ~~للغربة في البلاد على غربة الأضداد، فكان كما قال الإمام أبو سليمان ~~الخطابي رحمة الله: # وما غربة الإنسان في شقة النوى # ولكنها والله في عدم الشكل # وإني غريب بين بست وأهلها # وإن كان فيها أسرتي وبها أهلي # وحقق ما عزم عليه؛ ثم بين سبحانه وتعالى تحقيق رجائه وإجابة دعائه فقال: ~~{ فلما اعتزلهم } أي بالهجرة إلى الأرض المقدسة { وما يعبدون } أي على ~~الاستمرار { من دون الله } الجامع لجميع معاني العظمة التي لا ينبغي ~~العبادة لغيره { وهبنا } أي على ما لنا من العظمة { له } كما هو الشأن في ~~كل كن ترك شيئا لله { إسحاق } ولدا له لصلبه من زوجته العاقر العقيم ~~بعد تجاوزها سن اليأس وأخذه هو في السن إلى حد لا يولد لمثله { ويعقوب } ~~ولدا لإسحاق وخصهما بالذكر للزومهما محل إقامته وقيامهما بعد موته ~~بخلافته فيه وأما إسماعيل عليه السلام فكان الله سبحانه هو المتولي ~~لتربيته بعد نقله رضيعا إلى المسجد الحرام وإيحائه به تلك المشاعر ~~العظام فأخروه بالذكر جاعلا له أصلا برأسه؛ ثم صرح بما وهب لأولاده ~~جزاء على هجرته فقال: { وكلا } أي منهما { جعلنا نبيا * } عالي ~~المقدار، ويخبر بالأخبار كما جعلنا إبراهيم عليه السلام نبيا { ووهبنا ~~لهم } كلهم { من رحمتنا } أي شيئا عظيما ms2827 جدا، بالبركة في الأموال ~~والأولاد وإجابة الدعاء، واللطف في القضاء وغير ذلك من خيري الدنيا ~~والآخرة { وجعلنا لهم } بما لنا من العظمة { لسان صدق عليا } أي ذكرا ~~صادقا رفيع القدر جدا يحمدون به ويثنى عليهم من جميع أهل الملل على كر ~~الأعصار، ومر الليل والنهار، وعبر باللسان عما يوجد به، وفي ذلك ترغيب في ~~الهجرة ثانيا بعد ما رغب فيها بقصة أهل الكهف أولا، وأشار إليها بقوله ~~في { سبحان } # وقل رب أدخلني مدخل صدق # [الإسراء: 80] الآية. ### || [19.51-55] # ولما كان موسى أول من نوه الله بأسمائهم، على لسانه في التوراة، وأظهر ~~محامدهم، وشهر مناقبهم، وتوارث ذلك أبناؤهم منه حتى شاع أمرهم وذاع، وملأ ~~الأسماع، وطار في الأقطار، حتى عم البراري والبحار، عقب ذكرهم بذكره ~~فقال: { واذكر في الكتاب } أي الذي لا كتاب مثله في الكمال { موسى } أي ~~الذي أنقذ الله به بني إسرائيل من العبودية والذل ختى تمكنوا من آثار ~~آبائهم، وكان موافقا لأبيه إبراهيم عليهم السلام في أن كلا منهما أراد ~~ملك زمانه الذي ادعى الربوبية قتله خوفا على ملكه منه، فأنجاه الله منه، ~~وأمر موسى أعجب لأنه سبحانه أنجاه من الذبح بالذباح، ثم علل ذكره له ~~بقوله: { إنه كان } أي كونا عريقا فيه { مخلصا } لله تعالى في توحيده ~~وجميع أعماله كما أشارت إليه قراءة الجمهور - من غير كلفة في شيء، في ذلك ~~لأن الله أخلصه له كما في قراءة الكوفيين بالفتح { وكان رسولا } إلى بني ~~إسرائيل والقبط { نبيا * } ينبئه الله بما يريد من وحيه لينبىء به ~~المرسل إليهم، فيرفع بذلك قدره، فصار الإخبار بالنبوة عنه مرتين: إحداهما ~~في ضمن { رسولا } والأخرى صريحا مع إفهام العلو باشتقاقه من النبوة، ~~وبكون النبأ لا يطلق عليه غالبا إلا على خبر عظيم، فصار المراد: رسولا ~~عاليا مقداره ويخبر بالأخبار الجليلة، وفيه دفع لما يتوهم من أنه رسول ~~عن بعض رسله كما في أصحاب يس؛ وعطف على ذلك دليله الدال على ما صدرت به ~~السورة من الرحمة، فرحمه بتأنيس وحشته وتأهيل غربته بتلذيذه بالخطاب ms2828 ~~وإعطائه الكتاب فقال: { وناديناه } أي بما لنا من العظمة { من جانب الطور ~~} أي الجانب { الأيمن } فأنبأناه هنالك - حين كان متوجها إلى مصر - بأنه ~~رسولنا، ثم واعدناه إليه بعد إغراق آل فرعون، فكان لبني إسرائيل به من ~~العجائب في رحمتهم بإنزال الكتاب، والإلذاذ بالخطاب، من جوف السحاب، وفي ~~إماتتهم لما طلبوا الرؤية، ثم إحيائهم وغير ذلك ما يجل عن الوصف على ما ~~هو مذكور في التوراة، وتقدم كثير منه في هذا الكتاب { وقربناه } بما لنا ~~من العظمة تقريب تشريف حال كونه { نجيا * } نخبره من أمرنا بلا واسطة ~~من النجوى وهي السر والكلام بين الاثنين كالسر، والتشاور كما في يوسف ~~ويأتي في المجادلة { ووهبنا له } أي هبة تليق بعظمتنا { من رحمتنا } له ~~لما سألنا { أخاه } أي معاضدة أخيه وبينه بقوله: { هارون } حال كونه { ~~نبيا * } أو هو بدل أي نبوته شددنا به أزره، وقوينا به أمره، وكان يخلفه ~~من قومه عند ذهابه إلى ساحة المناجاة، ومع ذلك فأشركوا بي صورة عجل، فلا ~~تعجب من غرورهم للعرب مع مباشرتهم لهذه العظائم. # ولما كان إسماعيل عليه الصلاة والسلام هو الذي ساعد أباه إبراهيم عليه ~~السلام في بناء البيت الذي كان من الأفعال التي أبقى الله بها ذكره، وشهر ~~أمره وكان موافقا لموسى عليه السلام في ظهور آية الماء الذي به حياة كل ~~شيء وإن كانت آية موسى عليه السلام انقضت بانقضائه، وآيته هو باقية إلى ~~أن يرث الله الأرض ومن عليها، وهي التي كانت سبب حياته وماؤها ببركته ~~أفضل مياه الأرض، وجعل سبحانه آية الماء التي أظهرها له سبب حفظه من الجن ~~والإنس والوحش وسائر المفسدين، إشارة إلى أنه سبحانه يحيي بولده محمد صلى ~~الله عليه وسلم الذي غذاه بذلك الماء ورباه عند ذلك البيت إلى أن اصطفاه ~~برسالته، فحسدته اليهود وأمرت بالتعنت عليه - ما لم يحي بغيره، ويجعله ~~قطب الوجود كما خصه - من بين آل إبراهيم عليه السلام - بالبيت الذي هو ~~كذلك قطب الوجود، ويشفي به من داء الجهل، ويغني به من مرير الفقر، ms2829 كما ~~جعل ماء زمزم طعام طعم وشفاء سقم، وكان صلى الله عليه وسلم آخر من شيد ~~قدرهم، وأعظم من أعلى ذكرهم، عقب ذكره بذلك فقال: { واذكر في الكتاب } ~~أباك الأقرب { إسماعيل } ابن إبراهيم عليهما السلام الذي هم معترفون ~~بنبوته، ومفتخرون برسالته وأبوته، فلزم بذلك فساد تعليلهم إنكار نبوتك ~~بأنك من البشر، ثم علل ذكره والتنويه بقدره بقوله معلما بصعوبة الوفاء ~~بالتأكيد: { إنه كان } جبلة وطبعا { صادق الوعد } في حق الله وغيره ~~لمعونة الله له على ذلك، بسبب أنه لا يعد وعدا إلا مقرونا بالاستثناء ~~كما قال لأبيه حين أخبرهم بأمر ذبحه { ستجدني إن شاء الله من الصابرين } ~~فكن أبي كذلك ولا تقولن لشي إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله، وخصه ~~بالمدح به - وإن كان الأنبياء كلهم كذلك - لقصة الذبح فلا يلزم منه ~~تفضيله { وكان رسولا نبيا } نبأه الله بأخباره، وأرسله إلى قومه جرهم ~~قاله الأصبهاني. وأتى أهل البراري بدين أبيه إبراهيم عليهما الصلاة ~~والسلام فأحياها الله بنور الإيمان الناشىء عن روح العلم ووصفه بالرسالة ~~زيادة على وصف أخيه إسحاق عليهما السلام وتقدم في أمر موسى عليه السلام ~~سر الجمع بين الوصفين؛ وفي صحيح مسلم وجامع الترمذي - عن واثلة بن الأسقع ~~رضي الله عنه # " أن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل عليه السلام " # وفي رواية الترمذي # " أن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل " # { وكان يأمر أهله بالصلاة } التي هي طهرة البدن وقرة العين وخير العون ~~على جميع المآرب { والزكاة } التي هي طهرة المال، كما أوصى الله بذلك ~~جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وتقدم في هذه السورة أنه سبحانه ~~وتعالى أوصى بذلك عيسى عليه السلام { وكان عند ربه } لعبادته على حسب ما ~~أقامته ربوبيته { مرضيا * } فاقتد أنت به فإنه من أجل آبائك، لتجمع بين ~~طهارة القول والبدن والمال، فتنال رتبة الرضا. ### || [19.56-59] # ولما كان إسماعيل عليه السلام قد رفع بالسكنى حيا إلى أعلى مكان في ~~الأرض رتبة، وكان أول نبي رمى بالسهام، وكان إدريس عليه السلام - مع ~~رفعته إلى المكان ms2830 العلي - أول من اتخذ السلاح وقاتل الكفار، وأول من نظر ~~في علم النجوم والحساب، وخط بالقلم، وخاط الثياب ولبس الجبة وكان أغربهم ~~قصة، وأعجبهم أمرا، وأقدمهم زمنا، ختم به هذه القصص تأييدا لهذا النبي ~~الكريم، بما بين له من القصص التي هي أغرب مما أمر اليهود بالتعنت فيه، ~~وإشارة إلى أن الله تعالى يؤتي أتباعه من علوم إدريس الأرضية والسماوية ~~مما يستحق أن يحفظ بالخط ويودع بطون الكتب لضيق الصدور عن حفظه ما لم ~~يؤته أمة من الأمم، وأنه يجمع شملهم، وترهيبا للمتعنتين بأنهم إن لم ~~ينتهوا وضع فيهم السلاح كما فعل إدريس عليه السلام بكفار زمانه فقال: { ~~واذكر في الكتاب } أي الجامع لكل ما يحتاج إليه من القصص المتقدمين ~~والمتأخرين { إدريس } أي الذي هو أبعد ممن تعنت بهم اليهود زمانا، وأخفى ~~منهم شأنا، وهو جد أبي نوح عليه السلام واسمه حنوخ بمهملة ونون وآخره ~~معجمة { إنه كان صديقا } أي صادقا في أقواله وأفعاله، ومصدقا بما أتاه ~~عن الله من آياته على ألسنة الملائكة { نبيا * } ينبئه الله تعالى بما ~~يوحيه إليه من الأمر العظيم، رفعة لقدره، فينبىء به الناس الذين أرسل ~~إليهم { ورفعناه } جزاء منا له على تقواه وإحسانه، رفعة تليق بعظمتنا، ~~فأحللناه { مكانا عليا * } أي الجنة أو السماء الرابعة، وهي التي رآه ~~النبي صلى الله عليه وسلم بها ليلة الإسراء؛ قال ابن قتيبة في المعارف: ~~وفي التوراة أن أخنوخ أحسن قدام الله فرفعه إليه - انتهى. وفي نسخة ترجمه ~~التوراة وهي قديمة جدا وقابلتها مع بعض فضلاء الربانيين من اليهود وعلى ~~ترجمة سعيد الفيومي بالمعنى وكان هو القارىء ما نصه: وكانت جميع حياة ~~حنوخ ثلاثمائة وخمسا وستين سنة، فأرضى حنوخ الله ففقد لأن الله غيبه، ~~وفي نسخة أخرى: لأن الله قبله، وفي أخرى: لأن الله أخذه. وهو قريب مما ~~قال ابن قتيبة، لأن أصل الكلام عبراني، وإنما نقله إلى العربي المترجمون، ~~فكل ترجم على قدر فهمه من ذلك اللسان، ويؤيد أن المراد الجنة ما في مجمع ~~الزوائد للحافظ نور الدين ms2831 الهيثمي عن معجمي الطبراني - الأوسط والأصغر إن ~~لم يكن موضوعا: حدثنا محمد بن واسط ثنا إبراهيم بن عبد الله بن خالد ~~المصيصي ثنا حجاج بن محمد بن أبي غسان محمد بن مطرف عن زيد ابن أسلم عن ~~عبيد الله بن أبي رافع عن أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " إن إدريس عليه السلام كان صديقا لملك الموت فسأله أن يريه الجنة ~~والنار، فصعد بإدريس فأراه النار ففزع منها، وكاد يغشى عليه فالتف عليه ~~ملك الموت بجناحه، فقال ملك الموت: أليس قد رأيتها؟ قال: بلى! ولم أر ~~كاليوم قط، ثم انطلق به حتى أراه الجنة فدخلها فقال له ملك الموت: انطلق! ~~قد رأيتها، قال: إلى أين؟ قال ملك الموت: حيث كنت، قال إدريس: لا والله! ~~لا أخرج منها بعد إذ دخلتها، فقيل لملك الموت: أليس أنت أدخلته إياها ~~وأنه ليس لأحد دخلها أن يخرج منها ". # وقال: لا يروى عن أم سلمة إلا بهذا الإسناد، وقال الحافظ نور الدين: ~~إبراهيم المصيصي متروك. قلت وفي لسان الميزان لتلميذه شيخنا حافظ العصر ~~ابن حجر عن الذهبي أنه كذاب، وعن ابن حبان أنه كان يسوي الحديث، أي يدلس ~~تدليس التسوية. وفي تفسير البغوي عن وهب قريب من هذا، وفيه أنه سأل ملك ~~الموت أن يقبض روحه ويردها إليه بعد ساعة، فأوحى الله إليه أن يفعل، وفيه ~~أنه احتج في امتناعه من الخروج بأن كل نفس ذائقة الموت وقد ذاقه، وأنه لا ~~بد من ورود النار وقد وردها، وأنه ليس أحد يخرج من الجنة، فأوحى الله إلى ~~ملك الموت: بإذني دخل الجنة - يعني: فخل سبيله - فهو حي هناك. وفي ~~تفسير البغوي أيضا عن كعب وغيره أن إدريس عليه السلام مشى ذات يوم في ~~حاجة فأصابه وهج الشمس فقال: يا رب! فكيف بمن يحملها؟ اللهم! خفف عنه من ~~ثقلها، فخفف عنه فسأل ربه عن السبب فأخبره فسأل أن يكون بينهما خلة، ~~فأتاه فسأله إدريس عليه السلام أن يسأل ملك الموت ms2832 أن يؤخر أجله، فقال: لا ~~يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها، وأنا مكلمه، فرفع إدريس عليه السلام ~~فوضعه عند مطلع الشمس، ثم أتى ملك الموت وكلمه فقال: ليس ذلك إلي، ولكن ~~إن أحببت أعلمته أجله فيتقدم في نفسه، قال: نعم! فنظر في ديوانه فقال: ~~إنك كلمتني في إنسان ما أراه يموت أبدا، قال: وكيف ذلك؟ قال: لا أجده ~~يموت إلا عند مطلع الشمس، قال: فإني أتيتك وتركته هناك، قال: انطلق فلا ~~أراك تجده إلا وقد مات، فوالله ما بقي من أجل إدريس - عليه السلام - شيء، ~~فرجع الملك فوجده ميتا. ومن جيد المناسبات أن إسماعيل وإدرس عليهما ~~الصلاة والسلام اشتركا في البيان بالعلم واللسان، فإسماعيل عليه السلام ~~أول من أجاد البيان باللسان، وإدريس عليه السلام أول من أعرب الخطاب ~~بالكتاب، فقد روى الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " أول من فتق لسانه بهذه العربية إسماعيل عليه السلام " # ولأحمد عن أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " أول من خط بالقلم إدريس عليه السلام ". # ولما انقضى كشف هذه الأخبار، العلية المقدار، الجليلة الأسرار، شرع ~~سبحانه ينسب أهلها بأشرف نسبهم، ويذكر أمتن سببهم هزا لمن وافقهم في ~~النسب إلى الموافقة في السبب فقال: { أولئك } أي العالو الرتب، الشرفاء ~~النسب { الذين أنعم الله } بما له من صفات الكمال التي بها أقام آدم عليه ~~السلام وهم في ظهره، مع ما طبعه عليه من الأمور المتضادة حتى نجاه من مكر ~~إبليس، ونجى بها نوحا عليه السلام وهم في صلبه من ذلك الكرب العظيم، ~~وإبراهيم عليه السلام وهم في قواه مع اضطرام النار وإطفاء السن وإصلاد ~~العظم، وأعلى بها إسرائيل عليه السلام وبنيه في سوط الفراق وامتهان ~~العبودية وانتهاك الاتهام حتى كان أبناؤه معدن الملوك والأنبياء، ومحل ~~الأتقياء والأصفياء، إلى غير ذلك من جليل الأنبياء وعظيم الأصطفاء ~~والاجتباء { عليهم } بما خصهم به من مزيد القرب إليه، وعظيم المنزلة ~~لديه؛ وبين الموصول بقوله: { من النبيين ms2833 } أي المصطفين للنبوة الذين ~~أبنأهم الله بدقائق الحكم، ورفع محالهم بين الأمم، وأنبؤوا الناس بجلائل ~~الكلم، وأمروهم بطاهر الشيم. # ولما كانوا بعض بني آدم الذين تقدم أنا كرمناهم، قال إشارة إلى ما في ~~ذلك من النعمة عليهم وهم يرونها: { من ذرية ءادم } صفينا أبي البشر الذي ~~خلقه الله من التراب بيده، وأسجد له ملائكته، وإدريس أحقهم بذلك. # ولما كان في إنجاء نوح عليه السلام وإغراق قومه من القدرة الباهرة ما لا ~~يخفى، نبه عليه بنون العظمة في قوله مشيرا إلى أعظم النعمة عليهم ~~بالتبعيض، وإلى أن نبيهم من ذريته كما كان هو من ذرية إدريس عليه السلام ~~الذي هو من ذرية آدم، فكما كان كل منهم رسولا فكذلك هو وإبراهيم أقربهم ~~إلى ذلك: { وممن حملنا مع نوح } صفينا أول رسول أرسلناه بعد افتراق أهل ~~الأرض وإشراكهم، من خلص العباد، وأهل الرشاد، وجعلناه شكورا، وإبراهيم ~~أقربهم إلى ذلك { ومن ذرية إبراهيم } خليلنا الذي كان له في إعدام ~~الأنداد ما اشتهر به من فضله بين العباد، وإسماعيل وإسحاق أولاهم بذلك، ~~ثم يعقوب { وإسراءيل } صفينا، وهم الباقون: موسى وهارون وزكريا ويحيى ~~وعيسى ابن مريم بنت داود - على جميعهم أفضل الصلاة والسلام - فكما كان ~~هؤلاء رسلا وهم من ذرية إبراهيم الذي هو من ذرية نوح فكذا نبيكم الذي هو ~~من ذرية إسماعيل الذي هو من إبراهيم لصلبه وهو أول أولاده كما كان ~~إسرائيل من ذريته، فالإرسال من ذرية من هو ابنه لصلبه أولى من الإرسال من ~~ذرية من بينه وبينه واسطة، وإلا كان بنو إسرائيل أشرف منكم وأبوهم أشرف ~~من أبيكم، فلا تردوا الكرامة، يا من يتنافسون في المفاخرة والزعامة { ~~وممن هدينا } إلى أقوم الطرق { واجتبينا } أي فعلنا بهم فعل من يتخير ~~الشيء وينتقيه بأن أسبغنا عليهم من النعم ما يجل عن الوصف؛ وعطف الأوصاف ~~بالواو إشارة إلى التمكن فيها. # ولما ذكر ما حباهم به، ذكر ما تسبب عن ذلك فقال مستأنفا { إذا تتلى ~~عليهم ءايات الرحمن } العام النعمة، فكيف بهم إذا أعلاهم جلال ms2834 أو خصتهم ~~رحمة من جلائل النعم، من فيض الجود والكرم، فسمعوا خصوص هذا القرآن { ~~خروا سجدا } للمنعم عليهم تقربا إليه، لما لهم من البصائر المنيرة في ~~ذكر نعمه عليهم وإحسانه إليهم { وبكيا * } خوفا منه وشوقا إليه، ~~فوصفهم بسرعة الخشوع من ذكر الله الناشىء عن دوام الخضوع والناشىء عنه ~~الإسراع بالسجود في حالة البكاء، وجعلهما حالتين بالعطف بالواو لعراقة ~~المتحلي بهما في كل منهما عل انفراده، وعبر بالاسم في كل من السجود ~~والبكاء، إشارة إلى أن خوفهم دائم كما أن خضوعهم دائم لعظمة الكبير ~~الجليل، لأن تلك الحضرة لا تغيب عنهم أصلا، وإن حصل غير البكاء فللتأنيس ~~لمن أرسلوا إليه ليوصلوه إلى قريب من رتبتهم بحسن عشرتهم على تفاوت ~~المراتب، وتباين المطالب، وحذف ذكر الأذقان لدلالتها - كما تقدم في سبحان ~~- على نوع دهشة، فهي - وإن أعلت صاحبها عمن لم يبلغها - حالة دون مقام ~~الراسخين في حضرة الجلال، لأنهم - مع كونهم في الذروة من مقام الخوف - في ~~أعلى درجات الكمال من حضور الفكر وانشراح الصدر - لتلقي واردات الحق ~~وإلقائها إلى الخلق، انظر إلى ثبات الصديق رضي الله عنه - لعلو مقامه عن ~~غيره - عند وفاة النبي صلى الله عليه وسلم مع أنه أوفاهم من المحبة ~~مشربا، وأصفاهم موردا، وأوفرهم حزنا، وأكثرهم غما وهما، حتى أنه ~~اعتراه لذلك مرض السل حتى مات به وجدا وأسفا ومن هنا تعلم السر في ~~إرسال النبي صلى الله عليه وسلم الأنبجانية التي ألهت في الصلاة بأعلامها ~~في الصلاة إلى أبي جهم لأنه رضي الله عنه ربما كان من أهل الجمع في ~~الصلاة فلا يرى غيره سبحانه فناء عن كل فان بخلاف النبي فإنه لكماله ~~متمكن في كل من مقامي الجمع والفرق في كل حالة ولهذا يرى من خلفه في ~~الصلاة ولا يخفى عليه خشوعهم. # ولما كان من المقاصد العظيمة تبكيت اليهود، لأنهم أهل الكتاب وعندهم من ~~علوم الأنبياء ما ليس عند العرب وقد استرشدوهم واستنصحوهم، فقد كان أوجب ~~الواجبات عليهم محض النصح لهم، فأبدى سبحانه من تبكيتهم ما ms2835 تقدم إلى أن ~~ختمه بأن جميع الأنبياء كانوا لله سجدا ولأمره خضعا، عقب ذلك بتوبيخ هو ~~أعظم داخل فيه وهو أشد مما تقدم لمن خاف الله ورسله فقال: { فخلف من ~~بعدهم } أي في بعض الزمان الذي بعد هؤلاء الأصفياء سريعا { خلف } هم في ~~غاية الرداءة { أضاعوا الصلاة } الناهية عن الفحشاء والمنكر التي هي طهرة ~~الأبدان، وعصمة الأديان، وأعظم الأعمال، بتركها أو تأخيرها عن وقتها ~~والإخلال بحدودها، فكانوا لما سواها أضيع، فأظلمت قلوبهم فأعرضوا عن داعي ~~العقل { واتبعوا } أي بغاية جهدهم { الشهوات } التي توجب العار في الدنيا ~~والنار في الآخرة، فلا يقربها من يستحق أن يعد بين الرجال، من تغيير ~~أحكام الكتاب وتبديل ما فيه مما تخالف الأهواء كالرجم في الزنا، وتحريم ~~الرشى والربا، ونحو ذلك، وأعظمه كتم البشارة بالنبي العربي الذي هو من ~~ولد إسماعيل { فسوف يلقون } أي يلابسون - وعدا لا خلف فيه بعد طول المهلة ~~- جزاء فعلهم هذا { غيا * } أي شرا يتعقب ضلالا عظيما، فلا يزالون ~~في عمى عن طريق الرشاد لا يستطيعون إليه سبيلا، وهم على بصيرة من أنهم ~~على خطأ وضلال، ولكنهم مقهورون على ذلك بما زين لهم منه حتى صارت لهم فيه ~~أتم رغبة، وذلك أعظم الشر، ولم يزل سبحانه يستدرجهم بالنعم إلى أن قطعوا ~~بالظفر والغلبة حتى أناخت بهم سطوات العزة، فأخذوا على غرة، ولا أنكأ من ~~الأخذ على هذه الصفة بعد توطين النفس على الفوز، وهو من وادي قوله # ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما # [الإسراء: 97] مع قوله { أسمع بهم وأبصر } وجزاء من كان هذا ديدنه في ~~الدنيا والآخرة معروف لكل من له أدنى بصيرة أنه العار ثم النار، وأيضا ~~فإن من ضل أخطأ طريق الفلاح من الجنة وغيرها فخاب، ومن خاب فقد هلك؛ قال ~~أبو علي الجبائي: والغي هو الخيبة في اللغة - انتهى. ويجوز أن يراد بالغي ~~الهلاك، إما من قولهم - أغوية - وزن أثفية - أي مهلكة، وإما من تسمية ~~الشيء باسم ما يلزمه. ### || [19.60-65] # ولما أخبر تعالى عنهم بالخيبة، فتح لهم ms2836 باب التوبة، وحداهم إلى غسل هذه ~~الحوبة، بقوله: { إلا من تاب } أي مما هو عليه من الضلال، بإيثار سفساف ~~الأعمال، على أوصاف الكمال، فحافظ على الصلاة، وكف نفسه عن الشهوات { ~~وءامن } بما أخذ عليه به العهد { وعمل } بعد إيمانه تصديقا له { صالحا ~~} من الصلوات والزكاة وغيرها، ولم يؤكدهما لما أفهمته التوبة من إظهار ~~عمل الصلاة التي هي أم العبادات { فأولئك } العالو الهمم، الطاهرو الشيم ~~{ يدخلون الجنة } التي وعد المتقون { ولا يظلمون } من ظالم ما { شيئا * ~~} من أعمالهم؛ ثم بينها بقوله: { جنات عدن } أي إقامة لا ظعن عنها بوجه ~~من الوجوه { التي وعد الرحمن } الشامل النعم { عباده } الذين هو أرحم بهم ~~من الوالدة بولدها؛ وعبر عنهم بوصف العبودية للإشعار بالتحنن، وعدا ~~كائنا { بالغيب } الذي لا اطلاع لهم عليه أصلا إلا من قبلنا، فآمنوا به ~~فاستحقوا ذلك بفضله سبحانه على إيمانهم بالغيب. # ولما كان من شأن الوعود الغائبة - على ما يتعارفه الناس بينهم - احتمال ~~عدم الوقوع، بين أن وعده ليس كذلك بقوله: { إنه كان } أي كونا هو سنة ~~ماضية { وعده مأتيا * } أي مقصودا بالفعل، فلا بد من وقوعه، فهو كقوله ~~تعالى # إن كان وعد ربنا لمفعولا # [الإسراء: 108]. # ولما كانت الجنة دار الحق، وكان أنكأ شيء لذوي الأقدار الباطل، وكان أقل ~~ما ينكأ منه سماعه، نفى ذلك عنها أبلغ وجه فقال: { لا يسمعون فيها لغوا ~~} أي شيئا ما من الباطل الذي لا ثمرة له. ولما كانت السلامة ضد الباطل ~~من كل وجه، قال: { إلا } أي لكن { سلاما } لا عطب معه ولا عيب ولا نقص ~~أصلا فيه، وأورد على صورة الاستثناء من باب قول الشاعر: # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم # بهن فلول من قراع الكتائب # ويحسن أن يراد باللغو مطلق الكلام؛ قال في القاموس: لغا لغوا: تكلم. أي ~~لا يسمعون فيها كلاما إلا كلاما يدل على السلامة، ولا يسمعون شيئا يدل ~~على عطب أحد منهم ولا عطب شيء فيها. # ولما كان الرزق من أسباب السلامة قال: { ولهم رزقهم } أي على قدر ما ~~يتمنونه ms2837 ويشتهونه على وجه لا بد من إتيانه ولا كلفة عليهم فيه ولا يمن ~~عليهم به { فيها بكرة وعشيا * } أي دواما، لا يحتاجون إلى طلبه في وقت ~~من الأوقات، وفي تفسير عبد الرزاق عن مجاهد: وليس فيها بكرة ولا عشي، ~~لكنهم يؤتون به على ما كانوا يشتهون في الدنيا. أي أنهم خوطبوا بما ~~يعرفون كما أشار إليه تأخير الظرف إذ لو قدم لأوهم بعدهم عن ذلك بالجنة. # ولما باينت بهذه الأوصاف دار الباطل، أشار إلى علو رتبتها وما هو سببها ~~بقوله: { تلك الجنة } بأداة البعد لعلو قدرها، وعظم أمرها { التي نورث } ~~أي نعطي عطاء الإرث الذي لا نكد فيه من حين التأهل له بالموت ولا كد ولا ~~استرجاع { من عبادنا } الذين أخلصناهم لنا، فخلصوا عن الشرك نية وعملا { ~~من كان } أي جبلة وطبعا { تقيا * } أي مبالغا في التقوى، فهو في غاية ~~الخوف منا لاستحضاره أنه عبد؛ قال الرازي في اللوامع: وما تقرب أحد إلى ~~ربه بشيء أزين عليه من ملازمة العبودية وإظهار الافتقار، والعبد يكون ~~ذليلا بأوصافه، عزيزا بأوصاف الحق تعالى - انتهى. # وذلك إشارة إلى سبب إيراثها التقوى. # ولما كرر سبحانه الوصف بالتقى في هذه السورة ثلاث مرات، وختمه بأنه سبب ~~للمقصود بالذات، وهو الراحة الدائمة بالوراثة لدار الخلد على وجه الإقامة ~~المستمرة، وصفة الملك الذي لا كدر فيه بوجه ولا تخلف عن مراد، أتبعه ما ~~بعده إشارة إلى ما تنال به التقوى، وهو الوقوف مع الأمر مراقبة للأمر على # وبالحق أنزلناه # [الإسراء: 105] لأنه لما كان العلم واقعا بأن جميع سورة الكهف شارحة ~~لمسألتين من مسائل قريش، وبعض سورة سبحان شارح للثالثة، ولطول الفصل صدرت ~~قصة ذي القرنين بقوله { ويسألونك } إعلاما بعطفها على مسألة الروح ~~المصدرة بمثل ذلك، وجاءت سورة مريم كاشفة - تبكيتا لأهل الكتاب الكاتمين ~~للحق - عن أغرب من تلك القصص وأقدم زمانا وأعظم شأنا من أخبار الأنبياء ~~المذكورين ومن أسرع التبديل بعدهم بإضاعة الصلاة واتباع الشهوات، فثبت ~~بذلك أن هذا كله مرتب لإجابة سؤالهم وأنه كلام الله قطعا، إذ ms2838 لو كان من ~~عند النبي صلى الله عليه وسلم ما وعدهم الإجابة في الغد إلا وهو قادر ~~عليها، لما هو معلوم قطعا من رزانة عقله، وغزارة فطنته، ومتانة رأيه، ~~ولو قدر على ذلك ما تركهم يتكلمون في عرضه بما الموت أسهل منه، لما علم ~~منه من الشهامة والأنفة والبعد عما يقارب الشين، وبان بذلك أن الله ~~سبحانه وعز شأنه ما أجمل أمر الروح ولا أخر الإجابة خمس عشرة ليلة أو أقل ~~أو أكثر من عجز ولا جهل، وثبت بذلك كله وبما بين من صنعه لأهل الكهف ولذي ~~القرنين وفي ولادة يحيى وعيسى وإسحاق عليهم الصلاة والسلام تمام قدرته ~~المستلزم لكمال علمه، وكان الإخبار عن ذلك مطابقا للواقع الذي ثبت بعضه ~~بالنقل الصحيح وبعضه بأدلة العقل القاطعة، ثبت مضمون قوله تعالى { وبالحق ~~أنزلناه وبالحق نزل } وأن هذا الكتاب قيم لا عوج فيه، فعطف عليه الجواب ~~عن قول النبي صلى الله عليه وسلم لجبرئيل عليه الصلاة والسلام # " لقد أبطات علي يا جبرئيل حتى سؤت ظنا " # ونحوه مما ذكر في أسباب النزول، فقال على لسان جبرئيل عليه الصلاة ~~والسلام: { وما نتنزل } أي أنا ولا أحد من الملائكة بإنزال الكتاب ولا ~~غيره { إلا بأمر ربك } المحسن إليك في جميع الأمر في التقديم والتأخير ~~لئلا يقع في بعض الأوهام أنه حق في نفسه، ولكنه نزل بغير أمره سبحانه، ~~ووقع الخطاب مقترنا بالوصف المفهم لمزيد الإكرام تطييبا لقلبه صلى الله ~~عليه وسلم وإشارة إلى أنه محسن إليه، ولفظ التنزل مشير إلى الإكرام، وهو ~~التردد مرة بعد مرة ووقتا غب وقت، ولا يكون إلا لذلك لأن النزول للعذاب ~~يقتضي به الأمر في مثل لمح البصر، وكان هذا عقب ذكر القيامة بذكر الجنة ~~كما كان المعطوف عليه عقب # فإذا جاء وعد الآخرة # [الإسراء: 7] وكما كان ختام مسائلهم بذكر الآخرة في قوله # فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء # [الكهف: 98] - إلى آخر السورة ليكون ذلك أشد تثبيتا للبعث وأعظم ~~تأكيدا، وإن استطلت هذا العطف مع بعد ما بين المعطوف والمعطوف ms2839 عليه ~~واستعظمته واستنكرته لذلك واستبعدته فقل: لما كشفت هذه السورة عن هذه ~~القصص الغريبة، وكان المتعنتون ربما قالوا: نريد أن يخبرنا هذا الذي ينزل ~~عليك بجميع أنباء الأقدمين وأخبار الماضين، قال جوابا عن ذلك أن قيل: ما ~~أنزلنا عليك بأخبار هؤلاء إلا بأمر ربك، وما نتنزل فيما يأتي أيضا إلا ~~بأمر ربك؛ ثم علل ذلك بقوله: { له ما بين أيدينا } أي من المكان والزمان ~~وما فيهما { وما خلفنا } من ذلك { وما بين ذلك } وهو نحن والمكان والزمان ~~اللذان نحن بهما وما فوقه وتحته، ونحن نعلم ذلك ونعمل على حسب ما نعلم، ~~فلا نتصرف في ملكه إلا بأمره { وما كان } على تقدير من التقادير { ربك ~~نسيا * } أي ذا نسيان لشيء من الأشياء فيترك تفصيل أمر الروح، ويؤخر ~~الجواب عن الوقت الذي وعدتهم فيه لخفاء شيء من ذلك عليه، ولا ينسى ما ~~يصلحك فيحتاج إلى مذكر به، ولا ينسى أحدا منا فينزل في وقت نسيانه له بل ~~هو دائم الاطلاع على حركتنا وسكناتنا، فنحن له في غاية المراقبة، وهو ~~سبحانه يصرفنا بحسب الحكمة في كل وقت تقتضيه حكمته، لا يكون شيء من ذلك ~~إلا في الوقت الذي حده له وأراده فيه، ولا يخرج شيء من الأشياء وإن دق عن ~~مراده. ويجوز أن يقال في التعبير بصيغة فعيل أنه لا يتمكن العبد من ~~الغيبة عن السيد بغير إذنه إلا أن كان بحيث يمكن أن يغفل وأن تطول غفلته ~~وتعظم لكونه مجبولا عليها، أو أنه لما استلبث الوحي في أمر الأسئلة التي ~~سألوا عنها من الروح وما معها خمس عشرة ليلة أو أكثر أو أقل - على اختلاف ~~الروايات، فكان ذلك موهما للأغبياء أنه نسيان، وكان مثل ذلك لا يفعله ~~إلا كثير النسيان، نفى هذا الوهم بما اقتضاه من الصيغة ونفى قليل ذلك ~~وكثيرة في السورة التي بعدها ضما لدليل العقل بقوله # لا يضل ربي ولا ينسى # [طه: 52] لما اقتضاه السياق، فأتى في كل أسلوب بما يناسبه مع الوفاء بما ~~يجب من حق الاعتقاد، وهذه ms2840 الآية مع { وبالحق أنزلناه } و # قل لئن اجتمعت الإنس والجن # [الإسراء: 88] مثل # قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات # [ هود: 3] - الآيتين في سورة هود عليه السلام، على ما قدمت في بيانه غير ~~أن ما جمع هناك فصل هنا في أول الجواب على أسئلتهم بآية { قل لئن اجتمعت ~~} وأثنائه بآية { وبالحق أنزلناه } وآخره بهذه الآية، لتكون الآيات رابطة ~~على هذه الأجوبة وتوابعها وضابطة لها كالشهب والحرس الشديد بالنسبة إلى ~~السماء، فلا يبغيها متعنت من جهة من جهاتها كيدا إلا رد خاسئا، ولا ~~يرميها بقادح ألا كان رميه خاطئا. # ولما وصف سبحانه وتعالى بنفوذ الأمر واتساع العلم على وجه ثبت به ما ~~أخبر به عن الجنة، فثبت أمر البعث، أتبع ذلك ما يقرره على وجه أصرح منه ~~وأعم فقال مبدلا من { ربك }: { رب السماوات والأرض } اللتين نحن من جملة ~~ما فيهما من عباده { وما بينهما } منا ومن غيرنا من الأحياء وغيرها { ~~فاعبده } بالمراقبة الدائمة على ما ينبغي له من مثلك { واصطبر } أي اصبر ~~صبرا عظيما بغاية جهدك على كل ما ينبغي الاصطبار عليه كذلك { لعبادته } ~~أي لأجلها فإنها لا تكون إلا عن مجاهدة شديدة؛ ثم علل ذلك بقوله: { هل ~~تعلم له سميا * } أي متصفا بوصف من أوصافه اتصافا حقيقيا، أو مسمى ~~باسمه، العلم الواقع موقع لأنه لا مماثل له حتى ولا في مجرد الاسم، ~~وإيراده بصورة الاستفهام كالدعوى بدليلها. ### || [19.66-71] # ولما تبين بذلك وبما ذكر في هاتين السورتين مما سألوا عنه ومن غيره ~~شمول علمه وتمام قدرته لا سيما في إيجاد البشر تارة من التراب، وتارة من ~~ذكر وأنثى في حكم العدم، وتارة من أنثى بلا ذكر، وثبت ذلك كله، فانكشفت ~~الشبه، وتضاءلت موجبات المراء، وانقمعت مخيلات الفتن، عجب منها في ~~إنكارهم البعث وهم يشاهدون ما ذكر من قدرته وعلمه، عاطفا على التعجب في ~~قولهم { وقالوا ءاذا كنا } تعجيبا أشد من ذلك فقال: { ويقول } بلفظ ~~المضارع المؤذن بالتجدد بعد هذا البيان المقتضي حتما لاعتقاده البعث ~~فضلا عن إنكار مرة من المرات، ليخبر عنها ms2841 بصيغة الماضي، فكيف بالمداومة ~~على ذلك المشار إليها بصيغة المضارع؛ وعبر بالمفرد وإن كان للجنس لأن ~~الإنكار على الواحد يستلزم الإنكار على المتعدد فقال: { الإنسان } أي ~~الذي خلقناه ولم يك شيئا، مع ما فضلناه به من العقل، ونصبنا له من ~~الدلائل، فشغله الإنس بنفسه عن التأمل في كمال ربه منكرا مستبعدا: { ~~أءذا ما مت } ثم دل على شدة استبعاده لذلك بقوله مخلصا للام الابتداء ~~إلى التوكيد سالخا لها عما من شأنها الدلالة عليه من الحال لتجامع ما ~~يخلص للاستقبال: { لسوف أخرج } أي يخرجني مخرج { حيا * } أي بعد طول ~~الرقاد، وتفتت الأجزاء والمواد، وجاء بهذه التأكيدات لأن ما بعد الموت ~~وقت كون الحياة منكرة على زعمه، والعامل في { إذا } فعل من معنى { أخرج } ~~لا هو، لمنع لام الابتداء لعمله فيما قبله؛ ثم قابل إنكاره الباطل بإنكار ~~هو الحق فقال عطفا على يقول أو على ما تقديره: ألا يذكر ما لنا من تمام ~~القدرة بخلق ما هو أكبر من ذلك من جميع الأكوان: { أو لا يذكر } بإسكان ~~الذال على قراءة نافع وابن عامر وعاصم إشارة إلى أنه أدنى ذكر من هذا ~~يرشده إلى الحق، وقراءة الباقين بفتح الذال والكاف وتشديدهما يشير إلى ~~أنه - لاستغراقه في الغفلة - يحتاج إلى تأمل شديد { الإنسان } أي الآنس ~~بنفسه، المجترىء بهذا الإنكار على ربه وقوفا مع نفسه { أنا خلقناه } ~~وأشار الجار إلى سبقه بالعدم فقال: { من قبل } أي من قبل جدله هذا أي بما ~~لنا من القدرة والعظمة. # ولما كان المقام لتحقيره بكونه عدما، أعدم من التعبير عن ذلك ما أمكن ~~إعدامه، وهو النون، لتناسب العبارة المعتبر فقال: { ولم يك شيئا * } ~~أصلا، وإنا بمقتضى ذلك قادرون على إعادته فلا ينكر ذلك. # ولما كان كلام الكافر صورته صورة استفهام، وهو جحد في الحقيقة وإنكار، ~~وكان إنكار المهدد لشيء يقتدر عليه المهدد سببا لأن يحققه لما مقسما ~~عليه، قال تعالى مجيبا عن إنكاره مؤذنا بالغضب عليهم بالإعراض عنهم ~~مخاطبا لنبيه صلى الله عليه وسلم تفخيما لشأنه وتعظيما لأمره: { فوربك ms2842 ~~} المحسن إليك بالانتقام منهم. # ولما كان الإنكار للبعث يلزم منه الاحتقار، أتى بنون العظمة، استمر في ~~هذا التحلي بهذا المظهر إلى آخر وصف هذا اليوم فقال: { لنحشرنهم } بعد ~~البعث { والشياطين } الذين يضلونهم بجعل كل واحد منهم مع قرينه الذي ~~أضله، في سلسلة { ثم لنحضرنهم } بعد طول الوقوف { حول جهنم } التي هم بها ~~مكذبون، يحيطون بها لضيق رأسها وبعد قعرها، حال كونهم { جثيا * } على ~~الركب من هول المطلع وشدة الذل، مستوقرين تهيؤوا للمبادرة إلى امتثال ~~الأوامر { ثم لننزعن } أي لنأخذن أخذا بشدة وعنف { من كل شيعة } أي فرقة ~~مرتبطة بمذهب واحد. # ولما كان التقدير: لننزعن أغناهم، وهم الذين إذا نظرت إلى كل واحد منهم ~~بخصوصه حكمت بأنه أغنى الناس، علم أنهم بحيث يحتاج إلى السؤال عنهم ~~لإشكال أمرهم فقال: { أيهم أشد على الرحمن } الذي غمرهم بالإحسان { عتيا ~~* } أي تكبرا متجاوزا للحد، انتزاعا يعلم به أهل الموقف أنه أقل من ~~القليل، وأوهى أمرا من القتيل، وأن له سبحانه - مع صفة الرحمة التي ~~غمرهم إحسانها وبرها - صفات أخرى من الجلال والكبرياء والجبروت ~~والانتقام. # ولما تقدم ما هو في صورة الاستفهام، أتبعه ما يزيل ما قد يقع بسببه من ~~بعض الأوهام، فقال: { ثم } وعزتنا! { لنحن } لشمول علمنا وكمال قدرتنا ~~وعظمتنا { أعلم } من كل عالم { بالذين هم } لظواهرهم وبواطنهم { أولى بها ~~} أي جهنم { صليا * } وبالذين هم أولى بكل طبقة من دركاتها من جميع ~~الخلق من المنتزعين وغيرهم، فلا يظن بنا أنا نضع أحدا في غير دركته أو ~~غير طبقته من دركته؛ وعطف هذه الجمل بأداة البعد مقرونة بنون العظمة لبعد ~~مراتبها وتصاعدها في ذرى العليا وترقيها، تهويلا للمقام وتعظيما للأمر ~~لاستبعادهم له، على أنه يمكن أن تكون الحروف الثلاثة للترتيب الزماني، ~~وهو في الأولين واضح، وأما في الثالث فلأن العلم كناية عن الإصلاء، لأن ~~من علم ذنب عدوه - وهو قادر - عذبه، فكأنه قيل: لنصلين كلا منهم النار ~~على حسب استحقاقه لأنا أعلم بأولويته لذلك. # ولما كانوا بهذا الإعلام، المؤكد بالإقسام، من ذي الجلال والإكرام، ~~جديرين ms2843 بإصغاء الأفهام، إلى ما يوجه إليها من الكلام، التفت إلى مقام ~~الخطاب، إفهاما للعموم فقال: { وإن } أي وما { منكم } أيها الناس أحد { ~~إلا واردها } أي داخل جهنم؛ ثم استأنف قوله: { كان } هذا الورود؛ ولما ~~كان المعنى أنه لا بد من من إيقاعه، أكده غاية التأكيد فأتى بأداة الوجوب ~~فقال: { على ربك } الموجد لك المحسن إليك بإنجاء أمتك لأجلك { حتما } أي ~~واجبا مقطوعا به { مقضيا * } لا بد من إيقاعه؛ قال الرازي في اللوامع: ~~ما من مؤمن - إلا الأنبياء - إلا وقد تلطخ بخلق سوء ولا ينال السعادة ~~الحقيقية إلا بعد تنقيته، وتخليصه من ذلك إنما يكون بالنار. ### || [19.72-76] # ولما كان الخلاص منها بعد ذلك مستبعدا، قال مشيرا إليه بأداة البعد: { ~~ثم ننجي } أي تنجية عظيمة على قراءة الجماعة، ومطلق إنجاء على قراءة ~~الكسائي، وكأن ذلك باختلاف أحوال الناس مع أن المطلق لا ينافي المقيد { ~~الذين اتقوا } أي كانوا متقين منها بأن تكون عليهم حال الورود بردا ~~وسلاما { ونذر الظالمين } أي نترك على أخبث الأحوال الذين وضعوا الأشياء ~~في غير مواضعها واستمروا على ذلك فكانوا في أفعالهم خابطين كالأعمى { ~~فيها جثيا * } كما كانوا حولها لا يهتدون إلى وجه يخلصون به منها. # ولما كان هذا جديرا بالقبول لقيام الأدلة على كمال قدرة قائله، وتنزهه ~~عن إخلاف القول، لبراءته من صفات النقص، قال معجبا من منكره عاطفا على ~~قوله { ويقول الإنسان }: { وإذا تتلى عليهم } أي الناس، من أي تال كان { ~~ءاياتنا } حال كونها { بينات } لا مرية فيها، بأن تكون محكمات، أو ~~متشابهات قد تبعها البيان بالمحكمات، أو ببيان النبي صلى الله عليه وسلم ~~فهي حال مؤكدة أو كاشفة { قال الذين كفروا } بآيات ربهم البينة، جهلا ~~منهم ونظرا إلى ظاهر الحياة الدنيا الذي هو مبلغهم من العلم { للذين ~~ءامنوا } أي لأجلهم أو مواجهة لهم، إعراضا عن الاستدلال بالآيات، ووجوه ~~دلالتها البينات، بالإقبال على هذه الشبهة الواهية - وهي المفاخرة ~~بالمكاثرة في الدنيا - من قولهم: { أي الفريقين } نحن - بما لنا من ~~الاتساع، أم أنتم - بما لكم من خشونة ms2844 العيش ورثاثة الحال { خير مقاما } ~~أي موضع قيام أو إقامة - على قراءة ابن كثير بضم الميم والجماعة بفتحها: ~~{ وأحسن نديا * } مجمعا ومتحدثا باعتبار ما في كل من الرجال، وما لهم ~~من الزي والأموال، ويجعلون ذلك الامتحان بالإنغام والإحسان دليلا على ~~رضى الرحمن، مع التكذيب والكفران، ويغفلون عن أن في ذلك - مع التكذيب ~~بالبعث - تكذيبا مما يشاهدونه منا من القدرة على العذاب بإحلال النقم، ~~وسلب النعم، ولو شئنا لأهلكناهم وسلبنا جميع ما يفتخرون به { وكم أهلكنا ~~} بما لنا من العظمة. # ولما كان المراد استغراق الزمان، لم يأت بالجار إعلاما بأن المتقدمين ~~كلهم كانوا أرغد عيشا وأمكن حالا فقال: { قبلهم من قرن } أي شاهدوا ~~ديارهم، ورأوا آثارهم؛ ثم وصف كم بقوله: { هم } أي أهل تلك القرون { أحسن ~~} من هؤلاء { أثاثا } أي أمتعة { ورئيا * } أي منظرا، فكأنه قيل: فما ~~يقال لهم؟ فقال: { قل } أي لهم ردا عليهم وقطعا لمعاذيرهم وهتكا ~~لشبههم: هذا الذي افتخرتم به لا يدل على حسن الحال في الآخرة، بل على عكس ~~ذلك، فقد جرت عادته سبحانه أنه { من كان في الضلالة } مثلكم كونا راسخا ~~بسط له في الدنيا وطيب عيشه في ظاهر الحال فيها، ونعم بأنواع الملاذ، ~~وعبر عن أن ذلك لا يكاد يتخلف عن غير من حكم بإلزامه المسكنة من اليهود ~~بلام الأمر، إيذانا بوجوده وجود المأمور به الممتثل في قوله: { فليمدد } ~~وأشار إلى التحلي لهم بصفة الإحسان بقوله: { له الرحمن } أي العام ~~الامتنان { مدا * } في العاجلة بالبسط في الآثار، والسعة في الديار، ~~والطول في الأعمار، وإنفاقها فيما يستلذ من الأوزار الكبار، فيزيده ~~العزيز الجبار بذلك ضلالة، فيا له من خسار، وتباب وتبار، لمن له استبصار، ~~ولا نزال نمد هل استدراجا { حتى } وحقق أخذهم بأداة التحقيق فقال: { إذا ~~رأوا } أي كل من كفر بالله بأعينهم وإن ادعوا أنهم يتعاضدون ويتناصرون، ~~ولذلك جمع باعتبار المعنى { ما يوعدون } من قبل الله { إما العذاب } في ~~الدنيا بأيدي المؤمنين أو غيرهم، أو في البرزخ { وإما الساعة } التي هم ~~بها مكذبون، وعن الاستعداد ms2845 لها معرضون، ولا شيء يشبه أهوالها، وخزيها ~~ونكالها. # ولما كان الجواب: علموا أن مكانهم شر الأماكن، وأن جندهم أضعف الجنود، ~~عبر عنه بقوله تهديدا: { فسيعلمون } إذا رأوا ذلك { من هو شر مكانا } ~~أي من جهة المكان الذي قوبل به المقام { وأضعف جندا * } هم أو المؤمنون، ~~أي أضعف من جهة الجند الذي أشير به إلى الندي، لأن القصد من فيه، وكأنه ~~عبر بالجند لأن قصدهم المغالبة وما كل من في الندي يكون مقاتلا. # ولما كان هذا لكونه استدراجا زيادة في الضلال، قابله بقوله، عطفا على ~~ما تقدم تقديره تسبيبا عن قوله { فليمدد } وهو: فيزيده ضلالا، أو على ~~موضع { فليمدد }: { ويزيد الله } وعبر بالاسم العلم إشارة إلى التجلي لهم ~~بجميع الصفات العلى ليعرفوه حق معرفته { الذين اهتدوا هدى } عوض ما زوى ~~عنهم ومنعهم من الدنيا لكرامتهم عنده مما بسطه للضلال لهوانه عليه؛ ~~فالآية من الاحتباك: ذكر السعة بالمد للضال أولا دليلا على حذف الضيق ~~بالمنع للمهتدي ثانيا، وزيادة الهداية ثانيا دليلا على حذف زيادة ~~الضلال أولا، وأشار إلى أنه مثل ما خذل أولئك بالنوال، وفق هؤلاء لمحاسن ~~الأعمال، بإقلال الأموال فقال: { والباقيات } ثم وصفها احترازا من أفعال ~~أهل الضلال بقوله: { الصالحات } أي من الطاعات والمعارف التي شرحت لها ~~الصدور، فأنارت بها القلوب، وسلمت من إحباط الذنوب، فأوصلت إلى علام ~~الغيوب { خير عند ربك } مما متع به الكفرة ومدوا به - على تقدير التنزل ~~إلى تسميته خيرا، وإضافة الرب إليه صلى الله عليه وسلم إشارة إلى أنه ~~يربيها تربية تبلغ أقصى ما يرضيه في كل تابعيه؛ ثم بين جهة خيرية هذا ~~بقوله: { ثوابا } أي من جهة الثواب { وخير مردا * } أي من جهة العاقبة ~~يوم الحسرة وهو كالذي قبله، أو على قولهم: الصيف أحر من الشتاء بمعنى أنه ~~في حره أبلغ منه في برده. فالكفرة يردون إلى خسارة وفناء، والمؤمنون إلى ~~ربح وبقاء. ### || [19.77-84] # ولما تضمن هذا من التهديد بذلك اليوم ما يقطع القلوب، فيوجب الإقبال على ~~ما ينجي منه، عجب من حال من كفر ms2846 به، موبخا له، منكرا عليه، عاطفا على ~~ما أرشد إليه السياق فقال معبرا عن طلب الخير بالرؤية التي هي الطريق ~~إلى الإحاطة بالأشياء علما وخبرة، وإلى صحة الخبر عنها: { أفرءيت } أي ~~أرأيت الذي يعرض عن هذا اليوم فرأيت { الذي } زاد على ذلك بأن { كفر ~~بآياتنا } الدالات على عظمتنا بالدلالات البينات { وقال } جراءة منه ~~وجهلا؛ أو يقال: إنه لما هول أمر ذلك اليوم. وهتك أستار مقالاتهم، وبين ~~وهيها، تسبب عن ذلك التعجيب ممن يقول: { لأوتين } أي والله في الساعة ~~على تقدير قيامها ممن له الإيتاء هنالك { مالا وولدا * } أي عظيمين، ~~فلم يكفه في جهله تعجيز القادر حتى ضم إليه إقدار العاجز. # ولما كان ما ادعاه لا علم له به إلا بأحد أمرين لا علم له بواحد منهما، ~~أنكر عليه قوله ذلك بقوله: { أطلع الغيب } الذي هو غائب عن كل مخلوق، فهو ~~في بعده عن الخلق كالعالي الذي لا يمكن أحدا منهم الاطلاع عليه، وتفرد ~~به الواحد القهار { أم اتخذ } أي بغاية جهده { عند الرحمن } العام الرحمة ~~بالإنعام على الطائع والانتقام من العاصي ثوابا للطائع { عهدا * } ~~عاهده عليه بأنه يؤتيه ما ذكر بطاعة فعلها له على وجهها ليقف سبحانه فيه ~~عند قوله. # ولما كان كل من الأمرين: إطلاع الغيب واتخاذ العهد، وكذا ما ادعاه ~~لنفسه، وما يلزم عن اتخاذ العهد من القرب، منتفيا قال: { كلا } أي لم ~~يقع شيء من هذين الأمرين، ولا يكون ما ادعاه فليرتفع عنه صاغرا. # ولما كان النفي هنا عن الواحد مفهما للنفي عما فوقه اكتفى به، ولما رد ~~ذلك استأنف الجواب لسؤال من كأنه قال: فماذا يكون له؟ بقوله مثبتا السين ~~للتوكيد في هذا التهديد: { سنكتب ما يقول } أي نحفظه عليه حفظ من يكتبه ~~لنوبخه به ونعذبه عليه بعد الموت فيظهر له بعد طول الزمان أن ما كان فيه ~~ضلال يؤدي إلى الهلاك لا محالة، ويجوز أن تكون السين على بابها من ~~المهلة، وكذا الكتابة، والإعلام بذلك للحث على التوبة قبل الكتابة، وذلك ~~من عموم الرحمة { ونمد ms2847 له من العذاب مدا * } باستدراجه بأسبابه من كثرة ~~النعم من الأموال والأولاد المحببة له في الدنيا، المعذبة له فيها، ~~بالكدح في جمعها والمخاصمة عليها الموجبة له التمادي في الكفر الموجب ~~لعذاب الآخرة، وإتيان بعضه في إثر بعض # إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون # [التوبة: 85] { ونرثه } بموته عن جميع ذلك؛ ثم أبدل من ضميره قوله: { ما ~~يقول } أي من المال والولد فنحول بينه وبينهم بعد البعث كما فعلنا بالموت ~~كحيلولة الوارث بين الموروث وبين الموروث عنه { ويأتينا } في القيامة { ~~فردا * } مسكينا منعزلا عن كل شيء لا قدرة له على مال ولا ولد، قلا عز ~~له، ولا قوة بشيء منهما؛ روى البخاري في التفسير عن خباب رضي الله عنه ~~قال: كنت قينا بمكة فعملت للعاص بن وائل السهمي سيفا، فجئت أتقاضاه ~~فقال: لا أعطيك حتى تكفر بمحمد، قلت: لا أكفر بمحمد حتى يميتك الله ثم ~~يحييك، وفي رواية: حتى تموت ثم تبعث، قال: وإني لمبعوث من بعد الموت؟ ~~قلت: نعم! قال: فذرني حتى أموت ثم أبعث فسوف أوتى مالا وولدا فأقضيك، ~~فنزلت هذه الآية { أفرأيت الذي - إلى قوله: فردا }. # ولما أخبر تعالى بالبعث، وذكر أن هذا الكافر يأتيه على صفة الذل، أتبعه ~~حال المشركين مع معبوداتهم، فقال معجبا منهم عاطفا على قوله ويقول ~~الإنسان: { واتخذوا } أي الكفار، وجمع لأن نفي العز عن الواحد قد لا ~~يقتضي نفيه عما زاد { من دون الله } وقد تبين لهم أنه الملك الأعلى الذي ~~لا كفوء له { ءالهة ليكونوا لهم } أي الكافرين { عزا * } لينقذوهم من ~~العذاب. # ولما بين أنه لا يعزه مال ولا ولد، وكان نفع الأوثان دون ذلك بلا شك، ~~نفاه بقوله: { كلا } بأداة الردع، لأن ذلك طلب للعز من معدن الذل من ~~العبيد الذين من اعتز لهم ذل، فإنهم مجبولون على الحاجة، ومن طلب العز ~~للدنيا طلبه من العبيد لا محالة، فاضطر قطعا - لبنائهم على النقص - إلى ~~ترك الحق واتباع الباطل، فكانت عاقبة أمره الذل وإن طال المدى، فإن ms2848 الله ~~تعالى ربما أمهل المخذول إلى أن ينتهي في خذلانه إلى أن يستحق لباس الذل؛ ~~ثم بين سبحانه ذلك بما يكون منهم يوم البعث فقال: { سيكفرون } أي الآلهة ~~بوعد لا خلف فيه وإن طال الزمان { بعبادتهم } أي المشركين، فيقولون لهم # ما كنتم إيانا تعبدون # [يونس: 28] # إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا # [البقرة: 166] { ويكونون عليهم } أي الكفار؛ ووحد إشارة إلى اتفاق ~~الكلمة بحيث إنهم لفرط تضامنهم كشيء واحد فقال: { ضدا * } أي أعداء ~~فيكسبونهم الذل، وكذا يفعل الكفار مع شركائهم ويقولون { والله ربنا ما ~~كنا مشركين } فيقع بينهم العداوة كما قال تعالى # ثم يوم القيامة يكفر بعضهم ببعض ويلعن بعضكم بعضا # [العنكبوت: 25]. # ولما كان من المستبعد عندهم جواز رجوعهم عنهم فضلا عن كفرهم بهم، دل ~~على وقوعه بما يشاهد منهم من الأفعال المنافية لرزانة الحلم الناشئة عن ~~وقار العلم، فقال: { ألم تر أنا } بما لنا من العظمة { أرسلنا الشياطين } ~~الذين خلقناهم من النار، إرسالا مستعليا بالإبعاد والإحراق { على ~~الكافرين } أي العريقين في الكفر { تؤزهم أزا * } أي تحركهم تحريكا ~~شديدا، وتزعجهم في المعاصي والدنايا التي لا يشكون في قباحتها وعظيم ~~شناعتها وهم أشد الناس عيبا لفاعليها وذما لمرتكبيها إرعاجا عظيما ~~بحيث يكونون في تقلبهم ذلك مثل الماء الذي يغلي في القدر، ومثل الشرر ~~المتطاير الذي هو أشد شيء منافاة لطبع الطين وملاءمة لطبع النار، فلما ~~ثبت بذلك المدعى، تسبب عنه النهي عما اتصفوا به من خفة السفه وطيش الجهل ~~فقال: { فلا تعجل عليهم } بشيء مما تريد به الراحة منهم. # ولما كانت مراقبة ناصر الإنسان لعدوه في الحركات والسكنات أكبر شاف ~~للولي ومفرح، وأعظم غائط للعدو ومزعج ومخيف ومقلق، علل ذلك بقوله دالا ~~على أن زمنهم قصير جدا بذكر العد: { إنما نعد لهم } بإمهالنا لهم ~~وإدرارنا النعم عليهم { عدا * } لأنفاسهم فما فوقها لا نغفل عنهم بوجه، ~~فإذا جاء أجلهم الذي ضربناه لهم، محونا آثارهم، وأخلينا منهم ديارهم، لا ~~يمكنهم أن يفوتونا، فاصبر فما أردنا بإملائنا لهم إلا إشقاءهم وإرداءهم ~~لا تنعيمهم وإعلاءهم، فهو ms2849 من قصر الموصوف على صفته إفرادا. ### || [19.85-93] # ولما بين مآل حال الكافرين في آلهتهم ودليله، أتبعه بوقته فقال: { يوم } ~~أي يكفرون بعبادتهم يوم { نحشر المتقين } أي العريقين في هذا الوصف؛ ولما ~~تقدمت سورة النعم العامة النحل، وأتبعت سورة النعم الخاصة بالمؤمنين وبعض ~~العامة، مثل # ولقد كرمنا بني آدم # [الإسراء: 70]، ثم سورتي الخاصة بالصالحين الكهف وهذه، قال: { إلى ~~الرحمن } فيدخلهم دار الرضوان، فذكر الاسم الدال على عموم الرحمة، وكرره ~~في هذه السورة تكريرا دل على ما فهمته، وربما أيد ذلك افتتاح النحل ~~بنعمة البيان على هذا الإنسان التي عبر عنها بالخصيم، وختام هذه بالقوم ~~اللد من حيث رد مقطع هذه التي كانت بالنظر إلى النعم شيئا واحدا على ~~مطلعها { وفدا * } أي القادمين في إسراع ورفعة وعلى، كما تقدم الوفود ~~على الملوك، فيكونون في الضيافة والكرامة. # ولما ذكر ما يدل على كرامة أوليائه، أتبعه ما يدل على إهانة أعدائه ~~فقال: { ونسوق المجرمين } أي بالكفر وغيره من المعصية، كالبهائم سوقا ~~عنيفا مزعجا حثيثا { إلى جهنم } بسطوة المنتقم الجبار { وردا * } أي ~~عطاشا { لا يملكون الشفاعة } أي لا يملك أحد من القسمين أن يشفع ولا ~~أن يشفع فيه { إلا من اتخذ } أي كلف نفسه واجتهد في أن أخذ { عند ~~الرحمن عهدا * } بما وفقه له من الإيمان والطاعة التي وعده عليها أن ~~يشفع أو أن يشفع فيه؛ فالآية من الاحتباك: ذكر الرحمن أولا دليلا على ~~المنتقم ثانيا، وجهنم ثانيا دليلا على حذف الجنة أولا. # ولما أبطل مطلق الشفعاء، وكان الولد أقرب شفيع، وكانوا قد ادعوا له ~~ولدا، أبطل دعواهم فيه لينتفي كل شفيع خاص وعام، فينتفي كل عز راموه ~~بشفاعة آلهتهم وغيرها. فقال عاطفا على قوله: { واتخذوا من دون الله آلهة ~~} موجبا منهم: { وقالوا } أي الكفرة { اتخذ الرحمن } أي الذي لا منعم ~~غيره، فكل أحد محتاج إليه وهو غني عن كل أحد { ولدا * } قالت اليهود: ~~عزير، والنصارى: المسيح، والمشركون: الملائكة، مع قيام الأدلة على ~~استحالته عليه سبحانه؛ ثم استأنف الالتفات إلى خطابهم بأشد الإنكار، ~~إيماء إلى ms2850 تناهي الغضب فقال: { لقد } أي وعزتي! لقد { جئتم شيئا إدا * ~~} أي عظيما ثقيلا منكرا؛ ثم بين ثقله بقوله: { تكاد السماوات } على ~~إحكامها، مع بعدها من أصحاب هذا القول { يتفطرن } أي يأخذن في الانشقاق { ~~منه } أي من هذا الشيء الإد { وتنشق الأرض } على تحتها شقا نافذا ~~واسعا { وتخر } أي تسقط سريعا { الجبال } على صلابتها { هدا * } كما ~~ينفسخ السقف تحت ما لا يحتمله من الجسم الثقيل، لأجل { أن ادعوا } أي ~~سموا { للرحمن } الذي كل ما سواه نعمة منه { ولدا * } هذا المفعول ~~الثاني، وحذف الأول لإرادة العموم { وما ينبغي } أي ما يصح ولا يتصور { ~~للرحمن أن يتخذ ولدا * } لأنه غير محتاج إلى الولد بوجه، ومع ذلك فهو ~~محال، لأن الولد لا يكون إلا مجانسا للوالد، ولا شيء من النعم بمجانس ~~للمنعم المطلق الموجد لكل ما سواه، فمن دعا له ولدا قد جعله كبعض خلقه، ~~وأخرجه عن استحقاق هذا الاسم، ثم أقام الدليل على غناه عن ذلك واستحالته ~~عليه، تحقيقا لوحدانيته، وبيانا لرحمانيته، فهدم بذلك الكفر بمطلق ~~الشريك بعد أن هدم الكفر بخصوص الولد فقال: { إن } أي ما { كل من } أي ~~شيء من العقلاء، فهو نكرة موصوفة لوقوعها بعد كل وقوعها بعد رب { في ~~السماوات والأرض } الذين ادعوا أنهم ولد وغيرهم { إلا }. # ولما كان من العبد من يعصي على سيده، عبر بالإتيان فقال: { ءاتي الرحمن ~~} العام بالإحسان، أي منقاد له طوعا أو كرها في كل حالة وكل وقت { ~~عبدا * } مسخرا مقهورا خائفا راجيا، فكيف يكون العبد ابنا أو ~~شريكا؟ فدلت الآية على التنافي بين العبودية والولدية، فهي من الدليل ~~على عتق الولد والوالد إذا اشتريا. ### || [19.94-98] # ولما كان من المستبعد معرفة الخلائق كلهم، أتبعه بقوله: { لقد } أي ~~والله لقد { أحصاهم } كلهم إحاطة بهم { وعدهم } ولما كان ذلك لا يكاد ~~يصدق، أكده بالمصدر فقال: { عدا * } قبل خلقهم من جميع جهات العبد ~~ولوازمها، فلم يوجد ولم يولد، ولم يعدم أو يصب أحد منهم إلا في حينه الذي ~~عده له، وقد يكون الإحصاء قبل الوجود في عالم ms2851 الغيب والعد بعد الوجود { ~~وكلهم } أي وكل واحد منهم { ءاتيه يوم القيامة } بعد بعثه من الموت { ~~فردا * } على صفة الذل، موروثا ماله وولده الذي كنا أعطيناه في الدنيا ~~قوة له وعزا، لأنه لا موجود غيره يقدر على حراسة نفسه من الفناء، فهو لا ~~شك في قبضته، فكيف يتصور في بال أو يقع في خيال أن يكون شيء من ذلك له ~~ولدا أو معه شريكا. # ولما عم بهذا الحكم الطائع والعاصي، وكان ذلك محزنا لأهل الطاعة ~~باستشعار الذل في الدارين، تحركت النفس إلى معرفة ما أفادتهم الطاعة، ~~واستأنف الجواب لذلك مبشرا لهم بقوله: { إن الذين آمنوا وعملوا } ~~تصديقا لادعائهم الإيمان، الأعمال { الصالحات سيجعل } تحقيقا عما قليل ~~عند بيعة العقبة { لهم الرحمن } الذي خصهم بالرضا بعد أن عمهم بالنعمة، ~~جزاء على انقيادهم له، لأنه كان إما باختيارهم وإما برضاهم { ودا * } أي ~~حبا عظيما في قلوب العباد، دالا على ما لهم عندهم من الود؛ قال ~~الأصبهاني: من غير تودد منهم ولا تعرض للأسباب التي تكسب بها الناس مودات ~~القلوب من قرابة أو صداقة أو اصطناع غيره أو غير ذلك، وإنما هو اختراع ~~ابتدأ اختصاصا منه لأوليائه بكرامة خاصة كما قذف في قلوب أعدائهم الرعب ~~والهيبة إعظاما لهم وإجلالا لمكانهم - انتهى. والمراد - والله أعلم - ~~أنه لا يجعل سبحانه في قلب أحد من عباده الصالحين عليهم إحنة، لأن الود - ~~كما قال الإمام أبو الحسن الحرالي: خلو عن إرادة المكروه، وسيأتي إن شاء ~~الله تعالى في سورة الروم ما يزيد ذلك وضوحا؛ روى الشيخان وغيرهما عن ~~أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الله إذا أحب عبدا دعا جبرئيل فقال: يا جبرئيل! إني أحب فلانا ~~فأحبه، فيحبه جبرئيل ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يحب فلانا فأحبوه، ~~فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض، وإن الله إذا أبغض عبدا ~~دعا جبرئيل فقال: يا جبرئيل! إني أبغض فلانا فأبغضه، فيبغضه جبرئيل ثم ~~ينادي في أهل السماء: إن الله ms2852 يبغض فلانا فأبغضوه، فيبغضه أهل السماء ثم ~~يوضع له البغضاء في الأرض ". # ولما كان إنزال هذا القول الثقيل ثم تيسيره حفظا وعملا سببا لما جعل ~~لأهل الطاعة في الدنيا من الود بما لهم من التحلي والتزين بالصالحات، ~~والتخلي والتصون من السيئات، الدال على ما لهم عند مولاهم من عظيم العز ~~والقرب، وكان التقدير: والذين كفروا ليكسبنهم الجبار بغضا وذلا، فأخبر ~~كلا من الفريقين بما له بشارة ونذارة، قال مسببا عن إفصاح ذلك ~~وإفهامه: { فإنما يسرناه } أي هذا القرآن، الذي عجز عن معارضته الإنس ~~والجان، والكتاب القيم والوحي الذي لا مبدل له بسبب إنزالنا إياه { ~~بلسانك } هذا العربي المبين، العذب الرصين { لتبشر به المتقين } وهم ~~الذين يجعلون بينهم وبين ما يسخط الله وقاية، فلا يبطلون حقا ولا يحقون ~~باطلا، ومتى حصلت لهم هفوة بادروا الرجوع عنها بالمتاب، بما لهم عندنا ~~من العز الذي هو ثمرة العز المدلول عليه بما لهم منه في الدنيا، لا ~~لتحزنهم بأن ينزل فيه ما يوهم تسويتهم بأهل المعصية في كلتا الدارين { ~~وتنذر به قوما لدا * } أشد في الخصومة، يريدون العز بذلك، لما لهم ~~عندنا من الذل والهوان الناشىء عن المقت المسبب عن مساوىء الأعمال، وأنا ~~نهلكهم إن لم يرجعوا عن لددهم، والألد هو الذي يتمادى في غيه ولا يرجع ~~لدليل، ويركب في عناد الحق ما يقدر عليه من الشر، ولا يكون هذا إلا ممن ~~يحتقر من يخاصمه ويريد أن يجعل الحق باطلا، تكبرا عن قبوله، فينطبق ~~عليه ما رواه مسلم في الإيمان عن صحيحه، وأبو داود في اللباس من سننه، ~~والترمذي في البر من جامعه، وابن ماجه في السنة من سننه عن ابن مسعود رضي ~~الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لا يدخل الجنة أحد في قلبه مثقال حبة من كبر، فقال رجل: إن الرجل يحب ~~أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة، فقال: إن الله جميل يحب الجمال، الكبر ~~بطر الحق وغمط - " # وفي رواية: # " وغمص - الناس " # وكلاهما بمعنى الاحتقار، ومن كان هذا سبيله ms2853 مرن على ذلك ومرد عليه، فكان ~~جديرا بأن يركبه الله أبطل الباطل: الكفر عند الموت، فتحرم عليه الجنة، ~~فإن من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه # سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق # [الأعراف: 49] فيا ذل من تكبر على الحق! ويا عز من تشرف بالذل للحق ~~والعز على الباطل! ولعمري لقد أجرى الله عادته - ولن تجد لسنة الله ~~تحويلا أن من تعود الجراءة بالباطل كان ذليلا في الحق، وإليه يشير قوله ~~تعالى في وصف أحبابه # أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين # [المائدة: 54]. # ولما كان التقدير بعدما أرشد إليه السياق من مفعول { ينذر }: فإنا ~~قادرون على إهلاكهم وجميع ما نريد منهم، عطف عليه قوله: { وكم أهلكنا } ~~بما لنا من العظمة، ولما كان المراد التعميم، أثبت الظرف عريا عن الجار، ~~وأكد الخبر بإثبات من بعده فقال: { قبلهم من قرن } كانوا أشد منهم شدة، ~~وأكثر عدة، وأوثق عدة، فلم يبق إلا سماع أخبارهم، ومشاهدة آثارهم؛ ثم قال ~~تصويرا لحالهم، وتقريرا لمضمون ما مضى من مآلهم: { هل تحس منهم من أحد ~~} ببصر أو لمس { أو تسمع لهم ركزا * } أي صوتا خفيا فضلا عن أن يكون ~~جليا، فقد ختمت السورة بما بدئت به من الرحمة لأوليائه، والود لأصفيائه، ~~والنعمة للذين خلفوا بعدهم من أعدائه، بعد الرحمة للفريقين بهذا الكتاب ~~بشارة ونذارة فحلت الرحمة على أوليائه، وزلت عن أعدائه والله الموفق. ### | [20 - سورة طه] ### || [20.1-6] # { طه* } أي تخلص بالغ من كل ما يخشى وظهر عظيم وطيب منتشر في كل قطر إلى ~~نهاية الوطن الذي هو التاسع، ممن له الإحاطة التامة بكل غيب، وإليه يرجع ~~الأمر كله، كما اجتمعت أسماؤه كلها في غيب هو الذي جعل العزة للمهتدين ~~والهدى للمتقين. # هذه السورة والتي قبلها من أقدم السور المكية، قال هشام في تهذيب ~~السيرة: قال ابن اسحاق: حدثني محمد بن مسلم الزهري عن أبي بكر بن عبد ~~الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي عن أم سلمة بنت أم أمية بن المغيرة ~~زوج النبي صلى الله عليه ms2854 وسلم قال: قالت: لما نزلنا بأرض الحبشة جاورنا ~~بها خير جار النجاشي، أمنا على ديننا وعبدنا الله تبارك وتعالى لا نؤذى ~~ولا نسمع شيئا نكرهه، فلما بلغ ذلك قريشا ائتمروا بينهم. فذكر إرسالهم ~~إليه بهدايا ليردهم إليه، وأن بطارقته كلموه في ذلك، وأنه أبى حتى يسمع ~~كلامهم، وأنه طلبهم فأجمع أمرهم على أن يقولوا الحق كائنا فيه ما كان، ~~فدخلوا وقد دعا النجاشي أساقفته فنشروا مصاحفهم حوله فقال لهم: ما هذا ~~الدين الذي فارقتم به قومكم ولم تدخلوا به في دين أحد من هذه الملل. ~~قالت: فكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه فقال: أيها الملك ~~! كنا قوما أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ~~ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى ~~بعث الله إلينا رسولا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى ~~الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة ~~والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم و حسن الجوار، ~~والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال ~~اليتيم. وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئا، ~~وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام. قالت: فعدد عليه أمور الإسلام. فصدقناه ~~وآمنا به، فعدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة ~~الأوثان. فلما قهرونا وظلمونا خرجنا إلى بلادك، واخترناك على من سواك، ~~ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك! فقال له النجاشي: هل معك مما جاء به ~~عن الله شيء؟ فقال له جعفر: نعم! فقال له النجاشي: فاقرأه علي فقرأ عليه ~~صدرا من كهيعص، فبكى والله النجاشي حتى أخضل لحيته وبكى أساقفته حتى ~~أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلا عليهم؛ ثم قال النجاشي: إن هذا والذي ~~جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة، ثم ذكر تأمينه لهم ورد هدايا قريش ~~ورسلهم خائبين. وقال ابن هشام: وقال ابن إسحاق: فحدثني عبد الرحمن بن ~~الحارث بن عبد الله بن عياش بن ms2855 أبي ربيعة عن عبد العزيز بن عبد الله بن ~~عامر بن ربيعة عن أمه أم عبد الله بنت أبي حثمة رضي الله عنها قالت: ~~والله! إنا لنترحل إلى أرض الحبشة وقد ذهب عامر رضي الله عنه في بعض ~~حاجاتنا إذ أقبل عمر بن الخطاب حتى وقف علي وهو على شركه، وكنا نلقى منه ~~البلاء أذى لنا وشدة علينا، فقال: إنه الانطلاق يا أم عبد الله؟ قلت: ~~نعم! والله لنخرجن في أرض الله، آذيتمونا وقهرتمونا حتى يجعل الله لنا ~~مخرجا، فقال: صحبكم الله، ورأيت له رقة لم أكن أراها، ثم انصرف وقد ~~أحزنه فيما أرى خروجنا، فجاء عامر رضي الله عنه بحاجته تلك فقلت له: يا ~~أبا عبد الله! لو رأيت عمر آنفا ورقته وحزنه علينا! قال: أطمعت في ~~إسلامه؟ قلت: نعم! قال: لايسلم الذي رأيت حتى يسلم حمار الخطاب. # يأسا منه. لما كان يرى من غلظته وقسوته عن الإسلام، قال ابن إسحاق: ~~وكان إسلام عمر فيما بلغني أن أخته فاطمة بنت الخطاب، وكانت عند سعيد بن ~~زيد بن عمرو بن نفيل رضي الله عنهم، وكانت قد أسلمت وأسلم زوجها سعيد بن ~~زيد وهم مستخفون بإسلامهم من عمر، وكان نعيم بن عبد الله بن النحام. رجل ~~من قومه بني عدي بن كعب. قد أسلم رضي الله عنه، وكان أيضا يستخفي ~~بإسلامه فرقا من قومه، وكان خباب بن الأرت رضي الله عنه يختلف إلى فاطمة ~~بنت الخطاب رضي الله عنها يقرئها القرآن، فخرج عمر يوما متوشحا بسيفه ~~يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم ورهطا من أصحابه رضي الله عنهم قد ~~ذكروا له أنهم قد اجتمعوا في بيت عند الصفا وهم قريب من أربعين ما بين ~~رجال ونساء، ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم عمه حمزة بن عبد المطلب ~~وأبو بكر بن أبي قحافة الصديق وعلي بن أبي طالب في رجال من المسلمين رضي ~~الله عنهم أجمعين ممن كان أقام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ولم ~~يخرج فيمن ms2856 خرج إلى أرض الحبشة، فلقيه نعيم بن عبد الله رضي الله عنه ~~فقال: أين تريد يا عمر؟ قال أريد محمدا هذا الصابىء الذي فرق أمر قريش ~~وسفه أحلامها وعاب دينها وسب آلهتها فأقتله، فقال له نعيم رضي الله عنه: ~~والله! لقد غرتك نفسك من نفسك ياعمر! أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على ~~الأرض وقد قتلت محمدا! أفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم؟ قال: وأي ~~أهل بيتي؟ قال: ختنك وابن عمك سعيد بن زيد بن عمرو وأختك فاطمة بنت ~~الخطاب فقد والله أسلما وتابعا محمدا على دينه فعليك بهما فرجع عمر ~~عامدا إلى أخته وختنه وعندهما خباب بن الأرت رضي الله عنه وعنهما، معه ~~صحيفة فيها طه يقرئهما إياها، فلما سمعوا حس عمر تغيب خباب بن الأرت رضي ~~الله عنه في مخدع لهم أو في بعض البيت، وأخذت فاطمة بنت الخطاب رضي الله ~~عنها الصحيفة فجعلتها تحت فخذها، وقد سمع عمر حين دنا من البيت قراءة ~~خباب عليهما، فلما دخل قال: ما هذه الهينمة التي سمعت؟ قالا له: ما سمعت ~~شيئا؟ قال: بلى! والله لقد أخبرت أنكما تابعتما محمدا على دينه، وبطش ~~بختنه سعيد بن زيد رضي الله عنه فقامت إليه أخته فاطمة بنت الخطاب لتكفه ~~عن زوجها فضربها فشجها، فلما فعل ذلك قالت له أخته وختنه رضي الله عنهما: ~~نعم! قد أسلمنا وآمنا بالله ورسوله، فاصنع ما بدا لك! فلما رأى عمر ما ~~بأخته من الدم ندم على ما صنع فارعوى وقال لأخته: أعطيني هذه الصحيفة ~~التي سمعتكم تقرؤون آنفا أنظر ما هذا الذي جاء به محمد؟ وكان عمر ~~كاتبا، فلما قال ذلك قالت له أخته: إنا نخشاك عليها، قال: لاتخافي، وحلف ~~لها بآلهته ليردنها إذا قرأها إليها، فلما قال ذلك طمعت في إسلامه فقالت: ~~يا أخي! إنك نجس على شركك، وإنه لا يمسها إلا الطاهر، فقام عمر فاغتسل ~~فأعطته الصحيفة وفيها طه فقرأها، فلما قرأ منها صدرا قال: ما أحسن هذا ~~الكلام وأكرمه! فلما سمع ذلك خباب ms2857 رضي الله عنه خرج إليه فقال له: يا ~~عمر! والله إني لأرجو أن يكون الله قد خصك بدعوة نبيه صلى الله عليه وسلم ~~فإني سمعته أمس وهو يقول: اللهم! أيد الإسلام بأبي الحكم بن هشام أو بعمر ~~بن الخطاب فالله الله يا عمر! فقال له عمر عند ذلك: فدلني يا خباب على ~~محمد حتى آتيه فأسلم، فقال له خباب: هو في بيت عند الصفا، معه فيه نفر من ~~أصحابه، فأخذ عمر سيفه فتوحشه ثم عمد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه فضرب عليهم الباب، فلما سمعوا صوته قام رجل من أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فنظر من خلال الباب فرآه متوحشا السيف فرجع إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وهو فزع فقال: يا رسول الله! هذا عمر بن الخطاب ~~متوحشا السيف! فقال حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه: فأذن له، فإن كان ~~جاء يريد خيرا بذلناه له، وإن كان جاء يريد شرا قتلناه بسيفه، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: ائذن له، فأذن له الرجل ونهض إليه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حتى لقيه في الحجرة فأخذ بحجزته أو بمجمع ردائه ~~ثم جبذه جبذة شديدة وقال: ما جاء بك يا ابن الخطاب! فوالله ما أرى أن ~~تنتهي حتى ينزل الله بك قارعة، فقال عمر: يا رسول الله! جئتك لأومن بالله ~~وبرسوله وبما جاء من عند الله، فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبيرة ~~عرف أهل البيت من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عمر قد أسلم، ~~فتفرق أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم من مكانهم، وقد عزوا في أنفسهم ~~حين أسلم عمر بن الخطاب مع إسلام حمزة رضي الله عنهما، وعرفوا أنهما ~~سيمنعان رسول الله صلى الله عليه وسلم وينتصفون بهما من عدوهم، فهذا حديث ~~الرواة من أهل المدينة عن أسلام عمر رضي الله عنه حين أسلم. # وكان إسلام عمر بعد إسلام حمزة رضي الله عنهما بثلاثة أيام، كما ms2858 ثبت ذلك ~~في حاشية شرح العقائد عن فوائد تمام الرازي، وصفوة الصفوة لابن الجوزي؛ ~~قال ابن هشام: قال ابن إسحاق: وحدثني نافع مولى عبد الله بن عمر رضي الله ~~عنهما قال: لما أسلم عمر قال: أي قريش أنقل للحديث؟ قال: قيل له: جميل بن ~~معمر الجمحي، فغدا عليه، قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: وغدوت أتبع ~~أثره وأنظر ما يفعل وأنا غلام أعقل كل ما رأيت حتى جاءه فقال له: أعلمت ~~يا جميل أني أسلمت ودخلت في دين محمد؟ قال: فوالله ما راجعه حتى قام يجر ~~رداءه. واتبعه عمر رضي الله عنه واتبعت أبي حتى إذا قام على باب المسجد ~~صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش! وهم في أنديتهم حول الكعبة. ألا! إن ابن ~~الخطاب قد صبأ قال: يقول عمر رضي الله عنه من خلفه: كذب ولكني قد أسلمت ~~وشهدت أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وثاروا إليه فما برح ~~يقاتلهم ويقاتلونه حتى قامت الشمس على روؤسهم قال: وطلح فقعد وقاموا على ~~رأسه وهو يقول: افعلوا ما بدا لكم، فأحلف بالله أن لو كنا ثلاثمائة رجل ~~لقد تركناها أو تركتموها لنا، قال: فبينما هو على ذلك إذ أقبل شيخ من ~~قريش عليه حلة حبرة وقميص موشى حتى وقف عليهم فقال: ما شأنكم؟ قالوا: صبأ ~~عمر، قال: فمه! رجل اختار لنفسه أمرا فماذا تريدون؟ أترون بني عدي بن ~~كعب يسلمون لكم صاحبهم؟ هكذا عن الرجل! قال: فوالله لكأنما كانوا ثوبا ~~كشط عنه. وفي الروض الأنف للامام أبي القاسم السهيلي أن يونس روى عن ابن ~~إسحاق أن عمر قال حين أسلم رضي الله عنه: # الحمد لله ذي المن الذي وجبت # له علينا أياد ما لها غير # وقد بدأنا فكذبنا فقال لنا # صدق الحديث نبي عنده الخبر # وقد ظلمت ابنة الخطاب ثم هدى # ربي عشية قالوا قد صبا عمر # وقد ندمت على ما كان من زلل # بظلمها حين تتلى عندها السور # لما دعت ربها ذا العرش جاهدة # والدمع ms2859 من عينها عجلان يبتدر # أيقنت أن الذي تدعوه خالقها # فكاد يسبقني من عبرة درر # فقلت أشهد أن الله خالقنا # وأن أحمد فينا اليوم مشتهر # نبي صدق أتى بالحق من ثقة # وافى الأمانة ما في عوده خور # إذا تقرر هذا، علم أن المقصود من السورة - كما تقدم - تشريف هذا النبي ~~الكريم صلى الله عليه وسلم بإعلامه بالرفق بأمته، والإقبال بقلوبهم حتى ~~يملؤوا الأرض كثرة، كما أنزل عليهم السكينة وهم في غاية الضعف والقلة، ~~وحماهم ممن يريد قتلهم، ولين قلب عمر رضي الله عنه بعد ما كان فيه من ~~الغلظة وجعله وزيرا، ثم حماه بعدوه، وتأمينه صلى الله عليه وسلم من أن ~~يستأصلوا بعذاب، وبأنه يموت نبيهم قبلهم لا كما وقع للمهلكين من قوم نوح ~~وهود عليهما السلام ومن بعدهم - بما دل عليه افتتاح هذه بنفي الشقاء وختم ~~تلك بجعل الود وغير ذلك، والداعي إلى هذا التأمين أنه سبحانه لما ختم تلك ~~بإهلاك القرون وإبادة الأمم بعد إنذار القوم اللد، ولم يختم سورة من ~~السور الماضية بمثل ذلك، كان ربما أفهم أنه قد انقضت مدتهم، وحل بوارهم، ~~وأتى دمارهم، وأنه لا يؤمن منهم - لما هم فيه من اللد - إلا من قد آمن، ~~فحصل بذلك من الغم والحزن ما لا يعلم قدره إلا الله، لأن الأمر كان في ~~ابتدائه، ولم يسلم منهم إلا نفر يسير جدا، فسكن سبحانه الروع بقوله: { ~~ما أنزلنا } بعظمتنا { عليك } أي وأنت أعلم الخلق { القرآن } أي أعظم ~~الكتب، الجامع لكل خير، والدافع لكل ضير، الذي يسرناه بلسانك { لتشقى* } ~~أي بتعب قلبك بكونك من أقل المرسلين تابعا بعد استئصال قومك وشقائهم ~~بإنذارك { إلا } أي لكن أنزلناه { تذكرة } أي تذكيرا عظيما { لمن يخشى* ~~} ممن أشرنا في آخر التي قبلها إلى بشارته إيماء إلى أنه سيكون فيهم من ~~المتقين من تناسب كثرته إعجاز هذا القرآن ودوامه، وما فيه من الجمع ~~المشار إليه بالتعبير بالقرآن لجميع ما في الكتب السالفة من الأحكام ~~أصولا وفروعا، والمواعظ والرقائق، والمعارف والآداب، وأخبار الأولين ~~والآخرين، ومصالح الدارين، ms2860 وزيادته عليها بما شاء الله، لأن كثرة الأمة ~~على قدر جلالة الكتاب، والتعبير عن " لكن " بالإشارة إلى أنه يمكن أن ~~يكون من باب: # ولاعيب فيهم غير أن سيوفهم # بهن فلول من قراع الكتائب # وأشار بالمصدر الجاري على غير الفعل في قوله: { تنزيلا } إلى أنه يتمهل ~~عليهم ترفقا بهم، ولا ينزل هذا القرآن إلا تدريجا، إزالة لشبههم، ~~وشرحا لصدورهم، وتسكينا لنفوسهم، ومدا لمدة البركة فيهم بتردد ~~الملائكة الكرام إليهم، كما أنه لم يهلكهم بمعاصيهم اكتفاء ببينة ما في ~~الصحف الأولى، بل أرسل إليهم رسولا لئلا يقولوا: ربنا لولا - كما اقتضته ~~حكمته وتمت به كلمته، ولما كان رجوعهم إلى الدين على ما يشاهد منهم من ~~الشدة والأنفة والشماخة التي سماهم الله بها قوما لدا في غاية البعد، ~~شرع سبحانه يذكر بقدرته إشارة إلى أن القلوب بيده يقلبها كيف شاء كما ~~صورها كيف شاء، وأن شأنه الرفق والأناة، فقال ملتفتا من التكلم إلى ~~الغيبة ليدل على ما اقتضته النون من العظمة مقدما ما اقتضى الحال تقديمه ~~من سكن المدعوين المعتنى بتذكرتهم وهداية أريد منهم: { ممن خلق الأرض } ~~المنخفضة. # ولما قدم الأرض إعلاما بالاعتناء برحمها بالترفق بسكانها ليملأها ~~بالإيمان منهم تحقيقا لمقصود السورة تشريفا للمنزل عليه، أتبعها محل ~~الإنزال على سبيل الترقي من بيت العزة إلى ما كنزه في خزانة العرش فقال: ~~{ والسماوات العلى* } في ستة أيام، ولو شاء كانتا في لحظة. # ولما كان القادر قد لايكون ملكا، قال دالا على ملكه مادحا له بالقطع ~~خبرا لمبتدأ محذوف: { الرحمن } مفتتحا بالوصف المفيض للنعم العامة ~~للطائع والعاصي؛ ثم ذكر خبرا ثانيا دالا على عموم الرحمة فقال: { على ~~العرش } الحاوي لذلك كله { استوى* } أي أخذ في تدبير ذلك منفردا، فخاطب ~~العباد بما يفهمونه من قولهم: فلان استوى، أي جلس معتدلا على سرير ~~الملك، فانفرد بتدبيره وإن لم يكن هناك سرير ولا كون عليه أصلا، هذا روح ~~هذه العبارة، كما أن روح قوله عليه الصلاة والسلام الذي رواه مسلم عن عبد ~~الله بن عمرو رضي الله عنهما ms2861 # " القلوب بين إصبعين من أصابع الله يقلبها كيف شاء " # أنه سبحانه وتعالى عظيم القدرة على ذلك، وهو عليه يسير خفيف كخفته على ~~من هذا الحالة، وليس المراد أن هناك إصبعا أصلا - نبه على ذلك حجة ~~الإسلام الغزالي، ومنه أخذ الزمخشري أن يد فلان مبسوطة كناية عن جواد وإن ~~لم يكن هناك بد ولا بسط أصلا. # ولما كان الملك قد لا يكون مالكا، قال مقدما الأشرف على العادة: { له ~~ما في السماوات } أي كله من عاقل وغيره { وما في الأرض } جميعه { وما ~~بينهما } أي السماوات والأرض { وما تحت الثرى* } وهو التراب الندي، سواء ~~قلنا: إنه آخر العالم فما تحته العدم المحض أم لا؟ فبكون تحته النور أو ~~الحوت أو غيرهما. ### || [20.7-15] # ولما كان الملك لا ينتظم غاية الانتظام إلا بإحاطة العلم، وكان الملك من ~~الآدميين قد لا يعلم أحوال أقصى ملكه كما يعلم أحوال أدناه لا سيما إذا ~~كان واسعا ولذلك يختل بعض أمره، اعلم أنه سبحانه بخلاف ذلك، فقال حثا ~~على مراقبته والإخلاص له: { وإن تجهر بالقول } أي بهذا القرآن للبشارة ~~والنذارة أو لغير ذلك أو بغيره، فإنه علام به وغير محتاج إلى الجهر، فلا ~~يتكلف ذلك في غير ما أمرت بالجهر به لغرض غير الإسماع { فإنه يعلم السر } ~~وهو ما يناجي به الاثنان مخافتة { وأخفى* } من ذلك، وهو ما في الضمائر ~~مما تخيلته الأفكار ولم يبرز إلى الخارج وغيره من الغيب الذي لم يعلمه ~~غيره تعالى بوجه من الوجوه، ومنه ما سيكون من الضمائر. ولما كان من هو ~~بهذه الأوصاف من تمام العلم والقدرة ربما ظن أن له منازعا، نفى ذلك ~~بقوله معلما أن هذا الظن باطل قطعا لا شبهة له وأن ما مضى ينتج قطعا: ~~{ الله } مفتتحا بالاسم الأعظم الحاوي لصفات الكبر وغيرها { لا إله إلا ~~هو } ثم علل ذلك بقوله: { له } أي وحده { الأسماء الحسنى* } أي صفات ~~الكمال التي لا يصح ولا يتصور أن يشوبها نقص ما، بل هو متصف بها دائما ~~اتصافا حقيقيا لا يمكن انفكاكه، ms2862 كما يكون لغيره من الاتصاف ببعض ~~المحاسن في بعض الأحايين ثم يعجز عنه في وقت آخر أو بالنسبة إلى زمان ~~آخر. # ولما أتبع ذلك قصة موسى عليه السلام مصدرة باستفهام مقترن بواو عطف، ~~وأرشد ذلك إلى أن المعنى: هل تعلم له سميا، أي متصفا بأوصافه أو بشيء ~~منها له بذلك الوصف مثل فعله، ولما كان الجواب قطعا: لا، ثبت أن لا متصف ~~بشيء من أوصافه، فعطف على هذا المقدر قصة موسى عليه السلام، ويكون ~~التقدير: هل علمت بما ذكرناك به في هذه الآيات أنا نريد ما هو علينا يسير ~~بما لنا من القدرة التامة والعلم الشامل من إسعادك في الدارين تكثير ~~أجرك، وتفخيم أمرك، بتكثير أتباعك، وعطف عليه القصة شاهدا محسوسا على ~~ما له من الاتصاف بما انتفى عن غيره من الأسماء الحسنى، ولاسيما ما ذكر ~~هنا من الاتصاف بتمام القدرة والتفرد بالعظمة، وأنه يعلي هذا المصطفى ~~بإنزال هذا الذكر عليه وإيصاله منه إليه النصرة على الملوك وسائر ~~الأضداد، والتمكين في أقطار البلاد، وكثرة الأتباع، وإعزاز الأنصار ~~والوزراء والأشياع، وغير ذلك بمقدار ما بين ابتداء أمرهما من التفاوت، ~~فإن ابتداء أمر موسى عليه السلام أنه أتى النار ليقبس أهله منها نارا ~~أو يجد عندها هدى. # فمنح بذلك من هدى الدارين والنصرة على الأعداء كما سيقص هنا ما منح، ~~وهذا النبي الكريم كان ابتداء أمره أنه يذهب إلى غار حراء فيتعبد الليالي ~~ذوات العدد، ويتزود لذلك اجتذابا من الحق له قبل النبوة بمدد، تدريبا ~~له وتقوية لقلبه، فأتته النبوة وهو في مضمارها سائر، وإلى أوجها بعزمه ~~صائر بل طائر، وموسى عليه السلام رأى حين أتته النبوة آية العصا و اليد، ~~ومحمد صلى الله عليه وسلم كان قبل النبوة لا يمر بحجر ولا شجر إلا سلم ~~عليه، كما أسنده ابن إسحاق في السيرة. وروى مسلم وغيره عن جابر بن سمرة ~~رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إني لأعرف حجرا كان يسلم علي قبل أن أبعث " # فقال تعالى مقررا ms2863 تنبيها على أنه يذكر له منه ما يكفي في تسليته ~~وتقوية قلبه، وتبكيت اليهود الذين توقفوا في أمره صلى الله عليه وسلم ~~وغشوا قريشا حين تكلفوا طي شقة البين إليهم ورضوا بقولهم لهم وعليهم ~~ليكون فائدة الاستفهام أن يفرغ أذنه الشريفة للسماع وقلبه للوعي العظيم: ~~{ وهل أتاك } أي يا أشرف الخلق! { حديث موسى* } نادبا إلى التأسي بموسى ~~عليه السلام في تحمل أعباء النبوة وتكليف الرسالة والصبر على مقامات ~~الشدائد، وشارحا بذكر ما في هذه السورة من سياق قصة ما أجمل منها في ~~سورة مريم، ومقررا بما نظمه في أساليبها ما تقدم أنه مقصد السورة من أنه ~~يسعده ولا يشقيه، ويعزه على جميع شانئيه بإعزازه على أهل بلده بعد ~~إخراجهم له، كما أعز موسى عليه السلام من خرج من بلادهم خائفا يترقب، ~~ترغيبا في الهجرة ثالثا بعد ما رغب فيها أولا بقصة أصحاب الكهف ~~وثانيا بقصة أبيه إبراهيم عليه السلام، وأنه يعلي قومه على جميع أهل ~~الأرض، وينقذهم به بعد ضعفهم من كل شدة ويغني فقرهم ويجعلهم ملوك الأرض، ~~يذل بهم الجبابرة، ويهلك من علم شقاوته منهم كما فعل بقوم موسى، وأشار ~~بإنجاء موسى عليه السلام على يد عدوه وإلقائه المحبة عليه وهداية السحرة ~~دون فرعون وقومه، وعبادة بني إسرائيل العجل بعد ما رأوا من الآيات والنعم ~~والنقم، ثم رجوعهم عنها إلى عظيم قدرته على التصرف في القلوب لمن كان ~~يبخع نفسه لكفرهم بهذا الحديث أسفا، وكذا ما في قصة آدم عليه السلام من ~~قوله # فنسي ولم نجد له عزما # [طه: 115] وقوله # ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى # [طه: 122] ولعله أشار بقوله # واحلل عقدة من لساني # [طه: 27] إلى ما أنعم الله به عليه من تيسير هذا الذكر بلسانه، وأرشد ~~بدعاء موسى عليه السلام بشرح الصدر وتيسير الأمر وطلب وزيرا من أهله إلى ~~الدعاء بمثل ذلك حتى دعا المنزل عليه هذا القرآن بأن يؤيد الله الدين ~~بأحد الرجلين، فأيده بأعظم وزير: عمر بن الخطاب رضي الله عنه - كما مضى ~~هذا إلى تمام ms2864 ما اشتمل عليه سياق قصة موسى عليه السلام هنا، إتماما ~~لتبكيت اليهود على تعليمهم قريشا أن يسألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~الروح، وما ذكر معها من دقائق، من أمر قصة نبيهم صلى الله عليه وسلم، لا ~~يعلمها أحد منهم أو إلا حذاقهم، منها أن الموعد كان يوم الزينة، ومنها ~~إيمان السحرة إيمانا كاملا، ومنها التهديد بتصليبهم في جذوع النخل، ~~ومنها إلقاء السامري لأثر الرسول، فإني لم أر أحدا من اليهود يعرف ذلك، ~~وأخبرني بعض فضلائهم أنه لا ذكر لذلك عندهم. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير في برهانه: لما ذكر سبحانه قصة إبراهيم ~~عليه السلام وما منحه وأعطاه، وقصص الأنبياء بعده بما خصهم به، وأعقب ذلك ~~بقوله تعالى # أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم # [مريم: 58] وكان ظاهر الكلام تخصيص هؤلاء بهذه المناصب العلية، والدرجات ~~المنفية الجليلة لا سيما وقد اتبع ذلك بقوله # فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا # [مريم: 59] كان هذا مظنة إشفاق وخوف فاتبعه تعالى بملاطفة نبيه محمد صلى ~~الله عليه وسلم ملاطفة المحبوب المقرب المجتبى فقال { ما أنزلنا عليك ~~القرآن لتشقى } وأيضا فقد ختمت سورة مريم يقوله { وكم أهلكنا قبلهم من ~~قرن هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا } بعد قوله { وتنذر به قوما ~~لدا } وقد رأى عليه الصلاة والسلام من تأخر قريش عن الإسلام ولددها ما ~~أوجب إشفاقه وخوفه عليهم. ولا شك أنه عليه الصلاة والسلام يحزنه تأخير ~~إيمانهم، ولذلك قيل له { فلا تحزن عليهم } فكأنه عليه الصلاة والسلام ظن ~~أنه يستصعب المقصود من استجابتهم، أو ينقطع الرجاء من إنابتهم فيطول ~~العناء والمشقة، فبشره سبحانه وتعالى بقوله: { ما أنزلنا عليك القرآن ~~لتشقى } فلا عليك من لدد هؤلاء وتوقفهم، فيستجيب من انطوى على الخشية إذا ~~ذكر وحرك إلى النظر في آيات الله كما قيل له في موضع آخر # فلا يحزنك قولهم # [يونس: 65] ثم تبع ذلك سبحانه تعريفا وتأنيسا بقوله { الرحمن على ~~العرش استوى } إلى أول ms2865 قصص موسى عليه السلام، فأعلم سبحانه أن الكل خلقه ~~ملكه، وتحت قهره وقبضته لا يشذ شيء عن ملكه. فإذا شاهد آية من وفقه لم ~~يصعب أمره، ثم اتبع ذلك بقصة موسى عليه السلام، وما كان منه في إلقائه ~~صغيرا في اليم، وما جرى بعد ذلك من عجيب الصنع وهلاك فرعون وظهور بني ~~إسرائيل، وكل هذا مما يؤكد القصد المتقدم، وهذا الوجه الثاني أولى من ~~الأول - والله أعلم، انتهى. { إذ } أي حديثه حين { رأى نارا } وهو راجع ~~من بلاد مدين { فقال لأهله امكثوا } أي مكانكم واتركوا ما أنتم عليه من ~~السير؛ ثم علل أمره بقوله: { إني ءانست } أي أبصرت في هذا الظلام إبصارا ~~بينا لا شبهة فيه من إنسان العين الذي تبين به الأشياء، وهو مع ذلك مما ~~يسر من الإنس الذين هم ظاهرون ما ترك بهم { نارا } فكأنه قيل، فكان ~~ماذا؟ فقال معبرا بأداة الترجي لتخصيصه الخبر الذي عبر به في النمل ~~بالهدى: { لعلي ءاتيكم } أي أترجى أن أجيئكم { منها بقبس } أي بشعلة من ~~النار في رأس حطبة فيها جمرة تعين على برد هذه الليلة { أو أجد على } ~~مكان { النار هدى* } أي ما أهتدي به لأن الطريق كانت قد خفيت عليهم { ~~فلما أتاها }. # ولما كان في الإبهام ثم تعيين تشويق ثم تعظيم، بنى للمفعول قوله: { نودي ~~} من الهدى الذي لا هدى غيره؛ ثم بين النداء بقوله: { يا موسى* } ولما ~~كان المقام للتعريف بالأيادي تلطفا، قال مؤكدا، تنبيها له على تعرف ~~أنه كلامه سبحانه من جهة أنه يسمعه من غير جهة معينة وعلى غير الهيئة ~~التي عهدها في مكالمة المخلوقين، مسقطا الجار في قراءة ابن كثير وأبي ~~عمرو وأبي حفص بالفتح، وحاكيا بقول مقدر عند الباقين: { إني أنا ربك } ~~أي المحسن إليك بالخلق والرزق وغيرهما من مصالح الدارين { فاخلع نعليك } ~~كما يفعل بحضرات الملوك أدبا، ولتنالك بركتها ولتكون مهيأ للإقامة غير ~~ملتفت إلى ما وراءك من الأهل والولد، ولهذا قال أهل العبارة: النعل يدل ~~على الولد. # ثم علل بما يرشد إلى ms2866 أنه تعالى لا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان فقال: ~~{ إنك بالواد المقدس } أي المطهر عن كل ما لا يليق بأفنية الملوك؛ ثم ~~فسره بقوله: { طوى* } ولما كان المعنى: فإني اخترته تشريفا له من بين ~~البقاع لمناجاتك، عطف عليه قوله: { وأنا اخترتك } أي للنبوة { فاستمع } ~~أي أنصت ملقيا سمعك معملا قلبك للسماع { لما } أي اخترتك للذي، وقدم ~~استمع اهتماما به { يوحى* } أي يقال لك مني سرا مستورا عن غيرك سماعه ~~وإن كان في غاية الجهر، كما يفعل الحبيب مع حبيبه من صيانة حديثهما عن ~~ثالث بما يجعل له من الخلوة إعلاما بعلو قدره وفخامة أمره؛ ثم فسر ~~الموحى بأول الواجبات وهو معرفة الله تعالى؛ فقال مؤكدا لعظم الخبر ~~وخروجه عن العادات: { إنني أنا الله } فذكر الاسم العلم لأن هذا مقامه إذ ~~الأنسب للملطوف به - بعد التعرف إليه بالإكرام - الإقامة في مقام الجلال ~~والجمال. # ولما كان هذا الاسم العلم جامعا لجميع معاني الأسماء الحسنى التي علت ~~عن أن يتصف بها أو بشيء منها حق الاتصاف غيره تعالى، حسن تعقيبه بقوله: { ~~لا إله إلا أنا } ولما تسبب عن ذلك وجوب إفراده بالعبادة، قال: { فاعبدني ~~} أي وحدي: ثم خص من بين العبادات معدن الأنس والخلوة، وآية الخضوع ~~والمراقبة وروح الدين فقال: { وأقم الصلاة } أي التي أضاعها خلوف السوء، ~~إشارة إلى أنها المقصود بالذات من الدين، لأنها أعلى شرائعه لأنها حاملة ~~على المراقبة، بما فيها من دوام الذكر والإعراض عن كل سوء، وذلك معنى { ~~لذكري* } وذلك أنسب الأشياء لمقام الجلال، بل هي الجامعة لمظهري الجمال ~~والجلال؛ ثم علل الأمر بالعبادة بأنه لم يخلق الخلق سدى، بل لا بد من ~~إماتتهم، ثم بعثهم لإظهار العظمة ونصب موازين العدل، فقال مؤكدا ~~لإنكارهم معبرا بما يدل على سهولة ذلك عليه جدا: { إن الساعة ءاتية } ~~أي لاريب في إتيانها، فهي أعظم باعث على الطاعة. # ولما كان بيان حقيقة الشيء مع إخفاء شخصه ووقته وجميع أحواله موجبا في ~~الغالب لنسيانه والإعراض عنه، فكان غير بعيد من إخفائه أصلا ورأسا، ms2867 قال ~~مشيرا إلى هذا المعنى: { أكاد أخفيها } أي أقرب من أن أجدد إخفاءها، ~~فلذا يكذب بها الكافر بلسانه والعاصي بعصيانه فالكافر لا يصدق بكونها ~~والمؤمن لا يستعد غفلة عنها، فراقبني فإن الأمر يكون بغتة، ما من لحظة ~~إلا وهي صالحة للترقب؛ ثم بين سبب الإتيان بها بقوله: { لتجزى } أي بأيسر ~~أمر وأنفذه { كل نفس } كائنة من كانت { بما تسعى* } أي توجد من السعي في ~~كل وقت كما يفعل من أمر ناسا بعمل من النظر في أعمالهم ومجازاة كل بما ~~يستحق. ### || [20.16-32] # ولما كانت - لما تقدم - في حكم المنسي عند أغلب الناس قال: { فلا يصدنك ~~عنها } أي إدامة ذكرها ليثمر التشمير في الاستعداد لها { من لا يؤمن بها ~~} بإعراضه عنها وحمله غيره على ذلك بتزيينه بما أوتي من المتاع الموجب ~~للمكاثرة المثمرة لامتلاء القلب بالمباهاة والمفاخرة، فإن من انصد عن ذلك ~~غير بعيد الحال ممن كذب بها، والمقصود من العبارة نهي موسى عليه السلام ~~عن التكذيب، فعبر عنه بنهي من لا يؤمن عن الصد إجلالا لموسى عليه ~~السلام، ولأن صد الكافر عن التصديق سبب للتكذيب فذكر السبب ليدل على ~~المسبب، ولأن صد الكافر مسبب عن رخاوة الرجل في الدين ولين شكيمته فذكر ~~المسبب ليدل على السبب، فكأنه قيل: كن شديد الشكيمة صليب المعجم، لئلا ~~يطمع أحد في صدك وإن كان الصاد هم الجم الغفير، فإن كثرتهم تصل إلى الهوى ~~لا إلى البرهان، وفي هذا حث عظيم على العمل بالدليل، وزجر بليغ عن ~~التقليد، وإنذار بأن الهلاك والردى مع التقليد وأهله نبه عليه الكشاف. ثم ~~بين العلة في التكذيب بها والكسل عن التشمير لها بقوله: { واتبع } أي ~~بغاية جهده { هواه } فكان حاله حال البهائم التي لا عقل لها، تنفيرا عن ~~مثل حاله؛ ثم أعظم التحذير بقوله مسببا: { فتردى* } أي فتهلك، إشارة إلى ~~أن من ترك المراقبة لحظة حاد عن الدليل، ومن حاد عن الدليل هلك. # ولما كان المقام مرشدا إلى أن يقال: ما جوابك يا موسى عما سمعت؟ وكان ~~تعالى عالما بأنه ms2868 يبادر إلى الجواب بالطاعة في كل ما تقدم، طوى هذا ~~المقال مومئا إليه بأن عطف عليه قوله: { وما تلك } أي العالية المقدار { ~~بيمينك يا موسى* } مريدا - بعد تأنيسه بسؤاله عما هو أعلم به منه - ~~إقامة البينة لديه بما يكون دليلا على الساعة من سرعة القدرة على إيجاد ~~ما لم يكن، بقلب العصا حية بعد تحقق أنها عصاه يقرب النظر إليها عند ~~السؤال عنها ليزداد بذلك ثباتا ويثبت من يرسل إليهم { قال هي } أي ~~ظاهرا وباطنا { عصاي } ثم وصل به مستأنسا بلذيذ المخاطبة قوله بيانا ~~لمنافعها خوفا من الأمر بإلقائها كالنعل: { أتوكأ } أي أعتمد وأرتفق ~~وأتمكن { عليها } أي إذا أعييت أو أعرض لي ما يحوجني إلى ذلك من زلق أو ~~هبوط أو صعود أو طفرة أو ظلام ونحو ذلك؛ ثم ثنى بعد مصلحة نفسه بأمر ~~رعيته فقال: { وأهش } أي أخبط الورق، قال ابن كثير: قال عبد الرحمن بن ~~القاسم عن الإمام مالك: والهش أن يضع الرجب المحجن في الغصن ثم يحركه حتى ~~يسقط ورقه وثمره ولا يكسر العود ولا يخبط فهذا الهش، قال: وكذا قال ميمون ~~بن مهران، وقال أبو حيان: والأصل في هذه المادة الرخاوة. # يقال: رجل هش. { بها على غنمي }. # ولما كان أكمل أهل ذلك الزمان، خاف التطويل على الملك فقطع على نفسه ما ~~هو فيه من لذة المخاطبة كما قيل: اجلس على البساط وإياك والانبساط، ~~وطمعا في سماع كلامه سبحانه وتعالى، فقال مجملا: { ولي فيها مآرب } أي ~~حوائج ومنافع يفهمها الألباء. ولما كان المحدث عنه لايعقل، وأخبر عنه ~~بحمع كثرة، كان الأنسب معاملته معاملة الواحدة المؤنثة فقال: { أخرى* } ~~تاركا للتفصيل، فكأنه قيل: فماذا قيل له؟ فقيل: { قال ألقها } أي العصا، ~~وأنسه بقوله سبحانه وتعالى: { يا موسى * فألقاها } أي فتسبب عن هذا الأمر ~~المطاع أنه ألقاها ولم يتلعثم { فإذا هي } أي في الحال ظاهرا وباطنا { ~~حية } عظيمة جدا يطلق عليها لعظمعا بنهاية أمرها اسم الثعبان، والحية ~~اسم جنس يقع على الذكر والأنثى والصغير والكبير { تسعى* } سعيا خفيفا ~~يطلق عليها ms2869 لأجله في أول أمرها اسم الجان، فعن ابن عباس رضي الله عنهما ~~أنها صارت حية صفراء لها عرف كعرف الفرس، وجعلت تتورم حتى صارت ثعبانا - ~~انتهى. فهي في عظم الثعبان وسرعة الجان. # ولما كان ذلك أمرا مخيفا، استشرف السامع إلى ما يكون من حاله عند مثل ~~هذا بعد ذلك، فاستأنف إخباره بقوله: { قال } أي الله تبارك وتعالى على ما ~~يكون منها عند فرعون لأجل التدريب: { خذها ولا تخف } مشيرا إلى أنه خاف ~~منها على عادة الطبع البشري؛ ثم علل له النهي عن الخوف بقوله { سنعيدها ~~} أي بعظمتنا عند أخذك لها بوعد لا خلف فيه { سيرتها } أي طريقتها { ~~الأولى* } من كونها عصا، فهذه آية بينة على أن الذي يخاطبك هو ربك الذي ~~له الأسماء الحسنى، فنزلت عليه السكينة، وبلغ من طمأنينته أن أدخل يده في ~~فمها وأخذ بلحيتها، فإذا هي عصاه، ويده بين شعبتيها. # ولما أراه آية في بعض الآفاق، أراد أن يريه آية في نفسه فقال: { واضمم ~~يدك } من جيبك الذي يخرج منه عنقك { إلى جناحك } أي جنبك تحت العضد تنضم ~~على ما هي عليه من لونها وما بها من الحريق، وأخرجها { تخرج } فالآية من ~~باب الاحتباك، والجناح: اليد، والعضد، والأبط، والجانب - قاله في ~~القاموس، فلا يعارض هذا ما في القصص لأنه أطلق الجناح هناك على اليد وهي ~~أحق به، وهنا على الجنب الذي هو موضعها تسمية للمحل باسم الحال { بيضاء } ~~بياضا كالشمس تتعجب منه. # ولما كان البرص أبغض شيء إلى العرب، نافيا له ولغيره، ولم يسمه باسمه ~~لأن أسماعهم له مجاجة، ولأن نفي الأعم من الشيء أبلغ من نفيه بخصوصه: { ~~من غير سوء } أي مرض لا برص ولا غيره، حال كونها { آية أخرى* } افعل ما ~~أمرتك به من إلقاء العصا وضم اليد، أو فعلنا ذلك من إحالة العصا ولون ~~اليد من مناداتك لمناجاتك { لنريك } في جميع أيام نبوتك { من آياتنا ~~الكبرى* } ليثبت بذلك حنانك، ويزداد إتقانك، فكأنه قيل: لماذا يفعل بي ~~هذا؟ فقيل: لنرسلك إلى بعض المهمات { اذهب إلى ms2870 فرعون } أي لترده عن عتوه: ~~ثم علل الإرسال إلية بقوله، مؤكدا لأن طغيان أحد بالنسبة إلى شيء مما ~~للملك الأعلى مما يستبعد: { إنه طغى* } أي تجاوز حده من العبودية فادعى ~~الربوبية، وأشار إلى ما حصل له من الضيق من ذلك بما عرف من أنه أمر عظيم، ~~وخطب جسيم، يحتاج معه إلى احتمال ما لا يحتمله إلا ذو جأش رابط وصدر فسيح ~~قلب ضابط كما صرح به في سورة الشعراء - بقوله { قال رب اشرح } أي وسع { ~~لي } ولما أبهم المشروح ليكون الكلام أوكد بتكرير المعنى في طريقي ~~الإجمال والتفصيل، قال رافعا لذلك الإبهام: { صدري* } للإقدام على ذلك، ~~وإلى استصعابه بقوله: { ويسر لي } ثم بين ذلك الإبهام بقوله: { أمري* } ~~وإلى استعجازه نفسه عن الإبانة لهم عن المراد بقوله: { واحلل } ولما كان ~~المعنى هنا ما لا يحتمل غيره إذ إنه لم يسأل بقاءه في غير حال الدعوة، ~~عدل عن طريق الكلام الماضي فقال: { عقدة من لساني* } أي مما فيه من ~~الحبسة عن الإتيان بجميع المقاصد من الجمرة التي وضعها في فيه وهو عند ~~فرعون، كما نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما، ولما كان سؤاله هذا إنما هو ~~الله، ولذلك اقتصر على قدر الحاجة فلم يطلب زوال الحبسة كلها، أجابه ~~بقوله: { يفقهوا قولي* } وإلى اعتقاد صعوبة المقام مع ذلك كله بطلب ~~التأييد بنصير يهمه أمره بقوله: { واجعل لي } أي مما تخصني به؛ وبين ~~اهتمامه بالإعانة كما يقتضيه الحال فقدم قوله: { وزيرا } أي ملجأ يحمل ~~عني بعض الثقل ويعاونني { من أهلي* } لأني به أوثق لكونه علي أشفق، ثم ~~أبدل منه قوله: { هارون } وبينه بقوله: { أخي* } أي لأنه أجدر أهلي بتمام ~~مناصرتي؛ وأجاب الدعاء في قراءة ابن عامر فقال: { اشدد } بقطع الهمزة ~~مفتوحة { به أزري* } أي قوتي وظهري { وأشركه } بضم الهمزة مسندا الفعلين ~~إلى ضميره على أنهما مضارعان، وقراءة الباقين بوصل الأول وفتح همزة ~~الثاني على أنهما أمران، مسندين إلى الله تعالى على الدعاء { في أمري* } ~~أي النبوة. ### || [20.33-44] # ولما أفهم سؤاله هذا أن له ms2871 فيه أغراضا، أشار إلى أنها ليست مقصودة له ~~لأمر يعود على نفسه بذكر العلة الحقيقية، فقال: { كي نسبحك } أي بالقول ~~والفعل بالصلاة وغيرها { كثيرا* } فأفصح عن أن المراد بالمعاضدة إنما هو ~~لتمهيد الطريق إليه سبحانه. # ولما كان التسبيح ذكرا خاصا لكونه بالتنزيه الذي أعلاه التوحيد، أتبعه ~~العام فقال: { ونذكرك } أي بالتسبيح والتحميد { كثيرا } فإن التعاون ~~والتظاهر أعون على تزايد العبادة أنه مهيج للرغبات؛ ثم علل طلبه لأخيه ~~لأجل هذا الغرض بقوله: { إنك كنت بنا بصيرا* } قبل الإقامة في هذا الأمر ~~في أنك جبلتنا على ما يلائم ذكرك وشكرك، وأن التعاضد مما يصلحنا، وكل ذلك ~~تدريب لمن أنزل عليه الذكر على مثله وتذكير بنعمة تيسيره بلسانه ليزداد ~~ذكرا وشكرا. # ولما تم ذلك، كان موضع توقع الجواب، فأتبعه قوله: { قال } أي الله: { قد ~~أوتيت } بأسهل أمر { سؤلك } أي ما سألته { يا موسى } من حل عقدة لسانك ~~وغير ذلك ولو شئت لم أفعل ذلك ولكني فعلته منة مني عليك. # ولما كان إنجاؤه من فرعون يث ولد في السنة التي يذبح فيها الأبناء - ~~قالوا: وهي الرابعة من ولادة هارون عليه السلام - بيد فرعون وفي بيته ~~أمرا عظيما، التفت إلى مقام العظمة مذكرا له بذلك تنويرا لبصيرته ~~وتقوية لقلبه، إعلاما بأنه ينجيه منه الآن، كما أنجاه في ذلك الزمان، ~~ويزيده بزيادة السن والنبوة خيرا، فيجعل عزه في هلاكه كما جعل إذ ذاك ~~عزه في وجوده فقال: { ولقد مننا } أي أنعمنا إنعاما مقطوعا به على ما ~~يليق بعظمتنا { عليك } فضلا منا { مرة أخرى* } غير هذه؛ ثم ذكر وقت ~~المنة فقال: { إذ } أي حين { أوحينا } أي بما لنا من العظمة { إلى أمك } ~~أي بالإلهام { ما } يستحق لعظمته أن { يوحى* } به، ولا يعلمه إلا نبي أو ~~من هو قريب من درجة النبوة؛ ثم فسره بقوله: { أن اقذفيه } أي ألقي ابنك { ~~في التابوت } وهو الصندوق، فعلوت من التوب الذي معناه تفاؤلا به، وقال ~~الحرالي: هو وعاء ما يعز قدره، والقذف مجاز عن المسارعة إلى وضعه من غير ~~تمهل لشيء ms2872 أصلا، إشارة إلى أنه فعل مضمون السلامة كيف ما كان، والتعريف ~~لأنه نوع من الصناديق أشد الناس معرفة به بنو إسرائيل { فاقذفيه } أي ~~موسى عليه السلام عقب ذلك بتابوته، أو التابوت الذي فيه موسى عليه السلام ~~{ في اليم } أي البحر وهو النيل. # ولما كانت سلامته في البحر من العجائب، لتعرضه للغرق بقلب الريح ~~للتابوت، أو بكسره في بعض الجدر أو غيرها، أو بجريه مستقيما مع أقوى ~~جرية من الماء إلى البحر الملح وغير ذلك من الآفات، أشار إلى تحتم تنجيته ~~بلام الأمر عبارة عن معنى الخبر في قوله، جاعلا البحر كأنه ذو تمييز ~~ليطيع الأمر: { فليلقه } أي التابوت الذي فيه موسى عليه السلام أو موسى ~~بتابوته { اليم بالساحل } أي شاطىء النيل، سمي بذلك لأن الماء يسحله، أي ~~ينشره إلى جانب البيت الذي الفعل كله هربا من شر صاحبه، وهو فرعون، وهو ~~المراد بقوله: { يأخذه } جوابا للأمر، أي موسى { عدو لي } ونبه على محل ~~العجب بإعادة لفظ العدو في قوله: { وعدو له } فإنه ما عادى بني إسرائيل ~~بالتذبيح إلا من أجله { وألقيت عليك محبة } أي عظيمة؛ ثم زاد الأمر في ~~تعظيمها إيضاحا بقوله: { مني } أي ليحبك كل من رآك لما جبلتك عليه من ~~الخلال الحميدة، والشيم السديدة، لتكون أهلا لما أريدك له { ولتصنع } أي ~~تربى بأيسر أمر تربية بمن هو ملازم لك لا ينفك عن الاعتناء بمصالحك عناية ~~شديدة { على عيني* } أي مستعليا على حافظيك غير مستخفى في تربيتك من أحد ~~ولا مخوف عليك منه، وأنا حافظ لك حفظ من يلاحظ الشيء بعينه لا يغيب عنها، ~~فكان كل ما أردته، فلما رآك هذا العدو أحبك وطلب لك المراضع، فلما لم ~~تقبل واحدة منهن بالغ في الطلب، كل ذلك إمضاء لأمري وإيقافا لأمره به ~~نفسه لا بغيره ليزداد العجب من إحكام السبب، ثم ذكر ظرف الصنع فقال: { إذ ~~} أي حين { تمشي أختك } أي في الموضع الذي وضعوك به لينظروا لك مرضعة { ~~فتقول } بعد إذ رأتك، لآل فرعون: { هل أدلكم على من يكفله ms2873 } أي يقوم ~~بمصالحه من الرضاع والخدمة، ناصحا له، فقالوا: نعم! فجاءت بأمك فقبلت ~~ثديها { فرجعناك } أي فتسبب عن قولها هذا أن رجعناك { إلى أمك } حين ~~دلتهم عليها { كي تقر } أي تبرد وتسكن { عينها } وتربيك آمنة عليك غير ~~خائفة، ظاهرة غير مستخفية { ولا تحزن } بفراقك أو بعدم تربيتها لك وبذلها ~~الجهد في نفعك { وقتلت نفسا } أي بعد أن صرت رجلا من القبط دفعا عن ~~رجل من قومك فطلبت بها وأرادوا قتلك { فنجيناك } بما لنا من العظمة { من ~~الغم } الذي كان قد نالك بقتله خوفا من جريرته، بأن أخرجناك مهاجرا ~~لديارهم نحو مدين { وفتناك فتونا } أي خلصناك من محنة بعد محنة مرة بعد ~~مرة، على أنه جمع فتن أو فتنة، على ترك الاعتداد بالتاء، ويجوز أن يكون ~~مصدرا كالشكور، إذن الفتون ولادته عام الذبح وإبقاؤه في البحر ثم منعه ~~الرضاع من غير ثدي أمه ثم جره لحية فرعون، ثم تناوله الجمرة بدل الدرة، ~~ثم قتله القبطي، ثم خروجه إلى مدين في الطريق الهيع خائفا يترقب، ثم ~~إيجار نفسه عشر سنين، ثم إضلاله الطريق، ثم تفرق غنمه في ليلة مظلمة { ~~فلبثت سنين } أي كثيرة { في أهل مدين } مقيما عند نبينا شعيب عليه ~~السلام يربيك بآدابه، وصاهرته على ابنته { ثم جئت } أي الآن { على قدر } ~~أي وقت قدرته في الأزل لتكليمي لك، وهو بلوغ الأشد والاستواء، وإرسالك ~~إلى فرعون لأمضي فيه قدري الذي ذبح أبناء بني اسرائيل خوفا منه، فجئت ~~غير مستقدم ولا مستأخر { يا موسى * واصطنعتك } أي ربيتك بصنائع المعروف ~~تربية من يتكلف تكوين المربى على طريقة من الطرائق { لنفسي * } أي لتفعل ~~من مرضاتي في تمهيد شرائعي وإنفاذ أوامري ما يفعله من يصنع للنفس من غير ~~مشارك، فهو تمثيل لما حوله من منزلة التقريب والتكريم. # فلما تمهد ذلك كله بعد علم نتيجته، أعادها في قوله: { اذهب أنت } كما ~~تقدم أمري لك به { وأخوك } كما سألت { بآياتي } التي أريتك وغيرها مما ~~أظهره على يديك { ولا تنيا } أي تفترا وتضعفا { في ذكري* } الذي تقدم أنك ms2874 ~~جعلته غاية دعائك، بل لتكن - مع كونه ظرفا محيطا بجميع أمرك - في غاية ~~الاجتهاد فيه وإحضار القلب له، وليكن أكثر ما يكون عند لقاء فرعون أن ~~عبدي كل عبدي للذي يذكرني عند لقاء قرنه، فإن ذلك أعون شيء على المراد، ~~ثم بين المذهوب إليه بقوله، مؤكدا لنفس الذهاب لأنه لشدة الخطر لا يكاد ~~طبع البشر يتحقق جزم الأمر به فقال: { اذهبا إلى فرعون } ثم علل الإرسال ~~إليه بقوله، مؤكدا لما مضى، ولزيادة التعجيب من قلة عقله، فكيف بمن تبعه ~~{ إنه طغى* } ثم أمرهما بما ينبغي لكل آمر بالمعروف من الأخذ بالأحسن ~~فالأحسن والأسهل فالأسهل، فقال مسببا عن الانتهاء إليه ومعقبا: { فقولا ~~له قولا لينا } لئلا يبقى له حجة، ولا يقبل له معذرة { لعله يتذكر } ما ~~مر له من تطوير الله له في أطوار مختلفة، وحمله فيما يكره على ما لم يقدر ~~على الخلاص منه بحيلة، فيعلم بذلك أن الله ربه، وأنه قادر على ما يريد ~~منه، فيرجع عن غيه فيؤمن { أو يخشى* } أي أو يصل إلى حال من يخاف عاقبة ~~قولكما لتوهم الصدق فيكون قولكما تذكرة له فيرسل معكما بني إسرائيل، ~~ومعنى الترجي أن يكون حاله حال من يرجى منه ذلك، لأنها من ثمرة اللين في ~~الدعاء، جرى الكلام في هذا وأمثاله على ما يتعارفه العباد في محاوراتهم، ~~وجاء القرآن على لغتهم وعلى ما يعنون، فالمراد: اذهبا أنتما على رجائكما ~~وطمعكما ومبلغكما من العلم، وليس لهما أكثر من ذا ما لم يعلما، وأما علمه ~~تعالى فقد أتى من وراء ما يكون - قاله سيبويه في باب من النكرة يجري مجرى ~~ما فيه الألف واللام من المصادر والأسماء. ### || [20.45-54] # ولما كان فرعون في غاية الجبروت، وكان حاله حال من يهلكهما إلا أن ~~يمنعهما الله، وأراد علم ما يكون من ذلك { قالا ربنا } أي أيها المحسن ~~إلينا. ولما كان مضمون إخبارهما بالخوف مع كونهما من جهة الله - من شأنه ~~أن لا يكون وأن ينكر، أكد فقالا مبالغين فيه بإظهار النون الثالثة ~~إبلاغا في ms2875 إظهار الشكوى ليأتي الجبر على قدر ما يظهر من الكسر: { إننا ~~نخاف } لما هو فيه من المكنة { أن يفرط } أي يجعل { علينا } بالعقوبة قبل ~~إتمام البلاغ عجلة من يطفر ويثب إلى الشيء { أو أن يطغى* } فيتجاوز إلى ~~أعظم مما هو فيه من الاستكبار { قال لا تخافا } ثم علل ذلك بما هو مناط ~~النصرة والحيطة للولي والإهلاك للعدو، فقال مؤكدا إشارة إلى عظم الخبر، ~~وتنبيها لمضمونه لأنه خارج عن العوائد، وأثبت النون الثالثة على وزان ~~تأكيدهما: { إنني معكما } لا أغيب كما تغيب الملوك إذا أرسلوا رسلهم { ~~أسمع وأرى* } أي لي هاتان الصفتان، لا يخفى علي شيء من حال رسولي ولا ~~حال عدوه، وأنتما تعلمان من قدرتي ما لا يعلمه غيركما. # ولما تمهد ذلك، تسبب عنه تعليمهما ما يقولان، فقال مؤكدا للذهاب أيضا ~~لما مضى: { فأتياه فقولا } أي له؛ ولما كان فرعون ينكر ما تضمنه قولهما، ~~أكد سبحانه فقال: { إنا } ولما كان التنبيه على معنى المؤازرة هنا - كما ~~تقدم مطلوبا، ثنى فقال: { رسولا ربك } الذي رباك فأحسن تربيتك بعد أن ~~أوجدك من العدم، إشارة إلى تحقيره بأنه من جملة عبيد مرسلهما تكذيبا له ~~في ادعائه الربوبية، ثم سبب عن إرسالكما إليه قولكما: { فأرسل معنا } ~~عبيده { بني إسرائيل } ليعبدوه، فإنه لا يستحق العبادة غيره { ولا تعذبهم ~~} بما تعذبهم به من الاستخدام والتذبيح؛ ثم علل دعوى الرسالة بما يثبتها، ~~فقال مفتتحا بالحرف التوقع لأن حال السامع لادعاء الرسالة أن يتوقع ~~دلالة على الإرسال: { قد جئناك بآية } أي علامة عظيمة وحجة وبرهان { من ~~ربك } الذي لا إحسان عليك إلا منه، موجبة لقبول ما ادعيناه من العصا ~~واليد وغيرهما، فأسلم تسلم، وفي تكرير مخاطبته بذلك تأكيد لتبكيته في ~~ادعاء الربوبية، ونسبته إلى كفران الإحسان، فسلام عليك خاصة إن قبلت هدى ~~الله { والسلام } أي جنسه { على } جميع { من اتبع } بغاية جهده { الهدى* ~~} عامة، وإذا كان هذا الجنس عليهم كان من المعلوم أن العطب على غيرهم، ~~فالمعنى: وإن أبيت عذبت { إنا } أي لأنا { قد أوحي إلينا } من ربنا ms2876 { أن ~~العذاب } أي كله، لأن اللام للاستغراق أو الماهية، وعلى التقديرين يقتضي ~~قدر ثبوت هذا الجنس ودوامه لما تفهمه الاسمية { على } كل { من كذب وتولى* ~~} أي أوقع التكذيب والإعراض، وذلك يقتضي أنه إن كان منه شيء على مصدق ~~منقضيا، وإذا انقضى كان كأن لم يوجد، وفي صرف الكلام عنه تنبيه على أنه ~~ضال مكذب وتعليم للأدب. # ولما كان التقدير: فأتياه فقولا: إنا رسولا ربك - إلى آخر ما أمر به، ~~وتضمن قولهما أن لمرسلهما القدرة التامة والعلم الشامل، فتسبب عنه سؤاله ~~عن تعيينه، أستأنف الإخبار عن جوابه بقوله: { قال } أي فرعون مدافعا ~~لهما بالمناظرة لا بالبطش، لئلا ينسب إلى السفه والجهل: { فمن } أي تسبب ~~عن كلامكما هذا الذي لا يجترىء على مواجهتي به أحد من أهل الأرض أن ~~أسألكما: من { ربكما } الذي أرسلكما، ولم يقل: ربي، حيدة عن سواء النظر ~~وصرفا للكلام على الوجه الموضح لخزيه. # ولما كان موسى عليه السلام هو الأصل في ذلك، وكان ربما طمع فرعون بمكره ~~وسوء طريقه في حبسه تحصل في لسانه، أفرده بقوله: { يا موسى * قال } له ~~موسى على الفور: { ربنا } أي موجدنا ومربينا ومولانا { الذي أعطى كل شيء ~~} مما تراه في الوجود { خلقه } أي ما هو عليه مما هو به أليق في المنافع ~~المنوطة به، والآثار التي تتأثر عنه من الصورة و الشكل والمقدار واللون ~~والطبع وغير ذلك مما يفوت الحصر، ويجل عن الوصف. # ولما كان في إفاضة الروح من الجلالة والعظم ما يضمحل عنده غيره من ~~المفاوتة، أشار إلى ذلك بحرف التراخي فقال: { ثم هدى * } أي كل حيوان منه ~~مع أن فيها العاقل وغيره إلى جميع منافعه فيسعى لها، ومضاره فيحذرها، ~~فثبت بهذه المفاوتة والمفاصلة مع اتحاد نسبة الكل إلى الفاعل أنه واحد ~~مختار، وأن ذلك لو كان بالطبيعة المستندة إلى النجوم أو غيرها كما كان ~~يعتقده فرعون وغيره لم يكن هذا التفاوت. # ولما لم يكن لأحد بالطعن في هذا الجواب قبل لأنه لا زلل فيه ولا خلل مع ~~رشاقته واختصاره وسبقه بالجمع ms2877 إلى غاية مضماره - صرف الكلام بسرعة خوف من ~~الاتضاح، بزيادة موسى عليه السلام في الإيضاح، فيظهر الفساد من الصلاح، ~~إلى شيء يتسع فيه المجال، ولا يقوم عليه دليل، فيمكن فيه الرد، فأخبر عنه ~~سبحانه على طريق الاستئناف بقوله: { قال فما } أي تسبب عما تضمن هذا من ~~نسبة ربك إلى العلم بكل موجود أني أقول لك: فما { بال } أي خبر { القرون ~~الأولى* } الذي هو في العظمة بحيث إنه ما خالط أحدا إلى أحاله وأماله، ~~وهو وأن كان حيدة، هو من أمارات الانقطاع، غير أنه فعل راسخ القدم في ~~المكر والخداع. # ولما فهم عنه موسى عليه السلام ما أراد أن ترتب على الخوض في ذلك مما لا ~~طائل تحته من الرد والمطاولة، ولم تكن التوراة نزلت عليه إذ ذاك، وإنما ~~نزلت بعد هلاك فرعون لم يمش معه في ذلك { قال } قاطعا له عنه: { علمها ~~عند ربي } أي المحسن إلي بإرسالي وتلقيني الحجاج. # ولما كانت عادة المخلوقين إثبات الأخبار في الكتب، وكان تعالى قد وكل ~~بعباده من ملائكته من يضبط ذلك، قال مخاطبا له بما يعرفون من أحوالهم: { ~~في كتاب } أي اللوح المحفوظ. ولما كان ربما وقع في وهم واهم أن الكتاب لا ~~يكون إلاخوفا من نسيان الشيء أو الجهل بالتوصل إليه مع ذكر عينه، نفى ~~ذلك بقوله: { لا يضل ربي } أي الذي رباني كما علمت ونجاتي من جميع ما ~~قصدتموه لي من الهلاك ولم يضل عن وجه من وجوهه، ولا نسي وجها يدخل منه ~~شيء من خلل { ولا ينسى* } أي لا يقع منه نسيان لشيء أصلا من أخباره ولا ~~لغيرهم، وفي ذلك إشارة إلى تبكيت اليهود بأن ثبوت النبوة إن كان يتوقف ~~على أن يخبر النبي عن كل ما يسأل عنه لزم أن يتوقفوا في نبوة نبيهم عليه ~~السلام لأنه لم يخبر فرعون عما سأله عنه من أمر القرون؛ ثم وصل بذلك ما ~~كان فيه قبل من الدليل العقلي على وحدة الصانع واختياره فقال: { الذي جعل ~~لكم } أيها الخلائق { الأرض } أي أكثرها ms2878 { مهدا } تفترشونها، وجعل بعضها ~~جبالا لا يمكن القرار عليها، وبعضها رخوا تسرح فيه الأقدام وبعضها ~~جلدا - إلى غير ذلك مما تشاهدون فيها من الاختلاف { وسلك لكم فيها سبلا ~~} أي سهل طرقا تسلكونها في أراضي سهلة وحزنة وسطها بين الجبال والأودية ~~والرمال، وهيأ لكم فيها من المنافع من المياه والمراعي ما يسهل ذلك، وجعل ~~فيها ما لا يمكن استطراقه أصلا، من أن نسبة الكل إلى الطبيعة واحدة، ~~فلولا أن الفاعل واحد مختار لم يكن هذا التفاوت وعلى هذا النظام البديع { ~~وأنزل من السماء ماء } تشاهدونه واحدا في اللون والطعم. # ولما كان ما ينشأ عنه أدل على العظمة وأجلى للناظر وأظهر للعقول. استغرق ~~صلى الله عليه وسلم في بحار الجلال، فاستحضر أن الآمر له بهذا الكلام هو ~~المتكلم به في الحقيقة فانيا عن نفسه وعن جميع الأكوان، فعبر عن ذلك، ~~عادلا عن الغيبة إلى لفظ المتكلم المطاع بما له من العظمة بقوله: { ~~فأخرجنا } أي بما لنا من العظمة التي تنقاد لها الأشياء المختلفة { به ~~أزواجا } أي أصنافا متشاكلة ليس فيها شيء يكون واحدا لا شبيه له { من ~~نبات شتى* } أي مختلفة جدا في الألوان والمقادير والمنافع والطبائع ~~والطعوم؛ ثم أشار إلى تفصيل ما فيها من الحكمة بقوله حالا من فاعل { ~~أخرجنا }: { كلوا } أي ما دبره لكم بحكمته منها { وارعوا } أي سرحوا في ~~المراعي { أنعامكم } ما أحكمه لها ولا يصلح لكم، فكان من متقن تدبيره أن ~~جعل أرزاق العباد بعملها تنعيما لهم، وجعل علفها مما يفضل عن حاجتهم، ~~ولا يقدرون على أكله، وقد دلت هذه الأوصاف على تحققه سبحانه قطعا بأنه ~~لا يضل ولا ينسى من حيث إنه تعالى أبدع هذا العالم شاملا لكل ما يحتاجه ~~من فيه لما خلقهم له من السفر إليه والعرض عليه في جميع تقلباتهم على ~~اختلافها، وتباين أصنافها، وتباعد أوصافها، وعلى كثرتهم، وتنائي أمزجتهم، ~~ولم يدعه ناقصا من شيء من ذلك بخلاف غيره، فإنه لو عمل شيئا واجتهد كل ~~الاجتهاد في تكميله فلا بد أن يظهر له فيه ms2879 نقص ويصير يسعى في إزالته ~~وقتا بعد وقت. # ولما كمل هذا البرهان القويم، دالا على العليم الحكيم، قال منبها على ~~انتشار أنواره، وجلالة مقداره، مؤكدا لأجل إنكار المنكرين: { إن في ذلك ~~} أي الإنشاء هذه الوجوه المختلفة { لآيات } على منشئه { لأولي النهى * } ~~العقول التي من شأنها أن تنهى صاحبها عن الغي، ومن عمي عن ذلك فلا عقل ~~له أصلا لأن عقله لم ينفعه، وما لا ينفع في حكم العدم، وذكر ابن كثير ~~هنا ما عزاه ابن إسحاق في السيرة لزيد بن عمرو بن نفيل، وابن هشام لأمية ~~بن أبي الصلت: # وأنت الذي من فضل من ورحمة # بعثت إلى موسى رسولا مناديا # فقلت ألا يا اذهب وهارون فادعوا # إلى الله فرعون الذي كان باغيا # فقولا له آأنت سويت هذه # بلا وتد حتى استقلت كما هيا # وقولا له آأنت رفعت هذه # بلا عمد أرفق إذن بك بانيا # وقولا له آأنت سويت وسطها # منيرا إذا ما جنه الليل هاديا # وقولا له من يخرج الشمس بكرة # فيصبح ما مست من الزرع ضاحيا # وقولا له من ينبت الحب في الثرى # فيخرج منه البقل يهتز رابيا # ويخرج منه حبه في رؤوسه # وفي ذاك آيات لمن كان واعيا ### || [20.55-60] # ولما أخبر سبحانه وتعالى عما خلق في الأرض من المنافع الدالة على تمام ~~علمه وباهر قدرته، على وجه دال على خصوص القدرة على البعث، وكان من ~~الفلاسفة تناسخيتهم وغيرهم من يقر الله بالوحدانية ولا يقر بقول أهل ~~الإسلام: إن الروح جسم لطيف سار في الجسم سريان النار في الفحم، بل يقول: ~~إنها ليست بجسم ولا قوة في جسم ولا صورة لجسم وليست متصلة به اتصال ~~انطباع ولا حلول فيه، بل اتصال تدبير وتصرف، وأنها إذا فارقت البدن اتصلت ~~بالروحانيين من العالم العقلي الذي هو عالم المجردات وانخرطت في سلك ~~الملائكة المقربين، أو اتصلت ببعض الأجرام السماوية من كوكب أو غيره ~~كاتصالها بالبدن الأول وانقطع تعلقها به فلم تعد إليه حتى ولا يوم البعث ~~عند من يقول منهم بالحشر، وصل ms2880 بذلك قوله تعالى، يرد عليهم، معبرا ~~بالضمير الذي يعبر به الهيكل المجتمع من البدن والنفس: { منها } أي الأرض ~~لا من غيرها { خلقناكم } إذ أخرجناكم منها بالعظمة الباهرة في النشأة ~~الأولى بخلق أبيكم آدم عليه السلام { وفيها } لا في غيرها كما أنتم كذلك ~~تشاهدون { نعيدكم } بالموت كذلك أجساما وأرواحا، فتصيرون ترابا كما ~~كنتم، وللروح مع ذلك وأن كانت في عليين تعلق ببدنها بوجه ما، يدرك البدن ~~به اللذة بالتذاذها والألم بتألهما، وقد صح أن الميت يقعد في قبره ويجيب ~~سؤال الملكين عليهما السلام، لا يقدر أحد منكم أن يخلص من تلك العظمة ~~المحيطة بجليل عظمته ولا بدقيق حكمته { ومنها } لا من غيرها { نخرجكم } ~~يوم البعث بتلك العظمة بعينها { تارة أخرى* } كما بدأناكم أول مرة مثل ما ~~فعلنا في النبات سواء، فقد علم أن هذا فعل الواحد المختار، لا فعل ~~الطبائع، فمرة جعلكم أحياء من شيء ليس له أصل في الحيوانية أصلا، وكرة ~~ردكم إلى ما كنتم عليه قبل الحياة ترابا لا روح فيه ولا ما يشبهها، فلا ~~ريب أن فاعل ذلك قادر على أن يخرجكم منها أحياء كما ابتدأ ذلك، بل ~~الإعادة أهون في مجاري العادة. # ولما كان ما ذكر مما علق بالأرض من المرافق وغيره على غاية من الوضوح، ~~ليس وراءها مطمح، فكان المعنى: أرينا فرعون هذا الذي ذكرنا لكم من آياتنا ~~وغيره، وكان المقام لتعظيم القدرة، عطف عليه قوله: { ولقد أريناه } أي ~~بالعصا واليد وغيرهما مما تقدم من مقتضى عظمتنا { آياتنا } أي التي ~~عظمتها من عظمتنا { كلها } بالعين والقلب لأن من قدر على مثل ذلك فهو ~~قادر على غيره من أمثاله من خوارق العادات، لأن الممكنات بالنسبة إلى ~~قدرته على حد سواء، لا سيما والذي ذكر أمهات الآيات كما سيومأ إليه إن ~~شاء الله تعالى في سورة الأنبياء { فكذب } أي بها { وأبى* } أي أن يرسل ~~بني إسرائيل؛ وهذا أبلغ من تعديد ما ذكر في الأعراف، فكأنه قيل: كيف صنع ~~في تكذيبه وإبائه؟ فقيل: { قال } حين لم يجد مطعنا مخيلا ms2881 للقبط بما ~~يثيرهم حمية لأنفسهم لأنه علم حقية ما جاء به موسى وظهوره، وتقبل العقول ~~له، فخاف أن يتبعه الناس ويتركوه، ووهن في نفسه وهنا عظيما بتأمل ~~كلماته مفردة ومركبة يعرف مقداره: { أجئتنا لتخرجنا من أرضنا } هذه التي ~~نحن مالكوها { بسحرك يا موسى* } فخيل إلى أتباعه أن ذلك سحر، فكان ذلك - ~~مع ما ألفوه من عادتهم في الضلال - صارفا لهم عن اتباع ما رأوا من ~~البيان، ثم وصل بالفاء السببية قوله مؤكدا إيذانا بعلمه أن ما أتى به ~~موسى ينكر كل من يراه أن يقدر غيره على معارضته: { فلنأتينك } أي والإله ~~الأعظم! بوعد لا خلف فيه { بسحر مثله } تأكيدا لما خيل به؛ ثم أظهر ~~النصفة والعدل إيثاقا لربط قومه فقال: { فاجعل بيننا وبينك موعدا } أي ~~من الزمان والمكان { لا نخلفه } أي لا نجعله خلفنا { نحن ولا أنت } بأن ~~نقعد عن إتيانه. # ولما كان من الزمان والمكان لا ينفك عن الآخر قال: { مكانا } وآثر ذكر ~~المكان لأجل وصفه بقوله: { سوى * } أي عدلا بيننا، لا حرج على واحد منا ~~في قصده أزيد من حرج الآخر، فانظر هذا الكلام الذي زوقه وصنعه ونمقه ~~فأوقف به قومه عن السعادة واستمر يقودهم بأمثاله حتى أوردهم البحر ~~فأغرقهم، ثم في غمرات النار أحرقهم، فعلى الكيس الفطن أن ينقد الأقوال ~~والأفعال، والخواطر والأحول، ويعرضها على محك الشرع: الكتاب والسنة، فما ~~وافق لزمه وما لا تركه. # ولما كان مجتمع سرورهم الذي اعتادوه حاويا لهذه الأغراض زمانا ومكانا ~~وغيرهما، اختاره عليه السلام لذلك، فاستؤنف الخبر عنه في قوله تعالى: { ~~قال موعدكم } أي الموصوف { يوم الزينة } أي عيدكم الذي اعدتم الاجتماع ~~فيه في المكان الذي اعتدتموه، فآثر هنا ذكر الزمان وإن كان يتضمن المكان ~~لما فيه من عادة الجمع كما آثر فيما تقدم المكان لوصفه بالعدل { وأن يحشر ~~} بناه للمفعول لأن القصد الجمع، لا كونه من معين { الناس } أي إغراء ولو ~~بكره { ضحى* } ليستقبل النهار من أوله، فيكون أظهر لما يعمل وأجلى، ولا ~~يأتي الليل إلا وقد قضي الأمر، وعرف ms2882 المحق من المبطل، وأنتم أجمع ما ~~تكونون وأفرغ، فيكل حد المبطلين وأشياعهم، والمتكبرين على الحق وأتباعهم، ~~ويكثر المحدث بذلك الأمر العلم في كل بدو وحضر، ويشيع في جميع أهل الوبر ~~والمدر { فتولى فرعون } عن موسى إلى تهيئة ما يريد من الكيد بعد توليه عن ~~الانقياد لأمر الله { فجمع كيده } أي مكره وحيلته وخداعه، الذي دبره على ~~موسى بجمع من يحصل بهم الكيد، وهم السحرة، حشرهم من كل أوب، وكان أهل مصر ~~أسحر أهل الأرض وأكثرهم ساحرا، وكانوا في ذلك الزمان أشد اعتناء بالسحر ~~وأمهر ما كانوا وأكثر { ثم أتى * } للميعاد الذي وقع القرار عليه بمن ~~حشره من السحرة والجنود ومن تبعهم من الناس، مع توفر الدواعي على الإتيان ~~للعيد، والنظر إلى تلك المغالبة التي لم يكن مثلها. ### || [20.61-67] # ولما تشوف السامع إلى ما كان من موسى عليه السلام عند ذلك، استأنف ~~سبحانه الخبر عنه بقوله: { قال لهم } أي لأهل الكيد وهم السحرة وغيرهم { ~~موسى } حين رأى اجتماعهم ناصحا لهم: { ويلكم } يا أيها الناس الذين ~~خلقهم الله لعبادته { لا تفتروا } أي لا تتعمدوا أن تصنعوا استعلاء { على ~~الله كذبا } بجعلكم آياته العظام الثابتة سحرا لا حقيقة له، وادعائكم ~~أن ما تخيلون به حق وليس بخيال، وإشراككم به؛ وسبب عنه قوله: { فيسحتكم } ~~أي يهلككم؛ قال الرازي. وأصله الاستئصال { بعذاب } أي عظيم تظهر به ~~خيبتكم { وقد خاب } كل { من افترى * } أي تعمد كذبا على الله أو على ~~غيره { فتنازعوا } أي تجاذب السحرة { أمرهم بينهم } لما سمعوا هذا ~~الكلام، علما منهم بأنه لا يقدر أن يواجه فرعون بمثله في جميع جنوده ~~وأتباعه لم يسلم منه إلا من الله معه { وأسروا النجوى* } أي كلامهم الذي ~~تناجوا به وبالغوا في إخفائه، فإن النجوى الإسرار، لئلا يظهر فرعون ~~وأتباعه على عوارهم في اختلافهم الذي اقتضاه لفظ التنازع، فكأنه قيل: ما ~~قالوا حين انتهى تنازعهم؟ فقيل: { قالوا } أي السحرة بعد النظر وإجالة ~~الرأي ما خيلهم به فرعون تلقنا منه وتقربا إليه بما ينفر الناس عن موسى ~~وهارون عليهما ms2883 السلام ويثبطهم عن اتباعهما وإن غلبا، لأنه لا ينكر غلبة ~~ساحر على ساحر آخر: { إن هذان } أي موسى وهارون وقرىء: هاذان - بالألف، ~~على لغة من يجعل ألف المثنى لازمة في كل حال؛ قال أبو حيان: وهي لغة ~~لطوائف من العرب لبني الحارث بن كعب وبعض كنانة خثعم وزبيد وبني العنبر ~~وبني الهجيم ومراد وعذره. { لساحران } لا شك في ذلك منهما { يريدان } أي ~~بما يقولان من دعوى الرسالة وغيرها { أن يخرجاكم } أيها الناس { من أرضكم ~~} هذه التي ألفتموها، وهي وطنكم خلفا عن سلف { بسحرهما } الذي أظهراه ~~لكم وغيره. # ولما كان كل حزب بما لديهم فرحون قالوا: { ويذهبا بطريقتكم } هذه ~~السحرية التي تعبتم في تمهيدها، وأفنى فيها أسلافكم أعمارهم، حتى بلغ ~~أمرها الغاية، وبدينكم الذي به قوامكم { المثلى* } أي التي هي أمثل ~~الطرق، فيكونا آثر بما يظهرانه منها عند الناس منكم، ويصرفان وجوه الناس ~~إليها عنكم، ويبطل ما لكم بذلك من الارزاق والعظمة عند الخاص والعام وغير ~~ذلك من الأغراض { فأجمعوا كيدكم } أي لا تدعوا منه شيئا إلا جئتم به ولا ~~تختلفوا تضعفوا { ثم ائتوا } إلى لقاء موسى وهارون لمباراتهما { صفا } ~~أي متسابقين متساوين في السباق ليستعلي أمركم عليهما فتفلحوا، والاصطفاف ~~أهيب في صدور الرائين. # ولما كان التقدير: فمن أتى كذلك فقد استعلى، عطف عليه قولهم محققا: { ~~وقد أفلح اليوم } في هذا الجمع الذي ما اجتمع مثله قط { من استعلى* } أي ~~غلب ووجد علوه، أي ففعلوا ما تقدم وأتوا صفا، فلما أتوا وكانوا خبيرين ~~بأن يقولوا ما ينفعهم في مناصبة موسى عليه السلام، استؤنف الإخبار عنه ~~بقوله تعالى: { قالوا } أي السحرة منادين، لأن لين القول مع الخصم إن لم ~~ينفع لم يضر: { يا موسى إما أن تلقي } ما معك مما تناظرنا به أولا { ~~وإما أن نكون } أي نحن { أول من ألقى* } ما معه { قال } أي موسى مقابلا ~~لأدبهم بأحسن منه ولأنه فهم أن مرادهم الابتداء، وليكون هو الآخر فيكون ~~العاقبة بتسليط معجزته على سحرهم فلا يكون بعدها شك: لا ألقي أنا أولا ms2884 { ~~بل ألقوا } أنتم أولا، فانتهزوا الفرصة، لأن ذلك كان مرادهم بما أفهموه ~~من تعبير السياق والتصريح بالأول، فألقوا { فإذا حبالهم وعصيهم } التي ~~ألقوها { يخيل إليه } وهو صفينا تخييلا مبتدئا { من سحرهم } الذي كانوا ~~قد فاقوا به أهل الأرض { أنها } لشدة اضطربها { تسعى* } سعيا، وإذا كان ~~هذا حاله مع أنه أثبت الناس بصرا وأنفذهم بصيرة فما ظنك بغيرة! { فأوجس ~~} أي أضمر بسبب ذلك، وحقيقته: أوقع واجسا أي خاطرا وضميرا. # ولما كان المقام لإظهار الخوارق على يديه، فكان ربما فهم أنه أوقعه في ~~نفس أحد غيره، كان المقام للاهتمام بتقديم المتعلق، فقال لذلك لا لمراعاة ~~الفواصل: { في نفسه } أي خاصة، وقدم ما المقام له والاهتمام به فقال: { ~~خيفة موسى* } مثل ما خاف من عصاه أول ما رآها كذلك على ما هو طبع البشر، ~~وللنظر إلى الطبع عبر بالنفس لا القلب مثلا. ### || [20.68-71] # ولما كان ذلك، وكان المعلوم أن الله معه، وأنه جدير بإبطال سحرهم، ~~استأنف الخبر عنه بقوله: { قلنا } بما لنا من العظمة: { لا تخف } من شيء ~~من أمرهم ولا غيره، ثم علل ذلك بقوله، وأكده أنواعا من التأكيد لاقتضاء ~~الحال إنكار أن يغلب أحد ما أظهروا من سحرهم لعظمه: { إنك أنت } أي خاصة ~~{ الأعلى* } أي الغالب غلبة ظاهرة لا شبهة فيها { وألق } وأشار إلى يمن ~~العصا وبركتها بقوله: { ما في يمينك } أي من هذه العصا التي قلنا لك أول ~~ما شرفناك بالمناجاة { وما تلك بيمينك يا موسى } ثم أريناك منها ما ~~أريناك { تلقف } بقوة واجتهاد مع سرعة لا تكاد تدرك - بما أشار إليه حذف ~~التاء { ما صنعوا } أي فعلوه بعد تدرب كبير عليه وممارسة طويلة؛ ثم علل ~~ذلك بقوله: { إنما } أي أن الذي { صنعوا } أي أن صنعهم مما رأيته وهالنا ~~أمره. # ولما كان المقصود تحقير هذا الجيش أفرد ونكر لتنكير المضاف وتحقيره ~~فقال: { كيد ساحر } أي كيد سحري لا حقيقة له ولا ثبات، سواء كان واحدا ~~أو جمعا، ولو جمع لخيل أن المقصود العدد، ولما كان التقدير: فهم لا ~~يفلحون، عطف ms2885 عليه قوله: { ولا يفلح الساحر } أي هذا الجنس { حيث أتى* } ~~أي كيف ما سار وأيه { سلك } فإنه إنما يفعل ما لا حقيقة له، فامتثل ما ~~أمره به ربه من إلقاء عصاه، فكان ما وعده به سبحانه من تلقفها لما صنعوا ~~من غير أن يظهر عليها زيادة في ثخن ولا غيره مع أن حبالهم وعصيهم كانت ~~شيئا كثيرا، فعلم كل من رأى ذلك حقيته وبطلان ما فعل السحرة، فبادر ~~السحرة منهم إلى الخضوع لأمر الله ساجدين مبادرة من كأنه ألقاه ملق على ~~وجهه، ولذلك قال تعالى بعد أن ذكر مكرهم واجتهادهم في معارضة موسى عليه ~~الصلاة والسلام وحذف ذكر الإلقاء وما سببه من التلقف لأن مقصود السورة ~~القدرة على تليين القلوب القاسية: { فألقي السحرة } أي فألقاهم ما رأوا ~~من أمر الله بغاية السرعة وبأيسر أمر { سجدا } على وجوههم؛ قال ~~الأصبهاني: سبحان الله! ما أعظم شأنهم! ألقوا حبالهم وعصيهم للكفر ~~والجحود، ثم ألقوا رؤوسهم بعد ساعة الشكر والسجود، فما أعظم الفرق بين ~~الإلقاءين. فكأن قائلا قال: هذا فعلهم فما قالوا؟ فقيل: { قالوا آمنا } ~~أي صدقنا. # ولما كان سياق هذه السورة مقتضيا لتقديم هارون عليه السلام قال: { برب ~~هارون وموسى* } بشارة للنبي صلى الله عليه وسلم بأنه سبحانه لا يشقيه ~~بهذا القرآن بل يهدي الناس به ويذلهم له، فيجعل العرب على شماختها أذل ~~شيء لوزرائه وأنصاره وخلفائه وإن كانوا أضعف الناس، وقبائلهم أقل ~~القبائل، مع ما في ذلك من الدليل على صدق إيمانهم وخلوص ادعائهم بتقديم ~~الوزير المترجم ترقيا في درج المعرفة ممن أوصل ذلك إليهم إلى من أمره ~~بذلك ثم إلى من أرسله شكرا للمنعمين بالتدريج # " لا يشكر الله من لم يشكر الناس " # وهذا لما أوجب تقديمه هنا لا لهذا فقط، وذكروا اسم الرب إشارة إلى أنه ~~سبحانه أحسن إليهما بإعلاء شأنهما على السحرة، وعلى من كانوا يقرون ~~بالربوبية، وهو فرعون الذي لم يغن عنهم شيئا، فكانوا أول النهار سحرة، ~~وآخر شهداء بررة، وهذه الآية في أمثالها من أي هذه السور وغيرها ms2886 مما قدم ~~فيه ما يتبادر أن حقه التأخير وبالعكس لأنحاء من المعاني دقيقة، هي التي ~~حملت بعض من لم يرسخ إلى أن يقول: إن القرآن يراعي الفواصل كما يتكلف ~~بلغاء العرب السجع، وتبعه جمع من المتأخرين تقليدا، وقد عاب النبي صلى ~~الله عليه وسلم ذلك حين قال: # " سجع كسجع الجاهلية أو قال: الكهان " # وقد علم مما ذكرته أن المعنى الذي بنيت عليه السورة ما كان ينتظم إلا ~~بتقديم هارون، ويؤيد ذلك أنه قال هنا { إنا رسولا } وفي الشعراء { رسول } ~~، وقد قال الإمام فخر الدين الرازي كما حكاه عنه الشيخ أبو حيان في سورة ~~فاطر من النهر: لا يقال في شيء من القرآن: أنه قدم أو أخر لأجل السجع، ~~لأن معجزة القرآن ليست في مجرد اللفظ، بل فيه وفي المعنى، وقال القاضي ~~أبو بكر الباقلاني في كتاب إعجاز القرآن: ذهب أصحابنا كلهم إلى نفي السجع ~~من القرآن وذكره أبو الحسن الأشعري في غير موضع من كتبه، ثم رد على ~~المخالف بأن قال: والذي يقدرونه أنه سجع فهو وهم، لأنه قد يكون الكلام ~~على مثال السجع وإن لم يكن سجعا لأن السجع يتبع المعنى فيه اللفظ الذي ~~يؤدي السجع. وليس كذلك ما اتفق مما هو في تقدير السجع من القرآن، لأن ~~اللفظ يقع فيه تابعا للمعنى، وفصل بين أن ينتظم الكلام في نفسه بألفاظه ~~التي تؤدي المعنى المقصود فيه وبين أن يكون المعنى منتظما دون اللفظ. ~~ومتى ارتبط المعنى بالسجع كان إفادة السجع كإفادة غيره. ومتى انتظم ~~المعنى بنفسه دون السجع كان مستجلبا لتحسين الكلام دون تصحيح المعنى، ثم ~~استدل على ذلك بأشياء نفيسة أطال فيها وأجاد - رحمه الله، وقد تقدم في ~~آخر سورة التوبة ما ينفع جدا في هذا المرام. # ولما كان موسى عليه السلام هو المقصود بالإرسال إلى فرعون، استأنف تعالى ~~الإخبار عن فرعون عندما فجئه ذلك فقال: { قال } أي فرعون للسحرة منكرا ~~عليهم، وأضمر اسمه هنا ولم يظهره كما في الأعراف لأن مقصود السورة الرفق ~~بالمدعوين والحلم عنهم، وهو ms2887 غير متأهل لذكر اسمه في هذا المقام: { آمنتم ~~} أي بالله { له } أي مصدقين أو متبعين لموسى { قبل أن ءاذن لكم } في ~~ذلك، إبهاما بأنه سيأذن فيه ليقف الناس عن المبادرة إلى الاتباع بين خوف ~~العقوبة ورجاء الإذن؛ ثم استأنف قوله معللا مخيلا لأتباعه صدا لهم عن ~~الاقتداء بهم: { إنه لكبيركم } أي في العلم { الذي علمكم السحر } فلم ~~تتبعوه لظهور الحق، بل لإرادتكم شيئا من المكر وافقتموه عليه قبل حضوركم ~~في هذا الموطن، وهذا على عادته في تخييل أتباعه فيما يوقفهم عن اتباع ~~الحق. # ولما خيلهم، شرع يزيدهم حيرة بتهديد السحرة فقال: { فلأقطعن } أي سبب ما ~~فعلتم { أيديكم } على سبيل التوزيع { وأرجلكم } أي من كل يدا ورجلا { ~~من خلاف } فإذا قطعت اليد اليمنى قطعت الرجل اليسرى { ولأصلبنكم } وعبر ~~عن الاستعلاء بالظرف إشارة إلى تمكينهم من المصلوب فيه تمكين المظروف في ~~ظرفه فقال: { في جذوع النخل } تبشيعا لقتلكم ردعا لأمثالكم { ولتعلمن ~~أينا } أنا أورب موسى الذي قال: إنه أوحى إليه أن العذاب على من كذب ~~وتولى { أشد عذابا وأبقى* } أي من جهة العذاب، أي أينا عذابه أشد وأطول ~~زمانا. ### || [20.72-76] # ولما علموا ما خيل به على عقول الضعفاء، نبهوهم فأخبر تعالى عن ذلك ~~بقوله مستأنفا: { قالوا لن نؤثرك } أي نقدم أثرك بالاتباع لك لنسلم من ~~عذابك الزائل { على ما جاءنا } به موسى عليه السلام { من البينات } التي ~~عايناها وعلمنا أنه لا يقدر أحد على مضاهاتها. ولما بدؤوا بما يدل على ~~الخالق من الفعل الخارق، ترقوا إلى ذكره بعد معرفته بفعله، إشارة إلى ~~علي قدره فقالوا: { والذي } أي ولا نؤثرك بالاتباع على الذي { فطرنا } ~~أي ابتدأ خلقنا، إشارة إلى شمول ربوبيته سبحانه وتعالى لهم وله ولجميع ~~الناس، وتنبيها على عجز فرعون عند من استحقه، وفي جميع أقوالهم هذه من ~~تعظيم الله تعالى عبارة وإشارة وتحقير فرعون أمر عظيم. # ولما تسبب عن ذلك أنهم لا يبالون به، علما بأن ما فعله فهو بإذن الله، ~~قالوا: { فاقض ما } أي فاصنع في حكمك الذي { أنت قاض ms2888 } ثم عللوا ذلك ~~بقولهم: { إنما تقضي } أي تصنع بنا ما تريد أن قدرك الله عليه { هذه ~~الحياة الدنيا* } أي إنما حكمك في مدتها على الجسد خاصة، فهي ساعة تعقب ~~راحة، ونحن لانخاف إلا ممن يحكم على الروح وإن فني الجسد، فذاك هو الشديد ~~العذاب، الدائم الجزاء بالثواب أو العقاب، ولعلهم أسقطوا الجار تنزلا ~~إلى أن حكمه لو فرض أنه يمتد إلى آخر الدنيا لكان أهلا لأن لا يخشى لأنه ~~زائل وعذاب الله باق. ثم عللوا تعظيمهم لله واستهانتهم بفرعون بقولهم: { ~~إنا ءامنا بربنا } أي المحسن إلينا طول أعمارنا مع إساءتنا بالكفر وغيره ~~{ ليغفر لنا } من غير نفع يلحقه بالفعل أو ضرر يدركه بالترك { خطايانا } ~~التي قابلنا بها إحسانه: ثم خصوا بعد العموم فقالوا: { وما أكرهتنا عليه ~~} وبينوا ذلك بقولهم: { من السحر } لتعارض به المعجزة، فإن كان الأكمل ~~لنا عصيانك فيه لأن الله أحق بأن يتقى. روي أن الذي كان من القبط من ~~السحرة اثنان فقط، والباقون من بني إسرائيل أكرههم فرعون على تعلم السحر، ~~وروي أنهم رأوا موسى عليه السلام نائما وعصاه تحرسه فقالوا لفرعون إن ~~الساحر إذا نام بطل سحره، فهذا لا يقدر على معارضته، فأبى عليهم وأكرههم ~~على المعارضة. # ولما كان التقدير: فربنا أهل التقوى وأهل المغفرة، عطفوا عليه مستحضرين ~~لكماله: { والله } أي الجامع لصفات الكمال { خير } جزاء منك فيما وعدتنا ~~به { وأبقى* } ثوابا وعقابا، والظاهر أن الله تعالى سلمهم من فرعون، ~~ويؤيده قوله تعالى # أنتما ومن اتبعكما الغالبون # [القصص: 35] - قاله أبو حيان. وسيأتي في آخر الحديد ما هو صريح في ~~نجاتهم؛ ثم عللوا هذا الختم بقولهم: { إنه من يأت ربه } أي الذي رباه ~~وأحسن إليه بأن أوجده وجعل له جميع ما يصلحه { مجرما } أي قاطعا ما ~~أمره به أن يوصل { فإن له جهنم } دار الإهانة { لا يموت فيها } أبدا مع ~~شدة عذابها. # بخلاف عذابك الذي إن اشتد أمات فزال سريعا، وإن خف لم يخف وكان آخره ~~الموت وإن طال { ولا يحيى * } فيها حياة ينتفع بها { ومن يأته ms2889 } أي ربه ~~الذي أوجده ورباه { مؤمنا } أي مصدقا به. # ولما قدم أن مجرد الكفر يوجب العذاب. كان هذا محلا يتوقع فيه الإخبار ~~عن الإيمان بمثل ذلك فقال: { قد } أي ضم إلى ذلك تصديقا لإيمانه أنه { ~~عمل } أي في الدنيا { الصالحات } التي أمر بها فكأن صادق الإيمان مستلزم ~~لصالح الأعمال { فأولئك } أي العالو الرتبة { لهم } أي لتداعي ذواتهم ~~بمقتضى الجبلة { الدرجات العلى* } التي لا نسبة لدرجاتك التي وعدتنا بها ~~منها؛ ثم بينوها بقولهم: { جنات عدن } أي أعدت للإقامة وهيئت فيها ~~أسبابها { تجري من تحتها الأنهار } أي من تحت غرفها وأسرتها وأرضها؛ فلا ~~يراد موضع منها لأن يجري فيه نهر إلا جرى؛ ثم بين بقوله: { خالدين فيها } ~~أن أهلها هيئوا أيضا للإقامة. # ولما أرشد السياق والعطف على غير معطوف عليه ظاهر إلى أن التقدير: ذلك ~~الجزاء العظيم والنعيم المقيم جزاء الموصوفين، لتزكيتهم أنفسهم، عطف عليه ~~قوله: { وذلك جزاء } كل { من تزكى* } أي طهر نفسه بما ذكر من الإيمان ~~والأعمال الصالحة، وفي هذا تسلية للصحابة رضوان الله عليهم فيما كان يفعل ~~بهم عند نزول هذه السورة إذ كانوا مستضعفين. ### || [20.77-81] # ولما بين سبحانه استكبار فرعون المدعى في قوله { فكذب وأبى } وختمه ~~سبحانه بأنه يهلك العاصي كائنا من كان، وينجي الطائع، أتبع ذلك شاهدا ~~محسوسا عليه كفيلا ببيان أنه لم يغن عن فرعون شيء من قوته ولا ~~استكباره، فقال عاطفا على " ولقد أريناه آياتنا ": { ولقد أوحينا } أي ~~بعظمتنا لتسهيل ما يأتي من الأمور الكبار { إلى موسى } غير مكترثين لشيء ~~من أقوال فرعون ولا أفعاله، وهذا الإيحاء بعد ما تقدم من أمر السحرة بمدة ~~مديدة جرت فيها خطوب طوال كانت بسببها الآيات الكبار، وكأنها حذفت لما ~~تدل عليه من قساوة القلوب، والمراد هنا الانتهاء لما تقدم من مقصود ~~السورة { أن أسر } أي ليلا، لأن السري سير الليل؛ وشرفهم بالإضافة إليه ~~فقال: { بعبادي } أي بني إسرائيل الذين لفت قلب فرعون حتى أذن في مسيرهم ~~بعد أن كان قد أبى أن يطلقهم أو يكف عنهم العذاب، فاقصد ms2890 بهم ناحية بحر ~~القلزم { فاضرب لهم } أي اعمل بضرب البحر بعصاك، ولذلك سماه ضربا. # ولما كان ضرب البحر بالعصا سببا لوجود الطريق الموصوفة، أوقع الفعل ~~عليها فقال: { طريقا في البحر } ووصفها بالمصدر مبالغة فقال: { يبسا } ~~حال كونها أو كونك { لا تخاف } والمراد بها الجنس، فإنه كان لكل سبط ~~طريقا { دركا } أي أن يدركك شيء من طغيان البحر أو بأس العدو أو غير ~~ذلك. # ولما كان الدرك مشتركا بين اللحاق والتبعة، أتبعه بقوله: { ولا تخشى* } ~~أي شيئا غير ذلك أصلا إنفاذا لأمري وإنقاذا لمن أرسلتك لاستنقاذهم، ~~وسوقه على هذا الوجه من إظهار القدرة والاستهانة بالمعاند مع كبريائه ~~ومكنته استدلالا شهوديا على ما قرر أول السورة من شمول القدرة وإحاطة ~~العلم للبشارة بإظهار هذا الدين بكثرة الأتباع وإبارة الخصوم والإسعاد ~~برد الأضداد وجعل بغضهم ودا، وإن كانوا قوما لدا؛ ثم أتبع ذلك قوله ~~عطفا على ما تقديره: فبادر امتثال الأمر في الإسراء وغيره: { فأتبعهم } ~~أي أوجد التبع والمسير وراء بني إسرائيل على ذلهم وضعفهم { فرعون بجنوده ~~} على كثرتهم وقوتهم وعلوهم وعزتهم، فكانوا كالتابع الذي لا معنى له بدون ~~متبوعه { فغشيهم } أي فرعون وقومه { من اليم } أي البحر الذي من شأنه أن ~~يؤم؛ وأوجز فهول فقال: { ما غشيهم * } أي أمر لا تحتمل العقول وصفه حق ~~وصفه، فأهلك أولهم وآخرهم؛ وقطع دابرهم، لم يبق منهم أحدا، وما شاكت ~~أحدا من عبادنا المستضعفين شوكة { وأضل فرعون } على تحذلقه { قومه } مع ~~ما لهم من قوة الأجساد ومعانيها. # ولما كان إثبات الفعل لا يفيد العموم، نفى ضده ليفيده مع كونه أوكد ~~وأوقع في النفس وأروع لها فقال: { وما هدى* } أي ما وقع منه شيء من ~~الهداية، لا لنفسه ولا لأحد من قومه، فتم الدليل الشهودي على تمام القدرة ~~على إنجاء الطائع وإهلاك العاصي. # ولما كان هذا موجبا للتشوف إلى ما وقع لبني إسرائيل بعده، قال تعالى ~~شافيا لهذا الغليل، أقبلنا على بني إسرائيل ممتنين بما مضى وما يأتي ~~قائلين: { يا بني إسرائيل } معترفين لهم أنا نظرنا إلى ms2891 السوابق فأكرمناهم ~~لأجل أبيهم. # ولما كان درء المفاسد وإزالة الموانع قبل جلب المصالح واستدرار المنافع ~~قال: { قد أنجيناكم } بقدرتنا الباهرة { من عدوكم } الذي كنتم أحقر شيء ~~عنده. # ولما تفرغوا لإنفاذ ما يراد منهم من الطاعة قال: { وواعدناكم } أي كلكم ~~- كما مضى في البقرة عن نص التوراة - للمثول بحضرتنا والاعتزاز بمواطن ~~رحمتنا { جانب الطور الأيمن } أي الذي على أيمانكم في توجهكم هذا الذي ~~وجوهكم فيه إلى بيت أبيكم إبراهيم عليه السلام، وهو جانبه الذي يلي البحر ~~وناحية مكة واليمن. # ولما بدأ بالمنفعة الدينية، ثنى بالمنفعة الدنيوية فقال: { ونزلنا عليكم ~~} بعد إنزال هذا الكتاب في هذه المواعدة لإنعاش أرواحكم { المن والسلوى* ~~} لإبقاء أشباحكم، فبدأ بالإنجاء الممكن من العبادة، ثم أتبعه بنعمة ~~الكتاب الدال عليها، ثم بالرزق المقوي، ودل على نعمة الإذن فيه بقوله: { ~~كلوا } ودل على سعته بقوله: { من طيبات ما } ودل على عظمته بقوله: { ~~رزقناكم } من ذلك ومن غيره. # ولما كان الغنى والراحة سبب السماحة، قال: { ولا تطغوا فيه } بالادخار ~~إلى غد في غير يوم الجمعة ولا بغير ذلك من البطر وإغفال الشكر بصرفه في ~~غير الطاعة { فيحل } أي ينزل ويجب في حينه الذي هو أولى الأوقات به - على ~~قراءة الجماعة بالكسر، ونزولا عظيما وبروكا شديدا - على قراءة ~~الكسائي بالضم { عليكم غضبي } فتهلكوا لذلك { و } كل { من يحلل عليه غضبي ~~} منكم ومن غيركم { فقد هوى* } أي كان حاله حال من سقط من علو. ### || [20.82-86] # ولما كان الإنسان محل الزلل وإن اجتهد، رجاه واستعطفه بقوله: { وإني ~~لغفار } أي ستار بإسبال ذيل العفو { لمن تاب } أي رجع عن ذنوبه من الشرك ~~وما يقاربه { وءامن } بكل ما يجب الإيمان به { وعمل صالحا } تصديقا ~~لإيمانه. # ولما كانت رتبة الاستمرار على الاستقامة في غاية العلو، عبر عنها بأداة ~~التراخي فقال: { ثم اهتدى* } أي استمر على العمل الصالح متحريا به ~~إيقاعه على حسب أمرنا وعلى أقرب الوجوه المرضية لنا، له إلى ذلك غاية ~~التوجه كما يدل عليه صيغة افتعل، وكأنه لما رتب الله سبحانه منازل قوم ~~موسى ms2892 عليه السلام عامة والسبعين المختارين منهم خاصة في الجبل - كما مضى ~~عن نص التوراة في سورة البقرة، وواعده الكلام بعد ثلاثين ليلة ولم يعين ~~له أولها، وكأنه لاشتياقه إلى ما رأى من التعرف إليه بمقام الجمال لم ~~يتوقف على خصوص إذن من الله تعالى في أول وقت الإتيان اكتفاء بمطلق الأمر ~~السابق في الميعاد، فتعجل بعشرة أيام عن الوقت الذي علم الله أن الكلام ~~يقع فيه بعد الثلاثين التي ضربها لذلك، وأمر موسى عليه السلام قومه عند ~~نهوضه، وتقدم إليهم في اتباعه والكون في أثره للحلول في الأماكن التي ~~حدها الله لهم وأمر السبعين المختارة بمثل ذلك، وكأنهم لما مضى تلبثوا ~~لما رأوا من مقام الجلال، فلما مضت الثلاثون بعد ذهاب موسى لم يكن أتى ~~الوقت الذي أراد الله أن تكون المناجاة فيه، فزاده عشرا فظن بنو اسرائيل ~~الظنون في تلك العشرة، ووقع لهم ما وقع من اتخاذ العجل. # ولما كان ذلك - والله أعلم بما كان، وكان أعظم ما مضى في آية الامتنان ~~عليهم والتعرف بالنعم إليهم المواعدة لهدايتهم بالآيات المرئية ~~والمسموعة، وختم ذلك بالإشارة إلى الاجتهاد في الإقبال على الهدى، أتبع ~~ذلك ذكر ضلالهم بعد رؤية ما يبعد معه كل البعد إلمام من رآه بشيء من ~~الضلال، كل ذلك لإظهار القدرة التامة على التصرف في القلوب بضد ما يظن ~~بها، وكان تنجز المواعيد ألذ شيء للقلوب وأشهاه إلى النفوس، وكان السياق ~~مرشدا حتما إلى أن التقدير: فأتوا إلى الطور لميعادنا، وتيمموا جانبه ~~الأيمن بأمرنا ومرادنا، وتعجل موسى صفينا الصعود فيه مبادرا لما عنده من ~~الشوق إلى ذلك المقام الشريف وتأخر مجيء قومه عن الإتيان معه، فقلنا: ما ~~أخر قومك عن الأتيان معك؟ فعطف عليه قوله: { وما أعجلك } أي أي شيء أوجب ~~لك العجلة في المجيء { عن قومك } وإن كنت بادرت مبادرة المبالغ في ~~الاسترضاء، أما علمت أن حدود الملوك لا ينبغي تجاوزها بتقدم أو تأخر؟ { ~~يا موسى* } فهلا أتيتم جمله وانتظرتم أمرا أمرا جديدا بخصوص الوقت ~~الذي استحضركم فيه ms2893 { قال } موسى ظنا منه أنهم أسرعوا وراءه: { هم } وأتى ~~باسم الإشارة وأسقط منه هاء التنبيه لأنه لا يليق بخطاب الله، قال ابن ~~هبيرة: ولم أر أحدا من الأصفياء خاطب ربه بذلك، وإنما خاطب به الكفار ~~لغباوتهم # قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعو من دونك # [النحل: 86] في أمثالها وأما آخر الزخرف فقد ذكر التعبير بها في موضعه { ~~أولاء } أي هم في القرب بحيث يسار إليهم، كائنين { على أثري } أي ماشين ~~على آثار مشيي قبل أن ينطمس لم أسبقهم إلا بشيء جرت العادة في السبق ~~بمثله بين الرفاق، هذا بناء منه على ما كان عهد إليهم، وأكد فيه عليهم: ~~ثم اعتذر عن فعله فقال: { وعجلت } أنا بالمبادرة { إليك } وجرى على عادة ~~أهل القرب كما يحق له فقال: { رب } أي أيها المسارع في إصلاح شأني ~~والإصلاح إلي { لترضى* } عني رضا أعظم مما كان { قال } الرب سبحانه: { ~~فإنا } أي قد تسبب عن عجلتك عنهم أنا { قد فتنا } أي خالطنا بعظمتنا ~~مخالطة مميلة محيلة { قومك } بتعجلك. # ولما كانت الفتنة لم تستغرق جميع الزمن الذي كان بعده، وإنما كانت في ~~بعضه، أدخل الجار فقال: { من بعدك } أي خالطناهم بأمر من أمرنا مخالطة ~~أحالتهم عما عهدتهم عليه، وكان ذلك بعد تمام المدة التي ضربتها لهم، وهي ~~الثلاثون بالفعل وبالقوة فقط، من أول ما فارقتهم بضربك لتلك المدة ~~باعتبار أن أول إتيانك هو الذي كان سبب الفتنة لزيادة أيام الغيبة بسببه ~~لأنا زدنا في آخر المدة بمقدار ما عجلت به في أولها، فلما تأخر رجوعك ~~إليهم حصل لهم الفتون بالفعل، فظنوا مرجمات الظنون. # ولما عمتهم الفتنة إلا اثني عشر ألفا من أكثر من ستمائة ألف، أطلق ~~الضلال على الكل فقال: { وأضلهم السامري* } أي عن طريق الرشد بما سبب ~~لهم؟ روى النسائي في التفسير من سننه، وأبو يعلى في مسنده وابن جرير وابن ~~أبي حاتم في تفسيريهما عن ابن عباس رضي الله عنهما في حديث الفتون أن ~~موسى عليه السلام لما وعده ربه أن يكلمه استخلف على قومه ms2894 أخاه هارون عليه ~~السلام، وأجلهم ثلاثين يوما، وذهب فصامها ليلها ونهارها، ثم كره أن يكلم ~~ربه وريح فمه متغير، فمضغ شيئا من نبات الأرض فقال له ربه: أوما علمت أن ~~ريح الصائم أطيب من ريح المسك؟ ارجع فصم عشرا، فلما رأى قوم موسى أنه لم ~~يرجع إليهم ساءهم ذلك، وكان هارون قد خطبهم وقال: إنكم خرجتم من مصر، ~~ولقوم فرعون عندكم عواري وودائع، ولكم فيها مثل ذلك، وأنا أرى أن تحسبوا ~~ما لكم عندهم، ولا أحل لكم وديعة استودعتموها ولا عارية، ولسنا برادين ~~إليهم شيئا من ذلك ولا ممسكيه لأنفسنا، فحفر حفيرا وأمر كل قوم عندهم ~~من ذلك من متاع أو حلية أن يقذفوه في ذلك الحفير، ثم أوقد النار فأحرقه ~~فقال: لا يكون لنا ولا لهم، وكان السامري من قوم يعبدون البقر، جيران ~~لبني إسرائيل ولم يكن من بني إسرائيل، فاحتمل مع موسى وبني إسرائيل حين ~~احتملوا، فقضى له أن رأى أثرا فقبض منه قبضة فمر بهارون فقال له هارون ~~عليه السلام: يا سامري! ألا تلقي ما في يدك - وهو قابض عليه لا يراه أحد ~~طوال ذلك اليوم، فقال هذه قبضة من أثر الرسول الذي جاوز بكم البحر، ولا ~~ألقيها لشيء إلا أن تدعو الله إذا ألقيتها أن يكون ما أريد، فألقاها ودعا ~~له هارون، فقال: أريد أن يكون عجلا، فاجتمع ما كان في الحفرة من متاع أو ~~حلية أو نحاس أو حديد، فصار عجلا أجوف ليس فيه الروح، له خوار، قال ابن ~~عباس رضي الله عنهما: لا والله! ما كان له صوت قط، إنما كانت الريح تدخل ~~في دبره فتخرج من فيه، فكان ذلك الصوت من ذلك، فتفرق بنو إسرائيل فرقا، ~~فقالت فرقة: يا سامري! ما هذا وأنت أعلم به؟ قال: هذا ربكم، ولكن موسى ~~أضل الطريق، فقالت فرقة: لا نكذب بهذا حتى يرجع إلينا موسى. # فإن كان ربنا لم نكن ضيعناه وعجزنا فيه حين رأيناه، وإن لم يكن ربنا ~~فإنا نتبع موسى، وقالت فرقة: هذا عمل الشيطان، ms2895 وليس بربنا، ولن نؤمن به ~~ولن نصدق، وأشرب فرقة في قلوبهم الصدق بما قال السامري في العجل وأعلنوا ~~التكذيب به - الحديث. # ثم سبب عن إخباره سبحانه له بذلك قوله: { فرجع موسى } أي لما أخبره ربه ~~بذلك { إلى قومه } أي الذين لهم قوة عظيمة على ما يحاولونه { غضبان ~~أسفا* } أي شديد الحزن أو الغضب؛ واستأنف قوله: { قال } لقومه لما رجع ~~إليهم مستعطفا لهم: { يا قوم } وأنكر عليهم بقوله: { ألم يعدكم ربكم } ~~الذي طال إحسانه إليكم { وعدا حسنا } أي بأنه ينزل عليكم كتابا ~~حافظا، ويكفر عنكم خطاياكم، وينصركم على أعدائكم - إلى غير ذلك من ~~إكرامه. # ولما جرت العادة بأن طول الزمان ناقض للعزائم، مغير للعهود، كما قال أبو ~~العلاء أحمد بن سليمان المعري في هذا البيت: # لا أنسينك إن طال الزمان بنا # وكم حبيب تمادى عهده فنسي # وكان عليه الصلاة والسلام قريب العهد بهم، أنكر طول العهد بقوله، ~~مستأنفا عما تقديره: هل ترك ربكم مواعيده لكم وقطع معروفه عنكم: { أفطال ~~عليكم العهد } أي زمن لطفه بكم، فتغيرتم عما فارقتكم عليه كما يعتري أهل ~~الرذائل الانحلال في العزائم لضعف العقول وقلة التدبر { أم أردتم } ~~بالنقض مع قرب العهد وذكر الميثاق { أن يحل عليكم } بسبب عبادة العجل { ~~غضب من ربكم } أي المحسن إليكم، وكلا الأمرين لم يكن، أما الأول فواضح، ~~وأما الثاني فلا يظن بأحد إرادته، والحاصل أنه يقول: إنكم فعلتم ما لا ~~يفعله عاقل { فأخلفتم } أي فتسبب عن فعلكم ذلك أن أخلفتم { موعدي* } في ~~إجلال الله والإتيان إلى الموضع الذي ضربه لكم لكلامه لي وإنزال كتابه ~~علي إحسانا إليكم وإقبالا عليكم، وكأنه أضاف الموعد إليه أدبا مع ~~الله تعالى وإعظاما له، أو أنه لما كان إخلاف الموعد المؤكد المعين الذي ~~لا شبهة فيه، لما نصب عليه من الدلائل الباهرة، وأوضحه من البراهين ~~الظاهرة، لا يكون إلا بنسيان لطول العهد، أو عناد بسوء قصد، وكان من أبلغ ~~المقاصد وأوضح التقرير إلجاء الخصم بالسؤال إلى الاعتراف بالمراد، سألهم ~~عن تعيين أحد الأمرين مع أن طول ms2896 العهد لا يمكن ادعاؤه، فقال ما معناه: ~~أطال عليكم العهد بزيادة عشرة أيام فنسيتم فلم يكن عليكم في الإخلاف ~~جناح؟ أم أردتم أن يحل عليكم الغضب فعاندتم؟ فكانت الآية من الاحتباك: ~~ذكر طول العهد الموجب للنسيان أولا دليل على حذف العناد ثانيا، وذكر ~~حلول الغضب ثانيا دليل على انتفاء الجناح أولا، وسر ذلك أن ذكر السبب ~~الذي هو طول العهد أدل على النسيان الذي هو المسبب، وإثبات الغضب - وهو ~~المسبب - أنكأ من إثبات سببه الذي هو العناد. ### || [20.87-94] # ولما تشوف السامع إلى جوابهم، استأنف ذكره فقال: { قالوا }: لم يكن شيء ~~من ذلك. # ولما كان المقصود من هذا السياق كله إظهار عظيم القدرة، عبر عن ذلك ~~بقوله، حكاية عنهم للاعتراف بما قررهم موسى عليه السلام به من العناد ~~معتذرين عنه بالقدرة، والاعتذار به لا يدفع العقوبة المرتبة على الذنب: { ~~ما أخلفنا موعدك بملكنا } أي لقد صدقت فيما قلت، ولكنا لم نفعل ذلك ونحن ~~بملك أمرنا - هذا على قراءة الجماعة بالكسر، وعلى قراءة نافع وعاصم ~~بالفتح المعنى: ولنا ملكة نتصرف بها في أنفسنا، وعلى قراءة حمزة والكسائي ~~بالضم كأنهم قالوا: ولنا سلطان قاهر لأمورنا - على أنهم قد ذكروا أن ~~القراءات الثلاث لغات لمعنى واحد، قال في القاموس: ملكه يملكه ملكا ~~مثلثة: احتواه قادرا على الاستبداد به، والمعنى أن السامري زين لهم ذلك، ~~ووسوس به الشيطان فما دورا إلا وقد تبعوه حتى كانوا كأنهم يقادون إليه ~~بالسلاسل، وقيل هذا كلام من لم يعبده، اعتذروا بأنهم كانوا قليلا، لا ~~قدرة لهم على مقاومة من عبده، وهذا كله إشارة إلى أنه تعالى هو المتصرف ~~في القلوب، فهو قادر على أن يرد كفار قريش والعرب من بعد عنادهم، ولددهم ~~وفسادهم { ولكنا } كنا { حملنا أوزارا } أي أثقالا من النقدين هي أسباب ~~الآثام، كما تقدم في الأعراف أن الله أمرهم في التوراة أن يستعيروها من ~~القبط فخربوهم بها، وكأن هذا ما كان خيانة في ذلك الشرع، أو أن الله ~~تعالى أباح لهم ذلك في القبط خاصة { من زينة ms2897 القوم } الذين لم نكن نعرف ~~قوما غيرهم، وغيرهم ليس حقيقا بإطلاق هذا اللفظ عليه وهم القبط، فقضى ~~لنا أن نقذفها في النار، وتوفرت الدواعي على ذلك واشتدت بحيث لم نتمالك { ~~فقذفناها فكذلك } أي فتعقب هذا أنه مثل ذلك الإلقاء { ألقى السامري* } ~~وهو لصيق انضم إليهم من قبط مصر، ألقى ما كان معه، أما من المال وإما من ~~أثر الرسول، كما مضى ويأتي، وكأن إلقاءه كان آخرا. # ولما كان خروج التمثال عقب إلقاءه، حعل كأنه المتسبب في ذلك، فقيل مع ~~العدول عن أسلوب التكلم استهجانا لنسبة أمر العجل إلى المتكلم: { فأخرج ~~لهم } أي لمن شربه وعبده، وجعل الضمير للغيبة يؤيد قول من جعل هذا كلام ~~من لم يعبد العجل، والمعنى عند من جعله من كلام العابدين أنهم دلوا بذلك ~~على البراءة منه والاستقذار له. # ولما كان شديد الشبه للعجول، قيل: { عجلا } وقدم قوله: { جسدا } لنعرف ~~أن عجليته صورة لا معنى - على قوله: { له خوار } لئلا يسبق إلى وهم أنه ~~حي، فتمر عليه لمحة على اعتقاد الباطل { فقالوا } أي فتسبب عن ذلك أن ~~السامري قال فتابعه عليه من أسرع في الفتنة أول ما رآه: { هذا } مشرين ~~إلى العجل الذي هو على صورة ما هو مثل في الغباوة { إلهكم وإله موسى * ~~فنسى * } أي فتسبب عن أنه إلهكم أن موسى نسي - بعدوله عن هذا المكان - ~~موضعه فذهب يطلبه في مكان غيره، أو نسي أن يذكره لكم. # ولما كان هذا سببا للإنكار على من قال هذا، قال: { أفلا يرون } أي ~~أقالوا ذلك؟ فتسبب قولهم عن عماهم عن رؤية { أن } أي أنه { لا يرجع إليهم ~~قولا* } والإله لا يكون أبكم { ولا يملك لهم ضرا } فيخافوه كما كانوا ~~يخافون فرعون فيقولوا ذلك خوفا من ضره { ولا نفعا* } فيقولوا ذلك رجاء ~~له. # ولما كان الذنب مع العلم أبشع، والضلال بعد البيان أشنع، قال عاطفا على ~~قوله { قال يا قوم ألم يعدكم } أو على قوله " قالوا ما أخلفنا ": { ولقد ~~قال لهم هارون } أي مع أن من لم يعبده لم ms2898 يملكوا رد من عبده. # ولما كان قولهم في بعض ذلك الزمان، قال: { من قبل } أي من قبل رجوع ~~موسى، مستعطفا لهم: { يا قوم } ثم حصر أمرهم ليجتمع فكرهم ونظرهم فقال: ~~{ إنما فتنتم } أي وقع اختباركم فاختبرتم في صحة إيمانكم وصدقكم فيه ~~وثباتكم عليه { به } أي بهذا التمثال في إخراجه لكم على هذه الهيئة ~~الخارقة للعادة. وأكد لأجل إنكارهم فقال: { وإن ربكم } أي الذي أخرجكم من ~~العدم ورباكم بالإحسان { الرحمن } وحده الذي فضله عام ونعمه شاملة، فليس ~~على البر ولا فاجر نعمة إلا وهي منه قبل أن يوجد العجل، وهو كذلك بعده. ~~ومن رحمته قبول التوبة، فخافوا نزع نعمه بمعصيته، وارجوا إسباغها بطاعته ~~{ فاتبعوني } بغاية جهدكم في الرجوع إليه { وأطيعوا أمري* } في دوام ~~الشرف بالخضوع لديه، ودوام الإقبال عليه، بدفع عنكم ضيره، ويفض عليكم ~~خيره. # ولما كان هذا موضع أن يسأل من جوابهم لهذا الأمر الواضح الذي لا غبار ~~عليه، قيل: { قالوا } بفظاظة وجمود: { لن نبرح عليه } أي على هذا العجل { ~~عاكفين } أي مقيمين مستديرين مجتمعين وإن حاربنا في ذلك { حتى يرجع إلينا ~~موسى* } فدافعهم، فهموا به، وكان معظمهم قد ضل، فلم يكن معه من يقوى ~~بهم، فخاف أن يجاهد بهم الكافرين فلا يفيد ذلك شيئا، ويقتل بعضهم فيحمى ~~له آخرون من ذوي رحمة الأقربين، فيصير بين بني إسرائيل فرقة يبعد ضم ~~شتاتها وتلافي دهمائها، وكانوا قد غيوا الرجوع برجوع موسى عليه السلام مع ~~أنه لم يأمره بجهاد من ضل، إنما قال له # وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين # [الأعراف: 142] فرأى من الإصلاح اعتزلهم إلى أن يأتي، فلما ذكر ما قال ~~هارون عليه السلام، التفتت النفس إلى علم ما قال له موسى عليه السلام ~~لأنه خليفته عليهم، مع كونه راسا في نفسه، فدفع هذا العناء بقوله، ~~مسقطا أخذه برأس أخيه لما تقدم من ذكره ويأتي هنا من الدلالة عليه، ولم ~~تدع إليه ضرورة في هذه السورة التي من أعظم مقاصدها الدلالة على تليين ~~القلوب: { قال } أي موسى: { يا هارون } أنت نبي الله ms2899 وأخي ووزيري وخليفتي ~~فأنت أولى الناس بأن ألومه، وأحقهم بأن أعاتبه { ما منعك إذ } أي حين { ~~رأيتهم ضلوا* } عن طريق الهدى، واتبعوا سبيل الردى، من اتباعي في سيرتي ~~فيهم من الأخذ على يد الظالم طوعا أو كرها، اتباعا لا تزيغ فيه عما ~~نهجته لك بوجه من الوجوه شيئا من زيغ، وعبر عن هذا التأكيد بزيادة " لا ~~" في قوله: { ألا تتبعن } كما تقدم غير مرة أن النافي إذا زيد في ~~الكلام كان نافيا لضد مضمونه فيفيد إثباتا للمضون ونفيا لضده، فيكون ~~ذلك في غاية التأكيد { أفعصيت } أي أتكبرت عن اتباعي فتسبب عن ذلك أنك ~~عصيت { أمري* } وأخذ بلحيته وبرأسه يجره إليه غضبا لله تعالى، فكأنه ~~قيل: ما قال له؟ فقيل: { قال } مجيبا له مستعطفا بذكر أول وطن ضمهما ~~بعد نفخ الروح مع ما له من الرقة والشفقة: { يبنؤم } فذكره بها خاصة وإن ~~كان شقيقه لأنه يسوءها ما يسوءه، وهي أرق من الأب { لا تأخذ بلحيتي ولا ~~برأسي } أي بشعره؛ ثم علل ذلك بقوله: { إني خشيت أن تقول } إن اشتددت ~~عليهم حتى يصل الأمر إلى القتال { فرقت بين بني إسرائيل } بفعلك هذا الذي ~~لم يجد شيئا لقلة من كان معك وضعفكم عن ردهم { ولم ترقب قولي* } { ~~اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين } ولم تقل وارددهم ولو أدى ~~الأمر إلى السيف، وهذا كما كان النبي صلى الله عليه وسلم مأمورا بالصفح ~~والحلم والمدافعة باللين عند ضعف الناصر وقلة المعين. ### || [20.95-97] # ولما فرغ من نصيحة أقرب الناس إليه وأحقهم بنصيحته وحفظه على الهدى إذ ~~كان رأس الهداة، تشوف السامع إلى ما كان من غيره، فاستأنف تعالى ذكره ~~بقوله: { قال } أي موسى عليه السلام لرأس أهل الضلال معرضا عن أخيه بعد ~~قبول عذره. جاعلا ما نسب إليه سببا لسؤاله عن الحامل له عليه: { فما ~~خطبك } أي أمرك هذا العجيب العظيم الذي حملك على ما صنعت وأخبرني العزيز ~~العليم أنك أنت أضللتهم به { يا سامري * قال } السامري مجيبا له: { بصرت ~~} من البصر والبصيرة { بما ms2900 لم يبصروا به } من أمر الرسول الذي أجاز بنا ~~البحر { فقبضت } أي فكان ذلك سببا لأن قبضت { قبضة } أي مرة من القبض، ~~أطلقها على المقبوض تسمية للمفعول بالمصدر { من أثر } فرس ذلك { الرسول } ~~أي المعهود { فنبذتها } في الحلي الملقى في النار، أو في العجل { وكذلك } ~~أي وكما سولت لي نفسي أخذ اثره { سولت } أي حسنت وزينت { لي نفسي } نبذها ~~في الحلي فنبذتها، فكان منها ما كان، ولم يدعني إلى ذلك داع ولا حملني ~~عليه حامل غير التسويل. # ولما كان فعله هذا مفرقا لبني إسرائيل عن طريق الحق التي كانوا عليها، ~~وجامعا لهم على تمثال حيوان هو من أخس الحيوانات، وعلى نفسه بكونه صار ~~متبوعا في ذلك الضلال، لكونه كان سببه، عوقب بالنفرة من الإنسان الذي هو ~~أشرف الحيوان، ليكون ذلك سببا لضد ما تسبب عن فعله، فيعاقب بالدنيا ~~بعقوبة لا شيء أشد منها وذلك أنه منع من مخالطة الناس منعا كليا فلا ~~يتصل بأحد ولا يتصل به أحد، بل يكون وحيدا طريدا ما دام حيا، فلذلك ~~استؤنف الإخبار عن هذا بقوله تعالى: { قال } أي له موسى عليه السلام: { ~~فاذهب } أي تسبب عن فعلك أني أقول لك: اذهب من بيننا، أو حيث ذهبت { فإن ~~لك في الحياة } أي ما دمت حيا { أن تقول } لكل من رأيته: { لا مساس } أي ~~لا تمسني ولا أمسك، فلا تقدر أن تنفك عن ذلك لإرادة الإله الحق ذلك بك ~~وترغيبك فيه - بما أفادته اللام، لتعلم أنت ومن تبعك أنكم كنتم على أعظم ~~ضلال في ترك القادر على كل شيء، واتباع ما لا قدرة له على شيء { وإن لك } ~~بعد الممات { موعدا } للثواب إن تبت، وللعقاب إن أبيت { لن تخلفه } ~~مبنيا للفاعل وللمفعول، أي لا يكون خلفك ولا تكون أنت خلفه، بل يكون كل ~~منكما مواجها لصاحبه، لا انفكاك له عنه، كما أنك في الحياة لا تقدر أن ~~تنفك عن النفرة من الناس، فاختر لنفسك ما يحلو. # ولما ذكر ما للإله الحق من القدرة التامة في الدارين، ms2901 أتبعه عجز العجل ~~فقال: { وانظر إلى إلهك } أي بزعمك { الذي ظلت } أي دمت في مدة يسيرة ~~جدا بما أشار إليه تخفيف التضعيف { عليه عاكفا } أي مقبلا مقاربا ~~مواظبا جهارا { لنحرقنه } أي بالنار وبالمبرد - كما سلف عن نص التوراة، ~~وكان معنى ذلك أنه أحماه حتى لان فهان على المبارد { ثم لننسفنه } أي ~~لنذرينه إذا صار سحالة { في اليم } أي البحر الذي أغرق الله فيه آل فرعون ~~وهو أهل لأن يقصد فيجمع الله سحالته التي هي من حيلهم وأموالهم فيحميها ~~في نار جهنم ويكويهم ويجعلها من أشد العذاب عليهم، وأكد الفعل إظهارا ~~لعظمة الله الذي أمره بذلك، وتحقيقا للصدق في الوعد فقال: { نسفا }. ### || [20.98-103] # ولما أراهم بطلان ما هم عليه بالعيان، أخبرهم بالحق على وجه الحصر فقال: ~~{ إنما إلهكم } جميعا { الله } أي الجامع لصفات الكمال؛ ثم كشف المراد ~~من ذلك وحققه بقوله: { الذي لا إله إلا هو } أي لا يصلح لهذا المنصب أحد ~~غيره لأنه { وسع كل شيء علما* } تمييز محول عن الفاعل، أي أحاط علمه بكل ~~شيء، فكان على كل شيء ممكن قديرا، فكان كل شيء إليه فقيرا، وهو غني عن ~~كل شيء، وجوده يباين وجود غيره، وذاته تباين ذات غيره، وصفاته تباين صفات ~~غيره، وأما العجل الذي عبدوه فلو كان حيا كان مثلا في الغباوة، فلا ~~يصلح للإلهية بوجه ولا في عبادته شيء من حق، وكان القياس على ما يتبادر ~~إلى الذهن حيث نفى عنه العلم بقوله { ألا يرجع إليهم قولا } والقدرة ~~بقوله { ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا } أن يثبتا هنا للاله الحق، ولكنه ~~اعتنى بإثبات العلم الواسع لاستلزامه للقدرة على كل ما يمكن أن يتعلق به، ~~بإفادة الأسباب لشيء المراد، ومنع الموانع عنه فيكون لا محالة، ولو لم ~~يكن كذلك لكان التخلف للجهل إما بما يفيد مقتضيا أو يمنع مانعا، وأدل ~~دليل على ذلك قوله تعالى # ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء # [الأعراف: 188] ولا يستلزم إثبات القدرة المحيطة العلم الشامل لخروج قسم ~~المحال الذي ms2902 ليس من شأن القدرة أن تتعلق به. # ولما تمت هذه القصة على هذا الأسلوب الأعظم، والسبيل الأقوم، متكفلة ~~بالدلالة على القدرة على ما وقعت إليه الإشارة من البشارة أول السورة ~~بتكثير هذه الأمة ورد العرب عن غيهم بعد طول التمادي في العناد، والتنكب ~~عن سبيل الرشاد، إلى ما تخللها من التسلية بأحوال السلف الصالح والتأسية، ~~مفصلة من أدلة التوحيد والبعث، وغير ذلك من الحكم، بما يبعث الهمم، على ~~معالي الشيم، كان كأنه قيل: هل يعاد شيء من القصص على هذا الأسلوب البديع ~~والمثال الرفيع؟ فقيل: نعم { كذلك } أي مثل هذا القص العالي، في هذا ~~النظم العزيز الغالي، لقصة موسى ومن ذكر معه { نقص عليك } أي بما لنا من ~~العظمة التي لا يعجزها شيء؛ وأشار إلى جلالة علمه بقوله: { من أنباء } أي ~~أخبار { ما قد سبق } من الأزمان والكوائن الجليلة، زيادة في علمك، ~~وإجلالا لمقدارك، وتسلية لقلبك، وإذهابا لحزنك، بما اتفق للرسل من قبلك ~~وتكثيرا لأتباعك وزيادة في معجزاتك، وليعتبر السامع ويزداد المستبصر في ~~دينه بصيرة وتأكد الحجة على من عابه: { وقد ءاتيناك } من عظمتنا تشريفا ~~لك وتعظيما لقدرك { من لدنا } أي من عندنا من الأمر الشريف بمزيد ~~خصوصيته بنا ولطيف اتصاله بحضرتنا من غيب غيبا { ذكرا* } عظيما جليلا ~~جامعا لما أظهرناه من أمرنا في التوراة، وما ابطناه من سرنا في ~~الإنجيل، وما أودعناه من سكينتنا في الزبور، مع ما خصصناه به من لطائف ~~المزايا، وعظائم الأسرار، يعرف بمجرد تلاوته أنه من عندنا لما يشهد له ~~من الروح، ويذاق له من الإخبات والسكون، ويرى له من الجلالة في الصدور ~~مع القطع بأن أحدا لا يقدر أن يعارضه، وضمناه تلك القصص مع ما زدنا فيه ~~على ذلك من المواعظ والأحكام ودقائق اشارات الحقائق، متكفلا بسعادة ~~الدارين وحسنى الحسنيين، فمن أقبل عليه كان مذكرا له بكل ما يريد من ~~العلوم النافعة. # ولما اشتمل هذا الذكر على جميع أبواب الخير، فكان كل مل ليس له فيه أصل ~~شقاور محضة وضلالا بعيدا، قال يقص عليه ms2903 من أنباء ما يأتي كما قص من ~~أنباء ما قد سبق: { من أعرض عنه } أي عن ذلك الذكر، وهو عام في جميع من ~~يمكن دخوله في معنى " من " من العالمين { فإنه يحمل } ولما كان المراد ~~استغراق الوقت قال: { يوم القيامة وزرا* } أي حملا ثقيلا من العذاب ~~الذي سببه الوزر وهو الذنب، جزاء لإعراضه عنه واشتغاله بغيره { خالدين ~~فيه } وجمع هنا حملا على المعنى بعد الإفراد للفظ، تنبيها على العموم ~~لئلا يغفل عنه بطول الفصل، أو يظن أن الجماعة يمكنهم المدافعة، ويمكن أن ~~يراد بالوزر الحمل الثقيل من الإثم، ويكون الضمير في " فيه " للعذاب ~~المسبب عنه فيكون استخداما كقوله: # إذا نزل السماء بأرض قوم # رعيناه وإن كانوا غضابا # ولما كانوا منكرين ليوم القيامة، صرح بذكره ثانيا مع قرب العهد، قارعا ~~لأسماعهم به، مجريا له إجراء ما هو به جدير من أنه متحقق لا مرية فيه ~~فقال: { وساء } أي وبئس؛ وبين أصحاب السوء فقال: { لهم } أي ذلك الحمل { ~~يوم القيامة حملا } ثم شرح لهم بعض أحوال ذلك اليوم من ابتدائه، فقال ~~مبدلا من " يوم القيامة ": { يوم ينفخ } أي بعظمتنا - على قراءة أبي ~~عمرو بالنون مبنيا لفاعل، ودل على تناهي العظمة بطريقة كلام القادرين في ~~قراءة الباقين بالياء مبنيا للمفعول { في الصور } فيقوم الموتى من ~~القبور { ونحشر } أي بعظمتنا { المجرمين } منهم الذين قطعوا ما أمر الله ~~به أن يوصل، وعدل عن أن يقول: ونحشرهم - لبيان الوصف الذي جره لهم: ~~الإعراض عن الذكر { يومئذ } أي يوم القيامة، ويكون لهم ما تقدم { زرقا } ~~أي زرق العيون والجسوم على هيئة من ضرب فتغير جسمه، حال كونهم { يتخافتون ~~}. # ولما كان التخافت - وهو المسارة بالكلام - قد يكون بين اثنين من ~~قبيلتين، فيكون كل منهما خائفا من قومه أقل عارا مما لو كانا من قبيلة ~~واحدة، لأنه يدل على أن ذلك الخوف طبع لازم، قال دالا على لزومه وعمومه: ~~{ بينهم } أي يتكلمون خافضي أصواتهم من الهيبة والجزع. # ولما كانت الزرقة أبغض ألوان العيون إلى العرب لعدم إلفهم لها، ~~والمخافتة ms2904 أبغض الأصوات إليهم لأنها تدل عندهم على سفول الهمة والجبن ~~وكانوا من الزرقة أشد نفرة لأن المخافتة قد يتعلق بها غرض. رتبهما سبحانه ~~كذلك، ثم بين ما يتخافتون به فقال: { إن } أي يقول بعضهم لبعض: ما { ~~لبثتم } أي في الدنيا استقصارا لمدة إقامتهم في غيب ما بدا لهم من ~~المخاوف، أو غلطا ودهشة { إلا عشرا* } أي عقدا واحدا، لم يزد على ~~الآحاد إلا بواحد، وهو لو أنه سنون سن من لم يبلغ الحلم، فكيف إذا كان ~~شهورا أو أياما فلم يعرفوا لذة العيش بأي تقدير كان. ### || [20.104-108] # ولما كان علم ما يأتي أخفى من علم ما سبق، أتى فيه بمظهر العظمة فقال: { ~~نحن أعلم } من كل أحد { بما يقولون } أي في ذلك اليوم { إذ يقول أمثلهم ~~طريقة } في الدنيا فيما يحسبون، أي أقربهم إلى أن تكون طريقته مثل ما ~~يطلب منه: { إن } أي ما { لبثتم } ودل على أن المعدود المحذوف من الأول ~~الأيام بقوله: { إلا يوما } أي مبدأ الآحاد، لا مبدأ العقود كما قال في ~~الاية الأخرى # قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم # [المؤمنون: 113] # يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون # [الروم: 55] فلا يزالون في إفك وصرف عن الحق في الدارين، لأن الإنسان ~~يموت على ما عاش عليه، ويبعث على ما مات عليه، ويجوز أن يكون المراد أن ~~من قال: إن لبثهم يوم واحد، أمثلهم في نفس الأمر، لأن الزمان وإن طال ~~إنما هو يوم متكرر، ليس مرادا لنفسه، وإنما هو مراد لما يكون فيه فإن ~~كان خيرا كان صاحبه محمودا ولم يضره قصره، وإن كان شرا كان مذموما ~~ولم ينفعه طوله، ويجوز أن يكون أنث أولا إرادة لليالي، لأنها محل الراحة ~~المقصودة بالذات، فكان كأنهم قالوا: لم يكن لنا راحة إلا بزمن يسير جدا ~~أكثر أول العقود، ونص الأمثل على اليوم الذي يكون الكد فيه للراحة في ~~الليل إشارة إلى أنهم ما كان لهم في اللبث في الدنيا راحة أصلا، ولم يكن ~~سعيهم إلا نكدا كله كما ms2905 يكون السعي في يوم لا ليلة يستراح فيها. وإن ~~كانت فيه راحة فهي ضمنية لا أصلية. # ولما أخبر عن بعض ما سبق ثم عن بعض ما يأتي من أحوال المعرضين عن هذا ~~الذكر فيما ينتجه لهم إعراضهم عنه، وختم ذلك باستقصارهم مدة لبثم في هذه ~~الدار، أخبر عن بعض أحوالهم في الإعراض فقال: { ويسألونك عن الجبال } ما ~~يكون حالها يوم يتفخ في الصور؟ شكا منهم في البعث وقوفا مع الوهم في ~~أنها تكون موجودة على قياس جمودهم لا محالة، لأنها أشد الأشياء قوة، ~~وأطولها لبثا، وأبعدها مكثا، فتمنع بعض الناس من سماع النفخ في الصور، ~~وتخيل للبعض بحكم رجع الهواء الحامل للصوت أنه آت من غير جهته فلا ~~يستقيم القصد إلى الداعي { فقل } أي فتسبب عن علمنا بأنهم يسألونك هذا ~~السؤال أنا نقول لك: قل، أو يكون على تقدير شرط، أي فإذا سألوك فقل لهم، ~~وهذا بخلاف ما نزل بعد وقوع السؤال عنه مثل الروح وقصة ذي القرنين فإن ~~الأمر بجوابه على طريق الاستئناف لما هناك من استشراف النفس للجواب { ~~ينسفها } أي يقلعها من أماكنها ويذريها بالهواء { ربي } المحسن إلي ~~بنصري في يوم القيامة نصرا لا يبلغ كنهه { نسفا } عند النفخة الأولى { ~~فيذرها } أي أماكنها { قاعا } أي أرضا ملساء { صفصفا* } أي مستويا ~~كأنه صف واحد لا اثر للجبال فيه { لا ترى } أي بالبصر ولا بالبصيرة { ~~فيها } أي مواضع الجبال { عوجا } بوجه من الوجوه، وعبر هنا بالكسر هو ~~للمعاني، ولم يعبر بالفتح الذي يوصف به الأعيان، ومواضع الجبال أعيان لا ~~معاني، نفيا للاعوجاج على أبلغ وجه، بمعنى أنك لو جمعت أهل الخبرة ~~بتسوية الأراضي لا تفقوا على الحكم باستوائها، ثم لو جمعت أهل الهندسة ~~فحكموا مقاييسهم العلمية فيها لحكموا بمثل ذلك { ولا أمتا* } أي شيئا ~~مرتفعا كالكدية أو نتوا يسيرا أو شقا أو اختلافا؛ وقال البيضاوي ~~والزمخشري: الأمت النتو اليسير، قال الغزالي في الدرة الفاخرة: ينفخ في ~~الصور فتطاير الجبال، وتفجر الأنهار بعضها في بعض، فيمتلىء عالم الهواء ~~ماء، وتنتثر الكواكب ms2906 وتتغير السماء والأرض، ويموت العالمون فتخلو الأرض ~~والسماء؛ قال: ثم يكشف سبحانه عن بيت في سقر فيخرج لهيب النار فيشتعل في ~~البحور فتنشف، ويدع الأرض جمرة سوداء، والسماوات كأنها عكر الزيت والنحاس ~~المذاب، ثم يفتح تعالى خزانة من خزائن العرش فيها بحر الحياة، فيمطر به ~~الأرض، وهو كمني الرجال فتنبت الأجسام على هيئتها، الصبى صبي، والشيخ ~~شيخ، وما بينهما، ثم تهب من تحت العرش نار لطيفة فتبرز الأرض ليس فيها ~~جبل ولا عوج ولا أمت، ثم يحيى الله إسرافيل فينفخ في الصور من صخرة ~~القدس، فتخرج الأرواح من ثقب في الصور بعددها كل روح إلى جسدها حتى الوحش ~~والطير فإذا هم بالساهرة. # ولما أخبر سبحانه بنزول ما يكون منه العوج في الصوت قال: { يومئذ } أي ~~إذ ينفخ في الصور فتنسف الجبال { يتبعون } أي أهل المحشر بغاية جهدهم { ~~الداعي } أي بالنفخ منتصبين إليه على الاستقامة { لا عوج له } أي الداعي ~~في شيء من قصدهم إليه، لأنه ليس في الأرض ما يحوجهم إلى التعريج ولا يمنع ~~الصوت من النفوذ على السواء؛ وقال أبو حيان: أي لا عوج لدعائه، بل يسمع ~~جميعهم فلا يميل إلى ناس دون ناس. # ولما أخبر بخشوعهم في الحديث والانقياد للدعوة، أخبر بخشوع غير ذلك من ~~الأصوات التي جرت العادة بكونها عن الاجتماع فقال: { وخشعت الأصوات } أي ~~ارتخت وخفيت وخفضت وتطامنت لخشوع أهلها { للرحمن } أي الذي عمت نعمه، ~~فيرجى كرمه، ويخشى نقمه { فلا } أي فيتسبب عن رخاوتها أنك { تسمع إلا ~~همسا* } أخفى ما يكون من الأصوات، وقيل: أخفى شيء من أصوات الأقدام. ### || [20.109-112] # ولما تقرر ما للأصوات من الانخفات، وكان قد أشير فيما مضى إلى وقوع ~~الشفاعة من بعض أخصائه بإذنه، وكان الحشر للحساب بمعرض التقريب لبعض ~~والتبعيد لبعض، وكانت العادة جارية بأن المقرب يشفع للمبعد، لما بين أهل ~~الجمع من الوصل والأسباب المقتضية لذلك، وكان الكفار يزعمون أن آلهتهم ~~تشفع لهم قال نافيا لأن تقع شفاعة بغير إذنه، معظما ذلك اليوم بالإنذار ~~منه مرة بعد مرة: { يومئذ } أي ms2907 إذ كان ما تقدم { لا تنفع الشفاعة } أي لا ~~تكون شفاعة ليكون لها نفع، لأنه قد ثبت بما مضى أنه لا صوت، وتقرر في ~~تحقيق المحصورات من علم الميزان أن السالبة الحقيقية لا تستدعي وجود ~~الموضوع في الخارج، وإنما حول العبارة لأن المقصود بالذات النفع، فنفيه ~~بادىء بدا أفظع، وقرع السمع به أولا أهول وأفزع { إلا } أي إلا شفاعة { ~~من أذن له الرحمن } العام النعمة { ورضي له قولا* } ولو الإيمان المجرد. # ولما نفي أن تقع الشفاعة بغير إذنه، علل ذلك - كما سلف في آية الكرسي - ~~بقوله: { يعلم ما بين أيديهم } أي الخلائق وهو كل ما يعلمونه { وما خلفهم ~~} وهو كل ما غاب عنهم علمه، أي علمه سبحانه محيط بهم، فهو يمنع قلوبهم في ~~ذلك اليوم بما يوجد من الأسباب أن تهم بما لا يرضاه { ولا يحيطون به ~~علما* } ليحترزوا عما يقدره عليهم، و { علما } تمييز منقول من الفاعل، ~~أي ولا يحيط علمهم به - قال أبو حيان. والأقرب عندي كونه منقولا عن ~~المفعول الذي تعدى إليه الفعل بحرف الجر، أي ولا يحيطون بعلمه، فيكون ذلك ~~أقرب إلى ما في آية الكرسي. ولما ذكر خشوع الأصوات، أتبعه خضوع دونها ~~فقال: { وعنت الوجوه } أي ذلت وخضعت واستسلمت وجوه الخلائق كلهم، وخصها ~~لشرفها ولأنها أول ما يظهر فيه الذل { للحي } الذي هو مطلع على الدقائق ~~والجلائل، وكل ما سواه جماد حيث ما نسبت حياته إلى حياته { القيوم } الذي ~~لا يغفل عن التدبير ومجازاة كل نفس بما كسبت { وقد خاب } أي خسر خسارة ~~ظاهرة { من حمل } منهم أو من غيرهم { ظلما* }. # ولما ذكر الظالم، أتبعه الحكيم فقال: { ومن يعمل } ولما كان الإنسان محل ~~العجز وإن اجتهد، قال { من الصالحات } أي التي أمره الله بها بحسب ~~استطاعته، لأنه " لن يقدر الله أحد حق قدره " " ولن يشاد الدين أحد إلا ~~غلبه " { وهو مؤمن } ليكون بناؤها على الأساس، وعبر بالفاء إشارة إلى ~~قبول الأعمال وجعلها سببا لذلك الحال فقال: { فلا يخاف ظلما } بأن ينسب ~~إليه سوء لم يقترفه ms2908 لأن الجزاء من جنس العمل، وقراءة ابن كثير بلفظ النهي ~~محققة للمبالغة في النفي { ولا هضما } أي نقصا من جزائه وإن كان هو لم ~~يوف المقام حقه لأنه لا يستطيع ذلك، وأصل الهضم الكسر، وأما غير المؤمن ~~فلو عمل أمثال الجبال من الأعمال لم يكن لها وزر. ### || [20.113-115] # ولما اشتملت هذه الآية على الذروة من حسن المعاني، فبشرت ويسرت، وأنذرت ~~وحذرت، وبينت الخفايا، وأظهرت الخبايا، مع ما لها من جلالة السبك وبراعة ~~النظم، كان كأنه قيل تنبيها على جلالتها: أنزلناها على هذا المنوال ~~العزيز المثال { وكذلك } أي ومثل هذا الإنزال { أنزلناه } أي هذا الذكر ~~كله بعظمتنا { قرآنا } جامعا لجميع المعاني المقصودة { عربيا } مبينا ~~لما أودع فيه لكل من له ذوق في أساليب العرب. # ولما كان أكثر هذه الآيات محذرا، قال: { وصرفنا } أي بما لنا من العظمة ~~{ فيه من الوعيد } أي ذكرناه مكررين له محولا في أساليب مختلفة، وأفانين ~~متنوعة مؤتلفة. # ولما ذكر الوعيد، أتبعه ثمرته فقال: { لعلهم يتقون } أي ليكون الناظر ~~لهم بعد ذلك على رجاء من أن يتقوا ويكونوا به في عداد من يجدد التقوى كل ~~حين، بأن تكون له وصفا مستمرا، وهي الحذر الحامل على اتخاذ الوقاية مما ~~يحذر { أو } في عداد من { يحدث } أي يجدد هذا التصريف { لهم ذكرا* } أي ~~ما يستحق أن يذكر من طرق الخير، فيكون سببا للخوف الحامل على التقوى، ~~فيردهم عن بعض ما تدعو إليه النفوس من النقائض والبؤس. # ولما بلغت هذه الجمل نهاية الإعجاز، فاشتملت على غاية الحكمة، دالة على ~~أن لقائلها تمام العلم والقدرة والعدل في أحوال الدراين، تسبب عن سوقها ~~كذلك أن بان له من العظمة ما أفهمه قوله، معظما لنفسه الأقدس بما هو له ~~أهل بعد تعظيم كتابه تعليما لعباده ما يجب له من الحق دالا بصيغة ~~التفاعل على مزيد العلو: { فتعالى الله } أي بلغ الذي لا يبلغ الواصفون ~~وصفه حق وصفه من العلو أمرا لاتحتمله العقول، فلا يلحقه شيء من إلحاد ~~الملحدين ووصف المشركين { الملك } الذي لا يعجزه ms2909 شيء، فلا ملك في الحقيقة ~~غيره { الحق } أي الثابت الملك، فلا زوال لكونه ملكا في زمن ما؛ ولعظمة ~~ملكه وحقية ذاته وصفاته صرف خلقه على ما هم عليه من الأمور المتباينة. # ولما كانت هذه الآيات في ذم من أعرض عن هذا الذكر، كان تقدير: فلا تعرض ~~عنه، بل أقبل عليه لتكون من المتقين الذاكرين، ولما كان هذا الحث العظيم ~~ربما اقتضى للمسابق في التقوى المبالغة في المبادرة إليه فيستعجل بتلقفه ~~قبل الفراغ من إيحائه، قال عاطفا على هذا المقدر: { ولا تعجل بالقرآن } ~~أي بتلاوته. # ولما كان النهي عاما لجميع الأوقات القبلية، دل عليه بالجار لئلا يظن ~~أنه خاص بما يستغرق زمان القبل جملة واحدة فقال: { من قبل أن } ولما كان ~~النظر هنا إلى فراغ الإيحاء لا إلى موح معين، بنى للمجهول قوله: { يقضى } ~~أي ينهى { إليك وحيه } من الملك النازل إليك من حضرتنا به كما أنا لم ~~نعجل بإنزاله عليك جملة، بل رتلناه لك ترتيلا، ونزلناه إليك تنزيلا ~~مفصلا تفصيلا، وموصلا توصيلا - كما أشرنا إليه أول السورة، فاستمع له ~~ملقيا جميع تأملك إليه ولا تساوقه بالقراءة، فإذا فرغ فاقرأه فإنا نجمعه ~~في قلبك ولا نسقيك بإنسائه وأنت مصغ إليه، ولا بتكليفك للمساوقة بتلاوته ~~{ وقل رب } أي المحسن إلي بإفاضة العلوم علي { زدني علما* } أي بتفهيم ~~ما أنزلت إلي منه وإنزال غيره كما زدتني بإنزاله وتحفيظه، لتتمكن من ~~معرفة الأسباب المفيدة لتبع الخلق لك، فإنه كما تقدم على قدر إحاطة العلم ~~يكون شمول القدرة، وفي هذا دليل على أن التأني في العلم بالتدبر وبإلقاء ~~السمع أنفع من الاستعجال المتعب للبال المكدر للحال، وأعون على الحفظ، ~~فمن وعى شيئا حق الوعي حفظه غاية الحفظ؛ وروى الترمذي وابن ماجة والبزار ~~عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " اللهم انفعني بما علمتني وعلمني ما ينفعني وزدني علما والحمد لله على ~~كل حال، وأعوذ بالله من حال أهل النار " # أفاده ابن كثير في تفسيره. # ولما قرر سبحانه ms2910 بقصة موسى عليه السلام ما أشار إليه أول السورة بما هو ~~عليه من الحلم والتأني على عباده، والإمهال لهم فيما هم عليه من النقص ~~بالنسيان للعهود والنقض للمواثيق، وأتبعها ذكر مدح هذا الذكر الذي تأدت ~~إلينا به، وذم من أعرض عنه، وختمه بما عهد إليه صلى الله عليه وسلم في ~~أمره نهيا وأمرا، أتبع ذلك سبحانه قصة آدم عليه السلام تحذيرا من ~~الركون إلى ما يسبب النسيان، وحثا على رجوع من نسي إلى طاعة الرحمن، ~~وبيانا لأن ذلك الذي قرره من حلمه وإمهاله عادته سبحانه من القدم، وصفته ~~التي كانت ونحن في حيز العدم، وأنه جبل الإنسان على النقص، فلو أخذهم ~~بذنوبهم ما ترك عليها من دابة، فقال عاطفا على قوله # وكذلك أنزلناه حكما عربيا # [ الرعد: 37] أو { كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق } مؤكدا لما تقدم ~~فيه وعهد به من أمر القرآن، ومحذرا من الإخلال بذلك ولو على وجه ~~النسيان، ومنجزا لما وعد به من قص أنباء المتقدمين مما يوافق هذا ~~السياق: { ولقد عهدنا } بما لنا من العظمة { إلى آدم } أبي البشر الذي ~~أطلعناه على كثير منها في النهي عن الأكل من الشجرة { من قبل } أي في زمن ~~من الأزمان الماضية قبل هؤلاء الذين تقدم في هذه السورة ذكر نسيانهم ~~وإعراضهم { فنسي } عهدنا وأكل منها مع علمه من تلك العظمة بما لا ينبغي ~~أن ينسى معه ذلك العهد المؤكد بذلك الجلال، فعددنا عليه وقوعه في ذلك ~~المنهي ناسيا ذنبا لعلو رتبته عندنا، فهو من باب " حسنات الأبرار ~~سيئات المقربين " فكيف بما فوق ذلك! { ولم نجد } بالنظر إلى ما لنا من ~~العظمة { له عزما* } أي قصدا صلبا ماضيا وإرادة نافذة لا تردد فيها ~~كإرادات الملائكة عليهم السلام، والمعنى أنه لم يتعلق علمنا بذلك ~~موجودا، ومع ذلك عفونا عنه ولم نزحزحه عن رتبة الاصطفاء. ### || [20.116-122] # ولما كان المقصود من السورة - كما سلف - الإعلام بالحلم والأناة والتلطف ~~بالنائي والقدرة على المعرض، ذكر فعله آدم عليه السلام هذه في هذه السورة ~~بلفظ ms2911 المعصية مع التصريح بأنها على وجه النسيان، وذكر ذلك أولا مجملا ~~ثم أتبعه تفصيله ليكون ذلك مذكورا مرتين، تأكيدا للمعنى المشار إليه، ~~تقريرا وتحذيرا من الوقوع في منهي، وإرشادا لمن " غلب عليه " طبع ~~النقص إلى المباردة إلى الندم وتعاطي أسباب التوبة ليتوب الله عليه ما ~~فعل بآدم عليه السلام فقال: { وإذ } أي اذكر هذا واذكر حين { قلنا } بما ~~لنا من العظمة، أي اذكر قولنا في ذلك الوقت { للملائكة } أي المجبولين ~~على مضي العزم والتصميم على القصد من غير مانع تردد ولا عائق فتور { ~~اسجدوا لآدم } الذي خلقته بيدي، فلم نأمرهم بذلك إلا بعد أن اصطفيناه ~~ونحن عالمون بما سيقع منه، وأنه لا يقدح في رتبة اصطفائه، فإن الحلم ~~والكرم من صفاتنا، والرحمة من شأننا، فلا تيأس من عودنا بالفضل والرحمة ~~على من بالغ في مقاطعتنا من قومك الذين وصفناهم باللدد { فسجدوا } أي ~~الملائكة { إلا إبليس } الذي نسب الله إلى الجور والإخلال بالحكمة فكفر ~~فأيس من الرحمة وسلب الخير فأصر على إضلال الخلق بالتلبيس، فكأنه قيل: ما ~~كان من حاله في عدم سجوده؟ فقيل: { أبى* } أي تكبر على آدم فعصى أمر الله ~~{ فقلنا } بسبب ذلك بعد أن حلمنا عنه ولم نعاجله بالعقوبة: { يا آدم إن ~~هذا } الشيطان الذي تكبر عليك { عدو لك } دائما لأن الكبر الناشىء عن ~~الحسد لا يزول { ولزوجك } لأنها منك { فلا يخرجنكما } أي لا تصغيا إليه ~~بوجه فيخرجكما، ووجه النهي إليه والمراد: هما، تنبيها على أن لها من ~~الجلالة ما ينبغي أن تصان عن أن يتوجه إليها نهي، وأسند الإخراج إليه ~~لزيادة التحذير والإبلاغ في التنفير، وزاد في التنبيه بقوله: { من الجنة ~~} أي فإنه لا يقصر في ضركما وإرادة إنزالكما عنها. # ولما نص سبحانه على شركتها له في الإخراج فكان من المعلوم شركتها له في ~~آثاره، وكانت المرأة تابعة للرجل، فكان هو المخصوص في هذه الدار بالكل في ~~الكد والسعي، والذب والرعي، وكان أغلب تعبه في أمر المرأة، أفرد بالتحذير ~~من التعب لذلك وعدا لتعبها بالنسبة إلى تعبه ms2912 عدما، وتعريفا بأن أمرها ~~بيده، وهو إن تصلب قادها إلى الخير، وإلا قادته إلى الضير، وعبر عن التعب ~~بالشقاء زيادة في التحذير منه فقال: { فتشقى } أي فتتعب، ولم يرد شقاوة ~~الآخر، لأنه لو أرادها ما دخل الجنة بعد ذلك، لأن الكلام المقدر بعد ~~الفاء خبر، والخبر لا يخلف. ثم علل شقاوته على تقدير الإخراج بوصفها بما ~~لا يوجد في غيرها من الأقطاب التي يدور علها كفاف الإنسان، وهي الشبع ~~والري والكسوة والكن. # ذاكرا لها بلفظ النفي لنقائضها ليطرق سمعه بأسماء أصناف الشقوة التي ~~حذره منها ليصير بحيث يتحامى السبب الموقع فيها كراهة لها، فإذا مضت عليه ~~القدرة الباهرة علم أنه لا يغني حذر من قدر، فقال: { إن لك } أي علينا { ~~ألا تجوع فيها } أي يوما ما { ولا تعرى* } فلا يتجرد باطنك ولا ظاهرك { ~~وأنك لا تظمؤا } بالتهاب القلب { فيها ولا تضحى* } أي لا يكون بحيث يصيبك ~~حر الشمس، والمعنى أنه لا يصيبك حر في الباطن ولا في الظاهر { فوسوس } أي ~~فتعقب تحذيرنا هذا من غير بعد في الزمان أن وسوس { إليه الشيطان } ~~المحترق المطرود، وهو إبليس، أي ألقى إليه وجه الخفاء بما مكناه من الجري ~~في هذا النوع مجرى الدم، وقذف المعاني في قلبه، وكأنه عبر ب " إلى " ، ~~لأن المقام لبيان سرعة قبول هذا النوع للنقائص وإن أتته من بعد، أو لأنه ~~ما أنهى إليه ذلك إلا بواسطة زوجه، لذلك عدى الفعل عند ذكرهما بالام، ~~وكأنه قيل: ما دس إليه؟ فقيل: { قال يا آدم } ثم ساق له الغش مساق العرض، ~~إبعادا لنفسه من التهمة والغرض؛ وشوقه إليه أولا بقوله: { هل أدلك } ~~فإن النفس شديدة الطلب لعلم ما تجهله؛ وثانيا بقوله: { على شجرة الخلد } ~~أي التي من أكل منها خلد، فإن الإنسان أحب شيء في طول البقاء؛ وثالثا ~~بقوله: { وملك لا يبلى* } أي لا يخلق أصلا، فكأنه قال له بلسان الحال أو ~~القال: نعم، فقال: شجرة الخلد هذه - مشيرا إلى التي نهي عنها - ما بينك ~~وبين الملك الدائم إلا أن تأكل ms2913 منها. # { فأكلا } أي فتسبب عن قوله وتعقب أن أكل { منها } هو وزوجه، متبعين ~~لقوله ناسيين ما عهد إليهما { فبدت لهما } لما خرقا من ستر النهي وحرمته ~~{ سوءاتهما } وقوعا لما حذرا منه من إخراجهما مما كانا فيه { وطفقا } أي ~~شرعا { يخصفان } أي يخيطان أو يلصقان { عليهما من ورق الجنة } ليسترا ~~عوراتهما { وعصى آدم } وإن كان إنما فعل المنهي نسيانا، لأن عظم مقامه ~~وعلو رتبته يقتضيان له مزيد الاعتناء ودوام المراقبة مع ربط الجأش ويقظة ~~الفكر { ربه } أي المحسن إليه بما لم ينله أحدا من بنيه من تصويره له ~~بيده وإسجاد ملائكته له ومعاداة من عاداه { فغوى* } من الغواية وهي ~~الضلال، ولذلك قالوا: المعنى: فضل عن طريق السداد، فأخطأ طريق التوصل ~~إلى الخلد بمخالفة أمره، وهو صفيه، لم ينزله عن رتبة الاصطفاء، لأن رحمته ~~واسعة، وحلمه عظيم، وعفوه شامل، فلا يهمنك أمر القوم اللد، فإنا قادرون ~~على أن نقبل بقلوب من شئنا منهم فنجعلهم من أصفى الأصفياء، ونخرج من ~~أصلاب من شئنا منهم من نجعل قلبه معدن الحكمة والعلم. # ولما كان الرضى عنه - مع هذا الفعل الذي أسرع فيه اتباع العدو وعصيان ~~الولي بشيء لا حاجة به إليه - مستبعدا جدا، أثبت ذلك تعالى مشيرا إليه ~~بأداة التراخي فقال: { ثم اجتباه ربه } أي المحسن إليه { فتاب عليه } أي ~~بسبب الاجتباء بالرجوع إلى ما كان عليه من طريق السداد { وهدى* } بالحفظ ~~في ذلك كما هو الشأن في أهل الولاية والقرب. ### || [20.123-127] # ولما كانت دور الملوك لا تحتمل مثل ذلك، وكان قد قدم سبحانه عنايته بآدم ~~عليه السلام اهتماما به، وكان الخبر عن زوجه وعن إبليس لم يذكر، فكانت ~~نفس السامع لم تسكن عن تشوفها إلى سماع بقية الخبر، أجاب عن ذلك بأنه ~~أهبط من داره المقدسة الحامل على المخالفة والمحمول وإن كان قد هيأه ~~بالاجتباء لها، فقال على طريق الاستئناف: { قال } أي الرب الذي انتهكت ~~حرمة داره: { اهبطا منها } أيها الفريقان: آدم وتبعه، وإبليس { جميعا }. # ولما كان السياق لوقوع النسيان وانحلال العزم بعد أكيد ms2914 العهد، حرك العزم ~~وبعث الهم بإيقاع العداوة التي تنشأ عنها المغالبة، فتبعث الهمم وتثير ~~العزائم، فقال في جواب من كأنه قال: على أي حال يكون الهبوط: { بعضكم ~~لبعض عدو } وهو صادق بعداوة كل من الفريقين للفريق الآخر: فريق إبليس - ~~الذين هم الجن - بالإضلال، وفريق الإنس بالاحتراز منهم بالتعاويذ والرقى ~~وغير ذلك، وبعداوة بعض كل فريق لبعضه { فإما } أي فتسبب عن ذلك العلم ~~بأنه لا قدرة لأحد منكم على التحرز من عدوه إلا بي ولا حرز لكم من قبلي ~~إلا اتباع أمري، فإما { يأتينكم } أي أيها الجماعة الذين هم أضل ذوي ~~الشهوات من المكلفين { مني هدى } تحترزون به عن استهواء العدو واستزلاله ~~{ فمن اتبع } عبر بصيغة " افتعل " التي فيها تكلف وتتميم للتبع الناشىء ~~عن شدة الاهتمام { هداي } الذي أسعفته به من أوامر الكتاب والرسول المؤيد ~~بدلالة العقل، وللتعبير بصيغة " افتعل " قال: { فلا يضل } أي بسبب ذلك، ~~عن طريق السداد في الدنيا ولا في الآخرة أصلا { ولا يشقى* } أي في شيء ~~من سعيه في واحدة منهما، فإن الشقاء عقاب الضلال، ويلزم من نفيه نفي ~~الخوف والحزن بخلاف العكس، فهو أبلغ مما في البقرة، فإن المدعو إليه في ~~تلك مطلق العبادة، والمقام في هذه للخشية والبعث على الجد بالعداوة { إلا ~~تذكرة لمن يخشى } وللإقبال على الذكر { من أعرض عنه فإنه يحمل يوم ~~القيامة وزرا } والتحفظ من المخالفة ولو بالنسيان { فنسي ولم نجد له ~~عزما }. قال الرازي في اللوامع: والشقاء: فراق العبد من الله، والسعادة ~~وصوله إليه؛ وقال الأصبهاني عن ابن عباس رضي الله عنهما: ضمن الله عز وجل ~~لمن اتبع القرآن أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة { ومن أعرض } أي ~~فعل دون فعل الرضيع بتعمد الترك لما ينفعه بالمجاورة { عن ذكري } الذي هو ~~الهدى { فإن له } ضد ذلك { معيشة } حقرها سبحانه بالتأنيث ثم وصفها بأفظع ~~وصف وهو مصدر يستوي فيه المذكر والمؤنث والجمع وغيره فقال: { ضنكا } أي ~~ذات ضنك أي ضيق، لكونه على ضلال وإن رأى أن حاله على غير ms2915 ذلك في السعة ~~والراحة، فإن ضلاله لا بد أن يرديه، فهو ضنك لكونه سببا للضيق وآئلا ~~إليه، من تسمية السبب باسم المسبب، مع أن المعرض عن الله لا يشبع ولا يضل ~~إلى أن يقنع، مستول عليه الحرص الذي لا يزال أن يطيح ببال من يريد ~~الازدياد من الدنيا، مسلط عليه الشح الذي يقبض يده عن الانفاق، عن مناوأة ~~الخصوم، وتعاقب الهموم، مع أنه لا يرجو ثوابا، ولا يأمن عقابا، فهو ~~لذلك في أضيق الضيق، لا يزال همه أكبر من وجده # " لو كان لابن آدم واد من ذهب لابتغى إليه ثانيا، ولو أن له واديين لا ~~بتغى لهما ثالثا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من ~~تاب " # متفق عليه عن أنس رضي الله عنه، وهكذا حال من أتبع نفسه هواها، وأما ~~المقبل على الذكر بكليته فهو قانع راض بما هو فيه، مستكثر من ذكر الله ~~الشارح للصدور الجالي للقلوب فهو أوسع سعة، فلا تغتر بالصور وانظر إلى ~~المعاني. # ولما ذكر حاله في الدنيا، أتبعه قوله: { ونحشره يوم القيامة أعمى* } ~~وكان ذلك في بعض أوقات ذلك اليوم، قال ابن عباس رضي الله عنهما: إذا خرج ~~من القبر خرج بصيرا، فإذا سيق إلى المحشر عمي، أو يكون ذلك - وهو أقرب ~~مفهوم العبارة - في بعض أهل الضلال ليجتمع مع قوله # أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا # [مريم: 38] وحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في الصحيح من هذا أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " الظلم ظلمات يوم القيامة " # ثم استأنف قوله: { قال } مذكرا بالنعمة السابقة استعطافا لأن من شأن ~~مسلف نعمة أن يربيها وإن قصر المنعم عليه، وغاية ذلك إنما يكون مهما بقي ~~للصلح موضع: { رب } أي أيها المحسن إلي المسبغ نعمه علي { لم حشرتني } ~~في هذا اليوم { أعمى وقد كنت } أي في الدنيا، أو في أول هذا اليوم { ~~بصيرا* } فكأنه قيل: بم أجيب؟ فقيل: { قال } له ربه: { كذلك } أي مثل ~~هذا الفعل الشنيع فعلت في الدنيا، والمعنى: مثل ms2916 ما قلت كان؛ ثم فسر على ~~الأول، وعلل على الثاني، فقال: { أتتك آياتنا } على عظمتها التي هي من ~~عظمتنا { فنسيتها } أي فعاملتها بإعراضك عنها معامله المنسي الذي لا ~~يبصره صاحبه، فقد جعلت نفسك أعمى البصر والبصيرة عنها، كما قال تعالى: # الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري # [الكهف: 101] { وكذلك } أي ومثل ذلك النسيان الفظيع، وقدم الظرف ليسد ~~سوقه للمظروف ويعظم اختباره لفهمه فقال: { اليوم تنسى* } أي تترك على ما ~~أنت عليه بالعمى والشقاء بالنار، فتكون كالشيء الذي لا يبصره أحد ولا ~~يلتفت إليه { وكذلك } أي ومثل ذلك الجزاء الشديد { نجزي من أسرف } في ~~متابعة هواه فتكبر عن متابعة أوامرنا { ولم يؤمن بآيات ربه } فكفر إحسانه ~~إما بالتكذيب وإما بفعله فعل المكذب. # ولما ذكر أن هذا الضال كان في الدنيا معذبا بالضنك، وذكر بعض ما له في ~~الآخرة، قال مقسما لما له من التكذيب: { ولعذاب الآخرة } بأي نوع كان { ~~أشد } من عذاب الدنيا { وأبقى* } منه، فإن الدنيا دار زوال، وموضع قلعة ~~وارتحال. ### || [20.128-135] # ولما كان ما مضى من هذه السورة وما قبلها من ذكر مصارع الأقدمين، ~~وأحاديث المكذبين، بسبب العصيان على الرسل، سببا عظيما للاستبصار ~~والبيان، كانوا أهلا لأن ينكر عليهم لزومهم لعماهم فقال تعالى: { أفلم ~~يهد } أي يبين { لهم كم أهلكنا قبلهم } اي كثرة إهلاكنا لمن تقدمهم { من ~~القرون } بتكذيبهم لرسلنا، حال كونهم { يمشون في مساكنهم } ويعرفون خبرهم ~~بالتوارث خلفا عن سلف أنا ننصر أولياءنا ونهلك أعدائنا ونفعل ما شئنا! ~~والأحسن أن لا يقدر مفعول، ويكون المعنى: أو لم يقع لهم البيان الهادي، ~~ويكون ما بعده استئنافا عينا كما وقع البيان بقوله استئنافا: { إن في ~~ذلك } أي الإهلاك العظيم الشأن المتوالي في كل أمة { لآيات } عظيمات ~~البيان { لأولي النهى* } أي العقول التي من شأنها النهي عما لا ينفع ~~فضلا عما يضر، فإنها تدل بتواليها على قدرة الفاعل، وبتخصيص الكافر ~~بالهلاك والمؤمن بالنجاة على تمام العلم مع عموم القدرة، وعلى أنه تعالى ~~لا يقر على الفساد وإن أمهل - إلى غير ذلك ms2917 ممن له وازع من عقله. # ولما هددهم بإهلاك الماضين، ذكر سبب التأخير عنهم، عاطفا على ما أرشد ~~إلى تقديره السياق، وهو مثل أن يقال: فلو أراد سبحانه لعجل عذابهم: { ~~ولولا كلمة } أي عظيمة ماضية نافذة { سبقت } أي في الأزل { من ربك } الذي ~~عودك بالإحسان بأنه يعامل بالحلم والأناة، وأنه لا يستأصل مكذبيك، بل يمد ~~لهم، ليرد من شاء منهم ويخرج من أصلاب بعضهم من يعبده، وإنما ذلك إكراما ~~لك رحمة لأمتك لأنا كما قلنا أول السورة { ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى } ~~بإهلاكهم وإن كانوا قوما لدا، ولا بغير ذلك، وما أنزلناه إلا لتكثر ~~أتباعك، فيعملوا الخيرات، فيكون ذلك زيادة في شرفك، وإلى ذلك الإشارة ~~بقوله صلى الله عليه وسلم # " وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي فأرجو أن أكون أكثرهم ~~تابعا " # { لكان } أي العذاب { لزاما } أي لازما أعظم لزوم لكل من أذنب عند أول ~~ذنب يقع منه لشرفك عنده وقربك لديه { و } لولا { أجل مسمى* } ضربه لكل ~~شيء لكان الأمر كذلك أيضا، لكنه سبقت رحمته غضبه فهو لا يعجل، وضرب ~~الأجل فهو لا يأخذ قبله، وكل من سبق الكلمة وتسمية الأجل مستقل بالإمهال ~~فكيف إذا اجتمعا، فتسبب عن العلم بأنه لا بد من استيفاء الأجل وإن زاد ~~العاصي في العصيان تسليم الأمور إلى الله وعدم القلق في انتظار الفرج ~~فقال: { فاصبر على ما يقولون } لك من الاستهزاء وغيره. # ولما كان الصبر شديدا على النفس منافرا للطبع، لأن النفس مجبولة على ~~النقائص، مشحونة بالوسواس، أمر منه لأجل من يحتاج إلى الكمال بما ينهض ~~بها من حضيض الجسم إلى أوج الروح بمقامي التحلي بالكمالات والتخلي عن ~~الرعونات، وبدأ بالأول لأنه العون على الثاني، وذكر أشرف الحلي فقال: { ~~وسبح بحمد ربك } أي اشتغل بما ينجيك من عذابه، ويقربك من جنابه، بأن تنزه ~~من أحسن إليك عن كل نفص، حال كونك حامدا له بإثبات كل كمال، وذلك بأن ~~تصلي له خاصة وتذكره بالذاكرين، غير ملتفت إلى شيء سواه { قبل طلوع الشمس ~~} صلاة الصبح ms2918 { وقبل غروبها } صلاة العصر والظهر؛ وغير السياق في قوله: { ~~ومن آناء اليل } أي ساعاته، جمع إنو - بكسر ثم سكون، أي ساعة، لأن ~~العبادة حينئذ أفضل لاجتماع القلب وهدوء الرجل والخلو بالرب، لأن العبادة ~~إذ ذاك أشق وأدخل في التكليف فكانت أفضل عند الله { فسبح } أي بصلاة ~~المغرب والعشاء، إيذانا بعظمة صلاة الليل، وكرر الأمر بصلاتي الصبح ~~والعصر إعلاما بمزيد فضلهما، لأن ساعتيهما أثناء الطي والبعث فقال: { ~~وأطراف النهار } ويؤيد ما فهمته من أن ذلك تكرير لهما ما في الصحيحين عن ~~جرير ابن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال: كنا جلوسا عند رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال: # " إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم ~~أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا " # ، ثم قرأ هذه الاية. وإلا لم يكن في الآية مزيد حث عليهما خاصة، على أن ~~الفظ " آناء وأطراف " صالح لصلاة التطوع من الرواتب وغيرها ليلا ~~ونهارا، وأفاد بذكر الجار في الآناء التبعيض، لأن الليل محل الراحة، ~~ونزعه من الأطراف لتيسر استغراقها بالذكر، لأن النهار موضع النشاط ~~واليقظة، ويجوز - وهو أحسن - أن يكون المراد بما قبل الطلوع الصبح، وما ~~قبل الغروب العصر فقط، وببعض الآناء المغرب والعشاء، وأدخل الجار لكونهما ~~وقتين، وبجميع الأطراف الصبح والظهر والعصر، لأن النهار له أربعة أطراف: ~~أوله، وآخره وآخر نصفه الأول، وأول نصفه الثاني، والكل مستغرق بالتسبيح، ~~ولذلك نزع الجار، أما الأول والآخر فبالصبح والعصر، وأما الآخران ~~فبالتهيؤ للصلاة ثم الصلاة نفسها، وحينئذ تكون الدلالة على فضيلة الصبح ~~والعصر من وجهين: التقديم والتكرير، وإلى ذلك الإشارة بالحديث، وإذا أريد ~~إدخال النوافل حملت الأطراف على الساعات - والله الهادي. # ولما كان الغالب على الإنسان النسيان فكان الرجاء عنده أغلب، ذكر الجزاء ~~بكلمة الإطماع لئلا يأمن فقال: { لعلك ترضى * } أي افعل هذا لتكون على ~~رجاء من أن يرضاك ربك فيرضيك في الدنيا والآخرة، بإظهار دينك وأعلاء ~~أمرك، ولا يجعلك في عيش ms2919 ضنك في الدنيا ولا في الآخرة - هذا على قراءة ~~الكسائي وأبي بكر عن عاصم بالبناء للمفعول، والمعنى على قراءة الجماعة ~~بالبناء للفاعل: لتكون على رجاء من أن تكون راضيا دائما في الدنيا ~~والآخرة، ولا تكون كذلك إلا وقد أعطاك ربك جميع ما تؤمل. # ولما كانت النفس ميالة إلى الدنايا، مرهونة بالحاضر من فاني العطايا، ~~وكان تخيلها عن ذلك هؤ الموصل إلى حريتها المؤذن بعلو همتها، قال مؤكدا ~~إيذانا بصعوبة ذلك: { ولا تمدن } مؤكدا له بالنون الثقيلة { عينيك } أي ~~لا تطول نظرهما بعد النظرة الأولى المعفو عنها قاصدا للاستحسان { إلى ~~ما متعنا به } بما لنا من العظمة التي لا ينقصها تعظم أعدائنا به في هذه ~~الحياة الفانية { أزواجا } أي أصنافا متشاكلين { منهم } أي من الكفرة { ~~زهرة } أي تمتيع { الحياة الدنيا } لا ينتفعون به في الآخرة لعدم صرفهم ~~له في أوامر الله، فهو مصدر من المعنى مثل جلست قعودا، ثم علل تمتيعهم ~~بقوله تعالى: { لنفتنهم فيه } أي لنفعل بهم فعل المختبر، فيكون سبب ~~عذابهم في الدنيا بالعيش الضنك لما مضى، وفي الآخرة بالعذاب الأليم، ~~فصورته تغر من لم يتأمل معناها حق التأمل، فما أنت فيه خير مما هم فيه { ~~ورزق ربك } الذي عود به أولياءه - وهو في دار السفر- الكفاف الطيب ~~المقرون بالتوفيق { خير } من زهرتهم، لأنه يكفي ولا يطغي وزادك ما يدني ~~إلى جنابه فيعلي { وأبقى* } فإنه وفقك لصرفه في الطاعة فكتب لك من أجره ~~ما توفاه يوم الحاجة على وجه لا يمكن أحدا من الخلق حصره، وتكون الدنيا ~~كلها فضلا عما في أيديهم أقل من قطرة بالنسبة إلى بحره، وإضافة رزقه دون ~~رزقهم إليه سبحانه - وإن كان الكل منه - للتشريف، وفي التعبير بالرب ~~إيذان بالحل، وفيه إشارة إلى ظهوره عليهم وحياته بعدهم كما هو الشأن في ~~الصالحين والطالحين. # ولما أمر بتزكية النفس أتبعه الإعلام بأن منها تزكية الغير، لأن ذلك أدل ~~على الإخلاص، وأجدر بالخلاص، كما دل عليه مثل السفينة الذي ضربه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لمن يأمر بالمعروف ms2920 ومن يتركه فقال { وأمر أهلك ~~بالصلاة } كما كان أبوك إسماعيل عليه السلام، ليقودهم إلى كل خير # إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر # [العنكبوت: 45] ولم يذكر الزكاة لدخولها في التزهيد بالآية التي قبلها. # ولما كانت شديدة على النفس عظيمة النفع، قال { واصطبر } بصيغة الافتعال ~~{ عليها } أي على فعلها، مفرغا نفسك لها وإن شغلتك عن بعض أمر المعاش، ~~لأنا { لا نسألك رزقا } أي نكلفك طلبه لنفسك ولا لغيرك، فإن ما لنا من ~~العظمة يأبى أن نكلفك أمرا، ولا نكفيك ما يشغلك عنه. # ولما كانت النفس بكليتها مصروفة إلى أمر المعاش، كانت كأنها تقول: فمن ~~أين يحصل الرزق؟ فقال: { نحن } بنون العظمة { نرزقك } لك ولهم ما قدرناه ~~لكم من أي جهة شئنا من ملكنا الواسع وإن كان يظن أنها بعيدة، ولا ينفع ~~في الرزق حول محتال، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا تدأبوا في تحصيله ~~والسعي فيه، فإن كلا من الجاد فيه والمتهاون به لا يناله أكثر مما ~~قسمناه له في الأزل ولا أقل، فالمتقي لله المقبل على ذكره واثق بوعده ~~قانع راض فهو في أوسع سعة، والمعرض متوكل على سعيه فهو في كد وشقاء وجهد ~~وعناء أبدا { والعاقبة } أي الكاملة، وهي التي لا عاقبة في الحقيقة ~~غيرها، وهي الحالة الجميلة المحمودة التي تعقب الأمور، أي تكون بعدها { ~~للتقوى* } أي لأهلها، ولا معولة على الرزق وغيره توازي الصلاة، فقد كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة - أخرجه أحمد ~~عن حذيفة وعلقه البغوي في آخر سورة الحجر، وقال الطبراني في معجمه ~~الأوسط: ثنا أحمد - هو ابن يحيى الحلواني - ثنا سعيد - هو ابن سليمان - ~~عن عبد الله بن المبارك عن معمر عن محمد بن حمزة عن عبد الله بن سلام رضي ~~الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نزل بأهله الضيق أمرهم ~~بالصلاة، ثم قرأ { وأمر أهلك بالصلاة } الآية. # لا يروى هذا الحديث عن عبد الله بن سلام إلا بهذا الإسناد، تفرد به ~~معمر، وقال الحافظ ms2921 عماد الدين إسماعيل بن كثير في تفسيره: وقال ابن أبي ~~حاتم: حدثنا أبي عبد الله بن أبي زياد القطران ناسيارنا جعفر عن ثابت ~~قال: # " كان الرسول صلى الله عليه وسلم إذا أصابته خصاصة نادى أهله: يأهلاه! ~~صلوا صلوا " # ، قال ثابت: وكان الأنبياء إذا نزل بهم أمر فزعوا إلى الصلاة، وقد روى ~~الترمذي وابن ماجه كلاهما في الزهد - وقال الترمذي: حسن غريب - من حديث ~~عمران بن زائدة عن أبيه عن أبي خالد الوالبي عن أبي هريرة رضي الله عنه ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " يقول الله تعالى: تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى وأسد فقرك، وإن لم تفعل ~~ملأت صدرك شغلا ولم أسد فقرك " # وروى ابن ماجه من حديث الضحاك عن الأسود عن ابن مسعود رضي الله عنه: ~~سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول: # " من جعل الهموم هما واحدا هم المعاد، كفاه الله هم دنياه، ومن تشعبت ~~به الهموم أحوال الدنيا لم يبال الله في أي أوديتها هلك " # وروى أيضا من حديث عمر بن سليمان عن عبد الرحمن بن أبان عن أبيه عن زيد ~~بن ثابت رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " من كانت الدنيا همه فرق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه ولم يأته ~~من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة نيته جمع الله له أمر، وجعل ~~غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة ". # ولما قدم في هذه السورة ما ذكر من قصص الأولين وأخبار الماضين، مبكتا ~~بذلك من أمر قريش بالتعنت من اليهود، فلم يقدروا على إنكار شيء منه ولا ~~توجيه طعن إليه، وخلله ببدائع الحكم، وغرائب المواعظ في أرشق الكلم، وختم ~~ذلك بأعظم داع إلى التقوى، عجب منهم في كونهم لا يذعنون للحق أنفة من ~~المجاهرة بالباطل، أو خوفا من سوء العواقب، فقال: { وقالوا } ولعله عطف ~~على ما يقدر في حيز قوله { أفلم يهد لهم إلى قوله: إن في ذلك لآيات } من ~~أن يقال: وقد أبوا ذلك ms2922 ولم يعدوا شيئا منه آية: { لولا } أي هلا ولم لا ~~{ يأتينا } أي محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم { بآية } أي مثل آيات ~~الأولين { من ربه } المحسن إليه، دالة على صدقه. # ولما تضمن هذا أنهم لم يعدوا شيئا من هذه البينات - التي أدلى بها على ~~من تقدمه - آية مكابرة، استحقوا الإنكار، فقال: { أولم } أي ألم يأتهم من ~~الآيات في هذا القرآن مما خصصتك به من الأحكام والحكم في أبلغ المعاني ~~بأرشق النظوم ما أعجز بلغاءهم، وأبكم فصحاءهم، فدل قطعا على أنه كلامي، ~~أو لم { تأتهم بينة ما } أي الأخبار التي { في الصحف الأولى* } من صحف ~~إبراهيم وموسى وعيسى وداود عليهم السلام في التوارة والإنجيل والزبور ~~وغير ذلك من الكتب الإلهية كقصتي آدم وموسى المذكورتين في هذه السورة ~~وغيرهما مما تقدم قصة لها كما هي عند أهلها على وجوه لا يعلمها إلا قليل ~~من حذاقهم من غير أن يخالط عالما منهم أو من غيرهم، ومن غير أن يقدر أحد ~~منهم على معارضة ما أتى به في قصتها من النظم المنتج قطعا أنه لا معلم ~~له إلا الله المرسل له، وأن أتى به منها شاهد لما في الصحف الأولى من ذلك ~~بالصدق، لأنه كلام الله، فهو بينة على غيره لإعجازه، فجميع الكتب الإلهية ~~مفتقرة إلى شهادته افتقار المحتج عليه إلى شهادة الحجة، ولا افتقار له ~~بعد العجز عنه إلى شيء أصلا، فهو أعظم من آيات جميع الأنبياء اللاتي ~~يطلبون مثلها بما لا يقايس. # ولما تبين بذلك أنهم يطعنون بما لا شبهة لهم فيه أصلا، أتبعه ما كان ~~لهم فيه نوع شبهة لو وقع، فقال عاطفا على { ولولا كلمة }: { ولو أنا ~~أهلكناهم } معاملة لهم في عصيانهم بما يقتضيه مقام العظمة { بعذاب من ~~قبله } أي من قبل هذا القرآن المذكور في الآية الماضية وما قاربها، وفي ~~قوله { ولا تعجل بالقرآن } صريحا، وكذا في مبنى السورة { ما أنزلنا عليك ~~القرآن لتشقى } { لقالوا } يوم القيامة: { ربنا } يا من هو متصف ~~بالإحسان إلينا { لولا } أي هلا ولم ms2923 لا { أرسلت } ودلوا على عظمته وعلو ~~رتبته بحرف الغاية فقالوا: { إلينا رسولا } أي يأمرنا بطاعتك { فنتبع } ~~أي فيتسبب عنه أن نتبع { آياتك } التي يجيئنا بها. # ولما كان اتباعهم لا يستغرق زمان القبل قالوا: { من قبل أن نذل } ~~بالعذاب هذا الذل { ونخزى* } بالمعاصي التي عملناها على جهل هذا الخري ~~فلأجل ذلك أرسلناك إليهم وأقمنا بك حجة عليهم، ونحن نترفق بهم، ونكشف عن ~~قلوب من شئنا منهم ما عليها من الرين بما ننزل من الذكر ونجدد من الآيات ~~حتى نصدق أمرك ونعلي شأنك ونكثر أتباعك وننصر أشياعك. # ولما علم بهذا أن إيمانهم كالمتنع، وجدالهم لا ينقطع، بل إن جاءهم الهدى ~~طعنوا فيه، وإن عذبوا قبله تظلموا، كان كأنه قيل: فما الذي أفعل معهم؟ ~~فقال: { قل كل } أي مني ومنكم { متربص } أي منتظر حسن عاقبة أمره ودوائر ~~الزمان على عدوه { فتربصوا } فإنكم كالبهائم ليس لكم تأمل، ولا تجوزون ~~الجائز إلا عند وقوعه { فستعلمون } أي عما قريب بوعد لا خلف فيه عند كشف ~~الغطاء { من أصحاب الصراط } أي الطريق الواضح الواسع { السوي } أي الذي ~~لا عوج فيه ولا نتو، فهو من شأنه أن يوصل إلى المقاصد. # ولما كان صاحب الشيء قد لا يكون عالما بالشيء ولا عاملا بما يعلم منه، ~~قال { ومن اهتدى* } أي من الضلالة فحصل على جميع ما ينفعه واجتنب جميع ما ~~يضره، نحن أم أنتم؟ ولقد علموا يقينا ذلك يوم فتح مكة المشرفة، واشتد ~~اغتباطهم بالإسلام، ودخلوا رغبة في الحلم والكرم، ورهبة من السيف والنقم، ~~وكتنوا بعد ذلك يعجبون من توقفهم عنه ونفرتهم منه، وهذا معناه أنه صلى ~~الله عليه وسلم ومن اتبعه هم السعداء الأغنياء الراضون في الدنيا ~~والآخرة، وهو عين قوله تعالى: { ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى } فقد انطبق ~~الآخر على الأول، ودل على أن العظيم يعامل بالحلم فلا يعجل - والله أعلم. ### | [21 - سورة الأنبياء] ### || [21.1-4] # { بسم } الحكيم العدل الذي تمت قدرته وعم أمره { الله } الملك الذي لا ~~كفوء له { الرحمن } الذي ساوى بين خلقه في رحمة إيجاده { الرحيم* ms2924 } الذي ~~ينجي من شاء من عباده في معاده. # لما ختمت طه بإنذارهم بأنهم سيعلمون الشقي والسعيد، وكان هذا العلم تارة ~~يكون في الدنيا بكشف الحجاب بالإيمان، وتارة بمعانية ظهور الدينن وتارة ~~بإحلال العذاب بإزهاق الروح بقتل أو غيره، وتارة ببعثها يوم الدين، ~~افتتحت هذه بأجلى ذلك وهو اليوم الذي يتم فيه كشف الغطاء فينتقل فيه ~~الخبر من علم اليقين إلى عين اليقين وحق اليقين وهو يوم الحساب، فقال ~~تعالى: { اقترب للناس } أي عامة أنتم وغيركم { حسابهم } أي في يوم ~~القيامة؛ وأشار بصيغة الافتعال إلى مزيد القرب لأنه لا أمة بعد هذه ينتظر ~~أمرها، وأخر الفاعل تهويلا لتذهب النفس في تعيينه كل مذهب، ويصح أن يراد ~~بالحساب الجزاء، فيكون ذلك تهديدا بيوم بدر والفتح ونحوهما، ويكون ~~المراد بالناس حينئذ قريشا أو جميع العرب، والحساب: إحصاء الشيء ~~والمجازاة عليه بخير أو شر { وهم } أي الحال أنهم من أجل ما في جبلاتهم ~~من النوس، وهو الاضطراب الموجب لعدم الثبات على حالة الأمن، أنقذه الله ~~منهم من هذا النقص وهم قليل جدا { في غفلة } فهي تعليل لآخر تلك على ما ~~تراه، لأنهم إذا نشروا علموا، وإذا أبادتهم الوقائع علموا هم بالموت، ومن ~~بقي منهم بالذل المزيل لشماخة الكبر، أهل الحق من أهل الباطل، وقوله: { ~~معرضون* } كالتعليل للغفلة، أي أحاطت بهم الغفلة بسبب إعراضهم عما يأتيهم ~~منا، وسيأتي ما يؤيد هذا في قوله آخرها { بل كنا ظالمين } وإلا فالعقول ~~قاضية بأنه لا بد من جزاء المحسن والمسيء. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير في برهانه: لما تقدم قوله سبحانه # لا تمدن عينيك # [طه: 131] - إلى قوله - # فستعلمون من أصحاب الصراط السوي ومن اهتدى # [طه: 131] قال تعالى { اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون } أي لا ~~تمدن عينيك إلى ذلك فإني جعلته فتنة لمن ناله بغير حق، ونسأل عن قليل ذلك ~~وكثيره # ولتسألن يومئذ عن النعيم # [التكاثر: 8] والأمر قريب { اقترب للناس حسابهم } وأيضا فإنه تعالى لما ~~قال # وتنذر به قوما لدا # [مريم: 97] وهم الشديدو الخصومة في الباطل، ms2925 ثم قال # وكم أهلكنا قبلهم من قرن # [مريم: 74] إلى آخرها، استدعت هذه الجملة بسط حال، فابتدئت بتأنيسه عليه ~~الصلاة السلام وتسليتة، حتى لا يشق عليه لددهم، فتضمنت سورة طه من هذا ~~الغرض بشارته بقوله # ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى # [طه: 2] وتأنيسه بقصة موسى عليه السلام وما كان من حال بني إسرائيل ~~وانتهاء أمر فرعون ومكابدة موسى عليه السلام لرد فرعون ومرتكبه إلى أن ~~وقصه الله، وأهلكه، وأورث عباده أرضهم وديارهم، ثم اتبعت بقصة آدم عليه ~~السلام ليرى نبيه صلى الله عليه وسلم سنته في عباده حتى أن آدم عليه ~~السلام وإن لم يكن امتحانه بذريته ولا مكابدته من أبناء جنسه - فقد كابد ~~من إبليس ما قصه الله في كتابه، وكل هذا تأنيس للنبي صلى الله عليه وسلم، ~~فإنه إذا تقرر لديه أنه سنة الله تعالى في عبادة هان عليه لدد قريش ~~ومكابدتهم، ثم ابتدئت سورة الأنبياء ببقية هذا التأنيس، فبين اقتراب ~~الحساب ووقوع يوم الفصل المحمود فيه ثمرة ما كوبد في ذات الله والمتمنى ~~فيه أن لو كان ذلك أكثر والمشقة أصعب لجليل الثمرة وجميل الجزاء، ثم اتبع ~~ذلك سبحانه بعظات، ودلائل وبسط آيات، وأعلم أنه سبحانه قد سبقت سنته ~~بإهلاك من لم يكن منه الإيمان من متقدمي القرون وسالفي الأمم # ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها # [الأنبياء: 6] وفي قوله # أفهم يؤمنون # [الأنبياء: 6] تعزية لرسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر قريش ومن قبل ~~ما الكلام بسبيله، وقد تضمنت هذه السورة إلى ابتداء قصة إبراهيم عليه ~~السلام من المواعظ والتنبيه على الدلالات وتحريك العباد إلى الاعتبار بها ~~ما يعقب لمن اعتبر به التسليم والتفويض لله سبحانه والصبر علىالابتلاء ~~وهو من مقصود السورة، وفي قوله # ثم صدقناهم الوعد فأنجيناهم ومن نشاء وأهلكنا المسرفين # [الأنبياء: 9] إجمال لما فسره النصف الأخير من هذه السورة من تخليص ~~الرسل عليهم السلام من قومهم وإهلاك من أسرف وأفك ولم يؤمن، وفي ذكر ~~تخليص الرسل وتأييدهم الذي تضمنه النصف الأخير من لدن قوله # ولقد ءاتينا إبراهيم ms2926 رشده # [الأنبياء: 51] إلى آخر السورة كمال الغرض المتقدم من التأنيس وملاءمة ~~ما تضمنته سورة طه وتفسير لمجمل # وكم أهلكنا قبلهم من قرن هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا # [مريم: 98] انتهى. # ولما أخبر سبحانه عن غفلتهم وإعراضهم، علل ذلك بقوله: { ما يأتيهم } ~~وأعرق في النفي بقوله: من { ذكر } أي وحي يذكر بما جعل في العقول من ~~الدلائل عليه سبحانه ويوجب الشرف لمن أتبعه { من ربهم } المحسن إليهم ~~بخلقهم وتذكيرهم، قديم لكونه صفة له { محدث } إنزاله { إلا استمعوه } أي ~~قصدوا سماعه وهو أجد الجد وأحق الحق { وهم } أي والحال أنهم { يلعبون* } ~~أي يفعلون فعل اللاعبين بالاستهزاء به ووضعه في غير مواضعه وجعلهم ~~استماعهم له لإرادة الطعن فيه، فهو قريب من قوله # لا تسمعوا لهذا القرآن والغو فيه # [فصلت: 26] { لاهية قلوبهم } أي غارقة قلوبهم في اللهو، مشغولة به عما ~~حداها إليه القرآن، ونبهها عليه الفرقان، وحذرها منه البيان، قال الرازي ~~في اللوامع: لاهية: مشتغلة من لهيت ألهى: أو طالبة للهو، من لهوت ألهو - ~~انتهى. ويمكن أن يراد بالناس مع هذا كله العموم ويكون من باب قوله تعالى # وما قدروا الله حق قدره # [الأنعام: 91] وقوله صلى الله عليه وسلم # " لا أحصي ثناء عليك " # وأن يخص بالكفار. # ولما ذكر ما يظهرونه في حال الاستماع من اللهو واللعب، ذكر ما يخفونه من ~~التشارو في الصد عنه وإعمال الحيلة في التنفير منه والتوثق من بعضهم لبعض ~~في الثبات على المجانبة له فقال عاطفا على { استمعوا }: { وأسروا } أي ~~الناس المحدث عنهم { النجوى } أي بالغوا في إسرار كلامهم بسبب الذكر، لأن ~~المناجاة في اللغة السر - كذا في القاموس، وقال الإمام أبو عبد الله ~~القزاز في ديوانه: والنجوى: الكلام بين اثنين كالسر والتشاور. # ولما أخبر بسوء ضمائرهم، أبدل من ضميرهم ما دل على العلة الحاملة لهم ~~على ذلك فقال: { الذين ظلموا } ثم بين ما تناجوا به فقال: { هل } أي ~~فقالوا في تناجيهم هذا، معجبين من ادعائه النبوة مع مماثلته لهم في ~~البشرية: هل { هذا } الذي أتاكم بهذا ms2927 الذكر { إلا بشر مثلكم } أي خلقه ~~وأخلاقه من الأكل والشرب والحياة والموت، فكيف يختص عنكم بالرسالة؟ ما ~~هذا الذي جاءكم به مما لا تقدرون على مثله إلا سحر لا حقيقة له، فحينئذ ~~تسبب عن هذا الإنكار في قولهم: { أفتأتون السحر وأنتم } أي والحال أنكم { ~~تبصرون* } بأعينكم أنه بشر مثلكم، وببصائركم أن هذه الخوارق التي يأتي ~~بها يمكن أن تكون سحرا، فيا لله العجب من قوم رأوا ما أعجزهم فلم يجوزوا ~~أن يكون عن الرحمن الداعي إلى الفوز بالجنان وجزموا بأنه من الشيطان ~~الداعي إلى الهوان، باصطلاء النيران، والعجب أيضا أنهم أنكروا الاختصاص ~~بالرسالة مع مشاهدتهم لما يخص الله به بعض الناس عن بعض الذكاء والفطنة، ~~وحسن الخلائق والأخلاق، والقوة والصحة، وطول العمر وسعة الرزق - ونحو ذلك ~~من القيافة والعيافة والرجز والكهانة، ويأتون أصحابها لسؤالهم عما عندهم ~~من ذلك من العلم. # ولما كان الله تعالى لا يقر من كذب عليه، فضلا عن أن يصدقه ويؤيده، ولا ~~يخفى عليه كيد حتى يلزم منه نقص ما أراده، قال دالا لهم على صدقه منبها ~~على موضع الجحة في أمره - على قراءة حمزة والكسائي وحفص عن عاصم، وجوابا ~~لمن كأنه قال: فماذا يقال لهؤلاء؟ - على قراءة الباقين: { قال ربي } ~~المحسن إلي بتأييدي بكل ما يبين صدقي ويحمل على أتباعي { يعلم القول } ~~سواء كان سرا أو جهرا. # ولما كان من يسمع من هاتين المسافتين يسمع من أي مسافة فرضت غيرهما ~~قطعا، لم يحتج إلى جمع على أنه يصح إرادة الجنس فقال: { في السماء ~~والأرض } على حد سواء، لأنه لا مسافة بينه وبين شيء من ذلك { وهو } أي ~~وحده { السميع العليم* } يسمع كل ما يمكن سمعه، ويعلم كل ما يمكن علمه من ~~القول وغيره، فهو يسمع سركم، ويبطل مكركم، ويسمع ما أنسبه إليه من هذا ~~الذكر، فلو لم يكن عنه لزلزل بي، وقد جرت سنته القديمة في الأولين، ~~بإهلاك المكذبين، وتأييد الصادقين، وإنجائهم من زمن نوح عليه السلام إلى ~~هذا الزمان، ولعلمه بحال الفريقين. # وستعلمون لمن تكون ms2928 له العاقبة، وقد أشار إلى هذا في هؤلاء الأنبياء ~~عليهم السلام الذين دل بقصصهم في هذه السورة على ما تقدمها من الأحكام ~~والقضايا # وكنا به عالمين # [الأنبياء: 51] { إذ قال لأبيه وقومه وكنا لحكمهم شاهدين } و # كنا بكل شيء عالمين # [الأنبياء: 88] # وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون # [الأنبياء: 109] # إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون # [الأنبياء: 110] # إن الأرض يرثها عبادي الصالحون # [الأنبياء: 105] # ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم # [النور: 55]. ### || [21.5-9] # ولما كانت أقوالهم في أمر القرآن قد اضطربت، والإضطراب من أمارات ~~الباطل، وكان وصفهم له بأنه سحر مما يهول السامع ويعلم منه أنه معجز، ~~فربما أدى إلى الاستبصار في أمره، أخبر أنهم نزلوا به عن رتبة السحر على ~~سبيل الاضطراب فقال: { بل قالوا } أي عن هذا الذكر الحكيم أنه { أضغاث ~~أحلام } أي تخاليط نائم مبناه الباطل وإن كان ربما صدق بالأخبار ببعض ~~المغيبات التي كشف الزمان عن أنها كما أخبر القرآن، ثم أنزلوا عن ذلك إلى ~~الوصف موجب لأعظم النفرة عنه وعمن ظهر عنه فقالوا: { بل افتراه } أي تعمد ~~وصفه من عند نفسه ونسبه إلى الله. # ولما كان ذلك لا ينافي كون مضمونه صادقا في نفسه، قالوا { بل هو شاعر } ~~أي يخيل ما لا حقيقة له كغيره من الشعراء، تتربص به ريب المنون لأنه بشر ~~كما تقدم، فلا بد أن يموت ونستريح بعد موته، وإليه أشار في آخر التي ~~قبلها # قل كل متربص # [طه: 135] إلى أخره، فاضطربت أقوالهم وعولوا أخيرا على قريب من السحر ~~في نفي الحقيقة. # ولما كانوا يصفون القرآن بجميع هذه الأوصاف جملة، يقولون لكل شخص ما ~~رأوه أنسب له منها، نبه الله سبحانه كل من له لب على بطلانها كلها ~~بتناقضها بحرف الإضراب إشارة إلى أنه كان يجب على من قالها على قلة عقله ~~وعدم حيائه أن لا ينتقل إلى قول منها إلا بعد الإعراض عن الذي قبله، وأنه ~~مما يضرب عنه لكونه غلطا، ما قيل إلا عن سبق لسان وعدم تأمل، سترا ~~لعناده ms2929 وتدليسا لفجوره، ولو فعل ذلك لكانت جديرة بانكشاف بطلانها بمجرد ~~الانتقال فكيف عند اجتماعها. ولما كانت نسبته إلى الشعر أضعفها شأنا، ~~وأوضحها بطلانا، لم يحتج إلى إضراب عنه، وعبروا في الأضغاث بوصف القرآن ~~تأكيدا لعيبه، وفي الافتراء والشعر بوصفه صلى الله عليه وسلم لذلك. # ولما أنتج لهم ذلك على زعمهم القدح في أعظم المعجزات، سببوا عن هذا ~~القدح طلب آية فقالوا: { فليأتنا } أي دليلا على رسالته { بآية } أي ~~لأنا قد بينا بطعننا أن القرآن ليس بآية؛ ثم خيلوا النصفة بقولهم: { كما ~~} أي مثل ما، وبنوا الفعل للمفعول إشارة إلى أنه متى صحت الرسالة كان ذلك ~~بزعمهم من غير تخلف لشيء أصلا فقالوا: { أرسل الأولون* } أي بالآيات مثل ~~تسبيح الجبال، وتسخير الريح، وتفجير الماء، وإحياء الموتى، وهذا تناقض ~~آخر في اعترافهم برسالة الأولين مع معرفتهم أنهم بشر، وإنكارهم رسالته ~~صلى الله عليه وسلم لكونه بشرا، ولم يستحيوا بعد التناقض من المكابرة ~~فيما أتاهم به من انشقاق القمر، وتسبيح الحصى، ونبع الماء، والقرآن ~~المعجز، مع كونه أميا - إلى غير ذلك. # ولما أشار سبحانه إلى فساد طعنهم بما جعله هباء منثورا، وتضمن قولهم ~~الذي سببوه عنه القرار بالرسل البشريين وأياتهم، أتبعه بيان ما عليهم ~~فيه، فبين أولا أن الآيات تكون سببا للهلاك، فقال جوابا لمن كأنه قال: ~~رب أجبهم إلى ما اقترحوه ليؤمنوا: { ما ءامنت } أي بالإجابة إلى الآيات ~~المقترحات. # ولما كان المراد استغراق الزمان، جرد الظرف عن الخافض فقال: { قبلهم } ~~أي قبل كفار مكة المقترحين عليك، وأعرق في النفي فقال: { من قرية } ولما ~~كان المقصود التهويل في الإهلاك، وكان إهلاك القرية دالا على إهلاك ~~أهلها من غير عكس، دل على إهلاك جميع المقترحين تحذيرا من مثل حالهم ~~بوصفها بقوله في مظهر العظمة المقتضي لإهلاك المعاندين: { أهلكناها } أي ~~على كثرتهم # وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح # [الإسراء: 17]، # وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون # [الشعراء: 208]، # وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا # [الإسراء: 15] " وما من الأنبياء نبي إلا أعطي من الآيات ما مثله ms2930 آمن ~~عليه البشر " وأشار بذلك إلى أنه لم يسلم عند البأس إلا قرية واحدة وهم ~~قوم يونس لأنهم آمنوا عند رؤية المخايل وقيل الشروع في الإهلاك، وهو ~~إشارة إلى أن سبب الإيمان مشيئته سبحانه لا الآيات. # ولما كانوا كمن قبلهم إن لم يكونوا دونهم، حسن الإنكار في قوله: { أفهم ~~يؤمنون* } أي كلا! بل لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب ~~الأليم حين لا ينفع الإيمان، وقد قضينا في الإزل أن لا نستأصل هذه الأمة ~~إكراما لنبيها، فنحن لا نجيبهم إلى المقترحات لذلك. # ولما بين أولا أن الآيات تكون سببا للهلاك، فلا فائدة في الإجابة إلى ~~ما اقترحوه منها بعد بطلان ما قدحوا به في القرآن، بين ثانيا بطلان ما ~~قدحوا به في الرسول بكونه بشرا، بأن الرسل الذين كانوا من قبله كانوا ~~بإقرارهم من جنسه، فما لهم أن ينكروا رسالته هو مثلهم، بل عليهم أن ~~يعترفوا له عندما أظهر من المعجز كما اعترفوا لأولئك، كل ذلك فطما عن أن ~~يتمنى أحد إجابتهم إلى التأييد بملك ظاهر، فقال عاطفا على ما " آمنت ": ~~{ وما أرسلنا }. # ولما كان السياق لإنكار أن يكون النبي بشرا، وكان الدهر كله ما خلا قط ~~جزء منه من رسالة، إما برسول قائم، وإما بتناقل أخباره، كان تعميم الزمان ~~أنسب فقال من غير حرف جر: { قبلك } أي في جميع الزمان الذي تقدم زمانك في ~~جميع طوائف البشر { إلا رجالا نوحي إليهم } بالملائكة سرا من غير أن ~~يطلع على ذلك الملك غيرهم كما اقتضته العظمة من التخصيص والاختيار ~~والإسرار عن الأغيار، وذلك من نعم الله على خلقه، لأن جعل الرسل من البشر ~~أمكن للتلقي منهم والأخذ عنهم. # ولما لم يكن لهم طريق في علم هذا إن يقبلوا خبره عن القرآن إلا سؤال من ~~كانوا يفزعون إليهم من أهل الكتاب ليشايعوهم على ما هم عليه من الشك ~~والارتياب، قال: { فسألوا أهل الذكر } ثم نبه على أنهم غير محتاجين فيه ~~إلى السؤال بما كان قد بلغهم على الآجال من أحوال ms2931 موسى وعيسى وإبراهيم ~~وإسماعيل وغيرهم عليهم الصلاة والسلام بقوله، معبرا بأداة الشكك محركا ~~لهم إلى المعالي: { إن كنتم } أي بجبلاتكم { لا تعلمون* } أي لا أهلية لك ~~في اقتناص علم، بل كنتم أهل تقليد محض وتبع صرف. # ولما بين أنه على سنة من مضى من الرسل في كونه رجلا، بين أنه على سنتهم ~~في جميع الأوصاف التي حكم بها على البشر من العيش والموت فقال: { وما ~~جعلناهم } أي الرسل الذين اخترنا بعثهم إلى الناس ليأمروهم بأوامرنا. ~~ولما كان السبب في الأكل ترتيب هذا الهيكل الحيواني على ما هو عليه لا ~~كونه متكثرا، وحد فقال { جسدا } أي ذوي جسد لحم ودم متصفين بأنهم { لا ~~يأكلون الطعام } بل جعلناهم أجسادا يأكلون ويشربون، وليس ذلك بمانع من ~~إرسالهم؛ قال ابن فارس في المجمل: وفي كتاب الخليل: إن الجسد لا يقال ~~لغير الإنسان من خلق الأرض. ثم عطف على الأول قوله: { وما كانوا خالدين* ~~} أي بأجسادهم، بل ماتوا كما مات الناس قبلهم وبعدهم، أي لم يكن ذلك في ~~جبلتهم وإنما تميزوا عن الناس بما يأتيهم عن الله سبحانه، ورسولكم صلى ~~الله عليه وسلم ليس بخالد، فتربصوا كما أشار إليه ختم طه فإنه متربص بكم ~~وأنتم عاصون للملك الذي اقترب حسابه لخلقه وهو مطيع له، فأيكم أحق ~~بالأمن؟ ولما بين أن الرسل كالمرسل إليهم بشر غير خالدين، بين سنته فيهم ~~وفي أممهم ترغيبا لمن اتبع، وترهيبا لمن امتنع، فقال عاطفا بأداة ~~التراخي في مظهر العظمة على ما أرشد إليه التقدير من مثل: بل جعلناهم ~~جسدا يأكلون ويشربون، ويعيشون إلى انقضاء آجالهم ويموتون، وأرسلناهم إلى ~~أممهم فحذروهم وأنذروهم وكلموهم كما أمرناهم، ووعدناهم أن من آمن بهم ~~أسعدناه، ومن كفر واستمر أشقيناه، وأنا نهلك من أردنا من المكذبين، فآمن ~~بهم بعض وكفر آخرون؛ فلم نعاجلهم بالأخذ بل صبرنا عليهم، وطال بلاء رسلنا ~~بهم { ثم صدقناهم } بما اقتضت عظمتنا، وأكد الأمر بتعدية الفعل من غير ~~حرف الجر فقال: { الوعد } أي بإنجائهم؛ وأشار بأداة التراخي إلى أنهم طال ~~بلاؤهم بهم ms2932 وصبرهم عليهم، ثم أحل بهم سطوته، وأراهم عظمته، ولذا قال ~~مسببا عن ذلك: { فأنجيناهم } أي الرسل بعظمتنا، ولكون السياق لأنهم في ~~غاية الغفلة التي نشأ عنها التكذيب البليغ الذي اقتضى تنويع القول به إلى ~~سحر وأضغاث وافتراء وشعر، فاقتضى مقابلته بصدق الوعد منه سبحانه، عبر ~~بالإنجاء الذي هو إقلاع من وجدة العذاب في غاية السرعة { ومن نشآء } أي ~~من تابعيهم. إشارة إلى أن سبب الإنجاء المشيئة لا أن التصديق موجب له، ~~لأنه لا يجب عليه سبحانه وتعالى شيء { وأهلكنا } أي بما يقتضيه الحكمة { ~~المسرفين* } كلهم الذين علمنا أن الإسراف لهم وصف لازم لا ينفكون عنه. ### || [21.10-15] # ولما انقضى ما لزمهم بسبب الإقرار برسلية البشر من الإقرار برسلية ~~رسولهم صلى الله عليه وسلم لكونه مساويا لهم في النوع والإتيان بالمعجز، ~~وما فعل بهم وبأممهم ترغيبا وترهيبا، وختم ذلك بأنه أباد المسرفين، ~~ومحا ذكرهم إلا بالبشر، التفت إلى الذكر الذي طعنوا فيه، فقال مجيبا لمن ~~كأنه قال: هذا الجواب عن الطعن في الرسول قد عرف، فما الجواب عن الطعن في ~~الذكر؟ معرضا عن جوابهم لما تقدم من الإشارة بحرف الإضراب إلى أن ما ~~طعنوا به فيه لا يقوله عاقل، مبينا لما لهم فيه من الغبطة التي هم لها ~~رادون، والنعمة التي هم بها كافرون: { لقد } أي وعزتنا لقد { أنزلنا } ~~بما لنا من العظمة { إليكم } يا معشر قريش بل العرب قاطبة { كتابا } أي ~~جامعا لجميع المحاسن لا يغسله الماء ولا يحرقه النار { فيه ذكركم } طوال ~~الدهر بالخير إن أطعتم، والشر إن عصيتم، وبه شرفكم على سائر الأمم بشرف ~~ما فيه من مكارم الأخلاق التي كنتم تتفاخرون بها وبشرف نبيكم الذي تقولون ~~عليه الأباطيل، وتكثرون فيه القال والقيل. # ولما تم ذلك على هذا الوجه، نبه أنه يتعين على كل ذي لب الإقبال عليه ~~والمسارعة إليه، فحسن جدا قوله منكرا عليهم منبها على أن علم ذلك لا ~~يحتاج إلى غير العقل المجرد عن الهوى: { أفلا تعقلون* }. # ولما كان التقدير: فإن عدلتم بقبوله شرفناكم، وإن ظلمتم ms2933 برده عنادا ~~أهلكناكم كما أهلكنا من كان قبلكم، عطف عليه قوله: { وكم قصمنا } أي ~~بعظمتنا { من قرية } جعلناها كالشيء اليابس الذي كسر فتباينت أجزاؤه، ~~والإناء الذي فت فانكب ماؤه؛ وأشار بالقصم الذي هو أفظع الكسر إلى أنها ~~كانت باجتماع الكلمة وشدة الشكيمة كالحجر الرخام في الصلابة والقوة، و " ~~كم " في هذا السياق يقتضي الكثرة، ثم علل إهلاكها وانتقالها بقوله: { ~~كانت ظالمة } ثم بين الغنى عنها بقوله: { وأنشأنا } أي بعظمتنا. # ولما كان الدهر لم يخل قط بعد آدم من إنشاء وإفناء، فكان المراد أن ~~الإنشاء بعد الإهلاك يستغرق الزمان على التعاقب، بيانا لأن المهلكين ~~ضروا أنفسهم من غير افتقار إليهم، اسقط الجار فقال: { بعدها قوما } أي ~~أقوياء، وحقق أنهم لا قرابة قريبة بينهم بقوله: { ءاخرين* } ثم بين حالها ~~عند إحلال البأس بها فقال: { فلما أحسوا * } أي أدرك أهلها بحواسهم { ~~بأسنا } أي بما فيه من العظمة { إذا هم } أي من غير توقف أصلا { منها } ~~أي القرية { يركضون* } هاربين عنها مسرعين كمن يركض الخيل - أي يحركها - ~~للعدو، بعد تجبرهم على الرسل وقولهم لهم # لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا # [إبراهيم: 13] فناداهم لسان الحال تقريعا تبشيعا لحالهم وتفظيعا: { ~~لا تركضوا } وصور التهكم بهم بأعظم صورة فقال: { وارجعوا } إلى قريتكم { ~~إلى ما }. # ولما كان التأسيف إنما هو على العيش الرافه لا على كونه من معط معين، ~~بني للمفعول قوله: { أترفتم فيه } أي منها، ويجوز أن يكون بني للمجهول ~~إشارة إلى غفلتهم عن العلم لمن أترفهم أو إلى أنهم كانوا ينسبون نعمتهم ~~إلى قواهم، ولو عدوها من الله لشكروه فنفعهم. ولما كان أعظم ما يؤسف عليه ~~بعد العيش الناعم المسكن، قال: { ومساكنكم } أي التي كنتم تفتخرون بها ~~على الضعفاء من عبادي بما أتقنتم من بنائها، وأوسعتم من فنائها، وعليتم ~~من مقاعدها، وحسنتم من مشاهدها ومعاهدها { لعلكم تسألون* } في الإيمان ~~بما كنتم تسألون، فتابوا بما عندكم من الأنفة ومزيد الحمية والعظمة، أو ~~تسألون في الحوائج والمهمات، كما يكون الرؤساء في مقاعدهم العلية، ~~ومراتبهم البهية، فيجيبون سائلهم ms2934 بما شاؤوا على تؤدة وأحوال مهل تخالف ~~أحوال الراكض العجل # أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال # [إبراهيم: 44]. # ولما كان كأنه قيل: بما أجابوا هذا المقال؟ قيل { قالوا } حين لا نفع ~~لقولهم عند نزول البأس: { يا ويلنا } إشارة إلى أنه حل بهم لأنه لا ينادي ~~إلا القريب، وترفقا له كما يقول الشخص لمن يضربه: يا سيدي - كأنه يستغيث ~~به ليكف عنه، وذلك غباوة منهم، وعمى عن الذي أحله بهم، لأنهم كالبهائم لا ~~ينظرون إلا السبب الأقرب؛ ثم عللوا حلوله بهم تأكيدا لترفقهم بقولهم: { ~~إنا كنا } أي جبلة لنا وطبعا { ظالمين* } حيث كذبنا الرسل، وعصينا أمر ~~ربنا، فاعترفوا حيث لم ينفعهم الاعتراف لفوات محله { فما } أي فتسبب عن ~~إحلالنا ذلك البأس بهم أنه ما { زالت تلك } أي الدعوة البعيدة عن الخير ~~والسلامة، وهي قولهم: يا ويلنا { دعواهم } يرددونها لا يكون دعوى لهم ~~غيرها، لأن الويل ملازم لهم غير منفك عنهم، وترفقهم له غير نافعهم { حتى ~~جعلناهم } بما لنا من العظمة { حصيدا } كالزرع المحصود. # ولما كان هذا وما بعده مثل حلو حامض في الزمان، جعلا خبرا واحدا ليكون ~~" جعل " مقتصرا على مفعولين فقال: { خامدين* } أي جامعين للانقطاع ~~والخفوت، لا حركة لهم ولا صوت، كالنار المضطرمة إذا بطل لهيبها ثم جمرها ~~وصارت رمادا، ولم يك ينفعهم إيمانهم واعترافهم بالظلم وخضوعهم لما رأوا ~~بأسنا. ### || [21.16-20] # ولما ذمهم باللعب وبين أنه يفعل في إهلاك الظلم وإنجاء العدل فعل الجاد ~~بإحقاق الحق بالانتقام لأهله، وإزهاق الباطل باجتثاثه من أصله، فكان ~~التقدير: وما ينبغي لنا أن نفعل غير ذلك من أفعال الحكمة العرية عن ~~اللعب، فلم نخلق الناس عبثا يعصوننا ولا يؤاخذون، عطف عليه قوله: { وما ~~خلقنا } أي بعظمتنا التي تقتضي الجد ولا بد. # ولما كان خلق السماء واحدة يكفي في الدلالة على الحكمة فكيف بأكثر منها! ~~وحد فقال: { السماء } أي على علوها وإحكامها { والأرض } على عظمها ~~واتساعها { وما بينهما } مما دبرناه لتمام المنافع من أصناف البدائع ~~وغرائب الصنائع { لاعبين* } غير مريدين بذلك تحقيق الحقائق ms2935 وإبطال ~~الأباطيل، بل خلقنا لكم ذلك آية عظيمة كافية في الوصول إلينا ليظهر العدل ~~في جزاء كل بما يستحق، مشحونة بما يقوت الأجسام، ويهيج النفوس، ويشرح ~~الصدور، ويريح الأرواح ويبعث إلى الاعتبار، كل من له استبصارا، ~~للدلالة على حكمتنا ووجوب وحدانيتنا فاتخذتم أنتم ما زاد على الحاجة ~~لهوا صادا عن الخير، داعيا إلى الضير. # ولما نفى عنه اللعب، أتبعه دليله فقال: { لو أردنا } أي على عظمتنا { أن ~~نتخذ لهوا } يكون لنا ومنسوبا في لهوه إلينا، واللهو - قال الأصفهاني: ~~صرف الهم عن النفس بالقبيح. { لاتخذناه } أي بما لنا من العظمة { من لدنا ~~} أي مما يليق أن ينسب إلى حضرتنا بما لنا من تمام القدرة وكمال العظمة، ~~وباهر الجلالة والحكمة، وذلك بأن يكون محض لهو لا جد فيه أصلا، ولا ~~يخلطه شيء من الكدر، ولا يتوقف من يراه في تسميته لهوا، لا يكون له عنده ~~اسم غير ذلك كما لو أن شمسا أخرى وجدت لم يتوقف أحد في تسميتها شمسا ~~كما قال تعالى في السورة الماضية # وقد ءاتيناك من لدنا ذكرا # [طه: 99] أي فهو بحيث لا يتوقف أحد في أنه من عندنا، وأنه ذكر وموعظة ~~كما مضى، لكنا لم نرد ذلك فلم يكن، وما اتخذتموه لهوا فإنا خلقناه لغير ~~ذلك بدليل ما فيه من الشواغل والمنغصات والقواطع فاتخذتموه أنتم من عند ~~أنفسكم لهوا، فكان أكثره لكم ضرا وعليكم شرا، وخص الحرالي { عند } بما ~~ظهر، و { لدن } بما بطن، فعلى هذا يكون المراد: من حضرتنا الخاصة بنا ~~الخفية التي لا يطلع عليها غيرنا، لأن ما للملك لا يكون مبتذلا، وكذلك ~~لم يذكر إلا ما يتحقق المكذبون بالبعث رؤيته فوحد السماء هنا وجمعها في ~~غير هذا الموضع لاقتضاء الحال ذلك. # ولما كان هذا مما ينبغي أن تنزه الحضرة القدوسية عنه وعن مجرد ذكره ولو ~~على سبيل الفرض، أشار إلى ذلك بأداة شرط أخرى فقال: { إن كنا فاعلين* } ~~أي له، ولكنه لا يليق بجنابنا فلم نفعله ولا نكون فاعلين له { بل } ~~وإشعار لهذا المعنى بالقذف ms2936 والدمغ تصويرا للحق بجعل الحق كأنه جرم صلب ~~كالصخرة قذف بها على جرم رخو أجوف فقال: { نقذف } أي إنما شأننا أن نرمي ~~رميا شديدا { بالحق } الذي هو هذا الذكر الحكيم الذي أنزلناه جدا كله ~~وثباتا جميعه لا لهو فيه ولا باطل، ولا هو مقارب لشيء منهما، ولا تقدرون ~~أن تتخذوا شيئا منه لهوا اتخاذا يطابقكم عليه منصف، فنحن نقذف به { ~~على الباطل } الذي أحدثتموه من غير أنفسكم { فيدمغه } أي فيمحقه محق ~~المكسور الدماغ { فإذا هو } في الحال { زاهق } أي ذاهب الروح أي هالك؛ ثم ~~عطف على ما أفادته " إذا " قوله: { ولكم } أي وإذا لكم أيها المبطلون { ~~الويل مما تصفون* } أي من وصفكم لكل شيء بما تهوى أنفسكم من غير إذن منا ~~لكم، لأنكم لا تقفون على حقائق الأمور، فإن وصفتم القرآن بشيء مما تقدم ~~ثم قذفنا عليه بما يبين بطلانه، بان لكل عاقل أنه يجب عليكم أن تنادموا ~~الويل بميلكم كل الميل، وإن وصفتم الله أو الدنيا أو غيرهما فكذلك إنما ~~أنتم متعلقون بقشور وظواهر لا يرضاها إلا بعيد عن العقل محجوب عن ~~الإدراك؛ ثم عطف أيضا على ما لزم من ذلك القذف قوله: { وله من في ~~السماوات } أي الأجرام العالية وهي ما تحت العرش، وجمع السماء هنا لا ~~قتضاء تعميم الملك ذلك. # ولما كانت عقولهم لا تدرك تعدد الأراضي، وحد فقال: { والأرض } أي ومن ~~فيها، وذلك شامل - على أن التعبير بمن لتغليب العقلاء - للسماوات والأرض، ~~لأن الأرض في السماوات، وكل سماء في التي فوقها، والعليا في العرش وهو ~~سبحانه ذو العرش العظيم - كما سيأتي قريبا، فدل ذلك دلالة عقلية على أنه ~~مالك الكل وملكه. # ولما كانوا يصفون الملائكة بما لهم الويل من وصفه، خصهم بالذكر معبرا ~~عن خصوصيتهم وقربهم بالعندية تمثيلا بما نعرف من أصفياء الملوك عند ~~التعبير بعند من مجرد القرب في المكانة لا في المكان فقال: { ومن عنده } ~~أي هم له حال كونهم { لا يستكبرون عن عبادته } بنوع كبر طلبا ولا ~~إيجادا { ولا يستحسرون* } أي ولا يطلبون ms2937 أن ينقطعوا عن ذلك فأنتج ذلك ~~قوله: { يسبحون } أي ينزهون المستحق للتنزيه بأنواع التنزيه من الأقوال ~~والأفعال التي هي عبادة، فهي مقتضية مع نفي النقائص إثبات الكمال { اليل ~~والنهار } أي في جميع آنائهما دائما. ولما لم يصرح هنا بإنكار منهم، ولا ~~ما يستلزمه من الاستكبار، لم يؤكد لا عطف بالواو فقال: { لا يفترون* } عن ~~ذلك في وقت من الأوقات بخلاف ما في { فصلت } فإن الأمر فيها مبني على حد ~~استكبارهم المستلزم لأنكارهم المقتضي للتأكيد، وكل هذا في حيز { إذا } أي ~~إذا أنزلنا شيئا من القرآن منبها على أقاويلكم مبينا لأباطيلكم، فاجأه ~~ظهور الزهوق للباطل، والويل لكم والملك له سبحانه منزها عن كل نقص ~~ثابتا له بالعبادة كل كمال، ويجوز أن يعطف على { نقذف }. ### || [21.21-28] # ولما كانوا عند هذا البيان جديرين بأن يبادروا إلى التوحيد فلم يفعلوا، ~~كانوا حقيقين بعد الإعراض عنهم - بالتوبيخ والتهكم والتعنيف فقال تعالى: ~~{ أم اتخذوا } أي أعلموا أن كل شيء تحت قهره نافذ فيه أمره فرجعوا عن ~~ضلالهم، أم لم يعلموه، أو عملوا ما ينافيه فاتخذوا { ءالهة }. # ولما كانت معبوداتهم أصناما أرضية من حجارة ونحوها قال: { من الأرض } ~~أي التي هم مشاهدون لأنها وكل ما فيها طوع مشيئته { هم } أي خاصة { ~~ينشرون* } أي يحيون شيئا مما فيها من الأجسام النامية حتى يستحقوا بذلك ~~صفة الإلهية، وإفادة السياق الحصر تفيد أنه لو وقع الإنشاء لأحد على وجه ~~يجوز مشاركة غيره له لم يستحق العبادة، وفي هذا الاستفهام تهكم بهم ~~بالإشارة إلى أنهم عبدوا ما هو من أدنى ما في الأرض مع أنه ليس في الأرض ~~ما يستحق أن يعبد، لأن الإنسان أشرف ما فيها، ولا يخفى ما له من الحاجة ~~المبعدة من تلك الرتبة الشماء. # ولما كان الجواب قطعا: لم يتخذوا آلهة بهذا الوصف، ولا شيء غيره سبحانه ~~يستحق وصف الإلهية، أقام البرهان القطعي على صحة نفي إله غيره ببرهان ~~التمانع، وهو أشد برهان لأهل الكلام فقال: { لو كان فيهما } أي السماوات ~~والأرض، أي في تدبيرهما. # ولما كان ms2938 الأصل فيما بعد كل من " إلا " و " غير " أن يكون من جنس ما ~~قبلهما وإن كان مغايرا له في العين، صح وضع كل منهما موضع الآخر، واختير ~~هنا التعبير بأداة الاستثناء والمعنى للصفة إذ هي تابعة لجميع منكور غير ~~محصور الإفادة إثبات الإلهية له سبحانه مع النفي عما عداه، لأن { لولا } ~~- لما فيها من الامتناع - مفيدة للنفي، فالكلام في قوة أن يقال " ما ~~فيهما " { ءالهة إلا الله } أي مدبرون غير من تفرد بصفات الكمال، ولو كان ~~فيهما آلهة غيره { لفسدتا } لقضاء العادة بالخلاف بين المتكافئين المؤدي ~~إلى ذلك، ولقضاء العقل بإمكان الاختلاف اللازم منه إمكان التمانع اللازم ~~منه إمكان عجز أحدهما اللازم منه أن لا يكون إلها لحاجته، وإذا انتفى ~~الجمع، انتفى الاثنان من باب الأولى، لأن الجمع كلما زاد حارب بعضهم ~~بعضا فقل الفساد كما نشاهد. # ولما أفاد هذا الدليل أنه لا يجوز أن يكون المدبر لها إلا واحدا، وأن ~~ذلك الواحد لا يكون إلا الله قال: { فسبحان الله } أي فتسبب عن ذلك تنزه ~~المتصف بصفات الكمال { رب العرش } أي الذي هو نهاية المعلومات من ~~الأجسام، ورب ما دونه من السماوات والأراضي وما فيهما المتفرد بالتدبير، ~~كما يتفرد الملك الجالس على السرير { عما يصفون* } مما يوهم نقصا ما، ثم ~~علل ذلك بقوله: { لا يسأل } أي من سائل ما { عما يفعل } أي لا يعترض عليه ~~لأنه لا كفوء له في علم ولا حكمة ولا قدرة ولا عظمة ولا غير ذلك، فليس في ~~شيء من أفعاله لإتقانها موضع سؤال، فمهما أراد كان ومهما قال فالحسن ~~الجميل، فلو شاء لعذب أهل سماواته وأهل أرضه، وكان ذلك منه عدلا حسنا، ~~وهذا مما يتمادح به أولو الهمم العوال، كما قال عامر الخصفي في هاشم بن ~~حرملة بن الأشعر: # أحيا أباه هاشم بن حرملة # يوم الهباءات ويوم اليعمله # ترى الملوك عنده مغربلة # يقتل ذا الذنب ومن لا ذنب له # قال ابن هشام في مقدمة السيرة قبل " أمر البسل " بقليل: أنشدني أبو ~~عبيدة هذه الأبيات وحدثني ms2939 أن هاشم قال لعامر: قل في بيتا جيدا أثبك ~~عليه، فقال عامر البيت الأول فلم يعجب هاشما، ثم قال البيت الثاني فلم ~~يعجبه، ثم قال الثالث فلم يعجبه، فلما قال الرابع " ويقتل ذا الذنب ومن ~~لا ذنب له " أعجبه فأثابه عليه، ومن أعجب ما رأيت في حكم الأقدمين أن ~~الشهر ستاني قال في الملل: وقد سأل بعض الدهرية أرسطاطاليس فقال: إذا كان ~~لم يزل ولا شيء غيره ثم أحدث العالم فلم أحدثه؟ فقال: " لم " غير جائز ~~عليه، لأن لم تقتضي علة والعلة محمولة فيما هي علة له من معل فوقه ولا ~~علة فوقه، وليس بمركب فتحمل ذاته العلل، فلم عنه منفية. { وهم يسألون* } ~~من كل سائل لما في أفعالهم من الاختلال بل يمنعون عن أكثر ما يريدون. # ولما قام الدليل، ووضح السبيل، واضمحل كل قال وقيل، فانمحقت الأباطيل، ~~قال منبها لهم على ذلك: { أم } أي أرجعوا عن ضلالهم لما بان لهم غيهم ~~فيه فوحدوا الله أم { اتخذوا } ونبه على أن كل شيء دونه وأثبت أن آلهتهم ~~بعض من ذلك بإثبات الجار فقال منبها لهم مكررا لما مضى على وجه أعم، ~~طالبا البرهان تلويحا إلى التهديد: { من دونه ءالهة } من السماء أو ~~الأرض وغيرهما. # ولما كان جوابهم: اتخذنا، ولا يرجع أمره بجوابهم فقال: { قل هاتوا ~~برهانكم } على ما ادعيتموه من عقل أو نقل كما أثبت أنا ببرهان النقل ~~المؤد بالعقل. # ولما كان الكريم سبحانه لا يؤاخذ بمخالفة العقل ما لم ينضم إليه دليل ~~النقل، أتبعه قوله مشيرا إلى ما بعث الله به الرسل من الكتب: { هذا ذكر ~~} أي موعظة وشرف { من معي } ممن آمن بي وقد ثبت أنه كلام الله بعجزكم عن ~~معارضته فانظروا هل تجدون فيه شيئا يؤيد أمركم { وذكر } أي وهذا ذكر { ~~من قبلي } فاسألوا أهل الكتابين هل في الكتاب منهما برهان لكم. # ولما كانوا لا يجدون شبهة لذلك فضلا عن حجة اقتضى الحال الإعراض عنهم ~~غضبا، فكان كأنه قيل: لا يجدون لشيء من ذلك برهانا { بل أكثرهم } أي ms2940 ~~هؤلاء المدعوين { لا يعلمون الحق } بل هم جهلة والجهل أصل الشر والفساد، ~~فهم يكفرون تقليدا { فهم } أي فتسبب عن جهلهم ما افتتحنا به السورة من ~~أنهم { معرضون* } عن ذكرك وذكر من قبلك غفلة منهم عما يراد بهم وفعلا ~~باللعب فعل القاصر عن درجة العقل، وبعضهم معاند مع علمه الحق، وبعضهم ~~يعلم فيفهم - كما أفهمه التقييد بالأكثر. # ولما كان التقدير بيانا لما في الذكرين: ولو أقبلوا على الذكر لعلموا ~~أنا أوحينا إليك في هذا الذكر أنه لا إله ألا أنا، ما أرسلناك إلا لنوحي ~~إليك ذلك، عطف عليه قوله: { وما أرسلنا } أي بعظمتنا. # ولما كان الإرسال بالفعل غير مستغرق للزمان المتقدم لأنه كما أن الرسالة ~~لا يقوم بها كل أحد، فكذلك الإرسال لا يصلح له كل زمن، أثبت الجار فقال: ~~{ من قبلك } وأعرق في النفي فقال: { من رسول } في شيع الأولين { إلا نوحي ~~إليه } من عندنا { أنه لا إله إلا أنا } ولم يقل: نحن، لئلا يجعلوها ~~وسيلة إلى شبهة، ولذا قال: { فاعبدون* } بالإفراد، وترك التصريح بالأمر ~~بالتخصيص بالعبادة لفهمه من المقام والحال، فإنهم كانوا قبل ذلك يعبدونه ~~ولكنهم يشركون تنبيها على أن كل عبادة فيها شوب شرك عدم. # ولما دل على نفي مطلق الشريك عقلا ونقلا، فانتفى بذلك كل فرد يطلق ~~عليه هذا الاسم، عجب من ادعائهم الشركة المقيدة بالولد، فقال عاطفا على ~~قوله # وأسروا النجوى # [طه: 62]: { وقالوا } قيل: الضمير لخزاعة حيث قالوا: الملائكة بنات ~~الله، وقيل: لليهود حيث قالوا: إنه سبحانه صاهر الجن فكانت منهم ~~الملائكة: { اتخذ } أي تكلف كما يتكلف من يكون له ولد { الرحمن } أي الذي ~~كل موجود من فيض نعمته { ولدا }. # ولما كان ذلك أعظم الذنب، نزه نفسه سبحانه عنه بمجمع التنزيه فقال: { ~~سبحانه } أي تنزه عن أن يكون له ولد، فإن ذلك يقتضي المجانسة بينه وبين ~~الولد، ولا يصح مجانسة النعمة للمنعم الحقيقي { بل } الذي جعلوهم له ~~ولدا وهم الملائكة { عباد } من عباده، أنعم الله عليهم بالإيجاد كما ~~أنعم على غيرهم لا أولاد، فإن العبودية تنافي ms2941 الولدية { مكرمون* } ~~بالعصمة من الزلل، ولذلك فسر الإكرام بقوله: { لا يسبقونه } أي لا يسبقون ~~إذنه { بالقول } أي بقولهم، لأنهم لا يقولون شيئا لم يأذن لهم فيه ~~ويطلقه لهم. # ولما كان الواقف عما لم يؤذن له فيه قد لا يفعل ما أمر به قال: { وهم ~~بأمره } أي خاصة إذا أمرهم { يعملون* } لا بغيره لأنهم في غاية المراقبة ~~له فجمعوا في الطاعة بين القول والفعل وذلك غاية الطاعة؛ ثم علل إخباره ~~بذلك بعلمه بما هذا المخبر به مندرج فيه فقال: { يعلم ما بين أيديهم } أي ~~مما لم يعملوه { وما خلقهم } مما عملوه، أو يكون الأول لما عملوه والثاني ~~لما لم يعلموه، لأنك تطلع على ما قدامك ويخفى عليك ما خلفك، أي أن علمه ~~محيط بأحوالهم ماضيا وحالا ومآلا، لا يخفى عليه خافية؛ ثم صرح بلازم ~~الجملة الأولى فقال: { ولا يشفعون } أي في الدنيا ولا في الآخرة { إلا ~~لمن ارتضى } فلا تطمعوا في شفاعتهم لكم بغير رضاه، وبلازم الجملة الثانية ~~فقال: { وهم من خشيته } أي لا من غيرها { مشفقون* } أي دائما. ### || [21.29-31] # ولما نفى الشريك مطلقا ثم مقيدا بالولدية، أتبعه التهديد على ادعائه ~~بتعذيب المتبوع الموجب لتعذيب التابع فقال: { ومن يقل منهم } أي من كل من ~~قام الدليل على أنه لا يصلح للإلهية حتى العباد المكرمون الذين وصف ~~كرامتهم وقرب منزلتهم عنده وأثنى عليهم كما رواه البيهقي في الخصائص من ~~الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما: { إني إله } ولما كانت الرتب التي ~~تحت رتبة الإلهية كثيرة، بعض ليدل على من استغرق بطريق الأولى فقال: { ~~من دونه } أي من دون الله { فذلك } أي اللعين الذي لا يصلح للتقريب أصلا ~~ما دام على ذلك { نجزيه } أي بعظمتنا { جهنم } لظلمه، فأفهم تعذيب مدعي ~~الشرك تعذيب أتباعه من باب الأولى، وهو على سبيل الفرض والتمثيل في ~~الملائكة من إحاطة علمه بأنه لا يكون، وما ذاك إلا لقصد تفظيع أمر الشرك ~~وتعظيم شأن التوحيد، وفي دلائل النبوة للبيهقي في باب التحدث بالنعمة ~~والخصائص أن هذه الآية مع ms2942 قوله تعالى # ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك # [الفتح: 2] دليل على فضله صلى الله عليه وسلم على أهل السماء. # ولما كان مقتضيا للسؤال عن غير هذا من الظلمة، قيل: { كذلك } أي مثل ~~هذا الجزاء الفظيع جدا { نجزي الظالمين* } كلهم ما داموا على ظلمهم. # ولما أنكر سبحانه اتخاذهم آلهة من دونه تارة بقيد كونها أرضية، وتارة ~~بقيد كونها سماوية، وتارة مطلقة، لتعم كلا من القسمين وغيرهما، واستدل ~~على ذلك كله بما لم تبق معه شبهة، فدل تفرده على أنه لا مانع له مما يريد ~~من بعث ولاغيره، وكان علمهم لا يتجاوز ما في السماوات والأرض، قال ~~مستدلا على ذلك أيضا مقررا بما يعلمونه، أو ينبغي أن يسألوا عنه حتى ~~يعلموه لتمكنهم من ذلك { فاسألوا أهل الذكر } جليا له في أسلوب العظمة: ~~{ أولم } أي ألم يعلموا ذلك بما أوضحنا من أدلته ولم يروا، ولكنه أظهر ~~للدلالة على أنهم يغطون أنوار الدلائل عنادا فقال: { ير } أي يعلم علما ~~هو كالمشاهدة { الذين كفروا } أي ستروا ما يعلمون من قدرة الله فأدى ذلك ~~إلى الاستهانة والتنقص فصار ذنبهم غير مغفور، وسعيهم غير مشكور، وحذف ابن ~~كثير الواو العاطفة على ما قدرته مما هدى إليه السياق أيضا، لا ~~للاستفهام بما دل عليه ختام الآية التي قبل من البعث والجزاء المقتضي ~~للإنكار على من أنكره، فكان المعنى على قراءته: نجزي كل ظالم بعد البعث، ~~ألم ير المنكرون لذلك قدرتنا عليه بما أبدعنا من الخلائق، وإنما أنكر ~~عليهم عدم الرؤية بسبب أن الأجسام وإن تباينت لا ينفصل بعضها عن بعض إلا ~~بقادر يفصل بينها، فمن البديهي الاستحالة أن يرتفع شيء منها عن الآخر ~~منفصلا عنه بغير رافع لا سيما إذا كان المرتفع ثابتا من غير عماد، فكيف ~~وهو عظيم الجسم كبير الجرم؟ وذلك دال على تمام القدرة والاختيار والتنزه ~~عن كل شائبة نقص من مكافىء وغيره، فصح الإنكار عليهم في عدم علم ذلك بسبب ~~أنهم عملوا بخلاف ما يعلمونه { أن السماوات والأرض }. # ولما كان المراد الإخبار عن ms2943 الجماعتين لا عن الأفراد قال: { كانتا } ~~ولما كان المراد شدة الاتصال والتلاحم، أخبر عن ذلك بمصدر مفرد وضع موضع ~~الاسم فقال: { رتقا } أي ملتزقتين زبدة واحدة على وجه الماء، والرتق في ~~اللغة: السد، الفتق: الشق { ففتقناهما } أي بعظمتنا أي بأن ميزنا إحداهما ~~عن الأخرى بعد التكوين المتقن وفتقنا السماء بالمطر، والأرض بأنواع ~~النبات بعد أن لم يكن شيء من ذلك، ولا كان مقدورا على شيء منه لأحد ~~غيرنا؛ عن ابن عباس رضي الله عنهما وعطاء والضحاك وقتادة: كانتا شيئا ~~واحدا ملتزقتين ففضل الله تعالى بينهما بالهواء. وعن مجاهد وأبي صالح ~~والسدي: كانتا مؤتلفة طبقة واحدة ففتقها فجعلها سبع سماوات، وكذلك الأرض ~~كانت مرتتقة واحدة ففتقها فجعلها سبع طبقات. # ولما كان خلق الماء سابقا على خلق السماوات والأرض، قال: { وجعلنا } أي ~~بما اقتضته عظمتنا { من الماء } أي الهامر ثم الدافق { كل شيء حي } ~~مجازا من النبات وحقيقة من الحيوان، خرج الإمام أحمد وغيره # " عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أخبرني ~~عن كل شيء، فقال: كل شيء خلق من ماء " # ولذلك أجاب النبي صلى الله عليه وسلم ذلك الذي وجده على ماء بدر وسأله: ~~ممن هو؟ بقوله: # " نحن من ماء ". # ولما كان هذا من تصرفه في هذين الكونين ظاهرا ومنتجا لأنهما وكل فيهما ~~ومن فيهما بصفة العجز عن أن يكون له تصرف ما، تسبب عنه إنكار عدم إيمانهم ~~فقال: { أفلا يؤمنون* } أي بأن شيئا منهما أو فيهما لا يصلح للإلهية، لا ~~على وجه الشركة ولا على وجه الانفراد، وبأن صانعهما ومبدع النامي من ~~حيوان ونبات منهما بواسطة الماء قادر على البعث للحساب للثواب أو العقاب، ~~بعد أن صار الميت ترابا بماء يسببه لذلك. # ولما كان من القدرة الباهرة ثبات الأرض من غير حركة، وكان الماء أدل ~~دليل على ثباتها، وكانت الأرض أقرب في الذكر من السماء، أتبع ذلك قوله: { ~~وجعلنا } بما لنا من العظمة { في الأرض } جبالا { رواسي } أي ثوابت، ~~كراهة { أن تميد بهم } وتضطرب ms2944 فتهلك المياه كل شيء حي فيعود نفعها ضرا ~~وخيرها شرا. # ولما كان المراد من المراسي الشدة والحزونة لتقوى على الثبات والتثبيت، ~~وكان ذلك مقتضيا لإبعادها وحفظها عن الذلة والليونة، بين أنه أخرق فيها ~~العادة ليعلم أنه قادر مختار لكل ما يريد فقال: { وجعلنا } بما لنا من ~~القدرة الباهرة والحكمة البالغة { فيها } أي الجبال مع حزونتها { فجاجا ~~} أي مسالك واسعة سهلة؛ ثم أبدل منها قوله: { سبلا } أي مذللة للسلوك، ~~ولولا ذلك لتعسر أو تعذر الوصول إلى بعض البلاد { لعلهم يهتدون* } إلى ~~منافعهم في ديارهم وغيرها، وإلى ما فيها من دلائل الوحدانية وغيرها ~~فيعلموا أن وجودها لو كان بالطبيعة كانت على نمط واحد مساوية للأرض ~~متساوية في الوصف، وأن كونها على غير ذلك دال على أن صانعها قادر مختار ~~متفرد بأوصاف الكمال. ### || [21.32-35] # ولما دلهم بالسماوات والأرض على عظمته، ثم فصل بعض ما في الأرض ~~لملابستهم له، وخص الجبال لكثرتها في بلادهم، أتبعه السماء فقال: { ~~وجعلنا } أي بعظمتنا { السماء } وأفردها بإرادة الجنس لأن أكثر الناس لا ~~يشاهدون منها إلا الدنيا ولأن الحفظ للشيء الواحد أتقن { سقفا } أي ~~للأرض لا فرق بينها وبين ما يعهد من السقوف إلا أن ما يعهد لا يسقط منه ~~إلا ما يضر، وهذه مشحونة بالمنافع فأكثر ما ينزل منها ما لا غنى للناس ~~عنه من الآت الضياء وعلامات الاهتداء والزينة التي لا يقدر قدرها. # ولما كان ما يعرفون من السقوف على صغرها لا تثبت إلا بالعمد، ويتمكن منه ~~المفسدون، وتحتاج كل قليل إلى إصلاح وتعهد، بين أن هذا السقف على سعته ~~وعلوه على غير ذلك فقال: { محفوظا } أي عن السقوط بالقدرة وعن الشياطين ~~بالشهب، فذكر باعتبار السقف، وأشار إلى كثرة ما حوى من الآيات مؤنثا ~~باعتبار السماء أو العدد الدال عليه الجنس، لأن العدد أولى بالدلالة على ~~كثرة الآيات والنجوم مفرقة في الكل فقال: { وهم } أي أكثر الناس { عن ~~آياتها } أي من الكواكب الكبار والصغار، والرياح والأمطار، وغير ذلك من ~~الدلائل التي تفوت الانحصار، أي الدالة على قدرتنا ms2945 على كل ما نريد من ~~البعث وغيره وعلى عظمتنا بالتفرد بالإلهية وغير ذلك من أوصاف الكمال، من ~~الجلال والجمال { معرضون* } لا يتفكرون فيما فيها من التسيير والتدبير ~~بالمطالع والمغارب والترتيب القويم الدال على الحساب الدائر عليه سائر ~~المنافع. # ولما ذكر السماء، ذكر ما ينشاء عنها فقال: { وهو } أي لا غيره { الذي ~~خلق اليل والنهار } ثم أتبعهما آيتيهما فقال: { والشمس } التي هي آية ~~النهار وبها وجوده { والقمر } الذي هو آية الليل. ولما ذكر أعظم آياتها ~~فأفهم بقية الكواكب، استأنف لمن كأنه قال: هل هي كلها في سماء واحدة؟: { ~~كل } أي من ذلك { في فلك } فكأنه قيل: ماذا تصنع؟ فقيل تغليبا لضمير ~~العقلاء... ونقلهم إليها: { يسبحون* } أي كل واحد يسبح في الفلك الذي جعل ~~به. # ولما ذكر الصارم البتار، للأعمار الطوال والقصار، من الليل والنهار، كان ~~كأنه قيل: فيفنيان كل شديد، ويبليان كل جديد، فعطف عليه قوله: { وما ~~جعلنا } أي بما لنا من العظمة التي اقتضت تفردنا بالبقاء { لبشر } وحقق ~~عدم هذا الجعل بإثبات الجار فقال: { من قبلك الخلد } ناظرا إلى قوله { ~~وما كانوا خالدين } بعد قوله { هل هذا إلا بشر مثلكم } وهذا من أقوى ~~الأدلة على أن الخضر عليه السلام مات، ويجاب بأن الحياة الطويلة ليست ~~خلدا كما في حق عيسى عليه السلام، لكن قوله صلى الله عليه وسلم: # " اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض بعد اليوم " # وقوله: " # " لا يبقى على رأس مائة سنة ممن هو على ظهر الأرض اليوم أحد " # وقوله: " # " وددنا أن موسى عليه السلام صبر فقص علينا من أمرهما " # في أمثال ذلك، يدل على موته دلالة لا تقبل ادعاء حياته بعدها إلا بأظهر ~~منه. # ولما كان قولهم # بل هو شاعر # [الأنبياء: 5] مشيرا إلى أنهم قالوا نتربص به ريب المنون كما اتفق ~~لغيره من الشعراء، وكان ينبغي أن لا ينتظر أحد لآخر من الأذى إلا ما ~~يتحقق سلامته هو منه، توجه الإنكار عليهم والتسلية له بمنع شماتتهم في ~~قوله: { أفائن } أي أيتمنون موتك فإن { مت فهم ms2946 } أي خاصة { الخالدون* } ~~فالمنكر تقدير خلودهم على تقدير موته الموجب لإنكار تمنيهم لموته، فحق ~~الهمزة دخولها على الجزاء، وهو فهم، وإنما قارنت الشرط لأن الاستفهام له ~~الصدر. # ولما تم ذلك، أنتج قطعا: { كل نفس } أي منكم ومن غيركم { ذائقة الموت } ~~أي فلا يفرح أحد ولا يحزن بموت أحد، بل يشتغل بما يهمه، وإليه الإشارة ~~بقوله: { ونبلوكم } أي نعاملكم معاملة المبتلي المختبر المظهر في عالم ~~الشهادة الشاكر والصابر والمؤمن والكافر كما هو عندنا في علام الغيب بأن ~~نخالطكم { بالشر } الذي هو طبع النفوس، فهي أسرع شيء إليه، فلا ينجو منه ~~إلا من أخلصناه لنا { والخير } مخالطة كبيرة، وأكد البلاء بمصدر من معناه ~~مقرون بالهاء تعظيما له فقال: { فتنة } أي كما يفتن الذهب إذا أريدت ~~تصفيته بمخالطة النار له، على حالة عظيمة محيلة مميلة لكم لا يثبت لها ~~إلا الموفق { وإلينا } أي بعد الموت لا إلى غيرنا { ترجعون* } للجزاء حيث ~~لا حكم لأحد أصلا لا ظاهرا ولا باطنا كما هذه الدار بنفوذ الحكم فلا ~~يكون إلا ما نريد فاشتغلوا بما ينجيكم منا، ولا تلتفتوا إلى غيره، فإن ~~الأمر صعب، وجدوا فإن الحال جد. ### || [21.36-40] # ولما أخبر سبحانه عن إعراضهم عن الساعة تكذيبا، واستدل على كونها منزهة ~~عن الغيب في خلق هذا العالم وتعاليه عن جميع صفات النقص واتصافه بأوصاف ~~الكمال إلى أن ختم ذلك بمثل ما ابتدأ به على وجه أصرح، وكان فيه تنبيههم ~~على الابتلاء وكان الابتلاء على قدر النعم، فكان صلى الله عليه وسلم أعظم ~~شيء ابتلوا به لأنه لا نعمة أعظم من النعمة به، ولا شيء أظهر من آياته ~~عطف على قوله " وأسروا النجوى " قوله: { وإذا رءاك } أي وأنت أشرف الخلق ~~وكلك جد وجلال وعظمة وكمال { الذين كفروا } فأظهر منبها على أن ظلمهم ~~الذي أوجب لهم ذلك هو الكفر وإن كان في أدنى رتبة، تبشيعا له وتنبيها ~~على أنه يطمس الفكر مطلقا. # ولما كان من المعلوم أنه صلى الله عليه وسلم في غاية البعد عن الهزء، ~~قال منبها على ms2947 أنهم أعرقوا في الكفر حتى بلغوا الذروة: { إن } أي ما { ~~يتخذونك } أي حال الرؤية، وسيعلم من يبقى منهم عما قليل أنك جد كلك { إلا ~~هزوا } أي جعلوك بحمل أنفسهم على ضد ما يعتقد عين ما ليس فيك شيء منه؛ ~~ثم بين استزاءهم به بأنهم يقولون إنكارا واستصغارا: { أهذ الذي يذكر } ~~أي بالسوء { ءالهتكم } قال أبو حيان: والذكر يكون بالخير والشر، فإذا لم ~~يذكر متعلقه فالقرينة تدل عليه - انتهى. فإذا دلت القرينة على أحدهما ~~أطلق عليه { وهم } أي والحال أنهم على حال كانوا بها أصلا في الهزء، وهي ~~أنهم { بذكر الرحمن } الذي لا نعمة عليهم ولا على غيرهم إلا منه، وكرر ~~الضمير تعظيما بما أتوا به من القباحة فقال: { هم } أي بظواهرهم ~~وبواطنهم { كافرون } أي ساترون لمعرفتهم به، فلا أعجب ممن هو محل للهزء ~~لكونه أنكر ذكر من لا نعمة منه ولا نقمة أصلا بالسوء، وهو يذكر من كل ~~نعمة منه بالسوء ويهزأ به. # ولما كان من آيات الأولين التي طلبوها العذاب بأنواع الهول، وكانوا هم ~~أيضا قد طلبوا ذلك واستعجلوا به # عجل لنا قطنا # [ص: 26] ونحو ذلك، وكان الذي جرأهم على هذا حلم الله عنهم بإمهاله لهم، ~~قال معللا لذلك: { خلق } وبناه للمفعول لأن المقصود بيان ما جبل عليه ~~والخالق معروف { الإنسان } أي هذا النوع. # ولما كان مطبوعا على العجلة قال: { من عجل } فلذا يكفر، لأنه إذا خولف ~~بادر إلى الانتقام عند القدرة فظن بجهله أن خالقه كذلك، وأن التأخير ما ~~هو إلا عن عجز أو عن رضى؛ ثم قال تعالى مهددا للمكذبين: { سأوريكم } ~~حقا { ءاياتي } القاصمة والعاصمة، بهجرة النبي صلى الله عليه وسلم ومن ~~عندكم من أتباعه المستضعفين وخلافتهم بين أيديكم وجعلهم شجا في حلوقكم ~~حتى يتلاشى ما أنتم عليه وغيره ذلك من العظائم { فلا تستعجلون* } أي ~~تطلبوا أن أوجد العجلة بالعذاب أو غيره، فإني منزه عن العجلة التي هي من ~~جملة نقائصكم. # ولما ذم العجلة وهي إرادة الشيء قبل أوانه، ونهى عنها، قال دالا عليها ~~عاطفا على عامل ms2948 { هذا }: { ويقولون } أي في استهزائهم بأولياء الله: { ~~متى هذا } وتهكموا بقولهم: { الوعد } أي بإتيان الآيات من الساعة ~~ومقدماتها وغيرها، وزادوا في الإلهاب والتهييج تكذيبا فقالوا: { إن كنتم ~~صادقين* } أي عريقين في هذا الوصف جدا - بما دل عليه الوصف وفعل الكون. # ولما غلوا في الاستهزاء فكانوا أجهل الجهلة باستحالة الممكن، استأنف ~~الجواب عن كلامهم بنفي العلم عنهم في الحال والمآل دون المعاينة على طريق ~~التهكم والاستهزاء بهم: { لو يعلم الذين كفروا } وذكر المفعول به فقال: { ~~حين } أي لو تجدد لهم علم ما بالوقت الذي يستعجلون به؛ وذكر ما أضيف إليه ~~ذلك الوقت فقال: { لا يكفون } أي فيه بأنفسهم { عن وجوههم } التي هي أشرف ~~أعضائهم { النار } استسلاما وضعفا وعجزا { ولا عن ظهورهم } التي هي ~~أشد أجسادهم، فعرف من هذا أنها قد أحاطت بهم وأنهم لا يكفون عن غير هذين ~~من باب الأولى { ولا هم ينصرون* } أي ولا يتجدد لهم نصر ظاهرا ولا ~~باطنا بأنفسهم ولا بغيرهم، لم يقولوا شيئا من ذلك الكفر والاستهزاء ~~والاستعجال، ولكنهم لا يعلمون ذلك بنوع من أنواع العلم إلا عند الوقوع ~~لأنه لا أمارة لها قاطعة بتعيين وقتها ولا تأتي بالتدريج كغيرها، وهذا ~~معنى { بل تأتيهم } أي الساعة التي هي ظرف لجميع تلك الأحوال وهي معلومة ~~لكل أحد فهي مستحضرة في كل ذهن { بغتة فتبهتهم } أي تدعهم باهتين حائرين؛ ~~ثم سبب عن بهتهم قوله: { فلا يستطيعون ردها } أي لا يطلبون طوع ذلك لهم ~~في ذلك الوقت ليأسهم عنه { ولا هم ينظرون* } أي يمهلون من ممهل ما ~~ليتداركوا ما أعد لهم فيها، فيا شدة أسفهم على التفريط في الأوقات التي ~~أمهلوا فيها في هذه الدار، وصرفهم إياها في لذات أكثرها أكدار. ### || [21.41-44] # ولما كان التقدير حاق بهم هذا باستهزائهم بك، تبعه ما يدل على أن الرسل ~~في ذلك شرع واحد، تسلية له صلى الله عليه وسلم وتأسية، فقال عاطفا على { ~~وإذا رءاك }: { ولقد } مؤكدا له لمزيد التسلية بمساواة إخوانه من الرسل ~~وبتعذيب أعدائه. ولما كان المخوف نفس الاستهزاء لا ms2949 كونه من معين، بني ~~للمفعول قوله: { استهزئ برسل } أي كثيرين. # ولما كان معنى التنكير عدم الاستغراق، أكده بالخافض فقال: { من قبلك ~~فحاق } أي فأحاط { بالذين سخروا منهم } لكفرهم { ما كانوا } بما هو لهم ~~كالجبلة { به يستهزءون* } من الوعود الصادقة كبعض من سألوه الإتيان بمثل ~~آياتهم كقوم نوح ومن بعدهم. # ولما هددهم بما مضى مما قام الدليل على قدرته عليه، وختمه - لوقوفهم مع ~~المحسوسات - بما وقع لمن قبلهم، وكان الأمان عن مثل ذلك لا يكون إلا بشيء ~~يوثق به، أمره أن يسألهم عن ذلك بقوله: { قل من يكلؤكم } أي يحفظكم ~~ويؤخركم ويكثر رزقكم، وهو استفهام توبيخ. # ولما استوى بالنسبة إلى قدرته حذرهم وغفلتهم، قال: { باليل } أي وأنتم ~~نائمون. ولما كانت مدافعة عذابه سبحانه غير ممكنة لنائم ولا يقظان قال: { ~~والنهار } أي وأنتم مستيقظون. ولما كان لا منعم بكلاية ولا غيرها سواه ~~سبحانه، ذكرهم بذلك بصفة الرحمة فقال: { من الرحمن } الذي لا نعمة بحراسة ~~ولا غيرها إلا منه حتى أمنتم مكره ولو بقطع إحسانه، فكيف إذا ضربتم بسوط ~~جبروته وسطوة قهرة وعظموته. # ولما كان الجواب قطعا: ليس لهم من يكلؤهم منه وهو معنى الاستفهام ~~الإنكاري، قال مضربا عنه: { بل هم } أي في أمنهم من سطواته { عن ذكر ~~ربهم } الذي لا يحسن إليهم غيره { معرضون* } فهم لا يذكرون أصلا فضلا ~~عن أن يخشوا بأسه وهم يدعون أنهم أشكر الناس للإحسان. # ولما أرشد السياق إلى أن التقدير: أصحيح هذا الذي أشرنا إليه من أنه لا ~~مانع لهم منا، عادله بقوله إنكارا عليهم: { أم لهم ءالهة } موصوفة بأنها ~~{ تمنعهم } نوب الدهر. ولما كانت جميع الرتب تحت رتبته سبحانه، أثبت حرف ~~الابتداء فقال محقرا لهم: { من دوننا } أي من مكروه هو تحت إرادتنا ومن ~~جهة غير جهتنا. # ولما كان الجواب قطعا: ليس لهم ذلك، وهو بمعنى الاستفهام، استأنف ~~الإخبار بما يؤيد هذا الجواب، ويجوز أن يكون تعليلا، فقال: { لا ~~يستطيعون } أي الآلهة التي يزعمون أنها تنفعهم، أو هم - لأنهم لا مانع ~~لهم من دوننا - { نصر أنفسهم ms2950 } من دون إرادتنا فكيف بغيرهم، أو يكون ذلك ~~صفة الآلهة على طريق التهكم { ولا هم } أي الكفار أو الآلهة { منا } أي ~~بما لنا من العظمة { يصحبون* } بوجه من وجوه الصحبة حتى يصير لهم استطاعة ~~بنا، فانسدت عليهم أبواب الاستطاعة أصلا ورأسا. # ولما لم يصلح هذا لأن يكون سببا لاجترائهم، أضرب عنه قائلا في مظهر ~~العظمة، إشارة إلى أن اغترارهم به سبحانه - مع ما له من دلائل الجلال - ~~من أعجب العجب، بانيا على نحو " لا كالىء لهم منه ولا مانع ": { بل ~~متعنا } أي بعظمتنا { هؤلاء } أي الكفار على حقارتهم، أو الإضراب عن عدم ~~استطاعتهم للنصر، والمعنى أن ما هم فيه من الحفظ إنما هو منا لأجل ~~تمتيعهم بما لا يتغير به إلا مغرور، لا من مانع يمنعهم { وءاباءهم } من ~~قبلهم بالنصر وغيره { حتى طال عليهم العمر } فكان طول سلامتهم غارا لهم ~~بنا، فظنوا أنه لا يغلبهم على ذلك التمتيع شيء، ولا ينزع عنهم ثوب ~~النعمة. # ولما أقام الأدلة ونصب الحجج على أنه لا مانع لهم من الله، تسبب عن ذلك ~~الإنكار عليهم في اعتقاد غيره فقال: { أفلا يرون } أي يعلمون علما هو في ~~وضوحه مثل الرؤية بالبصر { أنا } بما لنا من العظمة، وصور ما كان يجريه ~~من عظمته على أيدي أوليائه فقال: { نأتي الأرض } أي التي أهلها كفار، ~~إتيان غلبة لهم بتسليط أوليائنا عليهم. # ولما كان الإتيان على ضروب شتى، بينه بقوله: { ننقصها من أطرافها } ~~بقتل بعضهم ورد من بقي عن دينه إلى الإسلام، فهم في نقص، وأولياؤنا في ~~زيادة. # ولما كانت مشاهدتهم لهذا مرة بعد مرة قاضية بأنهم المغلبون، تسبب عنه ~~إنكار غير ذلك فقال: { أفهم } أي خاصة { الغالبون* } أي مع مشاهدتهم لذلك ~~أم أولياؤنا. ### || [21.45-50] # ولما تبين الخلف في قولهم على كثرته وادعائهم الحكمة والبلاغة، وفعلهم ~~على كثرتهم وزعمهم القوة والشجاعة، ثبت أن أقواله الناقضة لذلك من عند ~~الله بما ثبت من استقامة معانيها وإحكامها، بعدما اتضح من إعجاز نظومها ~~وحسن التئامها، فأمره أن يبين لهم ذلك بقوله: { قل ms2951 إنما أنذركم } أيها ~~الكفار { بالوحي } أي الآتي به الملك عن الله فلا قدح في شيء من نظمه ولا ~~معناه والحال أنكم لا تسمعون - على قراءة الجماعة والحال أنك لا تسمعهم - ~~على قراءة ابن عامر بضم الفوقانية وكسر الميم ونصب الصم خاصة، ولكنهم لما ~~كانوا لا ينتفعون بإنذاره لتصامهم وجعلهم أصابعهم في آذانهم وقت الإنذار ~~عدهم صما، وأظهر الوصف لتعليق الحكم به فقال: { ولا يسمع الصم الدعاء } ~~أي ممن يدعوهم، أو يكون معطوفا على ما تقديره: فإن كانت أسماعكم صحيحة ~~سمعتم فأجبتم، ونبه بقوله: { إذا ما ينذرون* } على أن المانع لهم مع ~~الصمم كراهة الإنذار، وبالبناء للمفعول على منذر. # ولما كان المنذر لا يترك الاستعداد لما ينذر به من العذاب إلا إذا كان ~~قويا على دفعه. بين أنهم على غير ذلك فقال: { ولئن } أي لا يسمعون ~~والحال أنه لا قوة بهم، بل إن { مستهم } أي لاقتهم أدنى ملاقاة { نفحة } ~~أي رائحة يسيرة مرة من المرات { من عذاب ربك } المحسن إليك بنصرك عليهم { ~~ليقولن } وقد أذهلهم أمرها عن نخوتهم. وشغلهم قدرها عن كبرهم وحميتهم: { ~~يا ويلنا } الذي لا نرى الآن بحضرتنا غيره { إنا كنا } أي بما لنا مما هو ~~في ثباته كالجبلات { ظالمين* } أي عريقين في الظلم في إعراضنا وتصامنا ~~ترفقا وتذللا لعله يكف عنهم. # ولما بين ما افتتحت السورة من اقتراب الساعة بالقدرة عليه واقتضاء ~~الحكمة له، وأن كل أحد ميت لا يستطيع شيئا من الدفع عن نفسه فضلا عن ~~غيره، وختمت الآيات بإقرار الظالم بظلمه، وكانت عادة كثير من الناس الجور ~~عند القدرة، بين أنه سبحانه بخلاف ذلك فذكر بعض ما يفعل في حساب الساعة ~~من العدل فقال عاطفا على قوله { بل تأتيهم بغتة }: { ونضع } فأبرزه في ~~مظهر العظمة إشارة إلى هوانه عنده وإن كان لكثرة الخلائق وأعمال كل منهم ~~متعذرا عندنا { الموازين } المتعددة لتعدد الموزونات أو أنواعها. ولما ~~كانت الموازين آلة العدل، وصفها به مبالغة فقال { القسط } أي العدل ~~المميز للأقسام على السوية. # ولما كان الجزاء علة في وضع ms2952 المقادير، عبر باللام ليشمل - مع ما يوضع ~~فيه - ما وضع الآن لأجل الدنيوية فيه فقال: { ليوم القيامة } الذي أنتم ~~عنه - لإعراضكم عن الذكر - غافلون. ولما جرت العادة بأن الملك قد يكون ~~عادلا فظلم بعض أتباعه، بين أن عظمته في إحاطة علمه وقدرته تأبى ذلك، ~~فبنى الفعل للمجهول فقال: { فلا } أي فتسبب عن هذا الوضع أنه لا { تظلم } ~~أي من ظالم ما { نفس شيئا } من عملها { وإن كان } أي العمل { مثقال حبة ~~} هذا على قراءة الجماعة بالنصب. # والتقدير على قراءة نافع بالرفع: وإن وقع أو وجد { من خردل } أو أحقر ~~منه، وإنما مثل به لأنه غاية عندنا في القلة، وزاد في تحقيره بضمير ~~التأنيث لإضافته إلى المؤنث فقال: { أتينا بها } بما لنا من العظمة في ~~العلم والقدرة وجميع صفات الكمال فحاسبناه عليها، والميزان الحقيقي. ووزن ~~الأعمال على صفة يصح وزنها معها بقدرة من لا يعجزه شيء. # ولما كان حساب الخلائق كلهم على ما صدر منهم أمرا باهرا للعقل، حقره ~~عند عظمته فقال: { وكفى بنا } أي بما لنا من العظمة { حاسبين* } أي لا ~~يكون في الحساب أحد مثلنا، ففيه توعد من جهة أن معناه أنه لا يروج عليه ~~شيء من خداع ولا يقبل غلطا، ولا يضل ولا ينسى، إلى غير ذلك من كل ما ~~يلزم منه نوع لبس أو شوب نقص، ووعد من جهة أنه لا يطلع على كل حسن فقيد ~~وإن دق وخفي. # ولما قدم في قوله { ما يأتيهم من ذكر من ربهم } - الآية وغيره أنهم ~~أعرضوا عن هذا الذكر تعللا بأشياء منها طلب آيات الأولين، ونبه على ~~إفراطهم في الجهل بما ردوا من الشرف بقوله { لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ~~ذكركم } ومر إلى أن ختم بالتهديد بعذابه، وأنه يحكم بالقسط، وكان كتاب ~~موسى عليه السلام بعد القرآن أعظم الكتب السماوية، وكان أهل الكتاب قد ~~أعرضوا عنه غير مرة على زمن موسى عليه السلام بعبادة العجل وغيره وبعد ~~موته مع كون المرسل، به اثنان تعاضدا على إبلاغه وتقرير أحكامه بعد أن ms2953 ~~بهرا العقول بما أتيا به من الآيات التي منها - كما بين في سورة البقرة ~~والأعراف - التصرف في العناصر الأربعة التي هي أصل الحيوان الذي بدأ الله ~~منها خلقه. ومقصود السورة الدلالة على إعادته، ومنها ما عذب به من أعرض ~~عن ذكر موسى وهارون عليهما السلام الذي هو ميزان العدل لما نشر من الضياء ~~المورث للتبصرة الماحقة للظلام، فلا يقع متبعه في ظلم، وكان الحساب تفصيل ~~الأمور ومقابلة كل منها بما يليق به، وذلك بعينه هو الفرقان، قال سبحانه ~~بعد آية الحساب عاطفا على " لقد أنزلنا ": { ولقد ءاتينا } أي بما لنا ~~من العظمة { موسى وهارون } أي أخاه الذي سأل أن يشد أزره به { الفرقان } ~~الذي تعاضدا على إبلاغه والإلزام بما دعا إليه حال لكونه مبينا لسعادة ~~الدارين، لا يدع لبسا في أمر من الأمور { وضياء } لا ظلام معه، فلا ظلم ~~للمستبصر به، لأن من شأن من كان في الضياء أن لا يضع شيئا إلا في موضعه ~~{ وذكرا } أي وعظا وشرفا. # ولما كان من لا ينتفع بالشيء لا يكون له منه شيء، قال: { للمتقين* } أي ~~الذين صار هذا الوصف لهم شعارا حاملا لهم على التذكير لما يدعو إليه ~~الكتاب من التوحيد الذي هو أصل المراقبة؛ ثم بين التقوى بوصفهم بقوله: { ~~الذين يخشون } أي يخافون خوفا عظيما { ربهم } أي المحسن إليهم بعد ~~الإيجاد بالتربية وأنواع الإحسان { بالغيب } أي في أن يكشف لهم الحجاب { ~~وهم من الساعة } التي نضع فيها الموازين وقد أعرض عنها الجاهلون مع كونها ~~أعظم حامل على كل خير، مبعد من كل ضير { مشفقون* } لأنهم لقيامها ~~متحققون، وبنصب الموازين فيها عالمون. # ولما ذكر فرقان موسى عليه السلام، وكان العرب يشاهدون إظهار اليهود ~~للتمسك به والمقاتلة على ذلك والاغتباط، حثهم على كتابهم الذي هو أشرف ~~منه فقال: { وهذا } فأشار إليه بأداة القرب إيماء إلى سهولة تناوله عليهم ~~{ ذكر } أي عظيم، ودلهم على أنه أثبت الكتب وأكثرها فوائد بقوله: { مبارك ~~} ودلهم على زيادة عظمته بما له من قرب الفهم والإعجاز وغيره بقوله: { ~~أنزلناه ms2954 } ثم أنكر عليهم رد ووبخهم في سياق دال على أنهم أقل من أن ~~يجترئوا على ذلك، منبه على أنهم أولى بالمجاهدة في هذا الكتاب من أهل ~~الكتاب في كتابهم فقال: { أفأنتم له } أي لتكونوا دون أهل الكتاب برد ما ~~أنزل لتشريفكم عليهم وعلى غيرهم مع أنكم لا تنكرون كتابهم { منكرون* } أي ~~أنه لو أنكره غيركم لكان ينبغي لكم مناصبته، فكيف يكون الإنكار منكم؟ ### || [21.51-54] # ولما كان مقصود السورة الدلالة على القدرة على ما استبعده العرب من ~~إعادة الحيوان بعد كونه ترابا، وبدأ ذكر الأنبياء بمن صرفه في العناصر ~~الأربعة كما تقدم قص ذلك من التوراة في سورتي البقرة والأعراف إشارة إلى ~~من استبعد عليه ما جعله إلى بعض عبيده أعمى الناس، تلاه من الأنبياء بمن ~~سخر له واحدا من تلك العناصر، مرتبا لهم على الأخف في ذلك فالأخف على ~~سبيل الترقي، فبدأهم بذكر من سخر له عنصر النار، مع التنبيه للعرب على ~~عماهم عن الرشد بإنكاره للشرك بعبادة الأوثان على أبيه وغيره، ودعائهم ~~إلى التوحيد، والمجاهدة في الله على ذلك حق الجهاد، وهو أعظم آباء ~~الرادين لهذا الذكر، والمستمسكين بالشرك تقليدا للآباء، إثباتا للقدرة ~~الباهرة الدالة على التوحيد الداعي إليه جميع هؤلاء الأصفياء، هذا مع ~~مشاركته بإنزال الصحف عليه لموسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام ومشاركته ~~لهما في الهجرة، وإذا تأملت ما في سورتي الفرقان والشعراء ازداد ما قلته ~~وضوحا، فإنه لما أخبر تعالى أنهم قالوا # لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة # [الفرقان: 32] بدأ بقصة موسى الذي كتب له ربه في الألواح من كل شيء، ~~وقومه مقرون بعظمة كتابه وأنه أوتي من الآيات ما بهر العقول، وكفر به مع ~~ذلك كثير منهم. ولما قال في الشعراء # ما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث # [الآية:5] كما هنا، صنع كما صنع هنا من البداءة بقصة موسى عليه السلام ~~وإيلائها ذكر إبراهيم عليه السلام فقال تعالى: { ولقد ءاتينا } بما لنا ~~من العظمة { إبراهيم رشده } أي صلاحه و إصابته وجه الأمر واهتداءه إلى ~~عين الصواب ms2955 وأدل الدلالة وأعرف العرف وأشرف القصد الذي جلبناه عليه؛ وقال ~~الرازي في اللوامع: والرشد قوة بعد الهداية - انتهى. وأضافة إليه إشارة ~~إلى أنه رشد يليق به على علو مقامه وعظم شأنه لا جرم ظهر عليه أثر ذلك من ~~بين أهل ذلك الزمان كلهم فآثر الإسلام على غيره من الملل { من قبل } أي ~~قبل موسى وهارون عليهما السلام { وكنا } بما لنا من العظمة { به } ظاهرا ~~وباطنا { عالمين* } بأنه جبلة خير يدوم على الرشد ويترقى فيه إلى أعلى ~~درجاته لما طبعناه عليه بعظمتنا من طبائع الخير؛ وتعليق { إذ قال } أي ~~إبراهيم { لأبيه وقومه } ب { عالمين } إشارة إلى أن قوله لما كان بإذن ~~منا ورضى لنا نصرناه - وهو وحده - على قومه كلهم، ولو لم يكن يرضينا ~~لمنعناه منه بنصر قومه عليه وتمكين النار منه، فهو مثل ما مضى في قوله { ~~قل ربي يعلم القول في السماء والأرض } ومفهوم هذا القيد لا يضر لأنه لا ~~يحصي ما ينفيه من المنطوقات، وإن شئت فعلقه ب { آياتنا }؛ ثم ذكر مقول ~~القول في قوله منكرا عليهم محقرا لأصنامهم في أسلوب التجاهل لإثبات ~~دعوى جهلهم بدليل: { ما هذه التماثيل } أي الصور التي صنعتموها مماثلين ~~بها ما فيه روح، جاعلين بها ما لا يكون إلا لمن لا مثل له، وهي الأصنام { ~~التي أنتم لها } أي لأجلها وحدها، مع كثرة ما يشابهها وما هو أفضل منها { ~~عاكفون* } أي موقعون الإقبال عليها مواظبون على ذلك، فبأي معنى استحقت ~~منكم هذا الاختصاص، وإنما هي مثال للحي في الصورة وهو أعلى منها بالحياة ~~التي أفاضها الله عليه. # ولما أتاهم بهذا القاصم، استأنف الخبر سبحانه عن جوابهم بقوله: { قالوا ~~} مسوين أنفسهم بالبهائم التي تقاد ولا علم بما قيدت له: { وجدنا ءاباءنا ~~لها } خاصة { عابدين* } فاقتدينا بهم لا حجة لنا غير ذلك. ولما غلوا في ~~الجهل غير محتشمين من إقرارهم على أنفسهم به، بالاستناد إلى محض التقليد ~~بعد إفلاسهم من أدنى شبهة فضلا عن الدليل، استأنف الله تعالى الإخبار عن ~~جوابه بقوله: { قال } أي منبها ms2956 لهم بسوط التقريع على أن الكلام مع ~~آبائهم كالكلام معهم: { لقد كنتم } وأكد بقوله: { أنتم } لأجل صحة العطف ~~لأن الضمير المرفوع المتصل حكمه حكم جزء الفعل، هذا مع الإشارة إلى الحكم ~~على ظواهرهم وبواطنهم { وءاباؤكم } أي من قبلكم { في ضلال } قد أحاط بكم ~~إحاطة الظرف بالمظروف والمسلوك بالسلك { مبين* } ليس به نوع من الخفاء. ### || [21.55-61] # ولما لم تكن عادته مواجهة أحد بما يكره، استأنف الإخبار عنهم بما يدل ~~عليه فقال: { قالوا } ظنا منهم أنه لم يقل ذلك على ظاهره: { أجئتنا } في ~~هذا الكلام { بالحق } الذي يطابقه الواقع { أم أنت من اللاعبين* } فظاهر ~~كلامك غير حق { قال } بانيا على ما تقديره: ليس كلامي لعبا، بل هو جد، ~~وهذه التماثيل ليست أربابا { بل ربكم } الذي يستحق منكم اختصاصه ~~بالعبادة { رب السماوات والأرض } أي مدبرهن القائم بمصالحهن { الذي ~~فطرهن* } أي أوجدهما وشق بهما ظلمة العدم، وأنتم وتماثيلكم مما فيهما من ~~مصنوعاته أنتم تشهدون بذلك إذا رجعتم إلى عقولكم مجردة عن الهوى { وأنا ~~على ذلكم } الأمر البين من أنه ربكم وحده فلا تجوز عبادة غيره { من ~~الشاهدين* } أي الذين يقدرون على إقامة الدليل على ما يشهدون به لأنهم لم ~~يشهدوا إلا على ما هو عندهم مثل الشمس، لا كما فعلتم أنتم حين اضطركم ~~السؤال إلى الضلال. # ولما أقام البرهان على إثبات الإله الحق، أتبعه البرهان على إبطال ~~الباطل فقال: { وتالله } وهو القسم، والأصل في القسم الباء الموحدة، ~~والواو بدل منها، والتاء بدل من الواو، وفيها - مع كونها بدلا - زيادة ~~على التأكيد بالتعجب: قال الأصبهاني: كأنه تعجب من تسهل الكيد على يده - ~~انتهى. وفيها أيضا أنها تدل على رجوع التسبب باطنا، فكأنها إشارة إلى ~~أنه بعد أن تسبب في ردهم عن عبادتها ظاهرا بما خاطبهم به، تسبب من ذلك ~~ثانيا باطنا بإفسادها { لأكيدن } أكد لأنه مما ينكر لشدة عسره؛ والكيد: ~~الاحتيال في الضرر { أصنامكم } أي هذه التي عكفتم عليها ناسين الذي خلقكم ~~وإياها، أي لأفعلن بها ما يسوءكم بضرب من الحيلة. # ولما كان عزمه على ms2957 إيقاع الكيد في جميع الزمان الذي يقع فيه توليهم في ~~أي جزء تيسر له منه، أسقط الجار فقال: { بعد أن تولوا } أي توقعوا ~~التولي عنها، وحقق مراده بقوله: { مدبرين* } لأنزلكم من الدليل العقلي ~~على تحقيق الحق إذ لم تكونوا من أهله إلى الدليل الحسي على إبطال الباطل. # ولما كانوا في غاية التعظيم لأصنامهم لرسوخ أقدامهم في الجهل، لم يقع في ~~أوهامهم قط أن إبراهيم عليه السلام يقدم على ما قال، وعلى تقدير إقدامه ~~الذي هو عندهم من قبيل المحال لا يقدر على ذلك، فتولوا إلى عيدهم، وقصد ~~هو ما كان عزم عليه فشمر في إنجازه تشميرا يليق بتعليقه اليمين بالاسم ~~الأعظم { فجعلهم } أي عقب توليهم { جذاذا } قطعا مهشمة مكسرة مفتتة، من ~~الجذ وهو القطع { إلا كبيرا } واحدا { لهم } أي للأصنام أو لعبادها ~~فإنه لم يكسر وجعل الفأس معه { لعلهم } أي أهل الضلال { إليه } وحده { ~~يرجعون* } عند إلزامه لهم بالسؤال فتقوم عليهم الحجة، إذ لو ترك غيره معه ~~لربما زعموا أن كلا يكل الكلام إلى الآخر عند السؤال لغرض من الأغراض، ~~فلما عادوا إلى أصنامهم فوجدوها على تلك الحال علم أنه لا بد لهم عند ذلك ~~من أمر هائل، فاستؤنف الإخبار عنه بقوله: { قالوا } أي أهل الضلال: { من ~~فعل هذا } الفعل الفاحش { بآلهتنا } ثم استأنفوا الخبر عن الفاعل فقالوا ~~مؤكدين لعلمهم أن ما أقامه الخليل عليه السلام على بطلانها يميل القلوب ~~إلى اعتقاد أن هذا الفعل حق: { إنه من الظالمين* } حيث وضع الإهانة في ~~غير موضعها، فإن الآلهة حقها الإكرام، لا الإهانة والانتقام { قالوا } أي ~~بعضهم لبعض: { سمعنا } ولم يريدوا تعظيمه مع شهرته وشهرة أبيه وعظمتهما ~~فيهم ليجترىء عليه من لا يعرفه فنكروه بقولهم: { فتى } أي شابا من ~~الشبان { يذكرهم } أي بالنقص والعيب { يقال له إبراهيم* } يعنون: فهو ~~الذي يظن أنه فعله { قالوا } مسببين عن هذا كارهين لأن يأخذوه سرا ~~فيقال: أخذ بغير بينة، وهم كفرة وهو قد خالفهم في دينهم فإلى الله ~~المشتكى من قوم يأخذون أكابر أهل دينهم بغير ms2958 بينة بل ولا ظنة { فأتوا به ~~} إلى هنا أي إلى بيت الأصنام { على أعين الناس } أي جهرة، والناس ينظرون ~~إليه نظرا لا خفاء معه حتى كأنه ماش على أبصارهم، متمكنا منها تمكن ~~الراكب على المركوب، وعبر بالعين عن البصر ليفهم الأكابر، ويجمع القلة ~~لإفادة السياق الكثرة، فيفيد الأمران قلة ما، لئلا يتوهم من جمع الكثرة ~~جميع الناس مطلقا { لعلهم } إذا رأوه { يشهدون* } أي أنه فعل بالآلهة ~~هذا الفعل، أو أنه ذكرها بسوء، فيكون ذلك مسوغا لأخذه بذلك، أو يشهد ~~بفعله بعضهم، لأن الشيء إذا حضر كانت أحواله بالذكر أولى منها إذا كان ~~غائبا، وكان هذا عين ما قصده الخليل عليه السلام أن يبين - في هذا ~~المحفل الذي لا يوجد مثله - ما هم عليه من واضح الجهل المتضمن قلة العقل. ### || [21.62-72] # ولما كان إحضاره معلوما أنهم لا يتأخرون عنه، استأنف أخباره لما يقع ~~التشوف له فقال: { قالوا } منكرين عليه مقررين، له بعد حضوره على تلك ~~الهيئة: { ءأنت فعلت هذا } الفعل الفاحش { بآلهتنا يا إبراهيم * قال } ~~متهكما لهم وملزما بالحجة: { بل فعله كبيرهم } غيره من أن يعبد معه من ~~هو دونه، وهذا على طريق إلزام الحجة؛ وتقييده بقوله: { هذا } إشارة إلى ~~الذي تركه بغير كسر يدل على أنه كان فيهم كبير غيره. وكذا التنكير فيما ~~مضى من قوله { إلا كبيرا لهم } وهذا - مع كونه تهكما بهم وكناية عن ~~أنهم لا عقل لهم لعبادتهم من يعلمون أنه لا يقدر على فعل ما - تنبيه على ~~قباحة الشرك، وأنه لا يرضى به إله بل يهلك من عبد غيره وكل ما عبد من ~~دونه إن كان قادرا، غيره على مقامه العظيم، ومنصبه الجسيم. # ولما أخبر بذلك، ولم يكن أحد رآه حتى يشهد على فعله، وكانوا قد أحلوهم ~~بعبادتهم ووضع الطعم لهم محل من بعقل، سبب عنه أمرهم بسؤالهم فقال: { ~~فاسألوهم } أي عن الفاعل ليخبروكم به { إن كانوا ينطقون* } على زعمكم ~~أنهم آلهة يضرون وينفعون، فإن قدروا على النطق أمكنت منهم القدرة وإلا ~~فلا، أما سؤال الصحيح ms2959 فواضح، وأما غيره فكما يسأل الناس من جرح أو قطعت ~~يده أو رجله أو ضرب وسطه وبقيت فيه بقية من رمق، وإسناده الفعل ما لا يصح ~~إسناده إليه وأمره بسؤاله بعد الإضراب عن فعله متضمن لأنه هو الفاعل. # ولما كان روح الكلام إقراره بالفعل وجعلهم موضع الهزء لأنهم عبدوا ما لا ~~قدرة له على دفاع أصلا تسبب عنه قوله تعالى الدال على خزيهم: { فرجعوا } ~~أي الكفرة { إلى أنفسهم } بمعنى أنهم فكروا فيما قال فاضطرهم الدليل إلى ~~أن تحققوا أنهم على محض الباطل وأن هذه الشرطية الممكنة عقلا غير ممكنة ~~عادة { فقالوا } يخاطب بعضهم بعضا مؤكدين لأن حالهم يقتضي إنكارهم ~~لظلمهم: { إنكم أنتم } خاصة { الظالمون* } لكونكم وضعتم العبادة في غير ~~موضعها، لا إبراهيم فإنه أصاب في إهانتهم سواء المحز ووافق عين الغرض، ~~وفي أنكم بعد أن عبدتموها ولا قدرة لها تركتموها بلا حافظ. # ولما كان رجوعهم إلى الضلال بعد هذا الإقرار الصحيح الصريح في غاية ~~البعد، عبر بأداته مشيرا إلى ذلك فقال: { ثم نكسوا } أي انقلبوا في ~~الحال غير مستحيين مما يلزمهم من الإقرار بالسفه حتى كأنهم قلبهم قالب لم ~~يمكنهم دفعه { على رءوسهم } فصار أعلاهم أسفلهم برجوعهم عن الحق إلى ~~الباطل، من قولهم: نكس المريض - إذا رجع إلى حاله الأول، قائلين في ~~مجادلته عن شركائهم: { لقد علمت } يا إبراهيم! { ما هؤلاء } لا صحيحهم ~~ولا جريحهم { ينطقون* } فكانوا بما فاهوا به ظانين أنه ينفعهم، ممكنين ~~لإبراهيم عليه السلام من جلائل المقاتل. # ولما تسبب عن قولهم هذا إقرارهم بأنهم لا فائدة فيهم، فاتجهت لإبراهيم ~~عليه السلام الحجة عليهم، استأنف سبحانه الإخبار عنها بقوله: { قال } ~~منكرا عليهم موبخا لهم مسببا عن إقرارهم هذا: { أفتعبدون } ونبههم على ~~أن جميع الرتب تتضاءل دون رتبة الإلهية بقوله: { من دون الله } أي من ~~أدنى رتبة من تحت رتبة الملك الذي لا ضر ولا نفع إلا بيده لاستجماعه صفات ~~الكمال. ولما كانوا في محل ضرورة بسبب تكسير أصنامهم، راجين من ينفعهم في ~~ذلك، قدم النفع فقال: { ما لا ms2960 ينفعكم شيئا } لترجوه { ولا يضركم* } ~~شيئا لتخافوه. # ولما أثبت أن معبوداتهم هذه في حيز العدم، فكانوا لعبادتها دونها، ~~استأنف تبكيتهم لذلك بأعلى كلمات التحقير التي لا تقال إلا لما هو غاية ~~في القذارة فقال: { أف } أي تقذر وتحقير مني، وفي الأحقاف ما يتعين ~~استحضاره هنا، ثم خص ذلك بهم بقوله: { لكم ولما تعبدون } ولما كانت على ~~وجه الإشراك، وكانت جميع الرتب تحت رتبته تعالى، وكانت أصنامهم هذه في ~~رتب منها سافلة جدا أثبت الجار فقال: { من دون الله } أي الملك الأعلى ~~لدناءتكم وقذارتكم. # ولما تسبب عن فعلهم هذا وضوح أنه لا يقر به عاقل، أنكر عليهم ووبخهم على ~~ترك الفكر تنبيها على أن فساد ما هم عليه يدرك ببديهة العقل فقال: { ~~أفلا تعقلون* } أي وأنتم شيوخ قد مرت بكم الدهور وحنكتكم التجارب. # ولما وصل بهم إلى هذا الحد من البيان، فدحضت حجتهم، وبان عجزهم، وظهر ~~الحق، واندفع الباطل، فانقطعوا انقطاعا فاضحا، أشار سبحانه إلى الإخبار ~~عن ذلك بقوله استئنافا: { قالوا } عادلين إلى العناد واستعمال القوة ~~الحسية: { حرقوه } بالنار لتكونوا قد فعلتم فيه فعلا هو أعظم مما فعل ~~بآلهتكم { وانصروا آلهتكم } التي جعلها جذاذا؛ وأشاء التعبير - بأداة ~~الشك وفعل الكون واسم الفاعل إلى أن أذاه لا يسوغ، وليس الحامل عليه إلا ~~حيلة غلبت على الفطرة الأولى السليمة - في قوله: { إن كنتم فاعلين* } أي ~~النصرة لها، فإن النار أهول المعاقبات وأفظعها، فهي أزجر لمن يريد مثل ~~هذا الفعل، واتركوا الجدال فإنه يورث ضد ما تريدون، ويؤثر عكس ما تطلبون، ~~فعزموا على ذلك فجمعوا الحطب شهرا ووضعوه في جوبة من الأرض أحاطوا بها ~~جدارا كما في الصافات حتى كان ذلك الحطب كالجبل، وأضرموا فيه النار حتى ~~كان على صفة لم يوجد في الأرض قط مثلها، حتى إن كان الطائر ليمر بها في ~~الجو فيحترق، ثم ألقوه فيها بالمنجنيق فقال: حسبي الله ونعم الوكيل - ~~أخرجه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما، ولأبي يعلى عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه أن النبي صلى الله ms2961 عليه وسلم قال: # " لما ألقي إبراهيم عليه السلام في النار قال: اللهم! إنك في السماء ~~واحد وأنا في الأرض واحد، عبدك " # وقال البغوي: أتاه خازن المياه فقال: إن أردت أخمدت النار، وأتاه خازن ~~الرياح فقال: إن شئت طيرت النار في الهواء، فقال إبراهيم: لا حاجة لي ~~إليكم حسبي الله ونعم الوكيل. فأراد الله الذي له القوة جميعا سلامته ~~منها، فعبر عن ذلك بقوله سبحانه استئنافا لجواب من زاد تشوفه إلى ما كان ~~من أمره بعد الإلقاء فيها: { قلنا } أي بعظمتنا { يا نار كوني } بإرادتنا ~~التي لا يتخلف عنها مراد { بردا }. ولما كان البرد قد يكون ضارا قال: { ~~وسلاما } فكانت كذلك، فلم تحرق منه إلا وثاقه. # ولما كان المراد اختصاصه عليه السلام بهذا قيده به، ولما كان المراد ~~حياته ولا بد، عبر بحرف الاستعلاء فقال: { على إبراهيم* } أي فكان ما ~~أردنا من سلامته، وروى البغوي من طريق البخاري عن أم شريك رضي الله عنها # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الوزغ وقال: كان ينفخ النار ~~على إبراهيم " # وقال ابن كثير: وقال ابن أبي حاتم: حدثنا عبيد الله بن أخي وهب ثنا عمي ~~عن جرير بن حازم أن نافعا حدثه قال: حدثتني مولاة الفاكه بن المغيرة ~~المخزومي قالت: دخلت على عائشة رضي الله عنها فرأيت في بيتها رمحا فقلت: ~~يا أم المؤمنين! ما تصنعين بهذا الرمح؟ فقالت: نقتل به هذه الأوزاغ، إن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار لم يكن في الأرض دابة إلا ~~تطفىء عنه غير الوزغ، فإنه كان ينفخ على إبراهيم فأمرنا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بقتله ". # ولما قدم ما نبه على شدة الاهتمام به لإفهامه أنه حكم بسلامته من كيدهم ~~عند همهم به فكيف بما بعده! قال عاطفا على ما تقديره: فألقوه فيها: { ~~وأرادوا به كيدا } أي مكرا بإضراره بالنار وبعد خروجه منها { فجعلناهم ~~} أي بما لنا من الجلال. # ولما كانوا قد أرادوا بما صنعوا ms2962 له من العذاب أن يكون أسفل منهم أهل ذلك ~~الجمع، وكان السياق لتحقيق أمر الساعة الذي هو مقصود السورة، وكان الصائر ~~إليها المفرط فيها بالتكذيب بها قد خسر خسارة لا جبر لها لفوات محل ~~الاستدراك، قال: { الأخسرين* } لأن فضيحتهم في الدنيا الموجبة للعذاب في ~~الأخرى كانت بنفس فعلهم الذي كادوه به، ولم يذكر سبحانه شعيبا عليه ~~السلام مع أنه سخر له النار في يوم الظلة فأحرقت عصاه، لأن فعل النار ~~بقومه كان على ما هو المعهود من أمرها بخلاف فعلها مع إبراهيم عليه ~~السلام، فإنه على خلاف المعتاد، وقد وقع مثل هذا لبعض أتباع نبينا صلى ~~الله عليه وسلم، وهو أبو مسلم الخولاني، طلبه الأسود العنسي لما ادعى ~~النبوة فقال له: أتشهد أني رسول الله؟ قال: ما أسمع، قال: أتشهد أن ~~محمدا رسول الله؟ قال: نعم! فأمر بنار فألقي فيها فوجدوه قائما يصلي ~~فيها وقد صارت عليه بردا وسلاما، وقدم المدينة بعد موت النبي صلى الله ~~عليه وسلم فأجلسه عمر بينه وبين أبي بكر رضي الله عنهما وقال: الحمد لله ~~الذي لم يمتني حتى أراني من أمة محمد صلى الله عليه وسلم من فعل به كما ~~فعل بإبراهيم خليل الله. # ولما كان إنجاؤه - وهو وحده - ممن أرادوا به هذا الأمر العظيم من ~~العجائب فكيف إذا انضم إليه غيره، ولم يكن في ذلك الغير آية تمنعهم عنه ~~كما كان في إبراهيم عليه السلام، قال: { ونجيناه } أي بعظمتنا { ولوطا } ~~أي ابن أخيه وصديقه لكونه آمن به وصدقه، من بلادهما كوثى بلاد العراق، ~~منتهيين إلى الأرض المقدسة، ولعله عبر بإلى الدالة على تضمين " انتهى " ~~للدلالة على أن هناك غاية طويلة، فإنهما خرجا من كوثى من أرض العراق إلى ~~حران ثم من حران { إلى الأرض } المقدسة { التي باركنا فيها } بأن ملأناها ~~من الخيرات الدنيوية و الأخروية بما فيها من المياه التي بها حياة كل شيء ~~من الأشجار والزروع وغيرها، وما ظهر منها من الأنبياء عليهم السلام الذي ~~ملؤوا الأرض نورا { للعالمين* } كما أنجيناك أنت ms2963 يا أشرف أولاده وصديقك ~~أبا بكر رضي الله عنه إلى طيبة التي شرفناها بك، وبثثنا من أنوارها في ~~أرجاء الأرض وأقطارها ما لم نبث مثله قط، وباركنا فيها للعالمين، ~~بالخلفاء الراشدين وغيرهم من العلماء والصالحين، الذين انبثت خيراتهم ~~العلمية والعملية والمالية في جميع الأقطار. # ولما أولد له في حال شيخوخته وعجز امرأته مع كونها عقيما، وكان ذلك ~~دالا على الاقتدار على البعث الذي السياق كله له، قال: { ووهبنا } دالا ~~على ذلك بنون العظمة { له إسحاق } أي من شبه العدم، وترك شرح حاله ~~لتقدمه، أي فكان ذلك دالا على اقتدارنا على ما نريد لا سيما من إعادة ~~الخلق في يوم الحساب؛ ولما كان قد يظن أنه - لتولده بين شيخ فان وعجوز ~~مع يأسها عقيم - كان على حالة من الضعف، لا يولد لمثله معها، نفى ذلك ~~بقوله: { ويعقوب نافلة } أي ولد إسحاق زيادة على ما دعا به إبراهيم ~~عليهما السلام؛ ثم نمى سبحانه أولاد يعقوب - وهو إسرائيل - وذرياتهم إلى ~~أن ساموا النجوم عدة، وباروا الجبال شدة { وكلا } من هؤلاء الأربعة؛ ~~وعظم رتبتهم بقوله: { جعلنا صالحين* } أي مهيئين - لطاعتهم لله - لكل ما ~~يريدونه أو يرادون له أو يراد منهم، وهذا إشارة إلى أن العاصي هالك، لا ~~يصلح لشيء وإن طال عمره، واشتد أمره، لأن العبرة بالعاقبة. ### || [21.73-79] # ولما ذكر أنه أعطاهم رتبة الصلاح في أنفسهم، ذكر أنه أعطاهم رتبة ~~الإصلاح لغيرهم، فقال معظما لإمامتهم: { وجعلناهم أئمة } أي أعلاما ~~ومقاصد يقتدى بهم في الدين بما أعطاهم من النبوة. ولما كان الإمام قد ~~يدعو إلى الردى، ويصد عن الهدى، إذا كانت إمامته ظاهرة لا يصحبها صلاح ~~باطن، احترز عن ذلك بقوله: { يهدون } أي يدعون إلينا من وفقناه للهداية { ~~بأمرنا } وهو الروح الذي هو العمل المؤسس على العلم بإخبار الملائكة به ~~عنا، ولإفهام ذلك عطف عليه قوله معظما لوحيه إليهم: { وأوحينا إليهم } ~~أي أيضا { فعل } أي أن يفعلوا { الخيرات } كلها وهي شرائع الدين، ولعله ~~عبر بالفعل دلالة على أنهم امتثلوا كل ما أوحي إليهم. # ولما كانت ms2964 الصلاة أم الخيرات، خصها بالذكر فقال: { وإقام الصلاة } قال ~~الزجاج: الإضافة عوض عن تاء التأنيث. يعني فيكون من الغالب لا من القليل، ~~وكان سر الحذف تعظيم الصلاة لأنها مع نقصها عن صلاتنا - لما أشار إليه ~~الحذف - بهذه المنزلة من العظمة فما الظن بصلاتنا. # ولما كانت الصلاة بين العبد والحق، وكان روحها الإعراض عن كل فان، عطف ~~عليها قوله: { وإيتاء الزكاة } أي التي هي مع كونها إحسانا إلى الخلق ~~بما دعت الصلاة إلى الانسلاخ عنه من الدنيا، ففعلوا ما أوحيناه إليهم { ~~وكانوا لنا } دائما جبلة وطبعا { عابدين* } أي فاعلين لكل ما يأمرون به ~~غيرهم، فعل العبد مع مولاه من كل ما يجب له من الخدمة، ويحق له من ~~التعظيم والحرمة. # ولما كان سبحانه قد سخر لصديقه لوط عليه السلام إهلاك من عصاه في أول ~~الأمر بحجارة الكبريت التي هي من النار، وفي آخره بالماء الذي هو أقوى من ~~النار، تلاه به فقال: { ولوطا } أي وآتيناه أو واذكر لوطا؛ ثم استأنف ~~قوله: { ءاتيناه } أي بعظمتنا { حكما } أي نبوة وعملا محكما بالعلم { ~~وعلما } مزينا بالعمل { ونجيناه } بانفرادنا بالعظمة. # ولما كانت مادة " قرا " تدل على الجمع، قال: { من القرية } المسماة ~~سدوم، أي من عذابهم وجميع شرورهم، وأفرد تنبيها على عمومها بالقلع ~~والقلب وأنه كان في غاية السهولة والسرعة، وقال أبو حيان: وكانت سبعا، ~~عبر عنها بالواحدة لاتفاق أهلها على الفاحشة. { التي كانت } قبل إنجائنا ~~له منها { تعمل الخبائث } بالذكران، وغير ذلك من الطغيان، فاستحقوا النار ~~التي أمر المؤلفات، بما ارتكبوا من الشهوة المحظورة لعدهم لها أحلى ~~الملذذات، والغمر بالماء القذر المنتن الذي جعلناه - مع أنا جعلنا من ~~الماء كل شيء حي - لا يعيش فيه حيوان، فضلا عن أن يتولد منه، ولا ينتفع ~~به، لما خامروا من القذر الذي لا ثمرة له. # ولما كان في هذا إشارة إلى إهلاك القرية، وأن التقدير: ودمرنا عليهم بعد ~~انفصاله عنهم، علله بقوله: { إنهم كانوا } أي بما جلبوا عليه { قوم سوء } ~~أي ذوي قدرة على الشر بانهماكهم في الأعمال ms2965 السيئة { فاسقين* } خارجين من ~~كل خير، ثم زاد الإشارة وضوحا بقوله: { وأدخلناه } أي دونهم بعظمتنا { ~~في رحمتنا } أي في الأحوال السنية، والأقوال العلية، والأفعال الزكية، ~~التي هي سبب الرحمة العظمى ومسببة عنها؛ ثم علل ذلك بقوله: { إنه من ~~الصالحين* } أي لما جلبناه عليه من الخير. # ولما أتم سبحانه قصة لوط المناسبة لقصة الخليل عليهما السلام بحجارة ~~الكبريت، ولقصة نوح عليه السلام بالماء الذي غمرت به قراه السبع، أتبع ~~ذلك قصة نوح عليه السلام الذي سخر له من الماء ما لم يسخره لغيره لغمره ~~جميع الأرض دانيها وقاصيها، واطيها وعاليها، فقال: { ونوحا إذ } أي ~~اذكره حين { نادى } أي دعا ربه # إني مغلوب فانتصر # [القمر: 10] و # لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا # [نوح: 26] ونحوه من الدعاء. # ولما كان دعاؤه لم يستغرق الأزمنة الماضية، أثبت الجار فقال: { من قبل } ~~أي من قبل لوط ومن تقدمه { فاستجبنا } أي أردنا الإجابة وأوجدناها ~~بعظمتنا { له } في ذلك النداء؛ ثم سبب عن ذلك قوله: { فنجيناه } أي ~~بعظمتنا تنجية عظيمة { وأهله } الذين أدام ثباتهم على الإسلام وصلتهم به ~~{ من الكرب العظيم* } من الأذى والغرق؛ قال أبو حيان: والكرب: أقصى الغم، ~~والأخذ بالنفس، وهو هنا الغرق، عبر عنه بأول أحوال ما يأخذ الغريق. { ~~ونصرناه } أي مخلصين له ومانعين ومنتقمين { من القوم } أي المتصفين ~~بالقوة { الذين كذبوا } أي أوقعوا التكذيب له { بآياتنا } أي بسبب إتيانه ~~بها، وهي من العظمة على أمر لا يخفى. # ولما كان التقدير: ثم أهلكناهم، علله بقوله: { إنهم كانوا قوم سوء } لا ~~عمل لهم إلا ما يسوء { فأغرقناهم } أي بعظمتنا التي أتت عليهم كلهم { ~~أجمعين* } حتى من قطع الكفر بين نوح عليه السلام وبينه من أهله فصار لا ~~يعد من أهله، لاختلاف الانتساب بالدين. # ولما كان ربما قيل: لم قدم إبراهيم ومن معه على نوح وهو أبوهم ومن أولي ~~العزم، وموسى وهارون على إبراهيم وهو كذلك، أشار بقصة داود وسليمان - على ~~جميعهم الصلاة والسلام - إلى أنه ربما يفضل الابن الأب في أمر، فربما قدم ~~لأجله وإن ms2966 كان لا يلزم منه تقديمه مطلقا، مع ما فيها من أمر الحرث الذي ~~هو أنسب شيء لما بعد غيض الماء في قصة نوح عليه السلام، هذا في أوله وأما ~~في آخره فما ينبته مثال للدنيا في بهجتها وغرورها، وانقراضها ومرورها، ~~ومن تصريف داود عليه السلام في الجبال وهي أشد التراب الذي هو أقوى من ~~الماء، وفي الحديد وهو أقوى من تراب الجبال، وسليمان عليه السلام في ~~الريح وهي أقوى من التراب فقال: { وداود } أي أول من ملك ابنه من أنبياء ~~بني إسرائيل { وسليمان } ابنه، أي اذكرهما واذكر شأنهما { إذ } أي حين { ~~يحكمان في الحرث } الذي أنبت الزرع، وهو من إطلاق اسم السبب على المسبب ~~كالسماء على المطر والنبت، قيل: كان ذلك كرما، وقيل: زرعا { إذ نفشت } ~~أي انتشرت ليلا بغير راع { فيه غنم القوم } الذي لهم قوة على حفظها ~~فرعته؛ قال قتادة: النفش بالليل، والهمل بالنهار. # { وكنا } أي بعظمتنا التي لا تقر على خلاف الأولى في شرع من الشروع { ~~لحكمهم } أي الحكمين والمتحاكمين إليهما { شاهدين } لم يغب عنا ذلك ولا ~~شيء من أمرهم هذا ولا غيره، فذلك غيرنا على داود عليه السلام تلك الحكومة ~~مع كونه ولينا وهو مأجور في اجتهاده لأن الأولى خلافها، فإنه حكم بأن ~~يمتلك صاحب الحرث الغنم بما أفسدت من الكرم، فكأنه رأى قيمة الغنم قيمة ~~ما أفسدت { ففهمناها } أي الحكومة بما لنا من العلم الشامل والقدرة ~~الكاملة على رفع من نشاء { سليمان } فقال: تسلم الغنم لصاحب الكرم ليرتفق ~~بلبنها ونسلها وصوفها ومنافعها، ويعمل صاحبها في الكرم حتى يعود كما كان ~~فيأخذ حرثه، وترد الغنم إلى صاحبها، وهذا أرفق بهما. وهذا أدل دليل على ~~ما تقدمت الإشارة إليه عند { قل ربي يعلم القول } ، و { كنا به عالمين إذ ~~قال لأبيه } وفيه رد عليهم في غيظهم من النبي صلى الله عليه وسلم في ~~تسفيه الآباء والرد عليهم كما في قصة إبراهيم عليه السلام لأنه ليس ~~بمستنكر أن يفضل الابن أباه ولو في شيء، والآية تدل على أن ms2967 الحكم ينقض ~~بالاجتهاد إذا ظهر ما هو أقوى منه. # ولما كان ذلك ربما أوهم شيئا في أمر داود عليه السلام، نفاه بقوله ~~دالا على أنهما على الصواب في الاجتهاد وإن كان المصيب في الحكم إنما هو ~~أحدهما { وكلا } أي منهما { ءاتينا } بما لنا من العظمة { حكما } أي ~~نبوة وعملا مؤسسا على حكمة العلم، وهذا معنى ما قالوه في قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم: إن من الشعر حكما - أي قولا صادقا مطابقا للحق { ~~وعلما } مؤيدا بصالح العمل، وعن الحسن رحمه الله: لولا هذه الآية لرأيت ~~القضاة قد هلكوا، ولكنه أثنى على سليمان عليه السلام بصوابه، وعذر داود ~~عليه السلام باجتهاده انتهى. وأتبعه من الخوارق ما يشهد له بالتقدم ~~والفضل فقال: { وسخرنا } أي بعظمتنا التي لا يعيبها شيء. # ولما كان هذا الخارق في التنزيه، لم يعد الفعل اللام زيادة في التنزيه ~~وإبعادا عما ربما أوهم غيره فقال مقدما ما هو أدل على القدرة في ذلك ~~لأنه أبعد عن النطق: { مع داود الجبال } أي التي هي أقوى من الحرث، حال ~~كونهن { يسبحن } معه، ولو شئنا لجعلنا الحرث أو الغنم يكلمه بصواب الحكم، ~~ولم يذكر ناقة صالح لأنها مقترحة موجبة لعذاب الاستئصال، فلم يناسب ذكرها ~~هنا، لما أشار إليه قوله تعالى { لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم } ، ~~" وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين " وهذه الآيات التي ذكرت هنا ليس فيها ~~شيء مقترح { والطير } التي سخرنا لها الرياح التي هي أقوى من الجبال ~~وأكثر سكناها الجبال، سخرناها معه تسبح { وكنا فاعلين* } أي من شأننا ~~الفعل لأمثال هذه الأفاعيل، ولكل شيء نريده بما لنا من العظمة المحيطة، ~~فلا تستكثروا علينا أمرا وإن كان عندكم عجبا، وقد اتفق نحو هذا لغير ~~واحد من هذه الأمة، كان مطرف بن عبد الله ابن الشخير إذا دخل بيته سبحت ~~معه ابنته، هذا مع أن الطعام كان يسبح بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم ~~والحصا وغيره. ### || [21.80-88] # ولما ذكر التسخير بالتسبيح، أشار إلى تسخير الحديد الذي هو أقوى تراب ~~الجبال وأصلبه ms2968 وأصفاه فقال: { وعلمناه } أي بعظمتنا { صنعة لبوس } قال ~~البغوي: وهو في اللغة اسم لكل ما يلبس ويستعمل في الأسلحة كلها، وهو ~~كالجلوس والركوب. { لكم } أي لتلبسوه في حربكم، وألنا له في عمله الحديد ~~ليجتمع له إلى العلم سهولة العمل فيأتي كما يريد { لتحصنكم } أي اللبوس ~~أو داود أو الله على قراءة الجماعة في حصن مانع، وهو معنى قراءة النون ~~الدال على مقام العظمة عند أبي بكر عن عاصم ورويس عن يعقوب، وقراءة أبي ~~جعفر وابن عامر وحفص بالفوقانية للدروع نظرا إلى الجنس { من بأسكم } ~~الكائن مما يحصل من بعضكم لبعض من شدائد الحرب لا من البأس كله { فهل ~~أنتم شاكرون* } لنا على ذلك لتوحدنا وتؤمنوا بأنبيائنا؛ قال البغوي: قال ~~قتادة: أول من صنع الدروع وسردها وحلقها داود عليه السلام، وكانت من قبل ~~صفائح، والدرع يجمع الخفة والحصانة. # ولما كان قد سخر لابنه سليمان عليه السلام الريح التي هي أقوى من بقية ~~العناصر قال: { ولسليمان } معبرا باللام لأنها كانت تحت أمره لنفعه ولا ~~إبهام في العبارة { الريح } قال البغوي: وهي جسم لطيف يمتنع بلطفه من ~~القبض عليه، ويظهر للحس بحركته، وكان سليمان عليه السلام يأمر بالخشب ~~فيضرب له، فإذا حمل عليه ما يريد من الدواب، الناس وآلة الحرب أمر ~~العاصفة فدخلت تحت الخشب فاحتملته حتى إذا استقلت به أمر الرخاء تمر به ~~شهرا في غدوته وشهرا في روحته - انتهى ملخصا. فكان الريحان مسخرتين ~~له، ولكن لما كان السياق هنا لبيان الإقدار على الأفعال الغريبة الهائلة، ~~قال: { عاصفة } أي شديدة الهبوب، هذا باعتبار عملها، ووصفت بالرخاء ~~باعتبار لطفها بهم فلا يجدون لها مشقة { تجري بأمره } إذا أمرها غادية ~~ورائحة ذاهبة إلى حيث أراد وعائدة على حسب ما يريد، آية في آية. # ولما كان قد علم مما مضى من القرآن لحامله المعتني بتفهم معانيه، ومعرفة ~~أخبار من ذكر فيه، أنه من بني إسرائيل، وأن قراره بالأرض المقدسة فكان من ~~المعلوم أنه يجريها إلى غيره، وكان الحامل إلى مكان ربما تعذر عوده مع ~~المحمول، ms2969 عبر بحرف الغاية ذاكرا محل القرار دلالة على أنها كما تحمله ~~ذهابا إلى حيث أراد من قاص ودان - تحمله إلى قراره أياما فقال: { إلى ~~الأرض التي باركنا } أي بعزتنا { فيها } وهي الشام { وكنا } أي أزلا ~~وأبدا بإحاطة العظمة { بكل شي } من هذا وغيره من أمره وغيره { عالمين* } ~~فكنا على كل شيء قادرين، فلولا رضانا به لغيرناه عليه كما غيرنا على من ~~قدمنا أمورهم، وهذا من طراز { قل ربي يعلم القول } كما مضى، وتسخير الريح ~~له كما سخرت للنبي صلى الله عليه وسلم ليالي الأحزاب، قال حذيفة رضي الله ~~عنه: حتى كانت تقذفهم بالحجارة، ما تجاوز عسكرهم فهزمهم الله بها وردوا ~~بغيظهم لم ينالوا خيرا. # وأعم من جميع ما أعطى الأنبياء عليهم السلام أنه أعطى صلى الله عليه ~~وسلم التصرف في العالم العلوي الذي جعل سبحانه من الفيض على العالم ~~السفلي بالاختراق لطباقه بالإسراء تارة، وبإمساك المطر لما دعا بسبع كسبع ~~يوسف، وبإرساله أخرى كما في أحاديث كثيرة، وأتي مع ذلك بمفاتيح خزائن ~~الأرض كلها فردها صلى الله عليه وسلم. # ولما ذكر تسخير الريح له، ذكر أنه سخر له مأغلب عناصره النار والريح ~~للعمل في الماء، مقابلة لارتفاع الحمل في الهواء باستفال الغوص في الماء ~~فقال: { ومن } أي وسخرنا له من { الشياطين } الذين هم أكثر شيء تمردا ~~وعتوا، وألطف شيء أجساما { من } وعبر بالجمع لأنه أدل على عظم التصرف ~~فقال: { يغوصون له } في المياه لما يأمرهم به من استخراج الجواهر وغيرها ~~من المنافع، وذلك بأن أكثفنا أجسامهم مع لطافتها لتقبل الغوص في الماء ~~معجزة في معجزة، وقد خنق نبينا محمد صلى الله عليه وسلم العفريت الذي جاء ~~بشهاب من نار وأسر جماعة من أصحابه رضي الله عنهم عفاريت أتوا إلى ثمر ~~الصدقة وأمكنهم الله منهم { ويعملون عملا } أي عظيما جدا. # ولما كان إقدارهم على الغوص أعلى ما يكون في أمرهم، وكان المراد استغراق ~~إقدارهم على ما هو أدنى من ذلك مما يريده منهم، نزع الجار فقال: { دون ~~ذلك } أي تحت هذا ms2970 الأمر العظيم أو غيره من بناء ما يريد، واصطناع ما ~~يشاء، من الصنائع العجيبة، والآثار الغريبة، وفي ذلك تسخير الماء والتراب ~~بواسطة الشاطين، فقد ختم عند انتهاء الإشارة إلى تسخير العناصر - بمن سخر ~~له العناصر الأربعة كما ابتدأ بذلك { وكنا } أي بعظمتنا التي تغلب كل شيء ~~{ لهم حافظين* } من أن يفعلوا غير ما يريد، ولمن يذكر هودا عليه السلام ~~هنا، إن كان قد سخر له الريح، لأن عملها له كان على مقتضى العادة في ~~التدمير والأذى عند عصوفها وإن كان خارقا بقوته، والتي لسليمان عليه ~~السلام للنجاة والمنافع، هذا مع تكرارها فأمرها أظهر، وفعلها أزكى وأطهر. # ولما أتم سبحانه ذكر من سخر لهم العناصر التي منها الحيوان المحتوم ~~ببعثته تحقيقا لذلك، ذكر بعدهم من وقع له أمر من الخوارق يدل على ذلك، ~~إما بإعادة أو حفظ أو ابتداء، بدأهم بمن أعاد له ما كان أعدمه من أهل ~~ومال، وسخر له عنصر الماء في إعادة لحمه وجلده، لأن الإعادة هي المقصودة ~~بالذات في هذه السورة فقال: { وأيوب } أي واذكر أيوب، قالوا: وهو ابن ~~أموص بن روم بن عيص بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام، وكان صاحب البثنية ~~من بلاد الشام، وكان الله قد بسط عليه الدنيا فشكره سبحانه ثم ابتلاه ~~فصبر { إذ نادى ربه } أي المحسن إليه في عافيته وضره بما آتاه من صبره { ~~أني مسني الضر } بتسليطك الشيطان علي في بدني وأهلي ومالي وقد طمع الآن ~~في ديني، وذلك أنه زين لامرأة أيوب عليه السلام أن تأمره أن يذبح الصنم ~~فإنه يبرأ ثم يتوب، ففطن لذلك وحلف: ليضربنها إن برأ، وجزع من ذلك، ~~والشكوى إلى الله تعالى ليست من الجزع فلا تنافي الصبر، وقال سفيان بن ~~عيينة: ولا من شكا إلى الناس وهو في شكواه راض بقضاء الله تعالى. # { وأنت } أي والحال أنك أنت { أرحم الراحمين* } فافعل بي ما يفعل الرحمن ~~بالمضرور، وهذا تعريض بسؤال الرحمة حيث ذكر نفسه بما يوجب الرحمة، وربه ~~بأبلغ صفاتها ولم يصرح، فكان ذلك ألطف ms2971 في السؤال، فهو أجدر بالنوال { ~~فاستجبنا له } أي أوجدنا إجابته إيجاد من كأنه طالب لها بسبب ندائه، هذا ~~بعظمتنا في قدرتنا على الأمور الهائلة، وسبب عن ذلك قوله: { فكشفنا } أي ~~بما لنا من العظمة { ما به من ضر } بأن أمرناه أن يركض برجله، فتنبع له ~~عين من ماء، فيغتسل فيها، فينبت لحمه وجلده أحسن ما كان وأصحه ودل على ~~تعاظم هذا الأمر بقوله: { وءاتيناه أهله } أي أولاده وما تبعهم من حشمه، ~~أحييناهم له بعد أن كانوا ماتوا { ومثلهم } أي وأوجدنا له مثلهم في ~~الدنيا، فإن قوله: { معهم } يدل على أنهم وجدوا عند وجدان الأهل، حال كون ~~ذلك الكشف والإيتاء { رحمة } أي نعمة عظيمة تدل على شرفه بما شأنه العطف ~~والتحنن، وهو من تسمية المسبب باسم السبب، وفخمها بقوله: { من عندنا } ~~بحيث لا يشك من ينظر ذلك أنا ما فعلناه إلا رحمة منا له وأن غيرنا لم يكن ~~يقدر على ذلك { وذكرى } أي عظة عظيمة { للعابدين* } كلهم، ليتأسوا به ~~فيصبروا إذا ابتلوا بفتنة الضراء ولا يظنوا أنها لهوانهم، ويشكروا إذا ~~ابتلوا بنعمة السراء لئلا تكون عين شقائهم، واتبعه سبحانه بمن أنبع له من ~~زمزم ماء باقيا شريفا، إشارة إلى شرفه وشرف ولده خاتم الرسل ببقاء ~~رسالته ومعجزته فقال: { إسماعيل } أي ابن إبراهيم عليهما السلام الذي ~~سخرنا له من الماء بواسطة الروح الأمين ما عاش به صغيرا بعد أن كان ~~هالكا لا محالة، ثم جعلناه طعام طعم وشفاء سقم دائما، وصناه - وهو كبير ~~- من الذبح فذبحه أبوه واجتهد في إتلافه إمتثالا لأمرنا فلم ينذبح كما ~~اقتضته إرادتنا { وإدريس } أي ابن شيث بن آدم عليهم السلام الذي احييناه ~~بعد موته ورفعناه مكانا عليا، وهو أول نبي بعث من بني آدم عليهما ~~السلام { وذا الكفل } الذي قدرناه على النوم الذي هو الموت الأصغر، فكان ~~يغلبه فلا ينام أو إلا قليلا، يقوم الليل ولا يفتر، ويصوم النهار ولا ~~يفطر، ويقضي بين الناس ولا يغضب. # فقدره الله على الحياة الكاملة في الدنيا التي هي سبب الحياة ms2972 الكاملة في ~~الأخرى وهو خليفة اليسع عليه السلام تخلفه على أن يتكفل له بصيام النهار ~~وقيام الليل وأن لا يغضب، قيل: إنه ليس بنبي وعن الحسن أنه نبي، وعن ابن ~~عباس رضي الله عنهما أنه إلياس، وقيل: هو يوشع بن نون، وقيل: زكريا - ~~عليهم السلام. # ولما قرن بينهم لهذه المناسبة، استأنف مدحهم فقال: { كل } أي كل واحد ~~منهم { من الصابرين* } على ما ابتليناه به، فآتيناهم ثواب الصابرين { ~~وأدخلناهم } ودل على عظمة ما لهم عنده سبحانه بقوله: { في رحمتنا } ~~ففعلنا بهم من الإحسان ما يفعله الراحم بمن يرحمه على وجه عمهم من جميع ~~جهاتهم، فكان ظرفا لهم؛ ثم علل بقوله: { إنهم من الصالحين } لكل ما ~~يرضاه الحكيم منهم، بمعنى أنهم جبلوا جبلة خير فعملوا على مقتضى ذلك، ثم ~~أتبعهم من هو أغرب حالا منهم في الحفظ فقال { وذا النون } أي اذكره { إذ ~~ذهب مغاضبا } أي على هيئة الغاضب لقومه بالهجرة عنهم، ولربه بالخروج ~~عنهم دون الانتظار لإذن خاص منه بالهجرة، وروي عن الحسن أن معنى { فظن أن ~~لن نقدر عليه } أن لن نعاقبه بهذا الذنب، أي ظن أنا نفعل معه من لا يقدر، ~~وهو تعبير عن اللازم بالملزوم مثل التعبير عن العقوبة بالغضب، وعن ~~الإحسان بالرحمة وفي أمثاله كثرة، فهو أحسن الأقوال وأقومها - رواه ~~البيهقي في كتاب الأسماء والصفات عن قتادة عنه وعن مجاهد مثله وأسند من ~~غير طريق عن ابن عباس رضي الله عنهما معناه، وكذا قال الأصبهاني عنه أن ~~معناه: لن نقضي عليه بالعقوبة، وأنه قال أيضا ما معناه: فظن أن لن نضيق ~~عليه الخروج، من القدر الذي معناه الضيق، لا من القدرة، ومنه # فقدر عليه رزقه # [الفجر: 16] وروى البيهقي أيضا عن الفراء أن نقدر بمعنى نقدر - مشددا ~~وبحكم، وأنشد عن ابن الأنباري عن أبي صخر الهذلي: # ولا عائدا ذاك الزمان الذي مضى تباركت ما نقدر يقع ولك الشكر { فنادى } ~~أي فاقتضت حكمتنا أن عاتبناه حتى استسلم فألقى نفسه في البحر فالتقمه ~~الحوت وغاص به إلى قرار البحر ومنعناه ms2973 من أن يكون له طعاما، فنادى { في ~~الظلمات } من بطن الحوت الذي في أسفل البحر في الليل، فهي ظلمات ثلاث - ~~نقله ابن كثير عن ابن مسعود وابن عباس وغيرهما رضي الله عنهم. { أن لا ~~إله إلا أنت }. # ولما نزهه عن الشريك عم فقال: { سبحانك } أي تنزهت عن كل نقص، فلا يقدر ~~على الإنجاء من مثل ما أنا فيه غيرك؛ ثم أفصح بطلب الخلاص بقوله ناسبا ~~إلى نفسه من النقص ما نزه الله عن مثله: { إني كنت } أي كونا كبيرا { ~~من الظالمين } أي في خروجي من بين قومي فبل الإذن، فاعف عني كما هي شيمة ~~القادرين، ولذلك قال تعالى مسببا عن دعائه: { فاستجبنا له } أي أوجدنا ~~الإجابة إيجاد من هو طالب لها تصديقا لظنه أن لن نعاقبه " أنا عند ظن ~~عبدي بي " والآية تفهم أن شرط الكون مع من يظن الخير دوام الذكر وصدق ~~الإلتجاء، وقال الرازي في اللوامع: وشرط كل من يلتجىء إلى الله أن يبتدىء ~~بالتوحيد ثم بالتسبيح والثناء ثم بالاعتراف والاستغفار والاعتذار، وهذا ~~شرط كل دعاء - انتهى. # ولما كان التقدير: فخلصناه مما كان فيه، عطف عليه قوله، تنبيها على ~~أنهما نعمتان لأن أمره مع صعوبته كان في غاية الغرابة: { ونجيناه } أي ~~بالعظمة البالغة تنجية عظيمة، وأنجيناه إنجاء عظيما { من الغم } الذي ~~كان ألجأه إلى المغاضبة ومن غيره، قال الرازي: وأصل الغم الغطاء على ~~القلب - انتهى. فألقاه الحوت على الساحل وأظله الله بشجرة القرع. # ولما كان هذا وما تقدمه أمورا غريبة، أشار إلى القدرة على أمثالها من ~~جميع الممكنات، وأن ما فعله من إكرام أنبيائه عام لأتباعهم بقوله: { ~~وكذلك } أي ومثل ذلك الإنجاء العظيم الشأن والتنجية { ننجي } أي بمثل ذلك ~~العظمة { المؤمنين* } إنجاء عظيما وننجيهم تنجية عظيمة، ذكر التنجية ~~أولا يدل على مثلها ثانيا، وذكر الإنجاء ثانيا يدل على مثله أولا وسر ~~ذلك الإشارة إلى شدة العناية بالمؤمنين لأنهم ليس لهم كصبر الأنبياء ~~عليهم الصلاة والسلام - بما أشار إليه بحديث # " أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل " # " يبتلى المرء ms2974 على قدر دينه " # فيسلهم سبحانه من البلاء كما تسل الشعرة من العجين، فيكون ذلك مع السرعة ~~في لطافة وهناء - بما أشارت إليه قراءة ابن عامر وأبي بكر عن عاصم رضي ~~الله عنه بتشديد الجيم لإدغام النون الثانية فيه، أو يكون المعنى أن من ~~دعا منهم بهذا الدعاء أسرع نجاته، فإن المؤمن متى حصلت له هفوة راجع ربه ~~فنادى معترفا بذنبه هذا النداء، ولاسيما إن مسه بسوط الأدب، فبادر إليه ~~الهرب. ### || [21.89-91] # ولما كان حاصل أمر يونس عليه السلام أنه خرج من بطن لم يعهد الخروج من ~~مثله، عطف عليه قصة زكريا عليه السلام في هبته له ولدا من بطن لم يعهد ~~الحمل من مثله في العقم واليأس ناظرا إلى أبيه إبراهيم عليه السلام أول ~~من ذكر تصريفه في أحاد العناصر فيما اتفق له من مثل ذلك في ابنه إسحاق ~~عليه السلام تكريرا لأعلام القيامة وتقريرا للقدرة التامة فقال: { ~~وزكريا } أي اذكره { إذ نادى ربه } نداء الحبيب القريب فقال: { رب } ~~بإسقاط أداة البعد { لا تذرني فردا } أي من غير ولد يرث ما آتيتني من ~~الحكمة. # ولما كان من الوارث من يحب من يحجبه من الإرث أو يشاركه فيه، ومنهم من ~~لا يحب ذلك ويسعى في إهلاك من يحجبه أو ينقصه، ومنهم من يأخذ الإرث ~~فيصرفه في المصارف القبيحة على ما تدعوه إليه شهوته وحاجته، ومنهم من ~~يأخذه بعفة فينفذ وصايا الموروث ويصل ذا قرابته وأهل وده، ويتصدق عنه، ~~ويبادر إلى كل ما كان يحبه وينفعه، كل ذلك لغنى نفسه وكرم طبعه مع كونه ~~مجبولا على الحاجة والنقص، وكان الله هو الغني الحميد، الحكيم المجيد، ~~قال ملوحا بمقصده في أسلوب الإلهاب والتهييج: { وأنت } أي والحال أنك { ~~خير الوارثين* } لأنك أغناهم عن الإرث وأحسنهم تصرفا، وكثيرا ما تمنح ~~إرث بعض عبيدك عبيدا آخرين، فأنت الحقيق بأن تفعل في إرثي من العلم ~~والحكمة ما أحبه، فتهبني ولدا تمن عليه بذلك { فاستجبنا له } بعظمتنا ~~وإن كان في حد من السن لا حراك به معه وزوجه ms2975 في حال من العقم لا يرجى معه ~~حبلها، فكيف وقد جاوزت سن اليأس، ولذلك عبر بما يدل على العظمة فقال: { ~~ووهبنا له يحيى } وارثا حكيما نبيا عظيما { وأصلحنا له } خاصة من بين ~~أهل ذلك الزمان { زوجه } أي جعناها صالحة لكل خير، خالصة له ولا سيما لما ~~مننا عليه به من هذه الهبة بعد أن كانت بعقمها وكبرها غير صالحة له بوجه ~~يقدر عليه غيرنا؛ ثم استأنف البيان لخيرية الموروث والوارث والمصلحة ~~للولادة فقال، مؤكدا ترغيبا في مثل أحوالهم وأنها مما يلتذ بذكره ويعجب ~~من أمره: { إنهم كانوا } مجبولين في أول ما خلقناهم جبلة خير، مهيئين ~~لأنهم { يسارعون في الخيرات } أي يبالغون في الإسراع بها مبالغة من يسابق ~~آخر، ودل على عظيم أفعالهم بقوله: { ويدعوننا } مستحضرين لجلالنا وعظمتنا ~~وكمالنا { رغبا } في رحمتنا { ورهبا } من سطوتنا { وكانوا } أي جبلة ~~وطبعا { لنا } خاصة { خاشعين* } ي خائفين خوفا عظيما يحملهم على ~~الخضوع والانكسار. # ولما استدل على الساعة بما وهب لهؤلاء القوم من أهل الطاعة من التصرف في ~~العناصر وغيرها إلى أن ذكر أنه خرق العادة في إيداع يحيى عليه الصلاة ~~والسلام بين والدين لا يولد لمثلهما لأن أباه زكريا عليه السلام كان قد ~~صار إلى حالة الكبر ويبس من الأعضاء عظيمة، وأمه كانت - مع وصولها إلى ~~مثل تلك الحال - عاقرا في حال شبابها، تلاه بإبداع ابن خالته عيسى عليه ~~السلام الذي هو علم للساعة على حال أغرب من حاله، فأخرجه من أنثى بلا ~~ذكر، إشارة إلى قرب الوقت لضعف الأمر، كضعف الأنثى بالنسبة إلى الذكر، ~~فقال: { والتي أحصنت فرجها } أي حفظته من الحلال والحرام حفظا يحق له أن ~~يذكر ويتحدث به، لأنه غاية في العفة والصيانة، والتخلي عن الملاذ إلى ~~الانقطاع إلى الله تعالى بالعبادة، مع ما جمعت إلى ذلك من الأمانة ~~والاجتهاد في متانة الديانة { فنفخنا } أي بما لنا من العظمة التي لا ~~يداني أوجها نقص، ولا يقرب من ساحتها حاجة ولا وهن { فيها } أي في فرجها ~~- كما التحريم، نفخا هو من جناب ms2976 عظمتنا؛ ودل على عظم خلوصه وصفائه ~~بقوله: { من روحنا } أي من روح يحق له أن يضاف إلينا لجلالته وطهارته، ~~فكان من ذلك النفخ حبل وولد. # ولعله أضاف هنا النفخ إليها، لا إلى فرجها وحده، ليفيد أنه - مع خلق ~~عيسى عليه السلام به وإفاضة الحياة عليه حسا ومعنى - أحياها هي به معنى ~~بأن قوى به معانيها القلبية حتى كانت صديقة متأهلة لزواجها بخير البشر في ~~الجنة، وخصت هذه السورة بهذا لأن مقصودها الدلالة على البعث الذي هو ~~إفاضة الأرواح على الأموات، قال الرازي: وعلى الجملة هذه عبارة عن إبداع ~~عيسى عليه السلام في رحم مريم عليها السلام من غير نطفة. # ولما قدمته من السر في إفاضة النفخ إلى حملتها، أتبع ذلك قوله: { ~~وجعلناها وابنها } أي بتلك العظمة العظمى { ءاية } جعلهما نفس الآية ~~لكثرة ما كان فيهما من الأعاجيب. ولما كان ما فيهما من ذلك ليس مقصودا ~~لذاته، بل لتقرير أمر عيسى عليه السلام، لم يقل: آيتين، أو لئلا يظن أن ~~نفس العدد مقصود فينقص المعنى { للعالمين* } أي في أن الله قادر على كل ~~شيء لا سيما البعث الذي هو آيته، يتحدث بذلك بعدهما جيل بعد جيل، وعالم ~~بعد عالم، وأمة بعد أمة، إلى قيام الساعة التي هو علمها، وحفظنا ابنها ~~بعلمنا وحكمتنا وقدرتنا وعظمتنا ممن كاده، ورفعناه إلى محل قدسنا، وختم ~~به الأنبياء المذكورين هنا لأنه خاتم المجددين لهذا الدين المحمدي، وهو ~~دليل الساعة، وكتابة أعظم كتاب بعد التوراة التي ابتدأ بصاحبها ذكر هؤلاء ~~الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، حاشى القرآن الذي عجزت لبلاغته الإنس ~~والجان. # ذكر شيء من دلائل كونه آية من الإنجيل: قال متى أحد المترجمين الأربعة ~~للإنجيل وأغلب السياق له بعد أن ذكر مقتل يحيى ابن زكريا عليهما السلام ~~كما مضى في آل عمران: فلما سمع يسوع مضى من هناك في سفينة إلى البرية ~~مفردا، وسمع الجمع فتبعوه ماشين من المدينة، فلما خرج أبصر جمعا كثيرا ~~فتحنن عليهم وأبرأ أعلاءهم ومرضاهم وقال مرقس: فلما خرج يسوع أبصر جمعا ~~كثيرا ms2977 فتحنن عليهم لأنهم كانوا كخراف لا راعي لها فبدأ يعلمهم، وبعد ~~ساعات كثيرة جاء تلاميذه إليه، وقال متى: ولما كان المساء أتى تلاميذه ~~وقالوا: إن المكان قفر، والساعة قد جازت، أطلق الجمع يذهبوا إلى القرى ~~المحيطة فيبتاغوا لهم طعاما، فقال لهم: أعطوهم أنتم ليأكلوا، فقالوا: ~~ليس هاهنا، وأمر بإجلاس الجميع على العشب، وقال مرقس: الأخضر أحزابا ~~أحزابا، فجلسوا رفاقا رفاقا مائة مائة وخمسين خمسين، وقال يوحنا: فقال ~~لفيلبس: من أين نبتاع لهؤلاء خبزا؟ قاله ليجربه، فقال فيلبس: ما يكفيهم ~~خبز بمائتي دينار، وقال إندراوس أخو شمعون الصفاء: إن هاهنا حدثا معه ~~خمسة أرغفة شعير وسمكتان، فقال يسوع: مروا الناس بالجلوس، وقال متى: وأخذ ~~الخمس خبزات والحوتين، ونظر إلى السماء وبارك وقسم وأعطى الخبز لتلاميذه، ~~وقال مرقس: وقسم الحوتين وناول التلاميذ الجميع فأكل جميعهم وشبعوا ~~ورفعوا من فضلات الكسر اثني عشر سلا مملوءة، ومن السمك، وكان عدد ~~الآكلين خمسة آلاف رجل، وقال متى: سوى النساء والصبيان، وقال يوحنا: ~~فقالوا: حقا إن هذا هو النبي الجائي إلى العالم، فعلم يسوع أنهم اجتمعوا ~~ليحتفظوا به ويصيروه ملكا، فتحول إلى الجبل، وقال متى: وللوقت أمر ~~تلاميذه أن يصعدوا إلى السفينة ويسبقوه إلى العبر ليطلق الجموع، وقال ~~يوحنا: ليعبروا إلى الكفر ناحوم وكان ظلاما، وقال متى: فأطلق الجمع وصعد ~~إلى الجبل منفردا يصلي، وقال مرقس: وللوقت تقدم إلى تلاميذه بركوبهم ~~السفينة وأن يسبقوه إلى العبر عند بيت صيدا ليطلق هو الجماعة، فلما ودعهم ~~وذهب إلى الجبل ليصلي، قال متى: فلما كان المساء وكان وحده هناك والسفينة ~~في وسط البحر، فضربتها الأمواج لمعاندة الريح لها، قال يوحنا: فمضوا نحو ~~خمسة وعشرين غلوة أو ثلاثين، وقال متى: وفي الهجعة الرابعة من الليل ~~جاءهم ماشيا على البحر فاضطربوا وقالوا: إنه خيال، ومن خوفهم صرخوا، ~~فكلمهم قائلا: أنا هو، لا تخافوا، أجابه بطرس وقالوا: إن كنت أنت هو ~~فمرني أن آتي إليك على الماء، فقال له: تعال! فنزل بطرس من السفينة ومشى ~~على الماء، فرأى قوة الريح فخاف، وكاد ms2978 أن يغرق فصاح قائلا: يا رب نجني! ~~فللوقت مد يسوع يده وأخذه وقال له: يا قليل الأمانة! لم شككت؟ فلما صعد ~~السفينة سكنت الريح، قال يوحنا: وللوقت صارت إلى الأرض التي أرادوها، وفي ~~الغد نظرت الجموع الذين كانوا معه في عبر البحر أن ليس هناك سوى سفينة ~~واحدة، وأن يسوع لم يركبها مع تلاميذه لكن تلاميذه مضوا وحدهم، وكانت سفن ~~أخر وافت من طبرية حتى انتهت إلى الموضع الذي أكلوا الخبز الذي بارك ~~عليه، فحين لم ير الجماعة يسوع هناك ولا تلاميذه، ركبوا تلك السفن، وأتوا ~~إلى كفر ناحوم يطلبون يسوع، فلما قصدوه في عبر البحر قالوا له: يا معلم! ~~متى صرت هاهنا؟ أجاب يسوع وقال: الحق الحق أقول لكم! إنكم لم تطلبوني ~~لنظركم الآيات بل لأكلكم الخبز فشبعتم، اعلموا لا للطعام الزائل بل ~~للطعام الباقي في الحياة المؤبدة الذي يعطيكموه ابن البشر، ثم قال: لست ~~أعمل بمشيئتي، لكن بمشيئة الذي أرسلني، ثم قال: قد كتب في الأنبياء أنهم ~~يكونون بأجمعهم معلمين، الحق أقول لكم! من يؤمن بي فله الحياة الدائمة، ~~قالوا: ما نصنع حتى نعمل أعمال الله؟ قال: عمل الله هو أن تؤمنوا بمن ~~أرسله، قال متى: ولما عبروا جاؤوا إلى أرض جناشر، قال مرقس: فأرسوا ~~وخرجوا من السفينة - انتهى. # فعرفه أهل ذلك المكان وأرسلوا إلى جميع تلك الكور فقدموا إليه كل ~~المسقومين وطلبوا إليه أن يلمسوا طرف ثوبه فقط، وكل من لمسه خلص. ### || [21.92-97] # ولما دل ما مضى من قصص هؤلاء الأنبياء وغيرهم على أن لله القدرة ~~الباهرة، القوة البالغة الشاملة للبعث وغيره، وكان ذلك دالا على ~~التوحيد الذي هو أصل الدين، وأنهم كلهم متفقون عليه بالتصريح من البعض ~~هنا ومن الباقين فيما سبق، كان إثباته فذلكة هذه القصص وما تقدمها من هذه ~~السورة، فلذلك اتصل به قوله مخاطبا لمن قال لهم: أفأنتم له منكرون: { إن ~~هذه } أي الأنبياء الذين أرسلناهم قبل نبيكم صلى الله عليه وسلم رجالا ~~نوحي إليهم كما أنه رجل نوحي إليه لا آباؤكم ولا ms2979 ما وجدتموه عليه { أمتكم ~~} أي مقصودكم أيها الخلق بالاقتداء في الاهتداء، حال كونها { أمة } قال ~~البغوي: وأصل الأمة الجماعة التي هي على مقصد واحد - انتهى. وأكد سبحانه ~~هذا المعنى فقال: { واحدة } كما في الخبر أنهم أولاد علات. أمهاتهم شتى ~~ودينهم واحد. لا اختلاف بينهم أصلا في التوحيد الذي هو الأصل ولا في ~~توجيه الرغبات إلينا، وقصر النظر علينا، علما منهم بما لنا من صفات ~~الكمال، وأن كل شيء فإلينا مفتقر، ولدينا خاضع منكسر، فاتبعوهم في ذلك، ~~لا تحيدوا عنهم تضلوا، وإنما فرقناهم وجعلناهم عددا بحسب الأمم المتشعبة ~~في الأزمان المتطاولة، وأنا لم نجعل لأحد منهم الخلد، ولغير من الحكم، ~~فبثثناهم في الأقطار، حتى ملؤوها من الأنوار. # ولما كان المقصود تعيين المراد من غير لبس، عدل عن صيغة العظمة فقال: { ~~وأنا ربكم } أي لا غيري، في كل زمان وكل مكان، لكل أمة، لأني لا أتغير ~~على طول الدهر، ولا يشغلني شأن عن شأن { فاعبدون* } دون غيري فإنه لا ~~كفوء لي. # ولما كان من المعلوم أنهم لم يفعلوا، أعرض إلى أسلوب الغيبة إيذانا ~~بالغضب، فكان التقدير في جواب من كأنه قال: ما فعلوا؟: لم يطيعوا أمري في ~~الاجتماع على ما جمعتهم عليه من عبادتي التي هي سبب لجلب كل خير، ودفع كل ~~ضير ولا افتدوا في ذلك بالكمل من عبادي، فعطف عليه قوله { وتقطعوا } أي ~~مخالفة للأمر بالاجتماع ولما كان الدين الحق من الجلاء والعظمة والملاءمة ~~للنفوس بحيث لا يجهله ولا يأباه أحد نصح لنفسه وإن جهله، كفى أدنى تنبيه ~~في المبادرة إليه وترك ما سواه كائنا ما كان، فكان خروج الإنسان عنه بعد ~~أن كان عليه في غاية البعد فضلا عن أن يتكلف ذلك بمنازعة غيره المؤدية ~~إلى الافتراق والتباغض ولا سيما إن كان ذلك الغير قريبه أو صديقه، وكانت ~~صيغة التفعل من القطع صريحة في التفرق، وتفيد العلاج والتكلف، وكانت تأتي ~~بمعنى التفعيل والاستفعال، عبر بها. # ولما كان في غاية البعد أن يقطع الإنسان أمر نفسه، كان تقديم الأمر أهم ms2980 ~~فقال: { أمرهم } فنصبه بفعل التقطع لأنه بمعنى التقطيع كما قاله البغوي ~~وغيره، أو بمعنى الاستفعال كما قالوا في تجبر وتكبر. # ولما كان في غاية من العجب أن يكون التقطيع واقعا منهم بهم وأن يكون ~~مستغرقا لظرفه، قال: { بينهم } أي فكانوا فرقا كل فرقة على شعبة من ~~ضلال، زينها لها هواها، فلم يدعوا شيئا من الأمر بغير تقطيع، وكان العطف ~~بالواو دون الفاء كما في المؤمنون لأن ترك العبادة ليس سببا للتقطع، بل ~~ربما كان عنه الاجتماع على الضلال، كما يكون في آخر الزمان وكما قال ~~تعالى # كان الناس أمة واحدة # [البقرة: 213] الآية # وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة # [البينة: 4]. # ولما كان كأنه قيل: فماذا يفعل بهم؟ قال ما هو غاية في الدلالة على باهر ~~العظمة وتام القدرة ليكون أشد في الوعيد، وصادع التهديد: { كل } أي من ~~هذه الفرق وإن بالغ في التمرد { إلينا } على عظمتنا التي لا يكافئها شيء، ~~لا إلى غيرنا { راجعون * } فنحكم بينهم فيتسبب عن ذلك أنا نجازيهم إقامة ~~للعدل فنعطي كلا من المحق التابع لأصفيائنا والمبطل المائل إلى ~~الشياطين أعدائنا ما يستحقه، وذلك هو معنى قوله تعالى، فارقا بين المحسن ~~والمسيء تحقيقا للعدل وتشويقا بالفضل: { فمن يعمل } أي منهم الآن من { ~~الصالحات وهو } أي والحال أنه { مؤمن } أي بان لعمله على الأساس الصحيح { ~~فلا كفران } أي إبطال بالتغطية { لسعيه } بل نحن نجزيه عليه بما يستحقه ~~ونزيده من فضلنا { وإنا له } أي لسعيه الآن على عظمتنا { كاتبون* } وما ~~كتبناه فهو غير ضائع، بل باق، لنطلعه على يوم الجزاء بعد أن نعطيه قدرة ~~على تذكره، فلا يفقد منه شيئا قل أو جل، ومن المعلوم أن قسميه " ومن ~~يعمل من السيئات وهو كافر فلا نقيم له وزنا " و " من عمل منها وهو مؤمن ~~فهو في مشيئتنا " ، ولعله حذف هذين القسمين ترغيبا في الإيمان. # ولما كان هذا غير صريح في أن هذا الرجوع بعد الموت، بينه بقوله: { وحرام ~~} أي وممنوع ومحجور { على قرية } أي أهلها { أهلكناها ms2981 } أي بالموت ~~بعظمتنا { أنهم لا يرجعون* } أي إلينا بأن يذهبوا تحت التراب باطلا من ~~غير إحساس، بل إلينا بموتهم رجعوا فحبسناهم في البرزخ منعمين أو معذبين ~~نعيما وعذابا دون النعيم والعذاب الأكبر، ولقد دل على قدرته قوله: { ~~حتى إذا فتحت } بفتح السد الذي تقدم وصفنا له، وأن فتحه لا بد منه وقراءة ~~ابن عامر بالتشديد تدل على كثرة التفتيح أو على كثرة الخارجين من الفتح ~~وإن كان فرحة واحدة كما أشار إطلاق قراءة الجماعة بالتخفيف { يأجوج ~~ومأجوج } فخرجوا على الناس؛ وعبر عن كثرتهم التي لا يعلمها إلا هو سبحانه ~~بقوله: { وهم } أي والحال أنهم { من كل حدب } أي نشز عال من الأرض { ~~ينسلون* } أي يسرعون، من النسلان وهو تقارب الخطا مع السرعة كمشي الذئب، ~~وفي العبارة إيماء إلى أن الأرض كرية { واقترب الوعد الحق } وهو حشر ~~الأموات الذي يطابقه الواقع، إذا وجد قربا عظيما، كأن الوعد طالب له ~~ومجتهد فيه. # ولما دلت صيغة " افتعل " على شدة القرب كما في الحديث أن الساعة إذ ذاك ~~مثل الحامل المتم، علم أن التقدير جوابا لإذا: كان ذلك الوعد فقام ~~الناس من قبورهم: { فإذا هي شاخصة } أي واقفة جامدة لا تطرف لما دهمهم من ~~الشدة، ويجوز وهو أقرب أن تكون إذا هذه الفجائية هي جواب إذا الشرطية، ~~وهي تقع في المجازات سادة مسد الفاء، فإذا جاءت الفاء معها متفاوتة على ~~وصل الجزاء بالشرط فيتأكد، فالمعنى: إذا كان الفتح ووقع ما تعقبه فاجأت ~~الشخوص { أبصار الذين كفروا } أي منهم، لما بدا لهم ما لم يكونوا ~~يحتسبونه من الأهوال، قائلين: { يا ويلنا } أي حضرنا الويل فهو نديمنا ~~فلا مدعو لنا غيره { قد كنا } أي في الدنيا { في غفلة من هذا } أي مبتدئة ~~من اعتقاد هذا البعث فكنا نكذب به فعمتنا الغفلة. # ولما كان من الوضوح في الدلائل والرسوخ في الخواطر بحيث لا يجهله أحد، ~~أضربوا عن الغفلة فقالوا: { بل كنا ظالمين* } أي بعدم اعتقاده واضعين ~~الشيء في غير موضعه حيث أعرضنا عن تأمل دلائله، والنظر في ms2982 مخايله، وتقبل ~~كلام الرسل فيه، فأنكرنا ما هو أضوأ من الشمس. ### || [21.98-105] # ولما كان هذا محلا يخطر بالبال فيه آلهتهم بما يترجونه منها من النفع، ~~قال مخاطبا لهم إرادة التعنيف والتحقير: { إنكم } وأكده لإنكارهم مضمون ~~الخبر: { وما تعبدون } أيها المشركون من الأصنام والشياطين؛ ولما كان ~~يتعبدون له سبحانه طوعا وكرها مع الإشراك، قيد بقوله دالا على أن ~~رتبة ما عبدوه من أدنى المراتب الكائنة تحت رتبته سبحانه: { من دون الله ~~} أي الملك الأعلى الذي لا كفوء له؛ ولما كانوا يرمى بهم في جهنم رمي ~~الحجارة الصغار التي تسمى الحصباء إلى المحصوب إسراعا وإكراها، فيكونون ~~وقودها من غير إخراج، قال: { حصب جهنم } أي الطبقة التي تلقى المعذب بها ~~بالتجهم والعبوسة والتكره؛ ثم أكد ذلك بقوله استئنافا: { أنتم لها ~~واردون* } أي داخلون دخول ورد الحمى على حالة هي بين السواد بالدخان ~~والاحمرار باللب. # ولما قرعهم من هذا الكلام بما لا جواب لهم عنه غير المكابرة، أعرض عنهم ~~الخطاب استهانة بهم واحتقارا لهم فقال: { لو كان هؤلاء } أي الذين ~~أهلوهم لرتبة الإلهية وهم في الحقارة بحيث يقذف بهم في النار قذفا { ~~ءالهة } أي كما زعم العابدون لهم { ما وردوها } أي جهنم أصلا، فكيف على ~~هذه الصفة؛ ثم أخبر عنهم وعنها بقوله: { وكل } أي منهم ومنها { فيها } أي ~~جهنم { خالدون* } لا انفكاك لهم عنها، بل يحمى بكل منهم فيها على الآخر { ~~لهم } أي لمن فيه الحياة من المذكورين العابدين مطلقا والمعبودين ~~الراضين كفرعون { فيها زفير } أي تنفس عظيم على غاية من الشد والمد. تكاد ~~تخرج معه النفس، ويقرنون بآلهتهم زيادة في عذابهم حيث جعل المعبود الذي ~~كان يطلب من السعادة زيادة في الشقاوة فصار عدوا ولا يكون أنكأ من ~~مقارنة العدو. # ولما كانت تعمية الأخبار مما يعدم القرار، ويعظم الأكدار، قال { وهم ~~فيها لا يسمعون* } حذف المتعلق تعميما لكل مسموع، قال ابن كثير: قال ابن ~~أبي حاتم: حدثنا على بن محمد الطنافسي ثنا ابن فضيل ثنا عبد الرحمن - ~~يعني المسعودي - عن أبيه قال: قال ms2983 ابن مسعود رضي الله عنه: إذا بقي من ~~يخلد في النار جعلوا في توابيت من نار فيها مسامير من نار فلا يرى أحد ~~منهم أنه يعذب في النار غيره، ثم تلا عبد الله - يعني هذه الآية، قال: ~~ورواه ابن جرير من حديث حجاج بن محمد عن المسعودي عن يونس بن خباب عن ابن ~~مسعود فذكره. # ولما ذكر حالهم وحال معبوديهم بغاية الويل، كان موضع السؤال عمن عبدوهم ~~من الصالحين من نبي أو ملك وغيرهما من جميع من عبده سبحانه لا يشرك به ~~شيئا، فقال مبينا أنهم ليسوا مرادين لشيء من ذلك على وجه يعمهم وغيرهم ~~من الصالحين: { إن الذين سبقت لهم منا } أي ولنا العظمة التي لا يحاط بها ~~{ الحسنى } أي الحكم بالموعدة البالغة في الحسن في الأزل سواء ضل بأحد ~~منهم الكفار فأطروه أو لا { أولئك } أي العالو الرتبة { عنها } أي جهنم. # ولما كان الفوز مطلق الإبعاد عنها لا كونه من مبعد معين، قال: { مبعدون* ~~} برحمة الله لأنهم أحسنوا في العبادة واتقوا، وهل جزاء الإحسان إلا ~~الإحسان؛ قال ابن كثير في تفسيره: قال أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن ~~علي بن سهل ثنا محمد بن حسن الأنماطي ثنا إبراهيم بن محمد بن عرعرة ثنا ~~يزيد بن أبي حكيم أن الحكم - يعني ابن أبان - عن عكرمة عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما قال: جاء عبد الله بن الزبعرى إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال: تزعم أن الله أنزل عليك هذه الآية { إنكم وما تعبدون من دون الله ~~حصب جهنم أنتم لها واردون } قال ابن الزبعرى: قد عبدت الشمس والقمر ~~والملائكة وعزير وعيسى ابن مريم أكل هؤلاء في النار مع آلهتنا؟ فنزلت { ~~ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون وقالوا أآلهتنا خير أم هو ما ~~ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون } ثم نزلت { إن الذين سبقت لهم منا ~~الحسنى أولئك عنها مبعدون } رواه الحافظ أبو عبد الله في كتابة الأحاديث ~~المختارة انتهى. وفي السيرة النبوية ms2984 أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ~~بلغه اعتراض ابن الزبعرى قال: # " كل من أحب أن يعبد من دون الله فهو مع من عبده، إنهم إنما يعبدون ~~الشياطين ومن أمرتهم بعبادته " # وقد أسلم ابن الزبعرى بعد ذلك ومدح النبي صلى الله عليه وسلم. # ولما كان أقل ما ينكىء من المكروه سماعه، قال: { لا يسمعون حسيسها } أي ~~حركتها البالغة وصوتها الشديد، فكيف بما دونه لأن الحس مطلق الصوت أو ~~الخفي منه كما قال البغوي، فإذا زادت حروفه زاد معناه { وهم } أي الذين ~~سبقت لهم منا الحسنى { في ما } ولما كانت الشهوة - وهي طلب النفس اللذة - ~~لا تكون إلا بليغة، عبر بالافتعال دلالة على عظيم ما هم فيه من اللذة ~~فقال: { اشتهت أنفسهم } في الجنة { خالدون* } أي دائما أبدا. # ولما كان معنى ذلك أن سرورهم ليس له زوال، أكده بقوله: { لا يحزنهم } أي ~~يدخل عليهم حزنا - على قراءة الجماعة حتى نافع بالفتح، عن حزنه، أو ~~جعلهم حزبين - على قراءة أبي جعفر بضم ثم كسر، من أحزنه - رباعيا، فهي ~~أشد، فالمنفي فيها كونه يكون لهم صفة { الفزع الأكبر } أي فما الظن بما ~~دونه { وتتلقاهم } أي تلقيا بالغا في الإكرام { الملائكة } حيثما ~~توجهوا، قائلين بشارة لهم: { هذا يومكم } إضافة إليهم لأنهم المنتفعون به ~~{ الذي كنتم } في الدنيا. # ولما تطابق على الوعد فيه الرسل والكتب والأولياء من جميع الأتباع، بنى ~~الفعل للمفعول إفادة للعموم فقال: { توعدون* } أي بحصول ما تتمنون فيه من ~~النصر والفوز العظيم، والنعيم المقيم، فأبشروا فيه بجميع ما يسركم. # ولما كانت هذه الأفعال على غاية من الأهوال، تتشوف بها النفس إلى معرفة ~~اليوم الذي تكون فيه، قال تعالى شافيا لعي هذا السؤال، زيادة في تهويل ~~ذلك اليوم لمن له وعي: { يوم } أي تكون هذه الأشياء يوم { نطوي } أي بما ~~لنا من العظمة الباهرة { السماء } طيا فتكون كأنها لم تكن؛ ثم صور طيها ~~بما يعرفون فقال مشبها للمصدر الذي دل عليه الفعل: { كطي السجل } أي ~~الكتاب الذي له العلو والقدرة على مكتوبه { للكتب ms2985 } أي القرطاس الذي ~~يكتبه ويرسله إلى أحد، وإنما قلت ذلك لأن السجل يطلق على الكتاب وعلى ~~الكاتب - قاله في القاموس، واختير للفاعل لفظ السجل لما مضى في سورة هود ~~من أن هذه المادة تدور على العلو، وللمطوي لفظا الكتاب الدال على الجمع، ~~لكونه لازما للطي، مع أن ذلك أنسب لما جعل كل منهما مثالا له، وقراءة ~~المفرد لمقابلة لفظ السماء، والجمع للدلالة على أن المراد الجنس، فجميع ~~السماوات تطوى؛ قال ابن كثير: قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي ثنا محمد بن ~~أحمد بن أحمد بن الحجاج الرقي حدثنا محمد بن سلمة عن أبي الواصل عن أبي ~~المليح عن الأزدي عن أبي الجوزاء الأزدي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ~~يطوي الله السماوات السبع بما فيها من الخليفة، والأرضين السبع بما فيها ~~من الخليفة، يطوي ذلك كله بيمينه حتى يكون ذلك بمنزلة خردلة. # ولما كان هذا عند من لا يعلم أعظم استبعادا من استبعادهم إعادة الموتى، ~~قال دالا عليه مقربا له إلى العقول بتشبيه الإعادة بالإبداء، في تناول ~~القدرة لهما على السواء، فإنه كما أخرجه بعلم من خزائن قدرته كذلك يرده ~~بعلمه في خزائن قدرته، كما يصنع في نور السراج ونحوه إذا أطفىء، فكذا في ~~غيره من جميع الأشياء { كما } أي مثل ما { بدأنا } أي بما علم لنا من ~~العظمة { أول خلق } أي تقدير أي تقدير كان، نكره ليفيد التفصيل واحدا ~~واحدا، بمعنى أن كل خلق جل أو قل سواء في هذا الحكم، وهو أنا { نعيده } ~~أي بتلك العظمة بعينها، غير ناسين له ولا غافلين ولا عاجزين عنه، فما كان ~~متضام الأجزاء فمددناه نضمه بعد امتداده، وما كان ميتا فأحييناه نميته ~~بعد حياته، وما كان حيا فأمتناه نحييه بعد موته، ونعيد منهم من التراب ~~من بدأناه منه، والحاصل أن من أوجد شيئا لا يبعد عليه التصرف فيه كيفما ~~كان؛ روى البخاري في التفسير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: خطب النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال: # " إنكم محشورون إلى ms2986 الله عراة غرلا { كما بدأنا أول الخلق نعيده } - ~~الآية، أول من يكسى يوم القيامة إبراهيم عليه السلام، ألا إنه يجاء برجال ~~من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول: يارب! أصحابي! فيقال: لا تدري ما ~~أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح { كنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم ~~- إلى قوله - شهيد } فيقال: إن هؤلاء لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ ~~فارقتهم " # ثم أعلم أن ذلك أمر لابد منه بالتعبير بالمصدر تأكيدا لما أنكروه ~~وبالغوا في إنكاره فقال: { وعدا } وأكد بقوله: { علينا } وزاده بقوله: { ~~إنا كنا } أي أزلا وأبدا، على حالة لا تحول { فاعلين } أي شأننا أن ~~نفعل ما نريد، لا كلفة علينا في شيء من ذلك بوجه. # ولما ذكر صدقه في الوعد وسهولة الأفعال عليه، وكان من محط كثير مما مضى ~~أن من فعل ما لا يرضي الله غير عليه، كائنا من كان، ومن فعل ما أمره به ~~نصره وأيده ولو بعد حين، كما أشير إليه بقوله تعالى { قل ربي يعلم القول ~~في السماء والأرض } وما بعده من أشكاله، حتى ختم بقوله { أولم يروا أنا ~~نأتي الأرض ننقصها } الآية، قال تعالى عاطفا على { لقد أنزلنا إليكم ~~كتابا فيه ذكركم } وما عطف عليه من أشباهه مذكرا بما وعد على لسان داود ~~عليه السلام: { ولقد كتبنا } أي على عظمتنا التي نفوذها محقق لا تخلف له ~~أصلا { في الزبور } أي الذي أنزلناه على داود عليه السلام. # ولما كان المكتوب المشار إليه لم يستغرق ما بعد الذكر المراد من هذا ~~الزبور، أشار إلى التبعيض بإثبات الجار فقال: { من بعد الذكر } أي الكلام ~~الداعي إلى الله تعالى الدال عليه من الدعاء والمواعظ والتسبيح والتمجيد ~~الذي ابتدأنا به الزبور { أن الأرض } أي جنسها الشامل لبقاع أرض الدنيا ~~كلها ولأرض المحشر والجنة وغير ذلك مما يعلمه الله { يرثها عبادي } وحقق ~~ما أفادته إضافتهم إليه من الخصوص بقوله: { الصالحون* } أي المتخلقون ~~بأخلاق أهل الذكر، المقبلين على ربهم، الموحدين له، المشفقين من الساعة، ~~الراهبين من سطوته، الراغبين في رحمته، الخاشعين ms2987 له - كما أشرنا إليه ~~بقولنا { قل ربي يعلم القول } وما ضاهاه وبذكر ما سلف في هذه السورة من ~~شاهد ذلك من قصص هؤلاء الأنبياء الذي ضمناها بعض أخبارهم دلالة على أن ~~العاقبة لمن أرضانا # لنهلكن الظالمين ولنسكننكم الأرض من بعدهم # [إبراهيم: 13-14] # إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده # [الأعراف: 128] # أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس # [المؤمنون: 11] وفي هذا إشارة بالبشارة بأنه تعالى يورث هذه الأمة على ~~ضعفها ما أورث داود وابنه سليمان عليهما الصلاة والسلام على ما أعطاهما ~~من القوة من إلانة الحديد والريح والحيوانات كلها من الجن والإنس والوحش ~~والطير وغير ذلك، والمراد بهذا الكلام - والله أعلم - ظاهره، فإنه ابتدأ ~~سبحانه الزبور بالأذكار والمواعظ إلى أن قال في المزمور السادس والثلاثين ~~وهو قبل ربعه - هذا اللفظ بعينه. # بيان ذلك: # المزمور الأول: طوبى للرجل الذي لا يتبع رأي المنافقين، ولم يقف في طريق ~~الخاطئين، ولم يجلس في مجالس المستهزئين، لكن في ناموس الرب مشيئته، وفي ~~سننه يتلوا ليلا ونهارا، فيكون كمثل الشجرة المغروسة على مجاري المياه ~~التي تعطي ثمرتها في حينها، وورقها لا ينتثر، وكل ما يعمل يتم، ليس كذلك ~~المنافقون، بل كالهباء الذي تذريه الرياح عن وجه الأرض، فلهذا لا يقوم ~~المنافقون في القضاء ولا الخطأة في مجمع الصديقين، لأن الرب عالم بطريق ~~الأبرار، وطريق المنافقين تبيد. # المزمور الثاني: لماذا ارتجت الشعوب؟ وهدت الأمم بالباطل؟ قامت ملوك ~~الأرض ورؤساؤها وائتمروا جميعا على الرب وعلى مسيحه قائلين لنقطع ~~أغلالهما ونلقي عنا سيرهما، الساكن في السماء يضحك بهم، والرب يمقتهم، ~~حينئذ يكلمهم بغضبه، وبسخطه يذهلهم، أنا أقمت ملكا منهم على صهيون جبل ~~قدسه، لأخبر ميثاق الرب، الرب قال لي: أنت ابني، أنا اليوم ولدتك، سلني ~~فأعطيك الشعوب، ميراثك وسلطانك على أقطار الأرض، ترعاهم بقضيب من حديد، ~~ومثل آنية الفخار تسحقهم، من الآن تفهموا أيها الملوك! تأدبوا يا جميع ~~قضاة الأرض! اعبدوا الرب بخشية، سبحوه برعدة، الزموا الأدب لئلا يسخط ~~الرب عليكم فتضلوا عن سبيله العادلة، إذا ما توقد رجزه ms2988 عن قليل، طوباهم ~~المتوكلين عليه. # المزمور الخامس: استمع يارب قولي داعيا، وكن لدعائي مجيبا، وأنصت إلى ~~صوت تضرعي، فإنك ملكي وإلهي، وإني لك أصلي في غدواتي، استمع يا رب طلبتي ~~لأقف أمامك بالغداة وتراني، لأنك إله لا ترضى الإثم، ولا يحل في مساكنك ~~شرير، ولا يثبت مخالفو وصاياك بين يديك، أبغضت جميع عاملي الإثم، وأبدت ~~كل الناطقين بالكذب؛ الرجل السافك الدماء الغاش الرب يرذله، وأنا بكثرة ~~رحمتك أدخل بيتك، وأسجد في هيكل قدسك مستشعرا بخشيتك، اهدني يا رب ~~بعدلك، ومن أجل أعدائي سهل أمامك طريقي، فإنه ليس في أفواههم صدق، بل ~~الإثم في قلوبهم، حناجرهم قبور مفتحة، وألسنتهم غاشة، دنهم يا الله! ومثل ~~كثرة نفاقهم ارفضهم لأنهم أسخطوك يا رب، ويفرح بك جميع المتوكلين عليك، ~~وإلى الأبد يسرون، وفيهم تحل بركتك، ويفتخر بك كل محبي اسمك، لأنك يارب ~~تبارك الصديق، وكمثل سلاح، المسرة كللتنا. # المزمور السادس: يارب! لا تبكتني بغضبك، ولا تؤدبني بزجرك، ارحمني يا رب ~~فإني ضعيف، اشفني يارب فإن عظامي قلقت، ونفسي جزعت جدا، وأنت نج نفسي ~~وخلصني برحمتك، فليس في الموتى من يذكرك، ولا في الجحيم من يشكرك، تعبت ~~في تنهدي، أحمم في كل ليلة سريري، وبدموعي أبل فراشي، ذبلت من السخط ~~عيناي، ابعدوا عني يا جميع عاملي الإثم، فإن الرب سمع صوت بكائي، الرب ~~سمع صوت تضرعي، الرب قبل صلاتي، يخزون ويبهتون جميع أعدائي، ويتضرعون ~~ويسقطون جدا عاجلا. # وفي المزمور التاسع: أشكرك يا رب من كل قلبي، وأقص جميع عجائبك، أفرح ~~وأسر بك، وأرتل لاسمك العلي حين تولى أعدائي على أدبارهم يضعفون ويبيدون ~~من بين يديك، لأنك قضيت لي وانتقمت لي، استويت على العرش يا ديان الحق، ~~زجرت الشعوب، أبدت المنافق أسقطت اسمه إلى الأبد وإلى أبد الأبد، لأنك ~~أبدت سلاح العدو، وأفنيت مدائنه، وأزلت ذكرها، الرب دائم إلى الأبد، ~~أعد كرسيه للقضاء ليقضي للمسكونة بالعدل، ويدين الشعوب بالاستقامة. # المزمور الثاني عشر: حتى متى يا رب تنساني إلى التمام؟ حتى متى يا رب ~~تصرف وجهك عني؟ ms2989 حتى متى تترك هذه الأفكار في نفسي والهموم والأوجاع في ~~قلبي النهار كله؟ حتى متى يعلو عدوي علي؟ انظر إلي واستجب لي يا ربي ~~وإلهي! أنر عيني لئلا أنام ميتا، ولئلا يقول عدوي: إني عليه قد قدرت، ~~والمضطهدون لي يفرحون إذا أنا زللت، وأنا على رحمتك توكلت، فلبي بخلاصك ~~يفرح، أرتل الرب الذي صنع لي حسنا، وأسبح اسم الرب العالي. # المزمور الرابع عشر: يا رب من يسكن في مسكنك أو من يحل في طور قدسك؟ ذاك ~~الذي يمشي بلا عيب ويعمل البر ويتكلم في قلبه بالحق، ولا يغش بلسانه ~~أحدا، ولا يصنع بقريبه سوءا، ولا يلتمس لجيراته عارا، عيناه تشنأ ~~الأثمة، يمجد أتقياء الرب، يحلف لقريبه ولا يكذب، ولا يعطي فضته بالربا، ~~ولا يقبل الرشوة على الأزكياء، الذي يفعل هذا يدوم ولا يحول إلى الأبد. # المزمور السادس عشر: استمع يا الله ببري، وانظر إلى تواضعي، وأنصت ~~لصلاتي من شفتين غير غاشتين، من قدامك يخرج قضائي، عيناك تنظران ~~الاستقامة، بلوت قلبي وتعاهدتني، جربتني فلم تجد في ظلما، ولم يتكلم ~~فمي بأعمال الشر، من أجل كلام شفتيك حفظت طرق صعبة لكيما يشتد في سبلك ~~نهوضي ولا تزل خطاي، وإذا ما دعوتك استجب لي، اللهم أنصت إلي أسمعك، ~~وتقبل دعائي يا مخلص المتوكلين عليك، خلصني بيمينك من المضادين لي، ~~احفظني مثل حدقة العين، وبظلال جناحك ظللني، من وجه المنافقين الذين ~~أجهدوني، وأعدائي الذين اكتنفوا نفسي، تفقدت شحومهم، وتكلمت أفواههم ~~بالكبرياء، عندما أخرجوني أحاطوا بي، نصبوا عيونهم ليضربوا بي الأرض، ~~استقبلوني مثل الأسد المستعد للفريسة، ومثل الشبل الذي يأوي في خفية، قم ~~يا رب! أدركهم وعرقلتهم، ونج نفسي من المنافقين، ومن سيف أعدائك، اللهم ~~عن قرب شتتهم في الأرض، اقسمهم في حياتهم. # المزمور السابع عشر: أحبك يا رب قوتي! الرب رجائي وملجأي ومخلصني إلهي ~~عوني، عليه توكلي، ساتري وخلاصي وناصري، أسبح الرب وأدعوه، أنجو من ~~أعدائي، لأن غمرات الموت اكتنفتني، وأودية الأثمة أفزعتني، أحاطت بي ~~أهوال الجحيم، شباك الموت أدركتني، وعند شدتي دعوت الرب، ms2990 وإلى إلهي صرخت، ~~سمع من هيكل قدسه صوت دعائي، أمامه يدخل إلى مسامعه، تزلزلت الأرض ~~وارتعدت، تحركت أساسات الجبال وتزعزعت من أجل أن الرب غضب عليها، صعد ~~الدخان من رجزه والتهبت النار أمامها، اشتعل منه جمر نار، طأطأ السماوات، ~~والضباب تحت رجليه، طار على أجنحة الرياح، جعل الظلمة حجابه، تحوط مظلته ~~مياه مظلمة في سحب الهواء من الزمهرير ظلاله، ومن بريق نور وجهه جعل ~~الغمام يجري بين يديه، بردا وجمر نار، أرعد الرب من السماء، وأبدى العلي ~~صوته، أرسل سهاما وفرقهم، وأكثر البرق وأفزعهم وأقلقهم، ظهرت عيون ~~المياه، وانكشفت أساسات المسكونة من انتهارك يا رب! ومن هبوب الريح سخطك، ~~أرسل من العلى وأخذني، نشلني من المياه الغزيرة، وخلصني من أعدائي ~~الأشداء، ومن المبغضين لي، لأنهم تقووا أكثر مني، سبقوني في يوم حزني، ~~نجاني في يوم جزعي، الرب صار لي سندا، أخرجني إلى السعة، وأنقذني لأنه ~~ترأف لي، خلصني من أعدائي الأشداء المبغضين، جازاني الرب مثل بري، ومثل ~~طهر يدي يعطيني، لأني حفظت سبل الرب، ولم أبعد من إلهي، إذ كل أحكامه ~~قدامي، وعدله لم أبعده عني، أكون معه بلا عيب، ولم تزدحف خطاي، جازاني ~~الرب مثل بري، ومثل طهر يدي أمامه، مع العفيف عفيفا تكون، ومع البار ~~بارا تكون، ومع الملتوي ملتويا تكون، ومع المختار مختارا تكون، من أجل ~~أنك تنجي الشعب المتواضع وتذل أعين المتعظمين، وأنت يا رب تضيء سراجي، ~~لأني بك أنجو من الرصد، وبإلهي اعبر السور، والله لا ريب في سبله، كلام ~~الرب مختبر، يخلص جميع المتوكلين عليه، لا إله مثل الرب، ولا عزيز مثل ~~إلهنا، الإله الذي عضدني بقوته، جعل سبلي بلا عيب، ثبت قدمي، وعلى ~~المشارق رفعني، علم يدي القتال، شدد ذراعي مثل قوس نحاس، أعطاني الخلاص، ~~يمينه نصرتني، وأدبه أقامني إلى التمام، حكمتك علمتني، وسعت خطاي تحتي، ~~ولم تضعف قدماي، أطلب أعدائي وأدركهم، ولا أرجع حتى أفنيهم، أرميهم فلا ~~يستطيعون القيام، يسقطون تحت قدمي، عضدتني بقوة في الحرب، جعلت كل الذين ~~قاموا علي تحتي، ms2991 أبدت أعدائي، استأصلت الذي شنؤوني، صرخوا فلم يكن لهم ~~مخلص، رغبوا إلى الله فلم يستجب لهم، أسحقهم مثل الثرى أمام الريح، وكمثل ~~طين الطرق أطؤهم، نجني من مقاومة الألسن، سيرني رأسا على الشعوب، الشعب ~~الذي لا أعرفه تعبد لي، سمع لي سماع الأذن، بنو الغرباء أقبلوا وأطيعوني، ~~ولم يؤمن بي بنو الغرباء، حي هو الله، وتبارك إله خلاصي، تعالى الرب الذي ~~أنقذني، الله الذي ثبت لي الانتقام، أخضع الشعوب تحتي، ونجاني من ~~أعدائي، ورفعني على الذين قاموا علي، ومن الرجال الأثمة نجاني، لذلك ~~أشكرك يا رب بين الشعوب، وأرتل لاسمك. # المزمور الحادي والعشرون: إلهي إلهي لماذا تركتني؟ تباعدت عن خلاصي لقول ~~جهلي، إلهي دعوتك بالنهار فلم تستجب لي، وفي الليل فلم يكن مني جهلا، ~~أنت كائن في القديسين يا فخر إسرائيل، بك آمن آباؤنا، وتوكلوا عليك ~~فنجيتهم، وصرخوا إليك فخلصتهم، رجوك فلم يخزوا، وأنا فدودة ولست إنسانا، ~~عار في الناس، مرذول في الشعب، كل من رآني يمقتني، تكلموا بشفاههم وهزوا ~~رؤوسهم وقالوا: إن كان آمن أو توكل على الرب فلينجه، ويخلصه إن كان يحبه، ~~وأنت من البطن أخرجتني، ومذ كنت أرتضع من بطن أمي ألقيت إليك، وعليك من ~~الرحم توكلت، ومن بطن أمي أنت إلهي فلا تبعد عني، فإن الشدة قريبة، وليس ~~من يخلصني، أحاطت بي عجول كثيرة، اكتنفتني ثيران سمان، فتحت أفواهها على ~~مثل الأسد الزائر المفترس، ومثل الماء انهرقت عظامي، وصار قلبي مثل الشمع ~~المذاب في وسط بطني، يبست قواي مثل الفخار، لصق لساني بحنكي، وإلى تراب ~~الموت أنزلتني، أحاطت بي كلاب كثيرة، اكتنفتني جماعة الأشرار، ثقبوا يدي ~~ورجلي، وزعزعوا جميع عظامي، نظروا إلي وشتموني، واقتسموا بينهم ثيابي، ~~واقترعوا على لباسي، وأنت يا رب فلا تبعد من معونتي، انظر إلى تضرعي، نج ~~من السيف نفسي، ومن يد الكلاب التي احتوشتني، ومن فم الأسد خلصني، ومن ~~القرن المتعالي على تواضعي، لأبشر باسمك إخوتي، وبين الجماعة أمجدك، أيها ~~الخائفون من الرب مجدوه! يا جميع ذرية يعقوب سبحوه! يخشاه كل زرع ms2992 ~~إسرائيل، لأنه لم يهن ولم يرذل دعوة المسكين، ولا صرف وجهه عني، وعند ~~دعائي استجاب لي، يأكل المساكين ويشبعون، ويسجد قدامه جميع قبائل الشعوب، ~~لأنه الملك الرب، وسلطانه على الأمم، تأكل وتسجد قدام الرب جميع ملوك ~~الأرض، وبين يديه يجثو جميع هابطي التراب لله، يحيي نفسي، وذريتي له ~~تتعبد، أخبروا بالرب أيها الجيل الآتي، وحدثوا بعدله، ليرى الشعب الذي ~~يولد صنع الرب. # المزمور الثلاثون: عليك يارب توكلت فلا أخزى إلى الأبد، خلصني وأنقذني ~~بعدلك، أنصت لي بسمعك، واستنقذني عاجلا، كن لي إلها نصيرا وملجأ ~~ومخلصا لأنك عوني وملجئي، وباسمك يارب تهديني وتعينني وتخرجني من هذا ~~الفخ الذي أخفي لي، لأنك ناصري، وفي يدك أسلم روحي، نجني يا رب إله الحق، ~~شنأت الذين يغتبطون بالأوثان الباطله، وأنا على الرب توكلت، أفرح وأسر ~~برحمتك لأنك نظرت إلى تواضعي، وخلصت نفسي من الشدائد، ولمن تسلمني في ~~أيدي الأعداء، اقمت رجلي في السعة، ارحمني يا رب فإني حزين، جزعت عيناي ~~من سخطك، ونفسي وقواي، فني عمري بالأحزان، وسني بالزفرات، ضعفت بالمسكنة ~~قوتي وقلقت عظامي، صرت عارا في أعدائي وجيرتي، ورهبة لمن عرفني، من ~~عاينني تباعد عني، ونسوني في قلوبهم مثل الميت، صرت مثل إناء مكسور، لأني ~~سمعت سب جميع من حولي، هموا بي وعند اجتماعهم علي جميعا تآمروا لأخذ ~~نفسي، فأنا يا رب عليك توكلت، قلت: أنت إلهي، وفي يدك قسمي، نجني من يد ~~أعدائي والطاردين لي، أضىء وجهك على عبدك، وخلصني برحمتك، يارب لا تخزني ~~فإني دعوتك، تخزي المنافقين ويهبطون إلى الجحيم، تبكم الشفاه الغاشة ~~المتقولة على الصديق بالزور والبهتان، ما أكثر رحمتك يا رب لجميع خائفيك، ~~أعددتها لمن اعتصم بك أمام بني البشر، استرهم في كنفك من أشرار الناس وفي ~~ظلال وجهك، وقهم من مقاومة الألسن، تبارك الرب الذي انتخب له الأصفياء في ~~المدينة العظيمة، أنت قلت في تحيري: إني سقطت من حذاء عينيك، ولذلك سمعت ~~صوت تضرعي حين دعوتك، حبوا الرب يا جميع أصفيائه، فإن الرب يبتغي الحق، ~~ويكافىء المستكبرين بفعلهم، ms2993 تشتد قلوبكم وتقوى أيها المتوكلون على الرب. # المزمور الثالث والثلاثون: أبارك الرب في كل حين، وكل أوان تسبيحه في ~~فمي، بالرب تفتخر نفسي، فليسمع أهل الدعة ويفرحوا، عظموا معي الرب وشرفوا ~~اسمه أجمعون، أنا طلبت الرب فأجابني، ومن شدائدي نجاني، أقبلوا إلى الرب ~~واستتروا به، فإن وجوهكم لا تخزى، إن المسكين دعا فاستجاب له الرب، ومن ~~جميع أحزانه خلصه، ملك الرب يحوط أتقياءه وينجيهم، ذوقوا وتيقنوا طيب ~~الرب، طوبى للرجل المتوكل عليه، اتقوا الرب ياجميع قديسيه لأنه لا منقصة ~~لأتقيائه، الأغنياء افتقروا وجاعوا، والذين يطلبون الرب لا يعدمون كل ~~الخيرات، هلموا أيها الأبناء واسمعوا مني لأفهمكم مخافة الرب، من هو ~~الرجل الذي يهوى الحياة ويحب أن يرى الأيام الصالحة، اكفف لسانك من الشر ~~وشفتيك، لا تتكلم بالغدر، ابعد عن الشر، واصنع الخير، اطلب السلامة ~~واتبعها، فإن عين الرب على الأبرار، وسمعه إلى تضرعهم، وجه الرب على ~~صانعي الشر ليمحو ذكرهم من الأرض، الأبرار دعوا فاستجاب لهم الرب، من ~~جميع شدائدهم نجاهم، الرب قريب من مستقيمي القلوب، يخلص متواضعي الأرواح، ~~كثيرة هي أحزان الصديقين، ومن جميعها ينجيهم الرب، الرب يحفظ جميع ~~عظامهم، وواحد منهم لا ينكسر، موت الخطأة سيىء، ومبغضو البار يهلكون، ~~الرب ينجي نفوس عبيده، ولا يخيب المتوكلين عليه. # المزمور الرابع والثلاثون: حاكم يا رب الذين يظلمونني، قاتل الذي ~~يقاتلونني، خذ سلاحا وترسا وقم لمعونتي، استل سيفا ورد به أعدائي ~~الذين يرهقونني، وقل لنفسي: أنا مخلصك، يخزى ويبهت طالبو نفسي، يرتدون ~~على أعقابهم ويخزي الذين يتفكرون بي الشر، ويكونون كالغبار أمام الريح، ~~وملك الرب يخزيهم، تكون طريقهم زلقة ظلمة عليهم وملك الرب يطاردهم، لأنهم ~~أخفوا لي فخا، بغير حق عيروا نفسي، فليأتهم الشر بغتة، والمصيدة التي ~~أخفوها تأخذهم، وفي الحفرة التي حفروها يسقطون، نفسي تبتهج بالرب، وتنعم ~~بخلاصه، عظامي كلها تقول: يا رب من مثلك منجي المسكين من يد القوي، ~~والفقير والبائس من يد الذين يختطفونه، قام علي شهود الزور، وعما لم ~~أعلم ساءلوني، جازوني بدل الخير شرا، وأبادوا نفسي ms2994 وأنا عندما لجوا علي ~~لبست مسحا، وبالصيام أذللت نفسي، وصلاتي عادت إلى حضني، مثل قريب و أخ ~~كنت لهم، صرت كالحزين الكئيب في تواضعي، اجتمعوا علي وفرحوا، اجتمع علي ~~الأشرار ولم أشعر، أثموا ولم يندموا، أحزنوني وهزؤوا بي وصروا أسنانهم ~~علي، يا رب إلى متى تنتظر! نج نفسي من شر ما نصبوا، ومن الأسد نج وحدتي، ~~لأشكرك يا رب في الجموع الكثيرة وفي الشعب الصالح أرتل لك، لا يسر بي ~~المعادون لي ظلما، الذين يشنؤونني باطلا ويتغامزون بعيونهم، لأنهم ~~يتكلمون بالسلام وبالدغل يفكرون، وعلى المتواضعين في الأرض يقولون الكذب، ~~فتحوا علي أفواههم، وقالوا: نعما نعما! قد قرت به عيوننا، اللهم قد ~~رأيت، لا تغفل، لا تبعد عني يا رب! انظر سريعا في قضائي إلهي وربي، كن ~~في ظلامتي، واحكم لي مثل برك يا ربي وإلهي، لا تسرهم بي، لئلا يقولوا في ~~قلوبهم: تفتحت نفوسنا، ولا يقولوا: قد ابتلعناه، يخزون ويهنون جميعا ~~الذين يفرحون بإساءتي، يلبس الخزي والبهت المتعظمون بالقول علي يسر ~~ويفرح الذين يهوون بري، ويقولون في كل حين: عظيم هو الرب، الذين يريدون ~~سلامة عبدك، لساني يتلو عدلك وتمجيدك النهار كله. # المزمور السادس والثلاثون: لا تغبط الأشرار ولا تتأس بفاعلي الإثم، ~~لأنهم مثل العشب سريعا يجفون، ومثل البقل الأخضر عاجلا يذبلون، توكل ~~على الرب واصنع الخير، واسكن في الأرض، وعش من نعيمها، استبشر بالرب ~~يعطيك مطلوبات قلبك، واكشف سبلك للرب وتوكل عليه وهو يصنع لك، يخرج مثل ~~النور عدلك، ومثل الظهيرة أحكامك، اخضع للرب واضرع إليه، لا تغبط الرجل ~~المستقيم في طريقه المقيم على إثمه، ولا رجلا يعمل بخلاف الناموس، اكفف ~~من السخط، ودع الغضب، لا تبار الشرير، فإن الأشرار جميعا يبيدون، والذين ~~يرجون الرب يرثون الأرض عن قليل، لا يوجد الخاطىء، ويطلب مكانه فلا يوجد، ~~أهل الدعة يرثون الأرض، ويتنعمون بكثرة السلامة، المنافق يرصد الصديق ~~ويصر عليه أسنانه، والرب يهزأ به، لأنه قد علم أن يومه يدركه، استل ~~الخطأة سيوفهم، وأوتروا قسيهم، ليصرعوا المسكين والبائس، ويقتلوا ~~المستقيم القلب، ms2995 تدخل سيوفهم إلى قلوبهم، وتنكسر قسيهم، اليسير للصديق ~~خير من كثرة غنى الخطأة، لأن سواعد الخطأة تنكسر، والرب يحفظ الأبرار، ~~الرب يعرف أيام صديقيه الذين لا عيب فيهم وميراثهم إلى الأبد، ولا يخزون ~~في زمان سوء، وفي أيام الشدائد يشبعون، لأن الأثمة يبيدون، أعداء الرب ~~حين يرتعون ويتمجدون يذهبون مثل الدخان ويضمحلون، الخاطىء يقترض ولا ~~يوفى، والبار يترأف ويعطي، لأن مباركيه يرثون الأرض، ولا غيه يستأصلون، ~~الرب يقوم خطأ الإنسان ويهديه في الطريق، إن سقط البار لم يجزع، لأن ~~الرب ممسك بيده، كنت صبيا وشخت ولم أر صديقا رفض، ولا ذريته طلبت خبزا ~~النهار كله يترحم ويقرض ونسله مبارك، ابعد عن الشر وافعل الخير، واسكن ~~إلى أبد الأبد، لأن الرب يحب العدل، ولا يضيع أصفياءه، يحفظهم إلى أبد ~~الأبد، الأثمة يهلكون ونسل الخطأة يستأصلون، الصديقون يرثون الأرض ~~ويسكنون فيها إلى أبد الأبد، فم الصديق ينطق بالحكمة ولسانه يقول العدل، ~~سنة إلهه في قلبه، ولا تزدحف قدماه، الخاطىء يرصد البار ويهم بقتله، ~~والرب لا يسلمه في يديه، ولا يدخله في الحكم، ترج الرب واحفظ طرقه، وهو ~~يرفعك لترث الأرض وتعاين الخطأة يبيدون، رأيت المنافق يتعالى: ويتطاول ~~مثل أرز لبنان، مررت به فلم أجده وطلبت موضعه فلم أصبه، تمسك بالدعة ~~وسترى الاستقامة، فإن عاقبة الرجل المستقيم سلامة، الخطأة جميعا يبيدون، ~~وبقايا الأشرار يستأصلون، خلاص الأبرار من عند الرب وهو ناصرهم في زمان ~~الشدائد، الرب عونهم ومنجيهم ومنقذهم من الخطأة، ويخلصهم لأنهم توكلوا ~~عليه. ### || [21.106-112] # ولما كان ما ذكر في هذه السورة من الحكم والدلائل والقصص واعظا شافيا ~~حكيما، ومرشدا هاديا عليما، قال واصلا بما تقدم إشارة إلى أنه ~~نتيجته: { إن في هذا } أي الذي ذكرناه هنا من الأدلة على قدرتنا على قيام ~~الساعة وغيرها من الممكنات، وعلى أن من ادعى علينا أمرا فأيدناه عليه ~~وجعلنا العاقبة له فيه فهو صادق محق، وخصمه كاذب مبطل { لبلاغا } لأمرا ~~عظيما كافيا في البلوغ إلى معرفة الحق فيما ذكرناه من قيام الساعة ~~والوحدانية وجميع ما تحصل ms2996 به البعثة { لقوم } أي لأناس أقوياء على ما ~~يقصدونه { عابدين* } أي معترفين بالعبودية لربهم الذي خلقهم اعترافا ~~تطابقه الأفعال بغاية الجد والنشاط. # ولما كان هذا مشيرا إلى رشادهم، فكان التقدير: فما أرسلناك إلا ~~لإسعادهم والكفاية لهم في البلاغ إلى جنات النعيم، عطف عليه ما يفهم سبب ~~التأخير لإنجاز ما يستعجله غير العابدين من العذاب فقال: { وما أرسلناك } ~~أي بعظمتنا العامة على حالة من الأحوال { إلا } على حال كونك { رحمة ~~للعالمين* } كلهم، أهل السماوات وأهل الأرض من الجن والأنس وغيرهم، ~~طائعهم بالثواب، وعاصيهم بتأخير العقاب، الذي كنا نستأصل به الأمم، فنحن ~~نمهلهم ونترفق بهم، إظهارا لشرفك وإعلاء لقدرك، حتى نبين أنهم مع كثرتهم ~~وقوتهم وشوكتهم وشدة تمالئهم عليك لا يصلون إلى ما يريدون منك، ثم نرد ~~كثيرا منهم إلى دينك، ونجعلهم من أكابر أنصارك وأعاظم أعوانك، بعد طول ~~ارتكابهم الضلال، وارتباكهم في أشراك المحال، وإيضاعهم في الجدال ~~والمحال، فيلعم قطعا أنه لا ناصر لك إلا الله الذي يعلم القول في السماء ~~والأرض، ومن أعظم ما يظهر فيه هذا الشرف في عموم الرحمة وقت الشفاعة ~~العظمى يوم يجمع الأولون والآخرون، وتقوم الملائكة صفوفا والثقلان ~~وسطهم، ويموج بعضهم في بعض من شدة ما هم فيه، يطلبون من يشفع لهم في أن ~~يحاسبوا ليستريحوا من ذلك الكرب أما إلى جنة أو نار، فيقصدون أكابر ~~الأنبياء نبيا نبيا عليهم الصلاة والسلام، والتحية والإكرام، فيحيل ~~بعضهم على بعض، وكل منهم يقول: لست لها، حتى يأتوه صلى الله عليه وسلم ~~فيقول: أنا لها، ويقوم ومعه لواء الحمد فيشفعه الله وهو المقام المحمود ~~الذي يغبطه به الأولون والآخرون وقد سبقت أكثر الحديث بذلك في سورة غافر ~~عند # ولا شفيع يطاع # [الآية: 18]. # ولما كان البلاغ الذي رتب هذا لأجله هو التوحيد الملزوم لتمام القدرة، ~~أتبع الإشارة إلى تأخيرهم الإيمان إلى تحذيرهم فقال: { قل } أي لكل من ~~يمكنك له القول: { إنما يوحى إلي } أي ممن لا موحي بالخير سواه وهو الله ~~الذي خصني بهذا الكتاب المعجز { أنما إلهكم }. # ولما كان ms2997 المراد إثبات الوحدانية، لإله مجمع على إلهيته منه ومنهم، كرر ~~ذكر الإله فقال: { إله واحد } لا شريك له، لم يوح إلي في أمر الإله إلا ~~الوحداينة، وما إلهكم إلا واحد لمن يوح إلي فيما تدعون من الشركة غير ~~ذلك، فالأول من قصر الصفة على الموصوف، أي الحكم على الشيء، أي الموحي به ~~إلي مقصور على الوحدانية لا يتعداها إلى الشركة، والثاني من قصر الموصوف ~~على الصفة، أي الإله مقصور على الوحدة لا يتجاوزها إلى التعدد، والمخاطب ~~بهما من يعتقد الشركة، فهو قصر قلب. # ولما انضم إلى ما مضى من الأدلة العقلية في أمر الوحدانية هذا الدليل ~~السمعي، وكان ذلك موجبا لأن يخشى إيجاز ما توعدهم به فيخلصوا العبادة ~~لله، أشار إلى ذلك مرهبا ومرغبا بقوله: { فهل أنتم مسلمون* } أي مذعنون ~~له ملقون إليه مقاليدكم متخلون عن جميع ما تدعونه من دونه لتسلموا من ~~عذابه وتفوزوا بثوابه، ففي الآية أن هذه الوحدانية يصح أن يكون طريقها ~~السمع. # ولما كان توليهم بعد هذه القواطع مستبعد، أشار إلى ذلك بإيراده بأداة ~~الشك فقال: { فإن تولوا } أي لم يقبلوا ما دعوتهم إليه { فقل } أي لهم: { ~~ءاذنتكم } أي أعلمتكم ببراءتي منكم وأني غير راجع إليكم أبدا كما أنكم ~~تبرأتم مني ولم ترجعوا إلي، فصار علمكم أن لا صلح بيننا مع التولي كعلمي ~~وعلم من اتبعني. لتتأهبوا لجميع ما تظنونه ينفعكم، فهو كمن بينه وبين ~~أعدائه هدنة فأحس منهم بغدره، فنبذ إليهم العهد، شهر ذلك النبذ وأشاعه ~~فلم يخفه عن أحد منهم، وهو مما اشتهر أنه بلغ النهاية في الفصاحة ~~والوجازة، أو أبلغتكم جميع ما أرسلت به ولم أخص به أحدا دون أحد، وهذا ~~كله معنى { على سواء } أي إيذانا مستعليا على أمر نصف وطريق عدل، ليس ~~فيه شيء من خفاء ولا غش ولا خداع ولا عذر، بل نستوي فيه نحن وأنتم. # ولما كان من لازم البراءة من شخص الإيقاع به كان موضع أن يقولوا هزؤا ~~على عادتهم: نبذت إلينا على سواء فعجل لنا ما تتوعدنا ms2998 به، فقال: { وإن } ~~أي وما { أدري أقريب } جدا بحيث يكون قربه على ما تتعارفونه { أم بعيد ~~ما توعدون* } من عذاب الله في الدنيا بأيدي المسلمين أو بغيره، أو في ~~الآخرة مع العلم بأنه كائن لا محالة، وأنه لا بد أن يلحق من أعراض عن ~~الله الذل والصغار. # ولما كان من المقطوع به من كون الشك إنما هو في القرب أو البعد أن يكون ~~التقدير: لكنه محقق الوجود، لأن الله واحد لا شريك له، وقريب عند الله، ~~لأن كل ما حقق إيجاده قريب، علله بقوله: { إنه } أي الله تعالى { يعلم ~~الجهر } ولما كان الجهر قد يكون في الأفعال، بينه بقوله: { من القول } ~~مما تجاهرونه به من العظائم وغير ذلك، ونبه الله تعالى على ذلك لأن من ~~أحوال الجهر أن ترتفع الأصوات جدا بحيث تختلط ولا يميز بينها ولا يعرف ~~كثير من حاضريها ما قاله أكثر القائلين، فأعلم سبحانه أنه لا يشغله صوت ~~عن آخر ولا يفوته شيء عن ذلك ولو كثر { ويعلم ما تكتمون* } مما تضمرونه ~~من المخازي كما قال تعالى أولها { قل ربي يعلم القول في السماء والأرض } ~~ومن لازم ذلك المجازاة عليه بما يحق لكم من تعجيل وتأجيل، فستعلمون كيف ~~يخيب ظنونكم ويحقق ما أقول، فتقطعون بأني صادق عليه ولست بساحر، ولا حالم ~~ولا كاذب ولا شاعر، فهو من أبلغ التهديد فإنه لا أعظم من التهديد بالعلم. # ولما كان الإمهال قد يكون نعمة، وقد يكون نقمة، قال: { وإن } وما { أدري ~~} أي أيكون تأخير عذابكم نعمة لكم كما تظنون أو لا. ولما كان إلى كونه ~~نقمة أقرب، قال معبرا عما قدرته: { لعله } أي تأخير العذاب وإيهام الوقت ~~{ فتنة لكم } أي اختبار من الله ليظهر ما يعلمه منكم من الشر لغيره، لأن ~~حالكم حال من يتوقع منه ذلك { ومتاع } لكم تتمتعون به { إلى حين* } أي ~~بلوغ مدة آجالكم التي ضربها لكم في الأزل، ثم يأخذكم بغتة أخذه يستأصلكم ~~بها. # ولما كان اللازم من هذه الآيات تجويز أمور تهم سامعها وتقلقه للعلم ms2999 بأن ~~الله تعالى له أن يفعل ما يشاء من عدل وفضل، وكان من العدل جواز تعذيب ~~الطائع وتنعيم العاصي، كان كأنه قيل: فما قال الرسول الشفوق على الأمة ~~حين سمع هذا الخطاب؟ فقيل: قال مبتهلا إلى الله تعالى - هذا على قراءة ~~حفص. وعلى قراءة الجمهور: لما علم سبحانه أن ذلك مقلق، أمره صلى الله ~~عليه وسلم بما يرجى من يقلق من أتباعه فقال: { قال رب } أي ايها المحسن ~~إلي في نفسي واتباعي بامتثال أوامرك واجتناب نواهيك { احكم } أي أنجز ~~الحكم بيني وبين هؤلاء المخالفين { بالحق } أي بالأمر الذي يحق لكل منا ~~من نصر وخذلان على ما أجريته من سنتك القديمة في أوليائك وأعدائك # ما ننزل الملائكة إلا بالحق # [الحجر: 8] أي الأمر الفصل الناجز، قال ابن كثير: وعن مالك عن زيد بن ~~أسلم: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا شهد قتالا قال { رب احكم ~~بالحق }. وفي الآية أعظم حث على لزوم الإنسان بالحق ليتأهل لهذه الدعوة. # ولما كان التقدير: فربنا المنتقم الجبار له أن يفعل ما يشاء وهو قادر ~~على ما توعدون، عطف عليه قوله: { وربنا } أي المحسن إلينا أجمعين؛ ثم ~~وصفه بقوله: { الرحمن } أي العام الرحمة لنا ولكم بإدرار النعم علينا، ~~ولولا عموم رحمته لأهلكنا أجمعين وإن كنا نحن أطعناه، لأنا لا نقدره حق ~~قدره { لو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة } ~~والحاصل أنه لما سأل { الحق } المراد به الهلاك للعدو والنجاة للولي، ~~أفرد الإضافة إشارة إلى تخصيصه بالفضل، وإفرادهم بالعدل، ولما سأل العون ~~عم بالإضافة والصفة قنوعا بترجيح جانبه بالعون وإن شملتم الرحمة، ولأن ~~من رحمتهم خليتهم عما هم عليه من الشر فقال: { المستعان } أي المطلوب منه ~~العون وهو خبر المبتدأ موصوف { على ما تصفون* } مما هو ناشىء عن غفلتكم ~~الناشئة عن إعراضكم عن هذا الذكر من الاستهزاء والقذف بالسحر وغيره، ~~والمناصبة بالعداوة والتوعد بكل شر، فقد انطبق آخر السورة على أولها بذكر ~~الساعة ردا على قوله { اقترب للناس حسابهم } وذكر غفلتهم ms3000 وإعراضهم وذكر ~~القرآن الذي هو البلاغ، وذكر الرسالة بالرحمة لمن نسبوه إلى السحر وغيره، ~~وتفصيل ما استعجلوا به من آيات الأولين وغير ذلك، وقام الدليل بالسمع بعد ~~العقل على تحقق أمر الساعة بأنه سبحانه لا شريك له يمنعه من ذلك، وأنه ~~يعلم السر وأخفى، وهو رحمن، فمن رحمته إيجاد يوم الدين ليجازي فيه المحسن ~~بإحسانه، والمسيء بكفرانه، وفي ذلك أعظم ترهيب في أعلى حاث على التقوى ~~للنجاة في ذلك اليوم، وهو أول التي تليها - والله الموفق. ### | [22 - سورة الحج] ### || [22.1-5] # قال: { يا أيها الناس } أي الذين تقدم أول تلك أنه اقترب لهم حسابهم { ~~اتقوا ربكم } أي احذروا عقاب المحسن إليكم بأنواع الإحسان بأن تجعلوا ~~بينكم وبينه وقاية الطاعات. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما افتتحت سورة الأنبياء بقوله تعالى: ~~{ اقترب للناس حسابهم } وكان واردا في معرض التهديد، وتكرر في مواضع ~~منها كقوله تعالى: # إلينا ترجعون # [الأنبياء: 35] # سأوريكم آياتي فلا تستعجلون ويقولون متى هذا الوعد # [الأنبياء: 37] # لو يعلم الذين كفروا حين يكفون عن وجوههم النار # [الأنبياء: 39] # ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك # [الأنبياء: 46] # ونضع الموازين القسط ليوم القيامة # [الأنبياء: 47] # وهم من الساعة مشفقون # [الأنبياء: 49] # كل إلينا راجعون # [الأنبياء: 93] # واقترب وعد الحق # [الأنبياء: 97] # إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم # [ الأنبياء: 98] # يوم نطوي السماء كطي السجل للكتاب # [الأنبياء: 104] إلى ما تخلل هذه الآي من التهديد، وشديد الوعيد، حتى لا ~~تكاد تجد أمثال هذه الآي في الوعيد والإنذار بما في الساعة وما بعدها وما ~~بين يديها في نظائر هذه السورة، وقد ختمت من ذلك بمثل ما به ابتدئت، اتصل ~~بذلك ما يناسبه من الإعلام بهول الساعة وعظيم أمرها، فقال تعالى: { يا ~~أيها الناس اتقوا ربكم } - إلى قوله: { ولكن عذاب الله شديد } ثم اتبع ~~ببسط الدلالات على البعث الأخير وإقامة البرهان { يا أيها الناس إن كنتم ~~في ريب من البعث } الآيات، ثم قال { ذلك بأن الله هو الحق } أي اطرد هذا ~~الحكم العجيب ووضح من تقلبكم من حالة إلى حالة في الأرحام ms3001 وبعد خروجكم ~~إلى الدنيا وأنتم تعلمون ذلك من أنفسكم، وتشاهدون الأرض على صفة من ~~الهمود والموت إلى حين نزول الماء فنحيي ونخرج أنواع النبات وضروب ~~الثمرات { يسقى بماء واحد ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيي الموتى } كما ~~أحياكم أولا وأخرجكم من العدم إلى الوجود وأحيا الأرض بعد موتها ~~وهمودها، كذلك تأتي الساعة من غير ريب ولا شك، ويبعثكم لما وعدكم من ~~حسابكم وجزائكم { فريق في الجنة وفريق في السعير } انتهى. # ولما أمرهم بالتقوى: علل ذلك مرهبا لهم بقوله: { إن زلزلة الساعة } أي ~~التي تقدم التحذير منها في الأنبياء بدأ وختما وما بين ذلك، أي شدة ~~اضطرابها وتحركها العنيف المزيل للأشياء عن مقارها إزالة عظيمة، بما يحصل ~~فيهما من الأصوات المختلفة، والحركات المزعجة المتصلة، من النفخ في ~~الصور، وبعثرة القبور، وما يتسبب عن ذلك من عجائب المقدور، وقت القيام، ~~واشتداد الزحام، وذلك لأن " زلزل " مضاعف زل - إذا زال عن مقره بسرعة، ~~ضوعف لفظه لتضاعف معناه؛ قال البغوي: الزلزلة والزلزال: شدة الحركة على ~~الحال الهائلة - انتهى. وهو من إضافة المصدر إلى الفاعل أو المفعول فيه { ~~شيء عظيم* } أي لا تحتمل العقول وصفه؛ قال ابن كثير: أي أمر كبير، وخطب ~~جليل وطارق مفظع، وحادث هائل، وكائن عجيب - انتهى. # وهذا للزلزلة نفسها، فكيف بجميع ما يحدث في ذلك اليوم الذي لا بد لكم من ~~الحشر فيه إلى الله ليجازيكم على ما كان منكم، لا ينسى منه نقير ولا ~~قطمير، ولا يخفى قليل ولا كثير، مما تطير له القلوب، ولا تثبت له النفوس، ~~فاعتدوا وجاهدوا أعداءكم من الأهواء والشياطين. # ولما كان المراد بالساعة القيام وما والاه، جعل مظروفا لذلك اليوم الذي ~~هو من ذلك الوقت إلى افتراق الفريقين إلى داري الإبعاد والإسعاد، والهوان ~~والغفران، فقال تعالى: { يوم ترونها } أي الزلزلة أو كل مرضعة، أضمرها ~~قبل الذكر، تهويلا للأمر وترويعا للنفس { تذهل } أي تنسى وتغفل حائرة ~~مدهوشة، وهو العامل في " يوم " ويجوز أن يكون عامله معنى الكلام، أي ~~تستعظمون جدا ذلك اليوم عند المعاينة وإن ms3002 كنتم الآن تكذبون، ويكون ما ~~بعده استئنافا ودل بالسور على عموم تأثيره لشدة عظمته فقال: { كل مرضعة ~~} أي بالفعل { عما أرضعت } من ولدها وغيره، وهي من ماتت مع أبنها رضيعا، ~~قال البغوي: يقال: مرضع، بلا هاء - إذا أريد به الصفة مثل حائض وحامل، ~~فإذا أرادوا الفعل أدخلوا الهاء - يعني: فيدل حينئذ أنها ملتبسة به { ~~وتضع كل ذات حمل حملها } أي تسقطه قبل التمام رعبا وفزعا، وهي من ماتت ~~حاملا - والله أعلم، فإن كل أحد يقوم على ما مات عليه، قال الحسن: تذهل ~~المرضعة عن ولدها بغير فطام، وتضع الحامل ما في بطنها بغير تمام - انتهى. ~~ويؤيد أن هذه الزلزلة تكون بعد البعث ما في الصحيحين وغيرهما: مسلم في ~~الإيمان وهذا لفظه، والبخاري عند تفسير هذه الآية عن أبي سعيد الخدري رضي ~~الله عنه رفعه: # " يقول الله عز وجل: يا آدم! فيقول: لبيك وسعديك! والخير في يديك، قال: ~~يقول: أخرج بعث النار، قال: وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة ~~وتسعون، فذلك حين يشيب الصغير، وتضع كل ذات حمل حملها " # الحديث والأحاديث في ذلك كثيرة، ومعارضها ضعيف، والمناسب أيضا لما في ~~آخر تلك من قوله # فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا # [الأنبياء: 97] وما تبعه أن هذه الزلزلة بعد القيام من القبور # يوم نطوي السماء # [الأنبياء: 104] # إذا السماء انفطرت # [الانفطار: 1] إلى قوله: # علمت نفس ما قدمت وأخرت # [الانفطار: 5] ويمكن أن يكون المراد هذا وما قبله لأن يوم الساعة طويل، ~~فنسبة الكل إليها على حد سواء. # ولما كان الناس كلهم يرون الزلزلة، ولا يرى الإنسان السكر - إلا من غيره ~~قال في الزلزلة { ترونها } وقال في { السكر }: { وترى الناس سكارى } أي ~~لما هم فيه من الدهش والحيرة والبهت لما شاهدوا من حجاب العز وسلطان ~~الجبروت وسرادق الكبرياء، ثم دل على أن ذلك ليس على حقيقته بقوله، نافيا ~~لما يظن إثباته بالجملة الأولى: { وما هم بسكارى } أي من الخمر. # ولما نفى أن يكونوا سكارى من الخمر، أثبت ما أوجب لهم تلك الحالة فقال: ms3003 ~~{ ولكن عذاب الله } ذي العز والجبروت { شديد* } فهو الذي وجب أن يظن بهم ~~السكر، لأنه أذهب خوفه حولهم، وطير هوله عقولهم. # ولما أفهم العطف الآتي أن الناس قسمان، وأن التقدير: فإن منكم من يؤمن ~~فبتقي فينجو من شر ذلك اليوم الذي اقتضت الحكمة إظهار العظمة فيه ليزداد ~~حزب الله فرحا، وحزب الشيطان غما وترحا، عطف عليه قوله: { ومن الناس } ~~أي المذبذبين المضطربين { من } لا يسعى في إعلاء نفسه وتهذيبها فيكذب ~~فيوبق بسوء أعماله، لأنه { يجادل في الله } أي في قدرة الملك الأعظم على ~~ذلك اليوم وفي غير ذلك من شؤونه بعد أن جاءه العلم بها اجتراء على سلطانه ~~العظيم { بغير علم } بل بالباطل الذي هو جهل صرف، فيترك اتباع الهداة ~~النصحاء { ويتبع } بغاية جهده في جداله { كل شيطان } أي محترق بالشر مبعد ~~باللعن. # ولما كان السياق لذم متبعه، أشار إلى أنه لا قصد له في اتباعه إلا الشر، ~~لأنه لا لبس في أمره بصيغة المبالغة كما مضى في النساء ويأتي في الصافات، ~~فقال: { مريد* } أي متجرد للفساد لا شغل له غيره، فهو في غاية الضراوة ~~عليه، قال البيضاوي: وأصله العرى { كتب } أي قضى وقدر على سبيل الحتم ~~الذي لا بد منه، تعبير باللازم عن الملزوم { عليه } أي على ذلك الشيطان { ~~أنه من تولاه } أي فعل معه فعل الولي مع وليه، باتباعه والإقبال على ما ~~يزينه { فأنه يضله } بما يبغض إليه من الطاعات فيخطىء سبيل الخير. # ولما نفر عن توليه بإضلاله لأن الضلال مكروه إلى كل أحد، بين أنه إضلال ~~لا هدى معه أصلا فقال: { ويهديه } أي بما يزين له من الشهوات، الحاملة ~~على الزلات، إعلاما بأنه إن كان له هدى إلى شيء فهو { إلى عذاب السعير* ~~}. ولما حذر الناس من ذلك اليوم، وأخبر أن منهم من يكذب، وعرف بمآله، ~~فأفهم ذلك أن منهم من يصدق به فيكون له ضد حاله، وكان كثير من المصدقين ~~يعملون عمل المكذبين، أقبل عليهم سبحانه إقبالا ثانيا رحمة لهم، منبها ~~على أنه ينبغي أن لا ms3004 يكون عندهم نوع من الشك في ذلك اليوم لما عليه من ~~الآيات في الآفاق وفي أنفسهم، فقال دالا عليه بالأمرين: { يا أيها الناس ~~} أي كافة، ويجوز أن يراد المنكر فقط، وعبر بالناس الذي هو من أسفل ~~الأوصاف لذلك، وإشارة إلى أن المنكر والعامل عمله - وإن كان مصدقا - هم ~~أكثر الناس، وعبر بأداة الشك إشارة إلى أن الذي يقتضيه الحال جزمهم به ~~فقال: { إن } وبين أنه ما عبر به إلا للتوبيخ، لا للشك في أمرهم، بجعل ~~الشرط ماضيا، ودل ب " كان " وبالظرف على ما تمكن الريب منهم فقال: { ~~كنتم في ريب } أي شك وتهمة وحاجة إلى البيان { من البعث } وهو قيام ~~الأجسام بأرواحها كما كانت قبل مماتها سواء، استعظاما لأن نقدر عليه { ~~فإنا خلقناكم } بقدرتنا التي لا يتعاظمها شيء { من تراب } لم يسبق له ~~اتصاف بالحياة { ثم من نطفة } حالها أبعد شيء عن حال التراب، فإنها بيضاء ~~سائلة لزجة صافية كما قال # من ماء دافق # [الطارق: 6] وأصلها الماء القليل - قاله البغوي. وأصل النطف الصب - قاله ~~البيضاوي. { ثم من علقة } أي قطعة دم حمراء جامدة، ليس فيها أهلية ~~للسيلان { ثم من مضغة } أي قطعة لحم صغيرة جدا تطورت إليها النطفة { ~~مخلقة } بخلقة الآدمي التمام { وغير مخلقة } أي أنشأناكم من تراب يكون ~~هذا شأنه، وهو أنا ننقله في هذه الأطوار إلى أن يصير مضغة، فتارة يخلقها ~~ويكون منها آدميا، وتارة لا يخلقها بل يخرجها من الرحم فاسدة، أو تحرقها ~~حرارته، أو غير مخلقة تخليقا تاما بل ناقصا مع وجود الروح كشق الذي ~~كان شق آدمي، وسطيح الذي كان علوا بلا سفل ونحوهما { لنبين لكم } كمال ~~قدرتنا، وتمام حكمتنا، وأن ذلك ليس كائنا عن الطبيعة، لأنه لو كان عنها ~~لم يختلف، فدل اختلافه على أنه عن فاعل مختار، قادر قهار، وحذف المفعول ~~إشارة إلى أنه يدخل فيه كل ما يمكن أن يحيط به العقول. # ولما كان التقدير: فنجهض منه ما لا نشاء إتمامه، عطف عليه قوله: { ونقر ~~في الأرحام } أي من ذلك الذي خلقناه ms3005 { ما نشاء } إتمامه { إلى أجل مسمى } ~~قدرناه لإتمامه ما بين ستة أشهر إلى ما نريد من الزيادة على ذلك، بحسب ~~قوة الأرحام وضعفها، وقوة المخلقات وضعفها وكثرة ما تغتذيه من الدماء ~~وقلته، وزكائه وخبثه، إلى غير ذلك من أحوال وشؤون لا يعلمها إلا بارئها، ~~جلت قدرته، وتعالت عظمته، وأما ما لم نشأ إتمامه فإن الأرحام تمجه ~~بقدرتنا وتلقيه دون التمام أو تحرقه فيضمحل { ثم نخرجكم } بعد ذلك { ~~طفلا } أي في حال الطفولة من صغر الجثة وضعف البدن والسمع والبصر وجميع ~~الحواس، لئلا تهلكوا أمهاتكم بكبر أجرامكم، وعظم أجسامكم، وهو يقع على ~~جميع، وعبر به دونه للتساوي في ضعف الظاهر والباطن. # ولما ذكر أضعف الضعف ذكر أقوى القوة عاطفا له عليه لما بينهما من ~~المهلة بأداة التراخي فقال: { ثم } أي نمد أجلكم { لتبلغوا } بالانتقال ~~في أسنان الأجسام فيما بين الرضاع، إلى حال اليفاع، إلى زمان الاحتلام، ~~وقوة الشباب والتمام { أشدكم } أي نهاية كل شدة قدرناها لكل واحد منكم { ~~ومنكم من يتوفى } قبل ما بعد ذلك من سن الشيخوخة { ومنكم من يرد } ~~بالشيخوخة، وبناه للمجهول إشارة إلى سهولته عليه مع استبعاده لولا تكرر ~~المشاهدة عند الناظر لتلك القوة والنشاط وحسن التواصل بين أعضائه ~~والارتباط { إلى أرذل العمر } وهو سن الهرم فينقص جميع قواه { لكيلا يعلم ~~}. # ولما كان السياق للقدرة على البعث الذي هو التحويل من حال الجمادية إلى ~~ضده بغاية السرعة، أثبت " من " الابتدائية للدلالة على قرب زمن الجهل من ~~زمن العلم، فربما بات الإنسان في غاية الاستحضار لما يعلم والحذق فيه ~~فعاد في صبيحة ليلته أو بعد أيام يسيرة جدا من غير كبير تدريج لا يعلم ~~شيئا، وأفهم إسقاط حرف الانتهاء أنه ربما عاد إليه علمه، وربما اتصل ~~جهله بالموت بخلاف ما مضى في النحل فقال: { من بعد علم } كان أوتيه { ~~شيئا } بل يصير كما كان طفلا في ضعف الجواهر والأعراض، لتعلموا أن ذلك ~~كله فعل الإله الواحد المختار، وأنه لو كان فعل الطبيعة لازداد بطول ~~البقاء نموا في جميع ذلك، ms3006 وقد علم - بعود الإنسان في ذهاب العلم وصغر ~~الجسم إلى نحو ما كان عليه في ابتداء الخلق - قطعا أن الذي أعاده إلى ~~ذلك قادر على إعادته بعد الممات، والكون على حال الرفات. # ولما تم هذا الدليل على الساعة محكم المقدمات واضح النتائج، وكان أول ~~الإيجاد فيه غير مشاهد فعبر عنه بما يليق به، أتبعه دليلا آخر محسوسا، ~~وعطفه على ما أرشد إليه التقدير من نحو قوله: تجدون أيها الناس ما ذكرناه ~~في أنفسكم، فقال: { وترى } فعبر بالرؤية { الأرض } ولما كان في سياق ~~البعث، عبر بما هو أقرب إلى الموت فقال: { هامدة } أي يابسة مطمئنة ساكنة ~~سكون الميت ليس بها شيء من نبت، ولعله أفرد الضمير توجيها إلى كل من ~~يصلح أن يخاطب بذلك { فإذا } أي فننزل عليها ماء من مكان لا يوجد فيه ثم ~~ينزل منه إلا بقدرة عظيمة وقهر باهر، فإذا { أنزلنا } بما لنا من العظمة ~~{ عليها الماء اهتزت } أي تحركت بنجوم النبات اهتزاز الحي، وتأهلت ~~لإخراجه؛ قال الرازي: والاهتزاز: شدة الحركة في الجهات المختلفة. { وربت ~~} أي انتفخت، وذلك أول ما يظهر منها للعين وزادت ونمت بما يخرج منها من ~~النبات الناشىء عن التراب والماء { وأنبتت } بتقديرنا { من كل زوج } أي ~~صنف عادلناه بصنف آخر جعلناه تمام نفعه به { بهيج* } أي مؤنق من أشتات ~~النباتات في اختلاف ألوانها وطعومها، وروائحها وأشكالها، ومنافعها ~~ومقاديرها رائقة المناظر، لائقة في العيون والبصائر، قال الرازي: فكما أن ~~النبات يتوجه من نقص إلى كمال، فكذلك الآدمي يترقى من نقص إلى كمال، ففي ~~المعاد يصل إلى كماله الذي أعد له من البقاء والغنى والعلم والصفاء ~~والخلود، أي السعيد منه في دار السلام مبرا عن عوارض هذا العالم - ~~انتهى. ### || [22.6-10] # ولما قرر سبحانه هذين الدليلين، رتب عليهما ما هو مطلوب والنتيجة فقال ~~على طريق التعليل: { ذلك } أي الذي تقدم من الأمر بالتقوى، والترهيب من ~~جلال الله بالحشر، والاستدلال عليه بالتصرف في تطوير الإنسان والنبات إلى ~~ما في تضاعيفه من أنواع الحكم وأصناف اللطائف { بأن } أي بسبب ms3007 أن تعلموا ~~أن { الله } أي الجامع لأوصاف الكمال { هو } أي وحده { الحق } أي الثابت ~~أتم الثبات، بحيث يقتضي ذلك أنه يكون كل ما يريد، فإنه لا ثبات مع العجز ~~{ وأنه يحيي الموتى } أي القادر على ذلك بأنه - كما سيأتي - هو العلي ~~الكبير { وأنه على كل شيء } من الخلق وغيره { قدير* } # إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون # [يس: 82] { وأن الساعة } التي تقدم التحذير منها، وهي وقت حشر الخلائق ~~كلهم { آتية لا ريب فيها } بوجه من الوجوه لما دل عليها مما لا سبيل إلى ~~إنكاره بقول من لا مرد لقوله، وهو حكيم فلا يخلف ميعاده، ولا يسوغ بوجه ~~أن يترك عباده بغير حساب { وأن الله } لما له من الجلال والحكم { يبعث } ~~بالإحياء { من في القبور* } لحضوره والفصل بينهم فيها في كل ما اختلفوا ~~فيه لأن ذلك من العدل الذي أمر به، وبه يظهر كثير من صفاته سبحانه أتم ~~الظهور، والحاصل أن المراد أنه سبحانه قال ما تقدم وفعل ما ذكر من إيجاد ~~الإنسان والنبات في هذه الأطوار ليعلم أنه قادر على هذه الأمور وعلى كل ~~شيء { ومن } أي فمن الناس الذين كانوا قد وقفوا عن الإيمان قبل هذا ~~البيان من آمن عند سماع هذه القواطع، ومن { الناس } وهم ممن اشتد تكاثف ~~طبعه { من يجادل } أي بغاية جهده { في الله } أي في قدرته وما يجمعه هذا ~~الاسم الشريف من صفاته بعد هذا البيان الذي لا مثل لهه ولا خفاء فيه { ~~بغير علم } أتاه عن الله على لسان أحد من أصفيائه أعم من أن يكون كتابا ~~أو غيره { ولا هدى } أرشده إليه من عقله أعم من كونه بضرورة أو استدلال { ~~ولا كتاب منير* } صح لديه أنه من عند الله، ومن المعلوم أنه بانتفاء هذه ~~الثلاثة لا يكون جداله إلا بالباطل { ثاني عطفه } أي رخي البال معرضا ~~متكبرا متماثلا لاويا عنقه لذلك كما قال تعالى # وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا # [لقمان: 7] والعطف في الأصل الجانب وموضع الميل. # ولما دل السياق ms3008 على أنه أكثف الأقسام طبعا، عبر عن قصده بقوله: { ليضل ~~} أي غيره { عن سبيل الله } إفهاما لذلك، لأن هذا لا يقصده عاقل، فالقسم ~~الأول تابع ضال، وهذا داع لأهل الضلال، هذا على قراءة الضم للجمهور، وعلى ~~قراءة الفتح لابن كثير وأبي عمرو ورويس عن يعقوب بخلاف عنه من ضل، تكون ~~من باب التهكم كما تقدم غير مرة، أي إنه من الحذق بحيث لا يذهب عليه أن ~~هذا ضلال، فما وصل إليه إلا بقصده له. # ولما ذكر فعله وثمرته، ذكر ما أعد له عليه فقال: { له في الدنيا خزي } ~~اي إهانة وذل وإن طال زمن استدراجه بتنعيمه " حق على الله أن لا يرفع ~~شيئا من الدنيا إلا وضعه " { ونذيقه } أي بما لنا من العظمة { يوم ~~القيامة } الذي يجمع فيه الخلائق بالإحياء بعد الموت { عذاب الحريق* } أي ~~بجعله يحس بألم العذاب بالحريق كما يحس الذائق بالشيء كما أحرق قلوب ~~المهتدين بجداله بالباطل، ويقال حقيقة أو مجازا: { ذلك } أي العذاب ~~العظيم { بما } أي بسبب ما { قدمت يداك } أي بعملك، ولكنه جرت عادة العرب ~~أن تضيف الأعمال إلى اليد لأنها آلة أكثر العمل، وإضافة ما يؤدي إليهما ~~أنكأ { وأن } أي وبسبب أن { الله } أي الذي له الكمال كله { ليس بظلام } ~~أي بذي ظلم ما { للعبيد* } ولو ترككم بغير ذلك لكان في مجاري عاداتكم ~~ظلما أولا بتسوية المحسن بالمسيء، وثانيا بترك الانتصار للذين عادوك ~~فيه وأذيتهم من أجله، ويجوز أن تكون الصيغة للمبالغة لتفهم أنه لو تركه ~~لكان الظلم، وذلك في غاية البعد عن حكمته و... نفي أصل الظلم من آياته ~~الباهرة. ### || [22.11-14] # ولما بين قسمي المصارحين بالكفر الكثيف والأكثف صريحا. وأفهم المؤمن ~~المخلص، عطف على ذلك المذبذب فقال: { ومن الناس } ولذلك عبر بالناس الذي ~~مدلولة الاضطراب والتردد دون أن يضمر { من يعبد الله } أي يعمل على سبيل ~~الاستمرار والتجدد بما أمر به الإله الأعظم من طاعته { على حرف } فهو ~~مزلزل كزلزلة من يكون على حرف شفير أو جبل أو غيره، لا استقرار له، ~~وكالذي ms3009 على طرف من العسكر، فإن رأى غنيمة قر، وإن توهم خوفا طار وفر، ~~وذلك معنى قوله: { فإن أصابه خير } أي من الدنيا { اطمأن به } أي بسببه، ~~وثبت على ما هو عليه { وإن أصابته فتنة } أي مصبية ولو قلت - بما يشير ~~إليه التأنيث - في جسده أو معيشته يختبر بها ويظهر خبأة للناس { انقلب ~~على وجهه } لتهيئه للانقلاب بكونه على شفا جرف فسقط عن ذلك الطرف من ~~الدين سقوطا لا رجوع له بعد إليه ولا حركة له معه، فإن الإنسان مطبوع ~~على المدافعة بكل عضو من أعضائه عن وجهه فلا يمكن منه إلا بعد نهاية ~~العجز، والمعنى أنه رجع إلى الوجه الذي كان عليه من الكفر أو الشك رجوعا ~~متمكنا، وهذا بخلاف الراسخ في إيمانه، فإنه إن أصابته سراء شكر، وإن ~~أصابته ضراء حمد وصبر، فكل قضاء الله له خير. # ولما كان انقلاب هذا مفسدا لآخرته بما ناله من الوزر، وغير نافع له في ~~استدراك ما فاته من الدنيا، كانت فذلكة ذلك قوله: { خسر الدنيا } أي بسبب ~~أن ذلك لا يرد ما فاته منها ويكون سبب التقتير عليه وذهاب بركته # ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من ~~فوقهم ومن تحت أرجلهم # [المائدة: 66] # " إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه " # { والآخرة } بفوات أجر الصبر وحصول إثم الجزع: ثم عظم مصيبته بقوله: { ~~ذلك } أي الأمر العظيم { هو } أي لا غير { الخسران المبين* } ورى البخاري ~~في التفسير عن ابن عباس رضي الله عنهما في هذه الآية قال: كان الرجل يقدم ~~المدينة، فإن ولدت امرأته غلاما ونتجت خيله قال: هذا دين صالح، وإن لم ~~تلد امرأته ولم تنتج خيله قال: هذا دين سوء ثم بين هذا الخسران الذي رده ~~إلى ما كان فيه قبل الإيمان الحرفي بقوله: { يدعوا } أي يعبد حقيقة ~~أومجازا مع التجدد والاستمرار بالاعتماد على غير الله ومنابذة # وإياك نستعين # [الفاتحة: 5]. ولما كان كل ما سوى الله دونه، نبه على ذلك بقوله: { من ~~دون الله } أي عن أدنى رتبة من ms3010 رتب المستجمع لصفات الكمال. # ولما كان المتضي للعبادة إنما هو الفعل بالاختيار، وأما الفعل الذي ~~يقتضيه الطبع والقسر عليه فلا عبرة به في ذلك، فإنه لا قدرة على الانفكاك ~~عنه فلا حمد لفاعله، نبه على ذلك بقوله: { ما لا يضره } أي بوجه من ~~الوجوه حتى ولا بقطع النفع إن كان يتصور منه. # ولما قدم الضر لأنه من الأعذار المقبوله في ارتكاب الخطأ، أتبعه النفع ~~قطعا لكل مقال فقال: { وما لا ينفعه } بوجه من الوجوه ولا بترك الضر إن ~~وجد منه، ولو أسقطت " ما " من الثاني لظن أن الذم يشترط فيه انتفاء الضر ~~والنفع معا حتى أن من ادعى ما انتفى عنه أحدهما لم يذم { ذلك } أي الفعل ~~الدال على أعظم السفه وهو دعاء شيء انتفى عنه القدرة على النفع، أو شيء ~~انتفى عنه القدرة على الضر { هو } أي وحده { الضلال البعيد* } عن الحق ~~والرشاد الذي أوصل إلى فياف مجاهل لا يتأتى الرجوع منها، وذلك لأن الأول ~~لو ترك عبادته ما قدر على منع إحسانه، والثاني لو تقاداه ما وصل إلى نفعه ~~ولا يترك ضره، فعبادتهما عبث، لأنه استوى فعلها وتركها. # ولما كان الإحسان جالبا للانسان، من غير نظر إلى مورده، لأن القلوب ~~جبلت على حب من أحسن إليها، بين أن ما قيل في جانب النفع إنما هو على ~~سبيل الفرض فقال: { يدعوا } ولما كان ما فرض أولا فيما عبر عنه ب " ما ~~" قد يكون غير عاقل، فيكون ما صدر منه لعدمه العقل، أزال هذا الإبهام ~~بقوله: { لمن } أي زاعما أن من { ضره } ولو بعبادته الموجبة لأعظم ~~الشقاء { أقرب من نفعه } الذي يتوقع منه - إله. # ولما كانت الولاية الكاملة لا تنبغي إلا لمن يكون توقع النفع منه والضر ~~على حد سواء، لقدرته على كل منهما باختياره، وكان العشير لا يصلح إلا إن ~~كان مأمون العاقبة، وكان هذا المدعو إن نظر إليه في جانب الضر وجد غير ~~قادر عليه، أو في جانب النفع فكذلك، وإن فرض توقع نفعه أو ضره كان خوف ms3011 ~~ضره أقرب من رجاء نفعه، استحق غاية الذم فلذلك استأنف تعالى وصفه بقوله ~~معبرا في ذمه بالأداة الموضوعة لمجامع الذم: { لبئس المولى } لكونه ليس ~~مرجو النفع كما هو مخشي الضر { ولبئس العشير* } لكونه ليس مأمون الضر فهو ~~غير صالح لولاية ولا لعشرة بوجه. # ولما أفهم ما تقدم أن هذا الإله المدعو إليه قادر على كل من النفع والضر ~~بالاختبار، وأن تجويز الوقوع لكل منهما منه على حد سواء، نبه على ذلك ~~بقوله مستأنفا: { إن الله } أي الحائز لجميع صفات الكمال المنزه عن جميع ~~شوائب النقص { يدخل الذين آمنوا } برسله وما دعت إليه من شأنه { وعملوا } ~~تصديقا لإيمانهم { الصالحات } الخالصة الشاهدة بثباتهم في الإيمان بعد ~~ما ضرهم في الدنيا بأنواع المعايب، تطهيرا لهم مما اقترفوه من الزلات، ~~وأهوتهم إليه الهفوات { جنات تجري من تحتها } أي من أي مكان أردت من ~~أرضها { الأنهار } ولما كان هذا أمرا باهرا دل على سهولته بقوله: ~~تصريحا بما أفهمه السياق من وصف الاختيار: { إن الله } أي المحيط بكل ~~شيء قدرة وعلما { يفعل ما يريد* } من كل نفع وضر. ### || [22.15-17] # ولما أتم الدليل على خسران هذا المنقلب وربح الثابت، وكان هذا مفهما ~~لأن من رجاه لما وعد به بادر الإقبال عليه ولم ينفع إلا نفسه، ومن لا يرج ~~ذلك أعرض عن الله سبحانه منقلبا على جهه فلم يضر إلا نفسه، ترجم عن حال ~~هذا الثاني العابد على حرف بقوله: { من كان يظن } أي ممن أصابته فتنة { ~~أن لن ينصره الله } ذو الجلال والإكرام في حال من أحواله { في الدنيا ~~والآخرة } فأعرض عنه انقلابا على وجهه فإنه لا يضر إلا نفسه وإن ظن أنه ~~لا يضرها { فليمدد بسبب } أي حبل أو شيء من الأشياء الموصلة له { إلى ~~السماء } التي يريدها من سقف أو سحاب أو غيرهما. # ولما كان مده ذلك متعسرا أو متعذرا، عبر عما يتفرع عليه بأداة التراخي ~~فقال: { ثم ليقطع } أي ليوجد منه وصل وقطع، أي ليبذل جهده في دفع القضاء ~~والقدر عنه، وهي لام أمر ms3012 عند من حركها بالكسر إفهاما لشدة الحركة في ~~المزاولة للذهاب إلى السفل الدال على عدم العقل، وهم أبو عمرو وابن عامر ~~وورش عن نافع ورويس عن يعقوب، أو أسكنها وهم الباقون { فلينظر } ببصره ~~وبصيرته { هل يذهبن } وإن اجتهد { كيده ما يغيظ* } أي شيئا يحصل له منه ~~غيظ، أو يكون المعنى: فليفعل ما يفعله من بلغ منه الغيظ بأن يربط حبلا ~~بسقف بيته ثم ليربطه في عنقه ثم ليقطع ما بين رجليه وبين الأرض ليختنق، ~~وهذا كما يقال لمن أدبر عنه أمر فجزع: اضرب برأسك الجدار إن لم ترض هذا، ~~مت غيظا - ونحو ذلك، والحاصل أنه إن لم يصبر على المصائب لله طوعا صبر ~~عليها كرها مع ما ناله من أسباب الشقاء. # ولما بين سبحانه هذه الآيات المرئية، في هذه الأساليب العلية، هذا ~~البيان الشافي الهادي بإعجاز حكمه، بين أنه معجز أيضا بنظمه، فقال: { ~~وكذلك } أي ومثل ما بينا هذه الآيات المرئية التي أنزلنا كلامنا لبيان ~~حكمها وإظهار أسرارها { أنزلناه } أي الكلام كله بما لنا من العظمة ~~الباهرة { آيات بينات } معجزا نظمها، كما كان معجزا حكمها. # ولما كان الكلام بينا في أن التقدير: ليعلم إذا ضل ضال مع هذا البيان ~~أن الله يضل من يريد، عطف عليه قوله: { وأن } أي وليعلم أن { الله } أي ~~الموصوف بالإكرام، كما هو موصوف بالانتقام { يهدي } أي بآياته { من يريد* ~~} أي لتبين قدرته واختياره إزاحة لغم من يقول: إذا كانت الآيات المرئية ~~والمسموعة في هذا الحد من البيان فما لأكثر الناس على ضلالهم يتخلف فيهم ~~المسببات عن أسبابها. # ولما كان ذلك موجبا للسؤال، عن حال الفريقين: المهدي والضال، أجاب عن ~~ذلك ببيان جميع فرق الضلال، لأن لهذه السورة أتم نظر إلى يوم الجمع الذي ~~هو مقصود السورة التي قبلها، فقصد إلى استيعاب الفرق تصويرا لذلك اليوم ~~بأليق صورة، وقرن بكل من فريقي أهل الكتاب موافقة في معناه فقال: { إن ~~الذين ءامنوا } أي من أي فرقة كانوا، وعبر بالفعل ليشمل الإقرار ~~باللسان، الذي هو أدنى وجوه الإيمان ms3013 { والذين هادوا } أي انتحلوا ~~اليهودية، على أي حال كانوا من إيمان أو كفران. # ولما كان اليهود عبدوا الأصنام متقربين بها إلى النجوم كما مضى في ~~المائدة، أتبعهم من شابهوه فقال: { والصابئين } ثم تلا بثاني فريقي أهل ~~الكتاب فقال: { والنصارى } ثم أتبعهم من أشبهه بعض فرقهم في قولهم بإلهين ~~اثنين فقال: { والمجوس } وهم عبدة النار؛ ثم ختم بأعم الكل في الضلال كما ~~فتح بأعمهم في الهدى فقال: { والذين أشركوا } لشموله كل شرك حتى الأصغر ~~من الربا وغيره { إن الله } أي الملك الأعظم الذي له الملك كله وهو أحكم ~~الحاكمين { يفصل بينهم يوم القيامة } فيجازي كلا بعمله على ما يقتضيه ~~في مجاري عاداتكم، ويقتص لبعضهم من بعض، ويميز الخبيث منهم من الطيب؛ ثم ~~علل ذلك بقوله: { إن الله } أي الجامع لجميع صفات الكمال { على كل شيء } ~~من الأشياء كلها { شهيد* } فلا شيء إلا وهو به عليم، فهو لذلك على كل شيء ~~قدير، كما مضى بيانه في # وسع كل شيء علما # [طه: 98] في طه، وقال الحرالي في شرح الأسماء الحسنى: الشهادة رؤية خبرة ~~بطية الشيء ودخلته ممن له غنى في أمره، فلا شهادة إلا بخبرة وغنى ممن له ~~اعتدال في نفسه بأن لا يحيف على غيره، فيكون ميزان عدل بينه وبين غيره، ~~فيحق له أن يكون ميزانا بين كل متداعيين ممن يحيط بخبرة أمرهما # وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم ~~شهيدا # [البقرة: 143] وبحسب إحاطة علم الشهيد ترهب شهادته، ولذلك أرهب شهادة ~~شهادة الله على خلقه # قل أي شيء أكبر شهادة قل الله # [الأنعام: 19] ولما كان أيما الإحاطة والخبرة والرقبة لله كان بالحقيقة ~~لا شهيد إلا هو - انتهى. ### || [22.18-22] # ولما كان جميع ما تقدم في هذه السورة دالا على أنه على كل شيء قدير، ~~وأنه يفعل ما يريد، وختم ذلك بأنه بكل شيء عليم لم يغب ولا يغيب شيء عنه، ~~فاقتضى ذلك قيوميته، وكان بحيث يستعظم لكثرة الخلائق فكيف بأحوالهم، قرر ~~ذلك في جواب من كأنه سأل فهي في ms3014 معنى العلة، فقال: { ألم تر أن الله } أي ~~الحائز لجميع الكمال المبرأ عن كل نقص { يسجد له } أي يخضع منقادا لأمره ~~مسخرا لما يريد منه تسخير من هو في غاية الاجتهاد في العبادة والإخلاص ~~فيها { من في السماوات }. # ولما كان في السياق مقتضيا للإبلاغ في صفة القيومية بشهادة ذكر الفصل ~~بين جميع الفرق، أكد بإعادة الموصول فقال: { ومن في الأرض } إن أخلت غير ~~العاقل فبالتغليب، وإن خصصت فبالعاقل أفهم خضوع غيره من باب الأولى. ولما ~~ذكر ما يعم العاقل وغيره، أتبعه بأشرف ما ذكر مما لا يعقل لأن كلا ~~منهما عبد من دون الله أو عبد شيء منه فقال: { والشمس والقمر والنجوم } ~~من الأجرام العلوية فعبد الشمس حمير، والقمر كنانة، والدبران تميم، ~~والشعرى لخم، والثريا طيىء وعطاردا أسدا، والمرزم ربيعة - قاله أبو ~~حيان. ثم أتبع ذلك أعلام الذوات السفلية فقال: { والجبال } أي التي تنحت ~~منها الأصنام { والشجر } التي عبد بعضها { والدواب } التي عبد منها ~~البقر، كل هذه الأشياء تنقاد لأمر الله، ومن المعلوم لكون هذه لا تعقل - ~~أن أمره لها هو مراده منها. # ولما كان العقلاء من المكلفين قد دخلوا في قوله { ومن في الأرض } دخولا ~~أوليا، وكان السجود الممدوحون عليه إنما هو الموافق للأمر، لا الموافق ~~للإرادة المجردة عن الأمر، قال دالا على إرادته هنا بتكريرهم وتقسيمهم ~~بعد إدخالهم في السجود الإدارة وتعميمهم: { وكثير من الناس } أي يسجد ~~سجودا هو منه عبادة شرعية فحق له الثواب { وكثير } أي منهم { حق عليه ~~العذاب } بقيام الحجة عليه بكون لم يسجد، فجحد الأمر الذي من جحده كان ~~كافرا وإن كان ساجدا عابدا بالمعنى اللغوي الذي هو الجري مع المراد، ~~وعلى القول بأن هذا في تقدير عامل من لفظ الأول بغير معناه هو قريب من ~~الاستخدام الذي يعلو فيه ضمير على لفظ مراد منه معنى آخر، والآية من ~~الاحتباك: إثبات السجود في الأول دليل على انتفائه في الثاني، وذكر ~~العذاب في الثاني دليل على حذف الثواب في الأول. # ولما علم بهذا أن الكل ms3015 جارون مع الإرادة منقادون أتم انقياد تحت طوع ~~المشيئة، وأنه إنما جعل الأمر والنهي للمكلفين سببا لإسعاد السعيد منهم ~~وإشقاء الشقي، لإقامة الحجة عليهم على ما يتعارفونه من أحوالهم فيما ~~بينهم، كان المعنى: فمن يكرم الله بتوفيقه لا متثال أمره فما له من مهين، ~~فعطف عليه: { ومن يهن الله } أي الذي له الأمر كله بمنابذة أمره { فما له ~~من مكرم } لأنه لا قدرة لغيره أصلا، ولعله إنما ذكره وطوى الأول لأن ~~السياق لإظهار القدرة، وإظهارها في الإهانة أتم، مع أن أصل السياق ~~للتهديد؛ ثم علل أن الفعل له لا لغيره بقوله: { إن الله } أي الملك ~~الأعظم { يفعل ما يشاء* } أي كله، فلو جاز أن يمانعه غيره ولو في لحظة لم ~~يكن فاعلا لما يشاء، فصح أنه لا فعل لغيره، قال ابن كثير: قال ابن أبي ~~حاتم: حدثنا أحمد بن شيبان الرملي نا القداح عن جعفر بن محمد عن أبيه عن ~~علي رضي الله عنه أنه قيل له: إن ههنا رجلا يتكلم في المشيئة، فقال له ~~علي: يا عبد الله خلقك الله كما شاء أو كما شئت؟ قال: بل كما شاء، قال: ~~فيمرضك إذا شاء أو إذا شئت؟ قال: بل إذا شاء، قال: فيشفيك إذا شاء أو إذا ~~شئت؟ قال: بل إذا شاء، قال: فيدخلك حيث شئت أو حيث يشاء؟ قال: بل حيث ~~يشاء، قال: والله لو قلت غير ذلك لضربت الذي فيه عيناك بالسيف، وقد مر في ~~سورة يوسف عند # إن الحكم إلا لله عليه توكلت # [يوسف: 67] ما ينفع هنا. # ولما قسم الناس إلى مخالف ومؤالف، أتبعه جزاءهم بما يرغب المؤالف ويرهب ~~المخالف على وجه موجب للأمر بالمعروف الذي من جملته الجهاد لوجهه خالصا ~~فقال: { هذان } أي الساجد والجاحد من جميع الفرق { خصمان } لا يمكن منهما ~~المسالمة الكاملة إذ كل منهما في طرف. # ولما أشار بالتثنية إلى كل فرقة منهم صارت - مع كثرتها وانتشارها باتحاد ~~الكلمة في العقيدة - كالجسد الواحد، صرح بكثرتهم بالتعبير بالجمع فقال: { ~~اختصموا } أي أوقعوا الخصومة بغاية ms3016 الجهد، ولما كانت الفرق المذكورة كلها ~~مثبتة وقد جحد أكثرهم النعمة، قال: { في ربهم } أي الذي هم بإحسانه إليهم ~~معترفون، لم يختصموا بسبب غيره أصلا، وحمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد ~~رسوله وعبيدة بن الحارث وعلي بن أبي طالب - الذين هم أول من برز للمخاصمة ~~بحضرة رسول الله - صلى الله عليه ورضي عنهم - للكفرة من بني عمهم: عتبة ~~بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة، في غزوة بدر - أولى الناس بهذه ~~الآية لما روي في الصحيح عن أبي ذر رضي الله عنه " أنه كان يقسم أنها ~~نزلت فيهم، ولذلك قال رضي الله عنه: أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن عز ~~وجل يوم القيامة للخصومة " أخرجه البخاري في صحيحه، ولعله رضي الله عنه ~~أول الثلاثة، قام لمنابذتهم النبي صلى الله عليه وسلم فإنه كان أشبهم. # ولما ذكر خصومتهم وشرطها، ذكر جزاءهم عليها في فصل الأمر الذي قدم ذكره، ~~وبدأ بالترهيب لأن الإنسان إليه أحوج فقال: { فالذين كفروا } منابذين ~~لأمر ربهم { قطعت } تقطيعا لا يعلم كثرته إلا الله، بأيسر أمر ممن لا ~~أمر لغيره { لهم } الآن وهيئت وإن وافقوا مراد ربهم بمخالفتهم أمره { ~~ثياب من نار } تحيط بهم وهي على مقاديرهم سابغة عليهم كما كانوا يسلبون ~~الثياب في الدنيا تعاظما وتكبرا حال كونهم { يصب } إذا دخلوها { من فوق ~~رؤوسهم الحميم* } أي الماء الحار حرارة لا يدري مقدارها إلا بالذوق - ~~أعاذنا الله منه، واستأنف الإخبار عنه بقوله: { يصهر } أي يذاب، وأصله ~~المخالطة الشديدة { به } من شدة حرارته { ما في بطونهم } من شحم وغيره { ~~والجلود* } فيكون أثره في البطن والظاهر سواء { ولهم مقامع } جمع مقمعة ~~بكسر ثم فتح، وهي عمود حديد يضرب به الرأس والوجه ليرد المضروب عن مراده ~~ردا عنيفا، ثم نفى المجاز بقوله: { من حديد* } أي يقمعون بها { كلما ~~أرادوا } أي كلهم فالبعض بطريق الأولى { أن يخرجوا منها } أي من تلك ~~الثياب أو من النار. # ولما كان السياق لخصومة أولياء الله المتصفين بما هو مقصود السورة من ~~التقوى للكفار، ms3017 المنابذين لها بكل اعتبار، اقتضى ذلك بشارة للأولياء ~~ونذارة للأعداء - قوله زيادة على ما في السجدة: { من غم } عظيم لا يعلم ~~قدر عظمه إلا الله { أعيدوا } ، كل من { فيها } كأنهم يضربون بلهيب النار ~~فيرفعهم حتى إذا كانوا في أعلاها ضربوا بالمقامع فهووا فيها سبعين خريفا ~~- قاله الحسن، أو أنهم يضطربون في تلك الثياب المقطعة من النار إلى أن ~~يكادوا أن ينفصلوا منها وهم في النار ثم يردون كما كانوا، وذلك أشد في ~~العذاب، مقولا لهم: ارجعوا صاغرين مقاسين لغمومها { وذوقوا عذاب الحريق* ~~} أي العذاب البالغ في الإحراق. ### || [22.23-25] # ولما ذكر ما لأحد الخصمين وهم الكافرون، أتبعه ما للآخر وهم المؤمنون، ~~وغير السياق بالتأكيد لمن كأنه سأل عنه، معظما له بإثبات الاسم العلم ~~الجامع إيذانا بالاهتمام فقال: { إن الله } أي الذي له الأمر كله { يدخل ~~الذين آمنوا } عبر في الإيمان بالماضي ترغيبا في المبادرة إلى إيقاعه { ~~وعملوا الصالحات } تصديقا لإيمانهم، وعبر بالماضي إشارة إلى أن من عمل ~~الصالح انكشف له ما كان محجوبا عنه من حسنه فأحبه ولم ينفك عنه { جنات ~~تجري } أي دائما { من تحتها الأنهار } أي المياه الواسعة، أينما أردت من ~~أرضها جرى لك نهر في مقابلة ما يجري من فوق رؤوس أهل النار { يحلون فيها ~~} في مقابلة ما يزال من بواطن الكفرة وظواهرهم { من أساور }. # ولما كان مقصودها الحث على التقوى المعلية إلى الإنعام بالفضل، شوق ~~إليه بأغلى ما نعرف من الحلية فقال: { من ذهب ولؤلؤا } وقراءة نافع ~~وعاصم بنصبه دليل على عطفه بالجر على " أساور " { ولباسهم فيها حرير* } ~~في مقابلة ثياب الكفار كما كان لباس الكفار في الدنيا حريرا، ولباس ~~المؤمنين دون ذلك، وقد رود في الصححين عن عبد الله بن الزبير عن عمر رضي ~~الله عنهم أن النبي صلى الله عليه السلام قال: # " لا تلبسوا الحرير فإن من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة " # قال ابن كثير: قال عبد الله بن الزبير " ومن لم يلبس الحرير في الآخرة ~~لم يدخل الجنة " قال تعالى: { ولباسهم فيها ms3018 حرير } انتهى " وذلك أن في ~~الصحيحين وغيرهما عن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله قال: # " إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة " # " فيوشك لتشبهه بالكفار في لباسهم - أن يلحقه الله بهم فلا يموت مسلما ~~- والله الهادي { وهدوا } أي بأسهل أمر بهداية الله أعم من أن يكون السبب ~~القريب لذلك العقل وحده أو مع الرسول أو الكتاب أو غير ذلك وهو حال من { ~~الذين آمنوا } ، وما بعدها ختم به لئلا يطول الفصل بين الفعل ومفعوله ~~ولتكون محاسنهم محيطة بذكر دخولهم الجنة إشارة إلى دوامها { إلى الطيب من ~~القول } فلم يزالوا في حال حسن { وهدوا } وبنى الفعل أيضا للمفعول إشارة ~~إلى سهولة الهداية لهم وللأتقياء منهم، ولذلك لم يذكر العزة، واكتفى بذكر ~~الحمد فقيل: { إلى صراط الحميد* } الذي وفقهم لسلوك ما يحمدون عليه ~~فيحمدون عاقبة، فكان فعلهم حسنا كما كان قولهم حسنا، فدخلوا الجنة التي ~~هي أشرف دار عند خير جار وحلوا فيها أشرف الحلي كما تحلوا في الدنيا ~~بأشرف. الطرائق، هذا بعد أن حازوا أشرف الذكر في الدنيا عكس حال الكفار ~~في اقتراف ما أدخلهم ما كلما أرادوا الخروج منه اعيدوا فيه، مع ما نالهم ~~من سوء الذكر، بإقبالهم كالبهائم على الفاني مع خسته لحضوره، وإعراضهم عن ~~الباقي مع شرفه لغيابه. # ولما بين ما للفريقين، وتضمن ما للفريق الثاني بيان أعمالهم الدالة على ~~صدق إيمانهم، كرر ذكر الفريق الأول لبيان ما يدل على استمرار كفرهم، ~~ويؤكد بيان جزائهم، فقال: { إن الذين كفروا } أي أوقعوا هذا الفعل ~~الخبيث. ولما مان المضارع قد لا يلحظ منه زمان معين من حال أو استقبال، ~~بل يكون المقصود منه الدلالة على مجرد الاستمرار كقولهم: فلان يعطي ~~ويمنع، قال عاطفا له على الماضي: { ويصدون } أي ويديمون الصد { عن سبيل ~~الله } أي الملك الأعظم، باقتسامهم طرق مكة، وقول بعضهم لمن يمر به: خرج ~~فينا ساحر، وآخر يقول شاعر، وآخر: كاهن، فلا تسمعوا منه، فإنه يريد أن ~~يردكم عن دينكم؛ قال بعض من أسلم: لم ms3019 يزالوا بي حتى جعلت في أدنى الكرسف ~~مخافة أن أسمع شيئا من كلامهم. وكانوا يؤذون من أسلم - إلى غير ذلك من ~~أعمالهم، ولعله إنما عبر بالمضارع رحمة منه لهم ليكون كالشرط في الكفر ~~فيدل على أن من ترك الصد زال عنه الكفر وإن طال ذلك منه { و } يصدون عن { ~~المسجد الحرام } أن تقام شعائره من الطواف فيه بالبيت والصلاة والحج ~~والاعتمار ممن هو أهل ذلك من أوليائنا. ثم وصفه بما يبين شديد ظلمهم في ~~الصد عنه فقال: { الذي جعلناه } بما لنا من العظمة { للناس } أي كلهم؛ ثم ~~بين جعله لهم بقوله: { سواء العاكف فيه } أي المقيم { والباد } أي الزائر ~~له من البادية؛ قال الرازي في اللوامع: { سواء } رفع بالابتداء، و { ~~العاكف } خبره، وصلح من تنكيره للابتداء، لأنه كالجنس في إفادة العموم ~~الذي هو أحسن العهد. # ولما ذكر الكفار ودليل كفرهم بما استعطفهم، وزاد في الاستعطاف بحذف ~~الخبر عنهم، ودل آخر الآية هلى أنه يذيقهم العذاب الأليم، عطف عليه ما ~~ينفر عن وصفهم فقال: { ومن يرد فيه } أي شيئا من أفعال الكفار من الصد ~~المذكور وغيره، أي يقع منه إرادة لشيء من ذلك { بإلحاد } أي مصاحبة تلك ~~الإرادة وملتبسة بجور عن الأمر المعروف وميل واعوجاج. ولما كان ذلك يقع ~~على مطلق هذا المعنى، بين المراد بقوله: { بظلم } أي في غير موضعه، وأما ~~صد الكفار عنه فإنه بحق، لأنهم نجس لا ينبغي قربانهم المحال المقدسة، ~~وكذا صد الحائض والجنب والخائن { نذقه } ولما كان المشروط نوعا من ~~الإلحاد، لا الإلحاد الكامل، عبر بقوله { من عذاب أليم* } ودل هذا الخبر ~~عمن أراد شيئا مما فعله الكفار أن الخبر عن الكفار الفاعلين لما رتب هذا ~~الجزاء على إرادته ما قدرته. ### || [22.26-31] # ولما ذكر الفريقين وجزاء كل وختمه بذكر البيت، أتبعه التذكير به وبحجه، ~~لما فيه من التذكير بالقيامة الحاملة على التقوى التي هي مقصد السورة، ~~بما فيه من الوفادة على الله، مع التجرد من المحيط، والخضوع للرب، ~~والاجتماع في المشاعر موقفا في أثر موقف، ولما ms3020 فيه من الحث على التسنن ~~بأبيهم الأعظم إبراهيم عليه السلام فقال، مقرعا وموبخا لمن أشرك في ~~نفعه " أسست على التوحيد من أول يوم " عطفا على قوله أول السورة { اتقوا ~~} { وإذ } أي واذكروا إذ { بوأنا } بما لنا من العظمة، ولما لم يجعله ~~سبحانه سكنه بنفسه، قصر الفعل عن التعدية إلى مفعوله الأول فقال: { ~~لإبراهيم } أي قدرنا له { مكان البيت } أي الكعبة وجعلناه له مباءة، أي ~~منزلا يبوء إليه أي يرجع، لأنه - لما نودعه فيه من اللطائف - أهل لأن ~~يرجع إليه من فارقه ويحن إليه، ويشتاق من باعده وينقطع إليه بعض ذريته، ~~من المباءة بمعنى المنزل، وبوأه إياه وبوأه له، أي أنزله، قال في ترتيب ~~المحكم: وقيل: هيأته ومكنت له فيه. ويدل على أن إبراهيم عليه السلام أول ~~بان للبيت ما في الصحيح # " عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله! أي مسجد وضع أول؟ ~~قال:المسجد الحرام، قلت: ثم أي؟ قال: بيت المقدس، قلت: كم بينهما؟ قال: ~~أربعون سنة " # ولما كان إبراهيم عليه الصلاة والسلام نبيا، كان من المعلوم أن نبوته ~~له لأجل العبادة، فكان المعنى: قلنا له: أنزل أهلك هاهنا وتردد إلى هذا ~~المكان للعبادة، فذلك فسره بقوله: { أن لا تشرك بي شيئا } فابتدأ بأس ~~العبادة ورأسها، وعطف على النهي قوله: { وطهر بيتي } عن كل ما لا يليق به ~~من قذر حسي ومعنوي من شرك ووثن وطواف عريان به، كما كانت العرب تفعل { ~~للطائفين } به. # ولما تقدم العكوف فاستغنى عن إعادته، قال: { والقائمين } أي حوله ~~تعظيما لي كما يفعل حول عرشي، أو في الصلاة، ولأن العكوف بالقيام أقرب ~~إلى مقصود السورة. { والركع } ولما كان كل من الطواف والقيام عبادة ~~برأسه، ولم يكن الركوع والسجود كذلك، عطف ذاك، واتبع هذا لما بينهما من ~~كمال الاتصال، إذ لا ينفك أحدهما عن الآخر في الصلاة فقال: { السجود* } ~~أي المصلين صلاة أهل الإسلام الأكمل { وأذن في الناس } أي أعلمهم وناد ~~فيهم { بالحج } وهو قصد البيت على سبيل التكرار لعبادة المخصوصة بالمشاعر ~~المنصوصة ms3021 { يأتوك } أي يأتوا بيتك الذي بنيته لذلك، مجيبين لصوتك بإذننا ~~سامعين طائعين مخبتين خاشعين من أقطار الأرض كما يجيبون صوت الداعي من ~~قبلنا إذا دعاهم بمثل ذلك بعذ الموت { رجالا } أي مشاة على أرجلهم { ~~وعلى كل ضامر } أي هزيل من طول السير من الإبل لبعد الشقة وعظم المشقة. # ولما كان الضامر يطلق على كل من الذكر والأنثى من الجمال، وكانت الأنثى ~~أضعف النوعين، فكان الحكم عليها بالإتيان المذكور حكما على الذكر الذي ~~هو أشد بطريق الأولى، أسند إلى ضميرها فقال معبرا بما يدل على التجدد ~~والاستمرار، واصفا الضوامر التي أفهمتها " كل " { يأتين } أي الضوامر { ~~من كل فج } أي طريق واسع بين جبلين { عميق* } أي بعيد منخفض بالنسبة إلى ~~علو جباله. قال أبو حيان: أصله البعد سفلا - انتهى. حفاة عراة، ينتقلون ~~من مشعر من مشاعر الحج إلى معشر، ومن مشهد إلى مشهد، مجموعين بالدعوة، ~~خاشعين للهيبة، خائفين من السطوة، راجين للمغفرة، ثم يتفرقون إلى ~~مواطنهم، ويتوجهون إلى مساكنهم، كالسائرين إلى مواقف الحشر، يوم البعث ~~والنشر، المتفرقين إلى داري النعيم والجحيم، فيا أيها المصدقون بأن ~~خليلنا إبراهيم عليه السلام نادى بالحج فأجابه بقدرتنا كرامة له من أراد ~~الله حجة على بعد أقطارهم، وتنائي ديارهم، ممن كان موجودا في ذلك ~~الزمان، وممن كان في ظهور الآباء الأقربين أو الأبعدين! صدقوا أن الداعي ~~من قبلنا بالنفخ في الصور يجيبه كل من كان على ظهرها ممن حفظنا له جسده، ~~أو سلطنا عليه الأرض فمزقناه حتى صار ترابا، وما بين ذلك، لأن الكل ~~علينا يسير. # ولما كان الإنسان ميالا إلى الفوائد، مستشرقا إلى جميل العوائد، علل ~~الإتيان بما يرغبه مبيحا من فضله ما يقصده من أمر المعاش فقال: { ~~ليشهدوا } أي يحضروا حضورا تاما { منافع لهم } أي لا للمعبود، دينية ~~ودنيوية، فإنه كما جعل سبحانه تلك المواطن ماحية للذنوب، جالبة للقلوب، ~~جعلها جالبة للفوائد، جارية على أحسن العوائد، سالمة للفقر جابرة للكسر، ~~ولما كانت المنافع لا تطيب وتثمر إلا بالتقوى كان الحامل على التقوى لذكر ~~قال: { ويذكروا ms3022 اسم الله } أي الجامع لجميع الكمالات بالتكبير وغيره عند ~~الذبح وغيره، إعلاما بأنه المقصود الذي يتبعه جميع المقاصد لأنه ما ~~جمعهم على ما فيه من تلك الأرض الغراء والأماكن الغبراء إلا هو بقدرته ~~الكاملة، وقوته الشاملة، لا اسم شيء من الأصنام كما كانت الجاهلية تفعل { ~~في أيام معلومات } أي علم أنها أول عشر في ذي الحجة الذي يوافق اسمه ~~مسماه، لا ما سموه به ومسماه غيره على ما حكم به النسيء، وفي هذا إشارة ~~إلى أن المراد به الإكثار إذ مطلق الذكر مندوب إليه في كل وقت، وفي ~~التعبير بالعلم إشارة إلى وجوب استفراغ الجهد بعد القطع بأن الشهر ذو ~~الحجة اسما ومسمى في تحرير أوله، وأما أيام التشريق فإنها لما كانت ~~مبنية على العلم بأمر الشهر الذي أمر به هنا، فأنتج العلم بيوم العيد، لم ~~يحتج في أمرها إلى غير العد فلذا عبر عنها به دون العلم. # ولما كانت النعم أجل أموالهم، قال تعالى مرغبا لهم ومرهبا: { على } أي ~~مبركين بذكره وحامدين على { ما رزقهم } ولو شاء محقه { من بهيمة } ولما ~~كانت البهيمة مبهمة في كل ذات أربع في البر والبحر، بينها بقوله: { ~~الأنعام } من الإبل والبقر والغنم بالتكبير عند رؤيته، ثم عند ذبحه، وفيه ~~حث على التقرب بالضحايا، والهدايا، ولذلك التفت إلى الإقبال عليهم، ~~وتركيب " لهم " يدور على الاستعجام والخفاء والانغلاق وعدم التمييز، ~~وتركيب " نعم " على الرفاهية والخفض والدعة. # ولما ذكر سبحانه العبادة فخاطب بها إبراهيم عليه الصلاة والسلام، ~~تنبيها على أنها لعظم المعبود لا يقوم بها على وجهها إلا الخلص، أقبل ~~على العابدين كلهم بالإذن في ما يسرهم من منحة التمتيع، تنبيها على ~~النعمة، حثا على الشكر، فقال مبينا عما اندرج في ذلك من الذبح: { فكلوا ~~منها } أي إن شئتم إذا تطوعتم بها ولا تمتنعوا كأهل الجاهلية، فالأكل من ~~المتطوع به لا يخرجه عن كونه قربانا في هذه الحنيفية السمحة منة على ~~أهلها، تشريفا لنبيها صلى الله عليه وسلم، والأكل من الواجب لا يجوز لمن ~~وجب عليه، ms3023 لأنه إذا أكل منه ولم يكن مخرجا لما وجب عليه بكماله { ~~وأطعموا البائس } أي الذي اشتدت حاجته، من بئس كسمع إذا ساءت حاله ~~وافتقر، وبين أنه من ذلك، لا من بؤس - ككرم الذي معناه: اشتد في الحرب، ~~بقوله: { الفقير* } وأكد هذا الحث ونفى عنه الريب بعوده إلى الأسلوب ~~الأول في قوله: { ثم ليقضوا } أي يقطعوا وينهوا يوم النحر بعد طول ~~الإحرام { تفثهم } أي شعثهم بالغسل وقص الأظفار والشارب وحلق العانة ونحو ~~ذلك { وليوفوا نذورهم } أخذا من الفراغ من الأمر والخروج من كل واجب { ~~وليطوفوا } فيكون ذلك آخر أعمالهم، وحث على الإكثار منه والاجتهاد فيه ~~بصيغة التفعل، وعلى الإخلاص بالإخفاء بحسب الطاقة بالإدغام، واللام إن ~~كسرت - كما هي قراءة أبي عمرو وابن عامر وورش عن نافع وقنبل عن ابن كثير ~~ورويس عن يعقوب في { ليقضوا } وقراءة ابن ذكوان عن ابن عامر وحده في { ~~ليوفوا.. وليطوفوا } يصح أن تكون للعلة عطفا على { ليشهدوا } ويكون ~~عطفها بأداة التراخي لطول المدة على ما هو مفهومها مع الإشارة إلى ~~التعظيم في الرتبة، ويصح أن تكون للأمر كقراءة الباقين بالإسكان، وقوله: ~~{ بالبيت } أي من ورائه، لعلم الحجر، ومتى نقص عن إكمال الدوران حوله ~~أدنى جزء لم يصح لأنه لم يوقع مسمى الطواف، فلا تعلق بالباء في التبعيض ~~ووصفه بقوله: { العتيق* } إشارة إلى استحقاقه للتعظيم بالقدم والعتق من ~~كل سوء، ثم أشار إلى تعظيم الحج وأفعاله هذه بقوله: { ذلك } أي الأمر ~~الجليل العظيم الكبير المنافع دنيا وأخرى ذلك. ولما كان التقدير: فمن ~~فعله سعد، ومن انتهك شيئا منه شقي، عطف عليه قوله: { ومن يعظم } أي ~~بغاية جهده { حرمات الله } أي ذي الجلال والإكرام كلها من هذا ومن غيره، ~~وهي الأمور التي جعلها له فحث على فعلها أو تركها { فهو } أي التعظيم ~~الحامل له على امتثال الأمر فيها على وجهه واجتناب المنهي عنه كالطواف ~~عريانا والذبح بذكر اسم غير الله { خير } كائن { له عند ربه } الذي أسدى ~~إليه كل ما هو فيه من النعم فوجب عليه شكره فإن ms3024 ذلك يدل على تقوى قلبه، ~~لأن تعظيمها من تقوى القلوب، وتعظيمها لجلال الله، وانتهاكها شر عليه عند ~~ربه. # ولما كان التقدير: فقد حرمت عليكم أشياء أن تفعلوها، وأشياء أن تتركوها، ~~عطف عليه قوله بيانا أن الإحرام لم يؤثر فيها كما أثر في الصيد: { وأحلت ~~لكم الأنعام } وهي الإبل والبقر والغنم كلها { إلا ما يتلى } أي على سبيل ~~التجديد مستمرا { عليكم } تحريمه من الميتة والدم وما أهل لغير الله به، ~~خلافا للكفار في افترائهم على الله بالتعبد بتحريم الوصيلة والبحيرة ~~والسائبة والحامي وإحلال الميتة والدم. # ولما أفهم ذلك حل السوائب وما معها وتحريم المذبوح للأنصاب، وكان سبب ~~ذلك كله الأوثان، سبب عنه قوله: { فاجتنبوا } أي بغاية الجهد اقتداء ~~بالأب الأعظم إبراهيم عليه الصلاة والسلام الذي تقدم الإيصاء له بمثل ذلك ~~عند جعل البيت له مباءة { الرجس } أي القذر الذي من حقه أن يجتنب من غير ~~أمر؛ ثم بينه وميزه بقوله: { من الأوثان } أي القذر الذي من حقه أن يحتنب ~~من غير أمر، فإنه إذا اجتنب السبب اجتنب المسبب. # ولما كان ذلك كله من الزور، أتبعه النهي عن جميع الزور، وزاد في تبشيعه ~~وتغليظه إذ عدله - كما قال النبي صلى الله عليه وسلم بالشرك فقال: { ~~واجتنبوا } أي بكل اعتبار { قول الزور* } أي جميعه، وهو الانحراف عن ~~الدليل كالشرك المؤدي إلى لزوم عجز الإله وتحريم ما لم ينزل الله به ~~سلطانا من السائبة وما معها، وتحليل الميتة ونحوها مما قام الدليل ~~السمعي على تحريمه كما أن الحنف الميل مع الدليل، ولذلك أتبعه قوله: { ~~حنفاء لله } الذي له الكمال كله، فلا ميل في شيء من فعله، وإنما كانا ~~كذلك مع اجتماعهما في مطلق الميل، لأن الزور تدور مادته على القوة ~~والوعورة، والحنف - كما مضى في البقرة - على الرقة والسهوله، فكان ذو ~~الزور معرضا عن الدليل بما فيه من الكثافة والحنيف مقبلا على الدليل ~~بما له من الاطافة. # ولما أفهم ذلك التوحيد، أكده بقوله: { غير مشركين به } أي شيئا من ~~إشراك، بل مخلصين له الدين، ms3025 ودل على عظمة التوحيد وعلوه، وفظاعة الشرك ~~وسفوله، بقوله زاجرا عنه عاطفا على ما تقديره: فمن امتثل ذلك أعلاه ~~اعتداله إلى الرفيق الأعلى: { ومن يشرك } أي يوقع شيئا من الشرك { بالله ~~} أي الذي له العظمة كلها، لشيء من الأشياء في وقت من الأوقات { فكأنما ~~خر من السماء } لعلو ما كان فيه من أوج التوحيد وسفول ما انحط إليه من ~~حضيض الإشراك. # ولما كان الساقط من هذا العلو متقطعا لا محالة إما بسباع الطير أو ~~بالوقوع على جلد، عبر عن ذلك بقوله: { فتخطفه الطير } أي قطعا بينها، ~~وهو نازل في الهواء قبل أن يصل إلى الأرض { أو تهوي به الريح } أي حيث لم ~~يجد في الهواء ما يهلكه { في مكان } من الأرض { سحيق* } أي بعيد في ~~السفول، فيتقطع حال وصوله إلى الأرض بقوة السقطة وشدة الضغطة لبعد المحل ~~الذي خر منه وزل عنه، فالآية من الاحتباك: خطف الطير الملزوم للتقطع ~~أولا دال على حذف التقطع ثانيا، والمكان السحيق الملزوم لبلوغ الأرض ~~ثانيا دليل على حذف ضده أولا؛ ثم عظم ما تقدم من التوحيد وما هو مسبب ~~عنه بالإشارة بأداة البعد. ### || [22.32-35] # { ذلك } أي الأمر العظيم الكبير ذلك، فمن راعاه فاز، ومن حاد عنه خاب؛ ~~ثم عطف عليه ما هو أعم من هذا المقدر فقال: { ومن } ويجوز أن يكون حالا، ~~أي أشير إلى الأمر العظيم والحال أنه من { يعظم شعائر الله } أي معالم ~~دين الملك الأعظم التي ندب إليها وأمر بالقيام بها في الحج، جمع شعيرة ~~وهي المنسك والعلامة في الحج، والشعيرة أيضا: البدنة المهداة إلى البيت ~~الحرام، قال البغوي: وأصلها من الإشعار وهو إعلامها ليعرف أنها هدي - ~~انتهى. ولعله مأخوذ من الشعر لأنها إذا جرحت قطع شيء من شعرها أو أزيل عن ~~محل الجرح، فيكون من الإزالة، وتعظيمها استحسانها، فتعظيمها خير له ~~لدلالته على تقوى قلبه { فإنها } أي تعظيمها { من } أي مبتدىء من { تقوى ~~القلوب* } التي من شأنها الشعور بما هو أهل لأن يعظم، فمعظمها متق، وقد ~~علم بما ذكرته أنه ms3026 حذف من هذه جملة الخير ومن قوله { ومن يعظم حرمات الله ~~} سبب كونه خيرا له، وهو التقوى، ودل على إرادته هناك بذكره هنا، وحذف ~~هنا كون التعظيم خيرا، ودل عليه بذكره هناك، فقد ذكر في كل جملة ما دل ~~على ما حذف من الأخرى كما تقدم في # قد كان لكم آية في فئتين # [آل عمران: 13] في آل عمران، وأنه يسمى الاحتباك، وتفسيري للشعائر بما ~~بما ذكرته من الأمر العام جائز الإرادة، ويكون إعادة الضمير على نوع منه ~~نوعا من الاستخدام، فقوله: { لكم فيها } معناه: البدن أو النعم المهداة ~~أو مطلقا { منافع } بالدر والنسل والظهر ونحوه فكلما كانت سمينة حسنة ~~كانت منافعها أكثر دينا ودنيا { إلى أجل مسمى } وهو الموت الذي قدرناه ~~على كل نفس، أو النحر إن كانت مهداة، أو غير ذلك، وهذا تعليل للجملة التي ~~قبله، فإن المنافع حاملة لذوي البصائر على التفكر فيها لا سيما مع ~~تفاوتها، والتفكر فيها موصل إلى التقوى بمعرفة أنها من الله، وأنه قادر ~~على ما يريد. وأنه لا شريك له. # ولما كانت هذه المنافع دنيوية، وكانت منفعة نحرها إذا أهديت دينية، أشار ~~إلى تعظيم الثاني بأداة التراخي فقال: { ثم محلها } أي وقت حلول نحرها ~~بانتهائكم بها { إلى البيت العتيق* } أي إلى فنائه وهو الحرم كما قال ~~تعالى # هديا بالغ الكعبة # [المائدة: 95]. # ولما كان التقدير: جعل لكم سبحانه هذه الأشياء مناسك، عطف عليه قوله: { ~~ولكل أمة } أي من الأمم السالفة وغيرها { جعلنا } بعظمتنا التي لا يصح أن ~~تخالف { منسكا } أي عبادة أو موضع عبادة أو قربانا، فإنه يكون مصدر نسك ~~- كنصر و كرم - نسكا ومنسكا، ويكون بمعنى الموضع الذي يعبد فيه، والذي ~~يذبح فيه النسك وهو الهدي، وقال ابن كثير: ولم يزل ذبح المناسك وإراقة ~~الدماء على اسم الله مشروعا في جميع الملل. # ثم أتبع هذا الجعل عتله بيانا لأنه ليس مقصودا في نفسه فقال: { ~~ليذكروا } ولما كان الدين سهلا سمحا ذا يسر، رضي بالدخول فيه بالظاهر ~~فقال: { اسم الله } أي الملك الأعلى وحده، ms3027 على ذبائحهم وقرابينهم ~~وعبادتهم كلها، لأنه الرزاق لهم وحده؛ ثم علل الذكر بالنعمة تنبيها على ~~التفكر فيها فقال: { على ما رزقهم } فوجب شكره به عليهم { من بهيمة ~~الأنعام }. # ولما علم أن الشارع لجميع الشرائع الحقة واحد، وأن علة نصبه لها ذكره ~~وحده، تسبب عنه قوله: { فإلهكم } أي الذي شرع هذه المناسك كلها. ولما كان ~~الإله ما يحق له الإلهية بما تقرر من أوصافه، لا ما سمي إلها، قال: { ~~إله } ووصفه بقوله: { واحد } أي وإن اختلفت فروع شرائعه ونسخ بعضها ~~بعضا، ولو اقتصر على " واحد " لربما قال متعنتهم: إن المراد اقتصارنا ~~على واحد مما نعبده. والتفت إلى الخطاب لأنه أصرح وأجدر بالقبول. # ولما ثبت كونه واحدا، وجب اختصاصه بالعبادة، فلذا قال: { فله } أي وحده ~~{ أسلموا } أي انقادوا بجميع ظواهركم وبواطنكم في كل ما أمر به أو نهى ~~عنه ناسخا كان أو لا وإن لم تفهموا معناه كغالب مناسك الحج. # ولما أمر بالإسلام من يحتاج إلى ذلك إيجادا أو تكميلا أو إدامة، وكان ~~الإسلام هو سهولة الانقياد من غير كبر ولا شماخة، وكان منشأ الطمأنينة ~~والتواضع اللذين هما أنسب شيء لحال الحجاج المتجرد من المخيط المكشوف ~~الرأس الطالب لوضع أوزاره، وتخفيف آصاره لستر عوراه، أقبل سبحانه وتعالى ~~على الرأس من المأمورين، الحائز لما يمكن المخلوقين أن يصلوا إليه من رتب ~~الكمال، وخلال الجمال والجلال، إشارة إلى أنه لا يلحقه أحد في ذلك فقال: ~~{ وبشر المخبتين* } أي المتواضعين، المنكسرين، من الخبت - للأرض المنخفضة ~~الصالحة للاستطراق وغيره من المنافع؛ ثم بين علاماتهم فقال: { الذين إذا ~~ذكر الله } أي الذي له الجلال والجمال { وجلت } أي خافت خوفا مزعجا { ~~قلوبهم }. # ولما كان في ذكر الحج، وكان ذلك مظنة لكثرة الخلطة الموجبة لكثرة ~~الأنكاد ولا سيما وقد كان أكثر المخالطين مشركين، لأن السورة مكية، قال ~~عاطفا غير متبع، إيذانا بالرسوخ في الأوصاف: { والصابرين } الذين صار ~~الصبر عادتهم { على ما أصابهم } كائنا ما كان. # ولما كان ذلك شاغلا عن الصلاة، قال: { والمقيمي الصلاة } أي وإن حصل ~~لهم من ms3028 المشاق بأفعال الحج وغيره ما عسى أن يحصل، ولذلك عبر بالوصف دون ~~الفعل إشارة إلى أنه لا يقيمها على الوجه المشروع مع ذلك المشاق والشواغل ~~إلا الأراسخ في حبها، فهم - لما تمكن من حبها في قلوبهم والخوف من الغفلة ~~عنها - كأنهم دائما في صلاة. # ولما كان ما يحصل فيه من زيادة النفقة ربما كان مقعدا عنه، رغب فيه ~~بقوله: { ومما رزقناهم } فهم لكونه نعمة منا لا يبخلون به، ولأجل عظمتنا ~~يحسنون ظن الخلف { ينفقون* } أي يجددون بذله على الاستمرار، بالهدايا ~~التي يغالون في أثمانها وغير ذلك، إحسانا إلى خلق الله، امتثالا لأمره ~~كالخبت الباذل لما يودعه تعالى فيه من الماء والمرعى. ### || [22.36-38] # ولما قدم سبحانه الحث على التقرب بالأنعام كلها، وكانت الإبل أعظمها ~~خلقا، وأجلها في أنفسهم أمرا، خصها بالذكر في سياق تكون فيه مذكورة ~~مرتين معبرا بالاسم الدال على عظمها، أو أنه خصها لأنه خص العرب بها دون ~~الأمم الماضية، فقال عاطفا على قوله { جعلنا منسكا } أو يكون التقدير ~~والله أعلم: فأشركناكم مع الأمم الماضية في البقر والغنم { والبدن } أي ~~الإبل أي المعروفة بعظم الأبدان - { جعلناها } أي بعظمتنا، وزاد في ~~التذكير بالعظمة بذكر الاسم العلم فقال: { لكم من شعائر الله } أي أعلام ~~دين الملك الأعظم ومناسكه التي شرعها لكم وشرع فيها الإشعار، وهو أن يطعن ~~بحديدة في سنامها، تمييزا لما يكون منها هديا عن غيره. # ولما نبه على ما فيها من النفع الديني، نبه على ما هو أعم منه فقال: { ~~لكم فيها خير } بالتسخير الذي هو من منافع الدنيا، والتقريب الذي هو من ~~منافع الآخرة؛ روى الترميذي وحسنه وابن ماجة عن عائشة رضي الله عنها أن ~~النبي صلى الله علية وسلم قال: # " ما عمل ابن آدم يوم النحر عملا أحب إلى الله من هراقة الدم، وإنه ~~ليؤتى يوم القيامة بقرونها وأظلافها وأشعارها، وأن الدم ليقع من الله ~~بمكان قبل أن يقع من الأرض فطيبوا بها نفسا " # والدارقطني في السنن عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: " قال رسول الله ms3029 ~~صلى الله عليه وسلم: # " ما أنفقت الورق في شيء أفضل من نحيرة في يوم عيد " # ولما ذكر ما فيها، سبب عنه الشكر فقال: { فاذكروا اسم الله } أي الذي لا ~~سمي له { عليها } أي على ذبحها بالتكبير، حال كونها { صواف } قياما ~~معقلة الأيدي اليسرى، فلولا تعظيمه بامتثال شرائعه، ما شرع لكم ذبحها ~~وسلطكم عليها مع أنها أعظم منكم جرما وأقوى { فإذا وجبت جنوبها } أي ~~سقطت سقوطا بردت به بزوال أرواحها فلا حركة لها أصلا، قال ابن كثير وقد ~~جاء في حديث مرفوع # " ولا تعجلوا النفس أن تزهق " # وقد وراه الثوري في جامعه عن أيوب عن يحيى بن أبي كثير عن فرافصة الحنفي ~~عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال ذلك. # ولما كان ربما ظن أنه يحرم الأكل ممنها للأمر بتقريبها لله تعالى، قال ~~نافيا لذلك: { فكلوا منها } إذا كانت تطوعا إن شئتم الأكل، فإن ذلك لا ~~يخرجها عن كونها قربانا { وأطعموا القانع } أي المتعرض للسؤال بخضوع ~~وانكسار { والمعتر } أي السائل، وقيل: بالعكس، وهو قول الشافعي رحمه ~~الله، قال في كتاب اختلاف الحديث: والقانع هو السائل، والمعتر هو الزائر ~~والمار، قال الرازي في اللوامع: وأصله في اللغة أن القاف والنون والعين ~~تدل على الإقبال على الشيء، ثم تختلف معانيه مع اتفاق القياس، فالقانع: ~~السائل، لإقباله على من يساله، والقانع: الراضي الذي لا يسأل، كأنه مقبل ~~على الشيء الذي هو راض به. # ولما كان تسخيرها لمثل هذا القتل على هذه الكيفية مع قوتها وكبرها أمرا ~~باهرا للعقل عند التأمل، نبه عليه بالتحريك للسؤال عما هو أعظم منه ~~فقال: { كذلك } أي مثل هذا التسخير العظيم المقدار { سخرناها } بعظمتنا ~~التي لولاها ما كان ذلك { لكم } وذللناها ليلا ونهارا مع عظمها وقوتها، ~~ولو شئنا جعلناها وحشية { لعلكم تشكرون* } أي لتتأملوا ذلك فتعرفوا أنه ~~ما قادها لكم إلا الله فيكون حالكم حال من يرجى شكره، فتوقعوا الشكر بأن ~~لا تحرموا منها إلا ما حرم، ولا تحلوا إلا ما أحل، وتشهدوا منها ما حث ~~على إهدائه، ms3030 وتتصرفوا فيها بحسب ما أمركم. # ولما حث على التقرب بها مذكورا اسمه عليها، وكان من مكارم الأخلاق، ~~وكان أكثرهم يفعله، وكانوا ينضحون البيت ونحوه بدماء قرابينهم، ويشرحون ~~اللحم، ويضعونه حوله، زاعمين أن ذلك قربة، وقد كان بعض ذلك شرعا قديما، ~~نبه سبحانه على نسخ ذلك بأن نبه على أن المقصود منه روحه لا صورته فقال: ~~{ لن ينال } أي يصيب ويبلغ ويدرك. # ولما كان السياق للحث على التقريب له سبحانه، كان تقديم اسمه على الفاعل ~~أنسب للإسراع بنفي ما قد يتوهم من لحاق نفع أو ضر، فقال معبرا بالاسم ~~العلم الذي حمى عن الشركة بكل اعتبار: { الله } أي رضا الملك الذي له ~~صفات الكمال فلا يلحقه نفع ولا ضر { لحومها } المأكوله { ولا دماؤها } ~~المهراقة { ولكن يناله التقوى } أي عمل القلب وهي الصفة المقصود بها أن ~~تقي صاحبها سخط الله، وهي التي استولت على قلبه حتى حملته على امتثال ~~اموامر التي هي نهايات لذلك، الكائنة { منكم } الحاملة على التقرب التي ~~بها يكون له روح القبول، المحصلة للمأمول؛ قال الرازي في اللوامع: وهذا ~~دليل على أن النية الخالصة خير من الأعمال الموظفة - انتهى. فإذا نالته ~~سبحانه النية قبل العمل فتلقى اللقمة " فرباها كما يربي أحدكم فلوه حتى ~~تكون مثل جبل " " ووقع الدم منه بمكان " فالنفي لصورة لا روح لها ~~والإثبات لذات الروح، فقد تفيد النية من غير عمل كما قال صلى الله عليه ~~وسلم في غزوة تبوك ما معناه. # " إن بالمدينة رجالا ما نزلنا منزلا ولا قطعنا واديا إلا كانوا فيه ~~حبسهم العذر " # ولا يفيد العمل بغير نية، والنية هي التي تفيد الجزاء سرمدا والله ~~الموفق؛ ثم كرر التنبيه على عظيم تسخيرها منبها على ما أوجب عليهم به ~~فقال: { كذلك } أي التسخير العظيم { سخرها } أي الله الجامع لصفات الكمال ~~{ لكم } بعظمته وغناه عنكم { لتكبروا }. # ولما ذكر التكبير، صوره بالاسم الأعظم فقال: { الله } وضمن التكبير فعل ~~الشكر، فكان التقدير: شاكرين له { على ما هداكم } أي على هدايتكم له ~~والأمور العظيمة التي هداكم إليها. # ولما ms3031 كان الدين لا يقوم إلا بالنذارة والبشارة، وكان السياق لأجل ما ~~تقدم من شعائر الحج، ومعالم العج والثج - بالبشارة أليق، ذكرها مشيرا ~~إلى النذارة بواو العطف ليؤذن أن التقدير: فأنذر أيها الداعي المسيئين: { ~~وبشر المحسنين* } أي الذين أوجدوا الإحسان لأفعالهم صورة ومعنى. # ولما ذكر سبحانه الحج المذكر للمهاجرين بأوطانهم المخاصمة التي أنزلت في ~~غزوة بدر، وذكر ما يفعل فيه من القربات، عظم اشتياق النفوس إلى ذلك ~~وتذكرت علو المشركين الذي يصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام وظهورهم ~~ومنعهم لمن أراد هذه الأفعال، على هذه الأوصاف الخالصة، والأحوال ~~الصالحة، وفتنتهم له، فأجابها سبحانه عن هذا السؤال بقوله: { إن الله } ~~أي الذي لا كفوء له { يدافع عن الذين آمنوا } لأنهم بدخولهم في الإيمان ~~لم يكونوا مبالغين في الخيانة ولا في الكفر فهو يحبهم، فكيف بالمحسنين ~~الذين ختمت بهم الآية السالفة، أي فيظهرهم على عدوهم - هذا في قراءة ابن ~~كثير وأبي عمرو ويعقوب بغير ألف، وفي قراءة الباقين مبالغة بإخراج الفعل ~~على المغالبة، فكأنه قال: بشرهم بأن الله يدفع عنهم، ولكنه تعالى أظهر ~~الأوصاف ليفهم أنها مناط الأحكام والتعبير، فعبر بالفعل الماضي ترغيبا، ~~أي لكل من أوقع هذا الوصف في الخارج إقياعا ما دفع عنه؛ ثم علل ذلك ~~بقوله: { إن الله } أي الذي له صفات الكمال { لا يحب } أي لا يكرم كما ~~يفعل المحب { كل خوان } في أمانته، مانع لعباده من بيته الذي هو للناس ~~سواء العاكف فيه والبادي { كفور } لنعمته بالتقرب إلى غيره، فهو يفعل ~~مكارم الأخلاق صورة ليس فيها معنى أصلا، لا يصححها بذكر الله وحده، ولا ~~يجملها بالإحسان، وأتى بالصفتين على صيغة المبالغة لأن نقائص الإنسان لا ~~يمكنه أن يفعلها خالية عن المبالغة، لأنه يخون نفسه بالعزم أولا، والفعل ~~ثانيا وغيره من الخلق ثالثا، وكذا يخون نفسه ربه سبحانه وهكذا في الكفر ~~وغيره، ولما كانت الخيانة منبع النقائص، كانت المبالغة فيها أكثر. ### || [22.39-44] # ولما كان كأنه قد قيل: كيف تكون المدافعة وبمن؟ فقيل: بعباده المؤمنين، ~~عبر عن ذلك بقوله: { أذن ms3032 } وأشار بقراءة من بناه للمجهول إلى سهولة ذلك ~~عليه سبخانه { للذين يقاتلون } أي للذين فيهم قوة المدافعة، في المدافعة ~~بالقتلا بعد أن كانوا يمنعون منه بمكة ويؤمرون بالصفح؛ ثم ذكر سبب الإذن ~~فقال { بأنهم ظلموا } أي وقع ظلم الظالمين لهم بالإخراج من الديار، ~~والأذى بغير حق. # ولما كان التقدير: فأن الله أراد إظهار دينه بهم، عطف عليه قوله: { وإن ~~الله } أي الذي هو الملك الأعلى، وكل شيء في قبضته، ويجوز عطفه على قوله ~~{ إن الله يدفع } أي بإذنه لهم في القتال وأنه { على نصرهم } وأبلغ في ~~التأكيد لا ستبعاد النصرة إذ ذاك بالكفار من الكثرة والقوة، وللمؤمنين من ~~الضعف والقلة، فقال: { لقدير* } ثم وصفهم بما يبين مظلوميتهم على وجه ~~يجمعهم ويوثقهم بالله فقال: { الذين أخرجوا من ديارهم } إلى الشعب ~~والحبشة والمدينة { بغير حق } أوجب ذلك { إلا أن يقولوا } أي غير قولهم، ~~أو ألا قولهم: { ربنا الله } المحيط بصفات الكمال، الموجب لإقرارهم في ~~ديارهم، وحبهم ومدحهم واقتفاء آثارهم، فهو من باب: # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم # بهن فلول من قراع الكتائب # وفي سوق ذلك المساق الاستثناء عند من يجعله منقطعا إشارة إلى أن من ~~أخلص لله، صوب الناس إليه سهام مكرهم، ولم يدعوا في أذاه شيئا من جهدهم. # ولما ذكر مدافعته، وذكر أنها بالمؤمنين، بين سرها عموما ليفهم منها هذا ~~الخاص، وصورها تقريبا لفهمها، فقال عاطفا على ما تقديره: فلولا إذن ~~الله لهم لاستمر الشرك ظاهرا، والباطل - باستيلاء الجهلة على مواطن الحج ~~- قاهرا: { ولولا دفع الله } أي المحيط بكل شيء علما وقدرة في كل ~~شريعة، وفي زمن كل نبي أرسله { الناس } أي عموما { بعضهم ببعض } أي ~~بتسليط بعضهم على بعض { لهدمت صوامع } وهي معابد صغار مرتفعة للرهبان { ~~وبيع } للنصارى { وصلوات } أي كنائس اليهود { ومساجد } أي للمسلمين، ~~أخرها لتكون بعيدة من الهدم قريبة من الذكر { يذكر فيها اسم الله } أي ~~الملك الذي لا ملك غيره، ولعل العدول عن الإضمار إلى الإظهار للإشارة إلى ~~اختلاف ذكره تعالى في الأماكن المذكورة بالإخلاص وغيره ms3033 { كثيرا } لأن كل ~~فرقة تريد هدم ما للأخرى، بل ربما أراد بعض أهل ملة إخراب بعض معابد أهل ~~ملته، لا فبدفعه الله بمن يريد من عباده، وإذا تأملت ذلك وجدت فيه من ~~الأسرار، ما يدق عن الأفكار، فإنه تعالى لما أراد بأكثر الناس الفساد، ~~نصب لهم من الأضداد، ما يخفف كثيرا من العناد. # ولما كان لتقدير: ولكن لم تهدم المذكورات، لأن الله دفع بعضهم ببعض، ~~وجعل بعضهم في نحور بعض، عطف عليه أو على قوله { أذن } قوله: { ولينصرن ~~الله } أي الملك الأعظم، وأظهر ولم يضمر تعميما وتعليقا للحكم بالوصف ~~فقال: { من ينصره } كائنا كم كان منهم ومن غيرهم، بما يهيىء له من ~~الأسباب، إجراء له على الأمر المعتاد، وبغير أسباب خرقا للعادة، كما ~~وقع في كثير من الفتوحات، كخوض العلاء بن الحضرمي رضي الله عنه البحر ~~الملح إلى جواثاء بالبحرين، واقتحام سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه الدجلة ~~مع عظمها في ذلك العام وطموها، وزيادتها وعلوها، وزلزلة أسوار حمص ~~بالتكبير وتهدم كثيرا من بيوتها، عن إتقان بنيانها، وإحكام قواعدها ~~وأركانها ونحو ذلك؛ ثم علل نصره وإن ضعف المنصور، بقوله: { إن الله } أي ~~الذي لا كفوء له { لقوي* } أي على ما يريد { عزيز* } لا يقدر أحد على ~~مغالبته، ومن كان ناصره فهو المنصور، وعدوه المقهور، ولقد صدق سبحانه ~~فيما وعد به، فأذل بأنصار دينه رضي الله عنهم - جبابرة أهل الأرض ~~وملوكهم، ومن أصدق من الله حديثا. # ولما وصف نفسه سبحانه بما يقتضي تمكين منصوره الذي ينصره، وصفهم بما ~~يبين أن قتالهم له، لا لهم، بعد أن وصفهم بأنهم أوذوا بالإخراج من الديار ~~الذي يعادل القتل، فقال: { الذين } ولما كان وقت النصرة مبهما آخره يوم ~~الفصل، عبر بأداة الشك ليكون ذلك أدل على إخلاص المخلص في القتال: { إن ~~مكناهم } بما لنا من العظمة { في الأرض } بإعلائهم على أضدادهم { أقاموا ~~الصلاة } أي التي هي عماد الدين، الدالة على المراقبة والإعراض عن تحصيل ~~الفاني { وآتوا الزكاة } المؤذنة بالزهذ في الحاصل منه، المؤذن بعمل ms3034 ~~النفس للرحيل { وأمروا بالمعروف } وهو ما عرفه الشرع وأجاره { ونهوا عن ~~المنكر } المعرف بأنه لا أنس لهم إلا به سبحانه، ولا خوف لهم إلا منه، ~~ولا رجاء فيه والآية دالة على صحة خلافة الأئمة الأربعة. # ولما كان هذا ابتداء الأمر بالجهاد، وكان عقب ما آذى أعداؤه أولياءه، ~~فطال أذاهم لهم، فكان التقدير كما أرشد إليه العطف على غير مذكور، عطفا ~~على { ولولا دفع } فلله بادئة الأمور، عطف عليه قوله: { ولله } أي الملك ~~الأعلى المحيط بكل شيء { عاقبة الأمور* } فتمكينهم كائن لا محالة، لكن ~~ذكره للعاقبة وطيه للبادئة منبه على أنه تعالى يجعل للشيطان - كما هو ~~المشاهد في الأغلب - حظا في البادئة، ليتبين الصادق من الكاذب، والمزلزل ~~من الثابت، وأما العاقبة فهي متمحضة له إلى أن يكون آخر ذلك القيامة التي ~~لا يكون لأحد فيها أمر، حتى أنه لا ينطق أحد إلا بإذن خاص. ولما كان في ~~ترغيب هذه الآيات وترهيبها ما يعطف العاقل، ويقصف الجاهل، طوي حكم العاقل ~~لفهمه ما سبق، وهو: فإن يؤمنوا بك مكناهم في الأرض، ودل عليه بعطف حكم ~~الجاهل على غير مذكور في سياق يسلي به نبيه صلى الله عليه وسلم ويعزيه، ~~ويؤنسه ويواسيه، فقال { وإن يكذبوك } أي أخذتهم وإن كانوا أمكن الناس، ~~فقد فعلت بمن قبلهم ذلك، فلا يحزنك أمرهم { فقد كذبت } وأتى سبحانه بتاء ~~التأنيث تحقيرا للمكذبين في قدرته وإن كانوا أشد الناس. # ولما كانت هذه الأمم لعظمهم وتمادي أزمانهم كأنهم قد استغرقوا الزمان ~~كله، لم يأت بالجار فقال: { قبلهم قوم نوح } وكانوا أطول الناس أعمارا، ~~وأشدهم اقتدارا؛ ولما لم يتعلق في هذا السياق غرض بالمخالفة في ترتيبهم، ~~ساقهم على حسب ترتبيهم في الوجود فقال: { وعاد } أي ذوو الأبدان الشداد { ~~وثمود* } أولو الأبنية الطوال، في السهول والجبال { وقوم إبراهيم } ~~المتجبرون المتكبرون { وقوم لوط* } الأنجاس، بما لم يسبقهم إليه أحد من ~~الناس { وأصحاب مدين } أرباب الأموال، المجموعة من خزائن الضلال. # ولما كان موسى عليه السلام قد أتى من الآيات المرئية ثم المسموعة بما لم ~~يأت ms3035 بمثله أحد ممن تقدمه، فكان تكذيبه في غاية من البعد، غير سبحانه ~~الأسلوب تنبيها على ذلك، وعلى أن الذين أطبقوا على تكذيبه القبط، وأما ~~قومه فما كذبه منهم إلا ناس يسير، فقال: { وكذب موسى } وفي ذلك أيضا ~~تعظيم للتأسية وتفخيم للتسلية { فأمليت للكافرين } أي فتعقب عن تكذيبهم ~~أني أمهلتهم بتأخير عقوبتهم إلى الوقت الذي ضربته لهم، وعبر عن طول ~~الإملاء بأداة التراخي لزيادة التأسية فقال: { ثم أخذتهم } ونبه سبحانه ~~وتعالى على أنه كان في أخذهم عبر وعجائب، وأهوال وغرائب، بالاستفهام في ~~قوله: { فكيف كان نكير* } أي إنكاري لأفعالهم، فليحذر هؤلاء الذين أتيتهم ~~بأعظم ما أتى به رسول قومه مثل ذلك. ### || [22.45-47] # ولما كانت هذه الأمم السبعة أكثر أهل الأرض، بل كانت أمة منهم أهل الأرض ~~كما مضى بيانه في الأعراف، فكيف بمن عداهم ممن كان في أزمانهم وبعدهم، ~~وأخبر سبحانه وتعالى أن عادته فيهم الإملاء ثم الإهلاك، تسبب عن ذلك ~~تهويل الإخبارعنهم وتكثيرهم، فقال تعالى شارحا للأخذ والإمهال على طريق ~~النشر المشوش: { فكأين من قرية أهلكناها } كهؤلاء المذكورين وغيرهم، وفي ~~قراءة الجماعة غير أبي عمرو بالنون إظهارا للعظمة { وهي } أي والحال ~~أنها { ظالمة فهي } أي فتسبب عن إهلاكها أنها { خاوية } أي متهدمة ساقطة ~~أي جدرانها { على عروشها } أي سقوفها، بأن تقصفت الأخشاب ولا من كثرة ~~الأمطار، وغير ذلك من الأسرار، فسقطت ثم سقطت عليها الجدران. أو المعنى: ~~خالية، قد ذهبت أرواحها بذهاب سكانها على البقاء سقوفها، ليست محتاجة ~~إلىغير السكان { و } كم من { بئر معطلة } من أهلها مع بقاء بنائها، ~~وفوران مائها { وقصر مشيد* } أي عال متقن مجصص لأنه لا يشيد - أي يجصص - ~~إلا الذي يقصد رفعه، فحلت القصور من أربابها، وأقفرت موحشة من جميع ~~أصاحبها، بعد كثرة التضام في نواديها، وعطلت الآبار من ورادها بعد ~~الازدحام بين رائحها وغاديها، دانية ونائية، حاضرة وبادية؛ ولما كان خراب ~~المشيد يوهى من أركانه، ويخلق من جدارنه، لم يحس التشديد في وصف القصر، ~~كما حسن في وصف البئر. # ولما كان هذا واعظا لمن ms3036 له استبصار، وعاطفا له إلى العزيز الغفار، ~~تسبب عنه الإنكار عليهم في عدم الاعتبار، فعد أسفارهم - التي كانوا يرون ~~فيها هذه القرى على الوجه الذي أخر به سبحانه لما كانت على ذلك الوجه - ~~عدما، فقال تعالى: { أفلم يسيروا في الأرض } أي وهم بصراء ينظرون ~~بأعينهم ما يمرون عليه، من الآيات المرئية من القرى الظالمة المهلكة ~~وغيرها، وقرينة الحث على السير دل على البصر. # ولما كان الجواب منصوبا، علم أنه منفي لأنه مسبب عن همزة الإنكار التي ~~معناها النفي، وقد دخلت على النفي السير فنفته، فأثبتت السير عريا عما ~~أفاده الجواب، وهو قوله { فتكون } أي فيتسبب عن سيرهم أن تكون { لهم قلوب ~~} واعية { يعقلون بها } ما رأوه بأبصارهم في الآيات المرئيات من الدلالة ~~على وحدانية الله تعالى وقدرته على الإحياء والإماتة متى أراد فيعتبروا ~~به، فانتفاء القلوب الموصوفة متوقف على نفي السير الذي هو إثبات السير، ~~وكذا الكلام في الآذان من قوله { أو } أي أو تكون لهم إن كانوا عمي ~~الأبصار كما دل عليه جعل هذا قسيما { آذان يسمعون بها } الآيات المسموعة ~~المترجمة عن تلك القرى وغيرها سواء ساروا أو لم يسيروا، إن كانت بصائرهم ~~غير نافذة الفهم بمجرد الرؤية فيتدبروها بقلوبهم، فإنه لا يضرهم فقد ~~الأبصار عند وجود البصائر. # ولما كان الضار للإنسان إنما هو عمى البصائر دون الأبصار، نفى العمى ~~أصلا عن الأبصار لعدم ضرورة مع إنارة البصائر، وخصه بالبصئر لوجود الضرر ~~به ولو وجدت الأبصار، مسببا عما مضى مع ما أرشد إليه من التقدير، فقال: ~~{ فإنها لا تعمى الأبصار } أي لعدم الضرر بعماها المستنير البصيرة { ولكن ~~تعمى القلوب } وأكد المعنى بقوله: { التي في الصدور* } لوجود الضرر ~~بعماها المبطل لمنفعة صاحبها وإن كان البصر موجدا، فاحتيج في تصوير ~~عماها إلى زيادة تعيين لما تعورف من أن العمى إنما هو للبصر، إعلاما بأن ~~القلوب ما ذكرت غلطا، بل عمدا، تنبيها على أن عمى البصر عدم بالنسبة ~~لى عماها، والمراد بالقلب لطيفة ربانية روحانية مودعة في اللحم الصنوبري ~~المودع في الجانب ms3037 الأيسر من الصدر، لديه تعلق... عقول الأكثر في أنه ~~يضاهي تعلق العرض بالجسم، أو الصفة بالموصوف، أو المتمكن بمكان وهذه ~~اللطيفة على حقيقة الإنسان سميت قلبا للمجاورة والتعلق، وهي كالفارس ~~والبدن كله كالفرس، وعمى الفارس أضر على الفارس من عمى الفرس، بل لا نسبة ~~لأحد الضررين بالآخرة، فلذلك نفى عمى الأبصار أصلا ورأسا، فلا شيء ضرره ~~بالنسبة إلى عمى البصائر. # ولما قدم سبحانه أن الضال المضل له خزي في الدنيا، وقدم أنه يدفع عن ~~الذين آمنوا وينصرهم، وساق الدليل الشهودي على ذلك لمن كان جامد الفهم، ~~مقيدا بالوهم، بالقرى الظالمة التي أنجز هلاكها، وختم بإنكار عماهم عن ~~ظاهر الآيات البينات، قال عاطفا على { ومن الناس من يجادل } معجبا منهم ~~وموضحا لعماهم: { ويستعجلونك } ويجوز وهو أحسن أن تكون هذه الجملة حالا ~~من فاعل { يسيروا } فيكون مما أنكر عليهم { بالعذاب } الذي تتوعدهم به ~~تكذيبا واستهزاء، { و } الحال أنه { لن يخلف الله } الذي لا كفوء له { ~~وعده } فلا بد من وقوعه لكن الطويل عندهم من الزمن قصير عنده، وقد ينجز ~~الوعد وقد يؤخره بعد الوعيد إلى حين يوم أو أقل أو أكثر، لأن قضاءه سبق ~~أنه لا يكون إلا فيه لحكم يظهرها لمن يشاء من عباده { وإن يوما } أي ~~واحدا { عند ربك } أي المحسن إليك بتأخير العذاب عنهم إكراما لك { كألف ~~سنة } ولما كان المقصود هنا التطويل، فعبر بالسنة تنبيها عليه؛ ولما ~~كانت السنون قد تختلف قال: { مما تعدون* } لأن أيامكم تناسب أوهامكم، ~~وأزمانكم تناسب شأنكم، وهو حليم لا يستطيل الزمان، وقادر لا يخاف الفوت. ### || [22.48-52] # ولما دل على نصر أوليائه، وقسر أعدائه، بشهادة تلك القرى، وختم بالتعجيب ~~من استعجالهم مع ما شاهدوا من إهلاك أمثالهم، وأعلمهم ما هو عليه من ~~الأناة، واتساع العظمة، وكبر المقدار، عطف على { فكأين } محذرا من ~~نكاله، بعد طويل إمهاله، قوله: { وكأين من قرية } أي من أهلها { أمليت ~~لها } أي أمهلتها كما أمهلتكم { وهي ظالمة } كظلمكم بالاستعجال وغيره { ~~ثم أخذتها } أي بالعذاب { وإلي المصير* } بانقطاع كل حكم دون ms3038 حكمي، كما ~~كان مني البدء، فلم يقدر أحد أن يمنع من خلق ما أردت خلقه، ولا أن يخلق ~~ما لم أرد خلقه، فلا تغتروا بالإمهال، وإن تمادت الأيام والليالي، ~~واحذروا عواقب الوبال، وإن بلغتم ما أردتم من الآمال، ولعله إنما طوى ذكر ~~البدء، لأنه احتجب فيه بالأسباب فغلب فيه اسمه الباطن، ولذلك ضل في هذه ~~الدار أكثر الخلق وقوفا مع الأسباب. # ولما كان الاستعجال بالأفعال لا يطلب من الرسول، وكان الإخبار ~~باستهزائهم وشدة عماهم ربما أفهم الإذن في الإعراض عنهم أصلا ورأسا قال ~~سبحانه وتعالى مزيلا لذلك منبها على أن مثله إنما يطلب من المرسل، لا ~~من الرسول: { قل } أي لهم، ولا يصدنك عن دعائهم ما أخبرناك به من عماهم { ~~يا أيها الناس } أي جميعا من قومي وغيرهم { إنما أنا لكم نذير } أي ~~وبشير، وإنما طواه لأن المقام للتخويف، ويلزم منه الأمن للمنتهى فتأتي ~~البشارة، ولأن النذارة هي المقصود الأعظم من الدعوة، لأنه لا يقدم عليها ~~إلا المؤيدون بروح من الله { مبين* } أي لكل ما ينفعكم لتلزموه. ويضركم ~~فتتركوه لا إله، أعجل لكم العذاب؛ ثم تسبب عن كونه مبينا العلم بأن وصف ~~البشارة مراد وإن طوي، فدل عليه سبحانه بقوله تفضيلا لأهل البشارة ~~والنذارة: { فالذين آمنوا } أي أقروا بالإيمان { وعملوا } أي تصديقا ~~لدعواهم ذلك { الصالحات لهم مغفرة } لما فرط منهم من التقصير لأنه لن يقد ~~أحد أن يقدر الله حق قدره. # ولما كان هذا أول الإذن في القتال، الموجب لمنابذة الكفار، ومهاجرة ~~الأهل والأموال والديار، وكان ذلك - مع كونه في غاية الشدة - موجبا ~~للفقر عادة، قال محققا له ومنبها على أنه سبب الرزق: { ورزق } أي في ~~الدنيا بالغنائم وغيرها، والآخرة بما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر ~~على قلب بشر { كريم* } لا خسة فيه ولا دناءة بانقطاع ولا غيره أصلا ما ~~داموا على الاتصاف بذلك، هذا فعل ربهم بهم عكس ما وصف به مدعو الكفار من ~~أن ضره أقرب من نفعه. # ولما كان في سياق الإنذار، قال معبرا ms3039 بالماضي زيادة في التخويف: { ~~والذين سعوا } أي أوقعوا السعي ولو مرة واحدة بشبهة من الشبه ونحوها { في ~~آياتنا } أي التي نصبناها للدلالة علينا مرئية أو مسموعة { معاجزين } أي ~~مبالغين في فعل ما يلزم - في زعمهم - منه عجزنا، ومعجزين، أي مقدرين أنهم ~~يعجزوننا بإخفائهم آياتنا، وإضلال الناس وصدهم عهنا بألقاء الشبه ~~والجدال، اتباعا للشيطان المريد، من غير علم ولا هدى ولا كتب منير كشبه ~~الاتحادية الذين راج أمرهم على كثير من الناس مع أنه لا شيء أوهى من ~~شبههم ولا أظهر بطلانا، ولذلك راج أمرها على أهل الغباوة، فإن الداعية ~~منهم يقول لمن يغره: هذا الظاهر من الكلام لا يقول به عاقل، فالمراد به ~~أسرار دقيقة، وراء طور العقل، لا يوصل إليه إلا بالرياضة والكشف، وما درى ~~المغرور أن أبا طالب كان أعقل من هذا الذي ينسب إليه ذلك الكفر الظاهر، ~~فإن شعره أحسن من شعره، وبديهته أعظم من بديهته، ورؤيته أحكم من رؤيته، ~~وقد رأى من الآيات من النبي صلى الله عليه وسلم ما لا مزيد عليه، مع أن ~~له من القرابة ما هو معروف، ومن المحبة ما يفوت الحصر، ومع ذلك فقد أصر ~~من الضلال ما لا يرضاه حمار لو نطق، على أن هذا المغرور قد لزمه - بتحسين ~~الظن بهؤلاء الكفرة - إساءة الظن بأشرف الخلق: النبي صلى الله عليه وسلم ~~في قوله # " من رأى منكم منكرا " # - الحديث الذي في بعض رواياته: # " وليس وراء ذلك أي الإنكار بالقلب - مثقال حبة من إيمان " # وقد أفردت لبيان ضلالهم كتبا لما استطار من شرهم، ومس من ضرهم، منها ~~المطول والمختصر، لا مزيد على بيانها وظهور سلطانها { أولئك } البعداء ~~البغضاء { أصحاب الجحيم* } أي استحقاقا بما سعوا، فإن شاء تاب عليهم، ~~وإن شاء كبهم فيها، ليعلموا أنهم هم العاجزون، هذا في الآخرة، وسيظهر ~~سبحانه في الدنيا أيضا عجزهم، بكشف شبههم ومج القلوب النيرة لها، مع ~~ذلهم وانكسارهم، وهوانهم وصغارهم، حتى لا يقدروا أن ينطقوا من ذلك ببنت ~~شفة، علما منهم أن مثلها لا يقوله عاقل. ms3040 # ولما لاح من ذلك أن الشيطان ألقى للكفار شبها، يعاجزون بها بجدالهم في ~~دين الله الذي أمر رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم بإظهاره، وتقرير ~~وإشهاره، عطف عليه تسلية له صلى الله عليه وسلم قوله: { وما أرسلنا } أي ~~بعظمتنا { من قبلك } ثم أكد الاستغراق بقوله: { من رسول } أي من ملك أو ~~بشر بشريعة جديدة يدعو إليها { ولا نبي } سواء كان رسولا أو لا، مقرر ~~بالحفظ لشريعة سابقة - كذا قال البيضاوي وغيره في الرسول وهو منقوص ~~بأنبياء بني أسرائيل الذين بين موسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام، فإن ~~الله تعالى سماهم رسلا في غير آية منها # ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل # [البقرة: 87] فالصواب أن يقال: النبي إنسان أوحي إليه بشرع جديد أو ~~مقرر، فإن أمر بالتبليغ فرسول أيضا، والتقييد بشرع لإخراج مريم وغيرها ~~من الأولياء { إلا إذا تمنى } أي تلا على الناس ما أمره الله به أو حدثهم ~~به واشتهى في نفسه أن يقبلوه حرصا منه على إيمانهم شفقة عليهم { ألقى ~~الشيطان في أمنيته } أي ما تلاه أو حدث به واشتهى أن يقبل، من الشبه ~~والتخيلات ما يتلقفه منه أولياءه فيجادلون به أهل الطاعة ليضلوهم # وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم # [الأنعام: 121] # وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف ~~القول غرورا # [الأنعام: 112] كما يفعل هؤلاء فيما يغيرون به في وجه الشريعة أصولا ~~وفروعا من قولهم: إن القرآن شعر وسحر وكهانة، وقولهم # لو شاء الله ما أشركنا # [الأنعام: 148] وقولهم # هؤلاء شفعاؤنا عند الله # [يونس: 18] وقولهم: إن ما قلته الله بالموت حتف أنفه أولى بالأكل مما ~~ذبح، وقولهم: نحن أهل الله وسكان حرمه، لا نخرج من الحرم فنقف في الحج ~~بالمعشر الحرام ويقف الناس بعرفة، ونحن نطوف قي ثيابنا وكذا من ولدناه، ~~وأما غيرنا فلا يطوف إلا عريانا ذكرا ان أو أنثى إلا أن يعطيه أحد منا ~~ما يلبسه، ونحو ذلك مما يريدون أن يطفئوا به نور الله، وكذا تأويلات ~~الباطنية والاتحادية وأنظارهم التي ألحدوا ms3041 فيها، يضل بها من يشاء الله ثم ~~يمحوها من أراد من عباده وما أراد من أمره { فينسخ } أي فيتسبب عن إلقائه ~~أنه ينسخ { الله } أي المحيط بكل شيء قدرة وعلما { ما يلقي الشيطان } ~~فيبطله بإيضاح أمره ومج القلوب له. # ولما كان إبطاله سبحانه للشبه إبطالا محكما، لا يتطرق إليه لعلو رتبة ~~بيانه - شبهة أصلا، عبر بأداة التراخي فقال: { ثم يحكم الله } أي الملك ~~الذي لا كفوء له { آياته } أي يجعلها جلية فيما أريد منها، وأدل دليل على ~~أن هذا هو المراد مع الافتتاح بالمعاجزة في الآيات - الختام بقوله عطفا ~~على ما تقديره: فالله على ما يشاء قدير: { والله } أي الذي له الأمر كله ~~{ عليم } أي بنفي الشبه { حكيم* } بإيراد الكلام على وجه لا تؤثر فيه عند ~~من له أدنى بصيرة، وكذا ما مضى في السورة ويأتي من ذكر الجدال. ### || [22.53-58] # ولما ذكر سبحانه ما حكم به من تمكين الشيطان من هذا الإلقاء، ذكر العلة ~~في ذلك فقال: { ليجعل ما يلقي الشيطان } أي في المتلو أو المحدث به من ~~تلك الشبه في قلوب أوليائه { فتنة } أي اختبارا وامتحانا { للذين في ~~قلوبهم مرض } لسفولها عن حد الاعتدال من اللين حتى صارت مائيته تقبل كل ~~صورة ولا يثبت فيها صورة، وهم أهل النفاق المتلقفون للشبه الملقون لها { ~~والقاسية قلوبهم } عن فهم الآيات، وهم من علت قلوبهم عن ذلك الجدال أن ~~صارت حجرية، وهم المصارحون بالعداوة، فهم في ريب من أمرهم وجدال ~~للمؤمنين، قد انتقشت فيها الشبه، فصارت أبعد شيء عن الزوال. ولما كان ~~التقدير: فإنهم حزب الشيطان، وأعداء الرحمن، عطف عليه قوله. وإنهم هكذا ~~الأصل، ولكنه أظهر تنبيها على وصفهم فقال: { وإن الظالمين } أي الواضعين ~~لأقوالهم وأفعالهم في غير مواضعها كفعل من هو في الظلام { لفي شقاق } أي ~~خلاف بكونهم في شق غير شق حزب الله بمعاجزتهم في الآيات بتلك الشبه التي ~~تلقوها من الشيطان، وجادلوا بها أولياء الرحمن { بعيد* } عن الصواب # ولتصغي إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم ms3042 ~~مقترفون # [الأنعام: 113] { وليعلم الذين أوتوا العلم } بإتقان حججه، وإحكام ~~براهينه، وضعف شبه المعاجزين، وبني فعله للمجهول تعظيما لثمرته في حد ~~ذاته لا بالنسبة إلى معط معين { أنه } أي الشيء الذي تلوته أو حدثت به { ~~الحق } أي الثابت الذي لا يمكن زواله { من ربك } أي المحسن إليك بتعليمك ~~إياه، فإن الحق كلما جودل أهله ظهرت حججه، وأسفرت وجوهه، ووضحت براهينه، ~~وغمرت لججه، كما قال تعالى # يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا # [البقرة: 26] { فيؤمنوا به } لما ظهر لهم من صحته بما ظهر من ضعف تلك ~~الشبه { فتخبت } أي تطمئن وتخضع { له قلوبهم } وتسكن به قلوبهم، فإن الله ~~جعل فيها السكينة فجعلها زجاجية صلبة صافية رقيقة بين المائية والحجرية، ~~نافعة بفهم العلم وحفظه والهداية به لمن يقبل عنهم من الضالين كما ينفع ~~الخبث بقبول طائفة منه لطائفة من الماء، وإنبات ما يقدره الله من الكلاء ~~وغيره وحفظ طائفة أخرى لطائفة أخرى منه لشرب الحيوان { وإن الله } بجلاله ~~وعظمته لهاديهم، ولكنه أظهر تنبيها على سبب العلم فقال: { لهاد الذين ~~آمنوا } في جميع ما يلقيه أولياء الشيطان { إلى صراط مستقيم* } يصلون به ~~إلى معرفة بطلانه، فيوصلهم ذلك إلى سعادة الدارين { ولا يزال الذين كفروا ~~} أي وجد منهم الكفر وطبعوا عليه { في مرية } أي شك يطلبون السكون إليه { ~~منه } أي من أجل إلقاء الشيطان وما ألقاه، أو مبتدىء منه { حتى تأتيهم ~~الساعة } أي الموت أو القيامة { بغتة } أي فجأة بموتهم حتف الأنف { أو ~~يأتيهم عذاب يوم عقيم* } يقتل فيه جميع أبنائهم منهم ولا يكون لهم فيه ~~شيء مما يترجونه من نصر أو غيره كما سعوا بجدلهم وإلقاء الضلالات في ~~إعقام الآيات، فإذا انكشف لهم الغطاء بالساعة أو العذاب الموصل إلى حد ~~الغرغرة آمنوا دأب البهائم التي لا ترى إلا الجزئيات، فلم ينفعهم ذلك ~~لفوات شرطه، وقد زالت بحمد الله عن هذه الآية - بما قررته الشكوك، ~~وانفضحت مخيلات الشبه، وانقمعت مضلات الفتن، من قصة الغرانيق وما شاكلها ~~مما يتعالى عنه ذلك الجناب الرفيع، والحمى العظيم المنيع، ولم ms3043 يصح شيء من ~~ذلك كما صرح به الحافظ عماد الدين ابن كثير وغيره كيف وقد منع الشيطان من ~~مثاله صلى الله عليه وسلم في المنام، كما قال صلى الله عليه وسلم فيما ~~أخرجه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه # " من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل بي " # وقد تولى الله سبحانه حفظ الذكر الحكيم بحراسة السماوات وغيرها { إنا ~~نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } # إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا ليعلم أن قد ~~أبلغوا رسالات ربهم # [الجن: 27]. # ولما كانوا من الكثرة والقوة بمكان كان كأنه قيل: كيف يغلبون؟ فقال ~~جوابا عن ذلك: { الملك يومئذ } أي يوم إذ يأتيهم ذلك إما في القيامة أو ~~في الدنيا { لله } أي المحيط بجميع صفات الكمال وحد بتغليب اسمه الظاهر، ~~بأن يجري أمره فيه على غير الأسباب التي تعرفونها. # ولما كان كأنه قيل: ما معنى اختصاصه به وكل الأيام له؟ قيل: { يحكم ~~بينهم } أي بين المؤمنين والكافرين بالأمر الفيصل، لا حكم فيه ظاهرا ولا ~~باطنا لغيره، كما ترونه الآن، بل يمشي فيه الأمر على أتم قوانين العدل، ~~ولذلك سبب ظهور العدل عنه قوله مفصلا بادئا. إظهارا لتفرده بالحكم ~~بإكرام من كانوا قاطعين بهوانهم في الدارين مع أن تقديمهم أوفق لمقصود ~~السورة: { فالذين آمنوا وعملوا } أي وصدقوا دعواهم الإيمان بأن عملوا { ~~الصالحات } وهي ما أمرهم الله به. # ولما كانت إثابته تعالى لأهل طاعته تفضلا منه، نبه على ذلك بإعراء ~~الخبر عن الفاء السببية بخلاف ما يأتي في حق الكفار فقال: { في جنات ~~النعيم* } في الدنيا مجازا، لمآلهم إليهم مع ما يجدونه من لذة المناجاة ~~واستشعار القرب وفي الآخرة حقيقة بما رحمهم الله به من توفيقهم للأعمال ~~الصالحة { والذين كفروا } أي غطوا ما أعطيناهم من المعرفة بالأدلة على ~~وحدانيتنا { وكذبوا بآياتنا } ساعين - بما أعطيناهم من الفهم في تعجيزها ~~بالمجادلة بما يوحي إليهم أولياؤهم من الشياطين من الشبه، وقرن الخبر ~~بالفاء إيذانا بأنه مسبب عن كفرهم فقال: ms3044 { فأولئك } أي البعداء عن أسباب ~~الكرم { لهم عذاب مهين* } بسبب ما سعوا في إهانة آياتنا مريدين إعزاز ~~أنفسهم بمغالبتها والتكبر عن اتباعها. # ولما كان المشركون يمنعون بهذ الشبه وغيرها كثيرا من الناس الإيمان، ~~وكانوا لا يتمكنون بها إلا ممن يخالطهم، رغب سبحانه في ا لهجرة فقال: { ~~والذين هاجروا } أي أوقعوا هجرة ديارهم وأهليهم { في سبيل الله } أي طريق ~~ذي الجلال والإكرام التي شرعها، فكانت ظرفا لمهاجرتهم، فلم يكن لهم بها ~~غرض آخر. ولما كان أكثر ما يخاف من الهجرة القتل. لقصد الأعداء للمهاجر ~~بالمصادمة، عند تحقق المصارمة، قال معبرا بأداة التراخي إشارة إلى طول ~~العمر وعلو الرتبة بسبب الهجرة: { ثم قتلوا } أي بعد الهجرة، وألحق به ~~مطلق الموت فضلا منه فقال: { أو ماتوا } أي من غير قتل { ليرزقنهم الله ~~} أي الملك الأعلى { رزقا حسنا } من حين تفارق أرواحهم أشباحهم لأنهم ~~أحياء عند ربهم، وذلك لأنهم أرضوا الله بما انخلعوا منه مما أثلوه طول ~~أعمارهم. وأثله آباؤهم من قبلهم، وأموالهم وأهليهم وديارهم. # ولما كان التقدير: فإن الله فعال ما يريد من إحيائهم ورزقهم وغيره، عطف ~~عليه قوله: { وإن الله } أي الجامع لصفات الكمال بعظمته وقدرته على ~~الإحياء كما قدر على الإماتة { لهو خير الرازقين* } يرزق الخلق عامة البر ~~منهم والفاجر، فكيف بمن هاجر إليه! ويعطي عطاء لا يدخله عد، ولا يحويه ~~حد، وكما دلت الآية على تسوية من مات في سبيل الله برباط أو غيره في ~~الرزق بالشهيد، دلت السنة أيضا من حديث سلمان وغيره رضي الله عنهم أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " من مات مرابطا أجري عليه الرزق وأمن الفتانين ". ### || [22.59-63] # ولما كان الرزق لا يتم إلا بحسن الدار، وكان ذلك من أفضل الرزق، قال ~~دالا على ختام التي قبل: { ليدخلنهم مدخلا } أي دخولا ومكان دخول ~~قراءة نافع وأبي جعفر بفتح الميم، وإدخالا ومكان إدخال على قراءة ~~الباقين { يرضونه } لا يبغون به بدلا، بما أرضوه به بما خرجوا منه. # ولما كان التقدير: فإن الله لشكور حميد، وكان ms3045 من المعلوم قطعا أنه لا ~~يقدر أحد أن يقدر الله حق قدره وإن اجتهد، لأن الإنسان محل الخطأ ~~والنسيان، فلو أوخذ بذلك هلك، وكان ربما ظن ظان أنه لو علم ما قصروا فيه ~~لغضب عليهم، عطف على ما قدرته قوله: { وإن الله } أي الذي عمت رحمته وتمت ~~عظمته { لعليم } أي بمقاصدهم وما علموا مما يرضيه وغيره { حليم* } عما ~~قصروا فيه من طاعته، وما فرطوا في جنبه سبحانه. # ولما ختم هذه الآيات - التي الإذن للمظلومين في القتال للظالمين - بصفة ~~الحلم، فكان ذلك مخيلة لوجوب العفو عن حقوق العباد كما في شريعة عيسى ~~عليه الصلاة والسلام، نفى ذلك بقوله إذنا للمجهارين فيمن أخرجهم من ~~ديارهم أن يخرجوه من دياره ويذيقوه بعض ما توعده الله به من العذاب ~~المهين: { ذلك } أي الأمر المقرر من صفة الله تعالى ذلك { ومن عاقب } من ~~العباد بأن أصاب خصمه، لمصيبة يرجو فيها العاقبة { بمثل ما عوقب } أي ~~عولج علاج من يطلب حسن العاقبة { به } من أي معاقب كان فلم يتجاوز إلى ~~ظلم { ثم بغي } أي من أي باغ كان { عليه } بالعود إلى خصومته لأخذه حقه. # ولما كان ما يحصل للمبغي عليه بالكسر عودا على بدء من الذل والهوان ~~مبعدا لأن ينجبر، أكد وعده فقال: { لينصرنه الله } أي الذي لا كفوء له. # ولما قيد ذلك بالمثلية، وكان أمرا خفيا، لا يكاد يوقف عليه، فكان ربما ~~وقعت المجاوزة خطأ، فظن عدم النصرة لذلك، أفهم تعالى أن المؤاخذة إنما هي ~~بالعمد، بقوله؛ ويجوز أن يكون التقدير ندبا إلى العفو بعد ضمان النصر: ~~إن الله لعزيز حكيم، ومن عفا وأصلح فقد تعرض لعفو الله عن تقصيره، ~~ومغفرته لذنوبه، فهو احتباك: ذكر النصرة دليل العزة والحكمة، وذكر العفو ~~منه سبحانه دليل حذف العفو من العبد { إن الله } أي الذي أحاط بكل شيء ~~قدرة وعلما { لعفو } أي عمن اقتص ممن ظلمه أول مرة { غفور* } لمن اقتص ~~ممن بغى عليه. # ولما ختم بهذين الوصفينن ذكر من الدليل عليهما أمرا جامعا للمصالح، ~~عاما للخلائق، يكون ms3046 فيه وبه الإحسان بالخلق والرزق فقال: { ذلك } أي ~~معرفة اتصافه سبحانه بهذين الوصفين { بأن الله } المتصف بجميع صفات ~~الكمال { يولج } لأجل مصالح العباد المسيء والمحسن { الليل في النهار } ~~فيمحو ظلامه بضيائه، ولو شاء مؤاخذة الناس لجعله سرمدا فتعطلت مصالح ~~النهار { ويولج النهار في الليل } فينسخ ضياءه بظلامه، ولولا ذلك لتعطلت ~~مصالح الليل، أو يطول أحدهما حيث يراد استيلاء ما طبع عليه على ضد ما طبع ~~عليه آخر لما يراد من المصالح التي جعل ذلك لأجلها { وأن الله } بجلاله ~~وعظمته { سميع } لما يمكن أن يسمع { بصير* } أي مبصر عالم لما يمكن أن ~~يبصر دائم الاتصاف بذلك فهو غير محتاج إلى سكون الليل ليسمع، ولا لضياء ~~النهار ليبصر، لأنه منزه عن الأعراض، وهو لتمام قدرته وعلمه لا يخاف في ~~عفوه غائلة، ولا يمكن أن يفوته أمر، أو يكون التقدير: ذلك النصر والعفو ~~بأنه قادر وبأنه عالم. # ولما وصف نفسه سبحانه بما ليس لغيره فبان بذلك نقير ما سواه بفعله علله ~~بقوله: { ذلك } أي الاتصاف بتمام القدرة وشمول العلم { بأن الله } الحاوي ~~لصفات الكمال، القادر على إخراج المعدوم وتجديد ما فات، من نشر الأموات ~~وغيره { هو } وحده { الحق } أي الواجب الوجود { وأن ما يدعون } أي دعاء ~~عبادة وهم لا يسمعون. # ولما كان سبحانه فوق كل شيء بقهره وسلطانه، قال محقرا لهم: { من دونه } ~~أي من هذه الأصنام وغيرها، ولم يتقدم هنا من الدليل على بطلان الأوثان ~~مثل ما ذكره في لقمان الداعي الحال إلى التأكيد بضمير الفصل فقال: { هو ~~الباطل } لأنه ممكن وجوده وعدمه، فليس له من ذاته إلا العدم كغيره من ~~الممكنات { وأن الله } لكونه هو الحق الذي لا كفوء له { هو } وحده { ~~العلي الكبير* } وكل ما سواه سافل حقير، تحت قهره وأمره، فهو يحيي الموتى ~~كما تقدم أول السورة. # ولما دل ما تضمنه رزقه سبحانه للميت في سبيله بقتل أو غيره على إحيائه ~~له، ودل سبحانه على ذلك وعلى أنه خير الرازقين بما له من العظمة، وختم ~~بهذين الوصفين، أتبعه دليلا ms3047 آخر على ذلك كله بآية مشاهدة جامعة بين ~~العالم العلوي والسفلي قاضية بعلوه وكبره، فقال: { ألم تر } أي أيها ~~المخاطب { أن الله } أي المحيط قدرة وعلما { أنزل من السماء ماء } بأن ~~يرسل رياحا فتثير سحابا فيمطر على الأرض الملساء. # ولما كان هذا الاستفهام المتلو بالنفي في معنى الإثبات لرؤية الإنزال ~~لكونه فيه معنى الإنكار، عطف على { أنزل } معقبا له على حسب العادة ~~قوله، معبرا بالمضارع تنبيها على عظمة النعمة بطول زمان أثر المطر ~~وتجدد نفعه: { فتصبح الأرض } أي بعد أن كانت مسودة يابسة، ميتة هامدة { ~~مخضرة } حية يانعة، مهتزة نامية، بما فيه رزق العبادة، وعمار البلاد، ولم ~~ينصب على أنه جوابه لئلا يفيد نفي الاخضرار، وذلك لأن الاستفهام من حيث ~~فيه معنى الإنكار نفي لنفي رؤية الإنزال الذي هو إثبات الرؤية، فيكون ما ~~جعل جوابا له منفيا، لأن الجواب متوقف على ما هو جوابه، فإذا نفى ما ~~عليه التوقف انتفى المتوقف عليه، أي إذا نفى الملزوم انتفى اللازم، وإذا ~~نفي السبب انتفى المسبب - كما تقدم " فتكون لهم قلوب " فلو نصب " يصبح " ~~على أنه جواب الاستفهام لكان المعنى أن عدم الاخضرار متوقف على نفي النفي ~~للإنزال الذي هو إثبات الإنزال، وهو واضح الفساد - أفاده شيخنا الإمام ~~أبو الفضل رحمه الله. # ولما كان هذا إنتاجا للأشياء من أضدادها، لأن كلا من الماء في رقته ~~وميوعه والتراب في كثافته، وجموده في غاية البعد عن النبات في تنوعه ~~وخضرته، ونموه وبهجته، قال سبحانه وتعالى منبها على ذلك: { إن الله } أي ~~الذي له تمام العز وكمال العلم { لطيف } أي يسبب الأشياء عن أضدادها { ~~خبير* } أي مطلع على السرائر وإن دقت، فلا يستبعد عليه إحياء من أراد بعد ~~موته، والإحسان في رزقه. ### || [22.64-67] # ولما اقتضى ذلك أنهى التصرف، لأنه لا بد بعد اختلاط الماء بالتراب من ~~أمور ينشأ عنها النبات، على تلك الهيئات الغريبة المختلفة، فأوجب ذلك أن ~~يكون هو المالك المطلق، قال: { له ما في السماوات } أي التي أنزل منها ~~الماء، ولما كان السباق لإثبات ms3048 البعث والانفراد بالملك والدلالة على ذلك، ~~اقتضى الحال التأكيد بإعادة الموصول فقال: { وما في الأرض } أي التي ~~استقر فيها، وذلك يقتضي ملك السماوات والأرضين، فإن كل واحدة منها في ~~التي فوقها حتى ينتهي الأمر إلى عرشه سبحانه الذي لا يجوز أصلا أن يكون ~~لغيره. # ولما كان من المألوف عندنا أن المالك فقير إلى ما في يده؛ مذموم على ~~إمساكه بالتقتير، وعلى بذله بالتبذير، بين أنه بخلاف ذلك فقال: { وإن ~~الله } أي الذي له الإحاطة التامة { لهو } أي وحده { الغني } أي عنهما ~~وعما فيهما، ما خلق شيئا منهما أو فيهما لحاجة له إليه بل لحاجتكم أنتم ~~إليه { الحميد* } في كل ما يعطيه أو يمنعه، لما في ذلك من الحكم الخفية ~~والجلية؛ ثم استدل على ذلك بقوله تعالى: { ألم تر } أي أيها المخاطب { أن ~~الله } أي الحائز لصقفات الكمال، من الجلال والجمال { سخر لكم } فضلا ~~منه { ما في الأرض } كله من مسالكها وفجاجها وما فيها من حيوان وجماد، ~~وزروع وثمار، فعلم أنه غير محتاج إلى شيء منه # ولما كان تسخير السلوك في البحر من أعجب العجب، قال: { والفلك } أي ~~وسخرها لكم موسقة بما تريدون من البضائع. ثم بين تسخيرها بقوله: { تجري ~~في البحر } أي العجاج، المتلاطم بالأمواج، بريح طيبة على لطف وتؤدة. # ولما كان الراكب فيها - مع حثيث السير وسرعة المر - مستقرا كأنه على ~~الأرض، عظم الشأن في سيرها بقوله: { بأمره } ولما كان إمساكها على وجه ~~الماء مع لطافته عن الغرق أمرا غريبا كإمساك السماء على متن الهواء عن ~~الوقوع، أتبعه قوله: { ويمسك السماء } ثم فسر ذلك بقوله مبدلا: { أن تقع ~~} أي مع علوها وعظمها وكونها بغير عماد { على الأرض } التي هي تحتها. # ولما اقتضى السياق أنه لا بد أن تقع لانحلاله إلى أن يمنع وقوعها لأنها ~~جسم كثيف عظيم، ليس له من طبعه إلا السفول، أشار إلى ذلك بقوله: { إلا ~~بإذنه } أي فيقع إذا أذن في وقوعها حين يريد طي هذا العالم وإيجاد عالم ~~البقاء. ولما كان هذا الجود الأعظم والتدبير ms3049 المحكم محض كرم من غير حاجة ~~أصلا، أشار إليه بقوله: { إن الله } أي الذي له الخلق والأمر. # ولما كان الجماد كله متاعا للحيوان، اقتضى تقديم قوله: { بالناس } أي ~~على ظلمهم { لرؤوف } أي بما يحفظ من سرائرهم عن الزيغ بإرسال الرسل، ~~وإنزال الكتب ونصب المناسك، التي يجمع معظمها البيت الذي بوأه لإبراهيم ~~عليه السلام، وهو التوحيد والصلاة والحج الحامل على التقوى التي بنيت ~~عليها السورة، فإن الرأفة كما قال الحرالي: ألطف الرحمة وأبلغها، ~~فالمرؤوف به تقيمه عناية الرأفة حتى تحفظ بمسراها في سره ظهور ما يستدعي ~~العفو، وتارة يكن هذا الحفظ بالقوة بنصب الأدلة، وتارة يضم إلى ذلك الفعل ~~بخلق الهداية في القلب، وهذا خاص بمن له بالمنعم نوع وصلة. # { رحيم* } بما يثبت لهم عموما من الدرجات على ما منحهم به من ثمرات ذلك ~~الحفظ من الأعمال المرضية لما تقدم في الفاتحة من أن الرحيم خاص الرحمة ~~بما ترضاه الإلهية، وتقدم في البقرة تحقيق هذا الموضع. # ولما بين سبحانه جملا من أمهات الدين، وأتبعها الإعانة لأهله على ~~المعتدين، وختم بما بعد الموت للمهاجرين، ترغيبا في منابذة الكافرين، ~~وعرف بما له من تمام العلم وشمول القدرة، ومثل ذلك بأنواع من التصرف في ~~خلق السماوات والأرضين، وأنهاه بالدلالة على أنه كله لنفع الآدميين نعمة ~~منه، تلا ذلك بما هو أكبر منه نعمة عليهم فقال: { وهو } أي وحده { الذي ~~أحياكم } أي عن الجمادية بعد أن أوجدكم من العدم بعد أن لم تكونوا شيئا، ~~منة منه عليكم مستقلة، لزم منها المنة بما تقدم ذكره من المنافع الدنيوية ~~لتستمر حياتكم أولا، الدينية لتنتفعوا بالبقاء ثانيا { ثم يميتكم } ~~ليكون الموت واعظا لأولي البصائر منكم، وزاجرا لهم عما طبعوا عليه من ~~الأخلاق المذمومة { ثم يحييكم } للتحلي بفصل القضاء وإظهار العدل في ~~الجزاء. # ولما علم أن كل ما في الوجود من جوهر وعرض نعمة على الإنسان حتى الحياة ~~والموت، وكان من أجلى الأشياء، وكانت أفعاله معرضة عن الرب هذه النعم ~~بالعبادة لغيره، أو التقصير في حقه على عموم فضله ms3050 وخيره، ختم الآية ~~سبحانه بقوله: { إن الإنسان لكفور* } أي بليغ الكفر حيث لم يشكر على هذه ~~النعم المحيطة به. # ولما تقدم ذكر المناسك، وكان لكثرة الكفار قد يقع في النفس أن إقامتها ~~معجوز عنها، وكشف سبحانه غمة هذا السؤال بآية { إن الله يدافع عن الذين ~~آمنوا } وما بعدها، فأنتج ذلك علمنا بتصرفه التام بقدرته الباهرة، وعلمه ~~الشامل المقتضي لإقبال العباد إليه، واجتماعهم كلهم عليه، فمن شك في ~~قدرته على إظهار دينه بمدافعته عن أهله، أو نازع فيه فهو كفور، ذكر ~~بإظهار أول هذا الخطاب بآخر ذلك الخطاب مؤكدا لما أجاب به عن ذلك السؤال ~~من تمام القدرة وشمول العلم أنه هو الذي مكن لكل قوم ما هم فيه من ~~المناسك التي بها انتظام الحياة، فإن وافقت الأمر الإلهي كانت سببا ~~للحياة الأبدية، وإلا كانت سببا للهلاك الدائم، وهو سبحانه الذي نصب من ~~الشرائع لكل قوم ما يلائمهم، لأنه بتغيير الزمان بإيلاج الليل في النهار ~~على مر الأيام وتوالي الشهور والأعوام، بسبب من الأسباب - لأجل امتحان ~~العباد، وإظهار ما خبأ في جبلة كل منهم من طاعة وعصيان، وشكر وكفران - ما ~~يصير الفعل مصلحة بما يقتضيه من الأسباب بعد أن كان مفسدة وبالعكس، ~~لاقتداره على كل شيء وإظهار اقتداره كما قال تعالى عند أول ذكره للنسخ # ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير # [البقرة: 106] الآيات، فعلم أن منازعتهم فيه كفر، فلذلك أتبع هذا قوله ~~من غير عاطف لما بينهما من تمام الاتصال: { لكل أمة } أي في كل زمان { ~~جعلنا } أي بما لنا من العظمة { منسكا } أي شرعا لاجتماعهم به على ~~خالقهم حيث وافق أمره، ولاجتماعهم على أهوائهم إذا لم يوافقه، وعن ابن ~~جرير أن أصل المنسك في كلام العرب هو الموضع الذي يعتاده الإنسان ويتردد ~~إليه إما لخير أو لشر. # ولما كان بحيث إن ما أراده سبحانه كان لا محالة، قال: { هم ناسكوه } أي ~~متعبدون به، لأنا ندافع عنهم من يعاديهم فيه حتى يستقيم لهم أمره، ~~لإسعادهم به أو إشقائهم، فمن ms3051 شك في قدرتنا على تمكينهم منه فهو كفور، فإن ~~وافق الأمر كان ربحا وإيمانا، وإن خالفه كان كفرا وخسرانا. # ولما كان قد حكم بإظهار دينه على الدين كله، وبأن الكفار على كثرتهم ~~يغلبون بعد ما هم فيه من البطر، أعلم بذلك بالتعبير بصيغة الزجر لهم ~~بقوله مسببا عن هذه العظمة: { فلا ينازعنك في الأمر } أي بما يلقيه ~~الشيطان إليهم من الشبه ليجادلوا به، من طعنهم في دينك بالنسخ بقولهم: لو ~~كان من عند الله لما أمر اليوم بشيء ونهي عنه غدا. لأنه يلزم منه البدء، ~~فليس الأمر كما زعموا، بل هو دال على العم بالعواقب والاقتدار التام على ~~شرع المذاهب، وغير ذلك من الشبه كما مضت الإشارة إليه، فلا يلتفت إليهم ~~في شيء نازعوا فيه كائنا ما كان، وروي أنها نزلت بسبب جدال الكفار بديل ~~بن ورقاء وبشر بن سفيان الخزاعيين وغيرهما في الذبائح، وقولهم للمؤمنين: ~~تأكلون ما ذبحتم وهو من قتلكم، ولا تأكلون ما قتل الله - يعنون الميتة. # ولما كان النهي عن المنازعة في الحقيقة له صلى الله عليه وسلم إلهابا ~~وتهييجا إلى الإعراض عنهم لأنهم أهل لذلك، لأن كيدهم في تضليل، والإقبال ~~على شأنه، وكان التعبير بما تقدم من تحويله إليهم لتأكيد الأمر مع دلالته ~~على إجلاله صلى الله عليه وسلم عن المواجهة بالنهي، عطف عليه قوله: { ~~وادع } أي أوقع الدعوة لجميع الخلق { إلى ربك } أي المحسن إليك بإرسالك، ~~بالحمل لهم على كل ما أمرك به متى ما أمرك، ولا يهولنك قولهم، فإنهم ~~مغلوبون لا محالة، ولا تتأمل عاقبة من العواقب، بل أقدم على الأمر وإن ظن ~~أن فيه الهلاك، فإنه ليس عليك إلا ذلك. وأما نظم الأمور على نهج السداد ~~في إظهار الدين، وقهر المعاندين، فإلى الذي أمرك بتلك الأوامر، وأحكم ~~الشأن في جميع الزواجر؛ ثم علل ذلك بقوله: { إنك } مؤكدا له بحسب ما ~~عندهم من الإنكار { لعلى هدى مستقيم* } فإنه تأصيل العليم القدير وإن ~~طرقه التغيير. ### || [22.68-72] # ولما أمره بالإقبال على ما يهمه، والإعراض عن منازعتهم، ms3052 في صيغة نهيهم ~~عن منازعته، علمه الجواب إن ارتكبوا منهيه بعد الاحتهاد في دفعهم، لما ~~لهم من اللجاج والعتو، فقال: { وإن جادلوك } أي في شيء من دينك بشيء مما ~~تقدم من أقوالهم السفسافة أو بغيره { فقل } معرضا عن عيب دينهم الذي لا ~~أبين فسادا منه: { الله } أي الملك المحيط بالعز والعلم { أعلم بما ~~تعملون* } مهددا لهم بذلك، مذكرا لنفسك بقدرة ربك، قاطعا بذلك ~~المنازعة من حيث رقب، متوكلا على الذي أمرك بذلك في حسن تدبيرك ~~والمدافعة عنك ومجازاتهم بما سبق علمه به مما يستحقونه؛ قال الرازي في ~~اللوامع: وينبغي أن يتأدب بهذا كل أحد، فإن أهل الجدل قوم جاوزوا حد ~~العوام بتحذلقهم، ولم يبلغوا درجة الخواص الذين عرفوا الأشياء على ما هي ~~عليه، فالعوام منقادون للشريعة، والخواص يغرفون أسرارها وحقائقها، وأهل ~~الجدل قوم في قلوبهم اضطراب وانزعاج. # ولما أمره بالإعراض عنهم، وكان ذلك شديدا على النفس لتشوفها إلى ~~النصرة، رجاه في ذلك بقوله: مستأنفا مبدلا من مقول الجزاء تحذيرا لهم: ~~{ الله } أي الذي لا كفوء له { يحكم بينكم } أي بينك مع أتباعك وبينهم { ~~يوم القيامة } الذي هو يوم التغابن { فيما كنتم } أي بما هو لكم كالجبلة ~~{ فيه } أي خاصة { تختلفون* } في أمر الدين، ومن نصر ذلك اليوم لم يبال ~~بما حل به قبله # وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون # [الشعراء: 227] قال البغوي: والاختلاف ذهاب كل واحد من الخصمين إلى خلاف ~~ما ذهب إليه الآخر. # ولما كان حفظ ما يقع بينهم على كثرتهم في طول الأزمان أمرا هائلا، ~~أتبعه قوله: { ألم تعلم أن الله } بجلال عزه وعظيم سلطانه { يعلم ما في } ~~ولما كان السياق لحفظ أحوال الثقلين للحكم بينهم، وكان أكثر ما يتخيل أن ~~بعض الجن يبلغ استراق السمع من السماء الدنيا، لم تدع حاجة إلى ذكر أكثر ~~منها، فأفرد معبرا بما يشمل لكونه جنسا - الكثير أيضا فقال: { السماء ~~والأرض } مما يتفق منهم ومن غيرهم من جميع الخلائق الحيوانات وغيرها. # ولما كان الإنسان محل النسيان، لا يحفظ الأمور إلا بالكتاب، خاطبه ms3053 بما ~~يعرف، مع ما فيه من عجيب القدرة، فقال: { إن ذلك } أي الأمرالعظيم { في ~~كتاب } كتب فيه كل شيء حكم بوقوعه قبل وقوعه وكتب جزاءه؛ ولما كان جمع ~~ذلك في كتاب أمرا بالنسبة إلى الإنسان متعذرا، أتبعه التعريف بسهولته ~~عنده فقال: { إن ذلك } أي علم ذلك الأمر العظيم بلا كتاب، وجمعه في كتاب ~~قبل كونه وبعده { على الله } أي الذي لا حد لعظمته، وحده { يسير* }. # ولما أخبر سبحانه أن الشك لا يزال ظرفا لهم - لما يلقى الشيطان من شبهه ~~في قلوبهم القابلة لذلك بما لها من المرض وما فيها من الفساد إلى إتيان ~~الساعة، وعقب ذلك بما ذكر من الحكم المفصلة، والأحكام المشرفة المفضلة، ~~إلى أن ختم بأنه وحده الحكم في الساعة، مرهبا من تمام علمه وشمول قدرته، ~~قال معجبا ممن لا ينفعه الموعظة ولا يجوز الواجب وهو يوجب المحال، ~~عاطفا على { ولا يزال }: { ويعبدون } أي على سبيل التجديد والاستمرار { ~~من دون الله } أي من أدنى رتبة من رتب الذي قامت جميع الدلائل على ~~احتوائه على جميع صفات الكمال، وتنزهه عن شوائب النقص { ما لم ينزل به ~~سلطانا } أي حجة واحدة من الحجج. # ولما كان قد يتوهم أن عدم إنزال السلطان لا ينفيه، قال مزيلا لهذا ~~الوهم: { وما ليس لهم به علم } أي أصلا { وما } أي والحال أنهم ما لهم، ~~ولكنه أظهر إشارة إلى الوصف الذي استحقوا به الهلاك فقال: { للظالمين } ~~أي الذين وضعوا التعبد في غير موضعه بارتكابهم لهذا الأمر العظيم الخطر؛ ~~وأكد النفي واستغرق المنفي بإثبات الجار فقال: { من نصير* } أي ينصرهم من ~~الله، لا مما أشركوه به ولا من غيره، لا في مدافعة عنهم ولا في إثبات حجة ~~لمذاهبهم، فنفى أن يكون أحد يمكنه أن يأتي بنصرة تبلغ القصد بأن يغلب ~~المنصور عليه، وأما مطلق نصر لا يفيد بما تقدم من شبه الشيطان فلا. # ولما ذكر اعترافهم بما لا يعرف بنقل ولا عقل، ذكر إنكارهم لما لا يصح أن ~~ينكر فقال: { وإذا تتلى } أي على سبيل التجديد ms3054 والمتابعة من أي تال كان ~~{ عليهم آياتنا } أي المسموعة على ما لها من العظمة والعلو، حال كونها { ~~بينات } لا خفاء بها عند من له بصيرة في شيء مما دعت إليه من الأصول ~~والفروع { تعرف } بالفراسة في وجوههم - هكذا كان الأصل، ولكنه أبدل ~~الضمير بظاهر يدل على عنادهم فقال: { في وجوه الذين كفروا } أي تلبسوا ~~بالكفر { المنكر } أي الإنكار الذي هو منكر في نفسه لما حصل لهم من ~~الغيظ؛ ثم بين ما لاح في وجوههم فقال: { يكادون يسطون } أي يوقعون السطوة ~~بالبطش والعنف { بالذين يتلون عليهم آياتنا } أي الدالة على أسمائنا ~~الحسنى، وصفاتنا العلى، القاضية بوحدانيتنا، مع كونها بينات في غاية ~~الوضوح في أنها كلامنا، لما فيها من الحكم والبلاغة التي عجزوا عنها. # ولما استحقوا - بإنكارهم وما أرادوه من الأذى لأولياء الله - النكال، ~~تسبب عنه إعلامهم بما استحقوه، فقال مؤذنا بالغضب بالإعراض عنهم، آمرا ~~له صلى الله عليه وسلم بتهديدهم: { قل أفأنبئكم } أي أتعون فأخبركم خبرا ~~عظيما { بشر من ذلكم } الأمر الكبير من الشر الذي أردتموه بعباد الله ~~التالين عليكم للآيات وما حصل لكم من الضجر من ذلك، فكأنه قيلك ما هو؟ ~~فقيل: { النار } ثم استأنف قوله متهكما بهم بذكر الوعد: { وعدها الله } ~~العظيم الجليل { الذين كفروا } جزاء لهم على همهم هذا، فبئس الموعد هي { ~~وبئس المصير* }. ### || [22.73-76] # ولما أخبر تعالى عن أنه لا حجة لعابد غيره، وهدد من عاند، أتبعه بأن ~~الحجة قائمة على أن ذلك الغير في غاية الحقارة، ولا قدرة له على دفع ما ~~هدد به عابدوه ولا على غيره، فكيف بالصلاحية لتلك الرتبة الشريفة، والخطة ~~العالية المنيفة، فقال مناديا أهل العقل منبها تنبيها عاما: { يا ~~أيها الناس }. # ولما كان المقصود من المثل تعقله لا قائله، بني للمفعول قوله: { ضرب مثل ~~} حاصله أن من عبدتموه أمثالكم، بل هم أحقر منكم { فاستمعوا } أي أنصتوا ~~متدبرين { له } ثم فسره بقوله: { إن الذين تدعون } أي في حوائجكم، ~~وتجعلونهم آلهة { من دون الله } أي الملك الأعلى من هذه الأصنام التي ~~أنتم بها ms3055 مغترون، ولما تدعون فيها مفترون، لأن سلب القدرة عنها يبين أنها ~~في أدنى المراتب { لن يخلقوا ذبابا } أي لا قدرة لهم على ذلك الآن، ولا ~~يتجدد لهم هذا الوصف أصلا في شيء من الأزمان، على حال من الأحوال، مع ~~صغره، فكيف بما هو أكبر منه { ولو اجتمعوا } أي الذين زعموهم شركاء { له ~~} أي الخلق، فهم في هذا أمثالكم { وإن } أي وأبلغ من هذا أنهم عاجزون عن ~~مقاومة الذباب فإنه إن { يسلبهم الذباب } أي الذي تقدم أنه لا قدرة لهم ~~على خلقه وهو في غاية الحقارة { شيئا } من الأشياء جل أو قل مما تطلونهم ~~به من الطيب أو تضعونه بين أيديهم من الأكل أوغيره { لا يستنقذوه } أي ~~يوجدوا خلاصه أو يطلبوه { منه } فهم في هذا أحقر منكم، وجهة التمثيل به ~~في الاستلاب الوقاحة، ولهذا يجوز عند الإبلاغ في الذب، فلو كانت وقاحته ~~في الأسد لم ينج منه أحد، ولكن اقتضت الحكمة أن تصحب قوة الأسد النفرة، ~~ووقاحة الذباب الضعف، وهو واحد لا جمع، ففي الجمع بين العباب والمحكم أن ~~ابن عبيدة قال: إنه الصواب، ثم قال: وفي " كتاب ما تلحن فيه العامة " ~~لأبي عثمان المازني: ويقال: هذا ذباب واحد، وثلاثة أذبة، لأقل العدد ~~ولأكثره ذباب، وقول الناس: ذبابة - خطأ، فلا تقله -. # ولما كان هذا ربما أفهم قوة الذباب، عرف أن المقصود غير ذلك بقوله، ~~فذلكة للكلام من أوله: { ضعف الطالب } أي للاستنقاذ من الذباب، وهو ~~الأصنام وعابدوها { والمطلوب* } أي الذباب والأصنام، اجتمعوا في الضعف ~~وإن كان الأصنام أضعف بدرجات. # ولما أنتج هذا جهلهم بالله، عبر عنه بقوله: { ما قدروا الله } أي الذي ~~له الكمال كله { حق قدره } في وصفهم بصفته غيره كائنا من كان، فكيف وهو ~~أحقر الأشياء. ولما كان كأنه قيل: ما قدره؟ قال: { إن الله } أي الجامع ~~لصفات الكمال { لقوي } على خلق كل ممكن { عزيز* } لا يغلبه شيء، وهو يغلب ~~كل شيء بخلاف أصنامهم وغيرها. # ولما نصب الدليل على أن ما دعوه لا يصلح أن يكون شيء منه إلها ms3056 بعد أن ~~أخبر أنه لم ينزل إليهم حجة بعبادتهم لهم، وختم بما له سبحانه من وصفي ~~القوة والعزة بعد أن أثبت أن له الملك كله، تلا ذلك بدليله الذي تقتضيه ~~سعة الملك وقوة السلطان من إنزال الحجج على ألسنة الرسل بأوامره ونواهيه ~~الموجب لإخلاص العبادة له المقتضي لتعذيب تاركها، فقال: { الله } أي ~~الملك الأعلى { يصطفي } أي يختار ويخلص { من الملائكة رسلا } إلى ما ~~ينبغي الإرسال فيه من العذاب والرحمة، فلا يقدر أحد على صدهم عما أرسلوا ~~له، ولا شك أن قوة الرسول من قوة المرسل { ومن الناس } أيضا رسلا يأتون ~~عن الله بما يشرعونه لعباده، لتقوم عليهم بذلك حجة النقل، مضمومة إلى ~~سلطان العقل، فمن عاداهم خسر وإن طال استدراجه. ولما كان ذلك لا يكون إلا ~~بالعلم، قال: { إن الله } أي الذي له الجلال والجمال { سميع } أي لما ~~يمكن أن يسمع من الرسول وغيره { بصير* } أي مبصر عالم بكل ما يمكن عقلا ~~أن يبصر ويعلم، بخلاف أصنامهم. # ولما كان المتصف بذلك قد يكون وصفه مقصورا على بعض الأشياء، أخبر أن ~~صفاته محيطة فقال: { يعلم ما بين أيديهم } أي الرسل { وما خلفهم } أي ~~علمه محيط بما هم مطلعون عليه وبما غاب عنهم، فلا يفعلون شيئا إلا ~~بإذنه، فإنه يسلك من بين أيديهم ومن خلفهم رصدا ليعلم أن قد أبلغوا ~~رسالات ربهم وإن ظن الجاهلون غير ذلك، لاحتجابه سبحانه وتعالى في ~~الأسباب، فلا يقع في فكر أصلا أن المحيط علما بكل شيء الشامل القدرة ~~لكل شيء يكل رسولا من رسله إلى نفسه، فيتكلم بشيء لم يرسله به، ولا أنه ~~يمكن شيطانا أو غيره أن يتكلم على لسانه بشيء، بل كل منهم محفوظ في نفسه # لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى # [النجم: 3، 4] محفوظ عن تلبيس غيره # إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون # [الحجر: 9] { وإلى الله } أي الذي لا كفوء له، وحده { ترجع } أي بغاية ~~السهولة بوعد فصل لا بد منه { الأمور* } يوم يتجلى لفصل القضاء، فكيون ~~أمره ظاهرا لاخفاء ms3057 فيه، ولا يصدر شيء من الأشياء إلا على وجه العدل ~~الظاهر لكل أحد أنه منه. ولا يكون لأحد التفات إلى غيره، والذي هو بهذه ~~الصفة له أن يشرع ما يشاء، وينسخ من الشروع ما يشاء، ويحكم بما يريد. ### || [22.77-78] # ولما أثبت سبحانه أن الملك والأمر له وحده، وأنه قد أحكم شرعه، وحفظ ~~رسله، وأنه يمكن لمن يشاء أي دين شاء، وختم ذلك بما يصلح للترغيب ~~والترهيب، وكانت العادة جارية بأن الملك إذا برزت أوامره وانبثت دعاته، ~~أقبل إليه مقبلون، خاطب المقبلين إلى دينه، وهم الخلص من الناس، فقال: { ~~يا أيها الذين آمنوا } أي قالوا: آمنا { اركعوا } تصديقا لقولكم { ~~واسجدوا } أي صلوا الصلاة التي شرعتها للآدميين، فإنها رأس العبادة، ~~لتكون دليلا على صدقكم في الإقرار بالإيمان، وخص هذين الركنين في ~~التعبير عن الصلاة بهما، لأنهما - لمخالفتهما الهيئات المعتادة - هما ~~الدالان على الخضوع، فحسن التعبير بهما عنها جدا في السورة التي جمعت ~~جميع الفرق الذين فيهم من يستقبح - لما غلب عليه من العتو - بعض الهيئات ~~الدالة على ذل. # ولما خص أشرف العبادة، عم بقوله: { واعبدوا } أي بأنواع العبادة { ربكم ~~} المحسن إليكم بكل نعمة دنيوية ودينية. ولما ذكر عموم العبادة، أتبعها ~~ما قد يكون أعم منها مما صورته صورتها، وقد يكون بلا نية، فقال: { ~~وافعلوا الخير } أي كله من القرب كصلة الأرحام وعيادة المرضى ونحو ذلك، ~~من معالي الأخلاق بنية وبغير نية، حتى يكون ذلك لكم عادة فيخف عليكم عمله ~~لله، وهو قريب من " ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا " قال أبو حيان: بدأ بخاص ~~ثم بأعم. { لعلكم تفلحون* } أي ليكون حالكم حال من يرجو الفلاح، وهو ~~الفوز بالمطلوب؛ قال ابن القطاع: أفلح الرجل: فاز بنعيم الآخرة، وفلح ~~أيضا لغة فيه. وفي الجمع بين العباب والمحكم: الفلح والفلاح: الفوز ~~والبقاء وفي التنزيل # قد أفلح المؤمنون # [المؤمنون: 1] أي نالوا البقاء الدائم، وفي الخبر: أفلح الرجل: ظفر. ~~ويقال لكل من أصاب خيرا: مفلح. # ولما كان الجهاد أساس العبادة، وهو - مع كونه حقيقة في قتال الكفار - ~~صالح ms3058 لأن يعم كل أمر بمعروف ونهي عن منكر بالمال والنفس بالقول والفعل ~~بالسيف وغيره، وكل اجتهاد في تهذيب النفس وإخلاص العمل، ختم به فقال: { ~~وجاهدوا في الله } أي الملك الأعظم الذي لا كفوء له في كل ما ينسب إليه ~~سبحانه، لا يخرج منه شيء عنه كما لا يخرج شيء من المظروف عن الظرف { حق ~~جهاده } باستفراغ الطاقة في إيقاع كل ما أمر به من الجهاد العدو والنفس ~~على الوجه الذي أمر به من الحج والغزو وغيرهما جهادا يليق بما أفهمته ~~الإضافة إلى ضميره سبحانه من الإخلاص والقوة، فإنه يهلك جميع من يصدكم عن ~~شيء منه. # ولما أمر سبحانه بهذه الأوامر، أتبعها بعض ما يجب به شكره، وهو كالتعليل ~~لما قبله، فقال: { هو اجتباكم } أي اختاركم لجعل الرسالة فيكم والرسول ~~منكم وجعله أشرف الرسل، ودينه أكرم الأديان، وكتابه أعظم الكتب، وجعلكم - ~~لكونكم أتباعه - خير الأمم { وما جعل عليكم في الدين } الذي اختاره لكم { ~~من حرج } أي ضيق يكون به نوع عذر لمن توانى في الجهاد الأصغر والأكبر كما ~~جعل على من كان قبلكم كما تقدم ذكره بعضه في البقرة وغيرها، أعني { ملة ~~}. # ولما كان أول مخاطب بهذا قريشا، ثم مضر، وكانوا كلهم أولاد إبراهيم ~~عليه الصلاة والسلام حقيقة، قال: { أبيكم إبراهيم } أي الذي ترك عبادة ~~الأصنام ونهى عنها، ووحد الله وأمر بتوحيده، يا من تقيدوا بتقليد الآباء! ~~فالزموا دينه لكونه ابا، ولكوني أمرت به، وهو أب لبعض المخاطبين من ~~الأمة حقيقة، ولبعضهم مجازا بالاحترام والتعظيم، فيعم الخطاب الجميع، ~~ولذلك حثهم على ملته بالتعليل بقوله: { هو } أي إبراهيم عليه السلام { ~~سماكم المسلمين* } في الأزمان المتقدمة { من قبل } أي قبل إنزال هذا ~~القرآن، فنوه بذكركم والثناء عليكم في سالف الدهر وقديم الزمان فكتب ~~ثناءه في كتب الأنبياء يتلى على الأحبار والرهبان، وسماكم أيضا مسلمين { ~~وفي هذا } الكتاب الذي أنزل عليكم من بعد إنزال تلك الكتب كما أخبرتكم عن ~~دعوته في قوله # ومن ذريتنا أمة مسلمة لك # [البقرة: 128] لأنه بانتفاء الحرج يطابق الاسم المسمى، ms3059 ويجوز - ولعله ~~أحسن - أن يكون { هو سماكم } تعليلا للأمر بحق الجهاد بعد تعليله بقوله ~~{ هو اجتباكم } فيكون الضمير لله تعالى، ويشهد له بالحسن قراءة أبي رضي ~~الله عنه بالجلالة عوضا عن الضمير، أي أن كل أمة تسمت باسم من تلقاء ~~نفسها، والله تعالى خصكم باسم الإسلام مشتقا له من اسمه # السلام # [الحشر: 3] مع ما خصكم به من اسم الإيمان اشتقاقا له من اسمه المؤمن، ~~فأثبت لكم هذا الاسم في كتبه، واجتباكم لاتباع رسوله. # ولما كان الاسم إذا كان ناشئا عن الله تعالى سواء كان بواسطة نبي من ~~أنبيائه أو بغير واسطة يكن مخبرا عن كيان المسمى، وكان التقدير: رفع ~~عنكم الحرج وسماكم بالإسلام لتكونوا أشد الأمم انقيادا لتكونوا خيرهم، ~~علل هذا المعنى بقوله: { ليكون الرسول } يوم القيامة { شهيدا عليكم } ~~لأنه خيركم، والشهيد يكون خيرا ولكون السياق لإثبات مطلق وصف الإسلام ~~فقط، لم يقتض الحال تقديم الظرف بخلاف آية البقرة، فإنها لإثبات ما هو ~~أخص منه { وتكونوا } بما في جبلاتكم من الخير { شهداء على الناس } بأن ~~رسلهم بلغتهم رسالات ربهم، لأنكم قدرتم الرسل حق قدرهم، ولم تفرقوا بين ~~أحد منهم، وعلمتم أخبارهم من كتابكم على لسان رسولكم صلى الله عليه وسلم، ~~فبذلك كله صرتم خيرهم، فأهلتم للشهادة وصحت شهادتكم وقبلكم الحكم العدل، ~~وقد دل هذا على أن الشهادة غير المسلم ليست مقبولة. # ولما ندبهم لأن يكونوا خير الناس، تسبب عنه قوله: { فأقيموا } أي فتسبب ~~عن إنعامي عليكم بهذه النعم وإقامتي لكم في هذا المقام الشريف أني أقول ~~لكم: أقيموا { الصلاة } التي هي زكاة قلوبكم، وصلة ما بينكم وبين ربكم { ~~وآتوا الزكاة } التي هي طهرة أبدانكم، وصلة ما بينكم وبين إخوانكم { ~~واعتصموا بالله } أي المحيط بجميع صفات الكمال. # في جميع ما أمركم به، من المناسك التي تقدمت وغيرها لتكونوا متقين، فيذب ~~عنكم من يريد أن يحول بينكم وبين شيء منها ويقيكم هول الساعة؛ ثم علل ~~أهليته لاعتصامهم به بقوله: { هو } أي وحده { مولاكم } أي المتولي لجميع ~~أموركم، فهو ينصركم على كل من ms3060 يعاديكم، بحيث تتمكنون من إظهار هذا الدين ~~من مناسك الحج وغيرها؛ ثم علل الأمر بالاعتصام وتوحده بالولاية بقوله: { ~~فنعم المولى } أي هو { ونعم النصير* } لأنه إذا تولى أحدا كفاه كل ما ~~أهمه، وإذا نصر أحدا أعلاه على كل من خاصمه # " ولا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته " # - الحديث، # " إنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت " # وهذا نتيجة التقوى، وما قبله من أفعال الطاعة دليلها. فقد انطبق آخر ~~السورة على أولها. ورد مقطعها على مطلعها - والله أعلم بمراده وأسرار ~~كتابه وهو الهادي للصواب. ### | [23 - سورة المؤمنون] ### || [23.1-6] # { قد } وهي نقيضة لما تثبت المتوقع وتقرب الماضي من الحال ولما تنفيه { ~~أفلح } أي فاز وظفر الآن بكل ما يريد، ونال البقاء الدائم في الخير { ~~المؤمنون* } وعبر بالاسم إشارة إلى أن من أقر بالإيمان وعمل بما أمر به ~~في آخر التي قبلها، استحق الوصف الثابت لأنه اتقى وأنفق مما رزق فأفلح # ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون # [الحشر: 9]؛ ثم قيدهم بما يلزم من الصدق في الإيمان فقال: { الذين هم } ~~أي بضمائرهم وظواهرهم { في صلاتهم } أضيفت إليهم ترغيبا لهم في حفظها، ~~لأنها بينهم وبين الله تعالى، وهو غني عنها، فهم المنتفعون بها { خاشعون* ~~} أي أذلاء ساكنون متواضعون مطمئنون قاصرون بواطنهم وظواهرهم على ما هم ~~فيه؛ قال الرازي: خائفون خوفا يملأ القلب حرمة، والأخلاق تهذيبا، ~~والأطراف تأديبا، أي خشية أن ترد عليهم صلاتهم، ومن ذلك خفض البصر إلى ~~موضع السجود، قال الرازي: فالعبد إذا دخل في الصلاة رفع الحجاب، وإذا ~~التفت أرخى، قال: وهو خوف ممزوج بتيقظ واستكانة، ثم قد يكون في المعاملة ~~إيثارا ومجاملة و إنصافا ومعدله، وفي الخدمة حضورا واستكانة. وفي السر ~~تعظيما وحياء وحرمة، والخشوع في الصلاة بجمع الهمة لها، والإعراض عما ~~سواها، وذلك بحضور القلب والتفهم والتعظيم والهيبة والرجاء والحياء، وإذا ~~كان هذا حالهم في الصلاة التي هي أقرب القربات. فهم به فيما سواها أولى. ~~قال ابن كثير: والخشوع في الصلاة إنما يحصل لمن فرغ قلبه ms3061 لها، واشتغل بها ~~عما عداها، وآثرها على غيرها، وحينئذ تكون راحة له وقرة عين # " وجعلت قرة عيني في الصلاة " # رواه أحمد والنسائي عن أنس رضي الله عنه # " يا بلال! أرحنا بالصلاة " # - رواه أحمد عن رجل من أسلم رضي الله عنه. # ولما كان كل من الصلاة والخشوع صادا عن اللغو، أتبعه قوله: { والذين هم ~~} بضمائرهم التي تبعها ظواهرهم { عن اللغو } أي ما لا يعنيهم، وهو كل ما ~~يستحق أن يسقط ويلغى { معرضون* } أي تاركون عمدا، فصاروا جامعين فعل ما ~~يعني وترك ما لا يعني. # ولما جمع بين قاعدتي بناء التكاليف: فعل الخشوع وترك اللغو، وكان ~~الإنسان محل العجز ومركز التقصير، فهو لا يكاد يخلو عما لا يعنيه، وكان ~~المال مكفرا لما قصد من الإيمان فضلا عما ذكر منها على سبيل اللغو، ~~فكان مكفرا للغو في غير اليمين من باب الأولى # خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها # [التوبة: 103] أتبعه قوله: { والذين هم } وأثبت اللام تقوية لاسم الفاعل ~~فقال: { للزكاة } أي التزكية، وهي إخراج الزكاة، أو لأداء الزكاة التي هي ~~أعظم مصدق للإيمان { فاعلون* } ليجمعوا في طهارة الدين بين القلب والقالب ~~والمال؛ قال ابن كثير: هذه مكية، وإنما فرضت الزكاة بالمدينة في سنة ~~اثنتين من الهجرة، والظاهر أن التي فرضت بالمدينة إنما هي ذات النصب، وأن ~~أصل الزكاة كان واجبا بمكة كما قال تعالى في سورة الأنعام # وآتوا حقه يوم حصاده # [الأنعام: 141]. # ولما أشار إلى أن بذل المال على وجهه طهرة، وأن حبسه عن ذلك تلفة، أتبعه ~~الإيماء إلى أن بذل الفرج في غير وجهه نجاسة، وحفظه طهرة. فقال: { والذين ~~هم لفروجهم } في الجماع وما داناه بالظاهر والباطن { حافظون* } أي دائما ~~لا يتبعونها شهوتها، بل هم قائمون عليها يذلونها ويضبطونها، وذكرها بعد ~~اللغو الداعي إليها وبذل المال الذي هو من أعظم أسبابها عظيم المناسبة؛ ~~ثم استثنى من ذلك فقال: { إلا على أزواجهم } اللاتي ملكوا أبضاعهن بعقد ~~النكاح، ولعلو الذكر عبر ب " على " { أو ما ملكت أيمانهم } رقابة من ~~السراري، وعبر ب " ما ms3062 " لقربهن مما لا يعقل لنقصهن عن الحرائر الناقصات ~~عن الذكور { فإنهم غير ملومين* } أي على بذل الفرج في ذلك إذا كان على ~~وجهه. ### || [23.7-13] # ولما كان من لم يكتف بالحلال مكلفا نفسه طلب ما يضره، سبب عن ذلك قوله ~~معبرا بما يفهم العلاج: { فمن ابتغى } أي تطلب متعديا { وراء ذلك } ~~العظيم المنفعة الذي وقع استثناؤه بزنى أو لواط أو استمناء يد أو بهيمة ~~أو غيرها { فأولئك } البعيدون من الفلاح { هم العادون } أي المبالغون في ~~تعدي الحدود، لما يورث ذلك من اختلاط الأنساب، وانتهاك الأعراض، وإتلاف ~~الأموال، وإيقاد الشر بين العباد. # ولما كان ذلك من الأمانات العظيمة، أتبعه عمومها فقال: { والذين هم ~~لأماناتهم } أي في الفروج وغيرها، سواء كانت بينهم وبين الله كالصلاة ~~والصيام وغيرهما، أو في المعاني الباطنة كالإخلاص والصدق، أو بينهم وبين ~~خلق كالوادئع والبضائع، فعلى العبد الوفاء بجميعها - قاله الرازي. ولما ~~كان العهد أعظم أمانة، تلاها به تنبيها على عظمه فقال: { وعهدهم راعون* ~~} أي الحافظون بالقيام والرعاية والإصلاح. # ولما كانت الصلاة أجل ما عهد فيه من أمر الدين وآكد، وهي من الأمور ~~الخفية التي وقع الائتمان عليها، لما خفف الله فيها على هذه الأمة بإيساع ~~زمانها ومكانها، قال: { والذين هم على صلواتهم } التي وصفوا بالخشوع فيها ~~{ يحافظون* } أي يجددون تعهدها بغاية جدهم، لا يتركون شيئا من مفروضاتها ~~ولا مسنوناتها، ويجتهدون في كمالاتها، وحدت في قراءة حمزة والكسائي ~~للجنس، وجمعت عند الجماعة إشارة إلى أعدادها وأنواعها، ولا يخفى ما في ~~افتتاح هذه الأوصاف واختتامها بالصلاة من التعظيم لها، كما قال صلى الله ~~عليه وسلم: # " واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة ". # ولما ذكر مجموع هذه الأوصاف العظيمة، فخم جزاءهم فقال: { أولئك } أي ~~البالغون من الإحسان أعلى مكان { هم } خاصة { الوارثون* } أي المستحقون ~~لهذا الوصف المشعر ببقائهم بعد أعدائهم فيرثون دار الله لقربهم منه ~~واختصاصهم به بعد إرثهم أرض الدنيا التي قارعوا عليها على قتلهم وضعفهم ~~أعداءنا الكفار على كثرتهم وقوتهم، فكانت العاقبة فيها لهم كما كتبنا في ~~الزبور { إن الأرض يرثها ms3063 عبادي الصالحون } # لنهلكن الظالمين ولنسكننكم الأرض من بعدهم # [إبراهيم: 13، 14] { الذين يرثون الفردوس } التي هي أعلى الجنة، وهي في ~~الأصل البستان العظيم الواسع، يجمع محاسن النبات والأشجار من العنب وما ~~ضاهاه من كل ما يكون في البساتين والأودية التي تجمع ضروبا من النبت: ~~فيحوزون منها بعد البعث ما أعد الله لهم فيها من المنازل وما كان أعد ~~للكفار لو آمنوا أو لم يخرجوا بخروج أبويهم من الجنة { هم } خاصة { فيها ~~} أي لا في غيرها { خالدون* } وهذه الآيات أجمع ما ذكر في وصف المؤمنين، ~~روى الإمام أحمد في مسنده والترمذي في التفسير من جامعه عن عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه قال: # " كان إذا نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي يسمع عند وجهه ~~كدوي النحل فنزل عليه يوما فمكثنا ساعة فاستقبل القبلة ورفع يديه فقال: ~~اللهم زدنا ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تهنا، وأعطنا ولا تحرمنا، وآثرنا ولا ~~تؤثر علينا، وارض عنا وأرضنا، ثم قال: لقد أنزلت علي عشر آيات من أقامهن ~~دخل الجنة، ثم قرأ { قد أفلح المؤمنون } حتى ختم العشر " # - ورواه النسائي في الصلاة وقال: منكر لا يعرف أحد رواه غير يونس بن ~~سليم ويونس لا نعرفه، وعزى أبو حيان آخر الحديث للحاكم في المستدرك. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: فصل في افتتاحها ما أجمل في قوله تعالى # يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير # [الحج: 77] وأعلم بما ينبغي للراكع والساجد التزامه من الخشوع، ولالتحام ~~الكلامين ما ورد الأول أمرا والثاني مدحه وتعريفا بما به كمال الحال، ~~وكأنه لما أمر المؤمنين، وأطمع بالفلاح جزاء لامتثاله، كان مظنة لسؤاله ~~عن تفصيل ما أمر به من العبادة وفعل الخير الذي به يكمل فلاحه فقيل له: ~~المفلح من التزم كذا وكذا، وذكر سبعة أضرب من العبادة هي أصول لما وراءها ~~ومستتبعة سائر التكاليف، وقد بسط حكم كل عبادة منها وما يتعلق بها في ~~الكتاب والسنة؛ ولما كانت المحافظة على الصلاة منافرة إتيان المأثم جملة # إن الصلاة تنهى ms3064 عن الفحشاء والمنكر # [العنكبوت: 45] لذلك ما ختمت بها هذه العبادات بعد التنبيه على محل ~~الصلاة من هذه العبادة بذكر الخشوع فيها أولا، واتبعت هذه الضروب السبعة ~~بذكر أطوار سبعة يتقلب فيها الإنسان قبل خروجه إلى الدنيا فقال تعالى { ~~ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين } - إلى قوله: { ثم أنشأناه خلقا ~~آخر فتبارك الله أحسن الخالقين } وكأن قد قيل له: إنما كمل خلقك وخروجك ~~إلى الدنيا بعد هذه التقلبات السبعة. وإنما تتخلص من دنياك بالتزام هذه ~~العبادات السبع، وقد وقع عقب هذه الايات قوله تعالى { ولقد خلقنا فوقكم ~~سبع طرائق } ولعل ذلك مما يقرر هذا الاعتبار ووارد لمناسبته - والله ~~أعلم، وكما أن صدر هذه السورة مفسر لما أجمل في الآيات قبلها فكذا الآيات ~~بعد مفصلة لمجمل ما تقدم في قوله تعالى # يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة # [الحج: 5] وهذا كاف في التحام السورتين والله سبحانه المستعان - انتهى. # ولما ذكر سبحانه الجنة المتضمن ذكرها للبعث، استدل على القدرة عليه ~~بابتداء الخلق للإنسان، ثم لما هو أكبر منه من الأكوان، وما فيهما من ~~المنافع، فلما ثبت ذلك شرع يهدد من استكبر عنه بإهلاك الماضين، وابتدأ ~~بقصة نوح عليه الصلاة والسلام لأنه أول، ولأن نجاته كانت في الفلك ~~المختوم به الآية التي قبله، وفي ذلك تذكير بنعمة النجاة فيه لأن الكل من ~~نسله، فلما ثبت بالتهديد بإهلاك الماضين القدرة التامة بالاختيار، خوف ~~العرب مثل ذلك العذاب، فلما تم زاجر الإنذار بالنقم شرع في الاستعطاف إلى ~~الشكر بالنعم، بتمييز الإنسان على سائر الحيوان ونحو ذلك، ثم عاد إلى ~~دلائل القدرة على البعث بالوحدانية والتنزه عن الشريك والولد - إلى ~~آخرها، ثم ذكر في أول التي بعدها على ما ذكر هنا من صون الفروج، فذكر حكم ~~من لم يصن فرجه وأتبعه ما يناسبه من توابعه. # ولما كان التقدير: فلقد حكمنا ببعث جميع العباد بعد الممات، فريقا منهم ~~إلى النعيم، وفريقا إلى الجحيم، فإنا قادرون على الإعادة وإن ms3065 تمزقتم ~~وصرتم ترابا فإنه تراب له أصل في الحياة، كما قدرنا على البداءة فلقد ~~خلقنا أباكم آدم من تراب الأرض قبل أن يكون للتراب أصل في الحياة، عطف ~~عليه قوله، دلالة على هذا المقدر واستدلالا على البعث مظهرا له في مقام ~~العظمة، مؤكدا إقامة لهم بإنكارهم للبعث مقام المنكرين: { ولقد خلقنا ~~الإنسان } أي هذا النوع الذي تشاهدونه آنسا بنفسه مسرورا بفعله وحسه { ~~من سلالة } أي شيء قليل، بما تدل عليه الصيغة كالقلامة والقمامة، ~~انتزعناه واستخلصناه برفق، فكان على نهاية الاعتدال، وهي طينة آدم عليه ~~الصلاة السلام، سلها - بما له من اللطف - { من طين* } أي جنس طين الأرض، ~~روى الإمام أحمد وأبو داود والترميذي عن أبي موسى رضي الله عنه عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الله خلق آدم عن قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر ~~الأرض، جاء منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك، والخبيث والطيب وبين ~~ذلك ". # ولما ذكر سبحانه أصل الآدمي الأول الذي هو الطين الذي شرفه به لجمعه ~~الطهورين، وعبر فيه بالخلق لما فيه من الخلط، لأن الخلق - كما مر عن ~~الحرالي في أول البقرة: تقدير أمشاج ما يراد إظهاره بعد الامتزاج ~~والتركيب صورة، مع أنه ليس مما يجري على حكمة التسبيب التي نعهدها أن ~~يكون من الطين إنسان، أتبعه سبحانه أصله الثاني الذي هو أطهر الطهورين: ~~الماء الذي منه كل شيء حي، معبرا عنه بالجعل لأنه كما مر أيضا إظهار ~~أمر سبب وتصيير، وما هو من الطين مما يتسبب عنه من الماء ويستجلب منه وهو ~~بسيط لا خلط فيه فلا تخليق له، وعبر بأداة التراخي لأن جعل الطين ماء ~~مستبعد جدا فقال: { ثم جعلناه } أي الطين أو هذا النوع المسلول من ~~المخلوق من الطين بتطوير أفراده ببديع الصنع ولطيف الوضع { نطفة } اي ماء ~~دافقا لا أثر للطين فيه { في قرار } أي من الصلب والترائب ثم الرحم، ~~مصدر جعل اسما للموضع { مكين* } أي مانع من الأشياء المفسدة. ### || [23.14-16] # ولما كان تصيير الماء ms3066 دما أمرا بالغا خارجا عن التسبيب، وكانت ~~النطفة التي هي مبدأ الآدمي تفسد تارة وتأخذ في التكون أخرى، عبر بالخلق ~~لما يخلطها به مما تكتسبه من الرحم عند التحمير وقرنه بأداة التراخي ~~فقال: { ثم } أي بعد تراخ في الزمان وعلو في الرتبة والعظمة { خلقنا } أي ~~بما لنا من العظمة { النطفة } أي البيضاء جدا { علقة } حمراء دما ~~عبيطا شديد الحمرة جامدا غليظا. # ولما كان ما بعد العلقة من الأطوار المتصاعدة مسببا كل واحد منه عما ~~قبله بتقدير العزيز العليم الذي اختص به من غير تراخ، وليس تسببه من ~~العادة التي يقدر عليها غيره سبحانه، عبر بالفاء والخلق فقال: { فخلقنا ~~العلقة مضغة } أي قطعة لحم صغيرة لا شكل فيها ولا تخطيط { فخلقنا المضغة ~~} بتصفيتها وتصليبها بما سببنا لها من الحرارة والأمور اللطيفة الغامضة { ~~عظاما } من رأس ورجلين وما بينهما { فكسونا } بما لنا من قدرة الاختراع، ~~تلك { العظام لحما } بما ولدنا منها ترجيعا لحالها قبل كونها عظما، ~~فسترنا تلك العظام وقويناها وشددناها بالروابط والأعصاب. # ولما كان التصوير ونفخ الروح من الجلالة بمكان أي مكان، أشار إليه ~~بقوله: { ثم أنشأناه } أي هذا المحدث عنه بعظمتنا { خلقا آخر } أي ~~عظيما جليلا متحركا ناطقا خصيما مبينا بعيدا من الطين جدا؛ قال ~~الرازي: وأصل النون والشين والهمزة يدل على ارتفاع شيء وسموه. # ولما كان هذا التفصيل لتطوير الإنسان سببا لتعظيم الخالق: { فتبارك } ~~أي ثبت ثباتا لم يثبته شيء، بأن حاز جميع صفات الكمال، وتنزه عن كل ~~شائبة نقص، فكان قادرا على كل شيء، ولو داناه شيء من عجز لم يكن تام ~~الثبات، ولذلك قال: { الله } فعبر بالاسم العلم الجامع لجميع الأسماء ~~الحسنى؛ وأشار إلى جمال الإنسان بقوله: { أحسن الخالقين* } أي المقدرين، ~~أي قدر هذا الخلق العجيب هذا التقدير، ثم طوره في أطواره ما بين طفل ~~رضيع، ومحتلم شديد، وشاب نشيط، وكهل عظيم، وشيخ هرم - إلى ما بين ذلك من ~~شؤون لا يحيط بها إلا اللطيف الخبير. # ولما كانت إماتة ما صار هكذا - بعد القوة العظيمة والإدراك التام ms3067 - من ~~الغرائب، وكان وجودها فيه وتكرارها عليه في كل وقت قد صيرها أمرا ~~مألوفا، وشيئا ظاهرا مكشوفا، وكان عتو الإنسان على خالقه وتمرده ~~ومخالفته لأمره نسيانا لهذا المألوف كالإنكار له، أشار إلى ذلك بقوله ~~تعالى مسببا مبالغا في التأكيد: { ثم إنكم } ولما كان من الممكن ليس له ~~من ذاته إلا العدم، نزع الجار فقال: { بعد ذلك } أي الأمر العظيم من ~~الوصف بالحياة والمد في العمر في آجال متفاوتة { لميتون* } وأشار بهذا ~~النعت إلى أن الموت أمر ثابت للإنسان حي في حال حياته لازم له، بل ليس ~~لممكن من ذاته إلا العدم. # ولما تقرر بذلك القدرة على البعث تقررا لا يشك فيه عاقل، قال نافيا ما ~~يوهمه إعراء الظرف من الجار: { ثم إنكم } وعين البعث الأكبر التام، الذي ~~هو محط الثواب والعقاب، لأن من أقر بما هو دونه من الحياة في القبر ~~وغيرها، فقال: { يوم القيامة } أي الذي يجمع فيه جميع الخلائق { تبعثون* ~~} فنقصه عن تأكيد الموت تنبيها على ظهوره، ولم يخله عن التأكيد لكونه ~~على خلاف العادة، وليس في ذكر هذا نفي للحياة في القبر عند السؤال. ### || [23.17-19] # ولما بين لهم أن فكرهم فيهم يكفيهم، ولاعتقاد البعث يعنيهم، أتبعه ~~دليلا آخر بالتذكير بخلق ما هو أكبر منهم، وبتدبيرهم بخلقه وخلق ما فيه ~~من المنافع لاستبقائهم، فقال: { ولقد خلقنا قوقكم } في جميع جهة الفوق في ~~ارتفاع لا تدركونه حق الإدراك { سبع } ولإرادة التعظيم أضاف إلى جمع كثرة ~~فقال: { طرائق } أي سماوات لا تتغير عن حالتها التي دبرناها عليها إلى أن ~~نريد، وبعضها فوق بعض متطابقة، وكل واحدة منها على طريقة تخصها، وفيها ~~طرق لكواكبها؛ قال الإمام عبد الحق الإشبيلي في كتابه الواعي: سميت طرائق ~~لأنها مطارقة بعضها في أثر بعض - انتهى. وهذا من قولهم: فلان على طريقة - ~~أي حالة - واحدة، وهذا مطراق هذا، أي تلوه ونظيره، وريش طراق - إذا كان ~~بعضه فوق بعض. وقال ابن القطاع: وأطرق جناح الطائر - أي مبنيا للمجهول: ~~ألبس الريش الأعلى الأسفل. وقال أبو عبيد الهروي: وأطرق ms3068 جناح الطير - إذا ~~وقعت ريشة على التي تحتها فألبستها، وفي ريشه طرق - إذا ركب بعضه بعضا. ~~وقال الصغاني في مجمع البحرين: والطرق أيضا بالتحريك في الريش أن يكون ~~بعضها فوق بعض، وقال ابن الأثير في النهاية: طارق النعل - إذا صيرها ~~طاقا فوق طاق وركب بعضها على بعض، وفي القاموس: والطراق - ككتاب: كل ~~خصفة يخصف بها النعل وتكون حذوها سواء وأن يقور جلد على مقدار الترس ~~فيلزق بالترس، وقال القزاز: يقال: ترس مطرق - إذا جعل له ذلك، وقال ~~الصغاني في المجمع: والمجان المطرقة التي يطرق بعضها على بعض كالنعل ~~المطرقة - أي المخصوفة بعضها على بعض، ويقال: أطرقت بالجلد والعصب، أي ~~ألبست، وقال أبو عبيد: طارق النعل - إذا صير خصفا فوق خصف، وقال في ~~الخصف: هو إطباق طاق على طاق، وأصل الخصف: الضم والجمع، وقال القزاز: ~~وطارقت بين النعلين والثوبين: جعلت أحدهما فوق الآخر - انتهى. وأصل الطرق ~~الضرب، ومع كون السماوات مطارقة بعضها فوق بعض فهي طرق للملائكة يتنزلون ~~فيها بأوامره سبحانه وتعالى. # ولما كان إهمال الشيء بعد إيجاده غفلة عنه، وكان البعث إحداث تدبير لم ~~يكن كما أن الموت كذلك، بين أن مثل تلك الأفعال الشريفة عادته سبحانه ~~إظهارا للقدرة وتنزها عن العجز والغفلة فقال: { وما كنا } أي على ما ~~لنا من العظمة { عن الخلق } أي الذي خلقناه وفرغنا من إيجاده وعن إحداث ~~ما لم يكن، بقدرتنا التامة وعلمنا الشامل { غافلين* } بل دبرناه تدبيرا ~~محكما ربطناه بأسباب تنشأ عنها مسببات يكون بها صلاحه، وجعلنا في كل ~~سماء ما ينبغي أن يكون فيها من المنافع، وفي كل أرض كذلك، وحفظناه من ~~الفساد إلى الوقت الذي نريد فيه طي هذا العالم وإبراز غيره، ونحن مع ذلك ~~كل يوم في شأن، وإظهار برهان، نعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها، وما ~~ينزل من السماء وما يعرج فيها، إذا شئنا أنفذنا السبب فنشأ عنه المسبب، ~~وإذا شئنا منعناه مما هيىء له، فلا يكون شيء من ذلك إلا بخلق جديد، فكيف ~~يظن بنا أنا نترك ms3069 الخلق بعد موتهم سدى، مع أن فيهم المطيع الذي لم نوفه ~~ثوابه، والعاصي الذي لم ننزل به عقابه، أم كيف لا نقدر على إعادتهم إلى ~~ما كانوا عليه بعد ما قدرنا على إبداعهم ولم يكونوا شيئا. # ولما ساق سبحانه هذين الدليلين على القدرة على البعث، أتبعهما بما هو من ~~جنسهما ومشاكل للأول منهما، وهو مع ذلك دليل على ختام الثاني من أنه من ~~أجل النعم التي يجب شكرها، فقال: { وأنزلنا } أي بعظمتنا { من السماء } ~~أي من جهتها { ماء بقدر } لعله - والله أعلم - بقدر ما يسقي الزروع ~~والأشجار، ويحيي البراري والقفار، وما تحتاج إليه البحار، مما تصب فيها ~~الأنهار، إذ لو كان فوق ذلك لأغرقت البحار الأقطار، ولو كان دون ذلك لأدى ~~إلى جفاف النبات والأشجار { فأسكناه } بعظمتنا { في الأرض } بعضه على ~~ظهرها وبعضه في بطنها، ولم نعمها بالذي على ظهرها ولم نغور ما في بطنها ~~ليعم نفعه وليسهل الوصول إليه { وإنا } على ما لنا من العظمة { على ذهاب ~~به } أي على إذهابه بأنواع الإذهاب بكل طريق بالإفساد والرفع والتغوير ~~وغير ذلك، مع إذهاب البركة التي تكون لمن كنا معه { لقادرون* } قدرة هي ~~في نهاية العظمة، فإياكم والتعرض لما يسخطنا. # ولما ذكر إنزاله، سبب عنه الدليل القرب على البعث فقال: { فأنشأنا } أي ~~فأخرجنا وأحيينا { لكم } خاصة، لا لنا { به } أي بذلك الماء الذي جعلنا ~~منه كل شيء حي { جنات } أي بساتين تجن - أي تستر - داخلها بما فيها { من ~~نخيل وأعناب } صرح بهذين الصنفين لشرفهما، ولأنهما أكثر ما عند العرب من ~~الثمار، سمي الأول باسم شجرته لكثرة ما فيهما من المنافع المقصودة بخلاف ~~الثاني فإنه المقصود من شجرته؛ وأشار إلى غيرهما بقوله: { لكم } أي خاصة ~~{ فيها } أي الجنات { فواكه كثيرة } ولكم فيها غير ذلك. # ولما كان التقدير: منها - وهي طرية - تتفكهون، عطف عليه قوله: { ومنها } ~~أي بعد اليبس والعصر { تأكلون* } أي يتجدد لكم الأكل بالادخار، ولعله قدم ~~الظرف تعظيما للامتنان بها. ### || [23.20-24] # ولما ذكر سبحانه ما إذا عصر كان ماء لا ينفع ms3070 للاصطباح، أتبعه ما إذا عصر ~~كان دهنا يعم الاصطباح و الاصطباغ، وفصله عنه لأنه أدل على القدرة فقال: ~~{ وشجرة } أي وأنشأنا به شجرة، أي زيتونة { تخرج من طور }. # ولما كان السياق للإمداد بالنعم، ناسبه المد فقال: { سيناء } قال الحافظ ~~عماد الدين ابن كثير: وهو طور سينين، وهو الجبل الذي كلم الله عليه موسى ~~بن عمران عليه السلام وما حوله من الجبال التي فيها شجر الزيتون. وقال ~~صاحب القاموس: والطور: الجبل، وجبل قرب أيلة يضاف إلى سيناء وسينين، وجبل ~~بالشام، وقيل: هو المضاف إلى سيناء، وجبل بالقدس عن يمين المسجد، وآخر عن ~~قبليه، به قبر هارون عليه السلام، مجبل برأس العين، - وآخر مطل على ~~طبرية - انتهى. وهو اسم مركب من الاسمين، وقيل: بل هو مضاف إلى سيناء، ~~ومعنى سيناء الحسن، وقيل: المبارك، وقيل: هو حجارة معروفة، وقيل شجر، ~~ولعله خصه من بين الأطوار لقربه من المخاطبين أولا بهذا القرآن، وهم ~~العرب، ولغرابة نبت الزيتون به لأنه في بلاد الحر والزيتون من نبات الأرض ~~الباردة، ولتمحضه لأن يكون نبته مما أنزل من السماء من الماء لعلوه جدا، ~~وبعد من أن يدعي أن ما فيه من النداوة من الماء من البحر لأن الإمام أبا ~~العباس أحمد ابن القاص من قدماء أصحاب الشافعي حكى في كتابه أدلة القبلة ~~أنه يصعد إلى أعلاه في ستة آلاف مرقاة وستمائة وست وستين مرقاة، قال: وهي ~~مثل الدرج من الصخر، فإذا انتهى إلى مقدار النصف من الطريق يصير إلى ~~مستواه من الأرض فيها أشجار وماء عذب، في هذا الموضع كنيسة على اسم إيليا ~~النبي عليه السلام، وفيه مغار، ويقال: إن إيليا عليه السلام لما هرب من ~~إزقيل الملك اختفى فيه؛ ثم يصعد من هذا الموضع في الدرج حتى ينتهي إلى ~~قلة الجبل، وفي قلبه كنيسة بنيت على اسم موسى عليه السلام بأساطين رخام، ~~أبوابها من الصفر والحديد، وسقفها من خشب الصنوبر، وأعلى سقوفها أطباق ~~رصاص قد أحكمت بغاية الإحكام، وليس فيها إلا رجل راهب يصلي ويدخن ويسرج ~~قناديلها، ms3071 ولا يمكن أحدا أن ينام فيها البتة، وقد اتخذ هذا الراهب لنفسه ~~خارجا من الكنيسة بيتا صغيرا يأوي فيه، وهذه الكنيسة بنيت في المكان ~~الذي كلم الله فيه موسى عليه الصلاة والسلام، وحواليه - أي حوالي الجبل - ~~من أسفله ستة آلاف ما بين دير وصومعة للرهبان والمتعبدين، كان يحمل إليهم ~~خراج مصر في أيام ملك الروم للنفقة على الديارات وغيرها، وليس اليوم بها ~~إلا مقدار سبعين راهبا يأوون في الدير الذي داخل الحصن، وفي أكثرها يأوي ~~أعراب بني رمادة، وعلى الجبل مائة صومعة، وأشجار هذا الجبل اللوز والسرو، ~~وإذا هبطت من الطور أشرفت على عقبة تهبط منها فتسير خطوات فتنتهي إلى دير ~~النصراني: حصين عليه سور من حجارة منحوتة ذات شرف عليه بابان من حديد، ~~وفي جوف هذا الدير عين ماء عذب، وعلى هذه العين درابزين من نحاس لئلا ~~يسقط في العين أحد، وقد هيىء براتج رصاص يجري فيها الماء إلى كروم لهم ~~حول الدير، ويقال: إن هذا الدير هو الموضع الذي رأى موسى عليه السلام فيه ~~النار في الشجرة العليق، وقبلة من بها دبر الكعبة، وفيه يقول القائل: # عجب الطور من ثباتك موسى # حين ناجاك بالكلام الجليل # والطور من جملة كور مصر، منه إلى بلد قلزم على البر مسيرة أربعة أيام، ~~ومنه إلى فسطاط مصر مسيرة سبعة أيام - انتهى كلام ابن القاص، وسألت أنا ~~من له خبرة بالجبل المذكور: هل به أشجار الزيتون؟ فأخبرني أنه لم ير به ~~شيئا منها، وإنما رآها فيما حوله في قرار الأرض، وهي كثيرة وزيتونها مع ~~كبره أطيب من غيره، فإن كان ذلك كذلك فهو أغرب مما لو كانت به، لأنه ~~لعلوه أبرد مما سفل من الأرض، فهو بها أولى، وظهر لي - والله أعلم - أن ~~حكمة تقدير الله تعالى أن يكون عدد الدرج ما ذكر موافقة زمان الإيجاد ~~الأول لمكان الإبقاء الأول، وذلك أن الله تعالى خلق السماوات والأرض في ~~ستة أيام وهو الإيجاد الأول، وكلم موسى عليه الصلاة والسلام، وكتب له ~~الألواح في هذا ms3072 الجبل، ثم أتم له التوراة وهي أعظم الكتب بعد القرآن، ~~وبالكتب السماوية والشرائع الربانية انتظام البقاء الأول، كما سلف في ~~الفاتحة والأنعام والكهف. # ولما ذكر سبحانه إنشاء هذه الشجرة بهذا الجبل البعيد عن مياه البحار ~~لعلوه وصلابته أو بما حوله من الأرض الحارة، ذكر تميزها عن عامة الأشجار ~~بوجه آخر عجيب فقال: { تنبت } أي بالماء الذي لا دهن فيه أصلا، نباتا ~~على قراءة الجمهور، أو إنباتا على قراءة ابن كثير وأبي عمرو وورش عن ~~يعقوب بضم الفوقانية، ملتبسا ثمره { بالدهن } وهو في الأصل مائع لزج ~~خفيف يتقطع ولا يختلط بالماء الذي هو أصله فيسرج ويدهن به، وكأنه عرفه ~~لأنه أجل الأدهان وأكملها. # ولما كان المأكول منها الدهن والزيتون قبل العصر، عطف إشعارا بالتمكن ~~فقال: { وصبغ } أي وتنبت بشيء يصبغ - أي يلون - الخبز إذا غمس فيه أو أكل ~~به { للآكلين* } وكأنه نكره لأن في الإدام ما هو أشرف منه وألذ وإن كانت ~~بركته مشهورة؛ روى الإمام أحمد عن أبي أسيد مالك بن ربيعة الساعدي ~~الأنصاري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " كلوا الزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة " # وللترمذي وابن ماجه عبد بن حميد في مسنده وتفسيره كما نقله ابن كثير عن ~~ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " ائتدموا بالزيت وادهنوا به فإنه يخرج من شجرة مباركة " # وقال أبو حيان: وخص هذه الأنواع الثلاثة من النخل والعنب والزيتون لأنها ~~أكرم الشجر وأجمعها للمنافع. # ولما دل سبحانه وتعالى على قدرته بما أحيا بالماء حياة قاصرة عن الروح، ~~أتبعه ما أفاض عليه به حياة كاملة فقال: { وإن لكم في الأنعام } وهي ~~الإبل والبقر والغنم { لعبرة } تعبرون بها من ظاهر أمرها إلى باطنه مما ~~له سبحانه فيها من القدرة التامة على البعث وغيره؛ ثم استأنف تفصيل ما ~~فيها من العبرة قائلا: { نسقيكم } ولما كان الأنعام مفردا لكونه اسم ~~جمع، ولم يذكر ما يسقى منه، أنث الضمير بحسب المعنى وعلم أن المراد ms3073 ما ~~يكون منه اللبن خاصة وهو الإناث، فهو استخدام لأنه لو أريد جميع ما يقع ~~عليه الاسم لذكر الضمير، فلذلك قال: { مما في بطونها } أي نجعله لكم ~~شرابا نافعا للبدن موافقا للشهوة تلتذون به مع خروجه من بين الفرث ~~والدم كما مضى في النحل { ولكم فيها } أي في جماعة الأنعام، وقدم الجار ~~تعظيما لمنافعها حتى كأن غيرها عدم { منافع كثيرة } باستسلامها لما يراد ~~منها مما لا يتيسر من أصغر منها، وبأولادها وأصوفها وأوبارها، وغير ذلك ~~من آثارها. # ولما كان التقدير: تصرفونها في تلك المنافع، عطف عليه مقدما للجار ~~تعظيما لمأكولها فقال: { ومنها تأكلون* } بسهولة من غير امتناع ما عن ~~شيء من ذلك، ولو شاء لمنعها من ذلك وسلطها عليكم، ولو شاء لجعل لحمها لا ~~ينضج، أو جعله قذرا لا يؤكل، ولكنه بقدرته وعلمه هيأها لما ذكر وذللها ~~له. # ولما كانت المفاوتة بين الحيوانات في القوى وسهولة الانقياد دالة على ~~كمال القدرة، وكان الحمل للنفس والمتاع عليها وعلى غيرها من الحيوان من ~~أجل المنافع بحيث لولا هو تعطلت أكثر المصالح، ذكره فيها مذكرا بغيرها ~~في البر تلويحا، وذاكرا لمحامل البحر تصريحا، فقال مقدما للجار عدا ~~لحمل غيرها بالنسبة إلى حملها لعظيم وقعه عدما: { وعليها } أي الأنعام ~~الصالحة للحمل من الإبل والبقر في البر { وعلى الفلك } في البحر. ولما ~~كان من المعلوم من تذليلها على كبرها وقوتها وامتناع غيرها على صغره ~~وضعفه أنه لا فاعل لذلك إلا الله مع أن الممتن به نفس الحمل لا بالنظر ~~إلى شيء آخر، بني للمفعول قوله: { تحملون* } بإنعامه عليكم بذلك، ولو شاء ~~لمنعه، فتذكروا عظيم قدرته وكمال صنعته، وعظموه حق تعظيمه، واشكروه على ~~ما أولاكم من تلك النعم، وأخلصوا له الدين، لتفلحوا فتكونوا من الوارثين. # ولما كان التقدير: فلقد حملنا نوحا ومن أردنا ممن آمن به من أولاده ~~وأهله وغيرهم على الفلك، وأغرقنا من عانده من أهل الأرض قاطبة بقدرتنا، ~~ونصرناه عليهم بعد ضعفه عنهم بأيدينا وقوتنا، وجعلناه وذريته هم ~~الوارثين، وكنتم ذرية في أصلابهم، وكثرناهم ms3074 حتى ملأنا منهم الأرض، دلالة ~~على ما قدمنا من تفردنا كما أجرينا عادة هذا الكتاب الكريم بذكر عظيم ~~البطش بعد أدلة التوحيد، وأتبعناه بعده الرسل الذين سمعتم بهم، وعرفتم ~~بعض أخبارهم، يا من أنكر الآن رسالة البشر لإنكار رسالة هذا النبي ~~الكريم! عطف عليه يهدد بإهلاك الماضين، للرجوع عن الكفر، ويذكر بنعمة ~~النجاة للإقبال على الشكر، ويسلي هذا النبي الكريم ومن معه من المؤمنين ~~لمن كذب قبله من النبيين وأوذي من أتباعهم، ويدل على أنه يفضل من عباده ~~من يشاء بالرسالة، كما فضل طينة الإنسان على سائر الطين، وعلى أن الفلاح ~~بالإرث والحياة الطيبة في الدارين مخصوص بالمؤمنين كما ذكر أول السورة، ~~فذكر نوحا لأن قصته أشهر القصص، ولأن قومه كانوا ملء الأرض، ولم تغن ~~عنهم كثرتهم ولا نفعتهم قوتهم، ولأنه الأب الثاني بعد الأب الأول المشار ~~إليه بالطين، ولأن نجاته ونجاة المؤمنين معه كانت بالفلك المختوم به ~~الآية قبله، فقال: { ولقد أرسلنا } إشارة بصيغة العظمة إلى زيادة التسلية ~~بأنه " آتاه من الآيات ما مثله آمن عليه البشر " وقام هو صلى الله عليه ~~وسلم بذلك حق القيام { نوحا } أي وهو الأب الثاني بعد آدم عليهما السلام ~~{ إلى قومه } وهم جميع أهل الأرض لتواصل ما بينهم لكونهم على لغة واحدة { ~~فقال } أي فتسبب عن ذلك أن قال: { يا قوم } ترفقا بهم { اعبدوا الله } ~~أي الملك الأعظم الذي لا كفوء له، وحده، لأنه إلهكم وحده لاستحقاقه لجميع ~~خلال الكمال؛ واستأنف على سبيل التعليل قوله: { ما لكم } وأغرق في النفي ~~بما هو حق العبادة فقال: { من إله } أي معبود بحق { غيره } فلا تعبدوا ~~سواه. # ولما كانت أدلة الوحدانية والعظمة بإعطاء الثواب وإحلال العقاب في غاية ~~الظهور لا تحتاج إلى كبير تأمل، تسبب عن ذلك إنكاره لأمنهم من مكره، ~~والخوف من ضره، فقال: { أفلا تتقون* } أي تخافون ما ينبغي الخوف منه ~~فتجعلوا لكم وقاية من عذابه فتعملوا بما تقتضيه التقوى من إفراده ~~بالعبادة خوفا من ضركم ورجاء لنفعكم { فقال } أي فتسبب عن ذلك أن ms3075 كذبوه ~~فقال: { الملأ } أي الأشراف الذين تملأ رؤيتهم الصدور عظمة. ولما كان أهل ~~الإيمان كلهم إذ ذاك قبيلة واحدة لاجتماعهم في لسان واحد قدم قوله: { ~~الذين كفروا } أي بالله لأن التسلية ببيان التكذيب أتم، والصلة هنا قصيرة ~~لا يحصل بها لبس ولا ضعف في النظم بخلاف ما يأتي، وكأن أفخاذهم كانت ~~متمايزة فزاد في الشناعة عليهم بأن عرف أنهم من أقرب الناس إليه بقوله: { ~~من قومه ما هذا } أي نوح عليه الصلاة والسلام { إلا بشر مثلكم } أي فلا ~~يعلم ما لا تعلمون، فأنكروا أن يكون بعض البشر نبيا، ولم ينكروا أن يكون ~~بعض الطين إنسانا، وبعض الماء علقة، وبعض العلقة مضغة - إلى آخره، فكأنه ~~قيل: فما حمله على ذلك؟ فقالوا: { يريد أن يتفضل } أي يتكلف الفضل بادعاء ~~مثل هذا { عليكم } لتكونوا أتباعا له، ولا خصوصية له به دونكم. # ولما كان التقدير: فلم يرسله الله كما ادعى، عطف عليه قولهم: { ولو شاء ~~الله } أي الملك الأعلى الإرسال إليكم وعدم عبادة غيره { لأنزل } لذلك { ~~ملائكة } وما علموا أن القادر على تفضيل بعض الجواهر بجعلها ملائكة قادر ~~على تفضيل ما شاء ومن شاء بما يشاء من الملائكة وغيرها. # ولما كان هذا متضمنا لإنكار رسالة البشر، صرحوا به في قولهم كذبا ~~وبهتانا كما كذب فرعون وآله حين قالوا مثل هذا القول وكذبهم المؤمن ~~برسالة يوسف عليه الصلاة والسلام: { ما سمعنا بهذا } أي بإرسال نبي من ~~البشر يمنع أن يعبد غير الله بقصد التقريب إليه، فجعلوا الإله حجرا، ~~وأحالوا كون النبي بشرا { في آبائنا الأولين* } ولا سمعنا بما دعا إليه ~~من التوحيد. ### || [23.25-29] # ولما نفوا عنه الرسالة وحصروا أمره في قصد السيادة، وكانت سيادته لهم ~~بمثل هذا عندهم من المحال، قالوا: { إن } أي ما { هو إلا رجل به جنة } أي ~~جنون في قصده التفضل بما يروث بغضه وهضمه ولا نعرف له وجها مخصصا به، ~~فلا نطيع له فيه ابدا { فتربصوا به } أي فتسبب عن الحكم بجنونه أنا ~~نأمركم بالكف عنه لأنه لا حرج على مجنون ms3076 { حتى } أي إلى { حين* } لعله ~~يفيق أو يموت، فكأنه قيل: فما قال؟ فقيل: { قال } عندما أيس من فلاحهم: { ~~رب انصرني } أي أعني عليهم { بما كذبون* } أي بسبب تكذيبهم لي، فإن تكذيب ~~الرسول استخفاف بالمرسل { فأوحينا } أي فتسبب عن دعائه أنا أوحينا { إليه ~~أن اصنع الفلك } أي السفينة. # ولما كان يخاف من أذاهم له في عمله بالإفساد وغيره قال: { بأعيننا } أي ~~إنه لا يغيب عنا شيء من أمرك ولا من أمرهم وأنت تعرف قدرتنا عليهم فثق ~~بحفظنا ولا تخف شيئا من أمرهم. ولما كان لا يعلم تلك الصنعة، قال: { ~~ووحينا } ثم حقق له هلاكهم وقربه بقوله: { فإذا جاء أمرنا } أي بالهلاك ~~عقب فراغك منه { وفار التنور } قال ابن عباس رضي الله عنهما: وجه الأرض. ~~وفي القاموس: التنور: الكانون يخبز فيه، ووجه الأرض، وكل مفجر ماء، وجبل ~~قرب المصيصة - انتهى. والأليق بهذا الأمر صرفه إلى ما يخبز فيه ليكون آية ~~في آية { فاسلك } أي فادخل { فيها } أي السفينة { من كل زوجين } من ~~الحيوان { اثنين } ذكرا وأنثى { وأهلك } من أولادك وغيرهم { إلا من سبق ~~عليه } لا له { القول منهم } بالهلاك لقطع ما بينك وبينه من الوصلة ~~بالكفر. # ولما كان التقدير: فلا تحمله معك ولا تعطف عليه لظلمه، عطف عليه قوله: { ~~ولا تخاطبني } أي بالسؤال في النجاة { في الذين ظلموا } عامة؛ ثم علل ذلك ~~بقوله: { إنهم مغرقون* } أي قد ختم القضاء عليهم، ونحن نكرمك عن سؤال لا ~~يقبل. # ولما قدم ذلك، لأن درء المفاسد - بالنهي عما لا يرضي - أولى من جلب ~~المصالح، أتبعه الأمر بالشكر فقال: { فإذا استويت } أي اعتقلت { أنت ومن ~~معك } أي من البشر وغيرهم { على الفلك } ففرغت من امتثال الأمر بالحمل { ~~فقل } لأن علمك بالله ليس كعلم غيرك فالحمد منك أتم، وإذا قلت اتبعك من ~~معك، فإنك قدوتهم وهم في غاية الطاعة لك، ولهذا أفرد في الجزاء بعد ~~العموم في الشرط { الحمد } أي الإحاطة بأوصاف الكمال في الإيجاد والإعدام ~~{ لله } أي الذي لا كفوء له لأنه المختص بصفات المجد { الذي نجانا ms3077 } ~~بحملنا فيه { من القوم } الأشداء الأعتياء { الظالمين* } الذين حالهم - ~~لوضعهم الأشياء في غير مواضعها - حال من يمشي في الظلام، فلك الحمد بعد ~~إفنائهم كما كان لك الحمد في حال إبدائهم وإبقائهم، والحمد في هذه السورة ~~المفتتحة بأعظم شعيرة بها الإبقاء الأول، وهي الصلاة الموصوفة بالخشوع ~~كالحمد في سورة الإيجاد الأول: الأنعام بقوله تعالى # فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين # [الأنعام: 45]. # ولما أشار له بهذا القول إلى السلامة بالحمل، أتبعه الإشارة إلى الوعد ~~بإسكان الأرض فقال: { وقل رب أنزلني } في الفلك ثم في الأرض وفي كل منزل ~~تنزلني به وتورثني إياه { منزلا } موضع نزول، أو إنزالا { مباركا } أي ~~أهلا لأن يثبت فيه أو به. ولما كان الثناء أعظم مهيج على إجابة الدعاء، ~~وكان التقدير، فأنت خير الحاملين، عطف عليه قوله: { وأنت خير المنزلين* } ~~لأنك تكفي نزيلك كل ملم، وتعطيه كل مراد. ### || [23.30-32] # ولما كانت هذه القصة من أغرب القصص، حث على تدبرها بقوله: { إن في ذلك } ~~أي الأمر العظيم الذي ذكر من أمر نوح وقومه وكذا ما هو مهاد له { لآيات } ~~أي علامات دالات على صدق الأنبياء في أن المؤمنين هم المفلحون، وأنهم ~~الوارثون للأرض بعد الظالمين وإن عظمت شوكتهم، واشتدت صولتهم { وإن } أي ~~وإنا بما لنا من العظمة { كنا } بما لنا من الوصف الثابت الدال على تمام ~~القدرة { لمبتلين* } أي فاعلين فعل المختبر لعبادنا بإرسال الرسل ليظهر ~~في عالم الشهادة الصالح منهم من غيره، ثم نبتلي الصالحين منهم بما يزيد ~~حسناتهم، وينقص سيئاتهم، ويعلي درجاتهم، ثم نجعل لهم العاقبة فنبلي بهم ~~الظالمين بما يوجب دمارهم، ويخرب ديارهم، ويمحو آثارهم، هذه عادتنا ~~المستمرة إلى أن نرث الأرض ومن عليها فيكون البلاء المبين. # ولما بين سبحانه وتعالى تكذيبهم وما عذبهم به، وكان القياس موجبا لأن ~~من يأتي يعدهم يخشى مثل مصرعهم، فيسلك غير سبيلهم، ويقول غير قيلهم، بين ~~أنه لم تنفعهم العبرة، فارتكبوا مثل أحوالهم، وزادوا على أقوالهم ~~وأفعالهم، لإرادة ذلك من الفاعل المختار، الواحد القهار، وأيضا فإنه لما ms3078 ~~كان المقصود - مع التهديد والدلالة على القدرة والاختيار - الدلالة على ~~تخصيص المؤمنين بالفلاح والبقاء بعد الأعداء، وكان إهلاك المترفين أدل ~~على ذلك، اقتصر على ذكرهم وأبهمهم ليصح تنزيل قصتهم على كل من ادعى فيهم ~~الإتراف من الكفرة، ويترجح إرادة عاد لما أعطوا مع ذلك من قوة الأبدان ~~وعظم الأجسام، وبذلك قال ابن عباس رضي الله عنهما، وإرادة ثمود لما في ~~الشعراء والقمر مما يشابه بعض قولهم هنا، وللتعبير عن عذابهم بالصيحة ~~ولموافقتهم لقوم نوح في تعليل ردهم بكونه بشرا، وطوى الإخبار عمن بعدهم ~~بغير التكذيب والإهلاك لعدم الحاجة إلى ذكر شيء غيره، فقال: { ثم أنشأنا ~~} أي أحدثنا وأحيينا وربينا بما لنا من العظمة. ولما لم يستغرقوا زمان ~~البعد، أتى بالجار فقال: { من بعدهم قرنا } أي أمة وجيلا. ولما كان ~~ربما ظن ظان أنهم فرقة من المهلكين نجوا من عذاب سائرهم كما يكون في حروب ~~سائر الملوك، عبر عن إنجائهم بإنشائهم، حقق أنهم أحدثوا بعدهم فقال: { ~~آخرين فأرسلنا } أي فتعقب إنشاءنا لهم وتسبب عنه أن أرسلنا. # ولما كان المقصود الإبلاغ في التسلية، عدي الفعل ب " في " دلالة على ~~أنه عمهم بالإبلاغ كما يعم المظروف الظرف، حتر لم يدع واحدا منهم إلا ~~أبلغ في أمره فقال: { فيهم رسولا منهم } فكان القياس يقتضي مبادرتهم ~~لاتباعه لعلمهم بما حل بمن قبلهم لأجل التكذيب، ولمعرفتهم غاية المعرفة ~~لكون النبي منهم، بما جعلناه عليه المحاسن، وما زيناه به من الفضائل، ~~ولأن عزه عزهم، ولدعائه لهم إلى ما لا يخفى حسنه على عاقل، ولا يأباه ~~منصف؛ ثم بين ما أرسل به بقوله: { أن اعبدوا الله } أي وحده لأنه لا ~~مكافىء له، ولذا حفظ اسمه فكان لا سمي له؛ ثم علل ذلك بقوله: { ما لكم } ~~ودل على الاستغراق بقوله: { من إله غيره }. # ولما كانت المثلات قد دخلت من قبلهم في المكذبين، وأناخت صروفها ~~بالظالمين، فتسبب عن عملهم بذلك إنكار قلة مبالاتهم في عدم تحرزهم من مثل ~~مصارعهم، قال: { أفلا تتقون* } أي تجعلون لكم وقاية مما ينبغي الخوف منه ms3079 ~~فتجعلوا وقاية تحول بينكم وبين سخط الله. ### || [23.33-36] # ولما كان التقدير: فلم يؤمنوا ولم يتقوا دأب قوم نوح، عطف عليه قوله: { ~~وقال الملأ } أي الأشراف الذين تملأ رؤيتهم الصدور، فكأن ما اقترن بالواو ~~أعظم في التسلية مما خلا منها على تقدير سؤال لدلالة هذا على ما عطف ~~عليه. ولما كانت القبائل قد تفرغت بتفرق الألسن، قدم قوله: { من قومه } ~~اهتماما وتخصيصا للإبلاغ في التسلية ولأنه لو أخر لكان بعد تمام الصلة ~~وهي طويلة؛ ثم بين الملأ بقوله: { الذين كفروا } أي غطوا ما يعرفون من ~~أدلة التوحيد والانتقام من المشركين { وكذبوا بلقاء الآخرة } لتكذيبهم ~~بالبعث. # ولما كان من لازم الشرف الترف، صرح به إشارة إلى أنه - لظن كونه سعادة ~~في الدنيا - قاطع في الغالب عن سعادة الآخرة، لكونه حاملا على الأشر ~~والبطر والتكبر حتى على المنعم، فقال: { وأترفناهم } أي والحال أنا - بما ~~لنا وعلى ما لنا من العظمة - نعمناهم { في الحياة الدنيا } أي الدانية ~~الدنيئة، بالأموال والأولاد وكثرة السرور، يخاطبون أتباعهم: { ما هذا } ~~أشاروا إليه تحقيرا له عند المخاطبين { إلا بشر مثلكم } أي في الخلق ~~والحال؛ ثم وصفوه بما يوهم المساواة في كل وصف فقالوا: { يأكل مما تأكلون ~~منه } من طعام الدنيا { ويشرب مما تشربون* } أي منه من شرابها فكيف يكون ~~رسولا دونكم! # ولما كان التقدير: فلئن اتبعتموه إنكم لضالون، عطف عليه: { ولئن أطعتم ~~بشرا مثلكم } في جميع ما ترون { إنكم إذا } أي إذا أطعتموه { لخاسرون* ~~} أي مغبونون لكونكم فضلتم مثلكم عليكم بما يدعيه مما نحن له منكرون؛ ثم ~~بينوا إنكارهم بقولهم: { أيعدكم أنكم إذا متم } ففارقت أرواحكم أجسادكم { ~~وكنتم } أي وكانت أجسادكم { ترابا } باستيلاء التراب على ما دون عظامها ~~{ وعظاما } مجردة؛ ثم بين الموعود به بعد أن حرك النفوس إليه، وبعث بما ~~قدمه أتم بعث عليه، فقال مبدلا من { أنكم } الأولى إيضاحا للمعنى: { ~~أنكم مخرجون* } أي من تلك الحالة التي صرتم إليها، فراجعون إلى ما كنتم ~~عليه من الحياة على ما كان لكم من الأجسام؛ ثم استأنفوا التصريح بما دل ms3080 ~~عليه الكلام من استبعادهم ذلك فقالوا: { هيهات هيهات } أي بعد بعد جدا ~~بحيث صار ممتنعا، ولم يرفع ما بعده به بل قطع عنه تفخيما له، فكان كأنه ~~قيل: لأي شيء هذا الاستبعاد؟ فقيل: { لما توعدون* }. ### || [23.37-40] # ولما كانوا بهذا التأكيد في التبعيد كأنهم قالوا: إنا لا نبعث أصلا، ~~اتصل به: { إن هي } أي الحالة التي لا يمكن لنا سواها { إلا حياتنا ~~الدنيا } أي التي هي أقرب الأشياء إلينا وهي ما نحن فيها، ثم فسروها ~~بقولهم: { نموت ونحيا } أي يموت منا من هو موجود، وينشأ آخرون بعدهم { ~~وما نحن بمبعوثين* } بعد الموت، فكأنه قيل: فما هذا الكلام الذي يقوله؟ ~~فقيل: كذب؛ ثم حصروا أمره في الكذب فقالوا: { إن } أي ما { هو إلا } ~~وألهبوه على ترك مثل ما خاطبهم به بقولهم: { رجل افترى } أي تعمد { على ~~الله } أي الملك الأعلى { كذبا } والرجل لا ينبغي له مثل ذلك، أو هو ~~واحد وحده، أي لا يلتفت إليه { وما نحن له بمؤمنين* } أي بمصدقين فيما ~~يخبرنا به من البعث والرسالة؛ ثم استأنف قوله: { قال رب } أي أيها المحسن ~~إلي بإرسالي إليهم وغيره من أنواع التربية { انصرني } عليهم أي أوقع لي ~~النصر { بما كذبون* } فأجابه ربه بأن { قال عما قليل } أي من الزمن. وأكد ~~قلته بزيادة " ما " { ليصبحن نادمين* } على تخلفهم عن اتباعك. ### || [23.41-44] # ولما تسبب عن دعائه أن تعقب هلاكهم، وعد الله له بذلك، قال تعالى: { ~~فأخذتهم الصيحة } أي التي كأنها لقوتها لا صحية إلا هي، ويمكن أن تكون ~~على بابها فتكون صيحة جبرئيل عليه الصلاة والسلام ويكون القوم ثمود، ~~ويمكن أنت تكون مجازا عن العذاب الهائل { بالحق } أي بالأمر الثابت من ~~العذاب الذي أوجب لهم الذي لا تمكن مدافعته لهم ولا لأحد غير الله، ولا ~~يكون كذلك إلا وهو عدل { فجعلناهم } بعظمتنا التي لا تدانيها عظمة، بسبب ~~الصيحة { غثاء } كأنهم أعجاز نخل خاوية، جاثمين أمواتا يطرحون كما يطرح ~~الغثاء، وهو ما يحمله السيل من نبات ونحوه فيسود ويبلى فيصير بحيث لا ~~ينتفع به، ونجينا ms3081 رسولهم ومن معه من المؤمنين، فخاب الكافرون، وأفلح ~~المؤمنون، وكانوا هم الوارثين للأرض من بعدهم. # ولما كان هلاكهم على هذا الوجه سببا لهوانهم، عبر عنه بقوله: { فبعدا ~~} أي هلاكا وطردا. ولما كان كأنه قيل: لمن؟ قيل: لهم! ولكنه أظهر ~~الضمير تعميما وتعليقا للحكم بالوصف تحذيرا لكل من تلبس به فقال: { ~~للقوم } أي الأقوياء الذي لا عذر لهم في التخلف عن اتباع الرسل والمدافعة ~~عنهم { الظالمين* } الذين وضعوا قوتهم التي كان يجب عليهم بذلها في نصر ~~الرسل في خذلانهم. # ولما كانت عادة المكذبين أن يقولوا تكذيبا: هذا تعريض لنا بالهلاك، ~~فصرح ولا تدع جهدا في إحلاله بنا والتعجيل به إلينا، فإنا لا ندع ما ~~نحن عليه لشيء، وكان العرب أيضا قد ادعوا أن العادة بموتهم وإنشاء من ~~بعدهم شيئا فشيئا لا تنخرم، قال تعالى رادعا لهم: { ثم أنشأنا } أي ~~بعظمتنا التي لا يضرها تقديم ولا تأخير، وأثبت الجار لما تقدم فقال: { من ~~بعدهم } أي من بعد من قدمنا ذكره من نوح والقرن الذي بعده { قرونا آخرين ~~} ثم أخبر بأنه لم يعجل على أحد منهم قبل الأجل الذي حده له بقوله: { ما ~~تسبق } ولعله عبر بالمضارع إشارة إلى أنه ما كان شيء من ذلك ولا يكون، ~~وأشار إلى الاستغراق بقوله: { من أمة أجلها } أي الذي قدرناه لهلاكها { ~~وما يستأخرون* } عنه، وكلهم أسفرت عاقبته عن خيبة المكذبين وإفلاح ~~المصدقين، وجعلهم بعدهم الوارثين، وعكس هذا الترتيب في غيرها من الآيات ~~فقدم الاستئخار لنه فرض هناك مجيء الأجل فلا يكون حينئذ نظر إلا إلى ~~التأخير. # ولما كان قد أملى لكل قوم حتى طال عليهم الزمن، فلما لم يهدهم عقولهم ~~لما نصب لهم من الأدلة، وأسبغ عليهم من النعم، وأحل بالمكذبين قبلهم من ~~النقم، أرسل فيهم رسولا، دل على ذلك بأداة التراخي فقال: { ثم أرسلنا } ~~أي بعد إنشاء كل قرن منهم وطول إمهالنا له، ومن هنا يعلم أن بين كل ~~رسولين فترة، وأضاف الرسل إليه لأنه في مقام العظمة وزيادة في التسلية ~~فقال: { رسلنا تترا } أي ms3082 واحدا بعد واحد؛ قال الرازي: من وتر القوس ~~لاتصاله. # وقال البغوي: واترت الخبر: اتبعت بعضه بعضا وبين الخبرين هنيهة. وقال ~~الأصبهاني: والأصل: وترى، فقلبت الواو تاء كما قلبوها في التقوى. فجاء كل ~~رسول إلى أمته قائلا: اعبدوا الله ما لكم من إله غيره. # ولما كان كأنه قيل: فكان ماذا؟ قيل: { كلما جاء أمة } ولما كان في بيان ~~التكذيب، اضاف الرسول إليهم، ذما لهم لأن يخصوا بالكرامة فيأبوها ولقصد ~~التسلية أيضا فقال: { رسولها } أي بما أمرناه به من التوحيد. # ولما كان الأكثر من كل أمة مكذبا، أسند الفعل إلى الكل فقال: { كذبوه } ~~أي كما فعل هؤلاء بك لما أمرتهم بذلك { فأتبعنا } القرون بسبب تكذيبهم { ~~بعضهم بعضا } في الإهلاك، فكنا نهلك الأمة كلها في آن واحد، بعضهم ~~بالصيحة، وبعضهم بالرجفة، وبعضهم بالخسف، وبعضهم بغير ذلك، فدل أخذنا لهم ~~على غير العادة - من إهلاكنا لهم جميعا وإنجاء الرسل ومن صدقهم ~~والمخالفة بينهم في نوع العذاب - أنا نحن الفاعلون بهم ذلك باختيارنا لا ~~الدهر، وأنا ما فعلنا ذلك إلا بسبب التكذيب. # ولما كانوا قد ذهبوا لم يبق عند الناس منهم إلا أخبارهم، جعلوا إياها، ~~فقال: { وجعلناهم أحاديث } أي أخبارا يسمر بها ويتعجب منها ليكونوا عظة ~~للمستبصرين فيعلموا أنه لا يفلح الكافرون ولا يخيب المؤمنون، وما أحسن ~~قول القائل: # ولا شيء يدوم فكن حديثا # جميل الذكر فالدنيا حديث # ولما تسبب عن تكذيبهم هلاكهم المقتضي لبعدهم فقال: { فبعدا لقوم } أي ~~أقوياء على ما يطلب منهم { لا يؤمنون* } أي لا يتجدد منهم إيمان وإن جرت ~~عليهم الفصول الأربعة، لأنه لا مزاج لهم معتدل. ### || [23.45-48] # ولما كان آل فرعون قد أنكروا الإيمان لبشر مثلهم كما قال من تقدم ذكره ~~من قوم نوح والقرن الذي بعدهم، وكانوا أترف أهل زمانهم، وأعظمهم قوة، ~~وأكثرهم عدة، وكانوا يستعبدون بني إسرائيل، وكان قد نقل إلينا من الآيات ~~التي أظهر رسولهم ما لم ينقل إلينا مثله لمن تقدمه، صرح سبحانه بهم، وكأن ~~الرسالة إليهم كانت بعد فترة طويلة، فدل عليها بحرف التراخي فقال: ms3083 { ثم ~~أرسلنا } أي بما لنا من العظمة { موسى } وزاد في التسلية بقوله: { وأخاه ~~هارون } أي عاضدا له وبيانا لأن إهلاك فرعون وآله جميعا مع أنجاء ~~الرسولين معا ومن آمن بهما لإرادة الواحد القهار لإفلاح المؤمنين وخيبة ~~الكافرين { بآياتنا } أي المعجزات، بعظمتنا لمن يباريها { وسلطان مبين* } ~~أي حجة ملزمة عظيمة واضحة، وهي حراسته وهو وحده، وأعلاه على كل من ناواه ~~وهم مع قوتهم ملء الأرض وعجزهم عن كل ما يرومونه من كيده، وهذه وإن كانت ~~من جملة الآيات لكنها أعظمها، وهي وحدها كافية في إيجاب التصديق { إلى ~~فرعون وملئه } أي وقومه. # ولما كان الأطراف لا يخالفون الأشراف، عدهم عدما، ومن الواضح أن ~~التقدير: أن اعبدوا الله، ما لكم من إله غيره، وأشار بقوله: { فاستكبروا ~~} إلى أنهم أوجدوا الكبر عن الاتباع فيما دعوا إليه عقب الإبلاغ من غير ~~تأمل ولا تثبت وطلبوا أن لا يكونوا تحت أمر من دعاهم، وأشار بالكون إلى ~~فساد جبلتهم فقال: { وكانوا قوما } أي أقوياء { عالين* } على جميع من ~~يناويهم من أمثالهم. # ولما تسبب عن استكبارهم وعلوهم إنكارهم للاتباع قال: { فقالوا أنؤمن } ~~أي بالله مصدقين { لبشرين } ولما كان " مثل " و " غير " قد يوصف بهما ~~المذكر والمؤنث والمثنى والجمع دون تغيير، ولم تدع حاجة إلى التثنية قال: ~~{ مثلنا } أي في البشرية والمأكل والمشرب وغيرهما مما يعتري البشر كما ~~قال من تقدمهم { وقومهما } أي والحال أن قومهما { لنا عابدون* } أي في ~~غاية الذل والانقياد كالعبيد فنحن أعلى منهما بهذا، ويا ليت شعري ما لهم ~~لما جعلوا هذا شبهة لم يجعلوا عجزهم عن إهلاك الرسل وعما يأتون به من ~~المعجزات فرقانا وما جوابهم عن أن من الناس الجاهل الذي لا يهتدي لشيء ~~والعالم الذي يفوق الوصف من فاوت بينهما؟ وإذا جاز التفاوت بينهما في ذلك ~~فلم لا يجوز في غيره؟. ولما تسبب عن هذا الإنكار التكذيب، فتسبب عنه ~~الهلاك، قال: { فكذبوهما } أي فرعون وملؤه موسى وهارون عليهما الصلاة ~~والسلام { فكانوا } أي فرعون وآله، ونبه بصيغة المفعول على عظيم القدرة ~~فقال: { من ms3084 المهلكين* } بإغراقنا لهم على تكذيبهم إشارة إلى أنهم لم ~~يهلكوا بأنفسهم من غير مهلك مختار بدليل إغراقهم كلهم بما كان سبب إنجاء ~~بني إسرائيل كلهم ولم تغن عنهم قوتهم في أنفسهم ثم قوتهم على خصوص بني ~~إسرائيل باستعبادهم إياهم، ولا ضر بني إسرائيل ضعفهم عن دفاعهم، ولا ذلهم ~~لهم وصغارهم في أيديهم. ### || [23.49-52] # ولما كان ضلال قومهما الذين استنقذناهم من عبودية فرعون وقومه أعجب، ~~وكان السامع متشوفا إلى ما كان من أمرهم بعد نصرهم، ذكر ذلك مبتدئا له ~~بحرف التوقع مشيرا إلى حالهم في ضلالهم تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال: { ولقد آتينا } أي بعظمتنا { موسى الكتاب } أي الناظم لمصالح ~~البقاء الأول بل والثاني. # ولما كان كتابهم لم ينزل إلا بعد هلاك فرعون كما هو واضح لمن تأمل أشتات ~~قصتهم في القرآن، وكان حال هلاك القبط معرفا أن الكتاب لبني إسرائيل، ~~اكتفى بضميرهم فقال: { لعلهم } اي قوم موسى وهارون عليهما السلام { ~~يهتدون* } أي ليكون حالهم عند من لا يعلم العواقب حال من ترجى هدايته، ~~فأفهم جعلهم في ذلك في مقام الترجي أن فيهم من لم يهتد؛ قال ابن كثير: ~~وبعد أن أنزل التوراة لم تهلك أمة بعامة بل أمر المؤمنين بقتال الكافرين ~~- انتهى. ولا يبعد على هذا أن يكون الضمير في { لعلهم } للقرون الحادثة ~~المدلول عليها بقوله { قرونا } وربما أرشد إلى ذلك قوله تعالى: # ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى بصائر للناس ~~وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون # [القصص: 43] وقد ختم الهلاك العام بالإغراق كما فتح به، والنبيان اللذان ~~وقع ذلك لهما دعا كل منهما على من عصاه، وكلاهما مثله النبي صلى الله ~~عليه وسلم في غزوة بدر في الشدة على العصاة بعمر رضي الله عنه الذي أطاعه ~~النيل وأطاع جيشه الدجلة. # ولما كان من ذكر كلهم قد ردوا من جاءهم لإشعارهم استبعادهم لأن يكون ~~الرسل بشرا، وكان بنو إسرائيل الذين أعزهم الله ونصرهم على عدوهم وأوضح ~~لهم الطريق بالكتاب قد اتخذوا عيسى - مع كونه بشرا - إلها، ms3085 اتبع ذلك ~~ذكره تعجيبا من حال المكذبين في هذا الصعود بعد ذلك نزول في أمر من ~~أرسلوا إليهم، وجرت على أيديهم الآيات لهدايتهم، فقال: { وجعلنا } أي ~~بعظمتنا { ابن مريم } نسبه إليها تحقيقا لكونه لا أب له، وكونه بشرا ~~محمولا في البطن مولودا لا يصلح لرتبة الإلهية؛ وزاد في حقيق ذلك ~~بقوله: { وأمه } وقال: { آية } إشارة إلى ظهور الخوارق على أيديهما حتى ~~كأنهما نفس الآية، فلا يرى منها شيء إلا وهو آية، ولو قال: آيتين، لكان ~~ربما ظن أنه يراد حقيقة هذا العدد، ولعل في ذلك إشارة إلى أنه تكملت به ~~آية القدرة على إيجاد الإنسان بكل اعتبار من غير ذكر ولا أنثى كآدم عليه ~~السلام، ومن ذكر بلا أنثى كحواء عليها السلام، ومن أنثى بلا ذكر كعيسى ~~عليه السلام، ومن الزوجين كبقية الناس، والمراد أن بني إسرائيل - مع ~~الكتاب الذي هو آية مسموعة والنبي الذي هو آية مرئية - لم يهتد أكثرهم. # ولما كان أهل الغلو في عيسى وأمه عليهما الصلاة والسلام ربما تشبثوا من ~~هذه العبارة بشيء، حقق بشريتهما واحتياجهما المنافي لرتبة الإلهية فقال: ~~{ وآويناهما } أي بعظمتنا لما قصد ملوك البلاد الشامية إهلاكهما { إلى ~~ربوة } أي مكان عال من الأرض، وأحسن ما يكون النبات في الأماكن المرتفعة، ~~والظاهر أن المراد بها عين شمس في بلاد مصر؛ قال ابن كثير: قال عبد ~~الرحمن بن زيد بن أسلم: ليس الربى إلا بمصر والماء حين يرسل تكون الربى ~~عليها القرى، ولولا الربى غرقت القرى، وروي عن وهب بن منبه نحو هذا - ~~انتهى. { ذات قرار } أي منبسط صالح لأن يستقر فيه لما فيه من المرافق { ~~ومعين } أي ماء ظاهر للعين، ونافع كالماعون، فرع اشتق من أصلين، ولم يقدر ~~من خالفه من الملوك وغيرهم على كثرتهم وقوتهم على قتله لا في حال صغره، ~~ولا في حال كبره، كما مضى نقله عن الإنجيل وصدقة عليه القرآن، مع كونه ~~مظنة لتناهي الضعف بكونه، من أنثى فقط ولا ناصر له إلا الله، ومع ذلك ~~فأنجح الله أمره وأمر ms3086 من اتبعه، وخيب به الكافرين، ورفعه إليه ليؤيد به ~~هذا الدين في آخر الزمان، ويكون للمؤمنين حينئذ فلاح لم يتقدمه مثله، ~~وكان ذلك من إحسان خالقه ونعمته عليه. # ذكر شيء من دلائل كونه آية من الإنجيل: # قال يوحنا أحد المترجمين للإنجيل وأغلب السياق لمتى فإني خلطت كلام ~~المترجمين الأربعة: ولما قرب عيد المظال قال إخوة يسوع أي الاثني عشر ~~تلميذا - له: تحول من ههنا إلى يهوذا ليرى تلاميذك الأعمال التي تعمل ~~لأنه ليس أحد يعمل شيئا سرا فيجب أن يكون علانية إذ كنت تعمل هذه ~~الأشياء فأظهر نفسك للعالم، فقال لهم يسوع: أما وقتي فلم يبلغ، وأما ~~وقتكم فإنه مستعد في كل حين، لم يقدر العالم أن يبغضكم وهم يبغضونني لأني ~~أشهد عليهم أن أعمالهم شريرة، اصعدوا أنتم إلى هذا العيد، فإني لا أصعد ~~الآن، ثم قال: ولما انتصف أيام العيد صعد يسوع إلى الهيكل فبدأ يعلم، ~~وكان اليهود ويتعجبون ويقولون: كيف يحسن هذا الكتاب ولم يعلمه أحد، فقال: ~~تعليمي ليس هو لي، بل للذي أرسلني، فمن أحب أن يعمل مرضاته فهو يعرف ~~تعليمي هو من الله أو من عندي؟ من يتكلم من عنده إنما يطلب المجد لنفسه، ~~وأما الذي يطلب مجد الذي أرسله فهو صادق وليس فيه ظلم، أليس موسى أعطاكم ~~الناموس وليس فيكم أحد يعمل بالناموس، ثم قال: وفي اليوم العظيم الذي هو ~~آخر العيد كان يسوع قائما ينادي: كل من يؤمن بي كما قالت الكتب تجري من ~~بطنه أنهار ماء الحياة، وإن الجمع الكثير سمعوا كلامه فقالوا: هذا نبي ~~حقا، وآخرون قالوا: هذا هو المسيح، وآخرون قالوا: ألعل المسيح من الجليل ~~يأتي؟ أليس قد قال الكتاب: إنه من نسل داود، من بيت لحم قرية داود خاصة ~~يأتي المسيح، فوقع بين الجموع خوف من أجله، قال متى: حينئذ جاء إلى يسوع ~~من يروشليم كتبة وفريسيون قائلين: لماذا تلاميذك يتعدون وصية المشيخة إذ ~~لا يغسلون أيديهم عند أكلهم؛ وقال مرقس: ثم اجتمع إليه الفريسيون وبعض ~~الذين جاؤوا من يروشليم ms3087 فنظروا إلى تلاميذه يأكلون الطعام بغير غسل ~~أيديهم، لأن الفريسيين وكل اليهود لا يأكلون إلا بغسل أيديهم تمسكا ~~بتعليم شيوخهم والذين يشترونه من الأسواق إن لم يغسلوه لا يأكلونه، ~~وأشياء أخر كثيرة تمسكوا بها من غسل كؤوس وأواني ومصاغ وأسرة، وسأله ~~الكتبة والفريسيون: لم تلاميذك لا يسيرون على ما وصت به المشيخة قال ~~متى: فأجابهم وقال: لماذا أنتم تتعدون وصية الله من أجل سننكم، ألم يقل ~~الله: أكرم أباك وأمك، والذي يقول كلاما رديئا في أبيه وأمه يستأصل ~~بالموت، وأنتم تقولون: من قال لأبيه أو لأمه. # إن القربان شيء ينتفع به، فلا يكرم أباه وأمه، فأبطلتم كلام الله من ~~تلقاء روايتكم؛ قال مرقس: وتفعلون كثيرا مثل هذا - انتهى. يا مراؤون ~~حسنا يثني وقال مرقس: نعما يثني عليكم أشعيا قائلا: إن هذا لاشعب قرب ~~مني ويكرمني بشفتيه، وقلبه بعيد عني، يعبدونني باطلا ويعلمون تعليم ~~وصايا الناس. ودعا الجمع وقال لهم: اسمعوا وافهموا، ليس ما يدخل الفم ~~ينجس الإنسان، لكن الذي يخرج من الفم ينجس الإنسان، حينئذ جاء إليه ~~تلاميذه وقالوا: اعلم أن الفريسيين لما سمعوا الكلام شكوا، فأجابهم وقال: ~~كل غرس لا يغرسه أبي السماوي يقلع، دعوهم فإنهم عميان يقودهم عميان، ~~أجابه بطرس وقال: فسر لنا المثل! فقال: حتى أنتم لا تفهمون؟ أما تعلمون ~~أن كل ما يدخل إلى الفم يصل إلى البطن وينطرد إلى المخرج، فأما الذي يخرج ~~من الفم فهو يخرج من القلب، هذا الذي ينجس الإنسان، لأنه يخرج من القلب ~~الفكر الشرير: القتل الزنى الفسق السرقة وشهادة الزور التجديف، هذا هو ~~الذي ينجس الأنسان، وأما الأكل بغير غسل الأيدي وفليس ينجس الإنسان، وقال ~~مرقس: إن كل ما كان خارجا يدخل إلى فم الإنسان لا يقدر أن ينجسه لأنه لا ~~يصل إلى القلب، بل إلى الجوف ويذهب إلى خارج، والذي يخرج من الإنسان هو ~~الذي ينجس الإنسان، لأنه من داخل تخرج أفكار السوء: فجور الزنى قتل سرقة ~~شره شر غش فسق عين شريرة تجديف تعاظم جهل، هذا كله شر ms3088 من داخل يخرج وينجس ~~الإنسان انتهى. وفيه مما لا يجوز إطلاقه في شرعنا: الأب - كما تقدم غير ~~مرة. # ولما بين أن عيسى عليه السلام على منهاج إخوانه من الرسل في الأكل ~~والعبادة، وجميع الأحوال، زاد في تحقيق ذلك بيانا لمن ضل بأن اعتقد فيه ~~ما لا يليق به، فقال مخاطبا لجميعهم بعد إهلاك من عاندهم من قومهم على ~~وجه يشمل ما قبل ذلك ردا لمن جعله موجبا لإنكار الرسالة، وتبكيتا لمن ~~ابتدع الرهبانية من أمة عيسى عليه السلام، إعلاما بأن كل رسول قيل له ~~معنى هذا الكلام فعمل به، فكانوا كأنهم نودوا به في وقت واحد، فعبر ~~بالجمع ليكون أفخم له فيكون أدعى لقبوله: { يا أيها الرسل } من عيسى ~~وغيره { كلوا } أنتم ومن نجيناه معكم بعد إهلاك المكذبين. # ولما علو عن رتبة الناس، فلم يكونوا أرضيين، لم يقل # مما في الأرض # [البقرة: 168] وعن رتبة الذين آمنوا، لم يقل # من طيبات ما رزقناكم # [البقرة: 172] ليكنوا عابدين نظرا إلى النعمة أو حذرا من النقمة، كما ~~مضى بيانه في سورة البقرة، بل قال: { من الطيبات } أي الكاملة التي مننت ~~عليكم بخلقها لكم وإحلالها وإزالة الشبه عنها وجعلها شهية للطبع، نافعة ~~للبدن، منعشة للروح، وذلك ما كان حلا غير مستقذر لقوله تعالى # يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث # [الأعراف: 157]. ودل سبحانه على أن الحلال عون على الطاعة بقوله: { ~~واعملوا صالحا } أي سرا وجهرا غير خائفين من أحد، فقد أهلكت عدوكم ~~وأورثتكم أرضكم، ولم يقيد عملكم بشكر ولا غيره، إشارة إلى أنه لوجهه ليس ~~غير، فإنهم دائما في مقام الشهود، في حضرة المعبود، والغنى عن كل سوى ~~حتى عن الغنى، ثم حثهم على دوام المراقبة بقوله: { إني بما } أي بكل شيء ~~{ تعملون عليم* } أي بالغ العلم. # ولما كان هذا تعليلا لما سبقه من الأمر، عطف على لفظه قوله: { وإن } ~~بالكسر في قراءة الكوفيين، وعلى معناه لما كان يستحقه لو أبرزت لام العلة ~~من الفتح في قراءة غيرهم { هذه } أي دعوتكم أيها الأنبياء المذكورين ~~إجمالا وتفصيلا ms3089 وملتكم المجتمعة على التوحيد أو الجماعة التي أنجيتها ~~معكم من المؤمنين { أمتكم } أي مقصدكم الذي ينبغي أن لا توجهوا هممكم إلى ~~غيره أو جماعة أتباعكم حال كونها { أمة واحدة } لا شتات فيها أصلا، فما ~~دامت متوحدة فهي مرضية { وأنا ربكم } أي المحسن إليكم بالخلق والرزق ~~وحدي، فمن وحدني نجا، ومن كثر الأرباب هلك. # ولما كان الخطاب في هذه السورة كلها للخلص من الأنبياء ومن تبعهم من ~~المؤمنين، قال: { فاتقون* } أي اجعلوا بينكم وبين غضبي وقاية من جمع ~~عبادي بالدعاء إلى وحدانيتي بلا فرقة أصلا، بخلاف سورة الأنبياء المصدرة ~~بالناس فإن مطلق العبارة أولى بدعوتها. ### || [23.53-59] # ولما كان من المعلوم قطعا أن التقدير: فاتقى الأنبياء الله الذي أرسلهم ~~وتجشموا حمل ما أرسلهم به من عظيم الثقل، فدعوا العباد إليه وأرادوا ~~جمعهم عليه، عطف عليه بفاء السبب قوله معبرا بفعل التقطع لأنه يفيد ~~التفرق: { فتقطعوا } أي الأمم، وإنما أضمرهم لوضوح إرادتهم لأن الآية ~~التي قبلها قد صرحت بأن الأنبياء ومن نجا معهم أمة واحدة لا اختلاف ~~بينها، فعلم قطعا أن الضمير للأمم ومن نشأ بعدهم، ولذلك كان النظر إلى ~~الأمر الذي كان واحدا أهم، فقدم قوله: { أمرهم } أي في الدين بعد أن كان ~~مجتمعا متصلا { بينهم } فكانوا شيعا، وهو معنى { زبرا } أي قطعا، كل ~~قطعة منها في غاية القوة والاجتماع والثبات على ما صارت إليه من الهوى ~~والضلال، بكل شيعة طريقة في الضلال عن الطريق الأمم، والمقصد المستقيم، ~~وكتاب زبروه في أهويتهم ولم يرحموا أنفسهم بما دعتهم إليه الهداة من ~~الاجتماع والألفة فأهلكوها بالبغضاء والفرقة، وهو منصوب بأنه مفعول ثان ~~لتقطع على ما مضى تخريجه في الأنبياء، وقد ظهر كما ترى ظهورا بينا أن ~~هذه إشارة إلى الناجين من أمة كل نبي بعد إهلاك أعدائهم، أي إن هذه ~~الجماعة الذين أنجيتهم معكم أمتكم، حال كونهم أمة واحدة متفقين في الدين، ~~لا خلاف بينهم، وكما أن جماعتكم واحدة فأنا ربكم لا رب لكم غيري فاتقون ~~ولا يخالف أحد منكم أمري ولا تختلفوا وتفترقوا ms3090 لئلا أعذب العاصي منكم كما ~~عذبت أعداءكم. # ولما كان هذا مما لا يرضاه عاقل، أجيب من كأنه قال: هل رضوا بذلك مع ~~انكشاف ضرره؟ بقوله: { كل حزب } أي فرقة { بما لديهم } أي من ضلال وهدى { ~~فرحون* } أي مسرورون فضلا عن أنهم راضون غير معرج الضال منهم على ما ~~جاءت به الرسل من الهدى، ولا على الاعتبار بما اتفق لأممهم بسبب تكذيبهم ~~من الردى. # ولما أنتج هذا أن الضلال وإن وضح لا يكشفه إلا ذو الجلال، سبب عنه ~~سبحانه قوله تسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم: { فذرهم } أي اتركهم على ~~شر حالاتهم { في غمرتهم } أي الضلاله التي غرقوا فيها { حتى حين* } أي ~~إلى وقت ضربناه لهم من قبل أن نخلقهم ونحن عالمون بكل ما يصدر منهم على ~~أنه وقت يسير. # ولما كان الموجب لغرورهم ظنهم أن حالهم - في بسط الأرزاق من الأموال ~~والأولاد - حال الموعود لا المتوعد، أنكر ذلك عليهم تنبيها لمن سبقت له ~~السعادة، وكتبت له الحسنى وزيادة، فقال: { أيحسبون } أي لضعف عقولهم { ~~أنما } أي الذين { نمدهم } على عظمتنا { به } أي نجعله مددا لهم { من ~~مال } نيسره لهم { وبنين* } نمتعهم بهم، ثم أخبر عن " أن " بدليل قراءة ~~السلمي بالياء التحتية فقال: { نسارع لهم } أي به بإدرارنا له عليهم في ~~سرعة من يباري آخر { في الخيرات } التي لا خيرات إلا هي لأنها محمودة ~~العاقبة، ليس كذلك بل هو وبال عليهم لأنه استدراج إلى الهلاك لأنهم غير ~~عاملين بما يرضي الرحمن { بل } هم يسارعون في أسباب الشرور، ولا يكون عن ~~السبب إلا مسببه، ولكنهم كالبهائم { لا يشعرون* } أنهم في غاية البعد عن ~~الخيرات # سنستدرجهم من حيث لا يعلمون # [القلم: 44]. # ولما ذكر أهل الافتراق، أتبعهم أهل النفاق، فكان كأنه قيل: فمن الذي ~~يكون له الخيرات؟ فأجيب بأنه الخائف من الله، فقيل معبرا بما يناسب أول ~~السورة من الأوصاف، بادئا بالخشية لأنها الحاملة على تجديد الإيمان: { ~~إن الذين هم } أي ببواطنهم { من خشية ربهم } أي الخوف العظيم من المحسن ~~إليهم المنعم عليهم { مشفقون* } أي ms3091 دائمو الحذر { والذين هم بآيات ربهم } ~~المسموعة والمرئية، لا ما كان من جهة غيره { يؤمنون* } لا يزال إيمانهم ~~بها يتجدد شكرا لإحسانه إليهم. # ولما كان المؤمن قد يعرض له ما تقدم في إيمانه من شرك جلي أو خفي، قال: ~~{ والذين هم بربهم } أي الذي لا محسن إليهم غيره وحده { لا يشركون* } أي ~~شيئا من شرك في وقت من الأوقات كما لم يشركه في إحسانه إليهم أحد. ### || [23.60-67] # ولما أثبت لهم الإيمان الخالص، نفى عنهم العجب بقوله: { والذين يؤتون ما ~~آتوا } أي يعطون ما أعطوا من الطاعات، وكذا قراءة يحيى بن الحارث وغيره: ~~يأتون ما أتوا، أي يفعلون ما فعلوا من أعمال البر لتتفق القراءتان في ~~الإخبار عنهم بالسبق؛ ثم ذكر حالهم فقال: { وقلوبهم وجلة } أي شديدة ~~الخوف، قد ولج في دواخلها وجال في كل جزء منها لأنهم عالمون بأنهم لا ~~يقدرون الله حق قدره وإن اجتهدوا، ثم علل ذلك بقوله: { أنهم إلى ربهم } ~~أي الذي طال إحسانه إليهم { راجعون* } بالبعث فيحاسبهم على النقير ~~والقطمير، ويجزيهم بكل قليل و كثير وهو النافذ البصير، قال الحسن البصري: ~~إن المؤمن حمع إيمانا وخشية، والمنافق جمع إساءة وأمنا. ثم أثبت لهم ما ~~أفهم أن ضده لأضدادهم فقال: { أولئك } أي خاصة { يسارعون } أي يسبقون سبق ~~من يساجل آخر { في الخيرات } فأفهم ذلك ضد ما ذكر لأضدادهم بقوله: { وهم ~~لها } أي إليها خاصة، أي إلى ثمراتها، ولكنه عبر باللام إشارة إلى زيادة ~~القرب منها والوصول إليها مع الأمن لجعل الخيرات ظرفا للمسارعة من أخذها ~~على حقيقتها للتعدية { سابقون* } لجميع الناس، لأنا نحن نسارع لهم في ~~المسببات أعظم من مسارعتهم في الأسباب، ويجوز أن يكون { سابقون } بمعنى: ~~عالين، من وادي # " سبقت رحمتي غضبي " # أي أنهم مطيقون لها ومعانون عليها { ولا } أي والحال أنا لا نكلفهم ~~ولكنه عم فقال: { نكلف نفسا } أي كافرة ومؤمنة { إلا وسعها } فلا يقدر ~~عاص على أن يقول: كنت غير قادر على الطاعة، ولا يظن بنا مؤمن أنا نؤاخذه ~~بالزلة والهفوة، فإن أحدا لا ms3092 يستطيع أن يقدرنا حق قدرنا لأن مبنى ~~المخلوق على العجز. # ولما كانت الأعمال إذا تكاثرت وامتد زمنها تعسر أو تعذر حصرها إلا ~~بالكتابة عامل العباد سبحانه بما يعرفون مع غناه عن ذلك فقال: { ولدينا } ~~أي عندنا على وجه هو أغرب الغريب { كتاب } وعبر عن كونه سببا للعلم ~~بقوله: { ينطق } بما كتب فيه من أعمال العباد من خير وشر صغير وكبير { ~~بالحق } أي الثابت الذي يطابقه الواقع، قد كتب فيه أعمالهم من قبل خلقهم، ~~لا زيادة فيها ولا نقص، تعرض الحفظة كل يوم عليه ما كتبوه مما شاهدوه ~~بتحقيق القدر له فيجدونه محررا بمقاديره وأوقاته وجميع أحواله قيزدادون ~~به إيمانا، ومن حقيته أنه لا يستطاع إنكار شيء منه. # ولما أفهم ذلك نفي الظلم، صرح به فقال: { وهم } أي الخلق كلهم { لا ~~يظلمون* } من ظالم ما بزيادة ولا نقص في عمل ولا جزاء. # ولما كان التقدير: ولكنهم بذلك لا يعلمون، قال: { بل قلوبهم } أي الكفرة ~~من الخلق؛ ويجوز أن يكون هذا الإضراب بدلا من قوله { بل لا يشعرون } { ~~في غمرة } أي جهالة قد أغرقتها { من هذا } أي الذي أخبرنا به من الكتاب ~~الحفيظ فهم به كافرون { ولهم أعمال } وأثبت الجار إشارة إلى أنه لا عمل ~~لهم يستغرق الدون فقال: { من دون ذلك } أي مبتدئة من أدنى رتبة التكذيب ~~من سائر المعاصي لأجل تكذيبهم بالكتاب المستلزم لتكذيبهم بالبعث المستلزم ~~لعدم الخوف المستلزم للإقدام على كل معضلة { هم لها } أي دائما { ~~عاملون* } لا شيء يكفهم إلا عجزهم عنها. # ولما كانوا كالبهائم لا يخافون من المهلكة إلا عند المشاهدة، غيى ~~عملهم للخبائث بالأخذ فقال: { حتى إذا أخذنا } أي بما لنا من العظمة { ~~مترفيهم } الذين هم الرؤساء القادة { بالعذاب } فبركت عليهم كلاكله، ~~وأناخت بهم أعجازه وأوائله { إذا هم } كلهم المترف ومن تبعه من باب ~~الأولى { يجئرون* } أي يصرخون ذلا وانكسارا وجزعا من غير مراعاة ~~لنخوة، لا استكبارا، وأصل الجأر رفع الصوت بالتضرع - قاله البغوي، فكأنه ~~قيل: فهل يقبل اعتذارهم أو يرحم انكسارهم؟ فقيل: لا بل يقال ms3093 لهم بلسان ~~الحال أو القال: { لا تجئروا اليوم } بعد تلك الهمم، فإن الرجل من لا ~~يفعل شيئا عبثا، ثم علل ذلك بقوله: { إنكم منا } أي خاصة { لا تنصرون* ~~} أي بوجه من الوجوه، ومن عدم نصرنا لم يجد له ناصرا، فلا فائدة لجؤاره ~~إلا إظهار الجزع؛ ثم علل عدم نصره لهم بقوله: { قد كانت آياتي }. # ولما كانت عظمتها التي استحقت بها الإضافة إليه تكفي في الحث على ~~الإيمان بمجرد سماعها، بنى للمفعول قوله: { تتلى عليكم } أي وهي أجلى ~~الأشياء، من أوليائي وهم الهداة النصحاء { فكنتم } أي كونا هو كالجبلة { ~~على أعقابكم } عند تلاوتها { تنكصون* } أي ترجعون القهقرى إما حسا أو ~~معنى، والماشي كذلك لا ينظر ما وراءه، ومضارعه فيه مع الكسر الضم ولم ~~يقرأ به ولو شاذا، دلالة على أنه رجوع كبر وبطر فهو بالهوينا، ولو قرىء ~~بالضم لدل على القوة فأفهم النفرة والهرب، قال في القاموس: نكص على عقبيه ~~ينكص وينكص: رجع عما كان عليه من خير، وفي الشر قليل، وعن الأمر نكصا ~~ونكوصا ونكاصا. # أو على ما ذكرت دلالة على ما تقديره: حال كونكم { مستكبرين به } أي بذلك ~~النكوص، لا شيء غير الاستكبار من هرب أو غيره، ذوي سمر في أمرها بالقول ~~الهجر، وهو الفاحش، ولعله إنما قال: { سامرا } بلفظ المفرد لأن كلا ~~منهم يتحدث في أمر الآيات مجتمعا مع غيره ومنفردا مع نفسه حديثا ~~كثيرا كحديث المسامر الذي من شأنه أن لا يمل؛ وقال: { تهجرون* } أي ~~تعرضون عنها وتقولون فيها القول الفاحش، فأسنده إلى الجمع لأن بعضهم كان ~~يستمعها، ولم يكن يفحش القول فيها، أو تعجيبا من أن يجتمع جمع على مثل ~~ذلك لأن الجمع جدير بأن يوجد فيه من يبصر الحق فيأمر به. ### || [23.68-72] # ولما كانت الآيات - لما فيها من البلاغة المعجزة، والحكم المعجبة داعية ~~إلى تقبلها بعد تأملها، وكانوا يعرضون عنها ويفحشون في وصفتها تارة ~~بالسحر وأخرى بالشعر، وكرة بالكهانة ومرة بغيرها، تسبب عن ذلك الإنكار ~~عليهم فقال معرضا عنهم إيذانا بالغضب مسندا إلى الجمع الذي ms3094 هو أولى ~~بإلقاء السمع: { أفلم يدبروا القول } أي المتلو عليهم بأن ينظروا في ~~أدباره وعواقبه ولو لم يبلغوا في نظرهم الغاية بما أشار إليه الإدغام، ~~ليعلموا أنه موجب للإقبال والوصال، والوصف بأحسن المقال، لعله عبر بالقول ~~إشارة إلى أن من لم يتقبله ليس بأهل لفهم شيء من القول بل هو في عداد ~~البهائم { أم جاءهم } في هذا القول من الأوامر بالتوحيد الآتي بها الرسول ~~الذي هو من نسل إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام وما ترتب على ذلك من ~~الأوامر التي لا يجهل حسم فعلها عاقل، والنواهي التي - كما يشهد بقبح ~~إتيانها العالم - يقطع بها الجاهل، وبالرسالة برسول من البشر { ما لم يأت ~~آباءهم الأولين* } الذين بعد إسماعيل وقبله. # ولما كان الرجل الكامل من عرف الرجال بالحق، بدأ بما أشار إليه ثم أعقبه ~~بمن يعرف الشيء للألف به، ثم بمن يعرف الحق بالرجال فقال: { أم لم يعرفوا ~~رسولهم } أي الذي أتاهم بهذا القول الذي لا قول مثله، ويعرفوا نسبه وصدقه ~~وأمانته، وما فاتهم به من معالي الأخلاق حتى أنهم لا يجدون فيه - إذا حقت ~~الحقائق - نقيصة يذكرونها، ولا صمة يتخيلونها، كما دلت عليه الأحاديث ~~الصحاح منها حديث أبي سفيان بن حرب رضي الله عنه الذي في أول البخاري في ~~سؤال هرقل ملك الروم له عن شأنه صلى الله عليه وسلم { فهم } أي فتسبب عن ~~جهلهم به أنهم { له } أي نفسه أو للقول الذي أتى به { منكرون* } فيكونوا ~~ممن جهل الحق لجهل حال الآتي به، فلم يحرز شيئا من رتبتي الناس، لا رتبة ~~العلماء الناقدين، ولا رتبة الجهال المتقلدين، وفي هذا غاية التوبيخ لهم ~~بجهلهم وبعنادهم بأنهم يعرفون أنه أصدق الخلق وأعلاهم في كل معنى جميل ثم ~~يكذبونه. # ولما فرغ بما قد يجر إلى الطعن في القول أو القائل، أشار إلى العناد في ~~أمر القائل والقول والرسول بقوله: { أم يقولون } أي بعد تدبر ما أتى به ~~وعدم عثورهم فيه على وجه من وجوه الطعن { به } أي برسولهم { جنة } أي فلا ~~يوثق به ms3095 لأنه قد يخلط فيأتي بما فيه مطعن وإن خفي وجه الطعن فيه في ~~الحال. # ولما كانت هذه الأقسام منتفية ولا سيما الأخير المستلزم عادة للتخليط ~~المستلزم للباطل، فإنهم أعرف الناس بهذا الرسول الكريم وأنه أكملهم ~~خلقا، وأشرفهم خلقا، وأطهرهم شيما، وأعظمهم همما، وأرجحهم عقلا، ~~وأمتنهم رأيا وأرضاهم قولا، وأصوبهم فعلا، اضرب عنها وقال: { بل } أي ~~لم ينكصوا عند سماع الآيات ويسمروا ويهجروا لاعتقاد شيء مما مضى، وإنما ~~فعلوا ذلك لأن هذا الرسول الكريم { جاءهم بالحق } الذي لا تخليط فيه ~~بوجه، ولا شيء أثبت منه ولا أبين مما فيه من التوحيد والأحكام، ولقد أوضح ~~ذلك تحديهم بهذا الكتاب فعجزوا فهو بحيث لا يجهله منصف { وأكثرهم } أي ~~والحال أن أكثرهم { للحق كارهون* } متابعة للأهواء الرديئة والشهوات ~~البهيمية عنادا، وبعضهم، يتركونه جهلا وتقليدا أو خوفا من أن يقال: ~~صبأ، وبعضهم يتبعه توفيقا من الله وتأييدا. # ولما كان ربما قيل: ما له ما كان بحسب أهوائهم فكانوا يتبعونه ويستريح ~~ويستريحون من هذه المخالفات، التي جرت إلى المشاحنات، فأوجبت أعظم ~~المقاطعات، قال مبينا فساد ذلك، ولعله حال من فاعل كاره، فإن جزاءه خبري ~~مسوغ لكونه حالا كما ذكره الشيخ سعد الدين في بحث المسند، أو هو معطوف ~~على ما تقديره: فلو تركوا الكره لأحبوه ولو أحبوه لاتبعوه ولو اتبعوه ~~لانصلحوا وأصلحوا { ولو اتبع الحق } أي في الأصول والفروع والأحوال ~~والأقوال { أهواءهم } أي شهواتهم التي تهوي بهم لكونها أهواء - بما أشار ~~إليه الافتعال { لفسدت السماوات } على علوها وإحكامها { والأرض } على ~~كثافتها وانتظامها { ومن فيهن } على كثرتهم وانتشارهم وقوتهم، بسبب ~~ادعائهم تعدد الآلهة، ولو كان ذلك حقا لأدى ببرهان التمانع إلى الفساد، ~~وبسبب اختلاف أهوائهم واضطرابها المفضي إلى النزاع كما ترى من الفساد عند ~~اتباع بعض الأغراض في بعض الأزمان إلى أن يصلحها الحق بحكمته، ويقمعها ~~بهيبته وسطوته، ولكنا لم نتبع الحق أهواءهم { بل أتيناهم } بعظمتنا { ~~بذكرهم } وهو الكتاب الذي في غاية الحكمة، ففيه صلاح العلم وتمام ~~انتظامه، فإذا تأمله الجاهل صده عن جهله فسعد في أقواله ms3096 وأفعاله، وبان له ~~الخير في سائر أحواله، وإذا تدبره العالم عرج به إلى نهاية كماله، فحينئذ ~~يأتي السؤال عمن أنزله، فتخضع الرقاب، وعمن أنزل عليه فيعظم في الصدور، ~~وعن قومه فتجلهم النفوس، وتنكس لمهابتهم الرؤوس، فيكون لهم أعظم ذكر ~~وأعلى شرف. # ولما جعلوا ما يوجب الإقبال سببا للإدبار، قال معجبا منهم: { فهم عن ~~ذكرهم } أي الذي هو شرفهم { معرضون* } لا يفوتنا بإعراضهم مراد، ولا ~~يلحقنا به ضرر، إنما ضرره عائد إليهم، وراجع في كل حال عليهم. # ولما أبطل تعالى وجوه طعنهم في المرسل به والمرسل من جهة جهلهم مرة، ومن ~~جهة ادعائهم البطلان أخرى، نبههم على وجه آخر هم أعرف الناس ببطلانه ~~ليثبت المدعى من الصحة إذا انتفت وجوه المطاعن فقال منكرا: { أم تسألهم ~~} أي على ما جئتهم به { خرجا } قال البغوي: أجرا وجعلا، وقال ابن ~~مكتوم في الجمع بين العباب والمحكم: والخرج والخراج شيء يخرجه القوم في ~~السنة من مالهم بقدر معلوم، والخراج غلة العبد والأمة، وقال الزجاج: ~~الخراج: الفيء، والخرج: الضريبة والجزية، وقال الأصبهاني: سئل أبو عمرو ~~بن العلاء فقال: الخراج ما لزمك ووجب عليك أداؤه، والخرج ما تبرعت به من ~~غير وجوب. # ولما كان الإنكار معناه النفي، حسن موقع فاء السبب في قوله: { فخراج } ~~أي أم تسألهم ذلك ليكون سؤالك سببا لاتهامك وعدم سؤالك، بسبب أن خراج { ~~ربك } الذي لم تقصد غيره قط ولم تخل عن بابه وقتا ما { خير } من خراجهم، ~~لأن خراجه غير مقطوع ولا ممنوع عن أحد من عباده المسيئين فكيف بالمحسنين! ~~وكأنه سماه خراجا إشارة إلى أنه أوجب رزق كل أحد على نفسه بوعد لا خلف ~~فيه { وهو خير الرازقين* } فإنه يعلم ما يصلح كل مرزوق وما يفسده، فيعطيه ~~على حسب ما يعلم منه ولا يحوجه إلى سؤال. ### || [23.73-78] # ولما كانت عظمة الملك مقتضية لتقبل ما أتى به والتشرف به على أي حال ~~كان، نبه على أنه حق يكسب قبوله الشرف لو لم يكن من عند الملك فكيف إذا ~~كان من عنده، فكيف ms3097 إذا كان ملك الملوك ومالك الملك فكيف إذا كان الآتي به ~~خالصة العباد وأشرف الخلق، كما قام عليه الدليل بنفي هذه المطاعن كلها، ~~فقال عاطفا على { آتيناهم }: { وإنك } أي مع انتفاء هذه المطاعن كلها { ~~لتدعوهم } أي بهذا الذكر مع ما قدمنا من الوجوه الداعية إلى اتباعك ~~بانتفاء جميع المطاعن عنك وعما جئت به { إلى صراط مستقيم* } لا عوج فيه ~~ولا طعن أصلا كما تشهد به العقول الصحيحة، فمن سلكه أوصله إلى الغرض ~~فحاز كل شرف، والحال أنهم، ولكنه عبر بالوصف الحامل لهم على العمى فقال: ~~{ وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة } فلذلك لا يخشون القصاص فيها { على ~~الصراط } أي الذي لا صراط غيره لأنه لا موصل إلى القصد غيره { لناكبون* } ~~أي عادلون متنحون مائلون منحرفون في سائر أحوالهم سائرون على غير منهج ~~أصلا، بل خبط عشواء لأنه يجوز أن يراد مطلق الصراط وأن يراد النكرة ~~الموصوفة بالاستقامة. # ولما وصفوا بالميل، وكان ربما قال قائل: إن جؤارهم المذكور آنفا سلوك ~~في الصراط، بين أنه لا اعتداد به لعروضه فقال: { ولو رحمناهم } أي ~~عاملناهم معاملة المرحوم في إزالة ضرره وهو معنى { وكشفنا } أي بما لنا ~~من العظمة { ما بهم من ضر } وهو الذي عرض جؤارهم بسببه { للجوا } أي ~~تمادوا تماديا عظيما { في ظغيانهم } الذي كانوا عليه قبل الجؤار وهو ~~إفراطهم في منابذة الحق والاستقامة { يعمهون* } أي يفعلون من التحير ~~والتردد فعل من لا بصيرة له في السير المنحرف عن القصد، والجائر عن ~~الاستقامة، قال ابن كثير: فهذا من باب علمه بما لا يكون لو كان كيف كان ~~يكون، قال الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما: كل ما فيه " لو " فهو مما ~~لا يكون أبدا. ثم أتبع هذا الدليل تأييدا له ما يدل على أنهم لا يسلكون ~~الصراط إلا اضطرارا فقال: { ولقد أخذناهم } أي بما لنا من العظمة { ~~بالعذاب } أي بمطلقه كإظهار حزب الله عليهم في بدر وغيرها { فما استكانوا ~~} أي خضعوا خضوعا هو كالجبلة لهم { لربهم } المحسن إليهم عقب المحنة، ~~وحقيقته ما ms3098 طلبوا أن يكونوا له ليكرموا مقام العبودية من الذل والخضوع ~~والانقياد لأوامره تاركين حظوظ أنفسهم، والحاصل أنه لما ضربهم بالعذاب ~~كان من حقهم أن يكونوا له لا لشركائهم، فما عملوا بمقتضى ذلك إيجادا ولا ~~طلبا { وما يتضرعون* } أي يجددون الدعاء بالخضوع والذل والخشوع في كل ~~وقت بحيث يكون لهم عادة، بل هم على ما جبلوا عليه من الاستكبار والعتو ~~إلا إذا التقت حلقتا البطان، ولم يبق لهم نوع اختيار، بدليل ما أرشد إليه ~~حرف الغاية من أن التقدير: بل استمروا على عتوهم { حتى إذا فتحنا } أي ~~بما لنا من العظمة، ودل على أنه فتح عذاب فقال: { عليهم بابا } من ~~الأبواب التي نقهر بها من شئنا بحيث يعلوه أمرها ولا يستطيع دفعها { ذا ~~عذاب شديد } يعني القتل والأسر يوم بدر - قاله ابن عباس رضي الله عنهما، ~~أو القحط الذي سلطه عليهم إجابة لدعوة النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: # " اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف " # { إذا هم فيه } أي ذلك الباب مظروفون لا يقدرون منه على نوع خلاص { ~~مبلسون* } أي متحيرون ساكنون على ما في أنفسهم آئسون لا يقدرون أن ينطقوا ~~بكلمة، داخلون في الإبلاس وهو عدم الخير، متأهلون لسكنى " بولس " وهو سجن ~~جهنم، لعدم جعلهم التضرع وصفا لهم لازما غير عارض، والخوف من الله ~~شعارا دائما غير مفارق، استحضارا لقدرته واستكبارا لعظمته؛ ثم التفت ~~إلى خطابهم، استعطافا بعتابهم، لأنه عند التذكير بعذابهم أقرب إلى ~~إيابهم، فقال: { وهو } أي ما استكانوا لربهم والحال أنه هو لا غيره { ~~الذي أنشأ لكم } يا من يكذب بالآخرة، على غير مثال سبق { السمع والأبصار ~~} ولعله جمعها لأن التفاوت فيها أكثر من التفاوت في السمع { والأفئدة } ~~التي هي مراكز العقول، فكنتم بها أعلى من بقية الحيوانات، جمع فؤاد، وهو ~~القلب لتوقده وتحرقه، من التفؤد وهو التحرق، وعبر به هنا لأن السياق ~~للاتعاظ والاعتبار، وجمعه جمع القلة إشارة إلى عزة من هو بهذه الصفة، ~~ولعله جمع الأبصار كذلك لاحتمالها للبصيرة. # ولما صور لهم هذا النعم، وهي ms3099 بحيث لا يشك غافل في أنه لا مثل لها، وأنه ~~لو تصور أن يعطي شيئا منها آدمي لم يقدر على مكافأته، حسن تبكيتهم في ~~كفر المنعم بها فقال: { قليلا ما تشكرون* } لمن أولاكم هذه النعم التي ~~لا مثل لها، ولا يقدر غيره على شيء منها، مع ادعائكم أنكم أشكر الناس لمن ~~أسدى إليكم أقل ما يكون من النعم التي يقدر على مثلها كل أحد، فكنتم بذلك ~~أنزل من الحيوانات العجم صما بكما عميا. ### || [23.79-87] # ولما ذكرهم بهذه النعم التي هي دالة على خلقهم، صرح به في قوله: { وهو } ~~أي وحده { الذي ذرأكم } أي خلقكم وبثكم { في الأرض } ولما ذكرهم بإبدائهم ~~المتضمن للقدرة على إعادتهم مع ما فيها من الحكمة وفي تركها من الإخلال ~~بها، صرح بها فقال: { وإليه } أي وحده { تحشرون* } يوم النشور. # ولما تضمن ذلك إحياءهم وإماتتهم، صرح به على وجه عام فقال: { وهو } أي ~~وحده { الذي } من شأنه أنه { يحيي ويميت } فلا مانع له من البعث ولا غيره ~~مما يريده. ولما كانت حقيقة البعث إيجاد الشيء كما هو بعد إعدامه، ذكرهم ~~بأمر طالما لا بسوه وعالجوه ومارسوه فقال: { وله } أي وحده، لا لغيره { ~~اختلاف الليل والنهار } أي التصرف فيهما على هذا الوجه، يوجد كلا منهما ~~بعد أن أعدمه كما كان سواء، فدل تعاقبهما على تغيرهما، وتغيرهما بذلك ~~وبالزيادة والنقص على أن لهما مغيرا لا يتغير وأنه لا فعل لهما وإنما ~~الفعل له وحده، وأنه قادر على إعادة المعدوم كما قدر على ابتدائه بما دل ~~على قدرته وبهذا الدليل الشهودي للحامدين، ولذلك ختمه بقوله منكرا ~~تسبيب ذلك لعدم عقلهم: { أفلا تعقلون* } أي يكون لكم عقول لتعرفوا ذلك ~~فتعملوا بما تقتضيه من اعتقاد البعث الذي يوجب سلوك الصراط. # ولما كان معنى الاستفهام الإنكاري النفي، حسن بعده كل الحسن قوله: { بل ~~} وعدل إلى أسلوب الغيبة للإيذان بالغضب بقوله: { قالوا } أي هؤلاء العرب ~~{ مثل ما قال الأولون* } من قوم نوح ومن بعده؛ ثم استأنف قوله: { قالوا } ~~أي منكرين للبعث متعجبين من أمره: ms3100 { أإذا متنا وكنا } أي بالبلى بعد ~~الموت { ترابا وعظاما } نخرة، ثم أكدوا الإنكار بقولهم: { أإنا ~~لمبعوثون* } أي من باعث ما. # ولما كان محط العناية في هذه السورة الخلق والإيجاد، والتهديد لأهل ~~العناد، حكى عنهم أنهم قالوا: { لقد وعدنا } مقدما قولهم: { نحن وآباؤنا ~~} على قولهم: { هذا } أي البعث { من قبل } بخلاف النمل، فإن محط العناية ~~فيها الإيمان بالآخرة فلذلك قدم قوله " هذا " ، والمراد وعد آبائهم على ~~ألسنة من أتاهم من الرسل غير أن الإخبار بشموله جعله وعدا للكل على حد ~~سواء، ثم استأنفوا قولهم: { إن } أي ما { هذا إلا أساطير الأولين* } أي ~~كذب لا حقيقة له، لأن ذلك معنى الإنكار المؤكد. # ولما أنكروا البعث هذا الإنكار المؤكد، ونفوه هذا النفي المحتم، أمره أن ~~يقررهم بأشياء هم بها مقرون، ولها عارفون، يلزمهم من تسليمها الإقرار ~~بالبعث قطعا، فقال: { قل } أي مجيبا لإنكارهم البعث ملزما لهم: { لمن ~~الأرض } أي على سعتها وكثرة عجائبها { ومن فيها } على كثرتهم واختلافهم { ~~إن كنتم } أي بما هو كالجبلة لكم { تعلمون* } أي أهلا للعلم، وكأنه ~~تنبيه لهم على أنهم أنكروا شيئا لا ينكره عاقل. # ولما كانوا مقرين بذلك، أخبر عن جوابهم قبل جوابهم، ليكون من دلائل ~~النبوة وأعلام الرسالة بقوله استئنافا: { سيقولون } أي قطعا: ذلك كله { ~~لله } أي المختص بصفات الكمال. ولما كان ذلك دالا على الوحدانية والتفرد ~~بتمام القدرة من وجهين: كون ذلك كله له، وكونه يخبر عن عدوه بشيء فلا ~~يمكنه التخلف عنه، قال: { قل } أي لهم إذا قالوا لك ذلك منكرا عليهم ~~تسبيبه لعدم تذكرهم ولو على أدنى الوجوه بما أشار إليه الإدغام: { أفلا ~~تذكرون* } أي بذلك المركوز في طباعكم المقطوع به عندكم، ما غفلتم عنه من ~~تمام قدرته وباهر عظمته، فتصدقوا ما أخبر به من البعث الذي هو دون ذلك، ~~وتعلموا أنه لا يصلح شيء منها - وهو ملكه - أن يكون شريكا له ولا ولدا، ~~وتعلموا أنه لا يصح في الحكمة أصلا أنه يترك البعث لأن أقلكم لا يرضى ~~بترك حساب عبيده والعدل بينهم. # ولما ms3101 ذكرهم بالعالم السفلي لقربه، تلاه بالعلوي لأنه أعظم فقال على ذلك ~~المنوال مرقيا لهم إليه: { قل من رب } أي خالق ومدبر { السماوات السبع } ~~كما تشاهدون من حركاتها وسير نجومها { ورب العرش العظيم * } الذي أنتم به ~~معترفون { سيقولون لله } أي الذي له كل شيء هو رب ذلك - على قراءة ~~البصريين، والتقدير لغيرهما: ذلك كله لله، لأن معنى من رب الشيء: لمن ~~الشيء، فتفيد اللام الملك صريحا مع إفادة الرب التدبير. # ولما تأكد الأمر وزاد الوضوح، حسن التهديد على التمادي فقال: { قل } ~~منكرا عليهم عدم تسبيبه لهم التقوى: { أفلا تتقون* } أي تجعلون بينكم ~~وبين حلول السخط من هذا الواسع الملك التام القدرة وقاية بالمتاب من ~~إنكار شيء يسير بالنسبة إلى هذا الملك العظيم هين عليه. ### || [23.88-92] # ولما قررهم بالعالمين: العلوي والسفلي، أمره بأن يقررهم بما هو أعم ~~منهما وأعظم، فقال: { قل من بيده } أي خاصة { ملكوت كل شيء } أي من ~~العالمين وغيرهما، والملكوت الملك البليغ الذي لا نقص فيه بوجه؛ قال ابن ~~كثير: كانت العرب إذا كان السيد فيهم فأجار أحدا لا يخفر في جواره وليس ~~لمن دونه أن يجيرعليه لئلا يفتات عليه. ولو أجار ما أفاد، ولهذا قال الله ~~تعالى: { وهو يجير } أي يمنع ويغيث من يشاء فيكون في حرزه، لا يقدر أحد ~~على الدنو من ساحتة { ولا يجار عليه } أي ولا يمكن أحدا أبدا أن يجير ~~جوارا يكون مستعليا عليه بأن يكون على غير مراده، بل يأخذ من أراد وإن ~~نصره جميع الخلائق، ويعلي من أراد وإن تحاملت عليه كل المصائب، فتبين ~~كالشمس أنه لا شريك يمانعه، ولا ولد يصانعه أو يضارعه؛ وقال ابن كثير: ~~وهو السيد المعظم الذي لا أعظم منه الذي له الخلق والأمر، ولا معقب لحكمه ~~الذي لا يمانع ولا يخالف، وما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن. # ولما كان هذا برهانا مع أنه ظاهر لا يخفى على أحد، قد يمجمج فيه من له ~~غرض في اللدد، ألهبهم إلى المبادرة إلى الاعتراف به وهيجهم بقوله: { إن ms3102 ~~كنتم } أي كونا راسخا { تعلمون* } أي في عداد من يعلم، ولذلك استأنف ~~قوله: { سيقولون لله } أي الذي بيده ذلك، خاصا به، والتقدير لغير ~~البصريين: ذلك كله لله، لأن اليد أدل شيء على الملك. # ولما كان جوابهم بذلك يقتضي إنكار توقفهم في الإقرار بالبعث، استأنف ~~قوله: { قل } منكرا عليهم تسبيب ذلك لهم ادعاء أنه سحر، أو صرف عن الحق ~~كما يصرف المسحور { فأنى تسحرون* } أي فكيف بعد إقراركم بهذا كله تدعون ~~أن الوعيد بالبعث سحر في قولكم: أفتأتون السحر وأنتم تبصرون، ومن أين صار ~~لكم هذا الاعتقاد وقد أقررتم بما يلزم منه شمول العلم وتمام القدرة؟ ومن ~~أين تتخيلون الحق باطلا، أو كيف تفعلون فعل المسحور بما تأتون به من ~~التخطيط في الأقوال والأفعال، وتخدعون وتصرفون عن كل ما دعا إليه؟ # ولما كان الإنكار بمعنى النفي، حسن قوله: { بل } أي ليس الأمر كما ~~يقولون، لم نأتهم بسحر بل، أو يكون المعنى: ليس هو أساطير، بل { أتيناهم ~~} فيه على عظمتنا { بالحق } أي الكامل الذي لا حق بعده، كما دلت عليه " ~~ال " فكل ما أخبر به من التوحيد والبعث وغيرهما فهو حق { وإنهم لكاذبون* ~~} في قولهم: إنه سحر لا حقيقة له، وفي كل ما ادعوه من الولد والشريك ~~وغيرهما مما بين القرآن فساده كما لزمهم بما أقروا به في جواب هذه ~~الأسئلة الثلاثة. # ولما كان من أعظم كذبهم ما أشار إليه قوله تعالى # وقالوا اتخذ الرحمن ولدا # [مريم: 88] قال: { ما اتخذ الله } أي الذي لا كفوء له، وأعرق في النفي ~~بقوله: { من ولد } لا من الملائكة ولا من غيرهم، لما قام من الأدلة على ~~غناه، وأنه لا مجانس له، ولما لزمهم بإقرارهم أنه يجير ولا يجار عليه، ~~وأن له السماوات والأرض ومن فيهما. # ولما كان الولد أخص من مطلق الشريك قال: { وما كان } أي بوجه من الوجوه ~~{ معه } فأفاد بفعل الكون نفي الصحة لينتفي الوجود بطريق الأولى { من إله ~~} وزاد " من " لتأكيد النفي؛ ولما لزمهم الكذب في دعوى الإلهية بولد أو ~~غيره من ms3103 إقرارهم هذا، أقام عليه دليلا عقليا ليتطابق الإلزامي والعقلي ~~فقال: { إذا } أي إذ لو كان معه إله آخر { لذهب كل إله بما خلق } ~~بالتصرف فيه وحده ليتميز ما له مما لغيره { ولعلا بعضهم } أي بعض الآلهة ~~{ على بعض } إذا تخالفت أوامرهم، فلم يرض أحد منهم أن يضاف ما خلقه إلى ~~غيره، ولا أن يمضي فيه أمر على غير مراده، كما هو مقتضى العادة، فلا يكون ~~المغلوب إلها لعجزه، ولا يكون مجيرا غير مجار عليه، بيده وحده ملكوت كل ~~شيء، وفي ذلك إشارة إلى أنه لو لم يكن ذلك الاختلاف لأمكن أن يكون، فكان ~~إمكانه كافيا في إبطال الشركة لما يلزم ذلك من إمكان العجز المنافي ~~للإلهية، كما بين في الأنبياء. # ولما طابق الدليل الإلزام على نفي الشريك، نزه نفسه الشريفة بما هو ~~نتيجة ذلك بقوله: { سبحان الله } أي المتصف بجميع صفات الكمال، المنزه عن ~~كل شائبة نقص { عما يصفون* } من كل ما لا يليق بجنابه المقدس من الشريك ~~والولد وغيره؛ ثم أقام دليلا آخر على كماله بوصفه بقوله: { عالم الغيب } ~~ولما كان العلم بذلك لا يستلزم علم الشهادة كما للنائم قال: { والشهادة } ~~ولا عالم بذلك غيره. # ولما كان من الواضح الجلي أنه لا مدعي لذلك، ومن ادعاه غيره بأن كذبه لا ~~محالة، وأن من تم علمه تمت قدرته، فاتضح تفرده كما بين في طه، تسبب عنه ~~قوله: { فتعالى } أي علا العالم المشار إليه علوا عظيما { عما يشركون* ~~} فإنه لا علم لشيء منه فلا قدرة ولا صلاحية لرتبة الإلهية. ### || [23.93-100] # ولما أقام الدليل على كذبهم بالأدلة على عظمته، وتعاليه عن كل ما يقول ~~الظالمون، وبين لهم الأمر غاية البيان بعد أن هددهم بمثل قوله وما يشعرون ~~{ حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب } ونحوه من مثل ما أنزله بالماضين، ~~وأحله بالمكذبين، وكان من المعلوم أنه ليس بعد الإعذار إلا إيقاع القضاء ~~وإنزال البلاء، وكان من الممكن أن يعم سبحانه الظالم وغيره بعذابه لأنه ~~لا يسأل عما يفعل، أمره أن يتعوذ من ذلك إظهارا ms3104 لعظمة الربوبية ذل ~~العبودية فقالك { قل رب } أي أيها المحسن إلي، وأكد إظهارا لعظمة ~~المدعو به وإعلاما بما للنبي صلى الله عليه وسلم من مزيد الشفقة على ~~أمته مؤمنهم وكافرهم { إما تريني } أي إن كان ولا بد من أن تريني قبل ~~موتي { ما يوعدون* } ثم نبهه على الزيادة في الضراعة بتكرير النداء بصفة ~~الإحسان تعبدا وتخشعا، وتذللا وتخضعا، إشارة إلى أن الله سبحانه له ~~أن يفعل ما يشاء، فينبغي لأقرب خلقه إليه أن يكون على غاية الحذر منه ~~فقال: { رب فلا تجعلني } بإحسانك إلي وفضلك علي فيهم، هكذا كان الأصل ~~ولكنه أظهر الوصف تعميما للدعوة وتعليقا للحكم بالوصف فقال: { في القوم ~~الظالمين* } أي الذين أعمالهم أعمال من يمشي في الظلام، فهي في غير ~~مواضعها، فضلا عن أن أكون منهم فإنه يوشك أن يخصهم العذاب ويعم من ~~جاورهم لوخامة الظلم وسوء عاقبته. # ولما أرشد التعبير بأداة الشك إلى أن التقدير: فإنا على العفو عنهم وعلى ~~الإملاء لهم لقادرون، عطف عليه قوله مؤكدا لما لهم من التكذيب المتضمن ~~للطعن في القدرة وهم المقصودون بالتهديد: { وإنا } أي بما لنا من العظمة ~~{ على أن نريك } أي قبل موتك { ما نعدهم } من العذاب { لقادرون* } ولما ~~لاح من هذا أن أخذهم وتأخيرهم في الإمكان على حد سواء، وكانوا يقولون ~~ويفعلون ما لا صبر عليه إلا بمعونة من الله، كان كأنه قال: فماذا أفعل ~~فيما تعلم من أمرهم؟ فقال آمرا له بمداواته: { ادفع } وفخم الأمر ~~بالموصول لما فيه من الإيهام المشوق للبيان ثم بأفعل التفضيل فقال: { ~~بالتي هي أحسن } أي من الأقوال والأفعال بالصفح والمداراة { السيئة } ثم ~~خفف عنه ما يجد من ثقلها بقوله: { نحن أعلم } أي من كل عالم { بما يصفون* ~~} في حقك وحقنا، فلو شئنا منعناهم منه أو عاجلناهم بالعذاب وليس أحد ~~بأغير منا فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل. # ولما كان الصبر عليه لا يطاق إلا به سبحانه، أمره بالدعاء بذلك فقال: { ~~وقل رب } أيها المحسن إلي { أعوذ بك } أي ألتجىء إليك { من ms3105 همزات ~~الشياطين* } أي أن يصلوا إلي بوساوسهم التي هي كالنخس بالمهماز في ~~الإقحام في السيئات البعد عن مطلق الحسنات، فكيف بالأحسن منها كما سلطتهم ~~على الكافرين تؤزهم إلى القبائح أزا { وأعوذ بك رب } أي أيها المربي لي ~~{ أن يحضرون* } أي ولو لم تصل إلي وساوسهم فإن حضورهم هلكة، وبعدهم ~~بركة، لأنهم مطبوعون على الفساد لا ينفكون عنه. # ولما كان أضر أوقات حضورهم ساعة الموت، وحالة الفوت، فإنه وقت كشف ~~الغطاء، عما كتب من القضاء، وآن اللقاء، وتحتم السفول أو الارتقاء، عقب ~~ذلك بذكره تنبيها على بذل الجهد في الدعاء والتضرع للعصمة فيه فقال ~~معلقا بقوله تعالى: { بل لا يشعرون } أو بمبلسون، منبها بحرف الغاية ~~على أنه سبحانه يمد في أزمانهم استدراجا لهم: { حتى } أو يكون التقدير ~~كما يرشد إليه السياق: فلا أكون من الكافرين المطيعين للشياطين حتى { إذا ~~جاء } وقدم المفعول ليذهب الوهم في فاعله كل مذهب فقال: { أحدهم الموت } ~~فكشف له الغطاء، وظهر له الحق، ولاحت له بوارق العذاب، ولم يبق في شيء من ~~ذلك ارتياب { قال } مخاطبا لملائكة العذاب على عادة جهله ووقوفه مع ~~المحسوس دأب البهائم: { رب ارجعون* } أي إلى الدنيا دار العمل؛ ويجوز أن ~~يكون الجمع لله تعالى وللملائكة، أو للتعظيم على عادة في مخاطبات الأكابر ~~لا سيما الملوك، أو لقصد تكرير الفعل للتأكيد. # ولما كان في تلك الحالة على القطع من اليأس من النجاة لليأس من العمل ~~لفوات داره مع وصوله إلى حد الغرغرة قال: { لعلي أعمل } أي لأكون على ~~رجاء من أن أعمل { صالحا فيما تركت } من الإيمان وتوابعه؛ قال البغوي: ~~قال قتادة: ما تمنى أن يرجع إلى أهله وعشيرته ولا ليجمع الدنيا ويقضي ~~الشهوات، ولكن تمنى أن يرجع ليعمل بطاعة الله، فرحم الله امرأ عمل فيما ~~يتمناه الكافر إذا رأى العذاب. وقال ابن كثير: كان العلاء بن زياد يقول: ~~لينزلن أحدكم نفسه أنه قد حضره الموت فاستقال ربه فأقاله فليعمل بطاعة ~~الله عز وجل. # ولما كان القضاء قد قطع بأنه لا يرجع، ولو ms3106 رجع لم يعمل قال ردعا له ~~وردا لكلامه: { كلا } أي لا يكون شيء من ذلك، فكأنه قيل: فما حكم ما ~~قال؟ فقال معرضا عنه إيذانا بالغضب: { إنها كلمة } أي مقالته { رب ~~ارجعون } - إلى آخره، كلمة { هو قائلها } وقد عرف من الخداع والكذب فهي ~~كما عهد منه لا حقيقة لها. # ولما كان التقدير: فهو لا يجاب إليها، عطف عليه قوله، جامعا معه كل من ~~ماثله لأن عجز الجمع يلزم منه عجز الواحد: { ومن ورائهم } أي من خلفهم ~~ومن أمامهم محيط بهم { برزخ } أي حاجز بين ما هو فيه وبين الدنيا ~~والقيامة مستمر لا يقدر أحد على رفعه { إلى يوم يبعثون* } أي تجدد بعثهم ~~بأيسر أمر وأخفه وأهونه. ### || [23.101-104] # ولما غيى ذلك بالبعث فتشوفت النفس إلى ما يكون بعده، وكان قد تقدم أن ~~الناس - بعد أن كانوا أمة واحدة في الاجتماع على ربهم - تقطعوا قطعا، ~~وتحزبوا أحزابا، وتعاضدوا بحكم ذلك وتناصروا، قال نافيا لذلك: { فإذا ~~نفخ } أي بأسهل أمر النفخة الثانية وهي نفخة النشور، أو الثالثة للصعق { ~~في الصور } فقاموا من القبور أو من الصعق { فلا أنساب } وهي أعظم الأسباب ~~{ بينهم } يذكرونها يتفاخرون بها { يومئذ } لما دهمهم من الأمر وشغلهم من ~~البأس ولحقهم من الدهش ورعبهم من الهول وعلموا من عدم نفعها إلا ما أذن ~~الله فيه، بل يفر الإنسان من أقرب الناس إليه، وإنما أنسابهم الأعمال ~~الصالحة { ولا يتساءلون* } أي في التناصر لأنه انكشف لهم أن لا حكم إلا ~~الله وأنه لا تغني نفس عن نفس شيئا، فتسبب عن ذلك أنه لا نصرة إلا ~~بالأعمال رحم الله بالتيسير لها ثم رحم بقبولها، فلذلك قال: { فمن ثقلت ~~موازينه } أي بالأعمال المقبولة، ولعل الجمع لأن لكل عمل ميزانا يعرف ~~أنه لا يصلح له غيره، وذلك أدل على القدرة { فأولئك } أي خاصة، ولعله جمع ~~للبشارة بكثرة الناجي بعد أن أفرد الدلالة على كثرة الأعمال أو على عموم ~~الوزن لكل فرد { هم المفلحون* } لأنهم المؤمنون الموصوفون { ومن خفت ~~موازينه } لإعراضه عن تلك الأعمال المؤسسة على ms3107 الإيمان { فأولئك } خاصة { ~~الذين خسروا أنفسهم } لإهلاكهم إياها باتباعها شهواتها في دار الأعمال ~~وشغلها بأهوائها عن مراتب الكمال؛ ثم علل ذلك أو بينه بقوله: { في جهنم ~~خالدون* } وهي دار لا ينفك أسيرها، ولا ينطفىء سعيرها؛ ثم استأنف قوله: { ~~تلفح } أي تغشى بشديد حرها وسمومها ووهجها { وجوههم النار } فتحرقها فما ~~ظنك بغيرها { وهم فيها كالحون* } أي متقلصو الشفاه عن الأسنان مع عبوسة ~~الوجوه وتجعدها وتقطبها شغل من هو ممتلىء الباطن كراهية لما دهمه من شدة ~~المعاناة وعظيم المقاساة في دار التجهم، كما ترى الرؤس المشوية، ولا ~~يناقض نفي التساؤل هنا إثباته في غيره لأنه في غير تناصر بل في التلاوم ~~والتعاتب والتخاصم على أن المقامات في ذلك اليوم طويلة وكثيرة، فالمقالات ~~والأحوال لأجل ذلك متباينة وكثيرة، وسيأتي عن ابن عباس رضي الله عنهما في ~~سورة الصافات نحو ذلك. ### || [23.105-110] # ولما جرت العادة بأن المعذب بالفعل يضم إليه القيل، أجيب من قد يسأل عن ~~ذلك بقوله: { ألم } أي يقال لهم في تأنيبهم وتوبيخهم: ألم { تكن آياتي } ~~التي انتهى عظمها إلى أعلى المراتب بإضافتها إلي. ولما كان مجرد ذكرها ~~كافيا في الإيمان، نبه على ذلك بالبناء للمفعول: { تتلى عليكم } أي ~~تتابع لكم قراءتها في الدنيا شيئا فشيئا. ولما كانت سببا للإيمان ~~فجعلوها سببا للكفران، قال: { فكنتم } أي كونا أنتم عريقون فيه { بها ~~تكذبون* } وقدم الظرف للإعلام بمبالغتهم في التكذيب؛ ثم استأنف جوابهم ~~بقوله: { قالوا ربنا } أيها المسبغ علينا نعمه { غلبت علينا شقوتنا } أي ~~أهواؤنا التي قادتنا إلى سوء الأعمال اليت كانت سببا ظاهرا للشقاوة. # ولما كان التقدير: فكنا معها كالمأسورين، تؤزنا إليها الشياطين أزا، ~~عطف عليه قوله { وكنا } أي بما جبلنا عليه { قوما ضالين* } في ذلك عن ~~الهدى، أقوياء في موجبات الشقوة، فكان سببا للضلال عن طريق السعادة. # ولما تضمن هذا الإقرار الاعتذار، وكان ذلك ربما سوغ الخلاص، وصلوا به ~~قولهم: { ربنا } يا من عودنا بالإحسان { أخرجنا منها } أي النار تفضلا ~~منك على عادة فضلك، وردنا إلى دار الدنيا لنعمل ما يرضيك { فإن ms3108 عدنا } ~~إلى مثل تلك الضلالات { فإنا ظالمون* } فاستؤنف جوابهم بأن { قال } لهم ~~كما يقال للكلب: { اخسئوا } أي انزجروا زجر الكلب وانطردوا عن مخاطبتي ~~ساكتين سكوت هوان { فيها } أي النار { ولا تكلمون* } أصلا، فإنكم لستم ~~أهلا لمخاطبتي، لأنكم لم تزالوا متصفين بالظلم، ومنه سؤالكم هذا المفهم ~~لأن اتصافكم به لا يكون إلا على تقدير عودكم بعد إخراجكم. # ولما كانت الشماتة أسر السرور للشامت وأخزى الخزي للمشموت به، علل ذلك ~~بقوله: { إنه كان } أي كونا ثابتا { فريق } أي ناس استضعفتموهم فهان ~~عليكم فراقهم لكم وفراقكم لهم وظننتم أنكم تفرقون شملهم { من عبادي } أي ~~الذين هم أهل للإضافة إلى جنابي لخلوصهم عن الأهواء { يقولون } مع ~~الاستمرار: { ربنا } أيها المحسن إلينا بالخلق والرزق { آمنا } أي أوقعنا ~~الإيمان بجميع ما جاءتنا به الرسل لوجوب ذلك علينا لأمرك لنا به. # ولما كان عظم المقام موجبا لتقصير العابد، وكان الاعتراف بالتقصير ~~جابرا له قالوا: { فاغفر لنا } أي استر بسبب إيماننا عيوبنا التي كان ~~تقصيرنا بها { وارحمنا } أي افعل بنا فعل الراحم من الخير الذي هو على ~~صورة الحنو والشفقة والعطف. # ولما كان التقدير: فأنت خير الغافرين، فإنك إذا سترت ذنبا أنسيته لكل ~~أحد حتى للحفظة، عطف عليه قوله: { وأنت خير الراحمين* } لأنك تخلص من ~~رحمته من كل شقاء وهوان، بإخلاص الإيمان، والخلاص من كل كفران. # ولما تسبب عن إيمان هؤلاء زيادة كفران أولئك قال: { فاتخذتموهم سخريا } ~~أي موضعا للهزء والتلهي والخدمة لكم، قال الشهاب السمين في إعرابه: ~~والسخرة - بالضم: الاستخدام، وسخريا - بالضم منها والسخر بدون هاء - ~~الهزء والمكسور منه يعني على القراءتين وفي النسبة دلالة على زيادة قوة ~~في الفعل كالخصوصية والعبودية { حتى أنسوكم } أي لأنهم كانوا السبب في ~~ذلك بتشاغلكم بالاستهزاء بهم واستبعادهم { ذكري } أي أن تذكروني فتخافوني ~~بإقبالكم بكليتكم على ذلك منهم. # ولما كان التقدير: فتركتموه فلم تراقبوني في أوليائي، عطف عليه قوله: { ~~وكنتم } أي بأخلاق هي كالجبلة { منهم } أي خاصة { تضحكون* } كأنهم لما ~~صرفوا قواهم إلى الاستهزاء بهم عد ضحكهم من غيرهم عدما. ### || [23.111-113] ms3109 # ولما تشوفت النفس بعد العلم بما فعل بأعدائهم إلى جزائهم، قال: { إني ~~جزيتهم } أي مقابلة على عملهم { اليوم بما صبروا } أي على عبادتي، ولم ~~يشغلهم عنها تألمهم بأذاكم كما كما شغلكم عنها التذاذكم بإهانتهم، فوزهم ~~دونكم، وهو معنى قوله: { أنهم هم } أي خاصة { الفائزون* } أي الناجون ~~الظافرون بالخير بعد الإشراف على الهلكة، وغير العبارة لإفادة الاختصاص ~~والوضوح والرسوخ، وكسر الهمزة حمزة والكسائي على الاستئناف. # ولما كان الفائز - وهو الظافر - من لم يحصل له بؤس في ذلك الأمر الذي ~~فاز به، وكان قد أشار سبحانه بحرف الغاية وما شاكله إلى أنه مد لأهل ~~الشقاء في الدنيا في الأعمار والأرزاق حتى استهانوا بعبادة السعداء، فكان ~~ربما قيل: إن أعداءهم فازوا بالاستهزاء بهم والرفعة عليهم في حال الدنيا، ~~وكان سبحانه قد أسلف ما يرد ذلك من الإخبار بأنه خلدهم في النار وأعرض ~~عنهم وزجرهم عن كلامه، وكان أنعم أهل الدنيا إذا غمس في النار غمسة ثم ~~سئل عن نعيمه قال: ما رأيت نعيما قط، فكان ذلك محزا لتقريع الأشقياء ~~بسبب تضيع أيامهم وتنديمهم عليها. تشوف السامع إلى أنه هل يسألهم عن ~~تنعيمه لهم في الدنيا الذي كان جديرا منهم بالشكر فقابلوه بالكفر ~~والاستهزاء بأوليائه؟ فأجاب تشوفه ذلك مجهلا لهم ومندما ومنبها على ~~الجواب أن فوزهم في الدنيا - لقلته التي هي أحقر من قطرة في جنب بحر - ~~عدم، بقوله: { قال } تأسيفا على ما أضاعوا من عبادة يسيرة تؤرثهم سعادة ~~لا انقضاء لها وارتكبوا من لذة قليلة أعقبتهم بؤسا لا آخر له - هذا على ~~قراءة الجماعة، وبين سبحانه بقراءة ابن كثير وحمزة والكسائي أن القول ~~بواسطة بعض عباده الذين أقامهم لتعذيبهم إعراضا عنهم تحقيقا لما أشار ~~إليه { ولا تكلمون } فقال: { قل } أي يا من أقمناه للانتقام ممن أردنا أي ~~لهؤلاء الذين غرتهم الحياة الدنيا على ما يرون من قصر مدتها ولعبها ~~بأهلها فكفروا بنا واستهزؤوا بعبادنا: { كم لبثتم في الأرض } على تلك ~~الحال التي كنتم تعدونها فوزا { عدد سنين* } أنتم فيها ظافرون ولأعدائكم ~~قاهرون، ولعله ms3110 عبر بما منه الإسنات الذي معناه القحط إشارة إلى أن أيام ~~الدنيا ضيقة حرجة وإن كان فيها سعة، ولا سيما للكفرة بكفرهم وخبثهم ~~ومكرهم الذي جرهم إلى أضيق الضيق وأسوأ العيش { قالوا } استقصارا له في ~~جنب ما رأوا من العذاب واستنقاذا لأنفسهم ظنا أن مدة لبثهم في النار ~~تكون بمقدار مكثهم في الدنيا: { لبثنا يوما } ولعلهم ذكروا العامل ~~تلذذا بطول الخطاب، أو تصريحا بالمراد دفعا للبس والارتياب، ثم زادوا ~~في التقليل فقالوا: { أو بعض يوم }. # ولما كان المكرة في الدنيا إذا أرادوا تمشية كذبهم قالوا لمن أخبروه ~~فتوقف في خبرهم: سل فلانا، إيثاقا بإخبارهم، وسترا لعوارهم، جروا على ~~ذلك تماديا منهم في الجهل بالعليم القدير في قولهم: { فاسأل } أي لتعلم ~~صدق خبرنا أو بسبب ترددنا في العلم بحقيقة الحال لتحرير حقيقة المدة { ~~العادين* } ويحتمل أيضا قصد الترقيق عليهم بالإشارة إلى أن ما هم فيه من ~~العذاب شاغل لهم عن أن يتصوروا شيئا حاضرا محسوسا، فضلا عن أن يكون ~~ماضيا، فضلا عن أن يكون فكريا، فكيف إن كان حسابا. ### || [23.114-118] # ولما كان ذلك على تقدير تسليمه لا ينفعهم لأن الجزاء بالعذاب على عزمهم ~~على التمادي في العناد على مر الآباد، المصدق منهم بالانهماك في الفساد، ~~أجابهم إلى قصدهم في عدهم بعبارة صالحة صادقة على مدة لبثهم طال أو قصر، ~~بقوله على طريق الاستئناف لمن تشوف إلى معرفة جوابهم: { قال } أي الله ~~على قراءة الجماعة، وبينت قراءة حمزة والكسائي أن إسناد القول إليه ~~سبحانه مجاز عن قول بعض عباده العظماء فقال على طريق الأول: { قل } أي ~~لهؤلاء الذين وقع الإعراض عنهم { إن } أي ما { لبثتم } أي في الدنيا { ~~إلا قليلا } أي هو من القلة بحيث لا يسمى بل هو عدم { لو أنكم كنتم } أي ~~كونا هو كالجبلة { تعلمون* } أي في عداد من يعلم في ذلك الوقت، لما ~~آثرثم الفاني على الباقي، ولأقبلتم على ما ينفعكم، وتركتم الخلاعة التي ~~لا يرضاها عاقل، ولا يكون على تقدير الرضا بفعلها إلا بعد الفراغ من ~~المهم، ms3111 ولكنكم كنتم في عداد البهائم، وفي ذلك تنبيه للمؤمنين الذين هم ~~الوارثون على الشكر على ما منحهم من السرور بإهلاك أعدائهم وإيراثهم ~~أرضهم وديارهم، مع إعزازهم والبركة في أعمارهم، بعد إراحتهم منهم في ~~الدنيا، ثم بإدامة سعادتهم في الآخرة وشقاوة أعدائهم. # ولما كان حالهم في ظنهم أن لا بعث، حتى اشتغلوا بالفرح، والبطر و المرح، ~~والاستهزاء بأهل الله، حال من يظن العبث على الله الملك الحق المبين، سبب ~~عن ذلك عطفا على قوله { فاتخذتموهم سخريا } إنكاره عليهم في قوله: { ~~أفحسبتم } ويجوز أن يكون معطوفا على مقدر نحو: أحسبتم أنا نهملكم فلا ~~ننصف مظلومكم من ظالمكم، فحسبتم { أنما خلقناكم } أي على ما لنا من ~~العظمة { عبثا } أي عابثين أو للعبث منا أو منكم، لا لحكمة إظهار العدل ~~والفضل، حتى اشغلتم بظلم أنفسكم وغيركم؛ قال أبو حيان: والعبث: اللب ~~الخالي عن فائدة. { وأنكم } أي وحسبتم أنكم { إلينا } أي خاصة { لا ~~ترجعون* } بوجه من الوجوه لإظهار القدرة والعظمة في الفصل، وأخرج ابن أبي ~~حاتم في تفسيره وأبو يعلى الموصلي في الجزء الرابع والعشرين من مسنده ~~والبغوي في تفسيره عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه رقى رجلا مصابا بهذه ~~الآية إلى آخر السورة في أذنيه فبرأ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " والذي نفسي بيده! لو أن رجلا موقنا قرأ بها على جبل لزال " # وفي سندهما ابن لهيعة. قال ابن كثير: وروى أبو نعيم عن محمد ابن إبراهيم ~~بن الحارث عن أبيه رضي الله عنه، قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في سرية وأمرنا أن نقول إذا أمسينا وأصبحنا { أفحسبتم } - الآية، ~~قال: فقرأناها فغنمنا وسلمنا. # ولما كان التقدير: ليس الأمر كما حسبتم، علل ذلك بقوله: { فتعالى الله } ~~أي علا الذي له الجلال والجمال علوا كبيرا عن العبث؛ ثم وصفه بما ينافي ~~العبث فقال: { الملك } أي المحيط بأهل مملكته علما وقدرة وسياسة، وحفظا ~~ورعاية. # ولما كان بعض ملوك الدنيا قد يفعل ما ينافي شيم الملوك من العبث بما فيه ~~من الباطل، ms3112 أتبع ذلك بصفة تنزهه عنه فقال: { الحق }. # أي الذي لا تطرق للباطل إليه في شيء من ذاته ولا صفاته، فلا زوال له ولا ~~لملكه فأنى يأتيه العبث. # ولما كان الحق من حيث هو قد يكون له ثان. نفى ذلك في حقه تعالى بقوله: { ~~لا إله إلا هو } فلا يوجد له نظير أصلا في ذات ولا صفة، ومن يكون كذلك ~~يكون حائزا لجميع أوصاف الكمال، وخلال الجلال والجمال، متعاليا عن سمات ~~النقص، والعبث من أدنى صفات النقص، لخلوه عن الحكمة التي هي أساس الكمال؛ ~~ثم زاد في التعيين والتأكيد للتفرد بوصفه بصفة لا يدعيها غيره فقال: { رب ~~العرش } أي السرير المحيط بجميع الكائنات، العالي عليها علوا لا يدانيه ~~شيء؛ ثم وصف العرش لأنه في سياق الحكم بالعدل والتنزه عن العبث بخلاف ~~سياق براءة والنمل فإنه للقهر والجبروت بقوله: { الكريم* } أي الذي تنزل ~~منه الخيرات الحاصلة للعباد، مع شرف جوهره، وعلى رتبته، ومدحه أبلغ مدح ~~لصاحبه، والكريم من ستر مساوىء الأخلاق بإظهار معاليها وتنزه عن كل ~~دناءة؛ قال القزاز: وأصل الكرم في اللغة الفضل والرفعة. ولما كان ~~التقدير: فمن دعا الله وحده فأولئك هم المفلحون الوارثون في الدارين، عطف ~~عليه قوله: { ومن يدع مع الله } أي الملك الذي كفوء له لإحاطته بجميع ~~صفات الكمال { إلها } ولما كانوا لتعنتهم ينسبون الداعي له سبحانه ~~باسمين أو أكثر إلى الشرك، قيد بقوله: { آخر } ثم أيقظ من سنة الغفلة، ~~ونبه على الاجتهاد والنظر في أيام المهلة، بقول لا أعدل منه ولا أنصف ~~فقال: { لا برهان له } ولما كان المراد ما يسمى برهانا ولو على أدنى ~~الوجوه الكافية، عبر بالباء سلوكا لغاية الإنصاف دون " على " المفهمة ~~للاستعلاء بغاية البيان فقال: { به } أي بسبب دعائه فإنه إذا اجتهد في ~~إقامة برهان على ذلك لم يجد، بل وجد البراهين كلها قائمة على نفي ذلك، ~~داعية إلى الفلاح باعتقاد التوحيد والصلاح، هذا المراد، لا أنه يجوز أن ~~يقوم على شيء غيره برهان { فإنما حسابه } أي جزاؤه الذي لا تمكن زيادته ms3113 ~~ولا نقصه { عند ربه } الذي رباه، ولم يربه أحد سواه، وغمره بالإحسان، ولم ~~يحسن إليه أحد غيره، الذي هو أعلم بسريرته وعلانيته منه نفسه، فلا يخفى ~~عليه شيء من أمره. # ولما أفهم كون حسابه عند هذا المحسن أحد أمرين: إما الصفح بدوام ~~الإحسان، وإما الخسران بسبب الكفران، قال على طريق الجواب لمن يسأل عن ~~ذلك: { إنه لا يفلح } ووضع { الكافرون* } موضع ضميره تنبيها على كفره ~~وتعميما للحكم، فصار أول السورة وآخرها مفهما لأن الفلاح مختص به ~~المؤمنون. # ولما كان الأمر كذلك، أمر سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم بالاجتهاد في ~~إنقاذ عباده حتى بالدعاء لله في إصلاحهم ليكون الختم بالرحمة للمؤمنين، ~~كما كان الافتتاح بفلاحهم، فقال عاطفا على قوله { ادفع بالتي هي أحسن } ~~فإنه لا إحسان أحسن من الغفران، أو على معنى { قال كم لبثتم } الذي بينته ~~قراءة ابن كثير وحمزة والكسائي بالأمر: { وقل } ، أو يكون التقدير: فأخلص ~~العبادة له { وقل } لأجل أن أحدا لا يقدره حق قدره: { رب } أيها المحسن ~~إلي { اغفر وارحم } أي أكثر من تعليق هاتين الصفتين في أمتي لتكثرها، ~~فإن في ذلك شرفا لي ولهم، فأنت خير الغافرين { وأنت خير الراحمين* } ~~فمن رحمته أفلح بما توفقه له من امتثال ما أشرت إليه أول السورة، فكان ~~من المؤمنين، فكان من الوارثين الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون، فقد ~~انطبق على الأول هذا الآخر بفوز كل مؤمن، وخيبة كل كافر، نسأل الله تعالى ~~أن يكون لنا أرحم راحم وخير غافر، إنه المتولي للسرائر، والمرجو لإصلاح ~~الضمائر - آمين. ### | [24 - سورة النور] ### || [24.1-2] # { سورة } أي عظيمة؛ ثم رغب في امتثال ما فيها مبينا أن تنويها للتعظيم ~~بقوله: { أنزلناها } أي بما لنا من العظمة وتمام العلم والقدرة { ~~وفرضناها } أي قررناها وقدرناها وأكثرنا فيها من الفروض وأكدناها { ~~وأنزلنا فيها } بشمول علمنا { آيات } من الحدود والأحكام والمواعظ ~~والأمثال وغيرها، مبرهنا عليها { بينات } لا إشكال فيها رحمة منا لكم، ~~فمن قبلها دخل في دعوة نبينا صلى الله عليه وسلم التي لقناه إياها في آخر ms3114 ~~تلك فرحمه خير الراحمين، ومن أباها ضل فدخل في التبكيت بقولنا # ألم تكن آياتي تتلى عليكم # [المؤمنون: 105] ونحوه، وذلك معنى قوله: { لعلكم تذكرون* } أي لتكونوا - ~~إذا تأملتموها مع ما قبلها من الآيات المرققة والقصص المحذرة - على رجاء ~~- عند من لا يعلم العواقب - من أن تتذكروا ولو نوعا من التذكر - كما ~~أشار إليه الإدغام - بما ترون فيها من الحكم أن الذي نصبها لكم وفصلها ~~إلى ما ترون لا يترككم سدى، فتقبلوا على جميع أوامره، وتنتهوا عن زواجره، ~~ليغفر لكم ما قصرتم فيه من طاعته، ويرحمكم بتنويل ما لا وصول لكم إليه ~~إلا برحمته، وتتذكروا أيضا بما يبين لكم من الأمور، ويكشف عنه الغطاء من ~~الأحكام التي اغمت عنها حجب النفوس، وسترتها ظلمات الأهوية - ما جبل عليه ~~الآدميون، فتعلموا أن الذي تحبون أن يفعل معكم بحب غيركم أن تفعلوه معه، ~~والذي تكرهونه من ذلك يكرهه غيركم، فيكون ذلك حاملا لكم على النصفة ~~فيثمر الصفاء، والألفة والوفاء، فتكونوا من المؤمنين المفلحين الوارثين ~~الداخلين في دعوة البشير النذير بالرحمة. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير في برهانه: لما قال تعالى # والذين هم لفروجهم حافظون # [المؤمنون:5] ثم قال تعالى # فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون # [المؤمنون: 7] استدعى الكلام بيان حكم العادي في ذلك، ولم يبين فيها ~~فأوضحه في سورة النور فقال تعالى { الزانية والزاني } - الآية، ثم أتبع ~~ذلك بحكم اللعان والقذف وانجر مع ذلك الإخبار بقصة الإفك تحذيرا ~~للمؤمنين من زلل الألسنة رجما بالغيب { وتحسبونه هينا وهو عند الله ~~عظيم } وأتبع ذلك بعد بوعيد محبي شياع الفاحشة، في المؤمنين بقوله تعالى # إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات # [النور: 23] الآيات، ثم بالتحذيرمن دخول البيوت إلا بعد الاستئذان ~~المشروع، ثم بالأمر بغض الأبصار للرجال والنساء ونهى النساء عن إبداء ~~الزينة إلا لمن سمى الله سبحانه في الآية، وتكررت هذه المقاصد في هذه ~~السورة إلى ذكر حكم العورات الثلاث، ودخول بيوت الأقارب وذوي الأرحام، ~~وكل هذا مما تبرأ ذمة المؤمن بالتزام ما أمر الله فيه من ذلك ms3115 والوقوف ~~عندما حده تعالى من أن يكون من العادين المذمومين في قوله تعالى # فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون # [المؤمنون: 7]. وما تخلل الآي المذكورات ونسق عليها مما ليس من الحكم ~~المذكور فلاستجرار الآي إياه واستدعائه، ومظنة استيفاء ذلك وبيان ارتباطه ~~التفسير، وليس من شرطنا هنا - والله سبحانه وتعالى يوفقنا لفهم كتابه - ~~انتهى. # ولما كان مبنى هذه الدار على الأنساب في التوارث والإمامة والنكاح وغير ~~ذلك، ومبنى تلك الدار على الأعمال لقوله تعالى # فلا أنساب بينهم يومئذ # [المؤمنون: 101] وكان قد حث في آخر تلك على الستر والرحمة، حذر رحمة منه ~~في أول هذه من لبس الأنساب، وكسب الأعراض وقطع الأسباب، معلما أن الستر ~~والرقة ليسا على عمومهما، بل على ما يحده سبحانه، فقال مخاطبا للأئمة ~~ومن يقيمونه: { الزانية } وهي من فعلت الزنى، وهو إيلاج فرج في فرج مشتهى ~~طبعا محرم شرعا، وقدمها لأن أثر الزنى يبدو عليها من الحبل وزوال ~~البكارة، ولأنها أصل الفتنة بهتك ما أمرت به من حجاب التستر والتصون ~~والتحذر { والزاني }. # ولما كان " ال " بمعنى الاسم الموصول، أدخل الفاء في الخبر فقال: { ~~فاجلدوا } أي فاضربوا وإن كان أصله ضرب الجلد بالسوط الذي هو جلد { كل ~~واحد منهما } إذا لم يكن محصنا، بل كان مكلفا بكرا - بما بينته السنة ~~الشريفة { مائة جلدة } فبدأ بحد الزنى المشار إليه أول تلك بقوله تعالى # فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون # [المؤمنون: 7] وفي التعبير بلفظ الجلد الذي هو ضرب الجلد إشارة إلى أنه ~~يكون مبرحا بحيث يتجاوز الألم إلى اللحم. # ولما كان هذا ظاهرا في ترك الشفقة عليهما، صرح به لأن من شأن كل من ~~يجوز على نفسه الوقوع في مثل ذلك أن يرحمهما فقال: { ولا تأخذكم } أي على ~~حال من الأحوال { بهما رأفة } أي لين، ولعله عبر بها إعلاما بأنه لم ينه ~~عن مطلق الرحمة، لأن الرأفة أشد الرحمة أو أرقها وتكون عن أسباب من ~~المرؤوف به، وكذا قوله: { في دين الله } أي الذي شرعه لكم الملك المحيط ~~بصفات الكمال ms3116 - إشارة إلى أن الممنوع منه رحمة تؤدي إلى ترك الحد أو شيء ~~منه أو التهاون به أو الرضى عن منتهكه لا رقة القلب المطبوع عليها البشر ~~كما يحكى عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه بكى يوم فتحت قبرص وضربت رقاب ~~ناس من أسراها فقيل له: هذا يوم سرور، فقال: هو كذلك، ولكني أبكي رحمة ~~لهؤلاء العباد الذين عصوا الله فخذلهم وأمكن منهم. # ولما علم سبحانه ما طبع عليه عباده من رحمة بعضهم لبعض فحث على هذا ~~الحكم بالأمر والنهي، زاد في التهييج إليه والحض عليه بقوله: { إن كنتم } ~~أي بما هو كالجبلة التي لا تنفك { تؤمنون بالله } أي الملك الأعظم الذي ~~هو أرحم الراحمين، فما شرع ذلك إلا رحمة للناس عموما وللزانيين خصوصا، ~~فمن نقص سوطا فقد ادعى أنه أرحم منه، ومن زاد سوطا فقد ظن أنه أحكم ~~وأعظم منه. # ولما ذكر بالإيمان الذي من شرطه التزام الأحكام، وكان الرجاء غالبا على ~~الإنسان، أتبعه ما يرهبه فقال: { واليوم الآخر } الذي يحاسب فيه على ~~النقير والقطمير والخفي والجلي. ولما كان الخزي والفضيحة أعظم عند بعض ~~الناس من ضرب السيف فضلا عن ضرب السوط قال: { وليشهد } أي يحضر حضورا ~~تاما { عذابهما طائفة } أي جماعة يمكن إطافتها أي تحلقها وحفوفها بكل ~~منهما { من المؤمنين* } العريقين إشهارا لأمرهما نكالا لهما، وعن نصر ~~بن علقمة أن ذلك ليدعى لهما بالتوبة والرحمة. وفي كل هذا إشارة ظاهرة إلى ~~أن إقامة الحدود والغلظة فيها من رحمته سبحانه المشار إليها بقوله # وأنت خير الراحمين # [المؤمنون: 118]. ### || [24.3] # ولما كان في ذلك من الغلظة على الزاني لما ارتكب من الحرام المتصف ~~بالعار ما يفهم مجانبته، صرح به، مانعا من نكاح المتصف بالزنى من ذكر ~~وأنثى، إعلاما بأن وطء من اتصف به من رجل أو امرأة لا يكون إلا زنى وإن ~~كان بعقد، فقال واصلا له بما قبله: { الزاني لا ينكح } أي لا يتزوج { ~~إلا زانية أو مشركة } أي المعلوم اتصافه بالزنى مقصور نكاحه على زانية أو ~~مشركة، وذلك محرم، ms3117 فهذا تنفير للمسلمة عن نكاح المتصف بالزنى حيث سويت ~~بالمشركة إن عاشرته، وذلك يرجع إلى أن من نكحت زانيا فهي زانية أو ~~مشركة، أي فهي مثله أو شر منه، ولو اقتصر على ذلك لم يكن منع من أن ينكح ~~العفيف الزانية، فقال تعالى مانعا من ذلك: { والزانية لا ينكحها } أي لا ~~يتزوجها { إلا زان أو مشرك } أي والمعلوم اتصافها بالزنى مقصور نكاحها ~~على زان أو مشرك، وذلك محرم فهو تنفير للمسلم أن يتزوج من اتصفت بالزنى ~~حيث سوى في ذلك بالمشرك، وهو يرجع إلى أن من نكح زانية فهو زان أو مشرك، ~~أي فهو مثلها أو شر منها، وأسند النكاح في الموضعين إلى الرجل تنبيها ~~إلى أن النساء لا حق لهن في مباشرة العقد؛ ثم صرح بما أفهمه صدر الاية ~~بقوله مبنيا للمفعول لأن ذلك يكفي المؤمن الذي الخطاب معه: { وحرم ذلك } ~~أي نكاح الزاني والزانية تحريما لا مثنوية فيه { على المؤمنين* } وعلم ~~من هذا أن ذكر المشرك والمشركة لزيادة التنفير، ثم إن هذا الحكم فسخ كما ~~قال إمامنا الشافعي رحمه الله موافقة لابن المسيب بقوله تعالى # وأنكحوا الأيامى منكم # [النور: 32] وهو جمع أيم وهو من لا زوج له من الذكور والإناث، فأحل ~~للزاني أن ينكح من شاء، وللزانية أن تنكح من شاءت، وقراءة من قرأ { لا ~~ينكح } بالنهي راجعة إلى هذا، لأن الطلب قد يجيء للخبر كما يجيء الخبر ~~للطلب - والله أعلم؛ قال الشافعي رحمه الله تعالى ورضي الله عنه في الأم ~~في جزء مترجم بأحكام القرآن وفي جزء بعد كتاب الحج الكبير والصغير ~~والضحايا: ما جاء في نكاح المحدثين، فذكر الآية وقال: اختلف أهل التفسير ~~في هذه الاية اختلافا متباينا، أخبرنا مسلم بن خالد عن ابن جريج عن ~~مجاهد أن هذه الآية نزلت في بغايا من بغايا الجاهلية كانت على منازلهن ~~رايات، قال في الجزء الآخر: وكن غير محصنات، فأراد بعض المسلمين نكاحهن ~~فنزلت الآية بتحريم أن ينكحن إلا من أعلن بمثل ما أعلن به أو مشركا، ~~وقيل ms3118 كن زواني مشركات فنزلت لا ينكحهن إلا زان مثلهم مشرك، أو مشرك وإن ~~لم يكن زانيا، وحرم ذلك على المؤمنين، وقيل: هي عامة ولكنها نسخت، ~~أخبرنا سفيان عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أنه قال: هي منسوخة ~~نسختها # وأنكحوا الأيامى منكم # [النور: 32] فهي من أيامي المسلمين، فهذا كما قال ابن المسيب إن شاء ~~الله تعالى، وعليه دلائل من الكتاب والسنة، ثم استدل على فساد غير هذا ~~القول بأن الزانية إن كانت مشركة فهي محرمة على زناة المسلمين وغير ~~زناتهم بقوله تعالى # ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن # [البقرة: 221] ولا خلاف في ذلك، وإن كانت مسلمة فهي بالإسلام محرمة على ~~جميع المشركين بكل نكاح بقوله تعالى # فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون ~~لهن # [الممتحنة: 10] ولا خلاف في ذلك أيضا، وبأنه لا اختلاف بين أحد من أهل ~~العلم أيضا في تحريم الوثنيات عفائف كن أو زواني على من آمن زانيا كان ~~أو عفيفا، وبأن النبي صلى الله عليه وسلم جلد بكرا في الزنى وجلد امرأة ~~ولم نعلمه قال للزاني: هل لك زوجة فتحرم عليك إذا زنيت، ولا يتزوج هذا ~~الزاني ولا الزانية إلا زانية أو زانيا، بل قد يروى أن رجلا شكا من ~~امرأته فجورا فقال: طلقها، قال: إني أحبها، قال: استمتع بها - يشير إلى ~~ما رواه ابو داود والنسائي وغيرهما عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلا ~~جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: # " إن امرأتي لا تمنع يد لامس، قال: طلقها، قال: إني لا أصبر عنها، قال: ~~فأمسكها " # ورواه البيهقي والطبراني من حديث جابر رضي الله عنه، وقال شيخنا ابن ~~حجر: إنه حديث حسن صحيح - انتهى. قال الشافعي: وقد روي عن عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه قال لرجل اراد أن ينكح امرأة أحدثت: أنكحها نكاح العفيفة ~~المسلمة - انتهى بالمعنى. وقال في الجزء الذي بعد الحج: فوحدنا الدلالة ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في زانية وزان من ms3119 المسلمين لم نعلمه حرم ~~على واحد منهما أن ينكح غير زانية ولا زان، ولا حرم واحدا منهما على ~~زوجه؛ ثم قال: فالاختيار للرجل أن لا ينكح زانية وللمرأة أن لا تنكح ~~زانيا، فإن فعلا فليس ذلك بحرام على واحد منهما، ليست معصية واحد منهما ~~في نفسه تحرم عليه الحلال إذا أتاه، ثم قال: وسواء حد الزاني منهما أو لم ~~يحد، أو قامت عليه بينة أو اعترف، لا يحرم زنى واحد منهما ولا زناهما ولا ~~معصية من المعاصي الحلال إلا أن يختلف ديناهما بشرك وإيمان - انتهى. وقد ~~علم أنه لم يرد أن هذا الحكم نسخ بآية الأيامى فقط، بل بما انضم إليها من ~~الإجماع وغيره من الآيات والأحاديث بحيث صير ذلك دلالتها على ما تناولته ~~متيقنا كدلالة الخاص على ما تناوله، فلا يقال: إن الشافعي رحمه الله ~~خالف أصله في أن الخاص لا ينسخ بالعام، لأن ما تناوله الخاص متيقن، وما ~~تناوله العام ظاهر مظنون، وكان هذا الحكم - وهو الحرمة في أول الإسلام ~~بعد الهجرة - لئلا يغلب حال المفسد على المصلح فيختل بعض الأمر كما أشير ~~إليه في البقرة # ولا تنكحوا المشركات # [البقرة: 221] وفي المائدة عند # ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله # [المائدة: 5] وهو من وادي قوله: # عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه # فكل خليل بالمخالل يقتدي # والجنسية علة الضم، والمشاكلة سبب المواصلة، والمخالفة توجب المباعدة ~~وتحرم المؤالفة، وقد روى أبو داود في الأدب والترمذي في الزهد - وقال: ~~حسن غريب - عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل " # وروى الإمام أبو يعلى الموصلي في مسنده قال: حدثنا يحيى بن معين حدثنا ~~سعيد بن الحكم حدثنا يحيى بن أيوب حدثني يحيى بن سعيد عن عمرة بنت عبد ~~الرحمن قالت: كانت امرأة بمكة مزاحة، يعني فهاجرت إلى المدينة الشريفة، ~~فنزلت على امرأة شبه لها، فبلغ ذلك عائشة رضي الله عنها فقالت صدق حبي! ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه ms3120 وسلم يقول: # " الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف " # قال: ولا أعلم إلا قال في الحديث: ولا نعرف تلك المرأة، وسيأتي { ~~والطيبات للطيبين } تخريج " الأرواح جنود مجندة " وقال الإمام أبو بكر ~~أحمد بن مروان الدينوري في كتاب المجالسة: حدثنا أحمد بن علي الخزاز ~~حدثنا مصعب بن عبدالله عن أبي غزية الأنصاري قال: قال الشعبي: يقال: إن ~~لله ملكا موكلا بجمع الأشكال بعضها إلى بعض - انتهى. وعزاه شيخنا ~~الحافظ أبو الفضل بن حجر في تخريج أحاديث مسند الفردوس إلى أنس رضي الله ~~عنه وقال: بتأليف الأشكال. ويروى أن أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب رضي ~~الله عنه خطب أهل الكوفة بعد ثلاثة أيام من مقدمه عليهم فقال: يا أهل ~~الكوفة، قد علمنا شراركم من خياركم، فقالوا: كيف وما لك إلا ثلاثة أيام؟ ~~فقال: كان معنا شرار وخيار، فانضم خيارنا إلى خياركم، وشرارنا إلى ~~شراركم، فلما تقررت الأحكام، وأذعن الخاص والعام، وضرب الدين بجرانه، ولم ~~يخش وهي شيء من بنيانه، نسخت الحرمة، وبقيت الكراهة أو خلاف الأولى - ~~والله الموفق. وهذا كله توطئة لبراءة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها ~~كما يأتي إيضاحه عنه { والطيبات للطيبين } لأنها قرينة خير العالمين ~~وأتقاهم وأعفهم، ولأن كلا منها ومن صفوان رضي الله عنهما بعيد عما رمى ~~به شهير بضده، وإليه الإشارة # " بقول النبي صلى الله عليه وسلم: من يعذرني من رجل بلغ أذاه في أهلي، ~~والله ما علمت على أهلي إلا خيرا، ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا ~~خيرا " # وفي رواية # " ما علمت عليه من سوء قط، ولا دخل بيتي قط إلا وأنا حاضر " # وبقول عائشة رضي الله عنها عن صفوان رضي الله عنه: إنه قتل شهيدا في ~~سبيل الله. وهذا سوى الآيات المصرحة والأعلام المفصحة، فهو { والطيبون } ~~تلويح قبل بيان، وتصريح وإشارة بعد عبارة وتوضيح، ليجتمع في براءة ~~الصديقة رضي الله عنها دليلان عقليان شهوديان اكتنفا الدليل النقلي فكانا ~~سورا عليه، وحفظا من تصويب طعن إليه، وفي ذلك من فخامة ms3121 أمرها وعظيم ~~قدرها ما لا يقدره حق قدره إلا الذي خصها به. ### || [24.4-11] # ولما نفر سبحانه من نكاح من اتصف بالزنى من رجل أو امرأة، وبدأ - لأن ~~نكاح المرأة للزاني مظنة لزناها - بتنفير الإناث بما يوهم جواز إطلاق ~~الزنى عليهن بمجرد نكاح من علم زناه، وذلك بعد أن ابتدأ في حد الزنى ~~بالأنثى أيضا لأن زناها أكبر شرا، وأعظم فضيحة وضرا، عطف على ذلك ~~تحريم القذف بما يوجب تعظيم الرغبة في الستر وصيانة الأعراض وإخفاء ~~الفواحش، فقال ذاكرا الجمع لأن الحكم بإقامة الحد عليه يفهم إقامة الحد ~~على الواحد من باب الأولى ولا إيهام فيه لأن الجمع إذا قوبل بالجمع أفهم ~~التوزيع: { والذين يرمون } أي بالزنى { المحصنات } جمع محصنة، وهي هنا ~~المسلمة الحرة المكلفة العفيفة، والمراد القذف بالزنى بما أرشد إليه ~~السياق سابقا ولاحقا، ذكورا كان الرامون أو إناثا بما أفهمه الموصول، ~~وخص الإناث وإن كان الحكم عاما للرجال تنبيها على عظيم حق أم المؤمنين ~~عائشة رضي الله عنها، ولأن الكلام في حقهن أشنع. # ولما كان إقدام المجترىء على القذف مع ما شرطه فيه لدرء الحد إرادة ~~الستر - بعيدا، أشار إليه بأداة التراخي فقال: { ثم لم يأتوا } أي إلى ~~الحاكم { بأربعة شهداء } ذكور { فاجلدوهم } أيها المؤمنون من الأئمة ~~ونوابهم { ثمانين جلدة } لكل واحد منهم، لكل محصنة، إن لم يكن القاذف ~~أصلا، إن كانوا أحرارا، وحد العبد نصف ذلك لآية النساء # فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب # [النساء: 25] فهذه الآية مخصوصة بتلك إذ لا فرق بين الذكر والأنثى ولا ~~بين حد الزنى وحد القذف { ولا تقبلوا لهم } أي بعد قذفهم على هذا الوجه { ~~شهادة } أي شهادة كانت { أبدا } للحكم بافترائهم، ومن ثبت افتراؤه سقط ~~الوثوق بكلامه. # ولما كان التقدير: فإنهم قد افتروا، عطف عليه تحذيرا من الإقدام عن غير ~~تثبيت: { وأولئك } أي الذين تقدم ذمهم بالقذف فسفلت رتبتهم جدا { هم ~~الفاسقون* } أي المحكوم بفسقهم الثابت لهم هذا الوصف وإن كان القاذف منهم ~~محقا في نفس الأمر. # ولما كان من أصل ms3122 الشافعي رحمه الله أن الاستثناء المتعقب للجمل ~~المتواصلة المتعاطفة بالواو عائد إلى الجميع سواء كانت من جنس أو أكثر ~~إلا إذا منعت قرينة، أعاد الاستثناء هنا إلى الفسق ورد الشهادة دون الحكم ~~بالجلد، لأن من تمام التوبة الاستسلام للحد والاستحلال منه، ولقرينة كونه ~~حق آدمي وهو لا يسقط بالتوبة، في قوله تعالى: { إلا الذين تابوا } أي ~~رجعوا عما وقعوا فيه من القذف وغيره وندموا عليه وعزموا على أن لا يعودوا ~~كما بين في البقرة في قوله تعالى # إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا # [البقرة: 160] وأشار إلى أن الجلد لا يسقط بالتوبة بقوله مشيرا بإدخال ~~الجار إلى أن قبولها لا يتوقف على استغراقها الزمان الآتي: { من بعد ذلك ~~} أي الأمر الذي أوجب إبعادهم وهو الرمي والجلد، فإن التوبة لا تغير حكم ~~الرامي في الجلد، وإنما تغيره في رد الشهادة وما تسببت عنه وهو الفسق، ~~وأشار إلى شروط التوبة بقوله: { وأصلحوا } أي بعد التوبة بمضي مدة يظن ~~بها حسن الحال، وهي سنة يعتبر بها حال التائب بالفصول الأربعة التي تكشف ~~الطباع. # ولما كان استثناؤهم من رد الشهادة والفسق، فكان التقدير: فاقبلوا ~~شهادتهم ولا تصفوهم بالفسق، علله بقوله: { فإن الله } أي الذي له صفات ~~الكمال { غفور } أي ستور لهم ما أقدموا عليه لرجوعهم عنه { رحيم* } أي ~~يفعل بهم من الإكرام فعل الراحم بالمرحوم في قبول الشهادة. # ولما كان لفظ المحصنات عاما للزوجات، وكان لهن حكم غير ما تقدم، أخرجهن ~~بقوله: { والذين يرمون } أي بالزنى { أزواجهم } أي من المؤمنات الأحرار ~~والإماء والكافرات { ولم يكن لهم } بذلك { شهداء إلا أنفسهم } وهذا يفهم ~~أن الزوج إذا كان أحد الأربعة كفى، لكن يرد هذا المفهوم كونه حكاية واقعة ~~لا شهود فيها، وقوله في الآية قبلها: { ثم لم يأتوا بأربعة شهداء } فإنه ~~يقتضي كون الشهداء غير الرامي، ولعله استثناه من الشهداء لأن لعانه يكون ~~بلفظ الشهادة، ومذهب الشافعي رضي الله عنه أنه لا يقبل في ذلك على زوجته ~~- قال ابن الرفعة في الكفاية: لأمرين: أحدهما أن الزنى تعرض لمحل ms3123 حق ~~الزوج، فإن الزاني مستمتع بالمنافع المستحقة له، فشهادته في صفتها تتضمن ~~إثبات جناية الغير على ما هو مستحق له فلم تسمع، كما إذا شهد أنه جنى على ~~عبده، والثاني أن من شهد بزنى زوجته فنفس شهادته تدل على إظهار العداوة، ~~لأن زناها يوغر صدره بتلطيخ فراشه وإدخال العار عليه وعلى ولده، وهو أبلغ ~~في العداوة من مؤلم الضرب وفاحش السب، قال القاضي الحسين: وإلى هذه العلة ~~أشار الشافعي رحمه الله وهي التي حكاها القاضي أبو الطيب في باب حد قاطع ~~الطريق عن الشيخ أبي حامد. { فشهادة أحدهم } أي على من رماها { أربع ~~شهادات } من خمس في مقابلة أربعة شهداء { بالله } أي مقرونة بهذا الاسم ~~الكريم الأعظم الموجب لاستحضار جميع صفات الجلال والجمال { إنه لمن ~~الصادقين* } أي فيما قذفها به { والخامسة أن لعنت الله } أي الملك الأعظم ~~{ عليه } أي هذا القاذف نفسه { إن كان من الكاذبين* } فيما رماها به، ~~ولأجل قطعه بهذه الأيمان الغليظة بصدقه وحكم الله بخلاصه انتفى عنه ~~الولد، فلزم من نفيه الفرقة المؤبدة من غير لفظ لعدم صلاحيتها أن تكون ~~فراشا له، لأن الولد للفراش، ولا يصح اللعان إلا عند حاكم، ولا يخفى ما ~~في هذا من الإبعاد عن القذف بوجوب مزيد الاحتياط، لما في ذلك من التكرير ~~والاقتران بالاسم الأعظم، والجمع بين الإثبات وما يتضمن النفي، والدعاء ~~باللعن المباعد لصفة المؤمن، فإذا فعل الزوج ذلك سقط عنه العذاب بحد ~~القذف وأوجبه على المقذوفة، فلذلك قال تعالى: { ويدرؤا } أي يدفع { عنها ~~} أي المقذوفة { العذاب } أي المعهود، وهو الحد الذي أوجبه عليها ما تقدم ~~من شهادة الزوج { أن تشهد أربع شهادات } من خمس { بالله } الذي له جميع ~~الأسماء الحسنى والصفات العلى كما تقدم في الزوج { إنه لمن الكاذبين* } ~~فيما قاله عنها { والخامسة } من الشهادات { أن غضب الله } الذي له الأمر ~~كله فلا كفوء له { عليها } وهو أبلغ من اللعن الذي هو الطرد، لأنه قد ~~يكون بسبب غير الغضب، وسبب التغليظ عليها الحث على اعترافها بالحق لما ~~يعضد الزوج ms3124 من القرينة من أنه لا يتجشم فضيحة أهله المستلزم لفضيحته إلا ~~وهو صادق، ولأنها مادة الفساد، وهاتكة الحجاب، وخالطة الأنساب { إن كان } ~~أي كونا راسخا { من الصادقين* } أي فيما رماها به؛ روى البخاري في ~~التفسير وغيره عن ابن عباس وغيره رضي الله عنهم # " أن هلال بن أمية رضي الله عنه قذف امرأته عند النبي صلى الله عليه ~~وسلم بشريك بن سحماء رضي الله عنه فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " ~~البينة وإلا حدا في ظهرك " ، قال يا رسول الله! إذا رأى أحدنا على ~~امرأته رجلا ينطلق يلتمس البينة؟ فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ~~البينة وإلا حدا في ظهرك، فقال هلال: والذي بعثك بالحق! إني لصادق، ~~ولينزلن الله ما يبرىء ظهري من الحد، فنزل جبريل عليه السلام وأنزل عليه ~~{ والذين يرمون أزواجهم } فقرأ حتى بلغ { إن كان من الصادقين } فانصرف ~~النبي صلى الله صلى عليه وسلم فأرسل إليهما، فجاء هلال فشهد والنبي صلى ~~الله عليه وسلم يقول: " إن الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟ " ~~ثم قامت فشهدت، فلما كانت عند الخامسة وقفوها وقالوا: إنها موجبة، فتلكأت ~~ونكصت حتى ظننا أنها ترجع، ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم. فمضت، وقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: " أبصروها فإن جاءت به أكحل العينين سابغ ~~الأليتين خدلج الساقين فهو لشريك بن سحماء " ، فجاءت به كذلك، فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن " # وقد روى البخاري أيضا عن سهل بن سعد رضي الله عنه أن سبب نزولها قصة ~~مثل هذه لعويمر، وقد تقدم أنه لا يمتنع أن يكون للآية الواحدة عدة أسباب ~~معا أو متفرقة. # ولما حرم الله سبحانه بهذه الجمل الأعراض والأنساب، فصان بذلك الدماء ~~والأموال، علم أن التقدير: فلولا أنه سبحانه خير الغافرين وخير الراحمين، ~~لما فعل بكم ذلك، ولفضح المذنبين، وأظهر سرائر المستخفين، ففسد النظام، ~~وأطبقتم على التهاون بالأحكام، فعطف على هذا الذي علم تقديره قوله: { ~~ولولا فضل الله ms3125 } أي بما له من الكرم والجمال، والاتصاف بصفات الكمال { ~~عليكم ورحمته } أي بكم { وأن الله } أي الذي أحاط بكل شيء علما وقدرة { ~~تواب } أي رجاع بالعصاة إليه { حكيم* } يحكم الأمور فيمنعها من الفساد ~~بما يعلم من عواقب الأمور، لفضح كل عاص، ولم يوجب أربعة شهداء سترا لكم، ~~ولأمر بعقوبته بما توجبه معصيته، ففسد نظامكم، واختل نقضكم وإبرامكم، ~~ونحو ذلك مما لا يبلغ وصفه، فتذهب النفس فيه كل مذهب، فهو كما قالوا: رب ~~مسكوت عنه أبلغ من منطوق به، ثم علل ما اقتضته { لولا } من نحو: ولكنه لم ~~يفعل ذلك إفضالا عليكم ورحمة لكم، بقوله على وجه التأكيد لما عرف من حال ~~كثير ممن غضب لله ولرسوله من إرادة العقوبة للآفكين بضرب الأعناق، منبها ~~لهم على أن ذلك يجر إلى مفسدة كبيرة: { إن الذين جاءو بالإفك } أي أسوأ ~~الكذب لأنه القول المصروف عن مدلوله إلى ضده، المقلوب عن وجهه إلى قفاه، ~~وعرف زيادة تبشيع له في هذا المقام، حتى كأنه لا إفك إلا هو لأنه في حق ~~أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وهي من أحق الناس بالمدحة لما كانت عليه ~~من الحصانة والشرف والعفة والكرم، فمن رماها بسوء فقد قلب الأمر عن أحسن ~~وجوهه إلى أقبح أقفائه، وترك تسميتها تنزيها لها عن هذا المقام، إبعادا ~~لمصون جانبها العلي عن هذا المرام { عصبة } أي جماعة أقلهم عشرة وأكثرهم ~~أربعون، فهم لكونهم عصبة يحمى بعضهم لبعض فيشتد أمرهم، لأن مدار مادة " ~~عصب " على الشدة، وهم مع ذلك { منكم } أي ممن يعد عندكم في عداد ~~المسلمين، فلو فضحهم الله في جميع ما أسروه وأعلنوه، وأمركم بأن تعاقبوهم ~~بما يستحقون على ذلك، لفسدت ذات البين، بحمايتهم لأنفسهم وهم كثير، ~~وتعصب أودائهم لهم، إلا بأمر خارق يعصم به من ذلك كما كشفت عنه التجربة ~~حين خطب النبي صلى الله عليه وسلم وقال: # " من يعذرني من رجل بلغ أذاه في أهلي " # حين كادوا يقتتلون لولا أن سكنهم النبي صلى الله عليه سلم، فالله سبحانه ~~برحمته بكم ms3126 يمنع من كيدهم ببيان كذبهم، وبحكمته يستر عليهم ويخيفهم، ~~لتنحسم مادة مكرهم، وتنقطع أسباب ضرهم. # ولما كان هذا مقتضيا للاهتمام بشأنهم، أتبعه قوله، تحقيرا لأمرهم ~~مخاطبا للخلص وخصوصا النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعائشة وأمها ~~وصفوان بن المعطل رضي الله عنهم: { لا تحسبوه } أي الإفك { شرا لكم } ~~أيها المؤمنون بأن يصدقه أحد أو تنشأ عنه فتنة { بل هو خير لكم } بثبوت ~~البراءة الموجبة للفخر الذي لا يلحق، بتلاوتها على مر الدهور بألسنة من ~~لا يحصى من العباد، في أكثر البلاد، وتسلية الرسول صلى الله عليه وسلم ~~والصديقين بذلك، مع الثواب الجزيل، بالصبر على مرارة هذا القيل، وثبوت ~~إعجاز القرآن بعد أعجازه بالبلاغة بصدقه في صيانة من أثنى عليها في ذلك ~~الدهر الطويل، الذي عاشته مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعده إلى أن ~~ماتت رضي الله تعالى عنها أتقى الناس ديانة، وأظهرهم صيانة، وأنقاهم ~~عرضا، وأطهرهم نفسا، فهو لسان صدق في الدنيا، ورفعة منازل في الآخرة ~~إلى غير ذلك من الحكم، التي رتبها بارىء النسم، من الفوائد الدينية ~~والأحكام والآداب. # ولما كان لا شفاء لغيظ الإنسان أعظم من انتصار الملك الديان له، علل ذلك ~~بقوله: { لكل امرئ منهم } أي الآفكين { ما } أي جزاء ما { اكتسب } بخوضه ~~فيه { من الإثم } الموجب لشقائه، وصيغة الافتعال من " كسب " تستعمل في ~~الذنب إشارة إلى أن الإثم يرتب على ما حصل فيه تصميم وعزم قوي صدقه العمل ~~بما فيه من الجد والنشاط، وتجرد في الخير إشارة إبى أن الثواب يكتب بمجرد ~~فعل الخير بل ونيته { والذي تولى كبره } أي معظمه بإشاعته والمجاهرة به { ~~منهم له } بما يخصه لإمعانه في الأذى { عذاب عظيم* } أي أعظم من عذاب ~~الباقين، لأنهم لم يقولوا شيئا إلا كان عليه مثل وزره من غير أن ينقص من ~~أوزارهم شيئا، وقصه الإفك معروفة في الصحيح والسنن وغيرها شهيرة جدا، ~~وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم غزا بني المصطلق بعد ما أنزلت آية ~~الحجاب، وكانت معه الصديقة بنت الصديق ms3127 زوجته أم المؤمنين عائشة رضي الله ~~تعالى عنها تحمل هودج لها، فافتقدت عقدا لها ليلة فرجعت إلى الموضع الذي ~~تخلت فيه فالتمسته، فرحل النبي صلى الله عليه وسلم وحمل جمالوها هودجها ~~وهم يظنونها فيه، فلما رجعت فلم تجد أحدا اضطجعت مكان هودجها رجاء أن ~~يعلموا بها فيرجعوا، وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني رضي الله ~~عنه قد عرس من وراء الجيش، فأصبح في مكانهم، فلما رآها وكان يراها قبل ~~الحجاب استرجع وأناخ راحلته فوطىء على يدها، ولم يتكلم بكلمة غير ~~استرجاعه، فركبت أم المؤمنين رضي الله عنها، ثم أقبل بها حتى لحق بالجيش ~~وهم نزول في نصف النهار، فتكلم أهل الإفك فيهما رضي الله عنهما، وكان من ~~سمي منهم عبد الله بن أبي المنافق، وزيد بن رفاعة، ومسطح بن أثاثة، وحمنة ~~بنت جحش وحسان بن ثابت، قال عروة بن الزبير: في ناس آخرين لا علم لي بهم ~~غير أنهم عصبة كما قال تعالى. وهكذا ذكروا حسان منهم وأنا والله لا أظن ~~به أصلا وإن جاءت تسميته في الصحيح فقد يخطىء الثقة لأسباب لا تحصى، كما ~~يعرف ذلك من مارس نقد الأخبار، وكيف يظن به ذلك ولا شغل له إلا مدح النبي ~~صلى الله عليه وسلم والمدافعة عنه والذم لأعدائه وقد شهد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أن جبريل عليه السلام معه، فأقسم بالله أن الذي أيده ~~بجبريل ما كان ليكله إلى نفسه في مثل هذه الواقعة، وقد سبقني إلى الذب ~~عنه الحافظ عماد الدين بن كثير الدمشقي رحمه الله وكيف لا ينافح عنه وهو ~~القائل: # فإن أبي ووالده وعرضي # لعرض محمد منكم وقاء # وهو القائل يمدح عائشة رضي الله عنها ويكذب من نقل عنه ذلك: # حصان رزان ما تزن بريبة # وتصبح غرثى من لحوم الغوافل # حليلة خير الناس دينا ومنصبا # نبي الهدى والمكرمات الفواضل # عقيلة حي من لؤي بن غالب # كرام المساعي مجدها غير زائل # مهذبة قد طيب الله خيمها # وطهرها من كل شين وباطل # فإن كان ما ms3128 بلغت عني قلته # فلا رفعت سوطي إلي أناملي # وكيف وودي ما حييت ونصرتي # لآل رسول الله زين المحافل # له رتب عال على الناس فضلها # تقاصر عنها سورة المتطاول # وقال الحافظ أبو عمر بن عبد البر في الاستيعاب: وأنكر قوم أن يكون حسان ~~خاض في الإفك وجلد فيه ورووا عن عائشة رضي الله عنها أنها برأته من ذلك - ~~انتهى. واستمر أهل الإفك في هذا أكثر من شهر، والله تعالى عالم بما ~~يقولون، وأن قولهم يكاد يقطع أكباد أحب خلقه إليه، وهو قادر على تكذيبهم ~~عند أول ما خاضوا فيه، ولكنه سبحانه أراد لناس رفعة الدرجات، ولآخرين ~~الهلاك، فيا لله ما لقي النبي صلى عليه وسلم والصديق وآله رضي الله عنهم ~~وكل من أحبهم وهم خير الناس، والله سبحانه وتعالى يملي للآفكين ويمهلهم، ~~وكأن الحال لعمري كما قال أبو تمام الطائي في قصيدة: # كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر # فليس لعين لم يفض ماؤها عذر # وحين سمعت عائشة رضي الله عنها بقول أهل الإفك سقطت مغشيا عليها ~~وأصابتها حمى بنافض، واستأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في إتيان بيت ~~أبيها فأذن لها فسألت أمها عن الخبر، فأخبرتها فاستعبرت وبكت، وكان أبو ~~بكر رضي الله عنه في علية يقرأ فسمع حسها فنزل فسأل أمها فقالت: بلغها ~~الذي ذكر من شأنها، ففاضت عيناه، واستمرت هي رضي الله عنها تبكي حتى ظنت ~~أن البكاء فالق كبدها، وساعدتها على البكاء امرأة من أولي الوفاء ~~والمؤاساة والكرم والإيثار ومعالي الشيم: الأنصار رضي الله عنهم، فكانت ~~تبكي معها، وسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عائشة رضي الله عنها ~~جاريتها بريرة رضي الله عنها فاستعظمت أن يظن في عائشة رضي الله عنها مثل ~~ذلك فقالت: سبحان الله! والله ما علمت عليها إلا ما يعلم الصائغ على تبر ~~الذهب الأحمر، وخطب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس على المنبر ~~واستعذر ممن تكلم في أهله وما علم عليهم إلا خيرا، وشهد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وهو ms3129 الصادق المصدوق بصلاح صفوان بن المعطل رضي الله عنه ~~وأنه ما علم عليه إلا خيرا، فكاد الناس يقتتلون فسكنهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، ثم دخل بعد أن صلى العصر على عائشة رضي الله عنها وهي ~~تبكي والأنصارية معها فوعظها، فأجابت وأجادت، فأنزل الله على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في ذلك المجلس فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء، قالت ~~عائشة رضي الله عنها: فأما أنا حين رأيت من ذلك ما رأيت فو الله ما فزعت ~~وما باليت، قد عرفت أني بريئة، وأن الله غير ظالمي، وأما أبواي فوالذي ~~نفس عائشة بيده! ما سري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ظننت لتخرجن ~~أنفسهما فرقا من أن يأتي الله بتحقيق ما قاله الناس، قالت: فرفع عنه ~~وإني لأتيبن السرور في وجهه وهو يمسح عن جبينه العرق ويقول: # " أبشري يا عائشة، فقد أنزل الله براءتك " # ، فكنت اشد ما كنت غضبا، فقال لي أبواي: قومي إليه! فقلت: والله لا ~~أقوم إليه ولا أحمده ولا أحمدكما ولا أحمد إلا الله الذي أنزل براءتي، ~~لقد سمعتموه فما أنكرتموه ولا غيرتموه، وأنزل الله تعالى: { إن الذين ~~جاؤوا بالإفك } العشر الآيات كلها، قالت عائشة رضي الله عنها: والله إن ~~الرجل الذي قيل له ما قيل ليقول: سبحان الله! والذي نفسي بيده! ما كشفت ~~كنف أنثى قط. قالت: ثم قتل بعد ذلك شهيدا في سبيل الله. ### || [24.12-16] # ولما أخبر سبحانه وتعالى بعقابهم، وكان من المؤمنين من سمعه فسكت، وفيهم ~~من سمعه فتحدث به متعجبا من قائله، أو مستثبتا في أمره، ومنهم من كذبه، ~~أتبعه سبحانه بعتابهم، في أسلوب خطابهم، مثنيا على من كذبه، فقال ~~مستأنفا محرضا: { لولا } أي هلا ولم لا { إذ سمعتموه } أيها المدعون ~~للإيمان. ولما كان هذا الإفك قد تمالأ عليه رجال ونساء قال: { ظن ~~المؤمنون } أي منكم { والمؤمنات } وكان الأصل: ظننتم، ولكنه التفت إلى ~~الغيبة تنبيها على التوبيخ، وصرح بالنساء، ونبه على الوصف المقتضي لحسن ~~الظن تخويفا للذي ظن السوء من ms3130 سوء الخاتمة: { بأنفسهم } حقيقة { خيرا } ~~وهم دون من كذب عليها، فقطعوا ببراءتها لأن الإنسان لا يظن بالناس إلا ما ~~هو متصف به أو بإخوانهم، لأن المؤمنين كالجسد الواحد، أو ظنوا ما يظن ~~بالرجل لو خلا بأمه، وبالمرأة إذا خلت بابنها، فإن نساء النبي صلى الله ~~عليه وسلم أمهات المؤمنين { وقالوا هذا إفك } أي كذب عظيم خلف منكب على ~~وجهه { مبين* } أي واضح في نفسه، موضح لغيره، وبيانه وظهوره أن المرتاب ~~يكاد يقول: خذوني فهو يسعى في التستر جهده، فإتيان صفوان بعائشة رضي الله ~~عنها راكبة على جملة داخلا به الجيش في نحر الظهيرة والناس كلهم يشاهدون ~~ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم ينزل عليه الوحي، إدلالا بحسن ~~عمله، غافلا عما يظن به أهل الريب، أدل دليل على البراءة وكذب القاذفين، ~~ولو كان هناك أدنى ريبة لجاء كل منهما وحده على وجه من التستر والذعر، ~~تعرف به خيانته، فالأمور تذاق، ولا يظن الإنسان بالناس إلا ما في نفسه، ~~ولقد عمل أبو أيوب الأنصاري وصاحبته رضي الله عنهما بما أشارت إليه هذه ~~الآية؛ قال ابن اسحاق: حدثني أبي إسحاق بن يسار عن بعض رجال بني النجار ~~أن أبا أيوب خالد بن زيد رضي الله عنه قالت له امرأته أم أيوب: يا أبا ~~أيوب ألا تسمع ما يقول الناس في عائشة رضي الله عنها؟ قال: بلى وذلك كذب، ~~أكنت يا أم أيوب فاعلة؟ قالت لا والله ما كنت لأفعله، قال: فعائشة والله ~~خير منك. وروى البغوي أنه قال: سبحانك هذا بهتان عظيم، فنزلت الآية على ~~وفق قوله رضي الله عنه. ثم علل سبحانه بيان كذب الآفكين بأن قال موبخا ~~لمن اختلقه وأذاعه ملقنا لمن ندبه إلى ظن الخير: { لولا } أي هلا ولم لا ~~{ جاءو } أي المفترون له أولا { عليه } إن كانوا صادقين { بأربعة شهداء ~~} كما تقدم أن القذف لا يباح إلا بها. # ولما تسبب عن كونهم لم يأتوا بالشهداء كذبهم قال: { فإذ } أي فحين { لم ~~يأتوا بالشهداء } أي الموصوفين { فأولئك } أي ms3131 البعداء من الصواب { عند ~~الله } أي في حكم الملك الأعلى، بل وفي هذه الواقعة بخصوصها في علمه { هم ~~الكاذبون* } أي الكذب العظيم ظاهرا وباطنا. # ولما بين لهم بإقامة الدليل على كذب الخائضين في هذا الكلام أنهم ~~استحقوا الملام، وكان ذلك مرغبا لأهل التقوى، بين أنهم استحقوا بالتقصير ~~في الإنكار عموم الانتقام في سياق مبشر بالعفو، فقال عاطفا على { ولولا ~~} الماضية: { ولولا فضل الله } أي المحيط بصفات الكمال { عليكم ورحمته } ~~أي معاملته لكم بمزيد الإنعام، الناظر إلى الفضل والإكرام، اللازم للرحمة ~~{ في الدنيا } بقبول التوبة والمعاملة بالحلم { والآخرة } بالعفو عمن ~~يريد أن يعفو عنه منكم { لمسكم } أي عاجلا عموما { في ما أفضتم } أي ~~اندفعتم على أي وجه كان { فيه } بعضكم حقيقة، وبعضكم مجازا بعدم الإنكار ~~{ عذاب عظيم* } أي يحتقر معه اللوم والجلد، بأن يهلك فيتصل به عذاب ~~الآخرة؛ ثم بين وقت حلوله وزمان تعجيله بقوله: { إذ } أي مسكم حين { ~~تلقونه } أي تجتهدون في تلقي أي قبول هذا الكلام الفاحش وإلقائه { ~~بألسنتكم } بإشاعة البعض وسؤال آخرين وسكوت آخرين { وتقولون } وقوله: { ~~بأفواهكم } تصوير لمزيد قبحه، وإشارة إلى أنه قول لا حقيقة له، فلا يمكن ~~ارتسامه في القلب بنوع دليل؛ وأكد هذا المعنى بقوله: { ما ليس لكم به علم ~~} أي بوجه من الوجوه، وتنكيره للتحقير { وتحسبونه } بدليل سكوتكم عن ~~إنكاره { هينا وهو } أي والحال أنه { عند الله } أي الذي لا يبلغ أحد ~~مقدار عظمته { عظيم* } أي في حد ذاته ولو كان في غير أم المؤمنين رضي ~~الله عنها، فكيف وهو في جنابها المصون، وهي زوجة خاتم الأنبياء وإمام ~~المرسلين عليه أفضل الصلاة وأفضل التسليم. # ولما بين فحشه وشناعته، وقبحه وفظاعته، عطف على التأديب الأول في قوله { ~~لولا إذ سمعتموه } تأديبا فقال: { ولولا إذ } أي وهلا حين { سمعتموه ~~قلتم } أي حين السماع من غير توقف ولا تلعثم، وفصل بين آلة التحضيض ~~والقول المحضض عليه بالظرف لأن الظروف تنزل من الشيء منزلة نفسه لوقوعه ~~فيها، وأنها لا انفكاك لها عنه، ولأن ذكره منبه على الاهتمام به ms3132 لوجوب ~~المبادرة إلى المحضض عليه: { ما يكون } أي ما ينبغي وما يصح { لنا أن ~~نتكلم } حقيقة بالنطق ولا مجازا بالسكوت عن الإنكار { بهذا } أي بمثله ~~في حق أدنى الناس فكيف بمن اختارها العليم الحكيم لصحبة أكمل الخلق، ثم ~~دللتم على شدة نفرتكم منه بأن وصلتم بهذا النفي قولكم: { سبحانك } تعجبا ~~من أن يخطر بالبال، في حال من الأحوال. # ولما كان تنزيه الله تعالى في مثل ذلك وإن كان للتعجب إشارة إلى تنزيه ~~المقام الذي وقع فيه التعجب تنزيها عظيما، حسن أن يوصل بذلك قوله ~~تعليلا للتعجب والنفي: { هذا بهتان } أي كذب يبهت من يواجه به، ويحيره ~~لشدة ما يفعل في القوى الباطنة، لأنه في غاية الغفلة عنه لكونه أبعد ~~الناس منه؛ ثم هوله بقوله: { عظيم* } والمراد أن الذي ينبغي للإنسان ~~أولا أن لا يظن بإخوانه المؤمنين ولا يسمع فيهم إلا خيرا، فإن غلبه ~~الشيطان وارتسم شيء من ذلك في ذهنه فلا يتكلم به، ويبادر إلى تكذيبه. ### || [24.17-19] # ولما كان هذا كله وعظا لهم واستصلاحا، ترجمه بقوله: { يعظكم الله } أي ~~يرقق قلوبكم الذي له الكمال كله فيمهل بحمله، ولا يمهل بحكمته وعلمه، ~~بالتحذير على وجه الاستعطاف: { أن } أي كراهة لأن { تعودوا لمثله أبدا } ~~أي ما دمتم أهلا لسماع هذا القول؛ ثم عظم هذا الوعظ، وألهب سامعه بقوله: ~~{ إن كنتم مؤمنين* } أي متصفين بالإيمان راسخين فيه فإنكم لا تعودون، فإن ~~عدتم فأنتم غير صادقين في دعواكم الاتصاف به { ويبين الله } أي بما له من ~~الاتصاف بصفات الجلال والإكرام { لكم الآيات } أي العلامات الموضحة للحق ~~والباطل، من كل أمر ديني أو دنيوي { والله } أي المحيط بجميع الكمال { ~~عليم } فثقوا ببيانه { حكيم* } لا يضع شيئا إلا في أحكم مواضعه وإن دق ~~عليكم فهم ذلك، فلا تتوقفوا في أمر من أوامره، واعلموا أنه لم يختر لنبيه ~~عليه الصلاة والسلام إلا الخلص من عباده، على حسب منازلهم عنده، وقربهم ~~من قلبه. # ولما كان من أعظم الوعظ بيان ما يستحق على الذنب من العقاب، أدبهم ~~تأديبا ثالثا ms3133 أشد من الأولين، فقال واعظا ومقبحا لحال الخائضين في ~~الإفك ومحذرا ومهددا: { إن الذين يحبون } عبر بالحب إشارة إلى أنه لا ~~يرتكب هذا مع شناعته إلا محب له، ولا يحبه إلا بعيد عن الاستقامة { أن ~~تشيع } أي تنتشر بالقول أو بالفعل { الفاحشة } أي الفعلة الكبيرة القبح، ~~ويصير لها شيعة يحامون عليها { في الذين آمنوا } ولو كانوا في أدنى درجات ~~الإيمان فكيف بمن تسنم ذروته، وتبوأ غايته { لهم عذاب أليم } ردعا لهم ~~عن إرادة إشاعة مثل ذلك لما فيه من عظيم الأذى { في الدنيا } بالحد وغيره ~~مما ينتقم الله منهم به { والآخرة } فإن الله يعلم هل كفر الحد عنهم جميع ~~مرتكبهم أم لا { والله } أي المستجمع لصفات الجلال والجمال { يعلم } أي ~~له العلم التام، فهو يعلم مقادير الأشياء ما ظهر منها وما بطن وما الحكمة ~~في ستره أو إظهاره أو غير ذلك من جميع الأمور { وأنتم لا تعلمون* } أي ~~ليس لكم علم من أنفسكم فاعلموا بما علمكم الله، ولا تتجاوزوه تضلوا. ### || [24.20-22] # ولما ختم بالحكم عليهم بالجهل، وكان التقدير كما أرشد إليه ما يأتي من ~~العطف على غير معطوف: فلولا فضل الله عليكم ورحمته بكم لعجل هلاك المحبين ~~لشيوع ذلك بعذاب الدنيا ليكون موصولا بعذاب الآخرة، عطف عليه قوله ~~مكررا التذكير بالمنة بترك المعاجلة حاذفا الجواب، منبها بالتكرير ~~والحذف على قوة المبالغة وشدة التهويل: { ولولا فضل الله } أي الحائز ~~لجميع الجلال والإكرام { عليكم ورحمته } بكم { وأن } أي ولولا أن { الله ~~} أي الذي له القدرة التامة فسبقت رحمته غضبه { رؤوف } بكم في نصب ما ~~يزيل جهلكم بما يحفظ من سرائركم بإرسال الرسل وإنزال الكتب ونصب الحدود، ~~الزاجرة عن الجهل، الحاملة على التقوى، التي هي ثمرة العلم، فإن الرأفة ~~كما تقدم في الحج وغيرها تقيم المرؤوف به لأنها ألطف الرحمة وأبلغها على ~~أقوم سنن حتى تحفظ بمسراها في سره ظهور ما يستدعي العفو، وتارة يكون هذا ~~الحفظ بالقوة بنصب الأدلة، وتارة يضم إلى ذلك الفعل بخلق الهداية في ~~القلب بما للمرؤوف به من ms3134 الوصلة بسهولة الانقياد وقوة الاستعداد { رحيم* ~~} بما يثبت لكم من الدرجات على ما منحكم به من ثمرات ذلك الحفظ من ~~الأعمال المرضية، والجواب محذوف تقديره: لترككم في ظلمات الجهل تعمهون، ~~فثارت بينكم الفتن حتى تفانيتم ووصلتم إلى العذاب الدائم بعد الهم ~~اللازم. # ولما أخبرهم بأنه ما أنزل لهم هذا الشرع على لسان هذا الرسول الرؤوف ~~الرحيم إلا رحمة لهم، بعد أن حذرهم موارد الجهل، نهاهم عن التمادي فيه في ~~سياق معلم أن الداعي إليه الشيطان العدو، فقال سارا لهم بالإقبال عليهم ~~بالنداء: { يا أيها الذين آمنوا } أي أقروا بالإيمان { لا تتبعوا } أي ~~بجهدكم { خطوات } أي طريق { الشيطان } أي لا تقتدوا به ولا تسلكوا مسالكه ~~التي يحمل على سلوكها بتزيينها في شيء من الأشياء، وكأنه أشار بصيغة ~~الافتعال إلى العفو عن الهفوات. # ولما كان التقدير: فإنه من يتنكب عن طريقه يأت بالحسنى والمعروف، عطف ~~عليه قوله: { ومن يتبع } أي بعزم ثابت من غير أن يكون مخطئا أو ناسيا؛ ~~وأظهر ولم يضمر لزيادة التنفير فقال: { خطوات الشيطان } أي ويقتد به يقع ~~في مهاوي الجهل الناشىء عنها كل شر { فإنه } أي الشيطان { يأمر بالفحشاء ~~} وهي ما أغرق في القبح { والمنكر } وهو ما لم يجوزه الشرع، فهو أولا ~~يقصد أعلى الضلال، فإن لم يصل تنزل إلى أدناه، وربما درج بغير ذلك، ومن ~~المعلوم أن من اتبع من هذا سبيله عمل بعمله، فصار في غاية السفول، وهذا ~~أشد في التنفير من إعادة الضمير في { فإنه على من } والله الموفق. # ولما كان التقدير: فلولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان مع أمره ~~بالقبائح، عطف عليه قوله: { ولولا فضل الله } أي ذي الجلال والإكرام { ~~عليكم } أي بتطهير نفوسكم ورفعها عما تعشقه من الدنايا إلى المعالي { ~~ورحمته } لكم بإكرامكم ورفعتكم بشرع التوبة المكفرة لما جر إليه الجهل ~~من ناقص الأقوال وسفاف الأفعال { ما زكى } أي طهر ونما { منكم } وأكد ~~الاستغراق بقوله: { من أحد } وعم الزمان بقوله: { أبدا ولكن الله } أي ~~بجلاله وكماله { يزكي } أي يطهر وينمي { من يشاء ms3135 } من عباده، من جميع ~~أدناس نفسه وأمراض قلبه، وإن كان العباد وأخلاقهم في الانتشار والكثرة ~~بحيث لا يحصيهم غيره، فلذلك زكى منكم من شاء فصانه عن هذا الإفك، وخذل من ~~شاء. # ثم ختم الآية بما لا تصح التزكية بدونه فقال: { والله } أي الذي له جميع ~~صفات الكمال { سميع } أي لجميع أقولهم { عليم* } بكل ما يخطر في بالهم، ~~وينشأ عن أحوالهم وأفعالهم، فهو خبير بمن هو أهل للتزكية ومن ليس بأهل ~~لها، فاشكروا الله على تزكيته لكم من الخوض في مثل ما خاض فيه غيركم ممن ~~خذله نوعا من الخذلان، واصبروا على ذلك منهم، ولا تقطعوا إحسانكم عنهم، ~~فإن ذلك يكون زيادة في زكاتكم، وسببا لإقبال من علم فيه الخير منهم، ~~فقبلت توبته، وغسلت حوبته، وهذا المراد من قوله: { ولا يأتل } أي يحلف ~~مبالغا في اليمين { أولوا الفضل منكم } الذين جعلتهم بما آتيتهم من ~~العلم والأخلاق الصالحة أهلا لبر غيرهم { والسعة } أي بما أوسعت عليهم ~~في دنياهم. # ولما كان السياق والسباق واللحاق موضحا للمراد، لم يحتج إلى ذكر أداة ~~النفي فقال: { أن يؤتوا } ثم ذكر الصفات المقتضية للإحسان فقال: { أولي ~~القربى } وعددها بأداة العطف تكثيرا لها وتعظيما لأمرها، وإشارة إلى أن ~~صفة منها كافية في الإحسان، فكيف إذا اجتمعت! فقال سبحانه: { والمساكين } ~~أي الذين لا يجدون ما يغنيهم وإن لم تكن لهم قرابة { والمهاجرين } لأهلهم ~~وديارهم وأموالهم { في سبيل الله } أي الذي عم الخلائق بجوده لما له من ~~الإحاطة بالجلال والإكرام وإن انتفى عنهم الوصفان الأولان، فإن هذه ~~الصفات مؤذنة بأنهم ممن زكى الله، وتعدادها بجعلها علة للعفو - دليل على ~~أن الزاكي من غير المعصومين قد يزل، فتدركه الزكاة بالتوبة فيرجع كما ~~كان، وقد تكون الثلاثة لموصوف واحد لأن سبب نزولها مسطح رضي الله عنه، ~~فالعطف إذن للتمكن في كل وصف منها. # ولما كان النهي عن ذلك غير صريح في العفو، وكان التقدير: فلؤتوهم، عطف ~~عليه مصرحا بالمقصود قوله: { وليعفوا } أي عن زللهم بأن يمحوه ويغطوه ~~بما يسلبونه عليه من أستار ms3136 الحلم حتى لا يبقى له أثر. ولما كان المحو لا ~~ينفي التذكر قال: { وليصفحوا } أي يعرضوا عنه أصلا ورأسا، فلا يخطروه ~~لهم على بال ليثمر ذلك الإحسان، ومنه الصفوح وهو الكريم. # ولما كانت لذة الخطاب تنسي كل عتاب، أقبل سبحانه بفضله ومنه وطوله على ~~أولي الفضل، مرغبا في أن يفعلوا بغيرهم ما يحبون أن يفعل بهم، مرهبا من ~~أن يشدد عليهم إن شددوا فقال: { ألا تحبون } أي يا أولي الفضل { أن يغفر ~~الله } أي الملك الأعظم { لكم } أي ما قصرتم في حقه، وسبب نزولها كما في ~~الصحيح من حديث عائشة رضي الله عنها أن أباها رضي الله تعالى عنه كان حلف ~~ما بعد برأ الله عائشة رضي الله عنها أن لا ينفق على مسطح ابن خالته ~~لكونه خاض من أهل الإفك؛ وفي تفسير الأصبهاني عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما: أقسم ناس من الصحابة فيهم أبو بكر رضي الله عنهم أن لا يتصدقوا ~~على رجل تكلم بشيء من الإفك ولا ينفعوهم فأنزل الله هذه الآية. # وناهيك بشهادة الله جل جلاله للصديق بأنه من أولي الفضل فيا له من شرف ~~ما أجلاه! ومن سؤدد وفخار ما أعلاه! ولا سيما وقد صدقه رضي الله عنه ~~بالعفو عمن شنع على ثمرة فؤاده ومهجة كبده، وهي الصديقة زوجة خاتم ~~المرسلين، وخير الخلائق أجمعين، والحلف على أنه لا يقطع النفقة عنه ~~أبدا، فيا لله من أخلاق ما أبهاها! وشمائل ما أطهرها وأزكاها! وأشرفها ~~وأسندها. # ولما كان الجواب قطعا كما أجاب الصديق رضي الله عنه: بلى والله! إنا ~~لنحب أن يغفر الله لنا، وكان كأنه قيل: فاغفروا لمن أساء إليكم، فالله ~~حكم عدل، يجازيهم على إساءتهم إليكم إن شاء، والله عليم شكور، يشكر لكم ~~ما صنعتم إليهم، عطف عليه قوله: { والله } أي مع قدرته الكاملة وعلمه ~~الشامل { غفور رحيم* } من صفته ذلك، إن شاء يغفر لكم ذنوبكم بأن يمحوها ~~فلا يدع لها أثرا ويرحمكم بعد محوها بالفضل عليكم كما فعلتم معهم، فإن ~~الجزاء من جنس العمل. ms3137 ### || [24.23-25] # ولما كان الختم بهذين الوصفين بعد الأمر بالعفو ربما جرأ على مثل هذه ~~الإساءة، وصل به مرهبا من الوقوع في مثل ذلك قوله معمما للحكم: { إن ~~الذين يرمون } أي بالفاحشة { المحصنات } أي اللائي جعلن أنفسهن من العفة ~~في مثل الحصن. ولما كان الهام بالسيىء والمقدم عليه عالما بما يرمي به ~~منه، جاعلا له نصب عينه، أكد معنى الإحصان بقوله: { الغافلات } أي عن ~~السوء حتى عن مجرد ذكره. ولما كان وصف الإيمان حاملا على كل خير ومانعا ~~ن كل سوء، نبه على أن الحامل على الوصفين المتقدمين إنما هو التقوى، وصرف ~~ما لهن من الفطنة إلى ما لله عليهن من الحقوق فقال: { المؤمنات }. # ولما ثبت بهذه الأوصاف البعد عن السوء، ذكر جزاء القاذف كفا عنه ~~وتحذيرا منه بصيغة المجهول، لأن المحذور اللعن لا كونه المعين، وتنبيها ~~على وقوع اللعن من كل من يتأتي منه فقال: { لعنوا } أي أبعدوا عن رحمة ~~الله، وفعل معهم فعل المبعد من الحد وغيره { في الدنيا والآخرة } ثم زاد ~~في تعظيم القذف لمن هذه أوصافها فقال: { ولهم } أي في الآخرة { عذاب ~~عظيم* } وقيد بوصف الإيمان لأن قذف الكافرة وإن كان محرما ليس فيه هذا ~~المجموع، وهذا الحكم وإن كان عاما فهو لأجل الصديقة بالذات وبالقصد ~~الأول وفيما فيه من التشديد الذي قل أن يوجد مثله في القرآن من الإعلام ~~بعلي قدرها، وجلي أمرها، في عظيم فخرها، ما يجل عن الوصف؛ ثم أتبع ذلك ~~ذكر اليوم الذي يكون فيه أثر ذلك على وجه زاد الأمر عظما فقال: { يوم ~~تشهد عليهم } أي يوم القيامة في ذلك المجمع العظيم { ألسنتهم } إن ترفعوا ~~عن الكذب { وأيديهم وأرجلهم } إن أنكرت ألسنتهم كذبا وفجورا ظنا أن ~~الكذب ينفعها { بما كانوا يعملون* } من هذا القذف وغيره؛ ثم زاد في ~~التهويل بقوله: { يومئذ } أي إذ تشهد عليهم هذه الجوارح { يوفيهم الله } ~~أي المحيط بكل شيء علما وقدرة وله الكمال كله { دينهم } أي جزاءهم { ~~الحق } أي الذي يظهر لكل أحد من أهل ذلك المجمع العظيم ms3138 أنهم يستحقونه، ~~فلا يقدر أحد على نوع طعن فيه { ويعلمون } أي إذ ذاك، لانقطاع الأسباب، ~~ورفع كل حجاب { أن الله } أي الذي له العظمة المطلقة، فلا كفوء له { هو } ~~أي وحده { الحق } أي الثابت أمره فلا أمر لأحد سواه، { المبين* } الذي لا ~~أوضح من شأنه في ألوهيته وعلمه وقدرته وتفرده بجميع صفات الكمال، وتنزهه ~~عن جميع سمات النقص، فيندمون على ما فعلوا في الدنيا مما يقدح في ~~المراقبة وتجري عليه الغفلة؛ قال ابن كثير: وأمهات المؤمنين أولى بالدخول ~~في هذا من كل محصنة لا سيما التي كانت سبب النزول، وهي عائشة بنت الصديق ~~رضي الله تعالى عنهما، وقد أجمع العلماء قاطبة على أن من سبها بعد هذا ~~ورماها بما رماها به بعد هذا الذي ذكر في هذه الآية، فإنه كافر لأنه ~~معاند للقرآن، وفي بقية أمهات المؤمنين رضي الله عنهن قولان أصحهما أنهن ~~كهي، والله أعلم - انتهى. # وقد علم من هذه الآيات وما سبقها من أول السورة وما لحقها إلى آخرها أن ~~الله تعالى ما غلظ في شيء من المعاصي ما غلظ في قصة الإفك، ولا توعد في ~~شيء ما توعد فيها، وأكد وبشع، ووبخ وقرع، كل ذلك إظهارا لشرف رسوله صلى ~~الله عليه وسلم وغضبا له وإعظاما لحرمته وصونا لحجابه. ### || [24.26-28] # ولما تضمن ما ذكر من وصفه تعالى علمه بالخفيات، أتبعه ما هو كالعلة لآية ~~{ الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة } دليلا شهوديا على براءة عائشة ~~رضي الله تعالى عنها فقال: { الخبيثات } أي من النساء وقدم هذا الوصف لأن ~~كلامهم فيه، فإذا انتفى ثبت الطيب { للخبيثين } أي من الرجال. ولما كان ~~ذلك لا يفهم أن الخبيث مقصور على الخبيثة قال: { والخبيثون } أي من ~~الرجال أيضا { للخبيثات } أي من النساء. # ولما أنتج هذا براءتها رضي الله عنها لأنها قرينة أطيب الخلق، أكده ~~بقوله: { والطيبات } أي منهن { للطيبين } أي منهم { والطيبون للطيبات } ~~بذلك قضى العليم الخبير أن كل شكل ينضم إلى شكله، ويفعل أفعال مثله، وهو ~~سبحانه قد اختار لهذا ms3139 النبي الكريم لكونه أشرف خلقه خلص عباده من الأزواج ~~والأولاد والأصحاب # كنتم خير أمة أخرجت للناس # [آل عمران: 110] " خيركم قرني " وكلما ازداد الإنسان منهم من قلبه صلى ~~الله عليه وسلم قربا ازداد طهارة، وكفى بهذا البرهان دليلا على براءة ~~الصديقة رضي الله عنها، فكيف وقد أنزل الله العظيم في براءتها صريح كلامه ~~القديم، وحاطه من أوله وآخره بهاتين الآيتين المشيرتين إلى الدليل ~~العادي، وقد تقدم عند آية { الزاني } ذكر لحديث # " الأرواح جنود مجندة " # وما لاءمه، لكنه لم يستوعب تخريجه، وقد خرجه مسلم في الأدب من صحيحه ~~وأبو داود في سننه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف " # وفي رواية عنه رفعها: # " الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، خيارهم في الجاهلية خيارهم في ~~الإسلام إذا فقهوا، والأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما ~~تناكر منها اختلف " # وهذا الحديث روي أيضا عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وعلي ابن أبي ~~طالب وسلمان الفارسي وعبد الله بن عباس وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن ~~عمرو وعمرو بن عبسة رضي الله عنهم، وقد علق البخاري في صحيحه حديث عائشة ~~رضي الله عنها بصيغة الجزم، ووصله في كتاب الأدب المفرد وكذا الإسماعيلي ~~في المستخرج، وأبو الشيخ في كتاب الأمثال، وتقدم عزوه إلى أبي يعلى، ولفظ ~~حديث ابن عمر رضي الله عنهما # " فما كان في الله ائتلف، وما كان في غير الله اختلف " # أخرجه أبو الشيخ في الأمثال، ولفظ حديث ابن مسعود رضي الله عنه # " فإذا التقت تشام كما تشام الخيل، فما تعارف منها ائتلف " # - الحديث. وأما حديث علي رضي الله عنه فرواه الطبراني في الأوسط في ~~ترجمة محمد بن الفضل السقطي وأبو عبد الله بن منده في كتاب الروح عن سالم ~~بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لعلي بن ~~أبي طالب رضي الله عنه: يا أبا ms3140 الحسن! ربما شهدت وغبنا وربما شهدنا وغبت، ~~ثلاث أسألك عنهن هل عندك منهن علم؟ قال علي: وما هن؟ قال: الرجل يحب ~~الرجل ولم ير منه خيرا، والرجل يبغض الرجل ولم ير منه شرا، فقال علي ~~رضي الله عنه: نعم! سمعت رسول الله صلى الله عليه السلام يقول: # " إن الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف " # قال عمر: واحدة، قال: والرجل يحدث الحديث إذ نسيه فبينا هو وما نسيه إذ ~~ذكره؟ فقال علي رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " ما من القلوب قلب إلا وله سحابة كسحابة القمر، بينما القمر مضيء إذ ~~علته سحابة فأظلم إذ تجلت فأضاء، وبينا القلب يتحدث إذ تجللته سحابة فنسي ~~إذ تجلت عنه فذكر " # ، فقال عمر رضي الله عنه: اثنتان، وقال: والرجل يرى الرؤيا، فمنها ما ~~يصدق ومنها ما يكذب؟ قال: نعم! سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " ما من عبد أو أمة ينام فيستثقل نوما إلا عرج بروحه إلى العرش، فالتي ~~لا تستيقظ إلا عند العرش فتلك الرؤيا التي تصدق، والتي تستيقظ دون العرش ~~فتلك الرؤيا التي تكذب " # ، فقال عمر رضي الله عنه: ثلاث كنت في طلبهن فالحمد لله الذي أصبتهن قبل ~~الموت وكذا أخرج الطبراني حديث سلمان كحديث أبي هريرة رضي الله عنهم ~~أجمعين، وأنشدوا لأبي نواس في المعنى: # إن القلوب لأجناد مجندة # لله في الأرض بالأهواء تعترف # فما تعارف منها فهو مؤتلف # وما تناكر منها فهو مختلف # ولما ثبت هذا كانت نتيجته قطعا: { أولئك } أي العالو الأوصاف بالطهارة ~~والطيب { مبرؤون } ببراءة الله وبراءة كل من له تأمل في مثل هذا الدليل { ~~مما يقولون } أي القذفة الأخابث لأنها لا تكون زوجة أطيب الطيبين إلا وهي ~~كذلك. # ولما أثبت لهم البراءة، استأنف الإخبار بجزائهم فقال: { لهم مغفرة } أي ~~لما قصروا فيه إن قصروا، ولما كان في معرض الحث على الإنفاق على بعض ~~الآفكين قال: { ورزق كريم* } أي يحيون به حياة طيبة، ويحسنون له إلى ms3141 من ~~أساء إليهم، ولا ينقصه ذلك لكرمه في نفسه بسعته وطيبه وغير ذلك من خلال ~~الكرم. # ولما أنهى سبحانه الأمر في براءة عائشة رضي الله عنها على هذا الوجه ~~الذي كساها به من الشرف ما كساها، وحلاها برونقه من مزايا الفضل ما ~~حلاها، وكأن أهل الإفك قد فتحوا بإفكهم هذا الباب الظنون السيئة عدواة من ~~إبليس لأهل هذا الدين بعد أن كانوا في ذلك وفي كثير من سجاياهم - إذ ~~قانعا منهم بداء الشرك - على الفطرة الأولى، أمر تعالى ردا لما أثار ~~بوسواسه من الداء بالتنزه عن مواقع التهم والتلبس بما يحسم الفساد فقال: ~~{ يا أيها الذين آمنوا } أي ألزموا أنفسهم هذا الدين { لا تدخلوا } أي ~~واحد منكم، ولعله خاطب الجمع لأنهم في مظنة أن يطردوا الشيطان بتزين ~~بعضهم بحضرة بعض بلباس التقوى، فمن خان منهم منعه إخوانه، فلم يتكمن منه ~~شيطانه، فنهي الواحد من باب الأولى { بيوتا غير بيوتكم } أي التي هي ~~سكنكم { حتى تستأنسوا } أي تطلبوا بالاستئذان أن يأنس بكم من فيها ~~وتأنسوا به، فلو قيل له: من؟ فقال: أنا لم يحصل الاستئناس لعدم معرفته، ~~بل الذي عليه أن يقول: أنا فلان - يسمى نفسه بما يعرف به ليؤنس به فيؤذن ~~له أو ينفر منه فيرد { وتسلموا على أهلها } أي الذين هم سكانها ولو ~~بالعارية منكم فتقولوا: السلام عليكم! أأدخل؟ أو تطرقوا الباب إن كان قد ~~لا يسمع الاستئذان ليؤذن لكم { ذلكم } الأمر العالي الذي أمرتكم به { خير ~~لكم } مما كنتم تفعلونه من الدخول بغير إذن ومن تحية الجاهلية، لأنكم إذا ~~دخلتم بغير إذن ربما رأيتم ما يسوءكم، وإذا استأذنتم لم تدخلوا على ما ~~تكرهون، هذا في الدنيا، وأما في الأخرى فأعظم، وقد روى أبو موسى الأشعري ~~رضي الله عنه: إذا سلم ثلاثا فلم يجبه أحد فليرجع. # وكان هذا إذا ظن أن صاحب البيت سمع. # ولما كان كل إنسان لا ينفك عن أحوال يكره أن يطلع عليها أو تقطع عليه، ~~قال: { لعلكم تذكرون* } أي لتكون حالكم حال من يرجى أن ms3142 يتذكر برجوعه إلى ~~نفسه عند سماع هذا النهي، فيعرف أن ما يسوءه من غيره يسوء غيره منه، ~~فيفعل ما يحب أن يفعل معه خوفا من المقابلة، لأن الجزاء من جنس العمل، ~~وكل ما يجب عليه في غير بيته يستحب له في بيته بنحو النحنحة ورفع الصوت ~~بالذكر ونحوه على ما أشار إليه حديث النهي عن الطروق لكيلا يرى من أهله ~~ما يكره. # ولما كان السكان قد يكونون غائبين، والإنسان لكونه عورة لا يحب أن يطلع ~~غيره على جميع أموره، قال: { فإن لم تجدوا فيها } أي البيوت التي ليس بها ~~سكناكم { أحدا } قد يمنعكم، فالله يمنعكم منها، تقديما لدرء المفاسد { ~~فلا تدخلوها } أي أبدا { حتى يؤذن لكم } من آذن ما بإذن شرعي من الساكن ~~أو غيره، لأن الدخول تصرف في ملك الغير أو حقه فلا يحل بدونه إذنه. ولما ~~كان كأنه قيل: فإن أذن لكم في شيء ما استأذنتم فيه فادخلوا، عطف عليه ~~قوله: { وإن قيل لكم } من قائل ما إذا استأذنتم في بيت فكان خاليا أو ~~فيه أحد: { ارجعوا فارجعوا } أي ولا تستنكفوا من أن تواجهوا بما تكرهون ~~من صريح المنع، فإن الحق أحق أن يتبع، وللناس عورات وأمور لا يحبون اطلاع ~~غيرهم عليها. # ولما كان في المنع نقص يوجب غضاضة ووحرا في الصدر، وعد سبحانه عليه بما ~~يجبر ذلك، فقال على طريق الاستئناف: { هو } أي الرجوع المعين { أزكى } أي ~~أطهر وأنمى { لكم } فإن فيه طهارة من غضاضة الوقوف على باب الغير، ونماء ~~بما يلحق صاحب البيت من الاستحياء عند امتثال أمره في الرجوع مع ما في ~~ذلك عند الله. # ولما كان التقدير: فالله يجازيكم على امتثال أمره، وكان الإنسان قد يفعل ~~في البيوت الخالية وغيرها من الأمور الخفية ما يخالف ما أدب به سبحانه ~~مما صورته مصلحة وهو مفسدة، عطف على ذلك المقدر قوله: { والله } أي الملك ~~الأعلى. ولما كان المراد المبالغة في العلم، قدم الجار ليصير كما إذا ~~سألت شخصا عن علم شيء فقال لك: ما أعلم غيره، ms3143 فقال: { بما تعملون } أي ~~وإن التبس أمره على أحذق الخلق { عليم* } لا يخفى عليه شيء منه وإن دق، ~~فإياكم ومشتبهات الأمور، فإذا وقفتم للاستئذان فلا تقفوا تجاه الباب، ~~ولكن على يمينه أو يساره، لأن الاستئذان إنما جعل من أجل البصر، وتحاموا ~~النظر إلى الكوى التي قد ينظر منها أحد من أهل البيت ليعرف من على الباب: ~~هل هو ممن يؤنس به فيؤذن له، أو لا فيرد، ونحو هذا من أشكاله مما لا يخفى ~~على متشرع فطن، يطير طائر فكره في فسيح ما أشار إليه مثل قوله صلى الله ~~عليه السلام: # " إذا حدث الرجل فالتفت فهي أمانة " # وراه أحمد وأبو داود والترمذي عن جابر رضي الله عنه. ### || [24.29-31] # ولما كان من الأماكن التي قد لا يوجد بها أحد ما يباح الدخول إليه لخلوه ~~أو عدم اختصاص النازل به كالخانات والربط، أتبع ما تقدم التعريف بأنه لم ~~يدخل في النهي فقال مستأنفا: { ليس عليكم جناح } أي ميل بلوم أصلا { أن ~~تدخلوا بيوتا } كالخانات والربط { غير مسكونة } ثم وصفها بقوله: { فيها ~~متاع } أي استمتاع بنوع انتفاع كالاستظلال ونحوه { لكم } ويدخل فيه المعد ~~للضيف إذا أذن فيه صاحبه في أول الأمر ووضع الضيف متاعه فيه، لأن ~~الاستئذان لئلا يهجم على ما يراد الاطلاع عليه ويراد طيه عن علم الغير، ~~فإذا لم يخف ذلك فلا معنى للاستئذان. # ولما كان التقدير: فالله لا يمنعكم مما ينفعكم، ولا يضر غيركم، عطف عليه ~~قوله: { والله } أي الملك الأعظم { يعلم } في كل وقت { ما تبدون } وأكد ~~بإعادة الموصول فقال: { وما تكتمون* } تحذيرا من أن تزاحموا أحدا في ~~مباح بما يؤذيه ويضيق عليه، معتلين بأصل الإباحة، أو يؤذن لكم في منزل ~~فتبطنوا فيه الخيانة فإنه وإن وقع الاحتراز من الخونة بالحجاب فلا بد من ~~الخلطة لما بني عليه الإنسان من الحاجة إلى العشرة، ولذلك اتصل به على ~~طريق الاستئناف قوله تعالى؛ مقبلا على أعلى خلقه فهما وأشدهم لنفسه ~~ضبطا دون بقيتهم، إشارة إلى صعوبة الأمر وخطر المقام، مخوفا لهم ~~بالإعراض ms3144 عنهم، بالتردي برداء الكبر، والاحتجاب في مقام القهر: { قل ~~للمؤمنين } فعبر بالوصف إشارة إلى عدم القدرة على الاحتراز من المخالط ~~بعد الخلطة، وأنه لا يعف فيها إلا من رسخ الإيمان في قلبه لخفاء الخيانة ~~حينئذ بخلاف ما سبق في المنع من الدخول حيث كان التعبير ب " الذين آمنوا ~~" { يغضوا } أي يخفضوا ولا يرفعوا، بل يكفوا عما نهوا عنه. # ولما كان الأمر في غاية العسر، قال: { من أبصارهم } بإثبات من التبعيضية ~~إشارة إلى العفو عن النظرة الأولى، وأن المأخوذ به إنما هو التمادي، ولما ~~كان البصر يريد الزنى قدمه. # ولما كان حفظ الفرج لخطر المواقعة أسهل من حفظ البصر، ولأنه لا يفعل به ~~من غير اختبار، حذف " من " لقصد العموم فقال: { ويحفظوا فروجهم } أي عن ~~كل حرام من كشف وغيره ولم يستثن الزوجة وملك اليمين استغناء عنه بما سبق ~~في المؤمنون، ولأن المقام للتهويل في أمر للحفظ والتشديد، ورغب في ذلك ~~بتعليله بقوله: { ذلك } أي الأمر العالي العظيم من كل من الغض والحفظ ~~الذي أمرتهم به { أزكى لهم } أي أقرب إلى أن ينموا ويكثروا ويطهروا حسا ~~ومعنى، ويبارك لهم، أما الحسي فهو أن الزنى مجلبة للموت بالطاعون، ويورث ~~الفقر وغيرهما من البلايا # " ما من قوم ظهر فيهم الزنى إلا أخذوا بالسنة " # رواه أحمد عن عمرو بن العاص رضي الله عنه، ورواه عنه أبو القاسم عبد ~~الرحمن بن عبد الحكم في كتاب الفتوح ولفظه # " ما من قوم يظهر فيهم الزنى إلا أخذوا بالفنا وما من قوم يظهر فيهم ~~الربا إلا أخذوا بالسنة، وما من قوم يظهر فيهم الرشا إلا أخذوا بالرعب ~~الزنى يورث الفقر " # رواه البيهقي عن ابن عمر رضي الله عنهما وإذا ظهر الزنى ظهر الفقر ~~والمسكنة وراه ابن ماجة والبزار وهذا لفظه عن ابن عمر رضي الله عنهما - ~~والبيهقي ولفظه: # " الزنى يورث الفقر " # وفي رواية له # " ما ظهرت الفاحشة في قوم قط يعمل بها فيهم علانية إلا ظهر فيهم الطاعون ~~والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم " # ورواه عنه ابن إسحاق ms3145 في السيرة في سرية عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه ~~إلى دومة الجندل ولفظه: # " إنه لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا ظهر فيهم الطاعون ~~والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا ولم ينقضوا المكيال والميزان ~~إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجورالسلطان، ولم يمنعوا الزكاة من ~~أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، فلولا البهائم ما مطروا، وما نقضوا ~~عهد الله وعهد رسوله إلا سلط عليهم عدو من غيرهم، فأخذ بعض ما كان في ~~أيديهم، وما لم يحكم أئمتهم بكتاب الله وتجبروا فيما أنزل الله إلا جعل ~~الله بأسهم بينهم " # وفي الترغيب للمنذري عن ابن ماجة والبزار والبيهقي عنه رضي الله عنه نحو ~~هذا اللفظ، وفي آخر السيرة عن أبي بكر رضي الله عنه في خطبته عندما ولي ~~الخلافة: لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل، ولا تشيع ~~الفاحشة في قوم قط إلا عمهم الله بالبلاء. وفي الموطأ عن مالك عن يحيى بن ~~سعيد أنه بلغه عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال " ما ظهر الغلول فب ~~قوم قط إلا ألقى في قلوبهم الرعب، ولا فشا الزنى في قوم قط إلا كثر فيهم ~~الموت، ولا نقص قوم قط المكيال والميزان إلا قطع عنهم الرزق، ولا حكم قوم ~~بغير الحق إلا فشا فيهم الدم، ولا ختر قوم بالعهد إلا سلط عليهم العدو " ~~وروى الطبراني في الأوسط عن أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " إذا كثرت الفاحشة كثر الفساد، وجار السلطان " # وفيه: # " أمثلهم في ذلك الزمان المداهن. إذا ظهر الربا والزنى في قرية آذن الله ~~في هلاكها " # رواه الطبراني عن ابن عبايس رضي الله عنهما، وأما المعنوي فروى الإمام ~~أحمد عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: # " ما من مسلم ينظر إلى محاسن امرأة ثم يغض بصره إلا أخلف الله له عبادة ~~يجد حلاوتها " # قال ابن كثير: وروي هذا مرفوعا عن ابن عمر وحذيفة وعائشة رضي الله ms3146 عنهم ~~ولكن في أسانيدها ضعف. وساق له شاهدا من الطبراني عن ابن مسعود رضي الله ~~عنه بلفظ: # " إن النظرة سهم من سهام إبليس مسموم، من تركها مخافتي أبدلته إيمانا ~~يجد حلاوته في قلبه " # فعلم من ذلك أن من تخلق بما أمره الله هنا كان قلبه موضعا للحكمة، ~~وفعله أهلا للنجح، وذكره مقرونا بالقبول. # ولما كان الزكاء يتضمن التكثير والتطهير، وكان الكلام هنا في غض البصر، ~~وكان ظاهرا جدا في الطهارة، لم يدع داع إلى التأكيد بالتصريح بالطهارة، ~~وأما آية البقرة فلما كانت في العضل، وكان لا يكون إلا عن ضغائن وإحن ~~فكان الولي رما ظن أن منعها عمن عضلها عنه أطهر له ولها. أكد العبارة ~~بفعل الزكاء بالتصريح بما أفهمه من الطهارة. # ولما كان المقام صعبا لميل النفوس إلى الدنايا واتباعها للشهوات، علل ~~هذا الأمر مرغبا ومرهبا بقوله: { إن الله } أي الذي لا يخفى عليه شيء ~~لما له من الإحاطة الكاملة { خبير } ولما كان وازع الحياء مع ذلك مانعا ~~عظيما فلا يخالف إلا بمعالجة وتدرب، عبر بالصنعة فقال: { بما يصنعون* } ~~أي وإن تناهوا في إخفائه، ودققوا في تدبير المكر فيه. # ولما بدأ بالقومة من الرجال، ثنى بالنساء فقال: { وقل للمؤمنات } فرغب ~~أيضا بذكر هذا الوصف الشريف { يغضضن } ولما كان المراد الغض عن بعض ~~المبصرات وهم المحارم قال: { من أبصارهن } فلا يتبعنها النظر إلى منهي ~~عنه رجل أو غيره، وأجابوا عن حديث عائشة رضي الله عنها في النظر إلى لعب ~~الحبشة في المسجد باحتمال أنها كانت دون البلوغ لأنها قالت: فاقدروا قدر ~~الجارية الحديثة السن الحريصة على اللهو. { ويحفظن فروجهن } عما لا يحل ~~لهن من كشف وغيره. # ولما كان النساء حبائل الشيطان، أمرن بزيادة الستر بقوله: ناهيا عن ~~الزينة ليكون النهي عن مواقعها من الجسد أشد وأولى { ولا يبدين زينتهن } ~~أي كالحلي والفاخر من الثياب فكيف بما وراءها { إلا ما ظهر منها } أي كان ~~بحيث يظهر فيشق التحرز في إخفائه فبدا من غير قصد كالسوار والخاتم والكحل ~~فإنها لا بد لها ms3147 من مزاولة حاجتها بيدها ومن كشف وجهها في الشهادة ~~ونحوها. # ولما كان أكثر الزينة في ألأعناق والأيدي والأرجل، وكان دوام ستر ~~الأعناق أيسر وأمكن، خصها فقال: { وليضربن } من الضرب، وهو وضع الشيء ~~بسرعة وتحامل، يقال: ضرب في عمله: أخذ فيه، وضرب بيده إلى كذا: أهوى، ~~وعلى يده: أمسك، وضرب الليل بأوراقه: أقبل، والضارب: الليل الذي ذهبت ~~ظلمته يمينا وشمالا وملأت الدنيا، والضارب: الطويل من كل شيء والمتحرك. # ولما كان المقصود من هذا الضرب بعض الخمار، وهو ما لا صق الجيب منه، ~~عداه بالباء فقال: { بخمرهن } جمع خمار، وهو منديل يوضع على الرأس، وقال ~~أبو حيان: وهو المقنعة التي تلقي المرأة على رأسها. # { على جيوبهن } جمع جيب، وهو خرق الثوب الذي يحيط بالعنق، فالمعنى حينئذ ~~يهوين بها إلى ما تحت العنق ويسبلنها من جميع الجوانب ويطولنها سترا ~~للشعر والصدر وغيرهما مما هنالك، وكأنه اختير لفظ الضرب إشارة إلى قوة ~~القصد للستر وإشارة إلى العفو عما قد يبدو عند تحرك الخمار عند مزاولة ~~شيء من العقل؛ قال أبو حيان: وكان النساء يغطين رؤوسهن بالأخمرة ويسدلنها ~~من وراء الظهور فيبقى النحر والعنق والأذنان لا ستر عليهن. وروى البخاري ~~في التفسير عن عائشة رضي الله عنها قالت: يرحم الله نساء المهاجرات الأول ~~لما نزلت { وليضربن بخمرهن } شققن مروطهن - وفي رواية: أخذن أزرهن ~~فشققنها من قبل الحواشي - فاختمرن بها، يعني تسترن ما قدام، والإزار هنا ~~الملاء. # ولما كان ذكر الجيب ربما أوهم خصوصا في الزينة، عم بقوله: { ولا يبدين ~~} أو كرره لبيان من يحل الإبداء له ومن لا يحل، وللتأكيد { زينتهن } أي ~~الخفية في أي موضع كانت من عنق أو غيره، وهي ما عدا الوجه والكفين، وظهور ~~القدمين، بوضع الجلباب، وهو الثوب الذي يغطي الثياب والخمار قاله ابن ~~عباس رضي الله عنهما. { إلا لبعولتهن } أي أزواجهن، فإن الزينة لهم جعلت. ~~قال أبو حيان: ثم ثنى بالمحارم وسوى بينهم في إبداء الزينة، ولكن تختلف ~~مراتبهم في الحرمة بحسب ما في نفوس البشر فالأب والأخ ليس كابن ms3148 الزوج - ~~انتهى. فقال تعالى: { أو آبائهن } أي فإن لهم عليهن من الشفقة ما يمنع ~~النظر بالشهوة ومثلهم في هذا المعنى سواء الأعمام والأخوال وكل منهما ~~والد مجازا بدليل { وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل } { أو آباء بعولتهن } ~~فإن رحمتهم لأولادهم مانعة { أو أبنائهن } فإن لهن عليهن من الهيبة ما ~~يبعد عن ذلك { أو أبناء بعولتهن } فإن هيبة آبائهم حائلة { أو إخوانهن } ~~فإن لهم من الرغبة في صيانتهن عن العار ما يحفظ من الريبة { أو بني } عدل ~~به عن جمع التكسير لئلا يتوالى أربع مضمرات من غير فاصل حصين فتنقص ~~عذوبته { إخوانهن أو بني أخواتهن } فإنهم كأبنائهن { أو نسائهن } أي ~~المسلمات، وأما غير المسلمات فحكمهن حكم الرجال؛ روى سعيد بن منصور في ~~سننه عن عمر رضي الله عنه أنه كتب إلى عبيدة رضي الله عنه ينهى عن دخول ~~الذميات الحمام مع المسلمات، وقال: فإنه لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم ~~الآخر أن ينظر إلى عورتها إلا أهل ملتها، وفي مسند عبد بن حميد نحوه عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما. { وأما ما ملكت أيمانهن } أي من الذكور والإناث ~~وإن كن غير مسلمات لما لهن عليهن من الهيبة، وحمل ابن المسيب الآية على ~~الإماء فقط؛ قال أبو حيان: قال الزمخشري: وهذا هو الصحيح، لأن عبد المرأة ~~بمنزلة الأجنبي منها خصيا كان أو فحلا، وعن ميسون بنة بحدل الكلابية ~~أن معاوية رضي الله عنه دخل عليها ومعه خصي فتقنعت منه فقال: هو خصي، ~~فقالت: يا معاوية! أترى المثلة به تحلل ما حرم الله - انتهى. # وقصة مابور ترد هذا، وقوله: الكلابية، قال شيخنا في تخريج الكشاف: ~~صوابه: الكلبية بإسكان اللام. { أو التابعين } أي للخدمة أو غيرها { غير ~~أولي الإربة } أي الحاجة إلى الاستمتاع بالنساء { من الرجال } كالشيوخ ~~الفانين ومن بهم علة منعت شهوتهم، وكذا من كان ممسوحا لقصة مابور { أو } ~~من { الطفل } أي جنسه، والطفل الصغير ما لم يبلغ الحلم أو خمس عشرة سنة، ~~وهو في الأصل: الرخص الناعم من كل شيء، وكأنه سمي بذلك لأنه ms3149 يخرج ملتبسا ~~بالتراب الذي تأكله الحامل، قال في القاموس: وطفل النبت كفرح وطفل بالضم ~~تطفيلا: أصابه التراب، والطفال، كغراب وسحاب: الطين اليابس. قال القزاز: ~~ويسميه أهل نجد الكلام والعامة تقول لجنس منه: طفل، { الذين لم يظهروا } ~~أي لم يعلوا بالنظر المقصود للاطلاع { على عورات النساء } لعم بلوغ سن ~~الشهوة لذلك. # ولما نهى عن الإظهار، نبه على أمر خفي منه فقال: { ولا يضربن بأرجلهن } ~~أي والخلاخيل وغيرها من الزينة فيها. ولما كان ذلك لمطلق الإعلام، بناه ~~للمفعول فقال: { ليعلم ما يخفين } أي بالساتر الذي أمرن به { من زينتهن } ~~بالصوت الناشىء من الحركة عند الضرب المذكور، وفي معنى ذلك التطيب، ~~والنهي عن ذلك يفهم النهي عن موضعه من الجسد من باب الأولى. # ولما أنهى سبحانه ما أمره صلى الله عليه وسلم بالتقدم فيه إلى الرجال ~~والنساء، وكان من المعلوم أن العبد الحقير المجبول على الضعف الموجب ~~للتقصير لن يقدر على أن يقدر المولى العلي الكبير حق قدره وإن أبلغ في ~~الاجتهاد وزاد في التشمير، أتبعه التلطف بالإقبال عليهم في الأمر ~~بإقبالهم إليه إشارة إلى أن الأمر في غاية الصعوبة، وأن الإنسان لكونه ~~محل الزلل والتقصير - وإن اجتهد - لا يسعه إلا إحسان الرحيم الرحمن، ~~فقال: { وتوبوا إلى الله } أي ارجعوا إلى طاعة الملك الأعلى مهما حصل ~~منكم زيغ كما كنتم تفعلونه في الجاهلية { جميعا } رجالكم ونسائكم { ~~أيه المؤمنون } والتعبير بالوصف إشارة إلى علو مقام التوبة بأنه لا ~~يقدر على ملازمتها إلا راسخ القدم في الإيمان، عارف بأنه وإن بالغ في ~~الاجتهاد واقع في النقصان، وهذا الأمر للوجوب، وإذا كان للراسخين في ~~الإيمان فمن دونه من باب الأولى { لعلكم تفلحون* } أي لتكونوا على رجاء ~~من الفوز بالمطلوب الذي مضى أول سورة المؤمنون تعليقه بتلك الأوصاف التي ~~منها رعاية الأمانة ولا سيما في الفروج؛ قال الغزالي في كتاب التوبة من ~~الإحياء: إن الإنسان من حيث جبل على النقص لا يخلو عما يوجب عليه التوبة، ~~فإن خلا في بعض الأحوال عن معصية الجوارح فلا يخلو عن ms3150 الهم بالذنوب ~~بالقلب، فإن خلا عنه فلا يخلو عن وسواس الشيطان بإيراد الخواطر المتفرقة ~~المذهلة عن ذكر الله، فإن خلا عنه فلا يخلو عن غفلة وقصور في العلم بالله ~~وصفاته وأفعاله، وكل ذلك نقص، وله أسباب، وترك أسبابه بالتشاغل بأضدادها ~~رجوع عن طريق إلى ضده، والمراد بالتوبة الرجوع، ولا يتصور الخلو في حق ~~الآدمي عن هذا النقص، وإنما يتفاوتون في المقادير. ### || [24.32-33] # ولما تقدم سبحانه إلى عباده في الأمور العامة للأحوال والأشخاص في الزنى ~~وأسبابه، فحكم وقرر، ووعظ وحذر، أتبعه أسباب العصمة التي هي نعم العون ~~على التوبة فقال مرشدا: { وأنكحوا الأيامى } مقلوب أيايم جمع أيم، وزن ~~فعيل من آم، عينه ياء، وهو العزب ذكرا كان أو أنثى أو بكرا { منكم } أي ~~من أحراركم، وأغنى لفظ الأيم عن ذكر الصلاح لأنه لا يقال لمن قصر عن درجة ~~النكاح { والصالحين } أي للنكاح { من عبادكم وإمائكم } أي أرقائكم الذكور ~~والإناث، احتياطا لمصالحهم وصونا لهم عن الفساد امتثالا لما ندب إليه ~~حديث # " تناكحوا تكاثروا فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة ". # ولما كان للزواج كلف يهاب لأجلها، لما طبع الآدمي عليه من الهلع في قلة ~~الوثوق بالرزق، أجاب من كأنه قال: قد يكون الإنسان غير قادر لكونه ~~معدما، بقوله: { إن يكونوا } أي كل من ذكر من حر أو عبد، والتعبير ~~بالمضارع يشعر بأنه قد يكون في النكاح ضيق وسعة { فقراء } أي من المال { ~~يغنهم الله } أي الذي له الكمال كله، إذا تزوجوا { من فضله } لأنه قد كتب ~~لكل نفس رزقها فلا يمنعكم فقرهم من إنكاحهم، وعن ابن أبي حاتم عن أبي بكر ~~الصديق رضي الله عنه أنه قال: أطيعوا الله فيما أمركم من النكاح ينجز لكم ~~ما وعدكم من الغنى. وقال البغوي: قال عمر رضي الله عنه: عجبت لمن يبتغي ~~الغنى في بغير النكاح - وقرأ هذه الآية. وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه ~~قال: التمسوا الغنى في النكاح، وتلا هذه الآية ابن جرير. ولأحمد والترمذي ~~والنسائي وابن ماجة عن أبي هريرة رضي الله ms3151 عنه رفعه: # " ثلاثة حق على الله عونهم: الناكح يريد العفاف، والمكاتب يريد الأداء، ~~والغازي في سبيل الله " # ويؤيده ما في الصحيح من حديث الواهبة نفسها حيث زوجها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لمن لم يجد ولا خاتما من حديد. # ولما كان التقدير: فالله ذو فضل عظيم، عطف عليه قوله: { والله } أي ذو ~~الجلال والإكرام { واسع عليم* } أي فهو بسعة قدرته يسوق ما كتبه للمرأة ~~على يد الزوج، وبشمول علمه يسبب أسبابه. ولما أمر سبحانه بما يعصم من ~~الفتنة من غض البصر ثم بما يحصن من النكاح، وجرا عليه بالوعد بالإغناء، ~~وكان هذا الوعد فيما بعد النكاح، وقدم الكلام فيه ترغيبا للإنسان في ~~التوكل والإحصان، وكان قلبه ما قد يتعذر لأجله إما بعدم وجدان المهر وما ~~يطلب منه تقديمه، أو بعدم رضى العبد وغيره يكون ولده رقيقا أو غير ذلك، ~~أتبعه قوله حاثا على قمع النفس الأمارة عند العجز: { وليستعفف } أي ~~يبالغ في طلب العفة وإيجادها عن الحرام { الذين لا يجدون نكاحا } أي ~~قدرة عليه وباعثا إليه { حتى يغنيهم الله } أي الذي له الإحاطة بجميع ~~صفات الكمال { من فضله } في ذلك الذي تعذر عليهم النكاح بسببه. # ولما كان من جملة الموانع كما تقدم خوف الرق على الولد لمن له من الرقيق ~~همة علية، ونفس أبية، أتبعه قوله: { والذين يبتغون } أي يطلبون طلبا ~~عازما { الكتاب } أي المكاتبة { مما ملكت أيمانكم } ذكرا كان أو أنثى؛ ~~وعبر ب " ما " إشارة إلى ما في الرقيق من النقص { فكاتبوهم } أي ندبا ~~لأنه معاوضة تتضمن الإرفاق على ما يؤدونه إليكم منجما، فإذا أدوه عتقوا ~~{ إن علمتم فيهم خيرا } أي تصرفا صالحا في دينهم ودنياهم لئلا يفسد ~~حالهم بعد الاستقلال بأنفسهم؛ قال ابن كثير: وروى أبو داود في كتاب ~~المراسيل عن يحيى ابن أبي كثير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن علمتم فيهم حرفة ولا ترسلوهم كلا على الناس " # انتهى. ولعله عبر بالعلم في موضع الظن لذلك { وءاتوهم } وجوبا إذا أدوا ~~إليكم { من مال ms3152 الله } أي الذي عم كل شيء بنعمته، لأنه الملك العظم { ~~الذي آتاكم } ولو بحط شيء من مال الكتابة. # ولما أمر سبحانه بالجود في أمر الرقيق تارة بالنفس، وتارة بالمال، نهاهم ~~عما ينافيه فقال: { ولا تكرهوا فتياتكم } أي إماءكم، ولعله عبر بلفظ ~~الفتوة هزا لهم إلى معالي الأخلاق، وتخجيلا من طلب الفتوة من أمة { على ~~البغاء } أي الزنى لتأخذوا منهن مما يأخذنه من ذلك. # ولما كان الإكراه على الزنى لا يصح إلا عند العفة، وكان ذلك نادرا من ~~أمة، قال: { إن } بأداة الشك { أردن تحصنا } وفي ذلك زيادة تقبيح ~~للإكراه على هذا الفعل حيث كانت النساء مطلقا يتعففن عنه مع أنهن ~~مجبولات على حبه، فكيف إذا لم يمنعهن مانع خوف أو حياء كالإماء، فكيف إذا ~~أذن لهن فيه. فكيف إذا ألجئن إليه، وأشار بصيغة التفعل وذكر الإرادة إلى ~~أن ذلك لا يكون إلا عن عفة بالغة، وزاد في تصوير التقبيح بذكر علة التزام ~~هذا العار في قوله: { لتبتغوا } أي تطلبوا طلبا حثيثا فيه رغبة قوية ~~بإكراههن على الفعل الفاحش { عرض الحياة الدنيا } فإن العرض متحقق فيه ~~الزوال، والدنيا مشتقة من الدناءة. # ولما نهى سبحانه عن الإكراه، رغب الموالي في التوبة عند المخالفة فيه ~~فقال: { ومن يكرههن } دون أن يقول: وإن أكرهن، وعبر بالمضارع إعلاما بأن ~~يقبل التوبة ممن خالف بعد نزول الآية، وعبر بالاسم العلم في قوله: { فإن ~~الله } إعلاما بأن الجلال غير مؤيس من الرحمة، ولعله عبر بلفظ " بعد " ~~إشارة إلى العفو عن الميل إلى ذلك الفعل عند مواقعته إن رجعت إلى الكراهة ~~بعده، فإن النفس لا تملك بغضه حينئذ، فقال: { من بعد إكراههن غفور } أي ~~لهن وللموالي، يستر ذلك الذنب إن تابوا { رحيم* } بالتوفيق للصنفين إلى ~~ما يرضيه. ### || [24.34-35] # ولما أتم سبحانه هذه الآيات في براءة عائشة رضي الله عنها ومقدماتها و ~~خواتيمها، قال عاطفا على قوله أولها { وأنزلنا فيها آيات بينات لعلكم ~~تذكرون }: { ولقد أنزلنا } أي بما لنا من العظمة ترغيبا لكم وترهيبا { ~~إليكم } أي لتتعظوا { آيات مبينات ms3153 } مفصل فيها الحق من الباطل، موضح ~~بالنقل والعقل بحيث صارت لشدة بيانها تبين هي لمن تدبرها طرق الصواب كما ~~أوضحنا ذلك لمن يتدبره في براءة عائشة رضي الله تعالى عنها وما تقدمها ~~وتتبعها مما هو صلاحكم في الدين والدنيا { ومثلا } أي وشبها بأحوالكم { ~~من الذين خلوا من قبلكم } أي من أحوالهم بما أنزل الله إليهم في التوراة ~~في أحوال المخالطة والزنى وقذف الأبرياء كيوسف ومريم عليهما السلام ~~وتبرئتهم كما قدمت كثيرا منه في سورة المائدة وغيرها مما صار في حسن ~~سبكه في هذا الكتاب، وبديع حبكه عند أولي الألباب، كالأمثال السائرة، ~~والأفلاك الدائرة { وموعظة للمتقين* } بما فيه من الأحكام والفواصل ~~المنبئة عن العلل المذكرة بما يقرب من الله زلفى، وينور القلب، ويوجب ~~الحب والألفة، ويذهب وحر الصدر؛ ثم علل إنزاله لذلك على هذا السنن ~~الأقوم، والنظم المحكم، بقوله: { الله } أي الذي أحاطت قدرته وعلمه { نور ~~} أي ذو نور { السماوات والأرض } لأنه مظهرهما بإيجادهما وإيجاد أهلهما ~~وهاديهم بالتنوير بالعلم الجاعل صاحبه بهدايته إلى الصراط المستقيم ~~كالماشي في نور الشمس، لا يضع شيئا في غير موضعه كما أن الماشي في النور ~~لا يضع رجلا في غير موضعها اللائق بها، ولا شك أن النور هو ما به تظهر ~~به الأشياء وتنكشف، فهو سبحانه مظهرهما، وهما وما فيهما دال على ظهوره، ~~وأنه تام القدرة شامل العلم حاو لصفات الكمال، منزه عن شوائب النقص، وفي ~~آخر الشورى ما ينفع جدا هنا. # ولما كان من المحال أن يضل عن نور هو ملء الخافقين أحد من سكانهما، بين ~~وجه خفائه مع ظهور ضيائه واتساعه وقوة شعاعه، حتى ضل عنه أكثر الناس، ~~فقال مبينا بإضافة النور إلى ضميره أن الإخبار عنه بالنور مجاز لا ~~حقيقة، منبها على أن آياته الهادية تلوح خلال الشبهات الناشئة عن ~~الأوهام الغالبة على الخلق التي هي كالظلمات { مثل نوره } أي الذي هدى به ~~إلى سبيل الرشاد في خفائه عن بعض الناس مع شدة ظهوره، وهو آياته الدالة ~~عليه من أقواله وأفعاله { كمشكاة } أي ms3154 مثل كة أي خرق لكن غير نافذ في ~~جدار؛ قال البغوي: فإن كان لها منفذ فهي كوة. # ولما دخل المشكاة في هذا المثل خفيا فقدمها تشويقا إلى شرحه، أتبعه ~~قوله شارحا له: { فيها مصباح } أي سراج ضخم ثاقب. وهو الذبالة - أي ~~الفتيلة - الضخمة المتقدة، من الصباح الذي هو نور الفجر، والمصباح الذي ~~هو الكوكب الكبير؛ قال البغوي: وأصله الضوء - انتهى. # فإذا كان في المشكاة اجتمعت أشعته فكان أشد إنارة، ولو كان في فضاء ~~لافترقت أشعته؛ وأتى ببقية الكلام استئنافا على تقدير سؤال تعظيما له ~~فقال: { المصباح في زجاجة } أي قنديل. # ولما كان من الزجاج ما هو في غاية الصفاء، بين أن هذه منه فقال: { ~~الزجاجة كأنها } أي في شدة الصفاء { كوكب } شبهه بها دون الشمس والقمر ~~لأنهما يعتريهما الخسوف { دري } أي متلألىء بالأنوار فإنه إذا كان في ~~زجاجة صافية انعكست الأشعة المنفصلة عنه من بعض جوانب الزجاجة إلى بعض ~~لما فيها من الصفاء والشفيف فيزداد النور ويبلغ النهاية كما أن شعاع ~~الشمس إذا وقع على ماء أو زجاجة صافية تضاعف النور حتى أنه يظهر فيما ~~يقابله مثل ذلك النور؛ والدري - قال الزجاج: مأخوذ من درأ إذا اندفع ~~منقضا فتضاعف نوره. # ولما كان من المصابيح أيضا ما يكون نوره ضعيفا بين أن هذا ليس كذلك ~~فقال: { يوقد } أي المصباح، بأن اشتد وقده. ولما كان هذا الضوء يختلف ~~باختلاف ما يتقد فيه، فإذا كان دهنا صافيا خالصا كان شديد، وكانت ~~الأدهان التي توقد ليس فيها ما يظهر فيه الصفاء كالزيت لأنه ربما بلغ في ~~الصفاء والرقة مبلغ الماء مع زيادة بياض وشعاع يتردد في أجزائه، قال: { ~~من شجرة } أي زيتها { مباركة } أي عظيمة الثبات والخيرات يطيب منبتها { ~~زيتونة }. # ولما كان الزيت يختلف باختلاف شجرته في احتجابها عن الشمس وبروزها لها، ~~لأن الشجر ربما ضعف وخبث ثمره بحائل بينه وبين الشمس، بين أن هذه الشجرة ~~ليست كذلك فقال: { لا شرقية } أي ليست منسوبة إلى الشرق وحده، لكونها ~~بحيث لا يتمكن منها الشمس إلا ms3155 عند الشروق لكنها في لحف جيل يظلها إذا ~~تضيفت الشمس للغروب { ولا غربية } لأنها في سفح جبل يسترها من الشمس عند ~~الشروق، بل هي بارزة للشمس من حين الشروق إلى وقت الغروب، ليكون ثمرها ~~أنضج فيكون زيته أصفى، قال البغوي: هذا قول ابن عباس رضي الله عنهما في ~~رواية عكرمة والكلبي والأكثرين. فهي لزكاء عنصرها، وطهارة منبتها، ~~وبروزها للشمس والرياح، بحيث { يكاد زيتها } لشدة صفائه { يضيء ولو لم ~~تمسسه نار }. # ولما علم من هذا أن لهذا الممثل به أنوارا متظاهرة بمعاونة المشكاة ~~والزجاجة والمصباح والزيت، فلم يبق مما يقوي نوره ويزيده إشارقا، ويمده ~~بإضاءة نقية، قال في الممثل له: { نور على نور } أي أن العلم الرباني ~~عظيم الاتساع كلما سرحت فيه النظر، وأطلقت عنان الفكر، أتى بالغرائب ولا ~~يمكن أن يوقف له على حد. # ولما كان الإخبار عن مضاعفة هذا النور موجبا لاعتقاد أنه لا يخفى عن ~~أحد، أشار إلى أنه - بشمول علمه وتمام قدرته - يعمى عنه من يريد مع شدة ~~ضيائه، وعظيم لألائه، فقال: { يهدي الله } أي بعظمته المحيطة بكل شيء { ~~لنوره من يشاء } كما هدى الله من هدى من المؤمنين لتبرئة عائشة رضي الله ~~عنها قبل إنزال براءتها. # بكون الله اختارها لنبيه صلى الله عليه وسلم، ولا يختار له إلا طيبا ~~طاهرا وما شاكل ذلك، وعلم أن قسيم ذلك " ويضل الله عن نوره من يشاء " ~~وعلم أن وجه كونه ضل عنه أكثر الناس إنما هو ستر القادر له بنقص في حس من ~~يريد سبحانه إضلاله، لا لنقص في النور كما قال الشاعر: # والنجم تستصغر الأبصار صورته # فالذنب للطرف لا للنجم في الصغر # كما سيأتي إيضاح ذلك عند قوله تعالى # ألم تر إلى ربك كيف مد الظل # [الفرقان: 25]، ومر آنفا في حديث علي رضي الله عنه في الأرواح ما ينفع ~~ههنا. # ولما كان كأنه قيل: ضرب الله هذا المثل لكم لتدبروه فتنفعوا به، عطف ~~عليه قوله: { ويضرب الله } أي بما له من الإحاطة بكمال القدرة وشمول ~~العلم { الأمثال للناس ms3156 } لعلمه بها، تقريبا للأفهام، لعلهم يهتدون { ~~والله } أي الذي له جميع صفات الكمال { بكل شيء } أي منها ومن غيرها { ~~عليم* } يبين كل شيء بما يسهل سبيله فثقوا بما يقول، وإن لم تفهموه ~~أنفسكم وأمعنوا النظر فيه يفتح لكم سبحانه ما انغلق منه. ### || [24.36-39] # ولما كان كأنه قيل: فأي شيء يكون هذه المشكاة؟ قال شافيا على هذا ~~السؤال: { في بيوت } أي في جدران بيوت، فجمع دلالة على أن المراد ~~بالمشكاة الجنس لا الواحد، وفي وحدتها ووحدة آلات النور إشارة إلى عزته ~~جدا { أذن الله } أي مكن بجلاله فأباح وندب وأوجب { أن ترفع } حسا في ~~البناء، ومعنى بإخلاصها للعمل الصالح، من كل رافع أذن له سبحانه في ذلك، ~~فعلى المرء إذا دخلها أن يتحصن من العدو بما رواه أبو دواد عن عبد الله ~~بن عمرو رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا دخل ~~المسجد قال: # " أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم، من الشيطان الرجيم ~~" # قال عقبة بن مسلم: فإذا قال ذلك قال الشيطان: حفظ مني سائر يوم. { ويذكر ~~} من كل ذاكر أذن له سبحانه { فيها اسمه } أي ذكرا صافيا عن شوب، ~~وخالصا عن غش { يسبح } أي يصلي وينزه { له } أي خاصة { فيها بالغدو } أي ~~الإبكار، بصلاة الصبح { والآصال* } أي العشيات، ببقية الصلوات، فيفتحون ~~أعمالهم ويختمونها بذكره ليحفظوا فيما بين ذلك ويبارك لهم فيما يتقلبون ~~فيه، وجمع الأصيل لتحقق أن المراد الظهر والعصر والمغرب والعشاء؛ قال ~~البغوي: لأن اسم الأصيل يجمعها. { رجال } أي رجال { لا تلهيهم تجارة } ~~أي ببيع أو شرى أو غيرهما، يظهر لهم فيها ربح. # ولما كان الإنسان قد يضطر إلى الخروج بالبيع عن بعض ما يملك للاقتيات ~~بثمنه أو التبلغ به إلى بعض المهمات التي لا وصول له إليها إلا به، أو ~~بتحصيل ما لا يملك كذلك مع أن البيع في التجارة أيضا هو الطلبة الكلية ~~لأنه موضع تحقق الربح الذي لا صبر عنه، قال: { ولا بيع } أي وإن لم يكن ~~على وجه ms3157 التجارة، والبيع يطلق بالاشتراك على التحصيل الذي هو الشرى وعلى ~~الإزالة { عن ذكر الله } أي الذي له الجلال والإكرام مطلقا بصلاة ~~وغيرها، فهم كل وقت في شهود ومراقبة لمن تعرف إليهم بصفات الكمال { و } ~~لا يلهيهم ذلك عن { إقام الصلاة } التي هي طهرة الأرواح، أعادها بعد ~~ذكرها بالتسبيح تصريحا بها تأكيدا لها وحثا على حفظ وقتها لأنه من ~~جملة مقوماتها وكذا جميع حدودها ولو بأوجز ما يكون من أدنى الكمال - بما ~~أشار إليه حرف التاء إشعارا بأن هذا المدح لا يتوقف على أنهى الكمال { و ~~} لا عن { إيتاء الزكاة } التي هي زكاء الأشباح ونماؤها، وخص الرجال مع ~~أن حضور النساء المساجد سنة شهيرة، إشارة إلى أن صلاتهن في بيوتهن أفضل ~~لما روى أبو داود في سننه وابن خزيمة في صحيحه عن عبد الله بن مسعود رضي ~~الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها، وصلاتها في مخدعها ~~أفضل من صلاتها في بيتها " # والمخدع: الخزانة. وللإمام أحمد والطبراني وابن خزيمة والحاكم عن أم ~~سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " خير مساجد النساء قعر بيوتهن " # ولأحمد وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما عن أم حميدة امرأة أبي حميد ~~الساعدي رضي الله عنهما أنها قالت: يا رسول الله! إني أحب الصلاة معك، ~~قال: # " قد علمت أنك تحبين الصلاة معي، وصلاتك في بيتك خير من صلاتك في حجرتك، ~~وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك، وصلاتك في دارك خير من صلاتك في ~~مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومك خير من صلاتك في مسجدي " # ، قال: فأمرت فبني لها مسجد في أقصى بيت من بيتها وأظلمه، فكانت تصلي ~~فيه حتى لقيت الله عز وجل. # ولما وصف الرجال المذكورين ما وصفهم به، ذكر علة فعلهم لذلك زيادة في ~~مدحهم فقال: { يخافون يوما } وهو يوم القيامة، هو بحيث { تتقلب فيه } أي ~~لشدة هوله، تقلبا ظاهرا - بما اشار إليه إثبات التاءين { القلوب ms3158 ~~والأبصار* } أي بين طمع في النجاة، وحذر من الهلاك، ويمكن أن يقال: ~~المشاكي - والله أعلم - هي المساجد، والزجاج هي الرجال، والمصابيح هي ~~القلوب، وتلألؤها ما تشتمل عليه من المعاني الحاملة على الذكر، والشجرة ~~الموصوفة هي مثال الأبدان، التي صفاها الله من الأدران، وطبعها على ~~الاستقامة، والزيت مثال لما وضع سبحانه فيها من جميل الأسرار، وقد ورد في ~~بعض الأخبار أن المساجد لأهل السماوات كالنجوم لأهل الأرض، وفي معجم ~~الطبراني في الأوسط عن ابن عمر رضي الله عنهما: " كمشكاة " قال: جوف محمد ~~صلى الله عليه وسلم، والزجاجة قلبه، والمصباح النور الذي في قلبه، ~~والشجرة إبراهيم عليه السلام، { لا شرقية ولا غربية }: لا يهودي ولا ~~نصراني. # ولما بين تعالى أفعال هؤلاء الرجال التي أقبلوا بها عليه، وأعرضوا عما ~~عداه، بين غايتهم فيها فقال: { ليجزيهم } أي يفعلون ذلك ليجزيهم { الله } ~~أي في دار كرامته بعد البعث بعظمته وجلاله، وكرمه. وجماله { أحسن ما ~~عملوا } أي جزاءه. ويغفر لهم سيئه { ويزيدهم من فضله } على العدل من ~~الجزاء ما لم يستحقوه - كما هي عادة أهل الكرم. # ولما كان التقدير: فإن الله لجلاله، وعظمته وكماله، لا يرضى أن يقتصر في ~~جزاء المحسن على ما يستحقه فقط، عطف عليه بيانا لأن قدرته وعظمته لا حد ~~لها قوله: { والله } أي الذي لا كفوء له فلا اعتراض عليه { يرزق من يشاء ~~}. ولما كان المعنى: رزقا يفوق الحد، ويفوت العد، عبر عنه بقوله: { بغير ~~حساب* } فهو كناية عن السعة، ويجوز أن يكون مع السعة التوفيق، فيكون ~~بشارة بنفي الحساب في الآخرة أيضا أصلا ورأسا، لأن ذلك المرزوق لم ~~يعمل ما فيه درك عليه فلا يحاسب، أو يحاسب ولا يعاقب؛ فيكون المراد بنفي ~~الحساب نفي عسره وعقابه، ويجوز أن يزاد الرزق كفافا، وقد ورد أنه لا ~~حساب فيه؛ روى ابن كثير من عند ابن أبي حاتم بسنده عن أسماء بنت يزيد رضي ~~الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة جاء مناد فنادى ms3159 بصوت يسمع ~~الخلائق: سيعلم أهل الجمع من أولى بالكرم، ليقم الذين لا تلهيهم تجارة ~~ولا بيع عن ذكر الله، فيقومون وهم قليل، ثم يحاسب سائر الخلائق ". # ولما أخبر تعالى أن الذين اتبعوا نور الحق سبحانه، وصلوا - من جزائه ~~بسبب ما هداهم إليه النور من الأعمال الصالحة - إلى حقائق هي في نفس ~~الأمر الحقائق، أخبر عن أضدادهم الذين اتبعوا الباطل فحالت جباله الوعرة ~~الشامخة بين أبصار بصائرهم وبين تلك الأنوار بضد حالهم فقال: { والذين ~~كفروا } أي ستروا بما لزموه من الضلال ما انتشر من نور الله { أعمالهم } ~~كائنة في يوم الجزاء { كسراب } وهو ما تراه نصف النهار في البراري لاصقا ~~بالأرض يلمع كأنه ماء، وكلما قربت منه بعد حتى تصل إلى جبل ونحوه فيخفى؛ ~~قال الرازي في اللوامع: والسراب شعاع ينكشف فينسرب ويجري كالماء تخيلا؛ ~~وقال ابن كثير: يرى عن بعد كأنه بحر طام، وإنما يكون ذلك بعد نصفف ~~النهار، وأما الآل فإنما يكون أول النهار، يرى كأنه ماء بين السماء ~~والأرض - انتهى. وقال البغوي: والآل ما ارتفع عن الأرض، وهو شعاع يرى بين ~~السماء والأرض بالغدوات شبه الملاءة، يرفع فيه الشخوص، يرى فيه الصغير ~~كبيرا، والقصير طويلا، والرقراق يكون بالعشايا، وهو ما ترقرق من ~~السراب، أي جاء وذهب. { بقيعة } جمع قاع، وهو أرض سهلة مطمئنة فد انفرجت ~~عنها الجبال والآكام - قاله في القاموس. وقال أبو عبد الله القزاز في ~~ديوانه: القيعة والقاع واحد، وهما الأرض المستوية الملساء يحفن فيها ~~التراب، الفراء: القيعة جمع قاع كجار وجيرة. وقال الصغاني في مجمع ~~البحرين: والقاع: المستوي من الأرض، والجمع أقواع وأقوع وقيعان، صارت ~~الواو ياء لكسرة ما قبلها، والقيعة مثل قاع، وهو أيضا من الواو، وبعضهم ~~يقول: هو جمع؛ وقال ابن جرير: والقاع ما انبسط من الأرض واتسع، وفيه يكون ~~السراب. وقال عبد الغافر الفارسي في مجمع الغرائب: قال الفراء: القاع: ~~مستنقع الماء، والقاع: المكان المستوي الواسع في وطأة من الأرض يعلوه ~~المطر فيمسكه ويستوي نباته، وجمعه قيعة وقيعان. # { يحسبه الظمآن } أي العطشان ms3160 الشديد العطش من ضعف العقل { ماء } فيقصده ~~ولا يزال سائرا { حتى إذا جاءه } أي جاء الموضع الذي توهمه به { لم يجده ~~شيئا } من الأشياء، فلم يفده قصده غير زيادة العطش بزيادة التعب، وبعده ~~عن مواطن الرجاء، فيشتد بأسه، وتنقطع حليه فيهلك، وهكذا الكافر يظن ~~أعماله تجديه شيئا فإذا هي قد أهلكته. # ولما كان الله محيطا بعلمه وقدرته بكل مكان قال: { ووجد الله } أي قدرة ~~المحيط بكل شيء { عنده } أي عند ذلك الموضع الذي قصده لما تخيل فيه الخير ~~فخاب ظنه { فوفاه حسابه } أي جزاء عمله على ما تقتضيه أعماله على حكم ~~العدل، فلم يكف هذا الجاهل خيبة وكمدا أنه لم يجد ما قصده شيئا كغيره ~~من السراب حتى وجد عنده الزبانية تعتله إلى نار، لا يفك أسيرها، ولا يخمد ~~سعيرها. # ولما كان سبحانه لا يحتاج إلى كاتب، ولا يدخل عليه لبس، ولا يصعب عليه ~~ضبط شيء وإن كثر، ولا يقد أحد أن يتأخر عما يريده به بنوع حيلة، عبر عن ~~ذلك بقوله: { والله } أي الذي له القدرة الكاملة والعلم الشامل { سريع ~~الحساب* } أي لأنه لا يحتاج إلى حفظ بقلب، ولا عقد بأصابع، ولا شيء غير ~~ذلك، ولكنه عالم بذلك كله قبل أن يعمله العبد وبعد عمله له، لا يعزب عنه ~~منه ولا من غيره شيء. ### || [24.40-44] # ولما بين سبحانه بهذا المثال أنهم لم يصلوا إلى شيء غير التعب، المثمر ~~للعطب، وكان هذا لا يفعله بنفسه عاقل، ضرب مثالا آخر بين الحامل لهم على ~~الوقوع في ممثول الأول، وهو السير بغير دليل، الموقع في خبط العشواء ~~كالماشي في الظلام، فقال عاطفا على { كسراب } قوله: { أو } للتخيير، أي ~~أعمالهم لكونها لا منفعة لها كسراب، ولكونها خالية عن نور الحق { كظلمات ~~} أو للتنويع، فإنها إن كانت حسنة الظاهر فكالسراب، أو قبيحة فكالظلمات، ~~أو للتقسيم باعتبار وقتين كالظلمات في الدنيا والسراب في الآخرة { في بحر ~~} هو مثال قلب الكافر { لجي } أي ذي لج هو اللج، إشارة إلى أنه عميق لا ~~يدرك له قرار، لأن ms3161 اللج معظم الماء، ويكون جمع لجة أيضا، والأوفق هنا أن ~~يكون منسوبا إلى الجمع، لأنه أهول، والمقام للتهويل، قال القزاز في ~~ديوانه: ولجة البحر معروفة وهو المرضع الذي لا ترى منه أرضا ولا جبلا، ~~وبحر لجي: واسع اللجة، وجمع اللجة لجج ولج. { يغشاه } أي يغطي هذا البحر ~~ويعلوه، أو يلحق الكائن فيه { موج } وهو مثل ما يغشى قلبه من الجهل والشك ~~والحيرة، كائن { من فوقه } أي هذا الموج { موج } آخر { من فوقه } أي هذا ~~الموج الثاني المركوم على الأول { سحاب } قد غطى النجوم، وهو مثال الرين ~~والختم والطبع على القلب، فلا سماء تبصر ولا أرض. # ولما كان هذا أمرا مهولا، أشار إلى هوله وتصويره بقوله: { ظلمات } أي ~~من البحر والموجين والسحاب { بعضها }. ولما كان المراد استغراق الجهة، لم ~~يثبت الجار فقال: { فوق بعض } متراكمة، فلذلك يبعد كل البعد أن ينفذ فيها ~~بصر، ولذلك قال: { إذا أخرج } أي الكائن في هذا البحر بدلالة المعنى وإن ~~لم يجر له ذكر { يده } وهي أقرب شيء إليه { لم يكد } أي الكائن فيه { ~~يراها } أي يقرب من ذلك فضلا عن أن يكون، لأن الله قد ستر عنه كل نور ~~بهذه الظلمات المتكاثفة، وهو مثال لعمله وأنه عدم لما تقدم من أن العدم ~~كله ظلمة، فلا عمل له يكون شيئا ولا يقرب من ذلك لأنه لا أهلية له بوجه ~~{ ومن لم يجعل الله } أي الملك الأعظم { له نورا } من الأنوار، وهو قوة ~~الإيجاد والإظهار { فما له من نور* } أصلا، لأنه سبحانه يستر نوره وإن ~~كان ملء السماوات والأرض عمن يشاء بحجب الأهوية، لأنه قادر على ما يريد. # ولما كان قيام الأمور، وظهورها كل ظهور، إنما هو بالنور، حسا بالإيجاد، ~~ومعنى بجعل الموجودات آيات مرئيات تدل على موجدها، قال تعالى دالا على ~~ما أخبر به من أنه وحده نور السماوات والأرض، أي موجدهما بعلمه وقدرته ~~ومن أن من كساه من نوره فإن في يوم البعث الذي يجازي فيه الخلق على ما ~~يقتضيه العلم الذي هو النور في ms3162 الحقيقة من مقادير أعمالهم، ومن أعراه من ~~النور هلك: { ألم تر } أي تعلم يا رأس الفائزين برتبة الإحسان علما هو ~~في ثباته كما بالمشهادة { أن الله } الحائز لصفات الكمال { يسبح له } أي ~~ينزه عن كل شائبة نقص لأجله خاصة بما له فيه من القدرة الكاملة { من في ~~السماوات }. # ولما كان مبنى السورة على شمول العلم والقدرة لم يؤكد فقال: { والأرض } ~~أي هما وكل ما فيهما بلسان حاله، أو آلة مقاله، وعرف أن المراد العموم ~~بعطفه بعض ما لا يعقل، وعبر ب " من " لأن المخبر به من وظائف العقلاء. # ولما كان أمر الطير أدل لأنه أعجب، قال مخصصا: { والطير صافات } أي ~~باسطات أجنحتها في جو السماء، لا شبهة في أنه لا يمسكهن إلا الله، ~~وإمساكه لها في الجو مع أنها أجرام ثقيلة، وتقديره لها فيه على القبض ~~والبسط حجة قاطعة على كمال قدرته. # ولما كان العلم يوصف به ما هو سبب كالكتاب المصنف ونحوه، ويشتق للشيء ~~اسم فاعل مما لابسه كما يقال: ليله قائم، ونهاره صائم، # ولا تزال تطلع على خائنة منهم # [المائدة: 13] وكانت أسطر القدرة مجودة على كل كائن، شديدة الوضوح في ~~صفحات كل شيء، فكانت الكائنات بذلك دالة على خالقها وما له من كل صفة ~~كمال، صح إطلاق العلم عليها وإسناده إليها فقال: { كل } أي من المخلوقات ~~{ قد علم } أي بما كان سببا له من العلم بما فيه من الآيات الدالة ~~المعلمة بما لموجده من صفات الكمال { صلاته } أي الوجه الذي به وصلته ~~بمولاه ونسبته إليه { وتسبيحه } أي الحال الذي به براءة صانعه من الشين ~~وتعاليه عن النقص، وقد صرحت بذلك ألسن أحوالها، نيابة عن بيان مقالها، ~~هذا بقيامه صامتا جامدا، وهذا بنموه مهتزا رابيا، إلجاء وقهرا، وهذا ~~بحركته بالإرادة، وقصد وجوه منافعه، وبعده عن أحوال مضاره بمجرد فطرته ~~وما أودع في طبيعته، وهذا بنطقه وعقله، ونباهته وفضله، مع أن نسبة كل ~~منهم إلى الأرض والسماء واحدة، ويدل على ذلك دلالة واضحة ما روى الإمام ~~أحمد في المسند عن ms3163 عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن " النبي صلى الله ~~عليه وسلم أن نوحا عليه السلام أوصى ابنه عند موته بلا إله إلا الله، ~~فإن السماوات السبع والأرضين السبع لو كن حلقة مبهمة قصمتهن، وسبحان الله ~~وبحمده، فإنها صلاة كل شيء وبها يرزق الخلق وقال الغزالي في الإحياء: ~~وروي # " أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: تولت عني الدنيا ~~وقلت ذات يدي، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فأين أنت من صلاة ~~الملائكة وتسبيح الخلائق وبها يرزقون " ، قال فقلت: وما هي يا رسول الله؟ ~~قال: " سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم أستغفر الله مائة مرة ما بين ~~طلوع الفجر إلى أن تصلي الصبح، تأتيك الدنيا راغمة صاغرة، ويخلق الله من ~~كل كلمة ملكا يسبح الله إلى يوم القيامة لك ثوابه " # قال الحافظ زين الدين العراقي: رواه المستغفري في الدعوات عن ابن عمر ~~رضي الله عنهما وقال: غريب من حديث مالك، ولا أعرف له أصلا من حديث مالك ~~". # ولما كان التقدير: فالله قدير على جميع تلك الشؤون، عطف عليه قوله: { ~~والله } أي المحيط علما وقدرة { عليم بما يفعلون* } بما ثبت مما أخبركم ~~به في هذه السورة دقائق أقوالكم وأحوالكم، وضمائركم وأفعالكم، وقد تقدم ~~في الأعراف عند # أو لم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض # [الأعراف: 185] ما ينفع هنا. # ولما أخبر عما في الكونين بما يستلزم الملك على أنهى وجوه التمام ~~المستلزم للقدرة على البعث، أخبر عنهما بالتصريح به فقال: { ولله } أي ~~الذي لا ملك سواه { ملك السماوات والأرض } مع كونه مالكا مسخرا مصرفا ~~لجميع ذلك، فهو جامع للملك والملك. # ولما كان التقدير: ومن الله المبدأ للكل بالإيجاد من العدم، عطف عليه ~~قوله: { وإلى الله } أي الذي له الإحاطة بكل شيء { المصير* } أي لهم كلهم ~~بعد الفناء، وإنما طوي هذا المقدر لأنه لا خلف فيه. # ولما أخبر بذلك فتقرر ملكه وقدرته على البعث على حسب ما وعد به بعد أن ~~تحرر ملكه، دل عليه بتصرفه في ms3164 العالم العلوي والسفلي بما يدل على القدرة ~~على الإعادة فقال: { ألم تر أن الله } أي ذا الجلال والجمال { يزجي } أي ~~يسوق بالرياح، وسيأتي الكلام عليها في النمل؛ وقال أبو حيان: إن الإزجاء ~~يستعمل في سوق الثقل برفق. { سحابا } أي بعد أن أنشأه من العدم تارة من ~~السفل، وتارة من العلو، ضعيفا رقيقا متفرقا، قال أبو حيان: وهو اسم ~~جنس واحده سحابة، والمعنى: يسوق سحابة إلى سحابة. وهو معنى { ثم يؤلف ~~بينه } أي بين أجزائه بعد أن كانت قطعا في جهات مختلفة { ثم يجعله ~~ركاما } في غاية العظمة متراكبا بعضه على بعض بعد أن كان في غاية الرقة ~~{ فترى } أي في تلك الحالة المستمرة { الودق } أي المطر، قال القزاز: ~~وقيل: هو احتفال المطر. { يخرج من خلاله } أي فتوقه التي حدثت بالتراكم ~~وانعصار بعضه من بعض { وينزل من السماء } أي من جهتها مبتدئا من { من ~~جبال فيها } أي في السماء، وهي السحاب الذي صار بعد تراكمه كالجبال؛ وبعض ~~فقال: { من برد } هو ماء منعقد؛ وبين أن ذلك بإرداته واختياره بقوله: { ~~فيصيب به } أي البرد والمطر على وجه النقمة أو الرحمة { من يشاء } من ~~الناس وغيرهم { ويصرفه عمن يشاء } صرفه عنه؛ ثم نبه على ما هو غاية في ~~العجب في ذلك مما في الماء من النار التي ربما نزلت منها صاعقة فأحرقت ما ~~لا تحرق النار فقال: { يكاد سنا } أي ضوء { برقه } وهو اضطراب النور في ~~خلاله { يذهب } أي هو، ملتبسا { بالأبصار* } لشدة لمعه وتلألئه، فتكون ~~قوة البرق دليلا على تكاثف السحاب وبشيرا بقوة المطر، ونذيرا بنزول ~~الصواعق؛ ثم ذكر ما هو أدل على الاختيار، فقال مترجما لما مضى بزيادة: { ~~يقلب الله } أي الذي له الأمر كلهه بتحويل الظلام ضياء والضياء ظلاما، ~~والنقص تارة والزيادة أخرى، مع المطر تارة والصحو أخرى { الليل والنهار } ~~فينشأ عن ذلك التقليب من الحر والبرد والنمو والينوع واليبس ما يبهر ~~العقول؛ ولهذا قال منبها على النتيجة: { إن في ذلك } أي الأمر العظيم ~~الذي ذكر من جميع ما تقدم ms3165 { لعبرة لأولي الأبصار* } أي النافذة، والقلوب ~~الناقدة، يعبرون منها إلى معرفة ما لمدبر ذلك من القدرة التامة والعلم ~~الشامل الدال قطعا على الوحدانية. ### || [24.45-51] # ولما ذكر أولا أحوال الخافقين دليلا على وحدانيته، وفصل منها الآثار ~~العلوية، فذكر ما يسقي الأرض، وطوى ذكر ما ينشأ عنه من النبات للعلم به، ~~ذكر أحوال ما يتكون به من الحيوانات دليلا ظاهرا على الإعادة، وبرهانا ~~قاهرا على المنكرين لها فقال: { والله } أي الذي له العلم الكامل ~~والقدرة الشاملة { خلق كل دآبة } أي مما تقدم أنه يسبح له. # ولما ذكر أنواعا من الحيوان، نكر بخلاف ما في الأنبياء فقال: { من ماء ~~} أي دافق هو أعظم أجزاء مادته كما خلق النبات من ماء " هامر " كذلك، ~~وفاوت بينه مع كون الكل من الماء الهامر الذي لا تفاوت فيه { فمنهم } أي ~~الدواب. # ولما كان في سياق التعظيم، وكان قد آتى كل نفس من الإدراك ما تعرف به ~~منافعها ومضارها، عبر عن الكل بأداة من يعقل وإن كانوا متفاوتين في ~~التمييز فقال: { من يمشي على بطنه } أي من غير رجل؛ وقدم هذا لكونه أدل ~~على القدرة، وسماه مشيا استعارة ومشاكلة { ومنهم من يمشي على رجلين } أي ~~ليس غير { ومنهم من يمشي على أربع } أي من الأيدي والأرجل، وفي هذا تنبيه ~~على من يمشي على أكثر من ذلك، وإليه الإشارة بقوله: { يخلق الله } وعبر ~~باسم الجلالة إعلاما بتناهي العظمة؛ وقال: { ما يشاء } دلالة على أنه ~~فعله بقدرته واختياره، لا مدخل لشيء غير ذلك فيه إلا بتقدير العزيز ~~العليم. # ولما كانت هذه الأدلة ناظرة إلى البعث أتم نظر، وكانوا منكرين له، أكد ~~قوله: { إن الله } أي الذي الكمال المطلق { على كل شيء } من ذلك وغيره { ~~قدير* }. # ولما اتضح بهذا ما لله تعالى من صفات الكمال والتنزه عن كل شائبة نقص، ~~وقامت أدلة الوحدانية على ساق، واتسقت براهين الألوهية أي اتساق، قال ~~مترجما لتلك الأدلة: { لقد أنزلنا } أي في هذه السورة وما تقدمها، بما ~~لنا من العظمة { آيات } أي من الحكم والأحكام ms3166 والأدلة والأمثال { مبينات ~~} لا خفاء في شيء منها عند أحد من الخلق، لأن الله قد أراد هدايتكم، ~~بعضكم بالبيان، وبعضكم بخلق الإذعان { والله } أي الملك الأعظم { يهدي من ~~يشاء } من العابد كلهم { إلى صراط مستقيم* } بالقوة بإنزال الآيات، ~~والفعل بخلق الإيمان والإخبات، فيؤمنون إيمانا ثابتا. # ولما كان إخفاء هذه الآيات عن البعض بعد بيانها أعجب من ابتداء نصبها، ~~فكان السياق ظاهرا في أن التقدير: والله يضل من يشاء فيكفرون بالآيات ~~والذكر الحكيم، وكان الخروج من نورها بعد التلبس بها إلى الظلام أشد ~~غرابة، عطف على ما قدرته مما دل عليه السياق أتم دلالة قوله دليلا ~~شهوديا على ذلك مطوي، معجبا ممن عمي عن دلائل التوحيد التي أقامها ~~تعالى وعددها وأوضحها بحيث صارت كما ذكر تعالى أعظم من نور الشمس: { ~~ويقولون } أي الذين ظهر لهم نور الله، بألسنتهم فقط: { آمنا بالله } الذي ~~أوضح لنا جلاله، وعظمته وكماله { وبالرسول } الذي علمنا كمال رسالته ~~وعمومها بما أقام عليها من الأدلة { وأطعنا } أي أوجدنا الطاعة لله ~~وللرسول، وعظم المخالفة بين الفعل والقول بأداة البعد فقال: { ثم يتولى } ~~أي يرتد بإنكار القلب ويعرض عن طاعة الله ورسوله، ضلالا منهم عن الحق { ~~فريق منهم } أي ناس يقصدون الفرقة من هؤلاء الذين قالوا هذه المقالة. # ولما كان ينبغي أن يكون وقوع الارتداد منهم - كما أشير إليه - في غاية ~~البعد وإن كان في أقل زمن، أشار إليه بأداة التراخي، وأكد ذلك بقوله ~~مثبتا الجار: { من بعد ذلك } أي القول السديد الشديد المؤكد، مع الله ~~الذي هو أكبر من كل شيء، ومع رسوله الذي هو أشرف الخلائق { وما أولئك } ~~أي البعداء البضاء الذين صاروا بتوليهم في محل البعد { بالمؤمنين* } أي ~~بالكاملين في الإيمان قولا وعقدا، وإنما هم من أهل الوصف اللساني، ~~المجرد عن المعنى الإيقاني. # ولما فضحهم بما أخفوه من توليهم، قبح عليهم ما أظهروه، فقال معبرا ~~بأداة التحقيق: { وإذا دعوا } أي الذين ادعوا الإيمان من أي داع كان { ~~إلى الله } أي ما نصب الملك الأعظم من أحكامه { ورسوله ms3167 ليحكم } أي الرسول ~~{ بينهم } بما أراه الله { إذا فريق منهم } أي ناس مجبولون على الأذى ~~المفرق { معرضون* } أي فاجؤوا الإعراض، إذا كان الحق عليهم، لاتباعهم ~~أهواءهم، مفاجأة تؤذن بثباتهم فيه { وإن يكن } أي كونا ثابتا جدا { ~~لهم } أي على سبيل الفرض { الحق } أي بلا شبهة { يأتوا إليه } أي بالرسول ~~{ مذعنين* } أي منقادين أتم انقياد لما وافق من أهوائهم لعلمهم أنه دائر ~~مع الحق لهم وعليهم، لا لطاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. # ولما كان سبب فعلهم هذا بعد إظهارهم الطاعة مشكلا، ناسب أن يسأل عنه، ~~فقال تعالى مبينا له بعد التنبيه على ما يحتمله من الحالات: { أفي ~~قلوبهم مرض } أي نوع فساد من أصل الفطرة يحملهم على الضلال { أم ارتابوا ~~} بأن حدثت لهم شبهة أعمتهم عن الطريق { أم } ليس فيهم خلل لا أصلي ولا ~~طارىء، بل الخلل في الحاكم فهم { يخافون أن يحيف } أي يجور { الله } ~~الغني عن كل شيء، لأن له كل شيء { عليهم } بنصب حكم جائر وهو منزه عن ~~الأغراض { ورسوله } الذي لا ينطق عن الهوى، بضرب أمر زائغ وقد ثبتت عصمته ~~عن الأدناس. # ولما لم يكن شيء من ذلك كائنا أضرب عنه فقال: { بل أولئك } أي البعداء ~~البغضاء { هم } أي خاصة { الظالمون } أي الكاملون في الظلم، لأن قلوبهم ~~مطبوعة على المرض والريب، لا أن فيها نوعا واحدا منه، وليسوا يخافون ~~الجور، بل هو مرادهم إذا كان الحق عليهم. # ولما نفى عنهم الإيمان الكامل بما وصفهم به، كان كأنه سئل عن حال ~~المؤمنين فقال: { إنما كان } أي دائما { قول المؤمنين } أي العريقين في ~~ذلك الوصف، وأطبق العشرة على نصب القول ليكون اسم كان أوغل الاسمين في ~~التعريف، وهو " أن " وصلتها لأنه لا سبيل عليه للتنكير، ولشبهه كما قال ~~ابن جني في المحتسب بالمضمر من حيث إنه لا يجوز وصفه كما لا يجوز وصف ~~المضمر، وقرأ على رضي الله عنه بخلاف وابن أبي إسحاق { قول } بارفع { إذا ~~دعوا } أي من أي داع كان { إلى الله } أي ما أنزل ms3168 الملك الذي لا كفوء له ~~من أحكامه { ورسوله ليحكم } أي الله بما نصب من أحكامه أو الرسول صلى ~~الله عليه وسلم بما يخاطبهم به من كلامه { بينهم } أي في حكومة من ~~الحكومات لهم أو عليهم { أن يقولوا سمعنا } أي الدعاء { وأطعنا } أي ~~بالإجابة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم. ولما كان التقدير: فأولئك هم ~~المؤمنون، عطف عليه قوله: { وأولئك } أي العالو الرتبة { هم } خاصة { ~~المفلحون* } الذين تقدم في أول المؤمنون وصفهم بأنهم يدركون جميع ~~مأمولهم. ### || [24.52-53] # ولما رتب سبحانه الفلاح على هذا النوع الخاص من الطاعة، أتبعه عموم ~~الطاعة فقال: { ومن يطع الله } أي الذي له الأمر كله { ورسوله } أي في ~~الإذعان للقضاء وغيره فيما ساءه وسره من جميع الأعمال الظاهرة { ويخش ~~الله } أي الذي له الجلال والإكرام، بقلبه لما مضى من ذنوبه ليحمله ذلك ~~على كل خير، كما كان الصحابة رضوان الله عليهم إذا وقع أحد منهم في تقصير ~~يأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيقول: طهرني، ويلقن أحدهم الرجوع فلا ~~يرجع، وفي تطهيره الإتيان على نفسه، وقع ذلك لرجالهم ونسائهم - رضي الله ~~عنهم أجمعين وأحيانا على منهاجهم وحشرنا في زمرتهم { ويتقه } أي الله ~~فيما يستقبل بأن يجعل بينه وبين ما يسخطه وقاية من المباحات فيتركها ~~ورعا. # ولما أفرد الضمائر إشارة إلى قلة المطيع، جمع لئلا يظن أنه واحد فقال: { ~~فأولئك } العالو الرتبة { هم الفائزون* } بالملك الأبدي ولا فوز لغيرهم. # ولما ذكر سبحانه ما رتب على الطاعة الظاهرة التي هي دليل الانقياد ~~الباطن، ذكر حال المنافقين فيه، فقال عاطفا على { ويقولون } لأنه ليس ~~المراد منه إلا مجرد القول من غير إرادة تقييد بزمان معين: { وأقسموا } ~~وكأنه عبر بالماضي إشارة إلى أنهم لم يسمحوا به أكثر من مرة، لما يدل ~~عليه من زيادة الخضوع والذل { بالله } أي الملك الذي له الكمال المطلق؛ ~~واستعار من جهد النفس قوله في موضع الحال: { جهد أيمانهم } أي غاية ~~الإقسام { لئن أمرتهم } أي بأمر من الأمور { ليخرجن } مما هم ملتبسون به ~~من خلافه، كائنا ms3169 ما كان، إلى ما أمرتهم به، وذلك أنهم كانوا يقولون ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أينما كنت نكن معك، إن خرجت خرجنا، وإن ~~أقمت أقمنا، وإن أمرتنا بالجهاد جاهدنا - قاله البغوي. فكأنه قيل: ماذا ~~تفعل في اختبارهم؟ فقيل: الأمر أوضح من ذلك، فإن لكل حق حقيقة، ولكل فعل ~~أدلة { قل } أي لهم: { لا تقسموا } أي لا تحلفوا فإن العلم بما أنتم عليه ~~لا يحتاج إلى الإقسام، ولكن المحرك لكم إلى الخروج محبة الامتثال لا ~~إلزام الإقسام، وفيه إشارة إلى أنهم أهل للاتهام، وكذا قال المتنبي: # وفي يمينك فيما أنت واعده # ما دل أنك في الميعاد متهم # ثم علل ذلك بقوله: { طاعة } أي هذه الحقيقة { معروفة } أي منكم ومن ~~غيركم، وإرادة الحقيقة هو الذي سوغ الابتداء بها مع تنكير لفظها لأن ~~العموم الذي تصلح له كما قالوا من أعرف المعارف، ولم تعرف ب " ال " لئلا ~~يظن أنها لعهد ذكري أو نحوه، والمعنى أن الطاعة وإن اجتهد العبد في ~~إخفائها لا بد أن تظهر مخايلها على شمائله، وكذا المعصية لأنه " ما أسر ~~عبد سريرة إلا ألبسه الله رداءها " رواه الطبراني عن جندب رضي الله عنه، ~~وروى مسدد عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: لو أن رجلا دخل بيتا في ~~جوف بيت فأدمن هناك عملا أوشك الناس أن يتحدثوا به، وما من عامل عمل ~~عملا إلا كساه الله رداء عمله، إن كان خيرا فخير، وإن كان شرا فشر. # ولأبي يعلى والحاكم - وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه عن أبي سعيد رضي ~~الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا كوة لخرج عمله للناس ~~كائنا ما كان " # ثم علل إظهاره للخبء بقوله: { إن الله } أي الذي له الإحاطة بكل شيء { ~~خبير بما تعملون* } وإن إجتهدتم في إخفائه، فهو ينصب عليه دلائل يعرفه ~~بها عباده، فالحلف غير مغن عن الحالف، والتسليم غير ضار للمسلم. ### || [24.54-56] # ولما نبه على خداعهم، أشار ms3170 إلى عدم الاغترار بإيمانهم، وإلى قبول شهادة ~~التوسم فيهم، أمر بترغيبهم وترهيبهم، مشيرا إلى الإعراض عن عقوبتهم ~~فقال: { قل أطيعوا } أيها الذين أقروا بالإيمان { الله } أي الذي لم ~~الكمال المطلق { وأطيعوا الرسول } أي لاذي له الرسالة المطلقة، ظاهرا ~~وباطنا لا كالمنافقين { فإن تولوا } أي توجد منكم التولية عن ذلك ~~عصيانا له ولو على أدنى وجوه التولية - بما أشار إليه حذف التاء، تضلوا ~~فلا تضروا إلا أنفسكم، وهو معنى قوله: { فإنما عليه } أي الرسول { ما حمل ~~} أي من التبليغ ممن إذا حمل أحدا شيئا فلا بد من حمله له أو حمل ما هو ~~أثقل منه { وعليكم ما حملتم } من القبول، وليس عليه أن يقسركم على ~~الهداية؛ وأفهم بقوله: { وإن تطيعوه } أي بالإقبال على كل ما يأمركم به { ~~تهتدوا } أي إلى كل خير أنه لا هداية لهم بدون متابعته؛ روى عبد الله ابن ~~الإمام أحمد في زيادات المسند عن النعمان بن بشير رضي الله عنه أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال على المنبر: # " من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، ~~والتحدث بنعمة الله شكر، وتركه كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب " # قال: فقال أبو أمامة الباهلي رضي الله عنه: عليكم بالسواد الأعظم! قال ~~فقال رجل: ما السواد الأعظم؟ فنادى أبو أمامة هذه الآية في سورة النور { ~~فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم }. # ولما كان ما حمله الرسول صلى الله عليه وسلم مبهما، عينه بقوله: { وما ~~على الرسول } أي من جهة غيره { إلا البلاغ المبين* } أي التبليغ الذي ~~يحصل به البلاغ من غير شك، إما بالإيضاح وحده أو مضموما إلى السيف فما ~~دونه من أنواع الزواجر. # ولما لاح بهذا الإذن في الكف عن قتل النبي صلى الله عليه وسلم للمنافقين ~~لئلا يقول الناس: إن محمدا استنصر بقوم، فلما نصره الله بهم أقبل ~~يقتلهم. فيمتنع من يسمع ذلك من الدخول في الإسلام، فتكون مفسدة قتلهم ~~أعظم من مفسدة إبقائهم، لأن الدين لم يكن حينئذ ms3171 تمكن تمكنا لا يؤثر فيه ~~مثل ذلك، تشوفت النفوس إلى أن هذا الحال هل يستمر؟ فجلى الله عنهما هذا ~~الكرب بقوله: بيانا لأن تمكن الدين غير مفتقر إليهم سواء أقبلوا أو ~~أدبروا: { وعد الله } أي الذي له الإحاطة بكل شيء { الذين آمنوا } وهو مع ~~ذلك كالتعليل لما قبله ترغيبا لمن نظر في الدنيا نوع نظر؛ وقيد بقوله: { ~~منكم } تصريحا بأهل القرن الأول، ليكون ظاهرا فس إخراج المنافقين ~~المتولين بالإعراض، إشارة إلى أنهم لا يزالون في ذل وضعة؛ وقدم هذا القيد ~~اهتماما به لما ذكر بخلاف ما يأتي في سورة الفتح { وعملوا } تصديقا ~~لإيمانهم { الصالحات } من الإذعان للأحكام وغيرها، وأكد غاية التأكيد ~~بلام القسم، لما عند أكثر الناس من الريب في ذلك فقال: { ليستخلفنهم في ~~الأرض } أي أرض العرب والعجم، بأن يمد زمانهم، وينفذ أحكامهم { كما ~~استخلف } أي طلب وأوجد خلافة بإيجادهم { الذين من قبلهم } أي من الأمم من ~~بني إسرائيل وغيرهم من كل من حصلت له مكنة، وظفر على الأعداء بعد الضعف ~~الشديد كما كتب في الزبور { أن الأرض يرثها عبادي الصالحون } وكما قال ~~موسى عليه السلام: { إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة ~~للمتقين } { وليمكنن لهم } أي في الباطن والظاهر { دينهم } أضافة إليهم ~~إشارة إلى رسوخ أقدامهم فيه وأنه أبدي لا ينسخ { الذي ارتضى لهم } حتى ~~يقيموا الحدود فيه من قتل وغيره على الشريف والوضيع سواء كان الواقعون في ~~ذلك عصبة أم لا، لا يراعون أحدا، ولا يخافون لومة لأئم، لأنه لا يضره إذ ~~ذاك إدبارا مدبر كما قال صلى الله عليه وسلم عن الحرورية كافة # " إنه إن أدركهم ليقتلنهم قتل عاد، بعد أن كف عن قتل رأسهم ونهى عن قتله ~~- وهو واحد في غزوة حنين ". # ولما بشرهم بالتمكين، أشار لهم إلى مقداره بقوله: { وليبدلنهم } وأشار ~~إلى عدم استغراق هذا الأمن العام لجميع الزمان بإثبات الجار فقال: { من ~~بعد خوفهم } هذا الذي هم فيه الآن { أمنا } أي عظيما بمقدار هذا الخوف، ~~في زمن النبوة وخلافتها؛ ثم أتبع ms3172 ذلك نتيجته بقوله تعليلا للتمكين وما ~~معه: { يعبدونني } أي وحدي؛ وصرح بالمراد بيانا لحال العابدة النافعة ~~بقوله: { لا يشركون بي شيئا } ظاهرا ولا باطنا، لأن زمانهم يكون زمن ~~عدل، فلا يتحابون فيه بالرغبة والرهبة، روى الطبراني في الوسط عن أبي بن ~~كعب رضي الله عنه قال: لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي ~~الله عنهم المدينة، وآوتهم الأنصار - رضي الله عنهم أجمعين، رمتهم العرب ~~من قوس واحدة فنزلت { ليستخلفنهم في الأرض } الآية. ولقد صدق الله سبحانه ~~ومن أصدق من الله حديثا - ففتح سبحانه لهم البلاد، ونصرهم على جبابرة ~~العباد، فأذلوا رقاب الأكاسرة، واستعبدوا أبناء القياصرة، ومكنوا شرقا ~~وغربا مكنة لم تحصل قبلهم لأمة من الأمم، كما قال صلى الله عليه وسلم # " إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زوي ~~لي منها " # يعرف ذلك من طالع فتوح البلاد، وأجمعها وأحسنها النصف الثاني من سيرة ~~الحافظ أبي الربيع بن سالم الكلاعي، وكتاب شيخه ابن حبيش أيضا جامع، ولا ~~أعلم شيئا أنفع في رسوخ الإيمان، بعد حفظ القرآن، من مطالعة السير ~~والفتوح، وسيرة الكلاعي جامعة للأمرين، ونظمي للسيرة في القصيدة التي ~~أولها: # ما بال جفنك هامي الدمع هامره # وبحر فكرك وافي الهم وافره # أجمع السير - يسر الله إكمال شرحها، آمين. # ولما قتلوا عثمان رضي الله عنه، وخرجوا على علي ثم ابنه الحسن رضي الله ~~عنهما، نزع الله ذلك الأمن كما أشير إليه ب " من " وتنكير " أمنا " ~~وجاء الخوف واستمر يتطاول ويزداد قليلا قليلا إلى أن صار في زماننا هذا ~~إلى أمر عظيم - والله المستعان. # ولما كان التقدير: فمن ثبت على دين الإسلام، وانقاد لأحكامه واستقام، ~~نال هذه البشرى، عطف عليه قوله: { ومن كفر } أي بالإعراض عن الأحكام أو ~~غيرها؛ أو هو عطف على { يعبدونني } لأن معناه: ومن لم يعبدني. # ولما كان الفاسق الكامل إنما هو من مات على كفره فحبط عمله، فكان بذلك ~~كفره مستغرقا لزمانه دون من مات مسلما وإن كان كافرا في جميع ما ms3173 مضى ~~له قبل ذلك، أسقط الجار فقال: { بعد ذلك } أي الاستخلاف العظيم على الوجه ~~المشروح { فأولئك } البعداء من الخير { هم } خاصة { الفاسقون* } أي ~~الخارجون من الدين خروجا كاملا، لا تقبل معه معذرة، ولا تقال لصاحبه ~~عثرة، بل تقام عليهم الأحكام بالقتل وغيره، ولا يراعى فيهم ملام، ولا ~~تأخذ بهم رأفة عند الانتقام، كما تقدم في أول السورة فيمن لزمه الجلد، ~~ولعل الآية مشيرة إلى أهل الردة. # ولما تمت هذه البشرى، وكان التقدير: فاعملوا واعبدوا، عطف عليه قوله: { ~~وأقيموا الصلاة } أي فإنها قوام ما بينكم وبين ربكم، مع أنه يصح عطفه على ~~قوله " أطيعوا الله " فيكون من مقول { قل } { وآتوا الزكاة } فهي نظام ~~ما بينكم وبين إخوانكم { وأطيعوا الرسول } أي المحيط بالرسالة في كل ما ~~يأمركم به، فإنما هو عن أمر ربكم { لعلكم ترحمون* } أي لتكونوا عند من ~~يجهل العواقب على رجاء من حصول الرحمة ممن لا راحم في الحقيقة غيره. ### || [24.57-60] # ولما كان الكفار من الكثرة والقوة بمكان، كان الحال جديرا بتأكيد معنى ~~التمكين، جوابا لسؤال من كأنه قال: وهل ذلك ممكن فقال: { لا تحسبن } أي ~~أيها المخاطب { الذين كفروا } أي وإن زادت كثرتهم على العد، وتجاوزت ~~عظمتهم الحد، فإن ذلك الحسبان ضعف عقل، لأن الملك لا يعجزه من تحت قهره، ~~ويجوز أن يكون خطابا للنبي صلى الله عليه وسلم لزيادة تحقيقه، لأنه على ~~قدر عظمة المخاطب يكون إنجاز الوعد { معجزين } لأهل ودنا { في الأرض } ~~فإنهم مأخوذون لا محالة { ومأواهم } أي مسكنهم ومنزلهم بعد الأخذ { النار ~~}. ولما كانت سكنى الشيء لا تكون إلا بعد الصيرورة إليه قال: { ولبئس ~~المصير* } مصيرها! فكيف إذا كان على وجه السكنى. # ولما كان الملل من شيم النفوس، فكان تدريج الكلام في المقاصد لا سيما ~~الأحكام شيئا فشيئا خلال مقاصد أخرى أوقع في القلب، وأشهى إلى الطبع، ~~لا سيما إذا كان على وجوه من المناسبات عجيبة، وضروب من الاتصالات هي مع ~~دقتها غريبة، زين الله تأصيلها بتفصيلها فابتدأ السورة بطائفة منها، ~~وفصلها بدر الوعظ، وجواهر الحكم، ms3174 والحث على معالي الأخلاق، ومكارم ~~الأعمال، ثم وصلها بالإلهيات التي هي أصولها، وعن علي مقاماتها تفرعت ~~فصولها، فلما ختمها بالتمكين لأهل هذا الدين، وتوهين أمر المعتدين، شرع ~~في إكمالها، بإثبات بقية أحوالها، تأكيدا لما حكم به من التمكين، وما ~~ختمه من ذلك من التوهين، وتحذيرا مما ختمه من العذاب المهين، وتحقيقا ~~لما ألزم به من الطاعة، ولزوم السنة والجماعة، فقال واصلا بما ختم به ~~الأحكام الأولى، من الأمر بإنكاح الأيامى، والكف عن إكراه البغايا، إثر ~~الذين لم يظهروا على عورات النساء: { يا أيها الذين آمنوا } أي من الرجال ~~والنساء، إما للتغليب، وإما لأن النساء أولى بحفظ العورة { ليستأذنكم } ~~تصديقا لدعوى الإيمان { الذين ملكت أيمانكم } من العبيد والإماء ~~البالغين، ومن قاربهم، للدخول عليكم كراهة الاطلاع على عوراتكم والتطرق ~~بذلك إلى مساءتكم { والذين } ظهروا على عورات النساء، ولكنهم { لم يبلغوا ~~الحلم } وقيده بقوله: { منكم } ليخرج الأرقاء والكفار { ثلاث مرات } في ~~كل دور، ويمكن أن يراد: ثلاث استئذانات في كل مرة، فإن لم يحصل الإذن رجع ~~المستأذن كما تقدم: المرة الأولى من الأوقات الثلاث { من قبل صلاة الفجر ~~} لأنه وقت القيام من المضاجع وطرح ثياب النوم { و } الثانية { حين تضعون ~~ثيابكم } أي التي للخروج بين الناس { من الظهيرة } للقائلة { و } الثالثة ~~{ من بعد صلاة العشاء } لأنه وقت الانفصال من ثياب اليقظة، والاتصال ~~بثياب النوم، وخص هذه الأوقات لأنها ساعات الخلوة، ووضع الثياب، وأثبت من ~~في الموضعين دلالة على قرب الزمن من الوقت المذكور لضبطه، وأسقطها في ~~الأوسط دلالة على استغراقه لأنه غير منضبط، ثم علل ذلك بقوله: { ثلاث ~~عورات } أي اختلالات في التستر والتحفظ، وأصل العورة - كما قال البيضاوي: ~~الخلل. # لأنه لما كانت العورة تبدو فيها سميت بها { لكم } لأنها ساعات وضع ~~الثياب والخلوة بالأهل، وبين حكم ما عدا ذلك بقوله مستأنفا: { ليس عليكم ~~} أي في ترك الأمر { ولا عليهم } يعني العبيد والخدم والصبيان، في ترك ~~الاستئذان { جناح } أي إثم، وأصله الميل { بعدهن } أي في جميع ما سوى هذه ~~الأوقات إذا هجموا عليكم؛ ms3175 ثم علل الإباحة في غيرها، مخرجا لغيرهم، ~~مبينا أن حكمة الاستئذان في كل وقت كما مضى بقوله: { طوافون عليكم } أي ~~لعمل ما تحتاجونه في الخدمة كما أنتم طوافون عليهم لعمل ما يصلحهم ~~ويصلحكم في الاستخدام { بعضكم } طواف { على بعض } لعمل ما يعجز عنه الآخر ~~أو يشق عليه فلو عم الأمر بالاستئذان لأدى إلى الحرج. # ولما أعلى سبحانه البيان في هذه الآيات إلى حد يعجز الإنسان لا سيما وهي ~~في الأحكام، والكلام فيها يعيي أهل البيان، وكان السامع لما جبل عليه من ~~النسيان، يذهل عن أن هذا هو الشأن، في جميع القرآن، قال مشيرا إلى عظم ~~شأنها، في تفريقها وبيانها: { كذلك } أي مثل هذا البيان { يبين الله } ~~بما له من إحاطة العلم والقدرة { لكم } أيتها الأمة الخاصة { الآيات } في ~~الأحكام وغيرها وبعلمه وحكمته { والله } الذي له الإحاطة العامة بكل شيء ~~{ عليم } بكل شيء { حكيم* } يتقن ما يريده، فلا يقدر أحد على نقضه، وختم ~~الآية بهذا الوصف يدل على أنها محكمة لم تنسخ كما قال الشعبي وغيره - ~~أفاده ابن كثير، وحكي مثله عن ابن عباس رضي الله عنهما وسعيد بن جبير. # ولما بين حكم الصبيان والأرقاء الذين هم أطوع للأمر، وأقبل لكل خير، ~~أتبعه حكم البالغين من الأحرار فقال: { وإذا بلغ الأطفال منكم } أي من ~~أحراركم { الحلم } أي السن الذي يكون فيه إنزال المني برؤية الجماع في ~~النوم، هذا أصله، والمراد سن مطلق الإنزال { فليستأذنوا } على غيرهم في ~~جميع الأوقات { كما استأذن الذين من قبلهم } على ما بين في أول الآيات ~~القائلة { لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا } ونقل ابن كثير عن ~~يحيى بن أبي كثير وسعيد بن جبير أن الغلام إذا كان رباعيا فإنه يستأذن ~~في العورات الثلاث على أبويه، فإذا بلغ الحلم فليستأذن على كل حال. # ولما كانت آيات الاستئذان أتقن حاسم لمواد الشر، وتركها أعظم فاتح ~~لأبواب الفتن، وكان إخراج الكلام، في أحكام الحلال والحرام، مع التهذيب ~~والبيان، في النهاية من الصعوبة، وكان فطم النفوس عما ألفت في ms3176 غاية من ~~العسر شديدة، أشار سبحانه إلى ذلك بتكرير آية البيان، إشارة إلى أنها - ~~لما لها من العلو - جديرة بالتأكيد، وإلى أن البلغاء يستبعدون القدرة على ~~البيان كلما أريد على هذا السنن فقال: { كذلك } أي مثل ذلك البيان الذي ~~بينه في آيات الأحكام { يبين الله } بما له من صفات الكمال { لكم } مع ما ~~لكم من خلال النقص { آياته } أي العلامات الدالة عليه من هذه الفرعيات ~~وما رقت إليه الأصليات، فأضافها إليه سبحانه تعظيما لها، إشارة إلى أنها ~~مقدمة للآيات الإلهيات، لأن من لم يتفرغ من مكدرات الأفكار، لم يطر ذلك ~~المطار، وحثا على تدبر ما تقدم منها لاستحضار ما دعت إليه من الحكم، ~~وفصلت به من المواعظ، وتنبيها على ما فيها من العلوم النافعة دينا ~~ودنيا، وزاد في الترغيب في العلم والحكمة إشارة إلى أن ذلك سبب كل سعادة ~~فقال: { والله } أي المحيط بكل شيء { عليم حكيم* } روى الطبراني وغيره # " عن أنس رضي الله عنه قال: لما كانت صبيحة احتلمت دخلت على النبي صلى ~~الله عليه وسلم فأخبرته أني قد احتلمت، فقال: " لا تدخل على النساء " ، ~~فما أتى علي يوم كان أشد منه ". # ولما ذكر سبحانه اقتبال الشباب، في تغيير حكم الحجاب، أتبعه الحكم عند ~~إدبار الشباب، في إلقاء الظاهر من الثياب، فقال: { والقواعد } وحقق الأمر ~~بقوله: { من النساء } جمع قاعد، وهي التي قعدت عن الولد وعن الحيض كبرا ~~وعن الزوج. ولما كان هذا الأخير قطبها قال: { اللاتي لا يرجون نكاحا } ~~أي لعدم رغبتهن فيه أو لوصولهن إلى حد لا يرغب فيهن معه { فليس عليهن ~~جناح } أي شيء من الحرج في { أن يضعن ثيابهن } أي الظاهرة فوق الثياب ~~الساترة بحضرة الرجال بدليل قراءة ابن مسعود رضي الله عنه { من ثيابهن } ~~قال أبو صالح: تضع الجلباب، وهو ما يغطي ثيابها من فوق كالملحفة، وتقوم ~~بين يدي الرجل في الدرع والخمار { غير متبرجات بزينة } أي متعمدات - بوضع ~~ما أبيح لهن وضعه إظهار وجوههن مع الزينة، أو غير متظاهرات بالزينة، قال ~~في الجمع ms3177 بين العباب والمحكم: تبرجت المرأة: أظهرت وجهها. وفي القاموس: ~~تبرجت: أظهرت زينتها للرجال - انتهى. ومادة برج تدور على الظهور كما مضى ~~في الحجر؛ وقال البيضاوي: وأصل البرج التكلف في إظهار ما يخفى - انتهى. ~~وكأنه أشير بصيغة التفعل إلى أن ما ظهر منها من وجهها أو زينتها عفوا ~~غير مقصود به الفساد لا حرج فيه. # ولما ذكر الجائز، وكان إبداء الوجه داعيا إلى الريبة، أشار إليه بقوله ~~ذاكرا المستحب، بعثا على اختيار أفضل الأعمال وأحسنها: { وأن يستعففن } ~~أي يطلبن العفة بدوام الستر وعدم التخفف بإلقاء الجلباب والخمار { خير ~~لهن } من الإلقاء المذكور. # ولما كان ما ذكر من حالهن من الخلطة على ذلك الوصف معلوما أنه لا يخلو ~~عن كلام، كان التقدير: فالله في وضع الحرج عنهن رؤوف بهن رحيم، عطف عليه ~~قوله: { والله } أي الذي له جميع صفات الكمال { سميع } أي لكلامهن إذا ~~خاطبن الرجال هل يخضعن فيه ويتصنعن في ترخيم الصوت به أو يلقينه على ~~الحالة المعروفة غير المنكرة { عليم* } بما يقصدن به وبكل شيء. ### || [24.61] # ولما أتم سبحانه ما ذكر من حرمات البيوت المستلزمة لصيانة الأبضاع على ~~وجه يلزم منه إحراز الأموال، أتبعه ما يباح من ذلك للأكل الذي هو من أجل ~~مقاصد الأموال اجتماعا وانفرادا، فقال في جواب من كأنه سأل: هل هذا ~~التحجير في البيوت سار في الأقارب وغيرهم في جميع الأحوال؟: { ليس على ~~الأعمى حرج } أي في مؤاكلة غيره وما يأتي من الأحكام، وإن كره غيره أكله ~~لمد يده كيفما اتفق فإنه مرحوم، والاستئذان من أجل البصر { ولا على ~~الأعرج } الذي لايرجى { حرج } وإن تقذر منه بعض المترفين فإنه يجامعه في ~~أنه يرحم لنقصه { ولا على المريض } أي مرضا يرجى بعرج أو غيره { حرج } ~~كذلك لمرضه، وأخره لرجاء برئه { ولا على أنفسكم } أي ولا على غير من ذكر، ~~وعبر بذلك تذكيرا بأن الكل من نفس واحدة { أن تأكلوا من بيوتكم } أي ~~التي فيها عيالكم، وذكرها سبحانه لئلا يحصل من تركها لو تركها ريبة، ~~وليدخل فيها بيوت ms3178 الأولاد لأنهم من كسب الأب " أطيب ما أكل الرجل من كسبه ~~وإن ولده من كسبه " " أنت ومالك لأبيك " { أو بيوت آبائكم } وإن بعدت ~~أنسابكم - ولعله جمع لذلك - فإنها مرباكم وحرمتها حرمتكم { أو بيوت ~~أمهاتكم } كذلك، وقدم الأب لأنه أجل وهو حاكم بيته دائما والمال له { أو ~~بيوت إخوانكم } من الأبوين أو الأب أو الأم بالنسب أو الرضاع، فإنهم من ~~أولى من رضي بذلك بعد الوالدين، لأنهم أشقاؤكم، وهم أولياء بيوتهم { أو ~~بيوت أخواتكم } فإنهن بعدهم، من أجل أن ولي البيت - إذا كن مزوجات - ~~الزوج { أو بيوت أعمامكم } فإنهم شقائق آبائكم سواء كانوا أشقاء أو لأب ~~أو أم، ولو أفرد العم لتوهم أنه الشقيق فقط فإنه أحق بالاسم { أو بيوت ~~عماتكم } فهن بعد الأعمام لضعفهن، ولأنه ربما كان أولياء بيوتهن الأزواج ~~{ أو بيوت أخوالكم } لأنهم شقائق أمهاتكم { أو بيوت خالاتكم } أخرهن لما ~~ذكر { أو ما ملكتم مفاتحه } أي التصرف فيه بوجه من الوجوه كالوكالة { أو ~~صديقكم } الذي تعرفون رضاه بذلك ولو بقرينة كما هو الغالب، ولذلك أطلقه، ~~وإن لم يكن أمكنكم من مفتاحه بل كان عياله فيه، كل ذلك من غير إفساد ولا ~~حمل ولا ادخار، وقد عدل الصديق هنا بالقريب، تنبيها على شريف رتبة ~~الصداقة ولطيف سرها، وخفيف أمرها، وأفرده لعزته؛ وعن جعفر بن محمد: من ~~عظم حرمة الصديق أن جعله كالنفس والأب ومن معه. قال الأصبهاني: وقالوا: ~~إذا دل ظاهر الحال على رضا المالك قام ذلك مقام الإذن الصريح، وبما سمج ~~الاستئذان وثقل كمن قدم إليه طعام فاستأذن صاحبه في الأكل. # ولما ذكر معدن الأكل، ذكر حاله فقال: { ليس عليكم جناح } أي شيء من ~~الإثم الذي من شأنه أن يميل بصاحبه عن السواء في { أن تأكلوا جميعا } أي ~~مجتمعين وإن كان بينكم ناقص الخلقة، لأن من كان معرضا للآفات جدير بأن ~~يرحم المبتلى، فلا يستقذره حذرا من انعكاس الحال. # ولما رغب في أول الإسلام - لما كان فيه أكثر الناس من الضيق - في ~~المؤاساة، والاجتماع مع الضيوف، ترغيبا ظن به ms3179 الوجوب، مع ما كانوا عليه ~~من الكرم الباعث على الجود والاجتماع للأنس بالمحتاج، خفف عنهم بقوله: { ~~أو أشتاتا } أي متفرقين لغير قصد الاستقذار، والترفع والإضرار، وإن كان ~~الأكل في جماعة أفضل وأبرك - كما يفهمه تقديمه، فقد روى الإمام أحمد وأبو ~~داود وابن ماجه عن وحشي بن حرب عن أبيه عن جده # " أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إنا نأكل ولا نشبع، قال: " ~~فلعلكم تأكلون متفرقين؟ اجتمعوا على طعامكم، واذكروا اسم الله يبارك لكم ~~فيه " " # ولابن ماجه عن عمر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: # " كلوا جميعا ولا تفرقوا فإن البركة مع الجماعة ". # ولما ذكر موطن الأكل وكيفيته، ذكرالحال التي يكون عليها الداخل إلى تلك ~~المواطن أو غيرها، فقال مسببا عما مضى من الإذن، معبرا بأداة التحقيق، ~~بشارة بأنهم يطيعون بعد أن كانوا تحرجوا من ذلك حين أنزل تعالى # لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل # [النساء: 29]: { فإذا دخلتم } أي بسبب ذلك أو غيره { بيوتا } أي ~~مأذونا فيها، أي بيوت كانت مملوكة أو لا، مساجد أو غيرها { فسلموا } ~~عقب الدخول { على أنفسكم } أي أهلها الذين هم منكم دينا وقربا، وعبر ~~بذلك ترغيبا في السلام، والإحسان في الإكرام، ولتصلح العبارة لما إذا لم ~~يكن فيها أحد فيقال حينئذ " السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين " ~~فيكون من الاستعمال في الحقيقة والمجاز { تحية } مصدر من المعنى دون ~~اللفظ، أو أوقعوا الدعاء للمحيي بسلامة وحياة وملك بقاء { من عند الله } ~~أي هي جديرة لتمام حسنها أن تضاف إلى من له الكمال كله سبحانه { مباركة } ~~أي ثابتة أعظم ثبات بكونها موافقة لما شرع الله من خالص قلوبكم { طيبة } ~~تلذذ السمع؛ ثم وصف البيان، تنبيها على ما في هذه الآيات من الحسن ~~والإحسان، فقال مستأنفا كما مر غير مرة: { كذلك } أي مثل هذا البيان، ~~العظيم الشأن { يبين الله } أي المحيط بكل شيء { لكم الآيات } التي لا ~~أكمل منها. # ولما كان الله تعالى، بعلمه وحكمته، وعزه وقدرته، ولطفه وخبرته، قد خلق ~~عقلا ms3180 نيرا يهدي إلى الحق، وإلى طريق مستقيم، وقسمه بين عباده، وخلق ~~فيهم أنواعا من العوائق لذلك العقل عن النفوذ على سمت الاستقامة، من ~~الهوى والكسل، الفتور والملل، جعلها حجبا تحجبه عن النفوذ، وتستر عنه ~~المدارك، و تمنعه من البلوغ، إلا برياضات ومجاهدات تكل عنها القوى، وتضعف ~~عندها العزائم، فلا يكاد الماهر منهم يرتب قياسا صحيحا، لغلطه في ~~المقدمات، فتكون النتيجة حينئذ فاسدة القاعدة، واهية الأساس، فكانوا لا ~~يزالون لذلك مختلفين، حتى يوصلهم الاختلاف إلى الإحن، والمشاجرة والفتن، ~~فيجرهم إلى السيف وذهاب النفوس تلف الأرواح، فأنزل سبحانه لهم في كل وقت ~~شرعا يليق بذلك الزمان على لسان رسول من رسله عليهم الصلاة والسلام، جعل ~~ذلك الشرع يطابق العقل السوي، والنور الضوي، والمنهل الروي، والسبب ~~القوي، من تمسك به هدي ولم يزغ، حد فيه سبحانه حدودا، وأقام فيه زواجر، ~~لتظهر حكمته، ويتضح علمه وقدرته، فصارت شرائع متفقة الأصول، مختلفة ~~الفروع، بحسب الأزمنة، إشارة إلى أن الفاعل في تغيير الأحكام بحسب ~~الأزمان واحد مختار، وامتحانا للعباد، تمييزا لأهل الصلاح منهم من أهل ~~الفساد، وكانت الإغارة على شيء من الأعراض والأموال على غير ما أذن فيه ~~تذهب العقول، وتعمي البصائر، ختم الآية بقوله: { لعلكم تعقلون* } أي ~~لتكونوا على رجاء عند من يصح منه الرجاء من ثبات هذا الوصف لكم، وهو ضبط ~~النفوس وردها عن الأهوية، باتباع آيات الشرع التي أنزلها الذي كرر وصفه ~~هنا بأنه عليم حكيم، فلا تتولوا بعد قولكم # سمعنا وأطعنا # [المائدة: 7] عن الإذعان للأحكام وأنتم معرضون. ### || [24.62-64] # ولما كان سبحانه قد نفى عنهم الإيمان بالتولي عن الأحكام، وتلاه بما ~~رأيت أن تظمه أحسن نظام، حتى ختم بما أومأ إلى أن من عمي عن أحكامه بعد ~~هذا البيان مسلوب العقل، وكرر في هذه السورة ذكر البيان، تكريرا أشار ~~إلى لمعان المعاني بأمتن بنان حتى صارت مشخصات للعيان، وبين من حاز وصف ~~الإيمان، بحسن الاستئذان، وكان أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أجل موطن ~~تجب الإقامة فيه ويهجر ما عداه من الأوطان، فتصير ms3181 الأرض برحبها ضيقة ~~لأجله، محظورا سلوكها من جراه، بمنزلة بيت الغير الذي لا يحل دخوله ~~بغير إذن، قال معرفا بذلك على طريق الحصر مقابلا لسلب # وما أولئك بالمؤمنين # [المائدة: 43] مبينا عظيم الجناية في الذهاب عن مجلس النبي صلى الله ~~عليه وسلم المقتضي للجمع من غير إذن: { إنما المؤمنون } أي الكاملون ~~الذين لهم الفلاح { الذين آمنوا بالله } أي الملك الأعلى { ورسوله } ~~ظاهرا وباطنا. # ولما كان الكلام في الراسخين، كان الموضع لأداة التحقيق فقال: { وإذا } ~~أي وصدقوا إيمانهم بأنهم إذا { كانوا معه } أي الرسول صلى الله عليه ~~السلام { على أمر جامع } أي لهم على الله، كالجهاد لأعداء الله، والتشاور ~~في مهم، وصلاة الجمعة، ونحو ذلك { لم يذهبوا } عن ذلك الأمر خطوة إلى ~~موضع من الأرض ولو أنه بيوتهم، لشيء من الأشياء ولو أنه أهم مهماتهم، ~~لأنه أخذ عليهم الميثاق بالطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره { حتى ~~يستأذنوه } فيأذن لهم، لأن المأمور به قد صار منزلهم ومأواهم ومتبوأهم، ~~وصار كل ما سواه من الأماكن والأمور له عليه الصلاة والسلام دونهم، لا حظ ~~لهم فيه، فلا يحل لهم أن يدخلوه حسا أو معنى إلا بإذنه، وهذا من عظيم ~~النتبيه على علي أمره، وشريف قدره، وذلك أنه سبحانه كما أمرهم ~~بالاستئذان عند الدخول عليه وعلى غيره، أفرده بأمرهم باستئذانه عند ~~الانصراف عنه صلى الله عليه وسلم، وجعل رتبة ذلك تالية لرتبة الإيمان ~~بالله والرسول، وجعلهما كالتسبيب له مع تصدير الجملة بأداة الحصر، وإيقاع ~~المؤمنين في مبتدأ مخبرا عنه بموصول أحاطت وصلته بالرتب الثلاث شرحا ~~له. # ولما نفى عن المؤمنين الذهاب إلى غاية الاستئذان، فأفهم أن المستأذن ~~مؤمن، صرح بهذا المفهوم ليكون آكد، فقال تشديدا في الإخلال بالأدب بين ~~يديه صلى الله عليه وسلم، وتأكيدا لحفظ حرمته والأدب معه لئلا يتشوش ~~فكره في أسلوب آخر، وبيانا لأن الاستئذان مصداق الإيمان: { إن الذين ~~يستأذنونك } أي يطلبون إذنك لهم إذا أرادوا الانصراف، في شيء من أمورهم ~~التي يحتمل أن تمنع منها { أولئك } العالو الرتبة خاصة { الذين يؤمنون } ~~أي ms3182 يوجدون الإيمان في كل وقت { بالله } الذي له الأمر كله فلا كفوء له { ~~ورسوله } وذلك ناظم لأشتات خصال الإيمان. # ولما قصرهم على الاستئذان، تسبب عن ذلك إعلامه صلى الله عليه وسلم بما ~~يفعل إذ ذاك فقال: { فإذا استأذنوك } أي هؤلاء الذين صحت دعواهم؛ وشدد ~~عليهم تأكيدا لتعظيم الأدب معه صلى الله عليه وسلم بقوله: { لبعض شأنهم ~~} وهو ما تشتد الحاجة إليه { فأذن لمن شئت منهم } قيل: كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إذا صعد المنبر يوم الجمعة فمن اراد أن يخرج لعذر قام ~~بحياله فيعرف أنه يستأذن فيأذن لمن شاء، قال مجاهد: وإذن الإمام يوم ~~الجمعة أن يشير بيده، وقيل: كذلك ينبغي أن يكون الناي مع أئمتهم ومقدميهم ~~في الدين والعلم لا يخذلونهم في نازلة من النوازل. # ولما أثبت له بهذا التفويض من الشرف ما لا يبلغ وصفه، أفهمهم أن حال ~~المستأذن قاصرة عن حال المفوض الملازم كيفما كانت، فقال: { واستغفر لهم ~~الله } أي الذي له الغنى المطلق، فلا تنفعه طاعة، ولا تضره معصية، أو ~~يكون الكلام شاملا لمن صحت دعواه وغيره؛ ثم علل ذلك ترغيبا في ~~الاستغفار، وتطييبا لقلوب أهل الأوزار، بقوله: { إن الله } أي الذي له ~~صفات الكمال { غفور } أي له هذا الوصف فهو جدير بأن يغفر لهم ما قصروا ~~فيه { رحيم* } أي فكل ما أمرهم به فهو خير لهم وإن تراءى لهم خلافه. # ولما أظهرت هذه السورة بعمومها، وهذه الآيات بخصوصها، من شرف الرسول ما ~~بهر العقول، لأجل ما وقع للمنافق من التجرؤ على ذلك الجناب الأشم، ~~والمنصب الأتم، وعلم منه أن له صلى الله عليه وسلم في كل أمره وجميع شأنه ~~خصوصية ليست لغيره، صرح بذلك تفخيما للشأن، وتعظيما للمقام، ليتأدب من ~~ناضل عن المنافق، أو توانى في أمره فقصر عن مدى أهل السوابق، فقال منبها ~~على أن المصائب سبب لإظهار المناقب أو إشهار المعايب { لا تجعلوا } أي ~~ايها الذين آمنوا { دعاء الرسول } أي لكم الذي يوقعه { بينكم } ولو على ~~سبيل العموم، في وجوب الامتثال ms3183 { كدعاء بعضكم بعضا } فإن أمره عظيم، ~~ومخالفته استحلالا كفر، ولا تجعلوا أيضا دعاءكم إياه كدعاء بعضكم لبعض ~~بمجرد الاسم، بل تأدبوا معه بالتفخيم والتبجيل والتعظيم كما سن الله ~~بنحو: يا ايها النبي، ويا أيها الرسول، مع إظهار الأدب في هيئة القول ~~الفعل بخفض الصوت والتواضع. # ولما كان بعضهم يظهر المؤالفة، ويبطن المخالفة، حذر من ذلك بشمول علمه ~~وتمام قدرته، فقال معللا مؤكدا محققا معلما بتجديد تعليق العلم ~~الشهودي كلما جدد أحد خيانة لدوام اتصافه بإحاطة العلم من غير نظر إلى ~~زمان: { قد يعلم الله } أي الحائز لجميع صفات المجد إن ظننتم أن ما ~~تفعلونه من التستر يخفي أمركم على رسوله صلى الله عليه وسلم، فهو سبحانه ~~يعلم { الذين يتسللون } وعين أهل التوبيخ بقوله: { منكم } أي يتكلفون ~~سل أنفسهم ليجعلوا ذهابهم في غاية الخفاء { لواذا } أي تسللا مستخفين ~~به بتستر بعضهم فيه ببعض؛ يقال: لاذ بالشيء لوذا ولواذا وملاوذة: استتر ~~وتحصن، فهو مصدر لتسلل من غير لفظه، ولعله أدخل " قد " على المضارع ليزيد ~~أهل التحقيق تحقيقا، ويفتح لأهل الريب إلى الاحتمال طريقا، فإنه يكفي ~~في الخوف من النكال طروق الاحتمال؛ وسبب عن علمه قوله: { فليحذر } أي ~~يوقع الحذر { الذين يخالفون } أي يوقعون مخالفته بالذهاب مجاوزين معرضين ~~{ عن أمره } أي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى خلافه { أن تصيبهم ~~فتنة } أي شيء يخالطهم في الدنيا فيحل أمورهم إلى غير الحالة المحبوبة ~~التي كاونوا عليها { أو يصيبهم عذاب أليم* } في الآخرة، وهذا يدل على أن ~~الأمر للوجوب حتى يصرف عنه صارف، لترتيب العقاب على الإخلال به، لأن ~~التحذير من العقاب إنما يكون بعد قيام المقتضي لنزول العذاب. # ولما أقام سبحانه الأدلة على أنه نور السماوات والأرض بأنه لا قيام لشيء ~~إلا به سبحانه، وختم بالتحذير لكل مخالف، أنتج ذلك أن له كل شيء فقال: { ~~ألا إن لله } اي الذي له جميع المجد جميع { ما في السماوات } ولثبوت أنه ~~سبحانه محيط العلم والقدرة، لم يقتض المقام التأكيد بإعادة الموصول فقال: ~~{ والأرض } أي ms3184 من جوهر وعرض، وهما له أيضا لأن الأرض في السماء، وكل ~~سماء في التي فوقها حتى ينتهي ذلك إلى العرش الذي صرح في غير آية أنه ~~صاحبه، وهو سماء أيضا لعلوه عما دونه، فكل ما فيه له، وذلك أبلغ - ~~لدلالته بطريق المجاز - مما لو صرح به، فدل ذلك - بعد الدلالة على وجوده ~~- على وحدانيته، وكمال علمه وقدرته. # ولما كانت أحوالهم من جملة ما له، كان من المعلوم أنها لم تقم في أصلها ~~ولا بقاء لها إلا بعلمه ولأنها بخلقه، فلذلك قال محققا مؤكدا مرهبا: { ~~قد يعلم ما أنتم } أيها الناس كلكم { عليه } أي الآن، والمراد بالمضارع ~~هنا وجود الوصف من غير نظر إلى زمان، ولو عبر بالماضي لتوهم الاختصاص به، ~~والكلام في إدخال " قد " عليه كما مضى آنفا باعتبار أولي النفوذ في ~~البصر، وأهل الكلال والكدر { ويوم } أي ويعلم ما هم عليه يوم { يرجعون } ~~أي بقهر قاهر لهم على ذلك، لا يقدرون له على دفاع، ولا نوع امتناع { إليه ~~} وكان الأصل: ما أنتم عليه، ولكنه أعرض عنهم تهويلا للأمر، أو يكون ذلك ~~خاصا بالمتولين المعرضين إشارة إلى أنهم يناقشون الحساب، ويكون سر ~~الالتفاف التنبيه على الإعراض عن المكذب بالقيامة، والإقبال على المصدق، ~~صونا لنفيس الكلام، عن الجفاة الأغبياء اللئام { فينبئهم } أي فيتسبب عن ~~ذلك أنه يخبرهم تخبيرا عظيما { بما عملوا } فليعدوا لكل شيء منه جوابا ~~{ والله } أي الذي له الإحاطة الكاملة { بكل شيء } من ذلك وغيره { عليم* ~~} فلذلك أنزل الآيات البينات، وكان نور الأرض والسماوات، فقد رد الختام ~~على المبدأ، والتحم الآخر بالأول والاثنا - والله الهادي. ### | [25 - سورة الفرقان] ### || [25.1-3] # { تبارك } أي ثبت ثبوتا مع اليمن والخير الذي به سبقت الرحمة الغضب، ~~والتعالي في الصفات والأفعال، فلا ثبوت يدانيه، ولا يكون ذلك كذلك إلا ~~بتمام قدرته، ولا تتم قدرته إلا بشمول علمه، وهذا الفعل مطاوع " بارك " ~~وهو مختص بالله تعالى لم يستعمل لغيره، ولذلك لم ينصرف لمستقبل ولا اسم ~~فاعل؛ ثم وصف نفسه الشريفة بما يدل على ذلك فقال: { الذي ms3185 }. # ولما كان تكرار الإنذار - الذي هو مقصود السورة - أنفع، وتفريقه في ~~أوقات متراسلة أصدع للقلوب وأردع، وكان إيضاح المشكلات، في الفرق بين ~~الملتبسات، أعون بما يكون علة، عبر بما يدل على الفرق وقدمه فقال: { نزل ~~الفرقان } أي الكتاب الذي نزل إلى سماء الدنيا فكان كتابا، ثم نزل ~~مفرقا بحسب المصالح، فسمي لذلك فرقانا، ولأنه الفارق بين ملتبس، فلا ~~يدع خفاء إلا بينه، ولاحقا إلا أثبته، ولا باطلا إلا نفاه ومحقه، فيه ~~انتظام الحياة الأولى والأخرى، فكان قاطعا على علم منزله، ومن علمه ~~الباهر إنزاله { على عبده } أي الذي لا أحق منه بإضافته إلى ضميره ~~الشريف، لأنه خالص له، لا شائبة لغيره فيه أصلا، ولم يحز مخلوق ما حاز ~~من طهارة الشيم، وارتفاع الهمم، ولا شك أن الرسول دال على مرسله في مقدار ~~علمه، وكثرة جنده، واتساع ملكه # الله أعلم حيث يجعل رسالاته # [الأنعام: 124] ثم علل إنزاله عليه بقوله: { ليكون } أي العبد أو ~~الفرقان. # ولما كان العالم ما سوى الله، وكان ربما ادعى مدع أن المراد البعض، لأنه ~~قد يطلق اللفظ على جزء معناه بدلالة التضمن، وكان الجمع لا بد أن يفيد ما ~~أفاده المفرد بزيادة، جمع ليعرف أن المراد المدلول المطابقي، مع التصريح ~~باستغراق جميع الأنواع الداخلة تحت مفهوم المفرد، واختار جمع العقلاء ~~تغليبا، إعلاما بأنهم المقصودون بالذات فقال: { للعالمين } أي المكلفين ~~كلهم من الجن والإنس والملائكة. # ولما كان كل من الكتاب والمنزل عليه بالغا في معناه، عبر بما يصح أن ~~يراد به المنذر والإنذار على وجه المبالغة فقال: { نذيرا* } أي وبشيرا، ~~وإنما اقتصر على النذارة للإشارة إلى البشارة بلفظ { تبارك } ولأن المقام ~~لها، لما ختم به تلك من إعراض المتولين عن الأحكام، ونفى الإيمان عنهم ~~بانتفاء الإسلام، وفيه إشارة إلى كثرة المستحقين للنذارة، ولا التفات إلى ~~من قال: إن الرازي والبرهان النسفي نقلا الإجماع على أنه صلى الله عليه ~~وسلم لم يرسل الملائكة، فإن عبارة الرازي في بعض نسخ تفسيره: لكنا أجمعنا ~~على أنه لم يرسل إلى الملائكة، وفي ms3186 أكثر النسخ: بينا - بدل: أجمعنا، على ~~أنه لو اتفقت جميع النسخ عليها لم تضر، لأنها غير صريحة في إرادة ~~الإجماع، ولأن الإجماع لا يثبت بنقل واحد لا سيما في مثل هذا الذي تظافرت ~~الظواهر على خلافه، ولم يرد مانع منه، وأما البرهان النسفي فمن الرازي ~~أخذ، وعبر بعبارته، فصارا واحدا، وقد بينت ذلك عند قوله تعالى في سورة ~~الأنعام # لأنذركم به ومن بلغ # [الأنعام: 19] بيانا شافيا لا ارتياب معه، بل ولو قيل: إن الآية على ~~ظاهرها، لا خصوص فيها بالعقلاء، وتكليف كل شيء بحسبه، لكان وجها، وبذلك ~~صرح الإمام تاج الدين السبكي في أول الترشيح في قوله: " وأصلي على نبيه ~~محمد المصطفى المبعوث إلى كل شيء " وكذلك المحب الطبري في آخر " القرى ~~لقاصدي أم القرى " وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم ما دعا جامدا ولا ~~متحركا غير الإنسان إلا أجابه بما هو مقتضى # إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها # [الأحزاب: 72] دعا غير مرة عدة من أغصان الأشجار فأتته تسجد له، ثم ~~أمرها بأن ترجع إلى مكانها ففعلت؛ ودعا الضب وغيره من الحيوانات العجم ~~فأطاعته؛ ودعا الأشجار غير مرة فسمعت وسعت إليه؛ وأمر الجبل لما رجف ~~فأذعن؛ وأرسل إلى نخل وأحجار يأمرهن بالاجتماع ليقضي إليهن حاجة ففعلن، ~~ثم أرسل يأمرهن بالرجوع إلى أماكنهن فأجبن؛ وغمز الأرض فنبع منها الماء؛ ~~وأرسل سهمه إلى البئر فجاشت بالرواء - إلى غير ذلك مما هو مضمن في دلائل ~~النبوة، بل ولا دعا طفلا رضيعا إلا شهد له لكونه على الفطرة الأولى - ~~إلى غير ذلك مما هو دال على ظاهر الآية المقتضي لزيادة شرفه صلى الله ~~عليه وسلم من غير محذور يلزم عليه ولا نص يخالفة - والله الهادي. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير في برهانه: لما تضمنت سورة النور بيان ~~كثير من الأحكام كحكم الزنى، ورمي الزوجات به، والقذف، والاستئذان، ~~والحجاب، وإسعاف الفقير، والكتابة، وغير ذلك، والكشف عن مغيبات، من تغاير ~~حالات، تبين بمعرفتها والاطلاع عليها الخبيث من الطيب، كاطلاعه سبحانه ~~نبيه ms3187 والمؤمنين على ما تقوله أهل الإفك، وبيان سوء حالهم، واضمحلال ~~محالهم، في قصة المنافقين في إظهارهم ضد ما يضمرون؛ ثم كريم وعده للخلفاء ~~الراشدين # وعد الله الذين آمنوا منكم # [المائدة: 9] ثم ما فضح به تعالى منافقي الخندق # قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا # [النور: 63] إلى آخر الآية، فكان مجموع هذا فرقانا يعتضد به الإيمان، ~~ولا ينكره مقر بالرحمن، يشهد لرسول الله صلى الله عليه وسلم بصحة رسالته، ~~ويوضح مضمن قوله # لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم # [النور: 63] من عظيم قدره صلى الله عليه وسلم وعلي جلالته، أتبعه ~~سبحانه بقوله { تبارك الذي نزل الفرقان على عبده } [الفرقان: 1] وهو ~~القرآن الفارق بين الحق والباطل، والمطلع على ما أخفاه المنافقون وأبطنوه ~~من المكر والكفر { ليكون للعالمين نذيرا } [الفرقان: 1] فيحذرهم من ~~مرتكبات المنافقين والتشبه بهم؛ ثم تناسج الكلام، والتحم جليل المعهود من ~~ذلك النظام، وتضمنت هذه السورة من النعي على الكفار والتعريف ببهتهم وسوء ~~مرتكبهم ما لم يتضمن كثير من نظائرها كقولهم # ما لهذا الرسول يأكل الطعام # [الفرقان: 7] الآيات، وقولهم # لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا # [الفرقان: 21] وقولهم # لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة # [الفرقان: 32] وقولهم # وما الرحمن # [الفرقان: 60] إلى ما عضد هذه وتخللها، ولهذا ختمت بقاطع الوعيد، وأشد ~~التهديد، وهو قوله سبحانه # فقد كذبتم فسوف يكون لزاما # [الفرقان: 77] انتهى. # ولما تقدم ذكر منزل الفرقان سبحانه، وذكر الفرقان والمنزل عليه على طريق ~~الإجمال، أتبع ذلك تفصيله على الترتيب، فبدأ بوصف المنزل سبحانه بما هو ~~أدل دليل على إرادة التعميم في الرسالة لكل من يريد، فقال: { الذي له } ~~أي وحده { ملك السماوات والأرض } فلا إنكار لأن يرسل رسولا إلى كل من ~~فيهما { ولم يتخذ ولدا } ليتكبر على رسوله { ولم يكن له شريك في الملك } ~~ليناقضه في الرسالة أو يقاسمه إياها، فيكون بعض الخلق خارجا عن رسالته، ~~أو مراعيا لأمر غير أمره. # ولما كان وقوف الشيء عند حد - بحيث لا يقدر أن يتعداه إلى حد شيء آخر ~~سواه، فهذا حيوان لا يقدر على جعل نفسه ms3188 جمادا ولا أعلى من الحيوان، وهذا ~~جماد لا يمكنه جعل نفسه حيوانا ولا أسفل من رتبة الجماد إلى غير ذلك مما ~~يعجز الخلق عن شرحه دالا على أنه مخلوق مربوب، قال تعالى: { وخلق } أي ~~أحدث إحداثا مراعى فيه التقدير والتسوية { كل شيء } أي مما ادعى فيه ~~الولدية أو الشرك وغيره. # ولما كان قد سوى كل شيء لما يصلح له وهيأه لذلك، قال شارحا ومحققا ~~لمعنى " خلق ": { فقدره } في إيجاده من غير تفاوت { تقديرا* } أي لا ~~يمكن ذلك الشيء مجاوزته فيما خلق لأجله وهيىء ويسر له إلى غيره بوجه من ~~الوجوه. # ولما ذكرهم بما ركز في فطرهم من العلم، عجب منهم لكل ذي عقل في جملة ~~حالية فيما خالفوا ما لهم من المشاهدة، فقال مضمرا للفاعل إشارة إل ~~استهجان نسبة هذا الفعل إلى فاعل معين توبيخا لهم وإرشادا إلى المبادرة ~~من كل سامع إلى نفيه عنه فقال: { واتخذوا } أي كلف أنفسهم عبدة الأوثان ~~أن أخذوا. # ولما كان علوه لا يحد، فكانت الرتب السافلة لا تحصى، نبه على ذلك بالجار ~~فقال: { من دونه } أي بعد ما قام من الدليل على أنه الإله وحده من ~~الحيثيات التي تقدمت { آلهة } المتحدون مشاهدون لأنهم كما قال تعالى: { ~~لا يخلقون شيئا } أي لا أعجز منهم، لا يكون منهم إيجاد شيء، فيهم دون من ~~عبدهم. # ولما كان المتعنت ربما ادعى أنهم مع ذلك غير مخلوقين قال: { وهم يخلقون ~~} أي بما يشاهد فيهم من التغير والطواعية لمشيئته سبحانه، ومن ذلك أن ~~عبدتهم افتعلوهم بالنحت والتصوير. # ولما قرر أنه أنعم على كل شيء، وكانت النعم أكثر وجودا، وكان أدنى نعمة ~~على الشيء خلقه سبحانه له، أخبر أن ذلك الغير لا يقدر على ضر نفسه ولا ~~بالإعدام، فقال معبرا بأداة العقلاء تهكما بعابديهم حيث أقاموهم في ذلك ~~المقام، أو تغليبا لأنهم عبدوا الملائكة وعزيرا والمسيح عليهم السلام: ~~{ ولا يملكون } أي لا يتجدد لهم بوجه من الوجوه أن يملكوا { لأنفسهم ضرا ~~} ولذلك قدمه، ونكره ليعم. # فلما ثبت بذلك أنهم خلقه، ولكن ms3189 كان ربما قال متعنت: إنهم يملكون ذلك ~~ولكنهم يتركونه عمدا، لأن أحدا لا يريد ضر نفسه، قال: { ولا نفعا } أي ~~ولو بالبقاء على حالة واحدة، وعبدتهم يقدرون على ما أراد الله من ذلك على ~~وجه الكسب، فهم أعلى منهم وعبادة الأعلى لمن دونه ليست من أفعال العقلاء. # ولما كان الموت والحياة ما ليس لغيرهما من عظيم الشأن، أعاد العامل ~~فقال: { ولا يملكون } وقدم الموت لأن الحياة أكثر، فقال مبتدئا بما هو ~~من باب الضر على نسق ما قبله: { موتا } أي لأنفسهم ولا لغيرهم { ولا ~~حياة } أي من العدم { ولا نشورا* } أي إعادة لما طوي من الحياة بالموت، ~~وعطفها بالواو وإن كان بعضها مسببا عما قبله إشارة إلى أن كل واحدة منها ~~كافية في سلب الإلهية عنهم بما ثبت من العجز. ### || [25.4-8] # ولما وصف منزل الفرقان بما لا يحيط به علم أحد غيره من الشؤون، فاتضح ~~بذلك إعجاز المنزل الذي أبان ذلك، وهو هذا القرآن، وأنه وحده الفرقان، ~~عجب من حال المكذبين به فقال موضع { وقالوا }: { وقال الذين كفروا } ~~مظهرا الوصف الذي حملهم على هذا القول، وهو ستر ما ظهر لهم ولغيرهم ~~كالشمس والاجتهاد في إخفائه: { إن } أي ما { هذا } أي القرآن { إلا إفك } ~~أي كذب مصروف عن ظاهره ووجه هو أسوأ الكذب { افتراه } أي تعمد كذبه هذا ~~النذير، فكان قولهم هذا موضع العجب لكونه ظاهر الخلل. # ولما كان الإنسان مطبوعا على أنه يتكثر بأدنى شيء من المحاسن فيحب أن ~~تظهر عنه ولا ينسب شيء منها إلى غيره، كان أعجب من ذلك وأظهر عوارا ~~قولهم: { وأعانه } أي محمدا { عليه } أي القرآن { قوم } أي ذوو كفاية ~~حبوه بما يتشرف به دونهم؛ وزادوا بعدا بقولهم: { آخرون } أي من غير ~~قومه؛ فقيل: أرادوا اليهود، وقيل: غيرهم ممن في بلدهم من العبيد النصارى ~~وغيرهم، فلذلك تسبب عنه قوله تعالى: { فقد جاءو } أي الكفار في ذلك { ~~ظلما } بوضع الإفك على ما لا أصدق منه ولا أعدل { وزورا* } أي ميلا مع ~~جلافة عظيمة عن السنن المستقيم في ms3190 نسبة أصدق الناس وأطهرهم خليقة، ~~وأقومهم طريقة، إلى هذه الدنايا التي لا يرضاها لنفسه أسقط الناس، فإنها ~~- مع كنها دنيئة في نفسها - مضمونة الفضيحة؛ قال ابن جرير وأصل الزور ~~تحسين الباطل وتأويل الكلام. # ولما تبين تناقضهم أولا في ادعائهم في القرآن ما هو واضح المنافاة ~~لوصفه، وثانيا بأنه أعين عليه بعد ما أشعرت به صيغة الافتعال من ~~الانفراد، أتبعه تعالى تناقضا لهم آخر بقوله معجبا: { وقالوا } أي ~~الكفار { أساطير } جمع إسطارة وأسطورة { الأولين } من نحو أحاديث رستم ~~وإسفنديار، فصرحوا أنه ليس له فيه شيء { اكتتبها } أي تطلب كتابتها له { ~~فهي } أي فتسبب عن تكلفه أنها { تملى } أي تلقى من ملق ما إلقاء جيدا ~~متجددا مستمرا { عليه } من الكتاب الذي اكتتبها فيه في أوقات الفراغ { ~~بكرة } قبل أن ينتشر الناس { وأصيلا* } أي وعشيا حين يأوون إلى ~~مساكنهم، أو دائما ليتكلف حفظها بعد أن تكلف تحصيلها بالانتساخ أنه أمي، ~~وهذا كما ترى لا يقوله من له مسكة في عقل ولا مروءة، فإن من المعلوم الذي ~~لا يخفى على عاقل أن إنسانا لو لازم شيئا عشرة أيام بكرة وعشيا لم يبق ~~ممن يعرفه ويطلع على أحواله أحد حتى عرف ذلك منه، فلو أنكره بعد لافتضح ~~فضيحة لا يغسل عنه عارها أبدا، فكيف والبلد صغير، والرجل عظيم شهير، وقد ~~ادعوا أنه مصر على ذلك إلى حين مقالتهم وبعدها لا ينفك، وعيروه بأنه معدم ~~يحتاج إلى المشي في الأسواق، و هو يدعوهم إلى المعارضة ولو بسورة من ~~مثله، وفيهم الكتاب والشعراء والبلغاء والخطباء، وهو أكثر منه مالا، ~~وأعظم أعوانا، فلا يقدرون. # ولما رموه بهذه الأقوال التي هم فيها في خبط عشواء، وكانت مع كونها ~~ظاهرة العوار، عند من له أدنى استبصار، تروج على بعض العرب بعض الرواج، ~~مع سعة عقولهم، وصحة أفكارهم، لشبه واهية مكنهم فيها التقليد، وشدة الالف ~~لما هم عليه من الزمن المديد، أمره سبحانه بجوابهم مستأنفا فقال: { قل } ~~أي دالا على بطلان ما قالوه مهددا لهم: { أنزله } أي القرآن من خزائن ~~علمه ms3191 خلافا لجميع ما تقولتموه { الذي يعلم السر } أي كله، لا يخفى عليه ~~منه خافية فكيف بالجهر! { في السماوات والأرض } فهو يجيبكم عن كل ما ~~تقولتموه في وفي كتابه وإن أسررتموه، ويبين جميع ما يحتاج إليه العباد ~~في الدارين في كلام معجز لفظا ومعنى على وجه يتحقق كل ذي لب أنه لا ~~يقوله إلا عالم بجميع المعلومات، ولا يحيط بجميع المعلومات سواه، وهذا ~~ظاهر جدا من إخباره بالماضي بما يصدقه العلماء من الماضين، وحكمه على ~~الآتي بما يكون ضربة لازم، وإظهاره الخبء وإحكامه لجميع ما يقوله، وقد ~~جرت عادته سبحانه وتعالى بالانتقام ممن كذب عليه بإظهار كذبه أولا، ثم ~~بأخذه ثانيا، ثم عذابه العذاب الأكبر ثالثا، فستنظرون من يفعل به ذلك، ~~وقد بان لعمري صدقه لما وقع من الأمور الثلاثة. # ولما كان من المعلوم أن العالم بكل شيء قادر على شيء كما مضى تقريره في ~~سورة طه، وكانت العادة جارية بأن من علم استخفاف غيره به وكان قادرا ~~عليه عاجله بالأخذ، أجيب من كأنه قال: فما له لا يهلك المكذبين له؟ بقوله ~~مرغبا لهم في التوبة، مشيرا إلى قدرته بالستر والإنعام، ومبينا لفائدة ~~إنزاله إليهم هذا الذكر من الرجوع عما تمادت عليه أزمانهم من الكفر ~~وأنواع المعاصي: { إنه كان } أزلا وأبدا { غفورا } أي بليغ الستر لما ~~يريد من ذنوب عباده، بأن لا يعاتبهم عليها ولا يؤاخذهم بها { رحيما* } ~~بهم في الإنعام عليهم بعد خلقهم، برزقهم وتركيب العقول فيهم، ونصب الأدلة ~~لهم، وإرسال الرسل وإنزال الكتب فيهم، وأمهالهم في تكذيبهم، أي فليس ~~لإمهالهم ووعظهم بما نزله إليهم سبب إلا رحمته وغفرانه وعلمه بأن كتابه ~~صلاح لأحوالهم في الدارين. # ولما أتم سبحانه ما أراد من ذكر المنزل والمنزل، وأخبر عن طعنهم في ~~المنزل الذي هو المقصود بالذات من الرسالة، وأقام تعالى ذلك الدليل على ~~كذبهم، أتبعه الإخبار عن طعنهم في الرسول الآتي به، فقال معجبا عقولهم ~~التي يعدونها أصفى العقول أفكارا، وأعلاها آثارا، فيما أبدوه من ذلك ~~مما ظنوا أنه دليل على عدم ms3192 الرسالة، ولا شيء منه يصلح أن يكون شبهة لذي ~~مسكة من أمره، فضلا عن أن يكون دليلا: { وقالوا } أي مستفهمين تهكما ~~بوصفه، قادحين فيه بفعله، قول من هو على ثقة من أن وصف الرسالة ينافيه: { ~~مال هذا } والإشارة على هذا الوجه تفهم الاستهانة والتصغير؛ ثم أظهروا ~~السخرية بقولهم: { الرسول } أي الذي يزعم أنه انفرد عن بقية البشر في هذا ~~الزمان بهذا الوصف العالي { يأكل الطعام } أي مثل ما نأكل { ويمشي في ~~الأسواق } أي التي هي مطالب الدنيا، كما نمشي. # ولما كانت ترجمة ما مضى: ما له مثلنا وهو يدعي الاختصاص عنا بالرسالة؟ ~~أتبعوه التعنيف على عدم كونه على واحد من وجوه مغايرة على سبيل التنزل ~~جوابا لمن كأنه قال: فماذا يفعل؟ بقولهم: { لولا } أي هلا، وهي تأتي ~~للتوبيخ، وهو مرادهم { أنزل } أي من السماء، من أي منزل كان، منتهيا { ~~إليه } أي على الهيئة التي هو عليها في السماء { ملك } أي من الملائكة ~~الله على هيئاتهم المباينة لهيئات الآدميين { فيكون } بالنصب جوابا ~~للتحضيض ذلك الملك وإن كان هو إنسانا { معه نذيرا* } فيكون ممتازا ~~بحال ليس لواحد منا، ليكون أهيب في النذارة، لما له من الهيبة والقوة، ~~وكأنهم عبروا بالماضي إعلاما بأن مرادهم كونه في الظهور لهم على غير ~~الهيئة التي يخبركم بها من تجدد نزول الملك عليه في كل حين مستسرا بحيث ~~لا ينظره غيره، أو لأن الملك يمكن أن يكون على حالة المصاحبة له للنذارة، ~~وإنما لا يتحول عنها بصعود إلى السماء ولا غيره، بخلاف الكنز فإنه ~~للنفقة، فإن لم يتعهد كل وقت نفد، وهذا سر التعبير ب " إلى " دون " على ~~" التي هي للتغشي بالوحي، ولذلك عبروا بالمضارع في قولهم، متنزلين عن علو ~~تلك الدرجة: { أو يلقى } أي من أي ملق كان. # ولما كان الإلقاء دالا على العلو، عدلوا عن أداة الاستعلاء التي تقدم ~~التعبير بها في هود عليه السلام من الإنزال إلى حرف النهاية فقالوا: { ~~إليه } أي إن لم تكن له تلك الحالة { كنز } أي يوجد له هذا الأمر ms3193 ويتجدد ~~له إلقاؤه غير مكترث ولا معبوء به، برفعه عن مماثلتنا العامة من كل وجه، ~~وأيضا التعبير في هذا والذي بعده بالمضارع أدل على تكالبهم على الدنيا ~~وأنها أكبر همهم. ثم تنزلوا أيضا في قولهم: { أو تكون له } أي إن لم تكن ~~له شيء مما مضى { جنة } أي بستان أو حديقة كما لبعض أكابرنا { يأكل منها ~~} فتفرغه عما يتعاطاه في بعض الأحايين من طلب المعاش، ويكون غناه أعز له ~~وأجلب للخواطر إليه، وأحث لعكوف الأتباع عليه، وأنجع فيما يريده - هذا ~~على قراءة الجماعة بالياء التحتية، وعلى قراءة حمزة والكسائي بالنون يكون ~~المعنى: أنا إذا أمكنا منها، كان ذلك أجلب لنا إلى اتباعه، وما قالوه كله ~~فاسد إذ لم يدع هو صلى الله عليه وسلم ولا أحد من أتباعه أنه هو ولا أحد ~~من الأنبياء قبله يباين البشر، ولا أن وصفا من أوصاف البشر الذاتية ~~ينافي النبوة والرساله، وأما الاستكثار من الدنيا فهو عائق في الأغلب عن ~~السفر إلى دار الكرامة، وموطن السلامة، وحامل على التجبر، ولا يفرح به ~~إلا أدنياء الهمم، وخفة ذات اليد لا تقدح إلا في ناقص يسأل الناس تصريحا ~~أو تلويحا إرادة لتكميل نقصه بالحطام الفاني، وقد شرف الله نبيه صلى ~~الله عليه وسلم عن ذلك بما له من صفات الكمال، والأخلاق العوال. # ولما كانوا بهذا واضعين الكلام في غير مواضعه، بعيدين عن وجه الصواب، ~~قال معجبا من أمرهم: { وقال الظالمون } فأظهر الوصف الموجب لهم ذلك: { ~~إن } أي ما { تتبعون } إن اتبعتم { إلا رجلا مسحورا* } أي يتكلم بما لا ~~يجديه، فحاله لذلك حال من غلب على عقله بالسحر، أو ساحرا صار السحر له ~~طبعا، فهو يفرق بما جاء به بين المرء وزوجه وولده ونحو ذلك، وعبروا ~~بصيغة المفعول إشارة إلى هذا، وهو أنه لكثرة ما يقع منه من ذلك - صار ~~كأنه ينشأ عنه على غير اختياره. ### || [25.9-14] # ولما أتم سبحانه ما ذكر من أقوالهم الناشئة عن ضلالهم، التفت سبحانه إلى ~~رسوله صلى الله عليه وسلم مسليا له ms3194 فقال: { انظر } ثم أشار إلى التعجب ~~منهم بأن ما قالوه يستحق الاستفهام بقوله: { كيف ضربوا } وقدم ما به ~~العناية فقال: { لك الأمثال } فجعلوك تارة مثلهم في الاحتياج إلى الغذاء، ~~وتارة نظيرهم في التوسل إلى التوصل إلىالأرباح والفوائد، بلطيف الحيلة ~~وغريز العقل، وتارة مغلوب العقل مختلط المزاج تأتي بما لا يرضى به عاقل، ~~وتارة ساحرا تأتي بما يعجز عنه قواهم، وتحير فيه أفكارهم { فضلوا } أي ~~عن جميع طرق العدل، وسائر أنحاء البيان بسبب ذلك فلم يجدوا قولا يستقرون ~~عليه وأبعدوا جدا { فلا يستطيعون } في الحال ولا في المآل، بسبب هذا ~~الضلال { سبيلا* } أي سلوك سبيل من السبل الموصلة غلى ما يستحق أن يقصد، ~~بل هم في مجاهل موحشة، وفيافي مهلكة. # ولما ثبت أنه لا وجود لهم لأنهم لا علم لهم ولا قدرة، وأنهم لا يمن لهم ~~ولا بركة، لا على أنفسهم ولا غيرهم، أثيت لنفسه سبحانه ما يستحق من ~~الكمال الذي يفيض به على من يشاء من عباده ما يشاء فقال: { تبارك } أي ~~ثبت ثباتا مقترنا باليمن والبركة، لا ثبات إلا هو { الذي إن شاء } فإنه ~~لا مكره له { جعل لك خيرا من ذلك } أي الذي قالوه على سبيل التهكم؛ ثم ~~أبدل منه قوله: { جنات } فضلا عن جنة واحدة { تجري من تحتها الأنهار } ~~أي تكون أرضها عيونا نابعة، أي موضع أريد منه إجراء نهر جرى، فهي لا ~~تزال ريا تغني صاحبها عن كل حاجة ولا تحوجه في استثمارها إلى سقي. # ولما كان القصر - وهو بيت المشيد - ليس مما يستمر فيه الجعل كالجنة التي ~~هذه صفتها، عبر فيه بالمضارع إيذانا بالتجديد كلما حصل خلل يقدح في مسمى ~~القصر فقال: { ويجعل لك قصورا* } أي بيوتا مشيدة تسكنها بما يليق بها ~~من الحشم والخدم، قال البغوي: والعرب تسمي كل بيت مشيد قصرا. وهذه ~~العبارة الصالحة لأن يجعل له سبحانه ذلك في الدنيا مما فتت في أعضادهم، ~~وخافوا غائلتها فسهلت من قيادهم، لعلمهم بأن مراسله قادر على ما يريد، ~~لكنه سبحانه أغناه عن ذلك بتأييده ms3195 بالأعوان، من الملائكة والإنس والجان، ~~حتى اضمحل أمرهم، وعيل صبرهم، ولم يشأ سبحانه ما أشار إليه في هذه الآية ~~الشريفة في هذه الدنيا الفانية، وأخره إلى الآخرة الباقية، وقد عرض ~~سبحانه عليه ما شاء من ذلك في الدنيا فأباه، روى البغوي من طريق ابن ~~المبارك، والترمذي - وقال: حسن عن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " عرض علي ربي أن يجعل لي بطحاء مكة ذهبا، فقلت: لا يا رب! ولكن أشبع ~~يوما وأجوع يوما، فإذا جعت تضرعت إليك ودعوتك، وإذا شبعت حمدتك وشكرتك ~~" # وروي عن طريق أبي الشيخ عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " لو شئت لسارت معي جبال الذهب جاءني ملك إن حجزته لتساوي الكعبة فقال: ~~إن ربك يقرأ عليك السلام ويقول لك: إن شئت نبيا عبدا وإن شئت نبيا ~~ملكا، فنظرت إلى جبريل عليه الصلاة والسلام فأشار إلي أن ضع نفسك، فقلت: ~~نبيا عبدا قال: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك لا يأكل ~~متكئا ويقول: " آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد " " # وسيأتي في سورة سبأ عند # وأرسلنا له عين القطر # [سبأ: 12] ما يتم هذا، ولا يبعد عندي أن يكون أشير بالآية الشريفة - وإن ~~كانت في أسلوب الشرط إلى ما فتح عليه صلى الله عليه وسلم من الحدائق التي ~~لم يكن مثلها في بلاد العرب لما فتح الله عليه خيبر ووادي القرى، وتصرف ~~في ذلك بنفسه الشريفة وأكل منه وإلى ما فتح على أصحابه من بعده من بلاد ~~فارس والروم ذات القصور والجنان التي لا مثل لها ولذلك عبر في الجنات ~~بالماضي، وفي القصور بالمضارع، وأتيحوا كنوز كسرى بن هرمز، فإن اللائق ~~بمقام الملوك أن تكون إشاراتهم أوسع من عباراتهم، فإذا ذكروا شيئا ~~ممكنا على سبيل الفرض كان من إرادتهم إيجاده، ويحبون أن يكتفي منهم ~~بالإيماء، وأن يعتمد على تلويحهم أعظم مما يعتمد على تصريح غيرهم، وأن ~~يعد المفروض منهم بمنزلة المجزوم ms3196 به من غيرهم، والممكن في كلامهم ~~كالواجب، فما ظنك بملك الملوك القادر على كل شيء! وهو قد صرف سبحانه ~~الخطاب إلى أعلى الناس فهما، وأغزرهم علما، وقد أراه سبحانه ما يكون من ~~ذلك من بعده في غزوة الخندق. روى البيهقي في دلال النبوة عن عمرو بن عوف ~~المزني رضي الله عنه # " أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خط الخندق ليحفره جعل على كل عشرة ~~أربعين ذراعا، وكان سلمان الفارسي رضي الله عنه رجلا قويا، فاختلف فيه ~~المهاجرون والأنصار، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " سلمان منا أهل ~~البيت " فخرجت لهم صخرة بيضاء مدورة، قال عمرو: فكسرت حديدنا. وشقت ~~علينا، فقلنا: يا سلمان ارق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره خبر ~~هذه الصخرة، فأخبر فأخذ صلى الله عليه وسلم المعول من سلمان فضربها ثلاث ~~ضربات صدع فيها في كل ضربة صدعا، وكسرها في الثالثة، وبرقت مع كل ضربة ~~برقة أضاءت ما بين لابتي المدينة حتى لكأن مصباحا في جوف بيت مظلم، وكبر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم مع كل برقة تكبيرة، ثم أخذ بيد سلمان فرقي ~~فسأله سلمان للقوم: هل رأيتم ما يقول سلمان؟ قالوا: نعم! يا رسول الله! ~~بأبينا أنت وأمنا! قد رأيناك تضرب فيخرج برق كالموج فرأيناك تكبر، لانرى ~~شيئا غير ذلك، فقال: أضاءت لي من البرقة الأولى قصور الحيرة ومدائن كسرى ~~كأنها أنياب الكلاب، ومن الثانية القصور الحمر من أرض الروم كأنها أنياب ~~الكلاب، ومن الثالثة قصور صنعاء كأنها أنياب الكلاب، وأخبرني، جبريل عليه ~~الصلاة والسلام أن أمتي ظاهرة عليها. فاستبشر المسلمون وقالوا: الحمد ~~لله! موعود صادق بأن وعدنا النصر بعد الحصر، فطلعت الأحزاب فقال المسلمون ~~{ هذا ما وعدنا الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما } ~~[الأحزاب:22] " # وقال المنافقون في ذلك ما أشار إليه الله تعالى في القرآن؛ ثم إن الله ~~تعالى كذب المنافقين وصدق رسوله صلى الله عليه وسلم، فافتتح أصحابه رضي ~~الله عنهم جميع ما ذكر، وغلبوا على سائر مملكة الفرس واليمن ms3197 وأكثر الروم، ~~وانتثلوا من كنوز كسرى وقيصر ما يفوت الحصر، وقد كان صلى الله عليه وسلم ~~تصرف في ذلك من ذلك الوقت تصرف الملوك، لأن وعد الله لا خلف فيه، بل ~~غائبه أعظم من حاضره غيره، وموعودة أوثق من ناجز سواه، فأعطى صلى الله ~~عليه وسلم تميم بن أوس الداري بلد الخليل عليه الصلاة والسلام من أرض ~~الشام من مملكة الروم، وأعطى خريم بن أوس - الذي يقال له: شويل - كرامة ~~بنت عبد المسيح ابن بقيلة من سبي الحيرة من بلاد العراق من مملكة فارس، ~~وكل منهم قبض ما أعطاه عند الفتح كما يعرفه من طالع كتب الفتوح علىأيام ~~الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم أجمعين، فعندي أن هذا مما أشارت إليه ~~الاية الشريفة، نزه الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم عنه وفتحه على ~~أصحابه، تشريفا لهم بإزالة أهل الشرك عنه، وإنعاما عليهم به تصديقا ~~لوعده، وإكراما لنبيه صلى الله عليه وسلم بنصر أوليائه وتكثير أمته، ~~وحضر ذلك كثير ممن كان من القائلين # ما لهذا الرسول # [الفرقان: 7] إلى آخره، وقد كان قادرا على أن يقويه بجميع ذلك قبل ~~موته، ولكنه لم يفعل لأن ذلك أوضح في الأمر، لأن نصره على خلاف ما ينصر ~~به أهل الدنيا من غير جنود كثيرة ظاهرة، ولا أموال وافرة، ولا ملوك معينة ~~قاهرة، بل كانت الملوك عليه، ثم صاروا كلهم أهون شيء عليه، بيد أصحابه من ~~بعده وأحبابه. # ولما ثبت بما أثبت لنفسه الشريفة من الكمال أنه لا مانع من إيجاد ما ~~ساقوه مساق التوبيخ إلا عدم المشيئة، لا عجز من الجاعل ولا هوان بالمجعول ~~له، تسلية له صلى الله عليه وسلم في أسلوب مشير بأنه يعطيه ذلك، سلاه ~~أيضا بأن ما نسبوه إليه لا يعتقدون حقيقته، فأضرب عن كلامهم قائلا: { ~~بل } أي لا تظن أنهم كذبوا بما جئت به لأنهم يعتقدون فيك كذبا وافتراء ~~للقرآن، أو نقصانا لأكلك الطعام ومشيك في الأسواق، أو في شيء من أحوالك، ~~أو لا تظن أنهم يكذبون بقدرته تعالى على ms3198 ما ذكر أنه إن شاء جعله لك بل، ~~أو المعنى: دع التفكر فيما قالوه من هذا فإنهم لم يقتصروا في التكذيب ~~عليه بل { كذبوا بالساعة } أي بقدرتنا عليها، واستقر ذلك في أنفسهم ~~دهورا طويلة، وأخذوه خلفا عن سلف، وأشرب قلوبهم حب هذا الحطام الفاني، ~~وتقيدت أوهامهم بهذه الظواهر كالبهائم، فعسر انفكاكهم عن ذلك بما جاءهم ~~من البيان الذي لا يشكون فيه، فاجترؤوا لذلك على العناد لعدم الخوف من ~~أهوال يوم القيامة كما قال تعالى عن أهل الكتاب # وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون # [آل عمران: 24] { وأعتدنا } أي والحال أنا أعتدنا أي هيأنا بما لنا من ~~العظمة { لمن كذب } من هؤلاء وغيرهم { بالساعة سعيرا* } أي نارا شديدة ~~الاتقاد بما أعظموا الحريق في قلوب من كذبوهم من الأنبياء عليهم الصلاة ~~والسلام وأتباعهم رضي الله عنهم { إذا رأتهم } أي إذا كانت بحيث يمكن أن ~~يروها وتراهم لو كانت مبصرة { من مكان بعيد } وهو أقصى ما يمكن رؤيتها ~~منه وهم يساقون إليها { سمعوا لها } أي خاصة { تغيظا } أي صوتا في ~~غليانها وفورانها كصوت المتغيظ في تحرقه ونكارته إذا غلا صدره من الغضب { ~~وزفيرا* } أي صوتا يدل على تناهي الغضب، وأصله صوت يسمع من الجوف. # ولما وصف ملاقاتها لهم، وصف إلقاءهم فيها قال: { وإذا ألقوا } أي طرحوا ~~طرح إهانة فجعلوا بأيسر أمر ملاقين { منها } أي النار { مكانا } ووصفه ~~بقوله: { ضيقا } زيادة في فظاعتها { مقرنين } بأيسر أمر، أيديهم إلى ~~أعناقهم في السلاسل، أو حبال المسد، أو مع من أغواهم من الشياطين، ~~والتقرين: جمع شيء إلى شيء في قرن وهو الحبل { دعوا هنالك } أي في ذلك ~~الموضع البغيض البعيد عن الرفق { ثبورا* } أي هلاكا عظيما فيقولون: يا ~~ثبوراه! لأنه لا منادم لهم غيره، وليس بحضرة أحد منهم سواه؛ قال ابن ~~جرير: وأصل الثبر في كلام العرب الانصراف عن الشيء. فالمعنى حينئذ: دعوا ~~انصرافهم عن الجنة إلى النار الذي تسببوا فيه بانصرافهم عن الإيمان إلى ~~الكفر، فلم يكن لهم سمير إلا استحضارهم لذلك تأسفا وتندما، فأجيبوا على ~~طريق ms3199 الاستئناف بقوله تعالى: { لا تدعوا اليوم } أيها الكفار { ثبورا ~~واحدا } لأنكم لا تموتون إذا حلت بكم أسباب الهلاك { وادعوا ثبورا ~~كثيرا* } لا يحصره الإحصاء ولا آخر له، فإنكم وقعتم فيما يوجب ذلك لأن ~~أنواع الهلاك لا تبارحكم أصلا ولكنه لا موت. ### || [25.15-18] # ولما كانت عادتهم تجويز الممكن من كل ما يحذرون منه من الخلق، اقتضى ~~الحال سؤالهم: هل أعدوا لما هددوا به من الخالق عدة أم لا؟ في سياق ~~الاستفهام عن المفاضلة بينه وبين ما وعده المتقون، تنبيها على أنه أعلى ~~رتبة من الممكن فإنه واقع لا محالة، وتهكما بهم، فقال تعالى: { قل أذلك ~~} أي الأمر العظيم الهول الذي أوعدتموه من السعير الموصوفة. # ولما كانت عادة العرب في بيان فضل الشيء دون غيره الإتيان بصيغة أفعل ~~تنبيها على أن سلب الخير عن مقابله لا يخفى على أحد، أو يكون ذلك على ~~طريق التنزل و إرخاء العنان، تنبيها للعاقل على أنه يكفيه في الرجوع عن ~~الغي طروق احتمال لكون ما هو عليه مفضولا قال: { خير أم جنة الخلد } أي ~~الإقامة الدائمة { التي وعد المتقون } أي وقع الوعد الصادق المحتم بها، ~~ممن وعده هو الوعد، للذين خافوا فصدقوا بالساعة جاعلين بينهم وبين ~~أهوالها وقاية مما أمرتهم به الرسل؛ ثم حقق تعالى أمرها تأكيدا للبشارة ~~بقوله: { كانت } أي تكونت ووجدت بإيجاده سبحانه { لهم جزاء } على تصديقهم ~~وأعمالهم { ومصيرا* } أي مستقرا ومنتهى، وذلك مدح لجزائهم لأنه إذا كان ~~في محل واسع طيب كان أهنأ له وألذ كما أن العقاب إذا كان في موضع ضيق ~~شنيع كان أنكى وأوجع، وهو استفهام تقريع وتوبيخ لمن كان يعقل فيجوز ~~الممكنات. # ولما ذكر تعالى نعيمهم بها ذكر، تنعمهم فيها فقال: { لهم فيها } أي ~~الجنة خاصة لا في غيرها { ما يشاؤون } من كل ما تشتهيه أنفسهم { خالدين } ~~لا يبغون عنه حولا { كان } أي ذلك كله { على ربك } أي المحسن إليك ~~بالإحسان إلى أتباعك { وعدا }. # ولما أشار سبحانه إلى إيجاب ذلك على نفسه العظيمة بالتعبير ب " على " ~~والوعد، وكان الإنسان ms3200 لا سيما مجبولا على عزة النفس، لا يكاد يسمح بأن ~~يسأل فيما لا يحقق حصوله، قال: { مسئولا* } أي حقيقا بأن يسأل إنجازه، ~~لأن سائله خليق بأن يجاب سؤاله، وتحقق ظنونه وآماله، فالمعنى أنه إذا ~~انضاف إلى تحتيمه الشيء على نفسه سؤال الموعود به إياه، أنجز لا محالة، ~~وهو من وادي # أجيب دعوة الداع إذا دعان # [البقرة: 186] وفيه حث عظيم على الدعاء، وترجية كبيرة للإجابة، كما وعد ~~بذلك سبحانه في # أجيب دعوة الداع # [البقرة: 186] و # ادعوني أستجب لكم # [غافر: 60] وإن لم ير الداعي الإنجاز فإن الأمر على ما رواه الإمام أحمد ~~والبزار وأبو يعلى المنذري: بأسانيد جيدة - والحاكم وقال: صحيح الإسناد ~~عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها ~~إحدى ثلاث: أما أن يجعل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن ~~يصرف عنه من السوء مثلها، قالوا: إذن نكثر؟ قال: الله أكثر " # وللحاكم عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " يدعو الله بالمؤمن يوم القيامة حتى يوقفه بين يديه فيقول: عبدي! إني ~~أمرتك أن تدعوني، ووعدتك أن أستجيب لك فهل كنت تدعوني؟ فيقول: نعم! يا رب ~~فيقول: أما إنك لم تدعني بدعوة إلا استجيب لك؟ أليس دعوتني يوم كذا وكذا ~~لغم نزل بك أن أفرج عنك ففرجت عنك؟ فيقول: نعم! يا رب! فيقول: إني عجلتها ~~لك في الدنيا، ودعوتني يوم كذا وكذا لغم نزل بك أن أفرج عنك فلم تر ~~فرجا؟ قال: نعم! يا رب فيقول: إني ادخرت لك بها في الجنة كذا وكذا، ~~ودعوتني في حاجة أقضيها لك في يوم كذا وكذا فقضيتها؟ فيقول: نعم! يا رب! ~~فيقول: إني عجلتها لك في الدنيا، ودعوتني يوم كذا وكذا في حاجة أقضيها لك ~~فلم تر قضاءها؟ فيقول:نعم! يارب! فيقول أني ادخرت لك بها في الجنة كذا ~~وكذا، قال رسول الله صلى الله عليه ms3201 وسلم: فلا يدع الله دعوة دعا بها عبده ~~المؤمن إلا بين له إما أن يكون عجل له في الدنيا، وإما أن يكون ادخر له ~~في الآخرة، فيقول المؤمن في ذلك المقام: يا ليته لم يكن عجل له شيء من ~~دعائه " # ولابن حبان في صحيحه والحاكم وقال: صحيح الإسناد - عن أنس رضي الله عنه ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا تعجزوا في الدعاء فإنه لن يهلك مع الدعاء أحد " # وللترمذي والحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة " # وللبخاري ومسلم وأبي داود والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يستجب لي " # وفي رواية لمسلم والترمذي: # " لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ما لم يستعجل، قيل: ~~يا رسول الله! ما الاستعجال؟ قال: يقول: قد دعوت فلم يستجب لي فيستحسر ~~عند ذلك ويدع الدعاء " # قال المنذري: يستحسر أي يمل ويعيى فيترك الدعاء - انتهى. وقد فهم من ~~الآية ومن الحديث في استثناء الإثم وقطيعة الرحم أن ما لا مانع من سؤاله ~~موعود بإجابته ونواله، فليدع الإنسان به موقنا بالإجابة. # ولما ذكر لهم حالهم في الساعة معه سبحانه، أتبعه ذكر حالهم مع معبوداتهم ~~من دونه، فقال بالالتفات إلى مظهر العظمة على قراءة الجماعة: { ويوم } أي ~~قل لهم ما أمرتك به، واذكر لهم يوم { يحشرهم } أي المشركين، بما لنا من ~~العظمة التي نبرزها في ذلك اليوم، من القبور؛ وقرأ أبو جعفر وابن كثير ~~ويعقوب وحفص عن عاصم بالياء التحتية فيكون الضمير للرب { وما يعبدون } أي ~~من الملائكة والإنس والجن وغيرهم ممن يعقل وممن لا يعقل؛ ونبه على سفول ~~رتبتهم عن ذلك وعدم أهليتهم بقوله: { من دون الله } أي الملك الأعلى الذي ~~لا كفوء له، وذكرها بلفظ " ما " إشارة إلى أن ناطقها وصامتها جماد بل عدم ~~بالنسبة إليه سبحانه بما ms3202 أشار إليه التعبير بالاسم الأعظم الدال على جميع ~~الكمال، مع أن " ما " موضوع على العموم للعقلاء وغيرهم وإن كان أكثر ~~استعماله في غير العقلاء، وعبر سبحانه بقوله: { فيقول } بإعادة ضمير ~~الغيبة بعد التعبير بنون العظمة في " نحشر " في قراءة غير ابن عامر لتقدم ~~الجلالة الشريفة، تحقيقا للمراد وتصريحا به، وإعلاما بأن المراد ~~بالنون العظمة لا جمع، وقرأ ابن عامر بالنون موحدا الأسلوب: { أنتم } أي ~~أيها المعبودات! بإيلاء الهمزة الضمير سؤالا عن المضل، لأن ضلال العبدة ~~معروف لا يسأل عنه { أضللتم } بالقهر والخداع والمكر { عبادي هؤلاء } حتى ~~عبدوكم كما في الآية الأخرى # ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون # [سبأ: 40] في أمثالها من الآيات كما في الحديث القدسي: # " إني خلقت عبادي حنفاء كلهم فاحتالهم الشياطين " # { أم }. # ولما كان السؤال - كما مضى - عن الفاعل لا عن الفعل، كان لا بد من قوله: ~~{ هم } أي باختيار منهم لإهمالهم استعمال ما أعطيتهم من قويم العقل وسديد ~~النظر { ضلوا } وأوصل الفعل بدون " عن " كما في هداة الطريق بدون " إلى " ~~لكثرة الدور، وللإشارة إلى قوة الفعل فقال: { السبيل* } أي الذي نهجته ~~ونصبت عليه الأدلة القاطعة، البراهين الساطعة { قالوا } أي المعبودات ~~الحي منهم والجماد، المطيع والعاصي: { سبحانك } أي تنزهت عن أن ينسب إلى ~~غيرك قدرة على فعل من الأفعال. # ولما أنتج التنزيه أنهم لا فعل لغيره سبحانه، عبروا عنه بقولهم: { ما ~~كان ينبغي } أي يصح ويتصور { لنا أن نتخذ } أي نتكلف أن نأخذ باختيارنا ~~من غير إرادة منك { من دونك } وكل ما سواك فهو دونك { من أولياء } أي ~~ينفعوننا، فإنا مفتقرون إلى من ينفعنا لحاجتنا وفقرنا، فكيف نترك من بيده ~~كل شيء وهو أقرب إلينا في كل معنى من معاني الولاية من كل شيء من العلم ~~والقدرة وغيرهما إلى من لا شيء بيده، وهو أبعد بعيد من كل معنى من معاني ~~الولاية، فلو تكلفنا جعله قريبا لم يكن كذلك، وهذه عبارة صالحة سواء ~~كانت من الصالحين ممن عبد من الأنبياء والملائكة أو غيرهم، فإن كانت من ~~الصالحين ms3203 فمعناها: ما كان ينبغي لنا ذلك فلم نفعله وأنت أعلم، كما قال ~~تعالى # ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس # [آل عمران: 79] الآية؛ وإن كانت من الجمادات فالمعنى: ما كنا في حيز من ~~يقدر على شيء من ذلك، ولكن فعلوه بطرا؛ وإن كانت من مثل فرعون فالمعنى: ~~ما كان لنا هذا، ولكن هم أنزلونا هذه المنزلة بمجرد دعائنا لهم كما يقول ~~إبليس - فما كان لنا عليهم من سلطان إلا أن دعوناهم فاستجابوا، وذلك لعدم ~~نظرهم في حقائق الأمور، فألقى الكل إلى الله يومئذ السلم، فثبت أنهم ~~ليسوا في تلك الرتبة التي أنزلوهم إياها، وفائدة السؤال مع شمول علمه ~~تعالى تبكيت المعاندين وزيادة حسراتهم وأسفهم، وتغبيط المؤمنين إذا سمعوا ~~هذا الجواب، هذا مع ما في حكايته لنا من الموعظة البالغة، وقراءة ابي ~~جعفر بالبناء للمفعول بضم النون وفتح الخاء واضحة المعنى، أي يتخذنا أحد ~~آلهة نتولى أموره. # ولما كان المعنى: إنا ما أضللناهم، أما إذا قدر من الملائكة ونحوهم ~~فواضح، وأما من غيرهم فإن المضل في الحقيقة هو الله، وفي الظاهر بطرهم ~~النعمة، واتباعهم الشهوات التي قصرت بهم عن إمعان النظر، وأوقفتهم مع ~~الظواهر، حسن الاستدراك بقوله: { ولكن } أي ما أضللناهم نحن، وإنما هم ~~ضلوا بإرادتك لأنك أنت { متعتهم وآباءهم } في الحياة الدنيا بما تستدرجهم ~~به من لطائف المنن، وأطلت أعمارهم في ذلك { حتى نسوا الذكر } الذي لا ~~ينبغي أن يطلق الذكر على غيره، وهو الإيمان بكل ما أرسلت به سبحانك رسلك ~~برهان ما يعرفه كل عاقل من نفسه بما وهبته من غريزة العقل من أنه لايصح ~~بوجه أن يكون الإله إلا واحدا، ما بين العاقل وبين ذكر ذلك إلا يسير ~~تأمل، مع البراءة من شوائب الحظوظ والحاصل أنك سببت لهم أسبابا لم ~~يقدروا على الهداية معها، فأنت الملك الفعال لما تريد، لا فعل لأحد سواك ~~{ وكانوا } في علمك بما قضيت عليهم في الأزل { قوما بورا* } هلكى. ### || [25.19-22] # ولما كان هذا أمرا واقعا لا محالة، التفت ms3204 إليهم مبكتا فقال معبرا ~~بالماضي بعد " قد " المقربة المحققة: { فقد كذبوكم } أي المعبودون كذبوا ~~العابدين بسبب إلقائهم السلم المقتضي لأنهم لا يستحقون العبادة وأنهم ~~يشفعون لكم مقهورين مربوبين { بما } أي بسبب ما { تقولون } أيها العابدون ~~من أنهم يستحقون العبادة، وأنهم يشفعون لكم، وأنهم أضلوكم، وفي قراءة ابن ~~كثير بالتحتانية المعنى: بما يقول المعبودون من التسبيح لله والإذعان، في ~~ادعائكم أنهم أضلوكم. # ولما تسبب عن إلقائهم السلم وتخليهم عمن عبدهم أنه لا نفع في أيديهم ولا ~~ضر، قال: { فما تستطيعون } أي المعبودون { صرفا } أي لشيء من الأشياء عن ~~أحد من الناس، لا أنتم ولا غيركم، من عذاب ولا غيره، بوجه حيلة ولا شفاعة ~~ولا مفاداة { ولا نصرا } بمغالبة، وهو نحو قوله تعالى # فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا # [الإسراء: 56]. # ولما كان التقدير: فمن يعدل منكم لسماع هذا الوعظ بوضع العبادة في ~~موضعها نثبه ثوابا جليلا، عطف عليه ما المقام له فقال: { ومن يظلم منكم ~~} بوضعها في غير موضعها، وباعتقاده في الرسل ما لا ينبغي من أنه لا ينبغي ~~لهم أن يكونوا مثل الناس في أكل ولا طلب معيشة ونحو ذلك { نذقه } في ~~الدنيا والآخرة، بما لنا من العظمة { عذابا كبيرا* }. # ولما أبطل سبحانه ما وصموا به رسوله صلى الله عليه وسلم وذكر ما جزاهم ~~عليه. وما أعد لهم وله ولأتباعه، ونفى ما زعموه في معبوداتهم وختمه ~~بتعذيب الظالم، ذكر ما ظلموا فيه من قولهم { ما لهذا الرسول } ونحوه، ~~فبين أن ما جعلوه من ذلك وصمة في حقه هو سنته سبحانه في الرسل من قبله ~~أسوة لنوعهم البشري، وأتبعه سره فقال زيادة في التسلية والتعزية ~~والتأسية: { وما أرسلنا } بما لنا من العظمة. ولما كان المراد العموم، ~~أعراه من الجار فقال: { قبلك } أي يا محمد أحدا { من المرسلين إلا } ~~وحالهم { إنهم ليأكلون الطعام } ما نأكل ويأكل غيرك من الآدميين { ويمشون ~~في الأسواق } كما تفعل ويفعلون أي إلا وحالهم الأكل والمشي لطلب المعاش ~~كحال سائر الآدميين، وهو يعلمون ذلك لما سمعوا من أخبارهم، ms3205 وهذا تأكيد من ~~الله تعالى فإنهم لا يكذبونه عليه الصلاة والسلام، ولا يعتقدون فيه ~~نقصا، وإبطال لحجتهم بما قالوه من ذلك، وإقامة للحجة على عنادهم، وأنهم ~~إنما يقولونه وأمثاله لمما تقدم من رسوخ التكذيب بالساعة في أنفسهم { ~~وجعلنا } أي بالعطاء والمنع بما لنا من العظمة { بعضكم لبعض فتنة } بأن ~~جعلنا هذا نبيا وخصصناه بالرسالة، وهذا ملكا وخصصناه بالدنيا، وهذا ~~فقيرا وحرمناه الدنيا، ليظهر ما نعلمه من كل من الطاعة والمعصية في عالم ~~الغيب للناس في عالم الشهادة، فنختبر الفقير بصبره على ما حرم مما أعطيه ~~الغني أو جزعه، والملك ومن في معناه من الأشراف بصبرهم على ما أعطيه ~~الرسول من الكرامة والبلوغ بالقرب من الله إلى ما لا يبلغونه مع ما هم ~~فيه من العظمة، فلأجل ذلك لم أعط رسولي الدنيا، وجعلته ممن يختار ~~العبوديه والكفاف بطلب المعاش في الأسواق، لأبتليكم في الطاعة له خالصة، ~~فإني لو أعطيته الدنيا، وجعلته ممن يختار الملك، لسارع الأكثر إلى اتباعه ~~طمعا في الدنيا، وهذا معنى { أتصبرون } فإنه علة ما قبله، أي لنعلم علم ~~شهادة هل تصبرون فيما امتحناكم به أم لا؟ كما كنا نعلمه علم الغيب، لتقوم ~~عليكم بذلك الحجة في مجاري عاداتكم، وفيها مع العلية تهديد بليغ لمن ~~تدبر، ويجوز أن يكون الاستفهام استئنافا للتهديد. # ولما كان الاختبار ربما أوهم نقصا في العلم، وكان إحسانه سبحانه إلى ~~جميع الخلق دون إحسانه إلى سيدهم وعينهم، وخلاصتهم وزينهم: محمد صلى الله ~~عليه وسلم، وكان أعلمهم بتنزيهه وتعظيمه، وكان امتحانهم بجعله نبيا ~~عبدا مع كونه في غاية الإكرام له ربما ظنوه إهانة، نفى ما لعله يوهمه كل ~~من الاستفهام والامتحان في حق الله سبحانه وحق نبيه صلى الله عليه وسلم، ~~فقال صارفا وجه الخطاب إليه: { وكان ربك } أي المحسن إليك إحسانا لم ~~يحسنه إلى أحد سواك، لا سيما بجعلك نبيا عبدا { بصيرا* } بكل شيء فهو ~~عالم بالإنسان قبل الامتحان، لم يفده ذلك علما لم يكن، وهو سبحانه يضع ~~الأمور في حاق مواضعها وإن رئي غير ms3206 ذلك، فينبغي على كل أحد التسليم له في ~~جميع الأمور فإنه يجر إلى خير كبير، والتدبر لأقواله وأفعاله بحسن ~~الانقياد والتلقي فإنه يوصل إلى علم غزير، وما أراد بابتلائك بهم ~~وابتلائهم بك في هذا الأذى الكبير إلا إعلاء شأنك وإسفال أمرهم # ولتعلمن نبأه بعد حين # [ص: 88]. # ولما ذكر هذا الابتلاء بعد أن ذكر أول السورة ما هو سبحانه عليه من ~~العظمة من سعة الملك، وكثرة الصنائع، والإحسان إلى جميع الخلق، وكان من ~~حق كل مربوب أن يتعرف إلى ربه، كائنا من كان، لا سيما إذا كان بهذه ~~الصفة، لينال من إحسانه، ويتعزز به على أقرانه، أتبع ذلك أنه كشف ~~الابتلاء عن أنه لا بصر لهم فقال تعالى: { وقال } وأظهر في موضع الإضمار ~~الوصف الذي قدم أنه موجب لعماهم فقال: { الذين لا يرجون } أي ليست لهم ~~عقول لكونهم نسوا { لقاءنا } فهم لا يعملون عملا يطمعون في إثباتنا لهم ~~عليه بعد الموت على ما يعلمون لنا من العظمة التي من رجاها كانت له فسعد، ~~ومن أعرض عنها كانت عليه فهلك، فصارت لذلك عقولهم تبعا لشهواتهم، فصاروا ~~يتعرفون إلى جمادات سموها أربابهم، ويقصدونها ويتمسحون بها رجاء للمحال، ~~والانهماك في الضلال، فذكر الرجاء لهذا الغرض مع أنه يلزمه عدم الخوف: { ~~لولا } أي هلا ولم لا. # ولما كان مرادهم لجهلهم أن يروهم كلهم دفعة واحدة، عبر بالإنزال فقال: { ~~أنزل } أي على أي وجه كان من أي منزل كان { علينا الملائكة } أي كما ~~أنزلت عليه فيما يزعم { أو نرى ربنا } بما له إلينا من الإحسان وما لنا ~~نحن من العظمة بالقوة بالأموال وغيرها، فيأمرنا بما يريد من غير حاجة إلى ~~واسطة. # ولما كان هذا القول مما لا ينبغي لبشر أن يجترىء عليه، لأن فيه اعتراضا ~~على من لا يحد وصف عظمته، ولا تدرك مقاصد حكمته، قال مصدرا بحرف التوقع ~~لما أرشد إليه السياق جوابا لمن كأنه سأل: ما حالهم في هذا؟ { لقد } أي ~~وعزتنا لقد { استكبروا } أي طلبوا بل أوجدوا الكبر. ولما لم يكن لكبرهم ~~ثمرة ms3207 في الظاهر، لأنه لا يعود بالضرر على أحد غيرهم، قال: { في أنفسهم } ~~أي بطلب رؤية الملائكة. # ولما كان حاصل أمرهم أنهم طلبوا رتبة النبي الذي واسطته الملك، وزادوا ~~عليه رؤية جميع الملائكة الآخذين عن الله، وزادوا على ذلك بطلب الرؤية، ~~قال: { وعتو } أي وجاوزوا الحد في الاستكبار بما وراءه من طلبهم رؤية ~~جميع الملائكة ورؤية الملك الجبار، وزاد في تأكيد هذا المعنى لاقتضاء ~~المقام له بقوله: { عتوا كبيرا* } وبيان أنهم ما قالوا هذا إلا عتوا ~~وظلما أن ما جاءهم من الآيات التي أعظمها القرآن دلهم قطعا بعجزهم عن ~~الإتيان بشيء منه على صدقه صلى الله عليه وسلم عن الله في كل ما يقوله، ~~وفي حسن هذا الاستئناف وفحوى هذا السياق دلالة على التعجب من غير لفظ ~~تعجب فالمعنى: ما أشد استكبارهم وأكبر عتوهم! ثم بين لهم حالهم عند بعض ~~ما طلبوا فقال: { يوم } وناصبه ما دل عليه " لا بشرى " { يرون الملائكة } ~~أي يوم القيامة أو قبله في الغزوات أو عند الاحتضار { لا بشرى } أي من ~~البشر أصلا { يومئذ للمجرمين } أي لأحد ممن قطع ما أمر الله به أن يوصل، ~~ولبيان ذلك أظهر موضع الإضمار { ويقولون } أي في ذلك الوقت: { حجرا ~~محجورا* } أي نطلب منعا منكم ممنوعا، أي مبالغا في مانعيته، ويجوز أن ~~يراد بالمفعول الفاعل، والمعنى واحد في أنهم يريدون أن يكون بينهم وبين ~~الملائكة مانع عظيم يمنعهم منهم؛ قال أبو عبيدة: وهذا عوذة العرب، يقوله ~~من خاف آخر في الحرم أو في شهر حرام إذا لقيه وبينهما ترة وقال سيبويه: ~~يريد البراءة من الأمر ويبعد عن نفسه أمرا، فكأنه قال: أحرم ذلك حراما ~~محرما، ومثل ذلك أن يقول الرجل للرجل: أتفعل كذا وكذا؟ فيقول: حجرا أي ~~سترا وبراءة من هذا، فهذا ينتصب على إضمار الفعل. وعبر بالمضارع إشارة ~~إلى دوام تجديدهم لهذا القول بعد مفاجأتهم به حال رؤيتهم لهم لعظيم ~~روعتهم منهم، بخلاف ما بعده فإنه عبر فيه بالماضي إشارة إلى أنه كائن لا ~~محالة. ### || [25.23-30] # ولما كان المريد ms3208 لإبطال الشيء - لشدة كراهته له لا يقنع في إبطاله ~~بغيره، بل يأتيه بنفسه فيبطله، عبر بقوله: { وقدمنا } أي بما لنا من ~~العظمة الباهرة في ذلك اليوم الذي يرون فيه الملائكة سواء كان في الدنيا ~~أو في الآخرة { إلى ما عملوا من عمل } أي من مكارم الأخلاق من الجود وصلة ~~الرحم والحلم والنجدة في الخير وإغاثة الملهوف وغيره { فجعلناه } لكونه ~~لم يؤسس على الإيمان، وإنما هو للهوى والشيطان - باطلا لا نفع فيه، وهو ~~معنى { هباء } وهو ما يرى في شعاع الشمس الداخل من الكوة مما يشبه ~~الغبار، فهو أشبه شيء بالعدم لأنه لا نفع له أصلا. # ولما كان الهباء يرى مع السكون منتظما، فإذا حركته الريح تناثر وذهب كل ~~مذهب، معظم دخوله في حيز العدم مع أنه محسوس، قال مبلغا في وصف أعمالهم: ~~{ منثورا* } وهو صفة، وقيل: مفعول ثالث لجعل، أي جعلنا الأعمال جامعة ~~لحقارة الهباء والتناثر. # ولما علم من هذا أن التقدير: فكاون بحيث إنهم لا قرار لهم إذا كانت ~~النار مقيلهم، تلاه بحال أضدادهم فقال: { أصحاب الجنة يومئذ } أي يوم إذ ~~يرون الملائكة { خير مستقرا } أي مكانا يصلح للاستقرار لطيبه، ويكونون ~~فيه في أكثر أوقاتهم مستقرين على سرر متقابلين يتحادثون، إشارة إلى أن ~~منزل أولئك لا يمكن الاستقرار فيه { وأحسن مقيلا* } أي مكانا يمكن فيه ~~الاستراحة في مثل وقت القيلولة للاسترواح بأزوجهم، والتمتع بما يكون في ~~الخلوات، روي أن وقت الحساب على طوله يقصر على المؤمنين حتى يكون كما بين ~~أول النهار إلى وقت القائلة فيقيلون في رياض الجنة حتى يفرغ الناس من ~~الحساب. وعبر بأفعل التفضيل تهكما بهم أو أنه عبر بذلك لما كان الكلام ~~عاما لأحوال الدنيا والآخرة، وهو قاطعون بأنهم في الدنيا أحسن حالا من ~~المؤمنين، لما هم فيه من السعة في المال والكثرة والقوة، وبلفظ الحسن ~~إشارة إلى ما يتزين به مقيلهم من حسن الوجوه وملاحه الصور ونحوه. # ولما كان للكفرة في هذه الدار من العز والقوة والضخامة ما يتعجبون معه ~~من مصير حالهم وحال ms3209 أخصامهم إلى ما ذكر، بين أن الأمر في ذلك اليوم على ~~غير ما نعهده، فقال عاطفا على { يوم يرون }: { ويوم تشقق } أي تشققا ~~عظيما وإن كان فيه خفاء على البعض - بما أشار إليه حذف تائه { السماء ~~بالغمام } أي كما تشقق الأرض بالنبات فيخرج من خلال شقوقها، وأشار إلى ~~جهل من طلبوا نزولهم دفعة واحدة بقوله: { ونزل } أي بالتدريج بأمر حتم لا ~~يمكنهم التخلف عنه، بأمر من لا أمر لغيره { الملائكة } الذين طلبوا أن ~~يروهم في حال واحد { تنزيلا* } في أيديهم صحائف الأعمال؛ قال ابن عباس ~~رضي الله عنهما: تشقق السماء في الدنيا فينزل أهلها وهم أكثر ممن في ~~الدنيا من الجن والإنس، ثم تشقق السماء الثانية فينزل أهلها وهم أكثر من ~~أهل السماء الدنيا وأهل الأرض جنا وإنسا ثم كذلك حتى تشقق السماء ~~السابعة، وأهل كل سماء يزيدون على أهل السماء التي قبلها، ثم ينزل ~~الكروبيون ثم حملة العرش. # ولما كان ذلك اليوم سببا لانكشاف الأمور ومعرفة أنه لا ملك لسواه ~~سبحانه لأنه لا يقضي فيه غيره قال: { الملك يومئذ } أي يوم إذ تشقق ~~السماء بالغمام؛ ثم وصف الملك بقوله: { الحق } أي الثابت معناه ثابتا لا ~~يمكن زواله؛ ثم أخبر عنه بقوله: { للرحمن } أي العام الرحمة في الدارين، ~~ومن عموم رحمته وحقية ملكه أن يسر قلوب أهل ورده بتعذيب أهل عداوته الذين ~~عادوهم فيه لتضييعهم الحق باتباع الباطل، ولولا اتصافه بالرحمة لم يدخل ~~أحد الجنة، ومعنى التركيب أن ملك غيره في ذلك اليوم إنما هو بالاسم الذي ~~تقدم له في الدنيا تسميته به فقط، لا حكم له أصلا ولا ظاهرا كما كان في ~~الدنيا { وكان } أي ذلك ايوم الذي تظهر فيه الملائكة الذين طلب الكفار ~~رؤيتهم { يوما على الكافرين } أي فقط { عسيرا* } شديد العسر والاستعار. # ولما كان حاصل حالهم أنهم جانبوا أشرف الخلق الهادي لهم إلى كل خير، ~~وصاحبوا غيره ممن يقودهم إلى كل شر، بين عسر ذلك اليوم الذي إنما أوجب ~~جرأتهم تكذيبهم به بتناهي ندمهم على فعلهم هذا ms3210 فقال: { ويوم يعض الظالم } ~~أي لفرط تأسفه لما يرى فيه من الأهوال { على يديه } أي كلتيهما فيكاد ~~يقطعهما لشدة حسرته وهو لا يشعر، حال كونه مع هذا الفعل { يقول } أي يجدد ~~في كل لحظة قوله: { يا ليتني اتخذت } أي أرغمت نفسي وكلفتها أن آخذ في ~~الدنيا { مع الرسول سبيلا* } أي عملا واحدا من الأعمال التي دعاني ~~إليها، وأطعته طاعة ما، لما انكشف لي في هذا اليوم من أن كل من أطاعه ولو ~~لحظة حصلت له سعادة بقدرها، وعض اليد والأنامل وحرق الأسنان ونحو ذلك ~~كناية عن الغيظ والحسرة لأنها من روادفهما، فتذكر الرادفه دلالة على ~~المردوف فيرتفع الكلام في طبقة الفصاحة إلى حد يجد السامع عنده في نفسه ~~من الروعة والاستحسان ما لا يجده عند المكنى عنه. # ولما تأسف على مجانبة الرسول، تندم على مصادقة غيره بقوله: { يا ويلتي } ~~أي يا هلاكي الذي ليس لي منادم غيره لأنه ليس بحضرتي سواه. ولما كان يريد ~~محالا، عبر بأداته فقال: { ليتني لم أتخذ فلانا } يعني الذي أضله - ~~يسميه باسمه، وإنما كنى عنه وهو سبحانه لا يخاف من المناواة، ولا يحتاج ~~إلى المداجاة، إرادة للعموم وإن كانت الآية نزلت في شخص معين { خليلا* } ~~أي صديقا أوافقه في أعماله لما علمت من سوء عاقبتها، ثم استأنف قوله ~~الذي يتوقع كل سامع أن يقوله: { لقد } أي والله لقد { أضلني عن الذكر } ~~أي عمي علي طريق القرآن الذي لاذكر في الحقيقة غيره وصرفني عنه، ~~والجملة في موضع العلة لما قبلها { بعد إذ جاءني } ولم يكن لي منه مانع ~~يظهر غير إضلاله. # ولما كان التقدير: ثم ها هو قد خذلني أحوج ما كنت إلى نصرته، عطف عليه ~~قوله: { وكان الشيطان } أي كل من كان سببا للضلال من عتاة الجن والإنس { ~~للإنسان خذولا* } أي شديد الخذلان يورده ثم يسلمه إلى أكره ما يكره، لا ~~ينصره، ولو أراد لما استطاع، بل هو شر من ذلك، لأن عليه إثمه في نفسه ~~ومثل إثم من أضله. # ولما ذكر سبحانه أقوال الكفار ms3211 إلى أن ختم بالإضلال عن الذكر، وكانوا مع ~~إظهارهم التكذيب به وأنه مفتعل في غاية الطرب له، والاهتزاز به، والتعجب ~~منه، والمعرفة بأنه يكون له نبأ، أشار إلى ذلك بقوله: عاطفا على { ~~وقالوا ما لهذا الرسول } معظما لهذه الشكاية منه صلى الله عليه وسلم، ~~مخوفا لقومه لأن الرسل قبله عليهم الصلاة والسلام كانوا إذا شكوا أنزل ~~بقومهم عذاب الاستئصال: { وقال الرسول } يعني محمدا صلى الله عليه وسلم: ~~{ يا رب } أيها المحسن إلي بأنواع الإحسان الذي أعظمه الرسالة، وعبر ~~بأداة البعد هضما لنفسه مبالغة في التضرع { إن قومي } أي قريشا الذين ~~لهم قوة وقيام ومنعة { اتخذوا } أي يتكليف أنفسهم ضد ما تجده { هذا ~~القرآن } أي المقتضي للاجتماع عليه والمبادرة إليه { مهجورا* } أي ~~متروكا، فأشار بصيغة الافتعال إلى أنهم عالجوا أنفسهم في تركه علاجا ~~كثيرا، لما يرون من حسن نظمه، ويذوقون من لذيذ معانيه، ورائق أسالبيه، ~~ولطيف عجائبه، وبديع غرائبه، كما تعرف به قصة أبي جهل وأبي سفيان بن حرب ~~والأخنس بن شريق حين كانوا يستمعون لقراءته ليلا، كل واحد منهم في مكان ~~لا يعلم به صاحباه، ثم يجمعهم الطريق إذا أصبحوا فيتلاومون ويتعاهدون على ~~أن لا يعودوا، ثم يعودون حتى فعلوا ذلك ثلاث ليال ثم أكدوا على أنفسهم ~~العهود حتى تركوا ذلك كما هو مشهور في السير. ### || [25.31-36] # ولما كان في هذا الكلام معنى الشكاية وشدة التحرق، وعظيم التحزن كما ~~يشير إليه إثبات يا التي للبعد، على خلاف ما جرت به العادة في نداء ~~الخواص الذين هو أخصهم، والاستفهام عن سبب هجرانهم مع ما لهم إليه من ~~الدواعي، كان كأنه قيل: ذلك بأن من فعله عاداك حسدا لك، وعطف عليه: { ~~وكذلك } أي ومثل ما فعلنا من هذا الفعل العظيم وأنت أعظم الخلق لدنيا { ~~جعلنا } بما لنا من العظمة { لكل نبي } أي من الأنبياء قبلك، رفعة ~~لدرجاتهم { عدوا من المجرمين } الذين طبعناهم على الشغف بقطع ما يقتضي ~~الوصل فأضللناهم بذلك إهانة لهم فاصبر كما صبروا فإني سأهدي بك من شئت، ~~وأنصرك على ms3212 غيرهم، وأكرم قومك من عذاب الاستئصال تشريفا لك. # ولما كان موطنا تعلق فيه النفوس متشوقة إلى الهداية بعد هذا الطبع، ~~والنصرة بعد ذلك الجعل، كان كأنه قيل: لا تحزن فلنجعلن لك وليا ممن ~~نهديه للإيمان، ولننصرنهم على عدوهم كما فعلنا بمن قبلك، بل أعظم حتى ~~نقضي أممهم من ذلك العجب، ولا يسعهم إلا الخضوع لكم والدخول في ظلال ~~عزكم، ولما كان ذلك - لكثرة المعادين - أمرا يحق له الاستبعاد، قال ~~عاطفا على ما تقديره؛ ثم نصر إخوانك من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ~~على من جعلهم أعداءهم ربك الذي أرسلهم: { وكفى بربك } أي المحسن إليك { ~~هاديا } يهدي بك من قضى بسعادته { ونصيرا* } ينصرك على من حكم بشقاوته. # ولما ذكر سبحانه شكايته من هجرانهم للقرآن، وقرر عداوتهم له ونصرته ~~عليهم، أتبع ذلك بما يدل عليه، فقال عطفا على ما مضى من الأشباه في ~~الشبه، وأظهر موضع الإضمار تنبيها على الوصف الذي حملهم على هذا القول: ~~{ وقال الذين كفروا } أي غطوا عدواة وحسدا ما تشهد عقولهم بصحته من أن ~~القرآن كلام لإعجازه لهم متفرقا، فضلا عن كونه مجتمعا، وغطوا ما وضح ~~لهم من آثاره الظاهرة الشاهد بوحدانيته، وغير ذلك من صفاته العلية: { ~~لولا } أي هلا. # ولما كانوا لشدة ضعفهم لا يكادون يسمحون بتسمية القرآن تنزيلا فضلا عن ~~أن يسندوا إنزاله إلى الله سبحانه وتعالى، بنوا للمفعول في هذه الشبهة ~~التي أوردها قولهم: { نزل عليه } ولما عبروا بصيغة التفعيل المشيرة ~~إلى التدريج والتفريق استجلابا للسامع لئلا يعرض عنهم، أشاروا إلى أن ~~ذلك غير مراد فقالوا: { القرآن } أي المقتضي اسمه للجمع؛ ثم صرحوا ~~بالمراد بقولهم: { جملة } وأكدوا بقولهم: { واحدة } أي من أوله إلى آخره ~~بمرة، ليتحقق أنه من عند الله، ويزول عنا ما نتوهمه من أنه هو الذي يرتبه ~~قليلا قليلا، فتعبيرهم بما يدل على التفريق أبلغ في مرادهم، فإنهم ~~أرغبوا السامع في الإقبال على كلامهم بتوطينه على ما يقارب مراده، ثم ~~أزالوا بالتدريج أتم إزالة، فكان في ذلك من المفاجأة بالروعة والإقناط ~~مما أمل من ms3213 المقاربة ما لم يكن في " أنزل " والله أعلم. # ولما كان التقدير: وما له ينزل عليه مفرقا، وكان للتفريق فوائد جليلة، ~~أشار سبحانه إلى عظمتها بقوله معبرا للإشارة إلى ما اشتملت عليه من ~~العظمة بأداة البعد: { كذلك } أي أنزلناه شيئا فشيئا على هذا الوجه ~~العظيم الذي أنكروه { لنثبت به فؤادك } بالإغاثة بتردد الرسل بيننا ~~وبينك، وبتمكينك وتمكين أتباعك من تفهم المعاني، وتخفيفا للأحكام، في ~~تحميلها أهل الإسلام، بالتدريج على حسب المصالح، ولتنافي الحكمة في ~~الناسخ والمنسوخ، لما رتب فيه من المصالح، وتسهيلا للحفظ لا سيما والأمة ~~أمية لا تقرأ ولا تكتب، وتلقينا للأجوبه في أوقاتها، وتعظيما للإعجاز، ~~لأن ما تحدى بنجم منه فعجز عنه علم أن العجز عن أكثر منه أولى، فالحاصل ~~أن التفريق أدخل في باب الإعجاز وفي كل حكمة، فعلم أن هذا الاعتراض فضول ~~ومماراة بما لا طائل تحته من ضيق الفطن، وقلة الحلية، وحرج الخطيرة، دأب ~~المقطوع المبهوت، لأن المدار الإعجاز، وأما كونه جملة أو مفرقا فأمر لا ~~فائدة لهم فيه، وليست الإشارة محتملة لأن تكون للكتب الماضية، لأن نزولها ~~إنما كان منجما كما بينته في سورة النساء عن نص التوراة المشير إليه نص ~~كتابنا، لا كما يتوهمه كثير من الناس، ولا أصل له إلا كذبة من بعض اليهود ~~شبهوا بها على أهل الإسلام فمشت على أكثرهم وشرعوا يتكلفون لها أجوبة، ~~واليهود الآن معترفون بأن التوراة نزلت في نحو عشرين سنة والله الموفق. # ولما كان إنزله مفرقا أحسن، أكده بقوله عطفا على الفعل الذي تعلق به " ~~كذلك " { ورتلناه ترتيلا* } أي فرقناه في الإنزال إليك تفريقا في نيف ~~وعشرين سنة؛ وقال البغوي: قال ابن عباس رضي الله عنهما: بيناه بيانا، ~~والترتيل: التبين في ترسل وتثبت انتهى. وأصله ترتيل الأسنان وهو تفليجها ~~كنور الأقحوان. # ولما كان التقدير: قد بطل ما أتوا به هذا الاعتراض، عطف عليه قوله: { ~~ولا يأتونك } أي المشركون { بمثل } أي باعتراض في إبطال أمرك يخيلون به ~~لعقول الضعفاء بما يجتهدون في تنميقه وتحسينه وتدقيقه حتى يصير عندهم ms3214 في ~~غاية الحسن والرشاقة لفظا ومعنى { إلا جئناك } أي في جوابه { بالحق } ~~ومن الألف واللام الدالة على الكمال يعرف أن المراد به الثابت الذي لا ~~شيء أثبت منه، فيرهق ما أتوا به لبطلانه، ويفتضح بعد ذلك الستر فضيحة ~~تخجل القائل والسامع القابل. # ولما كان التقدير في الأصل: بأحق منه، وإنما عبر بالحق، لئلا يفهم أن ~~لما يأتون به وجها في الحقيقة، عطف عليه قوله: { وأحسن } أي من مثلهم { ~~تفسيرا* } أي كشفا لما غطى الفهم من ذلك الذي خيلوا به وادعوا أنهم ~~أوضحوا به وجها من وجوه المطاعن، فجزم أكثر من السامعين بحسنه. # ولما أنتجت هذه الآيات كلها أنهم معاندون لربهم، وأنهم يريدن بهذه ~~السؤالات أن يضللوا سبيله، ويحتقروا مكانته، ويهدروا منزلته، علم قطعا ~~أنه يعمر بهم دار الشقاء، وكان ذلك أدل على أنهم أعمى الناس عن الطرق ~~المحسوسة، فضلا عن الأمثال المعلومة، والتمثيل للمدارك الغامضة، وأنهم ~~أحقر الناس لأنه لا ينتقص الأفاضل إلا ناقص، ولا يتكلم الإنسان إلا فيمن ~~هو خير منه، قال معادلا لقوله: # أصحاب الجنة يومئذ خير # [الفرقان: 24] واصفا لما تقدم أنه أظهره موضع الإضمار من قوله { الذين ~~كفروا } [الفرقان: 32] { الذين يحشرون } أي يجمعون قهرا ماشين مقلوبين { ~~على وجوههم } أو مسحوبين { إلى جهنم } كما أنهم في الدنيا كانوا يعملون ~~ما كأنهم معه لا يبصرون ولا تصرف لهم في أنفسهم، تؤزهم الشياطين أزا، ~~فإن الآخرة مرآة الدنيا، مهما عمل هنا رئي هناك، كما أن الدنيا مزرعة ~~الآخرة، مهما عمل فيها جنيت ثمرته هناك " روى البخاري عن أنس رضي الله ~~عنهما أن رجلا قال: يا نبي الله! كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ ~~قال: # " أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادرا على أن يمشيه على وجهه ~~يوم القيامة؟ قال قتادة: يعني الراوي عن أنس: بلى وعزة ربنا ". # ولما وصف المتعنتين في أمر القرآن بهذا الوصف، استأنف الإخبار بأنهم ~~متصفون بما ألزموا به من أن الإتيان بالقرآن مفرقا وضع للشيء في غير ~~موضعه فقال: { أولئك } أي البعداء البغضاء { شر ms3215 } أي شر خلق { مكانا ~~وأضل سبيلا* } حيث عموا عن طريق الجنة التي لا أجلى منها ولا أوسع، ~~وسلكوا طريق النار التب لا أضيق منه ولا أوعر، وعموا عن أن إنزال القرآن ~~نجوما أولى لما تقدم من اللطائف وغيرها مما لا يحيط به إلا الله تعالى، ~~" وسبيلا " تمييز محول عن الفاعل أصله: ضل سبيلهم، وإسناد الضلال إليه ~~من الإسناد المجازي. # ولما بين أنهم كذبوه وعادوه، وأشار بآية الحشر إلى جهنم إلى أنه لا ~~يهلكهم بعامة، عطف على عامل " لنثبت " تسلية له وتخويفا لهم قوله: { ~~ولقد آتينا } أي بما لنا من العظمة { موسى الكتاب } كما أتيناك، بينا فيه ~~الشرائع والسنن والأحكام، وجعلناه هدى ورحمة، وأنزلناه إليه منجما في ~~نحو عشرين سنة يقال: إنها ثمان عشرة كما أنزلنا إليك هذا القرآن في نيف ~~وعشرين سنة، كما بينت ذلك في آخر سورة النساء وغيرها، على أن أحدا ممن ~~طالع التوراة لا يقدر على إنكار ذلك، فإنه بين من نصوصها. وزاد في ~~التسلية بذكر الوزير، لأن الرد للاثنين أبعد، وفيه إشارة إلى أنه لا ينفع ~~في إيمانهم إرسال ملك كما اقترحوا ليكون معه نذيرا، فقال: { وجعلنا } ~~بما لنا من العظمة { معه أخاه } ثم بينه بقوله: { هارون } وبين محط الجعل ~~بقوله: { وزيرا } أي معينا في كل أمر بعثناه به، وهو مع ذلك نبي، ولا ~~تنافي بين الوزارة والنبوة. # ولما كانت الواو لا ترتب، فلم يلزم من هذا أن يكون هذا الجعل بعد إنزال ~~الكتاب كما هو الواقع، رتب عليه قوله: { فقلنا } أي بعد جعلنا له وزيرا. ~~ولما كان المقصود هنا من القصة التسلية والتخويف، ذكر حاشيتها أولها ~~وآخرها، وهما إلزام الحجة والتدمير، فقال: { اذهبا إلى القوم } أي الذين ~~فيهم قوة وقدرة على ما يعانونه وهم القبط { الذين كذبوا بآياتنا } أي ~~المرئية والمسموعة من الأنبياء الماضين قبل إتيانكما في علم الشهادة، ~~والمرئية والمسموعة منكما بعد إتيانكما في علمنا. فذهبا إليهم فكذبوهما ~~فيما أرياهم وأخبراهم به من الآيات، لما طبعناهم عليه من الطبع المهيىء ~~لذلك. # ولما كان السياق ms3216 للإنذار بالفرقان، طوي أمرهم إلا في عذابهم فقال: { ~~فدمرناهم } أي لذلك { تدميرا* } بإغراقهم أجمعين عل يد موسى عليه السلام ~~في البحر، لم نبق منهم أحدا مع ما أصبناهم به قبل ذلك من المصائب، مع ~~اجتهاد موسى عليه السلام في إحيائهم بالإيمان، الموجب لإبقائهم في ~~الدارين، عكس ما فعلناه بموسى عليه السلام من إنجائه من الهلاك بإلقائه ~~في البحر، وإبقائه بمن اجتهد في إعدامه، وجعلنا لكل منهما حظا من بحره { ~~هذا ملح أجاج } هو غطاء جهنم، # وهذا عذب فرات # [الفرقان: 53] عنصره من الجنة، فليحذر هؤلاء الذين تدعوهم من مثل ذلك إن ~~فعلوا مثل فعل أولئك. ### || [25.37-39] # ولما هدد المكذبين، بإهلاك الأولين، الذين كانوا أقوى منهم وأكثر، وقدم ~~قصة موسى عليه السلام لمناسبة الكتاب في نفسه أولا؛ وفي تنجيمه ثانيا، ~~أتبعه أول الأمم، لأنهم أول، ولما في عذابهم من الهول، ولمناسبة ما بينه ~~وبين عذاب القبط، فقال: { وقوم } أي ودمرنا قوم { نوح لما كذبوا الرسل } ~~بتكذيبهم نوحا؛ لأن من كذب واحدا من الأنبياء بالفعل فقد كذب الكل ~~بالقوة، لأن المعجزات هي البرهان على صدقهم، وهي متساوية الأقدام في ~~كونها خوارق، لا يقدر على معارضتها، فالتكذيب بشيء منها تكذيب بالجميع ~~لأنه لا فرق، ولأنهم كذبوا من مضى من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فيما ~~سمعوه من أخبارهم، ولأنهم عللوا تكذيبهم بأنه من البشر فلزمهم تكذيب كل ~~رسول من البشر. ولما كان كأنه قيل: بأي شيء دمروا؟ قال: { أغرقناهم } ~~كما أغرقنا آل فرعون بأعظم مما أغرقناهم { وجعلناهم } أي قوم نوح في ذلك ~~{ للناس آية } أي علامة على قدرتنا على ما نريد من إحداث الماء وغيره ~~وإعدامه والتصرف في ذلك بكل ما نشاء، وإنجاء من نريد بما أهلكنا به عدوه ~~{ وأعتدنا } أي هيأنا تهيئة قريبة جدا وأحضرنا على وجه ضخم شديد تام ~~التقدير؛ وكان الأصل: لهم، ولكنه أظهر تعميما وتعليقا للحكم بالوصف ~~فقال: { للظالمين } أي كلهم في أي زمان كانوا، لأجل ظلمهم بوضعهم ~~الأشياء في غير مواضعها { عذابا أليما* } لاسيما في الآخرة. # ولما ذكر آخر الأمم ms3217 المهلكة بعامة وأولها، وكان إهلاكهما بالماء، ذكر من ~~بينهما ممن أهلك بغير ذلك، إظهارا للقدرة والاختيار، وطوى خبرهم بغير ~~العذاب لأنه كما مضى في سياق الإنذار فقال: { وعادا } أي ودمرنا عادا ~~بالريح { وثمودا } بالصيحة { وأصحاب الرس } أي البئر التي هي غير مطوية؛ ~~قال ابن جرير: والرس في كلام العرب كل محفور مثل البئر والقبر ونحو ذلك. ~~أي دمرناهم بالخسف { وقرونا بين ذلك } أي الأمر العظيم المذكور، وهو بين ~~كل أمتين من هذه الأمم { كثيرا* } وناهيك بما يقول فيه العلي الكبير: ~~إنه كثير؛ أسند البغوي في تفسير # أمة وسطا # [البقرة: 143] في البقرة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قام فينا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما بعد العصر، فما ترك شيئا إلى يوم ~~القيامة إلا ذكره في مقامه ذلك حتى إذا كانت الشمس على رؤوس النخل وأطراف ~~الحيطان قال: # " أما إنه لم يبق من الدنيا فيما مضى إلا كما بقي من يومكم هذا، ألا وإن ~~هذه الأمة توفي سبعين أمة هي آخرها وأكرمها على الله عز وجل " # أخرجه الترمذي في الفتن وأحمد والطبراني وابن ماجه في الفتن أيضا لكن ~~ببعضه وليس عند واحد منهم اللفظ المقصود من السبعين أمة، وفي بعض ألفاظهم ~~وجعلنا نلتفت إلى الشمس هل بقي منها شيء وهذا يدل على أن الذي كان قد بقي ~~من النهار نحو العشر من العشر، وهذا يقتضي إذا اعتبرنا ما مضى لهذه الأمة ~~من الزمان أن يكون الماضي من الدنيا من خلق آدم عليه السلام في يوم ~~الجمعة الذي يلي الستة الأيام التي خلقت فيها السماوات والأرض أكثر من ~~مائة ألف سنة - والله أعلم. # ولما قدم سبحانه أنه يأتي في هذا الكتاب بما هو الحق في جواب أمثالهم، ~~بين أنه فعل بالجميع نحو من هذا، فقال تسلية لنبيه صلى الله عليه وسلم ~~وتأسية وبيانا لتشريفه بالعفو عن أمته: { وكلا } أي من هذه الأمم { ~~ضربنا } بما لنا من العظمة { له الأمثال } حتى وضح له السبيل، وقام - من ~~غير شبهة - الدليل ms3218 { وكلا تبرنا تتبيرا* } أي جعلناهم فتاتا قطعا ~~بليغة التقطيع، لا يمكن غيرنا أن يصلها ويعيدها إلى ما كانت عليه قبل ~~التفتيت. ### || [25.40-44] # ولما ذكر الإهلاك بالماء وبغيره، وكان الإهلاك بالماء تارة بالبحر، ~~وتارة بالإمطار، وختم بالخسف، ذكر الخسف الناشىء عن الأمطار، بحجارة ~~النار، مع الغمر بالماء، دلالة على تمام القدرة، وباهر العظمة، وتذكيرا ~~بما يرونه كل قليل في سفرهم إلى الأرض المقدسة لمتجرهم، وافتتح القصة ~~باللام المؤذنة بعظيم الاهتمام، مقرونة بحرف التحقيق، إشارة إلى أنهم ~~لعدم الانتفاع بالآيات كالمنكرين للمحسوسات، وغير الأسلوب تنبيها على ~~عظيم الشأن وهزا للسامع فقال: { ولقد أتوا } أي هؤلاء المكذبون من قومك، ~~وقال: { على القرية } - وإن كانت مدائن سبعا أو خمسا كما قيل - تحقيرا ~~لشأنها في جنب قدرته سبحانه، وإهانة لمن يريد عذابه، ودلالة على جمع ~~الفاحشة لهم حتى كانوا كأنهم شيء واحد كما دل عليه التعبير بمادة " قرا " ~~الدالة على الجمع { التي أمطرت } أي وقع إمطارها ممن لا يقدر على الإمطار ~~سواه بالحجارة، ولذا قال: { مطر السوء } وهي قرى قوم لوط، ثم خسف بها ~~وغمرت بما ليس في الأرض مثله في أنواع الخبث؛ قال البغوي: كانت خمس قرى ~~فأهلك الله أربعا منها ونجت واحدة وهي أصغرها، وكان أهلها لا يعملون ~~العمل الخبيث. # ولما كانوا يمرون عليها في أسفارهم، وكان من حقهم أن أن يتعظوا بحالهم، ~~فيرجعوا عن ضلالهم، تسبب عن ذلك استحقاقهم للإنكار الشديد في قوله: { ~~أفلم يكونوا } أي بما في جبلاتهم من الأخلاق العالية { يرونها } أي في ~~أسفارهم إلى الشام ليعتبروا بما حل بأهلها من عذاب الله فيتوبوا. # ولما كان التقدير: بل رأوها، أضرب عنه بقوله: { بل } أي لم يكن تكذيبهم ~~بسبب عدم رؤيتها وعدم علمهم بما حل بأهلها، بل بسبب أنهم { كانوا } ~~يكذبون بالقيامة كأنه لهم طبع. # ولما كان عود الإنسان إلى ما كان من صحته محبوبا له، كان ينبغي لهم لو ~~عقلوا أن يعلقوا رجاءهم بالبعث لأنه لا رجوع إلى الحياة، فهو كرجوع ~~المريض لا سيما المدنف إلى الصحة، فلذلك قال معبرا ms3219 بالرجاء تنبيها على ~~هذا: { لا يرجون نشورا* } بعد الموت ليخافوا الله عز وجل فيخلصوا له ~~فيجازيهم على ذلك، لأنه استقر في أنفسهم اعتقادهم التكذيب بالآخرة، ~~واستمروا عليه قرنا بعد قرن حتى تمكن تمكنا لا ينفع معه الاعتبار إلا ~~لمن شاء الله. # ولما أثبت تكذيبهم بالآخرة، عطف عليه تحقيقا قوله، مبينا أنهم لم ~~يقتصروا على التكذيب بالممكن المحبوب حتى ضموا إليه الاستهزاء بمن لا ~~يمكن أصلا في العادة أن يكون موضعا للهزء: { وإذا رأوك } أي مع ما ~~يعلمون من صدق حديثك وكرم أفعالك لو لم تأتهم بمعجزة، فكيف وقد أتيتهم ~~بما بهر العقول { إن } أي ما { يتخذونك إلا هزوا } عبر بالمصدر إشارة ~~إلى مبالغتهم في الاستهزاء مع شدة بعده صلى الله عليه وسلم عن ذلك، ~~يقولون محتقرين: { أهذا } وتهكموا مع الإنكار في قولهم { الذي بعث الله } ~~أي المستجمع لنعوت العظمة { رسولا* } فإخراجهم الكلام في معرض التسليم ~~والإقرار - وهو في غاية الجحود - بالغ الذروة من الاستهزاء، فصار المراد ~~عندهم أن هذا الذي ادعاه من الرسالة مما لا يجوز أن يعتقد. # ثم استأنفوا معجبين من أنفسهم، مخيلين غيرهم من الالتفات إلى ما يأتي به ~~من المعجزات، قائلين: { إن } أي إنه { كاد } وعرف بأن " إن " مخففة لا ~~نافية باللام فقال: { ليضلنا } أي بما يأتي به من هذه الخوارق التي لا ~~يقدر غيره على مثلها، واجتهاده في إظهار النصح { عن آلهتنا } هذه التي ~~سبق إلى عبادتها من هو أفضل منا رأيا وأكثر للأمور تجربة. ولما كانت هذه ~~العبارة مفهمة لمقاربة الصرف عن الأصنام، نفوه بقولهم: { لولا أن صبرنا } ~~بما لنا من الاجتماع والتعاضد { عليها } أي على التمسك بعبادتها. # ولما لزم قولهم هذا أن الأصنام تغني عنهم، نفاه مهددا مؤكدا التهديد ~~لفظاعة فعلهم بقوله، عطفا على ما تقديره: فسوف يرون - أو من يرى منهم - ~~أكثرهم قد رجع عن اعتقاد أن هذه الأصنام آلالهة: { وسوف يعلمون } أي في ~~حال لا ينفعهم فيه العمل وإن طالت مدة الإمهال والتمكين { حين يرون ~~العذاب } أي في الدنيا والآخرة { من أضل ms3220 سبيلا* } هم أوالدعي لهم إلى ~~ترك الأصنام الذي ادعوا إضلاله بقولهم { ليضلنا }. # ولما أخبره تعالى بحقيقة حالهم، في ابتدائهم ومآلهم، وكان ذلك مما يحزنه ~~صلى الله عليه وسلم لشدة حرصه على رجوعهم، ولزوم ما ينفعهم واجتناب ما ~~يضرهم، سلاه بقوله معجبا من حالهم: { أرأيت من اتخذ } أي كلف نفسه أن ~~أخذ { إلهه هواه } أي أنهم حقروا الإله بإنزاله إلى رتبة الهوى فهم لا ~~يعبدون إلا الهوى، وهو ميل الشهوة ورمي النفس إلى الشيء، لا شبهة لهم ~~أصلا في عبادة الأصنام يرجعون عنها إذا جلت، فهم لا ينفكون عن عبادتها ~~ما دام هواهم موجودا، فلا يقدر على كفهم عن ذلك إلا القادر على صرف تلك ~~الأهواء، وهو الله وحده وهذا كما تقول: فلان اتخذ سميره كتابه، أي أنه ~~قصر نفسه على مسامرة الكتاب فلا يسامر غير الكتاب، وقد يشاركه في مسامرة ~~الكتاب غيره، ولو قلت: اتخذ كتابه سميره، لانعكس الحال فكان المعنى أنه ~~أنه قصر نفسه على مطالعة السمير ولم ينظر في كتاب في وقت السمر وقد ~~يشاركه غيره في السمير، أو قصر السمير على الكتاب والكتاب على السمير كما ~~قصر الطين على الخزفية في قولك: اتخذت الطين خزفا، فالمعنى أن هذا ~~المذموم قصر نفسه على تأله الهوى فلا صلاح له ولا رشاد وقد يتأله الهوى ~~غيره، ولو قيل: من اتخذ هواه إلهه، لكان المعنى أنه قصر هواه على الإله ~~فلا غي له، لأن هواه تابع لأمر الإله، وقد يشاركه في تأله الإله غيره؛ ~~قال أبو حيان: والمعنى أنه لم يتخذ إلها إلا هواه - انتهى. # فلو عكس لقيل: لم يتخذ هوى إلا إلهه، وهو إذا فعل ذلك فقد سلب نفسه ~~الهوى فلم يعمل به إلا فيما وافق أمر إلهه ومما يوضح لك انعكاس المعنى ~~بالتقديم والتأخير أنك لو قلت: فلان اتخذ عبده أباه، لكان معناه أنه عظم ~~العبد، ولو قيل: إنه اتخذ أباه عبده، لكان معناه أنه أهان الأب، وسواء في ~~ذلك إتيانك به هكذا على وزان ما في القرآن أو ms3221 نكرت أحدهما، فإنك لا تجد ~~ذوقك فيه يختلف في أنه إذا قدم الحقير شرفه، وإذا قدم الشريف حقره، وكذا ~~لو قلت: إتخذ إصطبله مسجدا أو صديقه أبا أو عكست، ولو كان التقديم ~~بمجرد العناية من غير اختلاف في الدلالة قدم في الجاثية الهوى، فإن ~~السياق والسباق له، وحاصل المعنى أنه اضمحل وصف الإله، ولم يبق إلا ~~الهوى، فلو قدم الهوى لكان المعنى أنه زال وغلبت عليه صفة الإله، ولم يكن ~~ينظر إلا إليه، ولا حكم إلا له، كما في الطين بالنسبة إلى الخزف سواء - ~~والله أعلم. # ولما كان لا يقدر على صرف الهوى إلا الله، تسبب عن شدة حرصه على هداهم ~~قوله: { أفأنت تكون } ولما كان مراده صلى الله عليه وسلم حرصا عليهم ~~ورحمة لهم ردهم عن الغي ولا بد، عبر بأداة الاستعلاء في قوله: { عليه ~~وكيلا* } أي من قبل الله بحيث يلزمك أن ترده عن هواه إلى ما أمر به الله ~~قسرا، لست بوكيل، ولكنك رسول، ليس عليك إلا البلاغ، فلا تذهب نفسك عليهم ~~حسرات. # ولما انتفى الرد عن الهوى قسرا بالوكالة، نفى الرد طوعا بتقبيح ~~الضلالة، فذكر المانع منه بقوله معادلا لما قبله، منكرا حسبانه، لا ~~كونه هو الحاسب، أو أنكر كونه هو الحاسب، مع ما له من العقل الرزين، ~~والرأي الرصين، ويكون { تحسب } معطوفا على " تكون ": { أم تحسب أن ~~أكثرهم } أي هؤلاء المدعوين { يسمعون } أي سماع من ينزجر ولو كان غير ~~عاقل كالبهائم { أو يعقلون } ما يرون ولو لم يكن لهم سمع حتى يطمع في ~~رجوعهم باختيارهم من غير قسر. # ولما كان هذا الاستفهام مفيدا للنفي، أثبت ما أفهمه بقوله: { إن } أي ~~ما { هم إلا كالأنعام } أي في عدم العقل لعدم الانتفاع به { بل هم أضل } ~~أي منها { سبيلا* } لأنهم لا ينزجرون بما يسمعون وهي تنزجر، ولا يشكرون ~~للمحسن وهو وليهم، لا يجانبون المسيء وهو عدوهم، ولا يرغبون في الثواب، ~~ولا يخافون العقاب، وذلك لأنا حجبنا شموس عقولهم بظلال الجبال الشامخة من ~~ضلالهم، ولو آمنوا لانقشعت تلك ms3222 الحجب، وأضاءت أنوار الإيمان، فأبصروا ~~غرائب المعاني، وتبدت لهم خفايا الأسرار # إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم # [يونس: 9] فكما أن الإنسان - وإن كان بصيرا - لا يميز بين المحسوسات ما ~~لم يشرق عليها نور الشمس، فكذلك الإنسان - وإن كان عاقلا ذا بصيرة - لا ~~تدرك بصيرته المعاني المعلومات على ما هي عليه ما لم يشرق عليها نور ~~الإيمان، لأن البصيرة عين الروح كما أن البصر عين الجسد؛ ولما كان من ~~المعلوم أنهم يسمعون ويعقلون وأن المنفي إنما هو انتفاعهم بذلك، كان موضع ~~عجب من صرفهم عن ذلك، فعبقه سبحانه بتصرفه في الأمور الحسية مثالا ~~للأمور المعنوية، ولأن عمله في الباطن ينيره إذا شاء بشمس المعارف كعمله ~~في الظاهر سواء، دليلا على سلبهم النفع بما أعطاهموه. ### || [25.45-46] # ولما بين جمود المعترضين على دلائل الصانع، وتناهي جهلهم، وفساد ~~طريقتهم، وكان المراد من العبد في تعرف ذلك أن ينظر في أفعال سيده بعين ~~الحقيقة نظرا تفنى لديه الأغيار، فلا يرى إلا الفاعل المختار، خاطب رأس ~~المخلصين الناظرين هذا النظر، حثا لأهل وده على مثل ذلك، فقال ذاكرا ~~لأنواع من الدلائل الدالة على وجود الصانع، وإحاطة علمه، وشمول قدرته، ~~مشيرا إلى أن الناظر في هذا الدليل - لوضوحه في الدلالة على الخالق - ~~كالناظر إلى الخالق، معبرا بوصف الإحسان تشويقا إلى إدامة النظر إليه ~~والإقبال عليه: { ألم تر } وأشار إلى عظم المقام وعلو الرتبة بحرف الغاية ~~مع أقرب الخلق منزلة وأعلاهم مقاما فقال: { إلى ربك } أي المحسن إليك، ~~والأصل: إلى فعله؛ وأشار إلى زيادة التعجب من أمره بجعله في معرض ~~الاستفهام فقال: { كيف مد الظل } وهو ظلمة ما منع ملاقاة نور الشمس، قال ~~أبو عبيد: وهو ما تنسخه الشمس وهو بالغداة، والفيء ما نسخ الشمس وهو بعد ~~الزوال. والظل هنا الليل لأنه ظل الأرض الممدود على قريب من نصف وجهها ~~مدة تحجب نور الشمس بما قابل قرصها من الأرض حتى امتد بساطه، وضرب ~~فسطاطه، كما حجب ظل ضلالهم أنوار عقولهم، وغفلة طباعهم نفوذ أسماعهم { ~~ولو شاء ms3223 لجعله } أي الظل { ساكنا } بإدامة الليل لا تذهبه الشمس كما في ~~الجنة لقوله # وظل ممدود # [الواقعة: 30] وإن كان بينهما فرق، ولكنه لم يشأ ذلك بل جعله متحركا ~~بسوق الشمس له. # ولما كان إيجاد النهار بعد إعدامه، وتبيين الظل به غب إبهامه، أمرا ~~عظيما، وإن كان قد هان بكثرة الإلف، أشار بأداة التراخي ومقام العظمة ~~فقال: { ثم جعلنا } أي بعظمتنا { الشمس عليه دليلا* } أي يدور معها ~~حيثما دارت، فلولا هي ما ظهر أن لشيء ظلا، ولولا النور ما عرف الظلام، ~~والأشياء تعرف بأضدادها. # ولما كانت إزالته شيئا فشيئا بعد مدة كذلك من العظمة بمكان. قال ~~منبها على فضل مدخول " ثم " وترتبه متصاعدا في درج الفضل، فما هنا أفضل ~~مما قبله، وما قبله أجل مما تقدمه، تشبيها لتباعد ما بين المراتب ~~الثلاث في الفضل بتباعد ما بين الحوادث في الوقت: { ثم قبضناه } أي الظل، ~~والقبض: جمع المنبسط { إلينا } أي إلى الجهة التي نريدها، لا يقدر أحد ~~غيرنا أن يحوله إلى جهة غيرها؛ قال الرازي رحمه الله في اللوامع: وهذه ~~الإضافة لأن غاية قصر الظل عند غاية تعالي الشمس، والعلو موضع الملائكة ~~وجهة السماء التي فيها أرزاق العباد، ومنها نزول الغيث والغياث، وإليها ~~ترتفع أيدي الراغبين، وتشخص أبصار الخائفين - انتهى. { قبضا يسيرا* } ~~أي هو - مع كونه في القلة بحيث يعسر إدراكه حق الإدراك - سهل علينا، ولم ~~نزل ننقصه شيئا فشيئا حتى اضمحل كله، أو إلا يسيرا، ثم مددناه أيضا ~~بسير الشمس وحجبها ببساط الأرض قليلا قليلا، أولا فأولا بالجبال ~~والأبنية والأشجار، ثم بالروابي والآكام والظراب وما دون ذلك، حتى تكامل ~~كما كان، وفي تقديره هكذا من المنافع ما لا يحصى، ولو قبض لتعطلت أكثر ~~منافع الناس بالظل والشمس جميعا، فالحاصل أنه يجعل بواطنهم مظلمة بحجبها ~~عن أنوار المعارف فيصيرون كالماشي في الظلام، ويكون نفوذهم في الأمور ~~الدنيوية كالماشي بالليل في طرق قد عرفها ودربها بالتكرار، وحديث علي رضي ~~الله عنه في الروح الذي مضى عند " والطبيات للطيبين " في النور شاهد حسي ~~لهذا المر ms3224 المعنوي - والله الموفق. ### || [25.47-50] # ولما تضمنت هذه الآية الليل النهار، قال مصرحا بهما دليلا على الحق، ~~وإظهارا للنعمة على الخلق: { وهو } أي ربك وحده { الذي جعل } ولما كان ~~ما مضى في الظل أمرا دقيقا فخص به أهله، وكان أمر الليل والنهار ظاهرا ~~لكل أحد، عم فقال: { لكم الليل } أي الذي تكامل به مد الظل { لباسا } أي ~~ساترا للأشياء عن الأبصار كما يستر اللباس { والنوم سباتا } أي نوما ~~وسكونا وراحة، عبارة عن كونه موتا أصغر طاويا لما كان من الإحساس، ~~قطعا عما كان من الشعور والتقلب، دليلا لأهل البصائر على الموت؛ قال ~~البغوي وغيره: وأصل السبت القطع. وفي جعله سبحانه كذلك من الفوائد ~~الدينية والدنيوية ما لا يعد، وكذا قوله: { وجعل النهار نشورا* } أي ~~حياة وحركة وتقلبا بما أوجد فيه من اليقظة المذكرة بالبعث، المهيئة ~~للتقلب، برد ما أعدمه النوم من جميع الحواس؛ يحكى أن لقمان قال لابنه: ~~كما تنام فتوقظ فكذلك تموت فتنشر. فالآية من الاحتباك: ذكر السبات أولا ~~دليلا على الحركة ثانيا، والنشور ثانيا دليلا على الطي والسكون ~~أولا. # ولما دل على عظمته بتصرفه في المعاني بالإيجاد والإعدام، وختمه بالإماتة ~~والإحياء بأسباب قريبة، أتبعه التصرف في الأعيان بمثل ذلك، دالا على ~~الإماتة والإحياء بأسباب بعيدة، وبدأه بما هو قريب للطافته من المعاني، ~~وفيه النشر الذي ختم به ما قبله، فقال: { وهو } أي وحده { الذي أرسل ~~الرياح } فقراءة ابن كثير بالإفراد لإرادة الجنس، وقراءة غيره بالجمع أدل ~~على الاختيار بكونها تارة صبا وأخرى دبورا، ومرة شمالا وكرة جنوبا ~~وغير ذلك { بشرا } أي تبعث بأرواحها السحاب، كما نشر بالنهار أرواح ~~الأشباح { بين يدي رحمته } لعباده بالمطر. # ولما كان السحاب قريبا من الريح في اللطافة، والماء قريبا منهما ~~ومسببا عما تحمله الريح من السحاب، أتبعهما به، ولما كان في إنزاله من ~~الدلالة على العظمة بإيجاده هنالك وإمساكه ثم إنزاله في الوقت المراد ~~والمكان المختار على حسب الحاجة ما لا يخفى، غير الأسلوب مظهرا للعظمة ~~فقال: { وأنزلنا من السماء } أي حيث لا ممسك ms3225 للماء فيه غيره سبحانه { ماء ~~} ثم أبدل منه بيانا للنعمة به فقال: { طهورا* } أي طاهرا في نفسه ~~مطهرا لغيره، اسم آلة كالسحور والسنون لما يتسحر به ويستن به، ونقل أبو ~~حيان عن سيبويه أنه مصدر لتطهر المضاعف جرى على غير فعله. وأما جعله ~~مبالغة لطاهر فلا يفيد غير أنه بليغ الطهارة في نفسه لأن فعله قاصر. # ولما كانت هذه الأفعال دالة على البعث لكن بنوع خفاء، أتبعها ثمرة هذا ~~الفعل دليلا واضحا على ذلك، فقال معبرا بالإحياء لذلك، معللا للطهور ~~المراد به البعد عن جميع ما يدنسه من ملوحة أو مرارة أو كبرتة ونحو ذلك ~~مما يمنع كمال الانتفاع به: { لنحيي به } أي بالماء. # ولما كان المقصود بإحياء الأرض بالنبات إحياء البلاد لإحياء أهلها قال: ~~{ بلدة } ولو كان ملحا أو مرا أو مكبرتا لم تكن فيه قوة الإحياء. ولما ~~كره أن يفهم تخصيص البلاد، أجري الوصف باعتبار الموضع ليعم كل مكان فقال: ~~{ ميتا } أي بما نحدث فيه من النبات بعد أن كان قد صار هشيما ثم ~~ترابا، ليكون ذلك آية بينة على قدرتنا على بعث الموتى بعد كونهم ترابا. # ولما كان في مقام العظمة، بإظهار القدرة، زاد على كونه آية على البعث ~~بإظهار النبات الذي هو منفعة للرعي منفعة أخرى عظيمة الجدوى في الحفظ من ~~الموت بالشرب كما كانت آية الإحياء حافظة بالأكل فقال: { ونسقيه } أي ~~الماء وهو من أسقاه - مزيد سقاه، وهما لغتان. قال ابن القطاع: سقيتك ~~شرابا وأسقيتك، والله تعالى عباده وارضه كذلك. { مما خلقنا } أي ~~بعظمتنا. # ولما كانت النعمة في إنزال الماء على الأنعام وأهل البوادي ونحوهم أكثر، ~~لأن الطير والوحش تبعد في الطلب فلا تعدم ما تشرب، خصها فقال: { أنعاما ~~} وقدم النبات لأن به حياة الأنعام، والأنعام لأن بها كمال حياة الإنسان، ~~فإذا وجد ما يكفيها من السقي تجزأ هو بأيسر شيء، وأتبع ذلك قوله: { ~~وأناسي كثيرا* } أي بحفظنا له في الغدران لأهل البوادي الذين يبعدون عن ~~الأنهار والعيون وغيرهم ممن أردنا، لأنه تعالى لا يسقي ms3226 جميع الناس على حد ~~سواء، ولكن يصيب بالمطر من يشاء، ويصرفه عمن يشاء، ويسقي بعض الناس من ~~غير ذلك، ولذا نكر المذكورات - كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ~~أنه قال: ما من عام بأمطر من عام، ولكن الله قسم ذلك بين عباده على ما ~~يشاء - وتلا هذه الآية. وقال البغوي: وذكر ابن إسحاق وابن جريج ومقاتل ~~وبلغوا به ابن مسعود رضي الله عنه يرفعه قال: ليس من سنة بأمطر من أخرى، ~~ولكن الله قسم الأرزاق، فجعلها في السماء الدنيا في هذا القطر، ينزل منه ~~كل سنة بكيل معلوم ووزن معلوم، فإذا عمل قوم بالمعاصي حول الله ذلك إلى ~~غيرهم، وإذا عصوا جميعا صرف الله تعالى ذلك إلى الفيافي والبحار - ~~انتهى. وكان السر في ذلك أنه كان من حقهم أن يطهروا ظواهرهم وبواطنهم، ~~ويطهروا غيرهم ليناسبوا حاله في الطهورية، فلما تدنسوا بالقاذورات تسببوا ~~في صرفه عنهم. # ولما ذكر سبحانه أن من ثمرة إنزال القرآن نجوما إحياء القلوب التي هي ~~أرواح الأرواح، وأتبعه ما لاءمه، إلى أن ختم بما جعله سببا لحياة ~~الأشباح، فكان موضعا لتوقع العود إلى ما هو حياة الأرواح، قال عاطفا ~~على متعلق # كذلك لنثبت # [الفرقان: 32] منبها على فائدة أخرى لتنجيمه أيضا: { ولقد صرفناه } أي ~~وجهنا القرآن. # كما قال ابن عباس رضي الله عنهما إنه المراد ههنا، ويؤيده ما بعده - ~~وجوها من البيان، وطرقناه طرقا تعيي أرباب اللسان، في معان كثيرة جدا ~~{ بينهم } في كل قطر عند كل قوم { ليذكروا } بالآيات المسموعة ما ركزنا ~~في فطرهم من الأدلة العقلية والمؤيدة بالآيات المرئية ولو على أدنى وجوه ~~التذكر المنجية لهم - بما أشار إليه الإدغام. # ولما كان القرآن قائدا ولا بد لمن أنصف إلى الإيمان، دل على أن المتخلف ~~عنه إنما هو معاند بقوله: { فأبى } أي لم يرد { أكثر الناس } أي بعنادهم ~~{ إلا كفورا* } مصدر كفر مبالغا فيه. ### || [25.51-56] # ولما كان تعنتهم بأن ينزل عليه ملك فيكون معه نذيرا، ربما أثار في ~~النفس طلب إجابتهم إلى مقترحهم حرصا ms3227 على هدايتهم، فأومأ أولا إلى أنه ~~لا فائدة في ذلك بأن مؤازرة هارون لموسى عليهما السلام لم تغن عن القبط ~~شيئا، وثانيا بأن المدار في وجوب التصديق للنذير الإتيان بما يعجز، ~~وكان ذلك موجودا في آيات القرآن، المصرفة في كل زمان ومكان بكل بيان، ~~فكانت كل آية منه قائمة مقام نذير، قال مشيرا إلى أنه إنما ترك ذلك لحكم ~~يعلمها: { ولو شئنا لبعثنا } أي بما لنا من العظمة ونفوذ الكلمة { في كل ~~قرية نذيرا* } أي من البشر أو الملائكة أو غيرهم من عبادنا، كما قسمنا ~~المطر لأن الملك - كما قدمنا أول السورة - كله لنا، ليس لنا شريك يمنع من ~~ذلك بما له من الحق، ولا ولد يمنع بما له من الدلة، ولكنا لم نفعل لما في ~~آيات القرآن من الكفاية في ذلك، ولما في انفرادك بالدعوة من الشرف لك - ~~وغير ذلك من الحكمة { فلا تطع الكافرين } فيما قصدوا من التفتير عن ~~الدعاء به، بما يبدونه من المقترحات أو يظهرون لك من المداهنة، أو من ~~القلق من صادع الإنذار، ويخيلون أنك لو أقللت منه رجوا أن يوافقوك { ~~وجاهدهم } أي بالدعاء { به } أي القرآن الذي تقدم التحديث عنه في # ولقد صرفناه # [الفرقان: 5] بإبلاغ آياته مبشرة كانت أو منذرة، والاحتجاج ببراهينه { ~~جهادا كبيرا* } جامعا لكل المجاهدات الظاهرة والباطنة، لأن في ذلك ~~إقبال كثير من الناس إليك واجتماعهم عليك، فيتقوى أمرك، ويعظم خطبك، ~~وتضعف شوكتهم، وتنكسر سورتهم. # ولما ذكر تصريف الفرقان، ونشره في جميع البلدان، بعد إثارة الرياح ونشر ~~السحاب، وخلط الماء بالتراب، لجمع النبات وتفريقه، أتبعه - تذكيرا ~~بالنعمة، وتحذيرا من إحلال النقمة - الحجز بين أنواع الماء الذي لا أعظم ~~امتزاجا منه، وجمع كل نوع منها على حدته، ومنعه من أن يختلط بالآخر مع ~~اختلاط الكل بالتراب المتصل بعضه ببعض، فقال عائدا إلى أسلوب الغيبة ~~تذكيرا بالإحسان بالعطف على ضمير " الرب " في آية الظل: { وهو } أي وحده ~~{ الذي مرج البحرين } أي الماءين الكثيرين الواسعين بأن جعلهما مضطربين ~~كما تشاهدونه من شأن الماء؛ وقال الرازي: ms3228 خلى بينهما كأنه أرسلهما في ~~مجاريهما كما ترسل الخيل في المرج، وأصل المرج يدل على ذهاب ومجيء ~~واضطراب والتباس. # ولما كان الاضطراب موجبا للاختلاط، وكانت " ال " دائرة بين العهد ~~والجنس، تشوف السامع إلى السؤال عن ذلك، فأجيب بأن المراد جنس الماء ~~الحلو والملح، لأن البحر في الأصل الماء الكثير، وبأنه سبحانه منعهما من ~~الاختلاط، مع الموجب له في العادة، بقدرته الباهرة، وعظمته القاهرة، ~~فقال: { هذا عذب } أي حلو سائغ { فرات } أي شديد العذوبة بالغ الغاية ~~فيها حتى يضرب إلى الحلاوة، لا فرق بين ما كان منه على وجه الأرض وما كان ~~في بطنها { وهذا ملح } شديد الملوحة { أجاج } أي مر محرق بملوحته ~~ومرارته، لا يصلح لسقي ولا شرب، ولعله أشار بأداة القرب في الموضعين ~~تنبيها على وجود الموضعين، مع شدة المقاربة، لا يلتبس أحدهما بالآخر حتى ~~أنه إذا حفر على شاطىء البحر الملح بالقرب منه جدا خرج الماء عذبا جدا ~~{ وجعل } أي الله سبحانه { بينهما برزخا } أي حاجزا من قدرته مانعا من ~~اختلاطهما. # ولما كانا يلتقيان ولا يختلطان، كان كل منهما بالاختلاط في صورة الباغي ~~على الآخر، فأتم سبحانه تقرير النعمة في منعهما الاختلاط بالكلمة التي ~~جرت عادتهم بقولها عند التعوذ، تشبيها لكل منهما بالمتعوذ، ليكون الكلام ~~- مع أنه خبر - محتملا للتعوذ، فيكون من أحسن الاستعارات وأشهدها على ~~البلاغة فقال: { وحجرا } أي منعا { محجورا* } أي ممنوعا من أن يقبل ~~رفعا، كل هذا التأكيد إشارة إلى جلالة هذه الآية وإن كانت قد صارت لشدة ~~الإلف بها معرضا عنها إلى الغاية، لتعرف بها قدرته، وتشكر نعمته. # ولما ذكر تعالى قدرته في منع الماء من الاختلاط، أتبعه القدرة على خلطه، ~~لئلا يظن أنه ممتنع، تقريرا للفعل بالاختيار، وإبطالا للقول بالطبائع، ~~فقال معبرا بالضمير كما تقدمه حثا على استحضار الأفعال والصفات التي ~~تقدمت، لتعرف الحيثية التي كرر الضمير لأجلها: { وهو } أي وحده { الذي ~~خلق من الماء } بخلطه مع الطين { بشرا } كما تشاهدونه يخلق منه نباتا ~~وشجرا وورقا وثمرا { فجعله } أي بعد ذلك بالتطوير في ms3229 أطوار الخلقة، ~~والتدوير في أدوار التربية { نسبا } أي ذكرا ينسب إليه { وصهرا } أي ~~أنثى يصاهر - أي يخالط بها إلى الذكر، فقسم هذا الماء بعد التطوير إلى ~~ذكر وأنثى كما جعل ذلك الماء قسمين: عذبا وملحا، وخلط ماء الذكر بماء ~~الأنثى متى أراد فصور منه آدميا، ومنعه من ذلك إذا أراد، كما أنه ميز ~~بين العذب والملح ويخلط بينهما إذا أراد بعلمه الشامل وقدرته التامة { ~~وكان ربك } أي المحسن إليك بإرسالك وإنزال هذا الذكر إليك { قديرا* } ~~على كل شيء قدرته على ما ذكر من إبداع هذه الأمور المتباعدة من مادة ~~واحدة فهو يوفق من يشاء فيجعله عذب المذاق، سهل الأخلاق، ويخذل من يشاء ~~فيجعله مرير الأخلاق كثير الشقاق، أو ملتبس الأخلاق، عريقا في النفاق، ~~فارغب إلى هذا الرب الشامل القدرة، التام العلم. # ولما أثبت له بهذه الأدلة القدرة على كل شيء، قال معجبا منهم في موضع ~~الحال من " ربك " عودا إلى تهجين سيرتهم في عبادة غيره، معبرا ~~بالمضارع، إشارة إلى أنهم لو فعلوا ذلك مرة لكان في غاية العجب، فكيف وهو ~~على سبيل التجديد والاستمرار؟ ومصورا لحالهم زيادة في تبشيعها: { ~~ويعبدون } أي الكفرة { من دون } أي ممن يعلمون أنه في الرتبة دون { الله ~~} المستجمع لصفات العظمة، بحيث إنه لا ضر ولا نفع إلا وهو بيده. # ولما كان هذا السياق لتعداد نعمه سبحانه، وكان الحامل للإنسان على ~~الإذعان رجاء الإحسان، أو خوف الهوان، وكان رجاء الإحسان مقبلا به إلى ~~المحسن في السر والإعلان، قدم النفع فقال: { ما لا ينفعهم } أي بوجه. # ولما كان الخوف إنما يوجب الإقبال ظاهرا فقط، أتبعه قوله: { ولا يضرهم ~~} أي أصلا في إزالة نعمة من نعم الله عنهم، فلا أسخف عقلا ممن يترك من ~~بيده كل نفع وضر وهو يتقلب في نعمه، في يقظته ونومه، وأمسه ويومه، ويقبل ~~على من لا نفع بيده ولا ضر أصلا؛ وأظهر في موضع الضمير بيانا للوصف ~~الحامل على ما لا يفعله عاقل، وأفرد تحقيرا لهم فقال: { وكان الكافر } ~~مع علمه بضعفه وعجزه. ms3230 # ولما كان الكافر لا يمكن أن يصافي مسلما ما دام كافرا، وكانت مصافاته ~~لغيره حاصلة إما بالفعل أو بالقوة، عدت مصارمته لغيره عدما، فكانت ~~مصارمته خاصة بأولياء الله، وكان ذلك أشد لذمه، دل عليه بتقديم الجار ~~فقال: { على ربه } أي المحسن إليه لا غيره { ظهيرا* } معينا لشياطين ~~الإنس والجن على أولياء الله، والتعبير ب " على " دال على أنه وإن كان ~~مهينا في نفسه حقيرا فاعل فعل العالي على الشيء القوي الغليظ الغالب ~~له، المعين عليه، من قولهم: ظهر الأرض لما علا منها وغلظ، وأمر ظاهر لك، ~~أي غالب، والظاهر: القوي والمعين، وذلك لأنه يجعل لما يعبده من الأوثان ~~نصيبا مما تفرد الله بخلقه، ثم يجعل لها أيضا بعض ما كان سماه لله، ~~ويعاند أولياء الله من الأنبياء وغيرهم، وينصب لهم المكايد والحروب، ~~ويؤذيهم بالقول والفعل، مع علمه بأن الله معهم لما يشاهدونه من خرقه لهم ~~العوائد، فكان هذا فعل من لا يعبأ بالشيء # لقد استكبروا في أنفسهم وعتو عتوا كبيرا # [الفرقان: 21] # أن لا تعلوا على الله # [الدخان: 19] وهو في الحقيقة تهكم بالكفار، لأنهم يفعلون ما يلزم عليه ~~هذا اللازم الذي لا يدور في خلد عاقل. # ولما كان التقدير تسلية له صلى الله عليه وسلم: فالزم ما نأمرك به ولا ~~يزد همك بردهم عما هم فيه، فإنا ما أرسلناك عليهم وكيلا، عطف عليه ~~قوله: { وما أرسلناك } أي بما لنا من العظمة. # ولما كان سياق السورة للإنذار، لما ذكر فيها من سوء مقالهم، وقبح ~~أفعالهم، حسن التعبير في البشارة بما يدل على كثرة الفعل، ويفهم كثرة ~~المفعول، بشارة بكثرة المطيع، وفي النذارة بما يقتضي أن يكون صفة لازمة ~~فقال: { إلا مبشرا } أي لكل من يؤمن { ونذيرا* } لكل من يعصي. ### || [25.57-61] # ولما وقع جوابهم عن قولهم # لولا أنزل إليه ملك # [الفرقان: 7] وكان قد بقي قولهم # أو يلقى إليه كنز # [الفرقان: 8] أشير إلى مزيد الاهتمام بجوابه بإبرازه في صورة الجواب لمن ~~كأنه قال: ماذا يقال لهم إذا تظاهروا وطعنوا في الرسالة بما تقدم وغيره؟ ms3231 ~~فقال: { قل } أي لهم يا أكرم الخلق حقيقة، وأعدلهم طريقة محتجا عليهم ~~بإزالة ما يكون موضعا للتهمة: { ما أسألكم عليه } أي على الإبلاغ ~~بالبشارة والنذارة { من أجر } لتتهموني أني أدعوكم لأجله، أو تقولوا: ~~لولا ألقي إليه كنز ليغتني به عن ذلك، فكأنه يقول: الاقتصار عن التوسع في ~~المال إنما يكره لمن يسأل الناس، وليس هذا من شيمي قبل النبوة فكيف بما ~~بعدها؟ فلا غرض لي حينئذ إلا نفعكم. ثم أكد هذا المعنى بقوله، مستثنيا ~~لأن الاستثناء معيار العموم: { إلا من } أي إلا أجر من { شاء أن يتخذ } ~~أي يكلف نفسه ويخالف هواه ويجعل له { إلى ربه سبيلا* } فإنه إذا اهتدى ~~بهداية ربه كان لي مثل أجره، لا نفع لي من جهتكم إلا هذا، فإن سيتم هذا ~~أجرا فهو مطلوبي، ولا مرية في أنه لا ينقص أحدا شيئا من دنياه، فلا ~~ضرر على أحد في طي الدنيا عني، فأفاد هذا فائدتين: إحداهما أنه لا طمع له ~~أصلا في شيء ينقصهم، والثانية إظهار الشفقة البالغة بأنه يعتد بمنفعتهم ~~الموصلة لهم إلى ربهم ثوابا لنفسه. # ولما كان المقصود ردهم عن عنادهم، وكان ذلك في غاية الصعوبة، وكان هذا ~~الكلام لا يرد متعنتيهم - وهم الأغلب - الذين تخشى غائلتهم، عطف على " قل ~~" قوله: { وتوكل } أي أظهر العجز والضعف واستسلم واعتمد في أمرك كله، ولا ~~سيما في مواجهتهم بالإنذار، وفي ردهم عن عنادهم. # ولما كان الوكيل يحمل عن الموكل ثقل ما أظهر له عجزه فيه ويقوم بأعبائه ~~حتى يصير كمن يحمل عن آخر عينا محسوسة لا يصير له عليه شيء منها أصلا، ~~عبر بحرف الاستعلاء تمثيلا لذلك فقال: { على الحي } ولا يصح التوكل عليه ~~إلا بلزوم طاعته والإعراض عما سواها. # ولما كان الأحياء من الخلق يموتون، بين أن حياته ليست كحياة غيره فقال: ~~{ الذي لا يموت } أي فلا ضياع لمن توكل عليه أصلا، بل هو المتولي ~~لمصالحه في حياته وبعد مماته، ولا تلتفت إلى ما سواه بوجه فإنه هالك { ~~وسبح بحمده } أي نزهه عن كل نقص ms3232 مثبتا له كل كمال. # ولما كان المسلى ربما وقع في فكره أن من سلاه إما غير قادر على نصره، أو ~~غير عالم بذنوب خصمه، وكان السياق للشكاية من إعراض المبلغين عن القرآن، ~~وما يتبع ذلك من الأذى، أشار بالعطف على غير مذكور إلى أن التقدير: فكفى ~~به لك نصيرا، وعطف عليه: { وكفى } وعين الفاعل وحققه بإدخال الجار عليه ~~فقال: { به بذنوب عباده } أي وكل ما سواهم عباده { خبيرا* } لا يخفى ~~عليه شيء منها وإن دق، ثم وصفه بما يقتضي أنه مع ما له من عظيم القدرة ~~بالملك والاختراع - متصف بالأناة وشمول العلم وحسن التدبير ليتأسى به ~~المتوكل عليه فقال: { الذي خلق السماوات والأرض } أي على عظمهما { وما ~~بينهما } من الفضاء والعناصر والعباد وأعمالهم من الذنوب وغيرها # ألا يعلم من خلق # [الملك: 14] وقوله: { في ستة أيام } تعجيب للغبي الجاهل، تدريب للفطن ~~العالم في الحلم والأناة والصبر على عباد الله في دعوتهم إلى الله، ~~وتذكير بما له من عظيم القدرة وما يلزمها من شمول العلم، والمراد مقدار ~~ستة من أيامنا، فإن الأيام ما حدثت إلا بعد خلق الشمس، والإقرار بأن ~~تخصيص هذا العدد لداعي حكمة عظيمة، وكذا جميع أفعاله وإن كنا لا ندرك ~~ذلك، هو الإيمان، وجعل الله الجمعة عيدا للمسلمين لأن الخلق اجتمع فيه ~~بخلق آدم عليه السلام فيه في آخر ساعة. # ولما كان تدبير هذا الملك أمرا باهرا، أشار إليه بأداة التراخي فقال: ~~{ ثم استوى على العرش } أي شرع في تدبير لهذا الملك الذي اخترعه وأوجده، ~~وهم وذنوبهم من جملته كما يفعل الملوك في ممالكهم، لا غفلة عنده عن شيء ~~أصلا، ولا تحدث فيه ذرة من ذات أو معنى إلا بخلق جديد منه سبحانه، ردا ~~على من يقول من اليهود وغيرهم: إن ذلك إنما هو بما دبر في الأزل من ~~الأسباب، وأنه الآن لا فعل له. # ولما كان المعصى إذا علم بعصيان من يعصيه وهو قادر عليه لم يمهله، أشار ~~إلى أنه على غير ذلك، حاضا على الرفق، بقوله: { الرحمن ms3233 } أي الذي سبقت ~~رحمته غضبه، وهو يحسن إلى من يكفره، فضلا عن غيره، فأجدر عباده بالتخلق ~~بهذا الخلق رسله، و الحاصل أنه أبدع هذا الكون وأخذ في تدبيره بعموم ~~الرحمة في إحسانه لمن يسمعه يسبه بالنسبة له إلى الولد، ويكذبه في أنه ~~يعيده كما بدأه، وهو سبحانه قادر على الانتقام منه بخلاف ملوك الدنيا ~~فإنهم لا يرحمون من يعصيهم مع عجزهم. # ولما كان العلم لازما للملك، سبب عن ذلك قوله على طريق التجريد: { ~~فاسأل به } أي بسبب سؤالك إياه { خبيرا } عن هذه الأمور وكل أمر تريده ~~ليخبرك بحقيقة أمره ابتداء وحالا ومآلا، فلا يضيق صدرك بسبب هؤلاء ~~المدعوين، فإنه ما أرسلك إليهم إلا وهو عالبم بهم، فسيعلي كعبك عليهم، ~~ويحسن لك العاقبة. # ولما ذكر إحسانه إليهم، وإنعامه عليهم، ذكر ما أبدوه من كفرهم في موضع ~~شكرهم فقال: { وإذا قيل لهم } أي هؤلاء الذين يتقلبون في نعمه، ويغذوهم ~~بفضله وكرمه، من أي قائل كان: { اسجدوا } أي اخضعوا بالصلاة وغيرها { ~~للرحمن } الذي لا نعمة لكم إلا منه { قالوا } قول عال متكبر كما تقدم في ~~معنى { ظهيرا }: { وما الرحمن } متجاهلين عن معرفته فضلا عن كفر نعمته ~~معبرين بأداة ما لا يعقل، وقال ابن العربي: إنهم إما عبروا بذلك إشارة ~~إلى جهلهم الصفة، دون الموصوف. # ثم عجبوا من أمره بذلك منكرين عليه، بقولهم: { أنسجد لما تأمرنا } ~~فعبروا عنه بعد التجاهل في أمره والإنكار على الداعي إليه أيضا بأداة ما ~~لا يعقل { وزادهم } هذا الأمر الواضح المقتضي للإقبال والسكون شكرا ~~للنعم وطمعا في الزيادة { نفورا* } لما عندهم من الحرارة الشيطانية ~~التي تؤزهم أزا، فلا نفرة توازي هذه النفرة، ولا ذم أبلغ منه. # ولما ذكر حال النذير الذي ابتدأ به السورة في دعائه إلى الرحمن الذي لو ~~لم يدع إلى عبادته إلا رحمانيته لكفى، فكيف بكل جمال وجلال، فأنكروه، ~~اقتضى الحال أن يوصل به إثباته بإثبات ما هم عالمون به من آثار رحمانيته، ~~ففصل ما أجمل بعد ذكر حال النذير، ثم من الملك، مصدرا له بوصف ms3234 الحق الذي ~~جعله مطلع السورة رادا لما تضمن إنكارهم من نفيه فقال: { تبارك } أي ثبت ~~ثباتا لا نظير له { الذي جعل في السماء } التي قدم أنه اخترعها { بروجا ~~} وهي اثنا عشر برجا، هي للكواكب السيارة كالمنازل لأهلها، سميت بذلك ~~لظهورها، وبنى عليها أمر الأرض، دبر بها فصولها، وأحكم بها معايش أهلها. # ولما كانت البروج على ما تعهد لا تصلح إلا بالنور، ذكره معبرا بلفظ ~~السراج فقال: { وجعل فيها } أي البروج { سراجا } أي شمسا، وقرأ حمزة ~~والكسائي بصيغة الجمع للتنبيه على عظمته في ذلك بحيث إنه أعظم من ألوف ~~ألوف من السرج، فهو قائم مقام الوصف كما قال في الذي بعده: { وقمرا ~~منيرا* } أتم - بتنقلهما فيها وبغير ذلك من أحوالهما - التدبير، أي أن ~~العلم بوجوبه لا شك فيه، فكيف يشك عاقل في وجوده أو في رحمانيته بهذا ~~العالم العظيم المتقن الصنع الظاهر فيه أمر الرحمانية. ### || [25.62-66] # ولما ذكر الآيتين، ذكر ما هما آيتاه فقال: { وهو الذي جعل الليل } أي ~~الذي آيته القمر { والنهار } الذي آيته الشمس { خلفة } أي ذوي حالة ~~معروفة في الاختلاف، فيأتي هذا خلف ذاك، بضد ما له من الأوصاف، ويقوم ~~مقامه في كثير من المرادات، والأشياء المقدرات، ويعلم قد التسامح فيها، ~~ومن فاته شيء من هذا قضاه في ذاك؛ قال ابن جرير: والعرب تقول: خلف هذا من ~~كذا خلفة، وذلك إذا جاء شيء مكان شيء ذهب قبله. وفي القاموس أن الخلف ~~والخلفة - بالكسر: المختلف. فعلى هذا يكون التقدير: جعلهما مختلفين في ~~النور والظلام، والحر والبرد، غير ذلك من الأحكام. وقال الرازي في ~~اللوامع: يقال: الأمر بينهم خلفة، أي نوبة، كل واحد يخلف صاحبه، والقوم ~~خلفة، أي مختلفون. # ولما كان الذي لا ينتفع بالشيء كالعادم لذلك الشيء، خص الجعل بالمجتني ~~للثمرة فقال: { لمن أراد أن يذكر } أي يحصل له تذكر ولو على أدنى الوجوه ~~- بما دل عليه الإدغام في قراءة الجماهة بفتح الذال والكاف مشددتين، لما ~~يدله عليه عقله من أن التغير على هذه الهيئة العظيمة لا يكون بدون ms3235 مغير ~~قادر عظيم القدرة مختار، فيؤديه تذكره إلى الإيمان إن كان كفورا، وقراءة ~~حمزة بالتخفيف من الذكر تشير إلى أن ما يدلان عليه من تمام القدرة وشمول ~~العلم الدال قطعا على الوحدانية على غاية من الظهور، لا يحتاج إلى فكر، ~~بل تحصل بأدنى التفات { أو أراد شكورا* } أي شكرا بليغا عظيما لنعم ~~الله لتحمله إرادته تلك على الشكر إن كان مؤمنا، بسبب ما أنعم به ربه من ~~الإتيان بكل منهما بعد هجوم الآخر لاجتناء ثمراته، ولو جعل أحدهما دائما ~~لفاتت مصالح الآخرة، ولحصلت السآمة به، والملل منه، والتواني في الأمور ~~المقدرة بالأوقات، الكسل وفتر العزم الذي إنما يثيره لتداركها دخول وقت ~~آخر، وغير ذلك من الأمور التي أحكمها العلي الكبير. # ولما ذكر عباده الذين خذلهم بتسليط الشيطان عليهم فصاروا حزب الشيطان، ~~ولم يصفهم إلى اسم من أسمائه، إيذانا بإهانتهم لهوائهم عنده، وهم الذين ~~صرح بهم قوله أول السورة { نذيرا } وختم بالتذكر والشكر إشارة إلى عباده ~~الذين أخلصهم لنفسه، وأشار إليهم سابقا بتخصيص الوصف بالفرقان، فأتبع ~~ذلك ذكرهم، فقال عاطفا على جملة الكلام في قوله { وإذا قيل لهم } لكنه ~~رفعهم بالابتداء تشريفا لهم: { وعباد } ويجوز أن يقال ولعله أحسن: أنه ~~سبحانه لما وصف الكفار في هذه السورة بما وصفهم به من الفظاظة والغلظة ~~على النبي صلى الله عليه وسلم، وعداوتهم له، ومظاهرتهم على خالقهم، ونحو ~~ذلك من جلافتهم، وختم بالتذكر والشكر، وكان التقدير: فعباد الشيطان لا ~~يتذكرون ولا يشكرون، لما لهم من القسوة، عطف على هذا المقدر أضدادهم، ~~واصفا لهم بأضداد أوصافهم، مبشرا لهم بضد جزائهم، فقال: وعباد { الرحمن ~~} فأضافهم إليه رفعة لهم وإن كان كل الخلق عباده، وأضافهم إلى صفة وصف ~~الرحمة الأبلغ الذي أنكره أولئك تبشيرا لهم؛ ثم وصفهم بضد ما وصف به ~~المتكبرين عن السجود، إشارة إلى أنهم تخلقوا من هذه الصفة التي أضيفوا ~~إليها بأمر كبير، فقال: { الذين يمشون } وقال: { على الأرض } تذكيرا بما ~~هم منه وما يصيرون إليه، وحثا على السعي في معالي الأخلاق للترقي عنه، ms3236 ~~وعبر عن حالهم بالمصدر مبالغة في اتصافهم بمدلوله حتى كانوا إياه، فقال: ~~{ هونا } أي ذوي هون، أي لين ورفق وسكينة ووقار وإخبات وتواضع، لا يؤذون ~~أحدا ولا يفخرون، رحمة لأنفسهم وغيرهم، غير متابعين ما هم فيه من ~~الحرارة الشيطانية، فبرؤوا من حظوظ الشيطان، لأن من كان من الأرض وإليها ~~يعود لا يليق به إلا ذلك، والأحسن أن يجعل هذا خبر " العباد " ، ويكون # أولئك يجزون الغرفة # [الفرقان: 75] استئنافا متشوفا إليه تشوف المستنتج إلى النتيجة. # ولما ذكر ما أثمره العلم من الفعل في أنفسهم، أتبعه ما أنتجه الحلم من ~~القول لغيرهم فقال: { وإذا } دون " إن " لقضاء العادة بتحقق مدخولها، ولم ~~يقل: والذين كبقية المعطوفات، لأن الخصلتين كشيء واحد من حيث رجوعهما إلى ~~التواضع { خاطبهم } خطابا ما، بجهل أو غيره وفي وقت ما { الجاهلون } أي ~~الذين يفعلون ما يخالف العلم والحكمة { قالوا سلاما* } أي ما فيه سلامة ~~من كل سوء، وليس المراد التحية - نقل ذلك سيبويه عن أبي الخطاب، قال: لأن ~~الآية فيما زعم مكية، ولم يؤمر المسلمون يومئذ أن يسلموا على المشركين، ~~ولكنه على قولك: تسليما لا خير بيننا وبينكم ولا شرا - انتهى. فلا حاجة ~~إلى ادعاء نسخها بآية القتال ولا غيرها، لأن الإغضاء عن السفهاء وترك ~~المقابلة مستحسن في الأدب والمروءة والشريعة، وأسلم للعرض والورع، وكأنه ~~أطلق الخطاب إعلاما بأن أكثر قول الجاهل الجهل. # ولما ذكر ما بينهم وبين الخلق من القول والفعل، وكان الغالب على ذلك أن ~~يكون جلوة نهارا، ذكر ما بينهم وبين خالقهم من ذلك خلوة ليلا، وذكر هذه ~~المعطوفات التي هي صفات بالواو، تنبيها على أن كل واحدة منها تستقل ~~بالقصد لعظم خطرها، وكبر أثرها، فقال: { والذين يبيتون } من البيتوتة: أن ~~يدركك الليل نمت أو لم تنم، وهي خلاف الظلول؛ وأفاد الاختصاص بتقديم { ~~لربهم } أي المحسن إليهم برحمانيته، يحيون الليل رحمة لأنفسهم، وشكرا ~~لفضله. # ولما كان السجود أشد أركان الصلاة تقريبا إلى الله، لكونه أنهى الخضوع ~~مع أنه الذي أباه الجاهلون، قدمه لذلك ويعلم بادىء بدء أن ms3237 القيام في ~~الصلاة فقال: { سجدا } وأتبعه ما هو تلوه في المشقة تحقيقا لأن السجود ~~على حقيقته فيتمحص الفعلان للصلاة، فقال: { وقياما* } أي ولم يفعلوا فعل ~~الجاهلين من التكبر عن السجود، بل كانوا - كما قال الحسن رحمه الله: ~~نهارهم في خشوع، وليلهم في خضوع. # ولما ذكر تهذيبهم لأنفسهم للخلق والخالق، أشار إلى أنه لا إعجاب عندهم، ~~بل هم وجلون، وأن الحامل لهم على ذلك الإيمان بالآخرة التي كذب بها ~~الجاهلون # يؤتون ما أتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون # [المؤمنون:60] وقدموا الدعاء بالنجاة اهتماما بدرء المفسدة، وإشعارا ~~بأنهم مستحقون لذلك وإن اجتهدوا، لتقصيرهم عن أن يقدروه سبحانه حق قدره ~~فقال: { والذين يقولون ربنا } أي أيها المحسن إلينا { اصرف عنا عذاب جهنم ~~} الذي أحاط بنا لا ستحقاقنا إياه إلا أن يتداركنا عفوك ورحمتك، بما ~~توفقنا له من لقاء من يؤذينا بطلاقة الوجه، لا بالتجهم، ثم علل سؤالهم ~~يقولهم: { إن عذابها كان } أي كونا جبلت عليه { غراما* } أي هلاكا ~~وخسرانا ملحا محيط بمن تعلق به مذلا له، دائما بمن غرى به، لازما له ~~لا ينفك عنه ونحن كنا نسير على من آذانا. # ولما ثبت لها هذا الوصف، أنتج قوله: { إنها ساءت } أي تناهت هي في كل ما ~~يحصل منه سوء، وهي في معنى بئست في جميع المذام { مستقرا } أي من جهة ~~موضع استقرار { ومقاما* } أي موضع إقامة. ### || [25.67-72] # ولما ذكر أفعالهم وأقوالهم فيما بينهم وبين الخلق وقدمه، والخالق وأخره، ~~لأن وجوبه يكون بعد ذلك، ذكر أحوالهم في أموالهم، نظرا إلى قول الكفرة # أو يلقى إليه كنز # [الفرقان: 8] وهداية إلى طريق الغنى لأنه ما عال من اقتصد، فقال: { ~~والذين إذا أنفقوا } أي للخلق أو الخالق في واجب أو مستحب { لم يسرفوا } ~~أي يجاوزوا الحد في النفقة بالتبذير، فيضيعوا الأموال في غير حقها ~~فيكونوا إخوان الشياطين الذين هم من النار ففعلهم فعلها { ولم يقتروا } ~~أي يضيقوا فيضيعو الحقوق؛ ثم بين العدل بقوله: { وكان } أي إنفاقهم { بين ~~ذلك } أي الفعل الذي يجب إبعاده. # ولما علم أن ms3238 ما بين الطرفين المذمومين يكون عدلا، صرح به في قوله: { ~~قواما* } أي عدلا سواء بين الخلقين المذمومين: الإفراط والتفريط، ~~تخلقا بصفة قوله تعالى # ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن نزل بقدر ما يشاء # [الشورى: 27] وهذه صفة أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم و رضي عنهم - ~~كانوا لا يأكلون طعاما للتنعم واللذة ولا يلبسون ثوبا للجمال والزينة، ~~بل كانوا يأكلون ما يسد الجوعة، ويعين على العبادة، ويلبسون ما يستر ~~العورة، ويكن من الحر والقر، قال عمر رضي الله عنه: كفى سرفا أن لا ~~يشتهي الرجل شيئا إلا اشتراه فأكله. # ولما ذكر ما تحلوا به من أصول الطاعات، بما لهم من العدل والإحسان ~~بالأفعال والأقوال، في الأبدان والأموال، أتبعه ما تخلوا عنه من أمهات ~~المعاصي التي هي الفحشاء والمنكر، فقال: { والذين لا يدعون } رحمة ~~لأنفسهم واستعمالا للعدل { مع الله } أي الذي اختص بصفات الكمال { إلها ~~} وكلمة " مع " وإن أفهمت أنه غير، لكن لما كانوا يتعنتون حتى أنهم ~~يتعرضون بتعديد الأسماء كما مر في آخر سبحان والحجر، قال تعالى قطعا ~~لتعنتهم: { آخر } أي دعاء جليا بالعبادة له، ولا خفيا بالرياء، فيكونوا ~~كمن أرسلت عليهم الشياطين فأزتهم أزا. # ولا نفى عنهم ما يوجب قتل أنفسهم بخسارتهم إياها، أتبعه قتل غيرهم فقال: ~~{ ولا يقتلون } أي بما تدعو إليه الحدة { النفس } أي رحمة للخلق وطاعة ~~للخالق. ولما كان من الأنفس ما لا حرمة له، بين المراد بقوله: { التي حرم ~~الله } أي قتلها، أي منع منعا عظيما الملك الأعلى - الذي لا كفوء له - ~~من قتلها { إلا بالحق } أي بأن تعمل ما يبيح قتلها. # ولما ذكر القتل الجلي، أتبعه الخفي بتضييع نسب الولد، فقال: { ولا يزنون ~~} أي رحمة لما قد يحدث من ولد، إبقاء على نسبه، ورحمة للمزني بها ~~ولأقاربها أن تنهتك حرماتهم، مع رحمته لنفسه، على أن الزنى جار أيضا ~~إلى القتل والفتن، وفيه التسبب لإيجاد نفس بالباطل كما أن القتل تسبب إلى ~~إعدامها بذلك، وقد روي في الصحيح # " عن عبد الله بن مسعود ms3239 رضي الله عنه أنه سأل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: أي الذنب أعظم - وفي رواية: أكبر - عند الله؟ قال: أن تدعو لله ~~ندا هون خلقك، قال: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك، قال: ~~ثم أي؟ قال: أن تزني بحليلة جارك، فأنزل الله تصديق ذلك { والذين لا ~~يدعون مع الله إلها آخر } [الفرقان: 68] الآية " # وقد استشكل تصديق الآية للخبر من حيث إن الذي فيه قتل خاص وزنى خاص، ~~والتقييد بكونه أكبر، والذي فيها مطلق القتل والزنى من غير تعرض لعظم، ~~ولا إشكال لأنها نطقت بتعظيم ذلك من سبعة أوجه: الأول: الاعتراض بين ~~المبتدأ الذي هو " وعباد " وما عطف عليه، والخبر الذي هو # أولئك يجزون # [الفرقان: 75] على أحد الرأيين بذكر جزاء هذه الأشياء الثلاثة خاصة، ~~وذلك دال على مزيد الاهتمام الدال على الإعظام. الثاني: الإشارة بأداة ~~البعد - في قوله: { ومن يفعل ذلك } أي الفعل العظيم القبح - مع قرب ~~المذكورات، فدل على أن البعد في رتبها. الثالث: التعبير باللقى مع المصدر ~~المزيد الدال على زيادة المعنى في قوله: { يلق أثاما* } دون يأثم أو يلق ~~إثما أو جزاء إثمه. # الرابع: التقييد بالمضاعفة في قوله مستأنفا: { يضاعف } أي بأسهل أمر { ~~له العذاب } جزاء ما أتبع نفسه هواها بما فيه من الحرارة الشيطانية - هذا ~~في قراءة ابن عامر وأبي بكر عن عاصم بالرفع وهو بدل " يلق " في قراءة ~~الجماعة، لأنهما تؤولان إلى معنى واحد، ومضاعفة العذاب - والله أعلم - ~~إتيان بعضه في أثر بعض بلا انقطاع كما كان يضاعف سيئته كذلك، وقراءة ابن ~~كثير وأبي جعفر وابن عامر ويعقوب بالتشديد تفيد مطلق التعظيم للتضعيف، ~~وقراءة الباقين بالمفاعلة تقتضيه بالنسبة إلى من يباري آخر فيه فهو أبلغ. ~~الخامس: التهويل بقوله: { يوم القيامة } الذي هو أهول من غيره بما لا ~~يقايس. السادس: الإخبار بالخلود الذي هو أول درجاته أن يكون مكثا ~~طويلا، فقال عاطفا في القراءتين على يضاعف: { ويخلد فيه }. السابع: ~~التصريح بقوله: { مهانا* } ولعله للاحتراز عما يجوز من أن بعض عصاة هذه ~~الأمة ms3240 - الذين يريد الله تعذيبهم - يعلمون أنهم ينجون ويدخلون الجنة، ~~فتكون إقامتهم - مع العلم بالمآل - ليست على وجه الإهانة، فلما عظم الأمر ~~من هذه الأوجه، علم أن كلا من هذه الذنوب كبير، وإذا كان الأعم كبيرا، ~~كان الأخص المذكور أعظم من مطلق الأعم، لأنه زاد عليه بما صار به خاصا، ~~فثبت بهذا أنها كبائر، وأن قتل الولد والزنى بحليلة الجار أكبر لما ذكر، ~~فوضح وجه تصديق الآية للخبر، ولا يقال: إن الإشارة ترجع إلى المجموع، ~~فالتهويل خاص بمن ارتكب مجموع هذه الذنوب لأنا نقول: السياق يأباه، لأن ~~تكرار " لا " أفاد - كما حققه الرضي - ورود النفي على وقوع الخصال الثلاث ~~حال الاجتماع والانفراد، فالمعنى: لا يوقعون شيئا منها، فكان معنى { ومن ~~يفعل ذلك }: ومن يفعل شيئا من ذلك - ليرد الإثبات على ما ورد عليه ~~النفي، فيحصل التناسب، وأما عدم منافاة الآية للترتيب فمن وجهين: الأول ~~أن الأصل في التقديم الاهتمام بما سبقت له الآية، وهو التنفير المفيد ~~للتغليظ، فيكون كل واحد منها أعلى مما بعده. # الثاني أن الواو لا تنافيه، وقد وقعت الأفعال مرتبة في الذكر كما رتبت ~~في الحديث ب " ثم " فيكون مرادا بها الترتيب - والله الهادي. # ولما أتم سبحانه تهديد الفجار، على هذه الأوزار، أتبعه ترغيب الأبرار، ~~في الإقبال على الله العزيز الغفار، فقال: { إلا من تاب } أي رجع إلى ~~الله عن شيء مما كان فيه من هذه النقائص { وآمن } أي أوجد الأساس الذي لا ~~يثبت عمل بدون وهو الإيمان، أو أكد وجوده { وعمل }. ولما كان الرجوع عنه ~~أغلظ، أكد فقال: { عملا صالحا } أي مؤسسا على أساس الإيمان؛ ثم زاد في ~~الترغيب بالإتيان بالفاء ربطا للجزاء بالشرط دليلا على أنه سببه فقال: ~~{ فأولئك } أي العالو المنزلة { يبدل الله } وذكر الاسم الأعظم تعظيما ~~للأمر وإشارة إلى أنه سبحانه لا منازع له { سيئاتهم حسنات } أي بندمهم ~~على تلك السيئات، لكونها ما كانت حسنات فيكتب لهم ثوابها بعزمهم الصادق ~~على فعلها لو استقبلوا من أمرهم ما استدبروا، بحيث إذا رأى أحدهم تبديل ~~سيئاته ms3241 بالحسنات تمنى لو كانت سيئاته أكثر! وورد أن بعضهم يقول: رب! إن ~~لي سيئات ما رأيتها - رواه مسلم في أواخر الإيمان من صحيحه عن أبي ذر رضي ~~الله عنه رفعه. # ولما كان هذا أمرا لم تجر العادة بمثله، أخبر أنه صفته تعالى أزلا ~~وأبدا، فقال مكررا للاسم الأعظم لئلا يقيد غفرانه شيء مما مضى: { وكان ~~الله } أي الذي له الجلال والإكرام على الإطلاع { غفورا } أي ستورا ~~لذنوب كل من تاب بهذا الشرط { رحيما* } له بأن يعامله بالإكرام كما ~~يعامل المرحوم فيعطيه مكان كل سيئة حسنة؛ روى البخاري عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما أن هذه الآية نزلت في أهل الشرك، لما نزل صدرها قال أهل مكة: ~~فقد عدلنا بالله، وقتلنا النفس التي حرم الله، وأتينا الفواحش، فأنزل ~~الله # إلا من تاب # [الفرقان: 7] - إلى - # رحيما # [الفرقان: 7]؛ وروي عنه أيضا أنه قال: هذه مكية نسختها آية مدنية التي ~~في سورة النساء. أي على تقدير كونها عامة في المشرك وغيره؛ وروي عنه أنه ~~قال في آية النساء: نزلت في آخر ما نزل، ولم ينسخها شيء. # وقد تقدم في سورة النساء الجواب عن هذا، وكذا ما رواه البخاري عنه في ~~التفسير: إن ناسا من أهل الشرك كانوا قد قتلوا وأكثروا وزنوا وأكثروا، ~~فأتوا محمدا صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن ~~لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة، فنزل # والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا ~~بالحق ولا يزنون # [الفرقان: 68] ونزل # يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله # [الزمر: 53]. ولما أشعرت الفاء بالتسبيب، ودل تأكيد الفعل بالمصدر على ~~الاحتياج إلى عمل كثير ربما جل عن طوق البشر، وأشار إلى التطريق له ~~بالوصفين العظيمين، أتبع ذلك بيان الطريق إليه بما أجرى من العادة فقال: ~~{ ومن تاب } أي عن المعصية كفرا كانت أو ما دونه { وعمل } تصديقا ~~لادعائه التوبة. # ولما كان في سياق الترغيب، أعراه من التأكيد فقال: { صالحا } ولو كان ~~كل ms3242 من نيته وعمله ضعيفا؛ ورغب سبحانه في ذلك بقوله معلما أنه يصل إلى ~~الله: { فإنه يتوب } أي يرجع واصلا { إلى الله } أي الذي له صفات ~~الكمال، فهو يقبل التوبة عن عباده، ويعفو عن السيئات { متابا* } أي ~~رجوعا عظيما جدا بأن يرغبه الله في الأعمال الصالحة، فلا يزال كل يوم ~~في زيادة في نيته وعمله، فيخف ما كان عليه ثقيلا، ويتيسر له ما كان ~~عسيرا، ويسهل عليه ما كان صعبا، كما تقدم في # إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم # [يونس: 9] ولا يزال كذلك حتى يحبه فيكون سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي ~~يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، بأن يوفقه للخير، فلا ~~يسمع إلا ما يرضيه، وهكذا، ومن أجراه على ظاهره فعليه لعنة الله، ~~لمخالفته إجماع المسلمين. # ولما وصف عباده سبحانه بأنهم تحلوا بأصول الفضائل، وتخلوا عن أمهات ~~الرذائل، ورغب التوبة، لأن الإنسان لعجزه لا ينفك عن النقص، وكان قد ~~مدحهم بعد الأولى من صفاتهم بالحلم عن الجهل مدحهم قبل الأخرى من أمداحهم ~~وعقب تركهم الزنى بالإعراض أصلا عن اللغو الذي هو أعظم مقدمات الزنى ~~فقال: { والذين لا يشهدون } أي يحضرون انحرافا مع الهوى كما تفعل النار ~~التي الشيطان منها { الزور } أي القول المنحرف عن الصدق كذبا كان أو ~~مقاربا له فضلا عن أن يتفوهوا به ويقروا عليه؛ قال ابن جرير: وأصل ~~الزور تحسين الشيء ووصفه بخلاف صفته حتى يخيل إلى من يسمعه أو يراه أنه ~~بخلاف ما هو به فهو تمويه الباطل بما يوهم أنه حق، والشرك قد يدخل في ذلك ~~لأنه محسن لأهله حتى ظنوا أنه حق وهو باطل، ويدخل فيه الغنا لأنه أيضا ~~مما يحسن بترجيع الصوت حتى يستحلي سامعه سماعه، والكذب أيضا يدخل فيه ~~بتحسين صاحبه إياه حتى يظن أنه حق. # وعطف عليه ما هو أعم منه فقال: { وإذا مروا باللغو } أي الذي ينبغي أن ~~يطرح ويبطل سواء كان من وادي الكذب أو العبث الذي لا يجدي؛ قال ابن جرير: ~~وهو ms3243 في كلام العرب كل كلام أو فعل باطل لا حقيقة له ولا أصل، أو ما ~~يستقبح. { مروا كراما* } أي آمرين بالمعروف، ناهين عن المنكر، إن تعلق ~~بهم أمر أو نهي، بإشارة أو عبارة، على حسب ما يرونه نافعا، أو معرضين إن ~~كان لا يصلح شيء من ذلك لإثارة مفسدة أعظم من ذلك أو نحوه، رحمة لأنفسهم ~~وغيرهم، وأما حضورهم لذلك وسكوتهم فلا، لأن النظارة إلى كل ما لم تسوغه ~~الشريعة هم شركاء فاعليه في الإثم لأن حضورهم ونظرهم دليل الرضا به، وسبب ~~لوجوده والزيادة فيه. ### || [25.73-77] # ولما ذكر وصفهم الذي فاقوا به، أشار إلى وصف الجهلة الذي سفلوا به، ~~فقال: { والذين إذا ذكروا } أي ذكرهم غيرهم كائنا من كان، لأنهم يعرفون ~~الحق بنفسه لا بقائله { بآيات ربهم } أي الذي وفقهم لتذكر إحسانه إليهم ~~في حسن تربيته لهم بالاعتبار بالآيات المرئية والمسموعة { لم يخروا } أي ~~لم يفعلوا فعل الساقطين المستعلين { عليها } الساترين لها؛ ثم زاد في ~~بيان إعراضهم وصدهم عنها فقال منبها على أن المنفي القيد لا المقيد، وهو ~~الخرور، بل هو موجود غير منفي بصفة السمع والبصر: { صما وعميانا* } أي ~~كما يفعل المنافقون والكفار في الإقبال عليها سماعا واعتبارا، والإعراض ~~عنها تغطية لما عرفوا من حقيتها، وسترا لما رأوا من نورها، فعل من لا ~~يسمع ولا يبصر كما تقدم عن أبي جهل وأبي سفيان والأخنس بن شريق، وذلك وصف ~~لعباد الرحمن بفعل ضد هذا، أي أنهم يسقطون عند سماعها ويبكون عليها، سقوط ~~سامع منتفع بسمعه، بصير منتفع ببصره وبصيرته، سجدا يبكون كما تقدم في ~~أول أوصافهم وإن لم يبلغوا أعلى الدرجات البصيرة - بما أشارت إليه ~~المبالغة بزيادة النون جمع العمى. # ولما ذكر هذه الخصلة المثمرة لما يلي الخلصة الأولى، ختم بما ينتج الصفة ~~الأولى. فقال مؤذنا بأن إمامة الدين ينبغي أن تطلب ويرغب فيها: { والذين ~~يقولون } علما منهم بعد اتصافهم بجميع ما مضى أنهم أهل للإمامة: { ربنا ~~هب لنا من أزواجنا } اللاتي قرنتها بنا كما فعلت لنبيك صلى الله عليه ms3244 ~~وسلم، فمدحت زوجته في كلامك القديم، وجعلت مدحها يتلى على تعاقب الأزمان ~~والسنين { وذرياتنا قرة } ولما كان المتقون - الذين يفعلون الطاعة ويسرون ~~بها - قليلا في جنب العاصين، أتى بجمع القلة ونكر فقال: { أعين } أي من ~~الأعمال أو من العمال يأتمون بنا، لأن الأقربين أولى بالمعروف، ولا شيء ~~أسر للمؤمن ولا أقر لعينه من أن يرى حبيبه يطيع الله، فما طلبوا إلا أن ~~يطاع الله فتقر أعينهم، ف " من " إما تكون مثلها في: رأيت منك أسدا، ~~وإما أن تكون على بابها، وتكون القرة هي الأعمال، أي هب لنا منهم أعمالا ~~صالحة فجعلوا أعمال من يعز عليهم هبة لهم، وأصل القرة البرد لأن العرب ~~تتأذى بالحر وتستروح إلى البرد، فجعل ذلك كناية عن السرور { واجعلنا } أي ~~إيانا وإياهم { للمتقين } أي عامة من الأقارب والأجانب. # ولما كان المطلوب من المسلمين الاجتماع في الطاعة حتى تكون الكلمة في ~~المتابعة واحدة، أشاروا إلى ذلك بتوحيد الإمام وإن كان المراد الجنس، ~~فقالوا: { إماما* } أي فنكون علماء مخبتين متواضعين كما هو شأن إمامة ~~التقوى في إفادة التواضع والسكينة، لنحوز الأجر العظيم، إذ الإنسان له ~~أجره وأجر من اهتدى به فعمل بعمله # " من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة " # وعكسه. # ولما وصف سبحانه عباده المؤمنين بضد أوصاف الكافرين من الرفق والسكينة، ~~والتواضع والحلم والطمأنينة والشكر لربهم والرغبة إليه والرهبة منه. وقال ~~الرازي: فوصف مشيهم خطابهم وانتصابهم له ودعاءهم ونفقاتهم ونزاهتهم ~~وتيقظهم وانتباههم وصدقهم ومحبتهم ونصحهم. تشوف السامع إلى ما لهم عنده ~~بعد المعرفة بما للكافرين، فابتدأ الخبر عن ذلك بتعظيم شأنهم فقال: { ~~أولئك } أي العالو الرتبة، العظيمو المنزلة. ولما كان المقصود إنما هو ~~الجزاء، بني للمفعول قوله: { يجزون } أي فضلا من الله على ما وفقهم له ~~من هذه الأعمال الزاكية، والأحوال الصافية { الغرفة } أي التي هي لعلوها ~~واتساعها وطيبها لا غرفة غيرها، لأنها منتهى الطلب، وغاية الأرب، لا ~~يبغون عنها حولا، ولا يريدون بها بدلا، وهي كل بناء عال مرتفع، والظاهر ms3245 ~~أن المراد بها الجنس. # ولما كانت الغرب في غابة التعب لمنافاتها لشهوات النفس وهواها وطبع ~~البدن، رغب فيها بأن جعلها سببا لهذا الجزاء فقال: { بما صبروا } أي ~~أوقعوا الصبر على أمر ربهم ومرارة غربتهم بين الجاهلين في أفعالهم ~~وأقوالهم وأحوالهم، وغير ذلك من معاني جلالهم. # ولما كان المنزل لا يطيب إلا بالكرامة والسلامة، قال: { ويلقون } أي ~~يجعلهم الله لاقين بأيسر أمر؛ وهلى قراءة حمزة والكسائي وأبي بكر عن عاصم ~~بالتخفيف والبناء للفاعل والأمر واضح { فيها تحية } أي دعاء بالحياة من ~~بعضهم لبعض، ومن الملائكة الذين لا يرد دعاؤهم، ولا يمترى في إخبارهم، ~~لأنهم عن الله ينطقون، وذلك على وجه الإكرام والإعظام مكان ما أهانهم ~~عباد الشيطان { وسلاما } أي من الله ومن الملائكة وغيرهم، وسلامة من كل ~~آفة مكان ما أصابوهم بالمصائب. # ولما كان هذا ناطقا بدوام حياتهم سالمين بصريحه، وبعظيم شرفهم بلازمه، ~~دل على أنهم لا يبرحون عنه بقوله: { خالدين فيها } أي الغرفة مكان ما ~~أزعجوهم من ديارهم حتى هاجروا؛ ودل على علو أمرها، وعظيم قدرها، بإبراز ~~مدحها في مظهر التعجب فقال: { حسنت } أي ما أحسنها { مستقرا } أي موضع ~~استقرار { ومقاما* } أي موضع إقامة. # ولما ثبت أمر الرحمانية، فظهر أمر الرحمن وما عليه عباده من الدعاء الذي ~~هو الخضوع والإخلاص، وختم أوصافهم الحسنة بالدعاء حقيقة الدال على ~~الإخلاص في الخضوع، وذكر حسن جزائهم وكريم منقلبهم، أمر النذير أن يقول ~~لعباد الشيطان الذين تكبروا عن السجود للرحمن، وعن الاعتراف والإيمان، ~~ليرجعوا عن العصيان، ويزداد المؤمنون في الطاعات والإيمان: إن ربه لا ~~يعتد بمن لا يدعوه، فمن ترك دعاءه فليرتقب العذاب الدائم، فقال: { قل ما ~~يعبأ } أي يعتد ويبالي ويجعلكم ممن يسد به في موضع التعبئة الآن - على أن ~~" ما " نافية { بكم } أي أيها الكافرون { ربي } أي المحسن إلي وإليكم ~~برحمانيته، المخصص لي بالإحسان برحيميته، وإنما خصه بالإضافة لا عترافه ~~دونهم { لولا دعاؤكم } أي نداؤكم له في وقت شدائدكم الذي أنتم تبادرون ~~إليه فيه خضوعا له به لينجيكم، فإذا فعلتم ذلك أنقذكم ms3246 مما أنتم فيه، ~~معاملة لكم معاملة من يبالي بالإنسان ويعتد به ويراعيه، ولولا دعاؤه ~~إياكم لتعبدوه رحمة لكم لتزكوا أنفسكم وتصفوا أعمالكم ولا تكونوا حطبا ~~للنار { فقد كذبتم } أي فتسبب عن ذلك لسوء طباعكم ضد ما كان ينبغي لكم من ~~الشكر والخير بأن عقبتم بالإنجاء وحققتم وقرنتم التكذيب بالرحمن بعد ~~رحمتكم بالبيان مع ضعفكم وعجزكم، وتركتم ذلك الدعاء له وعبدتم الأوثان، ~~وادعيتم له الولد وغيره من البهتان، أو ما يعتد بكم شيئا من الاعتداد ~~لولا دعاؤكم إياه وقت الشدائد، فهو يعتد بكم لأجله نوع اعتداد، وهو المدة ~~التي ضربها لكم في الدنيا لا غيرها، بسب أنكم قد كذبتم، أو ما يصنع بكم ~~لولا دعاؤه إياكم إلى طاعته، لأنكم قد كذبتم، فكنتم شرا من البهائم، ~~فدعاكم فتسبب عن دعائه إياكم أنكم فاجأتم الداعي بالتكذيب، والحاصل أنه ~~ليس فيكم الآن ما يصلح أن يعتد بكم لأجله إلا الدعاء، لأنكم مكذبون، ~~وإنما قلت: " الآن " لأن " ما " لا تدخل إلا على مضارع بمعنى الحال، عكس ~~" لا " { فسوف } أي فتسبب عن تكذيبكم أنه يجازيكم على ذلك، ولكنه مع قوته ~~وقدرته واختياره لا يعاجلكم، بل { يكون } جزاء هذا التكذيب عند انقضاء ما ~~ضربه لكم من الآجال، وكل بعيد عندكم قريب عنده، وكل آت قريب، فتهيؤوا ~~واعتدوا لذلك اليوم { لزاما* } أي لازما لكم لزوما عظيما لا انفكاك ~~له عنكم بحال، وهذا تنبيه على ضعفهم وعجزهم، وذلهم وقهرهم، لأن الملزوم ~~لا يكون إلا كذلك، فأسرهم يوم بدر من أفراد هذا التهديد، فقد انطبق آخر ~~السورة على أولها بالإنذار بالفرقان، لمن أنكر حقيقة الرحمن - والله ولي ~~التوفيق بالإيمان. ### | [26 - سورة الشعراء] ### || [26.1-5] # { طسم* } لعله إشارة إلى الطهارة الواقعة بذي طوى من طور سيناء وطيبة ~~ومكة وطيب ما نزل على محمد صلى الله عليه وسلم مما يجمع ذلك كله - كما ~~روي عن ابن عباس رضي الله عنهما ما يرشد إلى ذلك، وإلى خلاص بني إسرائيل ~~بما سمعه موسى عليه السلام من الكلام القديم، وبإتمام أمرهم بتهيئتهم ~~للملك بإغراق فرعون وجنوده ms3247 ونصرهم على من ناوأهم في ذلك الزمان بعد ~~تطهيرهم بطول البلاء الذي أوصلهم إلى ذل العبودية، وذلك كله إشارة إلى ~~تهديد قريش بأنهم إن لم يتركوا لددهم فعل بهم ما فعل بفرعون وجنوده من ~~الإذلال بأي وجه أراد. وخلص عباده منهم، وأعزهم على كل من ناوأهم. # ولما فرق سبحانه في تلك بين الدين الحق والمذهب الباطل، وبين ذلك غاية ~~البيان، وفصل الرحمن من عباد الشيطان، وأخبر أنه عم برسالته صلى الله ~~عليه وسلم جميع الخلائق، وختم بشديد الإنذار لأهل الإدبار، بعد أن قال { ~~فقد كذبتم } وكان حين نزولها لم يسلم منهم إلا القليل، وكان ذلك ربما ~~أوهم قرب إهلاكهم وإنزال البطش بهم، كما كان في آخر سوة مريم، وأشارت ~~الأحرف المقطعة إلى مثل ذلك، فأوجب الأسف على فوات ما كان يرجى من رحمتهم ~~بالإيمان، والحفظ عن نوازل الحدثان، وكان ذلك أيضا ربما أوجب أن يظن ~~ظان، أن عدم إسلامهم لنقص في البيان، أزال ذلك سبحانه أول هذه فقال { تلك ~~} أي الآيات العالية المرام، الحائزة أعلى مراتب التمام، المؤلفة من هذه ~~الحروف التي تتناطقون بها وكلمات لسانكم { ءايات الكتاب } أي الجامع لكل ~~فرقان { المبين* } أي الواضح في نفسه أنه معجز، وأنه من عند الله، وأن ~~فيه كل معنى جليل، الفارق لكل مجتمع ملتبس بغاية البيان، فصح أنه كما ذكر ~~في التي قبلها، فإن الإبانة هي الفصل والفرق، فصار الإخبار بأنه فرقان ~~مكتنفا الإنذار أول السورة التي قبلها وآخرها - والله الموفق. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما عرفت سورة الفرقان بشنيع مرتكب ~~الكفرة المعاندين، وختمت بما ذكر من الوعيد، كان ذلك مظنة لإشفاقه عليه ~~الصلاة والسلام وتأسفه على فوات إيمانهم، لما جبل عليه من الرحمة ~~والإشفاق، فافتتحت السورة الأخرى بتسليته عليه الصلاة والسلام، وأنه ~~سبحانه لو شاء لأنزل عليهم آية تبهرهم وتذل جبابرتهم فقال سبحانه { لعلك ~~باخع نفسك } - الآيتين، وقد تكرر هذا المعنى عند إرادة تسليته عليه ~~الصلاة والسلام كقوله تعالى: # ولو شاء الله لجمعهم على الهدى # [الأنعام: 35]، # ولو شئنا لأتينا ms3248 كل نفس هداها # [السجدة: 13]، # ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا # [يونس: 99]، # ولو شاء الله ما فعلوه # [الأنعام: 137] ثم أعقب سبحانه بالتنبيه والتذكير { أو لم يروا إلى ~~الأرض كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم } ، { وإذ نادى ربك موسى } وقلما ~~تجد في الكتاب العزيز ورود تسليته عليه السلام إلا معقبة بقصص موسى عليه ~~السلام وما كابد من بني إسرائيل وفرعون، وفي كل قصة منها إحراز ما لم ~~تحرزه الأخرى من الفوائد والمعاني والأخبار حتى لا تجد قصة تتكر وإن ظن ~~ذلك من لم يمعن النظر، فما من قصة من القصص المتكررة في الظاهر إلا ولو ~~سقطت أو قدر إزالتها لنقص من الفائدة ما لا يحصل من غيرها، وسيوضح هذا في ~~التفسير بحول الله؛ ثم أتبع جل وتعالى قصة موسى بقصص غيره من الأنبياء ~~عليهم الصلاة والسلام مع أممهم على الطريقة المذكورة، وتأنيسا له عليه ~~الصلاة والسلام حتى لا يهلك نفسه أسفا على فوت إيمان قومه؛ ثم أتبع ~~سبحانه ذلك بذكر الكتاب وعظيم النعمة به فقال { وإنه لتنزيل رب العالمين ~~نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون } فيا لها كرامة تقصر الألسن عن ~~شكرها، وتعجز العقول عن تقديرها، ثم أخبر تعالى أنه { بلسان عربي مبين } ~~، ثم أخبر سبحانه بعلى أمر هذا الكتاب وشائع ذكره على ألسنة الرسل ~~والأنبياء فقال: { وإنه لفي زبر الأولين } وأخبر أن علم بني إسرائيل من ~~أعظم آية وأوضح برهان وبينة، وأن تأمل ذلك كاف، واعتباره شاف، فقال: { أو ~~لم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل } كعبد الله بن سلام وأشباهه، ~~ثم وبخ تعالى متوقفي العرب فقال: { ولو نزلناه على بعض الأعجمين } - ~~الآية، ثم أتبع ذلك بما يتعظ به المؤمن الخائف من أن الكتاب - مع أنه هدى ~~ونور - قد يكون محنة في حق طائفة كما قال تعالى: # يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا # [البقرة: 26]، # وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم # [التوبة: 125] فقال تعالى في هذا المعنى { كذلك سلكناه في قلوب المجرمين ms3249 ~~لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم } الآيات، ثم عاد الكلام إلى تنزيه ~~الكتاب وإجلاله عن أن تتسور الشياطين على شيء منه أو تصل إليه فقال ~~سبحانه { وما تنزلت به الشياطين وما ينبغي لهم وما يستطيعون } أي ليسوا ~~أهلا له ولا يقدرون على استراق سمعه، بل هم معزولون عن السمع، مرجومون ~~بالشهب، ثم وصى تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم - والمراد المؤمنون - ~~فقال: { فلا تدع مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين } ثم أمره بالإنذار ~~ووصاه بالصبر فقال: { وأنذر عشيرتك الأقربين واخفض جناحك لمن اتبعك من ~~المؤمنين } ثم أعلم تعالى بموقع ما توهموه، وأهلية ما تخيلوه، فقال: { هل ~~أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم } ثم وصفهم، وكل هذا ~~تنزيه لنبيه صلى الله عليه وسلم عما تقولوه، ثم هددكم وتوعدهم فقال: { ~~وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون } - انتهى. # ولما كان قد قدم في تلك أنه عم برسالته جميع الخلائق، وختم بالإنذار على ~~تكذيبهم في تخلفهم، مع إزاحة جميع العلل، نفي كل خلل، وكان ذلك مما يقتضي ~~شدة أسفه صلى الله عليه وسلم على المتخلفين كما هو من مضمون { إن قومي ~~اتخذوا هذا القرآن مهجورا } على ما تقدم. وذلك لما عنده صلى الله عليه ~~سلم من مزيد الشفقة، وعظيم الرحمة، قال تعالى يسليه، ويزيل من أسفه ~~ويعزيه، على سبيل الاستئناف، مشيرا إلى أنه لا نقص في إنذاره ولا في ~~كتابه الذي ينذر به يكون سببا لوقوفهم عن الإيمان. وإنما السبب في ذلك ~~محض إرادة الله تعالى: { لعلك باخع نفسك } أي مهلكها غما. وقاتلها ~~أسفا، من بخع الشاة إذا بالغ في ذبحها حتى قطع البخاع، بكسر الموحدة، ~~وهو عرق باطن في الصلب وفي القفا، وذلك أقصى حد الذابح، وهو غير النخاع ~~بتثليث النون فإنه الخيط الأبيض في جوف الفقار { أن } أي لأجل أن { لا ~~يكونوا } أي كونا كأنه جبلة لهم { مؤمنين* } أي راسخين في الإيمان، فكان ~~كأنه قيل: هذا الكتاب في غاية البيان في نفسه والإبانة للغير، وقد تقدم ms3250 ~~في غير موضع أنه ليس عليك إلا البلاغ، أتخاف وتشفق على نفسك من الهلاك ~~عما تأسفا على عدم إيمانهم والحال أنا لو شئنا لهديناهم طوعا أو ~~كرها، والظاهر أن جملة الإشفاق في موضع حال من اسم الإشارة كما أن الآية ~~التي بعدها في موضع الحال منها، أي نحن نشير إلى الآيات المبينة لمرادنا ~~فيهم والحال أنك - لمزيد حرصك على نفعهم - بحال يشفق فيها عليك من لا ~~يعلم الغيب من أن تقتل نفسك غما لإبائهم الإيمان والحال أنا لو شئنا ~~أتيناهم بما يقهرهم ويذلهم للإيمان وغيره. # ولا كان المحب ميالا إلى ما يريد حبيبه، أعلمهم أن كل ما هم فيه ~~بإرادته فقال: { إن نشأ } وعبر بالمضارع فيه وفي قوله: { ننزل } إعلاما ~~بدوام القدرة. ولما كان ذلك الإنزال من باب القسر، والجبروت والقهر، قال: ~~{ عليهم } وقال محققا للمراد: { من السمآء } أي التي جعلنا فيها بروجا ~~للمنافع، أشار إلى تمام القدرة بتوحيدها فقال: { آية } أي قاهرة كما ~~فعلنا ببعض من قبلهم بنتق الجبل ونحوه؛ وأشار إلى تحقق أثرها بالتعبير ~~بالماضي في قوله عطفا على { ننزل } لأنه في معنى { أنزلنا }: { فظلت } ~~أي عقب الإنزال من غير مهلة { أعناقهم } التي هي موضع الصلابة، وعنها ~~تنشأ حركات الكبر وألإعراض { لها } أي للآية دائما، ولكنه عبر بما يفهم ~~النهار لأنه موضع القوة على جميع ما يراد من التقلب والحيل والمدافعة { ~~خاضعين* } جمعه كذلك لأن الفعل لأهلها ليدل على أن ذلهم لها يكون مع ~~كونهم جميعا، ولا يغني جمعهم وإن زاد شيئا، والأصل: فظلوا، ولكنه ذكر ~~الأعناق لأنها موضع الخضوع فإنه يظهر لينها بعد صلابتها، وانكسارها بعد ~~شماختها، وللإشارة إلى أن الخضوع يكون بالطبع من غير تأمل لما أبهتهم ~~وحيرهم من عظمة الآية، فكأن الفعل للأعناق لا لهم؛ والخضوع: التطامن ~~والسكون واللين ذلا وانكسارا { وما } أي هذه صفتنا والحال أنه ما { ~~يأتيهم } أي الكفار { من ذكر } أي شيء من الوعظ والتذكير والتشريع ~~يذكروننا به، فيكون سبب ذكرهم وشرفهم { من الرحمن } أي الذي أنكروه مع ~~إحاطة نعمه بهم { محدث ms3251 } أي بالنسبة إلى تنزيله وعلمهم به؛ وأشار إلى ~~دوام كبرهم بقوله: { إلا كانوا } أي كونا هو كالخلق لهم؛ وأشار بتقديم ~~الجار والمؤذن بالتخصيص إلى ما لهم من سعة الأفكار وقوة الهمم لكل ما ~~يتوجهون إليه، وإلى أن لإعراضهم عنه من القوة ما يعد الإعراض معه عن غيره ~~عدما فقال: { عنه } أي خاصة { معرضين* } أي إعراضا هو صفة لهم لازمة. ### || [26.6-10] # ولما كان حال المعرض عن الشيء حال المكذب به قال: { فقد } أي فتسبب عن ~~هذا الفعل منهم أنهم قد { كذبوا } أي حققوا التكذيب وقربوه كما تقدم آخر ~~تلك، واستهزؤوا مع التكذيب بآياتنا. # ولما كان التكذيب بالوعيد سببا في إيقاعه، وكان حالهم في تكذيبهم له ~~صلى الله عليه وسلم حال المستهزىء لأن من كذب بشيء خف عنده قدره، فصار ~~عرضة للهزء، قال مهددا: { فسيأتيهم } سببه بالفاء وحققه بالسين، وقلل ~~التنفيس عما في آخر الفرقان ليعلموا أن ما كذبوا به واقع. وأنه ليس ~~موضعا للتكذيب بوجه { أنباء } أي عظيم أخبار وعواقب { ما } أي ~~العذاب الذي { كانوا } أي كونا كأنهم جبلوا عليه { به } أي خاصة لشدة ~~إمعانهم في حقه وحده { يستهزءون* } أي يهزؤون، ولكنه عبر بالسين إشارة ~~إلى أن حالهم في شدة الرغبة في ذلك الهزء حال الطالب له، وقد ضموا إليه ~~التكذيب، فالآية من الاحتباك: ذكر التكذيب أولا دليلا على حذفه ثانيا، ~~والاستهزاء ثانيا دليلا على حذف مثله أولا. # ولما كانت رؤيتهم للآيات السماوية والأرضية الموجبة للانقياد والخضوع ~~موجبة لإنكار تخلفهم عما تدعو إليه فضلا عن الاستهزاء، وكان قد تقدم آخر ~~تلك الحث على تدبر بروج السماء وما يتبعها من الدلالات فكان التقدير: ~~ألم يروا إلى السماء كم أودعنا في بروجها وغيرها من آيات نافعة وضارة ~~كالأمطار والصواعق، عطف عليه ما ينشأ عن ذلك في الأرض في قوله معجبا ~~منهم: { أولم يروا }. # ولما كانوا في عمى عن تدبر ذلك، عبر للدلالة عليه بحرف الغاية فقال: { ~~إلى الأرض } أي على سعتها واختلاف نواحيها وتربها؛ ونبه على كثرة ما صنع ~~من جميع الأصناف فقال: ms3252 { كم أنبتنا } أي بما لنا من العظمة { فيها } بعد ~~أن كانت يابسة ميتة لا نبات بها { من كل زوج } أي صنف مشاكل بعضه لبعض، ~~فلم يبق صنف يليق بهم في العاجلة إلا أكثرنا من الإنبات منه { كريم* } أي ~~جم المنافع، محمود العواقب، لا خباثة فيه، من الأشجار والزروع وسائر ~~النباتات على اختلاف ألوانها في زهورها وأنوارها، وطعومها وأقدراها، ~~ومنافعها وأرواحها - إلى غير ذلك من أمور لا يحيط بها حدا ولا يحصيها ~~عدا، إلا الذي خلقها، مع كونها تسقى بماء واحد؛ والكريم وصف لكل ما يرضى ~~في بابه ويحمد، وهو ضد اللئيم. # ولما كان ذلك باهرا للعقل منبها له في كل حال على عظيم اقتدار صانعه، ~~وبديع اختياره، وصل به قوله: { إن في ذلك } أي الأمر العظيم من الإنبات، ~~وما تقدمه من العظات على كثرته { لآية } أي علامة عظيمة جدا لهم على ~~تمام القدرة على البعث وغيره، كافية في الدعاء إلى الإيمان، والزجر عن ~~الطغيان، ولعله وحدها على كثرتها إشارة إلى أن الدوال عليه متساوية ~~الأقدام في الدلالة، فالراسخون تغنيهم واحدة، وغيرهم لا يرجعون لشيء { و ~~} الحال أنه { ما كان } في الشاكلة التي خلقتهم عليها { أكثرهم } أي ~~البشر { مؤمنين* } أي عريقين في الإيمان، لأنه { ما يؤمن أكثرهم بالله ~~إلا وهم مشركون } { وإن } أي والحال أن { ربك } أي الذي أحسن إليك ~~بالإرسال، وسخر لك قلوب الصفياء، وزوى عنك اللد الأشقياء { لهو }. # ولما كان المقام لإنزال الآية القاهرة، قدم قوله: { العزيز } أي القادر ~~على كل من قسرهم على الإيمان والانتقام منهم { الرحيم* } في أنه لم ~~يعاجلهم بالنقمة، بل أنزل عليهم الكتاب ترفقا بهم، وبيانا لما يرضاه ~~ليقيم به الحجة على من أريد للهوان، ويقبل بقلوب من يختصه منهم للإيمان، ~~قال أبو حيان: والمعنى أنه عز في نقمته من الكفار، ورحم مؤمني كل أمة - ~~انتهى. ومن هنا شرع سبحانه وتعالى في تمثيل آخر الفرقان في إظهار القدرة ~~بالبطش عند النقمة حيث لم يشكر النعمة بأن أبى المدعو الإجابة لدعوه ~~الرسل، وترك الداعي - عقب الانقياد ms3253 من الشدائد - التضرع للمرسل، وقص ~~أخبار الأمم على ما هي عليه بحيث لم يقدر أحد من أهل الكتاب الذين هم بين ~~ظهرانيهم على إنكار شيء من ذلك، ومن ثم قرع أسماعهم، أول شيء بقصتهم من ~~فرعون، وموسى عليه السلام، فصح قطعا أن هذا الكتاب جلي الأمر، على ~~القدر، ليس بكهانة، ولا شعر، كما سيؤكد ذلك عند إظهار النتيجة في آخرها، ~~بل هو من عند رب العالمين، على لسان سيد المرسلين، وصح أن أكثر الخلق مع ~~ذلك هالك وإن قام الدليل. ووضح السبيل. لأن سلك الذكر في قلوبهم شبيه في ~~الضيق بنظم السهم فيما يرمى به، وصح أنه سبحانه يملي لهم وينعم عليهم بما ~~فيه حياة أديانهم بإرسال الرسل وإنزال الكتب، وما فيه حياة أبدانهم ~~بالإيتاء من كل ما يحتاجونه إظهارا لصفة الرحمة. ثم ينتقم منهم بعد طول ~~المهلة، وتماديهم في سكرات الغفلة، كشفا لصفة العزة، كل ذلك تسلية له ~~صلى الله عليه وسلم وتخفيفا وإعلاما بأنه لا قصور في بيانه، ولا تقصير ~~لديه. # ولما اقتضى وصف العزة الإهلاك، ووصف الرحمة الإمهال، وكان الأول مقدما، ~~وكانت عادتهم تقديم ما هم به أهم، وهو لهم أعنى، خيفت غائلته، فأتبع ذلك ~~أخبار هذه الأمم، دلالة على الوصفين معا ترغيبا وترهيبا، ودلالة على ~~أن الرحمة سبقت الغضب، وإن قدم الوصف اللائق به، فلا يعذب إلا بعد البيان ~~مع طول الإمهال، وأخلى قصة أبيهم إبراهيم عليه السلام من ذكر الإهلاك ~~إشارة إلى البشارة بالرفق ببنيه العرب في الإمهال كما رفق بهم في الإنزال ~~والإرسال، ولما كان مع ذلك في هذه القصة تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم ~~فيما يقاسيه من الأذى والتكذيب، وكانت التسلية بموسى وإبراهيم عليهما ~~السلام أتم، لما لهما من القرب، والمشاركة في الهجرة، والقصد إلى الأرض ~~المقدسة، وكان قد اختص موسى عليه السلام بالكتاب الذي ما بعد القرآن مثله ~~والآيات التي ما أتى بمثلها أجد قبله، وإقرار عينه بهداية قومه، وحفظهم ~~بعده بالكتاب، وسياسة الأنبياء المجددين لشريعته، وعدم استئصالهم بالعذاب ~~والانتقام بأيديهم ms3254 من جميع أعدائهم، وفتح بلاد الكفرة على أيديهم بعده ~~صلى الله عليه وسلم إلى غير ذلك مما شابهوا به هذه الأمة مع مجاورتهم ~~للعرب حتى في دار الهجرة، وموطن النصرة، ليكون في إقرارهم على ما يسمعون ~~من أخبارهم أعظم معجزة، وأتم دلالة، قدمهما مقدما لموسى - عليهما ~~السلام، والتحية والإكرام - فإن كان القصد تسكين ما أورثه آخر تلك من خوف ~~الملازمة بالعذاب نظرا إلى وصف العزة، فالتقدير: اذكر أثر رحمتنا بطول ~~إمهالنا لقومك - وهم على أشد ما يكون من الكفر والضلال في أيام الجاهلية ~~- برحمتنا الشاملة بإرسالك إليهم وأنت أشرف الرسل، وإنزال هذا الكتاب ~~الذي هو أعظم الكتب { هو } اذكر { إذ } وعلى تقدير التسلية يكون العطف ~~على تلك لأن المراد بها التنبيه، فالتقدير: خذ آيات الكتاب واذكر إذ { ~~نادى ربك } أي المحسن إليك بكل ما يمكن الإحسان به في هذه الدار، وعلى ~~تقدير الترهيب يكون التقدير: أو لم يروا إذ نادى ربك، وعدوا رائين لذلك ~~لأن اليهود في بلادهم وفي حد القرب منهم، فإما أن يكونوا عالمين بالقصة ~~بما سمعوه منهم، أو متهيئين لذلك لإمكانهم من سؤالهم؛ ثم ذكر المنادى ~~فقال: { موسى } وأتبعه ما كان له النداء فقال مفسرا لأن النداء في معنى ~~القول: { أن أئت القوم } أي الذين فيهم قوة وأي قوة { الظالمين* } أي ~~بوضعهم قوتهم على النظر الصحيح المؤدي للإيمان في غير موضعها. ### || [26.11-18] # ولما كان كأنه قيل: أي قوم؟ قال مبدلا إشارة أن العبارتين مؤداهما واحد ~~لأنهم عريقون في الظلم، لظلمهم أنفسهم بالكفرة وغيره، وظلم بني إسرائيل ~~وغيرهم من العباد: { قوم فرعون }. # ولما كان المقصود بالرسالة تخويفهم من الله تعالى، وإعلامهم بجلاله، ~~استأنف قوله معلما بذلك في سياق الإنكار عليهم، والإيذان بشديد الغضب ~~منهم، والتسجيل عليهم بالظلم، والتعجيب من حالهم في عظيم عسفهم فيه، وأنه ~~قد طال إمهاله لهم وهو لا يزدادون إلا عتوا ولزوما للموبقات: { ألا ~~يتقون* } أي يحصل منهم تقوى. # ولما كان من المعلوم أن من أتى الناس بما يخالف أهواءهم. لم يقبل، أخبر ~~من تشوف ms3255 إلى معرفة جوابه أنه أجاب بما يقتضي الدعاء بالمعونة، لما عرف من ~~خطر هذا المقام، بقوله ملتفتا إلى نحو # يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا # [الفرقان: 30] { قال رب } أي أيها الرفيق بي { إني أخاف أن يكذبون* } أي ~~فلا يترتب على إتياني إليهم أثر، ويبغون لي الغوائل، فاجعل لي قبولا ~~ومهابة تحرسني بها ممن يريدني بسوء، ويجوز أن يريد ب (أخاف) أعلم أو ~~(أظن)، فيكون " أن " مخففة، فيكون الفعلان معطوفين على " يكذبون " في ~~قراءة الجمهور بالرفع مع جواز العطف على (أخاف) فيكون التقدير: { و } ~~أخاف أنه، أو قال: إني { يضيق صدري } عند تكذيبهم أو خوفي من تكذيبهم لي ~~انفعالا كما هو شأن أهل المروءات، وأرباب علو الهمم، لما غرز فيهم من ~~الحدة والشدة في العزيمة إذا لم يجدوا مساغا { ولا ينطلق } ونصب يعقوب ~~الفعلين عطفا على { يكذبون } على أن (أن) ناصبة { لساني } أي في التعبير ~~عما ترسلني إليهم به، لما فيه من الحبسة في الأصل بسبب تعقده لتلك الجمرة ~~التي لدغته في حال الطفولية، فإذا وقع التكذيب أو خوفه وضاق القلب، انقبض ~~الروح إلى باطنه فازدادت الحبسة، فمست الحاجة إلى معين يقوي القلب فيعين ~~على إطلاق اللسان عند الحبسة لئلا تختل الدعوة { فأرسل } أي فتسبب عن ذلك ~~الذي اعتذرت به عن المبادرة إلى الذهاب عند الأمر أني أسألك في الإرسال { ~~إلى هارون } أخي، ليكون رسولا من عندك فيكون لي عضدا على ما أمضى له من ~~الرسالة فيعين على ما يحصل من ذلك، وليس اعتذاره بتعلل في الامتثال، وكفى ~~بطلب العون دليلا على التقبل، لا على التعلل. # ولما ذكر ما تؤثره الرسالة، وقدم الإشارة إلى استكشافه لأنه أهم، أتبعه ~~ما يترتب على مطلق التظاهر لهم فضلا عن مواجهتهم بما يكرهون فقال: { ~~ولهم علي } أي بقتلي نفسا منهم؛ وقال: { ذنب } وإن كان المقتول غير ~~معصوم تسمية له بما يزعمونه، ولذلك قيده ب " لهم " وأيضا فلكونه ما كان ~~أتاه فيه من الله تعالى أمر بخصوصه { فأخاف } بسبب ذلك { أن يقتلون } أي ~~بذلك، ms3256 مع ما أضمه إليه من التعرض لهم، فلا أتمكن من أداء الرسالة، فإذا ~~كان هارون معي عاضدني في إبلاغها، وكل ذلك استكشاف واستدفاع للبلاء، ~~واستعلام للعافية، لا توقف في القبول - كما مضى التصريح به في سورة طه. # ولما استشرفت النفس غلى معرفة جوابه عن هذه الأمور المهمة شفى عناءها ~~بقوله، إعلاما بأنه سبحانه استجاب له في كل ما سأل: { قال } قول كامل ~~القدرة شامل العلم كما هو وصفه سبحانه: { كلا } أي ارتدع عن هذا الكلام، ~~فإنه لا يكون شيء مما خفت، لا قتل ولا غيره - وكأنه لما كان التكذيب مع ~~ما قام على الصدق من البراهين، المقوية لصاحبها، الشارحة لصدره، المعلية ~~لأمره، عد عدما - وقد أجبناك إلى الإعانة بأخيك { فاذهبا } أي أنت وهو ~~متعاضدين، إلى ما أمرتك به، مؤيدين { بآياتنا } الدالة على صدقكما على ما ~~لها من العظمة بإضافتها إلينا؛ ثم علل تأمينه له بقوله: { إنا } بما لنا ~~من العظمة { معكم } أي كائنون عند وصولكما إليهم فيمن اتبعكما من قومكما؛ ~~ثم أخبر خبرا آخر بقوله: { مستمعون* } أي سامعون بما لنا من العظمة في ~~القدرة وغيرها من صفات الكمال، إلى ما تقولان لهم ويقولون لكما، فلا نغيب ~~عنكم ولا تغيبون عنا، فنحن نفعل معكما من المعونة والنصر فعل القادر ~~الحاضر لما يفعل بحبيبه المصغي له بجهده، ولذلك عبر بالاستماع؛ قال أبو ~~حيان: وكان شيخنا الأستاذ أبو جعفر بن الزبير يرجح أن يكون أريد بصورة ~~الجمع المثنى والخطاب لموسى وهارون فقط، لأن لفظة " مع " تباين من يكون ~~كافرا، فإنه لا يقال: الله معه، وعلى أنه أريد بالجمع التثنية حمله ~~سيبويه كأنهما لشرفهما عند الله تعالى عاملهما في الخطاب معاملة الجمع إذ ~~كان ذلك جائزا أن يعامل به الواحد لشرفه وعظمته - انتهى. وهو كلام نفيس ~~مؤيد بتقديم الظرف، ويكون حينئذ خطابهما مشاكلا لتعظيم المتكلم سبحانه ~~نفسه، لأن المقام للعظمة، وعظمة الرسول من عظمة المرسل، على أنه يجوز أن ~~يكون ذلك إشارة إلى البشارة بمن يتبعهما كما قدرته، ويجوز أن تكون المعية ~~للكل كما ms3257 في قوله تعالى: # ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم # [المجادلة: 7]. # ولما نفى سبحانه أن يكون شيء مما خافه موسى عليه السلام على هذا الوجه ~~المؤكد، وكان ظهور ذلك في مقارعة الرأس أدل وأظهر، صرح به في قوله: { ~~فأتيا } أي فتسبب عن ذلك الضمان بالحراسة والحفظ أني أقول لكما: ائتيا { ~~فرعون } نفسه، وإن عظمت مملكته، وجلت جنوده { فقولا } أي ساعة وصولكما ~~له ولمن عنده: { إنا رسول } أفرده مريدا به الجنس الصالح للاثنين، إشارة ~~بالتوحيد إلى أنهما في تعاضدهما واتفاقهما كالنفس الواحدة، ولا تخالف ~~لأنه إما وقع مرتين كل واحدة بلون، أو مرة بما يفيد التثنية والاتفاق، ~~فساغ التعبير بكل منهما، ولم يثن هنا لأن المقام لا اقتضاء له للتنبيه ~~على طلب نبينا صلى الله عليه وسلم المؤازرة بخلاف ما مر في سورة طه { رب ~~العالمين* } أي المحسن إلى جميع الخلق المدبر لهم؛ ثم ذكر له ما قصد من ~~الرسالة إليه فقال معبرا بأداة التفسير لأن الرسول فيه معنى الرسالة ~~التي تتضمن القول: { أن أرسل } أي خل وأطلق؛ وأعاد الضمير على معنى رسول ~~فقال: { معنا بني إسرائيل* } أي قومنا الذين استبعدتهم ظلما، ولا سبيل ~~لك عليهم، نذهب بهم إلى الأرض المقدسة التي وعدنا الله بها على ألسنة ~~الأنبياء من آبائنا عليهم الصلاة والسلام. # ولما كان من المعلوم أنهما امتثلا ما أمرهما الله، فأتياه وقالا له ما ~~أمرا به، تشوفت النفس إلى جوابه لهما، فقال تعالى التفاتا إلى مثل قوله ~~في التي قبلها # وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام # [الفرقان: 7] # وإن يتخذونك إلا هزوا # [الأنبياء: 36] ونحو ذلك تسلية لهذا النبي الكريم وتحقيقا لمعنى قوله ~~تعالى { كلا } و { مستمعون } من أن فرعون وإن بالغ في الإبراق والإرعاد ~~لا يروع موسى عليه السلام شيء منه: { قال } أي فرعون حين أبلغاه الرسالة ~~مخاطبا لموسى عليه السلام علما منه أنه الأصل فيها، وأخوه إنما هو ~~وزير، منكرا عليه مواجهته بمثل هذا ومانا عليه ليكف من جرأته بتصويب ~~مثل هذا الكلام إليه: { ألم نربك } أي بعظمتنا ms3258 التي شاهدتها { فينا ~~وليدا } أي صغيرا قريب عهد بالولادة { ولبثت فينا } أي لا في غيرنا، ~~باعتبار انقطاعك إلينا، وتعززك في الظاهر بنا { من عمرك سنين* } أي ~~كثيرة، فلنا عليك بذلك من الحق ما ينبغي أن يمنعك من مواجهتنا بمثل هذا، ~~وكأنه عبر بما يفهم النكد كناية عن مدة مقامه عنده بأنها كانت نكده لأنه ~~وقع فيما كان يخافه، وفاته ما كان يحتاط به من ذبح الأطفال. ### || [26.19-25] # ولما ذكره منة تحمله على الحياء منه، ذكره ذنبا هو أهل لأن يخاف من ~~عاقبته فقال مهولا له بالكناية عنه: { وفعلت فعلتك } أي من قتل القطبي، ~~ثم أكد نسبته إلى ذلك مشيرا إلى أنه عامله بالحلم تخجيلا له فقال: { ~~التي فعلت وأنت } أي والحال أنك { من الكافرين* } أي لنعمتي وحق تربيتي ~~بقتل من ينسب إلي، أو عده منهم لسكوته عنهم إذا ذاك، لأنه لم يكن قبل ~~الرسالة مأمورا فيهم بشيء، فكان مجاملا لهم، فكأنه قال: وأنت منا. فما ~~لك الآن تنكر علينا وتنسبنا إلى الكفر؟ { قال } مجيبا له على طريق النشر ~~المشوش، واثقا بوعد الله بالسلامة مقرا بما دندن عليه من القتل لأنه لم ~~يكن متحققا لذلك، وما ترك قتله إلا التماسا للبينة: { فعلتها إذا } أي ~~إذ قتلته { وأنا من الضالين* } أي لا أعرف دينا، فأنا واقف عن كل وجهة ~~حتى يوجهني ربي إلى ما يشاء - قال ابن جرير: والعرب تضع الضلال موضع ~~الجهل والجهل موضع الضلال - انتهى. وقد تقدم في الفاتحة للحرالي في هذا ~~الكلام نفيس - على أن هذه الفعلة كانت مني خطأ { ففررت } أي فتسبب عن ~~فعلها وتعقبه أني فررت { منكم } أي منك لسطوتك ومن قومك لإغرائهم إياك ~~علي { لما خفتكم } على نفسي أن تقتلوني بذلك القتيل الذي قتلته خطأ مع ~~كونه كافرا مهدر الدم { فوهب لي ربي } الذي أحسن إلي بتربيتي عندكم تحت ~~كنف أمي آمنة مما أحدثتم من الظلم خوفا مني { حكما } أي علما أعمل به ~~عمل الحكام الحكماء { وجعلني من المرسلين* } أي فاجهد الآن جهدك فإني لا ~~أخافك ms3259 لقتل ولا غيره. # ولما اجتمع في كلام فرعون من وتعيير، بدأ بجوابه عن التعيير لأنه ~~الأخير فكان أقرب، ولأنه أهم، ثم عطف عليه جوابه عما من به، فقال موبخا ~~له مبكتا منكرا عليه غير أنه حذف حرف الإنكار إجمالا في القول ~~وإحسانا في الخطاب: { وتلك } أي التربية الشنعاء العظيمة في الشناعة ~~التي ذكرتنيها { نعمة تمنها علي }. # ولما كان سببها ظلمه لقومه، جعله نفسها فقال مبدلا منها تنبيها على ~~إحباطها، وإعلاما بأنها - بكونها نقمة - أولى منها في عدها نعمة: { أن ~~عبدت } أي تعبيدك وتذليلك على ذلك الوجه البديع المبعد قومي { بني ~~إسرائيل* } أي جعلتهم عبيدا ظلما وعدوانا وهو أبناء الأنبياء، ولسلفهم ~~يوسف عليه السلام عليكم من المنة - بإحياء نفوسكم أولا، وعتق رقابكم ~~ثانيا - ما لا تقدرون له على جزاء أصلا، ثم ما كفاك ذلك حتى فعلت ما لم ~~يفعله مستعبد، فأمرت بقتل أبنائهم، فكان ذلك سبب وقوعي إليك لأسلم من ~~ظلمك - كما مر بيانه ويأتي إن شاء الله تعالى مستوفى في سورة القصص. # ولما كلم اللئيم الذميم الكليم العظيم بما رجا أن يكفه عن مواجهته بما ~~يكره، ويرجعه إلى مداراته. فلم يفعل، وفهم ما في جوابه هذا الأخير من ~~الذم له والتعجيز، وإثبات القدرة التامة والعلم الشامل لله، بما دبر في ~~أمر موسى عليه السلام، وأنه لا ينهض لذلك بجواب ولا يحمد له فيه قول، عدل ~~عنه إلى جوابه عن الرسالة بما يموه به أيضا على قومه لئلا يرجعوا عنه، ~~فأخبر تعالى عن محاورته في ذلك بقوله على طريق الجواب لمن كأنه قال: ما ~~قال له جوابا لهذا الكلام، الذي كأنه السهام؟: { قال فرعون } حائدا عن ~~جواب موسى عليه السلام لما فيه من تأنيبه وتعجيزه. منكرا لخالقه على ~~سبيل التجاهل، كما أنكر هؤلاء الرحمن متجاهلين وهو أعرف الناس بغالب ~~أفعاله، كما كان فرعون يعرف، لقول موسى عليه السلام # لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض # [الإسراء: 102]: { وما رب العالمين* } أي الذي زعمت أنكما رسوله. فسأل ~~ب " ما " عن حقيقته ms3260 وإنما أراد في الحقيقة إنكاره. # ولما كان تعريف حقيقته سبحانه بنفسها محالا لعدم التركيب، فكان تعريفها ~~لا يصح إلا بالخارج اللازم الجلي، تشوف السامع إلى ما يجيب به عنه، ~~فاستأنف قوله إخبارا عنه: { قال } أي موسى معرضا عن التعريف بغير ~~الأفعال إعلاما بأنه لا شبيه له، وأنه مباين وجوده لوجود كل شيء سواه، ~~معرفا له سبحانه بأظهر أفعاله مما لا يقدر أحد على ادعاء المشاركة فيه، ~~مشيرا إلى خطابه في طلب الماهية بأنه لا مماثل له: أقول لك ولمن أردت ~~بطلب الحقيقة التمويه عليهم: هو { رب } أي خالق ومبدع ومدبر { السماوات } ~~كلها { والأرض } وإن تباعدت أجرامها بعضها عن بعض { وما بينهما } وذلك ~~أظهر العالم الذي هو صنعته وأنتم غير مستغنين عنه طرفة عين، فهذه هي ~~المنة، لا منتك علي بالتربية إلى حين استغنيت عنك، وهذا هو الاستبعاد ~~بالإحسان، مع العصيان بالكفران، لا استبعادك لقومي بإهلاكهم وهم في ~~طاعتك، ولسلفهم عليكم من المنة ما لا تجهلونه { إن كنتم } أي كونا ~~راسخا { موقنين* } أي متصفين بما عليه أهل العلم بأصول الدين من الثقة ~~بما تعتقدون اتصافا ثابتا، والجواب: علمتم ذلك، وعلمتم أنه لا جواب أسد ~~منه، لأن المذكور متغير، فله مغير لا يتغير، وهو هذا الذي أرسلناه، أي إن ~~كان لكم يقين فأنتم تعرفونه، لشدة ظهوره، وعموم نوره { قال } أي فرعون { ~~لمن حوله } من أشراف قومه مموها أيضا: { ألا تستمعون* } أي تصغون إليه ~~بجميع جهدكم، وهو كلام ظاهره أنه نبههم عن الإنكار، لأنه سأل عن الماهية، ~~فأجيب بغيرها، ويحتمل غير ذلك لو ضويق فيه، فهو من خفي مكره. ### || [26.26-34] # ولما وبخ اللعين في جوابه، وكان ربما ادعى أن الخافقين وما بينهما من ~~الفضاء غير مخلوق، فتشوف السامع إلى جواب يلزمه، استأنف الشفاء لعي هذا ~~السؤال بقوله: { قال } أي موسى، مخصصا بعد ما عمم بشيء لا تمكن المنازعة ~~فيه لمشاهدة وجود أفراده بعد أن لم تكن: { ربكم } أي الموجد لكم والمربي ~~والمحسن { ورب آبائكم الأولين* } وفرعون - الذي تقرون بأنه ربكم - كان إذ ~~ذاك ms3261 عدما محضا، أو ماء صرفا في ظهر أبيه، فبطل كون أحد منهم ربا لمن ~~بعده كما بطل كون أحد ممن قبلهم من الهالكين ربا لهم، لأن الكل عدم. # فلما أوضح بذلك بطلان ما حملهم على اعتقاده من ربوبيته لم يتمالك أن { ~~قال إن رسولكم } على طريق التهكم، إشارة إلى أن الرسول ينبغي أن يكون ~~أعقل الناس، ثم زاد الأمر وضوحا بقوله: { الذي أرسل إليكم } أي وأنتم ~~أعقل الناس { لمجنون } حيث لا يفهم أني أساله عن حقيقة مرسله فكف يصلح ~~للرسالة من الملوك. # فلما أساء الأدب، فاشتد تشوف السامع إلى معرفة جوابه عنه، استأنف تعالى ~~الإخبار بذلك، فحكى أنه ذكر له ما لا يمكنه أن يدعي طاعته له، وهو أكثر ~~تغيرا وأعجب تنقلا بأن { قال رب المشرق والمغرب } أي الشروق والغروب ~~ووقتهما وموضعهما { وما بينهما } أي من الناس الذين ليسوا في طاعتكم، ~~والحيوان والجماد، بسبب ما ترون من قدرته على تقليب النيرات من بزوغ ~~الشمس والقمر والنجوم وأفولها وما يظهر عنهما من الليل والنهار على ~~تصاريف مختلفة، وحركات متقاربة لو لا هي لما علمتم شيئا من أموركم، ولا ~~تمكنتم من أحوالكم، وهذا الدليل أبين الكل لتكرر الحركة فيه وغير ذلك من ~~معالمه، ولذلك بهت نمرود لما ألقاه عليه الخليل عليه الصلاة والسلام. # ولما دعاه صلى الله عليه وسلم باللين فأساء الأدب عليه في الجواب ~~الماضي، ختم هذا البرهان بقوله: { إن كنتم تعقلون } أي فأنتم تعلمون ذلك، ~~فخيرهم بين الإقرار بالجنون أو العقل، بما أشار إليه من الأدلة في مقابلة ~~ما نسبوه إليه من الجنون بسكوتهم وقول عظيمهم بغير شبهة، ردا لهم عن ~~الضلالة، وإنقاذا من واضح الجهالة، فكان قوله أنكأ مع أنه ألطف، وأوضح ~~مع أنه أستر وأشرف. # فلما علم أنه قد قطعه بما أوضح من الأمر، ووصل معه في الغلظة إلى ما إن ~~سكت عنه أوهن من حاله، وفتر من عزائم رجاله، تكلم بما السكوت أولى منه، ~~فأخبر تعالى بقوله: { قال } عادلا عن الحجاج بعد الخوض فيه إلى المغالبة ~~التي ms3262 هي أبين علامات الانقطاع: { لئن اتخذت إلها غيري } أي تعمدت أخذه ~~وأفردته بتوجيه جميع قصدك إليه { لأجعلنك من المسجونين } أي واحدا ممن ~~هم في سجوني على ما تعلم من حالي في اقتداري، ومن سجوني في فظاعتها، ومن ~~حال من فيها من شدة الحصر، والغلظ في الحجر { قال } مدافعا بالتي هي ~~أحسن إرخاء للعنان، لإرادة البيان، حتى لا يبقى عذر لإنسان، رجاء النزوع ~~عن الطغيان، والرجوع إلى الإيمان، لأن من العادة الجارية السكون إلى ~~الإنصاف، والرجوع إلى الحق والاعتراف { أولو } أي أتسجنني ولو { جئتك ~~بشيء مبين* } أي لرسالتي { قال } طمعا في أن يجد موضعا للتكذيب أو ~~التلبيس: { فأت به } أي تسبب عن قولك هذا أني أقول لك: ائت بذلك الشيء { ~~إن كنت } أي كونا أنت راسخ فيه { من الصادقين* } أي فيما ادعيت من ~~الرسالة والبينة، وهذا إشارة إلى أنه بكلامه المتقدم قد صار عنده في غير ~~عدادهم، ولزم عليه أنه لا يأتي بالمعجزة إلا الصادق لأنها تصديق من الله ~~للمدعي، وعادته سبحانه وتعالى جارية في أنه لا يصدق الكاذب { فألقى } أي ~~فتسبب عن ذلك وتعقبه أن ألقى. # ولما كان الكلام مع موسى عليه السلام، فكان إضماره غير ملبس، لم يصرح ~~باسمه اكتفاء بضميره فقال: { عصاه } أي التي تقدم في غير سورة أن الله ~~تعالى أراه آياتها { فإذا هي ثعبان } أي حية في غاية الكبر { مبين* } أي ~~ظاهر الثعبانية، لا شك عند رائية فيه، لا كما يكون عند الأمور السحرية من ~~التخييلات والتشبيهات { ونزع يده } أي التي كانت احترقت لما أخذ الجمرة ~~وهو في حجر فرعون، وبذل فرعون جهده في علاجها بجميع من قدر عليه من ~~الأطباء فعجز عن إبرائها، نزعها من جيبه بعد أن أراه إياها على ما يعهده ~~منها ثم أدخلها في جيبه { فإذا هي } بعد النزع { بيضاء للناظرين* } أي ~~بياضا تتوفر الدواعي على نظره لخروجه عن العادة بأن له نورا كنور الشمس ~~يكاد يغشي الأبصار { قال } أي فرعون { للملأ حوله } لما وضح له الأمر، ~~يموه على عقولهم خوفا من ms3263 إيمانهم: { إن هذا لساحر عليم* } أي شديد ~~المعرفة بالسحر، وخص في هذه السورة إسنادا هذا الكلام إليه لأن السياق ~~كله لتخصيصه الخطاب لما تقدم، ونظرا إلى { فظلت أعناقهم لها خاضعين } ~~لأن خضوعه هو خضوع من دونه، فدلالته على ذلك أظهر، ولا ينفي ذلك أن يكون ~~قومه قالوه إظهارا للطواعية - كما مضى في الأعراف. ### || [26.35-44] # ولما أوقفهم بما خيلهم به، أحماهم لأنفسهم فقال ملقيا لجلباب الأنفة ~~لما قهره من سلطان المعجزة: { يريد أن يخرجكم من أرضكم } أي هذه التي هي ~~قوامكم { بسحره } أي بسبب ما أتى به منه، فإنه يوجب استتباع الناس فيتمكن ~~مما يريد بهم؛ ثم قال لقومه - الذين كان يزعم أنهم عبيده وأنه إلههم - ما ~~دل على أنه خارت قواه، فحط عن منكبيه كبرياء الربوبية، وارتعدت فرائصه ~~حتى جعل نفسه مأمورا بعد أن كان يدعي كونه آمرا بل إلها قادرا: { ~~فماذا تأمرون* } أي في مدافعته عما يريد بنا { قالوا } أي الملأ الذين ~~كانوا يأتمرون به قبل الهجرة ليقتلوه: { أرجه } أي أخره { وأخاه } ولم ~~يأمروا بقتله ولا بشيء مما يقاربه - فسبحان من يلقي الروح من أمره على من ~~يشاء من عباده فيهابه كل شيء ولا يهاب هو غير خالقه { وابعث في المدائن ~~حاشرين* } أي رجالا يحشرون السحرة، وأصل الحشر الجمع بكرة { يأتوك } ~~وكأنهم فهموا شدة قلقه فسكنوه بالتعبير بأداة الإحاطة وصيغة المبالغة ~~فقالوا: { بكل سحار } أي بليغ السحر { عليم* } أي متناه في العلم به بعد ~~ما تناهى في التجربة؛ وعبر بالبناء للمفعول إشارة إلى عظمة ملكه فقال: { ~~فجمع } أي بأيسر أمر لما له عندهم من العظمة { السحرة } كما تقدم غير مرة ~~{ لميقات يوم معلوم* } في زمانه ومكانه، وهو ضحى يوم الزينة كما سلف في ~~طه، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه وافق يوم السبت في أول يوم من ~~سنتهم، وهو يوم النيروز. { وقيل } أي بقول من يقبل لكونه عن فرعون { ~~للناس } أي كافة حثا لهم على الإسراع إلى الاجتماع بأمر فرعون، ~~وامتحانا لهم هل رجعوا عن دينه، علما منه ms3264 بأن ما ظهر من المعجزة - التي ~~منها عجزه عن نوع أذى لمن واجهه بما لا مطمع في مواجهته بأدناه - لم يدع ~~لبسا في أنه مربوب مقهور، وأن ذلك موجب لا تباع موسى عليه السلام: { هل ~~أنتم مجتمعون* } أي اجتماعا أنتم راسخون فيه لكونه بالقلوب كما هو ~~بالأبدان، كلكم ليكون أهيب لكم، وزين لهم هذا القائل البقاء على ما كانوا ~~عليه من الباطل بذكر جانب السحرة وإن كان شرط فيه الغلبة، ولم يسمح بذكر ~~جانب موسى عليه السلام فقال: { لعلنا نتبع السحرة } لأن من امتثل أمر ~~الملك كان حاله حال من يرجى منه اتباع حزبه { إن كانوا هم } أي خاصة { ~~الغالبين* } أي غلبة لا يشك في أنها ناشئة عن مكنة نعرض عن أمر موسى الذي ~~الذي تنازع الملك في أمره، وهذا مرادهم في الحقيقة، وعبر بهذا كناية عنه ~~لأنه أدل على عظمة الملك، وعبر بأداة الشك إظهارا للإنصاف، واستجلابا ~~للناس، مع تقديرهم لقطعهم بظفر السحرة. # لما رسخ في أذهانهم في الأزمنة المتطاولة من الضلال الذي لا غفلة لإبليس ~~عن تزيينه مع أن تغيير المألوف أمر في غاية العسر. وقال: { فلما } بالفاء ~~إيذانا بسرعة حشرهم، إشارة إلى ضخامة ملكه. ووفور عظمته { جاء السحرة } ~~أي الذين كانوا في جميع بلاد مصر { قالوا لفرعون } مشترطين الأجر في حال ~~الحاجة إلى الفعل ليكون ذلك أجدر بحسن الوعد، ونجاح القصد { أئن لنا ~~لأجرا } وساقوه مساق الاستفهام أدبا معه، وقالوا: { إن كنا } أي كونا ~~نحن راسخون فيه { نحن } خاصة { الغالبين* } بأداة الشك مع جزمهم بالغلبة ~~تخويفا له بأنه إن لم يحسن في وعدهم لم ينصحوا له؛ ثم قيل في جواب من ~~كأنه سأل عن جوابه: { قال } مجيبا إلى ما سألوه: { نعم } أي لكم ذلك، ~~وزادهم ما لا أحسن منه عند أهل الدنيا مؤكدا له فقال: { وإنكم إذا } أي ~~إذا غلبتم { لمن المقربين* } أي عندي، وزاد { إذا } هنا زيادة في ~~التأكيد لما يتضمن ذلك من إبعاده عن الإيمان من وضوح البرهان، تخفيفا ~~على المخاطب بهذا كله صلى الله ms3265 عليه وسلم، تسلية له في الحمل على نفسه أن ~~لا يكون من يدعوهم مؤمنين، وما بعد ذلك من مسارعة السحرة للإيمان - بعد ~~ما ذكر من إقسامهم بعزته بغاية التأكيد - تحقيق لآية { فظلت أعناقهم لها ~~خاضعين }. # ولما تشوف السامع إلى جواب نبي الله تعالى موسى عليه الصلاة والسلام ~~أجيب بقوله: { قال لهم موسى } عليه السلام، أي مريدا لإبطال سحرهم لأنه ~~لا يتمكن منه إلا بإلقائهم، لا لمجرد إلقائهم، غير مبال بهم في كثرة ولا ~~علم بعد ما خيروه - كما في غير هذه السورة: { ألقوا ما أنتم ملقون* } ~~كائنا ما كان، ازدراء له بالنسبة إلى أمر الله { فألقوا } أي فتسبب عن ~~قول موسى عليه السلام وتعقبه أن ألقوا { حبالهم وعصيهم } التي أعدوها ~~للسحر { وقالوا } مقسمين: { بعزة فرعون } مؤكدين بأنواع التأكيد { إنا ~~لنحن } أي خاصة لا نستثني { الغالبون* } قول واثق من نفسه مزمع على أن لا ~~يدع بابا من السحر يعرفه إلا أتى به، فكل من حلف بغير الله كأن يقول: ~~وحياة فلان، وحق رأسه - ونحو ذلك، فهو تابع لهذه الجاهليه. ### || [26.45-51] # ولما قدم إضمار اسم موسى عليه السلام في الإلقاء الأول لأن الكلام كان ~~معه، فلم يكن إلباس في أنه الفاعل. وكان الكلام هنا في السحرة، وختموا ~~بذكر فرعون وعزته، صرح باسم موسى عليه الصلاة والسلام لنفي اللبس فقال: { ~~فألقى } أي فتسبب عن صنع السحرة وتعقبه أن ألقى { موسى } وقابل جماعة ما ~~ألقوه بمفرد ما ألقى، لأنه أدل على المعجزة، فقالك { عصاه } أي التي ~~جعلناها آية له، وتسبب عن إلقائه قوله: { فإذا هي تلقف } أي تبتلع في ~~الحال بسرعة ونهمة { ما يأفكون* } أي يصرفونه عن وجهه وحقيقته التي هي ~~الجمادية بحيلهم وتخييلهم إلى ظن أنه حيات تسعى { فألقي } أي عقب فعلها ~~من غير تلبث { السحرة ساجدين* } أي فسجدوا بسرعة عظيمة حتى كأن ملقيا ~~ألقاهم بغير اختيارهم من قوة إسراعهم، علما منهم بأن هذا من عند الله، ~~فأمسوا أتقياء بررة، بعد ما جاؤوا في صبح ذلك اليوم سحرة. # ولما كان كأنه قيل: هذا ms3266 فعلهم، فما كان قولهم؟ قيل: { قالوا آمنا برب ~~العالمين* } أي الذي دعا إليه موسى عليه السلام أو ما تكلم؛ ثم خصوه ~~كشفا لتلبيس فرعون بما لا يحتمل غيره فقالوا بيانا: { رب } ولم يدع داع ~~هنا إلى العدول عن الأصل، فقال عبارة عن كلامهم: { موسى وهارون* } أي ~~اللذين أحسنا إلينا بالتنبيه عليه، والهداية إليه، وصدقهما بما أجرى على ~~أيديهما. # ولما خاف فرعون اتباع الناس لهم، لما يرون مما هالهم من أمرهم، وكان قد ~~تقدم ما يعرف أن المنكر عليهم فرعون نفسه، قال تعالى مخبرا عنه: { قال } ~~من غير ذكر الفاعل - أي فرعون - لعدم اللبس، ومقصود السورة غير مقتض ~~للتصريح كما في الأعراف بل ملائم للإعراض عنه والإراحه منه، منكرا ~~مبادرا موهما لأنه إنما يعاقب على المبادرة بغير إذن، لا على نفس ~~الفعل، وأنه ما غرضه إلا التثبت ليؤخر بهذا التخييل الناس عن المبادرة ~~بالإيمان إلى وقت ما { آمنتم له } أي لموسى عليه السلام، أفرده بالضمير ~~لأنه الأصل في هذه الرساله، وحقيقة الكلام: أوقعتم التصديق بما أخبر به ~~عن الله لأجله إعظاما له بذلك { قبل أن ءاذن لكم } أي في الإيمان؛ ثم ~~علل فعلهم بما يقتضي أنه عن مكر وخداع، لا عن حسن اتباع، فقال: { إنه } ~~أي موسى عليه السلام { لكبيركم }. # ولما كان هذا مشعرا بنسبته له إلى السحر، وأنه أعلم منهم به، فلذلك ~~غلبهم، أوضحه بقوله: { الذي علمكم السحر } فتواعدتم معه على هذا الفعل، ~~لتنزعوا الملك من أربابه، هذا وكل من سمعه يعلم كذبة قطعا، فإن موسى ~~عليه السلام ما ربي إلا في بيته، واستمر حتى فر منهم إلى مدين، لا يعلم ~~سحرا، ولا ألم بساحر، ولا سافر إلا إلى مدين، ثم لم يرجع إلا داعيا إلى ~~الله، ولكن الكذب غالب على قطر مصر، وأهلها اسرع شيء سماعا له وانقيادا ~~به. # ولما أوقف السامعين بما خيلهم به من هذا الباطل المعلوم البطلان لكل ذي ~~بصيرة، أكد المنع بالتهديد فقال: { فلسوف تعلمون* } أي ما أفعل بكم، أي ~~فتسبب عما فعلتم أني أعاقبكم ms3267 عقوبة محققة عظيمة، وأتى بأداة التنفيس خشية ~~من أن لا يقدر عليهم فيعلم الجميع عجزه فيؤمنوا، مع ما فيها في الحقيقة ~~على السحرة من التأكيد في الوعيد الذي لم يؤثر عندهم في جنب ما أشهدهم ~~الله من الآية التي مكنتهم في مقام الخضوع؛ ثم فسر ما أبهم بقوله: { ~~لأقطعن } بصيغة التفعيل لكثرة القطع والمقطوعين { أيديكم وأرجلكم } ثم ~~بين كيفية تقطيعها فقال: { من خلاف } وزاد في التهويل فقال: { ولأصلبنكم ~~أجمعين* } ثم استأنف تعالى حكاية جوابهم بقوله: { قالوا }. # ولما كان قد تقدم هنا أنهم أثبتوا له عزة توجب مزيد الخوف منه، حسن ~~قولهم: { لا ضير } أي لا ضرر أصلا علينا تحصل به المكنة منا فيما هددتنا ~~به، بل لنا في الصبر عليه إن وقع أعظم الجزاء من الله، ورد النفي الشامل ~~في هذه السورة إيذانا بأنه لم يقدر فرعون على عذابهم، تحقيقا لما في ~~أول القصة من الإشارة إلى ذلك ب { كلا } و { مستمعون } فإن الإمكان من ~~تابعي موسى عليه السلام يؤذيه ويضيق صدره، ولما يأتي من القصص من صريح ~~العبارة في قوله { أنتما ومن اتبعكما الغالبون }. ثم عللوا ذلك بقولهم: { ~~إنا } أي بفعلك ذلك فينا إن قدرك الله عليه { إلى ربنا } أي المحسن إلينا ~~وحده { منقلبون* } أي ولا بد لنا من الموت، فلنكن على ما حكم به ربنا من ~~الحالات، وإنما حكمك على هذا الجسد ساعة من نهار، ثم لا حكم على الروح ~~إلا الله الذي هو جدير بأن يثيبنا على ذلك نعيم الأبد. وذلك معنى قولهم ~~معللين ما قبله: { إنا نطمع أن يغفر } اي يستر سترا بليغا { لنا ربنا } ~~الذي أحسن إلينا بالهداية { خطايانا } أي التي قدمناها على كثرتها؛ ثم ~~عللوا طمعهم مع كثرة الخطايا بقولهم: { أن كنا } أي كونا هو لنا كالجبلة ~~{ أول المؤمنين* } أي من أهل هذا المشهد، وعبروا بالطمع إشارة إلى أن ~~جميع أسباب السعادة منه تعالى، فكأنه لا سبب منهم أصلا. ### || [26.52-58] # ولما قص سبحانه من حال الدعاء ما كفى في التسلية من قصد هذين النبيين ms3268 ~~بالأذى والتهكم بمن دعوا إليه، وجعلهما الأعليين، ولم يضرهما ضعفهما ~~وقلتهما، ولا نفع عدوهما قوته وكثرته، شرع يسلي بما أوقعه في حال السير، ~~فقال طاويا ما بقي منه لأن هذا ذكر به، عاطفا على هذه القصة: { ~~وأوحينا } أي بما لنا من العظمة حين أردنا فصل الأمر وإنجاز الموعود { ~~إلى موسى أن أسر } أي سر ليلا، حال اشتغال فرعون وجنوده بموت أبكارهم ~~وتجهيزهم لهم { بعبادي } أي بني إسرائيل الذين كرمتهم مصاحبا لهم إلى ~~ناحية بحر القلزم، غير مبال بفرعون ولا منزعج منه، وتزودوا اللحم والخبز ~~الفطير للإسراع، وألطخوا أعتابكم بالدم، لأني أوصيت الملائكة الذين ~~يقتلون الأبكار أن لا يدخلوا بيتا على بابه دم؛ ثم علل أمر له بالسير في ~~الليل بقوله: { إنكم متبعون* } أي لا تظن أنهم لكثرة ما رأوا من الآيات ~~يكفون عن اتباعكم، فأسرع بالخروج لتبعدوا عنهم إلى الموضع الذي قدرت في ~~الأزل أن يظهر فيه مجدي، والمراد توافيهم عند البحر، ولم يكتم اتباعكم عن ~~موسى عليه السلام لعدم تأثره به لما تحقق عنده من الحفظ لما تقدم به ~~الوعد الشريف بذلك التأكيد. # ولما كان التقدير: فأسرى بهم امتثالا للأمر بعد نصف الليل، عطف عليه ~~قوله: { فأرسل فرعون } أي لما أصبح وأعلم بهم { في المدائن حاشرين* } أي ~~رجالا يجمعون الجنود بقوة وسطوة وإن كرهوا، ويقولون تقوية لقلوبهم ~~وتحريكا لهممهم: { إن هؤلاء } إشارة بأداة القرب تحقيرا لهم إلى أنهم ~~في القبضة وإن بعدوا، لما بهم من العجز، وبآل فرعون من القوة، فليسوا ~~بحيث يخاف قوتهم ولا ممانعتهم { لشرذمة } أي طائفة وقطعة من الناس. # ولما كانت قلتهم إنما هي بالنسبة إلى كثرة آل فرعون وقوتهم وما لهم ~~عليهم من هيبة الاستعباد، وكان التعبير بالشرذمة موهما لأنهم في غاية ~~القلة، أزال هذا الوهم بالتعبير بالجمع دون المفرد ليفيد أنه خبر بعد ~~خبر، لا صفة، وأن التعبير بالشرذمة إنما هو للإشارة إلى تفرق القلوب، ~~والجمع ولا سيما ما للسلامة مع كونه أيضا للقلة أدل على أنهم أوزاع، ~~وفيه أيضا إشارة إلى أنهم مع ms3269 ضعفهم بقلة العدد آيسون من إسعاف بمدد. ~~وليس لهم أهبة لقتال لعدم العدة لأنهم لم يكونوا قط في عداد من يقاتل كما ~~تقول لمن تزدريه: هو أقل من أن يفعل كذا، فقال: { قليلون* } أي بالنسبة ~~إلى ما لنا من الجنود التي لا تحصى وإن كانوا في أنفسهم كثيرين، فلا كثرة ~~لهم تمنعكم أيها المحشورون من اتباعهم؛ قال البغوي عن ابن مسعود رضي الله ~~عنهما: كانوا ستمائة ألف وتسعين ألفا، ولا يحصى عدد أصحاب فرعون - ~~انتهى. # وكل هذا بيان لأن فرعون مع تناهي عظمته لم يقدر على أثر ما في موسى ~~عليه السلام ولا من اتبعه تحقيقا لما تقدم من الوعد به أول القصة. # ولما ذكر ما يمنع الخوف من اتباعهم، ذكر ما يوجب الحث عليه ويحذر من ~~التقاعس عنه فقال: { وإنهم لنا } ونحن على ما نحن عليه من الكثرة والعظمة ~~{ لغائظون* } أي بما فجعونا به من أنفسهم وما استعاروه من الزينة من ~~أواني الذهب والفضة وفاخر الكسوة، فلا رحمة في قلوبكم تحميهم. # ولما كان مدار مادة " شرذم " على التقطع. فكان في التعبير بها إشارة إلى ~~أنهم مع القلة متفرقون ليسوا على قلب واحد، وذكر أن في اتباعهم شفاء ~~الغلل، أتبعه ما ينفي عن المتقاعد العلل، فقال: { وإنا لجميع } أي أنا ~~وأنتم جماعة واحدة مجتمعون بإياله الملك على قلب واحد. # ولما أشار بهذا الخبر إلى ضد ما عليه بنو إسرائيل مع قلتهم مما هو سبب ~~للجرأة عليهم، أخبر بخبر ثان يزيد الجرأة عليهم، وفي مضادة لما أشير إليه ~~ب " قليلون " من الاستضعاف فقال: { حاذرون* } أي ونحن - مع إجماع قلوبنا ~~- من شأننا وطبعنا الحذر، فنحن لا نزال على أهبة القتال، ومقارعة ~~الأبطال، لا عائق لنا عنه بسفر ولا بغيره، أما من جهتي فبإفاضة الأموال ~~عليكم، وإدرار الأرزاق فيكم، ووضع الأشياء في مواضعها في الأرض والرجال، ~~وأما من جهتكم فباستعمال الأمانة من طاعة الملك في وضع كل ما يعطيكم في ~~مواضعه من إعداد السلاح والمراكب والزاد، وجميع ما يحتاج إليه المحارب، ~~مع ما ms3270 لكم من العزة والقوة وشماخة الأنوف وعظم النفوس مع الجرأة والإقدام ~~والثبات في وقف الحقائق، المحفوظ بالعقل المحوط بالجزم المانع من اجتراء ~~الأخصام عليكم، ومكرهم لديكم، فإنه يحكى أنه كان يتصرف في خراج مصر بأن ~~يجزئه أربعة أجزاء: أحدها لوزرائه وكتابه وجنده، والثاني لحفر الأنهار ~~وعمل الجسور، والثالث له ولولده، والرابع يفرق من مدن الكور، فإن لحقهم ~~ظمأ أو استبحار أو فساد علة أو موت عوامل قواهم به؛ وري أنه قصده قوم ~~فقالوا: نحتاج إلى أن نحفر خليجا لنعمر ضياعنا، فإذن في ذلك واستعمل ~~عليهم عاملا فاستكثر ما حمل من خراج تلك الناحية إلى بيت المال، فسأل عن ~~مبلغ ما أنفقوه على خليجهم، فإذا هو مائة ألف دينار، فأمر بحملها إليهم ~~فامتنعوا من قبولها، فقال: اطرحوها عليهم، فإن الملك إذا استغن بمال ~~رعيته افتقر وافتقروا، وأن الرعية إذا استغنت بمال ملكهم استغنى ~~واستغنوا. # ولما كان التقدير: فأطاعوا أمره، ونفوا على كل صعب وذلول، عطف عليه قوله ~~معلما بما آل إليه أمرهم: { فأخرجناهم } أي بما لنا من القدرة، إخراجا ~~حثيثا مما لا يسمح أحد بالخروج منه { من جنات } أي بساتين يحق لها أن ~~تذكر { وعيون* } لا يحتاج معها إلى نيل ولا مطر { وكنوز } من الأموال ~~تعرف بمقدار ما هم فيه من النعم الفاضلة عنهم، مع ما هم فيه من تمام ~~الاستعداد لمثل هذا المراد { ومقام } من المنازل { كريم* } أي على صفة ~~ترضي الرائي له لأنه على النهاية من الحسن لا يقال فيه: ليته كان كذا، أو ~~كان كذا. ### || [26.59-68] # ولما كان الخروج عن مثل هذا مما يستنكر، أشار إلى عظمة القدرة عليه ~~بقوله: { كذلك } أي مثل ذلك الإخراج العجيب الذي أراده فرعون من قومه في ~~السرعة والكمال الهيبة أخرجناهم نحن بأن يسرنا له ولهم ذلك، ووفرنا لهم ~~الأسباب، لما اقتضته حكمتنا، أو مثل ذلك الخروج الذي قصصناه عليك ~~أخرجناهم، أي كان الواقع من خروجهم مطابقا لما عبرنا به عنه، أو الأمر ~~الذي قصصناه كله كما قلنا وأولها أقعدها وأحسنها وأجودها { وأورثناها ms3271 } ~~أي تلك النعم السرية بمجرد خروجهم بالقوة وبإهلاكهم بالفعل { بني ~~إسرائيل* } أي جعلناهم بحيث يرثونها لأنا لم نبق لهم مانعا يمنعهم منها ~~بعد أن كانوا مستبعدين تحت أيدي أربابها، وأما إرثهم لها بالفعل ففيه نظر ~~لقوله في الدخان { قوما آخرين }. # ولما وصف الإخراج، وصف أثره فقال مرتبا عليه بالفعل وعلى الإيراث ~~بالقوة: { فأتبعوهم } أي جعلوا أنفسهم تابعة لهم { مشرقين* } أي داخلين ~~في وقت شروق الشمس، أي طلوعها من صبيحة الليلة التي سار في نصفها بنو ~~إسرائيل، ولولا تقدير العزيز العليم بخرق ذلك للعادة لم يكن على حكم ~~العادة في أقل من عشرة أيام، فإنه أمر يعجز الملوك مثله، فيا له من حشر ~~ما أسرعه! وجهاز ما أوسعه! واستمروا إلى أن لحقوهم عند بحر القلزم كما ~~تقدم في الأعراف شرح ذلك عن التوراة، وتقدم سر تسييرهم في تلك الطريق { ~~فلما تراءى الجمعان } أي صارا بحيث يرى كل منهما الآخر { قال أصحاب موسى ~~} ضعفا وعجزا استصحابا لما كانوا فيه عندهم من الذل، ولأنهم أقل منهم ~~بكثير بحيث يقال: إن طليعة آل فرعون كانت على عدد بني إسرائيل، وذلك محق ~~لتقليل فرعون لهم، وكأنه عبر عنهم ب " أصحاب " دون " بني إسرائيل " لأنه ~~كان قد آمن كثير من غيرهم: { إنا لمدركون* } أي لأنهم قد وصلوا ولا طريق ~~لنا وقد صرنا بين سدين من حديد وماء، العدو وراءنا والماء أمامنا { قال } ~~أي موسى عليه الصلاة والسلام وثوقا بوعد الله، ناطقا بمثل ما كلمه به ~~ربه في أول القصة من قوله: { كلا } أي لا يدركونكم أصلا؛ ثم علل ذلك ~~تسكينا لهم بقوله: { إن معي ربي } فكأنهم قالوا: وماذا عساه يفعل وقد ~~وصلوا؟ قال: { سيهدين* } أي بوعد مؤكد عن قرب، إلى ما أفعل مما فيه ~~خلاصكم، وتقدم في براءة سر تقديم المعية و خصوصها والتعبير باسم الرب { ~~فأوحينا } أي فتسبب عن كلامه الدال على المراقبة أنا أوحينا؛ ونوه باسمه ~~الكريم جزاء له على ثقته به سبحانه فقال: { إلى موسى } وفسر الوحي الذي ~~فيه معنى القول بقوله: { أن ms3272 اضرب بعصاك البحر } أي الذي أمامكم، وهو بحر ~~القلزم الذي يتوصل أهل مصر منه إلى الطور وإلى مكة المشرفة وما والاها { ~~فانفلق } أي فضربه فانشق بسبب ضربه لما ضربه امتثالا لأمر الله وصار ~~اثني عشر فرقا على عدد أسباطهم { فكان كل فرق } أي جزء وقسم عظيم منه { ~~كالطود } أي الجبل في إشرافه وطوله وصلابته بعدم السيلان { العظيم* } ~~المتطاول في السماء الثابت لا يتزلزل، لأن الماء كان منبسطا في أرض ~~البحر، فلما انفرق وانكشفت فيه الطرق انضم بعضه إلى بعض فاستطال وارتفع ~~في السماء. # ولما كان التقدير: فأدخلنا كل شعب منهم في طريق من تلك الطرق، عطف عليه: ~~{ وأزلفنا } أي قربنا بعظمتنا من قوم موسى عليه السلام؛ قال البغوي. قال ~~أبو عبيدة: جمعنا، ومنه ليلة المزدلفة، أي ليلة الجمع. # ولما كان هذا الجمع في غاية العظمة وعلو الرتبة، أشار إلى ذلك بأداة ~~البعد فقال: { ثم } أي هنالك، فإنها ظرف مكان للبعيد { الآخرين* } أي ~~فرعون وجنوده { وأنجينا موسى ومن معه } وهم الذين اتبعوه من قومه وغيرهم ~~{ أجمعين* } أي لم نقدر على أحد منهم الهلاك. # ولما كان الإغراق بما به الإنجاء - مع كونه أمرا هائلا - عجيبا ~~وبعيدا عبر بأداة البعد فقال: { ثم أغرقنا } أي إغراقا هو على حسب ~~عظمتنا { الآخرين* } أي فرعون وقومه اجمعين، لم يفلت منهم أحد. # ولما قام عذر موسى عليه السلام فيما استدفعه أول القصة من كيد فرعون بما ~~ثبت له من العظمة والمكنة في كثرة الجند وعظيم الطاعة منهم له في سرعة ~~الاجتماع الدالة على مكنتهم في أنفسهم، وعظمته في قلوبهم، رغبة ورهبة، ~~وظهر مجد الله في تحقيق ما وعد به سبحانه من الحراسة، وزاد ما أقر به ~~العيون، وشرح به الصدرو، وكان ذلك أمرا يهز القوى سماعه، ويروع الأسماع ~~تصوره وذكره، قال منبها على ذلك: { إن في ذلك } أي الأمر العظيم العالي ~~الرتبة من قصة موسى وفرعون وما فيها من العظات { لآية } أي علامة عظيمة ~~على ما قال الرسول موجبة للإيمان به من أن الصانع واحد فاعل بالاختبار، ms3273 ~~قادر على كل شيء، وأنه رسوله حقا { وما كان أكثرهم } أي الذين شاهدوها ~~والذي وعظوا بسماعها { مؤمنين } لله أي متصفين بالإيمان الثابت، أما ~~القبط فما آمن منهم إلا السحرة ومؤمن آل فرعون وامرأة فرعون والمرأة التي ~~دلتهم على عظام يوسف عليه السلام - على ما يقال، وأما بنو إسرائيل فكان ~~كثير منهم مزلزلا يتعنت كل قليل، ويقول ويفعل ما هو كفر، حتى تداركهم ~~الله تعالى على يدي موسى عليه السلام ومن بعده، وأول ما كان من ذلك ~~سؤالهم إثر مجاوزة البحر أن يجعل لهم إلها الأصنام التي مروا عليها، ~~وأما غيرهم ممن تأخر عنهم فحالهم معروف، وأمرهم مشاهد مكشوف { وإن ربك } ~~أي المحسن إليك بإعلاء أمرك، واستنقاذ الناس من ظلام الجهل على يدك { لهو ~~العزيز } أي القادر على الانتقام من كل فاجر { الرحيم* } أي الفاعل فعل ~~البليغ الرحمة، فهو يمهل ويدر النعم، ويحوط من النقم، ولا يمهل، بل يرسل ~~رسلا، وينزل معهم ما بين به ما يرضيه وما يسخطه، فلا يهلك إلا بعد ~~الإعذار، فلا تستوحش ممن لم يؤمن، ولا يهمنك ذلك. ### || [26.69-79] # ولما أتم سبحانه ما أراد من قصة موسى عليه السلام، أتبعه دلالة على ~~رحيميته قصة إبراهيم عليه السلام لما تقدم أنه شاركه فيه مما يسلي عما ~~وقع ذكره عنهم من التعنتات في الفرقان، ولما اختص به من مقارعة أبيه ~~وقومه في الأوثان، وهو أعظم آباء العرب، ليكون ذلك حاملا لهم على تقليده ~~في التوحيد إن كانوا لا ينفكون عن التقليد، وزاجرا عن استعظام تسفيه ~~آبائهم في عبادتها، وتعبيره سبحانه للسياق قبل وبعد، وتعبيره بقوله: { ~~واتل } أي اقرأ قراءة متتابعة - مرجح للتقدير الأول في { وإذ } من جعله " ~~اذكر " وتغييره في التعبير بها لسياق ما تقدم وما تأخر لتنبيه العرب على ~~اتباعه لما لهم به من الخصوصية { عليهم } أي على هؤلاء المغترين ~~بالأوثان، المنكرين لرسالة البشر { نبأ إبراهيم* } أي خبره العظيم في مثل ~~ذلك { إذ } أي حين { قال لأبيه وقومه } منبها لهم على ضلالهم، لا ~~مستعلما لأنه كان عالما بحقيقة ms3274 حالهم: { ما } أي أي شيء، وصور لهم ~~حالهم تنبيها لهم على قباحتها فعبر بالمضارع فقال: { تعبدون* } أي ~~تواظبون على عبادته { قالوا } مبتهجين بسؤاله، مظهرين الافتخار في جوابهم ~~بإطالة الكلام: { نعبد أصناما فنظل } أي فيتسبب عن عبادتنا لها أنا نوفي ~~حق العبادة بأن ندوم { لها عاكفين* } أي مطيفين بها على سبيل الموظبة ~~متراكمين بعضنا خلف بعض حابسين أنفسنا تعظيما لها، فجروا على منوال ~~هؤلاء في داء التقليد الناشىء عن الجهل بنفس العبادة وبظنهم مع ذلك أنهم ~~على طائل كبير، وأمر عظيم، ظفروا به، مع غفلة الخلق عنه - كما دل عليه ~~خطابهم في هذا الكلام الذي كان يغني عنه كلمة واحدة، وهذا هو الذي أوجب ~~تفسير الظلول بمطلق الدوام وإن كان معناه الدوام بقيد النهار، وكأنهم ~~قصدوا بما يدل على النهار - الذي هو موضع الاشتغال والسهرة - الدلالة على ~~الليل من باب الأولى، مع شيوع استعماله أيضا مطلقا نحو { فظلت أعناقهم ~~لها خاضعين } ، وزاد قوم إبراهيم عليه السلام أن استمروا على ضلالهم ~~وأبوه معهم فكانوا حطب النار، ولم يتكمن من إنقاذهم من ذلك، ولم تكن لهم ~~حيلة إلا دعاؤهم، فهو أجدر بشديد الحزن وببخع نفسه عليهم وهو موضع ~~التسلية. # ولما فهم عنهم هذه الرغبة، أخذ يزهدهم فيها بطريق الاستفهام الذي لا ~~أنصف منه عن أوصاف يلجئهم السؤال إلى الاعتراف بسلبها عنهم، مع كل عاقل ~~إذا تعقل أن لا تصح رتبة الإلهية مع فقد واحدة منها، فكيف مع فقدها كلها؟ ~~فقال تعالى مخبرا عنه: { قال } معبرا عنها إنصافا بما يعبر به عن ~~العقلاء لتنزيلهم إياها منزلتهم: { هل يسمعونكم } أي دعاءكم مجرد سماع؛ ~~ثم صور لهم حالهم ليمنعوا الفكر فيه، فقال معبرا بظرف ماض وفعل مضارع ~~تنبيها على استحضار جميع الزمان ليكون ذلك أبلغ في التبكيت: { إذ تدعون* ~~} أي استحضروا أحوالكم معهم من أول عبادتكم لهم وإلى الآن: هل سمعوكم ~~وقتا ما؟ ليكون ذلك مرجيا لكم لحصول نفع منهم في وقت ما. # ولما كان الإنسان قد يعكف على الشيء - وهو غير سامع - لكن لنفعه له ms3275 في ~~نفسه أو ضره لعدوه كالنار مثلا، وكان محط حال العابد والداعي بالقصد ~~الأول بالذات جلب النفع، قال: { أو ينفعونكم } أي على العبادة كما ينفع ~~أقل شيء تقتنونه { أو يضرون* } على الترك: { قالوا }: لا والله! ليس ~~عندهم شيء من ذلك { بل وجدنا آباءنا كذلك } أي مثل فعلنا هذا العالي ~~الشأن، ثم صوروا حالة آبائهم في نفوسهم تعظيما لأمرهم فقالوا: { يفعلون* ~~} أي فنحن نفعل كما فعلوا لأنهم حقيقون منا بأن لا نخالفهم، مع سبقهم لنا ~~إلى الوجود، فهم أرصن منا عقولا، وأعظم تجربة، فلولا أنهم رأوا ذلك ~~حسنا، ما واظبوا عليه، هذا مع أنهم لو سلكوا طريقا حسية حصل لهم منها ~~ضرر حسي ما سلكوها قط، ولكن هذا الدين يهون على الناس فيه التقليد ~~بالباطل قديما وحديثا. # ولما وصلوا إلى التقليد المخض الخالي عن أدنى نظر كما تفعل البهائم ~~والطير في تبعها لأولها { قال } معرضا عن جواب كلامهم بنقص، إشارة إلى ~~أنه ساقط لا يرتضيه من شم رائحة الرجولية: { أفرأيتم } أي فتسبب عن قولكم ~~هذا أني أقول لكم: أرأيتم، اي إن لم تكونوا رأيتموهم رؤية موجبة لتحقق ~~أمرهم فانظروهم نظرا شافيا { ما كنتم } أي كونا هو كالجبلة لكم { ~~تعبدون* } مواظبين على عبادتهم { أنتم }. # ولما أجابوه بالتقليد، قال لهم ما معناه، رقوا تقليدكم هذا إلى أقصى ~~غاياته، فإن التقدم والأولوية لا تكون برهانا على الصحة، والباطل لا ~~ينقلب حقا بالقدم، وذلك مراده من قوله: { وآباؤكم الأقدمون* } أي الذين ~~هم أقدم ما يكونون: هل لهم وصف غير ما أقررتم به من عدم السماع والنفع ~~والضر؟ { فإنهم } أي فتسبب عن رؤيتكم ووصفكم لهم بما ذكرتم أني أخبركم ~~إخبارا مؤكدا أنهم. # ولما كانت صيغة فعول للمبالغة، أغنت في العدو والصديق عن صيغة الجمع ولا ~~سيما وهي شبيهة بالمصادر كالقبول والصهيل، فقال مخبرا عن ضمير الجمع: { ~~عدو لي } أي أناصفهم بالسوء وأعاملهم في إبطالهم ومحقهم معاملة الأعداء ~~وكل من عبدهم كما قال في الآية الأخرى # لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين # [الأنبياء: 54]، # أف لكم ولما ms3276 تعبدون من دون الله # [الأنبياء: 57] و # تالله لأكيدن أصنامكم # [الأنبياء: 67]. # ولما كانوا هم مشركين، وكان في آبائهم الأقدمين من عبد الله وحده. قال: ~~{ إلا رب العالمين* } أي مدبر هذه الأكوان كلها - كما قال موسى عليه ~~السلام - لأن ذلك أشهر الأوصاف وأظهرها، فإنه ليس بعدوي، بل هو وليي ~~ومعبودي؛ ثم شرع يصفه بما هم به عالمون من أنه على الضد الأقصى من كل ما ~~عليه أصنامهم فقال: { الذي } ولما لم يكن أحد يدعي الخلق لم يحتج إلى ما ~~يدل على الاختصاص فقال: { خلقني } أي أوجدني على هيئة التقدير والتصوير { ~~فهو } أي فتسبب عن تفرده بخلقي أنه هو لا غيره { يهدين* } أي إلى الرشاد، ~~ولأنه لا يعلم باطن المخلوق ويقدر على كمال التصرف فيه غير خالقه، ولا ~~يكن خالقه إلا سمعيا بصيرا ضارا نافعا، له الكمال كله، ولا شك أن ~~الخلق للجسد، والهداية للروح، وبالخلق والهداية يحصل جميع المنافع، ~~والإنسان له قالب من عالم الخلق، وقالب من عالم الأمر، وتركيب القالب ~~مقدم كما ظهر بهذه الآية، ولقوله # فإذا سويته ونفخت فيه من روحي # [الحجر: 29] وأمثال ذلك، وذكر الخلق بالماضي لأنه لا يتجدد في الدنيا، ~~والهداية بالمضارع لتجددها وتكررها دينا ودنيا { والذي هو } أي لا غيره ~~{ يطعمني ويسقين } ولو أراد لأعدم ما آكل وما أشرب أو أصابني بآفة لا ~~أستطيع معها أكلا ولا شربا. ### || [26.80-87] # ولما كان المرض ضررا، نزهه عن نسبته إليه أدبا وإن كانت نسبة الكل ~~إليه سبحانه معلومة، بقوله: { وإذا مرضت } باستيلاء بعض الأخلاط على بعض ~~لما بينها من التنافر الطبيعي { فهو } أي وحده { يشفين* } بسبب تعديل ~~المزاج بتعديل الأخلاط وقسرها على الاجتماع والاعتدال، لا طبيب ولا غيره ~~وإن تسببت أنا في أمراض نفسي ببرد أو حر أو طعام أتناوله أو غير ذلك لأنه ~~قادر على ما يريد. # ولما كان الإنسان مطبوعا على الاجتهاد في حفظ حياته وبقاء مهجته، نسب ~~فعل الموت إليه إعظاما للقدرة فقال: { والذي يميتني } أي حسا وإن ~~اجتهدت في دفع الموت، ومعنى وإن اجتهدت في دفع ms3277 الجهل. # ولما كان الإحياء حسا بالروح ومعنى بالهداية عظيما، أتى بأداة التراخي ~~لذلك ولطول المكث في البرزخ فقال: { ثم يحيين } للمجازاة في الآخرة كما ~~شفاني من المرض وإن وصلت إلى حد لا أرجى فيه، ولم يأت هنا بما يدل على ~~الحصر لأنه لا مدعي للإحياء والإماتة إلا ما ذكره سبحانه عن نمرود في ~~سورة البقرة، وأن إبراهيم عليه السلام أبهته ببيان عجزه في إظهار صورة من ~~مكان من الأمكنة بلا شرط من روح ولا غيرها، وإذا عجز عن ذلك كان عجزه عن ~~إيجاد صورة أبين، فكيف إذا انضم إلى ذلك إفادتها روحا أو سلبها منها، ~~فعد ادعاؤه لذلك - مع القاطع المحسوس الذي أبهته - عدما، والله أعلم. # ولما ذكر البعث، ذكر ما يترتب عليه فقال: { والذي أطمع } هضما لنفسه ~~واطراحا لأعماله وإشارة إلى أنه بالنسبة إلى الحضرة الأعظمية غير قادرة ~~لها حق قدرها، فإن الطمع كما قال الحرالي في البقرة تعلق البال بالشيء من ~~غير تقدم سبب - انتهى. فلذلك لم يعد له عملا { أن يغفر } أي يمحو ويستر. # ولما كان الله سبحانه منزها عن الغرض، فكانت المغفرة لحظ العبد ليس ~~غير، قال: { لي } وأسند الخطيئة إليه هضما لنفسه وتواضعا لربه فقال: { ~~خطيئتي } أي تقصيري عن أن أقدره حق قدره، فإن الضعيف العاجز لا يبلغ كل ~~ما ينبغي من خدمة العلي الكبير، وما فعله فهو بإقداره سبحانه فلا صنع له ~~في الحقيقة أصلا { يوم الدين* } أي الجزاء. # ولما أثنى على الله تعالى بما هو أهله، وختم بذكر هذا اليوم العظيم، دعا ~~بما ينحي عن هوله، فدل صنيعه على أن تقديم الثناء على السؤال أمر مهم، ~~وله في الإجابة أثر عظيم، فقال ملتفتا إلى مقام المشاهدة إشارة إلى أن ~~الأمر مهول، وأنه لا ينقذ من خطره إلا عظيم القدرة، لما طبعت عليه النفس ~~من النقائص: { رب } أي أيها المحسن إلي { هب لي حكما } أي عملا متقنا ~~بالعلم، وأصله بناء الشيء على ما توجبه الحكمة، ولما كان الاعتماد إنما ~~هو على محض الكرم، فإن ms3278 من نوقش الحساب عذب، قال: { وألحقني بالصالحين* } ~~أي الذين جعلتهم أئمة للمتقين في الدنيا والآخرة، وهم من كان قوله وفعله ~~صافيا عن شوب فساد. # ولما كان الصالح قد لا يظهر عمله، وكان إظهار الله له مجلبة للدعاء ~~وزيادة في الأجر، قال: { واجعل لي لسان صدق } أي ذكرا جميلا، وقبولا ~~عاما، وثناء حسنا، بما أظهرت مني من خصال الخير { في الآخرين* } أي ~~الناس الذين يوجدون بعدي إلى يوم الدين، لأكون للمتقين إماما، فيكون لي ~~مثل أجورهم، فإن # " من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة " # وقد كان ذلك إجابة من الله تعالى لدعائه، ومن أعظمه أن جعله الله شجرة ~~مباركة فرع منها الأنبياء الذين أحيى بهم عليهم الصلاة والسلام ذكره الذي ~~من أعظمه ما كان على لسان أعظمهم النبي الأمي صلى الله عليه وسلم من ~~قوله: # " صل على محمد كما صليت على إبراهيم " # إلى آخره. # ولما طلب سعادة الدنيا، وكانت لا نفع لها إلا باتصالها بسعادة الآخرة ~~التي هي الجنة، وكانت الجنة لا تنال إلا بمنه، لا بشيء من ذلك، ولذلك شبه ~~إدخالها بالإرث الذي يحصل بغير اكتساب من الوارث وهو أقوى أسباب الملك، ~~قال: { واجعلني } أي مع ذلك كله بفضلك ورحمتك { من ورثة جنة النعيم* }. # ولما دعا لنفسه، ثنى بأحق الخلق ببره فقال: { واغفر لأبي } ثم علل دعاءه ~~بقوله: { إنه كان } في أيام حياته { من الضالين* } والظاهر أن هذا كان ~~قبل معرفته بتأبيد شقائه، ولذلك قال: { ولا تخزني } أي تهني بموته على ما ~~يوجب دخوله النار ولا بغير ذلك { يوم يبعثون* } أي هؤلاء المنكرون للبعث، ~~وكأن هذا الدعاء كان بحضورهم في الإنكار عليهم في عبادة الأصنام، والظاهر ~~أن تخصيص الدعاء بأبيه لأن أمه كانت آمنت كما ورد عن... فقد صح أنه يقول ~~يوم القيامة: يا رب! إنك وعدتني ألا تخزيني، أي خزي أخزى من أبي الأبعد، ~~فيبدل الله صورة أبيه صورة ذيخ ثم يلقي به في النار - كما رواه البخاري ~~في غير موضع عن ms3279 أبي هريرة رضي الله عنه، وأن الله تعالى يقول له: # " إني حرمت الجنة على الكافرين " # ولو كانت أمة كافرة لسأله فيها. ### || [26.88-100] # ولما نبه على أن المقصود هو الآخرة، صرح بالتزهيد في الدنيا بتحقير أجل ~~ما فيها فقال: { يوم لا ينفع } أي أحدا { مال } أي يفتدي به أو يبذله ~~لشافع أو ناصر مقاهر { ولا بنون* } ينتصر بهم أو يعتضد فكيف بغيرهم { إلا ~~من أتى الله } أي الملك الأعظم الذي له الغنى المطلق في هذا الموطن { ~~بقلب سليم* } أي عن مرض غيره عن الفطرة الأولى التي فطره الله عليها، ~~وهي الإسلام الذي رأسه التوحيد، والاستقامة على فعل الخير، وحفظ طريق ~~السنة كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء ليس فيها من جدعاء فإن { المال ~~والبنون } ينفعانه بما تصرف فيهما من خير، والاستثناء مفرغ، والظاهر أن ~~قوله { وأزلفت } أي قربت بأيسر وجه حال من واو " يبعثون " { الجنة ~~للمتقين* } وعرف أهل الموقف أنها لهم خاصة تعجيلا لسرورهم وزيادة في ~~شرفهم { وبرزت } أي كشفت كشفا عظيما سهلا { الجحيم } أي النار الشديدة ~~التأجج، وأصلها نار عظيمة في مهواة بعضها فوق بعض { للغاوين* } أي ~~الضالين الهالكين بحيث عرف أهل الموقف أنها لهم { وقيل لهم } تبكيتا ~~وتنديما وتوبيخا، وأبهم القائل ليصلح لكل أحد، تحقيرا لهم، ولأن ~~المنكىء نفس القول لا كونه من معين: { أين ما كنتم } بتسلك الأخلاق التي ~~هي كالجبلات { تعبدون* } أي في الدنيا على سبيل التجديد والاستمرار. وحقر ~~معبوداتهم بقوله: { من دون } أي من أدنى رتبة من رتب { الله } أي الملك ~~الذي لا كفوء له، وكنتم تزعمون أنهم يشفعون لكم ويقونكم شر هذا اليوم { ~~هل ينصرونكم } فيمنعون عنكم ما برز لكم { أو ينتصرون* } أي هم بالدفع عن ~~أنفسهم. # ولما تسبب عن هذا التبريز والقول إظهار قدرته تعالى وعجزهم بقذفهم فيها ~~قال: { فكبكبوا } أي الأصنام ونحوها، قلبوا وصرعوا ورموا، قلبا عظيما ~~مكررا سريعا من كل من أمره الله بقلبهم بعد هذا السؤال، إظهارا لعجزهم ~~بالفعل حتى عن الجواب قبل الجواب { فيها } أي في مهواة الجحيم قلبا ~~عنيفا مضاعفا ms3280 كثيرا بعضهم في أثر بعض { هم } أي الأصنام وما شابهها ~~مما عبد من الشاطين ونحوهم { والغاوون* } أي الذي ضلوا بهم { وجنود إبليس ~~} من شياطين الإنس والجن { أجمعون* }. # ولما علم بهذا أنهم لم يتمكنوا من قول في جواب استفامهم توبيخا، وكان ~~من المعلوم أن الإنسان مطبوع على أن يقول في كل شيء ينوبه ما يثيره له ~~إدراكه مما يرى أنه يبرد من غلته، وينفع من علته، تشوف السامع إلى معرفة ~~قولهم بعد الكبكبة، فأشير إلى ذلك بقوله: { قالوا } أي العبدة { وهم فيها ~~} أي الجحيم { يختصمون } أي مع المعبودات: { تالله } أي الذي له جميع ~~الكمال { إن كنا لفي ضلال مبين* } أي ظاهر جدا لمن كان له قلب { إذ } أي ~~حين { نسويكم } في الرتبة { برب العالمين* } أي الذين فطرهم ودبرهم حتى ~~عبدناكم { وما أضلنا } أي ذلك الضلال المبين عن الطريق البين { إلا ~~المجرمون* } أي العريقون في صفة الإجرام، المقتضي لقطع كل ما ينبغي أن ~~يوصل { فما } أي فتسبب عن ذلك أنه ما { لنا } اليوم؛ وزادوا في تعميم ~~النفي بزيادة الجار فقالوا: { من شافعين* } يكونون سببا لإدخالنا ~~الجنة، لأنا صرفنا ما كان يجب علينا لذي الأمر إلى من لا أمر له؛ ولعله ~~لم يفرد الشافع لأنهم دخلوا في الشفاعة العظمى. ### || [26.101-107] # ولما كان الصديق قد لا يكون أهلا لأن يشفع، قالوا تأسفا على أقل ما ~~يمكن: { ولا صديق } أي يصدق في ودنا ليفعل ما ينفعنا. ولما كان أصدق ~~الصداقة ما كان من القريب قال: { حميم* } أي قريب، وأصله المصافي الذي ~~يحرقه ما يحرقك، لأنا قاطعنا بذلك كل من له أمر في هذا اليوم؛ وأفرد ~~تعميما للنفي وإشارة إلى قلته في حد ذاته أو عدمه. # ولما وقعوا في هذا الهلاك، وانتفى عنهم الخلاص، تسبب عنه تمنيهم المحال ~~فقالوا: { فلو أن لنا كرة } أي رجعة إلى الدنيا { فنكون من المؤمنين* } ~~أي الذين صار الإيمان لهم وصفا لازما، فأزلفت لهم الجنة. # ولما كان في هذه القصة أعظم زاجر عن الشرك، وآمر بالإيمان، نبه على ذلك ~~بقوله: { إن ms3281 في ذلك } أي هذا الأمر العظيم الذي قصصته ن قول إبراهيم عليه ~~السلام في إقامة البرهان على إبطال الأوثان، ونصب الدليل على أنه لا حق ~~إلا الملك الجليل الديان، وترغيبه وترهيبه وإرشاده إلى التزود في أيام ~~المهلة { لآية } أي عظيمة على بطلان الباطل وحقوق الحق { وما } أي والحال ~~أنه ما { كان أكثرهم } أي الذين شهدوا منه هذا الأمر العظيم والذين سمعوه ~~عنه { مؤمنين* } أي بحيث صار الإيمان صفة لهم ثابتة، وفي ذلك أعظم تسلية ~~للنبي صلى الله عليه وسلم بأعظم آبائه عليهم الصلاة والسلام { وإن ربك } ~~أي المحسن إليك بإرسالك وهداية الأمة بك { لهو العزيز } أي القادر على ~~إيقاع النقمة بكل من خالفه حين يخالفه { الرحيم* } أي الفاعل فعل الراحم ~~في إمهاله العصاة مع إدرار النعم، ودفع النقم، وإرسال الرسل، ونصب ~~الشرائع، لبيان ما يرضاه ليتبع، وما يسخطه ليتجنب، فلا يهلك إلا بعد ~~إقامة الحجة بإيضاح المحجة. # ولما أتم سبحانه قصة الأب الأعظم الأقرب، أتبعها - دلالة على وصفي العزة ~~والرحمة - قصة الأب الثاني، مقدما لها على غيرها، لما له من القدم في ~~الزمان، إعلاما بأن البلاء قديم، ولأنها أدل على صفتي الرحمة والنقمة ~~التي هي أثر العزة بطول الإملاء لهم على طول مدتهم، ثم تعميم النقمة مع ~~كونهم جميع أهل الأرض فقال: { كذبت } بإثبات التاء اختيارا للتأنيث - ~~وأن كان تذكير القوم أشهر - للتنبيه على أن فعلهم أخس الأفعال، أو إلى ~~أنهم مع عتوهم وكثرتهم كانوا عليه سبحانه أهون شيء وأضعفه بحيث جعلهم ~~هباء منثورا وكذا من بعدهم { قوم نوح } وهو أهل الأرض كلهم من الآدميين ~~قبل اختلاف الأمم بتفرق اللغات { المرسلين* } أي بتكذيبهم نوحا عليه ~~السلام، لأنه أقام الدليل على نبوته بالمعجزة، ومن كذب بمعجزة واحدة فقد ~~كذب بجميع المعجزات لتساوي أقدامها في الدلالة على صدق الرسول، وقد سئل ~~الحسن البصري رحمه الله تعالى عن ذلك فقال: من كذب واحدا من الرسل فقد ~~كذب الكل لأن الآخر جاء بما جاء به الأول - حكاه عنه البغوي. # ولقصد التسلية عبر بالتكذيب في ms3282 كل قصة { إذ } أي حين { قال لهم } لم ~~يتأنوا بطلب دليل، ولا ابتغاء وجه جميل؛ وأشار إلى نسبه فيهم بقوله: { ~~أخوهم } زيادة في تسلية هذا النبي الكريم { نوح } وأشار إلى حسن أدبه، ~~واستجلابهم برفقه ولينه، بقوله: { ألا تتقون* } أي تكون لكم تقوى، وهي ~~خوف يحملكم على أن تجعلوا بينكم وبين سخطه وقاية بطاعته بالتوحيد وترك ~~الالتفات إلى غيره؛ ثم علل أهليته للأمر عليهم بقوله: { إني لكم } أي مع ~~كوني أخاكم يسوءني ما يسوءكم ويسرني ما يسركم { رسول } أي من عند خالقكم، ~~فلا مندوحة لي عند إبلاغ ما أمرت به { أمين* } أي لا غش عندي كما تعلمون ~~ذلك مني على طول خبرتكم بي، ولا خيانة في شيء من الأمانة، فلذلك لا بد لي ~~من إبلاغ جميع الرسالة. ### || [26.108-116] # ولما عرض عليهم التقوى بالرفق، وعلل ذلك بما ثبت به أمرها، تسبب عنه ~~الجزم بالأمر فقال: { فاتقوا الله } أي أوجدوا الخو والحذر والتحرز من ~~الذي اختص بالجلال والجمال، مبادرين إلى ذلك بتوحيده لتحرزوا أصل السعادة ~~فتكونوا من أهل الجنة { وأطيعون* } أي في كل ما آمركم لتحرزوا رتبة ~~الكمال في ذلك، فلا يمسكم عذاب. # ولما أثبت أمانته، نفى تهمته فقال: { وما أسألكم عليه } أي على هذا ~~الحال الذي أتيتكم به؛ وأشار إلى الإعراق في النفي بقوله: { من أجر } أي ~~ليظن ظان أني جعلت الدعاء سببا له؛ ثم أكد هذا النفي بقوله: { إن } أي ~~ما { أجري } أي في دعائي لكم { إلا على رب العالمين* } أي الذي دبر جميع ~~الخلائق ورباهم. # ولما انتفت التهمة، تسبب عن انتفائها أيضا ما قدمه، فأعاده إعلاما ~~بالاهتمام بذلك زيادة في الشفقة عليهم وتأكيدا له في قلوبهم تنبيها على ~~أن الأمر في غاية العظمة لما يعلم من قلوبهم من شدة الجلافة فقال: { ~~فاتقوا الله } أي الذي حاز جميع صفات العظمة { وأطيعون }. # ولما قام الدليل على نصحه وأمانته، أجابوا بما ينظر إلى محض الدنيا كما ~~أجاب من قال من أشراف العرب { ما لهذا الرسول } الآيات، وقال: لو طردت ~~هؤلاء الضعفاء لرجونا أن ms3283 نتبعك حتى نزل في ذلك # ولا تطرد الذين يدعون ربهم # [الأنعام: 52] ونحوها من الآيات، بأن { قالوا } أي قومه، منكرين لاتباعه ~~استنادا إلى داء الكبر الذي ينشأ منه بطر الحق وغمط الناس - أي ~~احتقارهم: { أنؤمن لك } أي لأجل قولك هذا وما أثبته أوصافك { و } الحال ~~أنه قد { اتبعك الأرذلون* } أي المؤخرون في الحال والمآل، والأحوال ~~والأفعال، فيكون إيماننا بك سببا لاستوائنا معهم، فلو طردتهم لم يكن لنا ~~عذر في التخلف عنك، ولا مانع من اتباعك، فكان ما متعوا به من العرض ~~الفاني مانعا لهم عن السعادة الباقية، وأما الضعفاء فانكسار قلوبهم ~~وخلوها عن شاغل موجب لإقبالها على الخير وقبولها له، لأن الله تعالى ~~عند المنكسرة قلوبهم، وهكذا قالت قريش في أصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وما زالت أتباع الرسل كذلك حتى صارت من سماتهم وأماراتهم كما قال ~~هرقل في سؤاله عن أتباع النبي صلى الله عليه وسلم، فكان مثال المستكبرين ~~مثال شخص كان آخر دونه بدرجة، فأصبح فوقه بدرجة، فأنف من أن يرتقي إلى ~~درجته لئلا يساويه، ورضي لنفسه أن يكون دونه، فما اسخف عقله! وما أكثر ~~جهله! فلا شيء أبين من هذا في أن التقدم في الأمور الدنيوية داء لا دواء ~~له إلا إماتة النفس بالتبرؤ منه والبعد عنه. # ولما كانت الجواهر متساوية في أنها مخلوقات الله، وإنما تتشرف بآثارها، ~~فالآدمي إنما يشرف أو يرذل بحاله من قاله وفعاله، أشار إلى أنه يعتبر ما ~~هم عليه الآن من الأحوال الرفيعة، والأوصاف البديعة، فلذلك { قال } ~~نافيا لعلمه بما قالوه في صورة استفهام إنكاري: { وما } أي وأي شيء { ~~علمي بما كانوا يعملون* } أي قبل أن يتبعوني، أي وما لي وللبحث عن ذلك، ~~إنما لي ظاهرهم الآن وهو خير ظاهر، فهم الأشرفون وإن كانوا أفقر الناس ~~وأخسهم نسبا، فإن الغني غني الدين، والنسب نسب التقوى؛ ثم أكد أنه لا ~~يبحث عن بواطنهم بقوله: { إن } أي ما { حسابهم } أي في الماضي والآتي { ~~إلا على ربي } المحسن إلي باتباعهم لي ليكون لي مثل أجرهم، ms3284 المخفف عني ~~أن يكلفني بحاسبهم وتعرف بواطنهم، لأنه المختص بضبط جميع الأعمال والحساب ~~عليها { لو تشعرون* } أي لو كان لكم نوع شعور لعلمتم ذلك فلم تقولوا ما ~~قلتم مما هو دائر على أمور الدنيا فقط، ولا نظر له إلى يوم الحساب. # ولما أفهم قوله رد ما أفهمه قولهم من طردهم، صرح به في قوله: { وما } أي ~~ولست { أنا بطارد المؤمنين* } أي الذين صار الإيمان لهم وصفا راسخا فلم ~~يرتدوا عنه للطمع في إيمانكم ولا لغيره من اتباع شهواتكم؛ ثم علل ذلك ~~بقوله: { إن } أي ما { أنا إلا نذير } أي محذر، لا وكيل مناقش على ~~البواطن، ولا متعنت على الاتباع { مبين* } أوضح ما أرسلت به فلا أدع فيه ~~لبسا. # ولما أياسهم مما أرادوا من طرد أتباعه لما أوهموا من اتباعه لو طردهم ~~خداعا، أقبلوا على التهديد، فاستأنف سبحانه الإخبار عن ذلك بقوله: { ~~قالوا لئن لم تنته } ثم سموه باسمه جفاء وقلة أدب فقالوا: { يا نوح ~~لتكونن من المرجومين* } أي المقتولين، ولا ينفعك أتباعك هؤلاء الضعفاء. ### || [26.117-129] # ولما أيس منهم بما سمع من المبالغة بالتأكيد في قولهم، ورأى بما يصدقه ~~من فعلهم، قال تعالى مخبرا عنه جوابا لسؤال من يريد تعرف حاله بعد ذلك: ~~{ قال } شاكيا إلى الله تعالى ما هو أعلم به منه توطئة للدعاء عليهم ~~وإلهابا إليه وتهييجا، معرضا عن تهديدهم له صبرا واحتسابا، لأنه من ~~لازم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واكتفاء عنه بسببه: { رب } أي ~~أيها المحسن إلي. # ولما كان الحال مقتضيا لأن يصدقوه لما له في نفسه من الأمانة، وبهم من ~~القرابة، ولما أقام على ما دعاهم إليه من الأدلة مع ما له في نفسه من ~~الوضوح، أكد الإخبار بتكذيبهم، إعلاما بوجوده، وبإنه تحققه منهم من غير ~~شك فقال: { إن قومي كذبون* } أي فلا نية لهم في اتباعي { فافتح } أي احكم ~~{ بيني وبينهم فتحا } أي حكما يكون لي فيه فرج، وبه من الضيق مخرج، ~~فأهلك المبطلين وأنجز حتفهم { ونجني ومن معي } أي في الدين { من ~~المؤمنين* } مما ms3285 تعذب به الكافرين. # ولما كان في إهلاكهم وإنجائه من بديع الصنع ما يجل عن الوصف، أبرزه في ~~مظهر العظمة فقال: { فأنجيناه ومن معه } أي ممن لا يخالفه في الدين على ~~ضعفهم وقتلهم { في الفلك } ولما كانت سلامة المملوء جدا أغرب قال: { ~~المشحون* } أي المملوء بمن حمل فيه من الناس والطير وسائر الحيوان وما ~~حمل من زادهم وما يصلحهم. # ولما كان إغراقهم كلهم من الغرائب عظمه بأداة البعد - ومظهر العظمة ~~فقال: { ثم أغرقنا بعد } أي بعد حمله الذي هو سبب إنجائه { الباقين* } أي ~~من بقي على الأرض ولم يركب معه في السفينة على قوتهم وكثرتهم، وكان ذلك ~~علينا يسيرا. # ولما كان ذلك أمرا باهرا، عظمه بقوله: { إن في ذلك } أي الأمر العظيم ~~من الدعاء والإمهال ثم الإنجاء والإهلاك { لآية } أي عظيمة لمن شاهد ذلك ~~أو سمع به، على أنا ننتقم ممن عصانا، وننجي من أطاعنا، وأنه لا أمر لأحد ~~معنا فيهديه إلى الإيمان، ويحمله على الاستسلام والإذعان { وما } أي ~~والحال أنه ما { كان أكثرهم } أي أكثر العالمين بذلك { مؤمنين* } وقد ~~ينبغي لهم إذ فاتهم الإيمان لمحض الدليل أن يبادروا إليه ويركبوا معه حين ~~رأوا أوائل العذاب أو بعد أن ألجمهم الغرق { وإن ربك } المحسن إليك ~~بإرسالك، وتكثير أتباعك، وتعظيم أشياعك { لهو العزيز } أي القادر بعزته ~~على كل من قسرهم على الطاعة، وإهلاكهم في أول أوقات المعصية { الرحيم* } ~~أي الذي يخص من يشاء من عباده بخالص وداده، ويرسل إلى الضالين عن محجة ~~العقل القويمة الرسل لبيان ما يجب وما يكره، فلا يهلك إلا بعد البيان ~~الشافي، والإبلاغ الوافي. # ولما كان كأنه قيل: إن هذا لأمر هائل، في مثله موعظة، فما فعل من جاء ~~بعدهم؟ هل اتعظ؟ أجيب بقوله دلالة على الوصفين معا: { كذبت عاد } أي تلك ~~القبيلة التي مكن الله لها في الأرض بعد قوم نوح { المرسلين* } بالإعراض ~~عن معجزة هود عليه الصلاة والسلام؛ ثم سلى هذا النبي الكريم صلى الله ~~عليه وسلم بقوله: { إذ } أي حين { قال لهم أخوهم هود } لم ms3286 يتوقفوا في ~~تكذيبه ولم يتأخروا عن وقت دعائه لتأمل ولا غيره، وقد عرفوا صدق إخائه، ~~وعظيم نصحه ووفائه { ألا } بصيغة العرض تأدبا معهم وتلطفا بهم ولينالهم ~~{ تتقون* } أي تكون منكم تقوى لربكم الذي خلقكم فتعبدوه وحده ولا تشركوا ~~به ما لا يضر ولا ينفع؛ ثم علل بقوله: { إني لكم رسول } أي فهو الذي ~~حملني على أن أقول لكم ذلك { أمين } أي لا أكتم عنكم شيئا مما أمرت به ~~ولا أخالف شيئا منه { فاتقوا } أي فتسبب عن ذلك أني أقول لكم: اتقوا { ~~الله } الذي هو أعظم من كل شيء { وأطيعون* } أي في كل ما آمركم به من ~~دوام تعظيمه { وما } أي أنا رسول داع والحال أني ما { أسئلكم عليه } أي ~~الدعاء { من أجر } فتتهموني به { إن } أي ما { أجري إلا على رب العالمين* ~~}. # ولما فرغ من الدعاء إلى الأصل، وهو الإيمان بالرسول والمرسل، أتبعه ~~إنكار بعض ما هم عليه مما أوجبه الكفر، وأوجب الاشتغال به الثبات على ~~الغي، واعظا لهم بما كان لمن قبلهم من الهلاك، مقدمة على زيادة التأكيد ~~في التقوى والطاعة لأن حالهم حال الناسي لذلك الطوفان، الذي أهلك ~~الحيوان، وهدم البنيان فقال: { أتبنون بكل ريع } أي مكان مرتفع؛ قال أبو ~~حيان: وقال أبو عبيدة: الريع الطريق. وقال مجاهد: الفج بين الجبلين، ~~وقيل: السبيل سلك أم لم يسلك. وأصله في اللغة الزيادة { آية } أي علامة ~~على شدتكم لأنه لو كان لهداية أو نحوها لكفى بعض الأرياع دون كلها. # ولما كان إقامة الدليل على قوتهم بمثل ذلك قليل الجدوى عند التأمل، قال: ~~{ تعبثون* } والعاقل ينبغي له أن يصون أوقاته النفيسة عن العبث الذي لا ~~يكون سبب نجاته، وكيف يليق ذلك بمن الموت من ورائه. # ولما كان من يموت لا ينبغي له إنكار الموت بفعل ولا قول قال: { وتتخذون ~~مصانع } أي أشياء بأخذ الماء، أو قصورا مشيدة وحصونا تصنعونها، هي في ~~إحكامها بحيث تأكل الدهر قوة وثباتا، فلا يبنيها إلا من حاله حال الراجي ~~للخلود، ولذلك قال: { لعلكم تخلدون* } وهو معنى ms3287 ما في البخاري عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما من تفسيرها بكأنكم. ### || [26.130-143] # ولما بين أن عملهم عمل من لا يخاف الموت، أتبعه ما يدل على أنهم لا ~~يظنون الجزاء فقال: { وإذا بطشتم } أي بأحد، أخذتموه أخذ سطوة في عقوبة { ~~بطشتم جبارين* } أي غير مبالين بشيء من قتل أو غيره؛ قال البغوي: والجبار ~~الذي يضرب ويقتل على الغضب. # ولما خوفهم لهذا الإنكار عقاب الجبار، تسبب عنه أن قال: { فاتقوا الله } ~~أي الذي له جميع صفات الجلال والإكرام { وأطيعون* }. # ولما كان ادكار الإحسان موجبا للإذعان، قال مرغبا في الزيادة ومرهبا ~~من الحرمان: { واتقوا الذي أمدكم } أي جعل لكم مددا، وهو إتباع الشيء ~~بما يقويه على الانتظام { بما تعلمون* } أي ليس فيه نوع خفاء حتى تعذروا ~~في الغفلة عن تقييده بالشكر. # ولما أجمل، فصل ليكون أكمل، فقال: { أمدكم بأنعام } أي تعينكم على ~~الأعمال وتأكلون منها وتبيعون. ولما قدم ما يقيم الأود، أتبعه قوله: { ~~وبنين* } أي يعينونكم على ما تريدون عند العجز. ثم أتبعه ما يحصل كمال ~~العيش فقال: { وجنات } أي بساتين ملتفة الأشجار بحيث تستر داخلها، وأشار ~~إلى دوام الري بقوله: { وعيون* }. # ولما كانوا في إعراضهم كأنهم يقولون: ما الذي تبقيه منه؟ قال: { إني ~~أخاف عليكم } أي لأنكم قومي يسوءني ما يسوءكم - إن تماديتم على المعصية { ~~عذاب يوم عظيم* } وتعظيم اليوم أبلغ من تعظيم العذاب { قالوا } راضين بما ~~عندهم من داء الإعجاب، الموقع في كل ما عاب، { سواء علينا أوعظت } أي ~~خوفت وحذرت وكنت علامة زمانك في ذلك بأن تقول منه ما لم يقدر أحد على ~~مثله، دل على ذلك قوله: { أم لم تكن من الواعظين* } أي متأهلا لشيء من ~~رتبة الراسخين في الوعظ، معدودا في عدادهم، مذكورا فيما بينهم، فهو ~~أبلغ من " أم لم تعظ " أو " تكن واعظا، والوعظ - كما قال البغوي: كلام ~~يلين القلب بذكر الوعد والوعيد. والمعنى أن الأمر مستو في الحالتين في ~~أنا لا نطيعك في شيء؛ ثم عللوا ذلك بقولهم: { إن } أي ما { هذا } أي الذي ~~جئتنا ms3288 به { إلا خلق } بفتح الخاء وإسكان اللام في قراءة ابن كثير وأبي ~~عمرو والكسائي { الأولين* } أي كذبهم، أو ما هذا الذي نحن فيه إلا عادة ~~الأولين في حياة ناس وموت آخرين، وعافية قوم وبلاء آخرين، وعليه تدل ~~قراءة الباقين بضم الخاء واللام { وما نحن بمعذبين* } لأنا أهل قوة ~~وشجاعة ونجدة وبراعة. # ولما تضمن هذا التكذيب، سبب عنه قوله: { فكذبوه } ثم سبب عنه قوله: { ~~فأهلكناهم } أي بالريح بما لنا من العظمة التي لا تذكر عندها عظمتهم، ~~والقوة التي بها كانت قوتهم { إن في ذلك } أي الإهلاك في كل قرن للعاصين ~~والإنجاء للطائعين { لآية } أي عظيمة لمن بعدهم على أنه سبحانه فاعل ذلك ~~وحده بسبب أنه يحق الحق ويبطل الباطل، وأنه مع أوليائه ومن كان معه لا ~~يذل وعلى أعدائه ومن كان عليه لا يعز { وما كان أكثرهم } أي أكثر من كان ~~بعدهم { مؤمنين* } فلا تحزن أنت على من أعرض عن الإيمان { وإن ربك } أي ~~المحسن إليك بإرسالك وغيره من النعم { لهو العزيز } في انتقامه { الرحيم* ~~} في إنعامه وإكرامه وإحسانه، مع عصيانه وكفرانه، وإرسال المنذرين ~~وتأييدهم بالآيات المعجزة لبيان الطريق الأقوم، والمنهج الأسلم، فلا يهلك ~~إلا بعد الإعذار بأبلغ الإنذار؛ ثم دل على ذلك لمن قد ينسى إذ كان ~~الإنسان مجبولا على النسيان بقوله: { كذبت ثمود } وهو أهل الحجر { ~~المرسلين* } وأشار إلى زيادة التسلية بمفاجأتهم بالتكذيب من غير تأمل ولا ~~توقف بقوله: { إذ } أي حين { قال لهم أخوهم } أي الذي يعرفون صدقه ~~وأمانته، وشفقته وصيانته { صالح } وأشار إلى تلطفه بهم بقوله على سبيل ~~العرض { ألا تتقون* } ثم علل ذلك بقوله: { إني لكم رسول } أي من الله، ~~فلذلك عرضت عليكم هذا لأني مأمور بذلك، وإلا لم أعرضه عليكم { أمين* } لا ~~شيء من الخيانة عندي، بل أنصح لكم في إبلاغ جميع ما أرسلت به إليكم من ~~خالقكم، الذي لا أحد أرحم بكم منه. ### || [26.144-154] # ولما قدم ذكر الرسالة فصار له عذر في المواجهة بالأمر، سبب عنه قوله { ~~فاتقوا الله } أي الملك الأعلى الذي له ms3289 الغنى المطلق. ولما ذكر الأمانة ~~قال: { وأطيعون* }. # ولما أثبت ما يوجب الإقبال عليه، نفى ما يستلزم عادة الإدبار عنه فقال: ~~{ وما } أي إني لكم كذا والحال أني ما { أسئلكم عليه } وأعرق في النفي ~~بقوله: { من أجر } ثم زاد في تأكيد هذا النفي بقوله: { إن } أي ما { أجري ~~} على أحد { إلا على رب العالمين* } أي المحسن إليهم أجمعين، منه أطلب أن ~~يعطيني كما أعطاهم. # ولما ثبتت الأمانة، وانتفى موجب الخيانة، شرع ينكر عليهم أكل خيره ~~وعبادة غيره، فقال مخوفا لهم من سطواته، ومرغبا في المزيد من خيراته. ~~منكرا عليهم إخلادهم إلى شهوة البطن، واستنادهم إلى الرفاهية والرضى ~~بالفاني: { أتتركون } أي من ايدي النوائب التي لا يقدر عليها إلا الله { ~~في ما هاهنا } أي في بلادكم هذه من النعم حال كونكم { آمنين* } أي أنتم ~~تبارزون الملك القهار بالعظائم. # ولما كان للتفسير بعد الإجمال شأن. بين ما أجمل بقوله مذكرا لهم بنعمة ~~الله ليشكروها: { في جنات } أي بساتين تستر الداخل فيها وتخفيه لكثرة ~~أشجارها { وعيون* } تسقيها مع ما لها من البهجة وغير ذلك من المنافع { ~~وزروع } وأشار إلى عظم النخيل ولا سيما ما كان عندهم بتخصيصها بالذكر بعد ~~دخولها في الجنات بقوله: { ونخل طلعها } أي ما يطلع منها من الثمر؛ قال ~~الزمخشري: كنصل السيف في جوفه شماريخ القنو، والقنو اسم للخارج من الجذع ~~كما هو بعرجونه وشماريخه. { هضيم* } أي جواد كريم من قولهم: يد هضوم - ~~إذا كانت تجود بما لديها، وتفسيره بذلك يجمع أقوال العلماء، وإليه يرجع ~~ما قال أبو عبد الله القزاز معناه أنه قد هضم - أي ضغط - بعضه بعضا ~~لتراكمه، فإنه لا يكون كذلك إلا وهو كثير متقارب النضد، لا فرج بينه، ~~ولطيف لين هش طيب الرائحة، من الهضم بالتحريك، وهو خمس البطن ولطف الكشح؛ ~~والهاضم وهو ما فيه رخاوة، والهضم: البخور، والمهضومة: طيب يخلط بالمسك ~~واللبان؛ قال الرازي في اللوامع: أو يانع نضيج لين رخو ومتهشم متفتت إذا ~~مس، أو يهضم الطعام، وكل هذا يرجع إلى لطافته. # ولما ذكر اللطيف ms3290 من أحوالهم، أتبعه الكثيف من أفعالهم، فقال عطفا على { ~~أتتركون } أو مبينا لحال الفاعل في { آمنين }: { وتنحتون } أي والحال ~~أنكم تنحتون إظهارا للقدرة { من الجبال بيوتا فارهين* } أي مظهرين ~~النشاط والقوة، تعظيما بذلك وبطرا، لا لحاجتكم إلى شيء من ذلك { فاتقوا ~~} أي فتسبب عن ذلك أني أقول لكم: اتقوا { الله } الذي له جميع العظمة بأن ~~تجعلوا بينكم وبين عذابه وقاية باتباع أوامره؛ واجتناب زواجره { وأطيعون* ~~} أي في كل ما آمركم به وأنهاكم عنه. # فإني لا آمركم إلا بما يصلحكم فيكون سببا لحفظ ما أنتم فيه وتزدادون { ~~ولا تطيعوا }. # ولما كان لانقياد للآمر إنما هو بواسطة ما ظهر من أمره قال: { أمر ~~المسرفين* } اي المتجاوزين للحدود الذي صار لهم ذلك خلقا: ثم وصفهم بما ~~بين إسرافهم، وهو ارتكاب الفساد الخالص المصمت الذي لا صلاح معه فقال: { ~~الذين يفسدون في الأرض } أي يعملون ما يؤدي إلى الفساد لكونه غير محكم ~~باستناده إلى الله. # ولما كان ربما ادعى في بعض الفساد أن فيه صلاحا، نفى ذلك بقوله: { ولا ~~يصلحون* } أي لأنهم أسسوا أمرهم على الشرط فصاروا بحيث لا يصلح لهم عمل ~~وإن تراءى غير ذلك، أو أن المعنى أن المسرف من كان عريقا في الإسراف ~~بجمع هذين الأمرين. # ولما دعا إلى الله تعالى بما لا خلل فيه، فعلموا أنهم عاجزون عن الطعن ~~في شيء منه، عدلوا إلى التخييل على عقول الضعفاء بأن { قالوا إنما أنت من ~~المسحرين* } أي الذين بولغ في سحرهم مرة بعد مرة مع كونهم آدميين ذمي ~~سحور، وهي الرئات، فأثر فيك السحر حتى غلب عليك؛ ونقل البغوي عن ابن عباس ~~رضي الله عنهما أن معناه: من المخلوقين المعللين بالطعام والشراب، يقال: ~~سحره أي علله بالطعام والشراب. ويؤيده تفسيره بقولهم إشارة إلى أنه لا ~~يصلح للرسالة: { ما أنت إلا بشر مثلنا } أي فما وجه خصوصيتك عنا ~~بالرسالة، وهل يكون الرسول من البشر، وإتباعهم الوصف الوصف من غير عطف ~~عليه يدل على أنهم غير جازمين بتكذيبه. فالوصفان عندهم بمنزلة شيء واحد ~~كما ms3291 إذا قيل: الزمان حلو حامض، أي مر، ويؤيد كونهم في رتبة الشك لم ~~يتجاوزوها إلى الجزم أو الظن بالتكذيب قولهم: { فأت بآية } أي علامة ~~تدلنا على صدقك { إن كنت } أي كونا هو غاية الرسوخ { من الصادقين* } أي ~~العريقين في الصدق بخلاف ما يأتي قريبا في قصة شعيب عليه السلام. ### || [26.155-163] # ولما أسرع الله تعالى في إجابته حين دعا أن يعطيهم ما اقترحوا، أشار إلى ~~ذلك بقوله: { قال } أي جوابا لاقتراحهم: تعالوا نظروا ما آتيكم به آية ~~على صدقي، فأتوا فأخرج الله له من الصخرة ناقة عشراء كما اقترحوا، فقال ~~مشيرا إليها بأداة القرب إشارة إلى سهولة إخراجها وسرعته: { هذه ناقة } ~~أي أخرجها ربي من الصخرة كما اقترحتم؛ ثم أشار إلى أن في هذه الآية آية ~~أخرى بكونها تشرب ماء البئر كله في يوم وردها وتكف عنه في اليوم الثاني ~~لأجلهم، بقوله: { لها شرب } أي نصيب من الماء في يوم معلوم { ولكم شرب ~~يوم } أي نصيب من الماء في يوم { معلوم* } لازحام بينكم وبينها في شيء من ~~ذلك. # ولما أرشد السياق إرشادا بينا إلى أن المعنى: فخذوا شربكم واتركوا ~~لها شربها، عطف عليه قوله: { ولا تمسوها بسوء } أي كائنا ما كان وإن قل، ~~لأن ما كان من عند الله يجب إكرامه، ورعايته واحترامه؛ ثم خوفهم بما ~~يتسبب عن عصيانهم فقال: { فيأخذكم } أي يهلككم { عذاب يوم عظيم* } بسبب ~~ما حل فيه من العذاب، فهو أبلغ من وصف العذاب بالعظم، وأشار إلى سرعة ~~عصيانهم بفاء التعقيب في قوله: { فعقروها } أي قتلوها بضرب ساقها بالسيف. # ولما تسبب عن عقرها حلول مخايل العذاب، أخبر عن ندمهم على قتلها من حيث ~~إنه يفضي إلى الهلاك، لا من حيث إنه معصية لله ورسوله. فقال: { فأصبحوا ~~نادمين* } أي على عقرها لتحقق العذاب؛ وأشار إلى أن ذلك الندم لا على وجه ~~التوبة أو أنه عند رؤية البأس فلم ينفع، أو أن ذلك كناية عن أن حالهم صار ~~حال النادم، لا أنه وجد منهم ندم على شيء ما، فإنه نقل ms3292 عنهم أنه أتاهم ~~العذاب العذاب وهو يحاولون أن يقتلوا صالحا عليه السلام، بقوله: { ~~فأخذهم العذاب } أي المتوعد به. # ولما كان في الناقة وفي حلول المخايل كما تقدم أعظم دليل على صدق الرسول ~~الداعي إلى الله قال: { إن في ذلك لآية } أي دلالة عظيمة على صحة ما ~~أمروا به عن الله، { وما } أي والحال أنه مع ذلك ما { كان أكثرهم مؤمنين* ~~}. # ولما كان ربما توهم أنه سبحانه غير متصف بالعزة لعدم قسرهم على الإيمان، ~~أو بالرحمة لإهلاكهم، قال: { وإن ربك لهو العزيز } أي فلا يخرج شيء من ~~قبضته وإرادته، وهو الذي أراد لهم الكفر { الرحيم* } في كونه لم يهلك ~~أحدا حتى أرسل إليهم رسولا فبين لهم ما يرضاه سبحانه وما يسخطه، وأبلغ ~~في إنذارهم حتى أقام الحجة بذلك، ثم هو سبحانه يضل من يشاء لما تعلم من ~~طبعه على ما يقتضي الشقاوة، ويوفق من علم منه الخير لما يرضيه، فيتسبب عن ~~ذلك سعادته، وفي تكريره سبحانه هذه الآية آخر كل قصة على وجه التأكيد ~~وإتباعها ما دلت عليه من كفر من أتى بعد أصحابها. # من غير اتعاظ بحالهم، ولا نكوب عن مثل ضلالهم، خوفا من نظير نكالهم، ~~أعظم تسلية لهذا النبي الكريم، وتخويف لكل عليم حليم، واستعطاف لكل ذي ~~قلب سيلم، ولذلك قال واصلا بالقصة: { كذبت } أي دأب من تقدم كأنهم ~~تواصوا به { قوم لوط المرسلين* } لأن من كذب رسولا - كما مضى - فقد كذب ~~الكل، لتساوي المعجزات في الدلالة على الصدق. وقد صرحت هذه الآية بكفرهم ~~بالتكذيب. وبين إسراعهم في الضلال بقوله: { إذ } أي حين { قال لهم أخوهم ~~} أي في السكنى في البلد لا في النسب لأنه ابن أخي إبراهيم عليه السلام، ~~وهما من بلاد الشرق من بلاد بابل - وكأنه عبر بالأخوة لاختياره ~~لمجاورتهم، ومناسبتهم بمصاهرتهم، وإقامته بينهم في مدينتهم مدة مديدة، ~~وسنين عديدة، وإتيانه بالأولاد من نسائهم، مع موافقته لهم في أنه قروي، ~~ثم بينه بقوله: { لوط ألا تتقون* } أي تخافون الله فتجعلوا بينكم وبين ~~سخطه وقاية. # ولما كان مضمون ms3293 هذا الدعاء لهم والإنكار عليهم في عدم التقوى علل ذلك ~~بقوله: { إني لكم } أي خاصة { رسول أمين* } أي لا شيء من غش ولا خيانة ~~عندي، ولذلك سبب عنه قوله: { فاتقوا الله } أي لقدرته على إهلاك من يريد ~~وتعاليه في عظمته { وأطيعون* } أي لأن طاعتي سبب نجاتكم، لأني لا آمركم ~~إلا بما يرتضيه. ولا أنهاكم إلا عما يغضبه. ### || [26.164-171] # ولما أثبت الداعي إلى طاعته، نفى الناهي عنها فقال: { وما أسئلكم عليه } ~~أي الدعاء إلى الله { من أجر } أي فتتهموني بسببه؛ ونفى سؤاله لغيرهم من ~~الخلائق بتخصيصه بالخالق فقال: { إن } أي ما { أجري إلا على رب العالمين* ~~} أي المحسن إليهم بإيجادهم ثم تربيتهم. فلما وجدوا المقتضى لاتباعه ~~وانتفى المانع، أنكر عليهم ما يوجب عذابهم من إيثارهم شهوة الفرج المخرج ~~لهم إلى ما صاروا به سبة في الخلق فقال موبخا مقرعا بيانا لتفاحش ~~فعلهم وعظمه: { أتأتون } أي إتيان المعصية { الذكران } ولعلهم كانوا ~~يفعلون بالذكور من غير الآدميين توغلا في الشر وتجاهرا بالتهتك لقوله: ~~{ من العالمين* } أي كلهم، أو يكون المعنى: من بين الخلائق، أي أنكم ~~اختصصتم بإتيان الذكران، لم يفعل هذا الفعل غيركم من الناكحين من الخلق { ~~وتذرون } أي تتركون لهذا الغرض { ما خلق لكم } أي النكاح { ربكم } المحسن ~~إليكم { من أزواجكم } أي وهن الإناث، على أن " من " للبيان، ويجوز أن ~~تكون مبعضة، ويكون المخلوق كذلك هو القبل. # ولما كانوا كأنهم قالوا: نحن لم نترك أزواجنا، حملا لقوله على الترك ~~أصلا ورأسا وإن كانوا قد فهموا أن مراده تركهن حال الفعل في الذكور، ~~قال مضربا عن مقالهم هذا المعلوم تقديره لما أرادوه به، حيدة عن الحق، ~~وتماديا في الفجور: { بل أنتم قوم عادون* } أي تركتم الأزواج بتعدي ~~الفعل بهن وتجاوزه إلى الفعل بالذكران، وليس ذلك ببدع من أمركم، فإن ~~العدوان - الذي هو مجاوزة الحد في الشر - وصف لكم أنتم عريقون فيه، فلذلك ~~لا تقفون عند حد حده الله تعالى. # فلما اتضح الحق، وعرف المراد، وكان غريبا عندهم، وتشوف السامع إلى ~~جوابهم، استؤنف الإخبار ms3294 عنه، فقيل إعلاما بانقطاعهم وأنهم عارفون أنه لا ~~وجه لهم في ذلك أصلا لعدولهم إلى الفحش: { قالوا } مقسمين: { لئن لم ~~تنته } وسموه باسمه جفاء وغلظة فقالوا: { يا لوط } عن مثل إنكارك هذا ~~علينا. # ولما كان لما له من العظمة بالنبوة والأفعال الشريفة التي توجب إجلاله ~~وإنكار كل من يسمعهم أن يخرج مثله، زادوا في التأكيد فقالوا: { لتكونن من ~~المخرجين } أي ممن أخرجناه من بلدنا على وجه فظيع تصير مشهورا به بينهم. ~~إشارة إلى أنه غريب عندهم، وأن عادتهم المستمرة نفي من اعترض عليهم، وكان ~~قصدهم بذلك أن يكونوا هم المتولين لإخراجه إهانة له للاستراحة منه، فكان ~~إخراجه، لكن إخراج إكرام للاستراحة منهم والنجاة من عذابهم بتولي ~~الملائكة الكرام { قال } أي جوابا لهم: { إني } مؤكدا لمضمون ما يأتي ~~به { لعملكم } ولم يقل: قال بل زاد في التأكيد بقوله: { من القالين* } أي ~~المشهورين ببغض هذا العمل الفاحش، العريقين في هذا الوصف، المذكورين بين ~~الناس بمنابذة من يفعله، لا يردني عن إنكاره تهديدكم لي بإخراج ولا غيره، ~~والقلاء: بغض شديد كأنه يقلي الفؤاد. # ولما بادأهم بمثل هذا الذي من شأنه الإفضاء إلى الشر، أقبل على من يفعل ~~ذلك لأجله، وهو القادر على كل شيء العالم بكل شيء، فقال: { رب نجني وأهلي ~~مما } أي من الجزاء الذي يلحقهم لما { يعملون* }. # ولما قبل سبحانه وتعالى دعاءه، أشار إلى ذلك بقوله: { فنجيناه وأهله } ~~مما عذبناهم به بإخراجنا له من بلدهم حين ستخفافهم له، ولم يؤخره عنهم ~~إلى حين خروجه إلا لأجله، وعين سبحانه المراد مبينا أن أهله كثير بقوله: ~~{ أجمعين* } أي أهل بيته والمتبعين له على دينه { إلا عجوزا } وهي ~~امرأته، كائنة { في } حكم { الغابرين* } أي الماكثين الذي تلحقهم الغبرة ~~بما يكون من الداهية فإننا لن ننجها لقضائنا بذلك في الأزل، لكونها لم ~~تتابعه في الدين، وكان هواها مع قومها. ### || [26.172-180] # ولما ذكر نجاته المفهمة لهلاكهم، صرح به على وجه هوله بأداة التراخي لما ~~علم غير مرة أنه كان عقب خروجه، لم يتخلل بينهما مهلة فقال: ms3295 { ثم دمرنا } ~~أي أهلكنا هلاكا بغتة صلبا أصم في غاية النكد، وما أحسن التعبير عنهم ~~بلفظ { الآخرين* } لإفهام تأخرهم من كل وجه. # ولما كان معنى { دمرنا }: حكمنا بتدميرهم، عطف عليه قوله: { وأمطرنا } ~~ودل على العذاب بتعديته ب " على " فقال: { عليهم مطرا } أي وأي مطر، ~~ولذلك سبب عنه قوله: { فساء مطر المنذرين* } أي ما أسوأ مطر الذين خوفهم ~~لوط عليه السلام بما أشار إليه إنكاره وتعبيره بالتقوى والعدوان. # ولما كان في جري المكذبين والمصدقين على نظام واحد من الهلاك والنجاة ~~أعظم عبرة وأكبر موعظة، أشار إلى ذلك بقوله: { إن في ذلك لآية } أي دلالة ~~عظيمة على صدق الرسل في جميع ترغيبهم وترهيبهم وتبشيرهم وتحذيرهم. # ولما كان من أتى بعد هذه الأمم كقريش ومن تقدمهم قد علموا أخبارهم، ~~وضموا إلى بعض الأخبار نظر الديار، والتوسم في الآثار قال معجبا من ~~حالهم في ضلالهم: { وما } أي والحال أنه ما { كان أكثرهم مؤمنين* }. # ولما كان في ذلك إشارة إلى الإنذار بمثل ما حل بهم من الدمار، أتبعه ~~التصريح بالتخويف والإطماع فقال: { وإن ربك لهو } أي وحده { العزيز } أي ~~في بطشه بأعدائه { الرحيم* } في لطفه بأوليائه، ورفقه بأعدائه بإرسال ~~الرسل، وبيان كل مشكل؛ ثم وصل بذلك دليله، فقال مذكرا الفعل لشدة كفرهم ~~بدليل ما يأتي من إثبات الواو في { وما أنت إلا بشر مثلنا }: { كذب أصحاب ~~لئيكة } أي الغيضة ذات الأرض الجيدة التي تبتلع الماء فتنبت الشجر الكثير ~~الملتف { المرسلين* } لتكذيبهم شعيبا عليه السلام فيما أتى به من ~~المعجزة السماوية في خرق العادة وعجز المتحدين بها عن مقاومتها - لبقية ~~المعجزات الآتي بها الأنبياء عليهم الصلاة والسلام { إذ قال لهم }. # ولما كانوا أهل بدو وكان هو عليه السلام قرويا، قال: { شعيب } ولم يقل: ~~أخوهم، إشارة إلى أنه لم يرسل نبيا إلا من أهل القرى، تشريفا لهم لأن ~~البركة والحكمة في الاجتماع، ولذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~التعرب بعد الهجرة، وقال: # " من يرد الله به خيرا ينقله من البادية إلى الحاضرة " # { ألا تتقون* } أي ms3296 تكونون من أهل التقوى، وهو مخافة من الله سبحانه ~~وتعالى. # ولما كان كأنه قيل: ما لك ولهذا؟ قال: { إني } وأشار إلى تبشيرهم إن ~~أطاعوه بقوله: { لكم رسول } أي من الله، فهو أمرني أن أقول لكم ذلك { ~~أمين* } أي لا غش عندي ولا خداع ولا خيانه، فلذلك أبلغ جميع ما أرسلت به، ~~ولذلك سبب عنه قوله: { فاتقوا الله } أي المستحق لجميع العظمة، وهوالمحسن ~~إليكم بهذه الغيضة وغيرها { وأطيعون* } أي لما ثبت من نصحي. # ولا قدم ما هو المقصود بالذات. عطف على خبر { إن } قوله: { وما أسئلكم ~~عليه من أجر } نفيا لما ينفر عنه؛ ثم زاد في البراءة مما يوكس من الطمع ~~في أحد من الخلق فقال: { إن } أي ما { أجري إلا على رب العالمين* } أي ~~المحسن إلى الخلائق كلهم، فأنا لا أرجو أبدا أحدا يحتاج إلى الإحسان ~~إليه، وإنما أعلق أملي بالمحسن الذي لا يحتاج إلى أحد، وكل أحد سائل من ~~رفده، وآخذ من عنده ولقد اتضح أن الرسل متطابقون في الدعوة في الأمر ~~بالتقوى والطاعة والإخلاص في العبادة، مع النصح والعفة، والأمانة والخشية ~~والمحسبة. ### || [26.181-189] # ولما كان كأنه قيل: ما الذي تنعى فيه؟ قال: مبينا أن داءهم حب المال، ~~المفضي لهم إلى سوء الحال، { أوفوا الكيل } أي أتموه إتماما لا شبهة فيه ~~إذا كلتم كما توفونه إذا اكتلتم لأنفسكم. ولما أمرهم بالإيفاء نهاهم عن ~~النقص على وجه أعم فقال: { ولا تكونوا } أي كونا هو كالجبلة، ولعله ~~إشارة إلى ما يعرض من نحو ذلك من الخواطر أو الهيئات التي يغلب الإنسان ~~فيها الطبع ثم يرجع عنها رجوعا يمحوها، ولذلك قال: { من المخسرين* } أي ~~الذين يخسرون - أي ينقصون - أنفسهم أديانها بإخسار الناس دنياهم بنقص ~~الكيل أو غيره من أنواع النقص من كل ما يوجب الغبن، فتكونوا مشهورين بذلك ~~بين من يفعله. # ولما أمر بوفاء الكيل، أتبعه بمثل ذلك في الوزن، ولم يجمعهما لما ~~للتفريق من التعريف بمزيد الاهتمام فقال: { وزنوا } أي لأنفسكم وغيركم { ~~بالقسطاس } أي الميزان الأقوم؛ وأكد معناه بقوله: { المستقيم* }. # ولما ms3297 أمر بالوفاء في الوزن، أتبعه نهيا عن تركه عاما كما فعل في الكيل ~~ليكون آكد فقال: { ولا تبخسوا } أي تنقصوا { الناس أشياءهم } أي في كيل ~~أو وزن أو غيرهما نقصا يكون كالسبخة لا فائدة فيه. ثم أتبع ذلك بما هو ~~أعم منه فقال: { ولا تعثوا } أي تتصرفوا { في الأرض } عن غير تأمل حال ~~كونكم { مفسدين* } أي في المال أو غيره، قاصدين بذلك الإفساد - كما تقدم ~~بيانه في سورة هود عليه السلام. # ولما وعظهم فابلغ في وعظهم بما ختمه بالنهي عن الفساد، خوفهم من سطوات ~~الله تعالى ما أحل بمن هو أعظم منهم فقال: { واتقوا الذي خلقكم } أي ~~فإعدامكم أهون شيء عليه، وأشار إلى ضعفهم وقوة من كان قبلهم بقوله: { ~~والجبلة } أي الجماعة والأمة { الأولين* } الذين كانوا على خلقة وطبيعة ~~عظيمة كأنها الجبال قوة وصلابة لا سيما قوم هود عليه السلام الذين هم عرب ~~مثلكم، وقد بلغت بهم الشدة في أبدانهم، والصلابة في جميع أركانهم، إلى أن ~~قالوا # من أشد منا قوة # [فصلت: 15] وقد بلغكم ما أنزل بهم سبحانه من بأسه، لأن العرب أعلم الناس ~~بأخبارهم. # ولما كان الحاصل ما مضى الإعلام بالرسالة، والتحذير من المخالفة، لأنها ~~تؤدي إلى الضلالة إلى أن ختم ذلك بالإشارة بالتعبير بالجبلة إلى أن عذابه ~~تعالى عظيم، لا يستعصي عليه صغير ولا كبير، أجابوه بالقدح في الرسالة ~~أولا، وباستصغار الوعيد ثانيا، بأن { قالوا إنما أنت من المسحرين* } أي ~~الذين كرر سحرهم مرة بعد أخرى حتى اختبلوا، فصار كلامهم على غير نظام، أو ~~من المعللين بالطعام والشراب كما مضى في صالح عليه السلام، أي فأنت بعيد ~~من الصلاحية للرسالة: ثم أشاروا إلى عدم صلاحية البشر مطلقا لها ولو ~~كانوا أعقل الناس وأبعدهم عن الآفة بقولهم، عاطفين بالواو إشارة إلى ~~عراقته فيما وصفوه به من جهة السحر والسحر، وأنه لا فرق بينه وبينهم: { ~~وما أنت إلا بشر مثلنا } أي فلا وجه لتخصيصك عنا بذلك، والدليل على أن ~~عطف ذلك أبلغ من إتباعه من غير عطف جزمهم بظن كذبه ms3298 في قولهم؛ { وإن } أي ~~وإنا { نظنك لمن الكاذبين* } أي العريقين في الكذب - هذا مذهب البصريين ~~في أن { إن } مخففة من الثقيلة، والذي يقتضيه السياق ترجح مذهب الكوفيين ~~هنا في أن { إن } نافية، فإنهم أرادوا بإثبات الواو في { وما } المبالغة ~~في نفي إرساله بتعداد ما ينافيه، فيكون مرادهم أنه ليس لنا ظن يتوجه إلى ~~غير الكذب، وهو أبلغ من إثبات الظن به، ويؤيده تسبيبهم عنه سؤاله استهزاء ~~به وتعجيزا له إنزال العذاب بخلاف ما تقدم عن قوم صالح عليه السلام، ~~فقالوا: { فأسقط علينا كسفا } بإسكان السين على قراءة الجماعة وفتحها في ~~رواية حفص، وكلاهما جمع كسفة، أي قطعا { من السماء } أي السحاب، أو ~~الحقيقة، وهذا الطلب لتصميمهم على التكذيب، ولو كان فيهم أدنى ميل إلى ~~التصديق لما أخطروه ببالهم فضلا عن طلبه ولا سيما كونه على وجه التهكم، ~~ولذلك قالوا: { إن كنت } أي كونا هو لك كالجبلة { من الصادقين* } أي ~~العريقين في الصدق، المشهورين فيما بين أهله، لنصدقك فيما لزم من أمرك ~~لنا باتخاذ الوقاية من العذاب من التهديد بالعذاب، وما أحسن نظره إلى ~~تهديده لهم بما لله عليهم من القدرة في خلقهم وخلق من كانوا أشد منهم قوة ~~وإهلاكهم بأنواع العذاب لما عصوه بتكذيب رسله. # ولما كان عذاب العاصي يتوقف على العلم المحيط بأعماله، والقدرة على ~~نكاله، استأنف تعالى الحكاية عنه في تنبيهه لهم على ذلك بقوله: { قال } ~~مشيرا إلى أنه لا شيء من ذلك إلا إلى من أرسله، وهو متصف بكلا الوصفين، ~~وأما هو فإنه وإن كان عالما فهو قاصر العلم فهو غير قادر: { ربي أعلم } ~~أي مني { بما تعملون* } لأنه محيط العلم فهو شامل القدرة، فهو يعلم ~~استحقاقكم للعذاب، ومقدار ما تستحقون منه ووقت إنزاله، فإن شاء عذبكم، ~~وأما أنا فليس علي إلا البلاغ وأنا مأمور به، فلم أخوفكم من نفسي ولا ~~ادعيت قدرة على عذابكم، فطلبكم ذلك مني ظلم منكم مضموم إلى ظلمكم ~~بالتكذيب. # ولما كان محط كلامهم كله على تكذيبهم له من غير قدح في قدرة ms3299 الخالق، سبب ~~العذاب عن تكذيبهم فقال: { فكذبوه } أي استمروا على تكذيبه { فأخذهم } أي ~~أخذ ملاك { عذاب يوم الظلة } وهي سحابة على نحو ما طلبوا من قطع السماء، ~~أتتهم بعد حر شديد نالهم حتى من الأسراب في داخل الأرض أشد مما نالهم من ~~خارجها ليعلم أن لا فاعل إلا الله، وأنه يتصرف كيف شاء على مقتضى العادة ~~وغير مقتضاها فوجدوا من تلك الظلة نسيما باردا، وروحا طيبا، فاجتمعوا ~~تحتها استرواحا إليها واستظلالا بها، فأمطرت عليهم نارا فاحترقوا بنحو ~~مما اقترحوا وأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا، فنفذت فيهم سهام القدرة. # ولم يجدوا من دونها وقاية ولا سترة من غير أن تدعو حاجة إلى سقوط شيء من ~~جرم السماء، ولا بما دونها من العماء. # ولما كان الحال موجبا للسؤال عن يوم الظلة، قال تعالى مهولا لأمره ~~ومعظما لقدره: { إنه كان } فأكد ب " إن " وعظم ب " كان " { عذاب يوم ~~عظيم* } وزاده عظما بنسبته إلى اليوم فصار له من الهول، ببديع هذا ~~القول، ما تجب له القلوب وتعظم الكروب. ### || [26.190-199] # ولما كان لتوالي الإخبار بإهلاك هذه القرون، وإبادة من ذكر من تلك ~~الأمم، من الرعب ما لا يبلغ وصفه، ولا يمكن لغيره سبحانه شرحه، قال تعالى ~~مشيرا إليه تحذيرا من مثله: { إن في ذلك } أي الأمر العظيم من الإنجاء ~~المطرد لكل رسول ومن أطاعه، والأخذ المطرد لمن عصاه في كل عصر بكل قطر، ~~بحث لا يشذ من الفريقين إنسان قاص ولا دان { لآية } أي لدلالة واضحة ~~عظيمة على صدق الرسل وأن يكونوا جديرين بتصديق العباد لهم في جميع ما ~~قالوا من البشائر والنذائر بأن الله تعالى يهلك من عصاه، وينجي من والاه، ~~لأنه الفاعل المختار، لا مانع له، ولا سيما أنت وأنت أعظمهم منزلة، ~~وأكرمهم رتبة، ولا سيما وقد أتيت قومك بما لا يكون معه شك لو لم يكن لهم ~~بك معرفة قبل ذلك، فكيف وهم عارفون بأنك كنت قبل الرسالة أصدقهم لهجة، ~~وأعظمهم أمانة، وأغزرهم عقلا، وأوضحهم نبلا، وأعلاهم همة، وأبعدهم عن ~~كل ms3300 دنس - وإن قل - ساحة؛ ثم عجب من توقفهم في الإيمان مع ما عرفوا من صدق ~~نبيهم وطهارة أخلاقه، ووفور شفقته عليهم، ولم يخافوا من مثل ما تحقفوه من ~~إهلاك هذه الأمم فقال: { وما كان أكثرهم } أي أكثر قومك كما كان من قبلهم ~~مع رؤية هذه الآيات، وإحلال المثلات حتى لكأنهم تواصوا بذلك { مؤمنين* } ~~أي عريقين في الإيمان، بل ما يؤمنون إلا وهو مشركون. # ولما كان هذا كله تأسية للداعي صلى الله عليه وسلم، وتهديدا لمن تمادى ~~على تكذيبه، وترجية لمن رجع عن ذنوبه، أشار إلى ذلك بقوله: { وإن ربك } ~~أي المحسن إليك بكل ما يعلي شأنك، ويوضح برهانك { لهو العزيز } فلا يعجزه ~~أحد، ولا ينسب في إمهال عاص إلى إهمال ولا عجز { الرحيم* } فلا يأخذ إلا ~~بعد تجاوز الحد، واليأس عن الرد، مع البيان الشافي، في الإبلاغ الوافي، ~~والتلطف الكافي، وكرر الختام بهذا الكلام في هذه السورة ثماني مرات فلعل ~~من أسراره الإشارة إلى سبق الرحمة للغضب، لأن من السورة - المفتتحة ~~بالكتاب القيم والعبد الكامل بالإضافة إلى الملك الأعظم اللذين هما رحمة ~~الخالق للخلائق، وذكر فيها مع تقديمها في الترهيب أهل الرحمة من أهل ~~الكهف الذين قالوا { هب لنا من لدنك رحمة } وموسى والخضر عليهما السلام ~~اللذين آتى كلا منهما من لدنه رحمة، وذا القرنين الذي آتاه من كل شيء ~~سببا فأتبع سببا وقال { هذا رحمة من ربي } - إلى سورة الرحمة بإنزال ~~الفرقان على عبده المضاف إليه للإنذار المؤذن بصفة العزة - ثماني سور، ~~فكل منهما ثامنة الأخرى، وافتتحت السورة الوالية للفرقان تفصيلا لما في ~~أول الكهف بقوله: { لعلك باخع نفسك } وبذكر ما على الأرض من زينة { ألم ~~يروا إلى الأرض كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم } كل ذلك تذكيرا بما في ~~تلك من الكتاب الجامع بالرحمة، وتحذيرا مما في القرآن من الإنذار الفارق ~~بالعزة، فلما كان ذلك كررت صفتا العز التي أذنت بها الفرقان، والرحمة ~~التي صرحت بها الكهف ثماني مرات بحسب ذلك العدد، تذكيرا بهذا المعنى ~~البديع، وترغيبا ms3301 وترهيبا وتذكيرا بأبواب الرحمة الثمانية مع ما لختم ~~القصص بذلك من الروعة في النفس، والهيبة في القلب، والأنس البالغ للروح، ~~وقدمت هنا صفة العزة الناظرة للإنذار بالفرقان على طريق النشر المشوش مع ~~ما اقتضى ذلك من الحال هنا وجعلت القصص سبعا تحذيرا من أبواب النقمة ~~السبعة - إلى غير ذلك من الأسرار التي لا تسعها الأفكار. # ولما كانت آثار هذه القصص آيات مرئيات، والإخبار بها آيات مسموعات، وكان ~~في اطراد إهلاك العاصي وإنجاء الطائع في كل منهما، على تباعد الأعصار، ~~وتناهي الأقطار، واختلاف الديار، أعظم دليل على صدق الرسل، وتقرير ~~الرسالات لتوافقهم في الدعوة إلى الله، وتواردهم على التوحيد، والعدل مع ~~العزوف عن الدنيا التي هي شر محض، والإقبال على الآخرة التي هي خير صرف، ~~والتحلي بما أطبق العباد على أنه معالي الأخلاق، ومحاسن الأعمال، والتخلي ~~عن جميع الدنايا، والتنزه عن كل نقص، عطف على قوله أول السورة { وما ~~يأتيهم من ذكر } - الآية الإخبار برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، إشارة ~~إلى ما في الإخبار عن آثار هذه القصص بالآيات المسموعات من عظيم الدلالات ~~على رسالته صلى الله عليه وسلم بما فيها من الإعجاز من جهة التركيب ~~والترتيب وغير ذلك من عجيب الأساليب الذي لم تؤته أمة من الأمم السالفات، ~~ومن جهة أن الآتي بتلك القصص الغريبة، والأنباء البديعة العجيبة، أمي لم ~~يخالط عالما مع شدة ملاءمة القرآن لخصوص ما في قصة شعيب عليه السلام من ~~العدل في الكيل والوزن الذي هو مدار القرآن، ومن أنه الظلة الجامعة ~~للخير، والفسطاط الدافع لكل ضير، فقال ردا للمقطع على المطلع: { وإنه } ~~أي الذكر الذي أتاهم بهذه الأخبار وهم عنه معرضون وله تاركون { لتنزيل رب ~~العالمين* } أي الذي رباهم بشمول علمه، وعظيم قدرته، بما يعجز عن أقل شيء ~~منه غيره لكونه أتاهم بالحق منها على لسان من لم يخالط عالما قط، ومع ~~أنه سبحانه غذاهم بنعمته، ودبرهم بحكمته، فاقتضت حكمته أن يكون هذا الذكر ~~جامعا لكونه ختاما، وأن يكون معجزا لكونه تماما، ونزله على ms3302 حسب ~~التدريج شيئا فشيئا. مكررا فيه ذكر القصص سابقا في كل سورة منها ما ~~يناسب المقصود من تلك السورة، معبرا عما يسوقه منها بما يلائم الغرض من ~~ذلك السياق مع مراعاة الواقع، ومطابقة الكائن. # ولما كان الحال مقتضيا لأن يقال: من أتى بهذا المقال، عن ذي الجلال؟ ~~قال: { نزل به } أي نجوما على سبيل التدريج من الأفق الأعلى الذي هو محل ~~البركات، وعبر عن جبرائيل عليه السلام بقوله: { الروح } دلالة على أنه ~~مادة خير، وأن الأرواح تجيء بما ينزله من ا لهدى، وقال: { الأمين* } ~~إشارة إلى كونه معصوما من كل دنس، فلا يمكن منه خيانة { على قلبك } أي ~~يا محمدا الذي هو أشرف القلوب وأعلاها، وأضبطها وأوعاها، فلا زيغ فيه ~~ولا عوج، حتى صار خلقا له، وفي إسقاط الواسطة إشارة إلى أنه - لشدة ~~إلقائه السمع وإحضاره الحس - يصير في تمكنه منه بحيث يحفظه فلا ينسى، ~~ويفهمه حق فهمه فلا يخفى، فدخوله إلى القلب في غاية السهولة حتى كأنه وصل ~~إليه بغير واسطة السمع عكس ما يأتي عن المجرمين، وهكذا كل من وعى شيئا ~~غاية الوعي حفظه كل الحفظ، انظر إلى قوله تعالى # ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل رب زدني علما # [طه: 114] # لا تحرك به لسانك لتعجل به # [القيامة: 16]. # ولما كان السياق في هذه السورة للتحذير، قال معللا للجملة التي قبله: { ~~لتكون من المنذرين* } أي المخوفين المحذرين لمن أعرض عن الإيمان، وفعل ما ~~نهى عنه من العصيان. # ولما كان القصد من السورة التسلية عن عدم إيمانهم بأنه لسفول شأنهم، لا ~~لخلل في بيانه، ولا لنقص في شأنه، قال تعالى موضحا لتمكنه من قبله: { ~~بلسان عربي }. ولما كان في العربي ما هو حوشي لفظا أو تركيبا، مشكل على ~~كثير من العرب، قال: { مبين* } أي بين في نفسه كاشف لما يراد منه غير ~~تارك لبسا عند من تدبره حق تدبره على ما يتعارفه العرب في مخاطباتها، من ~~سائر لغاتها، بحقائقها ومجازاتها على اتساع إراداتها، وتباعد مراميها في ~~محاوراتها، ms3303 وحسن مقاصدها في كناياتها واستعاراتها، ومن يحيط بذلك حق ~~الإحاطة غير العليم الحكيم الخبير البصير، وإنما كانت عربيته وإبانته ~~موضحة لسبقه قلبه، لأن من تكلم بلغته - فكيف بالبين منها - تسبق المعاني ~~الألفاظ إلى قلبه، فلو كان أعجميا لكان نازلا على السمع، لأنه يسمع ~~أجراس حروف لا يفهم معانيها؛ قال الكشاف: وقد يكون الرجل عارفا بعدة ~~لغات، فإذا كلم بلغته التي لقنها أولا ونشأ عليها وتطبع بها لم يكن قلبه ~~إلا إلى المعاني، ولا يكاد يفطن للألفاظ، وإن كلم بغيرها وإن كان ماهرا ~~فيها كان نظره أولا في ألفاظها ثم في معانيها - انتهى. ففيه تقريع عظيم ~~لمن يعرف لسان العرب ولا يؤمن به. # ولما كان الاستكثار من الأدلة مما يسكن النفوس، وتطمئن به القلوب، قال ~~تعالى: { وإنه } أي هذا القرآن أصوله وكثير من قصصه وأمهات فروعه { لفي ~~زبر } أي كتب { الأولين* } المضبوطة الظاهرة في كونها أتت من السماء إلى ~~أهلها الذين سكنت النفوس إلى أنه أتتهم رسل، وشرعت لهم شرائع نزلت عليهم ~~بها كتب من غير أن يخالط هذا الذي جاء به أحدا منهم أو من غيرهم في علم ~~ما، وكان ذلك دليلا قاطعا على أنه ما أتاه به إلا الله تعالى. # ولما كان التقدير: ألم يكن لهم أمارة على صدق ذلك أن يطلبوا تلك الزبر ~~فينظروا فيذوقوا ذلك منها ليضلوا إلى حق اليقين؟ عطف عليه قوله: { أولم ~~يكن لهم }. # ولما كان هذا الأسلوب الاستدلال، اقتضى تقديم الخبر على الاسم في قراءة ~~الجمهور بالتذكير والنصب، فقال بعد تقديم لما اقتضاه من الحال: { آية } ~~أي علامة على النسبة إلينا؛ ثم اتبع ذلك الاسم محلولا إلى أن والفعل ~~لأنه أخص وأعرف وأوضح من ذكر المصدر، فقال: { أن يعلمه } أي هذا الذي أتى ~~به نبينا من عندنا؛ وأنث ابن عامر الفعل ورفع { آية } اسما وأخبر عنها ~~بأن والفعل { علماء بني إسرائيل* } فيقروا به ولا ينكروه، ليؤمنوا به ولا ~~يهجروه، فإن قريشا كانوا كثيرا ما يرجعون إليهم ويعولون في الأخبار ~~الإلهية عليهم، فإن كثيرا منهم ms3304 أسلم وذكر تصديق التوارة والإنجيل ~~والزبور وغيرها من أسفار الأنبياء عليهم السلام للقرآن في صفة النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وفي ذلك ما يؤيد صدقه، ويحقق أمره، وقد عربت الكتب ~~المذكورة بعد ذلك، وأخرج منها علماء الإسلام كثيرا مما أهملوه حجة ~~عليهم، ولا فرق في ذلك بين من أسلم منهم وبين غيرهم، فإنها حين نزول ~~القرآن كان التبديل قد وقع فيها بإخبار الله تعالى، وعن ابن عباس رضي ~~الله عنهما أن أهل مكة بعثوا إلى اليهود يسألونهم عن محمد صلى الله عليه ~~وسلم فقالوا: هذا زمانه، وإنا لنجد في التوراة صفته، فكان ذلك ملزما لهم ~~بإخبار الله تعالى، وكذلك كل ما استخرج من الكتب يكون حجة على أهلها. # ولما كان التقدير: لم يروا شيئا من ذلك آية ولا آمنوا، عطف عليه أو على ~~قوله تعالى أول سورة { فقد كذبوا } الآية: { ولو نزلناه } أي على ما هو ~~عليه من الحكمة والإعجاز بما لنا من العظمة { على بعض الأعجمين* } الذين ~~لا يعرفون شيئا من لسان العرب من البهائم أو الآدميين، جمع أعجم، وهو من ~~لا يفصح وفي لسانه عجمة، والأعجمي مثله بزيادة تأكيد ياء النسبة { فقرأه ~~عليهم } أي ذلك الذي نزلناه عليه على ما هو عليه من الفصاحة والإعجاز مع ~~علمهم القطعي أنه لا يعرف شيئا من اللسان { ما كانوا به مؤمنين* } أي ~~راسخين ولتمحلوا لكفرهم عذرا في تسميته سحرا أو غير ذلك من تعنتهم { ~~وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهو مشركون } من فرط عنادهم، وتهيئهم للشر ~~واستعدادهم له، بل لا يسمعونه حق السماع، ولا يعونه حق الوعي، بل سماعا ~~وفهما على غير وجهه. ### || [26.200-210] # ولما كان ذلك محل عجب، وكان ربما ظن له أن الأمر على غير حقيقته، قرر ~~مضمونه وحققه بقوله: { كذلك } أي مثل هذا السلك العجيب - الذي هو سماع ~~وفهم ظاهري - في صعوبة مدخله وضيق مدرجه. # ولما لم يكن السياق مقتضيا لما اقتضاه سياق الحجر من التأكيد، اكتفى ~~بمجرد الحدوث فقال: { سلكناه } أي كلامنا والحق الذي أرسلنا به رسلنا ms3305 بما ~~لنا من العظمة، في قلوبهم - هكذا كان الأصل، ولكنه علق الحكم بالوصف، وعم ~~كل زمن وكل من اتصف به فقال: { في قلوب المجرمين* } أي الذين طبعناهم على ~~الإجرام، وهو القطيعة لما ينبغي وصله، كما ينظم السهم إذا رمي به، أو ~~الرمح إذا طعن به في القلب، لا يتسع له، ولا ينشرح به، بل تراه ضيقا ~~حرجا. # ولما كان هذا المعنى خفيا، بينه بقوله: { لا يؤمنون به } أي من أجل ما ~~جبلوا عليه من الإجرام، وجعل على قلوبهم من الطبع والختام { حتى يروا ~~العذاب الأليم* } فحينئذ يؤمنون حيث لا ينفعهم الإيمان ويطلبون الأمان ~~حيث لا أمان. # ولما كان إتيان الشر فجاءة أشد. وكان أخذه لهم عقب رؤيتهم له من غير ~~مهلة يحصل فيها نوع استعداد أصلا، دل على ذلك مصورا لحاله بقوله دالا ~~بالفاء على الأشدية والتعقيب: { فيأتيهم بغتة }. # ولما كان البغت الإتيان على غفلة، حقق ذلك نافيا للتجوز بقوله: { وهم ~~لا يشعرون* } ودل على تطاوله في محالهم، وجوسه لخلالهم، وتردده في ~~حلالهم، بقوله دالا على ما هو أشد عليهم من المفاجأة بالإهلاك: { ~~فيقولوا } أي تأسفا واستسلاما وتلهفا في تلك الحالة لعلمهم بأنه لا ~~طاقة به بوجه: { هل نحن منظرون* } أي مفسوح لنا في آجالنا لنسمع ونطيع. # ولما حقق أن حالهم عند الأخذ الجؤار بالذل والصفار به، تسبب عنه ما ~~يستحقون باستعجاله من الإنكار في قوله، منبها على أن قدره يفوق الوصف ~~بنون العظمة: { أفبعذابنا } أي وقد تبين لهم كيف كان أخذه للأمم الماضية، ~~والقرون الخالية، والأقوام العاتية! { يستعجلون* } أي بقولهم: أمطر علينا ~~حجارة من السماء، أسقط السماء علينا كسفا، ائت بالله والملائكة قبيلا، ~~كما قال هؤلاء الذين قصصنا أمرهم، وتلونا ذكرهم { فأسقط علينا كسفا من ~~السماء } ونحو ذلك. # ولما تصورت حالة مآبهم، في أخذهم بعذابهم، وكان استعجالهم به يتضمن ~~الاستخفاف والتكذيب والوثوق بأنهم ممتعون، وتعلق آمالهم بأن تمتيعهم بطول ~~زمانه، وكان من يؤذونه يتمنى لو عجل لهم، سبب عن ذلك سبحانه سؤال داعيهم ~~مسليا ومؤسيا ومعزيا فقال: { أفرأيت } أي ms3306 هب أن الأمر كما يعتقدون من ~~طول عيشهم في النعيم فأخبرني { إن متعناهم } أي في الدنيا برغد العيش ~~وصافي الحياة. # ولما كانت حياة الكافر في غاية الضيق والنكد وإن كان في أصفى رغد، عبر ~~بما يدل على القحط بصيغة القلة وإن كان السياق يدل على أنها للكثرة فقال: ~~{ سنين ثم جاءهم } أي بعد تلك السنين المتطاولة، والدهور المتواصلة { ما ~~كانوا يوعدون* } أي مما طال إنذارك إياهم به وتحذيرك لهم منه على غاية ~~التقريب لهم والتمكين في إسماعهم، أخبرني { ما } أي أي شيء { أغنى عنهم ~~} أي فيما أخذهم من العذاب { ما كانوا } أي كونا هو في غاية المكنة وطول ~~الزمان { يمتعون* } تمتيعا هو في غاية السهولة عندنا، وصوره بصورة ~~الكائن تنديما عليه، والمعنى أنه ما أغنى عنهم شيئا لأن عاقبته الهلاك، ~~وزادهم بعدا من الله وعذابه بزيادة الآثام الموجبة لشديد الانتقام. # ولما كان التقدير: لم يغن عنهم شيئا لأنهم ما أخذوا إلا بعد إنذار ~~المنذرين، لمشافهتك إياهم به، وسماعهم لمثل ذلك عمن مضى قبلهم من الرسل، ~~عطف عليه قوله: { وما أهلكنا } أي بعظمتنا، واعلم بالاستغراق بقوله: { من ~~قرية } أي من القرى السالفة، بعذاب الاستئصال { إلا لها منذرون* } رسولهم ~~ومن تبعه من أمته ومن سمعوا من الرسل بأخبارهم مع أممهم من قبل، وأعراها ~~من الواو لأن الحال لم يقتض التأكيد كما في الحجر، لأن المنذرين مشاهدون. ~~وإذا تأملت آيات الموضعين ظهر لك ذلك؛ ثم علل الإنذار بقوله: { ذكرى } أي ~~تنبيها عظيما على ما فيه من النجاة، وتذكيرا بأشياء يعرفونها بما أدت ~~إليه فطر عقولهم، وقادت إليه بصائر قلوبهم، وجعل المنذرين نفس الذكرى كما ~~قال تعالى # قد أنزل الله إليكم ذكرا رسولا # [الطلاق: 10] وذلك إشارة إلى إمعانهم في التذكير حتى صاروا إياه. # ولما كان التقدير: فما أهلكنا قرية منها إلا بالحق، عطف عليه قوله: { ~~وما كنا } أو الواو للحال من نون { أهلكنا } { ظالمين* } أي في إهلاك ~~شيء منها لأنهم كفروا نعمتنا، وعبدوا غيرنا، بعد الإعذار إليهم، ومتابعة ~~الحجج، ومواصلة الوعيد. # ولما أخبر سبحانه ms3307 أن غاية إنزال هذا القرآن كونه صلى الله عليه وسلم من ~~المنذرين، وأتبع ذلك ما لاءمه حتى ختم بإهلاك من كذب المنذرين، عطف على ~~قوله: { نزل به الروح } قوله إعلاما بأن العناية شديدة في هذا السياق ~~بالقرآن لتقرير أنه من عند الله ونفى اللبس عنه بقوله: { وما تنزلت به } ~~أي القرآن { الشياطين* } أي ليكون سحرا أو كهانة أو شعرا أو أضغاث ~~أحلام كما يقولون. ### || [26.211-219] # ولما كان لا يلزم من عدم التلبس بالفعل عدم الصلاحية له قال: { وما ~~ينبغي لهم } أي ما يصح وما يتصور منهم النزول بشيء منه لأنه خير كله ~~وبركة، وهم مادة الشر والهلكة، فبينهما تمام التباين، وأنت سكينة ونور، ~~وهم زلزلة وثبور، فلا إقبال لهم عليك، ولا سبيل بوجه إليك. # ولما كان عدم الانتفاء لا يلزم منهم عدم القدرة قال: { وما يستطيعون* } ~~أي النزول به وإن اشتدت معالجتهم على تقدير أن يكون لهم قابلية لذلك؛ ثم ~~علل هذا بقوله: { إنهم عن السمع } أي الكامل الحق، من الملأ الأعلى { ~~لمعزولون* } أي بما حفظت به السماء من الشهب وبما باينوا به الملائكة في ~~الحقيقة لأنهم خير صرف، ونور خالص، وهؤلاء شر بحت وظلمة محضة، فلا يسمعون ~~إلا خطفا، فيصير - بما يسبق إلى أفهامهم، ويتصور من باب الخيال في ~~أوهامهم - خلطا لا حقيقة لأكثره، فلا وثوق بأغلبه، ولا يبعد أن يكون ذلك ~~عاما حتى يشمل السماع من المؤمنين لما شاركوا به الملائكة من النور ~~والخير، انظر ما ورد في آية الكرسي من أنها لا تقرأ في بيت فيقربه شيطان، ~~وفي رواية: إلا خرج منه الشيطان، وورد نحوه في الآيتين من آخر سورة ~~البقرة، وكذا ما كان من أشكال ذلك، وأعظم منه قوله عليه الصلاة والسلام ~~لعمر رضي الله عنه: # " إنه يا ابن الخطاب والذي نفسي بيده ما رآك الشيطان سالكا فجا إلا ~~سلك فجا غير فجك " # وترك تعليل الانبغاء لظهوره. # ولما كان تقديره أنهم إلى الطواغيت الباطلة يدعون، والقرآن داع إلى الله ~~الحق المبين، سبب عنه قوله: { فلا تدع ms3308 } وخاطب نبيه عليه الصلاة والسلام ~~وهو أكرم الخلق لديه، وأعزهم عليه، ليكون لطفا لغيره فيما يأتيه من ~~الإنذار، فيكون الوعيد أزجر له، ويكون هو له أقبل { مع الله } أي الحائز ~~لكل كمال الداعي إليه هذا القرآن الذي نزل به عليك الروح الأمين، لما ~~بينك وبينهما من تمام النسبة بالنورانية والخير { إلها } وتقدم في آخر ~~الفرقان حكمة الإتيان بقوله: { آخر فتكون } أي فيتسبب عن ذلك أن تكون { ~~من المعذبين* } من القادر على ما يريد بأيسر أمر وأسهله، وهذا الكلام لكل ~~من سمع القرآن في الحث على تدبره معناه، ومقصده ومغزاه، ليعلم أنه في ~~غاية المباينة للشياطين وضلالهم، والملاءمة للمقربين وأحوالهم، لعله خاطب ~~به المعصوم، زيادة في الحث على اتباع الهدى، وتجنب الردى، وليعطف عليه ~~قوله: { وأنذر } أي بهذا القرآن { عشيرتك } أي قبيلتك { الأقربين* } أي ~~الأدنين في النسب، ولا تحاب أحدا، فإن المقصود الأعظم به النذارة لكف ~~الخلائق عما يثمر الهلاك من اتباع الشياطين الذين اجتالوهم عن دينهم بعد ~~أن كانوا حنفاء كلهم، وإنذار الأقربين يفهم الإنذار لغيرهم من باب ~~الأولى، ويكسر من أنفة الأبعد للمواجهة بما يكره، لأنه سلك به مسلك ~~الأقرب، ولقد قام صلى الله عليه وسلم بهذه الآية حق القيام؛ روى البخاري # " عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما نزلت صعد النبي صلى الله عليه ~~وسلم على الصفا فجعل ينادي: يا بني فهر يا بني عدي لبطون - قريش حتى ~~اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا لينظر ما هو، فجاء ~~أبو لهب وقريش، فقال: أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير ~~عليكم أكنتم مصدقي؟ قالوا: نعم! ما جربنا عليك إلا صدقا، قال: فإني ~~نذير لكم بين يدي عذاب شديد، فقال أبو لهب: تبا لك سائر اليوم، ألهذا ~~جمعتنا؟ فنزلت { تبت يدا أبي لهب وتب } " # وفي رواية أنه صلى الله عليه وسلم قال: # " يا معشر قريش! اشتروا أنفسكم، لا أغني عنكم من الله شيئا، يابني عبد ~~مناف! لا أغني عنكم من الله شيئا! يا ms3309 عباس بن عبد المطلب! لا أغني عنك ~~من الله شيئا، ويا صفية عمة رسول الله! لا أغني عنك من الله شيئا، ويا ~~فاطمة بنت محمد! سليني ما شئت من مالي، لا أغني عنك من الله شيئا " # وروى القصة أبو يعلى عن الزبير بن العوام رضي الله عنه أن قريشا جاءته ~~فحذرهم وأنذرهم، فسألوه آيات سليمان في الريح وداود في الجبال وموسى في ~~البحر وعيسى في إحياء الموت، وأن يسير الجبال، ويفجر الأنهار، ويجعل ~~الصخر ذهبا، فأوحى الله إليه وهم عنده، فلما سري عنه أخبرهم أنه ~~أعطي ما سألوه، ولكنه أن أراهم فكفروا عوجلوا. فاختار صلى الله عليه وسلم ~~الصبر عليهم ليدخلهم الله باب الرحمة. # ولما كانت النذارة إنما هي للمتولين، أمر بضدها لأضدادهم فقال: { واخفض ~~جناحك } أي لن غاية اللين، وذلك لأن الطائر إذا أراد أن يرتفع رفع ~~جناحيه، فإذا أراد أن ينحط كسرهما وخفضهما، فجعل ذلك مثلا في التواضع { ~~لمن اتبعك } ولعله احترز بالتعبير بصيغة الافتعال عن مثل أبي طالب ممن لم ~~يؤمن أو آمن ظاهرا وكان منافقا أو ضعيفا بالإيمان فاسقا؛ وحقق المراد ~~بقوله: { من المؤمنين* } أي الذين صار الإيمان لهم صفة راسخة سواء كانوا ~~من الأقربين أو الأبعدين. # ولما أفهم ذلك أن هذا الحكم عام في جميع أحوالهم، فصل بقوله: { فإن عصوك ~~} أي هم فغيرهم من باب الأولى { فقل } أي تاركا لما كنت تعاملهم به حال ~~الإيمان من اللين: { إني بريء } أي منفصل غاية الانفصال { مما تعملون* } ~~أي من العصيان الذي أنذر منه القرآن، وخص المؤمنين إعلاء لمقامهم، ~~بالزيادة في إكرامهم، ليؤذن ذلك المزلزل بالعلم بحاله فيحثه ذلك على ~~اللحاق بهم. # ولما أعلمت هذه الآية بمنابذة من عصى كائنا من كان ولو كان ممن ظهر منه ~~الرسوخ في الإيمان، لما يرى منه من عظيم الإذعان، أتبعه قوله: { وتوكل } ~~أي في عصمتك ونجاتك والإقبال بالمنذرين إلى الطاعة، وقراءة أهل المدينة ~~والشام بالفاء السببية أدل على ذلك { على العزيز } أي القادر على الدفع ~~عنكم والانتقام منهم { الرحيم* } أي المرجو ms3310 لإكرام الجميع برفع المخالفة ~~والشحناء، والإسعاد بالاستعمال فيما يرضيه؛ ثم أتبع الأمر بالتوكل الوصف ~~بما يقتضي الكفاية في كل ما ينوب من دفع الضر وجلب النفع، وذلك هو العلم ~~المحيط المقتضي لجميع أوصاف الكمال، فقال: { الذي يراك } أي بصرا وعلما ~~{ حين تقوم* } من نومك من فرشك تاركا لحبك، لأجل رضا ربك { و } يرى { ~~تقلبك } في الصلاة ساجدا وقائما { في الساجدين* } أي المصلين من أتباعك ~~المؤمنين، لكم دوي بالقرآن كدوي النحل، وتضرع من خوف الله، ودعاء وزفرات ~~تصاعد وبكاء، أي فهو جدير لإقبالكم عليه، وخضوعكم بين يديه، بأن يحبوكم ~~بكل ما يسركم. ### || [26.220-227] # ولما كانت هذه الأحوال مشتملة على الأقوال، وكان قد قدم الرؤية المتضمنة ~~للعلم، علل ذلك بالتصريح به مقرونا بالسمع فقال: { إنه هو } أي وحده { ~~السميع } أي لجميع أقوالكم { العليم* } أي بجميع ما تسرونه وتعلنونه من ~~أعمالكم، وقد تقدم غير مرة أن شمول العلم يستلزم تمام القدرة، فصار كأنه ~~قال: إنه السميع العليم البصير القدير، تثبيتا للمتوكل عليه. # ولما بين سبحانه أن القرآن مناف لأقوال الشياطين، وبين أن حال النبي صلى ~~الله عليه وسلم وحال أتباعه منافية لأحوالهم وأحوال من يأتونه من الكهان ~~بما ذكره سبحانه من فعله صلى الله عليه وسلم وفعل أشياعه رضي الله عنهم ~~من الإقبال على الله، والإعراض عما سواه، فعلم أن بينهم وبينهم بونا ~~بعيدا، وفرقا كبيرا شديدا، وأن حال النبي صلى الله عليه وسلم موافق ~~لحال الروح الأمين، النازل عليه بالذكر الحكيم، تشوفت النفس إلى معرفة ~~أحوال إخوان الشياطين، مقال محركا لمن يريد ذلك، متمما لدفع اللبس عن ~~كون القرآن من عند الله، وفرق بين الآيات المتكلفة بذلك تطرية لذكرها ~~وتنبيها على تأكيد أمرها: { هل أنبئكم } أي أخبركم خبرا جليلا نافعا ~~في الدين، عظيم الجدوى في الفرقان بين أولياء الرحمن وإخوان الشيطان { ~~على من تنزل } وتردد { الشياطين* } حين تسترق السمع على ضرب من الخفاء ~~بما آذن به حذف التاء، ودخل حرف الجر على الاسم المتضمن للاستفهام، لأن ~~معنى التضمن أنه كان أصله: أمن، ms3311 فحذفت منه الهمزة حذفا مستمرا كما فعل ~~في " هل " لأن أصله " أهل " كما قال: # سائل فوارس يربوع بشدتنا # أهل رأونا بسفح القاع ذي الأكم # فالاستفهام مقدر قبل الجار - أفاده الزمخشري. # ولما كان كأنه قيل: نعم أنبئنا! قال: { تنزل } على سبيل التدريج والتردد ~~{ على كل أفاك } أي صراف - على جهة الكثرة والمبالغة - للأمور عن وجوهها ~~بالكذب والبهتان، والخداع والعدوان، من جملة الكهان وأخذان الجان { أثيم* ~~} فعال الآثام بغاية جهده، وهؤلاء الأثمة { يلقون السمع } إلى الشياطين، ~~ويصغون إليهم غاية الإصغاء، لما بينهما من التعاشق بجامع إلقاء الكذب من ~~غير اكتراث ولا تحاش، أو يلقي الشياطين ما يسمعونه مما يسترقون استماعه ~~من الملائكة إلى أوليائهم، فهم بما سمعوا منهم يحدثون، وبما زينت لهم ~~نفوسهم يخلطون { وأكثرهم } أي الفريقين { كاذبون* } فيما ينقلونه عما ~~يسمعونه من الإخبار بما حصل فيما وصل إليهم من التخليط، وما زادوه من ~~الافتراء والتخبيط انهماكا في شهوة علم المغيبات، الموقع في الإفك ~~والضلالات؛ قال الرازي في اللوامع ما معناه أنه حيثما كان استقامة في حال ~~الخيال - أي القوة المتخيلة - كانت منزلة الملائكة، وحيثما كان اعوجاج في ~~حال الخيال كان منزل الشياطين، فمن ناسب الروحانيين من الملائكة كان ~~مهبطهم عليه، وظهورهم له، وتأثيرهم فيه، وتمثلهم به، حتى إذا ظهروا عليه ~~تكلم بكلامهم وتكلموا بلسانه، ورأى بأبصارهم وأبصروا بعينيه، فهم ملائكة ~~يمشون على الأرض مطمئنين # إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة # [فصلت: 30] ومن ناسب الشياطين من الأبالسة كان مهبطهم عليه، وظهورهم له، ~~وتأثيرهم فيه، وتمثلهم به، حتى إذا ظهروا عليه تكلم بكلامهم وتكلموا ~~بلسانه، ورأى بأبصارهم وابصروا بعينيه، هم شياطين الإنس يمشون في الأرض ~~مفسدين - انتهى. # ولما بطل - بإبعاده عن دركات الشياطين، وإصعاده إلى درجات الروحانيين، ~~من الملائكة المقربين، الآتين عن رب العالمين - كونه سحرا، وكونه ~~أضغاثا ومفترى، نفى سبحانه كونه شعرا بقوله: { والشعراء يتبعهم } أي ~~بغاية الجهد، في قراءة غير نافع بالتشديد، لاستحسان مقالهم وفعالهم، ~~فيتعلمون منهم وينقلون عنهم { الغاوون* } أي الضالون المائلون عن السنن ~~الأقوم إلى ms3312 الزنى والفحش وكل فساد يجر إلى الهلاك، وهم كما ترى بعيدون من ~~أتباع محمد صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم الساجدين الباكين الزاهدين. # ولما قرر حال أتباعهم، فعلم منه أنهم هم أغوى منهم، لتهتكهم في شهوة ~~اللقلقة باللسان، حتى حسن لهم الزور والبهتان، دل على ذلك بقوله: { ألم ~~تر أنهم } أي الشعراء. ومثل حالهم بقوله: { في كل واد } أي من أودية ~~القول من المدح والهجو والنسيب والرثاء الحماسة والمجون وغير ذلك { ~~يهيمون* } أي يسيرون سير الهائم حائرين وعن طريق الحق جائرين، كيفما جرهم ~~القول انجروا من القدح في الأنساب، والتشبيب بالحرم، والهجو. ومدح من لا ~~يستحق المدح ونحو ذلك، ولهذا قال: { وأنهم يقولون ما لا يفعلون* } أي ~~لأنهم لم يقصدوه. وإنما ألجأهم إليه الفن الذي سلكوه فأكثر أقوالهم لا ~~حقائق لها، انظر إلى مقامات الحريري وما اصطنع فيها من الحكايات، وابتدع ~~بها من الأمور المعجبات. التي لا حقائق لها، وقد جعلها أهل الاتحاد أصلا ~~لبدعتهم الكافرة، وقاعدة لصفقتهم الخاسرة، فما أظهر حالهم، وأوضح ضلالهم! ~~وهذا بخلاف القرآن فإنه معان جليلة محققة، في ألفاظ متينة جميلة منسقة، ~~وأساليب معجزة مفحمة، ونظوم معجبة محكمة، لا كلفة في شيء منها، فلا رغبة ~~لذي طبع سليم عنها، فأنتج ذلك أنه لا يتبعهم على أمرهم إلا غاو مثلهم، ~~ولا يزهد في هذا القرآن إلا من طبعه جاف، وقلبه مظلم مدلهم. # ولما كان من الشعر - كما قال النبي صلى الله عليه وسلم - حكمة، وكان - ~~كما قالت عائشة رضي الله تعالى عنها - بمنزلة الكلام منه حسن ومنه قبيح، ~~وكان من الشعراء من يمدح الإسلام والمسلمين، ويهجو الشرك والمشركين، ~~ويزهد في الدنيا ويرغب في الآخرة، ويحث على مكارم الأخلاق، وينفر عن ~~مساوئها، وكان الفيصل بين قبيلي حسنة وقبيحة كثرة ذكر الله، قال تعالى: { ~~إلا الذين آمنوا } أي بالله ورسوله { وعملوا } أي تصديقا لإيمانهم { ~~الصالحات } أي التي شرعها الله ورسوله لهم { وذكروا الله } مستحضرين ما ~~له من الكمال { كثيرا } لم يشغلهم الشعر عن الذكر، بل بنوا شعرهم على ~~أمر ms3313 الدين والانتصار للشرع، فصار لذلك كله ذكر الله، ويكفي مثالا لذلك ~~قصيدة عزيت لأبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وجوابها لابن الزبعرى، ~~وكان إذ ذاك على شركه، وذلك في أول سرية كانت في الإسلام. # وهي سرية عبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف رضي الله تعالى عنه، ~~فإن قصيدة أبي بكر رضي الله تعالى عنه ليس فيها بيت إلا وفيه ذكر الله ~~إما صريحا وإما بذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم أو شيء من دينه، وما ~~ليس فيه شيء من ذلك فهو آيل إليه لبنائه عليه، وأما نقيضتها فلا شيء في ~~ذلك فيها؛ قال ابن إسحاق: قال أبو بكر رضي الله تعالى عنه في غزوة عبيدة ~~بن الحارث رضي الله تعالى عنه: # أمن طيف سلمى بالبطاح الدمائث # أرقت وأمر في العشيرة حادث # ترى من لؤي فرقة لا يصدها # عن الكفر تذكير ولا بعث باعث # رسول أتاهم صادق فتكذبوا # عليه وقالوا لست فينا بماكث # إذا ما دعوناهم إلى الحق أدبروا # وهروا هرير المجحرات اللواهث # فكم قد متتنا فيهم بقرابة # وترك التقى شيء لهم غير كارث # فإن يرجعوا عن كفرهم وعقوقهم # فما طيباب الحل مثل الخبائث # وإن يركبوا طغيانهم وضلالهم # فليس عذاب الله عنهم بلابث # ونحن أناس من ذؤابة غالب # لنا العز منها في الفروع الأثائث # فأولي برب الراقصات عشية # حراجيج تخدي في السريح الرثائث # كأدم ظباء حول مكة عكف # يردن حياض البئر ذات النبائث # لئن لم يفيقوا عاجلا عن ضلالهم # ولست إذا آليت قولا بحانث # لتبتدرنهم غارة ذات مصدق # تحرم أطهار النساء الطوامث # تغادر قتلى تعصب الطير حولهم # ولا ترأف الكفار رأف ابن حارث # فأبلغ بني سهم لديك رسالة # وكل كفور يبتغي الشر باحث # فإن تشعثوا عرضي على سوء رأيكم # فإني من أعراضكم غير شاعث # فأجابه ابن الزبعرى فقال: # أمن رسم دار أقفرت بالعثاعث # بكيت بعين دمعها غير لابث # ومن عجب الأيام والدهر كله # له عجب من سابقات وحادث # لجيش أتانا ذي عرام يقوده # عبيدة يدعى في الهياج ms3314 ابن حارث # لنترك أصناما بمكة عكفا # مواريث موروث كريم لوارث # فلما لقيناهم بسمر ردينة # وجرد عتاق في العجاج لواهث # وبيض كأن الملح فوق متونها # بأيدي كماة كالليوث العوائث # نقيم بها إصعار ما كان مائلا # ونشفي الذحول عاجلا غير لابث # فكفوا على خوف شديد وهيبة # وأعجبهم أمر لهم أمر رائث # ولو أنهم لم يفعلوا ناح نسوة # أيامي لهم من بين نسء وطامث # وقد غودرت قتلى يخبر عنهم # حفي بهم أو غافل غير باحث # فأبلغ أبا بكر لديك رسالة # فما أنت عن أعراض فهر بماكث # ولما تجب مني يمين غليظة # تجدد حربا حلفه غير حانث # وروى البغوي بسنده من طريق عبد الرزاق من حديث كعب بن مالك رضي الله ~~تعالى عنه أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إن الله قد أنزل في الشعر ~~ما أنزل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه، والذي نفسي بيده! لكأنما ترمونهم به ~~نضح النبل " # وقد كان ابن عباس رضي الله عنهما ينشد الشعر ويستنشده في المسجد، وروى ~~الإمام أحمد حديث كعب هذا، وروى النسائي برجال احتج بهم مسلم عن أنس رضي ~~الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم " # قال البغوي: وروي أنه - أي ابن عباس رضي الله عنهما دعا عمر بن أبي ~~ربيعة المخزومي فاستنشهده القصيدة التي قالها: # أمن آل نعمى أنت غاد فمبكر # غداة غد أم رائح فمهجر # وهي قريب من تسعين بيتا، فلما فرغها أعادها ابن عباس وكان حفظها بمرة ~~واحدة، ويكفي الشاعر في التفصي عن ذم هذه الآية له أن لا يغلب عليه الشعر ~~فيشغله عن الذكر حتى يكون من الغاوين، وليس من شرطه أن لا يكون في شعره ~~هزل أصلا، فقد كان حسان رضي الله تعالى عنه ينشد النبي صلى الله عليه ~~وسلم مثل قوله في قصيدة طويلة مدحه صلى الله عليه وسلم فيها: # كأن سيبئة من بيت رأس # يكون مزاجها عسل وماء # إذا ما الأشربات ذكرن يوما # فهن لطيب ms3315 الراح الفداء # نوليها الملامة إن ألمنا # إذا ما كان مغث أو لحاء # ونشربها فتتركنا ملوكا # وأسدا ما ينهنهنا اللقاء # وقد كان تحريم الخمر سنة ثلاث من الهجرة أو سنة أربع، وهذه القصيدة ~~قالها حسان رضي الله تعالى عنه في الفتح سنة ثمان أو في عمرة القضاء سنة ~~سبع، فهي مما يقول الشاعر ما لا يفعل. # ولما عرف سبحانه بحال المستثنين في الذكر الذي هو أساس كل أمر، أتبعه ما ~~حملهم على الشعر من الظلم الذي رجاهم النصر فقال: { وانتصروا } أي كلفوا ~~أنفسهم أسباب النصر بشعرهم فيمن آذاهم { من بعد ما ظلموا } أي وقع ظلم ~~الظالم لهم بهجو ونحوه. # ولما أباح سبحانه الانتصار من الظالم، وكان البادىء - إذا اقتصر المجيب ~~على جوابه - أظلم، كان - إذا تجاوز - جديرا بأن يعتدي فيندم، حذر الله ~~الاثنين مؤكدا للوعيد بالسين في قوله الذي كان السلف الصالح يتواعظون به ~~لأنك لا تجد أهيب منه، ولا أهول ولا أوجع لقلوب المتأملين، ولا أصدع ~~لأكباد المتدبرين: { وسيعلم } وبالتعميم في قوله: { الذين ظلموا } أي ~~كلهم من كانوا، وبالتهويل بالإبهام في قوله: { أي منقلب } أي في الدنيا ~~والاخرة { ينقلبون* } وقد انعطف آخرها - كما ترى بوصف الكتاب المبين بما ~~وصف به الجلالة والعظم بأنه من عند الله متنزلا به خير مليكته، على أشرف ~~خليقته، مزيلا لكل لبس، منفيا عنه كل باطل، وبالختام بالوعيد على الظلم ~~- على أولها في تعظيم الكتاب المبين، وتسلية النبي الكريم، صلى الله عليه ~~وسلم ووعيد الكافرين الذين هم أظلم الظالمين، واتصل بعدها في وصف القرآن ~~المبين، وبشرى المؤمنين ووعيد الكافرين، فسبحان من أنزله على النبي الأمي ~~الأمين، هدى للعالمين، وآية بينة بإعجازه للخلائق أجمعين، باقية إلى يوم ~~الدين. ### | [27 - سورة النمل] ### || [27.1-4] # { طس } يشير إلى طهارة الطور وذي طوى منه وطيب طيبه، وسعد بيت المقدس ~~الذي بناه سليمان عليه الصلاة والسلام التي انتشر منها الناهي عن الظلم، ~~وإلى أنه لما طهر سبحانه بني إسرائيل، وطيبهم بالابتلاء فصبروا، خلصهم من ~~فرعون وجنوده بمسموع موسى عليه الصلاة والسلام للوحي ms3316 المخالف لشعر ~~الشعراء، وإفك الآثمين وزلته من الطور، ولم يذكر تمام أمرهم بإغراق ~~فرعون، لأن مقصودها إظهار العلم والحكمة دون البطش والنقمة، فلم يقتض ~~الحال ذكر الميم. # ولما ختم التي قبلها بتحقيق أمر القرآن، وأنه من عند الله، ونفي الشبه ~~عنه وتزييف ما كانوا يتكلفونه من تفريق القول فيه بالنسبة إلى السحر ~~والأضغاث والافتراء والشعر، الناشىء كل ذلك عن أحوال الشياطين، وابتدأ ~~هذه بالإشارة إلى أنه من الكلام القديم المسموع المطهر عن وصمة تلحقه من ~~شيء من ذلك، تلاه بوصفه بأنه كما أنه منظوم مجموع لفظا ومعنى لا فصم فيه ~~ولا خلل، ولا وصم ولا زلل، فهو جامع لأصول الدين ناشر لفروعه، بما أشار ~~إليه الكون من المسلمين فقال: { تلك } أي الآيات العالية المقام البعيدة ~~المرام، البديعة النظام { آيات القرآن } أي الكامل في قرآنيته الجامع ~~للأصول، الناشر للفروع، الذي لا خلل فيه ولا فصم، ولا صدع لولا وصم { و } ~~آيات { كتاب } أي وأي كتاب هو مع كونه جامعا لجميع ما يصلح المعاش ~~والمعاد، قاطع في أحكامه، غالب في أحكامه، في كل من نقضه وإبرامه، وعطفه ~~دون إتباعه للدلالة على أنه كامل في كل من قرآنيته وكتابيته { مبين* } أي ~~بين في نفسه أنه من عند الله كاشف لكل مشكل، موضح لكل ملبس مما كان ومما ~~هو كائن من الأحكام والدلائل في الأصول والفروع، والنكت والإشارات ~~والمعارف، فيا له من جامع فارق واصل فاصل. # ولما كانت العناية في هذه السورة بالنشر - الذي هو من لوازم الجمع في ~~مادة " قرا " كما مضى بيانه أول الحجر - أكثر، قدم القرآن، يدل على ذلك ~~انتشارا أمر موسى عليه الصلاة والسلام في أكثر قصته بتفريقه من أمه، ~~وخروجه من وطنه إلى مدين، ورجوعه مما صار إليه إلى ما كان فيه، والتماسه ~~لأهله الهدى والصلى واضطراب العصى وبث الخوف منها، وآية اليد وجميع ~~الآيات التسع، واختيار التعبير بالقوم الذي أصل معناه القيام، وإبصار ~~الآيات، وانتشار الهدهد، وإخراج الخبأ الذي منه تعليم منطق الطير، وتكليم ~~الدابة للناس، وانتشار المرأة ms3317 وقومها وعرشها بعد تردد الرسل بينها وبين ~~سليمان عليه الصلاة والسلام، وكشف الساق، وافتراق ثمود إلى فريقين، مع ~~الاختصام المشتت، وانتثام قوم لوط عليه السلام إلى ما لا يحل، وتفريق ~~الرياح نشرا، وتقسيم الرزق بين السماء والأرض، ومرور الجبال، ونشر الريح ~~لنفخ الصور الناشىء عنه فزع الخلائق المبعثر للقبور، إلى غير ذلك مما إذا ~~تدبرت السورة انفتح لك بابه، وانكشف عنه حجابه، وهذا بخلاف ما في الحجر ~~على ما مضى. # وقال الإمام ابو جعفر بن الزبير: لما أوضح في سورة الشعراء عظيم رحمته ~~بالكتاب، وبيان ما تضمنه مما فضح به الأعداء، ورحم به الأولياء، وبراءته ~~من أن تتسور الشياطين عليه، وباهر آياته الداعية من اهتدى بها إليه، ~~فتميز بعظيم آياته كونه فرقانا قاطعا، ونورا ساطعا، أتبع سبحانه ذلك ~~مدحة وثناء، وذكر من شملته رحمته به تخصيصا واعتناء، فقال { تلك آيات ~~القرآن } أي الحاصل عنها مجموع تلك الأنوار آيات القرآن { وكتاب مبين هدى ~~وبشرى للمؤمنين } ثم وصفهم ليحصل للتابع قسطه من بركة التبع، وليتقوى ~~رجاؤه في النجاة مما أشار إليه { وسيعلم الذين ظلموا } من عظيم ذلك ~~المطلع؛ ثم أتبع ذلك بالتنبيه على صفة الآهلين لما تقدم من التقول ~~والافتراء تنزيها لعباده المتقين، وأوليائه المخلصين، عن دنس الشكوك ~~والامتراء فقال: { إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم فهم ~~يعمهون } أي يتحيرون فلا يفرقون بين النور والإظلام، لارتباك الخواطر ~~والأفهام؛ ثم أتبع ذلك بتسليته عليه الصلاة والسلام بالقصص الواقعة بعد ~~تنشيطا له وتعريفا بعلي منصبه، وإطلاعا له على عظيم صنعه تعالى فيمن ~~تقدم، ثم ختمت السورة بذكر أهل القيامة وبعض ما بين يديها، والإشارة إلى ~~الجزاء ونجاة المؤمنين، وتهديد من تنكب عن سبيله عليه الصلاة والسلام - ~~انتهى. # ولما عظم سبحانه آيات الكتاب بما فيها من الجمع من النشر مع الإبانة، ~~ذكر حاله فقال: { هدى } ولما كان الشيء قد يهدي إلى مقصود يكدر حال ~~قاصده. قال نافيا لذلك، وعطف عليه بالواو دلالة على الكمال في كل من ~~الوصفين: { وبشرى } أي عظيمة. # فلما تشوفت ms3318 النفوس، وارتاحت القلوب، فطم من ليس بأهل عن عظيم هذه الثمرة ~~فقال: { للمؤمنين } أي الذين صار ذلك لهم وصفا لازما بما كان لهم فيل ~~دعاء الداعي من طهارة الأخلاق، وطيب الأعراق، وفي التصريح بهذا الحال ~~تلويح بأنه فتنه وإنذار للكافرين { يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا فأما ~~الذين في قلوبهم زيغ } - الآية، # قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء # [فصلت: 44]، { والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمي } - إلى ~~غير ذلك من الآيات. # ولما كان وصف الإيمان خفيا، وصفهم بما يصدقه من الأمور الظاهرة فقال: { ~~الذين يقيمون الصلاة } أي بجميع حدودها الظاهرة والباطنة من المواقيت ~~والطهارات والشروط والأركان والخشوع والخضوع والمراقبة والإحسان إصلاحا ~~لما بينهم وبين الخالق. # ولما كان المقصود الأعظم من الزكاة إنما هو التوسعة على الفقراء قال: { ~~ويؤتون الزكاة } أي إحسانا فيما بينهم وبين الخلائق. # ولما كان الإيمان بالبعث هو الجامع لذلك ولغيره من سائر الطاعات، ذكره ~~معظما لتأكيده، فقال معلما بجعله حالا إلا أنه شرط لما قبله: { وهم } ~~أي والحال أنهم. # ولما كان الإيمان بالبعث هو السبب الأعظم للسعادة وهو محط للحكمة، عبر ~~فيه بما يقتضي الاختصاص، لا للاختصاص بل للدلالة على غاية الرسوخ في ~~الإيمان به، فقال: { بالآخرة هم } أي المختصون بأنهم { يوقنون* } أي ~~يوجدون الإيقان حق الإيجاد ويجددونه في كل حين بما يوجد منهم من الإقدام ~~على الطاعة، والإحجام عن المعصية. # ولما أفهم التخصيص أن ثم من يكذب بها وكان أمرها مركوزا في الطباع، لما ~~عليها من الأدلة الباهرة في العقل والسماع، تشوفت نفس السامع على سبيل ~~التعجب إلى حالهم، فقال مجيبا له مؤكدا تعجيبا ممن ينكر ذلك: { إن ~~الذين لا يؤمنون } أي يوجدون الإيمان ويجددونه { بالآخرة زينا } أي ~~بعظمتنا التي لا يمكن دفاعها { لهم أعمالهم } أي القبيحة، حتى أعرضوا عن ~~الخوف من عاقبتها مع ظهور قباحتها، والإسناد إليه سبحانه حقيقي عند أهل ~~السنة لأنه الموجد الحقيقي، وإلى الشيطان مجاز سببي { فهم } أي فتسبب عن ~~ذلك أنهم { يعمهون* } أي يخبطون خبط من لا بصيرة له ms3319 اصلا ويترددون في ~~أودية الضلال، ويتمادون في ذلك، فهم كل لحظة في خبط جديد، بعمل غير سديد ~~ولا سعيد، فإن العمه التحير والتردد كما هو حال الضال. ### || [27.5-10] # ولما خص المؤمنين بما علم منه أن لهم حسن الثواب، وأنهم في الآخرة هم ~~الفائزون، ذكر ما يختص به هؤلاء من ضد ذلك فقال: { أولئك } أي البعداء ~~البغضاء { الذين لهم } أي خاصة { سوء العذاب } في الدارين: في الدنيا ~~بالأسر والقتل والخوف { وهم في الآخرة هم } المختصون بأنهم { الأخسرون* } ~~أي أشد الناس خسارة لأنهم خسروا ما لا خسارة مثله، وهو أنفسهم التي لا ~~يمكنهم إخلافها. # ولما وصف القرآن من الجمع والفرقان، بما اقتضى بيان أهل الفوز والخسران، ~~وكان حاصل حال الكفرة أنهم يتلقون كفرهم الذي هو في غاية السفه إما عن ~~الشياطين الذين هم في غاية الشر، وإما عن آبائهم الذين هم في غاية الجهل، ~~وصف النبي صلى الله عليه وسلم بضد حالهم، فذكر جلالة المنزل عليه والمنزل ~~ليكون أدعى إلى قبوله. فقال عاطفا على { إن الذين لا يؤمنون بالآخرة }: ~~{ وإنك } أي وأنت أشرف الخلق وأعلمهم وأحلمهم وأحكمهم { لتلقى القرآن } ~~أي تجعل متلقيا له من الملك، وحذف هنا الواسطة وبناه للمفعول إعلاء له. # ولما كانت الأمور التي من عند الله تارة تكون على مقتضى الحكمة فتسند ~~إلى أسبابها، وأخرى خارقة للعادة فتنسب إليه سبحانه، والخارقة تارة تكون ~~في أول رتب الغرابة فيعبر عنها بعند، تارة تكون في أعلاها فيعبر عنها ~~بلدان، نبه سبحانه على أن هذا القرآن في الذروة من الغرابة في أنواع ~~الخوارق فقال: { من لدن }. # ولما مضى في آخر الشعراء ما تقدم من الحكم الجمة في تنزيله بهذا اللسان. ~~وعلى قلب سيد ولد عدنان، بواسطة الروح الأمين، مباينا لأحوال الشياطين، ~~إلى غير ذلك مما مضى إلى أن ختمت بتهديد الظالمين، وكان الظالم إلى ~~الحكمة أحوج منه إلى مطلق العلم، وقدم في هذه أنه هدى، وكان الهادي لا ~~يقتدي به ولا يوثق بهدايته إلا إن كان في علمه حكيما، اقتضى السياق ~~تقديم ms3320 وصف الحكمة، واقتضى الحال التنكير لمزيد التعظيم فقال: { حكيم } أي ~~بالغ الحكمة، فلا شيء من أفعاله إلا وهو في غاية الإتقان { عليم* } أي ~~عظيم العلم واسعه تامة شاملة، فهو بعيد جدا عما ادعوه فيه من أنه كلام ~~الخلق الذي لا علم لهم ولا حكمة إلا ما آتاهم الله، ومصداق ذل عجز جميع ~~الخلق عن الإتيان بشيء من مثله، وإدراك شيء من مغازيه حق إدراكه. # ولما وصفه بتمام الحكمة وشمول العلم، دل على كل من الوصفين، وعلى إبانه ~~القرآن وما له من العظمة التي أشار إليها أول السورة بما يأتي في السورة ~~من القصص وغيرها، واقتصر في هذه السورة على هذه القصص لما بينها من عظيم ~~التناسب المناسب لمقصود السورة، فابتدىء بقصة أطبق فيها الأباعد على ~~الكفران فأهلكوا، والأقارب على الإيمان فأنجوا، وثنى بقصة أجمع فيها ~~الأباعد على الإيمان، لم يتخلف منهم إنسان، وثلث بأخرى حصل بين الأقارب ~~فيها الفرقان، باقتسام الكفر والإيمان، وختم بقصة تمالأ الأباعد فيها على ~~العصيان، وأصروا على الكفران، فابتلعتهم الأرض ثم غطوا بالماء كما بلغ ~~الأولين الماء فكان فيه التواء. # ولما كان تعلق " إذ " باذكر من الوضوح في حد لا يخفى على أحد، قال دالا ~~على حكمته وعلمه: { إذ } طاويا لمتعلقه لوضوح أمره فصار كأنه { قال }: ~~اذكر حكمته وعلمه حين قال: { موسى لأهله } أي زوجة وهو راجع من مدين إلى ~~مصر، قيل: ولم يكن معه غيرها: { إني آنست } أي أبصرت إبصارا حصل لي ~~الأنس، وأزال عني الوحشة والنوس { نارا } فعلم بما في هذه القصة من ~~الأفعال المحكمة المنبئة عن تمام العلم اتصافه بالوصفين علما مشاهدا، ~~وقدم ما الحكمة فيه أظهر لاقتضاء الحال التأمين من نقص ما يؤمر به من ~~الأفعال. # ولما كان كأنه قيل: فماذا تصنع؟ قال آتيا بضمير المذكر المجموع للتعبير ~~عن الزوجة المذكورة بلفظ " الأهل " الصالح للمذكر والجمع صيانة لها ~~وسترا. جازما بالوعد للتعبير بالخير الشامل للهدى وغيره، فكان تعلق ~~الرجاء به أقوى من تعلقه بخصوص كونه هدى، ولأن مقصود السورة يرجع إلى ~~العلم، ms3321 فكان الأليق به الجزم، ولذا عبر بالشهاب الهادي لأولي الألباب: { ~~سآتيكم } أي بوعد صادق وإن أبطأت { منها بخبر } أي ولعل بعضه يكون مما ~~نهتدي به في هذا الظلام إلى الطريق، وكان قد ضلها { أو آتيكم بشهاب } أي ~~شعلة من نار ساطعة { قبس } أي عود جاف مأخوذ من معظم النار فهو بحيث قد ~~استحكمت فيه النار فلا ينطفىء؛ وقال البغوي: وقال بعضهم: الشهاب شيء ذو ~~نور مثل العمود، والعرب تسمي كل أبيض ذي نور شهابا، والقبس: القطعة من ~~النار. فقراءة الكوفيين بالتنوين على البدل أو الوصف، وقراءة غيرهم ~~بالإضافة، لأن القبس أخص. وعلل إتيانه بذلك إفهاما لأنها ليله باردة ~~بقوله: { لعلكم تصطلون* } أي لتكونوا في حال من يرجى أن يستدفىء بذلك أي ~~يجد به الدفء لوصوله معي فيه النار، وآذن بقرب وصوله فقال: { فلما جاءها ~~} أي تلك التي ظنها نارا. # ولما كان البيان بعد الإبهام أعظم، لما فيه من التشويق والتهيئة للفهم، ~~بني للمفعول قوله: { نودي } أي من قبل الله تعالى. # ولما أبهم المنادى فتشوقت النفوس إلى بيانه، وكان البيان بالإشارة أعظم. ~~لما فيه من توجه النفس إلى الاستدلال، نبه سبحانه عليه بجعل الكلام على ~~طريقة كلام القادرين، إعلاما بأنه الملك الأعلى فقال بانيا للمعفول، ~~آتيا بأداة التفسير، لأن النداء بمعنى القول: { أن بورك } أي ثبت ~~تثبيتا يحصل منه من النماء والطهارة وجميع الخيرات ما لا يوصف { من في ~~النار } أي بقعتها، أو طلبها وهو طلب بمعنى الدعاء، والعبارة تدل على أن ~~الشجرة كانت كبيرة وأنها لما دنا منها بعدت منه النار إلى بعض جوانبها ~~فتبعها، فلما توسط الردحة أحاط به النور، وسمي النور نارا على ما كان في ~~ظن موسى عليه الصلاة والسلام، وقال سعيد بن جبير: بل كانت نارا كما رأى ~~موسى عليه السلام، والنار من حجب الله كما في الحديث: # " حجابه النار لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه " # { ومن حولها } من جميع الملائكة عليهم السلام وتلك الأراضي المقدسة على ~~ما أراد الله في ms3322 ذلك الوقت وفي غيره وحق لتلك الأراضي أن تكون كذلك لأنها ~~مبعث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ومهبط الوحي عليهم وكفاتهم أحياء ~~وأمواتا. # ولما أتاه النداء - كما ورد - من جميع الجهات، فسمعه بجميع الحواس، أمر ~~بالتنزيه، تحقيقا لأمر من أمره سبحانه، وتثبيتا له، فقال عاطفا على ما ~~أرشد السياق إلى تقديره من مثل: فأبشر بهذه البشرى العظيمة: { وسبحان ~~الله } أي ونزه الملك الذي له الكمال المطلق تنزيها يليق بجلاله، ويجوز ~~أن يكون خبرا معطوفا على { بورك } أي وتنزه الله سبحانه تنزها يليق ~~بجلاله عن أن يكون في موضع النداء أو غيره من الأماكن. # ولما كان تعليق ذلك بالاسم العلم دالا على أنه يستحق ذلك لمجرد ذاته ~~المستجمع لجميع صفات الكمال، من الجلال والجمال، وصفه بما يعرف أنه ~~يستحقه أيضا لأفعاله بكل مخلوق التي منها ما يريد أن يربي به موسى عليه ~~الصلاة والسلام كبيرا بعد ما رباه به صغيرا، فقال: { رب العالمين* }. # ولما تشوفت النفس إلى تحقق الأمر تصريحا، قال معظما له تمهيدا لما ~~أراد سبحانه إظهاره على يده من المعجزات الباهرات: { يا موسى إنه } أي ~~الشأن العظيم الجليل الذي لا يبلغ وصفه { أنا الله } أي البالغ من العظمة ~~ما تقصر عنه الأوهام، وتتضاءل دونه نوافذ الأفهام، ثم أفهمه مما تتضمن ~~ذلك وصفين يدلانه على أفعاله معه فقال: { العزيز } أي الذي يصل إلى جميع ~~ما يريد ولا يوصل إلى شيء مما عنده من غير الطريق التي يريد { الحكيم* } ~~أي الذي ينقض كل ما يفعله غيره إذا أراد، ولا يقدر غيره أن ينقض شيئا من ~~فعله. # ولما كان التقدير: فافعل جميع ما آمرك به فإنه لا بد منه، ولا تخف من ~~شيء فإنه لا يوصل إليك بسوء لأنه متقن بقانون الحكمة، محروس بسور العزة، ~~دل عليه بالعطف في قوله: { وألق عصاك } أي لتعلم علما شهوديا عزتي ~~وحكمتي - أو هو معطوف على { أن بورك } - فألقاها كما أمر، فصارت في الحال ~~- بما أذنت به الفاء - حية عظيمة جدا، هي - مع كونها في غاية العظم ms3323 - في ~~نهاية الخفة والسرعة في اصطرابها عند محاولتها ما يريد { فلما رآها تهتز ~~} أي تضطرب في تحركها مع كونها في غاية الكبر { كأنها جآن } أي حية صغيرة ~~في خفتها وسرعتها، ولا ينافي ذلك كبر جثتها { ولى } أي موسى عليه الصلاة ~~والسلام. # ولما كانت عليه التولية مشتركة بين معان، بين المراد بقوله: { مدبرا } ~~أي التفت هاربا منها مسرعا جدا لقوله: { ولم يعقب } أي لم يرجع على ~~عقبه، ولم يتردد في الجد في الهرب، ولم يلتفت إلى ما وراءه بعد توليته، ~~يقال: عقب عليه تعقيبا، أي كر، وعقب في الأمر تعقيبا: تردد في طلبه ~~مجدا - هذا في ترتيب المحكم. وفي القاموس: التعقيب: الالتفات. وقال ~~القزاز في ديوانه: عقب - إذا انصرف راجعا فهو معقب. # ولما تشوفت النفس إلى ما قيل له عند هذه الحالة، أجيبت بأنه قيل له: { ~~يا موسى لا تخف } ثم علل هذا النهي بقوله، مبشرا بالأمن والرسالة: { إني ~~لا يخاف لدي } أي في الموضع الذي هو من غرائب نواقض العادات، وهي وقت ~~الوحي ومكانه { المرسلون* } أي لأنهم معصومون من الظلم، ولا يخاف من ~~الملك العدل إلا ظالم. ### || [27.11-14] # ولما دل أول الكلام وآخره على أن التقدير ما ذكرته، وعلم منه أن من ظلم ~~خاف، وكان المرسلون بل الأنبياء معصومين عن صدور ظلم، ولكنهم لعلو ~~مقامهم، وعظيم شأنهم، يعد عليهم خلاف الأولى، بل بعض المباحات المستوية، ~~بل أخص من ذلك، كما قالوا " حسنات الأبرار سيئات المقربين " ، استدرك ~~سبحانه من ذلك بأداة الاستثناء ما يرغب المرهبين من عواقب الظلم آخر تلك ~~في التوبة، وينبه موسى عليه السلام على غفران وكزة القبطي له، وأنه لا ~~خوف عليه بسببه وإن كان قتله مباحا لكونه خطأ مع أنه كافر، لكن علو ~~المقام يوجب التوقف عن الإقدام إلا بإذن خاص، ولذلك سماه هو ظلما فقال { ~~رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي } وهو من التعريضات التي يلطف مأخذها فقال: { ~~إلا } أو المعنى: لكن { من ظلم } كائنا من كان، بفعل سوء { ثم بدل } ~~بتوبته { حسنا بعد سوء } وهو ms3324 الظلم الذي كان عمله، أي جعل الحسن بدل ~~السوء كالسحرة الذين آمنوا بعد ذلك بموسى عليه الصلاة والسلام فإني أغفره ~~له بحيث يكون كأنه لم يعمله أصلا، وأرحمه بما أسبغ عليه من ملابس ~~الكرامة المقارنة للأمن والعز وإن أصابه قبل ذلك نوع خوف. ثم علل ذلك بأن ~~المغفرة والرحمة صفتان له ثابتتان، فقال: { فإني } أي أرحمه بسبب أني { ~~غفور } أي من شأني أني أمحو الذنوب محوا يزيل جميع آثارها { رحيم* } ~~أعامل التائب منها معاملة الراحم البليغ الرحمة بما يقتضيه حاله من ~~الكرامة، فايل أثر ما كان وقع فيه من موجب الخوف وهو الظلم. # ولما أراه سبحانه هذه الخارقة فيما كان في يده بقلب جوهرها إلى جوهر شيء ~~آخر حيواني، أراه آية أخرى في يده نفسها بقلب عرضها الذي كانت عليه إلى ~~عرض آخر نوراني، فقال: { وأدخل يدك في جيبك } أي فتحة ثوبك، وهو ما قطع ~~منه ليخيط بعنقك { تخرج } أي إذا أخرجتها { بيضاء } أي بياضا عظيما ~~نيرا جدا، له شعاع كشعاع الشمس. # ولما كان ربما وقع في وهم أن هذه الآفة، قال: { من غير سوء } أي برص ولا ~~غيره من الآفات، آية أخرى كائنة { في } جملة { تسع آيات } كما تقدم شرحها ~~في سورة الإسراء وغيرها، منتهية على يدك برسالتي لك { إلى فرعون وقومه } ~~أي الذين هم أشد أهل هذا الزمان قياما في الجبروت والعدوان؛ ثم علل ~~إرساله إليهم بالخوارق بقوله: { إنهم كانوا } أي كونا كأنه جبلة لهم { ~~قوما فاسقين* } أي خارجين عن طاعتنا لتردهم إلينا. # ولما كان التقدير: فأتاهم كما أمرناهم فعاندوا أمرنا، قال منبها على ~~ذلك، دالا بالفاء على سرعة إتيانه إليهم امتثالا لما أمر به: { فلما ~~جاءتهم آياتنا } أي على يده { مبصرة } أي سبب الإبصار لكونها منيرة ظاهرة ~~جدا، فهي هادية لهم إلى الطريق الأقوم هداية النور لمن يبصر، فهو لا ~~يخطىء شيئا ينبغي أن ينتفع به { قالوا هذا سحر } أي خيال لا حقيقة له { ~~مبين* } أي واضح في أنه خيال { وجحدوا } أي أنكروا عالمين { بها } أي ~~أنكروا ms3325 كونها آيات موجبات لصدقه مع علمهم بإبطالهم لأن الجحود الإنكار مع ~~العلم. # ولما كان الجحد معناه إنكار الشيء مع العلم به، حقق ذلك بقوله: { ~~واستيقنتها } أي والحال أنهم قد طلبوا الوقوف على حقائق أمرها حتى ~~تيقنتها في كونها حقا { أنفسهم } وتخلل علمها صميم عظامهم، فكانت ~~ألسنتهم مخالفة لما في قلوبهم، ولذلك أسند الاستيقان إلى النفس. ثم علل ~~جحدهم ووصفهم لها بخلاف وصفها فقال: { ظلما وعلوا } أي إرادة وضع الشيء ~~في غير حقه، والتكبر على الآتي به، تلبيسا على عباد الله. # ولما كان التقدير: فأغرقناهم أجمعين بأيسر سعي وأهون أمر فلم يبق منهم ~~غير تطرف، ولم يرجع منهم مخبر، على كثرتهم وعظمتهم وقوتهم، عطف عليه ~~تذكيرا به مسببا عنه قوله: { فانظر } ونبه على أن خبرهم مما تتوفر ~~الدواعي على السؤال عنه لعظمته، فقال معبرا بأداة الاستفهام: { كيف كان ~~} وكان الأصل: عاقبتهم، أي آخر أمرهم، ولكنه أظهر فقال: { عاقبة ~~المفسدين* } ليدل على الوصف الذي كان سببا لأخذهم تهديدا لكل من ارتكب ~~مثله. ### || [27.15-19] # ولما تم بهذه القصة الدليل على حكمته، توقع السامع الدلالة على علمه ~~سبحانه، فقال مبتدئا بحرف التوقع مشيرا إلى أنه لا نكير في فضل الآخر ~~على الأول عاطفا على ما تقديره: فلقد آتينا موسى وأخاه هارون عليهما ~~السلام حكمة وهدى وعلما ونصرا على من خالفهما وعزا: { ولقد آتينا } أي ~~بما لنا من العظمة { داود وسليمان } أي ابن داود، وهما من أتباع موسى ~~عليهم السلام وبعده بأزمان متطاولة { علما } أي جزاء من العلم عظيما من ~~منطق الطير والدواب وغير ذلك لم نؤته لأحد قبلهما. # ولما كان التقدير: فعملا بمقتضاه، عطف عليه قوله: { وقالا } شكرا عليه، ~~دلالة على شرف العلم وتنبيها لأهله على التواضع: { الحمد } أي الإحاطة ~~بجميع أوصاف الكمال { لله } أي الذي لا مثل له وله الجلال والجمال { الذي ~~فضلنا } أي بما آتانا من ذلك { على كثير من عباده المؤمنين* } أي الذين ~~صار الإيمان لهم خلقا. # ولما كان كل منهما عليهما السلام قد أوتي ما ذكر، أشار إلى فضل سليمان ms3326 ~~عليه السلام بأنه جمع إلى ما آتاه ما كان منح به أباه فقال: { وورث ~~سليمان داود } أي أباه عليهما السلام دون إخوته في النبوة والعلم والملك ~~الذي كان قد خصه الله دون قومه بجمعه له إلى النبوة، فشكر الله على ما ~~أنعم به عليه أولا وثانيا { وقال } أي سليمان عليه السلام محدثا بنعمة ~~ربه ومنبها على ما شرفه الله به، ليكون أجدر في قبول الناس ما يدعوهم ~~إليه من الخير: { يا أيها الناس }. # ولما كان من المعلوم أنه لا معلم له إلا الله، فإن لا يقدر على ذلك ~~غيره، قال بانيا للمفعول: { علمنا } أي أنا وأبي بأيسر أمر وأسهله ممن ~~لا يقدر على ما علمنا سواء ولو كان المقصود هو وحده لم يكن من التعاظم في ~~شيء، بل هو كلام الواحد المطاع، تنبيها على تعظيم الله بما عظمه به مما ~~يختص بالقدرة عليه أو بالأمر به كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ~~إذا كان هناك حال يحوج إليه كما قال في الزكاة: إنا آخذوها وشطر ماله ~~عزمة من عزمات ربنا عز وجل، وكما كان يكتب لبعض الجبابرة { منطق الطير } ~~أي فهم ما يريد كل طائر إذا صوت، والمنطق ما يصوت به من المفرد والمؤلف ~~المفيد وغير المفيد، لا بدع في أن الذي آتى كل نفس هداها وعلمها تميز ~~منافعها ومضارها يؤتيها قوة تدرك بها تخاطبا بينها يتفاهم كل نوع منها ~~به فيما يريد، ويكون ذلك قاصرا عن إدراك الإنسان لخصوصه بالجزئيات ~~الناشئة عن الحسيات { وأوتينا } ممن له العظمة بأيسر أمر من أمره { من كل ~~شيء } أي يكمل به ذلك من اسباب الملك والنبوة وغيرهما، وعبر بأداة ~~الاستغراق تعظيما للنعمة كما يقال لمن يكثر تردد الناس إليه: فلان يقصده ~~كل أحد. # ولما كان هذا أمرا باهرا، دل عليه بقوله مؤكدا بأنواع التأكيد ~~وشاكرا حاثا لنفسه على مزيد الشكر وهازا لها إليه: { إن هذا } أي الذي ~~أوتيناه { لهو الفضل المبين* } أي البين في نفسه لكل من ينظره، الموضح ~~لعلو قدر ms3327 صاحبه ووحدانية مفيضة مؤتية. # ولما كان هذا مجرد خبر، أتبعه ما يصدقه فقال: { وحشر } أي جمع جمعا ~~حتما بقهر وسطوة وإكراه بأيسر سعي { لسليمان جنوده }. # ولما دل ذلك على عظمه، زاد في الدلالة عليه بقوله: { من الجن } بدأ بهم ~~لعسر جمعهم { والإنس } ثنى بهم لشرفهم ومشاركتهم لهم في ذلك من حيث تباعد ~~أغراضهم وتناءي قصودهم. # ولما ذكر ما يعقل وبدأ به لشرفه، أتبعه ما لا يعقل فقال: { والطير } ~~ولما كان الحشر معناه الجمع بكره، فكان لا يخلو عن انتشار، وكان التقدير: ~~وسار بهم في بعض الغزوات، سبب عنه قوله تعظيما للجيش وصاحبه: { فهم ~~يوزعون* } أي يكفون بجيش أولهم على آخرهم بأدنى أمر وأسهله ليتلاحقوا، ~~فيكون ذلك أجدر بالهيبة، وأعون على النصرة، وأقرب إلى السلامة؛ عن قتادة ~~أنه كان على كل صنف من جنوده وزعة ترد أولاها على أخراها لئلا يتقدموا في ~~المسير، قال: والوازع: الحابس وهو النقيب. وأصل الوزع الكف والمنع. # ولما كان التقدير: فساروا، لأن الوزع لا يكون إلا عن سير، غياه بقوله: { ~~حتى إذا أتوا } أي أشرفوا. ولما كان على بساطه فوق متن الريح بين السماء ~~والأرض. عبر بأداة الاستعلاء فقال: { على واد النمل } وهو واد بالطائف - ~~كما نقله البغوي عن كعب، وهو الذي تميل إليه النفس فإنه معروف إلى الآن ~~عندهم بهذا الاسم، ويسمى أيضا نخب وزن كتف، وقد رأيته لما قصدت تلك ~~الديار لرؤية مشاهدها، والتطواف في معابدها ومعاهدها. والتبرك بآثار ~~الهادي، في الانتهاء والمبادىء، ووقفت بمسجد فيه قرب سدرة تسمى الصادرة ~~مشهور عندهم أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى به، وهذه السدرة مذكورة في ~~غزوة الطائف من السيرة الهشامية واقتصر في تسمية الوادي على نخب، وأنشدت ~~فيه يوم وقوفي ببابه، وتضرعي في أعتابه: # مررت بوادي النمل يا صاح بكرة # فصحت وأجريت الدموع على خدي # وتممت منه موقف الهاشمي الذي # ملأ الأرض توحيدا يزيد على العد # وكم موقف أفرشته حر جبهتي # وأبديت في أرجائه ذلة العبد # في قصيدة طويلة. # ولما كانوا في أمر يهول منظره، ms3328 ويوهي القوى مخالطته ومخبره، فكان ~~التقدير: فتبدت طلائعهم، وتراءت راياتهم ولوامعهم، وأحمالهم ووضائعهم، ~~نظم به قوله: { قالت نملة } أي من النمل الذي بذلك الوادي: { يا أيها ~~النمل } ولما حكى عنهم سبحانه ما هو من شأن العقلاء، عبر بضمائرهم فقال: ~~{ ادخلوا } أي قبل وصول ما أرى من الجيش ما { مساكنكم } ثم عللت أمرها ~~معينة لصاحبه إذ كانت أماراته لا تخفى فقالت جوابا للأمر أو مبدلا منه: ~~{ لا يحطمنكم } أي يكسرنكم ويهشمنكم أي لا تبرزوا فيحطمنكم. # فهو نهي لهم عن البروز في صور نهيه وهو أبلغ من التصريح بنهيهم لأن من ~~نهى كبيرا عن شيء كان لغيره أشد نهيا { سليمان وجنوده } أي فإنهم ~~لكثرتهم إذا صاروا في الوادي استعلوا عليه فطبقوه فلم يدعوا منه موضع شبر ~~خاليا { وهم } أي سليمان عليه السلام وجنوده { لا يشعرون* } أي بحطمهم ~~لكم لاشتغالهم بما هم فيه من أحوال السير، وتعاطي مصالحة، مع صغر ~~أجسامكم، وخفائكم على السائر في حال اضطرابكم ومقامكم، وقولها هذا يدل ~~على علمها بأنهم لو شعروا بهم ما آذوهم لأنهم أتباع نبي فهم رحماء. # ولما كان هذا أمرا معجبا لما فيه من جزالة الألفاظ وجلالة المعاني، ~~تسبب عنه قوله: { فتبسم } ولما دل ذلك على الضحك، وكان ذلك قد يكون ~~للغضب، أكده وحقق معناه بقوله: { ضاحكا من قولها } أي لما أوتيته من ~~الفصاحة والبيان، وسرورا بما وصفته به من العدل في أنه وجنوده لا يؤذون ~~أحدا وهم يعلمون { وقال } متذكرا ما أولاه ربه سبحانه بحسن تربيته من ~~فهم كلامها إلى ما أنعم عليه من غير ذلك: { رب } أي أيها المحسن إلي { ~~أوزعني أن } أي اجعلني مطيقا لأن { أشكر نعمتك } أي وازعا له كافا ~~مرتبطا حتى لا يغلبني. ولا يتفلت مني، ولا يشذ عني وقتا ما. # ولما أفهم ذلك تعلق النعمة به. حققه بقوله: { التي أنعمت علي } وربما ~~أفهم قوله: { وعلى والدي } أن أمه كانت أيضا تعرف منطق الطير. وتحقيق ~~معنى هذه العبارة أن مادة " وزع " - بأي ترتيب كان - يدور على المعوز - ~~لخرقة بالية يلف ms3329 بها الصبي، ويلزمها التمييز، فإن الملفوف بها يتميز عن ~~غيره، ومنه الأوزاع وهم الجماعات المتفرقة، ويلزمها أيضا الإطاقة فإن ~~أكثر الناس يجدها،ومنه العزون - لعصب من الناس، فإنهم يطيقون ما يريدون ~~ويطيقهم من يريدهم، ومنه الوزع وهو كف ما يراد كفه، والولوع بما يزاد، ~~ومنه الإيعاز - للتقدم بالأمر والنهي، والزوع للجذب، ويلزمها أيضا ~~الحاجة فإنه لا يرضى بها دون الجديد إلا محتاج، فمعنى الآية: اجعلني ~~وازعا - أي مطيقا - أن أشكرها كما يطيق الوازع كف ما يريد كفه، ويمكن ~~أن يكون مدار المادة الحاجة لأن الأوزاع - وهم الجماعات - يحتاجون إلى ~~الاجتماع جملة، والكاف محتاج إلى امتثال ما يكفه لأمره، والجاذب محتاج ~~إلى الزوع أي الجذب، والمولع بالشيء فقير إليه، والموعز محتاج إلى قبول ~~وصيته، فالمعنى: اجعلني وازعا أي فقيرا إلى الشكر، أي ملازما له ~~مولعا به، لأن كل فقير إلى شيء مجتهد في تحصيله، ويلزم على هذا التخريج ~~احتقار العمل، فيكون سببا للأمن من الإعجاب، وفي الآية تنبيه على بر ~~الوالدين في سؤال القيام عنهم بما لم يبلغاه من الشكر - والله الموفق. # والشكر في اللغة فعل ينبىء عن تعظيم المنعم لكونه منعما كالثناء على ~~المنعم بما يدل على أن الشاكر قد عرف نعمته واعترف له بها وحسن موقعها ~~عنده، وخضع قلبه له لذلك، وحاصله أنه اسم لمعرفة النعمة لأنها السبيل إلى ~~معرفة المنعم فإنه إذا عرفها تسبب في التعرف إليه، فسلك طريق التعرف وجد ~~في الطلب، ومن جد وجد، ويروى عن داود عليه الصلاة والسلام أنه قال: يا ~~رب كيف أشكرك والشكر نعمة آخرى منك أحتاج عليها إلى شكر آخر؟ فأوحى الله ~~تعالى إليه: يا داود! إذا علمت أن ما بك من نعمة فمني فقد شكرتني. # والشكر ثلاثة أشياء: الأول معرفة النعمة بمعنى إحضارها في الخاطر بحيث ~~يتميز عندك أنها نعمة، فرب جاهل يحسن إليه وينعم عليه وهو لا يدري، فلا ~~جرم أنه لا يصح منه الشكر. والثاني: قبول النعمة بتلقيها من المنعم ~~بإظهار الفقر والفاقة، فإن ذلك شاهد بقبولها حقيقة، والثالث: ms3330 الثناء بها ~~بأن تصف المنعم بالجود والكرم ونحوه مما يدل على حسن تلقيك لها واعترافك ~~بنزول مقامك في الرتبة عن مقامه، فإن اليد العليا خير من اليد السفلى، ~~وهو على ثلاث درجات: الأولى الشكر على المحاب أي الأشياء المحبوبة، وهذا ~~شكر تشارك فيه المثبتون المسلمون واليهود والنصارى والمجوس، فإن الكل ~~يعتقدون أن الإحسان الواصل من الرحمن واجب معرفته على الإنسان، ومن سعة ~~بر البارىء سبحانه وتعالى أن عده شكرا مع كونه واجبا على الشاكر. ووعد ~~عليه الزيادة، وأوجب فيه المثوبة إحسانا ولطفا. الثانية: الشكر في ~~المكاره، وهو إما من رجل لا يميز بين الحالات، بل يستوي عنده المكروه ~~والمحبوب، فإذا نزل به المكروه شكر الله عليه بمعنى أنه أظهر الرضا ~~بنزوله به، وهذا مقام الرضا، وإما من رجل يميز بين الأحوال فهو لا يحب ~~المكروه ولا يرضى بنزوله، فإن نزل به مكروه فشكره عليه إنما هو كظم الغيظ ~~وستر الشكوى وإن كان باطنه شاكيا، والكظم إنما هو لرعاية الأدب بالسلوك ~~في مسلك العلم، فإنه يأمر العبد بالشكر في السراء والضراء والثالثة: أن ~~لا يشهد العبد إلا المنعم باشتغاله بالاستغراق في مشاهدته عن مشاهدة ~~النعمة، وهذا الشهودعلى ثلاثة أقسام: أحدها أن يستغرق فيها عبودة، فيكون ~~مشاهدا له مشاهدة العبد للسيد بأدب العبيد إذا حضروا بين يدي سيدهم، ~~فإنهم ينسون ما هم فيه من الجاه والقرب الذي ما حصل لغيرهم، باستغراقهم ~~في الأدب، وملاحظتهم لسيدهم خوفا من أن يسير إليهم في أمر فيجدهم ~~غافلين، وهذا أمر معروف عند من صحب الملوك. # فصاحب هذا الحال إذا أنعم عليه سيده في هذه الحالة، مع قيامه في حقيقة ~~العبودة، استعظم الإحسان، لأن العبودة توجب عليه أن يستضغر نفسه. ثانيها ~~أن يشهد سيده شهود محبة غالبة، فهو يسبب هذا الاستغراق فيه، يستحلي منه ~~الشدة، وقد قال بعض عشاق حسن الصورة لا صورة الحسن فأحسن: # من لم يذق ظلم الحبيب كظلمه # حلوا فقد جهل المحبة وادعى # ثالثها: أن يشهد شهود تفريد يرفع الثنويه ويفني الرسم ويذهب الغيرية، ms3331 ~~فإذا وردت عليه النعمة أو الشدة كان مستغرقا في الفناء فلم يحس بشيء ~~منهما. # ولما علم من هذا كله أن الشاكر هو المستغرق في الثناء على المنعم بما ~~يجب عليه من العمل من فناء أو غيره بحسب ما يقدر عليه، وكان ذلك عمل مما ~~يجوز أن يكون زين لذلك العبد كونه حسنا وهو ليس كذلك، قال صلى الله عليه ~~وسلم مشيرا إلى هذا المعنى: { وأن أعمل صالحا } أي في نفس الأمر. ولما ~~كان العمل الصالح قد لا يرضي المنعم لنقص في العمل كما قيل في معنى ذلك: # إذا كان المحب قليل حظ # فما حسناته إلا ذنوب # قال: { ترضاه }. # ولما كان العمل الصالح المرضي قد لا يعلى إلى درجة المرضي عنهم، لكون ~~العامل منظورا إليه بعين السخط، لكونه ممن سبق عليه الكتاب بالشقاء، لأن ~~الملك المنعم تام الملك عظيم الملك فهو بحيث لا يسأل عما يفعل، قال ~~معرضا عن عمله معترفا بعجزه، معلما بأن المنعم غني عن العمل وعن غيره، ~~لا تضره معصية ولا ينفعه طاعة: { وأدخلني برحمتك } أي لا بعملي { في ~~عبادك الصالحين* } أي لما أردتهم له من تمام النعمة بالقرب والنظر إليهم ~~بعين العفو والرحمة والرضا. ### || [27.20-24] # ولما كان التقدير: فوصل إلى المنزل الذي قصده فنزله وتفقد أحوال جنوده ~~كما يقتضيه العناية بأمور الملك، أي تجنب فقدهم بأن تعرف من هو منهم ~~موجود ومن هو منهم مفقود، الذي يلزمه أن لا يغيب أحد منهم: { وتفقد الطير ~~} إذ كانت أحد أركان جنده ففقد الهدهد { فقال ما لي } أي أي شيء حصل لي ~~حال كوني { لا أرى الهدهد } أي أهو حاضر، وستره عني ساتر، وقوله: { أم ~~كان من الغائبين* } كما أنه يدل على ما قدرته يدل على أنه فقد جماعة من ~~الجند، فتحقق غيبتهم وشك في غيبته، وذكره له دونهم يدل على عظيم منزلة ~~الهدهد فيما له عنده من النفع، وأن غيبة غيره كانت بأمره عليه السلام. ثم ~~قال على سبيل الاستئناف إقامة لسياسة الملك ما يدل أيضا على عظمته، ~~قالوا: ms3332 إنه يرى الماء في الأرض كما يرى الإنسان الماء من داخل الزجاج ~~فينقر الأرض فتأتي الشياطين فتستخرجه: { لأعذبنه } أي بسبب غيبته فيما لم ~~آذن فيه { عذابا شديدا } أي مع إبقاء روحه تأديبا له وردعا لأمثاله { ~~أو لأذبحنه } أي تأديبا لغيره { أو ليأتيني } أي ليكونن أحد هذه الثلاثة ~~الأشياء، أو تكون { أو } الثانية بمعنى إلا أن فيكون المعنى: ليكونن أحد ~~الأمرين: التعذيب أو الذبح: إلا أن يأتيني { بسلطان مبين* } أي حجة واضحة ~~في عذره، فكأنه قال: والله ليقيمن عذره أو لأفعلن معه أحد الأمرين { فمكث ~~} أي فترتب على ذلك أنه مكث بعد الحلف بالتهديد زمانا قريبا { غير بعيد ~~} من زمان التهديد، وأتى خوفا من هيبة سليمان عليه السلام، وقياما بما ~~يجب عليه من الخدمة، قرأه عاصم وروح عن يعقوب بفتح الكاف على الأغلب في ~~الأفعال الماضية، وضمه الجماعة إشارة إلى شدة الغيبة عن سليمان عليه ~~السلام ليوافق إفهام حركة الكلمة ما أفهمه تركيب الكلام { فقال } عقب ~~إتيانه مفخما للشأن ومعظما لرتبة العلم ودافعا لما علم أنه أضمر من ~~عقوبته: { أحطت } أي علما { بما لم تحط به } أي أنت من اتساع علمك ~~وامتداد ملكك، والإحاطة: العلم بالشيء من جميع جهاته، وفي هذه المكافحة ~~التنبيه على أن أضعف الخلق قد يؤتي ما لا يصل إليه أقواهم لتتحاقر إلى ~~العلماء علومهم ويردوا العلم في كل شيء إلى الله، وفيه إبطال لقول ~~الرافضة: إن الإمام لا يخفى عليه شيء، ولا يكون في زمانه من هو أعلم منه. # ولما أبهمه تشويقا، وأخذ بمجامع القلب إلى تعرفه، ثنى بمدح الخبر ~~مجليا بعض إبهامه، هزا للنفس إلى طلب إتمامه، فقال: { وجئتك } أي الآن ~~{ من سبإ } قيل: إنه اسم رجل صار علما لقبيلة، وقيل: أرض في بلاد اليمن، ~~وحكمة تسكين قنبل له بنية الوقف الإشارة إلى تحقير أمرهم بالنسبة إلى نبي ~~الله سليمان عليه السلام بأنهم ليست لهم معه حركة أصلا على ما هم فيه من ~~الفخامة والعز والبأس الشديد { بنبإ } أي خبر عظيم { يقين* } وهو من أبدع ~~الكلام ms3333 موازنة في اللفظ ومجانسة في الخط مع ما له من الانطباع والرونق، ~~فكأنه قيل: ما هو؟ فقال: { إني وجدت امرأة } وهي بلقيس بنت شراحيل { ~~تملكهم } أي أهل سبأ. # ولما كانت قد أوتيت من كل ما يحتاج إليه الملوك أمرا كبيرا قال: { ~~وأوتيت } بنى الفعل للمفعول إقرارا بأنها مع ملكها مربوبة { من كل شيء } ~~تهويلا لما رأى من أمرها. # ولما كان عرشها - أي السرير الذي تجلس عليه للحكم - زائدا في العظمة، ~~خصه بقوله: { ولها عرش } أي سرير تجلس عليه للحكم { عظيم* } أي لم أر ~~لأحد مثله. # ولما كان في الخدمة أقرب أهل ذلك الزمان إلى الله فحصل له من النورانية ~~ما هاله لأجله إعراضهم عن الله، قال مستأنفا تعجيبا: { وجدتها وقومها } ~~أي كلهم على ضلال كبير، وذلك أنهم { يسجدون للشمس } مبتدئين ذلك { من دون ~~الله } أي من أدنى رتبة من رتب الملك الأعظم الذي لا مثل له، وهي الرتبة ~~الأفعال لأنها مصنوع من مصنوعاته تعالى سواء كان ذلك مع الاستقلال أو ~~الشرك { وزين لهم الشيطان أعمالهم } أي هذه القبيحة حتى صاروا يظنونها ~~حسنة. # ولما تسبب عن ذلك أنه أعماهم عن طريق الحق قال: { فصدهم عن السبيل } أي ~~الذي لا سبيل إلى الله غيره، وهو الذي بعث به أنبياءه ورسله عليهم الصلاة ~~والسلام. # ولما تسبب عن ذلك ضلالهم، قال: { فهم } أي بحيث { لا يهتدون* } أي لا ~~يوجد لهم هدى، بل هم في ضلال صرف، وعمى محض. ### || [27.25-33] # ولما كان هذا الضلال عجبا في نفسه فضلا عن أن يكون من قوم يجمعهم جامع ~~ملك مبناه السياسة التي محطها العقل الذي هو نور الهداية، ودواء الغواية، ~~علله بانتفاء أعظم مقرب إلى الله: السجود، تعظيما له وتنويها به فقال: ~~{ ألا } أي لئن لا { يسجدوا } أي حصل لهم هذا العمى العظيم الذي استولى ~~به عليهم الشيطان لانتفاء سجودهم، ويجوز أن يتعلق بالتزيين، أي زين لهم ~~لئلا يسجدوا { لله } أي يعبدوا الذي له الكمال كله بالسجود الذي هو محل ~~الإنس، ومحط القرب، ودارة المناجاة، وآية المعافاة، فإنهم ms3334 لو سجدوا له ~~سبحانه لاهتدوا، فإن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ففات الشيطان ما ~~يقصده منهم من الضلال، وعلى قراءة الكسائي وأبي جعفر بالتخفيف وإشباع فتح ~~الياء يكون استئنافا، بدىء بأداة الاستفتاح تنبيها لهم على عظم المقام ~~لئلا يفوت الوعظ أحدا منهم بمصادفته غافلا، ثم نادى لمثل ذلك وحذف ~~المنادى إيذانا بالاكتفاء بالإشارة لضيق الحال، خوفا من المبادرة ~~بالنكال عن استيفاء العبارة التي كان حقها:: ألا يا هؤلاء اسجدوا لله، أي ~~لتخلصوا من أسر الشيطان، فإن السجود مرضاة للرحمن، ومجلاة للعرفان، ~~ومجناة لتمام الهدى والإيمان. # ولما كانت القصة في بيان علمه سبحانه السابق لعلم الخلائق المستلزم ~~للحكمة، وصفه بما يقتضي ذلك فقال: { الذي يخرج الخبء } وهوالشيء المخبوء ~~بالفعل المخفي في غيره، وهو ما وجد وغيب عن الخلق كالماء الذي في بطن ~~الأرض، أو بالقوة وهو ما لم يوجد أصلا، وخصه بقوله: { في السماوات ~~والأرض } لأن ذلك منتهى مشاهدتنا، فننظر ما يتكون فيهما بعد أن لم يكن من ~~سحاب ومطر ونبات وتوابع ذلك من الرعد والبرق وغيرهما، وما يشرق من ~~الكواكب ويغرب - إلى غير ذلك من الرياح، والبرد والحر، الحركة والسكون، ~~والنطق والسكوت، وما لا يحصيه إلا الله تعالى، والمعنى أنه يخرج ما هو في ~~عالم الغيب فيجعله في عالم الشهادة. # ولما كان ذلك قد يخص بما لم يضمر في القلوب كالماء الذي كان يخرجه ~~الهدهد وكان ذلك قد يعرف بأمارات، وكان ما تضمره القلوب أخفى، قال: { ~~ويعلم ما تخفون } ولما كان هذا مستزما لعلم الجهر، وكان التصريح ما ليس ~~لغيره من المكنة والطمأنينة، مع أن الإعلان ربما كان فيه من اللغط ~~واختلاط الأصوات ما يمنع المستمع من العلم، قال: { وما تعلنون* } أي ~~يظهرون. # ولما كان هذا الوصف موجبا لأن يعبد سبحانه وحده، صرح بما يقتضيه في ~~قوله؛ { الله } أي الملك الأعظم الذي لا كفوء له؛ ولما كان هذا إشارة إلى ~~أنه لا سمي له، أتبعه التصريح بأنه لا كفوء له فقال: { لا إله إلا هو } ~~ولما كان وصف عرشها بعظم ms3335 ما، قال: { رب } أي مبدع ومدبر { العرش العظيم* ~~} أي الكامل في العظم الذي لا عظيم يدانيه، وهو محتو على جميع الأكوان، ~~وقد ثبت أن صاحبه أعظم منه ومن كل عظيم بآية الكرسي وبغيرها، فقطع ذلك ~~لسان التعنت عند ذكره مع مزيد اقتضاء السياق له لأنه للانفراد بالإلهية ~~المقتضية للقهر والكبر بخلاف آية المؤمنون، وهذه آية سجدة على كل ~~القراءتين، لأن مواضع السجود إما مدح لمن أتى بها، أو ذم لمن تركها، ~~كقراءة التشديد، أو أمر بالسجود كقراءة التخفيف، والكل ناظر إلى العظمة. # ولما صح قوله في كون هذا خبرا عظيما، وخطبا جسيما، حصل التشوق إلى ~~جوابه فقيل: { قال } أي سليمان عليه السلام للهدهد: { سننظر } أي نختبر ~~ما قلته { أصدقت } أي فيه فنعذرك. ولما كان الكذب بين يديه - لما أوتيه ~~من العظمة بالنبوة والملك الذي لم يكن لأحد بعده - يدل على رسوخ القدم ~~فيه، قال: { أم كنت } أي كونا هو كالجبلة { من الكاذبين* } أي معروفا ~~بالانخراط في سلكهم، فإنه لا يجترىء على الكذب عندي إلا من كان عريقا في ~~الكذب دون " أم كذبت " لأن هذا يصدق بمرة واحدة. ثم شرع فيما يختبره به، ~~فكتب له كتابا على الفور في غاية الوجازة قصدا للإسراع في إزالة المنكر ~~على تقدير صدق الهدهد بحسب الاستطاعة، ودل على إسراعه في كتابته بقوله ~~جوابا له: { اذهب بكتابي هذا } قول من كان مهيئا عنده ودفعه إليه. # ولما كان عليه السلام قد زاد قلقه بسجودهم لغير الله، أمره بغاية ~~الإسراع، وكأنه كان أسرع الطير طيرانا وأمده الله زيادة على ذلك بمعونة ~~منه إكراما لنبيه صلى الله عليه وسلم فصار كأنه البرق، فأشار إلى ذلك ~~بالفاء في قوله: { فألقه } ولما لم يخصها في الكتاب دونهم بكلام لتصغر ~~إليهم أنفسهم بخطابه مع ما يدلهم على عظمته، جمع فقال: { إليهم } أي ~~الذين ذكرت أنهم يعبدون الشمس، وذلك للاهتمام بأمر الدين. # ولما كان لو تأخر عنهم بعد إلقائه إلى موضع يأمن فيه على نفسه على ما هو ~~فيه من السرعة لداخلهم شك ms3336 في أنه هو الملقى له، أمره بأن يمكث بعد إلقائه ~~يرفرف على رؤوسهم حتى يتحققوا أمره، فأشار سبحانه إلى ذلك بأداة التراخي ~~بقوله، { ثم } أي بعد وصولك وإلقائك { تول } أي تنح { عنهم } إلى مكان ~~تسمع فيه كلامهم ولا يصلون معه إليك { فانظر } عقب توليك { ماذا يرجعون* ~~} أي من القول من بعضهم إلى بعض بسبب الكتاب. # ولما كان العلم واقعا بأنه يفعل ما أمر به لا محالة، وأنه لا يدفعه إلا ~~إلى الملكة التي بالغ في وصفها، تشوفت النفس إلى قولها عند ذلك، فكان ~~كأنه قيل: فأخذ الكتاب وذهب به، فلما ألقاه إليها وقرأته، وكانت قارئة ~~كاتبة من قوم تبع { قالت } لقومها بعد أن جمعتهم معمظمة لهم، أو لأشرافهم ~~فقط: { يا أيها الملأ } أي الأشراف. # ولما كان من شأن الملوك أن لا يصل إليهم أحد بكتاب ولا غيره إلا على ~~أيدي جماعتهم، عظمت هذا الكتاب بأنه وصل إليها على غير ذلك المنهاج فبنت ~~للمفعول قولها: { إني ألقي إلي } أي بإلقاء ملق على وجه غريب { كتاب } ~~أي صحيفة مكتوب فيها كلام وجيز جامع. # ولما كان الكريم كما تقدم في الرعد - من ستر مساوىء الأخلاق بإظهار ~~معاليها لأنه ضد اللئيم، وكان هذا الكتاب قد حوى من الشرف أمرا باهرا ~~لم يعهد مثله من جهة المرسل والرسول والافتتاح بالاسم الأعظم إلى ما له ~~من وجازة اللفظ وبلوغ المعنى، قالت: { كريم* } ثم بينت كرمه أو استأنفت ~~جوابا لمن يقول: ممن هو وما هو؟ فقالت: { إنه } أي الكتاب { من سليمان } ~~وفيه دلالة على أن الابتداء باسم صاحب الكتاب لا يقدح في الابتداء بالحمد ~~{ وإنه } أي المكتوب فيه { بسم الله الرحمن الرحيم* } فحمد المستحق للحمد ~~وهو الملك الأعلى المحيط عظمه بدائرتي الجلال والإكرام، العام الرحمة بك ~~نعمة، فملك الملوك من فائض ما له من الإنعام الذي يخص بعد العموم من يشاء ~~بما يشاء مما ترضاه ألوهيته من إنعامه العام، بعد التعريف باسمه إشارة ~~إلى أنه المدعو إليه للعبادة بما وجب له لذاته وما استحقه بصفاته، وذلك ~~كله ms3337 بعد التعريف بصاحب الكتاب ليكون ذلك أجدر بقبوله، لأن أكثر الخلق ~~إنما يعرف الحق بالرجال، ولما في كتابه من الدلالة على نبوته، فسر مراده ~~بأمر قاهر فقال: { ألا تعلوا علي } أي لا تمتنعوا من الإجابة لي، ~~والإذعان لأمري، كما يفعل الملوك، بل اتركوا علوهم، لكوني داعيا إلى ~~الله الذي أعلمت في باء البسملة بأنه لا تكون حركة ولا سكون إلا به، فيجب ~~الخضوع له لكونه رب كل شيء { وأتوني مسلمين* } أي منقادين خاضعين بما ~~رأيتم من معجزتي في أمر الكتاب. # ولما تشوفت النفس غلى جوابهم، اعلم سبحانه بأنهم بهتوا فقال: { قالت يا ~~أيها الملأ } ثم بينت ما داخلها من الرعب من صاحب هذا الكتاب بقولها: { ~~أفتوني } أي تكرموا علي بالإبانة عما أفعله { في أمري } هذا الذي أجيب ~~به عن هذا الكتاب، جعلت المشورة فتوى توسعا، لأن الفتوى الجواب في ~~الحادثة، والحكم بما هو صواب مستعار من الفتاء في السن الذي صفرة العمر؛ ~~ثم عللت أمرها لهم بذلك بأنها شأنها دائما مشاورتهم في كل جليل وحقير، ~~فكيف بهذا الأمر الخطير، وفي ذلك استعطافهم بتعظيمهم وإجلالهم وتكريمهم، ~~فقال: { ما كنت } أي كونا ما { قاطعة أمرا } أي فاعلته وفاصلته غير ~~مترددة فيه { حتى تشهدون* } وقد دل على غزارة عقلها وحسن أدبها، ولذلك ~~جنت ثمرة أمثال ذلك طاعتهم لها في المنشط والمكره، فاستأنف تعالى الإخبار ~~عن جوابهم بقوله: { قالوا } أي الملأ مائلين إلى الحرب: { نحن أولوا قوة ~~} أي بالمال والرجال { وأولوا بأس } أي عزم في الحرب { شديد * والأمر } ~~راجع وموكول { إليك } أي كل من المسالمة والمصادمة { فانظري } بسبب أنه ~~لا نزاع معك { ماذا تأمرين* } أي به فإنه مسموع. ### || [27.34-40] # ولما علمت أن من سخر له الطير على هذا الوجه لا يعجزه شيء يريده، ولا ~~أحد يكيده، مالت إلى المسالمة، فاستأنف سبحانه وتعالى الإخبار عنها ~~بقوله: { قالت } جوابا لما أحست في جوابهم من ميلهم إلى الحرب أن الصواب ~~من غير ارتياب أن نحتال في عدم قصد هذا الملك المطاع؛ ثم عللت هذا الذي ~~أفهمه سياق ms3338 كلامها بقولها { إن الملوك } أي مطلقا، فكيف بهذا النافذ ~~الأمر، العظيم القدر { إذا دخلوا قرية } أي عنوة بالقهر والغلبة { ~~أفسدوها } أي بالنهب والتخريب { وجعلوا أعزة أهلها أذلة } أي بما يرونهم ~~من البأس، ويحلون بهم من السطوة. ثم أكدت هذا المعنى بقولها: { وكذلك } ~~أي ومثل هذا الفعل العظيم الشأن، الوعر المسلك البعيد الشأو { يفعلون* } ~~دائما، هو خلق لهم مستمر جميعهم على هذا، فكيف بمن تطيعه الطيور، ذوات ~~الوكور، فيما يريده من الأمور. # ولما بينت ما في المصادمة من الخطر، أتبعته ما عزمت عليه من المسالمة، ~~فقالت: { وإني مرسلة } وأشار سبحانه إلى عظيم ما ترسل به بالجمع في ~~قولها: { إليهم } أي إليه وإلى جنوده { بهدية } أي تقع منهم موقعا. قال ~~البغوي: وهي العطية على طريق الملاطفة. { فناظرة } عقب ذلك وبسببه { بم } ~~أي بأي شيء { يرجع المرسلون* } بتلك الهدية عنه من المقال أو الحال، ~~فنعمل بعد ذلك على حسب ما نراه من أمره، فنكون قد سلمنا من خطر الإقدام ~~على ما لم نعرف عاقبته، ولم يضرنا ما فعلنا شيئا. # ولما كان التقدير: فأرسلت بالهدية، وهي فيما يقال خمسمائة غلام مرد، ~~زينتهم بزي الجواري، وأمرتهم بتأنيث الكلام، وخمسمائة جارية في زي ~~الغلمان، وأمر لهم بتغليظ الكلام. وجزعه معوجة الثقب، ودرة غير مثقوبة - ~~وغير ذلك، وسألته أن يميز بين الغلمان والجواري، وأن يثقب الدرة، وأن ~~يدخل في الجزعة خيطا، فأمرهم بغسل الوجوه والأيدي، فكانت الجارية تأخذ ~~الماء بإحدى يديها ثم تنقله إلى الأخرى ثم تضرب الوجه وتصب الماء على ~~باطن ساعدها صبا، وكان الغلام كما يأخذ الماء يضرب به وجهه ويصب الماء ~~على ظهر الساعد ويحدره على يديه حدرا، وأمر الأرضة فثقبت الدرة، والدودة ~~فأدخلت السلك في الثقب المعوج، رتب عليه قوله مشيرا بالفاء إلى سرعة ~~الإرسال: { فلما جاء } أي الرسول الذي بعثته وأرسلته، والمراد به الجنس؛ ~~قال أبو حيان: وهو يقع على الجمع والمفرد والمذكر والمؤنث. { سليمان } ~~فدفع إليه ذلك { قال } أي سليمان عليه السلام للرسول ولمن في خدمته ~~استصغارا لما معه: { أتمدونن } أي ms3339 أنت ومن معك ومن أرسلك { بمال } وإنما ~~قصدي لكم لأجل الدين، تحقيرا لأمر الدنيا وإعلاما بأنه لا التفات له ~~نحوها بوجه، ولا يرضيه شيء دون طاعة الله. # ثم سبب عنه ما أوجب له استصغار ما معه فقال: { فما آتاني الله } أي ~~الملك الأعظم الذي له جميع الكمال من المال والجلال بالنبوة والملك ~~والقرب منه سبحانه، وهو الذي يغني مطيعه عن كل ما سواه، فمهما سأله ~~أعطاه، وذلك أنه صف الشياطين والإنس والسباع والوحش والطير والهوام ~~صفوفا فراسخ عدة، وبسط المكان كله بلين الذهب إلى غير ذلك مما يليق به { ~~خير مما آتاكم } أي من الملك الذي لا نبوة فيه، ولا تأييد من الله. # ولما كان التقدير: ولكنكم لا تعلمون أن هديتكم مما يزهد فيه لتقيدكم ~~بظاهر من الحياة الدنيا، نسق عليه قوله: { بل أنتم } أي بجهلكم لذلك ~~تستعظمون ما أنتم فيه، فأنتم { بهديتكم تفرحون* } بتجويزكم أن الدنيا ~~تردني عنكم لأنها غاية قصدي، ويجوز أن يراد أنكم تفرحون بما يهدي إليكم ~~فتتركون من كنتم تريدون غزوه لأجل ما آتاكم منه من الدنيا، فحالي خلاف ~~حالكم، فإنه لا يرضيني إلا الدين. ثم أفرد الرسول إرادة لكبيرهم بقوله: { ~~ارجع } وجمع في قوله: { إليهم } إكراما لنفسه، وصيانه لاسمها عن التصريح ~~بضميرها، وتعميما لكل من يهتم بأمرها ويطيعها { فلنأتينهم بجنود لا قبل ~~} أي طاقة { لهم بها } أي بمقابلتها لمقاومتها وقلبها عن قصدها، أي لا ~~يقدرون أن يقابلوها { ولنخرجنهم منها } أي من بلادهم { أذلة }. # ولما كان الذل قد يكون لمجرد الانقياد، لا على سبيل الهوان، حقق المراد ~~بقوله: { وهم صاغرون* } أي لا يملكون شيئا من المنعة إن لم يقروا ~~بالإسلام. # ولما ذهب الرسل، وعلم صلى الله عليه السلام مما رأى من تصاغرهم لما رأوا ~~من هيبته وجلاله الذي حباه به ربه وعظمته أنهم يأتون بها مذعنة { قال } ~~لجماعته تحقيقا لقوله: { وأوتينا من كل شيء } لإعلامه بأنها استوثقت من ~~عرشها: { يا أيها الملأ } أي الأشراف { أيكم يأتيني بعرشها } لترى بعض ~~ما آتاني الله من الخوارق، فيكون أعون ms3340 على متابعتها في الدين، ولآخذه قبل ~~أن يحرم أخذه بإسلامها، وأختبر به عقلها { قبل أن يأتوني } أي هي ~~وجماعتها { مسلمين* } أي منقادين لسلطاني، تاركين لعز سلطانهم، منخلعين ~~من عظيم شأنهم، ليكون ذلك أمكن في إقامة الحجة عليها في نبوتي وأعون على ~~رسوخ الإيمان في قلبها وإخلاصها فيه { قال عفريت }. ولما كان هذا اللفظ ~~يطلق على الأسد، وعلى المارد القوي، وعلى الرجل النافذ في الأمر المبالغ ~~فيه مع دهاء وقوة - وقال الرازي: مع خبث ومكر - وعلى غيره، بينه بأن قال: ~~{ من الجن أنا } الداهية الغليظ الشديد { آتيك به } ولما علم أن غرضه ~~الإسراع قال: { قبل أن تقوم من مقامك } أي مجلسك هذا، ثم أوثق الأمر ~~وأكده بقوله: { وإني عليه } أي الإتيان به سالما { لقوي } لا يخشى عجزي ~~عنه { أمين* } لا يخاف انتقاضي شيئا منه. # ولما كانت القصة لإظهار فضل العلم المستلزم للحكمة، دلالة على أنه تعالى ~~حكيم عليم، ترغيبا في القرآن، وحثا على ما أفاده من البيان، قال حاكيا ~~لذلك استئنافا جوابا لاستشرافه صلى الله عليه وسلم لأقرب من ذلك: { قال ~~الذي عنده }. # ولما كان لكتب الله من العظمة ما لا يحيطه إلا الله، اشار إلى ذلك ~~بتنكير ما لهذا الذي يفعل مثل هذا الخارق العظيم من ذلك فقال: { علم } ~~تنبيها على أنه اقتدر على ذلك بقوة العلم ليفيد ذلك تعظيم العلم والحث ~~على تعلمه، وبين أن هذا الفضل إنما هو للعلم الشرعي فقال: { من الكتاب } ~~أي الذي لا كتاب في الحقيقة غيره، وهو المنسوب إلينا، وكأنه الذي كان ~~شهيرا في ذلك الزمان، ولعله التوراة والزبور، إشارة إلى أن من خدم ~~كتابا حق الخدمة كان الله - تعالى كما ورد في شرعنا - سمعه الذي يسمع ~~به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، أي ~~إنه يفعل له ما يشاء، وقيل في تعيينه إنه آصف بن برخيا وكان صديقا ~~عالما: { أنا آتيك به } وهذا أظهر في كونه اسم فاعل لأن الفعل قارن ~~الكلام؛ وبين فضله على العفريت بقوله: ms3341 { قبل أن يرتد } أي يرجع { إليك ~~طرفك } أي بصرك إذا طرفت بأجفانك فأرسلته إلى منتهاه ثم رددته؛ قال ~~القزاز: طرف العين: امتداد بصرها حيث أدرك، ولذلك يقولون: لا أفعل ذلك ما ~~ارتد إلي طرفي، أي ما دمت أبصر، ويقال: طرف الرجل يطرف - إذا حرك جفونه، ~~وقيل: الطرف اسم لجامع البصر لا يثنى ولا يجمع. وبين تصديق فعله لقوله ~~أنه استولىعليه قبل أن يتحكم منه العفريت فبادر الطرف إحضاره كما أشار ~~إليه قوله تعالى: { فلما رآه } أي العرش. # ولما كانت الرؤية قد تكون عن بعد ومجازية، وكذلك العندية، بين أنها ~~حقيقية بإظهار العامل في الظرف ومن حقه في غير هذا السياق الحذف فقال: { ~~مستقرا عنده } أي ثابتا ثباتا لا مرية فيه، ما هو بسحر ولا منام لا ~~مثال؛ قال الإمام جمال الدين بن هشام في الباب الثالث من كتابه المغني: ~~زعم ابن عطية أن { مستقرا } هو المتعلق الذي يقدر في أمثاله قد ظهر، ~~والصواب ما قاله أبو البقاء وغيره من أن هذا الاستقرار معناه عدم التحرك ~~لا مطلق الوجود والحصول، فهو كون خاص. { قال } أي سليمان عليه السلام ~~شكرا لما آتاه الله من هذه الخوارق: { هذا } أي الإتيان المحقق { من فضل ~~ربي } أي المحسن إلي، لا بعمل أستحق به شيئا، فإنه أحسن إلي بإخراجي ~~من العدم وتطويقي للعمل، فكل عمل نعمة منه يستوجب علي به الشكر، ولذلك ~~قال: { ليبلوني } أي يفعل معي فعل المبتلي الناظر { ءأشكر } فأعترف بكونه ~~فضلا { أم أكفر } بظن أني أوتيته باستحقاق. ثم زاد في حث نفسه على الشكر ~~بقوله: { ومن شكر } أي أوقع الشكر لربه { فإنما يشكر لنفسه } فإن نفعه ~~لها، وأما الله تعالى فهو أعلى من أن يكون له في شيء نفع أو عليه فيه ضر ~~{ ومن كفر فإن ربي } أي المحسن إلي بتوفيقي لما أنا فيه من الشكر { غني ~~} أي عن شكر، لا يضره تركه شيئا { كريم* } يفعل معه بإدرار النعم عليه ~~فعل من أظهر محاسنه وستر مساوئه، ثم هو جدير بأن يقطع إحسانه إن ms3342 استمر ~~على إجرامه كما يفعل الغني بمن أصر على كفر إحسانه فإذا هو قد هلك. ### || [27.41-44] # ولما قدم - كما هو دأب الصالحين - الشكر، علم أنه يفعل في العرش ما ~~لأجله أحضره، تشوفت النفس إليه فأجيبت بقوله: { قال } أي سليمان عليه ~~السلام: { نكروا لها عرشها } أي بتغيير بعض معالمه وهيئته اختبارا ~~بعقلها كما اختبرتنا هي بالوصفاء والوصائف والدرة وغير ذلك، وإليه ~~الإشارة بقوله: { ننظر أتهتدي } أي إلى معرفته فيكون ذلك سببا لهدايتها ~~في الدين { أم تكون من الذين } شأنهم أنهم { لا يهتدون* } أي بل هم في ~~غاية الغباوة، لا يتجدد لهم اهتداء، بل لو هدوا لوقفوا عند الشبه، ~~وجادلوا بالباطل وما حلوا، وأشار إلى سرعة مجيئها إشارة إلى خضوعها ~~بالتعبير بالفاء في قوله: { فلما جاءت } وكان مجيئها - على ما قيل - في ~~اثنى عشر ألف قيل من وجوه اليمن، تحت يد كل قيل ألوف كثيرة، وكانت قد ~~وضعت عرشها داخل بيت منيع، ووكلت به حراسا أشداء { قيل } أي لها وقد رأت ~~عرشها بعد تنكيره بتقليب نصبه وتغييره، من قائل لا يقدر على السكوت عن ~~جوابه لما نالها من الهيبة وخالطها من الرعب من عظيم ما رأت، فقرعها ~~بكلمة تشمل على أربع كلمات: هاء التنبيه، وكاف التشبيه، واسم الإشارة، ~~مصدرة بهمزة الاستفهام، أي تنبهي { أهكذا } أمثل ذا العرش { عرشك قالت } ~~عادلة عن حق الجواب من " نعم " أو " لا " إشارة إلى أنها غلب على ظنها ~~أنه هو بعينه كما قالوا في " كأن زيدا قائم ": { كأنه هو } وذلك يدل على ~~ثبات كبير، وفكر ثاقب، ونظر ثابت، وطبع منقاد، لتجويز المعجزات والإذعان ~~لها مع دهشة القدوم، واشتغال الفكر بما دهمها من هيبته وعظيم أمره، فعلم ~~سليمان عليه السلام رجاحة عقلها وبطلان ما قال الشياطين من نقصه خوفا من ~~أن يتزوجها فتفشي عليه أسرار الجن لأن أمها كانت جنية - على ما قيل، ~~وقالوا: إن رجلها كحافر الحمار، وإنها كثيرة الشعر جدا. # ولما كانت مع ذلك قد شبه عليها ولم تصل إلى حاق الانكشاف مع أنها غلبت ~~على ms3343 عرشها مع الاحتفاظ عليه، استحضر صلى الله عليه وسلم ما خصه الله به ~~من العلم زيادة في حثه على الشكر، فقال عاطفا على ما تقديره: فأوتيت من ~~أمر عرشها علما، ولكنه يخالجه شك، فدل على أنها في الجملة من أهل العلم ~~المهيئي للهداية، أو يكون التقدير بما دل عليه ما يلزم من قولها { كأنه ~~}: فجهلت أمر عرشها على كثرة ملابستها له: { وأوتينا } معبرا بنون ~~الواحد المطاع، لا سيما والمؤتى سبب لعظمة شرعية، وهو العلم الذي لا يقدر ~~على إيتائه غير الله، ولذلك بني الفعل للمفعول لأن فاعله معلوم { العلم } ~~أي بجميع ما آتانا الله علمه، ومنه أنه يخفى عليها { من قبلها } أي من ~~قبل إتيانها، بأن عرشها يشتبه عليها، أو من قبل علمها بما ظنت من أمر ~~عرشها، أو أنا وأسلافي من قبل وجودها، فنحن عريقون في العلم، فلذلك نحن ~~على حقيقة من جميع أمورنا، وإنما قال: { ننظر أتهتدي } بالنسبة إلى ~~جنوده. # ثم ذكر السبب في وجود العلم واتساعه وثباته فقال: { وكنا } أي مع العلم ~~الذي هيأنا الله له بما جعل في غرائزنا من النورانية { مسلمين* } أي ~~خاضعين لله تعالى عريقين في ذلك مقبلين على جميع أوامره بالفعل على حسب ~~أمره كما أشار إليه قوله تعالى: # واتقوا الله ويعلمكم الله # [البقرة: 282]، # يهديهم ربهم بإيمانهم # [يونس: 9]. # ولما كان المعنى: وأما هي فإنها وإن أوتيت علما فلم يكن ثابتا، ولا ~~كان معه دين، ترجمه بقوله: { وصدها } أي هي عن كمال العلم كما صدها عن ~~الدين { ما } أي المعبود الذي { كانت } أي كونا ثابتا في الزمن الماضي ~~{ تعبد } أي عبادة مبتدئة { من دون الله } أي غير الملك الأعلى الذي له ~~الكمال كله أو أدنى رتبة من رتبته، وهي عبادة الشمس ليظهر الفرق بين حزب ~~الله الحكيم العليم وحزب إبليس السفيه الجهول. ثم علل ذلك إشارة إلى عظيم ~~نعمة الله عليه بالنعمة على أسلافه بقوله: { إنها } وقرىء بالفتح على ~~البدل من فاعل " صد " { كانت من قوم } أي ذوي بطش وقيام { كافرين* } أي ~~فكان ذلك ms3344 سببا - وإن كانت في غاية من وفور العقل وصفاء الذهن وقبول ~~العلم كما دل عليه ظنها في عرشها، ما يهتدي له إلا من عنده قابلية الهدي ~~- في اقتفائها لآثارهم في الدين، فصديت مرآة فكرها ونبت صوارم عقلها. # ولما تم ذلك، كان كأنه قيل: هل كان بعد ذلك اختبار؟ فقيل: نعم! { قيل ~~لها } أي من قائل من جنود سليمان عليه السلام، فلم تمكنها المخالفة لما ~~هناك من الهيبة بالملك والنبوة والدين: { ادخلي الصرح } وهو قصر بناه قبل ~~قدومها، وجلس في صدره، وجعل صحنه من الزجاج الأبيض الصافي، وأجرى تحته ~~الماء، وجعل فيه دواب البحر، وأصله - كما قال في الجمع بين العباب ~~والمحكم: بيت واحد يبني منفردا ضخما طويلا في السماء، قال: وقيل: كل ~~بناء متسع مرتفع، وقيل: هو القصر، وقيل: كل بناء عال مرتفع، والصرح: ~~الأرض المملسة، وصرحة الدار ساحتها. ودل على مبادرتها لامتثال الأمر ~~وسرعة دخولها بالفاء فقال: { فلما رأته } وعبر بما هو من الحسبان دلالة ~~على أن عقلها وأن كان في غاية الرجاحة ناقص لعبادتها لغير الله فقال: { ~~حسبته } أي لشدة صفاء الزجاج واتصال الماء بسطحه الأسفل { لجة } أي غمرة ~~عظيمة من ماء، فعزمت على خوضها إظهارا لتمام الاستسلام { وكشفت عن ~~ساقيها } أي لئلا تبتل ثيابها فتحتاج إلى تغييرها قبل الوصول إلى سليمان ~~عليه السلام، فرآها أحسن الناس ساقا وقدما غير أنها شعراء. # ولما حصل مراده، استؤنف الإخبار عن أمره بعده فقيل: { قال } مبينا لعظم ~~عقله وعلمه، وحكمته وقدرته، مؤكدا لأنه لشدة اشتباهه بجودة المادة ~~وتناهي حسن الصنعة وإحكامها لا يكاد يصدق أنه حائل دون الماء: { إنه } أي ~~هذا الذي ظننته ماءا { صرح } أي قصر { ممرد } أي مملس، وأصل المرودة: ~~الملامة والاستواء { من } أي كائن من { قوارير* } أي زجاج ليتصف بشفوفة ~~الماء فيظن أنه لا حائل دونه، فلما رأت ما فضله الله به من العلم، المؤيد ~~بالحكمة، المكمل بالوقار والسكينة، المتمم بالخوارق، بادرت إلى طاعته ~~علما بأنه رسول الله، فاستأنف تعالى الإخبار عن ذلك بقوله: { قالت } ~~مقبلة على من ms3345 آتاه، للاستمطار من فضله، والاستجداء من عظيم وبله: { رب } ~~أي أيها المحسن إلي { إني ظلمت نفسي } أي بما كنت فيه من العمى بعبادة ~~غيرك عن عبادتك { وأسلمت } أي ليظهر علي ثمرات الإسلام. # ولما ذكرت هذا الأساس الذي لا يصح بناء طاعة إلا عليه، أتبعته الداعي ~~الذي لا تتم ثمرات الأعمال المؤسسة عليه إلا بحبه، والإذعان له، ~~والانقياد والاعتراف بالفضل، وبهدايته إلى ما يصلح منها وما لا يصلح على ~~الوجوه التي لا تقوم إلا بها من الكميات والكيفيات. فقالت: { مع سليمان ~~}. # ولما ذكر صفة الربوبية الموجبة للعبادة بالإحسان، ذكرت الاسم الأعظم ~~الدال على ذات المستجمع للصفات الموجبة للإلهية للذات فقالت: { لله } أي ~~مقرة له بالألوهية والربوبية على سبيل الوحدانية. ثم رجعت إشارة إلى ~~العجز عن معرفة الذات حق المعرفة إلى الأفعال التي هي بحر المعرفة فقالت: ~~{ رب العالمين* } فعمت بعد أن خصت إشارة إلى الترقي من حضيض دركات العمى ~~إلى أوج درجات الهدى، فلله درها ما أعلمها! وأطيب أعراقها وأكرمها! ~~ويقال: أن سليمان عليه السلام تزوجها واصطنع الحمام - وهو أول من اتخذه - ~~وأذهب شعرها بالنورة. ### || [27.45-49] # ولما أتم سبحانه هذه القصة المؤسسة على العلم المشيد بالحكمة المنبئة عن ~~أن المدعوين فيها أطبقوا على الاستسلام للدخول في الإسلام، مع أبالة ~~الملك ورئاسة العز، والقهر على يد غريب عنهم بعيد منهم، أتبعها قصة انقسم ~~أهلها مع الذل والفقر فريقين مع أن الداعي منهم لا يزول باتباعه شيء من ~~العز عنهم، مع ما فيها من الحكمة، وإظهار دقيق العلم بإبطال المكر، بعد ~~طول الأناة والحلم، فقال تعالى مفتتحا بحرف التوقع والتحقيق لمن ظن أن ~~هذا شأن كل رسول مع يدعوهم، عاطفا على { ولقد آتينا داود }: { ولقد ~~أرسلنا } أي بما لنا من العظمة { إلى ثمود } ثم أشار إلى العجب من توقفهم ~~بقوله: { أخاهم صالحا } فجمع إلى حسن الفعل حسن الاسم وقرب النسب. ثم ~~ذكر المقصود من الرسالة بما لا أعدل منه ولا أحسن، وهو الاعتراف بالحق ~~لأهله، فقال: { أن اعبدوا الله } أي الملك الأعظم الذي ms3346 لا كفوء له وحده، ~~ولا تشركوا به شيئا ولا سيما شيئا لا يضر بوجه ولا ينفع، بيانا لأن ~~الرسل عليهم الصلاة والسلام متفقون على ذلك عربهم وعجمهم. ثم زاد في ~~التعجيب منهم بما أشارت إليه الفاء وأداة المفاجأة من المبادرة إلى ~~الافتراق بما يدعو إلى الاجتماع فقال: { فإذا هم } أي ثمود { فريقان } ثم ~~بين بقوله: { يختصمون* } أنها فرقة افتراق بكفر وإيمان، لا فرقة اجتماع ~~في هدى وعرفان، فبعضهم صدق صالحا واتبعه كما مضى في الأعراف. وتأتي هنا ~~الإشارة إليه بقوله " وبمن معك " وبعضهم استمر على شركه وكذبه، وكل فريق ~~يقول: أنا على الحق وخصمي على الباطل. ثم استأنف بما أشار إليه حرف ~~التوقع من شدة التشوف قائلا: { قال } أي صالح مستعطفا في هدايته: { يا ~~قوم } أي يا أولاد عمي ومن فيهم كفاية للقيام بالمصالح { لم تستعجلون } ~~أي تطلبون العجلة بالإتيان { بالسيئة } أي الحالة التي مساءتها ثابتة وهي ~~العقوبة التي أنذرت بها من كفر { قبل } الحالة { الحسنة } من الخيرات ~~التي أبشركم بها في الدنيا والآخرة إن آمنتم، والاستعجال: طلب الإتيان ~~بالأمر قبل الوقت المضروب له. واستعجالهم لذلك للإصرار على سببه وقولهم ~~استهزاء { ائتنا بما تعدنا } { لولا } أي هلا ولم لا { تستغفرون الله } ~~أي تطلبون غفران الذي له صفات الكمال لذنوبكم السالفة بالرجوع إيه ~~بالتوبة بإخلاص العبادة له { لعلكم ترحمون* } أي لتكونوا على رجاء من أن ~~تعاملوا من كل من فيه خير معاملة المرحوم بإعطاء الخير والحماية من الشر، ~~ثم استأنف حكاية جوابهم فقال: { قالوا } فظاظة وغلظة مشيرين بالإدغام إلى ~~أن ما يقولونه إنما يفهمه الحذاق بمعرفة الزجر وإن كان الظاهر خلافه بما ~~أتاهم به من الناقة التي كان في وجودها من البركة أمر عظيم؛ { اطيرنا } ~~أي تشاءمنا { بك وبمن معك } أي وهو الذين آمنوا بك، فإنه وقع بيننا ~~بسببكم الخلاف، وكثر القال والقيل والإرجاف، وحصلت لنا شدائد واعتساف، ~~لأنا جعلناكم مثل الطائر الذي يمر من جهة الشمال - على ما يأتي في ~~الصافات { قال طائركم } أي ما تيمنون به فيثمر ما يسركم، ms3347 أو تتشاءمون به ~~فينشأ عنه ما يسوءكم وهو عملكم من الخير أو الشر { عند الله } أي الملك ~~الأعظم المحيط بكل شيء علما وقدرة، وليس شيء منه بيد غيره ولا ينسب ~~إليه، فإن شاء جعلنا سببه وإن شاء جعل غيرنا. # ولما كان معنى نسبته إلى الله أن هذا الذي بكم الآن من الشر ليس منا، ~~قال: { بل أنتم قوم تفتنون* } أي تختبرون من الملك الأعلى بما تنسبونه ~~إلى الطير من الخير والشر، أي تعاملون به معاملة الاختبار هل تصلحون ~~للخير بالرجوع عن الذنب فيخفف عنكم أو لا فتمحنوا. # ولما أخبر عن عامة هذا الفريق بالشر، أخبر عن شرهم بقوله: { وكان في ~~المدينة } أي مدينتهم الحجر من عظماء القرية وأعيانها { تسعة رهط } أي ~~رجال، مقابلة لآيات موسى التسع. # ولما كان الرهط بمعنى القوم والرجال، أضيفت التسعة إليه، فكأنه قيل: ~~تسعة رجال، وإن كان لقوم ورجال مخصوصين، وهم ما بين الثلاثة أو السبعة ~~إلى العشرة، وما دون التسعة فنفر، وقال في القاموس: إن النفر ما دون ~~العشرة غير أنه يفهم التفرق، والرهط يفهم العظمة والشدة والاجتماع { ~~يفسدون } وقال: { في الأرض } إشارة إلى عموم فسادهم ودوامه. # ولما كان الكفرة كلهم مفسدين بالكفر، وكان بعضهم ربما كان يصلح في بعض ~~أفعاله، بين أن هؤلاء ليسوا كذلك، بل هم شر محض فحقق خلوصهم للفساد بقوله ~~مصرحا بما أفهمته صيغة المضارع: { ولا يصلحون* }. # ولما اقتضى السياق السؤال عن بيان بعض حالهم، أجاب بقوله: { قالوا ~~تقاسموا } أمر مما منه القسم، أي أوقعوا المقاسمة والمحالفة بينكم { ~~بالله } أي الذي لا سمى له لما شاع من عظمته، وشمول إحاطته في علمه ~~وقدرته، فليقل كل منكم عن نفسه ومن معه إشارة إلى أنكم كالجسد الواحد: { ~~لنبيتنه } أي صالحا { وأهله } أي لنهلكن الجميع ليلا، فإن البيات ~~مباغتة العدو ليلا. # ولما كانت العادة جارية بأن المبيتين لا بد أن يبقى بعضهم، قالوا: { ثم ~~لنقولن لوليه } أي المطالب بدمه إن بقي منهم أحد: { ما شهدنا } أي حضرنا ~~حضورا تاما { مهلك } أي هلاك { أهله } أي ms3348 أهل ذلك الولي فضلا عن أن ~~نكون باشرنا، أو أهل صالح عليه السلام فضلا عن أن نكون شهدنا مهلك صالح ~~أو باشرنا قتله ولا موضع إهلاكهم. ولما كانت الفجيعة من وليه بهلاكه - ~~عليه السلام - أكثر من الفجيعة بهلاك أهله وأعظم، كان في السياق بالإسناد ~~إلى الولي - على تقدير كون الضمير لصالح عليه السلام - أتم إرشاد إلى أن ~~التقدير: ولا مهلكه. # ولما كانوا قد صمموا على هذا الأمر، وظنوا أنفسهم على المبالغة في الحلف ~~والاجتراء على الكذب فقالو: { وإنا } أي ونقول في جملة القسم تأكيدا ~~للقسم، إيهاما لتحقق الصدق: وإنا { لصادقون* } فيا للعجب من قوم إذا ~~عقدوا اليمين فزعوا إلى الله العظيم، ثم نفروا عنه نفور الظليم، إلى ~~أوثان أنفع منها الهشيم. ### || [27.50-58] # ولما كان هذا منهم عمل من لا يظن أن الله عالم به، قال تعالى محذرا ~~أمثالهم عن أمثال ذلك: { ومكروا مكرا } أي ستروا سترا عظيما أرادوا به ~~الشر بهذه المساومة على المقاسمة، فكان مكرهم الذي اجتهدوا في ستره لدينا ~~مكشوفا وفي حضرتنا معروفا وموصوفا، فشعرنا بل علمنا به فأبطلناه { ~~ومكرنا مكرا } أي وجزينانهم على فعلهم بما لنا من العظمة شيئا هو المكر ~~في الحقيقة فإنه لا يعلمه أحد من الخليقة، ولذلك قال: { وهم } أي مع ~~اعتنائهم بالفحص عن الأمور. والتحرز من عظائم المقدور { لا يشعرون* } أي ~~لا يتجدد لهم شعور بما قدرناه عليهم بوجه ما، فكيف بغيرهم، وذلك أنا ~~جعلنا تدميرهم في تدبيرهم، فلم يقدروا على إبطاله، فأدخلناهم في خبر كان، ~~لم يفلت منهم إنسان، وأهلكنا جميع الكفرة من قومهم في أماكنهم مساكنهم أو ~~غير مساكنهم، وأما مكرهم فكانوا على اجتهادهم في إتقانه وإحكام شأنه، قد ~~جوزوا فيه سلامة بعض من يقصدونه بالإهلاك، فشتان بين المكرين، وهيهات ~~هيهات لما بين الأمرين، وقد ظهر أن الآية إما احتباك أو شبيهة به: عدم ~~الشعور دال على حذف عدم الإبطال من الثاني، وعلى حذف الشعور والإبطال ~~الذي هو نتيجته من الأول. # ولما علم من هذا الإبهام تهويل الأمر، سبب عنه سبحانه ms3349 زيادة في تهويله ~~قوله: { فانظر } وزاده عظمة بالإشارة بأداة الاستفهام إلى أنه أهل لأن ~~يسأل عنه فقال: { كيف كان عاقبة مكرهم } فإن ذلك سنتنا في أمثالهم، ثم ~~استأنف لزيادة التهويل قوله بيانا لما أبهم: { إنا } أي بما لنا من ~~العظمة، ومن فتح فهو عنده بدل من { عاقبة } { دمرناهم } أي أهلكناهم، أي ~~التسعة المتقاسمين، بعظمتنا التي لا مثل لها { وقومهم أجمعين* } لم يفلت ~~منهم مخبر، ولا كان في ذلك تفاوت بين مقبل ومدبر، وأين يذهب أحد منهم أو ~~من غيرهم من قبضتنا أو يفر من مملكتنا. # ولما كانت يتسبب عن دمارهم زيادة الهول والعرب بالإشارة إلى ديارهم، ~~لاستحضار أحوالهم، واستعظامهم بعظيم أعمالهم، قال: { فتلك } أي المبعدة ~~بالغضب على أهلها { بيوتهم } أي ثمود كلهم { خاوية } أي خالية، متهدمة ~~بالية، مع شدة أركانها، وإحكام بنيانها، فسبحان الفعال لما يريد، القادر ~~على الضعيف كقدرته على الشديد.. # ولم ذكر الهلاك، أتبعه سببه في قوله: { بما ظلموا } أي أوقعوا من الأمور ~~في غير مواقعها فعل الماشي في الظلام، كما عبدوا من الأوثان، ما يستحق ~~الهوان، ولا يستحق شيئا من التعظيم بوجه، معرضين عمن لا عظيم عندهم غيره ~~عند الإقسام، والشدائد والاهتمام، وخراب البيوت - كما قال أبو حيان - ~~وخلوها من أهلها حتى لا يبقى منهم أحد مما يعاقب به الظلمة. # ثم زاد في التهويل بقوله: { إن في ذلك } أي الأمر الباهر للعقول الذي ~~فعل بثمود { لآية } أي عظيمة، ولكنها { لقوم يعلمون* } أي لهم علم. وأما ~~من لا ينتفع بها نادى على نفسه بأنه في عداد البهائم. # ولما كان ذلك ربما أوهم أن الهلاك عم الفريقين قال: { وأنجينا } بعظمتنا ~~{ الذين آمنوا } أو وهم الفريق الذين كانوا مع صالح عليه السلام كلهم { ~~وكانوا يتقون* } أي متصفين بالتقوى اتصافا كأنهم مجبولون عليه، فيجعلون ~~بينهم وبين ما يسخط ربهم وقايه من الأعمال الصالحة، والمتاجر الرابحة. ~~وكذلك نفعل بكل من فعل فعلهم، قيل: كانوا أربعة آلاف، ذهب بهم صالح عليه ~~السلام إلى حضرموت، فلما دخلوها مات صالح عليه السلام، فسميت بذلك. # ولما ms3350 فرغ من قصة القريب الذي دعا قومه فإذا هم قسمان، بعد الغريب الذي ~~لم يختلف عليه ممن دعاهم اثنان، اتبعها بغريب لم يتبعه ممن دعاهم إنسان، ~~فقال دالا على أنه له سبحانه الاختيار، فتارة يجري الأمور على القياس، ~~وأخرى على خلاف الأساس، الذي تقتضيه عقول الناس، فقال: { ولوطا } أي ~~ولقد أرسلناه؛ وأشار إلى سرعة إبلاغه بقوله: { إذ } أي حين { قال لقومه } ~~أي الذين كان سكن فيهم لما فارق عمه إبراهيم الخليل عليه السلام وصاهرهم، ~~وكانوا يأتون الأحداث، منكرا موبخا: { أتأتون } ولما كان للإبهام ثم ~~التعيين من هز النفس وترويعها ما ليس للتعيين من أول الأمر قال: { ~~الفاحشة } أي الفعلة المتناهية في القبح { وأنتم تبصرون* } أي لكم عقول ~~تعرفون بها المحاسن والمقابح، وربما كان بعضهم يفعله بحضرة بعض كما قال # وتأتون في ناديكم المنكر # [العنكبوت: 29] فيكون حينئذ من البصر والبصيرة؛ ثم أتبع هذا الأنكار ~~إنكارا آخر لمضمون جملة مؤكدة أتم التأكيد، إشارة إلى أن فعلتهم هذه مما ~~يعي الواصف، ولا يبلغ كنه قبحها ولا يصدق ذو عقل أن أحدا يفعلها، فقال ~~معينا لما أبهم: { أئنكم لتأتون } وقال: { الرجال } تنبيها على بعدهم ~~عما يأتونه إليهم، ثم علله بقوله: { شهوة } إنزالا لهم إلى رتبة البهائم ~~التي ليس فيها قصد ولد ولا عفاف؛ وقال: { من دون } أي إتيانا مبتدئا من ~~غير، أو أدنى رتبة من رتبة { النساء } إشارة إلى أنهم أساؤوا من الطرفين ~~في الفعل والترك. # ولما كان قوله: { شهوة } ربما أوهم أنهم لا غنى بهم عن إتيانهم للشهوة ~~الغالبة لكن النساء لا تكفيهم، لذلك نفى هذا بقوله: { بل } أي إنكم لا ~~تأتونهم لشهوة محوجة بل { أنتم قوم } ولما كان مقصود السورة إظهار العلم ~~والحكمة، وكانوا قد خالفوا ذلك إما بالفعل وإما لكونهم يفعلون من الإسراف ~~وغيره عمل الجهلة، قال: { تجهلون* } أي تفعلون ذلك إظهارا للتزين ~~بالشهوات فعل المبالغين في الجهل الذين ليس لهم نوع علم في التجاهر ~~بالقبائح خبثا وتغليبا لأخلاق البهائم، مع ما رزقكم الله من العقول ~~التي أهملتموها حتى غلبت عليها ms3351 الشهوة، وأشار إلى تغاليهم في الجهل ~~وافتخارهم به بما سببوا عن ذلك بقوله: { فما كان جواب قومه } أي لهذا ~~الكلام الحسن لما لم يكن لهم حجة في دفعه بل ولا شبهة { إلا أن } صدقوه ~~في نسبته لهم إلى الجهل بأن { قالوا } عدولا إلى المغالبة وتماديا في ~~الخبث { أخرجوا آل لوط } فأظهر ما أضمره في الأعراف لأن الإظهار أليق ~~بسورة العلم والحكمة وإظهار الخبء، وقالوا؛ { من قريتكم } منا عليه ~~بإسكانه عندهم؛ وعللوا ذلك بقولهم: { إنهم } ولعلهم عبروا بقولهم: { أناس ~~} مع صحة المعنى بدونه تهكما عليه لما فهموا من أنه أنزلهم إلى رتبة ~~البهائم { يتطهرون* } أي يعدون أفعالنا نجسة ويتنزهون عنها. # فلما وصلوا في الخبث إلى هذا الحد، سبب سبحانه عن قولهم وفعلهم قوله: { ~~فأنجيناه وأهله } أي كلهم، أي من أن يصلوا إليه بأذى أو يلحقه شيء من ~~عذابنا { إلا امرأته } فكأنه قيل: فما كان من أمرها؟ فقيل: { قدرناها } ~~أي جعلناها بعظمتنا وقدرتنا في الحكم وإن كانت خرجت معه { من الغابرين* } ~~أي الباقين في القرية في لحوق وجوههم والداهية الدهياء أنفسهم وديارهم ~~حتى كانوا كأمس الدابر { وأمطرنا } وأشار إلى أنه إمطار عذاب بالحجارة مع ~~تعديته بالهمزة وهو معدى بدونها فصارت كأنها لإزالة الإغاثة بالإتيان ~~بضدها بقوله: { عليهم } وأشار إلى سوء الأثر لاستلزامه سوء الفعل الذي ~~نشأ عنه وغرابته بقوله: { مطرا } أي وأي مطر؛ ولذلك سبب عنه قوله: { ~~فساء مطر المنذرين* } أي الذين وقع إنذارنا لهم الإنذار الذي هو الإنذار. ### || [27.59-64] # ولما تم بهذه القصص استنتاج ما أراد سبحانه من الدليل على حكمته وعلمه ~~ومباينته للأصنام في قدرته وحلمه، أمر نبيه صلى الله عليه السلام بأن ~~يحمده شكرا على ما علم ويقررهم بعجز أصنامهم ردا لهم عن الجهل بأوضح ~~طريق وأقرب متناول فقال: { قل } ما أنتجه ما تقدم في هذه السورة، وهو { ~~الحمد } أي الإحاطة بأوصاف الكمال { لله } أي مختص بالمستجمع للأسماء ~~الحسنى، والصفات العلى عند الإعدام كما كان عند الإيجاد { وسلام } أي ~~سلامة وعافية وبقاء في هذا الحين وكل حين، كما كان ms3352 قبل هذا في غابر ~~السنين، وأشار بأنه لا وصول للعطب إليهم بأداة الاستعلاء في قوله: { على ~~} وأشار إلى شرفهم بقوله: { عباده } بإضافتهم إليه؛ وأكد ذلك بقوله: { ~~الذين اصطفى } أي في كل عصر وحين كما أن الحمد لمعبودهم أزلا وأبدا لا ~~بذين، وعطب وغضب على من عصى، وخالف الرسل وأبى كما ترى في أصحاب هذه ~~الأنباء، والمعنى أن هذا الحكم المستمر بنجاة الرسل وأتباعهم، وهلاك ~~الكافرين وأشياعهم، دليل قطعي على أن الإحاطة لله في كل أمر؛ قال أبو ~~حيان: وكان هذا صدر خطبة لما يلقى من البراهين الدالة على الوحدانية ~~والعلم والقدرة، ومما يتنبه له أنه لم يرد في قصة لوط عليه السلام أكثر ~~من نهيه لهم عن هذه الفاحشة، فلا يخلو حالهم من أمرين: إما أنهم كانوا لا ~~يشركون بالله تعالى شيئا، ولكنهم لما ابتكروا هذه المعضلة وجاهروا بها ~~مصرين عليها، أخذوا بالعذاب لذلك ولكفرهم بتكذيبهم رسولهم، كما صرحت به ~~آية الشعراء، وإما أنهم كانوا مشركين، ولكنه عليه السلام لما رآهم قد ~~سفلوا إلى رتبة البهيمية، رتب داعاءهم منها إلى رتبة الإنسانية، ثم إلى ~~رتبة الوحدانية، ويدل على هذا التقدير الثاني قوله مشيرا إلى أن الله ~~تعالى أهلكهم وجميع من كفر من قبلهم، ولم تغن عنهم معبوداتهم شيئا، ~~بقوله: { الله } أي الذي له الجلال والإكرام { خير } أي لعباده الذين ~~اصطفاهم فأنجاهم { أما يشركون* } يا معاشر العرب من الأصنام وغيرها ~~لعباديها ومحبيها فإنهم لا يغنون عنكم شيئا كما لم يغنوا عمن عبدهم من ~~هؤلاء الذين أهلكناهم شيئا، ولا تفزعون عند شدائدهم إلا إلى الله وحده، ~~هذا على على قراءة الخطاب للجماعة، والتقدير على قراءة الغيب للبصريين ~~وعاصم: أما يشرك الكفار عامة قديما وحديثا لمن أشركوا بهم، فلم يقدروا ~~على نفعهم عند إحلال البأس بهم، وأفعل التفضيل لإلزام الخصم والتنبيه على ~~ظهور خطائه المفرط، وجهله المورط إلى حد لا يحتاج فيه إلى كشف لأعلى ~~بابها. # ولما كان مع هذا البيان من الأمر الواضح أن التقدير زيادة في توبيخ ~~المشركين وتقرير المنكرين: من ms3353 فعل هذه الأفعال البالغة في الحكمة ~~المتناهية في العلم أم من سميتموه إلها، ولا اثر له أصلا، عاد له ~~بقوله: { أمن } وكان الأصل: أم هو، ولكنه عبر باسم موصول أصل وضعه لذي ~~العلم، ووصله بما لا يصح أن يكون لغيره ليكون كالدعوى المقرونة بالدليل ~~فقال: { خلق السماوات والأرض } تنبيها بالقدرة على بدء الخلق على القدرة ~~على إعادته، بل من باب الأولى، دلالة على الإيمان بالآخرة تخلقا بأخلاق ~~المؤمنين الذين مضى أول السورة أن هذا القرآن المبين بشرى لهم. # ولما كان الإنبات. من أدل الآيات، على إحياء الأموات، قال: { وأنزل } ~~وزاد في تقريعهم وتبكيتهم وتوبيخهم بقوله: { لكم } أي لأجلكم خاصة وأنتم ~~تكفرون به وتنسبون ما تفرد به من ذلك لغيره: { من السماء ماء } هو للارض ~~كالماء الدافق للأرحام كالماء الذي ينزل آخر الدهور على القبور. في وجوده ~~وقدرته واختياره لفعل المتباينات في الطعم واللون والريح والطبع والشكل ~~بماء واحد في أرض واحدة واختصاصه بفعل ذلك من غير مشاركة شيء له شيء منه ~~أصلا، وهو آيته العظمى على أمر البعث، عدل إلى التكلم وعلى وجه العظمة ~~فقال: { فأنبتنا } أي بما لنا من العظمة { به حدائق } أي بساتين محدقة - ~~أي محيطة - بها أشجارها وجدرانها، والظاهر أن المراد كل ما كان هكذا، ~~فإنه في قوة أن يدار عليه الجدار وإن لم يكن له جدار، وعن الفراء أن ~~البستان إن لم يكن عليه حائط فليس بحديقة. # ولما كان الأولى بجمع الكثرة لما لا يعقل الوصف بالمفرد قال مفيدا أنها ~~كالشيء الواحد في ذلك الوصف: { ذات بهجة } أي بهاء وحسن ورونق، وبشر بها ~~وسرور على تقارب أصولها مع اختلاف أنواعها، وتباين طعومها وأشكالها، ~~ومقاديرها وألوانها. # ولما أثبت الإنبات له، نفاه عن غيره على وجه التأكيد تنبيها على تأكد ~~اختصاصه بفعله، وعلى أنه إن أسند إلى غيره فهو مجاز عن التسبب وأن ~~الحقيقة ليست إلا له فقال: { ما كان } أي ما صح وما تصور بوجه من الوجوه ~~{ لكم } وأنتم أحياء فضلا عن شركائكم الذين هم أموات بل ms3354 موات { أن ~~تنبتوا شجرها } أي شجر تلك الحدائق. # ولما ثبت أنه المتفرد بالألوهية، حسن موقع الإنكار والتقرير في قوله: { ~~أإله } أي كائن { مع الله } أي الملك الأعلى الذي لا مثل له. # ولما كان الجواب عند كل عاقل: لا وعزته! قال معرضا عنهم للإيذان ~~بالغضب: { بل هم } أي في دعائهم معه سبحانه شريكا { قوم يعدلون* } أي عن ~~الحق الذي لا مرية فيه إلى غيره، مع العلم بالحق، فيعدلون بالله غيره. # ولما فرغ من آية اشترك فيها الخافقان، ذكر ما تتفرد به الأرض، لأنها ~~اقرب إليهم وهم بحقيقتها وما لابسوه من أحوالها أعلم منهم بالأمور ~~السماوية، تعديدا للبراهين الدالة على تفرده بالفعل الدال على تفرده ~~بالإلهية، فقال مبدلا من { أمن خلق }: { أمن } أي أم فعل ذلك الذي { ~~جعل الأرض قرارا } أي مستقرة في نفسها ليقر عليها غيرها، وكان القياس ~~يقتضي أن تكون هاوية أو مضطربة كما يضطرب ما هو معلق في الهواء. # ولما ذكر قرارها، أتبعه دليله في معرض الامتنان فقال: { وجعل خلالها } ~~أي في الأماكن المنفرجة بين جبالها { أنهارا } أي جارية على حالة واحدة، ~~فلو اضطربت الأرض أدنى اضطراب، لتغيرت مجاري المياه بلا ارتياب. # ولما ذكر الدليل، ذكر سبب القرار فقال: { وجعل لها رواسي } أي كمراسي ~~السفن، كانت أسبابا في ثباتها على ميزان دبره سبحانه في مواضع من ~~أرجائها بحيث اعتدلت جميع جوانبها فامتنعت من الاضطراب. # ولما أثبت القرار وسببه، وكان قد جعل سبحانه للأنهار طرقا تتصرف فيها ~~ولو حبسها عن الجري شيء لأوشك أن تستبحر، فيصير أكثر الأرض لا ينتفع به ~~في سير ولا نبات، أو أن تخرق ذلك الحابس بما لها من قوة الجري وشدة ~~النفوذ بلطافة السريان، لأن من عادة المياه التخلل بين أطباق التراب ~~والتغلغل بما لها من اللطافة والرقة، والثقل في الأعماق ولو قليلا ~~قليلا، وكان سبحانه قد سد ما بين البحرين: الرومي والفارسي، وكان ما ~~بينهما من الأرض إنما هو يسير جدا في بعض المواضع، وكان بعض مياه الأرض ~~عذبا، وبعضه ملحا، مع القرب جدا ms3355 من ذلك العذب، سألهم - تنبيها لهم ~~على عظيم القدرة - عن الممسك لعدوان أحدهما على آخر، ولعدوان كل من خليجي ~~الملح على ما بينهما لئلا يخرقاه فيتصلا فقال: { وجعل بين البحرين حاجزا ~~} أي يمنع أحدهما أن يصل إلى الآخر. # ولما كان من المعلوم أنه الله وحده. ليس عند عاقل شك في ذلك، كرر ~~الإنكار في قوله: { أإله مع الله } أي المحيط علما وقدرة. ولما كان ~~الجواب الحق قطعا: لا، وكان قد أثبت لهم في الإضراب الأول علما من حيث ~~الحكم على المجموع، وكان كل منهم يدعي رجحان العقل، وصفاء الفكر، ورسوخ ~~القدم في العلم بما يدعيه العرب، قال: { بل أكثرهم } أي الخلق الذين ~~ينتفعون بهذه المنافع { لا يعلمون* } أي ليس لهم نوع من العلم، بل هم ~~كالبهائم لإعراضهم عن هذا الدليل الواضح. # ولما دلهم بآيات الآفاق، وكانت كلها من أحوال السراء، وكانت بمعرض ~~الغفلة عن الإله، ذكرهم بما في أنفسهم مما يوجبه تغير الأحوال الدالة ~~بمجردها على الإله، ويقتضي لكل عاقل صدق التوجه إليه، وإخلاص النية لديه، ~~والإقبال عليه، على ذلك ركزت الطباع، وانعقد الإجماع، فلم يقع فيه نزاع، ~~فقال: { أمن يجيب المضطر } أي جنس الملجأ إلى ما لا قبل له به، الصادق ~~على القليل والكثير إذا أراد إجابته كما تشاهدون، وعبر فيه وفيما بعده ~~بالمضارع لأنه مما يتجدد، بخلاف ما مضى من خلق السماوات وما بعده { إذا ~~دعاه } أي حين ينسيكم الضر شركاءكم، ويلجئكم إلى من خلقكم ويذهل المعطل ~~عن مذهبه ويغفله عن سوء أدبه عظيم إقباله على قضاء أربه. # ولما كانت الإجابة ذات شقين، جلب السرور، ودفع الشرور، وكان النظر إلى ~~الثاني أشد، خصه بادئا به فقال: { ويكشف السوء } ثم أتبعه الأول على وجه ~~أعم، فقال مشيرا إلى عظيم المنة عليهم بجعلهم مسلطين عالين على جميع من ~~في الأرض وما في الأرض مشرفين بخلافته سبحانه، ولذلك أقبل عليهم، { ~~ويجعلكم خلفاء الأرض } أي فيما يخلف بعضكم بعضا، لا يزال يجدد ذلك ~~بإهلاك قرن وإنشاء آخر إلى قيام الساعة. ولما كان ms3356 هذا أبين، كرر الإنكار ~~فيه مبكتا لهم بالنسيان فقال: { أإله } أي كائن أو موجود { مع الله } أي ~~الملك الأعظم الذي لا كفوء له. ثم استأنف التبكيت تفظيعا له ومواجها به ~~في قراءة الجماعة لما يؤذن به كشف هذه الأزمات من القرب المقتضي للخطاب، ~~ولذلك أكد بزيادة " ما " فقال: { قليلا ما تذكرون* } أي بأن من أنجاكم ~~من ذلك وحده حين أخلصتم له التوجه عند اشتداد الأمر هو المالك لجميع ~~أموركم في الرخاء كما كان مالكا له في الشدة، وأن الأصنام لا تملك شيئا ~~بشفاعة ولا غيرها كما لم تملك شيئا في اعتقادكم عند الأزمات، واشتداد ~~الكربات، في الأمور المهمات، فإن هذا قياس ظاهر، ودليل باهر، ولكن من طبع ~~الإنسان نسيان ما كان فيه من الضير، عند مجيء الخير، ومن قرأ بالتحتانية ~~وهم أبو عمرو وهشام وروح، فللإيذان بالغضب الأليق بالكفران، مع عظيم ~~الإحسان. # ولما ذكر آيات الأرض، وختم بالمضطر، وكان المضطر قد لا يهتدي لوجه حيلة، ~~أتبعها آيات السماء ذاكرا ما هو من أعظم صور الاضطرار فقال: { أمن ~~يهديكم } أي إذا سافرتم بما رسم لكم من المعالم العلوية والسفلية { في ~~ظلمات البر } أي بالنجوم والجبال والرياح، وهي وإن كانت أضعفها فقد يضطر ~~إليه حيث لا يبدو شيء من ذينك { والبحر } بالنجوم والرياح. # ولما كانت الرياح كما كانت من أدلة السير، كان بعضها من أدلة المطر، ~~قال: { ومن يرسل الرياح } أي التي هي من دلائل السير { نشرا } أي تنشر ~~السحاب وتجمعها { بين يدي رحمته } أي التي هي المطر تسمية للمسبب باسم ~~السبب؛ والرياح التي يهتدي بها في المقاصد أربع: الصبا، والدبور، ~~والشمال، والجنوب، وهي أضعف الدلائل؛ قال الإمام أبو هلال الحسن بن عبد ~~الله العسكري في كتاب أسماء الأشياء وصفاتها: الرياح أربع: الشمال، وهي ~~التي تجيء عن يمينك إذا استقبلت قبلة العراق - يعني: وذلك ما بين مطالع ~~الشمس الصيفية وبنات نعش، وهي في الصيف حارة، واسمها البارح، والجنوب ~~تقابلها، والصبا من مطلع الشمس وهي القبول، والدبور تقابلها، ويقال ~~الجنوب: النعامى والأرنب - انتهى. ms3357 # وهذه العبارة أبين العبارات في تعيين هذه الرياح، وقال الإمام أبو ~~العباس أحمد بن أبي أحمد بن القاص الطبري الشافعي في كتابه أدلة القبلة: ~~إن قبلة العراقيين إلى باب الكعبة كله إلى الركن الشامي الذي عند الحجر، ~~وقال: وقد اختلف أهل العلم بهذا الشأن - أي في التعبير عن مواطن الرياح - ~~اختلافا متباينا، وأقرب ذلك - على ما جربته وتعاهدته بمكة - أن الصبا ~~تهب ما بين مطالع الشمس في الشتاء إلى مطلع سهيل، وسهيل يمان مسقطه في ~~رأي العين على ظهر الكعبة إذا ارتفع، وقال صاحب القاموس: والصبا ريح ~~مهبها من مطلع الثريا إلى بنات نعش، وقال: والقبول كصبور: ريح الصبا، ~~لأنها تقابل الدبور، أو لأنها تقابل باب الكعبة، أو لأن النفس تقلبها. ~~وقال الإمام أبو عبد الله القزاز: الصبا: الريح التي تهب من مطلع الشمس، ~~والقبول: الريح التي تهب من مطلع الشمس، وذلك لأنها تستقبل الدبور، وقيل: ~~لأنها تستقبل باب الكعبة وهي الصبا، فقد اتفقت أقولهم كما ترى على خلاف ~~ابن القاص، وقال ابن القاص: وهي - أي الصبا - ريح معها روح وخفة، ونسيم ~~تهب مما بين مشرق الشتاء ومطلع سهيل، ولها برد يقرص أشد من هبوبها، وتلقح ~~الأشجار، ولا تهب إلا بليل، سلطانها إذا أظلم الليل، إلى أن يسفر النهار ~~وتطلع الشمس، وأشد ما يكون في وقت الأسحار وما بين الفجرين، والجنوب تهب ~~ما بين مطلع سهيل إلى مغارب الشمس في الصيف. وقال في القاموس: والجنوب: ~~ريح تخالف الشمال، مهبها من مطلع سهيل إلى مطلع الثريا، وعن ابن هشام ~~اللخمي أن الجنوب هي الريح القبلية. وفي الجمع بين العباب والمحكم: ~~والجنوب ريح تخالف الشمال تأتي عن يمين القبلة، وقيل: هي من الرياح ما ~~استقبلك عن شمالك إذا وقفت في القبلة، قال ابن الأعرابي: ومهب الجنوب من ~~مطلع سهيل إلى مطلع الثريا، وقال الأصمعي: إذا جاءت الجنوب جاء معها خير ~~وتلقيح، وإذا جاءت الشمال نشفت، ويقال للمتصافيين: ريحهما جنوب، وإذا ~~تفرقا قيل: شملت ريحهما، وعن ابن الأعرابي: الجنوب في كل موضع حارة ms3358 إلا ~~بنجد فإنها باردة؛ وقال ابن القاص: وإذا هبت فقوتها في العلو والهواء ~~أكثر لأنها موكلة بالسحاب، وتحرك الأغصان ورؤوس الأشجار، ومع ذلك فتراها ~~تؤلف الغيم في السماء، فتراه متراكما مشحونا، قال: وسمعت من يقول: ما ~~اشتد هبوبها إلا خيف المطر، ولا هبت جنوب قط ثم يتبعها دبور إلا وقع مطر، ~~وهي تهيج البحر وتظهر بكل ندى كامل في الأرض، وهي من ريح الجنة. والدبور ~~- قال في القاموس: ريح تقابل الصبا، وقال القزاز: هي التي تأتي من دبر ~~الكعبة وهي التي تقابل مطلع الشمس، وقال ابن القاص: تهب ما بين مغارب ~~الشمس في الصيف إلى مطلع بنات نعش، وقوتها في الأرض أشد من قوتها في ~~الهواء، وهي إذا هبت تثير الغبار. # وتكسح الأرض. وترفع الذيول، وتضرب الأقدام، وأشد ما تثير الغبار إذا ~~تنكبت، تراها كأنها تعلب بالتراب على وجه الأرض، وترى الأشجار في البوادي ~~والرمال لها دوي من ناحية الدبور، وقد اجتمع في أصلها التراب وما يلي ~~الجنوب عاريا مكشوفا متحفزا وقوتها في الأرض - والله أعلم، لأن عادا ~~أو عدت بالتدمير بالرياح، فحفرت الآبار واستكنت فيها، فبعث الله الدبور ~~فدخلت الآبار وقذفتهم متدمرين حتى أهلكتهم. والشمال - قال في القاموس: ~~الريح التي تهب من قبل الحجر، والصحيح أنه ما مهبه ما بين مطله الشمس ~~وبنات نعش، أو من مطلع النعش إلى مسقط النسر الطائر، ولا تكاد تهب ليلا. ~~وقال القزاز: هي الريح التي تأتي عن شمالك إذا استقبلت مطلع الشمس، ~~والعرب تقول: إن الجنوب قالت للشمال: إن لي عليك فضلا، أنا أسري وأنت لا ~~تسرين، فقالت الشمال: إن الحرة لا تسرين، وقال الصغاني في مجمع البحرين: ~~والشمال: الريح التي تهب من ناحية القطب، وعن أبي حنيفة: هي التي تهب من ~~جهة القطب الشمالي وهي الجربياء وهي الشامية لأنها تأتيهم من شق الشام، ~~وفي الجمع بين العباب والمحكم، والبوارح: شدة الرياح من الشمال في الصيف ~~دون الشتاء كأنه جمع بارحة، وقيل: البوارح: الرياح الشدائد التي تحمل ~~التراب، واحدتها بارح، والجربياء: الريح التي ms3359 بين الجنوب والصبا، وقيل: ~~هي النكباء التي تجري بين الشمال والدبور، وهي ريح تقشع السحاب، وقيل هي ~~الشمال، وجربياؤها بردها - قاله الأصمعي، وقال الليث: هي الشمال الباردة، ~~وقال ابن القاص: والشمال تهب ما بين مطلع بنات نعش إلى مطلع الشمس في ~~الشتاء، وهي تقطع الغيم وتمحوها، ولذلك سميت الشمال المحوة، قال: وهذا ~~بأرض الحجاز، وأما أرض العراق والمشرق فربما ساق الجنوب غيما واستداره ~~ولم يحلبه حتى تهب الشمال فتحلبه، والجنوب والشمال متماثلتان، لأنهما ~~موكلتان بالسحاب، فالجنوب تطردها وهي مشحونة، والشمال تردها وتمحوها إذا ~~أفرغت، قال أبو عبيدة: الشمال عند العرب للروح، والجنوب للأمطار والندى، ~~والدبور للبلاء، وأهونه أن يكون غبارا عاصفا يقذي العيون، والصبا ~~لإلقاح الشجر، وكل ريح من هذه الرياح انحرفت فوقعت بين ريحين فهي نكباء، ~~وسميت لعدولها عن مهب الأربع اللواتي وصفن قبل - انتهى. وقال المسعودي في ~~مروج الذهب في ذكر البوادي من الناس وسبب اختيار البدو: إن شخصا من ~~خطباء العرب وفد على كسرى فسأله عن أشياء منها الرياح فقال: ما بين سهيل ~~إلى طرف بياض الفجر جنوب، وما بإزائهما مما يستقبلهما من المغرب شمال، ~~وما جاء من وراء الكعبة فهي دبور، وما جاء من قبل ذلك فهي صبا، ونقل ابن ~~كثير في سورة النور عن ابن أبي حاتم وابن جرير عن عبيد بن عمير الليثي ~~أنه قال: يبعث الله المثيرة فتقم الأرض قما، ثم يبعث الله الناشئة ~~فتنشىء السحاب، ثم يبعث الله المؤلفة فتؤلف بينه، ثم يبعث الله اللواقح ~~فتلقح السحاب. # ولما انكشف بما مضى من الآيات. ما كانوا في ظلامه من واهي الشبهات، ~~واتضحت الأدلة، ولم تبق لأحد في شيء من ذلك علة. كرر سبحانه الإنكار في ~~قوله: { أإله مع الله } أي الذي كمل علمه فشملت قدرته. # ولما ذكر حالة الاضطرار، وأتبعها من صورها ما منه ظلمة البحر، وكانوا في ~~البحر يخلصون له سبحانه ويتركون شركاءهم، نبههم على أن ذلك موجب لاعتقاد ~~كون الإخلاص له واجبا دائما، فأتبعه قوله على سبيل الاستعظام، معرضا ~~عنهم بإجماع ms3360 العشرة إعراض من بلغ به الغضب: { تعالى الله } أي الفاعل ~~القادر المختار الذي لا كفوء له { عما يشركون } ، أي فإن شيئا منها لا ~~يقدر على شيء من ذلك، وأين رتبة العجز من رتبة القدرة. # ولما رتب سبحانه هذه الأدلة على هذا الوجه ترقيا من أعم إلى أخص، ومن ~~أرض إلى سماء، ختمها بما يعمها وغيرها، إرشادا إلى قياس ما غاب منها على ~~ما شوهد، فلزم من ذلك قطعا القدرة على الإعادة، فساقها لذلك سياق ~~المشاهد المسلم، وعد من أنكره في عداد من لا يلتفت إليه فقال: { أمن يبدأ ~~الخلق } أي كله: ما علمتم منه وما لم تعلموا، ثم بيده لأن كل شيء هالك ~~إلا وجهه، له هذا الوصف باعترافكم يتجدد أبدا تعلقه. ولما كان من اللازم ~~البين لهم الإقرار بالإعادة لاعترافهم بأن كل من أبدى شيئا قادر على ~~إعادته، لأن الإعادة أهون، قال: { ثم يعيده } أي بعد ما يبيده. # ولما كان الإمطار والإنبات من أدل ما يكون على الإعادة، قال مشيرا ~~إليهما على وجه عم جميع ما مضى: { ومن يرزقكم من السماء } أي بالمطر ~~والحر والبرد وغيرهما مما له سبب في التكوين أو التلوين { والأرض } أي ~~بالنبات والمعادن والحيوان وغيرهما مما لا يعلمه إلا الله، وعر عنهما ~~بالرزق لأن به تمام النعمة { أإله مع الله } أي الذي له صفات الجلال ~~والإكرام، كائن، أو يفعل شيئا من ذلك. # ولما كانت هذه كلها براهين ساطعة، ودلائل قاطعة، وأنوارا لامعة، وحججا ~~باهرة، وبينات ظاهرة، وسلاطين قاهرة، على التوحيد المستلزم للقدرة على ~~البعث وغيره من كل ممكن، أمره صلى الله عليه وسلم إعراضا عنهم، إيذانا ~~بالغضب في آخرها بأمرهم بالإتيان ببرهان واحد على صحة معتقدهم فقال: { قل ~~} أي هؤلاء المدعين للعقول { هاتوا برهانكم } أي على نفي شيء من ذلك عن ~~الله تعالى، أو على إثبات شيء منه لغيره، لتثبت دعوى الشركة في الخلق ~~فتسمع دعوى الشركة في الألوهية، وليكن إتيانكم بذلك ناجزا من غير مهلة، ~~لأن من يدعي العقل لا يقدر على شيء إلا ms3361 ببرهان حاضر { إن كنتم صادقين* } ~~أي في أنكم على حق في أن مع الله غيره. وأضاف البرهان إليهم إضافة ما ~~كأنه عنيد، لا كلام في وجوده وتحققه، وإنما المراد الإتيان به كل ذلك ~~تهكما بهم وتنبيها على أنهم أبعدوا في الضلال، وأعرقوا في المحال، حيث ~~رضوا لأنفسهم بتدين لا يصير إليه عاقل إلا بعد تحقق القطع بصحته، ولا ~~شبهة في أنه لا شبهة لهم على شيء منه. ### || [27.65-68] # ولما كانت مضمونات هذه البراهين متوقفة على علم الغيب، لأنه لا يخرج ~~الخبء باختراع الخلق وكشف الضر وإحكام التدبير إلا به، لأنه لا قدرة ~~أصلا لمن لا علم له ولا تمام لقدرة من لا تمام لعلمه - كما مضى بيانه في ~~طه، وطالبهم سبحانه آخر هذه البراهين بالبرهان على الشرك، وكانوا ربما ~~قالوا: سنأتي به، أمر أن يعلموا أنه لا برهان لهم عليه، بل البرهان قائم ~~على خلافه، فقال: { قل } أي لهم أو لكل من يدعي دعواهم: { لا يعلم } أحد، ~~ولكنه عبر بأداة العقلاء فقال: { من } لئلا يخصها متعنت بما لا يعقل، عبر ~~بالظرف تنبيها على أن المظروف محجوب، وكل ظرف حاجب لمظروفه عن علم ما ~~وراءه، فقال: { في السماوات والأرض الغيب } أي الكامل في الغيبة، وهو ~~الذي لم يخرج إلى عالم الشهادة أصلا، ولا دلت عليه أمارة، ليقدر على شيء ~~مما تقدم في هذه الآيات من الأمور فيعلمه. # ولما كان الله تعالى منزها عن أن يحويه مكان. جعل الاستثناء هنا ~~منقطعا، ومن حق المنقطع النصب كما قرأ به ابن أبي عبلة شاذا، لكنه رفع ~~بإجماع العشرة بدلا على لغة بني تميم، فقيل: { إلا الله } أي المختص ~~بصفات الكمال كما قيل في الشعر: # وبلدة ليس بها أنيس # إلا اليعافير وإلا العيس # بمعنى: إن كانت اليعافير أنيسا ففيها أنيس، بتا للقول بخلوها من ~~الأنيس، فيكون معنى الآية: إن كان الله جل وعلا ممن في السماوات والأرض ~~ففيهم من يعلم الغيب، يعني إن علم أحدهم الغيب في استحالته كاستحالة أن ~~يكون الله منهم، ويصح كونه ms3362 متصلا، والظرفية في حقه سبحانه مجاز بالنسبة ~~إلى علمه وإن كان فيه جمع بين الحقيقة والمجاز، وعلى هذا فيرتفع على ~~البدل أو الصفة، والرفع أفصح من النصب، لأنه من منفي، وقد عرف بهذا سر ~~كونه لم يقل " لا يعلم أحد الغيب إلا هو " وهو التنبيه على المظروفية ~~والحاجة، وأن الظرف حجاب، لا يرتاب فيه مرتاب، وجعل ابن مالك متعلق الظرف ~~خاصا تقديره: يذكر، وجعل غيره " من " مفعولا والغيب بدل اشتمال، ~~والاستثناء مفرغا، فالتقدير: لا يعلم غيب المذكورين - أي ما غاب عنهم - ~~كلهم غيره. # ولما كان الخبر - الذي لم يطلع عليه أحد من الناس - قد يخبر به الكهان، ~~أو أحد من الجان، من أجواف الأوثان، وكانوا يسمون هذا غبيا وإن كان في ~~الحقيقة ليس به لسماعهم له من السماء بعد ما أبرزه الله إلى عالم الشهادة ~~للملائكة ومن يريد من عباده، وكانوا ربما تعتنوا به عن العبارة، وكانت ~~الساعة قد ثبت أمرها، وشاع في القرآن وعلى لسان الأنبياء عليهم الصلاة ~~والسلام وأصحابهم رضي الله تعالى عنهم ذكرها، بحيث صارت بمنزلة ما لا ~~نزاع فيه، وكان علم وقتها من الغيب المحض، قال: { وما يشعرون } أي أحد ~~ممن في السماوات والأرض وإن اجتمعوا وتعاونوا { أيان } أي أي وقت { ~~يبعثون* } فمن أعلم بشيء من ذلك على الحقيقة بأن صدقه، ومن تخرص ظهر ~~كذبه. # ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم قد بعث والكفر قد عم الأرض، وكانوا ~~قد أكثروا في التكذيب بالساعة والقطع بالإنكار لها بعضهم صريحا، وبعضهم ~~لزوما، لضلاله عن منهاج الرسل وكان الذي ينبغي للعالم الحكيم أن لا يقطع ~~بالشيء إلا بعد إحاطة علمه به، قال متهكما بهم كما تقول لأجهل الناس: ما ~~أعلمك! استهزاء به مستدركا لنفي شعورهم بها بيانا لكذبهم باضطراب ~~قولهم: { بل ادارك } أي بلغ وتناهي { علمهم في الآخرة } أي أمرها ~~مطلقا: علم وقتها ومقدار عظمتها في هو لها وغير ذلك من نعتها لقطعهم ~~بإنكارها وتمالؤهم عليه، وتنويع العبارات فيه، وتفريع القول في أمره - ~~هذا في قراءة ابن كثير ms3363 وأبي عمرو، وكذا في قراءة الباقين: ادارك بمعنى ~~تدارك يعني تتابع واستحكم. # ولما كانوا مع تصريحهم بالقطع في إنكارها كاذبين في قطعهم، مرتبكين في ~~جهلهم، وقد يعبرون - دليلا على أنه لا علم من ذلك عندهم - بالشك، قال ~~تعالى: { بل هم في شك } ولما كانت لشدة ظهورها لقوة أدلتها كأنها موجودة، ~~عبر بمن، أي مبتدىء { منها } ولما كانوا يجزمون بنفيها تارة ويترددون ~~أخرى، كانت حقيقة حال من ينكر الشيء تارة على سبيل القطع وأخرى وجه الشك ~~الوصف بالجهل البالغ به قال: { بل هم } ولما كان الإنسان مطبوعا على ~~نقائص موجبة لطغيانه، ومبالغته في العلو في جميع شأنه، ولا يوهن تلك ~~النقائص منه إلا الخوف من عرضه على ديانه، الموجب لجهله. وتماديه على ~~قبيح فعله، فقال مقدما للجار: { منها عمون* } أي ابتدأ عماهم البالغ ~~الثابت من اضطرابهم في أمرها، فضلوا فأعماهم ضلالهم عن جميع ما ينفعهم، ~~فصاروا لا ينتفعون بعقولهم، بل انعكس نفعها ضرا، وخيرها شرا، ونسب ما ~~ذكر لجميع من في السماوات والأرض، لأن فعل البعض قد يسند إلى الكل لغرض، ~~وهو هنا التنبيه على عظمة هذا الأمر، وتناهي وصفه، وأنه يجب على الكل ~~الاعتناء به، والوقوف على حقه، والتناهي عن باطله، أو لشك البعض وسكوت ~~الباقي لقصد تهويله، أو أن إدراك العلم من حيث التهويل بقيام الأدلة التي ~~هي أوضح من الشمس، فهم بها في قوة من أدرك علمه بالشيء، وهو معرض عنه، ~~فقد فوت على نفسه من الخير ما لا يدري كنهه، ثم نزل درجة أخرى بالشك ثم ~~أهلكها بالكلية، وأنزلها العمى عن رتبة البهائم التي لا هم لها إلا لذة ~~البطن والفرج، وهذا كمن يسمع باختلاف المذاهب وتضليل بعضهم لبعض فيضلل ~~بعضهم من غير نظر في قوله فيصير خابطا خبط عشواء، ويكون أمره على خصمه ~~هينا أو الشك لأجل أن أعمالهم أعمال الشاك، أو أنهم لعدم علم الوقت ~~بعينة كأنهم في شك بل عمى، ولأن العقول والعلوم لا تستقل بإدراك شيء من ~~أمرها، وإنما يؤخذ ذلك عن الله ms3364 بواسطة رسله من الملك والبشر. # ومن أخذ شيئا من علمها عن غيرهم ضل. # ولما كان التقدير لحكاية كلامهم الذي يشعر ببلوغ العلم، فقالوا مقسمين ~~جهد أيمانهم: لا تأتينا الساعة، عطف عليه ما يدل على الشك والعمى، وكان ~~الأصل: وقالوا، ولكنه قال: { وقال الذين كفروا } أي ستروا دلائل التوحيد ~~والآخرة التي هي أكثر من أن تحصى وأوضح من الضياء، تعليقا للحكم بالوصف، ~~مستفهمين استفهام المستبعد المنكر: { أإذا كنا ترابا وآباؤنا } وكرروا ~~الاستفهام إشارة إلى تناهي الاستبعاد والجحود، وعد ما استبعدوه محالا، ~~فقالوا: { أئنا } أي نحن وآباؤنا الذين طال العهد بهم، وتمكن البلى فيهم ~~{ لمخرجون* } أي من الحالة التي صرنا إليها من الموت والبلى إلى ما كنا ~~عليه قبل ذلك من الحياة والقوة، ثم أقاموا الدليل في زعمهم على ذلك ~~فقالوا تعليلا لاستبعادهم: { لقد وعدنا }. # ولما كانت العناية في هذه السورة بالإيقان بالآخرة، قدم قوله: { هذا } ~~أي الإخراج من القبور كما كنا أول مرة - على قوله: { نحن وآباؤنا } بخلاف ~~ما سبق في سورة المؤمنون، وقالوا: { من قبل } زيادة في الاستبعاد، أي أنه ~~قد مرت الدهور على هذا الوعد، ولم يقع منه شيء، فلذلك دليل على أنه لا ~~حقيقة له فكأنه قيل: فما المراد به؟ فقالوا: { إن } أي ما { هذا إلا ~~أساطير الأولين* } أي ما سطروه كذبا لأمر لا نعرف مرادهم منه. ولا حقيقة ~~لمعناه، فقد حط كلامهم هذا كما ترى على أنهم تارة في غاية الإنكار دأب ~~المحيط العلم، وتارة يستبعدون دأب الشاك، المركب الجهل، الجدير بالتهكم ~~كما مضى أنه معنى الإضرابات - والله الموفق. ### || [27.69-76] # ولما لم يبق هذا الذي أقامه من دلائل القدرة على كل شيء عموما، وعلى ~~البعث خصوصا، مقال، يرد عن الغي إلا التهديد بالنكال، وكان كلامهم هذه ~~موجبا للنبي صلى الله عليه وسلم من الغم والكرب ما لا يعلمه إلا الله ~~تعالى، قال سبحانه ملقنا له ومرشدا لهم في صورة التهديد: { قل سيروا في ~~الأرض } أي أيها المعاندون أو العمي الجاهلون. # ولما كان المراد الاسترشاد للاعتقاد، والرجوع عن ms3365 الغي والعناد، لكون ~~السياق له، لا مجرد التهديد، قال { فانظروا } بالفاء المقتضية للإسراع، ~~وعظم المأمور بنظره بجعله أهلا للعناية به، والسؤال عنه، فقال: { كيف ~~كان } أي كونا هو في غاية المكنة { عاقبة المجرمين* } أي القاطعين لما ~~أمر الله به أن يوصل من الصلاة التي هي الوصلة بين الله وبين عباده، ~~والزكاة التي هي وصلة بين بعض العباد وبعض، لتكذيبهم الرسل الذين هم ~~الهداة إلى ما لا تستقل به العقول، فكذبوا بالآخرة التي ينتج التصديق بها ~~كل هدى، ويورث التكذيب بها كل عمى - كما تقدمت الإشارة إليه في افتتاح ~~السورة، فإنكم إن نظرتم ديارهم، وتأملتم أخبارهم، حق التأمل، أسرع بكم ~~ذلك إلى التصديق فنجوتم وإلا هلكتم، فلم تضروا إلا أنفسكم، وقد تقدم لهذا ~~مزيد بيان في النحل. # ولما دهم النبي صلى الله عليه وسلم من الأسف على جلافتهم في عماهم عن ~~السبيل، الذي هدى إليه الدليل، ما لا يعلمه إلا الله قال: { ولا تحزن ~~عليهم } أي في عدم إيمانهم. # ولما كانوا لا يقتصرون على التكذيب، بل يبغون للمؤمنين الغوائل، وينصبون ~~الحبائل، قال: { ولا تكن } مثبتا للنون لأنه في سياق الإخبار عن عنادهم ~~واستهزائهم مع كفايته سبحانه وتعالى لمكرهم بما أعد لهم من سوء العذاب في ~~الدارين، فلا مقتضى للتناهي في الإيجاز والإبلاغ في نفي الضيق، فيفهم ~~إثبات النون الرسوخ، فلا يكون منهيا عما لا ينفك عنه العسر مما أشار ~~إليه قوله تعالى { ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون } وإنما ينهى عن ~~التمادي معه في الذكر بخلاف ما مضى في النحل، فإن السياق هناك للعدل في ~~العقوبة لما وقع من المصيبة في غزوة أحد المقتضى لتعظيم التسلية بالحمل ~~على الصبر، ونفي جميع الضيق ليكون ذلك وازعا عن مجاوزة الحد، بل حاملا ~~على العفو { في ضيق } أي في الصدر { مما يمكرون* } فإن الله جاعل تدميرهم ~~في تدبيرهم كطغاة قوم صالح. # ولما أشار إلى أنهم لم يبقوا في المبالغة في التكذيب بالساعة وجها، ~~أشار إلى أنهم بالوعيد بالساعة وغيرها من عذاب الله أشد ms3366 مبالغة، فقال: { ~~ويقولون } بالمضارع المؤذن بالتجدد كل حين للاستمرار: { متى هذا الوعد } ~~وسموه وعدا إظهارا للمحبة تهكما به، وهو العذاب والبعث والمجازاة { إن ~~كنتم } أي أنت ومن تابعك، كونا هو في غاية الرسوخ، كما تزعمون { صادقين* ~~} فأجابهم على هذا الجواب الغص بجواب الواسع القادر الذي لا يعتريه ضيق، ~~ولا تنويه عجلة، مشيرا إلى الاستعداد للدفاع أو الاستسلام لذي الجلال ~~والإكرام، كما فعلت بلقيس رضي الله عنها، فقال مخاطبا الرأس الذي لا ~~يقدر على هذه التؤده حق القدرة غيره: { قل } يا محمد { عسى } أي يمكن { ~~أن يكون } وجدير وخليق بأن يكون { ردف } أي تبع ردفا حتى صار كالرديف ~~ولحق. # ولما قصر الفعل وضمنه معنى ما يتعدى باللام لأجل الاختصاص قال: { لكم } ~~أي لأجلكم خاصة { بعض الذي تستعجلون* } إتيانه من الوعيد، فتطلبون تعجيله ~~قبل الوقت الذي ضربه الله له، فعلى تقدير وقوعه ماذا أعددتم لدفاعه؟ فإن ~~العاقل من ينظر في عواقب أموره، ويبنيها على أسوأ التقادير، فيعد لما ~~يتوهمه من البلاء ما يكون فيه الخلاص كما فعلت بلقيس رضي الله عنها من ~~الانقياد الموجب للأمان لما غلب على ظنها أن الإباء يوجب الهوان، لا كما ~~فعل قوم صالح من الآبار، التي أعانت على الدمار، وغيرهم من الفراعنة. # ولما كان التقدير قطعا: فأن ربك لا يعجل على أهل المعاصي بالانتقام مع ~~القطع بتمام قدرته، عطف عليه قوله: { وإن ربك } أي المحسن إليك بالحلم عن ~~أمتك وترك المعاجلة لهم بالعذاب على المعاصي { لذو فضل } أي تفضل وإنعام ~~{ على الناس } أي كافة { ولكن أكثرهم لا يشكرون* } أي لا يوقعون الشكر له ~~بما أنعم عليهم، ويزيدون في الجهل بالاستعجال. # ولما كان الإمهال قد يكون من الجهل بذنوب الأعداء، قال نافيا لذلك: { ~~وإن ربك } أي والحال أنه أشار بصفة الربوبية إلى إمهالهم إحسانا إليه ~~وتشريفا له { ليعلم } أي علما لا يشبه علمكم بل هو في غاية الكشف لديه ~~دقيقه وجليله { ما تكن } أي تضمر وتستر وتخفي { صدورهم } أي الناس كلهم ~~فضلا عن قومك { وما يعلنون* } أي يظهرون ms3367 من عداوتك فلا تخشهم، وذكر هذا ~~القسم لأن التصريح أقر للنفس والمقام للأطناب، على أنه ربما كان في ~~الإعلان لغط واختلاط أصوات يكون سببا للخفاء. # ولما كان ثبات علة الناس في الغالب مقيدا بالكتاب، قال تقريبا ~~لأفهامهم: { وما من غائبة } أي من هنة من الهنات في غاية الغيبوبة { في ~~السماء والأرض } أي في أي موضع كان منهما، وأفردهما دلالة على إرادة ~~الجنس الشامل لكل فرد { إلا في كتاب } كتبه قبل إيجادها لأنه لا يكون شيء ~~إلا بعلمه وتقديره { مبين* } لا يخفى شيء فيه على من تعرف ذلك منه كيفما ~~كان؛ ثم دل على ذلك بقوله: { إن هذا القرآن } أي الآتي به هذا النبي ~~الأمي الذي لم يعرف قبله علما ولا خالط عالما { يقص } أي يتابع الإخبار ~~ويتلو شيئا فشيئا على سبيل القطع الذي لا تردد فيه، من غير زيادة ولا ~~نقص { على بني إسرائيل } أي الذي أخبارهم مضبوطة في كتبهم لا يعرف بعضها ~~إلا قليل من حذاق أخبارهم { أكثر الذي هم } أي خاصة لكونه من خاص أخبارهم ~~التي لا علم لغيرهم بها { فيه يختلفون* } أي من أمر الدين وإن بالغوا في ~~كتمه، كقصة الزاني المحصن في إخفائهم أن حده الرجم، وقصة عزير والمسيح، ~~وإخراج النبي صلى الله عليه وسلم ذلك من توارتهم، فصح بتحقيقه على لسان ~~من لم يلم بعلم قط أنه من عند الله، وصح أن الله تعالى يعلم كل شيء إذ لا ~~خصوصية لهذا دون غيره بالنسبة إلى علمه سبحانه. ### || [27.77-81] # ولما بان بهذا دليل علمه، أتبعه دليل فضله وحلمه، فقال: { وإنه } أي ~~القرآن { لهدى } أي موصل إلى المقصود لمن وفق { ورحمة } أي نعمة وإكرام { ~~للمؤمنين* } أي الذين طبعتهم على الإيمان، فهو صفة لهم راسخة كما أنه ~~للكافرين وقر في أذانهم وعمى في قلوبهم. # ولما ذكر دليل فضله، أتبعه دليل عدله، فقال مستأنفا لجواب من ظن أن ~~فضله دائم العموم على الفريقين: { إن } وقال: { ربك } أي المحسن إليك ~~بجمعه لكل بين العلم والبلاغة والدين والبراعة والدنيا والعفة والشجاعة ms3368 ~~تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم { يقضي بينهم } أي بين جميع المخلفين { ~~بحكمه } أي الذي هو أعدل حكم وأتقنه وأنفذه وأحسنه مع كفرهم به ~~واستهزائهم برسله، لا بحكم غيره ولا بنائب يستنيبه { وهو } أي والحال أنه ~~هو { العزيز } فلا يرد له أمر { العليم* } فلا يخفى عليه سر ولا جهر، ~~فلما ثبت له العلم والحكمة، والعظمة والقدرة، تسبب عن ذلك قوله: { فتوكل ~~على الله } أي الذي له جميع العظمة بما ثبت علمه وقدرته التي أثبت بها ~~أنك أعظم عباده الذين اصطفى في استهزاء الأعداء وغيره من مصادمتهم ~~ومسالمتهم لتدع الأمور كلها إليه، وتستريح من تحمل المشاق، وثوقا بنصره، ~~وما أحسن قول قيس بن الخطيم وهو جاهلي: # متى ما تقد بالباطل الحق يأبه # وأن تقد الأطوار بالحق تنقد # ثم علل ذلك حثا على التحري في الأعمال، وفطما لأهل الإبطال، عن تمني ~~المحال، فقال: { إنك على الحق المبين* } أي البين في نفسه الموضح لغيره، ~~فحقك لا يبطل ووضوحه لا يخفى، ونكوصهم ليس عن خلل في دعائك لهم، وإنما ~~الخلل في مداركهم، فثق بالله في تدبير أمرك فيهم؛ ثم علل هذا الذي أرشد ~~السياق إلى تقديره، أو استأنف لمن يسأل متعجبا عن وقوفهم عن الحق الواضح ~~بقوله: { إنك لا تسمع الموتى } أي لا توجد سمعا للذين هم كالموتى في عدم ~~الانتفاع بمشاعرهم التي هي في غاية الصحة، وهم إذا سمعوا الآيات أعرضوا ~~عنها. # ولما كان تشبيههم بالموتى مؤيسا، قال مرجيا: { ولا تسمع الصم الدعاء } ~~أي لا تجدد ذلك لهم، فشبههم بما في أصل خلقهم مما جبلوا عليه من الشكاسة ~~وسوء الطبع بالصم. # ولما كانوا قد ضموا إلى ذلك الإعراض والنفرة فصاروا كالأصم المدبر، وكان ~~الأصم إذا أقبل ربما بمساعدة بصره وفهمه، قال: { إذا ولوا مدبرين* } ~~فرجاه في إيجاد الإسماع إذا حصلت لهم حالة من الله تقبل بقلوبهم. # ولما شبههم بالصم في كونهم لا يسمعون إلا مع الإقبال، مثلهم بالعمى في ~~أنهم لا يهتدون في غير عوج أصلا إلا براع لا تشغله عنهم فترة ولا ms3369 ملال، ~~فقال: { وما أنت بهادي } أي بموجد الهداية على الدوام في قلوب { العمي } ~~أي في أبصارهم وبصائرهم مزيلا لهم وناقلا ومبعدا { عن ضلالتهم } عن ~~الطريق بحيث تحفظهم عن أن يزالوا عنها أصلا، فإن هذا لا يقدر عليه إلا ~~الحي القيوم، والسياق كما ترى يشعر بتنزيل كفرهم في ثلاث رتب: عليا ككفر ~~أبي جهل، ووسطى كعتبة بن ربيعة، ودنيا كأبي طالب وبعض المنافقين، وسيأتي ~~في سورة الروم لهذا مزيد بيان. # ولما كان ربما أوقف عن دعائهم، رجاه في انقيادهم وارعوائهم بقوله: { إن ~~} أي ما { تسمع } أي سماع انتفاع على وجه الكمال، في كل حال { إلا من ~~يؤمن } أي من علمناه أنه يصدق { بآياتنا } بأن جعلنا فيه قابلية السمع. ~~ثم سبب عنه قوله دليلا على إيمانه: { فهم مسلمون* } أي في غاية الطواعية ~~لك في المنشط والمكره، لا خيرة لهم ولا إرادة في شيء من الأشياء. ### || [27.82-86] # ولما فرغ من عظيم زجرهم بتسليته صلى الله عليه وسلم في أمرهم وختم ~~بالإسلام، عطف عليه ذكر ما يوعدون مما تقدم استعجالهم له استهزاء به، ~~وبدأ منه بالدابة التي تميز المسلم من غيره، فقال محققا بأداة التحقيق: ~~{ وإذا وقع القول } أي حان حين وقوع الوعيد الذي هو معنى القول، وكأنه ~~لعظمه لا قول غيره { عليهم } بعضه بالإتيان حقيقة وبعضه بالقرب جدا { ~~أخرجنا } أي بما لنا من العظمة { لهم } من أشراط الساعة { دآبة } وأي ~~دابة في هولها وعظمها خلقا وخلقا { من الأرض } أي أرض مكة التي هي أم ~~الأرض، لأنه لم يبق بعد إرسال أكمل الخلق بأعلى الكتب إلا كشف الغطاء. # ولما كان التعبير بالدابة يفهم أنها كالحيوانات العجم لا كلام لها قال: ~~{ تكلمهم } أي بكلام يفهمونه، روى البغوي من طريق مسلم عن عبد الله بن ~~عمرو رضي الله عنهما: قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " إن أول الآيات خروجا طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ~~ضحى، وأيتهما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على أثرها قريبا " # ومن طريق ابن خزيمة عن أبي شريحة ms3370 الغفاري رضي الله عنه أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " يكون للدابة ثلاث خرجات من الدهر، فتخرج خروجا بأقصى اليمن فيفشو ~~ذكرها بالبادية، ولا يدخل ذكرها القرية - يعني مكة، ثم تمكن زمانا ~~طويلا، ثم تخرج خرجة أخرى قريبا من مكة فيفشو ذكرها بالبادية ويدخل ~~ذكرها القرية، ثم بينما الناس يوما في أعظم المساجد على الله عز وجل ~~حرمة وأكرمها على الله عز وجل - يعني المسجد الحرام، لم يرعهم إلا وهي في ~~ناحية المسجد تدنو وتدنو - كذا قال عمرو - يعني ابن محمد العبقري أحد ~~رواة الحديث - ما بين الركن الأسود إلى باب بني مخزوم عن يمين الخارج في ~~وسط ذلك، فارفض الناس عنها وثبت لها عصابة عرفوا أنهم لن يعجزوا الله ~~فخرجت عليهم تنفض رأسها من التراب، فمرت بهم فجلت عن وجوههم حتى تركتها ~~كأنها الكواكب الدرية، ثم ولت في الأرض لا يدركها طالب، ولا يعجزها هارب، ~~حتى أن الرجل ليقوم فيتعوذ منها بالصلاة، فتأتيه من خلفه فتقول: يا فلان ~~! الآن تصلي، فيقبل عليها بوجهه فتسمه في وجهه، فيتجاور الناس في ~~ديارهم، ويصطحبون في أسفارهم، ويشتركون في الأموال، يعرف الكافر من ~~المؤمن، فيقال للمؤمن: يا مؤمن، ويقال للكافر: يا كافر " # ؛ ومن طريق الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " تخرج الدابة ومعها عصا موسى، وخاتم سليمان عليهما السلام، فتجلو وجه ~~المؤمن بالعصا، وتخطم أنف الكافر بالخاتم، حتى أن أهل الخوان ليجتمعون ~~فيقول هذا: يا مؤمن، وهذا: يا كافر ". # ثم علل سبحانه إخراجه لها بقوله: { أن الناس } أي بما هم ناس لم يصلوا ~~إلى أول أسنان الإيمان، وهو سن { الذين آمنوا } بل هم نائسون مترددون ~~مذبذبون تارة، وتارة { كانوا } أي كونا هو لهم كالجبلة { بآياتنا } أي ~~المرئيات التي كتبناها بعظمتنا في ذوات العالم، والمسموعات المتلوات، ~~التي أتيناهم بها على ألسنة أكمل الخلق: الأنبياء والرسل، حتى ختمناهم ~~بإمامهم الذي هو أكمل العالمين، قطعا لحجاجهم، وردا عن لجاجهم، ولذا ~~عممنا برسالته وأوجبنا على جميع ms3371 العقل أتباعه { لا يوقنون* } من اليقين، ~~وهو إتقان العلم بنفي الشبه، بل هم فيها مزلزلون، فلم يبق بعده صلى الله ~~عليه وسلم إلا كشف الغطاء عما ليس من جنس البشر بما لا تثبت له عقولهم. # ولما كان من فعل الدابة التمييز بين المؤمن والكافر بما لا يستطيعون ~~دفعه، تلاه بتمييز كل فريق منهما عن صاحبه يجمعهم يوم القيامة في ناحية، ~~وسوقهم من غير اختلاط بالفريق الآخر، فقال عاطفا على العامل في " وإذا ~~وقع القول ": { ويوم نحشر } أي نجمع - بما لنا من العظمة - على وجه ~~الإكراه؛ قال أبو حيان: الحشر: الجمع على عنف { من كل أمة فوجا } أي ~~جماعة كثيرة { ممن يكذب } أي يوقع التكذيب للهداة على الاستمرار، ~~مستهينا { بآياتنا } أي المرئية بعدم الاعتبار بها، والمسموعة بردها ~~والطعن فيه على ما لها من العظمة بإضافتها إلينا؛ وأشار إلى كثرتهم بقوله ~~متسببا عن العامل في الظرف من نحو: يكونون في ذل عظيم: { فهم يوزعون* } ~~أي يكف بأدنى إشارة منه أولهم على - آخرهم، وأطرافهم على أوساطهم، ~~ليتلاحقوا، ولا يشذ منهم أحد، ولا يزالون كذلك { حتى إذا جاءوا } أي ~~المكان الذي أراده الله لتبكيتهم { قال } لهم ملك الملوك غير مظهر لهم ~~الجزم بما يعلمه من أحوالهم، في عنادهم وضلالهم، بل سائلا لهم إظهارا ~~للعدل بإلزامهم بما يقرون به من أنفسهم، وفيه إنكار وتوبيخ وتبكيت ~~وتقريع: { أكذبتم } أي أيها الجاهلون { بآياتي } على ما لها من العظم في ~~أنفسها، وبإتيانها إليكم على أيدي أشرف عبادي { و } الحال أنكم { لم ~~تحيطوا بها علما } أي من غير فكر ولا نظر يؤدي إلى الإحاطة بها في ~~معانيها وما أظهرت لأجله حتى تعلموا ما تستحقه ويليق بها بدليل لا مرية ~~فيه { أماذا كنتم } أي في تلك الأزمان بما هو لكم كالجبلات { تعملون* } ~~فيها هل صدقتم بها أو كذبتم بعد الإحاطة بعلمها؟ أخبروني عن ذلك كله! ما ~~دهاكم حيث لم تشتغلوا بهذا العمل المهم؟ فإن هذا - وعزتي - مقام العدل ~~والتحرير، ولا يترك فيه قطمير ولا نقير، ولا ظلم فيه على أحد ms3372 في جليل ولا ~~حقير، ولا قليل ولا كثير، والسؤال على هذا الوجه منبه على الاضطرار إلى ~~التصديق أو الاعتراف بالإبطال، لأنهم إن قالوا: كذبنا، فإن قالوا مع عدم ~~الإحاطة كان في غاية الوضوح في الإبطال، وإن قالوا مع الإحاطة كان أكذب ~~الكذب. # ولما كان التقدير بما أرشد إليه السياق: فأجابوا بما تبين به أنهم ~~ظالمون، عطف عليه قوله: { ووقع القول } أي مضمون الوعيد الذي هو القول ~~حقا، مستعليا { عليهم بما ظلموا } أي بسبب ما وقع منهم من الظلم من ~~صريح التكذيب وما نشأ عنه من الضلال، في الأقوال والأفعال { فهم لا ~~ينطقون* } أي بسبب ما شغلهم من وقوع العذاب المتوعد به مما أحاط بقواهم، ~~فهد أركانهم، وما انكشف لهم من أنه لا ينجيهم شيء. # ولما ذكر الحشر، استدل عليه بحشرهم كل ليلة إلى المبيت، والختم على ~~مشاعرهم، وبعثهم من المنام، وإظهار الظلام الذي هو كالموت بعد النور، ~~وبعث النور بعد إفنائه بالظلام، فقال: { ألم يروا } مما يدلهم على قدرتنا ~~على بعثهم بعد الموت وعلى كل ما أخبرناهم به { أنا جعلنا } أي بعظمتنا ~~التي لا يصل أحد إلى مماثلة شيء منها الدالة على تفردنا وفعلنا بالاختيار ~~{ الليل } أي مظلما { ليسكنوا فيه } عن الانتشار { والنهار مبصرا } أي ~~بإبصار من يلابسه، لينتشروا فيه في معايشهم بعد أن كانوا ماتوا الموتة ~~الصغرى، وكم من شخص منهم بات سويا لا قلبة به فمات، ولو شئنا لجعلنا ~~الكل كذلك لم يقم منهم أحد، وعدل عن { ليبصروا فيه } تنبيها على كمال ~~كونه سببا للإبصار، وعلى أنه ليس المقصود كالسكون، بل وسيلة المقصود ~~الذي هو جلب المنافع، فالآية من الاحتباك: ذكر السكون أولا دليل على ~~الانتشار ثانيا، وذكر الإبصار ثانيا دليل على الإظلام أولا، ثم عظم ~~هذه الآية حثا على تأمل ما فيها من القدرة الهادية إلى سواء السبيل ~~فقال: { إن في ذلك } أي الحشر والنشر الأصغرين مع آيتي الليل والنهار { ~~لآيات } أي متعددة، بينة على التوحيد والبعث الآخر والنبوة، لأن من قلب ~~الملوين لمنافع الناس الدنيوية، أرسل ms3373 الرسل لمنافعهم في الدراين. # ولما كان من مباني السورة تخصيص الهداية بالمؤمنين، خصهم بالآيات ~~لاختصاصهم بالانتفاع بها وأن كان الكل مشتركين في كونها دلالة لهم، فقال: ~~{ لقوم يؤمنون* } أي قضيت بأن إيمانهم لا يزال يتجدد، فهم كل يوم في علو ~~وارتفاع. ### || [27.87-91] # ولما ذكر هذا الحشر الخاص، والدليل على مطلق الحشر والنشر، ذكر الحشر ~~العام، لئلا يظن أنه إنما يحشر الكافر، فقال مشيرا إلى عمومهم بالموت ~~كما عمهم بالنوم، وعمومهم بالإحياء كما عمهم بالإيقاظ: { ويوم ينفخ } أي ~~بأيسر أمر { في الصور } أي القرن الذي جعل صوته لإماتة الكل. # ولما كان ما ينشأ عنه من فزعهم مع كونه محققا مقطوعا به كأنه وجد ~~ومضى، يكون في آن واحد، أشار إلى ذلك وسرعة كونه بالتعبير بالماضي فقال: ~~{ ففزع } أي صعق بسسب هذا النفخ { من في السماوات }. # ولما كان الأمر مهولا، كان الإطناب أولى، فقال: { ومن في الأرض } أي ~~كلهم { إلا من شاء الله } أي المحيط علما وقدرة وعزة وعظمة، أن لا يفزع؛ ~~ثم أشار إلى النفخ لإحياء الكل بقوله: { وكل } أي من فزع ومن لم يفزع { ~~أتوه } أي بعد ذلك للحساب بنفخة أخرى يقيمهم بها، دليلا على تمام القدرة ~~في كونه أقامهم بما به أنامهم { داخرين* } أي صاغرين منكسرين؛ واستغنى عن ~~التصريح به بما يعلم بالبديهة من أنه لا يمكن إتيانهم في حال فزعهم الذي ~~هو كناية عن بطلان إحساسهم، هذا معنى ما قاله كثير من المفسرين والذي ~~يناسب سياق الآيات الماضية - من كون الكلام في يوم القيامة الذي هو ظرف ~~لما بين البعث ودخول الفريقين إلى داريهما - أن يكون هذا النفخ بعد البعث ~~وبمجرد صعق هو كالغشي كما أن حشر الأفواج كذلك، ويؤيده التعبير بالفزع، ~~ويكون الإتيان بعده بنفخة أخرى تكون بها الإقامة، فهاتان النفختان حينئذ ~~هما المراد من قوله صلى الله عليه وسلم: # " يصعق الناس يوم القيامة " # - الحديث، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى لفظا ومعنى، ويحل ما ~~فيه من إشكال في آخر سورة الزمر. # ولما ذكر دخورهم، تلاه ms3374 بدخور ما هو أعظم منهم خلقا، وأهول أمرا، فقال: ~~عاطفا على ناصب الظرف مما تقديره: كانت أمور محلولة، معبرا بالمضارع ~~لأن ذلك وإن شارك الفزع في التحقق قد فارقه في الحدوث والتجدد شيئا ~~فشيئا: { وترى الجبال } أي عند القيام من القبور، والخطاب إما للنبي صلى ~~الله عليه وسلم ليدل ذلك - لكونه صلى الله عليه وسلم أنفذ الناس بصرا ~~وأنورهم بصيرة - على عظم الأمر، وإما لكل أحد لأن الكل صاروا بعد قيامهم ~~أهلا للخطاب بعد غيبتهم في التراب { تحسبها جامدة } أي قائمة ثابته في ~~مكانها لا تتحرك، لأن كل كبير متباعد الأقطار لا يدرك مشيته إلا تخرصا { ~~وهي تمر } أي تسير حتى تكون كالعهن المنفوش فينسفها الله فتقع حيث شاء ~~كأنها الهباء المنثور، فتستوي الأرض كلها بحيث لا يكون فيها عوج، وأشار ~~إلى أن سيرها خفي وإن كان حثيثا بقوله: { مر السحاب } أي مرا سريعا لا ~~يدرك على ما هو عليه لأنه إذا طبق الجو لا يدرك سيره مع أنه لا شك فيه ~~وإن لم تنكشف الشمس بلا لبس، وكذا كل كبير الجرم أو كثير العد يقصر عن ~~الإحاطة به لبعد ما بين أطرافه بكثرته البصر، يكون سائرا، والناظر ~~الحاذق يظنه واقفا. # ولما كان ذلك أمرا هائلا، أشار إلى عظمته بقوله، مؤكدا لمضمون الجملة ~~المتقدمة: { صنع الله } أي صنع الذي له الأمر كله ذلك الذي أخبر أنه كائن ~~في ذلك اليوم صنعا، ونحو هذا المصدر إذا جاء عقب كلام جاء كالشاهد ~~بصحته، والمنادي على سداده، والصارخ بعلو مقداره، وأنه ما كان ينبغي أن ~~يكون إلا هكذا، ثم زاد في التعظيم بقوله دالا على تمام الإحكام في ذلك ~~الصنع: { الذي أتقن كل شيء }. # ولما ثبت هذا على هذا الوجه المتقن، والنظام الأمكن، أنتج قطعا قوله: { ~~إنه } أي الذي أحكم هذه الأمور كلها { خبير بما يفعلون* } أي لأن الإتقان ~~نتيجة القدرة، وهي نتيجة العلم، فمن لم يكن شامل العلم لم يكن تام ~~القدرة، وعبر بالفعل الذي هو أعم من أن يكون بعلم أو ms3375 لا، لأنه في سياق ~~البيان لعماهم، ونفي العلم عنهم، وقرىء بالخطاب المؤذن بالقرب المرجي ~~للرضا، المرهب من الإبعاد، المقرون بالسخط، وبالغيبة المؤذنة بالإعراض ~~الموقع في الخيبة، وما أبدع ما لاءم ذلك ولاحمه ما بعده على تقدير الجواب ~~لسؤال من كأنه قال: ماذا يكون حال أهل الحشر مع الدخور عند الناقد ~~البصير؟ فقال: من إتقانه للأشياء أنه رتب الجزاء أحسن ترتيب { من جاء ~~بالحسنة } أي الكاملة وهي الإيمان { فله } وهو من جملة إحكامه للأشياء { ~~خير } أي أفضل { منها } مضاعفا، أقل ما يكون عشرة أضعاف إلى ما لا يعلمه ~~إلا الله، وأكرمت وجوههم عن النار، وهؤلاء أهل القرب الذين سبقت لهم ~~الحسنى { وهم من فزع يومئذ } أي إذا وقعت هذه الأحوال، العظيمة الأهوال { ~~آمنون* } أي حتى لا يحزنهم الفزع الأكبر، فانظر إلى بلاغة هذا الكلام، ~~وحسن نظمه وترتيبه، وأخذ بعضه بحجزة بعض، كأنما أفزع إفزاعا واحدا، ~~ولأمر ما أعجز القوي، وأخرس الشقاشق والادعاء { ومن جاء بالسيئة } أي ~~التي لا سيئة مثلها، وهي الشرك لقوله: { فكبت } أي بأيسر أمر { وجوههم في ~~النار } مع أنه ورد في الصحيح أن مواضع السجود - التي أشرفها الوجوه - لا ~~سبيل للنار عليها، والوجه أشرف ما في الإنسان، فإذا هان كان ما سواه أولى ~~بالهوان، والمكبوب عليه منكوس. # ولما كانوا قد نكسوا أعمالهم وعكسوها بعبادة غير الله، فوضعوا الشيء في ~~غير موضعه، فعظموا ما حقه التحقير، واستهانوا أمر العلي الكبير. وكان ~~الوجه محل ظهور الحياء والانكسار، لظهور الحجة، وكانوا قد حدقوا الأعين ~~جلادة وجفاء عند العناد، وأظهروا في الوجوه التجهم والعبوس والارتداد، ~~بدع قوله بناء على ما تقديره بما دل عليه الاحتباك: وهم من فزع يومئذ ~~خائفون، وليس لهم إلا مثل سيئتهم: { هل } أي مقولا لهم: هل { تجزون } أي ~~بغمس الوجوه في النار؛ وبني للمفعول لأن المرغب المرهب الجزاء، لا كونه ~~من معين، وإشارة إلى أنه يكون بأيسر أمر، لأن من المعلوم أن المجازي هو ~~الله لا غيره { إلا ما كنتم } أي بما هو لكم كالجبلة { تعملون* } أي ~~تكررون ms3376 عمله وأنتم تزعمون أنه مبني على قواعد العلم بحيث يشهد كل من رآه ~~أنه مماثل لأعمالكم سواء بسواء، وهو شامل أيضا لأهل القسم الأول، والآية ~~من الاحتباك: ذكر الخيرية والأمن أولا دليلا على حذف المثل والخوف ~~ثانيا، والكب في النار ثانيا دليلا على الإكرام عنه أولا. # ولما أتم الدين بذكر الأصول الثلاثة: المبدأ والمعاد والنبوة، ومقدمات ~~القيامة وأحوالها، وبعض صفتها وما يكون من أهوالها، وذلك كمال ما يتعلق ~~بأصول الدين على وجوه مرغبة أتم ترغيب، مرهبة أعظم ترهيب، أوجب هذا ~~الترغيب والترهيب لكل سامع أن يقول: فما الذي نعمل ومن نعبد؟ فأجابه ~~المخاطب بهذا الوحي. المأمور بإبلاغ هذه الجوامع، الداعي لمن سمعه، ~~الهادي لم اتبعه، بأنه لا يرضى له ما رضي لنفسه، وهو ما أمره به ربه، ~~فقال: { إنما أمرت } أي بأمر من لا يرد له أمر، ولا يعد أن يكون بدلا من ~~قوله { الحمد لله وسلام على عباده الذين اصصفى } فيكون محله نصبا بقل، ~~وعظم المأمور به بإحلاله محل العمدة فقال: { أن أعبد } أي بجميع ما أمركم ~~به { رب } أي موجب ومدبر وملك؛ وعين المراد وشخصه وقربة تشريفا وتكريما ~~بقوله: { هذه البلدة } أي مكة التي تخرج الدابة منها فيفزع كل من يراها، ~~ثم تؤمن أهل السعادة، أخصه بذلك لا أعبد شيئا مما عدلتموه به سبحانه ~~وادعيتم أنهم شركاء، وهم من جملة ما خلق؛ ثم وصف المعبود الذي أمر بعبادة ~~أحد غيره بما يقتضيه وصف الربوبية، وتعين البلدة التي أشار إليها بأداة ~~القرب لحضورها في الأذهان لعظمتها وشدة الإلف بها وإرادتها بالأرض التي ~~تخرج الدابة منها، فصارت لذلك بحيث إذا أطلقت البلدة انصرفت إليها وعرف ~~أنها مكة، فقال: { الذي حرمها } تذكيرا لهم بنعمته سبحانه عليهم وتربيته ~~لهم بأن أسكنهم خير بلاده، وجعلهم بذلك مهابة في قلوب عباده، بما ألقى في ~~القلوب من أنها حرم، لا يسفك بها دم، ولا يظلم أحد، ولا يباح بها صيد، ~~ولا يعضد شجرها، وخصها بذلك من بين سائر بلاده والناس يتخطفون من حولهم ~~وهم آمنون ms3377 لا ينالهم شيء من فزعهم وهولهم. # ولما كانت إضافتها إليه إنما هي لمحض التشريف، قال احتراسا عما لعله ~~يتوهم: { وله كل شيء } أي من غيرها مما أشركتموه به وغيره خلقا وملكا ~~وملكا، وليس هو كالملوك الذين ليس لهم إلا ما حموه على غيرهم. # ولما كانوا ربما قالوا: ونحن نعبده بعبادة من نرجوه يقربنا إليه زلفى، ~~عين الدين الذي تكون به العبادة فقال: { وأمرت } أي مع الأمر بالعبادة له ~~وحده، وعظم المفعول المأمور به بجعله عمدة الكلام بوضعه موضع الفاعل ~~فقال: { أن أكون } أي كونا هو في غاية الرسوخ { من المسلمين* } أي ~~المنقادين لجميع ما يأمر به كتابه أتم انقياد، ثابتا على ذلك غاية ~~الثبات. ### || [27.92-93] # ولما بين ما أمر به في نفسه، أتبعه ما تعم فائدته غيره فقال: { وأن أتلو ~~القرآن } أي أواظب على تلاوته وتلوه - أي اتباعه - عبادة لربي، وإبلاغا ~~للناس ما أرسلت به إليهم مما لا يلم به ريب في أنه من عنده، ولأكون ~~مستحضرا لأوامره فأعمل بها، ولنواهيه فأجتنبها، وليرجع الناس إيه ~~ويعولوا في كل أمر عليه. لأنه جامع لكل علم. # ولما تسبب عن ذلك أن من انقاد له نجى نفسه، ومن استعصى عليه أهلكها، قال ~~له ربه سبحانه مسليا ومؤسيا ومرغبا ومرهبا: { فمن اهتدى } أي باتباع ~~هذا القرآن الداعي إلى الجنان { فإنما يهتدي لنفسه } لأنه يحييها بحوزة ~~الثواب، ونجاته من العقاب، فإنما أنا من المبشرين، أبشره أنه من الناجين ~~{ ومن ضل } أي عن الطريق التي نهج وبينها من غير ميل ولا عوج { فقل } له ~~كما تقول لغيره: { إنما أنا من المنذرين* } أي المخوفين له عواقب صنعه، ~~وإنما فسره ورده فلم أومر به الآن { وقل } أي إنذارا لهم وترغيبا ~~وترجية وترهيبا: { الحمد } أي الإحاطة بأوصاف الكمال { لله } أي الذي له ~~العظمة كلها سواء اهتدى الكل وضل الكل، أو انقسموا إلى مهتد وضال، لأنه ~~لا يخرج شيء عن مراده. # ولما كانت نتيجة ذلك القدرة على كل شيء قال: { سيريكم } أي في الدنيا ~~والآخرة بوعد محقق لا شك في ms3378 وقوعه { آياته } أي الرادة لكم عما أنتم فيه ~~يوم يحل لي هذه البلدة الذي حرمها بما أشار إليه جعلي من المنذرين وغير ~~ذلك ما يظهر من وقائعه ويشتهر من أيامه التي صرح أو لوح بها القرآن، ~~فيأتيكم تأويله فترونه عيانا، وهو معنى { فتعرفونها } أي بتذكركم ما ~~أتوعدكم الآن به وأصفه لكم منها، لا تشكون في شيء من ذلك أنه على ما ~~وصفته ولا ترتابون، فتظهر لكم عظمة القرآن، وإبانة آيات الكتاب الذي هو ~~الفرقان، وترون ذلك حق اليقين # ولتعلمن نبأه بعد حين # [ص: 88]، # يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق # [الأعراف: 53]، # هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون # [يس: 52]. # ولما كان قد نفس لهم بالسين في الآجال، وكان التقدير تسلية له صلى الله ~~عليه وسلم: وما ربك بتاركهم على هذا الحال من العناد لأن ربك قادر على ما ~~يريد، عطف عليه قوله: { وما ربك } أي المحسن إليك بجميع ما أقامك فيه من ~~هذه الأمور العظيمة والأحوال الجليلة الجسيمة { بغافل عما تعملون* } أي ~~من مخالفة أوامره، ومفارقة زواجره، ويجوز أن تكون الجملة حالا من فاعل { ~~يرى } أي ربكم غير غافل، ومن قرأ بالخطاب كان المعنى: عما تعمل انت ~~وأتباعك من الطاعة. وهو من المعصية، فيجازي كلا منكم بما يستحق فيعلي ~~أمرك، ويشد إزرك، ويوهن أيدهم، ويضعف كيدهم، بما له من الحكمة، والعلم ~~ونفوذ الكلمة، فلا يظن ظان أن تركه للمعالجة بعقابهم لغفلة عن شيء من ~~أعمالهم، إنما ذلك لأنه حد لهم حداهم بالغوه لا محالة لأنه لا يبدل القول ~~لديه، فقد رجع آخرها كما ترى بإبانة الكتاب وتفخيم القرآن وتقسيم الناس ~~فيه إلى مهتد وضال إلى أولها، وعانق ختامها ابتداءها بحكمة منزلها، وعلم ~~مجملها ومفصلها، إلى غير ذلك مما يظهر عند تدبرها وتأملها - والله الموفق ~~للصواب، وإليه المرجع والمآب. # نجز الجزء المبارك من مناسبات البقاعي بحمد الله وعونه ويتلوه القصص إن ~~شاء الله تعالى - اللهم اغفر لنا ذنوبنا وتجاوز عن سيئاتنا. ### | [28 - سورة القصص] ### || [28.1-5] # { طسم* ms3379 } مشيرا بالطاء المليحة بالطهر والطيب إلى خلاص بني إسرائيل بعد ~~طول ابتلائهم المطهر لهم عظيم، وبالسين الرامزة إلى السمو والسنا ~~والسيادة إلى أن ذلك يكون بمسموع من الوحي في ذي طوى من طور سيناء قديم، ~~وبالميم المهيئة للملك والنعمة إلى قضاء من الملك الأعلى بذلك كله تام ~~عميم. # ولما كانت هذه إشارات عالية، وما بعدها لزوم نظوم لأوضح الدلالات حاوية، ~~قال مشيرا إلى عظمتها: { تلك } أي الآيات العالمية الشأن { آيات الكتاب ~~} أي المنزل على قلبك، الجامع لجميع المصالح الدنيوية والأخروية { ~~المبين* } أي الفاصل الكاشف الموضح المظهر، لأنه من عندنا من غير شك، ~~ولكل ما يحتاج إليه من ذلك وغيره، عند من يجعله من شأنه ويتلقاه بقبول، ~~ويلقي إليه السمع وهو شهيد؛ ثم أقام الدليل على إبانته. وأنه يقص على بني ~~إسرائيل أكثر الذي هم يختلفون، بما أورد هنا في قصة موسى عليه الصلاة ~~والسلام من الدقائق التي قل من يعلمها من حذاقهم، على وجه معلم بما انتقم ~~به من فرعون وآله، ومن لحق بهم كقارون، وأنعم به على موسى عليه الصلاة ~~والسلام وأتباعه، ولذلك بسط فيها أمور القصة ما لم يبسط في غيرها فقال: { ~~نتلوا } أي نقص قصا متتابعا متواليا بعضه في أثر بعض { عليك } بواسطة ~~جبريل عليه الصلاة والسلام. # ولما كان المراد إنما هو قص ما هو من الأخبار العظيمة بيانا للآيات ~~بعلم الجليات والخفيات، والمحاسبة والمجازاة، لا جميع الأخبار، قال: { من ~~نبأ موسى وفرعون } أي بعض خبرهما العظيم متلبسا هذا النبأ وكائنا { ~~بالحق } أي الذي يطابقه الواقع، فإنا ما أخبرنا فيه بمستقبل إلا طابقه ~~الكائن عند وقوعه، ونبه على أن هذا البيان كما سبق إنما ينفع أولى ~~الإذعان بقوله: { لقوم يؤمنون* } أي يجددون الإيمان في كل وقت عند كل ~~حادثة لثبات إيمانهم، فعلم أن المقصود منها هنا الاستدلال على نبوة محمد ~~صلى الله عليه وسلم الأمي بالاطلاع علىالمغيبات، والتهديد بعلمه المحيط، ~~وقدرته الشاملة، وأنه ما شاء كان ولا مدفع لقضائه، ولا ينفع حذر من قدرة، ~~فصح أنها دليل ms3380 على قوله تعالى آخر تلك { سيريكم آياته فتعرفونها } الآية، ~~ولذلك لخصت رؤوس أخبار القصة، فذكرت فيها أمهات الأمور الخفية ودقائق ~~أعمال من ذكر فيها من موسى عليه الصلاة والسلام وأمه وفرعون وغيرهم إلى ~~ما تراه من الحكم التي لا يطلع عليها إلا عالم بالتعلم أو بالوحي، ومعلوم ~~لكل مخاطب بذلك انتفاء الأول عن المنزل عليه هذا الذكر صلى الله عليه ~~وسلم، فانحصر الأمر في الثاني، يوضح لك هذا المرام مع هذه الآية الأولى ~~التي ذكرتها قوله تعالى في آخر القصة { وما كنت بجانب الغربي } { وما ~~كنت بجانب الطور } واتباع القصة بقوله تعالى: { ولقد وصلنا لهم القول ~~لعلهم يتذكرون } فالمراد بهذا السياق منها كما ترى غير ما تقدم من ~~سياقاتها كما مضى، فلا تكرير في شيء من ذلك - والله الهادي. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما تضمن قوله سبحانه { إنما أمرت أن ~~أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها } - إلى آخر السورة من التخويف والترهيب ~~والإنذار والتهديد لما انجر معه الإشعار بأنه عليه الصلاة والسلام سيملك ~~مكة البلدة ويفتحها الله تعالى عليه، ويذل عتاة قريش ومتمرديهم، ويعز ~~أتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن استضعفته قريش من المؤمنين، اتبع ~~سبحانه ذلك بما قصه على نبيه من تطهير ما أشار إليه من قصة بني إسرائيل ~~وابتداء امتحانهم بفرعون، واستيلائه عليهم، وفتكه بهم إلى أن أعزهم الله ~~وأظهرهم على عدوهم، وأورثهم أرضهم وديارهم، ولهذا أشار تعالى في كلا ~~القصتين بقوله في الأولى { سيريكم آياته فتعرفونها } وفي الثانية بقوله: ~~{ وترى فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون } ثم قص ابتداء أمر ~~فرعون وحذره واستعصامه بقتل ذكور الأولاد ثم لم يغن ذلك عنه من قدر الله ~~شيئا، ففي حاله عبرة لمن وفق للاعتبار، ودليل على أنه سبحانه المتفرد ~~بملكه، يؤتي ملكه من يشاء، وينزعه ممن يشاء، لا يزعه وازع، ولا يمنعه عما ~~يشاء مانع، { قل الله مالك الملك } وقد أصح قوله تعالى { وعد الله الذين ~~آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض } - الآية بما ms3381 أشار إليه ~~مجمل ما أوضحنا اتصاله من خاتمة النمل وفاتحة القصص، ونحن نزيده بيانا ~~بذكر لمع من تفسير ما قصد التحامه فنقول: إن قوله تعالى معلما لنبيه صلى ~~الله عليه وسلم وآمرا { إنما أمرت أن أعبد } إلى قوله: { سيريكم آياته } ~~لا خفاء بما تضمن ذلك من التهديد، وشديد الوعيد، ثم في قوله: { رب هذه ~~البلدة } إشارة إلى أنه عليه الصلاة والسلام سيفتحها ويملكها، لأنه بلد ~~ربه وملكه، وهو عبده ورسوله، وقد اختصه برسالته، وله كل شيء، فالعباد ~~والبلاد ملكه، ففي هذا من الإشارة مثل ما في قوله تعالى: { إن الذي فرض ~~عليك القرآن لرادك إلى معاد } وقوله تعالى: { وأن أتلو القرآن } أي ~~ليسمعوه فيتذكروا ويتذكر من سبقت له السعادة، ويلحظ سنة الله في العباد ~~والبلاد، ويسمع ما جرى لمن عاند وعنى و كذب واستكبر، فكيف وقصه الله ~~وأخذه ولم يغن عنه حذره، وأورث مستضعف عباده أرضه ودياره، ومكن لهم في ~~الأرض وأعز رسله وأتباعهم { نتلوا عليك من نبإ موسى وفرعون بالحق لقوم ~~يؤمنون } أي يصدقون ويعتبرون ويستدلون ويستوضحون، وقوله: { سيريكم آياته ~~} يشير إلى ما حل بهم يوم بدر، وبعد ذلك إلى يوم فتح مكة، وإذعان من لم ~~يكن يظن انقياده، وإهلاك من طال تمرده وعناده، وانقياد العرب بجملتها بعد ~~فتح مكة ودخول الناس في الدين أفواجا، وعزة أقوام وذلة آخرين، بحاكم { ~~إن أكرمكم عند الله أتقاكم } إلى أن فتح الله على الصحابة رضوان الله ~~عليهم ما وعدهم به نبيهم صلى الله عليه وسلم، فكان كما وعد، فلما تضمنت ~~هذه الآية ما أشير إليه، أعقب بما هو في قوة أن لو قيل: ليس عتوكم بأعظم ~~من عتو فرعون وآله، ولا حال مستضعفي المؤمنين بمكة ممن قصدتم فتنته في ~~دينه بدون حال بني إسرائيل حين كان فرعون يمتحنهم بذبح أبنائهم. # فهلا تأملتم عاقبة الفريقين، وسلكتم أنهج الطريقين؟ { أفلم يسيروا في ~~الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم } - إلى قوله: { فما أغنى ~~عنهم ما كانوا يكسبون } فلو تأملتم ذلك لعلمتم أن العاقبة ms3382 للتقوى، فقال ~~سبحانه بعد افتتاح السورة إن فرعون علا في الأرض، ثم ذكر من خبره ما فيه ~~عبرة، وذكر سبحانه آياته الباهرة في أمر موسى عليه السلام وحفظه ورعايته ~~وأخذ أم عدوه إياه { عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا } فلم يزل يذبح ~~الأبناء خيفة من مولود يهتك ملكه حتى إذا كان ذلك المولود تولي بنفسه ~~تربيته وحفظه وخدمته ليعلم لمن التدبير والإمضاء، وكيف نفوذ سابق الحكم ~~والقضاء، فهلا سألت قريش وسمعت وفكرت واعتبرت { أولم تأتهم بينة ما في ~~الصحف الأولى } ثم أتبع سبحانه ذلك بخروج موسى عليه السلام من أرضه فخرج ~~منها خائفا يترقب، وما ناله عليه السلام في ذلك الخروج من عظيم السعادة، ~~وفي ذلك منبهة لرسول الله صلى الله عليه وسلم على خروجه من مكة وتعزية له ~~وإعلام بأنه تعالى سيعيده إلى بلده ويفتحه عليه، وبهذا المستشعر من هنا ~~صرح آخر السورة في قوله تعالى: { إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد ~~} وهذا كاف فيما قصد - انتهى. # ولما كان كأنه قيل: ما هذا المقصوص من هذا النبأ؟ قال: { إن فرعون } ملك ~~مصر الذي ادعى الإلهية { علا } أي بادعائه الإلهية وتجبره على عباد الله ~~وقهره لهم { في الأرض } أي لأنا جمعنا عليه الجنود فكانوا معه إلبا ~~واحدا فأنفذنا بذلك كلمته، وهي وأن كان المراد بها أرض مصر ففي إطلاقها ~~ما يدل على تعظيمها وأنها كجميع الأرض في اشتمالها على ما قل أن يشتمل ~~عليه غيرها. # ولما كان التقدير بما دل عليه العاطف: فكفر تلك النعمة، عطف عليه قوله: ~~{ وجعل } بما جعلنا له من نفوذ الكلمة { أهلها } أي الأرض المرادة { ~~شيعا } أي فرقا يتبع كل فرقة شيئا وتنصره، والكل تحت قهره وطوع أمره، ~~قد صاروا معه كالشياع، وهو دق الحطب، فرق بينهم لئلا يتمالؤوا عليه، فلا ~~يصل إلى ما يريده منهم، فافترقت كلمتهم فلم يحم بعضهم لبعض فتخاذلوا فسفل ~~أمرهم، فالآية من الاحتباك، ذكر العلو أولا دليلا على السفول ثانيا، ~~والافتراق ثانيا دليلا على الاجتماع أولا، جعلهم كذلك حال ms3383 كونه { ~~يستضعف } أي يطلب ويوجد أن يضعف، أو هو استئناف { طائفة منهم } وهم بنو ~~إسرائيل الذين كانت حياة جميع أهل مصر على يدي واحد منهم، وهو يوسف عليه ~~السلام. # وفعل معهم من الخير ما لم يفعله والد مع ولده، ومع ذلك كافؤوه في أولاده ~~وإخوته بأن استعبدوهم، ثم ما كفاهم ذلك حتى ساموهم على يدي هذا العنيد ~~سوء العذاب فيا بأبي الغرباء بينهم قديما وحديثا، ثم بين سبحانه ~~الاستضعاف بقوله: { يذبح } أي تذبيحا كثيرا { أبناءهم } أي عند ~~الولادة، وكل بذلك أناسا ينظرون كلما ولدت امرأة ذكرا ذبحوه خوفا على ~~ملكه زعم من مولود منهم { ويستحيي نساءهم } أي يريد حياة الإناث فلا ~~يذبحهن. # ولما كان هذا أمرا متناهيا في الشناعة، ليس مأمورا به من جهة شرع ما، ~~ولا له فائدة أصلا، لأن القدر - على تقدير صدق من أخبره - لا يرده ~~الحذر، قال تعالى مبينا لقبحه، شارحا لما أفهمه ذلك من حاله: { إنه كان ~~} أي كونا راسخا { من المفسدين* } أي الذين لهم عراقة في هذا الوصف، ~~فلا يدع أن يقع منه هذا الجزئي المندرج تحت ما هو قائم به من الأمر ~~الكلي. # ولما كان التقدير كما أرشد إليه السياق لمن يسأل عن سبب فعله هذا ~~العجيب: يريد بذلك زعم دوام ملكه بأن لا يسلبه إياه واحد منهم أخبره بعض ~~علمائه أنه يغلبه عليه ويستنقذ شعبه من العبودية، عطف عليه قوله يحكي تلك ~~الحال الماضية: { ونريد } أو هي حالية، أي يستضعفهم والحال أنا نريد في ~~المستقبل أن نقويهم. أي يريد دوام استضعافهم حال إرادتنا ضده من أنا نقطع ~~ذلك بإرادة { أن نمن } أي نعطي بقدرتنا وعلمنا ما يكون جديرا بأن نمتن ~~به { على الذين استضعفوا } أي حصل استضعافهم وهان هذا الفعل الشنيع ولم ~~يراقب فيهم مولاهم { في الأرض } أي أرض مصر فذلوا وأهينوا، ونريهم في ~~أنفسهم وأعدائهم وفق ما يحبون وفوق ما يأملون { ونجعلهم أئمة } أي مقدمين ~~في الدين والدنيا، علماء يدعون إلى الجنة عكس ما يأتي من عاقبة آل فرعون، ~~وذلك مع ms3384 تصييرنا لهم أيضا بحيث يصلح كل واحد منهم لأن يقصد للملك بعد ~~كونهم مستعبدين في غاية البعد عنه { ونجعلهم } بقوتنا وعظمتنا { ~~الوارثين* } أي لملك مصر لا ينازعهم فيه أحد من القبط، ولكل بلد أمرناهم ~~بقصدها، وهذا إيذان بإهلاك الجميع. ### || [28.6-9] # ولما بشر بتمليكهم في سياق دال على مكنتهم، صرح بها فقال: { ونمكن } أي ~~نوقع التمكين { لهم في الأرض } أي كلها لا سيما أرض مصر والشام، بإهلاك ~~أعدائهم وتأييدهم بكليم الله، ثم بالأنبياء من بعده عليهم الصلاة والسلام ~~بحيث نسلطهم بسببهم على من سواهم بما نؤيدهم به من الملائكة ونظهر لهم من ~~الخوارق. # ولما ذكر التمكين، ذكر أنه مع مغالبة الجبابرة إعلاما بأنه أضخم تمكين ~~فقال عاطفا على نحو: ونريد أن نأخذ الذين علوا في الأرض وهم فرعون ~~وهامان وجنودهما: { ونري } أي بما لنا من العظمة { فرعون } أي الذي كان ~~هذا الاستضعاف منه { وهامان } وزيره { وجنودهما } الذين كانا يتوصلان بهم ~~إلى ما يريدانه من الفساد { منهم } أي المستضعفين { ما كانوا } أي بجد ~~عظيم منهم كأنه غريزة { يحذرون* } أي يجددون حذره في كل حين على ~~الاستمرار بغاية الجد والنشاط من ذهاب ملكهم بمولود منهم وما يتبع ذلك، ~~قال البغوي: والحذر: التوقي من الضرر. والآية من الاحتباك: ذكر الاستضعاف ~~أولا دليلا على القوة ثانيا، وإراءة المحذور ثانيا دليلا على إرادة ~~المحبوب أولا، وسر ذلك أنه ذكر المسلي والمرجي ترغيبا في الصبر وانتظام ~~الفرج. # ولما كان التقدير: فكان ما أردناه، وطاح ما أراد غيرنا، فأولدنا من بني ~~إسرائيل الولد الذي كان يحذره فرعون على ملكه، وكان يذبح أبناء بني ~~إسرائيل لأجله، وقضينا بأن يسمى موسى، بسبب أنه يوجد بين ماء وشجر، ~~ونربيه في بيت الذي يحذره ويحتاط لأجله، عطف على هذا المعلوم التقدير أول ~~نعمة من بها على الذين استضعفوا فقال: { وأوحينا } أي أوصلنا بعظمتنا ~~بطريق خفي، الله أعلم به هل هو ملك أو غيره، إذ لا بدع في تكليم الملائكة ~~الولي من غير نبوة { إلى أم موسى } أي الذي أمضينا في قضائنا أنه ms3385 يسمى ~~بهذا الاسم، وأن يكون هلاك فرعون وزوال ملكه على يده، بعد أن ولدته وخافت ~~أن يذبحه الذباحون { أن أرضعيه } ما كنت آمنة عليه، وحقق لها طلبهم لذبحه ~~بقوله: { فإذا خفت عليه } أي منهم أن يصيح فيسمع فيذبح { فألقيه } أي بعد ~~أن تضعيه في شيء يحفظه من الماء { في اليم } أي النيل، واتركي رضاعه، ~~وعرفه وسماه يما - واليم: البحر - لعظمته على غيره من الأنهار بكبره ~~وكونه من الجنة، وما يحصل به من المنافع، وعدل عن لفظ البحر إلى اليم لأن ~~القصد فيه أظهر من السعة؛ قال الرازي في اللوامع: وهذا إشارة إلى الثقة ~~بالله، والثقة سواد عين التوكل، ونقطة دائرة التفويض، وسويداء قلب ~~التسليم، ولها درجات: الأولى درجة الأياس، وهو أياس العبد من مقاواة ~~الأحكام، ليقعد عن منازعة الإقسام، فيتخلص من صحة الإقدام؛ والثانية درجة ~~الأمن، وهو أمن العبد من فوت المقدور، وانتقاص المسطور، فيظفر بروح الرضى ~~وإلا فبعين اليقين، وإلا فبطلب الصبر؛ والثالثة معاينة أولية الحق جل ~~جلاله، ليتخلص من محن المقصود، وتكاليف الحمايات، والتعريج على مدارج ~~الوسائل. # { ولا تخافي } أي لا يتجدد لك خوف أصلا من أن يغرق أو يموت من ترك ~~الرضاع وإن طال المدى أو يوصل إلى أذاه { ولا تحزني } أي ولا يوجد لك حزن ~~لوقوع فراقه. # ولما كان الخوف عما يلحق المتوقع، والحزن عما يلحق الواقع، علل نهيه عن ~~الأمرين، بقوله في جملة اسمية دالة على الثبات والدوام، مؤكدة لاستبعاد ~~مضمونها: { إنا رادوه إليك } فأزال مقتضى الخوف والحزن؛ ثم زادها بشرى لا ~~تقوم لها بشرى بقوله: { وجاعلوه من المرسلين* } أي الذين هم خلاصة ~~المخلوقين، والآية من الاحتباك، ذكر الإرضاع أولا دليلا على تركه ~~ثانيا، والخوف ثانيا دليلا على الأمن أولا، وسره أنه ذكر المحبوب لها ~~تقوية لقلبها وتسكينا لرعبها. # ولما كان الوحي إليها بهذا سببا لإلقائه في البحر. وإلقاؤه سببا ~~لالتقاطه، قال: { فالتقطه } أي فأرضعته فلما خافت عليه صنعت له صندوقا ~~وقيرته لئلا يدخل إليه الماء وأحكمته وأودعته فيه وألقته في بحر النيل، ~~وكأن بيتها ms3386 كان فوق بيت فرعون، فساقه الماء إلى قرب بيت فرعون، فتعوق ~~بشجر هناك، فتلكف جماعة فرعون التقاطه، قال البغوي: والالتقاط وجود الشيء ~~من غير طلب. { آل فرعون } بأن أخذوا الصندوق، فلما فتحوه وجدوا موسى عليه ~~السلام فأحبوه لما ألقى الله تعالى عليهم ممن محبته فاتخذوه ولدا وسموه ~~موسى، لأنهم وجدوه في ماء وشجر، ومو بلسانهم: الماء، وسا: الشجر. # ولما كانت عاقبة أمره إهلاكهم، وكان العاقل لا سيما المتحذلق، لا ينبغي ~~له أن يقدم على شيء حتى يعلم عاقبته فكيف إذا كان يدعي أنه إله، عبر ~~سبحانه بلام العاقبة التي معناها التعليل، تهكما بفرعون - كما مضى بيان ~~مثله غير مرة - في قوله: { ليكون لهم عدوا } أي بطول خوفهم منه بمخالفته ~~لهم في دينهم وحملهم على الحق { وحزنا } أي بزوال ملكهم، لأنه يظهر فيهم ~~الآيات التي يهلك الله بها من يشاء منهم، ثم يهلك جميع أبكارهم فيخلص ~~جميع بني إسرائيل منهم، ثم يظفر بهم كلهم. فيهلكهم الله بالغرق على يده ~~إهلاك نفس واحدة، فيعم الحزن والنواح أهل ذلك الإقليم كله، فهذه اللام ~~للعلة استعيرت لما أنتجته العلة التي قصدوها - وهي التبني وقرة العين - ~~من الهلاك، كما استعير الأسد للشجاع فأطلق عليه، فقيل: زيد أسد. لأن فعله ~~كان فعله، والمعنى على طريق التهكم أنهم ما أخذوه إلا لهذا الغرض، لأنا ~~نحاشيهم من الإقدام على ما يعلمون آخر أمره. # ولما كان لا يفعل هذا الفعل إلا أحمق مهتور أو مغفل مخذول لا يكاد يصيب ~~على ذلك بالأمرين فقال: { إن فرعون وهامان وجنودهما } أي كلهم على طبع ~~واحد { كانوا خاطئين* } أي دأبهم تعمد الذنوب، والضلال عن المقاصد، فلا ~~بدع في خطائهم في أن يربوا من لا يذبحون الأبناء إلا من أجله، مع ~~القرائن الظاهرة في أنه من بني إسرائيل الذين يذبحون أبناءهم؛ قال في ~~الجمع بين العباب والمحكم: قال أبو عبيد: أخطأ وخطأ - لغتان بمعنى واحد، ~~وقال ابن عرفة: يقال: خطأ في دينه وأخطأ - إذا سلك سبيل خطأ عامدا أو ~~غير عامد. # وقال الأموي، المخطىء ms3387 من أراد الصواب فصار إلى غيره، والخاطىء: من تعمد ~~ما لا ينبغي، وقال ابن ظريف في الأفعال: خطىء الشيء خطأ وأخطأه: لم يصبه. # ولما أخبر تعالى عن آخر أمرهم معه، تخفيفا على السامع بجمع طرفي القصة ~~إجمالا وتشويقا إلى تفصيل ذلك الإجمال، وتعجيلا بالتعريف بخطائهم ~~ليكون جهلهم الذي هو أصل شقائهم مكتنفا لأول الكلام وآخره، أخبر عما قيل ~~عند التقاطه فقال عاطفا على { فالتقطه }: { وقالت امرأة فرعون } أي ~~لفرعون لما أخرجته من التابوت، وهي التي قضى الله أن يكون سعادة، وهي ~~آسية بنت مزاحم إحدى نساء بني إسرائيل - نقله البغوي: { قرت عين لي } أي ~~به { ولك } أي يا فرعون. # ولما أثبت له أنه ممن تقر به العيون، أنتج ذلك استبقاءه، ولذلك نهت عن ~~قتله وخافت أن تقول: لا تقتله، فيجيبها حاملا له على الحقيقة ثم يأمر ~~بقتله، ويكون مخلصا له عن الوقوع في إخلاف الوعد، فجمعت قائلة: { لا ~~تقتلوه } أي أنت بنفسك ولا أحد ممن تأمره بذلك، ثم عللت ذلك أو استأنفت ~~فقالت: { عسى } أي يمكن، وهو جدير وخليق { أن ينفعنا } أي لما أتخيل فيه ~~النجابة ولو كان له أبوان معروفان { أو نتخذه ولدا } إن لم يعرف له ~~أبوان، فيكون نفعه أكثر، فإنه أهل لأن يتشرف به الملوك. # ولما كان هذا كله فعل من لا يعلم، فلا يصح كونه إلها، صرح بذلك تسفيها ~~لمن أطاعه في ادعاء ذلك فقال: { وهم } أي تراجعوا هذا القول والحال أنهم ~~{ لا يشعرون* } أي لا شعور لهم أصلا، لأن من لا يكون له علم إلا ~~بالاكتساب فهو كذلك، فكيف إذا كان لا يهذب نفسه باكتسابه، فكيف إذا كان ~~مطبوعا على قلبه وإذا كانوا كذلك فلا شعور لهم بما يؤول إليه أمرهم معه ~~من الأمور الهائلة المؤدية إلى هلاك المفسدين ليعلموا لذلك أعماله من ~~الاحتراز منه بما ينجيهم. ### || [28.10-14] # ولما أخبر عن حال من لقيه، أخبر عن حال من فارقه، فقال: { وأصبح } أي ~~عقب الليلة التي حصل فيها فراقه { فؤاد أم موسى } أي قلبها الذي زاد ms3388 ~~احتراقه شوقا وخوفا وحزنا، وهذا يدل على أنها ألقته ليلا { فارغا } ~~أي في غاية الذعر لما جلبت عليه من أخلاق البشر، قد ذهب منه كل ما فيه من ~~المعاني المقصودة التي من شأنها أن يربط عليها الجأش؛ ثم وصل بذلك ~~مستأنفا قوله: { إن } أي إنه { كادت } أي قاربت { لتبدي } أي يقع منها ~~الإظهار لكل ما كان من أمره، مصرحة { به } أي بأمر موسى عليه السلام من ~~أنه ولدها ونحو ذلك بسبب فراغ فؤادها من الأمور المستكنة، وتوزع فكرها في ~~كل واد { لولا أن ربطنا } بعظمتنا { على قلبها } بعد أن رددنا إليه ~~المعاني الصالحة التي أودعناها فيه، فلم تعلن به لأجل ربطنا عليه حتى صار ~~كالجراب الذي ربط فمه حتى لا يخرج شيء مما فيه؛ ثم علل الربط بقوله: { ~~لتكون } أي كونا هو كالغريزة لها { من المؤمنين* } أي المصدقين بما وعد ~~الله به من نجاته ورسالته، الواثقين بذلك. # ولما أخبر عن كتمها، أتبعه الخبر عن فعلها في تعرف خبره الذي أطار خفاؤه ~~عليها عقلها، فقال عاطفا على { وأصبح }: { وقالت } أي أمه { لأخته } أي ~~بعد أن أصبحت على تلك الحالة، قد خفي عليها أمره: { قصيه } أي اتبعي أثره ~~وتشممي خبره برا وبحرا، ففعلت { فبصرت به عن جنب } أي بعد من غير ~~مواجهة، ولذلك قال: { وهم لا يشعرون* } أي ليس لهم شعور لا بنظرها ولا ~~بأنها أخته، بل هم في صفة الغفلة التي هي في غاية البعد عن رتبة الإلهية. # ولما كان ذلك أحد الأسباب في رده، ذكر في جملة حالية سببا آخر قريبا ~~منه فقال: { وحرمنا } أي منعنا بعظمتنا التي لا يتخلف أمرها، ويتضاءل كل ~~شيء دونها { عليه المراضع } جمع مرضعة، وهي من تكترى للرضاع من الأجانب، ~~أي حكمنا بمنعه من الارتضاع منهن، استعار التحريم للمنع لأنه منع فيه ~~رحمة؛ قال الرازي في اللوامع: تحريم منع لا تحريم شرع. # ولما كان قد ارتضع من أمه من حين ولدته إلى حين إلقائه في اليم، فلم ~~يستغرق التحريم الزمان الماضي، أثبت الجار فقال: { من ms3389 قبل } أي قبل أن ~~تأمر أمه أخته بما أمرتها به وبعد إلقائها له، ليكون ذلك سببا لرده ~~إليها، فلم يرضع من غيرها فأشفقوا عليه فأتتهم أخته فقالوا لها: هل عندك ~~مرضعة تدلينا عليها لعله يقبل ثديها؟ { فقالت } أي فدنت أخته منه بعد ~~نظرها له فقالت لهم لما رأتهم في غاية الاهتمام برضاعه لما عرضوا عليه ~~المراضع فأبى أن يرتضع من واحدة منهن: { هل } لكم حاجة في أني { أدلكم ~~على أهل بيت } ولم يقل: على امرأة، لتوسع دائرة الظن { يكفلونه لكم } أي ~~يأخذونه ويعولونه ويقومون بجميع مصالحه من الرضاع وغيره لأجلكم، وزادتهم ~~رغبة بقولها: { وهم له ناصحون* } أي ثابت نصحهم له، لا يغشونه نوعا من ~~الغش؛ قال البغوي: والنصح ضد الغش، وهو تصفية العمل من شوائب الفساد ~~فكادت بهذا الكلام تصرح بأن المدلول عليها أمه، فارتابوا من كلامها ~~فاعتذرت بأنهم يعملون ذلك تقربا إلى الملك وتحببا إليه تعززا به، ~~فظنوا ذلك، وهذا وأمثاله بيان من الله تعالى لأنه لا يعلم أحد في ~~السماوات والأرض الغيب إلا هو سبحانه، فلا يصح أن يكون غيره إلها، فلما ~~سكنوا إليها طلبوا أن تدلهم، فأتت بأمها فأحللنا له رضاعها فأخذ ثديها ~~فقالوا: أقيمي عندنا، فقالت: لا أقدر على فراق بيتي. # إن رضيتم أن أكفله في بيتي وإلا فلا حاجة لي، وأظهرت التزهد فيه نفيا ~~للتهمة، فرضوا بذلك فرجعت به إلى بيتها، والآية من الاحتباك: ذكر التحريم ~~أولا دليلا على الإحلال ثانيا، واستفهام أخته ثانيا دليلا على ~~استفهامهم لها أولا، وسره أن ذكر الأغرب من أمره الأدل على القدرة، ~~ولذلك سبب عما مضى قوله: { فرددناه } أي مع هذا الظاهر في الكشف لسره ~~الموجب للريبة في أمره، ومع ما تقدم من القرائن التي يكاد يقطع بها بأنه ~~من بني إسرائيل، منها إلقاؤه في البحر على تلك الصفة، ومنها أن المدلول ~~عليها لإرضاعه من بني إسرائيل، ومنها أنه قبل ثديها دون غيرها من القبط ~~وغيرهم، بأيدنا الذي لا يقاويه أيد، ولا يداني ساحته شيء من مكر ولا كيد، ms3390 ~~من يد العدو الذي ما ذبح طفلا إلا رجاء الوقوع عليه، والخلاص مما جعل في ~~سابق العلم إليه { إلى أمه } وكان من أمر الله - والله هو غالب على أمره ~~- أنه استخدم لموسى - كما قال الرازي - عدوه في كفالته وهو يقتل العالم ~~لأجله؛ ثم علله بقوله: { كي تقر عينها } أي تبرد وتستقر عن الطرف في ~~تطلبه إلى كل جهة وتنام بإرضاعه وكفالته في بيتها، آمنة لا تخاف، وقرة ~~العين بردها ونومها خلاف سخنتها وسهرها بإدامة تقليبها، قرت عينه تقر - ~~بالكسر والفتح - قرة، وتضم، وقرورا: بردت سرورا وانقطع بكاؤها، أو رأت ~~ما كانت متشوقة إليه، وأقر الله عينه وبعينه، وعين قريرة وقارة، وقرتها ~~ما قرت به، وقر بالمكان يقر - بالفتح والكسر - قرارا وقرورا وقرا ~~وتقرة: ثبت واستكن، وأصل قرة العين من القر وهو البرد، أي بردت فصحت ~~ونامت خلاف سخنة عينه، وقيل: من القرار، أي استقرت عيني، وقالوا: دمعة ~~الفرح باردة، ودمعة الحزن حارة، فمعنى أقر الله عينك من الفرح وأسخنها من ~~الحزن، وهذا قول الأصمعي، وقال أبو عباس: ليس كما ذكر الأصمعي بل كل دمع ~~حار، فمعنى أقر الله عينك: صادفت سرورا فنامت وذهب سهرها، وصادفت ما ~~يرضيك، أي بلغك الله أقصى أملك حتى تقر عينك من النظر إلى غيره استغناء ~~ورضا بما يديك، قالوا: ومعنى قولهم: هو قرة عيني: هو رضى نفسي، فهي تقر ~~وتسكن بقربه فلا تستشرف إلى غيره { ولا } أي وكيلا { تحزن } أي بفراقه { ~~ولتعلم } أي علما هو عين اليقين، كما كانت عالمة به علم اليقين، وعلم ~~شهادة كما كانت عالمة علم الغيب { أن وعد الله } أي الأمر الذي وعدها به ~~الملك الأعظم الذي له الكمال كله في حفظه وإرساله { حق } أي هو في غاية ~~الثبات في مطابقة الواقع إياه. # ولما كان العلم هو النور الذي من فقده لم يصح منه عمل، ولم ينتظم له ~~قصد، قال عاطفا على ما تقديره: فعلمت ذلك برده عين اليقين بعد علم ~~اليقين: { ولكن أكثرهم } أي أكثر آل فرعون وغيرهم { لا يعلمون* ms3391 } أي لا ~~علم لهم أصلا، فكيف يدعون ما يدعون من الإلهية والكبرياء على من يكون ~~الله معه. # ولما استقر الحال، على هذا المنوال، علم أنه ليس بعده إلا الخير ~~والإقبال، والعز بتبني فرعون له والجلال، فترك ما بينه وبين السن الصالح ~~للإرسال، وقال مخبرا عما بعد ذلك من الأحوال: { ولما بلغ أشده } أي ~~مجامع قواه وكمالاته { واستوى } أي اعتدل في السن وتم استحكامه بانتهاء ~~الشباب، وهو من العمر ما بين إحدى وعشرين سنة إلى اثنتين وأربعين، فتم ~~بسبب ذلك في الخلال الصالحة التي طبعناه عليها؛ وقال الرازي: قال الجنيد: ~~لما تكامل عقله، وصحت بصيرته، وصلحت نحيرته، وآن أوان خطابه - أنتهى. أي ~~وصار إلى الحد الذي لا يزاد الإنسان بعده غريزة من الغرائز لم تكن فيه ~~أيام الشباب، بل لا يبقى بعد ذلك إلا الوقوف ثم النقصان { آتيناه } أي ~~خرقا للعادة أسوة إخوانه من الأنبياء ابتداء غرائز منحناه إياها من غير ~~اكتساب أصلا { حكما } أي عملا محكما بالعلم { وعلما } أي مؤيدا ~~بالحكمة، تهيئة لنبوته، وإرهاصا لرسالته، جزيناه بذلك على ما طبعناه ~~عليه من الإحسان، فضلا منا ومنه، واختار الله سبحانه هذا السن للإرسال ~~ليكون - كما أشير إليه - من جملة الخوارق، لأنه يكون به ابتداء الانتكاس ~~الذي قال الله تعالى فيه { ومن نعمره - أي إلى اكتمال سن الشباب - ننكسه ~~في الخلق } أي نوقفه، فلا يزاد بعد ذلك في قواه الظاهرة ولا الباطنة شيء، ~~ولا توجد فيه غريزة لم تكن موجودة أصلا عشر سنين، ثم يأخذ في النقصان - ~~هذه عادة الله في جميع بني آدم إلا الأنبياء، فإنهم في حد الوقوف يؤتون ~~من بحار العلوم ما يقصر عنه الوصف بغير اكتساب، بل غريزة يغرزها الله ~~فيهم حينئذ، ويؤتون من قوة الأبدان أيضا بمقدار ذلك، ففي وقت انتكاس ~~غيرهم يكون نموهم، وكذا من ألحقه الله بهم من صالحي أتباعهم، وسيأتي إن ~~شاء الله تعالى في سورة يس من تمام هذا المعنى ما يفتح الله به لمن تأمله ~~أبوابا من العلم، ولذلك قال الله تعالى ms3392 عاطفا على ما تقديره: فعلنا به ~~ذلك وبأمه جزاء لهما على إحسانهما في إخلاصهما فيما يفعلانه اعتمادا على ~~الله وحده من غير أدنى التفات إلى ما سواه: { وكذلك } أي ومثل هذا الجزاء ~~العظيم { نجزي المحسنين* } أي كلهم. ### || [28.15-19] # ولما أخبر، بتهيئه لنبوته، أخبر بما هو سبب لهجرته، وكأنها سنت بعد ~~إبراهيم عليه الصلاة والسلام فقال: { ودخل المدينة } أي مدينة فرعون ~~آتيا من قصره، لأنه كان عنده بمنزلة الولد، قال ابن جرير: وهي مدينة منف ~~من مصر، وقال البغوي: وقيل: عين الشمس. وقيل غير ذلك { على حين غفلة } ~~قبل بعيد: وقيل بغير ذلك { من أهلها } أي إحكاما لما جعلناه سببا ~~لنقلته منها طهارة من عشرة القوم الظالمين { فوجد فيها } أي المدينة { ~~رجلين يقتتلان } أي يفعلان مقدمات القتل من الملازمة مع الخنق والضرب، ~~وهما إسرائيلي وقبطي، ولذا قال مجيبا لمن كأنه يسأل عنهما وهو ينظر ~~إليهما: { هذا من شيعته } أي من بني إسرائيل قومه { وهذا من عدوه } أي ~~القبط، وكان قد حصل لبني إسرائيل به عز لكونه ربيب الملك، مع أن مرضعته ~~منهم، لا يظنون أن سبب ذلك الرضاع { فاستغاثه } أي طلب منه { الذي من ~~شيعته } أن يغيثه { على الذي من عدوه فوكزه } أي فأجابه { موسى } فركز أي ~~فطعن ودفع بيده العدو أو ضربه بجميع كفه، وكأنه كالكم، أو دفعه بأطراف ~~أصابعه، وهو رجل أيد لم يعط أحد من أهل ذلك الزمان مثل ما أعطي من القوى ~~الذاتية والمعنوية { فقضى } أي فأوقع القضاء الذي هو القضاء على الحقيقة، ~~وهو الموت الذي لا ينجو منه بشر { عليه } فقتله وفرغ منه وكل شيء فرغت ~~منه فقد قضيته وقضيت عليه وخفي هذا على الناس لما هم فيه من الغفلة، فلم ~~يشعر به أحد منهم. # ولما كان كأنه قيل: إن هذا الأمر عظيم، فما ترتب عليه من قول من أوتي ~~حكما وعلما؟ أجيب بالإخبار عنه بأنه ندم عليه في الحال بقوله: { قال } ~~أي موسى عليه السلام: { هذا } أي الفعل الذي جرك إليه الإسرائيلي { من ~~عمل الشيطان ms3393 } أي لأني لم أومر به على الخصوص، ولم يكن من قصدي وإن كان ~~المقتول كافرا؛ ثم أخبر عن حال الشيطان بما هو عالم به، مؤكدا له حملا ~~لنفسه على شدة الاحتراس والحذر منه فقال: { إنه عدو } ومع كونه عدوا ~~ينبغي الحذر منه فهو { مضل } لا يقود إلى خير أصلا، ومع ذلك فهو { مبين* ~~} أي عداوته وإضلاله في غاية البيان، ما في شيء منهما خفاء. # ولما كان هذا الكافر ليس فيه شيء غير الندم لكونه صلى الله عليه وسلم لم ~~يأته في قتله إذن خاص، وكان قد أخبر عنه بالندم، تشوفت أنفس البصراء إلى ~~الاستغفار عنه، علما منهم بأن عادة الأنبياء وأهل الدرجات العلية ~~استعظام الهفوات، فأجيبوا بالإخبار عن مبادرته إلى ذلك بقوله: { قال } ~~وأسقط أداة النداء، على عادة أهل الاصطفاء، فقال: { رب } أي أيها المحسن ~~إلي. # ولما كان حال المقدم على شيء دالة على إرادته فاستحسانه إياه، أكد قوله ~~إعلاما بأن باطنه على غير ما دل عليه ظاهرة فقال: { إني ظلمت نفسي } أي ~~بالإقدام على ما لم يتقدم إلي فيه إذن بالخصوص وإن كان مباحا. # ولما كان المقرب قد يعد حسنة غيره سيئته، قال مسببا عن ذلك: { فاغفر } ~~أي امح هذه الهفوة عينها وأثرها { لي } أي لأجلي لا تؤاخذني { فغفر } أي ~~أوقع المحو لذلك كما سأل إكراما { له } ثم علل ذلك بقوله مشيرا إلى أن ~~صفة غيره عدم بالنسبة إلى صفته مؤكدا لذلك: { إنه هو } أي وحده { الغفور ~~} أي البالغ في صفة الستر لكل من يريد { الرحيم* } أي العظيم الرحمة ~~بالإحسان بالتوفيق إلى الأفعال المرضية لمقام الإلهية، ولأجل أن هذه ~~صفته، رده إلى فرعون وقومه حين أرسله إليهم فلم يقدروا على مؤاخذته بذلك ~~بقصاص ولا غيره بعد أن نجاه منهم قبل الرسالة على غير قياس. # ولما أنعم عليه سبحانه بالإجابة إلى سؤله، تشوف السامع إلى شكره عليها ~~فأجيب بقوله: { قال رب } أي أيها المحسن إلي بكل جميل. ولما كان جعل ~~الشيء عوضا لشيء أثبت له وأجدر بإمضاء العزم عليه قال: ms3394 { بما أنعمت علي ~~} أي بسبب إنعامك علي بالمغفرة وغيرها. ولما كان في سياق التعظيم ~~للنعمة، كرر حرف السبب تأكيدا للكلام، وتعريفا أن المقرون به مسبب عن ~~الإنعام، وقرنه بأداة النفي الدالة على التأكيد فقال: { فلن أكون ظهيرا ~~} أي عشيرا أو خليطا أو معينا { للمجرمين* } أي القاطعين لما أمر الله ~~به أن يوصل، أي لا أكون بين ظهراني القبط، فإن فسادهم كثير، وظلمهم ~~لعبادك أبناء أوليائك متواصل وكبير، لا قدرة لي على ترك نصرتهم، وذلك يجر ~~إلى أمثال هذه الفعلة، فلا أصلح من المهاجرة لهم، وهذا من قول العرب: ~~جاءنا في ظهرته - بالضم وبالكسر وبالتحريك، وظاهرته، أي عشيرته. # ولما ذكر القتل وأتبعه ما هو الأهم من أمره بالنظر إلى الآخرة، ذكر ما ~~تسبب عنه من أحوال الدنيا فقال: { فأصبح } أي موسى عليه الصلاة والسلام { ~~في المدينة } أي التي قتل القتيل فيها { خائفا } أي بسبب قتله له { ~~يترقب } أي لازم الخوف كثير الالتفات برقبته ذعرا من طارقة تطرقه في ~~ذلك، قال البغوي: والترقب: انتظار المكروه. { فإذا } أي ففجئه { الذي ~~استنصره } أي طلب نصرته من شيعته { بالأمس } أي اليوم الذي يلي يوم ~~الاستصراخ من قبله { يستصرخه } أي يطلب ما يزيل ما يصرخ بسببه من الضر من ~~قبطي آخر كان يظلمه، فكأنه قيل: فما قال له موسى بعدما أوقعه فيما يكره؟ ~~فقيل: { قال له } أي لهذا المستصرخ { موسى }. # ولما كان الحال متقضيا أن ذلك الإسرائيلي يمكث مدة لا يخاصم أحدا ~~خوفا من جريرة ذلك القتيل، أكد قوله: { إنك لغوي } أي صاحب ضلال بالغ { ~~مبين* } أي واضح الضلال غير خفيه، لكون ما وقع بالأمس لم يكفك عن الخصومة ~~لمن لا تطيقه وإن كنت مظلوما؛ ثم دنا منهما لينصره؛ ثم قال مشيرا ~~بالفاء إلى المبادرة إلى إصراخه: { فلما } وأثبت الحرف الذي أصله المصدر ~~تأكيدا لمعنى الإرادة فقال: { أن أراد } أي شاء، وطلب وقصد مصدقا ذلك ~~بالمشي { أن يبطش } أي موسى عليه الصلاة والسلام { بالذي هو عدو لهما } ~~أي من القبط بأخذه بعنف وسطوة لخلاص الإسرائيلي منه ms3395 { قال } أي ~~الإسرائيلي الغوي لأجل ما رأى من غضبه وكلمه به من الكلام الغص ظانا أنه ~~ما دنا إلا يريد البطش به هو، لما أوقعه فيه لا بعدوه: { يا موسى } ناصا ~~عليه باسمه العلم دفعا لكل لبس منكر الفعلة الذي اعتقده لما رآه من دنوه ~~إليهما غضبان وهو يذمه { أتريد أن تقتلني } أي اليوم وأنا من شيعتك { كما ~~قتلت نفسا بالأمس } أي من شيعة أعدائنا، والذي دل على أن الإسرائيلي هو ~~الذي قال له هذا الكلام السياق بكون الكلام معه - بما أشير إليه بدخول ~~المدينة على حين غفلة من أنهم لم يره أحد غير الإسرائيلي، وبقوله { عدو ~~لهما } من ذم الإسرائيلي كما صرح به موسى عليه الصلاة والسلام. # ولما نم عليه وأفشى ما لا يعلمه غيره، خاف غائلته فزاد في الإغراء به. ~~مؤكدا بقوله: { إن } أي ما { تريد إلا أن تكون } أي كونا راسخا { ~~جبارا } أي قاهرا غالبا؛ قال أبو حيان: وشأن الجبار أن يقتل بغير حق. ~~{ في الأرض } أي التي تكون بها فلا يكون فوقك أحد { وما تريد } أي يتجدد ~~لك إرادة { أن تكون } أي بما هو لك كالجبلة { من المصلحين* } أي العريقين ~~في الصلاح، فإن المصلح بين الناس لا يصل إلى القتل على هذه الصورة، فلما ~~سمع الفرعوني هذا ترك الإسرائيلي، وكانوا - لما قتل ذلك القبطي - ظنوا في ~~بني إسرائيل، فأغروا فرعون بهم فقال: هل من بينة، فإن الملك وإن كان صفوة ~~مع قومه لا ينبغي له أن يقيد بغير بينة ولا ثبت - كما ذكر ذلك في حديث ~~المفتون الذي رواه أبو يعلى عن ابن عباس رضي الله عنهما، فلما قال هذا ~~الغوي هذه المقالة تحقق الأمر في موسى عليه الصلاة والسلام. ### || [28.20-24] # ولما كان تقدير الكلام الذي أرشد إليه السياق: فلما سمع الفرعوني قول ~~الإسرائيلي تركه. ثم رقي الكلام إلى أن ببغ فرعون فوقع الكلام في الأمر ~~بقتل موسى عليه الصلاة والسلام، عطف عليه قوله: { وجاء رجل } أي ممن يحب ~~موسى عليه الصلاة والسلام. ولما كان الأمر ms3396 مهما، يحتاج إلى مزيد عزم ~~وعظم قوة، قدم فاعل المجيء على متعلقه بخلاف ما في سورة يس. # ولما كان في بيان الاقتدار على الأمور الهائلة من الأخذ بالخناق حتى ~~يقول القائل: لا خلاص، ثم الإسعاف بالفرج حتى يقول: لا هلاك، قال واصفا ~~للرجل: { من أقصا المدينة } أي أبعدها مكانا، وبين أنه كان ماشيا ~~بقوله: { يسعى } ولكنه اختصر طريقا وأسرع في مشيه بحيث كان يعدو فسبقهم ~~بإعظامه للسعي وتجديد العزم في كل وقت من أوقات سعيه فكأنه قيل: ما فعل؟ ~~فقيل: { قال } مناديا له باسمه تعطفا وإزالة للبس: { يا موسى } وأكد ~~إشارة إلى أن الأمر قد دهم فلا يسع الوقت الاستفصال فقال: { إن الملأ } ~~أي أشراف القبط الذين في أيديهم الحل والعقد، لأن لهم القدرة على الأمر ~~والنهي { يأتمرون بك } أي يتشاورون بسببك، حتى وصل حالهم في تشاورهم إلى ~~أن كلا منهم يأمر الآخر ويأتمر بأمره، فكأنه قيل: لم يفعلون ذلك؟ فقيل: ~~{ ليقتلوك } لأنهم سمعوا أنك قتلت صاحبهم { فاخرج } أي من هذه المدينة؛ ~~ثم علل ذلك بقوله على سبيل التأكيد ليزيل ما يطرق من احتمال عدم القتل ~~لكونه عزيزا عند الملك: { إني لك } أي خاصة { من الناصحين* } أي ~~العريقين في نصحك { فخرج } أي موسى عليه الصلاة والسلام مبادرا { منها } ~~أي المدينة لما علم من صدق قوله مما حفه من القرائن، حال كونه { خائفا ~~} على نفسه من آل فرعون { يترقب } أي يكثر الالتفات بإدراة رقبته في ~~الجهات ينظر هل يتبعه أحد؛ ثم وصل به على طريق الاستئناف قوله: { قال } ~~أي موسى عليه الصلاة والسلام: { رب } أي أيها المحسن إلي بالإيجاد ~~والتربية وغير ذلك من وجوه البر { نجني } أي خلصني، مشتق من النجوة، وهو ~~المكان العالي الذي لا يصل إليه كل أحد { من القوم الظالمين* } أي الذين ~~يضعون الأمور في غير مواضعها فيقتلون من لا يستحق القتل مع قوتهم، ~~فاستجاب الله له فوفقه لسلوك الطريق الأعظم نحو مدين، فكان ذلك سبب ~~نجاته، وذلك أن الذين انتدبوا إليه قطعوا بأنه لا يسلك الطريق الأكبر، ms3397 ~~جريا على عادة الخائفين الهاربين في المشي عسافا، أو سلوك ثنيات الطريق ~~فانثنوا فيما ظنوه يمينا وشمالا ففاتهم. # ولما دعا بهذا الدعاء، أعلم الله تعالى باستجابته منه مخبرا بجهة قصده ~~زيادة في الإفادة فقال: { ولما } أي فاستجاب الله دعاءه فنجاه منهم ووجهه ~~إلى مدين ولما { توجه } أي أقبل بوجهه قاصدا { تلقاء } أي الطريق الذي ~~يلاقي سالكه أرض { مدين } مدينة نبي الله شعيب عليه الصلاة والسلام ~~متوجها بقلبه إلى ربه { قال } أي لكونه لا يعرف الطريق: { عسى } أي خليق ~~وجدير وحقيق. # ولما كانت عنايته بالله أتم لما له من عظيم المراقبة، قال مقدما له: { ~~ربي } أي المحسن إلي بعظيم التربية في الأمور المهلكة { أن يهديني سواء ~~} أي عدل ووسط { السبيل* } وهو الطريق الذي يطلعه عليها من غير اعوجاج. # ولما كان التقدير: فوصل إلى المدينة، بنى عليه قوله: { ولما ورد } أي ~~حضر موسى عليه الصلاة والسلام حضور من يشرب { ماء مدين } أي الذي يستقي ~~منها الرعاء { وجد عليه } أي على الماء { أمة } أي جماعة كثيرة هم أهل ~~لأن يقصدوا ويقصدوا، فلذلك هم عالون غالبون على الماء؛ ثم بين نوعهم ~~بقوله: { من الناس } وبين عملهم أيضا بقوله: { يسقون* } أي مواشيهم، ~~وحذف المفعول لأنه غير مراد، والمراد الفعل، وكذا ما بعده فإن رحمته عليه ~~الصلاة والسلام لم تكن لكون المذود والمسقي غنما بل مطلق الذياد وترك ~~السقي { ووجد من دونهم } أي وجدانا مبتدئا من أدنى مكان من مكانهم ~~الآتي إلى الماء { امرأتين } عبر بذلك لما جعل لهما سبحانه من المروءة ~~ومكارم الأخلاق كما يعلمه من أمعن النظر فيما يذكر عنها { تذودان } أي ~~توجدان الذود، وهو الكف والمنع والطرد وارتكاب أخف الضررين، فتكفان ~~أغنامهما إذا نزعت من العطش إلى الملأ لئلا تخلط بغنم الناس. # ولما كان هذا حالا موجبا للسؤال عنه، كان كأنه قيل: فما قال لهما؟ ~~قيل: { قال } أي موسى عليه الصلاة والسلام رحمة لهما: { ما خطبكما } أي ~~خبركما ومخطوبكما أي مطلوبكما، وهوكالتعبير بالشأن عن المشؤون الذي يستحق ~~أن يقع فيه التخاطب لعظمه، في ms3398 ذيادكما لأغنامكما عن السقي؛ قال أبو حيان: ~~والسؤال بالخطب إنما يكون في مصاب أو مضطهد. # ولما كان من المعلوم أن سؤاله عن العلة { قالتا } أي اعتذارا عن حالهما ~~ذلك؛ وتلويحا باحتياجهما إلى المساعدة: { لا } أي خبرنا أنا لا { نسقي } ~~أي مواشينا، وحذفه للعلم به { حتى يصدر } أي ينصرف ويرجع { الرعاء } أي ~~عن الماء لئلا يخالطهم - هذا على قراءة أبي عمرو وابن عامر بفتح الياء ~~وضم الدال ثلاثيا، والمعنى على قراءة الباقين بالضم والكسر: يوجدوا الرد ~~والصرف. # ولما كان التقدير: لأنا من النساء، وكان المقام يقتضي لصغر سنهما أن ~~لهما أبا، وأن لا إخوة لهما وإلا لكفوهما ذلك، عطفتا على هذا المقدر ~~قولهما: { وأبونا شيخ كبير* } أي لا يستطيع لكبره أن يسقي، فاضطررنا إلى ~~ما ترى، وهذا اعتذار أيضا عن كون أبيهما أرسلهما لذلك لأنه ليس بمحظور، ~~فلا يأباه الدين، والناس مختلفون في ذلك بحسب المروءة، وعاداتهم فيها ~~متباينة وأحوال العرب والبدو تباين أحوال العجم والحضر، لا سيما إذا دعت ~~إلى ذلك ضرورة { فسقى } أي موسى عليه الصلاة والسلام { لهما } لما علم ~~ضرورتهما، انتهازا لفرصة الأجر وكرم الخلق في مساعدة الضعيف، مع ما به ~~من النصب والجوع { ثم تولى } أي انصرف موسى عليه الصلاة والسلام جاعلا ~~ظهره يلي ما كان يليه وجهه { إلى الظل } أي ليقيل تحته ويستريح، مقبلا ~~على الخالق بعد ما قضى من نصيحة الخلائق، وعرفه لوقوع العلم بأن بقعة لا ~~تكاد تخلو من شيء له ظل ولا سيما أماكن المياه { فقال } لأنه ليس في ~~الشكوى إلى المولى العلي الغني المطلق نقص { رب }. # ولما كان حاله في عظيم صبره حاله من لا يطلب، أكد سؤاله إعلاما بشديد ~~تشوقه لما سأل فيه وزيادة في التضرع والرقة، فقال: { إني } ولأكد ~~الافتقار بالإلصاق باللام دون " إلى " فقال: { لما } أي لأي شيء. ولما ~~كان الرزق الآتي إلى الإنسان مسببا عن القضاء الآتي عن العلي الكبير، ~~عبر بالإنزال وعبر بالماضي تعميما لحالة الافتقار، وتحققا لإنجاز الوعد ~~بالرزق فقال: { أنزلت } ولعله حذف العائد اختصارا لما ms3399 به من الإعياء { ~~إلي من خير } أي ولو قل { فقير* } أي مضرور، عن ابن عباس رضي الله تعالى ~~عنهما أنه كان قد بلغ من الضر أن اخضر بطنه من أكل البقل وضعف حتى لصق ~~بطنه بظهره. فانظر إلى هذين النبيين عليهما الصلاة والسلام في حالهما في ~~ذات يدهما، وهما خلاصة ذلك الزمان، ليكون لك في ذلك أسوة، وتجعله إماما ~~وقدوة، وتقول: يا بأبي وأمي! ما لقي الأنبياء والصالحون من الضيق ~~والأهوال في سجن الدنيا، صونا لهم منها وإكراما من ربهم عنها، رغعة ~~لدرجاتهم عنده، واستهانة لها وإن ظنه الجاهل المغرور على غير ذلك، وفي ~~القصة ترغيب في الخير، وحث على المعاونة على البر، وبعث على بذل المعروف ~~مع الجهد. ### || [28.25-28] # ولما كان سماعهما لقوله هذا مع إحسانه إليهما سببا لدعاء شعيب عليه ~~الصلاة والسلام له، قال بانيا على ما تقديره: فذهبت المرأتان إلى أبيهما ~~فحدثتاه بخبرهما و بإحسانه إليهما، فأمر بدعائه ليكافئه: { فجاءته } أي ~~بسبب قول الأب وعلى الفور { إحداهما } أي المرأتين حال كونها { تمشي } ~~ولما كان الحياء كأنه مركب لها وهي متمكنة منه، مالكة لزمامه، عبر بأداة ~~الاستعلاء فقال: { على استحياء } أي حياء موجود منها لأنها كلفت الإتيان ~~إلى رجل أجنبي تكلمه وتماشيه؛ ثم استأنف الإخبار عما تشوف إليه السامع من ~~أمرها فقال: { قالت } وأكدت إعلاما بما لأبيها من الرغبة إلى لقائه في ~~قولها: { إن أبي } وصورت حاله بالمضارع فقالت: { يدعوك ليجزيك } أي يعطيك ~~مكافأة لك، لأن المكافأة من شيم الكرام، وقبولها لا غضاضة فيه { أجر ما ~~سقيت لنا } أي مواشينا، فأسرع الإجابة لما بينهما من الملاءمة، ولذلك ~~قال: { فلما } بالفاء { جاءه } أي موسى شعيبا عليهما الصلاة والسلام { ~~وقص } أي موسى عليه الصلاة والسلام { عليه } أي شعيب عليه الصلاة والسلام ~~{ القصص* } أي حدثه حديثه مع فرعون وآله في كفرهم وطغيانهم وإذلالهم ~~لعباد الله، وتتبع له الأمور على ما هي عليه لما توسم فيه بما آتاه اله ~~من الحكم والعلم من النصيحة والشفقة، والعلم والحكمة، والجلال والعظمة. # ولما كان من ms3400 المعلوم أنه لا عيشة لخائف، فكان أهم ما إلى الإنسان ~~الأمان، قدم له التأمين بأن { قال } أي شعيب له عليهما الصلاة والسلام: { ~~لا تخف } أي فإن فرعون لا سلطان له على ما ههنا، ولأن عادة الله تعالى ~~جرت أن تواضعك هذا ما كان في أحد إلا قضى الله برفعته، ولذلك كانت ~~النتيجة: { نجوت } أي يا موسى { من القوم الظالمين* } أي هو و غيره وإن ~~كانوا في غاية القوة والعراقة في الظلم. # ولما اقتضى هذا القول أنه آواه إليه، علمت انتباه مضمونه، وكانتا قد ~~رأتا من كفايته وديانته ما يرغب في عشرته، فتشوفت النفس إلى حالهما ~~حينئذ، فقال مستأنفا لذلك: { قالت إحداهما } أي المرأتين. قيل: وهي التي ~~دعته إلى أبيها مشيرة بالنداء بأداة البعد إلى استصغارها لنفسها وجلالة ~~أبيها: { يا أبت استأجره } ليكفينا ما يهمنا؛ ثم عللت قولها فقالت مؤكدة ~~إظهارا لرغبتها في الخير واغتباطها به: { إن خير من استأجرت } لشيء من ~~الأشياء { القوي } وهو هذا لما رأيناه من قوته في السقي { الأمين* } لما ~~تفرسنا فيه من حيائه، وعفته في نظره ومقاله وفعاله، وسائر أحواله؛ قال ~~أبو حيان: وقولها قول حكيم جامع، لأنه إذا اجتمعت الأمانة والكفاية في ~~القائم بأمر فقد تم المقصود. { قال } أي شعيب عليه الصلاة والسلام، وهو ~~في التوراة يسمى: رعوئيل - بفتح الراء وضم العين المهملة وإسكان الواو ثم ~~همزة مكسورة بعدها تحتانية ساكنة ولام، ويثرو - بفتح التحتانية وإسكان ~~المثلثة وضم الراء المهملة وإسكان الواو { إني أريد } يا موسى، والتأكيد ~~لأجل أن الغريب قل ما يرغب فيه أول ما يقدم لا سيما من الرؤساء أتم ~~الرغبة { أن أنكحك } أي أزوجك زواجا، تكون وصلته كوصلة أحد الحنكين ~~بالآخر { إحدى ابنتي }. # ولما كان يجوز أن يكون المنكح منهما غير المسقي لهما، نفى ذلك بقوله: { ~~هاتين } أي الحاضرتين اللتين سقيت لهما، ليتأملهما فينظر من يقع اختياره ~~عليها منهما ليعقد له عليها { على أن تأجرني } أي تجعل نفسك أجيرا عندي ~~أو تجعل أجري على ذلك وثوابي { ثماني حجج } جمع حجة - بالكسر، أي ms3401 سنين، ~~أي العمل فيها بأن تكون أجيرا لي أستعملك فيما ينوبني من رعية الغنم ~~وغيرها، وآجره - بالمد والقصر، من الأجر والإيجار، وكذلك أجر الأجير ~~والمملوك وآجره: أعطاهما أجرهما { فإن أتممت } أي الثماني ببلوغ العقد ~~بأن تجعلها { عشرا } أي عشر سنين { فمن } أي فذلك فضل من { عندك } غير ~~واجب عليك، وكان تعيين الثماني لأنها - إذا أسقطت منها مدة الحمل - أقل ~~سن يميز فيه الولد غالبا، والعشر أقل ما يمكن فيه البلوغ، لينظر سبطه إن ~~قدر فيتوسم فيه بما يرى من قوله وفعله، والتعبير بما هو من الحج الذي هو ~~القصد تفاؤلا بأنها تكون من طيبها بمتابعة أمر الله وسعة رزقه وإفاضة ~~نعمه ودفع نقمه أهلا لأن تقصد أو يكون فيها الحج في كل واحدة منها إلى ~~بيت الله الحرام. # ولما ذكر له هذا، أراد أن يعلمه أن الأمر بعد الشرط بينهما على المسامحة ~~فقال: { وما أريد أن أشق عليك } أي أدخل عليك مشقة في شيء من ذلك ولا ~~غيره لازم أو غير لازم؛ ثم أكد معنى المساهلة بتأكيد وعد الملاءمة فقال: ~~{ ستجدني } ثم استثنى على قاعدة أولياء الله وأنبيائه في المراقبة على ~~سبيل التنزل فقال: { إن شاء الله } أي الذي له جميع الأمر { من الصالحين* ~~} أي في حسن الصحبة والوفاء بما قلت وكل ما تريد من خير { قال } أي موسى ~~عليه السلام { ذلك } أي الذي ذكرت من الخيار وغيره { بيني وبينك } أي ~~كائن بيننا على حكم النصفة والعدل والسواء على ما ألزمتني به لازما، وما ~~أشرت إلى التفضل به إحسانا، وعليك ما ألزمت به نفسك فرضا وفضلا؛ ثم ~~بين وفسر ذلك بقوله: { أيما الأجلين } أي أي أجل منهما: الثماني أو ~~العشر { قضيت } أي عملت العمل المشروط علي فيه خرجت به من العهدة { فلا ~~عدوان } أي اعتداء بسبب ذلك لك ولا لأحد { علي } أي في طلب أكثر منه لأنه ~~كما لا تجب على الزيادة على العشر لا تجب علي الزيادة على الثمان، وكأنه ~~أشار بنفي صيغة المبالغة إلى أنه لا يؤاخذ لسعة ms3402 صدره وطهارة أخلاقه بمطلق ~~العدو { والله } أي الملك الأعظم { على ما نقول } أي كله في هذا الوقت ~~وغيره { وكيل* } أي شاهد وحفيظ قاهر عليه وملزم به في الدنيا والآخرة، ~~فما الظن بما وقع بيننا من العهد من النكاح والأجر والأجل. ### || [28.29-32] # ذكر المضمون هذا من التوراة: قال في أول السفر الثاني منها: وهذه أسماء ~~بني إسرائيل الذين دخلوا مصر مع يعقوب عليه السلام، دخل كل امرىء وأهل ~~بيته روبيل وشمعون ولاوي ويهوذا وإيساخار وزيلون وبنيامين ودان ونفتالي ~~وجاد وأشير، وكان عدد ولد يعقوب الذين خرجوا من صلبه سبعين نفسا مع يوسف ~~عليه الصلاة والسلام الذي كان بمصر، فتوفي يوسف وجميع إخواته وجميع ذلك ~~الحقب، وبنو إسرائيل نموا وولدوا وكثروا واعتزوا جدا جدا، وامتلأت ~~الأرض منهم، فملك على مصر ملك جديد لم يكن يعرف يوسف فقال لشعبه: هذا شعب ~~بني إسرائيل قد كثر عددهم فهم أكثر وأعز منا، هلموا نحتال لهم قبل أن ~~يكثروا، لعل أعداءنا يأتونا يقاتلونا فيكونوا عونا، لأعدائنا علينا ~~فيخرجونا من الأرض، فولى عليهم ولاة ذوي فظاظة وقساوة ليتعبدوهم، وجعلوا ~~يبنون قرى لأجران فرعون واهرائه وفي نسخة: وبنوا لفرعون مدنا محصنة ~~فيسترم في الفيوم وفي عين شمس، وفي نسخة: فيثوم ورعمسيس، وفي نسخة: ~~وأكوان التي هي مدينة الشمس، واشتد تعبدهم لهم، وذلهم أياهم، وكانوا ~~يزدادون كثرة ويعتزون، فاشتد غمهم وحزنهم بسبب بني إسرائيل، وكان ~~المصريون يتعبدون بني إسرائيل بشدة وقساوة، ويمرون حياتهم بالكد والتعب ~~الصعب الشديد بالطين وعمل اللبن وفي كل عمل الحقل، وكان تعبدهم إياهم في ~~جميع ما استعملوهم بالشدة والفظاظة والقسوة، فقال ملك مصر: وجعلنا لقوابل ~~العبرانيات التي تسمى إحداهما فوعا والأخرى شوفرا، وأمرهما: إذا أنتما ~~قبلتما العبرانيات فانظرا إذا سقط الولد، فإن كان ذكرا فاقتلاه، وإن ~~كانت أنثى فاستبقياها فاتقت القابلتان الله ولم يفعلا ما أمرهما به ملك ~~مصر، وجعلتا تستحييان الغلمان، فدعا ملك مصر القابلتين وقال لهما؟ ما ~~بالكما؟ جاوزتما أمري وأحييتما الغلمان؟ فقالتا لفرعون: إن العبرانيات ~~لسن كالمصريات لأنهن قوابل، ويلدن قبل أن ms3403 تدخل القابلة عليهن، فأحسن الله ~~إلى القابلتين لصنعهما هذا، فكثر الشعب وعز جدا، فلما اتقت القابلتان ~~الله أنماهما وجعل لهما بنين، وفي نسخة: بيوتا، فأمر فرعون جميع قومه ~~قائلا: كل غلام يولد لهم فألقوه في النهر، وكل جارية تولد فاستبقوها، ~~فانطلق رجل من آل لاوي فتزوج إحدى بنات لاوي، فحبلت المرأة فولدت ابنا ~~فرأته حسنا جدا، فغيبته ثلاثة أشهر ولم تقدر أن تغيبه أكثر من ذلك، ~~فأخذت تابوتا من خشب الصنوبر، وطلته بالقار والزفت ووضعت فيه الغلام ~~ووضعته في الضحضاح على شاطىء النهر، وقامت أخته من بعيد لتنظر ما يكون من ~~أمره، فخرجت بنت فرعون تغتسل في النهر، فنظرت إلى التابوت في المخاضة، ~~فأرسلت جواريها فأتوا به ففتحته فرأت الغلام، فإذا هو يبكي فرحمته، ~~وقالت: هذا من بني العبرانيين، فقالت أخته لابنة فرعون: هل لك أن أنطلق ~~أدعو لك ظئرا من العبرانيات فترضع هذا الغلام؟ فقالت لها ابنة فرعون: ~~نعم! انطلقي، فانطلقت الفتاة ودعت أم الغلام، فقالت لها ابنة فرعون: خذي ~~هذا الصبي فأرضعيه وأنا أعطيك أجرتك، فأخذت المرأة الغلام فأرضعته فشب ~~الغلام فأتت به إلى ابنة فرعون فتبنته، وسمته موسى لأنها قالت: إني ~~انتشلته من الماء. # فلما كان بعد تلك الأيام نشأ موسى عليه السلام وخرج إلى إخوته فنظر إلى ~~ذلهم، فرأى رجلا مصريا يضرب رجلا عبرانيا من إخوته من بني إسرائيل، ~~فالتفت يمينا وشمالا فلم ير أحدا فقتل المصري، فمات ودفنه في الرمل، ~~ثم خرج يوما آخر فإذا هو برجلين عبرانيين يصطحبان، فقال للمسيء منهما: ~~ما بالك؟ تضرب أخاك؟ فقال له: من جعلك علينا رئيسا وحاكما؟ لعلك تريد ~~أن تقتلني كما قتلت المصري أمس؟ ففرق موسى وقال: حقا لقد فشا هذا الأمر، ~~فبلغ فرعون الأمر وأراد موسى، فهرب موسى من فرعون وانطلق إلى أرض مدين، ~~وجلس على طوي الماء، وكان لحبر مدين سبع بنات، فكن يأتين فيدلن الماء ~~فيملأن الحياض ليسقين غنم أبيهن، وكان الرعاة يأتون فيطردونهن، فقام موسى ~~فخلصهن وأسقى غنمهن، فأتين إلى رعوئيل أبيهن فقال لهن: ms3404 ما بالكن؟ أسرعتن ~~السقي اليوم؟ فقلن له: رجل مصري خلصنا من أيدي الرعاة، فاستقى لنا الماء، ~~وسقى غنمنا، فقال لبناته: وأين هو؟ لم تركتن الرجل، انطلقن وادعونه فيأكل ~~عندنا خبزا، ففعلن ذلك، فأعجب موسى أن ينزل على ذلك الرجل فزوجه صفورا ~~ابنته فتزوجها فولدت له ابنا فسماه جرشون، لأنه قال: إني صرت ساكنا في ~~أرض غريبة. وولدت لموسى ابنا آخر، فسماه اليعازار، لأنه قال: إن إله ~~آبائي خلصني من حرب فرعون. وقوله: إن المتخاصمين في اليوم الثاني ~~عبرانيان، إن أمكن تنزيل ما في القرآن عليه فذاك، وإلا فهو مما بدلوه، ~~وقوله: إن بنات شعيب سبع لا يخالف ما في القرآن الكريم، بل أيده الزمخشري ~~بتعيينهما بقوله " هاتين " لكن تقدم ما يشير إلى أن ذلك غير لازم. # ولما كان من المعلوم أن التقدير: فلما التزم موسى عليه السلام زوجه ~~ابنته كما شرط، واستمر عنده حتى قضى ما عليه، بنى عليه قوله: { فلما قضى ~~} أي وفى وأتم، ونهى وأنفذ { موسى } صاحبه { الأجل } أي الأوفى وهو ~~العشر، بأن وفى جميع ما شرط عليه من العمل، فإنه ورد أنه قضى من الأجلين ~~أوفاهما، وتزوج من المرأتين صغراهما، وهي التي جاءت فقالت: يا أبت ~~استأجره روى الطبراني في الأوسط معناه عن أبي ذر رضي الله عنه مرفوعا، ~~والظاهر أنه مكث عنده بعد الأجل أيضا مدة، لأنه عطف بالواو قوله: { وسار ~~} ولم يجعله جوابا للما { بأهله } أي امرأة راجعا إلى أقاربه بمصر { ~~آنس } أي أبصر { من جانب الطور نارا } آنسته رؤيتها وشرحته إنارتها، ~~وكان مضرورا إلى الدلالة على الطريق والاصطلاء بالنار. # ولما كان كأنه قيل: ماذا فعل عندما أبصرها قيل: { قال لأهله } ولما كان ~~النساء أعظم ما ينبغي ستره، أطلق عليها ضمير الذكور فقال: { امكثوا } وإن ~~كان معه بنين له فهو على التغليب، ثم علل ذلك بقوله مؤكدا، لاستبعاد أن ~~يكون في ذلك المكان القفر وفي ذلك الوقت الشديد البرد نار: { إني آنست ~~نارا } فكأنه قيل: فماذا تعمل بها؟ فقال معبرا بالترجي لأنه أليق ~~بالتواضع الذي ms3405 هو مقصود السورة، وهو الحقيقة في إدراك الآدميين في مثل ~~هذا، ولذا عبر بالجذوة التي مدار مادتها الثبات: { لعلي آتيكم منها } أي ~~من عندها { بخبر } ينفعنا في الدلالة على المقصد { أو جذوة } أي عود غليظ ~~{ من النار } أي متمكنة منه هذه الحقيقة أو التي تقدم ذكرها؛ ثم استأنف ~~قوله { لعلكم تصطلون* } أي لتكونوا على رجاء من أن تقربوا من النار ~~فتنعطفوا عليها لتدفؤوا، وهذا دليل على أن الوقت كان شتاء { فلما أتاها } ~~أي النار. # ولما كان آخر الكلام دالا دلالة واضحة على أن المنادي هو الله سبحانه، ~~بنى للمفعول قوله دالا على ما في أول الأمر من الخفاء: { نودي } ولما ~~كان نداؤه سبحانه لا يشبه نداء غيره بل يكون من جميع الجوانب، وكان مع ~~ذلك قد يكون لبعض المواضع مزيد تشريف بوصف من الأوصاف، إما بأن يكون أول ~~السماع منه أو غير ذلك أو يكون باعتبار كون موسى عليه الصلاة والسلام فيه ~~قال: { من } أي كائنا موسى عليه السلام بالقرب من { شاطئ } أي جانب { ~~الواد } عن يمين موسى عليه الصلاة والسلام، ولذلك قال: { الأيمن } وهو ~~صفة للشاطىء الكائن أو كائنا { في البقعة المباركة } كائنا أول أو معظم ~~النداء أو كائنا موسى عليه الصلاة والسلام قريبا { من الشجرة } كما ~~تقول: ناديت فلانا من بيته، ولعل الشجرة كانت كبيرة، فلما وصل إليها دخل ~~النور من طرفها إلى وسطها، فدخلها وراءه بحيث توسطها فسمع - وهو فيها - ~~الكلام من الله تعالى حقيقة، وهو المتكلم سبحانه لا الشجرة، قال القشيري: ~~ومحصل الإجماع أنه عليه الصلاة والسلام سمع تلك الليلة كلام الله، ولو ~~كان ذلك نداء الشجرة لكان المتكلم الشجرة، وقال التفتازاني شرح المقاصد ~~أن اختيار حجة الإسلام أنه سمع كلامه الأزلي بلا صوت ولا حرف كما ترى ~~ذاته في الآخرة، بلا كم ولا كيف، وتقدم في طه أن المراد ما إلى يمين ~~المتوجه من مصر إلى الكعبة المشرفة، والشجرة قال البغوي: قال ابن مسعود ~~رضي الله عنه: كانت سمرة خضراء تبرق، وقال قتادة ومقاتل والكلبي: ms3406 كانت ~~عوسجة، وقال وهب: من العليق، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: إنها العناب. ~~ثم ذكر المنادي بقوله: { أن يا موسى } وأكد لأنه سبحانه لعظمه يحتقر كل ~~أحد نفسه لأن يؤهله للكلام لا سيما والأمر في أوله فقال: { إني أنا الله ~~} أي المستجمع للأسماء الحسنى، والصفات العلى. # ولما كان هذا الاسم غيبا، تعرف بصفة هي مجمع الأفعال المشاهدة للإنسان ~~فقال: { رب العالمين* } أي خالق الخلائق أجمعين ومربيهم { وأن ألق عصاك } ~~أي لأريك فيها آية. # ولما كان التقدير: فألقاها فصارت في الحال حية عظيمة، وهي مع عظمها في ~~غاية الخفة، بنى عليه قوله: { فلما رآها } أي العصا { تهتز كأنها } أي في ~~سرعتها وخفتها { جان } أي حية صغيرة { ولى مدبرا } خوفا منها ولم ~~يلتفت إلى جهتها، وهو معنى قوله: { ولم يعقب } أي موسى عليه الصلاة ~~والسلام، وذلك كناية عن شدة التصميم على الهرب والإسراع فيه خوفا من ~~الإدراك في الطلب فقيل له: { يا موسى أقبل } أي التفت وتقدم إليها { ولا ~~تخف } ثم أكد له الأمر لما الآدمي مجبول عليه من النفرة وإن اعتقد صحة ~~الخبر بقوله: { إنك من الآمنين* } أي العريقين في الأمن كعادة إخوانك من ~~المرسلين؛ ثم زاد طمأنينته بقوله: { اسلك } أي ادخل على الاستقامة مع ~~الخفة والرشاقة { يدك في جيبك } أي القطع الذي في ثوبك وهو الذي تخرج منه ~~الرأس، أو هو الكم، كما يدخل السلك وهو الخيط الذي ينظم فيه الدرر، تنسلك ~~على لونها وما هي عليه من أثر الحريق الذي عجز فرعون عن مداواته، وأخرجها ~~{ تخرج بيضاء } أي بياضا عظيما يكون له شأن خارق للعادات { من غير سوء ~~} أي عيب من حريق أو غيره، فخرجت ولها شعاع كضوء الشمس، فالآية من ~~الاحتباك. # ولما كان ذلك لا يكون آية محققة لعدم العيب إلا بعودها بعد ذلك إلى لون ~~الجسد قال: { واضمم إليك } أي إلى جسدك. ولما كان السياق للتأمين من ~~الخوف، عبر بالجناح، لأن الطائر يكون آمنا عند ضم جناحه فقال: { جناحك } ~~أي يديك التي صارت بيضاء، والمراد بالجناح ms3407 في آية طه الإبط والجانب لأنه ~~لفظ مشترك { من الرهب } أي من خشية أن تظنها معيبة تخرج كما كانت قبل ~~بياضها في لون جسدك - هذا على أن المراد بالرهب الخوف الذي بهره فأوجب له ~~الهرب، ويجوز أن يكون المراد بالرهب الكم، فيكون إدخالها في الفتى - التي ~~ليست موضعها بل الرأس - للبياض، وإدخالها في الكم - الذي هو لها - ~~لرجوعها إلى عادتها، وفي البغوي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الله ~~تعالى أمره أن يضم يده إلى صدره فذهب عنه ما ناله من الخوف عند معاينة ~~الحية، وقال: وما من خائف بعد موسى عليه الصلاة والسلام إلا إذا وضع يده ~~على صدره زال خوفه. وأظهر بلفظ الجناح من غير إضمار تعظيما للمقام ~~وتنبيها على أن عودها إلى حالها الأول آية مستقلة، وعبر عنها بلفظ ~~الجناح تنبيها على الشكر بتعظيم نفعها. # ولما تم كونا آية بانقلابها إلى البياض ثم رجوعها إلى لونها قال: { ~~فذانك } أي العصي واليد البيضاء، وشدد أبو عمرو وابن كثير ورويس تقوية ~~لها لتعادل الأسماء المتمكنة، وذكر لزيادة التقوية { برهانان } أي ~~سلطانان وحجتان قاهرتان { من ربك } أي المحسن إليك لا يقدر على مثلهما ~~غيره { إلى } أي واصلان، أو أنت مرسل بهما إلى { فرعون وملئه } كلما أردت ~~ذلك وجدته، لا أنهما يكونان لك هنا في هذه الحفرة فقط، ثم علل الإرسال ~~إليهم على وجه إظهار الآيات لهم واستمرارها بقوله مؤكدا تنبيها على ان ~~إقدامه على الرجوع إليهم فعل من يظن أنهم رجعوا عن غيهم، وإعلاما بمنه ~~عليه بالحماية منهم بهذه البراهين: { إنهم كانوا } أي جبلة وطبعا { ~~قوما } أي أقوياء { فاسقين* } أي خارجين عن الطاعة، فإذا رأوا ذلك ~~هابوك، فلم يقدروا على الوصول إليك بسوء، وكنت في مقام أن تردهم عن ~~فسقهم. ### || [28.33-35] # ولما كان كأنه قيل: ما فعل بعد رؤية هذه الخوارق؟ قيل: ثبت، علما منه ~~بصعوبة المقام وخطر الأمر، فاشترط لنفسه حتى رضي، وتلك كانت عادته ثباتا ~~وحزما، وحلما وعلما، ألا ترى إلى ما فعل معنا عليه السلام والتحية ms3408 ~~والإكرام من الخير ليلة الإسراء في السؤال في تخفيف الصلاة، ولذلك كله { ~~قال رب } أي أيها المحسن إلي { إني } أكده لأن إرسال الله سبحانه له فعل ~~من لا يعتبر أن لهم عليه ترة، فذكر ذلك ليعلم وجه عدم اعتباره { قتلت ~~منهم } أي آل فرعون { نفسا } وأنت تعلم ما خرجت إلا هاربا منهم من ~~أجلها { فأخاف } إن باديتهم، بمثل ذلك { أن يقتلون* } لذنبي إليهم ووحدتي ~~وغربتي وثقل لساني في إقامة الحجج. # ولما تسبب عن ذلك طلب الإعانة بشخص فيه كفاية وله عليه شفقة، وكان أخوه ~~هارون أحق الناس بهذا الوصف، كان التقدير: فأرسل معي أخي هارون - إلى ~~آخره، غير أنه قدم ذكره اهتماما بشأنه فقال: { وأخي هارون } والظاهر أن ~~واوه للحال من ضمير موسى عليه الصلاة والسلام، أو عاطفة على مقول القول، ~~والمعنى أنه يخاف أن يفوت مقصود الرسالة إما بقتله أو لعدم بيانه، فاكتفى ~~بالتلويح في الكفاية من الأول، لأنه لا طاقة لأحد غير الله بها، وصرح بما ~~يكفي من الثاني، فكأن التقدير: إني أخاف أن يقتلون فيفوت المقصود، ولا ~~يحمني من ذلك إلا أنت، وإن لساني فيه عقدة، وأخي - إلى آخره؛ وزاد في ~~تعظيمه بضمير الفصل فقال: { هو أفصح مني لسانا } أي من جهة اللسان ~~للعقدة التي كانت حصلت له من وضع الجمرة في فيه وهو طفل في كفالة فرعون { ~~فأرسله } أي بسبب ذلك { معي ردءا } أي معينا، من ردأت فلانا بكذا، أي ~~جعلته له قوة وعاضدا، وردأت الحائط - إذا دعمته بخشب أو كبش يدفعه أن ~~يسقط؛ وقراءة نافع بغير همز من الزيادة. # ولما كان له عليه من العطف والشفقة ما يقصر الوصف عنه، نبه على ذلك ~~بإجابة السؤال بقوله: { يصدقني } أي بأن يلخص بفصاحته ما قتله وبينته، ~~ويقيم الأدلة عليه حتى يصير كالشمس وضوحا، فيكون - مع تصديقه لي بنفسه - ~~سببا في تصديق غيره لي؛ ورفعه عاصم وحمزة صفة لردءا. ثم علل سؤاله هذا، ~~وبين أنه هو المراد، لا أن يقول له: صدقت، فإن قوله لهذه اللفظة لا تعلق ms3409 ~~له بالفصاحة حتى يكون سببا للسؤال فيه، بقوله مؤكدا لأجل أن من كان ~~رسولا عن الله لا يظن به أن يخاف: { إني أخاف أن يكذبون* }. # ولما كان ما رأى من الأفعال، وسمع من الأقوال، مقتضيا للأمن من أن ~~يكذبوه، وكان عالما بما هم عليه من القساوة والكبر، أشار إلى ذلك ~~بالتأكيد، أي وإذا كذبوني عسرت علي المحاججة على ما هو عادة أهل الهمم ~~عند تمالؤ الخصوم على العناد، والإرسال موجب لكلام كثير وحجاج طويل، ~~وقريب من هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم لما أمره الله تعالى بإنذار ~~قومه # " إذن يثلغوا رأسي فيجعلوه خبزة " # وكأن مراد السادة القادة عليهم الصلاة والسلام والتحية والإكرام ~~الاستعلام عن الأمر هل يجري على العادة أو لا؟ فإن كان يجري على العادة ~~وطنوا أنفسهم على الموت، وإلا ذكر لهم الأمر الخارق فيكون بشارة لهم، ~~ليمضوا في الأمر على بصيرة، ويسيروا فيه على حسب ما يقتضيه من السيرة. # ولما أكد أمر الطلب بهارون عليهما الصلاة والسلام، أكد له سبحانه أمر ~~الإجابة بقوله مستأنفا: { قال سنشد } وذكر أولى الأعضاء بمزاولة المكاره ~~فقال: { عضدك } أي أمرك { بأخيك } أي سنقويك ونعينك به إجابة لسؤالك صلة ~~منك لأخيك، وعونا منه لك { ونجعل لكما سلطانا } أي ظهورا عظيما ~~عليهم، وغلبة لهم بالحجج والهيبة لأجل ما ذكرت من الخوف { فلا } أي ~~فيتسبب عن ذلك أنهم لا { يصلون إليكما } بنوع من أنواع الغلبة { بآياتنا ~~} أي نجعل ذلك بسبب ما يظهر على أيديكما من الآيات المعظمة بنسبتها ~~إلينا، ولذلك كانت النتيجة { أنتما ومن اتبعكما } أي من قومكما وغيرهم { ~~الغالبون* } أي لا غيرهم، وهذا يدل على أن فرعون لم يصل إلى السحرة بشيء ~~مما هددهم به، لأنهم من أكبر الأتباع الباذلين لأنفسهم في الله، وكأنه ~~حذف أمرهم هنا لأنه في بيان أمر فرعون وجنوده بدليل ما كرر من ذكرهم، وقد ~~كشفت العاقبة عن أن السحرة ليسوا من جنوده، بل من حزب الله وجنده، ومع ~~ذلك فقد أشار إليهم بهذه الآية والتي بعدها، وسيأتي في آخر ms3410 سورة الحديد ~~عن تاريخ ابن عبد الحكم أنهم خلصوا ورجع بعضهم إلى مصر فكانوا أول من ~~ترهب. # شرح ما مضى من التوراة، قال بعدما تقدم: وكان من بعد أيام كثيرة مات ~~فرعون ملك مصر فاستراح بنو إسرائيل من شدة تعبدهم، فصلوا فسمع الله ~~صلاتهم، وعرف تعبدهم، وسمع ضجتهم، وذكر عهده لإبراهيم وإسحاق ويعقوب، ~~فأبصر الله بني إسرائيل، وعرف ذلهم، فكان موسى يرعى غنم يثرو ختنه حبر ~~مدين، فساق بالشاء إلى طرف البرية وأتى إلى حوريب جبل الله، فتراءى له ~~ملك الله بلهب النار من جوف العوسج، تشتعل فيه النار، ولم يكن العوسج ~~يحترق، فقال موسى: لأعدلن فأنظر إلى هذه الرؤيا العظيمة؛ ما بال هذه ~~العوسجة لم تحترق؟ فرأى الرب أنه قد عدل لينظر، فدعاه الله من جوف العوسج ~~وقال له: يا موسى يا موسى! فقال: هأنذا! قال: لا تدن إلى ههنا، اطرح خفيك ~~عن قدميك، لأن المكان الذي أنت واقف عليه مكان طاهر، وفي نسخة: مقدس، ~~وقال الله: أنا إله أبيك إبراهيم إله إسحاق إله يعقوب، فغطى موسى وجهه ~~لأنه فرق أن يمد بصره نحو الرب، وقال الرب: إني قد رأيت ذل شعبي بمصر، ~~وسمعت ضجتهم التي ضجوا من تعبدهم، لأني عارف براءتهم، فنزلت لأخلصهم من ~~أيدي المصريين، وأن أصعدهم من تلك الأرض إلى أرض صالحة واسعة، تغل السمن ~~والعسل: أرض الكنعانيين والحاثانيين والأمورانيين والفرزانيين ~~والحاوانيين واليابسانيين، والآن هو ذا ضجيج بني إسرائيل قد ارتفع إلي، ~~ورأيت ضر المصريين لهم، فهبطت الآن حتى أرسلك إلى فرعون. # وأخرج شعبي بني إسرائيل من مصر، فقال موسى لله: من أنا حتى أنطلق إلى ~~فرعون وأخرج بني إسرائيل من مصر، فقال الله: أنا أكون معك وهذه الآية لك ~~أني أرسلتك: إنك إذا أخرجت الشعب من مصر تعبدون الله في هذا الجبل، فقال ~~موسى: ها أنذا منطلق إلى بني إسرائيل وأقول لهم: الرب إله آبائكم أرسلني ~~إليكم، فإن قالوا لي: ما اسمه؟ ما الذي أقول؟ فقال الرب لموسى: قل لهم: ~~الأزلي الذي لم يزل، وفي ms3411 نسخة: لا يزول، وقال: هكذا قل لبني إسرائيل: ~~أهيا شر أهيا أرسلني إليكم، وقال الرب أيضا لموسى هكذا قل لبني إسرائيل: ~~الله ربكم إله آبائكم إله إبراهيم إله إسحاق إله يعقوب أرسلني إليكم هذا ~~اسمي إلى الأبد، وهذا ذكري إلى حقب الأحقاب، انطلق فاجمع أشياخ بني ~~إسرائيل وقل لهم: الرب إله آبائكم اعتلن لي، وإله إبراهيم وإسحاق ويعقوب ~~يقول لكم: قد ذكرتكم وذكرت ما صنع بكم بمصر، ورأيت إخراجكم من تعبد أهل ~~مصر إلى ارض الكنعانيين - ومن تقدم معهم - إلى الأرض التي تعل السمن ~~والعسل، فإذا قبلوا منك فادخل أنت وأشياخ بني إسرائيل إلى ملك مصر فقولوا ~~له: الرب إله العبرانيين ظهر علينا فننطلق الآن مسيرة ثلاثة أيام في ~~البرية ونذبح الذبائح لله ربنا، وأنا أعلم أن ملك مصر لا يدعكم تخرجون، ~~ولا بيد واحدة شديدة، حتى أبعث بآفتي وأضرب المصريين بجميع العجائب التي ~~أحدثها فيهم، ومن بعد ذلك يرسلكم فأجعل للشعب في أعين المصريين رأفة ~~ورحمة، فإذا انطلقتم فلا تنطلقوا عطلا صفرا، بل تستعير المرأة منكم من ~~جاراتها وساكنة بيتها حلي ذهب وفضة وكسوة، وألبسوها بنيكم وبناتكم، ~~وأخربوا أهل مصر، فأجاب موسى وقال: إنهم لا يصدقونني، ولا يقبلون قولي، ~~لأنه يقولون: لم يتراءى لك الرب، فقال له الرب: ما هذه التي في يدك؟ ~~فقال: هي عصاي، فقال: ألقها في الأرض، فألقاها في الأرض، فصارت ثعبانا، ~~فهرب منه موسى، فقال له الرب: يا موسى! مد يدك، فخذ بذنبها، فمد يده ~~فأمسكه فتحول في يده عصا، فقال: لكي يصدقوا أن الله إله آبائهم قد تراءى ~~لك، إله إبراهيم إله إسحاق إله يعقوب، وقال الرب لموسى: اردد يدك في ~~ردنك، وفي نسخة: في كمك، فأدخلها ثم أخرجها فإذ بيده بيضاء كالثلج، فقال ~~له: اردد يدك في حضنك، وفي نسخة: في كمك، فردها ثم أخرجها فإذا هي مثل ~~جسده، فإن هم لم يؤمنوا ولم يسمعوا بالآية الأولى فإنهم يؤمنون ويسمعون ~~بالآية الأخرى، فإن لم يؤمنوا بالآيتين، ولم يسمعوا قولك فخذ ماء من ~~الأرض، ms3412 وفي نسخة: النيل، فاصببه على الأرض، فإنه ينقلب ويصير دما في ~~اليبس، فقال موسى للرب: أطلب إليك يا رب لست رجلا ناطقا منذ أمس ولا ~~قبله ولا من الوقت الذي كلمت عبدك فيه، لأني ألثغ المنطق عسر اللسان، ~~فقال له الرب: من الذي خلق المنطق للإنسان؟ ومن الذي خلق الأخرس والأصم ~~والمبصر والمكفوف؟ أليس أنا الرب الذي أصنع ذلك؟ فانطلق الآن وأنا أكون ~~معك، وراقبا للسانك وألقنك ما تنطق به، فقال: موسى أطلب إليك يا رب! ~~أرسل في هذه الرسالة غيري، فقال: هذا أخوك هارون اللاوي، قد علمت أنه ~~ناطق لسن، وهو أيضا سيلقاك، ويشتد فرحه بك، وأخبره بالأمر، ولقنه كلامي، ~~وأنا أكون راقبا على فيك وفيه وأعلمكما ما تصنعان، وهو يكلم الشعب عنك؛ ~~فيكون لك مترجما، وأنت تكون له إلها، وفي نسخة: أستاذا ومدبرا، وخذ ~~في يديك هذه العصا لتعمل بها الآيات، فرجع موسى منطلقا إلى ثيرو ختنه ~~وقال له: إني راجع إلى إخوتي بمصر، وناظر هل هم أحياء بعد؟ فقال: ثيرو ~~لموسى: انطلق راشدا سالما، وقال الرب لموسى في مدين: انطلق راجعا إلى ~~مصر لأن الرجال الذين كانوا معك يطلبون نفسك قد هلكوا جميعا - إلى آخر ~~ما مضى في الأعراف، وفي هذا الفصل ما لا يسوغ إطلاقه في شرعنا على مخلوق، ~~وهو الإله، وهو في لغة العبرانيين بمعنى العالم والحاكم، وفيه أيضا أن ~~فرعون مات قبل رجوع موسى فإن كان المراد الذي ربى موسى عليه الصلاة ~~والسلام في بيته فهو مما بدلوه. ### || [28.36-39] # ولما كان التقدير: فأتاهم كما أمر الله، وعاضده أخوه كما أخبر الله، ~~ودعواهم إلى الله تعالى، وأظهرا ما أمرا به من الآيات، بنى قوله مبينا ~~بالفاء سرعة امتثاله: { فلما جاءهم } أي فرعون وقومه. # ولما كانت رسالة هارون عليه الصلاة والسلام إنما هي تأييد لموسى عليه ~~الصلاة والسلام، أشار إلى ذلك بالتصريح باسم الجائي، فقال: { موسى ~~بآياتنا } أي التي أمرناه بها، الدالة على جميع الآيات للتساوي في خرق ~~العادة حال كونها { بينات } أي في غاية الوضوح ms3413 { قالوا } أي فرعون وجنوده ~~{ ما هذا } أي الذي أظهره من الآيات { إلا سحر مفترى } أي هو خيال لا ~~حقيقة له كجميع أنواع السحر، متعمدا التخييل به، لا أنه معجزة من عند ~~الله { وما سمعنا بهذا } أي الذي تقوله من الرسالة عن الله { في آبائنا } ~~وأشاروا إلى البدعة التي قد أضلت أكثر الخلق، وهي تحكيم عوائد التقليد، ~~ولا سيما عند تقادمها على القواطع في قوله: { الأولين* } وقد كذبوا ~~وافتروا لقد سمعوا بذلك في أيام يوسف عليه السلام " وما بالعهد من قدم " ~~فقد قال لهم الذي آمن # يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب # [غافر: 34] - إلى قوله: # ولقد جاءكم يوسف من قبله بالبينات # [غافر:34]. # ولما أخبر تعالى بقولهم عطف عليه الإخبار بقول موسى عليه الصلاة والسلام ~~ليوازن السامع بين الكلامين، ويتبصر بعقله ما الفاسد منهما " فبضدها ~~تتبين الأشياء " هذا على قراءة الجماعة بالواو، واستأنف جوابا لمن كأنه ~~سأل عن جوابه على قراءة ابن كثير بحذفها، فإن الموضع موضع بحث عما أجابهم ~~به عند تسميتهم الآيات الباهرات سحرا، استعظاما لذلك فقال: { وقال موسى ~~} أي لما كذبوه وهم الكاذبون، مشيرا لذي البصر إلى طريق يميزون به ~~الأمرين في سياق مهدد لهم: { ربي } أي المحسن إلي بما ترون من تصديقي في ~~كل ما ادعيته بإظهار ما لا تقدرون عليه على قوتكم من الخوارق، ومنع هذا ~~الظالم العاتي المستكبر من الوصول إلي بسوء { أعلم بمن جاء } بالضلال ~~ظلما وعدوانا، فيكون مخذولا لكونه ساحرا فمحرقا مفتريا على الله، ~~ويكون له سوء الدار، وأعلم بحاله، ولكنه قال " بمن جاء " { بالهدى } أي ~~الذي أذن الله فيه، وهو حق في نفسه { من عنده } ، تصويرا لحاله، ~~وتشويقا إلى أتباعه { ومن تكون له } لكونه منصورا مؤيدا { عاقبة الدار ~~} أي الراحة والسكن والاستقرار مع الأمن والطمأنينة والسرور والظفر بجميع ~~المطالب في الحالة التي تكون آخر الحالات مني ومنكم، فيعلم أنه أتى بما ~~يرضي الله وهي وإن كانت حقيقتها ما يتعقب الشيء من خير أو شر، لكنها لا ~~يراد بها إلا ما يقصد ms3414 للعاقل حتى تكون له، وأما عاقبة السوء فهي عليه لا ~~له؛ ثم علل ذلك بما أجرى الله به عادته؛ فقال معلما بأن المخذول هو ~~الكاذب، إشارة إلى أنه الغالب لكون الله معه، مؤكدا لما استقر في الأنفس ~~من أن التقوي لا يغلبه الضعيف { إنه لا يفلح } أي يظفر ويفوز { الظالمون* ~~} أي الذين يمشون كما يمشي من هو في الظلام بغير دليل، فهم لا يضعون ~~قدما في موضع يثقون بأنه صالح للمشي فيه، لا تبعة فيه فستنظرون { ~~ولتعلمن نبأه بعد حين } { وقال فرعون } جوابا لهذا الترغيب والترهيب ~~بعد الإعذار، ببيان الآيات الكبار، قانعا في مدافعة ما رأى أنه اجتذب ~~قومه الأغمار الأغبياء عن الجهل من ظهور تلك الآيات البينات بأن يوقفهم ~~عن الإيمان إلى وقت ما، وكذا كانت عادته كلما أظهر موسى عليه الصلاة ~~والسلام برهانا، لأن قومه في غاية الغباوة والعراقة في الميل إلى الباطل ~~والنفرة من الحق وترجيح المظنة على المئنة: { يا أيها الملأ } أي ~~الأشراف، معظما لهم استجلابا لقلوبهم { ما علمت لكم } وأعرق في النفي ~~فقال: { من إله غيري } نفى علمه بذلك إظهارا للنصفة، وأنه ما قصد غشهم، ~~وذلك منه واضح في أنه قصد تشكيكهم، إشارة منه إلى أن انتقاء علمه بوجوده ~~ما هو إلا لانتفاء وجوده بعد علمه بأن الحق مع موسى عليه الصلاة والسلام ~~لأنه أنهى ما قدر عليه بعد رؤيتهم لباهر الآيات، وظاهر الدلالات؛ ثم زاد ~~في إيقافهم عن المتابعة بأن سبب عن جهله قوله لوزيره معلما له صنعة ~~الآجر لأنه أول من عمله، مع أنه هذه العبارة أشبه بهمم الجبابرة من أن ~~يقول: اصنع لي آجرا: { فأوقد لي } أضاف الإيقاد إليه إعلاما بأنه لا بد ~~منه { يا هامان } وهو وزيره { على الطين } أي المتخذ لبنا ليصير آجرا؛ ~~ثم سبب عن الإيقاد قوله: { فاجعل لي } أي منه { صرحا } أي بناء عاليا ~~يتاخم السماء، قال الطبري: وكل بناء مسطح فهو صرح كالقصر، وقال الزجاج: ~~كل بناء متسع مرتفع { لعلي أطلع } أي أتكلف الطلوع { إلى إله موسى ms3415 } أي ~~الذي يدعوا إليه، فإنه ليس في الأرض أحد بهذا الوصف الذي ذكره فأنا أطلبه ~~في السماء موهما لهم أنه مما يمكن الوصول إليه على تقدير صحة الدعوى ~~بأنه موجود، وهو قاطع بخلاف ذلك، ولكنه يقصد المدافعة من وقت إلى وقت، ~~لعلمه أن العادة جرت بأن أكثر الناس يظنون بالملوك القدرة على كل ما ~~يقولونه؛ ثم زادهم شكا بقوله، مؤكدا لأجل دفع ما استقر في الأنفس من ~~صدق موسى عليه الصلاة والسلام: { وإني لأظنه } أي موسى { من الكاذبين* } ~~أي دأبه ذلك، وقد كذب هو ولبس لعنة الله ووصف أصدق أهل ذلك الزمان بصفة ~~العريقة في العدوان، وإن كان هذا الكلام منه على حقيقته فلا شيء أثبت ~~شهادة على إفراط جهله وغباوته منه حيث ظن أنه يصل السماء؛ ثم علل على ~~تقدير الوصول يقدر على الارتقاء على ظهرها، ثم على تقدير ذلك يقدر على ~~منازعة بانيها وسامكها ومعليها. # ولما قال هذا مريدا به - كما تقدم - إيقاف قومه عن إتباع الحق، أتبعه ~~تعالى الإشارة إلى أنهم فعلوا ما أراد، وإن كان ذلك هو الكبر عن الحق ~~فقال تعالى: { واستكبر } أي وأوجد الكبر بغاية الرغبة فيه { هو } بقوله ~~هذا الذي صدهم به عن السبيل { وجنوده } بانصدادهم لشدة رغبتهم في الكبر ~~على الحق والاتباع للباطل { في الأرض } أي أرض مصر، ولعله عرفها إشارة ~~إلى أنه لو قدر على ذلك في غيرها فعل { بغير الحق } أي استكبارا مصحوبا ~~بغير هذه الحقيقة، والتعبير بالتعريف يدل على أن التعظيم بنوع من الحق ~~ليس كبرا وإن كانت صورته كذلك، وأما تكبره سبحانه فهو بالحق كله، وعطف ~~على ذلك ما تفرع عنه وعن الغباوة أيضا ولذا لم يعطفه بالفاء، فقال: { ~~وظنوا } أي فرعون وقومه ظنا بنوا عليه اعتقادهم في أصل الدين الذي لا ~~يكون إلا بقاطع { أنهم إلينا } أي إلى حكمنا خاصة الذي يظهر عنده انقطاع ~~الأسباب { لا يرجعون* } أي لا في الدنيا ولا في الآخرة، فلذلك اجترؤوا ~~على ما ارتكبوه من الفساد. ### || [28.40-43] # ولما تسبب عن ذلك إهلاكهم ms3416 قال: { فأخذناه } أي بعظمتنا أخذ قهر ونقمة { ~~وجنوده } أي كلهم، وذلك علينا هين، وأشار إلى احتقارهم بقوله: { فنبذناهم ~~} أي على صغرهم وعظمتنا { في اليم } فكانوا على كثرتهم وقوتهم كحصيات ~~صغار قذفها الرامي الشديد الذراع من يده في البحر، فغابوا في الحال، وما ~~آبوا ولا أحد منهم إلى أهل ولا مال. ولما سببت هذه الآية من العلوم، ما ~~لا يحيط به الفهوم، قال: { فانظر } أي أيها المتعرف للآيات الناظر فيها ~~نظر الاعتبار؛ وزاد في تعظيم ذلك بالتنبيه على أنه مما يحق له أن يسأل ~~عنه فقال: { كيف كان } أي كونا هو الكون { عاقبة } أي آخر أمر { ~~الظالمين* } وإن زاد ظلمهم، وأعيى أمرهم، ذهبوا في طرفة عين، كأن لم ~~يكونوا، وغابوا عن العيون كأنهم قط لم يبينوا، وسكتوا بعد ذلك الأمر ~~والنهي فصاروا بحيث لم يبينوا، فليحذر هؤلاء الذين ظلموا إن استمروا على ~~ظلمهم أن ينقطعوا ويبينوا، وهذا إشارة عظيمة بأعظم بشارة بأن كل ظالم ~~يكون عاقبته هكذا إن صابره المظلوم المحق، ورابطه حتى يحكم الله وهو خير ~~الحالكمين. # ولما كان # " من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن ~~سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة " # وكانوا أول من أصر وأطبق في ذلك الزمان على تكذيب الآيات، وإخفاء ~~الدلالات النيرات، على تواليها وكثرتها، وطول زمانها وعظمتها وكانت ~~منابذة العقل واتباع الضلال في غاية الاستبعاد، لا سيما إن كانت ضامنة ~~للهلاك في الدنيا والعذاب في الآخرة، قال تعالى في مظهر العظمة: { ~~وجعلناهم } أي في الدنيا { أئمة } أي متبوعين في رد ما لا يرده عاقل من ~~هذه الآيات، أي جعلنا أمرهم شهيرا حتى لا يكاد أحد يجهله، فكل من فعل ~~مثل أفعالهم من رد الحق والتجبر على الخلق، فكأنه قد اختار الاقتداء بهم ~~وإن لم يكن قاصدا ذلك، فأطلق ذلك عليه رفعا له عن النسبة إلى أنه يعمل ~~ما يلزمه الاتسام به وهو عاقل عنه كما أنه لا تقتل نفس ظلما ms3417 إلا كان على ~~ابن آدم الأول كفل من دمها، لأنه أول من سن القتل، وأحق الناس باتباعهم ~~في باطن اعتقادهم وظاهر اصطناعهم، وخيبة آمالهم وأطماعهم أهل الإلحاد ~~بمذهب الاتحاد أهلك الله أنصارهم. وعجل دمارهم، وكشف هذا المعنى بقوله: { ~~يدعون } أي يوجدون الدعاء لمن اغتر بحالهم، فضل ضلالهم { إلى النار } أي ~~وجعلنا لهم أعوانا ينصرونهم عكس ما أردنا لبني إسرائيل - كما سلف أول ~~السورة - وجعلناهم موروثين. # ولما كان الغالب من حال الأئمة النصرة، وكان قد أخبر عن خذلانهم في ~~الدنيا، قال: { ويوم القيامة } أي الذي هو يوم التغابن { لا ينصرون* } أي ~~لا يكون لهم نوع نصرة أصلا كما كانوا يوم هلاكهم في الدنيا سواء، ولا هم ~~أئمة ولا لهم دعوة، يخلدون في العذاب، ويكون لهم سوء المآب. # ولما أخبر عن هذا الحال، أخبر عن ثمرته؛ فقال في مظهر العظمة، لأن ~~السياق لبيان علو فرعون وآله، وأنهم مع ذلك طوع المشيئة { وأتبعناهم في ~~هذه } ولما كان المراد الإطناب في بيان ملكهم، فسر اسم الإشارة فقال: { ~~الدنيا } ولم يقل: الحياة، لأن السياق لتحقير أمرهم ودناءة شأنهم { لعنة ~~} أي طردا وبعدا عن جنابنا ودفعا لهم بذلك ودعاء عليهم بذلك من كل من ~~سمع خبرهم بلسانه إن خالفهم، أو بفعله الذي يكون عليهم مثل وزره إن ~~والفهم { ويوم القيامة هم } أي خاصة، ومن شاكلهم { من المقبوحين* } أي ~~المبعدين أيضا المخزيين مع قبح الوجوه والأشكال، والشناعة في الأقوال ~~والأفعال والأحوال، من القبح الذي هو ضد الحسن، ومن قولهم: قبحت الشيء - ~~إذا كسرته، وقبح الله العدو: أبعده عن كل خير، فيا ليت شعري أي صراحة بعد ~~هذا في أن فرعون عدو الله، في الآخرة كما كان عدوه في الدنيا، فلعنة الله ~~على من يقول: إنه مات مؤمنا، وإنه لا صريح في القرآن بأنه من أهل النار، ~~وعلى كل من يشك في كفره بعد ما ارتكبه من جلي أمره. # ولما وعد سبحانه بإمامة بني إسرائيل وقص القصص حتى ختم بإمامة آل فرعون ~~في الدعاء إلى النار إعلاما بأن ms3418 ما كانوا عليه تجب مجانبته ومنابذته ~~ومباعدته، وكان من المعلوم أنه لا بد لكل إمامة من دعامة، تشوفت النفس ~~إلى أساس إمامة بني إسرائيل التي يجب العكوف في ذلك الزمان عليها، ~~والتمسك بها، والمبادرة إليها، فأخبر سبحانه عن ذلك مقسما عليه مع ~~الافتتاح بحرف التوقع، لأن العرب وإن كانوا مصدقين لما وقع من المنة على ~~بني إسرائيل بإنقاذهم من يد فرعون وتمكينهم بعده، وإنزال الكتاب عليهم، ~~فحالهم بإنكار التمكين لأهل الإسلام والتكذيب بكتابهم حال المكذب بأمر ~~بني إسرائيل، لأنه لا فرق بين نبي ونبي، وكتاب وكتاب، وناس وناس، لأن رب ~~الكل واحد، فقال: { ولقد آتينا } أي بما لنا من الجلال والجمال والمجد ~~والكمال { موسى الكتاب } أي التوراة الجامعة للهدى والخير في الدارين؛ ~~قال أبو حيان: وهو أول كتاب أنزلت فيه الفرائض والأحكام. # ولما كان حكم التوراة لا يستغرق الزمان الآتي، أدخل الجار فقال: { من ~~بعد ما } إشارة إلى أن إيتاءها إنما هو في مدة من الزمان، ثم ينسخها ~~سبحانه بما يشاء من أمره { أهلكنا } أي بعظمتنا { القرون الأولى } أي من ~~قوم نوح إلى قوم فرعون، ووقتها بالهلاك إشارة إلى أنه لا يعم أمة من ~~الأمم بالهلاك بعد إنزالها تشريفا لها ولمن أنزلت عليه وأوصلت إليه؛ ثم ~~ذكر حالها بقوله: { بصائر } جمع بصيرة، وهي نور القلب، مصابيح وأنوارا { ~~للناس } أي يبصرون بها ما يعقل من أمر معاشهم ومعادهم، وأولاهم وأخراهم، ~~كما أن نور العين يبصر به ما يحسن من أمور الدنيا. # ولما كان المستبصر قد لا يهتدي لمانع قال: { وهدى } أي للعامل بها إلى ~~كل خير. ولما كان المهتدي ربما حمل على من توصل إلى غرضه، وكان ضارا، ~~قال: { ورحمة } أي نعمة هنية شريفة، لأنها قائدة إليها. # ولما ذكر حالها، ذكر حالهم بعد إنزالها فقال: { لعلهم يتذكرون* } أي ~~ليكون حالهم حال من يرجى تذكره، وهذا إشارة إلى أنه ليس في الشرائع ما ~~يخرج عن العقل بل متى تأمله الإنسان تذكر به من عقله ما يرشد إلى مثله. ### || [28.44-47] # ولما بين سبحانه ms3419 في هذه السورة من غرائب أمر موسى عليه الصلاة والسلام ~~وخفي أحواله ما بين، وكانت هذه الأخبار لا يقدر أهل الكتاب على إنكارها، ~~نوعا من الإنكار، وكان من المشهور أي اشتهار، أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لم يعرفها ولا سواها من غير الواحد القهار، أشار إلى ذلك سبحانه ~~بقوله حالا من ضمير { آتينا } { وما كنت بجانب الغربي } أي الوادي من ~~الطور الذي رأى موسى عليه السلام فيه النار، وهو مما يلي البحر منه من ~~جهة الغرب على يمين المتوجه إلى ناحية مكة المشرفة من ناحية مصر، فناداه ~~منه العزيز الجبار، وهو ذو طوى { إذ } أي حين { قضينا } بكلامنا بما حوى ~~من الجلال، وزاد العظمة في رفيع درجاته بالإشارة بحرف الغاية فقال: { إلى ~~موسى الأمر } أي أمر إرساله إلى فرعون وقومه، وما نريد أن نفعل من ذلك في ~~أوله وأثنائه وآخره مجملا، فكان كل ما أخبرنا به مطابقا تفصيله ~~لإجماله، فأنت بحيث تسمع ذلك الذي قضيناه إليه من الجانب الذي أنت فيه { ~~وما كنت } أي بوجه من الوجوه { من الشاهدين* } لتفاصيل ذلك الأمر الذي ~~أجملناه لموسى في ذلك المكان في أوقاته مع من شهده منه من أهل ذلك العصر ~~من السبعين الذين اختارهم أو غيرهم ممن تبعه أو صد عنه حتى تخبر به كله ~~على هذا الوجه الذي أتيناك به في هذه الأساليب المعجزة، ولا شك أن أمر ~~معرفتك كذلك منحصر في شهودك إياه في وقته أو تعلمك له من الخالق، أو من ~~الخلائق الذين شاهدوه، أو أخبرهم به من شاهده، وانتفاء تعلمه من أحد من ~~الخلائق في الشهرة بمنزلة انتفاء شهوده له في وقته، فلم يبق إلا تلقيه له ~~من الخالق، وهو الحق الذي لا شبهة فيه عند منصف. # ولما كان التقدير: وما كنت من أهل ذلك الزمان الحاضرين لذلك الأمر، ~~وامتد عمرك إلى هذا الزمان حتى أخبرت بما كنت حاضره، استدرك ضد ذلك فقال: ~~{ ولكنا } أي بما لنا من العظمة { أنشأنا } أي بعد ما أهلكنا أهل ذلك ~~الزمان ms3420 الذين علموا هذه الأمور بالمشاهدة والإخبار، كلهم { قرونا } أي ~~ما أخرنا أحدا من أهل ذلك الزمان، ولكنا أهلكناهم وأنشأنا بعدهم أجيالا ~~كثيرة { فتطاول } بمروره وعلوه { عليهم العمر } جدا بتدريج من الزمان ~~شيئا فشيئا فنسيت تلك الأخبار، وحرفت ما بقي منها الرهبان والأحبار، ~~ولا سيما في زمان الفترة، فوجب في حكمتنا إرسالك فأرسلناك لتقوم المحجة، ~~وتقوم بك الحجة، فعلم أن إخبارك بهذا والحال أنك لم تشاهده ولا تعلمته من ~~مخلوق إنما هو عنا وبوحينا. # ولما نفى العلم بذلك بطريق الشهود، نفى سبب العلم بذلك فقال: { وما كنت ~~ثاويا } أي مقيما إقامة طويلة مع الملازمة بمدين { في أهل مدين } أي ~~قوم شعيب عليه السلام { تتلوا } أي تقرأ على سبيل القص للآثار والأخبار ~~الحق { عليهم آياتنا } العظيمة، لتكون ممن يهتم بأمور الوحي وتتعرف دقيق ~~أخباره، فيكون خبرهم وخبر موسى عليه الصلاة والسلام معهم وخبره بعد فراقه ~~لهم من شأنك، لتوفر داعيتك حينئذ على تعرفه { ولكنا كنا } أي كونا ~~أزليا أبديا نسبته إلى جميع الأزمنة بما لنا من العظمة، على حد سواء { ~~مرسلين* } أي لنا صفة القدرة على الإرسال، فأرسلنا إلى كل نبي في وقته ثم ~~أرسلنا إليك في هذا الزمان بأخبارهم وأخبار غيرهم لتنشرها في الناس، ~~واضحة البيان سالمة من الإلباس، لأنا شاهدين لذلك كله، لم يغب عنا شيء ~~منه ولا كان إلا بأمرنا. # ولما نفى السبب المبدئي للعلم بذلك الإجمال ثم الفائي للعلم بتفصيل تلك ~~الوقائع والأعمال، نفى السبب الفائي للعم بالأحكام ونصب الشريعة بما فيها ~~من القصص والمواعظ والحلال والحرام والآصار والأغلال بقوله: { وما كنت ~~بجانب الطور إذ } أي حين { نادينا } أي أوقعنا النداء لموسى عليه الصلاة ~~والسلام فأعطيناه التوراة وأخبرناه بما لا يمكن الاطلاع عليه إلا من ~~قبلنا أو قبله، ومن المشهور أنك لم تطلع على شيء من ذلك من قبله، لأنك ما ~~خالطت أحدا ممن حمل تلك الأخبار عن موسى عليه الصلاة والسلام، ولا أحد ~~أحملها عمن حملها عنه، ولكن ذلك كان إليك منا، وهو معنى قوله: { ولكن } ~~أي ms3421 أنزلنا ما أردنا منه ومن غيره عليك وأوحيناه إليك وأرسلناك به إلى ~~الخلائق { رحمة من ربك } لك خصوصا وللخلق عموما { لتنذر } أي تحذر ~~تحذيرا كبيرا { قوما } أي أهل قوة ونجدة، ليس لهم عائق من أعمال الخير ~~العظيمة، لا الإعراض عنك، وهم العرب، ومن في ذلك الزمان من الخلق { ما ~~آتاهم } وعم المنفي بزيادة الجار في قوله: { من نذير } أي منهم، وهم ~~مقصودون بإرساله إليهم وإلا فقد أتتهم رسل موسى عليه السلام، ثم رسل عيسى ~~عليه الصلاة والسلام، وإن صح أمر خالد بن سنان العبسي فيكون نبيا غير ~~رسول، أو يكون رسولا إلى قومه بني عبس خاصة، فدعاؤه لغيرهم إن وقع فمن ~~باب الأمر بالمعروف عموما، لا الإرسال خصوصا، فيكون التقدير: نذير منهم ~~عموما، وزيادة الجار في قوله: { من قبلك } تدل على الزمن القريب، وهو ~~زمن الفترة، وأما ما قبل ذلك فقد كانوا فيه على دين إبراهيم عليه الصلاة ~~والسلام حتى غيره عمرو بن لحي فقد أنذرهم في تلك الأزمان إبراهيم عليه ~~الصلاة والسلام ثم إسماعيل عليه الصلاة والسلام ثم من بعدهم من صالحي ~~ذريتهم إلى زمان عمرو بن لحي، فهم لأجل عدم النذير عمي، عن الهدي، سالكون ~~سبيل الردى، وقال: { لعلهم يتذكرون* } لمثل ما تقدم من أنهم إذا قبلوا ما ~~جئت به وتدبروه أذكرهم إذكارا ظاهرا - بما أشار إليه الإظهار - ما في ~~عقولهم من شواهده وإن كانت لا تستقل بدونه والله الموفق. # ولما كان انتفاء إنذارهم قبله عليه الصلاة والسلام نافيا للحجة في ~~عذابهم بما أوجبه الله - وله الحجة البالغة لا يسأل عما يفعل - على نفسه ~~الشريفة، فضلا منه ورحمة، ذكر أن إرساله مما لا بد منه لذلك فقال: { ~~ولولا } أي ولولا هذا الذي ذكرناه ما أرسلناك لتنذرهم، ولكنه حذف هذا ~~الجواب إجلالا له صلى الله عليه وسلم عن المواجهة به، وذلك الذي ختم ~~الإرسال هو { أن تصيبهم } أي في وقت من الأوقات { مصيبة } أي عظيمة { بما ~~قدمت أيديهم } أي من المعاصي التي قضينا بأنها مما لا يعفى عنه { فيقولوا ms3422 ~~ربنا } أي أيها المحسن إلينا { لولا } أي هل لا ولم لا { أرسلت إلينا } ~~أي على وجه التشريف لنا، لنكون على علم بأنا ممن يعتني الملك الأعلى به { ~~رسولا } وأجاب التخصيص الذي شبهوه بالأمر لكون كل منهما باعثا على ~~الفعل بقوله: { فنتبع } أي فيتسبب عن إرسال رسولك أن نتبع { آياتك ونكون ~~} أي كونا هو في غاية الرسوخ { من المؤمنين* } أي المصدين بك في كل ما ~~أتى به عنك رسولك صلى الله عليه وسلم تصديقا بليغا، فإذا قالوا ذلك على ~~تقدير عدم الإرسال قامت لهم حجة في مجاري عاداتكم وإن كانت لنا الحجة ~~البالغة. ### || [28.48-54] # ولما كان التقدير: ولكنا أرسلناك بالحق لقطع حجتهم هذه، بنى عليه قوله: ~~{ فلما جاءهم } أي أهل مكة { الحق } الذي هو أعم من الكتاب والسنة وما ~~يقاس عليهما، وهو في نفسه جدير بأن يقبل لكونه في الذروة العليا من ~~الثبات، فكيف وهو { من عندنا } على ما لنا من العظمة، وعلى لسانك وأنت ~~أعظم الخلق! { قالوا } أي أهل الدعوة من العرب وغيرهم تعنتا كفرا به: { ~~لولا أوتي } من الآيات، أي هذا الآتي بما يزعم أنه الحق، وبني للمفعول ~~لأن القصد مطلق الإيتاء لأنه الذي يترتب عليه مقصود الرسالة، مع أن ~~المؤتى معلوم { مثل ما أوتي موسى } أي من اليد والعصا وغيرهما من الآيات ~~التي لا يقدر على إتيانها إلا القادر على كل شيء. # ولما كان الإتيان بمثل ما أتى به موسى عليه الصلاة والسلام لا يكون ~~موجبا للإيمان على زعمهم إلا بأن يكون أعظم مما أتى به محمد صلى الله ~~عليه وسلم، أو يكون الناس لم يتوقفوا في الإيمان به، وكان كل من الأمرين ~~منتفيا بأن أهل زمانه كفرو به، وهو لما سألوا اليهود عن محمد صلى الله ~~عليه وسلم وأمروهم أن يمتحنوه بالروح وقصتي أهل ألكهف وذي القرنين وجاء ~~في كل من ذلك بما لزمهم تصديقه، فامتنعوا وأصروا على كفرهم، وكان في ذلك ~~كفرهم به وبموسى عليهما الصلاة والسلام، فعلم أن التقدير: ألم يكفروا بما ~~أتاهم به من ms3423 الآيات الباهرة مع أنه مثل ما أتى به موسى عليهما الصلاة ~~والسلام، بل أعظم منه { أولم يكفروا } أي العرب ومن بلغتهم الدعوة من بني ~~إسرائيل أو من شاء الله منهم أو أبناء جنسهم ومن كان مثلهم في البشرية ~~والعقل في زمن موسى عليه السلام { بما أوتي موسى }. # ولما كان كل من إتيانه وكفرهم لم يستغرق زمان القبل، أثبت الجار فقال: { ~~من قبل } أي من قبل مجيء الحق على لسان محمد صلى الله عليه وسلم إليهم. ~~ولما كان كأنه قيل: ما كان كفرهم به؟ قيل: { قالوا } أي فرعون وقومه ومن ~~كفر من بني إسرائيل كقارون ومن تبعه. ولما كان قد تقدم هنا قريبا أن ~~المظاهر له أخوه، فكان المراد واضحا، أضمرهما فقال: { ساحران } أي هو ~~وأخوه { تظاهرا } أي أعان كل منهما صاحبه على سحره حتى صار سحرهما معجزا ~~فغلبا جميع السحرة، وتظاهر الساحرين من تظاهر السحرين - على قراءة ~~الكوفيين، ويجوز - وهو أقرب أن يكون الضمير لمحمد و موسى عليهما الصلاة ~~والسلام، وذلك لأنه روي أن قريشا بعثت إلى يهود فسألوهم عن محمد صلى ~~الله عليه وسلم فأخبروهم أن نعته في كتابهم، فقالوا هذه المقالة، فيكون ~~الكلام استئنافا لجواب من كأنه قال: ما كان كفرهم بهما؟ فقيل: قالوا - ~~أي العرب: الرجلان ساحران، أو الكتابان سحران، ظاهر أحدهما الآخر مع علم ~~كل ذي لب أن هذا القول زيف. # لأنه لو كان شرط إعجاز السحر التظاهر، لكان سحر فرعون أعظم إعجازا، ~~لأنه تظاهر عليه جميع سحرة بلاد مصر وعجزوا عن معارض ما أظهر موسى عليه ~~الصلاة والسلام من آية العصا، وأما محمد صلى الله عليه وسلم فقد دعا أهل ~~الأرض من الجن والإنس إلى معارضة كتابه وأخبرهم أنهم عاجزون ولو كان ~~بعضهم لبعض ظهيرا فعجزوا. # ولما تضمن قولهم ذلك الكفر، صرحوا به في قولهم: { وقالوا } أي كفار قريش ~~أو المتقدمون من فرعون وأضرابه: { إنا بكل } من الساحرين أو السحرين ~~اللذين تظاهرا بهما، وهما ما أتيا به من عند الله { كافرون* } جرأة على ~~الله وتكبرا ms3424 على الحق. # ولما قالوا ذلك، كان كأنه قيل: فماذا فعل؟ قال: { قل } إلزاما لهم إن ~~كنتم صادقين في أني ساحر وكتابي سحر وكذلك موسى عليه الصلاة والسلام: { ~~فأتوا بكتاب } وأشار بالتعبير في وصفه بعند دون لدن إلى أنه يقنع منهم ~~بكونه حكيما خارقا للعادة في حكمته وإن لم يبلغ الذروة في الغرابة بأن ~~انفك عن الإعجاز في نظمه كالتوراة فقال: { من عند الله } أي الملك ~~الأعلى، ينطق بأنه نم عنده أحواله وحكمته وجلاله { هو } أي الذي أتيتم به ~~{ أهدى منهما } أي مما أتيت به ومما أتى به موسى { أتبعه } أي واتركهما. # ولما أمرهم بأمره بالإتيان، ذكر شرطه من باب التنزل، لإظهار النصفة، وهو ~~في الحقيقة تهكم بهم فقال: { إن كنتم } أيها الكفار! كونا راسخا { ~~صادقين* } أي في أنا ساحران، فائتوا ما ألزمتكم به. # ولما كان شرط صدقهم، بين كذبهم على تقدير عدم الجزاء فقال: { فإن لم ~~يستجيبوا } أي الكفار الطالبون للأهدى في الإتيان به. ولما كانت ~~الاستجابة تتعدى بنفسها إلى الدعاء، وباللام إلى الداعي، وكان ذكر الداعي ~~أدل على الاعتناء به والنظر إليه، قال مفردا لضميره صلى الله عليه وسلم ~~لأنه لا يفهم المقايسة في الأهدوية غيره: { لك } أي يطلبوا الإجابة ~~ويوجدوها في الإيمان أوالإتيان بما ذكرته لهم ودعوتهم إليه مما هو أهدى، ~~من القرآن والتوراة ليظهر صدقهم { فاعلم } أنت { أنما يتبعون } أي بغاية ~~جهدهم فيما هم عليه من الكفروالتكذيب { أهواءهم } أي دائما، وأكثر الهوى ~~مخالف للهدى فهم ظالمون غير مهتدين، بل هم أضل الناس، وذلك معنى قوله: { ~~ومن أضل } أي منهم، ولكنه قال: { ممن اتبع } أي بغاية جهده { هواه } ~~تعليقا للحكم بالوصف؛ والتقييد وبقوله: { بغير هدى } أي بيان وإرشاد { ~~من الله } أي الملك الأعلى الذي له جميع صفات الكمال دليل على أن الهوى ~~قد يوافق الهدى، والتعبير بالافتعال دليل على أن التابع وإن كان ظالما ~~قد لا يكون أظلم. # ولما كانت متابعة الهوى على هذا الصورة ظلما، وصل به قوله مظهرا لئلا ~~يدعى التخصيص بهم: { إن الله } أي الملك ms3425 الأعظم الذي لا راد لأمره { لا ~~يهدي } وأظهر موضع الإضمار للتعميم فقال: { القوم الظالمين* } أي وإن ~~كانوا أقوى الناس لاتباعهم أهوائهم، فالآية من الاحتباك: أثبت أولا ~~اتباع الهوى دليلا على حذفه ثانيا، وثانيا الظلم دليلا على حذفه ~~أولا. # ولما أبلغ في هذه الأساليب في إظهار الخفايا، وأكثر من نصب الأدلة على ~~الحق وإقامة على وجوب اتباع محمد صلى الله عليه وسلم، وكانوا بإعراضهم عن ~~ذلك كله كأنهم منكرون لأن يكون جاءهم شيء من ذلك، قال ناسقا على ما ~~تقديره: فلقد آتيناك في هذه الآيات بأعظم البينات، منبها بحرف التوقع ~~المقترن بأداة القسم على أنه مما يتوقع هنا أن يقال: { ولقد وصلنا } أي ~~على ما لنا من العظمة التي مقتضاها أن يكفي أدنى إشارة منها { لهم } اي ~~خاصة، فكان تخصيصهم بذلك منة عظيمة يجب عليهم شكرها { القول } أي أتبعنا ~~بعض القول - الذي لا قول في الحقيقة سواه - بعضا بالإنزال منجما، قطعا ~~بعضها في أثر بعض، لتكون جوابا لأقولهم، وحلا لإشكالهم، فيكون أقرب ~~إلى الفهم، وأولى بالتدبر، مع تنويعه في وعد ووعيد، وأخبار ومواعظ، وحكم ~~ونصائح، وأحكام ومصالح، وأكثرنا من ذلك حتى كانت آياته المعجزات وبيناته ~~الباهرات كأنها أفراس الرهبان، يوم استباق الأقران، في حومة الميدان، غير ~~أن كلا منهما سابق في العيان. # ولما بكتهم بالتنبيه بهذا التأكيد على مبالغتهم في الكذب بالقول أو ~~بالفعل في أنه ما أتاهم ما يقتضي التذكير أتبع ذلك التوصيل عليه فقال: { ~~لعلهم يتذكرون* } أي ليكون حالهم حال الذين يرجى لهم أن يرجعوا إلى ~~عقولهم فيجدوا فيما طبع فيها ما يذكرهم بالحق تذكيرا، بما أشار إليه ~~الإظهار. # ولما كان من التذكر ما دل عليه مجر العقل، ومنه ما انضم إليه مع ذلك ~~العقل، وكان صاحب هذا القسم أجدر بأن يتبصر، وكان كأنه قيل: هل تذكروا؟ ~~قيل: نعم أهل الكتاب الذين هم أهله حقا تذكروا حقا، وذلك معنى قوله: { ~~الذين آتيناهم } أي بعظمتنا التي حفظناهم بها { الكتاب } أي العلم من ~~التوراة والإنجيل وغيرهما من كتب الأنبياء، وهم يتلون ms3426 ذلك حق تلاوته، في ~~بعض الزمان الذي كان { من قبله } أي القرآن { هم } أي خاصة { به } أي ~~القرآن، لا بشيء مما يخالفه { يؤمنون* } أي يوقعون الإيمان به في حال ~~وصوله إليهم إيمانا لا يزال يتجدد؛ ثم أكد هذا المعنى بقوله: { وإذا ~~يتلى } أي تتجدد تلاوته { عليهم قالوا } مبادرين: { آمنا به } ثم عللوا ~~ذلك بقولهم الدال على غاية المعرفة، مؤكدين لأن من كان على دين لا يكاد ~~يصدق رجوعه عنه، فكيف إذا كان أصله حقا من عند الله، { إنه الحق } أي ~~الكامل الذي ليس وراءه إلا الباطل، مع كونه { من ربنا } المحسن إلينا، ~~وكل من الوصفين موجب للتصديق والإيمان به؛ ثم عللوا مبادرتهم إلى الإذعان ~~منبهين على أنهم في غاية البصيرة من أمره بأنهم يتلون ما عندهم حق ~~تلاوته، لا بألسنتهم فقط، فصح قولهم الذي دل تأكيدهم له على اغتباطهم به ~~الموجب لشكره: { إنا كنا } أي كونا هو في غاية الرسوخ؛ وأشار إلى أن من ~~صح إسلامه ولو في زمن يسير أذعن لهذا الكتاب، بإثبات الجار، فقال: { من ~~قبله مسلمين* } أي منقادين غاية الانقياد لما جاءنا من عند الله من وصفه ~~وغير وصفه وافق هوانا وما ألفناه أو خالفه، لا جرم كانت النتيجة: { أولئك ~~} أي العالو الرتبة { يؤتون } بناه للمفعول لأن القصد الإيتاء، والمؤتى ~~معروف { أجرهم مرتين } لإيمانهم به غيبا وشهادة، أو بالكتاب الأول ثم ~~الكتاب الثاني { بما صبروا } على ما كان من الإيمان قبل العيان، بعدما ~~هزهم إلى النزوع عنه إلف دينهم الذي كان، وغير ذلك من امتحان الملك ~~الديان. # ولما كان الصبر لا يتم إلا بالاتصاف بالمحاسن والانخلاع من المساوىء، ~~قال عاطفا على { يؤمنون } مشيرا إلى تجديد هذه الأفعال كل حين: { ~~ويدرءون بالحسنة } من الأقوال والأفعال { السيئة } أي من ذلك كله ~~فيمحونها بها. # ولما كان بعض هذا الدرء لا يتم إلا بالجود قال: { ومما رزقناهم } أي ~~بعظمتنا، لا بحول منهم ولا قوة، قليلا كان أو كثيرا { ينفقون* } ~~معتمدين في الخلق على الذي رزقه؛ قال البغوي: قال سعيد بن جبير: ms3427 قدم مع ~~جعفر رضي الله تعالى عنه من الحبشة أربعون رجلا، يعني: فأسلموا، فلما ~~رأوا ما بالمسلمين من الخصاصة استأذنوا النبي صلى الله عليه وسلم في ~~أموالهم، فأتوا بها فواسوا بها المسلمين. ### || [28.55-58] # ولما ذكر أن السماح بما تضن النفوس به من فضول الأموال من أمارات ~~الإيمان، أتبعه أن حزن ما تبذله الألسن من فضول الأقوال من علامات ~~العرفان، فقال: { وإذا سمعوا اللغو } أي ما لا ينفع في دين ولا دنيا من ~~شتم وتكذيب وتعبير ونحوه { أعرضوا عنه } تكرما عن الخنا { وقالوا } أي ~~وعظا وتسميعا لقائله: { لنا } أي خاصة { أعمالنا } لا تثابون على شيء ~~منها ولا تعاقبون { ولكم } أي خاصة { أعمالكم } لا نطالب بشيء منها، فنحن ~~لا نشتغل بالرد عليكم لأن ذمكم لنا لا ينقصنا شيئا من أجرنا ولا ~~الاشتغال برده ينقصنا. # ولما كان معنى هذا أنهم سالمون منهم، صرحوا لهم به فقالوا: { سلام عليكم ~~} أي منا. ولما جرت العادة بأن مثل هذا يكسر اللاغي، ويرد الباغي، أشاروا ~~لهم إلى قبح حالهم، ردا على ضلالهم، بقولهم تعليلا لما مضى من مقالهم: ~~{ لا نبتغي } أي لا نكلف أنفسنا أن نطلب { الجاهلين* } أي نريد شيئا من ~~أحوالهم أو أقوالهم، أو غير ذلك من خلالهم. # ولما كان من المعلوم أن نفس النبي صلى الله عليه وسلم - لما جبلت عليه ~~من الخير والمحبة لنفع جميع العباد، لا سيما العرب، لقربهم منه صلى الله ~~عليه وسلم، لاسيما أقربهم منه صلة للرحم تتأثر بسبق أهل الكتاب لقومه، ~~وكان ربما ظن ظان أن عدم هدايتهم لتقصير في دعائه أو إرادته لذلك، وأنه ~~لو أراد هدايتهم وأحبها، وعلق همته العلية بها لاهتدوا، أجيب عن هذا ~~بقوله تعالى في سياق التأكيد إظهارا لصفة القدرة والكبرياء والعظمة: { ~~إنك لا تهدي من أحببت } أي نفسه أو هدايته بخلق الإيمان في قلبه، وإنما ~~في يدك الهداية التي هي الإرشاد والبيان. # ولما كان ربما ظن من أجل الإخبار بتوصيل القول وتعليله ونحو ذلك من ~~أشباهه أن شيئا من أفعالهم يخرج عن القدرة، قال ms3428 نافيا لهذا الظن مشيرا ~~إلى الغلط في اعتقاده بقوله: { ولكن الله } المتردي برداء الجلال ~~والكبرياء والكمال وله الأمر كله { يهدي من يشاء } هدايته بالتوفيق إلى ~~ما يرضيه { وهو } أي وحده { أعلم بالمهتدين* } أي الذين هيأهم لتطلب ~~الهدى عند خلقه لهم، فيكونوا عريقين فيه سواء كانوا من أهل الكتاب أو ~~العرب، أقارب كانوا أو أباعد، روى البخاري في التفسير عن سعيد بن المسيب ~~عن أبيه رضي الله عنه: # " قال لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد ~~عنده أبا جهل وعبد الله بن أبي أمية بن المغيره، فقال: أي عم! قل: لا إله ~~إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله، فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي ~~أمية: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يعرضها عليه ويعيدانه بتلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم على ~~ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله، قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك، فأنزل الله عز وجل { ما كان ~~للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى } وأنزل ~~الله في أبي طالب فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم { إنك لا تهدي من ~~أحببت ولكن الله يهدي من يشاء } - الآية - " # انتهى وقال في كتاب التوحيد: { إنك لا تهدي من أحببت } قال سعيد بن ~~المسيب عن أبيه رضي الله عنه: نزلت في أبي طالب، وفي مسلم عن أبي هريرة ~~رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بالتوحيد فقال: لولا أن ~~تعيرني نساء قريش لأقررت بها عينك فأنزل الله الآية. # ولما عجب من حال قريش في طلبهم من الآيات مثل ما أوتي موسى عليه الصلاة ~~والسلام ثم كفرهم به وبما هو أعظم منه، وختم بأنه أعلم بأهل الخير وأهل ~~الشر، إشارة إلى الإعراض عن الأسف على أحد، والإقبال على عموم الدعاء ~~للقريب والبعيد على حد سواء، قال ms3429 دليلا على ذلك لأنهم إنما يتبعون ~~أهواءهم، عاطفا على قالوا { لولا أوتي } { وقالوا إن نتبع } أي غاية ~~الاتباع { الهدى } أي الإسلام فنوحد الله من غير إشراك { معك } أي وأنت ~~على ما أنت عليه من مخالفة الناس { نتخطف } أي من أي خاطف أردنا، لأنا ~~نصير قليلا في كثير. من غير نصير { من أرضنا } كما تتخطف العصافير ~~لمخالفة كافة العرب لنا، وليس لنا نسبة إلى كثرتهم ولا قوتهم فيسرعو ~~إلينا فيتخطفونا، أي يتقصدون خطفنا واحدا واحدا، فإنه لا طاقة لنا على ~~إدامة الاجتماع وأن لا يشذ بعضنا عن بعض؛ قال البغوي: والاختطاف: ~~الانتزاع بسرعة. # ولما كان التقدير في الرد على هذا الكلام الواهي: ألم نحمك ومن اتبعك ~~منهم وقد جئتموهم من الخلاف بمثل ما يخالفون هم، به العرب أو أشد، ولا ~~نسبة لكم إلى عددهم ولا جلدهم، عطف عليه قوله: { أولم نمكن } أي غاية ~~التمكين { لهم } في أوطانهم ومحل سكناهم بما لنا من القدرة { حرما آمنا ~~} أي ذا أمن يأمن فيه كل خائف حتى الطير من كواسرها والوحش من جوارحها، ~~حتى أن سيل الحل لا يدخل الحرم، بل إذا وصل إليه عدل عنه؛ قال ابن هشام ~~في استيلاء كنانة وخزاعة على البيت: وكانت مكة في الجاهلية لا تقر فيها ~~ظلما ولا بغيا، لا يبغي فيها أحد إلا أخرجته - انتهى. وكان الرجل يلقى ~~قاتل أبيه وابنه فيها فلا يهيجه ولا يعرض له بسوء؛ وروى الأزرقي في تأريخ ~~مكة بسنده عن حويطب بن عبد العزى رضي الله عنه قال: كانت في الكعبة حلق ~~يدخل الخائف يده فيها فلا يريبه أحد، فجاء خائف ليدخل يده فاجتذبه رجل ~~فشلت يده، فلقد رأيته في الإسلام وإنه لأشل، وروي عن ابن جريج قصة العرب ~~من غير قريش في أنهم كانوا يطوفون بالبيت عراة إلا إن أعارتهم قريش ~~ثيابا، فجاءت امرأة فطافت عريانة وكان لها جمال فرآها رجل فأعجبته فدخل ~~فطاف إلى جنبها، فأدنى عضده من عضدها، فالتزقت عضده بعضدها، فخرجا من ~~المسجد هاربين على وجوههما فزعين لما أصابهما ms3430 من العقوبة، فلقيهما شيخ من ~~قريش فأفتاهما أن يعودا إلى المكان الذي أصابا فيه الذنب، فيدعوان ~~ويخلصان أن لا يعودا، فدعوا وأخلصا النية، فافترقت أعضادهما فذهب كل واحد ~~منهما في ناحية، وبسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أخذ رجل ذود ابن ~~عم له فأصابه في الحرم فقال: ذودي: فقال اللص: كذبت، قال: فاحلف، فحلف ~~عند المقام، فقام رب الذود بين الركن والمقام باسطا يديه يدعو، فما برح ~~مقامه يدعو حتى ذهب عقل اللص وجعل يصيح بمكة: ما لي، وللزود، ما لي، ~~ولفلان - رب الزود، فبلغ ذلك عبد المطلب فجمع الزود فدفعه إلى المظلوم، ~~فخرج به وبقي الآخر متولها حتى وقع من جبل فتردى فأكلته السباع. # وعن أيوب بن موسى أن امرأة في الجاهلية كان معها ابن عم لها صغير فقالت ~~له: يا بني: إني أغيب عنك وإني أخاف أن يظلمك أحد، فإن جاءك ظالم بعدي ~~فإن لله بمكة بيتا لا يشبهه شيء من البيوت، وعليه ثياب ولا يقاربه مفسد، ~~فإن ظلمك ظالم يوما فعذبه، فإن له ربا سيمنعك، فجاءه رجل فذهب به ~~فاسترقه، قال: وكان أهل الجاهلية يعمرون أنعامهم فأعمر سيده ظهره، فلما ~~رأى الغلام البيت عرف الصفة فنزل يشتد حتى تعلق بالبيت، وجاءه سيده فمد ~~يده إليه ليأخذه، فيبست يده، فمد الأخرى فيبست، فاستفتى فأفتى أن ينحر عن ~~كل واحدة من يدية بدنة، ففعل فأطلقت يداه، وترك الغلام وخلى سبيله. وعن ~~عبد العزيز بن أبي رواد أن قوما انتهوا إلى ذي طوى، فإذا ظبي قد دنا ~~منهم، فأخذ رجل منهم بقائمة من قوائمه فقال له أصحابه: ويحك! أرسله، فجعل ~~يضحك ويأبى أن يرسله، فبعر الظبي وبال؛ ثم أرسله، فناموا في القائلة ~~فانتبهوا، فإذا بحية منطوية على بطن الرجل الذي أخذ الظبي، فلم تنزل ~~الحية عنه حتى كان منه من الحديث مثل ما كان من الظبي. وعن مجاهد قال: ~~دخل قوم مكة نجارا من الشام في الجاهلية فنزلوا ذا طوى فاختبزوا ملة لهم ~~ولم يكن معهم إدام، فرمى ms3431 رجل منهم ظبية من ظباء الحرم وهي حولهم ترعى ~~فقاموا إليها فسلخوها وطبخوا لحمها ليأتدموا به، فبينما قدرهم على النار ~~تغلي بلحمة إذ خرجت من تحت القدر عنق من النار عظيمة فأحرقت القوم جميعا ~~ولم تحترق ثيابهم ولا أمتعتهم ولا السمرات التي كانوا تحتها. # وفي سيرة أبي ربيع بن سالم الكلاعي أن رجلا من كنانة بن هذيل ظلم ابن ~~عم له فخوفه بالدعاء في الحرم، فقال: هذه ناقتي فلانة اركبها فاذهب إليه ~~فاجتهد في الدعاء، فجاء الحرم في الشهر الحرام، فقال: اللهم إني ادعوك ~~جاهدا مضطرا على ابن عمي فلان ترميه بداء لا دواء له، ثم انصرف فوجد ~~ابن عمه قد رمي في بطنه فصار مثل الزق، فما زال ينتفخ حتى انشق، وأن عمر ~~رضي الله عنه سال رجلا من بني سليم عن ذهاب بصره، فقال: يا أمير ~~المؤمنين! كنا بني ضبعاء عشرة، وكان لنا ابن عم فكنا نظلمه فكان يذكرنا ~~بالله، وبالرحم، فلما رأى أنا لا نكف عنه انتهى إلى الحرم في الأشهر ~~الحرم فجعل يرفع يديه يقول: # لا هم أدعوك دعاء جاهدا # اقتل بني الضبعاء إلا واحدا # ثم اضرب الرجل ودعه قاعدا # أعمى إذا قيد يعيي القائدا # قال: فمات إخوتي التسعة في تسعة أشهر في كل شهر واحد، وبقيت أنا فعميت، ~~ورماني الله عز وجل في رجلي، فليس يلائمني قائد، فقال عمر رضي الله عنه: ~~سبحان الله إن هذا لهو العجب، جعل الله هذا في الجاهلية إذ لا دين حرمة ~~حرمها وشرفها، لينتكب الناس عن انتهاك ما حرم مخافة تعجيل العقوبة، فلما ~~جاء الدين، صار الموعد الساعة، ويستجيب الله لمن يشاء، فاتقوا الله ~~وكونوا مع الصادقين - انتهى. وكأنه لمثل ذلك عبر بالتمكين ويتخطف الناس ~~من حولهم كما يأتي تأكيده في التي بعدها، وقد كان قبل ذلك بقعة من بقاع ~~الأرض لا مزية له على غيره بنوع مزية، فالتقدير: إنما فعلنا ذلك بعد سكنى ~~إسماعيل عليه الصلاة والسلام، توطئة لما أردنا من الحكم والأحكام، أو ليس ~~الذي قدر على ms3432 ذلك وفعله لمن يعبد غيره بقادر على حماية من يدخل في دينه، ~~وقد صار من حزبه بأنواع الحمايات، وإعلائه على كل من يناويه إلى أعلى ~~الدرجات، كما فعل في حمايتكم منهم ومن غيرهم من سائر المخالفين أعداء ~~الدين. # ولما وصفه بالأمن، أتبعه ما تطلبه النفس بعده فقال: { يجبى } أي يجمع ~~ويجلب مما لا يرجونه ولا قدرة لهم على استجلابه { إليه } أي خاصة، دون ~~غيره من جزيرة العرب { ثمرات كل شيء } من النبات الذي بأرض العرب من ثمر ~~البلاد الحارة كالبسر والرطب والموز والنبق، والباردة كالعنب والتفاح ~~والرمان والخوخ، وفي تعبيره بالمضارع وما بعده إشارة إلى الاستمرار وأنه ~~يأتي إليه بعد ذلك من كل ما في الأرض من المال، ما لم يخطر لأحد منهم في ~~بال، وقد صدق الله فيما قال كما تراه - ومن أصدق من الله قيلا. # ولما كان مجموع ما رزقهم في هذا الحرم من الأمن بأسبابه من الإسراع ~~باصابة من آذى فيه بأنواع العقوبات، وجباية هذه الثمرات، في غاية الغرابة ~~في تلك الأراضي اليابسة الشديدة الحر، المحفوفة من الناس بمن لا يدين ~~دينا، ولا يخشى عاقبة، ولا له ملك قاهر من الناس يرده، ولا نظام من ~~سياسة العباد يمنعه، عبر عنه سبحانه مع مظهر العظمة بلدان فقال: { رزقا ~~من لدنا } أي من أبطن ما عندنا وأغربه، لا صنع لأحد فيه كما تعلم ذلك أنت ~~ومن أتبعك ومن فيه قابلية الهداية منهم، وكل ذلك إنما هو لأجلك بحلولك في ~~هذا الحرم مضمرا في الأصلاب، ومظهرا في تلك أشعاب، توطئة لنبوتك، ~~وتمهيدا لرسالتك، ومتى غبت عنهم غاب عنهم ذلك كله وسينظرون. # ولما كان هذا الذي أبدوه عذرا عن تخلفهم عن الهدى يظنونه من نفائس ~~العلم، رده تعالى نافيا عمن لم يؤمن منهم جميع العلم الذي بنفيه ينتفي ~~أن يكون هذا الفرد علما، فقال في أسلوب التأكيد لذلك: { ولكن أكثرهم } ~~أي أهل مكة وغيرهم ممن لا هداية له { لا يعلمون* } أي ليس لهم قابلية ~~للعلم حتى يعلموا أنا نحن الفاعلون لذلك ms3433 بترتيب أسبابه حتى تمكن ذلك وتم ~~فلا قدرة لأحد على تغييره، وإنا قادرون على أن نمنعهم - إذا تابعوا أمرنا ~~- ممن يريدهم، بل نسلطهم على كل من ناواهم، كقدرتنا على ما مكنا لهم وهو ~~خارج عن القياس على ما يقتضيه عقول الناس، وإنا قادرون على سلب ذلك كله ~~عنهم لإصرارهم على الكفر، ولا بد أن نذيقهم ذلك أجمع بعد هجرتك ليعلموا ~~أنه إنما نالهم ذلك ببركتك، ولو علموا ذلك لشكروا، ولكنهم جهلوا فكفروا، ~~ولذلك أنذروا { ولتعلمن نبأه بعد حين }. # ولما أخبر تعالى أنه قادر على التأمين والإنجاء والتمكين مع الضعفة، ~~أتبعه الإعلام بقدرته على الإخافة والإهلاك مع القوة، ترغيبا لهم - إن ~~آمنوا - بإهلاك أضدادهم، وترهيبا - إن أصروا - من المعاملة بعكس مرادهم، ~~فقال في مظهر العظمة عاطفا على معنى الكلام: { وكم أهلكنا } ويجوز أن ~~يكون حالا من ضمير نمكن أي فعلنا بهم ما ذكرنا من النعمة مع ضعفهم ~~وعجزهم، والحال أنا كثيرا ما أهلكنا الأقوياء، وأشار إلى تأكيد التكثير ~~مع تمييز المبهم بقوله: { من قرية } ، وأشار إلى سبب الإهلاك بقوله: { ~~بطرت معيشتها } أي وقع منها البطر في زمان عيشها الرخي الواسع، فكان ~~حالهم كحالكم في الأمن وإدرار الرزق، فلما بطروا معيشتهم أهلكناهم، ومعنى ~~بطرهم لها أنهم شقوها بمجاوزة الحد في المرح، والأشر والفرح، إلى أن ~~تعدوها فأفسدوها وكفروها فلم يشكروها، بل فعلوا في تلقيها فعل الحائر ~~المدهوش، فلم يحسنوا رعايتها، وقل احتمالهم لحق النعمة فيها، فطغوا في ~~التقلب عند مصاحبتها وتكبروا بها، وتمادوا في الغي قولا وفعلا، من أجل ~~ما عمهم من الرفاهية عن تقييدها وساء احتمالهم للغنى بها، وطيب العيش ~~فيها، فأبطلوها بهذه الخصائل، وأذهبوها هدرا من غير مقابل، وذلك من قول ~~أهل اللغة: البطر: الأشر، وقلة احتمال النعمة، والدهش والحيرة والطغيان ~~بالنعمة، والفعل من الكل كفرح، وبطر الحق أن يتكبر عنه فلا يقبله، وبطره ~~كنصره وضربه: شقه، والبطور: الصخاب الطويل اللسان، والمتمادي في الغي، ~~وأبطره ذرعه: حمله فوق طاقته، وذهب دمه بطرا - بالكسر، أي هدرا وبطرهم ~~لها أنهم عصوا من ms3434 خولهم فيها، فخالفوا أمره، وأنساهم الكبر بما أعطاهم ~~ذكره. # ولما تسبب عن هذا الإخبار تشوف النفس إلى آثار هذه الديار، سبب عنه ~~الإشارة بأداة البعد إلى منازلهم، تنبيها على كثرتها وسهولة الوصول ~~إليها في كل مكان، لكونها بحيث يشار إليها وعلى بعد رتبتها في الهلاك ~~دليلا على الجملة التي قبلها فقال: { فتلك مساكنهم }. # ولما كان المعنى أنها خاوية على عروشها وصل به قوله: { لم تسكن } أي من ~~ساكن ما مختار أو مضطر. ولما كان المراد إفهام نفي قليل الزمان وكثيره، ~~أثبت الجار فقال: { من بعدهم } بعد أن طال ما تغالوا فيها ونمقوها، ~~وزخرفوها وزوقوها، وزفوا فيها الأبكار، وفرحوا بالأعمال الكبار، { إلا } ~~سكونا { قليلا } بالمارة عليها ساعة من ليل أو من نهار، ثم يصير تبابا ~~موحشة كالقفار، بعد أن كانت متمنعة القبا، ببيض الصفاح وسمر القنا. # ولما صارت هذه الأماكن بعد الخراب لا متصرف فيها ظاهرا إلا الله، ولا ~~حاكم عليها فيما تنظره العيون سواه، وكان هذا أمرا عظيما، وخطبا ~~جسيما، لأنه لا فرق فيه بين جليل وحقير، وصغير وكبير، وسلطان ووزير، دل ~~على ضخامته بقوله مكررا لمظهر العظمة: { وكنا } أي أزلا وأبدا { نحن } ~~لا غيرنا { الوارثين* } لم يستعص علينا أحد وإن عظم، ولا تأخر عن مرادنا ~~لحظة وإن ضخم، فليت شعري! أين أولئك الجبارون وكيف خلا دورهم، وعطل ~~قصورهم؟ المتكبرون أفنتهم والله كؤوس الحمام منوعة أشربة المصائب العظام، ~~وأذلتهم مصارع الأيام، بقوة العزيز العلام، فيا ويح من لم يعتبر بأيامهم، ~~ولم يزدجر عن مثل آثامهم. ### || [28.59-63] # ولما أظهر سبحانه سوط العذاب بيد القدرة، دل على وطأ العدل بثمرة الغنى، ~~ولكونه في سياق الرحمة بالإرسال عبر بالربوبية فقال: { وما كان } أي ~~كونا ما { ربك } أي المحسن إليك بالإحسان بإرسالك إلى الناس { مهلك ~~القرى } أي هذا الجنس كله بجرم وإن عظم { حتى يبعث في أمها } أي أعظمها ~~وأشرفها، لأن غيرها تبع لها، ولم يشترط كونه من أمها فقد كان عيسى عليه ~~الصلاة والسلام من الناصرة، وبعث في بيت المقدس { رسولا يتلوا عليهم ms3435 } ~~أي أهل القرى كلهم { آياتنا } الدالة - بما لها من الجري على مناهيج ~~العقول، على ما ينبغي لنا من الحكمة، وبما لها من الإعجاز - على تفرد ~~الكلمة، باهر العظمة، إلزاما للحجة، وقطعا للمعذرة، لئلا يقولوا { ربنا ~~لولا أرسلت إلينا رسولا } ولذلك لما أردنا عموم الخلق بالرسالة جعلنا ~~الرسول من أم القرى كلها، وهي مكة البلد الحرام، وفيها لأنها مع كونها ~~مدينة تجري فيها الأمور على قانون الحكمة هي في بلاد البوادي تظهر فيها ~~الكلمة، فجمعت الأمرين لأن المرسل إليها جامع، وجازت الأثرين لأن الختام ~~به واقع، وكان السر في جعل المؤيد لدينه عيسى عليهما الصلاة والسلام من ~~البادية كثرة ظهور الكلمة على يديه. # ولما غيى الإهلاك بالإرسال تخويفا، ضرب له غاية أخرى تحريرا للأمر ~~وتعريفا، ولكونه في سياق التجرؤ من أهل الضلال، على مقامه العال، ~~بانتهاك الحرمات، عبر بأداة العظمة فقال: { وما كنا } أي بعظمتنا وغنانا ~~{ مهلكي القرى } أي كلها، بعد الإرسال { إلا وأهلها ظالمون* } أي عريقون ~~في الظلم بالعصيان، بترك ثمرات الإيمان. # ولما اعتلوا في الوقوف عن الإيمان بخوف التخطف، فذكرهم نعمته عليهم ~~بإقامة أسباب الأمن وإدرار الرزق، وعرفهم أنه هو وحده الذي تخشى سطواته، ~~ويتقي أخذه لمن خالفه وبطشاته، وكان خوفهم من عواقب المتابعة إما على ~~أنفسهم وإما على ما بأيديهم من المتاع، علم من ذلك كله قطعا أن التقدير ~~بما سبب التخويف من عواقب الظلم بمثل مصارع الأولين: فأنفسكم في خطر من ~~خوف الهلاك من القادر عليكم كقدرته على من قبلكم بسبب التوقف عن المتابعة ~~أشد من خطر الخوف من التخطف بسبب المتابعة، أو يكون التقدير: فما خفتم ~~منه التخطف غير ضائركم، وكفكم عن المتابعة لأجله غير مخلدكم، فما إهلاككم ~~على الله بأي وجه كان - بعزيز، فعطف على هذا الذي أرشد السياق إلى تقديره ~~قوله: { وما أوتيتم } أي من أي مؤت كان { من شيء } أي من هذه الأشياء ~~التي بأيدكم وغيرها { فمتاع } أي فهو متاع { الحياة الدنيا } وليس يعود ~~نفعه إلى غيرها، فهو إلى نفاد وإن طال زمن ms3436 التمتع به { وزينتها } أي وهو ~~زينة الحياة الدنيا التي هي كلها - فضلا عن زينتها - إلى فناء، فليست هي ~~ولا شيء منها بأزلي ولا أبدي { وما عند الله } أي الملك الأعلى مما تثمره ~~لكم المتابعة من الثواب الذي وعدكموه في الدار الآخرة التي دل عليها ~~دلالة واضحة إطباقكم على وصف هذه بالدنيا، ومن أصدق وعدا منه { خير } ~~على تقدير مشاركة ما في الدنيا له في الخيرية في ظنكم، لأن الذي عنده ~~أكثر وأطيب وأظهر، وأحسن وأشهى، وأبهج وأزهى، { و } هو مع ذلك كله { أبقى ~~} لأنه وإن شارك متاع الدنيا في أنه لم يكن أزليا فهو أبدي. # فلما بان أنه لا يقدم على خطر المخالفة المذكور خوفا من خطر المتابعة ~~الموصوف عاقل، توجه الإنكار عليهم في قوله تعالى: { أفلا تعقلون* }. # ولما كان هذا سببا لأن ظهر كالشمس بون عظيم بين حال المخالف والمؤالف، ~~سبب عنه وأنتج قوله، مقررا لما ذكر من الأمرين موضحا لما لهما من ~~المباينة، منكرا على من سوى بينهما، فكيف بمن ظن أن حال المخالف أولى: { ~~أفمن وعدناه } على عظمتنا في الغنى والقدرة والصدق { وعدا } وهو الإثابة ~~والثواب { حسنا } لا شيء أحسن منه في موافقته لأمنيته وبقائه { فهو } ~~بسبب وعدنا الذي لا يخلف { لاقيه } أي مدركه ومصيبه لا محالة { كمن ~~متعناه } أي بعظمتنا { متاع الحياة الدنيا } فلا يقدر أحد غيرنا على سلبه ~~منه بغير إذن منا، ولا يصل أحد إلى جعله باقيا، وهو مع كونه فانيا وإن ~~طال زمنه مشوب بالأكدار، مخالط بالأقذار والأوزار { ثم هو } مع ذلك كله { ~~يوم القيامة } الذي هو يوم التغابن، من خسر فيه لا يربح أصلا، ومن هلك ~~لا يمكن عيشه بوجه { من المحضرين* } أي المقهورين على الحضور إلى مكان ~~يود لو افتدى منه بطلاع الأرض ذهبا، فإن كل من يوكل به لحضور أمر يتنكد ~~على حسب مراتب التوكيل كائنا من كان في أي أمر كان. # ولما كان اليوم وإن كان واحدا يتعدد بتعدد أوصافه، بما يقع في أثناءه ~~وأضعافه، على يوم القيامة تهويلا ms3437 لأمره، وتعظيما لخطره وشره، قوله ~~مقررا لعجز العباد، عن شيء من الإباء في يوم العباد: { ويوم يناديهم } ~~أي ينادي الله هؤلاء الذين يغرون بين الناس ويصدون عن السبيل، ويتعللون ~~في أمر الإيمان، وتوحيد المحسن الديان { فيقول } أي الله: { أين شركاءي } ~~أي من الأوثان وغيرهم؛ ثم بين أنهم لا يستحقون هذا الاسم بقوله: { الذين ~~كنتم } أي كونا أنتم عريقون فيه { تزعمون* } ليدفعوا عنكم أو عن أنفسهم. # ولما كان اسم الشريك يقع على من سواه الإنسان بآخر في شيء من الأشياء، ~~وكان الأتباع قد سووا المتبوعين الذين عبدوهم من الشياطين وغيرهم بالله ~~تعالى في الخضوع لهم، والطواعية في عبادة الأوثان، ومعاندة الهداة ~~ومعاداتهم، والصد عن أتباعهم، فكان اسم الشريك متناولا لهم، وكان بطش من ~~وقع الإشراك به يكون أولا بمن عد نفسه شريكا ثم بمن أنزله تلك المنزلة، ~~فتشوفت النفس إلى مبادرة الرؤساء بالجواب خوفا من حلول العقاب بهم ~~وزيادتهم بقيادتهم عليهم، فقيل: قالوا - هكذا الأصل، ولكنه أظهر إعلاما ~~بالوصف الذي أوجب لهم القول فقال: { قال الذين حق } أي ثبت ووجب { عليهم ~~القول } أي وقع عليهم معنى هذا الاسم وتناولهم، وهو العذاب المتوعد به ~~بأعظم القول، وهم أئمة الكفر، وقادة الجهل، بإنزالهم أنفسهم منزلة ~~الشركاء، وأفهم بإسقاط الأداة كعادة أهل القرب والتعبير بوصف الإحسان ~~أنهم وصلوا بعد السماجة والكبر إلى غاية الترقق والذل، فقال معبرا عن ~~قولهم: { ربنا هؤلاء } إشارة إلى الأتباع { الذين أغوينا } أي أوقعنا ~~الإغواء وهو الإضلال بهم بما زينا لهم من الأقوال التي أعاننا على قبولهم ~~أنها منا، مع كونها ظاهرة العوار، واضحة العار، ما خولتنا فيه في الدنيا ~~من الجاه والمال؛ ثم استأنفوا ما يظنون أنه يدفع عنهم فقالوا: { أغويناهم ~~} أي فغووا باختيارهم { كما غوينا } أي نحن لما أغوانا بما زين لنا من ~~فوقنا حتى تبعناهم، لم يكن هناك إكراه منا ولا إجبار، مع ما أتاهم من ~~الرسل ولهم من العقول، كما غوينا نحن باختيارنا، لم يكن ممن فوقنا إجبار ~~لنا كما قال إبليس # وما كان لي عليكم ms3438 من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي # [إبراهيم: 22] - فالآية من الاحتباك: حذف أولا { فغووا } لدلالة { ~~غوينا } عليه، وثانيا " لما أغوانا، من قبلنا " لدلالة { أغويناهم } ~~عليه ومرادهم، بقولهم هذا السفساف أنه لا لوم علينا في الحقيقة بسببهم، ~~وهذا معنى قولهم: { تبرأنا إليك } أي من أمرهم، فلا يلزمنا عقوبة بسببهم، ~~فهو تقرير لما قبل وتصريح به. # ولما كان يعلمون أنهم غير مؤمنين من أمرهم، تبرؤوا من انفرادهم ~~بإضلالهم، فقالوا لمن كأنه قال: ما وجه براءتكم وقد أقررتم باغوائهم؟: { ~~ما كانوا إيانا } أي خاصة { يعبدون* } بل كانوا يعبدون الأوثان بما زينت ~~لهم أهواؤهم وإن كان لنا فيه نوع دعاء لهم إليه وحث عليه، فأقل ما نريد ~~أن يوزع العذاب على كل من كان سببا في ذلك كما في الآية الأخرى { فهل ~~أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء } وضل عن الجهلة أن هذا لا يغنيهم عن ~~الله شيئا، فإن الكل في العذاب وليس يغني أحد منهم عن أحد شيئا، قال { ~~لكل ضعف ولكن لا تعلمون }. ### || [28.64-70] # ولما لم يلتفت إلى هذا الكلام منهم بل عد عدما، لأنه لا طائل تحته، ~~أشير إلى الإعراض عنه لأنه لا يستحق جوابا كما قيل " رب قول جوابه في ~~السكوت " بقوله: { وقيل } أي ثانيا للأتباع تهكما بهم وإظهارا لعجزهم ~~الملزوم لتحسرهم وعظم تأسفهم، وعبر بصيغة المجهول، إظهارا للاستهانة ~~بهم، وأنهم من الذل والصغار بحيث يجيبون كل أمر كائنا من كان: { ادعوا } ~~أي كلكم { شركاءكم } أي الذين ادعيتم جهلا شركتهم ليدفعوا عنكم. وأضافهم ~~هنا إليهم إشارة إلى أنهم لم يستفيدوا زعمهم أنهم شركاء الله - تعالى ~~الله عن ذلك علوا كبيرا - إلا أن أشركوهم فيما صرفوا إليهم من أموالهم ~~وأقوالهم، وأزمانهم وأحوالهم { فدعوهم } تعللا بما لا يغني، وتمسكا بما ~~يتحقق أنه لا يجدي، لفرط الغلبة واستيلاء الحيرة والدهشة { فلم يستجيبوا ~~لهم } كما يحق لهم بما لهم من وصف عدم الإدراك، والعجز والهلاك { ورأوا } ~~أي كلهم { العذاب } عالمين بأنه مواقعهم لا مانع له عنهم، فكان الحال ~~حينئذ مقتضيا لأن يقال ms3439 من كل من يراهم: { لو أنهم كانوا } أي كونا هو ~~لهم صفة راسخة { يهتدون* } أي يحصل منهم هدى ساعة من الدهر، تأسفا على ~~أمرهم، وتمنيا لخلاصهم، أو لو أن ذلك كان في طبعهم لنجوا من العذاب، أو ~~لما رأوه أصلا، أو لما اتبعوهم. # ولما أشار إلى أنه لا خلاص من ذلك الردى إلا بالهدى، أتبعه الإعلام بأنه ~~لا يمكن أحدا هناك أن يفعل ما قد يروج على سائله كما يفعل في هذه الدار ~~من إظهار ما لم يكن مكررا لتهويل ذلك اليوم وتبشيعه وتعظيمه وتفظيعه، ~~سائلا عن حق رسله عليهم الصلاة والسلام بعد السؤال عن حقه سبحانه، ~~مناديا بعجز الشركاء في الأخرى كما كانوا عاجزين في الأولى { ويوم ~~يناديهم } وهم بحيث يسمعهم الداعي، وينفذهم البصر، قد برزو الله جميعا ~~من كان منهم عاصيا ومن كان مطيعا في صعيد واحد، قد أخذ بأنفاسهم ~~الزحام، وتراكبت الأقدام على الأقدام، وألجمهم العرق، وعمهم الغرق { ~~فيقول ماذا } أي أوضحوا أو عينوا جوابكم الذي { أجبتم المرسلين* } أي به، ~~ولما لم يكن لهم قدم صدق ولا سابق حق بما أتتهم الرسل به من الحجج، ~~وتابعت عليهم من الأدلة، لم يكن لهم جواب إلا السكوت، وهو المراد بقوله: ~~{ فعميت } أي خفيت وأظلمت في غواية ولجاج { عليهم الأنباء } أي الأخبار ~~التي هي من العظمة بحيث يحق لها في ذلك اليوم أن تذكر، وهي التي يمكن أن ~~يقع بها الخلاص، وعداه بعلى إشارة إلى أن عماها وقع عليهم، فعم الكل ~~العمى فصاروا بحيث لا تهتدي الأنباء لعماها إليهم لتجددها، ولا يهتدون ~~إليها لانتشار عماها إليهم، وهذا كله إشارة إلى أنهم لم يقدموا عملا في ~~إجابة الرسل بحق أن يذكر في ذلك اليوم، بل أسلفوا من التكذيب والإساءة ما ~~يودون لو أن بينهم وبينه أمدا بعيدأ، وقال: { يومئذ } تكريرا لتخويف ~~ذلك اليوم وتهويله، وتقريرا لتعظيمه وتبجيله. # ولما تسبب عن هذا السؤال السكوت علما منهم بأنه ليس عند أحد منهم ما ~~يغني في جوابه من حسن القول وصوابه، وأنهم لا يذكرون ms3440 شيئا من المقال إلا ~~عاد عليهم بالوبال، قال مترجما عن ذلك: { فهم لا يتساءلون* } أي لا يسأل ~~أحد منهم أحدا عن شيء يحصل به خلاص، لعلمهم أنه قد عمهم الهلاك، ولات ~~حين مناص، ولأن كل منهم أبغض الناس في الآخر. # ولما علم بهذه الآيات حال من أصر على كفره وعمل سيئا بطريق العبارة، ~~وأشير إلى حال من تاب فوعد الوعد الحسن ألطف إشارة تسبب عن ذلك التشوف ~~إلى التصريح بحالهم، فقال مفصلا مرتبا على ما تقديره: هذا حال من أصر ~~على كفره { فأما من تاب } أي عن كفره وقال: { وآمن } تصريحا بما علم ~~التزاما، فإن الكفر والإيمان ضدان، لا يمكن ترك أحدهما إلا بأخذ الآخر { ~~وعمل } تصديقا لدعواه باللسان { صالحا }. # ولما كانت النفس نزاعة إلى النقائص، مسرعة إلى الدنايا، أشير إلى صعوبة ~~الاستمرار على طريق الهدى إلا بعظيم المجاهدة بقوله: { فعسى } أي فإنه ~~يتسبب عن حاله هذا الطمع في { أن يكون } أي كونا هو في غاية الثبات { من ~~المفلحين* } أي الناجين من شر ذلك اليوم، الظافرين بجميع المراد، ~~باستمرارهم على طاعتهم إلى الموت، وإنما لم يقطع له بالفلاح وإن كان مثل ~~ذلك في مجاري عادات الملوك قطعا، إعلاما بأنه لا يجب سبحانه شيء ليدوم ~~حذره، ويتقي قضاؤه وقدره، فإن الكل منه. # ولما كان كأنه قيل: ما لأهل القسم الأول لا يتوخون النجا من ضيق ذلك ~~البلا، إلى رحب هذا الرجا، وكان الجواب: ربك منعهم من ذلك، أو ما لم يقطع ~~لأهل هذا القسم بالفلاح كما قطع لأهل القسم الأول بالشقاء؟ وكان الجواب: ~~إن ربك لا يجب عليه شيء عطف عليه - إشارة إليه قوله { وربك } أي المحسن ~~إليك، بموافقة من وافقك ومخالفة منخالفك لحكم كبار، دقت عن فهم أكثر ~~الأفكار { يخلق ما يشاء } من الهدى الضلال وغيرهما، لأنه المالك المطلق ~~لا مانع له من شيء من ذلك { ويختار } أي يوقع الاختيار، لما يشاء فيريد ~~الكفر للأشرار، والإيمان للأبرار، لا اعتراض عليه، فربما ارتد أحد ممن ~~أظهر المتاب، لما سبق عليه من ms3441 الكتاب، فكان من أهل التباب فلا تأس على من ~~فاتك كائنا من كان، واعلم أنه ما ضر إلا نفسه، ومن فاتنا يكفيه أنا ~~نفوته. # ولما أفهم هذا أن غيره سبحانه إذا أراد شيئا لم يكن إلا أن يوافق مراده ~~تعالى، صرح به بقوله: { ما كان لهم الخيرة } أي أن يفعلوا أو يفعل لهم كل ~~ما يختارونه من إتيان الرسول بمثل ما أتى به موسى عليه الصلاة والسلام أو ~~غيره، اسم من الاختيار، يقام مقام المصدر، وهو أيضا اسم المختار، فهو ~~تعبير بالمسبب عن السبب لأنه إذا خلى عنه كان عقيما فكان عدما، قال ~~الرازي في اللوامع: وفيه دليل على أن العبد في اختياره غير مختار، فلهذا ~~أهل الرضى حطوا الرحال بين يدي ربهم، وسلموا الأمور إليه بصفاء التفويض، ~~يعني فإن أمرهم أو نهاهم بادروا، وإن أصابهم بسهام المصائب العظام ~~صابروا، وإن أعزهم أعزوا أنفسهم وأكرموا، وإن أذلهم رضوا وسلموا، فلا ~~يرضيهم إلا ما يرضيه، ولا يريدون إلا ما يريده فيمضيه: # وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي # متأخر عنه ولا متقدم # أجد الملامة في هواك لذيذة # حبا لذكرك فليلمني اللوم # وأهنتني فأهنت نفسي صاغرا # ما من يهون عليك ممن أكرم # ولما كان إيقاع شيء على غير مراده نقصا، وكان وقوع الشرك سفولا ~~وعجزا، قال تعالى مشيرا إلى نتيجة هذه الآيات في نفي ذلك عنه: { سبحان ~~الله } أي تنزه الجامع لصفات الكمال عن أن يختار أحد شيئا لا يريده فيص ~~إليه أو يقع بوجه عليه { وتعالى } أي علا علو المجتهد في ذلك، فعلوه لا ~~تبلغ العقول بوجه كنه هداه { عما يشركون* } لأنه لا إرادة لما ادعوهم ~~شركاء، ولو كانت لهم إرادة لتوقف إنفادها لعجزهم على إيجاد الخالق. # ولما كانت القدرة لا تتم إلا بالعلم، قال: { وربك } أي المحسن إليك ~~المتولي لتربيتك، كما هو بالغ القدرة، فهو شامل العلم { يعلم ما تكن } أي ~~تخفي وتستر { صدورهم } من كونهم يؤمنون على تقدير أن تأتيهم آيات مثل ~~آيات موسى أو لا يؤمنون، ومن كون ms3442 ما أظهر من أظهر منهم الإيمان بلسانه ~~خالصا أو مشوبا. # ولما كان علم الخفي لا يستلزم علم الجلي إما لبعد أو لغط أو اختلاط ~~أصوات يمنع تمييز بعضه عن بعض أو غير ذلك قال: { وما يعلنون* } أي ~~يظهرون، كل ذلك لديه سواء، فلا يكون لهم مراد إلا بخلقه. # ولما كان علمه بذلك إنما هو لكونه إلها، وكان غيره لا يعلم من علمه إلا ~~ما علمه، عبر عن ذلك بقوله: { وهو الله } أي المستأثر بالإلهية الذي لا ~~سمي له، الذي لا يحيط الوصف من عظمته بأكثر من أنه عظيم على الإجمال، ~~وأما التفاصيل كلها أو أقلها فهيهات هيهات؛ ثم شرح معنى الاسم الأعظم ~~بقوله { لا إله إلا هو } ثم علل ذلك بقوله: { له } أي وحده { الحمد } أي ~~الإحاطة بأوصاف الكمال { في الأولى والآخرة } وليس ذلك لشيء سواه إن ~~آمنوا أو كفروا { وله } أي وحده { الحكم } أي إمضاء القضاء على الإطلاق، ~~فلو أراد لقسرهم على الإيمان { وإليه } أي لا إلى غيره { ترجعون* } أي ~~بأيسر أمر يوم النفخ في الصور، لبعثرة القبور، بالبعث والنشور، ومع أنكم ~~الآن أيضا راجعون في جميع أحكامكم إليه ومقصورون عليه، إن شاء أمضاها، ~~وإن أراد ردها ولواها، ففي الايات غاية التقوية لقلوب المطيعين، ونهاية ~~الزجر والردع للمتمردين، بالتنبيه على كونه قادرا على جميع الممكنات، ~~علما بكل المعلومات، منزها عن النقائص والآفات يجزي الطائعين والعاصين ~~بالقسط. ### || [28.71-75] # ولما قامت على القدرة الشاملة والعلم التام وأنه الإله وحده إن وحدوا أو ~~الحدوا هذه الأعلام على هذا النظام، أقام دليلا دالا على ذلك كله بما ~~اجتمع فيه من العلم والحكمة وتمام القدرة، منبها على وجوب حمده مفصلا ~~لبعض ما يحمد عليه، فقال مقدما الليل لأن آيته عدمية، وهي أسبق: { قل } ~~لمن ربما عاندوا في ذلك، منكرا عليهم ملزما لهم، وعبر بالجمع لأنه أدل ~~على الإلزام، أعظم في الإفحام، فقال: { أرءيتم } أي أخبروني { إن جعل ~~الله } أي الملك الأعلى نظرا إلى مقام العظمة والجلال { عليكم الليل } ~~الذي به اعتدال حر النهار { سرمدا ms3443 } أي دائما، وقال: { إلى يوم القيامة ~~} تنبيها على أنه مما لا يتوجه إليه إنكار { من إله غير الله } العظيم ~~الشأن الذي لا كفوء له. # ولما كان النور نعمة في نفسه، ويعرف به خالقه، صرح به وطوى أثره فقال: { ~~يأتيكم بضياء } أي يولد نهارا تنتشرون فيه، ولقوة إعلامه بالقدرة ~~وتعريفه بالله عبر بهذا دون يؤتيكم ضياء، ولما كان الليل محل السكون ~~ومجمع الحواس، فهو أمكن للسمع وأنفذ للفكر، قال تعالى: { أفلا تسمعون* } ~~أي ما يقال لكم إصغاء وتدبر، كما يكون لمن هو في الليل فينتفع بسمعه من ~~أولي العقل { قل أرءيتم إن جعل الله } أي الذي له الأمر كله بجلاله وباهر ~~كماله { عليكم النهار } الذي توازن حرارته رطوبة الليل فيتم بهما صلاح ~~النبات، وغير ذلك من جميع المقدرات { سرمدا } أي دائما، من السرد، وهو ~~المتابعة بزيادة الميم مبالغة فيه { إلى يوم القيامة } أي الذي لا يسمع ~~عاقلا إنكاره { من إله غير الله } الجليل الذي ليس له مثيل، وهو على كل ~~شيء وكيل. # ولما كان الظلام غير مقصود في نفسه، وكان بعد الضياء في غاية التعريف ~~بموحده، عدل عن اسمه فقال معبرا لمثل ما مضى: { يأتيكم بليل } أي ينشأ ~~من ظلام؛ ثم بين بما يدل على ما حذفه من الأول فقال: { تسكنون فيه } ~~فالآية من الاحتباك: ذكر الضياء أولا دليلا على حذف الظلام ثانيا، ~~والليل والسكون ثانيا دليلا على حذف النهار والانتشار أولا. # ولما كان الضياء مما ينفذ فيه البصر قال: { أفلا تبصرون* } أي بالبصر ~~والبصيرة كيف تنقشع جلابيب الظلام، عن وجوه الضياء الغر الكرام، ثم تتقنع ~~بسواد أردية الحياء، وجوه الأنوار والضياء قال ابن هبيرة: قال المبرد: ~~سلطان السمع في الليل وسلطان البصر في النهار. # ولما كان التقدير: فمن حكمته جعل لكم السمع والأبصار، لتتدبروا آياته، ~~وتتبصروا في مصنوعاته، عطف عليه { ومن رحمته } أي التي وسعت كل شيء لا من ~~غيرها من خوف أو رجاء أو تعلق غرض من الأغراض { جعل لكم الليل والنهار } ~~آيتين عظيمتين دبر فيهما وبهما جميع مصالحكم، ms3444 وادخر معظم رحمته إلى ~~الآخرة، ومحا آية الليل { لتسكنوا فيه } أي فلا تسعوا في معاشكم { و } ~~جعل آية النهار مبصرة { لتبتغوا من فضله } بأن تسعوا في معاشكم بجهدكم، ~~فالآية من الاحتباك: ذكر أولا السكون دليلا على حذف السعي في المعاش ~~ثانيا، والابتغاء ثانيا دليلا على حذف عدم السعي في المعاش أولا. # ولما ذكر هذه النعمة التي أسبغها من هذه الرحمة، وذكر علة جعله لها على ~~الصفة المذكورة، ذكر علة أخرى هي المقصودة بالذات لأنها نتيجة السمع ~~والبصر اللذين، قدم الحث على استعمالهما فقال: { ولعلكم تشكرون* } أي ~~وليكون حالكم حال من يرجى منه الشكر بما يتجدد لكم بتقبلهما من النعم ~~المتوالية المذكورة بالمنعم، وبما دبر لكم رفقا بكم فيما كفلكم به في ~~دار الأسباب من أمر المعاش والمعاد من الراحة بالسكون إثر ما أفادكم من ~~الأرباح والمنح بالانتشار والتقلب، وأما الآخرة فلما كانت غير مبينة على ~~الأسباب، وكان الجنة لا تعب فيها بوجه من الوجوه، كان لا حاجة فيها إلى ~~الليل. # ولما ذكر ما للمفلح من الرجاء في يوم الجزاء، وأتبعه الإعلام بأن ~~الهداية إلى الفلاح إنما هي به، ودل على ذلك إلى أن ذكر ايام الدنيا ~~المشتملة على الليل والنهار على وجه دال على وحدانيته، معلم بالقدرة على ~~البعث بعد الموت بتكرير إيجاد كل من الملوين بعد إعدامه وتكرير إماتة ~~الناس بالنوم، ثم نشرهم باليقظة، وختم ذلك بالشكر إشارة إلى أنه سبب ~~الفلاح، عاد إلى يوم الجزاء الذي تظهر فيه ثمرة ذلك كله، مقرعا على ~~الإشراك مع ظهور هذه الدلائل على التوحيد، وعدم شبهة قائمة على الشرك غير ~~محض التقليد، فقال منبها على عجزهم عن البرهان عند استحقاق البرهان في ~~يوم التناد، لمحضر من الأشهاد، مع ما فيه من التأكيد للتهويل بالتكرير، ~~والتاطيد للتهليل والتقرير: { ويوم يناديهم } أي هؤلاء الذي يظنون أنهم ~~معجزون { فيقول } بلسان الغضب والإخزاء والتوبيخ وقد جمعوا جمعا: { أين ~~شركاءي } وكرر الإشارة إلى أن إشراكهم إنما هو بالاسم لا معنى فيه أصلا ~~فقال: { الذين كنتم } أي بغاية ms3445 جهدكم حتى صار لكم ذلك لمكة { تزعمون* } ~~بلا شبهة لكم في ذلك عند التحقق أصلا. # ولما ذكر الدليل الأول من الدليل على إبطال الشركة أن الشركاء لم ~~يستجيبوا لهم ولا كانت لهم قدرة على نصرهم ولا نصر أنفسهم، وكان ربما ~~قيل: إن ذلك الشيء عبر العجز، دل هنا على الإشراك لا شبهة دليل فقال ~~صارفا بقول إلى مظهر التكلم بأسلوب العظمة لأنه مجرد فعال { ونزعنا } أي ~~أفردنا بقوة وسطوة { من كل أمة شهيدا } أي وهو رسولهم، فشهد عليهم ~~بأعمالهم وما كانوا فيه من الارتباك في أشراك الإشراك. # ولما تسبب عن ذلك سؤالهم عن سندهم في إشراكهم قال: { فقلنا } أي للأمم: ~~{ هاتوا برهانكم } أي دليلكم القطعي الذي فزعتم في الدنيا إليه، وعولتم ~~في شرككم عليه، كما هو شأن ذوي العقول أنهم لا يبنون شيئا على غير أساس ~~{ فعلموا } بسبب هذا السؤال لما اضطروا ففتشوا واجتهدوا فلم يجدوا لهم ~~سندا أصلا { أن الحق } أي في الإلهية { لله } أي الملك الأعلى الذي له ~~الأمر كله ولا مكافىء له، لا شركة لشيء معه { وضل } أي غاب وبطل غيبة ~~الشيء الضائع { عنهم ما كانوا } أي كونا هو كالجبلة لهم { يفترون* } أي ~~يقولونه قول الكاذب المتعمد للكذب لكونه لا دليل عليه ولا شبهة موجبة ~~للغلط فيه. ### || [28.76-80] # ولما دل على عجزهم في تلك الدار، وعلمهم أن المتصرف في جميع الأقدار، ~~إنما هو الواحد القهار، دل على أن ذلك له أيضا في هذه الدار وقوع العلم ~~به بإهلاك أولي البطر، والمرح والأثر، من غير أن يغنوا عمن أضلوا، أو ~~يغني عنهم من أضلهم من ناطق، وما أضلهم من صامت، تطبيقا لعموم { وكم ~~أهلكنا من قرية بطرت معيشتها } على بعض الجزئيات، تخويفا لمن كذب النبي ~~صلى الله عليه وسلم، لا سيما من نسبه إلى السحر، وإعلاما بأن الأنبياء ~~عليهم الصلاة والسلام يقاطعون الأشقياء وإن كانوا أقرب الأقرباء، لأنه ~~سبحانه عذب قارون ومن كان معه بعذاب لم يسبقهم فيه أحد، وهم من بني ~~إسرائيل ومن أقرب بني إسرائيل إلى ms3446 موسى عليه الصلاة والسلام، فعلم كان من ~~كان اغتر بما أوتيه أن الحق لله في كل ما دعت إليه رسله، ونطقت به كتبه، ~~وضل عنهم ما كانوا يفتقرون، ولم يغن عنهم شيئا ما اعتمدوا عليه، فكان ~~معبودهم في الحقيقة مما جمعوه من حطام الدنيا فاعتدوا أنهم نالوا به ~~السعادة الدائمة والعز الباقي، فكان مثله - كما يأتي في التي بعده - كمثل ~~العنكبوت اتخذت بيتا، وكل ذلك بمرأى من موسى عليه الصلاة والسلام حين ~~كذبه ونسبه إلى السحر وتكبر عليه، فلم يسأل الله تعالى فيه لخروجه ~~باستكباره من الوعد بالمنة على الذين استضعفوا في الأرض، وكان ذلك العذاب ~~الذي عذبوا به من جنس ما عذب به فرعون في الصورة من حيث إنه تغييب وإن ~~كان ذلك في مائع، وهذا صلب جامد، ليعلم أنه قادر على ما يريد، ليدوم منه ~~الحذر، فيما سبق منه القضاء والقدر، ونزع موسى عليه الصلاة والسلام من كل ~~سبط من أسباط بني إسرائيل شهيدا من عصبهم وقال لهم: هاتوا برهانكم فيها، ~~فعلموا بإبراق عصا هاورن عليه الصلاة والسلام دون عصيهم أن الحق لله في ~~أمر الحبورة وفي جميع أمره فقال: { إن قارون } ويسمى في التوراة قورح، ثم ~~بين سبب التأكيد بقوله: { كان } أي كونا متمكنا { من قوم موسى } ~~تنبيها على أنه جدير بأن ينكر كونه كذلك لأنه فعله معهم لا يكاد يفعله ~~أحد مع قومه، وذلك أنه كان من الذين آمنوا به وقلنا فيهم { ونريد أن نمن ~~على الذين } إلى آخره، لأنه ابن عم موسى عليه الصلاة والسلام على ما حكاه ~~أبو حيان وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما { فبغى عليهم } أي تجاوز الحد ~~في احتقارهم بما خولناه فيه من هذا الحطام المتلاشي، والعرض الفاني، فقطع ~~ما بينه وبينهم من الوصلة، ووصل ما بينه وبين فرعون وأضرابه، من الفرقة، ~~فأخرجه ذلك من حوزة المنة والأمانة والوراثة إلى دائرة الهلاك والحقارة ~~والخيانة، كما بغى عليهم فرعون؛ وكان أصل " بغى " هذه: أراد، لكن لما كان ~~العبد لا ينبغي أن ms3447 يكون له إرادة، بل الإرادة لسيده كما نبه عليه { ما ~~كان لهم الخيرة } ، جعلت إرادته تجاوز الحد، وعديت ب " على " المقتضية ~~للاستعلاء تنبيها على خروجها عن أصلها. # ولما ذكر بغيه، ذكر سببه الحقيقي، فقال: { وآتيناه } أي ومع كوننا ~~أنعمنا عليه بجعله من حزب أصفيائنا آتيناه بعظمتنا { من الكنوز } أي ~~الأموال المدفونة المدخرة، فضلا عن الظاهرة التي هي بصدد الإنفاق منه ~~لما عساه يعرض من المهمات { ما } أي الذي أو شيئا كثيرا لا يدخل تحت ~~حصر حتى { إن مفاتحه } أي مفاتح الأغلاق التي هو مدفون فيما وراء أبوابها ~~{ لتنوء } أي تميل بجهد ومشقة لثقلها { بالعصبة } أي الجماعة الكثيرة ~~التي يعصب - أي يقوي - بعضهم بعضا، وفي المبالغة بالتعبير بالكنوز ~~والمفاتيح والنوء والعصبة الموصوفة ما يدل على أنه أوتي من ذلك ما لم ~~يؤته أحد ممن هو في عداده، وكل ذلك مما تستبعده العقول، فلذلك وقع ~~التأكيد { أولي القوة } أي تميلهم من أثقالها إياهم، والنوء: الميل، قال ~~الرازي: والنوء: الكوكب مال عن العين عند الغروب، يقال: ناء بالحمل - إذا ~~نهض به مثقلا، وناء به الحمل - إذا أماله لثقله. # ولما ذكر بغيه، ذكر وقته، والوقت قد يكون واسعا كما نقول: جرى كذا عام ~~كذا، وفيه التعرض للسبب فقال: { إذ قال له } وقال: { قومه } إشارة إلى ~~تناهي بغيه بافتخاره وكبره على أقاربه الذين جرت العادة أن لا يغضب ~~كلامهم ولا يؤرث التعزر عليهم ولا يحمل إلا على النصح والشفقة، وساغت ~~نسبة القول للكل وإن كان القائل البعض، بدليل ما يأتي، إما عدا للساكت ~~قائلا لرضاه به لأنه مما لا يأباه أحد، وإما لأن أهل الخير هم الناس، ~~ومن عداهم عدم: { لا تفرح } أي لا تسر سرورا يحفر في قلبك فيتغلغل فيه ~~فيحرفك إلى الأشر والمرح، فإن الفرح بالعرض الزائل يدل على الركون إليه، ~~وذلك يدل على نسيان الآخرة، وذلك على غاية الجهل والطيش وقلة التأمل ~~للعواقب، فيجر إلى المرح فيجر إلى الهلاك، قال الرزاي: ومن فرح بغير ~~مفروح به استجلب حزنا لا انقضاء له، وعللوا ms3448 نهيهم له بما يفهم أشد ~~الشفقة والمحبة فقالوا مؤكدين لاستبعاد من يرى تواصل النعم السارة على ~~أحد أن يكون غير محبوب: { إن الله } أي الذي له صفات الكمال فلا شيء أجل ~~منه، فبه ينبغي أن يفرح { لا يحب } أي لا يعامل معاملة المحبوب { ~~الفرحين* } أي الراسخين في الفرح بما يفنى، فإن فرحهم يدل على سفول ~~الهمم. # ولما كان ترك الفرح سببا للزهد، وهو سبب القرب إلى الله، كان كأن قيل: ~~وازهد فيه إن الله يحب الزاهدين { وابتغ } أي اطلب طلبا تجهد نفسك فيه { ~~فيما آتاك الله } أي الملك الأعظم الذي له الأمر كله من هذه الأموال حال ~~تمكنك { الدار الآخرة } بإنفاقه فيما يحبه الله بحيث يكون ابتغاؤك ذلك ~~مظروفا له فيكون كالروح والمؤتى كالجسد ليكون حيا بذلك الابتغاء، فلا ~~يكون منه شيء بغير حياة، فإن فعلك لذلك يذكرك أن هذه الدار دار قلعة ~~وارتحال، وكل ما فيها إلى زوال، وذلك يوجب الزهد في جميع ما فيها من ~~الأموال. # ولما كان ذلك شديد المشقة على النفوس مع ما فيه من شائبة الاتهام قالوا: ~~{ ولا تنس } أي تترك ترك الناسي { نصيبك من الدنيا } ترك المنسي، بل ~~استعمل المباحات من المآكل والملابس والمناكح والمساكن وما يلائمها، ~~وليكن استعمالك لذلك - كما دل عليه السياق - من غير إسراف ولا مخيلة توجب ~~ترك الاتصاف بالإنصاف؛ وعن علي رضي الله عنه: ولا تنس صحتك وقوتك ونشاطك ~~وغناك أن تطلب به الآخرة. # ولما أطلق له الاقتصاد في التمتع بالزاد، وكانت النفس مجبولة على الشره، ~~فإذا أذن لها من الدنيا في نقير جعلته أكبر كبير، أتبعوا ذلك ما لعله يكف ~~من شرهها فقالوا: { وأحسن } أي أوقع الإحسان بدفع المال إلى المحاويج، ~~والإنفاق في جميع الطاعات { كما أحسن الله } أي الجامع لصفات الكمال، ~~المتردي برداء العظمة والجلال { إليك } بأن تعطي عطاء من لا يخاف الفقر ~~كما أوسع عليك. # ولما كانت النفس من شأنها إن لم تزم بزمام الشرع الإسراف والإجحاف، ~~قالوا: { ولا تبغ } أي لا ترد إرادة ما { الفساد في ms3449 الأرض } بتقتير ولا ~~تبذير، ولا تكبر على عباد الله ولا تحقير، ثم أتبع ذلك علته مؤكدا لأن ~~أكثر المفسدين يبسط لهم في الدنيا، وأكثر الناس يستبعد أن يبسط فيها لغير ~~محبوب، فقيل: { إن الله } أي العالم بكل شيء، القدير على كل شيء { لا يحب ~~المفسدين* } أي لا يعاملهم معاملة من يحبه، فلا يكرمهم. # ولما كان مما قالوه أن الذي أعطاه ذلك إنما هو الله، وكان قد أبطرته ~~النعمة حتى على خالقه حتى حصل التشوف إلى جوابه فقيل في أسلوب التأكيد ~~لأن كل أحد يعلم من نفسه العجز، وأن غيره ينكر عليه فيما يدعي أنه حصله ~~بقوته: { قال إنما أوتيته } أي هذا المال { على علم } حاصل { عندي } فأنا ~~مستحق لذلك، وذلك العلم هو السبب في حصوله، لا فضل لأحد علي فيه - بما ~~يفيده التعبير بإنما، وبناء الفعل للمجهول إشارة إلى عدم علمه بالمؤتى من ~~هو، وقد قيل: إن ذلك العلم هو الكيمياء. # ولما كان التقدير: ألا يخاف أن يسلبه الله - عقوبة له على هذا - علمه ~~وماله ونفسه؟ ألم يعلم أن ذلك إنما هو بقدرة الله؟ لا صنع له في الحقيقة ~~في ذلك أصلا، لأن الله قد أفقر من هو أجل منه حيلة وأكثر علما، وأعطى ~~أكثر منه من لا علم له ولا قدرة، فهو قادر على إهلاكه، وسلب ما معه ~~وإفنائه، كما قدر على إيتائه، عطف عليه قوله منكرا عليه: { أولم يعلم أن ~~الله } أي بما به من صفات الجلال والعظمة والكمال { قد أهلك } ونبه على ~~أنه لم يتعظ مع مشاهدته للمهلكين الموصوفين مع قرب الزمان بإدخال من في ~~قوله: { من قبله } ولو حذفها لاستغرق الإهلاك على ذلك الوصف جميع ما ~~تقدمه من الزمان { من القرون } أي الذين هم في الصلابة كالقرون { من هو ~~أشد منه } أي قرون { قوة } أي في البدن، والمعاني من العلم وغيره، ~~والأنصار والخدم { وأكثر جمعا } في المال والرجال، آخرهم فرعون الذي ~~شاوره في ملكه، وحقق أمره يوم مهم هلكه، وكان يستعبده أمثالة ويسومهم سوء ~~العذاب، ولم ms3450 يعاملهم معاملة من يحبه ولا امتنع عليه ذلك لعلم عند أحد ~~منهم ولا جمع، بل أخذهم لبغيهم وقبح تقلبهم وسعيهم. # ولما كانت عادة أهل الدنيا أنهم إذا غضبوا من أحد فأرادوا إهلاكه ~~عاتبوه، فتارة يحلف على نفي الذنب فيقبل منه وإن كان كاذبا، وتارة يكشف ~~الحال عن أن باطن أمره على خلاف ما ظهر من شره، فيكون له عذر خفي، أشار ~~سبحانه إلى أن ذلك لا يفعله إلا جاهل بحقائق الأمور ومقادير ما يستحق على ~~كل ذنب من العقوبة، وأمل المطلع على بواطن الضمائر وخفايا السرائر فغني ~~عن ذلك، فقال تعالى ذاكرا لحال المفعول وهو { من }: { ولا } أي أهلكهم ~~والحال أنهم لا يسألون - هذا الأصل، ولكنه قال: { يسأل } أي من سائل ما { ~~عن ذنوبهم المجرمون* } فأظهر لإفادة أن الموجب للإهلاك الإجرام، وهو قطع ~~ما ينبغي وصله بوصل ما ينبغي قطعه، ولهذا سبب وعقب عن وعظهم الحسن وجوابه ~~الخشن قوله سبحانه دليلا على إجرامه، وطغيانه في آثامه: { فخرج على قومه ~~} أي الذين نصحوه في الإقتصاد في شأنه، والإكثار في الجود على إخوانه، ثم ~~ذكر حاله معظما لها بقوله: { في زينته } أي التي تناسب ما ذكرنا من ~~أمواله، وتعاظمه في كماله من أفعاله وأقوله. # ولما كان كأنه قيل: ما قال قومه؟ قيل: { قال الذين يريدون } أي هم بحيث ~~يتجدد منهم أن يريدوا { الحياة الدنيا } منهم لسفول الهمم وقصور النظر ~~على الفاني، لكونهم أهل جهل وإن كان قولهم من باب الغبطة لا من الحسد ~~الذي هو تمني زوال نعمة المحسود: { يا ليت لنا } أي نتمنى تمنيا عظيما ~~أن نؤت من أي مؤت كان وعلى أي وجه كان { مثل ما أوتي قارون } من هذه ~~الزينة وما تسببت عنه من العلم، حتى لا نزال أصحاب أموال، ثم عظموها ~~بقولهم مؤكدين لعلمهم أن من يريد الآخرة ينكر عليهم: { إنه لذو حظ } أي ~~نصيب وبخت في الدنيا { عظيم* } بما أوتيه من العلم الذي كان سببا له إلى ~~جميع هذا المال، ودل على جهلهم وفضل العلم الرباني وحقارة ms3451 ما أوتي قارون ~~من المال والعلم الظاهر الذي أدى إليه باتباعه قوله: { وقال الذين } وعظم ~~الرغبة في العلم بالبناء للمفعول إشارة إلى أنه نافع بكل اعتبار وباعتبار ~~الزهد، وبالتعبير عن أهل الزهد به فقال: { أوتوا العلم } أي من قومه، ~~فشرفت أنفسهم عن إرادة الدنيا علما بفنائها، زجرا لمن تمنى مثل حاله، ~~وشمرا إلى الآخرة لبقائها: { ويلكم } أي عجبا لكم، أو حل بكم الشر ~~حلولا، وأصل ويل، " وي " قال الفراء: جيء بلام الجر بعدها مفتوحة ما ~~المضمر نحو وي لك، ووي له، أي عجبا لك وله، ثم خلط اللام بوي لكثرة ~~الاستعمال حتى صارت كلام الكلمة فصار معربا بإتمامه ثلاثيا، فجاز أن ~~يدخل بعدها لام أخرى في نحو ويلا لك، لصيرورة الأول لام الكلمة، ثم نقل ~~إلى باب المبتدأ فقيل: ويل لك، وهو باق على ما كان عليه في حال النصب إذ ~~الأصل في ويل لك: هلكت ويلا، أي هلاكا فرفعوه بعد حذف الفعل نفضا ~~لغبار الحدوث، وقيل: أصل ويل الدعاء بالهلاك، ثم استعمل في الزجر والردع ~~والبعث على ترك ما لا يرتضى كما استعمل لا أبا لك - وأصله الدعاء على ~~الرجل - في الحث على الفعل، فكأنهم قالوا: ما لنا يحل بنا الويل؟ ~~فأخبروهم بما ينبغي معرضين عما استحقوا به الويل من التمني، تحقيرا لما ~~استفزهم حتى قالوه فقالوا: { ثواب الله } أي الجليل العظيم { خير } أي من ~~هذا الحطام، ومن فاته الخير حل به الويل؛ ثم بينوا مستحقه تعظيما له ~~وترغيبا للسامع في حاله فقالوا: { لمن آمن وعمل } أي تصديقا لإيمانه { ~~صالحا } ثم بين سبحانه عظمة هذه النصيحة وعلو قدرها بقوله مؤكدا لأن ~~أهل الدنيا ينكرون كونهم غير صابرين: { ولا يلقاها } أي لا يجعل لاقيا ~~لهذا الكلمات أوالنصيحة التي قالها أهل العلم، أي عاملا بها { إلا ~~الصابرون* } أي على قضاء ربهم في السراء والضراء، والحاملون أنفسهم على ~~الطاعات الذين صار الصبر لهم خلقا، وعبر بالجمع ترغيبا في التعاون ~~إشارة إلى أن الدين لصعوبته لا يستقل به الواحد. ### || [28.81-82] # ولما تسبب عن ms3452 نظره هذا الذي أوصله إلى الكفر بربه أخذه بالعذاب، أشار ~~إلى ذلك سبحانه بقوله: { فخسفنا } أي بما لنا من العظمة { به وبداره } أي ~~وهي على مقدار ما ذكرنا من عظمته بأمواله وزينته، فهي أمر عظيم، تجمع ~~خلقا كثيرا وأثاثا عظيما، لئلا يقول قائل: إن الخسف به كان للرغبة في ~~أخذ أمواله { الأرض } وهو من قوم موسى عليه الصلاة والسلام وقريب منه ~~جدا - على ما نقله أهل الأخبار - فإياكم يا أمة هذا النبي أن تردوا ما ~~آتاكم من الرحمة برسالته فتهلكوا وإن كنتم أقرب الناس إليه فإن الأنبياء ~~كما أنهم لا يوجدون الهدى في قلوب العدى، فكذلك لا يمنعونهم من الردى ولا ~~يشفعون لهم أبدا، إذا تحققوا أنهم من أهل الشقا { فما } أي فتسبب عن ذلك ~~أنه ما { كان له } أي لقارون، وأكد النفي - لما استقر في الأذهان أن ~~الأكابر منصورون - بزيادة الجار في قوله: { من فئة } أي طائفة من الناس ~~يكرون عليه بعد أن هالهم ما دهمه، وأصل الفئة الجماعة من الطير - كأنها ~~سميت بذلك لكثرة رجوعها وسرعته إلى المكان الذي ذهبت منه { ينصرونه }. # ولما كان الله تعالى أعلى من كل شيء قال: { من دون الله } أي الحائز ~~لصفات الكمال، المتردي بالعظمة والجلال، لأن من كان على مثل رأيه هلك، ~~ومن كان من أولياء الله راقب الله في أمره، فلم يسألوا الله فيه، وعلم هو ~~أن الحق لله، وضل عنه - كما في الآية التي قبلها - ما كان يفتري { وما ~~كان } أي هو { من المنتصرين* } لأنفسهم بقوتهم. ولما خسف به فاستبصر ~~الجهال الذين هم كالبهائم لا يرون إلا المحسوسات، عبر عن حالهم بقوله: { ~~وأصبح } أي وصار، ولكنه عبر به لمقابلة الأمس، وإعلاما بأن ما رأوا من ~~حاله ملأ صدورهم فلم يكن لهم هم سواه { الذين تمنوا } أي أرادوا إرادة ~~عظيمة بغاية الشغف أن يكونوا { مكانه } أي يكون حاله ومنزلته في الدنيا ~~لهم { بالأمس } أي الزمان الماضي القريب وإن لم يكن يلي يومهم الذي هم ~~فيه من قبله { يقولون ويكأن } هذه الكلمة ms3453 والتي بعدها متصلة بإجماع ~~المصاحف، وعن الكسائي أنه يوقف على الياء من وى، وعن أبي عمرو أنه يوقف ~~على الكاف: ويك، قال الرضي في شرح الحاجبية: وي للتندم أو للتعجب، ثم ~~قال: وهو عند الخليل وسيبويه " وي " للتعجب، ركبت مع " كأن " التي ~~للتشبيه، وقال الفراء: كلمة تعجب ألحق بها كاف الخطاب نحو ويك عنتر أقدم، ~~أي من قوله في قصيدته الميمية المشهورة إحدى المعلقات السبع: # ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها # قيل الفوارس ويك عنتر أقدم # أي ويلك وعجبا منك، وضم إليها " أن " فالمعنى: ألم تر أنه، ونقل ابن ~~الجوزي هذا عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال الفراء: ولما صار معنى ويكأن ~~ألم تر، لم تغير كاف الخطاب للمؤنث والمثنى والمجموع بل لزم حالة واحدة، ~~وقال الجعبري في شرح الشاطبية: وي صوت يقوله المتندم والمتعجب، وويك أصله ~~ويلك، حذفت لامه تخفيفا لكثرة دوره؛ والكاف للخطاب وفتحت " أن " لإضمار ~~العلم؛ وقال قطرب: لتقدير اللام، ونشأ من التركيب معنى: ندمنا على ~~تفريطنا، وتعجبنا من حالنا، وتحققنا خلاف اعتقادنا، ورسمت متصلة تنبيها ~~على التركيب، وقال القزاز في ديوانه الجامع: ويك كلمة ينبه بها الإنسان، ~~وقيل: معناها رحمة، ووي معناها التنبيه والإنكار، وقال الإمام عبد الحق: ~~وي كلمة تقال في التعجب والاستدراك، وقيل: وي حزن، وقال قطرب: وي كلمة ~~تفجع - انتهى. وقال سيبويه في باب ما ينتصب فيه الخبر بعد الأحرف الخمسة: ~~وسألت الخليل عن هذه الآية فزعم أنها وي مفصولة من كأن والمعنى وقع على ~~أن القوم انتبهوا فتكلموا على قدر علمهم، أو نبهوا فقيل لهم: أما يشبه أن ~~يكون هذا عندكم هكذا - والله تعالى أعلم، وأما المفسرون: فقالوا: ألم تر ~~أن الله. فالمعنى الذي يجمع الأقوال حينئذ: تعجبا أو ويلا أو تندما ~~على ما قلنا في تبين غلطنا، وتنبيها على الخطأ، أو هلاك لنا، إو إنكار ~~علينا، أو حزن لنا، أو تفجع علينا، أو استدراك علينا، أو رحمة لنا، أو ~~تنبه منا، أو تنبيه لنا، ثم عللوا ذلك بقولهم: أن الله، أو ms3454 يشبه أن الله، ~~أو ألم تر أيها السامع والناظر أن الله، وقال الرازي: اسم سمي به القول، ~~أي أعجب، ومعناه التنبيه؛ ثم ابتدأ كأن { الله } أي الملك الأعلى الذي له ~~الأمر كله { يبسط الرزق } أي الكامل { لمن يشاء } سواء كان عنده ما يحتال ~~به على الرزق أم لا. # ولما كانت القصة لقارون، وكان له من المكنة في الدنيا ما مضى ذكره، ~~وكانت العادة جارية بأن مثله يبطر وقد يؤدي إلى تألهه، قال منبها ~~بالإيقاع به على الوجه الماضي أنه من جملة عبيده، لا فرق بينه وبين ~~أضعفهم بالنسبة إلى قدرته: { من عباده }. # ولما دل على أن البسط إنما هو منه، أتبعه قوله دليلا آخر على ربوبيته: ~~{ ويقدر } أي يضيق على من يشاء سواء كان فطنا أم لا، لا يبسطه لأحد ~~لكرامته عليه، ولا يضيق على أحد لهوانه عنده، ولا يدل البسط والقبض على ~~هوان ولا كرامة، وهذا دليل على أنهم ظنوا صحة قول قارون أنه أوتيه على ~~علم عنده، وأنهم إنما تمنوا علمه الذي يلزم منه على اعتقادهم حصول المال ~~على كل حال. # ولما لاح لهم من واقعته أن الرزق إنما هو بيد الله، أتبعوه ما دل على ~~أنهم اعتقدوا أيضا أن الله قادر على ما يريد من غير الرزق كما هو قادر ~~على الرزق من قولهم: { لولا أن من الله } أي تفضل الملك الأعظم الذي ~~استأثر بصفات الكمال { علينا } بجوده، فلم يعطنا ما تمنيناه من الكون على ~~مثل حاله { لخسف بنا } مثل ما خسف به { ويكأنه } أي عجبا أو ندما لأنه، ~~أو يشبه أنه، أو ألم تر أنه، قال الرضي في شرح الحاجبية: كأن المخاطب كان ~~يدعى أنهم يفلحون فقال لهم: عجبا منك، فسئل: لم تتعجب منه؟ فقال: لأنه - ~~إلى آخره، فحذف حرف الجر مع " أن " كما هو القياس. # { لا يفلح } أي يظفر بمراد { الكافرون* } أي العريقون في الكفر لنعمة ~~الله، وقد عرف بهذا تنزيل المعنى على ما قالوه في المراد من ويكأنه، سواء ~~وقف على وي أو يك ms3455 أو لا. # ذكر شرح هذه القصة: قال البغوي: قال أهل العلم بالأخبار: كان قارون أعلم ~~بني إسرائيل بعد موسى عليه الصلاة والسلام وأقرأهم للتوراة وأجملهم ~~وأغناهم فبغى وطغى، وكان أول طغيانه وعصيانه أن الله تعالى أوحى إلى موسى ~~عليه الصلاة والسلام أن يعلقوا في أرديتهم خيوطا أربعة، في كل طرف منها ~~خيطا أخضر بلون السماء يذكرونني به إذا نظروا إلى السماء ويعلمون أني ~~منزل منها كلامي، فقال موسى: يا رب! ألا تأمرهم أن يجعلوا أرديتهم كلها ~~خضرا، فإن بني إسرائيل تحتقر هذه الخيوط، فقال له ربه: يا موسى! إن ~~الصغير من أمري ليس بصغير، فإذا هم لم يطيعوني في الأمر الصغير لم ~~يطيعوني في الأمر الكبير، فدعاهم موسى يعني فأعلمهم ففعلوا واستكبر ~~قارون، فكان هذا بدء عصيانه وطغيانه وبغيه، فلما قطع موسى ببني إسرائيل ~~البحر جعل الحبورة لهارون عليه السلام وهي رئاسة المذبح، فكان بنو ~~إسرائيل يأتون بهديهم إلى هارون فيضعه على المذبح فتنزل نار من السماء ~~فتأكله، فقال قارون: يا موسى! لك الرسالة ولهارون الحبورة، ولست في شيء ~~وأنا أقرأ التوراة، لا صبر لي على هذا، فقال له موسى عليه الصلاة ~~والسلام: ما أنا بالذي جعلتها في هارون ولكن الله جعلها له، فقال قارون: ~~والله لا أصدقك حتى أرى بيانه، يعني فجمع موسى عصي الرؤساء فحزمها ~~وألقاها في قبته التي كان يعبد الله فيها وباتوا يحرسونها، فأصبحت عصا ~~هارون قد اهتز لها ورق أخضر، وكانت من اللوز، فقال قارون: والله ما هذا ~~بأعجب مما تصنع من السحر، وذكر أمورا مما كان يتعظم بها وأنه رمى موسى ~~عليه الصلاة والسلام بعظيمة فحينئذ غار الله لموسى عليه الصلاة والسلام ~~فخسف به. # والذي رأيته أنا في التوراة في السفر الرابع ما نصه: وكلم الرب موسى ~~وقال له: كلم بني إسرائيل وقل لهم: اعملوا خيوطا في أطراف أرديتكم في ~~أحقابكم، ولتكن الخيوط التي تعملون في أطراف أرديتكم من حرير، ولتكن هذه ~~الخيوط تذكركم وصايا الله لتعملوا بها ولا تضلوا بما في قلوبكم، ولا ms3456 ~~تتبعوا آراءكم، بل اذكروا جميع وصاياي واعملوا بها، لتكونوا مقدسين لله ~~ربكم، أنا الله ربكم الذي أخرجتكم من أرض مصر، لا يكون لكم إله غيري، أنا ~~الله ربكم. # ومن بعد هذه الأمور شق قورح - وهو اسم قارون بالعبرانية - بن يصهر بن ~~قاهث بن لاوى، ودائن وأبيروم ابنا أليب، وأون بن قلب ابن روبيل العصي، ~~وقاموا بين يدي موسى، وقم من بني إسرائيل عددهم مائتان وخمسون رجلا من ~~رؤساء الجماعة مذكورون مشهورون بأسمائهم أبطال، هؤلاء أجمعون اجتمعوا إلى ~~موسى وهارون وقالوا لهما: ليس حسبكما أن الجماعة كلها طاهرة وأنتما ~~رئيسان عليها حتى تريدا أن تتعظما على الجماعة كلها - أي يكون هارون هو ~~الكاهن أي متولي أمر القربان والحكم على خدمة قبة الزمان - فسمع موسى ذلك ~~وخر ساجدا على وجهه، وكلم قورح وجماعته كلها فقال لهم: سيظهر الرب ويبين ~~لمن الكهنوت والرئاسة بكرة، ومن كان طاهرا فليتقرب إليه. ومن يختار الرب ~~يتقرب؛ ثم أمرهم أن يقربوا قربانا ثم قال: يا بني لاوي! أما تكتفون بما ~~اختاره الله لكم من كل جماعة بني إسرائيل وقربكم إليه لتعملوا العمل في ~~بيت الرب وقربك أنت وجميع إخوتك معك إلا أن تريدوا الكهنوت أيضا، فلذلك ~~أنت وجماعتك كلها احتشدوا بين يدي الرب غدا، فأما هارون فمن هو حتى صرتم ~~تقعون فيه وتتذمرون عليه، وأرسل موسى ليدعو دائن وأبيروم ابني أليب ~~فقالا: لا تصعد إليك، أما تكتفيان بما صنعتما أنكما أخرجتمانا من الأرض ~~التي تغل السمن والعسل لتقتلانا في هذه البرية حتى تعظما علينا وتفخرا، ~~فأما ما وعدتنا به أنك تدخلنا الأرض التي تغل السمن والعسل فما فعلت، ولم ~~تعطنا مواريث المزارع والكروم، فلو عميت أعيننا لم نصعد إليك. فشق ذلك ~~على موسى جدا، وقال أمام الرب: لا تقبل قرابينهم يا رب لأني لم أظلم ~~منهم رجلا ولا أسأت إلى أحد منهم، ثم قال لقورح: اجتمع أنت وأصحابك أمام ~~الرب وهارون معكم بكرة، وليأخذ كل منكم مجمرته، وقام موسى وهارون أمام ~~قبة الزمان وجمع قورح الجماعة كلها، ms3457 وظهر مجد الرب للجماعة كلها، وكلم ~~الرب موسى وهارون وقال لهما: تنحيا عن هذه الجماعة فإني مهلكها في ساعة ~~واحدة، فخرا ساجدين وقالا: اللهم أنت إله أرواح كل ذي لحم، يجرم رجل واحد ~~فينزل الغضب بالجماعة كلها؟ فكلم الرب موسى وقال له: كلم الجماعة كلها ~~وقل لهم: تنحوا عن خيم دائن وأبيروم وقورح، تنحوا عن خيم هؤلاء الفجار، ~~ولا تقربوا شيئا مما لهم لئلا تعاقبوا، وقال موسى: بهذه الخلة تعلمون أن ~~الرب أرسلني أن أعمل هذه الأعمال كلها، ولم أعملها من تلقاء نفسي، إن مات ~~هؤلاء مثل موت كل إنسان أو نزل بهم الموت مثل ما ينزل بجميع الناس فلم ~~يرسلني الرب، وإن فتحت الأرض فاها وابتلعتهم وابتلعت كل شيء لهم نزلوا هم ~~وكل شيء لهم إلى الجحيم علمتم أن هؤلاء قد أغضبوا الرب. # فلما أكمل موسى قوله هذا انفتحت الأرض من تحتهم، وفغرت فاها فابتلعتهم ~~وابتلعت خيمهم وجميع مواشيهم فنزلوا إلى الجحم أحياء، ثم استوت الأرض ~~فوقهم، وهرب جميع بني إسرائيل حيث سمعوا أصواتهم ورأوا ما قد صنع بهم، ~~وقالوا: لعل الأرض تبتلعنا أيضا، واشتعلت نار من قبل الرب فأحرقت ~~المائتين والخمسين رجلا الذين كانوا يبخرون البخور، وتذمر جماعة بني ~~إسرائيل من بعد ذلك اليوم على موسى وهارون فقالوا لهما: أنتما قتلتما ~~جماعة شعب الرب، فأقبلوا إلى قبة الزمان ورأوا أن السحاب قد تغشى القبة ~~وظهر مجد الرب، وأتى موسى وهارون فقاما في قبة الزمان، وكلم الرب موسى ~~وهارون وقال لهما: تنحيا عن هذه الجماعة لأني مهلكها في ساعة واحدة، فخرا ~~ساجدين على وجوههما، وقال موسى لهارون: خذ مجمرة بيدك واجعل فيها نارا ~~وبخورا، وانطلق مسرعا إلى الجماعة واستغفر لهم لأنه قد نزل غضب الرب ~~بالجماعة كلها، وبدأ موت الفجأة بالشعب، وأخذ هارون كما أمره موسى فأحضر ~~إلى الجماعة ورأى أن الموت قد بدأ بالشعب، وبخر بخورا للرب واستغفر ~~للشعب، وقام فيما بين الأموات والأحياء، فكف موت الفجأة عن الشعب، وكان ~~عدد الذين ماتوا فجأة أربعة عشر ألفا وسبعمائة ms3458 رجل غير المخسوف بهم، ~~ورجع هارون إلى موسى إلى قبة الزمان فكلم الرب موسى وقال له: كلم بني ~~إسرائيل وخذ منهم عصا عصا من كل سبط، واكتب اسم كل رجل على عصاه، واكتب ~~اسم هارون على عصا سبط لاوي، واجعلها في قنة الزمان أمام تابوت الشهادة ~~لأنزل إليكم إلى هناك، فالرجل الذي أحبه تنضر عصاه، وأخلصكما من هتار بني ~~إسرائيل وتذمرهم؛ ثم دخل موسى خبأ الشهادة فرأى عصا هارون قد نضرت وأخرجت ~~أغصانا وأورقت وأثمرت لوزا، وأخرج موسى العصي كلها فنظروا إليها، وقال ~~الرب لموسى: رد قضيب هارون إلى موضع الشهادة واحفظه آية لأبناء المتسخطين ~~ليكف تذمرهم عني ولا يموتوا، ولا يعمل عمل قبة الزمان غير اللاويين - أي ~~سبط لاوي، فأما بنو إسرائيل - أي باقيهم - فلا يقتربوا إلى قبة الزمان ~~لئلا يعاقبوا ويموتوا؛ ثم ذكر وفاة هارون عليه السلام في هور الجبل ~~وولاية إليعازر ابنه مكانه أمر الكهنوت - انتهى. وهو نحو مما فعل الله ~~لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم في حنين الجذع، وتخيير النبي صلى الله ~~عليه وسلم له أن يعيده تعالى إلى أحسن ما كان وهو حي أو يجعله في الجنة، ~~فاختار أن يكون في الجنة، وكذا أمر سراقة بن مالك بن جعشم حيث لحقه صلى ~~الله عليه وسلم في طريق الهجرة ليرده فخسف بقوائم حصانه حتى نزل إلى بطنه ~~ثلاث مرات غير أن النبي صلى الله عليه وسلم لما كان نبي الرحمة لم يكن ~~القاضية، فكفى بذلك شره، وأسلم بعد ذلك علم الفتح، وبشره النبي صلى الله ~~عليه وسلم بأنه يلبس سوراى كسرى فكان كذلك، وشر من الخسف الذي يغيب به ~~المخسوف به وأنكأ وأشنع وأخزى قصة الذي ارتد فقصم ودفن فلفظته الأرض - ~~روى البيهقي في آخر الدلائل عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان منا ~~رجل من بني النجار قد قرأ البقرة وآل عمران، وكان يكتب لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فانطلق هاربا حتى لحق بأهل الكتاب، فرفعوه وأعجبوا به، ~~فما لبث أن ms3459 قصم الله عنقه فحفروا له فواروه، فأصبحت الأرض قد نبذته على ~~وجهها ثم عادوا فحفروا له فواروه فأصبحت الأرض قد نبذته على وجهها فتركوه ~~منبوذا، وقال: رواه مسلم في الصحيح، وعن أنس رضي الله عنه مثله أيضا في ~~رجل نصراني لفظته الأرض ثلاث مرات ثم تركوه. # وقال رواه البخاري في الصحيح. ### || [28.83-88] # ولما قدم سبحانه أن المفلح من تاب وآمن وعمل صالحا، وهو الذي أشار أهل ~~العلم إلى أن له ثواب الله، وكان ذلك للآخرة سببا ومسببا، ومر فيما لا ~~بد منه حتى ذكر قصة قارون المعرفة - ولا بد - بأن هذه الدار للزوال، لا ~~يغنى فيها رجال ولا مال، وأن الآخرة للدوام، وأمر فيها بأن يحسن الابتغاء ~~في أمر الدنيا، وختم بأن هذا الفلاح مسلوب عن الكافرين، فكان موضع ~~استحضار الآخرة، مع أنه قدم قريبا من ذكرها وذكر موافقتها ما ملأ به ~~الأسماع، فصيرها حاضرة لكل ذي فهم، معظمة عند كل ذي علم، أشار إليها ~~سبحانه لكلا الأمرين: الحضور والعظم، فقال: { تلك } أي الأمر المنظور بكل ~~عين، الحاضر في كل قلب، العظيم الشأن، البعيد الصيت، العلي المرتبة، الذي ~~سمعت أخباره، وطنت على الآذان أوصافه وآثاره { الدار الآخرة } أي التي ~~دلائلها أكثر من أن تحصر، وأوضح من أن تبين وتذكر، من أعظمها تعبير كل ~~أحد عن حياته بالدنيا والتي أمر قارون بابتغائها فأبى إلا علوا وفسادا ~~{ نجعلها } بعظمتنا { للذين } يعملون ضد عمله. # ولما كان المقصود الأعظم طهارة القلب الذي عنه ينشأ عمل الجوارح، قال: { ~~لا يريدون } ولم يقل يتعاطون - مثلا، تعظيما لضرر الفساد بالتنفير من ~~كل ما كان منه تسبب، إعلاما بأن النفوس ميالة إليه نزاعة له فمهما رتعت ~~قريبا منه اقتحمته لا محالة { علوا } أي شيئا من العلو { في الأرض } ~~فإنه أعظم جار إلى الفساد، وإذا أرادوا شيئا من ذلك فيما يظهر لك عند ~~أمرهم بمعروف أو نهيهم عن منكر، كان مقصودهم به علو كلمة الله للإمامة في ~~الدين لا علوهم { ولا فسادا } بعمل ما يكره الله، بل يكونون على ms3460 ضد ما ~~كان فيه فرعون وهامان وقارون، من التواضع مع الإمامة لأجل حمل الدين عنهم ~~ليكون لهم مثل أجر من اهتدى بهم، لا لحظ دنيوي، وعلامة العلو لأجل ~~الإمامة لا الفساد ألا يتخذوا عباد الله خولا، ولا مال الله دولا، ~~والضابط العمل بما يرضي الله والتعظيم لأمر الله والعزوف عن الدنيا. # ولما كان هذا شرح حال الخائفين من جلال الله تعالى، أخبر سبحانه أنه ~~دائما يجعل ظفرهم آخرا، فقال معبرا بالاسمية دلالة على الثبات: { ~~والعاقبة } أي الحالة الأخيرة التي تعقب جميع الحالات لهم في الدنيا ~~والآخرة، هكذا الأصل، ولكنه أظهر تعميما وإعلاما بالوصف الذي أثمر لهم ~~ذلك فقال تعالى: { للمتقين* } أي دائما في كلا الدارين، لا عليهم فمن ~~اللام يعرف أنها محمودة، وهذه الآية يعرف أهل الآخرة من أهل الدنيا، ~~فمن كان زاهدا في الأولى مجتهدا في الصلاح، وكان ممتحنا في أول أحواله ~~مظفرا في ماله، فهو من أبناء الآخرة، وإلا فهو للدنيا. # ولما تحرر الفرق بين أهل الدارين، وكان لا بد من إتيان الآخرة، وعلم أن ~~الآخرة إنما هي جزاء الأعمال، وتقرر من كونها للخائفين أنها على الآمنين، ~~فاستؤنف تفصيل ذلك جوابا لمن كأنه قال: ما لمن أحسن ومن أساء عند ~~القدوم؟ بقوله: { من جاء } أي في الآخرة أو الدنيا { بالحسنة } أي الحالة ~~الصالحة { فله } من فضل الله { خير منها } من عشرة أضعاف إلى سبعين إلى ~~سبعمائة إلى ما لا يحيط به إلا الله تعالى { ومن جاء بالسيئة } وهي ما ~~نهى الله عنه، ومنه إخافة المؤمنين { فلا يجزى } من جاز ما، وأظهر ما في ~~هذا الفعل من الضمير العائد على من فقال: { الذين عملوا السيئات } ~~تصويرا لحالهم تقبيحا لها وتنفيرا من عملها، ولعله جمع هنا وأفرد ~~أولا إشارة إلى أن المسيء أكثر { إلا } مثله سواء عدلا منه تعالى، هكذا ~~كان الأصل، ولكنه قال: { ما كانوا } أي بجميع هممهم { يعملون* } مبالغة ~~في المثلية، هذا في الآخرة، وزادت الآية الإشارة إلى أنه يفعل في الدنيا ~~مثل ذلك وإن خفي، فسيخافون في ms3461 حرمهم بما أخافوا المؤمنين فيه وقد جعله ~~الله للأمن، فاعتلوا عن الدخول في دينه بخوف التخطف من أرضهم، فسيصير عدم ~~دخولهم فيه سببا لخوفهم وتخطفهم من أرضهم فيعلمون أن ما كانوا فيه من ~~الأمن إنما هو بسببك، ثم يصيرون يوم الفتح في قبضتك. # ولما قرر ذكر الآخرة التي هي المرجع وكرره، وأثبت الجزاء فيها، وأن ~~العاقبة للمتقين، أتبعه ما هو في بيان ذلك كالعلة، فقال مستأنفا مقررا ~~مؤكدا لما تقرر في أذهانهم من إنكار الآخرة وما يقتضيه حال خروجه صلى ~~الله عليه وسلم من مكة المشرفة من استبعاد رده إليها: { إن الذي فرض } أي ~~أوجب { عليك القرآن } أي الجامع لما تفرق من المحاسن، المفصل لما التبس ~~من جميع المعاني، أي فرض عليك جميع ما في هذا الكتاب المشتمل على الجمع ~~والفرق بما يظهر حسن تلقيه من تلاوة وإبلاغ وتحد وعمل وألزمك فيه وغيرك ~~هذه الملازم، وكلفكم تلك التكاليف التي منها المقارعة بالسيوف { لرآدك } ~~أي بعد الموت لأجل صعوبة ما كلفك به وألزمك من مشقته { إلى معاد } أي ~~مرجع عظيم يا له من مرجع! يجزي فيه كل أحد بما عمل، فيبعثك ربك فيه ~~ثوابا على إحسانك في العمل مقاما محمودا يغبطك فيه الأولون والآخرون، ~~بما عانيت في أمره من هذه المشقات التي لا تحملها الجبال، ولولا الرد إلى ~~إلى هذا المعاد لكانت هذه التكاليف - التي لا يعمل أكثرهم بأكثرها ولا ~~يجازي على المخالفة فيها - من العبث المعلوم أن العاقل من الآدميين متنزه ~~عنه فكيف بأحكم الحاكمين! فاجتهد فيما أنت فيه لعز ذلك اليوم فإن العاقبة ~~لك، والآية مثل قوله تعالى # واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله # [البقرة: 281]، # ثم إليه ترجعون # [البقرة: 28] # إلى الله مرجعكم # [المائدة: 48] إلى غير ذلك من الآيات، ويجوز أن يقال: إلى معاد أي ~~معاد، أي مكان هو لعظمته أهل لأن يقصد العود إليه كل من خرج منه وهو مكة ~~المشرفة: وطنك الدنيوي، كما فسرها بذلك ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ~~كما رواه عنه البخاري، وعود هو لجلالته ms3462 أهل لأن يذكر لدخولك إليها في ~~جنود يعز بها الإسلام، ويذل بها الكفر وأهله على الدوام، والجنة ~~المزخرفة: وطنك الخروي، على أكمل الوجوه وأعلاها، وأعزها وأولاها، فلا ~~تظن أنه يسلك بك سبيل أبويك عليهما الصلاة والسلام: إبراهيم في هجرته من ~~حران بلد الكفر إلى الأرض المقدسة فلم يعد إليها، وإسماعيل في العلو به ~~من الأرض المقدسة إلى أقدس منها فلم يعد إليها، بل يسلك لك سبيل أخيك ~~موسى عليه الصلاة والسلام - الذي أنزل عليه الكتاب كما أنزل عليك الكتاب ~~القرآن الفرقان، والذي أشركوك به في قولهم # لولا أوتي مثل ما أوتي موسى # [القصص: 48] - في إعادته إلى البلد الذي ذكر في هذه السورة - توطئة لهذه ~~الآية - أنه خرج منه خائفا يترقب - وهي مصر - إلى مدين في أطراف بلاد ~~العرب، على وجه أهلك فيه أعداءه، أما من كان من غير قومه فبالإغراق في ~~الماء، وأما من كان من قومه فبالخسف في الأرض، وأعز أولياءه من قومه ~~وغيرهم، كما خرجت أنت من بلدك مكة خائفا تترقب إلى المدينة الشريفة غير ~~أن رجوعك - لكونك نبي الرحمة، وكون خروجك لم يكن مسببا عن قتل أحد منهم ~~- لا يكون فيه هلاكهم، بل عزهم وأمنهم وغناهم وثباتهم، واختير لفظ القرآن ~~دون الكتاب لما فيه من الجمع من لازم النشر - كما مضى في الحجر، فناسب ~~السياق الذي هو للنشر والحشر والفصل من بلده ثم الوصل، فإنه روى أن هذه ~~الآية نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم في الجحفة وهي في طريق الهجرة. # ولما فهم من الإبلاغ في هذا التأكيد أن ثم من يبالغ في النفي والإنكار ~~على حسب هذا التأكيد في الإثبات فيقول: إن الأمر ليس كذلك، ولا يعود إلى ~~مكة المشرفة ومنا عين تطرف، قال مهددا على طريق الاستئناف على لسانه صلى ~~الله عليه وسلم لكون الإنكار تكذيبا له كما كذب موسى صلى الله عليه وسلم ~~حين أجاب بمثل ذلك كما تقدم: { قل } أي لهؤلاء المنكرين لما أخبرتك به: { ~~ربي } أي المحسن إلي { أعلم } أي من ms3463 كل أحد. # ولما كانت هذه القصة مسلمة لا نزاع فيها لعاقل تثبت الخالق، وكانوا ~~يقولون: من ادعى رجوعه فهو ضال، توجه السؤال عن المهتدي إلى الصواب ~~والضال، بما يشهد به فتح مكة عند الإقبال في أولئك الضراغمة الأبطال، ~~والسادة الأقيال، فقال في أسلوب الاستفهام لإظهار الإنصاف والإبعاد من ~~الاتهام: { من جاء بالهدى } أي الذي لا أبين منه، أنا فيما جئت به من ربي ~~بهذا الكلام الذي يشهد الله لي بإعجازه أنه من عنده أم أنتم فيما تقولون ~~من عند أنفسكم؟ { ومن هو في ضلال } أي أنتم في كلامكم الظاهر العوار ~~العظيم العار أم أنا { مبين* } أي بين في نفسه مظهر لكل أحد ما فيه من ~~خلل وإن اجتهد التابع له في ستره. # ولما كان الجواب لكل من أنصف: هم في ضلال مبين لأنهم ينحتون من عند ~~أنفسهم ما لا دليل عليه، وأنت جئت بالهدى لأنك أتيت به عن الله، بني عليه ~~قوله: { وما } ويجوز أن تكون الجملة حالا من الضمير في { عليك } وما ~~بينهما اعتراض للاهتمام بالرد على المنكر للمعاد، أي فرضه عليك والحال ~~أنك ما، ويجوز أن يقال: لما كان رجوعه إلى مكة غاية البعد لكثرة الكفار ~~وقلة الأنصار، قربه بقوله معلما أن كثيرا من الأمور تكون على غير رجاء، ~~بل وعلى خلاف القياس: وما { كنت ترجوا } أي في سالف الدهر بحال من ~~الأحوال { أن يلقى } أي ينزل على وجه لم يقدر على رده { إليك الكتاب } أي ~~بهذا الاعتقاد ولا بشيء منه؛ ولا كان هذا من شأنك، ولا سمعه أحد منك ~~يوما من الأيام، ولا تأهبت لذلك أهبته العادية من تعلم خط أو مجالسة ~~عالم ليتطرق إليك نوع اتهام، كما يشير إليه قوله تعالى في التي بعدها # وما كنت تتلوا من قبله من كتاب # [العنكبوت: 48] واختير هنا لفظ الكتاب لأن السياق للرحمة التي من ~~ثمراتها الاجتماع المحكم، وذلك مدلول الكتاب؛ ثم قال: { إلا } أي لكن ~~ألقي إليك الكتاب { رحمة } أي لأجل رحمة عظيمة لك ولجميع الخلائق بك، لم ~~تكن ms3464 ترجوها { من ربك } أي المحسن إليك بجعلك مصطفى لذلك، بالدعاء إليه ~~وقصر الهمم عليه، وعبر بأداة الاستثناء المتصل إشارة إلى أن حاله قبل ~~النبوة من التنزه عن عبادة الأوثان وعن القرب منها والحلف بها وعن ~~والفواحش جميعا، ومن الانقطاع إلى الله بالخلوة معه والتعبد له توفيقا ~~من الله كان حال من يرجو ذلك. # ولما تسبب عما تقدم الاجتهاد في تحريك الهمم إلى العكوف على أمر الله ~~طمعا فيما عنده سبحانه من الثواب، وشكرا على إنزال الكتاب، قال في سياق ~~التأكيد لأن الطبع البشري يقتضي إدراك مظاهرة الكفار لأمر من التوفيق ~~عظيم، لكثرتهم وقوتهم وعزتهم: { فلا تكونن } إذ ذاك بسبب اتصافهم لك ~~لكثرتهم { ظهيرا } أي معينا { للكافرين* } بالمكث بين ظهرانيهم، أو ~~بالفتور عن الاجتهاد في دعائهم، يأسا منهم لما ترى من بعدهم من الإجابة ~~وإن طال إنذارك، لا تمل أنت كما لم نمل نحن، فقد وصلنا لهم القول، ~~وتابعنا لهم الوعظ والقص، ونحن قادرون على إهلاكهم في لحظة، وهدايتهم في ~~أقل لمحة، وكما أن موسى عليه الصلاة والسلام بعد الإنعام عليه لم يكن ~~ظهيرا للمجرمين، وهذا تدريب من الله تعالى لأئمة الأمة في الدعاء إلى ~~الله عند كثرة المخالف، وقلة الناصر المحالف. # ولما كان التواني في النهي عن المنكر إعراضا عن الأوامر وإن كان ~~المتواني مجتهدا في العمل، قال مؤكدا تنبيها على شدة الأمر لكثرة ~~الأعداء وتتابع الإيذاء والاعتداء: { ولا يصدنك } أي الكفار بمبالغتهم في ~~الإعراض وقولهم { لولا أوتي مثل ما أوتي موسى } ونحوه { عن آيات الله } ~~أي عن الصدع بها وهي من المتصف بصفات الكمال، في الأوقات الكائنة { بعد ~~إذ أنزلت } أي وقع إنزالها ممن تعلمه منتهيا { إليك } مما ترى من ~~أوامرها ونواهيها، ولقد بين هذا المعنى قوله: { وادع } أي أوجد الدعاء ~~للناس { إلى ربك } أي المحسن إليك لإحسانه إليك، وإقباله دون الخلق عليك، ~~وأعراه من التأكيد اكتفاء بالمستطاع فإن الفعل ليس للمبالغة فيه جدا، ~~إشارة إلى أن جلب المصالح أيسر خطبا من درء المفاسد، فإن المطلوب فيه ~~النهاية محدود ms3465 بالاجتناب. # ولما كان الساكت عن فاعل المنكر شريكا له، قال مؤكدا تنبيها ~~علىالاهتمام بدرء المفاسد، وأنه لا بد فيه من بلوغ الغاية: { ولا تكونن ~~من المشركين* } أي معدودا في عدادهم بترك نهيهم عن شركهم وما يتسبب عنه ~~ساعة واحدة. # ولما كان الكائن من قوم موصوفا بما اتصف به كل منهم، وكانت مشاركتهم ~~بالفعل أبعد من مشاركتهم بالسكوت، قال من غير تأكيد: { ولا تدع مع الله } ~~أي الجامع لجميع صفات الكمال { إلها } ولما كانت النكرة في سياق النهي ~~تعم كما لو كانت في سياق النفي، وكان المشركون قد تعنتوا لما رأوا النبي ~~صلى الله عليه وسلم يدعو باسم الله واسم الرحمن كما ذكر آخر الإسراء، ~~قال: { آخر } أي غير الله حقيقة دون أن يغاير في الاسم دون الذات، ومضى ~~في آخر الحجر، ويأتي إن شاء الله تعالى في الذاريات ما يتضح به هذا ~~المعنى، والمراد بهذا كله المبالغة في الإنذار إعلاما بأن تارك النهي عن ~~المنكر مع القدرة شريك للفاعل وإن لم يباشره، والنبي صلى الله عليه وسلم ~~قادر لحراسة الله تعالى له؛ ثم علل ذلك بقوله: { لا إله إلا هو } أي حتى ~~يستحق أن يشتغل به عبد؛ ثم علل وحدانيته بقوله: { كل شيء هالك } أي هو في ~~قوة الهلاك والفناء ومستحق لذلك لأنه ممكن { إلا وجهه } أي هو، فهو ~~الباقي لأنه الواجب الوجود، ووجود كل موجود إنما كان به، ولعله عبر عن ~~الذات بالوجه ليشمل ما قصد به من العمل الصالح مع ما هو معروف من تسويغه ~~لذلك بكونه أشرف الجملة، وبكون النظر إليه هو الحامل على الطاعة ~~بالاستحياء وما في معناه؛ ثم علل ذلك بقوله: { له } أي لله وحده فالضمير ~~استخدام { الحكم } أي العمل المحكم بالعلم النافذ على كل شيء، ولا حكم ~~لشيء عليه { وإليه } وحده { ترجعون* } في جميع أحوالكم: في الدنيا بحيث ~~أنه لا ينفذ لأحد مراد إلا بإرادته، وفي الآخرة بالبعث فيجازي المحسن ~~بإحسانه والعاصي بعصيانه، ولا شك أن هذه الأوامر والنواهي وإن كان خطابها ~~متوجها إليه ms3466 صلى الله عليه وسلم فالمقصود بها أتباعه، ولعلها إنما وجهت ~~إليه صلى الله عليه وسلم عليه لأن أمر الرئيس أدعى لأتباعه إلى القبول، ~~وقد اتضح بهذا البيان، في هذه المعاني الحسان، أن هذا الكتاب مبين، ~~وبإنفاذ إرادته سبحانه وتعالى في تقوية أهل الضعف من بني إسرائيل دون ما ~~أراد فرعون وقارون وأتباعهما من أهل العلو بطاعة الماء والتراب وما جمع ~~العناصر من اليد والعصا أن له وحده الحكم على ما يريد ويختار، فصح أن ~~إليه الرجوع يوم المعاد يوم لا تكلم نفس إلا بإذنه، فقد انطبق آخر السورة ~~على أولها، وانشرح مجملها بمفصلها. ### | [29 - سورة العنكبوت] ### || [29.1-4] # { الم } إشارة بالألف الدال على القائم الأعلى المحيط ولام الوصلة ~~وميم التمام بطريق الرمز إلى أنه سبحانه أرسل جبريل إلى محمد عليهما ~~الصلاة والسلام ليدعو الناس بالقرآن الذي فرض عليه إلى الله، لتعرف ~~بالدعوة سرائرهم ويتميز بالتكليف محقهم ومماكرهم # ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم # [محمد: 31]. # ولما عبر بهذه الإشارة لأهل الفطنة والبصائر، قال منكرا على من ظن أن ~~مدعي الإيمان لا يكلف البيان، ومفصلا لما ختمت به تلك من جميع هذه ~~المعاني، بانيا على ما أشارت إليه الأحرف لأولي العرفان: { أحسب الناس } ~~أي كافة، فإن كلا منهم يدعي أنه مؤمن لمعنى أنه يقول: إنه على الحق، ~~ولعله عبر بالحسبان والنوس إشارة إلى أن فاعل ذلك مضطرب العقل منحرف ~~المزاج. # ولما كان الحسبان، لا يصح تعليقه بالمفردات، وإنما يعلق بمضمون الجملة، ~~وكان المراد إنكار حسبان مطلق الترك، كانت " أن " مصدرية عند جميع ~~القراء، فعبر عن مضمون نحو: تركهم غير مفتونين لقولهم آمنا، بقوله: { أن ~~يتركوا } أي في وقت ما بوجه من الوجوه، ولو رفع الفعل لأفهم أن المنكر ~~حسبان الترك المؤكد، فلا يفيد إنكار ما عرى عنه، وقد مضى في المائدة ما ~~ينفع هنا { أن } أي في أن { يقولوا } ولو كان ذلك على وجه التجديد ~~والاستمرار: { آمنا وهم } أي والحال أنهم { لا يفتنون* } أي يقع فتنتهم ~~ممن له الأمر كله وله ms3467 الكبرياء في السماوات والأرض، مرة بعد أخرى بأن ~~يختبر صحة قولهم أولا بإرسال الرسل وإنزال الكتب ونصب الأحكام، وثانيا ~~بالصبر على البأساء والضراء عند الابتلاء بالمدعوين إلىالله في التحمل ~~لأذاهم والتجرع لبلاياهم وغير ذلك من الأفعال، التي يعرف بها مرتبة ~~الأقوال، في الصحة والاختلال. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: افتتحت سورة القصص بذكر امتحان بني ~~إسرائيل بفرعون وابتلائهم بذبح أبنائهم وصبرهم على عظيم تلك المحنة، ثم ~~ذكر تعالى حسن عاقبتهم وثمرة صبرهم، وانجر مع ذلك مما هو منه لكن انفصل ~~عن عمومه بالقضية امتحان أم موسى بفراقه حال الطفولية وابتداء الرضاع ~~وصبرها على أليم ذلك المذاق حتى رده تعالى إليها أجمل رد وأحسنه، ثم ذكر ~~ابتلاء موسى عليه الصلاة والسلام بأمر القبطي وخروجه خائفا يترقب وحن ~~عاقبته وعظيم رحمته، وكل هذا ابتلاء أعقب خيرا، وختم برحمة ثم بضرب آخر ~~من الابتلاء أعقب محنة وأورث شرا وسوء فتنة، وهو ابتلاء قارون بماله ~~وافتنانه به، فخسفنا به وبداره الأرض، فحصل بهذا أن الابتلاء في غالب ~~الأمر سنة، وجرت منه سبحانه في عبادة ليميز الخبيث من الطيب، وهو المنزه ~~عن الافتقار إلى تعرف أحوال العباد بما يبتليهم به إذ قد علم كون ذلك ~~منهم قبل كونه إذ هو موجده وخالقه خيرا كان أو شرا، فكيف يغيب عنه أو ~~يفتقر تعالى إلى بيانه بتعرف أحوال العباد أو يتوقف علمه على سبب # ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير # [الملك: 14] ولكن هي سنة في عباده ليظهر لبعضهم من بعض عند الفتنة ~~والابتلاء ما لم يكن ليظهر قبل ذلك حتى يشهدوا على أنفسهم، وتقوم الحجة ~~عليهم باعترافهم، ولا افتقار به تعالى إلى شيء من ذلك، فلما تضمنت سورة ~~القصص هذا الابتلاء في الخير والشر، وبه وقه افتتاحها واختتامها، هذا وقد ~~أنجز بحكم الإشارة أولا خروج نبينا صلى الله عليه وسلم من بلده ومنشأه ~~ليأخذه عليه الصلاة ولاسلام بأوفر حظ مما ابتلي به الرسل والأنبياء من ~~مفارقة الوطن وما يحرز لهم الأجر المناسب لعلي درجاتهم عليهم ms3468 السلام، ثم ~~بشارته صلى الله عليه وسلم آخرا بالعودة والظفر # إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد # [القصص: 85] فأعقب سبحانه هذا بقوله معلما للعباد ومنبها أنها سنته ~~فيهم فقال { أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون } أي ~~أحسبوا أن يقع الاكتفاء بمجرد استجابتهم، وظاهر إنابتهم، ولما يقع ~~امتحانهم بالشدائد والمشقات، وضروب الاختبارات # ولنبلونكم بشيء من الجوع والخوف ونقص من الأموال والأنفس والثمرات # [البقرة: 155] فإذا وقع الابتلاء فمن فريق يتلقون ذلك تلقي العليم أن ~~ذلك من عند الله ابتلاء واختبارا، فيكون تسخيرا لهم وتخليصا، ومن فريق ~~يقابلون ذلك بمرضاة الشيطان، والمسارعة إلى الكفر والخذلان { ومن جاهد ~~فإنما يجاهد لنفسه } ثم أتبع سبحانه هذا بذكر حال بعض الناس ممن يدعي ~~الإيمان، فإذا أصابه أدنى أذى من الكفار صرفه ذلك عن إيمانه، فكان عنده ~~مقاوما بعذاب الله الصارف لمن ضربه عن الكفر والمخالفة فقال تعالى { ومن ~~الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله } ~~فكيف حال هؤلاء في تلقي ما هو أعظم من الفتنة، وأشد في المحنة، ثم أتبع ~~سبحانه ذلك بما به يتأسى الموفق من صبر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ~~وطول مكايدتهم من قومهم، فذكر نوحا وإبراهيم ولوطا وشعيبا عليهم ~~الصلاة والسلام، وخص هؤلاء بالذكر لأنهم من أعظم الرسل مكابدة وأشدهم ~~ابتلاء، أما نوح عليه السلام فلبث في قومه - كما أخبر الله تعالى - ألف ~~سنة إلا خمسين عاما وما آمن معه إلا قليل، وأما إبراهيم عليه الصلاة ~~والسلام فرمى بالمنجنيق في النار فكانت عليه بردا وسلاما، وقد نطق ~~الكتاب العزيز بخصوص المذكورين عليهم الصلاة والسلام وزبضروب من ~~الابتلاءات حصلوا على ثوابها، وفازوا من عظيم الرتبة النبوية العليا ~~بأسنى نصابها، ثم ذكر تعالى أخذ المكذبين من أممهم فقال { فكلا أخذنا ~~بذنبه } ثم وصى نبيه صلى الله عليه وسلم وأوضح حجته، وتتابع اتساق الكلام ~~إلى آخر السورة - انتهى. # ولما كان التآسي من سنن الآدميين، توقع المخاطب بهذا الأمر الخبر عن ~~حالهم في ذلك، فقال ms3469 مؤكدا لمن يظن أن الابتلاء لا يكون، لأن الله غني ~~عنه فلا فائدة فيه جاهلا بما فيه من الحكمة بإقامة الحجة على مقتضى ~~عوائد الخلق: { ولقد } أي أحسبوا والحال أنا قد { فتنا } أي عاملنا بما ~~لنا من العظمة معاملة المختبر { الذين }. # ولما كان التآسي بالقريب في الزمان أعظم، أثبت الجار في قوله: { من ~~قبلهم } أي من قبل هؤلاء الذين أرسلناك إليهم من أتباع الأنبياء حتى كان ~~الرجل منهم يمشط لحمه بأمشاط الحديد ما يرده ذلك عن دينه، ومن رؤوسهم ~~صاحب أكثر السورة الماضية موسى عليه الصلاة والسلام، ففي قصته حديث طويل ~~عن ابن عباس رضي الله عنهما يقال له حديث الفتون وهو في مسند أبي يعلى، ~~ومن آخر ما ابتلى به أمر قارون وأتباعه. # ولما كان الامتحان سببا لكشف مخبآت الإنسان بل الحيوان، فيكرم عنده أو ~~يهان، وأرشد السياق إلى أن المعنى: فلنفتننهم، نسق به قوله: { فليعلمن ~~الله } أي الذي له الكمال كله، بفتنة خلقه، علما شهوديا كما كان يعلم ~~ذلك علما غيبيا، ويظهره لعباده ولو بولغ في ستره، وعبر بالاسم الأعظم ~~الدال على جميع صفات الكمال التفاتا عن مظهر العظمة إلى أعظم منه ~~تنبيها للناقصين - وهم أكثر الناس - على أنه منزه عن كل شائبة نقص، وأكد ~~إشارة إلى أن أكثر الناس يظن الثبات عند الابتلاء وأنه إذا أخفى عمله لا ~~يطلع عليه أحد { الذين صدقوا } في دعواهم الإيمان ولو كانوا في أدنى ~~مراتب الصدق، وليعلمن الصادقين، وهم الصابرون الدين يقولون عند البلاء { ~~هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله } فيكون أحدهم عند الرخاء ~~برا شكورا، وعند البلاء حرا صبورا، وليعلمن الذين كذبوا في دعواهم { ~~وليعلمن الكاذبين* } أي الراسخين في الكذب الذين يعبدون الله على حرف، ~~فإن أصابهم خير اطمأنوا به وإن أصابتهم فتنة انقلبوا على وجوههم، فظنوا، ~~فيكون لكل من الجزاء على حسب ما كشف منه البلاء، والتعبير بالمضارع لتحقق ~~الاختبار، على تجدد الأعصار، لجمعي الأخيار والأشرار، فمن لم يجاهد نفسه ~~عند الفتنة فيطيع في السراء والضراء كان ms3470 من الكافرين فكان في جهنم { أليس ~~في جهنم مثوى للكافرين } ومن جاهد كان من المحسنين، والآية من الاحتباك: ~~دل بالذين صدقوا على الذين كذبوا، وبالكاذبين على الصادقين، ذكر الفعل ~~أولا دليلا على تقدير ضده ثانيا، والاسم ثانيا دليلا على حذف ضده ~~أولا. # ولما أثبت سبحانه بهذا علمه الشامل وقدرته التامة في الدنيا، عادله بما ~~يستلزم مثل ذلك في الآخرة، فكان حاصل ما مضى من الاستفهام: أحسب الناس ~~أنا لا نقدر عليهم ولا نعلم أحوالهم في الدنيا أم حسبوا أنم ذلك لا يكون ~~في الأخرى، فيذهب ظلمهم في الدنيا وتركهم لأمر الله وتكبرهم على عبادة ~~مجانا، فيكون خلقنا لهم عبثا لا حكمة فيه، بل الحكمة في تركه، وهذا ~~الثاني هو معنى قوله منكرا أم حسب، أو يكون المعنى أنه لما انكر على ~~الناس عموما ظنهم الإهمال، علم أن أهل السيئات أولى بهذا الحكم، فكان ~~الإنكار عليهم أشد، فعادل الهمزة بأم في السياق الإنكار كما عادلها بها ~~في قوله: # أتخذتم عند الله عهدا # [البقرة: 80] الآية، فقال: { أم حسب } أي ظن ظنا يمشي له ويستمر عليه، ~~فلا يبين له جهله فيه بأمر يحسبه فلا يشتبه عليه بوجه { الذين يعملون ~~السيئات } أي التي منعناهم بأدلة النقل المؤيدة ببراهين العقل - منها ~~بالنهي عنها، ووضع موضع المفعولين ما اشتمل على مسند ومسند إليه من قوله: ~~{ أن يسبقونا } أي يفوتونا فوت السابق لغيره فيعجزونا فلا نقدر عليهم في ~~الدنيا بإمضاء ما قدرناه عليهم من خير وشر في أوقاته التي ضربناها له، ~~وفي الدار الآخرة بأن نحييهم بعد أن نميتهم، ثم نحشرهم إلى محل الجزاء ~~صغرة داخرين، فنجازيهم على ما عملوا ونقتص لمن أساؤوا إليه منهم، ويظهر ~~تحلينا بصفة العدل فيهم. # ولما أنكر هذا، عجب ممن يحوك ذلك في صدره تعظيما لإنكار فقال: { ساء ما ~~يحكمون* } أي ما أسوأ هذا الذي أوقعوا الحكم به لأنفسهم لأن أضعفهم عقلا ~~لا يرضى لعبيده أن يظلم بعضهم بعضا ثم لا ينصف بينهم فكيف يظنون بنا ما ~~لا يرضونه لأنفسهم. ### || [29.5-9] # ولما ms3471 خوف عباده المحسنين والمسيئين، وضربهم بسوط القهر أجمعين، أشار إلى ~~التلويح بتهديد الكاذبين في التصريح بتشويق الصادقين فقال على سبيل ~~الاستنتاج مما مضى: { من كان يرجو } عبر به لأن الرجاء كاف عن الخوف منه ~~سبحانه { لقاء الله } أي الجامع لصفات الكمال، فلا يجوز عليه ترك البعث ~~فإنه نقص ومنابذ للحكمة، وشبه البعث باللقاء لانكشاف كثير من الحجب به ~~وحضور الجزاء. # ولما كان المنكر للبعث كثيرا، أكد فقال موضع: فإنه آت فليحذر وليبشر، ~~تفخيما للأمر وتثبيتا وتهويلا: { فإن أجل الله } أي الملك الأعلى الذي ~~له الغنى المطلق وجميع صفات الكمال المحتوم لذلك { لآت } لا محيص عنه، ~~فإنه لا يجوز عليه وقوع إخلاف الوعد، ولذلك عبر بالاسم الأعظم، وللإشارة ~~إلى أن أهوال اللقاء لا يحيط لها العد، ولا يحصرها حد، فليتعد لذلك ~~بالمجاهدة والمقاتلة لنفسه من ينصحها، وقال تعالى: { وهو } أي وحده { ~~السميع العليم* } حثا على تطهير الظاهر والباطن في العقد والقول والفعل. # ولما حث على العمل، بين أنه ليس إلا لنفع العامل، لئلا يخطر في خاطر ما ~~يوجب تعب الدنيا وشقاء الآخرة من اعتقاد ما لا يليق بجلاله تعالى، فقال ~~عاطفا على ما تقديره: فمن أراح نفسه في الدنيا فإنما ضر نفسه: { ومن ~~جاهد } أي بذل جهده حتى كأنه يسابق آخر في الأعمال الصالحة { فإنما يجاهد ~~لنفسه } لأن نفع ذلك له فيتعبها ليريحها، ويشقيها ليسعدها، ويميتها ~~ليحييها، وعبر بالنفس لأنها الأمارة بالسوء، وإنما طوى ما أدعى تقديره ~~لأن السياق للمجاهدة، ثم علل هذا الحصر بقوله: { إن الله } أي المتعالي ~~عن كل شائبة نقص { لغني } وأكد لأن كثرة الأوامر ربما أوجبت للجاهل ظن ~~الحاجة، وذلك نكتة الإتيان بالاسم الأعظم، وبين أن غناه الغنى المطلق ~~بقوله موضع " عنه " { عن العالمين* } فلا تنفعه طاعة ولا تضره معصية. # ولما كان التقدير: فالذين كفروا وعملوا السيئات لنجزينهم أجمعين، ولكنه ~~طواه لأن السياق لأهل الرجاء، عطف عليه قوله: { والذين آمنوا وعملوا } ~~تصديقا لإيمانهم { الصالحات } في الشدة والرخاء على حسب طاقتهم، واشار ~~بقوله: { لنكفرن عنهم سيئاتهم } إلى أن ms3472 الإنسان وإن اجتهد لا بد أن يزل ~~لأنه مجبول على النقص، فالصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينهما ما لم يؤت ~~الكبائر، والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان ونحو ذلك مما وردت به ~~الأخبار عن النبي المختار صلى الله عليه وسلم. وزاده فضلا وشرفا لديه؛ ~~قال البغوي: والتكفير إذهاب السيئة بالحسنة، أو لنغفرن لهم الشرك وما ~~عملوا فيه، وأكد لأن الإنسان مجبول على الانتقام ممن أساء ولو بكلمة ولو ~~بالامتنان بذكر العفو فلا يكاد يحقق غير ما طبع عليه. ولما بشرهم بالعفو ~~عن العقاب، أتم البشرى بالامتنان بالثواب، فقال عاطفا على ما تقديره: ~~ولنثبتن لهم حسناتهم { ولنجزينهم } أي في الإسلام { أحسن الذي كانوا } أي ~~كونا يحملهم على أتم رغبة { يعملون* } أي أحسن جزاء ما عملوه في الإسلام ~~وما قبله وفي طبعهم أن يعملوه. # ولما ذكر سبحانه أنه لا بد من الفتنة، وحذر من كفر، وبشر من صبر، قال ~~عاطفا على { ولقد فتنا } مشيرا إلى تعظيم حرمة الوالد حيث جعلها في ~~سياق تعظيم الخالق، وإلى أنها أعظم فتنة: { ووصينا } على ما لنا من ~~العظمة { الإنسان } أي الذي أعناه على ذلك بأن جعلناه على الأنس بأشكاله ~~لا سيما من أحسن إليه، فكيف بأعز الخلق عليه، وذلك فتنة له { بوالديه }. # ولما كان التقدير: فقلنا له: افعل بهما { حسنا } أي فعلا ذا حسن من ~~برهما وعطف عليهما، عطف عليه قوله: { وإن جاهداك } أي فعلا معك فعل ~~المجاهد مع من يجاهده فاستفرغا مجهودهما في معالجتك { لتشرك } وترك مظهر ~~العظمة للنص على المقصود فقال: { بي } ونبهه على طلب البرهان في الأصول ~~إشارة إلى خطر المقام لعظم المرام، فقال استعمالا للعدل، مشيرا بنفي ~~العلم إلى انتفاء العلوم: { ما ليس لك به علم } أصلا بأنه يستحق الشركة ~~فإن من عبد ما لم يعلم استحقاقه للعبادة فهو كافر { فلا تطعهما } فإنه لا ~~طاعة لمخلوق - وإن عظم - في معصية الخالق، وهذا موجب لئلا يقع من أحد شرك ~~أصلا، فإنه لا ريب أصلا في أنه لا شبهة تقوم على أن غيره تعالى ms3473 يستحق ~~الإلهية، فكيف بدليل يوجب علما، والمقصود من سياق الكلام إظهار النصفة ~~والتنبيه على النصيحة، ليكون أدعى إلى القبول؛ ثم علل ذلك بقوله: { إلي ~~مرجعكم } أي جميعا: من آمن ومن أشرك بالحشر يوم القيامة؛ ثم سبب عنه ~~قوله: { فأنبئكم } أي أخبركم إخبارا عظيما مستقصى بليغا { بما كنتم } ~~أي برغبتكم { تعملون* } أي فقفوا عند حدودي، واتركوا ما تزينه لكم ~~شهواتكم، واحذروا مجازاتي على قليل ذلك وكثيره، عبر سبحانه بالسبب الذي ~~هو الإنباء لأنه لا مثنوية فيه عن المسبب الذي هو الجزاء، مطلقا ~~للعبارة، وتهديدا بليغا على وجه الإشارة، وطوى ذكره لأنه قد يدخله ~~العفو، وهذه الآية نزلت في سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، أسلم وكان ~~بارا بأمه، فحلفت: لا تأكل ولا تشرب حتى يرجع عن دينه أو تموت فيعير بها ~~ويقال قاتل أمه، فمكثت يومين بلياليهما فقال: ياأماه، لو كانت لك مائة ~~نفس فخرجت نفسا نفسا ما تركت ديني فكلي، وإن شئت فلا تأكلي! فلما أيست ~~منه أكلت وشربت - وأصل القصة في الترمذي. # ولما كان التقدير: فالذين أشركوا وعملوا السيئات لندخلنهم في المفسدين، ~~ولكنه طواه لدلالة السياق عليه، عطف عليه زيادة في الحث على الإحسان إلى ~~الوالدين قوله: { والذين آمنوا وعملوا } في السراء والضراء { الصالحات }. # ولما كان الصالح في الغالب سيىء الحال في الدنيا ناقص الحظ منها، فكان ~~عدوه ينكر أن يحسن حاله أشد إنكار، أكد قوله: { لندخلنهم } أي بوعد لا ~~خلف فيه { في الصالحين* } وناهيك به من مدخل، فإنه من أبلغ صفات ~~المؤمنين. ### || [29.10-13] # ولما كانت ترجمة ما مضى من قسم الراجي والمجاهد والعامل للصالح: فمن ~~الناس - كما أشير إليه - من يؤمن بالله، فإذا أوذى في الله صبر واحتسب ~~انتظارا للجزاء من العلي الأعلى، ولكنه حذف من كل جملة ما دل عليه بما ~~ذكر في الأخرى، عطف عليه: { ومن الناس } أي المذبذبين { من يقول } أي ~~بلسانه دون طمأنينة من قلبه: { آمنا بالله } أي الذي اختص بصفات الكمال، ~~وأشار بعد الإيماء إلى كثرة هذا الصنف بالإسناد إلى ضمير الجمع ms3474 - إلى أن ~~الأذى في هذه الدار ضربة لازب لا بد منه، بقوله بأداة التحقيق: { فإذا ~~أوذي } أي فتنة له واختبارا من أي مؤذ كان { في الله } أي بسبب كونه ~~في سبيل الله الذي لا يدانيه في عظمته وجميع صفاته شيء، ببلاء يسلط به ~~عباده عليه { جعل } أي ذلك الذي ادعى الإيمان { فتنة الناس } أي له بما ~~يصيبه من أذاهم في جسده الذي إذا مات انقطع أذاهم عنه { كعذاب الله } أي ~~المحيط بكل شيء، فلا يرجى الانفكاك منه، فيصرف المعذب بعد الشماخة والكبر ~~إلى الخضوع والذل، لأن لا كفؤ له ولا مجير عليه، فلا يطاق عذابه، لأنه ~~على كل من الروح والجسد، لا يمكن مفارقته لهما ولا لواحد منهما بموت ولا ~~بحياة إلا بإرادته حتى يكون عمل هذا المعذب عند عذاب الناس له الطاعة لهم ~~في جميع ما يأمرون به ظاهرا وباطنا، فيتبين حينئذ أنه كان كاذبا في ~~دعوى الإيمان، وقصر الرجاء على الملك الديان، وأشار إلى أن الفتنة ربما ~~استمرت إلى الممات وطال زمنها بالتعبير بأداة الشك، وأكد لاستبعاد كل ~~سامع أن يقع من أحد بهت في قوله: { ولئن جاء نصر } أي لحزب الله الثابتي ~~الإيمان. # ولما كان الإحسان منه إنما هو محض امتنان، فلا يجب عليه لأحد شيء، عبر ~~بما يدل على ذلك مشيرا إلى أنه يفعله لأجله صلى الله عليه وسلم فقال: { ~~من ربك } أي المحسن إليك بنصر أهل دينك، تصديقا لوعدك لهم، وإدخالا ~~للسرور عليك، # ولما كانت هذه الحالة رخاء، عبر بضمير الجمع إشارة إلى نحو قول الشاعر: # وما أكثر الإخوان حين تعدهم # ولكنهم في النائبات قليل # فقال: { ليقولن } أي هؤلاء الذين لم يصبروا، خداعا للمؤمنين خوفا ~~ورجاء وعبر في حالة الشدة بالإفراد لئلا يتوهم أن الجمع قيد، وجمع هنا ~~دلالة على أنهم لا يستحيون من الكذب ولو على رؤوس الأشهاد، وأكدوا لعلمهم ~~أن قولهم ينكر لأنهم كاذبون فقالوا: { إنا كنا معكم } أي لم نزايلكم ~~بقلوبنا وإن أطعنا أولئك بآلسنتنا. # ولما كان التقدير: أليس أولياؤنا المتفرسون بأحوالهم ms3475 عالمين؟ عطف عليه ~~منكرا قوله: { أو ليس الله } المحيط بعلم الباطن كما هو محيط بعلم ~~الظاهر { بأعلم بما في صدور العالمين* } أي كلهم، منهم فلا يخفى عليه شيء ~~من ذلك إخلاصا كان أو نفاقا، بل هو أعلم من أصحاب الصدور بذلك. # ولما أنكر عدم العلم، صرح بالعلم فقال واعدا متوعدا، عاطفا على ما ~~أفهمه السياق من نحو: فقد علم الله جميع ما أخفوا وما أعلنوا: { وليعلمن ~~الله } أي المحيط علما وقدرة في عالم الشهادة حتى ينكشف ذلك لديكم كما ~~هو عالم به في عالم الغيب { الذين آمنوا } أي وقع منهم إيمان، وليعلمن ~~المؤمنين إيمانا صادقا بما يواليه عليهم من المحن، وهم لا يزدادون إلا ~~تسليما ورضى، وأكده لما قدم من أن الناس حسبوا أنهم لا يفتنون { وليعلمن ~~} الذي نافقوا وليعلمن { المنافقين* } بمثل ذلك من الزلازل والفتن التي ~~يميلون معها كيفما ميلتهم، حتى يعلم كل من له لب أنه لا إيمان لهم كما ~~أنه لا أيمان لهم، ولا شك أنه يعامل كلا من الفريقين بما يستحق على حسب ~~ما يعلم من قلبه، والآية من الاحتباك كما مضى عند { وليعلمن الله الذين ~~صدقوا }. # ولما كان السياق للفتنة والأذى في الله المحقق أمره بإذا دون " إن " ~~وكان الكفار يفتنون من أسلم في أول الأمر، ذكر سبحانه بعض ما كانوا ~~يقولون لهم عند الفتنة جهلا بالله وغرورا، فقال معجبا منهم، عاطفا ~~على { ومن الناس من يقول }: { وقال الذين كفروا } اغترارا منهم بالله، ~~وجرأة على حماه المنيع { للذين } أي لطائفة من يقول بلسانه: آمنا بالله، ~~وهم الذين { آمنوا } أي حقيقة، جهلا منهم بما خالط قلوبهم من بشاشة ~~الإيمان، وأنوار العرفان: { اتبعوا } أي كلفوا أنفسكم بأن تتبعوا { ~~سبيلنا } أي طريق ديننا، وعطفوا وعدهم في مجازاتهم على ذلك بصيغة الأمر ~~على أمرهم باتباعهم للدلالة على أنه محقق لا شك فيه فقالوا: { ولنحمل ~~خطاياكم } بوعد صادق وأمر محتوم جازم، إن كان ما تقولون حقا إنه لا بد ~~لنا من معاد نؤاخذ فيه بالخطايا، ولو دروا لعمري ما الخبر، ms3476 يوم يقولون: ~~لا مفر، ما عرضوا أنفسهم لهذا الخطر، يوم يود كل امرىء لو افتدى بماله ~~وبنيه، وعرسه وأخيه، وصديقه وأبيه، ويكون كلامهم - وإن كان أمرا - بمعنى ~~الخبر لأنه وعد كذبه سبحانه لأن معناه: إن كتب عليكم إثم حملناه عنكم ~~بوعد لا خلف فيه { وما هم } أي الكفار { بحاملين } ظاهرا ولا باطنا { ~~من خطاياكم } أي المؤمنين { من شيء } وهم يقدرون أن لا يحملوا، أو حملا ~~يخفف عنهم العذاب، أي إنهم إذا عاينوا تلك الأحوال، وطاشت عقولهم في بحار ~~هاتيك الأهوال، التي لا يقوم لها الجبال، تبرؤوا ممن قالوا له هذا ~~المقال، فقد أخبروا بما لا يطابق الواقع، ويجوز أن يكونوا تعمدوا الكذب ~~حال الإخبار إن كانت نيتهم أنهم لا يفون على تقدير تحقق الجزاء. # ولما علم من هذا كذبهم بكل حال سواء تعمدوا أو لا، صرح به تأكيدا ~~لمضمون ما قبله، مؤكدا لأجل ظن من غروه صدقهم في قوله: مستأنفا: { إنهم ~~لكاذبون* }. # ولما كان كل من أسلك أحدا طريقا كان شريكه في عمله فيها، فكان عليه ~~مثل وزره إن كانت طريق ردى، وله مثل أجره إن كانت سبيل هدى، قال تعالى ~~مؤكدا لإنكارهم الآخرة وكل ما فيها: { وليحملن } أي الكفرة { أثقالهم } ~~التي حملوها أنفسهم الضعيفة بما اكتسبوا { وأثقالا } أخرى لغيرهم { مع ~~أثقالهم } بما تسببوا به من إضلال غيرهم، ومن تأصيل السنن الجائرة ~~الجارية بعدهم، فمن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم ~~القيامة من غير أن ينقص أحدهم من حمل الآخرة شيئا. # ولما كان للسؤال على طريق الازدراء والإذلال، من الرعب في القلب ما ليس ~~للأفعال قال: { وليسألن } أي من كل من أمره المولى بسؤالهم { يوم القيامة ~~} أي الذي هم به مكذبون، وله مستهينون والتأكيد إما لإنكارهم ذلك اليوم، ~~أو لظن أن العالم لا يسأل عما يعلمه، { عما كانوا } أي بغاية الرغبة { ~~يفترون* } أي يتعمدون كذبه، ويعملون أفكارهم في ارتكابه ويواظبون عليه، ~~والتعبير بصيغة الافتعال يدل على أنهم كانوا يعلمون صدق الرسول صلى الله ~~عليه وسلم ms3477 ويتعمدون الكذب في وعدهم لمن غروه. ### || [29.14-17] # ولما كان السياق للبلاء والامتحان، والصبر على الهوان، وإثبات علم الله ~~وقدرته على إنجاء الطائع وتعذيب العاصي، ذكر من الرسل الكرام عليهم ~~الصلاة والسلام من طال صبره على البلاء، ولم يفتر عزمه عن نصيحة العباد ~~على ما يعاملونه به من الأذى، تسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم ولتابعيه ~~رضي الله تعالى عنهم وتثبيتا لهم وتهديدا لقريش، فقال عاطفا على { ~~ولقد فتنا الذين من قبلهم } ما هو كالشرح له، وله نظر عظيم إلى # ولقد وصلنا لهم القول # [القصص: 51] وأكده دفعا لوهم من يقول: إن القدرة على التصرف في القلوب ~~مغنية عن الرسالة في دار التسبب: { ولقد أرسلنا } أي على ما لنا من ~~العظمة المغنية عن الرسالة إجراء للأمور على ما تقتضيه هذه الدار من حكمة ~~التسبيب { نوحا } أي أول رسل الله الخافقين من العباد، وهو معنى { إلى ~~قومه } فإن الكفر كان قد عم أهل الأرض، وكان صلى الله عليه وسلم أطول ~~الأنبياء بلاء بهم، ولذلك قال مسببا عن ذلك ومعقبا: { فلبث فيهم } أي ~~بعد الرسالة يدعوهم إلى الله، وعظم الأمر بقوله: { ألف } فذكر رأس العدد ~~الذي لا رأس أكبر منه، وعبر بلفظ { سنة } ذما لأيام الكفر، وقال: { إلا ~~خمسين } فحقق أن ذلك الزمان تسعمائة وخمسون من غير زيادة ولا نقص مع ~~الاختصار والعذوبة، وقال: { عاما } إشارة إلى أن زمان حياته عليه الصلاة ~~والسلام بعد إغراقهم كان رغدا واسعا حسنا يإيمان المؤمنين وخصب الأرض. # ولما كان تكرير الدعاء مع عدم الإجابة أدل على الامتثال وعدم الملال، ~~قال مسببا عن لبثه فيهم ودعائه لهم ومعقبا له: { فأخذهم } أي كلهم ~~بالإغراق أخذ قهر وغلبة { الطوفان } أي من الماء، لأن الطوفان في الأصل ~~لكل فاش طام محيط غالب ممتلىء كثرة وشدة وقوة من سيل أو ظلام أو موت أو ~~غيرها، والمراد هنا الماء { وهم ظالمون* } أي عريقون في هذا الوصف، وهو ~~وضع الأشياء في غير مواضعها فعل من يمشي في أشد الظلام، بتكذيبهم رسولهم، ~~وإصرارهم على كفرهم، وهو ms3478 ملازم لدعائهم ليلا ونهارا لم يرجع منهم عن ~~الضلال إلا ناس لقلتهم لا يعدون؛ ودل عليهم مسببا عن ذلك بقوله: { ~~فأنجيناه } أي نوحا عليه السلام بما لنا من العظمة التي لا يغلبها شيء { ~~وأصحاب السفينة } من أولاده وأتباعه، من الغرق، وماذا يبلغ مقدار أهل ~~سفينة واحدة في العدة والكثرة { وجعلناها } أي الفعلة أو السفينة أي ~~نفسها وجنسها، بتلك العظمة { آية } أي علامة على قدرة الله وعلمه وإنجائه ~~للطائع وإهلاكه للعاصي { للعالمين* } فإن لم يقع في الدهر حادثة أعظم ~~منها ولا أغرب ولا أشهر في تطبيق الماء جميع الأرض، بطولها والعرض، ~~وإغراق جميع من عليها من حيوان: إنسان وغير إنسان، وإنجاء ناس فيهم بما ~~هيأ قبل الفعل من سبب ذلك المستمر نفعه على تكرار الأحقاب وتعاقب ~~الأزمان، وكونها آية أما للآدميين الذين كانوا في ذلك الزمان فالأمر فيهم ~~واضح، وأما غيرهم من الحيوان فقد عرفوا لمعرفتهم بالجزئيات المشاهدة أن ~~ذلك الماء لا ينجى منه في دار الأسباب إلا هذه السفينة، فالهداية إلى ~~فعلها للنجاة قبل وقوع سبب الهلاك دالة على تمام العلم وشمول القدرة، وأن ~~من اهتدى إليه دون أهل ذلك العصر كلهم إنما اهتدى بإعلام الله دون غيره، ~~ونصف الآية الأولى الأول من هذه القصة تسلية وتعزية دليلا على آيتي ~~الفتنة أول السورة، ونصفها الثاني تحذير وتوقية، وفيه دليل على الآية ~~الثالثة، والآية الثالثة، والآية الأخرى تبشير وترجية، وفيه دليل على ما ~~بعد. # ولما كان بلاء إبراهيم عليه الصلاة والسلام عظيما في قذفه في النار ~~وإخراجه من بلاده، أتبعه به فقال: { وإبراهيم } أي ولقد أرسلنا إبراهيم، ~~ويجوز أن يكون التقدير: واذكر إبراهيم أباك الأعظم لتتأسى به وتتسلى ~~ويتعظ قومك بقصته، لكن قوله { وإلى مدين } يرجح الأول، ودل على مبادرته ~~للامتثال بقوله: { إذ } أي حين، وهو بدل اشتمال على التقدير الثاني ~~لاشتمال الأحيان على ما قبلها { قال لقومه } الذين هو منهم: { اعبدوا ~~الله } أي الملك الأعظم بما يأمركم به من طاعته { واتقوه } أي خافوه في ~~أن تشركوا به شيئا فإنه يعذبكم ms3479 { ذلكم } أي الأمر العظيم الذي هو ~~إخلاصكم في عبادتكم له وتقواكم { خير لكم } أي من كل شيء { إن كنتم } أي ~~بما لكم من الغرائز الصالحة { تعلمون* } أي إن كنتم في عداد من يتجدد له ~~علم فأنتم تقولون: إنه خير، أي تعتقدون ذلك فتعملون به، وإن لم تعملوا ~~ذلك فأنتم في عداد الحيوانات العجم، بل أضل، فإنها تهتدي لما ينفعها ~~فتقبل عليه، وتسعى بجهدها إليه. # ولما أمرهم بما تقدم، ونفى العلم عمن جهل خيريته، دل عليه بقوله: { إنما ~~تعبدون } ولما كان الله أعلى من كل شيء قال: { من دون الله } أي الذي لا ~~شبيه له ولا نظير، ولا ثاني ولا وزير، وقال: { أوثانا } إشارة إلى تفرق ~~الهم بكثرة المعبود، والكثرة يلزمها الفرقة ولا خير في الفرقة. ومادة " ~~وثن " بجميع تقاليبها واوية ويائية مهموزة تدور على الزيادة والكثرة، ~~ويلزمها الفرقة من اختلاف الكلمة، فيلزمها حينئذ الرخاوة فيأتي العجز، ~~وتراكيبها تسعة: في الواوي الثلاثة: وثن ثنو ثون، وفي اليائي ثلاثة: ثنى ~~نثى ثين، وفي المهموز ثلاثة: أنث أثن نأث، فمن الزيادة: الوثن، قال ~~القزاز: قال أبو منصور: الفرق بين الوثن والصنم أن الوثن كل ما كان له ~~جثة من خشب أو حجر أو فضة أو ذهب أو جوهر أو غيره ينحت فينصب فيعبد، ~~والصنم الصورة التي بلا جثة، ومنهم من جعل الوثن صنما - انتهى. # وقال عبد الحق: قال الهروي: قال ابن عرفة: ما كان له صورة من جص أو ~~حجارة أو غير ذلك فهو وثن - انتهى. فقد علم من ذلك أنه لا بد فيه من صورة ~~أو جثة، وعلى كل تقدير فهو ثان لما شابه صورته أو جثته وزائد عليه. وقال ~~أبو حاتم أحمد بن حمدان الرازي في كتاب الزينة: الصنم تمثال من حجارة على ~~صورة الإنسان، فإذا كان من خشب فهو وثن، ويتخذ أيضا من جص، وربما صوروا ~~في الحائط أيضا صورة إنسان فتسمى تلك الصورة أيضا وثنا، والنصارى ~~يفعلون ذلك ويصورون في بيعهم صورة المسيح وصورة مريم ويسجدون لها: ~~واستوثن المال: ms3480 سمن، فزاد لحمه، واستوثن من المال: استكثر، والنحل: صارت ~~فرقتين صغارا وكبارا، والإبل: نشأت أولادها معها، وأوثن زيدا: أجزل ~~عطيته، والواثن: الشيء الثابت الدائم في مكانه، فالزيادة فيه بالنسبة إلى ~~زمانه، ويمكن أن يكون من الرخاوة، فإنه لا يثبت على هذه الصورة إلا ما لا ~~قدرة له على حركة. ومن الفرقة: نثا الحديث - بتقديم النون - ينثوه ~~وينثيه. يائي وواوي: أشاعه وحدث به، والشيء: فرقه وأذاعه، وأنثى: اغتاب ~~وأنف من الشيء، ولا يؤنف منه إلا على تقدير نشره، والثوينا كالهوينا: ~~الرقيق يفرش تحت الرغيف ليسوى ويعدل لأن يكون ظلمه، والتثاون: الاحتيال ~~والخديعة، فإنها لا تكون إلا عن جمع فكر وتنبيه نظر، وهي أيضا لا تكون ~~إلا من عاجز عن الأخذ جهارا، ومن ذلك تثاون للصيد - إذا جاءه مرة عن ~~يمينه وأخرى عن يساره، والثني من كل شيء ما يثنى بعضه على بعض، ومن ~~الوادي: منعطفه، واثنونى: انعطف، والثناء ككتاب: عقال البعير، وهو حبل ~~مثنى يعقل به يد البعير فتثنى، والفناء لأنه يكثر انتيابه والتردد إليه، ~~وأثناء الشيء: قواه وطاقاته، والاثنان: ضعف الواحد، والمؤنث ثنتان، وأصله ~~ثنى، والاثنين والثنى كإلى: يوم في الأسبوع، وثنيته عن وجهه: رددته، فصار ~~له رجوع بعد ذهاب، وثنيث الرجلين: صرت ثانيهما وأنت أحدهما، ولا يقال: ~~ثنيت فلانا، ولكن يقال: صرت له ثانيا، والمثاني: القرآن أو ثني منه مرة ~~بعد مرة، أو الحمد، أو البقرة إلى براءة - هكذا عبر في القاموس، وفي ~~مختصر العين: ويقال: سور أولها البقرة وآخرها براءة، وذكر في القاموس في ~~ذلك أقوالا أخرى، ومن أوتار العود الذي بعد الأول واحدها مثنى، ومثنى ~~الأيادي: إعادة المعروف مرتين فأكثر، والثنية: العقبة أوطريقها أو الجبل ~~أو الطريقة فيه - لأنها بطلوعها ونزولها أو تعاريجها كأنها ثنيت مرتين، ~~والثنايا من الأسنان: الأربع التي في مقدم الفم: ثنتان من فوق، وثنتان من ~~أسفل، والناقة الطاعنة في السادسة، والبعير ثنى، والفرس الداخلة في ~~الرابعة والشاة في الثالثة كالبقرة، وكأن ذلك كله من عرض يعرض لثنيه ~~الحيوان، والثنية: النخلة المستثناة من المساومة، ms3481 والثنية والثناء، وصف ~~بمدح أو ذم، أو خاص بالمدح، وذلك لأنه يكرر، والثين بالكسر: من يستخرج ~~الدر من البحر، لأنه يكرر الغوص حتى يجد ويفارق مكانه لذلك ويفرق الدر من ~~مكانه، والثين أيضا: مثقب اللؤلؤ، لأن الثقب يفرق بين أجزائها ولأن ~~المثقب نفسه يحرك فيكثر من حركته إذا فعل به ذلك. # ومن مهموزة؛ نأث عنه: بعد، والمنآث - بالضم، المبعد، والأثين: الأصيل، ~~لأنه ثان لأصله، ومن الرخاوة الأنثى خلاف الذكر، والأنيت من الحديد الرخو ~~وهو ما لم يكن ذكرا، والمؤنث: المخنث، والأنثيان: الخصيتان والأذنان، ~~وأرض أنيثة ومئناث: سهلة، وسيف مئناث: كهام أي قليل لا يقطع - فقد تحرر ~~أن المادة كلها دائرة على ما لا ينبغي لرتبة الإلهية من الكثرة والفرقة ~~والرخاوة، ولذلك أتى بصيغة الحصر، وهو قصر قلب لسلب ما اعتقدوه فيها من ~~الإلهية. # ولما أشار لهم إلى عدم صلاحيتها لتلك الرتبة العلية، والغاية الشماء ~~السنية، بكثرتها، أشار لهم إلى قصورها أيضا بتصويرها فقال بصيغة المضارع ~~إشارة إلى ما يرى في كل وقت من تجدد حدوثها: { وتخلقون } أي تصورون ~~بأيديكم { إفكا } أي شيئا مصروفا عن وجهه، فإنه مصنوع وأنتم تسمونه ~~باسم الصانع، ومربوب وأنتم تعدونه ربا، وعبد وأنتم تقيمونه معبودا، أو ~~تقولون في حقها إنها آلهة كذبا. # ولما كان الإنسان محتاجا أبدا، فكان لا يزال متوجها إلى من ينفعه، ~~وكان قد أشار سبحانه إلى نقص معبوداتهم بنفي الخير عنها، صرح بعجزها، ~~وأثبت اختصاصه بالخير، لينتج اسحقاقه للعبادة دونها وأكده ردا لما كانوا ~~يتوهمونه من نفعها وضرها فقال: { إن الذين تعبدون } ضلالا وعدولا عن ~~الحق الواضح { من دون الله } المحيط بصفات الكمال، المنزه عن شوائب ~~الاختلال الذي لا يمكن أن يملأ جميع ما تحت رتبته شيء فكيف برتبته ~~الشماء، وحضرته العلياء { لا يملكون لكم } أي وأنتم تعبدونها فكيف بغيركم ~~{ رزقا } أي شيئا من الرزق الذي لا قوام لكم بدونه، فتسبب عن ذلك قوله: ~~{ فابتغوا } وأشار بصيغة الافتعال إلى السعي فيه، لأنه أجرى عادته سبحانه ~~أنه في الغالب لا يؤتيه إلا بكد من ms3482 المرزوق وجهد، إما في العبادة ~~والتوكل، وإما في السعي الظاهر في تحصيله بأسبابه الدنيوية " والعاجز من ~~أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني ". # ولما أشار إلى ذلك، أشار إلى الإجمال في الطلب، وأن لا يعتقد أنه لا ~~محالة في السبب، وإنما الأمر مع ذلك بيده، إن شاء أنجح وإن شاء خيب، ~~بقوله: { عند الله } أي الذي له كل صفة كمال { الرزق } أي كله، فإنه لا ~~شيء منه إلا وهو بيده، وقد دخل فيه كل موجود، فإن الكل خلق لذلك، فأحكمت ~~صنعته وربط بعضه ببعض، فلو نقص منه شيء لاختل النظام، فتبطل الأحكام { ~~واعبدوه } أي عبادة يقبلها، وهي ما كان خالصا عن الشرك، فإن من يكون ~~كذلك يستحق ذلك ويثيب العابد له، ويعاقب الزاهد فيه، فلا يشغلكم ابتغاء ~~الرزق بالأسباب الظاهرة عن عبادته، فإنها هي الأسباب الحقيقية، فربما حرم ~~العبد الرزق بالذنب يصيبه { واشكروا } أي أوقعوا الشكر { له } خاصة على ~~ما أفاض عليكم من النعم؛ ثم علل ذلك بقوله: { إليه } أي وحده { ترجعون* } ~~أي معنى في الدنيا والآخرة بأنه لا حكم في الحقيقة لأحد سواه، وحسا ~~بالنشر والحشر بعد الموت بأيسر أمر فيثيب الطائع ويعذب العاصي في ~~الدارين. ### || [29.18-23] # ولما كان التقدير: فإن تصدقوا فهو حظكم في الدنيا والآخرة، عطف عليه ~~قوله: { وإن تكذبوا } والذي دلنا على هذا المحذوف هذه الواو العاطفة على ~~غير معطوف معروف { فقد } أي فيكفيكم في الوعظ والتهديد معرفتكم بأنه { ~~كذب أمم } في الأزمان الكائنة { من قبلكم } كثيرة، كعاد وثمود وقوم نوح ~~وغيرهم، فجرى الأمر فيهم على سنن واحد لم يختلف قط في نجاة والمطيع ~~للرسول وهلاك العاصي له، ولم يضر ذلك بالرسول شيئا وما ضروا به إلا ~~أنفسهم { وما على الرسول } أن يقهركم على التصديق، بل ما عليه { إلا ~~البلاغ المبين* } الموضح مع - ظهوره في نفسه - للأمر بحيث لا يبقى فيه ~~شك، بإظهار المعجزة وإقامة الأدلة على الوحدانية. # ولما كان التقدير: ألم تروا إلى مصارعهم؟ واتساق الحال في أمرهم؟ ~~فيكفيكم ذلك زاجرا، عطف عليه للدلالة على ms3483 الرجوع إليه منكرا قوله: { أو ~~لم يروا } بالخطاب في قراءة حمزة والكسائي وفي رواية عن أبي بكر عن عاصم ~~جريا على النسق السابق، وبالغيب للباقين، إعراضا للإيذان بالغضب { كيف ~~يبدئ الله } أي الذي له كل كمال { الخلق } أي يجدد إبداءه في كل لحظة، ~~وهو بالضم من أبدأ، وقرىء بالفتح من بدأ، وهما معا بمعنى الإنشاء من ~~العدم؛ قال القزاز: أبدأت الشيء أبدئه إبداء - إذا أنشأته، والله المبدىء ~~أي الذي بدأ الخلق، يقال: بدأهم وأبدأهم، وفي القاموس: بدأ الله الخلق: ~~خلقهم كأبدأ. ورؤيتهم للإبداء موجودة في الحيوان للإبداء والإعادة في ~~النبات، ولا فرق في الإعادة بين شيء وشيء فيكون قوله - { ثم يعيده } أي ~~يجدد إعادته في كل لمحة - معطوفا على { يبدئ } ولو لم يكن كذلك لكان ~~عطفه عليه من حيث إن مشاهدة حال الابتداء جعلت مشاهدة لحال الإعادة من ~~حيث إنه لا فرق، ولا حاجة حينئذ إلى تكلف عطفه على الجملة من أولها. ثم ~~حقر أمره بالنسبة إلى عظيم قدرته، فقال ذاكرا نتيجة الأمر السابق: { إن ~~ذلك } أي الإبداء والإعادة، وأكد لأجل إنكارهم { على الله يسير* } لأنه ~~الجامع لكل كمال، المنزه عن كل شائبة نقص. # ولما ساق العزيزالجليل هذا الدليل، عما حاج به قومه الخليل، انتهزت ~~الفرصة في إرشاد نبيه إسماعيل عليهما الصلاة والسلام والتحية والإكرام، ~~وذلك أنه لما استدل عليه السلام على الوحدانية المستلزمة للقدرة على ~~المعاد بإبطال إلهية معبوداتهم المستلزم لإبطال كل ما شاكلها، فحصل ~~الاستعداد للتصريح بأمر المعاد، فصرح به، كان ذلك فخرا عظيما، ومفصلا ~~بينا جسيما، لإقامة الحجة على قريش وسائر العرب، فانتهزت فرصته واقتحمت ~~لجته، كما هي عادة البلغاء، ودأب الفصحاء الحكماء، لأن ذلك كله إنما سيق ~~تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم ووعظا لقومه فقيل: { قل } أي يا محمد ~~لهؤلاء الذين تقيدوا بما تقلدوا من مذاهب آبائهم من غير شبهة على صحته ~~أصلا: قد ثبت أن هذا كلام الله لما ثبت من عجزكم عن معارضته، فثبت أن ~~هذا الدليل كلام أبيكم إبراهيم عليه الصلاة والسلام ms3484 وأنتم مصرحون بتقليد ~~الآباء غير متحاشين من معرته ولا أب لكم أعظم من إبراهيم عليه الصلاة و ~~السلام، فإذا قلدتم من لا يفارقه في عبادة ما لا يضر ولا ينفع من غير ~~شبهة أصلا فقلدوا أباكم الأعظم في عبادة الله وحده لكونه أباكم، ولما ~~أقام على ذلك من الأدلة التي لا مراء فيها قال: أو { سيروا } إن لم ~~تقتدوا بأبيكم إبراهيم عليه السلام، وتتأملوا ما أقام من الدليل القاطع ~~والبرهان الساطع { في الأرض } إن لم يكفكم النظر في أحوال بلادكم. # ولما كان السياق لإثبات الإلهية التي تجب المبادرة إلى تفريغ الفكر ~~وتوجيه كل الذهن إلى الاستدلال عليها، عبر بالفاء المعقبة فقال: { ~~فانظروا } أي نظر اعتبار { كيف بدأ } أي ربكم الذي خلقكم ورزقكم { الخلق ~~} من الحيوانات والنبات من الزروع والأشجار، وغيرها مما تضمنته الجبال ~~والسهول والأوعار، وهذا يدل على أن الأول فيما هو أعم من الحيوان، ~~فتقريرهم على الإعادة فيه حسن. # ولما كان المقصود بالذات بيان الإعادة التي هي من أجل مقاصد السورة، ~~لإظهار ما مضى أولها من العدل يوم الفصل، وكانوا بها مكذبين، بين ~~الاهتمام بأمرها بإبراز الاسم الأعظم بعد تكريره في هذا السياق غير مرة، ~~وأضمره في سياق البداءة لإقرارهم له بها، إشارة إلى أنه باطن في هذه ~~الدار، ظاهر بجميع الصفات في تلك، فقال: { ثم الله } أي الحائز لجميع ~~صفات الكمال فلا يفوته شيء، المتردي بالجلال، فاخشوا سطوته، واتقوا ~~عقوبته ونقمته { ينشئ النشأة الآخرة } بعد النشأة الأولى. ثم علل ذلك ~~بقوله مؤكدا تنزيلا لهم منزلة المنكر لإنكارهم البعث: { إن الله } فكرر ~~ذكره تنبيها بعد التيمن به على ما ذكره وعلى أنه في كل أفعاله لا سيما ~~هذا مطلق غير مقيد بجهة من الجهات، ولا مشروط بأمر من الأمور { على كل ~~شيء قدير* } لأن نسبة الأشياء كلها إليه واحدة. # ولما ثبت ذلك، أنتج لا محالة قوله: مهددا بعد البيان الذي ليس بعده إلا ~~العناد: { يعذب } بعدله { من يشاء } أي منكم ومن غيركم في الدنيا ~~والآخرة، فلا يقدر أحد بشفاعة ms3485 ولا غيرها على الحماية منه { ويرحم } بفضله ~~{ من يشاء } فلا يقدر أحد على أن يمسه بسوء { وإليه } أي وحده { تقلبون* ~~} أي بعد موتكم بأيسر سعي. # ولما لم يبق للقدرة على إعادتهم مانع يدعي إلا ممانعتهم منها، أبطلها ~~على تقدير ادعائهم لها فقال: { وما أنتم } أي أجمعون العرب وغيرهم { ~~بمعجزين } أي بواقع إعجازهم في بعثكم وتعذيبكم { في الأرض } كيفما تقلبتم ~~في ظاهرها وباطنها. # ولما كان الكلام هنا له أتم نظر إلى ما بعد البعث، وكانت الأحوال هناك ~~خارجة عما يستقل به العقل، وكان أثر القدرة أتم وأكمل، وأهم وأشمل، وكان ~~بعض الأرواح يكون في السماء بعد الموت قال: { ولا في السماء } أي لو فرض ~~انكم وصلتم إليها بعد الموت بالحشر أو قبله، لأن الكل بعض ملكه، فكيف ~~يعجزه من في ملكه، ويمكن أن يكون له نظر إلى قصة نمرود في بنائه الصرح ~~الذي أراد به التوصل إلى السماء لا سيما والآيات مكتنفة بقصة إبراهيم ~~عليه الصلاة والسلام من قبلها ومن بعدها. # ولما اخبرهم أنهم مقدور عليهم، وكان ربما بقي احتمال أن غيرهم ينصرهم، ~~صرح بنفيه فقال: { وما لكم } أي أجمعين أنتم وغيركم أيها المحشورون، ~~وأشار إلى سفول رتبة كل من سواه بقوله: { من دون الله } أي الذي هو أعظم ~~من كل عظيم؛ وأكد النفي بإثبات الجار فقال: { من ولي } أي قريب يحميكم ~~لأجل القرابة { ولا نصير* } لشيء غير ذلك لأنه لا كفوء له. # ولما كان التقدير: فالذين آمنوا بآيات ربهم ولقائه أولئك يرجون رحمتي ~~وأولئك لهم نعيم مقيم، وكان قد أمرهم بالاستدلال، وهددهم ليرجعوا عن ~~الضلال، بما أبقى للرجال بعض المحال، أتبعه ما قطعه، فقال عاطفا على ذلك ~~المقدر: { والذين كفروا } أي ستروا ما أظهرته لهم أنوار العقول { بآيات ~~الله } أي دلائل الملك الأعظم المرئية والمسموعة التي لا أوضح منها { ~~ولقائه } بالبعث بعد الموت الذي أخبر به وأقام الدليل على قدرته عليه بما ~~لا أجلى منه { أولئك } أي البعداء البغضاء البعيدو الفهم المحطوطون عن ~~رتبة الإنسان، بل رتبة مطلق الحيوان { يئسوا ms3486 } أي تحقق يأسهم من الآن، بل ~~من الأزل، لأنهم لم يرجوا لقاء الله يوما؛ ولا قال أحد منهم { رب اغفر ~~لي خطيئتي يوم الدين }. # ولما كان أكثرهم متعنتا، بين أن المتكلم بهذا الكلام، العالي عن متناول ~~الأنام، هو الله المنوه باسمه في هذا النظام، بالالتفات إلى أسلوب ~~التلكم، تنبيها لمفات السامعين بما ملأ الصدور وقصم الظهور فقال: { من ~~رحمتي } أي من أن أفعل بهم من الإكرام بدخول الجنة وغيرها فعل الراحم؛ ~~وكرر الإشارة تفخيما للأمر فقال: { وأولئك } أي الذين ليس بعد بعدهم ~~بعد، وتهكم بهم في التعبير بلام الملك التي يغلب استعمالهما في المحبوب ~~فقال: { لهم عذاب أليم* } أي مؤلم بالغ إيلامه في الدنيا والآخرة. ### || [29.24-27] # ولما ختم سبحانه هذه الجملة الاعتراضية بما ابتدأها به وبما ختم به ما ~~قبلها من كلام الخليل عليه الصلاة والسلام، وزاد هذا ما ترى من التهديد ~~الشديد، شرع في إكمال قصته عليه الصلاة والسلام دالا على أنه لا أحد ~~يعجزه، ولا يقدر على نصر أحد من عذابه الأليم، مشيرا إلى أنهم سببوا عن ~~قوله ضد ما يقتضيه إيذانا بالعناد، والإصرار على سوء الاعتقاد، فقال: { ~~فما كان جواب قومه } أي الذين يرجى قبولهم لنصحه علما منهم بوفور شفقته ~~وعظم أمانته ونصيحته { إلا أن قالوا } بأعظم فظاظة { اقتلوه } أي بالسيف ~~{ أو حرقوه } أي بالنار. # ولما استقر رأي الجميع على هذا الثاني، ولم يكن له فيهم نصير، أشار إليه ~~سبحانه بقوله ناسقا له على ما تقديره: فأبى المعظم القتل لأنه عذاب ~~مألوف لمن يستحقه من المجرمين، وهو قد عمل عملة مفردة في الدهر فالذي ~~ينبغي أن يخص العذاب عليها بعذاب لم يعهد مثله وهو الإحراق على هيئة ~~غريبة، فرجعوا عن القتل واستقر رأيهم على الإحراق فجمعوا له حطبا إلى أن ~~ملأ ما بين الجبال، وأضرموا فيه النار حتى أحرقت ما دنا منها بعظيم ~~الاشتعال، وقذفوه فيها بالمنجنيق { فأنجاه الله } بما له من كمال العظمة ~~إنجاء وحيا من غير احتياج إلى تدريج { من النار } أي من إحراقها ~~وأذاها، ms3487 ونفعته بأن أحرقت وثاقه. # ولما اشتملت قصته بهذا السياق على دلائل واضحات، وأمور معجزات، عظم ~~أمرها سبحانه بقوله مؤكدا لمزيد التنويه بذكرها، وتنزيلا في توقفهم عما ~~دعت إليه الآيات الظاهرة من الإيمان منزلة المنكر لها: { إن في ذلك } أي ~~ما ذكر من أمره وما خللت به قصته من الحكم { لآيات } أي براهين قاطعة في ~~الدلالة على جميع أمر الله من تصرفه في الأعيان والمعاني، لكون النار لم ~~تحرقه وأحرقت وثاقه وكل ما مر عليها من طائر، ومع رؤيته ذلك لم يؤمنوا ~~ولم يقدروا على ضرره بشيء غير ذلك. # ولما كان ما للشيء إنما هو في الحقيقة ما ينفعه، وكان قد حجبها سبحانه ~~بالشهوات والحظوظ الشاغلة عن استعمال نور العقل، قال: { لقوم يؤمنون* } ~~أي يقبلون على استعمال نور العقل الذي وهبهموه الله فيصدقون بالغيب حتى ~~صار الإيمان -بكثرة ما صقلوا مرائي قلوبهم بالنظر في أسبابه - لهم خلقا ~~بحيث إنهم في كل لحظة يجددون الترقي في مراتبه، والتنقل في أخبيته ~~ومضاربه. # ولما تقدم سلبه النفع عن هذه الأوثان، أشار هنا إلى نفع يعقب من الضر ما ~~لا نسبة له منه، فليس حينئذ بنفع، فقال تعالى: { وقال } أي إبراهيم عليه ~~الصلاة والسلام غير هائب لتهديدهم بقتل ولا غيره، مؤكدا لأجل ما أشار ~~إليه مما ينكرونه من ضعف شركائهم وعجزها: { إنما اتخذتم } أي أخذتم ~~باصطناع وتكلف، وأشار لى عظمة الخالق وعلو شأنه بقوله: { من دون الله } ~~أي الذي كل شيء تحت قهره، ولا كلفة - في اعتقاد كونه ربا - باحتياج إلى ~~مقدمة جعل وصنعة ولا غير ذلك، وقال: { أوثانا } إشارة إلى تكثرها الذي ~~هو مناف لرتبة الإلهية؛ وأشار إلى ذلك النفع بقوله: { مودة } أي لأجل ~~مودة - عند من نصب سواء ترك التنوين وهم حمزة وخفص عن عاصم وروح عن يعقوب ~~أو نون وهم الباقون { بينكم } من خفضه على الاتساع ورفع " مودة " وهم ~~ابن كثير وأبو عمرو والكسائي ورويس عن يعقوب كان المعنى: هي مودة البين ~~الجامع لكم بمعنى مودتكم على وجه أبلغ، لأن المودة إذا ms3488 كانت لبين جامع ~~الناس كانت لأولئك الناس بطريق الأولى، ومن خفضه ونصبها وهم حمزة وحفص عن ~~عاصم وروح عن يعقوب فالمعنى: لأجل المودة، ومن نصبها ونون وهم نافع وابن ~~عامر وأبو جعفر وشعبة فالبين عنده ظرف { في الحياة الدنيا } بالاجتماع ~~عندها والتواصل في أمرها بالتناصر والتعاضد كما يتفق ناس على مذهب فيكون ~~ذلك سبب تصادقهم، وهذا دال على أن جمع الفسوق لأهل الدنيا هو العادة ~~المستمرة، وأن الحب في الله والاجتماع له عزيز جدا، لما فيه من قطع ~~علائق الدنيا وشهواتها التي زينت للناس، بما فيها من الإلباس، وعظيم ~~البأس. # ولما أشار إلى هذا النفع الذي هو في الحقيقة ضر، ذكر ما يعقبه من الضر ~~البالغ، فقال معبرا بأداة البعد إشارة إلى عظيم ذلك اليوم، وإلى أنه جعل ~~لهم في الحياة أمدا يمكنهم فيه السعي للتوقي من شر ذلك اليوم: { ثم يوم ~~القيامة } ساقه مساق ما لا نزاع فيه لما قام عليه من الأدلة { يكفر بعضكم ~~ببعض } فينكر كل منهم محاسن أخيه، ويتبرأ منه بلعن الأتباع القادة، ولعن ~~القادة الأتباع، وتنكرون كلكم عبادة الأوثان تارة إذا تحققتم أنها لا ضر ~~ولا نفع لها، وتقرون بها أخرى طالبين نصرتها راجين منفعتها، وتنكر ~~الأوثان عبادتكم وتجحد منفعتكم { ويلعن بعضكم بعضا } على ما ذكر { ~~ومأواكم } جميعا أنتم والأوثان { النار } لتزيد في عذابكم ويزداد بغضكم ~~لها { وما لكم } وأعرق في النفي فقال: { من ناصرين* } أصلا يحمونكم ~~منها، ويدخل في هذا كل من وافق أصحابه من أهل المعاصي أو البطالة على ~~الرذائل ليعدوه حسن العشرة مهذب الأخلاق لطيف الذات، أو خوفا من أن ~~يصفوه بكثافة الطبع وسوء الصحبة، ولقد عم هذا لعمري أهل الزمان ليوصفوا ~~بموافاة الإخوان ومصافاة الخلان، معرضين عن رضى الملك الديان. # ولما كان في سياق الابتلاء، وذكر من الأنبياء من طال ابتلاؤه، بين أنه ~~لم يكن لهم من أممهم تابع يقدر على نصرهم، وأن الله سبحانه تولى كفايتهم ~~فلم يقدر واحد على إهلاكهم، وأهلك أعدائهم، فلم يكن لهم من ناصرين فقال: ~~{ فآمن ms3489 له } أي لأجل دعائه له مع ما رأى من الآيات { لوط } أي ابن أخيه ~~هاران وحده، وهو أول من صدقه من الرجال { وقال } أي إبراهيم عليهما ~~الصلاة والسلام مؤكدا لما هو جدير بالإنكار من الهجرة لصعوبتها: { إني ~~مهاجر } أي خارج من أرضي وعشيرتي على وجه الهجر لهم فمنتقل ومنحاز { إلى ~~ربي } أي إلى أرض ليس بها أنيس ولا عشير، ولا من ترجى نصرته، ولا من تنفع ~~مودته، فحينئذ يتبين الرضى بالله وحده، والاعتماد عليه دون ما سواه، ~~فهاجر من كوثى من سواد الكوفة إلى حران ثم منها إلى الأرض المقدسة، فكانت ~~له هجرتان، وهو أول من هاجر في الله، قال مقاتل: وكان إذ ذاك ابن خمس ~~وسبعين سنة. # ثم علل ذلك بما يسليه عن فراق أرضه وأهل وده من ذوي رحمه وأنسابه وأولي ~~قربه، فقال مؤكدا تسكينا لمن عساه يتبعه وتهوينا عليه لفراق ما ألفت ~~النفوس من أنه لا عز إلا به من العشائر والأموال والمعارف: { إنه هو } أي ~~وحده { العزيز } أي فهو جدير بإعزاز من انقطع إليه { الحكيم* } فهو إذا ~~أعز أحدا منعته حكمته من التعرض له بإذلال، بفعل أو مقال، كما صنع بي ~~حين أراد إذلالي من كان جديرا بإعزازي من عشيرتي وأهل قربى، وبالغ في ~~أذاي ممن كان حقيقا بنفعي من ذوي رحمي وحبي. # ولما كان التقدير: فأعززناه كما ظن بنا إعزازا أحكمناه حتى استمر في ~~عقبه إلى القيامة، عطف عليه قوله: { ووهبنا له } أي بجليل قدرتنا شكرا ~~على هجرته { إسحاق } من زوجته سارة عليها السلام التي جمعت إلى العقم في ~~شبابها اليأس بكبرها، وعطفه لهبته له بالواو دليل على ما سيأتي إن شاء ~~الله تعالى في الصافات من أن الذبيح إسماعيل عليه الصلاة والسلام لتعقيبه ~~للهبة هناك على الهجرة بالفاء { ويعقوب } من ولده إسحاق عليهما الصلاة ~~والسلام. # ولما كان السياق في هذه السورة للامتحان، وكان إبراهيم عليه الصلاة ~~والسلام قد ابتلي في إسماعيل عليه الصلاة والسلام بفراقه مع أمه رضي الله ~~عنهما ووضعهما في قضيعة من ms3490 الأرض لا أنيس بها، لم يذكره تصريحا في سياق ~~الامتنان، وأفرد إسحاق عليه الصلاة والسلام لأنه لم يبتل فيه بشيء من ~~ذلك، ولأن المنة به - لكون أمه عجوزا وعقيما - أكبر وأعظم لأنها أعجب، ~~وذكر إسماعيل عليه الصلاة والسلام تلويحا في قوله: { وجعلنا } أي بعزتنا ~~وحكمتنا { في ذريته } من ولد إسحاق وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام { ~~النبوة } فلم يكن بعده نبي أجنبي عنه، ومتى صحت هذه المناسبة لزم قطعا ~~أن يكون الذبيح إسماعيل عليه الصلاة والسلام فإنه أعرى ذكر هذه السورة ~~منه، ويكون كأنه قيل: إنا بشرناه بما يسر به من إسحاق بعد أن أمرناه بما ~~يضر من إسماعيل عليهما السلام فصبر في محنة الضراء، وشكر في محنة السراء ~~{ والكتاب } فلم ينزل كتاب إلا على أولاده، وأفرد ليدل - مع تناوله ~~بالجنسية الكتب الأربعة - على أنه لا شيء يستحق أن يكتب إلا ما أنزل ~~فيها، أو كان راجعا إليه، ولو جمع لم يفد هذا المعنى { وآتيناه أجره } ~~على هجرته { في الدنيا } بما خصصناه به مما لا يقدر عليه غيرنا من سعة ~~الرزق، ورغد العيش، وكثرة الخدم، والولد في الشيخوخة، وكثرة النسل، ~~والثناء الحسن، والمحبة من جميع الخلق، وغير ذلك. # ولما كان الكافر يعتقد - لإنكاره البعث - أنه نكد حياته بالهجرة نكدا ~~لا تدارك له، اقتضى الحال التأكيد في قوله: { وإنه في الآخرة } أي التي ~~هي الدار وموضع الاستقرار { لمن الصالحين* } الذين خصصناهم بالسعادة ~~وجعلنا لهم الحسنى وزيادة. ### || [29.28-32] # ولما كان - كما مضى - السياق للابتلاء، خص بالبسط في القص من لم يكن له ~~ناصر من قومه، أو كان غريبا منها، ولذلك أتبع الخليل عليه الصلاة ~~والسلام ابن أخيه الذي أرسله الله إلى أهل سدوم: ناس لا قرابة له فيهم ~~ولا عشيرة، فقال: { ولوطا } أي أرسلناه، وأشار إلى إسراعه في الامتثال ~~بقوله: { إذ } أي وأرسلناه حين { قال لقومه } أهل سدوم الذين سكن فيهم ~~وصاهرهم وانقطع إليهم فصاروا قومه، حين فارق عمه إبراهيم الخليل عليهما ~~الصلاة والسلام، منكرا ما رأى من حالهم، وقبيح فعالهم، مؤكدا له إشارة ms3491 ~~إلى أنه - مع كونه يرونه من أعرف المعارف - جدير بأن ينكر: { إنكم لتأتون ~~الفاحشة } أي المجاوزة للحد في القبح، فكأنها لذلك لا فاحشة غيرها. ثم ~~علل كونها فاحشة استئنافا بقوله: { ما سبقكم } أو هي حال مبينة لعظيم ~~جرأتهم على المنكر، أي غير مسبوقين { بها } وأعرق في النفي بقوله: { من ~~أحد } وزاد بقوله: { من العالمين* } أي كلهم فضلا عن خصوص الناس؛ ثم كرر ~~الإنكار تأكيدا لتجاوز قبحها الذي ينكرونه فقال: { أئنكم لتأتون الرجال ~~} إتيان الشهوة، وعطف عليها ما ضموه إليها من المناكر، بيانا لاستحقاق ~~الذم من وجوه، فأوجب حالهم ظن أنهم وصلوا من الخبث إلى حد لا مطمع في ~~الرجوع عنه مع ملازمته لدعائهم من غير ملل ولا ضجر، فقال { وتقطعون ~~السبيل* } أي بأذى الجلابين والمارة. # ولما خص هذين الفسادين، عم دالا على المجاهرة فقال: { وتأتون في ناديكم ~~} أي المكان الذي تجلسون فيه للتحدث بحيث يسمع بعضكم نداء بعض من مجلس ~~المؤانسة، وهو ناد ما دام القوم فيه، فإذا قاموا عنه لم يسم بذلك { ~~المنكر } أي هذا الجنس، وهو ما تنكره الشرائع والمروءات والعقول، ولا ~~تتحاشون عن شيء منه في المجتمع الذي يتحاشى فيه الإنسان من فعل خلاف ~~الأولى، من غير أن يستحي بعضكم من بعض؛ ودل على عنادهم بقوله مسببا عن ~~هذه النصائح بالنهي عن تلك الفضائح: { فما كان جواب قومه } أي الذين فيهم ~~قوة ونجدة بحيث يخشى شرهم، ويتقي أذاهم وضرهم، لما أنكر عليهم ما أنكر { ~~إلا أن قالوا } عنادا وجهلا واستهزاء: { ائتنا بعذاب الله } وعبروا ~~بالاسم الأعظم زيادة في الجرأة. ولما كان الإنكار ملزوما للوعيد بأمر ~~ضار قالوا: { إن كنت } أي كونا متمكنا { من الصادقين* } أي في وعيدك ~~وإرسالك، إلهابا وتهييجا. # ولما كان كأنه قيل: بم أجابهم؟ قيل: { قال } أي لوط عليه الصلاة والسلام ~~معرضا عنهم، مقبلا بكليته على المحسن إليه: { رب } أي أيها المحسن إلي ~~{ انصرني على القوم } أي الذين فيهم من القوة ما لا طاقة لي بهم معه { ~~المفسدين* } بإتيان ما تعلم من القبائح. # ولما كان ms3492 التقدير: فاستجبنا له فأرسلنا رسلنا بشرى لعمه إبراهيم عليه ~~الصلاة والسلام، ولإهلاك قوم لوط عليه الصلاة والسلام، تحقيقا لانتقامنا ~~من المجرمين، وإنعامنا على الصالحين، ولابتلائنا لمن نريد من عبادنا حيث ~~جعلنا النذارة مقارنة للبشارة، عطف عليه قوله: { ولما جاءت } وأسقط " أن ~~" لأنه لم يتصل المقول بأول المجيء بل كان قبله السلام والإضافة؛ وعظم ~~الرسل بقولهك { رسلنا } أي من الملائكة تعظيما لهم في أنفسهم ولما جاؤوا ~~به { إبراهيم بالبشرى } أي بإسحاق ولدا له، ويعقوب ولدا لإسحاق عليهما ~~الصلاة والسلام. # ولما كان المقام للابتلاء والامتحان، أجمل البشرى، وفصل النذري، فقال: { ~~قالوا } أي الرسل عليهم الصلاة والسلام لإبراهيم عليه الصلاة والسلام بعد ~~أن بشروه وتوجهوا نحو سدوم، جوابا لسؤاله عن خطبهم، تحقيقا لأن أهل ~~السيئات مأخوذون، وأكدوا لعلمهم أن الخليل عليه الصلاة والسلام يود أن ~~يهديهم الله على يد ابن أخيه ولا يهلكهم، فقالوا: { إنا مهلكو } وأضافوا ~~تحقيقا لأن الأمر قد حق وفرغ منه فقالوا: { أهل هذه القرية } ثم عللوا ~~ذلك بقولهم: { إن أهلها } مظهرين غير مضمرين إفهاما لأن المراد أهلها ~~الأضلاء في ذلك، إخراجا للوط عليه السلام: { كانوا ظالمين* } أي عريقين ~~في هذا الوصف، فلا حيلة في رجوعهم عنه. # ولما كان السامع بحيث يتشوف إلى معرفة ما كان بعد ذلك، كان كأنه قيل: لم ~~يقنع الخليل عليه السلام لخطر المقام بهذا التلويح، بل { قال } مؤكدا ~~تنبيها على جلالة ابن أخيه، وإعلاما بشدة اهتمامه به، وأنه ليس ممن ~~يستحق الهلاك، ليعلم ما يقولون في حقه، لأن الحال جد، فهو جدير ~~بالاختصار: { إن } وأفهم بقوله: { فيها لوطا } دون، منهم، أنه نزيل ~~تدرجا إلى التصريح بالسؤال فيه، وسؤالا في الدفع عنهم بكونه فيهم، لأنه ~~بعيد عما عللوا به الإهلاك من الظلم، { قالوا } أي الرسل لإبراهيم عليه ~~الصلاة والسلام: { نحن أعلم } أي منك { بمن فيها } أي من لوط وغيره. # ولما كان كلامهم محتملا للأنجاء والإرداء، صرحوا بقولهم على سبيل ~~التأكيد، لأن إنجاءه من بينهم جدير بالاستبعاد: { لننجينه } أي إنجاءا ~~عظيما { وأهله } ولما أفهم هذا امرأته استثنوها ms3493 ليكون ذلك أنص على إنجاء ~~غيرها من جميع أهله فقالوا: { إلا امرأته } فكأنه قيل: فما حالها؟ فقيل: ~~{ كانت } أي جبلة وطبعا { من الغابرين* } أي الباقين في الأرض المدمرة ~~والجماعة الفجرة، ليعم وجهها معهم الغبرة. ### || [29.33-38] # ولما لم يبق بعد هذا إلا خبر الرسل مع لوط عليه الصلاة والسلام، قال ~~عاطفا على ما تقديره: ثم فارقوه ومضوا إلى المدينة التي فيها لوط عليه ~~السلام، مفهما بالعدول عن الفاء إلى الواو أن بين المكانين بعدا: { ~~ولما } وأثبت ما صورته صورة الحرف المصدري لما اقتضاه مقصود السورة، ~~وأكثر سياقاتها بين التسليك في مقام الامتحان والاجتهاد في النهي عن ~~المنكر، ولذا ذكر هنا في قصة إبراهيم عليه السلام القتل والإحراق، وأتبعت ~~بشراء بإهلاك القرية الظالمة، فقال: { أن جاءت رسلنا } أي المعظمون بنا { ~~لوطا } بيانا لأنه { سيء } أي حصلت له المساءة { بهم } أول أوقات مجيئهم ~~إليه وحين قدومهم عليه، فاجأته المساءة من غير ريب لما رأى من حسن ~~أشكالهم، وخاف من تعرض قومه لهم، وهو يظن أنهم من الناس، وذلك أن أن في ~~مثل هذا صلة وإن كان أصلها المصدر لتؤكد وجود الفعلين مرتبا وجود أحدهما ~~على الآخر في وقتين متجاورين لا فاصل بينهما فإنها وجدا في جزء واحد من ~~الزمان، قال ابن هشام في المغني ما معناه أن علة ذلك أن الزائد يؤكد معنى ~~ما جيء به لتأكيده، ولما تقيد وقوع الفعل الثاني عقيب الأول وترتبه عليه ~~فالحرف الزائد يؤكد ذلك. { وضاق بهم } أي بأعمال الحيلة في الدفع عنهم { ~~ذرعا } أي ذرعة طاقتهم كما بين وأشبع القول فيه في سورة هود عليه ~~السلام، والأصل في ذلك أن من طالت ذراعه نال ما لا يناله قصيرها، فضرب ~~مثلا في العجز والقدرة، وذلك أنهم أتوه في صورة مردان ملاح جدا، وقد ~~علم أمر أهل القرية في مثل ذلك ولم يعلم أنهم رسل الله. # ولما كان التقدير: فقالوا له: يا لوط! إنا رسل ربك، فخفض عليك من هذا ~~الضيق الذي نراه بك فإنا ما أرسلنا إلا لإهلاكهم، ms3494 عطف عليه قوله: { ~~وقالوا } أي لما رأوا ما لقي في أمرهم: { لا تخف } أي من أن يصلوا إلينا ~~أو من أن تهلك أنت أو أحد من أهل طاعتك ولا تحزن أي على أحد ممن نهلكه ~~فإنه ليس في أحد منهم خير يؤسف عليهم بسببه؛ ثم عللوا ذلك بقولهم مبالغين ~~في التأكيد للإغناء به عن جمل طوال، إشارة إلى أن الوقت أرق فهو لا يحتمل ~~التطويل: { إنا منجوك } أي مبالغون في إنجائك { وأهلك } أي ومهلكوا أهل ~~هذه القرية، فلا يقع ضميرك أنهم يصلون إلينا، وقالوا: { إلا امرأتك } ~~تنصيصا على كل فرد منهم سواها؛ ثم دلوا على هلاكها بقولهم جوابا لمن ~~كأنه قال: ما لها؟ فقيل: { كانت من الغابرين* } أي كأن هذا الحكم في أصل ~~خلقتها. # ولما أفهمت العبارة كما مضى إهلاكهم، صرحوا به فقالوا معينين لنوعه، ~~معللين لما أخبروه به، مؤكدين إعلاما بأن الأمر قد فرغ منه قطعا لأن ~~يشفع فيهم، جريا على عادة الأنبياء في الشفقة على أممهم: { إنا منزلون } ~~أي لا محالة { على أهل هذه القرية رجزا } أي عذابا يكون فيه اضطراب ~~شديد يضطرب منه من أصابه كائنا من كان { من السماء } فهو عظيم وقعه، ~~شديد صدعه { بما كانوا } أي كونا راسخا { يفسقون* } أي يخرجون في كل ~~وقت من دائرة العقل والحياء. # ولما كان التقدير: ففعلت رسلنا ما وعدوه به من إنجائه وإهلاك جميع ~~قراهم، فتركناها، كأن لم يسكن بها أحد قط، عطف عليه قوله مؤكدا إشارة ~~إلى فضيلة المخاطبين بهذه القصة من العرب وغيرهم، وأنه ليس بينهم وبين ~~الهدى إلا تفكرهم في أمرهم مع الإنخلاع من الهوى: { ولقد تركنا } بما لنا ~~من العظمة { منها } أي من تلك القرية { آية } علامة على قدرتنا على كل ما ~~نريد { بينة } وهو الماء الأسود المنتن الذي غمر قراهم كلها بعد الخسف ~~بها وهو مباين لجميع مياه الأرض لكونه ماء السخط لمن باينوا بفعلهم الخلق ~~مع اشتهار كونه على الخسف. # ولما كان سبحانه قد حجب عن الأبصار كثيرا من الناس قال: { لقوم يعقلون* ms3495 ~~} فعد من لم يستبصر به عير عاقل ولا شاعر بأنها آية ولا فيه أهلية القيام ~~بما يريد. # ولما كان السياق لإثبات يوم الدين وإهلاك المفسدين، ولمن طال ابتلاؤه من ~~الصالحين ولم يجد له ناصرا من قومه، إما لغربته عنهم، وإما لقلة عشيرته ~~لتسميتهم وعدم أتباعه، وكان شعيب عليه السلام ممن استضعفه قومه واستقلوا ~~عشيرته لتسميتهم لهم رهطا، والرهط ما دون العشرة أو من سبعة إلى عشرة، ~~وما دون السبعة إلى الثلاثة نفر، فكان عليه السلام كذلك في هذا العداد، ~~عقب قصة لوط بقصته عليه الصلاة والسلام فقال: { وإلى } أي ولقد أرسلنا ~~إلى { مدين أخاهم } أي من النسب والبلد { شعيبا }. # ولما كان مقصود السورة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من غير فترة، ~~عبر بالفاء فقال: { فقال } أي فتسبب عن إرساله وتعقبه أن قال: { يا قوم ~~اعبدوا الله } أي الملك الأعلى وحده، ولا تشركوا به شيئا، فإن العبادة ~~التي فيها شرك عدم، لأن الله تعالى أغنى الشركاء فهو لا يقبل إلا ما كان ~~له خالصا. # ولما كان السياق لإقامة الأدلة على البعث الذي هو من مقاصد السورة قال: ~~{ وارجوا اليوم الآخر } أي حسن الجزاء فيه لتفعلوا ما يليق بذلك { ولا ~~تعثوا في الأرض } حال كونكم { مفسدين* } أي متعمدين الفساد. # ولما تسبب عن هذا النصح وتعقبه تكذيبهم فتسبب عنه وتعقبه إهلاكهم، ~~تحقيقا لأن أهل السيئات لا يسبقون قال: { فكذبوه فأخذتهم } أي لذلك أخذ ~~قهر وغلبة { الرجفة } أي الصيحة التي زلزلت بهم فأهلكتهم { فأصبحوا في ~~دارهم } أي محالهم التي كانت دائرة بهم وكانوا يدورون فيها { جاثمين* } ~~أي واقعين على صدورهم، لازمين مكانا واحدا، لا يقدرون على حركة أصلا، ~~لأنه لا أرواح لهم. # ولما كان من المقاصد العظيمة الدلالة على اتباع بعض هذه الأمم بعضا في ~~الخير والشر على نسق، والجري بهم في إهلاك المكذبين وإنجاء المصدقين ~~طبقا عن طبق، وكان إهلاك عاد وثمود - لما اشتهروا به من قوة الأبدان، ~~ومتانة الأركان - في غاية الغرابة، وكان معنى ختام قصة مدين: فأهلكناهم، ~~عطف عليه على ذلك ms3496 المعنى قوله: { وعادا } أي وأهلكنا أيضا عادا { ~~وثمودا } مع ما كانوا فيه من العتو، والتكبر والعلو { وقد تبين لكم } أي ~~ظهر بنفسه غاية الظهور أيها العرب أمرهم { من مساكنهم } أي ما وصف من ~~هلاكهم وما كانوا فيه من شدة الأجسام، وسعة الأحلام، وعلو الاهتمام، ~~وثقوب الأذهان، وعظيم الشأن، عند مروركم بتلك المساكن، ونظركم إليها في ~~ضربكم في التجارة إلى الشام، فصرفوا أفكارهم في الإقبال على الاستمتاع ~~بالعرض الفاني من هذه الدنيا، فأملوا بعيدا، وبنوا شديدا، ولم يغن عنهم ~~شيء من ذلك شيئا من أمر الله { وزين لهم } في غاية التزيين { الشيطان } ~~أي بعيد من الرحمة، المحترق باللعنة، بقوة احتياله، ومحبوب ضلاله ومحاله ~~{ أعمالهم } أي الفاسدة، فأقبلوا بكليتهم عليها مع العدو المبين، وأعرضوا ~~عن الهداة الناصحين. # ولما تسبب عن هذا التزيين منعهم لعماهم عن الصراط المستقيم قال: { فصدهم ~~عن السبيل } أي منعهم عن سلوك الطريق الذي لا طريق إلا هو، لكونه يوصل ~~إلى النجاة، وغيره يوصل إلى الهلاك، فهو عدم بل العدم خير منه. ولما كان ~~ذلك ربما ظن أنه لفرط غباوتهم قال: { وكانوا } أي فعل بهم الشيطان ما فعل ~~من الإغواء والحال أنهم كانوا كونا هم فيه في غاية التمكن { مستبصرين* } ~~أي معدودين بين الناس من البصراء العقلاء جدا لما فاقوهم به مما يعلمون ~~من ظاهر الحياة الدنيا، ولم يسبقونا، بل أوقعناهم بعملهم السيئات فيما ~~أردنا من أنواع الهلكات، فاحذروا مثل مصارعهم فإنكم لا تشابهونهم في ~~القوة، ولا تقاربونهم في العقول. ### || [29.39-41] # ولما كان لفرعون ومن ذكر معه من العتو بمكان لا يخفى، لما أتوا من القوة ~~بالأموال والرجال قال: { وقارون } أي أهلكناه وقومه لأن وقوعه في أسباب ~~الهلاك أعجب، لكونه من بني إسرائيل، ولأنه ابتلى بالمال والعلم، فكان ذلك ~~سبب إعجابه، فتكبر على موسى وهاورن عليهما السلام فكان ذلك سبب هلاكه { ~~وفرعون وهامان } وزيره الذي أوقد له على الطين، فلا هو نجا ولا كان رأسا ~~في الكفر، بل باع سعادته بكونه ذنبا لغيره. # ولما كان هلاكهم مع رؤية الآيات ms3497 أعجب، فكان جديرا بالإنكار، إشارة إلى ~~أن رؤية الآيات جديرة بأن يلزم عنها الإيمان قال: { ولقد جاءهم موسى ~~بالبينات } أي التي لم تدع لبسا فتسببوا عما يقتضيه من الاستبصار ~~الاستكبار { فاستكبروا } أي طلبوا أن يكونوا أكبر من كل كبير بأن كانت ~~أفعالهم أفعال من يطلب ذلك { في الأرض } بعد مجيء موسى عليه الصلاة ~~والسلام إليهم أكثر مما كانوا قبله. # ولما كان من يتكبر - وهو عالم بأنه مأخوذ - أشد لوما ممن يجهل ذلك قال: ~~{ وما كانوا } أي الذين ذكروا هذا كلهم، كونا ما { سابقين* } أي فائتين ~~ما نريدهم، بأن يخرجوا من قبضتنا، بل هم في القبضة كما ذكرنا أول السورة ~~وهم عالمون بذلك { فكلا } أي فتسبب عن تكذيبهم وعصيانهم أن كلا منهم { ~~أخذنا } أي بما لنا من العظمة { بذنبه } أخذ عقوبة ليعلم أنه لا أحد ~~يعجزنا { فمنهم من أرسلنا عليه } إرسال عذاب يا له من عذاب! { حاصبا } ~~أي ريحا ترمى لقوة عصفها وشدة قصفها بالحجارة كعاد وقوم لوط { ومنهم من ~~أخذته } أخذ هلاك وغضب وعذاب، وعدل عن أسلوب العظمة لئلا يوهم الإسناد في ~~هذه إليه صوتا ليوقع في مصيبة التشبيه { الصيحة } التي تظهر شدتها الريح ~~الحاملة لها الموافقة لقصدها فترجف لعظمتها الأرض كمدين وثمود { ومنهم من ~~} وأعاد أسلوب العظمة الماضي لسلامة من الإيهام المذكور في الصيحة ~~وللتنبيه على أنه لا يقدر عليه غير الله سبحانه ففيه من الدلالة على ~~عظمته ما يقصر عنه الوصف فقال: { خسفنا به الأرض } بأن غيبناه فيها ~~كقارون وجماعته { ومنهم من أغرقنا } بالغمر في الماء كقوم نوح وفرعون ~~وجنوده، وعذاب قوم لوط صالح للعد في الإغراق والعد في الخسف، فتارة نهلك ~~بريح تقذف بالحجارة من السماء كقوم لوط، أو من الأرض كعاد، وأخرى بريح ~~تقرع بالصرخة الأسماع فتزلزل القلوب والبقاع، ومرة نبيد بالغمس في الكثيف ~~وكرة بالغمر في اللطيف - فلله در الناظرين في هذه الأوامر النافذة، ~~والمتفكرين في هذه الأقضية الماضية، ليعلموا حقيقة قوله { وما أنتم ~~بمعجزين في الأرض ولا في السماء } - الآية. # ولما كان ذلك ربما ms3498 جر لأهل التعنت شيئا مما اعتادوه في عنادهم قال: { ~~وما كان الله } أي الذي لا شيء من الجلال والكمال إلا هو وله { ليظلمهم } ~~أي مريدا ليعاملهم معاملة الظالم الذي يعاقب من لا جرم له، أو من أجرم ~~ولم يتقدم إليه بالنهي عن إجرامه ليكف فيسلم، أو يتمادى فيهلك لأنه لا ~~نفع يصل إليه سبحانه من إهلاكهم، ولا ضرر يلحقه عز شأنه من إبقائهم { ~~ولكن كانوا } أي هم لا غيرهم { أنفسهم } لا غيرها { يظلمون* } بارتكابهم ~~ما أخبرناهم غير مرة أنه يغضبنا وأنا نأخذ من يفعله، فلم يقبلوا النصح مع ~~عجزهم، ولا خافوا العقوبة على ضعفهم، وأما ما عبدوه ورجوا نصره لهم ~~وأملوه فأضعف منهم، ولكون شيء منه لم يغن عن أحد منم شيئا فلم تختل سنة ~~الله في أوليائه وأعدائه في قرن من القرون ولا عصر من العصور، بل جرت على ~~أقوم نظام، واتقن إحكام، وصل بذلك قوله تعالى على وجه الاستنساج: { مثل ~~الذين }. # ولما كان دعاء غير الله مخالفا لقويم العقل، وصريح النقل، وسليم الفطرة ~~وصحيح الفكرة فكان ذلك يحتاج إلى تدرب إلى الجلافة، وتطبع في الكثافة، ~~قال: { اتخذوا } أي تكلفوا أن أخذوا. # ولما كانت الرتب تحت رتبته سبحانه لا تحصى، وكل الرتب دون رتبته، قال ~~منبها على ذلك بالجار: { من دون الله } أي الذي لا كفوء له، فرضوا ~~بالدون، عوضا عمن لا تكفيه الأوهام والظنون { أولياء } ينصرونهم بزعمهم ~~من معبودات وغيرها، في الضعف والوهي { كمثل العنكبوت } الدابة المعروفة ~~ذات الأرجل الكثيرة الطوال؛ ثم استأنف ذكر وجه الشبه وعبر عنها بالتأنيث ~~وإن كانت تقال بالتذكير تعظيما لضعفها، لأن المقام لضعف ما تبنيه فقال: ~~{ اتخذت بيتا } أي تكلفت أخذه في صنعتها له ليقيها الردى، ويحميها ~~البلا، كما تكلف هؤلاء اصطناع أربابهم لينفعوهم، ويحفظوهم بزعمهم ~~ويرفعوهم، فكان ذلك البيت مع تكلفها في أمره، وتعبها الشديد في شأنه، في ~~غاية الوهن. # ولما كان حالها في صنعها حال من ينكر وهنه، قال مؤكدا: { وإن } و واوه ~~للحال من ضمير - { اتخذت } أي والحال أنه أوهن ms3499 - هكذا كان الأصل، ولكنه ~~أظهر للتعميم فقال: { أوهن البيوت } أي أضعفها { لبيت العنكبوت } التي ~~عانت في حوكه ما عانت وقاست في نسجه ما قاست، لأنه لا يكن من حر، ولا ~~يصون من برد، ولا يحصن عن طالب، كذلك ما اتخذ هؤلاء من هذه الأوثان، وهذا ~~الدين الذي لا أصل له فهو أوهن الأديان وأهونها { لو كانوا يعلمون* } أي ~~لو كان لهم نوع ما من العلم لانتفعوا به فعلموا أن هذا مثلهم، فأبعدوا عن ~~اعتقاد ما هذا مثله. ### || [29.42-46] # ولما انتفى نفعهم بعلمهم، صح نفيه، فكانوا وإياها على حد سواء، ليس ~~لفريق منهما شيء مما نوى، فيا لها من صفقة خاسرة، وتجارة كاسدة بائرة. ~~ولما كان ضرب المثل للشيء لا يصح إلا من العالم بذلك الشيء، وكان النصير ~~على شيء لا يمكن أن يتوجه إلى معارضته إلا أن يعلمه ويعلم مقدار قدرته، ~~وعدة جنوده، وصل بذلك أن هذا شأنه سبحانه وأن شركاءهم في غاية البعد عن ~~ذلك، فكيف يعلقون بنصرهم آمالهم، وزاد ذلك ذاك حسنا تعقيبه لنفي العلم ~~عنهم، فقال إشارة إلى جهلهم في إنكارهم أن يقدر أحد على إهلاك آلهتهم ~~التي هي أو هي الأشياء: { إن الله } أي الذي له صفات الكمال { يعلم } بما ~~له من تلك الصفات { ما } أي الذي { يدعون } أي الذين ضرب لهم المثل، أو ~~أنتم - في قراءة الفوقانية التفاتا إلى أسلوب الخطاب إيذانا بالغضب { ~~من دونه } إشارة إلى سفول رتبتهم، وأكد العموم بقوله: { من شيء } أي سواء ~~كان نجما أو صنما أو ملكا أو جنينا أو غيره، وهم لا يعلمونه ولا ~~يعلمون شيئا مما يتوصلون إليه، فكيف يشفعون عنده أو ينصرون منه، وإليه ~~الإشارة بقوله: { وهو العزيز } أي عن أن يعلمه شركاؤهم أو يحيط به أحدا ~~علما، أو يمتنع عليه شيء يريده؛ وجوزوا أن تكون ما نفية، أي شيء يعتد ~~به. ولما كان ذلك ربما أفهم أنه لا يعلم أصلا قال: { الحكيم* } أي ~~البالغ العلم، الواضع كل شيء يريده في أكمل مواضعه، فأبطن نفسه بكبريائه ~~وجلاله ms3500 حتى لا باطن سواه، وأظهرها بأفعاله وما كشف من جماله حتى لا ظاهر ~~في الحقيقة غيره، وهو يغلب من شاء بعزته، ويمهله إن شاء بحكمته، فلا يغتر ~~أحد بإمهاله فيظن أنه لإهماله. # ولما فرغ من مثلهم ومما تتوقف صحته عليه، كان كأنه قيل على وجه التعظيم ~~لهذا المثل: هذا مثلهم فعطف عليه قوله إشارة إلى أمثال القرآن كلها ~~تعظيما لها وتنبيها على جليل قدرها وعلي شأنها: { وتلك الأمثال } أي ~~العالية عن أن تنال بنوع احتيال؛ ثم استأنف قوله: { نضربها } بما لنا من ~~العظمة، بيانا { للناس } تصويرا للمعاني المعقولات بصور المحسوسات، ~~لعلها تقرب من عقولهم فينتفعوا بها، وهكذا حال التشبيهات كلها في طرق ~~للأفهام إلى المعاني المحتجبة في الأستار، تبرزها وتكشف عنها وتصورها. # ولما كانوا يتهكمون بما رأوه من الأمثال مذكورا به الذباب والبعوض ~~ونحوهما قال مجملا لهم: { وما يعقلها } أي حق عقلها فينتفع بها { إلا ~~العالمون* } أي الذين هيئوا للعلم وجعل طبعا بما بث في قلوبهم من ~~أنواره، وأشرق في صدورهم من أسراره، فهم يضعون الأشياء مواضعها؛ روى ~~الحارث بن أبي أسامة عن جابر رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " العالم الذي عقل عن الله فعمل بطاعته واجتنب سخطه " # قال البغوي: والمثل كلام سائر يتضمن تشبيه الآخر بالأول. # ولما قدم أنه لا معجز له سبحانه، ولا ناصر لمن أخذ، وصحح ذلك بالمشاهدة ~~في القرون البائدة، وقربه إلى الأذهان بالمثل المستولي على غاية البيان، ~~وختم ذلك أنه حجب فهمه عن أكثر خلقه، دل على ذلك كله بقوله مظهرا لقوته ~~وسائر صفات كماله، بعد ما حقق أن أولياءهم في أنزل مراتب الضعف { خلق ~~الله } أي الذي لا يداني في عظمة ولا جلال، ولا جمال ولا كمال { السماوات ~~والأرض بالحق } أي الأمر الذي يطابقه الواقع، أو بسبب إظهار أن الواقع ~~يطابق إخباره، أو بسبب إثبات الحق وإبطال الباطل، فلا تجد أحدا يفهم عنه ~~حق الفهم مع تساويهم في الإنسانية إلا وهو من أهل السكينة، والإخبات ~~والطمأنينة، ولا يعجزه ms3501 أحد يريد أخذه، ولا يفلح أحد عصى أنبياءه، فبانت ~~عزته، وظهرت حكمته، فطابق الواقع ما أخبر به، وأيضا فالأمثال إنما تكون ~~بالمحسوسات، وهي إما سماوية أو أرضية، فإيجاد هذه الموجودات إنما هو لأجل ~~العلم بالله تعالى. # ولما كان المراد بالعالم قد يخفي، بينه بقوله مشيرا بالتأكيد إلى أن ~~حالهم في عدم الانتفاع بالنظر فيها حال من ينكر أن يكون فيها دلالة: { إن ~~في ذلك } أي الأمر العظيم من تأملهم لمطابقة الواقع لإخباره سبحانه، فلا ~~يخبر بشيء إلا كان الواقع منهما أو مما فيهما يطابقه سواء بسواء { لآية } ~~أي دلالة مسعدة { للمؤمنين* } أي الذين هم العالمون في الحقيقة، حداهم ~~علمهم بما في الكونين من المنافع المترتبة على النظام المعروف مع ما في ~~خلقهما أنفسهما مع كبر الأجرام وبديع الإحكام، على الإيمان بجميع ما أخبر ~~به حتى لم يكن عندهم نوع شك، وصار لهم صفة لا تنفك. # ولما أفاد هذا الخبر كله القرآن الذي لا حق أحق منه، ودل على أن فهم ~~أمثاله يحتاج إلى مزيد علم، وأن مفتاح العلم به سبحانه رسوخ الإيمان، ~~خاطب رأس أهل الإيمان لأنه أعظم الفاهمين له ليقتدي به الأتباع فقال: { ~~اتل ما } أي تابع قراءته؛ ودل على شرفه لا ختصاصه به بقوله: { أوحي إليك ~~} إذ الوحي الإلقاء سرا { من الكتاب } أي الجامع لكل خير، فإنه المفيد ~~للإيمان، مع أنه أحق الحق الذي خلقت السماوات والأرض لأجله، والإكثار في ~~تلاوته يزيد بصيرة في أمره، ويفتح كنوز الدقائق من علمه، وهو أكرم من أن ~~ينيل قارئه فائده وأجل من أن يعطي قياد فوائده ويرفع الحجاب عن جواهره ~~وفرائده في أول مرة، بل كلما ردده القارىء بالتدبر حباه بكنز من أسراره، ~~ومهما زاد زاده من لوامع أنواره، إلى أن يقطع بأن عجائبه لا تعد، وغرائبه ~~لا تحد. # ولما أرشد إلى مفتاح العلم، دل قانون العمل الذي لايصح إلا بالقرآن، وهو ~~ما يجمع الهم، فيحضر القلب، فينشرح الصدر، فينبعث الفكر في رياض علومه، ~~فقال: { وأقم الصلاة } أي التي هي أحق ms3502 العبادات، ثم علل ذلك بقوله دالا ~~بالتأكيد على فخامة أمرها، وأنه مما يخفى على غالب الناس: { إن الصلاة ~~تنهى } أي توجد النهي وتجدده للمواظب على إقامتها بجميع حدودها { عن ~~الفحشاء } أي الخصال ألتي بلغ قبحها { والمنكر } أي الذي فيه نوع قبح وإن ~~دق، وأقل ما فيها من النهي النهي عن تركها الذي هو كفر، ومن انتهى عن ذلك ~~انشرح صدره، واتسع فكره، فعلم من أسرار القرآن ما لا يعلمه غير # واتقوا الله ويعلمكم الله # [البقرة: 282]. # ولما كان الناهي في الحقيقة إنما هو ذكر الله، أتبع ذلك الحث على روح ~~الصلاة والمقصد الأعظم منها، وهو المراقبة لمن يصلي له حتى كأنه يراه ~~ليكون بذلك في أعظم الذكر بقوله: { ولذكر الله } أي ولأن ذكر المستحق لكل ~~صفة كمال { أكبر } أي من كل شيء، فمن استحضر ذلك بقلبه هان عنده كل شيء ~~سواه # " إن عبدي كل عبدي للذي يذكرني عند لقاء قرنه " # أو يكون المراد أن من واظب على الصلاة ذكر الله، ومن ذكره أوشك أن يرق ~~قلبه، ومن رق قلبه استنار لبه، فأوشك أن ينهاه هذا الذكر المثمر لهذه ~~الثمرة عن المعصية، فكان ذكر الذاكر له سبحانه أكبر نهيا له عن المنكر ~~من نهي الصلاة له، وكان ذكره له سبحانه كبيرا، كما قال تعالى { فاذكروني ~~أذكركم } وإذا كان هذا شأن ذكر العبد لمولاه، فما ظنك بذكر مولاه له كلما ~~أقبل عليه بصلاة فإنه جدير بأن يرفعه إلى حد لا يوصف، ويلبسه من أنواره ~~ملابس لا تحصر. # ولما كان ذلك يحتاج إلى علاج لمعوج الطباع ومنحرف المزاج، وتمرن على شاق ~~الكلف، ورياضة لجماح النفوس، وكان صلى الله عليه وسلم قد نزه عن ذلك كله ~~بما جبل عليه من أصل الفطرة، ثم بما غسل به قلبه من ماء الحكمة، وغير ذلك ~~من جليل النعمة، عدل إلى خطاب الأتباع يحثهم على المجاهدة فقال: { والله ~~} أي المحيط علما وقدرة { يعلم } أي في كل وقت { ما تصنعون* } من الخير ~~والشر، معبرا بلفظ الصنعة الدال على ملازمة العمل ms3503 تنبيها على أن إقامة ~~ما ذكر تحتاج إلى تمرن عليه وتدرب، حتى يصير طبعا صحيحا، ومقصودا ~~صريحا. # ولما انتهى الكلام إلى روح الدين وسر اليقين مما لا يعلمه حق علمه إلا ~~العلماء بالكتب السماوية والأخبار الإلهية، وكان العالم يقدر على إيراد ~~الشكوك وترويج الشبه، فربما أضل بالشبهة الواحدة النيام من الناس، بما له ~~عندهم من القبول، وبما للنفوس من النزوع إلى الأباطيل، وبما للشيطان في ~~ذلك من التزيين، وكان الجدال يورث الإحن، ويفتح أبواب المحن، فيحمل على ~~الضلال، قال تعالى عاطفا على { اتل } مخاطبا لمن ختم الآية بخطابهم ~~تنزيها لمقامه صلى الله عليه وسلم عن المواجهة بمثل ذلك تنبيها على أنه ~~لا يصوب همته الشريفة إلى مثل ذلك، لأنه ليس في طبعه المجادلة، والمماراة ~~والمغالبة: { ولا تجادلوا أهل الكتاب } أي اليهود والنصارى ظنا منكم أن ~~الجدال ينفع الدين، أو يزيد في اليقين، أو يرد أحدا عن ضلال مبين { إلا ~~بالتي } أي بالمجادلة التي { هي أحسن } أي بتلاوة الوحي الذي أمرنا راس ~~العابدين بإدامة تلاوته فقط، وهذا كما تقدم عند قوله تعالى في سبحان # وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن # [الإسراء: 53]. # ولما كان كل من جادل منهم في القرآن ظالما، كان من الواضح أن المراد ~~بمن استثنى في قوله تعالى: { إلا الذين ظلموا منهم } أي تجاوزوا في الظلم ~~بنفي صحة القرآن وإنكار إعجازه مثلا وأن يكون على أساليب الكتب ~~المتقدمة، أو مصدقا لشيء منها، أو بقولهم # ما أنزل الله على بشر من شيء # [الأنعام: 91] ونحو هذا من افترائهم، فإن هؤلاء يباح جدالهم ولو أدى إلى ~~جلادهم بالسيف، فإن الدين يعلو ولا يعلى عليه. # ولما نهى عن موجب الخلاف، أمر بالاستعطاف، فقال: { وقولوا آمنا } أي ~~أوقعنا الإيمان { بالذي أنزل إلينا } أي من هذا الكتاب المعجز { وأنزل ~~إليكم } من كتبكم، يعني في أن أصله حق وإن كان قد نسخ منه ما نسخ، وما ~~حدثوكم به من شيء ليس عندكم ما يصدقه ولا ما يكذبه فلا تصدقوهم ولا ~~تكذبوهم، فإن هذا أدعى إلى الإنصاف، ms3504 وأنفى للخلاف. # ولما لم يكن هذا جامعا للفريقين، أتبعه بما يجمعهما فقال: { وإلهنا ~~وإلهكم } ولما كان من المعلوم قطعا أن المراد به الله، لأن المسلمين لا ~~يعبدون غيره، وكان جميع الفرق مقرين بالإلهية ولو بنوع إقرار لم تدع حاجة ~~إلى أن يقول { إله } كما في بقية الآيات فقال: { واحد } إلى لا إله لنا ~~غيره وإن ادعى بعضكم عزيرا والمسيح { ونحن له } خاصة { مسلمون* } أي ~~خاضعون منقادون أتم انقياد فيما يأمرنا به بعد الأصول من الفروع سواء ~~كانت موافقة لفروعكم كالتوجه بالصلاة إلى بيت المقدس، أو ناسخة كالتوجه ~~إلى الكعبة، ولا نتخذ الأحبار والرهبان أربابا من دون الله لنأخذ ما ~~يشرعونه لنا مخالفا لكتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فنكون حينئذ ~~قد خضعنا لهم وتكبرنا عليه فأوقعنا الإسلام في غير موضعه ظلما. ### || [29.47-50] # ولما كان التقدير تعليلا للأمر بهذا القول: إنا أنزلنا كتبهم إلى ~~رسلهم، عطف عليه قوله مخاطبا للرأس تخصيصا له لئلا يتطرق لمتعنت طعن ~~عموم أو اتهام في المنزل عليه: { وكذلك } أي ومثل ذلك الإنزال الذي ~~أنزلناه إلى أنبيائهم { أنزلنا إليك الكتاب } أي هذا القرآن الذي هو ~~الكتاب في الحقيقة، لا كتاب غيره في علو كماله، في نظمه ومقاله، مصدقا ~~لما بين يديه: { فالذين } أي فتسبب عن إنزالنا له على هذا المنهاج أن ~~الذين { آتيناهم } أي إيتاءا يليق بعظمتنا، فصاروا يعرفون الحق من ~~الباطل { الكتاب } أي من قبل { يؤمنون به } أي بهذا الكتاب حقيقة كعبد ~~الله بن سلام ومخيريق رضي الله عنهما، أو مجازا بالمعرفة به مع الكفر ~~كحيي بن أخطب وخلق كثير منهم { ومن هؤلاء } أي العرب { من يؤمن به } أس ~~كذلك في الحقيقة والمجاز في المعرفة بالباطن بأنه حق لما أقامه من ~~البرهان على ذلك بعجزهم عن معارضته مع الكفر به، وأدل دليل على ما أردته ~~من الحقيقة والمجاز قوله: { وما يجحد } أي ينكر من الفريقين بعد المعرفة، ~~قال البغوي: قال قتادة: الجحود إنما يكون بعد المعرفة. { بآياتنا } التي ~~حازت أقصى غايات العظمة حتى استحقت الإضافة ms3505 إلينا { إلا الكافرون* } أي ~~العريقون في ستر المعارف بعد ظهورها طمعا في إطفاء نورها. # ولما أشار إلى أن المنكر لأصل الوحي متوغل في الكفر، دل على ذلك بحال ~~المنزل إليه صلى الله عليه وسلم فقال مسليا له: { وما } أي أنزلناه إليك ~~والحال أنك ما { كنت تتلوا } أي تقرأ مواصلا مواظبا في وقت ما. # ولما كان المراد نفي التلاوة عن كثير الزمن الماضي وقليله، أدخل الجار ~~فقال { من قبله } أي هذا الكتاب الذي أنزلناه إليك؛ وأكد استغراق الكتب ~~فقال: { من كتاب } أصلا { ولا تخطه } أي تجدد وتلازم خطه؛ وصور الخط ~~وأكده بقوله: { بيمينك } أي التي هي أقوى الجارحتين، وعبر بذلك إشارة إلى ~~أنه لا تحدث الريبة في أمره لعاقل إلا بالمواظبة لمثل ذلك مواظبة قوية ~~ينشأ عنها ملكة، فكيف إذا لم يحصل أصل الفعل، ولذلك قال: { إذا } أي إذ ~~لو كان شيء من هذه المواظبة في التلاوة أو الخط التي يحصل بها الدربة ~~المورثة للملكة { لارتاب } أي لساغ أن تكلف أنفسهم لدخول في الريب أي ~~الشك { المبطلون* } أي هؤلاء الذين ينكرون الوحي إليك من أهل الكتاب ومن ~~العرب، ويقولون: هو سجع وكهانة وشعر وأساطير الأولين، العريقون في وصف ~~الإبطال، أي الدخول في الباطل، فكانوا يجدون مطعنا، فتقول العرب: لعله ~~أخذه من كتب الأقدمين، ويقول الكتابيون: المبشر به عندنا أمي. ولكنه لم ~~يكن شيء من قراءة ولا خط كما هو معروف من حالك فضلا عن المواظبة لشيء ~~منهما، فلا ريبة في صدقك في نسبته إلى الله تعالى، وإذا انتفت الريبة من ~~أصلها صح نفي ما عندهم منها، لأنه لما لم يكن لهم في الواقع شبهة، عدت ~~ريبتهم عدما، وسموا مبطلين على تقدير هذه الشبهة، لقيام بقية المعجزات ~~القاطعة بالرسالة، القاضية بالصدق، كما قضت بصدق أنبيائهم مع أنهم يكتبون ~~ويقرؤون، وكتبهم لم تنزل للإعجاز، فصح أنهم يلزمهم الاتصاف بالإبطال ~~بالارتياب على كل تقدير من تقديري الكتابة والقرءة وعدمهما، لأن العمدة ~~على المعجزات. # ولما كان التقدير: ولكنهم لا ريبة لهم أصلا ولا شبهة، لقولهم: ms3506 إنه ~~باطل، قال: { بل هو } أي القرآن الذي جئت به وارتابوا فيه فكانوا مبطلين ~~لذلك على كل تقدير { آيات } أي دلالات { بينات } أي واضحات جدا في ~~الدلالة على صدقك { في صدور الذين } ولما كان المقصود المبالغة في تعظيم ~~العلم، بني للمفعول، أظهر ما كان أصله الإضمار فقال: { أوتوا العلم } ~~دلالة على أنه العلم الكامل النافع، فلا يقدر أحد على تحريف شيء منه ~~لبيان الحق لديهم، وفي ذلك إشارة إلى أن خفاءه عن غيرهم لا أثر له، ولما ~~كان المراد بالعلم النافع، قال إشارة إلى أنه في صدور غيرهم عريا عن ~~النفع: { وما يجحد } وكان الأصل: به، ولكنه أشار إلى عظمته فقال: { ~~بآياتنا } أي ينكرها بعد المعرفة على ما لها من العظمة بإضافتها إلينا ~~والبيان الذي لا يجحده أحد { إلا الظالمون* } أي الراسخون في الظلم الذي ~~لا ينتفعون بنورهم في وضع كل شيء في محله، بل هم في وضع الأشياء في غير ~~محلها كالماشي في الظلام الذي تأثر عن وصفهم أولا بالكفر الذي هو تغطية ~~أنوار العقول. # ولما كان التقدير: فجحدوها بما لهم من الرسوخ في الظلم أصلا ورأسا، ~~ولم يعدوها آيات فضلا عن كونها بينات، عطف عليه قوله: { وقالوا } موهمين ~~مكرا وإظهار النصفة بالاكتفاء بأدنى ما يدل على الصدق: { لولا } أي هلا ~~{ أنزل عليه } أي على أي وجه كان من وجوه الإنزال { آية } أي واحدة تكون ~~بحيث تدل قطعا على صدق الآتي بها { من ربه } أي الذي يدعي إحسانه إليه ~~كما أنزل على الأنبياء قبله من نحو ناقة صالح عصا موسى ونحوهما، لنستدل ~~به على صدق مقاله، وصحة ما يدعيه من حاله هذا على قراءة ابن كثير وحمزة ~~والكسائي وأبي بكر بالإفراد، وجمع غيرهم دلالة على أن فريقا آخر قالوا: ~~إن مثل هذا المهم العظيم لا يثبت إلا بآيات متعددة، وأوهموا مكابرة ~~وعنادا أن ذلك لم يقع، وإن وقع ما يسمى آية. # ولما كان هذا إنكارا للشمس بعد شروقها، ومكابرة فيما تحدى به من ~~المعجزات بعد حقوقها، أشار إليه بقوله: ms3507 { قل } أي لهم إرخاء للعنان حتى ~~كأنك ما أتيتهم بشيء: { إنما الآيات عند الله } أي الذي له الأمر كله فلا ~~يقدر على إنزال شيء منها غيره، فإنما الإله هو لا سواه { وإنما أنا نذير ~~} أقوم لكم بما حملني وكلفني من النذارة، دالا عليه بما أعطيت من ~~الآيات، ونواقض المطردات وليس لي أن أقترح عليه الآيات، على أن المقصود ~~من الآية الدلالة على الصدق، وهي كلها في حكم آية واحدة في ذلك، ولم يذكر ~~البشارة لأنه ليس أسلوبها { مبين* } أي أوضح ما آتى به من ذلك بعد أن ~~أوضح صحة كوني نذيرا، فليس إلي إنزال الآيات ولا طلبها اقتراحا على ~~الله، فهو قصر قلب فيهما، خوطب به من لزمه ادعاء أن إنزال الآيات إليه ~~صلى الله عليه وسلم وأن أمره الإتيان بما يريد أو يطلب منه. ### || [29.51-55] # ولما أفرحهم بما كأنه تسليم لمدعاهم، وكان من البين أن لسان الحال يقول: ~~ألم يكفهم ما جئتهم به من الآيات المرئيات والمسموعات، وعجزوا عن الإتيان ~~بشيء منها، عطف على ذلك قوله منكرا على جهلهم وعنادهم: { أولم يكفهم } ~~أي إن كانوا طالبين للحق غير متعنتين آية بينة مغنية عن كل آية { أنا ~~أنزلنا } بعظمتنا { عليك الكتاب } أي الجامع لسعادة الدارين بحيث صار ~~خلقا لك غالبا على حركاتك وسكناتك { يتلى عليهم } أي يتجدد متابعة ~~قراءته عليهم شيئا بعد شيء في كل مكان وكل زمان من كل تال مصدقا لما ~~في الكتب القديمة من نعتك وغيره من الآيات الدالة على صدقك، يتحدون بكل ~~شيء نزل منه مع تحديهم بما قبله من آياته صباح مساء، يصفعون بذلك مدى ~~الدهر في أقفائهم ويدفعون، فكلما أرادوا التقدم ردوا عجزا إلى ورائهم، ~~فأعظم به آية باقية، إذ كل آية سواه منقضية ماضية، وقال الشيخ أبو العباس ~~المرسي: خشع بعض الصحابة رضي الله عنهم من سماع اليهود بقراءة التوراة ~~فعتبوا إذ تخشعوا من غير القرآن، وهم إنما تخشعوا من التوراة وفي كلام ~~الله فما ظنك بمن أعرض عن كتاب الله وتخشع بالملاهي ms3508 والغناء. # ولما كان هذا أعظم من كل آية يقترحونها ولو توالى عليهم إتيانها كل يوم ~~لدوام هذا على مر الأيام والشهور، حتى تفنى الأزمان والدهور، أشار تعالى ~~إلى هذا العظمة، مع ما فيها من النعمة، بقوله مؤكدا على جهلهم فيما لزم ~~من كلامهم الأول من إنكار أن يكون في القرآن آيه تدلهم على الصدق: { إن ~~في ذلك } أي إنزال الكتاب على هذا الوجه البعيد المنال البديع المثال { ~~لرحمة } لهم لصقله صدأ القلوب في كل لحظة، وتطهيره خبث النفوس في كل لمحة ~~{ وذكرى } أي عظيمة مستمرا تذكرها. # ولما عم بالقول، خص من حيث النفع فقال: { لقوم يؤمنون* } أي يمكن أن ~~يتجدد لهم إيمان، ليس من همهم التعنت، قال الحرالي في كتاب له في أصول ~~الدين: ولما كان القرآن لسان إحاطة لم يف بالقيام به خلق من خلق الله، ~~لأنه ببناء على كليه أمر الله حتى أن السورة الواحدة منه لما كان موقع ~~الخطاب بها من مدد بنائه على إحاطة أمر الله لا يستطيعها أحد من الخلق، ~~وإذا كان الأقل من كلام العالم لا يستطيعه من دون رتبته، فعجز الخلق عن ~~كلام الله أحق وأولى، ثم كل ناظر فيه - من أي وجه نظره - أدرك بمقتضى ~~علوه على رتبته وجها من العجز فيه، إن كان فصيحا بليغا فمن جهة ~~البلاغة، ومعناها بلوغ الكلام في مطابقة أنبائه ويسمى الفصاحة، وحسن نظم ~~حروف كلماته ويسمى الجزالة، وكمال انتظام كلماته وآياته، ويسمى حسن النظم ~~- إلى أنهى غاياته وأتم نهاياته، وإن كان عالما بأخبار الأولين فبصحة ~~مقتضاها فيه، وإن كان حكيما فبالإعلام الأتم بوجه تقاضي المترتبات، ~~وبالجملة فما يكون لأحد أصل من عقل وحظ من علم - أي علم كان - إلا ويجد ~~له موقعا في القرآن، يفي له بحظ بيان علو مرتبة أنبائه على نهاية مدركة ~~منه بمقدار لا يرتاب في وقوعه فوق طور الخلق، فكان آية باقية دائمة لم ~~يتفاوت في تلقيه أول سامع له من آخر سامع في وجه سماعه، فكل نبي فقدت ~~آيته بفقده أو ms3509 بفقد وقت ظهورها على يديه، وآية محمد صلى الله عليه وسلم ~~باقية ببقاء الله، فجهات ظهور إعجازه تأتي على حظوظ أصناف الخلق من وجوه ~~الإدراك، لا يتعين لظهور الإعجاز فيه جهة، ولا يفقد ناظر فيه حظا يتطرق ~~بمقدار إدراكه منه إلى يقين وجه إعجازه، وذلك لما كان محيطا بكل تفصيل ~~وكل إجمال، ولم يفرط فيه من شيء، وكان تفصيلا لكل شيء ولإحاطته بإثبات ~~كل رتبة من رتب حكمة الله تعالى لم يقدر أحد من الخلق في التوقف عن ~~الإيمان به من الجن والإنس والأحمر والأسود وجميع خلق الله، من يعرفه ~~الناس منهم ومن لا يعرفونهم ممن أحاط بهم علم العالمين بإعلام الله، ومن ~~حكم إحاطة كتابة كان ممكنا من عالية كل آية جاء بها نبي قبله ممن شاهد ~~ذلك منه حاضروه، ونقله نقل التواتر والاستفاضة حملة العلم خلفا عن سلف؛ ~~ثم رتب قياسا على إثبات النبوة فقال: إن محمدا صلى الله عليه وسلم ذو ~~آية هذا القرآن المشهود، وهذا القرآن المشهود معجز كل ذي إدراك، وبشرى من ~~كل جهة من جهات معانيه وبلاغته، فذو آية هذا القرآن نبي، فمحمد صلى الله ~~عليه وسلم نبي، أما أن محمدا صلى الله عليه وسلم ذو آيته فبالتجربة ~~السمعية المتيقنة المسماة بالتواتر، وأما أن هذا القرآن معجز فيما يجده ~~كل ناظر في معناه المشتمل على تمام الحكمة فيما هو كائن ونبأ ما كان من ~~قبل وخبر ما يكون بعد المتيقن بوقوع أوائله وقوع جملته وصحة خبره، وبذلك ~~يتضح أن ذا آيته نبي، ثم بما تضمنه من شهادته لذي آيته وتصريحه بذلك ~~لمحمد صلى الله عليه وسلم، فصح أن محمدا صلى الله عليه وسلم ذو ايته، ~~وإنه نبي صلى الله عليه وسلم، والمستعمل في ذلك أن محمدا صلى الله عليه ~~وسلم تحدى بهذا القرآن العرب الفصحاء واللد البلغاء، فلما لجؤوا للحرب ~~وضح أنهم فروا لذلك المكان ما وجدوه في أنفسهم من العجز، وإذا عجز أولئك ~~فمن بعدهم أحق بالعجز، فلما شمل العجز الكل من الخلق، ms3510 وجب العلم بأن هذا ~~القرآن حق، والمتحدي به نبي جاء بالصدق، وحاصله: لو لم تعجز العرب لم ~~تحارب ثقل الحرب وخفة المعارضة لو استاطاعوها، ولم يعارضوا وحاربوا فقد ~~عجزوا، فثبت بذلك أنه نبي صلى الله عليه وسلم انتهى. # ولما كان من المعلوم أنهم يقولون: نحن لا نصدق أن هذا الكتاب من عند ~~الله فضلا عن أن نكتفي به، قال: { قل } أي جوابا لما قد يقولونه من نحو ~~هذا: { كفى بالله } أي الحائز لجميع العظمة وسائر الكمالات، الذي شهد لي ~~بالرسالة في كتابة الذي أثبت أنه كلامه عجز الخلق عن معارضته. # ولما كانت العناية في هذه السورة بذكر الناس، وتفصيل أحوالهم، ابتدأ ~~بقوله: { بيني وبينكم } قبل قوله: { شهيدا } بخلاف الرعد والأنعام، ثم ~~وصف الشهيد أو علل كفايته بقوله: { يعلم ما في السماوات } أي كلها. ولما ~~لم يكن للارض غير هذه التي يشاهدونها ذكر في إتيان الوحي والقرآن منها، ~~أفرد فقال: { والأرض } أي لا يخفى عليه شيء من ذلك فهو عليم بما ينسبونه ~~إلي من التقول عليه وبما أنسبه أنا إليه من هذا القرآن الذي شهد لي به ~~عجزكم عنه فهو شاهد لي، والله في الحقيقة هو الشاهد لي، بما فيه من ~~الثناء علي، والشهادة لي بالصدق، لأنه قد ثبت بالعجز عنه أنه كلامه ~~وسيتحقق بالعقل إبطال المبطل منا. # ولما كان التقدير: وأنتم تعلمون أنه قد شهد لي بأني على الحق، وأن كل ما ~~خالف ما جئت به فهو باطل، فالذين آمنوا بالحق وكفروا بالباطل فأولئك هم ~~الفائزون، عطف عليه قوله: { والذين آمنوا بالباطل } أي الذي لا يجوز ~~الإيمان به من كل معبود سوى الله { وكفروا بالله } الذي يجب الإيمان به ~~والشكر له، لأنه له الكمال كله وكل ما سواه هالك ليس له من ذاته إلا ~~العدم { أولئك } البعداء البغضاء { هم } أي خاصة { الخاسرون* } أي ~~العريقون في الخسارة، فإنهم خسروا أنفسهم أبدا. # ولما كان قولهم مرة واحدة " لولا أنزل عليه آية " عجبا، أتى بعد إخباره ~~بخسارتهم بأعجب منه، وهو استمرار استعجالهم بما ms3511 لا قدرة لهم على شيء منه ~~من عذاب الله فقال: { ويستعجلونك } أي يطلبون تعجيلك في كل وقت { بالعذاب ~~} ويجعلون تأخره عنهم شبهة لهم فيما يزعمون من التكذيب { ولولا أجل مسمى ~~} قد ضرب لوقت عذابهم لا تقدم فيه ولا تأخر { لجاءهم العذاب } وقت ~~استعجالهم، لأن القدرة تامة والعلم محيط. # ولما أفهم هذا أنه لا بد من إتيانه، صرح به في قوله مؤكدا ردا على ~~استهزائهم المتضمن للإنكار: { وليأتينهم } ثم هوله بقوله: { بغتة } وأكد ~~معناها بقوله: { وهم لا يشعرون* } بل هم في غاية الغفلة عنه والاشتغال ~~بما ينسيه، ثم زاد في التعجب من جهلهم بقوله مبدلا: { يستعجلونك بالعذاب ~~} أي يطلبون منك إيقاعه بهم ناجزا ولو كان في غير وقته الأليق به، فلو ~~علموا ما هم سائرون إليه لتمنوا أنهم لم يخلقوا فضلا عن أن يستعجلوا، ~~ولأعملوا جميع جهدهم في الخلاص منه. # ولما كان دخولهم النار لا بد منه لإحاطة القدرة بهم، قال مؤكدا ~~لإنكارهم الآخرة بإثبات أخص منها: { وإن جهنم } التي هي من عذاب الآخرة { ~~لمحيطة } أي بما هي مهيأة له، لأنه لا يفوتها شيء منه، لأن الذي أعدها ~~عليم قدير، وقال: { بالكافرين* } موضع " بهم " تنبيها على ما استحقوا به ~~عذابها، وتعميما لكل من اتصف به. # ولما كان هذا كله دليلا على إنكارهم قال: { يوم } أي يعلمون ذلك اليوم ~~{ يغشاهم العذاب } أي يلحقهم ويلصق بهم ما لا يدع لهم شيئا يستعذبونه، ~~ولا أمرا يستلذونه ونبه على عدم استغراق جهة الفوق مع استعلائه عليهم ~~بإثبات الجار فقال: { من فوقهم } ولما أفهم ذلك الإحاطة بما هو أدنى من ~~جهة الفوق، صرح به فقال: { ومن تحت أرجلهم } فعلم بذلك إحاطته بجميع ~~الجواتب، وصرح بالرجل تحقيقا للآدمي { ويقول } أي الله في قراءة نافع ~~وعاصم وحمزة والكسائي بالتحتانية جريا على الأسلوب الماضي، أو نحن ~~بعظمتنا في قراءة الباقين ترويعا بالالتفات إلى مظهر العظمة: { ذوقوا } ~~ما سببه لكم { ما كنتم } بغاية الرغبة { تعملون* } أي في ذلك اليوم ~~تعملون ذلك حق اليقين بعد علمكم له عين اليقين بسبب تكذيبكم ms3512 بعلم اليقين. ### || [29.56-59] # ولما أبلغ في الإنذار، وحذر من الأمور الكبار، ولم يهمل الإشارة إلى ~~الصغار، وكانت هذه الآيات في المتعنتين من الكفار، وكان قد كرر أن هذه ~~المواعظ إنما هي للمؤمنين، قال مخاطبا لهم معرضا عن سواهم إذا كانت ~~أسماعهم لبليغ هذه المواعظ قد أصغت، وقلوبهم لجليل هذه الإنذارات قد ~~استيقظت، التفاتا على قراءة الجمهور إلى التلذيذ في المناجاة بالإفراد ~~والإبعاد من مداخل التعنت: { يا عبادي } فشرفهم بالإضافة، ولكنه لما أشار ~~بأداة البعد إلى أن فيهم من لم يرسخ، حقق ذلك بقوله: { الذين آمنوا } أي ~~وإن كان الإيمان باللسان مع أدنى شعبة من القلب. # ولما كان نزول هذه السورة بمكة، وكانوا بها مستخفين بالعبادة خوفا من ~~الكفار، وكانت الهجرة الأهل والأوطان شديدة، قال مؤكدا تنبيها على أن ~~حال من ترك الهجرة حال من يظن أن الأرض ضيقة: { إن أرضي واسعة } أي في ~~الذات والرزق وكل ما تريدون من الرفق، فإن لم تتمكنوا بسبب هؤلاء ~~المعاندين الذين يفتنونكم في دينكم ويمنعونكم من الإخلاص إلي في أرضكم ~~والاجتهاد في عبادتي حتى يصير الإيمان لكم وصفا، فهاجروا إلى أرض ~~تتمكنون فيها من ذلك. # ولما كانت الإقامة بها قبل الفتح مؤدية إلى الفتنة، وكان المفتون ربما ~~طاوع بلسانه، وكان ذلك وإن كان القلب مطمئنا بالإيمان في صورة الشرك ~~قال: { فإياي } أي خاصة بالهجرة إلى أرض تأمنون فيها اعبدوا وتنبهوا { ~~فاعبدون* } بسبب ما دبرت لكم من المصالح من توسيع الأرض وغيره، عبادة لا ~~شرك فيها، لا باللسان ولا بغيره ولا استخفافا بها ولا مراعاة لمخلوق في ~~معصيته، ولا شيء يجر إليها بالهرب ممن يمنعكم من ذلك إلى من يعينكم عليه. # ولما كانت الهجرة شديدة المرارة لأنها مرت في المعنى من حيث كونها ~~مفارقة المألوف المحبوب من العشير والبلد والمال، وكان في الموت ذلك كله ~~بزيادة، قال مؤكدا بذلك مذكرا به مرهبا من ترك الهجرة: { كل نفس ذائقة ~~الموت } أي مفارقة كل ما ألفت حتى بدنا طالما لابسته، وآنسها وآنسته، ~~فإن أطاعت ربها أنجت نفسها ms3513 ولم تنقصها الطاعة في الأجل شيئا، وإلا أوبقت ~~نفسها ولم تزدها المعصية في الأجل شيئا، فإذا قدر الإنسان أنه مات سهلت ~~عليه الهجرة، فإنه إن لم يفارق بعض مألوفه بها فارق كل مألوفه بالموت، ~~وما ذكر الموت في عسير إلا يسره، ولا يسير إلا عسره وكدره. # ولما هون أمر الهجرة، حذر من رضي في دينه بنوع نقص لشيء من الأشياء ~~حثا على الاستعداد بغاية الجهد في التزود للمعاد فقال: { ثم إلينا } على ~~عظمتنا، لا إلى غيرنا { ترجعون* } على أيسر وجه، فيجازي كلا منكم بما ~~عمل. # ولما كان التقدير: فالذين آمنوا فلبسوا إيمانهم بنوع نقص لننقصنهم في ~~جزائهم، والذين كفروا لنركسنهم في جهنم دركات تحت دركات فبئس مثوى ~~الظالمين، ولكنه لما تقدم ذكر العذاب قريبا، وكان القصد هنا الترغيب في ~~الإيمان كيفما كان، طواه ودل عليه بأن عطف عليه قوله: { والذين آمنوا ~~وعملوا } أي تصديقا لإيمانهم { الصالحات } أي كلها. # ولما كان الكفار ينكرون البعث، فكيف ما بعده، أكد قوله: { لنبوئنهم } أي ~~لنسكننهم في مكان هو جدير بأن يرجع إليه من حسنه وطيبه من خرج منه لبعض ~~أغراضه، وهو معنى { من الجنة غرفا } أي بيوتا عالية تحتها قاعات واسعة ~~بهية عالية، وقريب من هذا المعنى قراءة حمزة والكسائي بالثاء المثلثة من ~~ثوى بالمكان - إذا أقام به. # ولما كانت العلالي لا تروض إلا بالرياض قال: { تجري } ولما كان عموم ~~الماء لجهة التحت بالعذاب أشبه، بعضه فقال: { من تحتها الأنهار } ومن ~~المعلوم أنه لا يكون في موضع أنهار، إلا كان به بساتين كبار، وزروع ورياض ~~وأزهار - فيشرفون عليها من تلك العلالي. # ولما كانت بحالة لا نكد فيها يوجب هجره في لحظة ما، كنى عنه بقوله: { ~~خالدين فيها } أي لا يبغون عنها حولا؛ ثم عظم أمرها، شرف قدرها، بقوله: ~~{ نعم أجر العاملين } ثم وصفهم بما يرغب في الهجرة، فقال معرفا بجماع ~~الخير كله الصبر وكونه على جهة التفويض لله، منبها على أن الإنسان لا ~~ينفك عن أمر شاق ينبغي الصبر عليه: { الذين صبروا } أي أوجدوا ms3514 هذه ~~الحقيقة حتى استقرت عندهم فكانت سجية لهم، فأوقعوها على كل شاق من ~~التكاليف من هجرة وغيرها. # ولما كان الإنسان إلى المحسن إليه أميل، قال مرغبا في الاستراحة ~~بالتفويض إليه: { وعلى ربهم } أي وحده لا على أهل ولا وطن { يتوكلون* } ~~أي يوجدون التوكل إيجادا مستمر التجديد عند كل مهم يعرض لهم إرزاقهم بعد ~~الهجرة وغيرها وجهاد أعدائهم وغير ذلك من أمورهم. ### || [29.60-63] # ولما أشار بالتوكل إلى أنه الكافي في أمر الرزق في الوطن والغربة، لا ~~مال ولا أهل، قال عاطفا على ما تقديره: فكأي من متوكل عليه كفاه، ولم ~~يحوجه إلى أحد سواه، فليبادر من أنقذه من الكفر وهداه إلى الهجرة طالبا ~~لرضاه: { وكأين من دابة } أي كثير من الدواب العاقلة وغيرها { لا تحمل } ~~أي لا تطيق أن تحمل { رزقها } ولا تدخر شيئا لساعة أخرى، لأنها قد لا ~~تدرك نفع ذلك، وقد تدركه وتتوكل، أو لا تجد. # ولما كان موضع أن يقال: فمن يرزقها؟ قال جوابا له: { الله } أي المحيط ~~علما وقدرة، المتصف بكل كمال { يرزقها } وهي لا تدخر { وإياكم } وأنتم ~~تدخرون، لا فرق بين ترزيقه لها على ضعفها وترزيقه لكم على قوتكم ~~وادخاركم، فإن الفريقين تارة يجدون وتارة لا يجدون، فصار الادخار وعدمه ~~غير معتد به ولا منظور إليه. # ولما كان أهم ما للحيوان الرزق، فهو لا يزال في تدبيره بما يهجس في ~~ضميره وينطق به إن كان ناطقا ويهمهم به إن كان صامتا، أما العاقل ~~فبأمور كلية، وأما غيره فبأشياء جزئية وحدانية، وكان العاقل ربما قال: ~~إني لا أقدر على قطع العلائق من ذلك، قال تعالى: { وهو السميع } أي لما ~~يمكن أن يسمع في أمره وغير أمره { العليم* } أي بما يعلم من ذلك، وبما ~~يصير إليه أمركم وأمر عدوكم، فهو لم يأمركم بما أمركم به إلا وقد أعد له ~~أسبابه، وهو قادر على أن يسبب لما اعتمد عليه الإنسان من الأسباب المنتجة ~~عنده ولا بد ما يعطله، وعلى أن يسبب للمتوكل القاطع للعلائق ما يغنيه، ~~ومن طالع كتب ms3515 التصوف وتراجم القوم وسير السلف - نفعنا الله بهم - وجد ~~كثيرا من ذلك بما يبصره ويسليه سبحانه ويصبره. # ولما هون سبحانه أمر الرزق بخطابه مع المؤمنين بعد أن كان قد أبلغ في ~~تنبيه الكافرين بإيضاح المقال، وضرب الأمثال، ولين المحاورة في الجدال، ~~ولما كان الملك لا يتمكن غاية التمكن من ترزيق من في غير مملكته، قال ~~عاطفا على نحو: فلئن سألتهم عن ذلك ليصدقنك عائدا إلى استعطاف ~~المعرضين، واللطف بالغافلين، ناهجا في تفنين الوعظ أعني طرق الحكمة، فإن ~~السيد إذا كان له عبدان: مصلح ومفسد، ينصح المفسد، فإن لم يسمع التفت إلى ~~المصلح، إعراضا عنه قائلا: هذا لا يستحق الخطاب، فاسمع أنت ولا تكن ~~مثله، فكان قوله متضمنا نصح المصلح وزجر المفسد، ثم إذا سمع وعظ أخيه ~~كان ذلك محركا منه بعد التحريك بالإعراض والذم بسوء النظر لنفسه وقلة ~~الفطنة، فإذا خاطبه بعد هذا وجده متهيئا للقبول، نازعا إلى الوفاق، ~~مستهجنا للخلاف: { ولئن سألتهم } أي المؤمن وغيره، وأغلب القصد له: { من ~~خلق السماوات والأرض } وسواهما على هذا النظام العظيم { وسخر الشمس ~~والقمر } لإصلاح الأقوات، ومعرفة الأوقات، وغير ذلك من المنافع. # ولما كان حالهم في إنكار البعث حال من ينكر أن يكون سبحانه خلق هذا ~~الوجود، أكد تنبيها على أن الاعتراف بذلك يلزم منه الاعتراف بالبعث ~~فقال: { ليقولن الله } أي الذي له جميع صفات الكمال لما قد تقرر في فطرهم ~~من ذلك وتلقفوه عن أبائهم موافقة للحق في نفس الأمر. # ولما كان حال من صرف الهمة عنه عجبا يستحق أن يسأل عنه وجه التعجب منه ~~إشارة إلى أنه لا وجه له، قال { فأنى } أي فكيف ومن أي وجه { يؤفكون* } ~~أي يصرف من صارف ما من لم يتوكل عليه أو لم يخلص له العبادة في كل ~~أحواله، وجميع أقواله وأفعاله، عن الإخلاص له مع إقرارهم بأنه لا شريك له ~~في الخلق فيكون وجهه إلى قفاه فينظر الأشياء على خلاف ما هي عليه فيقع في ~~خبط العشواء وحيرة العجباء. # ولما كان قد يشكل على ms3516 ذلك التفاوت في الرزق عند كل من لم يتأمل حق ~~التأمل فيقال: بكل الخلق والرزق له، فما بالهم متفاوتين في الرزق؟ قال: { ~~الله } أي بما له من العظمة والإحاطة بصفات الكمال { يبسط الرزق } بقدرته ~~التامة { لمن يشاء من عباده } على حسب ما يعلم من بواطنهم { ويقدر } أي ~~يضيق. # ولما كان ذلك إنما هو لمصالح العباد وإن لم يظهر لهم وجه حكمته قال: { ~~له } أي لتظهر من ذلك قدرته وحكمته، وأنت ترى الملوك وغيرهم من الأقوياء ~~يفاوتون في الرزق بين عمالهم بحسب ما يعلمون من علمهم الناقص بأحوالهم، ~~فما ظنك بملك الملوك العالم علما لا تدنو من ساحته ظنون ولا شكوك، وهذه ~~الآية نتيجة ما قبلها. # ولما كان سبحانه يرزق الناس، ويمكن لهم بحسب ما يعلم من ضمائرهم أنه لا ~~صلاح إلا فيه، قال معللا لذلك ومؤكدا ردا على من يعتقد أن ذلك إنما هو ~~من تقصير بعض العباد وتشمير بعضهم، معلما بأنه محيط العلم فهو محيط ~~القدرة فهو الذي سبب عجز بعضهم وطاقة الآخرين لملازمة القدرة العلم: { إن ~~الله } أي الذي له صفات الكمال { بكل شيء } أي من المرزوقين ومن الأرزاق ~~وكيف تمنع او تساق وغير ذلك { عليم* } فهو على ذلك كله قدير، يعلم ما ~~يصلح العباد من ذلك وما يفسدهم، ويعطيهم بحسب ذلك إن شاء وكم رام بعض ~~الأقوياء إغناء فقير وإفقار غني، فكشف الحال عن فساد ما راموا من ~~الانتقال. # ولما ثبت بهذا شمول علمه، لزم تمام قدرته كما برهن عليه في طه، فقال ~~مشيرا إلى ذلك ذاكرا السبب القريب في الترزيق بعد ما ذكر البعيد، فإن ~~الاعتراف بأن هذا السبب منه يستلزم الاعتراف بأن المسبب أيضا منه: { ~~ولئن سألتهم من نزل } بحسب التدريج على حسب ما فعل في الترزيق، ولما كان ~~ربما ادعى مدع أنه استنبط ماء فأنزله من جبل ونحوه، ذكر ما يختص به ~~سبحانه سالما عن دعوى المدعين فقال: { من السماء ماء } بعد أن كان ~~مضبوطا في جهة العلو { فأحيا } ولما كان أكثر الأرض يحيى ms3517 بماء المطر من ~~غير حاجة إلى سقي، قدم الجار فقال { به الأرض } الغبراء، وأشار بإثبات ~~الجار إلى قرب الإنبات من زمان الممات، وإلى أنهم لا يعلمون إلى الجزئيات ~~الموجودة المحسوسة، ولا تنفذ عقولهم إلى الكليات المعقولة نفوذ أهل ~~الإيمان ليعلموا أن ما أوجده سبحانه بالفعل في وقت فهو موجود إما بإيجاده ~~إذا أراد، فالأرض حية بإحيائه سبحانه بسبب المطر في جميع الزمن الذي هو ~~بعد الموت بالقوة كما أنها حية في بعضها بالفعل فقال: { من بعد موتها } ~~فصارت خضراء تهتز بعد أن لم يكن بها شيء من ذلك، وأكد لمثل ما تقدم من ~~التنبيه على أن حالهم في إنكار البعث حال من أن ينكر أن يكون الله صانع ~~ذلك، لملازمة القدرة عليه القدرة على البعث بقوله: { ليقولن الله } وهو ~~الذي الكمال كله، فلزمهم توحيده. # فلما ثبت أنه الخالق بدءا وإعادة كما يشاهد في كل زمان، قال منبها على ~~عظمة صفاته اللازم من إثباتها صدق رسوله صلى الله عليه وسلم: { قل } ~~معجبا منهم في جمودهم حيث يقرون بما يلزمهم التوحيد ثم لا يوحدون: { ~~الحمد } أي الإحاطة بأوصاف الكمال كلها { لله } الذي لا سمي له وليس لأحد ~~غيره إحاطة بشيء من الأشياء، فلزمهم الحجة بما أقروا به من إحاطته، وهم ~~لا يثبتون ذلك بإعراضهم عنه { بل أكثرهم لا يعقلون* } أي لا يتجدد لهم ~~عقل، بعضهم مطلقا لأنه مات كافرا حيث هم مقرون بمعنى الحمد من أنه ~~الخالق لكل شيء بدءا وإعادة ثم يفعلون ما ينافي ذلك فيشركون به غيره مما ~~هم معترفون بأنه خلقه ولا يتوكلون في جميع الأمور برا وبحرا عليه ~~ويوجهون العبادة خالصة إليه، فهم لا يعرفون معنى الحمد حيث لم يعملوا به، ~~ومنهم من آمن بعد ذلك فكان في الذروة من كمال العقل في التوحيد الذي ~~يتبعه سائر الفروع، ومنهم من كان دون ذلك، فكان نفي العلم عنه مقيدا ~~بالكمال. ### || [29.64-67] # ولما تبين بهذا الآيات أن الدنيا مبنية على الفناء والزوال، والقلعة ~~والارتحال، وصح أن السرور بها في غير ms3518 موضعه فلذلك قال تعالى مشيرا بعد ~~سلب العقل عنهم إلى أنهم فيها كالبهائم يتهارجون: { وما هذه الحياة ~~الدنيا } فحقرها بالإشارة ولفظ الدناءة مع الإشارة إلى أن الاعتراف بهذا ~~الاسم كاف في الإلزام بالاعتراف بالأخرى. # ولما كان مقصود السورة الحث على الجهاد والنهي عن المنكر، وكان في معرض ~~سلب العقل عنهم، قدم اللهو لأن الإعراض عنه يحسم مادة الشر فإنه الباعث ~~عليه فقال: { إلا لهو } أي شيء يلهي عما ينفع { ولعب } يشتغل به صبيان ~~العقول، وكل غافل وجهول، فإن اللهو كل شيء من شأنه أن يعجب النفس كالغناء ~~والزينة من المال والنساء وغيره، فيحصل به فرح وزيادة سرور، فيكون سببا ~~للغفلة والذهول والنسيان والشغل عن استعمال العقل في اتباع ما ينجي في ~~الآخرة فينشأ عنه ضلال - على ما أشارت إليه آية لقمان # ليشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله # [آية: 6] ومنه اللعب، وهو فعل ما يزيد النفس في دنياها سرورا كالرقص ~~بعد السماع وينقضي بسرعة لأنه ضد الجد ومثل الهزل، وهو كل شيء سافل، وكل ~~باطل يقصد به زيادة البسط والترويح والتمادي في قطع الزمان فيما يشتهي من ~~غير تعب، واللعبة - بالضم: التمثال، وما يلعب به كالشطرنج، والأحمق يسخر ~~به، ولعب لعبا: مرح، وفي الأمر والدين: استخف به. # ولما كانوا ينكرون الحياة بعد الموت، أخبر على سبيل التأكيد أنه لا حياة ~~غيرها فقال: { وإن الدار الآخرة لهي } أي خاصة { الحيوان } أي الحياة ~~التامة الباقية العامة الوافية نفسها من حيث أنه لا موت فيها ولا فناء ~~لشيء من الأشياء، ولذلك اختير هذا البناء الدال على المبالغة، وحركته ~~مشعرة بما في الحياة من مطلق الحركة والاضطراب، فلا انقضاء لشيء من لعبها ~~ولا لهواها الذي لا يوافق ما في الدنيا إلا في الصورة فقط لا في المعنى، ~~لأنه ليس فيها شيء سافل لا في الباعث ولا في المبعوث إليه، بل كان ذلك ~~بالتسبيح والتقديس وما يترتب عليه من المعارف والبسط والترويح، والانشراح ~~والأنس والتفريح. # ولما كانوا قد غلطوا في الدارين كلتيهما فأنزلوا كل واحدة ms3519 منهما غير ~~منزلتها، فعدوا الدنيا وجودا دائما على هذا الحالة والآخرة عدما، لا ~~وجود لها بوجه، قال: { لو كانوا } أي كونا هو كالجبلة { يعلمون* } أي ~~لهم علم ما لم يغلطوا في واحدة منهما فلم يركبوا مع إيثارهم للحياة وشدة ~~نفرتهم من الموت، لا عتقادهم أن لا قيام بعده إلى الدنيا، مع أن أصلها ~~عدم الحياة الذي هو الموتان. # ولما ختم هذه الآية بما أفهم أنهم لا يعلمون، والتي قبلها بأن أكثرهم لا ~~يعقلون، سبب عن ذلك قوله: { فإذا } أي فتسبب عن عدم عقلهم المستلزم لعدم ~~علمهم أنهم إذا { ركبوا } أي البحر { في الفلك } أي السفن { دعوا الله } ~~أي الملك الأعلى المحيط بكل شيء إذا أصابتهم مصيبة خافوا منها الهلاك { ~~مخلصين } بالتوحيد { له الدين* } بالإعراض عن شركائهم بالقلب واللسان، ~~لما هم له محققون أنه لا منجى عند تلك الشدائد غيره { فلما نجاهم } أي ~~الله سبحانه، موصلا لهم { إلى البر إذا هم } أي حين الوصول إلى البر { ~~يشركون* } فصح أنهم لا يعلمون، لأنهم لا يعقلون، حيث يقرون بعجز آلهتهم ~~ويشركونها معه، ففي ذلك أعظم التهكم بهم؛ قال البغوي: قال عكرمة: كانوا ~~إذا ركبوا البحر حملوا معهم الأصنام، فإذا اشتدت بهم الريح ألقوها في ~~البحر وقالوا يا رب! يا رب. # وقال الرازي في اللوامع: وهذا دليل على أن معرفة الرب في فطرة كل إنسان، ~~وأنهم إن غفلوا في السراء فلا شك أنهم يلوذون إليه في حال الضراء - ~~انتهى. فعلم أن الاشتغال بالدنيا هو الصاد عن كل خير وأن الانقطاع عنها ~~معين للفطرة الأولى المستقيمة، ولهذا نجد الفقراء أقرب إلى كل خير. # ولما كانوا مع هذا الفعل - الذي لا يفعله إلا مسلوب العقل - يدعون أنهم ~~أعقل الناس وأبصرهم بلوازم الأفعال وما يشين الرجال، وكان فعلهم هذا ~~كفرا للنعمة، مع ادعائهم أنهم أشكرالناس للمعروف، قال مبينا أن عادتهم ~~مخالفة لعادة المؤمنين في جعلهم نعمة النجاة سببا لزيادة طاعاتهم، فعلم ~~أنه ما كان إخلاصهم في البحر إلا صورة لا حقيقة لها: { ليكفروا بما ~~آتيناهم } على عظمتنا ms3520 من هذه النعمة التي يكفي في عظمتها أنه لا يمكن ~~غيرنا أن يفعلها ما أشركوا إلا لأجل هذا الكفر، وإلا لكانوا فاعلين لشيء ~~من غير قصد، فيكون ذلك فعل من لا عقل له أصلا وهم يحاشون عن مثل ذلك { ~~وليتمتعوا } بما يجتمعون عليه في الإشراك من التواصل والتعاون، وعند من ~~سكن اللام - وهم ابن كثير وحمزة والكسائي وقالون عن نافع - يكون معطوفا ~~تهديدا على مقدر هو " فليكفروا " أو على { ليكفروا } السابق، على أن ~~لامه للأمر، وسيأتي في الروم إن شاء الله تعالى ما يؤيده { فسوف يعلمون* ~~} بوعد لا خلف فيه ما يحل بهم بهذا الفعل الذي هو دائر بين كفر وجنون. # ولما كان قد فعل بهم سبحانه من الأمن الشديد المديد في البر دون سائر ~~العرب عكس ما ذكر من حال خوفهم الشديد في البحر، وكان قادرا على إخافتهم ~~في البر كما قدر على إخافتهم في البحر ليدوم إخلاصهم، وكان كفرهم عند ~~الأمن بعد الإخلاص عند الخوف - مع أنه أعظم النقائص - هزلا لا يفعله إلا ~~من أمن مثل تلك المصيبة في البر، توجه الإنكار في نحو أن يقال: ألم يروا ~~أنا قادرون على إخافتهم وإهلاكهم في البر كما نحن قادرون على ذلك في ~~البحر كما فعلنا بغيرهم، فعطف عليه قوله: { أولم يروا } أي بعيون بصائرهم ~~{ أنا جعلنا } أي بعظمتنا لهم { حرما } وقال تعالى: { آمنا } لأنه لا ~~خوف على من دخله، فلما أمن كل حال به كان كأنه هو نفس الأمن، وهو حرم ~~مكة المشرفة، وأمنه موجب للتوحيد والإخلاص، رغبة في دوامه، وخوفا من ~~انصرامه، كما كان الخوف في البحر موجبا للإخلاص خوفا من دوامه، ورغبة ~~في انصرامه { و } الحال أنه { يتخطف } وبناه للمفعول لأن المقصود الفعل ~~لا فاعل معين. # ولما كان التخطف غير خاص بناس دون آخرين، بل كان جميع العرب يغزو بعضهم ~~بعضا، ويغير بعضهم على بعض بالقتل والأسر والنهب وغير ذلك من أنواع ~~الأذى، قال: { الناس من حولهم } أي من حول من فيه من كل جهة تخطف الطيور ms3521 ~~مع قلة من بمكة وكثر من حولهم، فالذي خرق العادة في فعل ذلك حتى صار على ~~هذا السنن قادر على أن يعكس الحال فيجعل من بالحرم متخطفا ومن حوله ~~آمنا، أو يجعل الكل في الخوف على منهاج واحد. # ولما تبين أنه لا وجه لشركهم ولا لكفرهم هذه النعمة الظاهرة المكشوفة، ~~تسبب الإنكار في قوله: { أفبالباطل } أي خاصة من الأوثان وغيرها { يؤمنون ~~} والحال أنه لا يشك عاقل في بطلانه، وجاء الحصر من حيث إن من كفر بالله ~~تبعه الكفر بكل حق والتصديق بكل باطل { وبنعمة الله } التي أحدثها لهم من ~~الإنجاء وغيره { يكفرون* } حيث جعلوا موضع شكرهم له على النجاه شركهم ~~بعبادة غيره. ### || [29.68-69] # ولما كان الظلم وضع الشيء في غير محله، وكان وضع الشيء في موضع لا يمكن ~~أن يقبله أظلم الظلم، كان فعلهم هذا الذي هو إنزال ما لا يعلم شيئا ولا ~~يقدر على شيء في منزلة من يعلم كل شيء ويقدر على كل مقدور أظلم الظلم، ~~فكان التقدير: فمن أظلم منهم في ذلك، عطف عليه قوله: { ومن أظلم } أي أشد ~~وضعا للأشياء في غير مواضعها، لأنه لانور له بل هو في ظلام الجهل يخبط { ~~ممن افترى } أي تعمد { على الله كذبا } أي أي كذب كان من الشرك وغيره ~~كما كانوا يقولون إذا فعلوا فاحشة: وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها { ~~أو كذب بالحق } من هذا القرآن المعجز المبين، على لسان هذا الرسول الأمين ~~الذي ما أخبر خبرا إلا طابقه الواقع { لما } أي حين { جاءه } من غير ~~إمهال إلى أن ينظر ويتأمل فيما جاءه من الأمر الشديد الخطر. # ولما كان التقدير: لا أحد أظلم منه، بل هو أظلم الظالمين، فهو كافر ~~ومأواه جهنم، وكان من المعلوم أنهم يقولون عنادا: ليس الأمر كذلك، قال ~~إنكارا عليهم، ولأن فعلهم فعل المنكر، وتقريرا لهم لأن همزة الإنكار ~~إذا دخلت على النفي كانت للتقرير، عدا به بمنزلة ما لا نزاع فيه أصلا: ~~{ أليس في جنهم مثوى } أي منزل وموضع إقامة وحبس له وقد ms3522 ارتكب هذا الكفر ~~العظيم - هكذا كان الأصل، ولكنه لقصد التعميم وتعليق الفعل بالوصف قال: { ~~للكافرين* } أي الذين يغطون أنوار الحق الواضح، أو ليس هو من الكافرين؟ ~~أي إن كلا من المقدمتين صحيح لا إنكار فيه، ولا ينتظم إنكارهم إلا ~~بإفساد إحديهما، أما كفره للمنعم بعد إنجائه من الهلاك حيث عبد غيره فلا ~~يسع عاقلا إنكاره، وأما كون جهنم تسعة بعد إخبار القادر به فلا يسع ~~مقرا بالقدرة إنكاره، فالمقدمتان مما لا مطعن فيه عندهم، فأنتجتا أن ~~مثواه جهنم، وصار القياس هكذا: عابد غير من أنجاه كافر، وكل كافر مثواه ~~جهنم، فعابد غير من أنجاه مثواه جهنم. # ولما كان هذا كله في الذين فتنوا فلم يجاهدوا أنفسهم، كان المعنى: ~~فالذين فتناهم فوجدوا كاذبين ضلوا فصاروا لا يعقلون ولا يعلمون، لكونهم ~~لم يكونوا من المجاهدين، فعطف عليه قوله: { والذين جاهدوا } أي أوقعوا ~~الجهاد بغاية جهدهم على ما دل عليه بالمفاعلة { فينا } أي بسبب حقنا ~~ومراقبتنا خاصة بلزوم الطاعات من جهاد الكفار وغيرهم من كل ما ينبغي ~~الجهاد فيه بالقول والفعل في الشدة والرخاء، ومخالفة الهوى عند هجوم ~~الفتن، وشدائد المحن، مستحضرين لعظمتنا. # ولما كان الكفار ينكرون فلاحهم وكان المفلح والظافر في كل شيء هو ~~المهتدي، قال معبرا بالسبب عن المسبب: { لنهدينهم } بما نجعل لهم من ~~النور الذي لا يضل من صحبه، هداية يليق بعظمتنا { سبلنا } أي لا سبل ~~غيرها، علما وعملا، ونكون معهم بلطفنا ومعونتنا، لأنهم أحسنوا المجاهدة ~~فهنيئا لمن قاتل في سبيل الله ولو فواق ناقة لهذه الآية وقوله تعالى # والذين قاتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم سيهديهم ويصلح بالهم # [محمد: 4]، ولهذا كان سفيان بن عيينة يقول: إذا اختلف الناس فانظروا ما ~~عليه أهل الغزو. # ولما كان المحسن كلما توفر حظه في مقام الإحسان نقص حظه من الدنيا، فظن ~~الأغبياء أنه ليس لله به عناية، عظم التأكيد في قوله، لافتا الكلام عن ~~أسلوب الجلال إلى أجل عنه بما زاد من الجمال { وإن الله } أي بعظمته ~~وجلاله وكبريائه وجميع كماله لمعهم ms3523 - هكذا كان الأصل، ولكنه أراد الإعلام ~~بإحسابهم وتعليق الحكم بالوصف والتعميم فأظهر قائلا: { لمع المحسنين* } ~~أي كلهم بالنصر والمعونة في دنياهم، والثواب والمغفرة في عقباهم، بسبب ~~جهادهم لأنه شكر يقتضي الزيادة، ومن كان معه سبحانه فاز بكل مطلوب، وإن ~~رأى الجاهل خلاف ذلك، فإنه يجعل عزهم من وراء ذل ويستر غناهم بساتر فقر، ~~حماية لهم مما يجر إليه دائم العز من الكبر، ويحمل عليه عظيم الغنى من ~~الطغيان، وما أحسن ما نقل الأستاذ أبو القاسم القشيري في الرسالة عن ~~الحارث المحاسبي أنه قال: من صحح باطنه بالمراقبة والإخلاص زين الله ~~ظاهره بالمجاهدة واتباع السنة، والآية من الاحتباك: أثبت أولا الجهاد ~~دليلا على حذفه ثانيا، وثانيا أنه مع المحسنين دليلا على حذف المعية ~~والإحسان أولا، فقد عانق أول السورة هذا الآخر، وكان إليه أعظم ناظر، ~~فنسأل الله العافية من الفتن، والمجاهدة إن كان لا بد من المحن، وإليه ~~المآب. ### | [30 - سورة الروم] ### || [30.1-5] # لما ختم سبحانه التي قبلها بأنه مع المحسنين قال: { الم* } مشيرا ~~بألف القيام والعلو ولام الوصلة وميم التمام إلى أن الملك الأعلى القيوم ~~أرسل جبرائيل عليه الصلاة والسلام - الذي هو وصلة بينه وبين أنبيائه ~~عليهم الصلاة والسلام - إلى أشرف خلقه محمد صلى الله عليه وسلم المبعوث ~~لإتمام مكارم الأخلاق، يوحي إليه وحيا معلما بالشاهد والغائب، فيأتي ~~الأمر على ما أخبر به دليلا على صحة رسالته، وكمال علم مرسله، وشمول ~~قدرته، ووجوب وحدانيته. # ولما أشير في آخر تلك بأمر الحرم إلى أنه سبحانه يعز من يشاء ويذل من ~~يشاء، وختم بمدح المجاهدين فيه، وأنه سبحانه لا يزال مع المحسنين، وكانت ~~قد افتتحت بأمر المفتونين، فكان كأنه قيل: لنفتننكم ولنعمين المفتين ~~ولنهدين المجاهدين، وكان أهل فارس قد انتصروا على الروم، ففرح المشركون ~~وقالوا للمسلمين: قد انتصر إخواننا الأميون على إخوانكم أهل الكتاب، ~~فلننصرن عليكم، فأخبر الله تعالى بأن الأمر يكون على خلاف ما زعموا، فصدق ~~مصدق وكذب مكذب، فكان في كل من ذلك من نصر أهل فارس وإخبار الله تعالى ms3524 ~~بإدالة الروم فتنة يعرف بها الثابت من المزلزل، وكان من له كتاب أحسن ~~حالا في الجملة ممن لا كتاب له، افتتحت هذه بتفصيل ذلك تصريحا بعد أن ~~أشار إليه بالأحرف المقطعة تلويحا غيبا وشهادة، دلالة على وحدانيته ~~وإبطال الشرك،فأثبت سبحانه أن له جميع الأمر وأنه يسر المؤمنين بنصرة ~~من له دين صحيح الأصل، وخذلان أهل العراقة في الباطل والجهل، وجعل ذلك ~~على وجه يفيد نصر المؤمنين على المشركين، فقال مبتدئا بما أفهمه كونه مع ~~المحسنين مع أنه ليس مع المسيئين: { غلبت الروم* } أي لتبديلهم دينهم ~~غلبهم - الفرس في زمن أنوشروان أو بعده { في أدنى الأرض } أي أقرب أرضهم ~~إلى أرضكم أيها العرب، وهي في أطراف الشام، وفي تعيين مكان الغلب - على ~~هذا الوجه - بشارة للعرب بأنهم يغلبونهم إذا وافقوهم، فإن موافقتهم لهم ~~تكون في مثل ذلك المكان. وقد كان كذلك بما كشف عنه الزمان، فكأنه تعالى ~~يقول لمن فرح من العرب بنصر أهل فارس على الروم لنكاية المسلمين: اتركوا ~~هذا السرور الذي لا يصوب نحوه من له همة الرجال، وأجمعوا أمركم وأجمعوا ~~شملكم، لتواقعوهم في مثل هذا الوضع فتنصروا عليهم، ثم لا يقاومونكم بعدها ~~أبدا، فتغلبوا على بلادهم ومدنهم وحصونهم وأموالهم ونسائهم وأبنائهم. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما أعتب سبحانه أهل مكة، ونفى عليهم ~~قبح صنيعهم في التغافل عن الاعتبار بحالهم، وكونهم - مع قلة عددهم - قد ~~منع الله بلدهم عن قاصد نهبه، وكف أيدي العتاة والمتمردين عنهم مع ~~(تعاور) أيدى المنتهين على من حولهم، وتكرر ذلك واطراده صونا منه تعالى ~~لحرمه وبيته، فقال تعالى: # أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم # [العنكبوت: 67] أي ولم يكفهم هذا في الاعتبار، وتبينوا أن ذلك ليس عن ~~قوة منهم ولا حسن دفاع، وإنما هو بصون الله إياهم بمجاورة بيته وملازمة ~~أمنه مع أنهم أقل العرب، أفلا يرون هذه النعمة ويقابلونها بالشكر ~~والاستجابة قبل أن يحل بهم نقمة، ويسلبهم نعمه، فلما قدم تذكارهم بهذا، ~~أعقب بذكر طائفة هم أكثر منهم ms3525 وأشد قوة وأوسع بلادا، وقد أيد عليهم ~~غيرهم، ولم يغن عنهم انتشارهم وكثرتهم، فقالت: { الم غلبت الروم في أدنى ~~الأرض } الآيات، فذكر تعالى غلبة غيرهم لهم، وأنهم ستكون لهم كرة، ثم ~~يغلبون، وما ذلك إلا بنصر الله من شاء من عبيده { ينصر من يشاء } فلو كشف ~~عن إبصار من كان بمكة من الكفار لرأوا أن اعتصام بلادهم وسلامة ذرياتهم ~~وأولادهم مما سلط على من حولهم من الانتهاب والقتل وسبي الذراري والحرم ~~إنما هو بمنع الله وكرم صونه لمن جاور حرمه وبيته، وإلا فالروم أكثر ~~عددا وأطول مددا، ومع ذلك تتكرر عليهم الفتكات والغارات، وتتوالى عليهم ~~الغلبات، أفلا يشكر أهل مكة من أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف؟ وأيضا فإنه ~~سبحانه لما قال: # وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان # [العنكبوت: 64] أتبع ذلك سبحانه بذكر تقلب حالها، وتبين اضمحلالها، ~~وأنها لا تصفو ولا تتم، وإنما حالها أبدا التقلب وعدم الثبات، فأخبر ~~بأمر هذه الطائفة التي هي من أكثر أهل الأرض وأمكنهم وهم الروم، وأنهم لا ~~يزالون مرة عليهم وأخرى لهم، فأشبهت حالهم هذه حال اللهو واللعب، فوجب ~~اعتبار العاقل بذلك وطلبه الحصول على تنعم دار لا ينقلب حالها، ولا يتوقع ~~انقلابها وزوالها، { وإن الدار الآخرة لهي الحيوان } ومما يقوي هذا ~~المأخذ قوله تعالى " يعلمون " ظاهرا من الحياة الدنيا أي لو علموا ~~باطنها لتحققوا أنها لهو ولعب ولعرفوا أمر الآخرة " من عرف نفسه عرف ربه ~~" ومما يشهد لكل من المقصدين ويعضد كلا الأمرين قوله سبحانه: { أولم ~~يسيروا في الأرض } الآيات، أي لو فعلوا هذا وتأملوا لشاهدوا من تقلب ~~أحوال الأمم وتغير الأزمنة والقرون ما بين لهم عدم إبقائها على أحد ~~فتحققوا لهوها ولعبها وعلموا أن حالهم سيؤول إلى حال من ارتكب مرتكبهم في ~~العناد والتكذيب وسوء البياد والهلاك - انتهى. # ولما ابتدأ سبحانه بما أوجبه للروم من القهر بتبديلهم، معبرا عنهم ~~بأداة التأنيث مناسبة لسفولهم، أتبعه ما صنعه معهم لتفريج المحسنين من ~~عباده الذين ختم بهم الأمم ونسخ ms3526 بملتهم الملل، وأدالهم على جميع الدول، ~~فقال معبرا بما يقتضي الاستعلاء من ضمير الذكور العقلاء: { وهم } أي ~~الروم، ودل على التبعيض وقرب الزمان بإثبات الجار فقال، معبرا بالجار ~~إشارة إلى أن استعلاءهم إنما يكون في بعض زمان البعد ولا يدوم: { من بعد ~~غلبهم } الذي تم عليهم من غلبة فارس إياهم، وهو من إضافة المصدر إلى ~~المفعول { سيغلبون* } فارسا، فأكد وعده بالسين - وهو غني عن التأكيد - ~~جريا على مناهيج القوم لما وقع في ذلك من إنكارهم { في بعض سنين* } وذلك ~~من أدنى العدد لأنه في المرتبة الأولى، وهي مرتبة الآحاد، وعبر بالبضع ~~ولم يعين إبقاء للعباد في ربقة نوع من الجهل، تعجيزا لهم، وتحديا لمن ~~عاند بنفي ما أخبر به أو يعلم ما ستر منه، وتشريعا للتعمية إذا قادت ~~إليها مصلحة، وشرح ذلك أنه كان بين فارس والروم حروب متواصلة، وزحوف ~~متكاثرة، في دهور متطاولة، إلى أن التقوا في السنة الثامنة من نبوة نبينا ~~محمد صلى الله عليه وسلم في زمن أبرويز بن هرمز بن أنوشروان، فظفرت فارس ~~على الروم، أخرج سنيد بن داود في تفسيره والواحدي في أسباب النزول ~~والترمذي في تفسير سورة الروم من جامعه وغيرهم، وقد جمعت ما ذكروه، وربما ~~أدخلت حديث بعضهم في بعض. # قال سنيد عن عكرمة: كانت في فارس امرأة لا تلد إلا الأبطال، فدعاها كسرى ~~فقال: إني أريد أن أبعث إلى الروم جيشا، وأستعمل عليهم رجلا من بنيك، ~~فأشيري علي أيهم أستعمل، فأشارت عليه بولد يدعى شهربراز، فاستعمله على ~~جيش أهل فارس وقال الأستاذ أبو علي أحمد بن محمد بن مسكوية في كتابه ~~تجارب الأمم وعواقب الهمم، فقالت تصف بنيها: هذا فرحان أنفذ من سنان، هذا ~~شهربراز أحكم من كذا، هذا فلان أروغ من كذا، فاستعمل أيهم شئت. فاستعمل ~~شهربراز - انتهى. وبعث قيصر رجلا يدعى قطمير بجيش من الروم، فالتقى مع ~~شهربراز بأذرعات وبصرى، وهي أدنى الشام إلى أرض العرب فغلبت فارس الروم ~~وظهروا عليهم فقتلوهم وخربوا مدائنهم وقطعوا زيتونهم، وبلغ ذلك النبي صلى ms3527 ~~الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم وهم بمكة فشق ذلك عليهم، وكان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يكره أن يظهر الأميون من المجوس على أهل الكتاب ~~من الروم، لأن فارس لم يكن لهم كتاب، وكانوا يجحدون البعث، ويعبدون النار ~~والأصنام، وفرح كفار مكة وشمتوا. قال الترمذي عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما: وكان المشركون يحبون أن يظهر أهل فارس على الروم، وكان المسلمون ~~يحبون أن يظهر الروم على فارس لأنهم أهل كتاب - انتهى. فلقي المشركون ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنكم أهل كتاب والنصارى أهل ~~كتاب، ونحن أميون وأهل فارس أميون، وقد ظهر إخواننا من أهل فارس على ~~إخوانكم من أهل الروم، فإن قاتلتمونا لنظهرن عليكم. فذكر ذلك أبو بكر ~~للنبي صلى الله عليه وسلم فنزلت الآية، فقال صلى الله عليه وسلم: " أما ~~إنهم سيغلبون في بضع سنين ". # قال الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما: فذكره أبو بكر رضي الله عنه ~~لهم فقالوا: اجعل بيننا وبينك أجلا، فإن ظهرنا كان لنا كذا وكذا، وإن ~~ظهرتم كان لكم كذا وكذا، فجعل أجل خمس سنين فلم يظهروا فذكروا ذلك للنبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال: " ألا جعلته إلى دون " يعني دون العشرة، فإن ~~البضع ما بين ثلاث إلى تسع، ثم ظهرت الروم بعد ذلك، وروى الترمذي أيضا ~~عن نيار بن مكرم الأسلمي رضي الله تعالى عنه وقال: حديث حسن صحيح غريب، ~~قال: لما نزلت: { الم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون ~~في بضع سنين } وكانت فارس يوم نزلت هذه الآية قاهرين للروم وكان المسلمون ~~يحبون ظهور الروم عليهم لأنهم وإياهم أهل الكتاب، وفي ذلك قول الله ~~تعالى: { ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم ~~} وكانت قريش " تحب " ظهور فارس لأنهم وإياهم ليسوا بأهل الكتاب ولا ~~إيمان ببعث، فلما نزلت هذه الآية خرج أبو بكر رضي الله عنه يصيح في نواحي ~~مكة { الم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد ms3528 غلبهم سيغلبون في بضع ~~سنين }! قال ناس من قريش لأبي بكر رضي الله عنه: فذلك بيننا وبينكم، زعم ~~صاحبك أن الروم ستغلب فارسا في بضع سنين، أفلا نراهنك على ذلك؟ قال: ~~بلى، وذلك قبل تحريم الرهان، فارتهن أبو بكر والمشركون وتواضعوا الرهان ~~وقالوا لأبي بكر رضي الله عنه: كم تجعل البضع من ثلاث سنين إلى تسع سنين، ~~فسم بيننا وبينك وسطا تنتهي إليه، فسموا بينهم ست سنين، فمضت الست سنون ~~قبل أن يظهروا، فأخذ المشركون رهن أبي بكر رضي الله عنه، فلما دخلت السنة ~~السابعة ظهرت الروم على فارس، فعاب المسلمون على أبي بكر رضي الله عنه ~~تسمية ست سنين، لأن الله تعالى قال: { في بضع سنين }. قال ابن الجوزي في ~~زاد المسير: وقالوا: هلا أقررتها على ما أقرها الله، لو شاء أن يقول: ~~ستا، لقال. قال الترمذي في روايته: وأسلم عند ذلك ناس كثير. وروى ~~الترمذي أيضا والواحدي في أسباب النزول عن أبي سعيد رضي الله عنه أن ~~ظهور الروم عليهم كان يوم بدر. وقال الزمخشري فيما ذكره من عند سنيد أنه ~~كان يوم الحديبية فإنه قال بعد أن ساق نحو ما مضى: فقال لهم أبو بكر رضي ~~الله عنه - يعني للمشركين: لا يقرن الله أعينكم! فوالله لتظهرن الروم ~~على فارس بعد بضع سنين، فقال له أبي بن خلف: كذبت يا أبا فضيل! اجعل ~~بيننا وبينك أجلا أناحبك عليه. # - والمناحبة: المراهنة - فناحبه على عشر قلائص - من كل واحدة منهما، ~~وجعل الأجل ثلاث سنين، فأخبر أبو بكر رضي الله عنه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال: البضع ما بين الثلاث إلى التسع، فزايده في الخطر وماده ~~في الأجل، فجعلاها مائة قلوص إلى تسع سنين، ومات أبي من جرح رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يعني الذي جرحه به رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~أحد، فظهرت الروم على فارس يوم الحديبية، وذلك عند رأس سبع سنين. وقيل: ~~كان النصر يوم بدر للفريقين، فأخذ ابو بكر رضي الله عنه ms3529 الخطر من ذرية ~~أبي، وجاء به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " تصدق به " - ~~انتهى. وربما أيد القول بأنه سنة الحديبية سنة ست ما في الصحيحين عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما عن أبي سفيان رضي الله عنهم في كتاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم إلى هرقل وسؤال هرقل لأبي سفيان رضي الله عنه، وفيه أن ذلك لما ~~كشف الله عن قيصر جنود فارس ومشى من حمص إلى إيلياء شكرا لما أبلاه ~~الله، ومن المعلوم أن كتاب النبي صلى الله عليه و سلم إليه وإلى غيره من ~~الملوك كان بعد الرجوع من الحديبية، وهذه الآية من الآيات البينة الشاهدة ~~الصادقة على صحة النبوة، وأن القرآن من عند الله نزل بالحق المبين، لأنها ~~إنباء عن علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله تعالى فطابقه الواقع. وقال ~~ابن الجوزي: وفي الذي تولى وضع الرهان من المشركين قولان: أحدهما أبي بن ~~خلف - قاله قتادة، والثاني أبو سفيان بن حرب - قاله السدي - انتهى. وذكر ~~القصة أبو حيان في تفسيره البحر وزاد عن مجاهد أن التقاءهم لما ظهرت فارس ~~كان في الجزيرة، وعن السدي أنه كان بأرض الأردن وفلسطين، وأن أبا بكر رضي ~~الله عنه لما أراد الهجرة طلب منه أبي بن خلف كفيلا بالخطر الذي كان ~~بينهما في ذلك، فكفل به ابنه عبد الرحمن رضي الله عنه، فلما أراد أبي ~~الخروج إلى أحد طلبه عبد الرحمن بالكفيل، فأعطاه كفيلا وهلك أبي من جرح ~~جرحه النبي صلى الله عليه وسلم. وقال ابن الفرات في تأريخه: كان بين كسرى ~~أنوشروان وبين ملك الروم هدنة، فوقع بين رجلين من أصحابهما فبغى الرومي ~~على الفارسي، فأرسل كسرى إلى ملك الروم بسببه، فلم يحفل برسالته، فغزاه ~~كسرى في بضع وسبعين ألف مقاتل فأخذ مدينة دارا والرها ومنبج وقنسرين وحلب ~~وأنطاكية - وكانت أفضل مدينة بالشام - وفامية وحمص ومدنا كثيرة، واحتوى ~~على ما كان فيها. وسبى أهل أنطاكية ونقلهم إلى أرض السواد، وكان ملك ~~الروم يؤدي إليه الخراج، ولم ms3530 يزل مظفرا منصورا، تهابه الأمم، ويحضر ~~بابه من وفودهم عدد كثير من الترك والصين والخزر ونظائرهم، وقال أيضا في ~~ملك أبرويز بن هرمز بن أنوشروان: وكان شديد الفطنة، قوي الذكاء، بعث ~~الأصبهبذ - يعني شهربراز - مرة إلى الروم فأخذ خزائن الروم، وبعث بها إلى ~~كسرى، فخاف كسرى أن يتغير عليه الأصبهبذ، لما قد نال من الظفر فبعث ~~بقتله، فجاء الرجل إليه فرأى من عقله وتدبيره ما منعه من قتله وقال: مثل ~~هذا لا يقتل، وأخبره ما جاء لأجله، فبعث إلى قيصر ملك الروم: إني أريد أن ~~ألقاك، فالتقيا فقال له: إن الخبيث قد هم بقتلي، وإني أريد إهلاكه، فاجعل ~~لي من نفسك ما أطمئن إليه، وأعطيك من بيوت أمواله مثل ما أصبت منك. # فأعطاه المواثيق، وسار قيصر في أربعين ألف مقاتل، فنزل بكسرى، فعلم كسرى ~~كيف جرى الحال، فدعا قسا نصرانيا، يعني وكتب معه كتابا. وقال ابن ~~مسكويه: وكان أبرويز وجه رجلا من جلة أصحابه في جيش جرار إلى بلاد ~~الروم، فأنكى فيهم وبلغ منهم، وفتح الشامات وبلغ الدروب في آثارهم، فعظم ~~أمره وخافه أبرويز فكاتبه بكتابين يأمره في أحدهما أن يستخلف على جيشه من ~~يثق به ويقبل إليه، ويأمره في الآخر أن يقيم بموضعه، فإنه لما تدبر أمره ~~وأجال الرأي لم يجد من يسد مسده، ولم يأمن الخلل إن غاب عن موضعه، وأرسل ~~بالكتابين رسولا من ثقاته وقال له: أوصل الكتاب الأول بالأمر بالقدوم ~~فإن خف لذلك فهو ما أردت، وإن كره وتثاقل عن الطاعة فاسكت عليه أياما ثم ~~أعلمه الكتاب الثاني ورد عليك وأوصله إليه ليقيم بموضعه. فخرج رسول كسرى ~~حتى ورد على صاحب الجيش ببلاد الشام، فأوصل الكتاب الأول إليه، فلما قرأه ~~قال: إما أن يكون كسرى قد تغير لي وكره موضعي، أو يكون قد اختلط عقله ~~بصرف مثلي وأنا في نحر العدو، فدعا أصحابه وقرأ عليهم الكتاب فأنكروه، ~~فلما كان بعد ثلاثة أيام أوصل إليه الكتاب الثاني بالمقام، وأوهمه أن ~~رسولا ورد به، فلما قرأه قال: هذا ms3531 تخليط ولم يقع منه موقعا، ودس إلى ~~ملك الروم من ناظره في إيقاع صلح بينهما على أن يخلي الطريق لملك الروم ~~حتى يدخل بلاد العراق على غرة من كسرى، وعلى أن لملك الروم ما يغلب عليه ~~من دون العراق، وللفارسي ما وراء ذلك إلى بلاد فارس، فأجابه ملك الروم ~~إلى ذلك وتنحى الفارسي عنه في ناحية من الجزيرة، وأخذ أفواه الطرق، فلم ~~يعلم كسرى حتى ورد خبر ملك الروم عليه من ناحية قرقيسيا وكسرى غير معد ~~وجنده متفرق في أعماله، فوثب من سريره مع قراءة الخبر وقال: هذا وقت ~~حيلة، لا وقت شدة، وجعل ينكت في الأرض مليا، ثم دعا برق وكتب فيه ~~كتابا صغيرا بخط دقيق إلى صاحبه بالجزيرة يقول فيه: قد علمت ما كنت ~~أمرتك به من مواصلة صاحب الروم وإطماعه في نفسك وتخلية الطريق له حتى إذا ~~تولج في بلادنا أخذته من أمامه، وأخذته أنت ومن ندبناه لذلك من خلفه، ~~فيكون ذلك بواره، وقد تم في هذا الوقت ما دبرناه، وميعادك في الإيقاع به ~~يوم كذا وكذا، ثم دعا راهبا كان في دير بجانب مدينته وقال: أي جار كنت ~~لك؟ قال: أفضل جار، قال: فقد بدت لنا إليك حاجة، فقال الراهب: الملك أجل ~~من أن يكون له حاجة إلى مثلي، ولكن عندي بذل نفسي في الذي يأمر به الملك، ~~قال كسرى: تحمل لي كتابا إلى فلان صاحبي - وقال ابن الفرات: إلى ~~الأصبهبذ - ولا تطلعن على ذلك أحدا. # وأعطاه ألف دينار، قال: نعم! قال كسرى: فإنك تجتاز بإخوانك النصارى ~~فأخفه، قال: نعم، فلما ولى عنه الراهب قال له كسرى: أعلمت ما في الكتاب؟ ~~قال: لا، قال: فلا تحمله حتى تعلم ما فيه، فلما قرآه أدخله في جيبه ثم ~~مضى، فلما صار في عسكر الروم نظر إلى الصلبان والقسيسين وضجيجهم بالتقديس ~~والصلوات فاحترق قلبه لهم وأشفق مما خاف أن يقع بهم وقال في نفسه: أنا شر ~~الناس إن حملت بيدي حتف النصرانية وهلاك هؤلاء القوم، فصاح: أنا لم ~~يحملني ms3532 كسرى رسالة ولا معي له كتاب، فأخذوه فوجدوا الكتاب معه، وقد كان ~~كسرى وجه رسولا قبل ذلك اختصر الطريق حتى مر بعسكر الروم كأنه رسول إلى ~~كسرى من صاحبه الذي طابق ملك الروم ومعه كتاب فيه أن الملك قد كان أمرني ~~بمقاربة ملك الروم وأن أختدعه وأخلي له الطريق فيأخذه الملك من أمامه ~~وآخذه أنا من خلفه، وقد فعلت ذلك، فرأى الملك في إعلامي وقت خروجه إليه، ~~فأخذ ملك الروم الرسول وقرأ الكتاب وقال: عجبت أن يكون هذا الفارسي أدهن ~~على كسرى، ووافاه أبرويز فيمن أمكنه من جنده، فوجد ملك الروم قد ولى ~~هاربا، فأتبعه يقتل وياسر من أدرك، وبلغ الأصبهبذ هزيمة الروم فأحب أن ~~يخلي نفسه ويستر ذنبه لما فاته ما دبر، فخرج خلف الروم الهاربين فلم يسلم ~~منهم إلا قليل. وقال ابن الفرات: وخرج القس بالكتاب وأوصله إلى قيصر ~~فقال: ما أراد إلا هلاكنا، وانهزم فاتبعه كسرى فنجا في شرذمة يسيرة، ~~وافتتح كسرى أبرويز عدة من بلاد أعدائه، وبلغت خيله القسطنطينية ~~وإفريقية. وقد ذكر ابن مسكويه أيضا ما يمكن أن يكون المراد بالآية، وشرح ~~أسباب ذلك فذكر أن هرمز بن أنوشروان لما بعث بهرام بن بهرام الملقب جوبين ~~إلى ملك الترك وظفر به ثم بابنه، أساء السيرة فيه ولم يأذن له في الرجوع، ~~بل أمره بالتقدم فيما لم يره بهرام صوابا وخاف مخالفته، وقد كان هرمز ~~حسن السيرة جدا أديبا أريبا، داهيا إلا عرقا قد نزعه أخواله من ~~الترك، فكان لذلك مقصيا للأشراف وأهل البيوتات والعلماء، ولم يكن له رأي ~~إلا في تألف السفلة واستصلاحهم ففسدت عليه نيات الكبراء من جنده، فلما ~~خافه بهرام جمع وجوه عسكره، وخرج عليهم في زي النساء وبيده مغزل وقطن ثم ~~جلس في موضعه ووضع بين يدي كل واحد منهم مغزلا وقطنا، فامتعضوا لذلك، ~~فقال: إن كتاب الملك ورد علي بذلك، فلا بد من امتثال أمره إن كنتم ~~طائعين، فأبوا وخلعوا هرمز، وأظهروا أن ابنه أبرويز أصلح للملك منه، فلما ~~سمع أبرويز بذلك ms3533 خاف أباه على نفسه، فهرب إلى أذربيجان، ولما بلغ الجند ~~الذين بحضرة هرمز خلعه أعجبهم، فضعف أمره، ثم أجمعوا على خلعه فخلعوه ~~وسلموه، فكوتب أبرويز بذلك فبادر بهراما فسبقه وجلس على سرير الملك، ~~فأطاعه الناس ودخل على أبيه، وأعلمه أنه نائبه، واعتذر إليه بأن ما حصل ~~له لم يكن عن رأيه ولا برضاه ولا كان حاضره حتى يذب عنه، فعذره، وقصده ~~بهرام فجرت بينهما أمور طويلة، وحروب هائلة، ضعف فيها أبرويز، وأحس من ~~أصحابه فتورا، وتبين فيهم فشلا، فسار إلى أبيه وشاوره فرأى له المصير ~~إلى ملك الروم، فنهض إلى ذلك في عدة يسيرة فيهم بندويه وبسطام خالاه، ~~وكردي أخو بهرام، وكان ماقتا لأخيه بهرام ومناصحا لأبرويز، فقطعوا ~~الفرات وصاروا إلى دير في أطراف العمارة، فلحقتهم خيل بهرام فقال بندويه ~~لأبرويز: أعطني بزتك وزينتك لأحتال لك وأبذل نفسي دونك، ففعل فأمره ~~بالنجاة بمن معه، وأقام هو في الدير، فلما أحيط به اطلع بندويه من فوق ~~الدير فأوهمهم أنه أبرويز بما عليه من البزة والزينة، فظنوه وسألهم ~~الإمهال إلى غد ليسلمهم نفسه فأمسكوا، وحفظ الدير بالحرس، فلما أصبحوا ~~اطلع عليهم وقال: إن علي وعلى أصحابي بقية شغل من استعداد لصلوات ~~وعبادات فأمهلونا، ولم يزل يدافع حتى مضى عامة النهار وعلم أن أبرويز قد ~~فاتهم، ففتح حينئذ وأعلم قائدهم بأمرهم، فانصرف به إلى بهرام جوبين ~~فحبسه. # ولما وصل أبرويز إلى أنطاكية كاتب ملك الروم وسأله نصرته، فأجابه وتوادا ~~إلى أن زوجة ابنته مريم وحملها إليه، وبعث إليه ستين ألف مقاتل فيهم أخوه ~~تياذوس وسأله ترك الأتاوة التي كان آباؤه يسألونها ملوك الروم إذ هو ملك، ~~فاغتبط به أبرويز وسار بهم، فلما وصل إلى أداني أرضهم انضم إليه كثير من ~~أهل فارس فاستظهر على بهرام، فقصد بهرام بلاد الترك فأكرمه ملكها، ولم ~~يزل أبرويز يلاطف ملك الروم الذي نصره حتى وثبت الروم عليه في شيء أنكروه ~~منه فقتلوه وملكوا غيره، ولجأ ابنه إلى أبرويز فملكه على الروم وأرسل معه ~~جنودا كثيفة عليهم شهربراز، ms3534 فدوخ عليهم البلاد، وملك صاحب كسرى بيت ~~المقدس وقصد قسطنطينية، فأناجوا على ضفة الخليج القريب منها، ولم يخضع ~~لابن الملك الذي توجه كسرى أحد من الروم، وكانوا قد قتلوا الذي ملكوه بعد ~~أبيه لما ظهر من فجوره وسوء تدبيره، وملكوا عليهم رجلا يقال له هرقل. # وقال ابن الفرات: إن أبرويز بعث مع ابن الملك الذي كان نصره ثلاثة من ~~قواده في جنود كثيرة كثيفة، أما أحدهم فإنه كان يقال له زميرزان وجهه إلى ~~بلاد الشلام فدوخها حتى انتهى إلى بلاد فلسطين، وورد مدينة بيت المقدس، ~~وأخذ أسقفها ومن كان فيها من القسيسين وسائر النصارى بخشبة الصليب، وكانت ~~قد دفنت في بستان في تابوت من ذهب وزرع فوقها مبقلة فدلوه عليها فحفر ~~واستخرجها وبعث بها إلى كسرى في سنة أربع وعشرين من ملكه، وأما القائد ~~الثاني - وكان يقال له: شاهير - فسار حتى احتوى على مصر والإسكندرية ~~وبلاد النوبة وبعث إلى كسرى بمفاتيح مدينة الإسكندرية في سنة ثمان وعشرين ~~من ملكه، وأما القائد الثالث - وكان يقال له: فرهان - فإنه قصد قسطنطينية ~~حتى أناخ قريبا من ماء وخيم هنالك فأمره كسرى فخرب بلاد الروم غضبا مما ~~انتهكوا من موريق - يعني الملك الذي كان نصره، وفعل هذا لأجل ابنه، ~~وانتقاما له منهم، ولم ينقد لابن الملك الذي فعل هذا لأجله أحد من ~~الروم، لأنهم لما قتلوا الملك قوفا ملكوا عليهم رجلا يقال له هرقل، ثم ~~اتفق ابن الفرات وابن فتحون فقالا: فلما رأى هرقل عظيم ما فيه بلاد الروم ~~من تخريب جنود فارس إياها وقتلهم مقاتلتهم، وسبيهم ذراريهم، واستباحتهم ~~أموالهم، تضرع إلى الله تعالى، وأكثر الدعاء والابتهال فيقال: إنه رأى في ~~منامه رجلا ضخم الجثة رفيع المجلس عليه، فدخل عليهما داخل، فألقى ذلك ~~الرجل عن مجلسه وقال لهرقل: إني قد سلمته في يدك، فلم يقصص رؤياه تلك في ~~يقظته حتى توالت عليه أمثالها، فرأى في بعض لياليه كأن رجلا دخل عليهما ~~وبيده سلسلة طويلة فألقاها في عنق صاحب المجلس الرفيع عليه ثم دفعه إليه ms3535 ~~وقال له: ها قد دفعت إليك كسرى برمته، وقال ابن الفرات: فاغزه فإنك مدال ~~عليه، ونائل أمنيتك في غزاتك، فلما تتابعت عليه هذه الأحلام قصها على ~~عظماء الروم وذوي العلم منهم، فأشاروا عليه أن يغزوه، فاستعد هرقل ~~واستخلف ابنه على مدينة قسطنطينية، وأخذ غير الطريق الذي فيه شهربراز ~~صاحب كسرى، وسار حتى دخل في بلاد أرمينية ونزل بنصيبين بعد سنة،وقد كان ~~صاحب ذلك الثغر من قبل كسرى استدعى لموجدة كانت من كسرى عليه، وأما ~~شهربراز فكانت كتب كسرى ترد عليه في الجثوم على الموضع الذي هو به، وترك ~~البراح، ثم بلغ كسرى تساقط هرقل في جنوده إلى نصيبين فوجه لمحاربة هرقل ~~رجلا من قواده يقال له: راهزاد في اثني عشر ألفا من الأنجاد، وأمره أن ~~يقيم بنينوى وهي التي تدعى الآن الموصل - على شاطىء دجلة، ويمنع الروم أن ~~يجوزوها، وكان كسرى بلغه خبر هرقل وأنه مغذ وهو يومئذ مقيم بدسكرة الملك، ~~فتعذر راهزاد لأمر كسرى وعسكر حيث أمره فقطع هرقل دجلة من موضع آخر إلى ~~الناحية التي كان فيها جند فارس، فأذكى راهزاد العيون عليه فانصرفوا إليه ~~فأخبروه أنه في سبعين ألف مقاتل، فأيقن راهزاد أنه ومن معه من الجند ~~عاجزون عن مناهضته، فكتب إلى كسرى غير مرة دهم هرقل إياه بمن لا طاقة له ~~ولمن معه بهم، لكثرتهم وحسن عدته، قال ابن الفرات: فكتب كسرى إنكم إن ~~عجزتم عن الروم لم تعجزوا عن بذل دمائكم في طاعتي، فلما تتابعت على ~~راهزاد جوابات كسرى بذلك عبى جنده، وناهض الروم بهم، فقتل الروم راهزاد ~~وسته آلاف رجل، وانهزمت بقيتهم، وهربوا على وجوههم، وبلغ كسرى قتل الروم ~~راهزاد وستة آلاف وما نال هرقل من الظفر فهده ذلك وانحاز من دسكرة الملك ~~إلى المدائن، وتحصن به لعجزه كان عن محاربة هرقل، وسار هرقل حتى كان ~~قريبا من المدائن. # قال ابن الفرات: فاستعد كسرى لقتاله ثم خالف كسرى ملك الروم فرجع إلى ~~بلاده فحمل خزائنه في البحر. فعصفتا الريح فألقتها بالإسكندرية، فظفر بها ~~أصحابه ms3536 من الروم، وذكر المسعودي هذا فخالف بعض المخالفة: فقال: وثب بطريق ~~من بطارقة الروم يقال له قوقاس فيمن اتبعه على تموريقس ملك الروم حمو ~~أبرويز ومنجده، فقتلوه وملكوا قوقاس، ونمى ذلك إلى أبرويز فغضب لحموه ~~وسير إلى الروم جيوش وكانت له في ذلك أخبار يطول ذكرها، وسير شهريار ~~مرزبان المغرب إلى حرب الروم فنزل أنطاكية وكانت له مع ملك الروم وأبرويز ~~أخبار و مكاتبات وحيل إلى أن خرج ملك الروم إلى حرب شهريار، وقدم خزائنه ~~في البحر في ألف مركب، فألقتها الريح إلى ساحل أنطاكية فغنمها شهريار ~~فحملها إلى أبرويز فسميت خزائن الريح، ثم فسدت الحال بين أبرويز وشهريار، ~~ومايل شهريار ملك الروم فسيره شهريار نحو العراق إلى أن انتهى إلى ~~النهروان فاحتال أبرويز في كتب كتبها مع بعض أساقفة النصرانية ممن كان في ~~ذمته حتى رده إلى القسطنطينية، وأفسد الحال بينه وبين شهريار. وقال أبو ~~حيان: وسبب ظهور الروم أن كسرى بعث إلى شهربراز وهو الذي ولاه على محاربة ~~الروم أن اقتل أخاك فرخان - انتهى. وهذا هو تتمة ما تقدم في خبر المرأة ~~التي كانت لا تلد إلا الأبطال، وأن كسرى بعث ابنها شهربراز إلى حرب الروم ~~فظهر عليهم. # قال ابن مسكوية: فلما ظهرت فارس علىالروم جلس فرخان يشرب فقال لأصحابه: ~~لقد رأيت كأني جالس على سرير كسرى، فبلغت مقالته كسرى فكتب إلى شهربراز: ~~إذا أتاك كتابي هذا فابعث إلي برأس فرخان، فكتب إليه: أيها الملك إنك ~~لن تجد مثل فرخان، فإن له نكاية في العدو وصوتا فلا تفعل، فكتب إليه: إن ~~في رجال فارس خلفا منه فعجل إلي برأسه، فراجعه فغضب كسرى وبعث بريدا ~~إلى أهل فارس: إني قد نزعت عنكم شهربراز واستعملت فرخان، ثم دفع إلى ~~البريد صحيفة صغيرة وقال: إذا ولى الفرخان الملك وانقاد له أخوه فأعطه، ~~فلما قرأ شهربراز الكتاب قال: سمعا وطاعة، ونزل عن سريره، وجلس فرخان ~~ودفع البريد الصحيفة إليه فقال: ائتوني بشهربراز، فقدمه ليضرب عنقه فقال: ~~لا تعجل حتى أكتب وصيتي، قال: ms3537 افعل. فدعا بسفط وأعطاه ثلاث صحائف، وقال: ~~كل هذا راجعت فيك كسرى وأنت أردت أن تقتلني بكتاب واحد، فرد الملك على ~~أخيه، فكتب شهربراز إلى قيصر ملك الروم: إن لي إليك حاجة لا تحملها البرد ~~ولا تبلغها الصحف فالقني، ولا تلقني إلا في خمسين روميا، فإني أيضا ~~ألقاك في خمسين فارسا، فأقبل قيصر في خمسائة رومي، وجعل يضع العيون بين ~~يديه في الطريق، وخاف أن يكون قد مكر به حتى أتاه عيونه أنه ليس معه إلا ~~خمسون رجلا، ثم بسط لهما والتقيا في قبة ديباج ضربت لهما، واجتمعا ومع ~~كل واحد منهما سكين، ودعوا ترجمانا بينهما، فقال شهربراز: إن الذين ~~خربوا مدائنك، وبلغوا منك ومن جندك ما بلغوا أنا وأخي بشجاعتنا وكيدنا، ~~وأن كسرى حسدنا فأراد أن أقتل اخي فأبيت، ثم أمر أخي أن يقتلني فقد ~~خلعناه جميعا فنحن نقاتله معك، فقال: قد أصبتما ووفقتما ثم أشار أحدهما ~~إلى صاحبه أن السر إنما يكون بين اثنين، فإذا جاوز اثنين فشا، قال صاحبه: ~~أجل، فقاما جميعا إلى الترجمان بسكينيهما فقتلاه، واتفقا على قتال كسرى، ~~فتعاون شهربراز وهرقل على كسرى، فغلبت الروم فارس. وذكر أبو القاسم عبد ~~الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم في أوائل فتوح مصر نحو هذا الحديث من ~~حديث ابن عباس رضي الله عنهما أنه سمع ابن عمر رضي الله عنه يسأل ~~الهرمزان عن سبب ظهور الروم على كسرى فأخبره به، وكان مما تمكن الخلاف ~~عليه أيضا أنه كان طلب الذين هربوا بعد قتل قائدهم راهزاد، وأمر بأن ~~يعاقبوا على انهزامهم، فأحوجهم بهذا إلى الخلاف عليه وطلب الحيل لنجاة ~~أنفسهم منه، فإن كانت الوقعة التي غلبت الروم فيها بأذرعات أو الأردن فهي ~~أدنى أرض الروم - أي أقربها - إلى مكة المشرفة، وإن كانت بالجزيرة فهي ~~أدنى بالنظر إلى كسرى - هذا ما حقت فيه الآية في ظاهر العبارة وصريحها مع ~~ما انضم إلى ذلك من إداله العرب على الفرس أيضا في هذا الوقت في وقعة ذي ~~قار - كما بينته في ms3538 شرحي لنظمي للسيرة النبوية المسمى " نظم الجواهر من ~~سيرة سيد الأوائل والأواخر " وسيأتي ملخصه قريبا - حتى يقال: إن نصرة ~~الروم والعرب ونصرة المسلمين في بدر كانت في آن واحد. # ومن أعاجيب ما دخل تحت مفهوم الآية من لطائف المعجزات في باطن الإشارة ~~وتلويحها أن زماننا هذا كان قد غلب فيه على ملك مصر جندها الغرباء من ~~الترك وغيرهم ثم اختص به الشراكسة منهم من نحو مائة سنة، وهم ممن ليس له ~~كتاب في الأصل وإن كان إسلامهم قد جب ما كانوا عليه من قبل وكانوا إذا ~~مات أحدهم وله ابن ولوا ابنه لأجل مماليكه واتباع ابيه إلى أن يعملوا ~~الحيلة في خلعه، وكان أكثر أولادهم يكون صغيرا أو في حكمه حتى كانت سنة ~~خمس وستين وثمانمائة، فصادف أن المتولي بها من أولادهم المؤيد أحمد بن ~~الأشرف إينال العلائي، وكان قد ناهز الأربعين، وكان عنده حزم ودهاء، ~~وزادت مدة ولايته بعد أبيه على أربعة أشهر فثقل عليهم جدا، وكان الأمير ~~الكبير خشقدم أحد مماليك المؤيد شيخ وهو رومي، وكانت عادتهم أنهم إذا ~~خلعوا أحدا من أبناء الملوك ولو الملك من كان في الإمرة الكبرى، فاختار ~~الشراكسة ولايته وإن كان من غيرهم على ولاية من ولد في الإسلام في بلاد ~~العرب، فأعملوا الحيلة في أمره إلى أن أجمع أمرهم ورأيهم كلهم على خلعه ~~حتى مماليكه ومماليك أبيه، فقاموا في ذلك قومة رجل واحد في أواخر شهر ~~رمضان من السنة المذكورة، فلما لم يجد له ناصرا أسلم نفسه في اليوم ~~الثاني من وثوبهم عليه، فعرضوا الولاية على شخص منهم فلم ير التقدم على ~~أكبر منه في الرتبة فأشار إلى الأمير الكبير فولوه، ثم اجتهد بعضهم في ~~نزعه فلم يقدرهم الله على ذلك ولم يجمع كلمتهم على أحد، وقام هو في الأمر ~~بجد عظيم وحزم، ولين في شدة وعزم، حتى استحكم أمره، وعظم قدره، وحسب عدد ~~" بضع " بالجمل فإذا هو اثنان وسبعون وثمانمائة، وهو مقدار ما مضى من ~~السنين من حين نزول الآية إلى ms3539 حين ولايته، وذلك أن نصر أهل فارس على ~~الروم كما مضى كان في السنة الثامنة من النبوة، وحينئذ نزلت الآية، فإذا ~~قلنا: إن نزولها كان في شهر رمضان من تلك السنة، كان قبل الهجرة بست سنين ~~إذا جعلنا كسر الثامنة سنة، وقد كانت وقعة بدر في سابع عشر شهر رمضان من ~~السنة الثانية من الهجرة في الشهر السابع، فيكون نصر الروم إذا صححنا كما ~~هو الذي ينبغي أن لا يعتقد غيره لدلالة القرآن العظيم عليه كما تأتي ~~الإشارة إليه أنه في سنة غزوة بدر في آخر السنة السابعة من حين نزوال ~~الآية، ويكون ولاية السلطان خشقدم لكونها في أواخر شهر رمضان في ابتداء ~~سنة ست وستين من الهجرة، فإذا ضممت إليها الست التي كانت قبل الهجرة كانت ~~الجملة ثمانمائة واثنين وسبعين على عدد " بضع " المنظوم في الآية سواء، ~~وإن صححنا كما أيده ما في الصحيح عن أبي سفيان أن نصر الروم كان وقت ~~الحديبية وذلك في ذي القعدة سنة ست من الهجرة، وكما قلنا: كان نزول الآية ~~قبل الهجرة بشهرين ونحوهما، صح أن نصر الروم كان عند دخول السنة السابعة ~~من نزول الآية كما في رواية الترمذي عن نيار رضي الله عنه، وكان الموافق ~~لعدد البضع سنة اثنتين وسبعين وثمانمائة من الهجرة، وفيها غلب شخص من ~~الروم، وذلك أن الظاهر خشقدم مات في ربيع الأول سنة اثنتين وسبعين ~~وثمانمائة من الهجرة، فولى بعده الأمير الكبير يلبية وهو من الشراكسة، ~~فلم ينتظم له الأمر، فخلع في جمادى الأولى منها، وولى الأمير الكبير ~~تمربغا ولقب الظاهر وهو رومي، فكان ذلك من الآيات الباهرات إن وافق هذا ~~الأمر العدد المذكور على كلتا الروايتين: رواية من قال: إن التصر كان يوم ~~بدر، ورواية من قال: كان يوم الحديبية، ولولا ولاية يلبية ما صح إلا ~~أحدهما، إن في ذلك لعبرة، هذا إن عددنا آحاد السنين، وإن عددناها مئات ~~فهو في بضع منها، فإنه في المائة التاسعة كما أشار إليه الأستاذ أبو ~~الحكم عبد السلام بن ms3540 برجان في تفسيره فقال: حكمة الله جل ذكره في دوائر ~~التقدير أن يرجع فيها أواخر الكلم عن أوائلها، ومن الدوائر مقدرة، ومنها ~~موسعة على مقدار مشيئة الله فيها وبها، ولما أخبر الله تعالى عن الروم ~~أنهم غلبوا في أدنى الأرض وهي بلد الشام، كان إخبارا منه عما يكون - ~~والله أعلم - وبشارة بشر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين أن ~~ذلك سيكون، يعني أن معنى " غلبت " مبنيا للمفعول إن كان بالنسبة إلى ~~فارس كان المعنى وقع غلبها، وإن كان بالنسبة للمسلمين كان المعنى: قرب ~~زمان غلبها على أيدي المسلمين، ثم قال: فكان ذلك في زمان عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه، غلبهم في بلاد الشام، و استخرج بيت المقدس عن أيديهم. # والبضع من الثلاث إلى التسع، وكان نزول هذه السورة بمكة فكان ذلك داخل ~~بضع أسابيع سنين على رأس عشرين إلى ثمان وعشرين سنة، ثم لم يزل الفتح بعد ~~ذلك يتصل ويتسع إلى نهاية سبقت في التقدير، ثم ذكر عود التقدير باستيلاء ~~الروم على بعض أطراف الشام ثم باستنقاذ المسلمين ذلك منهم، ونظر إلى ذلك ~~تارة بحسب الأسابيع وتارة بحسب آحاد المئات، وتارة بغير ذلك، وصحح وقوعه ~~في البضع بالغالبية والمغلوبية مرة بعد أخرى، وهو من بدائع الأنظار، ~~ودقائق الأسرار الكبار. # ولما كان تغليب ملك على ملك من الأمور الهائلة، وكان الإخبار به قبل ~~كونه أهول، ذكر علة ذلك فقال: { لله } أي وحده { الأمر } ولما أفهم ~~السياق العناية بالروم، فكان ربما توهم أن غلب فارس لهم في تلك الواقعة ~~وتأخير نصرهم إلى البضع ربما كان لمانع لم يقدر على إزالته، نفى ذلك ~~بإثبات الجار المفيد لأن أمره تعالى مبتدىء من الزمن الذي كان قبل غلبهم ~~حتى لم تغلبهم فارس إلا به، وهو مبتدىء من الزمن الذي بعده، فالتأخير به ~~لا بغيره، لحكمة دبرها سبحانه فقال: { من قبل } أي قبل دولة أهل فارس على ~~الروم ثم دولة الروم على فارس، لا إلى غاية تكون مبدأ لاختصاصه بالأمور ~~فيه سبحانه غلبوهم ms3541 { ومن بعد } أي بعد دولة الروم عليهم ودولتهم على ~~الروم لا إلى غاية فيه أيضا غلبهم الروم، فحذف المضاف إليه هو الذي أفهم ~~أن زمن غلبة فارس لهم وما بعده من البضع مذكور دخوله في أمره مرتين. # ولما أخبر بهذه المعجزة، تلاها بمعجزة أخرى، وهو أن أهل الإسلام لا يكون ~~لهم ما يهمهم فيسرون بنصره فقال: { ويومئذ } أي إذ تغلب الروم على فارس { ~~يفرح المؤمنون } أي العريقون في هذا الوصف من أتباع محمد صلى الله عليه ~~وسلم { بنصر الله } أي الذي لا راد لأمره، لأهل الكتاب عامة، نصرهم على ~~المشركين في غزوة بدر وهو المقصود بالذات، ونصر الروم على فارس لتصديق ~~موعود الله ونصر من سيصير من أهل الكتاب الخاتم من مشركي العرب على الفرس ~~في وقعة ذي قار، فقد وقع الفرح بالنصر الذي ينبغي إضافته إلى الله تعالى ~~وهو نصر أهل الدين الصحيح أصلا وحالا ومالا، وسوق الكلام على هذا ~~الوجه الذي يحتمل الثلاثة من بدائع الإعجاز، وسبب وقعة ذي قار أنه كان ~~أبرويز هذا - الذي غلب الروم ثم غلبته الروم - قد غضب على النعمان بن ~~المنذر ملك العرب، فأتى النعمان هذا هانىء بن مسعود بن عامر الشيباني، ~~فاستودعه ماله وأهله وولده - وألف شكة، أو أربعة آلاف شكة - والشكة بكسر ~~المعجمة وتشديد الكاف: السلاح كله - ووضع وضائع عند أحياء العرب ثم هرب ~~فأتى طيئا لصهره فيهم، وكانت عنده فرعة بنت سعيد بن حارثة بن لأم وزينب ~~بنت أوس بن حارثة بن لأم، فأبوا أن يدخلوه حبلهم وأتته بنو رواحة بن ~~ربيعة بن عبس فقالوا له: أبيت اللعن! أقم عندنا فإنا مانعوك مما نمنع منه ~~أنفسنا، فقال: ما أحب أن تهلكوا بسبب فجزيتم خيرا، ثم خرج حتى وضع يده ~~في يد كسرى فحبسه بساباط، وقال ابن مسكويه: بخانقين، فلم يزل في السجن ~~حتى وقع الطاعون فمات فيه، قال: والناس يظنون أنه مات بساباط، والصحيح ما ~~حكيناه. # فلما مات النعمان جعلت بكر بن وائل تغير في السواد، فغضب من ذلك كسرى، ms3542 ~~ثم بعث إلى هانىء بن مسعود يقول له: إن النعمان إنما كان عاملي، وقد ~~استودعك ماله وأهله وحلقته فابعث إلي بها ولا تكلفني أن أبعث إليك وإلى ~~قومك بالجنود فتقتل المقاتلة وتسبي الذراري، فبعث إليه هانىء أن الذي ~~بلغك باطل، وما عندي شيء، وإن يكن الأمر كما قيل فإنما أنا أحد الرجلين: ~~إما رجل استودع أمانة فهو حقيق أن يردها على من استودعها ولن يسلم الحر ~~أمانته، أو رجل مكذوب عليه وليس ينبغي للملك أن يأخذه بقول عدو أو حاسد. ~~وكانت الأعاجم لهم قوة وحلم، وكانوا قد سمعوا ببعض حلم العرب، وأن الملك ~~كائن فيهم، فلما ورد عليه كتاب هانىء بهذا حملته الشفقة أن يكون ذلك قد ~~اقترب على أن خرج بنفسه، فأقبل حتى قطع الفرات فنزل غمر بني مقاتل، وقد ~~أحنقه ما صنعت بكر بن وائل في السواد ومنع هانىء إياه ما منعه، ودعا كسرى ~~إياس بن قبيصة الطائي وكان عامله على عين التمر وما والاها، فاستشاره في ~~الغارة على بكر بن وائل فقال له إياس: إن الملك لا يصلح أن يعصيه أحد من ~~رعيته، وإن تطعني لم يعلم أحد لأي شيء عبرت وقطعت الفرات، فيرون أن أمر ~~العرب قد كربك، ولكن ترجع وتضرب عنهم وتبعث عليهم العيون حتى ترى منهم ~~غرة ثم ترسل حينئذ كتيبة من العجم فيها بعض القبائل التي تليهم فيوقعون ~~بهم وقعة الدهر، ويأتونك بطلبك، فقال له كسرى: أنت رجل من العرب وبكر بن ~~وائل أخوالك، فأنت تتعصب لهم لا تألوهم نصحا، فقال إياس: الملك أفضل ~~رأيا، فقام عمر بن عدي بن زيد العبادي وكان كاتبه وترجمانه بالعربية في ~~أمور العرب فقال: قم أيها الملك وابعث إليهم بالجنود يكفوك! وقام إليه ~~النعمان بن زرعة من ولد السفاح الثعلبي فقال له: أيها الملك! إن هذا الحي ~~من بكر بن وائل إذا قاظوا تهافتوا على ماء لهم يقال له: ذو قار، تهافت ~~الفراش في النار، فعقد لنعمان بن زرعة على تغلب والنمر، وعقد لخالد بن ~~يزيد البهراني ms3543 على قضاعة وأياد وعقد لإياس بن قبيصة على جميع العرب، ومعه ~~كتيبتاه الشهباء والدوسر، فكانت العرب ثلاثة آلاف، وعقد للهامرز على ألف ~~من الأساورة، وعقد لخيارزين على ألف، وبعث معهم باللطيمة وهي عير كانت ~~تخرج من العراق فيها البن والعطر والألطاف، توصل ذلك إلى باذان عامل كسرى ~~على اليمن، وقال: إذا فرغتم من عدوكم فسيروا بها إلى اليمين، وأمر عمرو ~~بن عدي أن يسير بها، وكانت العرب تحقرهم حتى تبلغ اللطيمة اليمن، وعهد ~~كسرى إليهم إذا شارفوا بلاد بكر بن وائل أن يبعثوا إليهم النعمان بن ~~زرعة، فإن أتوكم بالحلقة ومائة غلام منهم يكونون رهنا بما أحدث سفهاؤهم ~~فاقبلوا منهم وإلا فقاتلوهم. # فلما بلغ الخبر بكر بن وائل سار هانىء بن مسعود حتى نزل بذي قار، وأقبل ~~النعمان بن زرعة حتى نزل على ابن أخته مرة بن عبد الله العجلي، فحمد الله ~~وأثنى عليه ثم قال: إنكم أخوالي وأحد طرفي، وإن الرائد لا يكذب أهله، وقد ~~أتاكم ما لا قبل لكم به من أحرار فارس وفرسان العرب والكتيبتان الشهباء ~~والدوسر، وإن الشر خيارا، ولأن يفدي بعضكم بعضا خير من أن تصطلموا، ~~انظروا هذه الحلقة فادفعوها وادفعوا معها رهنا من أبنائكم إليه بما أحدث ~~سفهاؤكم، فقال له القوم: ننظر في أمورنا، وبعثوا إلى من يليهم من بكر بن ~~وائل وبرزوا ببطحاء ذي قار بين الجلهتين - وجلهة الوادي: مقدمه، مثل جلهة ~~الرأس إذا ذهب شعره - وجعلت بكر بن وائل حين بعثوا إلى من حولهم من قبائل ~~بكر لا ترفع لهم جماعة إلا قالوا: سيدنا في هذه الجماعة، إلى أن رفعت لهم ~~جماعة فيها حنظلة بن ثعلبة بن سنان العجلي فقالوا: يا أبا معدان فقد طال ~~انتظارنا وقد كرهنا أن نقطع أمرا دونك، وهذا ابن أختك النعمان بن زرعة ~~قد جاء والرائد لا يكذب أهله، قال: فما الذي أجمع رأيكم عليه؟ قالوا: ~~قلنا اللحي أهون من الوهي، وإن في الشر خيارا، ولأن نفدي بعضنا بعضا ~~خير من أن نصطلم جميعا، فقال حنظلة: قبح ms3544 الله هذا رأيا، لا تجر أحرار ~~فارس غزلها ببطحاء ذي قار وأنا أسمع صوتا، ثم أمر بقبته فضربت بوادي ذي ~~قار ونزل الناس فأطافوا به ثم قال لهانىء بن مسعود: يا أبا أمامة! إن ~~ذمتكم ذمتنا عامة، وأنه لن يوصل إليك حتى تفنى أرواحنا، فأخرج هذه الحلقة ~~ففرقها بين قومك، فإن تظفر فسترد عليك، وإن تهلك فأهون مفقود، فأمر بها ~~فأخرجت ففرقها بينهم، ثم قال حنظلة للنعمان: لولا أنك رسول لما أبت إلى ~~أهلك سالما، فرجع النعمان إلى أصحابه، فأخبرهم فباتوا ليلتهم يستعدون ~~للقتال، وبات بكر بن وائل يستعدون للحرب، فلما أصبحوا أقبلت الأعاجم ~~نحوهم وأمر حنظلة بالظعن جميعا فوقفها خلف الناس ثم قال: يا معشر بني ~~بكر بن وائل! قاتلوا عن ظعتنكم أو دعوا، وأقبلت الأعاجم يسيرون إلى ~~تعبئة، وكان ربيعة بن غزالة السكوتي ثم التجيبي يومئذ هو وقومه نزولا في ~~بني شيبان فقال: يا بني شيبان! أما إني لو كنت منكم لأشرت عليكم برأي مثل ~~عروة العلم قالوا: وأنت والله من أوسطنا، أشر علينا، قال: لا تستهدفوا ~~هذه الأعاجم فتهلككم بنشابها، ولكن تكردسوا لهم كراديس فيشد عليهم كردوس، ~~فإذا أقبلوا عليه شد الآخر، قالوا: فإنك قد رأيت رأيا، ففعلوا، فلما ~~التقى الزحفان وتقارب القوم قام حنظلة بن ثعلبة فقال: يا معشر بكر بن ~~وائل! إن النشاب الذي مع الأعاجم يعرفكم، فإذا أرسلوه لم يخطكم، ~~فعاجلوهم اللقاء وابدأوهم، ثم قام هانىء بن مسعود فقال: يا قوم! مهلك ~~معذور خير من منجى مفرور، إن الحذر لا يدفع القدر، وإن الصبر من أسباب ~~الظفر، المنية ولا الدنية، واستقبال الموت خير من استدباره، ياقوم: جدوا، ~~فما من القوم بد فتح لو كان رجال أجد، أسمع صوتا ولا أرى فوتا، يا ~~لبكر! شدوا واستعدوا، فإن لا تشدوا تردوا، ثم قام شريك بن عمرو بن شراحيل ~~فقال: ياقوم! إنما تهابونهم أنكم ترونهم عند الحفاظ أكثر منكم، وكذلك ~~أنتم في عيونهم فعليكم بالصبر، فإن الأسنة تردي الأعنة، يا لبكر! قدما ~~قدما، ثم قام عمرو بن ms3545 جبلة اليشكري فقال: # يا قوم لا تغرركم هذي الخرق # ولا وميض البيض في شمس برق # من لم يقاتل منكم هذي العنق # فجنبوه اللحم واسقوه المرق # ثم قام حنظلة بن ثعلبة إلى (وضين) امرأته فقطعه ثم تتبع الظعن بقيع ~~وضنهن، لئلا يفر عنهن الرجال، والوضين: بطان الناقة فسمي يومئذ: مقطع ~~الوضن. وقال ابن مسكوية: إنه لما قطع الوضن وقع النساء إلى الأرض وإن بنت ~~القرين الشيبانية نادت: # ويها بني شيبان صفا بعد صف # إن تهزموا يصبغوا فينا القلف # فقطع سبعمائة من بني شيبان أيدي أقبيتهم من قبل مناكبهم لتخف أيديهم ~~بالضرب، وتقدمت عجل فأبلت يومئذ بلاء حسنا، واضطمت عليهم جنود العجم ~~فقال الناس: هلكت عجل، ثم حملت بكر فوجدت عجلا ثابتة تقاتل وامرأة منهم ~~تقول: # إن يظفروا يحرزوا فينا الغرل # فدى لكم نفسي فدى بني عجل # وتقول أيضا: # إن تقدموا نعانق # ونفرش النمارق # أو تهربوا نفارق # فراق غير وامق # فكانت بنو عجل في الميمنة بإزاء خيارزين وبنو شيبان في الميسرة بإزاء ~~كتيبة الهامرز، وأفناء بكر بن وائل في القلب فخرج أسوار من الأعاجم مسور ~~مشنف في أذنيه درتان، من كتيبة الهامرز يتحدى الناس للبراز، فنادى في بني ~~شيبان فلم يبارزه أحد حتى إذا دنا من بني يشكر برز له برد بن حارثة أخو ~~بني ثعلبة فشد عليه بالرمح فطعنه فدق صلبه وأخذ حليته وسلاحه، وقال ابن ~~مسكويه: ونادى الهامرز لما رأى جد القوم وثباتهم للحرب وصبرهم للموت مرد ~~ومرد، فقال برد بن حارثة اليشكري: ما يقول؟ قيل: يدعو إلى البراز! يقول: ~~رجل ورجل! فقال: وأبيكم لقد أنصف، وبرز له فلم يلبث برد أن تمكن من ~~الهامرز فقتله. وقال ابن مكرم في اختصاره للأغاني: ثم اقتتلوا صدر نهارهم ~~أشد قتال رآه الناس إلى أن زالت الشمس، فشد الحوقران واسمه الحارث ابن ~~شريك على الهامرز فقتله وقتلت بنو عجل خيارزين، وضرب الله وجوالفرس ~~فانهزموا، وتبعتهم بكر بن وائل يقتلونهم بقية يومهم حتى أصبحوا من الغد ~~وقد شارفوا السواد ودخلوه فلم يلفت منهم كبير ms3546 أحد، وأقبلت بكر بن وائل ~~على الغنائم فقسموها بينهم، وقسموا تلك اللطائم بين نسائهم، وكان أول من ~~انصرف إلى كسرى بالهزيمة إياس بن قبيصة، وكان لا يأتيه أحد بهزيمة جيش ~~إلا نزع كتفيه، فلما أتاه إياس سأله عن الخبر فقال: هزمنا بكر بن وائل، ~~وأتيناك بنسائهم، فأعجب ذلك كسرى، وأمر له بكسوه، ثم إن إياسا استأذنه ~~عند ذلك فقال: إن أخي مريض بعين التمر، فأردت أن آتيه، وإنما أراد أن ~~ينتحي عنه، فإذن له، ثم أتى رجل من أهل الحيرة فسأل: هل دخل على الملك ~~أحد؟ فقالوا: نعم! إياس، فقال: ثكلت إياسا أمه! وظن أنه قد حدثه بالخبر، ~~فدخل عليه فحدثه بهزيمة القوم وقتلهم، فأمر به فنزعت كتفاه؛ وكانت وقعة ~~ذي قار بعد وقعة بدر بأشهر ورسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، فلما ~~بلغه ذلك قال: " هذا أول يوم انتصفت فيه العرب من العجم وبي نصروا ". # روى ذلك الطبراني في المعجم الكبير، وقيل: إن الوقعة مثلت لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وهو بالمدينة فرفع يده، فدعا لبني شيبان أو لجماعة ~~ربيعة بالنصر، ولم يزل يدعو لهم حتى أرى هزيمة الفرس، وروي أنه صلى الله ~~عليه وسلم قال: " أيها بني ربيعة اللهم انصرهم " فهم إلى الآن إذا حاربوا ~~نادوا بشعار النبي صلى الله عليه وسلم ودعوته، وقال قائلهم: يارسول الله! ~~دعوتك، فإذا دعوا بذلك نصروا. وروى ذلك الطبراني الكبير - قال الهيثمي: ~~ورجاله الصحيح غير خلاد بن عيسى وهو ثقة - عن خالد ابن سعيد بن العاص عن ~~أبيه عن جده رضي الله عنه قال: # " قدمت بكر بن وائل مكة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر رضي ~~الله عنه: " ائتهم فاعرض عليهم! " فأتاهم فقال: من القوم؟ ثم عاد إليهم ~~ثانية فقال: من القوم؟ فقالوا: بنو ذهل بن شيبان، فعرض عليهم الإسلام، ~~قالوا: حتى يجيء شيخنا فلان - قال خلاد: أحسبه قال: المثنى بن خارجة - ~~فلما جاء شيخهم عرض عليهم أبو بكر رضي الله عنه، قال: إن بيننا وبين ~~الفرس ms3547 حربا، فإذا فرغنا مما بيننا وبينهم عدنا فنظرنا، فقال له أبو بكر: ~~أرأيت إن غلبتموهم أتتبعنا على أمرنا؟ قال: لا نشترط لك هذا علينا ولكن ~~إذا فرغنا فيما بيننا وبينهم عدنا فنظرنا فيما نقول، فلما التقوا يوم ذي ~~قار هم والفرس قال شيخهم: ما اسم الرجل الذي دعاكم إلى الله؟ قالوا: ~~محمد، قال: فهو شعاركم! فنصروا على القوم، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " بي نصروا " # انتهى. ومن الأشعار في وقعة ذي قار قول أبي كلبة التميمي: # لولا فوارس لا ميل ولا عزل # من اللهازم ما قظتم بذي قار # إن الفوارس من عجل هم أنفوا # بأن يخلوا لكسرى عرصة الدار # قد أحسنت ذهل شيبان وما عدلت # في يوم ذي قار فرسان ابن سيار # هم الذين أتوهم عن شمائلهم # كما تلبس وراد بصدار # وقال الأعشى: # فدى لبني ذهل بن شيبان ناقتي # وصاحبها يوم اللقاء وفلت # هم ضربوا بالحنو حنو قراقر # مقدمة الهامرز حتى تولت # ولما أخبر بإدالة الروم بعد الإدالة عليهم مع ما دخل تحت مفهوم الآية، ~~وكان ربما قيل: ما له لم يدم نصر أهل الكتاب؟ علل ذلك كله بقوله: { ينصر ~~من يشاء } من ضعيف وقوي، لأنه لا مانع له و لا يسأل عما يفعل { وهو ~~العزيز } فلا يعز من عادى، ولا يذل من والى، ولما كان هذا السياق لبشارة ~~المؤمنين قال: { الرحيم } أي يخص حزبه بما ينيلهم قربه من الأخلاق ~~الزكية، والأعمال المرضية. ### || [30.6-8] # ولما نزل هذا على قوم أكثرهم له منكر، أكده سبحانه بما يقوي قلوب ~~أصفيائه بتبيين المراد، ويرد ألسنة أعدائه عن كثير من الناد، ويعرفهم أنه ~~كما صدق في هذا الوعد لأجل تفريح أوليائه فهو يصدق في وعد الآخرة ليحكم ~~بالعدل، ويأخذ لهم حقهم ممن عاداهم، ويفضل عليهم بعد ذلك بما يريد، فقال: ~~{ وعد الله } أي الذي له جميع صفات الكمال، وهو متعال عن كل شائبة نقص، ~~فلذلك { لا يخلف } وأعاد ذكر الجلالة تنبيها على عظم الأمر فقال: { الله ~~} أي الذي له الأمر كله. ولما ms3548 كان لا يخلف شيئا من الوعد، لا هذا الذي ~~في أمر الروم ولا غيره، أظهر فقال: { وعده } كما يعلم ذلك أولياؤه { ولكن ~~أكثر الناس } وهو أهل الاضطراب والنوس { لا يعلمون* } أي ليس لهم علم ~~أصلا، ولذلك لا نظر لهم يؤدي إلى أنه وعد وأنه لا بد من وقوع ما وعد به ~~في الحال التي ذكرها لأنه قادر وحكيم. # ولما كان من المشاهدة أن لهم عقولا راجحة وأفكار صافية، وأنظار صائبة، ~~فكانوا بصدد أن يقولوا: إن علمنا أكبر من علمكم، كان كأنه قيل بيانا ~~لأنه يصح سلب ما ينفع من العلم بتأديته إلى السعادة الباقية، وتنبيها ~~على أنه لا فرق بين عدم العلم الذي هو الجهل وبين وجود العلم الذي لا ~~يتجاوز الدنيا: نعم { يعلمون } ولكن { ظاهرا } أي واحدا { من } التقلب ~~في { الحياة الدنيا } وهو ما أدتهم إليه حواسهم وتجاربهم إلى ما يكون ~~سببا للتمتع بزخارفها والتنعم بملاذها، قال الحسن: إن أحدهم لينقر ~~الدرهم بطرف ظفره فيذكر وزنه ولا يخطىء وهو لا يحسن يصلي - انتهى. وأمثال ~~هذا لهم كثير، وهو وإن كان عند أهل الدنيا عظيما فهو عند الله حقير، ~~فلذلك حقره لأنهم ما زادوا فيه على أن ساووا البهائم في إدراكها ما ~~ينفعها فتستجلبه بضروب من الحيل، وما يضرها فتدفعه بأنواع من الخداع، ~~وأما علم باطنها وهو أنها مجاز إلى الآخرة يتزود منها بالطاعة، فهو ممدوح ~~منبه عليه بوصفها بما يفهم الأخرى. # ولما ذكر حالهم في الدنيا، أتبعه ذكر اعتقادهم في الآخرة، مؤكدا إشارة ~~إلى أن الحال يقتضي إنكار أن يغفل أحد عنها، لما لها من واضح الدلائل ~~أقربه أن اسم ضدها يدل عليها، لأنه لا تكون إلا في مقابلة قصيا، ولا ~~أولى إلا بالنسبة إلى أخرى، فقال: { وهم } أي هؤلاء الموصوفون خاصة { عن ~~الآخرة } التي هي المقصود بالذات وما خلقت الدنيا إلا للتوصل بها إليها ~~ليظهر الحكم بالقسط وجميع صفات العز والكبر والجلال والإكرام { هم ~~غافلون* } أي في غاية الاستغراق والإضراب عنها بحيث لا يخطر في خواطرهم، ~~فصاروا لاستيلاء ms3549 الغفلة عليهم إذا ذكرت لهم كذبوا بها، واستهزؤوا ~~بالمخبر، ولم يجوزوها نوع تجير مع أن دلائلها تفوت الحصر، وتزيد على ~~العد، فصاروا كأنهم مخصوصون بالغفلة عنها من بين سائر الناس ومخصصون لها ~~بالغفلة من بين سائر الممكنات، فلذلك لا يصدقون الوعد بإدالة الروم لما ~~رسخ في نفوسهم من أن الأمور تجري بين العباد على غير قانون الحكمة، لأنهم ~~كثيرا ما يرون الظالم يموت ولم يقتص منه، وهم في غفلة عن أنه أخر جزاؤه ~~إلى يوم الدين، يوم يكشف الجبار حجاب الغفلة ويظهر عدله وفضله، وتوضع ~~الموازين القسط، فتطيش بمثاقيل الذر، ويقتص للمظلومين من الظالمين، ومن ~~أريد القصاص منه عاجلا فعل، وقضية الروم هذه من ذلك، وهذا السياق يدل ~~على أنه لا حجاب عن العلم أعظم من التكذيب بالآخرة، ولا شيء أعون عليه من ~~التصديق بها والاهتمام بشأنها، لأن ذلك حامل على طلب الخلاص في ذلك ~~اليوم، وهو لا يكون على أتم الوجوه إلا لمن وصل إلى حالة المراقبة، وذلك ~~لا يكون إلا لمن علم إما بالكشف أو الكسب كل علم فلم يتحرك حركة إلا ~~بدليل يبيحها له ويحمله عليها، وبهذا التقرير يظهر أن هاتين الجملتين ~~بكمالهما علة لنفي العلم عنهم، والمعنى أن العلم منفي عنهم لما شغل ~~قلوبهم من هذا الظاهر في حال غفلتهم عن الآخرة، فانسد عليهم باب العلم - ~~والله الموفق. # ولما كان التقدير: أفلم يتدبروا القرآن وما كشف لهم عنه من الحكم ~~والأمور التي وعد الله بها على لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم فيه أو ~~في السنة، فكانت على حسب ما وعد، أو لم يتأملوا مصنوعات الله عموما ~~فتدلهم عقولهم منها على أنه لا يصلح للإلهية إلا من كان حكيما، ولا يكون ~~حكيما إلا من صدق في وعده، و أنه لا تتم الحكمة إلا بإيجاد الآخرة، عطف ~~عليه قوله منكرا عليهم موبخا لهم: { أولم يتفكروا } أي يجتهدوا في ~~إعمال الفكر، ثم ذكر آلة الفكر زيادة في تصوير حال المتفكرين والتذكير ~~بهيئة المعتبرين فقال: { في أنفسهم } ويجوز ms3550 أن تكون هي المتفكر فيه فيكون ~~المعنى: يتفكروا في أحوالها خصوصا فيعلموا أن من كان منهم قادرا كاملا ~~لا يخلف وعده وهو إنسان ناقص، فكيف بالإله الحق، ويعلموا أن الذي ساوى ~~بينهم في الإيجاد من العدم وطورهم في أطوار الصور، وفاوت بينهم في القوى ~~والقدر، وبين آجالهم في الطول والقصر، وسلط بعضهم على بعض بأنواع الضرر، ~~وأمات أكثرهم مظلوما قبل القصاص والظفر، لا بد في حكمته البالغة من ~~جمعهم للعدل بينهم في جزاء من وفى أو غدر، أو شكر أو كفر، ثم ذكر نتيجة ~~ذلك وعلله بقوله في أسلوب التأكيد لأجل إنكارهم، وعلى التقدير الأول يكون ~~هذا هو المتفكر فيه { ما خلق الله } أي بعز جلاله، وعلوه في كماله { ~~السماوات والأرض } على ما هما عليه من النظام المحكم، والقانون المتقن، ~~وأفرد الأرض لعدم دليل حسي أو عقلي يدلهم على تعددها بخلاف السماء { وما ~~بينهما } من المعاني التي بها كمال منافعهما { إلا } خلقا متلبسا { ~~بالحق } أي الأمر الثابت الذي يطابقه الواقع، فإذا ذكر البعث الذي هو ~~مبدأه الآخرة التي هذا أسلوبها وجد الواقع في تصوير النطف ونفخ الروح ~~وتمييز الصالح منها للتصوير من الفاسد يطابق ذلك، وإذا تدبر النبات بعد ~~أن كان هشيما قد نزل عليه الماء فزها واهتز وربا وجده مطابقا للأمر ~~البعث، وإذا ذكر القدرة فرأى اختلاف الليل والنهار، وسير الكواكب الصغار ~~والكبار، وإمطار الأمطار، وإجراء الأنهار، ونحو ذلك من الأسرار، رآه ~~مطابقا لكل ما يخطر في باله من الأقدار، وإذا خطر له العلم، فتبصر في ~~جري هذه الأمور وغيرها على منهاج مستقيم، ونظام واضح قويم، وسير متقن ~~حكيم، علم أن ذلك في غاية المطابقة للخبر بالعلم الشامل والقدرة التامة ~~على البعث وغيره، أو إلا بالأمر الثابت والقضاء النافذ الذي لا يتخلف عنه ~~المراد، ولا يستعصي عليه حيوان ولا جماد، وخلقكم من هذا الخلق الكبير ~~الذي قام بأمره من بعض ترابه. # ثم جعلكم من سلالة من ماء مهين، فالقدرة التي خلق بها ذلك كله وابتدأكم ~~ثم يبيدكم، بها بعينها ms3551 يحييكم ويعيدكم، ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا ~~أنتم تخرجون، أو إلا بسبب إحقاق الحق وإبطال الباطل، فلا بد من تصديق ~~وعده بإدالة الروم لأخذ حقهم من الفرس، ولا بد من أن يقيمكم بعد أن ~~ينيمكم ويثبت كل حق رأيتموه قد أبطل، ويبطل كل باطل رأيتموه قد أعمل، ~~لأنه أحكم الحاكمين، فلو أقر على إماتة حق أو إحياء باطل لما كان كذلك. # ولما كان عندهم أن هذا الوجود حياة وموت لا إلى نفاد، قال: { وأجل } لا ~~بد أن ينتهي إليه { مسمى } أي في العلم من الأزل، وذلك الأجل هو وقت قيام ~~الساعة، وذلك أنه كما جعل لهم آجالا لأصلهم وفرعهم لم يشذ عنها أحد منهم ~~فكذلك لا بد من أجل مسمى لما خلقوا منه، فإذا جاء ذلك الأجل انحل هذا ~~النظام، واختل هذا الإحكام، وزالت هذه الأحكام، فتساقطت هذه الأجرام، ~~وصارت إلى ما كانت عليه من الإعدام، وإلا كان الخلق عبثا يتعالى عنه ~~الملك العلام. # ولما كانوا ينكرون أنهم على كفر، أكد قوله: { وإن كثيرا من الناس } مع ~~ذلك على وضوحه { بلقاء ربهم } الذي ملأهم إحسانا برجوعهم في الآخرة إلى ~~العرض عليه للثواب والعقاب { لكافرون } أي لساترون ما في عقولهم من دلائل ~~وحدانيته وحجج قدرته وحكمته سترا عظيما، كأنه غريزة لهم، فهم لذلك ~~يكذبون بما وعدكم سبحانه من إدالة الروم على الفرس، فلا يهولنكم ذلك ~~لأنهم قد كذبوا بما هو أكبر منه، وهو الآخرة على ما لها من الدلائل التي ~~تفوت الحصر، وإذا راجعت ما تقدم في آية الأنعام # وهو الذي خلقكم من طين # [آية: 2] ازددت في هذا بصيرة. ### || [30.9] # ولما أقام عليهم الدليل، أتبعه التهديد والتهويل، فقال عاطفا على " ~~أولم يتفكروا " { أولم يسيروا } ولما أحاطت آثار المكذبين بمكة المشرفة ~~شرقا وغربا، وجنوبا وشمالا، بديار ثمود وقوم فرعون وعاد وسبأ وقوم ~~ولوط، عرف وأطلق فقال: { في الأرض } أي سير اعتبار وتأمل وادكار من أي ~~جهة أرادوا، وفيه إشارة إلى أنهم واقفون عند النظر في ظاهر الملك ~~بأبصارهم، قاصرون عن ms3552 الاعتبار في باطن الملكوت بأفكارهم، وفيه هز لهم ~~إلى امتطاء هذه الدرجة العلية، بهذه العبارة الجلية { فينظروا }. # ولما كان ما حل بالماضين أمرا عظيما، نبه على عظمه بأنه أهل لأن يسأل ~~عنه فقال: { كيف كان } أي كونا لا قدرة على الانفكاك عنه، وتذكير العمل ~~يشير إلى عظم الأمر { عاقبة } أي آخر أمر { الذين } ولا كان حال من قرب ~~من زمان الإنسان أوعظ له، أثبت الجار فقال: { من قبلهم } في إهلاك العاصي ~~وإنجاء الطائع، ولما كان علم العاقبة مشروطا بمعرفة البادئة قال ~~مستأنفا: { كانوا } أي كونا هو في غاية المكنة. # ولما كان السياق للظهور والغلبة التي إنما مدارها على الشدة المقتضية ~~للثبات، لا الكثرة العارية عنها، أعرض عنها وقال مسقطا ضمير الفصل لأن ~~هذا السياق لا يظهر فيه ادعاء العرب لعلوهم على فارس ولا الروم: { أشد ~~منهم } أي من العرب { قوة } أي في أبدانهم وعقولهم، ولما كان التقدير: ~~فنقبوا الجبال، وعلوا من متقن الصنائع التي ترونها من الأعمال ما لم ~~يدانيه أحد من الأجيال، عطف عليه قوله: { وأثاروا } بالحرث وغيره { الأرض ~~} فأخرجوا ما فيها من المنافع من المياه والمعادن والزروع وغير ذلك من ~~المعادن { وعمروها } أي أولئك السالفون { أكثر مما عمروها } أي هؤلاء ~~الذين أرسلت إليهم، بل ليس لهم من إثارة الأرض وعمارتها كبير أمر، فإن ~~بلاد العرب إنما هي جبال سود وفيافي غبر، فما هو إلا تهكم بهم، وبيان ~~لضعف حالهم في دنياهم التي لا فخر لهم بغيرها. # ولما كانوا قد وقفوا مثل هؤلاء مع السبب الأدنى، ولم يرتقوا بعقولهم إلى ~~المطلوب الأعلى، أخبر أنه أرسل إليهم الدعاة ينبهونهم من رقدتهم، ~~وينقذونهم من غفلتهم، فكان التقدير: فضلوا عن المنهج الواضح، وعموا عن ~~السبيل الرحب، وزاغوا عن طريق الرب، فأرسلنا إليهم الرسل، فعطف عليه قوله ~~مشيرا بتأنيث الفعل إلى ضعف عقولهم بتكذيبهم الرسل كما تقدم إيضاحه عند # تلك الرسل # [البقرة: 253]: { وجاءتهم رسلهم } أي عنا { بالبينات } من المعجزات مثل ~~ما أتاكم به رسولنا من وعودنا السابقة، وأمورنا الخارقة، كأمر الإسراء ~~وما أظهر ms3553 فيه من الغرائب كالإخبار بأن العير تقدم في يوم كذا يقدمها جمل ~~صفته كذا وغرائره كذا، فظهر كذلك، وما آمنتم كما لم يؤمن من كان أشد منكم ~~قوة { فما } أي بسبب أنه ما { كان الله } على ما له من أوصاف الكمال ~~مريدا { ليظلمهم } بأن يفعل معهم فعل من تعدونه أنتم ظالما بأن يهلكهم ~~في الدنيا ثم يقتص منهم في القيامة قبل إقامة الحجة عليهم بإرسال الرسل ~~بالبينات { ولكن كانوا } بغاية جهدهم { أنفسهم } أي خاصة { يظلمون } أي ~~يجددون الظلم لها بإيقاع الضر موقع جلب النفع، لأنهم لا يعتبرون بعقولهم ~~التي ركبناها فيهم ليستضيؤا بها فيعلموا الحق من الباطل، ولا يقبلون من ~~الهداة إذا كشفوا لهم ما عليها من الغطاء، ولا يرجعون عن الغي إذا ~~اضطروهم بالآيات الباهرات، بل ينتقلون من الغفلة إلى العناد. ### || [30.10-13] # ولما كان انتكاسهم بعد هذا الأسباب المسعدة بعيدا، أشار إليه بأداة ~~التراخي، أو هي إشارة إلى تطاول دعار الرسل لهم واحتمالهم إياهم فقال: { ~~ثم كان } أي كونا تعذر الانفكاك عنه، وهو في غاية الهول كما اشار إليه ~~تذكير الفعل { عاقبة } أي آخر أمر { الذين أساءوا } أظهر موضع الإضمار ~~تعميما ودلالة على السبب { السوأى } أي الحالة التي هي أسوأ ما يكون، ~~وهي خسارة الأنفس بالدمار في الدنيا والخلود في العذاب في الأخرى، جزاء ~~لهم بجنس عملهم، فنهم كما أساؤوا الرسل ساءهم الملك؛ ثم ذكر العلة بقوله: ~~{ أن كذبوا } أي لأجل تكذيبهم الرسل، مستهينين { بآيات الله } أي ~~الدلالات المنسوبة إلى الملك الأعلى الذي له الكمال كله الدالة عليه على ~~عظمها بعظمه { وكانوا } أي كونا كأنه جبلة لهم { بها } مع كونها أبعد ~~شيء عن الهزء { يستهزءون } أي يستمرون على ذلك بتجديده في كل حين مع ~~تعظيمه حتى كان استهزاؤهم بغيرها كأن عدم، كما أنكم أنتم تكذبون بما وقع ~~من الوعد في أمر الروم وتستهزئون به فاحذروا أن يحل بكم ما حل بالأولين، ~~ثم تردون إليه سبحانه فيعذبكم العذاب الأكبر، ويجوز أن يكون هذا بدلا من ~~" السوأى " أو بيانا لها بمعنى ms3554 أنهم لما أساؤوا زادتهم إساءتهم عماوة ~~حتى ارتكسوا في العمى فوصلوا إلى التكذيب والاستهزاء الذي هو أقبح ~~الحالات، عكس ما يجازي به المؤمن من أنه يزداد بإيمانه هدى. # ولما كان حاصل ما مضى أنه سبحانه وتعالى قادر على الإعادة كما قدر على ~~الابتداء، وكان للتصريح مع النفس حالة ليست لغيره، قال ذاكرا نتيجة ما ~~مضى ومحصله تصريحا بالمقصود وتلخيصا للدليل: { الله } أي المحيط علما ~~وقدرة { يبدأ الخلق } أي بدا منه ما رأيتم وهو يجدد في كل حين ما يريد من ~~ذلك كما تشاهدون { ثم يعيده } بعد ما يبيده، وترك توكيده إشارة إلى أنه ~~غني عنه لأنه من القضايا المسلمة أن من اخترع شيئا كان لا محالة قادرا ~~على إعادته. # ولما كان الجزاء أمرا مهولا، أشار إليه بأداة التراخي فقال: { ثم إليه ~~} أي لا إلى غيره { ترجعون* } معنى في أموركم كلها في الدنيا وإن كنتم ~~لقصور النظر تنسبونها إلى الأسباب، وحسا بعد قيام الساعة، وقراءة الجماعة ~~بالالتفات إلى الخطاب أبلغ لأنها أنص على المقصود، وقرأ أبو عمرو وأبو ~~بكر عن عاصم وروح عن يعقوب بالياء التحتانية على النسق الماضي. # ولما ذكر الرجوع، أتبعه بعض أحواله فقال: { ويوم تقوم الساعة } سميت ~~بذلك إشارة إلى عظيم القدرة عليها مع كثرة الخلائق على ما فيهم من ~~العظماء والكبراء والرؤساء { يبلس } أي يسكت ويسكن يأسا وتحيرا على ~~غاية الذل - بما أشار إليه تذكير الفعل مع التجدد والاستمرار بما أومأ ~~إليه المضارع { المجرمون* } الذين وصلوا من الدنيا ما من حقه أن يقطع ~~لفنائه، وقطعوا من أسباب الآخرة ما من حقه أن يوصل لبقائه، وكانوا في ~~غاية اللبس في الجدل ومعرفة كل ما يغيظ الخصم من القول والفعل والتمايل ~~والتضاحك عند سكوت الخصم تعجبا من جريانهم في هذيانهم سرورا منهم ~~بإسكاته ليظن بعض من رآه أنه انقطع وأن الحجة لهم. # ولما كان الساكت ربما أغناه عن الكلام غيره، نفى ذلك بقوله محققا له ~~بجعله ماضيا: { ولم يكن } ولما كان المقام لتحقيرهم بتحقير شركائهم رتب ~~نفي النفع الموجع ms3555 لهم هذا الترتيب، ويجوز أن يراد بترتيبه مع ذلك التخصيص ~~فيقال: { لهم } أي خاصة في ذلك الوقت ولا بعده، ولا كان في عداد ذلك من ~~قبل لو كانوا يعقلون، وأما غيرهم ممن يصح وصفه بالإجرام لكونه من أهل ~~الشرك الخفي فقد يشفع فيه من رباه من الشهداء والعلماء وعامة المؤمنين { ~~من شركائهم } الذي زعموهم خاصة ليتبين لهم خلطهم وجهلهم المفرط في قولهم: # هؤلاء شفعاؤنا عند الله # [يونس: 18] وأما غيرهم فيقع منهم ما يسمى شفاعة تارة تصريحا وأخرى ~~تلويحا كالشفاعة العامة من نبينا صلى الله عليه وسلم في الخلق عامة لفصل ~~القضاء، وقوله صلى الله عليه وسلم في ناس بأعيانهم: # " أصحابي إلي إلي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فيقول: فسحقا ~~سحقا " # وقول إبراهيم عليه الصلاة والسلام # ومن عصاني فإنك غفور رحيم # [إبراهيم: 36] { شفعاء } ينقذونهم مما هم فيه وما يستقبلونه وإتيانه ~~بصيغة جمع الكثرة يمكن أن يكون لا مفهوم له، لأن مورده رد اعتقادهم في ~~قولهم السالف، ويمكن أن يفهم أنه قد يقع من بعض من عبدوه شفاعة، أو تلويح ~~بها كقول عيسى عليه السلام # وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم # [المائدة: 118]. # ولما ذكر حال الشفعاء معهم، ذكر حالهم مع الشفعاء فقال: { وكانوا } أي ~~كونا هو في غاية الرسوخ { بشركائهم } أي خاصة { كافرين* } أي متبرئين ~~منهم ساترين لأن يكونوا اعتقدوهم آلهة وعبدوهم جريا على عادتهم فيما لا ~~يغنيهم من العناد والبهت. ### || [30.14-20] # ولما كانت النفس ربما تشوفت إلى أنه هل يكون بعد إبلاسهم شيء آخر، قال ~~مفيدا له مهولا بإعادة ما مضى: { ويوم تقوم الساعة } أي ويا له من يوم، ~~ثم زاد في تهويله يقوله: { يومئذ يتفرقون } أي المؤمنون الذين يفرحون ~~بنصر الله والكافرون فرقة لا اجتماع بعدها، هؤلاء في عليين، وهؤلاء في ~~أسفل سافلين. حكى لي بعض القضاة من أصحابي - عفا الله عنه - وهو يبكي أنه ~~رأى مناما مهولا، وذلك أنه رأى القيامة قد قامت، والناس يحشرون - على ~~ما وصف في الأحاديث - في صعيد واحد عرايا خائفين حائرين، ms3556 يموج بعضهم في ~~بعض، فإذا شخص مما له أمر قد أشار بسوط معه وخط به في الأرض فقسمهم قسمين ~~فقال: هؤلاء مطيعون، وهؤلاء عصاة، قال: فكنت في العصاة، وفي الحال غاب ~~عنا الطائعون، فلم تر منهم أحدا ثم خط بذلك السوط مرة أخرى فقسمنا قسمين ~~فقال: هؤلاء عصاة الأقوال، وهؤلاء عصاة الأفعال، قال: فكنت في عصاة ~~الأفعال، ثم غاب في الحال عنا عصاة الأقوال، فلم نر منهم أحدا وبقينا ~~نحن منا الجالس ومنا المضطجع، ونحن قليل بالنسبة إلى عصاة الأقوال، فبينا ~~نحن كذلك إذ جاء آت إلى شخص إلى جانبي فأخذه من كعبه ثم نشطه فأخرج جلده ~~بمرة واحدة كأنه جراب نزع عن شيء فيه يابس، فحصل لي من ذلك ذعر شديد ~~فبينا أنا كذلك إذ آت جاءني من ورائي، فألقى علي جوخة فجعلها على ~~أكتافي وأدارها على أفخاذي فسترني بها ولكن على غير هيئة لبس المخيط، ~~قال: واستيقظت وأنا على ذلك فقصصته على بعض الصالحين فقال: أحمد الله على ~~كونك من عصاة الأفعال، وأخذ من ستري بالجوخة على تلك الهيئة أني أحج، ~~فبشرني بذلك فحججت في ذلك العام - والله تعالى المسؤول في التوبة، فإنه ~~الفعال لما يريد { فأما الذين آمنوا } أي أقروا بالإيمان بألسنتهم { ~~وعملوا } تصديقا لإقرارهم { الصالحات } أي كلها. # ولما تقدم هنا ذكر عمارة الأرض وإصلاحها للنبات ووعظ من جعلها أكبر همه ~~بأنها لم تدم له ولا أغنت عنه شيئا، ذكر أنه جزى من أعرض عنها بقلبه ~~لاتباع أمره سبحانه أعظم ما يرى من زهرتها ونضرتها وبهجتها على سبيل ~~الدوام فقال: { فهم } أي خاصة { في روضة } أي لا أقل منها وهي أرض عظيمة ~~جدا منبسطة واسعة ذات ماء غدق ونبات معجب بهج - هذا أصلها في اللغة وقال ~~الطبري: ولا تجد أحسن منظرا ولا أطيب نشرا من الرياض. { يحبرون* } أي ~~يسرون على سبيل التجدد كل وقت سرورا تشرق له الوجوه، وتبسم الأفواه، ~~وتزهو العيون، فيظهر حسنها وبهجتها، فتظهر النعمة بظهور آثارها على أسهل ~~الوجوه وأيسرها. # قال الرازي في اللوامع: ms3557 وأصله - أي الحبرة - في اللغة أثر في حسن، وقال ~~غيره: حبره - إذا سره سرورا تهلل له وجهه، وظهر فيه أثره. { وأما الذين ~~كفروا } أي غطوا ما كشفته أنوار العقول، { وكذبوا } عنادا { بآياتنا } ~~التي لا تصدق منها ولا أضوأ من أنوارها، بما لها من عظمتنا { ولقآء ~~الآخرة } الذي لم يدع لبسا في بيانه { فأولئك } أي البعداء البغضاء { في ~~العذاب } أي الكامل لا غيره { محضرون* } من أي محضر كان، بالسوق الحثيث، ~~والزجر العنيف، فإذا وصلوا إلى مقره وكل بهم من يديم كونهم كذلك - لإفادة ~~الجملة الاسمية الدوام، فلا يغيبون عنه ولا يخفف عنهم. # ولما بين سبحانه المبدأ بخلق السماوات والأرض، والمعاد بالجنة والنار، ~~وأنهم كذبوا به، وكان تكذيبهم به مستلزما لاعتقاد نقائص كثيرة منها ~~العجز وإخلاف الوعد وترك الحكمة، كان ذلك سببا لأن ينزه سبحانه نفسه ~~المقدسة ويأمر بتنزيهها، لأن ذلك يدفع عن المنزه مضار الوعيد، ويرفعه إلى ~~مسار الوعد، فقال ذاكرا من أفعاله العالية التي لا مطمع لغيره في القدرة ~~على شيء منها ما يدل على خلاف ذلك الذي يلزم اعتقادهم، لافتا الكلام عن ~~صيغة العظمة إلى أعظم منها بذكر الاسم الأعظم. { فسبحان الله } أي سبحوا ~~الذي له جميع العظمة بمجامع التسبيح بأن تقولوا هذا القول الذي هو ~~علمه، فهو منزه عن كل نقص؛ ثم ذكر أوقات التسبيح إشارة إلى ما فيها من ~~التغير الذي هو منزه عنه وإلى ما يتجدد فيها من النعم ووجود الأحوال ~~الدالة على القدرة على الإبداع الدال على البعث، فقال دالا على ~~الاستغراق بنزع الخافض مقدما المحو لأنه أدل على البعث الذي النزاع فيه ~~وهو الأصل، لافتا الكلام إلى الخطاب لأنه أشد تنبيها: { حين تمسون } أي ~~أول دخول الليل بإذهاب النهار وتفريق النور، فيعتريكم الملل، ويداخلكم ~~الفتور والكسل، على سبيل التجدد والاستمرار، وأكد الندب إلى التسبيح ~~بإعادة المضاف فقال: { وحين تصبحون* } بتحويل الأمر فتقومون أحياء بعد أن ~~كنتم أمواتا فتجدون نهارا قد أضاء بعد ليل كان دجى، فتفعلون ما هو ~~سبحانه منزه عنه من الحركة والسعي ms3558 في جلب النفع ودفع الضرر، وأرشد السياق ~~إلى أن التقدير: وله الحمد في هذين الجنسين. # ولما ذكر ما يدل على خصوص التنزيه، اتبعه ما يعرف بعموم الكمال، فقال ~~ذاكرا لوقت كمال النهار وكمال الظلام، وتذكيرا بما يحدث عندهما للآدمي ~~من النقص بالفتور والنوم اعتراضا بين الأوقات للاهتمام بضم التحميد إلى ~~التسبيح: { وله } أي وحده مع النزاهة عن شوائب النقص { الحمد } أي ~~الإحاطة بأوصاف الكمال. # ولما قدم سبحانه أن تنزهه ملأ الأزمان، وكان ذلك مستلزما لملء الأكوان، ~~وكان إثبات الكمال أبين شرفا من التنزيه عن النقص، صرح فيه بالقبيلين ~~فقال: { في السماوات } أي الأجرام العالية كلها التي تحريكها - مع أنها ~~من الكبر في حد لا يحيط به إلا هو سبحانه - سبب للإمساء والإصباح وغيرهما ~~من المنافع { والأرض } التي فيها من المنافع ما يجل عن إحاطتكم به مع ~~أنها بالنسبة إلى السماء كحلقة ملقاة في فلاة، ولولا ذلك لظهر لكم ذلك ~~برؤية ما وراءها هو شأن كل مظل مع كل مقل كما تشاهدون السحاب ونحوه. # ولما خص الإمساء والإصباح، عم فقال معبرا بما يدل على الدوام، لأن وقت ~~النوم الدال على النقص أولى بإثبات الكمال فيه: { وعشيا } أي من الزوال ~~إلى الصباح { وحين تظهرون* } أي تدخلون في شدة الحر، وسبحانه الله في ذلك ~~كله، فالآية من الاحتباك: ذكر التسبيح أولا دليلا على إرادته ثانيا، ~~والحمد ثانيا دليلا على إرادته أولا، ولعل المراد بالإظهار هنا ما هو ~~أعم من وقت الظهر ليكون المراد به من حين يزول اسم الصباح من وقت ارتفاع ~~الشمس إلى أن يحدث اسم المساء، وهو من الظهر إلى الغروب - قاله ابن طريف ~~في كتابه الأفعال ونقله عن الإمام عبد الحق في كتابه الواعي، وذلك حين ~~استبداد النهار فيكون كماله فيما دون ذلك من باب الأولى، وهذا مع هذه ~~الدقائق إشارة إلى الصلوات الخمس، أي سبحوه بالخضوع له بالصلاة في وقت ~~المساء بصلاة العصر والمغرب، وفي وقت الصباح بالصبح، وفي العشى بالعشاء، ~~وفي الإظهار بالظهر، وفي هذا التخريج من الحسن ms3559 بيان الاهتمام بالصلاة ~~الوسطى، فابتدأ سبحانه بالعصر التي قولها أصح الأقوال، ودخول المغرب في ~~حيزها بطريق التبعية والقصد الثاني، وثنى بالصبح وهي تليها في الأصحية ~~وهما القريبتان، لقوله صلى الله عليه وسلم: # " من صلى البردين دخل الجنة " # - رواه الشيخان عن أبي موسى رضي الله عنه، # " من صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها وجبت له الجنة " # - أسنده صاحب الفردوس عن عمارة بن روبية رضي الله عنه ورواه مسلم وغيره ~~عنه بلفظ: # " لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها " # - يعني الفجر والعصر " كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فنظر إلى القمر ~~ليلة البدر فقال: # " إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم ~~أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا لا تفوتنكم " # ، ثم قرأ { فسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب } رواه البخاري عن ~~جرير بن عبد الله رضي الله عنه، وحديث أبي هريرة رضي الله عنه في الصحيح # " يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الفجر ~~وصلاة العصر " # يدخل هنا. # ولما ذكر دلالة على البعث المستلزم للوحدانية مطلق التحويل الذي هو ~~إحياء في المعنى بعد إماتة، أتبعه الإحياء والإماتة حقيقة، صاعدا من ذكر ~~البعث تصريحا بما كان ألقاه تلويحا فقال: { يخرج الحي } كالإنسان ~~والطائر { من الميت } كالنطفة والبيضة { ويخرج الميت } كالبيضة والنطفة { ~~من الحي } عكس ذلك { ويحيي الأرض } باخضرار النبات. # ولما كان من الأراضي ما لا ينبت إلا بعد مدة إنزال المطر، ومنها ما ينبت ~~من حين إنزال المطر عقب تحطم ما كان بها من النبات سواء، أسقط الجار هنا ~~تنبيها على الأمر الثاني لأنه أدل على القدرة، فهو أنسب لهذا السياق ~~ولمقصود السورة، ولأنه جعل فيه قوة إحيائها على الدوام فقال: { بعد موتها ~~} بيبسه وتهشمه. ولما كان التقدير: كذلك يفعل على سبيل التكرر وأنتم ~~تنظرون، عطف عليه قوله: { وكذلك } أي ومثل فعله هذا الفعل البديع من ~~إخراجه لهذا الحي حسا ومعنى من الميت { تخرجون } بأيسر ms3560 أمر من الأرض بعد ~~تفرق أجسامكم فيها من التراب الذي كان حيا بحياتكم - هذا على قراءة ~~الجماعة البناء للمفعول. وبناه حمزة والكسائي وابن ذكوان بخلاف عنه ~~للفاعل إشارة إلى أنهم لقوة تهيئهم لقبول البعث صاروا كأنهم يخرجون ~~بأنفسهم - روى عبد الله ابن الإمام أحمد في زيادات المسند عن لقيط بن ~~عامر رضي الله عنه أنه خرج وافدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه ~~صاحب له يقال له نهيك بن عاصم بن مالك بن المنتفق رضي الله عنه، قال: ~~فخرجت أنا وصاحبي حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم لانسلاخ ~~رجب، فأتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انصرف من صلاة الغداة فقام ~~في الغداة خطيبا إلى أن قال: # " ألا اسمعوا تعيشوا ألا اجلسوا ألا اجلسوا، قال: فجلس الناس فقمت أنا ~~وصاحبي حتى إذا فرغ لنا فؤاده وبصره قلت: يا رسول الله! ما عندك من علم ~~الغيب، فضحك لعمر الله وهز رأسه فقال: ضن ربك بمفاتيح الخمس من الغيب ~~فذكره حتى ذكر البعث قال: فقلت: يا رسول الله، كيف يجمعنا بعد ما تفرقنا ~~الرياح والبلى والسباع؟ قال: أنبئك بمثل ذلك في آلاء الله، الأرض أشرفت ~~عليها وهي مدرة بالية فقلت: لا تحيا أبدا، ثم أرسل ربك عز وجل عليها ~~السماء فلم تلبث عليك إلا أياما حتى أشرقت عليها وهي شرفة واحدة، ولعمر ~~إلهك لهو أقدر على أن يجمعكم من الماء كما أنه يجمع نبات الأرض فتخرجون ~~". # ولما كان التقدير: هذا من آيات الله التي تشاهدونها كل حين دلالة على ~~بعثكم، عطف عليه التذكير بما هو أصعب منه في مجاري العادات فقال: { ومن ~~آياته } أي على قدرته على بعثكم. ولما كان المراد إثبات قدرته سبحانه على ~~بعثهم بعد أن صاروا ترابا بإيجاده لأصلهم من تراب يزيد على البعث في ~~الإعجاب بأنه لم يكن له أصل في الحياة، وكان فعله لذلك إنما مكان مرة ~~واحدة، قال معبرا بالماضي: { أن خلقكم } بخلق أبيكم آدم { من تراب } لم ~~يكن له ms3561 أصل اتصاف ما بحياة. # ولما كان ابتداء الإنسان من التراب في غاية العجب، أشار إلى ذلك بأداة ~~البعد فقال: { ثم } أي بعد إخراجكم منه { إذا أنتم بشر } أي فاجأتم كونكم ~~لكم بشرة هي في غاية التماسك والاتصال مع اللين عكس ما كان لكم من الوصف ~~إذا كنتم ترابا، وأسند الانتشار إلى المبتدأ المخاطب لا إلى الخبر لأن ~~الخطاب أدل على المراد فقال: { تنتشرون } أي تبلغون بالنشر كل مبلغ ~~بالانتقال من مكان إلى مكان مع العقل والنطق، ولم يختم هذه الآية بما ختم ~~به ما بعدها دلالة على أنها جامعة لجميع الآيات، ودلالة على جميع ~~الكمالات، وختم ما بعدها بذلك تنبيها على أن الناس أهملوا النظر فيها ~~على وضوحها، وكان من حقهم أن يجعلوها نصب أعينهم، دلالة على كل ما نزلت ~~به الكتب، وأخبرت به الرسل، وكذلك أكد في الإخبار إعلاما بأنهم صاروا ~~لإهمالها في حيز الإنكار. ### || [30.21-23] # ولما كان أعجب من ذلك أن هذا الذي خلقه التراب ذكرا خلق منه أنثى، ~~وجعلهما شبهي السماء والأرض ماء ونبتا وطهارة وفضلا، قال: { ومن آياته ~~} أي على ذلك؛ ولما كان إيجاد الأنثى من الذكر خاص لم يكن إلا مرة واحدة ~~كالخلق من التراب، عبر بالماضي فقال: { أن خلق لكم } أي لأجلكم ليبقى ~~نوعكم بالتوالد، وفي تقديم الجار دلالة على حرمة التزوج من غير النوع، ~~والتعبير بالنفس أظهر في كونها من بدن الرجل في قوله: { من أنفسكم } أي ~~جنسكم بعد إيجادها من ذات أبيكم آدم عليه السلام { أزواجا } إناثا هن ~~شفع لكم { لتسكنوا } مائلين { إليها } بالشهوة والألفة، من قولهم: سكن ~~إليه - إذا مال وانقطع واطمأن إليه، ولم يجعلها من غير جنسكم لئلا تنفروا ~~منها. # ولما كان المقصود بالسكن لا ينتظم إلا بدوام الألفة قال: { وجعل } أي ~~صير بسبب الخلق على هذه الصفة { بينكم مودة } أي معنى من المعاني يوجب أن ~~لا يحب واحد من الزوجين أن يصل إلى صاحبه شيء يكرهه مع ما طبع عليه ~~الإنسان من محبة الأذى، وإنما كان هذا معناه لأن ms3562 مادة " ودد " مستويا ~~ومقلوبا تدور على الاتساع والخلو من الدو والدوية بتشديد الواو وهي ~~الفلاة، والود والوداد قال في القاموس: الحب، وقال أبو عبد الله القزاز ~~ونقله عنه الإمام عبد الحق في واعيه: الأمنية، تقول وددت أن ذاك كان، ~~وذاك لاتساع مذاهب الأماني، وتشعب أودية الحب، وفي القاموس: ودان: قرية ~~قرب الأبواء وجبل طويل قرب فيد، والمودة: الكتاب - لاتساع الكلام فيه. ~~وقال الإمام أبو الحسن الحرالي في شرح الأسماء الحسنى: الود خلو عن إرادة ~~المكروه، فإذا حصل إرادة الخير وإيثاره كان حيا، من لم يرد سواه فقد ود ~~ومن أراد خيرا فقد أحب، والود أول التخلص من داء أثر الدنيا بما يتولد ~~لطلابها من الازدحام عليها من الغل والشحناء، وذلك ظهور لما يتهيا له من ~~طيب الحب، فمن ود لا يقاطع، ومن أحب واصل وآثر، والودود هو المبرأ من ~~جميع جهات مداخل السور ظاهره وباطنه. # ولما كان هذا المعنى الحسن لا يتم إلا بإرادة الخير قال: { ورحمة } أي ~~معنى يحمل كلا على أن يجتهد للآخر في جلب الخير، ودفع الضير، لكن لما ~~كانت إرادة الخير قد تكون بالمن ببعض ما يكره جمع بين الوصفين، وهما من ~~الله، والفرك - وهو البغض - من الشيطان. # ولما كان ذلك من العظمة بمكان يجل عن الوصف، أشار إليه بقوله مؤكدا ~~لمعاملتهم له بالإعراض عما يهدي إليه معاملة من يدعي أنه جعل سدى من غير ~~حكمة، مقدما الجار إشارة إلى أن دلالته في العظم بحيث تتلاشى عندها كل ~~آية، وكذا غيره مما ان هكذا على نحو # وما نريهم من آية إلا وهي أكبر من أختها # [الزخرف: 48]: { إن في ذلك } أي الذي تقدم من خلق الأزواج على الحال ~~المذكور وما يتبعه من المنافع { لآيات } أي دلالات واضحات على قدرة فاعله ~~وحكمته. # ولما كان هذا المعنى مع كونه دقيقا يدرك بالتأمل قال: { لقوم } أي ~~رجال أو في حكمهم، لهم قوة وجد ونشاط في القيام بما يجعل إليهم { ~~يتفكرون* } أي يستعملون أفكارهم على القوانين المحررة ويجتهدون في ذلك. # ولما ms3563 ذكر سبحانه الذكر والأنثى، المخلوقين من الأرض، وكانت السماء ~~كالذكر للأرض التي خلق منها الإنسان، وكان خلقهما مع كونهما مخلوقين من ~~غير شيء أعجب من خلقه فهو أدل على القدرة، وكان خلق الأرض التي هي ~~كالأنثى متقدما على عكس ما كان في الإنسان، أتبعه ذكرهما بادئا بما هو ~~كالذكر فقال مشيرا - بعد ما ذكر من آيات الأنفس - إلى آيات الآفاق: { من ~~آياته } أي الدالة على ذلك، ولما كان من العجب إيجاد الخافقين من العدم ~~إيجادا مستمرا على حالة واحدة، عبر بالمصدر فقال: { خلق السماوات } على ~~علوها وإحكامها { والأرض } على اتساعها وإتقانها. # ولما كان من الناس من ينسب الخلق إلى الطبيعة، قال تعالى ذاكرا من صفات ~~الأنفس ما يبطل تأثير الآفاق بأنفسها من غير خلقه وتقديره، وتكوينه ~~وتدبيره: { واختلاف ألسنتكم } أي لغاتكم ونغماتكم وهيئاتها، فلا تكاد ~~تسمع منطقين متفقين في همس ولا جهارة، لا حد ولا رخاوة، ولا لكنة ولا ~~فصاحة، ولا إسهاب ولا وجازة، وغير ذلك من صفات النطق وأحواله، ونعوته ~~وأشكاله، وأنتم من نفس واحدة، فلو كان الحكم للطبيعة لم يختلف لأنه لا ~~اختيار لها مع أن نسبة الكل إليها واحدة. # ولما كان لون السماء واحدا، وألوان الأراضي يمكن حصرها، قال: { ~~وألوانكم } أي اختلافا مع تفاوته وتقاربه لا ضبط له مع وحدة النسبة، ~~ولولا هذا الاختلاف ما وقع التعارف، ولضاعت المصالح، وفاتت المنافع، وطوي ~~سبحانه ذكر الصور لاختلاف صور النجوم باختلاف أشكالها، والأراضي بمقادير ~~الجبال والروابي وأحوالها، فلو كان الاختلاف لأجل الطبيعة فإما أن يكون ~~بالنظر إلى السماء أو إلى الأرض، فإن كان للسماء فلونها واحد، وإن كان ~~للأرض فلون أهل كل قطر غير مناسب للون أرضهم. وأما الألسنة فأمرها أظهر. # ولما كان هذا مع كونه في غاية الوضوح لا يختص بجنس من الخلق دون غيره ~~قال: { إن في ذلك } أي الأمر العظيم العالي الرتبة في بيانه وظهور برهانه ~~{ لآيات } أي دلالات عدة واضحة جدا على وحدانيته تعالى وفعله بالاختيار ~~وبطلان ما يقوله أصحاب الطبائع من تلك الاحتمالات التي ms3564 هي مع خفائها ~~واهية، ومع بعدها مضمحلة متلاشية { للعالمين* } كلهم لا يختص به صنف منهم ~~دون آخر من جن ولا إنس ولا غيرهم، وفي رواية حفص عن عاصم بكسر اللام حث ~~للمخاطبين على النظر ليكونوا من أهل العلم، وفي قراءة الباقين بالفتح ~~إيماء إلى أن ذلك من الوضوح بحيث لو نطق الجماد لأخبر بمعرفته، ففيه ~~إشارة إلى أنهم عدم، فلا تبكيت أوجع منه. # ولما ذكر المقلة والمظلة ومن فيهما، وبعض صفاتهم اللازمة، ذكر ما ينشأ ~~عن كل من ذلك من الصفات المفارقة فقال: { ومن آياته } أي على ذلك وغيره ~~من أنواع القدرة والعلم { منامكم } أي نومكم ومكانه وزمانه الذي يغلبكم ~~بحيث لا تستطيعون له دفعا. # ولما كان الليل محل السكن والراحة والنوم، ذكر ما جعل من نوم النهار ~~أيضا لأن ذلك أدل على الفعل بالاختبار فقال: { باليل والنهار } أي ~~الناشئين عن السماوات والأرض باختلاف الحركات التي تنشأ إلا عن فاعل ~~مختار وانقطاعكم بالنوم عن معاشكم وكل ما يهمكم وقيامكم بعد منامكم أمرا ~~قهريا لا تقدرون على الانفكاك عن واحد منهما أصلا { وابتغاؤكم } أي ~~طلبكم بالجد والاجتهاد { من فضله } بالمعاش فيهما، فالآية من الاحتباك: ~~دل ذكر النوم على القيام منه، ودل الابتغاء على الانقطاع عنه، حذف نهاية ~~الأول وبداية الثاني { إن في ذلك } أي الأمر العظيم العالي الرتبة من ~~إيجاد النوم بعد النشاط، والنشاط بعد النوم الذي هو الموت الأصغر، وإيجاد ~~كل من الملوين بعد إعدامهما، والجد في الابتغاء مع المفاوتة في التحصيل { ~~لآيات } أي عديدة على القدرة والحكمة لا سيما البعث. # ولما كانت هذه الآيات في دلالتها على ما تشير إليه من البعث والفعل ~~بالاختيار دقيقة لا يستقل العقل بها دون توقيف من الدعاة لأنه قد يسند ~~النوم والابتغاء إلى العباد والا يتجاوز عن ذلك إلى الخالق إلا الأفراد ~~من خلص العباد، وكان النائم يقوم صافي الذهن فارغ السر نشيط البدن. قال: ~~{ لقوم يسمعون* } أي من الدعاة النصحاء سماع من انتبه من نومه فجسمه ~~مستريح نشيط وقلبه فارغ عن مكدر ms3565 للنصح مانع من قبوله، أو المعنى: لقوم هم ~~أهل للسمع بأن يكونوا قد تنبهوا من رقادهم، فرجعوا عن عنادهم، إشارة إلى ~~أن من لم يتأمل في هذه الآيات فهو نائم لا مستيقظ. فهو غير متأهل لأن ~~يسمع. ### || [30.24-27] # ولما ختم بالسمع آية جمعت آيات الأنفس والآفاق لكونها نشأت من أحوال ~~البشر والخافقين، افتتح بالرؤية آية أخرى جامعة لهما لكونها ناشئة عنهما ~~مع كونها أدل على المقصود جامعة بين الترغيب والترهيب فقال: { ومن آياته ~~} ولما كان لمعان البرق جديرا بالتماع البصر عند أول رؤية، وكان يتجدد ~~في حين دون حين، عبر بالمضارع حاذفا الدال على إرادة المصدر للدلالة على ~~التجدد المعجب منه فقال: { يريكم البرق } أي على هيئات وكيفيات طالما ~~شاهدتموها تارة تأتي يما يضر وتارة بما يسر، ولذلك قال معبرا بغاية ~~الإخافة والإطماع لأن الغايات هي المقصودة بالذات: { خوفا } أي للإخافة ~~من الصواعق المحرقة { وطمعا } أي وللاطماع في المياه الغدقة، وعبر ~~بالطمع لعدم الأسباب الموصلة إليه. # ولما كان البرق غالبا من المبشرات بالمطر، وكان ما ينشأ عن الماء أدل ~~شيء على البعث، أتبعه شرح ما أشار إليه به من الطمع فقال: { وينزل } ~~ولما كان إمساك الماء في جهة العلو في غاية الغرابة، قال محققا للمراد ~~بالإنزال من الموضع الذي لا يمكن لأحد غيره دعواه { من السماء ماء }. # ولما جعل سبحانه ذلك سببا لتعقب الحياة قال: { فيحيي به } أي الماء ~~النازل من السماء خاصة لأن أكثر الأرض لا تسقى بغيره { الأرض } أي ~~بالنبات الذي هو لها كالروح لجسد الإنسان، ولما كانت الأرض ليس لها من ~~ذاتها في الإنبات إلا العدم، وكان إحياؤها به متكررا، فكان كأنه دائم، ~~وكان ذلك أنسب لمقصود السورة حذف الجار قائلا: { بعد موتها } أي بيبسه ~~وتهشمه { إن في ذلك } أي الأمر العظيم العالي القدر { لآيات } لا سيما ~~على القدرة على البعث. ولما كان ذلك ظاهرا كونه من الله الفاعل ~~بالاختيار لوقوعه في سحاب دون سحاب وفي وقت دون آخر وفي بلد دون آخر، ~~وعلى هيئات من القوة ms3566 والضعف والبرد والحر وغير ذلك من الأمر، وكان من ~~الوضوح في الدلالة على البعث بمكان لا يخفى على عاقل قال: { لقوم يعقلون* ~~}. # ولما كان جميع ما مضى من الآيات المرئيات ناشئا عن هذين الخلقين ~~العظيمين المحيطين بمن أنزلت عليهم هذه الآيات المسموعات بيانا لمن أشكل ~~عليه أمر الآيات المرئيات، ذكر أمرا جامعا للكل وهو من الوضوح بحيث لا ~~يحتاج إلى أكثر من العقل المختوم به ما قبل فقال: { ومن آياته } أي على ~~تمام القدرة وكمال الحكمة. # ولما كانت هذه الآية في الثبات لا في التجدد، أتى بالحرف الدال على ~~المصرف ليسلخ الفعل عن الاستقبال، وعبر بالمضارع لأنه لا بد من إخراجهما ~~عن هذا الوضع فقال: { أن تقوم } أي تبقى على ما تشاهدون من الأمر العظيم ~~بلا عمد { السماء } أفرد لأن السماء الأولى لا تقبل النزاع لأنها مشاهدة ~~مع صلاحية اللفظ للكل لأنه جنس { والأرض } على ما لهما من الجسامة والثقل ~~المقتضي للهبوط { بأمره } لا بشيء سواه. # ولما لم يبق في كمال علمه وتمام قدرته شبهة، قال معبرا بأداة التراخي ~~لتدل - مع دلالتها على ما هي له - على العظمة، فقال دالا على أن قدرته ~~على الأشياء كلها مع تباعدها على حد سواء، وأنه لا فرق عنده في شمول أمره ~~بين قيام الأحياء وقيام الأرض والسماء { ثم إذا دعاكم } وأشار إلى هوان ~~ذلك الأمر عنده بقوله: { دعوة من الأرض } على بعد ما بينها وبين السماء ~~فضلا عن العرش، وأكد ذلك بكونه مثل لمح البصر أو هو أقرب فقال معبرا ~~بأداة الفجاءة: { إذا أنتم تخرجون* } أي يتجدد لكم هذا الوصف بعد ~~اضمحلالكم بالموت والبلى، ويتكرر باعتبار آحادكم من غير تلبث ولا مهلة ~~أصلا، إلا أن يترتب على الأفضل فالأفضل لقوله صلى الله عليه وسلم: # " أنا أول من تنشق عنه الأرض " # كما دعاكم منها أولا إذا خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون، وأعرى ~~هذه مما ختم به الآيات السالفة تنبيها على أنها مثل الأولى قد انتهت في ~~الظهور، ولا سيما بانضمامها إلى ms3567 الأولى التي هي أعظم دال عليها إلى حد هو ~~أضوأ من النور، كما تأتي الإشارة إليه في آية " وهو أهون عليه ". # ولما ذكر تصرفه في الظرف وبعض المظروف من الإنس والجن، ذكر قهره للكل ~~فقال: { وله } أي وحده بالملك الأتم { من في السماوات والأرض } أي كلهم، ~~وأشار إلى الملك بقوله: { كل له } أي وحده. ولما كان انقياد الجمع ~~مستلزما لانقياد الفرد دون عكسه جمع في قوله: { قانتون* } أي مخلصون في ~~الانقياد ليس لأنفسهم ولا لمن سواه في الحقيقة والواقع تصرف بوجه ما إلا ~~بإذنه، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: مطيعون طاعة الإرادة وإن عصوا أمره ~~في العبادة - نقله عنه البغوي وغيره ورجحه الطبري وهو معنى ما قلت. # ولما كان هذا معنى يشاهده كل أحد في نفسه مع ما جلى سبحانه من عرائس ~~الآيات الماضيات، فوصل الأمر في الوضوح إلى حد عظيم قال: { وهو } أي لا ~~غيره { الذي يبدأ الخلق } أي على سبيل التجديد كما تشاهدون، وأشار إلى ~~تعظيم الإعادة بأداة التراخي فقال: { ثم يعيده } أي بعد أن يبيده. # ولما كان من المركوز في فطر جميع البشر أن إعادة الشيء أسهل من ابتدائه ~~قال: { وهو } أي وذلك الذي ينكرونه من الإعادة { أهون عليه } خطابا لهم ~~بما الفوه وعقلوه ولذلك أخر الصلة لأنه لا معنى هنا للاختصاص الذي يفيده ~~تقديمها. # ولما كان هذا إثما هو على طريق التمثيل لما يخفى عليهم بما هو جلي ~~عندهم، وكل من الأمرين بالنسبة إلى قدرته على حد سواء لا شيء في علمه ~~أجلى من آخر، ولا في قدرته أولى من الآخر، قال مشيرا إلى تنزيه نفسه ~~المقدسة عما قد يتوهمه بعض الأغبياء من ذلك: { وله } أي وحده { المثل ~~الأعلى } أي الذي تنزه عن كل شائبة نقص، واستولى على كل رتبة كمال، وهو ~~أمره الذي أحاط بكل مقدور، فعلم به إحاطته هو سبحانه بكل معلوم، كما تقدم ~~في البقرة في شرح المثل # ألا له الخلق والأمر # [الأعراف: 54]. # ولما كان الخلق لقصورهم مقيدين بما لهم به نوع ms3568 مشاهدة قال: { في ~~السماوات والأرض } اللتين خلقهما ولم تستعصيا عليه، فكيف يستعصي عليه شيء ~~فيهما، وقد قالوا: إن المراد بالمثل هنا الصفة، وعندي أنه يمكن أن يكون ~~على حقيقته تقريبا لعقولنا، فإذا أردنا تعرفه سبحانه في الملك مثلنا ~~بأعلى ما نعلم من ملوكنا فنقول: الاستواء على العرش مثل للتدبير والتفرد ~~بالملك كما يقال في ملوكنا: فلان جلس على سرير الملك، بمعنى: استقل ~~بالأمر وتفرد بالتدبير وإن لم يكن هنا سرير ولا جلوس، وإذا ذكر بطشه ~~سبحانه وأخذه لأعدائه في نحو قوله تعالى: # يد الله فوق أيديهم # [الفتح: 10] # إن بطش ربك لشديد # [البروج: 12] مثلناه بما لو قهر سلطان أعدائه بحزمه وصحة تدبيره وكثرة ~~جنوده فقلنا " محق سيفه أعداءه " فأطلقنا سيفه على ما ذكر من قوته، وإذا ~~قيل: تجري بأعيننا، ونحو ذلك علمنا أنه مثل ما نقول إذا رأينا ملكا حسن ~~التدبير لا يغفل عن شيء من أحوال رعيته فقلنا " هو في غاية اليقظة " ~~فأطلقنا اليقظة التي هي ضد النوم على حسن النظر وعظيم التدبير وشمول ~~العلم، وهذه تفاصيل مما قدمت أنه مثله، وهو أمره المحيط الذي انجلى لنا ~~به غيب ذاته سبحانه، وهكذا ما جاء من أمثاله نأخذ من العبارة روحها فنعلم ~~أنه المراد، وأن ذلك الظاهر ما ذكر إلا تقريبا للأفهام النقيسة على ما ~~نعرف من أعلى الأمثال، والأمر بعد ذلك أعلى مما نعلم، ولذلك قال تعالى: { ~~وهو } أي وحده { العزيز } أي الذي إذا أراد شيئا كان له في غاية ~~الانقياد كائنا ما كان { الحكيم* } أي الذي إذا أراد شيئا أتقنه فلم ~~يقدر غيره على التوصل إلى نقص شيء منه، ولا تتم حكمة هذا الكون على هذه ~~الصورة إلا بالبعث، بل هو محط الحكمة الأعظم ليصل كل ذي حق إلى حقه بأقصى ~~التحرير على ما نتعارفه وإلا لكان الباطل أحق من الحق وأكثر، فكان عدم ~~هذا الموجود خيرا من وجوده وأحكم. ### || [30.28-30] # ولما بان من هذا أنه المتفرد في الملك بشمول العلم وتمام القدرة وكمال ~~الحكمة، اتصل بحسن أمثاله وإحكام ms3569 مقاله وفعاله قوله: { ضرب لكم } أي ~~بحكمته في أمر الأصنام وبيان إبطال من يشرك بها وفساد قوله بأجلى ما يكون ~~من التقرير: { مثلا } مبتدئا { من أنفسكم } التي هي أقرب الأشياء ~~إليكم، فأنتم لما تذكرون به أجدر بأن تفهموه. # ولما كان حاصل المثل أنه لا يكون مملوك كمالك، وكان التقرير أقرب إلى ~~التذكير وأبعد عن التنفير، قال منكرا موبخا مقررا: { هل لكم } أي يا ~~من عبدوا مع الله بعض عبيده { من ما } أي من بعض ما { ملكت أيمانكم } أي ~~من العبيد أو الإماء الذين هم بشر مثلكم، وعم في النفي الذي هو المراد ~~بالاستفهام بزيادة الجار بقوله: { من شركاء } أي في حالة من الحالات يسوغ ~~لكم بذلك أن تجعلوا لله شركاء، ونبه على ما في إيجاد الرزق ثم قسمته بين ~~الخلق وغير ذلك من شؤونه بقوله: التفاتا بعد طول التعبير بالغيبة التي ~~قد يتوهم معها بعد - إلى التلكم بالنون الدال مع القرب على العظمة ولذة ~~الإقبال بالمخاطبة: { فيما رزقناكم } أي لما لنا من العظمة من مال أو جاه ~~مع ضعف ملككم فيه. # ولما كانت الشركة سببا لتساوي الشريكين في الأمر المشترك قال: { فأنتم ~~} أي معاشر الأحرار والعبيد. ولما كان ربما توهم أن " من شركاء " صفة ~~لأولاد من سراريهم، قدم الصلة دفعا لذلك فقال: { فيه } أي الشيء الذي ~~وقعت فيه الشركة من ذلك الرزق خاصة لا غيره من نسب أو حسب ونحوهما أو خفة ~~في بدن أو قلب أو طول في عمر ونحوها، وأما أولادهم من السراري فربما ~~ساووهم في ذلك وغيره من النسب ونحوه، والعبيد ربما ساووهم في قوة البدن ~~وطول العمر أو زادوا { سواء } ثم بين المساواة التي هي أن يكون حكم أحد ~~القبيلين في المشترك على السواء كحكم الآخر لا يستبد أحدهما عن الآخر ~~بشيء بقوله: { تخافونهم } أي معاشر السادة في التصرف في ذلك الشيء ~~المشترك. # ولما كانت أداة التشبيه أدل، أثبتها فقال: { كخيفتكم أنفسكم } أي كما ~~تخافون بعض من تشاركونه ممن يساويكم في الحرية والعظمة أن تتصرفوا في ms3570 ~~الأمر المشترك بشيء لا يرضيه وبدون إذنه، فظهر أن حالكم في عبيدكم مثل له ~~فيمن أشركتموهم به موضح لبطلانه، فإذا لم ترضوا هذا لأنفسكم وهو أن يستوي ~~عبيدكم معكم في الملك فكيف ترضونه بخالقكم في هذه الشركاء التي زعمتموها ~~فتسوونها به وهي من أضعف خلقه أفلا تستحيون؟. # ولما كان هذا المثال، في الذروة من الكمال، كان السامع جديرا بأن يقول: ~~جل ألله! ما أعلى شأن هذا البيان! هل يبين كل شيء هكذا؟ فقال: { كذلك } ~~أي مثل هذا البيان العالي { نفصل } أي نبين، لأن الفصل هو الميز وهو ~~البيان، وذلك على وجه عظيم - بما أشار إليه التضعيف مع التجديد ~~والاستمرار: { الآيات } أي الدلالات الواضحات. # ولما كان البيان لا ينفع المسلوب قال: { لقوم يعقلون* } إشارة إلى أنهم ~~إن لم يعملوا بمقتضى ذلك كانوا مجانين، لأن التمثيل يكشف المعاني ~~بالتصوير والتشكيل كشفا لا يدع لبسا، فمن خفي عليه لم يكن له تمييز. # ولما كان جوابهم قطعا: ليس لنا شركاء بهذا الوصف، كان التقدير، فلم ~~تتبعوا في الإشراك بالله دليلا، فنسق عليه: { بل } وكان الأصل: اتبعتم، ~~ولكنه أعرض عنهم، إيذانا بتناهي الغضب للعناد بعد البيان، وأظهر الوصف ~~الحامل لهم على ذلك تعميما وتعليقا للحكم به فقال: { اتبع } أي بتكليف ~~أنفسهم خلاف الفطرة الأولى { الذين ظلموا } أي وضعوا الشيء في غير موضعه ~~فعل الماشي في الظلام { أهواءهم } وهو ما يميل إليه نفوسهم. # ولما كان اتباع الهوى قد يصادف الدليل، وإذا لم يصادف وكان من عالم رده ~~عنه علمه قال: { بغير علم } إشارة إلى بعدهم في الضلال لأن الجاهل يهيم ~~على وجهه بلا مرجح غير الميل كالبهيمة لا يرده شيء، وأما العالم فربما ~~رده علمه. # ولما كان هذا ربما أوقع في بعض الأوهام أن هذا يغير إرادته سبحانه، دل ~~بفاء السبب على أن التقدير: وهذا ضلال منهم بإرادة الله، فلما أساؤوا ~~بإعراقهم فيه كانت عاقبتهم السوء والخذلان، لأنهم أبعدوا أنفسهم عن أسباب ~~الهدى: { فمن يهدي } أي بغير إرادة الله، ولفت الكلام من مظهر العظمة إلى ~~أعظم ms3571 منه بذكر الاسم الأعظم لاقتضاء الحال له فقال: { من أضل الله } الذي ~~له الأمر كله، ودل بواو العطف على أن التقدير: ليس أحد يهديهم لأنهم ~~أبعدوا أنفسهم عن أسباب الهدى فبعدوا عن أسباب النصر لأنهم صاروا على جرف ~~هار في كل أمورهم، فلذا حسن موضع تعقيبه بقوله: { وما لهم } وأعرق في ~~النفي فقال: { من ناصرين* } أي من الأصنام ولا غيرها يخلصونهم مما هم فيه ~~من الخذلان وأسر الشيطان، ومما يسببه من النيران، ونفى الجميع دون الواحد ~~لأن العقل ناصر لهم بما هو مهيأ له من الفهم واتباع دليل السمع لو ~~استعملوه، أو لأنه ورد جوابا لنحو # واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا لعلهم ينصرون # [مريم: 81] أو للإشارة إلى أن تتبع الهوى لا ينفع في تلافي أمره إلا ~~أعوان كثيرون ودل على نفي الواحد # لا تجزي نفس عن نفس # [البقرة: 123]، و # أن الكافرين لا مولى لهم # [محمد: 11] و # فما له من قوة ولا ناصر # [الطارق: 10] في أمثالها. # ولما تحررت الأدلة، وانتصبت الأعلام، واتضحت الخفايا، وصرحت الإشارات، ~~وأفصحت ألسن العبارات، أقبل على خلاصة الخلق، إيذانا بأنه لا يفهم ذلك ~~حق فهمه غيره، فقال مسببا عن ذلك ممثلا لإقباله واستقامته وثباته: { ~~فأقم وجهك } أي قصدك كله { للدين } أي نصبا بحيث تغيب عما سواه، فلا ~~تلتفت عنه أصلا فلا تنفك عن المراقبة، فإن من اهتم بشيء سدد إليه نظره، ~~وقوم له وجهه. # ثم عرض بجلافة أهل الضلال وغشاوتهم، وكثافتهم وغباوتهم، وجمودهم ~~وقساوتهم، بقوله: { حنيفا } أي حال كونك ميالا مع الدليل هينا لينا ~~نافذ الصبر نير البصيرة ساري الفكر سريع الانتقال طائر الخاطر، ثم بين أن ~~هذا الأمر في طبع كل أحد وإن كانوا فيه متفاوتين كما تراهم إذا كانوا ~~صغارا أسهل شيء انقيادا، ولكنه لما يكشف لهم الحال في كثير من الأشياء ~~عن أن انقيادهم كان خطأ يصيرون يدربون أنفسهم على المخالفة دائما حتى ~~تصير لبعضهم طبعا تجريبيا فيصير أقسى شيء وأجمده بعد أن كان أسهل شيء ~~وأطوعه، وأكثر ما يكون هذا ms3572 من قرناء السوء الذين يقولون ما لا يفعلون، ~~ولهذا نهى أن يوعد الطفل بما لا حقيقة له: روى أحمد وابن أبي الدنيا من ~~طريق الزهري عن أبي هريرة رضي الله عنه - قال المنذري: ولم يسمع منه أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من قال لصبي: تعال هاك! ثم لم يعطه فهي كذبة " # ، ولأبي داود والبيهقي وابن أبي الدنيا عن مولى عبد الله بن عامر - قال ~~ابن أبي الدنيا: زياد عن عبد الله بن عامر - أن أمه رضي الله عنها قالت ~~له: تعال أعطيك، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما أردت أن تعطيه؟ قالت: تمرا، فقال: أما إنك لو لم تعطيه شيئا كتبت ~~عليك كذبة " # ، فقال مبينا لهم صحة دينه بأمر هو في أنفسهم، كما بين بطلان دينهم ~~بأمر هو في أنفسهم: { فطرت الله } أي الزم فطرة الملك الذي لا راد ~~لأمره، وهي الخلقة الأولى التي خلق عليها البشر والطبع الأول، وقال ~~الغزالي في آخر كتاب العلم من الإحياء في بيان العقل في هذه الآية: أي كل ~~آدمي فطر على الإيمان بالله تعالى بل على معرفة الأشياء على ما هي عليه، ~~أعني أنها كالمتضمنة فيه لقرب استعداده للإدراك - انتهى، ثم أكد ذلك ~~بقوله: { التي فطر الناس } أي كل من له أهلية التحرك { عليها } كلهم ~~الأشقياء والسعداء، وهي سهولة الانقياد وكرم الخلق الذي هو في الصورة ~~فطرة الإسلام، وتحقيق ذلك أن المشاهد من جميع الأطفال سلامة الطباع ~~وسلاسة الانقياد لظاهر الدليل، ليس منهم في ذلك عسر كما في الكبار إن ~~تفاوتوا في ذلك، فالمراد بالفطرة قبولهم للحق وتمكنهم من إدراكه، كما تجد ~~الأخرس يدرك أمر المعاد إدراكا بينا، وله فيه ملكة راسخة، وهذا المعنى ~~هو الذي أشار إليه حديث أبي هريرة رضي الله عنه في الصحيحين وحديث ابن ~~عباس رضي الله عنهما عند أحمد بن منيع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " كل مولود يولد على الفطرة " # - وفي رواية للبخاري: # " ما من مولود إلا يولد على الفطرة ms3573 - فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو ~~يمجسانه كما تولد البهيمة بهيمة جمعاء، هل تجدون فيها من جدعاء حتى ~~تكونوا أنتم تجدعونها " # فلذلك الجدع والوسم وشق الأذن ونحو ذلك مثال للأخلاق التي يتعلمها ~~الطفل ممن يعامله بها من الغش والكذب وغير ذلك، وكذا حديث عياض بن حمار ~~المجاشعي رضي الله عنه في مسلم في صفة النار والنسائي في فضائل القرآن ~~وأبي داؤد الطالسي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " كل مال نحلته عبدا حلال، وإني خلقت عبادي " حنفاء كلهم " وأنهم أتتهم ~~الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وآمرتهم أن ~~يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانه " # ولكن الشيطان لا يتمكن إلا بإقدار الله له في الحال بما يخلق في باطن ~~المخذول من الباعث وفي الماضي من الطبائع التي هيأه بها لمثل ذلك كما ~~أشار إليه قوله صلى الله عليه وسلم المتفق عليه في الصحيح عن علي رضي ~~الله تعالى عنه: # " اعملوا فكل ميسر لما خلق له " # وآية سبحان # كل يعمل على شاكلته # [الإسراء: 84] وذلك أنه لما أخبرهم صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى قد ~~كتب أهل الجنة وأهل النار، فلا يزاد فيهم ولا ينقص، قالوا: أفلا نتكل على ~~كتابنا وندع العمل؟ فالكتاب حجة عليهم، لأن مبناه على أن فلانا من أهل ~~النار لكونه لم يعمل كذا وكذا، فأرادوا أن يجعلوه حجة لهم فاعلموا أن في ~~ذلك أمرين لا يبطل أحدهما الآخر: باطن هو العلة الموجبة في حكم الربوبية ~~وهو العلم، وظاهر هو السمة اللازمة في حق العبودية وهو العمل، وهو أمارة ~~مخيلة غير مفيدة حقيقة العلم، عولموا بذلك ليتعلق خوفهم بالباطن المغيب ~~عنهم، ورجاؤهم بالظاهر البادي لهم، والخوف والرجاء مدرجتا العبودية ~~ليستكملوا بذلك صفة الإيمان، ونظير ذلك أمران: الرزق المقسوم مع الأمر ~~بالمكسب، والأجل المحتوم مع المعالجة بالطب، فالمغيب فيهما علة موجبة ~~والظاهر سبب مخيل، وقد اصطلح خواصهم وعوامهم على أن الظاهر منهما لا يترك ~~بالباطن - ذكر معناه الرازي في اللوامع عن الخطابي. # ولما كانت سلامة الفطرة ms3574 الأولى أمرا مستمرا، قال: { لا تبديل } ولعظم ~~المقام كرر الاسم الأعظم فقال: { لخلق الله } أي الملك الأعلى الذي لا ~~كفوء له، لا يقدر أحد أن يجعل طفلا في أول أمره خبيث الفطرة لا ينقاد ~~لما يقاد إليه ولا يستسلم لمن يريبه، وكلما كبر وطعن في السن رجع لما طبع ~~عليه من كفر أو إيمان، أو طاعة أو عصيان، أو نكر أو عرفان، قليلا ~~قليلا، حتى ينساق إلى ذلك عند البلوغ أو بعده، فإن مات قبل ذلك الجوزي ~~بما كان الله يعلمه منه أنه يعمله طبعيا ويموت عليه كالغلام الذي قتله ~~الخضر عليه السلام صح الخبر بأنه طبع على الكفر، ولا يعذب بما يكون ~~عارضا منه ويعلم أنه سيكون لو كان كأبوي الغلام لما وقع التصريح به من ~~أنه لو عاش لأرهقهما ظغيانا وكفرا، فقد علم منهما الكفر حينئذ فلم ~~يؤاخذا به لأنه عارض لا طبعي، فالعبرة بالموت، ومن طبع على شيء لم يمت ~~على غيره، فحقق هذا تعلم أنه لا تنافي بين شيء من النصوص لا من الكتاب ~~ولا من السنة - والله الهادي. # ولما كان الميل مع الدليل كيفما مال أمرا لا يكتنه قدره ولا ينال إلا ~~بتوفيق من الله، أشار إلى عظمته بقوله: { ذلك } أي الأمر العظيم وهو ~~الاهتزاز للدليل واتباع ما يشير إليه ويحث عليه { الدين القيم } الذي ~~لا عوج فيه { ولكن أكثر الناس } قد تدربوا في اتباع الأهوية لما تقدم من ~~الشبه فصاروا بحيث { لا يعلمون } أي لا علم لهم أصلا حتى يميزوا الحق من ~~الباطل لما غلب عليهم من الجفاء. ### || [30.31-35] # ولما كان من الناس من من الله عليه بأن كان في هذا الميدان، وسمت همته ~~إلى مسابقة الفرسان، فلما رأى أنه لم يلتفت إليه، ولم يعول أصلا عليه، ~~كادت نفسه تطير، وكانت عادة القوم أن يخاطبوا القوم لمخاطبة رئيسهم ~~تعظيما له وحثا لهم على التحلي بما خص به، جبرت قلوبهم وشرحت صدورهم ~~فبينت لهم حال من ضمير " أقم " أو من العامل في " فطرت " إعلاما بأنهم ms3575 ~~مرادون بالخطاب، مشار إليهم بالصواب، فقال: { منيبين } أي راجعين مرة بعد ~~مرة بمجاذبة النفس والفطرة الأولى { إليه } تعالى بالنزوع عما اكتسبتموه ~~من رديء الأخلاق إلى تلك الفطرة السليمة المنقادة للدليل، الميالة إلى ~~سواء السبيل. # ولما لم يكن بعد الرجوع إلى المحبة إلا الأمر بلزومها خوفا من الزيغ ~~عنها دأب المرة الأولى. قال عاطفا على { فأقم }: { واتقوه } أي خافوا أن ~~تزيغوا عن سبيله يسلمكم في أيدي أولئك المضلين، فإذا خفتموه فلزمتموها ~~كنتم ممن تخلى عن الرذائل { وأقيموا الصلاة } تصيروا ممن تحلى بالفضائل - ~~هكذا دأب الدين أبدا تخلية ثم تحلية: أول الدخول إلى الإسلام التنزيه، ~~وأول الدخول في القرآن الاستعاذة، وهو أمر ظاهر معقول، مثاله من أراد أن ~~يكتب في شيء إن مسح ما فيه من الكتابة انتفع بما كتب، وإلا أفسد الأول ~~ولم يقرأ الثاني - والله الموفق. # ولما كان الشرك من الشر بمكان ليس هو لغيره، أكد النهي عنه بقوله: { ولا ~~تكونوا } أي كونا ما { من المشركين } أي لا تكونوا ممن يدخل في عدادهم ~~بمواددة أو معاشرة أو عمل تشابهونهم فيه فإنه # " من تشبه بقوم فهو منهم " # وهو عام في كل شرك سواء كان بعبادة صنم أو نار أوغيرهما، أو بالتدين بما ~~يخالف النصوص من أقوال الأحبار والرهبان وغير ذلك. # ولما كانوا يظنون أنهم على صواب، نصب لهم دليلا على بطلانه بما لا أوضح ~~منه، ولا يمكن أحدا التوقف فيه، وذلك أنه لا يمكن أن يكون الشيء متصفا ~~بنفي شيء وإثباته في حالة واحدة فقال مبدلا: { من الذين فرقوا } لما ~~فارقوا { دينهم } الذي هو الفطرة الأولى، فعبد كل قوم منهم شيئا ودانوا ~~دينا غير دين من سواهم، وهو معنى { وكانوا } أي بجهدهم وجدهم في تلك ~~المفارقة المفرقة { شيعا } أي فرقا متحالفين، كل واحدة منهم تشايع من ~~دان بدينها على من خالفهم حتى كفر بعضهم بعضا واستباحوا الدماء ~~والأموال، فعلم قطعا أنهم كلهم ليسوا على الحق. # ولما كان هذا أمرا يتعجب من وقوعه، زاده عجبا بقوله استئنافا: { كل ~~حزب } أي منهم { بما ms3576 لديهم } أي خاصة من خاص ما عندهم من الضلال الذي ~~انتحلوه { فرحون* } طنا منهم أنهم صادفوا الحق وفازوا به دون غيرهم. # ولما حصل من هذا القطع من كل عاقل أن أكثر الخلق ضال، فكان الحال جديرا ~~بالسؤال، عن وجه الخلاص من هذا الضلال، أشير إليه أنه لزوم الاجتماع، ~~وبين ذلك في جملة حالية من فاعل " فرحون " فقال تعالى: { وإذا } وكان ~~الأصل: مسهم، ولكنه قيل لأنه أنسب بمقصود السورة من قصر ذلك على الإنسان ~~كما هي العادة في أكثر السور أو غير ذلك من أنواع العالم: { مس الناس } ~~تقوية لإرادة العموم إشارة إلى كل من فيه أهلية النوس وهو التحرك، من ~~الحيوانات العجم والجمادات لو نطقت ثم اضطربت لتوجهت إليه سبحانه ولم ~~تعدل عنه كما أنها الآن كذلك بألسنة أحوالها، فهذا هو الإجماع الذي لا ~~يتصور معه نزاع { ضر دعوا ربهم } أي الذي لم يشاركه في الإحسان إليهم أحد ~~في جميع مدة مسهم بذلك الضر - بما أشار إليه الظرف حال كونهم { منيبين } ~~أي راجعين من جميع ضلالاتهم التي فرقتهم عنه { إليه } علما منهم بأنه لا ~~فرج لهم عند شيء غيره، هذا ديدن الكل لا يخرم عنه أحد منهم في وقت من ~~الأوقات، ولا في أزمة من الأزمات، قال الرازي في اللوامع في أواخر ~~العنكبوت: وهذا دليل على أن معرفة الرب في فطرة كل إنسان، وأنهم إن غفلوا ~~في السراء فلا شك أنهم يلوذون إليه في حال الضراء. # ولما كان كل واقع في شدة مستبعدا كل استبعاد الخلاص منها قال: { ثم } ~~بأداة العبد { إذا أذاقهم } مسندا الرحمة إليه تعظيما للأدب وإن كان ~~الكل منه. ولما كان السياق كله للتوحيد، فكانت العناية باستحضار المعبود ~~باسمه وضميره أتم قال: { منه } مقدما ضميره دالا بتقديم الجار على ~~الاختصاص وأن ذلك لا يقدر عليه غيره، وقال: { رحمة } أي خلاصا من ذلك ~~الضر، إشارة إلى أنه لو أخذهم بذنوبهم أهلكهم، فلا سبب لإنعامه سوى كرمه، ~~ودل على شدة إسراعهم في كفران الإحسان بقوله معبرا بأداة المفاجأة: { ~~إذا ms3577 فريق منهم } أي طائفة هي أهل لمفارقة الحق { بربهم } أي المحسن إليهم ~~دائما، المجدد لهم هذا الإحسان من هذا الضر { يشركون* } بدل ما لزمهم من ~~أنهم يشكرون فعلم أن الحق الذي لا معدل عنه الإنابة في كل حال إليه كما ~~أجمعوا في وقت الشدائد عليه، وأن غيره مما فرقهم ضلال، لا يعدله قبالا ~~ولا ما يعدله قبال. # ولما كان هذا الفعل مما لا يفعله إلا شديد الغباوة أو العناد، وكانوا ~~يدعون أنهم أعقل الناس، ربا بهم عن منزلة البله إلى ما الجنون خير منه ~~تهكما بهم فقال: { ليكفروا بما } ولفت الكلام إلى مظهر العظمة فقال: { ~~آتيناهم } أي من الرحمة التي من عظمتها أنه لا يقدر عليها غيرنا أمنا من ~~أن يقعوا في شدة اخرى فنهلكهم بما أغضبونا، أو توسلا بذلك إلى أن نخلصهم ~~متى وقعوا في أمثالها، فلما أضل عقولهم وأسفه آراءهم!. # ولما كان فعلهم هذا سببا لغاية الغضب، دل عليه بتهديده ملتفتا إلى ~~المخاطبة بقوله: { فتمتعوا } أي بما أردتم فيه بالشرك من اجتماعكم عند ~~الأصنام وتواصلكم بها وتعاطفكم، وسبب عن هذا التمتع قوله: { فسوف تعلمون* ~~} أي يكون لكم بوعد لا خلف فيه علم فتعرفون إذا حل بكم البلاء وأحاط بكم ~~جميعا المكروه هل ينفعكم شيء من الأصنام أو من اتخذتم عنده يدا ~~بعبادتها ووافقتموه في التقرب إليها. # ولما بكتهم بقوله: { هل لكم مما ملكت أيمانكم } ووصل به ما تقدم أنه في ~~غاية التواصل، عاد له ملتفتا إيذانا بالتهاون بهم إلى مقام الغيبة ~~إبعادا لهم عن جنابه حيث جلى لهم هذه الأدلة واستمروا في خطر إغضابه ~~بقوله: { أم أنزلنا } بما لنا من العظمة { عليهم سلطانا } أي دليلا ~~واضحا قاهرا { فهو } أي ذلك السلطان لظهور بيانه { يتكلم } كلاما ~~مجازيا بدلالته وإفهامه، ويشهد { بما } أي بصحة الذي { كانوا } أي كونا ~~راسخا { به } أي خاصة { يشركون * } بحيث لم يجدوا بدا من متابعته ~~لتزول عنهم الملامة، وهذه العبارة تدل على أنهم لازموا الشرك ملازمة ~~صيرته لهم خلقا لا ينفك. ### || [30.36-39] # ولما بان بهذين المتعادلين ms3578 أنه لم يضطرهم إلى الإشراك عرف في أنفسهم ~~مستمر دائم، ولا دليل عقلي ظاهر، ولا أمر من الله قاهر، فبان أنهم لم ~~يتبعوا عقلا ولا نقلا، بل هم أسرى الهوى المبني على محض الجهل، وكان قد ~~صرح بذلك عقب العديل الأول، لمح هنا، وترك التصريح به لإغناء الأول عنه، ~~واستدل عليه بدليل خالفوا فيه العادة المستمرة، والدلالة الشهودية ~~المستقرة، فقال عاطفا على { وإذا مس } دالا على خفة أحلامهم من وجه آخر ~~غير الأول: { وإذا } معبرا بأداة التحقيق إشارة إلى أن الرحمة أكثر من ~~النقمة، وأسند الفعل إليه في مقام العظمة إشارة إلى سعة جوده فقال: { ~~أذقنا } وجرى الكلام على النمط الماضي في العموم لمناسبة مقصود السورة في ~~أن الأمر كله له في كل شيء فقال: { الناس رحمة } أي نعمة من غنى ونحوه لا ~~سبب لها إلا رحمتنا { فرحوا بها } أي فرح مطمئن بطر آمن من زوالها، ناسين ~~شكر من أنعم بها، وقال: { وإن } بأداة الشك دلالة على أن المصائب أقل ~~وجودا، وقال: { تصبهم } غير مسند لها إليه تأديبا لعباده وإعلاما ~~بغزير كرمه { سيئة } أي شدة تسوءهم من قحط ونحوه. # ولما كانت المصائب مسببة عن الذنوب، قال منبها لهم على ذلك منكرا ~~قنوطهم وهم لا يرجعون عن المعاصي التي عوقبوا بسببها: { بما قدمت أيديهم ~~} أي من المخالفات، مسندا له إلى اليد لأن أكثر العمل بها { إذا هم } أي ~~بعد ما ساءهم وجودها مساءة نسوا بها ما خولوا فيه من النعم وجملوا له من ~~ملابس الكرم { يقنطون* } أي فاجاؤوا البأس، مجددين له في كل حين من أحيان ~~نزولها وإن كانوا يدعون ربهم في كشفها ويستعينونه لصرفها مع مشاهدتهم لضد ~~ذلك في كلا الشقين في أنفسهم وغيرهم متكررا، ولذلك أنكر عليه عدم الرؤية ~~دالا بواو العطف أن التقدير: ألم يروا في أنفسهم تبدل الأحوال، قائلا: ~~{ أولم يروا } أي بالمشاهدة والإخبار رؤية متكررة، فيعلموا علما هو في ~~ثباته كالمشاهد المحسوس، وعبر بالرؤية الصالحة للبصر والبصيرة لأن مقصود ~~السورة إثبات الأمر كله لله، ولا يكفي ms3579 فيه إلا بذل الجهد وإمعان النظر، ~~والسياق لذم القنوط الذي يكفي في بقية المشاهدة لاختلاف الأحوال، بخلاف ~~الزمر التي مقصودها الدلالة على صدق الوعد الكافي فيه مطلق العلم. # ولما كان في البسط والقبض جمع بين جلال وجمال، لفت الكلام بذكر الاسم ~~الجامع فقال: { أن الله } بجلاله وعظمته { يبسط الرزق } أي يكثره { لمن ~~يشاء } أي من عباده منهم ومن غيرهم { ويقدر } أي يضيق، وإن هذا شأنه ~~دائما مع الشخص الواحد في أوقات متعاقبة متباعدة ومتقاربة، ومع الأشخاص ~~ولو في الوقت الواحد، فلو اعتبروا حال قبضه سبحانه لم يبطروا، ولو ~~اعتبروا حال بسطه لم يقنطوا، بل كان حالهم الصبر في البلاء، والشكر في ~~الرخاء، والإقلاع عن السيئة التي نزل بسببها القضاء، فقد عرف من حالهم ~~أنهم متقيدون دائما بالحالة الراهنة. # يغلطون في الأمور المتكررة المشاهدة، فلا عجب في تقيدهم في إنكار البعث ~~بهذه الحياة الدنيا. # ولما لم يغن أحد منهم في استجلاب الرزق قوته وغزارة عقله ودقة مكره ~~وكثرة حيله، ولا ضره ضعفه وقلة عقله وعجز حيلته، وكان ذلك أمرا عظيما ~~ومنزعا مع شدة ظهوره وجلالته خفيا دقيقا كما قال بعضهم: # كم عاقل عاقل أعيت مذاهبه # وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا # أشار سبحانه إلى عظمته بقوله، مؤكدا لأن عملهم في شدة اهتمامهم بالسعي ~~في الدنيا عمل من يظن تحصيلها إنما هو على قدر الاجتهاد في الأسباب: { إن ~~في ذلك } أي الأمر العظيم من الإقتار في وقت والإغناء في آخر والتوسيع ~~على شخص والتقتير على آخر، والأمن من زوال الحاضر من النعم مع تكرر ~~المشاهدة للزوال في النفس والغير، واليأس من حصولها عند المحنة مع كثرة ~~وجدان الفرج وغير ذلك من أسرار الآية { لآيات } أي دلالات واضحات على ~~الوحدانية لله تعالى وتمام العلم وكمال القدرة، وأنه لا فاعل في الحقيقة ~~إلا هو لكن { لقوم } أي ذوي همم وكفاية للقيام بما يحق لهم أن يقوموا فيه ~~{ يؤمنون } أي يوجدون هذا الوصف ويديمون تجديده كل وقت لما يتواصل عندهم ~~من قيام الأدلة، بإدامة التأمل والإمعان في ms3580 التفكر، والاعتماد في الرزق ~~على من قال # ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر # [القمر: 17] أي من طالب علم فيعان عليه فلا يفرحون بالنعم إذا حصلت ~~خوفا من زوالها إذا أراد القادر، ولا يغتمون بها إذا زالت رجاء في ~~إقبالها فضلا من الرازق، لأن " أفضل العبادة انتظار الفرج " بل هم بما ~~عليهم من وظائف العبادة واجبها ومندوبها معرضون عما سوى ذلك، وقد وكلوا ~~أمر الرزق إلى من تولى أمره وفرغ من قسمه وقام بضمانه، وهو القدير ~~العليم. # ولما أفهم ذلك عدم الاكتراث بالدنيا لأن الاكتراث بها لا يزيدها، ~~والتهاون بها لا ينقصها، فصار ذلك لا يفيد إلا تعجيل النكد بالكد والنصب، ~~وكان مما تقدم أن السيئة من أسباب المحق، سبب عنه الإقبال على إنفاقها في ~~حقوقها إعراضا عنها وإيذانا بإهانتها وإيقانا بأن ذلك هو استيفاؤها ~~واستثمارها واستنماؤها، فقال خاصا بالخطاب أعظم المتأهلين لتنفيذ أوامره ~~لأن ذلك أوقع في نفوس الأتباع، وأجدر بحسن القبول منهم والسماع: { فآت } ~~يا خير الخلق! { ذا القربى حقه } بادئا به لأنه أحق الناس بالبر، صلة ~~للرحم وجودا وكرما { والمسكين } سواء كان ذا القربى أو لا { وابن ~~السبيل } وهو المسافر كذلك، والحق الذي ذكر لهما الظاهر أنه يراد به ~~النفل لا الواجب، لعدم ذكر بقية الأصناف، ودخل الفقير من باب الأولى. # ولما أمر بالإيتاء، رغب فيه فقال: { ذلك } أي الإيتاء العالي الرتبة { ~~خير } ولما كان سبحانه أغنى الأغنياء فهو لا يقبل إلا ما كان خالصا ~~لوجهه لا رياء فيه، قال معرفا أن ذلك ليس قاصرا على من خص بالخطاب بل ~~كل من تأسى به نالته بركته { للذين يريدون } بصيغة الجمع، ولما كان ~~الخروج عن المال في غاية الصعوبة، رغب فيه بذكر الوجه الذي هو أشرف ما في ~~الشيء المعبر به هنا عن الذات وبتكرير الاسم الأعظم المألوف لجميع الخلق ~~فقال: { وجه الله } أي عظمة الملك الأعلى، فيعرفون من حقه ما يتلاشى ~~عندهم على كل ما سواه فيخلصون له { وأولئك } العالو الرتبة لغناهم عن كل ~~فان { هم } خاصة ms3581 { المفلحون* } أي الذين لا يشوف فلاحهم شيء من الخيبة، ~~وأما غيرهم فخائب، أما إذا لم ينفق فواضح، وأما من أنفق على وجه الرياء ~~بالسمعة والرياء فإنه خسر ماله، وأبقى عليه وباله، وأما من أنفق على وجه ~~الرياء الحقيقي فقد صرح به تعريفا بعظيم فحشه صارفا الخطاب عن المقام ~~الشريف الذي كان مقبلا عليه، تعريفا بتنزه جنابه عنه، وبعد تلك الهمة ~~العلية والسجايا الطاهرة النقية منه، إلى جهة من يمكن ذلك منهم فقال: { ~~وما آتيتم } أي جئتم أي فعلتم - في قراءة ابن كثير بالقصر ليعم المعطي ~~والآخذ والمتسبب، أو أعطيتم - في قراءة غيره بالمد { من ربا } أي مال على ~~وجه الربا المحرم أو المكروه، وهو أن يعطي عطية ليأخذ في ثوابها أكثر ~~منها، وكان هذا مما حرم على النبي صلى الله عليه وسلم تشريفا له، وكره ~~لعامة الناس. وعلى قراءة ابن كثير بالقصر المعنى: وما جئتم به من إعطاء ~~بقصد الربا { ليربوا } أي يزيد ويكثر ذلك الذي أعطيتموه أو فعلتوه، أو ~~لتزيدوا أنتم ذلك - على قراءة المدنيين ويعقوب بالفوقانية المضمومة، من: ~~أربى { في أموال الناس } أي تحصل فيه زيادة تكون أموال الناس ظرفا لها، ~~فهو كناية عن أن الزيادة التي يأخذها المربي من أموالهم لا يملكها أصلا ~~{ فلا يربوا } أي يزكوا وينمو { عند الله } أي الملك الأعلى الذي له ~~الغنى المطلق وكل صفات الكمال، وكل ما لا يربو عند الله فهو غير مبارك بل ~~ممحوق لا وجود له، فإنه إلى فناء وإن كثر # يمحق الله الربا ويربي الصدقات # [البقرة: 276]. # ولما ذكر ما زيادته نقص، أتبعه ما نقصه زيادة فقال: { وما آتيتم } أي ~~أعطيتم للإجماع على مدة لئلا يوهم الترغيب في أخذ الزكاة { من زكاة } أي ~~صدقة، وعبر عنها بذلك ليفيد الطهارة والزيادة، أي تطهرون بها أموالكم من ~~الشبه، وأبدانكم من مواد الخبث، وأخلاقكم من الغل والدنس. ولما كان ~~الإخلاص عزيزا، أشار إلى عظمته بتكريره فقال: { تريدون } أي بها { وجه ~~الله } خالصا مستحضرين لجلاله وعظمته وكماله، وعبر عن الذات بالوجه لأنه ~~الذي ms3582 يجل صاحبه ويستحي منه عند رؤيته وهو أشرف ما في الذات. # ولما كان الأصل: فأنتم، عدل به إلى صيغة تدل على تعظيمه بالالتفات إلى ~~خطاب من بحضرته من أهل قربه وملائكته، لأن العامل يجب أن يكون له بعمله ~~لسان صدق في الخلائق فكيف إذا كان من الخالق، وبالإشارة إليه بأداة البعد ~~إعلاما بعلو رتبته، وأن المخاطب بالإيتاء كثير، والعامل قليل وجليل، ~~فقال: { فأولئك } ولعل إفراد المخاطب هنا للترغيب في الإيتاء بأنه لا ~~يفهم ما لأهله حق فهمه سوى المنزل عليه هذا الوحي صلى الله عليه وسلم { ~~هم } أي خاصة { المضعفون* } أي الذين ضاعفوا أموالهم في الدنيا بسبب ذلك ~~الحفظ والبركة، وفي الآخرة بكثرة الثواب عند الله من عشرة أمثال إلى ما ~~لا حصر له كما يقال: مقو وموسر ومسمن ومعطش - لمن له قوة ويسار وسمن في ~~إبله وعطش ونحو ذلك. ### || [30.40-44] # ولما وضح بهذا أنه لا زيادة إلا فيما يزيده الله، ولا خير إلا فيما ~~يختاره الله، فكان ذلك مزهدا في زيادة الاعتناء بطلب الدنيا، بين ذلك ~~بطريق لا أوضح منه فقال: { الله } أي بعظيم جلاله لا غيره { الذي خلقكم } ~~أي أوجدكم على ما أنتم عليه من التقدير لا تملكون شيئا. # ولما كان الرزق موزعا بين الناس بل هو ضيق على كثرته عن كثير منهم، ~~فكان رزق من تجدد - لا سيما إن كان ابنا لفقير - مستبعدا، أشار إليه ~~بأداة البعد فقال: { ثم رزقكم } ولما كانت إماتة المتمكن من بدنه وعقله ~~وقوته وأسباب نبله عجيبة، نبه عليها بقوله: { ثم يميتكم } ولما كان كل ~~ذلك في الحقيقة عليه هينا، وكان الإحياء بعد الإماتة إن لم يكن أهون من ~~الإحياء أول مرة كان مثله وإن استبعدوه قال: { ثم يحييكم }. # ولما استغرق بما ذكر جميع ذواتهم وأحوالهم، وكان الشريك من قام بشيء من ~~العمل أو المعمول فيه، وكان من المعلوم أنه ليس لشركائهم في شيء من ذلك ~~نوع صنع، قال منكرا عليهم: { هل من } ولما كان إشراكهم بما أشركوا لم ~~تظهر له ثمرة إلا ms3583 في أنهم جعلوا لهم جزءا من أموالهم، عبر بقوله: { ~~شركائكم } أي الذين تزعمونهم شركاء { من يفعل من ذلكم } مشيرا إلى علو ~~رتبته بأداة البعد وخطاب الكل. ولما كان الاستفهام الإنكاري التوبيخي في ~~معنى النفي، قال مؤكدا له مستغرقا لكل ما يمكن منه ولو قل جدا: { من ~~شيء } أي يستحق هذا الوصف الذي تطلقونه عليه. # ولما لزمهم قطعا أن يقولوا: لا وعزتك! ما لهم ولا لأحد منهم في شيء من ~~ذلك من فعل، أشار إلى عظيم ما ارتكبوه بما أنتجه هذا الدليل، فقال معرضا ~~عنهم زيادة في التعظيم والعظمة، منزها لنفسه الشريفة منها على التنزيه ~~ببعد رتبته الشماء من حالهم: { سبحانه } أي تنزه تنزها لا يحيط به الوصف ~~من أن يكون محتاجا إلى شريك، فإن ذلك نقص عظيم. ولما كان من أخبر بأنه ~~فعل شيئا أو يفعله كالإماتة والإحياء بالبعث وغيره لا يحول بينه وبينه ~~المقاوم من شريك ونحوه، قال: { وتعالى } أي علوا لا تصل إليه العقول، ~~كما دلت عليه صيغة التفاعل، وجرت قراءة حمزة والكسائي بالخطاب على ~~الأسلوب الماضي، وأذنت قراءة الباقين بالغيب بالإعراض للغضب في قوله ~~معبرا بالمضارع إشارة إلى أن العاقل من شأنه أنه لا يقع منه شرك أصلا، ~~فكيف إذا كان على سبيل التجدد والاستمرار: { عما يشركون* } في أن يفعلوا ~~شيئا من ذلك أو يقدروا بنوع من أنواع القدرة على أن يحولوا بينه وبين ~~شيء مما يريد ليستحقوا بذلك أن يعظموا نوع تعظيم، فنزهوه وعظموه بالبراءة ~~من كل معبود سواه. # ولما بين لهم سبحانه من حقارة شركائهم ما كان حقهم به أن يرجعوا، فلم ~~يفعلوا، أتبعه ما أصابهم به على غير ما كان في أسلافهم عقوبة لهم على ~~قبيح ما ارتكبوا، استعطافا للتوبة فقال: { ظهر الفساد } أي النقص في ~~جميع ما ينفع الخلق { في البر } بالقحط والخوف ونحوهما { والبحر } بالغرق ~~وقلة الفوائد من الصيد ونحوه من كل ما كان يحصل منه قبل. وقال البغوي: ~~البر البوادي والمفاوز، والبحر المدائن والقرى التي على المياه الجارية، ~~قال عكرمة: العرب ms3584 تسمي المصر بحرا. ثم بين سببه بقوله: { بما } ولما ~~أغنى السياق بدلالته على السيئات عن الافتعال قال: { كسبت } أي عملت من ~~الشر عملا هو من شدة تراميهم إليه وإن كان على أدنى الوجوه بما أشار ~~إليه تجريد الفعل كأنه مسكوب من علو، ومن شدة إتقان شره كأنه مسبوك. # ولما كان أكثر الأفعال باليد، أسند إليها ما يراد به الجملة مصرحا ~~بعموم كل ما له أهلية التحرك فقال: { أيدي الناس } أي عقوبة لهم على ~~فعلهم. ولما ذكر علته البدائية، ثنى بالجزائية فقال: { لنذيقهم } أي بما ~~لنا من العظمة في رواية قنبل عن ابن كثير بالنون لإظهار العظمة في ~~الإذاقة للبعض والعفو عن البعض، وقراءة الباقين بالتحتانية على سنن ~~الجلالة الماضي؛ وأشار إلى كرمه سبحانه بقوله: { بعض الذي عملوا } أي ~~وباله وحره وحرقته، ويعفو عن كثير إما أصلا ورأسا، وإما المعاجلة به ~~ويؤخره إلى وقت ما في الدنيا، أو إلى الآخرة، والمراد الجزاء بمثل ~~أعمالهم جزاء لها تعبيرا عن المسبب بالسبب الذي أتوه إلى الناس فيعرفوا ~~إذا سلبوا المال مقدار ما ذاق منهم ذلك الذي سلبوه، وإذا قتل لهم حميم ~~حرارة ما قاسى حميم ما قتلوه، ونحو ذلك مما استهانوه لما أتوه إلى غيرهم ~~من الأذى البالغ وهم يتضاحكون ويعجبون من جزعه ويستهزؤون غافلين عن شدة ~~ما يعاني من أنواع الحرق هو ومن يعز عليه أمره، ويهمه شأنه، ويده قد غلها ~~عن المساعدة العجز، وقصرها الضعف والقهر؛ ثم ثلث بالعلة الغائية فقال: { ~~لعلهم يرجعون* } أي ليكون حالهم عند من ينظرهم حال من يرجى رجوعه عن فعل ~~مثل ذلك خوفا من أن يعاد لهم بمثل ذلك من الجزاء. # ولما كان الإنسان - لنقصه في تقيده بالجزئيات - شديد الوقوف مع العقل ~~التجربي، وكان علمهم بأيام الماضين ووقائع الأولين كافيا لهم في العظة ~~للرجوع عن اعتقادهم، والتبري من عنادهم، وكانوا - لما لم يروا آثارهم ~~رؤية اعتبار، وتأمل وادكار، عدوا ممن لم يرها، فنبه سبحانه على ذلك ~~بالاحتجاب عنهم بحجاب العزة، أمرا له صلى الله عليه وسلم ms3585 بأن يأمرهم ~~بالسير للنظر، فقال تأكيدا لمعنى الكلام السابق نصحا لهم ورفقا بهم: { ~~قل } أي لهؤلاء الذي لا هم لهم إلا الدنيا، فلا يعبرون فيما ينظرون من ~~ظاهر إلى باطن: { سيروا } وأشار إلى استغراق ديار المهلكين كل حد ما ~~حولهم من الجهات كما سلف فقال: { في الأرض } فإن سيركم الماضي لكونه لم ~~يصحبه عبرة عدم. # ولما كان المراد الانقياد إلى التوحيد، وكان قد ذكرهم بما أصابهم على ~~نحو ما أصاب به الماضين قال: { فانظروا } بفاء التعقيب، ولما كان ما أحله ~~بهم في غاية الشدة، عرفهم بذلك، فساق مساق الاستفهام تخويفا لهم من ~~إصابتهم بمثله فقال: { كيف } ولما كان عذابهم مهولا، وأمرهم شديدا ~~وبيلا، دل عليه بتذكير الفعل فقال: { كان عاقبة } أي آخر أمر { الذين } ~~ولما كان المراد طوائف المعذبين، وكانوا بعض من مضى، فلم يستغرقوا ~~الزمان، بعض فقال: { من قبل } أي من قبل أيامكم أذاقهم الله وبال أمرهم، ~~وأوقعهم في حفائر مكرهم. # ولما كان هذا التنبيه كافيا في الاعتبار، فكان سامعه جديرا بأن يقول: ~~قد تأملت فرأيت آثارهم عظيمة، وصنائعهم مكينة، ومع ذلك فمدنهم خاليه ~~وبيوتهم خاوية، قد ضربوا بسوط العذاب، فعمهم الخسار والثياب، فما لهم ~~عذبوا، فأجيب بقوله: { كان أكثرهم مشركين* } فلذلك أهلكناهم ولم تغن ~~عنهم كثرتهم، وأنجينا المؤمنين وما ضرتهم قلتهم. # ولما كانوا مع كثرة مرورهم على ديارهم، ونظرهم لآثارهم، وسماعهم ~~لأخبارهم، لم يتعظوا، أشير إلى أنهم عدم، بصرف الخطاب عنهم، وتوجيهه إلى ~~السامع المطيع، فقال مسببا عما مضى من إقامة الأدلة والوعظ والتخويف: { ~~فأقم } أي يا من لا يفهم عنا حق الفهم سواه، لأنا فضلناه على جميع الخلق ~~{ وجهك } أي لا تلفته أصلا { للدين القيم } الذي لا عوج فيه بوجه، بل ~~هو عدل كله، من التبري من الأوثان إلى التلبس بمقام الإحسان، فالزمه ~~واجعله بنصب عينك لا تغفل عنه ولا طرفة عين، لكونه سهلا فيما تسبب ~~الإعانه عليه في الظاهر بالبيان الذي ليس معه خفاء، وفي الباطن بالجبل ~~عليه حتى أنه ليقبله الأعمى والأصم والأخرس، ويصير فيه ms3586 كالجبل رسوخا. # ولما كان حفظ الاستقامة عزيزا، أعاد التخويف لحفظ أهلها، فقال ميسرا ~~الأمر بعدم استغراق الزمان بإثبات الجار، إشارة إلى الرضا باليسير من ~~العمل ولو كان ساعة من نهار، بشرط الاتصال بالموت: { من قبل } وفك المصدر ~~للتصريح فقال: { أن يأتي يوم } أي عظيم، وهو يوم القيامة، أو الموت، ~~وأشار إلى تفرده سبحانه في الملك بقوله: { لا مرد له } ولفت الكلام في ~~رواية قنبل من مظهر العظمة إلى أعظم منه لاقتضاء المقام ذلك وأظهر في ~~رواية الباقين لئلا يتوهم عود الضمير إلى الدين فقال: { من الله } وإذا ~~لم يرده هو لوعده بالإتيان به، وهو ذو الجلال والإكرام، فمن الذي يرده. # ولما حقق إتيانه، فصل أمره مرغبا مرهبا، فقال: { يومئذ } أي إذ يأتي { ~~يصدعون* } أي تتفرق الخلائق كلهم فرقة قد تخفى على بعضهم - بما أشار إليه ~~الإدغام، فيقولون: ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار. # ولما كان المعنى أنهم فريق في الجنة وفريق في السعير، بين ذلك ببيان ~~عاقبة سببه في جواب من كأنه قال: إلى أين يتفرقون؟ قائلا: { من كفر } أي ~~منهم فعلم شيئا { فعليه } أي لا على غيره { كفره } أي وباله، وعلى ~~أنفسهم يعتدون ولها يهدمون فيصيرون في ذلك اليوم إلى النار التي هم بها ~~مكذبون، ومن كان عليه كفره الذي أوبقه إلى الموت، فلا خلاص له فيما بعد ~~الفوت، ووحد الضمير ردا له على لفظ من نصا على أن كل واحد مجزي بعمله ~~لا المجموع من حيث هو مجموع، وإفهاما لأن الكفرة قليل وإن كانوا أكثر من ~~المؤمنين، لأنهم لا مولى لهم، ولتفرق كلمتهم # تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى # [الحشر: 14] ولأنه لا اجتماع بين أهل النار ليتأسى بعضهم ببعض، بل كل ~~منهم في شغل شاغل عن معرفة ما يتفق لغيره { ومن عمل صالحا } أي بالإيمان ~~وما يترتب عليه، وأظهر ولم يضمر لئلا يتوهم عود الضمير على { من كفر } ~~وبشارة بأن أهل الجنة كثير وإن كانوا قليلا، لأن الله مولاهم فهو يزكيهم ~~ويؤيدهم، وفي جمع الجزاء مع إفراد ms3587 الشرط ترغيب في العمل من غير نظر إلى ~~مساعد بأنه ينفع نفسه وغيره، لأن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا، ~~وأقل ماينفع والديه وشيخه في ذلك العمل، وعبر بالنفس ليدل - بعد الدلالة ~~على إرادة العامل ومن شايعه حتى كان بحكم اتحاد القصد إياه - على أن ~~العمل الصالح يزكي النفوس ويطهرها من رذائل الأخلاق، فقال: { فلأنفسهم } ~~أي خاصة أعمالهم ولهم خاصة عملهم الصالح ولأنفسهم { يمهدون } أي يسوون ~~ويوطئون منازل في القبور والجنة، بل وفي الدنيا فإن الله يعزهم بعز ~~طاعته، والآية من الاحتباك: حذف أولا عدوانهم على أنفسهم لما دل عليه من ~~المهد، وثانيا كون العمل خاصا بهم لما دل عليه من كون الكفر على صاحبه ~~خاصة، وأحسن من هذا أن يقال: ذكر الكفر الذي هو السبب دليلا على الإيمان ~~ثانيا، والعمل الصالح الذي هو الثمرة ثانيا دليلا على العمل السيء ~~أولا. ### || [30.45-47] # ولما فرغ من بيان تصدعهم، ذكر علته فقال: { ليجزي } أي الله سبحانه الذي ~~أنزل هذه السورة لبيان أنه ينصر أولياءه لإحسانهم لأنه مع المحسنين، ~~ولذلك اقتصر هنا على ذكرهم فقال: { الذين آمنوا } أي ولو على أدنى الوجوه ~~{ وعملوا } أي تصديقا لإيمانهم { الصالحات } ولما كانت الأعمال نعمة ~~منه، فكان الجزاء محض إحسان، قال: { من فضله }. # ولما كان تنعيمهم من أعظم عذاب الكافرين الذين كانوا يهزؤون بهم ويضحكون ~~منهم، علله بقوله على سبيل التأكيد لدعوى من يظن أن إقبال الدنيا على ~~العصاة لمحبة الله لهم: { إنه لا يحب الكافرين* } أي لا يفعل مع العريقين ~~في الكفر فعل المحب، فلا يسويهم بالمؤمنين، وعلم من ذلك ما طوى من ~~جزائهم، فالآية من وادي الاحتباك، وهو أن يؤتي بكلامين يحذف من كل منهما ~~شيء ويكون نظمهما بحيث يدل ما أثبت في كل على ما حذف من الآخر، فالتقدير ~~هنا بعد ما ذكر من جزاء الذين آمنوا أنه يحب المؤمنين ويجزي الذين كفروا ~~وعملوا السيئات بعدله لأنه لا يحب الكافرين، فغير النظم ليدل مع دلالته ~~كما ترى على ما حذف على أن إكرام المؤمنين ms3588 هو المقصود بالذات، وهو بعينه ~~إرغام الكافرين، وعبر في شق المؤمنين بالمنتهى الذي هو المراد من محبة ~~الله لأنه أسر. وفي جانب الكافرين بالمبدأ الذي هو مجاز لأنه أنكأ وأضر. # ولما ختم في أول السورة الآيات الدالة على الوحدانية المستلزمة للبعث ~~لأن به تمام ظهور الحكمة، وانكشاف غطاء القلوب عن صفات العظمة، بأن قيام ~~السماء والأرض بأمره وأتبع ذلك ما اشتد التحامه به، وختمه ببعض الكافرين ~~بعد ذكر يوم البعث، أتبعه ذكر ما حفظ به قيام الوجود، وهو الرياح، يجعلها ~~سببا في إدرار النعم التي منها ما هو أعظم أدلة البعث وهو النبات، وهي ~~بجملتها دليل ذلك وسبب القرار في البر والسير في البحر الموصل لمنافع بعض ~~البلاد إلى بعض، وبذلك انتظم الأمر لأهل الأرض، فاستعمل المؤمن منهم ما ~~رزقه سبحانه من العقل في النظر في ذلك حتى أداه إلى شكره فأحبه، واقتصر ~~الكافر على الدأب فيما يستجلب به تلك النعم ويستكثرها، فأبطره ذلك فأوصله ~~إلى كفره فأبغضه، والرياح أيضا أشبه شيء بالناس، منها النافع نفعا ~~كبيرا، ومنها الضار ضرا كثيرا، فقال: { ومن آياته } أي الدلالات ~~الواضحة الدالة علم كمال قدرته وتمام علمه الدال على أنه هو وحده الذي ~~أقام هذا الوجود، وكما أنه أقامه فهو يقيم وجودا آخر هو زبدة الأمر، ~~ومحط الحكمة، وهو أبدع من هذا الوجود، يبعث فيه الخلق بعد فنائهم، ويتجلى ~~لفصل القضاء بينهم، فيأخذ بالحق لمظلومهم من ظالمهم، ثم يصدعهم فيجعل ~~فريقا منهم في الجنة دار الإعانة والكرامة، وفريقا في السعير غار ~~الإهانة والملامة { أن يرسل الرياح } على سبيل التجدد والاستمرار، وهي ما ~~عدا الدبور المشار في الحديث الشريف إلى الاستعاذة منها # " اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا " # وقد تقدم من شرحي لها عند # من يرسل الرياح بشرا # في [النمل: 63] ما فيه كفاية، وفي جمعها المجمع عليه هنا لوصفها بالجمع ~~إشارة إلى باهر القدرة، فإن تحويل الريح الواحدة من جهة إلى أخرى أمر ~~عظيم لا قدرة لغيره عليه في الفضاء الواسع، وكذا إسكانه، فكيف إذا ms3589 كانت ~~رياح متعاكسة، ففي إثارتها كذلك ثم إسكانها من باهر القدرة ما لا يعلمه ~~إلا أولو البصائر { مبشرات } أي لكم بكل ما فيه نفعكم من المطر والروح ~~وبرد الأكباد ولذة العيش. # ولما كان التقدير: ليهلك بها من يشاء من عباده، أو ليدفع عنكم ما يحصل ~~بفقدها من نقمته من الحر، وما يتبعه من انتشار المفسدات، واضمحلال ~~المصلحات، وطواه لأن السياق لذكر النعم، عطف عليه قوله مثبتا اللام ~~إيضاحا للمعطوف عليه: { وليذيقكم } وأشار إلى عظمة نعمة بالتبعيض في ~~قوله: { من رحمته } أي نعمه من المياه العذبة والأشجار الرطبة، وصحة ~~الأبدان، وخصب الزمان، وما يتبع ذلك من أمور لا يحصيها إلا خالقها، ولا ~~يتصورها حق تصورها إلا من فقد الرياح، من وجود الروح وزكاء الأرض وإزالة ~~العفونة من الهواء والإعانة على تذرية الحبوب وغير ذلك، وأشار إلى عظمة ~~هذه النعمة وإلى أنها صارت لكثرة الإلف مغفولا عنها بإعادة اللام فقال: ~~{ ولتجري الفلك } أي السفن في جميع البحار وما جرى مجراها عند هبوبها. # ولما أسند الجري إلى الفلك نزعه منها بقوله: { بأمره } أي بما يلائم من ~~الرياح اللينة، وإذا أراد أعصفها فأغرقت، أو جعلها متعاكسة فحيرت ورددت، ~~حتى يحتال الملاحون بكل حيلة على إيقاف السفن لئلا تتلف. # ولما كان كل من مجرد السير في البحر والتوصل به من بلد إلى بلد نعمة في ~~نفسه، عطف على { لتجري } قوله، منبها بإعادة اللام إيضاحا للمعطوف عليه ~~على تعظيم النعمة: { ولتبتغوا } أي تطلبوا طلبا ماضيا بذلك السير، وعظم ~~ما عنده بالتبعيض في قوله: { من فضله } مما يسخر لكم من الريح بالسفر ~~للمتجر من بلد إلى بلد والجهاد وغيره { ولعلكم } أي ولتكونوا إذا فعل بكم ~~ذلك على رجاء من أنكم { تشكرون* } ما أفاض عليكم سبحانه من نعمه، ودفع ~~عنكم من نقمه. # ولما كان التقدير: فمن أذاقه من رحمته، ومن كفر أنزل عليه من نقمته، ~~وكان السياق كله لنصر أوليائه وقهر أعدائه، وكانت الرياح مبشرات ومنذرات ~~كالرسل، وكانت موصوفة بالخير كما في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها ms3590 " ~~فلرسول الله صلى الله عليه وسلم حين يلقاه جبريل عليه السلام أجود بالخير ~~من الريح المرسلة " وكانت في كثرة منافعها وعمومها إن كانت نافعة، ~~ومضارها إن كانت ضارة، أشبه شيء بالرسل في إنعاش قوم وإهلاك آخرين، وما ~~ينشأ عنها كما ينشأ عنهم. # كما قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه الشيخان عن أبي موسى رضي ~~الله عنه: البخاري في العلم، ومسلم في المناقب # " مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا، ~~فكانت طائفة منها طيبة فقبلت الماء وأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت ~~منها طائفة أجادب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، ~~وأصاب منها طائفة أجادب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا ~~وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلاء، ~~فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم ومثل من ~~لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به " # ولما كان الأمر كذلك، عطف على قوله: " ينصر من يشاء " وقوله: { ثم كان ~~عاقبة الذين أساءوا السوءى } أو على ما تقديره تسبيبا عن قوله: { فأقم ~~وجهك للدين القيم }: فلقد أرسلناك بشيرا لمن أطاع بالخير، ونذيرا لمن ~~عصى بالشر، قوله مسليا لهذا النبي الكريم، عليه أفضل الصلاة والتسليم، ~~وأتباعه، ولفت الكلام إلى مقام العظمة لاقتضاء سياق الانتقام لها، وأكد ~~إشارة إلى أن الحال باشتداده وصل إلى حالة اليأس، أو لإنكار كثير من ~~الناس إرسال البشر: { ولقد أرسلنا } بما لنا من العزة. # ولما كانت العناية بالإخبار بأن عادته ما زالت قديما وحديثا على نصر ~~أوليائه، قال معلما بإثبات الجار أن الإرسال بالفعل لم يستغرق زمان ~~القبل، أو أن الكلام في خصوص الأمم المهلكة: { من قبلك } مقدما له على { ~~رسلا } أوللتنبيه على أنه خاتم النبيين بتخصيص إرسال غيره بما قبل ~~زمانه، وقال: { إلى قومهم } إعلاما بأن بأس الله إذا جاء لا ينفع فيه ~~قريب ولا بعيد، وزاد في التسلية بالتذكير ms3591 إشارة إلى شدة أذى القوم ~~لأنبيائهم حيث لم يقل " إلى قومها ". # ولما كان إرسال الله سببا لا محالة للبيان الذي لا لبس معه قال: { ~~فجاءوهم بالبينات } فانقسم قومهم إلى مسلمين ومجرمين { فانتقمنا } أي ~~فكانت معاداة المسلمين للمجرمين فينا سببا لأنا انتقمنا بما لنا من ~~العظمة { من الذين أجرموا } لأجرامهم، وهو قطع ما أمرناهم بوصله اللازم ~~منه وصل ما أمروا بقطعه، فوصلوا الكفر وقطعوا الإيمان، فخذلناهم وكان ~~حقا علينا قهر المجرمين، إكراما لمن عادوهم فينا، وأنعمنا على الذين ~~آمنوا فنصرناهم. # ولما كان محط الفائدة إلزامه سبحانه لنفسه بما تفضل به، قدمه تعجيلا ~~للسرور وتطييبا للنفوس فقال: { وكان } أي على سبيل الثبات والدوام { ~~حقا علينا } أي بما أوجبناه لوعدنا الذي لا خلق فيه { نصر المؤمنين* } ~~أي العريقين في ذلك الوصف في الدنيا والآخرة، فلم يزل هذا دأبنا في كل ~~ملة على مدى الدهر، فإن هذا من الحكمة التي لا ينبغي إهمالها، فليعتد ~~هؤلاء لمثل هذا، وليأخذوا لذلك أهبته لينظروا من المغلوب وهل ينفعهم شيء؟ ~~والآية من الاحتباك: حذف أولا الإهلاك الذي هو أثر الخذلان لدلالة النصر ~~عليه، وثانيا الإنعام لدلالة الانتقام عليه. ### || [30.48-51] # ولما أقام سبحانه الدليل على البعث وإقامة الوجود بتصريفه الرياح كيف ~~يشاء وأتبعه آية التسلية والتهديد، وكان عذاب المذكورين فيها بالريح أو ~~ما هي سببه أو لها مدخل فيه، أتبع ذلك الإعلام بأنه مختص بذلك سبحانه ~~تنبيها على عظيم آية الرياح للخص على تدبرها، مؤكدا لأمر البعث ومصرحا ~~به، فقال ثانيا الكلام عن مقام العظمة الذي اقتضته النقمة إلى الاسم ~~الأعظم الجامع الذي نظره إلى النعمة أكثر من نظره إلى النقمة: { الله } ~~أي وحده { الذي يرسل } مرة بعد أخرى لأنه المتفرد بالكمال فلا كفوء له: { ~~الرياح } مضطربة هائجة بعد أن كانت ساكنة، وفي قراءة الجمهور بالجمع ~~خلافا لابن كثير وحمزة والكسائي تنبيه على عظيم الصنع في كونه يفعل ما ~~ذكره بأي ريح أراد { فتثير سحابا } لم يكن له وجود. # ولما أسند الإثارة إلى الرياح، نزع الإسناد إليها في البسط ms3592 والتقطيع ~~فإنه لم يجعل فيه قوة شيء من ذلك ليعلم أن الكل فعله فقال: { فيبسطه } ~~بعد اجتماعه { في السماء } أي جهة العلو. # ولما كان أمر السحاب في غاية الإعجاب في وجوده بعد أن لم يكن وأشكاله ~~وألوانه وجميع أحواله في اجتماعه وافتراقه وكثافته وما فيه من مطر ورعد ~~وبرق وغير ذلك مما لا يعلمه حق علمه إلا الله تعالى، أشار سبحانه إلى ذلك ~~بأداة الاستفهام وإن كانوا قد عدوها هنا شرطية فقال: { كيف } أي كما { ~~يشاء } أي في ناحية شاء قليلا تارة كمسيرة ساعة أو يوم، وكثيرا أخرى ~~كمسيرة أيام على أوضاع مختلفة تدلك قطعا على أنه فعله وحده باختياره لا ~~مدخل فيه لطبيعة ولا غيرها. # ولما كان المراد بذلك كونه على هيئة الاتصال، دل عليه بقوله: { ويجعله } ~~أي إذا أراد { كسفا } أي قطعا غير متصل بعضها ببعض اتصالا يمنع نزول ~~الماء { فترى } أي بسبب إرسال الله له أو بسبب جعله ذا مسام وفرج يا من ~~أهلية الرؤية، أو يا أشرف خلقنا الذي لا يعرف هذا حق معرفته سواه { الودق ~~} أي المطر المتقاطر القريب الواسع { يخرج من خلاله } أي السحاب الذي هو ~~اسم جنس في حالتي الاتصال والانفصال. # ولما كان سبحانه قد سبب عن ذلك سرور عباده لما يرجون من أثره وإن كانوا ~~كثيرا ما يشاهدون تخلف الأثر لعوارض ينتجها سبحانه، قال مسببا عن ذلك ~~مشيرا بأداة التحقق إلى عظيم فضله وتحقق إنعامه: { فإذا أصاب } أي الله ~~{ به من } أي أرض من { يشاء } ونبه على أن ذلك فضل منه لا يجب عليه لأحد ~~أصلا شيء بقوله: { من عباده } أي الذين لم تزل عبادته واجبة عليهم، وهم ~~جديرون بملازمة شكره، والخضوع لأمره، خاصا لهم بقدرته واختياره، وبين ~~خفتهم بإسراعهم إلى الاستبشار مع احتمال العاهات، جامعا ردا على معنى " ~~من " أو على " العباد " لأن الخفة من الجماعة أفحش فقال: { إذا هم ~~يستبشرون* } أي يظهر عليهم البشر، وهو السرور الذي تشرق له البشرة حال ~~الإصابة ظهورا بالغا عظيما بما يرجونه مما يحدث عنه ms3593 من الأثر النافع ~~من الخصب والرطوبة واللين؛ ثم بين طيشهم وعجزهم بقوله: { وإن } أي والحال ~~أنهم { كانوا } في الزمن الماضي كونا متمكنا في نفوسهم، وبين رب يأسهم ~~من استبشارهم دلالة على سرعة انفعالهم وكثرة تقلبهم بالجار، فقال: { من ~~قبل أن ينزل } أي المطر بأيسر ما يكون عليه سبحانه { عليهم } ثم أكد عظم ~~خفتهم وعدم قدرتهم بقوله: { من قبله } أي الاستبشار سواه من غير تخلل ~~زمان يمكن أن يدعي لهم فيه تسبب في المطر { لمبلسين* } أي ساكتين على ما ~~في أنفسهم تحيرا ويأسا وانقطاعا، فلم يكن لهم على الإتيان بشيء من ذلك ~~حيلة، ولا لمعبوداتهم صلاحية له باستقلال ولا وسيلة. # ولما انكشف بذلك الغطاء، وزاحت الشبه، أعرض سبحانه عنهم على تقدير أن ~~يكون " ترى " لمن فيه أهلية الرؤية إيذانا بأنه لا فهم لهم ملتفتا إلى ~~خلاصة الخلق الصالح للتلقي عنه قائلا مسببا عن ذلك: { فانظر } ولما كان ~~المراد تعظيم النعمة، وأن الرزق أكثر من الخلق، عبر بحرف الغاية إشارة ~~إلى تأمل الأقصى بعد تأمل الأدنى فقال: { إلى آثار } ولما لم يكن لذلك ~~سبب سوى سبق رحمته لغضبه قال: { رحمت الله } للجامع لمجامع العظة، وأظهر ~~ولم يضمر تنبيها على ما في ذلك من تناهي العظمة في تنوع الزروع بعد سقيا ~~الأرض واهتزازها بالنبات واخضرار الأشجار واختلاف الثمار، وتكون الكل من ~~ذلك الماء. # ولما كان هذا من الخوارق العظيمة، ولكنه قد تكرر حتى صار مألوفا، نبه ~~على عظمته بأنه أهل لأن يسأل عنه فقال: { كيف يحيي } أي هذا الأثر أو ~~الله مرة بعد أخرى { الأرض } بإخراج ما ذكر منها. # ولما كانت قدرته على تجديد إحيائها دائة - على ما أشار إليه المضارع ~~ودعا إليه مقصود السورة، أشار إلى ذلك أيضا بترك الجار فقال: { بعد ~~موتها } بانعدام ذلك. # ولما كان هذا دالا على القدرة على إعادة الموتى ولا بد لأنه مثله سواء، ~~فإن جميع ما لا ينبته الآدميون يتفرق في الأرض بعد كونه هشيما تذروه ~~الرياح، ويتفتت بحيث يصير ترابا، فإذا نزل عليه الماء عاد ms3594 كما كان أو ~~أحسن قال: { إن ذلك } أي العظيم الشأن الذي قدر على هذا { لمحيي الموتى } ~~كلها من الحيوانات والنباتات، أي ما زال قادرا على ذلك ثابتا له هذا ~~الوصف ولا يزال { وهو } مع ذلك { على كل شيء } من ذلك وغيره { قدير* } ~~لأن نسبة القدرة منه سبحانه إلى كل ممكن على حد سواء. # ولما كان تكرار مشاهدتهم لمثل هذا الاقتدار لا يفيدهم علما بالله ~~تعالى، دل على ذلك بقوله، لافتا الكلام إلى سياق العظمة تنبيها على ~~عظيم عفوه سبحانه مع تمام القدرة، مؤكدا له غاية التأكيد، تنبيها على ~~أنه ليس من شأن العقلاء عدم الاستفادة بالمواعظ، معبرا بأداة الشك، ~~تنبيها على أن إنعامه أكثر من انتقامه، مؤكدا بالقسم لإنكارهم الكفر: { ~~ولئن أرسلنا } بعد وجود هذا الأثر الحسن { ريحا } عقيما { فرأوه } أي ~~الأثر، ويجوز أن يكون الضمير للريح من التعبير بالسبب عن المسبب { مصفرا ~~} قد ذبل وأخذ في التلف من شدة يبس الريح إما بالحر أو البرد { لظلوا } ~~أي لداموا وعزتنا لها يجددون الكفر أبدا وإن كان " ظل " معناه: دام ~~نهارا، وعبر بالماضي موضع المستقبل نحو " ليظللن والله " تأكيدا ~~لتحقيقه، ولعله عبر بالظلول لأن مدة النوم لا تجديد فيها للكفر، ولذلك ~~أتى فيها بحرف التبعيض حيث قال: { من بعده } أي بعد اصفراره { يكفرون* } ~~بيأسهم من روح الله وجحودهم لما أسلف إليهم من النعم بعد ما تكرر من ~~تعرفه سبحانه إليهم بالإحسان، بعد ما التقت حلقتا البطان، وكان وكان فلا ~~هم عند السراء بالرحمة شكروا، ولاعند الضراء بالنقمة صبروا، بل لم يزيدوا ~~هناك على الاستبشار، ولا نقصوا هنا شيئا من تجديد الكفر والإصرار، فلم ~~يزالوا لعدم استبصارهم على الحالة المذمومة، ولم يسبقوا في إزاله النقم، ~~ولا إنالة النعم، فكانوا أضل من النعم. ### || [30.52-55] # ولما كان هذا كله من حالهم في سرعة الحزن والفرح في حالتي الشدة والرخاء ~~وإصرارهم على تجديد الكفر دليلا على خفة أحلامهم، وسوء تدبرهم، فإنهم لا ~~للآيات المرئية يعون، ولا للمتلوة عليهم يسمعون، سبب عن ذلك التعريف بأن ~~أمرهم ms3595 ليس لأحد غيره سبحانه وهو قد جعلهم أموات المعاني، فقال ممثلا لهم ~~بثلاثة أصناف من الناس، وأكده لأنهم ينكرون أن يكون حالهم كذلك والنبي ~~صلى الله عليه وسلم شديد السعي في إسماعهم والجهد في ذلك: { فإنك } أي ~~استدامتهم لكفرهم هذا تارة في الرخاء وتارة في الشدة وقوفا مع الأثر من ~~غير نظر ما إلى المؤثر وأنت تتلو عليهم آياته، وتنبههم على بدائع بيناته ~~بسبب أنك { لا تسمع الموتى } أي ليس في قدرتك إسماع الذين لا حياة لهم، ~~فلا نظر ولا سمع، أو موتى القلوب، إسماعا ينفعهم، لأنه مما اختص به ~~سبحانه، وهؤلاء منهم من هم مثل الأموات لأن الله تعالى قد ختم على ~~مشاعرهم { ولا تسمع } أي أنت في قراءة الجماعة غير ابن كثير { الصم } أي ~~الذين لا سمع لهم أصلا، وذكر ابن كثير الفعل من سمع ورفع الصم على أنه ~~فاعل، فكان التقدير: فإن من مات أو مات قلبه ولا يسمع ولا يسمع الصم { ~~الدعاء } إذا دعوتهم، ثم لما كان الأصم قد يحس بدعائك إذا كان مقبلا ~~بحاسة بصره قال: { إذا ولوا } وذكر الفعل ولم يقل: ولت، إشارة إلى قوة ~~التولي لئلا يظن أنه أطلق على المجانبة مثلا، ولذا بنى من فاعله حالا ~~هي قوله: { مدبرين* }. # ولما بدأ بفاقد حاسة السمع لأنها أنفع من حيث إن الإنسان إنما يفارق ~~غيره من البهائم بالكلام، أتبعها حاسة البصر مشيرا بتقديم الضمير إلى ~~أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد في هدايتهم اجتهاد من كأنه يفعله ~~بنفسه تدريبا لغيره في الاقتصاد في الأمور فقال: { وما أنت بهاد العمي } ~~أي بموجد لهم هداية وإن كانوا يسمعون، هذا في قراءة الجماعة غير حمزة، ~~وجعله حمزة فعلا مضارعا مسندا إلى المخاطب من هدى، فالتقدير: وما أنت ~~تجدد هداية العمي { عن ضلالتهم } إذا ضلوا عن الطريق فأبعدوا وإن كان ~~أدنى ضلال - بما أشار إليه التأنيث، وإن أتعبت نفسك في نصيحتهم، فإنهم لا ~~يسلكون السبيل إلا وأيديهم في يدك ومتى غفلت عنهم وأنت لست بقيوم رجعوا ms3596 ~~إلى ضلالهم، فالمنفي في هذه الجملة في قراءة الجمهور ما تقتضيه الاسمية ~~من دوام الهداية مؤكدا، وقراءة حمزة ما يقتضيه المضارع من التجدد وفي ~~التي قبلها ما تقتضيه الفعليه المضارعة من التجدد ما دام مشروطا ~~بالإدبار، وفي الأولى تجدد السماع مطلقا فهي أبلغ ثم التي بعدها، فممثول ~~الصنف الأول من لا يقبل الخير بوجه ما مثل أبي جهل وأبي بن خلف، والثاني ~~من قد يقارب مقاربة ما مثل عتبة بن ربيعة حين كان يقول لهم: خلو بين هذا ~~الرجل وبين الناس، فإن أصابوه فهو ما أردتم وإلا فعزه عزكم، والثالث ~~المنافقون، وعبر في الكل بالجمع لأنه أنكأ - والله الموفق. # ولما كان ذلك كناية عن إيغالهم في الكفر، بينه ببيان أن المراد موت ~~القلب وصممه وعماه لا الحقيقي بقوله: { إن } أي ما { تسمع إلا من يؤمن } ~~أي يجدد إيمانه مع الاستمرار مصدقا { بآياتنا } أي فيه قابلية ذلك ~~دائما، فهو يذعن للآيات المسموعة، ويعتبر بالآيات المصنوعة، وأشار ~~بالإفراد في الشرط إلى أن لفت الواحد عن رأيه أقرب من لفته وهو مع غيره، ~~وأشار بالجمع في الجزاء إلى أن هذه الطريقة إن سلكت كثر التابع فقال: { ~~فهم } أي فتسبب عن قبولهم لذلك أنهم { مسلمون } أي منقادون للدليل غاية ~~الانقياد غير جامدين مع التقليد. # ولما دل سبحانه على قدرته على البعث بوجوه من الدلالات، تارة في ~~الأجسام، وتارة في القوى، وأكثر على ذلك في هذه السورة من الحجج البينات، ~~وختم لأنه لا يبصر هذه البراهين إلا من حسنت طويته، فلانت للأدلة ~~عريكته، وطارت في فيافي المقادير بأجنحة العلوم فكرته ورويته، وصل بذلك ~~دليلا جامعا بين القدرة على الأعيان والمعاني إبداء وإعادة، ولذلك لفت ~~الكلام إلى الاسم الجامع ولفته إلى الخطاب للتعميم والاستعطاف بالتشريف، ~~فقال مؤكدا إشارة إلى أن ذلك دال على قدرته على البعث ولا وهم ينكرونها، ~~فكأنهم ينكرونه، فإنه لا انفكاك لأحدهما عن الآخر: { الله } أي الجامع ~~لصفات الكمال وحده. # ولما كان تعريف الموصول ظاهرا غير ملبس، عبر به دون اسم الفاعل فقال: ms3597 { ~~الذي خلقكم } أي من العدم. ولما كان محط حال الإنسان وما عليه أساسه ~~وجبلته الضعف، وأضعف ما يكون في أوله قال: { من ضعف } أي مطلق - بما ~~أشارت إليه قراءة حمزة وعاصم بخلاف عن حفص بفتح الضاد، وقوى بما أشارت ~~إليه قراءة الباقين بالضم، أو من الماء المهين إلى ما شاء الله من ~~الأطوار، ثم ما شاء الله من سن الصبي. # ولما كانت تقوية المعنى الضعيف مثا إحياء الجسد الميت قال: { ثم جعل } ~~عن سبب وتصيير بالتطوير في أطوار الخلق بما يقيمه من الأسباب، ولما كان ~~ليس المراد الاستغراق عبر بالجار فقال: { من بعد } ولما كان الضعف الذي ~~تكون عنه القوة غير الأول، أظهر ولم يضمر فقال: { ضعف قوة } بكبر العين ~~والأثر من حال الترعرع إلى القوة بالبلوغ إلى التمام في أحد وعشرين ~~عاما، وهو ابتداء سن الشباب إلى سن الاكتمال ببلوغ الأشد في اثنين ~~وأربعين عاما فلو لا تكرر مشاهدة ذلك لكان خرق العادة في إيجاده بعد ~~عدمه مثل إعادة الشيخ شابا بعد هرمه { ثم جعل من بعد قوة } في شباب تقوى ~~به القلوب، وتحمى له الأنوف، وتشمخ من جرائه النفوس { ضعفا } ردا لما ~~لكم إلى أصل حالكم. # ولما كان بياض الشعر يكون غالبا من ضعف المزاج قال: { وشيبة } وهي بياض ~~في الشعر ناشىء من برد في المزاج ويبس يذبل بهما الجسم، وينقص الهمة ~~والعلم، وذلك بالوقوف من الثالثة والأربعين، وهو أول سن الاكتهال وبالأخذ ~~في النقص بالفعل بعد الخمسين إلى أن يزيد النقص في الثالثة والستين، وهو ~~أول سن الشيخوخة، ويقوى الضعف إلى ما شاء الله تعالى. # ولما كانت هذه هي العادة الغالبة وكان الناس متفاوتين فيها، وكان من ~~الناس من يطعن في السن وهو قوي، أنتج ذلك كله - ولا بد - التصرف ~~بالاختيار مع شمول العلم وتمام القدرة فقال: { يخلق ما يشاء } أي من هذا ~~وغيره { وهو العليم } أي البالغ العلم فهو يسبب ما أراد من الأسباب لما ~~يريد إيجاده أو إعدامه { القدير* } فلا يقدر أحد على إبطال شيء ms3598 من ~~أسبابه، فلذلك لا يتخلف شيء أراده عن الوقت الذي يريده فيه أصلا، وقدم ~~صفة العلم لاستتباعها للقدرة التي المقام لها، فذكرها إذن تصريح بعد ~~تلويح، وعبارة بعد إشارة. # ولما ثبتت قدرته على البعث وغيره، عطف على قوله أول السورة { ويوم تقوم ~~الساعة يبلس المجرمون } أو على ما تقديره: فيوم يريد موتكم تموتون، لا ~~تستأخرون عن لحظة الأجل ولا تستقدمون، قوله: { ويوم تقوم الساعة } أي ~~القيامة التي هي إعادة الخلائق الذين كانوا بالتدريج في ألوف من السنين ~~لا يعلم مقدارها إلا الله تعالى في أقل من لمح البصر، ولذا سميت بالساعة ~~إعلاما بيسرها عليه سبحانه { يقسم المجرمون } أي العريقون في الإجرام ~~جريا منهم على ديدن الجهل في الجزم بما لم يحيطوا به علما: { ما } أي ~~إنهم ما { لبثوا } في الدنيا والبرزخ { غير ساعة } أي قدر يسير من ليل أو ~~نهار. # ولما كان هذا أمرا معجبا لأنه كلام كذب بحيث يؤرث أشد الفضيحة والخزي ~~في ذلك الجمع الأعظم مع أنه غير مغن شيئا، استأنف قوله تنبيها على أنه ~~الفاعل له: فلا عجب { كذلك } أي مثل ذلك الصرف عن حقائق الأمور إلى ~~شكوكها { كانوا } في الدنيا كونا هو كالجبلة { يؤفكون* } أي يصرفون عن ~~الصواب الذي منشأه تحري الصدق والإذعان للحق إلى الباطل الذي منشأه تحري ~~المغالبة بصرفنا لهم، فإنه لا فرق في قدرتنا وعلمنا بين حياة وحياة، ودار ~~ودار، ولعله بنى الفعل للمجهول إشارة إلى سهولة انقيادهم إلى الباطل مع ~~أي صارف كان. ### || [30.56-60] # ولما وصف الجاهلين، أتبعه صفة العلماء فقال: { وقال الذين } وعبر بقوله: ~~{ أوتوا العلم } تنبيها على شكر من آتاهموه، وبناه للمجهول إشارة إلى ~~تسهيل أخذه عليهم من الجليل والحقير، وأتبعه ما لا يشرق أنواره ويبرز ~~ثماره غيره، فقال: { والإيمان } إشارة إلى تفكرهم في جميع الآيات الواضحة ~~والغامضة مقسمين كما أقسم أولئك محققين مقالهم مواجهين للمجرمين تبكيتا ~~وتوبيخا مؤكدين ما أنكر أولئك: { لقد لبثتم في كتاب الله } أي في إخبار ~~قضاء الذي له جميع الكمال الذي كتبه في كتابه الذي ms3599 كان يخبر به الدنيا { ~~إلى يوم البعث } كما قال تعالى: # ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون # [المؤمنون: 100] وأما تعيين مدة اللبث فأخفاه عن عباده، ولما أعلم ~~القرآن أن غاية البرزخ البعث، وصدق في إخباره، سببوا عن ذلك قوله: { فهذا ~~} أي فتسبب ما كنا نقوله وتكذبوننا فيه، نقول لكم الآن حيث لا تقدرون على ~~تكذيب: هذا { يوم البعث } أي الذي آمنا به وكنتم تنكرونه، قد كان طبق ما ~~كنا نقوله لكم، فقد تبين بطلان قولكم، وكنتم تدعون الخلاص فيه بأنواع من ~~التكاذيب قصدا للمغالبة، فما كنتم صانعين عند حضوره فاصنعوه الآن، ~~تنبيها لهم على أنه لا فائدة في تحرير مقدار اللبث في الدنيا ولا في ~~البرزخ، وإنما الفائدة في التصديق بما أخبر به الكتاب حيث كان التصديق ~~نافعا. ولما كان التقدير: قد أتى كما كنا به عالمين، فلو كان لكم نوع من ~~العلم لصدقتمونا في إخبارنا به فنفعكم ذلك الآن، عطف عليه قوله: { ولكنكم ~~كنتم } أي كونا هو كالجبلة لكم في إنكاركم له { لا تعلمون* } أي ليس لكم ~~علم أصلا، لتفريطكم في طلب العلم من أبوابه، والتوصل إليه بأسبابه، ~~فلذلك كذبتم به فاستوجبتم جزاء ذلك اليوم. # ولما كان قوله تعالى: # فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات # [النساء: 173] في أشكالها من الآيات دالا على أن هذه الدنيا دار العمل، ~~وأن دار الآخرة دار الجزاء، وأن البرزخ هو حائل بينهما، فلا يكون في ~~واحدة منهما ما للأخرى، سبب عن ذلك قوله: { فيومئذ } أي إذ تقوم الساعة، ~~وتقع هذه المقاولة { لا ينفع } أي نفعا ما { الذين ظلموا } أي وضعوا ~~الأمور في غير مواضعها { معذرتهم } وهي ما تثبت عذرهم، وهو إيساغ الحلية ~~في وجه يزيل ما ظهر من التقصير لأنهم لا عذر لهم وإن بالغوا في إثباته، ~~والعبارة شديدة جدا من حيث كانت تعطي أن من وقع منه ظلم ما يوما ما كان ~~هذا حاله، وهي تدل على أنه تكون منهم معاذير، وترقق كثير، وتذلل كبير، ~~فلا يقبل منه شيء - هذا على قراءة الجماعة بتأنيث الفعل ms3600 وهي أبلغ من ~~قراءة الكوفيين بتذكيره بتأويل العذر، لأنه إذا لم ينفع الاعتذار الكثير ~~لم ينفع القليل الذي دل عليه المجرد ولا عكس، ويمكن أن يكون قراءة ~~الجمهور متوجهة للكفرة وقراءة الكوفيين للعصاة من المؤمنين، فإن منهم من ~~ينفعه الاعتذار فيعفى عنه، ويشهد لهذا ما ورد في آخر أهل النار خروجا ~~منها أنه يسأل في صرف وجهه عنها ويعاهد ربه سبحانه أنه لا يسأله غير ذلك، ~~فإذا صرفه عن ذلك رأى شجرة عظيمة فيسأل أن يقدمه إلى ظلها فيقول الله: ~~ألست أعطيت العهود والمواثيق أن لا تسال؟ فيقول: بلى! يارب! ولكن لا أكون ~~أشقى خلقك - الحديث، وفيه " وربه يعذره " فهذا قد قبل عذره في الجملة، ~~ولا يطلب منه أن يزيل العتب لأن ذلك لا يمكن إلا بالعمل، وقد فات محله، ~~فأتت المغفرة من وراء ذلك كله. # ولما كان العتاب من سنة الأحباب قال: { ولا هم } أي الذين وضعوا الأشياء ~~في غير مواضعها { يستعتبون* } أي يطلب منهم ظاهرا أوباطنا بتلويح أو ~~تصريح أن يزيلوا ما وقعوا فيه مما يوجب العتب، وهو الموجدة عن تقصير يقع ~~فيه المعتوب، لأن ذلك لا يكون إلا بالطاعة وقد فات محلها بكشف الغطاء ~~لفوات الدار التي تنفع فيها الطاعات لكونها إيمانا بالغيب، والعبارة تدل ~~على أن المؤمنين يعاتبون عتابا يلذذهم. # ولما أبانت هذه السورة طرق الإيمان أي بيان، وألقت على وجوه أهل ~~الطغيان غاية الخزي والهوان، وكان التقدير: لقد أتينا في هذه السورة خاصة ~~بعد عموم ما في سائر القرآن بكل حجة لا تقوم لها الأمثال، ولم نبق لأحد ~~عذرا ولا شيئا من إشكال، لكونها ليس لها في وضوحها مثال، عطف عليه قوله ~~صارفا الكلام إلى مقام العظمة تقبيحا لمخالفتهم لما يأتي من قبله ~~وترهيبا من الأخذ مؤكدا لأنهم ينكرون أن يكون في القرآن دلالة، ومن أقر ~~منهم مع الكفر فكفره قائم مقام إنكاره: { ولقد ضربنا }. # ولما كانت العناية فيها بالناس أكثر، قال: { للناس } فقدمهم في الذكر { ~~في هذا القرآن } أي عامة هذه السورة وغيرها { من ms3601 كل مثل } أي معنى غريب ~~هو أوضح وأثبت من أعلام الجبال، في عبارة هي أرشق من سائر الأمثال. # ولما كان المختوم على مشاعرهم منهم لا يؤمنون بشيء. وكان ذلك من أدل ~~دليل على علمه تعالى وقدرته، قال مقسما تكذيبا لقولهم في الاقتراحات ~~خاصا من أهل العلم والإيمان رأسهم، دلالة على أن التصرف في القلوب من ~~العظم بمكانة تجل عن الوصف، معبرا بالشرط إعلاما بأنه سبحانه لا يجب ~~عليه شيء، عاطفا على نحو: فلم ينفعهم شيء من ذلك: { ولئن جئتهم } أي ~~الناس عامة { بآية } أي دلالة واضحة على صدقك معجزة، غير ما جئتهم به مما ~~اقترحوه ووعدوا الإيمان به مرئية كانت أو مسموعة { ليقولن الذين كفروا } ~~أي حكمنا بكفرهم غلظة وجفاء، ودل على فرط عنادهم بقوله: { إن } أي ما ~~ولما كان التخصيص بالغلظة أشد على النفس، ضم إليه أتباعه تسلية وبيانا ~~لعظيم شقاقهم فقال: { أنتم } أي أيها الآتي بالآية وأتباعه { إلا مبطلون* ~~} أي من أهل العرافة في الباطل بالإتيان بما لا حقيقة له في صورة ما له ~~حقيقة، وأما الذين آمنوا فيقولون: نحن بهذه الآية مؤمنون. # ولما كان من أعجب العجب أن من يدعي العقل يصر على التكذيب بالحق، ولا ~~يصغي لدليل، ولا يهتدي لسبيل، قال مستأنفا في جواب من سأله: هل يكون مثل ~~هذا الطبع؟ ومرغبا في العلم: { كذلك } أي مثل هذا الطبع العظيم جدا، ~~ولما كان كون الشيء الواحد لناس هداية ولناس ضلالة جامعا إلى العظمة ~~تمام العلم والحكمة، صرف الخطاب عنها إلى الاسم الأعظم الجامع فقال: { ~~يطبع الله } أي الذي لا كفوء له، فمهما أراد كان، عادة مستمرة، ونبه على ~~كثرة المطبوع عليهم بجمع الكثرة فقال: { على قلوب الذين لا يعلمون* } أي ~~لا يجددون - أي لعدم القابلية - العلم بأن لا يطلبوا علم ما يجهلونه مما ~~حققه هذا الكتاب من علوم الدنيا والآخرة رضى منهم بما عندهم من جهالات ~~سموها دلالات، وضلالات ظنوها هدايات وكمالات. # ولما كان هذا مذكرا بعظيم قدرته بعد الإياس من إيمانهم، سبب عنه قوله: ~~{ فاصبر ms3602 } أي على إنذارهم مع هذا الجفاء والرد بالباطل والأذى، فإن الكل ~~فعلنا لم يخرج منه شيء عن إرادتنا. # ولما كان قد تقدم إليه بأنه لا بد أن يظهر أمره على كل أمر، علله بقوله ~~مؤكدا لأن إنفاذ مثل ذلك في محل الإنكار لعظم المخالفين وكثرتهم مظهرا ~~غير مضمر لئلا يظن التقييد بحيثية الطبع: { إن وعد الله } أي الذي له ~~الكمال كله في كل ما وعدك به الذي منه نصرك وإظهار دينك على الدين كله ~~ونصر من قارب أتباعك في التمسك بكتاب من كتب الله وإن كان قد نسخ على من ~~لا كتاب له { حق } أي ثابت جدا يطابقه الواقع كما يكشف عنه الزمان، ~~وتأتي به مطايا الحدثان. # ولما كان التقدير: فلا تعجل، عطف عليه قوله: { ولا يستخفنك } أي يحملنك ~~على الخفة ويطلب أن تخف باستعجال النصر خوفا من عواقب تأخيره أو بتفتيرك ~~عن التبليغ، بل كن بعيدا منهم بالغلظة والجفاء والصدع بمر الحق من غير ~~محاباة ما، بعدا لا يطمعون معه أن يحتالوا في خفتك في ذلك بنوع احتيال، ~~وقراءة " يستحقنك " من الحق معناها: أي لا يطلب منك الحق الذي هوالفصل ~~العدل بينك وبينهم أي لا تطلبه أنت، فهو مثل: لا أرينك ههنا تنهى نفسك ~~وأنت تريد نهيه عن الكون بحيث تراه، والنهي في قراءة الجماعة بالثقيلة ~~أشد منه في رواية رويس عن يعقوب بالخفيفة، فقراءة الجماعة مصوبة إلى أصل ~~الدين، أي لا تفعل معهم فعلا يطمعهم في أن تميل إليهم فيه، وقراءة رويس ~~إلى نحو الأموال فإنه كان يتألفهم بالإيثار بها، ولا شك أنه إذا آثرهم ~~على أكابر المسلمين أطمعهم ذلك في أن يطلبوا أن يميل معهم، وما أفاد هذا ~~إلا تحويل النهي، ولو قيل: لا تخفن معهم، لم يفد ذلك، ولا يقال عكس هذا ~~من أن النهي في الثقيلة أخف لأنه نهي عن الفعل المؤكد فيبقى أصل الفعل. # وكذا ما صحبه تأكيد خفيف، وفي الخفيفة غير المؤكد تأكيدا خفيفا فلا ~~يبقى غير أصل الفعل فهو أبلغ، لأن النون ms3603 لم تدخل إلا بعد دخول الناهي فلم ~~تفد إلا قوة النهي لا قوة المنهي عنه - والله أعلم. { الذين لا يوقنون } ~~أي أذى الذين لا يصدقون بوعودنا تصديقا ثابتا في القلب بل هم إما شاكون ~~فأدنى شيء يزلزلهم كمن يعبد الله على حرف، أو مكذبون بنصر الله لأوليائه ~~المؤمنين ولمن قاربهم في التمسك بكتاب أصله صحيح، فهم يبالغون في العداوة ~~والتكذيب حتى أنهم ليخاطرون في وعد الله بنصر الروم على فارس، كأنهم على ~~ثقة وبصيرة من أمرهم في أن ذلك لا يكون، فإذا صدق الله وعده في ذلك ~~بإظهار عن قريب علموا كذبهم عيانا، وعلموا - إن كان لهم علم - أن الوعد ~~بالساعة لإقامة العدل على الظالم والعود بالفضل على المحسن كذلك يأتي وهو ~~صاغرون، ويحشرون وهو داخرون، # وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون # [الشعراء: 227]، فقد انعطف آخرها على أولها عطف الحبيب على الحبيب، ~~واتصل به اتصال القريب بالقريب، والتحم التحام النسيب بالنسيب. ### | [31 - سورة لقمان] ### || [31.1-4] # ولما أثبت في آل عمران أنه أنزل بالحق، أثبتت في السجدة تنزيله ونفي ~~الريب عن أنه من عنده، وأثبت أنه الحق، واستمر فيما بعد هذا من السور ~~مناظرا في الأغلب لما مضى كما يعرف ذلك بالإمعان في التذكر والتأمل ~~والتدبر: { بسم الله } الذي وسع رحمة وعلما { الرحمن } الذي بث بعموم ~~حكمته شامل نعمته في سائر بريته { الرحيم * } الذي أنار لخاصته طريق ~~جنته، فداموا وهاموا في محبته. # لما ختمت الروم بالحث على العلم، وهو ما تضمنه هذا الكتاب العظيم، ~~والأمر بالصبر والتمسك بما فيه من وعد، والنهي عن الإطماع لأهل الاستخفاف ~~في المقاربة لهم في شيء من الأوصاف، وكان ذلك هو الحكمة، قال أول هذه: { ~~آلم } مشيرا بها إلى أن الله الملك الأعلى القيوم أرسل - لأنه ظاهر مع ~~أن الباطن - جبرائيل عليه السلام إلا محمد عليه الصلاة والسلام بوحي ناطق ~~من الحكم والأحكام بما لم ينطق به من قبله إمام، ولا يلحقه في ذلك شيء ~~مدى الأيام، فهو المبدأ وهو الختام، وإلى ذلك أو ما تعبيره ms3604 بإداة البعد ~~في قوله: { تلك } أي الآيات التي هي من العلو والعظمة بمكان لا يناله إلا ~~من جاهد نفسه حتى هذبها بالتخلي عن جميع الرذائل، والتحلي بسائر الفضائل ~~{ آيات الكتاب } الجامع لجميع أنواع الخير { الحكيم } بوضع الأشياء في ~~حواق مراتبها فلا يستطاع نقض شيء من إبرامه، ولا معارضة شيء ومن كلامه، ~~الدال ذلك على تمام علم منزله وخبرته، وشمول عظمته وقدرته، ودقيق صنائعه ~~في بديع حكمته، فلا بد من نصر المؤمنين ومن داناهم في التمسك بكتاب له ~~أصل من عند الله. # وقال الإمام أبو جعفر ابن الزبير: لما تكرر الأمر بالاعتبار والحض عليه ~~والتنبيه بعجائب المخلوقات في سورة الروم كقوله سبحانه: # أو لم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا ~~بالحق # [الروم: 8] وقوله: # أو لم يسيروا في الأرض # [الروم: 9] وقوله: # الله يبدؤا الخلق ثم يعيده # [الروم: 11] وقوله: # يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي # [الروم: 19] إلى قوله: # كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون # [الروم: 28] وهي عشر آيات تحملت من جليل الاعتبار والتنبيه ما لا يبقى ~~معه شبهة ولا توقف لمن وفق إلى ما بعد هذا من آيات التنبيه وبسط الدلائل ~~وذكر ما فطر عليه العباد وضرب الأمثال الموضحة سواء السبيل لمن عقل ~~معانيها وتدبر حكمها إلى قوله: # ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل # [الروم: 58] وهي إشارة إلى ما أودع الله كتابه المبين من مختلف الأمثال ~~وشتى العظات وما تحملت هذه السورة من ذلك، أتبع سبحانه ذلك بقوله الحق: { ~~الم تلك آيات الكتاب الحكيم } أي دلائله وبراهينه لمن وفق وسبقت له ~~الحسنى وهو المحسنون الذين ذكرهم بعد، ووصف الكتاب بالحكيم يشهد لما ~~مهدناه، ثم أشار سبحانه إلى من حرم منفعته والاعتبار به، واستبدل الضلالة ~~بالهدى، وتنكب عن سنن فطرة الله التي فطر الناس عليها فقال: { ومن الناس ~~من يشتري لهو الحديث } - الآيات، ثم أتبع ذلك بما يبكت كل معاند، ويقطع ~~بكل جاحد، فذكر خلق السماوات بغير عمد مرئية مشاهدة لا يمكن في أمرها ~~امتراء، ms3605 ثم ذكر خلق الأرض وما أودع فيها، ثم قال سبحانه { هذا خلق الله ~~فأروني ماذا خلق الذين من دونه } ثم اتبع ذلك بذكر من هداه سبيل الفطرة ~~فلم تزغ به الشبه ولا تنكب سواء السبيل فقال: { ولقد آتينا لقمان الحكمة ~~} - الآية، لتأسيس من اتبع فطرة الله التي تقدم ذكرها في سورة الروم، ثم ~~تناسق الكلام وتناسج - انتهى. # ولما كان الإحسان ما دعت إليه سورة الروم من الإيمان بلقاء الله، منزها ~~عن شوائب النقص، موصوفا بأوصاف الكمال، معبودا بما شرعه على وجه ~~الإخلاص، والانقياد مع الدليل كيفما توجه، والدوران معه كيفما دار، وكان ~~ذلك هو عين الحكمة، قال تعالى: { هدى } أي حال كونها أو كونه بيانا ~~متقنا { ورحمة } أي حاملا على القيام بكل ما دعا إليه، والتقدير على ~~قراءة حمزة بالرفع: هي أو هو، وقال: { للمحسنين } إشارة إلى أن من حكمته ~~أنه خاص في هذا الكمال وضعا للشيء في محله بهذا الصنف، وهم الذين لزموا ~~التقوى فأدتهم إلى الإحسان، وهو عبادته تعالى على المكاشفة والمراقبة فهي ~~له أو هو لها آخر، ثم وصفهم في سياق الرحمة والحكمة والبيان بالعدل ~~بيانا لهم بما دعت إليه سورة الروم من كمال الإحسان في معاملة الحق ~~والخلق اعتقادا وعملا فقال: { الذين يقيمون الصلاة } أي يجعلونها كأنها ~~قائمة بفعلها بسبب إتقان جميع ما آمر بعد فيها وندب إليه، وتوقفت بوجه ~~عليه، على سبيل التجديد في الأوقات المناسبة لها والاستمرار، ولم يدع إلى ~~التعبير بالوصف كالمقيمين داع ليدل على الرسوخ لأن المحسن هو الراسخ في ~~الدين رسوخا جعله كأنه يرى المعبود ودخل فيها الحج لأنه لا يعظم البيت ~~في كل يوم خمس رات إلا معظم له بالحج فعلا او قوة { ويؤتون الزكاة } أي ~~كلها فدخل فيها الصوم لأنه لا يؤدي زكاة الفطر إلا من صامه قوة أو فعلا. # ولما كان الإيمان أساس هذه الأركان، وكان الإيمان بالبعث جامعا لجميع ~~أنواعه، وحاملا على سائر وجوه الإحسان، وكان قد ختم الروم بالإعراض ~~أصلا عمن ليس فيه أهلية الإيقان، قال: ms3606 { وهم } أي خاصة لكمالهم فيما ~~دخلوا فيه من هذه المعاني { بالآخرة } التي تقدم أن المجرمين عنها غافلون ~~{ هم يوقنون } أي مؤمنون بها إيمان موقن فهم لا يفعل شيئا الإيمان بها، ~~ولا يغفل عنها طرفة عين، فهو في الذروة العليا من ذلك، فهو يعبد الله ~~كأنه يراه، فآية البقرة بداية. وهذه نهاية. ### || [31.5-10] # ولما كانت هذه الخلال أمهات الأفعال، الموجبة للكمال، وكانت مساوية من ~~وجه لآية البقرة ختمها بختامها، بعد أن زمها بزمامها، فقال: { أولئك } أي ~~العالوا الرتبة الحائزون منازل القربة أعظم رتبة { على هدى } أي عظيم هم ~~متمكنون منه تمكن المستعلي على الشيء، وقال: { من ربهم } تذكيرا لهم بأنه ~~لولا إحسانه ما وصلوا إلى شيء. ليلزموا تمريغ الجباه على الأعتاب، خوفا ~~من الإعجاب { وأولئك هم } أي خاصة { المفلحون * } أي الظافرون بكل مراد. # ولما كان فطم النفس عن الشهوات. أعظم هدى قائد إلى حصول المرادات، وكان ~~اتباعها الشهوات أعظم قاطع عن الكمالات، وكان في ختام الروم أن من وقف مع ~~الموهومات عن طلب المعلومات مطبوع على قلبه، وكان ما دعا إليه الكتاب هو ~~الحكمة التي نتيجتها الفوز، وما دعا إليه اللهو هو السفه المضاد للحكمة، ~~بوضع الأشياء في غير مواضعها، المثمر للعطب، قال تعالى معجبا ممن يترك ~~الجد إلى اللهو، ويعدل عن جوهر العلم إلى صدق السهو، عاطفا على ما ~~تقديره: فمن الناس من يتحلى بهذا الحال فيرقى إلى حلبة أهل الكمال: { ومن ~~} ويمكن أن يكون حالا من فاعل الإشارة. أي أشير إلى آيات الكتاب الحكيم ~~حال كونه هدى لمن ذكر والحال أن من { الناس } الذين هم في أدنى رتبة ~~الإحساس، لم يصلوا إلى رتبة أهل الإيمان، فضلا عن مقام أولي الإحسان. # ولما كان التقدير: من يسير بغير هذا السير، فيقطع نفسه عن كل خير، عبر ~~عنه بقوله: { من يشتري } أي غير مهتد بالكتاب ولا مرحوم به { لهو الحديث ~~} أي ما يلهي من الأشياء المتجددة التي تستلذ فيقطع بها الزمان من الغناء ~~والمضحكات وكل شيء لا اعتبار فيه، فيوصل النفس بما ms3607 أوصلها إليه من اللذة ~~إلى مجرد الطبع البهيمي فيدعوها إلى العبث من اللعب كالرقص ونحوه مجتهدا ~~في ذلك معملا الخيل في تحصيله باشتراء سببه، معرضا عن اقتناص العلوم ~~وتهذيب النفس بها عن الهموم والغموم، فينزل إلى أسفل سافلين كما علا الذي ~~قبله بالحكمة إلى أعلى عليين - قال ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت في رجل ~~اشترى جارية تغنيه ليلا ونهارا، وقال مجاهد: في شرى القيان والمغنين ~~والمغنيات، وقال ابن مسعود: اللهو الغناء، وكذا قال ابن عباس وغيره. # ولما كان من المعلوم أن عاقبة هذه الملاهي الضلال، بانهماك النفس في ~~ذلك، لما طبعت عليه من الشهوة لمطلق البطالة، فكيف مع ما يثير ذلك ويدعو ~~إليه من اللذاذة، فتصير أسيرة الغفلة عن الذكر، وقبيلة الإعراض عن الفكر، ~~وكان المخاطب بهذا الكتاب قوما يدعون العقول الفائقة، والأذهان الصافية ~~الرائقة قال تعالى: { ليضل } من الضلال والإضلال على القراءتين، ضد ما ~~كان عليه المحسنون من الهدى { عن سبيل الله } أي الطريق الواضح الواسع ~~الموصل إلى رضى الملك الأعلى المستجمع لصفات الكمال والجلال والجمال التي ~~هم مقرون بكثير منها، منبها لهم على أن هذا مضل عن السبيل ولا بد، وأن ~~ذلك بحيث لا يخفى عليهم، فإن كان مقصودا لهم فهو ما لا يقصده من له عداد ~~البشر، وإلا كانوا من الغفلة سوء النظر وعمى البصيرة بمنزلة هي دون ذلك ~~بمراحل. # ولما كان المراد: من قصد الضلال عن الشيء، ترك ذلك الشيء، وكان العاقل ~~لا يقدم على ترك شيء إلا وهو عالم بأنه لا خير فيه قال: { بغير علم } ~~ونكره ليفيد السلب العام لكل نوع من أنواع العلم، أي لأنهم لا علم لهم ~~بشيء من حال السبيل ولا حال غيرها، علما يستحق إطلاق العلم عليه بكونه ~~يفيد ربحا أو يبقى على رأس مال من دين أو دنيا، فإن هذا حال من استبدل ~~الباطل بالحق والضلال بالهدى. # ولما كان المستهزئ بالشيء المحتقر له لا يتمكن من ذلك إلا بعد الخبرة ~~التامة بحال ذلك الشيء وأنه لا يصلح لصالحه ms3608 ولا يروج له حال بحال قال ~~معجبا تعجيبا آخر أشد من الأول بالنصب عطفا على " يضل " في قراءة حمزة ~~والكسائي وحفص عن عاصم، وبالرفع للباقين عطفا على { يشتري }: { ويتخذها ~~} أي يكلف نفسه ضد ما تدعوه إليه فطرته الأولى أن يأخذ السبيل التي لا ~~أشرف منها مع ما ثبت له من الجهل الطلق { هزوا }. # ولما أنتج له هذا الفعل الشقاء الدائم. بينه بقوله، جامعا حملا على ~~معنى " من " بعد أن أفرد حملا على لفظها، لأن الجمع في مقام الجزاء ~~أهول، والتعجيب من الواحد أبلغ { أولئك } أي الأغبياء البعيدون عن رتبة ~~الإنسان، وتهكم بهم التعبير باللام الموضوعة لما يلائم فقال: { لهم عذاب ~~مهين * } أي يثبت لهم الخزي الدائم ضد ما كان للمحسنين من الرحمة. # ولما كان الإنسان قد يكون غافلا، فإذا نبه انتبه، دل سبحانه على أن هذا ~~الإنسان المنهمك في أسباب الخسران لا يزداد على مر الزمان إلا مفاجأة لكل ~~ما يرد عليه من البيان بالبغي والطغيان، فقال مفردا للضمير حملا على ~~اللفظ أيضا لئلا يتعلق متمحل بأن المذموم إنما هو الجمع صارفا الكلام ~~إلى مظهر العظمة لما اقتضاه الحال من الترهيب: { وإذا تتلى عليه آياتنا } ~~أي يتجدد عليه تلاوة ذلك مع ما له من العظمة من أي تال كان وإن عظم { ~~ولى } أي بعد السماع، مطلق التولي سواء كان على حالة المجانبة أو مدبرا ~~{ مستكبرا } أي حال كونه طالبا موجدا له بالإعراض عن الطاعة تصديقا ~~لقولنا آخر تلك # ولئن جئتهم بآية ليقولن الذين كفروا إن أنتم إلا مبطلون # [الروم: 58]. # ولما كان السامع لآياته سبحانه جديرا بأن تكسبه رقة وتواضعا، قال ~~تعالى دالا على أن هذا الشقي كان حاله عند سماعه وبعده كما كان قبل: { ~~كأن } أي كأنه، أي مشبها حالة بعد السماع حاله حين { لم يسمعها } فدل ~~ذلك على أنه لم يزل على حالة الكبر لآنه شبه حاله مع السماع بحاله مع عدم ~~السماع، وقد بين أن حاله مع السماع الاستكبار فكان حاله قبل السماع كذلك. # ولما كان من لم ms3609 يسمع الشيء قد يكون قابلا للسمع، فإذا كلم من قد جرت ~~العادة بأن يسمع منه سمع، بين أن حال هذا كما كان مساويا لما قبل ~~التلاوة فهو مساو لما بعدها، لأن سمعه مشابه لمن به صم، فالمضارع في " ~~يتلى " مفهم لأن الحال في الاستقبال كهي في الحال فقال تعالى: { كأن في ~~أذنيه وقرا } أي صمما يستوي معه تكليم غيره له وسكوته. # ولما تسبب عن ذلك استحقاقه لما يزيل نخوته وكبره وعظمته، وكان استمرار ~~الألم أعظم كاسر لذوي الشمم، وكان من طبع الإنسان الاهتزاز لوعد الإحسان ~~كائنا من كان نوع اهتزاز قال: { فبشره } فلما كان جديرا بأن يقبل - لا ~~يولي لظنه البشري - على حقيقتها لأن من يعلم أنه أهل للعذاب بأفعاله ~~الصعاب لا يزال يتوالى عليه النعم مرة بعد مرة حتى يظن أو يكاد يقطع بأن ~~المعاصي سبب لذلك وأنه - لما كان عند الله من عظيم المنزلة - لا يكره منه ~~عمل من الأعمال، قرعة بقوله: { بعذاب } أي عقاب مستمر { أليم * }. # ولما كانت معرفة ما لأحد الجزءين باعثة على السؤال عما للحزب الآخر، ~~وكانت إجابة السؤال عن ذلك من أتم الحكمة، استأنف تعالى قوله مؤكدا لأجل ~~إنكار الكفرة: { إن الذين آمنوا } أو اوجدوا الإيمان { وعملوا } أي ~~تصديقا له { الصالحات } وضعا للشيء في محله عملا بالحكمة { لهم جنات } ~~أي بساتين { النعيم } فأفاد سبحانه بإضافتها إليه أنه لا كدر فيها أصلا ~~ولا شيء غير النعيم. ولما كان ذلك قد لا يكون دائما. وكان لا سرور بشيء ~~منقطع قال: { خالدين فيها } أي دائما. # ولما كانت الثقة بالوعد على قدر الثقة بالواعد، وكان إنجاز الوعد من ~~الحكمة، قال مؤكدا لمضمون الوعد بالجنات: { وعد الله } الذي لا شيء أجل ~~منه؛ فلا وعد أصدق من وعده، ثم أكده بقوله: { حقا } أي ثابتا ثباتا لا ~~شيء مثله، لأنه وعد من لا شيء مثله ولا كفوء له. # ولما كان النفس الغريب جديرا بالتأكيد، أتى بصفتين مما أفهمه الإتيان ~~بالجلالة تصريحا بهما تأكيدا لأن هذا لا بد منه فقال: { وهو } أي ms3610 وعد ~~بذلك والحال أنه { العزيز } فلا يغلبه شيء { الحكيم* } أي المحكم لما ~~يقوله ويفعله، فلا يستطاع نقضه ولا نقصه. # ولما ختم بصفتي العزة - وهي غاية القدرة - والحكمة - وهي ثمرة العلم - ~~دل عليها باتقان أفعاله وإحكامها فقال: { خلق السماوات } أي على علوها ~~وكبرها وضخامتها { بغير عمد } وقوله: { ترونها } دال على الحكمة، إن قلنا ~~إنه صفة لعمد أو استئناف، إما أن قلنا بالثاني فلكون مثل هذا الخلق ~~الكبير الواسع يحمل بمحض القدرة، وإن قلنا بالأول فتركيب مثله على عمد ~~تكون في العادة حاملة له وهي مع ذلك بحيث لا ترى أدخل في الحكمة وأدق في ~~اللطافة والعظمة، لأنه يحتاج إلى عملين: تخفيف الكثيف وتقوية اللطيف. # ولما ذكر العمد المقلة، اتبعه الأوتاد المقرة فقال: { وألقى في الأرض } ~~أي التي أنتم عليها، جبالا { رواسي } والعجب من فوقها وجميع الرواسي ~~التي تعرفونها تكون من تحت، تثبتها عن { أن تميد } أي تتمايل مضطربة { ~~بكم } كما هو شأن ما على ظهر الماء. # ولا ذكر إيجادها وإصلاحها للاستقرار. ذكر ما خلقت له من الحيوان فقال: { ~~وبث فيها } أي فرق { من كل دابة } ولما ذكر ذلك, ذكر ما يعيش به، فقال ~~منبها لمظهر العظمة على أن ذلك وإن كان لهم في بعضه تسبب لا يقدر عليه ~~إلا هو سبحانه: { وأنزلنا } أي بما لنا من العزة اللازمة للقدرة، وقدم ما ~~لا قدرة لمخلوق عليه بوجه فقال: { من السماء ماء } ولما تسبب عن ذلك ~~تدبير الأقوات، وكان من آثار الحكمة التابعة للعمل، دل عليه بقوله: { ~~فأنبتنا } أي بما لنا من العلو في الحكمة { فيها } أي الأرض بخلط الماء ~~بترابها { من كل زوج } أي صنف من النبات متشابه { كريم* } بما له من ~~البهجة والنضرة الجالبة للسرور والمنفعة والكثرة الحافظة لتلك الدواب. ### || [31.11-12] # ولما ثبت بهذا الخلق العظيم على هذا الوجه المحكم عزته وحكمته، ثبتت ~~ألوهيته فألزمهم وجوب توحيده في العبادة كما توحد بالخلق، لأن ذلك عين ~~الحكمة، كما كان خلقه لهذا الخلق على هذا النظام ليدل عليه سبحانه سر ~~الحكمة، فقال ملقنا ms3611 للمحسنين من حزبه ما ينبهون به المخالفين موبخا لهم ~~مقبحا لحالهم في عدو لهم عنه مع علمهم بما له من التفرد بهذه الصنائع: { ~~هذا } أي الذي تشاهدونه كله { خلق الله } أي الذي له جميع العظمة فلا ~~كفوء له. # ولما كان العاقل بل وغيره لا ينقاد لشيء إلا أن رأى له فعلا يوجب ~~الانقياد له، نبه على ذلك بقوله جوابا لما تقديره: فإن ادعيتم لما دونه ~~مما عبدتموه من دونه خلقا عبدتموه لأجله: { فأروني ماذا خلق الذين } زاد ~~اسم الإشارة زيادة في التقريع بتأكيد النفي المقصود من الكلام، ونبه على ~~سفول رتبتهم بقوله مضمرا لأنه ليس فيما أسند إلى الاسم الأعظم حيثية ~~يخشى من التقييد بها نقص: { من دونه } فسأله في رؤية ما خلقوا غبنه أحد ~~أصلا بأن انقدتم لما لا ينقاد له حيوان فضلا عن إنسان بكونه لا فعل له ~~أصلا، فكان من حقكم - إن كانت لكم عقول - أن تبحثوا اولا هل لهم أفعال ~~أم لا؟ ثم إذا ثبت فهل هي محكمة أم لا، ثم إذا ثبت فهل شاركهم غيرهم أم ~~لا، وإذا ثبت أن غيرهم شاركهم فأيهما أحكم, وأما أنكم تنقادون لهم ولا ~~فعل لهم أصلا ثم تقدرون أن لهم أفعالا ترجونهم بها وتخشونهم، فهذا ما ~~لا يتصوره حيوان أصلا، ولذلك قال تعالى: { بل } منبها على أن الجواب: ~~ليس لهم خلق، بل عبدتهم أو أنتم في جعلهم شركاء، هكذا كان الأصل، ولكنه ~~قال: { الظالمون } أي العريقون في الظلم، تعميما وتنبيها على الوصف ~~الذي أوجب لهم كونهم { في ضلال } عظيم جدا محيط بهم { مبين } أي في غاية ~~الوضوح، وهو كونهم يضعون الأشياء عنهم بجبال الهوى فلا حكمة لهم. # ولما ثبتت حكمته سبحانه وأنه أبعدهم عنها بما قضى عليهم من الجهل وغباوة ~~العقل وآتاها من تاب، واعتصم بآيات الكتاب، توقع السامع الإخبار عن بعض ~~من آتاه الحكمة من المتقدمين الذين كانوا من المحسنين، فوضعوا الأشياء في ~~مواضعها بأن آمنوا على قوله: " وهو العزيز الحكيم " أو على مقدر تقديره: ~~لأنا أضللناهم بحكمتنا ms3612 وآتينا الحكمة الذين قبلوا آياتنا وأحسنوا التعبد ~~لنا فما عبدوا صمنا ولا مالوا إلى لهو، لأن ذلك عين الحكمة لكونه وضعا ~~للشيء في محله، فهو تقدير لتخصيص النبي صلى الله عليه وسلم. # بالرسالة: { ولقد آتينا } بما لنا من العظمة والحكمة { لقمان } وهو عبد ~~من عبيدنا { الحكمة } وهو العلم المؤيد بالعمل والعمل المحكم بالعلم، ~~وقال الحرالي: هي العلم بالأمر الذي لأجله وجب الحكم، والحكم الحمل على ~~جميع أنواع الصبر والمصابرة ظاهرا بالإيالة العالية، ولا يتم الحكم ~~وتستوي الحكمة إلا بحسب سعة العلم، وقال ابن ميلق: إن مدارها على إصابة ~~الحق والصواب في القول والعمل، ولهذا قال ابن قتيبة: لا يقال لشخص حكيما ~~حتى تجتمع له الحكمة في القول والفعل، قال: ولا يسمى المتكلم بالحكمة ~~حكيما حتى يكون عاملا بها - انتهى. # ومن بليغ حكمته ما أسنده صاحب الفردوس عن ابن عمر رضي الله عنهما ان ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " حقا أقول! لم يكن لقمان نبيا، ولكن كان عبدا ضمضامة كثير التفكر ~~حسن اليقين، أحب الله فأحبه، فمن عليه بالحكمة، كان نائما نصف النهار ~~إذ جاءه نداء، قيل: يا لقمان، هل لك أن يجعلك الله خليفة في الأرض تحكم ~~بين الناس بالحق، فأجاب: إن خيرني ربي قبلت العافية ولم أقبل البلاء، وإن ~~عزم علي فسمعا وطاعة، فإني أعلم أنه أن فعل ذلك ربي عصمني وأعانني، ~~فقالت الملائكة بصوت لا يراهم: لم يا لقمان؟ قال: لأن الحاكم بأشد ~~المنازل وأكدرها، يغشاه الظلم من كل مكان، إذ يعدل فبالحري أن ينجو، وإن ~~أخطأ أخطأ طريق الجنة، ومن يكن في الدنيا ذليلا خير من أن يكون شريفا، ~~ومن تخير الدنيا على الآخرة تفتنه الدنيا ولا يصيب الآخرة، فعجبت ~~الملائكة من حسن منطقه، فنام نومة فأعطي الحكمة فانتبه يتكلم بها " # وفي الفردوس عن مكارم الأخلاق لأبي بكر بن لال عن أبي هريرة رضي الله ~~عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " الحكمة عشرة أجزاء تسعة منها في العزلة وواحد في الصمت " # ، وقال لقمان: لا ms3613 مال كصحة ولا نعيم كطيب نفس، وقال: ضرب الوالد لولده ~~كالسماء للزرع، وقيل له: أي الناس شر؟ قال: الذي لا يبالي أن يراه الناس ~~مسيئا، وقيل له: ما أقبح وجهك! فقال: تعيب النقش أو النقاش، وقال ~~البغوي: إنه قيل له: لم بلغت ما بلغت؟ قال: بصدق الحديث وأداء الأمانة ~~وترك ما لا يعنيني - انتهى. فهو سبحانه من حكمته وحكمه أن يرفع ما يشاء ~~بما يعلمه منه سلامة الطبع وإن كان عبدا فلا يدع أن يختص محمدا صلى ~~الله عليه وسلم ذا النسب العالي والمنصب المنيف في كل خلق شريف بالرسالة ~~من بين قريش وإن لم يكن من أهل الدنيا المتعظمين بها، قال ابن ميلق: من ~~حكمته سبحانه أن يجمع بين أثرى عدله وفضله، وأن يعاقب بينهما في الظهور ~~فيذل ويعز ويفقر ويغني ويسقم ويشفي ويفني ويبقي إلى غير ذلك، فما من سابق ~~عدل إلا له لاحق فضل، ولا سابق فضل إلا له لاحق عدل، غير أن أثر العدل ~~والفضل قد يتعلق بالبواطن خاصة، وقد يتعلق أحدهما بالظاهر والآخر ~~بالباطن، وقد يكون اختلاف تعلقمها في حالة واحدة، وقد يكون على البدل، ~~وعلى قدر تعلق الأثر السابق يكون تعلق الأثر اللاحق. # ولما كانت الحكمة قاضية بذلك، أجرى الله سبحانه آثار عدله على ظواهر ~~أصفيائه دون بواطنهم، ثم عقبت ذلك بإيراد آثار فضله على بواطنهم وظواهرهم ~~حتى صار من قاعدة الحكمة الإلهية تفويض ممالك الأرض للمستضعفين فيها ~~كالنجاشي حيث بيع في صغره، وذلك كثير موجود بالاستقراء، فمن كمال تربية ~~الحكيم لمن يريد إعلاء شأنه أن يجري على ظاهره من أثر العدل ما فيه تكميل ~~لهم وتنوير لمداركهم وتطهير لوجودهم وتهذيب وتأديب - إلى غير ذلك من ~~فؤائد التربية، ومن تتبع أحوال الأكابر من آدم عليه السلام وهلم جرا رأى ~~من حسن بلاء الله سبحانه وتعالى لهم ما يشهد لما قررته بالصحة إن شاء ~~الله تعالى - انتهى. # ولما كانت الحكمة هي الإقبال على الله قال: { أن اشكر } وهو وإن كان ~~تقديره: قلنا له كذا، يؤول ms3614 إلى " آتيناه الشكر " وصرف الكلام إلى الاسم ~~الأعظم الذي لم يتسم به غيره سبحانه دفعا للتعنت، ونقلا عن مظهر العظمة ~~إلى أعظم منها فقال: { لله } بأن وفقناه له بما سببناه له من الأمر به ~~لأن الحكمة في الحقيقة هي القيام بالشكر لا الإيصاء به، ويمكن أن تكون " ~~أن " مصدرية، ويكون التقدير: آتيناه إياها بسبب الشكر، وعبر بفعل الأمر ~~إعلاما بأن شكره كان لامتثال الأمر ليكون أعلى. # ولما كان التقدير: فبادر وشكر، فما نفع إلا نفسه، كما أنه لو كفر ما ضر ~~إلا نفسه، عطف عليه معرفا أنه غني عن شكر الشاكرين قوله معبرا بالمضارع ~~الدال على أن من أقبل عليه - في أي زمان كان - يلقاه ويكون معروفه له ~~دائما بدوام العمل: { ومن يشكر } أي يجدد الشكر ويتعاهد به نفسه كائنا ~~من كان { فإنما يشكر } أي يفعل ذلك { لنفسه } أي فإنما ينفع نفسه، فإن ~~الله يزيده من فضله فإن الله شكور مجيد { ومن كفر } فإنما يضر نفسه، وعبر ~~بالماضي إشارة إلى أن من وقع منه كفر ولو مرة جوزي بالإعراض عنه { فإن ~~الله } عبر بالاسم الأعظم لأنه في سياق الحكمة، والحكيم من أدام استحضار ~~صفات الجلال والجمال فغلب خوفه رجاءه ما دام في دار الأكدار { غني } عن ~~الشكر وغيره { حميد * } أي له جميع المحامد وإن كفره جميع الخلائق، فإن ~~تقدير الكفر عليهم بحيث لا يقدرون على الانفكاك عنه من جملة محامدة ~~بالقدرة والعزة والفهم والعظمة. ويجوز - وهو أقرب - أن يعود " غني " إلى ~~الكافر و " حميد " إلى الشاكر، فيكون اسم فاعل، فيكون التقدير: ومن كفر ~~فإنما يكفر على نفسه، ثم سبب عن الجملتين وهما كون عمل كل من الشاكر ~~والكافر لا يتعداه قوله " فإن الله غني " أي عن شكر الكافر " حميد " ~~للشاكر، والآية على الأول من الاحتباك: تخصيص الشكر بالنفس أولا يدل على ~~حذف مثله من الكفر ثانيا، وإثبات الصفتين يدل على حذف مثلهما أولا. ### || [31.13-15] # ولما كان الإنسان لا يعرف حكمة الحكيم إلا بأقواله وأفعاله، ولا صدق ~~الكلام وحكمته إلا بمطابقته ms3615 للواقع، فكان التقدير: اذكر ما وصفنا به ~~لقمان لتنزل عليه ما تسمع من أحواله وأفعاله في توفية حق الله وحق الخلق ~~الذي هو مدار الحكمة، عطف عليه قوله: { وإذ } أي واذكر بقلبك لتتعظ ~~وبلسانك لتعظ غيرك - بما أنك رسول - ما كان حين { قال لقمان لابنه } ما ~~يدل على شكره في نفسه وامره به لغيره فإنه لا شكر يعدل البراءة من الشرك، ~~وفيه حث على التخلق بما مدح به لقمان بما يحمل على الصبر والشكر ~~والمداومة على كل خير، وعلى تأديب الولد، بسوق الكلام على وجه يدل على ~~تكرير وعظه فقال: { وهو يعظه } أي يوصيه بما ينفعه ويرقق قلبه ويهذب ~~نفسه، ويوجب له الخشية والعدل. # ولما كان أصل توفية حق الحق تصحيح الاعتقاد وإصلاح العمل، وكان الأول ~~أهم، قدمه فقال: { يا بني } فخاطبه بأحب ما يخاطب به، مع إظهار الترحم ~~والتحنن والشفقة، ليكون ذلك أدعى لقبول النصح { لا تشرك } أي لا توقع ~~الشرك لا جليا ولا خفيا، ولما كان في تصغيره الإشفاق عليه، زاد ذلك ~~بإبراز الاسم الأعظم الموجب لاستحضار جميع الجلال، تحقيقا لمزيد ~~الإشفاق. فقال: { بالله } أي الملك الأعظم الذي لا كفوء له، ثم علل هذا ~~النهي بقوله: { إن الشرك } اي بنوعيه { لظلم عظيم* } أي فهو ضد الحكمة، ~~لأنه وضع الشيء في غير محله، فظلمه ظاهر من جهات عديدة جدا، أظهرها أنه ~~تسوية المملوك الذي ليس له من ذاته إلا العدم نعمة منه أصلا بالمالك ~~الذي له وجوب الوجود، فلا خير ولا نعمة إلا منه، وفي هذا تنبيه لقريش وكل ~~سامع على أن هذه وصية لا يعدل عنها، لأنها من أب حكيم لابن محنو عليه ~~محبوب، وأن آباءهم لو كانوا حكماء ما فعلوا إلا ذلك، لأنه يترتب عليها ما ~~عليه مدار النعم الظاهرة والباطنة الدينية والدنيوية، العاجلة والآجلة، ~~وهو الأمن والهداية # الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون # [الأنعام: 82] فإنه لما نزلت تلك الآية كما هو صحيح البخاري في غير موضع ~~عن عبد الله بن مسعود ms3616 رضي الله عنه شق ذلك على الصحابة رضي الله تعالى ~~عنهم فقالوا: أينا لم يلبس إيمانه بظلم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " إنه ليس بذاك، ألم تسمع إلى قول لقمان { إن الشر لظلم عظيم } ". # ولما ذكر سبحانه وتعالى ما أوصى به ولده من شكر المنعم الأول الذي لم ~~يشركه في إيجاده أحد، وذكر ما عليه الشرك من الفظاعة والشناعة والبشاعة، ~~أتبعه سبحانه وصيته للولد بالوالد لكونه المنعم الثاني المتفرد سبحانه ~~بكونه جعله سبب وجود الولد اعترافا بالحق وإن صغر لأهله وإيذانا بأنه ~~لا يشكر الله من لا يشكر الناس، وتفخيما لحق الوالدين، لكونه قرن ~~عقوقهما بالشرك، وإعلاما بأن الوفاء شيء واحد متى نقص شيء منه تداعى ~~سائره كما في الفردوس عن أبي الدرداء رضي الله عنه أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " لو أن العبد لقي الله بكمال ما افترض عليه ما خلا بر الوالدين ما دخل ~~الجنة، وإن بر الوالدين لنظام التوحيد والصلاة والذكر " # ولذلك لفت الكلام إلى مظهر العظمة ترهيبا من العقوق ورفعا لما لعله ~~يتوهم من أن الانفصال عن الشرك لا يكون إلا بالإعراض عن جميع الخلق. # ولما قد يخيله الشيطان من أن التقيد بطاعة الوالد شرك، مضمنا تلك ~~الوصية إجادة لقمان عليه السلام في تحسين الشرك وتقبيح الشرك لموافقته ~~لأمر رب العالمين، وإيجاب امتثال ابنه لأمره، فقال مبينا حقه وحق كل ~~والد غيره، ومعرفا قباحة من أمر ابنه بالشرك لكونه منافيا للحكمة التي ~~أبانها لقمان عليه السلام، وتحريم امتثال الابن لذلك ووجوب مخالفته لأبيه ~~فيه تقديما لأعظم الحقين، وارتكابا لأخف الضررين: { ووصينا } أي قال ~~لقمان ذلك لولده نصحا له والحال أنا بعظمتنا وصينا ولده به بنحو ما ~~أوصاه به في حقنا - هكذا كان الأصل، ولكنه عبر بما يشمل غيره فقال: { ~~الإنسان } أي هذا النوع على لسان أول نبي أرسلنا وهلم جرا وبما ركزناه ~~في كل فطرة من أنه ما جزاء الإحسان إلا الإحسان { بوالديه } فكأنه قال: ~~إن لقمان عرف نعمتنا عليه وعلى أبناء ms3617 نوعه لوصيتنا لأولادهم بهم فشكرنا ~~ولقن عنا نهيهم بذلك عن الشرك لأنه كفران لنعمة المنعم، فانتهى في نفسه ~~ونهى ولده، فكان بذلك حكيما. # ولما كانت الأم في مقام الاحتقار لما للأب من العظمة بالقوة والعقل ~~والكد عليها وعلى ولدها، نوه بها ونبه على ما يختص به من أسباب وجود ~~الولد وبقائه عن الأب مما حصل لها من المشقة بسببه وما لها إليه من ~~التربية. فقال معللا أو مستأنفا: { حملته أمه وهنا } أي حال كونها ذات ~~وهن تحمله في أحشائها، وبالغ بجعلها نفس الفعل دلالة على شدة ذلك الضعف ~~بتضاعفه كلما أثقلت { على وهن } أي هو قائم بها من نفس خلقها وتركيبها ~~إلى ما يزيدها التمادي بالحمل، ثم أشار إلى ما لها عليه من المنة بالشفقة ~~وحسن الكفالة وهو لا يملك لنفسه شيئا بقوله: { وفصاله } أي فطامه من ~~الرضاعة بعد وضعه. # ولما كان الوالدان يعدان وجدان الولد من أعظم أسباب الخير والسرور، عبر ~~في أمره بالعام الذي تدور مادته على السعة لذلك وترجية لهما بالعول عليه ~~وتعظيما لحقهما بالتعبير بما يشير إلى صعوبة ما قاسيا فيه باتساع زمنه ~~فقال: { في عامين } تقاسي فيهما في منامه وقيامه ما لا يعلمه حق علمه إلا ~~لله تعالى، وفي التعبير بالعام أيضا إشارة إلى تعظيم منتهاه بكونها تعد ~~أيام رضاعه - مع كونها أضعف ما يكون في تربيته - أيام سعة وسرور، ~~والتعبير ب " في " مشيرا إلى أن الوالدين لهما أن يفطماه قبل تمامهما ~~على حسب ما يحتمله حاله، وتدعو إليه المصلحة من أمره. # ولما ذكر الوصية وأشار إلى أمهات أسبابها، ذكر الموصى به فقال مفسرا ل ~~" وصينا ": { أن اشكر } ولما كان الشكر منظورا إليه أتم نظر، قصر فعله، ~~أي أوجد هذه الحقيقة ولتكن من همك. ولما كان لا بد له من متعلق، كان كأنه ~~قال: لمن؟ فقال مقدما ما هو أساس الموصى به في الوالدين ليكون معتدا ~~به، لافتا القول إلى ضمير الواحد من غير تعظيم تنصيصا على المراد: { لي ~~} أي لأني المنعم بالحقيقة { ولوالديك } لكوني ms3618 جعلتهما سببا لوجودك ~~والإحسان بتربيتك، وذكر الإنسان بهذا الذكر في سورة الحكمة إشارة إلى أنه ~~أتم الموجودات حكمة قال الرازي في آخر سورة الأحزاب من لوامعه: الموجودات ~~كلها كالشجرة، والإنسان ثمرتها، وهي كالقشور والإنسان لبابها، وكالمبادئ ~~والإنسان كمالها، ومن أين للعالم ما للإنسان؟ بل العالم العلوي فيه، ليس ~~في العالم العلوي ما فيه، فقد جمع ما بين العالمين بنفسه وجسده، واستجمع ~~الكونين بعقله وحسه، وارتفع عن الدرجتين باتصال الأمر الأعلى به وحيا ~~قوليا، وسلم لمن له الخلق والأمر تسليما اختياريا طوعيا. ثم علل ~~الأمر بالشكر محذرا فقال: { إلي } لا إلى غيري { المصير* } أي فأسألك ~~عن ذلك كما كانت منهما البداءة ظاهرا بما جعلت لهما من التسبب في ذلك، ~~فيسألانك عن القيام بحقوقهما وإن قصرت فيها شكواك إلى الناس وأقاما عليك ~~الحجة وأخذا بحقهما. # ولما ذكر سبحانه وصيته بهما وأكد حقهما، أتبعه الدليل على ما ذكر لقمان ~~عليه السلام من قباحة الشرك فقال: { وإن جاهداك } أي مع ما أمرتك به من ~~طاعتهما، وأشار بصيغة المفاعلة إلى مخالفتهما وإن بالغا في الحمل على ذلك ~~{ على أن تشرك بي } وأشار بأداة الاستعلاء إلى أنه لا مطمع لمن أطاعهما ~~في ذلك ولو باللفظ فقط أن يكون في عداد المحسنين وإن كان الوالدان في ~~غاية العلو والتمكن من الأسباب الفاتنة له بخلاف سورة العنكبوت فإنها ~~لمطلق الفتنة، وليست لقوة الكفار، فعبر فيها بلام العلة، إشارة إلى مطلق ~~الجهاد الصادق بقويه وضعيفه، ففي الموضعين نوع رمز إلى أنه إن ضعف عنهما ~~أطاع باللسان، ولم يخرجه ذلك عن الإيمان، كما أخرجه هنا عن الوصف ~~بالإحسان، ولذلك حذر في الأية التي بعد تلك من النفاق لأجل الفتنة، وأحال ~~سبحانه على اتباع الأدلة على حكم ما وهب من العقل عدلا وإنصافا فقال: { ~~ما ليس لك به علم } إشارة إلى أنه لا يمكن أن يدل علم من أنواع العلوم ~~على شيء من الشرك بنوع من أنواع الدلالات بل العلوم كلها دالة على ~~الوحدانية على الوجه الذي تطابقت عليه العقول، وتظافرت ms3619 عليه من الأنبياء ~~والرسل النقول، وأما الوجه الذي سماه أهل الإلحاد بمذهب الاتحاد توحيدا ~~فقد كفى في أنه ليس به علم إطباقهم على أنه خارج عن طور العقل، مخالف لكل ~~ما ورد عن الأنبياء من نقل، وإن لبسوا بإدعاء متابعة بعض الآيات كما بينه ~~كتابي الفارض، فلا يمكن أن يتمذهب به أحد إلا بعد الانسلاخ من العقل ~~والتكذيب بالنقل، فلم يناد أحد على نفسه بالإبطال ما نادوا به على أنفسهم ~~ولكن من يضلل الله فما له من هاد. # فلما قرر ذلك على هذا المنوال البديع، قال مسببا عنه: { فلا تطعهما } ~~أي في ذلك ولو اجتمعا على المجاهدة لك عليه، بل خالفهما، وإن أدى الأمر ~~إلى السيف فجاهدهما به، لأن أمرهما بذلك مناف للحكمة حامل على محض الجور ~~والسفه، ففيه تنبيه لقريش على محض الغلط في التقليد لآبائهم في ذلك. # ولما كان هذا قد يفهم الإعراض عنهما رأسا في كل أمر إذا خالفا في ~~الدين، أشار إلى أنه ليس مطلقا فقال: { وصاحبهما في الدنيا } أي في ~~أمورها التي لا تتعلق بالدين ما دامت حياتهما. # ولما كان المبنى على النقصان عاجزا عن الوفاء بجميع الحقوق، خفف عليه ~~بالتنكير في قوله: { معروفا } أي ببرهما إن كانا على دين يقران عليه ~~ومعاملتهما بالحلم والاحتمال وما يقتضيه مكارم الأخلاق ومعالي الشيم، قال ~~ابن ميلق: ويلوح من هذه المشكاة تعظيم الأشياخ الذين كانوا في العادة ~~سببا لإيجاد القلوب في دوائر التوحيد العلمية والعملية - يعني ففي سوق ~~هذه الوصية هذا المساق أعظم تنبيه على أن تعظيم الوسائط من الخلق ليس ~~مانعا من الإخلاص في التوحيد، قال ابن ميلق: ومن هنا زلت أقدام أقوام ~~تعمقوا في دعوى التوحيد حتى أعرضوا عن جانب الوسائط فوقعوا في الكفر من ~~حيث زعموا التوحيد, فإن تعظيم المعظم في الشرع تعظيم لحرمات الله، ~~وامتثال لأمر الله، ولعمري إن هذه المزلة ليتعثر بها أتباع إبليس حيث أبى ~~أن يسجد لغير الله، ثم قال ما معناه: وهؤلاء قوم أعرضوا عن تعظيم الوسائط ~~زاعمين الغيرة على ms3620 مقام التوحيد، وقابلهم قوم أسقطوا الوسائط جملة ~~وقالوا: إنه ليس في الكون إلا هو، وهم أهل الوحدة المطلقة، والكل على ~~ضلال، والحق الاقتصاد والعدل في إثبات الخالق وتوحيده، وتعظيم من أمر ~~بتعظيمه من عبيده. # ولما كان ذلك قد يجر إلى نوع وهن في الدين ببعض محاباة، نفى ذلك بقوله: ~~{ واتبع } أي بالغ في أن تتبع { سبيل } أي دين وطريق { من أناب } أي أقبل ~~خاضعا { إلي } لم يلتفت إلى عبادة غيري، وهم المخلصون من أبويك ~~وغيرهما، فإن ذلك لا يخرجك عن برهما ولا عن توحيد الله والإخلاص له، وفي ~~هذا حث على معرفة الرجال بالحق، وأمر بحك المشايخ وغيرهم على محك الكتاب ~~والسنة، فمن كان عمله موافقا لها اتبع، ومن كان عمله مخالفا لهما ~~اجتنب. # ولما كان التقدير: فإن مرجع أموركم كلها في الدنيا إلي، عطف عليه قوله: ~~{ ثم إلي } أي في الآخرة، لا إلى غيري مرجعك - هكذا كان الأصل، ولكنه ~~جميع لإرادة التعميم فقال معبرا بالمصدر الميمي الدال على الحدث وزمانه ~~ومكانه: { مرجعكم } حسا ومعنى، فأكشف الحجاب { فأنبئكم } أي أفعل فعل من ~~يبالغ في التنقيب والإخبار عقب ذلك وبسببه، لأن ذلك أنسب شيء للحكمة وإن ~~كان تعقيب كل شيء بحسب ما يليق به { بما كنتم } بما هو لكم كالجبلة { ~~تعملون* } أي تجددون عمله من صغير وكبير، وجليل وحقير، وما كان في ~~جبلاتكم مما لم يبرز إلى الخارج، فأجازي من أريد وأغفر لمن أريد، فأعد ~~لذلك عدته، ولا تعمل عمل من ليس له مرجع يحاسب فيه ويجازي على مثاقيل ~~الذر من أعماله، ولعله عبر عن الحساب بالتنبئة لأن العلم بالعمل سبب ~~للمجازاة عليه أو لأنه جمع القسمين، ومحاسبة السعيد العرض فقط بدلالة ~~التضمن ومحاسبة الشقي بالمطابقية. ### || [31.16-18] # ولما فرغ من تأكيد ما قاله لقمان عليه السلام في الشكر والشرك فعلم ما ~~أوتي من الحكمة، وختمه بعد الوصية بطاعة الوالد بذكر دقيق الأعمال ~~وجليلها، وأنها في علم الله سواء، حسن جدا الرجوع إلى تمام بيان حكمته، ~~فقال بادئا بما يناسب ذلك من ms3621 دقيق العلم ومحيطه المكمل لمقام التوحيد، ~~وعبر بمثقال الحبة لأنه أقل ما يخطر غالبا بالبال، وهي من أعظم حاث على ~~التوحيد الذي مضى تأسيسه: { يا بني } متحببا مستعطفا، مصغرا له ~~بالنسبة إلى حمل شيء من غضب الله تعالى مستضعفا: { إنها } أي العمل، ~~وأنث لأنه في مقام التقليل والتحقير، والتأنيث أولى بذلك، ولأنه يؤول ~~بالطاعة والمعصية والحسنة والسيئة { إن تك } وأسقط النون لغرض الإيجار في ~~الإيصاء بما ينيل المفاز، والدلالة على أقل الكون وأصغره { مثقال } أي ~~وزن، ثم حقرها بقوله: { حبة } وزاد في ذلك بقوله: { من خردل } هذا على ~~قراءة الجمهور بالنصب، ورفع المدنيان على معنى أن الشأن والقصة العظيمة ~~أن توجد في وقت من الأوقات هنة هي أصغر شيء وأحقره - بما أشار إليه ~~التأنيث. # ولما كان قد عرف أن السياق لماذا أثبت النون في قوله مسببا عن صغرها: { ~~فتكن } إشارة إلى ثباتها في مكانها. وليزداد تشوف النفس إلى محط الفائدة ~~ويذهب الوهم كل مذهب لما علم من أن المقصد عظيم بحذف النون وإثبات هذه، ~~وعسرها بعد أن حقرها بقوله معبرا عن أعظم الخفاء وأتم الإحراز: { في ~~صخرة } أي أي صخرة كانت ولو أنها أشد الصخور وأقواها وأصغرها وأخفاها. # ولما أخفى وضيق، أظهر ووسع، ورفع وخفض، ليكون أعظم لضياعها لحقارتها ~~فقال: { أو في السماوات } أي في أي مكان كان منها على سعة أرجائها ~~وتباعد أنحائها، وأعاد " أو " نصا على إرادة كل منهما على حدته، والجار ~~تأكيدا للمعنى فقال: { أو في الأرض } أي كذلك، وهذا كما ترى لا ينفي أن ~~تكون الصخرة فيهما أو في إحداهما، وعبر له بالاسم الأعظم لعلو المقام ~~فقال: { يأت بها الله } بعظم جلاله، وباهر كبريائه وكماله، بعينها لا ~~يخفى عليه ولا يذهب شيء منها، فيحاسب عليها، ثم علل ذلك من علمه وقدرته ~~بقوله مؤكدا إشارة إلى أن إنكار ذلك لما له من باهر العظمة من دأب ~~النفوس إن لم يصحبها التوفيق: { إن الله } فأعاد الاسم الأعظم تنبيها ~~على استحضار العظمة وتعميما للحكم { لطيف } أي عظيم المت بالوجوه ms3622 ~~الخفية الدقيقة الغامضة في بلوغه إلى أمر أراده حتى بضد الطريق الموصل ~~فيهما يظهر للخلق { خبير * } بالغ العلم بأخفى الأشياء فلا يخفى عليه ~~شيء، ولا يفوته أمر. # ولما نبهه على إحاطة علمه سبحانه وإقامته للحساب، أمره مما يدخره لذلك ~~توسلا إليه، وتخضعا لديه، وهو رأس ما يصلح به العمل ويصحح التوحيد ~~ويصدقه، فقال: { يا بني } مكررا للمناداة على هذا الوجه تنبيها على فرط ~~النصيحة لفرط الشفقة { أقم الصلاة } أي بجميع حدودها وشروطها ولا تغفل ~~عنها، سعيا في نجاة نفسك وتصفية سرك، فإن إقامتها - وهي الإيتان بها على ~~النحو المرضي - مانعة من الخلل في العمل { إن الصلاة تنهى عن الفحشاء ~~والمنكر } لأنها الإقبال على من وحدته فاعتقدت أنه الفاعل وحده وأعرضت عن ~~كل ما سواه لأنه في التحقيق عدم، ولهذا الإقبال والإعراض كانت ثانية ~~التوحيد، وترك ذكر الزكاة تنبيها على أن من حكمته تخليه وتخلي ولده من ~~الدنيا حتى مما يكفيهم لقوتهم. # ولما أمر بتكميله في نفسه بتكميل نفسه توفية لحق الحق، عطف على ذلك ~~تكميله لنفسه بتكميل غيره توفية لحق الخلق، وذلك أنه لما كان الناس في ~~هذه الدار سفرا، وكان المسافر إن أهمل رفيقه حتى أخذ أوشك أن يؤخذ هو، ~~أمره بما يكمل نجاته بتكميل رفيقه، وقدمه - وإن كان من جلب المصالح - ~~لأنه يستلزم ترك المنكر، وأما ترك المنكر فلا يستلزم فعل الخير، فإنك إذا ~~قلت: لا تأت منكرا، لم يتناول ذلك في العرف إلا الكف عن فعل المعصية، لا ~~فعل الطاعة، فقال: { وأمر بالمعروف } أي كل من تقدر على أمره تهذيبا ~~لغيرك شفقة على نفسك بتخليص أبناء جنسك. # ولما كانت هذه الدار سفينة لسفر من فيها إلى ربهم، وكانت المعاصي مفسدة ~~لها، وكان فساد السفينة مغرقا لكل من فيها: من أفسدها ومن أهمل المفسد ~~ولم يأخذ على يده، وكان الأمر بالمعروف نهيا عن المنكر، صرح به فقال: { ~~وانه } أي كل من قدرت على نهيه { عن المنكر } حبا لأخيك ما تحب لنفسك، ~~تحقيقا لنصيحتك، وتكميلا لعبادتك، لأنه ما عبد ms3623 الله أحد ترك غيره يتعبد ~~لغيره، ومن هذا الطراز قول أبي الأسود رحمه الله تعالى: # ابدأ بنفسك فانهها عن غيها # فإذا انتهت عنه فأنت حكيم # لأنه أمره أولا بالمعروف، وهو الصلاة الناهية عن الفحشاء والمنكر، فإذا ~~أمر نفسه ونهاها، ناسب أن يأمر غيره ينهاه، وهذا وإن كان من قول لقمان ~~عليه السلام إلا أنه لما كان في سياق المدح له كنا مخاطبين به. # ولما كان القابض على دينه في غالب الأزمان كالقابض على الجمر، لأنه ~~يخالف المعظم فيرمونه عن قوس واحدة لا سيما أن أمرهم ونهاهم، قال تعالى: ~~{ واصبر } صبرا عظيما بحيث يكون مستعليا { على ما } أي الذي، وحقق ~~بالماضي أنه لا بد من المصيبة ليكون الإنسان على بصيرة، فقال: { أصابك } ~~أي في عبادتك من الأمر بالمعروف وغيره سواء كان بواسطة العباد أو لا ~~كالمرض ونحوه، وقد بدأ هذه الوصية بالصلاة وختمها بالصبر لأنها ملاك ~~الاستعانة # واستعينوا بالصبر والصلاة # [البقرة: 45] واختلاف المخاطب في الموضعين أوجب اختلاف الترتيبين، ~~المخاطب هنا مؤمن متقلل، وهناك كافر متكثر. # ولما كان ما أحكمه له عظيم الجدوى، وجعل ختامه الصبر الذي هو ملاك ~~الأعمال والتروك كلها، نبهه على ذلك بقوله على سبيل التعليل والاستئناف ~~إيماء إلى التبجيل: { إن ذلك } أي الأمر العظيم الذي أوصيتك به لا سيما ~~الصبر على المصائب: { من عزم الأمور } أي معزوماتها، تسمية لاسم المفعول ~~أو الفاعل بالمصدر، أي الأمور المقطوع بها المفروضة أو القاطعة الجازمة ~~بجزم فاعلها، أي التي هي أهل لأن يعزم عليها العازم، وينحو إليها بكليته ~~الجازم، فلا مندوحة في تركها بوجه من الوجوه في ملة من الملل. # ولما كان من آفات العبادة لا سيما الأمر والنهي - لتصورهما بصورة ~~الاستعلاء - الإعجاب إلى الكبر، قال محذرا من ذلك معبرا عن الكبر ~~بلازمه، لأن النفي الأعم نفي للأخص، منبها على أن المطلوب في الأمر ~~والنهي اللين لا الفظاظة والغلظة الحاملان على النفور: { ولا تصعر خدك } ~~أي لا تمله معتمدا إمالته بإمالة العنق متكلفا لها صرفا عن الحالة ~~القاصدة، وأصل الصعر داء يصيب ms3624 البعير يلوي منه عنقه، وقرأ نافع وأبو عمرو ~~وحمزة والكسائي: تصاعر، والمراد بالمفاعلة والتفعيل تعمد فعل ذلك لأجل ~~الكبر حتى يصير خلقا، والمراد النهي عما يفعله المصعر من الكبر - والله ~~أعلم. # ولما كان ذلك قد يكون لغرض من الأغراض التي لا تذم، أشار إلى المقصود ~~بقوله تعالى: { للناس } بلام العلة، أي لا تفعل ذلك لأجل الإمالة عنهم، ~~وذلك لا يكون إلا تهاونا بهم من الكبر، بل أقبل عليهم بوجهك كله ~~مستبشرا منبسطا من غير كبر ولا علو، وأتبع ذلك ما يلزمه فقال: { ولا ~~تمش } ولما كان في أسلوب التواضع وذم الكبر، ذكره بأن أصله تراب، وهو لا ~~يقدر أن يعدوه فقال: { في الأرض } وأوقع المصدر موقع الحال أو العلة ~~فقال: { مرحا } أي اختيالا وتبخترا، أي لا تكن منك هذه الحقيقة لأن ~~ذلك مشي أشر وبطر وتكبر، فهو جدير بأن يظلم صاحبه ويفحش ويبغي، بل امش ~~هونا فأن ذلك يفضي بك إلى التواضع، فتصل إلى كل خير، فترفق بك الأرض إذا ~~صرت فيها حقيقة بالكون في بطنها. # ولما كانت غاية ذلك الرياء للناس والفخر عليهم المثمر لبغضتهم الناشئة ~~عن بغضة الله تعالى، علله بقوله مؤكدا لأن كثيرا من الناس يظن أن أسباغ ~~النعم الدنيوية من محبة الله: { إن الله } أي الذي لا ينبغي الكبر إلا له ~~لما له من العظمة المطلقة. ولما كان حب الله الذي يلزمه حب الناس محبوبا ~~للنفوس، وكان فوات المحبوب أشق على النفوس من وقوع المحذور، وكانت " لا " ~~لا تدخل إلا على المضارع المستقبل قال: { لا يحب } أي فيما يستقبل من ~~الزمان، ولو قال " يبغض " لاحتمال التقييد بالحال، ولما كان النشر المشوش ~~أفصح لقرب الرجوع تدليا فيما ترقى فيه المقبل قال: { كل مختال } أي مراء ~~للناس في مشيه تبخترا يرى له فضلا على الناس فيشمخ بأنفه، وذلك فعل ~~المرح { فخور } يعدد مناقبه، وذلك فعل المصعر، لأن ذلك من الكبر الذي ~~تردى به سبحانه وتعالى فمن نازعه إياه قصمه. ### || [31.19-20] # ولما كان النهي عن ذلك امرا بأضداده، وكان ms3625 الأمر بإطلاق الوجه يلزم منه ~~الإنصاف في الكلام، وكان الإنصاف في الكلام والمشي لا على طريق المرح ~~والفخر ربما دعا إلى الاستماتة في المشي والحديث أو الإسراع في المشي ~~والسر والجهر بالصوت فوق الحد، قال محترسا في الأمر بالخلق الكريم عما ~~يقارب الحال الذميم: { واقصد } أي اعدل وتوسط { في مشيك } لا إفراط ولا ~~تفريط مجانبا لوثب الشطار ودبيب المتماوتين، وعن ابن مسعود: كانوا ينهون ~~عن خبب اليهود ودبيب النصارى، والقصد في الأفعال كالقسط في الأوزان - قال ~~الرازي في اللوامع، وهو المشي الهون الذب ليس فيه تصنع للخلق لا بتواضع ~~ولا بتكبر { واغضض } أي انقص، ولأجل ما ذكر قال: { من صوتك } بإثبات " من ~~" أي لئلا يكون صوتك منكرا، وتكون برفع الصوت فوق الحاجة حمارا، وأما ~~مع الحاجة كالأذان فهو مأمور به. # ولما كان رفع الصوت فوق العادة منكرا كما كان خفضه دونها تماوتا أو ~~دلالا وتكبرا، وكان قد أشار إلى النهي عن هذا ب " من " فأفهم أن ~~الطرفين مذمومان، علل النهي عن الأول دالا بصيغة " أفعل " على اشتراك ~~الرفع كله في النكارة ذاكرا أعلاها تصويرا له بأقبح صورة تنفيرا عنه ~~فقال: { إن أنكر } أي أفظع وأبشع وأوحش { الأصوات } أي كلها المشتركة في ~~النكارة برفعها فوق الحاجة، وأخلى الكلام عن لفظ التشبيه فأخرجه مخرج ~~الاستعارة تصويرا لصوت الرافع صوته فوق الحاجة بصورة النهاق وجعل المصوت ~~كذلك حمارا، مبالغة في التهجين، وتنبيها على أنه من كراهة الله له ~~بمكان فقال: { لصوت الحمير } أي هذا الجنس، لما له من الغلو المفرط من ~~غير حاجة، وأوله زفير وآخره شهيق، وهما فعل أهل النار، وأفرده ليكون نصا ~~على إرادة الجنس لئلا يظن أن الاجتماع شرط في ذلك, ولذكر الحمار مع ذلك ~~من بلاغة الذم والشتم ما ليس لغيره, ولذلك يستهجن التصريح باسمه، وهذا ~~يفهم أن الرفع مع الحاجة غير مذموم فإنه ليس بمستنكر ولا مستبشع، ولقد ~~دعت هذه الآيات إلى معالي الأخلاق، وهي أمهات الفضائل الثلاث: الحكمة ~~والعفة والشجاعة، وأمرت بالعدل فيها، وهي وظيفة التقسيط الذي ms3626 هو الوسط ~~الذي هو مجمع الفضائل، ونهت عن مساؤى الأخلاق، وهي الأطراف التي هي مبدأ ~~الرذائل الحاصل بالإفراط والتفريط، فإقامة الصلاة التي هي روح العبادة ~~المبنية على العلم هي سر الحكمة والنهي، أمر بالشجاعة ونهى عن الجبن، وفي ~~النهي عن التصعير وما معه نهي عن التهور، والقصد في المشي والغض في الصوت ~~أمر بالعفة ونهي عن الاستماتة والجمود والخلاعة والفجور، وفي النهي عن ~~الاستماتة نهي عما قد يلزمها من الجربزة، وهي الفكر بالمكر المؤدي إلى ~~اللعنة، وعن الانحطاط إلى البله والغفلة، والكافل بشرح هذا ما قاله الشيخ ~~سعد الدين التفتازاني في الكلام على الإجماع من تلويحه، قال: إن الخالق ~~تعالى وتقدس قد ركب في الإنسان ثلاث قوى: إحداها مبدأ إدراك الحقائق، ~~والشوق إلى النظر في العواقب، والتمييز بين المصالح والمفاسد، ويعبر عنها ~~بالقوة النطقية والعقلية والنفس المطمئنة الملكية، والثانية مبدأ جذب ~~المنافع وطلب الملاذ من المآكل والمشارب وغير ذلك، وتسمى القوة الشهوية ~~والبهيمية والنفس الأمارة، والثالثة مبدأ الإقدام على الأهوال والشوق إلى ~~التسلط والترفع، وهي القوة الغضبية والسبعية والنفس اللوامة، ويحدث من ~~اعتدال الحركة الأولى الحكمة، والثانية العفة، والثالثة الشجاعة، فأمهات ~~الفضائل هي هذه الثلاث، وما سوى ذلك إنما هو من تفريعاتها وتركيباتها، ~~وكل منها وكل منها محتوش بطر في إفراط وتفريط هما رذيلتان، أما الحكمة ~~فهي معرفة الحقائق على ما هي بقدر الاستطاعة، وهي العلم النافع المعبر ~~عنه بمعرفة النفس ما لها وما عليها المشار إليه بقوله تعالى: # ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا # [البقرة: 269] وإفراطها الجربزة، وهي استعمال الفكر فيما لا ينبغي ~~كالمتشابهات، وعلى وجه لا ينبغي، كمخالفة الشرائع - نعوذ بالله من علم لا ~~ينفع قلت: وهي بجيم ثم مهملة ثم موحدة ثم زاي مأخوذة من الجربز - بالضم، ~~وهو الخب، أي الخداع الخبيث - والله أعلم، وتفريطها الغباوة التي هي ~~تعطيل القوة الفكرية بالإرداة والوقوف عن اكتساب العلوم النافعة، وأما ~~الشجاعة فهي انقياد السبعية للناطقة ليكون إقدامها على حسب الروية من غير ~~اضطراب في الأمور الماثلة، حتى يكون ms3627 فعلها جميلا، وصبرها محمودا، ~~وإفراطها التهور، أي الإقدام على ما لا ينبغي، وتفريطها الجبن، أي الحذر ~~عما لا ينبغي، وأما العفة فهي انقياد البهيمة للناطقة، لتكون تصرفاتها ~~بحسب اقتضاء الناطقة، لتسلم عن استعباد الهوى إياها، واستخدام اللذات، ~~وإفراطها الخلاعة والفجور، أي الوقوع في ازدياد اللذات على ما يجب، ~~وتفريطها الجمود، أي السكوت عن طلب الذات بقدر ما رخص فيه العقل والشرع ~~إيثارا لا خلقة، فالأوساط فضائل، والأطراف رذائل، وإذا امتزجت الفضائل ~~الثلاث حصلت من اجتماعها حالة متشابهة هي العدالة، فبهذا الاعتبار عبر عن ~~العدالة بالوساطة، أي في قوله تعالى: # وكذلك جعلناكم أمة وسطا # [البقرة: 143] وإليه أشير بقوله عليه الصلاة والسلام # " خير الأمور أوساطها " # والحكمة في النفس البهيمية بقاء البدن الذي هو مركب النفس الناطقة ليصل ~~إلى كمالها اللائق بها، ومقصدها المتوجه إليه، وفي السبعية كسر البهيمية ~~وقهرها ودفع الفساد المتوقع من استيلائها، واشترط التوسط في أفعالها لئلا ~~تستعبد الناطقة هواهما وتصرفاها عن كمالها ومقصدها - انتهى. # ولما انقضت هذه الجمل، رافعة أعناقها على المشتري وزحل، قابلة لمن يريد ~~عملها مع الكسل، والضجر في الفكر والملل، وأين الثريا من يد المتناول، ~~وكان قد أخبر سبحانه وتعالى في أول السورة أن الآيات المسموعة هدى لقوم ~~وضلال لآخرين، وكان من الغرائب أن شيئا واحدا يؤثر شيئين متضادين، ~~وأتبع ذلك ما دل على أنه من بالغ الحكمة بوجوه مرضية مشرقة مضيئة، لكنها ~~بمسالك دقيقة وإشارات خفية، إلى أن ختم بالنهي عن التكبر، ورفع الصوت فوق ~~الحاجة، إشارة إلى أن فاعل ما لا حاجة إليه غير حكيم، وكان التكبر على ~~الناس والتعالي عليهم من آثار الفضل في النعمة، وكانت العادة جارية بأن ~~اللك يخضع له تارة لمجرد عظمته، وتارة خوفا من سطوته، وتارة رجاء ~~لنعمته، أبرز سبحانه وتعالى غيب ما وصف به الآيات المسموعة من تأثير ~~الضدين في حالة واحدة في شاهد الآيات المرئية على وجه يدل على استحقاقه، ~~لما أمر به لقمان عليه السلام من العبادة والتذلل، وأن إليه المرجع، وهو ~~عالم على استحقاقه، لما ms3628 أمر به لقمان شيء، وأن كل ما ترى خلقه مذكرا بأن ~~النعمة إنما هي منه، فلا ينبغي لأحد أن يفخر بما آتاه غيره، ولو كل فيه ~~إلى نفسه لم يقدر على شيء منه، محذرا من سلبها عن المتكبر وإعطائها ~~للذليل المحتقر، فقال: { ألم تروا } اي تعلموا علما هو في ظهوره ~~كالمشاهدة أيها المشترون لهو الحديث، المتكبرون علي المقبلين على الله، ~~المتخلين عن الدنيا، الذين قلنا لهم ردا عن الشرك وإبعادا عن الهوى ~~والإفك { هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه } { أن الله } أي ~~الحائز لكل كمال { سخر لكم } أي خاصة { ما في السماوات } بالإنارة ~~والإظلام، والحر والبرد وغير ذلك من الإنعام، وأكده بإعادة الموصول ~~والجار، لأن المقام حقيق به فقال: { وما في الأرض } بكل ما يصلحكم ~~فتعلموا أن الكل خلقه، ما لأحد ممن دونه فيه شيء، وأنه محيط بكل شيء قدرة ~~وعلما، فهو قادر على تعسيره فينبئكم بما كنتم تعملون ويحضره لكم وإن كان ~~في أخفى الأماكن { وأسبغ } أي أطال وأوسع وأتم وأفضل عن قدر الحاجة وأكمل ~~{ عليكم } أيها المكلفون { نعمه } أي واحدة تليق بالدنيا - في قراءة ~~الجماعة بإسكان العين وتاء تأنيث منصوبة منونة تنوين تعظيم، مشيرا إلى ~~أنها ذات أنواع كثيرة جدا، بما دلت عليه قراءة المدنيين وأبي عمرو وحفص ~~عن عاصم بجعل تاء التأنيث ضميرا له سبحانه مع فتح العين ليكون جمعا { ~~ظاهرة } وهي ما تشاهدونها متذكرين لها { وباطنة } وهي ما غابت عنكم فلا ~~يحسونها، أو تحسونها وهي خفية عنكم، لا تذكرونها إلا بالتذكير، وكل منكم ~~يعرف ذلك على الإجمال، فاعبدوه لما دعت إليه مجلة لقمان عليه السلام ~~لتكونوا من المحسنين، حذرا من سلب نعمه، وإيجاب نقمه، ويجوز أن تكون ~~الآية دليلا على قوله تعالى: { خلق السماوات بغير عمد ترونها }. # ولما كان التقدير: ومع كون كل منكم أيها الخلق يعرف أن ذلك نعمة منه ~~سبحانه تعالى وحده, فمن الناس من أذعن وأناب, وسلم لكل ما دعا إليه كتابه ~~الحكيم, على لسان رسوله النبي الكريم, فكان من ms3629 الحكماء الحسنين فاهتدى, ~~عطف عليه قوله مظهرا موضع ضمير المخاطبين مما يشير إليه النوس: { ومن ~~الناس } أي الذين هم أهل للاضطراب، ويمكن أن يكون حالا من { ألم تروا } ~~ويكون { ألم تروا } دليلا على أول السورة، أي أشير إلى الآيات حال كونها ~~هدى لمن ذكر والحال أن من الناس من يشتري اللهو، ألم تروا دليلا على أن ~~من الناس المعاند بعد وضوح الدليل أن الله سخر لكم جميع العالم وأنعم ~~عليكم بما أنعم والحال أن من الناس { من يجادل } فلا لهو أعظم من جداله، ~~ولا كبر مثل كبره، ولا ضلال مثل ضلاله، وأظهر لزيادة التشنيع على هذا ~~المجادل، وإشارة إلى قبح المجادلة من غير نظر إلى النعم فقال تعالى: { في ~~الله } المحيط بكل شيء علما وقدرة. # ولما كان سبحانه في ظهور وجوده وأوصافه بحيث لا يخفى بوجه، وكان المجادل ~~قد يكون فهما، قال: { بغير } أي بكلام متصف بأنه غير { علم } أي بل ~~بألفاظ هي في ركاكة معانيها لعدم استنادها إلى حس ولا عقل ملحقة بأصوات ~~الحيوانات العحم، فكان بذلك حمارا تابعا للهوى. # ولما كان المعنى قد يظهر لبعض القاصرين، لوروده على لسان من لا يعتبر، ~~فإذا أضيف إلى كبير، تؤمل ولم يبادر إلى رده لاستعظامه، فظهر على طول ~~حسه، قال معبرا بأداة النفي الحقيقة به، لأن الموضع لها، وعدل عنها ~~اولا لئلا يظن أن المذموم إنما هو المجادل إذا كان غير متصف بالعلم وإن ~~كان جداله متصفا بالعلم: { ولا هدى } أي وارد عمن عهد منه سداد الأقوال ~~والأفعال بما أبدى من المعجزات والآيات البينات، فوجب أخذ اقواله مسلمة ~~وإن لم يظهر معناها. # ولما كان القول قد يكون مقبولا لاستناده إلى الله تعالى وإن لم يكن ~~اصلا معقولا، قال: { ولا كتاب } أي من الله؛ ووصفه بما هو لازمه لا ~~ينفك عنه فقال: { منير* } أي بين غاية البيان، مبين لغيره على عادة بيان ~~الله سبحانه وتعالى، أو يكون أريد بالوصف الإعجاز لإظهاره قطعا أنه من ~~الله، فإنه ليس كل كتاب الله كذلك. ### || [31.21-23] ms3630 # ولما كان المجادل بغير واحد من هذه الثلاثة تابعا هواه مقلدا مثله ~~قطعا، وكان حال المجادلين هذا لظهور أدلة الوحدانية عجبا، عجب منهم ~~تعجيبا آخر بإقامتهم على الضلال مع إيضاح الادلة فقال: { وإذا قيل } أي ~~من أي قائل كان. ولما كان ضلال الجمع أعجب من ضلال الواحد، وكان التعجيب ~~من جدال الواحد تعجيبا من جدال الاثنين فأكثر من باب الأولى، أفرد أولا ~~وجمع هنا فقال: { لهم } أي للمجادلين هذا الجدال: { اتبعوا ما } أي ~~ابذلوا جهدكم في تبع الذي، وأظهر لزيادة التشنيع أيضا فقال: { أنزل الله ~~} الذي خلقكم وخلق آباءكم الأولين، وهو الذي لا عظيم إلا هو { قالوا } ~~جمودا: لا نفعل { بل نتبع } وإن جاهدنا بالأنفس والأموال { ما وجدنا ~~عليه آباءنا } لأنهم أثبت منا عقولا، وأقوم قيلا، وأهدى سبيلا. # ولما كانوا لا يسلكون طريقا حسيا بغير دليل، كان التقدير: أتتبعونهم ~~لو كان الهوى يدعوهم فيما وجدتموهم عليه إلى ما يظن فيه الهلاك، لكونه ~~بغير دليل، فعطف عليه قوله: { أو لو كان الشيطان } أي البعيد من الرحمة ~~المحترق باللعنة، وهو أعدى اعدائهم، دليللهم فهو { يدعوهم } إلى الضلال ~~فيوقعهم فيما يسخط الرحمن فيؤديهم ذلك { إلى عذاب السعير* } وعبر ~~بالمضارع تصويرا لحالهم في ضلالهم وأنه مستمر، وأطلق العذاب على سببه. # ولما كان التقدير: فمن جادل في الله فلا متمسك له، عطف عليه قوله في شرح ~~حال أضدادهم: { ومن يسلم } أي في الحال أو الاستقبال { وجهه } أي قصده ~~وتوجهه وذاته كلها. ولما كان مقصود السورة إثبات الحكمة، عدى الفعل ب " ~~إلى " تنبيها على إتقان الطريق بالوسائط من النبي أو الشيخ وحسن ~~الاسترشاد في ذلك، فقال معلقا بما تقديره: ساترا وواصلا { إلى الله } ~~الذي له صفات الكمال، فلم يبق لنفسه أمر أصلا، فهو لا يتحرك إلا بأمر من ~~أوامره سبحانه { وهو } أي والحال أنه { محسن } أي مخلص بباطنه كما أخلص ~~بظاهره, فهو دائما في حال الشهود { فقد استمسك } أي أوجد الإمساك بغاية ~~ما يقدر عليه من القوة في بادئه الأمور لترقية نفسه من حضيضها إلى أوج ms3631 ~~الروح على أيدي المسلكين الذين اختارهم لدينه، العارفين بأخطار السير ~~وعوائق الطريق { بالعروة الوثقى } التي هي أوثق ما يتمسك به فلا سقوط له ~~أصلا، فليسررك شكره فإن ربه يعليه إلى كل مراد ما دام متمسكا بها ~~تمثيلا لحال هذا السائر بحال من سقط في بئر، أو أراد أن يرقى جبلا، ~~فادعى له صاحبه حبلا ذا عرى فأخذ بأوثقها، فهو يعلو به إذا جره صديقه. ~~وهو قادر على جره لا محالة من غير انفصام، لأن متمسكه في غاية الإحكام. # ولما كان الكل صائرين إليه، رافدين عليه: من استمسك بالأوثق، ومن استمسك ~~بالأوهى، ومن لم يتمسك بشيء، إلا أن الأول صائر مع السلامة، وغيره مع ~~العطب، قال مظهرا تعظيما للأمر ولئلا يقيد بحيثية عاطفا على ما ~~تقديره: فيصير إلى الله سالما، فإلى الله عاقبته لا محال: { وإلى الله } ~~أي الملك الأعظم وحده تصير { عاقبة الأمور * } أي كما أنه كانت منه ~~بادئتها، وإنما خص العاقبة لأنهم مقرون بالبادئة. # ولا ذكر المسلم ذكر الكافر فقال: { ومن كفر } أي ستر ما أداه إليه عقله ~~من أن الله لا شريك له، وأنه لا قدرة لأحد سواه، ولم يسلم وجهه إليه، ~~فتكبر على الدعاة وأبى أن ينقاد لهم، اتباعا لما قاده إليه الهوى. بأن ~~جعل لنفسه اختيارا وعملا فعل القوي القادر، فقد ألقى نفسه في كل هلكة ~~لكونه لم يتمسك شيء { فلا يحزنك } أي يهمك ويوجعك، وأفرد الضمير باعتبار ~~لفظ من لإرادة التنصيص على كل فرد فقال: { كفره } كائنا من كان فإنه لم ~~يفتك شيء فيه خير ولا معجز لنا ليحزنك، ولا تبعة عليك بسببه، وفي ~~التعبير هنا بالماضي وفي الأول بالمضارع بشارة بدخول كثير في هذا الدين، ~~وأنهم لا يرتدون بعد إسلامهم، وترغيب في الإسلام لكل من كان خارجا عنه، ~~فالآية من الاحتباك: ذكر الحزن ثانيا دليلا على حذف ضده أولا، وذكر ~~الاستسماك أولا دليلا على حذف ضده ثانيا. # ولما كان الحزن بمعنى الهم، حسن التعليل بقوله التفاتا إلى مظهر العظمة ~~التي هذا من أخفى مواضعها، ms3632 وجمع لأن الإحاطة بالجمع أدل على العظمة: { ~~إلينا } أي خاصة بما لنا من العظمة التي لا تثبت لها الجبال { مرجعهم } ~~أي رجوعهم وزمانه ومكانه أي معنى في الدنيا وحسا يوم الحساب، لا إلى ~~غيرنا، ولما بين أنهم في قبضته، وأنه لا بد من بعثهم، بين أن السبب في ~~ذلك حسابهم لتظهر الحكمة فقال: { فننبئهم } بسبب إحاطتنا بأمرهم وعقب ~~رجوعهم { بما عملوا } أي ونجازيهم عليه إن أردنا. # ولما كان معنى التضعيف: نفعل معهم فعل منقب عن الأمور مفتش على جليها ~~وخفيها، جليلها ودقيقها، فلا نذر شيئا منها، علله بقوله معبرا بالاسم ~~الأعظم المفهم للعظمة وغيرها من صفات الكمال التي من أعظمها العلم، لفتا ~~للكلام عن العظمة التي لا تدل على غيرها إلا باللزوم، مؤكدا لإنكارهم ~~شمول علمه { إن الله عليم } أي محيط العلم بما له من الإحاطة بأوصاف ~~الكمال { بذات الصدور* } أي بالأعمال التي هي صاحبتها، ومضمرة ومودعة ~~فيها، فناشئة عنها ومن قبل أن تبرز إلى الوجود، فكيف بذلك بعد عملها. ### || [31.24-27] # ولما تشوف المسلم إلى إهلاك من هذا شأنه وإلى العلم بمدة ذلك، وكان من ~~طبع الإنسان العجلة، أجاب من يستعجل بقوله عائدا إلى مظهر العظمة التي ~~يتقاضاها إذلال العدو وإعزاز الولي: { نمتعهم قليلا } أي من الزمان ومن ~~الحظوظ وإن جل ذلك عند من لا علم له، فلا تشغلوا أنفسكم بالاستعجال عليهم ~~فإن كل آت قريب. # ولما كان إلجاء المتجبرين إلى العذاب امرا مستبعدا، أشار بأداة البعد ~~إلى ما يحصل عنده من صفات الجلال، التي تذل الرجال، وتدك الجبال، وفيه ~~أيضا إشارة إلى استطالة المحسنين من تمتيعهم وإن كان قليلا في الواقع، ~~أو عند الله فقال: { ثم نضطرهم } أي نأخذهم اخذا لا يقدرون على الانفكاك ~~عنه بنوع حيلة، وأشار إلى طول إذلالهم في مدة السوق بحرف الغاية، فكان ~~المعنى: فنصيرهم بذلك الأخذ { إلى عذاب غليظ * } أي شديد ثقيل، لا ينقطع ~~عنهم أصلا ولا يجدون لهم منه مخلصا من جهة من جهاته، فكأنه في شدته ~~وثقله جرم غليظ جدا إذا برك ms3633 على شيء لا يقدر على الخلاص منه. # ولما كان من أعجب العجب مجادلتهم مع إقرارهم بما يلزمهم به قطعا ~~التسليم في أنه الواحد لا شريك له وأن له جميع صفات الكمال فله الحمد ~~كله، قال: { ولئن } أي يجادلون أو يقولون: بل نتبع آباءنا والحال أنهم أن ~~{ سألتهم من خلق السماوات } بأسرها { والأرض } وجميع ما فيها { ليقولن } ~~ولما كان الأنسب للحكمة التي هي مطلع السورة الاقتصار على محل الحاجة، لم ~~يزد هنا على المسند إليه بخلاف الزخرف التي مبناها الإبانة، فقال لافتا ~~القول عن العظمة إلى أعظم منها فقال: { الله } أي " المسمى بهذا الاسم ~~الذي جمع مسماه بين الجلال والإكرام " فقد أقروا بأن كل ما أشركوا به بعض ~~خلقه ومصنوع من مصنوعاته. # ولما كانوا يعتقدون أن شركائهم تفعل لهم بعض الأفعال، فلذلك كانوا ~~يرجونهم ويخافونهم، كما أن ذلك واضح في قصة عم أنس الصم وغيرها، أمره صلى ~~الله عليه وسلم بأن يعلمهم أنه لا خلق لغيره ولا أمر، بل هو مبدع كل شيء ~~في السماوات والأرض كما أبدعهما، وأن من جملة ذلك مما يستحق به الحمد ~~سبحانه قهرهم على تصديقه صلى الله عليه السلام بمثل هذا الإقرار وهم في ~~غاية التكذيب، فقال مستأنفا: { قل الحمد } أي الإحاطة بجميع أوصاف ~~الكمال { لله } أي الذي له الإحاطة الشاملة الكاملة من غير تقييد بخلق ~~الخافقين ولا غيره " الأمر أعظم من مقالة قائل " كما أحاط بما تعلمونه من ~~خلق السماوات والأرض، فهو فاعل الإفعال كلها، كما أنه خالق الذوات كلها، ~~ولا شريك له في شيء من الأمر، كما أنه لا شريك له في شيء من الخلق. # ولما كانوا يظنون أن أصنامهم تصنع شيئا كما قالت امرأة ذي النور الدوسي ~~رضي الله عنه: هل يخشى على الصبية من ذي الشرى، وكما قال قوم ضمام بن ~~ثعلبة رضي الله عنه لما سب آلهتهم: اتق الجذام اتق البرص، وكما قال سادن ~~العزى، وكما قالت ثقيف في طاغيتهم، حتى أنهم قالوا عندما سويت بالأرض، ~~والله ليغضبن الأساس، حتى حمل ms3634 ذلك المغيرة بن شعبة رضي الله عنه على أن ~~حفر الأساس، وكانوا إذا مستهم الضراء لا سيما في البحر تبرؤوا منها، ~~وأسندوا الأمر إلى من هو له كما هو مضمون التوحيد، فكان ربما قال قائل ~~استنادا إلى ذلك: إنهم ليعلمون ما أثبت بالتحميد، قال: { بل أكثرهم لا ~~يعلمون * } أي إن الله هو المنفرد بكل شيء كما أنه تفرد بخلق السماوات ~~والأرض، وأنه لا يكون شيء، إلا بإذنه لأنهم لا يعملون بما يعلمون من ذلك، ~~وعلم لا يعمل به عدم، بل العدم خير منه، وكان القليل هم المقتصدون عند ~~النجاة من الشدة كما سيأتي آنفا، أو يكون المعنى أنه لا علم لهم أصلا ~~إذ لو كان لهم علم لنفعهم في علمهم بالله، أو في أنهم لا يقرون بتفرده ~~سبحانه بالخلق والرزق، فيكون ذلك موجبا لتناقضهم وملزما لهم بالإقرار ~~بصدقك غي الحكم بوحدانيته على الإطلاق. ولما أثبت لنفسه سبحانه الإحاطة ~~بأوصاف الكمال، شرع يستدل على ذلك، فقال مبينا أن ما أخبر أنه صنعه فهو ~~له: { لله } أي الملك الأعظم المحيط بجميع أوصاف الكمال خاصة دون غيره { ~~ما في السماوات } كلها. ولما تحرر بما تقدم أنهم عالمون مقرون بما يلزم ~~عنه وحدانيته، لم يؤكد بإعادة { ما } والجار، بل قال: { والأرض } أي كلها ~~كما كانتا مما صنعه، فلا يصح أن يكون شيء من ذلك له شريكا. # ولما ثبت ذلك أنتج قطعا قوله: { إن الله } أي الملك الأعظم { هو } أو ~~وحده، وأكد لأن ادعائهم الشريك يتضمن إنكار غناه، ولذلك أظهر موضع ~~الإضمار إشارة إلى أن كل ما وصف به فهو ثابت له مطلقا من غير تقييد ~~بحيثيته { الغني } مطلقا، لأن جميع الأشياء له ومحتاجة إليه، وليس ~~محتاجا إلى شيء أصلا. ولما كان الغني قد لا يوجب الحمد لله: { الحميد * ~~} أي المستحق لجميع المحامد، لأنه المنعم على الإطلاق، المحمود بكل لسان ~~ألسنة الأحوال والأقوال، ولو كان نطقها ذما فهو حمد من حيث إنه هو الذي ~~أنطقها، ومن قيد الخرس أطلقها. # ولما كان الغني قد يكون ماله ms3635 محصورا كما في السماوات والأرض الذي قدم ~~أنه له، والمحمود قد يكون ما يحمد عليه مضبوطا مقصورا أثبتت أنه على ~~غير ذلك، بل لا حد لغناه، ولا ضبط لمعلوماته ومقدوراته الموجبة لحمده ولا ~~تناه، فقال: { ولو } أي له الصفتان المذكورتان والحال أنه لو { أن ما في ~~الأرض } أي كلها، ودل على الاستغراق وتقصى كل فرد فرد من الجنس بقوله: { ~~من شجرة } حيث وحدها { أقلام } أي والشجرة يمدها من بعدها على سبيل ~~المبالغة سبع شجرات، وأن ما في الأرض من بحر مداد لتلك الأقلام { والبحر ~~} أي والحال أن البحر، وعلى قراءة البصريين بالنصب التقدير: ولو أن البحر ~~{ يمده } أي يكون مددا وزيادة فيه { من بعده } أي من ورائه { سبعة أبحر ~~} فكتب بتلك الأقلام وذلك المداد الذي الأرض كلها له دواة كلمات الله { ~~ما نفدت } وكرر الاسم الأعظم تعظيما للمقام فقال مظهرا للإشارة مع ~~التبرك إلى عدم التقيد بشيء وإن جل: { كلمات الله } وفنيت الأقلام ~~والمداد، وأشار بجمع القلة مع الإضافة إلى اسم الذات إلى زيادة العظمة ~~بالعجز عن ذلك القليل فيفهم العجز عن الكلم من باب الأولى، ويتبع الكلمات ~~الإبداع، فلا تكون كلمة إلا الأحداث شأن من الشؤون # إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون # [يس: 82] وعلم من ذلك نفاد الأبحر كلها لأنها محصورة، فهي لا تفي بما ~~ليس بمحصور، فيا لها من عظمة لا تتناهى! ومن كبرياء لا تجارى، ولا تضاهى، ~~لا جرم كان نتيجة ذلك قوله مؤكدا لأن ادعاءهم الشريك إنكار للعزة، وعدم ~~البعث إنكار للحكمة: { إن الله } أي المحيط بكل شيء قدرة وعلما من غير ~~قيد أصلا { عزيز } أي يعجز كل شيء ولا يعجزه شيء { حكيم * } يحكم ما ~~أراده، فلا يقدر أحد على نقضه، ولا علم لأحد من خلقه إلا ما علمه، ولا ~~حكمة لأحد منهم إلا بمقدار ما أورثه، وقد علم أن الآية من الاحتباك: ذكر ~~الأقلام دليلا على حذف مدادها، وذكر السبعة في مبالغة الأبحر دليلا على ~~حذفها في الأشجار، وهو من عظيم ms3636 هذا الفن، وعلم أيضا من السياق أن المراد ~~بالسبعة المبالغة في الكثرة لا حقيقتها، وأن المراد بجمع القلة في " أبحر ~~" الكثرة، لقرينة المبالغة، وبجمع القلة في { كلمات } حقيقتها لينتظم ~~المعنى، وكل ذلك سائغ شائع في لغة العرب. ### || [31.28-30] # ولما ختم بهاتين الصفتين بعد إثبات القدرة على الإبداع من غير انتهاء، ~~ذكر بعض آثارهما في البعث الذي تقدم أول السورة وأثناءها ذكره إلى حذرهم ~~به في قوله " إلينا مرجعهم " فقال: { ما خلقكم } أي كلكم في عزته وحكمته ~~إلا كخلق نفس واحدة، وأعاد النافي نصا على كل واحد من الخلق والبعث على ~~حدته فقال: { ولا بعثكم } كلكم { إلا كنفس } أي كبعث نفس، وبين الأفراد ~~تحقيقا للمراد، وتأكيدا للسهولة فقال: { واحدة } فإن كلماته مع كونها ~~غير نافدة نافذة، وقدرته مع كونها باقية بالغة، فنسبه القليل والكثير إلى ~~قدرته على حد سواء، لأنه لا يشغله شأن عن شأن، ثم دل على ذلك بقوله ~~مؤكدا لأن تكذيبهم لرسوله وردهم لما شرفهم به يتضمن الإنكار لأن يكونوا ~~بمرأى منه ومسمع: { إن الله } أي الملك الأعلى الذي له الإحاطة الشاملة { ~~سميع } أي بالغ السمع يسمع كل ما يمكن سمعه من المعاني في آن واحد لا ~~يشغله شيء منها عن غيره { بصير* } بليغ البصر يبصر كذلك كل ما يمكن أن ~~يرى من الأعيان والمعاني، ومن كان كذلك كان المحيط العلم بالغه شامل ~~القدرة تامها، فهو يبصر جميع الأجزاء من كل ميت، ويسمع كل ما يسمع من ~~معانيه، فهو بإحاطة علمه وشمول قدرته يجمع تلك الأجزاء، ويميز بعضها من ~~بعض، ويودعها تلك المعاني، فإذا هي أنفس قائمة كما كانت أول مرة في أسرع ~~من لمح البصر. # ولما قرر هذه الآية الخارقة، دل عليها بأمر محسوس يشاهد كل يوم مرتين، ~~مع دلالته على تسخير ما في السماوات والأرض، وإبطال قولهم: # ما يهلكنا إلا الدهر # [الجاثية: 24] بأنه، هو الذي أوجد الزمان بتحريك الأفلاك، خاصا بالخطاب ~~من لا يفهم ذلك حق فهمه غيره، أو عاما كل عاقل، إشارة إلى أنه في دلالته ms3637 ~~على البعث في غاية الوضوح فقال: { ألم تر } أي يا من يصلح لمثل هذا ~~الخطاب، ويمكن أن يكون للنبي صلى الله عليه وسلم لأنه لا يعلم ذلك من ~~المخلوقين حق علمه غيره. # ولما كان كان البعث مثل إيجاد كل من الملوين بعد إعدامه، فكان إنكاره ~~إنكار لهذا، نبه على ذلك بالتأكيد فقال: { أن الله } أي بجلاله وعز ~~كماله { يولج } أي يدخل إدخالا لا مرية فيه { الليل في النهار } فيغيب ~~فيه بحيث لا يرى شيء منه، فإذا النهار قد عم الأرض كلها أسرع من اللمح { ~~ويولج النهار } أي يدخله كذلك { في الليل } فيخفي حتى لا يبقى له أثر، ~~فإذا الليل قد طبق الآفاق: مشارقها ومغاربها في مثل الظرف، فيميز سبحانه ~~كلا منهما - وهو معنى من المعاني - من الآخر بعد إضمحلاله، فكذلك الخلق ~~والبعث في قدرته بعزته وحكمته لبلوغ سمعه ونفوذ بصره، ولما كان هذا معنى ~~من المعاني يتجدد في كل يوم وليلة، عبر فيه بالمضارع. # ولما كان النيران جرمين عظيمين قد صرفنا على طريق معلوم بقدر لا يختلف، ~~عبر فيهما بالماضي عقب ما هما آيتاه فقال: { وسخر الشمس } آية للنهار ~~بدخول الليل فيه { والقمر } آية لليل كذلك! ثم استأنف ما سخرا فيه فقال: ~~{ كل } أي منهما { يجري } أي في فلكه سائرا متماديا وبالغا ومنتهيا. # ولما كان محط مقصود السورة الحكمة، وكانت هذه الدار مرتبطة بحكمة ~~الأسباب والتطوير، والمد في الإبداع والتسيير، كان الموضع لحرف الغاية ~~فقال: { إلى أجل مسمى } لا يتعداه في منازل معروفة في جميع الفلك لا يزيد ~~ولا ينقص، هذا يقطعها في الشهر مرة وتلك في السنة مرة، لا يقدر منهما أن ~~يتعدى طوره، ولا أن ينقص دوره، ولا أن يغير سيره. # ولما بان بهذا التدبير المحكم، في هذا الأعظم، شمول علمه وتمام قدرته، ~~عطف على " أن الله " قوله مؤكدا لأجل أن أفعالهم أفعال من ينكر علمه ~~بها: { وأن الله } أي بما له من صفات الكمال المذكورة وغيرها، وقدم الجار ~~إشارة إلى تمام علمه بالأعمال كما مضت الإشارة إليه ms3638 غير مرة، وعم الخطاب ~~بيانا لما قبله وترغيبا وترهيبا فقال: { بما تعملون } أي في كل وقت ~~على سبيل التجدد { خبير * } لا يعجزه شيء منه ولا يخفى عنه، لأنه الخالق ~~له كله دقه وجله، وليس للعبد في إيجاده غير الكسب لأنه لا يعلم مقدار ~~الحركات والسكنات في شيء منه، ولو كان هو الموجد له لعلم ذلك لأنه لا ~~يقدر على الإيجاد ناقص العلم أصلا، وكم أخبر سبحانه في كتبه وعلى لسان ~~أنبيائه بأشياء مستقبلية من أمور العباد، فكان ما قاله كما قاله، لم يقدر ~~أحد منهم أن يخالف في شيء مما قاله، فتمت كلماته، وصدقت إشاراته ~~وعباراته، وهذا دليل آخر على تمام القدرة على البعث وغيره باعتبار أن ~~الخلائق في جميع الأرض يفوتون الحصر، وكل منهم لا ينفك في كل لحظة عن عمل ~~من حركة وسكون، وهو سبحانه الموجد لذلك كله في كل أن دائما ما تعاقب ~~الملوان، وبقي الزمان، لا يشغله شأن منه على شأن، وقد كان الصحابة رضي ~~الله عنهم لما خوطبوا بهذا في غاية العلم به. لما ذكر من دليله، ولما ~~شاهدوا من إخبار النبي صلى الله عليه وسلم عن مغيبات تتعلق بأناس غائبين ~~وأناس حاضرين، منهم البعيد جدا والمتوسط والقريب، وغير ذلك من أحوال ~~توجب القطع لهم بذلك، هذا علمهم فكيف يكون عالم المخصوص في هذه الآية ~~بالخطاب صلى الله عليه وسلم، مع ما يشاهد من آثاره سبحانه وتعالى، ويطلع ~~عليه من إبداعه في ملكوت السماوات والأرض وغير ذلك مما أطلعه عليه سبحانه ~~وتعالى من عالم الغيب والشهادة. # ولما ثبت بهذه الأوصاف الحسنى والأفعال العلى أنه لا موجد بالحقيقة إلا ~~الله قال: { ذلك } أي ذكره لما من الأفعال الهائلة والأوصاف الباهرة { ~~بأن } أي بسبب أن { الله } أي الذي لا عظيم سواه { هو } وحده { الحق } أي ~~الثابت بالحقيقة وثبوت غيره في الواقع عدم، لأنه مستفاد من الغير، وليس ~~له الثبوت من ذاته، ومنه ما أشركوا به، ولذلك أفرده بالنص، فقال صارفا ~~للخطاب الماضي إلى الغيبة على قراءة البصريين ms3639 وحمزة وحفص عن عاصم إيذانا ~~بالغضب، وقراءة الباقين على الأسلوب الماضي { وأن ما يدعون } أي هؤلاء ~~المختوم على مداركهم، وأشار إلى سفول رتبتهم بقوله: { من دونه }. # ولما تقدمت الأدلة الكثيرة على بطلان آلهتهم بما لا مزيد عليه، كقوله { ~~هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه } وأكثر هنا من إظهار ~~الجلالة موضع الإضمار تنبيها على عظيم المقام لم تدع حاجة إلى التأكيد ~~بضمير الفصل فقال: { الباطل } أي العدم حقا، لا يستحق أن تضاف إليه ~~الإلهية بوجه من الوجوه، وإلا لمنع من شيء من هذه الأفعال مرة من المرات، ~~فلما وجدت على هذا النظام علم أنه الواحد الذي لا مكافئ له. # ولما كانوا يعلونها عن مراتبها ويكبرونها بغير حق، قال: { وأن الله } أي ~~الملك الأعظم وحده، ولما كان النيران مما عبد من دون الله، وكانا قد ~~جمعا علوا وكبرا، وكان ليس لهما من ذاتهما إلا العدم فضلا عن السفول ~~والصغر، ختم بقوله: { هو العلي الكبير } أي عن أن يداينه في عليائه ضد، ~~أو يباريه في كبريائه ند. ### || [31.31-32] # ولما تضمنت الآية ثلاثة أشياء، أتبعها دليلها، فقال منبها على أن سيرنا ~~في الفلك مثل سير النجوم في الفلك، وسير أعمارنا في فلك الأيام حتى ~~يولجنا في بحر الموت مثل سير كل من الليل والنهار في فلك الشمس حتى يولجه ~~في الآخر فيذهب حتى كأنه ما كان، ولولا تفرده بالحقية والعلو والكبر ما ~~استقام ذلك، خاصا بالخطاب أعلى الناس، تنبيها على أن هذه لكثرة الألف ~~لها أعرض عن تأملها، فهو في الحقيقة حث على تدبرها، ويؤيده الإقبال على ~~الكل عند تعليلها: { ألم تر أن الفلك } أي السفن كبارا وصغارا { تجري } ~~أي بكم حاملة ما تعجزون عن نقل مثله في البر، وعبر بالظرفية إشارة إلى ~~أنه ليس لها من ذاتها إلا الرسوب في الماء لكثافتها ولطافته فقال: { في ~~البحر } أي على وجه الماء، وعبر عن الفعل بأثره لأنه أحب فقال: { بنعمت ~~الله } أي برحمة الملك الأعلى المحيط علما وقدرة وإحسانه، مجددا ذلك ~~على ms3640 مدى الزمان عليكم في تعليمكم صنعها حتى تهيأت لذلك على يدي أبيكم نوح ~~العبد الشكور عليه السلام { ليريكم من آياته } أي عجائب قدرته ودلائله ~~التي تدلكم على أنه الحق الذي أثبت بوجوب وجوده ما ترون من الأحمال ~~الثقال على وجه الماء الذي ترسب فيه الإبرة فما دونها، وهي مساوية لغيرها ~~في أن الكل من التراب، فما فاوت بينها إلا هو بتمام قدرته وفعله ~~بالاختيار. # ولما كان هذا أمرا إذا جرد النظر فيه عن كونه قد صار مألوفا بهر ~~العقول وحير الفهوم، أشار إليه بقوله مؤكدا تنبيها مما هم فيه من ~~الغفلة عنه، لافتا الخطاب بعد الجمع إلى الإفراد تنبيها على دقة الأمر ~~وأنه - وإن كان يظن أنه ظاهر - لا يفهمه حق فهمه غيره صلى الله عليه ~~وسلم: { إن في ذلك } أي الأمر الهائل البديع الرفيع { لآيات } أي دلالات ~~واضحات على ما له من صفات الكمال في عدم غرقه وفي سيرة إلى البلاد ~~الشاسعة، والأقطار البعيدة، وفي كون سيره ذهابا وإيابا تارة بريحين، ~~وأخرى بريح واحدة، وفي إنجاء أبيكم نوح عليه السلام ومن أراد الله من ~~خلقه به وإغراق غيرهم من جميع أهل الأرض، وفي غير ذلك من شؤونه، وأموره ~~وفنونه، ونعمه وفتونه وإن كان أكثر ذلك قد صار مألوفا لكم فجهلتم أنه من ~~خوارق العادات، ونواقض المطردات، وعلم من ختام التي قبلها أن المراد - ~~بقوله جامعا لجميع الإيمان الذي هو نصفان: نصف صبر، ونصف شكر، وذلك تمام ~~صفة المؤمن مظهرا موضع لك أو لكم - ما أفاد الحكم بكل من شاركه صلى الله ~~عليه وسلم في الوصفين المذكورين: { لكل صبار } إدامة الفكر في هذه النعم ~~واستحضارها في الشدة والرخاء، وأنها من عند الله، وأنه لا يقدر عليها ~~سواه، والإذعان له في جميع ذلك، حفظا لما دل عليه العقل من أخذ الميثاق ~~بالشكر، وأن لا يصرف الحق إلى غير أهله، فيلزم عليه الإساءة إلى المحسن { ~~شكور * } عليه مبالغ في كل من الصبر والشكر، وعلم من صيغة المبالغة في كل ~~منهما أنه لا ms3641 يعرف في الرخاء من عظمة الله ما كان يعرفه في الشدة إلا من ~~طبعهم الله على ذلك ووفقهم له وأعانهم عليه بحفظ العهد وترك النقض جريا ~~مع ما تدعو إليه الفطرة الأولى السليمة، وقليل ما هم، وقال الرازي في ~~اللوامع: وكيفما كان فالصبر هو الثبات في مراكز العبودية، والشكر رؤية ~~النعمة من المنعم الحق وصرف نعمه إلى محابه. # ولما كانوا يسارعون إلى الكفر بعد انفصالهم من هذه الآية العظمية، ~~وإلباسهم ههذ النعمة الجسيمة، التي عرفتهم ما تضمنته الآية السالفة من ~~حقيته وحده وعلوه وكبره وبطلان شركائهم، أعرض عنهم وجه الخطاب لأنهم لم ~~يرجعوا بعد الوضوح إيذانا باستحقاق شديد الغضب والعذاب، فقال معجبا ~~عاطفا على ما تقديره: وأما غير الصبار الشكور فلا يرون ما في ذلك من ~~الآيات في حال رخائهم: { وإذا غشيهم } أي علاهم وهم فيها حتى صار كالمغطى ~~لهم، لأنه منعهم من أن تمتد أبصارهم كما كانت { موج } أي هذا الجنس، ~~ولعله أفرده لأنه لشدة اضطرابه وإيتانه شيئا في أثر شيء متتابعا بركب ~~بعضه كأنه شيء واحد، وأصله من الحركة والازدحام { كالظلل } أي حتى كان ~~كأطراف الجبال المظلمة لمن يكون إلى جانبها، وللإشارة إلى خضوعهم غاية ~~الخضوع كرر الأسم الأعظم فقال: { دعوا الله } أي مستحضرين لما يقدر عليه ~~الإنسان من كماله بجلاله وجماله، عالمين بجميع مضمون الآية السالفة من ~~حقيته وعلوه وكبره وبطلان ما يدعون من دونه { مخلصين له الدين } لا يدعون ~~شيئا سواه بألسنتهم ولا قلوبهم لما اضطرهم إلى ذلك من آيات الجلال، ~~وقسرهم عليه من العظمة والكمال، واقتضى الحال في سورة الحكمة حذف ما دعوا ~~به لتعظيم الأمر فيه لما اقتضاه من الشدائد لتذهب النفس فيه كل مذهب. # ولما كان القتل بالسيف أسهل عندهم من أن يقال عنهم: إنهم أقروا بشيء هم ~~له منكرون لأجل الخوف خوف السبة بذلك والعار حتى قال من قال: لولا أن ~~يقال إني ما أسلمت إلا جزعا من الموت فيسب بذلك بني من بعدي لأسلمت. بين ~~لهم سبحانه أنهم وقعوا بما فعلوا ms3642 عند خوف الغرق في ذلك، وأعجب منه رجوعهم ~~إلى الكفر عند الإنجاء، لما فيه مع ذلك من كفران الإحسان الذي هو عندهم ~~من أعظم الشنع، فقال دالا بالفاء على قرب استحالتهم وطيشهم وجهالتهم: { ~~فلما نجاهم } أي خلصهم رافعا لهم، تنجية لهم عظيمة بالتدريج من تلك ~~الأهوال { إلى البر } نزلوا عن تلك المرتبة التي أخلصوا فيها الدين، ~~وتنكبوا سبيل المفسدين وانقسموا قسمين { فمنهم } أي تسبب عن نعمة الإنجاء ~~وربط بها إشارة إلى أن المؤثر لهذا الانقسام إنما هو الاضطرار إلى ~~الإخلاص في البحر والنجاة منهم أنه كان منهم { مقتصد } متكلف للتوسط ~~والميل للإقامة على الطريق المستقيم، وهو الإخلاص في التوحيد الذي ألجأه ~~إليه الاضطرار، وهم قليل - بما دل عليه التصريح بالتبعيض، ومنهم جاحد ~~للنعمة ملق لجلباب الحياة في التصريح بذلك، وهو الأكثر - كما مضت الإشارة ~~إليه ودل عليه ترك التصريح فيه بالتبعيض، وما يقتصد إلا كل صبار شكور، ~~إما حالا وإما مالا { وما يجحد } وخوف الجاحد بمظهر العظمة التي من ~~شأنها الانتقام، فقال صارفا القول إليه: { بآياتنا } أي ينكرها مع عظمها ~~ولا سيما بعد الاعتراف بها { إلا كل ختار } أي شديد الغدر عظيمه لما نقض ~~من العهد الهادي إليه العقل والداعي إليه الخوف { كفور * } أي عظيم الكفر ~~لإحسان من هو متقلب في نعمه، في سره وعلنه، وحركاته وسكناته، ولا نعمة ~~إلا وهي منه، ومن هنا جاءت المبالغة في الصفتين، وعلم أنهما طباق ومقابلة ~~لختام التي قبلها، وأن الآية من الاحتباك: دل ذكر المقتصد أولا على " ~~ومنهم جاحد " ثانيا، وحصر الجحود في الكفور ثانيا على حصر الاقتصاد في ~~الشكور أولا، قال البغوي: قيل: نزلت في عكرمة بن أبي جهل حين هرب رضي ~~الله عنه عام الفتح إلى البحر فجاءهم ريح عاصف - يعني: فقال الركاب على ~~عادتهم: أخلصوا فإن آلهتكم لا تغني عنكم ههنا شيئا - فقال عكرمة رضي ~~الله عنه: لئن أنجاني الله من هذا لأرجعن إلى محمد ولأضعن يدي في يده ~~فسكنت الريح، فرجع عكرمة رضي الله عنه إلى مكة فأسلم وحسن ms3643 إسلامه، وقال ~~مجاهد: مقتصد في القول مضمر للكفر، وقال الكلبي: مقتصد في القول أي من ~~الكفار، لأن بعضهم كان أشد قولا وأعلى في الافتراء من بعض. ### || [31.33-34] # ولما ظهرت بما ذكر في هذه السورة دقائق الحكمة، وانتشرت في الخافقين ~~ألوية العظمة ونفوذ الكلمة، وأعربت ألسن القدرة عن دلائل الوحدانية، فلم ~~تدع شيئا من العجمة، فظهر كالشمس أنه لا بد من الصيرورة إلى يوم الفصل ~~وختم بالمكذب، أمر سبحانه عباده عامة عاصيهم ومطيعهم بالإقبال عليه، ~~وخوفهم ما هم صائرون إليه، مناديا لهم بأدنى أوصافهم لما لهم من ~~الذبذبة كما عرف به الحال الذي شرح آنفا فقال: { يأ أيها الناس } أي ~~عامة، ولفت الكلام إلى الوصف المذكر بالإحسان ترغيبا وترهيبا فقال: { ~~اتقوا ربكم } أي والذي لا إله لكم غيره، لأنه لا محسن إليكم غيره، اتقاء ~~يدوم وأنتم في غاية الاجتهاد فيه، لا كما فعلتم عند ما رأيتم من أهوال ~~البحر. # ولما كانت وحدة الأله الملك توجب الخوف منه، لأنه لا مكافئ له، وكان أن ~~عهد منه أنه لا يستعرض عبادة لمجازاتهم على أعمالهم لا يخشى كما يخشى إذا ~~علم منه أن يستعرضهم قال: { واخشوا يوما } لا يشبه الأيام، ولا يعد هول ~~البحر ولا غيره عند أدنى هول من أهواله شيئا بوجه. # ولما كان المجرم إذا علم أن له عند الملك من يدفع عنه فتر ذلك من خوفه، ~~وكان ما بين الوالد والولد من الحنو والشفقة والعطف والرحمة الداعية إلى ~~المحاماة والنصرة والفداء بالنفس والمال أعظم مما بين غيرهما، فإذا انتفى ~~إغناء أحدهما عن الآخر انتفى غيرهما بطريق الأولى قال: { لا يجزي } أي ~~يغني فيه، ولعله حذف الصلة إشارة إلى أن هذا الحال لهم دائما إلا أنه ~~سبحانه أقام في هذه الدار أسبابا ستر قدرته بها، فصار الجاهل يحيل الأمر ~~ويسنده إليها، وأما هناك فتزول الأسباب، وينجلي غمام الارتياب، ويظهر ~~اختصاص العظمة برب الأرباب. # ولما كانت شفقة الوالد - مع شمولها لجميع أيام حياته - أعظم فهو يؤثر ~~حياة ولده على حياته ويؤثر أن يحمل ms3644 بنفسه الآلام والأموال بدأ به فقال: { ~~والد } كائنا من كان { عن ولده } أي لا يوجد منه ولا يتجدد في وقت من ~~الأوقات نوع من أنواع الجزاء وإن تحقق أن الولد منه، والتعبير بالمضارع ~~إشارة إلى أن الوالد لا يزال تدعوه الوالدية إلى الشفقة على الولد، وتجدد ~~عنده العطف والرقة، والمفعول إما محذوف لأنه أشد في النفي وآكد، وإما ~~مدلول عليه بما في الشق الذي بعده. # ولما كان الولد لا يتوقع منه الإغناء عن والده في الهزاهز إلا بعد ~~بلوغه، أخره في عبارة دالة على ثبات السلب العام فقال: { ولا مولود } أي ~~مولود كان { هو جاز عن والده } وإن علم أنه بعضه { شيئا } من الجزاء، ~~وفي التعبير ب " هو " إشعار بأن المنفي نفعه بنفسه، ففيه ترجية بأن الله ~~قد يأذن له في نفعه إذا وجد الشرط، وعبر هنا بالاسم الفاعل لأن الولد من ~~شأنه أن يكون ذلك له ديدنا لما لأبيه عليه من الحقوق، والفعل يطلق على ~~من ليس من شأنه الاتصاف بمأخذ اشتقاقه، فعبر به في الأب لأنه لاحق للولد ~~عليه يوجب عليه ملازمة الدفع عنه، ويكون ذلك من شأنه ومما يتصف به فلا ~~ينفك عنه، وذلك كما أن الملك لو خاط صح أن يقول في تلك الحال: أنه يخيط، ~~ولا يصح " خياط " لأن ذلك ليس من صنعته، ولا من شأنه. # ولما كان من المعلوم أن لسان حالهم يقول: هل هذا اليوم كائن حقا؟ أجيب ~~هذا السؤال بقوله مؤكدا لمكان إنكارهم، لأفتا القول إلى الاسم الأعظم ~~لاقتضاء الوفاء له: { إن وعد الله } الذي له جميع معاقد العز والجلال { ~~حق } يعني أنه سبحانه قد وعد به على جلال جلاله، وعظيم قدرته وكماله، ~~فكيف يجوز أن يقع في وهم فضلا عن أوهامكم أن يخلفه مع أن أدناكم - أيها ~~العرب كافة - لا يرى أن يخلف وعده وإن ارتكب في ذلك الأخطار، وعانى فيه ~~الشدائد الكبار، فلما ثبت أمره، وكان حبهم لسجن هذا الكون المشهود ينسيهم ~~ذلك اليوم، لما جعل سبحانه في هذا الكون ms3645 من المستلذات، تسبب عنه قوله: { ~~فلا تغرنكم } مؤكدا لعظم الخطب { الحياة الدنيا } أي بزخرفها، ولا ما ~~يبهج من لا تأمل له من فاني رونقها، وكرر الفعل والتأكيد إشارة إلى أن ما ~~لهم من الألف بالحاضر معم لهم عما فيه من الزور، والخداع الظاهر ~~والغرور، فقال مظهرا غير مضمر لأجل زيادة التنبيه والتحذير: { ولا ~~يغرنكم بالله } الذي لا أعظم منه ولا مكافئ له مع ولايته لكم { الغرور * ~~} أي الكثير الغرور المبالغ فيه، وهو الشيطان الذي لا أحقر منه، لما جمع ~~من البعد والطرد والاحتراق مع عداوته بما يزين لكم من أمرها، ويلهيكم به ~~من تعظيم قدرها، وينسيكموه من كيدها وغدرها، وتعبها وشرها، وأذاها وضرها، ~~فيوجب ذلك لكم الإعراض عن ذلك اليوم، فلا تعدونه معادا، فلا تتخذون له ~~زادا، لما اقترن بغروره من حلم الله وإمهاله، قال سعيد بن جبير رضي الله ~~عنه: الغرة أن يعمل المعصية ويتمنى المغفرة. # ولما كان من الأمر الواضح أن لسان حالهم بعد السؤال عن تحقق ذلك اليوم ~~يسأل عن وقته كما مضى في غير آية، ويأتي في آخر التي بعدها، إنا تعنتا ~~واستهزاء وإما حقيقة، أجاب عن ذلك ضاما إليه أخواته من مفاتيح الغيب ~~المذكورة في حديث ابن عمر رضي الله عنهما الآتي، لما في ذلك من الحكمة ~~التي سقيت لها السورة، مرتبا لها على الأبعد فالأبعد عن علم الخلق، فقال ~~مؤكدا لما يعتقدون في كهانهم مظهرا الاسم الأعظم غير مضمر لشدة اقتضاء ~~المقام له: { إن الله } أي بما له من العظمة وجميع أوصاف الكمال { عنده } ~~أي خاصة، ولو قيل له مثلا ما أفاد الحضور، ولو قيل " لديه " لأوهم ~~التعبير بلدي التي هي للحضور أن ذلك كناية عن قربها جدا، وأوهم أن علمه ~~تعالى يتفاوت تعلقه بالأشياء بخصوص أو عموم لأجل أن " لدى " أخص من عند ~~فكانت عند أوفق للمراد، فإنها أفادت التمكن من العلم مع احتمال تأخرها ~~وسلمت من تطرق احتمال فاسد إليها { علم الساعة } أي وقت قيامها، لا علم ~~لغيره بذلك أصلا. # ولما كان ms3646 سبحانه قد نصب عليها أمارات توجب ظنونا في قربها، وكشف بعض ~~أمرها، عبر تعالى بالعلم، ولما كانوا قد ألحوا في السؤال عن وقتها، وكانت ~~أبعد الخمس عن علم الخلق، وكانت شيئا واحدا لا يتجزى # فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة # [النازعات: 13] أبرزها سبحانه في جملة اسمية دالة على الدوام والثبوت ~~على طريق الحصر، وهذا هو المفتاح الأول من مفاتيح الغيب ينفتح به من ~~العلوم ما يجل عن الحصر عن قيام الأنفس بأبدانها، ماثلة على مذاقها بجميع ~~أركانها، وأشكالها وألوانها، وسائر شأنها، وطيران الأرواح بالنفخ إليها ~~واحتوائها عليها على اختلاف أنواعهم، وتغاير صورهم وأطوالهم، وتباين ~~ألسنتهم وأعمالهم، إلى غير ذلك من الأمور، وعجائب المقدور، ثم سعيهم إلى ~~الموقف ثم وقوفهم، ثم حسابهم إلى استقرار الفريقين في الدارين، هذا إلى ~~موجهم من شدة الزحام، والكروب العظام بعضا في بعض. يطلبون من يشفع لهم ~~في الحساب حتى يقوم المصطفى صلى الله عليه وسلم المقام المحمود الذي ~~يغبطه به الأولون والآخرون إلى انتقاض السماوات، وانكدار ما فيها من ~~النيرات، ونزول الملائكة بعد قيامهم من منامهم، وهم من لا يحصى أهل سماء ~~منهم، كثرة، كيف وقد أطت السماء وحق لها أن تئط, ما فيها موضع قدم إلا ~~وفيه ملك قائم يصلي, هذا إلى تبدل الأراضي وزوال الجبال، ونسف الأبنية ~~والروابي والتلال، وغير ذلك مما لا يعلمه حق علمه إلا هو سبحانه. # { المفتاح الثاني }: آية الله في خلقه على قيام الساعة، وأدل الأدلة ~~عليه وهو إنزال المطر الذي يكشف عن الاختلاط في أعماق الأراضي بالتراب ~~الذي كان نباتا ثم إعادته نبتا كما كان من قبل على اختلاف ألوانه، ~~ومقاديره وأشكاله، وأغصانه وأفنانه، وروائحه وطعومه، ومنافعه وطبائعه - ~~إلى غير ذلك من شؤونه، وأحواله وفنونه، التي لا يحيط بها علما إلا ~~خالقها ومبدعها وصانعها. # ولما كانوا ينسبون الغيث إلى الأنواء أسند الإنزال إليه سبحانه ليفيد ~~الامتنان، وعبر بالجملة الفعلية للدلالة على التجدد فقال: { وينزل الغيث ~~} بلام الاستغراق القائمة مقام التسوير ب " كل " وقد أفاد ذلك الاختصاص ~~بالعلم ms3647 بوقته ومكانه ومقداره وغير ذلك من شؤونه، فإن من فعل شيئا حقيقة ~~لم يعلم أحد وقت فعله وقوعه إلا من قبله. # { المفتاح الثالث }: علم الأجنة وهو الرتبة الثانية في الدلالة على ~~البعث الكاشف عن تخطيطها وتصويرها، وتشكيلها وتقديرها، على وصفي الذكورة ~~والأنوثة، مع الوضوح أو الإشكال، والوحدة أو الكثرة، والتمام أو النقص - ~~إلى ما هناك من اختلاف المقادير والطبائع، والأخلاق والشمائل، والأكساب ~~والصنائع، والتقلبات في مقدار العمر والرزق في الأوقات والأماكن - وغير ~~ذلك من الأحوال التي لا يحصيها إلا بارئ النسم، ومحيي الرمم. ولما كانت ~~للخلق في ذلك لكثرة الملابسات والمعالجات ظنون في وجود الحمل أولا، ثم ~~في كونه ذكرا أو أنثى ثانيا، ونحو ذلك بما ضرب عليه من الأمارات ~~الناشئة عن طول التجارب، وكثرة الممارسة، عبر العلم فقال: { ويعلم ما في ~~الأرحام } من ذكر أو أنثى حي أو ميت وغير ذلك، وصيغة المضارع لتجدد ~~الأجنحة شيئا فشيئا وقتا بعد وقت، والكلام في اللام والاختصاص بالعلم ~~كالذي قبله سواء. # { المفتاح الرابع }: الكسب الناشئ عما في الأرحام الفاتح لكنوز السعادة ~~وآفات الشقاوة والمسفر عن حقائق الضمائر في صدقها عند البلاء وكذبها، وعن ~~مقادير العزائم ورتب الغرائز، وعن أحوال الناس عند ذلك في الصداقة ~~والعداوة والذكاء والغباوة والصفاء والكدر والسلامة والحيل، وغير ذلك من ~~الصحة والعلل، في اختلاف الأمور، وعجائب المقدور، في الخيور والشرور، مما ~~لا يحيط به إلا مبدعه، وغارزه في عباده وودعه، ولكون الإنسان - مع أنه ~~ألصق الأشياء وألزمه له - لا يعلمه مع إيساعه الحيلة في معرفته، عبر فيه ~~بالدراية لأنها تدل على الحيلة بتصريف الفكر وإجالة الرأي - كما تقدم في ~~سورة يوسف عليه السلام - أن مادة " درى " تدور على الدوران، ومن لوازمه ~~إعمال الحيلة وإمعان النظر، فهي أخص من مطلق العلم فقال: { وما تدري نفس ~~} أي من الأنفس البشرية وغيرها { ما } وأكد المعنى ب " ذا " وتجريد ~~الفعل فقال: { ذا تكسب غدا } أي في المستقبل من خير أو شر بوجه من ~~الوجوه، وفي نفي علم ذلك من العبد مع كونه ms3648 ألصق الأشياء به دليل ظاهر على ~~نفي علم ما قبله عنه لأنه أخفى منه، وقد تقدم إثبات علمه له سبحانه ~~وتعالى، فصار على طريق الحصر، وعلم أيضا أنه لا يسند إلى العبد الأعلى ~~طريق الكسب لأنه لو كان مخلوقا له لعلمه قطعا، فثبت أنه سبحانه وتعالى ~~خالقه، فعلم اختصاصه بعلمه من هذا الوجه أيضا. # { المفتاح الخامس }: مكان الموت الذي هو ختام الأمر الدنيوي وطي سجل ~~الأثر الشهودي، وابتداء الأمر الأخروي الظهر لأحوال البرزخ في النزول مع ~~المنتظرين لبقية السفر إلى دائرة البعث وحالة الحشر إلى ما هنالك من ربح ~~وخسران، وعز وهوان، وما للروح من الاتصال بالجسد والرتبة في العلو ~~والسفول، والصعود والنزول، إلى ما وراء ذلك إلى ما لا آخر مما لا يعلم ~~تفاصيله وجمله وكلياته وجزئياته إلا مخترعه وبارئه ومصطنعه. # ولما كان لا يعلمه الإنسان بنوع حيلة من شدة حذره منه وحبه لو أنفق جميع ~~ما يمكله لكي يعلمه، عبر عنه عن الذي قبله فقال مؤكدا بإعادة النافي ~~والمسند: { وما تدري } وأظهر لأنه أوضح وأليق بالتعميم فقال: { نفس } أي ~~من البشر وغيره { بأي أرض تموت } ولم يقل: بأي وقت، لعدم القدرة على ~~الانفكاك عن الوقت مع القدرة على الانفكاك عن مكان معين، وإحاطة العلم ~~بكراهة كل أحد للموت، فكان ذلك أدل دليل على جهله بموضوع موته إذ علم به ~~لبعد عنه ولم يقرب منه، وقد روى البخاري حديث المفاتيح عن ابن عمر رضي ~~الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله، ثم قرأ { إن الله عنده علم ~~الساعة } الآية " # ، وله عن أبي هريرة رضي الله عنه في حديث سؤال جبرئيل عليه السلام النبي ~~صلى الله عليه وسلم عن أشراط الساعة فأخبره ببعضها وقال: # " خمس لا يعلمهن إلا الله { إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيب } " # - إلى آخر السورة، فقد دل الحديث قطعا على أن الآية فيما ينفرد سبحانه ~~وتعالى بعلمه، وقد رتبها سبحانه هذا الترتيب لما تقدم من الحكمة وعلم ms3649 سر ~~إتيانه بها تارة في جملة اسمية وتارة في فعلية، وتارة ليس فيها ذكر ~~للعلم، وأخرى يذكر فيها، ويسند إليه سبحانه، ولكن لا على وجه الحصر، ~~وتارة بنفي العلم من غيره فقط من غير إسناد للفعل إليه، وعلم سر قوله " ~~بأي أرض " دون أي وقت، كما في بعض طرق الحديث. # ولما كان قد أثبت سبحانه لنفسه اختصاص العلم عن الخلق بهذه الأشياء، ~~أثبت بعدها ما هو أعلم لتدخل فيه ضمنا فيصير مخبرا بعلمه لها مرتين، ~~فقال على وجه التأكيد لأنهم ينكرون بعض ما يخبر به، وذلك يستلزم إنكارهم ~~لبعض علمه: { إن الله } أي المختص بأوصاف الكمال والعظمة والكبرياء ~~والجلال { عليم } أي شامل العلم للأمور كلها، كلياتها وجزئياتها، فأثبت ~~العلم المطلق لنفسه سبحانه بعد أن نفاه على الغير في هذه الخمس تارة نصا ~~وأخرى بطريق الأولى أو باللازم، فانطبق الدليل على الدعوى - والله ~~الموفق. # ولما أثبت العلم على هذا الوجه، أكده لأجل ما سيقت له السورة بقوله: { ~~خبير } أي يعلم خبايا الأمور، وخفايا الصدور، كما يعلم ظواهرها وجلاياها، ~~كل عنده على حد سواء، فهو الحكيم في ذاته وصفاته، ولذلك أخفى هذه ~~المفاتيح عن عباده، لأنه لو أطلعهم عليها لفات كثير من الحكم، باختلاف ~~هذا النظام، على ما فيه من الإحكام، فقد انطبق آخر السورة - بإثباته ~~الحكمة بإثبات العلم والخبر مع تقرير أمر الساعة التي هي مفتاح الدار ~~الآخرة - على أولها المخبر بحكمة صفته التي من علمها حق علمها، وتخلق بما ~~دعت إليه وحضت عليه لا سيما الإيقان بالآخرة، كان حكيما خبيرا عليما ~~مهذبا مهديا مقربا عليا، فسبحانه من هذا كلامه، وتعالى كبرياؤه وعز ~~مرامه، ولا إله غيره وهو اللطيف. ### | [32 - سورة السجدة] ### || [32.1-3] # { الم تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين أم يقولون افتراه بل هو ~~الحق من ربك } أي أيقع منهم هذا بعد وضوحه وجلاء وشواهده، ثم أتبع ذلك ~~بقوله: { مالكم من دونه من ولي ولا شفيع } وهو تمام لقوله: { ومن يسلم ~~وجهه إلى الله } ولقوله: { ولئن سألتهم من ms3650 خلق السماوات والأرض ليقولن ~~الله } ولقوله: { وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين } ~~ولقوله: { اتقوا ربكم ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون } بما ~~ذكرتم، ألا ترون أمر لقمان وهدايته بمجرد دليل فطرته، فما لكم بعد ~~التذكير وتقريع الزواجر وترادف الدلائل وتعاقب الآيات تتوقفون عن السلوك ~~إلى ربكم وقد أقررتم بأنه خالقكم، ولجأتم إليه عند احتياجكم؟ ثم أعلم ~~نبيه صلى الله عليه وسلم برجوع من عاند وإجابته حين لا ينفعه رجوع، ولا ~~تغني عنه إجابة، فقال: { ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها } كما فعلنا ~~بلقمان ومن أردنا توفيقه، ثم ذكر انقسامهم بحسب السوابق فقال: { أفمن كان ~~مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون } ثم ذكر مصير الفريقين ومآل الحزبين، ~~ثم أتبع ذلك بسوء حال من ذكر فأعرض فقال: { ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ~~ثم أعرض عنها } وتعلق الكلام إلى آخر السورة - انتهى. # ولما كان هذا الذي قدمه أول السورة على هذا الوجه برهانا ساطعا ~~ودليلا قاطعا على أن هذا الكتاب من عند الله، كان - كما حكاه البغوي ~~والرازي في اللوامع - كأنه قيل: هل آمنوا به؟ { أم يقولون } مع ذلك الذي ~~لا يمترئ فيه عاقل { افتراه } أي تعمد كذبه. # ولما كان الجواب: إنهم ليقولون: افتراه، وكان جوابه: ليس هو مفتري لما ~~هو مقارن له من الإعجاز، ترتب عليه قوله: { بل هو الحق } أي الثابت ~~ثباتا لا يضاهيه ثبات شيء من الكتب قبله، كائنا { من ربك } المحسن إليك ~~بإنزاله وإحكامه، وخصه بالخطاب إشارة إلى أنه لا يفهم حقيقته حق الفهم ~~سواه. # ولما ذكر سبحانه إحسانه إليه صلى الله عليه وسلم صريحا، أشار بتعليله ~~إلى إحسانه به أيضا إلى كافة العرب، فقال مفردا النذارة لأن المقام له ~~بمقتضى ختم لقمان: { لتنذر قوما } أي ذوي قوة جلد ومنعة وصلاحية للقيام ~~بما أمرهم به { ما أتاهم من نذير } أي رسول في هذه الإزمان القريبة لقول ~~ابن عباس رضي الله عنهما أن المراد الفترة، ويؤيده إثبات الجار في قوله: ~~{ من قبلك ms3651 } أي بالفعل شاهدوه أو شاهده آباؤهم. وإما بالمعنى والقوة فقد ~~كان فيهم دين إبراهيم عليه السلام إلى أن غيره عمرو بن لحي، وكلهم كان ~~يعرف ذلك وأن إبراهيم عليه الصلاة والسلام لم يعبد صنما ولا استقسم ~~بالأزلام، وذلك كما قال تعالى: # وإن من أمة إلا خلا فيها نذير # [فاطر: 24] أي شريعته ودينه، والنذير ليس مخصوصا بمن باشر - نبه على ~~ذلك أبو حيان. ويمكن أن يقال: ما أتاهم من ينذرهم على خصوص ما غيروا من ~~دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وأما إسماعيل ابنه عليه السلام فكان ~~بشيرا لا نذيرا، لأنهم ما خالفوه، وأحسن من ذلك كله ما نقله البغوي عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما ومقاتل أن ذلك في الفترة التي كانت بين عيسى ~~ومحمد صلى الله عليه وسلم، فإنه قد نقل عيسى عليه السلام لما أرسل رسله ~~إلى الآفاق أرسل إلى العرب رسولا. # ولما ذكر علة الإنزال، أتبعها علة الإنذار فقال: { لعلهم يهتدون* } أي ~~ليكون حالهم في مجاري العادات حال من ترجى هدايته إلى كمال الشريعة، وأما ~~التوحيد فلا عذر لأحد فيه بما أقامه الله من حجة العقل مع ما أبقته الرسل ~~عليهم الصلاة والسلام آدم فمن بعده من واضح النقل بآثار دعواتهم وبقايا ~~دلالاتهم، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لمن سأله عن أبيه: # " أبي وأبوك في النار " # وقال: # " لا تفتخروا بآبائكم الذين مضوا في الجاهلية فوالذي نفسي بيده لما ~~تدحرج الجعل خير منهم " # في غير هذا من الأخبار القاضية بأن كل من مات قبل دعوته على الشرك فهو ~~للنار. ### || [32.4-5] # ولما تقرر بما سبق في التي قبلها من اتصافه تعالى بكمال العلم أنه من ~~عنده وبعلمه لا محالة، وكان هذا أمرا يهتم بشأنه ويعتني بأمره، لأنه عين ~~المقصود الذي ينبني عليه أمر الدين، وختم ما ذكره من أمره ههنا بإقامة ~~اهتدائهم مقام الترجي بإنذاره صلى الله عليه وسلم، أتبعه بيان ذلك بإيجاد ~~عالم الأشباح والخلق ثم عالم الأرواح والأمر، وإحاطة العلم بذلك كله على ~~وجه يقود تأمله ms3652 إلى الهدى، فقال مستأنفا شارحا لأمر يندرج فيه إنزاله ~~معبرا بالاسم الأعظم لاقتضاء الإيجاد والتدبير على وجه الانفراد له: { ~~الله } أي الحاوي لجميع صفات الكمال وحده: { الذي خلق السماوات } كلها { ~~والأرض } بأسرها { وما بينهما } من المنافع العينية والمعنوية. # ولما كانت هذه الدار مبنية على حكمة الأسباب كما أشير إليه في لقمان، ~~وكان الشيء إذا عمل بالتدرج كان أتقن، قال: { في ستة أيام } كما يأتي ~~تفصيله في فصلت، وقد كان قادرا على فعل ذلك في أقل من لمح البصر، ويأتي ~~في فصلت سر كون المدة ستة. # ولما كان تدبير هذه وحفظه وتعهد مصالحه والقيام بأمره أمرا - بعد أمر ~~إيجاده - باهرا، أشار إلى عظمته بأداة التراخي والتعبير بالافتعال فقال: ~~{ ثم استوى على العرش } أي استواء لم يعهدوا مثله وهو أنه أخذ في تدبيره ~~وتدبير ما حواه بنفسه، لا شريك له ولا نائب عنه ولا وزير، كما تعهدون من ~~ملوك الدنيا إذا اتسعت ممالكهم، وتباعدت أطرافها، وتناءت أقطارها، وهو ~~معنى قوله تعالى استئنافا جوابا لمن كأنه قال: العرش بعيد عنا جدا فمن ~~استنابه في أمرنا، ولذلك لفت الكلام إلى الخطاب لأنه اقعد في التنبيه: { ~~مالكم من دونه } لأنه كل ما سواء من دونه وتحت قهره، ودل على عموم النفي ~~بقوله: { من ولي } أي يلي أموركم ويقوم بمصالحكم وينصركم إذا حل بكم شيء ~~مما تنذرون به { ولا شفيع } يشفع عنده في تدبيركم أو في أحد منكم بغير ~~إذنه، وهو كناية عن قربه من كل شيء وإحاطته به، وأن إحاطته بجميع خلقه ~~على حد سواء لا مسافة بينه وبين شيء أصلا. # ولما كانوا مقرين بأن الخلق خلقه والأمر أمره، عارفين بأنه لا يلي وال ~~من قبل ملك من الملوك إلا بحجة منه يقيمها على أهل البلدة التي أرسل ~~إليها أو ناب فيها، ولا يشفع شفيع فيهم إلا وله إليه وسيلة، تسبب عن ذلك ~~الإنكار عليهم في قوله: { أفلا تتذكرون } أي تذكرا عظيما بما أشار إليه ~~الإظهار ما تعلمونه من أنه الخالق وحده، ومن أنه لا ms3653 حجة لشيء مما ~~أشركتموه بشيء مما أهلتموه له ولا وسيلة لشيء منهم إليه يؤهل بها في ~~الشفاعة فيكم ولا أخبركم أحد منهم بشيء من ذلك، فكيف تخالفون في هذه ~~الأمور التي هي أهم المهم، لأن عاقبتها خسارة الإنسان نفسه، فضلا عما ~~دونها عقولكم وما جرت به عوائدكم، وتتعللون فيها المحال، وتقنعون بقيل ~~وقال، وتخاطرون فيه بالأنفس والأولاد والأموال. # ولما نفى أن يكون له شريك أو وزير في الخلق، ذكر كيف يفعل في هذا الملك ~~العظيم الذي أبدعه في ستة أيام من عالم الأرواح والأمر، فقال مستأنفا ~~مفسرا للمراد بالاستواء: { يدبر الأمر } أي كل أمر هذا العالم بأن يفعل ~~في ذلك فعل الناظر في أدباره لإتقان خواتمه ولوازمه، كما نظر في إقباله ~~لإحكام فواتحه وعوازمه، لا يكل شيئا منه إلى شيء من خلقه، قال الرازي في ~~اللوامع: وهذا دليل على أن استواءه على العرش بمعنى إظهار القدرة، والعرش ~~مظهر التدبير لا قعر المدبر. # ولما كان المقصود للعرب إنما هو تدبير ما تمكن مشاهدتهم له من العالم ~~قال مفردا: { من السماء } أي فينزل ذلك الأمر الذي أتقنه كما يتقن من ~~ينظر في أدبار ما يعلمه { إلى الأرض } غير متعرض إلى ما فوق ذلك، على أن ~~السماء تشمل كل عال فيدخل جميع العالم. # ولما كان الصعود أشق من النزول على ما جرت به العوائد، فكان بذلك ~~مستبعدا، أشار إلى ذلك بقوله: { ثم يعرج } أي يصعد الأمر الواحد - وهو ~~من الاستخدام الحسن - إليه، أي بصعود الملك إلى الله، أي إلى المواضع ~~الذي شرفه أو أمره بالكون فيه كقوله تعالى: # إني ذاهب إلى ربي # [الصافات: 99] # ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله # [النساء: 100] ونحو ذلك، أو إلى الموضع الذي ابتدأ منه نزول التدبير وهو ~~السماء وكأنه صاعد في معارج، وهي الدرج على ما تتعارفون بينكم، في أسرع ~~من لمح البصر { في يوم } من أيام الدنيا { كان مقداره } لو كان الصاعدين ~~واحدا منكم على ما تعهدون { ألف سنة مما تعدون } من سنيكم التي تعهدون، ~~والذي ms3654 دل على هذا التقدير شيء من العرف وشيء من اللفظ، أما اللفظ ~~فالتعبير ب " كان " مع انتظام الكلام بدونها لو أريد غير ذلك، وأما ~~العرف فهو أن الإنسان المتمكن يبني البيت العظيم العالي في سنة مثلا، ~~فإذا فرغه صعد إليه خادمه إلى أعلاه في أقل من درجتين من درج الرمل، فلا ~~تكون نسبة ذلك من زمن بنائه إلا جزءا لا يعد، هذا وهو خلق محتاج فما ظنك ~~بمن خلق الخلق في ستة أيام وهو غني عن كل شيء قادر على كل شيء وظاهر ~~العبارة أن هذا التقدير بالألف لما بين السماء والأرض بناء على أن ~~البداية والغاية لا يدخلان، فإذا أردنا تنزيل هذه الآية على أية سأل ~~أخذنا هذا بالنسبة إلى صعود أحدنا مستويا لو أمكن، وجعلت الأرض واحدة في ~~العدد، وأول تعددها كما قيل باعتبار الأقاليم، وزيد عليه مقدار ثخن ~~السماوات وما بينهما، وزيد على المجموع مثل نصفه لمسافة الانحناء في بناء ~~الدرج والتعريج الذي هو مثل محيط الدائرة بالوتر الذي قسمها بنصفين ليمكن ~~الصعود منا، وهو مقدار نصف مسافة الاستواء وشيء يسير، لأنك إذا قسمت ~~دائرة بوتر كان ما بين رأسي الوتر من محيط نصف الدائرة بمقدار ذلك الوتر ~~مرة ونصفا سواء يزاد عليه يسير لأجل تعاريج الدرج، فإذا فعلنا ذلك كان ~~ما بين أحد سطحي الكرسي المحدب وما يقابله من السطح الآخر بحسب اختراقه ~~من جانبيه واختراق أطباق السماوات السبع: الأربعة عشر، اثنين وثلاثين ألف ~~سنة، لأنه يخص كل سماء ألفان، لأنه فهم من هذا السياق أن من مقعر السماء ~~إلى سطح الأرض الذي نحن عليه سيرة ألف سنة وبعد ما بين كل سمائين كبعد ما ~~بين السماء والأرض، وثخن كل سماء كذلك، فيكون بعد ما بين أحد سطحي الأرض ~~إلى سطح الكرسي الأعلى ستة عشر ألف سنة، وبعد ما بين سطح الأرض إلى أعلى ~~سطح الكرسي من الجانب الآخر كذلك، ثم يزاد على المجموع وهو اثنان وثلاثون ~~ألف سنة مسافة ثخن الأرض وهي ألف سنة ليكون ms3655 المجموع ثلاثة وثلاثين ألف ~~سنة يزاد عليه ما للتعريج، وهو نصف تلك المسافة وشيء يكون سبعة عشر ألف ~~سنة، فذلك خمسون ألف سنة، وإنما جعلت سطح الكرسي الأعلى النهاية، لأن ~~العادة جرت أن لا يصعد إلى عرش الملك غيره، وأن الأطماع تنقطع دونه، بل ~~ولا يصعد إلى كرسيه، وسيأتي اعتبار ذلك في الوجه الأخير، وإن قلنا: إن ~~الأراضي سبع على أنها كرات مترتبة متعالية غير متداخلة، وأدخلنا العرش في ~~العدد فنقول: إنه مع الكرسي والسماوات تسعة، فجانباها الحيطان بالأرض ~~ثماني عشرة طبقة، والأراضي سبع، فتلك خمس وعشرون طبقة، فكل واحدة - مع ما ~~بينها وبين الأخرى على ما هو ظاهر الآية - ألفان، فضعف هذا العدد، فيكون ~~خمسين ألفا، وهذا الوجه أوضح الوجوه وأقربها إلى مفهوم الآية، ولا يحتاج ~~معه إلى زيادة لأجل انعطاف الدرج، ويجوز أن نقول: إن السر - والله أعلم - ~~في جعل ما مسيرته خمسمائة سنة - كما في الحديث - ألف سنة لأجل التعريج، ~~والحديث ليس نصا في سير معين حتى يتحامى تأويله بل قد ورد بألفاظ ~~متغايرة منها خسمائة ومنها اثنتان وسبعون سنة, ومنها إحدى وسبعون إلى غير ~~ذلك, فلا بد أن يحمل كل لفظ على سير فنقول: الخمسمائة للصاعد في درج ~~مستقيم كدرج الدقل مثلا، والاثنان وسبعون لسير الطائر, والألف كما في ~~الآية لدرج منعطف، ويدل عليه ما رواه الترمذي - وقال: إسناده حسن - عن ~~عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " لو أن رصاصة مثل هذه - وأشار إلى مثل الجمجمة - أرسلت من السماء إلى ~~الأرض، وهي مسيرة خمسمائة سنة، لبلغت الأرض قبل الليل، ولو أنها أرسلت ~~السلسلة لسارت أربعين خريفا الليل والنهار قبل أن تبلغ أصلها أو قعرها " # ، أو تقول: إن الألف لجملة التدبير بالنزول والعروج - والله أعلم، وإن ~~جعلنا البداية داخلة فتكون الألف من سطح الأرض الذي نحن عليه إلى محدب ~~السماء لتتفق الآية مع الحديث القائل بأن بين الأرض والمساء خمسمائة سنة، ~~وثخن السماء كذلك، وكذا بقية السماوات ms3656 والعرش، أدخلنا العرش في العدد ~~وقلنا: إن الأراضي سبع متداخلة كالسماوات، كل واحدة منها في التي تليها، ~~فالتي نحن فيها أعلاها محيطة بها كلها، فهي بمنزلة العرش للسماوات، فتكون ~~السماوات السبع من جانبيها بأربعة عشر ألفا, والأراضي كذلك فذلك ثمانية ~~وعشرون ألفا, والعرش والكرسي من جانبيها بأربعة فذلك اثنان وثلاثون ~~ألفا يضاف إليها ما يزيد انحناء المعارج الذي يمكن لنا معه العروج، وهو ~~نصف مسافة الجملة وشيء، فالنصف ستة عشر ألفا، ونجعل الشيء الذي لم يتحرر ~~لنا ألفين، فذلك ثمانية عشر ألفا إلى اثنين وثلاثين، فالجملة خمسون ~~ألفا ويمكن أن يكون ذلك بالنسبة إلى السماوات مع الأراضي، والكل متطابقة ~~متداخلة، فتلك ثمان وعشرون طبقة من سطح السماء السابعة الأعلى إلى سطحها ~~الأعلى من الجانب الآخر، فذلك ثمانية وعشرون - ألف سنة، لكل جرم خمسمائة، ~~ولما بينه وبين الجرم الآخر كذلك فذلك ألف فضعفه بالنسبة إلى الهبوط ~~والصعود فيكون ستة وخمسين ألفا حسب منه خمسون ألفا والغى الكسر، لكن ~~هذا الوجه مخالف لظاهر الآية التي في سورة سأل، وهي قوله تعالى: # تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة # [المعارج: 5] فإنه ليس فيها ذكر الهبوط والله أعلم. وكل من هذه الوجوه ~~أقعد مما قاله البيضاوي في سورته سأل، وأقرب للفهم العرف، فإن كان ظاهر ~~حاله أنه جعل الثمانية عشر ألفا من أعلى سرادقات العرش إلى أعلى ~~سرادقاته من الجانب الآخر, ولا دليل على هذا ولا عرف يساعد في صعود الخدم ~~إلى أعلى السرادق، وهو الأعلى منه، والعلم عند الله تعالى، وروى إسحاق بن ~~راهويه عن أبي ذر رضي الله عنه عن رسول صلى الله عليه وسلم قال: # " ما بين سماء الدنيا إلى الأرض خمسمائة سنة، وما بين كل سماء إلى التي ~~تليها خمسمائة سنة إلى السماء السابعة، والأرض مثل ذلك، وما بين السماء ~~السابعة إلى العرش مثل جميع ذلك " # واعلم أن القول بأن الأراضي سبع هو الظاهر لظاهر قوله تعالى: # الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن # [الطلاق: ms3657 12] ويعضده ما رواه الشيخان وغيرهما عن عائشة رضي الله عنها أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " من ظلم قدر شبر من الأرض طوقه الله من سبع أرضين " # ، وفي رواية للبغوي: خسف به إلى سبع أرضين، وروى ابن حبان في صحيحه عن ~~ابن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن المؤمن إذا حضره الموت - فذكره إلى أن قال: وأما الكافر إذا قبضت ~~نفسه ذهب به إلى الأرض فتقول خزنة الأرض: ما وجدنا ريحا أنتن من هذه، ~~فيبلغ بها إلى الأرض السفلى " # - قال المنذري: وهو عند ابن ماجه بسند صحيح، ويؤيد من قال: إنها متطابقة ~~متداخلة كالكرات وبين كل أرضين فضاء كالسماوات ما روى الحاكم وصححه عند ~~عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الأرضين بين كل أرض إلى التي تليها مسيرة خمسمائة سنة، فالعليا ~~منها على ظهر حوت " # إلى آخره، وهو في آخر الترغيب للحافظ المنذري في آخر أهوال القيامة في ~~سلاسلها وأغلالها، وروى أبو عبيد القاسم بن سلام في غريب الحديث عن مجاهد ~~رحمه الله أنه قال: إن الحرم حرم مناه من السماوات السبع والأرضين السبع، ~~وأنه رابع أربعة عشر بيتا، في كل سماء بيت, وفي كل أرض بيت, لو سقطت ~~لسقط بعضها على بعض - مناه يعني قصده وحذاءه، وفي مجمع الزوائد للحافظ ~~نور الدين الهيثمي أن الإمام أحمد روى من طريق الحكم بن عبد الملك وهو ~~ضعيف عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بينا نحن عند رسول الله صلى الله ~~عليه إذا مرت سحابة فقال: هل تدرون ما هذه؟ قلنا: الله ورسوله أعلم! قال: ~~العنان وزوايا الأرض يسوقه الله إلى من لا يشكره، ولا يدعوه، أتدرون ما ~~هذه فوقكم؟ قلنا: الله ورسوله أعلم! قال: الرفيع موج مكفوف، وسقف محفوظ، ~~أتدرون كم بينكم وبينها؟ قلنا: الله ورسوله أعلم! قال: مسيرة خمسمائة ~~عام، ثم قال: أتدرون ما الذي فوقها؟ قلنا: الله ورسوله أعلم! ms3658 قال: سماء ~~أخرى، أتدرون كم بينكم وبينها؟ قلنا: الله ورسوله أعلم! قال: مسيرة ~~خمسمائة عام - حتى عد سبع سماوات ثم قال: هل تدرون ما فوق ذلك؟ قلنا: ~~الله ورسوله أعلم! قال: والعرش، قال: أتدرون كم بينه وبين السماء ~~السابعة؟ قلنا: الله ورسوله أعلم؟ قال: مسيرة خمسمائة عام، ثم قال: ما ~~هذه تحتكم؟ قلنا: الله ورسوله أعلم؟ قال: أرض قال: أتدرون ما تحتها؟ قلنا ~~الله ورسوله أعلم! قال: أرض أخرى، أتدرون كم بينهما؟ قلنا: الله ورسوله ~~أعلم! قال: مسيرة سبعمائة عام حتى عد سبعين أرضين، ثم قال: وأيم الله لو ~~دليتم بحبل لهبط، ثم قرأ: # هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم # [الحديد: 3] قال: رواه الترمذي غير أنه ذكر أن بين كل أرض والأرض الأخرى ~~خمسمائة عام، وهنا سبعمائة، وقال في آخره: " لو دليتم بحبل لهبط على الله ~~" ولعله أراد: على عرش الله أو على حكمه وعلمه وقدرته، يعني أنه في ملكه ~~وقبضته ليس خارجا عن شيء من أمره - والله أعلم، ورأيت في جامع الأصول ~~لابن الأثير بعد إيراده هذا الحديث ما نصه قال أبو عيسى قراءة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم الآية تدل على أنه أراد: لهبط على علم الله وقدرته ~~وسلطانه ويكون مؤيدا للقول بأنها كرات متطابقة متداخلة - والله أعلم - ~~ما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ما السماوات السبع والأرضون السبع في العرش إلا كحلقة ملقاة في فلاه " # ولم يقل: كدرهم - مثلا، وكذا ما روى محمد بن أبي عمر وإسحاق بن راهويه ~~وأبو بكر بن أبي شيبة وأحمد بن حنبل وابن حبان عن أبي ذر رضي الله عنه ~~حديثا طويلا فيه ذكر الأنبياء، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " تدري ما مثل السماوات والأرض في الكرسي؟ قلت: لا إلا أن تعلمني مما ~~علمك الله عز وجل، قال: مثل السماوات والأرض في الكرسي كحلقة ملقاة في ~~فلاة، وإن فضل الكرسي على السماوات والأرض كفضل الفلاة على تلك الحلقة " # وأصله عند النسائي والطيالسي ms3659 وأبي يعلى، وكذا ما روى صاحب الفردوس عن ~~ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم: # " ما السماوات السبع في عظمة الله إلا كجوزة معلقة " # ، وقوله تعالى: # وسع كرسيه السماوات والأرض # [البقرة: 255] يدل على أن الكرسي محيط بالكل من جميع الجوانب وقوله ~~تعالى: # إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا # [الرحمن: 33] صريح في ذلك، فإن النفوذ يستعمل في الخرق لا سيما مع ~~التعبير ب " من " دون " في " ، وكذا قوله في السماء { ومالها من فروج } ~~والله الموفق. ### || [32.6-10] # ولما تقرر هذا من عالم الأشباح والخلق، ثم عالم الأرواح والأمر، فدل ذلك ~~على شمول القدرة، وكان شامل القدرة لا بد وأن يكون محيط العلم، كانت ~~نتيجته لا محالة: { ذلك } أي الإله العالي المقدار، الواضح المنار { عالم ~~الغيب } الذي تقدمت مفاتيحه آخر التي قبلها من الأرواح والأمر والخلق. # ولما قدم علم الغيب لكونه، أعلى وكان العالم به قد لا يعلم المشهود ~~لكونه لا يبصر قال: { والشهادة } من ذلك كله التي منها تنزيل القرآن عليك ~~ووصوله إليك { العزيز } الذي يعجز كل شيء ولا يعجزه شيء. ولما كان ربما ~~قدح متعنت في عزته بإهمال العصاة قال: { الرحيم } أي الذي خص أهل التكليف ~~من عباده بالرحمة في إنزال الكتب على السنة الرسل، وأبان لهم ما ترضاه ~~الإلهية، بعد أن عم جميع الخلائق بصفة الرحمانية بعد الإيجاد من الإعدام ~~بالبر والإنعام. # ولما ذكر صفة الرحيمية صريحا لأقتضاء المقام إياها، أشار إلى صفة ~~الرحمانية فقال: { الذي أحسن كل شيء } ولما كان هذا الإحسان عاما، خصه ~~بأن وصفه - على قراءة المدني والكوفي - بقوله: { خلقه } فبين أن ذلك ~~بالإتقان والإحكام، كما فسر ابن عباس رضي الله عنهما من حيث التشكيل ~~والتصوير، وشق المشاعر، وتهيئة المدارك، وإفاضة المعاني، مع المفاوتة في ~~جميع ذلك، وإلى هذا أشار الإبدال في قراءة الباقين، وعبر بالحسن لأن ما ~~كان على وجه الحكمة كان حسنا وإن رآه الجاهل القاصر قبيحا. # ولما كان الحيوان أشرف الأجناس، وكان الإنسان أشرفه، خصه بالذكر ليقوم ms3660 ~~دليل الوحدانية بالأنفس كما قام قبل بالآفاق، فقال دالا على البعث: { ~~وبدأ خلق الإنسان } أي الذي هو المقصود بالخطاب بهذا القرآن { من طين } ~~أي مما ليس له أصل في الحياة بخلق آدم عليه السلام منه. # ولما كان قلب الطين إلى هذا الهيكل على هذه الصورة بهذه المعاني أمرا ~~هائلا، أشار إليه بأداة البعد في قوله: { ثم جعل نسله } أي ولده الذي ~~ينسل أي يخرج { من سلالة } أي من شيء مسلول، أي منتزع منه { من ماء مهين ~~} أي حقير وضعيف وقليل مراق مبذول، فعيل بمعنى مفعول، وأشار إلى عظمة ما ~~بعد ذلك من خلقه وتطويره بقوله: { ثم سواه } أي عدله لما يراد منه ~~بالتخطيط والتصوير وإبداع المعاني { ونفخ فيه من روحه } الروح ما يمتاز ~~به الحي من الميت، والإضافة للتشريف، فيا له من شرف ما أعلاه إضافته إلى ~~الله. # ولما ألقى السامعون لهذا الحديث أسماعهم، فكانوا جديرين بأن يزيد المحدث ~~لهم إقبالهم وانتفاعهم، لفت إليهم الخطاب قائلا: { وجعل } أي بما ركب في ~~البدن من الأسباب { لكم السمع } أي تدركون به المعاني المصوتة، ووحده ~~لقلة التفاوت فيه إذا كان سالما { والأبصار } تدركون بها المعاني ~~والأعيان القابلة، ولعله قدمها لأنه ينتفع بهما حال الولادة، وقدم السمع ~~لأنه يكون إذ ذاك أمتن من البصر. # ولذا تربط القوابل العين لئلا يضعفها النور، وأما العقل فإنما يحصل ~~بالتدريج فلذا أخر محله فقال: { والأفئدة } أي المضغ الحارة المتوقدة ~~المتحرفة، وهي القلوب المودعة غرائز العقول المتباينة فيها أي تباين؛ ~~قال الرازي في اللوامع: جعله - أي الإنسان - مركبا من روحاني وجسماني، ~~وعلوي وسفلي، جمع فيه بين العالمين بنفسه وجسده، واستجمع الكونين بعقله ~~وحسه، وارتفع عن الدرجتين باتصال الأمر الأعلى به وحيا قوليا، وسلم ~~الأمر لمن له الخلق والأمر تسليما اختياريا طوعيا. ولما لم يتبادروا ~~إلى الإيمان عند التذكير بهذه النعم الجسام قال: { قليلا ما تشكرون * } ~~أي وكثيرا ما تكفرون. # ولما كانوا قد قالوا: محمد ليس برسول، والإله ليس بواحد، والبعث ليس ~~بممكن، فدل على صحة الرسالة بنفي الريب عن ms3661 الكتاب، ثم على الوحدانية ~~بشمول القدرة وإحاطة العلم بإبداع الخلق على وجه هو نعمة لهم، وختم ~~بالتعجيب من كفرهم، وكان استبعادهم للبعث - الذي هو الأصل الثالث - من ~~أعظم كفرهم، قال معجبا منهم في إنكاره بعد التعجيب في قوله: { أم يقولون ~~افتراه } ، لافتا عنهم الخطاب إيذانا بالغضب من قولهم: { وقالوا } ~~منكرين لما ركز في الفطر الأول، ونبهت عليه الرسل، فصار بحيث لا يكره ~~عاقل ألم بشيء من الحكمة: { أإذا } أي أنبعث إذا { ضللنا } أي ذهبنا ~~وبطلنا وغبنا { في الأرض } بصيرورتنا ترابا مثل ترابها، لا يتميز بعضه ~~من بعض: قال أبو حيان تبعا للبغوي والزمخشري وابن جرير الطبري وغيرهم: ~~وأصله من ضل الماء في اللبن - إذا ذهب. ثم كرروا الاستفهام الإنكاري ~~زيادة في الاستبعاد فقالوا: { إنا لفي خلق جديد } هو محيط بنا ونحن ~~مظروفون له. # ولما كان قولهم هذا يتضمن إنكارهم القدرة، وكانوا يقرون بما يلزمهم منه ~~الإقرار بالقدرة على البعث من خلق الخلق والإنجاء من كل كرب ونحو ذلك، ~~أشار إليه بقوله: { بل } أي ليسوا بمنكرين لقدرته سبحانه، بل { هم بلقاء ~~ربهم } المحسن بالإيجاد والإبقاء مسخرا لهم كل ما ينفعهم في الآخرة ~~للحساب أحياء سويين كما كانوا في الدنيا، والإشارة بهذه الصفة إلى أنه لا ~~يحسن بالمحسن أن ينغص إحسانه بترك القصاص من الظالم الكائن في القيامة { ~~كافرون * } أي منكرون للبعث عنادا، ساترون لما في طباعهم من أدلته، لما ~~غلب عليهم من الهوى القائد لهم إلى أفعال منعهم من الرجوع عنها الكبر عن ~~قبول الحق والأنفة من الإقرار بما يلزم منه نقص العقل. ### || [32.11-13] # ولما ذكر استبعادهم، وأتبعه عنادهم، وكان إنكارهم إنما هو بسبب اختلاط ~~الأجزاء بالتراب بعد إنقلابها ترابا، فكان عندهم من المحال تمييزها من ~~بقية التراب. دل على أن ذلك عليه هين بأن نبههم على ما هو مقرون به مما ~~هو مثل ذلك بل أدق. فقال مستأنفا: { قل } أي جوابا لهم عن شبهتهم: { ~~يتوفاكم } أي يقبض أرواحكم كاملة من أجسادكم بعد أن كانت مختلطة بجميع ~~أجزاء البدن، لا تميز ms3662 لأحدهما عن الآخر بوجه تعرفونه بنوع حيلة { ملك ~~الموت } ثم أشار إلى أن فعله بقدرته، وأن ذلك عليه في غاية السهولة، ~~ببناء الفعل لما لم يسم فاعله فقال: { الذي وكل بكم } أي وكله الخالق لكم ~~بذلك، وهو عبد من عبيده، ففعل ما أمر به، فإذا البدن ملقى لا روح في شيء ~~منه وهو على حاله كاملا لا نقص في شيء منه يدعي الخلل بسببه، فإذا كان ~~هذا فعل عبد من عبيده صرفه في ذلك فقام به على ما ترونه مع أن ممازجة ~~الروح للبدن أشد من ممازجة تراب البدن لبقية التراب لأنه ربما يستدل بعض ~~الحذاق على بعض ذلك بنوع دليل من شم ونحوه، فكيف يستبعد شيء من الأشياء ~~على رب العالمين، ومدير الخلائق أجمعين؟. # فلما قام هذا البرهان القطعي الظاهر مع دقته لكل أحد على قدرته التامة ~~على تمييز ترابهم من تراب الأرض، وتمييز بعض تربهم من بعض، وتمييز تراب ~~كل جزء من اجزائهم جل أو دق عن بعض. علم أن التقدير: ثم يعيدكم خلقا ~~جديدا كما كنتم أول مرة، فحذفه كما هو عادة القرآن في حذف كل ما دل عليه ~~السياق ولم يدع داع إلى ذكره فعطف عليه قوله: { ثم إلى ربكم } أي الذي ~~ابتدأ خلقكم وتربيتكم وأحسن إليكم غاية الإحسان ابتداء، لا إلى غيره، بعد ~~إعادتكم { ترجعون } بأن يبعثكم كنفس واحدة فإذا أنتم بين يديه، فيتم ~~إحسانه وربوبيته بأن يجازي كلا بما فعل، كما هو دأب الملوك مع عبيدهم، ~~لا يدع أحد منهم الظالم من عبيده مهملا. # ولما تقرر دليل البعث بما لا خفاء فيه ولا لبس، شرع يقص بعض أحوالهم عند ~~ذلك، فقال عادلا عن خطابهم استهانة بهم وإيذانا بالغضب، وخطابا للنبي ~~صلى الله عليه وسلم تسلية له، أو لكل من يصح خطابه، عاطفا على ما ~~تقديره: فلو رأيتهم وقد بعثرت القبور، وحصل ما في الصدور، وهناك أمور أي ~~أمور، موقعا المضارع في حيز ما من شأنه الدخول على الماضي، لأنه لتحقق ~~وقوعه كأنه قد كان، ms3663 واختير التعبير به لترويح النفس بترقب رؤيته حال ~~سماعه، تعجيلا للسرور بترقب المحذور لأهل الشرور: { ولو ترى } أي تكون ~~أيها الرائي من أهل الرؤية لترى حال المجرمين { إذ المجرمون } أي ~~القاطعون لما أمر الله به أن يوصل بعد أن وقفوا بين يدي ربهم { ناكسوا ~~رؤوسهم } أي مطأطئوها خجلا وخوفا وخزيا وذلا في محل المناقشة { عند ~~ربهم } المحسن إليهم المتوحد بتدبيرهم، قائلين بغاية الذل والرقة: { ربنا ~~} أي أيها المحسن إلينا { أبصرنا } ما كنا نكذب به { وسمعنا } أي منك ومن ~~ملائكتك ومن أصوات النيران وغير ذلك ما كنا نستبعده، فصرنا على غاية ~~العلم بتمام قدرتك وصدق وعودك { فارجعنا } بما لك من هذه الصفة المقتضية ~~للإحسان، إلى دار الأعمال { نعمل صالحا } ثم حققوا هذا الوعد بقولهم على ~~سبيل التعليل مؤكدين لأن حالهم كان حال الشاك الذي يتوقف المخاطب في ~~إيقانه: { إنا موقنون * } أي ثابت الآن لنا الإيقان بجميع ما أخبرنا به ~~عنك مما كشف عنه العيان, أي لو رأيت ذلك لرأيت أمرا لا يحتمله من هوله ~~وعظمه عقل، ولا يحيط به وصف. # ولما لم يذكر لهم جوابا، علم أنه لهوانهم، لأنه ما جرأهم على العصيان ~~إلا صفة الإحسان، فلا يصلح لهم إلا الخزي والهوان، ولأن الإيمان لا يصح ~~إلا بالغيب قبل العيان. # ولما كان ربما وقع في وهم أن ضلالهم مع الإمعان في البيان، لعجز عن ~~هدايتهم أو توان، قال عاطفا على ما تقديره: إني لا أردكم لأني لم أضلكم ~~في الدنيا للعجز عن هدايتكم فيها، بل لأني لم أرد إسعادكم، ولو شئت ~~لهديتكم، صارفا القول إلى مظهر العظمة لاقتضاء المقام لها: { ولو شئنا } ~~أي بما لنا من العظمة التي تأبى أن يكون لغيرنا شيء يستقل به أو يكون في ~~ملكنا ما لا نريد { لأتينا كل نفس } أي مكلفة لأن الكلام فيها { هداها } ~~أي جعلنا هدايتها ورشدها وتوفيقها للإيمان وجميع ما يتبعه من صالح ~~الأعمال في يدها متمكنة منها. # ولما استوفى الأمر حده من العظمة، لفت الكلام إلى الإفراد، دفعا للتعنت ~~وتحقيقا لأن ms3664 المراد بالأول العظمة فقال: { ولكن } أي لم أشأ ذلك لأنه { ~~حق القول مني } وأنا من لا يخلف الميعاد، لأن الإخلاف إما لعجز أو نسيان ~~أو حاجة ولا شيء من ذلك يليق بجنابي، أو يحل بساحتي، وأكد لأجل إنكارهم ~~فقال مقسما: { لأملان جهنم } التي هي محل إهانتي وتجهم أعدائي بما ~~تجهموا أوليائي { من الجنة } أي الجن طائفة إبليس، وكأنه أنثهم تحقيرا ~~لهم عند من يستعظم أمرهم لما دعا إلى تحقيرهم من مقام الغضب وبدأ بهم ~~لاستعظامهم لهم ولأنهم الذين أضلوهم { والناس أجمعين * } حيث قلت لإبليس: # لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين # [ص: 85] فلذلك شئت كفر الكافر وعصيان العاصي بعد أن جعلت لهم اختيارا، ~~وغيبت العاقبة عنهم، فصار الكسب ينسب إليهم ظاهرا، والخلق في الحقيقة ~~والمشيئة لي. ### || [32.14-17] # ولما تسبب عن هذا القول الصادق أنه لا محيص عن عذابهم، قال مجيبا ~~لترققهم إذ ذاك نافيا لما قد يفهمه كلامهم من أنه محتاج إلى العبادة: { ~~فذوقوا } أي ما كنتم تكذبون به منه بسبب ما حق معي من القول { بما } أي ~~بسبب ما { نسيتم لقاء يومكم } وأكده وبين لهم بقوله: { هذا } أي عملتم - ~~في الإعراض عن الاستعداد لهذا الموقف الذي تحاسبون فيه ويظهر فيه العدل - ~~عمل الناسي له مع أنه مركوز في طباعكم أنه لا يسوغ لذي علم وحكمة أن يدع ~~عبيده يمرحون في أرضه ويتقلبون في رزقه، ثم لا يحاسبهم على ذلك وينصف ~~مظلومهم، فكان الإعراض عنه مستحقا لأن يسمى نسيانا من هذا الوجه أيضا ~~ومن جهة أنه لما ظهر له من البراهين، ما ملأ الأكوان صار كأنه ظهر، وروي ~~ثم نسي. ثم علل ذوقهم لذلك أو استانف لبيان المجازاة به مؤكدا في مظهر ~~العظمة قطعا لأطماعهم في الخلاص، ولذا عاد إلى مظهر العظمة فقال: { إنا ~~نسيناكم } أي عاملناكم بما لنا من العظمة ولكم من الحقارة معاملة الناسي، ~~فأوردنا النار كما أقسمنا أنه ليس أحد إلا يردها، ثم أخرجنا أهل ودنا ~~وتركناكم فيها ترك المنسي. # ولما كان ما تقدم من أمرهم بالذوق ms3665 مجملا، بينه بقوله مؤكدا له: { ~~وذوقوا عذاب الخلد } أي المختص بأنه لا آخر له. ولما كان قد خص السبب ~~فيما مضى، عم هنا فقال: { بما كنتم } أي جبلة وطبعا { تعملون * } من ~~أعمال من لم يخف أمر البعث ناوين أنكم لا تنفكون عن ذلك. # ولما كان قوله تعالى: { بل هم بلقاء ربهم كافرون } قد أشار إلى أن ~~الحامل لهم على الكفر الكبر، وذكر سبحانه أنه قسم الناس قسمين لأجل ~~الدارين، تشوفت النفس إلى ذكر علامة أهل الإيمان كما ذكرت علامة أهل ~~الكفران، فقال معرفا أن المجرمين لا سبيل إلى إيمانهم # ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه # [الأنعام: 28]: { إنما يؤمن بآياتنا } الدالة على عظمتنا { الذين إذا ~~ذكروا بها } من أي مذكر كان، في أي وقت كان، قبل كشف الغطاء وبعده { ~~خروا سجدا } أي بادروا إلى السجود مبادرة من كأنه سقط من غير قصد، خضعا ~~لله من شدة تواضعهم وخشيتهم وإخباتهم له خضوعا ثابتا دائما { وسبحوا } ~~أي أوقعوا التنزيه عن كل شائبة نقص من ترك البعث المؤدي إلى تضييع الحكمة ~~ومن غيره متلبسين { بحمد } ولفت الكلام إلى الصفة المقتضية لتنزيههم ~~وحمدهم تنبيها لهم فقال: { ربهم } أي بإثباتهم له الإحاطة بصفات الكمال، ~~ولما تضمن هذا تواضعهم، صرح به في قوله: { وهم لا يستكبرون } أي لا ~~يجددون طلب الكبر عن شيء مما دعاهم إليه الهادي ولا يوجدونه خلقا لهم ~~راسخا في ضمائرهم. # ولما كان المتواضع ربما نسب إلى الكسل، نفى ذلك عنهم بقوله مبينا بما ~~تضمنته الآية السالفة من خوفهم: { تتجافى } أي ترتفع ارتفاع مبالغ في ~~الجفاء - بما أشار إليه الإظهار، وبشر بكثرتهم بالتعبير بجمع الكثرة ~~فقال: { جنوبهم } بعد النوم { عن المضاجع } أي الفرش الموطأة الممهدة ~~التي هي محل الراحة والسكون والنوم، فيكونون عليها كالملسوعين، لا يقدرون ~~على الاستقرار عليها، في الليل الذي هو موضع الخلوة ومحط اللذة والسرور ~~بما تهواه النفوس، قال الإمام السهروردي في الباب السادس والأربعين من ~~عوارفه عن المحبين: قيل: نومهم نوم الفرقى، وأكلهم أكل المرضى، وكلامهم ~~ضرورة، فمن نام عن ms3666 غلبة بهم مجتمع متعلق بقيام الليل وفق لقيام الليل، ~~وإنما النفس إذا طعمت ووطنت على النوم استرسلت فيه، وإذا أزعجت بصدق ~~العزيمة لا تسترسل في الاستقرار، وهذا الانزعاج في النفس بصدق العزيمة هو ~~التجافي الذي قال الله، لأن الهم بقيام الليل وصدق العزيمة يجعل بين ~~الجنس والمضجع سواء وتجافيا. # ولما كان هجران المضجع قد يكون لغير العبادة، بين أنه لها، فقال مبينا ~~لحالهم: { يدعون } أي على سبيل الاستمرار، وأظهر الوصف الذي جرأهم على ~~السؤال فقال: { ربهم } أي الذي عودهم بإحسانه: ثم علل دعاءهم بقوله: { ~~خوفا } أي من سخطه وعقابه، فإن أسباب الخوف من نقائضهم كثيرة سواء عرفوا ~~سببا يوجب خوفا أو لا، فهم لا يأمنون مكره لأن له أن يفعل ما يشاء { ~~وطمعا } أي في رضاه الموجب لثوابه، وعبر به دون الرجاء إشارة إلى أنهم ~~لشدة معرفتهم بنقائصهم لا يعدون أعمالهم شيئا بل يطلبون فضله بغير سبب، ~~وإذا كانوا يرجون رحمته بغير سبب فهم مع السبب أرجى، فهم لا ييأسون من ~~روحه. # ولما كانت العبادة تقطع عن التوسع في الدنيا، فربما دعت نفس العابد إلى ~~التسمك بما في يده خوفا من نقص العبادة عن الحاجة لتشوش الفكر والحركة ~~لطلب الرزق، حث على الإنفاق منه اعتمادا على الخلاق الرزاق الذي ضمن ~~الخلف ليكونوا بما ضمن لهم أوثق منهم بما عندهم، وإيذانا بأن الصلاة سبب ~~للبركة في الرزق # وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك # [طه: 132]، فقال لفتا إلى مظهر العظمة تنبيها على أن الرزق منه وحده: ~~{ ومما رزقناهم } أي بعظمتنا، لا حول منهم ولا قوة { ينفقون * } من غير ~~إسراف ولا تقتير في جميع وجوه القرب التي شرعناها لهم. # ولما ذكر جزاء المستكبرين، فتشوفت النفس إلى جزاء المتواضعين، أشار إلى ~~جزائهم بفاء السبب، إشارة إلى أنه هو الذي وفقهم لهذه الأعمال برحمته، ~~وجعلها سببا إلى دخول جنته، ولو شاء لكان غير ذلك فقال: { فلا تعلم نفس ~~} أي من جميع النفوس مقربة ولا غيرها { ما أخفي لهم } أي لهؤلاء ~~المتذكرين ms3667 من العالم بمفاتيح الغيوب وخزائنها كما كانوا يخفون أعمالهم ~~بالصلاة في جوف الليل وغير ذلك ولا يراؤون بها، ولعله بني للمفعول في ~~قراءة الجماعة تعظيما له بذهاب الفكر في المخفي كل مذهب, أو للعلم بأنه ~~الله تعالى الذي أخفوا نوافل أعمالهم لأجله، وسكن حمزة الياء على أنه ~~للمتكلم سبحانه لفتا لأسلوب العظمة إلى أسلوب الملاطفة، والسر مناسبته ~~لحال الأعمال. # ولما كانت العين لا تقر فتهجع إلا عند الأمن والسرور قال: { من قرة أعين ~~} أي من شيء نفيس سار تقر به أعينهم لأجل ما أقلعوها عن قرارها بالنوم؛ ~~ثم صرح بما أفهمته فاء السبب فقال: { جزاء } أي أخفاها لهم لجزائهم { بما ~~كانوا } أي بما هو لهم كالجبلة { يعملون * } روى البخاري في التفسير عن ~~أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " قال الله عز وجل: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأيت ولا أذن سمعت ~~ولا خطر على قلب بشر " # ، قال أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم { افلا تعلم نفس } - الآية. ### || [32.18-21] # ولما كانوا أهل بلاغة ولسن، وبراعة: وجدل، فكان ربما قال متعنتهم: ما له ~~إذا كان ما تزعمون من أنه لا يبالي بشيء ولا ينقص من خزائنه شيء وهو ~~العزيز الرحيم، لا يسوي بين الكل في إدخال الجنة، والمن بالنعيم فيعمهم ~~بالرحمة الظاهرة كما عمهم بها في الدينا كما هو دأب المحسنين؟ تسبب عن ~~ذلك أن قال منكرا لذلك مشيرا إلى أن المانع منه خروجه عن الحكمة، فإن ~~تلك دار الجزاء، وهذه دار العمل، فبينهما بون: { أفمن كان } أي كونا ~~كأنه من رسوخه جبلي { مؤمنا } أي راسخا في التصديق العظيم بجميع ما ~~أخبرت به الرسل { كمن كان } ولما كان السياق منسوقا على دليل { مالكم من ~~دونه من ولي ولا شفيع } - الآية، فكان الكافر خارجا عن محيط ذلك الدليل ~~الذي لا يخفي بوجه على أحد له سمع وبصر وفؤاد، اقتضى الحال التعبير ~~بالفسق الذي هو الخروج عن محيط فقال: { فاسقا } أي راسخا في الفسق ~~خارجا عن دائرة الإذعان. ms3668 # ولما توجه الاستفهام إلى كل من اتصف بهذا الصف، وكان الاستفهام ~~إنكاريا، عبر عن معناه مصرحا بقوله: { لا يستوون } إشارة - بالحمل على ~~لفظ " من " مرة ومعناها أخرى - إلى أنه لا يستوي جمع من هؤلاء يجمع من ~~أولئك ولا فرد بفرد. # ولما نفى استواءهم، أتبعه حال كل على سبيل التفصيل معبرا بالجمع لأن ~~الحكم بإرضائه وإسخاطه بفهم الحكم على الواحد منه من باب الأولى فقال: { ~~أما الذين آمنوا وعملوا } أي تصديقا لإيمانهم { الصالحات فلهم جنات ~~المأوى } أي الجنات المختصة دون الدنيا التي هي دار ممر، دون النار التي ~~هي دار مفر لا مقر، بتأهلها للمأوى الكامل في هذا الوصف بما أشار إليه ب ~~" ال " ثابتون فيها لا يبغون عنها حولا، كما تبؤوا الإيمان الذي هو أهل ~~للإقامة فلم يبغوا به بدلا { نزلا } أي عدادا لهم أول قدومهم في قول ~~الحسن وعطاء، وهو أوفق للمقام كما يعد للضيف على ما لاح { بما كانوا } ~~جبلة وطبعا { يعملون * } دائما على وجه التجديد، فإن أعمالهم من رحمة ~~ربهم، فإذا كانت هذه الجنات نزلا فما ظنك بما بعد ذلك! وهو لعمري ما ~~أشار إليه قوله صلى الله عليه وسلم: # " ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر " # وهم كل لحظة في زيادة لأن قدرة الله لا نهاية لها، فإياك أن يخدعك خادع ~~أو يغرك ملحد { وأما الذين فسقوا } أي خرجوا عن دائرة الإيمان الذي هو ~~معدن التواضع وأهل للمصاحبة والملازمة { فمأواهم النار } أي التي لا ~~صلاحية فيها للإيواء بوجه من الوجوه أصلا. # ولما كان السامع جديرا بالعلم بأنهم مجتهدون في الخلاص منها، قال ~~مستأنفا لشرح حالهم: { كلما أرادوا } أي وهم مجتهدون فكيف إذا أراد ~~بعضهم { أن يخرجوا منها } وهذا يدل على أنه يزاد في عذابهم بأن يخيل ~~إليهم ما يظنون به القدرة على الخروج منها كما كانوا يخرجون بفسوقهم من ~~محيط الأدلة من دائرة الطاعات إلى بيداء المعاصي والزلات، فيعالجون ~~الخروج فإذا ظنوا أنه تيسر لهم وهم بعد في غمراتها { أعيدوا } بأيسر ms3669 أمر ~~وأسهله من أي من أمر بذلك { فيها } إلى المكان الذي كانوا فيه أولا، ~~ولا يزال هذا دأبهم أبدا { وقيل } أي من أي قائل وكل بهم { لهم } أي ~~عند الإعادة إهانة له: { ذوقوا عذاب النار }. # ولما وصف عذابهم في النار كان أحق بالوصف عند بيان سبب الإهانة بالأمر ~~بالذوق مع أنه أحق من حيث كونه مضافا محدثا عنه فقال: { الذي كنتم } أي ~~كونا هو لكم كالجبلات، وأشار إلى أن تكذيبهم به يتلاشى عنده كل تكذيب، ~~فكأنه مختص فقال: { به تكذبون * } فإن الإعادة بعد معالجة الخروج أمكن في ~~التصديق باعتبار التجدد في كل آن. # ولما كان المؤمنون الآن يتمنون إصابتهم بشيء من الهوان في هذه الدار، ~~لأن نفوس البشر مطبوعة على العجلة، بشرهم بذلك على وجه يشمل عذاب القبر، ~~فقال مؤكدا له لما عندهم من الإنكار لعذاب ما بعد الموت وللإصابة في ~~الدنيا بما هم من الكثرة والقوة: { ولنذيقنهم } أي أجمعين بالمباشرة ~~والتسبيب، بما لنا من العظمة التي تتلاشى عندها كثرتهم وقوتهم { من ~~العذاب الأدنى } أي قبل يوم القيامة، بأيديكم وغيرها، وقد صدق الله قوله، ~~وقد كانوا عند نزول هذه السورة بمكة المشرفة في غاية الكثرة والنعمة، ~~فأذاقهم الجدب سنين متوالية، وفرق شملهم وقتلهم وأسرهم بأيدي المؤمنين ~~إلى غير ذلك بما أراد سبحانه؛ ثم أكد الإرادة لما قبل الآخرة وحققها ~~بقوله، معبرا بما يصلح للغيرية والسفول: { دون العذاب الأكبر } أي الذي ~~مر ذكره في الآخرة { لعلهم يرجعون* } أي ليكون حالهم حال من يرجى رجوعه ~~عن فسقه عند من ينظره، وقد كان ذلك، رجع كثير منهم خوفا من السيف، فلما ~~رأوا محاسن الإسلام كانوا من أشد الناس فيه رغبة وله حبا. ### || [32.22-24] # ولما كان التقدير: يرجعون عن ظلمهم فإنهم ظالمون، عطف عليه قوله: { ومن ~~أظلم } منهم هكذا كان الأصل ولكنه أظهر الوصف الذي صاروا أظلم فقال: { ~~ممن ذكر } أي من أي مذكر كان وصرف القول إلى صفة الإحسان استعطافا ~~وتنبيها على وجوب الشكر فقال: { بآيات ربه } أي الذي لا نعمة عنده إلا ms3670 ~~منه. # ولما بلغت هذه الآيات من الوضوح أقصى الغايات، فكان الإعراض عنها ~~مستبعدا بعده، عبر عنه بأداة البعد لذلك فقال: { ثم أعرض عنها } ضد ما ~~عمله الذين لم يتمالكوا أن خروا سجدا، ويجوز - وهو أحسن - أن يكون " ثم ~~" على بابها للتراخي، ليكون المعنى أن من وقع له التذكير بها في وقت ما، ~~فأخذ يتأمل فيها ثم أعرض عنها بعد ذلك ولو بألف عام فهو أظلم الظالمين، ~~ويدخل فيه ما دون ذلك عن باب الأولى لأنه أجدر بعدم النسيان، فهي أبلغ من ~~التعبير بالفاء كما في سورة الكهف، ويكون عدل إلى الفاء هناك شرحا لما ~~يكون من حالهم، عند بيان سؤالهم، الذي جعلوا بأنه آية الصدق، والعجز عن ~~آية الكذب. # ولما كان الحال مقتضيا للسؤال عن جزائهم، وكان قد فرد الضمير باعتبار ~~لفظ " من " تنبيها على قباحة الظلم من كل فرد، قال جامعا لأن إهانة ~~الجمع دالة على إهانة الواحد من باب الأولى، مؤكدا لإن إقدامهم على ~~التكذيب كالإنكار لأن تجاوزوا عليه، صارفا وجه الكلام عن صفة الإحسان ~~إيذانا بالغضب: { إنا } منهم، هكذا كان الأصلي، ولكنه أظهر الوصف نصفا ~~في التعميم وتعليقا للحكم به معينا لنوع ظلمهم تبشيعا له فقال: { من ~~المجرمين } أي القاطعين لما يستحق الوصل خاصة { منتقمون } وعبر بصيغة ~~العظمة تنبيها على أن الذي يحصل لهم من العذاب لا يدخل تحت الوصف على ~~جرد العداد في الظالمين، فكيف وقد كانوا أظلم الظالمين؟ والجملة الاسمية ~~تدل على دوام ذلك عليهم في الدنيا إما باطنا بالاستدراج بالنعم، وإما ~~ظاهرا بإحلال النقم، وفي الآخرة بدوام العذاب على مر الآباد. # ولما كان مقصود السورة نفي الريب عن تنزيل هذا الكتاب المبين في أنه من ~~عند رب العالمين، ودل على أن الإعراض عنه إنما هو ظلم وعناد بما ختمه ~~بالتهديد على الإعراض عن الآيات بالانتقام، وكان قد انتقم سبحانه ممن ~~استخف بموسى عليه السلام قبل إنزال الكتاب عليه وبعد إنزاله، وكان أول من ~~أنزل عليه كتاب من بني إسرائيل بعد فترة كبيرة من الأنبياء ms3671 بينه وبين ~~يوسف عليهما السلام وآمن به جميعهم وألفهم الله به وأنقذهم من أسر القبط ~~على يده، ذكر بحالة تسلية وتأسية لمن أقبل وتهديدا لمن أعرض، وبشارة ~~بإيمان العرب كلهم وتأليفهم به وخلاص أهل اليمن منهم من أسر الفرس بسببه، ~~فقال مؤكدا تنبيها لمن يظن أن العظيم لا يرد شيء من أمره: { ولقد آتينا ~~} على ما لنا من العظمة { موسى الكتاب } أي الجامع للأحكام وهو التوارة. # ولما كان ذلك مما لا ريب فيه أيضا، وكان قومه قد تركوا اتباع كثير منه ~~لا سيما فيما قص من صفات نبينا صلى الله عليه وسلم وفيما أمر فيه ~~باتباعه، وكان هذا إعراضا منهم مثل إعراض الشاك في الشيء، وكانوا في زمن ~~موسى عليه السلام أيضا يخالفون أوامره وقتا بعد وقت وحينا إثر حين، ~~تسبب عن الإيتاء المذكور قوله تعريضا بهم وإعلاما بأن العظيم قد يرد رد ~~بعض أوامره لحكمة دبرها: { فلا تكن } أي كونا راسخا - بما أشار إليه ~~فعل الكون وإثبات نونه، فيفهم العفو عن حديث النفس الواقع من الأمة على ~~ما بينه صلى الله عليه وسلم { في مرية } أي شك { من لقائه } أي لا تفعل ~~في ذلك فعل الشاك في لقاء موسى عليه السلام للكتاب منا وتلقيه له بالرضا ~~والقبول والتسليم، كما فعل المدعون لاتباعه والعمل بكتابه في الإعراض عما ~~دعاهم إليه من دين الإسلام، أو لا تفعل فعل الشاك في لقائك الكتاب منا ~~وإن نسبوك إلى الإفتراء وإن تأخر بعض ما يخبر به فسيكون هدى لمن بقي ~~منهم، وعذابا للماضين، ولا يبقى خبر ما أخبر به أنه كائن إلا كان طبق ما ~~أخبر به، فإنك لتلقاه من لدن حكيم عليم، وقد صبر موسى عليه السلام في ~~تلقي كتابه ودعائه حتى مات على أحسن الأحوال، أو يكون المعنى: ولقد آتينا ~~موسى الكتاب فاختلف عليه فيه فما شك أحد من الثابتين في إيتائنا إياه ~~الكتاب لأجل إعراض من أعرض، ولا زلزلة أدبار من أدبر، وانتقمنا ممن أعرض ~~عنه فلا يكن أحد ممن آمن ms3672 بك في شك من إيتائنا الكتاب لك لإعراض من أعرض، ~~فسنهلك من حكمنا بشقائه انتقاما منه، ونسعد الباقين به. # ولما أشار إلى إعراضهم عنه وإعراض العرب عن كتابهم، ذكر أن الكل فعلوا ~~بذلك الضلال ضد ما أنزل له الكتاب، فقال ممتنا على بني إسرائيل ومبشرا ~~للعرب: { وجعلناه } أي كتاب موسى عليه السلام جعلا يليق بعظمتنا { هدى } ~~أي بيانا عظيما { لبني إسرائيل } وأشار إلى اختلافهم فيه بقوله: { ~~وجعلنا منهم } أي من أنبيائهم وأحبارهم بعظمتنا، مع ما في طبع الإنسان من ~~اتباع الهوى { أئمة يهدون } أي يوقعون البيان ويعملون على حسبه { بأمرنا ~~} أي بما أنزلنا فيه من الأوامر؛ ثم ذكر علة جعله ذلك لهم بقوله: { لما ~~صبروا } أي بسبب صبرهم ولأجله - على قراءة حمزة والكسائي بالكسر والتخفيف ~~- أو حين صبرهم على قبول أوامرنا على قراءة الباقين بالفتح والتشديد، وإن ~~كان الصبر أيضا إنما هو بتوفيق الله لهم { وكانوا بآياتنا } لما لها من ~~العظمة { يوقنون * } لا يرتابون في شيء منها ولا يفعلون فعل الشاك فيه ~~الإعراض، وكان ذلك لهم جبلة جبلناهم عليها. ### || [32.25-27] # ولما أفهم قوله " منهم " أنه كان منهم من يضل عن أمر الله ويصد عنه، جاء ~~قوله تسلية للمؤمنين وتوعدا للكافرين، استئنافا مؤكدا تنبيها لمن يظن ~~أنه لا بعث، ولفت القول إلى صفة الإحسان إشارة إلى ما يظهر من شرفه صلى ~~الله عليه وسلم في ذلك اليوم من المقام المحمود وغيره: { إن ربك } أي ~~المحسن إليك بإرسالك ليعظم ثوابك ويعلي ما بك { هو } أي وحده { يفصل ~~بينهم } أي من الهادين والمضلين والضالين { يوم القيامة } بالقضاء الحق، ~~فيعلى أمر المظلوم ويردي كيد الظالم { فيما كانوا } جبلة، طبعا { فيه } ~~أي خاصة { يختلفون* } أي يجددون الاختلاف فيه على سبيل الاستمرار حسب ما ~~طبعوا عيله، لا يخفى عليه شيء منه، وأما غير ما اختلفوا فيه فالحكم فيه ~~لهم أو عليهم لا بينهم، وما اختلفوا فيه لا على وجه القصد فيقع في محل ~~العفو. # ولما كان قد تقدم عن الكفار في هذه السورة قولان: أحدهما في ms3673 التكذيب ~~بالقرآن، والثاني في إنكار البعث، ودل سبحانه على فسادهما إلى أن ختم ~~بذكر الآيات والبعث والفصل بين المحق والمبطل، أتبعه استفهامين إنكاريين ~~منشورين على القولين وختمت آية كل منهما بآخر، فتصير الاستفهامات أربعة، ~~وفي مدخول الأول الفصل بين الفريقين في الدنيا، فقال مهددا: { أو لم } ~~أي أيقولون عنادا لرسولنا: أفتراه ولم { يهد } أي يبين - كما رواه ~~البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما { لهم كم أهلكنا } أي كثرة من ~~أهلكناه. # ولما كان قرب شيء في الزمان أو المكان أدل، بين قربهم بإدخال الجار ~~فقال: { من قبلهم } أي لأجل معاندة الرسل { من القرون } الماضين من ~~المعرضين عن الآيات، ونجينا من آمن بها، وربما كان قرب المكان منزلا قرب ~~الزمان لكثرة التذكير بالآثار، والتردد خلال الديار. # ولما كان انهماكهم في الدنيا الزائلة قد شغلهم عن التفكر فيما ينفعهم عن ~~المواعظ بالأفعال والأقوال، أشار إلى ذلك بتصوير اطلاعهم على ما لهم من ~~الأحوال، بقوله: { يمشون } أي أنهم ليسوا بأهل للتفكر إلا حال المشي { في ~~مساكنهم } لشدة ارتباطهم مع المحسوسات، وذلك كمساكن عاد وثمود وقوم لوط ~~ونحوهم. ولما كان في هذا أتم عبرة وأعظم عظة، قال منبها عليه مؤكدا ~~تنبيها على أن من لم يعتبر منكر لما فيه من العبر: { إن في ذلك } أي ~~الأمر العظيم { لآيات } أي دلالات ظاهرات جدا، مرئيات في الديار وغيرها ~~من الآثار، ومسموعات في الأخبار. # ولما كان السماع هو الركن الأعظم، وكان إهلاك القرون إنما وصل إليهم ~~بالسماع، قال منكرا: { أفلا يسمعون * } أي إن أحوالهم لا يحتاج من ذكرت ~~له في الرجوع عن الغي إلى غير سماعها، فإن لم يرجع فهو ممن لا سمع له { ~~أو لم } أي أيقولون في إنكار البعث: إذا ضللنا في الأرض، ولم { يروا أنا ~~} بما لنا من العظمة { نسوق الماء } من السماء أو الأرض { إلى الأرض ~~الجرز } أي التي جرز نباتها أي قطع باليبس والتهشم، أي بأيدي الناس فصارت ~~ملساء لا نبت فيها، وفي البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما: إنها التي ms3674 ~~لا تمطر إلا مطرا لا يغني عنها شيئا، قالوا: ولا يقال للتي لا تنبت ~~كالسباخ: جزر، ويدل عليه قوله: { فنخرج به } من أعماق الأرض { زرعا } أي ~~نبتا لا ساق له باختلاط الماء بالتراب الذي كان زرعا قبل هذا، وأشار ~~إلى أنه حقيقة، لا مرية فيه، وليس هو بتخييل كما تفعل السحرة، بقوله ~~مذكرا بنعمة الإبقاء بعد الإيجاد: { تأكل منه } أي من حبه وورقه وتبنه ~~وحشيشه { أنعامهم } وقدمها لموقع الامتنان بها لأن بها قوامهم في معايشهم ~~وأبدانهم، ولأن السياق لمطلق إخراج الرزع، وأول صلاحه إنما هو لأكل ~~الأنعام بخلاف ما في سورة عبس، فإن السياق لطعام الإنسان الذي هو نهاية ~~الزرع حيث قال: # فلينظر الإنسان إلى طعامه # [عبس: 24] ثم قال # فأنبتنا فيها حبا # [عبس: 27] وذكر من طعامه من العنب وغيره ما لا يصلح للأنعام { وأنفسهم } ~~أي من حبه، وأصله إذا كان بقلا. # ولما كانت هذه الآية مبصرة، وكانت في وضوحها في الدلالة على البعث لا ~~يحتاج الجاهل به في الإقرار سوى رؤيتها قل: { أفلا يبصرون } إشارة إلى أن ~~من رآها وتبه على ما فيها من الدلالة وأصر على الإنكار لا بصر له ولا ~~بصيرة. ### || [32.28-30] # ولما كانت هذه الآية أدل دليل - كما مضى - على البعث، وكان يوما يظهر ~~فيه عز الأولياء وذل الأعداء، أتبعها قوله تعجيبا منهم عطفا على " ~~يقولون أفتراه " ونحوها: { ويقولون } أي مع هذا البيان الذي لا لبس معه ~~استهزاء: { متى هذا الفتح } أي النصر والقضاء والفصل الذي يفتح المنغلق ~~يوم الحشر { إن كنتم } أي كونا راسخا { صادقين } أي عريقين في الصدق ~~بالإخبار بأنه لا بد من كونه لنؤمن إذا رأيناه. # ولما أسفر حالهم بهذا السؤال الذي محصله الاستعجال على وجه الاستهزاء عن ~~أنهم لا يزدادون مع البيان إلا عنادا، أمرهم بجواب فيه أبلغ تهديد، فقال ~~فاعلا فعل القادر في الإعراض عن إجابتهم عن تعيين اليوم إلى ذكر حاله: { ~~قل } أي لهؤلاء اللد الجهلة: { يوم الفتح } أي الذي يستهزئون به، وهو يوم ~~القيامة - تبادرون إلى الإيمان بعد الانسلاخ مما ms3675 أنتم فيه من الشماخة ~~والكبر، فلا ينفعكم بعد العيان وهو معنى { لا } ينفعكم - هكذا كان الأصل، ~~ولكنه أظهر الوصف تعميما وتعليقا للحكم به فقال: { ينفع الذين كفروا } ~~أي غطوا آيات ربهم التي لا خفاء بها سواء في ذلك أنتم وغيركم ممن اتصف ~~بهذا الوصف { إيمانهم } لأنه ليس إيمانا بالغيب، ولكنه ساقه هكذا سوق ما ~~هو معلوم { ولا هم ينظرون * } أي يمهلون في إيقاع العذاب بهم لحظة ما من ~~منظر ما. # ولما كانت نتيجة سماعهم لهذه الأدلة استهزاءهم حتى بسؤالهم عن يوم ~~الفتح، وأجابهم سبحانه عن تعيينه بذكر حاله، وكان صلى الله عليه وسلم ~~لشدة حرصه على نفعهم ربما أحب إعلامهم بما طلبوا وإن كان يعلم أن ذلك ~~منهم استهزاء رجاء أن ينفعهم نفعا ما، سبب سبحانه عن إعراضه عن إجابتهم، ~~أمره لهذا الداعي الرفيق والهادي الشفيق بالإعراض عنهم أيضا، فقال ~~مسليا له مهددا لهم: { فأعرض عنهم } أي غير مبال بهم وإن اشتد أذاهم { ~~وانتظر } أي ما نفعل بهم مما فيه إظهار أمرك وإعلاء دينك، ولما كان الحال ~~مقتضيا لتردد السامع في حالهم هل هو الانتظار، أجيب على سبيل التأكيد ~~بقوله: { إنهم منتظرون * } أي ما يفعل بك وما يكون من عاقبة أمرك فيما ~~تتوعدهم به وفي غيره، وقد انطبق آخرها على أولها بالإنذار بهذا الكتاب، ~~وأعلم بجلالته وجزالته وشدته وشجاعته أنه ليس فيه نوع ارتياب، وأيضا ~~فأولها في التذكيب بتنزيله، وآخرها في الاستهزاء بتأويله، # يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل # [الأعراف: 53] - الآية، وأيضا فالأول في التكذيب بإنزال الروح المعنوي، ~~والآخر في التكذيب بإعادة الروح العيني الحسي الذي ابتدأه أول مرة والله ~~الهادي إلى الصواب. ### | [33 - سورة الأحزاب] ### || [33.1-2] # فقال: { يا أيها النبي } عبر بأداة التوسط إيماء إلى أن وقت نزول السورة ~~- وهو آخر سنة خمس، غب وقعة الأحزاب - أوسط مدة ما بعد الهجرة إلاحة إلى ~~أنه لم يبق من أمد كمال النصرة التي اقتضاها وصف النبوة الدال على الرفعة ~~إلا القليل وعبر به لاقتضاء مقصود السورة مقام النبوة الذي ms3676 هو بين الرب ~~وعبده في تقريبه وإعلائه إلى جنابه إذا قرئ بغير همز، وإن قرئ به كان ~~اللحظ إلى إنبائه بالخفي وتفصيله للجلي، وقال الحرالي في كتاب له في أصول ~~الدين: حقيقة النبوة ورود غيب ظاهر أي من الحق بالوحي لخاص من الخلق، خفي ~~عن العامة منهم، ثم قد يختص مقصد ذلك الوارد المقيم لذلك الواحد بذاته، ~~فيكون نبيا غير رسول، وقد يرد عليه عند تمام أمره في ذاته موارد إقامة ~~غيره فيصير رسولا. والرتبة الأولى كثيرة الوقوع في الخلق، وهي النبوة، ~~والثانية قليلة الوقوع، فالرسل معشار معشار الأنبياء، وللنبوة اشتقاقان: ~~أحدهما من النبأ وهو الخبر، وذلك لمن اصطفي من البشر لرتبة السماع ~~والإنباء فنبئ ونبأ غيره من غير أن يكون عنده حقيقة ما نبيء به ولا ما ~~نبأ فيكون حامل علم، والاشتقاق الثاني من النبوة وهي الارتفاع والعلو، ~~وذلك لمن أعلى عن رتبة النبأ إلى رتبة العلم. فكان مطلعا على علم ما ورد ~~عليه من الغيب على حقيقته وكماله، فمن علا عن الحظ المتنزل العقلي إلى ~~رتبة سماع، كان نبيئا بالهمز، ومن علا عن ذلك إلى رتبة علم بحقيقة ذلك ~~كان نبيا غير مهموز، فآدم عليه السلام مثلا في علم الأسماء نبي بغير ~~همز، وفي ما وراءه نبيء بهمز، وكذلك إبراهيم عليه السلام فيما أرى من ~~الملكوت نبي غير مهموز, وفيما وراءه نبئ بهمز - انتهى - ولم يناده سبحانه ~~باسمه تشريفا لقدره، وإعلاء لمحله، وحيث سماه باسمه في الأخبار فللتشريف ~~من جهة أخرى، وهي تعيينه وتخصيصه إزالة للبس عنه، وقطعا لشبه التعنت. # ولما ناداه سبحانه بهذا الاسم الشريف المقتضي للانبساط، أمره بالخوف ~~فقال: { اتق الله } أي زد من التقوى يا أعلى الخلائق بمقدار ما تقدر عليه ~~لذي الجلال كله والإكرام، لئلا تلتفت إلى شيء سواه، فإنه أهل لأن يرهب ~~لما له من خلال الجلال، والعظمة والكمال. # ولما وجه إليه الأمر بخشية الولي الودود، أتبعه النهي عن الالتفات نحو ~~العدو والحسود. فقال: { ولا تطع الكافرين } أي الممانعين { والمنافقين } ~~أي المصانعين في ms3677 شيء من الأشياء لم يتقدم إليك الخالق فيه بأمر وإن لاح ~~لائح خوف أو برق بارق رجاء، ولا سيما سؤالنا في شيء مما يقترحونه رجاء ~~إيمانهم مثل أن تعين لهم وقت الساعة التي يكون فيها الفتح، فإنهم إنما ~~يطلبون ذلك استهزاء، قال أبو حيان: وسبب نزولها أنه روي أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لما قدم المدينة كان يحب إسلام اليهود، فتابعه ناس منهم ~~على النفاق، وكان يلين لهم جانبه، وكانوا يظهرون النصائح من طرق ~~المخادعة، فنزلت تحذيرا له منهم، وتنبيها على عداوتهم - انتهى ثم علل ~~الأمر والنهي بما يزيل الهموم ويوجب الإقبال عليهما واللزوم، فقال ملوحا ~~إلى أن لهم أغوارا في مكرهم ربما خفيت عليه صلى الله عليه وسلم، وأكد ~~ترغيبا في الإقبال على معلوله بغاية الاهتمام: { إن الله } أي بعظيم ~~كماله وعز جلاله { كان } أزلا وأبدا { عليما } شامل العلم { حكيما } ~~بالغ الحكمة فهو لم يأمرك بأمر إلا وقد علم ما يترتب عليه، وأحكم إصلاح ~~الحال فيه. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير في برهانه: افتتحها سبحانه بأمر نبيه ~~باتقائه، ونهيه عن الصغو إلى الكافرين والمنافقين، واتباعه ما يوحي إليه، ~~تنزيها لقدره عن محنة من سبق له الامتحان ممن قدم ذكره في سورة السجدة، ~~وأمرا له بالتسليم لخالقه والتوكل عليه { والله يقول الحق وهو يهدي ~~السبيل } ولما تحصل من السورتين من الإشارة إلى السوابق # ولو شئنا لأتينا كل نفس هداها # [السجدة: 13] كان ذلك مظنة لتأنيس نبي الله صلى الله عليه وسلم وصالحي ~~أتباعه، ولهذا أعقب سورة السجدة بهذه السورة المضمنة من التأنيس والبشارة ~~ما يجري على المعهود من لطفه تعالى وسعة رحمته، فافتتح سبحانه السورة ~~بخطاب نبيه صلى الله عليه وسلم بالتقوى، وإعلامه بما قد أعطاه قبل من ~~سلوك سبيل النجاة وإن ورد على طريقة الأمر ليشعره باستقامة سبيله، وإيضاح ~~دليله، وخاطبه بلفظ النبوة لأنه أمر عقب تخويف وإنذار وإن كان عليه ~~السلام قد نزه الله قدره على أن يكون منه خلاف التقوى، وعصمه من كل ما ~~ينافر نزاهة ms3678 حاله وعلي منصبه، ولكن طريقة خطابه تعالى للعباد أنه تعالى ~~متى جرد ذكرهم للمدح من غير أمر ولا نهي فهو موضع ذكرهم بالأخص الأمدح عن ~~محمود صفاتهم، ومنه # محمد رسول الله والذين معه # [الفتح: 29] - الآيات، فذكر صلى الله عليه وسلم باسم الرسالة، ومهما كان ~~الأمر والنهي، عدل في الغالب إلى الأعم، ومنه { يا أيها النبي اتق الله } # يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال # [الأنفال: 65] # يا أيها النبي إذا طلقتم النساء # [الطلاق: 1] # يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك # [التحريم: 1] # يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين # [التوبة: 73] # يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات # [الممتحنة: 12] وقد تبين في غير هذا، وأن ما ورد على خلاف هذا القانون ~~فلسبب خاص استدعى العدول عن المطرد كقوله: # يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك # [المائدة: 67] فوجه هذا أن قوله سبحانه { وإن لم تفعل فما بلغت رسالته } ~~موقعه شديد، فعودل بذكره صلى الله عليه وسلم باسم الرسالة لضرب من ~~التلطف، فهو من باب # عفا الله عنك لم أذنت لهم # [التوبة: 43] وفيه بعض غموض، وأيضا فإنه لما قيل له " بلغ " طابق هذا ~~ذكره بالرسالة، فإن المبلغ رسول، والرسول مبلغ، ولا يلزم النبي أن يبلغ ~~إلا أن يرسل، وأما قوله تعالى: # يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر # [المائدة: 41] فأمره وإن كان نهيا أوضح من الأول، لأنه تسلية له عليه ~~السلام وتأنيس وأمر بالصبر والرفق بنفسه، فبابه راجع إلى ما يرد مدحا ~~مجردا عن الطلب، وعلى ما أشير إليه يخرج ما ورد من هذا. ولما افتتحت هذه ~~السورة بما حاصله ما قدمناه من إعلامه عليه السلام من هذا الأمر بعلي ~~حاله ومزية قدره، ناسب ذلك ما احتوت عليه السورة من باب التنزيه في مواضع ~~منها إعلامه تعالى بأن أزواج نبيه صلى الله عليه وسلم أمهات للمؤمنين ~~فنزهن عن أن يكون حكمهن حكم غيرهن من النساء مزية لهن وتخصيصا وإجلالا ~~لنبيه صلى الله عليه وسلم، ومنها قوله تعالى: { ولما رأى المؤمنون ~~الأحزاب ms3679 } - الآية، فنزههم عن تطرق سوء أو دخول ارتياب على مصون ~~معتقداتهم وجليل إيمانهم { قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ~~ورسوله، وما زادهم إلا إيمانا وتسليما } والآية بعد ذلك، وهي قوله ~~تعالى: { من المؤمنين رجال صدقوا } - الآية، ومنها { يا نساء النبي لستن ~~كأحد من النساء إن اتقيتن } فنزههن سبحانه وبين شرفهن على من عداهن، ~~ومنها تنزيه أهل البيت وتكرمتهم { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل ~~البيت } الآية، ومنها الأمر بالحجاب { يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ~~ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن } فنزه المؤمنات عن حالة ~~الجاهلية من التبرج وعدم الحجاب، وصانهن عن التبذل والامتهان، ومنها قوله ~~تعالى: { يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى } فوصاهم جل ~~وتعالى ونزههم بما نهاهم عنه أن يتشبهوا بمن استحق اللعن والغضب في سوء ~~أدبهم وعظيم مرتكبهم، إلى ما تضمنت السورة من هذا القبيل، ثم أتبع سبحانه ~~ما تقدم بالبشارة العامة واللطف الشامل كقوله تعالى: { يا أيها النبي إنا ~~أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا } ~~ثم قال تعالى: { وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا } وقوله ~~تعالى: { يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا } - إلى قوله ~~تعالى: { أجرا كريما } وقوله تعالى { إن الله وملائكته يصلون على النبي ~~يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما } وقوله تعالى: { إن ~~المسلمين والمسلمات } - إلى قوله: { وأجرا عظيما } وقوله تعالى: { يا ~~أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا } - إلى قوله: { عظيما ~~} وقوله تعالى: { ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات } إلى قوله: { وكان ~~الله غفورا رحيما } وقوله تعالى مثنيا على المؤمنين بوفائهم وصدقهم { ~~ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ~~ورسوله } - إلى قوله: { وما بدلوا تبديلا } وقوله: { وإثما مبينا } ~~وفي هذه الآيات من تأنيس المؤمنين وبشارتهم وتعظيم حرمتهم ما يكسر سورة ~~الخوف الحاصل من سورتي لقمان والسجدة ويسكن روعهم تأنيسا لا رفعا, ومن ~~هذا القبيل أيضا ما تضمنت السورة من تعداد نعمه تعالى عليهم ms3680 وتحسين ~~خلاصهم كقوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ ~~جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم } - إلى قوله: { هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا ~~زلزالا شديدا } وقوله تعالى: { ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا ~~خيرا وكفى الله المؤمنين القتال } إلى قوله: { وكان الله على كل شيء ~~قديرا } وختم السورة بذكر التوبة والمغفرة أوضح شاهد لما تمهد من دليل ~~قصدها وبيانها على ما وضح الحمد لله ولما كان حاصلها رحمة ولطفا ونعمة، ~~لا يقدر عظيم قدرها، وينقطع العالم دون الوفاء بشكرها، أعقب بما ينبغي من ~~الحمد يعني أول سبأ - انتهى. # ولما كان ذلك مفهما لمخالفة كل ما يدعو إليه كافر. وكان الكافر ربما ~~دعا إلى شيء من مكارم الأخلاق، قيده بقوله: { واتبع } أي بغاية جهدك. # ولما اشتدت العناية هنا بالوحي، وكان الموحي معلوما من آيات كثيرة، بني ~~للمفعول قوله: { ما يوحى } أي يلقى إلقاء خفيا كما يفعل المحب مع حبيبه ~~{ إليك } وأتى موضع الضمير بظاهر يدل على الإحسان في التربية لينوي على ~~امتثال ما أمرت به الآية السالفة فقال: { من ربك } أي المحسن إليك بصلاح ~~جميع أمرك، فمهما أمرك به فافعله لربك لا لهم، ومهما نهاك عنه فكذلك، ~~سواء كان إقبالا عليهم أو إعراضا عنهم أو غير ذلك. # ولما أمره باتباع الوحي، رغبة فيه بالتعليل بأوضح من التعليل الأول في ~~أن مكرهم خفي، فقال مذكرا بالاسم الأعظم بجميع ما يدل عليه من الأسماء ~~الحسنى زيادة في التقوية على الامتثال، مؤكدا للترغيب كما تقدم، وإشارة ~~إلى أنه مما يستبعده بعض المخاطبين في قراءة الخطاب لغير أبي عمرو: { إن ~~الله } أي بعظمته وكماله { كان } دائما { بما تعملون } أي الفريقان من ~~المكايد وإن دق { خبيرا } فلا تهتم بشأنهم، فإنه سبحانه كافيكه وإن ~~تعاظم، وعلى قراءة أبي عمرو بالغيب يكون هذا التعليل حثا على الإخلاص، ~~وتحقيقا لأنه قادر على الإصلاح وإن أعيى الخلاص، ونفيا لما قد يعتري ~~النفوس من الزلزال، في أوقات الاختلال. ### || [33.3-5] # ولما كان الآدمي موضع الحاجة إلى تعظيم الترجية قال: { وتوكل } أي ms3681 دع ~~الاعتماد على التدبير في أمورك واعتمد فيها { على الله } المحيط علما ~~وقدرة، ولتكرير هذا الاسم الجامع لجميع معاني الأسماء في هذا المقام شأن ~~لا يخفى كما أشير إليه. # ولما كان التقدير: فإنه يكفيك في جميع ذلك، عطف عليه قوله: { وكفى بالله ~~} أي الذي له الأمر كله على الإطلاق { وكيلا * } أي إنه لا أكفى منه لكل ~~من وكله في أمره، فلا تلتفت في شيء من أمرك إلى شيء لأنه ليس لك قلبان ~~تصرف كلا منهما إلى واحد. # ولما كان النازع إلى جهتين والمعالج لأمرين متباينين كأنه يتصرف بقلبين، ~~أكد أمر الإخلاص في جعل الهم هما واحدا فيما يكون من أمور الدين ~~والدنيا، وفي المظاهرة والتبني وكل ما شابهها بضرب المثل بالقلبين - كما ~~قال الزهري، فقال معللا لما قبله بما فيه من الإشارة إلى أن الآدمي مع ~~قطع النظر عن رتبة النبوة موضع لخفاء الأمور عليه: { ما جعل الله } أي ~~الذي له الحكمة البالغة، والعظمة الباهرة، وليس الجعل إلا له ولا أمر ~~لغيره { لرجل } أي لأحد من بني آدم الذين هم أشرف الخلائق من نبي ولا ~~غيره، وعبر بالرجل لأنه أقوى جسما وفهما فيفهم غيره من باب الأولى؛ ~~وأشار إلى التأكيد بقوله: { من قلبين } وأكد الحقيقة وقررها، وجلاها ~~وصورها لما قد يظن الإنسان من أنه يقدر على صرف النفس إلى الأمور ~~المتخالفة كما يفعل المنافق، بقوله: { في جوفه } أي حتى يتمكن من أن ينزع ~~بكل قلب إلى جهة غير الجهة التي نزع إليها القلب الآخر لأن ذلك مود إلى ~~خراب البدن لأن القلب مدبره بإذن الله تعالى، واستقلال كل بالتدبير يؤدي ~~إلى الفساد كما مضى في دليل التمانع سواء؛ قال الرازي في اللوامع: القلب ~~كالمرآة مهما حوذي به جانب القدس أعرض عن جانب الحس، ومهما حوذى به جانب ~~الحس أعرض عن جانب القدس، فلا يجتمع الإقبال على الله وعلى ما سواه - ~~انتهى. وحاصل ذلك أنه تمهيد لأن التوزع والشرك لا خير فيه، وأن مدبر ~~الملك واحد كما أن البدن قلب واحد، ms3682 فلا التفاف إلى غيره، وأن الدين ليس ~~بالتشهي وجعل الجاعلين، وإنما هو بجعله سبحانه، فإنه العالم بالأمور على ~~ما هي عليه. # ولما كان كل من المظاهرة والتبني نازعا إلى جهتين متنافيتين، وكان أهل ~~الجاهلية يعدون الظهار طلاقا مؤبدا لا رجعة فيه - كما نقله ابن الملقن ~~في عمدة المنهاج عن صاحب الحاوي، وكان المخاطبون قد أعلاهم الوعظ السابق ~~إلى التأهل للخطاب، لفت سبحانه القول إليه على قراءة الغيب في " يعلمون " ~~لأبي عمرو فقال: { وما جعل أزواجكم } أي بما أباح لكم من الاستمتاع بهن ~~من جهة الزوجية؛ ثم أشار إلى الجهة الأخرى بقوله: { اللائي تظاهرون منهن ~~} أي كما يقول الإنسان للواحدة منهن: أنت علي كظهر أمي { أمهاتكم } بما ~~حرم عليكم من الاستمتاع بهن حتى تجعلوا ذلك على التأييد وترتبوا على ذلك ~~أحكام الأمهات كلها، لأنه لا يكون لرجل أمان، ولو جعل ذلك لضاق الأمر، ~~واتسع الخرق، وامتنع الرتق { وما جعل أدعياءكم } بما جعل لهم من النسبة ~~والانتساب إلى غيركم { أبناءكم } بما جعلتم لهم من الانتساب إليكم ليحل ~~لهم إرثكم، وتحرم عليكم حلائلهم وغير ذلك من أحكام الأبناء، ولا يكون ~~لابن أبوان، ولو جعل ذلك لضاعت الأنساب، وعم الارتياب، وانقلب كثير من ~~الحقائق أي انقلاب، فانفتح بذلك من الفساد أبواب أي أبواب، فليس زيد بن ~~حارثة بن شراحيل الكلبي الذي تبنيته ابنا لك أيها النبي بتبنيك له جزاء ~~له باختياره لك على أبيه وأهله، وهذا توطئة لما يأتي من قصة زواج النبي ~~صلى الله عليه وسلم لزينب بنت جحش مطلقة زيد مولى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فإنه صلى الله عليه وسلم لما تزوجها قال المنافقون كما حكاه ~~البغوي وغيره: تزوج محمد امرأة ابنه وهو ينهى الناس عن ذلك، فأنزل الله ~~هذه الآية، وبين أن التبني إنما هو مجاز، وأن المحرم إنما هو زوجة الابن ~~الحقيقي وما ألحق به من الرضاع، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~تبنى زيدا بن حارثة رضي الله عنه مولى رسول الله صلى الله عليه ms3683 وسلم ما ~~كنا ندعوه إلا زيد بن محمد حتى نزل القرآن { ادعوهم لآبائهم }. # لما أبطل سبحانه، استأنف الإخبار عما مضى من عملهم فيه فقال: { ذلكم } ~~أي القول البعيد عن الحقيقة، وأكد هذا بقوله: { قولكم بأفواهكم } أي لا ~~حقيقة له وراء القول وتحريك الفم من غير مطابقة قلوبكم، فإن كل من يقول ~~ذلك لا يعتقده، لأن من كان له فم كان محتاجا، ومن كان محتاجا كان ~~معرضا للنقائص كان معرضا للأوهام، ومن غلبت، عليه الأوهام كان في كلامه ~~الباطل { والله } أي المحيط علمه وقدرته وله جميع صفات الكمال { يقول ~~الحق } أي الكامل في حقيته، الثابت الذي يوافق ظاهره باطنه، فلا قدرة ~~لأحد على نقضه فإن أخبر عن شيء فهو كما قال، ليس بين الخبر والواقع من ~~ذلك المخبر عنه شيء من المخالفة، وإن أتى بقياس فرع على أصل لم يستطع أحد ~~إبداء فرق، فإن أقواله سبحانه سابقة على الواقع لأنها مصدرة فيها بكون، ~~فإذا قال قولا وجد مضمونه مطابقا لذلك القول، فإذا طبقت بينهما كانا ~~سواء، فكان ذلك المضمون ثابتا كما كان ذلك الواقع ثابتا، فكان حقا، ~~هكذا أقواله على الدوام، لأنه منزه سبحانه عن النقائص فلا جارحة ثم ليكون ~~بينها وبين معد القول مخالفة من فم أو غيره وعن كل ما يقتضي حاجة، فالآية ~~من الاحتباك: ذكر الفم أولا دليلا على نفيه ثانيا والحق ثانيا دليلا ~~على ضده الباطل أولا، وسر ذلك أنه ذكر ما يدل على النقص في حقنا، وعلى ~~الكمال في حقه، ودل على التنزيه بالإشارة ليبين فهم الفهماء وعلم العلماء ~~{ وهو } أي وحده من حيث قوله الحق { يهدي السبيل * } أي الكامل الذي من ~~شأنه أن يوصل إلى المطلوب إن ضل أحد في فعل أو قول، فلا تعولوا على سواء ~~ولا تلتفتوا أصلا إلى غيره. # ولما كان كأنه قيل: فما تقول؟ اهدنا إلى سبيل الحق في ذلك، أرشد إلى أمر ~~التبني إشارة إلى أنه هو المقصود في هذه السورة لما يأتي بعد من آثاره ~~التي هي المقصودة بالذات ms3684 بقوله: { ادعوهم } أي الأدعياء { لآبائهم } أي ~~إن علموا ولدا قالوا: زيد بن حارثة؛ ثم علله بقوله: { هو } أي هذا ~~الدعاء { أقسط } أي أقرب إلى العدل من التبني وإن كان إنما هو لمزيد ~~الشفقة على المتبني والإحسان إليه { عند الله } أي الجامع لجميع صفات ~~الكمال، فلا ينبغي أن يفعل في ملكه إلا ما هو أقرب إلى الكمال، وفي هذا ~~النسبة إلى ما مضى بعض التنفيس عنهم، وإشارة إلى أن ذلك التغليظ بالنسبة ~~إلى مجموع القولين المتقدمين. # ولما كانوا قد يكونون مجهولين، تسبب عنه قوله: { فإن لم تعلموا آباءهم } ~~لجهل أصلي أو طارئ { فإخوانكم في الدين } إن كانوا دخلوا في دينكم { ~~ومواليكم } أي أرقاؤكم مع بقاء الرق أو مع العتق على كلتا الحالتين، ولذا ~~قالوا: سالم مولى أبي حذيفة. ولما نزل هذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم فالجنة عليه حرام " # - أخرجه الشيخان عن سعد بن أبي وقاص وأبي بكرة رضي الله عنهما. # ولما كانت عادتهم الخوف مما سبق من أحوالهم على النهي لشدة ورعهم، ~~أخبرهم أنه تعالى أسقط عنهم ذلك لكونه خطأ، وساقه على وجه يعم ما بعد ~~النهي أيضا فقال: { وليس عليكم جناح } أي إثم وميل واعوجاج، وعبر بالظرف ~~ليعيد أن الخطأ لا إثم فيه بوجه، ولو عبر بالباء لظن أن فيه إثما، ولكنه ~~عفا عنه فقال: { فيما أخطأتم به } أي من الدعاء بالنبوة والمظاهر أو في ~~شيء قبل النهي أو بعده، ودل قوله: { ولكن ما } أي الإثم فيما { تعمدت ~~قلوبكم } على زوال الحرج أيضا فيما وقع بعد النهي على سبيل النسيان أو ~~سبق اللسان، ودل تأنيث الفعل على أنه لا يعتمده بعد البيان الشافي إلا ~~قلب فيه رخاوة الأنوثة، ودل جمع الكثرة على عموم الإثم إن لم ينه ~~المعتمد. # ولما كان هذا الكرم خاصا بما تقدمه، عم سبحانه بقوله: { وكان الله } أي ~~لكونه لا أعظم منه ولا أكرم منه { غفورا رحيما * } أي من صفته الستر ~~البليغ على المذنب النائب، والهداية العظمية للضال ms3685 الآئب، والإكرام ~~بإيتاء الرغائب. ### || [33.6-8] # ولما نهى سبحانه عن التبني، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد تبنى زيد ~~بن حارثة مولاه لما اختاره على أبيه وأمه، علل سبحانه النهي فيه بالخصوص ~~بقوله دالا على أن الأمر أعظم من ذلك: { النبي } أي الذي ينبئه الله ~~بدقائق الأحوال في بدائع الأقوال، ويرفعه دائما في مراقي الكمال، ولا ~~يريد أن يشغله بولد ولا مال { أولى بالمؤمنين } أي الراسخين في الإيمان، ~~فغيرهم أولى في كل شيء من أمور الدين والدنيا لما حازه من الحضرة ~~الربانية { من أنفسهم } فضلا عن آبائهم في نفوذ حكمه فيهم ووجوب طاعته ~~عليهم، لأنه لا يدعوهم إلا إلى العقل والحكمة، ولا يأمرهم إلا بما ~~ينجيهم، وأنفسهم إنما تدعوهم إلى الهوى والفتنة فتأمرهم بما يرديهم، فهو ~~يتصرف فيهم تصرف الآباء بل الملوك بل أعظم بهذا السبب الرباني، فأي حاجة ~~له إلى السبب الجسماني { وأزواجه } أي اللاتي دخل بهن لما لهن من حرمته { ~~أمهاتهم } أي المؤمنين من الرجال خاصة دون النساء، لأنه لا محذور من جهة ~~النساء، وذلك في الحرمة والإكرام، والتعظيم والاحترام، وتحريم النكاح دون ~~جواز الخلوة والنظر وغيرهما من الإحكام، والتعظيم بينهن وبين الأمهات في ~~ذلك أصلا، فلا يحل انتهاك حرمتهن بوجه ولا الدنو من جنابهن بنوع نقص، ~~لأن حق النبي صلى الله عليه وسلم على أمته أعظم من حق الوالد على ولده، ~~وهو حي في قبره وهذا أمر جعله الله وهو إذا جعل شيئا كان، لأن الأمر ~~أمره والخلق خلقه، وهو العالم بما يصلحهم وما يفسدهم # ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير # [الملك: 14] روى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: # " ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة، اقرؤوا إن شئتم ~~{ النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم } فأيما مؤمن ترك مالا فلترثه عصبته ~~من كانوا، فإن ترك دينا أو ضياعا فليأتي وأنا مولاه ". # ولما رد الله سبحانه الأشياء إلى أصولها، ونهى عن التشتت والتشعب، وكان ~~من ms3686 ذلك أمر التبني، وكان من المتفرع عليه الميراث بما كان قديما من ~~الهجرة والنصرة والأخوة التي قررها النبي صلى الله عليه وسلم لما كان ~~الأمر محتاجا إليها، وكان ذلك قد نسخ بالآية التي في آخر الأنفال، وهي ~~قبل هذه السورة ترتيبا ونزولا، وكان ما ذكر هنا فردا داخلا في عموم ~~العبارة في تلك الآية، أعادها منا تأكيدا وتنصيصا على هذا الفرد ~~للاهتمام به مع ما فيها من تفصيل وزيادة فقال: { وأولوا الأرحام } أي ~~القرابات بأنواع النسب من النبوة وغيرها { بعضهم أولى } بحق القرابة { ~~ببعض } في جميع المنافع العامة للدعوة والإرث والنصرة والصلة { في كتاب ~~الله } أي قضاء الذي له الأمر كله ولا أمر لأحد معه، وحكمه كما تقدم في ~~كتابكم هذا، وكما أشار إليه الحديث الماضي آنفا. # ولما بين أنهم أولى بسبب القرابة، بين المفصل عليه فقال: { من } أي هم ~~أولى بسبب القرابة من { المؤمنين } الأنصار من غير قرابة مرجحة { ~~والمهاجرين } المؤمنين من غير قرابة كذلك، ولما كان المعنى: أولى في كل ~~نفع، استثنى منه على القاعدة الاستثناء من أعم العام قوله، لافتا النظم ~~إلى أسلوب الخطاب ليأخذ المخاطبون منه أنهم متصفون بالرسوخ في الإيمان ~~الذي مضى ما دل عليه في آية الأولوية من التعبير بالوصف، فيحثهم ذلك على ~~فعل المعروف: { إلا أن تفعلوا } أي حال كونكم موصلين ومسندين { إلى ~~أوليائكم } بالرق أو التبني أو الحلف في الصحة مطلقا وفي المرض من الثلث ~~تنجيرا أو وصية { معروفا } تنفعونهم به، فيكون حينئذ ذلك الولي مستحقا ~~لذلك، ولا يكون ذو الرحم أولى منه، بل لا وصية لوارث. # ولما أخبر أن هذا الحكم في كتاب الله، أعاد التنبيه على ذلك تأكيدا ~~قلعا لهذا الحكم الذي تقرر في الأذهان بتقريره سبحانه فيما مضى فقال ~~مستأنفا: { كان ذلك } أي الحكم العظيم { في الكتاب } أي القرآن في آخر ~~سورة الأنفال { مسطورا * } بعبارة تعمه، قال الأصبهاني: وقيل: في ~~التوارة، لأن في التوراة: إذا نزل رجل بقوم من أهل دينه فعليهم أن يكرموه ~~ويواسوه، وميراثه لذوي قرابته، فالآية ms3687 من الاحتباك: أثبت وصف الإيمان ~~أولا دليلا على حذفه ثانيا ووصف الهجرة ثانيا دليلا على حذف النصرة ~~أولا. # ولما كان نقض العوائد وتغيير المألوفات مما يشق كثيرا على النفوس، ~~ويفرق المجتمعين، ويقطع بين المتواصلين، ويباعد بين المتقاربين، قال ~~مذكرا له صلى الله عليه وسلم بما أخذ على من قبله من نسخ أديانهم بدينه، ~~وتغيير مألوفاتهم بإلفه، ومن نصيحة قومهم بإبلاغهم كل ما أرسلوا به، ~~صارفا القول إلى مظهر العظمة لأنه أدعى إلى قبول الأوامر: { وإذا } فعلم ~~أن التقدير: اذكر ذلك - أي ما سطرناه لك قبل هذا في كتابك، واذكر إذ { ~~أخذنا } بعظمتنا { من النبيين ميثاقهم } في تبليغ الرسالة في المنشط ~~والمكره، وفي تصديق بعضهم لبعض، وفي اتباعك فيما أخبرناك به في قولنا # لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ~~ولتنصرنه # [آل عمران: 81] وقولهم: أقررنا. # ولما ذكره ما أخذ على جميع الأنبياء من العهد في تغيير مألوفاتهم إلى ما ~~يأمرهم سبحانه به من إبلاغ ما يوحى إليهم والعمل بمقتضاه، ذكره ما أخذ ~~عليه من العهد في التبليغ فقال: { ومنك } أي في قولنا في هذه السورة { ~~اتق الله واتبع ما يوحى إليك } وفي المائدة # يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ~~والله يعصمك من الناس # [المائدة: 67] فلا تهتم بمراعاة عدو ولا خليل حقير ولا جليل، ولما أتم ~~المراد إجمالا وعموما، وخصه صلى الله عليه وسلم من ذلك العموم مبتدئا ~~به بيانا لتشريفه ولأنه المقصود بالذات بالأمر بالتقوى واتباع الوحي ~~لأجل التبني وغيره، أتبعه بقية أولي العزم الذين هم أصحاب الكتب ومشاهير ~~أرباب الشرائع, تأكيدا للأمر وتعظيما للمقام، لأن من علم له شركا في ~~أمر اجتهد في سبقه فيه, ورتبهم على ترتيبهم في الزمان لأنه لم يقصد ~~المفاضلة بينهم، بل التآسية بالمتقدمين والمتأخرين فقال: { ومن نوح } أول ~~الرسل إلى المخالفين { وإبراهيم } أبي الأنبياء { وموسى } أول أصحاب ~~الكتب من أنبياء بني إسرائيل { وعيسى ابن مريم } ختامهم، نسبه إلى أمه ~~مناداة ms3688 على من ضل فيه بالتوبيخ والتسجيل بالفضيحة؛ ثم زاد في تأكيد ~~الأمر وتعظيمه تعظيما للموثق فيه، وإشارة إلى مشقته، فقال مؤكدا بإعادة ~~العامل ومظهر العظمة لصعوبة الرجوع عن المالوف: { وأخذنا منهم } أي ~~بعظمتنا في ذلك { ميثاقا غليظا } استعارة من وصف الأجرام العظام كناية ~~عن أنه لا يمكن قطعه لمن أراد الوصلة بنا. # ولما كان الأخذ على النبيين في ذلك اخذا على أممهم، وكان الكفر معذبا ~~عليه من غير شرط، والطاعة مثابا عليها بشرط الإخلاص علله، معبرا بما هو ~~مقصود السورة فقال ملتفتا إلى مقام الغيبة لتعظيم الهيبة لأن الخطاب إذا ~~طال استأنس المخاطب: { ليسأل } أي يوم القيامة { الصادقين } أي في الوفاء ~~بالعهد { عن صدقهم } هل هو لله خالصا أو لا، تشريفا لهم وإهانة ~~وتبكيتا للكاذبين، ويسأل الكافرين عن كفرهم ما الذي حملهم عليه، والحال ~~أنه أعد للصادقين ثوابا عظيم { وأعد للكافرين } أي الساترين لإشراق ~~أنوار الميثاق { عذابا أليما } فالآية، من محاسن رياض الاحتباك، وإنما ~~صرح بسؤال الصادق بشارة له بتشريفه في ذلك الموقف العظيم، وطوى سؤال ~~الكفار إشارة إلى استهانتهم بفضيحة الكذب # ويحلفون على الكذب وهو يعلمون # [المجادلة: 14] # فيحلفون له كما يحلفون لكم # [المجادلة: 18] وذكر ما هو أنكى لهم. ### || [33.9-10] # ولما أكد سبحانه وجوب الصدع بكل أمره وإن عظمت مشقته وزادت حرقته من غير ~~ركون إلى مؤالف موافق، ولا اهتمام بمخالف مشاقق، اعتمادا على تدبيره، ~~وعظيم أمره في تقديره، ذكرهم بدليل شهودي هو أعظم وقائعهم في حروبهم، ~~وأشد ما دهمتهم من كروبهم، فقال معلما أن المقصود بالذات بما مضى من ~~الأوامر الأمة - وإنما وجه الأمر إلى الإمام ليكون أدعى لهم إلى الامتثال ~~فإن الأمر للنبي صلى الله عليه وسلم تكويني بمنزلة ما يقول الله تعالى له ~~{ كن } فحقيقة الإرادة لا الأمر، والأمر للذين آمنوا تكفيلي. وقد يراد ~~منهم ما يؤمرون به وقد لا يراد، وللناس احتجاجي أي تقام به عليهم الحجة، ~~ومن المحقق أن بعضهم يراد منه خلاف المأمور به: { يا أيها الذين آمنوا } ~~أي أقروا بالإيمان، عبر به ليعم ms3689 المنافقين { اذكروا } ورغبهم في الشكر ~~بذكر الإحسان والتصريح بالاسم الأعظم فقال: { نعمة الله } عبر بها لأنها ~~المقصودة بالذات والمراد إنعام الملك الأعلى الذي لا كفوء له { عليكم } ~~أي لتشكروه عليها بالنفوذ لأمره غير ملتفتين إلى خلاف أحد كائنا من كان، ~~فإن الله كافيكم كل ما تخافون ثم ذكر لهم وقت تلك النعمة زيادة في ~~تصويرها ليذكر لهم ما كان فيه منها فقال: { إذ } أي حين { جاءتكم } أي في ~~غزوة الخندق حين اجتمعت عليكم الأحزاب وكان النبي صلى الله عليه وسلم ~~ضربه حين سمع بهم بمشورة سلمان الفارسي رضي الله عنه على جانبي سلع من ~~شماليه، وخطه وقطع لكل عشرة رجال أربعين ذراعا، وكانوا ثلاثة آلاف، فكان ~~الخندق اثني عشر ألف ذراع { جنود } وهم الأحزاب من قريش ومن انضم إليه من ~~الأحابيش في أربعة آلاف يقودهم أبو سفيان ابن حرب، ومن انضم من قبائل ~~العرب من بني سليم يقودهم أبو الأعور، ومن بني عامر يقودهم عامر بن ~~الطفيل، ومن غطفان يقودهم عيينة بن حصن، ومن بني أسد يقودهم طليحة بن ~~خويلد، ومن أسباط بني إسرائيل من اليهود ومن بني النضير ورؤساهم حيي بن ~~أخطب وابنا أبي الحقيق، وهم الذين جمعوا الأحزاب بسبب إجلاء النبي صلى ~~الله عليه وسلم لبني النضير من المدينة الشريفة، وأفسدوا أيضا بني ~~قريظة، وكانوا بالمدينة الشريفة وسيدهم كعب بن أسد، فكان الجميع اثني عشر ~~الفا، وكانوا واثقين في زعمهم بأنهم لا يرجعون وقد بقي للإسلام باقية، ~~ولا يكون لأحد من أهله منهم واقية. # ولما كان مجيء الجنود مرهبا، سبب عنه عوده إلى مظهر العظمة فقال: { ~~فأرسلنا } أي تسبب عن ذلك أنا لما رأينا عجزكم عن مقابلتهم ومقاومتهم في ~~مقاتلتهم ألهمناكم عمل الخندق ليمنعهم من سهولة الوصول إليكم، ثم لما طال ~~مقامهم أرسلنا بما لنا من العظمة { عليهم } أي خاصة { ريحا } وهي ربح ~~الصبا، فأطفأت نيرانهم. # وأكفأت قدورهم وجفانهم، وسفت التراب في وجوههم، ورمتهم بالحجارة وهدت ~~خيامهم، وأوهنت ببردها عظامهم، وأجالت خيلهم { وجنودا لم تروها } يصح أن ~~تكون ms3690 الرؤية بصرية وقلبية، منها من البشر نعيم بن مسعود الغطفاني رضي ~~الله عنه هداه الله للإسلام، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: إنه لم ~~يعلم أحد بإسلامي، فمرني يا رسول الله بأمرك! فقال: # " إنما أنت فينا رجل واحد والحرب خدعة، فخذل عنا مهما استطعت " # فأخلف بين اليهود وبين العرب بأن قال لليهود وكانوا أصحابه: إن هؤلاء - ~~يعني العرب - إن رأوا فرصة انتهزوها وإلا انشمروا إلى بلادهم راجعين. ~~وليس حالكم كحالهم، البلد بلدكم وبه أموالكم ونساؤكم وأبناؤكم، فلا ~~تقاتلوا معهم حتى تأخذوا منهم رهنا من أشرافهم ليكونوا عندكم حتى ~~تناجزوا الرجل، فإنه ليس لكم بعد طاقة إذا انفرد بكم، فقالوا: أشرت ~~بالرأي، فقال: فاكتموا عني، وقال لقريش: قد علمتم صحبتي لكم وفراقي ~~لمحمد، وقد سمعت أمرا ما أظن أنكم تتهمونني فيه، فقالوا: ما أنت عندنا ~~بمتهم، قال: فاكتموا عني، قالوا: نفعل، قال: إن اليهود قد ندموا على نقض ~~ما بينهم وبين محمد وأرسلوا إليه: إنا قد ندمنا فهل ينفعنا عندك أن نأخذ ~~لك من القوم جماعة من أشرافهم تضرب أعناقهم، ونكون معك على بقيتهم، حتى ~~تفرغ منهم لتكف عنا. وتعيد لنا الأمان، قال: نعم، فإن أرسلوا إليكم فلا ~~تدفعوا إليهم رجلا واحدا، ثم أتى غطفان فقال: إنكم أصلي وعشيرتي وأحب ~~الناس إلي، قالوا: صدقت، ثم قال لهم مثل ما قال لقريش واستكتمهم، فأرسلت ~~إليهم قريظة يطلبون منهم رهنا فقالوا: صدق نعيم، وأبوا أن يدفعوا إليهم ~~أحدا، فقالت قريظة: صدق نعيم، فتخاذلوا واختلفت كلمتهم، فانكسرت شوكتهم، ~~وبردت حدتهم، ومنها من الملائكة جبرائيل عليه السلام ومن أراد الله منهم ~~- على جميعهم أفضل الصلاة والسلام، والتحية والإكرام، فكبروا في نواحي ~~عسكرهم، وزلزلوا بهم، وبثوا الرعب في قلوبهم، فماجت خيولهم، واضمحل قالهم ~~وقيلهم، فكان في ذلك رحيلهم، بعد نحو أربعين يوما أو بضع وعشرين - على ~~ما قيل. # ولما أجمل سبحانه القصة على طولها في بعض هذه الآية، فصلها فقال ذاكرا ~~الاسم الأعظم إشارة إلى أن ما وقع فيها كان معتنى به اعتناء من بذل ms3691 جميع ~~الجهد وإن كان الكل عليه سبحانه يسيرا: { وكان الله } الذي له جميع صفات ~~الكمال والجلال والجمال { بما يعملون } أي الأحزاب من التحزب والتجمع ~~والتألب والمكر والقصد السيىء - على قراءة البصري، وأنتم أيها المسلمون ~~من حفر الخندق وغيره من الصدق في الإيمان وغيره - على قراءة الباقين { ~~بصيرا } بالغ الإبصار والعلم، فدبر في هذه الحرب ما كان المسلمون به ~~الأعلين ولم ينفع أهل الشرك قوتهم، ولا أغنت عنهم كثرتهم، ولا ضر ~~المؤمنين قلتهم، وجعلنا ذلك سببا لإغنائهم بأموال بني قريظة ونسائهم ~~وأبنائهم وشفاء لأدواتهم بإراقة دمائهم - كما سيأتي؛ ثم ذكرهم الشدة التي ~~حصلت بتمالئهم فقال مبدلا من { إذ } الأولى: { إذ جاؤوكم } أي الجنود ~~المذكورون بادئا بالأقرب إليهم، لأن الأقرب أبصر بالعورة وأخبر بالمضرة. # ولما كان من المعلوم أنهم لم يطبقوا ما علا وما سفل، أدخل أداة التبعيض ~~فقال: { من فوقكم } يعني بني قريظة وأسد وغطفان من ناحية مصب السيول من ~~المشرق، وأضاف الفوق إلى ضميرهم لأن العيال كانوا في الآكام، وهي بين بني ~~قريظة وبين من في الخندق، فصاروا فوق العيال والرجال. # ولما كان المراد الفوقية من جهة علو الأرض، أوضحها بقوله: { ومن أسفل ~~منكم } دون أن يقول: أسفلكم، وأفاد ذلك أيضا من في أسفل إنما أحاطوا ~~ببعض جهة الرجال فقط، ولم يقل " ومن تحتكم " لئلا يظن أنه فوق الرؤوس ~~وتحت الأرجل، ولم يقل في الأول " من أعلى منكم " لئلا يكون فيه وصف ~~للكفرة بالعلو، وأسفل الأرض المدينة من ناحية المغرب يعني قريشا، ومن ~~لافها من كنانة فإن طريقهم من تلك الجهة. # ولما ذكرهم بالمجيء الذي هو سبب الخوف، ذكرهم بالخوف بذكر ظرفه أيضا ~~مفخما لأمره بالغطف فقال: { وإذ } أي واذكروا حين، وأنث الفعل وما عطف ~~عليه لأن التذكير الذي يدور معناه على القوة والعلو والصلابة ينافي الزيغ ~~فقال: { زاغت الأبصار } أي مالت عن سداد القصد فعل الواله الجزع بما حصل ~~من الغفلة الناشئة عن الدهشة الحاصلة من الرعب، وقطع ذلك عن الإضافة إلى ~~كاف الخطاب إبقاء عليهم وتعليما للأدب في ms3692 المخاطبة، وكذا { وبلغت القلوب ~~} كناية عن شدة الرعب والخفقان، ويجوز - وهو الأقرب - أن يكون ذلك حقيقة ~~بجذب الطحال والرئة لها عند ذلك بانتفاخهما إلى أعلى الصدر، ومنه قولهم ~~للجبان: انتفخ منخره أي رئته { الحناجر } جمع حنجرة، وهي منتهى الحلقوم، ~~ومن هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه أحمد وأبو داود عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه # " شر ما في الإنسان جبن خالع " # أي يخلع القلب من مكانه، وجمع الكثرة إشارة إلى أن ذلك عمهم أو كاد. # ولما كانت هذه حالة عرضت، ثم كان من أمرها أنها إما زالت وثبتت إلى ~~انقضاء الأمر، عبر عنها بالماضي لذلك وتحقيقا لها ولما نشأ عنها تقلب ~~القلوب وتجدد ذهاب الأفكار كل مذهب، عبر بالمضارع الدال على دوام التجدد ~~فقال: { وتظنون بالله } الذي له صفات الكمال فلا يلم نقص ما بساحة عظمته، ~~ولا يدنو شيء من شين إلى جناب عزته { الظنونا * } أي أنواع الظن إما ~~بالنسبة إلى الأشخاص فواضح، وذلك بحسب قوة الإيمان وضعفه، وأما بالنسبة ~~إلى الشخص الواحد فحسب تغير الأحوال، فتارة يظن الهلاك للضعف، وتارة ~~النجاة لأن الله قادر على ذلك، ويظن المنافقون ومن قاربهم من ضعفاء ~~القلوب ما حكى الله عنهم؛ قال الرازي في اللوامع: ويروى أن المسلمين ~~قالوا: بلغت القلوب الحناجر، فهل من شيء نقول؟ فقال عليه الصلاة والسلام: # " اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا " # وزيادة الألف في قراءة من أثبتها في الحالين وهم المدنيان وابن عامر ~~وشعبة إشارة إلى اتساع هذه الأفكار، وتشعب تلك الخواطر، وعند من أثبتها ~~في الوقت دون الوصل وهم ابن كثير والكسائي وحفص إشارة إلى اختلاف الحال ~~تارة بالقوة وتارة بالضعف. ### || [33.11-15] # ولما كانت الشدة في الحقيقة إنما هي للثابت لأنه ما عنده إلا الهلاك أو ~~النصرة، وأما المنافق فيلقي السلم ويدخل داره الذل بالموافقة على جميع ما ~~يراد منه، ترجم حال المؤمنين قاصرا الخطاب على الرأس لئلا يدخل في مضمون ~~الخبر إعلاما بأن منصبه الشريف أجل من أن يبتلى فقال تعالى: { هنالك } ~~أي في ms3693 ذلك الوقت العظيم البعيد الرتبة { ابتلي المؤمنون } أي خولط ~~الراسخون في الإيمان بما شأنه أن يحيل ما خالطه ويميله، وبناه للمجهول ~~لما كان المقصود إنما هو معرفة المخلص من غيره، مع لعلم بأن فاعل ذلك هو ~~الذي له الأمر كله، ولم يؤكد الابتلاء بالشدة لدلالة الافتعال عليها، ~~وصرف الكلام عن الخطاب مع ما تقدم من فوائده، وعبر بالوصف ليخص الراسخين ~~فقال: { وزلزلوا } أي حركوا ودفعوا وأقلقوا وأزعجوا بما يرون من الأهوال ~~بتظافر الأعداء مع الكثرة، وتطاير الأراجيف { زلزالا شديدا * } فثبتوا ~~بتثبيت الله لهم على عهدهم. # ولما علم بهذا أن الحال المزلزل لهم كان في غاية الهول، أشار إلى أنهم ~~لم يزلزلهم بأن حكى أقوال المزلزلين، ولم يذكر أقوالهم وسيذكرها بعد ~~ليكون الثناء عليهم بالثبات مع عظيم الزلزال مذكورا مرتين إشارة وعبارة، ~~فقال: { وإذ } وأشار إلى تكريرهم لدليل النفاق بالمضارع فقال: { يقول } ~~أي مرة بعد أخرى { المنافقون } أي الراسخون في النفاق، لأن قلوبهم مريضة ~~ملائ مرضا { والذين في قلوبهم مرض } أي من أمراض الاعتقاد بحيث أضعفها ~~في الاعتقاد والثبات في مواطن اللقاء وفي كل معنى جليل، فهم بحيث لم ~~يصلوا إلى الجزم بالنفاق ولا الإخلاص في الإيمان، بل هم على حرف فعندهم ~~نوع النفاق، فالآية من الاحتباك: ذكر النفاق أولا دال عليه ثانيا، وذكر ~~المرض ثانيا دليل عليه أولا، وهذا الذي قلته في القلوب موافق لما ذكره ~~الإمام السهروردي في الباب السادس والخمسين من عوارفه عن حذيفة رضي الله ~~عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " القلوب أربعة: قلب أجرد فيه سراج يزهو، فذلك قلب المؤمن، وقلب أسود ~~منكوس، فذلك قلب الكافر، وقلب مربوط على غلاف، فذلك قلب المنافق، وقلب ~~مصفح فيه إيمان ونفاق، فمثل الإيمان فيه كمثل البقلة يمدها الماء الطيب، ~~ومثل النفاق فيه كمثل القرحة يمدها القيح والصديد، فأي المدتين غلبت ~~عليه حكم له بها " # وروى هذا الحديث الغزالي في أواخر كتاب قواعد العقائد من الإحياء عن أبي ~~سعيد الخدري، وقا الشيخ زين الدين العراقي: أخرجه أحمد. # ولما ms3694 كان المكذب لهم بتصديق وعد الله - ولله الحمد - كثيرا، أكدوا ~~قولهم وذكروا الاسم الأعظم وأضافوا الرسول إليه فقالوا: { ما وعدنا الله ~~} الذي ذكر لنا أنه محيط الجلال والجمال { ورسوله } أي الذي قال من قال ~~من قومنا: إنه رسول، استهزاء منهم، وإقامة للدليل في زعمهم لهذا البلاء ~~على بطلان تلك الدعوى { إلا غرورا * } أي باطلا استدرجنا به إلى ~~الانسلاخ عما كنا عليه من دين آبائنا وإلى الثبات على ما صرنا إليه بعد ~~ذلك الانسلاخ بما وعدنا به من ظهور هذا الدين على الدين كله، والتمكين في ~~البلاد حتى في حفر الخندق، فإنه قال: إنه أبصر بما برق له في ضربه لصخرة ~~سلمان مدينة صنعاء من اليمن وقصور وكسرى بالحيرة من أرض فارس، وقصور ~~الشام من أرض الروم، وإن تابعيه سيظهرون على ذلك كله وقد صدق الله وعده ~~في جميع ذلك حتى في لبس سراقة بن مالك ابن جعشم سوارى كسرى بن هرمز كما ~~هو مذكور مستوفى في دلائل النبوة للبيهقي، وكذبوا في شكهم. # ففاز المصدقون، وخاب الذين هم في ريبهم يترددون. # ولما ذكر ما هو الأصل في نفاقهم وهو التكذيب، أتبعه ما تفرع عليه، ولما ~~كان تخذيلهم بالترجيع مرة، عبر عنه بالماضي فقال: { وإذ قالت } أنث الفعل ~~إشارة إلى رخاوتهم وتأنثهم في الأقوال والأفعال { طائفة منهم } أي قوم ~~كثير من موتى القلوب ومرضاها يطوف بعضهم ببعض: { يا أهل يثرب } عدلوا عن ~~الاسم - الذي وسمها به النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة وطيبة مع ~~حسنه - إلى الاسم الذي كانت تدعى به قديما مع احتمال قبحه باشتقاقه من ~~الثرب الذي هو اللوم والتعنيف, إظهارا للعدول عن الإسلام, قال في الجمع ~~بين العباب والمحكم: ثرب عليه ثربا وأثرب، بمعنى ثرب تثريبا - إذا لامه ~~وعيره بذنبه وذكره به. وأكدوا بنفي الجنس لكثرة مخالفتهم في ذلك فقالوا: ~~{ لا مقام لكم } أي قياما أو موضع قيام تقومون به - على قراءة الجماعة ~~بالفتح، وعلى قراءة حفص بالضم المعنى: لا إقامة أو موضع إقامة في مكان ~~القتال ومقارعة ms3695 الأبطال { فارجعوا } إلى منازلكم هرابا، وكونوا مع ~~نسائكم أذنابا، أو إلى دينكم الأول على وجه المصارحة لتكون لكم عند هذه ~~الجنود يد. # ولما ذكر هؤلاء الذين هتكوا الستر، وبينوا ما هم فيه من سفول الأمر، ~~أتبعهم آخرين تستروا بعض التستر تمسكا بأذيال النفاق، خوفا من أهوال ~~الشقاق، فقال: { ويستأذن } أي يجدد كل وقت طلب الإذن لأجل الرجوع إلى ~~البيوت والكون مع النساء { فريق منهم } أي طائفة شأنها الفرقة { النبي } ~~وقد رأوا ما حواه من علو المقدار بما له من حسن الخلق، والخلق، وما لديه ~~من جلاله الشمائل وكريم الخصائل، ولم يخشوا من إنبائنا له بالأخبار، ~~وإظهارنا له الخبء، من مكنون الضمائر وخفي الأسرار، حال كونهم { يقولون } ~~أي في كل قليل، مؤكدين لعلمهم بكذبهم وتكذيب المؤمنين لهم قولهم: { إن ~~بيوتنا } أتوا بجمع الكثرة إشارة إلى كثرة أصحابهم المنافقين { عورة } أي ~~بها خلل كثير يمكن من أراد من الأحزاب أن يدخلها منه، فإذا ذهبنا إليها ~~حفظناها منهم وكفينا من يأتي إلينا من مفسديهم حماية للدين، وذبا عن ~~الأهلين. # ولما قالوا ذلك مؤكدين له، رده الله تعالى موكدا لرده مبينا لما ~~أرادوا فقال: { وما } أي والحال أنها ما { هي } في ذلك الوقت الذي قالوا ~~هذا فيه، وأكد النفي فقال: { بعورة } ولا يريدون بذهابهم حمايتها { إن } ~~أي ما { يريدون } باستئذانهم { إلا فرارا * } ولما كانت عنايتهم مشتدة ~~بملازمة دورهم. فأظهروا اشتداد العناية بحمايتها زورا, بين الله ذلك ودل ~~عليه بالإسناد إلى الدور تنبيها على أنها ربة الحماية والعمدة فقال: { ~~ولو دخلت } أي بيوتهم من أي داخل كان من هؤلاء الأحزاب أو غيرهم، وأنث ~~الفعل نصا على المراد وإشارة إلى أن ما ينسب إليهم جدير بالضعف، وعبر ~~بأداة الاستعلاء فقال: { عليهم } إشارة إلى أنه دخول غلبة { من أقطارها } ~~أي جوانبها كلها بحيث لا يكون لهم مكان للهرب. # ولما كان قصد الفرار مع الإحاطة بالدار، من جميع الأقطار، دون الاستقتال ~~للدفع عن الأهل والمال، بعيدا عن أفعال الرجال؛ عبر بأداة التراخي فقال: ~~{ ثم سئلوا } أي من أي ms3696 سائل كان { الفتنة } أي الخروج منها فارين، ~~وكأنه سماه بها لأنه لما كان أشد الفتنة من حيث أنه لا يخرج الإنسان من ~~بيته إلا الموت أو ما يقاربه كان كأنه لا فتنة سواه { لأتوها } أي الفتنة ~~بالخروج فرارا، إجابة لسؤال من سألهم مع غلبة الظن بالدخول على صفة ~~الإحاطة أن لا نجاة، فهم أبدا يعولون على الفرار من غير قتال حماية ~~لذمار او دفعا لعار، أو ذبا عن أهل أو جار، وهذا المعنى ينتظم قراءة ~~أهل الحجاز بالقصر وغيرهم بالمد، فإن من أجاب إلى الفرار فقد أعطى ما ~~كأنه كان في يده منه غلبة وجبنا وقد جأءه وفعله. # ولما كان هذا عند العرب - مع ما لهم من النجدة والخوف من السبة - لا ~~يكاد يصدق، أشار إلى ذلك بتأكيده في زيادة تصويره فقال: { وما تلبثوا بها ~~} أي البيوت { إلا يسيرا * } فصح بهذا أنهم لا يقصدون إلا الفرار، لا ~~حفظ البيوت من المضار، ويدلك على هذا المعنى إتباعه بقوله مؤكدا لأجل ما ~~لهم من الإنكار والحلف بالكذب: { ولقد كانوا } أي هؤلاء الذين أسرعوا ~~الإجابة إلى الفرار مع الدخول عليهم على تلك الصفة من سبي حريمهم واجتياح ~~بيضتهم { عاهدوا الله } أي الذي لا أجل منه. # ولما كان العهد ربما طال زمنه فنسي، فكان ذلك عذرا لصاحبه، بين قرب ~~زمنه بعد بيان عظمة المعاهد اللازم منه ذكره، فقال مثبتا الجار: { من ~~قبل } أي قبل هذه الحالة وهذه الغزوة حين أعجبتهم المواعيد الصادقة ~~بالفتوحات التي سموها الآن عندما جد الجد مما هي مشروطة به من الجهاد ~~غرورا { لا يولون } أي يقربون عدوهم { الأدبار } أي أدبارهم أبدا لشيء ~~من الأشياء، ولا يكون لهم عمل إذا حمى الياس، وتخالط الناس، واحمرت الحدق ~~وتداعس الرجال، وتعانق الحماة الأبطال إلى الظفر أو الموت. # ولما كان الإنسان قد يتهاون بالعهد لإعراض المعاهد عنه قال: { وكان عهد ~~الله } أي الوفاء بعهد من هو محيط بصفات الكمال. ولما كان العهد فضلة في ~~الكلام لكونه مفعولا، واشتدت العناية به هنا، بين ذلك بتقديمه ms3697 أولا ثم ~~يجعله العمدة، وإسناد الفعل إليه ثانيا فقال: { مسؤولا * } ، أي في أن ~~يوفي به ذلك الذي وقع منه. ### || [33.16-20] # ولما أتم سبحانه ما أخبر به رسوله صلى الله عليه وسلم كما دل عليه ~~التعبير بالنبي، استأنف أمره بجوابهم جوابا لمن كأنه قال: ماذا يقال ~~لهم؟ وإجراء للنصحية على لسانه لما هو مجبول عليه من الشفقة، { قل } أي ~~لهم، وأكد لظنهم نفع الفرار: { لن ينفعكم } أي في تأخير آجالكم في وقت من ~~الأوقات { الفرار } أي الذي ما كان استئذانكم إلا بسببه { إن فررتم من ~~الموت } أي بغير عدو { أو القتل } لأن الأجل إن كان قد حضر، لم يتأخر ~~بالفرار وإلا لم يقصره الثبات كما كان علي رضي الله عنه يقول: إذا دهم ~~الأمر، وتوقد الجمر، واشتد من الحرب الحر، أي يومي من الموت أفر؟ يوم لا ~~يقدر أو يوم قدر، وذلك أن أجل الله الذي أجله محيط بالإنسان لا يقدر أن ~~يتعداه أصلا { وإذا } أي وإذ فررتم. # ولما كانوا لا يقصدون بالعيش إلا التمتع، بين ذلك بالبناء للمجهول فقال: ~~{ لا تمتعون } أي تمتعا مبالغا فيه كما تريدون بما بقي من أعماركم إن ~~كان بقي منها شيء { إلا قليلا * } بل يتمكن العدو منكم بأدباركم، ومن ~~أموالكم وأحسابكم ودياركم، فيفسد مهما قدر عليه من ذلك فلا تقدرون على ~~تداركه إلا بعد زمان طويل وتعب كبير، بخلاف ما إذا ثبتم وفاء بالعهد ~~وحفظا للثناء فلاقيتم الأقرن، وقارعتم الفرسان، اعتمادا على ربكم وطاعة ~~لنبيكم، فإن كان الأجل قد أتى لم ينقصكم ذلك شيئا، ومتم أعزة كراما، ~~وإلا فزتم بالنصر، وحزتم الأجر، وعشتم بأتم نعمة إلى تمام العمر، فالثبات ~~أبقى للمهج، وأحفظ للعيش البهج. # ولما كانوا لما عندهم من التقيد بالوهم، والدوران مع الحس دأب البهم، ~~جديرين بأن يقولوا: بلى ينفعنا لأنا طالما رأينا من هرب فسلم، ومن ثبت ~~فاصطلم، أمره بالجواب عن هذا بقوله: { قل } أي لهم منكرا عليهم: { من ذا ~~الذي يعصمكم } أي يمنعكم { من الله } المحيط بكل شيء قدرة وعلما قبل ~~الفرار ms3698 وفي حال الفرار وبعده { إن أراد بكم سوءا } فأناخ بكم نقمه فيرد ~~ذلك السوء عنكم { أو } يهينكم ويقبح جانبكم ويمتهنه بأن يصيبكم بسوء إن { ~~أراد بكم رحمة } فأفادكم نعمه، والرحمة النفع سماه بها لأنه أثرها، قيسوا ~~هذا المعنى على مقاييس عقولكم معتبرين له بما وجدتم من الشقين في جميع ~~أعماركم، هل احترزتم عن سوء إرادة فنفعكم الاحتراز، أو اجتهد غيره في ~~منعكم رحمة منه فتم له أمره أو أوقع الله بكم شيئا من ذلك فقدر أحد مع ~~بذل الجهد على كشفه بدون إذنه؟ ويمكن أن تكون الآية من الاحتباك: ذكر ~~السوء أولا دليلا على حذف ضده ثانيا، وذكر الرحمة ثانيا دليلا على ~~حذف ضدها أولا. # ولما كانوا أجمد الناس، أشار سبحانه بكونهم لم يبادروهم بأنفسهم الجواب ~~بما يدل على المناب إلى جمودهم بالعطف على ما علم أن تقديره جوابا من كل ~~ذي بصيرة: لا يعصمهم أحد من دونه من شيء من ذلك، ولا يصيبهم بشيء منه، ~~فقال: { ولا يجدون } أي في وقت من الأوقات { لهم } ونبه على أنه لا شيء ~~إلا وهو في مثبتا الجار: { من دون الله } وعبر بالاسم العلم إشارة إلى ~~إحاطته بكل وصف جميل، فمن أين يكون لغيره الإلمام بشيء منها إلا بإذنه { ~~وليا } يواليهم فينفعهم بنوع نفع { ولا نصيرا * } ينصرهم من أمره فيرد ~~ما أراده من السوء عنهم. # ولما أخبرهم سبحانه بما علم مما أوقعوه من أسرارهم، وأمره صلى الله عليه ~~وسلم بوعظهم، حذرهم بدوام علمه لمن يخون منهم، فقال محققا مقربا من ~~الماضي ومؤذنا بدوام هذا الوصف له: { قد يعلم } ولعله عبر ب " قد " ~~التي ربما أفهمت في هذه العبارة التقليل، إشارة إلى أنه يكفي من له أدنى ~~عقل في الخوف من سطوة المتهدد احتمال علمه، وعبر بالاسم الأعظم فقال: { ~~الله } إشارة إلى إحاطة الجلال والجمال { المعوقين } أي المثبطين تثبيط ~~تكرية وعقوق، يسرعون فيه إسراع الواقع بغير اختياره { منكم } أي أيها ~~الذين أقروا بالإيمان للناس قاطبة عن إتيان حضرة الرسول صلى الله عليه ~~وسلم { والقائلين ms3699 لإخوانهم هلم } أي ائتوا وأقبلوا { إلينا } موهمين أن ~~ناحيتهم مما يقام فيه القتال، ويواظب على صالح الأعمال { ولا } أي والحال ~~أنهم لا { يأتون البأس } أي الحرب أو مكانها { إلا قليلا } للرياء ~~والسمعة بقدر ما يراهم المخلصون، فإذا اشتغلوا بالمعاركة وكفى كل منهم ما ~~إليه تسللوا عنهم لواذا، وعاذوا بمن لا ينفعهم من الخلق عياذا. # ولما كانوا يوجهون لكل من أفعالهم هذه وجها صالحا، بين فساد قصدهم ~~بقوله ذاما غاية الذم بالتعبير الشح الذي هو التناهي في البخل، فهو بخل ~~بما في اليد وأمر للغيب بالبخل فهو بخل إلى بخل خبيث قذر متمادى فيه ~~مسارع إليه { أشحة } أي يفعلون ما تقدم والحال أن كلا منهم شحيح { عليكم ~~} أي بحصول نفع منهم أو من غيرهم بنفس أو مال. # ولما كان التقدير: في حال الأمن، أتبعه بيان حالهم في الخوف فقال: { ~~فإذا جاء الخوف } أي لمجيء أسبابه من الحرب ومقدماتها { رأيتهم } أي أيها ~~المخاطب { وينظرون } وبين بعدهم حسا ومعنى بحرف الغاية فقال: { إليك } ~~أي حال كونهم { تدور } يمينا وشمالا بإدارة الطرف { أعينهم } أي زائغة ~~رعبا وخورا، تم شبهها في سرعة تقلبها لغير قصد صحيح فقال: { كالذي } أي ~~كدوران عين الذي، وبين شدة العناية بتصوير ذلك بجعل المفعول عمدة ببناء ~~الفعل له فقال: { يغشى عليه } مبتدئا غشيانه { من الموت } سنة الله في ~~أن كل من عامل الناس بالخداع، كان قليل الثبات عند القراع؛ ثم ذكر خاصة ~~أخرى لبيان جبنهم فقال: { فإذا ذهب الخوف } أي بذهاب أسبابه { سلقوكم } ~~أي تناولوكم تناولا صعبا جرأة ووقاحة، ناسين ما وقع منهم عن قرب من ~~الجبن والخور { بألسنة حداد } ذربة قاطعة فصيحة بعد أن كانت عند الخوف في ~~غاية اللجلجة لا تقدر على الحركة من قلة الريق ويبس الشفاه، وهذا لطلب ~~العرض الفاني من الغنيمة أو غيرها؛ ثم بين المراد بقوله: { أشحة } أي ~~شحا مستعليا { على الخير } أي المال الذي عندهم، وفي اعتقادهم أنه لا ~~خير غيره، شحا لا يريدون أن يصل شيء منه إليكم ولا يفوتهم شيء منه، ms3700 وهذه ~~سنة أخرى في أن من كان صلبا في الرخاء كان رخوا حال الشدة وعند اللقاء، ~~وإنما فسرت الشح بهذا لأن مادته بترتيبها تدور على الجمع الذي انتهى ~~فأشرف على الفساد، من الحشيش والمحشة، وهي الدبر، فهو جمع يتبعه في ~~الأغلب نكد وأذى، ومن لوازم مطلق الجمع القوة فتتبعها الصلابة، فربما ~~نشأت القساوة، وربما نشأت عن الجمع الفرقة فلزمها الرخاوة، فمن الجمع ~~النكد الشح وهو البخل والحرص، وشح النفس حرصها على ما ملكت، قال القزاز: ~~وجمع الشحيح في أقل العدد أشحة، ولم أسمع غيره، وحكى أبو يوسف: أشحاء - ~~بالمد في الكثير، والرجلان يتشاحان عن الأمر - إذا كان كل منهما يريد أن ~~لا يفوته، وزند شحاح: لا يورى، وماء شحاح: نكد غير غمر - لأنه اشتد ~~اجتماعه في مكانه، واشتدت أرضه باجتماع أجزائها فصلبت جدا فضنت به. # وأرض شحاح: صلبة، قال القزاز: وبه شبه الزند، والشحشاح: الحاد والسيىء ~~الخلق والماضي في كلام أو سير، والمواظب على الشيء، لأن ذلك من لوازم ~~الحدة الناشئة عن القوة الناشئة عن الجمع، ومن هنا قيل للخطيب البليغ ~~والشجاع والغيور: شحشح وشحشاح، والشحشح من الغربان: الكثير الصوت، ومن ~~الحمير: الخفيف، ومن القطا: السريعة، والشحشاح: الطويل - كأنه جمع طولين، ~~وشحشح البعير في الهدير - إذا لم يخلصه، كأنه جمع إلى الهدير ما ليس ~~بهدير، والشحشحة: صوت الصرد - لكثرة اتصالها، فهي ترجع إلى الحدة التي ~~ترجع إلى القوة الناشئة عن الجمع، وترديد البعير في الهدير والطيران ~~السريع والحذر، فإنه يدل على اجتماع القلب وثقوب الذهن، وامرأة شحشاح - ~~كأنه رجل في قوتها، والمشحشح - كالمسلسل: القليل الخير، وإبل شحائح: ~~قليلة الدر، وذلك من الجمع والصلابة الناشئة عن القساوة والنكد، والشحيح ~~من الأرض ما يسيل من أدنى مطر، لصلابتها وشدة اجتماع بعضها إلى بعض، ~~والشحشح أيضا من الأرض ما لا يسيل إلا من مطر كثير ضد الأول، وذلك ناظر ~~إلى جمعها للنظر لغوره فيها لما في أجزائها من التفرق الذي تقدم أنه من ~~لوازم الجمع، ومن مطلق الجمع: الفلاة الواسعة - لأنها جامعة لما ms3701 يراد ~~جمعه، والشحاح: شعاب صغار تدفع الماء إلى الوادي، فهي بمدها جامعة، ~~وبكونها صغارا نكدة ومجتمعة في نفسها، ومن الجمع: الحشيش، وهو اليابس من ~~العشب، وأصله ما جمع منه. # والمحش: الموضع الكثير الحشيش والخير، لأن الجمع ربما نشأ عنه رفق، ~~وكثرة الحشيش يلزمها الرفق بعلفه للدواب، ويكون أرضه طيبة، ومن حش ~~الحشيش: قطعه، وفلانا: أصلح من حاله، والمال: كثره، وزيدا بعيرا أو ~~ببعير: أعطاه إياه، والحش - بالفتح: المخرج، والمحشة: الدبر، والحش: ~~البستان ذو النخل المجتمع، سمى الخلاء به لأن العرب كانت تقضي الحاجة ~~فيه، وحش طلحة وحش كوكب: موضعان بالمدينة، وحش الولد في البطن: يبس، ~~وأحشت المرأة فهي محش - إذا يبس الولد في جوفها، والحش - بالضم: الولد ~~الهالك في البطن، وحششت الفرس: جمعت له الحشيش، وأحششت الرجل: أعنته على ~~جمع الحشيش، والحشاش: الجوالق فيه الحشيش، وأحش الكلأ: أمكن لأن يحش، ~~والمستحشة من النوق التي دقت أوظفتها، أي ما فوق رسغها إلى ساقها، وذلك ~~من من عظمها وكثرة شحمها، واستحش الغصن: طال - كأنه جمع طولين، أو صار ~~بحيث يجمع ورقا كثيرا، الشيء بالشيء، وحش الودي من النخل: يبس، ومن ~~الجمع: حش الصيد: جمعه من جانبيه، والفرس: ألقى له حشيشا، قال القزاز: ~~وهو يبس الكلأ، وأصله ما جمع، ومنه: أحشك وتروثني - يضرب لمن أساء إلى من ~~أحسن إليه، ومرت الإبل تحش الأرض. أي تجمع الحشيش، وقيل: هو من سرعة ~~مرها، وفيه مع كثرة الجمع للخطى بتقاربها معنى الحدة، ومنه حش الفرس: ~~أسرع، ومن الإشراف على الفساد: الحش - بالفتح وهو النخل الناقص القصير ~~ليس بمسقي ولا معمور، والحشاشة: رمق النفس، يقال: ما بقي من فلان إلا ~~حشاشة أي رمق يسير يحيي به، وعبارة القاموس، والحشاش والحشاشة، بقية ~~الروح في المريض والجريح, فهذا بين في الإشراف على الفساد كما تقدم, وهو ~~أيضا من الفرقة التي قد تلزم الجمع ومنه تحشحشوا أي تفرقوا، ومنه قلة ~~الاستحشاش، وهو قلة القوم، ومن الحدة الناشئة عن القوة الناشئة: عن الجمع ~~حششت النار أي أوقدتها وجمعت الحطب إليها، وكل ms3702 ما قوي بشيء فقد حش به، ~~والمحش: حديدة يوقد بها النار أي تحرك، والشجاع، قال القزاز، وهو محش حرب ~~- إذا كان يسعرها بشجاعته، وحش فلان الحرب - إذا هيجها، ومنه تحشحشوا أي ~~تحركوا، ومن مطلق الحدة: أحششته عن حاجته: أعجلته عنها، ومن الجمع ~~والقوة: حش سهمه بالقذذ - إذا راشه فألزقها من نواحيه، وحشاشاك أن تفعل ~~كذا أي قصاراك أي نهاية جمعك لكل ما تقوى به، وحشاشا كل شيء: جانباه، ~~والحشة - بالضم: القبة العظيمة، لكثرة جمعها وقوة تراصها. # ولما وصفهم سبحانه بهذه الدنايا. # أخبر بأن أساسها وأصلها الذي نشأت عنه عدم الوثوق بالله لعدم الإيمان ~~فقال: { أولئك } أي البغضاء البعداء الذين محط أمرهم الدنيا { ولم يؤمنوا ~~} أي لم يوجد منهم إيمان بقلوبهم وإن أقرت به ألسنتهم. # ولما كان العمل لا يصح بدون الإيمان، سبب عن ذلك قوله: { فأحبط الله } ~~أي بجلاله وتفرده في كبريائه وكماله { أعمالهم } أي أبطل أرواحها، فصارت ~~أجسادا لا أرواح لها، فلا نفع لهم بشيء منها لأنها كانت في الدنيا صورا ~~مجردة عن الأرواح التي هي القصود الصالحة، فإنهم لا قصد لهم بها إلا ~~التوصل إلى الأعراض الدنيوية، وهذا إعلام بأن من كانت الدنيا أكبر همه ~~فهو غير مؤمن، وأنه يكون خوارا عند الهزاهز، ميالا إلى دنايا الشجايا ~~والغرائز. # ولما كان من عمل عملا لم يقدر غيره وإن كان أعظم منه أن يبطل نفعه به ~~إلا بسعر شديد، قال تعالى: { وكان ذلك } أي الإحباط العظيم مع ما لهم من ~~الجرأة في الطلب والإلحاف عند السؤال وقلة الأدب { على الله } بما له من ~~صفات العظمة التي تخشع لها الأصوات، وتخرس الألسن الذربات { يسيرا * } ~~لأنه لا نفع إلا منه وهو الواحد القهار، وأما غيره فإنما عسر عليه ذلك، ~~لأن النفع من غيره - وإن كان منه حقيقة - قهره غيره بالشفاعات ووجود ~~النكد أو غيرها عليه، وكأنهم لما ذهب استمرو خاضعين لم يطلقوا ألسنتهم ~~ولا أعلو كلمتهم، فأخبر تعالى تحقيقا لقوله الماضي في جبنهم أن المانع ~~الذي ذكره لم يزل من عندهم لفرط ms3703 جبنهم، فقال تحقيقا لذلك وجوابا لمن ~~ربما قال: قد ذهب الخوف فما لهم ما سلقوا؟: { يحسبون } أي يظنون لضعف ~~عقولهم في هذا الحال، وقد ذهب الخوف، لشدة جبنهم وما رسخ عندهم من الخوف ~~{ الأحزاب } وقد علمتم أنهم ذهبوا { لم يذهبوا } بل غابوا خداعا، وعبر ~~بالحسبان لأنه - كما مضى عن الحرالي في البقرة - ما تقع غلبته فيما هو من ~~نوع ما فطر الإنسان عليه واستقر عادة له، والظن فيما هو من المعلوم ~~المأخوذ بالدليل والعلم، قال: فكان ضعف علم العالم ظن، وضعف عقل العاقل ~~حسبان. # ولما أخبر عن حالهم في ذهابهم، أخبر عن حالهم لو وقع ما يتخوفونه من ~~رجوعهم، فقال معبرا بأداة الشك بشارة لأهل البصائر أنه في عداد المحال: ~~{ وإن يأت الأحزاب } أي بعد ما ذهبوا { يودوا } أي يتجدد لهم غاية ~~الرغبة من الجبن وشدة الخوف { لو أنهم بادون } أي فاعلون للبدو وهو ~~الإقامة في البادية على حالة الحل والارتحال { في الأعراب } الذين هم ~~عندهم في محل النقص، وممن تكره مخالطته ولو كان تمنيهم في ذلك الحين ~~محالا؛ ثم ذكر حال فاعل " بادون " فقال: { يسألون } كل وقت { عن أنبائكم ~~} العظيمة معهم جريا على ما هم عليه من النفاق ليبقوا لهم عندكم وجها، ~~كأنهم مهتمون بكم، يظهرون بذلك تحرقا على غيبتهم عن هذه الحرب أو ليخفوا ~~غيبتهم ويظهروا أنهم كانوا بينكم في الحرب بأمارة أنه وقع لكم في وقت كذا ~~أو مكان كذا كذا، ويكابروا على ذلك من غير استحياء لأن النفاق صار لهم ~~خلقا لا يقدرون على الانفكاك عنه، ويرشد إلى هذا المعنى قراءة يعقوب " ~~يسالون " بالتشديد { ولو } أي والحال أنهم لو { كانوا فيكم } أي حاضرين ~~لحربهم { ما قاتلوا } أي معكم { إلا قليلا } نفاقا كما فعلوا قبل ذهاب ~~الأحزاب من حضورهم معكم تارة واستئذانهم في الرجوع إلى منازلهم أخرى، ~~والتعويق لغيرهم بالفعل كرة، والتصريح بالقول أخرى. ### || [33.21-24] # ولما أخبر تعالى عنهم بهذه الأحوال التي هي غاية في الدناءة، أقبل عليهم ~~إقبالا يدلهم على تناهي الغضب، فقال مؤكدا محققا لأجل ms3704 إنكارهم: { لقد ~~كان لكم } أيها الناس كافة الذين المنافقون في غمارهم { في رسول الله } ~~الذي جاء عنه لإنقاذكم من كل ما يسوءكم، وجلاله من جلاله المحيط بكل ~~جلال، وكماله من كماله العالي على كل كمال، وهو أشرف الخلائق، فرضيتم ~~مخالطة الأجلاف بدل الكون معه { أسوة } أي قدوة عظيمة - على قراءة عاصم ~~بضم الهمزة، وفي أدنى المراتب - على قراءة الباقين بالكسر، تساوون أنفسكم ~~به وهو أعلى الناس قدرا يجب على كل أحد أن يفدي ظفره الشريف ولو بعينه ~~فضلا عن أن يسوي نفسه بنفسه، فيكون معه في كل أمر يكون فيه، لا يختلف ~~عنه أصلا { حسنة } على قراءة الجماعة بمطلق الصبر في البأساء وأحسنية - ~~على قراءة عاصم بالصبر على الجراح في نفسه والإصابة في عمه وأعز أهله ~~وجميع ما كان يفعل في مقاساة الشدائد، ولقاء الأقران، والنصيحة لله ~~ولنفسه وللمؤمنين، وعبر عنه بوصف الرسالة لأنه حظ الخلق منه ليقتدوا ~~بأفعاله وأقواله، ويتخلفوا بأخلاقه وأحواله، ونبه على أن الذي يحمل على ~~التآسي به صلى الله عليه وسلم إنما هو الصدق في الإيمان ولا سيما الإيمان ~~بالقيامة، وأن الموجب للرضا جبلة له { يرجوا الله } أي في جبلته أنه يجدد ~~الرجاء مستمرا للذي لا عظيم في الحقيقة سواه فيأمل إسعاده ويخشى إبعاده ~~{ واليوم الآخر } الذي لا بد من إيجاده ومجازاة الخلائق فيه بإعمالهم، ~~فمن كان كذلك حمله رجاؤه على كل خير، ومنعه من كل شر، فإنه يوم التغابن، ~~لأن الحياة فيه دائمة، والكسر فيه لا يجبر. # ولما عبر بالمضارع المقتضي لدوام التجدد اللازم منه دوام الاتصاف الناشئ ~~عن المراقبة لأنه في جبلته، أنتج ان يقال: فأسى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في كل شيء تصديقا لما في جبلته من الرجاء، فعطف عليه، أو على " كان ~~" المقتضيه للرسوخ قوله: { وذكر الله } الذي له صفات الكمال، وقيده ~~بقوله: { كثيرا } تحقيقا لما ذكر من معنى الرجاء الذي به الفلاح، وأن ~~المراد منه الدائم في حالي السراء والضراء. # ولما أخبر عما حصل في هذه الوقعة من الشدائد ms3705 الناشئة عن الرعب لعامة ~~الناس، وخص من بينهم المنافقين بما ختمه بالملامة في ترك التآسي بمن ~~أعطاء الله قيادهم، وأعلاه عليهم في الثبات والذكر، وختم هذا الختم بما ~~يثمر الرسوخ في الدين، ذكر حال الراسخين في أوصاف الكمال المتأسين ~~بالداعي، المقتفين للهادي، فقال عاطفا على { هنالك ابتلي المؤمنون }: { ~~ولما رأى المؤمنون } أي الكاملون في الإيمان { الأحزاب } الذين أدهشت ~~رؤيتهم القلوب { قالوا } أي مع ما حصل لهم من الزلزال وتعاظم الأحوال: { ~~هذا } أي الذي نراه من الهول { ما وعدنا } من تصديق دعوانا الإيمان ~~بالبلاء والامتحان { الله } الذي له الأمر كله { ورسوله } المبلغ عنه في ~~نحو قوله: # أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم # [البقرة: 214] # أحسب الناس أن يتركوا # [العنكبوت: 2] # أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم # [التوبة: 16] وأمثال ذلك، فسموا المس بالبأساء والضراء، والابتلاء ~~بالزلزال والأعداء، وعدا لعلمهم بما لهم عليه عند الله، ولا سيما في يوم ~~الجزاء، وما يعقبه من النصر، عند اشتداد الأمر. # ولما كان هذا معناه التصديق، أزالوا عنه احتمال أن يكون أمرا اتفاقيا، ~~وصرحوا به على وجه يفهم الدعاء بالنصر الموعود به في قولهم عطفا على ~~هذا: { وصدق } مطلقا لا بالنسبة إلى مفعول معين { الله } الذي له صفات ~~الكمال { ورسوله } الذي كماله من كماله، أي ظهر صدقهما في عالم الشهادة ~~في كل ما وعدا به من السراء والضراء مما رأيناه. وهما صادقان فيما غاب ~~عنا مما وعدا به من نصر وغيره، وإظهار الاسمين للتعظيم والتيمن بذكرهما. # ولما كان هذا قولا يمكن أن يكون لسانيا فقط كقول المنافقين، أكده لظن ~~المنافقين ذلك، فقال سبحانه شاهدا لهم: { وما زادهم } أي ما رأوه من ~~أمرهم المرعب { إلا إيمانا } أي بالله ورسوله بقلوبهم، وأبلغ سبحانه في ~~وصفهم بالإسلام، فعبر بصيغة التفعيل فقال: { وتسليما } أي لهما بجميع ~~جوارحهم في جميع القضاء والقدر، وقد تقدم في قوله تعالى في سورة الفرقان # ويجعل لك قصورا # [الفرقان: 10] ما هو من شرح هذا. ولما كان كل من آمن ms3706 بائعا نفسه وماله ~~لله، لأن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم، وكان بعض الراسخين في ~~الإيمان لم يعط الإيمان حقه في القتال في نفسه وماله, كما فعل أبو بكر ~~رضي الله عنه، أما في ماله فبالخروج عنه كله، وأما في نفسه فيما يقحمها ~~من الأهوال، حتى كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول له في بعض المواطن: " ~~الزم مكانك وأمتعنا بنفسك " ، " ويقول له ولعمر رضي الله عنهما أنهما من ~~الدين بمنزلة السمع والبصر " وكان أبو بكر رضي الله عنه في ليلة الغار ~~يذكر الطلب فيتأخر، والرصد فيتقدم، وما عن الجوانب فيصير إليها، ومنهم من ~~وفى هذه الغزوة وما قبلها فأراد الله التنويه بذكرهم والثناء عليهم توفية ~~لما يفضل به في حقهم، وترغيبا لغيرهم فأظهر ولم يضمر لئلا يتقيد ~~بالمذكورين سابقا فيخص هذه الغزوة فقال: { من المؤمنين } أي الكمل { ~~رجال } أي في غاية العظمة عندنا، ثم وصفهم بقوله: { صدقوا }. # ولما كان العهد عند ذوي الهمم العلية، والأخلاق الزكية، لشدة ذكرهم له ~~ومحافظتهم على الوفاء به، وتصوره لهم حتى كأنه رجل عظيم قائم تجاههم، ~~يتقاضاهم الصدق، عدى الفعل إليه فقال: { ما عاهدوا الله } المحيط علما ~~وقدرة وجلالا وعظمة { عليه } أي من بيع أنفسهم وأموالهم له بدخولهم في ~~هذا الدين الذي بنى على ذلك فوفوا به أتم وفاء، وفي هذا إشارة إلى أبي ~~لبابة بن المنذر رضي الله عنه، وكان من أكابر المؤمنين الراسخين في صفة ~~الإيمان حيث زل في إشارته إلى بني قريظة بأن المراد بهم الذبح، كما تقدم ~~في الأنفال في قوله تعالى: # يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم # [الأنفال: 27] فذهب من حينه وربط نفسه تصديقا لصدقه في سارية من سواري ~~المسجد حتى تاب الله عليه وحله رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده ~~الشريفة. # ولما ذكر الصادقين، وكان ربما فهم أن الصدق لا يكون إلا بالقتل، قسمهم ~~قسمين مشيرا إلى خلاف ذلك بقوله: { فمنهم من قضى } أي أعطى { نحبه } أي ~~نذره في معاهدته، أنه ينصر رسول ms3707 الله صلى الله عليه وسلم ويموت دونه، ~~وفرغ من ذلك وخرج من عهدته بأن قتل شهيدا، فلم يبق عليه نذر كحمزة بن ~~عبد المطلب ومصعب بن عمير وعبد الله بن جحش وسعد بن الربيع وأنس بن النضر ~~الذي غاب عن غزوة بدر فقال: غبت عن أول قتال قاتل فيه النبي صلى الله ~~عليه وسلم، لئن أشهدني الله قتالا ليرين الله ما أصنع، فلما انهزم من ~~انهزم في غزوة أحد قال: اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء - يعني ~~المشركين - ومما صنع هؤلاء - يعني المنهزمين من المسلمين. وقاتل حتى قتل ~~بعد بضع وثمانين جراحة من ضربة بسيف، وطعنة برمح، ورمية بسهم، وروى ~~البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: " نرى هذه الآيات نزلت في أنس ~~بن النضر { من المؤمنين رجال } " - انتهى، وغير هؤلاء ممن قتل قبل هذا في ~~غزوة أحد وغيرها، وسعد بن معاذ ممن جرح في هذه الغزوة وحكم في بني قريظة ~~بالقتل والسبي، ولم يرع لهم حلفهم لقومه، ولا أطاع قومه في الإشارة عليه ~~باستبقائهم كما استبقى عبد الله بن أبي المنافق بني قينقاع ولا أخذته بهم ~~رأفة غضبا لله ولرسوله رضي الله عنه، وممن لم يقتل في عهد النبي صلى ~~الله عليه وسلم طلحة بن عبيد الله أحد العشرة رضي الله عنهم ثبت في أحد ~~وفعل ما لم يفعله غيره، لزم النبي صلى الله عليه وسلم فلم يفارقه، وذب ~~عنه ووقاه بيده حتى شلت إصبعه النبي صلى الله عليه وسلم أنه ممن قضى ~~نحبه، فالمراد بالنحب هنا العهد الذي هو كالنذر المفضي إلى الموت، وأصل ~~النحب الاجتهاد في العمل، ومن هنا استعمل في النذر لأنه الحامل على ذلك { ~~ومنهم } أي الصادقين { من ينتظر } قضاء النحب إما بالنصرة، أو الموت على ~~الشهادة، أو مطلق المتابعة الكاملة. # ولما كان المنافقون ينكرون أن يكون أحد صادقا فيما يظهر من الإيمان، ~~أكد قوله تعريضا بهم: { وما بدلوا تبديلا } أي وما أوقعوا شيئا من ~~تبديل بفترة أو توان، فهذا تصريح ms3708 بمدح أهل الصدق، وتلويح بذم أهل النفاق ~~عكس ما تقدم، روى البخاري عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: لما نسخنا ~~الصحف بالمصاحف فقدت آية من سورة الأحزاب كنت كثيرا أسمع النبي صلى الله ~~عليه وسلم يقرأها، لم أجدها مع أحد إلا مع خزيمة الأنصاري - رضي الله عنه ~~- الذي جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم شهادته شهادة رجلين { من ~~المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه }. وقوله: " نسخنا الصحف " التي ~~كانت عند حفصة رضي الله عنها بعد موت عمر رضي الله عنه " في المصاحف " ~~التي أمر بها عثمان رضي الله عنه، وقوله: " لم أجدها " أي مكتوبة بدليل ~~حفظه لها، وهذا يدل على أنه لما نسخ المصاحف في عهد عثمان رضي الله عنه ~~لم يقتنعوا بالصحف. بل ضموا إليها ما هو مفرق عند الناس مما كتب بأمر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وبحضرته كما فعلوا حين جمعوا الصحف على عهد ~~أبي بكر رضي الله عنهم أجمعين. # ولما كان كأنه قيل: قد فهم من سياق هذه القصة أن القصد الإقبال عليه ~~سبحانه، وقطع جميع العلائق من غيره، لأنه قادر على كل شيء، فهو يكفي من ~~أقبل عليه كل مهم وإن كان في غاية العجز عنه، تارة بسبب ظاهر, وتارة ~~بغيره, فما له لم يحكم بالاتفاق على كلمة السلام، لتحصل الراحة من هذا ~~العناء كله، فأجيب بأن هذا لتظهر صفة العز والعظمة والعدل وغيرها ظهورا ~~تاما إلى غير ذلك من حكم ينكشف عنها الحجاب، وترفع لتجليها غاية التجلي ~~ستور الأسباب، فقال تعالى معلقا بقوله: { جاءتكم جنود }: { ليجزي الله } ~~أي الذي يريد إظهار جميع صفاته يوم البعث للخاص والعام ظهورا تاما { ~~الصادقين } في ادعاء أنهم آمنوا به { بصدقهم } فيعلي أمرهم في الدنيا ~~وينعمهم في الأخرى، فالصدق سبب وإن كان فضلا منه لأنه الموفق له { ويعذب ~~المنافقين } في الدارين بكذبهم في دعواهم الإيمان المقتضي لبيع النفس ~~والمال { إن شاء } يعذبهم على النفاق { أو يتوب عليهم } أي بما يرون من ~~صدقه سبحانه في ms3709 إعزاز أوليائه وإذلال أعدائه بقدرته التامة حيث كانوا ~~قاطعين بخلاف ذلك. # ولما كانت توبة المنافقين مستعبدة لما يرون من صلابتهم في الخداع وخبث ~~سرائرهم، قال معللا ذلك كله على وجه التأكيد: { إن الله } أي بما له من ~~الجلال والجمال { كان } أزلا وأبدا { غفورا رحيما } يستر الذنب وينعم ~~على صاحبه بالكرامة، أما في الإثابة لكل فالرحمة عامة، وأما في تعذيب ~~المنافق فيخص الصادقين، لأن عذاب أعدائهم من أعظم نعيمهم، وفي حكمه ~~بالعدل عموم الرحمة أيضا، فهو لا يعذب أحدا فوق ما يستحق. ### || [33.25-27] # ولما ذكرهم سبحانه نعمته بما أرسل على أعدائهم من جنوده، وبين أحوال ~~المنافقين والصادقين وما له في ذلك من الأسرار، وختم بهاتين الصفتين، قال ~~مذكرا بأثرهما فيما خرقه من العادة بصرف الأعداء على كثرتهم وقوتهم على ~~حالة لا يرضاها لنفسه عاقل، عاطفا على قوله في أول السورة والقصة { ~~فأرسلنا }: { ورد الله } أي بما له من صفات الكمال { الذين كفروا } أي ~~ستروا ما دلت عليه شموس عقولهم من أدلة الوحدانية وحقية الرسالة، وهم من ~~تحزب من العرب وغيرهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بلادهم عن ~~المدينة ومضايقة المؤمنين، حال كونهم { بغيظهم } الذي أوجب لهم التحزب ثم ~~الذي أوجب لهم التفرق من غير طائل حال كونهم { لم ينالوا خيرا } لا من ~~الدين ولا من الدنيا، بل خذلهم بكل اعتبار. # ولما كان الرد قد يكون بسبب من عدوهم، بين أن الأمر ليس كذلك فقال: { ~~وكفى الله } أي العظيم بقوته وعزته عباده، ودل على أنه ما فعل ذلك إلا ~~لأجل أهل الإخلاص فقال: { المؤمنين القتال } بما ألقى في قلوبهم من ~~الداعية للانصراف بالريح والجنود من الملائكة وغيرهم منهم نعيم بن مسعود ~~كما تقدم. # ولما كان هذا أمرا باهرا، أتبعه ما يدل على أنه عنده يسير فقال: { ~~وكان الله } أي الذي له كل صفة كمال دائما أزلا وأبدا { قويا } لا ~~يعجزه شيء { عزيزا } يغلب كل شيء. # ولما أتم أمر الأحزاب، أتبعه حال الذين ألبوهم، وكانوا سببا في ~~إيتانهم كحيي بن ms3710 أخطب والذين مالأوهم على ذلك، ونقضوا ما كان لهم من عهد، ~~فقال: { وأنزل الذين ظاهروهم } أي عاونوا الأحزاب، ثم بينهم بقوله ~~مبغضا: { من أهل الكتاب } وهم بنو قريظة ومن دخل معهم في حصنهم من بني ~~النضير كحيي، وكان ذلك بعد إخراج بني قنيقاع وبني النضير { من صياصيهم } ~~أي حصونهم العالمية، جمع صيصية وهي كل ما يتمنع به من قرون البقر وغيرها ~~مما شبه بها من الحصون. # ولما كان الإنزال من محل التمنع عجبا، وكان على وجوه شتى، فلم يكن ~~صريحا في الإذلال، فتشوفت النفس إلى بيان حاله، بين أنه الذل فقال ~~عاطفا بالواو ليصلح لما قبل ولما بعد: { وقذف في قلوبهم الرعب } أي بعد ~~الإنزال كما كان قذفه قبل الإنزال، فلو قدم القذف على الإنزال لما أفاد ~~هذه الفؤائد، ولا اشتدت ملاءمة ما بعده للإنزال. # ولما ذكر ما أذلهم به، ذكر ما تأثر عنه مقسما له فقال: { فريقا } ~~فذكره بلفظ الفرقة ونصبه ليدل بادئ بدء على أنه طوع لأيدي الفاعلين: { ~~تقتلون } وهم الرجال، وكان نحو سبعمائة. ولما بدأ بما يدل على التقسيم ~~مما منه الفرقة، وقد أعظم الأثرين الناشئين عن الرعب، أولاه الأثر الآخر ~~ليصير الأثران المحبوبان محتوشين بما يدل على الفرقة فقال: { وتأسرون ~~فريقا } وهم الذراري والنساء، ولعله أخر الفريق هنا ليفيد التخيير في ~~أمرهم، وقدم في الرجال لتحتم القتل فيهم. # ولما ذكر الناطق بقسميه، ذكر الصامت فقال: { وأورثكم أرضهم } من الحدائق ~~وغيرها؛ ولما هم خص بقوله: { وديارهم } لأنه يحامي عليها ما لا يحامي على ~~غيرها؛ ثم عم بقوله: { وأموالهم } مما تقدم ومن غيره من النقد والماشية ~~والسلاح والأثاث وغيرها، فقسم ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم للفارس ~~ثلاثة أسهم: للفرس سهمان ولفارسه سهم كما للراجل ممن ليس له فرس, وأخرج ~~منها الخمس, فعلى سنتها وقعت المقاسم ومضت السنة في المغازي، واصطفى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من سباياهم ريحانة بنت عمرو بن خنافة. إحدى نساء ~~بني عمرو بن قريظة، فتلبثت قليلا، ثم أسلمت، فأراد رسول الله ms3711 صلى الله ~~عليه وسلم: أن يتزوجها ويضرب عليها الحجاب فقالت: يا رسول الله! بل ~~تتركني في ملكك فهو أخف علي وعليك، فتركها حتى توفي عنها في ملكه رضي ~~الله عنها. # ولما كانت هذه غزوة طار رعبها في الآفاق، وأذلت أهل الشرك من الأميين ~~وغيرهم على الإطلاق، ونشرت ألوية النصر فخفقت أعلامها في جميع الآفاق، ~~وأغمدت سيف الكفر وسلت صارم الإيمان للرؤوس والأعناق، حتى قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم وهو أبصر الناس بالحروب، وأنفذهم رأيا لما له من الثبات ~~عند اشتداد الكروب: # " الآن نغزوهم ولا يغزونا " # ، قال تعالى: { وأرضا لم تطؤها } أي تغلبوا عليها بتهيئتكم للغلبة ~~عليها وإعطائكم القوة القريبة من فتحها، وهي أرض خيبر أولا، ثم أرض مكة ~~ثانيا ثم أرض فارس والروم وغيرهما مما فتحه الله بعد ذلك، وكان قد حكم ~~به في هذه الغزوة حين أبرق تلك البرقات للنبي صلى الله عليه وسلم في حفر ~~الخندق، فأراه في الأولى اليمن، وفي الأخرى فارس، وفي الأخرى الروم. # ولما كان ذلك أمرا باهرا, سهله بقوله: { وكان الله } أي أزلا وأبدا ~~بما له من صفات الكمال { على كل شيء } هذا وغيره { قديرا } أي شامل ~~القدرة. ### || [33.28-31] # ولما تقرر بهذه الوقائع - التي نصر فيها سبحانه وحده بأسباب باطنه ~~سببها، وأمور خفية رتبها، تعجز عنها الجيوش المتخيرة المستكثرة، والملوك ~~المتجبرة المستكبرة - ما قدم من أنه كافي من توكل عليه، وأقبل بكليته ~~إليه، وختم بصفة القدرة العامة الدائمة، تحرر أنه قادر على كل ما يريده، ~~وأنه لو شاء أجرى مع وليه كنوز الأرض، وأنه لا يجوز لأحد أن يراعي غيره ~~ولا أن يرمق بوجه ما سواه، وعلم أن من أقبل إلى هذا الدين فإنما نفع نفسه ~~والفضل لصاحب الدين عليه، ومن أعرض عنه فإنما وبال إعراضه على نفسه، ولا ~~ضرر على الدين بإعراض هذا المعرض، كما أنه لا نفع له بإقبال ذلك المقبل، ~~وكان قد قضى سبحانه أن من انقطع إليه حماه من الدنيا إكراما له ورفعا ~~لمنزلته عن خسيسها إلى نفيس ما ms3712 عنده، لأن كل أمرها إلى زوال وتلاش ~~واضمحلال، ولا يعلق همته بذلك إلا قاصر ضال، فأخذ سبحانه يأمر أحب الخلق ~~إليه، وأعزهم منزلة لديه، المعلوم امتثالا للأمر بالتوكل والإعراض عن كل ~~ما سواه سبحانه وأنه لا يختار من الدنيا غير الكفاف، والقناعة والعفاف، ~~بتخيير ألصق الناس به تأديبا لكافة الناس، فقال على طريق الاستنتاج مما ~~تقدم: { يا أيها النبي } ذاكرا صفة رفعته واتصاله به سبحانه والإعلام ~~بأسرار القلوب، وخفايا الغيوب، المقتضية لأن يفرغ فكره لما يتلقاه من ~~المعارف، ولا يعلق عن شيء من ذلك بشيء من أذى: { قل لأزواجك } أي نسائك: ~~{ إن كنتن } أي كونا راسخا { تردن } أي اختيارا علي { الحياة } ~~ووصفها بما يزهد فيها ذوي الهمم ويذكر من له عقل بالآخرة فقال: { الدنيا ~~} أي ما فيها من السعة والرفاهية والنعمة { وزينتها } أي المنافية لما ~~أمرني به ربي من الإعراض عنه واحتقاره من أمرها لأنها أبغض خلقه إليه، ~~لأنها قاطعة عنه { فتعالين } أصله أن الأمر يكون أعلى من المأمور، فيدعوه ~~أن يرفع نفسه إليه ثم كثر حتى صار معناه: أقبل، وهو هنا كناية عن الإخبار ~~والإراداة بعلاقة أن المخبر يدنو إلى من يخبره { أمتعكن } أي بما أحسن به ~~إليكن { وأسرحكن } أي من حباله عصمتي { سراحا جميلا * } أي ليس فيه ~~مضارة، ولا نوع حقد ولا مقاهرة { وإن كنتن } بما لكن من الجبلة { تردن ~~الله } أي الآمر بالإعراض عن الدنيا للإعلاء إلى ما له من رتب الكمال { ~~ورسوله } المؤتمر بما أمره به من الانسلاخ عنها المبلغ للعباد جميع ما ~~أرسله به من أمر الدنيا والدين لا يدع منه شيئا، لما له عليكن وعلى سائر ~~الناس من الحق بما يبلغهم عن الله { والدار الآخرة } التي هي الحيوان بما ~~لها من البقاء، والعلو والارتقاء. # ولما كان ما كل من أظهر شيئا كان عالي الرتبة فيه، قال مؤكدا تنبيها ~~على أن ما يقوله مما يقطع به وينبغي تأكيده دفعا لظن من يغلب عليه حال ~~البشر فيظن فيه الظنون من أهل النفاق وغيرهم، أو يعمل عمل ms3713 من يظن ذلك أو ~~يستبعد وقوعه في الدنيا أو الآخرة: { فإن الله } أي بما له من جميع صفات ~~الكمال { أعد } في الدنيا والآخرة { للمحسنات منكن } أي اللاتي يفعلن ذلك ~~وهن في مقام المشاهدة وهو يعلم المحسن من غيره { أجرا عظيما * } أي ~~تحتقر له الدنيا وكل ما فيها من زينة ونعمة. # ولما أتى سبحانه بهذه العبارة الحكيمة الصالحة مع البيان للتبعيض ~~ترهيبا في ترغيب، أحسن كلهن وحققن بما تخلقن به أن من للبيان، فإن النبي ~~صلى الله عليه وسلم عرض عليهن رضي الله عنهن ذلك، وبدأ بعائشة رضي الله ~~عنها رأس المحسنات إذ ذاك رضي الله عنها وعن أبيها وقال لها: # " إني قائل لك أمرا فلا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري أوبويك " # ، فلما تلاها عليها قالت منكرة لتوقفها في الخبر: أفي هذا أستأمر أبوي، ~~فإني أختار الله ورسوله والدار الآخرة، ثم عرض ذلك على جميع أزواجه ~~فاقتدين كلهن بعائشة رضي الله عنهن فكانت لهن إماما فنالت إلى أجرها مثل ~~أجورهن - روى ذلك البخاري وغيره عن عائشة رضي الله عنها، وسبب ذلك أنه ~~صلى الله عليه وسلم وجد على نسائه رضي الله عنهن فآلى منهن شهرا، فلما ~~انقضى الشهر نزل إليهن من غرفة كان اعتزل فيها وقد أنزل الله عليه ~~الآيات. فخيرهن فاخترنه رضي الله عنهن، وسبب ذلك أن منهن من سأل التوسع ~~في النفقة، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يحب التوسع في الدنيا، ~~روى الشيخان رضي الله عنهما عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما شبع آل محمد ~~صلى الله عليه وسلم، من خبز شعير يومين متتابعين حتى قبض رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وروى الحديث البيهقي ولفظه: قالت: ما شبع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ثلاثة أيام متوالية ولو شئنا لشبعنا، ولكنه كان يؤثر على ~~نفسه، وروى الطبراني في الأوسط عنها أيضا رضي الله عنها قالت: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " من سأل عني أو سره أن ينظر إلي فلينظر إلي أشعث ms3714 شاحب لم يضع لبنة على ~~لبنة ولا قصبة على قصبة، رفع له علم فشمر إليه، اليوم المضمار وغدا ~~السباق، والغاية الجنة أو النار ". # ولما كان الله سبحانه قد أمضى حكمته في هذه الدار في أنه لا يقبل قول ~~إلا ببيان، قال سبحانه متهددا على ما قد أعاذهن الله منه، فالمراد منه ~~بيان أنه رفع مقاديرهن، ولذلك ذكر الأفعال المسندة إليهن اعتبارا بلفظ " ~~من " والتنبيه على غلط من جعل صحبه الأشراف دافعة للعقاب على الإسراف، ~~ومعلمة بأنها إنما تكون سببا للإضعاف: { يا نساء النبي } أي المختارات ~~له لما بينه وبين الله مما يظهر شرفه { من يأت } قراءة يعقوب على ما ~~نقله البغوي بالمثناة الفوقانية على معنى من دون لفظها, وهي قراءة شاذة ~~نقلها الأهوازي في كتاب الشواذ عن ابن مسلم عنه: وقرأ الجماعة بالتحتانية ~~على اللفظ وكذا " يقنت " { منكن بفاحشة } أي من قول أو فعل كالنشوز وسوء ~~الخلق باختيار الحياة الدنيا وزينتها على الله ورسوله أو غير ذلك { مبينة ~~} أي واضحة ظاهرة في نفسها تكاد تنادي بذلك من سوء خلق ونشوز أو غير ذلك ~~{ يضاعف لها العذاب } أي بسبب ذلك، ولما هول الأمر بالمفاعلة في قراءة ~~نافع المفهمة لأكثر من اثنين كما مضى في البقرة، سهله بقوله: { ضعفين } ~~أي بالنسبة إلى ما لغيرها لأن مقدارها لا يعشره مقدار غيرها كما جعل حد ~~الحر ضعفي ما للعبد، وكما جعل أجرهن مرتين. # واشتد العتاب فيما بين الأحباب، وعلى قدر علو المقام يكون الملام، وبقدر ~~النعمة تكون النقمة، وكل من بناء يضاعف للمجهول من باب المفاعلة أو ~~التفعيل لأبي جعفر والبصريين أو للفاعل بالنون عند ابن وكثير وابن عامر ~~يدل على عظمته سبحانه، والبناء للمجهول يدل على العناية بالتهويل بالعذاب ~~بجعله عمدة الكلام وصاحب الجملة بإسناد الفعل إليه، وذلك كله إشارة إلى ~~أن الأمور الكبار صغيرة عنده سبحانه لأنه لا يضره شيء ولا ينفعه، ولا ~~يوجب شيء من الأشياء له حدوث شيء لم يكن، ولذلك قال: { وكان ذلك } أي مع ~~كونه عظيما عندكم { على ms3715 الله يسيرا * } فهذا ناظر إلى مقام الجلال ~~والكبرياء والعظمة. # ولما قدم درء المفاسد الذي هو من باب التخلي، أتبعه جلب المصالح الذي هو ~~من طراز التحلي فقال: { ومن يقنت } أي يخلص الطاعة، وتقدم توجيه قراءة ~~يعقوب بالفوقانية على ما حكاه البغوي والأهوازي في الشواذ عن ابن مسلم { ~~منكن لله } الذي هو أهل لئلا يلتفت إلى غيره لأنه لا أعظم منه بإدامة ~~الطاعة فلا يخرج عن مراقبته أصلا { ورسوله } فلا تغاضبه ولا تطلب منه ~~شيئا، ولا تختار عيشا غير عيشه، فإنه يجب على كل أحد تصفية فكره، ~~وتهدئه باله وسره، ليتمكن غاية التمكن من إنقاذ أوامرنا والقيام بما ~~أرسلناه بسببه من رحمة العباد، بإنقاذهم مما هم فيه من الأنكاد. # ولما كان ذلك قد يفهم الاقتصار على عمل القلب قال: { وتعمل } قرأها حمزة ~~والكسائي بالتحتانية ردا على لفظ " من " حثا لهن على منازل الرجال، ~~وقراءة الجماعة بالفوقانية على معناها على الأصل مشيرة إلى الرفق بهن في ~~عمل الجوارح والرضى بالمستطاع كما قال عليه أفضل الصلاة والسلام: # " إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم " # وأما عمل القلب فلا رضى فيه بدون الغاية، فلذا كان " يقنت " مذكرا لا ~~على شذوذ { صالحا } أي في جميع ما أمر به سبحانه أو نهى عنه { نؤتها } ~~أي بما لنا من العظمة على قراءة الجماعة بالنون، وقراءة حمزة والكسائي ~~بالتحتانية على أن الضمير لله { أجرها مرتين } أي بالنسبة إلى أجر غيرها ~~من نساء بقية الناس { وأعتدنا } أي هيأنا بما لنا من العظمة وأحضرنا { ~~لها } بسبب قناعتها مع النبي صلى الله عليه وسلم المريد للتخلي من الدنيا ~~التي يبغضها الله مع ما في ذلك من توفير الحظ في الآخرة { رزقا كريما * ~~} أي في الدنيا والآخرة، فلا شيء أكرم منه لأن ما في الدنيا منه يوفق ~~لصرفه على وجه يكون فيه أعظم الثواب، ولا يخشى من أجله نوع عتاب فضلا عن ~~عقاب، وما في الآخرة منه لا يوصف ولا يحد، ولا نكد فيه بوجه أصلا ولا ~~كد. ### || [33.32-35] # ولما كان لكل ms3716 حق حقيقة، ولكل قول صادق بيان، قال مؤذنا بفضلهن: { يا ~~نساء النبي } أي الذي أنتن من أعلم الناس بما بينه وبين الله من الإنباء ~~بدقائق الأمور وخفايا الأسرار وما له من الزلفى لديه { لستن كأحد من ~~النساء } قال البغوي: ولم يقل: كواحدة، لأن الأحد عام يصلح للواحد ~~والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث - انتهى، فالمعنى كجماعات من جماعات ~~النساء إذا تقصيت أمة النساء جماعة جماعة لم توجد فيهن جماعة تساويكن في ~~الفضل لما خصكن الله به من قربة بقرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~ونزول الوحي الذي بينه وبين الله في بيوتكن. # ولما كان المعنى: بل أنتن أعلى النساء، ذكر شرط ذلك فقال: { إن اتقيتن } ~~أي جعلتن بينكن وبين غضب الله وغضب رسوله وقاية، ثم سبب عن هذا النفي ~~قوله: { فلا تخضعن } أي إذا تكلمتن بحضرة أجنبي { بالقول } أي بأن يكون ~~لينا عذبا رخما، والخضوع التطامن والتواضع واللين والدعوة إلى السواء؛ ~~ثم سبب عن الخضوع: قوله: { فيطمع } أي في الخيانة { الذي في قلبه مرض } ~~أي فساد وريبة, والتعبير بالطمع للدلالة على أن أمنيته لا سبب لها في ~~الحقيقة، لأن اللين في كلام النساء خلق لهن لا تكلف فيه، فأريد من نساء ~~النبي صلى الله عليه وسلم التكلف للإتيان بضده. # ولما نهاهن عن الاسترسال مع سجية النساء في رخامة الصوت، أمرهن بضده ~~فقال: { وقلن قولا معروفا } أي يعرف أنه بعيد عن محل الطمع. # ولما تقدم إليهن في القول وقدمه لعمومه، أتبعه الفعل فقال: { وقرن } أي ~~اسكن وامكثن دائما { في بيوتكن } فمن كسر القاف وهم غير المدنيين وعاصم ~~جعل الماضي قرر بفتح العين، ومن فتحه فهو عنده قرر بكسرها، وهما لغتان. # ولما أمرهن بالقرار، نهاهن عن ضده مبشعا له، فقال: { ولا تبرجن } أي ~~تظاهرن من البيوت بغير حاجة محوجة، فهو من وادي أمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم لهن بعد حجة الوداع بلزوم ظهور الحصر { تبرج الجاهلية الأولى } أي ~~المتقدمة على الإسلام وعلى ما قبل الأمر بالحجاب، بالخروج من بيت والدخول ~~في آخر، ms3717 والأولى لا تقتضي أخرى كما ذكره البغوي، وعن ابن عباس رضي الله ~~عنهما أنها ما بين نوح وإدريس عليهما السلام، تبرج فيها نساء السهول - ~~وكن صباحا وفي رجالهن دمامة - لرجال الجبال وكانوا صباحا وفي نسائهن ~~دمامة، فكثر الفساد، وعلى هذا فلها ثانية. # ولما أمرهن بلزوم البيوت للتخلية عن الشوائب، أرشدهن إلى التحلية ~~بالرغائب، فقال: { وأقمن الصلاة } أي فرضا ونفلا، صلة لما بينكن وبين ~~الخالق لأن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر { وآتين الزكاة } إحسانا إلى ~~الخلائق، وفي هذا بشارة بالفتوح وتوسيع الدنيا عليهن، فإن العيش وقت ~~نزولها كان ضيقا عن القوت فضلا عن الزكاة. # ولما أمرهن بخصوص ما تقدم لأنهما أصل الطاعات البدنية والمالية، ومن ~~اعتنى بهما حق الاعتناء جرتاه إلى ما وراءهما، عم وجمع في قوله: { وأطعن ~~الله } أي ذاكرات ما له من صفات الكمال { ورسوله } في جميع ما يأمران به ~~فإنه لم يرسل إلا للأمر والنهي تخليصا للخلائق من أسر الهوى. # ولما كانت هذه الآيات قد نهت عن الرذائل, فكانت عنها أشرف الفضائل, قال ~~مبينا أن ذلك إنما هو لتشريف أهل النبي صلى الله عليه وسلم لتزيد الرغبة ~~في ذلك مؤكدا دفعا لوهم من يتوهم أن ذلك لهوان أو غير ذلك من نقصان ~~وحرمان: { إنما يريد الله } أي وهو ذو الجلال والجمال بما أمركم به ~~ونهاكم عنه من الإعراض عن الزينة وما تبعها، والإقبال عليه، عزوفكم عن ~~الدنيا وكل ما تكون سببا له { ليذهب } أي لأجل أن يذهب { عنكم الرجس } ~~أي الأمر الذي يلزمه دائما الاستقذار والاضطراب من مذام الأخلاق كلها { ~~أهل } يا أهل { البيت } أي من كل من تكون من إلزام النبي صلى الله عليه ~~وسلم من الرجال والنساء من الأزواج والإماء والأقارب، وكلما كان الإنسان ~~منهم أقرب وبالنبي صلى الله عليه وسلم أخص وألزم، كان بالإرادة أحق ~~وأجدر. # ولما استعار للمعصية الرجس، استعار للطاعة الطهر، ترغيبا لأصحاب الطباع ~~السليمة والعقول المستقيمة، في الطاعة، وتنفيرا لهم عن المعصية فقال: { ~~ويطهركم } أي يفعل في طهركم بالصيانة عن جميع القاذورات ms3718 الحسية والمعنوية ~~فعل المبالغ فيه، وزاد ذلك عظما بالمصدر فقال: { تطهيرا }. # ولما ذكر ذلك إلى أن ختم بالتطهير، أتبعه التذكير بما أنعم سبحانه به ~~مما أثره التطهير من التأهيل لمشاهدة ما يتكرر من تردد الملائكة بنزول ~~الوحي الذي هو السبب في كل طهر ظاهر وباطن، فقال مخصصا من السياق لأجلهن ~~رضي الله عنهن، منبها لهن على أن بيوتهن مهابط الوحي ومعادن الأسرار: { ~~واذكرن } أي في أنفسكن ذكرا دائما، واذكرنه لغيركن على جهة الوعظ ~~والتعليم. # ولما كانت العناية بالمتلو، بينها بإسناد الفعل إليه لبيان أنه عمدة ~~الجملة فقال بانيا للمفعول: { ما يتلى } أي يتابع ويوالي ذكره والتخلق ~~به، وأشار لهن إلى ما خصهن منه من الشرف فقال: { في بيوتكن } أي بواسطة ~~النبي صلى الله عليه وسلم الذي خيركن { من آيات الله } الذي لا أعظم منه. # ولما كان المراد بذلك القرآن، عطف عليه ما هو أعم منه، فقال مبينا لشدة ~~الاهتمام به بإدخاله في جملة المتلو اعتمادا على أن العامل فيه معروف ~~لأن التلاوة لا يقال في غير الكتاب: { والحكمة } أي ويبث وينشر من العلم ~~المزين بالعمل والعمل المتقن بالعلم، ولا تنسين شيئا من ذلك. # ولما كان السياق للإعراض عن الدنيا، وكانت الحكمة منفرة عنها، أشار ~~بختام الآية إلى أنها مع كونها محصلة لفوز الأخرى جالبة لخير الدنيا، ~~فقال مؤكدا ردعا لمن يشك في أن الرفعة يوصل إليها بضدها ونحو ذلك مما ~~تضمنه الخبر من جليل العبر: { إن الله } أي والذي له جميع العظمة { كان } ~~أي لم يزل { لطيفا } أي يوصل إلى المقاصد بوسائل الأضداد { خبيرا } أي ~~يدق علمه عن إدراك الأفكار، فهو يجعل الإعراض عن الدنيا جالبا لها على ~~أجمل الطرائق وأكمل الخلائق وإن رغمت أنوف جميع الخلائق، ويعلم من يصلح ~~لبيت النبي صلى الله عليه وسلم ومن لا يصلح، وما يصلح الناس دنيا ودينا ~~وما لا يصلحهم، والطرق الموصلة إلى كل ما قضاه وقدره وإن كانت على غير ما ~~يألفه الناس " من انقطع إلى الله كفاه كل مؤنة ورزقه من ms3719 حيث لا يحتسب " ~~رواه الطبراني في الصغير وابن أبي الدنيا والبيهقي في الشعب عن عمران بن ~~حصين رضي الله عنه " من توكل على الله كفاه، ومن انقطع إلى الدنيا وكله ~~الله إليها " - رواه صاحب الفردوس وأبو الشيخ ابن حيان في كتاب الثواب عن ~~عمران رضي الله عنه أيضا، ولقد صدق الله سبحانه وعده في لطفه وحقق بره ~~في خبره بأن فتح على نبيه صلى الله عليه وسلم بعد ذلك خيبر، فأفاض بها ما ~~شاء من رزقه الواسع، ثم لما توفي نبيه صلى الله عليه وسلم ليحيمه من زهرة ~~الحياة الدنيا فتح الفتوحات الكبار من بلاد فارس والروم ومصر وما بقي من ~~اليمن، فعم الفتح جميع الأقطار: الشرق والغرب والجنوب والشمال، ومكن ~~أصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم من كنوز جميع تلك البلاد وذخائر أولئك ~~الملوك حتى صار الصحابة رضوان الله عليهم يكيلون المال كيلا، وزاد الأمر ~~حتى دون عمر الدواوين وفرض للناس عامة أرزاقهم حتى للرضعاء، وكان أولا ~~لا يفرض للمولود حتى يفطم، فكانوا يستعجلون بالفطام فنادى مناديه: لا ~~تعجلوا أولادكم بالفطام فإنا نفرض لكل مولود في الإسلام، وفاوت بين الناس ~~في العطاء بحسب القرب من النبي صلى الله عليه وسلم والبعد منه, وبحسب ~~السابقة في الإسلام والهجرة, ونزل الناس منازلهم بحيث أرضى جميع الناس ~~حتى قدم عليه خالد بن عرفطة فسأله عما وراءه فقال: تركتهم يسألون الله لك ~~أن يزيد في عمرك من أعمارهم، فقال عمر رضي الله عنه: إنما هو حقهم وأنا ~~أسعد بأدائه إليهم، لو كان من مال الخطاب ما أعطيتموه، ولكن قد علمت أن ~~فيه فضلا، فلو أنه إذا خرج عطاء أحدهم ابتاع منه غنما، فجعلها بسوادكم، ~~فإذا خرج عطاؤه ثانية ابتاع الرأس والرأسين فجعله فيها، فإن بقي أحد من ~~ولده كان لهم شيء قد اعتقدوه، فإني لا أدري ما يكون بعدي، وإني لأعم ~~بنصيحتي كل من طوقني الله أمره، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " من مات غاشا لرعيته لم يرح ريح الجنة ms3720 " # ، فكان فرضه لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم اثني عشر ألفا لكل واحدة ~~وهي نحو ألف دينار في كل سنة، وأعطى عائشة رضي الله عنها خمسة وعشرين ~~ألفا لحب رسول الله صلى الله عليه وسلم إياها، فأبت أن تأخذ إلا ما ~~يأخذه صواحباتها، وروى عن برزة بنت رافع قالت: لما خرج العطاء أرسل عمر ~~رضي الله عنه إلى زينب بنت جحش رضي الله عنها بالذي لها فلما أدخل إليها ~~قالت: غفر الله لعمر! غيري من أخواتي أقوى على قسم هذا مني، قالوا: هذا ~~كله لك يا أم المؤمنين، قالت: سبحان الله! واستترت منه بثوب، ثم قالت: ~~صبوه واطرحوا عليه ثوبا، ثم قالت لي: ادخلي يديك واقبضي منه قبضة فاذهبي ~~بها إلى بني فلان وبني فلان من ذوي رحمها وأيتام لها، فقسمته حتى بقيت ~~منه بقية تحت الثوب، قالت برزة بنت رافع: فقلت: غفر الله له يا أم ~~المؤمنين، والله لقد كان لنا في هذا المال حق، قالت: فلكم ما تحت الثوب، ~~فوجدنا تحته خمسمائة وثمانين درهما، ثم رفعت يدها إلى السماء فقالت: ~~اللهم لا يدركني عطاء لعمر بعد عامي هذا، فماتت - ذكر ذلك البلاذري في ~~كتاب فتوح البلاد. # ولما حث سبحانه على المكارم والأخلاق الزاكية، وختم بالتذكير بالآيات ~~والحكمة، أتبعه ما لمن تلبس من أهل البيت بما يدعو إليه ذلك من صفات ~~الكمال، ولكنه ذكره على وجه يعم غيرهم من ذكر وأنثى مشاكلة لعموم الدعوة ~~وشمول الرسالة، فقال جوابا لقول النساء: يا رسول الله! ذكر الله الرجال ~~ولم يذكر النساء بخير فما فينا خير نذكر به، إنا نخاف أن لا يقبل منا ~~طاعة، بادئا الوصف الأول الأعم الأشهر من أوصاف أهل هذا الدين مؤكدا ~~لأجل كثرة المنافقين المكذبين بمضمون هذا الخبر وغيرهم من المصارحين: { ~~إن المسلمين } ولما كان اختلاف النوع موجبا للعطف، قال معلما بالتشريك ~~في الحكم: { والمسلمات }. # ولما كان الإسلام مع كونه أكمل الأوصاف وأعلاها يمكن أن يكون بالظاهر ~~فقط، أتبعه المحقق له وهو إسلام الباطن بالتصديق التام بغاية ms3721 الإذعان، ~~فقال عاطفا له ولما بعده من الأوصاف التي يمكن اجتماعها بالواو للدلالة ~~على تمكين الجامعين لهذه الأوصاف من كل وصف منها: { والمؤمنين والمؤمنات ~~} ولما كان المؤمن المسلم قد لا يكون في أعماله مخلصا قال: { والقانتين ~~} أي المخلصين في إيمانهم وإسلامهم { والقانتات } ولما كان القنوت كما ~~يطلق على الإخلاص المقتضي للمداولة قد يطلق على مطلق الطاعة قال: { ~~والصادقين } في ذلك كله { والصادقات } أي في إخلاصهم في الطاعة، وذلك ~~يقتضي الدوام. # ولما كان الصدق - وهو إخلاص القول والعمل عن شوب يلحقه أو شيء يدنسه - ~~قد لا يكون دائما، قال مسيرا إلى أن ما لا يكون دائما لا يكون صدقا ~~في الواقع: { والصابرين والصابرات } ولما كان الصبر قد يكون سجية، دل على ~~صرفه إلى الله بقوله: { والخاشعين والخاشعات } ولما كان الخشوع - وهو ~~الخضوع والإخبات والسكون - لا يصح مع توفير المال فإنه سيكون إليه، قال ~~معلما أنه إذ ذاك لا يكون على حقيقته: { والمتصدقين } أي المنفقين ~~أموالهم في رضى الله بغاية الجهد من نفوسهم بما أشار إليه إظهار التاء ~~فرضا وتطوعا سرا وعلانية بما أرشد إليه الإظهار أيضا تصديقا لخشوعهم ~~{ والمتصدقات }. # ولما كان بذل المال قد لا يكون مع الإيثار، أتبعه ما يعين عليه فقال: { ~~والصائمين } أي تطوعا للإيثار بالقوت وغير ذلك { والصائمات } ولما كان ~~الصوم يكسر شهوة الفرج وقد يثيرها، قال: { والحافظين فروجهم } أي عما لا ~~يحل لهم بالصوم وما أثاره الصوم { والحافظات } ولما كان حفظ الفروج وسائر ~~الأعمال لا تكاد توجد إلا بالذكر. وهو الذي فيه المراقبة الموصلة إلى ~~المحاضرة المحققة للمشاهدة المحيية بالفناء قال: { والذاكرين الله } أي ~~مع استحضار ما له من الكمال بصفات الجلال والجمال { كثيرا } بالقلب ~~واللسان في كل حالة { والذاكرات } ومن علامات الإكثار من الذكر اللهج به ~~عند الاستيقاظ من النوم. # ولما كان المطيع وإن جاوز الحد في الاجتهاد مقتصرا عن بلوغ ما يحق له، ~~أشار إلى ذلك سبحانه بقوله مكررا الاسم الأعظم إشارة إلى ذلك وإلى صغر ~~الذنوب إذا نسبت إلى عفوه: { أعد الله } أي الذي ms3722 لا يقدر أحد أن يقدره حق ~~قدره مع أنه لا يتعاظمه شيء { لهم مغفرة } أي لهفواتهم وما أتوه من ~~سيئاتهم بحيث يمحو عينه وأثره، فلا عتاب ولا عقاب، ولا ذكر له سبب من ~~الأسباب. # ولما ذكر الفضل بالتجاوز، أتبعه التفضل بالكرم والرحمة فقال: { وأجرا ~~عظيما * } وإعداد الأجر يدل على أن المراد بهذه الأوصاف اجتماعها لأن ~~مظهر الإسلام نفاقا كافر، وتارك شيء من الأوصاف متصف بضده, وحينئذ يكون ~~مخلا بالباقي, وأن المراد بالعطف التمكن والرسوخ في كل وصف منها زيادة ~~على التمكن الذي أفاده التعبير بالوصف دون الفعل، وحينئذ تعدم الكبائر ~~فيتأتى تكفير الصغائر، فتأتي المغفرة والأجر، وأما آية التحريم فلم تعطف ~~لئلا يظن أنهن أنواع كل نوع يتفرد بوصف، وإفادة الرسوخ هنا في الأوصاف من ~~سياق الامتنان والمدح بكونهن خيرا. ### || [33.36-39] # ولما كان الله سبحانه قد قدم قوله: { النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم } ~~- الآية، فعلم قطعا أنه تسبب عنها ما تقديره: وما كان لمؤمن ولا مؤمنة ~~لأن يكون له ولي غير النبي صلى الله عليه وسلم، فطوى ذلك للعلم به، ~~واستدل على مضمون الآية وما قبلها بقصة الأحزاب، وأتبعها نتيجة ذلك مما ~~ذكر تأديب الأزواج له صلى الله عليه وسلم وتهذبيهن لأجله وتطهير أهل بيته ~~وتكريمهم حتى ختم سبحانه بالصفات العشر التي بدأها بالإسلام الذي ليس معه ~~شيء من الإباء، وختمها بأن ذكر الله يكون ملء القلب والفم وهو داع إلى ~~مثل ذلك لأنه سبب الإسلام، عطف على مسبب آية الولاية ما يقتضيه كثرة ~~الذكر من قوله: { وما كان }. # ولما كان الإيمان قد يدعى كذبا لخفاء به، قال: { لمؤمن } أي من عبد ~~الله بن جحش وزيد وغيرهما { ولا مؤمنة } أي من زينب وغيرها، فعلق الأمر ~~بالإيمان إعلاما بأن من اعترض غير مؤمن وإن أظهر الإيمان بلسانه { إذا ~~قضى الله } أي الملك الأعظم الذي لا ينبغي لعاقل التوقف في أمره { ورسوله ~~} الذي لا يعرف قضاؤه إلا به { أمرا } أي أي أمر كان. # ولما كان المراد كل مؤمن، والعبارة صالحة له، وكان ms3723 النفي عن المجموع كله ~~نفيا عما قل عنه من باب الأولى، قال: { أن تكون } أي كونا راسخا على ~~قراءة الجماعة بالفوقانية، وفي غاية الرسوخ على قراءة الكوفيين ~~بالتحتانية { لهم } أي خاصة { الخيرة } مصدر من تخير كالطيرة من تطير على ~~غير قياس { من أمرهم } أي الخاص بهم باستخارة لله ولا بغيرها ليفعلوا ~~خلاف ذلك القضاء، فإن المراد بالاستخارة ظن ما اختاره الله، وإخبار النبي ~~صلى الله عليه وسلم قطعي الدلالة على ما اختاره الله تعالى، وفي هذا عتاب ~~لزينب رضي الله عنها على تعليق الإجابة للنبي صلى الله عليه وسلم عند ما ~~خطبها لنفسه الشريفة على الاستخارة، وعلى كراهتها عند ما خطبها لزيد ~~مولاه، ولكنها لما قدمت بعد نزول الآية خيرته صلى الله عليه وسلم في ~~تزويجها من زيد رضي الله عنهما على خيرتها، عوضها الله أن صيرها لنبيه ~~صلى الله عليه وسلم ومعه في الجنة في أعلى الدرجات، فالخيرة للنبي صلى ~~الله عليه وسلم لأنه لا ينطق عن الهوى، فمن فعل غير ذلك فقد قضى النبي ~~صلى الله عليه وسلم، ومن عصاه عصى الله لأنه لا ينطق إلا عنه { ومن يعص ~~الله } أي الذي لا أمر لأحد معه { ورسوله } أي الذي معصيته معصيته لكونه ~~بينه وبين الخلق في بيان ما أرسل به إليهم { فقد ضل } وأكده المصدر فقال: ~~{ ضلالا } وزاده بقوله: { مبينا } أي لا خفاء به، فالواجب على كل أحد ~~أن يكون معه صلى الله عليه وسلم في كل ما يختاره وإن كان فيه أعظم ~~المشقات عليه تخلفا بقول الشاعر حيث قال: # وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي # متأخر عنه ولا متقدم # وأهنتني فأهنت نفسي عامدا # ما من يهون عليك ممن يكرم # ولما كان قد أخبره سبحانه - كما رواه البغوي وغيره عن سفيان بن عيينة عن ~~علي ابن جدعان عن زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب - أن ~~زينب رضي الله عنها ستكون من أزواجه وأن زيدا سيطلقها، وأخفى في نفسه ~~ذلك تكرما وخشية من قاله ms3724 الناس أنه يريد نكاح زوجة ابنه، وكان في إظهار ~~ذلك أعلام من أعلام النبوة، وكان مبنى أمر الرسالة على إبلاغ الناس ما ~~أعلم الله به أحبوه أو كرهوه، وأن لا يراعي غيره، ولا يلتفت إلى سواه وإن ~~كان في ذلك خوف ذهاب النفس، فإنه كاف من أراد بعزته، ومتقن من أراد ~~بحكمته، كما أخذ الله الميثاق به من النبيين كلهم ومن محمد ونوح وإبراهيم ~~وموسى وعيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم, فكان من المعلوم أن التقدير: ~~اذكر ما أخذنا منك ومن النبيين من الميثاق على إبلاغ كل شيء أخبرناكم به ~~ولم ننهكم من إفشائه وما أخذنا على الخلق في كل من طاعتك ومعصيتك، عطف ~~عليه قوله: { وإذ تقول } وذلك لأن الأكمل يعاتب على بعض الكمالات لعلو ~~درجته عنها وتحليه بأكمل منها من باب " حسنات الأبرار سيئات المقربين " ، ~~وبين شرفه بقوله: { للذي أنعم الله } أي الملك الذي له كل كمال { عليه } ~~أي بالإسلام وتولى نبيه صلى الله عليه وسلم إياه بعد الإيجاد والتربية، ~~وبين منزلته من النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: { وأنعمت عليه } أي ~~بالعتق والتبني حين استشارك في فراق زوجه الذي أخبرك الله أنه يفارقها ~~وتصير زوجتك: { أمسك عليك زوجك } أي زينب { واتق الله } أي الذي له جميع ~~العظمة في جميع أمرك لا سيما ما يتعلق بحقوقها ولا تغبنها بقولك: إنها ~~تترفع علي - ونحو ذلك { وتخفي } أي والحال أنك تخفي، أي تقول له مخفيا ~~{ في نفسك } أي مما أخبرك الله من أنها ستصير إحدى زوجاتك عن طلاق زيد { ~~ما الله مبديه } أي بحمل زيد على تطليقها وإن أمرته أنت بإمساكها وتزويجك ~~بها وأمرك بالدخول عليها، وهو دليل على أنه ما أخفى غير ما أعلمه الله ~~تعالى من أنها ستصير زوجته عن طلاق زيد لأن الله تعالى ما أبدى غير ذلك ~~ولو أخفى غيره لأبداه سبحانه لأنه لا يبدل القول لديه، روى البخارى عن ~~أنس بن مالك رضي الله عنه أن هذه الآيات نزلت في شأن زينب بنت جحش ms3725 وزيد ~~بن حارثة رضي الله عنهما. # ولما ذكر إخفاءه ذلك، ذكر علته فقال عاطفا على " تخفي ": { وتخشى الناس ~~} أي من أن تخبر بما أخبرك الله به فيصوبوا إليك مرجمات الظنون لا سيما ~~اليهود والمنافقون { والله } أي والحال أن الذي لا شيء أعظم منه { أحق أن ~~تخشاه } أي وحده ولا تجمع خشية الناس مع خشيته في أن تؤخر شيئا أخبرك به ~~لشيء يشق عليك حتى يفرق لك فيه أمر، قالت عائشة رضي الله عنها: لو كتم ~~النبي صلى الله عليه وسلم شيئا مما أوحي إليه لكتم هذه الآية. # ولما علم من هذا أنه سبحانه أخبره بأن زيدا سيطلقها وأنها ستصير زوجا ~~له من طلاق زيد إياها، سبب عنه قوله عاطفا عليه: { فلما قضى زيد منها ~~وطرا } أي حاجة من زواجها والدخول بها، وذلك بانقضاء عدتها منه لأنه به ~~يعرف أنه لا حاجة له فيها، وأنه قد تقاصرت عنها همته، وطابت عنها نفسها، ~~وإلا لراجعها { زوجناكها } ولم نحوجك إلى ولي من الخلق يعقد لك عليها، ~~تشريفا لك ولها، بما لنا من العظمة التي خرقنا بها عوائد الخلق حتى أذعن ~~لذلك كل من علم به، وسرت به جميع النفوس، ولم يقدر منافق ولا غيره على ~~الخوض في ذلك ببنت شفة مما يوهنه ويؤثر فيه، روى مسلم في صحيحه عن أنس ~~رضي الله عنه قال: لما انقضت عدة زينب رضي الله عنها قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لزيد: اذهب فاذكرها علي، فانطلق زيد رضي الله عنه حتى ~~أتاها وهي تخمر عجينها، قال: فلما رأيتها عظمت في صدري حتى ما أستطيع أن ~~انظر إليها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرها، فوليتها ظهري ونكصت ~~على عقبي فقلت: يا زينب! إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرك، قالت: ~~ما أنا بصانعة شيئا حتى أؤامر ربي، فقامت إلى مسجدها ونزل القرآن، وجاء ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل عليها بغير إذن, قال: ولقد رأيتنا أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أطعمنا ms3726 الخبز واللحم حتى امتد النهار, فخرج ~~الناس وبقي رجال يتحدثون فذكره، سيأتي. وقال البغوي: قال الشعبي: كانت ~~زينب رضي الله عنها تقول للنبي صلى الله عليه وسلم: إني لأدل عليك بثلاث ~~ما من نسائك امرأة تدل بهن: جدي وجدك واحد، وأني أنكحينك الله في السماء، ~~وأن السفير لجبريل عليه السلام. # ولما ذكر سبحانه التزويج على ما له من العظمة، ذكر علته دالا على أن ~~الأصل مشاركة الأمة للنبي صلى الله عليه وسلم في الأحكام وأن لا خصوصية ~~إلا بدليل فقال: { لكي لا يكون على المؤمنين } أي الذين أزالت عراقتهم في ~~الإيمان حظوظهم { حرج } أي ضيق { في أزواج أدعيائهم } أي الذين تبنوا بهم ~~وأجروهم في تحريم أزواجهم مجرى أزواج البنين على الحقيقة { إذا قضوا منهن ~~وطرا } أي حاجة بالدخول بهن ثم الطلاق وانقضاء العدة. # ولما علم سبحانه أن ناسا يقولون في هذه الواقعة أقوالا شتى، دل على ما ~~قاله زين العابدين بقوله: { وكان أمر الله } أي من الحكم بتزوجيها وإن ~~كرهت وتركت إظهار ما أخبرك الله به كراهية لسوء القالة واستحياء من ذلك، ~~وكذا كل أمر يريده سبحانه { مفعولا * } لأنه سبحانه له الأمر كله لا راد ~~لأمره ولا معقب لحكمه. # ولما أنتج هذا التسهيل لما كان استصعبه صلى الله عليه وسلم والتأمين مما ~~كان خافه، عبر عن ذلك بقوله مؤكدا ردا على من يظن خلاف ذلك: { ما كان ~~على النبي } أي الذي منزلته من الله الاطلاع على ما لم يطلع عليه غيره من ~~الخلق { من حرج فيما فرض } أي قدر { الله } بما له من صفات الكمال وأوجبه ~~{ له } لأنه لم يكن على المؤمنين مطلقا حرج في ذلك، فكيف برأس المؤمنين، ~~فصار منفيا عنه الحرج مرتين خصوصا بعد عموم تشريفا له وتنويها بشأنه. # ولما كان مما يهون الأمور الصعاب المشاركة فيها فكيف إذا كانت المشاركة ~~من الأكابر، قال واضعا الأسم موضع مصدره: { سنة الله } أي سن الملك الذي ~~إذا سن شيئا أتقنه بما له من العزة والحكمة فلم يقدر أحد أن يغير ms3727 شيئا ~~منه { في الذين خلوا } وكأنه أراد أن يكون أنبياء بني إسرائيل عليهم ~~السلام أولى مراد بهذا، تبكيتا لملبسي أتباعهم, فأدخل الجار فقال: { من ~~قبل } أي من الأنبياء الأقدمين في إباحة التوسيع في النكاح لهم، وهو ~~تكذيب لليهود الذين أنكروا ذلك، وإظهار لتلبيسهم. # ولما كان المراد بالنسبة الطريق التي قضاها وشرعها قال معلما بأن هذا ~~الزواج كان أمرا لا بد من وقوعه لإرادته له في الأزل فلا يعترض فيه ~~معترض ببنت شفة يحل به ما يحل بمن اعترض على أوامر الملك، ولأجل الاهتمام ~~بهذا الإعلام اعترض به بين الصفة الموصوف فقال: { وكان أمر الله } أي ~~قضاء الملك الأعظم في ذلك وغيره من كل ما يستحق أن يأمر به ويهدي إليه ~~ويحث عليه، وعبر عن السنة بالأمر تأكيدا لأنه لا بد منه { قدرا } وأكده ~~بقوله: { مقدورا } أي لا خلف فيه، ولا بد من وقوعه في حينه الذي حكم ~~بكونه فيه، وهو مؤيد أيضا لقول زين العابدين وكذا قوله تعالى واصفا ~~للذين خلوا: { الذين يبلغون } أي إلى أمهم { رسالات الله } أي الملك ~~الأعظم سواء كانت في نكاح أو غيره شقت أو لا { ويخشونه } أي فيخبرون بكل ~~ما أخبرهم به ولم يمنعهم من إفشائه، ولوح بعد التصريح في قوله { وتخشى ~~الناس }: { ولا يخشون أحدا } قل أو جل { إلا الله } لأنه ذو الجلال ~~والإكرام. # ولما كان الخوف من الملك العدل إنما هو من حسابه كان التقدير: فيخافون ~~حسابه، أتبعه قوله: { وكفى بالله } أي المحيط بجميع صفات الكمال { حسيبا ~~* } أي مجازيا لكل أحد بما عمل وبالغا في حسابه الغاية القصوى، وكافيا ~~من أراد كفايته كل من أراده بسوء. ### || [33.40-46] # ولما أفاد هذا كله أن الدعي ليس ابنا، وكانوا قد قالوا لما تزوج زينب ~~كما رواه الترمذي عن عائشة رضي الله عنها: تزوج حليلة ابنه، أخبر به ~~سبحانه على وجه هو من أعلام النبوة وأعظم دلائل الرسالة فقال: { ما كان } ~~أي بوجه من الوجوه مطلق كون { محمد } أي على كثرة نسائه وأولاده { أبا ~~أحد من رجالكم ms3728 } لا مجازا بالتبني ولا حقيقة بالولادة، ليثبت بذلك أن ~~تحرم عليه زوجة الابن، ولم يقل: من بينكم، وإن لم يكن له في ذلك الوقت ~~وهو سنة خمس وما داناها - ابن، ذكر لعلمه سبحانه أنه سيولد له ابنه ~~إبراهيم عليه السلام، ومع ما كان قبله من البنين الذين لم يبلغ أحد منهم ~~الحلم - على جميعهم الصلاة والسلام. # ولما كان بين كونه صلى الله عليه وسلم أبا لأحد من الرجال حقيقة وبين ~~كونه خاتما منافاة قال: { ولكن } كان في علم الله غيبا وشهادة أنه { ~~رسول الله } الملك الأعظم الذي كل من سواه عبده، فبينكم وبين رسوله من ~~جهة مطلق الرسالة أبوة وبنوة مجازية، أما من جهته فبالرأفة والرحمة ~~والتربية والنصيحة من غير أن تحرم عليه تلك البنوة شيئا من نسائكم وإلا ~~لم يكن لمنصب النبوة مزية، وأما من جهتكم فبوجوب التعظيم والتوفير ~~والطاعة وحرمة الأزواج، وأما كون الرسالة عن الله الذي لا أعظم منه فهو ~~مقتض لأن يبلغ الناس عنه جميع ما أمره به، وقد بلغكم قوله تعالى: { ~~ادعوهم لآبائهم } ووظيفة الشريفة مقتضية لأن يكون أول مؤتمر بهذا الأمر، ~~فهو لا يدعو أحدا من رجالكم بعد هذا ابنه. # ولما لم يكن مطلق النبوة ولا مطلق الرسالة منافيا لأبوه الرجال قال: { ~~وخاتم النبيين } أي لأن رسالته عامة ونبوته معها إعجاز القرآن، فلا حاجة ~~مع ذلك إلى استنباء ولا إرسال، فلا يولد بعده من يكون نبيا، وذلك مقتض ~~لئلا يبلغ له ولد يولد منه مبلغ الرجال، ولو قضي أن يكون بعده نبي لما ~~كان إلا من نسله إكراما له لأنه أعلى النبيين رتبة وأعظم شرفا، وليس ~~لأحد من الأنبياء كرامة إلا وله مثلها أو أعظم منها، ولو صار أحد من ولده ~~رجلا لكان نبيا بعد ظهور نبوته، وقد قضى الله ألا يكون بعده نبي ~~إكراما له، روى أحمد وابن ماجه عن أنس وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال في ابنه إبراهيم: # " لو عاش لكان صديقا نبيا " # ، وللبخاري ms3729 نحوه عن البراء بن عازب رضي الله عنه، وللبخاري من حديث ابن ~~أبي أوفى رضي الله عنه: لو قضى أن يكون بعد محمد صلى الله عليه وسلم نبي ~~لعاش ابنه، ولكن لا نبي بعده. # والحاصل أنه لا يأتي بعده نبي بشرع جديد مطلقا ولا يتجدد بعده أيضا ~~استنباء نبي مطلقا، فقد آل الأمر إلى أن التقدير: ما كان محمد بحيث ~~يتجدد بعده نبوة برسالة ولا غيرها ولكنه كان - مع أنه رسول الله - ختاما ~~للنبوة غير أنه سيق على الوجه المعجز لما تقدم من النكت وغيرها، وهذه ~~الآية مثبتة لكونه خاتما على أبلغ وجه وأعظمه، وذلك أنها في سياق ~~الإنكار لأن يكون بنيه أحد من رجالهم بنوة حقيقية أو مجازية بغير جهة ~~الإدلاء بأنثى أو كونه رسولا وخاتما، صونا لمقام النبوة أن يتجدد بعده ~~لأحد لأنه لو كان ذلك بشر لم يكن إلا ولدا له، وإنما أوثرت إماتة أولاده ~~عليه الصلاة والسلام وتأثير قلبه الشريف بها إعلاء لمقامه أن يتسنمه أحد ~~كائنا من كان، وذلك لأن فائدة إتيان النبي تتميم شيء لم يأت به من قبله، ~~وقد حصل به صلى الله عليه وسلم التمام فلم يبق بعد ذلك مرام # " بعثت لأتمم مكارم الأخلاق " # وأما تجديد ما وهى بما أحدثه بعض الفسقة فالعلماء كافون فيه لوجود ما خص ~~به صلى الله عليه وسلم من هذا القرآن المعجز الذي من سمعه فكأنما سمعه من ~~الله، لوقوع التحقق والقطع بأنه لا يقدر غيره أن يقول شيئا منه، فمهما ~~حصل ذهول عن ذلك قروه من يريد الله من العلماء، فيعود الاستبصار كما روي ~~في بعض الآثار " علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل " وأما إتيان عيسى عليه ~~الصلاة والسلام بعد تجديد المهدي رضي الله عنه لجميع ما وهن من أركان ~~المكارم فلأجل فتنة الدجال ثم طامة ياجوج وماجوج ونحو ذلك مما لا يستقل ~~بأعبائه غير نبي، وما أحسن ما نقل عن حسان بن ثابت رضي الله عنه في ~~مرثيته لإبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم حيث ms3730 قال: # مضى ابنك محمود العواقب لم يشب # بعيب ولم يذمم بقول ولا فعل # رأى أنه إن عاش ساواك في العلا # فآثر أن يبقى وحيدا بلا مثل # وقال الغزالي رحمه الله في آخر كتابة الاقتصاد: إن الأمة فهمت من هذا ~~اللفظ - أي لفظ هذه الآية - ومن قرائن أحواله صلى الله عليه وسلم أنه ~~أفهم عدم نبي بعده أبدا، وعدم رسول بعده أبدا، وأنه ليس فيه تأويل ولا ~~تخصيص، وقال: أن من أوله بتخصيص النبيين بأولي العزم من الرسل ونحو هذا ~~فكلامه، من أنواع الهذيان، لا يمنع الحكم بتكفيره، لأنه مكذب بهذا النص ~~الذي أجمع الأمة على أنه غير مؤول ولا مخصوص هذا كلامه في كتاب الاقتصاد، ~~نقلته منه بغير واسطة ولا تقليد، فإياك أن تصغي إلى من نقل عنه غير هذا، ~~فإنه تحريف يحاشي حجة الإسلام عنه: # وكم من عائب قولا صحيحا # وآفته من الفهم السقيم # وقد بان بهذا أن إتيان عيسى عليه الصلاة والسلام غير قادح في هذا النص، ~~فإنه من أمته صلى الله عليه وسلم المقررين لشريعته، وهو قد كان نبيا ~~قبله لم يستجد له شيء لم يكن، فلم يكن ذلك قادحا في الختم وهو مثبت لشرف ~~نبينا صلى الله عليه وسلم، ولولا هو لما وجد، وذلك أنه لم يكن لنبي من ~~الأنبياء شرف إلا وله صلى الله عليه وسلم مثله أو أعلى منه، وقد كانت ~~الأنبياء تأتي مقرره لشريعة موسى عليه الصلاة والسلام مجددة لها، فكان ~~المقرر لشريعة نبينا صلى الله عليه وسلم المتبع لملته من كان ناسخا ~~لشريعة موسى عليه الصلاة والسلام. # ولما كان المقام في هذا البت بأنه لا يكون له ولد يصير رجلا مقام إحاطة ~~العلم، كان التقدير: لأنه سبحانه أحاط علما بأنه على كثرة نسائه وتعدد ~~أولاده لا يولد له ولد ذكر فيصير رجلا { وكان الله } أي الذي له كل صفة ~~كمال أزلا وأبدا { بكل شيء } من ذلك وغيره { عليما } فيعلم من يليق ~~بالختم ومن يليق بالبدء، قال الأستاذ ولي الدين الملوي في كتابه ms3731 حصن ~~النفوس في سؤال القبر: واختصاصه صلى الله عليه وسلم بالأحمدية والمحمدية ~~علما وصفة برهان جلي على ختمه إذ الحمد مقرون بانقضاء الأمور مشروع عنده ~~وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين، وقد بين السهيلي هذا في سورة ~~الحواريين من كتاب الإعلام - انتهى. وقد بينت في سورة النحل أن مدار مادة ~~الحمد على بلوغ الغاية وامتطاء النهاية. # ولما كان ما أثبته لنفسه سبحانه من إحاطة العلم مستلزما للإحاطة بأوصاف ~~الكمال، وكان قد وعد من توكل عليه بأن يكفيه كل مهم، ودل على ذلك بقصة ~~الأحزاب وغيرها وأمر بطاعة نبيه صلى الله عليه وسلم وتقدم بالوصية التامة ~~في تعظيمه إلى أن أنهى الأمر في إجلاله، وكانت طاعة العبد لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من كل وجه حتى يكون مسلوب الاختبار معه، فيكون بذلك ~~مسلما لا يحمل عليها إلا طاعة الله، وكانت طاعة الله كذلك لا يحمل عليها ~~إلا دوام ذكره، قال بعد تأكيد زواجه صلى الله عليه وسلم لزينب رضي الله ~~عنها بأنه هو سبحانه زوجه إياها لأنه قضى أن لا بنوة بينه وبين أحد من ~~رجال أمته توجب حرمة زوج الولد: { يا أيها الذين آمنوا } أي ادعوا ذلك ~~بألسنتهم { اذكروا } أي تصديقا لدعواكم ذلك { الله } الذي هو أعظم من كل ~~شيء { ذكرا كثيرا } أي بأن تعقدوا له سبحانه صفات الكمال وتثنوا عليه ~~بها بألسنتكم، فلا تنسوه في حال من الأحوال ليحملكم ذلك على تعظيم رسوله ~~صلى الله عليه وسلم حق تعظيمه، واعتقاد كماله في كل حال، وأنه لا ينطق عن ~~الهوى، لتحوزوا مغفرة وأجرا عظيما، كما تقدم الوعد به. # ولما كان ثبوت النبوة بينه وبين أحد من الرجال خارما لإحاطة العلم، وجب ~~تنزيهه سبحانه عن ذلك فقال: { وسبحوه } أي عن أن يكون شيء على خلاف ما ~~أخبر به، وعن كل صفة نقص بعد ما أثبتم له كل صفة كمال { بكرة وأصيلا * } ~~أي في أول النهار وآخره أي دائما لأن هذين الوقتين إما للشغل الشاغل ~~ابتداء أو انتهاء أو للراحة، ms3732 فوجوب الذكر فيهما وجوب له في غيرهما من باب ~~الأولى، قال ابن عباس رضي الله عنهما: لم يفرض الله على عباده فريضة إلا ~~جعل لها حدا معلوما، تم عذر أهلها في حال العذر غير الذكر فإنه تعالى ~~لم يجعل له حدا ينتهي إليه، ولم يعذر أحدا في تركه إلا مغلوبا على ~~عقله. وهما أيضا مشهودان بالملائكة ودالان على الساعة: الثاني قربها ~~بزوال الدنيا كلها، والأول على البعث بعد الموت، ويجوز أن يكون ذلك إشارة ~~إلى صلاتي الصبح والعصر، لأن المواظبة عليهما - لما أشير إليه من ~~صعوبتهما بما يعتري في وقتيهما من الشغل بالراحة وغيرها - دالة على غاية ~~المحبة للمثول بالحضرات الربانية حاملة على المواظبة على غيرهما من ~~الصلوات وجميع الطاعات بطريق الأولى، ويؤكد هذا الثاني تعبيره بلفظ ~~الصلاة في تعليل ذلك بدوتم ذكره لنا سبحانه بقوله: { هو الذي يصلي عليكم ~~} أي بصفة الرحمانية متحننا، لأن المصلي منا يتعطف في الأركان { ~~وملائكته } أي كلهم بالاستغفار لكم وحفظكم من كثير من المعاصي والآفات ~~ويتردد بعضهم بينه سبحانه وبين الأنبياء بما ينزل إليهم من الذكر الحافظ ~~من كل سوء فقد اشتركت الصلاتان في إظهار شرف المخاطبين. # ولما كان فعل الملائكة منسوبا إليه لأنه مع كونه الخالق له الآمر به ~~قال: { ليخرجكم } أي بذلك { من الظلمات } أي الكائنة من الجهل الموجب ~~للضلال { إلى النور } أي الناشىء من العلم المثمر للهدى، فيخرج بعضكم ~~بالفعل من ظلمات المعاصي المقتضية للرين على القلب إلى نور الطاعات، ~~فتكونوا بذلك مؤمنين { وكان } أي ازلا وأبدا { بالمؤمنين } أي الذين ~~صار الإيمان لهم ثابتا خاصة { رحيما * } أي بليغ الرحمة يتوفيقهم لفعل ~~ما ترضاه الإلهية، فإنهم أهل خاصته فيحملهم على الإخلاص في الطاعات، ~~فيرفع لهم الدرجات في روضات الجنات. # ولما كان أظهر الأوقات في تمرة هذا الوصف ما بعد الموت، قال تعالى ~~مبينا لرحمتهم: { تحيتهم يوم يلقونه } أي بالموت أو البعث { سلام } أي ~~يقولون له ذلك، " أنت السلام ومنك السلام فجئنا ربنا بالسلام " كما يقوله ~~المحرم المشبه لحال من هو في الحشر ms3733 فيجابون بالسلام الذي فيه إظهار شرفهم ~~ويأمنون معه من كل عطب { وأعد } أي والحال أنه أعد { لهم } أي بعد ~~السلامة الدائمة { أجرا كريما * } أي غدقا دائما لا كدر في شيء منه. # ولما وعظ المؤمنين فيه صلى الله عليه وسلم له بما أقبل بأسماعهم وقلوبهم ~~إليه، وختم بما يوجب لهم الفوز بما عنده سبحانه، وكان معظم ذلك له صلى ~~الله عليه وسلم فإنه رأس المؤمنين، أقبل بالخطاب عليه ووجهه إليه فقال ~~منوها من ذكره ومشيدا من قدره بما ينتظم بقوله { الذين يبلغون رسالات ~~الله } الآية وما جرها من العتاب: { يا أيها النبي } أي الذي مخبره بما ~~لا يطلع عليه غيره. # ولما كان الكافرون - المجاهرون منهم والمساترون - ينكرون الرسالة وما ~~تبعها، أكد قوله في أمرها وفخمه فقال: { إنا أرسلناك } أي بعظمتنا بما ~~ننبئك به إلى سائر خلقنا { شاهدا } أي عليهم ولهم مطلق شهادة، لأنه لا ~~يعلم بالبواطن إلا الله، وأنت مقبول الشهادة، فأبلغهم جميع الرسالة سرهم ~~ذلك أو ساءهم سرك فعلهم أو ساءك. # ولما كان المراد الإعلام برسوخ قدمه في كل من هذه الأوصاف، عطفها بالواو ~~فقال: { ومبشرا } أي لمن شهدت لهم بخير بما يسرهم، وأشار إلى المبالغة ~~في البشارة بالتضعيف لما لها من حسن الأثر في إقبال المدعو وللتضعيف من ~~الدلالة على كثرة الفعل والمفعول بشارة بكثرة التابع وهو السبب لمقصود ~~السورة، وكانت المبالغة في النذارة أزيد لأنها أبلغ في رد المخالف وهي ~~المقصود بالذات من الرسالة لصعوبة الاجتراء عليها فقال: { ونذيرا } أي ~~لمن شهدت عليهم بشر بما يسوءهم { داعيا } أي للفريقين { إلى الله } أي ~~إلى ما يرضي الذي لا أعظم منه بالقول والفعل، وأعرى الدعاء عن المبالغة ~~لأنه شامل للبشارة والنذارة والإخبار بالقصص والأمثال ونصب الأحكام ~~والحدود، والمأمور به في كل ذلك الإبلاغ بقدر الحاجة بمبالغة أو غيرها ~~فمن لم ترده عن غيه النذارة، وتقبل به إلى رشده البشارة، حمل على ذلك ~~بالسيف. # ولما كان ذلك في غاية الصعوبة، لا يقوم به أحد إلا بمعونة من الله ~~عظيمة، أشار إلى ms3734 ذلك بقوله: { بإذنه } أي بتمكينه لك من الدعاء بتيسير ~~أسبابه، وتحمل أعبائه، وللمدعو من الإقبال والإتباع إن أراد له الخير. # ولما كان الداعي إلى الله يلزمه النور لظهور الأدلة قال: { وسراجا } ~~يمد البصائر فيجلي ظلمات الجهل بالعلم المبصر لمواقع الزلل كما يمد النور ~~الحسي نور الأبصار. ولما كان المقام مرشدا إلى إنارته، وكان من السرج ما ~~لا يضيء، وكان للتصريح والتأكيد شأن عظيم قال: { منيرا * } أي ينير على ~~من أتبعه ليسير في أعظم ضياء، ومن تخلف عنه كان في أشد ظلام، فعرف من ~~التقييد بالنور أنه محط الشبه، وعبر به دون الشمس لأنه يقتبس منه ولا ~~ينقص مع أنه من أسماء الشمس. ### || [33.47-50] # ولما تقدمت هذه الأوصاف الحسنى، وكان تطبيق ثمراتها عليها في الذروة، من ~~العلو، وكان الشاهد هو البينة، فكان كأنه قيل: فأقم الأدلة النيرة، وادع ~~وأنذر كل من خالف أمرك، وكان المقام لخطاب المقبلين، طوى هذا المقدر لأنه ~~للمعرضين، ودل عليه بقوله عاطفا عليه: { وبشر المؤمنين } أي الذين صح ~~لهم هذا الوصف. فإنك مبشر { بأن لهم } وبين عظمة هذه البشرى بقوله: { من ~~الله } أي الذي له جميع صفات العظمة { فضلا كبيرا * } أي من جهة ~~النفاسة ومن جهة التضعيف من عشرة أمثال الحسنة إلى ما لا يعلمه إلا الله. # ولما أمره سبحانه بما يسر نهاه عما يضر، فقال ذاكرا ثمرة النذارة: { ~~ولا تطع الكافرين } أي المشاققين { والمنافقين } أي لا تترك إبلاغ شيء ~~مما أنزلته إليك من الإنزال، وغيره كراهة شيء من مقالهم أو فعالهم في أمر ~~زينب أو غيرها، فإنك نذير لهم، وزاد على ما في أول السورة محط الفائدة في ~~قوله مصرحا بما اقتضاه ما قبله: { ودع } أي اترك على حالة حسنة بك وأمر ~~جميل لك { أذاهم } فلا تراقبه في شيء، ولا تحسب له حسابا أصلا، واصبر ~~عليه فإنه غير ضائرك لأن الله دافع عنك لأنك داع بإذنه. # ولما كان ترك المؤذي، والإعراض عنه استسلاما في غاية المشقة، ذكره ~~بالدواء فقال: { وتوكل على الله } أي الملك الأعلى في ms3735 الانتصار لك منهم ~~وإبلاغ جميع ما يأمرك به وفي جميع أمرك لأن الله متم نورك ومظهر دينك ~~والاكتفاء به من ثمرات إنارته لك بجعلك سراجا، ولما كان الوكيل قد لا ~~ينهض بجميع الأمور، قال معلما بأن كفايته محيطه: { وكفى } وأكد أمر ~~الكفاية بإيجاد الباء في الفاعل تحقيقا لكونه فاعلا كما مضى في آخر ~~سورة الرعد فقال: { بالله } أي الذي له الإحاطة الكاملة، وميز النسبة ~~بالفاعل في الأصل لزيادة التأكيد في تحقيق معنى الفاعل فقال: { وكيلا * ~~} فمن اكتفى به أنار له جميع أمره. # ولما أمر سبحانه بإبلاغ أوامره من غير التفات إلى أحد غيره، وكان من ~~المعلوم أنه لا بد في ذلك من محاولات ومنازعات، لا يقوم بها إلا من أعرض ~~عن الخلائق، لما هو مشاهد له من عظمة الخالق، أمر سبحانه بالتوكل عليه، ~~وأقام الدليل الشهودي بقصة الأحزاب وقريظة على كفاية لمن أخلص له، فلما ~~تم الدليل رجع إلى بيان ما افتتح به السورة من الأحكام بعد إعادة الأمر ~~بالتوكل، فذكر أقرب الطلاق إلى معنى المظاهرة المذكورة أول السورة بعد ~~الأمر بالتوكل التي محط قصدها عدم قربان المظاهر عنها بعد أن كان أبطل ~~المظاهرة. فقال ناهيا لمن هو في أدنى أسنان الإيمان بعد بشارة المؤمنين ~~قاطعا لهم عما كانوا يشتدون به في التحجر على المرأة المطلقة لقصد ~~مضاجرتها أو تمام التمكن من التحكم فيه: { يا أيها الذين آمنوا } أي ~~ادعوا ذلك { إذا نكحتم } أي عاقدتم، أطلق اسم المسبب على السبب فقد صار ~~فيه حقيقة شرعية { المؤمنات } أي الموصوفات بهذا الوصف الشريف المقتضي ~~لغاية الرغبة فيهن وأتم الوصلة بينكم وبينهن. # ولما كان طول مدة الحبس بالعقد من غير جماع لا يغير الحكم في العدة وإن ~~غيرها في النسب بمجرد إمكان الوطىء، وكان الطلاق لا يكون إلا بعد النكاح ~~وبعد حل الوطىء بالنكاح، أشار إليه بحرف التراخي فقال: { ثم طلقتموهن } ~~أي بحكم التوزيع، وقيل لابن عباس: إن ابن مسعود رضي الله عنهم يقول بصحة ~~تعليق الطلاق قبل النكاح فقال: زلة علم - وتلا ms3736 هذه الآية. # ولما كان المقصود نفي المسيس في هذا النكاح لا مطلقا، وكانت العبرة في ~~إيجاب المهر بنفس الوطىء لا بإمكانه وإن حصلت الخلوة، أدخل الجار فقال: { ~~من قبل أن تسموهن } أي تجامعوهن، أطلق المس على الجماع لأنه طريق له كما ~~سمي الخمر إثما لأنها سببه. ولما كانت العدة حقا للرجال قال: { فما لكم ~~} ولما كانت العدة واجبة، عبر بأداة الاستعلاء فقال: { عليهن } وأكد ~~النفي بإثبات الجار في قوله: { من عدة } ودل على اعتيادهم ذلك ومبالغتهم ~~فيه والمضاجرة به كما في الظهار بالافتعال فقال: { تعتدونها } أي تتكلفون ~~عدها وتراعونه، وروي عن ابن كثير من طريق البزي شاذا بتخفيف الدال بمعنى ~~تتكلفون الاعتداء بها على المطلقة. # ولما كان هذا الحكم - الذي معناه الانفصال - للمؤمنات اللاتي لهن صفات ~~تقتضي دوام العشرة وتمام الاتصال، كان ذلك للكتابيات من باب الأولى، ~~وفائدة التقييد الإرشاد إلى أنه لا ينبغي العدول عن المؤمنات, بل ولا عن ~~الصالحات من المؤمنات. ولما كان الكلام كما أشير إليه في امرأة قريبة من ~~المظاهر عنها، وكان ما خلا من الفرض للصداق أقرب إلى ذلك، سبب عما مضى ~~قوله: { فمتعوهن } ولم يصرح بأن ذلك لغير من سمى لها لتدخل المسمى لها في ~~الكلام على طريق الندب مع ما لها من نصف المسمى كما دخلت الأولى وجوبا { ~~وسرحوهن } أي أطلقوهن ليخرجن من منازلكم ولا تعتلوا عليهن بعلة { سراحا ~~جميلا * } بالإحسان قولا وفعلا من غير ضرار بوجه أصلا ليتزوجهن من ~~شاء. # ولما كان النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وكان المراد الأعظم في هذه ~~الآيات بيان ما شرفه الله به من ذلك، أتبع ما بين أنه لا عدة فيه من نكاح ~~المؤمنين وما حرمه عليهم من التضييق على الزوجات المطلقات بعض ما شرفه ~~الله تعالى به وخصه من أمر التوسعة في النكاح، وختمه بأن أزواجه لا تحل ~~بعده، فهن كمن عدتهن ثابتة لا تنقضي أبدا، أو كمن زوجها غائب عنها وهو ~~حي، لأنه صلى الله عليه وسلم حي في قبره: { يا أيها النبي } ذاكرا ms3737 ~~سبحانه الوصف الذي هو مبدأ القرب ومقصوده ومنبع الكمال ومداره. # ولما كان الذين في قلوبهم مرض ينكرون خصائص النبي صلى الله عليه وسلم ~~أكد قوله: { إنا أحللنا لك أزواجك } أي نكاحهن، قال الحرالي في كتابه في ~~أصول الفقه: تعليق الحكم بالأعيان مختص بخاص مدلولها نحو حرمت أو حللت ~~المرأة أي نكاحها، والفرس أي ركوبه، والخمر أي شربها، ولحم الخنزير أي ~~أكله، والبحر أي ركوبه، والثور أي الحرث به، وكذلك كل شيء يختص بخاص ~~مدلوله، ولا يصرف عنه إلا بمشعر، ولا إجمال فيه لترجح الاختصاص - انتهى. # ولما كان المقصود من هذه السورة بيان مناقبه صلى الله عليه وسلم وما خصه ~~الله به مما قد يطعن فيه المنافقون من كونه أولى من كل أحد بنفسه وماله، ~~بين أنه مع ذلك لا يرضى إلا بالأكمل، فبين أنه كان يعجل المهور، ويوفي ~~الأجور، فقال: { اللاتي آتيت } أي بالإعطاء الذي هو الحقيقة، وهي به صلى ~~الله عليه وسلم أولى أو بالتسمية في العقد قال الكشاف: وكان التعجيل ديدن ~~السلف وسنتهم وما لا يعرف بينهم غيره { أجورهن } أي مهورهن لأنها عوض عن ~~منفعة البضع، وأصل الأجر الجزاء على العمل { وما ملكت يمينك }. # ولما كان حوز الإنسان لما سباه أطيب لنفسه وأعلى لقدره وأحل مما اشتراه ~~قال: { مما أفاء } أي رد { الله } الذي له الأمر كله { عليك } مثل صفية ~~بنت حيي النضرية وريحانة القرظية وجويرية بنت الحارث الخزاعية رضي الله ~~عنهن مما كان في أيدي الكفار، أسنده إليه سبحانه إفهاما لأنه فيء على ~~وجهه الذي أحله الله لا خيانة فيه، وعبر بالفيء الذي معناه الرجوع ~~إفهاما لأن ما في يد الكافر ليس له, وإنما هو لمن يستلبه منه من ~~المؤمنين بيد القهر أو لمن يعطيه الكافر منهم عن طيب نفس، ومن هنا كان ~~يعطي النبي صلى الله عليه وسلم ما يطلب منه من بلاد الكفار أو نسائهم، ~~وما أعطى أحدا شيئا إلا وصل إليه كتميم الداري وشويل رضي الله عنهما، ~~وقيد بذلك تنبيها على فضله صلى الله ms3738 عليه وسلم ووقوعه من كل شيء على ~~أفضله كما تقدمت الإشارة إليه، وإشارة إلى أنه سبق في علم الله أنه لا ~~يصل إليه من ملك اليمين إلا ما كان هذا سبيله، ودخل فيه ما أهدى له من ~~الكفار مثل مارية القبطية أم ولده إبراهيم عليه السلام، وفي ذلك أيضا ~~إشارة إلى ما خصه به من تحليل ما كان خطره على من كان قبله من الغنائم { ~~وبنات عمك } الشقيق وغيره من باب الأولى، فإن النسب كلما بعد كان أجدر ~~بالحل. # ولما كان قد أفرد العم لأن واحد الذكور يجمع من غيره لشرفه وقوته وكونه ~~الأصل الذي تفرع منه هذا النوع، عرف بجميع الإناث أن المراد به الجنس ~~لئلا يتوهم أن المراد إباحة الأخوات مجتمعات فقال: { وبنات عماتك } من ~~نساء بني عبد المطلب. # ولما بدأ بالعمومة لشرفها، أتبعها قوله: { وبنات خالك } جاريا أيضا في ~~الإفراد والجمع على ذلك النحو { وبنات خالاتك } أي من نساء بني زهرة ~~ويمكن أن يكون في ذلك احتباك عجيب وهو: بنات عمك وبنات أعمامك، وبنات ~~عماتك وبنات عمتك، وبنات خالك وبنات أخوالك، وبنات خالاتك وبنات خالتك، ~~وسره ما أشير إليه. # ولما بين شرف أزواجه من جهة النسب لما علم واشتهر أن نسبه صلى الله عليه ~~وسلم من جهة الرجال والنساء أشرف الأنساب بحيث لم يختلف في ذلك اثنان من ~~العرب، بين شرفهن من جهة الإعمال فقال: { اللاتي هاجرن } وأشار بقوله: { ~~معك } إلى أن الهجرة قبل الفتح # أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا # [الحديد: 10] ولم يرد بذلك التقييد بل التنبيه على الشرف، وإشارة إلى ~~أنه سبق في عمله سبحانه أنه لا يقع له أن يتزوج من هي خارجة عن هذه ~~الأوصاف، وقد ورد أن هذا على سبيل التقييد؛ روى الترمذي والحاكم وابن أبي ~~شيبة وإسحاق بن راهويه والطبراني والطبري وابن أبي حاتم كلهم من رواية ~~السدي عن أبي صالح عن أم هانئ بنت أبي طالب رضي الله عنها قالت: خطبني ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ms3739 فاعتذرت إليه فعذرني ثم أنزل الله تعالى { ~~إنا أحللنا لك أزواجك } - الآية، فلم أكن لأحل له لأني لم أهاجر. كنت من ~~الطلقاء قال الترمذي: حديث حسن لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث السدي. # ولما بين ما هو الأشرف من النكاح لكونه الأصل، وأتبعه سبحانه ما خص به ~~شرعه صلى الله عليه وسلم من المغنم الذي تولى سبحانه إباحته، أتبعه ما ~~جاءت إباحته من جهة المبيح إعلاما بأنه ليس من نوع الصدقة التي نزه عنها ~~قدره فقال: { وامرأة } أي وأحللنا لك امرأة { مؤمنة } أي هذا الصنف حرة ~~كانت أو رقيقة { إن وهبت نفسها للنبي }. # ولما ذكر وصف النبوة لأنه مدار الإكرام من الخالق والمحبة من الخلائق ~~تشريفا له به وتعليقا للحكم بالوصف، لأنه لو قال " لك " كان ربما وقع ~~في بعض الأوهام - كما قال الزجاج - أنه غير خاص به صلى الله عليه وسلم، ~~كرره بيانا لمزيد شرفه في سياق رافع لما ربما يتوهم من أنه يجب عليه ~~القبول فقال: { إن أراد النبي } أي الذي أعلينا قدره بما اختصصناه به من ~~الإنباء بالأمور العظمية من عالم الغيب والشهادة { أن يستنكحها } أي يوجد ~~نكاحه لها يجعلها من منكوحاته بعقد أو ملك يمين، فتصير له مجرد ذلك بلا ~~مهر ولا ولي ولا شهود. # ولما كان ربما فهم أن غيره يشاركه في هذا المعنى، قال مبينا لخصوصيته ~~واصفا لمصدر { أحللنا } مفخما للأمر بهاء المبالغة ملتفتا إلى الخطاب ~~لأنه معين للمراد رافع للارتياب: { خالصة لك } وزاد المعنى بيانا بقوله: ~~{ من دون المؤمنين } أي من الأنبياء وغيرهم، وأطلق الوصف المفهم للرسوخ ~~فشمل من قيد بالإحسان والإيقان، وغير ذلك من الألوان، دخل من نزل عن ~~رتبتهم من الذين يؤمنون والذين آمنوا وسائر الناس من باب الأولى مفهوم ~~موافقة، وقد كان الواهبات عدة ولم يكن عنده منهن شيء. روى البخاري عن ~~عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كنت أغار على اللاتي وهبن أنفسهن لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وأقول: أما تستحيي المرأة أن تهب نفسها، فلما ms3740 ~~نزلت { ترجى من تشاء منهن } قلت: يا رسول الله، ما أرى ربك إلا يسارع في ~~هواك. # ولما كان التخصيص لا يصح ولا يتصور إلا من محيط العلم بأن هذا الأمر ما ~~كان لغير المخصوص تام القدرة، ليمنع غيره من ذلك، علله بقوله: { قد } أي ~~أخبرناك بأن هذا أمر يخصك دونهم لأنا قد { علمنا ما فرضنا } أي قدرنا ~~بعظمتنا. # ولما كان ما قدره للإنسان عطاء ومنعنا لا بد له منه، عبر فيه بأداة ~~الاستعلاء فقال: { عليهم } أي المؤمنين { في أزواجهم } أي من أنه لا تحل ~~لهم امرأة بلفظ الهبة منها ولا بدون مهر ولا بدون ولي وشهود، وهذا عام ~~لجميع المؤمنين المتقدمين والمتأخرين. ولما كان هذا عاما للحرة والرقيقة ~~قال: { وما ملكت أيمانهم } أي من أن أحدا غيرك لا يملك رقيقة بهبتها ~~لنفسها منه، فيكون أحق من سيدها. # ولما فرغ من تعليل الدونية، علل التخصيص لفا ونشرا مشوشا بقوله: { ~~لكيلا يكون عليك حرج } أي ضيق في شيء من أمر النساء حيث أحللنا لك أنواع ~~المنكوحات وزدناك الواهبة. ولما ذكر سبحانه ما فرض في الأزواج والإماء ~~الشامل للعدل في عشرتهن، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أعلى الناس فهما ~~وأشدهم لله خشية، وكان يعدل بينهن، ويعتذر مع ذلك من ميل القلب الذي هو ~~خارج عن طوق البشر بقوله # " اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما لا أملك " # خفف عنه سبحانه بقوله: { وكان الله } أي المتصف بصفات الكمال من الحلم ~~والأناة والقدرة وغيرها أزلا وأبدا { غفورا رحيما * } أي بليغ الستر ~~فهو أن شاء يترك المؤاخذة فيما له أن يؤاخذ به، ويجعل مكان المؤاخذة ~~الإكرام العظيم متصفا بذلك أزلا وأبدا. ### || [33.51-52] # ولما ذكر هاتين الصفتين، أتبعهما ما خففه عنه من أمرهن إكراما له صلى ~~الله عليه وسلم مما كان من شأنه أن يتحمل فيه ويتخرج عن فعله، فقال في ~~موضع الاستئناف، أو الحال من معنى التخفيف في الجمل السابقة: { ترجي } ~~بالهمز على قراءة الجماعة أي تؤخر { من تشاء منهن } أي من الواهبات فلا ms3741 ~~تقبل هبتها أو من نسائك بالطلاق أو غيره مع ما يؤنسها من أن تؤويها، ~~وبغير همز عند حمزة والكسائي وحفص من الرجاء أي تؤخرها مع أفعال يكون بها ~~راجية لعطفك { وتؤي } أي تضم وتقرب بقبول الهبة أو بالإبقاء في العصمة ~~بقسم وبغير قسم بجماع وبغير جماع تخصيصا له بذلك عن سائر الرجال { إليك ~~من تشاء } وسيب نزول هذه الآية أنه لما نزلت آية التخيير أشفقن أن يطلقهن ~~فقلن: يا نبي الله! اجعل لنا من مالك ونفسك ما شئت. ودعنا على حالنا، ~~فنزلت. # ولما كانت ربما مال إلى من فارقها، بين تعالى حكمها فقال: { ومن ابتغيت ~~} أي مالت نفسك إلى طلبها { ممن عزلت } أي أوقعت عزلها بطلاق أو رد هبة { ~~فلا جناح عليك } أي في إيوائها بعد ذلك بقبول هبتها أو بردها إلى ما كانت ~~عليه من المنزلة عندك من قيد النكاح أو القسم. # ولما كانت المفارقة من حيث هي - ولا سيما إن كان فراقها لما فهم منها من ~~كراهية يظن بها - أنها تكره الرجعة، أخبر سبحانه أن نساءه صلى الله عليه ~~وسلم على غير ذلك فقال: { ذلك } أي الإذن لك من الله والإيواء العظيم ~~الرتبة، لما لك من الشرف { أدنى } أي أقرب من الإرجاء ومن عدم التصريح ~~بالإذن في القرآن المعجز، إلى { أن تقر أعينهن } أي بما حصل لهن من عشرتك ~~الكريمة، وهو كناية عن السرور والطمأنينة ببلوغ المراد، لأن من كان كذلك ~~كانت عينه قارة، ومن كان مهموما كانت عينه كثيرة التقلب لما يخشاه - هذا ~~إن كان من القرار بمعنى السكون، ويجوز أن يكون من القر الذي هو ضد الحر، ~~لأن المسرور تكون عينه باردة، والمهموم تكون عينه حارة، فلذلك يقال ~~للصديق: أقر الله عينك، وللعدو: أسخن الله عينك { ولا يحزن } أي بالفراق ~~وغيره مما يحزن من ذلك { ويرضين } لعلمهن أن ذلك من الله لما للكلام من ~~الإعجاز { بما آتيتهن } أي من الأجور وغيرها من نفقة وقسم وإيثار وغيرها. # ولما كان التأكيد أوقع في النفس وأنفى للبس، وكان هذا ms3742 أمرا غريبا ~~لبعده عن الطباع أكد فقال: { كلهن } أي ليس منهن واحدة إلا هي كذلك راغبة ~~فيك راضية بصحبتك إن آويتها أو أرجأتها لما لك من حسن العشرة وكرم ~~الأخلاق ومحاسن الشمائل وجميل الصحبة، وإن اخترت فراقها علمت أن هذا أمر ~~من الله جازم، فكان ذلك أقل لحزنها فهو أقرب إلى قرار عينها بهذا ~~الاعتبار، وزاد ذلك تأكيدا لما له من الغرابة التي لا تكاد تصدق بقوله ~~عطفا على نحو { فالله يعلم ما في قلوبهم }: { والله } أي بما له من ~~الإحاطة بصفات الكمال { يعلم } أي علما مستمرا لتعلق { ما في قلوبكم } ~~أي أيها الخلائق كلكم، فلا بد إن علم ما في قلوب هؤلاء. # ولما رغبه سبحانه في الإحسان إليهن بإدامة الصحبة بما أخبره من ودهن ~~ذلك، لكونه صلى الله عليه وسلم شديد المحبة لإدخال السرور على القلوب، ~~زاده ترغيبا بقوله: { وكان الله } أي أزلا وأبدا { عليما } أي بكل شيء ~~ممن يطيعه ومن يعصيه { حليما * } لا يعاجل من عصاه، يل يديم إحسانه إليه ~~في الدنيا فيجب أن يتقي لعلمه وحلمه، فعلمه موجب للخوف منه، وحلمه مقتض ~~للاستحياء منه، وأخذ الحليم شديد، فينبغي لعبده المحب له أن يحلم عمن ~~يعلم تقصيره في حقه، فإنه سبحانه يأجره على ذلك بأن يحلم عنه فيما علمه ~~منه، وأن يرفع قدره ويعلي ذكره، روى البخاري في التفسير عن معاذة عن ~~عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يستأذن في يوم ~~المرأة منا بعد أن أنزلت هذه الآية { ترجي من تشاء منهن } الآية، قلت ~~لها: ما كنت تقولين؟ قالت: كنت أقول له: إن كان ذاك إلي فإني لا أريد يا ~~رسول الله أن أوثر عليك أحدا. # ولما أمره بما يشق من تغير العوائد في أمر العدة، ثم بما قد يشق عليه ~~صلى الله عليه وسلم من تخصيصه بما ذكر خشية من طعن بعض من لم يرسخ ~~إيمانه، وختم بما يسر أزواجه، وصل به ما يزيد سرورهن من تحريم غيرهن عليه ~~شكرا لهن ms3743 على إعراضهن عن الدنيا واختيارهن الله ورسوله فقال: { لا يحل ~~لك النساء } ولما كان تعالى شديد العناية به صلى الله عليه وسلم لوح له ~~في آية التحريم إلى أنه ينسخه عنه، فأثبت الجار فقال: { من بعد } أي من ~~بعد من معك من هؤلاء التسع - كما قال ابن عباس رضي الله عنهما في رواية ~~عنه، شكرا من الله لهن لكونهن لما نزلت آية التخيير اخترن الله ورسوله، ~~فتكون الآية منسوخة بمت تقدم عليها في النظم وتأخر عنها في الإنزال من ~~آية { إنا أحللنا لك أزواجك } وفي رواية أخرى من بعد { اللاتي أحللنا لك ~~} بالصفة المتقدمة من بنات العم وما معهن، ويؤيدها ما تقدمت روايته عن أم ~~هانئ رضي الله عنها. # ولما كان ربما فهم أن المراد الحصر في عدد التسع، لا بقيد المعينات، ~~قال: { ولا أن تبدل بهن } أي هؤلاء التسع، وأعرق في النفي بقوله: { من } ~~أي شيئا من { أزواج } أي بأن تطلق بعض هؤلاء المعينات وتأخذ بدلها من ~~غيرهن بعقد النكاح بحيث لا يزيد العدد على تسع، فعلم بهذا أن الممنوع منه ~~نكاح غيرهن مع طلاق واحدة منهن أولا، وهو يؤيد الرواية الأولى عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما لأن المتبدل بها لا تكون إلا معلومة العين، والجواب ~~عن قول أم هانئ رضي الله عنها أنه فهم منها، لا رواية عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم، وأما عند موت واحدة منهن فلا حرج في نكاح واحدة بدلها. # ولما علم من هذا المنع من كل زوجة بأي صفة كانت، أكد معنى وحققه، وصرح ~~به في قوله حالا من فاعل " تبدل ": { ولو أعجبك حسنهن } أي النساء ~~المغايرات لمن معك، وفي هذا إباحة النظر إلى من يراد نكاحها لأن النظرة ~~الأولى لا تكاد تثبت ما عليه المرئي من حاق الوصف؛ ولما كان لفظ النساء ~~شاملا للأزواج والإماء، بين أن المراد الأزواج فقط بقوله: { إلا ما ملكت ~~يمينك } أي فيحل لك منهن ما شئت، وقد ملك رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ريحانة رضي ms3744 الله عنها من سبي بني قريظة، واستمرت في ملكه مدة لا يقربها ~~حتى أسلمت، ثم ملك بعد عام الحديبية مارية رضي الله عنها أو ولده إبراهيم ~~عليه السلام. # ولما تقدم سبحانه في هذه الآيات فأمر ونهى وحد حدودا، حذر من التهاون ~~بشيء منها ولو بنوع تأويل فقال: { وكان الله } أي الذي لا شيء أعظم منه، ~~وهو المحيط بجميع صفات الكمال { على كل شيء رقيبا } أي يفعل فعل المراعي ~~لما يتوقع منه من خلل على أقرب قرب منه بحيث لا يفوت مع رعايته فائت من ~~أمر المرعى، ولا يكون الرقيب إلا قريبا، ولا أقرب من قرب الحق سبحانه، ~~فلا أرعى من رقبته، وهو من أشد الأسماء وعيدا. ### || [33.53] # ولما كان القرب والإحاطة لله، كان بالحقيقة لا رقيب إلا هو، والآية على ~~كل حال منسوخة إن قلنا بالاحتمال الأول أو الثاني، فقد روى الترمذي في ~~التفسير عن عائشة رضي الله عنها وناهيك بها ولا سيما في هذا الباب أنها ~~قالت: ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحل له النساء، وقال: هذا ~~حديث حسن صحيح - انتهى. ونقل ابن الجوزي عنها رضي الله عنها أن الناسخ ~~آية { أنا أحللنا لك أزواجك } وكذا عن جماعة منهم علي وابن عباس وأم سلمة ~~رضي الله عنهم، ولكن صلى الله عليه وسلم ترك ذلك أدبا مع الله تعالى حيث ~~عبر في المنع بصيغة الخبر والفعل المضارع، ورعاية أشار الله إليه من ~~رعاية حقهن في اختيارهن من الدار الآخرة. # ولما قصره صلى الله عليه وسلم عليهن، وكان قد تقدم إليهن بلزوم البيوت ~~وترك ما كان عليه الجاهلية من التبرج، أرخى عليهن الحجاب في البيوت ومنع ~~غيره صلى الله عليه وسلم مما كانت العرب عليه من الدخول على النساء لما ~~عندهم من الأمانة في ذلك، فقال مخاطبا لأدنى أسنان أهل هذا الدين لما ~~ذكر في سبب نزولها، ولأن المؤمنين كانوا منتهين عن ذلك بغير ناه كما يدل ~~عليه ما يأتي من قول عمر رضي الله عنه في ms3745 الحجاب: { يا أيها الذين آمنوا ~~} أي ادعوا الإيمان صدقوا دعواكم فيه بأن { لا تدخلوا } مع الاجتماع، ~~فالواحد من باب الأولى. # ولما كان تشويش الفكر ربما كان شاغلا عن شيء مما يبنئ الله به كما أشار ~~إليه قوله صلى الله عليه وسلم # " بينت لي ليلة القدر فتلاحى فلان وفلان فأنسيتها " # - أو كما قال صلى الله عليه وسلم، عبر بصفة النبوة في قوله: { بيوت ~~النبي } أي الذي يأتيه الإنباء من علام الغيوب بما فيه غاية رفعته، في ~~حال من الأحوال أصلا { إلا } في حال { أن يؤذن لكم } أي ممن له الإذن في ~~بيوته صلى الله عليه وسلم منه أو ممن يأذن له في ذلك، منتهين { إلى طعام ~~} أي أكله، حال كونكم { غير ناظرين إناه } أي وقت ذلك الطعام وبلوغه ~~واستواءه للأكل، فمنع بهذا من كان يتحين طعام النبي صلى الله عليه وسلم، ~~لأن في ذلك تكليفا له صلى الله عليه وسلم بما يشق عليه جدا، فإنه ربما ~~كان ثم من هو أحوج إلى ذلك الطعام من المتحين أو غير ذلك من الأعذار، فلا ~~يتوجه الخطاب إلى غير أهل السن السافل، ومن وقعت له فلتة ممن فوق رتبتهم ~~دخل في خطابهم بما أنزل من رتبته، والتعبير باسم الفاعل المجرد في " ~~ناظرين " أبلغ في النهي. # ولما كان هذا الدخول بالإذن مطلقا، وكان يراد تقييده، وكان الأصل في ~~ذلك: فإذا دعيتم - إلى آخره، ولكن لما كان المقام للختم بالجزم فيما ~~يذكر، وكان للاستدراك أمر عظيم من روعة النفس وهزها للعلم بأن ما بعده ~~مضاد لما قبله قال: { ولكن إذا دعيتم } أي ممن له الدعوة { فادخلوا } أي ~~لأجل ما دعاكم له؛ ثم سبب عنه قوله: { فإذا طعمتم } أي أكلتم طعاما أو ~~شربتم شرابا { فانتشروا } أي اذهبوا حيث شئتم في الحال، ولا تمكثوا بعد ~~الأكل لا مستريحين لقرار الطعام في بطونكم { ولا مستأنسين لحديث } أي ~~طالبين الأنس لأجله، قال حمزة بن نضر الكرماني في كتابه جوامع التفسير: ~~قال الحسن: حسبك في الثقلاء أن الله لم يتجوز في ms3746 أمرهم - انتهى، وعن ~~عائشة رضي الله عنها أنها قالت: حسبك بالثقلاء أن الله لم يحتملهم، ثم ~~علل ذلك بقوله مصوبا الخطاب إلى جميعه، معظما له بأداة البعد: { إن ~~ذلكم } أي الأمر الشديد وهو المكث بعد الفراغ من الأكل والشرب { كان يؤذي ~~النبي } أي الذي هيأناه لسماع ما ننبئه به مما يكون سبب شرفكم وعلوكم في ~~الدارين، فاحذروا أن تشغلوه عن شيء منه فننبئه بشيء تهلكون فيه. ثم سبب ~~عن ذلك المانع له من مواجهتهم بما يزيل أذاه فقال: { فيستحيي } أي يوجد ~~الحياء، وأصله إيجاد الحياة. كأن من لا حياء له جماد لا حياة له { منكم } ~~أي أن يأمركم بالانصراف { والله } أي الذي له جميع الأمر { لا يستحيي من ~~الحق } أي لا يفعل فعل المستحيي فيؤديه ذلك إلى ترك الأمر به. # ولما كان البيت يطلق على المرأة لملازمتها له عادة، أعاد الضمير عليه ~~مرادا به النساء استخداما فقال: { وإذا سألتموهن } أي الأزواج { متاعا ~~} أي شيئا من آلات البيت { فسئلوهن } أي ذلك المتاع، كائنين وكائنات { ~~من وراء حجاب } أي ستر يستركم عنهن ويسترهن عنكم { ذلكم } أي الأمر ~~العالي الرتبة الذي أنبئكم جميعكم به من السؤال من وراء حجاب وغيره { ~~أطهر لقلوبكم وقلوبهن } أي من وساوس الشيطان التي كان يوسوس بها في أيام ~~الجاهلية قناعة منه بما كانوا في حبالته من الشرك { وما كان لكم } أي وما ~~صح وما استقام في حال من الأحوال { أن تؤذوا } وذكرهم بالوصف الذي هو سبب ~~لسعادتهم واستحق به عليهم من الحق ما لا يقدرون على القيام بشكره فقال: { ~~رسول الله } صلى الله عليه وسلم، أي الذي له جميع الكمال فله إليكم من ~~الإحسان ما يستوجب منكم به غاية الإكرام والإجلال، فضلا عن الكف عن ~~الأذى، فلا تؤذوه بالدخول إلى شيء من بيوته بغير إذنه أو المكث بعد فراغ ~~الحاجة ولا بغير ذلك. # ولما كان قد قصره صلى الله عليه وسلم عليهن، ولزم ذلك بعد أن أحل له ~~غيرهن قصرهن عليه بعد الموت زيادة لشرفه وإظهارا لمزيته فقال: ms3747 { ولا أن ~~تنكحوا } أي فيما يستقبل من الزمان، { أزواجه من بعده } أي بعد فراقه لمن ~~دخل منهن بموت أو طلاق لما تقدم أنه حي لم يمت { أبدا } فإن العدة منه ~~ينبغي أن لا تنقضي لما له من الجلال والعظمة والكمال، وهو حي في قبره لا ~~يزال، وثم علة أعم من هذه لمسها في الميراث، وهي قطع الأطماع عن امتدادها ~~إلى شيء من الدنيا بعده لئلا يتمنى أحد موته صلى الله عليه وسلم ليأخذ ~~ذلك فيكفر لأنه لا إيمان لمن لا يقدمه على نفسه، وأما العالية بنت ظبيان ~~التي طلقها النبي صلى الله عليه وسلم. # وتزوجت غيره فكان أمرها قبل نزول هذه الآية - ذكره البغوي عن معمر عن ~~الزهري. ثم علل ذلك بقوله: { إن ذلكم } أي الإيذاء بالنكاح وغيره الذي ~~ينبغي أن يكون على غاية البعد { كان عند الله } أي القادر على كل شيء { ~~عظيما * } وقد ورد في سبب نزول هذه الآية أشياء، روى أبو يعلى الموصلي ~~في مسنده عن أنس رضي الله عنه قال: بعثتني أم سليم رضي الله عنها برطب ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على طبق في أول ما أينع ثمر النخل قال: ~~فدخلت عليه فوضعته بين يديه فأصاب منه ثم أخذ بيدي فخرجنا وكان حديث عهد ~~بعرس زينب بنت جحش رضي الله عنها، قال: فمر بنساء من نسائه وعندهن رجال ~~يتحدثون فهنأنه وهنأه الناس فقالوا: الحمد لله الذي أقر بعينك يا رسول ~~الله، فمضى حتى أتى عائشة رضي الله عنها، فإذا عندها رجال، قال: فكره ~~ذلك، وكان إذا كره الشيء عرف في وجهه، قال: فأتيت أم سليم فأخبرتها، فقال ~~أبو طلحة رضي الله عنه: لئن كان ما قال ابنك حقا ليحدثن أمر، قال: فلما ~~كان من العشي خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فصعد المنبر ثم تلا هذه ~~الآية { يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم } ~~الآية، قال: وأمر بالحجاب وأصله في التفسير من جامع الترمذي، وروى ~~البخاري وغيره ms3748 عنه رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~عروسا بزينب رضي الله عنها، فقالت لي أم سليم: لو أهدينا للنبي صلى الله ~~عليه وسلم هدية! فقلت لها: افعلي، فعمدت إلى تمر وأقط وسمن، فاتخذت حيسة ~~في برمة، فأرسلت بها معي إليه، فقال لي: ضعها، ثم أمرني فقال لي: ادع لي ~~رجالا - سماهم - وادع لي من لقيت، ففعلت الذي أمرني، فرجعت فإذا البيت ~~غاص بأهله - وفي رواية الترمذي ان الراوي قال: قلت لأنس: كم كانوا؟ قال: ~~زهاء ثلاثمائة - فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم وضع يده على تلك الحيسة ~~وتكلم بما شاء الله ثم جعل يدعو عشرة عشرة يأكلون منه، ويقول لهم: اذكروا ~~اسم الله، وليأكل كل رجل مما يليه، حتى تصدعوا كلهم عنها، قال الترمذي: ~~فقال لي: يا أنس، ارفع، فرفعت فما أدري حين وضعت كان أكثر أو حين رفعت - ~~فخرج منهم من خرج وبقي نفر يتحدثون، قال: وجعلت أغتم - قال الترمذي: ~~ورسول الله جالس وزوجته مولية وجهها إلى الحائط، فثقلوا على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم؛ وقال عبد الرزاق في تفسيره: فجعل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يستحي منهم أن يقول لهم شيئا - ثم خرج النبي صلى الله عليه ~~وسلم نحو الحجرات وخرجت في أثره، فقلت: إنهم قد ذهبوا، فرجع فدخل البيت ~~وأرخى الستر وإني لفي الحجرة وهو يقول: { يا أيها الذين آمنوا لا تدخلو ~~بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم } الآية، وفي رواية الترمذي: ثم رجع، فلما ~~رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم رجع ظنوا أنهم قد ثقلوا عليه، ~~فابتدروا الباب، فخرجوا كلهم، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ~~أرخى الستر ودخل وأنا جالس في الحجرة، فلم يلبث إلا يسيرا حتى خرج علي ~~وأنزلت هذه الآيات، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأهن على الناس ~~{ يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي } الآية، وروى الشيخان ~~وغيرهما عن أنس رضي الله عنه - وهذا لفظ البخاري - في روايات قال: بنى ms3749 ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش بخبز ولحم، فأرسلت على ~~الطعام داعيا، فيجيء قوم يأكلون ويخرجون، ثم يجيء قوم فيأكلون ويخرجون، ~~فدعوت حتى ما أجد أحدا أدعو، فقلت: يا نبي الله! ما أجد أحدا أدعو، ~~قال: ارفعوا طعامكم، فجلسوا يتحدثون في البيت فإذا هو كأنه يتهيأ للقيام، ~~فلم يقوموا، فلما رأى ذلك قام، فلما قام قام من قام، وقعد ثلاثة نفر، وفي ~~رواية، ثلاثة رهط، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فانطلق إلى حجرة عائشة ~~رضي الله عنها فقال: السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله. # فقالت: وعليك السلام ورحمة الله، كيف وجدت أهلك، بارك الله لك! فتقرى ~~حجر نسائه كلهن يقول لهن كما يقول لعائشة رضي الله عنها. ويقلن له كما ~~قالت عائشة - رضي الله عنهن، ثم رجع النبي صلى الله عليه وسلم فإذا القوم ~~جلوس، وكان النبي صلى الله عليه وسلم شديد الحياء فخرج منطلقا، نحو حجرة ~~عائشة رضي الله عنها، وفي رواية: أولم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ~~بنى بزينب بنت جحش رضي الله عنها فأشبع الناس خبزا ولحما، ثم خرج إلى ~~حجر أمهات المؤمنين كما كان يصنع صبيحة بنائه، فيسلم عليهن ويدعو لهن، ~~ويسلمن عليه ويدعون له، فلما رجع إلى بيته رأى رجلين جرى بهما الحديث، ~~فلما رآهما رجع عن بيته، فلما رأى الرجلان نبي الله صلى الله عليه وسلم ~~رجع عن بيته وثبا مسرعين، فما أدري أنا أخبرته بخروجهما أو أخبر أن القوم ~~خرجوا، فرجع حتى إذا وضع رجله في أسكفة الباب داخلة وأخرى خارجة أرخى ~~الستر، وفي رواية: فذهبت أدخل فألقى الحجاب بيني وبينه، وأنزلت آية ~~الحجاب { يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي } الآية، وللبخاري عن ~~عائشة رضي الله عنها قالت: كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: احجب نساءك قالت: فلم يفعل، وكان أزواج النبي ~~صلى الله عليه وسلم يخرجن ليلا إلى ليل قبل المناصع، خرجت سودة بنت زمعة ms3750 ~~وكانت امرأة طويلة رضي الله عنها، فرآها عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو ~~في المجلس فقال: عرفتك يا سودة، حرصا على أن ينزل الحجاب، قالت: فأنزل ~~الله عز وجل الحجاب وللبخاري عن أنس رضي الله عنه ومسلم عن ابن عمر رضي ~~الله عنهما كلاهما عن عمر رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله! إن نساءك ~~يدخل عليهن البر والفاجر، فلو أمرتهن أن يتحجبن، فنزلت آية الحجاب، وروي ~~في السبب أشياء غير هذه، وقد تقدم أنه ليس ببدع أن يكون للآية الواحدة ~~عدة أسباب مستوية الدرجة، أو بعضها أقرب من بعض، على أنه قد روى البخاري ~~في التفسير في سياق هذه الآية ما هو صريح في أن قصة سودة بعد الحجاب عن ~~عائشة رضي الله عنها، قالت: خرجت سودة بعد ما ضرب الحجاب لحاجتها وكانت ~~امرأة جسيمة لا تخفى على من يعرفها، فرآها عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~فقال: يا سودة! أما والله ما تخفين علينا، فانظري كيف تخرجين، قالت: ~~فانكفأت راجعة ورسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي وإنه يتعشى وفي يده ~~عرق, فدخلت فقالت: يا رسول الله! إني خرجت لبعض حاجتي، فقال لي عمر كذا ~~وكذا، قالت: فأوحى الله إليه ثم رفع عنه وإن العرق في يده ما وضعه فقال: ~~قد أذن لكن أن تخرجن لحاجتكن وهؤلاء الذين جلسوا - والنبي صلى الله عليه ~~وسلم على ما هو عليه من الكراهة لجلوسهم بما ذكر من هيئته في حيائه ~~وتهيئه للقيام ونحو ذلك - لم يستثمروا الفقه من أحواله، بل كانوا واقفين ~~عندما يسمعونه من مقاله، وطريقة الكمل الاستبصار برسمه وحاله كما ~~يستبصرون من قاله وفعاله، قال الحرالي: الحال كل هيئة تظهر عن انفعال ~~باطن، ويختص بتفهمها المشاهد المتوسم، وذلك كضحكه صلى الله عليه وسلم ~~للذي رآه يوم خيبر وقد أخذ جراب شحم من فيء يهود وهو يقول: لا أعطي اليوم ~~من هذا أحدا شيئا، وكتغير وجهه لعمر رضي الله عنه لما أخذ يقرأ عليه ~~صحيفة من حكم ms3751 الأولين حتى نبه عمر رضي الله عنه من توسم في وجهه صلى الله ~~عليه وسلم الكراهة لفعل عمر، وإنباء كل حال منها يحسب ما يفيده الانفعال ~~من الانبساط والانقباض والإعراض ونحو ذلك مما يتوسمه المتفطن، ويقطع ~~بمقتضاه المتفهم، وأما الرسم فهو كل ما شأنه البقاء بعد غيبته ووفاته، ~~فيتفهم منه المعتبر حكم وضعه ومقصد رسمه، كالذي يشاهد من هيئة بنائه ~~مسجده على حال اجتزاء بأيسر ممكن وكبنائه بيوته على هيئة لا تكلف فيها، ~~ولا مزيد علة مقدار الحاجة، وكمثل الكساء الملبد الذي تركه، وفراشه ونحو ~~ذلك من متاع بيوته، وكما يتفهم من احتفاله في أداة سلاحه مثل كون سيفه ~~محلى بالفضة وقبضته فضة، ومثل احتفاله بالتطيب حتى كان يرى في ثوبه وزره، ~~فيتعرف من رسومه أحكامه، كما يتعرف من أحواله وأفعاله وأقواله، وذلك لأن ~~جميع هذه الإبانات كلها هي حقيقة ما هو الكلام - انتهى. # وبرهان ذلك أن الأصل في الكل الكلام النفسي الذي هو المنشأ، والقول ~~والفعل والحال والرسم مترجمة عنه، وليس بعضها أحق بالترجمة من بعض، نعم ~~بعضها أدل من بعض وأنص وأصرح، فتهيؤ النبي صلى الله عليه وسلم للقيام من ~~بيته مثل لو قال: أريد أن تذهبوا، فإنه يلزم من قيام الرجل من بيته الذي ~~هو محل ما يستره عن غيره أن يريد ذهاب، غيره منه لئلا يطلع على ما لا يحب ~~أن يطلع عليه أحد، وإتيانه ليدخل فإذا رآهم رجع مثل لو قال: إنما يمنعني ~~من الدخول إلى محل راحتي جلوسكم فيه لثقل جلوسكم علي، وكذا الأحوال ~~والرسول - والله الهادي. ### || [33.54-56] # ولما كان بعض الدال على الكلام - كما مر - أصرح من بعض، فكان الإنسان قد ~~يضمر أن يفعل ما يؤذي إذا تمكن، وقد يؤذي بفعل يفعله، ويدعي أنه قصد ~~شيئا آخر مما لا يؤدي، قال تعالى حاملا لهم على التفطن والتنبه في ~~الأقوال وغيرها والمقاصد الحسنة ظاهرا وباطنا، على طريق الاستئناف في ~~جواب من ربما انتهى بظاهره، وهو عازم على أن يفعل الأذى عند التمكن: { إن ~~تبدوا ms3752 } أي بألسنتكم أو غيرها { شيئا } أي من ذلك وغيره { أو تخفوه } أي ~~في صدروكم. # ولما كان فعل من يخفي أمرا عن الناس فعل من يظن أنه يخفى على ربه، قال ~~مؤكدا تنبيها لفاعل ذلك على هذا اللازم لفعله ترهيبا له: { فإن الله } ~~أي الذي له جميع صفات الكمال { كان } أزلا وأبدا به، هكذا كان الأصل ~~ولكنه أتى بما يعمه وغيره فقال: { بكل شيء } أي من ذلك وغيره { عليما * ~~} فهم يعلم ما أسررتم وما أعلنتم وإن بالغتم في كتمه، فيجازي عليه من ~~ثواب أو عقاب. # ولما كان المقصود كما تقدم تغليظ الحجاب على ذوات الخدور، وكان قد ذكر ~~في هذه السورة خصائص وتغيير أحكام للنبي صلى الله عليه وسلم ولأزواجه رضي ~~الله عنهن ولغيرهم، كان ربما ظن أن الحجاب تغير أو شيء منه بالنسبة إلى ~~الدخول أو غيره، فاستثنى من عمه النهي السابق عن الدخول على وجه يعم ~~جميع النساء على نحو ما تقدم في سورة النور فقال: { لا جناح } أي إثم { ~~عليهن في آبائهن } دخولا وخلوة من غير حجاب، والعم والخال وأبو الزوج ~~بمصير الزوجين كالشيء الواحد بمنزلة الوالد { ولا أبنائهن } أي من البطن ~~أو الرضاعة، وابن الزوج بمنزلة الولد، وترك ذكرهم يفهم أن الورع الحجاب ~~عنهم { ولا إخوانهن } لأن عارهن عارهم { ولا أبناء إخوانهن } فإنهن ~~بمنزلة آبائهم { ولا أبناء أخواتهن } فإنهن بمنزلة أمهاتهم { ولا نسائهن ~~} أي المسلمات القربى منهن والبعدى بمنزلة واحدة، وأما الكافرات فهن ~~بمنزلة الأجانب من الرجال { ولا ما ملكت أيمانهن } لأنهم لما لهن عليهم ~~من السلطان تبعد منهم الريبة هيبة لهن مع مشقة الاحتجاب عنهم. # ولما كانت الريبة ليست مقطوعا بنفيها، وكانت من جهة النساء أكثر، لأنه ~~لا يكاد رجل يتعرض إلا لمن ظن بها الإجابة لما يرى من مخايلها أو مخايل ~~أشكالها، أقبل عليهن بالخطاب لأنه أوقع في النفس، فقال آمرا عاطفا على ~~ما تقديره: فأظهرن على من شئتن من هؤلاء: { واتقين الله } أي الذي لا ~~أعظم منه، فلا تقربن شيئا مما يكرهه، وطوى ما ms3753 عطف عليه الأمر بالتقوى ~~بعد أن ساق نفي الجناح في أسلوب الغيبة، وأبرز الأمر بها وجعله في أسلوب ~~الخطاب إيذانا بأن الورع ترك الظهور على أحد غير من يملك التمتع، فإن ~~دعت حاجة كان مع الظهور حجاب كثيف من الاحتشام والأدب التام. # ولما كان الخوف لا يعظم إلا ممن كان حاضرا مطلقا، قال معللا مؤكدا ~~تنبيها على أن فعل من يتهاون في شيء من أوامره فعل من لا يتقي، ومن لا ~~يتقي كمن يظن أنه سبحانه غير مطلع عليه: { إن الله } أي العظيم الشأن { ~~كان } أزلا وأبدا { على كل شيء } من أفعالكن وغيرها، ولمزيد الاحتياط ~~والورع في ذلك عبر بقوله: { شهيدا * } أي لا يغيب عنه شيء وإن دق، فهو ~~مطلع عليكن حال الخلوة ممن ذكر، كما هو مطلع على غير ذلك فليحذره كل أحد ~~في حال الخلوة كما يحذره في حال الجلوة، فيا لها من عظمة باهرة، سطوة ~~ظاهرة قاهرة، يحق لكل أحد أن يبكي منها الدماء فضلا عن الدموع، وأن ~~تمنعه مريح القرار ولذيذ الهجوع، روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها ~~قالت: # " أستأذن علي أفلح أخو أبي القعيس رضي الله عنه بعد ما أنزل الحجاب، ~~فقلت: لا آذن له حتى استأذن فيه النبي صلى الله عليه وسلم فإن أخاه أبا ~~القعيس ليس هو أرضعني ولكن أرضعتني امرأة أبي القعيس، فدخل علي النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله! إن أفلح أخا أبي القعيس استأذن ~~فأبيت أن آذن له حتى أستأذنك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما ~~يمنعك؟ قلت: يا رسول الله! إن الرجل ليس هو أرضعني، ولكن أرضعتني امرأة ~~أبي القعيس، فقال: ائذني له فإنه عمك تربت يمينك، قال عروة: فلذلك كانت ~~عائشة رضي الله عنها تقول: حرموا من الرضاعة ما تحرموا من النسب ". # ولما كانت هذه الآيات وما قبلها وما بعدها في إظهار شرف النبي صلى الله ~~عليه وسلم وبيان مناقبه، علل الأوامر فيها والنواهي وغيرها بقوله، مؤكدا ~~لاقتضاء الحال ذلك أما ممن ms3754 آذاه بالجلوس في غير حينه فواضح، وأما غيره ~~فكان من حقهم أن لا يفارقوا المجلس حتى يعلموا من لا يعرف الأدب، فكان ~~تهاونهم في ذلك فعل من لا يريد إظهار شرفه صلى الله عليه وسلم فهو تأديب ~~وترهيب: { إن الله } أي وعملكم محيط بأن له مجامع الكبر والعظمة والعز { ~~وملائكته } أي وهم أهل النزاهة والقرب والعصمة. # ولما كان سبحانه قد قدم قوله: { هو الذي يصلي عليكم وملائكته } فأفرد ~~كلا بخبر، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أعلى المخاطبين حظا فإنه رأس ~~المؤمنين، أفرده هنا بهذه الصلاة التي جمع فيها الملائكة الكرام معه ~~سبحانه وجعل الخبر عنهم خبرا واحدا ليكون أتم، فإن قولك: فلان وفلان ~~ينصران فلانا، أضخم من قولك: فلان ينصره وفلان، فقال تعالى: { يصلون على ~~النبي } أي يظهرون شرفه وما له من الوصلة بالملك الأعظم بما يوحيه الله ~~إليه من عجائب الخلق والأمر من عالم الغيب والشهادة، وهو معنى قول ابن ~~عباس رضي الله عنهما كما رواه البخاري: " يبركون ". # ولما كانت ثمرة المراد بهذا الإعلام التأسي، علم بآخر الكلام أن المعنى: ~~ويسلمون عليه لأن ذلك من تمام الوصلة التي يدور عليها معنى الصلاة فأنتج ~~ذلك قطعا تفسير المراد بيصلون: { يا أيها الذين آمنوا } أي ادعوا ذلك ~~بألسنتهم { صلوا عليه } بعدم الغفلة عن المبادرة إلى إظهار شرفه في حين ~~من الأحيان تصديقا لدعواكم، ولأن الكبير إذا فعل شيئا بادر كل محب له ~~معتقد لعظمته إلى فعله { وسلموا }. # ولما كان المراد بكل من الصلاة والسلام إظهار الشرف، وكان السلام أظهر ~~معنى في ذلك، وكان تحيته عن اللقاء واجبا في التشهد بلا خلاف، ودالا ~~على الإذعان لجميع أوامره الذي لا يحصل الإيمان إلا به، وهو من المسلم ~~نفسه، وأما الصلاة فأنها يطلبها المصلي من الله، أكدهما به فقال: { ~~تسليما * } أي فأظهورا شرفه بكل ما تصل قدرتكم إليه من حسن متابعته ~~وكثرة الثناء الحسن عليه والانقياد لأمره في كل ما يأمر به، ومنه الصلاة ~~والسلام عليه بألسنتكم على نحو ما علمكم في التشهد ms3755 وغيره مما ورد في ~~الأحاديث عن أبي سعيد الخدري وكعب بن عجرة وغيرهما رضي الله عنهم بيان ~~التقاء الصلاة والسلام في إظهار الشرف فإن الصلاة - كما قال في القاموس - ~~الدعاء والرحمة والاستغفار وحسن الثناء من الله عز وجل وعبادة فيها ركوع ~~وسجود - انتهى. والسلام هو التحية والتحية - كما قال البيضاوي في تفسير ~~سورة النساء - في الأصل مصدر حياك الله على الإخبار من الحياة، ثم استعمل ~~للحكم والدعاء بذلك، ثم قيل لكل دعاء، فغلب في السلام، وفي القاموس: ~~التحية: السلام والبقاء والملك، وحياك الله: أبقاك أو ملكلك، وقال الإمام ~~أبو عبد الله القزاز في جامعه: السلام اسم من أسماء الله، والسلام ههنا ~~بمعنى السلامة، كما يقال الرضاع والرضاعة، واللذاذ واللذاذة، قالوا: ~~ومعنى قول القائل لصاحبه: سلام عليك أي قد سلمت مني لا أنالك بيد ولا ~~لسان، وقيل: معناه السلامة من الله عليكم، وقيل: هو الرحمة، وقيل: ~~الأمان، والسلامة هي النجاة من الآفات - انتهى. فقد ظهر أن معنى الكل كما ~~ترى ينظر إلى إظهار الشرف نظر الملزوم إلى اللازم، ولذلك فسر البيضاوي ~~يصلون بقوله: يعنتون بإظهار شرفه وتعظيم شأنه، وسلموا بقوله: قولوا ~~السلام عليك، أو انقادوا لأوامره، فلما تآخيا في هذا المعنى، وكان هو ~~المراد أكد بلفظ السلام تحصيلا لتمام المقصود بدلالته على الانقياد, فهو ~~مؤكد لصلوا بمعناه ولسلموا بلفظه، استعمالا للشيء في حقيقته ومجازه كما ~~هو مذهب إمامنا الشافعي رضي الله عنه، ومثل بآية النساء # لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى # [النساء: 43] وبقوله: # أو لامستم النساء # [النساء: 43، المائدة: 6] وغير ذلك، وقد بينت في سورة الرعد أن مادة " ~~صلوا " بجميع تراكيبها تدور على الوصلة وهي لازمة لكل ما ذكر من تفسيرها، ~~هذا ولك أن تجعله من الاحتباك فتقول: حذف التأكيد أولا لفعل الصلاة لما ~~دل عليه من التأكيد بمصدر السلام، ويرجح إظهار مصدر السلام بما تقدم ~~ذكره، وحذف متعلق السلام لدلالة متعلق الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم ~~وليصلح أن يكون عليه وأن يكون له، فيصلح أن يجعل التسليم بمعنى الإذعان - ~~والله هو ms3756 الموفق للصواب. ### || [33.57-62] # ولما نهى سبحانه عن أذاه صلى الله عليه وسلم، وحض على إدخال السرور ~~عليه، توعد على أذاه، فقال على طريق الاستئناف أو التعليل، إشارة إلى أن ~~التهاون بشيء من الصلاة والسلام من الأذى، وأكد ذلك إظهارا لأنه مما يحق ~~له أن يؤكد، وأن يكون لكل من يتكلم به غاية الرغبة في تقريره: { إن الذين ~~يؤذون } أي يفعلون فعل المؤذي بارتكاب ما يدل على التهاون من كل ما يخالف ~~{ الله } أي الذي لا أعظم منه ولا نعمة عندهم إلا من فضله { ورسوله } أي ~~الذي استحق عليهم بما يخبرهم به عن الله مما ينقذهم به من شقاوة الدارين ~~ويوجب لهم سعادتهما ما لا يقدرون على القيام بشكره بأي أذى كان حتى في ~~التقصير بالصلاة عليه باللسان { لعنهم } أي أبعدهم وطردهم وأبغضهم { الله ~~} أي الذي لا عظيم غيره { في الدنيا } بالحمل على ما يوجب السخط { ~~والآخرة } بإدخال دار الإهانة. # ولما كان الحامل على الأذى الاستهانة قال: { وأعد لهم عذابا مهينا * ~~}. # ولما كان من أعظم أذاه صلى الله عليه وسلم أذى من تابعه، وكان الأتباع ~~لكونهم غير معصومين يتصور أن يؤذوا بالحق، قال مقيدا للكلام بما يفهم: { ~~والذين يؤذون المؤمنين } أي الراسخين في صفة الإيمان { والمؤمنات } كذلك. ~~ولما كان الأذى بالكذب أشد في الفساد وأعظم في الأذى قال: { بغير ما ~~اكتسبوا } أي بغير شيء واقعوه متعمدين له حتى أباح أذاهم { فقد احتملوا } ~~أي كلفهم أنفسهم أن حملوا { بهتانا } أي كذبا وفجورا زائدا على الحد ~~موجبا للخزي في الدنيا، ولما كان من الناس من لا يؤثر فيه العار، وكان ~~الأذى قد يكون بغير القول، قال: { وإثما مبينا } أي ذنبا ظاهرا جدا ~~موجبا للعذاب في الأخرى. # ولما نهى سبحانه عن أذى المؤمنات، وكانت الحرائر بعيدات عن طمع المفسدين ~~لما لهن في أنفسهن من الصيانة وللرجال بهن من العناية، وكان جماعة من أهل ~~الريبة يتبعون الإماء إذا خرجن يتعرضون لهن للفساد، وكان الحرائر يخرجن ~~لحاجتهن ليلا، فكان ربما تبع المرأة منهن أحد من أهل ms3757 الريب يظنها أمه أو ~~يعرف أنه حرة ويعتل بأنه ظنها أمه فيتعرض لها، وربما رجع فقال لأصحابه: ~~فعلت بها - وهو كاذب، وفي القوم من يعرف أنها فلانة، فيحصل بذلك من الأذى ~~ما يقصر عنه الوصف، ولم يكن إذ ذاك كما نقل عن مقاتل فرق بين الحرة ~~والأمة كن يخرجن في درع وخمار, وكان اتسام الحرائر بأمارة يعرفن بها ~~ليهبن ويتحشمن يخفف هذا الشر، قال تعالى: { يا أيها النبي } فذكره بالوصف ~~الذي هو منبع المعرفة والحكمة، لأن السياق لحكمة يذب بها عن الحريم لئلا ~~يشتغل فكره صلى الله عليه وسلم بما يحصل لهن من الأذى عن تلقي شيء من ~~الواردات الربانية { قل لأزواجك } بدأ بهن لما لهن به من الوصلة بالنكاح ~~{ وبناتك } ثنى بهن لما لهن من الوصلة ولهن في أنفسهن من الشرف، وأخرهن ~~عن الأزواج لأن أزواجه يكفونه أمرهن { ونساء المؤمنين يدنين } أي يقربن { ~~عليهن } أي على وجوهن وجميع أبدانهن, فلا يدعن شيئا منها مكشوفا { من ~~جلابيبهن } ولا يتشبهن بالإماء في لباسهن إذا خرجن لحاجتهن بكشف الشعور ~~ونحوها ظنا أن ذلك أخفى لهن وأستر، والجلباب القميص، وثوب واسع دون ~~الملحفة تلبسه المرأة، والملحفة ما ستر اللباس، أو الخمار وهو كل ما غطى ~~الرأس، وقال البغوي: الجلباب: الملاءة التي تشتمل بها المرأة فوق الدرع ~~والخمار، وقال حمزة الكرماني: قال الخليل: كل ما تستتر به من دثار وشعار ~~وكساء فهو جلباب، والكل يصح إرادته هنا، فإن كان المراد القميص فإدناؤه ~~إسباغه حتى يغطي يديها ورجليها، وإن كان ما يغطي الرأس فادناؤه ستر وجهها ~~وعنقها، وإن كان المراد ما يغطي الثياب فادناؤه تطويله وتوسيعه بحيث يستر ~~جميع بدنها وثيابها، وإن كان المراد ما دون الملحفة فالمراد ستر الوجه ~~واليدين. # ولما أمر بذلك علله بقوله: { ذلك } أي الستر { أدنى } أي أقرب من تركه ~~في { أن يعرفن } أنهن حرائر بما يميزهن عن الإماء { فلا } أي فيتسبب عن ~~معرفتهن أن لا { يؤذين } ممن يتعرض للإماء. فلا يشتغل قلبك عن تلقي ما ~~يرد عليك من الأنباء الإلهية. ms3758 ولما رقاهم سبحانه بهذا الأمر في حضرات ~~الرضوان، خافوا عاقبة ما كانوا فيه من الغلط بالتشبه بالإماء، فأخبرهم ~~سبحانه أنه في محل الجود والإحسان، فقال: { وكان الله } أي الذي له ~~الكمال المطلق، أزلا وأبدا { غفورا } أي محاء للذنوب عينا وأثرا { ~~رحيما * } مكرما لمن يقبل عليه ويمتثل أوامره ويحتنب مناهيه، قال ~~البغوي: قال أنس رضي الله عنه: مرت بعمر بن الخطاب رضي الله عنه جارية ~~متقنعة فعلاها بالدرة وقال: يا لكاع! أتتشبهين بالحرائر؟ ألقي القناع. # ولما كان المؤذون بما مضى وغيره أهل النفاق ومن داناهم، حذرهم بقوله ~~مؤكدا دفعا لظنهم الحلم عنهم: { لئن لم ينته } أي عن الأذى { المنافقون ~~} أي الذين يبطنون الكفر ويظهرون الإسلام { والذين في قلوبهم مرض } أي ~~مقرب من النفاق حامل على المعاصي { والمرجفون في المدينة } وهم الذين ~~يشيعون الأخبار المخيفة لأهل الإسلام التي تضطرب لها القلوب سواء كانوا ~~من القسمين الأولين أم لا { لنغرينك بهم } بأن نحملك على أن تولع بهم بأن ~~نأمرك بإهانتهم ونزيل الموانع من ذلك، ونثبت الأسباب الموصلة إليه حتى ~~تصير لاصقا بجميع أموالهم لصوق الشيء الذي يلحم بالغراء فلا يقدروا على ~~الانفكاك عن شيء مما تفعله بهم إلا بالبعد من المدينة بالموت أو الرحيل ~~إلى غيرها، وهذا معنى قول ابن عباس رضي الله عنهما كما رواه عنه البخاري: ~~لنسلطنك. # ولما كان نزوحهم عن المدينة مستبعدا عنهم جدا، وكان أعظم رتبة في ~~أذاهم من غيره، لأن الإخراج من الأوطان من أعظم الهوان، أشار إليه بأداة ~~التراخي فقال: { ثم لا يجاورونك فيها } أي بعد محاولتك لهم { إلا قليلا ~~* } أي من الزمان بقدر ما يمكن لك المضارب فتعظم عليهم المصائب. # ولما كان معنى الكلام أنهم ينفون لأنه صلى الله عليه وسلم يؤمر بنفيهم ~~وإبعادهم وقتلهم، بين حالهم في نفيهم أو نصبه على الشتم فقال: { ملعونين ~~} أي ينفون نفي بعد من الرحمة وطرد عن أبواب القبول. # ولما كان المطرود قد يترك وبعده، بين أنهم على غير ذلك فقال مستأنفا: { ~~أينما ثقفوا } أي وجدوا وواجدهم أحذق منهم وأفطن ms3759 وأكيس وأصنع { أخذوا } ~~أي أخذهم ذلك الواجد لهم { وقتلوا } أي أكثر قتلهم وبولغ فيه؛ ثم أكده ~~بالمصدر بغضا فيهم وإرهابا لهم فقال: { تقتيلا * } ولما سن لهم هذا ~~العذاب الهائل في الدنيا، بين أن تلك عادته في أوليائه وأعدائه، فقال ~~مؤكدا بالإقامة في موضع المصدر، لما لهم من استبعاد ذلك لكونهم لم ~~يعهدوا مثله مع ما لهم من الاشتباك بالأهل والعشائر فقال: { سنة الله } ~~أي طرق لك المحيط بجميع العظمة هذه الطريقة كطريقته { في الذين خلوا } ~~أي مضت أيامهم وأخبارهم، وانقضت وقائعهم وأعمارهم، من الذين كانوا ~~ينافقون على الأنبياء كقارون وأشياعه، وبين قتلهم بكونهم في بعض الأزمنة ~~فقال: { من قبل } وأعظم التأكيد لما لهم من الاستبعاد الذي جرأهم على ~~النفاق فقال: { ولن تجد } أي أزلا وأبدا { لسنة الله } أي طريقة الملك ~~الأعظم { تبديلا * } كما تبدل سنن الملوك، لأنه لا يبدلها، ولا مداني له ~~في العظمة ليقدر على تبديلها. ### || [33.63-71] # ولما بين تعالى ما أعد لأعداء دينه في الدنيا، وبين أن طريقته جادة لا ~~تنخرم، لما لها من قوانين الحكمة وأفانين الإتقان والعظمة، وكان من أعظم ~~الطرق الحكمية والمغيبات العلمية الساعة، وكان قد قام ما يحرك إلى السؤال ~~عنها في قوله: { لعنهم الله في الدنيا والآخرة } وكان قد مضى آخر السجدة ~~أنهم سألوا استهزاء وتكذيبا عن تعيين وقتها، وهددهم سبحانه على هذا ~~السؤال، قال تعالى مهددا أيضا على ذلك مبينا ما لأعداء الدين ~~المستهزئين في الآخرة: { يسئلك الناس } أي المشركون استهزاء منهم، وعبر ~~بذلك إشارة إلى أنهم بعد في نوسهم لم يصلوا إلى أدنى أسنان أهل الإيمان، ~~فكان المترددون في آرائهم لا يكادون ينفكون عن النوس وهو الاضطراب { عن ~~الساعة } أي في تعيين وقتها. # ولما كانت إدامتهم السؤال عنها فعل من يظن أن غيره سبحانه يعلمها، أكد ~~فقال: { قل } أي في جوابهم: { إنما علمها عند الله } أي الذي أحاط علما ~~بجميع الخلال، وله جميع أوصاف الجمال والجلال، فهو يعلم ما عند كل أحد ~~ولا يعلم أحد شيئا مما عنده إلا بإذنه. # ولما ms3760 كان من فؤائد العلم بوقت الشيء التحرز عنه أو مدافعته، قال مشيرا ~~إلى شدة خفائها بإخفائها عن أكمل خلقه مرجيا تقريبها تهديدا لهم: { وما ~~يدريك } أي أي شيء يعلمك بوقتها؟ ثم استأنف قوله: { لعل الساعة } أي ~~التي لا ساعة في الحقيقة غيرها لما لها من العجائب { تكون } أي توجد ~~وتحدث على وجه مهول عجيب { قريبا * } أي في زمن قريب، ويجوز أن يكون ~~التذكير لأجل الوقت لأن السؤال عنها إنما هو سؤال عن تعيين وقتها، قال ~~البخاري في الصحيح: إذا وصفت صفة المؤنث قلت: قريبة، وإذا جعلته ظرفا ~~وبدلا ولم ترد الصفة نزعت الهاء من المؤنث، وكذلك لفظها في الواحد ~~والاثنين والجمع للذكر والأنثى. والمراد بالتعبير بلعل أنها بحيث يرجو ~~قربها من يرجوه ويخشاه من يخشاه، فهل أعد من يخشاها شيئا للمدافعة إذا ~~جاءت أو النجاة منها إذا أقبلت؟ ثم استأنف الإخبار بحال السائلين عنها ~~بقوله مؤكدا في مقابلة إنكار الكفار أن يكون في حالهم شي من نقص: { إن ~~الله } أي الملك الأعظم الذي لا أعظم منه { لعن } أي أبعد إبعادا عظيما ~~عن رحمته { الكافرين } أي الساترين لما من شأنه أن يظهر مما دلت عليه ~~العقول السليمة من أمرها سواء كانوا مشاققين أو منافقين { وأعد لهم } أي ~~أوجد وهيأ من الآن لتكذيبهم بها وبغيرها مما أوضح لهم أدلته { سعيرا * } ~~أي نارا شديدة الاضطرام والتوقد. # ولما كان العذاب ربما استهانه بعض الناس إذا كان ينقطع ولو كان شديدا، ~~قال مبينا لحالهم: { خالدين فيها } ولما كان الشيء قد يطلق على ما شابهه ~~بوجه مجازا وعلى سبيل المبالغة، قال مؤكدا لإرادة الحقيقة: { أبدا } ~~ولما كان الشيء قد يراد ثم يمنع منه مانع، قال مبينا لحالهم في هذه ~~الحال: { لا يجدون وليا } أي يتولى أمرا مما يهمهم بشفاعة أو غيرها { ~~ولا نصيرا * } ينصرهم. # ولما ذكر حاليهم هذين، أتبعه حالا لهم قوليا على وجه بين حالا فعليا ~~فقال: { يوم } أي مقدار خلودهم فيها على تلك الحال بوم { تقلب } أي ~~تقليبا كثيرا شديدا { وجوهم } كما يقلب اللحم ms3761 المشوي وكما ترى البضعة ~~في القدر يتراقى بها الغليان من جهة إلى جهة، من حال إلى حال، وذكر ذلك ~~وإن كانت تلك النار غنية عنه لإحاطتها لأن ذكره أهول لما فيه من التصوير، ~~وخص الوجوه لأنها أشرف، والحدث فيها أنكأ. # ولما كان للإظهار مزيد بيان وهول مع إفادته استقلال ما هو فيه من الكلام ~~بنفسه، قال: { في النار } أي المسعرة حال كونهم { يقولون } وهم في محل ~~الجزاء وقد فات المحل القابل للعمل، متمنين لما لا يدركون تلافيه لأنهم ~~لا يجدون ما يقدرون أنه يبرد غلتهم من ولي ولا نصير ولا غيرهما سوى هذا ~~التمني: { يا ليتنا أطعنا } أي في الدنيا { الله } أي الذي علمنا الآن ~~أنه الملك الذي لا أمر لأحد معه. # ولما كان المقام للمبالغة في الإذعان والخضوع، أعادوا العامل فقالوا: { ~~وأطعنا الرسولا * } أي الذي بلغنا حتى نعاذ من هذا العذاب، وزيادة الألف ~~في قراءة من أثبتها إشارة إلى إيذانهم بأنهم يتلذذون بذكره ويعتقدون أن ~~عظمته لا تنحصر { وقالوا } لما لم ينفعهم شيء متبردين من الدعاء على من ~~أضلهم بما لا يبرىء عليلا ولا يشفي غليلا: { ربنا } أي أيها المحسن ~~إلينا، وأسقطوا أداة النداء على عادة أهل الخصوص بالحضرة زياة في الترقق ~~بإظهار أنه لا واسطة لهم إلا ذلهم وانكسارهم الذي عهد في الدنيا أنه ~~الموجب الأعظم لإقبال الله على عبده كما أن المثبت لأداة البعد بقوله: " ~~يا الله " مشير إلى سفول منزلته وبعده بكثرة ذنوبه وغفلته تواضعا منه ~~لربه لعله يرفع ذلك البعد عنه. # ولما كانوا يظنون أن أتباعهم للكبراء غير ضلال، فبان لهم خلاف ذلك، ~~أكدوا قولهم لذلك وللإعلام بأنهم بذلوا ما كان عندهم من الجهل فصاروا ~~الآن على بصيرة من أمرهم: { إنا أطعنا سادتنا } وقرئ بالجمع بالألف ~~والتاء جمعا سالما للجمع المكسر { وكبراءنا فأضلونا } أي فتسبب عن ذلك، ~~أنهم أضلونا بما كان لهم من نفوذ الكلمة { السبيلا * } كما هي عادة ~~المخطىء في الإجالة على غيره بما لا ينفعه، وقراءة من أثبت الألف مشيرة ~~إلى أنه سبيل ms3762 واسع جدا واضح، وأنه مما يتلذذ ويجب تفخيمه. # ولما كان كأنه قيل: فما تريدون لهم؟ قالوا مبالغين في الرقة وللأستعطاف ~~بإعادة الرب: { ربنا } أي أيها المحسن إلينا { آتهم ضعفين } أي مثلي ~~عذابنا من وهن قوتنا وشدة المؤثر لذلك مضاعفا أضعافا كثيرة { من العذاب ~~} ضعفا بضلالهم، وآخر بإضلالهم، وإذا راجعت ما في آواخر سبحان من معنى ~~الضعف وضح لك هذا، ويؤيده قوله: { والعنهم لعنا كثيرا * } أي اطردهم عن ~~محال الرحمة طردا متناهيا في العدد، والمعنى على قراءة عاصم بالموحدة: ~~عظيما شديدا غليظا. # ولما كان السبب في هذا التهديد كله ما كانوا يتعمدونه من أذى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بقولهم: تزوج امرأة ابنه، وغير ذلك إلى أن ختمه بما ~~يكون سببا لتمنيهم طاعته، وكان سماع هذا لطفا لمن صدق به، أتبعه ما هو ~~كالنتيجة له فقال: { يا أيها الذين آمنوا } أي صدقوا بما تلي عليهم { لا ~~تكونوا } بأذاكم للرسول صلى الله عليه وسلم بأمر زينب رضي الله عنها أو ~~غيره. كونا هو كالطبع لكم { كالذين آذوا موسى } من قومه بني إسرائيل ~~آذوه بأنواع الأذى كما قال نبينا صلى الله عليه وسلم حين قسم قسما فتكلم ~~فيه بعضهم فقال: لقد أوذي موسى بأكثر من هذا فصبر, وأنسب الأشياء للإرادة ~~هنا أذى قارون له بالزانية التي استأجرها لتقذفه بنفسها فبرأة الله من ~~ذلك، وكان سبب الخسف بقارون ومن معه { فبرأه } أي فتسبب عن أذاهم له أن ~~برأة { الله } أي الذي له صفات الجلال والجمال والقدرة على كل شيء ~~والكمال، وأفهم التعبير بالتفعيل أن البراءة كانت بالتدريج بالخسف وموت ~~الفجاءة وإبراق عصا هارون كما مضى في آخر القصص. ولما نهى عن التشبه ~~بالمؤذين أعم من أن يكون أذاهم قوليا أو فعليا، أشار إلى أن الأذى ~~المراد هنا قولي مثله في أمر زينب رضي الله عنها فقال: { مما قالوا } دون ~~أن يقول: مما آذوا، وذلك بما أظهره من البرهان على صدقه فخسف بمن آذاه ~~كما مضى في القصص فإياكم ثم إياكم. # ولما كان قصدهم ms3763 بهذا الأذى إسقاط وجاهته قال: { وكان } أي موسى عليه ~~السلام، كونا راسخا { عند الله } أي الذي لا يذل من والى { وجيها * } ~~أي معظما رفيع القدر إذا سأله أعطاه، وإذا كان عند الله بهذه المنزلة ~~كان عند الناس بها، لما يرون من إكرام الله له، والجملة كالتعليل للتبرئة ~~لأنه لا يبرئ الشخص إلا من كان وجيها عنده. # ولما نهاهم عن الأذى، أمر بالنفع ليصيروا وجهاء عنده سبحانه مكررا ~~للنداء استعطافا وإظهارا للاهتمام فقال: { يا أيها الذين آمنوا } أي ~~ادعوا ذلك. ولما كان قد خص النبي صلى الله عليه وسلم في أول السورة ~~بالأمر بالتقوى، عم في آخرها بالأمر بها مردفا لنهيهم بأمر يتضمن الوعيد ~~ليقوى الصارف عن الأذى والداعي إلى تركه فقال: { اتقوا الله } أي صدقوا ~~دعواكم بمخافة من له جميع العظمة, فاجعلوا لكم وقاية من سخطه بأن تبذلوا ~~له جميع ما أودعكم من الأمانة { وقولوا } في حق النبي صلى الله عليه وسلم ~~في أمر زينب رضي الله عنها وغيرها وفي حق بناته ونسائه رضي الله عنهن وفي ~~حق المؤمنين ونسائهم وغير ذلك { قولا سديدا * } أي قاصدا إلى الحق ذا ~~صواب له { يصلح لكم أعمالكم } أي بأن يدخلكم في العمل الصالح وأنتم لا ~~تعلمون ما ينبغي من كيفيته فيبصركم بها شيئا فشيئا ويوفقكم للعمل بما ~~جلاه لكم حتى تكونوا على أتم وجه وأعظمه وأرضاه وأقومه ببركة قلولكم الحق ~~على الوجه الحسن الجميل. # ولما كان الإنسان وإن اجتهد مقصرا، قال مشيرا إلى ذلك حتى لا يزال ~~معترفا بالعجز: { ويغفر لكم ذنوبكم } أي يمحوها عينا وأثرا فلا يعاقب ~~عليها ولا يعاتب، ولما كان ربما توهم أن هذا خاص بمن آمن، وأن تجديد ~~الإيمان غير نافع، أزال هذا الوهم بقوله: { ومن يطع الله } أي الذي لا ~~أعظم منه { ورسوله } أي الذي عظمته من عظمته بأن يجدد لها الطاعة ~~بالإيمان وثمراته في كل وقت، فيكون مؤديا للأمانة إلى أهلها { فقد فاز } ~~وأكد ذلك بقوله: { فوزا عظيما * } أي ظفرا بجميع مراداته في الدنيا ~~والآخرة. ### || [33.72-73] # ولما ms3764 كان التقدير: ومن لم يطع فقد خسر خسرانا مبينا، وكان كل شيء عرض ~~على شيء فالمعروض عليه متمكن من المعروض قادر عليه، وكان كل شيء أودعه ~~الله شيئا فحفظه ورعاه وبذله لأهله وآتاه باذلا للأمانة غير حامل لها. ~~وكل من أودعه شيئا فضيعه وضمن به عن أهله ومنعه عن مستحقه خائن فيه حامل ~~له، وكان الله تعالى قد أودع الناس من العقول ما يميزون به بين الصحيح ~~والفاسد، ومن القوى الظاهرة ما يصرفونه فيما أرادوا من المعصية والطاعة، ~~فمنهم من استدل بعقله على كل من المحق والمبطل فبذل له من قواه ما ~~يستحقه، فكان باذلا للأمانة غير حامل لها، ومنهم من عكس ذلك وهم الأكثر ~~فكان حاملا لها خائنا فيها أمر به من بذلها، وأودع سبحانه الأكوان ما ~~فيها من المنافع من المياه والمعادن والنباتات فبذلته ولم تمنعه من أحد ~~طلبه مع أن منعها له في حيز الإمكان، قال تعالى معللا للأمر بالتقوى، ~~أو مستأنفا مؤكدا تنبيها على أن هذا الأمر مما يحق أن يؤكد تنبيها ~~على دقته، وأنه مما لا يكاد أن يفطن له كثير من الناس فضلا عن أن يصدقوه ~~لافتا القول إلى مظهر العظمة دلالة على عظيم جرأة الإنسان: { إنا عرضنا ~~الأمانة } أي أداءها أو حملها أو منعها أهلها، وهي طاعته سبحانه فيما أمر ~~به العاقل، وفيما أراده من غيره، ولم يذكر المياه والرياح لأنهما من جملة ~~ما في الكونين من الأمانات اللاتي يؤديانها على حسب الأمر { على السماوات ~~} بما فيها من المنافع { والأرض } بما فيها من المرافق والمعادن. ولما ~~أريد التصريح بالتعميم قال: { والجبال } ولأن أكثر المنافع فيها { فأبين ~~} على عظم أجرامها وقوة أركانها وسعة أرجائها { أن يحملنها } فيمنعها ~~ويحبسنها عن أهلها، قال الزمخشري: من قولك: فلان حامل للأمانة ومحتمل ~~لها، أي لا يؤديها إلى صاحبها حتى تزول عن ذمته ويخرج عن عهدتها، لأن ~~الأمانة كأنها راكبة للمؤتمن عليها وهو حاملها، ألا تراهم يقولون: ركبته ~~الديون ولي عليه حق، فإذا أداها لم تبق راكبة له ولا ms3765 هو حاملا لها { ~~وأشفقن منها } فبدل كل منهن ما أودعه الله فيه في وقته كما أراده الله، ~~وهو معنى: أتينا طائعين، والحاصل أنه جعلت الإرادة وهي الأمر التكويني في ~~حق الأكوان لكونها لا تعقل كالأمر التكليفي التكويني في حقنا لأنا نعقل ~~تمييزا بين من يعقل ومن لا يعقل في الحكم، كما ميز بينهما في الفهم ~~إعطاء لكل منهما ما يستحقه رتبته - وهذا هو معنى ما نقله البغوي عن ~~الزجاج وغيره من أهل المعاني، وما أحسن ما قاله النابغة زياد بن معاوية ~~الذبياني حيث قال: # أتيتك عاريا خلقا ثيابي # على خوف تظن بي الظنون # فألفيت الأمانة لم تخنها # كذلك كان نوح لا يخون # قال ابن الفرات: إن عمر رضي الله عنه قال لما قيل له إن النابغة ~~قائلهما: هو أشعر شعرائكم. # ولما كان الخائن أكثر من الأمين أضعافا مضاعفة، وكانت النفس بما أودع ~~فيها من الشهوات والحظوظ محل النقائص، قال تعالى: { وحملها الإنسان } أي ~~أكثر الناس والجن، فإن الإنسان الأنس، والإنس والأناس الناس، وقد تقدم في # ولا تبخسوا الناس أشياءهم # [الأعراف: 85] في الأعراف أن الناس يكون من الإنس ومن الجن، وأنه جمع ~~إنس وأصله أناس، والإسناد إلى الجنس لا يلزم منه أن يكون كل فرد منه ~~كذلك، فهو هنا باعتبار الأغلب، وفي التعبير به إشارة إلى أنه لا يخون إلا ~~من هو في أسفل الرتب لم يصل إلى حد النوس. # ولما كان الإنسان - لما له بنفسه من الأنس وفي صفاته من العشق، وله من ~~العقل والفهم - يظن أنه لا نقص فيه، علل ذلك بقوله مؤكدا: { إنه } على ~~ضعف قوته وقلة حيلته { كان } أي في جبلته إلا من عصم الله { ظلوما } يضع ~~الشيء في غير محله كالذي في الظلام لما غطى من شهواته على عقله، ولذلك ~~قال: { جهولا * } أي فجهله يغلب على حلمه فيوقعه في الظلم، فجعل كل من ~~ظهور ما أودعه الله في الأكوان وكونه في حيز الإمكان كأنه عرض عليها كل ~~من حمله وبذله كما أنه جعل تمكين الإنسان من ms3766 كل من إبداء ما اؤتمن عليه ~~وإخفائه كذلك. # ولما كان الحكم في الظاهر على جميع الإنسان، وفي الحقيقة - لكون القضية ~~الخالية عن السور في قوة الجزئية - على بعضه، لكنه لما أطلق إطلاق الكلي ~~فهم أن المراد الأكثر، قال مبينا أن " ال " ليست سورا معللا لحمله لها ~~مقدما التعذيب إشارة إلى أن الخونة أكثر، لافتا العبارة إلى الاسم ~~الأعظم لتنويع المقال إلى جلال وجمال: { ليعذب الله } أي الملك الأعظم ~~بسبب الخيانة في الأمانة، وقدم من الخونة أجدرهم بذلك فقال: { المنافقين ~~والمنافقات } أي الذين يظهرون بذل الأمانة كذبا وزورا وهم حاملون لها ~~عريقون في النفاق { والمشركين والمشركات } أي الذين يصارحون بحملها ~~ومنعها عن أهلها وهم عريقون في الشرك فلا يتوبون منه. # ولما كان تقديم التعذيب مفهما أن الخونة أكثر، أشار إلى أن المخلص نادر ~~جدا بقوله: { ويتوب الله } أي بما له من العظمة { على المؤمنين } أي ~~العريقين في وصف الإيمان وهو الثابون عليه إلى الموت { والمؤمنات } ~~العصاة وغيرهم فيرفقهم لبذلها بعد حملها فالآية من الاحتباك: ذكر العذاب ~~أولا دليلا على النعيم ثانيا، والتوبة ثانيا دليلا على منعها أولا ~~أي عرض هذا العرض وحكم هذا الحكم ليعذب وينعم بحجة يتعارفها الناس فيما ~~بينهم. # ولما كان هذا مؤذنا بأنه ما من أحد إلا وقد حملها وقتا ما، فكان ~~مرغبا للقلوب مرهبا للنفوس، قال مؤنسا لها مرغبا: { وكان الله } أي ~~على ما له من الكبر والعظمة والانتقام والملك والسطوة { غفورا } أي محاء ~~لذنوب التائبين الفعلية والإمكانية عينا وأثرا { رحيما } أي مكرما ~~لهم بأنواع الإكرام بعد الرجوع عن الإجرام، ولما أمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم في مطلعها بالتقوى أمر في مقطعها بذلك على وجه عام، وتوعد المشاققين ~~والمنافقين الذين نهى في أولها عن طاعتهم، وختم بصفتي المغفرة والرحمة ~~كما ختم في أولها بهما آية الخطأ والتعمد، فقد تلاقيا وتعانقا وتوافقا ~~وتطابقا - والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، وهو أعلم بالصواب. ### | [34 - سورة سبإ] ### || [34.1-2] # قوله { الحمد } أي الإحاطة بأوصاف الكمال من الخلق والأمر كله مطلقا ms3767 في ~~الأولى الأخرى وغيرهما مما يمكن أن يكون ويحيط به علمه سبحانه { لله } ذي ~~الجلال والجمال. # ولما كان هذا هو المراد، وصفه بما يفيد ذلك، فقال منبها على نعمة ~~الإبداء والإبقاء أولا: { الذي له } أي وحده ملكا وملكا وإن نسبتم ~~إلى غيره ملكا وملكا ظاهريا { ما في السموات } أي بأسرها { وما في ~~الأرض } أي كما ترون أنه لا متصرف في شيء من ذلك كمال التصرف غيره، وقد ~~علم في غير موضع وتقرر في كل فطرة أنه ذو العرش العظيم، فأنتج ذلك أن له ~~ما يحويه عرشه من السماوات والأراضي وما فيها، لأن من المعلوم أن العرش ~~محيط بالكل، فالكل فيه، وكل سماء في التي فوقها، وكذا الأراضي، وقد تقرر ~~أن له ما في الكل، فأنتج ذلك أن له الكل بهذا البرهان الصحيح، وهو أبلغ ~~مما لو عبر عن ذلك على وجه التصريح، وإذ قد كان له ذلك كله فلا نعمة على ~~شيء إلا منه، فكل شيء يحمده لما له عليه من نعمه بلسان قال، فإن لم يكن ~~فبلسان حاله. # ولما أفاد ذلك أن له الدنيا وما فيها، وقد علم في آخر الأحزاب أن نتيجة ~~الوجود العذاب والمغفرة، ونحن نرى أكثر الظلمة والمنافقين يموتون من غير ~~عذاب، وأكثر المؤمنين يموتون لم يوفوا ما وعدوه من الثواب، ونعلم قطعا ~~أنه لا يجوز على حكيم أن يترك عبيده سدى يبغي بعضهم على بعض وهو لا يغير ~~عليهم، فأفاد ذلك أن له دارا أخرى يظهر فيها العدل وينشر الكرم والفضل، ~~فلذلك قال عاطفا على ما يسببه الكلام الأول من نحو: فله الحمد في ~~الأولى، وطواه لأجل خفائه على أكثر الخلق، وأظهر ما في الآخرة لظهوره ~~لأنها دار كشف الغطاء، فقال منبها على نعمة الإعادة والإبقاء ثانيا: { ~~وله } أي وحده { الحمد } أي الإحاطة بالكمال { في الآخرة } ظاهرا لكل من ~~يجمعه الحشر، وله كل ما فيها، لا يدعي ذلك أحد في شيء منه لا ظاهرا ولا ~~باطنا، فكل شيء فيها لظهور الحمد إذ ذاك بحمده كما ms3768 ينبغي لجلاله بما له ~~عليه من نعمة أقلها نعمة الإيجاد حتى أهل النار فإنهم يحمدونه بما يحبب ~~إليهم في الدنيا من إسباغ نعمه ظاهرة وباطنة، ومنها إنزال الكتب وإرسال ~~الرسل على وجه ما أبقى فيه للتحبب موضعا في دعائهم إليه وإقبالهم عليه، ~~وبذل النصيحة على وجوه من اللطف كما هو معروف عند من عاناه، فعلموا أنهم ~~هم المفرطون حيث أبوا في الأولى حيث ينفع الإيمان، واعترفوا في الآخرة ~~حيث فات الأوان { وقالوا آمنا به وأنى لهم التناوش } - الآيات، وأيضا ~~فهم يحمدونه في الآخرة لعلمهم أنه لا يعذب أحدا منهم فوق ما يستحق وهو ~~قادر على ذلك، ولذلك جعل النار طبقات، ورتبها دركات، فكانوا في الأولى ~~حامدين على غير وجهه، فلم ينفعهم حمدهم لبنائه على غير أساس، وحمدوا في ~~الآخرة على وجهه فما أغنى عنهم لكونها ليست دار العمل لفوات شرطه، وهو ~~الإيمان بالغيب، والآية من الاحتباك: حذف أولا " له الحمد في الأولى " ~~لما دل عليه ثانيا، وثانيا " وله كل ما في الآخرة " لما دل عليه أولا، ~~وقد علم بهذا وبما قدمته في النحل والفاتحة أن الحمد تارة يكون بالنظر ~~إلى الحامد، وتارة بالنظر إلى المحمود، فالثاني اتصاف المحمود بالجميل، ~~والأول وصف الحامد له بالجميل، فحمد الله تعالى اتصافه بكل وصف جميل، ~~وحمد الحامد له وصفه بذلك، فكل الأكوان ناطقة بألسن أحوالها بحمده سواء ~~أنطق لسان القال بذلك أم لا، وهو محمود قبل تكوينها، وذلك هو معنى قولي ~~الإحاطة بأوصاف الكمال، وحمد غيره له تارة يطلق بالمدلول اللغوي، وتارة ~~بالمدلول العرفي، وتحقيق ما قال العلماء في ذلك في نفسه وبالنسبة بينه ~~وبين الشكر أن الحمد في اللغة هو الوصف بالجميل الاختياري على جهة ~~التعظيم، ومورده اللسان وحده فهو مختص بالظاهر ومتعلقه النعمة وغيرها، ~~فمورده خاص ومتعلقه عام، والشكر لغة على العكس من ذلك متعلقه خاص ومورده ~~عام، لأنه فعل يشعر بتعظيم المنعم بسبب إنعامه فمورده الظاهر والباطن ~~لأنه يعم اللسان والجنان والأركان، ومتعلقه النعمة الواصلة إلى الشاكر، ~~ومن موارده القلب وهو ms3769 أشرف الموارد كلها، لأنه فعله وإن كان خفيا يستقل ~~بكونه شكرا من غير أن ينضم إليه فعل غيره بخلاف الموردين الآخرين، إذ لا ~~يكون فعل شيء منهما حمدا ولا شكرا حقيقة ما لم ينضم إليه فعل القلب. # ولما كان تعاكس الموردين والمتعلقين ظاهر الدلالة على النسبة بين ~~الحمد والشكر اللغويين، علم أن بينهما عموما وخصوصا وجهيا، لأن الحمد ~~قد يترتب على الفضائل المجردة، والشكر قد يختص بالفواضل، فينفرد الحمد من ~~هذه الجهة، وينفرد الشكر بالفعل الظاهر والاعتقاد الباطن على الفواضل من ~~غير قول، ويجتمعان في الوصف الجناني واللساني على الفواضل، ففعل القلب ~~اعتقاد اتصاف المشكور بصفات الكمال من الجلال والجمال، وفعل اللسان ذكر ~~ما يدل على ذلك، وفعل الأركان الإتيان بأفعال دالة على ذلك. # ولما كان هذا حقيقة الحمد والشكر لغة لا عرفا، وكانت الأوهام تسبق إلى ~~أن الحمد ما يشتمل على لفظ ح م د، قال القطب الرازي في شرح المطالع: وليس ~~الحمد عبارة عن خصوص قول القائل " الحمد لله " وإن كان هذا القول فردا ~~من أفراد الماهية، وكذا ليس ماهية الشكر عبارة عن خصوص قول القائل " ~~الشكر لله " ولا القول المطلق الدال على تعظيم الله وإن كان الثاني جزءا ~~منه والأول فرد من هذا الجزء، وحقيقة الحمد في العرف ما يشعر بتعظيم ~~المنعم بسبب كونه منعما، وحقيقة الشكر العرفي هو صرف العبد جميع ما أنعم ~~الله عليه من القوى إلى ما خلق له كصرف النظر إلى مطالعة مصنوعاته ~~للاعتبار إلى علي حضراته، وإلقاء السمع إلى تلقي ما ينبىء عن مرضاته، ~~والاجتناب عن منهياته، فذكر الوصف في اللغوي يفهم الكلام سواء كان ~~نفسائيا أو لسانيا فيشمل حمد الله تعالى نفسه وحمدنا له، والجميل ~~متناول للأنعام وغيره من مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، وعدم تقييد الوصف ~~بكونه في مقابلة نعمه مظهر لأن الحمد قد يكون واقعا بإزاء النعمة وقد لا ~~يكون، واشتراط التعظيم يفهم تطابق الظاهر والباطن، فإن عرى قول اللسان عن ~~مطابقة الاعتقاد أو خالفه فعل الجوارح لم يكن حمدا ms3770 حقيقة، بل استهزاء ~~وسخرية، ومطابقة الجنان والأركان شرط في الحمد لا شطر، فلا يتداخل ~~التعريفان، ولا يخرج بالاختيار صفات الله القديمة، فإنها من حيث قدرته ~~على تعليقها بالأشياء تكون داخلة فيكون الحمد على الوصف الاختياري، وكذا ~~إذا مدح الشجاع بشجاعته والقدرة على تعليق الوصف بما يتحقق به كانت ~~الشجاعة خاصة لم يكن هناك محمود عليه، فقد علم من هذا أنه إذا كان هناك ~~اختيار في الآثار كان الحمد عليه وإلا فلا، فلا يسمى وصف اللؤلؤة بصفاء ~~الجوهر وبهجة المنظر حمدا بل مدحا، ويسمى الوصف بالشجاعة للاختيار في ~~إظهار آثارها حمدا، فاختص الحمد بالفاعل المختار دون المدح، وعلم أيضا ~~أن القول المخصوص وهو " الحمد لله " ليس حمدا لخصوصه، بل لأند دال على ~~صفة الكمال ومظهر لها، فيشاركه في التسمية كل ما دل على ذلك من الوصف، ~~ولذلك قال بعض المحققين من الصوفية: حقيقة الحمد إظهار الصفات الكمالية، ~~وذلك قد يكون بالقول كما عرف، وقد يكون بالفعل وهو أقوى، لأن الأفعال ~~التي هي آثار الأوصاف تدل عليها دلالة عقلية قطعية، لا يتصور فيها خلف ~~بخلاف الأقوال، فإن دلالتها عليها وضعية، وقد يتخلف عنها مدلولها، وقد ~~حمد الله تعالى نفسه بما يقطع به من القول والفعل، ما الفعل فإنه بسط ~~بساط الوجود على ممكنات لا تحصى ووضع عليه موائد كرمه التي لا تتناهى، ~~فكشف ذلك عن صفات كماله وأظهرها بدلالات قطعية تفصيلية غير متناهية، فإن ~~كل ذرة من ذرات الوجود تدل عليها، ولا يتصور في عبارات المخلوق مثل هذه ~~الدلالات، ومن ثمة قال صلى الله عليه وسلم # " لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك " # ولا بد للتنبه لما قاله الأستاذ أبو الحسن التجيبي المغربي الحرالي في ~~تفسيره بأن حمدلة الفاتحة تتضمن من حيث ظاهرها المدح التام الكامل ممن ~~يرى المدحة سارية في كل ما أبدعه الله وما أحكمه من الأسباب التي احتواها ~~الكون كله، وعلم أن كلتا يدى ربه يمين مباركة، وهو معنى ما يظهره إحاطة ~~العلم بإبداء الله حكمته على ms3771 وجه لا نكرة فيه منه، ولا ممن هو في أمره ~~خليفته، وليس من معنى ما بين العبد وربه من وجه إسداء النعم وهو أمر يجده ~~القلب علما، لا أمر يوافق النفس غرضا، فمن لم يكمل بعلم ذلك تاليا على ~~أثر من علمه، واجدا بركة تلاوته - انتهى. # وأما القول فإنه سبحانه لما علم أن لسان الحال إنما يرمز رمزا خفيا لا ~~يفهمه إلا الأفراد وإن كان بعد التحقيق جليا، أنزل عليما كتابا مفصحا ~~بالمراد أثنى فيه على نفسه، وبين صفات كماله بالبيان الذي يعجز عنه ~~القوى، ثم جعل الإعجاز دلالة قطعية على كماله، وعلى كل ما له من جلاله ~~وجماله، وقد علم من هذه التعاريف أن بين الحمد والشكر اللغويين عموما ~~وخصوصا من وجه، لأن الحمد قد يترتب على الفضائل وهي الصفات الجميلة التي ~~لا يتجاوز منها أثر ومنفعة إلى غير الممدوح كالشجاعة، والشكر يختص ~~بالفواضل وهي النعم وهي الصفات والمزايا المتعدية التي يحصل منها منفعة ~~لغير الممدوح كالإحسان والمواهب والعطايا كما مضى، وبين الحمد والشكر ~~العرفيين عموما وخصوصا مطلقا، فالحمد أعم مطلقا لعموم النعم الواصلة ~~إلى الحامد وغيره، واختصاص الشكر بما يصل إلى الشاكر، وذلك لأن المنعم ~~المذكور في التعريف مطلق لم يقيد بكونه منعما على الحامد أو على غيره، ~~فمتناولهما بخلاف الشكر وقد اعتبر فيه منعم مخصوص وهو الله تعالى، ونعم ~~واصلة منه إلى الشاكر، ولعموم هذا الحمد مطلقا وخصوص هذا الشكر مطلقا ~~وجه ثان، وهو أن فعل القلب واللسان مثلا قد يكون حمدا وليس شكرا ~~أصلا، إذ قد اعتبر فيه شمول الآلات، ووجه ثالث وهو أن الشكر بهذا المعنى ~~لا يتعلق بغيره تعالى بخلاف الحمد، وما يقال من أن النسبة بالعموم ~~المطلق، بين العرفيين إنما تصح بحسب الوجود دون الحمل الذي كلامنا فيه، ~~لأن الحمد بصرف القلب مثلا فيما خلق لأجله جزء من صرف الجميع غير محمول ~~عليه لامتيازه في الوجود عن سائر أجزائه, وأما في الحمل فلا يمتاز ~~المحمول عن الموضوع في الوجود الخارجي، فغلظ من باب ms3772 اشتباه الشيء بما صدق ~~هو عليه، فإن ما ليس محمولا على ذلك الصرف هو ما صدق عليه الحمد، أعني ~~صرف القلب وحده لا مفهومه المذكور، وهو فعل يشعر بتعظيم المنعم بسبب كونه ~~منعما، وهذا المفهوم يحمل على صرف الجميع، وما يقال إن صرف الجميع أفعال ~~متعددة، فلا يصدق عليه أنه فعل واحد، وما يقال إن صرف الجميع أفعال ~~متعددة، فلا يصدق عليه أنه فعل واحد، جوابه أنه فعل واحد تعدد متعلقه، ~~فلا ينافي وصفه بالوحدة كما يقال: صدر عن زيد فعل واحد إكرام جميع القوم ~~مثلا، وتحقيقه أن المركب قد يوصف بالوحدة الحقيقية كبدن واحد، ~~والاعتبارية كعسكر واحد، وصدق الجميع من قبيل الثاني كما لا يرتاب فيه ذو ~~مسكة، والنسبة بين الحمدين اللغوي والعرفي عموم وخصوص من وجه، لأن الحمد ~~العرفي هو الشكر اللغوي، وقد مضى بيان ذلك فيهما. # وبين الشكر العرفي واللغوي عموم مطلق لأن الشكر اللغوي يعم النعمة إلى ~~الغير دون العرفي فهو أعم، والعرفي أخص مطلقا، وكذا بين الشكر العرفي ~~والحمد اللغوي لأن الأول مخصوص بالنعمة على الشاكر سواء كان باللسان أو ~~لا، والثاني وإن خص باللسان فهو مشترط فيه مطابقة الأركان والجنان، ليكون ~~على وجهة التبجيل، وقد لا يكون في مقابلة نعمة فهو أعم مطلقا فكل شكر ~~عرفي حمد لغوي، ولا ينعكس وهذا بحسب الوجود، وكذا بين الحمد العرفي ~~والشكر اللغوي عموم مطلق أيضا إذا قيدت النعمة في اللغوي بوصولها إلى ~~الشاكر كما مر، وأما إذا لم تقيد فهما متحدان، وأما الشكر المطلق فهو على ~~قياس ما مضى تعظيم المنعم بصرف نعمته إلى ما يرضيه، ولا يخفى أنه إذا كان ~~نفس الحمد والشكر من النعم لم يمكن أحدا الإتيان بهما على التمام ~~والكمال لاستلزامه تسلسل الأفعال إلى ما لا يتناهى، وهذا التحقيق منقول ~~عن إمام الحرمين والإمام الرازي - هذا حاصل ما في شرح المطالع للقطب ~~الرازي وحاشيته للشريف الجرجاني بزيادات، وقد علم صحة ما أسلفته في شرح ~~الحمد بالنظر إلى الحامد وبالنظر إلى المحمود، وإذا جمعت ms3773 أطراف ما تقدم ~~في سورة النحل والفاتحة وغيرهما من أن المادة تدور على الإحاطة علم أنه ~~بالنظر إلى الحامد وصفة المحمود بالإحاطة بأوصاف الكمال، وبالنظر إلى ~~المحمود اتصافه بالإحاطة بأوصاف الكمال، فإن الوصف يشترط أن يكون مطابقا ~~وإلا كان مدحا لا حمدا، كما حققه العلامة قاضي دمشق شمس الدين أحمد بن ~~خليل الخويي في كتابه أقاليم التعاليم. # ولما تقرر أن الحكمة لا تتم إلا بإيجاد الآخرة قال: { وهو الحكيم } أي ~~الذي بلغت حكمته النهاية التي لا مزيد عليها، والحكمة هي العلم بالأمور ~~على وجه الصواب متصلا بالعمل على وفقه. # ولما كانت الحكمة لا تتهيأ إلا بدقيق العلم وصافيه ولبابه وهو الخبرة ~~قال: { الخبير } أي البليغ الخبر وهو العلم بظواهر الأمور وبواطنها حالا ~~ومالا، فلا يجوز في عقل انه - وهو المتصف بهاتين الصفتين كما هو مشاهد ~~في إتقان أفعاله وإحكام كل شيء سمعناه من أقواله - يخلق الخلق سدى من غير ~~إعادة لدار الجزاء، وقد مضى في الفاتحة وغيرها عن العلامة سعد الدين ~~التفتازاني أنه قال: التصدير بالحمد إشارة إلى إمهات النعم الأربع، وهي ~~الإيجاد الأول، والإيجاد الثاني، والإبقاء الأول، والإبقاء الثاني، وأن ~~الفاتحة لكونها أم الكتاب أشير فيها إلى الكل، ثم أشير في كل سورة صدرت ~~بعدها بالحمد إلى نعمة منها على الترتيب، وأنه أشير في الأنعام إلى ~~الإيجاد الأول وهو ظاهر وفي الكهف إلى الإبقاء الأول، لأن انتظام البقاء ~~الأول والانتفاع بالإيجاد لا يكون إلا بالكتاب والرسول، وأنه أشير في هذه ~~السورة إلى الإيجاد الثاني لانسياق الكلام إلى إثبات الحشر والرد على ~~منكري الساعة حيث قال سبحانه { وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى ~~وربي } انتهى، وقد علم مما قررته أنها من أولها مشيرة إلى ذلك على طريق ~~البرهان. # وقال أبو جعفر بن الزبير: افتتحت بالحمد لله لما أعقب بها ما انطوت عليه ~~سورة الأحزاب من عظيم الآلاء وجليل النعماء حس ما أبين - آنفا - يعني في ~~آخر كلامه على سورة الأحزاب - فكان مظنة الحمد على ما منح عباده المؤمنين ms3774 ~~وأعطاهم فقال تعالى { الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض } ~~ملكا واختراعا، وقد أشار هذا إلى إرغام من توقف منقطعا عن فهم تصرفه ~~سبحانه في عباده بما تقدم وتفريقهم بحسب ما شاء فكأن قد قيل: إذا كانوا ~~له ملكا وعبيدا، فلا يتوقف في فعله بهم ما فعل من تيسير للحسنى أو لغير ~~ذلك مما شاءه بهم على فهم علته واستطلاع سببه، بل يفعل بهم ما شاء وأراد ~~من غير حجر ولا منع { وهو الحكيم الخبير } وجه الحكمة في ذلك التي خفيت ~~عنكم، وأشار قوله { وله الحمد في الآخرة } إلى أنه سيطلع عباده المؤمنين ~~- من موجبات حمده ما يمنحهم أو يضاعف لهم من الجزاء أو عظيم الثواب في ~~الآخرة - على ما لم تبلغه عقولهم في الدنيا ولا وفت به أفكارهم # فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين # [السجدة: 17] ثم أتبع سبحانه ما تقدم من حمده على ما هو أهله ببسط شواهد ~~حكمته وعلمه فقال تعالى { يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل ~~من السماء وما يعرج فيها } إلى قوله { وهو الرحيم } فبرحمته وغفرانه أنال ~~عباده المؤمنين ما خصهم به وأعطاهم، فله الحمد الذي هو أهله، ثم أتبع هذا ~~بذكر إمهاله من كذب وكفر مع عظيم اجترائهم لتتبين سعة رحمته ومغفرته فقال ~~تعالى { وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة } إلى قوله: { إن في ذلك لآية ~~لكل عبد منيب } أي إن في إمهاله سبحانه لهؤلاء بعد عتوهم واستهزائهم في ~~قولهم { لا تأتينا الساعة } وقوله: { هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم ~~كل ممزق أنكم لفي خلق جديد } وإغضائهم عن الاعتبار بما بين أيديهم من ~~السماء والأرض وأمنهم أخذهم من أي الجهات وفي إمهالهم وإدرار أرزاقهم مع ~~عظيم مرتكبهم آيات لمن أناب واعتبر، ثم بسط لعباده المؤمنين من ذكر الآية ~~ونعمه وتصريفه في مخلوقاته ما يوضح استيلاء قهره وملكه، ويشير إلى عظيم ~~ملكه كما أعلم في قوله سبحانه { الحمد لله الذي له ما في السماوات وما ms3775 في ~~الأرض } فقال سبحانه { ولقد آتينا داود منا فضلا يا جبال أوبي معه ~~والطير وألنا له الحديد } ثم قال { ولسليمان الريح } إلى قوله: { اعملوا ~~آل داود شكرا } ثم أتبع ذلك بذكر حال من لم يشكر فذكر قصة سبأ إلى ~~آخرها، ثم وبخ تعالى من عبد غيره معه بعد وضوح الأمر وبيانه فقال { قل ~~ادعوا الذين زعمتم من دون الله } إلى وصفه حالهم الأخروي ومراجعة ~~متكبريهم ضعفاءهم وضعفائهم متكبريهم { وأسروا الندامة لما رأوا العذاب } ~~ثم التحمت الآي جارية على ما تقدم من لدن افتتاح السورة إلى ختمها - ~~انتهى. # ولما ختم بصفة الخبر، أتبع ذلك ما يدل عليه فقال: { يعلم ما يلج في ~~الأرض } أي هذا الجنس من المياه والأموال، والأموات، وقدم هذا لأن الشيء ~~يغيب في التراب أولا ثم يسقى فيخرج { وما يخرج منها } من المياه ~~والمعادن والنبات { وما ينزل من السماء } أي هذا الجنس من حرارة وبرودة ~~وماء وملك وغير ذلك { وما يعرج } ولما كانت السماوات أجساما كثيفة ~~متراقية، لم يعبر بحرف الغاية كما في قوله تعالى # إليه يصعد الكلم الطيب # [فاطر: 10] بل قال: { فيها } أي من الأعمال والملائكة وكل ما يتصاعد من ~~الأرض في جهة العلو وأنتم كما ترونه يميز كل شيء عن مشابهه، فيميز ما له ~~أهلية التولد من الماء والتراب في الأرض من النباتات عن بقية الماء ~~والتراب على اختلاف أنواعه مميزا بعضه من بعض، ومن المعادن الذهب والفضة ~~والحديد والنحاس والرصاص إلى غير ذلك، مع أن الكل ما يخالط الزاب، فكيف ~~يستبعد عليه أن يحيي الموتى لعسر تمييز تراب كل ميت بعد التمزق والاختلاط ~~من تراب آخر. # ولما كان الحاصل من هذا المتقدم أنه رب كل شيء، وكان الرب لا تنتظم ~~ربوبيته إلا بالرفق والإصلاح، وكان ربما ظن جاهل انه لا يعلم أعمال ~~الخلائق لأنه لو علمها ما أقر عليها، اعلم أن رحمته سبقت غضبه، ولذلك قدم ~~صفة الرحمة، ولأنه في سياق الحمد، فناسب تقديم الوصف الناظر إلى التكميل ~~على الوصف النافي للنقص فقال: { وهو } أي ms3776 والحال أنه وحده مع كثرة نعمه ~~المقيمة للأبدان { الرحيم } أي المنعم بما ترضاه الإلهية من إنزال الكتب ~~وإرسال الرسل لإقامة الأديان { الغفور * } أي المحاء للذنوب أما من اتبع ~~ما أنزل من ذلك كما بلغته الرسل فبالمحو عينا وأثرا حتى لا يعاقبهم على ~~ما سلف منها ولا يعاتبهم، وأما غيره فالتكفير بأنواع المحن أو التأخير ~~إلى يوم الحشر. ### || [34.3-6] # ولما ثبتت حكمته بما نشاهد من محكم الأفعال وصائب الأقوال، فثبت بذلك ~~علمه لأن الحكمة لا تكون إلا بالعلم، وكان الرب الرحيم العليم لا تكمل ~~ربوبيته إلا بالملك الظاهر والأيالة القاهرة التي لا شوب فيها، ثبت البعث ~~الذي هو محط الحكمة وموضع ظهور العدل، فكانت نتيجة ذلك: فالله يأتي ~~بالساعة لما ثبت من برهانها كما ترون، فعطف عليه قوله: { وقال الذين ~~كفروا } أي ستروا ما دلتهم عليه عقولهم من براهينها الظاهرة: { لا تأتينا ~~الساعة } والإخبار عنها باطل. # ولما تقدم من الأدلة ما لا يرتاب معه، أمره أن يجيبهم برد كلامهم مؤكدا ~~بالقسم على أنه لم يخله من دليل ظاهر فقال: { قل بلى وربي } أي المحسن ~~إلي بما عمني به معكم من النعم، وبما خصني به من تنبئتي وإرسالي إليكم - ~~إلى غير ذلك من أمور لا يحصيها إلا هو سبحانه، فهو أكرم من أن يدعكم من ~~غير أن يحشركم لينتقم لي منكم، ويقر عيني بما يجازيكم به من أذاكم لي ~~ولمن اتبعني، فإنه لا يكون سيد قط يرضى أن يبغي بعض عصاة عبيده على بعض، ~~ويدعهم سدى من غير تأديب، فكيف إذا كان المبغي عليه مطيعا له، والباغي ~~عاصيا عليه، هذا ما لا يرضاه عاقل فكيف بحاكم فكيف بأحكام الحاكمين؟ { ~~لتأتينكم } أي الساعة لتظهر فيها ظهورا تاما الحكمة بالعدل والفضل، ~~وغير ذلك من عجائب الحكم والفصل. # ولما كان الحاكم لا يهمل رعيته إلا إذا غابوا من علمه، ولا يهمل شيئا ~~من أحوالهم إلا إذا غاب عنه ذلك الشيء، وكانت الساعة من عالم الغيب، وكان ~~ما تقدم من إثبات العلم ربما خصه متعنت بعالم ms3777 الشهادة، وصف ذاته الأقدس ~~سبحانه بما بين أنه لا فرق عنده بين الغيب الذي الساعة منه والشهادة، بل ~~الكل عنده شهادة، وللعناية بهذا المعنى يقدم الغيب إذا جمعا في الذكر، ~~فقال مبينا عظمة المقسم به ليفيد حقية المقسم عليه لأن القسم بمنزلة ~~الاستشهاد على الأمر، وكلما كان المستشهد به أعلى كعبا وأبين فضلا ~~وأرفع منزلة كان في الشهادة أقوى وآكد، والمستشهد عليه أثبت وأرسخ، ~~واصفا له على قراءة الجماعة ومستأنفا، - وهو أبلغ - على قراءة المدنيين ~~وابن عامر ورويس عن يعقوب بالرفع: { عالم الغيب } وقراءة حمزة والكسائي " ~~علام " بصيغة المبالغة كما هو أليق بالموضع. # ولما كنا القصور علمنا متقيدين بما في هذا الكون مع أن الكلام فيه، قال ~~مصرحا بالمقصود على أتم وجه: { لا يعزب } - أي يغيب ويبعد عزوبا قويا ~~- على قراءة الجماعة بالضم، ولا ضعيفا - على قراءة الكسائي بالكسر { عنه ~~مثقال ذرة } أي من ذات ولا معنى، والذرة نملة حمراء صغيرة جدا صارت ~~مثلا في أقل القليل فهي كناية عنه. # ولما كان في هذه السورة السباق للحمد، وهو الكمال وجهة العلو به أوفق ~~ولأمر الساعة ومبدأه منها بدأ بها. # ولما كان قد بين علمه بأمور السماء، وكان المراد بها الجنس، جمع هنا ~~تصريحا بذلك المراد فقال: { في السماوات } وأكد النفي بتكرير " لا " ~~فقال: { ولا في الأرض } ولما كنا مقيدين بالكتاب، ابتدأ الخبر بما يبهر ~~العقل من أن كل شيء مسطور من قبل كونه ثم يكون على وفق ما سطر، فإذا كشف ~~للملائكة عن ذلك ازدادوا إيمانا وتسبيحا وتحميدا وتقديسا، فقال - عند ~~حميع القراء عاطفا على الجملة من أصلها لا على المثقال لأن الاستثناء ~~يمنعه: { ولا أصغر } أي ولا يكون شيء أصغر { من ذلك } أي المثقال { ولا ~~أكبر } أي من المثقال فما فوقه { إلا في كتاب } وإخبارنا به لما جرت به ~~عوائدنا من تقييد العلم بالكتاب، وأما هو سبحانه فغني عن ذلك. # ولما كان الإنسان قد يكتب الشيء ثم يغيب عنه وينسى مكانه فيعجز في ~~استخراجه أخبر أن كتابه على خلاف ms3778 ذلك، بل هو حيث لا يكشف من يريد اطلاعه ~~عليه شيئا إلا وجده في الحال فقال: { مبين * } ويجوز - ولعله أحسن - إذا ~~تأملت هذه مع آية يونس أن يعطف على مثقال، ويكون الاستثناء منقطعا، ولكن ~~على بابها في كونها بين متنافيين، فإن المعنى أنه لا يغيب ولا يبعد عنه ~~شيء من ذلك لكنه محفوظ أتم حفظ في كتاب لا يراد منه كشف عن شي إلا كان له ~~في غاية الإبانة، ولعله عبر بأداة المتصل إشارة إلى أنه إن كان هناك عزوب ~~فهو على هذه الصفة التي هي في غاية البعد عن العزوب، ثم بين علة ذلك كله ~~دليلا على صدق القسم بما ختمت به الأحزاب من حكمة عرض الأمانة مما لا ~~يمتري ذو عقل ولو قل في صحته، وأنه لا يجوز في الحكمة أن يفعل غيره فقال: ~~{ ليجزي الذين آمنوا } أي فإنه ما خلق الأكوان إلا لأجل الإنسان، فلا ~~يجوز ان يدعه بغير جزاء: { وعملوا } أي تصديقا لإيمانهم { الصالحات }. # ولما التفت السامع إلى معرفة جزائهم، أوردة تعظيما لشأنه، جوابا ~~للسؤال مشيرا إليه بما دل على علو رتبته بعلو رتبة أهله: { أولئك } أي ~~العالو الرتبة { لهم مغفرة } أي لزلاتهم أو هفواتهم لأن الإنسان المبني ~~على النقصان لا يقدر العظيم السلطان حق قدره { ورزق كريم * } أي جليل ~~عزيز دائم لذيذ نافع شهي، لا كدر فيه بوجه. # ولما كانت أدلة الساعة قد اتضحت حتى لم يبق مانع من التصديق بها إلا ~~العناد، وكان السياق لتهديد من جحدها، قال معبرا بالماضي: { والذين سعوا ~~} أي فعلوا فعل الساعي { في آياتنا } أي على ما لها من العظمة { معجزين } ~~أي مبالغين في قصد تعجيزها بتخلفها عما نزيده من إنفاذها، وهكذا معنى ~~قراءة المفاعلة، ولما كان ذنبهم عظيما، أشار بابتداء آخر فقال: { أولئك ~~} أي البعداء البغضاء الحقيرون عن أن يبلغوا مرادا بمعاجزتهم { لهم عذاب ~~} وأي عذاب { من رجز } أي شيء كله اضطراب، فهو موجب لعظيم النكد ~~والانزعاج، فهو أسوأ العذاب { أليم * } أي بليغ الألم - جره الجماعة ~~نعتا لرجز، ورفعه ms3779 ابن كثير وحفص عن عاصم نعتا لعذاب. # ولما ذم الكفرة، وعجب منهم في إنكارهم الساعة في قوله: { وقال الذين ~~كفروا لا تأتينا الساعة } وأقام الدليل على إتيانها، وبين أنه لا يجوز في ~~الحكمة غيره ليحصل العدل والفضل في جزاء أهل الشر وأولي الفضل، عطف على ~~ذلك مدح المؤمنين فقال واصفا لهم بالعلم، إعلاما بأن الذي أورث الكفرة ~~التكذيب الجهل: { ويرى الذين } معبرا بالرؤية والمضارع إشارة إلى أنهم ~~في عملهم غير شاكين، بل هم كالشاهدين لكل ما أخبرهم به الرسول صلى الله ~~عليه وسلم وبالمضارع إلى تجدد عملهم مترقين في رتبه على الدوام مقابلة ~~لجلافة أولئك في ثباتهم على الباطل الذي أشار إليه الماضي، وأشار إلى أن ~~علمهم لدني بقوله: { أوتوا العلم } أي قذفه الله في قلوبهم فصاروا ~~مشاهدين لمضامينه لو كشف الغطاء ما ازدادوا يقينا سواء كانوا ممن أسلم ~~من العرب أو من أهل الكتاب { الذي أنزل إليك } أي كله من أمر الساعة ~~وغيره { من ربك } أي المحسن إليك بإنزاله، وأتي بضمير الفصل تفخيما ~~للأمر وتنصيصا على أن ما بعده مفعول " أوتوا " الثاني فقال: { هو الحق } ~~أي لا غيره من الكلام { ويهدي } أي يجدد على مدى الزمان هداية من اتبعه { ~~إلى صراط } أي طريق واضح واسع. # ولما كانت هذه السورة مكية، وكان الكفار فيها مستظهرين والمؤمنون قليلين ~~خائفين، والعرب يذمونهم بمخالفة قومهم ودين آبائهم ونحو ذلك من الخرافات ~~التي حاصلها الاستدلال على الحق المزعوم بالرجال قال: { العزيز الحميد * ~~} أي الذي من سلك طريقه - وهو الإسلام - عز وحمده ربه فحمده كل شيء وأن ~~تمالأ عليه الخلق أجمعون، فإنه سبحانه لا بد أن يتجلى للفصل بين العباد، ~~بالإشقاء والإسعاد على قدر الاستعداد. ### || [34.7-11] # ولما عجب سبحانه من الذين كفروا في قولهم { لا تأتينا الساعة } المتضمن ~~لتكذيبهم، وختم بتصديق الذين أوتوا العلم مشيرا إلى أن سبب تكذيب الكفرة ~~الجهل الذي سببه الكبر، عجب منهم تعجيبا آخر أشد من الأول لتصريحهم ~~بالتكذيب على وجه عجيب فقال: { وقال الذين كفروا } أي الذين تحققوا أمره ~~صلى ms3780 الله عليه وسلم وأجمعوا خلافه وعتوا على العناد، لمن يرد عليهم ممن ~~لا يعرف حقيقة حاله معجبين ومنفرين: { هل ندلكم } أي أيها المعتقدون أن ~~لا حشر. ولما أخرجوا الكلام مخرج الغرائب المضحكة لم يذكروا اسمه مع أنه ~~أشهر الأسماء، بل قالوا: { على رجل } أي ليس هو صبيا ولا امرأة حتى ~~تعذوره { ينبئكم } أي يخبركم متى شئتم أخبارا لا أعظم منه بما حواه من ~~العجب الخارج عما نعقله مجددا لذلك متى شاء المستخبر له. # ولما كان القصد ذكر ما يدل عندهم على استبعاد البعث، قدموا المعمول ~~فقالوا: { إذا } أي إنكم إذا { مزقتم } أي قطعتم وفرقتم بعد موتكم من كل ~~من شأنه أن يمزق من التراب والرياح وطول الزمان ونحو ذلك تمزيقا عظيما، ~~بحيث صرتم ترابا، وذلك معنى { كل ممزق } أي كل تمزيق، فلم يبق شيء من ~~أجسادكم مع شيء، بل صار الكل بحيث لا يميز بين ترابه وتراب الأرض، وذهبت ~~به السيول كل مذهب، فصار مع اختلاطه بتراب الأرض والتباسه متباعدا بعضه ~~عن بعض، وكسر معمول " ينبئكم " لأجل اللام فقال: { إنكم لفي } أي لتقومون ~~كما كنتم قبل الموت قياما لا شك فيه، والإخبار يه مستحق لغاية التأكيد { ~~خلق جديد * } وهذا عامل إذا الظرفية. # ولما نفروا عنه بهذا الإخبار المحير في الحامل له عليه، خيلوا بتقسيم ~~القول فيه في استفهام مردد بين الاستعجام تعجيبا والإنكار، فقالوا ~~جوابا لمن سأل عن سبب إخباره بإسقاط همزة الوصل، لعدم الإلباس هنا بخلاف ~~ما يصحب لام التعريف فإنها لفتحها تلبس بالخبر: { افترى } أي تعمد { على ~~الله } أي الذي لا أعظم منه { كذبا } بالإخبار بخلاف الواقع وهو عاقل ~~يصح منه القصد. ولما كان يلزم من التعمد العقل، قالوا: { أم به جنة } أي ~~جنون، فهو يقول الكذب، وهو ما لا حقيقة له من غير تعمد، لأنه ليس من أهل ~~القصد، فالآية من الاحتباك: ذكر الافتراء أولا يدل على ضده ثانيا، وذكر ~~الجنون ثانيا يدل على ذكر ضده أولا. # ولما كان الجواب: ليس به شيء من ذلك، عطف عليه ms3781 مخبرا عن بعض الذين ~~كفروا بما يوجب ردع البعض الآخر قوله: { بل الذين لا يؤمنون } أي لا ~~يجددون الإيمان لأنهم طبعوا على الكفر { بالآخرة } أي الفطرة الآخرة التي ~~أدل شيء عليها الفطرة الأولى. # ولما كان هذا القول مسببا عن ضلالهم، وكان ضلالهم سببا لعذابهم، قدم ~~العذاب لأنه المحط وليرتدع من أراد الله إيمانه فقال: { في العذاب } أي ~~في الدنيا بمحاولة إبطال ما أراد الله إتمامه، وفي الآخرة لما فيه من ~~المعصية، وأتبعه سببه فقال: { والضلال } أي عما يلزم من وجوب وحدانيته ~~وشمول قدرته بسبب أن له ما في السماوات وما في الأرض. # ولما كان قولهم بعيدا من الحق لوصفهم أهدى الناس بالضلال، وكان الضلال ~~يبعد ببعد صاحبه عن الجادة وتوغله في المهامه الوعرة الشاسعة، قال واصفا ~~له بوصف الضال: { البعيد * } فبين الوصف أنه لا يمكن الانفكاك عنه، وعلم ~~أن من الذين كفروا قسما لم يطبعوا على الكفر، فضلوا ضلالا قريبا يمكن ~~انفكاكهم عنه، وهم الذين آمنوا منهم بعد، وهو من بديع القول حيث عبر بها ~~الظاهر الذي أفهم هذا التقسيم موضع الإضمار الذي كان حقه: بل هم في كذا. # ولما كانوا قد أنكروا الساعة لقطعهم بأن من مزق كل ممزق لا يمكن إعادته، ~~فقطعوا جهلا بأن الله تعالى لا يقول ذلك، فنسبوا الصادق صلى الله عليه ~~وسلم في الإخبار بذلك إلى أحد أمرين: تعمد الكذب أو الجنون. شرع سبحانه ~~يدل على صدقه في جميع ما أخبر به، فبدأ بإثبات قدرته على ذلك مستند إلى ~~ضلالهم بسبب غفلتهم عن تدبر الآيات، فكان المعنى: ضلوا فلم يروا، فدل ~~عليه منكرا عليهم مهددا لهم مقررا لذوي العقول من السامعين بقوله: { ~~أفلم يروا } ونبه على أنهم في محل بعد عن الإبصار النافع بحرف النهاية ~~فقال: { إلى ما بين أيديهم } أي أمامهم { وما خلفهم } وذلك إشارة إلى ~~جميع الجوانب من كل من الخافقين وأنهما قد أحاطا بهم كغيرهم. ولما لم تدع ~~حاجة إلى الجمع أفرد فقال: { من السماء والأرض } أي الذين جعلنا مطلع ~~السورة أن ms3782 لنا كل ما فيهما. # ولما كان الإنكار لائقا بمقام العظمة، فكان المعنى: إنا نفعل بهما ~~وفيهما ما نشاء، عبر بقوله: { إن نشأ } بما لنا من العظمة - على قراءة ~~الجمهور { نخسف } أي تغور { بهم } وأدغم الكسائي إلى أنه سبحانه قد يفعل ~~ذلك في أسرع من اللمح بحيث يدرك لأكثر الناس وقد يفعله على وجه الوضوح ~~وهو أكثر - بما أشارت إليه قراءة الإظهار للجمهور. ولما كان الخسف قد ~~يكون لسطح أو سفينة ونحوهما، خص الأمر بقوله: { الأرض } أي كما فعلنا ~~بقارون وذويه لأنه ليس نفوذ بعض أفعالنا فيها بأولى من غيره { أو تسقط ~~عليهم كسفا } بفتح السين على قراءة حفص وبإسكانه على قراءة غيره أي ~~قاطعا { من السماء } كذلك ليكون شديد الوقع لبعد الموقع المدى عن السحاب ~~ونحوه لأن من المعلوم أنا نحن خلقناهما، ومن أوجد شيئا قدر على هذه وهذا ~~ما أراد منه، ومن جعل السياق للغيب - وهو حمزة والكسائي - رد الضمير على ~~الاسم الأعظم الذي جعله مطلع السورة. # ولما كان هذا أمرا ظاهرا، أنتج قوله مؤكدا لما لهم من إنكار البعث: { ~~إن في ذلك } أي في قدرتنا على ما نشاء من كل منهما والتأمل في فنون ~~تصاريفهما { لآية } أي علامة بينة على أنا نعامل من شئنا فيهما بالعدل ~~بأي عذاب أردنا، ومن شئنا بالفضل بأي ثواب أردنا، وذلك دال على أنا ~~قادرون على كل ما نشاء من الإماتة والإحياء وغيرهما، فقد خسفنا بقارون ~~وآله وبقوم لوط وأشياعهم، وأسقطنا من السماء على أصحاب الأيكة يوم الظلة ~~قطعا من النار، وعلى قوم لوط حجارة، فأهلكناهم بذلك أجمعين. ولما كانت ~~الآيات لا تنفع من طبع على العناد قال تعالى: { لكل عبد } أي متحقق أنه ~~مربوب ضعيف مسخر لما يراد منه { منيب * } أي فيه قابلية الرجوع عما أبان ~~له الدليل عن أنه زل فيه. # ولما أشار سبحانه بهذا الكلام الذي دل فيه على نفوذ الأمر إلى أنه تارة ~~يعدل وتارة يفضل، وكان الفضل أكثر استجلابا لذوي الهمم العلية والأنفس ~~الأبية، بدأ به في عبد ms3783 من رؤوس المنيبين على وجه دال على البعث بكمال ~~التصرف في الخافقين وما فيهما بأمور شوهدت لبعض عبيدة تارة بالعيان وتارة ~~بالآذان، أما عند أهل الكتاب فواضح، وأما عند العرب فبتمكينهم من سؤالهم ~~فقد كانوا يسألونهم عنه صلى الله عليه وسلم وقال أبو حيان: إن بعض ذلك ~~طفحت به أخبارهم ونطقت به أشعارهم، فقال تعالى مقسما تنبيها على أن ~~إنكارهم للبعث إنكار لما يخبر به من المعجزات، عاطفا على ما تقديره: ~~فلقد آتينا هذا الرجل الذي نسبتموه إلى الكذب أو الجنون منا فضلا بهذه ~~الأخبار المدلول عليها بمعجز القرآن فيا بعد ما بينه ما نسبتموه إليه: { ~~ولقد } أي وعزتنا وما ثبت لنا من الإحاطة بصفات الكمال بالاتصاف بالحمد ~~لقد { آتينا } أي أعطينا إعطاء عظيما دالا على نهاية المكنة بما لنا من ~~العظمة { داود }. # ولما كان المؤتى قد تكون واسطة لمن منه الإيتاء، بين أن الأمر ليس إلا ~~منه فقال: { منا فضلا } ودل على أن التنوين للتعظيم وأنه لا يتوقف تكوين ~~شيء على غير إرادته بقوله، منزلا الجبال منزلة العقلاء الذين يبادرون ~~إلى امتثال أوامره، تنبيها على كمال قدرته وبديع تصرفه في الأشياء كلها ~~جوابا لمن كأنه قال: ما ذلك الفضل؟ مبدلا من { أتينا } { يا } أي قلنا ~~لأشد الأرض: يا { جبال أوبي } أي رجعي التسبيح وقراءة الزبور وغيرهما من ~~ذكر الله { معه } أي كلما سبح، فهذه آية أرضية مما هو أشد الأرض بما هو ~~وظيفة العقلاء، ولذلك عبر فيه بالأمر دلالة على عظيم القدرة. # ولما كانت الجبال أغلظ الأرض وأثقلها، وكان المعنى: دعونا الجبال ~~للتأويب معه، فبادرت الإجابة لدعائنا، لما تقدم من أنها من جملة من أبى ~~أن يحمل الأمانة، عطف على ذلك أخف الحيوان وألطفه، ليكون آية سماوية، على ~~أنه يفعل في السماء ما يشاء، فإنه لو أمات الطائر في جو السماء لسقط، ولا ~~فرق في ذلك بين عال وعال، فقال: { والطير } أي دعوناها أيضا، فكانت ترجع ~~معه الذكر فدل قرانها بالطير على ذكرها حقيقة كذكر الطير دفعا لتوهم من ms3784 ~~يظنه رجع الصدا، وقراءة يعقوب بالرفع عطف على لفظ " جبال " وقراءة غيره ~~عطف على موضعه، أو تكون الواو بمعنى مع أو بتقدير فعل من معنى ما مضى ~~كسخرنا، قال وهب بن منبه: كان يقول للجبال: سبحي، وللطير: أجيبي، ثم يأخذ ~~وهو في تلاوة الزبور بين ذلك بصوته الحسن، فلا يرى الناس منظرا أحسن من ~~ذلك، ولا يسمعون شيئا أطيب منه، وذلك كما كان الحصى يسبح في كف النبي ~~صلى الله عليه وسلم وكف أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وكما كان الطعام ~~يسبح في حضرته الشريفة وهو يؤكل، وكما كان الحجر يسلم عليه، وأسكفة الباب ~~وحوائط البيت تؤمن على دعائه، وحنين الجذع مشهور، وكما كان الضب يشهد له ~~والجمل يشكو إليه ويسجد بين يديه ونحو ذلك, وكما جاء الطائر الذي يسمى ~~الحمرة تشكو الذي أخذ بيضها، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم برده رحمة ~~لها. # ولما ذكر طاعة أكثف الأرض وألطف الحيوان الذي أنشأه الله منها. ذكر ما ~~أنشأه سبحانه من ذلك الأكثف، وهو أصلب الأشياء فقال: { وألنا له الحديد } ~~أي الذي ولدناه من الجبال جعلناه في يده كالشمع يعمل منه ما يريد بلا نار ~~ولا مطرقة، ثم ذكر علة الإلانة بصيغة الأمر إشارة إلى أن عمله كان لله ~~فقال: { أن أعمل سابغات } أي دروعا طوالا واسعة. # ولما كان السرد الخرز في الأديم وإدخال الخيط في موضع الخرز شبه إدخال ~~الحلقة في الأخرى بلحمة لا طرف لها بمواضع الخرز فقال: { وقدر في السرد } ~~أي النسج بأن يكون كل حلقة مساوية لأختها مع كونها ضيقة لئلا ينفذ منها ~~سهم ولتكن في تحتها بحيث لا يقلعها سيف ولا تثقل على الدارع فتمنعه خفة ~~التصرف وسرعة الانتقال في الكر والفر والطعن والضرب في البرد والحر، ~~والظاهر أنه لم يكن في حلقها مسامير لعدم الحاجة بإلانة الحديد إليها، ~~وإلا لم يكن بينه وبين غيره فرق، ولا كان للإلانة فائدة، وقد أخبر بعض من ~~رأى ما نسب إليه بغير مسامير، قال الزجاج: السرد في اللغة: ms3785 تقدير الشيء ~~إلى الشيء ليتأتى متسقا بعضه في أثر بعض متتابعا، ومنه قولهم: سرد فلان ~~الحديث. وهذا كما ألان الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم في الخندق ~~تلك الكدية وفي رواية: الكذانة وذلك بعد أن لم تكن المعاول تعمل فيها ~~وبلغت غاية الجهد منهم فضربها صلى الله عليه وسلم ضربة واحدة، وفي رواية ~~رش عليها ماء فعادت كثيبا أهيل لا ترد فأسا وتلك الصخرة التي أخبره ~~سلمان رضي الله عنها أنها كسرت فؤوسهم ومعاولهم وعجزوا عنها فضربها النبي ~~صلى الله عليه وسلم ثلاث ضربات كسر في ضربه ثلاثا منها وبرقت مع كل ضربة ~~برقة كبر معها تكبيرة، وأضاءت للصحابة رضي الله عنهم ما بين لابتي ~~المدينة بحيث كانت في النهار كأنها مصباح في جوف بيت مظلم، فسألوه عن ذلك ~~فأخبرهم صلى الله عليه وسلم أن إحدى الضربات أضاءت له صنعاء من أرض اليمن ~~حتى رأى أبوابها من مكانه ذلك، وأخبره جبرائيل عيله السلام أنها ستفتح ~~على أمته، وأضاءت له الأخرى قصور الحيرة البيض كأنها أنياب الكلاب، وأخبر ~~أنها مفتوحة لهم، وأضاءت له الأخرى قصور الشام الحمر كأنها أنياب الكلاب، ~~وأخبر بفتحها عليهم، فصدقه الله تعالى في جميع ما قال، وأعظم من ذلك ~~تصليب الخشب له حتى يصير سيفا قوي المتن جيد الحديدة، وذلك أن سيف عبد ~~الله بن جحش رضي الله عنه انقطع يوم أحد، فأعطاه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عرجونا فعاد في يده سيفا قائمة منه فقاتل به، فكان يسمى العون، ولم ~~يزل بعد يتوارث حتى بيع من بغا التركي بمائتي دينار ذكره الكلاعي في ~~السيرة عن الزبير بن أبي بكر والبيهقي، وقاتل عكاشة بن محصن يوم بدر ~~فانقطع سيفه، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاه جذلا من حطب، ~~فلما أخذه هزه فعاد في يده سيفا طويل القامة شديد المتن أبيض الحديد ~~فقاتل به حتى وفتح الله على المسلمين، وكان ذلك السيف يسمى العون، ثم لم ~~يزل عنده يشهد به المشاهد مع رسول الله ms3786 صلى الله عليه وسلم وبعده حتى قتل ~~في الردة وهو عنده، وعن الواقدي أنه انكسر سيف سلمة بن أسلم بن الحريش ~~يوم بدر فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم قضيبا كان في يده من ~~عراجين ابن طاب فقال: اضرب به فإذا هو سيف جيد، فلم يزل عنده حتى قتل يوم ~~جسر أبي عبيد، وإلحامه للحديد ليس بأعجب من إلحام النبي صلى الله عليه ~~وسلم ليد معوذ بن عفراء لما قطعها أو جهل يوم بدر فأتى بها يحملها في يده ~~الأخرى فبصق عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وألصقها فلصقت وصحت مثل ~~أختها كما نقله البيهقي وغيره. # ولما أتم سبحانه ما يختص به من الكرامات، عطف عليها ما جمع فيه الضمير ~~لأنه يعم غيره فقال: { واعملوا } أي أنت ومن أطاعك { صالحا } أي بما ~~تفضلنا به عليكم من العلم والتوفيق للطاعة، ثم علل هذا الأمر ترغيبا ~~وترهيبا بقوله مؤكدا إشارة إلى أن إنكارهم للقدرة على البعث إنكار ~~لغيرها من الصفات وإلى أن المتهاون في العمل في عداد من ينكر أنه يعين ~~الله: { إني بما تعملون } أي كله { بصير * } أي مبصر وعالم بكل ظاهر له ~~وباطن. ### || [34.12-13] # ولما أتم سبحانه ما أراد من آيات داود عليه السلام وختمها بالحديد، ~~اتبعه ابنه سليمان عليه السلام لمشاركته له في الإنابة، وبدأ من آياته ~~بما هو من أسباب تكوينه سبحانه للحديد فقال: { ولسليمان } أي عوضا من ~~الخيل التي عقرها لله { الريح } أي مسخرة على قراءة شعبة، والتقدير على ~~قراءة الجماعة: سخرناها له حال كونها { غدوها شهر } أي تحمله وتذهب به ~~وبجميع عسكره بالغداة وهي من الصباح إلى نصف النهار مسيرة شهر كان يغدو ~~من إيليا فيقبل بإصطخر { ورواحها } أي من الظهر إلى آخر النهار { شهر } ~~أي مسيرته، فهذه آية سماوية دالة على أنه كما رفع بساط سليمان عليه ~~السلام بما حصل من جنوده وآلاتهم ثم وضعه قادر على أن يضع ما يشاء من ~~السماء فيهلك من تقع عليه، وهذا كما سخر الله الريح للنبي ms3787 صلى الله عليه ~~وسلم في غزوة الأحزاب فكانت تهد خيامهم وتكفأ طعامهم وتضرب وجوههم ~~بالحجارة والتراب وهي لا تجاوز عسكرهم إلى أن هزمهم الله بها، وكما حملت ~~شخصين من أصحابة رضي الله تعالى عنهم في غزوة تبوك فألقتهما في جبلي طي، ~~وتحمل من أراد الله من أولياء أمته كما هو في غاية الشهرة ونهاية الكثرة، ~~وأما أمر الإسراء والمعراج فهو من الجلالة والعظم بحيث لا يعلمه إلا الله ~~مع أن الله تعالى صرفه في آيات السماء بحبس المطر تارة وإرساله أخرى. # ولما ذكر الريح، أتبعها ما هي من أسباب تكوينه فقال: { وأسلنا له } أي ~~بعظمتنا { عين القطر } أي النحاس أذبناه له حتى صار كأنه عين ماء، وذلك ~~دال على أنه تعالى يفعل في الأرض ما يشاء، فلو أراد لأسالها كلها فهلك من ~~عليها، ولو أراد لجعل بدل الإسالة الخسف والإزالة. # ولما ذكر الريح والنحاس الذي لا يذاب عادة إلا بالنار، ذكر ما أغلب ~~عناصرة النار، وهو في الخفة والإقدار على الطيران كالريح فقال: { ومن } ~~أي وسخرنا له من { الجن } أي الذين سترناهم عن العيون من الشياطين وغيرهم ~~{ من يعمل } ولما كان قد أمكنه الله منهم غاية الإمكان في غيبته وحضوره ~~قال: { بين يديه } ولما كان ظن ظان أن لهم استبدادا بأعمالهم نفاه ~~بقوله: { بإذن ربه } أي بتمكين المحسن إليه له ولهم بما يريد فعله. # ولما قرر سبحانه أن ذلك بإرادته فهو في الحقيقة بأمره، زاد ذلك تقريرا ~~بقوله عاطفا على ما تقديره: فمن عمل بأمرنا أثبناه جنات النعيم: { ومن ~~يزغ } أي يمل، من زاغ يزيغ ويزوغ { منهم } مجاوزا وعادلا { عن أمرنا } ~~أي عن الذي أمرناه به من طاعة سليمان أي أمره الذي هو من أمرنا { نذقه } ~~أي بما لنا من العظمة التي أمكنا سليمان عليه السلام بها مما أمكناه فيه ~~من ذلك { من عذاب السعير * } أي في الدنيا مجازا وفي الآخؤة حقيقة، وهذا ~~كما أمكن الله نبينا صلى الله عليه وسلم من ذلك العفريت فخنقه وهو بربطه ~~حتى يتلعب به ms3788 صبيان المدينة، ثم تركه تأدبا مع أخيه سليمان عليهما ~~الصلاة والسلام فيما سأل الله تعالى فيه، وأما الأعمال التي تدور عليها ~~إقامة الدين فأغناه الله فيها عن الجن بالملائكة الكرام، وسلط جمعا من ~~صحابته رضي الله عنهم على جماعة من مردة الجان منهم أبو هريرة رضي الله ~~عنه لما وكله النبي صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان ومنهم أبي بن كعب ~~رضي الله عنه قبض على شخص منهم كان يسرق من تمره وقال: لقد علمت الجن ما ~~فيهم من هو أشد مني ومنهم معاذ بن جبل رضي الله عنه لما جعله النبي صلى ~~الله عليه وسلم على صدقة المسلمين فأتاه شيطان منهم يسرق وتصور له بصور ~~منها صورة فيل فضبطه به فالتفت يداه عليه وقال له: يا عدو الله، فشكا ~~إليه الفقر وأخبره أنه من جن نصيبين وأنهم كانت لهم المدينة، فلما بعث ~~النبي صلى الله عليه وسلم أخرجهم منها وسأله أن يخلي عنه على أن لا يعود ~~ومنهم بريدة رضي الله عنه، ومنهم أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه، ومنهم ~~زيد بن ثابت رضي الله عنه، ومنهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعنهم ~~أجمعين صارع الشيطان فصرعه عمر، ومنهم عمار بن ياسر رضي الله عنه قاتل ~~الشيطان فصرعه عمار، وأدمى أنف الشيطان بحجر، ولذلك وغيره كان يقول أبو ~~هريرة: عمار الذي أجاره الله من الشيطان على لسان نبيه صلى الله عليه ~~وسلم ذكرها كلها البهيقي في الدلائل، وذكرت تخريج أكثرها في كتابي مصاعد ~~النظر للإشراف على مقاصد السور، وأما عين القطر فهي ما تضمنه قول النبي ~~صلى الله عليه وسلم # " أعطيت مفاتيح خزائن الأرض والملك في الدنيا والخلد فيها ثم الجنة ~~فاخترت أن أكون نبيا عبدا أجوع يوما وأشبع يوما " # الحديث، فشمل ذلك من روضة اللؤلؤ الرطب إلى عين الذهب المصفى إلى ما دون ~~ذلك، وروى الترمذي وقال: حسن عن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي صلى ~~الله عليه قال: # " عرض علي ربي ليجعل لي بطحاء ms3789 مكة ذهبا، قلت: لا يارب! ولكن أشبع ~~يوما وأجوع يوما، أو قال ثلاثا أو نحو ذلك، فإذا جعت تضرعت إليك ~~وذكرتك، وإذا شبعت شكرتك وحمدتك " # وللطبراني بإسناد حسن والبيهقي في الزهد وغيره عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما # " أن إسرافيل عليه السلام أتى النبي صلى الله عليه وسلم بمفاتيح خزائن ~~الأرض وقال: إن الله أمرني أن أعرض عليك أن أسير معك جبال تهامة زمردا ~~وياقوتا وذهبا وفضة، فإن شئت نبيا ملكا وإن شئت نبيا عبدا، فأومأ ~~إليه جبرائيل عليه السلام أن تواضع، فقال نبيا عبدا " # رواه ابن حبان في صحيحه مختصرا من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وله في ~~الصحيح أيضا عن جابر بن عبد الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " أوتيت بمقاليد الدنيا على فرس أبلق على قطيفة من سندس " # وفي البخاري في غزوة أحد عن عقبة بن عامر رضي الله عنه أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " أعطيت مفاتيح خزائن الأرض أو مفاتيح " # الأرض هذا ما يتعلق بالأرض، وقد زيد صلى الله عليه وسلم على ذلك بأن ~~أيده ربه سبحانه بالتصرف في خزائن السماء تارة بشق القمر، وتارة برجم ~~النجوم، وتارة باختراق السماوات، وتارة بحبس المطر وتارة بإرساله - إلى ~~غير ذلك مما أكرمه الله به. # ولما أخبر تعالى أنه سخر له الجن، ذكر حالهم في أعمالهم، دلالة على أنه ~~سبحانه يتصرف في السماء والأرض وما فيهما بما يشاء فقال تعالى: { يعملون ~~له } أي في أي وقت شاء { ما يشاء } أي عمله { عن محاريب } أي أبنية شريفة ~~من قصور ومساكن وغيرها هي أهل لأن يحارب عليها أو مساجد، والمحراب مقدم ~~كل مسجد ومجلس وبيت، وكان مما عملوه له بين المقدس جدرانه بالحجارة ~~العجيبة البديعة والرخام الأبيض والأصفر والأخضر، وعمدة بأساطين المها ~~الأبيض الصافي مرصعا سقوفه وجدرانه بالذهب والفضة والدر والياقوت والمسك ~~والعنبر وسائر الطيب، وبسط أرضه بألواح الفيروزج حتى كان أبهى بيت على ~~وجه الأرض { وتماثيل } أي صورا حسانا على تلك الأبنية فيها ms3790 أسرار غريبة ~~كما ذكروا أنهم صنعوا له أسدين في أسفل كرسيه ونسرين في أعلاه، فإذا أراد ~~أن يصعد بسط الأسدان ذراعين، وإذا قعد أظله النسران، ولم تكن التصاوير ~~ممنوعة. # ولما ذكر القصور وزينتها، ذكر آلات المأكل لأنها أول ما تطلب بعد ~~الاستقرار في المسكن فقال: { وجفان } أي صحاف وقصاع يؤكل فيها { كالجواب ~~} جمع جابية، وهي الحوض الكبير الذي يجبى إليه الماء، أي يجمع قيل: كان ~~يجلس على الجفنة الواحدة ألف رجل. # ولما ذكر الصحاف على وجه يعجب منه ويستعظم، ذكر ما يطبخ فيه طعامها ~~فقال: { وقدور راسيات } أي ثابتات ثباتا عظيما بأن لا ينزع عن أثافيها ~~لأنها لكبرها كالجبال. ولما ذكر المساكن وما تبعها، أتبعها الأمر بالعمل ~~إشارة إلى أنه صلى الله عليه وسلم ومن تبعه لا يلهيهم ذلك عن العبادة ~~فقال: { اعملوا } أي وقلنا لهم: تمتعوا واعملوا، دل على مزيد قربهم بحذف ~~أداة النداء وعلى شرفهم بالتعبير بالآل فقال: { آل داود } أي كل ما يقرب ~~إلى الله { شكرا } أي لأجل الشكر له سبحانه، وهو تعظيمه في مقابلة نعمه ~~ليزيدكم من فضله أو النصب على الحال أي شاكرين، أو على تقدير: اشكروا ~~شكرا، لأن " اعملوا " فيه معنى " اشكروا " من حيث أن العمل للمنعم شكر ~~له، ويجوز أن تنتصب باعملوا مفعولا بهم معناه أنا سخرنا لكم الجن يعملون ~~لكم ما شئتم فاعملوا أنتم شكرا - على طريق المشاكلة { وقليل } أي قلنا ~~ذلك والحال أنه قليل. # ولما لم يقتض الحال العظمة لأنها مبالغة في الشكر أليق، اسقط مظهرها ~~فقال: { من عبادي الشكور * } أي المتوفر الدواعي بظاهره وباطنه من قلبه ~~ولسانه وبدنه على الشكر بأن يصرف جميع ما أنعم الله عليه فيما يرضيه، ~~وعبر بصيغة فعول إشارة إلى أن من يقع منه يطلق الشكر كثير، وأقل ذلك حال ~~الاضطرار. ### || [34.14-16] # ولما كان ربما استبعد موت من هو على هذه الصفة من ضخامة الملك بنفوذ ~~الأمر وسعة الحال وكثرة الجنود، أشار إلى سهولته بقرب زمنه وسرعة إيقاعه ~~على وجه دال على بطلان تعظيمهم للجن بالإخبار ms3791 بالمغيبات بعد تنبيههم على ~~مثل ذلك باستخدامه لهم بقوله: { فلما } بالفاء، ولذلك عاد إلى مظهر ~~الجلال فقال: { قضينا } وحقق صفة القدرة بأداة الاستعلاء فقال: { عليه } ~~أي سليمان عيله السلام { الموت ما دلهم } أي جنوده وكل من في ملكه من ~~الجن والإنس وغيرهم من كل قريب وبعيد { على موته } لأنا جعلنا له من سعة ~~العلم ووفور الهيبة ونفوذ الأمر ما تمكن به من إخفاء موته عنهم { إلا ~~دآبة الأرض } فخمها بهذه الإضافة التي من معناها أنه لا دابة للأرض غيرها ~~لما أفادته من العلم ولأنها لكونها تأكل من كل شيء من أجزاء الأرض من ~~الخشب والحجر والتراب والثياب وغير ذلك أحق الدواب بهذا الاسم، ويزيد ذلك ~~حسنا ان مصدر فعلها أرض بالفتح والإسكان فيصير من قبيل التورية ليشتد ~~التشوف إلى تفسيرها, ثم بين أنها الأرضة بقوله مستأنفا في جواب من كأنه ~~قال: أي دابة هي وبما دلت: { تأكل منسأته } أي عصاه التي مات وهو متكىء ~~عليها قائما في بيت من زجاج، وليس له باب، صنعته له الجن لما أعلمه الله ~~بأن أجله قد حضر، وكان قد بقي في المسجد بقية ليخفي موته على الجن الذين ~~كانوا يعملون في البيت المقدس حتى يتم؛ قال في القاموس في باب الهمز: ~~نسأه: زجره وساقه وأخره ودفعه عن الحوض، والمنسأة كمكنسة مرتبة، ويترك ~~الهمز فيهما: العصا - لأن الدابة تنسأ بها أي تساق، والبدل فيها لازم، ~~حكاه سيبويه - انتهى. فالمعنى أن الجن كانوا يزجرون ويساقون بها، وقرأها ~~المدنيان وأبو عمرو بالإبدال، وابن عامر من رواية ابن ذكوان والداجوني عن ~~هشام بإسكان الهمزة، والباقون بهمزة مفتوحة { فلما خر } أي سقط على الأرض ~~بعد أن قصمت الأرضة عصاه { تبينت الجن } أي علمت علما بينا لا يقدرون ~~معه على تدبيج وتدليس، وانفضح أمرهم وظهر ظهورا تاما { أن } أي أنهم { ~~لو كانوا } أي الجن { يعلمون الغيب } أي علمه { ما لبثوا } أي أقاموا ~~حولا مجرما { في العذاب المهين * } من ذلك العمل الذي كانوا مسخرين ~~فيه، والمراد إبطال ما كانوا يدعونه من ms3792 علم الغيب على وجه الصفة، لأن ~~المعنى أن دعواهم ذلك إما كذب أو جهل، فأحسن الأحوال لهم أن يكون جهلا ~~منهم، وقد تبين لهم الآن جهلهم بيانا لا يقدرون على إنكاره، ويجوز أن ~~تكون " أن " تعليلية، ويكون التقدير: تبين حال الجن فيما يظن بهم من أنهم ~~يعلمون الغيب، لأنهم إلى آخره، وسبب علمهم مدة كونه ميتا قبل ذلك أنهم ~~وضعوا الأرضة على موضع من العصا فأكلت منها يوما وليلة، وحسبوا على ذلك ~~النحو فوجدوا المدة سنة، وفي هذا توبيخ للعرب أنهم يصدقون من ثبت بهذا ~~الأمر أنهم لا يعلمون الغيب في الخرافات اللاتي تأتيهم بها الكهان وغيرهم ~~مما يفتنهم والحال أنهم يشاهدون منه كذبا كبيرا، فكانوا بذلك مساوين ~~لمن يخبر من الآدميين عن بعض المغيبات بظن يظنه او منام يراه أو غير ذلك، ~~فيكون كما قال - هذا مع إعراضهم عمن يخبرهم بالآخرة شفقة عليهم ونصيحة ~~لهم، وما أخبرهم بشيء قط إلا ظهر صدقه قبل ادعائه للنبوة وبعده، وأظهر ~~لهم من المعجزات ما بهر العقول، وقد تقرر أن كل شيء ثبت لمن قبل نبينا ~~صلى الله عليه وسلم من الأنبياء من الخوارق ثبت له مثله أو أعظم منه إما ~~له نفسه أو لأحد من أمته، وهذا الذي ذكر لسليمان عليه السلام من حفظه بعد ~~موته سنة لا يميل قد ثبت مثله لشخص من هذه الأمة من غير شيء يعتمد عليه، ~~قال الأستاذ أبو القاسم القشيري في رسالته في باب البادية قائما ميتا ~~لا يمسكه شيء - انتهى. # وقد ثبت مثل ذلك الشخص في بلاد شروان من بلاد فارس بالقرب من شماخى، اسم ~~ذلك الولي محمد، ولقبه دمدمكي، مات من نحو أربعمائة سنة في المائة ~~الخامسة من الهجرة، وهو قاعد في مكان من مقامه الذي كان البسطامية، ~~أخبرني من شاهده ممن كذلك لا أتهمه من طلبة العلم العجم، وهو أمر مشهور ~~متواتر في بلادهم غني عن مشاهدة شخص معين، قال: زرته غير مرة وله هيبة ~~تمنع المعتقد من الدنو منه دنوا يرى به ms3793 وجهه كما أشار تعالى إلى مثل ذلك ~~بقوله تعالى # لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا # [الكهف: 18] قال: وكان معنا في بعض المرات شخص من طلبة العلم من أهل ~~كيلان غير معتقد يقول: إنما هذا نوع شعبدة يخيل به على عقول الرعاع، قال: ~~فتقدم إليه بجرأة ولمس صدره ونظر في وجهه، فأصيب في الحال فلم يرجع إلا ~~محمولا، فأقام في المدرسة التي كان يشتغل بها في مدينة شماخي مدة، ~~وأخبرنا أن الشيخ دمدمكي قال له لما لمسه: لولا أنك من أهل العلم هلكت، ~~وأنه شيخ خفيف اللحية، قال: وقد تبت إلى الله تعالى وصرت من المعتقدين ~~لما هوعليه أنه حق، ولا أكذب بشيء من كرامات الأولياء، قال الحاكي: وقد ~~دفن ثلاث مرات إحداها بأمر تمرلنك فيصبح جالسا على ما هو عليه الآن - ~~والله الموفق للصواب. # ولما دل سبحانه بقوله { أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم } الآية، ~~على قدرته على ما يريد من السماء والأرض لمعاملة من يريد ممن فيهما بما ~~يشاء من فضل على من شكر، وعدل فيمن كفر، ودل على ذلك بما قصه من أخبار ~~بعض أولي الشكر، وختم بموت نبيه سليمان بن داود الشاكر ابن الشاكر عليهما ~~السلام، وما كان فيه من الآية الدالة على أنه لا يعلم الغيب غيره لينتج ~~ذلك أنه لا يقدر على كل ما يريد غيره، وكان موت الأنبياء المتقدمين ~~موجبا لاختلال من بعدهم لفوات آياتهم بفواتهم بخلاف آية القرآن، فإنها ~~باقية على مر الدهور والأزمان، لكل إنس وملك وجان، ينادي مناديها على ~~رؤوس الأشهاد: هل من مبار أو مضاد؟ فلذلك حفظت هذه الأمة، وضاع غيرها في ~~أودية مدلهمة، أتبعه دليلا آخر شهوديا على آية { إن نشأ نخسف بهم الأرض ~~} في قوم كان تمام صلاحهم بسليمان عليه الصلاة والسلام، فاختل بعده ~~أمرهم، وصار من عجائب الكون ذكرهم، حين ضاع شكرهم، فكان من ترجمة اتباع ~~قصتهم لما قبلها أن آل داود عليه السلام شكروا، فسخر لهم من الجبال ~~والطير والمعادن وغيرها ما لم يكن ms3794 غيرهم يطمع فيه، وهو أضاعوا الشكر ~~فأعصى عليهم وأضاع منهم ما لم يكونوا يخافون فواته من مياههم وأشجارهم ~~وغيرها، فقال تعالى مشيرا بتأكيده إلى تعظيم ما كانوا فيه، وأنه في غاية ~~الدلالة على القدرة، وسائر صفات الكمال، وأن عمل قريش عمل من ينكر ما تدل ~~عليه قصتهم من ذلك: { لقد كان لسبأ } أي القيلة المشهورة التي كانت تسجد ~~للشمس، فهداهم الله تعالى على يد سليمان عليه السلام، وحكمة تسكين قنبل ~~همزتها الإشارة إلى ما كانوا فيه من الخفض والدعة ورفاهة العيش المثمرة ~~للراحة والطمأنينة والهدوء والسكينة، ولعل قراءة الجمهور لها بالصرف تشير ~~إلى مثل ذلك، وقراءة أبي عمرو والبزي عن ابن كثير بالمنع تشير إلى رجوعهم ~~بما صاروا إليه من سوء الحال إلى غالب أحوال تلك البلاد في الإقفار وقلة ~~النبت والعطش { في مسكنهم } أي التي هي في غاية الكثرة، ووحد حمزة ~~والكسائي وحفص عن عاصم إشارة إلى أنها لشدة اتصال المنافع والمرافق ~~كالمسكن الواحد، وكسر الكسائي الكاف إشارة إلى أنها في غاية الملاءمة لهم ~~واللين، وفتحه الآخران إشارة إلى ما فيها من الروح والراحة، وكانت بأرض ~~مأرب من بلاد اليمن، قال حمزة الكرماني: قال ابن عباس رضي الله عنهما: ~~على ثلاث فراسخ من صنعاء، وكانت أخصب البلاد وأطيبها وأكثرها ثمارا حتى ~~كانت المرأة تضع على رأسها المكتل وتطوف في ما بين الأشجار فيمتلىء ~~المكتل من غير أن تمس شيئا بيدها، وكانت مياههم تخرج من جبل فبنوا فيه ~~سدا وجعلوا له ثلاثة أبواب فكانوا يسرحون الماء إلى كرومهم من الباب ~~الأعلى والأوسط والأسفل، قال الرازي: كانت المرأة تخرج ومعها مغزلها وعلى ~~رأسها مكتلها فتمتهن مغزلتها، فلا تأتي بيتها حتى يمتلىء مكتلها من ~~الثمار، وقال أبو حيان في النهر: ولما ملكت بلقيس اقتتل قومها على ماء ~~واديهم فتركت ملكها، وسكنت قصرها وراودوها على أن ترجع فأبت فقالوا: ~~لترجعن أو لنقتلنك، فقالت لهم: لا عقول لكم، ولا تطيعوني، فقالوا نطيعك، ~~فرجعت إلى واديهم، وكانوا إذا مطروا أتاهم السيل من مسيرة ثلاثة أيام، ms3795 ~~فأمرت به فسد ما بين الجبلين بمسناة بالصخر والقار، وحبست الماء من وراء ~~السد، وجعلت له أبوابا بعضها فوق بعض، وبنت من دونه بركة فيها اثنا عشر ~~مخرجا على عدة أنهارهم، وكان الماء يخرج لهم بالسوية، وقال المسعودي في ~~مقدمات مروج الذهب قبل السيرة النبوية بيسير في الكلام على الكهان، كانت ~~من أخصب أرض اليمن وأثراها، وأعذابها وأغداها، وأكثرها جنانا، وكانت ~~مسيرة أكثر من شهر للراكب المجد على هذه الحال في العرض مثل ذلك، يسير ~~الراكب من أولها إلى أن ينتهي إلى آخرها، لا تواجهه الشمس ولا يفارقها ~~الظل، لاستتار الأرض بالأشحار واستيلائها عليها وإحاطتها بها، فكان أهلها ~~في أطيب عيش وأرفعه وأهنأ حال وأرغده، في نهاية الخصب وطيب الهواء وصفاء ~~الفضاء وتدفق الماء، وقوة الشوكة واجتماع الكلمة، ثم ذكر خبرا طويلا في ~~أخبارهم, وخراب ما كان من آثارهم, وتفرقهم في البلاد, وشتاتهم بين العباد ~~{ آية } أي علامة ظاهرة على قدرتنا على ما نريد، ثم فسر الآية بقوله: { ~~جنتان } مجاورتان للطريق { عن يمين وشمال } أي بساتين متصلة وحدائق ~~مشتبكة، ورياض محتبكة، حتى كان الكل من كل جانب جنة واحدة لشدة اتصال ~~بعضه ببعض عن يمين كل سالك وشماله في أي مكان سلك من بلادهم ليس فيها ~~موضع معطل، وقال البغوي: عن يمين واديهم وشماله، قد أحاط الجنتان بذلك ~~الوادي. # وأشار الى كرم تلك الجنان وسعة ما بها من الخير بقوله: { كلوا } أي لا ~~تحتاج بلادهم إلى غير أن يقال لهم: كلوا { من رزق ربكم } أي المحسن إليكم ~~الذي أخرج لكم منها كل ما تشتهون { واشكروا له } أي خصوه بالشكر بالعمل ~~بما أنعم به في ما يرضيه ليديم لكم النعمة، ثم استأنف تعظيم ذلك بقوله: { ~~بلدة طيبة } أي كريمة التربة حسنة الهواء سليمة من الهوام والمضمار, لا ~~يحتاج ساكنها إلى ما يتبعه فيعوقه عن الشكر، قال ابن زيد: لا يوجد فيها ~~برغوث ولا بعوض ولا عقرب ولا حية، ولا تقمل ثيابهم، ولا تعيا دوابهم. ~~وأشار إلى أنه لا يقدر أحد على ms3796 أن يقدره حق قدره بقوله: { ورب غفور * } ~~أي لذنب من شكره وتقصيره بمحو عين ما قصر فيه وأثره فلا يعاقب عليه ولا ~~يعاتب، ولولا ذلك ما أنعم عليكم بما أنتم فيه ولأهلككم بذنوبكم، وأخبرني ~~بعض أهل اليمن أنها اليوم مفازة قرب صنعاء اليمن - قال: في بعضها عنب ~~يعمل منه زبيب كبار جدا في مقدار در - تلي بلاد الشام، وهو في غاية ~~الصفاء كأنه قطع المصطكا وليس له نوى أصلا. # ولما تسبب عن هذا الإنعام بطرهم الموجب لإعراضهم عن الشكر، دل على ذلك ~~بقوله: { فأعرضوا } ولما تسبب عن إعراضهم مقتهم، بينه بقوله: { فأرسلنا } ~~ودل على أنه إرسال عذاب بعد مظهر العظمة بأداة الاستعلاء فقال: { عليهم ~~سيل العرم } أي سيح المطر الغالب المؤذي الشديد الكثير الحاد الفعل ~~المتناهي في الأذى الذي لا يرده شيء ولا تمنعه حيلة بسد ولا غيره من ~~العرامة، وهي الشدة والقوة، فأفسد عليهم جميع ما ينتفعون به، قال أبو ~~حيان: سلط الله عليهم الجرذ فارا أعمى توالد فيه، ويسمى الخلد، فخرفه ~~شيئا بعد شيء، فأرسل الله سيلا في ذلك الوادي، فحمل ذلك السد فروي أنه ~~كان من العظم وكثرة الماء بحيث ملأ ما بين الجبلين، وحمل الجنان وكثيرا ~~من الناس ممن لم يمكنه الفرار. ولما غرق من غرق منهم ونجا من نجا، تفرقوا ~~وتمزقوا حتى ضربت العرب المثل بهم فقالوا: تفرقوا أيدي سبا وأيادي سبا، ~~والأوس والخزرج منهم، وكان ذلك في الفترة التي بين عيسى ونبينا محمد صلى ~~الله عليه وسلم { وبدلناهم بجنتيهم } أي جعلنا لهم بدلهما { جنتين } هما ~~في غاية ما يكون من مضادة جنتيهم، ولذلك فسرهما بقوله إعلاما بإن إطلاق ~~الجنتين عليهما مشاكلة لفظية للتهكم بهم: { ذواتي أكل } أي ثمر { خمط } ~~وقراءة الجماعة بتنوين { أكل } أقعد في التهكم من قراءة أبي عمرو ويعقوب ~~بالإضافة. # ولما كان الخمط مشتركا بين البهائم والإنسان في الأكل والتجنب، والله ~~أعلم بما أراد منه، لأنه ضرب من الإراك، له ثمر يؤكل، وكل شجرة مرة ذات ~~شوك، والحامض أو المر من كل ms3797 شيء، وكل نبت أخذ طعما من مرارة حتى لا ~~يؤكل، ولا يمكن أكله، وثمر يقال له فسوة الضبع على صورة الخشخاش ينفرك ~~ولا ينتفع به، والحمل القليل من كل شجر، ذكر ما يخص البهائم التي بها ~~قوام الإنسان فقال: { وأثل } أي وذواتي أثل، وهو شجر لا ثمر له، نوع من ~~الطرفاء، ثم ذكر ما يخص الإنسان فقال: { وشيء من سدر } أي نبق { قليل * } ~~وهذا يدل على أن غير السدر وهو ما لا منفعة فيه أو منفعته مشوبة بكدر ~~أكثر من السدر؛ وقال أبو حيان: إن الفراء فسر هذا السدر بالسمر، قال: ~~وقال الأزهري: السدر سدران: سدر لا ينتفع به ولا يصلح ورقه للغسول، وله ~~ثمرة عفصة لا تؤكل، وهذا الذي يسمى الضال وسدر ينبت على الماء وثمره ~~النبق وورقة الغسول يشبه العناب. وقد سبق الوعد في البقرة ببيان مطلب ما ~~يفيده دخول الجار مع مادة " بدل " فإن الحال يفترق فيها بين الإبدال ~~والتبديل والاستبدال والتبدل وغير ذلك، وهي كثرة الدور مشتبهة الأمر، وقد ~~حققها شيخنا محقق زمانه قاضي الشافعية بالديار المصرية شمس الدين محمد بن ~~علي القاياتي رحمه الله فقال فيما علقته عند وذكر أكثره في شرحه لخطبة ~~المنهاج للنووي رحمه الله: اعلم أن هذه المادة - أعني الباء والدال ~~واللام - مع هذا الترتيب قد يذكر معها المتقابلان فقط وقد يذكر معهما ~~غيرهما, وقد لا يكون كذلك, فإن اقتصر عليهما فقد يذكران مع التبدل ~~والاستبدال مصحوبا أحدهما بالباء كما في قوله تعالى: # أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير # [البقرة: 61] وفي قوله تعالى: # ومن يتبدل الكفر بالإيمان # [البقرة: 108] الآية، فتكون الباء داخلة على المتروك ويتعدى الفعل بنفسه ~~للمقابل المتخذ، وقد يذكران مع التبديل والإبدال وأحدهما مقرون بالباء، ~~فالباء داخلة على الحاصل، ويتعدى الفعل بنفسه إلى المتروك، نقل الأزهري ~~عن ثعلب: بدلت الخاتم بالحلقة - إذا أذبته وسويته حلقة، وبدلت الحلقة ~~بالخاتم - إذا أذبتها وجعلتها خاتما، وأبدلت الخاتم بالحلقة - إذا نحيت ~~هذا وجعلت هذه مكانه، وحكى الهروي في الغريبين عن ابن عرفة يعني ms3798 نفطويه ~~أنه قال: التبديل: تغيير الشيء عن حاله, والإبدال: جعل الشيء مكان آخر, ~~وتحقيقه أن معنى التبديل التغيير وإن لم يؤت ببدل كما ذكر في الصحاح وكما ~~هو مقتضى كلام ابن عرفة، فحيث ذكر المتقابلان وقيل: " بدلت هذا بذاك " ~~رجع حاصل ذلك أنك أخذت ذاك وأعطيت هذا، فإذا قيل: بدل الشيء بغيره، ~~فمعناه غير الشيء بغيره، أي ترك الأول وأخذ الثاني، فكانت الباء داخلة ~~على المأخوذ لا المنحى، ومعنى إبدال الشيء بغيره يرجع إلى تنحية الشيء ~~وجعل غيره مكانه، فكانت الباء داخلة على المتخذ مكان المنحى، وللتبديل ~~ولو مع الاقتصار على المتقابلين استعمال آخر، يتعدى إلى المفعولين بنفسه ~~كقوله تعالى # أولئك يبدل الله سيآتهم حسنات # [الكهف:81] # فأردنا أن يبدلها ربهما خيرا منه زكاة # [الفرقان: 70] الآية بمعنى يجعل الحسنات بدل السيئات ويعطيهما بدل ما ~~كان لهما خيرا وقد لا يذكر المذهوب كما في قوله تعالى: # بدلناهم جلودا غيرها # [النساء: 56] ومعنى التبدل والاستبدال أخذ الشيء مكان غيره، فإذا قلت: ~~استبدلت هذا بذاك، أو تبدلت هذا بذاك، رجع حاصل ذلك أنك أخذت هذا وتركت ~~ذاك، وإن لم يقتصر عليهما بل ذكر معهما غيرهما وأحدهما مصحوب بالجار ~~وذكر التبديل كما في قوله تعالى { وبدلناهم بجنتيهم جنتين } تعدى الفعل ~~بنفسه إلى المفعولين يعين إلى المفعول ذلك لأجله وإلى المأخوذ بنفسه، ~~وإلى المذهوب المبدل منه بالباء كما في " بدله بخوفه أمنا " ومعناه: ~~أزال خوفه إلى الأمن, وقد يتعدى إلى المذهوب والحالة هذه - بمن كما في " ~~بدله من خوفه أمنا " وللتبديل أيضا استعمال آخر يتعدى إلى مفعول واحد ~~مثل: بدلت الشيء أي غيرته، قال تعالى # فمن بدله بعد ما سمعه # [البقرة: 181] على أن ههنا ما يجب التنبه له وهو أن الشيء يكون مأخوذا ~~بالقياس والإضافة إلى شيء، متروكا بالقياس والإضافة إلى آخر، كما إذا ~~أعطى شخص شخصا شيئا وأخذ بدله منه، فالشيء الأول مأخوذ للشخص الثاني ~~ومتروك للأول، والمقابل بالعكس فيصح أن يعبر بالتبدل والتبديل، ويعتبر في ~~كل منهما ما يناسبه، والإشكال المقام قصدنا بعض الإطناب - انتهى ms3799 والله ~~أعلم. ### || [34.17-20] # ولما أخبر عن هذا المحق والتقتير بعد ما كانوا فيه من ذلك الملك الكبير، ~~هول أمره مقدما للمفعول دلالة على أنه مما يهتم غاية الاهتمام بتعرفه ~~فقال: { ذلك } أي الجزاء العظيم العالي الرتبة في أمر المسخ { جزيناهم } ~~بما لنا من العظمة { بما كفروا } أي غطوا الدليل الواضح. # ولما كان من العادة المستقرة عند ذوي الهمم العوال، العريقين في مقارعة ~~الأبطال، المبالغة في جزاء من أساء بعد الإحسان، وقابل الإنعام بالكفران، ~~لما أثر في القلوب من الحريق مرة بعد مرة، وكرة في أثر كرة، أجرى الأمر ~~سبحانه على هذا العرف، فقال مشيرا إلى ذلك بصيغة المفاعلة عادا لغير ~~جزائهم بالنسبة إليه عدما، تهديدا يصدع القلوب ويردع النفوس، ويدع ~~الأعناق خاضعة والرؤوس: { وهل يجازى } أي هذا الجزاء الذي هو على وجه ~~العقاب من مجاز ما على سبيل المبالغة { إلا الكفور * } أي المبالغ في ~~الكفر، وقراءة حمزة والكسائي وحفص عن عاصم " نجازي " بالنون على أسلوب ما ~~قبله من العظمة ونصب " الكفور " وقال الفراء: المؤمن يجزى ولا يجازى - ~~كأنه يشير إلى أن عقاب المسيء لأجل عمله فهو مفاعلة، وأما ثواب المطيع ~~فهو فضل من الله لا لأجل عمله، فإن عمله نعمة من الله، وذلك لا ينافي ~~المضاعفة، قال القشيري: كذلك من الناس من يكون في رغد من الحال واتصال من ~~التوفيق وطيب من القلب ومساعدة من الوقت فيرتكب زلة أو يسيء أدبا أو ~~يتبع شهوة، ولا يعرف قدر ما هو فيه فيغير عليه الحال، فلا وقت ولا حال، ~~ولا طرب ولا وصال، يظلم عليه النهار، وكانت لياليه مضيئة ببدائع الأنوار. # ولما أتم الخبر عن الجنان التي بها القوام نعمة ونقمة، أتبعه مواضعه ~~السكان فقال: { وجعلنا } أي بما لنا من العظمة، ونبه بنزع الجار على ~~عمارة جميع تلك الأراضي بالبناء والانتفاع فقال: { بينهم } أي بين قرى ~~أهل سبأ { وبين القرى } اي مدنا كانت أو دونها { التي باركنا } أي بركة ~~اعتنينا بها اعتناء من يناظر آخر بغاية العظمة { فيها } أي بأن جعلناها ~~محال ms3800 العلم والرزق بالأنبياء وأصفياء الأولياء وهي بلاد الشام { قرى ~~ظاهرة } أي من أرض الشام في أشراف الأرض وما صلب منها وعلا، لأن البناء ~~فيها أثبت، والمشي بها أسهل، والابتهاج برؤية جميع الجنان وما فيها من ~~النضرة منها أمكن. فهي ظاهرة للعيون بين تلك الجنان، كأنها الكواكب ~~الحسان، مع تقاربها بحيث يرى بعضها من بعض وكثرة المال بها والمفاخر ~~والنفع والمعونة للمارة؛ قال البغوي: كانت أربعة آلاف وسبعمائة قرية ~~متصلة من سبأ إلى الشام. # ولما كانت مع هذا الوصف ربما كان فيها عسر على المسافر لعدم الموافقة في ~~المقيل والمبيت، أزال هذا بقوله: { وقدرنا فيها السير } أي جعلناه على ~~مقادير هي في غاية الرفق بالمسافر في نزوله متى أراد من ليل أو نهار على ~~ما جرت به عوائد السفار، فهي لذلك حقيقة بأن يقال لأهلها والنازلين بها ~~على سبيل الامتنان: { سيروا } والدليل على تقاربها جدا قوله: { فيها } ~~ودل على كثرتها وطول مسافتها وصلاحيتها للسير أي وقت أريد، مقدما لما ~~هو أدل على الأمن وأعدل للسير في البلاد الحارة بقوله: { ليالي } وأشار ~~إلى كثرة الظلال والرطوبة والاعتدال الذي يمكن معه السير في جميع النهار ~~بقوله: { وأياما } أي في أي وقت شئتم، ودل على عظيم أمانها في كل وقت ~~بالنسبة إلى كل ملم بقوله: { آمنين * } أي من خوف وتعب، أو ضيعة أو عطش ~~أو سغب. # ولما انقضى الخبر عن هذه الأوصاف التي تستدعي غاية الشكر لما فيها من ~~الألطاف، دل على بطرهم للنعمة بها بأنهم جعلوها سببا للتضجر والملال ~~بقوله: { فقالوا } على وجه الدعاء: { ربنا } أي أيها المربي لنا { باعد } ~~أي أعظم البعد وشدده - على قراءة ابن كثير وأبي عمرو وهشام عن ابن عامر ~~بتشديد العين وإسكان الدال، وهذا بمعنى قراءة الباقين غير يعقوب { باعد } ~~المقتضية لمده وتطويله { بين أسفارنا } أي قرانا التي نسافر فيها، أي ~~ليقل الناس فيكون ما يخص كل إنسان من هذه الجنان أضعاف ما يخصه الآن ~~ونحمل الزاد ونسير على النجائب ونتعلق السلاح ونستجيد المراكب، وكان ~~بعضهم كأن على ms3801 الضد من غرض هؤلاء فاستكثر مسافة ما بين كل قريتين فقال ~~كما قرأ يعقوب " ربنا " بالرفع على أنه مبتدأ " باعد " فعلا ماضيا على ~~أنه خبر, فازدرى تلك النعمة الواردة على قانون الحكمة واشتهى أن تكون تلك ~~القرى متواصلة { وظلموا } حيث عدوا النعمة نقمة، والإحسان إساءة { أنفسهم ~~} تارة باستقلال الديار، وتارة باستقلال الثمار، فسبب ذلك تبديل ما هم ~~فيه بحال هو في الوحشة بقدر ما كانوا فيه من الأنس وهو معنى { فجعلناهم } ~~أي بما لنا من العظمة { أحاديث } أي يتواصفها الناس جيلا بعد جيل لما ~~لها من الهول { ومزقناهم } أي تمزيقا يناسب العظمة، فما كان لهم دأب إلا ~~المطاوعة فمزقوا { كل ممزق } أي تمزيق كما يمزق الثوب، بحيث صاروا مثلا ~~مضروبا إلى هذا الزمان، يقال لمن شئت أمرهم: تفرقوا أيدي سبا. # ولما كان كل من أمريهم هذين في العمارة والخراب أمرا باهرا دالا على ~~أمور كثيرة، منها القدرة على الساعة التي هي مقصود السورة بالنقلة من ~~النعيم إلى الجحيم والحشر إلا ما لا يريد الإنسان كما حشر أهل سبأ إلى ~~كثير من أقطار البلاد كما هو مشهور في قصتهم، قال منبها على ذلك ~~مستأنفا على طريق الاستنتاج، مؤكدا تنبيها على إنعام النظر فيه، لما ~~له من الدلالة على صفات الكمال: { إن في ذلك } أي الأمر العظيم { لآيات } ~~أي دلالات بينة جدا على قدرة الله تعالى على التصرف فيما بين أيديهم وما ~~خلفهم من السماء والأرض بالإيجاد والإعدام للذوات والصفات بالخسف والمسخ، ~~فإنه لا فرق بين خارق وخارق، وعلى أن بطرهم لتلك النعمة حتى ملوها ودعوا ~~بإزالتها دليل على أن الإنسان ما دام حيا فهو في نعمة يجب عليه شكرها ~~كائنة ما كانت وإن كان يراها بلية، لأنه لما طبع عليه من القلق كثيرا ما ~~يرى النعم نقما، واللذة ألما، ولذلك ختم الآية بالصبر بصيغة المبالغة. # ولما كان الصبر حبس النفس عن أغراضها الفاسدة وأهويتها المعمية، وكانت ~~مخالفة الهوى أشد ما يكون على النفس وأشق، وكانت النعم تبطر وتطغي، وتفسد ~~وتلهي، فكان ms3802 عطف النفوس إلى الشكر بعد جماحها بطغيان النعم صعبا، وكانت ~~قريش قد شاركت سبأ فيما ذكر وزادت عليهم برغد العيش وسهولة إتيان الرزق ~~بما حببهم به وبلدهم إلى العباد بدعوة أبيهم إبراهيم عليه السلام مع آمن ~~البلد وجلالة النسب وعظيم المنصب كما أشار إليه قوله تعالى # وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة # [النحل: 112] قال تعالى محذرا لهم مثل عقوبتهم: { لكل صبار شكور * } أي ~~من جميع بني آدم، مشيرا بصيغة المبالغة إلى ذلك كله، وأن من لم يكن في ~~طبعه الصبر والشكر لا يقدر على ذلك، وأن من ليس في طبعه الصبر فاته ~~الشكر. # ولما كان المعنى: آيات في أن تخالفوا إبليس فلا تصدقوا ظنه في احتناكهم ~~حيث قال: # لئن أخرتن إلى يوم القيامة لاحتنكن ذريته إلا قليلا # [الإسراء: 62] قال مؤكدا لإنكار كل أحد أن يكون صدق ظن إبليس فيه: { ~~ولقد } أي كان في ذلك آيات مانعة من اتباع الشيطان والحال أنه قد { صدق ~~}. ولما كان في استغوائهم غالبا لهم في إركابهم ما تشهد عقولهم بأنه ~~ضلال، أشار إلى ذلك بأداة الاستعلاء فقال: { عليهم } أي على ذرية آدم ~~عليه السلام. # ولما كان في سياق الإثبات لعظمة الله وما عنده من الخير وما له من ~~التصرف التام الداعي ذلك إلى الإقبال إليه وقصر الهمم عليه، عبر بقوله ~~تعالى { إبليس } الذي هو من البلس وهو ما لا خير عنده - والإبلاس - وهو ~~اليأس من كل خير - ليكون ذلك أعظم في التبكيت والتوبيخ { ظنه } أي في ~~قوله: # لأحتنكن ذريته إلا قليلا # [الإسراء: 62] # ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك # [الحجر: 39] # ولا تجد أكثرهم شاكرين # [الأعراف: 17] فكأنه لما قال ذلك على سبيل الظن تقاضاه ظنه الصدق فصدقه ~~في إعمال الحيلة حتى كان ذلك الظن - هذا على قراءة الجماعة بالتخفيف، ~~وأما على قراءة الكوفيين بالتشديد فالمعنى أنه جعل ظنه الذي كان يمكن ~~تكذيبه فيه قبل التحقق صادقا، بحيث لا يمكن أحدا تكذيبه فيه، ولذلك سبب ~~سبحانه عنه قوله: { فاتبعوه } أي بغاية الجهد بميل الطبع والاستلذاذ ~~الموجب للنزوع والترامي بعضهم ms3803 في الكفران وبعضهم في مطلق العصيان. # ولما كان المحدث عنهم جمعي الناس، عرف به الاستثناء المعرف لقلة الناجين ~~فقال: { إلا فريقا } أي ناسا لهم القدرة على تفريق كلمة أهل الكفر وفض ~~جمعهم وإن كانوا بالنسبة إليهم كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود { من ~~المؤمنين * } أي العريقين في الإيمان، فكانوا خالصين لله مخلصين في ~~عبادته، وأما غيرهم فمالوا معه، وكان منهم المقل ومنهم المكثر بالهفوات ~~والزلات الصغائر والكبائر. ### || [34.21-23] # ولما كان ذلك ربما أوهم أن لإبليس أمرا بنفسه، نفاه بقوله: { وما } أي ~~والحال أنه ما { كان } أصلا { له عليهم } أي الذين اتبعوه ولا غيرهم، ~~وأعرق فيما هو الحق من النفي بقوله: { من سلطان } أي تسلط قاهر لشيء من ~~الأشياء بوجه لأنه مثلهم في كونه عبدا عاجزا مقهورا، ذليلا خائفا ~~مدحورا، قال القشيري: هو مسلط، ولو أمكنه أن يضل غيره أمكنه أن يمسك على ~~الهداية نفسه { إلا } أي لكن نحن سلطناه عليهم بسلطاننا وملكناه قيادهم ~~بقهرنا؛ وعبر عن التمييز الذي هو سبب العلم بالعلم فقال: { لنعلم } أي ~~بما لنا من العظمة { من يؤمن } أي يوجد الإيمان لله { بالآخرة } أي ~~ليتعلق علمنا بذلك في عالم الشهادة في حال تميزه تعلقا تقوم به الحجة في ~~مجاري عادات البشر كما كان متعلقا به في عالم الغيب { ممن هو منها } أي ~~من الآخرة { في شك } فهو لا يتجدد له بها إيمان أصلا، لأن الشك ظرف له ~~محيط به، وإنما استعار " إلا " موضع " لكن " إشارة إلى أنه مكنه تمكينا ~~تاما صار به كمن له سلطان حقيقي. # ولما كان هذا ربما أوقع في وهم نقصا في العلم أو في القدرة، قال مشيرا ~~إلى أنه سبحانه يسره صلى الله عليه وسلم بتكثير هذا الفريق المخلص وجعل ~~أكثره من أمته فقال: { وربك } أي المحسن إليك بإخزاء الشيطان بنبوتك ~~وإخسائه عن أمتك { على كل شيء } من المكلفين وغيرهم { حفيظ * } أي حافظ ~~أتم حفظ محيط به مدبر له على وجه العلو بعلمه الكامل وقدرته الشاملة، فلا ~~يفعل الشيطان ولا غيره شيئا إلا ms3804 بعلمه وإذنه. # ولما أثبت سبحانه لنفسه ولذاته الأقدس من الملك في السماوات والأرض ~~وغيرهما ما رأيت، واستدل عليه من الأدلة التي لا يمكن التصويب إليها بطعن ~~بما سمعت، وكان المقصود الأعظم التوحيد فإنه أصل ينبني عليه كل خير قال: ~~{ قل } أي يا أعلم الخلق! بإقامة الأدلة لهؤلاء الذين أشركوا ما لا يشك ~~في حقارته من له أدنى مسكة: { ادعوا الذين زعمتم } أي أنهم آلهة كما ~~تدعون الله لا سيما في وقت الشدائد، وحذف مفعولي " زعم " وهما ضميرهم ~~وتألههم تنبيها على استهجان ذلك واستبشاعه، وليس المذكور في الآية ~~مفعولا ولا قائما مقام المفعول لفساد المعنى؛ وبين حقارتهم بقوله: { من ~~دون الله } أي الذي حاز جميع العظمة لشيء مما أثبته سبحانه لنفسه ~~فليفعلوا شيئا مثله أو يبطلو شيئا مما فعله سبحانه. # ولما كان جوابهم في ذلك السكوت عجزا وحيرة، تولى سبحانه الجواب عنهم، ~~إشارة إلى أن جواب كل من له تأمل لا وقفة فيه بقوله، معبرا عنهم بعبارة ~~من له علم بإقامتهم في ذلك المقام، أو لأن بعض من ادعيت إلهيته ممن له ~~علم: { لا يمكلون } أي الآن ولا يتجدد لهم شيء من ذلك أصلا. # ولما كان المراد المبالغة في الحقارة بما تعرف العرب قال: { مثقال ذرة } ~~ولما أريد العموم عبر بقوله: { في السماوات } وأكد فقال: { ولا في الأرض ~~} لأن السماء ما علا، والأرض ما سفل، والسماوات في العرش، والأرض في ~~السماء، فاستغرق ذلك النفي عنهما وعن كل ما فيهما من ذات ومعنى إلى ~~العرش، وهو ذو العرش العظيم. # ولما كان هذا ظاهرا في نفي الملك الخالص عن شوب المشاركة، نفى المشاركة ~~أيضا بقوله مؤكدا تكذيبا لهم فيما يدعونه: { وما لهم فيهما } أي ~~السماوات والأرض ولا فيما فيهما، وأعرق في النفي فقال: { من شرك } أي في ~~خلق ولا ملك ولا ملك، وأكد النفي بإثبات الجار. ولما كان مما في ~~السماوات والأرض نفوس هذه الأصنام, وقد انتفى ملكهم لشيء من أنفسهم أو ما ~~أسكن فيها سبحانه من قوة أو منفعة، فانتفى أن يقدروا ms3805 على إعانة غيرهم، ~~وكان للتصريح مزيد روعة للنفوس وهزة للقلوب وقطع للأطماع، حتى لا يكون ~~هناك متشبت قوي ولا واه قال: { وما له } أي الله { منهم } وأكد النفي ~~بإثبات الجار فقال: { من ظهير * } أي معين على شيء مما يريده، فكيف يصح ~~مع هذا العجز الكلي أن يدعوا كما يدعى ويرجوا كما يرجى ويعبدوا كما يعبد. # ولما كان قد بقي من أقسام النفع الشفاعة، وكان المقصود منها أثرها لا ~~عينها، نفاه بقوله: { ولا تنفع } أي في أي وقت من الأوقات { الشفاعة ~~عنده } أي بوجه من الوجوه بشيء من الأشياء { إلا لمن } ولما كانت كثافة ~~الحجاب أعظم في الهيبة، وكان البناء للمجهول أدل على كثافة الحجاب، قال ~~في قراءة أبي عمرو وحمزة والكسائي بجعل المصدر عمدة الكلام وإسناد الفعل ~~إليه: { أذن له } أي وقع منه إذن له على لسان من شاء من جنوده بواسطة ~~واحدة أو أكثر في أن يشفع في غيره أو في أن يشفع فيه غيره، وقراءة ~~الباقين بالبناء للفاعل تدل على العظمة من وجه آخر، وهو أنه لا افتيات ~~عليه بوجه من أحد ما، بل لا أن ينص هو سبحانه على الإذن، وإلا فلا ~~استطاعة عليه أصلا. # ولما كان من المعلوم أن الموقوفين في محل خطر للعرض على ملك مرهوب متى ~~نودي باسم أحد منهم فقيل أين فلان ينخلع قلبه وربما أغمي عليه، فلذلك كان ~~من المعلوم مما مضى أنه متى برز النداء من قبله تعالى في ذلك المقام الذي ~~ترى فيه كل أمة جاثية يغشى على الشافعين والمشفوع لهم، فلذلك حسن كل ~~الحسن قوله تعالى: { حتى } وهو غاية لنحو أن يقال: فإذا أذن له وقع ~~الصعق لجلاله وكبريائه وكماله حتى { إذا فزع } أي أزيل الفزع بأيسر أمر ~~وأهون سعي من أمره سبحانه - هذا في قراءة الجماعة بالبناء للمجهول، وأزال ~~هو سبحانه الفزع في قراءة ابن عامر ويعقوب، إشارة إلى أنه لا يخرج عن ~~أمره شيء { عن قلوبهم } أي الشافعين والمشفوع لهم، فإن " فعل " يأتي ~~للإزالة كقذيت عينه - إذا ms3806 أزلت عنها القذى { قالوا } أي قال بعضهم لبعض: ~~{ ماذا قال ربكم } ذاكرين صفة الإحسان ليرجع إليهم رجاؤهم فتسكن لذلك ~~قلوبهم. # ولما كان ملوك الدنيا ربما قال بعضهم قولا ثم بدا له فرجع عنه، أو ~~عارضه فيه شخص من أعيان جنده فينتقض، أخبر أن الملك الديان ليس كذلك ~~فقال: { قالوا الحق } أي الثابت الذي لا يمكن أن يبدل، بل يطابقه الواقع ~~فلا يكون شيء يخالفه { وهو العلي } أي فلا رتبة إلا دون رتبته سبحانه ~~وتعالى، فلا يقول غير الحق من نقص علم { الكبير * } أي الذي لا كبير غيره ~~فيعارضه في شيء من حكم؛ روى البخاري في التفسير عن أبي هريرة رضي الله ~~عنه قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله ~~كأنه سلسلة على صفوان { فإذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا } ~~- للذي قال - { الحق وهو العلي الكبير } فيسمعها مسترق السمع، ومسترق ~~السمع هكذا بعضه فوق بعض - ووصفه سفيان بكفه فحرفها وبدد بين أصابعه - ~~فيسمع الكلمة ويلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته حتى ~~يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها، ~~وربما ألقاها قبل أن يدركه فيكذب معها مائة كذبة فيقال: أليس قد قال لنا ~~يوم كذا وكذا كذا وكذا، فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء " # وقال في التوحيد: وقال مسروق عن ابن مسعود رضي الله عنهما: # " وإذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماوات فإذا فزع عن قلوبهم وسكن ~~الصوت عرفوا أنه الحق ونادوا ماذا قال ربكم قالوا الحق " # وروى هذا الحديث العيني في جزئه عن ابن عباس رضي الله عنهما موقوفا ~~عليه, قال: كان لكل قبيل من الجن مقعد من السماء يسمعون فيه الوحي، وفيه: ~~فلا ينزل على سماء إلا صفقوا، وفي آخره: ثم يقال: يكون العام كذا ويكون ~~العام كذا، فتسمع الجن ذلك فتخبر به الكهنة الناس فيجدونه كما قالوا، ~~فلما بعث الله رسوله صلى الله عليه ms3807 وسلم دحروا، فقالت العرب: هلك من في ~~السماء، فذكر ذبح العرب لأموالهم من الإبل وغيرها، حتى نهتهم ثقيف، ~~واستدلوا بثبات معلم النجوم، ثم أمر إبليس جنده بإحضار التراب وشمه حتى ~~عرف أن الحدث من مكة. ### || [34.24-29] # ولما سلب عن شركائهم أن يملكوا شيئا من الأكوان، وأثبت جميع الملك له ~~وحده، أمره صلى الله عليه وسلم بأن يقررهم بما يلزم منه ذلك فقال: { قل ~~من يرزقكم } ولما كان كل شيء من الرزق متوقفا على الكونين، وكان في معرض ~~الامتنان والتوبيخ جمع لئلا يدعي أن لشيء من العالم العلوي مدبرا غيره ~~سبحانه فقال: { من السماوات } وقال: { والأرض } بالإفراد لأنهم لا يعلمون ~~غيرها. # ولما كان من المعلوم أنهم مقرون بأن ذلك لله وحده كما تقدم التصريح به ~~غير مرة، وكان من المحقق أن إقرارهم بذلك ملزم لهم الإخلاص في العبادة ~~عند كل من له أدنى مسكة من عقله، أشار إلى ذلك بالإشارة بأمره صلى الله ~~عليه وسلم بالإجابة إلى أنهم كالمنكرين لهذا، لأن إقرارهم به لم ينفعهم ~~فقال: { قل الله } أي الملك الأعلى وحده، وأمره بعد إقامة هذا الدليل ~~البين بأن يتبعه ما هو أشد عليهم من وقع النبل بطريق لا أنصف منه، ولا ~~يستطيع أحد أن يصوب إليه نوع طعن بأن يقول مؤكدا تنبيها على وجوب إنعام ~~النظر في تمييز المحق من المبطل بالانخلاع من الهوى، فإن الأمر في غاية ~~الخطر: { وإنا } أي أهل التوحيد في العبادة لمن تفرد بالرزق { أو إياكم } ~~أي أهل الإشراك به من لا يملك شيئا من الأشياء و " أو " على بأنها لا ~~بمعنى الواو، أي إن أحد فريقينا على إحدى الحالتين مبهمة غير معينة فهو ~~على خطر عظيم لكونه في شك من أمره غير مقطوع له بالهدى، فانظروا بعقولكم ~~في تعيينه هل هو الذي عرف الحق لأهله أو الذي بذل الحق لغير أهله، قال ~~ابن الجوزي: وهذا كما تقول للرجل تكذبه: والله إن أحدنا لكاذب، وأنت ~~تعنيه تكذيبا غير مكشوف ويقول الرجل: والله لقد قدم فلان، فيقول ms3808 له من ~~يعلم كذبه: قل إن شاء الله، فيكذبه بأحسن من تصريح التكذيب، يعني ولا ~~سيما بعد إقامة الدليل على المراد ثم مثل المهتدين بمن هو على متن جواد ~~يوجهه حيث شاء من الجواد بقوله: { لعلى هدى } أي في متابعة ما ينبغي أن ~~يعمل مستعلين عليه ناظرين لكل ما يمكن أن يعرض فيه مما قد يجر إلى ضلال ~~فتنكبه { أو في ضلال } أي عن الحق في الاعتقاد المناسب فيه منغمسين فيه ~~وهو محيط بالمبتلى به لا يتمكن معه من وجه صواب: { مبين * } أي واضح في ~~نفسه داع لكل أحد إلى معرفة أنه ضلال إلا من كان منغمسا فيه مظروفا له، ~~فإنه لا يحس بنفسه وما بينه وبين أن يستبصر إلا أن يخرج منه وقتا ما ~~فيعلم أنه كان في حاله ذلك فاعلا ما لا يفعله من له نوع من العقل، ففي ~~هذا حث على النظر الذي كانوا يأبونه بقوله: # قلوبنا في أكنة # [فصلت: 5] ونحوه في الأدلة التي يتميز بها الحق من الباطل على أحسن وجه ~~بأنصف دعاء وألطف نداء حيث شرك الداعي نفسه معهم فيما دعاهم إلى النظر ~~فيه، فالمعنى أنه يتعين على كل منا - إذا كان على إحدى الطريقين مبهمة - ~~أن ينظر في أمر ليسلم فإن الأمر في غاية الوضوح مع أن الضال في نهاية ~~الخطر، ولقد كان الفضلاء من الصحابة رضي الله تعالى عنهم وذوو الأحلام ~~والنهى منهم يقولون ذلك بعد الإسلام كخالد بن الوليد وعمرو بن العاص، ~~وناهيك بهما جلالا، ونباهة وذكاء وكمالا، قالوا: والله كنا نعجب غاية ~~العجب ممن يدخل في الإسلام واليوم نحن نعجب غاية العجب ممن يتوقف عنه. # ولما كانوا بين أمرين: إما أن يسكتوا فيعلم كل سامع أن الحجة لزمتهم، ~~وإما أن يقولوا بوقاحة ومكابرة: أنتم في الضلال ونحن على الهدى، وكان ~~الضال لا يزال يقطع ما ينبغي وصله بوصل ما يجب قطعه، أمره أن يجيبهم على ~~هذا التقدير بما هو أبلغ في الإنصاف من الأول بقوله: { قل لا تسئلون } أي ~~من سائل ms3809 ما { عما أجرمنا } أي قطعنا فيه ما ينبغي أن يوصل مما أوجبه لنا ~~الضلال { ولا نسئل } أي أصلا في وقت من الأوقات من سائل ما { عما تعملون ~~* } أي مما بنيتموه على العلم الذي أورثكموه الهدى أي فاتركونا والناس ~~غيركم كما أنا نحن تاركوكم، فمن وضح له شيء من الطريقين سلكه. # ولما كانوا إما أن يجيبوا إلى المتاركة فيحصلوا بها المقصود عن قريب، ~~وإما أن يقولوا: لا نترككم، وكان هذا الاحتمال أرجح، أمره أن يجيبهم على ~~تقديره بقوله: { قل يجمع بيننا ربنا } أي في قضائه المرتب على قدره في ~~الدنيا أو في الأخرة، قال القشيري: والشيوخ ينتظرون في الاجتماع زوائد ~~ويستروحون إلى هذا الآية، وللاجتماع أمر كبير في الشريعة. # ولما كان إنصافهم منهم في غاية البعد عندهم، وكان ذلك في نفسه في غاية ~~العظمة، أشار إليه بأداة البعد فقال: { ثم يفتح } أي يحكم { بيننا } ~~حكما يسهل به الطريق { بالحق } أي الأمر الثابت الذي لا يقدر أحد منا ~~ولا منكم على التخلف عنه، وهو العدل أو الفضل من غير ظلم ولا ميل. ولما ~~كان التقدير: فهو الجامع القدير، عطف عليه قوله: { وهو الفتاح } أي ~~البليغ الفتح لما انغلق، فلم يقدر أحد على فتحه { العليم * } أي البالغ ~~العمل بكل دقيق وجليل مما يمكن فيه الحكومات، فهو القدير على فصل جميع ~~الخصومات. # ولما كانوا قد أنكروا البعث على ذلك الوجه الذي تقدم، ودل على قدرته ~~عليه بما نصب من الأدلة التي شاهدوها من أفعاله بالبصر أو البصيرة ~~إيجادا وإعداما، وأقام الحجة على صحة الدعوة وبطلان ما هم عليه، ثم ~~تهددهم بالفصل يوم الجمع، وختم بصفة العلم المحيط المستلزم للقدرة ~~الشاملة، وكانت القدرة لا تكون شاملة إلا عند الوحدانية، أمره بما يوجب ~~لهم القطع بوحدانيته وشمول قدرته بقوله: { قل } أي لهؤلاء المشركين. # ولما كانت آلهتهم تسهل رؤيتها، وكان كل ما هو كذلك سافل المقدار عن هذه ~~الرتبة، وكانت آلهتهم بالخصوص أدنى الأشياء عن ذلك بكونها من أخس ~~الجمادات، نبه على ذلك وعلى أنها نكرة لا ms3810 تعرف بقلب ولا تدل عليها فطرة ~~زيادة في تبكيتهم بقوله: { أروني الذين } ولما لزم مما ثبت له سبحانه من ~~صفات الكمال العلو الذي لا يداينه أحد بوجه قال: { ألحقتم به } ولما كان ~~الإلحاق يقتضي ولا بد قصور الملحق عن الملحق به، أشار إلى فرط جهلهم ~~بتسويتهم به بقوله: { شركاء } ثم نبه بعد إبطال قياسهم على أنهم في غاية ~~الجلافة والجمود فهم كالأنعام بما قرعهم به من الرجز في قوله مؤكدا ~~تكذيبا لهم في دعوى الشرك: { كلا } أي ارتدعوا وانزجروا فليس والله ~~الأمر كما ذكرتم ولا قريب منه { بل هو } أي المعبود بالحق الذي لا يستحق ~~أن يسمى هو غيره { الله } أي الذي اختص بالحمد في الأولى والآخرة { ~~العزيز } أي الذي لا مثل له، وكل شيء محتاج إليه، وهو غالب على كل شيء ~~غلبة لا يجد معها ذلك الشيء وجه مدافعة ولا انقلاب، ولا وصول لشيء إليه ~~إلا بإذنه { الحكيم * } أي المحكم لكل ما يفعله فلا يستطيع أحد نقض شيء ~~منه فكيف يكون له شريك وأنتم ترون له من هاتين الصفتين المنافيتين لذلك ~~وتعلمون عجز من أشركتموه به عن أن يساويكم مع ما تعلمون من عجزكم. # ولما ختم بوصف الحكمة فتم برهان القدرة التي كان أوجب اعتقادهم لعدم ~~البعث ما يقتضي نقصا فيها، ولزم عن ذلك التوحيد وبطل الشرك، لم يبق إلا ~~إثبات الرسالة التي أوجب ترديدهم أخباره صلى الله عليه وسلم بين الكذب ~~والجنون الطعن فيها، فعلم أن التقدير: أرسل إليكم رسوله بعزته مؤيدا له ~~بإعجاز هذا القرآن بحكمته دليلا على صدقه وكماله في جبلته وتأهله لبدائع ~~نعمته ومعالي رحمته، وكان في ذلك دليل الصدق في الرسالة؛ فنسق به قوله ~~معليا لشأنه بالخطاب في مظهر العظمة، إشارة إلى أنه ينبغي أن يتدرع ~~جلابيب الصبر على جميع المكارة الصادرة من أنواع الخلق في أداء الرسالة ~~بقوله عاطفا على { ولقد آتينا داود منا فضلا } مؤكدا تكذيبا لمن يدعي ~~الخصوص: { وما أرسلناك } أي بعظمتنا { إلا كآفة } أي إرسالا عاما ~~شاملا لكل ما شمله ms3811 إيجادنا، تكفهم عما لعلهم أن ينتشروا إليه من متابعة ~~الأهوية، وتمنعهم عن أن يخرج عنها منهم أحد، فالتاء في " كافة " ~~للمبالغة، وعبارة ابن الجوزي: أي عامة لجميع الخلائق { للناس } أي كل من ~~فيه قابلية لأن ينوس من الجن والإنس وغيرهم من جميع ما سوى الله وإن آذوك ~~بكل أذى من النسبة إلى الافتراء أو الجنون أو غيرهما، فحال الإرسال محصور ~~في العموم للغرض الذي ذكر من التدرع لحمل المشاق، لا في الناس، فإنه لو ~~أريد ذلك لقدموا فقيل: إلا للناس كافة، وقد مضى في أوائل الأنعام عن ~~السبكي ما ينفع هنا، والمعنى أن داود عليه السلام فضل بطاعة الجبال له ~~والطير والحديد، وسليمان عليه السلام بما ذكر له، ففضيلتك أنت بالإرسال ~~إلى كل من يمكن نوسه، فالحصا سبحت في كفك، والجبال أمرت بالسير معك ذهبا ~~وفضة، والحمرة شكت إليك أخذ فراخها أو بيضها، والضب شهد لك، والجمل شكا ~~إليك وسجد لك، والأشجار أطاعتك، والأحجار سلمت عليك وائتمرت بأمرك إلى ~~غير ذلك من كل من ينوس بالفعل أو القابلية - والله أعلم، وأما الجن ~~فحالهم مشهور، وأما الملائكة فالدلائل على الإرسال إليهم في غاية الظهور، ~~وفي دلائل النبوة في باب التحدث بالنعمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن ~~هذه الآية دليل على فضل النبي صلى الله عليه وسلم على الأنبياء بعموم ~~الرسالة للإنس والجن. # ولما كانت البشارة هي الخبر الأول الصدق السار، وكان في ذكرها رد قولهم ~~في الكذب والجنون، قال: { بشيرا ونذيرا } أي لمن أهل للبشارة أو ~~النذارة. ولما كان هذا الإرسال مقرونا بدليله من الإتيان بالمعجز من ~~نفسه من جهة البلاغة في نظمه وبالمعاني المحكمة في البشارة والنذارة وغير ~~ذلك، قلب عليهم قولهم الذي لا دليل عليه ولا شبهة تصوب إليه في حقه صلى ~~الله عليه وسلم بقوله الذي هو أوضح من الشمس دليلا، وأقوم كل قيل قيلا: ~~{ ولكن } ولما كان الناس الأولين كل من ديه قابلية النوس وهم جميع ~~الخلائق وأكثرهم غير عاص، أظهر مريدا الثقلين من الجن ms3812 والإنس فقال: ~~فأكثر الناس لا يعلمون أي ليس لهم قابلية العلم فيعلموا أنك رسول الله ~~فضلا عن أن إرسالك عام، بل هم كالأنعام، فهم لذلك لا يتأملون فيقولون " ~~افترى أم به جنة " ونحو هذا من غير تدبر لما في هذا الكتاب من الحكمة ~~والصواب مع الإعجاز في حالي الإطناب والإيجاز، والإضمار والإبراز، ~~فيحملهم جهلهم على المخالفة والإعراض. # ولما سلب عنهم العلم، أتبعه دليله، فقال معبرا بصيغة المضارعة الدال ~~على ملازمة التكرير للإعلام بأنه على سبيل الاستهزاء لا الاسترشاد: { ~~ويقولون } أي ما أرسلناك إلا على هذا الحال والحال أن المنذرين يقولون ~~جهلا منهم بعاقبة ما يوعدونه غير مفكرين به في وجه الخلاص منه والتفصي ~~عنه في كل حين استهزاء منهم: { متى هذا الوعد } أي بالبشارة والنذارة في ~~يوم الجمع وغيره فسموه وعدا زيادة في الاستهزاء. ولما كان قول الجماعة ~~أجدر بالقبول، وأبعد عن الرد من قول الواحد، أشار إلى زيادة جهلهم بقوله: ~~{ إن كنتم } أي أيها النبي وأتباعه! كونا أنتم عريقون فيه { صادقين * } ~~أي متمكنين في الصدق. ### || [34.30-33] # ولما تبين من سؤالهم أنه لم يكن للاسترشاد وإن هم بالغوا به في التكذيب ~~والاستهزاء بعد الإبلاغ في إقامة الأدلة، أمره بأن يجيبهم بما يصلح ~~للمعاند من صادع التهديد بقوله: { قل لكم } أي أيها الجامدون الأجلاف ~~الذين لا يجوزون الممكنات، ولا يتدبرون ما أوضحها من الدلالات، مع ضعفهم ~~عن الدفاع، والمبالغة والامتناع { ميعاد يوم } أي لا تحتمل العقول وصف ~~عظمه لما يأتي فيه من العقاب سواء كان يوم الموت أو البعث. ولما كان تعلق ~~النفوس بالمهلة عظيما، قال: { لا تستأخرون } أي لا يوجد تأخركم ولا يمكن ~~أن يطلب لحثيث الطلب وتعذر الهرب { عند ساعة } لأن الآتي به عظيم القدرة ~~محيط العلم، ولذلك قال: { ولا تستقدمون } أي لا يوجد تقدمكم لحظة فما ~~دونها ولا تتمكنون من طلب ذلك. # ولما دل سبحانه بملازمتهم للاستهزاء بهذا الإنذار على أنهم غير منفكين ~~عن مذاهب الكفار، ذكر تصريحهم بذلك وحالهم في بعض الأوقات المنطبقة عليها ~~الآية السالفة في ms3813 قوله: { وقال الذين كفروا } حيث عبر بالموصول وصلته في ~~موضع الضمير، قطعا للأطماع عن دعائهم: { لن نؤمن } أي نصدق أبدا، ~~وصرحوا بالمنزل عليه صلى الله عليه وسلم بالإشارة فقالوا: { بهذا القرآن ~~} أي وإن جمع جميع الحكم والمقاصد المضمنة لبقية الكتب { ولا بالذي بين ~~يديه } أي قبله من الكتب: التوراة والإنجيل وغيرهما. بل نحن قانعون بما ~~أدبنا به آباؤنا، وذلك أن بعض أهل الكتاب أخبروهم أن صفة هذا النبي عندهم ~~في كتبهم، فأغضبهم ذلك فقالوه: { ولو } أي والحال أنك { ترى } أي يوجد ~~منك رؤية لحالهم { إذ } هم - هكذا كان الأصل، ولكن أظهر الوصف تعميما ~~وتعليقا للحكم به فقال: { الظالمون } أي الذين يضعون الأشياء في غير ~~محالها فيصدقون آباءهم لإحسان يسير مكدر بغير دليل، ولا يصدقون ربهم الذي ~~لا نعمة عندهم ولا عند آبائهم إلا منه، وقد أقام لهم أدلة العقل بما ضرب ~~لهم من الأمثال في الآفاق وفي أنفسهم، والنقل بهذا القرآن المدلول على ~~صدقه بعد إظهار المعجزات المحسوسات بعجزهم عنه، فكأنهم سمعوه من الله ~~المنعم الحق { موقوفون } أي بعد البعث بما يوقفهم من قدرته بأيدي جنوده ~~أو بغيرها بأيسر أمر منه سبحانه قهرا لهم وكرها منهم: { عند ربهم } أي ~~الذي أحسن إليهم فطال إحسانه فكفروا كلما أحسن به إليهم { يرجع بعضهم } ~~أي على وجه الخصام عداوة. وكان سببها مواددتهم في الدنيا بطاعة بعضهم ~~لبعض في معاصي الله، قال القشيري: ومن عمل بالمعاصي أخرج الله عليه كل من ~~هو أطوع له، ولكنهم لا يعلمون ذلك، ولو علموا لاعتبروا، ولو اعتبروا ~~لتابوا وتوافقوا، ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا { إلى بعض القول } ~~أي بالملاومة والمباكتة والمخاصمة، لرأيت أمرا فظيعا منكرا هائلا ~~شنيعا مقلقا وجيعا يسرك منظره، ويعجبك منهم أثره ومخبره، من ذلهم ~~وتحاورهم وتخاذلهم حيث لا ينفعهم شيء من ذلك. # ولما كان هذا مجملا، فسره بقوله على سبيل الاستئناف: { يقول الذين ~~استضعفوا } أي وقع استضعافهم ممن هو فوقهم في الدنيا وهم الأتباع في تلك ~~الحالة على سبيل اللوم والتأنيب { للذين استكبروا } أي ms3814 أوجدوا الكبر ~~وطلبوه بما وجدوا من أسبابه التي أدت إلى استضعافهم للأولين وهم الرؤوس ~~المتبوعون: { لولا أنتم } أي مما وجد من استتباعكم لنا على الكفر وغيره ~~من أموركم { لكنا مؤمنين * } أي عريقين في الإيمان لأنه لم يكن عندنا كبر ~~من أنفسنا يحملنا على العناد للرسل. # ولما لم يتضمن كلامهم سوى قضية واحدة، ذكر الجواب بقوله تعالى: { قال ~~الذين استكبروا } على طريق الاستئناف { للذين استضعفوا } ردا عليهم ~~وإنكارا لقولهم أنهم هم الذين صدوهم: { أنحن } خاصة { صددناكم } أي ~~منعناكم وصرفناكم { عن الهدى } ولما كانوا لا يؤاخذون بإهمال دليل العقل ~~قبل إتيان الرسل، أشاروا إلى ذلك بقولهم: { بعد إذ جاءكم } أي على ألسنة ~~الرسل. # ولما كان المعنى: إنا لم نفعل ذلك، حسن أن يقال: إنهم هم الذين ضلوا ~~بأنفسهم لا بإضلالهم، فقالوا: { بل كنتم } أي جبلة وخلقا { مجرمين * } ~~أي عريقين في قطع ما ينبغي وصله بعد إتيان الهدى مختارين لذلك كما كنتم ~~قبله أتباعا لنا ما ردتم ولا ردنا، ولما تضمن قولهم أمرين: ادعاء ~~عراقتهم في الإجرام، وإنكار كونهم سببا فيه، أشار إلى ردهم للثاني ~~بالعاطف على غير معطوف عليه إعلاما بأن التقدير: قال الذين استضعفوا: ~~كذبتم فيما ادعيتم من عراقتنا في الإجرام: { وقال الذين استضعفوا } عطفا ~~على هذا المقدر { للذين استكبروا } ردا لإنكارهم صدهم: { بل } الصاد ~~لنا { مكر الليل والنهار } أي الواقع فيهما من مكركم بنا، أو استعير ~~إسناد المكر إليهما لطول السلامة فيهما، وذلك للاتساع في الظرف في إجرائه ~~مجرى المفعول به { إذ تأمروننا } على الاستمرار { أن نكفر بالله } أي ~~الملك الأعظم بالاستمرار على ما كنا عليه قبل إتيان الرسل { ونجعل له ~~أندادا } أي أمثالا نعبدهم من دونه { وأسروا } أي يرجعون والحال أن ~~الفريقين أسروا { والندامة لما } أي حين { رأوا العذاب } لأنهم بينما هم ~~في تلك المقاولة وهم يظنون أنها تغني عنهم شيئا وإذا بهم قد بدا لهم ما ~~لم يكونوا يحتسبون فأبهتهم فلم يقدروا لفوات المقاصد وخسران النفوس أن ~~نسبوا بكلمة، ولأجل أن العذاب عم الشريف منهم والوضيع. قال تعالى: ms3815 { ~~وجعلنا الأغلال } أي الجوامع التي تغل اليد إلى العنق { في أعناق الذين ~~كفروا } فأظهر موضع الإضمار تصريحا بالمقصود وتنبيها على الوصف الذي ~~أوجب لهم ذلك. # ولما كانت أعمالهم لقبحها ينبغي البراءة منها، فكانت بملازمتهم لها ~~كأنها قد قهرتهم على ملازمتها وتقلدها طوق الحمامة فهم يعاندون الحق من ~~غير التفات إلى دليل قال منبها على ذلك جوابا لمن كأنه قال: لم خصت ~~أعناقهم وأيديهم بهذا العذاب؟: { هل يجزون } أي بهذه الأغلال { إلا ما ~~كانوا } أي كونا هم عريقون فيه { يعملون * } أي على سبيل التجديد ~~والاستمرار مما يدعون أنهم بنوه على العلم، وذلك الجزاء - والله أعلم - ~~هو ما يوجب قهرهم وإذلالهم وإخزاءهم وإنكاءهم وإيلامهم كما كانوا يفعلون ~~مع المؤمنين ويتمنون لهم. ### || [34.34-38] # ولما كان في هذا تسلية أخروية، أتبعه التسلية الدنيوية، فقال عطفا على ~~ما تقديره: وما أرسلنا غيرك إلا إرسالا خاصا لأمته، عطفا على { ما ~~أرسلناك إلا كافة } وساقه مؤكدا لأنه مضمونه - لكونه في غاية الغرابة - ~~مما لا يكاد يصدق: { وما أرسلنا } أي بعظمتنا ولما كان المقصود التعميم، ~~لأنه لم يتقدم قول قريش ليخص التسلية بمن قبلهم، أسقط القبلية بخلاف ما ~~في سورة الزخرف فقال: { في قرية } وأكد النفي بقوله: { من نذير } أي ~~ينذرهم وخامة ما أمامهم من عوقب أفعالهم، ودل بإفراده عن البشارة أن غالب ~~الأمم الماضية من أهل النذارة لنظهر مزية هذه الأمة، ولعله عبر به إشارة ~~إلى الناسخين للشرائع التي قبلهم دون المجددين من أنبياء بني إسرائيل فإن ~~بعضهم لم يكذب { إلا قال مترفوها } أي العظماء الذين لا شغل لهم إلا ~~التنعم بالفاني حتى أكسبهم البغي والطغيان: { إنا بما أرسلتم به } أي ~~أيها المنذرون { كافرون } أي وإذا قال المنعمون ذلك تبعهم المستضعفون ~~فإذا وقفوا عندنا تقاولوا بما تقدم ثم لم ينفعهم ذلك { وقالوا } مفاخرين ~~ودالين على أنهم فائزون كما قال لك هؤلاء كأنهم تواصلوا به: { نحن أكثر ~~}. # ولما كانت الأموال في الأغلب سببا لكثرة الأولاد بالاستكثار من النساء ~~الحرائر والإماء، قدمها فقال: { أموالا وأولادا } أي في هذه الدنيا، ms3816 ~~ولو لم يرض منا ما نحن عليه ما رزقنا ذلك { وما نحن } أي الآن { بمعذبين ~~* } أي بثابت عذابنا، وإنما تعرض لنا أحوال خفيفة من مرض وشدائد هي أخف ~~من أحوالكم، وحاليا الآن دليل على حالنا فيما يستقبل من الزمان كائنا ~~ما كان، فإن الحال نموذج المآل، والأول دليل الآخر، فإن كان ثم آخرة كما ~~تقولون فنحن أسعد منكم فيها كما نحن أسعد منكم الآن، ولم تنفعهم قصة سبأ ~~في ذلك فإنهم لو تأملوا لكفتهم، وأنارت أبصار بصائرهم، وصححت أمراض ~~قلوبهم وشفتهم، فإنهم كانوا أحسن الناس حالا، فصاروا أقبحهم مآلا. # ولما كانت لشبهتهم هذه شعبتان تتعلق إحداهما بالذات والأخرى بالثمرات، ~~بدأ بالأولى لأنها أهم، فقال مؤكدا تكذيبا لمن يظن أن سعيه يفيد في ~~الرزق شيئا لولا السعي ما كان: { قل } يا أكرم الخلق على الله! مؤكدا ~~لأجل إنكارهم لأن يوسع في الدنيا على من لا يرضى فعله: { إن ربي } أي ~~المحسن إلي بالإنعام بالسعادة الباقية { يبسط الرزق } أي يجدده في كل ~~وقت أراده بالأموال والأولاد وغيرها { لمن يشاء ويقدر } أي يضيق على من ~~يشاء منكم أن يكون جميع الموسع عليهم على ما هو حق عنده ومرضى له، ~~لاختلافهم في الأصول وتكفير بعضهم لبعض، فإن الله معذب بعضهم لا محالة، ~~فبطلت شبهتهم، وثبت أنه يفعل ما يشاء ابتلاء وامتحانا، فلا يدل البسط ~~على الرضى ولا القبض على السخط - على ما عرف من سنته في هذه الدار { ولكن ~~أكثر الناس } أي الذين لم يرتفعوا عن حد النوس والاضطراب { لا يعلمون * } ~~أي ليس لهم علم ليتدبروا به ما ذكرنا من الأمر فيعلموا أنه ليس كل موسع ~~عليه في دنياه سعيدا في عقباه. # ولما هدم ما بالذات، أتبعه ما بالثمرات، فقال مؤكدا تكذيبا لدعواهم: { ~~وما أموالكم } أي أيها الخلق الذين أنتم من جملتهم وإن كثرت، وكرر النافي ~~تصريحا بإبطال كل على حياله فقال: { ولا أولادكم } كذلك، وأثبت الجار ~~تاكيدا للنفي فقال واصفا الجمع المكسر بما هو حقه من التأنيث: { بالتي ~~} أي بالأموال والأولاد التي { تقربكم ms3817 عندنا } أي على ما لنا من العظمة ~~بتصرفاتكم فيها بما يكسب المعالي { زلفى } أي درجة علية وقربة مكينة قال ~~البغوي: قال الأخفش: هي اسم مصدر كأنه قال: تقريبا، ثم استثنى من ضمير ~~الجمع الذي هو قائم مقام أحد، فكأنه قيل: لا تقرب أحدا { إلا من } أو ~~يكون المعنى على حذف مضاف, أي إلا أموال وأولاد من { آمن } أي منكم { ~~وعمل } تصديقا لإيمانه على ذلك الأساس { صالحا } أي في ماله بإنفاقه في ~~سبيل الله وفي ولده بتعليمه الخير. # ولما من على المصلحين من المؤمنين في أموالهم وأولادهم بأن جعلها سببا ~~لمزيد قربهم، دل على ذلك بالفاء في قوله: { فأولئك } أي العالو الرتبة { ~~لهم جزاء الضعف } أي بأن يأخذوا جزاءهم مضاعفا في نفسه من عشرة أمثال ~~إلى ما لا نهاية له، ومضاعفا بالنسبة إلى جزاء من تقدمهم من الأمم، ~~والضعف: الزيادة { بما عملوا } فإن أعمالهم ثابتة محفوظة بأساس الإيمان { ~~وهم في الغرفات } أي العلالي المبنية فوق البيوت في الجنان، زيادة على ~~ذلك { آمنون * } أي ثابت أمنهم دائما، لا خوف عليهم من شيء من الأشياء ~~أصلا، وأما غيرهم وهم المرادون بما بعده فأموالهم وأولادهم وبال عليهم. # ولما كان في سياق الترغيب في الإيمان بعد الإخبار بأنه بشير ونذير, قال ~~معبرا بالمضارع بيانا لحال من يبعده ماله وولده من الله: { والذين ~~يسعون } أي يجددون السعي من غير توبة بأموالهم وأولادهم { في آياتنا } ~~على ما لها من عظمة الانتساب إلينا { معاجزين } أي طالبين تعجيزها أي ~~تعجيز الآتين بها عن إنفاذ مراداتهم بها بما يلقونه من الشبه فيضلون ~~غيرهم بما أوسعنا عليهم وأعززناهم به من الأموال والأولاد. # ولما كان سبحانه قد بت الحكم بشقاوتهم، وأنفذ القضاء بخسارتهم، أسقط فاء ~~السبب إعراضا عن أعمالهم وقال: { أولئك } أي البعداء البغضاء { في ~~العذاب } أي المزيل للعدوية { محضرون * } أي يحضرهم فيه الموكلون بهم من ~~جندنا على أهون وجه وأسهله وهم داخرون، قال القشيري: إن هؤلاء هم الذين ~~لا يحترمون الأولياء ولا يراعون حق الله في السر، فهم في عذاب الاعتراض ms3818 ~~على أولياء الله وعذاب الوقوع بشؤم ذلك في ارتكاب محارم الله ثم في عذاب ~~السقوط من عين الله. ### || [34.39-42] # ولما أبطل شبهتهم بشعبيتها بالنسبة إلى الأشخاص المختلفة، قرب ذلك بدليل ~~واحد في شخص واحد فقال: { قل } يا أشرف الخلق لهؤلاء الجهلة الذين يظنون ~~أن الرزق بحسب حسن السعي وقبحه أو حسن حال الشخص عند الله وقبحها: { إن ~~ربي } أي المحسن إلي بهذا البيان المعجز { يبسط الرزق } أي متى شاء { ~~لمن يشاء من عباده } أي على سبيل التجدد المستمر من أي طائفة كان { ~~ويقدر له } أي يضيق عليه نفسه في حالتين متعاقبتين، وهو بصفة واحدة على ~~عمل واحد، فلو أن الإكرام والإنعام يوجب الدوام لما تغيرت حاله من السعة ~~إلى الضيق، ولو أن في يده نفع نفسه لما اختلف حاله. # ولما بين هذا البسط أن فعله بالاختيار بعد أن بين بالأول كذبهم في أنه ~~سبب للسلامة من النار. دل على أنه الفاعل لا غيره بقوله: { وما أنفقتم من ~~شيء } أي أنتم وأخصامكم وغيرهم { فهو يخلفه } أي لا غيره بدليل أن المنفق ~~قد يجتهد كل الاجتهاد في الإخلاف فلا ينفق، فدل ذلك على أنه المختص ~~بالإخلاف، ولأن هذا هو المعنى لا أنه ضمن الإخلاف لكل من ينفق على أي وجه ~~كان، قال مجاهد كما نقله الرازي في اللوامع: " إذا كان في يد أحدكم شيء ~~فليقتصد ولا يتأول الآية، فإن الرزق مقسوم، وما عال من اقتصد " كما رواه ~~الطبراني عن ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعا، والمعنى أنه قد دل الإخلاف ~~على جميع الأشكال والأضداد على أن الأمر فيه على غير ما ظننتم من الإسعاف ~~به في وقت موجب للإكرام على الدوام، وأن ذلك إنما هو لضمانه الرزق لكل ~~أحد بحسب ما قسمه له من سبق به عمله وقدرته حكمته، وتارة يكون إخلافه ~~حسا وبالفعل، وتارة يكون معنى وبالقوة، بالترضية بتلك الحالة التي أدت ~~إلى العدم، قال القشيري: وهو أتم من السرور بالموجود، ومن ذلك الأنس ~~بالله في الخلوة، ولا يكون ذلك إلا ms3819 مع التجريد - انتهى. والمنفق ~~بالاقتصاد داخل أن شاء الله تعالى تحت قول صلى الله عليه وسلم فيما رواه ~~الشيخان: البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال الله تعالى: # " أنفق أنفق عليك " # وما روى الشيخان وابن حبان في صحيحه أيضا # " ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان يقول أحدهما: اللهم أعط ~~منفقا خلفا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكا تلفا " # فهو خير الموسعين { وهو خير الرازقين * } أي الذين تعدونهم هذا العداد ~~ممن يقيمهم هو سبحانه لكم فتضيفون الرزق إليهم، فإنهم وسائط لا يقدرون ~~إلا على ما قدرهم، وأما هو سبحانه فهو يوجد المعدوم، ويرزق من يطيعه ومن ~~يعصيه، ولا يضيق ترزيقه بأحد، ولا يشغله فيه أحد عن أحد، بل يبعث في كل ~~يوم لكل أحد رزقه في آن واحد كما ينشر عليهم نوره بالشمس في آن واحد من ~~غير توقيف لذلك على شيء من الأشياء غير سبق به العلم في الأزل. # ولما أبطل شبهتهم فعلم بذلك أن الأمر كله له، وأنهم في محل الخطر، وكان ~~قد بقي من شبههم أنهم يقولون: نحن نعبد الملائكة فهم يشفعون لنا، وكان ~~الأنبياء عليهم السلام لا ينكرون أن الملائكة مقربون أبطل ما يتعلقون به ~~منهم، وبين أنه لا أمر لهم وأنهم بريئون منهم، فقال عاطفا على { إذ ~~الظالمون }: { ويوم نحشرهم } أي نجمعهم جمعا بكره بعد البعث، وعم التابع ~~والمتبرع بقوله: { جميعا }. # ولما كانت مواقف الحشر طويلة وزلازله مهولة قال: { ثم نقول للملائكة } ~~أي توبيخا للمشركين وإقناطا مما يرجون منهم من الشفاعة. ولما كانت ~~العبادة لا تنفع إلا إذا كان المعبود راضيا بها وكانت خالصة، قال مبكتا ~~للمشركين وموبخا ليكون هناك سؤال وجواب فيكون التقريع أشد والخجل به ~~أعظم، والخوف والهوان أتم وألزم ويكون اقتصاص ذلك عظة للسامعين، وزجرا ~~للجاهلين، وتنبيها للغافلين، على طريق # أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله # [المائدة: 116] الآيات: { أهؤلاء } أي الضالون؛ وأشار إلى أنه لا ينفع ~~من العبادة إلا ما كان خالصا فقال: { إياكم } أي خاصة ms3820 { كانوا يعبدون * ~~} بأفعالهم الاختيارية والقسرية ليعلم أنهم عبيد لكم تستحقون عبادتهم، ~~وفي التعبير بما يدل على الاختصاص تنبيه لقريش على أنه لا يعتد من ~~العبادة إلا بالخالص { قالوا } أي الملائكة متبرئين منهم مفتتحين ~~بالتنزيه تخضعا بين يدي البراءة خوفا من حلول السطوة { سبحانك } أي ~~ننزهك تنزيها يليق بجلالك عن أن يستحق أحد غيرك أن يعبد. # ولما كانوا كارهين جدا لعبادتهم، وكانت فائدة العبادة الوصلة بين ~~العابد والمعبود قالوا: { أنت ولينا } أي معبودنا الذي لا وصلة بيننا ~~وبين أحد إلا بأمره { من دونهم } أي من أقرب منزلة لك من منازلهم منا، ~~فأنت أقرب شيء إلينا في كل معاني الولاية من العلم والقدرة وغيرهما، فكيف ~~نترك الأقرب والأقوى ونتولى الأبعد العاجز، ليس بيننا وبينهم من ولاية، ~~بل عداوة، وكذا كل من تقرب إلى شخص بمعصية الله يقسي الله قلبه عليه ~~ويبغضه فيه فيجافيه ويعاديه. # ولما كان من يعمل لأحد عملا لم يأمر به ولم يرضه إنما عمل في الحقيقة ~~للذي دعاه إلى ذلك العمل قالوا: { بل كانوا } بأفعالهم الاختيارية ~~الموجبة للشرك { يعبدون الجن } أي إبليس وذريته الذين زينوا لهم عبادتنا ~~من غير رضانا بذلك، وكانوا يدخلون في أجواف الأصنام ويخاطبونهم ويستجيرون ~~بهم في الأماكن المخوفة، ومن هذا تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد ~~القطيفة؛ ثم استأنفوا قولهم: { أكثرهم } أي الإنس { بهم } أي الجن { ~~مؤمنون * } أي راسخون في الإشراك لا يقصدون بعبادتهم غيرهم، وقليل منهم ~~من يقصد بعبادته بتزيين الجن وغيرهم وهو راض بها، فهي في الحقيقة لمن ~~زينها لهم من الجن، وهم مع ذلك يصدقون ما يرد عليهم من إخبارات الجن على ~~ألسنة الكهان وغيرهم مع ما يرون فيها من الكذب في كثير من الأوقات. # ولما بطلت تمسكاتهم، وتقطعت تعلقاتهم، تسبب عن ذلك تقريعهم الناشئ عنه ~~تنديمهم بقوله بلسان العظمة: { فاليوم } أي يوم مخاطبتهم بهذا التبكيت ~~وهو يوم الحشر { لا يملك } أي شيئا من الملك { بعضكم لبعض } أي من ~~المقربين والمبعدين. ولما كان المدار على الخلاص والسياق للشفاعة، قدم ~~النفع فقال: { نفعا ms3821 } وأكمل الأمر بقوله: { ولا ضرا } تحقيقا لقطع ~~جميع الأسباب التي كانت في دار التكليف من دار الجزاء التي المقصود فيها ~~تمام إظهار العظمة لله وحده على أتم الوجوه. # ولما كان المعنى: فاليوم نسلب الخلائق ما كنا مكناهم منه في الدنيا من ~~التنافع والتضارر. وتلاشى بذلك كل شيء سواه، أثبت لنفسه المقدس ما ينبغي، ~~فقال عاطفا على هذا الذي قدرته: { ونقول } أي في ذلك الحال من غير إمهال ~~ولا إهمال { للذين ظلموا } أي بوضع العبادة في غير موضعها ولا سيما من ضم ~~إلى ذلك إنكار المعاد عند إدخالنا لهم النار: { ذوقوا عذاب النار } ولما ~~لم يتقدم للعذاب وصف بترديد - كما تقدم في السجدة - ولا غيره، كان المضاف ~~إليه أحق بالوصف لأنه المصوب إليه بالتكذيب فقال: { التي كنتم } أي جبلة ~~وطبعا { بها تذكبون * }. ### || [34.43-45] # ولما أخبر أنهم أبوا الإيمان بالقرآن، المخبر بالغيب من أمر الرحمن الذي ~~هدت إليه العقول، وشاهدت آثاره العيون، في هذا الكلام المعجز، فتظافرت ~~على ما أخبرت به أدلة السمع والبصر والعقل، وختم بأنهم آمنوا بالجن غيبا ~~وعبدوهم من دون الله بما لم يدع إليه عقل ولا نفل، وصدقوهم من الإخبار ~~بما إن صدقوا في شيء منه خلطوا معه أكثر من مائة كذبة، وسلب أعظم من ~~ادعوا أنهم استندوا إليه النفع والضر، وأسند تعذيبهم إلى تكذيبهم، أتبعه ~~الإخبار بأنهم لازموا الإصرار على ذلك الكفر والتكذيب بما كله صدق وحكم ~~فقال: { وإذا تتلى } أي في وقت من الأوقات من أي تال كان { عليهم } أي ~~خاصة لم يشركهم غيرهم ليقولوا: إنه المقصود بالتلاوة، فلا يلزمهم ~~الاستماع { آياتنا } حال كونها { بينات } ما قالت شيئا إلا ظهرت حقيته { ~~قالوا } أي على الفور من غير تأمل لما حملهم على ذلك من حظ النفس. # ولما كان المستكبرون يرون ما للرسالة من الظهور، وللرسول من القبول، وأن ~~أتباعهم قد ظهر لهم ذلك، فمالوا إليه بكلياتهم، أكده قولهم: { ما هذا } ~~أي التالي لها على ما فيه من السمت المعلم بأنه أصدق الخلق وأعلاهم همة ~~وأبينهم نصيحة { إلا ms3822 رجل } أي مع كونه واحدا هو مثل واحد من رجالكم، ~~وتزيدون عليه أنتم بالكثرة، ولم يسندوا الفعل إليهم نفيا للغرض عن ~~أنفسهم وإلهابا للمخاطبين فقالوا: { يريد أن يصدكم } أي بهذا الذي يتلوه ~~{ عما كان } دائما { يعبد آباؤكم } أي لا قصد له إلا ذلك لتكونوا له ~~أتباعا، وألهبوا السامعين بتصوير آبائهم بذكر " كان " والفعل المضارع ~~ملازمين للعبادة ليثبتوا على كفرهم بما لا دليل عليه ولا شبهة ولا داع ~~سوى التقليد. # ولما كانت أدلة الكتاب واضحة، خافوا عاقبتها في قبول الاتباع لها، ~~فجزموا بأنها كذب ليوقفوهم بذلك، فحكى ذلك عنهم سبحانه بقوله: { وقالوا ~~ما هذا } أي القرآن { إلا إفك } أي كذب مصروف عن وجهه { مفترى } أي متعمد ~~ما فيه من الصرف. # ولما كان فيه ما لا يشك أحد في حقيته، لبسوا عليهم بأنه خيال يوشك أن ~~ينكشف إيقافا لهم إلى وقت ما، فقال تعالى إخبارا عنهم: { وقال } ولما ~~كان الحق قد يخفى، ولم يقيده بالبيان كما فعل في الآيات، أظهر موضع ~~الإضمار بيانا للوصف الحامل لهم على ذلك القول وهو التدليس، فقال: { ~~الذين كفروا } أي ستروا ما دلت عليه العقول من حقية القرآن، { للحق } أي ~~الذي لا أثبت منه باعتبار كمال الحقية فيه { لما جاءهم } أي من غير أن ~~يمهلوا النظر ولا تدبر ليقال إن الداعي لهم إلى ما قالوا نوه شبهة عرضت ~~لهم، بل أظهروا بالمسارعة إلى الطعن أنه مما لا يتوقف فيه، وأكدوا لما ~~تقدم من خوفهم على أتباعهم ليخيلوهم فقالوا: { إن } أي ما { هذا } أي ~~الثابت الذي لا يكون شيء أثبت منه { إلا سحر } أي خيال لا حقيقة له { ~~مبين * } أي ظاهر العوار جدا، فهو ينادي على نفسه بذلك، فلا تغتروا بما ~~فيه مما تميل النفوس ويؤثر في القلوب، ولقد انصد لعمري بهذا التلبيس - ~~مع أن في نسبتهم له إلى السحر الاعتراف بالعجز - بشر كثير برهة حتى هدى ~~الله بعضهم، وتمادى بالآخرين الأمر حتى ماتوا على ضلالهم، مع أنه كان ~~ينبغي لكل من رأى مبادرتهم وتحرقهم أن يعرف أنهم ms3823 متغرضون، لم يحملهم على ~~ذلك إلا الحظوظ النفسانية، والعلق الشهوانية، قال الطفيل ابن عمرو الدوسي ~~ذو النور رضي الله عنه: لقد اكثروا علي في أمره حتى حشوت في أذني ~~الكرسف خوفا من أن يخلص إلى شيء من كلامه فيفتنني، ثم أراد الله بي ~~الخير فقلت: واثكل أمي إني والله لبيب عاقل شاعر، ولي معرفة بتمييز غث ~~الكلام من سمينه، فما لي لا أسمع منه، فإن كان حقا تبعته، وإن كان ~~باطلا كنت منه على بصيرة - أو كما قال، قال: فقصدت النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقلت: اعرض علي ما جئت به، فلما عرضه علي بأبي هو وأمي ما سمعت ~~قولا قط أحسن منه, ولا أمرا أعدل منه, فما توقفت في أن أسلمت، ثم سأل ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو الله له أن يعطيه آية تعينه على قومه، ~~فلما أشرف على حاضر قومه كان له نور في جبهته، فخشي أن يظنوا أنها مثلة، ~~فدعا بتحويله، فتحول في طرف سوطه، فأعانه الله على قومه فأسلموا. # ولما بارزوا بهذا القول من غير أثارة من علم ولا خبر من سمع، بين ذلك ~~معجبا من شأنهم، موضحا لعنادهم، بقوله مؤكدا إشارة إلى أن ما يجترئون ~~عليه من الأقوال التي لا سند لها إلا التقليد لا يكون إلا عن كتاب أو ~~رسول: { وما } أي قالوا ذلك والحال أنا ما { آتيناهم } أي هؤلاء العرب ~~أصلا لأنه لم ينزل عليهم قط قبل القرآن كتاب، وعبر بمظهر العظمة إشارة ~~إلى أن هذا مقام خطر وموطن وعر جدا لأنه أصل الدين، فلا يقنع فيه إلا ~~بأمر عظيم، وأكد هذا المعنى بقوله: { من كتب } بصيغة الجمع مع تأكيد ~~النفي بالجار قبل كتابك الجامع { يدرسونها } أي يجددون دراستها في كل ~~حين، فهي متظاهرة الدلالة باجتماعها على معنى واحد متواترة عندهم لا شبهة ~~في أمرها ليكون ذلك سببا للطعن في القرآن إذا خالف تلك الكتب { وما ~~أرسلنا } أي إرسالا لا شبهة فيه لمناسبته لما لنا من العظمة { إليهم } ~~أي خاصة، بمعنى ms3824 أن ذلك الرسول مأمور بهم باعيانهم، فهم مقصودون بالذات، ~~لا أنهم داخلون في عموم، أو مصقودون من باب الأمر بالمعروف في جميع ~~الزمان الذي { قبلك } أي من قبل رسالتك الجامعة لكل رسالة ليخرج إبراهيم ~~وإسماعيل عليهما السلام فإنهما كانا في بعض الزمان الماضي، أو أن المراد ~~في الفترة بعد عيسى عليه السلام كما تقدم في السجدة نقله عن ابن عباس ~~ومقاتل، ويجوز أن يراد بعد إسماعيل عليه السلام لأن عيسى عليه السلام - ~~وإن أرسل إلى العرب رسله - لم يكن مرسلا إلا إلى قومه، وإرساله إلى ~~غيرهم إنما هو من باب الأمر بالمعروف، وشعيب عليه السلام إنما كانت ~~رسالته إلى طائفة أو أثنتين منهم وقد يقال: الذي يدل عليه استغراق جميع ~~الزمان الماضي بالتجريد عن الخافض أن المراد إنما هو نفي الإرسال بهذا ~~الباطل الذي إدعوه لا مطلق الإرسال، وأكد النفي بقوله: { من نذير * } أي ~~ليكون عندهم قول منه يغبر في وجه القرآن، فيكون حاملا لهم على الطعن. # ولما نفى موجب الطعن، ذكر المانع الموجب للإذعان فقال: { وكذب } أي ~~فعلوا ما فعلوا، الحال أنه قد كذب { الذين من قبلهم } أي من قوم نوح ومن ~~بعدهم بادروا إلى ما بادر إليه هؤلاء، لأن التكذيب كان في طباعهم لما ~~عندهم من الجلافة والكبر { وما بلغوا } أي هؤلاء { معشار ما آتيناهم } أي ~~عشرا صغيرا مما آتينا أولئك من القوة في الأبدان والأموال والمكنة في ~~كل شيء من العقول وطول الأعمار والخلو من الشواغل { فكذبوا } أي بسبب ما ~~طبعوا عليه من العناد، وأفرد الضمير كما هو حقه ونصا على أن النون فيما ~~مضى للعظمة لا للجمع دفعا لتعنت متعنت فقال: { رسلي }. # ولما كان اجتراؤهم على الرسل سبب إهلاكهم على أوجه عجيبة، صارت مثلا ~~مضروبا باقيا إلى يوم القيامة ولم يغن عنهم في دفع النقم ما بسط لهم من ~~النعم، كان موضع أن يقال لرائيه أو لسامعه: { فكيف كان نكير * } أي فيما ~~كان له من الشدة التي هي كالجبلة أي إنكاري على المكذبين لرسلي، ليكون ~~السؤال ms3825 تنبيها لهذا المسؤول وداعيا له إلى الإذعان خوفا من أن يحل به ~~ما حل بهم أن فعل مثل ما فعلهم سواء كان الإنكار في أدنى الوجوه كما ~~أوقعناه سببا من تعطيل الأسباب، أو أعلاها كما أنزلنا بقوم نوح عليه ~~السلام ومن شاكلهم وصب العذاب والاستئصال الوحي بالمصاب على ما أشارت ~~إليه قراءتا حذف الياء وإثباتها. ### || [34.46-49] # ولما أبطل شبههم كلها، ولين من عريكتهم بالتنبيه على التحذير، فصاروا ~~جديرين بقبول الوعظ، وكان مما رموه به - وحاشاه - الجنون وتعمد الكذب، ~~أمره بالإقبال عليهم به مخففا له لئلا ينفروا من طوله فقال: { قل } ~~وأكده زيادة في استجلابهم إلى الإقبال عليه فقال: { إنما أعظكم بواحدة } ~~أي فاسمعوا ولا تنفروا خوفا من أن أملكم؛ ثم استأنف قوله بيانا لها: { ~~أن تقوموا } أي توجهوا نفوسكم إلى تعرف الحق، وعبر بالقيام إشارة إلى ~~الاجتهاد { لله } أي الذي لا أعظم منه على وجه الإخلاص واستحضار ما له من ~~العظمة بما له لديكم من الإحسان لا لإرادة المغالبة حال كونكم { مثنى } ~~أي اثنين اثنين، وقدمه إشارة ألى أن أغلب الناس ناقص العقل { وفرادى } أي ~~واحدا واحدا، من وثق بنفسه في رصانه عقله وأصالة رأيه قام وحده ليكون ~~أصفى لسره، وأعون على خلوص فكره، ومن خاف عليها ضم إليه آخر ليذكره إن ~~نسي. ويقومه إن زاغ. ولما كان هذا القسم أكثر وجودا في الناس قدمه ولم ~~يذكر غيرهما من الأقسام، إشارة إلى أنهم إذا كانوا على هاتين الحالتين ~~كان أجدر لهم بأن يعرفوا الحق من غير شائبة حظ مما يكون في الجمع الكثير ~~من الجدال واللفظ المانع من تهذيب الرأي وتثقيف الفكر وتنقية المعاني. # ولما كان ما طلب منهم هذا لأجله عظيما جديرا بأن يهتم له هذا ~~الاهتمام، أشار إليه بأداة التراخي فقال: { ثم تتفكروا } أي تجتهدوا بعد ~~التأني وطول التروي في الفكر فيما وسمتم به صاحبكم من أمر الجنون. ولما ~~كان بعده صلى الله عليه وسلم من هذا آمرا لا يتمارى فيه، استأنف قوله ~~معينا بالتعبير بالصاحب مؤكدا تكذيبا ms3826 لهم وتنبيها على ظهور مضمون هذا ~~النفي: { ما بصاحبكم } أي الذي دعاكم إلى الله وقد بلوتموه صغيرا ~~ويافعا وشابا وكهلا، وأعرق في النفي بقوله: { من جنة } وخصها لأنها ~~مما يمكن طروءه، ولم يعرج على الكذب لأنه مما لا يمكن فيمن عاش بين أناس ~~عمرا طويلا ودهرا دهيرا يصحبهم ليلا ونهارا صباحا ومساء سرا ~~وعلنا في السراء والضراء، وهو أعلاهم همة وأوفاهم مروءة، وأزكاهم خلائق ~~وأظهرهم شمائل، وأبعدهم عن الأدناس ساحة في مطلق الكذب، فكيف بما يخالف ~~أهواءهم فكيف بما ينسب إلى الله فكيف وكلامه الذي ينسب فيه إلى الكذب ~~معجز بما فيه من الحكم والأحكام، والبلاغة والمعاني التي أعيت الأفهام. # ولما ثبت بهذا إعلاما وإفهاما براءته مما قذفوه به كله، حصر أمره في ~~النصيحة من الهلاك، فقال منبها على أن هذا الذي أتاهم به لا يدعيه إلا ~~أحد رجلين: إما مجنون أو صادق هو أكمل الرجال، وقد انتفى الأول فثبت ~~الثاني: { إن } أي ما { هو } أي المحدث عنه بعينه { إلا نذير لكم } أي ~~خاصا إنذاره وقصده الخلاص بكم، وهول أمر العذاب بتصويره صورة من له آلة ~~بطش محيطة بمن تقصده فقال: { بين يدي } أي قبل حلول { عذاب شديد * } قاهر ~~لا خلاص منه، إن لم ترجعوا إليه حل بكم سريعا، روى البخاري عن ابن عباس ~~رضي الله عنهما قال: # " صعد النبي صلى الله عليه وسلم الصفا ذات يوم فقال: يا صباحاه! فاجتمعت ~~إليه قريش فقالوا: ما لك، فقال: أرأيتم لو أخبرتكم أن العدو يصبحكم أو ~~يمسيكم أما كنتم تصدقوني؟ قالوا: بلى، فقال: إني نذير لكم بين يدي عذاب ~~شديد، فقال أبو لهب: تبا لك، ألهذا جمعتنا؟ فأنزل الله عز وجل { تبت يدا ~~أبي لهب وتب } ". # ولما انتفى عنه بهذا ما خيلوا به، بقي إمكان أن يكون لغرض أمر دنيوي ~~فنفاه بأمره بقوله: { قل } أي للكفرة: { ما } أي مهما { سألتكم من أجر } ~~أي على دعائي لكم { فهو لكم } لا أريد منه شيئا، وهو كناية عن أني لا ~~أسألكم على دعائي لكم إلى ms3827 الله أجرا أصلا بوجه من الوجوه، فإذا ثبت أن ~~الدعاء ليس لغرض دنيوي، وأن الداعي أرجح الناس عقلا، ثبت أن الذي حمله ~~على تعريض نفسه لتلك الأخطار العظيمة إنما هو أمر الله الذي له الأمر ~~كله. ولما كانوا يظنون به في بعض ظنونهم أنه يريد أمرا دنيويا، أكد ~~قوله: { إن } أي ما { أجري إلا على الله } أي الذي لا أعظم منه، فلا ~~ينبغي لذي همة أن يبتغي شيئا إلا من عنده { وهو } أي والحال أنه { على ~~كل شيء شهيد * } أي بالغ العلم بأحواله، فهو جدير بأن يهلك الظالم ويعلي ~~كعب المطيع. # ولما لم يبق شيء يخدش في أمر المبلغ، أتبعه تصحيح النقل جوابا لمن كأنه ~~يقول: برئت ساحتك، فمن لنا بصحة مضامين ما تخبر؟ فقال مؤكدا لإنكارهم أن ~~يكون ما يأتي به حق معيدا الأمر بالقول، إشارة إلى أن كل كلام صدر دليل ~~كاف مستقل بالدلالة على ما سبق له: { قل } لمن أنكر التوحيد والرسالة ~~والحشر معبرا بما يقتضي العناية الموجبة لنصره على كل معاند، { إن ربي } ~~أي المحسن إلي بأنواع الإحسان، المبيض لوجهي عند الامتحان { يقذف بالحق } ~~أي يرمي به في إثبات جميع ذلك وغيره مما يريد رميا وحيا جدا لأنه غني ~~عن تدبر أو ترو أو تفكر في تصحيح المعنى أو إصلاح اللوازم لأنه علام ~~الغيوب، فيفضح من يريد إطفاء نوره فضيحة شديدة، ويرهق باطله كما فعل فيما ~~وسمتموني به وفي التوحيد وغيره لا كما فعلتم أنتم في مبادرتكم إلى نصر ~~الشرك وإلى ما وصفتموني به ووصفتم ما جئت به، فلزمكم على ذلك أمور شنيعة ~~منها الكذب الصريح، ولم تقدروا أن تأتوا في أمري ولا في شيء من ذلك بشيء ~~يقبله ذو عقل أصلا. # ولما وصفه بنهاية العلم، أتبعه بعض آثاره فقال: { قل جاء الحق } أي ~~الأمر الثابت الذي لا يقدر شيء أن يزيله؛ وأكد تكذيبا لهم في ظنهم أنهم ~~يغلبون فقال: { وما } أي والحال أنه ما { يبدئ الباطل } أي الذي أنتم ~~عليه وغيره في كل حال حصل ms3828 فيه تفريعه على مر الأيام { وما يعيد * } بل هو ~~كالجماد لا حركة به أصلا، لأنه مهما نطق به صاحبه في أمره بعد هذا ~~البيان افتضح، فإن لم ترجعوا عنه طوعا رجعتم وأنتم صغره كرها، والحاصل ~~أن هذا كناية عن هلاكه بما يهز النفس ويرفض الفكر بتمثيله بمن انقطعت ~~حركته، وذهبت قوته، حتى لا يرجى بوجه. ### || [34.50-53] # ولما لم يبق بعد هذ إلا أن يقولوا عنادا: أنت ضال، ليس بك جنون ولا ~~كذب، ولكنك قد عرض لك ما أضلك عن المحجة، قال: { قل } أي لهؤلاء ~~المعاندين على سبيل الاستعطاف بما في قولك من الانصاف وتعليم الأدب: { إن ~~ضللت } أي عن الطريق على سبيل الفرض { فإنما أضل } ولما كان الله تعالى ~~قد جعل العقل عقلا يمنع من الخطأ وينهى عن الهوى، وكان الغلط لا يأتي ~~إلا من شواغل النفس بشهواتها وحظوظها، فكان التقدير: بما في نفسي من ~~الشواغل العاقلة للعقل، قال مشيرا إلى ذلك: { على نفسي } أي لأن الضلال ~~إذا استعلى على شيء ظهر أمره فيتبين عواره فيلزم عاره، ويصير صاحبه بحيث ~~لا يدري شيئا ينفع ولا يعيد، ولذلك يصير يفزع إلى السفه والمشاتمة كما ~~وقع في مذاهبكم كلها، لأن الله تعالى جعل العقول الصحيحة معيارا على ~~ذلك، فمهما ذكرت طرق الحق وحررت ظهر أمر الباطل وافتضح. ولما كانت النفس ~~منقادة بل مترامية نحو الباطل، عبر في الضلال بالمجرد، وفي الهدى ~~بالافتعال إشارة إلى أنه لا بد فيه من هاد وعلاج، وعبر بأداة الشك ~~استعمالا للأنصاف فقال: { وإن اهتديت فبما } أي فاهتدائي إنما هو بما { ~~يوحي إلي ربي } أي المحسن إلي لا بغيره، فلا يمكن فيه ضلال لأنه لا ~~حظ فيه للنفس أصلا، فلا يقدر أحد على شيء من طعن في شيء منه، وهداي ~~لنفسي، فالآية ظاهرها التنزل منه وباطنها إرشادهم إلى تسديدهم النظر ~~وتقويمه وتهذيب الفكر وتثقيفه، وهي من الاحتباك: حذف أولا كون الضلال من ~~نفسه بما دل عليه ثانيا من أن الهدى من الوحي, وثانيا كون الهدى له بما ~~دل ms3829 عليه من كون الضلال عليه, ثم علل الضلال والهدى بقوله: { إنه } أي ~~ربي { سميع قريب * } أي لا يغيب عنه شيء من حال من يكذب عليه، فهو جدير ~~بأنه يفضحه كما فضحكم في جميع ما تدعونه ولا يبعد عليه شيء ليحتاج في ~~إدراكه إلى تأخير لقطع مسافة أو نحوها، بل هو مدرك لكل ما أراد كلما ~~أراد، والآية إرشاد من الله تعالى إلى أنه وإن كان خلق للآدمي عقلا لا ~~يضل ولا يزيغ، لكنه حفه بقواطع من الشهوات والحظوظ والكسل والفتور فلا ~~يكاد يسلم منها إلا من عصمه الله، فلما كان كذلك أنزل سبحانه كتبا هي ~~العقل الخالص، وأرسل رسلا جردهم من تلك القواطع، فجعل أخلاقهم شرائعهم، ~~فعلى كل أحد أن يتبع رسله المتخلفين بكتبه متهما عقله منابذا رأيه كما ~~كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ليكون مؤمنا بالغيب حق الإيمان فيدخل ~~في قوله تعالى في سورة فاطر # إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب # [فاطر: 18] ولا يكون متناوشا بعد كشف الغطاء من مكان بعيد. # ولما أبطل شبههم وختم من صفاته بما يقتضي البطش بمن خالفه، قال عاطفا ~~على { ولو ترى إذ الظالمون }: { ولو ترى } أي تكون منك رؤية { إذ فزعوا } ~~أي يفزعون بأخذنا في الدنيا والآخرة، ولكنه عبر بالماضي وكذا في الأفعال ~~الآتية بعد هذا لأن ما الله فاعله في المستقبل بمنزلة ما قد كان ووجد ~~لتحققه { فلا } أي فتسبب عن ذلك الفزع أنه لا { فوت } أي لهم منا لأنهم ~~في قبضتنا، لرأيت أمرا مهولا وشأنا فظيعا، وحقر أمرهم بالبناء ~~للمفعول فقال: { وأخذوا } أي عند الفزع من كل من نأمره بأخذهم سواء كان ~~قبل الموت أو بعده. ولما كان القرب يسهل أخذ ما يراد أخذه قال: { من مكان ~~قريب * } أي أخذا لا شيء أسهل منه فإن الآخذ سبحانه قادر وليس بينه وبين ~~شيء، مسافة، بل هو أقرب إليه منا الإيمان به وأبيناه، والأقرب أن يكون ~~القرآن الذي قالوا إنه إفك مفترى { وأنى } أي وكيف ومن أين { لهم ~~التناوش } أي تناول الإيمان ms3830 أو شيء من ثمراته، وكأنه عبر به لأنه يطلق ~~على الرجوع، فكان المعنى أن ذلك بعد عليهم من جهة أنه لا يمكن إلا ~~برجوعهم إلى الدنيا التي هي دار العمل، وأنى لهم ذلك؟ وهو تمثيل لحالهم - ~~في طلبهم أن ينفعهم إيمانهم في ذلك الوقت كما نفع المؤمنين إيمانهم في ~~الدنيا - بحال من يريد أن يتناول شيئا من علوه كما يتناوله الآخر من قدر ~~ذراع تناولا سهلا، لا نصب فيه، ومده أبو عمرو وحمزة والكسائي وأبو بكر ~~عن عاصم لهمزهم إياه فقيل: إن الهمز على الواو المضمونة كما همزت في وجوه ~~ووقتت فيكون لفظه موافقا لمعناه، والصحيح أنه ليس من هذا، لأن شرط همز ~~الواو المضمونة ضمة لازمة أن لا ويكون مدغما فيها إذا كانت وسطا ~~كالتعود، وأن لا يصح في الفعل نحو تناول وتعاون، وقد حكى عن أبي عمرو أن ~~معناه بالهمز التناول من بعد، من قولهم نأش - بالهمز - إذا أبطل وتأخر، ~~والنيش حركة في إبطاء، والنأش أيضا: الأخذ، فيكون الهمز أصليا، وقرأه ~~الباقون بالواو مثل التناول لفظا ومعنى، فقراءة الواو المحضة تشير إلى ~~أنهم يريدون تناولا سهلا مع بعد المتناول في المكان، وقراءة الهمز إلى ~~أن إرادتهم تأخرت وأبطأت حتى فات وقتها، فجمعت إلى بعد المكان بعد ~~الزمان. # ولما كان البعيد لا يمكن الإنسان تناوله مع بعده قال: { من مكان بعيد * ~~} فإنه بعد كشف الغطاء عند مجيء البأس لا ينفع الإيمان { وقد } أي كيف ~~لهم ذلك والحال أنهم قد { كفروا به } أي بالذي طلب منهم أن يؤمنوا به ~~أملا وجزاء { من قبل } أي في دار العمل { و } الحال أنهم حين كفرهم { ~~يقذفون } في أمر ما دعوا إليه بما يرمون به من الكلام رميا سريعا جدا ~~من غير تمهل ولا تدبر { بالغيب } أي من مرجمات الظنون، وهي الشبهة التي ~~تقدم إبطالها في هذه السورة وغيرها من استبعادهم البعث وغيره مما أخبر ~~الله به. # ولما كان الشيء لا يمكن أن يصيب ما يقذفه وهو غائب عنه ولا سيما مع ~~البعد قال ms3831 معلما ببعدهم عن علم ما يقولون مع بعده جدا من حال من تكلموا ~~فيه سواء كان القرآن أو النبي صلى الله عليه وسلم أو الحشر والجنة ~~والنار: { من مكان بعيد * } وذلك على الضد من قذف علام الغيوب فإنه من ~~مكان قريب فهو معلوم لازم للحق. ### || [34.54] # ولما أشار إلى بعد الإيمان منهم عند إرادتهم تناوله عند فوات أمره وعلوه ~~عنهم عند طعنهم فيه في دار العمل، ترجم حالتيهم في ذلك على وجه يعم ثمرات ~~الإيمان من دخول الجنان ورضى الرحمن بقوله: { وحيل } معبرا بصيغة ~~المجهول مشيرا إلى أن حصول الحيلولة بأسهل ما يكون ولأن المنكي لهم نفس ~~الحيلولة لا كونها من شخص معين: { بينهم وبين ما يشتهون } أي يميلون إليه ~~ميلا عظيما من تأثير طعنهم وقبول إيمانهم عند رؤية، البأس ومن حصول شيء ~~من ثمراته لهم من حسن الثواب كما يرى الإنسان منهم - وهو في غمرات النار ~~- مقعده في الجنة، الذي كان يكون له لو آمن ولا يقدر على الوصول إليه ~~بوجه، وإن خيل إليه الوصول فقصده فمنع منه كان أنكى { كما فعل } أي بأيسر ~~وجه { بأشياعهم } أي الذين كفروا مثلهم { من قبل } أي قبل زمانهم فإن ~~حالهم كان كحالهم في الكفران والإيمان، والسعادة والخسران، ولم يختل ~~أمرنا في أمة من الأمم، بل كان كلما كذبت أمة رسولها أخذناها، فإن ~~أذقناهم بأسنا أذعنوا وخضعوا، فلم نقبل منهم ذلك، ولا نفعهم شيئا لا ~~بالكف عن إهلاكهم ولا بإدراكهم لشيء من الخير بعد إهلاكهم # إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد # [ق: 37]. ثم علل عدم الوصول إلى قصد في كل من الحالتين بقوله مؤكدا ~~لإنكارهم أن يكون عندهم شيء من شك في شيء من أمرهم: { إنهم كانوا } أي في ~~دار القبول كونا هو كالجبلة لهم { في شك } أي في جميع ما يخبرهم به ~~رسلنا عنا من الجزاء أو غير ذلك { مريب * } أي موقع في الريبة، فهو بليغ ~~في بابه كما يقال: عجب عجيب، أو هو واقع ms3832 في الريب كما يقال: شعر شاعر، أي ~~- ذو شعر، فكيف يقبلون أو ينفذ طعنهم أو تحصل لهم تمرة طيبة وهو على غير ~~بصيرة في شيء من أمرهم بل كانوا يشكون في قدرتنا وعظمتنا، فاللائق ~~بالحكمة أن نبين لهم العظمة بالعذاب لهم والثواب لأحبابنا الذين عادوهم ~~فينا فتبين أنهم يؤمنون به عند ظهور الحمد أتم الظهور إما في الآخرة أو ~~في مقدماتها، فظهر سر الإفصاح بقوله " وله الحمد في الآخرة " وأنه حال ~~سبحانه بينهم وبين ما يريدون فتبين أنه مالك كل شيء فصح أن له الحمد في ~~الأولى وفي كل حالة - وقد تعانق آخرها مع أولها، والتحم مقطعها بموصلها - ~~والله سبحانه وتعالى هو المستعان إليه والمرجع والمآب. ### | [35 - سورة فاطر] ### || [35.1-3] # ولما أثبت سبحانه في التي قبلها الحشر الذي هو الإيجاد الثاني، ودل عليه ~~بجزئيات من القدرة على أشياء في الكون، إلى أن ختم بأخذ الكفار أخذا ~~اضطرهم إلى الإيمان بظهور الحمد لهم أتم الظهور، وبالحيلولة بينهم وبين ~~جميع ما يشتهون كما كانوا متعوا في الدنيا بأغلب ما يشتهون من كثرة ~~الأموال والأولاد، وما مع ذلك من الراحة من أكثر الأنكاد، وكان الحمد ~~يكون بالمنع والإعدام، كما يكون بالإعطاء والإنعام، قال تعالى ما هو ~~نتيجة ذلك: { الحمد } أي الإحاطة بأوصاف الكمال إعداما وإيجادا { لله } ~~أي وحده. # ولما كان الإيجاد من العدم أدل على ذلك، قال دالا على استحقاقه ~~للمحامد: { فاطر } أي مبتدئ ومبتدع { السماوات والأرض } أي المتقدم أن له ~~ما فيهما بأن شق العدم بإخراجهما منه ابتداء على غير مثال سبق كما ~~تشاهدون ولما كانت الملائكة إفردا وجمعا مثل الخافقين في أن كلا منهم ~~مبدع من العدم على غير مثال سبق من غير مادة، وكان قد تقدم أنهم يتبرؤون ~~من عبادة الكفرة يوم القيامة، وكان لا طريق لعامة الناس إلى معرفتهم إلا ~~الخبر، أخبر عنهم بعد ما أخبر عما طريقه المشاهدة بما هو الحق من شأنهم، ~~فقال مبينا بتفاوتهم في الهيئات تمام قدرته وأنها بالاختيار: { جاعل ~~الملائكة رسلا } أي لما شاء ms3833 من مراده وإلى ما شاء من عباده ظاهرين ~~للأنبياء منهم ومن لحق بهم وغير ظاهرين { أولي أجنحة } أي تهيؤهم لما ~~يراد منهم؛ ثم وصف فيه إلى أكثر من ذلك، ولعل ذكره للتنبيه على أن ذلك ~~أقل ما يكون بمنزلة اليدين. ولما كان ذلك زوجا نبه على أنه لا يتقيد ~~بالزوج فقال: { وثلاث } أي ثلاثة ثلاثة لآخرين منهم. ولما كان لو اقتصر ~~على ذلك لظن الحصر فيه، نبه بذكر زوج الزوج على أن الزيادة لا تنحصر ~~فقال: { ورباع } أي أربعة لكل واحد من صنف آخر منهم. # ولما ثبت بهذا أنه فاعل بالاختيار دون الطبيعة وغيرها، وإلا لوجب كون ~~الأشياء غير مختلفة مع اتحاد النسبة إلى الفاعل، كانت نتيجة ذلك: { يزيد ~~في الخلق } أي المخلوقات من أشياء مستقلة ومن هيئات للملائكة وخفة الروح ~~واللطافة والثقالة والكثافة وحسن الصوت والصيت والفصاحة والسذاجة والمكر ~~والسخارة والبخل وعلو الهمة وسفولها - وغير ذلك مما يرجع إلى الكم والكيف ~~مما لا يقدر على الإحاطة به غيره سبحانه، فبطل قول من قال: أنه فرغ من ~~الخلق في اليوم السابع عند ما أتم خلق آدم فلم يبق هناك زيادة، كاليهود ~~وغيرهم على أن لهذا المذهب من الضعف والوهي ما لا يخفى غير أنه سبحانه ~~أوضح جميع السبل, ولم يدع بشيء منها لبسا: { ما يشاء } فلا بدع في أن ~~يوجد دارا أخرى تكون لدينونة العباد، ثم علل ذلك كله بقوله مؤكدا لأجل ~~إنكارهم البعث: { إن الله } أي الجامع لجميع أوصاف الكمال { على كل شيء ~~قدير * } فهو قادر على البعث فاعل له لا محالة. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما أوضحت سورة سبأ أنه سبحانه مالك ~~السماوات والأرض، ومستحق الحمد في الدنيا والآخرة، أوضحت هذه السورة أن ~~ذلك خلقه كما هو ملكه، وأنه الأهل للحمد والمستحق، إذ الكل خلقه وملكه، ~~ولأن السورة الأولى تجردت لتعريف العباد بأن الكل ملكه وخلقه دارت آيها ~~على تعريف عظيم ملكه، فقد أعطي داود وسليمان عليهما السلام ما هو كالنقطة ~~من البحار الزاخرة، فلان الحديد ms3834 وانقادت الرياح والوحوش والطير والجن ~~والإنس مذللة خاضعة # قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا ~~في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير # [سبأ: 22] تعالى ربنا عن الظهير والشريك والند، وتقدس ملكه عن أن تحصره ~~العقول أو تحيط به الأفهام, فتجردت سورة سبأ لتعريف العباد بعظيم ملكه ~~سبحانه، وتجردت هذه الأخرى للتعريف بالاختراع والخلق، ويشهد لهذا استمرار ~~آي سورة فاطر على هذا الغرض من التعريف وتنبيهها على الابتداءات كقوله ~~تعالى { جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى } الآية، وقوله { ما يفتح ~~الله للناس من رحمة فلا ممسك لها هل من خالق غير الله يرزقكم } وقوله: { ~~أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا } الآية، وقوله: { الله الذي أرسل ~~الرياح فتثير سحابا } الآية { والله خلقكم من تراب يولج اليل في النهار ~~ويولج النهار في اليل } { ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا ~~به ثمرات مختلفا ألوانها } { هو الذي جعلكم خلائف في الأرض } { إن ~~الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا } فهذه عدة آيات معرفة ~~بابتداء الخلق، والاختراع أو مشيرة ولم يقع من ذلك في سورة سبأ آية ~~واحدة، ثم إن سورة سبأ جرت آيها على نهج تعريف الملك والتصرف فيه ~~والاستبداد بذلك والإبداد، وتأمل افتتاحها وقصة داود وسليمان عليهما ~~السلام، وقوله سبحانه { قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثال ~~ذرة } الآيات يتضح لك ما ذكرناه وما انجر في السورتين مما ظاهره الخروج ~~من هاذين الغرضين فملتحم ومستدعى بحكم الانجرار بحسب استدعاء مقاصد الآي ~~- رزقنا الله الفهم عنه بمنه وكرمه - انتهى. # ولما وصف سبحانه نفسه المقدس بالقدرة الكاملة، دل على ذلك بما يشاهده كل ~~أحد في نفسه من السعة والضيق مع العجز عن دفع شيء من ذلك أو اقتناصه، ~~فقال مستأنفا أو معللا مستنتجا: { ما } أي مهما { يفتح الله } أي الذي ~~لا يكافئه شيء. ولما كان كل شيء من الوجود لأجل الناس قال: { للناس } ~~ولما كان الإنعام ms3835 مقصودا بالذات محبوبا، وكانت رحمته سبحانه قد غلبت ~~غضبه، صرح به فقال مبينا للشرط في موضع الحال من ضميره أي يفتحه كائنا: ~~{ من رحمة } أي من الأرزاق الحسية والمعنوية من اللطائف والمعارف التي لا ~~تدخل تحت حصر دقت أو جلت فيرسلها { فلا ممسك لها } أي الرحمة بعد فتحه ~~كما يعلمه كل أحد في نفسه أنه إذا حصل له خير لا يعدم من يود أنه لم ~~يحصل، ولو قدر على إزالته لأزاله، ولا يقدر على تأثير ما فيه. # ولما كان حبس النعمة مكروها لم يصرح به، وترك الشرط على عمومه بعد أن ~~فسر الشرط الأول بالرحمة دلالة على مزيد الاعتناء بها إيذانا بأن رحمته ~~سبقت غضبه فقال: { وما يمسك } أي من رحمة أو نعمة بإغلاق باب الخلق عنه { ~~فلا مرسل له } أي الذي أمسكه بمثل البرهان الماضي في الرحمة. # ولما كان ربما ادعى فجورا حال إمساك الرحمة أو النقمة أنه هو الممسك ~~قال: { من بعده } أي بعد إمساكه، فمن كان في يده شيء فليمسك ما أتى به ~~الله حال إيجاده بأن يعدمه. ولما كان هذا ظاهرا في العزة في أمر الناس ~~والحكمة في تدبيرهم عمم فقال: { وهو } أي هو فاعل ذلك والحال أنه وحده { ~~العزيز } أي القادر على الإمساك والإرسال الغالب لكل شيء ولا غالب له { ~~الحكيم * } الذي يفعل في كل من الإمساك والإرسال وغيرهما ما يقتضيه علمه ~~به ويتقن ما أراد على قوانين الحكمة، فلا يستطاع نفض شيء منه. # ولما بين بما يشاهده كل أحد في نفسه أنه المنعم وحده. أمر بذكر نعمته ~~بالاعتراف أنها منه، فإن الذكر يقود إلى الشكر، وهو قيد الموجود وصيد ~~المعدوم المفقود، فقال: { يا أيها الناس } أي الذين فيهم أهلية الاضطراب ~~عامة { اذكروا } بالقلب واللسان { نعمت الله } أي الذي لا منعم في ~~الحقيقة سواه، ولما كانت نعمة عامة غامرة من كل جانب قال: { عليكم } أي ~~في دفع ما دفع من المحن، وصنع ما صنع من المنن، على ما تقدم في الفتح ~~والإمساك لتشكروه ولا تكفروه، ms3836 والذي يخص أهل مكة بعد ما شاركوا به الناس ~~- إسكانهم الحرم، وحفظهم من جميع الأمم، وتشريفهم بالبيت، وذلك موجب لأن ~~يكونوا أشكر الناس. # ولما أمر بذكر نعمته، أكد التعريف بأنها منه وحده على وجه بين عزته ~~وحكمته، فقال منبها لمن غفل، وموبخا لمن جحد، ورادا على أهل القدر ~~الذين ادعوا أنهم يخلقون أفعالهم، ومنبها على نعمة الإيجاد الأول: { هل ~~} ولما كان الاستفهام بمعنى النفي أكده ب { من } فقال: { من خالق } أي ~~للنعم وغيرها، ولما كانت { من } للتأكيد، فكان { خالق } في موضع رفع، قرأ ~~الجمهور قوله: { غير الله } بالرفع، وجره حمزة والكسائي على اللفظ، وعبر ~~بالجلالة إشارة إلى أنه المختص بصفات الكمال. # ولما كان الجواب قطعا: لا، بل هو الخالق وحده، قال منبها على نعمة ~~الإبقاء الأول: { يرزقكم } أي وحده. ولما كانت كثرة الرزق كما هو مشاهد ~~مع وحدة المنبع أدل على العظمة قال: { من السماء والأرض } بالمطر والنبات ~~وغيرهما. ولما بين أنه الرزاق وحده انقطع أمل كل أحد من غيره حتى من نفسه ~~فحصل الإخلاص فتعين أنه سبحانه الإله وحده فقال: { لا إله إلا هو } فتسبب ~~الإنكار على من عبد غيره ظاهرا أو باطنا فقال: { فأنى } أي فمن أي وجه ~~وكيف { تؤفكون * } أي تصرفون وتقلبون عن وجه السداد في التوحيد بهذه ~~الوجوه الظاهرة إلى الشرك الذي لا وجه له. ### || [35.4-6] # ولما قررهم على ما تقدم وختم بالتوحيد الذي هو الأصل الأول من أصول ~~الدين، نبه على أنه المقصود بالذات بذكر ما يعقبه في الأصل الثاني، وهو ~~الرسالة من تصديق وتكذيب، فقال ناعيا على قريش سوء تلقيهم لآياته، ~~وطعنهم في بيناته، مسليا له صلى الله عليه وسلم، عاطفا على ما تقديره: ~~فإن يصدقوك فهم جديرون بالتصديق لما قام على ذلك من الدلائل، وشهد به من ~~المقاصد والوسائل: { وإن يكذبوك } أي عنادا وقلة اكتراث بالعواقب فتأس ~~بإخوانك { فقد } أي بسبب أنه قد { كذبت رسل } أي يا لهم من رسل! وبني ~~الفعل للمجهول لأن التسلية محطها، وقوع التكذيب لا تعيين المكذب، ونفى أن ms3837 ~~يرسل غيره بعد وجوده بقوله: { من قبلك } وأفرد التكذيب بالذكر اهتاما ~~بالتسلية تنبيها على أن الأكثر يكذب، قال القشيري: وفي هذا إشارة ~~للحكماء وأرباب القلوب مع العوام والأجانب من هذه الطريقة فإنهم لا ~~يقبلون منهم إلا القليل، وأهل الحقائق أبدا منهم في مقاساة الأذية، ~~والعوام أقرب إلى هذه الطريقة من القراء المتقشفين. # ولما كان التقدير نفيا للتعجب من التكذيب الجاري على غير قياس صحيح: ~~فمن الله الذي لا أمر لأحد معه تصدر الأمور، عطف عليه قوله مهددا لمن ~~خالف أمره: { وإلى الله } أي وحده له الأمور كلها { ترجع الأمور * } أي ~~حسا ومعنى، فاصبر ورد الأمر إلينا بترك الأسباب إلا ما نأمرك به كما فعل ~~إخوانك من الرسل. # ولما أشعر هذا الختام باليوم الموعود، وهو الأصل الثابت قال مهددا به ~~محذرا منه: { يا أيها الناس } أي الذين عندهم أهليه للتحرك إلى النظر. ~~ولما كانوا ينكرون البعث أكد قوله: { إن وعد الله } أي الذي له صفات ~~الكمال وهو منزه عن كل شائبة نقص، فهو لا يجوز عليه في مجاري العادات ~~للغنى المطلق أن يخلف الميعاد { حق } أي بكل ما وعد به من البعث وغيره ~~وقد وعد أنه يردكم إليه في يوم تنقطع فيه الأسباب، ويعرض عن الأحساب ~~والأنساب، ليحكم بينكم بالعدل، ثم سبب عن كونه حقا قوله على وجه التأكيد ~~لأجل الإنكار أيضا: { فلا تغرنكم } أي بأنواع الخدع من اللهو والزينة ~~غرورا مستمر التجدد { الحياة الدنيا } فإنه لا يليق بذي همه عليه اتباع ~~الدنيء، والرضى بالدون الزائل عن العالي الدائم { ولا يغرنكم بالله } أي ~~الذي لا يخلف الميعاد وهو الكبير المتعالي { الغرور * } أي الذي لا يصدق ~~في شيء وهو الشيطان العدو، ولذلك استأنف قوله مظهرا في موضع الإضمار ~~للتنفير بمدلول الوصف قبل التذكير بالعداوة ووخامة العاقبة فيما يدعو ~~إليه مؤكدا لأن أفعال المشايعين له بما يمنيهم به من نحو: إن ربكم حليم، ~~لا يتعاظمه ذنب، مع الإصرار على المعصية أفعال المتعقدين لمصادقته: { إن ~~الشيطان } أي المحترق بالغضب البعيد من الخير { لكم } أي ms3838 خاصة فهو في ~~غاية الفراغ لأذاكم، فاجتهدوا في الهرب منه { عدو } بتصويب مكايده كلها ~~إليكم وبما سبق له مع أبيكم آدم عليه السلام بما وصل أذاه إليكم وأيضا " ~~من عادى أباك فقد عاداك ". # ولما كانت عداوته تحتاج إلى مجاهدة لأنه يأتي الإنسان من قبل الشهوات، ~~عبر بصيغة الافتعال فقال: { فاتخذوا } اي بغاية جهدكم { عدوا } والله ~~لكم ولي فاتخذوه وليا بأن تتحروا ما يغيظ الشيطان بأن تخالفوه في كل ما ~~يريده ويأمر به، وتتعمدوا ما يرضاه الرحمن ونهجه لكم وأمركم به فتلتزموه، ~~قال القشيري: ولا يقوى على عداوته إلا بدوام الاستعانة بالرب فإنه لا ~~يغفل عن عداوتك، فلا تغفل أنت عن مولاك لحظة. ثم علل ذلك بقوله: { إنما ~~يدعو حزبه } أي الذين يوسوس لهم فيعرضهم لاتباعه والإعراض عن الله { ~~ليكونوا } باتباعه كونا راسخا { من أصحاب السعير * } هذا غرضه لا غرض ~~له سواه، ولكنه يجتهد في تعمية ذلك عنهم بأن يقرر في نفوسهم جانب الرجاء ~~وينسيهم جانب الخوف، ويريهم أن التوبة في أيديهم ويسوف لهم بها بالفسحة ~~في الأمل، والإبعاد في الأجل، للإفساد في العمل، والرحمن سبحانه إنما ~~يدعو عباده ليكونوا من أهل النعيم # والله يدعو إلى دار السلام # [يونس: 25]. ### || [35.7-9] # ولما أنهى البيان في غرض الشيطان إلى منتهاه، نبه على ما حكم به هو ~~سبحانه في أشياعه بقوله مستأنفا: { الذين كفروا } أي غطو بالاتباع له ~~بالهوى ما دلتهم عليه عقولهم وكشفه لهم غاية الكشف هذا البيان العزيز { ~~لهم عذاب شديد } أي في الدنيا بفوات غالب ما يؤملون مع تفرقة قلوبهم ~~وانسداد بصائرهم وسفالة هممهم حتى أنهم رضوا أن يكون إلههم حجرا، ~~وانحجاب المعارف التي لا لذاذة في الحقيقة غيرها عنهم، وفي الآخرة ~~بالسعير التي دعاهم إلى صحبتها. # ولما ذكر جزاء حزبه، اتبعه حزب الله الذين عادوا عدوهم فقال: { والذين ~~آمنوا وعملوا } أي تصديقا لإيمانهم { الصالحات } ولما كان من أعظم مصايد ~~الشيطان ما يعرض للإنسان خطأ وجهلا من العصيان، لما له من النقصان ليجره ~~بذلك إلى العمد والعدوان، قال تعالى داعيا له ms3839 إلى طاعته وإزالة لخجلته: ~~{ لهم مغفرة } أي ستر لذنوبهم بحيث لا عقاب ولا عتاب، وذلك معجل في هذه ~~الدار، ولولا ذلك لافتضحوا وغدا، ولولا ذلك لهلكوا. ولما محاها عينا ~~وأثرا، أثبت الإنعام فقال: { وأجر كبير * } أي يجل عن الوصف بغير هذا ~~الإجمال، فمنه عاجل بسهولة العبادة ودوام المعرفة وما يرونه في القلوب من ~~وراء اليقين، وآجل بتحقيق المسؤول من عظيم المنة، ونيل ما فوق المأمول في ~~الجنة. # ولما أبان هذا الكلام تفاوت الحزبين في المآل بالهلاك والفوز، وكان لا ~~يقدم على الهلاك أحد في حس، وكان الكفار يدعون أنهم الفائزون قناعة ~~بالنظر إلى ما هم فيه، ويدعون أنهم أبصر الناس وأحسنهم أعمالا وكذا كل ~~عاص ومبتدع، كان ذلك سببا في إنكار تساويهما، فأنكره مبينا السبب في ~~ضلالهم بما فيه تسلية للمحسنين وندب إلى الشكر وحث على ملازمة الافتقار ~~والذل وسؤال العافية من الزلل والزيغ فقال: { أفمن } ولما كان الضار هو ~~التزيين من غير نظر إلى فاعل معين, بني للمفعول قوله: { زين له سوء عمله ~~} أي قبحه الذي من شأنه أن يسوء صاحبه حالا أو مآلا بجمع مال ذاهب أو ~~مذهوب عنه من غير خلة وبيع راحة الجنة المؤبدة بمتابعة شهوة منقية وإيثار ~~مخلوق فإن على ربه الغني الباقي؛ ثم سبب عنه ما أنهى إليه من الغاية ~~فقال: { فرآه } أي السيىء بسبب التزيين، { حسنا } أي فركبه، بما أشار ~~إليه إضافة العمل إليه، وطوى المشبه به وهو كمن أبصر الأمور على حقائقها ~~فاتبع الحسن واجتنب السيىء، لأن المقام يهدي إليه، وتعجيلا بكشف ما أشكل ~~على السامع من السبب الحامل على رؤية القبيح، مليحا بقوله مؤكدا ردا ~~على من ينسب إلى غير الله فعلا من خير أو شر: { فإن } أي السبب في رؤية ~~الأشياء على غير ما هي عليه إن { الله } أي الذي له الأمر كله { يضل من ~~يشاء } فلا يرى شيئا على ما هو به، فيقدم على الهلاك البين وهو يراه عين ~~النجاة { ويهدي من يشاء } فلا يشكل عليه أمر ولا يفعل ms3840 إلإ حسنا. # ولما كان المحب من يرضى بفعل حبيبه، سبب عن ذلك النهي لأكمل خلقه عن ~~الغم بسبب ضلالهم في قوله: { فلا } والأحسن أن يقدر المشبه به هنا فيكون ~~المعنى: أفمن غير فعل القبيح فاعتقده حسنا لأن الله أضله بسبب أن الله ~~هو المتصرف في القلوب كمن بصره الله بالحقائق؟ # ولما كان الجواب: لا، ليس هما سواء سبب عنه قولا: فلا { تذهب } أي ~~بالموت أو ما يقرب منه { نفسك عليهم } أي بسبب ما هو فيه من العمى عن ~~الجليات { حسرات } أي لأجل حسراتك المترادفة لأجل إعراضهم، جمع حسرة وهي ~~شدة الحزن على ما فات من الأمر. # ولما كان كأنه قيل: إنهم يؤذون أولياءك فيشتد أذاهم، وكان علم الولي ~~القادر بما يعمل عدوه كافيا في النصرة، قال: { إن الله } أي المحيط ~~بجميع أوصاف الكمال { عليم } أي بالغ العلم، وأكده تنبيها على أن المقام ~~صعب، ومن لم يثبت نفسه بغاية جهده زل لطول إملائه تعالى لهم وحلمه عنهم { ~~بما يصنعون * } أي مما مرنوا عليه وانطبعوا فيه من ذلك حتى صار لهم خلقا ~~يبعد كل البعد انفكاكهم عنه. # ولما أخبر تعالى أنه لا بد من إيجاد ما وعد به من البعث وغيره، وحذر كل ~~التحذير من التهاون بأمره، وأنكر التسوية بين المصدق به والمكذب، وكان ~~السبب في الضلال المميت للقلوب الهوى الذي يغشى سماء العقل ويعلوه بسحابه ~~المظلم فيحول بينه وبين النفوذ، وكان السبب في السحاب المغطي لسماء الأرض ~~المحيي لميت الحبوب الهوى، وكان الإتيان به في وقت دون آخر دالا على ~~القدرة بالاختيار، قال عاطفا على جملة { إن وعد الله حق } المبني على ~~النظر، وهو الإخراج من العدم مبينا لقدرته على ما وعد به: { والله } أي ~~الذي له صفات الكمال لا شيء غيره من طبيعة ولا غيرها { الذي } ولما كان ~~المراد الإيجاد من العدم، عبر بالماضي مسندا إليه لأنه الفاعل الحقيقي ~~فقال: { أرسل الرياح } أي أوجدها من العدم مضطربة فيها، أهلية الاضطراب ~~والسير ليصرفها كيف شاء لا ثابتة كالأرض، وأسكنها ما بين ms3841 الخافقين لصلاح ~~مكان الأرض. # ولما كانت إثارتها تتجدد كلما أراد أن يسقي أرضا، قال مسندا إلى ~~الرياح لأنها السبب، معبرا بالمضارع حكاية للحال لتستحضر تلك الصورة ~~البديعة الدالة على تمام القدرة، وهكذا تفعل العرب فيما فيه غرابة ~~تنبيها للسامع على ذلك وحثا له على تدبره وتصوره: { فتثير } أي ~~بتحريكه لها إذا أراد { سحابا } أي أنه أجرى سبحانه سنته أن تظهر حكمته ~~بالتدريج. # ولما كان المراد الاستدلال على القدرة على البعث، وكان التعبير بالمضارع ~~يرد التعنت، عبر بالمضارع. ولما كان سوق السحاب إلى بلد دون آخر وسقيه ~~لمكان دون مكان من العظمة بمكان، التفت على الغيبة وجعله في مظهر العظمة ~~فقال: { فسقناه } أي السحاب معبرا بالماضي تنبيها على أن كل سوق كان ~~بعد إثارتها في الماضي والمستقبل منه وحده أو بواسطة من أقامة لذلك من ~~جنده من الملائكة أو غيرهم، لا من غيره، ودل على أنه فرق بين البعد ~~والقرب بحرف الغاية فقال: { إلى بلد ميت }. # ولما كان السبب في الحياة هو السحاب بما ينشأ عنه من الماء قال: { ~~فأحيينا به الأرض } ولما كان المراد إرشادهم إلى القدرة على البعث الذي ~~هم به مكذبون، قال رافعا للمجاز بكل تقدير وموضحا كل الإيضاح للتصوير: ~~{ بعد موتها } ولما أوصل الأمر إلى غايته، زاد في التنبيه على نعمة ~~الإيجاد الثاني بقوله: { كذلك } أي مثل الإحياء لميت النبات { النشور * } ~~حسا للأموات، ومعنى للقلوب والنبات، قال القشيري: إذا أراد إحياء قلب ~~يرسل أولا رياح الرجاء، ويزعج بها كوامن الإرادة، ثم ينشىء فيه سحاب ~~الاهتياج، ولوعة الانزعاج، ثم يأتي مطر الحق فينبت في القلب أزهار البسط ~~وأنوار الروح، ويطيب لصاحبه العيش إلى أن تتم لطائف الإنس. ### || [35.10-12] # ولما قرر بهذا كله ما أثبته سابقا من عزته وحكمته وثبت أنه قادر على ~~النشور فثبت أن له العزة في الآخرة كما شوهد ذلك في الدنيا، وكانت منافسه ~~الناس لا سيما الكفرة في العزة فوق منافستهم في الحكمة، ومن نافس في ~~الحكمة فإنما ينافس فيها لاكتساب العزة، وكان الكفرة إنما ms3842 عبدوا الأوثان ~~ليعتزوا بها كما قال: # واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا # [مريم: 81] قال مستنتجا من ذلك: { من كان } أي في وقت من الأوقات { ~~يريد العزة } أي أن يكون محتاجا إليه غيره وهو غني عن غيره غالبا غير ~~مغلوب { فلله } أي وحده { العزة جميعا } أي فليطلبها منه ولا يطلبها من ~~غيره، فإنه لا شيء لغيره فيها, ومن طلب الشيء من غير صاحب خاب؛ قال ابن ~~الجوزي: وقد روي عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: # " إن ربكم يقول كل يوم: أنا العزيز فمن أرادة عزة الدارين فليطع العزيز ~~". # ولما رغب في اقتناص العزة بعد أن أخبر أنه لا شيء فيها لغيره، دل على ~~اختصاصه بها بشمول علمه وقدرته، وبين أنها إنما تنال بالحكمة فقال: { ~~إليه } أي لا إلى غيره { يصعد الكلم الطيب } أي الجاري على قوانين الشرع ~~عن نية حسنة وعقيدة صحيحة سواء كان سرا علنا لأنه عين الحكمة، فيعز ~~صاحبه ويثيبه. # ولما أعلى رتبة القول الحكيم، بين أن الفعل أعلى منه لأنه المقصود ~~بالذات، والقول وسيلة إليه، فقال دالا على علوه بتغيير السياق: { ~~والعمل الصالح يرفعه } هو سبحانه يتولى رفعه ولصاحبه عنده عز منيع ونعيم ~~مقيم، وعمله يفوز، قال الرازي في اللوامع: العلم إنما يتم العمل كما قيل: ~~العلم يهتف بالعمل، فإن أجاب وإلا ارتحل - انتهى، وقد قيل: # لا ترض من رجل حلاوة قوله # حتى يصدق ما يقول فعال # فإذا وزنت مقاله بفعاله # فتوازنا فإخاء ذاك جمال # ولما بين ما يحصل العزة من الحكمة، بين ما يكسب الذلة ويوجب النقمة من ~~رديء الهمة فقال: { والذين يمكرون } أي يعملون على وجه الستر المكرات { ~~السيئات } أي يسترون قصودهم بها ليوقعوها بغتة { لهم عذاب شديد } كما ~~أرادوا بغيرهم ذلك، ولا يصعد مكرهم إليه بنفسه ولا يرفعه هو، لأنه ليس ~~فيه أهلية ذلك لمنافاته الحكمة. ولما كان ما ذكر من مكرهم موجبا لتعرف ~~حاله هل أفادهم شيئا؟ أخبر أنه أهلكه بعزته ودمره بحكمته فقال: { ومكر ms3843 ~~أولئك } أي البعداء من الفلاح { هو } أي وحده دون مكر من يريد بمكره ~~الخير فإن الله ينفذه ويعلي أمره ويجعل له العاقبة تحقيقا لقوله تعالى: # ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين # [الأنفال: 30] كما أخرجكم أيها الأولياء من بيوتكم لأجل العير فأخرج ~~الأعداد من بيوتهم فوضعهم في قليب بدر { يبور * } أي يكسد ويفسد ويهلك، ~~فدل ذلك على شمول علمه للخير والشر من القول والفعل الخفي والجلي وتمام ~~قدرته، وذلك معنى العزة، والآية من الاحتباك: حذف ما لصاحب العمل الصالح ~~ودل عليه بذكر ما لعامل السيىء, وحذف وضعه المكر السيىء ودل عليه برفعه ~~للعمل الصالح. # ولما ذكر سبحانه ما صيرهم إليه من المفاوتة في الأخلاق، أتبعه ما كانوا ~~عليه من الوحدة في جنس الأصل، وأصله التراب المسلول منه الماء بعد تخميره ~~فيه وإن اختلفت أصنافه فقال مبينا لبعض آيات الأنفس عاطفا على ما عطف ~~عليه { والله الذي أرسل الرياح } الذي هو من آيات الآفاق، منبها على أنه ~~قادر على التمييز بعد شديد المزج وأنه قدر كل شيء من الأرزاق والآجال ~~والمصائب والأفراح، فلا ثمرة للمكر إلا ما يلحق الماكر من الحرج والعقوبة ~~من الله والضرر: { والله } أي الذي له جميع صفات الكمال؛ ولما لم يدع ~~حاجة إلى الحصر قال: { خلقكم من تراب } أي مثلي وإن اختلفت أصنافه بتكوين ~~أبيكم منه فمزجه مزجا لا يمكن لغيره تمييزه، ثم أحاله عن ذلك الجوهر ~~أصلا ورأسا، وإليه الإشارة بقوله: { ثم } أي بعد ذلك من الزمان والرتبة ~~خلقكم { من نطفة } أي جعلها أصلا ثانيا مثليا من ذلك الأصل الترابي ~~أشد امتزاجا منه ثم بعد إنهاء التدبير زمانا ورتبة إلى النطفة التي لا ~~مناسبة بينها وبين التراب دلالة على كمال القدرة والفعل بالاختيار { ثم ~~جعلكم أزواجا } بين ذكور وإناث، دلالة هي أظهر مما قبلها على الاختيار ~~وكذب أهل الطبائع، وعلى البعث بتمييز ما يصلح من التراب للذكورة ~~والأنوثة. # ولما كان الحمل أيضا مكذبا لأهل الطبائع بأنه لا يكون من كل جماع، ~~أشار إليه بقوله مؤكدا ردا عليهم ms3844 إعلاما بأن ذلك إنما هو بقدرته: { ~~وما تحمل } أي في البطن بالحبل { من أنثى } دالا بالجار على كمال ~~الاستغراق. ولما كان الوضع أيضا كذلك بأنه لا يتم كلما حمل به قال: { ~~ولا تضع } أي حملا { إلا } مصحوبا { بعلمه } في وقته ونوعه وشكله وغير ~~ذلك من شأنه مختصا بذلك كله حتى عن أمه التي هي أقرب إليه، فلا يكون إلا ~~بقدرته، فما شاء أتمه، وما شاء أخرجه. # ولما كان ما بعد الولادة أيضا دالا على الاختيار لتفاضلهم في الأعمار ~~مع تماثلهم في الحقيقة، دل عليه بقوله دالا بالبناء للمفعول على سهولة ~~الأمر عليه سبحانه، وأن التعمير والنقص هو المقصود بالإسناد: { وما يعمر ~~من معمر } أي يزاد في عمر من طال عمره أي صار إلى طول العمر بالفعل حسا، ~~قال قتادة: ستين، أو معنى بزيادة الفاعل المختار زيادة لولاها لكان عمره ~~أقصر مما وصل إليه { ولا بنقص من عمره } أي المعمر بالقوة وهو الذي كان ~~قابلا في العادة لطول العمر فلم يعمر بنقص الفاعل المختار نقصا لولاه ~~لطال عمره، فالمعمر المذكور المراد به الفعل، والذي عاد إليه الضمير ~~المعمر بالقوة فهو من بديع الاستخدام، ولو كان التعبير بأحد لما صح هذا ~~المعنى، وقراءة يعقوب بخلاف عن رويس بفتح الياء وضم القاف بالبناء للفاعل ~~تشير إلى أن قصر العمر أكثر. # ولما كان في سياق العلم وكان أضبطه في مجاري عاداتنا ما كتب قال: { إلا ~~في كتاب } مكتوب فيه " عمر فلان كذا وعمر فلان كذا وكذا، عمر فلان كذا إن ~~عمل كذا وعمره كذا أزيد أو أنقص إن لم يعمله ". # ولما كان ذلك أمرا لا يحيط به العد، ولا يحصره الحد، فكان في عداد ما ~~ينكره الجهلة، قال مؤكدا لسهولته: { إن ذلك } أي الأمر العظيم من كتب ~~الآجال كلها وتقديرها والإحاطة بها على التفصيل { على الله } أي الذي له ~~جميع العزة فهو يغلب كل ما يريده، خاصة { يسير * } # ولما ذكر سبحانه أحد أصليهم: التراب المختلف الأصناف، ذكر الأصل الآخر: ~~الماء الذي هو أشد امتزاجا ms3845 من التراب، ذاكرا اختلاف صنفية اللذين ~~يتفرعان إلى أصناف كثيرة، منبها على فعله بالاختيار ومنكرا على من سوى ~~بينه سبحانه وبين شيء حتى أشركه به مع المباعدة التي لا شيء بعدها والحال ~~أنه يفرق بين هذه الأشياء المحسوسة لمباعدة ما فقال: { وما يستوي البحران ~~} ولما كانت الألف واللام للعهد، بينه بقوله مشيرا إلى الحلو: { هذا ~~عذب } أي طيب حلو لذيذ ملائم للطبع { فرات } أي بالغ العذوبة { سائغ ~~شرابه } أي هنيء مريء بحيث إذا شرب جاز في الحلق ولم يتوقف بل يسهل ~~إدخاله فيه وابتلاعه لما له من اللذة والملاءمة للطبع { وهذا ملح أجاج } ~~أي جمع إلى الملوحة المرارة، فلا يسوغ شرابه، بل لو شرب لآلم الحلق وأجج ~~في البطن ما هو كالنار، والمراد أمه ميزهما سبحانه بعد جمعهما في ظاهر ~~الأرض وباطنها، ولم يدع أحدهما يبغي على الآخر، بل إذا حفر عل جانب البحر ~~الملح ظهر الماء عذبا فراتا على مقدار صلاح الأرض وفسادها. # ولما كان الملح متعذرا على الآدمي شربه، ذكر أنه خلق فيه ما حياته به ~~مساويا في ذلك للعذب فقال: { ومن كل } أي من الملح والعذب { تأكلون } من ~~السمك المنوع إلى أنواع تفوت الحصر وغير السمك { لحما طريا } أي شهي ~~المطعم، ولم يضر ما بالملح ما تعرفون من أصله ولا زلد في لذة ما بالحلو ~~ملاءمته لكم. ولما ذكر من متاعه ما هو غاية في اللين، أتبعه من ذلك ما هو ~~غاية في الصلابة فقال: { وتستخرجون } أي تطلبون أن تخرجوا من الملح دون ~~العذب وتوجدون ذلك للإخراج، قال البغوي: وقيل: نسب اللؤلؤ إليهما لأنه قد ~~يكون في البحر الملح عيون عذبة تمتزج به فيكون اللؤلؤ من ذلك. # { حلية تلبسونها } أي نساؤكم من الجواهر: الدر والمرجان وغيرهما، فما ~~قضى برخاوة ذلك وصلابة هذا مع تولدهما منه إلا الفاعل المختار. # ولما كان الأكل والاستخراج من المنافع العامة عم بالخطاب، ولما كان ~~استقرار شيء في البحر دون غرق أمرا غريبا، لكنه صار لشدة إلفه لا يقوم ~~بإدراك أنه من أكبر ms3846 الايات دلالة على القادر المختار إلا أهل البصائر، خص ~~بالخطاب فقال: { وترى الفلك } أي السفن تسمى فلكا لدورانه وسفينة لقشره ~~الماء، وقدم الظرف لأنه أشد دلالة على ذلك فقال: { فيه } أي كل منهما ~~غاطسة إلا قليلا منها. # ولما تم الكلام، ذكر حالها المعلل بالابتغاء فقال: { مواخر } أي جواري ~~مستدبرة الريح شاقة للماء خارقة للهواء بصدرها هذه مقبلة وهذه مدبرة ~~وجهها إلى ظهر هذه بريح واحدة؛ قال البخاري في باب التجارة في البحر: ~~وقال مجاهد: تمخر السفن الريح، ولا تمخر الريح من السفن إلا الفلك ~~العظام؛ وقال صاحب القاموس: مخرت السفينة كمنع مخرا ومخورا: جرت أو ~~استقبلت الريح في جريتها، والفلك المواخر التي يسمع صوت جريها أو تشق ~~الماء بجآجئها أو المقبلة والمدبرة بريح واحدة، وفي الحديث: إذ أراد ~~أحدكم البول فليتمخر الريح، وفي لفظ: استمخروا الريح، أي اجعلو ظهوركم ~~إلى الريح فإنه إذا ولاها شقها بظهره فأخذت عن يمينه ويساره، وقد يكون ~~استقبالها تمخرا غير أنه في الحديث استدبار - انتهى كلام القاموس. ثم ~~علق بالمخر معللا قوله: { لتبتغوا } أي تطلبوا طلبا شديدا. ولما تقدم ~~الاسم الأعظم في الآية قبلها، أعاد الضمير عليه ليعلم شدة ارتباط هذه ~~الآية بالتي قبلها فقال: { من فضله } أي الله بالتوصل بذلك إلى البلاد ~~الشاسعة للمتاجر وغيرها ولو جعلها ساكنة لم يترتب عليها ذلك، وفي سورة ~~الجاثية ما ينفع هنا { ولعلكم تشكرون * } أي ولتكون حالكم بهذه النعم ~~الدالة على عظيم قدرة الله ولطفه حال من يرجى شكره. ### || [35.13-17] # ولما ذكر سبحانه اختلاف الذوات الدال على بديع صنعه، أتبعه تغييره ~~المعاني آية على بليغ قدرته، فقال في موضع الحال من فاعل " خلقكم " إشارة ~~إلى أن الله تعالى صور آدم حين خلق الأرض قبل أن يكون ليل أو نهار ثم نفخ ~~فيه الروح آخر يوم الجمعة بعد أن خلق النور يوم الأربعاء، فلم يأت على ~~الإنسان حين من الدهر وهو مقدار حركة الفلك إلا وهو شيء مذكور: { يولج } ~~أي يدخل على سبيل الجولان { اليل في النهار } فيصير الظلام ms3847 ضياء. # ولما كان هذا الفعل في غاية الإعجاب، وكان لكثرة تكراره قد صار مألوفا ~~فغفل عما فيه من الدلالة على تمام القدرة: نبه عليه بإعادة الفعل فقال: { ~~ويولج النهار في اليل } فيصير ما كان ضياء ظلاما، وتارة يكون التوالج ~~بقصر هذا وطول هذا، فدل كل ذلك على أنه تعالى فاعل بالاختيار. # ولما ذكر الملوين ذكر ما ينشأ عنهما فقال: { وسخر الشمس والقمر } ثم ~~استأنف قوله: { كل } أي منهم { يجري } ولما كان مقصود السورة تمام ~~القدرة، والسياق هنا لقسر المتنافرات على ما يزيد، ولذلك ختم الآية ~~بالملك الناظر إلى القسر والقهر لم يصلح لهذا الموضع حرف الغاية فقال: { ~~لأجل } أي لأجل أجل { مسمى } مضروب له لا يقدر أن يتعداه، فإذا جاء ذلك ~~الأجل غرب، هكذا كل يوم إلى أن يأتي الأجل الأعظم، فيختل جميع هذا النظام ~~بأمر الملك العلام، ويقيم الناس ليوم الزحام، وتكون الأمور العظام. # ولما دل سبحانه على أنه الفاعل المختار القادر على كل ما يريد بما ~~يشاهده كل أحد في نفسه وفي غيره، وختم بما تتكرر مشاهدته في كل يوم ~~مرتين، أنتج ذلك قطعا قوله معظما بأداة البعد وميم الجمع: { ذلكم } أي ~~العالي المقدار الذي فعل هذه الأفعال كلها { الله } أي الذي له صفة كمال؛ ~~ثم نبههم على أنه لا مدبر لهو سواه بخبر آخر بقوله: { ربكم } أي الموجد ~~لكم من العدم المربي بجميع النعم لا رب لكم سواه؛ ثم استأنف قوله: { له } ~~أي وحده { الملك } أي كله وهو مالك كل شيء { والذين تدعون } أي دعاء ~~عبادة، ثم بين منزلتهم بقوله: { من دونه } أي من الأصنام وغيرها وكل شيء ~~فهو دونه سبحانه { ما يملكون } أي في هذا الحال الذي تدعونهم فيه وكل حال ~~يصح أن يقال فيه لكم هذا الكلام؛ وأغرق في النفي فقال: { من قطمير * } ~~وهو كما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما: لفافة النواة، وهي القشرة ~~الرقيقة الملتفة عليها، كناية عن أدنى الأشياء، فكيف بما فوقه وليس لهم ~~شيء من الملك، فالآية من الاحتباك: ذكر ms3848 الملك أولا دليلا على حذفه ~~ثانيا، والملك ثانيا دليلا على حذفه أولا؛ ثم بين ذلك بقوله: { إن ~~تدعوهم } أي المعبودات من دونه دعاء عبادة او استغاثة { لا يسمعوا } أي ~~بحس السمع في وقت من الأوقات { دعاءكم } لأنهم جماد { ولو سمعوا } في ~~المستقبل { ما استجابوا لكم } لأنهم إذ ذاك يعلمون أن إجابتكم لا ترضي ~~الله، وهم مما أبى أن يحمل الأمانة ويخون فيها بالعمل بغير ما يرضي الله ~~سبحانه، أو يكون المعنى: ولو فرض أنه يوجد لهم سمع، أو ولو كانوا سامعين ~~- ليدخل فيه من عبد من الأحياء - ما لزم من السماع إجابة، لأنه لا ملازمة ~~بين السمع والنطق، ولا بين السمع والنطق مع القدرة على ما يراد من ~~السامع، فإن البهائم تسمع وتجيب، والمجيبون غيره يجيبون ولا قدرة لهم على ~~أكثر ما يطلب منهم. # ولما ذكر ما هو على سبيل الفرض، ذكر ما يصير إليه بينهم وبينهم الأمر ~~فقال: { ويوم القيامة } أي حين ينطقهم الله { يكفرون بشرككم } أي ينكرونه ~~ويتبرؤون منه. ولما كان التقدير: قد أنبأكم بذلك الخبير، وكانوا لا يقرون ~~بذلك ولا يفهمونه حق فهمه ولا يعملون به، صرف الخطاب عنهم إلى من له ~~الفهم التام والطاعة الكاملة، فقال عاطفا على هذا الذي هدى إلى تقديره ~~السياق: { ولا ينبئك } أي إنباء بليغا عظيما على هذا الوجه بشيء من ~~الأشياء، { مثل خبير * } أي بالغ الخبر، فلا يمكن الطعن في شيء مما أخبر ~~به، وأما غيره فلا يخبر خبرا إلا يوجه إليه نقص. # ولما اختص سبحانه بالملك ونفى عن شركائهم النفع، أنتج ذلك قوله: { يا ~~أيها الناس } أي كافة { أنتم } أي خاصة { الفقراء } أي لأنكم لاتساع ~~معارفكم وسريان أفكاركم وانتشار عقولكم تكثر نوازغكم وتتفرق دواعيكم ~~فيعظم احتياجكم لشدة ضعفكم وعجزكم عظما يعد معه احتياج غيركم عدما، ولو ~~نكر الخبر لم يفد هذا المعنى { إلى الله } أي الذي له جميع الملك؛ قال ~~القشيري: والفقر على ضربين: فقر خلقة، وفقر صفة، فالأول عام فكل حادث ~~مفتقر إلى خالقه في أول حال وجوده ليبديه ms3849 وينشيه، وفي ثانية ليديمه ~~ويبقيه، وأما فقر الصفة فهو التجرد، ففقر العوام التجرد من المال، وفقر ~~الخواص التجرد من الإعلال، فحقيقة الفقر المحمود تجرد السر عن المعلولات. # ولما ذكر العبد بوصفه الحقيقي، أتبعه ذكر الخالق باسمه الأعظم على قرب ~~العهد بذكر الإشارة إلى الجهة التي بها وصف بما يذكر، وهي الإحاطة بأوصاف ~~الكمال فقال: { والله هو } أي وحده { الغني } أي الذي لا يتصور أن يحتاج ~~لا إليكم ولا إلى عبادتكم ولا إلى شيء أصلا. ولما كان الغنى من الخلق لا ~~يسع غناه من يقصده، وإن وسعهم لم يسعهم عطاؤه لخوف الفقر أو لغير ذلك من ~~العوارض، ولا يمكنه عموم النعمة في شيء من الأشياء فلا ينفعك من نوع ذم، ~~وكان الحمد كما قال الحرالي في شرح الأسماء: حسن الكلية بانتهاء كل أمر ~~وجزء، وبعض منها إلى غاية تمامه، فمتى نقص جزء من كل عن غاية تمامه لم ~~يكن ذلك الكل محمودا، ولم يكن قائمه حميدا، وكان الله قد خلق كل شيء ~~كما ينبغي، لم يعجل شيئا عن إناه وقدره، وكان الذم استنقاضا يلحق بعض ~~الأجزاء عند من لم يرها في كلها ولا رأى كلها، فكان الذم لذلك لا يقع إلا ~~متقيدا متى أخذ مقتطعا من كل، والحمد لا يقع إلا في كل لم يخرج عنه ~~شيء, فلا حمد في بعض ولا ذم في كل, ولا حمد إلا في كل، ولذلك قال ~~الغزالي: الحميد من العباد من حمدت عوائده وأخلاقه وأعماله كلها من غير ~~مثنوية. # وكان سبحانه قد أفاض نعمه على خلقه، وأسبغها ظاهرة وباطنة، وجعل لهم ~~قدرة على تناولها. لا يعوق عنه إلا قدرته { وما كان عطاء ربك محظورا } ~~وكان لا ينقص ما عنده، كان إعطاؤه حمدا ومنعه حمدا، لأنه لا يكون ~~مانعا لغرض بل لحكمة تدق عن الأفكار فقال: { الحميد * } أي كل شيء ~~بنعمته عنده والمستحق للحمد بذاته، فأنتج ذلك قطعا تهديدا لمن عصاه ~~وتحذيرا شديدا: { إن يشأ يذهبكم } أي جميعا { ويأت بخلق جديد * } أي ~~غيركم لأنه على كل ms3850 شيء قدير { وما ذلك } أي الأمر العظيم من الإذهاب ~~والإتيان { على الله } المحيط بجميع صفات الكمال خاصة { بعزيز * } أي ~~بممتنع ولا شاق، وهو محمود عند الإعدام كما هو محمود عند الإيجاد. ### || [35.18-20] # ولما أنهى سبحانه بيان الحق بالدلائل القاطعة والبراهين الساطعة ~~بالتهديد بالأخذ، وكان الأخذ على وجه التهديد عقابا، وكان العقاب لا ~~يكون حكمه إلا عند الذنب، قال دالا على أنه لا ينفك أحد عما يستحق به ~~العقاب: { ولا } أي يذهبكم عقوبة لكم بأوزاركم وقدرة عليكم والحال أنه لا ~~{ تزر } أي تحمل يوم القيامة أو عند الإذهاب، ولما لم تكن نفس متأهلة ~~للحمل تخلو من وزر تحمله، والمعصوم من عصم الله، قال: { وازرة } دون نفس، ~~أي لا تحمل حاملة من جهة الإثم { وزر } أي حمل وثقل { أخرى } لتعذب به، ~~بل كان واحد منكم له مما كسبت يداه ما ثقوم به عليه الحجة في الأخذ ~~مباشرة وتسببا مع تفاوتكم في الوزر، ولا يحمل أحد إلا ما اقترفه هو، لا ~~تؤخذ نفس بذنب أخرى الذي يخصها كما تفعل جبابرة الدنيا. # ولما أثبت أنه لا يؤخذ أحد إلا بوزر، ونفى أن يحمل أحد وزر غيره، وكان ~~ربما أوهم أن ذلك خاص ببعض الأحوال أو الأشخاص، وكان عظم الوزر يوجب عظم ~~الأخذ، نفى ذلك الإيهام ودل القدرة على المفاوتة بينهم في الأجر وإن كان ~~أخذهم في آن واحد بقوله: { وإن تدع } أي نفس { مثقلة } أي بالذنوب سواء ~~كانت كفرا أو غيره، أحدا { إلى حملها } أي الخاص بها من الذنوب التي ~~ليست على غيرها بمباشرة ولا تسبب ليخفف عنها فيخفف العذاب بسبب خفته { لا ~~يحمل } أي من حامل ما { منه شيء } أي لا طواعية ولا كرها. بل لكل امرئ ~~شأن يغنيه أصلا وتسببا { ولو كان } ذلك الداعي أو المدعو للحمل { ذا ~~قربى } لمن دعاه، وحاصل الأولى أنه لا يهلك أحد بذنب غيره بل بذنب نفسه، ~~والثانية أنه لا يحط عن أحد ذنبه ليسلم. # ولما كان هذا أمرا - مع كونه جليا - خالعا للقلوب، فكان بحيث يشتد ms3851 ~~تعجب السامع ممن يسمعه ولا يخشى، فقال مزيلا لهذا العجب على سبيل ~~النتيجة: { إنما تنذر } أي إنذارا يفيد الرجوع عن الغي، فلاختصاصهم ~~بالنفع كانوا كأنهم مختصون بالإنذار، وهو كما قال القشيري: الإعلام بموضع ~~المخافة. { الذين يخشون } أي يوقعون هذا الفعل في الحال ويواظبون عليه في ~~الاستقبال. ولما كان أعقل الناس من خاف المحسن لان أقل عقابة قطع إحسانه ~~قال: { ربهم }. # ولما كان أوفى الناس عقلا وأعلاهم همة وأكرمهم عنصرا من كانت غيبته ~~مثل حضوره، وكان لا يحتاج - مع قول الداعي وما يظهر له من سمته وحسن قوله ~~وفعله - إلى آية يظهرها ولا خارقة يبرزها، وإنما إيمانه تصديقا للداعي ~~في إخباره بالأمر المغيب من غير كشف غطاء قال: { بالغيب } أي حال كونهم ~~غائبين عما دعوا إليه وخوفوا به، أو حال كونه غائبا عنهم أو غائبين عمن ~~يمكن مراءاته، فهم مخلصون في خشيتهم سواء بحيث لا يطلع عليهم إلا الله، ~~ولا نعلم أحدا وازى خديجة والصديق رضي الله عنهما في ذلك. # ولما كانت الصلاة جامعة لخضوع الظاهر والباطن، فكانت أشرف العبادات، ~~وكانت إقامتها بمعنى حفظ جميع حدودها في كل حال أدل الطاعات على الإخلاص، ~~قال معبرا بالماضي لأن مواقيت الصلاة مضبوطة: { وأقاموا } أي دليلا على ~~خشيتهم { الصلاة } في أوقاتها الخمسة وما يتبع ذلك من السنن. # ولما كان التقدير: فمن كان على غير ذلك تدسى، ومن كان على هذا فقد تزكى، ~~ومن تدسى فإنما يتدسى على نفسه، عطف عليه قوله، مشيرا بأداة التفعل إلى ~~أن النفس أميل شيء إلى الدنس، فلا تنقاد إلى أحسن تقويم إلا باجتهاد ~~عظيم. { ومن تزكى } أي تطهر وتكثر بهذه المحاسن. ولما كان الإنسان ~~ليفيده بالأسباب القريبة قد يغفل عن أن هذا نفع له وخاص به أكده فقال: { ~~فإنما يتزكى لنفسه } فإنه لا يضر ولا ينفع في الحقيقة غيرها { وإلى الله ~~} الذي يكشف عن جميع صفاته أتم كشف تحتمله العقول يوم البعث لا إلى غيره ~~{ المصير * } كما كان منه المبدأ فيجازي كلا على فعله فينصف بينك وبين ~~من خشي ms3852 ربه بإنذارك ومن أعرض عن ذلك. # ولما كان التقدير: فما يستوي في الطبع والعقل المتدسي الذي هو أعمى ~~بعصيانه في الظلمات ولا المتزكي الذي هو بطاعاته بصير في النور وإن ~~استويا في الإنسانية، عطف عليه ما يصلح أمثلة للمتدسي والمتزكي وما يكون ~~به التدسية والتزكية، دلالة على تمام قدرته الذي السياق له من أول ~~السورة، وتقريرا لأن الخشية والقسوة بيده إبطالا لقول من يسند الأمور ~~إلى الطبائع قوله: { وما يستوي } أي في حالة من الأحوال. ولما كان المقام ~~لوعظ المشركين، وكان المتدسي قبل المتزكي على ما قرر قبله، ناسب أن ينظم ~~على هذا الترتيب قوله مثالا للكافر والمؤمن والجاهل والعالم، وقدم مثال ~~الجاهل لأن الأصل عن الإرسال الجهل: { الأعمى والبصير * } أي لا الصنفان ~~ولا أفرادهما ولا أفراد صنف منهما، وأغنى عن إعادة النافي ظهور المفاوتة ~~بين أفراد كل صنف من الصنفين، فالمعنى أن الناس غير مستوين في العمى ~~والبصر بل بعضهم أعمى وبعضهم بصير، لأن افتعل هنا لمعنى تفاعل، ولعله عبر ~~به دلالة على النفي ولو وقع اجتهاد في أن لا يقع، أو دلالة على أن المنفي ~~إنما هو التساوي من كل جهة، لا في أصل المعنى ولو كان ذلك مستندا إلى ~~الطبع لكانوا على منهاج واحد بل وأفراد كل متفاوتون فتجد بعض العمى يمشي ~~بلا قائد في الأزقة المشكلة، وآخر لا يقدر على المشي في بيته إلا بقائد، ~~وآخر يدرك من الكتاب إذا جسه كم مسطرته من سطر، وهل خطه حسن أو لا، وآخر ~~يدرك الدرهم الزيف من غيره، ويميز ضرب كل بلد من غيره، وربما نازعه أحد ~~مغالطة فلا يقبل التشكيك، وآخر في غاية البعد عن ذلك، وأما البصراء ~~فالأمر فيهم واضح في المفاوتة في أبصارهم وبصائرهم، وكل ذلك دليل واضح ~~على أن الفاعل قادر مختار يزيد في الخلق ما يشاء، وإلا لتساوت الأفراد ~~فكانوا على منهاج واحد. # ولما كان هذا من أغرب الأمور وإن غفل عنه لكثرة إلفه، نبه على غرابته ~~ومزيد ظهور القدرة فيه بتكرير النافي ms3853 في أشباهه وعلى أن الصبر لا ينفذ ~~إلا في الظلمة، تنبيها على أن المعاصي تظلم قلب المؤمن وإن كان بصيرا، ~~وقدم الظلمة لأنها أشد إظهارا لتفاوت البصر مع المناسبة للسياق على ما ~~قرر، فقال في عطف الزوج على الزوج وعطف الفرد على الفرد جامعا تنبيها ~~على أن طرق الضلال يتعذر حصرها: { ولا الظلمات } التي هي مثال للأباطيل؛ ~~وأكد بتكرير النافي كالذي قبله لأن المفاوتة بين أفراد الظلمة وأفراد ~~النور خفية، فقال منبها على أن طريق الحق واحدة تكذيبا لمن قال من ~~الزنادقة: الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق: { ولا النور * } الذي هو ~~مثال للحق، فما أبدعهما على هذا التضاد إلا الله تعالى الفاعل المختار، ~~وفاوت بين أفراد النور وأفراد الظلمة، فما يشبه نور الشمس نور القمر ولا ~~شيء منهما نور غيرهما من النجوم ولا شيء من ذلك نور السراج - إلى غير ذلك ~~من الأنوار، وإذا اعتبرت أفراد الظلمات وجدتها كذلك، فإن الظلمات إنما هي ~~ظلال، وبعض الظلال أكثف من بعض. ### || [35.21-26] # ولما كان الظلام ينشأ عن الظلال، وهو نسخ النور، قدمه فقال مقدما مثال ~~الخير لأن الرحمة سبقت الغضب: { ولا الظل } أي ببرده الذي هو مرجع المؤمن ~~في الآخرة { ولا الحرور * } أي بوهجها، وهي مرجع الكافر، قال البغوي: قال ~~ابن عباس رضي الله عنهما: هي الريح الحارة بالليل، وكذا قال في القاموس ~~وزاد: وقد يكون بالنهار وحر الشمس والحر الدائم والنار، فانتفى حكم ~~الطبائع قطعا. # ولما كان المظهر لذلك كله الحياة، قدمها فقال مثالا آخر للمؤمنين، ~~ولذلك أعاد الفعل وهو فوق التمثيل بالأعمى والبصير، لأن الأعمى يشارك ~~البصير في بعض الإدراكات، وصار للمؤمن والكافر مثالان ليفيد الأول نفي ~~استواء الجنس بالجنس مع القبول للحكم على الأفراد، والثاني بالعكس وهو ~~للنفي في الأفراد مع القبول للجنس: { وما يستوي الأحياء } أي لأنه منهم ~~الناطق والأعجم، والذكي والغبي، والسهل والصعب، فلا يكاد يتساوى حيان في ~~جميع الخلال { ولا الأموات } أي الذين هم مثال للكافرين في صعوبة الموت ~~وسهولته والبلى وغيره مما يخفى ولا ms3854 يقر به الكفار من الشقاوة والسعادة. # ولما كان ما ذكر على هذا الوجه - من وضوح الدلالة على الفعل بالاختيار ~~وعلى ضلال من أشرك به شيئا لأنه لا يشابهه شيء - بمكان ليس معه خفاء، ~~ومن الإحكام بحيث لا يدانيه كلام يعجب السامع ممن يأباه، فقال مزيلا ~~عجبه مقررا أن الخشية والقسوة إنما هما بيده، وأن الإنذار إنما هو لمن ~~قضى بانتفاعه، مسليا لنبيه صلى الله عليه وسلم، مؤكدا ردا على من يرى ~~لغيره سبحانه فعلا من خير أو شر: { إن الله } أي القادر على المفاوتة ~~بين هذه الأشياء وعلى كل شيء بما له من الإحاطة بصفات الكمال، وعبر ~~بالفعل إشارة إلى القدرة على ذلك في كل وقت أراده سبحانه فقال: { يسمع من ~~يشاء } أي فيهديه ولو لم يكن له قابلية في العادة كالجمادات، ويصم ومن ~~يشاء فيعميه وينكسه ويرديه من أحياء القلوب والأرواح، وأموات المعاني ~~والأشباح، والمعنى أن إسماعهم لو كان مستندا إلى الطبائع لاستووا إما ~~بالإجابة أو الإعراض لأن نسبة الدعوة وإظهار المعجزة إليهم على حد سواء، ~~فالآية تقرير آية { إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب }. # ولما كان المعرض قد ساوى الميت في حاله التي هي عدم الانتفاع بما يرى ~~ويسمع من الخوارق، فكان كأنه ميت، قال معبرا بالأسمية تنبيها على عدم ~~إثبات ذلك له صلى الله عليه وسلم: { وما أنت } أي بنفسك من غير إقدار ~~الله لك، وأعرق في النفي فقال: { بمسمع } أي بوجه من الوجوه { من في ~~القبور * } أي الحسية والمعنوية، إسماعا ينفعهم بل الله يسمعهم إن شاء ~~فلا تذهب نفسك عليهم حسرات، والآية دليل على البعث. # ولما كان هذا خاصة الإله، أشار إلى نفيه عنه مقتصرا على وصف النذارة، ~~إشارة إلى أن أغلب الخلق موتى القلوب، فقال مؤكدا للرد على من يظن أن ~~النذير يقدر على هداية أو غيرها إلا بإقداره { إن } أي ما { أنت إلا نذير ~~* } أي تنبه القلوب الميتة بقوارع الإنذار، ولست بوكيل يقهرهم على ~~الإيمان. # ولما كان صلى الله عليه وسلم نبي الرحمة، وكان ms3855 الاقتصار على هذا الوصف ~~ربما أوهم غير ذلك، أتبعه قوله بيانا لعظمته صلى الله عليه وسلم ~~بالالتفات إلى مظهر العظمة لأن عظمة الرسول من عظمة المرسل فنذارته رحمة: ~~{ إنا } أي بما لنا من العظمة { أرسلناك } أي إلى هذه الأمة إرسالا ~~مصحوبا { بالحق } أي الأمر الكامل في الثبات الذي يطابقه الواقع، فإن من ~~نظر إلى كثرة ما أوتيته من الدلائل علم مطابقة الواقع لما تأمر به، ~~والتقدير بالمصدر يفهم أن الرسالة حق، وكلا من المرسل والرسول محق { ~~بشيرا } أي لمن أطاع { ونذيرا } أي لمن عصى، والعطف بالواو للدلالة على ~~العراقة في كل من الصفتين. # ولما كان مما يسهل القياد ويضعف الجماح التأسية، قال مؤكدا دفعا ~~لاستبعاد الإرسال إلى جميع الأمم: { وإن } أي والحال أنه ما { من أمة } ~~من الأمم الماضية { إلا خلا فيها نذير * } أرسلناه إليهم بشيرا ونذيرا ~~إما بنفسه وإما بما أبقى في أعقابهم من شرائعه من أقواله وأفعاله ورسومه ~~مع ما لهم من العقول الشاهدة بذلك، والنذارة دالة على البشارة، واقتصر ~~عليها لأنها هي التي تقع بها التسلية لما فيها من المشقة، ولأن من ~~الأنبياء الماضين عليهم السلام من تمحضت دعوته للنذارة لأنه لم ينتفع أحد ~~ببشارته لعدم اتباع أحد منهم له. # ولما كان صلى الله عليه وسلم شديد الأسف على إبائهم رحمة لهم وخوفا من ~~أن يكون ذلك لتقصير في حاله، وكان التقدير: فإن يصدقوك فهو حظهم في ~~الدنيا والآخرة، عطف عليه تأسية له وتسلية قوله: { وإن يكذبوك فقد } أي ~~فتسل لأنه قد { كذب الذين } ولما كان المكذبون بعض الناس، فلزم لذلك أن ~~يكونوا في بعض الزمان، دل على ذلك بالجار فقال: { من قبلهم } أي ما أتتهم ~~به رسلهم عن الله. # ولما كان قبول الرسل لما جاءهم عن الله ونفى التقصير في الإبلاغ عنهم ~~دالا على علو شأنهم وسفول أمر المكذبين من الأمم، وكل ذلك دالا على ~~تمام قدرة الله تعالى في المفاوتة بين الخلق، قال دالا على أمري العلو ~~والسفول استئنافا جوابا لمن كأنه قال: هل كان ms3856 تكذيبهم عنادا او لنقص ~~في البيان: { جاءتهم } أي الأمم الخالية { رسلهم بالبينات } أي الآيات ~~الواضحات في الدلالة على صحة الرسالة. ولما كان التصديق بالكتاب لازما ~~لكل من بلغه أمره، وكانت نسبة التكذيب إلى جميع الأمم أمرا معجبا، كان ~~الأمر حريا بالتأكيد لئلا يظن أنهم ما كذبوا إلا لعدم الكتاب، فأكد ~~بإعادة الجار فقال: { وبالزبر } أي الأمور المكتوبة من الصحف ونحوها من ~~السنن والأسرار { وبالكتاب } أي جنس الكتاب كالتوراة والإنجيل { المنير * ~~} أي الواضح في نفسه الموضح لطريق الخير والشر كما أنك أتيت قومك بمثل ~~ذلك وإن كان طريقك أوضح وأظهر، وكتابك أنور وأبهر وأظهر وأشهر. # ولما سلاه، هدد من خالفه وعصاه بما فعل في تلك الأمم فقال، صارفا القول ~~إلى الإفراد دفعا لكل لبس، مشيرا بأداة التراخي إلى أن طول الإمهال ~~ينبغي أن يكون سببا للإنابة لا للاغترار بظن الإهمال: { ثم أخذت } أي ~~بأنواع الأخذ { الذين كفروا } أي ستروا تلك الآيات المنيرة بعد طول صبر ~~الرسل عليهم ودعائهم لهم. ولما كان أخذ من قص أخباره منهم عند العرب ~~شهيرا، وكان على وجوه من النكال معجبة، سبب عنه السؤال بقوله: { فكيف ~~كان نكير * } أي إنكاري عليهم، أي أنه إنكار يجب السؤال عن كيفية لهوله ~~وعظمه، كما قال القشيري: ولئن أصروا على سنتهم في الغي فلن تجد لسنتنا ~~تبديلا في الانتقام والخزي. ### || [35.27-29] # ولما كان من من أغرب الأشياء الدالة على تمام القدرة الدال على ~~الوحدانية أن يكون شيء واحد سببا لسعادة قوم وهداهم، وشقاوة قوم وضلالهم ~~وعماهم وكان ذلك، امرا دقيقا وخطبا جليلا، لا يفهمه حق فهمه إلا أعلى ~~الخلائق، ذكر المخاطب بهذا الذكر ما يشاهد من آيته، فقال على طريق ~~الإستخبار لوصول المخاطب إلى رتبة أولي الفهم بما ساق من ذلك سبحانه على ~~طريق الإخبار في قوله: { الله الذي أرسل الرياح } ولفت القول إلى الاسم ~~الأعظم دلالة على عظمة ما في حيزه: { ألم تر أن الله } أي الذي له جميع ~~صفات الكمال { أنزل من السماء } أي التي لا يصعد إليها الماء ms3857 ولا يستمسك ~~عن الهبوط منها في غير أوقاته إلا بقدرة باهرة لا يعجزها شيء { ماء } أي ~~لا شيء يشابهه في مماثلة بعضه لبعض، فلا قدرة لغيره سبحانه على تمييز شيء ~~منه إلى ما يصلح لشيء دون آخر. # ولما كان أمرا فائتا لقوى العقول، نبه عليه بالالتفات إلى مظهر العظمة ~~فقال: { فأخرجنا } أي بما لنا من العظمة { به } أي الماء من الأرض { ~~ثمرات } أي متعددة الأنواع { مختلفا ألوانها } أي ألوان أنواعها ~~وأصنافها وهيئاتها وطبائعها، فالذي قدر على المفاوتة بينها وهي من ماء ~~واحد لا يستبعد عليه أن يجعل الدلائل بالكتاب وغيره نورا لشخص وعمى ~~لآخر. # ولما ذكر تنوع ما عن الماء وقدمه لأنه الأصل في التلوين كما أنه الأصل ~~في التكوين، أتبعه التلوين عن التراب الذي هو أيضا شيء واحد، فقال ~~ذاكرا ما هو أصلب الأرض وأبعدها عن قابلية التأثر وقطعه عن الأول لأن ~~الماء لا تأثير له فيه: { ومن } أي ومما خلقنا من { الجبال جدد } أي ~~طرائق وعلامات وخطوط متقاطعة { بيض وحمر } ولعله عبر عنها بذلك دون طرق ~~إشارة إلى أن من غرابتها أنها لا تخلق ولا تضمحل ألوانها على طول الأزمان ~~كما هو العادة في غالب ما يتقادم عهده، والجد بالفتح، والجدة بالكسر، ~~والجدد بالتحريك: وجه الأرض، وجمعه جدد بالكسر، والجدة بالضم: الطريقة ~~والعلامة والخط في ظهر الحمار يخالف لونه وجمعه جدد كغدة وغدد وعدة وعدد ~~ومدة ومدد, والجدد محركة: ما أشرف من الرمل وشبه السلعة بعنق البعير, ~~والأرض الغليظة المستوية، والجدجد بالفتح: الأرض المستوية. # ولما كان أبلغ من ذلك أن تلك الطرق في أنفسها غير متساوية المواضع في ~~ذلك اللون الذي تلونت به، قال تعالى دالا على أن كلا من هذين اللونين ~~لم يبلغ الغاية في الخلوص: { مختلف ألوانها } وهي من الأرض وهي واحدة. ~~ولما قدم ما كان مستغربا في ألوان الأرض لأنه على غير لونها الأصلي, ~~أتبعه ما هو أقرب إلى الغبرة التي هي أصل لونها. # ولما كانت مادة { غرب } تدور على الخفاء الذي يلزمه الغموض أخذا ms3858 من ~~غروب الشمس، ويلزم منه السواد، ولذلك يؤكد الأسود بغربيب مبالغة الغرب ~~كفرح أي الأسود للمبالغة في سواده، وكان المقصود الوصف بغاية السواد ~~مخالفة لغيره، قال تعالى عاطفا على بيض: { وغرابيب } أي من الجدد أيضا ~~{ سود * } فقدم التأكيد لدلالة السياق على أن أصل العبارة " وسود غرابيب ~~سود " فأضمر الأول ليتقدم على المؤكد لأنه تابع، ودل عليه بالثاني ليكون ~~مبالغا في تأكيده غاية المبالغة بالإظهار بعد الإضمار، وهو معنى قول ابن ~~عباس رضي الله عنهما: أشد سواد الغرابيب - رواه عنه البخاري، لأن السواد ~~الخالص في الأرض، مستغرب، ومنه ما يصبغ به الثياب ليس معه غيره، فتصير في ~~غاية السواد، وذلك في مدينة فوة ومسير وغيرهما مما داناهما من بلاد مصر. # ولما أكد هذا بما دل على خلوصه، قدم ذكر الاختلاف عليه، ولما ذكر تعالى ~~ما الأغلب فيه الماء مما استحال إلى آخر بعيد من الماء، وأتبعه التراب ~~الصرف، ختم بما الأغلب فيه التراب مما استحال إلى ما هو في غاية البعد من ~~التراب فقال: { ومن الناس } أي المتحركين بالفعل والاختيار { والدواب } ~~ولما كانت الدابة في الأصل لما دب على الأرض، ثم غلب إطلاقه على ما يركب ~~قال: { والأنعام } ليعم الكل صريحا { مختلف ألوانه } أي ألوان ذلك البعض ~~الذي أفهمته " من " { كذلك } أي مثل الثمار والأراضي فمنه ما هو ذو لون ~~واحد، ومنه ما هو ذو ألوان مع أن كل ما ذكر فهو من الأراضي متجانس ~~الأعيان مختلف الأوصاف، ونسبته إليها وإلى السماء واحدة فأين حكم ~~الطبائع. # ولما ثبت بهذا البرهان أنه سبحانه فاعل بالاختيار، فهو يفعل فيما يشاء ~~ومن يشاء، ما يشاء فيجعل الشيء الواحد لقوم نورا ولقوم عمى، وكان ذلك ~~مرغبا في خدمته مرهبا من سطوته سبحانه وتعالى وتقدس لكل ذي لب، وكان ~~السياق لإنذار من يخشى بالغيب، فثبت أن الإنذار بهذا القرآن يكون لقوم ~~أراد الله خشيتهم خشية، ولقوم أراد الله قسوتهم قسوة، التفت النفس إلى ~~طلب قانون يعرف به من يخشى ومن لا يخشى، فقال على سبيل الاستنتاج ms3859 من ذلك، ~~دفعا لظن من يحسب أنه يمكن أن يكون ولي جاهلا: { إنما يخشى الله } أي ~~الذي له جميع الكمال، ولا كمال لغيره إلا منه، ودل على أن كل من سواه في ~~قبضته وتحت قهره بقوله: { من عباده } ثم ذكر محط الفائدة وهو من ينفع ~~إنذاره فقال: { العلماء } أي لا سواهم وإن كانوا عبادا وإن بلغت عبادتهم ~~ما عسى أن تبلغ، لأنه لا يخشى أحد أحدا إلا مع معرفته، ولا يعرفه جاهل، ~~فصار المعنى كأنه قيل: إنما ينفع الإنذار أهل الخشية، وإنما يخشى ~~العلماء، والعالم هو الفقيه العامل بعلمه، قال السهروردي في الباب الثالث ~~من عوارفه: فينتفي العلم عمن لا يخشى الله، كما إذا قال: إنما يدخل الدار ~~بغدادي، فينتفي دخول البغدادي الدار هذا معنى القراءة المشهورة. # ولما كان سبب الخشية التعظيم والإجلال، وكان كل أحد لا يجل إلا من أجله، ~~وكان قد ثبت أن العلماء يجلون الله، وكان سبب إجلالهم له إجلاله لهم، كان ~~هذا معنى القراءة الأخرى، فكان كأنه قيل: إنما ينفع الإنذار من يجهل الله ~~فالله يجله لعلمه، وسئل شيخنا محقق زمانه قاضي الشافعية بمصر محمد بن علي ~~القاياتي عن توجيه هذه القراءة فأطرق يسيرا ثم رفع رأسه فقال: # أهابك إجلالا وما بك قدرة # علي ولكن مليء عين حبيبها # ولما ثبت بهذا السياق أنه سبحانه فاعل هذه الأشياء المتضادة، علل ذلك ~~ليفيد أن قدرته على كل ما يريد كقدرته عليه بقوله على سبيل التأكيد ~~تنبيها على أنه سبحانه لا يعسر عليه شيء وأنه أهل لأن يخشى ولذلك أظهر ~~الاسم الأعظم: { إن الله } أي المحيط بالجلال والإكرام { عزيز } أي غالب ~~على جميع أمره. ولما كان هذا مرهبا من سطوته موجبا لخشيته لإفهامه أنه ~~يمنع الذين لا يخشون من رحمته، رغبهم بقوله: { غفور * } في أنه يمحو ذنوب ~~من يريد منهم فيقبل بقلبه إليه وهو أيضا من معاني العزة. # ولما تقرر هذا، تشوف السامع إلى معرفة العلماء فكان كأنه قيل: هم الذين ~~يحافظون على كتاب الله علما وعملا، فقيل: فما ms3860 لهم؟ فقال مؤكدا تكذيبا ~~لمن يظن من الكفار وغيرهم من العصاة أنهم من الخاسرين بما ضيعوا من عاجل ~~دنياهم: { إن الذين يتلون } أي يجددون التلاوة كل وقت مستمرين على ذلك ~~محافظين عليه كلما نزل من القرآن شيء وبعد كمال نزوله حتى يكون ذلك ~~ديدنهم وشأنهم بفهم وبغير فهم { كتاب الله } أي الذي لا ينبغي لعاقل أن ~~يقبل على غيره لما له من صفات الجمال والجلال، ولما ذكر السبب الذي لا ~~سبب يعادله، ذكر أحسن ما يربط به، فقال دالا على المداومة بالتعبير ~~بالإقامة وعلى تحقيق الفعل بالتعبير بالماضي: { وأقاموا الصلاة } أي وهي ~~الناهية عن الفحشاء والمنكر فناجوا الله فيها بكلامه. ولما ذكر الوصلة ~~بينهم وبين الخالق، ذكر إحسانهم إلى الخلائق، فقال دالا على إيقاع الفعل ~~بالتعبير بالماضي، وعلى الدوام بالسر والعلن لافتا القول إلى مظهر ~~العظمة تنبيها على أن الرزق منه وحده، لا بحول أحد غيره ولا غيره: { ~~وأنفقوا مما رزقناهم } أي بحولنا وقوتنا لا بشيء من أمرهم في جميع ما ~~يرضينا، ودل على مواظبتهم على الإنفاق وإن أدى إلى نفاد المال بقوله: { ~~سرا وعلانية } وعبر في الأول بالمضارع لأن إنزالها كان قبل التمام ~~وتصريحا بتكرار التلاوة تعبدا ودراسة لأن القرأن كما قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: # " أشد تفلتا من الإبل في عقلها " # أخرجه مسلم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، وفي الثاني والثالث ~~بالماضي حثا على المبادرة إلى الفعل، وقد تحصل من هذا أنه جعل لفعل ~~القلب الذي هو الخشية دليلا باللسان وآخر بالأركان وثالثا بالأموال. # ولما أحلهم بالمحل الأعلى معرفا أنهم أهل العلم الذي يخشون الله، وكان ~~العبد لا يجب له على سيده شيء، قال منبها على نعمة الإبقاء الثاني التي ~~هي أم النعم والنتيجة العظمى المقصودة بالذات: { يرجون } أي في الدنيا ~~والآخرة { تجارة } أي بما عملوا { لن تبور * } أي تكسد وتهلك بل هي ~~باقية، لأنها دفعت إلى من لا تضيع لديه الودائع وهي رائجة رابحة، لكونه ~~تام القدرة شامل العلم له الغنى المطلق. ### || [35.30-32] # ولما ms3861 كان المراد بعدم هلاكها حفظها وبقاءها إلى يوم لقائه، علله بقوله، ~~مقتصرا على الضمير لأن السياق للمؤمنين، ولذا لفته إلى ضمير الغيبة لأن ~~إيمانهم بالغيب { ليوفيهم }: أي لنفاقها عنده سبحانه في الدنيا إن أراد ~~أو في الآخرة أو فيهما { اجورهم } أي على تلك الأعمال { ويزيدهم } أي على ~~ما جعله بمنه وبيمنه حقا لهم عليها { من فضله } أي زيادة ليس لهم فيها ~~تسبب أصلا، بل سيء بعد ما من عليهم بما قابل أعمالهم به مما يعرفون أنه ~~جزاءها مضاعفا للواحد عشرة إلى ما فوق. ولما كانت أعمالهم لا تنفك عن ~~شائبة ما، وإن خلصت فلم يكن ثوابها لأنها من منه سبحانه مستحقا، علل ~~توفيتهم لها بقوله مؤكدا إعلاما بأنه لا يسع الناس إلا عفوه لأنه لن ~~يقدر الله أحد حق قدره وإن اجتهد، ولو واخذ أعبد العباد بما يقع من ~~تقصيره أهلكه { إنه غفور } أي بمحو النقص عن العمل { شكور * } أي يقبله ~~ويزيد عليه. # ولما كانت ترجمة الآية أن العلماء هم حملة الكتاب، وبدأ سبحانه بأدنى ~~درجاتهم، وكان ذلك مما يرغب في الكتاب، أتبعه ترغيبا هو أعلى منه، فقال ~~عاطفا على قوله في تقرير الأصل الثاني الذي هو الرسالة # إنا أرسلناك بالحق # [البقرة: 119] وأكده دفعا لتكذيب المكذبين به: { والذي أوحينا } أي بما ~~لنا من العظمة { إليك } وبين قدره بمظهر العظمة وقال مبينا للوحي: { من ~~الكتاب } أي الجامع لخيري الدارين. ولما كان الكتاب لا يطرقه نوع من ~~أنواع التغير لأنه صفة من لا يتغير قال: { هو الحق } أي الكامل في الثبات ~~ومطابقة الواقع له لا غيره من الكلام؛ وأكد حقيته بقوله: { مصدقا لما ~~بين يديه } أي من الكتب الماضية الآتي لها الرسل الداعون إلى الله ~~المؤيدون بالبراهين الساطعة والأدلة القاطعة. # ولما دل سبحانه على أن العلم هو الحقيقة الثابتة، وما عداه فهو محو ~~وباطل، ودل على أن التالين لكتابه الذي هو العلم هم العلماء، وغيرهم وإن ~~كانوا موجودين فهم بالمعدومين أشبه، ودل على أن الكتب الماضية وإن كانت ~~حقا لكنها ليست في ms3862 كمال القرآن، لأن الأمر ما دام لم يختم فالزيادة ~~متوقعة فيه بخلاف ما إذا وقع الختم فإنه لا يكون بعده زيادة ترتقب، وكان ~~ربما تراءى لأحد في بعض المتصفين بذلك غير ذلك، قال تعالى إعلاما بأن ~~العبرة بما عنده لا بما يظهر للعباد، وأكده تنبيها على أن هذا المعنى ~~مما تعقد عليه الخناصر وإن تراءى لأكثر الناس خلافه، أظهر الاسم الأعظم ~~لحاجة المخبرين هنا إليه لأنهم البر والفاجر: { إن الله } أي الذي له ~~جميع صفات الكمال. ولما كان الإنسان أعلم بمن يربيه ولا سيما إن كان ~~مالكا له قال: { بعباده لخبير } أي عالم أدق العلم وأتقنه ببواطن ~~أحوالهم { بصير * } أي بظواهر أمورهم وبواطنها أي فهو يسكن الخشية والعلم ~~القلوب على ما أوتوا من الكتاب في علمه وتلاوته وإن تراءى لهم خلاف ذلك، ~~فأنت أحقهم بالكمال لأنك أخشاهم وأتقاهم، فلذلك آتيناك هذا الكتاب، ~~فأخشاهم بعدك أحقهم بعلمه. # ولما كان معنى الوصفين: فنحن نيسر لتلاوة كتابنا من يكون قابلا للعلم ~~الذي هو عمود الخشية بما تعلمه منه بخبرنا وبصرنا، وكان الذي ضم إلى ~~التلاوة الفهم في الذروة العليا من العلم، قال عطفا على هذا الذي أرشد ~~السياق إلى تقديره مشيرا بأداة العبد إلى علو رتبة أهل هذا القسم، وهم ~~هذه الأمة الأمية على اختلاف مراتب إرثهم مع تراخي إرثهم عمن قبلهم، ~~صارفا القول إلى مظهر العظمة لاقتضاء الحال لها في نزع شيء من قوم ~~وإثباته لآخرين: { ثم أورثنا } أي ملكنا بعظمتنا ملكا تاما وأعطينا ~~عطاء لا رجوع فيه، وعبر في غير هذه الأمة # ورثوا الكتاب # [الأعراف: 169] فانظر فوق ما بين العبارتين تعرف الفرق بين المقامين، ~~ويجوز أن يكون التقدير بعد ما أوحينا إليك: وأورثناكه ثم أورثناه، ولكنه ~~أظهر دلالة على الوصف تنبيها على تناهي جمعه للكتب الماضية وإعلاما بأن ~~" من " في { أوحينا إليك من } للبيان فقال: { الكتاب } أي القرآن باتفاق ~~المفسرين، قال الأصفهاني - الجامع لكل كتاب أنزلنا، فهو أم لكل خير، وقال ~~ابن عباس كما نقله ابن الجوزي: إن الله أورث أمة ms3863 محمد كل كتاب أنزله { ~~الذين اصطفينا } أي فعلنا في اختيارهم فعل من يجتهد في ذلك { من عبادنا } ~~أي أخلصناهم لنا وهم بنو إسماعيل ومن تبعهم، يعني أمة محمد صلى الله عليه ~~وسلم - نقله البغوي عن ابن عباس رضي الله عنهما، ونقل عن ابن جرير أنه ~~قال: الإرث: انتقال شيء من قوم إلى قوم، فثم هنا للترتيب، لأن إيتاء هذه ~~الأمة متراخ عن إيتاء الأمم ونقله إليهم بعد إبطال تلك الأديان، ونسخ تلك ~~الكتب إلا ما وافق القرآن, فمعنى الإيراث أنه نزع تلك الكتب من الأمم ~~السالفة وأعطاها لهذه الأمة على الوجه الذي رضيه لها, وهذا الإيراث ~~للمجموع لا يقتضي الاختصاص بمن يحفظ جميع القرآن بل يشمل من يحفظ منه ~~جزءا ولو أنه الفاتحة فقط، فإن الصحابة رضوان الله تعالى أجمعين لم يكن ~~كل واحد منهم يحفظ جميع القرآن ونحن على القطع بأنهم مصطفون. # ولما كان اكثر الناس لا ينفك عن تقصير كثير لما جبل الإنسان عليه من ~~النقصان، فكان من فيه ذلك يخرج نفسه من هذا القسم، قال معرفا له بمقداره ~~مؤنسا له بما فتح له من أنواره مستجلبا له إلى حضرة قدسه ومعدن أسراره ~~مقسما أهل هذا القسم وهم أهل الفهم إلى ثلاثة أقسام مقدما الأدنى لأنهم ~~الأكثر ولئلا يحصل اليأس، ويصدع القلوب خوف البأس: { فمنهم } أي فتسبب عن ~~إيراثنا لهم أن كان منهم كما هو مشاهد { ظالم لنفسه } أي بالتفريط ~~والتهاون في توفية الحق لما يقتضيه حاله من العمل غير متوق للكبائر، وهذا ~~القسم هم أكثر الوارث وهم المرجئون لأمر الله. # ولما كان ترك الإنسان للظلم في غاية الصعوبة، نبه على ذلك بصيغة ~~الافتعال فقال: { ومنهم مقتصد } أي متوسط في العمل غير باذل لجميع الجهد ~~إلا أنه مجتنب للكبائر فهو مكفر عنه الصغائر، وهم الذين خلطوا عملا ~~صالحا وآخر سيئا { ومنهم سابق بالخيرات } أي العبادات وجميع أنواع ~~القربات، موف للمقام الذي أقيم به حقه كلما ازداد قربا ازداد عملا، لا ~~يكون سابقا إلا وهو هكذا، وهم السابقون الأولون ms3864 من المهاجرون والأنصار ~~والذين اتبعوهم بإحسان، ويؤيد هذا قول الحسن: السابق من رجحت حسناته، ~~والمقتصد من استوت حسناته وسيئاته، والظالم من رجحت سيئاته. وختم ~~بالسابقين لأنهم الخلاصة, وليكونوا أقرب إلى الجنات, كما قدم الصوامع في ~~سورة الحج لتكون أقرب إلى الهدم وآخر المساجد لتقارب الذكر, وقدم في ~~التوبة السابقين عقيب أهل القربات من الإعراب وأخر المرجئين وعقبهم بأهل ~~مسجد الضرار، وقدم سبحانه في الأحزاب المسلمين ورقى الخطاب درجة درجة إلى ~~الذاكرين الله كثيرا، فهو سبحانه تارة يبدأ بالأدنى وتارة بالأعلى بحسب ~~ما يقتضيه الحال كما هو مذكور في هذا الكتاب في محاله، وهذا على تقدير ~~عود الضمير في { منهم } على { الذين } لا على { العباد } وهو مع تأيده ~~بالمشاهدة وإن السياق لأن أهل العلم هو التالون لكتاب الله مؤيد بأحاديث ~~لا تقصر - وإن كانت ضعيفة - عن الصلاحية لتقوية ذلك، فمنها ما رواه ~~البغوي بسنده عن ابن الخطاب رضي الله عنه أنه قرأ هذه الآية على المنبر ~~وقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " سابقنا سابق، ومقتصدنا ناج، وظالمنا مغفور له " # وبسنده عن أبي الدرداء رضي الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قرأ هذه الآية وقال: # " أما السابق بالخيرات فيدخل الجنة بغير حساب، وأما المقتصد فيحاسب ~~حسابا يسيرا، وأما الظالم لنفسه فيحبس في المقام حتى يدخله الهم ثم ~~يدخل الجنة " # - ثم قرأ { الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن }. وروي بغير إسناد عن أسامة ~~بن زيد رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " كلهم من هذه الأمة " # وقال ابن الجوزي بعد أن ذكر حديث عمر رضي الله عنه بغير سند: وروى ~~الترمذي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في هذه الآية قال: # " كلهم في الجنة " # وروى حديث أبي الدرداء رضي الله عنه الحافظ ابن عساكر في الكنى من تأريخ ~~دمشق في ترجمة أخي زياد أو أبي زياد. وأما على عود الضمير على العباد ~~فقال ابن عباس رضي ms3865 الله عنهما: السابق المؤمن المخلص، والمقتصد المرائي، ~~والظالم الكافر نعمة الله غير الجاحد لها، وقال قتادة: الظالم أصحاب ~~المشأمة، والمقتصد أصحاب الميمنة، والسابقون المقربون. # ولما كان هذا ليس في قوة العبد في مجاري العادات، ولا يؤخذ بالكسب ~~والاجتهادات، أشار إلى عظمته بقوله: { بإذن الله } أي بتمكين من له ~~القدرة التامة والعظمة العامة والفعل بالاختيار وجميع صفات الكمال ~~وتسهيله وتيسره لئلا يأمن أحد مكره تعالى، قال الرازي في اللوامع: ثم من ~~السابقين من يبلغ محل القربة فيستغرق في وحدانيته، وهو الفرد الذي اهتز ~~في ذكره - انتهى. ثم زاد عظمة هذا الأمر بيانا، فقال مؤكدا تكذيبا ~~لظنون الجاهلين لأن السابق كلما علا مقامه في السبق قل حظه من الدنيا، ~~فرأى الجاهلون أنه مضيع لنفسه: { ذلك } أي السبق أو إيراث الكتاب { هو } ~~مشيرا بأداة البعد مخصصا بضمير الفصل { الفضل الكبير * }. ### || [35.33-38] # ولما ذكر تعالى أحوالهم، بين جزاءهم ومآلهم، فقال مستأنفا جوابا لمن ~~سأل عن ذلك: { جنات } أي هي مسببة عن سبب السبق الذي هو الفضل، ويصح ~~كونها بدلا من الفضل لأنه سببها، فكان كأنه هو الثواب { عدن } أي إقامة ~~بلا رحيل لأنه لا سبب للرحيل عنها { يدخلونها } أي الثلاثة أصناف، ومن ~~دخلها لم يخرج منها لأنه لا شيء يخرجه ولا هو يريد الخروج على أن الضمير ~~ل " الذين " ومن قال ل " عبادنا " خص الدخول بالمقتصد والسابق - هذا ~~على قراءة الجماعة بفتح الياء وضم الخاء، وعلى قراءة أبي عمرو بالبناء ~~للمفعول يكون الضمير للسابق فقط، لأنهم يكونون في وقت الحساب على كثبان ~~المسك ومنابر النور فيستطيبون مكانهم، فإذا دعوا إلى الجنة أبطؤوا ~~فيساقون إليها كما في آخر الزمر. # ولما كان الداخل إلى مكان أول ما ينظر إلى ما فيه من النفائس قال: { ~~يحلون فيها } أي يلبسون على سبيل التزين والتحلي { من أساور } ولما كان ~~للإبهام ثم البيان مزيد روعة النفس، وكان مقصود السورة إثبات القدرة ~~الكاملة لإثبات اتم الإبقاءين، شوق إلى الطاعة الموصلة إليه بأفضل ما ~~نعرف من الحلية، فقال مبينا لنوع الأساور: { من ms3866 ذهب ولؤلؤا } ولما كانت ~~لا تليق إلى على اللباس الفاخر، قال معرفا أنهم حين الدخول يكونون ~~لابسين: { ولباسهم فيها حرير * }. # ولما كان المقتصد والسابق يحزنون لكمالهم وشدة شفقتهم على الظالم إذا ~~قوصص، جمع فقال معبرا بالماضي تحقيقا له: { وقالوا } أي عند دخولهم: { ~~الحمد } أي الإحاطة بأوصاف الكمال { لله } أي الذي لم تمام القدرة { الذي ~~أذهب } أي بدخولنا هذا { عنا الحزن } أي هذا النوع بكماله، فلا نحزن على ~~شيء كان فاتنا، ولا يكون لنا حزن أبدا لأنا صرنا في دار لا يفوت فيها ~~شيء أصلا ولا ينفى. # ولما كانوا عالمين بما اجترحوه من الزلات أو الهفوات أو الغفلات التي ~~لولا الكرم لأدتهم إلى النار، عللوا ما صاروا إليه معها بقولهم، مؤكدين ~~إعلاما بما عندهم من السرور بالعفو عن ذنوبهم، وأن ما أكدوه حقيق بأن ~~يتغالى في تأكيده لما رأوا من صحته وجنوا من حلو ثمرته: { إن ربنا } أي ~~المحسن إلينا مع إساءتنا { لغفور } أي محاء للذنوب عينا وأثرا للصنفين ~~الأولين { شكور * } أي على ما وهبه للعبد من حسن طاعته ووفقه له من ~~الأعمال الحسنة فجعله به سابقا، ثم وصفوه بما هو شكر له فقالوا: { الذي ~~أحلنا دار المقامة } أي الإقامة ومكانها وزمانها التي لا يريد النازل بها ~~على كثرة النازلين بها - ارتحالا منها، ولا يراد به ذلك، ولا شيء فيها ~~يزول فيؤسف عليه. # وكان المالك المطلق لا يجب عليه شيء ولا استحقاق لمملوكه عليه بوجه قال: ~~{ من فضله } أي بلا عمل منا فإن حسناتنا إنما كانت منا منه سبحانه، لو ~~لم يبعثنا عليها وييسرها لنا لما كانت. # ولما تذكروا ما شاهدوه في عرصات القيامة من تلك الكروب والأهوال، ~~والأنكاد والأثقال، التي أشار إليها قوله تعالى: { وإن تدع مثقلة إلى ~~حملها } الآية، استأنفوا قولهم في وصف دار القرار: { لا يمسنا } أي في ~~وقت من الأوقات { فيها نصيب } أي نصب بدن ولا وجع ولا شيء { ولا يمسنا ~~فيها لغوب * } أي كلال وتعب وإعياء وفتور نفس من شيء من الأشياء، قال أبو ~~حيان: هو ms3867 لازم من تعب البدن. فهي الجديرة لعمري بأن يقال فيها: # علينا لا تنزل الأحزان شاحتها # لو مسها حجر مسته سراء # ولما بين ما هم فيه من النعمة، بين ما لأعدائهم من النقمة، زيادة في ~~سرورهم بما قاسوه في الدنيا من تكبرهم عليهم وفجورهم فقال: { والذين ~~كفروا } أي ستروا ما دلت عليه عقولهم من شموس الآيات وأنوار الدلالات { ~~لهم نار جهنم } أي بما تجهموا أولياء الله الدعاء إليهم. ولما كانت عادة ~~النار إهلاك من دخلها بسرعة، بين أن حالها على غير ذلك زيادة في نكالهم ~~وسوء مآلهم فقال مستأنفا: { لا يقضى } أي لا يحكم وينفذ ويثبت من حاكم ~~ما { عليهم } أي بموت { فيموتوا } أي فيتسبب عن القضاء موتهم، وإذا راجعت ~~ما مضى في سورة سبحان من قوله # فلا يملكون كشف الضر عنكم # [الإسراء: 56] وما يأتي إن شاء الله تعالى في المرسلات من قوله: # ولا يؤذن لهم فيعتذرون # [المرسلات: 36] علمت سر وجوب النصب هنا لأنه لو رفع لكان المعنى أن ~~موتهم ينبغي إن قضي عليهم أو لم يقض, وذلك محال. # ولما كانت الشدائد في الدنيا تنفرج وإن طال أمدها قال: { ولا يخفف عنهم ~~} وأعرق في النفي بقوله: { من عذابها } أي جهنم. ولما كان ربما توهم ~~متوهم أن هذا العذاب خاص بالذين كانوا في عصره صلى الله عليه وسلم من ~~الكفار قال: { كذلك } أي مثل هذا الجزاء العظيم { نجزي } أي بما لنا من ~~العظمة - على قراءة الجماعة بالنون { كل كفور * } أي به صلى الله عليه ~~وسلم أو بغيره من الأنبياء عليهم السلام وإن لم نره, لأن ثبوت المعجزة ~~يستوي فيها المسع والبصر، وبنى أبو عمرو الفعل للمفعول إشارة إلى سهولته ~~وتيسره ورفع { كل }. # ولما بين عذابهم بين اكتئابهم فقال: { وهم } أي فعل ذلك بهم والحال ~~أنهم { يصطرخون فيها } أي يوجدون الصراخ فيها بغاية ما يقدرون عليه من ~~الجهد في الصياح بالبكاء والنواح. ولما بين ذلك بين قولهم في اصطراخهم ~~بقوله: { ربنا } أي يقولون: أيها المحسن إلينا { أخرجنا } أي من النار { ~~نعمل صالحا } ثم ms3868 أكدوه وفسروه وبينوه بقولهم على سبيل التحسر والاعتراف ~~بالخطأ أو لأنهم كانوا يظنون عملهم صالحا { غير الذي كنا } أي بغاية ~~جهدنا { نعمل } فتركوا الترقق والعمل على حسبه في وقت نفعه واستعملوه عند ~~فواته فلم ينفعهم، بل قيل في جوابهم تقريرا لهم وتوبيخا وتقريعا: { أو ~~لم } أي ألم تكونوا في دار العمل متمكنين من ذلك بالعقول والقوى؟ أو لم { ~~نعمركم } أي نطل أعماركم مع إعطائنا لكم العقول ولم نعاجلكم بالأخذ { ما ~~} أي زمانا { يتذكر فيه } وما يشمل كل عمر يتمكن فيه المكلف من إصلاح ~~شأنه غير أن التوبيخ في الطويل أعظم، وأشار بمظهر العظمة إلى أنه لا مطمع ~~بغيره سبحانه في مد العمر. # ولما كان التفكر بعد البعث غير نافع لأنه بعد كشف الغطاء، عبر بالماضي ~~فقال: { من تذكر } إعلاما بأنه قد ختم على ديوان المتذكرين، فلا يزاد ~~فيهم أحد، والزمان المشار إليه قيل: إنه ستون سنة - قاله ابن عباس رضي ~~الله عنهم، وبوب له البخاري في أوائل الرقاق من غير عزو إلى أحد، وروى ~~أحمد بن منيع عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " من عمره الله ستين سنة فقد أعذر الله إليه في العمر " # وروى الترمذي وابن ماجه وأبو يعلى عن أبي هريرة أيضا رضي الله عنه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين. وأقلهم من يجوز ذلك ". # ولما أشار إلى دليل العقل ابتداء ودواما، أشار إلى أدلة النقل المنبه ~~على ما قصر عنه العقل، فقال معبرا بالماضي تصريحا بالمقصود عطفا على ~~معنى: أو لم نعمركم الذي هو قد عمرناكم: { وجاءكم النذير } أي عنى من ~~الرسل والكتب تأييدا للعقول بالدليل المعقول. # ولما تسبب عن ذلك أن عذابهم لا ينفك قال: { فذقوا } أي ما أعددناه لكم ~~من العذاب دائما أبدا، ولما كانت العادة جارية بأن من أيس من خصمه فزع ~~إلى الاستغاثة عليه، تسبب عن ذلك قوله: { فما } وكان الأصل: لكم، ولكنه ~~أظهر تعليقا للحكم بالوصف ms3869 للتعميم فقال: { للظالمين } أي الواضعين ~~الأشياء في غير مواضعها { من نصير * } أي يعينهم ويقوي أيديهم، فلا براح ~~لكم عن هذا الذواق، وهذا عام في كل ظالم، فإن من ثبت له نصر عليه لأن ~~ظلمه في كل يوم يضعف ويهن والحق في كل حين يقوى ويضخم. # ولما كان سبحانه عالما بما نفى وما أثبت، علل ذلك مقررا سبب دوام ~~عذابهم وأنه بقدر كفرانهم كما قال تعالى # وجزاء سيئة سيئة مثلها # [الشورى: 40] بقوله مؤكدا إشارة إلى أنه لا يجب تمرين النفس عليه لما ~~له من الصعوبة لوقوف النفس مع المحسوسات: { إن الله } أي الذي أحاط بكل ~~شيء قدرة وعلما { عالم غيب } ولما كانت جهة العلو أعرق في الغيب قال: { ~~السماوات والأرض } فأنتج ذلك قوله مؤكدا لأنه من أعجب الغيب لأنه كثيرا ~~ما يخفى على الإنسان ما في نفسه والله تعالى عالم به، أو هو تعليل لما ~~قبله: { إنه عليم } أي بالغ العلم { بذات الصدور * } أي قبل أن يعلمها ~~أربابها حين تكون غيبا محضا، فهو يعلم أنكم لو مدت أعماركم لم ترجعوا ~~عن الكفر أبدا، ولو رددتم لعدتم لما نهيتم عنه وأنه لا مطمع في صلاحكم، ~~ولذلك يأمر الملك أن يكتب عند نفخ الروح في الولد أنه ما شقي أو سعيد قبل ~~أن يكون له خاطر أصلا، وربما كان في غاية ما يكون من الإقبال على الخير ~~فعلا ونية، ثم يختم له بشر، وربما كان على خلاف ذلك في غاية الفساد، لا ~~يدع شركا ولا غيره من المعاصي حتى يرتكبها وهو عند الله سعيد لما يعلم ~~من نيته بعد ذلك حين يقبل بقلبه عليه فيختم له بخير فيكون من أهل الجنة، ~~وأما الخواطر بعد وجودها في القلوب فقد يطلع عليها الملك والشيطان. ### || [35.39-41] # ولما كان من أنشأ شيئا كان أعلم به، وإتقان صنعه يدل على تمام قدرة ~~صانعه، وتمام قدرته ملزوم لتمام علمه، قال: { هو } أي وحده لا شركاؤكم ~~ولا غيرهم { الذي جعلكم } أي أيها الناس { خلائف } جمع خليفة، وهو الذي ~~يقوم بعد ms3870 الإنسان بما كان قائما به، والخلفاء جمع خليف - قال الأصبهاني، ~~وقال القشيري: أهل كل عصر خليفة عمن تقدمهم، فمن قوم هم لسلفهم جمال، ومن ~~قوم هم أراذل وأندال، الأفاضل زمانهم لهم محنة، والأراذل هم لزمانهم ~~محنة. # ولما كان المراد توهية أمر شركائهم، وكانت تحصل بسلب قدرتهم على ما مكن ~~فيه سبحانه العابدين من الأرض، أدخل الجار دلالة على أنهم على كثرتهم ~~وامتداد أزمنتهم لا يملؤون مسكنهم بتدبيره لإماتة كل قرن واستخلاف من ~~بعدهم عنهم، ولو لم يمتهم لم تسعهم الأرض مع التوالد على طول الزمان، وهم ~~في الأصل قطعة يسيرة من ترابها فقال: { في الأرض } أي فيما أنتم فيه منها ~~لا غيره تتصرفون فيه بما قدرتم عليه، ولو شاء لم يصرفكم فيه، فمن حقه أن ~~تشكروه ولا تكفروه. # ولما ثبت أن ذلك نعمة منه، عمرهم فيه مدة يتذكر فيه من تذكر، تسبب عنه ~~قوله: { فمن كفر } أي بعد علمه بأن الله هو الذي مكنه لا غيره، واحتقر ~~هذه النعمة السنية { فعليه } أي خاصة { كفره } أي ضرره. ولما كان كون ~~الشيء على الشيء محتملا لأمور، بين حاله بقوله مؤكدا لأجل من يتوهم أن ~~بسط الدنيا على الفاجر ربح وإكرام من الله له { ولا } أي والحال لأنه لا ~~{ يزيد الكافرين } أي المغطين للحق { كفرهم } أي الذي هم متلبسون به ~~ظانون أنه يسعدهم وهو راسخون فيه غير متمكنين عنه، ولذا لم يقل: لا يزيد ~~من كفر قد يكون كفره غير راسخ فيسلم { عند ربهم } أي المحسن إليهم { إلا ~~مقتا } أي لأنه يعاملهم معاملة من يبغض ويحتقر أشد بغض واحتقار. # ولما كان المراد من هذه الصفات في حق الله تعالى غاياتها، وكان ذكرها ~~إنما هو تصوير له بأفظع صورها لزيادة التنفير من أسبابها، وكانوا ينكحون ~~نساء الآباء مع أنهم يسمونه نكاح المقت، نبه على أنهم لا يبالون بالتمقت ~~إلى المحسن، فقال ذاكرا للغاية مبينا أن محط نظرهم الخسارة المالية ~~تسفيلا لهممهم زيادة في توبيخهم: { ولا يزيد الكافرين } أي العريقين في ~~صفة التغطية للحق { كفرهم ms3871 إلا خسارا * } أي في الدنيا والآخرة في المال ~~والنفس وهو نهاية ما يفعله الماقت بالممقوت. # ولما بين أنه سبحانه هو الذي استخلفهم، أكد بيان ذلك عندهم بأمره صلى ~~الله عليه وسلم بما يضطرهم إلى الإعتراف به فقال: { قل أرءيتم } أي ~~أخبروني { شركاءكم } أضافهم إليهم لأنهم وإن كانوا جعلوهم شركاءه لم ~~ينالوا شيئا من شركته لأنهم ما نقصوه شيئا من ملكه، وإنما شاركوا ~~العابدين في أموالهم بالشوائب وغيرها وفي أعمالهم فهم شركاؤهم بالحقيقة ~~لا شركاؤه، ثم بين المراد من عدهم لهم شركاء بقوله: { الذين تدعون } أي ~~تدعونهم شركاء { من دون الله } أي الذي له جميع صفات الكمال. # ولما كان التقدير: بأي شيء جعلتموهم شركاء في العبادة، ألهم شرك في ~~الأرض، بنى عليه قوله مكررا لإشهادهم عجز شركائهم ونقص من عبدوه من ~~دونه: { أروني ماذا } أي الذي أو أي شيء { خلقوا من الأرض } أي لتصح لكم ~~دعوى الشركة فيهم، وإلا فادعاؤكم ذلك فيهم كذب محض وأنتم تدعون أنكم أبعد ~~الناس منه في الأمور الهينة فكيف بمثل هذا، ولعل استفهامهم عن رؤية ~~شركائهم تنبيه على أنهم من الامتهان والحقارة بحيث يراهم كل من يقصد ~~رؤيتهم ويعلم أنه لا خلق لهم، والله تعالى، بخلاف ذلك في كل من الأمرين، ~~مترد برداء الكبر محتجب بحجاب الجلال والعز، وكل أحد يعلم أنه خالق لكل ~~مخلوق، فكيف يكون من لا يخلق كمن يخلق. # ولما نبههم بهذا الأمر الذي ساقه المعلم بأنه لا ينبغي لعاقل أن يدعي ~~شركة لشيء حتى يعلم الشركة وإن جهل عين المشارك فيه، قال مؤكدا لذلك ~~موسعا لهم في المحال، زيادة في تبكيتهم على ما هم فيه من الضلال: { أم ~~لهم شرك } أي وإن كان قليلا { في السماوات } أي أروني ما خلقوا في ~~السماوات، فالآية من الاحتباك: حذف أولا الاستفهام عن الشركة في الأرض ~~لدلالة مثله في السماء ثانيا عليه، وحذف الأمر بالإراءة ثانيا مثله ~~أولا عليه. # ولما أتم التبكيت بالاستفهام عن المرئي، أتبعه التوبيخ بالاستفهام عن ~~المسموع، مؤذنا بالالتفات إلى التكلم بمظهر العظمة ms3872 بشديد الغضب فقال: { ~~أم آتيناهم } أي الشركاء أو المشركين بهم بما لنا من العظمة { كتابا } ~~أي دالا على انه من عندنا بإعجازه أو غير ذلك من البراهين القاطعة ثبتت ~~لهم شركة { فهم } أي المشركون { على بينة } أي حجة ظاهرة، وبينات - على ~~القراءة الأخرى، أي دلائل واضحات بما في ذلك الكتاب من ضروب البيان { منه ~~} أي ذلك الكتاب على أنا أشركناهم في الأمر حتى يشهدوا لهم هذه الشهادة ~~التي لا يسوغون مثلها في إثبات الشركة لعبد من عبيدهم في أحقر الأشياء ~~فكيف يسوغونها في انتقاص الملك الذي لا خير عندهم إلا منه غير هائبين له ~~ولا مستحين منه. # ولما كان التقدير: لم يكن شيء من ذلك فليسوا على بيان، بل على غرور، قال ~~منبها لهم على ذميم أحوالهم وسفه آرائهم وخسة هممهم ونقصان عقولهم ~~مخبرا أنهم لا يقدرون على الإتيان بشيء مما به يطالبون وأنه ليس لهم ~~جواب عما عنه يسألون، وأكده لأجل ظنهم أن أمورهم في غاية الإحكام، { بل ~~أن } أي ما { يعد الظالمون } أي الواضعون للأشياء في غير مواضعها { بعضهم ~~بعضا } أي الأتباع للمتبوعين بأن شركاءهم تقربهم إلى الله زلفى وأنها ~~تشفع وتضر ولا تنفع { إلا غرورا * }. # ولما بين حقارة الأصنام وكل ما أشركوا به النسبة إلى جلال عظمته، وكانوا ~~لا يقدرون على ادعاء الشركة في الخلق في شيء من ذلك، وكان ربما أقدم على ~~ادعائه معاند منهم أو من غيرهم، وكان الناس قد توصلوا إلى معرفة شيء من ~~التغيرات الفلكية كالشروق والغروب والخسوف، وكانوا لا علم لهم بشيء من ~~الزلازل والزوال، قال مبينا عظمته سبحانه بعد تحقير أمر شركائهم معجزا ~~مهددا لهم على إقدامهم على هذا الافتراء العظيم مبينا للنعمة بعدم ~~المعاجلة بالهلاك، وأكده لأن من الناس المكذوب به وهم المعطلة، ومنهم من ~~عمله - وإن كان مقرا - عمل المكذب وهو من ينكر شيئا من قدرته كالبعث: { ~~إن الله } أي الذي له جميع صفات الكمال { يمسك السماوات } أي على كبرها ~~وعلوها { والأرض } أي على سعتها وبعدها عن التماسك على ms3873 ما يشاهدون ~~إمساكا مانعا من { أن تزولا * } أي بوجه عظيمة وزلزلة كبيرة، أو زوالا ~~لا تماسك معه لأن ثباتهما على ما هما عليه على غير القياس لولا شامخ ~~قدرته وباهر عزته وعظمته، فإن ادعيتم عنادا أن شركاءكم لا يقدرون على ~~الخلق لعلة من العلل فادعوهم لإزالة ما خلق سبحانه. # ولما كان هذا دليل على أنهما حادثتان زائلتان، أتبعه ما هو أبين منه، ~~فقال معبرا بأداة الإمكان: { ولئن زالتا } أي بزلزلة أو خراب { إن } أي ~~ما { أمسكهما } وأكد استغراق النفي بقوله: { من أحد } ولما كان المراد أن ~~غيره سبحانه لا يقدر على إمساكهما في زمن من الأزمان وإن قل، أثبت الجار ~~فقال: { من بعده } أي بعد إزالته لهما، بل وإذا زلزلت الأرض اضطرب كل شيء ~~عليها والأصنام من جملته، فدل ذلك قطعا على أن الشركاء مفعولة لا فاعلة. # ولما كان السياق إلى الترغيب في الإقبال عليه وحده أميل منه إلى ~~الترهيب، وكان كأنه قيل: هو جدير بأن يزيلهما لعظيم ما يرتكبه أهلهما من ~~الآثام وشديد الإجرام، قال جوابا لذلك وأكده لأن الحكم عما يركبه ~~المبطلون على عظمه وكثرتهم مما لا تسعه العقول: { إنه كان } أي أزلا ~~وأبدا { حليما } أي ليس من شأنه المعاجلة بالعقوبة للعصاة لأنه لا ~~يستعجل إلا من يخاف الفوت فينتهز الفرص، ورغب في الإقلاع مشيرا إلى أنه ~~ليس عنده ما عند حلماء البشر من الضيق الحامل لهم على أنهم إذا غضبوا بعد ~~طول الأناة لا يغفرون بقوله: { غفورا * } أي محاء لذنوب من رجع إليه، ~~وأقبل بالاعتراف عليه، فلا يعاقبه ولا يعاتبه. ### || [35.42-43] # ولما كان التقدير: فقالوا: إنا لا ندعي أنهم خلقوا شيئا من السماوات ~~ولا من الأرض ونحن مقرون بأنه لا يمسك السماوات والأرض إلا الله، وإنما ~~نعبدهم لقربونا إلى الله زلفى، كما كان يفعل آباؤنا، ولولا أنه لهم على ~~ذلك دليلا ما فعلوه، عطف عليه قوله مبينا ضلالهم في تكذيبهم الرسل بعد ~~ما ظهر من ضلالهم في إشراكهم بالمرسل وهو يمهلهم ويرزقهم دليلا على حلمه ~~مع علمه: ms3874 { وأقسموا } أي كفار مكة { بالله } أي الذي لا عظيم غيره { جهد ~~أيمانهم } أي بغاية ما يقدرون عليه من الأيمان، قال البغوي: لما بلغهم - ~~يعني كفار مكة - أن أهل الكتاب كذبوا رسلهم قالوا: لعن الله اليهود ~~والنصارى! أتتهم رسلهم فكذبوهم، لو أتانا رسول لنكونن أهدى دينا منهم. # ولما أخبر عن قسمهم، حكى معنى ما أقسموا عليه دون لفظه بقوله: { لئن ~~جاءهم } وعبر بالسبب الأعظم للرسالة فقال: { نذير } أي من عند الله { ~~ليكونن } أي الكفار { أهدى } أي أعظم في الهدى { من إحدى } أي واحدة من { ~~الأمم } أي السالفة أو من الأمة التي لم تكن في الأمم التي جاءتها النذر ~~أهدى منها، قال أبو حيان: كما قالوا هو أحد الأحدين، وهي إحدى الأحد، ~~يريدون التفضيل في الدهاء والعقل. لأنهم أحد أذهانا وأقوم لسانا وأعظم ~~عقولا، وألزم لما يدعو إليه العقل، وأطلب لما يشهد بالفضل، وأكدوا ~~بالقسم لأن الناظر لتكذيب أهل العلم بالكتاب يكذبهم في دعوى التصديق ~~قياسا أخرويا، ودل على إسراعهم في الكذب بالفاء فقال: { فلما جاءهم ~~نذير } أي على ما شرطوا وزيادة، وهو محمد صلى الله عليه وسلم الذي كانوا ~~يشهدون أنه خيرهم مع كونه خيرهم نفسا وأشرفهم نسبا وأكرمهم في كل خلق ~~أما وأبا، وأمتنهم في كل مأثرة سببا { ما زادهم } أي مجيئه شيئا مما ~~هم عليه من الأحوال { إلا نفورا * } أي لأنه كان سببا في زيادتهم في ~~الكفر كالإبل التي كانت نفرت من ربها فضلت عن الطريق فدعاها فازدادت بسبب ~~دعائه نفرة, فأعرقت في الضلال فصارت بحيث يتعذر أو يتعسر ردها فتبين أنه ~~لا عهد لهم مع ادعائهم أنهم أوفى الناس، ولا صدق عندهم مع جزمهم بأنهم ~~أصدق الخلق. ولما كانوا قد جبلوا على الضلال، وكان النفور قد يكون لأمر ~~محمود أو مباح، علله بقوله: { استكبارا } أي طلبا لإيجاد الكبر لأنفسهم ~~{ في الأرض } أي التي من شأنها السفول والتواضع والخمول { ومكر السيىء } ~~أي ولأجل مكرهم المكر الذي من شأنه أن يسوء صاحبه وغيره، وهو إرادتهم ~~لإيهان أمر النبي صلى الله ms3875 عليه وسلم وإطفاء نور الله، وقراءة عبد الله { ~~ومكرا سيئا } يدل على أنه من إضافة الشيء إلى صفته، وقراءة حمزة بإسكان ~~الهمزة بنية الوقف إشارة إلى تدقيقهم المكر وإتقانه وإخفائه جهدهم { ولا ~~} أي والحال أنه لا { يحيق } أي يحيط إحاطة لازمة ضارة { المكر السيىء } ~~أي الذي هو عريق في السوء { إلا بأهله } وإن آذى غير أهله، لكنه لا يحيط ~~بذلك الغير، وعن الزهري أنه قال: بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لا تمكروا ولا تعينوا ماكرا فإن الله يقول هذه الآية، ولا تبغوا ولا ~~تعينوا باغيا يقول الله { إنما بغيكم على أنفسكم } ولا تنكثوا ولا ~~تعينوا ناكثا قال الله: { ومن نكث فإنما ينكث على نفسه } ". # ولما كان هذا سنة الله التي لا تبديل لها، قال مسببا عن ذلك: { فهل ~~ينظرون } أي ينتظرون، ولعله جرد الفعل إشارة إلى سرعة الانتقام من الماكر ~~المتكبر، ويمكن أن يكون من النظر بالعين لأنه شبه العلم بالانتقام من ~~الأولين مع العلم بأن عادته مستمرة، لأنه لا مانع له منها لعظيم تحققه ~~وشدة استيقانه وقوة استحضاره بشيء محسوس حاضر لا ينظر شيء غيره في ماض ~~ولا آت لأن غيره بالنسبة إليه عدم. ولما جعل استقبالهم لذلك انتظارا ~~منهم له، وكان الاستفهام إنكاريا، فكان بمعنى النفي قال: { إلا سنت ~~الأولين } أي طريقتهم في سرعة أخذ الله لهم وإنزال العذاب بهم. # ولما كان هذا النظر يحتاج إلى صفاء في اللب وذكاء في النفس، عدل عن ~~ضميرهم إلى خطاب أعلى الخلق، تنبيها على أن هذا مقام لا يذوقه حق ذوقه ~~غيره، فسبب عن حصر النظر أو الانتظار في ذلك قوله، مؤكدا لأجل اعتقاد ~~الكفرة الجازم بأنهم لا يتغيرون عن حالهم وأن المؤمنين لا يظهرون عليهم: ~~{ فلن تجد } أي أصلا في وقت من الأوقات { لسنت الله } أي طريقة الملك ~~الأعظم التي شرعها وحكم بها، وهي إهلاك العاصين وإنجاء الطائعين { ~~تبديلا } أي من أحد يأتي بسنة أخرى غيرها تكون بدلا لها لأنه لا مكافئ ~~له { ولن تجد لسنت الله ms3876 } أي الذي لا أمر لأحد معه { تحويلا * } أي من ~~حالة إلى أخفى منها لأنه لا مرد لقضائه، لأنه لا كفوء له، وفي الآية أن ~~أكثر حديث النفس الكذب، فلا ينبغي لأحد أن يظن بنفسه خيرا ولا أن يقضي ~~على غائب إلا أن يعلقه بالمشيئة تبرؤا من الحول والقوة لعل الله يسلمه ~~في عاقبته. ### || [35.44-45] # ولما بين أن حالهم موجب ولا بد للإيقاع بهم لما ثبت من أيام الله، ~~وأنكر ذلك عليهم، وكان التقدير: ألم يسمعوا أخبار الأولين المرة وأحوالهم ~~المستمرة من غير تخلف اصلا في أن من كذب رسولا أخذ، فقال عاطفا عليه ~~استشهادا على الخبر عن سنته في الأولين بما يذكر من آثارهم: { أولم ~~يسيروا } أي فيما مضى من الزمان { في الأرض } أي التي ضربوا في المتاجر ~~بالسير إليها في الشام واليمن والعراق { فينظروا } أي فيتسبب لهم عن ذلك ~~السير أنه يتجدد لهم نظر واعتبار يوما من الأيام، فإن العاقل من إذا رأى ~~شيئا تفكر فيه حتى يعرف ما ينطق به لسان حاله إن خفي عنه ما جرى من ~~مقاله، وأشار بسوقه في أسلوب الاستفهام إلى أنه لعظمه خرج عن أمثاله ~~فاستحق السؤال عن حاله { كيف كان عاقبة } أي آخر أمر { الذين } ولما كان ~~عواقب الدمار في بعض ما مضى من الزمان، أثبت الجار فقال: { من قبلهم } أي ~~على أي حالة كان أخذهم ليعلموا أنهم ما أخذوا إلا بتكذيب الرسل فيخافوا ~~أن يفعلوا مثل أفعالهم فيكون حالهم كحالهم، وهذا معنى يس # أنهم إليهم لا يرجعون # [يس: 31] سواء كما يأتي أن شاء الله تعالى بيانه. ولما كان السياق ~~لاتصافهم بقوتي الظاهر من الاستكبار والباطن من المكر الضار, مكن قوة ~~الذين خوفهم بمثل مآلهم بوصفهم بالأشدية في جملة حالية فقال: { وكانوا } ~~أي أهلكناهم لتكذيبهم رسلنا والحال أنهم كانوا { أشد منهم } أي من هؤلاء ~~{ قوة } في قوتي الاستكبار والمكر الجار بعد العار إلى النار. # ولما كان التقدير: فما أعجز الله أمر أمة منهم، ولا أمر أحد من أمة حين ~~كذبوا رسولهم، وما ms3877 خاب له ولي ولا ربح ولا عدو، عطف عليه قوله، مؤكدا ~~إشارة إلى تكذيب الكفرة في قطعهم بأن دينهم لا يتغير، وأنهم لا يغلبون ~~أبدا لما لهم من الكثرة والمكنة وما للمسلمين من القلة والضعف: { وما ~~كان الله } أي الذي له جميع العظمة؛ وأكد الاستغراق في النفي بقوله: { ~~ليعجزه } أي مريدا لأن يعجزه، ولما انتفت إرادة العجز فيه انتفى العجز ~~بطريق الأولى! وأبلغ في التأكيد بقوله: { من شيء } أي قل أو جل! وعم بما ~~يصل إليه إدراكنا بقوله: { في السماوات } أي جهة العلو، وأكد بإعادة ~~النافي فقال: { ولا في الأرض } أي جهة السفل. ولما كان منشأ العجز الجهل، ~~علل بقوله مؤكدا لما ذكر في أول الآية: { إنه كان } أي أزلا وأبدا { ~~عليما } أي شامل العلم { قديرا * } أي كامل القدرة، فلا يريد شيئا إلا ~~كان. # ولما كانوا يستعجلون بالتوعد استهزاء فيقولون: ما له لا يهلكنا، علم أن ~~التقدير: لو عاملكم الله معاملة المؤاخذ لعجل إهلاككم، فعطف عليه قوله ~~إظهارا للحكم مع العلم: { ولن يؤاخذ الله } أي بما له من صفات العلو { ~~الناس } أي من فيه نوس أي حركة واضطراب من المكلفين عامة. # ولما كان السياق هنا لأفعال الجوارح لأن المكر والكبر إنما تكره آثارهما ~~لا الاتصاف بهما، بخلاف الذي هو سياق النحل فإنه ممنوع من الاتصاف وإن لم ~~يظهر به أثر من آثار الجوارح، عبر هنا بالكسب وفك المصدر ليخص ما وجد منه ~~بالفعل فقال: { بما كسبوا } أي من جميع أعمالهم سواء كان حراما أو لا { ~~ما ترك على ظهرها } أي الأرض { من دآبة } أي بل كان يهلك الكل، أما ~~المكلفون فلأنه ليس في أعمالهم شيء يقدره سبحانه حق قدره، لما لهم من ~~النقص ولما له سبحانه من العلو والارتقاء والكمال، وأما غيرهم فإنما ~~خلقوا لهم، والمعاصي تزيل النعم وتحل النقم، وذلك كما فعل في زمان نوح ~~عليه السلام، لم ينج ممن كان على الأرض غير من كان في السفينة { ولكن } ~~لم يعاملهم معاملة المؤاخذ المناقش، بل يحلم عنهم فهو { يؤخرهم ms3878 } أي في ~~الحياة الدنيا ثم في البرزخ { إلى أجل مسمى } أي سماه في الأزل لانقضاء ~~أعمارهم ثم لبعثهم من قبورهم، وهو لا يبدل القول لديه لما له من الصفات ~~التي هي أغرب الغريب عندكم لكونكم لا تدركونها حق الإدراك { فإذا جاء ~~أجلهم } أي الفنائي الإعدامي قبض كل واحد منهم عند أجله، أو الإيجابي ~~الإبقائي بعث كلا منهم فجازاه بعمله من غير وهم ولا عجز. # ولما كانوا ينكرون ما يفمهه ذلك من البعث، أكد فقال: { فإن الله } أي ~~الذي له صفات الكمال الموجد بتمام القدرة وكمال الاختيار { كان } ولم ~~يزل. ولما كان السياق للكسب الذي هو أعم من الظلم قال: { بعباده } الذين ~~أوجدهم ولا شريك له في إيجاد أحد منهم بجميع ذواتهم واحوالهم { بصيرا * ~~} أي بالغ البصر والعلم بمن يستحق العذاب منهم بالكسب ومن يستحق الثواب، ~~فقد انطبق آخرها كما ترى على أولها باستجماع صفات الكمال وتمام القدرة ~~على كل من الإيجاد والإعدام للحيوان والجماد مهما أراد بالاختيار، لما ~~شوهد له سبحانه من الآثار، كما وقع الإرشاد إليه بالأمر بالسير وبغيره ~~وبما ختمت به السورة من صفة العلم على وجه أبلغ من ذكره بلفظه، لما مضى ~~في سورة طه من أن إحاطة العلم تستلزم شمول القدرة، ولا تكون القدرة شاملة ~~إلا إذا كانت عن اختيار، فثبت حينئذ استحقاقه تعالى لجميع المحامد، فكانت ~~عنه سبحانه الرسالات الهائلة الجامعة للعزة والحكمة بالملائكة المجردين ~~عن الشهوات وكل حظ إلى من ناسبهم من البشر بما غلب من جيش عقله على عساكر ~~شهواته ونفسه، حتى صار عقلا مجردا صافيا، حاكما على الشهوات والحظوظ ~~قاهرا كافيا. ### | [36 - سورة يس] ### || [36.1-6] # ولما كان القلب من الإنسان المقصود بالذات من الأكوان في نحو ثلث بدنه ~~من جهة رأسه، وكانت الياء في نحو ذلك من حروف " أبجد " فإنها العاشرة ~~منها والسين بذلك المحل من حروف أ ب ت ث فإنها الثانية عشرة منها، وعلا ~~هذان الحرفان - بما فيهما من الجهر - عن غاية الضعف ونزلا بما لهما من ~~الهمس عن نهاية ms3879 الشدة، إشارة إلى أن القلب الصحيح هو الزجاجي الشفاف ~~الجامع بين الصلابة والرقة الذي علا بصلابته عن رقة الماء الذي لا يثبت ~~فيه صورة، ونزل بلطافته عن قساوة الحجر الذي لا يكاد ينطبع فيه شيء إلا ~~بغاية الجهد، فكان جامعا بين الصلابة والرقة متهيئا لأن تنطبع فيه ~~الصور وتثبت ليكون قابلا مفيدا، فيكون متخلفا من صفات موجدة بالقدرة ~~والاختيار اللذين دلت عليهما سورة الملائكة، وبمعرفة الخير فيجتلبه والشر ~~فيجتنبه فيكون فيه شاهد من نفسه على الاعتقاد الحق في صانعه، وكانت ~~المجهورة أقوى فقدمت الياء لجهرها، وكانتا - بعد اختلاف بالجهر والهمس - ~~قد اتفقتا في الانفتاح والرخاوة والاستفال إشارة إلى أن القلب لا يصلح - ~~كما تقدم - مع الصلابة التي هي في معنى الجهر إلا بالإخبات الذي هو في ~~معنى الهمس، وبالنزول عن غاية الصلابة إلى حد الرخاوة لئلا يكون حجريا ~~قاسيا, بأن يكون فيه انفتاح ليكون مفيدا وقابلا, ويكون مستفلا ليكون ~~إلى ربه بتواضعه واصلا, وزادت السين بالصفير الذي فيه شدة وانتشار وقوة ~~لضعفها عن الياء بالهمس فتعادلتا، ودل صفيرها على النفخ في الصور الذي ~~صرحت به هذه السورة, ودل جهر الياء على قوته, ودل كونها من حروف النداء ~~على خروجه عن الحد في الشده حتى تبدو عنه تلك الآثار المخلية للديار، ~~المنفية للصغار والكبار، ثم الباغتة لهم من جميع الأقطار، امتثالا لأمر ~~الواحد القهار، وكان مخرجهما من اللسان الذي هو قلب المخارج الثلاثة ~~لتوسطه وكثرة منافعه في ذلك، وكانت الياء من وسطه والسين من طرفه، وكان ~~هذان المخرجان، مع كونهما وسطا، مدارا لأكثر الحروف، هذا مع ما لهما من ~~الأسرار التي تدق عن تصور الأفكار، قال تعالى: { يس * } وإن كان المعنى: ~~يا إنسان، فهو قلب الموجودات المخلوقات كلها وخالصها وسرها ولبابها، وإن ~~أريد: يا سيد، فهو خلاصة من سادهم، وإن أريد: يا رجل، فهو خلاصة البشر، ~~وإن أريد: يا محمد، فهو خالصة الرجال الذين هم لباب البشر الذين هم سر ~~الأحياء الذين هم عين الموجودات فهو خلاصة الخلاصة وخيار وعين القلب، ms3880 ~~وكأن من قال معناه محمد نظر إلى الإتحاد في عدد اسمه صلى الله عليه وسلم ~~بالجمل بالنظر إلى اليمين في المشددة وعدد { قلب } وعدد اسمي الحرفين، ~~ولا يخفى أن الهمزة في اسم الياء ألف ثانية، فمبلغ عدده اثنا عشر. # ولما تقدم في الملائكة إثبات رسالة النبي صلى الله عليه وسلم وتهديد ~~قومه على النفرة عنه، وأن مرسله تعالى بصير بعباده، عالم بما يصلحهم ومن ~~يصلح منهم للرسالة وغيرها، وكان مدار مادة " قرأ " - كما مضى في سورة ~~الحجر - الجمع مع الفرق، وكان ذلك أعلى مقامات السائرين إلى الله وهو ~~وظيفة القلب، عبر في القسم بقوله: { والقرآن } ووصفه بصفة القلب العازف ~~فقال: { الحكيم * } أي الجامع من الدلالة على العلم المزين بالعمل ~~والإرشاد إلى العمل المحكم بالعلم. # ولما كان قد ثبت في سورة الملائكة أنه سبحانه الملك الأعلى، لما ثبت له ~~من تمام القدرة وشمول العلم، وكان من أجل ثمرات الملك إرسال الرسل إلى ~~الرعايا بأوامر الملك وردهم عما هم عليه مما دعتهم إليه النفوس، وقادتهم ~~إليه الشهوات والحظوظ، إلى ما يفتحه لهم من الكرم، ويبصرهم به من الحكم، ~~وكانت الرسالة أحد الأصول الثلاثة التي تنقل الإنسان من الكفر إلى ~~الإيمان، وكانت هي المنظور إليها أولا لأنها السبب في الأصلين الآخرين، ~~وكانوا قد ردوا رسالته نفورا واستكبارا، قال مقدما لها تقديم السببعلى ~~مسببه على وجه التأكيد البليغ مع ضمير الخطاب الذي لا يحتمل لبسا: { إنك ~~لمن المرسلين * } أي الذين حكمت عقولهم على دواعي نفوسهم، فصاروا - بما ~~وهبهم الله القوة النورانية - كالملائكة الذين قدم في السورة الماضية ~~أنهم رسله وفي عدادهم بما تخلقوا به من أوامره ونواهيه وجميع ما يرتضيه. # ولما كان الأنبياء عليهم السلام من نوره صلى الله عليه وسلم، لأنه أولهم ~~خلقا وآخرهم بعثا، فكانوا في الحقيقة إنما هم ممهدون لشرعه، وكان ~~سبحانه إنما أرسله ليتمم مكارم الأخلاق، وكان قد جعل سبحانه من المكارم ~~أن لا يكلم الناس إلا بما تسع عقولهم، وكانت عدة المرسلين كما في حديث ~~أبي أمامة الباهلي عن ms3881 أبي ذر رضي الله عنهما عند أحمد في المسند ثلاثمائة ~~وخمسة عشر، وفيه أن الأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا، وهو في ~~الطبراني الكبير عن أبي أمامة رضي الله عنه أن رجلا سأل النبي صلى الله ~~عليه وسلم فذكر عدد الرسل فقط، وكانت عقول العرب لا تسع بوجه قبل الإيمان ~~أنهم منه، أقسم سبحانه ظاهرا أنه منهم ورمزا للأصفياء باطنا إلى أنهم ~~منه، بجعلهم عدد أسماء حروف اسمه محمد صلى الله عليه وسلم الذي رمز إليه ~~بالحرفين أول السورة، فكأنه قال: إنك يا ياسين الذي تأويله محمد الذي عدد ~~أسماء حروفه بعددهم لأصلهم، فصار رمزا في رمز، وكنزا نفيسا داخل كنز، ~~وسرا من سر، وبرا إلى بر، وهو أحلى في منادمة الأحباب من صريح الخطاب، ~~ثم علق باسم المفعول قوله: { على صراط } أي طريق واسع واضح { مستقيم * } ~~أي أنت من هؤلاء الذين قد ثبت لهم أنهم عليه، وهو الصراط المستقيم الأكمل ~~المتقدم في الفاتحة لأنه لخواص المنعم عليهم ولقوله تعالى في حق موسى ~~وهارون عليه السلام { وهديناهما الصراط المستقيم } فيكون تنوينه - بما ~~أرشد إليه القسم والتأكيد - للتعظيم، والمعنى أنهم قد ثبت لهم هذا الوصف ~~العظيم وأنت منهم بما شاركتهم فيه من الأدلة، فليس لأحد أن يخصك من بينهم ~~بالتكذيب. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما أوضحت سورة سبأ وسورة فاطر من عظيم ~~ملكه تعالى وتوحده بذلك وانفراده بذلك بالملك والخلق والاختراع ما تنقطع ~~العقول دون تصور أدناه، ولا تحيط من ذلك إلا بما شاء، وأشارت من البراهين ~~والآيات إلى ما يرفع الشكوك ويوضح السلوك مما كانت الأفكار قد خمدت عن ~~إدركها، واستولت عليها الغفلة فكانت قد جمدت عن معهود حراكها، ذكر سبحانه ~~بنعمة التحريك إلى اعتبارها بثنائه على من اختاره لبيان تلك الآيات، ~~واصطفاه لإيضاح تلك البينات، فقال تعالى { يس والقرآن الحكيم إنك لمن ~~المرسلين على صراط مستقيم } ثم قال { لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهو ~~غافلون } فأشار سبحانه إلى ما تثمر نعمة الإنذار، ويبعثه التيقظ ~~بالتذكار؛ ثم ذكر ms3882 علة من عمي بعد تحريكه وإن كان مسببا عن الطبع وشر ~~السابقة { لقد حق القول على أكثرهم } الآيات؛ ثم أشار بعد إلى بعض من عمي ~~عن عظيم تلك البراهين لأول وهلة قد يهتز عند تحريكه لسابق سعادته فقال ~~تعالى: { إنا نحن نحيي الموتى } فكذلك نفعل بهؤلاء إذا شئنا هدايتهم { أو ~~من كان ميتا فأحييناه } ثم ذكر دأب المعاندين وسبيل المكذبين مع بيان ~~الأمر فقال { واضرب لهم مثلا أصحاب القرية } - الآيات، واتبع ذلك سبحانه ~~بما أودع في الوجود من الدلائل الواضحة والبراهين فقال { ألم يروا كم ~~أهلكنا قبلهم من القرون } الآية، ثم قال { وآية لهم الأرض الميتة ~~أحييناها } إلى قوله: { أفلا تشكرون } ثم قال { وآية لهم اليل نسلخ منه ~~النهار } { وكل في فلك يسبحون } ثم قال { وآية لهم أنا حملنا ذريتهم } ~~إلى قوله: { إلى حين } ثم ذكر إعراضهم مع عظيم هذه البراهين وتكذيبهم ~~وسوء حالهم عند بعثتهم وندمهم وتوبيخهم وشهادة اعضائهم بأعمالهم، ثم ~~تناسجت الآية جارية على ما يلائم ما تقدم إلى آخر السورة - انتهى. # ولما كان كأنه قيل: ما هذا الذي أرسل به؟ كان كأنه قيل جوبا لمن سأل: ~~هو القرآن الذي وقع الإقسام به وهو { تنزيل } أو حاله كونه تنزيل { ~~العزيز } أي المتصف بجميع صفات الكمال. ولما كانت هذه الصفة للقهر ~~والغلبة، وكان ذلك لا يكون صفة كمال إلا بالرحمة قال: { الرحيم * } أي ~~الحاوي لجميع صفات الإكرام الذي ينعم على من يشاء من عباده بعد الإنعام ~~بإيجادهم بما يقيمهم على المنهاج الذي يرضاه لهم، فهو الواحد الذي لا مثل ~~له أصلا لما قهر به من عزته، وجبر به من رحمته. # نزل إليك وهو في جلالة النظم وجزالة القول وحلاوة السبك وقوة التركيب ~~ورصانة الوضع وحكيم المعاني وإحكام المباني في أعلى ذرى الإعجاز، وجعل ~~إنزاله تدريجا بحسب المصالح مطابقا مطابقة أعجزت الخلائق عن أن يأتوا ~~بمثلها، ثم نظمه على غير ترتيب النزول نظما أعجز الخلق عن أن يدركوا ~~جميع المراد من بحور معانيه وحكيم مبانيه، فكله إعجاز على ما له ms3883 من إطناب ~~وإيجاز. # ولما ذكر المرسل والمرسل به والمرسل؛ ذكر المرسل له فقال: { لتنذر ~~قوما } أي ذوي بأس وقوة وذكاء وفطنة { ما أنذر } أي لم ينذر أصلا { ~~آباؤهم } أي الذين غيروا دين أعظم آبائهم إبراهيم عليه السلام ومن أتى ~~بعدهم عند فترة الرسل. ولما كان عدم الإنذار موجبا لاستيلاء الحظوظ ~~والشهوات على العقل فيحصل عن ذلك الغفلة عن طريق النجاة قال: { فهم } أي ~~بسبب زمان الفترة { غافلون * } أي المعنى على ان " ما " مفعول ثان لتنذر: ~~أي لتنذرهم الذي أنذره آباؤهم الذين كانوا قبل التغيير، فإن هؤلاء غافلون ~~عن ذلك لطول الزمان وحدوث النسيان. ### || [36.7-11] # ولما كان تطاول الإقامة على شيء موجبا للإلف له، والإلف قتال لما يوجب ~~من الإصرار على المألوف لمحبته " وحبك للشيء يعمي ويصم " قال جوابا لمن ~~يتوقع الجواب عما أثمرته حالهم: { لقد حق القول } أي الكامل في بابه وهو ~~إيجاب العذاب بملازمة الغفلة { على أكثرهم فهم } أي بسبب ذلك { لا يؤمنون ~~* } أي بما يلقى إليهم من الإنذار بل يزيدهم عمى استكبارا في الأرض ومكر ~~السيىء. # ولما كان المعنى أنه لا يتجدد منهم إيمان بعد البيان الواضح والحكمة ~~الباهرة، وكان ذلك أمرا عجبا، علله بما يوجبه من تمثيل حالهم تصويرا ~~لعزته سبحانه وباهر عظمته الذي لفت الكلام إليه لإفهامه - وهذا الذي ذكر ~~هو اليوم معنى ومثال وفي الآخرة ذات ظاهر - وأنه ما انفك عنهم أصلا وما ~~زال، فقال: { إنا جعلنا } أي بما لنا من العظمة، وأكده لما لهم من ~~التكذيب { في أعناقهم أغلالا } أي من ظلمات الضلالات كل عنق غل، وأشار ~~بالظرف إلى أنها من ضيقها لزت اللحم حتى تثنى على الحديد فكاد يغطيه فصار ~~- والعنق فيه - كأنه فيها وهي محيطة به. # ولما كان من المعلوم أن الحديد إذا وضع في العنق أنزله ثقله إلى المنكب، ~~لم يذكر جهة السفل وذكر جهة العلو فقال: { فهي } أي الأغلال بعرضها واصلة ~~بسبب هذا الجعل { إلى الأذقان } جمع ذقن وهو مجتمع اللحيين، فهي لذلك ~~مانعة من مطاطأة الرأس. ولما كان هذا ms3884 من رفع الرأس فعل المتكبر، وكان ~~تكبرهم في غير موضعه، بين تعالى أنهم ملجؤون إليه فهو ذل في الباطن وإن ~~كان كبرا في الظاهر فقال: { فهم } أي بسبب هذا الوصول { مقمحون * } من ~~أقمح الرجل - إذا أقمحه غيره أي جعله قامحا أي رافعا رأسه غاضا بصره ~~لا ينظر إلا ببعض بصره هيئة المتكبر، وأصله من قولهم: قمح البعير - إذا ~~رفع رأسه عند الشرب ولم يشرب الماء، قال في الجمع بين العباب والمحكم: ~~قال بشر بن أبي حازم يصف سفينة، قال أبو حيان: ميتة أحدهم ليدفنها: # ونحن على جوانبها قعود # نغض الطرف كالإبل القماح # وقال الرازي في اللوامع: والمقمح: الذي يضرب رأسه إلى ظهره هيئة البعير، ~~وقال القزاز: والمقمح: الشاخص بعيينه الرافع رأسه. أبو عمرو: والقامح من ~~الإبل هو الذي لا يشرب وهو عطشان عطشا شديدا ولا تقبل نفسه الماء، ~~والقمح مصدر قمحت الشيء والاقتماح: أخذك الشيء في راحتك ثم تقمحه في فيك ~~أي تبتلعه، والاسم القمحة كاللقمة والأكلة - انتهى. وكأن المقمح من هذا ~~لأن هيئته عند هذا الابتلاع رفع الرأس وغض الطرف أو شخوصه إذا عسر عليه ~~الابتلاع - والله أعلم, فهذا تمثيل لرفعهم رؤوسهم عن النظر إلى الداعي ~~تكبرا وشماخة بحيث لو أمكنهم أن يسكنوا الجو لم يتأخروا صلافة وتيها، ~~أو لأنهم يتركون هذا الأمر العظيم الحسن الجدير بأن يقبل عليه ويتروى منه ~~وهم في غاية الحاجة إليه، فهم ذلك كالبعير القامح، إنما منعه من الماء مع ~~شدة عطشه مانع عظيم أقمحه، ولكنه خفي أمره فلم يعلم ما هو، ولذلك بنى ~~الاسم للمفعول إشارة إلى أنهم مقهورون على تفويت حظهم من هذا الأمر ~~الجليل. # ولما كان الرافع رأسه غير ممنوع من النظر أمامه قال: { وجعلنا } أي ~~بعظمتنا. ولما كان المقصود حجبهم عن خير مخصوص، وهو المؤدي إلى السعادة ~~الكاملة لا عن كل ما ينفعهم، أدخل الجار فقال: { من بين أيديهم } أي ~~الوجه الذي يمكنهم علمه { سدا }. ولما كان الإنسان إذا انسدت عليه جهة ~~مال إلى أخرى قال: { ومن خلفهم } أي الوجه ms3885 الذي هو خفي عنهم، وأعاد السد ~~تأكيدا لإنكارهم ذلك وتحقيقا لجعله فقال: { سدا } أي فصارت كل جهة ~~يلتفت إليها منسدة، فصاروا لذلك لا يمكنهم النظر إلى الحق ولا الخلوص ~~إليه، فلذلك قال: { فأغشيناهم } أي جعلنا على أبصارهم بما لنا من العظمة ~~غشاوة { فهم } أي بسبب ذلك { لا يبصرون * } أي لا يتجدد لهم هذا الوصف من ~~إبصار الحق وما ينفعهم ببصر ظاهر وبصيرة باطنة أصلا. ولما منعوا بذلك حس ~~البصر، أخبر عن حس السمع فقال: { وسواء } أي مستو ومعتدل غاية الاعتدال ~~من غير نوع فرق؛ وزاد في الدلالة على عدم عقولهم بالتعبير بأداة ~~الاستعلاء إيذانا بأنهم إذا امتنعوا مع المستعلي كانوا مع غيره أشد ~~امتناعا فقال: { عليهم ءأنذرتهم } أي ما أخبرناك به من الزواجر المانعة ~~من الكفر { أم لم تنذرهم } ثم بين أن الذي استوى حالهم فيه بما سببه ~~الإغشاء عدم الإيمان، فقال مستانفا: { لا يؤمنون * }. # ولما بين ما كان السبب المانع لهم من الإبصار، علم أن السبب المانع من ~~السمع مثله، لأن المخبر عزيز، فهو إذا فعل شيئا كان على وجه لا يمكن فيه ~~حيلة. ولما أخبر أن الأكثر بهذه الصفة، استشرف السامع إلى أمارة يعرف بها ~~الأقل الناجي لأنه المقصود بالذات فقال جوابا له: { إنما تنذر } أي ~~إنذارا ينتفع به المنذر فيتأثر عنه النجاة، فالمعنى: إنما يؤمن بإنذارك ~~{ من اتبع الذكر } أي أجهد نفسه في اتباع كل ما يذكر بالله من القرآن ~~وغيره ويذكر به صاحبه ويشرف { وخشي الرحمن } أي خاف العام الرحمة خوفا ~~عظيما، ودل لفت الكلام عن مظهر العظمة إلى الوصف بالرحمانية على أن أهل ~~الخشية يكفيهم في الاتعاظ التذكير بالإحسان { بالغيب } أي بسبب ما يخبر ~~به من مقدوراته الغائبة لا سيما البعث الذي كان اختصاصها بغاية بيانه ~~بسبب كونها قلبا من غير طلب آية كاشفة للحجاب بحيث يصير الأمر عن شهادة ~~لا غيب فيه، بل تجويزا لما يجوز من انتقامه ولو بقطع إحسانه، لما ثبت له ~~في سورة فاطر من القدرة والاختيار، ويخشاه أيضا خشية خالصة ms3886 في حال غيبته ~~عمن يرائيه من الناس، فهؤلاء هم الذين ينفعهم الإنذار، وهو المتقون الذين ~~ثبت في البقرة أن الكتاب هدى لهم، وغيرهم لا سبيل إلى استقامته، فلا تذهب ~~نفسك عليهم حسرات، فإنه ليس عليك إلا الإنذار، إن الله عليم بما يصنعون، ~~فمن علم منه هذه الخشية أقبل به، ومن علم منه القساوة رده على عقبه بما ~~حال دونه من الغشاوة - والله الموفق. # ولما دل السياق على أن هذا نفع نفسه، تشوف السامع إلى معرفة جزائه، فقال ~~مفردا الضمير على النسق الماضي في مراعاة لفظ " من " دلالة على قلة هذا ~~الصنف من الناس بأجمعهم في هذه السورة الجامعة بكونها قلبا لما تفرق في ~~غيرها: { فبشره } أي بسبب خشيته بالغيب { بمغفرة } أي لذنوبه وإن عظمت ~~وإن تكررت مواقعته لها وتوبته منها، فإن ذلك لا يمنع الاتصاف بالخشية. ~~ولما حصل العلم بمحو الذنوب عينها وأثرها قال: { وأجر كريم * } أي دار ~~عظيم هنيء لذيذ متواصل، لا كدر فيه بوجه. ### || [36.12-16] # ولما بين الأصل الثاني هو الرسالة وأتبعها ثمرتها المختومة بالبشارة، ~~وكان الأصل الثالث في الإيمان - وهو البعث - سببا عظيما في الترقية إلى ~~اعتقاد الوحدانية التي هي الأصل الأول، وكان أكثر الخائفين منه سبحانه ~~مقترا عليهم في دنياهم منغضة عليهم حياتهم، علل هذه البشارة إعلاما بأن ~~هذا الأجر في هذه الدار بالملابس الباطنة الفاخرة من المعارف والسكينة ~~والبركات والطمأنينة، وبعد البعث بالملابس الطاهرة الزاهرة المسببة عن ~~الملابس الدنيوية الباطنة الخفية من غير أهلها، بشارة لهم ونذارة للقسم ~~الذي قبلهم بقوله، مقدما للبعث لما ذكر من فائدته، لافتا القول إلى ~~مظهر العظمة إيذانا بعظمة هذه المقاصد وبأنه لا يحمي لهؤلاء الخلص مع ~~قلتهم ومباينتهم للأولين مع كثرتهم إلا من له العظمة الباهرة: { إنا نحن ~~} أي بما لنا من العظمة التي لا تضاهى { نحيي } أي بحسب التدريج الآن ~~وجملة في الساعة { الموتى } أي كلهم حسا بالبعث ومعنى بالإنقاذ إذا ~~أردنا من ظلم الجهل { ونكتب } أي من صالح وغيره شيئا فشيئا بعده فلا ~~يتعدى التفصيل شيئا في ms3887 ذلك الإجمال { ما قدموا } من جميع أفعالهم ~~وأحوالهم وأقوالهم جملة عند نفخ الروح { وآثارهم } أي سننهم التي تبقى من ~~بعدهم صالحة كانت أو غير صالحة، ونجازي كلا بما يستحق في الدار الآخرة ~~التي الجزاء فيها لا ينقطع، فلا أكرم منه إذا كان كريما. # ولما كان ذلك ربما أوهم الاقتصار على كتابة ما ذكر من أحوال الآدميين أو ~~الحاجة إلى الكتابة، دل على قدرته على ما لا تمكن القدرة عليه لأحد غيره ~~في أقل قليل مما ذكر، فكيف بما فوقه، فقال ناصبا عطفا لفعليه وهي " ~~تكتب ": { وكل شيء } أي من أمر الأحياء وغيرهم { أحصيناه } أي قبل إيجاده ~~بعلمنا القديم إحصاء وكتبناه { في إمام } أي كتاب هو أهل لأن يقصد { مبين ~~* } أي لا يخفى فيه شيء من جميع الأحوال على أحد أراد علمه منه، فلله هذه ~~القدرة الباهرة والعظمة الظاهرة والعزة القاهرة، فالآية من الاحتباك: دل ~~فعل الإحصاء على مصدره وذكر الإمام على فعل الكتابة. # ولما انتهى الكلام إلى هنا، وكان مقصود السورة كما سلف إثبات الرسالة ~~لإنذار يوم الجمع، وكان الإنذار غاية، وكانت الغايات هي المقاصد بالذات، ~~وكانت غاية الإنذار اتباع الذكر، فكان ذلك غاية الغاية، كان الكلام على ~~المتبعين أولى بالتقديم على أنه يلزم من الكلام فيهم الكلام في أضدادهم, ~~وهم المعرضون الذين حق عليهم القول والكلام على اليوم المنذر به، فلذلك ~~ضرب المثل الجامع لذلك كله، ومر إلى أن صور البعث تصويرا لم يتقدم مثله، ~~ثم عطف بآية الطمس وما بعدها على القسم المعرض، ثم رجع إلى الكلام على ~~الرسول والكتاب. # ولما دل سبحانه على ما له من القدرة الكاملة بالأفعال الهائلة من كل من ~~الإماتة والإحياء الحسيين والمعنويين إبداء وإعادة، وكان ضرب الأمثال ~~بالمشاهدات ألصق شيء بالبال، وأقطع للمراء والجدال، وأكتشف لما يراد من ~~الأحوال، قال عاطفا على { فبشره } مبينا للأصل الثالث الذي هو الأول ~~بالأصالة المقصود بالذات، وهو التوحيد، ضاما إليه الأصلين الاخرين، ~~ليكون المثل جامعا، والبرهان به واضحا ساطعا: { واضرب لهم } أي لأجلهم ~~بشارة بما يرجى ms3888 لهم عند إقبالهم، ونذارة لما يخشى عليهم عند إعراضهم ~~وإدبارهم { مثلا } أي مشاهدا في إصرارهم على مخالفة الرسول وصبره عليهم ~~ولطفه بهم، لأنا ختمنا على قلوبهم على الكفران مع قربهم منك في النسب ~~والدار، وفوز غيرهم لأنا نورنا قلوبهم مع البعد في النسب والدار بالإيمان ~~وثمراته الحسان، لأنهم يخشون الرحمن بالغيب، ولا يثبتون على الغباوة ~~والريب. # ولما ذكر المثل، أبدل منه قوله: { أصحاب القرية } التي هي محل الحكمة ~~واجتماع الكلمة وانتشار العلم ومعدن الرحمة. ولما كان الممثل به في ~~الحقيقة إنما هو إخبارها بأحوال أهلها لأنها وجه الشبه، وكانت أخبارها ~~كثيرة في أزمنة مديدة، وعين المراد بقوله: { إذ } وهي بدل اشتمال من ~~القرية مسلوخة من الظرفية. ولما كان الآتي ناحية من بلد وإن عظم يعد في ~~العرف آتيا لذلك البلد، أعاد الضمير على موضع الرسالة تحقيقا له ~~وإبلاغا في التعريف بمقدار بعد الأقصى فقال: { جاءها } أي القرية لإنذار ~~أهلها { المرسلون * } أي عن الله لكونهم عن رسوله عيسى عليه السلام ~~أرسلهم بأمره لإثبات ما يرضيه سبحانه ونفي ما يكرهه الذين هم من جملة من ~~قيل في فاطر إنهم جاؤوا بالبينات وبالزبر، والتعريف إما لكونهم يعرفون ~~القرية ويعرفون أمرها، وإما لأنه شهير جدا فهم بحيث لو سألوا أحدا من ~~أهل الكتاب الذين يعتنون بها أخبرهم به، لأنه قد عهد منهم الرجوع إليهم ~~بالسؤال ليبينوا لهم - كما زعموا - مواضع الإشكال. # ولما كان أعظم مقاصد السياق تسلية النبي صلى الله عليه وسلم في توقفهم ~~عن المبادرة إلى الإيمان به مع دعائه بالكتاب الحكيم إلى صراط المستقيم، ~~وكان في المشاركة في المصائب أعظم تسلية، أبدل من قوله { إذ جاءها } ~~تفصيلا لذلك المجيء قوله، مسندا إلى نفسه المقدس لكونه أعظم في ~~التسلية: { إذ أرسلنا } أي على ما لنا من العظمة. ولما كان المقصود ~~بالرسالة أصحابها قال: { إليهم اثنين } أي ليعضد أحدهما الآخر فيكون أشد ~~لأمرهما فأخبراهم بإرسالهما إليهم كأن قالا: نحن رسولان إليكم لتؤمنوا ~~بالله { فكذبوهما } أي مع ما لهما من الآيات، لأنه من المعلوم أنا ms3889 ما ~~أرسلنا رسولا إلا كان معه من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، سواء كان ~~عنا من غير واسطة أو كان بواسطة رسولنا، كما كان للطفيل بن عمرو الدوسي ~~ذي النور لما ذهب إلى قومه وسأل النبي صلى الله عليه وسلم أن تكون آية ~~فكانت نورا في جبهته، ثم سأل أن تكون في غير وجهه فكانت في سوطه. # ولما كان التضافر على الشيء أقوى لشأنه، وأعون على ما يراد منه، سبب عن ~~ذلك قوله حاذفا المفعول لفهمه من السياق، ولأن المقصود إظهار الاقتدار ~~على إيقاع الفعل وتصريفه في كل ما أريد له: { فعززنا } أي فأوقعنا العزة، ~~وهي القوة والشدة والغلبة، لأمرنا أو لرسولنا بسبب ما وقع لهما من الوهن ~~بالتكذيب فحصل ما أردنا من العزة - بما أشارت إليه قراءة أبي بكر عن عاصم ~~بالتخفيف { بثالث } أرسلناه بما أرسلناهما به { فقالوا } أي الثلاثة بعد ~~أن أتوهم وظهر لهم إصرارهم على التكذيب، مؤكدين بحسب ما رأوا من تكذيبهم: ~~{ إنا إليكم } أي لا إلى غيركم { مرسلون * قالوا } أي أهل القرية: { ما ~~أنتم } أي وإن زاد عددكم { إلا } ولما نقض الاستثناء النفي زال شبهة ما ~~تلبس فزال عملها فارتفع قوله: { بشر مثلنا } أي فما وجه الخصوصية لكم في ~~كونكم رسلا دوننا، ولما كان التقدير: فما أرسلتم إلينا بشيء، عطفوا عليه ~~قوله: { وما أنزل الرحمن } أي العام الرحمة، فعموم رحمته مع استوائنا في ~~عبوديته تقتضي أن يسوي بيننا في الرحمة فلا يخصكم بشيء دوننا، وأعرقوا في ~~النفي بقولهم: { من شيء }. # ولما كان الإتيان على ما ذكر محتملا للغلط ونحوه، قالوا دافعين لذلك: { ~~إن } أي ما { أنتم إلا تكذبون * } أي حالا ومآلا { قالوا } أي الرسل: { ~~ربنا } أي الذي لو لم يكن لنا وازع عن الكذب عليه إلا إحسانه إلينا لكان ~~كافيا { يعلم } أي ولذلك يظهر على أيدينا الآيات، ويحمينا ممن يكيدنا، ~~وهذه العبارة تجري مجرى القسم، وكذا نحو { شهد الله }. ولما واجهوهم بهذا ~~التكذيب المبالغ في تأكيده زادوا في تأكيد جوابه فقالوا: { إنا إليكم } ~~أي خاصة ms3890 { لمرسلون * } ما أتيناكم غلطا ولا كذبا، فالأول ابتداء أخبار، ~~وهذان جوابا إنكار، فأعطى كلا ما يستحق. ### || [36.17-24] # ولما قرروا ذلك عندهم، اتبعوه بدليله وبالإعلام بأن وبال التكذيب لا ~~يلحقهم منه ضرر، إشارة لهم إلى الإنذار من عذاب الملك الجبار فقالوا: { ~~وما علينا } أي وجوبا من قبل من أرسلنا، وهو الله تعالى الذي له الأمر ~~كله { إلا البلاغ المبين * } أي المؤيد بالأدلة القطعية من الحجج القولية ~~والفعلية بالمعجزات وغيرها، فلولا أنه يعلم لما أمكننا شيء من ذلك كما أن ~~آلهتكم لما لم يكن لها علم لم يقدروا على بيان في أمرها بشيء، وإذ قد ثبت ~~علم مرسلنا برسالتنا فهو الشاهد لنا بما يظهر على أيدينا وكفى به شهيدا. # ولما كان حلول الصالحين بين الناس يكون تارة نعمة وأخرى نقمة باعتبار ~~التصديق والتكذيب والإساءة والإحسان، فكان قد حصل لهؤلاء الذين كذبوا ~~هؤلاء الرسل بلاء لتكذيبهم لهم من جدب الأرض وصعوبة الزمان، ونحو ذلك من ~~الامتحان، ذكر ما أثره ذلك عند أهل القرية فقال: { قالوا } ولما كانوا ~~لما يرون عليهم من الآيات وظاهر الكرامات مما يشهد ببركتهم ويمن نقيبتهم ~~بحيث إذا ذموهم توقعوا تكذيب الناس لهم، أكدوا قولهم: { إنا تطيرنا } أي ~~حملنا أنفسنا على الطيرة والتشاوم تطيرا ظاهرا - بما أشار إليه الإظهار ~~بخلاف ما في النمل والأعراف { بكم } بنسبة ما حل بنا من البلاء إلى ~~شومكم، لأن عادة الجهال التيمن بما مالوا إليه ويسندون ما حل بهم من نعمة ~~إلى يمنة والتشاوم بما كرهوه، ويسندون ما أصابهم من نقمة إلى شومه؛ ثم ~~إنهم استأنفوا استئناف النتائج قولهم على سبيل التأكيد إعلاما بأن ما ~~أخبروا به لا فترة لهم عنه وإن كان مثلهم مستبعدا عند العقلاء: { لئن لم ~~تنتهوا } أي عن دعائكم هذا { لنرجمنكم } أي لنشتمنكم أو لنرمينكم ~~بالحجارة حتى تنتهوا أو لنقتلنكم شر قتلة. ولما كان الإنسان قد يفعل ما ~~لا يؤخذ أثره فقالوا معبرين بالمس دون الإمساس: { وليمسنكم منا } أي ~~عاجلا لا من غيرنا كما تقولون أنتم في تهديدكم إيانا بما يحل ms3891 بنا ممن ~~أرسلكم { عذاب أليم * } حتى تنتهوا عنا لنكف عن إيلامكم { قالوا } أي ~~الرسل: { طائركم } أي شومكم الذي أحل بكم البلاء { معكم } وهو أعمالكم ~~القبيحة التي منها تكذيبكم. # ولما كان لم يبد منهم غير ما يقتضي عند النظر الصحيح التيمن والبركة، ~~وهو التذكير بالله الذي بيده الخير كله، أنكروا عليهم تطيرهم منهم على ~~وجه مبين أنه لا سبب لذلك غيره فقالوا: { أئن ذكرتم } أي الأجل إن حصل ~~لكم تذكير بالله تطيرتم بنا؟ ولما كان ذلك لا يصح أن يكون سببا للتطير ~~بوجه، أضربوا عنه منبهين لهم على أن موضع الشوم إسرافهم لا غير فقالوا: { ~~بل } أي ليس الأمر كما زعمتم في أن التذكير سبب للتطير بل { أنتم قوم } ~~أي غركم ما آتاكم الله من القوة على القيام فيما تريدون { مسرفون * } أي ~~عادتكم الخروج عن الحدود والطغيان فعوقبتم لذلك. # ولما كان السياق لأن الأمر بيد الله، فلا هادي لمن أضل ولا مضل لمن هدى، ~~فهو يهدي البعيد في البقعة والنسب إذا أراد، ويضل القريب فيهما إن شاء، ~~وكان بعد الدار ملزوما في الغالب لبعد النسب، قدم مكان المجيء على فاعله ~~بيانا لأن الدعاء نفع الأقصى ولم ينفع الأدنى فقال: { وجاء من أقصا } أي ~~أبعد - بخلاف ما مر في سورة القصص؛ ولأجل هذا الغرض عدل عن التعبير ~~بالقرية كما تقدم وقال: { المدينة } لأنها أدل على الكبر المستلزم لبعد ~~الأطراف وجمع الأخلاط. ولما بين الفاعل بقوله: { رجل } بين اهتمامه ~~بالنهي عن المنكر ومسابقته إلى إزالته كما هو الواجب بقوله: { يسعى } أي ~~يسرع في مشيه فوق المشي ودون العدو حرصا على نصيحة قومه. # ولما تشوفت النفس إلى الداعي إلى إتيانه، بينه قوله: { قال } واستعطفهم ~~بقوله: { يا قوم } وأمرهم بمجاهدة النفوس بقوله: { اتبعوا المرسلين * } ~~أي في عبادة الله وحده وكل ما يأمرونكم به؛ ثم نبههم على الداعي إلى ~~اتباعهم والمانع من الإعراض عنهم بقوله، معدا الفعل دلالة على شدة ~~اهتمامه به: { اتبعوا } أي بغاية جهدكم { من لا يسئلكم } أي في حال من ~~الأحوال { أجرا } ولما ms3892 كان أفرد الضمير نظرا إلى لفظ " من " دلالة على ~~وجوب الاتباع لمن اتصف بهذا الأمر الدال على الرسالة وإن كان واحدا، جمع ~~بيانا للأولوية بالتظافر والتعاضد والاتفاق في الصيانة والبعد عن الدنس، ~~الدال على اتحاد القصد الدال على تحتم الصدق فقال: { وهم مهتدون * } أي ~~ثابت لهم الاهتداء لا يزايلهم، ما قصدوا شيئا إلا أصابوا وجه صوابه، ~~فتفوزوا بالدين الموجب للفوز بالآخرة، ولا يفوتكم شيء من الدنيا، فأتى ~~بمجامع الترغيب في هذا الكلام الوجيز. # ولما أفهم السياق أنه قال: فإني اتبعتهم في عبادة الله، بنى عليه قوله ~~جوابا لمن يلومه على ذلك وترغيبا فيما اختاره لنفسه وتوبيخا لمن ~~يأباه: { وما } أي وأي شيء { لي } في أني { لا أعبد الذي فطرني } أي ~~وإليه أرجع، فله مبدئي ومعادي، وما لكم لا تعبدون الذي فطركم { وإليه } ~~أي لا إلى غيره { ترجعون * } كذلك, فهو يستحق العبادة شكرا لما أنعم به ~~في الابتداء, وخوفا من عاقبته في الانتهاء, فالآية من الاحتباك: حذف " ~~وإليه أرجع " أولا لما دل عليه ثانيا، وإنكاره عليهم ثانيا بما دل ~~عليه أولا من إنكاره على نفسه استجلابا لهم بإظهار الإنصاف، والبعد عن ~~التصريح بالخلاف، وفيه تنبيه لهم على موجب الشكر، وتهديد على ارتكاب ~~الكفر. # ولما أمر صريحا ونهى تلويحا، ورغب ورهب، ووبخ وقرع، وبين جلالة من آمن ~~به ومن كانوا سببا في ذلك، أنكر على من يفعل غيره بالإنكار على نفسه، ~~محقرا لمن عبدوه من دون الله وهو غارقون في نعمه، فقال مشيرا بصيغة ~~الافتعال إلى أن في ذلك مخالفة للفطرة الأولى: { ءأتخذ } وبين علو رتبته ~~سبحانه بقوله: { من دونه } أي سواء مع دنو المنزلة؛ وبين عجز ما عبدوه ~~بتعدده فقال: { آلهة } ثم حقق ذلك بقوله مبينا بأداة الشك أن النفع أكثر ~~من الضر ترغيبا فيه سبحانه: { إن يردن } إرادة خفيفة بما أشار إليه حذف ~~الياء، أو شديدة بما أشار إليه إثباتها، ظاهرة بما دل عليه تحريكها، أو ~~خفية بما نبه عليه إسكانها. # ولما ذكرهم بإبداعه سبحانه له إرشادا إلى أنهم كذلك، ms3893 صرح بما يعمهم ~~فقال: { الرحمن } أي العام النعمة على كل مخلوق من العابد والمعبود، ~~وحذرهم بقوله: { بضر } وأبطل أنهى ما يعتقدونه فيها بقوله: { لا تغن عني ~~} أي وكل أحد مثلي في هذا { شفاعتهم } أي لو فرض أنهم شفعوا ولكن شفاعتهم ~~لا توجد { شيئا } من إغناء. # ولما دل بإفراد الشفاعة على عدهم عدما ولو اتحدت شفاعتهم وتعاونهم في ~~آن واحد، دل بضمير الجمع على أنهم كذلك سواء كانوا مجتمعين أو متفرقين ~~فقال: { ولا ينقذون * } أي من مصيبته إن دعا الأمر إلى المشاققة بما ~~أراده فإنه بمجرد إرادته يكون مراده، إنفاذا ضعيفا - بما أشار إليه من ~~حذف الياء، ولا شديدا - بما دل عليه من أثبتها ظاهرا خفيا، ثم استأنف ~~ما يبين بعد ذلك عن فعل العقلاء الناصحين لأنفسهم بقوله مؤكدا له بأنواع ~~التأكيد لأجل إنكارهم له بعدم رجوعهم عن معبوداتهم: { إني إذا } أي إذا ~~فعلت ذلك الاتخاذ { لفي ضلال } أي محيط بي لا أقدر معه على نوع اهتداء { ~~مبين * } أي واضح في نفسه لمن لم يكن مظروفا له، موضح لكل ناظر ما هو ~~فيه من الظلام. ### || [36.25-29] # ولما أقام الأدلة ولم يبق لأحد تخلف عنه علة، صرح بما لوح إليه من ~~إيمانه، فقال مظهرا لسروره بالتأكيد وقاطعا لما يظنونه من أنه لا يجترئ ~~على مقاطعتهم كلهم بمخالفتهم في أصل الدين: { إني آمنت } أي أوقعت ~~التصديق الذي لا تصديق في الحقيقة غيره بالرسل مؤمنا لهم من أن أدخل ~~عليهم نوع تشويش من تكذيب أو غيره. ولما أرشدهم بعموم الرحمانية تلويحا، ~~صرح لهم بما يلزمهم شكره من خصوص الربوبية فقال: { بربكم } أي بسبب الذي ~~لا إحسان عندكم إلا منه قد نسيتم ما له لديكم من الربوبية والرحمانية ~~والإبداع، وزاد في مصارحتكم إظهارا لعدم المبالاة بهم بقوله: { فاسمعون ~~} أي سماعا إن شئتم أشعتموه، وإن شئتم كتمتموه - بما دل عليه حذف الياء ~~وإثباتها، فلا تقولوا بعد ذلك: ما سمعناه، ولو سمعناه لفعلنا به. فوثبوا ~~إليه وثبة رجل واحد فقتلوه، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم ms3894 أن مثل ~~صاحب يس هذا في هذه الأمة عروة بن مسعود الثقفي حيث بادى قومة الإسلام، ~~ونادى على عليته بالأذان، فرموه بالسهام فقتلوه. # ولما كان من المعلوم - بما دل عليه من صلابتهم في تكذيبهم الرسل ~~وتهديدهم مع ما لهم من الآيات - أنهم لا يبقون هذا الذي هو من مدينتهم ~~وقد صارحهم بما إن أغضوا عنه فيه انتقض عليهم أكثر أمرهم، لم يذكره تعالى ~~عدا له عداد ما لا يحتاج إلى ذكره، وقال جوابا لمن تشوف إلى علم حاله ~~بعد ذلك بقوله إيجازا في البيان ترغيبا لأهل الإيمان: { قيل } أي له ~~بعد قتلهم إياه، فبناه للمفعول وحذفه لأن المقصود القول لا قائله والمقول ~~له معلوم: { ادخل الجنة } لأنه شهيد، والشهداء يسرحون في الجنة حيث شاؤوا ~~من حين الموت. # ولما كان الطبع البشري داعيا إلى محبة الانتقام ممن وقع منه الأذى بين ~~سبحانه أن الأصفياء على غير ذلك الحال، فقال مستأنفا: { قال يا ليت قومي ~~} أي الذين فيهم قوة لما يراد منهم، فلو كانت قوتهم على الكفار لكانت ~~حسنة { يعلمون * } ولما أريد التصريح بوقوع الإحسان إليه، حل المصدر إلى ~~قوله: { بما غفر لي } أي أوقع الستر لما كنت مرتكبا له طول عمري من ~~الكفر به بإيمان في مدة يسيرة { ربي } أي الذي أحسن إلي في الأخرى بعد ~~إحسانه في الدنيا { وجعلني } ولما كان الأنس أعظم فوز، عدل عن أن يقول " ~~مكرما " إلى قوله: { من المكرمين * } أي الذين أعطاهم الدرجات العلى ~~بقطعهم جميع أعمارهم في العبادة، فنصح لقومه حيا وميتا يتمنى علمهم ~~بإكرامه تعالى له ليعملوا مثل عمله فينالوا ما ناله، وفي قصته حث على ~~المبادرة إلى مفارقة الأشرار واتباع الأخيار، والحلم عن أهل الحهل وكظم ~~الغيظ, والتلطف في خلاص الظالم من ظلمه, وأنه لا يدخل أحد الجنة إلا ~~برحمة الله وإن كان محسنا، وهذا كما وقع للأنصار رضي الله عنهم في ~~المبادرة إلى الإيمان مع بعد الدار والنسب، وفي قول من استشهد منهم في ~~بئر معونة - كما رواه البخاري في المغازي عن ms3895 أنس رضي الله عنه: بلغوا ~~قومنا أنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا، وفي غزوة أحد كما في السيرة ~~وغيرها لما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم وحسن مقيلهم: يا ليت إخواننا يعلمون ~~ما صنع الله بنا لئلا يزهدوا في الجهاد ولا ينكلوا عن الحرب، فقال تبارك ~~وتعالى: فأنا أبلغهم عنكم، فأنزل الله تعالى على رسوله صلى الله عليه ~~وسلم { ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا } الآيات في سورة آل ~~عمران، وفي التمثيل بهذه القصة إشارة إلى أن في قريش من ختم بموته على ~~الكفر ولم ينقص ما ضرب له من الأجل, فهو سبحانه يؤيد هذا الدين بغيرهم ~~لتظهر قدرته وليستوفي الآجال أولئك، ثم يقبل بقلوب غيرهم، فتظهر مع ذلك ~~حكمته - إلى غير ذلك من ينابيع المعاني، وثابت المباني. # ولما كان سبحانه قد جعل أكثر جند هذا النبي الكريم من الملائكة فأيده ~~بهم في حالتي المسمالمة والمصادمة وحرسه ممن أراده في مكة المشرفة وبعدها ~~بهم، ذكره ذلك بقوله عاطفا على ما تقديره: وما أنزلنا على قومه قبل ~~قتلهم له من جند من السماء يحول بينهم وبين ذلك كما فعلنا بك إذ أراد أبو ~~جهل قتلك بالصخرة وأنت ساجد عند البيت وغيره بغير ذلك مما هو مفصل في ~~السير، وأما بعد الهجرة ففي غزوة الأحزاب إذ أرسلنا عليهم ريحا وجنودا ~~ردتهم خائبين، وفي غزوة أحد وبدر وحنين وغير ذلك: { وما أنزلنا } بما لنا ~~من العظمة { على قومه } أي صاحب يس { من بعده } أي بعد قتله، وأعرق في ~~النفي بقوله: { من جند } وحقق المراد بقوله: { من السماء } أي لإهلاكهم، ~~وحقق أن إرسال الجنود السماوية أمر خص به صلى الله عليه وسلم لأنه لحكم ~~ترجع إلى النصرة بغير الاستئصال فإنهم يتبدون في صور الآدميين ويفعلون ~~أفعالهم، وأما عذاب الاستئصال فإن السنة الإلهية جرت بأنه لا يكون بأكثر ~~من واحد من الملائكة لأنه أدل على الاقتدار، فلذلك قال تعالى: { وما كنا ~~منزلين * } أي ما كان ذلك من سنتنا، وما صح في حكمتنا أن يكون عذاب ms3896 ~~الاستئصال بجند كثير { إن } أي ما { كانت } أي الواقعة التي عذبوا بها { ~~إلا صيحة } صاحها بهم جبريل عليه السلام فماتوا عن آخرهم؟ وأكد أمرها ~~وحقق وحدتها بقوله: { واحدة } أي لحقارة أمرهم عندنا، ثم زاد في تحقيرهم ~~ببيان الإسراع في الإهلاك بقوله: { فإذا هم خامدون * } أي ثابت لهم ~~الخمود ما كأنهم كانت لهم حركة يوما من الدهر، ومن المستجاد في هذا قول ~~أبي العلاء أحمد ابن سليمان المعري: # وكالنار الحياة فمن رماد # أواخرها وأولها دخان ### || [36.30-33] # ولما أخبر عنهم سبحانه بما هو الحق من أمرهم، ورغبهم بما ضرب لهم من ~~المثل ورهبهم ولم ينفعهم ذلك، أنتج التأسيف عليهم وعلى الممثل بهم ومن ~~شابههم فقال تعالى: { يا حسرة } أي هذا الحال مستحق لملازمة حسرة عظيمة { ~~على العباد } فكأنه قيل لها: تعالى فهذا من أحوالك التي حقك أن تحضري ~~فيها، فإن هؤلاء أحقاء بأن يتحسر عليهم، والحسرة: شدة الندم على ما فات، ~~فأحرق فقده وأعيى أمره، فلا حيلة في رده، ويجوز أن يكون المعنى أن العباد ~~- لكثرة ما يعكسون من أعمالهم - لا تفارقهم أسباب الحسرة ولا حاضر معهم ~~غيرها، فلا نديم لهم إلا هي، ولا مستعلي عليهم وغالب لهم سواها. # ولما كان كأنه قيل: أي حال؟ قال مبينا له ومعللا للتحسر بذكر سببه: { ~~ما يأتيهم } وأعرق في النفي والتعميم بقوله: { من رسول } أي رسول كان في ~~أي وقت كان { إلا كانوا به } أي بذلك الرسول { يستهزءون * } أي يوجدون ~~الهزء، والرسل أبعد الخلق من الهزء حالا ومقالا وفعالا، ومن الواضح أن ~~المستهزئ بمن هذا حاله هالك فهو جدير بملازمة الحسرة وأن يتحسر عليه. # ولما أتم سبحانه الخبر عن أول أمر الممثل بهم وأول أمر المؤمن بهم ~~وآخره، وأذن هذا التحسر بأن هلاك المكذبين أمر لا بد منه، دل عليه معجبا ~~عن عدم نظرهم لأنفسهم ومهددا للسامعين منهم، ومحذرا من آخر أمر الممثل ~~بهم على وجه اندرج فيه جميع الأمم الماضية والطوائف الخالية بقوله: { ألم ~~يروا } أي يعلم هؤلاء الذين تدعوهم علما هو كالرؤية بما ms3897 صح عندهم من ~~الأخبار وما شاهدوه من الآثار: { كم أهلكنا } على ما لنا من العظمة، ودل ~~قوله: { قبلهم } - بكونه ظرفا لم يذكر فيه الجار - على أن المراد جميع ~~الزمان الذي تقدمهم من آدم إلى زمانهم، وإدخال الجار على المهلكين يدل ~~على أن المراد بعضهم، فرجع حاصل ذلك إلى أن المراد: انظروا جميع ما مضى ~~من الزمان هل عذب فيه قوم عذاب الاستئصال إلا بسبب عصيان الرسل فقال: { ~~من القرون } أي الكثيرة الشديدة الضخمة، والقرن - قال البغوي: أهل كل عصر ~~سموا بذلك لاقترانهم في الوجود { أنهم } أي لأن القرون. # ولما كان المراد من رسول ليس واحدا بعينه، وكانت صيغة فعول كفعيل يستوي ~~فيها المذكر والمؤنث والواحد والجمع، أعاد الضمير للجميع فقال: { إليهم } ~~أي إلى الرسل خاصة من حيث كونهم رسلا { لا يرجعون * } أي عن مذاهبهم ~~الخبيثة، ويخصون الرسل بالاتباع فلا يتبعون غيرهم أصلا في شيء من ~~الأشياء الدينية او الدنيوية فاطردت سنتنا ولن تجد لسنتنا تبديلا في أنه ~~كلما كذب قوم رسولهم أهلكناهم ونجينا رسولهم ومن تبعه، أفلا يخاف هؤلاء ~~أن نجريهم على تلك السنة القديمة القويمة ف " إن " تعليلية على إرادة ~~حذف لام العلة كما هو معروف في غير موضع، وضمير { أنهم } للمرسل إليهم، ~~وضمير { إليهم } للرسل، لا يشك في هذا من له ذوق سليم وطبع مستقيم، ~~والتعبير بالمضارع للدلالة على إمهالهم والتأني بهم والحلم عنهم مع ~~تماديهم في العناد بتجديد عدم الرجوع، و { يرجعون } هنا نحو قوله تعالى # ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون # [السجدة: 21] أي عن طرقهم الفاسدة - وهذا معنى الآية بغير شك، وليس بشيء ~~قول من قال: المعنى أن المهلكين لا يرجعون إلى الدنيا ليفيد الرد على من ~~يقول بالرجعة لأن العرب ليست ممن يعتقد ذلك، ولو سلم لم يحسن، لأن السياق ~~ليس له، لم يتقدم عنهم غير الاستهزاء، فأنكر عليهم استهزاءهم مع علمهم ~~بأن الله تعالى أجرى سنته أن من استهزأ بالرسل وخالف قولهم فلم يرجع إليه ~~أهلكه، أطرد ذلك من سنته ولم ms3898 يتخلف في أمة من الأمم كما وقع لقوم نوح ~~وهود ومن بعدهم، لم يتخلف في واحدة منهم، وكلهم تعرف العرب أخبارهم، ~~وينظرون آثارهم، وكذا يعرفون قصة موسى عليه السلام مع فرعون, فالسياق ~~للتهديد, فصار المعنى: ألم ير هؤلاء كثرة من أهلكنا ممن قبلهم لمخالفتهم ~~للرسل، أفلا يخشون مثل ذلك في مخالفتهم لرسولهم؟ وذلك موافق لقراءة الكسر ~~التي نقلها البرهان السفاقسي عن ابن عباس رضي الله عنهما وغيره عن الحسن، ~~وقالوا: إنها استئنافية، فهي على تقدير سؤال من كأنه قال: لم أهلكهم؟ ~~وهذا كما إذا شاع أن الوادي الفلاني ما سلكه أحد إلا أصيب، يكون ذلك ~~مانعا عن سلوكه، وإن أراد ذلك أحد صح أن يقال له: ألم تر أنه ما سلكه ~~أحد إلا هلك، فيكون ذلك زاجرا له ورادا عن التمادي فيه، لكون العلة في ~~الهلاك سلوكه فقط، وذلك أكف له من أن يقال له: ألم تر أن الناس يموتون ~~وكثرة من مات منهم ولم يرجع أحد منهم، غير معلل ذلك بشيء من سلوك الوادي ~~ولا غيره، فإن هذا أمر معلوم له، غير مجدد فائدة، وزيادة عدم الرجوع إلى ~~الدنيا لا دخل لها في العلية أيضا لأن ذلك معلوم عند المخاطبين بل هم ~~قائلون بأعظم منه من أنه لا حياة بعد الموت لا إلى الدنيا ولا إلى غيرها، ~~وعلى تقدير التسليم فربما كان ذكر الرجوع للأموات أولى بأن يكون تهديدا، ~~فإن كل إنسان منهم يرجع حينئذ إلى ما في يد غيره مما كان مات عليه ويصير ~~المتبوع بذلك تابعا أو يقع الحرب وتحصل الفتن، فأفاد ذلك أنه لا يصلح ~~التهديد بعدم الرجوع - والله الموفق للصواب. # ولما كان كثير من أهل الجهل وذوي الحمية والأنفة لا يبالون بالهلاك في ~~متابعة الهوى اعتمادا على أن موتة واحدة في لحظة يسيرة أهون من حمل ~~النفس على ما لا تريد، فيكون لهم في كل حين موتات، أخبر تعالى أن الأمر ~~غير منقض بالهلاك الدنيوي، بل هناك من الخزي والذل والهوان والعقوبة ~~والإيلام ما لا ms3899 ينقضي أبدا فقال: { وإن كل } أي وإنهم كلهم، لا يشذ منهم ~~أحد، وزاد في التأكيد لمزيد تكذيبهم بقوله: { لما } ومن شدد { لما } ~~فالمعنى عنده " وما كل منهم إلا " وأشار إلى أنهم يأتون صاغرين راغمين في ~~حالة اجتماعهم كلهم في الموقف لا تناصر عندهم ولا تمانع, وليس أحد منهم ~~غائب بحال التخلف عن الانتصار عليه فقال: { جميع } وأشار إلى غرابة ~~الهيئة التي يجتمعون عليها بقوله: { لدينا } وزاد في العظمة بإبرازه في ~~مظهرها، وعبر باسم الفاعل المأخوذ من المبني للمفعول جامعا نظرا إلى ~~معنى { كل } لأنه أدل على الجمع في آن واحد وهو أدل على العظمة: { محضرون ~~* } أي في يوم القيامة بعد بعثهم بأعيانهم كما كانوا في الدنيا سواء، ~~إشارة إلى أن هذا الجمع على كراهة منهم وإلى أنه أمر ثابت لازم دائم، ~~كأنه لعظيم ثباته لم يزل، وأنه لا بد منه، ولا حيلة في التفصي عنه، وأنه ~~يسير لا توقف له غير الإذن، فإذا أذن فعله كل من يؤمر به من الجنود ~~كائنا من كان، وما أحسن ما قال القائل: # ولو أنا متنا تركنا # لكان الموت راحة كل حي # ولكنا إذا متنا بعثنا # ونسأل بعدها عن كل شي # ولما أتم ضرب المثل المفيد لتمام قدرته على الأفعال الهائلة ببشارة ~~ونذارة حتى أن من طبع على قلبه فهو لا يؤمن وإن كان قريبا في النسب ~~والدار، ومن أسكن قلبه الخشية يؤمن وإن شط به النسب والمزار، فتم التعريف ~~بالقسم المقصود بالذات وهو من يتبع الذكر، وختم بالبعث وكانوا له منكرين، ~~وكان قد جعله في صدر الكلام من تمام بشارة من اتبع الذكر، دل عليه بقوله ~~مبتدئا بنكرة تنويها دال على تعظيمها: { وآية } أي علامة عظيمة { لهم } ~~على قدرتنا على البعث وإيجادنا له { الأرض } أي هذا الجنس الذي هم منه؛ ~~ثم وصفها بما حقق وجه الشبه فقال: { الميتة } التي لا روح لها لأنه لا ~~نبات بها أعم من أن يكون بها نبات وفني فتفتت وصار ترابا أو لم يكن بها ~~شيء أصلا. ثم ms3900 استأنف بيان كونها آية بقوله: { أحييناها } أي باختراع ~~النبات فيها أو بإعادته بسبب المطر كما كان بعد اضمحلاله. # ولما كان إخراج الأقوات نعمة أخرى قال: { وأخرجنا منها حبا } ونبه ~~تعالى على عظيم القدرة فيها وعلى عموم نفعها بمظهر العظمة، وزاد في ~~التنبيه بالتذكير بأن الحب معظم ما يقيم الحيوان فقال مقدما للجار إشارة ~~إلى عد غيره بالنسبة إليه عدما لعظيم وقعه وعموم نفعه بدليل أنه متى قل ~~جاء القحط ووقع الضرر: { فمنه } أي بسبب هذا الإخراج { يأكلون * } أي فهو ~~حب حقيقة يعلمون ذلك علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين لا يقدرون على أن ~~يدعوا أن ذلك خيال سحري بوجه، وفي هذه الأية وأمثالهم حث عظيم على تدبر ~~القرآن واستخراج ما فيه من المعاني الدالة على جلال الله وكماله، وقد ~~أنشد هنا الأستاذ أبو القاسم القشيري رحمه الله في تفسيره في عيب من أهمل ~~ذلك فقال: # يا من تصدر في دست الإمامة في # مسائل الفقه إملاء وتدريسا # غفلت عن حجج التوحيد تحكمها # شيدت فرعا وما مهدت تأسيسا ### || [36.34-38] # ولما ذكر سبحانه ما في الزروع وما لا ساق له من النعمة والقدرة، ودل ~~السياق فيه على الحصر، أتبعه ما بين المراد التعظيم لا الحصر الحقيقي ~~بإظهار المنة في غيره من الأشجار الكبار والصغار ذات الأقوات والفواكه، ~~فقال دالا على عظمه بمظهر العظمة: { وجعلنا } أي بما لنا من العظمة { ~~فيها } أي الأرض { جنات } أي بساتين تستر داخلها بما فيها من الأشجار ~~الملتفة. ولما كان النخل - مع ما فيه من النفع - زينة دائما بكونه لا ~~يسقط ورقه، قدمه وسماه باسمه فقال: { من نخيل } وفيه أيضا إشارة إلى أنه ~~نفع كله خشبه وليفه وشعبه وخوصه وعراجينه وثمره طلعا وجمارا وبسرا ~~ورطبا وتمرا، ولذلك - والله أعلم - أتى فيه بصيغة جمع الكثرة كالعيون، ~~ولما كان الكرم لا تكون له زينة بأوراق تجن إلا ما كان العنب قائما قال: ~~{ وأعناب } ودل بالجمع فيهما دون الحب على كثرة اختلاف الأصناف في النوع ~~الواحد الموجب للتفاوت الظاهر في القدر والطعم ms3901 وغير ذلك. # ولما كانت الجنات لا تصلح إلا بالماء، وكان من طبع الماء الغور في ~~التراب والرسوب بشدة السريان إلى أسفل، فكان فورانه إلى جهة العلو أمرا ~~باهرا للعقل لا يكون إلا بقسر قاسر حكيم قال: { وفجرنا } أي فتحنا ~~تفتيحا عظيما { فيها } ودل على تناهي عظمته وتعاليها عن أن يحاط بشيء ~~منها بالتبعيض بقوله: { من العيون * } والتعريف هنا يدل على أن الأرض ~~مركبة على الماء، فكل موضع منها صالح لأن ينفجر منه الماء، ولكن الله ~~يمنعه عن بعض المواضع بخلاف الأشجار ليس منها شيء غالبا على الأرض، ففي ~~ذلك تذكير بالنعمة في حبس الماء عن بعض الأرض لتكون موضعا للسكن، ولو ~~شاء لفجر الأرض عيونا كما فعل بقوم نوح عليه السلام فأغرق الأرض كلها. # ولما كانت حياة كل شيء إنما هي بالماء، أشار إلى ذلك بقوله: { ليأكلوا ~~من } وأشارت قراءة حمزة والكسائي بصيغة الجمع مع إفراد الضمير إلى أن ~~الشجرة الواحدة تجمع بالتطعيم أصنافا من الثمر { ثمره } أي من ثمر ما ~~تقدم، ولولا الماء لما طلع، ولولا أنه بكثرة لما أثمر بعد الطلوع. # ولما كان الإنسان قد يتسبب في تربية بعض الأشياء، أبطل سبحانه الأسباب ~~فيما يمكن أن يدعو فيه تسببا، ونبه على أن الكل بخلقه فقال: { وما عملته ~~} أي ولم تعمل شيئا من ذلك { أيديهم } أي عملا ضعيفا - بما أشار إليه ~~تأنيث الفعل فكيف بما فوقه وإن تظافروا على ذلك بما أشار إليه جمع اليد. ~~ولما كان السياق ظاهرا في هذا جاءت قراءة حمزة والكسائي وحفص عن عاصم ~~بحذف الضمير غير منوي قصرا للفعل تعميما للمفعول ردا لجميع الأمور إلى ~~بارئها سواء كانت بسبب أو بغير سبب، أي ولم يكن لأيديهم عمل لشيء من ~~الأشياء لا لهذا ولا لغيره مما له مدخل في عيشهم ومن غيره، ولذلك حسن كل ~~الحسن إنكاره عليهم عدم الشكر بقوله: { أفلا يشكرون * } أي يدأبون دائما ~~في إيقاع الشكر والدوام على تجديده في كل حين بسبب هذه النعم الكبار. # ولما كان السياق لإثبات الوحدانية والإعلام ms3902 بأن ما عبد من دونه لا ~~استحقاق له في ذلك بوجه، ولا نفع بيده ولا ضر، وأنتج هذا السياق بما دل ~~عليه من تفرده بكل كمال وأنه لا أمر لأحد معه بوجه من الوجوه - تنزهه عما ~~ادعوه من الشرك غاية التنزه، قال لافتا للكلام عن مظهر العظمة لأن ~~إثباتها بالرحمة الدال عليها أدخل في التعظيم: { سبحان الذي } ووصفه بما ~~أكد ما مضى من إسناد الأمور كلها إليه ونفى كل شيء منها عمن سواه فقال: { ~~خلق الأزواج } أي الأنواع المتشاكلة المتباينة في الأوصاف وفي الطعوم ~~والأرابيح والأشكال والهيئات والطبائع وغير ذلك من أمور لا يحصيها إلا ~~الله تدل أعظم دلالة على كمال القدرة وعظيم الحكمة والاختيار في الإرادة، ~~وأكد بقوله: { كلها } لإفادة التعميم؛ ثم زاد الأمر تصريحا بالبيان ~~بقوله: { مما تنبت الأرض } فدخل فيه من كل نجم وشجر ومعدن وغيره من كل ما ~~يتولد منها، وأشار - لكونه في سياق تكذيبهم - إلى تأديبهم بتحقيرهم بجمع ~~القلة والتعبير بالنفس التي تطلق في الغالب على ما يذم به فقال: { ومن ~~أنفسهم } وبين أن وراء ذلك أمورا لا يعلمها إلا هو سبحانه فقال: { ومما ~~لا يعلمون * } أي ومما لا يحتاجون إليه في دينهم ولا دنياهم، ولا توقف ~~لشيء من إصلاح المعاش والمعاد عليه، ولو كان ذلك لأعلم به كما أعلم ~~بأحوال الآخرة وغيرها مما لم نكن نعلمه. # ولما دربهم على النظر بآيات الأعيان الحسية الدالة على القدرة الباهرة ~~لا سيما على البعث، رقاهم إلى المعاني على ذلك النحو، فإن إيجاد كل من ~~الملوين بعد إعدامه أدل دليل على البعث، فقال ناقلا لهم من المكان الكلي ~~إلى الزمان الكلي الجامعين للجواهر والأعراض: { وآية لهم } أي على إعادة ~~الشيء بعد إفنائه { اليل } أي الذي يشاهدونه لا شك عندهم فيه ولا حيلة ~~بوجه في رفعه؛ ثم استأنف قوله: { نسلخ } عائدا إلى مظهر العظمة دلالة ~~على جلالة هذا الفعل بخصوصه. # ولما كان الأصل في هذا الوجود الظلام، والضياء حادث، وكان ضياؤه ليس ~~خالصا، عبر ب " من " التي تصلح للملابسة ms3903 مع التخلل في الأجزاء فقال: { ~~منه النهار } أي الذي كان مختلطا به بإزالة الضوء وكشفه عن حقيقة الليل ~~{ فإذا هم } بعد إزالتنا للنهار الذي سلخناه من الليل { مظلمون * } أي ~~داخلون في الظلام بظهور الليل الذي كان الضياء ساترا كما يستر الجلد ~~الشاة، قال الماوردي: وذلك أن ضوء النهار يتداخل في الهواء فيضيء فإذا ~~خرج منه أظلم - نقله ابن الجوزي عنه، وقد أرشد السياق حتما إلى أن ~~التقدير: والنهار نسلخ منه الليل الذي كان ساتره وغالبا عليه فإذا هم ~~مبصرون. # ولما ذكر الوقتين، ذكر آيتيهما فقال: { والشمس } أي التي سلخ النهار من ~~الليل بغيبوبتها { تجري } ولما كان غيابها بالليل مثل سكون الإنسان في ~~مبيته، وجعلها على خط قدر لسيرها كل يوم بتقدير لا زيع فيه ومنهاج لا ~~يعوج، قال: { لمستقر } أي عظيم { لها } وهو السير الذي لا تعدوه جنوبا ~~ولا شمالا ذاهبة وآئبة، وهي فيه مسرعة - بدليل التعبير باللام في موضع " ~~إلى " ويدل على هذا قراءة " لا مستقر لها " بل هي جارية ابدا إلى انقراض ~~الدنيا في موضع مكين محكم هو أهل للقرار، وعبر به مع أنها لا تستقر ما ~~دام هذا الكون لئلا يتوهم أن دوام حركتها لأجل أن موضع جريها لا يمكن ~~الاستقرار عليه، ولا ينافي هذا ما في صحيح البخاري وفي كتاب الإيمان من ~~صحيح مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " مستقرها تحت العرش، وأنها تذهب فتستأذن في السجود فيؤذن لها وكأنها قد ~~قيل لها: ارجعي من حيث جئت، فتطلع من مغربها " # - هذا لفظ مسلم، وسيأتي لفظ البخاري، ويمكن أن يكون المستقر آخر جريها ~~عند إبادة هذا الوجود. # ولما كان هذا الجري على نظام لا يختل على مر السنين وتعاقب الأحقاب تكل ~~الأوهام عن استخراجه، وتتحير الأفهام في استنباطه، عظمه بقوله: { ذلك } ~~أي الأمر الباهر للعقول؛ وزاد في عظمه بصيغة التفعيل في قوله: { تقدير } ~~وأكد ذلك لافتا القول عن مطلق مظهر العظمة إلى تخصيصه بصفتي العزة ~~والعلم تعظيما لهذه الآية ms3904 تنبيها على أنها أكبر آيات السماء فقال: { ~~العزيز } أي الذي لا يقدر أحد في شيء من أمره على نوع مغالبة، وهو غالب ~~على كل شيء { العليم * } أي المحيط علما بكل شيء الذي يدبر الأمر، فيطرد ~~على نظام عجيب ونهج بديع لا يعتريه وهن ولا يلحقه يوما نوع خلل إلى أن ~~يريد سبحانه إبادة هذا الكون فتسكن حركاته وتفنى موجوداته، روى البخاري ~~عن أبي ذر رضي الله عنه قال: # " كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد عند غروب الشمس فقال: يا ~~أبا ذر! أتدري أين تذهب؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإنها تذهب ~~حتى تسجد تحت العرش فتستأذن فيؤذن لها، ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها ~~وتستأذن فلا يؤذن لها، فيقال لها: ارجعي من حيث جئت، فذلك قوله تعالى: { ~~والشمس تجري لمستقر لها } ". ### || [36.39-45] # ولما ذكر آية النهار، أتبعها آية الليل فقال: { والقمر } ومعناه في ~~قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وروح عن يعقوب بالرفع: يجري لمستقر له، ~~ونصبه الباقون دلالة على عظمة هذا الجري لسرعته بقطعه في شهر ما تقطعه ~~الشمس في سنة، ولذلك ضعف الفعل المفسر للناصب وأعمله في ضمير القمر ليكون ~~مذكورا مرتين فيدل على شدة العناية تنبيها على تعظيم الفعل فيه، وأعاد ~~مظهر العظمة فقال مستانفا في قراءة الرفع: { قدرناه } أي قسناه قياسا ~~عظيما أي قسنا لسيره { منازل } ثمانية وعشرين، ثم يستسر ليلتين: عند ~~التمام وليلة للنقصان لا يقدر يوما أن يتعداه, قال الأستاذ أبو القاسم ~~القشيري: يبعد عن الشمس ولا يزال يتباعد حتى يعود بدرا, ثم يدنو فكلما ~~ازداد من الشمس دنوا ازداد في نفسه نقصانا إلى أن يتلاشى. { حتى عاد } ~~أي بعد أن كان بدرا عظيما { كالعرجون } من النخل وهو عود العذق ما بين ~~شماريخه إلى منتهاه وهو منبته من النخلة دقيقا منحنيا، وهو فعلول ذكره ~~أهل اللغة في النون وقالوا: عرجن الثوب: صور فيه صور العراجين، وقال ~~المفسرون: إنه من عرج، أي أعوج. ولما كانت حمرته آخذة إلى صفرة قال: { ~~القديم ms3905 * } أي المحول، فإن العرجون إذا طال مكثه صار كذلك، فدق وانحنى ~~واصفر. # ولما تقرر أن لكل منهما منازل لا يعدوها، فلا يغلب ما هو آيته ما هو آية ~~الآخر، بل إذا جاء سلطان هذا ذهب ذاك، وإذا جاء ذاك ذهب هذا، فإذا اجتمعا ~~قامت الساعة، تحرر أن نتيجة هذه القضايا: { لا الشمس } أي التي هي آية ~~النهار { ينبغي لها } أي ما دام هذا الكون موجودا على هذا الترتيب { أن ~~تدرك } أي لأن حركتها بطيئة { القمر } أي فتطمسه بالكلية، فما النهار ~~سابق الليل { ولا اليل سابق النهار } أي حتى ينبغي للقمر مع سرعة سيره ~~أن يدرك الشمس ويغلبها فلا يوجد نهار أصلا، ولو قيل: يستبق لاختل المعنى ~~لإيهامه أنه لا يتقدمه أصلا فالآية من الاحتباك: نفى أولا إدراك الشمس ~~لقوتها دليلا على ما حذف من الثانية من نفي إدراك القمر للشمس، وذكر ~~ثانيا سبق الليل النهار لما له من القوة بما يعرض من النهار فيغشيه ~~دليلا على حذف سبق النهار الليل أولا { وكل } أي من المذكورات حقيقة ~~ومجازا { في فلك } محيط به، ولما ذكر لها فعل العقلاء، وكان على نظام ~~محرر لا يختل، وسير مقدر لا يعوج ولا ينحل، فكان منزها عن آفة تلحقه، أو ~~ملل يطرقه، عبر بما تدور مادته على القدرة والشدة والاتساع فقال: آتيا ~~بضمير العقلاء جامعا لأنه أدل على تسخيرهم دائما: { يسبحون * } حثا ~~على تدبر ما فيها من الآيات التي غفل عنها - لشدة الإلف لها - الجاهلون. # ولما ذكر ما حد له حدودا في السباحة في وجه الفلك لو تعداها لاختل ~~النظام، ذكر ما هيأه من الفلك للسباحة على وجه الماء الذي طبق الأرض في ~~زمن نوح عليه السلام حتى كانت كالسماء، ولو تعدت السفينة ما حد لها ~~سبحانه من المنازل فنفذت إلى بحر الظلمات لفسد الشأن، وكانوا فيها كأنهم ~~في الأرض، وبسيرها كأنهم يخترقون الجبال والفيافي والقفار - كل ذلك ~~تذكيرا بأيام الله، وتنبيها على استدرار نعمه، وتحذيرا من سطواته ~~ونقمه، ومنا عليهم بما يسر لهم من سلوك ms3906 البحر والتوصل به إلى جليل ~~المنافع فقال: { وآية لهم } أي على قدرتنا التامة الشامل { أنا } أي على ~~ما لنا من العظمة { حملنا }. # ولما كان من قبل نوح عليه السلام من أصول البشر لم يحملوا في الفلك، عدل ~~عن التعبير بالضمير والآباء إلى قوله: { ذريتهم } أي ذرية البشر التي ~~ذرأناها وذروناها وذررناها حتى ملأنا بها الأرض من ذلك الوقت إلى آخر ~~الدهر، ولهذا التكثير المفهوم من هذا الاشتقاق البليغ اغتنى ابن كثير ~~وأبو عمرو والكوفيون فقرؤوا بالإفراد، وزادت في الإيضاح قراءة الباقين ~~بالجمع، بعضهم ظاهرا وبعضهم في ظهر أبيه { في الفلك } عرفه لشهرته بين ~~جميع الناس { المشحون * } أي الموقر المملوء حيوانا وزادا، وهو يتقلب ~~في تلك المياه التي لم ير قط مثلها ولا يرى أبدا، ومع ذلك فسلمه الله. # ولما كانت هذه الآية لم تنقطع بل عم سبحانه بنفعها: { وخلقنا } أي ~~بعظمتنا الباهرة { لهم من مثله } أي من مثل ذلك الفلك من الإبل والفلك { ~~ما يركبون * } أي مستمرين على ذلك على سبيل التجدد ليقصدوا منافعهم، ولو ~~شئنا لمنعنا ذلك. # ولما كان قد أنجى سبحانه آباءنا حين حمله في ذلك الماء الذي لم يكن مثله ~~قط، وكان ربما ظن أن الإنجاء لسر من الأسرار غير إرادته، جعل أمر ما خلق ~~من مثله تارة وتارة ليعرف أن ذلك هو بصنعه فتشكر نعمته أولا وآخرا ~~فقال: { وإن نشأ } أي لأجل ما لنا من القوة الشاملة { نغرقهم } أي مع أن ~~هذا الماء الذي يركبونه لا يعشر ذلك الذي حملنا فيه آباءهم { فلا صريخ ~~لهم } أي مغيث ينجيهم مما نريد بهم من الغرق { ولا هم } أي بأنفسهم من ~~غير صريخ { ينقذون * } أي يكون لهم إنقاذ أي خلاص بأنفسهم أو غيرها. # ولما كان هو سبحانه يصرخ من يشاء فينجيه وكانت " لا " نافية نفيا ~~مستغرقا، استثنى ما كان منه سبحانه فقال: { إلا رحمة } أي إلا نحن ~~فننقذهم إن شئنا رحمة { منا } أي لهم، لا وجوبا علينا، ولا لمنفعة تعود ~~منهم إلينا { ومتاعا } أي لهم { إلى حين * } أي وهو ms3907 حين انقضاء آجالهم. # ولما كان هذا الحال معلوما لهم لا ينازعون فيه بوجه، بل إذا وقعوا فيه ~~أخلصوا الدعاء وأمروا به وخلعوا الأنداد، وكان علم ذلك موجبا لصاحبه أن ~~لا يغفل عن القادر عليه وقتا ما، بل لا يفتر عن شكره خوفا من مكره، ~~وكان العاقل إذا ذكر بأمر فعلمه يقينا كان جديرا بأن يقبله، فإذا لم ~~يقبله وخوف عاقبته بأمر محتمل جد في الاحتراز منه، عجب منهم في إعراضهم ~~عنه سبحانه مع قيام الأدلة القاطعة على وحدانيته وأنه قادر على ما يريد ~~من عذاب وثواب، وإقبالهم على ما لا ينفعهم بوجه، فقال: { وإذا قيل } أي ~~من أي قائل كان { لهم اتقوا } أي خافوا خوفا عظيما تعالجون فيه أنفسكم ~~{ ما بين أيديكم } أي بما يمكن أن تقعوا فيه من العثرات المهلكة في ~~الدارين { وما خلفكم } أي ما فرطتم فيه ولم تجاروا به ولا بد من المحاسبة ~~عليه لأن الله الذي خلقكم أحكم الحاكمين { لعلكم ترحمون * } أي تعاملون ~~معاملة المرحوم بالإكرام. ### || [36.46-51] # ولما كان التقدير: أعرضوا لأن الإعراض قد صار لهم خلقا لا يقدرون على ~~الانفكاك من أسره، عطف عليه قوله إشارة إليه: { وما تأتيهم } وعمم بقوله: ~~{ من آية } وبين قوله: { من آيات } ولفت الكلام للتذكير بالإنعام تكذيبا ~~لهم في أنهم أشكر الناس للمنعم فقال: { ربهم } أي المحسن إليهم { إلا ~~كانوا عنها } أي مع كونها من عند من غمرهم إحسانه وعمهم فضله وامتنانه { ~~معرضين * } أي دائما إعراضهم. # ولما كانت الرحمة بالرزق والنصر إنما تنال بالرحمة للضعفاء # " هل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم " # " إنما يرحم الله من عباده الرحماء " # وكان الإنفاق خلق المؤمنين، قال مبينا أنهم انسلخوا عن الإنسانية جملة ~~فلا يخافون ما يجوز وقوعه من العذاب، ولا يرجون ما يجوز حلوله من الثواب: ~~{ وإذا قيل لهم } أي من أي قائل كان: { أنفقوا } أي على من لا شيء، ~~شكرا لله على ما أنجاكم منه ونفعكم به بنفع خلقه الذين هم عياله، وبين ~~أنهم يبخلون بما لا صنع لهم فيه ولم تعمله أيديهم بل ms3908 ببعضه فقال: { مما ~~رزقكم } وأظهر ولم يضمر إشارة إلى جلالة الرزق بجلالة معطيه، وزاد في ~~تقريعهم بجعل ذلك الظاهر اسم الذات لأنه لا ينبغي أن يكون عطاء العبد على ~~قدر سيده فقال: { الله } أي الذي له جميع صفات الكمال { قال } وأظهر ~~تبكيتا لهم بالوصف الحامل لهم على البخل فقال: { الذين كفورا } أي ستروا ~~وغطوا ما دلتهم عليه أنوار عقولهم من الخيرات { للذين آمنوا } أي ~~القائلين بذلك المعتقدين له سواء كانوا هم القائلين لهم أو غيرهم منكرين ~~عليهم استهزاء بهم عادلين عما اقتضى السؤال عن ذكر الإنفاق إلى ما يفيد ~~التقريع بالفقر والحاجة إلى الأكل: { أنطعم } وعدلوا عن التعبير بالماضي ~~لئلا يقال لهم: قد تولى سبحانه إطعامه من حين خلقه إلى الآن، فقالوا: { ~~من لو يشاء } وأظهروا حدا له ومساعيه فقالوا: { الله } أي الذي له جميع ~~العظمة كما زعمتم في كل وقت يريده { أطعمه } أي لكنا ننظره لا يشاء ذلك ~~فإنه لم يطعمهم لما نرى من فقرهم فنحن أيضا لا نشاء ذلك بموافقة لمراد ~~الله فيه فتركوا التأدب مع الأمر وأظهروا التأدب مع بعض الإرادة المنهي ~~عن الجري معها والاستسلام لها، وما كفاهم حتى قالوا لمن أرشدهم إلى الخير ~~على طريق النتيجة لما تقدم: { إن } أي ما { أنتم إلا في ضلال } أي محيط ~~بكم { مبين * } أي في غاية الظهور، وما دروا أن الضلال إنما هو لهم لأنه ~~سبحانه إنما جعل إطعام بعض خلقه بلا واسطة وبعضهم بواسطة امتحانا منه ~~للمطيع والعاصي والشاكر والكافر والجزع والصابر - وغير ذلك من حكمه. # ولما ذكر قلة خيرهم المستندة إلى تهكمهم باليوم الذي ذكروا به بالأمر ~~بالاتقاء والتعليل بترجي الرحمة، أتبعه حكاية استهزاء آخر منهم دال على ~~عظيم جهلهم بتكذيبهم بما يوعدون على وجه التصريح بذلك اليوم والتصوير له ~~بما لا يسع من له أدنى مسكة غير الانقياد له فقال: { ويقولون } أي عادة ~~مستمرة مضمونة إلى ما تقدم مما يستلزم تكذيبهم، وزادوا بالتعبير بأداة ~~القرب في تقريعهم إشارة إلى أنكم زدتم علينا في التهديد به والتقريب ms3909 له ~~حتى ظن أنه مصبحنا أو ممسينا ولم نحس منه عينا ولا أثرا: { متى هذا } ~~وزادوا في الاستهزاء بتسميته وعدا فقالوا: { الوعد } أي الذي تهددوننا ~~به تارة تلويحا وتارة تصريحا، عجلوه لنا. وألهبوا وهيجوا زيادة في ~~التكذيب بقولهم: { إن كنتم صادقين * } ولما كان الحازم من لا يتهكم بشيء ~~إلا إذا استعد له بما هو محقق الدفع، بين سفههم بإتيانها بغتة وبأنه لا ~~بد من وقوعها، وأنها بحيث تملأ السماوات والأرض، فكأنه لا شيء فيهما ~~غيرها بقوله: { ما ينظرون } أي مما يوعدون, ويجوز أن يكون بمعنى " ~~ينتظرون " لأن استبطاءهم لها في صورة الانتظار وإن أرادوا به الاستهزاء, ~~وجرد الفعل تقريبا لها لتحقق وقوعه { إلا صيحة } وبين حقارة شأنهم وتمام ~~قدرته بقوله: { واحدة } وهي النفخة الأولى المميتة، واقتصر في تأكيد ~~الوحدة على هذا بخلاف ما يأتي في المحيية لأنهم لا ينكرون أصل الموت { ~~تأخذهم } أي تهلكهم؛ وبين غرورهم بقوله: { وهم يخصمون * } أي يختصمون أي ~~يتخاصمون في معاملاتهم على غاية من الغفلة، ولعله عبر بذلك إشارة ~~بالإدغام اللازم عنه التشديد إلى تناهي الخصام بإقامة أسبابه أعلاها ~~وأدناها إلى حد لا مزيد عليه, لأن التاء معناه عند أهل الله انتهاء ~~التسبيب إلى أدناه, وكل ذلك إشارة إلى أنهم في وقت الصعق يكونون في أعظم ~~الأمان منها, لأن إعراضهم عنها بلغ إلى غاية لا مزيد عليها، ويشير ~~الإدغام أيضا إلى أن خصومتهم في غاية الخفاء بالنسبة إلى الصيحة، وأن ~~بلغت الخصومة النهاية في الشدة، ولم يقرأ أحد " يختصمون " بالإظهار إشارة ~~إلى أنه لا يقع في ذلك الوقت خصومه كاملة حتى تكون ظاهرة بل تهلكهم ~~الصيحة قبل استيفاء الحجج وإظهار الدلائل، فمنها ما كان ابتدأ فيه اصحابه ~~فأوجزوا - بما أشارت إليه قراءة حمزة بإسكان الخاء وكسر الصاد مخففا، ~~ومنها ما كان متوسطا وفيه خفاء وعلو - بما أشار إليه تشديد الصاد مع ~~اختلاس فتحة الخاء، ومنها ما هو كذلك وهو إلى الجلاء أقرب - بما أشار ~~إليه إخلاص فتحة الخاء مع تشديد الصاد، وأشار من قرأه كذلك مع ms3910 كسر الخاء ~~إلى التوسط مع الخفاء والسفول، والله أعلم. # ولما كانت هذه النفخة المميتة، سبب عنها قوله: { فلا يستطيعون توصية } ~~أي أن يوجدوا الوصية في شيء من الأشياء، والاستفعال والتفعيل يدلان على ~~أن الموت ليس حين سماع أول الصوت بل عقبه من غير مهلة لتمام أمر ما. # ولما كان ذلك ليس نصا في نفي المشي قال: { ولا إلى أهلهم } أي فضلا ~~عن غيرهم { يرجعون * } بل يموت كل واحد في مكانه حيث تفجأه الصيحة، وربنا ~~أفهم التعبير ب " إلى " أنهم يريدون الرجوع فيخطون خطوة أو نحوها، وفي ~~الحديث # " ليقومن من الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما فلا يبيعانه ولا ~~يطويانه، ولتقومن الساعة وقد رفع الرجل أكلته إلى فيه فلا يطعمها ". # ولما دل ذلك على الموت قطعا، عقبه بالبعث، ولذلك عبر فيه بالنفخ فإنه ~~معروف في إفاضة الروح فقال: { ونفخ في الصور } أي الذي أخذتهم صيحته، ~~وجهله إشارة إلى أنه لا توقف له في نفس الأمر على نافخ معين ليكون عنه ما ~~يريد سبحانه من الأثر، بل من أذن له الله كائنا من كان تأثر عن نفخه ما ~~ذكر، وإن كنا نعلم أن المأذون له إسرافيل عليه السلام. # ولما كان هذا النفخ سببا لقيامهم عنده سواء من غير تخلف، عبر سبحانه ~~بما يدل على التعقب والتسبب والفجاءة فقال: { فإذا هم } أي في حين النفخ ~~{ من الأجداث } أي القبور المهيأة هي ومن فيها لسماع ذلك النفخ { إلى ~~ربهم } أي الذي أحسن إليهم بالتربية والتهيئة لهذا البعث فكفروا إحسانه، ~~لا إلى غيره { ينسلون * } أي يسرعون المشي مع تقارب الخطى بقوة ونشاط، ~~فيا لها من قدرة شاملة وحكمة كاملة، حيث كان صوت واحد يحيي تارة ويميت ~~أخرى، كأنه ركب فيه من الأسرار أنه يكسب كل شيء ضد ما هو عليه من حياة أو ~~موت أو غشي أو إفاقة. ### || [36.52-56] # ولما تشوفت النفس إلى سماع ما يقولون إذا عاينوا ما كانوا ينكرون، ~~استأنف قوله: { قالوا } أي الذين هم من أهل الويل من عموم الذين الذين ~~قاموا ms3911 بالنفخة وهم جميع من كان قد مات قبل ذلك. ولما كانوا عالمين بأن ~~جزاء ما أسلفوا كل خزي، اتبعوه قولهم حاكيا سبحانه عبارتهم إذ ذاك لأنه ~~أنكى لهم: { يا ويلنا } أي ليس بحضرتنا اليوم شيء ينادمنا إلا الويل، ثم ~~استفهموا جربا على عادتهم في الغباوة فقالوا مظهرين لضميرهم تخصيصا ~~للويل بهم لأنهم في معرض الشك: { من بعثنا من مرقدنا } عدوا مكانهم الذين ~~كانوا به - مع ما كانوا فيه من عذاب البرزخ - مرقدا هنيئا بالنسبة إلى ~~ما انكشف لهم أنهم لا قوة من العذاب الأكبر، ووحدوه إشارة إلى أنهم على ~~تكاثرهم وتباعدهم كانوا في القيام كنفس واحدة, ثم تذكروا ما كانوا ~~يحذرونه من أن الله هو يبعثهم للجزاء الذي هو رحمة الملك لأهل مملكته، ~~فقالوا مجيبين لأنفسهم استئنافا: { هذا ما } أي الوعد الذي { وعد } أي ~~به، وحذفوا المفعول تعميما لأنهم الآن في حيز التصديق { الرحمن } أي ~~العام الرحمة الذي رحمانيته مقتضية ولا بد للبعث لينصف المظلوم من ظالمه، ~~ويجازي كلا بعمله من غير حيف، وقد رحمنا بإرسال الرسل إلينا بذلك، وطال ~~ما أنذرونا حلوله، وحذرونا صعوبته وطوله. ولما كان التقدير: فصدق الرحمن، ~~عطف عليه قوله: { وصدق } أي في أمره { المرسلون * } أي الذين أتونا بوعده ~~ووعيده، فالله الذي تقدم وعده به وأرسل به ورسله هو الذي بعثنا تصديقا ~~لوعده ورسله. # ولما كان الإخبار بالنفخ لا ينفي التعدد، قال محقرا لأمر البعث بالنسبة ~~إلى قدرته مظهرا للعناية بتأكيد كونها واحدة بجعل الخبر عنه أصلا ~~مستقلا بفضله عن النفخ والإتيان فيه بفعل الكون و " إن " النافية لأدنى ~~مظاهر مدخولها فكيف بما وراءه دون " ما " التي إنما تنفي التمام: { إن } ~~أي ما { كانت } أي النفخة التي وقع الإحياء بها مطلق كون { إلا صيحة ~~واحدة } أي كما كانت نفخة الإماتة واحدة { فإذا هم } أي فجأة من غير توقف ~~أصلا { جميع } أي على حالة الاجتماع، لم يتأخر منهم أحد، يتعللون به في ~~ترك الانتصار، ودوام الخضوع والذل والصغار، ولما كان ذلك على هيئات غريبة ~~لا يبلغ كنهها ms3912 العقول، قال لافتا القول إلى مظهر العظمة معبرا بما ~~للأمور الخاصة: { لدينا } ولما كان ذلك أمرا لا بد منه، ولا يمكن التخلف ~~عنه، عبر بصيغة المفعول وأكد معنى الاجتماع بالجمع نظرا إلى معنى جميع ~~ولم يفرد اعتبارا للفظها لما ذكر من المعنى فقال: { محضرون * } أي بغاية ~~الكراهة منهم لذلك بقادة تزجرهم وساقة تقهرهم. # ولما كان هذا الإحضار بسبب العدل وإظهار جميع صفات الكمال قال: { فاليوم ~~} ولما كان نفي الظلم مطلقا أبلغ من نفيه عن أحد بعينه، وأدل على المراد ~~وأوجز، قال لافتا القول عن الإظهار أو الإضمار بمظهر العظمة أو غيره! { ~~لا تظلم } ولما كان التعبير بما كثر جعله محط الرذائل والحظوظ والنقائص ~~أدل على عموم نفي الظلم قال: { نفس } أي أي نفس كانت مكروهة أو محبوبة { ~~شيئا } أي لا يقع لها ظلم ما من أحد ما في شي ما. ولما كانت المجازاة ~~بالجنس أدل على القدرة وأدخل في العدل، قال محققا بالخطاب والجمع أن ~~المنفي ظلمه كل من يصلح للخطاب لئلا يقع في وهم أن المنفي ظلمه نفوس ~~مخصوصة أو نفس واحد: { ولا تجزون } أي على عمل من الأعمال شيئا من ~~الجزاء من أحد ما { إلا ما كنتم تعملون * } ديدنا لكم بما ركز في ~~جبلاتكم. # ولما قرر أن الجزاء من جنس العمل، شرع في تفصيله، وبدأ بأشرف الحزبين في ~~جواب من سأل عن هذا الجزاء فقال مؤسفا لأهل الشقاء بالتذكير بالتأكيد ~~بما كان لهم من الإنكار في الدنيا وإظهار للرغبة في هذا القول والتبجح به ~~لما له من عظيم الثمرة: { إن اصحاب الجنة } أي الذين لا حظ للنار فيهم، ~~وكرر التعبير باليوم تعظيما لشأنه وتهويلا لأمره على إثر نفختيه ~~المميتة والمقيمة بذكر بعض ثمراته، وجمل من عظائم تأثيراته، فقال: { ~~اليوم } أي يوم البعث، وهذا يدل على أنه يعجل دخولهم أو دخول بعضهم إليها ~~ووقوف الباقين للشفاعة ونحوها من الكرامات عن دخول أهل النار النار، وعبر ~~بما يدل على أنهم بكلياتهم مقبلون عليه ومظروفون له مع توجههم إليه فقال: ~~{ في ms3913 شغل } أي عظيم جدا لا تبلغ وصفه العقول كما كانوا في الدنيا في ~~أشغل الشغل بالمجاهدات في الطاعات. ولما تاقت النفوس إلى تفسير هذا الشغل ~~قال: { فاكهون * } أي لهم عيش المتفكة، وهو الأمن والنعمة والبسط واللذة ~~وتمام الراحة كما كانوا يرضوننا بإجهاد أنفسهم وإتعابها وإشقائها ~~وإرهابها، وقراءة أبي جعفر بحذف الالف أبلغ لأنها تدور على دوام ذلك لهم ~~وعلى أنهم في أنفسهم في غاية ما يكون من خفة الروح وحسن الحديث. # ولما كانت النفس لا يتم سرورها إلا بالقرين الملائم قال: { هم } أي ~~بظواهرهم وبواطنهم { وأزواجهم } أي أشكالهم الذين هم في غاية الملاءمة ~~كما كانوا يتركونهم في المضاجع على ألذ ما يكون، ويصفون أقدامهم في ~~خدمتنا وهم يبكون { في ظلال } أي يجدون فيها برد الأكباد وغاية المراد، ~~كما كانوا يشوون أكبادهم في دار العمل بحر الصيام، وتجرع مرارات الأوام، ~~والصبر في مرضاتنا على الآلام، ويقرون أيديهم وقلوبهم عن الأموال، ببذل ~~الصدقات في سبلنا على مر الأيام وكر الليال، وقراءة حمزة والكسائي بضم ~~الظاء وحذف الألف على أنه أشد امتدادا، ويدل اتفاقهما في الجمع على أن ~~الظل فيها مختلف باختلاف الأعمال. # ولما كان التمتع لا يكمل إلا مع العلو الممكن من زيادة العلم الموجب ~~لارتياح النفس وبهجة العين بانفساح البصر عند مد النظر، قال: { على ~~الأرائك } أي السرر المزينة العالية التي هي داخل الحجل، قال البغوي: قال ~~ثعلب: لا يكون أريكة حتى يكون عليها حجلة، وقال ابن جرير: الأرائك: ~~الحجال فيها السرر، وروى أبو عبيد في كتاب الفضائل عن الحسن قال: كنا لا ~~ندري ما الأرائك حتى لقينا رجلا من أهل اليمن فأخبرنا أن الأريكة عندهم ~~الحجلة فيها السرير. وهذا جزاء لما كانوا يلزمون المساجد ويغضون الأبصار ~~ويضعون نفوسهم لأجلنا { متكئون * } كما كانوا يدأبون في الأعمال قائمين ~~بين أيدينا في أغلب الأحوال، والاتكاء: الميل على شق مع الاعتماد على ما ~~يريح الاعتماد عليه، أو الجلوس مع التكمن على هيئة المتربع، وقراءته بضم ~~الكاف وحذف الهمزة أدل على التربع وما قاربه، وقراءة ms3914 كسر الكاف وضم ~~الهمزة أدل على القرب من التمدد لما فيها من الكسرة، فإنه يقال كما نقله ~~أبو عبد الله القزاز: اتكأت الرجل اتكاء - إذا وسدته أي جعلت له وسادة، ~~أي محذة يستريح عليها. ### || [36.57-64] # ولما قدم المعاني التي توجب أكل الفاكهة، أتى بها فقال: { لهم } أي خاصة ~~بهم { فيها فاكهة } أي لا تنقطع أبدا، فلا مانع لهم من تناولها، ولا ~~يوقف ذلك على غير الإرادة. ولما كانت الفاكهة قد تطلق على ما يلذذ، صرح ~~بأن ذلك هو المراد، فقال معبرا بالعطف لتكون الفاكهة مذكورة مرتين ~~خصوصا وعموما: { ولهم } ولما كان السياق لأصحاب الجنة الذين تفهم ~~الصيحة أنهم فيها دائما وإن كانوا في الدنيا، أعري الكلام من الظرف ~~ليفهم إجابة دعائهم في الدنيا وإنالتهم جميع مرادهم في الدارين فقال: { ~~ما يدعون } أي الذي يطلبون طلبا أما إخراجا لما قد يهجس في النفس من ~~غير عزم عليه إن كان المراد في الجنة من غير كلام الله كالمآكل والمشارب ~~ونحوها، وإما إظهارا للاهتمام إن كان المراد أنه كلامه سبحانه، وذلك ~~لأجل ما كانوا في الدنيا يفطمون أنفسهم عن الشهوات عزوفا عما يفنى، ~~وطموحا إلى ما عندنا من الباقيات الصالحات، ثم فسر الذي يدعونه - أي ~~يطلبونه - بغاية الاشتياق إليه أو استأنف الإخبار عنه بقوله: { سلام } أي ~~عظيم جدا لا يكتنه وصفه، عليكم يا أهل الجنة، كائن هو أو مقول هو، ~~والسلام يجمع جميع النعم، ثم بين حال هذا السلام بما أظهر من عظمه بقوله: ~~{ قولا من رب } أي دائم الإحسان { رحيم * } أي عظيم الإكرام بما ترضاه ~~الألهية، كما كانوا في الدنيا يفعلون كل ما فيه الرضا، فيرحمهم في حال ~~السلام وسماع الكلام بلذة الرؤية مع التقوية عن الدهش والصعق لعظيم الأمر ~~وبالتأهيل لهذا المقام الأكرم مع قصورهم عنه، وقد أوضح هذا السياق أنه من ~~الله تعالى بلا واسطة، فإنه أكده بالقول وحرف الابتداء، وذكر صفات ~~الإحسان كما قال الأستاذ أبو القاسم القشيري: ولا ارتياب في أنه لا شيء ~~يعدل هذا في النعيم وقرة ms3915 العين والشرف وعلو القدر، ولا شك أن هذا هو ~~المقصود بالحقيقة، فهو قلب النعيم في ذلك اليوم الذي هو قلب الوجود حقا ~~خفاء وصلاحا وفسادا، فصح أن هذه الآية قلب هذه السورة كما كانت هذه ~~السورة قلب القرآن، وقد ورد حديث في تفسير البغوي وكتاب المائتين للأستاذ ~~أبي عثمان الصابوني أنه من الله تعالى بلا واسطة عن جابر رضي الله عنه ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور فرفعوا رؤوسهم فإذا الرب ~~تعالى قد أشرف عليهم من فوقهم فقال: السلام عليكم با أهل الجنة، وذلك ~~قوله تعالى { سلام قولا من رب رحيم } فينظر إليهم وينظرون إليه، فلا ~~يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه حتى يحتجب عنهم ويبقى ~~نوره وبركته في ديارهم " # قال الأستاذ أبو عثمان: هذا حديث غريب الإسناد والمتن لا أعلم إني كتبته ~~إلا من هذا الوجه. # ولما كان التقدير: فانظروا وازدادوا حسرة أيها المجرمون، عطف عليه قوله: ~~{ وامتازوا } أي انفردوا انفرادا هو بغاية القصد، وجرى على النمط الماضي ~~من زيادة التهويل لذلك الموقف بإعادة قوله: { اليوم } أي عن عبادي ~~الصالحين أو عمن بقي منهم معكم في الموقف ليظهروا من أوضارهم، ويشفوا من ~~مضارهم، لأن غيبة الرقيب أتم النعيم، وإبعاد العدو أعلى السرور، وحذف ~~أداة النداء لا لقرب الكرامة بل للدلالة على أنهم في القبضة لا مانع من ~~غاية التصرف فيهم لكل ما يراد لأنه لا حائل دونهم { أيها المجرمون * } أي ~~العريقون في الإجرام، فلا يقع في أوهامكم أنكم تخالطونهم اليوم أصلا، ~~وهذا ما كنتم تمتازون عنهم في الدنيا وتقاطعونهم ترفعا واستكبارا، فهذا ~~قوله للمجرمين وذلك قوله للمؤمنين، فصح أنه قلب لأنه به صلاح بعض ~~المكلفين وفساد الآخرين الذي هو تمام صلاح الأولين، وقد تقدم في أوائل ~~سورة الروم منام ينفع استحضاره هنا. # ولما أمرهم بالامتياز أمرا إراديا حكميا، فامتازوا في الحال، وأسروا ~~الندامة وسقط في أيديهم فعضوا الأنامل، وصروا بالأسنان، وشخصت منهم ~~الأبصار، وكلحت الوجوه، ms3916 وتقلصت الشفاه، ونكست الرؤوس وشحبت الألوان، ~~وسحبوا على الوجوه، وكان من فنون المساءة وشؤون الحسرة ما تعجز عنه ~~العقول، وتذوب من ذكره النفوس، وتنخلع القلوب، قال سبحانه موبخا لهم في ~~تلك الحال بهذا المقال معللا حكمه عليهم بذلك بأنه لم يتركهم هملا بل ~~ركب فيهم من العقول ونصب لهم من الدلائل على كماله ما هو كاف لهم في ~~النجاة ثم ما وكلهم إلى ذلك، بل أرسل إليهم رسلا وأنزل عليهم كتبا: { ~~ألم أعهد } أي أوصيكم إيصاء عظيما بما نصبت من الأدلة، ومنحت من العقول، ~~وبعثت من الرسل، وأنزلت من الكتب، في بيان الطريق الموصل إلى النجاة، ~~لافتا القول عن مظهر الإحسان إلى ما هو أولى به من مظهر التكلم بالوحدة ~~دفعا للبس، ثم أشار إلى علوه وجلاله، وعظمه وسمو كماله فقال: { إليكم }. # ولما كان المقصود بهذا الخطاب تقريعهم وتوبيخهم وتبكيتهم، وكانت هذه ~~السورة القلب، وكان القلب أشرف الأعضاء، وكان الإنسان أشرف الموجودات، ~~خصه بالخطاب لأنه خطابه خطاب للجن فقال مؤكدا ما أفهمه حرف الغاية من ~~علو رتبته، وعظيم منزلته بما أشارت إليه أداة البعد: { يا بني آدم } أي ~~فلم أخصكم بذلك عن أبناء غير نوعكم ليكون ذلك التخصيص حاملا لكم على ~~العصيان بل ليكون موجبا للطاعات والعرفان: { أن لا تعبدوا الشيطان } أي ~~البعيد المحترق بطاعتكم له فيما يوسوس لكم به، ثم علل النهي عن عبادته ~~بما يقتضي شدة النفرة منه بعد أن لوح إلى ذلك بوصفه فقال: { إنه لكم } ~~والتأكيد لأن أفعالهم أفعال من يعتقد صداقته { عدو مبين * } أي ظاهر ~~العداوة جدا من جهة عداوته لأبيكم العداوة التي أخرجتكم من الجنة التي ~~لا منزل أشف منها، ومن جهة أمره لكم بما يبغض الدنيا من التخالف ~~والتخاصم، ومن جهة تزيينه للفاني الذي لا يرغب فيه عاقل لو لم يكن فيه ~~عيب غير فنائه، فكيف إذا كان أكثره أكدارا وأدناسا وأوضارا، فكيف إذا ~~كان شاغلا عن الباقي، فكيف إذا كان عائقا عن المولى، فكيف إذا كان ~~مغضبا له حاجبا عنه. # ولما بكتهم ms3917 بالتذكير بما ارتكبوا مع النهي عن عبادة العدو تقديما لدرء ~~المفاسد، وبخهم بالتذكير بما ضيعوا مع أخذ العهود من واجب الأمر بعبادة ~~الولي فقال عاطفا على " أن لا ": { وأن اعبدوني } ولما ذكر سبحانه ~~بالأمر بعبادته، عرف بحسنها حثا على لزومها قبل ذلك اليوم قائلا: { هذا ~~} أي الأمر بعبادتي { صراط مستقيم * } أي بليغ القوم، وعبادة الشيطان ~~صراط ضيق معوج غاية الضيق والعوج. # ولما كان التقدير: فاتبعتموه وسلكتم سبيله مع اعوجاجه، وتركتم سبيلي مع ~~ظهور استقامته، عطف عليه قوله: { ولقد أضل منكم } أي عن الطريق الواضح ~~السوي بما سلطته به من الوسوسة، وأكده إشارة إلى أنه أمر لا يكاد أن يصدق ~~به لما يبعد ارتكابه في العادة من اتضاح أمره وظهور فساده وضره. ولما كان ~~الآدمي شديد الشكيمة عالي الهمة إذا أراد، عبر بقوله: { جبلا } أي أمما ~~كبارا عظاما كانوا كالجبال في قوة العزائم وصعوبة الانقياد، ومع ذلك ~~فكان يتلعب بهم تلعبا، فسبحان من أقدره على ذلك وإلا فهو أضعف كيدا ~~وأحقر أمرا، قال في القاموس: الجبل - بالضم: الشجر اليابس والجماعة منا ~~كالجبل كعنق وعدل وعتل وطمر وطمرة وأمير، ثم قال: وبالكسر وبالضم وكطمرة: ~~الأمة والجماعة، ثم قال: والجبلة مثلثة ومحركة وكطمرة: الخلقة والطبيعة. ~~ودلت قراءة أبي عمرو وابن عامر بضم الجيم وإسكان الباء وتخفيف اللام على ~~الذين هم في أول مراتب الشدة والقوة، وقراءة ابن كثير وحمزة والكسائي ~~ورويس عن يعقوب بضمتين وتخفيف على ما فوق ذلك مما يقرب من الوسط مع ~~الظهور والعلو للضم من القوة، وقراءة روح كذلك مع تشديد على ما فوق الوسط ~~- بما أشارت إليه الحركات والتشديد، ولكنه مع خفاء، وكأنه بالمكر بما ~~أشار إليه كون الحركتين بالكسر، وعظم سبحانه الأمر بقوله: { كثيرا } ثم ~~زاد في التوبيخ والإنكار بما أنتجه المقام وسببه إضلاله لهم مع ما أوتوا ~~من العقول من قوله: { أفلم } ولما كان سبحانه قد آتاهم عقولا وأي عقول، ~~عبر بالكون فقال: { تكونوا تعقلون * } أي لتدلكم على ما فيه النجاة ~~عقولكم بما نصبت من الأدلة، ومع ms3918 ما نبهت عليه الرسل، وحذرت منه من إهلاك ~~الماضين، بسبب اتباع الشياطين، وغير ذلك من كل أمر واضح مبين. # ولما أنكر عليهم أن يفعلوا فعل من لا عقل له، قال متمما للخزي: { هذه } ~~إشارة لحاضر أما حال الوقوف على شفيرها أو الدع فيها { جهنم } أي التي ~~تستقبلكم بالعبوسة والتجهم كما كنتم تفعلون بعبادي الصالحين: { التي كنتم ~~} أي كونا هيأتكم به لقبول ما يمكن كونه بما غرزته فيكم من العقول. ولما ~~كان المحذور الإيعاد بها، لا كونه من معين، قال بانيا للمفعول: { توعدون ~~* } أي إن لم ترجعوا عن غيكم { اصلوها } أي قاسوا حرها وتوقدها ~~واضطرامها، وهول أمر ذلك اليوم بإعادة ذكره على حد ما مضى فقال: { اليوم ~~} لتكونوا في شغل شاغل كما كان أصحاب الجنة، وشتان ما بين الشغلين { بما ~~} أي بسبب ما. ولما كانوا قد تجلدوا على الطغيان تجلد من هو مجبول عيله، ~~بين ذلك بذكر الكون فقال: { كنتم تكفرون * } أي تسترون ما هو ظاهر جدا ~~بعقولكم من آياتي مجددين ذلك مستمرين عليه. ### || [36.65-69] # ولما كان كأنه قيل: هل يحكم فيهم بعلمه أو يجري الأمر على قاعدة الدنيا ~~في العمل بالبينة، بين أنه على أظهر من قواعد الدنيا، فقال مهولا لليوم ~~على النسق الماضي في مظهر العظمة لأنه أليق بالتهويل: { اليوم نختم } أي ~~بما لنا من عجيب القدرة المنشعبة من العظمة، ولفت القول إلى الغيبة ~~إيذانا بالإعراض لتناهي الغضب فقال: { على أفواههم } أي لاجترائهم على ~~الكذب في الأخرى كما كان ديدنهم في الدنيا، وكان الروغان والكذب والفساد ~~إنما يكون باللسان المعرب عن القلب، وأما بقية الجوارح فمهما خرق العادة ~~بإقدارها على الكلام لم تنطق إلا بالحق فلذلك قال: { وتكلمنا أيديهم } أي ~~بما عملوا إقرارا هو أعظم شهادة { وتشهد أرجلهم } أي عليهم بكلام بين هو ~~مع كونه شهادة إقرار { بما كانوا } أي في الدنيا بجبلاتهم { يكسبون * } ~~فالآية من الاحتباك: أثبت الكلام للأيدي أولا لأنها كانت مباشرة دليلا ~~على حذفه من حيز الأرجل ثانيا، وأثبت الشهادة للأرجل ثانيا لأنها كانت ~~حاضرة دليلا ms3919 على حذفها من حيز الأيدي أولا، وبقرينه أن قول المباشر ~~إقرار وقول الحاضر شهادة، روى مسلم في صحيحه عن أنس رضي الله عنه قال: # " يقول العبد: يا رب! ألم تجرني من الظلم، قال: فيقول: بلى، فيقول: فإني ~~لا أجيز على نفسي إلا شاهدا مني، فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك شهيدا، ~~وبالكرام الكاتبين شهودا، فيختم على فيه ويقال لأركانه: انطقي، فتنطق ~~بأعماله، ثم يخلي بينه وبين الكلام فيقول: بعدا لكن وسحقا فعنكن كنت ~~أناضل " # وبالظاهر أن السر في الختم على فيه منعه من أن يلغط حال شهادتها عليه ~~لئلا يسمع قولها، وكما هو دأب أهل العناد عند الخصام. # ولما أتم بضرب المثل وما بعده الدلالة على مضمون { إنما تنذر من اتبع ~~الذكر } وما عللت به من إحياء الموتى، ودل على ذلك بما تركه كالشمس ليس ~~فيه لبس، وزاد من بحو الفوائد وجميل العوائد ما ملأ الأكوان من موجبات ~~الإيمان، وذكر ما في فريقي المتبعين والممتنعين يوم البعث، وختم بالحتم ~~على الأفواه بعد البعث، أتبعه آية الختم بالطمس والمسخ قبل الموت تهديدا ~~عطفا على ما رجع إليه المعنى مما قبل أول ذلك الخطاب من قوله { إنا ~~جعلنا في أعناقهم أغلالا } الآية، دفعا لما ربما وقع في وهم أحد أن ~~القدرة لا تتوجه إلى غير الطمس في المعاني بضرب السد وما في معناه، فأخبر ~~أنه كما أعمى البصائر قادر على إذهاب الأبصار، فقال مؤكا لما لهم من ~~الإنكار أو الأفعال التي هي فعل المنكر: { ولو } وعبر بالمضارع في قوله: ~~{ نشآء } ليتوقع في كل حين، فيكون أبلغ في التهديد { لطمسنا } وقصر الفعل ~~إشارة إلى أن المعنى: لو نريد لأوقعنا الطمس الذي جعلناه على بصائرهم { ~~على أعينهم } فأذهبنا عينها وأثرها، وجعلناها مساوية للوجه بحيث تصير ~~كأنها لم تكن أصلا، وقد تقدم في النساء نقل معنى هذا عن ابن هشام. # ولما كان الجالس مع شخص في مجلس التنازع وهو يهدده إن لم يرجع عن غيه ~~بقارعة يصيبه بها يبادر الهرب إذا فاجأته منه مصيبة كبيرة خوفا ms3920 من غيرها ~~جريا مع الطبع لما ناله من الدهش، ومسه من عظيم الانزعاج والوجل، كما ~~اتفق لقوم لوط عليه السلام لما مسح جبريل عليه السلام أعينهم فأغشاها حين ~~بادروا الباب هرابا يقولون: عند لوط أسحر الناس، سبب عن ذلك قوله: { ~~فاستبقوا } أي كلفوا أنفسهم ذلك وأوجدوه. ولما كان المقصود بيان إسراعهم ~~في الهرب، عدى الفعل مضمنا له معنى { ابتدروا } كما قال تعالى: # واستبقوا الخيرات # [البقرة: 148] فقال: { الصراط } أي الطريق الواضح الذي ألفوه واعتادوه، ~~ولهم به غاية المعرفة. ولما كان الأعمى لا يمكنه في مثل هذه الحالة المشي ~~بلا قائد فضلا عن المسابقة، سبب عن ذلك قوله منكرا: { فأنى } أي كيف ~~ومن أين { يبصرون * } أي فلم يهتدوا للصراط لعدم إبصارهم بل تصادموا ~~فتساقطوا في المهالك وتهافتوا. # ولما كان هذا كله مع القدرة على الحركة قال: { ولو نشاء } أي أن نمسخهم ~~{ لمسخناهم } أي حولناهم إلى الجمادية فأبطلنا منهم الحركة الإرادية. ~~ولما كان المقصود المفاجأة بهذه المصائب بيانا لأنه سبحانه لا كلفة عليه ~~في شي من ذلك قال: { على مكانتهم } أي المكان الذي كان قبل المسخ كل شخص ~~منه شاغلا له بجلوس أو قيام أو غيره في ذلك الموضع خاصة قبل أن يتحرك ~~منه، وهو معنى قراءة شعبة عن عاصم " مكانتهم " ودل على أن المراد التحويل ~~إلى أحوال الجمادية بما سبب عن ذلك من قوله: { فما استطاعوا } أي بأنفسهم ~~بنوع معالجة { مضيا } أي حركة إلى جهة من الجهات؛ ثم عطف على جملة ~~الشرط قوله: { ولا يرجعون * } أي يتجدد لهم بوجه من الوجوه رجوع إلى ~~حالتهم التي كانت قبل المسخ دلالة على أن هذه الأمور حق لا كما يقولون من ~~أنها خيال وسحر، بل ثباتها لا يمكن أحدا من الخلق رفعه ولا تغيره بنوع ~~تغيير هذا المراد إن شاء الله، ولو قيل: ولا رجوعا - كما قال بعضهم إنه ~~المراد، لم يفد هذا المعنى النفيس. # ولما كانت هذه أمورا فرضية يتأتى لبعض المعاندين اللد الطعن فيها ~~مكابرة، وكان كونه صلى الله عليه وسلم نبي الرحمة ms3921 مانعا من المفأجاة ~~بالتعذيب بعذاب الاستئصال بها، دل عليها بما يشاهدونه من باهر قدرته ~~وغريب حكمته في صنعته، فقال دالا بالعاطف على غير معطوف عليه ظاهر على ~~أن التقدير: فقد خلقناهم نطفا ثم علقا ثم مضغا ثم أولدناهم لا يعلمون ~~شيئا ولا يقدرون على شيء، ثم درجناهم في أطوار الأسنان معلين لهم في ~~معارج القوى الظاهرة والباطنة إلى أن صاروا إلى حد الأشد - وهو استكمال ~~القوى البشرية - فأوقفنا قواهم الظاهرة والباطنة، فلم نجر العادة بأن ~~نحدث فيهم إذ ذاك قوة لم تكن أيام الشباب: { ومن نعمره } أي نطل عمره ~~إطالة كبيرة منهم بعد ذلك { ننكسه } وقراءة عاصم وحمزة بضم أوله وفتح ~~ثانيه وكسر الكاف مشددة دالة على تفاوت الناس في النكس، ولم يقل " في ~~خلقه " لئلا يظن أن المراد أن المعمر له خلق أنشأه وأبدعه { في الخلق } ~~أي فيما أبدعناه من تقدير بدنه وروحه أي نرده على عقبه نازلا في المدارج ~~التي أصعدناه فيها إلى أن تضمحل قواه الحسية فيكون كالطفل فلا يقدر على ~~شيء, والمعنوية فلا يعلم شيئا، ومن قدر على مثل هذا التحويل من حالة إلى ~~أخرى لم تكن طردا وعكسا قدر على مثل ما مضى من التحويل بلا فرق، غير ~~أنهم لكثرة إلفهم لذلك صيره عندهم هينا، ولقلة وجود الأول صيره عندهم ~~بعيدا، ولذلك سبب عن الكلام قوله: على الأسلوب الماضي في قراءة الجماعة ~~ولفتا إلى الخطاب عند المدنيين ويعقوب لأنه أقرب إلى الاستعطاف وإعلاما ~~بأن الوعظ عام لكل صالح للخطاب: { أفلا يعقلون * } وقال بعض العارفين: ~~قيد بالخلق احترازا عن الأمر، فإن المؤتمر كلما زاد سنا ازداد لربه ~~طاعة وبه علما، يعني أن النكس في البدن أمر لا بد منه، وأما في المعارف ~~فتارة وتارة. # ولما أتم سبحانه الدليل على آية { لقد حق القول على أكثرهم } بأن ~~التكذيب بالأصلين التوحيد والحشر، وبينهما غاية البيان، رجع إلى تثبيت ~~الأصل الثالث وهو أمر الرسول والتنزيل، ولما كان من المعلوم أن الله ~~تعالى أجرى العادة في النوع الآدمي أن من ms3922 استوفى سن الصبا والشباب اثنين ~~وأربعين سنة حسمت غرائزه فلم يزد فيه غريزة، ووقفت قواه كلها فلم يزد ~~فيها شيء، أما المعاني الحسية فمطلقا، وأما المعنوية فلا تزيد إلا ~~بالتجربة والكسب، ولذلك قالوا: # إذا المرء أعيته المروءة ناشئا # فمطلبها كهلا عليه شديد # وكان من المعلوم أن الأنبياء عليهم السلام تظهر عليهم غرائز العلوم ~~والحكم وغير ذلك مما يجريه الله على أيديهم، ولا ينقص شيء من قواهم بل ~~تزاد كما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمشي غير مكترث، وأن ~~الصحابة رضي الله عنهم ليجهدون أنفسهم، فيكون جهدهم أن يدركوا مشية ~~الهوينا، وأنه صارع ركانة الذي كان يضرب بقوته المثل، وكان واثقا من ~~نفسه بأنه يصرع من صارعه، فلم يملكه النبي صلى الله عليه وسلم نفسه، وعاد ~~إلى ذلك ثلاث مرات، كل ذلك لا يستمسك في يده حتى شرع يقول: أن هذا لعجب ~~يا محمد! أتصرعني، وحتى أنه دار على نسائه - وهن تسع - كل واحدة منهن تسع ~~مرات في طلق واحد إلى غير ذلك مما يحكى من قواه التي فاق بها الناس، ولم ~~يحك عن نبي من الأنبياء ممن عاش منهم ألفا ومن عاش دون ذلك أنه نقص شيء ~~من قواه، بل قد ورد في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه # " أن ملك الموت عليه السلام أرسل إلى موسى عليه السلام ليقبض روحه فلما ~~جاءه صكه ففقأ عينه فقال لربه: أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت، قال: ارجع ~~إليه فقل له: يضع يده على متن ثور فله بما غطت يده بكل شعرة سنة، قال: أي ~~رب! ثم ماذا؟ قال: الموت، قال فالآن " # وفي آخر التوراة: وقضى عبد الله موسى بأرض موآب بأمر الرب، فدفن حذاء ~~بيت فاغورا، ولم يعرف أحد أين قضى إلى يومنا هذا، وكان موسى يوم قضي ابن ~~مائة وعشرين سنة، لم يضعف سني الوقوف في الغرائز والضعف في القوى خرقا ~~للعادة إكراما لهم وتنبيها للناس على صدقهم، علم من العطف على غير ~~معطوف عليه ms3923 ظاهر ومن الإتيان بضميره صلى الله عليه وسلم من غير تقدم ذكر ~~له أن التقدير: لكن نبينا صلى الله عليه وسلم عمرناه وما نكسناه بل ~~منحناه غرائز من الفضائل عجز عنها الأولون والآخرون، فأتى بقرآن أعجز ~~الإنس والجن، وعلوم وبركات فاتت القوى، ومعلوم قطعا أن الذي أتى به ليس ~~بشعر خلافا لما رموه به بغيا وعدوانا، وكذبا على جنابه وافتراء ~~وتجاوزا في البهت وطغيانا، لأنه قد مضى عليه سن الصبا والشباب جميعا ~~ولم يقل بيت شعر مع ما يرى لكم ولأمثالكم فيه من المفاخرة، وبه من ~~المكاثرة، وقد وصل إلى سن الوقوف المعلوم قطعا أنه لا يحدث للإنسان فيه ~~غريزة لم تكن أيام شبابه لا شعرية ولا غيرها: { وما علمناه } أي نحن { ~~الشعر } فيما علمناه وهو أن يتكلف التقيد بوزن معلوم وروي مقصود وقافيه ~~يلتزمها، ويدير المعاني عليها ويجتلب الألفاظ تكلفا إليها كما كان زهير ~~في قصائده الحوليات وغيره من أصحاب التكلفات # وما أنا من المتكلفين # [ص: 86] لأن ذلك وإن كنتم أنتم تعدونه فخرا لا يليق بجنابنا لأنه لا ~~يفرح به إلا من يريد ترويج كلامه وتحليته بصوغه على وزن معروف مقصود ~~وقافيه ملتزمة لكونه لا يقدر على الإتيان بأحسن منه بما لا يقايس من غير ~~التزام وزن ولا قافية على أن فيه نقيصة أخرى، وهي أعظم ما يوجب النفرة ~~منه، وهي أنه لا بد أن يوهي التزامه بعض المعاني، ولما لم نعلمه هذه ~~الدناءة طبعناه على جميع فنون البلاغة، ومكناه من سائر وجوه الفصاحة، ثم ~~أسكنا قلبه ينابيع الحكمة، ودربناه على إلقاء المعاني الجليلة وإن دقت في ~~الألفاظ الجزلة العذبة السهلة موزونة كانت أو لا، وذلك بما ألهمناه إياه ~~ثم بما ألقاه إليه جبريل عليه السلام مما أمرنا له به من جوامع الكلم ~~والكلام، فلا تكلف عنده أصلا، ما خير بين الأمرين إلا اختار أيسرهما ما ~~لم يكن إثما أو قطيعة رحم، وهذا البيت الذي أوردته عزاه في الحماسة في ~~أوائل باب الأدب إلى رجل من بني قريع لم ms3924 يسمه وقبله: # متى ما يرى الناس الغني وجاره # فقير يقولوا عاجز وجليد # وليس الغنى والفقر من حيلة الفتى # ولكن أحاظ قسمت وجدود # إذا المرء أعيته المروءة ناشئا # فمطلبها كهلا عليه شديد # وكائن رأينا من غنى مذمم # وصعلوك قوم مات وهو حميد # والمعنى أن كثرة المال وقلته ليست من غريزة من الغرائز، وإنما هي أمر ~~رباني لا مدخل للغرائز من جلاده ولا غيرها فيه، بدليل أنا كثيرا ما ~~رأينا من فاته الغنى شابا جلدا وناله شيخا ضعيفا، وما رأينا من ~~أخطأته المروءة شابا نالها شيخا، وبدليل أنه كم من غني كانت غرائزه ~~ذميمة، وكم من فقير كانت خلائقه محمودة، والمروءة هي الإنسانية، وهي كل ~~أمر هنيء حميد المغبة جميل العاقبة، وهذا هو السيادة، يعني أن من كانت ~~المروءة في غريزته حمله طبعه على تعاطيها في شبابه غنيا كان أو فقيرا، ~~ومن لم يكن عنده لم يقدر على تكلفها في سن الاكتهال، فلله درهم! ما كان ~~أحكمهم وأدراهم بالدقائق وأعلمهم، ولذلك جعل هذا النبي الأمي منهم، فملأت ~~معارفه الأكوان، وسمت في رتب المعاني صاعدة فأين منها كيوان. # ولما كان الشعر مع ما بني عليه من التكلف الذي هو بعيدا جدا عن سجايا ~~الأنبياء فكيف بأشرفهم مما يكتسب به مدحا وهجوا، فيكون أكثره كذبا - ~~إلى غير ذلك من معايبه، قال سبحانه وتعالى: { وما ينبغي له } أي وما يصح ~~ولا ينطلب ولا يتأتى أصلا، لأن منصبه أجل، وهمته أعلى من أن يكون مداحا ~~أو عيابا، أو أن يتقيد بما قد يجر إلى نقيصة في المعنى، وجبلته منافية ~~لذلك غاية المنافاة. # ولما تمت الدلالة على أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، وتضمنت أن الشعر - ~~وهو تعمد صوغ الكلام على وزن معلوم وقافية ملتزمة - نقيصة لما ذكر ولما ~~يلزمه التقيد بالوزن والروي والقافية من التقديم والتأخير والتحويم على ~~المعاني من غير إفصاح ولا تبيين فيصير عسر الفهم مستعصي البيان، ونفى عنه ~~صلى الله عليه وسلم تلك النقيصة، فتضمن ذلك تنزيه ما أنزل عليه عنها - ~~كما أشارت ms3925 إليه نون العظمة في " علمنا " - أثبت له ما ينبغي له فقال ~~كالتعليل لما قبله: { إن } أي ما { هو } أي هذا الذي أتاكم به { إلا ذكر ~~} أي شرف وموعظة { وقرآن } أي جامع للحكم كلها دنيا وأخرى يتلى في ~~المحاريب ويكرر في المتعبدات، وينال بتلاوته والعمل به فوز الدارين مع ~~الفصل بين الملبسات { مبين * } أي ظاهر في ذلك مطلق لكل ما فيه لمن يرومه ~~حق رومه، ويسومه بأغلى سومه، بعد أن يشترط في مطلق فهمه ومجرد اللذة به ~~الذكي والغبي والحديد والبليد، وليس هو بشعر متكلف يتقدم فيه - بحكم ~~التزام الوزن والروي والقافية - الشيء عن حاق موضعه تارة ويتأخر أخرى، ~~ويبدل بما لا يساويه فتنقص معانيه وتنعقد فتشكل فلا يفهمه إلا ذاك وذاك ~~مع أنه من همزات الشياطين فيا بعد ما بينهما، ويبين هذا المعنى غاية ~~البيان آخر " ص " { قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين } { ~~إن هو إلا ذكر للعالمين } أي كلهم ذكيهم وغبيهم بخلاف الشعر فإنه مع ~~نزوله عن بلاغته جدا إنما هو ذكر للأذكياء جدا. ### || [36.70-73] # ولما ذكر أمر الرسول صلى الله عليه وسلم فيما آتاه من غرائز الشرف في سن ~~النكس لغيره، ذكر علة ذلك فقال: { لينذر } أي الرسول صلى الله عليه وسلم ~~بدليل ما دل عليه السياق من التقدير، ويؤيده لفت الكلام في قراءة نافع ~~وابن عامر ويعقوب بالخطاب إشارة إلى أنه لا يفهمه حق فهمه غيره صلى الله ~~عليه وسلم. # ولما كان هذا القرآن مبينا، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم متخلقا ~~به، فهو مظهره وصورة وسورته، فكان حاله مقتضيا لئلا يتخلف عن الإيمان ~~حي، قال مظهرا لما كان حقه في بادي الرأي الإضمار إفادة للتعميم مبينا ~~لأن حكمه سبحانه منع من ذلك، فانقسم المنذورن إلى قسمين: { من كان } ~~كونا متمكنا { حيا } أي حياة كاملة معنوية تكون سببا للحياة الدائمة، ~~فإنه لا يتوقف حينئذ عن الإيمان به خوفا مما يخوف به من الأمور التي لا ~~يتوجه إليها ريب بوجه، فيرجى له الخير، فهو ms3926 مؤمن في الحقيقة وإن ظهر عليه ~~في أول أمره خلاف ذلك، وأفرد الضمير هنا على اللفظ إشارة إلى قلة ~~السعداء، وجمع في الثاني على المعنى إعلاما بكثرة الأشقياء { ويحق } أي ~~يجب ويثبت { القول } أي بالعذاب { على الكافرين * } أي العريقين في الكفر ~~فإنهم أموات في الحقيقة وإن رأيتهم أحياء، فالآية من الاحتباك: حذف ~~الإيمان أولا لما دل عليه من ضده ثانيا، وحذف الموت ثانيا لما دل عليه ~~من ضده أولا، فتحقق بهذا أن أعظم منافاة القرآن للشعر وكذا السجع من أجل ~~أنه جد كله، فمحط أساليبه بالقصد الأول المعاني والألفاظ تابعة، والشاعر ~~والساجع محط نظرهما بالقصد الأول الروي والقافية والفاصلة حتى أن ذلك ~~ليؤدي إلى ركة المعنى والكلام بغير الواقع ولا بد، كما قال حسان بن ثابت ~~رضي الله عنه وحاله معروف في البلاغة والتفنن في أساليب الكلام وصدق ~~اللهجة وحسن الإسلام في غزوة الغابة وكان أميرها سعد بن زيد الأشهلي رضي ~~الله عنه: # أسر أولاد اللقيطة أننا # سلم غداة فوارس المقداد # فغضب سعد على حسان رضي الله عنهما وحلف: لا يكلمه أبدا، وقال: انطلق ~~إلى خيلي وفوارسي، فجعلها للمقداد، فاعتذر إليه حسان رضي الله عنهما ~~ومدحه بأبيات وقال: والله ما أردت ذلك ولكن الروي وافق اسم المقداد، لأن ~~القصيدة دالية، فالنبي صلى الله عليه وسلم لا يدور في فكره أبدا قصد ~~اللفظ، فإنه من باب الترويق، وهو صلى الله عليه وسلم جد كله، فهو لا يعدل ~~عنه لأنه موزون، بل لأنه لا يؤدي المعنى كما أن العرب تعدل عن اللحن ولا ~~تحسن النطق به ولا تطوع ألسنتها له لكونه لحنا، لا لكونه حركة، فإن وافق ~~شيء من الموزون ما أريد من المعنى لأجل أداء المعنى قاله، كما يقع لكثير ~~من المصنفين الكلام الموزون وما قصده، وكما وقع كثير من الكلام الموزون ~~من جميع أبحر الشعر في القرآن وإن لم يوافق المعنى لم يقله، وعلى هذا ~~يتخرج قوله صلى الله عليه وسلم: # أنا النبي لا كذب # أنا ابن عبد المطلب # لو ms3927 تظاهر الإنس والجن على أن يأتوا بما أداه من المعنى في ألفاظه أو ~~مثلها على غير هذا النظم لم يقدروا، وإذا تأملت كل بيت تمثل به فكسره لا ~~تجده كسره إلا لمعنى جليل، لا يتأتى مع الوزن أو يكون لا فرق بين أدائه ~~موزونا ومكسورا، وهكذا السجع سواء، ومن هنا علم أنه ليس المعنى أنه لا ~~يحسن الوزن، بل المعنى أن تعمد الوزن والسجع نقيصة لا تليق بمنصبه العالي ~~لأن الشاعر مقيد بوزن وروي وقافية، فإن إطاعه المعنى مع ما هو مقيد به ~~كان وإلا احتال في إتمام ما هو مقيد به وإن نقص المعنى، والساجع قريب من ~~ذلك، فهذا هو الذي لم يعلمه الله له، لأنه صلى الله عليه وسلم تابع ~~للمعاني والحقائق والحكم التي تفيد الحياة الدائمة، لأنه مهيأ بالطبع ~~المستقيم لذلك غير مهيأ لغيره من التكلف، وإذا أنعمت النظر في آخر الآية ~~الذي هو تعليل لما قبله تحققت أن هذا هو المراد، فوضح أي وضوح بهذا أن ~~كلا منهما نقيصة، فلا يتحرك شيء من أخلاقه الشريفة نحوها، ولا يكون له ~~بذلك شيء من الاعتناء، وقد أشبعت الكلام في هذا وأتقنته في كتابي " مصاعد ~~النظر للإشراف على مقاصد السور " وهو كالمدخل إلى هذا الكتاب - والله ~~الموفق للصواب. # ولما أخبر سبحانه بإعماء أفكارهم، وهدد بطمس أبصارهم، ومسخهم على ~~مقاعدهم وقرارهم، وأعلم بأن كتابه خاتم بإنذارهم، ذكرهم بقدرته وقررهم ~~تثبيتا لذلك ببدائع صنعته، فقال عاطفا على ما تقديره: ألم يروا ما ~~قدمناه وأفهمته آية { ومن نعمره } وما بعدها من بدائع صنعنا تلويحا ~~وتصريحا الدال على علمنا الشامل وقدرتنا التامة، فمهما صوبنا كلامنا ~~إليه حق القول عليه ولم يمنعه مانع، ولا يتصور له دافع { أولم يروا } أي ~~يعلموا علما هو كالرؤية ما هو أظهر عندهم دلالة من ذلك في أجل أموالهم، ~~ولا يبعد عندي - وإن طال المدى - أن يكون معطوفا على قوله: { ألم يروا ~~كما أهلكنا قبلهم من القرون } فذاك استعطاف إلى توحيده بالتحذير من ~~النقم، وهذا بالتذكير بالنعم، ونبههم على ms3928 ما في ذلك من العظمة بسوق ~~الكلام في مظهرها كما فعل في آية إهلاك القرون فقال: { أنا خلقنا لهم } ~~وخصها بنفسه الشريفة محوا للأسباب وإظهارا لتشريفهم بتشريفها في قوله: ~~{ مما عملت }. # ولما كان الإنسان مقيدا بالوهم لا ينفك عنه، ولذلك يرة الأرواح في ~~المنام في صور أجسادنا، وكانت يده محل قدرته وموضع اختصاصه، عبر له بما ~~يفهمه فقال: { أيدينا } لأي بغير واسطة على علم منا بقواها ومقاديرها ~~ومنافعها وطبائعها وغير ذلك من أمورها { أنعاما } ثم بين كونها لهم بما ~~سبب عن خلقها من قوله: { فهم لها مالكون * } أي ضابطون قاهرون من غير ~~قدرة لهم على ذلك لولا قدرتنا بنوع التسبب. # ولما كان الملك لا يستلزم الطواعية، قال تعالى: { وذللناها لهم } أي ~~يسرنا قيادها، ولو شئنا لجعلناها وحشية كما جعلنا أصغر منها وأضعف، فمن ~~قدر على تذليل الأشياء الصعبة جدا لغيره فهو قادر على تطويع الأشياء ~~لنفسه، ثم سبب عن ذلك قوله: { فمنها ركوبهم } أي ما يركبون، وهي الإبل ~~لأنها أعظم مركوباتهم لعموم منافعها في ذلك وكثرتها، ولمثل ذلك في ~~التذكير بعظيم النعمة والنفع واستقلال كل من النعمتين بنفسه أعاد الجار، ~~وعبر بالمضارع للتجدد بتجدد الذبح بخلاف المركوب فإن صلاحه لذلك ثابت ~~دائم فقال: { ومنها يأكلون * }. # ولما أشار إلى عظمة نفع الركوب والأكل بتقديم الجار، وكانت منافعها من ~~غير ذلك كثيرة، قال: { ولهم فيها منافع } أي بالأصواف والأوبار والأشعار ~~والجلود والبيع وغير ذلك، وخص المشرب من عموم المنافع لعموم نفعه، فقال ~~جامعا له لاختلاف طعوم ألبان الأنواع الثلاثة، وكأنه عبر بمنتهى الجموع ~~لاختلاف طعوم أفراد النوع الواحد لمن تأمل { ومشارب } أي من الألبان، ~~أخرجناها مميزة عن الفرث والدم خالصة لذيذة، وكل ذلك لا سبب له إلا أن ~~كلمتنا حقت به، فلم يكن بد من كونه على وفق ما أردنا، فليحذر من هو أضعف ~~حالا منها من حقوق أمرنا ومضي حكمنا بما يسوءه. # ولما كانت هذه الأشياء من العظمة بمكان، لو فقده الإنسان لتكدرت معيشته، ~~سبب عن ذلك استئناف الإنكار عليهم في ms3929 تخلفهم عن طاعته بقوله: { أفلا ~~يشكرون * } أي يوقعون الشكر، وهو تعظيم المنعم لما أنعم وهو استفهام ~~بمعنى الأمر. ### || [36.74-76] # ولما ذكرهم نعمه، وحذرهم نقمه، عجب منهم في سفول نظرهم وقبح أثرهم، فقال ~~موبخا ومقرعا ومبكتا ومعجبا من زيادة ضلالهم عادلا عن مظهر العظمة ~~إلى أعظم منه: { واتخذوا } أي فعلنا لهم ذلك والحال أنهم كلفوا أنفسهم ~~على غير ما تهدي إليه الفطرة الأولى أن أخذوا، أو يكون معطوفا على " ~~كانوا " من قوله: { إلا كانوا به يستهزءون } فيكون التقدير: إلا كانوا ~~يجددون الاستهزاء، واتخذوا قبل إرساله إليهم مع ما رأوا من قدرتنا ~~وتقبلوا فيه من نعمتنا: { من دون الله } أي الذي له جميع العظمة، فكل شيء ~~دونه، وما كان دونه كان مقهورا مربوبا { آلهة } أي لا شيء لها من ~~القدرة ولا من صلاحية الإلهية. ولما تقرر أنها غير صالحة لها أهلوها له، ~~تشوف السامع إلى السؤال عن سبب ذلك، فقال جوابا له تعجيبا من حالهم: { ~~لعلهم } أي العابدين. ولما كان مقصودهم حصول النصر من أي ناصر كان، بني ~~للمفعول قوله: { ينصرون * } أي ليكون حالهم بزعمهم في اجتماعهم عليها ~~والتئامهم بها حال من ينصر على من يعاديه ويعانده ويناويه. # ولما كان للنصر سببان: ظاهري وهو الاجتماع، وأصلي باطني وهو الإله ~~المجتمع عليه، بين غلطهم بتضييع الأمل، فقال مستأنفا في جواب من كأنه ~~قال: فهل بلغوا ما أرادوا؟: { لا يستطيعون } أي الألهة المتخذة { نصرهم } ~~أي العابدين { وهم } أي العابدون { لهم } أي الآلهة { جند } ولما كان ~~الجند مشتركا بين العسكر والأعوان والمدينة، عين المراد بضمير الجمع ~~ولأنه أدل على عجزهم وحقارتهم فقال: { محضرون * } أي يفعلون في الاجتماع ~~إليها والمحاماة عنها فعل من يجمعه كرها إيالة الملك وسياسة العظمة، ~~فصارت العبرة بهم خاصة في حيازة السبب الظاهري مع تعبدهم للعاجز وذلهم ~~للضعيف الدون مع ما يدعون من الشهامة والأنفة والضخامة، فلو جمعوا أنفسهم ~~على الله لكان لهم ذلك، وحازوا معه السبب الأعظم. # ولما بين ما بين من قدرته الباهرة، وعظمته الظاهرة، و وهي أمرهم في ~~الدنيا ms3930 والآخرة، وكان قد تقدم ما لوح إلى أنهم نسبوه صلى الله عليه وسلم ~~إلى الشعر، وصرح باستهزائهم بالوعد مع ما قبل ذلك من تكذيبهم وإجابتهم ~~للمؤمنين من تسفيههم وتضليلهم، سبب عن ذلك بعد ما نفى عنهم النصرة قوله ~~تسلية له صلى الله عليه وسلم: { فلا يحزنك } قراءة الجماعة بفتح الياء ~~وضم الزاي، ومعناه: يجعل فيك، وقراءة نافع بضم الياء وكسر الزاي تدل على ~~أن المنهي عنه إنما هو كثرة الحزن والاستغراق فيه، لا ما يعرض من طبع ~~البشر من أصله، فإن معنى أحزن فلانا كذا، أي جعله حزينا { قولهم } أي ~~الذي قدمناه تلويحا وتصريحا وغير ذلك فيك وفينا ولما كان علم القادر ~~بما يعمل عدوه سببا لأخذه، علل ذلك بقوله مهددا بمظهر العظمة: { إنا ~~نعلم ما } أي كل ما { يسرون } أي يجددون إسراره { وما يعلنون * } أي فنحن ~~نجعل ما يسببونه لأذاك سببا لأذاهم ونفعك إلى أن يصيروا في قبضتك وتحت ~~قهرك وقدرتك. ### || [36.77-78] # ولما أثبت سبحانه بهذا الدليل قدرته على ما هدد به أولا من التحويل من ~~حال إلى أخرى، فثبتت بذلك قدرته على البعث، وختم بإحاطة العلم الملزوم ~~لتمام القدرة، أتبع ذلك دليلا أبين من الأول فقال عاطفا على { ألم يروا ~~}: { أولم ير } أي يعلم علما هو في ظهوره كالمحسوس بالبصر. # ولما كان هذا المثل الذي قاله هذا الكافر لا يرضاه حمار لو نطق، أشار ~~إلى غباوته بالتعبير بالإنسان الذي هو - وإن كان أفطن المخلوقات لما ركب ~~فيه سبحانه من العقل - تغلب عليه الإنس بنفسه حتى يصير مثلا فقال: { ~~الإنسان } أي جنسه منهم ومن غيرهم وإن كان الذي نزلت فيه واحدا { أنا ~~خلقناه } بما لنا من العظمة { من نطفة } أي شيء يسير حقير من ماء لا ~~انتفاع به بعد إبداعنا أباه من تراب وأمه من لحم وعظام { فإذا هو } أي ~~فتسبب عن خلقنا له من ذلك المفاجأة لحالة هي أبعد شيء من حالة المطفة وهي ~~أنه { خصيم } أي بالغ الخصومة { مبين * } أي في غاية البيان عما يريده ~~حتى أنه ms3931 ليجادل من أعطاء العقل والقدرة في قدرته، أنشد الأستاذ أبو ~~القاسم القشيري في ذلك: # أعلمه الرماية كل يوم # فلما اشتد ساعده رماني # ولما كان التقدير: فبعد - مع أنا تفردنا بالإنعام عليه - عيرنا وخاصم - ~~بما خلقناه له من اللسان وآتيناه من البيان - رسلنا وجميع أهل ودنا، عطف ~~عليه قوله مقبحا إنكارهم البعث تقبيحا لا يرى أعجب منه، ولا أبلغ ولا ~~أدل على التمادي، في الضلال والإفراط في الجحود وعقوق الأيادي: { وضرب } ~~أي هذا الإنسان؛ وسبب النزول أبي بن خلف الجمحي الذي قتله النبي صلى الله ~~عليه وسلم بأحد مبارزة، فهو المراد بهذا التبكيت بالذات وبالقصد الأول { ~~لنا } أي على ما يعلم من عظمتنا { مثلا } أي آلهته التي عبدها لكونها لا ~~تقدر على شيء مكابرا لعقله في أنه لا شيء يشبهنا { ونسي } أي هذا الذي ~~تصدى على نهاية أصله لمخاصمة الجبار، وأبرز صفحته لمجادلته، والنسيان هنا ~~يحتمل أن يكون بمعنى الذهول، وأن بكون بمعنى الترك { خلقه } أي خلقنا ~~لهذا المخاصم الدال على كمال قدرتنا، وأن آلهته التي أشرك بها لا تقدر ~~على شيء, فافترق الحال الذي جمعه بالمثل أي افتراق, وصارا مقولا له: يا ~~قليل الفطنة! أفمن يخلق كمن لا يخلق؟ أفلا تذكرون؟ ثم استأنف الإخبار عن ~~هذا المثل بالإخبار عن استحالته لأن يقدر أحد على إحياء الميت كما أن ~~معبوداته لا تقدر على ذلك فقال: { قال } أي على سبيل الإنكار: { من يحيي ~~}. # ولما كانت العظام أصلب شيء وأبعده عن قبول الحياة لا سيما إذا بليت ~~وأرفتت قال: { العظام وهي } ولما أخبر عن المؤنث باسم لما بلي من العظام ~~غير صفة، لم يثبت تاء التأنيث فقال: { رميم * } أي صارت ترابا يمر مع ~~الرياح. ### || [36.79-83] # ولما كان موطنا يتشوف فيه السامع لهذا الكلام إلى جوابه، استأنف قوله ~~مخاطبا من لا يفهم هذه المجادلة حق فهمها غيره: { قل } أي لهذا الذي ضرب ~~هذا المثل جهلا منه في قياسه من يقدر على كل شيء على من لا يقدر على ~~شيء، وأعاد فعل الإحياء نصا على ms3932 المراد دفعا للتعنت ودلالة على ~~الاهتمام فقال: { يحييها } أي من بعد أن بليت ثاني مرة، ولفت القول إلى ~~وصف يدل على الحكم فقال: { الذي أنشأها } أي من العدم ثم أحياها { أول ~~مرة } أي فإن كل من قدر على إيجاد شيء أول مرة فهو قادر على إعادته ثاني ~~مرة، وهي شاهدة بأن الحياة تحل العظم فيتنجس بالموت مما يحكم بنجاسة ~~ميتته { وهو بكل خلق } أي صنع وتقدير ممكن أن يخلق من ذلك ومن غيره ~~ابتداء وإعادة { عليم * } أي بالغ العلم، فلا يخفى عليه أجراء ميت أصلا ~~وإن تفرقت في البر والبحر، ولا شيء غير ذلك، فالآية من بديع الاحتباك: ~~الإحياء أولا دال على مثله ثانيا، والإنشاء ثانيا دال على مثله أولا، ~~و { أول مرة } في الثاني دال على " ثاني مرة " في الأول، فهو على كل شيء ~~قدير كما برهن عليه في سورة طه، فهو يوجد المقتضيات لكل ممكن يريده، ~~ويرفع الموانع فيوجد في الحال من غير تخلف أصلا، فقد بلغ هذا البيان في ~~الدلالة على البعث الجسماني والروحاني معا النهاية التي ليس وراءها ~~بيان، بعد أن وطأ له في هذه السورة نفسها بما لا يحتمل طعنا بقوله: { ~~فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون } { من بعثنا من مرقدنا } { فإذا ~~هم جميع لدينا محضرون } { إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون } { ~~وامتازوا اليوم أيها المجرمون } { اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون } { ~~اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون }. # ولما كان مآل هذا المثل الذي علق الإنكار فيه بالرميم استبعاد تمييز ~~الشيء - إذا صار ترابا واختلط بالتراب - عن غيره من التراب، وصف نفسه ~~المقدس بإخراج الشيء الذي هو أخفى ما يكون من ضده، وذلك بتمييز النار من ~~الخشب الذي فيه الماء ظاهر بأيدي العجزة من خلقه، فقال معيدا للوصول ~~تنبيها على التذكير بالموصوف ليستحضر ما له من صفات الكمال فيبادر إلى ~~الخضوع له من كان حيا: { الذي جعل لكم } أي متاعا واستبصارا { من ~~الشجر الأخضر } الذي تشاهدون فيه الماء { نارا ms3933 } بأن يأخذ أحدكم غصنين ~~كالسواكين وهما أخضران يقطر منهما الماء فيسحق المرخ - وهو ذكر - على ~~العفار - وهو أنثى - فتخرج النار! قال أبو حيان: وعن ابن عباس رضي الله ~~عنهما: ليس شجر إلا وفيه نار إلا العناب - انتهى. # ولذلك قالوا في المثل المشهور: في كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار { ~~فإذا أنتم } أي فيتسبب عن ذلك مفاجأتكم لأنكم { منه } أي الشجر الموصوف ~~بالخضرة بعينه { توقدون * } أي توجدون الإيقاد ويتجدد لكم ذلك مرة بعد ~~أخرى، ما هو بخيال ولا سحر بل حقيقة ثابتة بينة، وكأنه قدم الجار لكثرة ~~إيقادهم منه، إيقادهم من غيره لذلك ولعظمته عدما. # ولما كان ذلك من غير كلفة عليهم، قدم الجار تخصيصا له وعدا لغيره ~~كالمعدوم، فالذي قدر على تمييز النار من الماء والخشب وخبء النار فيهما ~~لا النار تعدو على الخشب فتحرقه ولا الماء يعدو على النار فيطفئها قادر ~~على تمييز تراب العظام من تراب غيرها، ونفخ الروح كما نفخ روح النار في ~~الحطب المضاد له بالمائية. # ولما كان التقدير: أليس الذي قدر على ذلك بقادر على ما يريد من إحياء ~~العظام وغيرها، عطف عليه ما هو أعظم شأنا منه تقديرا على الأدنى ~~بالأعلى فقال: { أوليس الذي خلق } أي أوجد من العدم وقدر { السماوات ~~والأرض } أي على كبرهما وعظمتهما وعظيم ما فيهما من المنافع والمصانع ~~والعجائب والبدائع، وأثبت الجار تحقيقا للأمر وتأكيدا للتقرير فقال: { ~~بقادر } أي بثابت له قدرة لا يساويها قدرة، ومعنى قراءة رويس عن يعقوب ~~بتحتانية مفتوحة وإسكان القاف من غير ألف ورفع الراء أنه يجدد تعليق ~~القدرة على سبيل الاستمرار { على أن يخلق } ولفت الكلام إلى الغيبة ~~إيذابنا بأنهم صاروا بهذا الجدل أهلا لغاية الغضب فقال: { مثلهم } أي ~~مثل هؤلاء الأناسي أي يعيدهم بأعيانهم كما تقول: مثلك كذا أي أنت، وعبر ~~به إفهاما لتحقيرهم وأن إحياء العظام الميتة أكثر ما يكون خلقا جديدا، ~~بل ينقص عن الاختراع بأن له مادة موجودة، وعبر بضمير الجمع لأنه أدل على ~~القدرة، قال الرازي: والقدرة عبارة عن المعنى ms3934 الذي به يوجد الشيء مقدرا ~~بتقدير الإرادة والعلم واقعا على وفقهما وإن كانت صفات الله تعالى أعلى ~~من أن يطمحها نظر عقل، وتلحقها العبارات اللغوية، ولكن غاية القدرة ~~البشرية واللغة العربية هذا. # ولما كان الجواب بعد ما مضى من الأدلة القاطعة والبراهين الساطعة ~~الاعتراف، قال سبحانه مقررا لما بعد النفي إشارة إلى أنه تجب المبادرة ~~إليه، ولا يجوز التوقف فيه ومن توقف فهو معاند: { بلى } أي هو قادر على ~~ذلك { وهو } مع ذلك أي كونه عالما بالخلق { الخلاق } البالغ في هذه ~~الصفة مطلقا في تكثير الخلق وتكريره بالنسبة إلى كل شيء ما لا تحيط به ~~الأوهام، ولا تدركه العقول والأفهام، ولم ينازع أحد في العلم بالجزئيات ~~بعد كونها، كما نازعوا في القدرة على إيجاد بعض الجزئيات، فاكتفى فيه ~~بصيغة فعيل فقيل: { العليم * } أي البالغ في العلم الذي هو منشأ القدرة، ~~فلا يخفى عليه كلي ولا جزئي في ماض ولا حال ولا مستقبل شاهد أو غائب. # ولما تقرر ذلك، أنتج قوله مؤكدا لأجل إنكارهم القدرة على البعث: { إنما ~~أمره } أي شأنه ووصفه { إذا أراد شيئا } أي إيجاد شيء من جوهر أو عرض ~~أي شيء كان { أن يقول له كن } أي أن يريده؛ ثم عطف على جواب الشرط على ~~قراءة ابن عامر والكسائي بالنصب، واستأنف على قراءة غيره بالرفع بقوله: { ~~فيكون * } أي من غير مهلة أصلا على وفق ما أراد. # ولما كان ذلك، تسبب عنه المبادرة إلى تنزيهه تعالى عما ضربوه له من ~~الأمثال فلذلك قال: { فسبحان } أي تنزه عن كل شائبة نقص تبزها لا تبلغ ~~أفهامكم كنهه، وعدل عن الضمير إلى وصف يدل على غاية العظمة فقال: { الذي ~~بيده } أي بقدرته وتصرفه خاصة لا بيد غيره { ملكوت كل شيء } أي ملكه ~~التام وملكه ظاهرا وباطنا. # ولما كان التقدير: فمنه تبدؤون، عطف عليه قوله: { وإليه } أي لا إلى ~~غيره من التراب أو غيره، ولفت القول إلى خطابهم استصغارا لهم وإحتقارا ~~فقال: { ترجعون * } أي معنى في جميع أموركم وحسا بالبعث لينصف بينكم، ~~فيدخل ms3935 بعضا النار وبعضا الجنة، ونبهت قراءة الجماعة بالبناء للمفعول ~~على غاية صغارهم بكون الرجوع قهرا وبأسهل أمر، وزادت قراءة يعقوب ~~بالبناء للفاعل بأن انقيادهم في الرجوع من شدة سهولته عليه كأنه ناشئ عن ~~فعلهم بأنفسهم اختيارا منهم، فثبت أنه سبحانه على كل شيء قدير، فثبت ~~قطعا أنه حكيم، فثبت قطعا أنه لا إله إلا هو، وأن كلامه حكيم، وثبت ~~بتمام قدرته أنه حليم لا يعجل على أحد بالعقاب، فثبت أنه أرسل الرسل ~~للبشارة بثوابه والنذارة من عقابه، فثبت أنه أرسل هذا النبي الكريم لما ~~أيده به من المعجزات، وأظهره على يده من الأدلة الباهرات، فرجع آخر ~~السورة بكل من الرسالة وإحياء الموتى إلى أولها، واتصل في كلا الأمرين ~~مفصلها بموصلها، والله الهادي إلى الصواب وإليه المرجع والمآب. ### | [37 - سورة الصافات] ### || [37.1-7] # قال تعالى: { والصافات } أي الجماعات من الملائكة والمصلين والمجاهدين ~~المكملين أنفسهم بالاصطفاف في الطاعة، فهو صفة لموصوف محذوف مؤنث اللفظ، ~~وعدل عن أن يقول: " الصافين " القاصر على الذكور العقلاء ليشمل الجماعات ~~من الملائكة والجن والإنس والطير والوحش وغيرها، إشارة إلى أنه لا يؤلف ~~بين شيء منها ليتحد قصده إلا واحد قهار، وأنه ما اتحد قصد شيء منها إلا ~~استوى صفة، ولا اعتدل صفة إلا اتحد زجره وهو صياحه، ولا اتحد زجره إلا ~~اتحد ما يذكره بصوته، ولا اتحد منه ذلك إلا نجح قصده واتضح رشده بدليل ~~المشاهدة، وأدلها أن الصحابة رضي الله عنهم لما اتحد قصدهم في إعلاء ~~الدين وهم أضعف الأمم وأقلها عددا لم يقم لهم جمع من الناس الذين لا ~~نسبة لهم إليهم في قوة ولا كثرة، ولم ينقص صفهم، وجرح القلوب وأبارها ~~زجرهم، وشرح الصدور وأنارها ذكرهم، كما أشار إليه تعالى آخر هذه السورة ~~بقوله { وإن جندنا لهم الغالبون } وكذا غير الآدميين من الحيوانات كما ~~يرى من الفار والجراد إذا أراد الله تعالى اتحاد قصده في شيء فإنه يغلب ~~فيه من يغالبه، ويقهر من يقاويه أو يقالبه، فبان أن الخير كله ما أريد ~~بالقسم، واتحد جدا ms3936 بالمقسم عليه والتأم والتحم به أي التحام، وانتظم ~~معناهما كل الانتظام. # ولما كان التأكيد بالمصدر أدل على الوحدة المرادة قال: { صفا * } وهو ~~ترتيب الجمع على خط. ولما كان توحد القصد موجبا للقوة المهيئة للزجر، ~~وكان تكميل الغير مسببا عن تكميل النفس، ومرتبا عليه، وأشرف منه لو ~~تجرد عن التكميل، وكان التكميل إنما يتم أمره ويعظم أثره مع الهيبة " ~~فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد " قال عاطفا بالفاء: { فالزاجرات } أي ~~المنتهرات عقب الصف كل من خرج عن أمر الله { زجرا } أي انتهارا ~~بالمواعظ وغيرها تكميلا لغيرهم. # ولما كانت الإفاضة مسببة عن حسن التلقي المسبب عن تفريغ البال المسبب عن ~~هيبة المفيد، وكان فيض التلاوة أعظم الفيض قال: { فالتاليات } أي ~~التابعات استدلالا على قولهم وفعلهم وتمهيدا لعذرهم وتشريفا لقدرهم، ~~وتكميلا لغيرهم: { ذكرا } أي موعظة وتشريفا وتذكيرا من ذكر ربهم ~~إفاضة على غيرهم من روح العلم وإدغام التاء في الصاد والزاي والذال إشارة ~~إلى أن ذلك مع هوله وعظمه قد يخفى عن غير من يريد الله إطلاعه عليه، فقد ~~قطعت الصيحة قلوب الكفرة من ثمود وغيرهم، ولم تؤثر فيمن آمن منهم، وقد ~~كان جبريل عليه السلام ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم ما يأتي به من ~~القرآن والصحابة رضي الله عنهم حوله لا يستمعون شيئا منه - والله الموفق ~~{ إن إلهكم } أي الذي اتخذتم من دونه آلهة { لواحد * } أي فإن التفرق لا ~~يأتي بخير، لما يصحبه من العجز البعيد جدا عن الكمال الذي لا تكون ~~الإلهية أصلا إلا معه، فإليه لا إلى غيره ترجعون ليفصل بينكم فيما كنتم ~~فيه تختلفون، وهو الذي أنزل هذا الكتاب بعزته ورحمته وحرسه من اللبس ~~وغيره بما سيذكر من كبريائه وعظمته ولو لم يكن واحدا لاختل أمر هذا ~~الاصطفاف والزجر والتلاوة، وما يترتب عليها، فاختل نظام هذا الوجود الذي ~~نشاهده كما نشاهد في أحوال الممالك عند اختلاف الملوك في تغيير العوائد ~~ونسخ الشرائع التي كان من قبلها أطدها وجميع ما له من الآثار والخصائص، ~~ونحن نشاهد هذا الوجود ms3937 على ما أحكمه سبحانه وتعالى لا يتغير شيء منه عن ~~حاله الذي حده له، فعلمنا أنه واحد لا محالة متفرد بالعظمة، لا كفوء له ~~من غير شك. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما تضمنت سورة يس من جليل التنبيه ~~وعظيم الإرشاد وما يهتدي الموفق باعتبار بعضه، ويشتغل المعتبر به في ~~تحصيل مطلوبه وفرضه، ويشهد بأن الملك بجملته لواحد، وإن رغم أنف المعاند ~~والجاحد، أتبعها تعالى بالقسم علة وحدانيته فقال تعالى { والصافات } - ~~الآية إلى قوله تعالى { إن إلهكم لواحد } إلى قوله { ورب المشارق } ثم ~~عاد الكلام إلى التنبيه لعجيب مصنوعاته فقال تعالى { إنا رأينا السماء ~~الدنيا بزينة الكواكب } إلى قوله { شهاب ثاقب } ثم أتبع بذكر عناد من جحد ~~مع بيان الأمر ووضوحه وضعف ما خلقوا منه { إنا خلقناهم من طين لازب } ثم ~~ذكر استبعادهم العودة الأخروية وعظيم حيرتهم وندمهم إذا شاهدوا ما به ~~كذبوا، والتحمت الآي إلى ذكر الرسل مع أممهم وجريهم في العناد والتوقف ~~والتكذيب على سنن متقارب، وأخذ كل بذنبه، وتخليص رسل الله وحزبه، وإبقاء ~~جميل ذكرهم باصطفائهم وقربه، ثم عاد الكلام إلى تعنيف المشركين وبيان إفك ~~المعتدين إلى ختم السورة - انتهى. # ولما ثبت أنه واحد، أنتج وصفه بقوله: { رب } أي موجد ومالك وملك ومدبر { ~~السماوات } أي الأجرام العالية { والأرض } أي الأجرام السافلة { وما ~~بينهما } أي من الفضاء المشحون من المرافق والمعاون بما تعجز عن عدة ~~القوى، وهذا - مع كونه نتيجة ما مضى - يصلح أن يكون دليلا عليه لما أشار ~~إليه من انتظام التدبير الذي لا يتهيأ مع التعدد كما أن المقسم به هنا ~~إشارة إلى دليل الوحدانية أيضا بكونه على نظام واحد دائما في الطاعة ~~التي أشير إليها بالصف والزجر والتلاوة، فسبحان من جعل هذا القرآن معجز ~~النظام، بديع الشأن بعيد المرام. # ولما كان السياق للإفاضة بالتلاوة وغيرها، وكانت جهة الشروق جهة الإفاضة ~~بالتجلي الموجد للخفايا الموجب للتنزه عن النقائص، وكان الجميع أليق ~~بالاصطاف الناظر إلى القهر بالأئتلاف قال: { ورب المشارق * } أي ~~الثلاثمائة والستين التي تجلى عليكم ms3938 كل يوم فيها الشمس والقمر وسائر ~~الكواكب السيارة على كر الدهور والأعوام، والشهور والأيام، على نظام لا ~~ينحل، ومسير لا يتغير ولا يختل، وذكرها يدل قطعا على المغارب لأنها ~~تختلف بها، وأعاد الصفة معها تنبيها على وضوح دلاتها بما فيها مما ~~السياق من الاصطفاف الدال على حسن الائتلاف، وللدلالة على البعث بالآيات ~~بعد الغياب. # ولما كانت المشارق تقتضي الفيض والإظهار، أتبع ذلك نتيجته بما من شأنه ~~الشروق والغروب ولو بمجرد الخفاء والظهور، فقال مؤكدا مع لفت الكلام إلى ~~التكلم في مظهر العظمة تنبيها على أن فعلهم فعل من ينكر ما للنجوم من ~~الزينة وما تدل عليه من عظمته سبحانه وتعالى، وفخم التعبير عن الزينة ~~بتضعيف الفعل لمثل ذلك: { إنا زينا } أي بعظمتنا التي لا تدانى { السماء ~~} ولما كانوا لا يرون إلا ما يليهم من السماوات، وكانت زينة النجوم ظاهرة ~~فيها قال: { الدنيا } أي التي هي أدنى السماوات إليكم. # ولما أشير إلى أن الصف زينة في الباطن باتحاد القصد كما أنه زينة في ~~الظاهر بحسن الشكل وبديع الرصف، زيد في التنبيه على ذلك بإعادة ما فهم من ~~" زينا " في قوله: { بزينة الكواكب * } أي بالزينة التي للنجوم النيرة ~~البراقة المتوقدة الثابتة في محالها - قارة أو مارة - المرصعة في السماء ~~ترصيع المسامير الزاهرة كزهر النور المبثوث في خضرة الرياض الناضرة، فهي ~~مع عدم التنوين والخفض إضافة بيانية كثوب خز، ومن نون الزينة فإن خفض ~~الكواكب فعلى البدل، أي بالكواكب التي هي زينة، وإن نصب فعلى المدح ~~بتقدير أعني، أو على أنه بدل اشتمال من السماء، أي كواكبها، إما بكونها ~~فيما دونها من الجو فبظن أنها فيها، أو يكونها فيها من جانبها الذي ~~يلينا، أو بكونها تشف عنها وإن كان بعضها فيما هو أعلى منها، وزينتها ~~انتظامها وارتسامها على هذا النظم البديع في أشكال متنوعة وصور مستبدعة ~~ما بين صغار وكبار، منها ثوابت ومنا سيارة وشوارق وغوارب - إلى غير ذلك ~~من الهيئات التي لا تحصى، ولا حد لها عند العباد العجزة فيستقصى. # ولما كان ms3939 كون الشيء الواحد لأشياء متعددة أدل على القدرة وأظهر في ~~العظمة، قال دالا بالعطف على غير معطوف عليه ظاهر على مقدر يدل على أن ~~الزينة بالنجوم أمر مقصود لا اتفاقي: { وحفظا } أي زيناها بها للزينة ~~وللحفظ { من كل شيطان } أي بعيد عن الخير محترق. ولما كان القصد التعميم ~~في الحفظ من كل عات سواء كان بالغا في العتو أو لا قال: { مارد * } أي ~~مجرد عن الخير عات في كل شر سواء كان بالغا في ذلك أقصى الغايات أو كان ~~في أدنى الدرجات كضارب وضراب. ### || [37.8-13] # ولما كان المراد في سورتي النساء والحج ذم الكفرة بفعل ما ليس في كونه ~~شرا لبس، وبوضع النفس باتباع ما لا شك في دناءته ببعده عن الخير بعد ~~الإخفاء به، عبر بالمريد للمبالغة، وكما أنه حرس السماء المحسوسة بما ~~ذكره سبحانه وتعالى فكذلك زين عز وجل قلوب الأولياء التي هي كالسماء ~~لأراضي أجسامهم بنجوم المعارف، فإذا مسهم طيف من الشيطان تذكروا فرشقته ~~شهب أحوالهم ومعارفهم وأقوالهم. ولما تشوف السامع إلى معرفة هذا الحفظ ~~وثمرته وبيان كيفيته، استأنف قولا: { لا يسمعون } أي الشياطين المفهومون ~~من كل شيطان، لا يتجدد لهم سمع أصلا، قال ابن الجوزي: قال الفراء: { لا ~~} هنا كقوله " كذلك سلكناه في قلوب المجرمين لا يؤمنون به " ويصلح في { ~~لا } على هذا المعنى الجزم، والعرب تقول: ربطت في شيء لا ينفلت - انتهى. ~~ويؤخذ من التسوير بكل ثم الجمع نظرا إلى المعنى، والإفراد لضمير الخاطف ~~وللخطفة أنهم معزولون عن السمع جمعهم ومفردهم من الجمع، وأن الخطف يكون - ~~إن اتفق - في الواحد لا الجمع ومن الواحد لا الجمع، وللكلمة وما حكمها لا ~~أكثر، وإليه يشير حديث الصحيح " تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني " وأكد ~~بعدهم بإثبات حرف الغاية، فقال مضمنا { سمع } بعد قصره معنى " انتهى " ~~أو " أصغى " ليكون المعنى: لا ينتهي سمعهم أو تسمعهم أو إصغاؤهم { إلى ~~الملإ } أي الجمع العظيم الشريف، وأوضحت هذا المعنى قراءة من شدد السين ~~والميم بمعنى يتسمعون، أي بنوع حيلة، تسمعا منتهيا ms3940 إلى ذلك، وهو يفهم ~~أنهم يتسمعون، ولكن لا ينتهي تسمعهم إلى ما ذكر، بما أشار إليه الإدغام، ~~ويشير أيضا إلى أنهم يجتهدون في إخفاء أمرهم، وأفرد الوصف دلالة أيضا ~~على أن العطف يكون من واحد لا من جمع فقال: { الأعلى } أي مكانا ومكانة ~~بحيث يلمؤون العيون بهجة والصدور هيبة. # ولما كان التقدير: لأنهم يطردون طردا قويا، دل عليه بالعاطف في قوله: ~~{ ويقذفون } أي الشياطين يرمون رميا وحيا شديدا يطردون به، وبني ~~للمفعول لأن النافع قذفهم لا تعيين قاذفهم، مع أنه أدل على القدرة ~~الإلهية عزت وجلت { من كل جانب * } أي من جوانب السماوات بالشهب إذا ~~قصدوا السماع بالاستراق { دحورا } أي قذفا يردهم مطرودين صاغرين ~~مبعدين، فهو تأكيد للقذف بالمعنى أو مفعول له أو حال. # ولما كان هذا ربما سببا لأن يظن ظان أنهم غير مقدور عليهم في غير هذه ~~الحالة بغير هذا النوع أخبر أنهم في قبضته، وإنما جعل حالهم هذا فتنة لمن ~~أراد من عباده، فقال معبرا باللام التي يعبر بها غالبا عن النافع ~~تهكما بهم: { ولهم عذاب } أي في الدنيا بهذا وبغيره، وفي الآخرة يوم ~~الجمع الأكبر { واصب * } أي دائم ممرض موجع كثير الإيجاع مواظب على ذلك ~~ثابت عليه وإن افترق الدوامان في الاتصال والعظم والشدة والألم. # ولما ثبت بهذا حراسة القرآن بقدرة الملك الديان عن لبس الجان، وكان ~~بعضهم مع هذا يسمع في بعض الأحايين ما أراد الله أن يسمعه ليجعله فتنة ~~لمن أراد من عباده مع تميز القرآن بالإعجاز، استثنى من فاعل { يسمعون } ~~قوله: { إلا من خطف } ودل على قلة ذلك بعد إفراد الضمير بقوله: { الخطفة ~~} أي اختلس الكلمة أو أكثر، مرة من المرات منهم، ودل على قوة انقضاض ~~الكواكب في أثره بالهمزة في قوله: { فأتبعه } مع تعديه بدونها، أي تبعه ~~بغاية ما يكون من السرعة حتى كأنه يسوق نفسه ويتبعها له كأن الله سبحانه ~~وعز شأنه هيأها لئلا تنقض إلا في أثر من سمع منهم حين سماعه سواء لا ~~يتخلف { شهاب } أي شعلة النار من ms3941 الكوكب أو غيره { ثاقب * } أي يثقب ما ~~صادفه من جني وغيره وإن كان الجني من نار فإنه ليس نارا خالصة، وعلى ~~التنزل فربما كان الشيء الواحد أنواعا بعضها أقوى من بعض، فيؤثر أقواه ~~في أضعفه كالحديد، وتارة يخطئ الجني وتارة يصيبه، وإذا أصابه فتارة يحرقه ~~فيتلفه وتارة يضعفه. # ولما كان المقصود من هذا الكتاب الأعظم بيان الأصول الأربعة: التوحيد ~~والنبوة والمعاد وإثبات القضاء والقدر، ودل سبحانه بهذه المذكورات على ~~وجوده وكمال علمه وتمام قدرته على الأفعال الهائلة وبديع حكمته اللازم ~~منه إثبات وحدانيته تفصيلا لبعض إجمال { أو ليس الذي خلق السماوات ~~والأرض } فكان ما دونها من الأفعال أولى، سبب عن ذلك لإثبات الحشر الذي ~~أخبر به هذا القرآن الذي حرسه عن تلبيس الجان بزينة الكواكب التي أنشأ ~~منها الشهب الثواقب قوله تهكما بهم: { فاستفتهم } أي سلهم أن يتفتوا بأن ~~يبينوا لك ما تسألهم عنه من إنكارهم البعث، وأصله من الفتوة وهي الكرم: { ~~أهم أشد } أي أقوى وأشق وأصعب { خلقا } أي من جهة إحكام الصنعة وقوتها ~~وعظمها { أم من } ولما كان المراد الإعلام بأنه لا شيء من الموجودات إلا ~~وهو خلقه سبحانه، عبر بما يدل على ذلك دون ذكرنا، وليكون أعم، وحذف ~~المفعول لأنه مفهوم، ولئلا يلبس إذا ذكر ضمير المستفتين، فقال: { خلقنا } ~~أي من هذه الأشياء التي عددناها من الحي وغيره من الجن الذين أعطيناهم ~~قدرة التوصل إلى الفلك وغيرهم، وعبر ب " من " تغليبا للعاقل من ~~الملائكة وغيرهم مما بين السماوات والأرض. # ولما كان الجواب قطعا أن هذه المخلوقات أشد خلقا منهم وأنهم هم من ~~أضعف الخلائق خلقا، قال دالا على إرادة التهكم بهم في السؤال، مؤكدا ~~إشارة إلى أن إنكارهم البعث لاستبعادهم تمييز التراب من التراب يلزم منه ~~إنكار ابتداء الخلق على هذا الوجه: { إنا خلقناهم } أي على عظمتنا { من ~~طين } أي تراب رخو مهين { لازب * } أي شديد اختلاط بعضه ببعض فالتصق وضمر ~~وتضايق وتلازم بعضه لبعض، وقل واشتد ودخل بعض التراب المنتثر من بعض، قال ~~ابن الجوزي: قال ms3942 ابن عباس رضي الله عنهما: هو الطين الحر الجيد اللزق. # وإنما كانوا من طين لأن أباهم آدم كان منه من غير أب ولا أم، فصاروا ~~بهذا التقدير بعض الطين الذي هو بعض خلقه الذي عدده قبل ذلك سبحانه ~~الذاتية التي لا يمتنع عليها مقدور، ولا يعجزها مأمور، فدل ابتداء خلقهم ~~وخلق ما هو أشد منهم وأعظم على القدرة على إعادتهم قطعا بل بطريق الأولى ~~من غير وجه، وحسن هذا الاستقتاء كل الحسن ختم الكلام قبله بمن بلغوا ~~السماء تكبرا وعلوا، وهموا بما لم ينالوا تجبرا وعلوا، وسلط عليهم ما ~~يردهم مقهورين مبعدين مدحورين، واستثنى منهم من { خطف } ليعلم أنه غير ~~محال ما تعلقت به منهم الآمال، هذا مع ذكره في خلقهم من الطين اللازب ~~الذي من شأنه الرسوب لثقله والسفول كما أن من شأن من ختم بهم ما قبله ~~العلو لخفتهم والصعود. # ولما كان من المعلوم قطعا أن المراد بهذا الأمر بالاستفتاء إنما هو ~~التبكيت لأن من المعلوم قطعا أن الجواب: ليسوا أشد خلقا من ذلك، فليس ~~بعثهم ممتنعا، وليست غلبتهم لرسول الواحد القهار - الذي حكمه في هذا ~~الوحي بإظهاره على الدين كله - بجائزة أصلا، نقلا ولا عقلا، بوجه من ~~الوجوه، فلا شبهة لهم في إنكاره ولا في ظنهم أنهم يغلبون رسولنا، بل هم ~~في محل عجب شديد في إنكاره وظنهم أنهم غالبون في الدنيا، عبر عن ذلك ~~بقوله، مسندا العجب إلى أجل الموجودات أو أجل المخلوقات تعظيما لم ~~بمعنى أنه قول يستحق أن يقال فيه: أنه لا يدري ما الذي أوقع فيه وكان ~~سببا لارتكابه، فقال: { بل عجبت } بضم التاء على قراءة حمزة والكسائي ~~لفتا للقول من مظهر العظمة للتصريح بإسناد التعجب إليه سبحانه إشارة إلى ~~تناهي هذا العجب إلى حد لا يوصف لإسناده إلى من هو منزه عنه، وبفتحها عند ~~الباقين أي من جرأتهم في إنكارهم البعث ولا سيما وقد دل عليه القرآن في ~~هذه الأساليب الغريبة والوجوه البديعة العجيبة التي لا يشك فيها من له ~~أدنى تصور، ms3943 وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم ظن كما هو اللائق أنه لا ~~يسمع القرآن أحد إلا آمن به، قال القشيري: وحقيقة التعجب تغير النفس بما ~~خفي فيه السبب مما لم تجر العادة بحدوث مثله، ومثل هذا حديث الصحيحين عن ~~أبي هريرة رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال لأم سليم وأبي طلحة ~~رضي الله عنهما: # " ضحك - وفي رواية: عجب - الله من فعالكما الليلة " # ، وحديث البخاري رحمه الله عن أبي هريرة رضي الله عنه أيضا: # " عجب ربنا من أقوام يقادون إلى الجنة في السلاسل " # ومثله كثير، والمعنى في الكل التنبيه على عظم الفعل وأنه خارق للعادة، ~~ويجوز أن يكون المعنى أنهم لم ينكروه لقلة الدلائل عليه، بل قد أتى من ~~دلائله ما يعجب إعجابا عظيما من كثرته وطول الأناة في مواترته { ~~ويسخرون * } أي حصل لك العجب والحال أنهم يجددون السخرية كلما جئتهم بحجة ~~{ وإذا ذكروا } أي وعظوا من أي واعظ كان بشيء هم به عارفون جدا يدلهم ~~على البعث مثل ما يذكرون به من القدرة، مع أنه لا يجوز في عقل عاقل منهم ~~أن أحدا يدع من تحت يده بلا محاسبة { لا يذكرون * } أي لا يعملون بموجب ~~التذكير. ### || [37.14-19] # ولما ذكر إعراضهم عن المسموع، أتبعه إعراضهم عن المرئي فقال: { وإذا ~~رأوا آية } أي علامة على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم وغيره { يستسخرون ~~* } أي يطلبون السخرية بها بأن يدعو بعضهم بعضا لذلك من شدة استهزائهم. # ولما كان إنكارهم للبعث ولو صدر مرة واحدة في الشناعة والعظم والقباحة ~~مثل تجديدهم للسخرية كلما سمعوا آية والمبالغة فيها لأن دلائله من الظهور ~~والوضوح بمكان هو في غاية البعد عن الشكوك، دل على ذلك بالتعبير بالماضي ~~فقال: { وقالوا } أي ما هو غاية في العجب: { إن } أي ما { هذا } أي الذي ~~أتانا به من أمر البعث وغيره مما شاهدناه أو أخبرنا به { إلا سحر } أي ~~خيال وأمور مموهة لا حقائق لها { مبين * } أي ظاهر في نفسه ومظهر لسخريته ~~ثم خصوا البعث بالإنكار: { أإذ ms3944 متنا } وعطفوا عليه ما هو موجب عندهم لشدة ~~الإنكار فقالوا: { وكنا } أي كونا هو في غاية التمكن { ترابا } قدموه ~~لأنه أدل على مرادهم لأنه أبعد عن الحياة { وعظاما } كأنهم جعلوا كل ~~واحد من الموت والكون إلى الترابية المحضة والعظامية المحضة أو المختلطة ~~منهما مانعا من البعث، وهذا بعد اعترافهم أن ابتداء خلقهم كان من التراب ~~مع أن هذا ظاهر جدا " ولكن عقول ضلها باريها " ثم كرروا الاستفهام ~~الإنكاري على قراءة من قرأ به زيادة في الإنكار فقالوا: { أإنا لمبعوثون ~~* }. # ولما كان المعنى: أيثبت بعثنا، عطفوا عليه قولهم مكررين للاستفهام ~~الإنكاري تأكيدا لزيادة استبعادهم حتى أنهم قاطعون بأنه محال فقالوا ~~قولا واهيا: { أو آباؤنا } أي يثبت بعثنا وكذا آباؤنا, وزادوا في ~~الاستبعاد بقولهم: { الأولون * } اي الذين طال مكثهم في الأرض تحت أطباق ~~الثرى وانمحقت أجزاؤهم بحيث لم يبق لهم أثر ما، ومرت الدهور ولم يبعث أحد ~~منهم يوما من الأيام، يدلنا بعثه على ما يدعي من ذلك. # ولما بالغوا هذه المبالغات في إنكاره بعد قيام البراهين في هذه السورة ~~وغيرها على جوازه بل وجوبه عادة، أمره بأن يجيبهم بما يقابل ذلك فقال ~~تعالى: { قل نعم } أي تبعثون على كل تقدير قدرتموه، وذكر حالهم بقوله: { ~~وأنتم داخرون * } أي مكرهون عليه صاغرون ذليلون حقيرون. ثم سبب عن الوعد ~~بتحتم كونه ما يدل على أنه غاية في الهوان فقال: { فإنما } أي يكون ذلك ~~بسبب أنكم تزجرون فتقومون، والزجرة التي يقومون بها إنما { هي زجرة } أي ~~صيحة، وأكد ما يفهمه من الوحدة لأجل إنكارهم تصريحا بذلك وتحقيرا لأمر ~~البعث في جنب قدرته سبحانه وتعالى فقال: { واحدة } وهي الثانية التي كانت ~~الإماتة لجميع الأحياء في آن واحد بمثلها، وأصل الزجر الانتهار ويكون لحث ~~أو منع، وإنما يكون ذلك للمقدور عليه فعل ما يغضب الزاجر، فلذلك سمى ~~الصيحة زجرة. # ولما كان هذا الكلام مؤذنا بالغضب، حققه بصرف الكلام عن خطابهم جعلا ~~لهم بمحل البعد وتعميما لغيرهم، فقال معبرا بالفاء المسببة المعقبة ~~وأداة المفأجأة: { فإذا هم } أي جميع ms3945 الأموات بضمائرهم وظواهرهم القديم ~~منهم والحديث أحياء { ينظرون * } أي في الحال من غير مهلة أصلا، ولا فرق ~~بين من صار كله ترابا ومن لم يتغير أصلا، ومن هو بين ذلك، ولعله خص ~~النظر بالذكر لأنه لا يكون إلا مع كمال الحياة، ولذلك قال صلى الله عليه ~~وسلم: # " إذا قبض الروح تبعه البصر " # وأما السمع فقد يكون لغير الحي لأنه صلى الله عليه وسلم قال في الكفار ~~من قتلى بدر: # " ما أنتم بأسمع لما أقول منهم " # وشاهدت أنا في بلاد العرقوب المجاروة لبانياس من بلاد الشام شجرة شوك ~~يقال لها الغبيراء متى قيل عندها " هات لي المنجل لأقطع هذه الشجرة " أخذ ~~ورقها في الحال في الذبول - فالله أعلم ما سبب ذلك. ### || [37.20-28] # ولما حصل الغرض من تصوير حالهم بهذا الفعل المضارع، عطف عليه بصيغة ~~المضي التي معناها الاستقبال إعلاما بتحقق الأمر تحقق ما مضى وكان، ~~وتحققه مع القيام سواء من غير تخلف ولا تخلل زمان أصلا فقال: { وقالوا } ~~أي كل من جمعه البعث من الكفرة معلمين بما انكشف لهم من أنه لا ملازم لهم ~~غير الويل: { يا ويلنا } اي يا من ليس لنا نديم غيره { هذا يوم الدين * } ~~أي الجزاء لكل عامل. # ولما كان قولهم هذا إنما هو للتحسر على ما فاتهم من التصديق النافع به، ~~زادوا في ذلك بقولهم يخاطب بعضهم بعضا بدلا أو وصفا بعد وصف دالين ~~بإعادة اسم الإشارة على ما داخلهم من الهول: { هذا يوم الفصل } أي الذي ~~يفصل فيه بين الخصوم، ثو زادوا تأسفا وتغمما وتلهفا بقولهم، لافتين ~~القول عن التكلم إلى الخطاب لأنه أدل على ذم بعضهم لبعض وأبعد عن الإنصاف ~~بالاعتراف: { الذي كنتم } أي يا دعاة الويل جبلة وطبعا { به تكذبون * } ~~وقدموا الجار إشارة إلى عظيم تكذيبهم به، فبينما هم في هذا التأسف إذ برز ~~النداء بما يهدىء قواهم، ويقر قلوبهم وكلاهم، لمن لا يعصون الله ما أمرهم ~~ويفعلون ما يؤمرون من الملائكة الشداد الغلاظ بإذلالهم وإصغارهم، ولبيان ~~السرعة لذلك من غير تنفيس أسقط ms3946 ما يدل على النداء من نحو قوله: فقيل ~~الملائكة، أو فقلنا، أو فبرز النداء من جانب سلطاننا - ونحو هذا: { ~~احشروا } أي اجمعوا بكره وصغار وذل أيها الموكلون بالعباد من الأجناد، ~~وأظهر تعريفا بوصفهم الموجب لحتفهم فقال: { الذين ظلموا } أي بما كانوا ~~فيه في الدنيا بوضع الأشياء في غير محالها من الخبط الذي لا يفعله إلا من ~~هو في أشد الظلام { وأزواجهم } أي أتباعهم الذين استنوا بهم في ذلك الضرب ~~من الظلم وأشباههم فيه من الجن وغيرهم ومن أعانهم ولو بشطر كلمة أو رضى ~~فعلهم لتصير كل طائفة على حدة فيصير بعضهم يبكت بعضا وبعضهم يشتم بعضا ~~{ وما كانوا } أي بما دعتهم إليه طباعاتهم المعوجة { يعبدون * } أي ~~مواظبين على عبادته رجاء منفعته تحقيقا لخسارتهم بتحقق اعتمادهم على غير ~~معتمد، وهو يعم المعبود حقيقة أو مجازا بالتزيين " ومن سبقت له الحسنى " ~~مستثنى بآية الأنبياء، وأشار إلى سفول رتبة معبوداتهم وتسفيه آرائهم ~~بانتحال الأذى بقوله صارفا الأسلوب من المتكلم ولو بمظهر العظمة إلى ~~أعظم منه: { من دون الله } أي الذي تفرد بنعوت العظمة وصفات الكمال، ~~والمراد الذين رضوا بعبادتهم لهم ولم ينكروا عليهم ذلك ويأمروهم بتوحيد ~~الله. # ولما كانوا قد سلكوا في الدنيا طريق الشقاء المعنوية استحقوا أن يلزموا ~~في القيامة سلوك طريقه الحسية، فلذلك سبب عن الأمر بحشرهم قوله تهكما ~~بهم وتحسيرا لهم: { فاهدوهم } أي دلوهم دلالة لا يرتابون معها ليعرفوا - ~~مع ما هم فيه من الإكراه على سلوكها - مآلهم، فيكون ذلك أعظم في نكدهم؛ ~~قال الرازي: وأصل الهداية التقدم، والعرب تسمي السابق هاديا، يقال: ~~أقبلت هوادي الخيل أي أعناقها، والهادية: العصى - لأنها تتقدم ممسكها، ~~ونظر فلان هدى أمره أي جهته. # ثم أشار إلى طول وقوفهم وسوء مقامهم بقوله بأداة الانتهاء: { إلى صراط ~~الجحيم * } أي طريق النار الشديدة التوقد الواضح الذي لا لبس عندهم بأنه ~~يشترطهم فيؤديهم إليها، وخص هذا الاسم إعلاما بشديد توقدها وعظيم ~~تأججها، وبعد قعرها وضخامة غمرتها، بتراكم بعضها فوق بعض وقوة اضطرامها، ~~وعلو شأنها واصطلاحها، وصلابة اضطرابها وتحرقها ms3947 واشتمالها على داخليها ~~وتضايقها، وفيه تهكم بهم في كونهم على غير ما كانوا عليه في الدنيا من ~~التناصر والتعاضد. # ولما كان المقصود من تعريفهم طريق النار أولا ازدياد الحسرة، صرح بما ~~أفهمه حرف الغاية من طول الحبس فقال: { وقفوهم } أي احبسوهم واقفين بعد ~~ترويعهم بتلك الهداية التي سببها الضلال، فكانت ثمرتها الشقاوة، وإيقافهم ~~يكون عند الصراط - نقله البغوي عن المفسرين، قال: لأن السؤال عند الصراط. ~~ثم علل ذلك بقوله: { إنهم مسؤولون * } وجمع عليهم الهموم بهذه الكلمة ~~لتذهب أوهامهم كل مذهب، فلا تبقى حسرة إلا حضرتهم، ولا مصيبة إلا علت ~~قلوبهم فقهرتهم، فإن المكلف كله ضعف وعورة، فموقف السؤال عليه أعظم حسرة. # ولما أوقفوا هذا الموقف الذليل، قد شغلهم ما دهمهم من الأسف عن القال ~~والقيل، نودوا من مقام السطوة، وحجاب الجبروت والعزة، زيادة في تأسيفهم و ~~توبيخهم وتعنيفهم لفتا عن سياق الغيبة إلى الخطاب دلالة على أعظم خيبة: ~~{ ما لكم } أي أي شيء حصل لكم فشغلكم وألهاكم حال كونكم { لا تناصرون * ~~} أي ينصر بعضكم بعضا، ويتسابقون في ذلك تسابق المتناظرين فيه أولي الجد ~~والشكيمة والنخوة والحمية ولو بأدنى التناصر - بما يفهمه إسقاط التاء، أو ~~بعد تمكث وإعمال حيلة - بما أشارت إليه قراءة البزي عن ابن كثير بالمد ~~والإدغام: أين قولكم في بدر { نحن جميع منتصر } معبرين بما دل على ثبات ~~المناصرة. # ولما كان قد دهمهم من الأمر ما أوجب إبلاسهم، وأحد إدراكهم وإحساسهم، ~~أشار إلى ذلك بإحلالهم في محل الغيبة المؤذنة بالإبعاد بأن قال مضربا ~~عما تقديره: إنهم لا يتناصرون: { بل هم } وزاد في تعظيم ذلك الوقت ~~والتذكير به فقال: { اليوم مستسلمون * } أي ثابت لهم استسلامهم ثباتا لا ~~زوال له، قد خذل بعضهم بعضا موجدين الإسلام أي الانقياد إيجاد من كأنه ~~يطلبه ويعظم فيه رغبته رجاء أن يخفف ذلك عنهم. # ولما أخبر بأنهم سئلوا فلم يجيبوا، كان ربما ظن أنهم أخرسوا فنبه على ~~أنهم يتكلمون بما يزيد نكدهم، فقال عاطفا على قوله { وقالوا يا ويلنا ~~هذا يوم الدين } إشارة إلى ms3948 إقبالهم على الخصام، حين تمام القيام، والأخذ ~~في تحريك الأقدام، بالسير على هيئة الاجتماع والازدحام، إلى مواطن النكد ~~والاغتمام، ولم يعطفه بالفاء لأنه ليس مسببا عن القيام، ولا عن الإيقاف ~~للسؤال، بخلاف ما يأتي عن أهل الجنة: { وأقبل بعضهم } أي الذين ظلموا { ~~على بعض } أي بعد إيقافهم وتوبيخهم، وعبر عن خصامهم تهكما بهم بقوله: { ~~يتساءلون * } أي سؤال خصومة. # ولما كان كأنه قيل: عما ذا؟ أجيب بقوله: { قالوا } أي الأتباع لرؤسائهم ~~مشيرين بأداة الكون إلى المداومة على إضلالهم مؤكدين لأجل تكذيب الرؤساء ~~لهم: { إنكم كنتم } ولما كانوا يستغوونهم ويغرونهم بما تقبله عقولهم على ~~ما جرت به عوائدهم بحيث يقطعون بذلك قطع من كان يريد الذهاب إلى أمر ~~فتطير بالسانح والبارح، فرأى ما يحب فأقدم عليه وهو قاطع بحصوله، أشاروا ~~إلى ذلك بقوله: { تأتوننا } مجاوزين لنا { عن اليمين * } أي عن القوة ~~والقهر والغلبة والسلطان في حملكم لنا على الضلال، ففعلنا في طاعتكم فعل ~~من خرج لحاجة، فرأى ما أوجب إقدامه عليها، فهذا كان سبب كفرنا، وكان هذا ~~التفاؤل مما نسيت العرب كيفيته لما نسخه الشرع كما وقع في الميسر فاضطرب ~~كلام أهل اللغة في تفسيره، قال صاحب القاموس: البارح من الصيد ما مر من ~~ميامنك إلى مياسرك، وسنح الظبي سنوحا ضد برح. وقال ابن القطاع في كتاب ~~الأفعال: وسنح الشيء سنوحا: تيسر، والطائر والظبي: جرى عن يمينك إلى ~~يسارك وهو يتيمن به، وقال في مادة " برح ": وبرح الطائر والظبي وغيرهما ~~ضد سنح، وهو ما أراك ميامنه، وأهل الحجاز يتشاءمون به، وغيرهم يتيمنون به ~~ويتشاءمون بالسانح، وقال ابن مكتوم في الجمع بين العباب والمحكم في مادة ~~" برح ": والبارح خلاف السانح، وقد برح الظبي - إذا والاك مياسره يمر من ~~ميامنك إلى مياسرك، والعرب يتطير بالبارح, وفي مادة " سنح ": والسانح ما ~~أتاك عن يمينك من ظبي أو طائر أو غير ذلك, والبارح: ما أتاك من ذلك عن ~~يسارك, وقيل: السانح ما والاك ميامنه, والبارح ما والاك مياسره, وقيل, ~~السانح ما يجيء عن يمينك فتلي مياسره ms3949 مياسرك, والعرب تختلف في عيافة ذلك، ~~فمنهم من يتيمن بالسانح ويتشاءم بالبارح، وعلى هذا المثل: من لي بالسانح ~~بعد البارح، قال في القاموس: أي بالمبارك بعد المشؤوم، ومنهم من يتشاءم ~~بالسانح، وقال الإمام أبو عبد الله القزاز في مادة " سنح ": والسانح من ~~الطير والظباء وغيرهما هو الذي يأتيك عن يمينك أخذا على يسارك, فيوليك ~~مياسره, فيمكنك رميه, وأكثر العرب يتيمن به, وقال في مادة " برح ": ~~والبارح من الطير والظبي هو خلاف السانح, وهو الذي يلقاك وشمائله عن ~~شمائلك، وهو مما يتيمن به أهل العالية، ويتشاءمون بالسانح، والسانح هو ~~الذي يلقاك وميامنه عن ميامنك، وهو مما يتيمن به أهل نجد ويتشاءمون ~~بالبارح، والبارح أبين في التشاؤم من السانح، لأن البارح هو الذي يأخذ عن ~~يسارك إلى يمينك فلا يمكنك طعنه، فيتشاءم به لتعذره على الطاعن أو ~~الرامي، ولذلك قال أبو داود: قلت: لما برز أمن فيه كذب العير وإن كان ~~برح، يقول: كذب إذ طمع أن ينجو، وإن كان قد برح وصعب على إمكان طعنه، ~~وتطير ومن تيمن به بسلامته وخلاصة من الطاعن، وتطير من تيمن بالسانح بأنه ~~يأتي من ميامنك إلى مياسرك، فيمكنك من طعنه، ومن تشاءم به تطير بقلة ~~سلامته ووقوعه فيما يكره، ومن الطير الجابه وهو الذي يلقاك مواجهة، ومنه ~~الناطح أيضا ومنه القعيد، وهو الذي يأتيك من خلفك - انتهى ما وقفت عليه ~~من كلام أهل اللغة في ذلك فافهم، والظاهر كما تفهمه الآية أن العرب مطبقة ~~على أن ما أتى عن اليمين كان مباركا سواء كان أتى من قدام مواجها لك ~~ومر إلى جهة الخلف فوليتك ميامته، أو أتى من الجانب الأيمن سواء كان ~~ابتداء إتيانه من خلف أو لا فمر من قدامك عرضا إلى جهة اليسار، فوليتك ~~في الحالتين مياسره، وما أتى من جهة اليسار على ضد ذلك كان مشؤوما، ~~وكأنهم اختلفوا في التسيمة فأكثرهم سمى الأول سانحا من السنح بالضم وهو ~~اليمن والبركة، وهو من قولهم: سنح لي رأي: تيسر - لشهرة معنى اليمن عندهم ~~في ms3950 ذلك، والثاني بارحا من البرح، وهو الشدة والشر لشهرة هذا المعنى ~~عندهم في مادة برح، وبعهضم عكس فسمى الأول بارحا من البرحة، وهي الناقة ~~تكون من خيار الإبل لشهرة ذلك عندهم، وسمى الثاني سانحا من قولهم: سنحه ~~عما أراد: صرفه، وسنح بالرجل وعليه: أخرجه أو أصابه بشر، فمن الاختلاف في ~~التسمية أتى الخلاف، ولذلك عبر سبحانه وتعالى بالمعنى دون الاسم، لأن ~~كلامه سبحانه لا يخص قوما دون غيرهم، وأما التعليل بإمكان الطعن والرمي ~~فلا معنى له لأن الإنسان ينفتل عن هيئة وقوفه بأدنى حركة فينعكس بالنسبة ~~إليه أمر المياسر والميامن، ويتغير حال الطعن والرمي، هذا إذا سلم أن ~~الطعن والرمي يعسر من جهة المياسر على أنه غير مسلم، ولو كان المعنى ~~دائرا عليه لما اختلف فيه إلا بالنسبة إلى الأعسر وغيره، لا بالنسبة إلى ~~أهل العالية وغيرهم، وأما البيت الذي استدل به فيمكن حمله على أن قائله ~~كان في حاجة له لا بد له منها، فرأى البارح فلم يتطير منه ولج في أمره ~~ذلك تكذيبا له فيما دل عليه عند العرب، وأما الجابه وغيره فأسماء أخر ~~لبعض أنواع كل من السانح والبارح - والله أعلم، وقال أبو حاتم أحمد بن ~~حمدان الرازي في كتابه الزينة: العيافة والقيافة والزجر نوع من الكهانة ~~إلا أنه أخف في الكراهة, وذلك أن الكاهن كان بمنزلة الحاكم, وكان من ~~الكهان من يعبد كما يعبد الصنم، وكانوا سدنة الأصنام، قلت: والكاهن في ~~اللغة من يقضي بالغيب وذلك هو غاية العلم، فهو وصف يدل على التوغل في ~~العلم - انتهى، قال أبو حاتم: وسمعت بعض أهل الأدب قال: الكاهن ~~بالعبرانية العالم، وكانوا يسمون هارون عليه السلام كهنا ربا، معناه ~~عالم الرب، ثم قال: إن الكهانة والسحر كان عند المتقدمين نوعا من العلم، ~~فكان الساحر والكاهن اسمين محمودين، فلما جاء الله بالإسلام صار هذان ~~الاسمان مذمومين عند المسلمين لما كشف لهم ما في ذلك من الشر، ثم قال: ~~فأما العائف والقائف والزاجر فلم يكن سبيلهم كذلك - يعني كالكاهن في أنه ms3951 ~~ربما عبد، قال: وإنما كره لأنه كان يخبر بشيء غائب فكره كما كره أمر ~~النجوم توقيا أن يكون مثل الدعوى في علم الغيب، والعائف هو الذي يعيف ~~الطير ويزجرها ويعتبر بأسمائها وأصواتها ومساقطها ومجاريها، فإذا سمع صوت ~~طائر أو جرى من يمينه إلى شماله أو من شماله إلى يمينه قضى في ذلك بخير ~~أو بشر في الأمر الذي يريد أن يفعله، فإذا قضى فيه بشر تجنب ذلك الأمر، ~~يقال: عاف يعيف - إذا فعل ذلك، ومعنى عاف أي امتنع وتجنب، يقال: عافت ~~الإبل الماء - إذا لم تشرب، وكذلك يقال في غير الإبل الزاجر أيضا: هو ~~مثل العائف، يقال: يزجر أيضا زجرا، وذلك أنه ينظر إلى الطير فيقضي فيها ~~مثل العائف، فإذا رأى شيئا كرهه رجع عن أمر يريد أن يشرع فيه أو حاجة ~~يريد قضاءها، والزاجر معناه الناهي، فكأن الطير قد زجره عن ذلك الفعل، أو ~~أن من عاف له زجره عن ذلك، ويكون المعنى الزجر أيضا أنه إذا رأى منها ~~شيئا صاح بها وطردها، فكان طرده إياها زجرا لها، ومنه قوله صلى الله ~~عليه وسلم: # " أقروا الطير على مكناتها " # ، قلت: إنهم كانوا إذا لم يروا سانحا ولا بارحا نفروا الطير لينظروا ~~إلى أي جهة تطير - والله أعلم، وقال أبو حاتم: والأصل في هذا انهم كانوا ~~يزجرون الطير ثم كانوا يزجرون الظبي والثعلب، وبصوت الإنسان يستدلون ~~بلفظه وبغير ذلك، ثم نسبت كلها إلى الطير فقيل: يتطير، أي يستدل بالطير، ~~وروي عن الأصعمي قال: سألت ابن عون: ما الفال؟ فقال: هو أن تكون مريضا ~~فتسمع: يا سالم، وتكون باغيا فتسمع يا واجد، قال: وكان ابن سيرين يكره ~~الطيرة ويحب الفال، وفي الحديث: # " أصدق الطير الفال " # والفال مأخوذ من الفيال، وهي لعبة يتقامرون بها، كانوا يأخذون الدراهم ~~فيخلطونها بالتراب ثم يجمعونه طويلا ثم يقسمونه بنصفين ويتقارعون عليه، ~~فمن أصابه القرعة اختار من القسمين واحدا، فلما كان المفايل يختار منهما ~~ما أحب سمي الفال، لأنه يتفاءل بما يحبه، وكان هذا في العرب كثيرا، ~~وأكثره ms3952 في بني أسد، قال الأصمعي: أخبرني سعد بن نصر أن نفرا من الجن ~~تذاكروا عيافة بني أسد فأتوهم فقالوا: ضلت لنا ناقة، فلو أرسلتم معنا من ~~يعيف، فقالوا لغليم لهم: انطلق معهم، فاستردفه أحدهم، ثم ساروا فلقيتهم ~~عقاب كاسرة إحدى جناحيها، فاقشعر الغليم فبكى فقالوا له: ما لك؟ فقال: ~~كسرت جناحا، ورفعت جناحا، وحلفت بالله صراحا، ما أنت بإنسي ولا تبغي ~~لقاحا. وكانوا يسمون الذي يجيء عن يمينك فيأخذ إلى شمالك سانحا، والذي ~~يجيء عن يسارك فيأخذ غلى يمينك بارحا، والذي يستقبلك ناطحا وكافحا، ~~والذي يجيء من خلفك قعيدا، والذي يعرض في كل وجه متيحا، فمنهم من كان ~~يتشاءم بالبارح ويتيمن بالسانح، ومنهم من كان يتيمن بالبارح ويتشاءم ~~بالسانح، قال زهير: # جرت سنحا فقلت لها أجيزي # نوى مشمولة فمتى اللقاء # وقال الكميت: # ولا السانحات البارحات عشية # أمر سليم القرن أم مر أعضب # وكانوا يزجرون بعضب القرن وصحته، والأعضب الذي له قرن واحد، وأما القائف ~~فهو الذي يتبع الآثار ويعرفها ويعرف شبه الرجل في ولده، ويروى عن عوسجة ~~ابن معقب القائف: قال: كنا تسرق نخلنا فنعرف آثارهم، فركبوا الحمر فعرفنا ~~بمس أيديهم والعذوق، فكان القائف سمي قائفا لأنه يقفو الأثر، يقال: قفا ~~الأثر وقاف الأثر أي تبعه، قال الأصمعي عن أبي طرفة الهذلي قال: رأى ~~قائفان أثر بعير وهما منصرفان من عرفة بعد الناس بيوم أو يومين فقال ~~أحدهما: ناقة، وقال الآخر: جمل، فاتبعاه فإذا هما به، فاطافا به فإذا هو ~~خنثى، ويقال للرجل إذا كان فطنا عارفا بالأمور: هو عائف وقائف، وكان ~~قوم من العرب لا يتطيرون ولا يتهيبون الطيرة ويفتخرون بتركه ويعدون تركه ~~شجاعة وإقداما، قال بعض شعرائهم: # ولقد غدوت وكنت لا # أغدو على واق وحاتم # فإذا الأشائم كالأيا # من والأيامن كالأشائم # وقال آخر: # ولست بهياب إذا اشتد رحله # يقول عداني اليوم واق وحاتم # ولكنه يمضي على ذاك مقدما # إذا صد عن تلك الهناة الخثارم # الخثارم: المطير، وقيل: العيافة والقيافة، الطرق والخط، وهو أيضا نوع ~~من الكهانة، وهو أن ms3953 يخط في الأرض خططا في الطول، ثم يخط عليها خططا في ~~العرض، ثم يطرق بالحصى او بالشعير أو بخشبات، ولا يزال يخط ويمحو ويعيد ~~ثم يتكهن عليه، ومن هذا الباب أيضا علم الكتف وهو أن ينظر في كتف شاة ~~فيحدث بأشياء تكون في العالم مثل الحروب والأمطار والرياح والجدب والخصب ~~وغير ذلك، وهذا يقال له: الكتاف، كأنه أشتق له اسم من الكتف مثل العراف ~~لأن العراف من جنس العيافة، والعيافة والعرافة، سواء، فهذه الأشياء كلها ~~من السحر والكهانة والقيافة والعيافة والخط والطرق والكتف وما أشبهها، قد ~~جاءت فيها الأخبار والروايات، ويطول الخطب بها، وهي كلها مكروهة حرام، ~~فمنها ما جاء فيها التشديد مثل السحر، والكهانة، ومنها ما جاء في القليل ~~منها الرخص والتخفيف مثل القيافة والعيافة والكتف - انتهى. # وهو مسلم له في القيافة، وأما غيرها فمنازع فيه، ثم قال: فأكثر هذه ~~الأشياء أصولها من الأنبياء عليهم السلام، فإذا استعملت بعد النسخ وبعد ~~ما جاء فيها النهي عن النبي صلى الله عليه وسلم كانت حراما تدعو إلى ~~الكفر والتعطيل وغير ذلك من أنواع الفساد، ثم قال: وما كان من أمر مشركي ~~العرب فقد درس دروسا لا يعرف ولا يحتاج إلى ذكر كيفيته إذ كان متلاشيا ~~لا أثر له، ولكن لا يستغني الفقهاء والعلماء عن معرفته إذ كان له في ~~القرآن ذكر، وإذ كان واجبا على العلماء تعلم ما في القرآن على حسب ~~طاقتهم، والجهل به نقص عليهم - والله أعلم بالصواب. ### || [37.29-37] # ولما أشار سبحانه بتسمية كلامهم هذا سؤالا إلى أن مرادهم: فهل أنتم ~~مغنون عنا شيئا أو حاملون عنا جزءا من العذاب؟ وكان كأنه قيل: بم أجاب ~~الرؤساء بعد هذا القول من الأتباع؟ قيل: { قالوا بل } أي لم يكن كفرهم ~~سببا بل: { لم تكونوا مؤمنين * } أي عريقين في هذا الوصف بجبلاتكم فلذلك ~~تابعتمونا فيما أمرناكم به لأنه كان في طبعكم، وهذا دليل على أن من لم ~~يكن راسخا في الإيمان كان منهم، ثم أكدوا هذا المعنى بقوله نافين لما ~~أشاروا باليمين ms3954 إليه: { وما كان } أي كونا ثابتا { لنا عليكم } وأعرقوا ~~في النفي بقولهم: { من سلطان } أي فأكرهنا بذلك السلطان، إنما تبعتمونا ~~باختياركم وهو معنى { بل كنتم } أي جبلة وطبعا { قوما } أي ذوي قوة ~~وكفاية لما تحاولونه من الأمور { طاغين * } أي مجاوزين لمقاديركم غالين ~~في الكفر مسرفين في المعاصي والظلم، ولذلك أنكم خلق لا تحتاجون فيه إلى ~~كبير تحرك { فحق علينا } أي كلنا نحن وأنتم بسبب ذلك، وعبروا بما يدل على ~~ندمهم فقالوا: { قول ربنا } أي الذي قابلنا إحسانه إلينا وتربيته لنا ~~بالكفران، وقوله هو الحكم بالضلال لما في قلوبنا من القابلية له والإباء ~~للإيمان، فالحكم بالعذاب. # ولما تصوروا ما صاروا إليه من الخطأ الفاحش عن الطريق الواضح، وعلموا أن ~~مثل ذلك لا يتركه أحد إلا بقهر قاهر فتصوروا أنه ما قسرهم عليه إلا حقوق ~~الكلمة العليا علموا أنهم مثل ما صاروا إلى حكمها في الكفر يصيرون إلى ~~حكمها في العذاب، فقالوا لما دهمهم من التحسر مريدين بالتأكيد قطع أطماع ~~الأتباع عما أفهمه كلامهم من أن الرؤساء يغنون عنهم شيئا: { إنا } أي ~~جميعا { لذائقون * } أي ما وقع لنا به الوعيد من سوء العذاب. # ولما قضوا علالة التحسر والتأسف والتضجر، رجعوا إلى إتمام ذلك الكلام ~~فقالوا: { فأغويناكم } أي أضللناهم وأوقعناكم في الغي بسبب حقوق ذلك ~~القول علينا، ثم عللوا ذلك بقولهم مؤكدين أيضا لرد ما ادعاه الأتباع من ~~أنه ما كان سبب إغوائهم إلا الرؤساء: { إنا } أي جميعا { كنا غاوين * } ~~أي في طبعنا الغواية، وهي العدول عن الطريق المثلى إلى المهالك. # ولما قال لهم الرؤساء ما هو الحق من أمرهم مما أوجب الحكم باشتراكهم، ~~سبب عنه قوله تعالى مؤكدا دفعا لمن يتوهم اختصاص العذاب بالسبب: { ~~فإنهم } أي الفريقين بسبب ما ذكروا عن أنفسهم { يومئذ } أي يوم إذ كان ~~هذا التقاول بينهم { في العذاب } أي الأكبر { مشتركون * } أي في أصله، ~~وهم مع ذلك متفاوتون في وصفه على مقادير كفرهم كما كانوا متشاركين في ~~السبب متفاوتين في شدتهم فيه ولينهم - هذا وقد قال البخاري في ms3955 صحيحه في ~~تفسير حم السجدة: وقال المنهال عن سعيد: قال رجل لابن عباس رضي الله ~~عنهما: إني أجد في القرآن أشياء تختلف علي قال { فلا أنساب بينهم يومئذ ~~ولا يتساءلون } { وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون } { ولا يكتمون الله ~~حديثا } { والله ربنا ما كنا مشركين } فقد كتموا في هذه الآية، وقال: { ~~السماء بناها } إلى قوله: { دحاها } فذكر خلق السماء قبل خلق الأرض، ثم ~~قال { أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين } إلى { طائعين } فذكر في ~~هذه الآية خلق الأرض قبل السماء، وقال: { وكان الله غفورا رحيما } { ~~عزيزا حكيما } { سميعا بصيرا } فكأنه كان ثم مضى، فقال: { فلا أنساب ~~بينهم } في النفخة الأولى ثم ينفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في ~~الأرض، إلا من شاء الله فلا أنساب عند ذلك ولا يتساءلون، ثم في النفخة ~~الآخرة أقبل بعضهم على بعض يتساءلون، وأما قوله { ما كنا مشركين } { ولا ~~يكتمون الله حديثا } فإن الله يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم، وقال المشركون: ~~تعالوا نقول: لم نكن مشركين، فنختم على أفواههم فتنطق أيديهم، فعند ذلك ~~عرف أن الله لا يكتم حديثا، وعنده يود الذين كفروا - الآية، وخلق الأرض ~~في يومين ثم خلق السماء ثم استوى إلى السماء فسواهن في يومين آخرين ثم ~~دحا الأرض، و { دحاها } أي أخرج منها الماء والمرعى، وخلق الجبال والآكام ~~وما بينهما في يومين آخرين، فذلك قوله { دحاها } وقوله: خلق الأرض في ~~يومين، فجعلت الأرض وما فيها من شيء في أربعة أيام وخلقت السماوات في ~~يومين، وكان الله غفورا رحيما، سمى نفسه ذلك، وذلك قوله، أي لم يزل ~~كذلك، فإن الله لم يرد شيئا إلا أصاب به الذي أراد، فلا يختلف عليك ~~القرآن فإن كلا من عند الله. # وقال في سورة المرسلات: وسئل ابن عباس رضي الله عنهما { هذا يوم لا ~~ينطقون } { والله ربنا ما كنا مشركين } { اليوم نختم على أفواههم } ~~فقال: إنه ذو ألوان، مرة ينطقون ومرة يختم عليهم. # ولما أخبر سبحانه باشتراكهم، استأنف الإخبار بما يهول أمر عذابهم ويشير ~~إلى ms3956 عمومه في الدارين لكل من شاركهم في الإجرام، فقال مؤكدا دفعا لظن ~~من ينكر القيامة وظن من يرى الإملاء للمجرم في الدنيا نعمة وينفي كونه ~~نقمة، أو يفعل في التمادي في الإجرام فعل المنكر؛ { إنا } أي بما لنا من ~~العظمة التي لا يفوتها شيء { كذلك } أي مثل هذا الفعل العظيم الشأن { ~~نفعل } بهم - هكذا كان الأصل، ولكنه علق بالوصف تعميما وتعليلا فقال: { ~~بالمجرمين * } أي كل قاطع لما أمر الله به أن يوصل في الدنيا والآخرة، ~~نمهل ثم نأخذ أخذا عنيفا يصير به المشتركون في الظلم أعداء يتخاصمون، ~~ويحيل بعضهم على بعض ثم لا ينفعهم ذلك، بل نشارك بينهم في العقوبة، ثم ~~علل تعذيبه لهم بقوله مؤكدا للتعجب منهم لأن فعلهم هذا أهل لأن ينكر لأن ~~هذه الكلمة لا يصدق عاقل أن أحدا يستكبر عليها لأنه لا شيء أعدل منها: { ~~إنهم كانوا } أي دائما { إذ قيل لهم } أي من أي قائل كان: { لا إله } ~~أي يمكن، وإذا نفي الممكن كان الموجود أولى فإنه لا يوجد إلا ما يمكن ~~وجوده وإن كان واجبا { إلا الله } أي الملك الأعلى المباين لجميع ~~الموجودات في ذاته وصفاته وافعاله كما هو الحق ليفردوه بالإلهية كما تفرد ~~بالخالقية كما لا يخفى على من له أدنى مسكة بصفات الكمال، وقدم النفي لأن ~~التحلية لا تكون إلا بعد التخلية { يستكبرون * } أي يوجدون الكبر عن ~~الإقرار بهذا الحق الذي لا أعدل منه وعن متابعة الداعي إليه، استكبار من ~~هو طالب للكبر من نفسه ومن غيره لما فيه من العراقة والعتو، فلم يكن لهم ~~مانع من أبواب جهنم السبعة التي جعلت كل كلمة من هذه الكلمة مع قرينتها ~~الشاهدة بإرساله مانعة من باب منها وإلا كان في شيء من ساعات أيامهم - ~~التي هي بعدد حروفهما أربعة وعشرون - خير ينجيهم من المكارة. # ولما أخبر أنهم استكبروا على توحيد الإله، أتبعه الإخبار بأنهم تكلموا ~~في رسوله صلى الله عليه وسلم بما لا يرضاه: فقال: { ويقولون } أي كل حين ~~ما دلوا به على بعدهم ms3957 عن الإيمان كل البعد بسوقهم لقولهم ذلك في استفهام ~~إنكاري مؤكدا: { إئنا لتاركوا آلهتنا } أي عبادتها، وكان تأكيد أصل ~~الكلام للإشارة إلى أن تكذيبهم صادر منهم مع علمهم بأن كل عالم بحالهم ~~يراهم جديرين بترك ما هم عليه لما جاء به صلى الله عليه وسلم، ولذلك أعلم ~~بأن ما هم عليه عناد بسوق تكذيبهم على وجه معلوم التناقض بالبديهة بقوله: ~~{ لشاعر مجنون * } فإن الجنون لا نظام معه، والشعر يحتاج إلى عقل رصين ~~وقصد قويم، وطبع في الوزن سليم، أو للإشارة إلى أن إنكار المؤكد إنكار ~~لغيره بطريق الأولى. # ولما كان مرادهم بذلك أن كلامه باطل، فإن أكثر كلام الشاعر غلو وكذب ~~وكلام المجنون تخليط، كان كأنه قال في جوابهم: إنه لم يجىء بشرع ولا ~~بجنون: { بل جاء بالحق } أي الكامل في الحقية. # ولما كان ما جاء به أهلا لكونه حقا لأن يقبل وإن خالف جميع أهل الأرض، ~~وكان موافقا مع ذلك لمن تقرر صدقهم واشتهر اتباع الناس لهم، فكان أهلا ~~لأن يقبله هؤلاء الذين أنزلوا أنفسهم عن أوج معرفة الرجال بالحق إلى حضيض ~~معرفة الحق على زعمهم بالرجال، فكان مآل أمرهم التقليد قال: { وصدق ~~المرسلين * } أي الذين علم كل ذي لب أنهم أكمل بدور أضاء الله بهم ~~الإكوان في كل أوان، وتقدم في آخر سورة فاطر أنهم عابوا من كذبهم { ~~وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم أحد منهم ليؤمنن به فكذبوا } بأن ~~كذبوا سيدهم بهذا الكلام المتناقض. ### || [37.38-45] # ولما وصلوا إلى هذا الحد من الطغيان، والزور الظاهر والبهتان، تشوف ~~السامع إلى جزائهم فاستأنف الإخبار بذلك مظهرا له في أسلوب الخطاب ~~إيذانا بتناهي الغضب، فقال في قالب التأكيد نفيا لما يترجمونه من العفو ~~بشفاعة من ادعوا أنهم يقربونهم زلفى، ووعظا لهم ولأمثالهم في الدنيا ~~فيما ينكرونه حقيقة أو مجازا: { إنكم } أي أيها المخاطبون على وجه ~~التحقير المجرمين { لذائقوا } أي بما كنتم تضيقون أولياء الله { العذاب ~~الأليم * }. # ولما كان سبحانه الحكم العدل فلا يظلم أحدا مثقال ذرة فلا يزيد في ~~جزائه شيئا ms3958 على ما يستحق مع أن له أن يفعل ما يشاء ولا يكون فعله - ~~كيفما كان - إلا عدلا قال: { وما } أي والحال أنكم ما { تجزون } أي ~~جزءا من الجزاء { إلا ما } أي مثل ما. ولما كانوا مطبوعين على تلك ~~الخلال السيئة، بين أنها كانت خلقا لهم لا يقدرون على الانفكاك عنها ~~بالتعبير بأداة الكون فقال: { كنتم تعملون * } نفيا لوهم من قد يظن أنهم ~~فعلوا شيئا بغير تقديره سبحانه. ولما كان في المخاطبين بهذا من علم الله ~~أنه سيؤمن، و استثنى من واو " ذائقوا " قوله مرغبا لهم في الإيمان ~~مشيرا إلى أنهم لا يحملهم على الثبات على ما هم عليه من الضلال إلا غش ~~الضمائر بالرياء وغيره، فهو استثناء متصل بهذا الاعتبار الدقيق: { إلا ~~عباد الله } فرغبهم بوصف العبودية الذي لا أعز منه، وأضافهم زيادة في ~~الاستعطاف إلى الاسم الأعظم الدال على جميع صفات الكمال، وزاد رغبا ~~بالوصف الذي لا وصف أجل منه فقال: { المخلصين * }. # ولما خلصهم منهم، ذكر ما لهم فقال معظما لهم بأداة البعد: { أولئك } أي ~~العالو القدر بما صفوا أنفسهم عن أكدار الأهوية { لهم رزق معلوم } أي ~~يعلمون غائبه وكائنه وآتيه وطعمه ونفعه وقدره وغبه وجميع ما يمكن علمه ~~من أموره، وليسوا مثل ما هم عليه في هذه الدار من كدر الأخطار { لا تدري ~~نفس ماذا تكسب غدا } لأن النفس إلى المعلوم أسكن، وبالأنس إليه أمكن. # ولما كان أهل الجنة لا يأكلون تقوتأ واحتياجا، بل تنعما والتذاذا ~~وابتهاجا، لأن أجسامهم محكمة مخلوقة للأبد، فهي غير محتاجة إلى حفظ ~~الصحة قال: { فواكه } أي يتنعمون بها بما كدروا من عيشهم في الدنيا. ولما ~~كان الذي هو نعيم الجسم لا يحمد غاية الحمد إلا مع العز الذي هو غذاء ~~الروح قال: { وهم مكرمون * } بناه للمفعول إشارة إلى أن وجود إكرامهم من ~~كل شيء أمر حتم لا يكون غيره أصلا. # ولما كان الإكرام لا يتم إلا مع طيب المقام قال: { في جنات النعيم * } ~~أي التي لا يتصور فيها غيره. # ولما كان التلذذ لا ms3959 يكمل إلا مع الأحباب، وكانت عادة الملوك الاختصاص ~~بالمحل الأعلى، بين أنهم كلهم ملوك فقال: { على سرر متقابلين * } أي ليس ~~فيهم أحد وجهه إلى غير وجه الآخر على كثرة العدد. ولما كان ذلك لا يكمل ~~إلا بالشراب، وكان المقصود الطواف فيه، لا كونه من معين، قال: { يطاف } ~~بالبناء للمفعول وكأنها يدلى إليهم من جهة العلو ليكون أشرف لها وأصون، ~~فنبه على ذلك بأداة الاستعلاء فقال: { عليهم } أي وهم فوق أسرتهم كالملوك ~~{ بكأس } أي إناء فيه خمر، قالوا: وإن لم يكن في الزجاجة خمر فهي قدح، ~~ولا تسمى كأسا إلا والخمر فيها { من معين * } أي من خمر جارية في ~~أنهارها، ظاهرة للعيون تنبع كما تنبع الماء لا يعالجونها بعصير، ولا ~~يحملهم على الرفق بها والتقصير فيها نوع تقصير، قال الرازي: إنما سميت به ~~إما من ظهروها للعين أو لشدة جريها من الإمعان في السير أو لكثرتها من ~~المعن، وهو الكثير، وسمي الماعون لكثرة الانتفاع به، ويقال: مشرب ممعون: ~~لا يكاد ينقطع. ### || [37.46-54] # ولما كان أول ما يختار في الشراب لونه ثم طعمه، قال واصفا ما في الكأس ~~من الخمر استخداما: { بيضاء } أي مشرقة صافية هي في غاية اللطافة تتلألأ ~~نورا، وأعرق في وصفها بالطيب بجعلها تفسيرا للمعنى في قوله: { لذة ~~للشاربين * } بما كانوا يتجرعون من كأسات الأحزان والأنكاد، وأظهر موضع ~~الإضمار تعميما وتعليقا للحكم بالوصف، وجمع إشارة إلى أنهم لا يعلونها ~~إلا كذلك بما فيه من مزيد اللذة. # ولما كان قد أثبت لها الكمال، نفى عنها النقص فقال: { لا فيها غول } أي ~~فساد من تصديع رأس أو إرخاء مفصل أو إخماء كبد أو غير ذلك مما يغتال أي ~~يهلك، أو يكون سببا للهلاك { ولا هم عنها } أي عادة بعد شربها { ينزفون ~~* } أي يذهب شيء من عقولهم وإن طال شربهم وكثر لئلا ينقص نعيمهم ولا ينفذ ~~شرابهم أو ما عندهم من الجدة لكل ما يسر به - على قراءة حمزة والكسائي ~~بكسر الزاي من أنزف - مبنيا للفاعل مثل أقل وأعسر - إذا صار قليل ms3960 المال، ~~أو ذهب عقله، وقراءة الجماعة بالبناء للمفعول يحتمل أن تكون من نزف، ~~وحينئذ يحتمل أن تكون من نفاذ الشراب من قولهم: نزفت الركية، اي ذهب ~~ماؤها، وأن تكون من ذهاب العقل من قولهم: نزف الرجل بالبناء للفاعل, ونزف ~~بالبناء للمفعول بمعنى: ذهب عقله بالسكر, ويحتمل أن تكون من أنزف, وحينئذ ~~يحتمل أن تكون من ذهاب العقل من أنزف الرجل - إذا ذهب عقله بالسكر، وأن ~~تكون من عدم الشراب من قولهم: نزف الرجل الخمرة - سواء كان مبنيا للفاعل ~~أو للمفعول - إذا أفناها. # ولما كان ذلك كله لا يكمل إلا بالجماع، والخمر أدعى شيء إليه، وهو لا ~~يكمل النعيم به إلا بالاختصاص قال: { وعندهم } نساء من أهل الدنيا وغيرها ~~{ قاصرات الطرف } أي لا تطرف واحدة منهن إلى غير زوجها ولا يدعه تناهي ~~حسنها وفرط جمالها طرفها يطرف إلى غيرها { عين * } أي نجل العيون، جمع ~~عيناء، كسرت عينه لمناسبة الياء. # ولما كان أحسن الألوان لا سيما عند العرب الأبيض الأحمر المشرب صفرة ~~أكتسبته صفاء وإشراقا وبهاء، قال: { كأنهن بيض } أي بيض نعام { مكنون * ~~} أي مصون من دنس يلحقه، وغبار يرهقه، ولمحبة العرب لهذا اللون كانت تقول ~~عن النساء بيضات الخدور لأنه لونه أبيض مشربا صفرة صافية، وقد صرح امرؤ ~~القيس بهذا في لاميته المشهورة فقال: # كبكر مقاناة البياض بصفرة # غذاها نمير الماء غير المحلل # أي مخالطة البياض المائل إلى الحمرة بصفرة، وهو أصفى الألوان واعدلها، ~~يشابه لون نور القمر. # ولما كان ذلك الاجتماع إنما هو للسرور، وكان السرور لا يتم إلا ~~بالمنادمة، وكان أحلى المنادمة ما يذكر بحلول نعمة أو انحلال نقمة، تسبب ~~عن ذلك ولا بد قوله إشارة إلى فراغ البال وصحة العقل بالإصابة في المقال: ~~{ فأقبل بعضهم } أي أهل الجنة بالكلام، وأشار إلى أن مجرد الإقبال بالقصد ~~يلفت القلوب إلى سماعه بأداة الاستعلاء فقال: { على بعض } أي لأجل الكلام ~~الذي هو روح ذلك المقام، وأما المواجهة فقد تقدم أنها دائمة، وبين حال ~~هذا الإقبال فقال: { يتساءلون * } أي يتحدثون حديثا بينا ms3961 لا خفاء بشيء ~~منه بما أشار إليه الإظهار بما حقه أن يهتم به ويسأل عنه من أحوالهم التي ~~خلصوا منها بعد أن كادت ترديهم، وسماه سؤالا لأنه مع كونه أهلا لأن ~~يسأل عنه - لا يخلو عن سؤال أدناه سؤال المحادث أن يصغي إلى الحديث، وعبر ~~عنه بالماضي إعلاما بتحققه تحقق ما وقع. # ولما تشوف السامع إلى سماع شيء منها يكون نموذجا للباقي، أشار إلى ذلك ~~بقوله مستأنفا: { قال قائل منهم } أي في هذا التساؤل، وشتان ما بينه ~~وبين ما مضى خبره من تساؤل أهل النار. # ولما كان ظنه أنه لا يخلص من شر ذلك القرين الذي يحدث عنه فنجاه الله ~~منه على خلاف الظاهر، فكان ذلك إحدى النعم الكبرى، نبه عليه بالتأكيد ~~فقال: { إني كان لي قرين * } أي جليس من الناس كأنه شيطان مبين { يقول } ~~أي مكذبا بالبعث مستبعدا له غاية الاستبعاد مجددا لقوله في كل وقت، ~~يريد أن يختدعني بلطافة قياده إلى سوء اعتقاده: { أإنك لمن المصدقين * } ~~أي بالبعث - يوبخني بذلك ويستقصر باعي في النظر استثارة لهمتي وإلهابا ~~لنخوتي وحميتي، ويكرر الإنكار بقوله: { أإذ متنا } أي فذهبت أوراحنا { ~~وكنا } أي كونا راسخا { ترابا وعظاما } أي فانمحقت أجسامنا التي هي ~~مراكب الأرواح { أإنا لمدينون * } أي لمجزيون بعد ذلك بما عملنا بأن نبعث ~~ونجازى، وكان تأكيده للإشارة منه إلى كل عاقل جدير بأن يكذب بما أقررت به ~~لبعده، أو إلى أنه مكذب به ولو كان مؤكدا. # ولما كان هذا المقال سببا لعظيم تشوف السامع إلى ما يكون بعده، وكان ~~أهل الجنة من علو المكان والمكانة وصحة الأجسام وقوة التركيب ونفوذ ~~الأبصار بحيث ينظرون ما شاؤوا من النار وغيرها مما دونهم متى شاؤوا، ~~استانف قوله مشيرا إلى أن حاله هذت معلم أنه من أهل النار: { قال } أي ~~هذا القائل لشربه هؤلاء الذين هم كما قال بعضهم في موشح: # رب شرب كالعقد قد نظموا # في ثياب طرازها الكرم # فاغتنمت الهنا كما اغتنموا # وظننت الكؤوس بينهمو # أنجما في سما الهناء ترى # كل نجم يغيب ms3962 في بدر # { هل أنتم مطلعون * } أي شافون قلبي بأن تتركوا ما أنتم فيه من تمام ~~اللذة وتكلفوا أنفسكم النظر معي في النار لتسروني بذلك. ### || [37.55-62] # ولما كان المحدث عنه المخلصين، وهم أهل الجنة كلهم أو جلهم، وكان الضمير ~~يعود لما سبقه بعينه، وكان مخاطبو هذا القائل إنما هم شربه، وكان من ~~المعلوم مما مضى من التقابل والتواد والتواصل بالمنادمة والتساؤل أنهم ~~ينتدبون ندبهم إليه ويقبلون قطعا عليه، وكان النافع لنا إنما هو قوله ~~فقط في توبيخ عدوه وتغبيط نفسه ووليه، لم يجمع الضمير لئلا يلبس فيوهم ~~أنه للجميع، وأعاده عليه وحده لنعتبر بمقاله، ونتعظ بما قص علينا من حاله ~~فقال: { فاطلع } أي بسبب ما رأى لنفسه في ذلك من عظيم اللذة, إلى أهل ~~النار { فرآه } أي ذلك القرين السوء { في سواء الجحيم * } أي في وسطها ~~وغمرتها تضطرم عليه أشد اضطرام بما كان يضرم في قلبه في الدنيا من الحر ~~كلما قال له ذلك المقال، وسمي الوسط سواء لاستواء المسافة منه إلى ~~الجوانب كمركز الدائرة، ثم استأنف الإخبار عن مكافأته له بما كان من ~~تقريعه وتوبيخه على التصديق بالآخرة بقوله: { قال } أي لقرينه ذلك. # ولما كان لا يقع في فكر أنه كان يتلفت إلى قوله هذا نوع التفاف لأنه ~~ظاهر البطلان، ولأن هذا القائل محكوم بأنه من أهل الجنة، أكد قوله إشارة ~~إلى أنه كان يؤثر فيه قوله في كثير من الأوقات بما يزينه به الشيطان ~~وتحسنه النفوس بالشهوات، والراحة من كلف الطاعات، وساقه في أسلوب القسم ~~تنبيها على التعجب من سلامته منه فقال: { تالله } وزاد التأكيد بعم ما ~~علقه بالاسم الأعظم بالمخففة من المثقلة فقال: { إن كدت لتردين } أي إنك ~~قاربت أن تهلكني وتجعلني في أردأ ما يكون من الأماكن، وفي هذا التأكيد ~~غاية الترغيب في الثبات لمن كان قريبا من التزلزل وفي المباعدة لقرناء ~~السوء. # ولما ذكر سوء ما كان يأتي إليه، ذكر حسن أثر الله سبحانه عنده، فقال ~~لافتا الكلام إلى صفة الإحسان لأنه مقامه: { ولولا نعمة ربي ms3963 } أي المحسن ~~إلي بما رباني به من تثبيتي عن أتباعك والتجاوز عني في مخالطتك { لكنت } ~~كونا ثابتا { من المحضرين * } أي المكرهين على حضور هذا الموطن الضنك ~~الذي أنت فيه، فيالله ما أعظم إحسان هذه الآية في التنفير من العشرة ~~لقرناء السوء لأنها شديدة الخطر قبيحة الأثر، ولقد أبان نظره هذا عن أنه ~~لم يكن أعلى لذة مما كان فيه فليس بأدنى منه، فإنه لا شيء ألذ من رؤية ~~العدو الماكر الذي طالما أحرق الأكباد وشوش الأفكار، في مثل دلك من ~~الإنكار، وعظائم الأكدار، من غمرات النار. # ولما رأى ذاك فيما هو فيه من الجحيم، ورأى نفسه فيما هي فيه من النعيم، ~~ما ملك نفسه أن قال كما يعرض لمن يكون في شدة فيأتيه الفرج فجأة فيصير ~~كأنه في منام أو أضغاث أحلام، لا يصدق ما صار إليه سرورا: { أفما } أي ~~أنحن يا إخواني منعمون مخلدون فيتسبب عن ذلك أنا ما { نحن بميتين * } أي ~~بعد حالتنا هذه، وأكده لأن مثله لأجل نفاسته لا يكاد يصدق، ثم أعرق في ~~العموم بما هو معياره فقال: { إلا موتتنا الأولى } أي التي كانت في ~~الدنيا. # ولما ذكر نعمة الخلاص من الموت، ذكر نعمة الإنقاذ من الأكدار فقال: { ~~وما } { نحن } وأكد النفي فقال: { بمعذبين * }. # ولما تذكر هذا فاستفزه السرور، وازدهته الغبطة والحبور، لم يملك نفسه أن ~~قال في أسلوب التأكيد لما له في ذلك من النشاط لما له من خرق العادة ~~منبها على عظمته لتعظيم الغبطة: { إن هذا } أي الملك الذي نحن فيه { لهو ~~} أي وحده { الفوز العظيم * } أي الذي لا شيء يعدله. ولما دل هذا السياق ~~على عظيم ما نالوه، زاد في تعظيمه بقوله: { لمثل هذا } أي الجزاء { ~~فليعمل العاملون * } أي لينالوه فإنهم يغتنون غنى لا فقر بعده بخلاف ما ~~يتنافسون فيه ويتدالجون عليه من أمور الدنيا، فإنه مع سرعة زواله منغض ~~بكدره وملاله. # ولما فات الوصف هذا التشويق إلى هذا النعيم، رمى في نعته رمية أخرى سبقت ~~العقول وتجاوزت حد الإدراك وعلت عن تخيل ms3964 الوهم في استفهام منفر من ضده ~~بمقدار الترغيب فيه لمن كان له لب فقال: { أذلك } الجزاء البعيد المنال ~~البديع المثال { خير نزلا } فأشار بذلك إلى أنه إنما هو شيء يسير كما ~~يقدم للضيف عند نزوله على ما لاح في جنب ما لهم وراء ذلك مما لا تسعه ~~العقول ولا تضبطه الفهوم: { أم شجرة الزقوم * } أي التي تعرفها بأنها في ~~غاية النتن والمرارة، من قولهم: تزقم الطعام - إذا تناوله على كره ومشقة ~~شديدة، وعادل بين ما لا معادلة بينهما بوجه تنبيها على ذلك، ولأنهم ~~كانوا يرون ما سبب ذلك من الأعمال خيرا من أعمال المؤمنين التي سببت لهم ~~النعيم، فكأنهم كانوا يقولون: إن هذا العذاب خير من النعيم، فسيق ذلك ~~كذلك توبيخا لهم على سوء اختيارهم. ### || [37.63-70] # ولما كان قد أخبر أن نباتها في النار، فكان ذلك سببا لزيادة تكذيبهم ~~لأن عدم إيمانهم كان سببا لضيق عقولهم، قال مؤكدا ردا على من يظن أن ~~سبحانه لا يفتن عباده لأنه غني عن ذلك: { إنا جعلناها } أي الشجرة بما ~~لنا من العظمة { فتنة للظالمين * } أي الذين يضعون الأشياء في غير ~~مواضعها كمن هو في الظلام بكونها عذابا لهم في الأخرى وسببا لزيادة ~~ضلالهم في الدنيا، ولو وضعوها مواضعها لعلموا أن من جعل في الشجر الأخضر ~~نارا لا تحرقه يستخرجونها هم متى شاؤوا فيحرقون بها ما شاؤوا من حطب ~~وغيره قادر على أن ينبت في النار شجرا أخضر لا تحرقه النار، ثم نبه على ~~أن محل الفتنة جعلها فيما ينكرونه، فقال تعالى مؤكدا لأجل إنكارهم ~~معللا لجعلها فتنة تخالطهم فتحيلهم في الدنيا بحرها وفي الأخرى بأثرها: ~~{ إنها } وحقق أمر نباتها بقوله: { شجرة } وزاد الأمر بيانا بقوله: { ~~تخرج } وأكده بالظرف فقال: { في أصل } أي ثابت وقعر ومعظم وقرار { الجحيم ~~} أي النار الشديدة الاضطرام وفروعها ترتفع إلى دركاتها، ثم زاد ذلك ~~وضوحا وتصويرا بقوله: { طلعها } أي الذي هو مثل طلع النخل في نموه ثم ~~تشققه عن ثمرة { كأنه رءوس الشياطين * } فيما هو مثل عند المخاطبين فيه، ms3965 ~~وهو القباحة التي بلغت النهاية، وهذا المثل واقع في أتم مواقعه سواء كان ~~الشيطان عندهم أسما للحية أو لغيرها، لأن قبح الشياطين وما يتصل بهم في ~~أنهم شر مخص لا يخلطه خير مقرر في النفوس، ولهذا كان كل من استقبح منظر ~~إنسان أو فعله يقول: كأنه شيطان، كما انطبع في النفوس حسن الملائكة ~~وجلالتهم فشبهوا لهم الصور الحسان، ولذلك سمت العرب ثمر شجر يقال له ~~الأستن بهذا الاسم، وهو شجر خشن مر منتن منكر الصورة. # ولما أثبت أمرها بما هو في غاية الفتنة لها واللطف للمؤمنين، سبب عن ~~الفتنة بها قوله: رادا لإنكارهم أن يأكلوا مما لا يشتهونه ومكذبا لما ~~كانوا يدعون من المدافعة: { فإنهم } أي بسبب كفرانهم بها وبغيرها مما ~~أمرهم الله { لآكلون منها } أي من هذه الشجرة من شوكها وطلعها وما يريد ~~الله بما يؤلم منها. ولما كانوا قد زادوا في باب التهكم في أمرها، زاد ~~التأكيد في مقابلة ذلك بقوله: { فمالئون منها } ومن غيرها في ذلك الوقت ~~الذي يريد الله أكلهم منها { البطون * } قهرا على ذلك وإجبارا. ولما ~~أحرق أكبادهم من شديد الجوع زيادة في العذاب، ولما جرت العادة بأن الآكل ~~المتنعم يتفكه بعد أكله بما يبرد غلة كبده، قال مشيرا إلى تناهي شناعة ~~متفكههم، وطويل تلهبهم من عطشهم، بأداة التراخي وآلة التأكيد لما لهم في ~~ذلك من عظيم الإنكار: { ثم إن لهم عليها } أي على أكلهم منها { لشوبا } ~~أي خلطا عظيم الإحراق { من حميم * } أي ماء حار كأنه مجمع من مياه من ~~عصارات شتى من قيح وصديد ونحوهما - نسأل الله العافية. # ولما كان ما ذكر للفريقين إنما هو النزل الذي مدلوله ما يكون في أول ~~القدوم على حين غفلة، وكانوا يريدون الحميم كما يورد الإبل الماء، وكان ~~قوله تعالى # يطوفون بينها وبين حميم آن # [الرحمن: 44] يدل على أن ذلك خارجها أو خارج غمرتها، كما تكون الأحواض ~~في الحيشان خارج الأماكن المعدة للإبل، قال مبينا أن لهم ما هو أشد ~~شناعة من ذلك ملوحا إليه بأداة التراخي: ms3966 { ثم إن مرجعهم } أي بعد خروجهم ~~من دار ضيافتهم الزقومية { لإلى الجحيم * } أي ذات الاضطرام الشديد، ~~والزفير والبكاء والاغتمام الطويل المديد، كما أن حزب الله يتقلبون من ~~جنات النعيم إلى جنات المأوى مثلا إلى جنات عدن إلى الفردوس التي لا ~~يبغون عنها حولا كما ينقل أهل السعة والأكابر من أهل الدنيا ضيوفهم في ~~البساتين المتواصلة والمناظر، وينزهونهم في القصور العالية والدساكر. # ولما أخبر عن عذابهم هذا، وكان سببه الجمود مع العادة الجارية على غير ~~الحق، والتقيد بما ألفته النفس ومال إليه الطباع، مما أصله من يعتقدون ~~أنه أكبر منهم وأتم عقلا، علل ذلك تحذيرا من مثله لأنه كان سبب هلاك ~~أكثر الخلق، وأكده لأنهم ينكرون ضلال من أصل لهم، فتلك العوائد من ~~آبائهم وغيرهم فقال: { إنهم ألفوا } أي وجدوا وجدانا ألفوه { آباءهم ~~ضالين * } أي عريقين في الضلال، فما هم فيه لا يخفى على أحد أنه ضلال ~~يتسبب عنه النفرة عن صاحبه { فهم } أي البعداء البغضاء { على آثارهم } أي ~~التي لا تكاد تبين لأحد لخفاء مذاهبها لوهيها وشدة ضعفها وانطماس ~~معالمها، لا على غيرها { يهرعون * } أي كأنهم يلجئهم ملجئ إلى الإسراع، ~~فهم في غاية المبادرة إلى ذلك من غير توقف على دليل ولا استضاءة بحجة ~~بحيث يلحق صاحب هذا الإسراع من شدة تكالبه عليه شيء هو كالرعدة، وذلك ضد ~~توقفهم وجمودهم فيما أتاهم به رسولنا صلى الله عليه وسلم من شجرة الزقوم ~~وغيرها مما هو في غاية الوضوح والجلاء، فأمعنوا في التكذيب به ~~والاستهزاء، وأصروا بعد قيام الدلائل، فكانوا كالجبال ثباتا على ضلالهم، ~~والحجارة الصلاب الثقال رسوخا في لازب أوحالهم. ### || [37.71-75] # ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم شديد المحبة لهداهم والحزن على ~~ضلالهم، والأسف على غيهم ومحالهم، وكان الضلال مع العقل أولا، ثم مع ~~وجود الرسل الذين هم من الصدق والمعجزات والأمور الملجئة إلى الهدى ~~ثانيا كالمحال، سلاه سبحانه بقوله على سبيل التأكيد لزيادة التحقيق: { ~~ولقد ضل قبلهم } أي قبل من يدعوهم في جميع الزمان الذي تقدمهم { أكثر ~~الأولين * } بحيث ms3967 إنه لم يمض قرن بعد آدم عليه السلام إلا وكله أو جله ~~ضلال. # ولما كان ربما ظن أنه لعدم الرسل، نفى ذلك بقوله مؤكدا لنحو ذلك: { ~~ولقد أرسلنا } أي على ما لنا من العظمة التي توجب الإتيان بما لا ريب فيه ~~من البيان { فيهم منذرين * } أي فأنذروهم بأس الله وبينوا لهم أحسن ~~البيان، ومع ذلك فغلب عليهم الضلال، وعناد أهل الحق بالمحال، حتى أهلكهم ~~الله بما له من شديد المجال، وهو معنى قوله: { فانظر } أي فتسبب عن ~~الإرسال أنا فعلنا في إهلاكهم من العجائب ما يستحق التعجيب به والتحذير ~~من مثله بأن يقال لمن تخلف عنهم: انظر { كيف } ولما كان ذلك عادة مستمرة ~~لم تختلف أصلا قال: { كان عاقبة } أي آخر امر { المنذرين } أي في إنا ~~أهلكناهم لتكذيبهم، فاصبر على الشدائد كما صبروا، واستمر على الدعاء ~~بالبشارة والنذارة حتى يأتيك أمر الله. # ولما أفهم الحكم على الأكثر بالضلال أن الأقل على غير حالهم، نبه على ~~حال الطائعين بقوله مستثنيا من ضمير المنذرين: { إلا عباد الله } أي ~~الذين استخلصهم سبحانه بما له من صفات الكمال، فاستحقوا الإضافة إلى اسمه ~~الأعظم { المخلصين * } أي الذين أخلصهم له فأخلصوا هم أعمالهم فلم يجعلوا ~~فيها شوبا لغيره. # ولما كان مقصود السورة التنزيه الذي هو الإبعاد عن النقائص، ولذلك كان ~~أنسب الأشياء الإقسام أولها بالملائكة هم أنزه الخلق، وكان أعلى الخلق من ~~جرد نفسه عن الحظوظ بما يؤتيه الله من المجاهدات والمنازلات والمعالجات ~~حتى يلحق بهم فيجوز مع فضلهم معالي الجهاد، فكان أحق الأنبياء بالذكر من ~~كان أكثر تجريدا لنفسه من الشواغل سيرا إلى مولاه وتعريجا عن كل ما ~~سواه، وكان الأب الثاني من أحقهم بذلك لأنه تجرد في الجهاد بالدعاء إلى ~~الله ألف عام ثم تجرد عن كل شيء على ظهر الماء بين الأرض والسماء، فقال ~~تعالى مؤكدا لما تقدم من أنه دعا إلى التأكيد من أن مكثه في قومه المدة ~~الطويلة مبعد لأن يكونوا وافقوه ومالوا معه وتابعوه، ولأن فعل العرب في ~~التكذيب مع ms3968 ترادف المعجزات وتواتر العظات عمل من هو مكذب بوقوع النصرة ~~للمرسلين، والعذاب للمكذبين، عطفا على تقديره: فقاسى الرسل من الشدائد ~~ما لا تسعه الأوراق، وجاهدوهم بأنفسهم والتضرع إلى الله تعالى في أمرهم: ~~{ ولقد نادانا } لما لنا من العظمة { نوح } بقوله # رب إني مغلوب فانتصر # [القمر: 10] ونحوه مما أخبر الله عنه به بعد أمور عظيمة لقيها منهم من ~~الكروب، والشدائد والخطوب، لنكشف عنه ما أعياه من أمرهم. # ولما أغنت هذه الجملة عن شرح القصة وتطويلها، وكان قد تسبب عن دعائه ~~إجابته، قال بالتأكيد بالاسمية والإشارة إلى القسم والأداة الجامعة لكل ~~مدح وصيغة العظمة إلى أن هول عذابهم وعظم مصابهم بلغ إلى أنه مع شهرته لا ~~يكاد يصدق، فهو يحتاج إلى اجتهاد كبير وشدة اعتناء، فكانت الإجابة إجابة ~~من يفعل ذلك وإن كانت الإفعال بالنسبة إليه سبحانه على حد سواء، لا تحتاج ~~إلى غير مطلق الإرادة: { فلنعم المجيبون * } أي كنا بما لنا من العظمة له ~~ولغيره ممن كان نعم المجيب لنا، هذه صفتنا لا تغير لها. ### || [37.76-82] # ولما كان معنى هذا: فأجبناه إجابة هي النهاية في استحقاق على الممادح من ~~إيصاله إلى مراده من حمله وحمل من آمن به والانتقام ممن كذبه كما هي ~~عادتنا دائما، عطف عليه قوله: { ونجيناه } أي بما لنا من العظمة { وأهله ~~} أي الذين وافقوه في الدين { من الكرب العظيم * } وهو الأذى من الغرق { ~~وجعلنا ذريته هم } أي خاصة { الباقين * } لأن جميع أهل الأرض غرقوا فلم ~~يبق منهم أحد أصلا، وأهل السفينة لم يعقب منهم أحد غير أولاده، فأثبناه ~~على نزاهته إن كان هو الأب الثاني، فالعرب والعجم أولاد سام، والسودان ~~أولاد حام، والترك والصقالبة ويأجوج ومأجوج أولاد يافث، فكل من تبع سنته ~~في الخير كان له مثل أجره. # ولما ذكر لأنه بارك في نسله، أعلم أنه أدام ذكره بالخير في أهله فقال: { ~~وتركنا عليه } أي ثناء حسنا، لكنه حذف المفعول وجعله لازما، فصار ~~المعنى: أوقعنا عليه الترك بشيء هو من عظمته وحسن ذكره بحيث يعز وصفه { ~~في ms3969 الآخرين * } أي كل من تأخر عن زمانه إلى يوم الدين. ولما كان قد كتب ~~الله في القدم سلامته من كل سوء على كثرة الأعداء وطول الإقامة فيهم وشدة ~~الخلاف قال تعالى مستأنفا مادحا: { سلام } أي عظيم { على نوح } من كل ~~حي من الجن والأنس والملائكة لسلام الله عليه. ولما كان لسان جميع أهل ~~الأرض في زمانه عليه السلام واحدا، فكانوا كلهم قومه، ولم يكن في زمانه ~~نبي، فكانت نبوته قطب دائرة ذلك الوقت، فكان رسالته عامة لأهله، وكان غير ~~الناس من الخلق لهم تبعا، خصه في السلام بأن قال: { في العالمين } أي ~~مذكور فيهم كلهم لفظا ومعنى يسلم عليه دائما إلى أن تقوم الساعة، ~~وخصوصية نبينا صلى الله عليه وسلم بأنه أرسل إلى جميع الخلق مع اختلاف ~~الألسنة ومع استمرار الرسالة أبد الآباد، وكون شريعته ناسخة غير منسوخة، ~~وكون جميع الخلق في القيامة تحت لوائه، فهناك يظهر تمام ما أوتيه من عموم ~~البعثة إلى ما ظهر منه في الدنيا. # ولما كان التقدير: فعلنا به ذلك لإحسانه، وكان الضالون ينكرون أن تنجو ~~الدعاء إلى الله وأتباعهم منهم، أخبر في سياق التأكيد أنه يفعل بكل محسن ~~ما فعل به فقال { إنا } أي على عظمتنا { كذلك } أي مثل ذلك الجزاء بالذكر ~~الحسن والنجاة من كل سوء { نجزي المحسنين * } أي الذين يتجردون من ~~الظلمات النفسانية إلى الأنوار الملكية بحيث لا يغفلون عن المعبود، ولا ~~ينفكون لحظة عن الشهود. # ولما أفهمت هذه الجملة - ولا بد - إحسانه إلى المحسن، علل ما أفهمته ~~بقوله: مؤكدا إظهارا للإقبال عليه بأن ذكره مما يرغب فيه، وتكذيبا لمن ~~كذبه: { إنه من عبادنا } أي الذين هم أهل لأن نضيفهم إلى مقام عظمتنا { ~~المؤمنين * } أي الراسخين في هذا الوصف، المتمكنين فيه، فعلم أن الإيمان ~~هو المراد الأقصى من الإنسان لأنه علل الإنجاء بالإحسان والإحسان ~~بالبيان، ولما أفهم تخصيص ذريته بالبقاء إهلاك غيرهم، وقدم ما هو أهل له ~~من مدحه اهتماما به وترغيبا في مثله، أخبر عن أعدائه بأنه أوقع بهم ~~لأنهم لم ms3970 يتحلوا بما كان سبب سعادته من الإيمان بقوله: مشيرا إلى العظمة ~~التي أوجدها سبحانه في إغراقهم بأداة التراخي: { ثم أغرقنا } أي بما لنا ~~من العظمة التي لا يقوم لها شيء { الآخرين * } أي الذي غايروه في الأقوال ~~والأفعال فاستحقوا أضداد أفعالنا معه وهو أهل الأرض كلهم غير أهل السفينة ~~وكلهم قومه كما هو ظاهر الآيات إذا تؤمل تعبيرها عن الدعوة والإغراق ~~ودعائه عليه السلام عليهم، وظاهر ما رواه الشيخان وغيرهما عن أنس رضي ~~الله عنه في حديث الشفاعة أن الناس يقولون: # " ائتوا نوحا أول نبي بعثه الله إلى أهل الأرض " # ، وإنما كانوا قوما لا أكثر، لأنهم كانوا على لسان واحد قبل بلبلة ~~الألسن باتفاق أهل التأريخ، وذلك كما أن العرب يطلق عليهم كلهم على ~~انتشارهم واتساع بلادهم أنهم قوم، لاجتماعهم في اللسان مع أنهم قبائل لا ~~يحصيهم العد، ولا يجمعهم نسب واحد إلا في إسماعيل عليه السلام، وقيل فيما ~~فوقه، فإن النسابين أجمعوا على أن عدنان من ولد إسماعيل عليه السلام، ~~قالوا: هو من ولد عدنان، واختلفوا في قحطان أبي اليمن وكذا ثقيف، فقيل: ~~هما من ولد إسماعيل عليه السلام، وقيل لا، ثم من قال: إن ثقيفا من ولد ~~إسماعيل عليه السلام، قالوا: هو من ولد عدنان، وقال بعضهم: لا، ثم إن من ~~ولد عدنان ربيعة ومضر، ومن دون مضر كنانة وهذيل والقارة وخزاعة وأسد ~~وتميم ومزينة والرباب وضبة وقيس، ودون ذلك باهله وأشجع وفزارة وكنانة ~~وقريش وخلائق، ومن دون ربيعة بكر بن وائل وغيرهم، ومن دون ذلك شيبان وعبد ~~القيس والنمر وخلائق، ودون قحطان أبي اليمن لخم وجذام وعائلة وغسان وكندة ~~وهمدان والأزد، ومنهم الأنصار وخلائق غير ذلك، فهؤلاء كلهم - على هذا ~~التشعب والانتشار والاختلاف في الأديان، بل وفي بعض اللغة - يسمون أمة ~~واحدة وقوما لجمع اللسان لهم في أصل العربية، وبنو إسحاق ليسوا منهم بلا ~~خلاف، مع أنهم أولاد عمهم لمخالفتهم لهم في اللسان على أنهم أقرب من ~~قحطان وثقيف في النسب عند من قال إنهم ليسوا من ولد ms3971 إسماعيل عليه السلام، ~~وكذا بنو إسحاق عليه السلام افترقوا بافتراق اللسان, فبنوا إسماعيل قوم, ~~وبنو العيص - وهم الروم - قوم, وكذا سائر الأمم إنما يفرق بينهم اللسان, ~~وعموم دعوته لبني آدم عليه السلام على هذا الوجه لا يقدح في خصوصية نبينا ~~صلى الله عليه وسلم بعموم الدعوة والأرسال إلى غير قومه، أما العموم فإنه ~~أرسل إلى كل من ينوس من الإنس والملائكة والجن، وأما دعاء الأقوام ~~فالمراد أنه أرسل إلى الموافق في اللسان والمخالف فيه، وأما غيره فما ~~أرسل إلى من خالفه في اللسان ولا إلى غير جنسه وإن كان يندب له أنه يأمر ~~بالمخالفين في اللسان وينهاهم من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من ~~غير وجوب، ولو سلمنا في نوح عليه السلام أنه لم يبعث إلى جميع أهل الأرض ~~انتقض بآدم عليه السلام فإنه نبي مرسل، كما روى ذلك الإمام أحمد وأبو ~~داود الطيالسي ومحمد بن يحيى بن أبي عمر وأبو بكر بن أبي شيبة والحارث بن ~~أبي أسامة وأبو يعلى الموصلي وإسحاق بن راهويه في مسانيدهم والطبراني في ~~معجمه الأوسط عن أبي أمامة الباهلي وأبي ذر رضي الله عنهما وفي بعض طرق ~~أبي ذر التصريح بالإرسال ولا يشك أحد أنه كان رسولا إلى جميع من أدركه ~~من أولاده، وهم جميع أهل الأرض، وكذلك نوح عليه السلام، لا يشك أحد أنه ~~كان بعد الغرق رسولا إلى جميع أهل السفينة كما كان قبل ذلك: وهم جميع ~~أهل الأرض، فما قدمت من أن الخصوصية بالإرسال إلى ذوي الألسن المختلفة من ~~جميع بني آدم، وإلى المخالف في الجنس من كل من ينوس هو المزيل للإشكال - ~~والله الموفق. ### || [37.83-87] # ولما كان لإبراهيم عليه السلام من التجرد عن النعوت البشرية والعلائق ~~النفسانية إلى الأحوال الملكية ما لم يكن لمن بينهما من النبيين من ~~المصارحة بالمعارضة لقومه، والإبلاغ فيها بكسر الأوثان، وتوهية مذهب ~~الكفران، والانفراد عما سوى الله في غمرات النيران، حتى عن الدعاء بقلب ~~أو لسان فناء عن جميع الأكوان، ثم الهجرة عن الأوطان، ms3972 ثم بالخروج عن ~~الأحباب والأخوان، بوضع ابنه بكره وسريته في ذلك المكان، الذي ليس به إنس ~~ولا جان، ثم بمعالجة ذبحه بأتم قوة وأقوى جنان، ثم ببناء البيت ذوي ~~الأركان، قبلة للمتجردين من أهل الإيمان في كل أوان، عما سوى الملك ~~الديان، يصفون عند كل صلاة مثل صفوف الملائكة الكرام، وكان موافقا لنوح ~~عليه السلام مع ما تقدم في البركة في نسله بحيث إنهم قريب نصف أهل الأرض ~~الآن، وكان أشهر أمره في النار التي هي ضد أشهر أمر نوح عليه السلام في ~~الماء، تلاه به فقال مؤكدا إظهارا أيضا لما له من الكرامة والمنزلة ~~العالية في الإمامة، المقتضية للنشاط في الثناء عليه، المنبهة على ما ~~ينبغي من إتمام العزم في متابعته، وتكذيبا لمن ادعى أنه ابتدع وخالف من ~~كان قبله: { وإن من شيعته } أي الذين خالط سره سرهم ووافق أمره أمرهم، في ~~التصلب في الدين والمصابرة للمفسدين { لإبراهيم * } ثم علق بمعنى ~~المشايعة بيانا لما كانت به المتابعة قوله على تقدير سؤال من قال: متى ~~شايعه؟ { إذا } أي حين { جاء ربه } أي المحسن في تربيته { بقلب سليم * } ~~أي بالغ السلامة عن حب غيره، والمجيء مجاز عن الإخلاص الذي لا شائبة فيه ~~كما أن الآتي إليك لا يكون شيء من بدنه عند غيرك، ثم أبدل من ذلك ما هو ~~دليل عليه فقال: { إذ قال لأبيه } أي الذي هو أعظم الناس عنده وأجلهم في ~~غينه وأعزهم لديه { وقومه } أي الذين لهم من القوة والجدود ما تهابهم به ~~الأسود: { ماذا } أي ما الذي { تعبدون * } تحقيرا لأمرهم وأمر معبوداتهم ~~منبها على أنه لا علة لهم في الحقيقة تحمل على عبادتها غير مكترث ~~بكثرتهم ولا هائب لقوتهم ولامراع لميل الطبع البشري إلى مودتهم. # ولما لوح لهم بالإنكار، صرح فقال مقدما للمفعول تخصيصا: { أئفكا } أي ~~صرفا للحق عن وجهه إلى قفاه. ولما جعل معبوداتهم نفس الإفك، أبدل منه ~~قوله: { آلهة } ثم حقر شأنهم بقوله: { دون الله } أي الذي لا كفوء له { ~~تريدون * } ولما كان قد غلب ms3973 عليه الشهود عند تحقيره لهم، سبب عن ذلك ~~تهديدا على فعلهم عظيما، فقال مشيرا إلى أنه يكفي العاقل في النهي ظن ~~العطب: { فما ظنكم } ولما كان كفران الإحسان شديدا، ذكرهم بإحسانه ~~حافظا لسياق التهديد بالإشارة إلى أنه يكفي في ذلك الخوف من قطع الإحسان ~~فقال: { برب العالمين * } اي الذي توحد بخلق جميع الجواهر والأعراض ~~وتربيتهم فهو مستحق لتوحيدهم إياه في عبادتهم، أتظنون أنه لا يعذبكم وقد ~~صرفتم ما أنعم به عليكم إلى عبادة غيره، إشارة إلى إنكار تجويز مثل هذا، ~~وأن المقطوع به أن محسنا لا يرضى بدوام إدرار إحسانه إلى من ينسبه إلى ~~غيره. ### || [37.88-96] # ولما أفهم السياق شدة عداوته صلى الله عليه وسلم، وكان الله تعالى قد ~~أجرى عادته بأن جعل في النجوم أدلة على بعض المسائل الظنية لا سيما ~~البحرانات في أنواع الأسقام، وكان أهل تلك البلاد وهم الكسدانيون كما ~~تقدم في الأنعام وكما قاله ابن عباس رضي الله عنهما وكما دلت عليه كتب ~~الفتوحات - من أشد الناس نظرا في النجوم والاستدلال بها على أحوال هذا ~~العالم في بعض ما كان وبعض ما يكون، وكان صلى الله عليه وسلم يريد أن ~~يتخلف عن الذهاب معهم إلى المحل الذي يجتمعون فيه للعيد ليكسر الأصنام ~~ويريد إخفاء وقت الكسر عليهم ليتمكن من ذلك، قال تعالى حاكيا عنه مشيرا ~~إلى ذلك بالتسبب عما مضى: { فنظر نظرة } أي واحدة { في النجوم * } حين ~~طلبوا منه أن يخرج معهم إلى عيدهم لئلا ينكروا تخلفه عنهم موهما لهم أنه ~~استدل بتلك النظرة على مرض باطني يحصل له، لأنهم ربما أنكروا كونه مريضا ~~إذا أخبرهم بغير النظر في النجوم لأن الصحة ظاهرة عليه { فقال } أي عقب ~~هذه النظرة موهما أنها سببه. # ولما كان بدنه صحيحا فكان بصدد أن يتوقف في خبره، أكد فقال: { إني سقيم ~~* } فأوهم أن مراده أنه مريض الجسد وأراد أنه مريض القلب يسبب آلهتهم، ~~مقسم الفكر في أمرهم لأنه يريد أمرا عظيما وهو كسرها، ومادة " سقم " ~~بتقاليبها الخمسة: سقم سمق قسم قمس ms3974 مقس، تدور على القسم، فالسقام كسحاب ~~وجبل وقفل: المرض، أي لأنه يقسم القوة والفكر، وقال ابن القطاع: سقم: ~~طاولة المرض. وقسمه جزأه، والدهر القوم: فرقهم، والقسم - بالكسر: النصيب ~~والقسم أي بالفتح: العطاء، ولا يجمع، والرأي والشك والعيب والماء والقدر ~~والخلق والعادة، ويكسر فيهما، والتفريق ظاهر في ذلك كله، أما العطاء ~~فيفرق المال ويقسمه، والرأي يقسم الفكر, والشك كذلك, والعيب يقسم العرض, ~~والماء في غاية ما يكون من سهولة القسم، والقدر يفصل صاحبه من غيره، وكذا ~~الخلق والعادة، والمقسم كمعظم: المهموم - لتوزع فكره، والجميل - لأنه ~~يقسم القول في وصفه، والقسم محركة: اليمين بالله، وقد أقسم، أي أزال ~~تقسيم الفكر، والقسامة: الحسن - لأنه يوزع فكر الناظر, وجونة العطار - ~~كذلك لطيب ريحها, والقسام - كسحاب: شدة الحر - لأنها تزعج الفكر فتقسمه، ~~أو هو أول وقت الهاجرة أو وقت ذرور الشمس، وهي حينئذ أحسن ما تكون مرآة - ~~فينقسم الفكر فيها لحسنها إذ ذاك وما يطرأ عليها بعده. والقمس: الغوص - ~~لأن الغائص قسم الماء بغوصه، والقمس أيضا اضطراب الولد في البطن لأنه ~~يقسم الفكر، ويكاد أن يقسم البطن باضطرابه، والقاموس: معظم البحر - لأن ~~البحر قسم الأرض، ومعظمه أحق بهذا الاسم، والقوامس: الدواهي - لتقسيمها ~~الفكر، وانقمس النجم: غرب، أي أخذ قسمه من الغروب كما أخذه من الشروق، أو ~~أزال التقسيم بالسير، ومقسه في الماء: غطه - فانقسم الماء بغمسه فيه، ~~والقربة: ملأها، فصير فيها من الماء ما يسهل قسمه، وأخذه الماء الذي وضعه ~~فيها تقسيم للماء المأخوذ منه، ومقس الشيء: كسره، والماء: جرى - فانقسم ~~وقسم الأرض، وهو يمقس الشعر كيف شاء، أي بقوله فيقسمه من باقي الكلام، ~~والتقميس في الماء: الإكثار من صبه، فإن ذلك تقسيم له، وسمق سموقا: علا ~~وطال فصار بطوله يقبل من القسمة ما لا يقبله ما هو دونه. # ولما فهموا عنه ظاهر قوله، وظنوا فيه ما يظهر من حاله، ولكنهم لم يسعهم ~~لعظمته فيهم إلا التسليم، تركوه فقال تعالى مسببا عن قوله مشيرا إلى ~~استبعادهم مرضه بصيغة التفعل: { فتولوا } أي عالجوا أنفسهم وكلفوها أن ms3975 ~~انصرفوا { عنه } إلى محل اجتماعهم وإقامة عيدهم وأكد المعنى ونص عليه ~~بقوله: { مدبرين * } أي إلى معبدهم فخلا له الوقت من رقيب { فراغ } أي ~~ذهب في خفية برشاقة وخفة، ونشاط وهمة، قال البيضاوي: وأصله الميل بحيلة { ~~إلى آلهتهم } أي أصنامهم التي زعموها آلهة، وقد وضعوا عندها طعاما، ~~فخاطبها مخاطبة من يعقل لجعلهم إياها بذلك في عداد من يعقل { فقال } ~~منكرا عليها متهكما بها ظاهرا وموبخا لقومه حقيقة: { ألا تأكلون * } ~~ثم زاد في إظهار الحق والاستهزاء بانحطاطها عن رتبة عابديها فقال: { ما } ~~أي أي شيء حصل { لكم } في أنكم { لا تنطقون * }. # ولما أخبر تعالى أنه أظهر ما يعرفه باطنا من الحجة فقال: { فراغ } أي ~~سبب عن إقامته الحجة أنه أقبل مستعليا { عليهم } بغاية النشاط والخفة ~~والرشاقة يضربهم { ضربا باليمين * } أي بغاية القوة، وجعل السياق للمصدر ~~إشارة إلى قوة الهمة بحيث صار كله ضربا. ولما تسبب عن ذلك أنهم لما ~~علموا بكسرها ظنوا فيه لما كانوا يسمعونه منه من ذمها وحلفه بأنه ~~ليكيدنها فأتوه، أخبر عن ذلك بقوله مسببا: { فأقبلوا } ودل على أنه من ~~مكان بعيد بقوله: { إليه يزفون * } أي يسرعون، وقراءة حمزة بالبناء ~~للمفعول أدل على شدة الإسراع لدلاتها على أنهم جاؤوا على حالة كان حاملا ~~يحملهم فيها على الإسراع وقاهرا يقهرهم عليه من شدة ما في نفوسهم من ~~الوجد. # ولما كان من المعلوم أنهم كلموه في ذلك فطال كلامهم، وكان تشوف النفس ~~إلى جوابه أكثر، استأنف الخبر عنه في قوله: { قال } غير هائب لهم ولا ~~مكترث بهم لرؤيته لهم فانين منكرا عليهم: { أتعبدون } وندبهم بالمضارع ~~إلى التوبة والرجوع إلى الله، وعبر بأداة ما لا يعقل كما هو الحق فقال: { ~~ما تنحتون * } أي إن كانت العبادة تحق لأحد غير الله فهم أحق أن يعبدوكم ~~لأنكم صنعتموهم ولم يصنعوكم. # ولما كان المتفرد بالنعمة وهو المستحق للعبادة، وكان الإيجاد من أعظم ~~النعم، وكان قد بين أنهم إنما عبدوها لأجل عملهم الذي عملوه فيها فصيرها ~~إلى ما صارت إليه من الشكل، قال تعالى مبينا أنه ms3976 هو وحده خالقهم وخالق ~~أعمالهم التي ما عبدوا في الحقيقة إلا هي، وأنه لا مدخل لمنحوتاتهم في ~~الخلق فلا مدخل لها في العبادة: { والله } أي والحال أن الملك الأعظم ~~الذي لا كفوء له { خلقكم } أي أوجدكم على هذه الأشكال { وما تعملون * } ~~أي وخلق عملكم ومعمولكم، فهو المتفرد بجميع الخلق من الذوات والمعاني، ~~ومعلوم أنه لا يعبد إلا من كان كذلك لأنه لا يجوز لعاقل أن يشكر على ~~النعمة إلا ربها. ### || [37.97-101] # ولما كان السامع يعلم أنهم لا بد وأن لا يجيبوه بشيء، فتشوف إلى ذلك، ~~أجيب بقوله: { قالوا ابنوا له } أي لأجله { بنيانا } أي من الأحطاب حتى ~~تصير كالجبل العظيم، فاحرقوها حتى يشتد لهبها جدا فيصير جحيما { فألقوه ~~في } ذلك { الجحيم * } أي معظم النار، وهي على أشد ما يكون إيقادا. # ولما كان هذا مسببا عن إرادتهم لإهانته قال: { فأرادوا به } أي إبراهيم ~~عليه السلام بسبب هذا الذي عملوه { كيدا } أي تدبيرا يبطل أمره ليعلوا ~~أمرهم ولا يبطل بما أظهر عن عجزهم دينهم { فجعلناهم } أي بعظمتنا بسبب ~~عملهم { الأسفلين * } المقهورين بما أبطلنا من نارهم وجعلناها عليه بردا ~~وسلاما بضد عادتها في العمل، فنفذ عملنا وهو خارق للعادة وبطل عملهم ~~الذي هو على مقتضى العادة، فظهر عجزهم في فعلهم كما ظهر عجزهم في قولهم، ~~بما أظهرناه من الحجة على لسان خليلنا عليه السلام، وظهرت قدرتنا ~~واختيارنا، وإنما فسرت الكيد بما ذكرت لأنه المكر والخبث والاحتيال ~~والخديعة والتدبير بحق أو باطل والحرب والخوف، فكل هذه المعاني - كما ترى ~~- تدور على التدبير وإعمال الفكر وإدارة الرأي. # ولما كان التقدير: فأجمع النزوح عن بلادهم لأنهم عدلوا عن الحجة إلى ~~العناد، عطف عليه قوله: { وقال } أي إبراهيم عليه السلام لمن يتوسم فيه ~~أن كلامه يحييه من موت الجهل مؤكدا لأن فراق الإنسان لوطنه لا يكاد يصدق ~~به: { إني ذاهب } أي مهاجر من غير تردد، قالوا: وهو أول من هاجر من الخلق ~~{ إلى ربي } أي إلى الموضع الذي أمرني المحسن إلي بالهجرة إليه، فلا ~~يحجر علي أحد ms3977 في عبادته فيه. # ولما كان حال سامعه جديرا بأن يقول: من لك بالمعرفة بما يحصل قصدك هذا ~~من التعريف بالموضوع وبما تفعل فيه مما يكون به الصلاح، وما تفعل في ~~التوصل إليه؟ قال: { سيهدين * } أي إلى جميع ذلك بوعد لا خلف فيه إلى كل ~~ما فيه تربية لي في أمر الهجرة لأنه أمرني بها، وهو لا يأمر بشيء إلا نصب ~~عليه دليلا يهدي إليه، ويسهل لقاصدة المجتهد في أمره سبيله، وقد اختلفت ~~العبارات عن سير الأصفياء إلى الحضرات القدسية، فهذه العبارة عن أمر ~~الخليل عليه السلام، وعبر عن أمر الكليم عليه السلام بقوله # ولما جاء موسى لميقاتنا # [الأعراف: 143] وعن أمر الحبيب عليه السلام بقوله # سبحان الذي أسرى بعبده # [الأسراء:1] قال الأستاذ أبو القاسم القشيري وفصل بين هذه المقامات: ~~إبراهيم عيله السلام كان بعين الفرق - يعني أنه بعدما كان فيه من الجمع ~~حين كسر الأصنام من الفناء عما سوى الله رجع إلى حال الفرق لأنه لا بد من ~~ذلك - وموسى عيله السلام بعين الجمع لأنه أخبر عن فعله من غير أن ينسب ~~إليه قولا، ثم أخبر أنه قال { رب أرني } فلم ير غيره سبحانه فطلب أن ~~يريه وهذا هو الفناء، ونبينا صلى الله عليه وسلم بعين جمع الجمع - لأن لم ~~ينسب إليه قول ولا فعل، بل هو المراد إلى أن قال { لنريه من آياتنا } ~~فهذا هو الفناء حتى عن الفناء، ثم قال: { أنه هو السميع البصير } فأثبت ~~له مع ذلك الكمال. # ولما لم يجد له معينا على الهجرة غير لوط ابن أخيه عليهما السلام، قال ~~مناديا مناداة الخواص بإسقاط الأداة: { رب } أي أيها المحسن إلي { هب لي ~~من } أي ولدا من { الصالحين * } وأسقط الموصوف لأن لفظ الهبة غلب في ~~الولد، فتسبب عن دعوته أنا استجبناها له { فبشرناه بغلام } أي بذكر في ~~غاية القوة التي ينشأ عنها الغلمة. # ولما كان هذا الوصف ربما أفهم الطيش، وصفه بما أبقى صفاءه ونفى كدره ~~فقال: { حليم * } أي لا يعجل بالعقوبة مع القدرة، لأنه في غاية ms3978 الرزانة ~~والثبات، فيكون ذلك إشارة إلى حصول بلاء ما يتبين به أنه سر أبيه أن ~~إبراهيم لحليم، والحلم لا يكون إلا بعد العلم، ورسوخ العلم سبب لوجود ~~الحلم، وهو اتساع الصدر لمساوىء الخلق ومدانىء أخلاقهم، وهذا الولد هو ~~إسماعيل عليه السلام بلا شك لوجوه: منها وصفه بالحليم، ووصف إسحاق عليه ~~السلام في سورة الحجر بالعليم، ومنها أن هذا الدعاء عند الهجرة حيث كان ~~شابا يرجو الولد، وهو بكره الذي ولد له بهذه البشرى، وهو الذي كان بمكة ~~موضع الذبح، فجعلت أفعاله في ذبحه مناسك للحج في منى كما جعلت أفعال أمه ~~في مكة المشرفة أول أمره عندما أشرف على الموت من العطش مناسك ومعالم ~~هناك، وأما إسحاق عليه السلام فأتته البشرى فجأة وهو لا يرجو الولد لكبره ~~ويأس أمرأته، ولذلك راجع في أمره ولم ينقل أنه فارق أمه من بيت المقدس، ~~ولو كان هو الذبيح لذكره النبي صلى الله عليه وسلم بوصفه حين سئل عن ~~الأكرم فقال: # " يوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله " # ، والرواية التي وردت بالإشارة إلى أنه الذبيح ضعيفة، بل صرح شيخنا ابن ~~حجر في تخريج أحاديث الكشاف بأن في سندها وضاعا، ولأن هذه السورة سورة ~~التنزيه، فأحق الناس بالذكر فيها - كما سلف - أعرق الناس في قدم التجريد، ~~وهو أولى الناس بذلك من حين كان حملا إلى أن عولج ذبحه، ولم يذكر ~~ظاهرا، فلو لم يكن المراد بهذا الكلام لكان ترك في هذه السورة - التي ~~حالها هذا - من هو أرسخ الناس في الوصف المقصود بها، وذلك خارج عن نهج ~~البلاغة التي هي مطابقة المقال لمقتضى الحال، بل هذا الحال لا يقتضي ذكر ~~إسحاق عليه السلام، لأنه لم يعلم له تجرد متفق عليه، وما كان ذكره إلا ~~لبيان جزاء إبراهيم عليه السلام لما اقتضاه مقامه في الاجسان في باب ~~التجريد والفناء - والله الموفق. ### || [37.102-107] # ولما كانت البشرى من الله لا تتخلف، كان التقدير: فولد له غلام كما قلنا ~~{ فلما بلغ } أن يسعى كائنا ms3979 { معه } أي مع أبيه خاصة ومصاحبا له { ~~السعي } الذي يرضى به الأب ويوطن نفسه عنده على الولد ويثق به، ولا يتعلق ~~مع مبلغ لاقتضائه بلوغهما معا حد السعي، ولا معنى لذلك في حق إبراهيم ~~عليه السلام ولا بالسعي، لأن صلة المصدر لا تتقدم عليه، ولو أخر عنه لم ~~يفد الاختصاص المفهم لصغر سنه المفيد للإعلام بأن يبلغ في ذلك معه ما لا ~~يبلغه مع غيره لعظيم شفقة الأب، واستحكام ميل الابن الموجب لطاعته، ~~واختلف العلماء في تقدير ذلك بالسن فقال بعضهم: ثلاث عشرة سنة، وبعضهم: ~~سبع سنين، ولذلك قيده بالأب لأن غيره لا يشفق على الولد فيكلفه ما ليس في ~~وسعه، وهو لم يبلغ كمال السعي { قال } أي إبراهيم عليه السلام: { يا بني ~~} مناديا له بصيغة التعطف والشفقة والتحبب، ذاكرا له بالمضارع الحال ~~الذي رآه عليه ومصورا له، لا لتكرار الرؤيا فإنه غير محتاج إلى التكرار ~~ولا إلى التروي، فإن الله تعالى أراه ملكوت السماوات والأرض، وأكد لما في ~~طباع البشر من إحالة أن يقال ذلك على حقيقته، وإعلاما بأنه منام وحي لا ~~أضغاث أحلام: { إني أرى في المنام } أي وأنت تعلم أن رؤيا الأنبياء وحي { ~~أني أذبحك } أي أعالج ذبحك في اليقظة بأمر من الله تعالى ولذلك كان كما ~~قال، ولو عبر بالماضي لمضى وتم، وإنما كان في المنام في هذا الأمر الخطر ~~جدا ليعلم وثوق الأنبياء عليهم السلام بما يأتيهم عن الله في كل حال. # ولما كان الأنبياء عليهم السلام أشفق الناس وأنصحهم، أحب أن يرى ما ~~عنده، فإن كان على ما يحب سر وثبته وإلا سعى في جعله على ما يحب فيلقى ~~البلاء وهو أهون عليه، ويكون ذلك أعظم لأجره لتمام انقياده، ولتكون ~~المشاورة سنة، فإنه " ما ندم من استشار " سبب عن ذلك قوله: { فانظر } ~~بعين بصيرتك { ماذا } أي ما الذي { ترى } أي في هذه الرؤيا، فهو اختبار ~~لصبره، لا مؤامرة له { قال } تصديقا لثناء الله عليه بالحلم: { يا أبت } ~~تأدبا معه بما دل على التعظيم والتوفير ms3980 { افعل ما تؤمر } أي كل شيء وقع ~~لك به أمر من الله تعالى ويتجدد لك به أمر منه سبحانه لأني لا أتهمك في ~~شفقتك وحسن نظرك، ولا أتهم الله في قضائه، والقصة دليل على وقوع الأمر ~~بالممتنع لغيره ولأكثر الأوامر منه، وقد تقدم ذلك في البقرة عند # ءأنذرتهم أم لم تنذرهم # [البقرة: 6]. # ولما علم طاعته، تشوف السامع إلى استسلامه وصبره، فاستأنف قوله: { ~~ستجدني } أي بوعد جازم لا تردد فيه صادق كما أخبر الله تعالى عنه، لا خلف ~~فيه، وكان صادق الوعد. # ولما كان من أخلاق الكمل عدم القطع في المستقبلات لما يعلمون من قدرة ~~الله تعالى على نقض العزائم بالحيلولة بين المرء وقلبه قال: { إن شاء ~~الله } أي الذي اختص بالإحاطة بصفات الكمال؛ وأكد وعده بهذا الأمر الذي ~~لا يكاد يصدق مثله بقوله: { من الصابرين } أي العريقين في الصبر البالغين ~~فيه حد النهاية، وهو من أعظم ما أريد بقوله # وكان صادق الوعد # [مريم: 54]. # ولو بيد الحبيب سقيت سما # لكان السم من يده يطيب # وجعل هذا الأمر العظيم في المنام دلالة على صدق أحوال الأنبياء نوما ~~ويقظة، وصدق عزائمهم وانقيادهم لجميع الأوامر في جميع الأحوال، وروي أن ~~الشيطان وسوس له في ذبحه فعرفه فرماه بسبع حصيات فصار ذلك شريعة في ~~الجمار، ومن ألطف ما في ذلك أنهم لما كانوا في نهاية التجرد عن علائق ~~الشواغل جعلت أفعالهم شعائر وشرائع لعبادة الحج التي روحها التجرد للوفود ~~إلى الله تعالى. # ولما وثق منه، بادر إلى ما أمر به، ودل على قرب زمنه من زمن هذا القول ~~بالفاء فقال: { فلما أسلما } أي ألقيا بالفعل على غاية الإخلاص حين ~~المباشرة بجميع قواهما في يد الأمر، ولم يكن عند أحد منهما شيء من إباء ~~ولا امتناع ولا حديث نفس في شيء من ذلك { وتله } أي صرعه إبراهيم عليهما ~~السلام صرعا جيدا سريعا مع غاية الرضا منه والمطاوعة من إسماعيل عليه ~~السلام، ودل على السرعة باللام الواقعة موقع " على " فقال: { للجبين * } ~~أي أحد شقي الجبهة، وهي هيئة ms3981 إضجاع ما يذبح، وهذا من قولهم: تله - إذا ~~صرعه، وبه سمي التل من التراب، وتلك فلانا في يدك أي دفعته سلما، ~~والجبين - قال في الصحاح: فوق الصدغ، وهما جبينان عن يمين الجبهة ~~وشمالها. # ولما كان من الواضح أن التقدير جوابا لما عالج ذبحه بعزم أمضى من ~~السنان، وجنان في ثباته أيما جنان، فمنعناه من التأثير بقدرتنا، ورددنا ~~شفرته الماضية عن عنقه اللينة بأيدينا وقوتنا، عطف عليه قوله: { وناديناه ~~} وفخم هذا النداء بحرف التفسير فقال: { إن يا إبراهيم* } ولما كان محل ~~التوقع الثناء عليه قال: { قد صدقت } أي تصديقا عظيما { الرؤيا } في ~~أنك تذبحه، فإنك قد عالجت ذلك، وبدلت الوسع فيه، وفعلت ما رأيته في ~~المنام، فما انذبح لأنك لم تر أنك ذبحته، فاكفف عن معالجة الذبح بأزيد من ~~هذا. ولما كان التقدير: فجزيناك على ذلك لإحسانك فوق ما تحب، وجعلناك ~~إماما للمتقين، ووهبناك لسان صدق في الآخرين، وجعلنا آلك هم المصطفين، ~~وملأنا منهم الخافقين، علله بأن ذلك سنته دائما قديما وحديثا فقال ما ~~يأتي. # ولما كان صلى الله عليه وسلم في همة الذبح وعزمه، فكانت تلك الهمة التي ~~تقصر عنها رتبها السها والسماك، والعزمة التي تتضاءل دون علي مكانتها ~~وسني عظمتها عوالي الأفلاك، لا تسكن عن ثورانها، ولا تبرد عن غليانها ~~وفورانها، إلا بأمر شديد، وقول جازم أكيد، قال مؤكدا تنبيها على أن ~~همته قد وصلت إلى هذا حده، وأن امتثال الأمر أيسر من الكف بعد المباشرة ~~بالنهي: { إنا كذلك } أي مثل هذا الجزاء العظيم { نجزي المحسنين * }. # ولما كان جزاءه عظيما جدا، دل على عظمه بأن علل إكرامه به بقوله ~~معجبا ومعظما مؤكدا تنبيها على أنه خارق للعادة: { إن هذا } أي الأمر ~~والطاعة فيه { لهو البلاؤا } أي الاختبار الذي يحيل ما خولط به كائنا ما ~~كان { المبين * } أي الظاهر في بابه جدا المظهر لرائيه انه بلاء. # ولما قدم ما هو الأهم من نهيه عن علاجه، ومن البشارة بالجزاء، ذكر فداءه ~~بما جعله سنة باقية يذكر بها الذكر الجميل على مر ms3982 الأيام وتعاقب السنين، ~~ولما كان المفتدى منه من كان الأسير في يده، وكان إسماعيل في يد إبراهيم ~~عليهما السلام، وهو يعالج إتلافه، جعل تعالى نفسه المقدس فاديا لأن ~~الفادي من أعطى الفداء، وهو ما يدفع لفكاك الأسير، وجعل إبراهيم عليه ~~السلام مفتدى منه تشريفا له وإن كان في الحقيقة كالآلة التي لا فعل لها، ~~والله تعالى هو المفتدى منه حقيقة فقال: { وفديناه } أي الذبيح عن إنفاذ ~~ذبحه وإتمامه تشريفا له { بذبح } أي بما ينبغي أن يذبح ويكون موضعا ~~للذبح، وهو كبش من الجنة، قيل: إنه الذي قربه هابيل فتقبله الله منه { ~~عظيم * } أي في الجثة والقدر والرتبة لأنه مقبول ومستن به ومجعول دينا ~~إلى آخر الدهر. ### || [37.108-113] # ولما كان سبحانه إذا من بشيء علم أنه عظيم، فإذا ذكر الفعل وترك ~~المفعول أراد فخامته وعظمته، قال: { وتركنا عليه } أي على الذبيح شيئا ~~هو في الحسن بحيث يطول وصفه. ولما كان بحيث لا ينسى قال: { في الآخرين * ~~} ومن هذا الترك ما تقدم من وصفه بصدق الوعد، لأنه وعد بالصبر على الذبح ~~فصدق. # ولما عظم الغلام، استأنف تعظيم والده بما يدل مع تشريفه على سلامته ~~بقوله: { سلام على إبراهيم * } أي سلامة له ولولده وتسليم وتحية وتكريم ~~في الدارين ولما كان هذا خطابا لمن بعده عليه السلام وهم كلهم محبون ~~مجلون معظمون مبجلون لم يكن هناك حال يحوج إلى تأكيد فقال: { كذلك } أي ~~مثل هذا الجزاء العظيم { نجزي المحسنين * } من غير أن يذكر " أن " ~~المؤكدة، ولما كانت أهل الملل كلها متفقة على حبه، وكان كلهم يدعي اتباعه ~~ورتبة قربه، قال معللا لجزائه بهذا المدح في سياق التأكيد استعطافا لهم ~~إلى اتباعه في الإيمان وتكذيبا لمن ينكر أن يكون الإيمان موجبا ~~للإحسان: { إنه من عبادنا } أي الذين يستحقون الإضافة في العبودية ~~والعبادة إلينا { المؤمنين * } فلا يطمع أحد عري عن الإيمان في رتبة ~~أتباعه، قال الرازي: الإيمان المطلق الحقيقي شهود جلال الله ووحدانيته ~~والطمأنينة إليه في كل محبوب ومكروه، وترك المشيئة لمشيئته والانقياد ~~لأمره في جميع ms3983 أحواله. ولما أتم قصته في أمر الذبيح، وشرع في ذكر ما ~~جازاه به على ذلك، جعل منه أمر إسحاق عليه السلام فقال: { وبشرناه } أي ~~جزاء على صبره في المبادرة إلى امتثال الأمر في إعدام إسماعيل عليه ~~السلام { بإسحاق } مولودا زيادة له بعد ما سلمنا إسماعيل عليه السلام ~~حال كونه { نبيا } أي في قضائنا أو بوجوده مقدرة نبوته. ولما كان هذا ~~اللفظ قد يطلق على المتنبىء، أزال إشكال هذا الاحتمال وإن كان واهيا ~~بقوله: { من الصالحين * } أي العريقين في رتبة الصلاح ليصلح لأكثر ~~الأوصاف الصالحة. ولما أثنى على إبراهيم عيله السلام بما عالج مما لم ~~يحصل لغيره مثله، وكان من أعظم جزاء الإنسان البركة في ذريته قال: { ~~وباركنا عليه } أي على الغلام الحليم وهو الذبيح المحدث عنه الذي جر هذا ~~الكلام كله الحديث عنه، وكان آخر ضمير محقق عاد عليه الهاء في " وفديناه ~~" ثم في " وتركنا عليه في الآخرين " وهذا عندي أولى من إعادة الضمير على ~~إبراهيم عليه السلام لأنه استوفى مدحه، ثم رأيت حمزة الكرماني صنع هكذا ~~وقال: حتى كان محمد صلى الله عليه وسلم والعرب من صلبه. { وعلى إسحاق } ~~أي أخيه، قال حمزة الكرماني: حتى كان إسرائيل الله والأسباط من صلبه، ~~وقال غيره: خرج من صلبه ألف نبي أولهم يعقوب وآخرهم عيسى عليه السلام. # { ومن ذريتهما } أي الأخوين ولا شك أن هذا أقرب وأقعد من أن يكون الضمير ~~للأب والابن, لأن قران الأخوين في الإخبار عن ذريتهما أولى من قران الابن ~~مع أبيه في ذلك، فيكون الابن حينئذ من جملة المخبر عنه بذرية الأب { محسن ~~وظالم لنفسه } حيث وضعها بما سبب عن المعاصي في غير موضعها الذي يحبه، ~~وهذا مما يهدم أمر الطبائع حيث كان البر يوجد من الفاجر والفاجر يوجد من ~~البر. # ولما كان الإنسان، وإن اجتهد في الإحسان، لا بد أن يحتاج إلى الغفران، ~~لما له من النقصان، لأن رتبة الإلهية لا تصل إلى القيام بحقها العوائق ~~البشرية، بين أن الظلم المراد هنا إنما هو التجاوز في ms3984 الحدود بغاية ~~الشهوة فقال: { مبين * } وأما غير ذلك فمغفور كما قرر في نحو { لها ما ~~كسبت وعليها ما اكتسبت } # " ومن هم بسيئة ولم يعملها كتبت له حسنة " # وأن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم # [النساء: 31]. # قصة ذبح إبراهيم لولده عليهما السلام من التوارة وبيان أنهم بدلوها، قال ~~مترجمهم: فغرس إبراهيم ببئر سبع غرسا، وبنى هنالك باسم الرب إله ~~العالمين، وسكن إبراهيم أرض فلسطين - يعني عند تلك البئر - أياما كثيرة. ~~ولما كان من بعد هذه الخطوب امتحن الله إبراهيم، وقال له: يا إبراهيم! ~~فقال: لبيك، فقال له: انطلق بابنك الوحيد إسحاق الذي تحبه إلى أرض ~~الأمورانيين - وفي نسخة: إلى بلدة العبادة - وأصعده إلي قربانا على أحد ~~تلك الجبال الذي أقول لك، فأدلج إبراهيم باكرا فأسرج حماره وانطلق ~~بغلاميه وإسحاق ابنه، وشق حطبا للقربان ونهض وانطلق إلى الموضع الذي قال ~~الله له، وفي اليوم الثالث رفع إبراهيم بصره ونظر إلى ذلك الموضع من بعيد ~~فقال لغلاميه: امكثا هاهنا عند الحمار، وأنا والغلام ننطلق إلى هاهنا نصل ~~ونرجع إليكما، فأخذ إبراهيم حطب القربان، وحمله إسحاق ابنه، وأخذ معه ~~نارا وسكينا، وانطلقا كلاهما جميعا، وقال إسحاق لأبيه إبراهيم: يا ~~أبة، فقال له: لبيك، فقال له: هذه النار والحطب، أين حمل القربان، فقال ~~إبراهيم: الله يعد لنا حملا للقربان يا بني، فانطلقا جميعا حتى انتهيا ~~الى الموضع الذي قال الله، فبنى هنالك إبراهيم مذبحا ونضد عليه الحطب ~~وكتف إسحاق فوضعه في أعلى المذبح على الحطب، ومد يده إبراهيم فأخذ السكين ~~ليذبح ابنه، فدعاه ملاك الرب من السماء وقال: يا إبراهيم يا إبراهيم، ~~فقال: لبيك! فقال: لا تبسط يدك على الغلام ولا تصنع به شيئا لأنك قد ~~أظهرت الآن أنك تتقي الله إذا لم تمنعني ابنك الوحيد، فمد إبراهيم بصره ~~فإذا كبش معلق في شجرة بقرنيه، فانطلق إبراهيم فأخذ الكبش فأصعده قربانا ~~بدل ابنه اسحاق، فسمى إبراهيم ذلك الموضع " الله يتجلى " كما يقال: الله ~~في هذا الجبل، الله يتجلى، فدعا ملاك الرب إبراهيم ثانية ms3985 من السماء وقال: ~~بي أقسمت، يقول الرب: بدل ما صنعت هذا الصنيع ولم تمنعني ابنك الوحيد ~~لأباركنك بركة تامة ولأكثرن نسلك مثل كواكب السماء، ومثل الرمل الذي على ~~شاطئ البحر ويرث زرعك أراضي أعدائي وفي نسخة: أعداءه - ويتبارك بنسلك ~~جميع الشعوب لأنك أطعتني، فرجع إبراهيم إلى غلاميه وانصرفوا جميعا إلى ~~بئر السبع وأقام ثم - وفي نسخة: وسكن إبراهيم بئر السبع - انتهى ما ~~عندهم بلفظه فانظر إليه واجمع بينه وبين ما تقدم في البقرة من قصة ~~إسماعيل وإسحاق عليهما السلام تجدهم قد بدلوها بلا شك، لأن الكلام ينقض ~~بعضه بعضا، وذلك أنه قال في هذه القصة " انطلق بابنك الوحيد " وكرر وصفه ~~بالوحيد في غير موضع، وهذا الوصف إنما يكون حقيقة لإسماعيل عليه السلام ~~وهو دون البلوغ، وأما إسحاق عليه السلام فلم يكن وحيدا ساعة من الدهر، ~~بل ولد وإسماعيل عليه السلام ابن ثلاث عشرة سنة ونيف بشهادة ما عندهم من ~~التوراة، وقوله في آخر القصة " ويتبارك بنسلك جميع الشعوب " لا يكون في ~~غاية الملاءمة إلا لإسماعيل عليه السلام، وأما إسحاق عليه السلام فإنما ~~بورك بنسله الأراضي المقدسة فقط، ولم يتبعهم من غيرهم إلا قليل، بل كانوا ~~هم في كل قليل يتبعون غيرهم على عبادة أوثانهم بشهادة توراتهم وأسفار ~~أنبيائهم يوشع بن نون ومن بعده عليهم السلام، وأما نسل إسماعيل عليه ~~السلام فتبعهم على الدين الحق من جميع الأمم ما لا يحصى عدده ولم يتبعوا ~~هم بعد محمد صلى الله عليه وسلم أحدا من الأمم على عبادة غير الله - هذا ~~وفي المتقدم في سورة البقرة أن هبة سارة أمتها هاجر رضي الله عنها ~~لإبراهيم عليه السلام كان بعد أن سكن كنعان بعشر سنين، وأن إسماعيل عليه ~~السلام ولد لإبراهيم عليه السلام وهو ابن ست وثمانين سنة، وأن الله تعالى ~~أمره بالختان وهو ابن تسع وتسعين سنة، وأنه في ذلك الوقت بشر بإسحاق عليه ~~السلام، فختن إسماعيل عليه السلام وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وثم ولد له ~~إسحاق عليه السلام وقد أتى عليه ms3986 مائة سنة، ثم قال ما نصه: وصنع إبراهيم ~~يوم فطم إسحاق ابنه مأدبة عظيمة فأبصرت سارة ابن هاجر المصرية المولود ~~لإبراهيم عليه السلام لاعبا، فقالت لإبراهيم عليه السلام: أخرج هذه ~~الأمة عني، لأن ابن الأمة لا يرث مع إسحاق ابني، فشق هذا الأمر على ~~إبراهيم لمكان ابنه، فقال الله تعالى لإبراهيم عليه السلام: لا يشقن عليك ~~حال الصبي وأمتك، أطع سارة في جميع ما تقول لأن نسلك إنما يذكر بإسحاق، ~~وابن الأمة أجعله لشعب كثير لأنه من ذريتك، فغدا إبراهيم عليه السلام ~~باكرا وأخذ خبزا وإداوة من ماء، فأعطاها هاجر وحملها الصبي والطعام - ~~إلى آخر ما في البقرة فقوله " إن هاجر طردت بعد فطام إسحاق وابنها تحمل " ~~لا يصح، وقد تقدم أن عمره يوم فطام إسحاق خمس عشرة سنة، وتقدم أيضا أن ~~سارة أمرته بطردها وهي حبلى، وأنه سلمها لها فطردتها، وان الملك لقيها ~~فبشرها بإسماعيل ولم يذكر في نسختي - وهي قديمة جدا - شيئا يدل على ~~رجوعها، وأما في نسخة عندهم فقال: إن الملك قال لها: ارجعي إلى سيدتك ~~واستكدي تحت يدها - ولم يذكر أنها رجعت، وقد صح الخبر عندنا بقول نبينا ~~صلى الله عليه وسلم أن إبراهيم عليه السلام وضع هاجر وابنها إسماعيل عليه ~~السلام، عند البيت الحرام وهو يرضع، واستمرا هناك إلى أن ماتت هاجر رضي ~~الله عنها، وتزوج إسماعيل عليه السلام وبنى البيت مع أبيه عليهما السلام، ~~وقوله " لأن نسلك إنما يذكر بإسحاق عليه السلام " غير مطابق للواقع، فإن ~~شهرة العرب بإبراهيم عليه السلام أن لم تكم أن أكثر من شهرة بني إسحاق ~~بذلك فهي مثلها، وخبر الله لا يتخلف، فدل هذا كله أنهم بدلوا القصة ~~وحرفوها، فلا متمسك فيها لهم، ودلالتها على أن الذبيح إسماعيل عليه ~~السلام أولى من دلالتها على غير ذلك لوصفه بالوحيد - والله أعلم كيف كانت ~~القصة قبل التبديل؟ ومما يدل على ما فهمت من تبديلهم لها ما قال البغوي: ~~قال القرظي يعني محمد بن كعب -: سأل عمر بن عبد العزيز رجلا كان ms3987 من ~~علماء اليهود أسلم وحسن إسلامه: أي ابني إبراهيم عليه السلام أمر بذبحه؟ ~~فقال: إسماعيل يا أمير المؤمنين! إن اليهود لتعلم ذلك ولكنهم يحسدونكم ~~معشر العرب على أن يكون أباكم الذي كان من أمر الله بذبحه ما كان، ~~ويزعمون أنه أبوهم، ومن الدليل على أنه إسماعيل عليه السلام أن الله ~~تعالى لما بشر بإسحاق بشر بأنه يولد له يعقوب، فلا يليق الامتحان به بعد ~~علمه بأنه لا يموت حتى يولد له، ومن الدليل على ذلك أن قرني الكبش كانا ~~منوطين بالكعبة في أيدي بني إسماعيل عيله السلام إلى أن احترق البيت ~~واحترق القرنان في زمان ابن الزبير والحجاج، قال الشعبي: رأيت قرني الكبش ~~منوطين بالكعبة، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: والذين نفسي بيده! لقد ~~كان أول الإسلام وإن رأس الكبش لمعلق بقرنيه في ميزاب الكعبة، وقال ~~الأصمعي: سألت أبا عمرو بن العلاء عن الذبيح: إسحاق كان أو إسماعيل؟ ~~فقال: يا أصيمع! أين ذهب عقلك؟ متى كان إسحاق بمكة؟ إنما كان إسماعيل ~~بمكة وهو الذي بني البيت مع أبيه - انتهى ما قال البغوي. # وفي كتاب الحج من سنن أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعثمان ~~- وهو الحجبي رضي الله عنه: # " إني نسيت أن آمرك أن تخمر القرنين فإنه لا ينبغي أن يكون في البيت شيء ~~يشغل المصلي " # ورواه عبد الرزاق في جامعه ولفظه أن عثمان بن شيبة رضي الله عنه قال: إن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال له: # " إني رأيت قرني الكبش فنسيت أن آمرك أن تخمرهما فإنه لا ينبغي أن يكون ~~في البيت شيء يشغل مصليا " # - هكذا قال: عثمان بن شيبة، ولعله ابن طلحة، فيكون المتقدم ويكون تسمية ~~أبيه شيبة وهما، أو يكون شيبة بن عثمان وهو ابن عم الذي عند أبي داود ~~فأنقلب - والله أعلم، وروى عبد الرزاق أيضا عن ابن جريح قال: أخبرنا عبد ~~الله بن شيبة بن عثمان، وسألته هل كان في البيت قرنا كبش؟ قال: نعم، كانا ~~فيه، قلت: أرأيتهما؟ ms3988 قال: حسبت، ولكن أخبرني عبد الله بن بابيه أن قد ~~رآهما، قال: وغيره قد رآهما فيه، قال: ويقولون: إنهما قرنا الكبش الذي ~~ذبح إبراهيم عليه السلام، قال ابن جريج وقالت صفية ابنة شيبة: كان فيه ~~قرنا الكبش، قال ابن جريح: وحدثت أن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانا ~~فيه. قال: وحدثت عن عجوز قلت: رأيتهما فيه، ومما يؤيد القول بأنه إسماعيل ~~عليه السلام وصف الله تعالى له بأنه صادق الوعد، ولا صدق في وعد أعظم من ~~صدقه في وعده بالصبر على الذبح، وممن قال من بني إسرائيل أنه إسماعيل ~~عليه السلام عبد الله بن سلام رضي الله عنه - حكاه عن ابن الجوزي، وعد ~~القائلين بكل من القولين من الصحابة وغيرهم فقال: إن القائلين بأنه ~~إسحاق: عمر وعلي والعباس وابن مسعود وأبو موسى وأبو هريرة وأنس رضي الله ~~عنهم، وبأنه إسماعيل: ابن عمر، وأن الرواية اختلفت عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما، فروى عنه عكرمة أنه إسحاق، وعطاء ومجاهد والشعبي وأبو الجوزاء ~~ويوسف بن مهران أنه إسماعيل، فعلم من هذا رجحان القول بأنه إسماعيل، لأن ~~ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهما تأخرا بعد من ذكر من أكابر الصحابة رضي ~~الله عنهم أجمعين، فلولا أنه رجح عندهما ما خالفا أبويهما، ونقل عكرمة عن ~~ابن عباس بموافقة أبيه لا يقدح في ذلك بل يؤيده لأن الأكثر كما ترى رووا ~~عنه الثاني، فلولا أنه صح عنده ما رجع عن الأول الذي هو موافق لرأي أبيه، ~~ولأجل ثباته عليه اشتهر عنه - والله أعلم. ### || [37.114-122] # ولما ذكر هؤلاء السادة الذين لهم من رتبة التجرد والنزاهة ما تقدم ~~بيانه، وختمهم بأخوين ما اجتمعا قط، وكان من أعظم المقاصد بذكرهم المنة ~~على من اتصف بمثل صفاتهم بالقرب والنصرة تسلية وترجية للنبي صلى الله ~~عليه وسلم ولمن اتبعه من المؤمنين ممن قارب - من شدة البلاء والقهر - ~~اليأس من النصر، أتبعهم بأمثالهم في التجرد وابتدأهما بأخوين افترقا حين ~~ولادة الثاني على حالة لا يمكن الاجتماع معها عادة، ثم ms3989 اجتمعا في الباطن ~~مع الافتراق في الظاهر ثم افترقا على حالة يبعد الاجتماع معها عادة ثم ~~اجتمعا اجتماعا لم يفترقا منه إلا بالموت وبدأهما بأول من تجرد منهما من ~~حين ولادته إلى أوان هجرته، ثم من حين رجعته إلى أن جرد آله - وهم بعض ~~ذرية إبراهيم عليه السلام - وأنقذهم من علائق الكفرة، ثم تجرد معهم هو ~~وأخوه عن المدن والقرى وأكثر علائق البشر، ملازمين البراري والفلوات حيث ~~يكثر ظهور الكلمة مع إرسال الله إليهما بمعادن الحكمة إلى أن ماتا عليهما ~~الصلاة والسلام والتحية والإكرام، فقال مؤكدا تنبيها لمن يعد نصر ~~المؤمنين محالا، عاطفا على ما تقديره: فلقد أنشأنا منهما من الأمم ما ~~يعجز الوصف ويفوت الحصر، ومننا على كثير منهم بالإحسان من ولد إسماعيل ~~عليه السلام إلى أن غير دينه عمرو بن لحي، ومن ولد إسحاق يعقوب والأسباط ~~عليهم السلام ومن شاء الله من أولادهم: { ولقد مننا } أي أنعمنا إنعاما ~~مقطوعا به بما لنا من العظمة، على أول من أظهر لسان الصدق لإبراهيم عليه ~~السلام وذريته اظهارا تاما. وبدأهما بأعرقهما - كما تقدم - في التجرد ~~وأحقها بالتقدم فقال: { على موسى } أحد أعيان المتجردين، ومن له القدم ~~الراسخ في ذلك { وهارون* } أي عين من تجرد مع أخيه ووافقه أتم موافقة، ~~ووازره أعظم موازرة، بما أتيا به من النبوة والكتاب وغير ذلك من أنواع ~~الخطاب. # ولما كان جل المقصود - كما مضى - مقام التجرد، والإعلام بنصر المستضعفين ~~من المؤمنين، قال: { ونجيناهما وقومهما } أي بني إسرائيل وقد كانوا مرت ~~لهم دهور في ذل لا يقاربه ذل المؤمنين من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ~~في أول أمرهم { من الكرب العظيم * } أي الاستبعاد، وما يتبعه من عظائم ~~الأنكاد، وكان ذلك بهلاك القبط الذين استمروا على الضلال، وهم أضعاف ~~أضعاف بني إسرائيل، إلى أن أهلكناهم فلم يفلت منهم إنسان، فصح لبني ~~إسرائيل حينئذ التجرد وزال عنهم ذل التجبر والتمرد. # ولما بين نعمة النجاة من الأسر، أتبعها نعمة الالتذاذ بالنصر، فقال: { ~~ونصرناهم } أي موسى وهارون عليهما السلام وقومهما ms3990 على كل من نازعهم في ~~ذلك الزمان من فرعون وغيره { فكانوا هم } أي خاصة { الغالبين * } أي على ~~كل من يسومهم سوء العذاب، وهو فرعون وآله وعلى جميع من ناووه أو ناواهم، ~~فاحذروا يا معشر قريش والعرب من مثل ذلك، ولقد كان ما حذرهم منه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم على أعظم ما يمكن أن يكون إلا نبينا صلى الله ~~عليه وسلم لما كان نبي الرحمة لين الله قلوبهم حتى ردهم إلى ما اغتبطوا ~~به من متابعته، فصاروا به ملوك الدنيا والآخرة. # ولما كانت فائدة النصرة التمكن من إقامة الدين قال: { وآتيناهما } أي ~~بعظمتنا بعد إهلاك عدوهم { الكتاب المستبين * } أي الجامع البين الذي هو ~~لشدة بيانه طالب لأن يكون بينا وهو كذلك فإنه ليس شيء من الكتب مثل ~~التوراة في سهولة مأخذها، وجمع هارون عليه السلام معه في الضمير لأنه ~~مثله في تقبل الكتاب والعمل بجميع ما فيه والثبات على ما يدعو إليه وإن ~~كان نزوله خاصا بموسى عليه السلام: { وهديناهما الصراط } أي الطريق ~~الواضح في الإيصال إلى المقصود { المستقيم * } أي الذي هو لعظيم تقومه ~~كأنه طالب لأن يكون قويما، فهو في غاية المحافظة على القوم فلا يزيغ ~~أصلا، ولذلك هو شرائع الدين القيم. # ولما كان الذكر الجميل عند ذوي الهمم العالية والعزائم الوافية هو الشرف ~~قال: { وتركنا عليهما } أي ما تعرفون من الثناء الحسن { في الآخرين * } ~~أي كل من يجيء بعدهما إلى يوم الدين. ولما ظهر بهذا أن لهما من الشرف ~~والسؤدد أمرا عظيما كانت نتيجته: { سلام } أي عظيم { على موسى } صاحب ~~الشريعة العريق في الاتصاف بمقصود السورة { وهارون * } وزيره وأخيه. ولما ~~كان نصر النبي صلى الله عليه وسلم بمن معه من الضعفاء على قريش وسائر ~~العرب عند قريش في غاية البعد، وكان التقدير: فعلنا معهما ذلك لإحسانهما، ~~علله بما يقطع قلوب قريش في مظهر التأكيد فقال: { إنا كذلك } أي مثل هذا ~~الجزاء { نجزي } أي دائما في كل عصر { المحسنين * } أي العريقين في هذا ~~الوصف؛ ثم علل إحسانهما وبينه ms3991 وأكده ترغيبا في مضمونه، وتكذيبا لمن ~~يقول: إن المؤمنين لا ينصرون، بقوله: { إنهما من عبادنا } أي الذين محضوا ~~العبودية والخضوع لنا { المؤمنين * } أي الثابتين في وصف الإيمان. ### || [37.123-130] # ولما كان إلياس أعظم المتجردين من أتباعهما المجددين لما درس من أحكام ~~التوراة، وكان ترك أحكامها مع ما وصفت به من البيان وما دعت إليه من ~~الاستقامة في غاية من الضلال تكاد أن لا يصدق مثلها, أشار إلى الزيغ عنه ~~بيانا لأن القلوب بيده سبحانه فقال مؤكدا: { وإن إلياس } أي الذي كان ~~أحد بني إسرائيل عند جميع المفسرين إلا ابن مسعود وعكرمة، وهو من سبط ~~لاوي، ومن أولاد هارون عليه السلام، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: هو عم ~~اليسع عليهم السلام، وأرسلناه إلى من كان منهم في أرض بعلبك ونواحيها، ~~فلما لم يرجعوا إليه نزعنا عنه الشهوات الإنسانية وخلقناه بالأوصاف ~~الملكية، ولا يبعد أن يكون الداعي إلى تسميته بهذا الاسم ما سبق في علم ~~الله أنه ييأس ممن يدعوهم إلى الله فيكون ممن يأتي يوم القيامة وما معه ~~إلا الواحد أو الاثنان كما قال النبي صلى الله عليه وسلم كما رواه ~~الشيخان: البخاري في الرقاق والطب، ومسلم في الإيمان عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما: # " عرضت على الأمم فرأيت النبي ومعه رهيط والنبي ومعه الرجل والرجلان، ~~والنبي ليس معه أحد " # ، فجعل سبحانه اسمه مناسبا لأمره في قومه بيأسه منهم حين فر إلى الجبال ~~من شرهم، ويأسهم من القدرة على قتله، فإنهم اجتهدوا في ذلك حتى أعياهم، ~~وأدل دليل على هذا المعنى قراءة ابن عامر بخلاف عنه بوصل الهمزة في الدرج ~~وفتحها في الابتداء، وإن قال العلماء كما حكاه السمين في إعرابه: إن ذلك ~~من تلاعب العرب بالأسماء العجمية، قطعوا همزته تارة ووصلوها أخرى، يعني ~~فخاطبهم سبحانه بما ألفوه من لسانهم { لمن المرسلين } أي إلى من بدل أمر ~~التوارة ونابذ ما دعت إليه { إذ قال لقومه } منكرا عليهم ما من حقه ~~الإنكار بقوله: { ألا تتقون * } أي يوجد منكم تقوى وخوف، فإن ما ms3992 أنتم ~~عليه يقتضي شرا طويلا، وعذابا وبيلا، وما أنتم عليه من السكون والدعة ~~يقتضي أنه لا خوف عندكم أصلا، وذلك غاية الجهل والاغترار بمن تعلمون أنه ~~لا خالق لكم ولا رازق غيره. # ولما كان هذا الإنكار سببا للإصغاء، كرره مفصحا بسببه فقال: { أتدعون ~~بعلا } أي إلها وربا، وهم صنم كان لهم في مدينة بعلبك كان من ذهب طوله ~~عشرين ذراعا وله أربعة أوجه، فكان الشيطان يدخل في جوفه ويتكلم بشريعة ~~الضلالة، والسدنة يحفظونها، وهم أربعمائة ويعلمونها الناس، ويحتمل أن ~~يكون علما على الصنم المذكور فيكون المفعول الثاني منويا، وحذف ليفهم ~~الدعاء الذي لا دعاة يشبهه وهو الدعاء بالإلهية، ومن قرأ شاذا " بعلاء " ~~بوزن " حمراء " فهو إشارة إلى كثرة حث امرأة الملك على عبادة بعل وقتل ~~إلياس عليه السلام، وطاعة زوجها لها في ذلك - كما حكاه البغوي، فاستحق ~~التأنيث لذلك، فأنث لكثرة ملابستها له، والجنسية علة الصنم. # ولما كان دعاؤهم إياه للعبادة بينه بقوله: { وتذرون } ومادة " وذر " ~~تدور على ما يكره، فالمعنى: وتتركون ترك المهمل الذي من شأنه أن يزهد ~~فيه، ولو قيل: وتدعون - تهافتا على الجناس لم يفد هذا وانقلب المراد. ~~ولما كان الداعي لا يدعو إلا بكشف ضر أو إلباس نفع، فكان لا يجوز أن يدعو ~~إلا من يقدر على إعدام ما يشاء وإيجاد ما يريد، قال منبها لهم على غلطهم ~~في الفعل والترك: { أحسن الخالقين * } أي وهو من لا يحتاج في الإيجاد ~~والإعدام إلى أسباب فلا تعبدونه. # ولما كان الإنسان يعلم يقينا أنه لم يرب نفسه إلا بالإنشاء من العدم ~~ولا بما بعده، وكان الإحسان أعظم عاطف للإنسان، قال مبينا لمن أراد ~~مذكرا لهم بإحسانه إليهم وإلى من يحامون عنهم، ويوادون من كان يوادهم ~~بالتربية بعد الإنشاء من العدم الذي هو أعظم تربية مفخما للأمر ومعظما ~~بالإبدال في قراءة الجماعة بالرفع: { الله } فذكر بالاسم الأعظم الجامع ~~لجميع الصفات تنبيها على أنه الأول المطلق الذي لم يكن شيء إلا به { ~~ربكم } أي المحسن إليكم وحده. ولما كانوا ربما أسندوا ms3993 إيجادهم إلى من ~~قبلهم غباوة منهم أو عنادا قال: { ورب آبائكم الأولين * } أي الذين هم ~~أول لكم، فشمل ذلك آباءهم الأقربين، ومن قبلهم إلى آدم عليه السلام. # ولما كان من أعظم المقاصد - كما مضى - التسلية والترجية، سبب عن دعائه ~~قوله: { فكذبوه } ولما كانت الترجية مستبعدة، سبب عن التكذيب قوله مؤكدا ~~لأجل تكذيبهم: { فإنهم لمحضرون * } أي مقهورون على إقحامنا إياهم فيما ~~نريد من العذاب الأدنى والأكبر، وذكرهم بالسوء واللعن على مر الآباد وإن ~~كرهوا { إلا عباد الله } أي الذين علموا ما لهم من مجامع العظمة فعملوا ~~بما علموا فلم يدعوا غيره فإنهم لم يكذبوا؛ ثم وصفهم بما أشار إليه من ~~الوصف بالعبودية والإضافة إلى الاسم الأعظم فقال: { المخلصين * } أي ~~لعبادته فلم يشركوا به شيئا جليا ولا خفيا، فإنهم ناجون من العذاب. # ولما جاهد في الله تعالى وقام بما يجب عليه من حسن الثناء، جازاه سبحانه ~~فقال: عاطفا على " فإنهم لمحضرون " { وتركنا عليه } أي من الثناء الجميل ~~وجميع ما يسره: { في الآخرين * } أي كل من كان بعده إلى يوم الدين. ولما ~~كان السلام اسما جامعا لكل خير لأنه إظهار الشرف والإقبال على المسلم ~~عليه بكل ما يريد، أنتج ذلك قوله: { سلام } ولما كان في اسمه على حسب ~~تخفيف العرب له لغات إحداهما توافق الفواصل، فكان لا فرق في تأدية المعنى ~~بين الإتيان بما اتفق منها، وكان ما كثرت حروفه منها أضخم وأجل وأفخم، ~~وكان السياق بعد كثير من مناقبه لنهاية المدحة، كان الأحسن التعبير بما ~~هو أكثر حروفا وهو موافق للفواصل ليفيد ذلك تمكينه في الفضائل ولتحقق ~~أنه اسم أعجمي لا عربي مشتق من الياس وإن أوهمت ذلك قراءة ابن عامر بوصل ~~همزته فقال: { على آل ياسين * } ومن قرأ آل يس فيجوز أن يكون المراد في ~~قراءته ما أريد من القراءة الأخرى لأن أهل اللغة قالوا: أن الآل هو الشخص ~~نفسه، ويس إما لغة في إلياس أو اختصرت اللغة الثانية التي هي إلياسين ~~فحذف منها الهمزة المكسورة مع اللام، ويجوز أن يكون ms3994 المراد بآله أتباعه، ~~ويكون ذلك أضخم في حقه لما تقدم مما يدعو إليه السياق، ويجوز أن يقصد ~~بهذه القراءة جميع الأنبياء المذكورين في هذه السورة الذين هو أحدهم، أي ~~على الأنبياء المذكورين عقب سورة يس دلالة على ما دعت إليه معانيها من ~~الوحدانية والرسالة والبعث وإذلال العاصي وإعزاز الطائع المجرد لنفسه في ~~حب مولاه عن جميع العوائق، القاطع للطيران إليه أقوى العلائق، وخص بهذا ~~هذه القصة لأنها ختام القصص المسلم فيها على أهلها. ### || [37.131-135] # ولما أظهر سبحانه شرف إلياس عليه السلام أو الأنبياء الذين هو أحدهم، ~~علله مؤكدا له تنبيها على أنه لا بد من إعلاء النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأتباعه على كل من يناويهم وإن كذبت بذلك قريش فقال: { إنا كذلك } أي مثل ~~هذا الجزاء العظيم { نجزي المحسنين * } أي الذين هو من أعيانهم؛ ثم علل ~~الحكم بإحسانه مؤكدا لما مضى في مثله بقوله: { إنه من عبادنا } أي ~~الجديرين بالإضافة إلينا { المؤمنين * } ويستفاد من التأكيد أيضا ~~التنبيه على رسوخ قدمه في الإيمان وأنه بحيث تشتد الرغبة ويقوى النشاط في ~~الإخبار به على ذلك الوجه. # ولما أتم ما أراد سبحانه من أمور المحسنين من ذرية إبراهيم عليه السلام ~~المرسلين إلى ذريته في التسلية، والترجية وقدمهم لأن المنة عليهم منه ~~عليه، والإنسان بابنه أسر منه بقريبه، وهم الذين أظهر الله بهم وما ترك ~~عليه، من لسان الصدق في الآخرين. أتبعهم قصة ابن أخيه مع أهل بلاد الأردن ~~من غير قومهم، فقال مؤكدا للتنبيه على نصر المؤمنين وإن كانوا في القلة ~~والذلة على حال لا يظن انجباره وتكذيبا لليهود المكذبين برسالته أو ~~الشاكين فيها: { وإن لوطا } أي الذي جرد نفسه من مألوفها من بلاده ~~وعشائره بالهجرة مع عمه إبراهيم عليهما السلام { لمن المرسلين * } ولما ~~كان جل المقصود تبشير المؤمنين وتحذير الكافرين، وكان مخالفه كثيرا، ~~وكان هو غريبا بينهم، قال في مظهر العظمة: { إذ نجيناه } أي على ما ~~لمخالفيه من الكثرة والقوة، ولم يذكرهم لأنهم أكثر الناس انغماسا في ~~العلائق البشرية والقاذورات البهيمية ms3995 التي لا تناسب مراد هذه السورة ~~المنبني على الصفات الملكية { وأهله أجمعين * } ولما كان الكفر قاطعا ~~للسبب القريب كما أن الإيمان واصلا للسبب البعيد قال: { إلا عجوزا } أي ~~وهي امرأته فإن كفرها قطعها عن الدخول في حكم أهله فجردوا عنها، كائنة { ~~في الغابرين * } أي الباقين في غبرة العذاب ومساءة الانقلاب. ### || [37.136-142] # ولما ذكر نجاته وابتدأ بها اهتماما بالترجية قال مخوفا معبرا بأداة ~~البعد إفادة مع الترتيب لعظيم رتبة ما دخلت عليه: { ثم دمرنا } أي أهلكنا ~~بما لنا من العظمة { الآخرين * } أي فجردنا الأرض من قاذوراتهم ونزهنا ~~البلاد المقدسة منهم ومن أرجاس فعلاتهم، فلم نبق منهم أحدا ولا احتجنا ~~في إهلاكهم إلى استئذان أحد. ولما كان المقصود من مثل هذا تحذير ~~المخالفين، وكان تجار قريش يرون البقعة التي كانت فيها أماكن قوم لوط، ~~وهي البحيرة المعروفة، ولا يعتبرون بهم، عدوا منكرين للمرور عليهم فأبرز ~~لهم الكلام في سياق التأكيد فقيل: { وإنكم } أي فعلنا بهم هذا والحال ~~أنكم يا معشر قريش { لتمرون عليهم } أي مواضع ديارهم في تجاراتكم إلى ~~الشام { مصبحين * } أي داخلين في الصباح الوقت الذي قلبنا مدائنهم عليهم ~~فيه، ونص عليه للتذكير بحالهم فيه. # ولما كان لليل منظر في الهول غير منظر النهار قال: { وبالليل } ولما كان ~~أمرهم كافيا للعاقل في التقوى، أنكر عليهم تماديهم فيما كان سبب أخذهم ~~من تكذيب الناصح فقال: { أفلا تعقلون * } أي يكون لكم عقول فتعتبروا ~~بحالهم، فتخافوا مثل مآلهم، قتصدقوا رسولكم فإنكم أجدر منهم بالأخذ لأنه ~~منكم وأنتم تعرفون من شرف أصله وكريم قوله وفعله ما لا يعرفه أولئك من ~~رسولهم. # ولما أكمل سبحانه ما أراد من أمور من كان على أيديهم هلاك في الدنيا أو ~~في الآخرة، ختم بمن آل أمر قومه إلى سلامة وإيمان ونعمة وإحسان تغليبا ~~للترجية على التأسية والتعزية فقال مؤكدا لأن ما يأتي من ذكر الاباق ~~وبما أوهم شيئا في أمره: { وإن يونس } أي أحد أنبياء بني إسرائيل وهو ~~يونس بن متى عليه السلام، حكى البغوي في قصة إلياس عليه ms3996 السلام أنه لما ~~أرسله الله تعالى إلى سبطه من بني إسرائيل الذين كانوا في مدينة بعلبك، ~~فكذبوه وأراد ملكهم قتله فاختفى في تلك الجبال، اشتاق إلى الناس فنزل ~~فمكث عند امرأة من بني إسرائيل وهي أم يونس بن متى عليه السلام، وكان ~~يونس إذ ذاك رضيعا ثم رجع إلى الجبال فمات يونس عليه السلام، فأتت أمه ~~إلى تلك الجبال، فما زالت تطوف حتى ظفرت بإلياس عليه السلام، فسألته أن ~~يدعو لابنها فيحييه الله، فقال لها: إني لم أومر بهذا، وإنما أنا عبد ~~مأمور، فجزعت فزاد جزعها وتضرعها إليه، فرق لها ورحمها وسار معها فوصل ~~إلى بيتها بعد أربعة عشر يوما من حين مات، وهو مسجى في ناحية البيت، ~~فدعا الله فأحياه لها، وعاد إلياس عليه السلام إلى جبله { لمن المرسلين * ~~}. # ولما كان من أعظم المقاصد التسلية على استكبارهم عن كلمة التوحيد ~~وقولهم: أنه شاعر مجنون، ذكر من أمر يونس عيله السلام ما يعرف منه صعوبة ~~أمر الرسالة وشدة خطبها وثقل أمرها وشدة عنايته سبحانه بالرسل عليهم ~~السلام وأنه ما اختارهم إلا عن علم فهو لا يقولهم وإن اجتهدوا في دفع ~~الرسالة ليزدادوا ثباتا لأعبائها وقوة في القيام بشأنها فقال: { إذ أبق ~~} أي هرب حين أرسل من سيده الذي تشرفه الله بالرسالة ضعفا عن حملها لأن ~~الاباق الهرب من السيد إلى حيث يظن أنه يخفى عليه { إلى الفلك } أي البيت ~~الذي يسافر فيه على ظهر البحر. # ولما كان فعله على صورة فعل المشاحن وكان قصده الإيغال في البعد ~~والإسراع في النقلة قال: { المشحون * } أي الموقر ملأ، فلا سعة فيه لشيء ~~آخر يكون فيه، فليس لأهله حاجة في الإقامة لحظة واحدة لانتظار شيء من ~~الأشياء فحين وضع رجله فيه ساروا، فاضطرب عليهم الأمر وعظم الزلزال حتى ~~أشرف مركبهم على الغرق على هيئة عرفوا بها أن ذلك لعبد أبق من سيده، فإن ~~عند أهل البحر أن السفينة لا يستقيم سيرها وفيها آبق - نقله الكرماني ~~وغيره عن ابن عباس رضي الله الله عنهما، فسبب ms3997 لهم ذلك المساهمة أي ~~المقارعة كما هو رسمهم في مثل ذلك الأمر فاستهموا فساهم، أي قارع يونس ~~عليه السلام معهم؛ قال البغوي: والمساهمة إلقاء السهام على جهة القرعة. ~~ولما آل وقوع القرعة عليه إلى رميه من السفينة من محل علو إلى أسفل، عبر ~~عن ذلك بما يدل على الزلق الذي يكون من علو إلى سفل فقال مسببا عن ~~المساهمة: { فكان من المدحضين * } أي الموقعين في الدحض، وهو الزلق، فنزل ~~عن مكان الظفر بأن وقعت القرعة فرموه في البحر { فالتقمه } أي ابتلعه كما ~~تبتلع اللقمة { الحوت } أي المعروف من جهة أنه لا حوت أكبر منه، فكأنه لا ~~حوت غيره { وهو } أي والحال أن يونس عليه السلام { مليم * } أي داخل في ~~الملامة. ### || [37.143-148] # ولما وقع ما وقع فتجرد عن نفسه وغيرها تجردا لم يكن لأحد مثل مجموعه لا ~~جرم، زاد في التجرد بالفناء في مقام الوحدانية فلازم التنزيه حتى أنجاه ~~الله تعالى، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: { فلولا أنه كان } أي خلقا ~~وخلقا { من المسبحين * } أي العريقين في هذا المقام، وهو ما يصح إطلاق ~~التسبيح في اللغة عليه من التنزيه بالقلب واللسان والأركان بالصلاة ~~وغيرها لأن خلقه مطابق لما هيىء له من خلقه، فهو لازم لذلك في وقت الرخاء ~~والدعة والخفض والسعة، فكيف به في حال الشدة، وحمله ابن عباس رضي الله ~~عنهما على الصلاة { للبث في بطنه } أي حيا أو بأن يكون غذاء له فتختلط ~~أجزاؤه باجزائه { إلى يوم يبعثون * } أي هو والحوت وغيرهما من الخلائق، ~~وعبر بالجمع لإفادة عموم البعث، ولو أفرد لم يفد بعث الحيوانات العجم، ~~ولو ثنى لظن أن ذلك له وللحوت خاصة لمعنى يخصها فلا يفيد بعث غيرهما، ~~وقيل: للبث حيا في بطنه، وفي الآية إشارة إلى حديث # " تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة " # وحث على الذكر وتعظيم لشأنه. # ولما كان التقدير: ولكنه لما كان ذكارا لله في حال الرخاء ذكرناه في ~~حال الشدة، فأنجيناه من بطنه، وأخرجناه منه سالما، وكان ذلك أمرا ~~باهرا للعقل، ms3998 أبرزه في مظهر العظمة فقال: { فنبذناه } أي ألقيناه من بطن ~~الحوت إلقاء لم يكن لأحد غيره. وكان ذلك علينا يسيرا { بالعراء } أي ~~المكان القفر الواسع الخالي عن ساتر عن نبت أو غيره، وذلك بساحل الموصل، ~~وقال أبو حيان: قذفه في نصيبين من ناحية الموصل: { وهو سقيم * } أي عليل ~~جدا مما ناله من جوف الحوت بحيث أنه كان كالطفل ساعة يولد وهو إذ ذاك ~~محمود غير مذموم بنعمة الله التي تدراكته، فكان مجتبى ومن الصالحين { ~~وأنبتنا } أي بعظمتنا في ذلك المكان لا مقتضى للنبات مطلقا فيه فضلا ~~عما لا ينبت إلا بالماء الكثير. # ولما كان سقمه متناهيا بالغا إلى حد يجل عن الوصف، نبه عليه بأداة ~~الاستعلاء فقال: { عليه } أي ورفعناها حال إنباتنا إياها فوقه لتظله كما ~~يظل البيت الإنسان. ولما كان الدباء عن النجم، وكان قد أعظمها سبحانه ~~لأجله، عبر عنها بما له ساق فقال: { شجرة } ولما كانت هذه العبارة مفهمة ~~لأنها مما له ساق، نص على خرق العادة بقوله: { من يقطين * } أي من ~~الأشجار التي تلزم الأرض وتقطن فيها وتصلح لأن يأوي إليها ويقطن عندها ~~حتى يصلح حاله، فإنه تعالى عظمها وأخرجها عن عادة أمثالها حتى صارت عليه ~~كالعريش، واليقطين: كل ما يمتد وينبسط على وجه الأرض ولا يبقى على الشتاء ~~ولا يقوم على ساق كالبطيخ والقثاء، والمراد به هنا - كما قاله ابن عباس ~~رضي الله عنهما شجرة القرع لعظم ورقها وبرد ظلها ونعومة ملمسها وأن ~~الذباب لا يقربها، قال أبو حيان: وماء ورقه إذا رش به مكان لا يقربه ذباب ~~أصلا، وقال غيره: فيه ملاءمة لجسد الإنسان حتى لو ذهبت عظمة من رأسه ~~فوضع مكانها قطعة من جلد القرع نبت عليها اللحم وسد مسده، وهو من قطن ~~بالمكان - إذا أقام به إقامة زائل لا ثابت. # ولما كان النظر إلى الترجية أعظم، ختم بها إشارة إلى أنه لا يميته صلى ~~الله عليه وسلم حتى يقر عينه بأمته كثرة طواعية ونعمة فقال: { وأرسلناه } ~~أي بعظمتنا التي لا يقوم لها شيء. ms3999 ولما لم يتعلق الغرض بتعيين المرسل ~~إليهم، وهل هم الذين أبق عنهم أولا؟ قال: { إلى مائة ألف } والجمهور على ~~أنهم الذين أرسل إليهم أولا - قال أبو حيان. ولما كان العدد الكثير لا ~~يمكن ناظره الوقوع فيه على حقيقة عدده، بل يصير - وإن أثبت الناس نظرا - ~~يقول: هم كذا يزيدون قليلا أو ينقصونه، وتارة يجزم بأنهم لا ينقصون عن ~~كذا، وأما الزيادة فممكنة، وتارة يغلب على ظنه الزيادة، وهو المراد هنا، ~~قال: { أو يزيدون * } لأن الترجية في كثرة الأتباع أقر للعين وأسر للقلب، ~~وإفهاما لأن الزيادة واقعة، وهؤلاء المرسل إليهم هم أهل نينوى وهم من ~~غير قومه، فإن حدود أرض بني إسرائيل الفرات، ونينوى من شرقي الفرات بعيدة ~~عنه جدا. # ولما تسبب عن إتيانه إليهم انشراح صدره بعد ما كان حصل له من الضيق الذي ~~أوجب له ما تقدم قال: { فآمنوا } أي تجريدا لأنفسهم من الحظوظ النفسانية ~~ولحوقا بالصفات الملكية. ولما كان إيمانهم سبب رفع العذاب الذي كان ~~أوجبه لهم كفرهم قال: { فمتعناهم } أي ونحن على ما نحن عليه من العظمة لم ~~ينقص ذلك من عظمتنا شيئا ولا زاد فيها { إلى حين * } أي إلى انقضاء ~~آجالهم التي ضربناها لهم في الأزل. # ذكر قصة يونس عليه السلام من سفر الأنبياء قال مترجمه: نبدأ بمعونة الله ~~وقوته بكتب نبوة يونان بن متى النبي: كانت كلمة الرب على يونان بن متى، ~~يقول له: قم فانطلق إلى نينوى المدينة العظيمة وناد فيها بأن شرارتكم قد ~~صعدت قدامي، وقام يونان ليفر إلى ترسيس من قدام الرب، وهبط إلى يافا ووجد ~~سفينة تريد تدخل إلى ترسيس فأعطى الملاح أجرة ونزلها ليدخل معهم إلى ~~ترسيس هاربا من قدام الرب، والرب طرح ريحا عظيمة في البحر، فكان في ~~البحر موج عظيم، والسفينة كانت تتمايل لتنكسر وفرق الملاحون وجأر كل ~~إنسان إلى إلهه، وطرحوا متاع السفينة في البحر ليخففوا عنهم، بحق هبط ~~يونان إلى أسفل السفينة ونام فدنا منه سيد الملاحين وقال له: لماذا أنت ~~نائم؟ قم فادع إلهك لعل ms4000 الله يخلصنا ولا نهلك، وقال الرجل لصاحبه: تعالوا ~~نقترع ونعلم هذا الشر من قبل من جاء علينا؟ فاقترعوا فجاءت القرعة على ~~يونان، فقالوا له: أخبرنا ما هذا الشر؟ وماذا هو عملك، ومن أين أنت، ومن ~~أي شعب أنت، وأيتها أرضك؟ فقال لهم يونان: أنا عبراني ولله رب السماء ~~أخشى الذي خلق البر والبحر، ففرق أولئك القوم فرقا شديدا، فقالوا له: ~~ماذا صنعت؟ لأن أولئك الناس علموا أنه من قدام إلهه هرب، فلما أخبرهم ~~قالوا: ما نصنع بك حتى يسكن عنا البحر لأن البحر هو ذا منطلق يزخر علينا؟ ~~قال لهم يونان: خذوني فاطرحوني في البحر فيسكن عنكم البحر لأني أعلم أن ~~هذا الموج العظيم من أجلي هاج عليكم، فجهد أولئك الناس أن يرجعوا إلى ~~الساحل، فلم يجدوا إلى ذلك سبيلا، لأن البحر كان ذاهبا يزخر عليهم، ~~ودعوا إلى الرب وقالوا: أيها الرب لا يحسب علينا دم زكي، ولا نهلك بنفس ~~هذا الرجل من أجل أنك أنت الرب، وكل ما شئت تصنع، فأخذوا يونان وطرحوه في ~~البحر، فاستقر البحر من أمواجه، وفرق أولئك الناس من قدام الرب فرقا ~~شديدا، وذبحوا ذبائح للرب ونذروا له النذور، وهيأ الرب سمكة عظيمة ~~فابتلعت يونان، وكان يونان في أمعاء السمكة ثلاثة أيام وثلاث ليالي وقال: ~~دعوت الرب في حزني فأجابني، ومن بطن الجحيم تضرعت إليه، وسمع صوتي وطرحني ~~في الغوط في قلب البحر، والأنهار أحاطت بي، وكل أمواجك واهياجك علي ~~جازت، أنا بحق قلت: إني قد تباعدت من قدام عينيك، من الآن أترى أعود ~~فأنظر إلى هيكلك المقدس، وقد أحاطت بي المياه حتى نفسي والأهوال أحاطت ~~بي، وفي أسفل البحر احتبس رأسي، وإلى أسفل الجبال هبطت، والأرض أطبقت ~~أغلاقها في وجهي إلى الدهر، إذا اغتمت نفسي للرب ذكرت ودخلت صلاتي قدامك ~~إلى هيكلك المقدس، فكل الذين يحفظون الأنساك البطالة رحمتهم فتركوا، أنا ~~بحق بصوت الشكر أقرب لك وأذبح، والذي نذرته أوفيه للرب! فأمر الرب السمكة ~~فقذفت يونان في اليبس، وأتى الكلام الرب إليه المرة الثانية، ms4001 وقال له: قم ~~يا يونان فانطلق إلى نينوى المدينة العظمية وناد فيها بالنداء الذي أقوله ~~لك، فقام يونان وانطلق إلى نينوى مثل كلمة الرب، ونينوى كانت مدينة عظيمة ~~للرب مسيرة ثلاثة أيام، وتبدأ يونان أن يدخل إلى نينوى مسيرة يوم واحد ~~ونادى وقلال: من الآن وإلى أربعين يوما نينوى تنقلب، فآمن أهل نينوى لله ~~وفرضوا الصوم ولبسوا المسوح من عظمائهم حتى صغائرهم، وانتهت الكلمة إلى ~~ملك نينوى فقام عن كرسيه ونزع تاجه، واكتسى مسح شعر، وجلس على الرماد، ~~ونادى في نينوى وقال الملك وأشرافه: وكل الناس والغدائر والثيران والغنم ~~فلا يذوقون شيئا من الطعام ولا يرعون، وماء فلا يشربون، ولكن فليلبس ~~الناس والغدائر ويدعو الله بالتضرع، ويرجع كل إنسان عن طريقة السوء، وعن ~~الاختطاف الذي في يده، وقالوا: من ذا الذي يعلم أن الله يقبل منا ويترحم ~~علينا ويرد عنا غصبه ورجزه لكيلا نهلك، ونظر الله إلى أعمالهم أنهم قد ~~تابوا عن طرقهم السوء فرد عنهم غضب رجزه ولم يبدهم، وحزن يونان حزنا ~~شديدا، وتكره من ذلك جدا، وصلى قدام الرب وقال: أيها الرب! ألم تكن هذه ~~كلمتي، وأنا بعد في بلادي ولذلك سبقت وفررت إلى ترسيس، قد عرفت بحق أنك ~~الرحمن الإله الرؤوف، طويل صبرك وكثيرة نعمتك، وترد السوء الآن يا رب! ~~انزع نفسي مني لأن الموت أنفع لي من الحياة، فقال له: جدا حزنت يا ~~يونان، وخرج يونان من المدينة واتخذ له ثمة مظلة وجلس تحتها في الظل ~~لينظر ما الذي يعرض للمدينة، وأمر الله الرب أصل القرع، ونبت وارتفع على ~~رأس يونان، فكان ظل على رأسه فتفرج من شدته وفرح فرحا كثيرا يونان بأصل ~~القرع. # وفي اليوم الآخر أمر الله الرب دودة في مطلع الصبح فضربت أصل القرع ~~وقرضته، فلما طلعت الشمس أمر الله ريح السموم فيبست أصل القرع، وحميت ~~الشمس في رأس يونان، واغتم وسال الموت لنفسه وقال: إنك يا رب تقدر تنزع ~~نفسي مني، لأني لم أكن أخبر من إياي، وقال الرب ليونان: جدا حزنت ms4002 على ~~أصل القرع، فقال يونان: جدا أحزن حتى الموت، قال له الرب: أنت أشفقت ~~على أصل القرع الذي لم تعن به ولم تربه، الذي في ليلة نبت، وفي ليلة يبس، ~~فكيف لا أشفق أنا على نينوى المدينة العظيمة التي فيها أكثر من اثنتي ~~عشرة ربوة من الناس الذين لا يدرون ما بين يمينهم من شمالهم وكثرة من ~~الغدائر - انتهى. ولعل أصل القرع المذكور هنا كان نبت عليه حين خرج من ~~بطن الحوت، فلما اتفق له ما ذكر هنا رجع إليه وقد زاد عظمه فبنى تحته ~~عريشا وجلس تحته، فكان منه ما كان، فلا يكون حينئذ ما هنا مخالفا لما ~~ذكر أهل الأخبار في هذه القصة - والله الموفق. ### || [37.149-157] # ولما كان الذي سبق ادعاؤه أمرين أحدهما أن هؤلاء المنذرين يسارعون في ~~اقتفاء آثار آبائهم في الضلال، والثاني أن أكثر الأولين ضلوا، وسيقت ~~دليلا شهوديا على الثاني هذه القصص الست التي ما اهتدى من أهلها أمة ~~بكمالها إلا قوم يونس عليه السلام، كان ذلك سببا للأمر بإقامة الدليل ~~على ضلال هؤلاء تبعا لآبائهم بأمر ليس في بيان الضلال أوضح منه، فقال ~~متهكما بهم مخصصا الأمر به صلى الله عليه وسلم إشارة إلى عظم هذه ~~النتيجة وأنه لا يفهمها حق فهمها سواه صلى الله عليه وسلم: { فاستفتهم } ~~أي فاطلب من هؤلاء الذين يعرضون عن دعوتك إلى أباطيلهم أن يجيبوك فتوة ~~منهم وكرما: بأي دليل وبأي حجة حكموا بما يقولونه تبعا لآبائهم في ~~الملائكة الذين تقدم في فاطر أنهم رسل الله، وفي يس أنهم في غاية الشدة ~~بحيث إن عذاب الأمة الكثيرة يكفي فيه واحد منهم، وبحيث إن صيحة واحده من ~~أحدهم يميت الأحياء كلهم، وصيحة أخرى يحي الأموات كلهم، هذا إلى ما ~~أفادته هذه السورة لهم من الصف والزجر والتلاوة حين ابتدأت بالإقسام بهم ~~لأن لمقصودها نظرا عظيما إلى أحوالهم في تجرديهم وتقديسهم، ويلزم من ~~هذا الاستفتاء تنزيههم وتنزيه الذي خلقهم وذلك مقصود السورة، ولفت الكلام ~~عن مظهر العظمة إلى ما هو دليل ms4003 عليها فإن الرسول دال على قدر من أرسله ~~فقال: { ألربك } أي خاصة وهو الملك الأعلى الذي رباك وأحسن إليك بهدايتك ~~والهداية بك وغير ذلك من أمرك حتى كنت أكمل الخلق وأعلاهم في كل أمر يكون ~~به الكمال والقرب من الله فاصطفاك لرسالته، ففي إفراد الضمير إشارة إلى ~~أنه لا يختار إلا الأكمل الأشرف الأفضل. # ولما كان المراد تبكيتهم بكونهم جعلوا الأخس لله، وكانت الإناث أضعف من ~~الذكور، ولكنها قد تطلق الأنوثة على غير الحيوان، وكانت الإناث في بعض ~~الأجناس كالأسحار أشرف، عدل عن التعبير بالإناث وعبر بما ينص على المراد ~~فقال: { البنات } أي دون البنين، وهم - مع أنهم مربون مقهورون - يأنفون ~~منهم غاية الأنفة { ولهم } أي دونه { البنون * } مع أن الرب الذي خصوه ~~بأدنى القبيلين تارة يخلق الذكر من تراب ويربيه أحسن تربية، وأخرى من ~~غيره أو يخرجه من بطن حوت أو غمرات نار أو غير ذلك، فبأي وسيلة ادعوا له ~~ولدا والولد لا يكون إلا بالتدريج في أطوار الخلق من النطفة إلى ما ~~فوقها، ولا يرضى بذلك إلا عاجز فكيف بادعاء أدنى الصنفين من الولد، سبحان ~~ربك رب العزة. # ولما كان دعواهم لأنوثة الملائكة متضمنة لادعاء العلم باختصاصه عند دعوى ~~الولدية بأدنى القبيلتين أو ادعاء العلم بأنه خلقهم إناثا بمشاهدة منهم ~~أو كتاب منه إليهم، وأما العقل فإنه لا مدخل له في ذلك، قال معلما بأنهم ~~أهل لأن يبكتوا ويستهزأ بهم لأنه لا علم عندهم بإحدى الطريقين، ولا ~~يقدرون أن يدعوا ذلك لئلا يفتضحوا فضيحة لا تنجبر أصلا، عائدا إلى ~~التصريح بمظهر العظمة التي إن لم يقتض اختيار الأكمل لم يقتض الاختصاص ~~بالأدون لأنها منافية بكل اعتبار للدناءة { الملائكة } أي الذين حكموا ~~عليهم بالأنوثة، وهم من أعظم رسلنا وأجل خواصنا ولم يروا منهم أحدا ولا ~~سبيل لهم إلى العلم بأحوالهم باعترافهم بذلك، ولما تعين أن المراد ~~بالأنوثة الخساسة، وكان في بعض الإناث قوة الذكور، عبر بالأنوثة إلزاما ~~لهم في حكمهم ذلك بخساستين فقال: { إناثا وهم } أي والحال أن هؤلاء ms4004 ~~الذين ينسبون إلى الله ما لا يليق به { شاهدون * } أي ثابت لهم شهود ذلك ~~لا يغيبون عنه، فإنا كل يوم نجدد منهم من شئنا، قال الرازي: وكل واحد من ~~الملائكة نوع برأسه، أما الآدميون فكلهم نوع واحد، وهو ناقص في ابتداء ~~الفطرة، مستكمل، وله درجات في الترقي إلى أن يبلغ مقام المشاهدة، وهو أن ~~تتجلى له حلية الحق الأول من ذاته وصفاته وترتيب أفعاله علما لا ينفصل ~~عنه ولا يغيب فيترقى في إدراكه عن المحسوسات والخيالات، ويترقى فعله عن ~~أن يكون لمقتضى الغضب أو الشهوة، وبهذا يقرب من الله تعالى - انتهى. # ولما اشتد تشوف السامع إلى أن يعلم حقيقة قولهم الذي تسبب عنها هذا ~~الاستفتاء أعلم سبحانه بذلك في قوله مؤكدا إشارة إلى أنه قول لا يكاد أن ~~لا يقر أحد أنه قاله، معجبا منهم فيه مناديا عليهم بما أبان من فضيحتهم ~~بما قدم من استفتائهم: { إلا أنهم من إفكهم } أي من أجل أن صرفهم الأمور ~~عن وجوها عادتهم { ليقولون * } أي قولا هم مستمرون عليه وإن كانوا لا ~~يقدرون على إبرازه في مقام المناظرة، وعدل عن مظهر العظمة إلى إسم ~~الجلالة العلم على الذات الجامعة لجميع الصفات إشارة إلى أن كل صفة من ~~صفاته ونعت من نعوته يأبى الولدية فقال: { ولد الله } أي وجد له - وهو ~~المحيط بصفات الكمال - ولد وهم على صفة الأنوثة أي أتى بالولد، فولد فعل ~~ماض والجلالة فاعل، وقرىء شاذا برفع " ولد " على أنه خبر مبتدأ محذوف، ~~وجر الجلالة بالإضافة، والولد فعل بمعنى مفعول كالقبض، فلذلك يخبر به عن ~~المفرد وغيره والمؤنث وغيره. # ولما أتى سبحانه بالاسم الأعظم إشارة إلى عظيم تعاليه عن ذلك، صرح به في ~~قوله دالا على الثبوت مؤكدا لأجل دعواهم أنهم صادقون: { وإنهم لكاذبون ~~* } ودل على كذبهم أيضا بإنكاره موبخا لهم في أسلوب الخطاب زيادة في ~~الإغضاب في قوله: { اصطفى } بهمزة الاستفهام الإنكاري، ومن أسقطها فهي ~~عنده مقدرة مرادة، أي أخبروني هل اختار هذا السيد الذي أنتم مقرون بتمام ~~علمه وشمول قدرته ms4005 وعلو سؤدده ما تسترذلونه. # ولما كان التعبير بالبنت أكره إليهم من التعبير بالأنثى، والتعبير ~~بالابن أحب إليهم من التعبير بالذكور وأنص على المراد لأن الذكر مشترك ~~بين معان، قال: { البنات } اللاتي تستنكفون أنتم من لحوقهن بكم، وتستحيون ~~من نسبتهن إليكم، حتى أن بعضكم ليصل في إبعادهن إلى الوأد { على البنين * ~~} فكان حينئذ نظره لنفسه دون نظر أقلكم فضلا عن أجلكم، ولذلك عظم حسنا ~~وتناهى بلاغة قوله: { ما } أي يا معاشر العرب المدعين لصحة العقول وسداد ~~الأنظار والفهوم! أي شيء { لكم } من الخير في هذا المقال؟ ثم زاد في ~~التقريع عليه بقوله معجبا منهم: { كيف تحكمون * } أي في كل سألناكم عنه ~~بمثل هذه الأحكام التي لا تصدر عمن له أدنى مسكة من عقله، وعبر بالحكم ~~لاشتهاره فيما يبت فيأبى النقص، فكان التعبير به أعظم في تقريعهم حيث ~~أطلقوه على ما لا أوهى منه. # ولما كان هذا شديد المنافاة للعقول، عظيم البعد عن الطباع، حسن جدا ~~قوله أيضا مبكتا: { أفلا تذكرون * } أي أدنى تذكر بما أشارت إليه قراءة ~~من خفف بما جمعت من التخفيف والحذف، فإن الأمر في غاية الظهور لما في ~~عقولكم وطباعكم من أنكم لا ترضون لأنفسكم أخس المنازل، فكيف يختاره لنفسه ~~ربكم الذي بيده كل شيء؟ وإنه لا يكون الولد مطلقا إلا ممن له جنس، فيكون ~~محتاجا إلى جنسه، والمحتاج لا يكون إلها بوجه، وأشارت قراءة الجماعة ~~بالتشديد والإدغام إلى أن الأمر يحتاج إلى مزيد تذكر بما أشار إليه ~~التشديد مع دقة بما أشار إليه الإدغام لأجل حل شبهة من يرى أفعال من يحيي ~~الموءودة فيظن أن ذلك رغبة منهم في الإناث، وليس ذلك إلا رغبة في دفع ~~فساد القتل ورحمة للضعيف، ولم يقرأ بالفك إشارة إلى أن الأمر غني عن ~~الدرجة العليا في التأمل. # ولما قررهم على شهود ذلك بما تضمن إبطاله عقلا، فلم يبق من طرق الأدلة ~~إلا السمع، عادل به قوله: { أم لكم } أي على ادعاء ذلك { سلطان } أي دليل ~~سمعي بخبر سماوي قاهر، وأشار إلى ms4006 أنه لا يتكلم في أحوال الملوك إلا بأمر ~~واضح بقوله: { مبين * }. # ولما كان المراد بهذا - ولا بد - البرهان السمعي، بينه بما سبب عنه من ~~قوله: { فأتوا بكتابكم } أي الذي أتاكم بذلك السلطان من الملك في أنه ~~اختار لنفسه ذلك، ودل على كذبهم تلويحا بعد أن أتى به تصريحا وهو أنكى ~~ما يكون بالإتيان بأداة الشك في قوله: { إن كنتم صادقين * } وهذه الآيات ~~صادرة عن سخط عظيم وإنكار فظيع، والأساليب التي وردت عليها ناطقة بتسفيه ~~أحلام المدعي لذلك وبجهل نفوسهم، واستركاك عقولهم، مع استهزاء وتهكم ~~وتعجيب من أن يخطر مثل ذلك على بال فضلا عن أن يتخذ معتقدا، ويتظاهر به ~~مذهبا. ### || [37.158-164] # ولما تم إظهار ضلالهم، بكتهم في أسلوب آخر معرضا عن خطابهم تخويفا من ~~إحلال عذابهم فقال: { وجعلوا } أي بعض العرب منابذين لما مضى بيانه من ~~الأدلة { بينه وبين الجنة } أي الجن الذين هم شر الطوائف، وأنثهم إشارة ~~إلى تحقيرهم عن هذا الأمر الذي أهلوهم له { نسبا } بأن قالوا: إنه - جلت ~~سبحات وجهه وعظم تعالى جده - تزوج بنات سروات الجن، فأولد منهم الملائكة، ~~ومن المعلوم أن أحدا لا يتزوج إلا من يجانسه، فأبعدوا غاية البعد لأنه ~~لا مجانس له. ولما كان النسيب يكرم ولا يهان قال مؤنثا لضميرهم زيادة في ~~تحقيرهم: { ولقد علمت الجنة } أي مطلقا السروات منهم والأسافل { إنهم } ~~أي الجن كلهم { لمحضرون * } أي إليه بالبعث كرها ليعاملوا بالعدل مع ~~بقية الخلائق يوم فصل القضاء، والتجلي في مظاهر العز والعظمة والكبرياء، ~~فهم أقل من أن يدعى لهم ذلك. # ولما ذكر اليوم الأعظم الذي يظهر فيه لكل أحد معاقد الصفات، وتتلاشى عند ~~تلك المظاهر أعيان الكائنات، وتنمحي لدى تلك النعوت آثار الفانيات، وكان ~~ذكره على وجه مبين بعد الجن عن المناسبة، كان مجزأ للتنزيه وموضعا بعد ~~تلك الضلالات للتقديس نتيجة لذلك, فقال مصرحا باسم التسبيح الجامع لجميع ~~أنواعه، والجلالة إشارة إلى عظم المقام: { سبحان الله } أي تنزه الذي له ~~جميع العظمة تنزها يفوت الحصر { عما يصفون * } أي عما يصفه به ms4007 جميع ~~الخلائق الذين يجمعهم الإحضار ذلك اليوم، أو الكفار الذين ادعوا له الولد ~~وجعلوا الملائكة من الولد { إلا عباد الله } أي الذين يصلحون للإضافة إلى ~~الاسم الأعظم من حيث إطلاقه على الذات الأعظم, ولذلك أظهر ولم يضمر، لأن ~~الضمير يعود على عين الماضي، فربما أوهم تقييده بما ذكر في الأول فيفهم ~~تقييد تشريفهم بالتسبيح، { المخلصين * } من جميع الخلائق أو من العرب وهم ~~من أسلم منهم بعد نزول هذه السورة فإنهم لا يصفونه إلا بما أذن لهم فيه ~~ولأجل أن هذه السورة سورة المتجردين عن علائق العوائق عن السير إليه، كرر ~~وصف الإخلاص فيها كثيرا. # ولما نزه نفسه المقدس سبحانه عن كل نقص، دل على ذلك بأنهم وجميع ما ~~يعبدونه من دونه لا يقدرون على شيء لم يقدره، فقال مسببا عن التنزيه ~~مؤكدا تكذيبا لمن يظن أن غير الله يملك شيئا مواجها لهم بالخطاب لأنه ~~أنكى وأجدر بالإغضاب: { فإنكم وما تعبدون * } أي من الأصنام وغيرها من كل ~~من زعمتموه إلها. وابتدأ الخبر عن " أن " فصدره بالنافي فقال: { ما } ~~وغلب المخاطبين المعبر عنهم بكاف الخطاب على من عطف عليهم وهم معبوادتهم ~~تنبيها على أنهم عدم كما حقرهم بالتعبير عنهم بما دون " من " فقال ~~مخاطبا: { أنتم عليه } أي على الله خاصة { بفاتنين * } أي بمغيرين أحدا ~~من الناس بالإضلال { إلا من هو } أي في حكمه وتقديره { صال الجحيم * } أي ~~معذب بعذابه لحكمه عليه بالشقاوة فعلم أنكم لا تقدرون أن تغيروا عليه إلا ~~من غيره هو فبحكمه ضل لا بكم، نعوذ بك منك، لا مهرب منك إلا إليك، ~~والمراد بتقديم الجار أن غيره قد يقدر على أن يفسد عليه من لا يريد فساده ~~ويعجز عن رد المفسد، فالتعبير بأداة الاستعلاء تهكم بهم بمعنى أنه ليس في ~~أيديكم من الإضلال إلا هذا الذي جعله لكم من التسبب، فإن كان عندكم غلبة ~~فسموه بها، وتوحيد الضمير على لفظ " من " في الموضعين للإشارة إلى أن ~~الميت على الشرك بعد بعث النبي صلى الله عليه وسلم من العرب قليل، ms4008 وقرئ ~~شاذا " صالوا " دفعا لظن أنه واحد. # ولما كان من المعلوم أن هذا الاستفتاء من النبي صلى الله عليه وسلم وقع ~~امتثالا للأمر المصدر به، وبطل بهذه الجملة قدرتهم وقدرة معبوداتهم التي ~~يدعون لها بعض القدرة، قال مؤكدا لذلك ومبطلا لقدرة المخلصين أيضا ~~عطفا على { فإنكم وما تعبدون }: { وما منا } أي نحن وأنتم ومعبوادتكم ~~وغير ذلك، أحد { إلا له مقام معلوم * } قد قدره الله تعالى في الأزل، ثم ~~أعلم الملائكة بما أراد منه فلا يقدر أحد من الخلق على أن يتجاوز ما ~~أقامه فيه سبحانه نوع مجاوزة، فلكل من الملائكة مقام معروف لا يتعداه، ~~والأولياء لهم مقام مستور بينهم وبين الله لا يطلع عليه أحد، والأنبياء ~~عليهم الصلاة والسلام لهم مقام مشهور مؤيد بالمعجزات الظاهرة، لأنهم ~~للخلق قدوة، فأمرهم على الشهرة، وأمر الأولياء على السترة - قاله ~~القشيري، وغير المذكورين من أهل السعادة لهم مقام في الشقاوة معلوم عند ~~الله تعالى وعند من أطلعه عليه من عباده. ### || [37.165-171] # ولما سلب عن الكل كل شيء من القدرة إلا ما وهبهم، وكان الكفار يدعون ~~أنهم يعبدون الله تعالى وينزهونه وأن الإشراك لا يقدح في ذلك، بين أن ~~المخلصين خصوا دونهم بمواقف الصفاء، ومقامات الصدق والوفاء، لأن طاعتهم ~~أبطلها إشراكهم، فقال مؤكدا ومخصصا: { وإنا } أي يا معشر المخلصين { ~~لنحن } أي دونكم { الصافون * } أي أنفسنا في الصلاة والجهاد وأجنحتنا في ~~الهواء فيما أرسلنا به وغير ذلك لاجتماع قلوبنا على الطاعة { وإنا لنحن ~~المسبحون * } أي المنزهون له سبحانه عن كل نقص مما ادعيتموه من البنات ~~وبجوز أن يكون المعنى: لنا هذا الفعل، وهو الصف والتسبيح، ولا ينوي له ~~مفعول البتة. # ولما بين ضلالهم وهداه صلى الله عليه وسلم وهدى من اتبعه - بما أشار ~~إليه بصفة الربوبية التي أضافها إليه في قوله " ألربك " أعلم بأنهم زادوا ~~على عيب الضلال في نفسه عيب الإخلاف للوعد والنقض لما أكدوه من العهد، ~~فقال مؤكدا إشارة إلى أنه لا يكاد يصدق أن عاقلا يؤكد على نفسه في أمر ~~ثم يخلفه جوابا ms4009 لمن يقول: هل نزهوه كما نزهه المخلصون: { وإن } أي فعلوا ~~ذلك من الضلال بالشبه التي افتضحت بما كشفناه من ستورها ولم ينزهوا كما ~~نزه المخلصون والحال أنهم { كانوا } قبل هذا { ليقولون } أي قولا لا ~~يزالون يجددونه مع ما فيه من التأكيد { لو أن عندنا ذكرا } أي على أي ~~حال كان من أحواله من كتاب أو غيره { من الأولين } أي من الرسل الماضين { ~~لكنا عباد الله } أي بحيث أنا نصير أهلا للإضافة إلى المحيط بصفات ~~الكمال { المخلصين * } أي في العبادة له بلا شائبة من شرك أصلا. # ولما كان هذا الذكر - الذي أتاهم مع كونه أعظم ذكر أتى مصدقا لكتب ~~الأولين وكان الرسول الآتي به أعظم الرسل، فكان لذلك هو عين ما عقدوا ~~عليه مع زيادة الشرف - سببا لكفرهم قال: { فكفروا به } أي فتسبب عما ~~عاهدوا عليه أنهم كفروا بذلك الذكر مع زيادته في الشرف على ما طلبوا ~~بالإعجاز وغيره فتسبب عن ذلك تهديدهم ممن أخلفوا وعده، ونقضوا مع التأكيد ~~عهده، فقال: { فسوف يعلمون * } أي بوعيد ليس هو من جنس كلامهم، بل هو مما ~~لا خلف فيه بوجه. ولما كان التقدير كما أرشد إليه سياق التهديد: فلقد ~~سبقت كلمتنا على من خالف رسلنا بالخذلان المهين، عطف عليه قوله: { ولقد ~~سبقت } أي في الأزل { كلمتنا } أي على ما لنا من العظمة { لعبادنا } أي ~~الذين أخلصوا لنا العبادة في كل حركة وسكون { المرسلين * } الذين زدناهم ~~على شرف الإخلاص في العبودية شرف الرسالة. ### || [37.172-178] # ولما آذنت اللام بعلوهم، أوضح ذلك ببيان ما سماه كلمة لانتظامه في معنى ~~واحد بقوله: { إنهم } وزاد في تأكيده في نظير ما عند الكفرة على ما تدل ~~أعمالهم أنه في غاية البعد فقال: { لهم } أي خاصة { المنصورون * } أي ~~الثابت نصرهم في الجدال والجلاد وإن وقع للكفار عليهم في الثاني ظهور ما. ~~ولما خص بذلك المرسلين، عم فقال: { وإن جندنا } أي من المرسلين وأتباعهم، ~~ولما كان مدلول الجند في اللغة العسكر والأعوان والمدينة وصنفا من الخلق ~~على حدة، قال جامعا على المعنى ms4010 دون اللفظ نصا على المراد: { لهم } أي ~~لا غيرهم { الغالبون * } أي وإن رئي أنهم مغلوبون لأن العاقبة لهم إن لم ~~يكن في هذه الدار فهو في دار القرار، وقد جمع لهذا النبي الكريم فيهما، ~~وسمى هذا كله كلمة لانتظامه معنى واحدا، ولا يضر انهزام في بعض المواطن ~~من بعضهم ولا وهن قد يقع، وكفى دليلا على هذا سيرة النبي صلى الله عليه ~~وسلم والخلفاء الثلاثة بعده رضي الله عنهم. # ولما ثبت لا محالة بهذا أنه صلى الله عليه وسلم هو المنصور لأنه من ~~المرسلين ومن جند الله، بل هو أعلاهم، سبب عن ذلك قوله: { فتول } أي ~~فكلف نفسك الإعراض { عنهم } أي عن ردهم عن الضلال قسرا { حتى حين * } أي ~~مبهم، وهو الوقت الذي عيناه لنصرك في الأزل { وأبصرهم } أي ببصرك وبصيرتك ~~عند الحين الذي ضربناه لك وقبله: كيف تؤديهم أحوالهم وتقلباتهم كلما ~~تقلبوا إلى سفول. # ولما كانوا قبل الإسلام عميا صما لأنهم لا يصدقون وعدا ولا وعيدا، ~~ولا يفكرون في عاقبة، حذف المفعول من فعلهم فقال متوعدا محققا بالتوسيف ~~لا مبعدا: { فسوف يبصرون * } أي يحصل لهم الإبصار الذي لا غلط فيه ~~بالعين والقلب بعد ما هم فيه من العمى، وهذا الحين واضح في يوم بدر وما ~~كان من أمثاله قبل الفتح، فإنهم كان لهم في تلك الأوقات نوع من القوة، ~~فلذلك أثبتهم نوع إثبات في أبصرهم. # ولما كانت عادتهم الاستعجال بما يهددون به استهزاء، كلما ورد عليهم ~~تهديد، سبب عن ذلك الإنكار عليهم على وجه تهديد آخر لهم فقال: { ~~أفبعذابنا } أي على ما علم له من العظمة بإضافته إلينا { يستعجلون } أي ~~يطلبون أن يعجل لهم فيأتيهم قبل أوانه الذي ضربناه له. ولما علم من هذا ~~أنه لا بشرى لهم يوم حلوله، ولا قرار عند نزوله، صرح بذلك في قوله: { ~~فإذا } أي هددناهم وأنكرنا عليهم بسبب أنه إذا { نزل بساحتهم } أي غلب ~~عليها لأن ذلك شأن النازل بالشيء من غير إذن صاحبه ولا يغلب عليها إلا ~~وقد غلب على أهلها فبرك ms4011 عليهم بروكا لا يقدرون معه على البروز إلى تلك ~~الساحة وهي الفناء الخالي عن الأبنية كأنه متحدث القوم وموضع راحتهم في ~~أي وقت كان بروكه من ليل أو نهار، ولكن لما كانت عادتهم الإغارة صباحا، ~~قال على سبيل التمثيل مشيرا بالفاء إلى أنه السبب لا غيره { فساء صباح ~~المنذرين * } أي الذين هم أهل للتخويف من هؤلاء وغيرهم, وهذا التهديد لا ~~يصلح لأن ينطبق على يوم الفتح, ولقد صار من لم يتأهل لغير الإنذار فيه في ~~غاية السوء، وهم الذين قتلهم النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك اليوم، ~~ومنهم من تعلق بأستار الكعبة فلم يفده ذلك، ولكنهم كانوا قليلا، ~~والباقون إن كان ذلك الصباح على ما ساءهم منظره فلقد سرهم لعمر الله ~~مخبره. # ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم نبي الرحمة لا يستأصل قومه بعذاب، ~~قال دالا على ذلك بتكرير الأمر تأكيدا للتسلية، ووعد النصرة مع ما فيه ~~من زيادة المعنى على الأول، عاطفا على " تول " الأولى: { وتول } أي كلف ~~نفسك الصبر عليهم في ذلك اليوم الذي ينزل بهم العذاب الثاني والإعراض { ~~عنهم حتى حين * } وكذا فعل صلى الله عليه وسلم فإنه حل بساحتهم يوم الفتح ~~صباحا، فلم يقدروا على مدافعة. ### || [37.179-182] # ولما كابر بعضهم ودافع، لم يكن بأسرع من أن ولوا وطلبوا السلامة بالدخول ~~فيما جعله صلى الله عليه وسلم علما على التأمين، وقال حماس بن قيس أخو ~~بني بكر لما دخل بيته لامرأته: أغلقي علي الباب، فعيرته بالهزيمة بعن أن ~~كانت تنهاه عن منابذة المسلمين فلا ينتهي ويقول لها: لا بد، أن أخدمك ~~بعضهم: # إنك لو شهدت يوم الحندمه # إذ فر صفوان وفر عكرمه # واستقبلتنا بالسيوف المسلمة # يقطعن كل ساعد وجمجمه # ضربا فلا يسمع إلا غمغمه # لهم نهيت خلقنا وهمهمه # لم تنطقي في اللوم أدنى كلمه # ولما كان هذا منطبقا على يوم الفتح، وكان ذلك اليوم قد أحل الكفار ~~محلا صاروا به بحيث لا اعتبار لهم قال: { وأبصر } مسقطا ضميرهم، أي ~~أبصر ما تريد من شؤونك التي ms4012 يهمك النظر فيها، وأما هم فصاروا بحيث لا ~~يبالي بهم ولا يفكر في أمرهم ولا يلتفت إليهم، فإنا أبدلنا من عزتهم ~~ذلا، ومن كثرتهم قلا، وجردنا تلك الأراضي من قاذورات الشرك، وأحللنا ~~بها طهارة التنزيه وأقداس التحميد، وكذا كان، فإنه صلى الله عليه وسلم ~~قال لهم وهو على درج الكعبة وهم تحته كالغنم المجموعة في اليوم المطير ~~بعد أن قال # " " لا إله إلا الله وحده لا شريك له صدق وعده ونصر عبده وأعز جنده وهزم ~~الأحزاب وحده ": ما تظنون أني فاعل بكم يا معاشر قريش؟ قالوا: خيرا، أخ ~~كريم وابن أخ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء، وقال له صفوان بن أمية: ~~اجعلني بالخيار شهرين، قال: أنت بالخيار أربعة أشهر " # ، ولم يكلف أحدا منهم الإسلام حتى أسلموا بعد ذلك طوعا من عند آخرهم. ~~ولما حاصر الطائف فعسرت عليه انصرف عنها، فما لبثوا أن أرسلوا إليه رسلهم ~~وأسلموا فحسن إسلامهم ولم يرتد أحد منهم في الردة، وهذا من معنى { فسوف ~~يبصرون * }. # ولما تقرر له سبحانه من العظمة ما ذكر، فكان الأمر أمره والخلق خلقه، ~~ثبت تنزهه عن كل نقص واتصافه بكل كمال، فلذلك كانت نتيجة ذلك الختم ~~بمجامع التنزيه والتحميد فقال: { سبحان ربك } أي المحسن إليك بإرسالك ~~وإقامة الدليل الظاهر المحرر على صدقك بكل ما يكون من أحوال أعدائك من ~~كلام أو سكوت، وتأييدك بكل قوة وإلباسك كل هيبة { رب العزة } أي التي هو ~~مختص بها بما أفهمته الإضافة وأفاد شاهد الوجود وحاكم العقل، وقد علم بما ~~ذكر في هذه السورة أنها تغلب كل شيء ولا يغلبها شيء، وفي إضافة الرب إليه ~~وإلى العزة إشارة إلى اختصاصه صلى الله عليه وسلم وكل من وافقه في أمره ~~عن جميع الخلق بالعزة وإن رئي في ظاهر الأمر غير ذلك { عما يصفون * } مما ~~يقتضي النقائص لما ثبت من ضلالهم وبعدهم عن الحق. # ولما قدم السلام على من شاء تخصيصه في هذه السورة من رسله عمهم فقال ~~عاطفا على { سبحان }: { وسلام } أي تنزه له وسلامة وشرف ms4013 وفخر وعلا { على ~~المرسلين * } أي الواصفين له بما هو له أهل، الذين اصطفاهم، الصافين ~~صفا، الزاجرين زجرا، التالين ذكرا، من البشر والملائكة المذكورين في ~~هذه السورة وغيرهم لأجل ما حكم لهم من سبحانه في الأزل من العز والنصر { ~~والحمد } أي الإحاطة بأوصاف الكمال { لله } أي الجامع لجميع الأسماء ~~الحسنى التي دل عليها مجموع خلقه، وإلى ذلك أشار بقوله: { رب العالمين * ~~} فهو حينئذ الواحد المعتال، الذي تنزه عن الأكفاء والأمثال، والنظراء ~~والأشكال، في كل شيء من الأقوال والأفعال، والشؤون والأحوال، ولقد ترافق ~~آخرها - كما ترى - وأولها، وتعانق مفصلها وموصلها - والله الهادي إلى ~~الصواب. ### | [38 - سورة ص] ### || [38.1-4] # ولما نزه ربنا سبحانه نفسه الأقدس في ختام تلك عن كل شائبة نقص، وأثبت ~~له كل كمال ناصا على العزة، وأوجب للمرسلين السلامة، افتتح هذه بالإشارة ~~إلى دليل ذلك بخذلان من ينازع فيه فقال: { ص } أي إن أمرك - يا من أمرناه ~~باستفتاء العصاة آخر الصافات وبشرناه بالنصر - مهيأ مع الضعف الذي أنتم ~~به الآن والرخاوة والإطباق، وعلو وانتشار يملأ الآفاق { والقرآن } أي ~~الجامع - مع البيان لكل خير - لأتباع لا يحصيهم العد، ولا يحيط بهم الحد. ~~ولما كان القسم لا يليق ولا يحسن إلا بما يعتقد المقسم له شرفه قال: { ذي ~~الذكر * } أي الموعظة والتذكير بما يعرف، والعلو والشرف والصدق الذي لا ~~ريب فيه عند كل أحد، فكل من سمعه اعتقد شرفه وصدق الآتي به ليملأن شرفه ~~المنزل عليه الأقطار، وليزيدن على كل مقدار، كما تقدمت الدلالة عليه ~~بالحرف الأول، والذين كفروا وإن أظهروا الشك في ذلك وانتقصوه قولا فإنهم ~~لا ينتقصونه علما { بل الذين كفروا } بما يظهرون من تكذيبه { في عزة } ~~أي عسر وصعوبة ومغالبة بحمية الجاهلية مظروفون لها، فهي معمية لهم عن ~~الحق لإحاطتهم بهم، وأنثها إشارة إلى ضعفها، وبشارة بسرعة زوالها ~~وانقلابها إلى ذل { وشقاق * } أي إعراض وامتناع واستكبار على قبول الصدق ~~من لساني الحال الذي أفصح به الوجود، والقال الذي صرح به الذكر فهداهم ~~إلى ما هو في فطرهم وجبلاتهم بأرشق ms4014 عبارة وأوضح إشارة لو كانوا يعقلون، ~~فأعرضوا عن تدبره عنادا منهم لا اعتقادا فإنهم لا يكذبوك ولكن الظالمين ~~بآيات الله يجحدون، وتنكيرهما للتعظيم، قال الرازي: حذف الجواب ليذهب فيه ~~القلب كل مذهب ليكون أغزر وبحوره أزخر - انتهى. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما ذكر تعالى حال الأمم السالفة مع ~~أنبيائهم في العتو والتكذيب، وأن ذلك أعقبهم الأخذ الوبيل والطويل، كان ~~هذا مظنة لتذكير حال مشركي العرب وبيان سوء مرتكبهم وأنهم قد سبقوا إلى ~~ذلك الارتكاب، فحل بالمعاند سوء العذاب، فبسط حال هؤلاء وسوء مقالهم ~~ليعلم أنه لا فرق بينهم وبين مكذبي الأمم السالفة في استحقاق العذاب وسوء ~~الانقلاب، وقد وقع التصريح بذلك في قوله تعالى { كذبت قبلهم قوم نوح وعاد ~~وفرعون ذو الأوتاد } إلى قوله: { إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب } ولما ~~أتبع سبحانه هذا بذكر استعجالهم في قوله { عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب ~~} أتبع ذلك بأمر نبيه صلى الله عليه وسلم بالصبر فقال { اصبر على ما ~~يقولون } ثم آنسه بذكر الأنبياء وحال المقربين الأصفياء { وكلا نقص ~~عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك } - انتهى. # ولما كان للعلم الذي أراد الله إظهاره في هذا الوجود طريقان: حال ومقال، ~~فأما الحال فهو ما تنطق به أحوال الموجودات التي أبدعها سبحانه في هذا ~~الكون من علوم يدرك منها من أراد الله ما أراد، وأما المقال فهو هذا ~~الذكر الذي هو ترجمة عن جميع الوجود، وكان سبحانه قد قدم الذكر لأنه أبين ~~وأظهر، وأخبر أنهم أعرضوا عنه وشاققوه، وكان من شاقق الملك استحق الهلاك، ~~وكان ما أبدوه من المغالبة أمرا غائظا للمؤمنين، أتبعه ما يصلح لتخويف ~~الكافرين وترجية المؤمنين مما أفصح به لسان الحال من إهلاك المنذرين، وهو ~~أبين ما يكون من دلالاته، وأظهر ما يوجد من آياته، فقال استئنافا: { كم ~~أهلكنا } وكأن المنادين بما يذكر كانوا بعض المهلكين، وكانوا أقرب ~~المهلكين إليهم في الزمان، فأدخل الجار لذلك، فقال دالا على ابتداء ~~الإهلاك: { من قبلهم } وأكد كثرتهم بقوله مميزا: ms4015 { من قرن } أي كانوا في ~~شقاق مثل شقاقهم، لأنهم كانوا في نهاية الصلابة والحدة والمنعة - بما دل ~~عليه " قرن ". # ولما تسبب عن مسهم بالعذاب دلهم قال جامعا على معنى " قرن " لأنه أدل ~~على عظمة الإهلاك: { فنادوا } أي بما كان يقال لهم: إنه سبب للنجاة من ~~الإيمان والتوبة، واستعانوا بمن ينقذهم، أو فعلوا النداء ذعرا ودهشة من ~~غير قصد منادي، فيكون الفعل لازما، وقال الكلبي: كانوا إذا قاتلوا ~~فاضطروا تنادوا " مناص " أي عليكم بالفرار، فأجيبوا بأنه لا فرار لهم. # ولما قرر سبحانه في غير موضع أن التوبة لا تنفع إلا عند التمكن ~~والاختيار لا عند الغلبة والاضطراب، قال تعالى مؤكدا لهذا المعنى في ~~جملة حالية بزيادة التاء التي أصلها هاء في " لا " أو في " حين " كما ~~أكدوا بزيادتها في رب وثم، والهاء في أراق والتاء في مثال والان فقالوا: ~~ربت وثمت وأهراق وتمثال وتالان { ولات } أي وليس الحين { حين مناص * } أي ~~فرارا بتحرك بتقدم ولا تأخر، بحركة قوية ولا ضعيفة، فضلا عن نجاة، قال ~~ابن برجان: والنوص يعبر به تارة عن التقدم وتارة عن التأخر وهو كالجماح ~~والنفار من الفرس، ونوص حمار رفعه رأسه كأنه نافر جامح. # ولما كان جعل المنذر منهم ليس محلا للعجب فعدوه عجبا لما ظهر من ~~تقسيمهم القول فيه، عجب منهم في قوله: { وعجبوا أن } أي لأجل أن { جاءهم ~~} ولما كان تعجبهم من مطلق نذارته لا مبالغته فيها أتى باسم الفاعل دون ~~فعيل فقال: { منذر منهم } أي من البشر ثم من العرب ثم من قريش ولم يكن من ~~الملائكة مثلا وكان ينبغي لهم أن لا يعجبوا من ذلك فإن كون النذير بما ~~يحل من المصائب من القوم المنذرين - مع كونه أشرف لهم - أقعد في النذارة ~~لأنهم أعرف به وبما هو منطو عليه من صدق وشفقة وغير ذلك، وهو الذي جرت به ~~العوائد في القديم والحديث لكونهم إليه أميل، فهم لكلامه أقبل. # ولما كانوا أعرف الناس بهذا النذير صلى الله عليه وسلم في أنه أصدقهم ~~لهجة وأعلاهم همة ms4016 وأنه منفي عنه كل نقيصة ووصمة، زاد في التعجيب بأن قال ~~معبرا بالواو دون الفاء لأن وصفهم له بالسحر ليس شبيه هذا العجب: { وقال ~~} ولما كانوا يسترون الحق مع معرفتهم إياه فهم جاحدون لا جاهلون، ~~ومعاندون لا غافلون، أظهر موضع الإضمار إشارة إلى ذلك وإيذانا بشديد ~~غضبه في قوله: { الكافرون هذا } أي النذير. # ولما كان ما يبديه من الخوارق إعجازا فعلا وقولا يجذب القلوب، وكان ~~أقرب ما يقدحون به فيه السحر قذفوه به ولم يعبروا بصيغة مبالغة لئلا يكون ~~ذلك إيضاحا جاذبا للقلوب إليه فقالوا: { ساحر } أي لأنه يفرق بما أتى ~~به بين المرء وزوجه، فاعترفوا - مع نسبتهم له إلى السحر وهم يعلمون أنهم ~~كاذبون في ذلك - أن ما أتى به فوق ما لهم من القوى { كذاب * } أي في ~~ادعائه أن ما سحر به حق ليس هو كسحر السحرة، وأتوا بوقاحة بصيغة المبالغة ~~وقد كانوا قبل ذلك يسمونه الأمين وهم يعلمون أنه لم يتجدد له شيء إلا ~~إتيانه بأصدق الصدق وأحق مع ترقيه في معارج الكمال من غير خفاء على أحد ~~له أدنى تأمل. ### || [38.5-8] # ولما ذكر قولهم الناشىء عن عجبهم، ذكر سببه ليعلم أن حالهم هو الذي يعجب ~~منه لا حال من أنذرهم بقوله حاكيا قولهم إنكارا لمضمون ما دخل عليه: { ~~أجعل } أي صير بسبب ما يزعم أنه يوحى إليه { الآلهة } أي التي نعبدها { ~~إلها واحدا } ولما كان الكلام في الإلهية التي هي أعظم أصول الدين، ~~وكان هو صلى الله عليه وسلم وكل من تبعه بل وكل منصف ينكرون أن يكون هذا ~~عجبا، بل العجب كل العجب ممن يقبل عقله أن يكون الإله أكثر من واحد، ~~أكدوا قولهم لذلك وإعلاما لضعفائهم تثبيا لهم بأنهم على غاية الثقة ~~والاعتقاد لما يقولون، لم يزلزلهم ما رأوا من منذرهم من الأحوال الغريبة ~~الدالة ولا بد على صدقه، فسموها سحرا لعجزهم عنها: { إن هذا } أي القول ~~بالوحدانية { لشيء عجاب * } أي في غاية العجب - بما دلت عليه الضمة ~~والصيغة، ولذلك قرئ شاذا بتشديد الجيم، ms4017 وهي أبلغ قال الاستاذ أبو القاسم ~~القشيري: فلا هم عرفوا الإله ولا معنى الإلهية, فإن الإلهية هي القدرة ~~على الاختراع، وتقدير القادرين على الاختراع غير صحيح لما يجب من وجود ~~التمانع بينهما وجوازه، وذلك يمنع من كمالهما، ولو لم يكونا كاملي الوصف ~~لم يكونا إلهين، وكل أمر جر ثبوته سقوطه فهو باطل مطرح - انتهى. وستأتي ~~الإشارة إلى الرد عليهم بقوله: { العزيز الوهاب } ثم بقوله: { وما من إله ~~إلا الله الواحد القهار }. # ولما كان العجب فكيف بالعجاب جديرا بأن يلزم صاحبه ليزداد الناظر ~~عجبا، بين أنهم فعلوا خلاف ذلك تصديقا لمن نسبهم إليه من الشقاق فقال: ~~{ وانطلق } ولما كان ما فعلوه لا يفعله عاقل, فربما ظن السامع أن المنطلق ~~منهم أسقاط من الناس من غيرهم قال: { الملأ } أي الأشراف، وقال: { منهم } ~~أي لا من غيرهم فكيف بالأسقاط منهم وكيف بغيرهم، ثم حقق الانطلاق مضمنا ~~له القول لأنه من لوازمه بقوله: { أن امشوا } أي قائلا كل منهم لذلك ~~آمرا لنفسه ولصاحبه بالجد في المفارقة حالا ومقالا، وإذا وقف على " أن ~~" ابتدئ بكسر الهمزة لأن أصله: امشيوا فالثالث مكسور كما أنه لو قيل ~~لأمرأة: اغزي يبتدأ بالضم لأن الأصل: اغزوي كاخرجي { واصبروا على آلهتكم ~~} أي لزوم عبادتها وعدم الالتفات إلى ما سواها، قال القشيري: وإذا تواصى ~~الكفار فيما بينهم بالصبر على آلهتهم فالمؤمنون أولى بالصبر على عبادة ~~معبودهم والاستقامة في دينهم. # ولما كان كل منهم قد أخذ ما سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم قلب وسلب ~~لبه، على ما أشار إليه " ذي الذكر بل " فهو خائف من صاحبه أن يكون قد ~~استحال عن اعتقاد التعدد بما يعرف من تزحزحه في نفسه، أكدوا قولهم: { إن ~~هذا } أي الصبر على عبادة الآلهة { لشيء يراد * } أي هو أهل للإرادة فهو ~~أهل لئلا ينفك عنه، أو الذي يدعو إليه شيء يريده هو ولا نعلم نحن ما هو ~~على ما نحن عليه من الحذق، فهو شيء لا يعلم في نفسه. # ولما كان كأنه قيل: فما حال ما ms4018 يقوله؟ قالوا جوابا واقفا مع التقليد ~~والعادة التي وجدوا عليها أسلافهم: { ما سمعنا بهذا } أي الذي تذكره من ~~الوحداينة { في الملة الآخرة } وتقييدهم لها يدل على أنهم عالمون به في ~~الملة الأولى، وأنهم عارفون بأن إبراهيم عليه السلام ومن وجد من أولاده ~~الذين هم آباؤهم إلى عمرو بن لحي كانوا بعيدين من الشرك ملازمين للتوحيد ~~وأنه لا شبهة لهم إلا كونه سبحانه لم يغير عليهم في هذه المدد الطوال، ~~وكانوا أيضا يعرفون البعث ولكنهم تناسوه، ذكر ابن الفرات في تأريخه يوم ~~حليمة من أيام العرب وقال: إن حجر بن عمرو آكل المرار سار إلى بني أسد ~~فقتلهم وسيرهم إلى تهامة فقال عبيد بن الأبرص من أبيات: # ومنعتهم نجدا فقد حلوا على وحل تهامه # أنت المليك عليهم وهم العبيد إلى القيامه # وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " إن أول من سيب السوايب وعبد الأصنام أبو خزاعة عمرو بن عامر وأني ~~رأيته يجر أمعاءه في النار " # وروى الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " أول من غير دين إبراهيم عليه السلام عمرو بن لحي بن قميئة " # وروى البخاري في فتح مكة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أخرج من البيت صورة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام في أيديهما ~~الأزلام فقال: # " قاتلهم الله! لقد علموا ما استقسما بها قط " # فبطل ما يقال من أن أهل الفترة جهلوا جهلا أسقط عنهم اللوم، ويؤيده ما ~~في الصحيح عن أنس رضي الله عنه أن رجلا قال: يا رسول الله! أين أبي؟ ~~قال: # " في النار، فلما قفى دعاه فقال: إن أبي وأباك في النار " # أخرجه مسلم في آخر كتاب الإيمان، وقد مر في سبحان في قوله تعالى: { وما ~~كنا معذبين حتى نبعث رسولا } ما ينفع هنا، والقاطع للنزاع في هذا قوله # ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدو الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم ms4019 من ~~هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة # [النحل: 36] فما تركت هذه الآية أحدا حتى شملته وحكمت عليه بالجنة أو ~~النار. # ولما كان قوله صلى الله عليه وسلم وحده جديرا بأن يزلزلهم فكيف إذا ~~انضم إليه علمهم بأن أسلافهم لا سيما إسماعيل وأبوه إبراهيم عليهما ~~السلام كانوا عليه، أكدوا قولهم: { إن } أي ما { هذا } أي الذي يقوله { ~~إلا اختلاق * } أي تعمد الكذب مع أنه لا ملازمة بين عدم سماعهم فيها وبين ~~كونه اختلاقا، بل هو قول يعرف معانيه بأدنى تأمل، روى الترمذي - وقال: ~~حسن صحيح - والنسائي وابن حبان في صحيحه وأحمد وإسحاق وأبو يعلى والطبري ~~وابن أبي حاتم وغيرهم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: مرض أبو طالب ~~فجاءته قريش، وجاءه النبي صلى الله عليه وسلم وعند أبي طالب مجلس رجل ~~فقام أبو جهل كي يمنعه، قال: وشكوه ألى أبي طالب - زاد النسائي في الكبير ~~وأبو يعلى: وقالوا: يقع في آلهتنا فقال: يا ابن أخي! ما تريد من قومك؟ ~~قال: # " أريد منهم كلمة واحدة تدين لهم بها العرب وتؤدي إليهم العجم الجزية، ~~قال: كلمة واحدة، قال: كلمة واحدة، فقال: وما هي؟ فقال: يا عم، قولوا " ~~لا إله إلا الله " فقالوا: أجعل الآلهة إلها واحدا ما سمعنا بهذا في ~~الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق، قال: فنزل فيهم القرآن " # { ص والقرآن ذي الذكر بل الذين كفروا في عزة وشقاق } إلى قوله: { اختلاق ~~} وفي التفاسير أنهم قالوا: كيف يسع الخلق كلهم إله واحد. # ولما كان مرادهم بهذه التأكيدات الدلالة على أنهم في غاية الثبات على ما ~~كانوا عليه قبل دعائه، وأبى الله أن يبقى باطلا بغير إمارة يقرنه بها ~~تفضحه، وسلطان يبطله ويهتكه، أتبع ذلك حكاية قولهم الذي جعلوه دليلا على ~~حرمهم، فكان دالا على عدم صدقهم في هذا الحكم الجازم غاية الجزم ~~بالاختلاق المنادى عليهم بأن أصل دائهم والحامل لهم على تكذيبهم إنما هو ~~الحسد، فقال دالا بتعبيرهم بالإنزال على أنه صلى الله عليه وسلم كان ~~جديرا بأن يتوهم فيه ms4020 النبوة بما كان له قبل الوحي من التعبد والأحوال ~~الشريفة وقدموا ما يدل على اختصاصه عنادا لما يعلمون من أحواله المقتضية ~~للخصوصية بخلاف ما يذكر في القمر، وعبروا بحرف الاستعلاء إشارة إلى أن ~~مثل هذا الذي يذكره لا يقوله إلا من غلب على عقله فقالوا: { أءنزل عليه } ~~أي خاصة { الذكر } أي الذي خالف ما نحن عليه وصار يذكر به، وزادوا ما ~~دلوا به على الاختصاص تصريحا فقالوا: { من بيننا } ونحن أكبر سنا وأكثر ~~شيئا، وهذا كله كما ترى مع مناداته عليهم بالحسد العظيم ينادي عليهم ~~غاية المناداة بالفضيحة، لأنه إن كان المدار على رعاية حق الآباء حتى لا ~~يسوغ لأحد تغيير دينهم والطعن عليهم بدين محدث وإن قامت عليه الأدلة ~~وتعاضدت على حقيته البراهين فما لآبائهم غيروا دين آبائهم لأجل ما أحدثه ~~عمرو بن لحي - شخص ليس من قبيلتهم، وشهدوا على آبائهم بالضلال وهم عالمون ~~بأن ما غيروه دين إسماعيل ومن قبله إبراهيم ومن تبعهما من صالحي أولادهما ~~عليهم السلام، وإن كان المدار على المحدث حتى ساغ تغيير دين الأنبياء ومن ~~تبعهم بإحسان عليهم السلام بما أحدثه عمرو بن لحي فما لهم لا يغيرون ما ~~ابتدع من الضلال بما أتاهم به النبي صلى الله عليه وسلم وسموه محدثا، ~~وإن كان المدار على الحق فما لهم لا ينظرون الأدلة ويتبعون الحجج. # ولما كان هذا دالا على أنهم ليسوا على ثقة مما جزموا به قال: { بل } ~~أي إنهم ليسوا جازمين بما قالوا وإن أكدوه غاية التأكيد، بل { هم في شك } ~~أي تردد محيط بهم مبتدئ لهم { من ذكري } أي فلهذا لا يثبتون فيه على قول ~~واحد، أي إن أحوالهم في أقوالهم وأفعالهم أحوال الشاك. وعدل عن مظهر ~~العظمة إلى الإفراد لأن هذا السياق للتوحيد فإلافراد أولى به وليكون نصا ~~على المراد بعد ذكر آلهتهم قطعا لشبه متعنتيهم. # ولما كانوا في الحقيقة على ثقة من حقيقته وإن كان قولهم وفعلهم قول ~~الشاك قال: { بل } أي ليسوا في شك منه في نفس الأمر وإن ms4021 كان قولهم قول من ~~هو في شك. ولما كانوا قد جرت لهم مصايب ومحن، وشدائد وفتن، ربما: ظنوا ~~أنه لا يكون شيء من العذاب فوقها، نفى أن يكونوا ذاقوا شيئا من عذابه ~~الذي يرسله عند إرادة الانتقام، فعبر بما يفيد استغراق النفي في جميع ~~الزمن الماضي فقال: { لما يذوقوا } من أول أمرهم إلى الآن { عذاب * } أي ~~الذي أعددته للمكذبين فهم في عزة وشقاق، ولو ذاقوه لانحلت عرى عزائمهم، ~~وصاروا أذل شيء وأحقره أدناه وأصغره! وإطباق أهل الرسم وأكثر القراء على ~~حذف يائه رسما وقراءة إشارة إلى أنه العذاب الأدنى المذهب لحمية ~~الجاهلية، وإثبات يعقوب وحده لها في الحالين إشارة إلى أنه العذاب المعد ~~لإهلاك الأمم الطاغية لا مطلق العذاب. ### || [38.9-12] # ولما أرشد إنكارهم خصوصيته بالذكر بنفي شكهم اللازم منه إثبات أنهم على ~~علم بأنه مرسل، وأنه أحقهم بالرسالة إلى أن التقدير: أفيهم غيره من هو ~~أهل لتلقي هذا الذكر حتى ينزله الله عليه ويترك هذا البشير النذير صلى ~~الله عليه وسلم، عادل به قوله: { أم عندهم } أي خاصة دون غيرهم { خزائن ~~رحمة } ولما كان إنزال الوحي إحسانا إلى المنزل عليه، عدل عن إفراد ~~الضمير إلى صفة الإحسان المفيدة للتربية، فقال مخاطبا له صلى الله عليه ~~وسلم لأنه أضخم لشأنه، وأفخم لمقداره ومكانه: { ربك } أي المحسن إليك ~~بإنزاله ليخصوا به من شاؤوا ويمنعوا من شاؤوا # أهم يقسمون رحمة ربك # [الزخرف: 32] ولما كان لا يصلح للربوبية إلا الغالب لكل ما سواه، المفيض ~~على من يشاء، ما يشاء، قال: { العزيز الوهاب * } أي الذي يغلب كل شيء ولا ~~يغلبه شيء، ويفيض على جهة التفضل ما يشاء على من يريد، وله صفة الإفاضة ~~متكررة الآثار على الدوام، فلا معطي لما منع ولا مانع لما أعطى. # ولما سلب عنهم التصرف في الخزائن، أتبعه نفي الملك عما شاهدوا منها وهو ~~جزء يسير جدا فقال: { أم لهم } أي خاصة { ملك السماوات والأرض } ولما ~~كان الحكم على ذلك لا يستلزم الحكم على الفضاء قال: { وما بينهما } أي ~~لتكون كلمتهم ms4022 في هذا الكون هي النافذة ويتكلموا في الأمور الإلهية ~~ويسندوا ما شاؤوا من الأمور الجليلة إلى من شاؤوا، ثم بين عجزهم وبكتهم ~~وقرعهم ووبخهم بما سبب عن ذلك من قوله: { فليرتقوا * } أي يتكلفوا الرقي ~~إن كان لهم ذلك { في الأسباب * } أي الطرق الموصلة إلى السماء ليستووا ~~على العرش الذي هو أمارة الملك فيدبروا العالم فيخصوا من شاؤوا بالرسالة ~~ليعلم أن لهم ذلك وأنه لا يسوغ لأحد أن يختص دونهم بشيء. # ولما انتفى عنهم بما مضى وعن كل من يدعون ممالأته ومناصرته عن آلهتهم ~~وغيرها خصائص الإلهية، أنتج ذلك أنهم من جملة عباده سبحانه، فعبر عن ~~حالهم بأعلى ما يصلون إليه من التجمع والتعاضد الذي دل عليه ما تقدم ~~الإخبار عنه من عزتهم وشقاقهم، ونفرتهم عن القبول وانطلاقهم، فقال مخبرا ~~عن مبتدأ حذف لوضوح العلم به: { جند ما } أي ليسوا في شيء مما مضى وإنما ~~هم جند حقيرون من بعض جنودنا متعاونون في نجدة بعضهم لبعض، قال أبو حيان: ~~ويجوز أن تكون " ما " صفة أريد بها التعظيم على سبيل الهزء بهم أو ~~التحقير لأن " ما " الصفة تستعمل لهذين المعنيين. وبين بعدهم من غير ما ~~أقامهم فيه واستعملهم له من الرتب التي فرضها لهم وسفولهم عنها بقوله ~~واصفا لجند: { هنالك } أي في الحضيض عن هذه المرامي العالية، وبين أنه ~~كثيرا ما تحزب أمثالهم على الرسل فما ضروا إلا أنفسهم بقوله واصفا بعد ~~وصف مفردا تحقيرا: { مهزوم } أي له الانهزام صفة راسخة ثابتة { من ~~الأحزاب * } أي الذين جرت عادتهم عزة وشقاقا بالتحزب على الأنبياء ثم ~~تكون عليهم الدائرة، وللرسل عليهم السلام العاقبة، فلا تكترث بهم أصلا ~~قال ابن برجان: فكان أول جند مهزوم منهم جند غزوة بدر، ثم انبسط صدق ~~الحديث على جنود كثيرة في وقائع مختلفة. # ولما أوجب ذلك التشوف إلى بيان الأحزاب الماضية، وكانوا أحقر شيء ~~بالنسبة إليه سبحانه مع شدتهم في أنفسهم، بين ذلك بالتاء الدالة على ~~الرتبة الثانية المؤخرة، وهي رتبة التأنيث اللازم منه الضعف فقال: { كذبت ~~} ولما كانت ms4023 نيتهم التكذيب لا إلى آخر، عدوا مستغرقين للزمان فنزع الجار ~~وقيل: { قبلهم } أي مثل تكذيبهم. ولما كان لأول المكذبين من الكثرة ~~والقوة والاجتماع على طول الأزمان ما لم يكن لمن بعدهم، كانوا مع تقدمهم ~~في الزمان أحق بالتقديم في هذا السياق فقال: { قوم نوح } واستمروا في ~~عزتهم وشقاقهم إلى أن رأوا الماء قد أخذهم، ولم يسمحوا بالإذعان ولا ~~بالتضرع إلى نوح عليه السلام في أن يركبوا معه أو يدعو لهم فينجوا. # ولما كان لقوم هود عليه السلام بعدهم من الضخامة والعز ما ليس لغيرهم مع ~~قوة الأبدان وعلوا الهمم واتساع الملك حتى بنوا جنة في الأرض، أتبعهم ~~بهم، ومن مناسبتهم لهم في أن عذابهم بالريح التي هي سبب السحاب الحامل ~~للماء فقال: { وعاد } مسميا لهم بالاسم المنبه على ما كان لهم من المكنة ~~بالملك، واستمروا في شقاقهم إلى أن خرجت عليهم الريح، ورأوها تحمل الإبل ~~فيما بين السماء والأرض، وهجم عليهم أوائلها وهم يرون هودا عليه السلام ~~ومن معه من المؤمنين رضي الله عنهم في عافية منها، ولم يدعهم الشقاق ~~يسألونه في الدعاء لهم ولا يذعنون لما دعاهم إليه. # ولما كان لهم من القوة والملك في جميع الأرض وبناء إرم ذات العماد ما ~~يتضاءل معه ملك كل ملك، أتبعهم ملكا ضخما قهر غيره بعز سلطانه وكثرة ~~أعوانه، حتى ادعى الألهية في زمانه، وتكبر بسعة ملكه والأنهار الجارية من ~~تحته مع ما له من الوفاق لهم بأن عذابه كان بالريح باطنا وإن كان بالماء ~~ظاهرا, وذلك أن موسى عليه السلام لما ضرب البحر أرسل الله الريح ففرقته ~~طرقا وأيبست تلك الطرق، ولما خلص بنو إسرائيل أمرها الله تعالى فسكنت، ~~فانطبق البحر على فرعون وآله، فقال تعالى: { وفرعون } ذكره باسمه نصا ~~على حقيقة أمره وتصريحا بكفره إبطالا لما أظهره الأخابث من شره طعنا ~~في الدين وتشكيكا لضعفاء المسلمين. # ولما نص على كفره، وصفه بما يدل مع الدلالة على مشاركة عاد في ضخامة ~~الأمر وعلى كفر قومه فقال: { ذو الأوتاد * } أي الأسباب الموجبة ms4024 لثبات ~~الملك وتقويته من علو السلطان بكثرة الأعوان والتفرد بالأوامر وسعة العقل ~~ودقة المكر وكثرة الحيل بالسحر وغيره وجودة التدبير بالعدل فيما يزعم ~~وصولة القهر، قال أبو حيان: وأصله من البيت المطنب بأوتاده - قال الأفوه ~~الأودي: # والبيت لا يبتنى إلا له عمد # ولا عماد إذا لم ترس أوتاد # واستمروا في عزة وشقاق وهم يضربون تارة بالطوفان وتارة بالجراد وتارة ~~بالقمل، وأخرى بالضفادع وبغير ذلك، إلى أن رأوا آية البحر التي هي الغاية ~~ولم يردهم شيء من ذلك عن شقاقهم إلى أن غرقوا على كفرهم عن بكرة أبيهم ~~كما صرحت به هذه الآية. ### || [38.13-18] # ولما كانت ثمود أضخم الناس بعدهم بما لهم من إتقان الأبنية في الجبال ~~والسهول والتوسع بعمارة الحدائق وإنباط العيون وغير ذلك من الأمور، مع ~~مناسبتهم لهم في رؤية الآيات المحسوسة الظاهرة العظيمة أتبعهم بهم فقال: ~~{ وثمود } واستمروا فيما هم فيه إلى أن رأوا علامات العذاب من صفرة ~~الوجوه ثم حمرتها ثم سوادها، ولم يكن لهم في ذلك زاجر يردهم عن عزتهم ~~وشقاقهم. # ولما كان الحامل لثمود على المعصية الموجبة العذاب النساء لأن عاقر ~~الناقة ما اجترأ على عقرها إلا لامرأة منهم جعلت له على عقرها زواجها، ~~وكان الموجب لعذاب قوم لوط إتيان الذكور، فالجامع بينهم الشهوة الفرج مع ~~الطباق بالذكور والإناث، مع أن عذاب ثمود برجف ديارهم، وعذاب قوم لوط ~~بقلع مدائنهم وحملها ثم قلبها، أتبعهم بهم فقال معبرا بما يدل على قوتهم ~~مضيفا لهم إلى نبيهم عليه السلام لأنهم عدة مداين ليس لهم اسم جامع كقوم ~~نوح عليه السلام: { وقوم لوط } أي الذين لهم قوة القيام بما يحاولونه ~~واستمروا في عزتهم وشقاقهم حتى ضربوا بالعشا وطمس الأعين، ولم يقدروا على ~~الوصول إلى ما أرادوا من الدخول إلى بيت لوط عليه السلام ولا التمكن مما ~~أرادوا ولم يردهم ذلك عن عزتهم وشقاقهم، بل توعدوه بطلوع النهار. # ولما ذكر أهل المدر، أتبعهم طائفة من أهل الوبر يقاربونهم في الاستعصاء ~~بالشجر، مع أن عذابهم بظلة النار كما كان لقوم ms4025 لوط عليه السلام حجارة من ~~نار فقال: { وأصحاب لئيكة } ثم عظم أمرهم تهوينا لأمر قريش وردعا ~~لهم بالحث على استحضار عذابهم فقال: { أولئك } أي العظماء في التجند ~~والاجتماع على من يناوونه { الأحزاب * } أي الذين أقصى رتب هؤلاء في ~~المخالفة أن يكونوا مثل حزب منهم. # ولما كان في معرض المعارضة لتألبهم وشقاقهم، وتجمعهم على المناواة ~~باطلا واتفاقهم، ولما كانوا لما عندهم من العناد وحمية الجاهلية ربما ~~أنكروا أن يكون هلاك هؤلاء الأحزاب لأجل التكذيب، وقالوا: هو عادة الدهر ~~في الإهلاك والتخالف في أسباب الهلاك، قال مؤكدا بأنواع التأكيد: { إن } ~~أي ما { كل } من هذه الفرق كان لهلاكه سبب من الأسباب { إلا } أنه { كذب ~~الرسل } أي كلهم بتكذيب رسوله، فإن من كذب رسولا واحدا مع ثبوت رسالته ~~فقد استهان بمن أرسله، وذلك ملزوم لتكذيب جميع من يرسله لتساوي أقدام ~~المعجزات التي ثبتت رسالتهم بها في إيجاب التصديق { فحق } أي فتسبب عن ~~ذلك التكذيب أنه حق { عقاب * } أي ثبت عليه فلم يقدر على التخلص منه بوجه ~~من الوجوه والعدول إلى إفراد الضمير مع أسلوب التكلم لأن المقام للتوحيد ~~كما مضى وهو أنص على المراد، وتقدم السر في حذف الياء رسما في جميع ~~المصاحف، وقراءة عند أكثر القراء وفي إثباتها في الحالين ليعقوب وحده. # ولما كان السياق للشقاق والإذعان للذكر الذي هو الموعظة ذات الشرف: # ولا يسلم الشرف الرفيع من الأذى # حتى يراق على جوانبه الدم # كان الحال مقتضيا للعقوبة بخلاف ما في " ق " فإن السياق لإنكارهم البعث ~~وصحة النذارة وإثبات المجد، فكان الوعيد في ذلك كافيا. # ولما كان التقدير: فلقد أعقبنا كلا من أولئك الأحزاب لما حق عليهم ~~العقاب بنوع من الأنواع لا شك فيه عند أحد ولا ارتياب، عطف عليه قوله: { ~~وما } ولما كانت قريش في شدة العناد والتصميم على الكفر والاستكبار عن ~~الإذعان للحق وتعاطي جميع أسباب العذاب كأنهم ينتظرونه ويستعجلونه، عبر ~~بما يدل على الانتظار. ولما كانوا لمعرفتهم بصدق الآتي إليهم والقطع بصحة ~~ما يقول كأنهم يرون العذاب ولا يرجعون، ms4026 جرد فعل الانتظار فقال: { ينظر } ~~وحقرهم بقوله: { هؤلاء } أي الذين أدبروا عنك في عزة وشقاق، وغاية جهدهم ~~أن يكونوا من الأحزاب الذين تحزبوا على جندنا فأخذناهم بما هو مشهور من ~~وقائعنا ومعروف من أيامنا بأصناف العذاب، ولم تغن عنهم كثرتهم ولا قوتهم ~~شيئا ولم يضر جندنا ضعفهم ولا قلتهم { إلا صيحة } وحقر أمرهم بالإشارة ~~إلى أن أقل شيء من عذابه كاف في إهلاكهم فقال { واحدة } ولما كان السياق ~~للتهديد فعلم به أن الوصف بالوحدة للتعظيم، بينه بقوله: { ما لها } أي ~~الصيحة { من فواق * } أي مزيد أي شيء من جنسها يكون فوقها، يقال: فاق ~~أصحابه فوقا وفواقا، علاهم، وقرأه حمزة بالضم فيكون كناية عن سرعة ~~الهلاك بها من غير تأخر أصلا، فإن الفواق كغراب ما يأخذ المحتضر عند ~~النزاع، والمعنى أنه لا يحتاج في إهلاكهم إلى زيادة على الصيحة الموصوفة ~~لأنه لا صيحة فوقها، ففي ذلك تعظيم أقل شيء من عذابه وتحقير أعلى شيء من ~~أمرهم ويجوز أن تكون القرءاتان من فواق الحلب، قال الصغائي: والفواق ~~والفواق أي بالضم والفتح: ما بين الحلبتين من الوقت لأنها تحلب ثم تترك ~~سريعة يرضعها الفصيل لتدر قال في القاموس: أو ما بين فتح يدك وقبضها على ~~الضرع، فالمعنى: ما لها من رجوع كما يرجع اللبن في الضرع عن الفواق وكما ~~يرجع المريض بالإفاقة من المرض إلى الصحة، أو ما لها من انفصال وافتراق ~~بقدر ما يتنفس فيه أحد أقل تنفس وأقصره زمنا كما هي عادة الأصوات ~~المألوفة يكون فيها ترجيع يوجب في الصوت تقطعا يصير به وقعه ضعيفا ~~فاترا، واعتماده على مخرجه رخوا، بل هي صماء على نمط واحد لا تفجأ ~~أحدا إلا مات إلا من ثبته الله تعالى، ويجوز أن يكون من فواق المحتضر، ~~أي أنه ليس فيها مقدمة للموت غير قرع الصوت، وهذا موافق لقولهم: ما لها ~~من نظرة وراحة - والله أعلم. # ولما عجب منهم بما مضى، وأبطل شبههم وعرفهم أنهم قد عرضوا أنفسهم للهلاك ~~تعريضا قريبا، أتبع ذلك تعجيبا أشد من ms4027 الأول فقال: { وقالوا } أي ~~استهزاء غير هائبين ما هددناهم به ولا ناظرين في عاقبته: { ربنا } أي ~~أيها المحسن إلينا { عجل لنا } أي إحسانا إلينا { قطنا } أي نصيبا من ~~العذاب الذي توعدنا به وكتابنا الذي كتبت فيه ذلك وأحصيت فيه أعمالنا، ~~وأصله من قط الشيء - إذا قطعه، ومنه قط القلم، وأكثر استعماله في الكتاب. # ولما كان المراد بهذا المبالغة في الاستهزاء بطلب العذاب في جميع ~~الأزمان التي بينهم وبين القيامة، أسقطوا حرف الجر وقالوا: { قبل يوم ~~الحساب * } فجعلوا جميع الزمان الذي بينهم وبينه ظرفا لذلك، وجعلوا ~~تعجيله من الإحسان إليهم دلالة على الإعراق في الاستهزاء، وعبر بالقط ~~زيادة في التنبيه على ركوب الهوى من غير دليل فإن مادته دائرة في الأغلب ~~على ما يكره، واشتقاقه من القط وهو القطع، فالقط النصيب والصك وكتاب ~~المحاسبة لأنه قطعه من الورق، والحساب قطعة من الأمور, وهو يقطع فيه بما ~~هو له, والساعة - لأنها قطعة من الزمان, وتقطقط الرجل: ركب رأسه أي تبع ~~هواه الذي هو قطعة من أمره، وجاءت الخيل قطاقط أي قطعا وجماعات في ~~تفرقة، والقط: القطع، والقطط: القصير الجعد، والطقطقة: حكاية صوت ~~الحجارة، فكأنهم قالوا: عجل من ذلك ما يكون مقطوعا به لا شك فيه ويسمع ~~صوته على غاية الشدة فيهلك ويفرق بين الأحباب ويكتب في كل صك، ويتلى خبره ~~في سائر الأحقاب، فإن ذلك هو أنا لا نرجع عنه لشيء أصلا، فسبحان الحليم ~~الذي أكرمنا ورحمنا بنبي الرحمة، فلم يعجل لنا النقمة، وأقبل بقلوبنا ~~إليه، وقصر هممنا بعد أن كانت في أشد بعد عليه. ولما بلغ السيل في ركوبهم ~~الباطل عنادا - الزبى، وتجاوز في طغيانه رؤوس الربى، وكان سؤالهم في ~~تعجيل العذاب استهزاء مع ما قدموا من الإكذاب، والكلام البعيد عن الصواب، ~~ربما اقتضى أن يسأل في تعجيل ما طلبوا، وربما أوقع في ظن أن إعراضهم ~~والابتلاء بهم ربما كان لشيء في البلاء أو المبلغ، بين تعالى أن عادته ~~الابتلاء للصالحين رفعة لدرجاتهم، فقال تعالى مسليا ومعزيا ومؤسيا ~~لهذا النبي الكريم ms4028 صلى الله عليه وسلم بمن تقدمه من إخوانه الأنبياء ~~والمرسلين، مذكرا له بما قاسوا من الشدائد وما لاقوا من المحن، وحاثا ~~على العمل بأعمالهم آمرا بالتأني والتؤدة والحلم، ومحذرا من العجلة ~~والتبرم والضجر، وبدأ بأهل الشرف لأن السياق لشرف القرآن الذي يلزم منه ~~شرف صاحبه, تعريفا بأنه لا يلزم من الشرف الراحة في الدنيا، ومنبها على ~~أن شرفه محوج عن قرب بكثرة الأتباع إلى الحكم بين ذوي الخصومات والنزاع ~~الذي لا قوام له إلا بالحلم والأناة والصبر، وبدأ من أهل الشرف بمن كان ~~أول أمره مثل أول أمر هذا النبي الكريم في استضعاف قومه له وآخر أمره ~~ملكا ثابت الأركان مهيب السلطان، ليكون حاله مثلا له فيحصل به تمام ~~التسلية: { اصبر } وأشار بحرف الاستعلاء إلى عظيم الصبر فقال: { على ما } ~~وزاد في الحث عليه بالمضارع فقال: { يقولون } أي يجددون قوله في كل حين ~~من الأقوال المنكية الموجعة المبكية، فإنه ليس لنقص فيك، ولكنه لحكم تجل ~~عن الوصف، مدارها زيادة شرفك ورفعة درجاتك، وصرف الكلام إلى مقام العظمة ~~لاقتضاء ما يذكر من التسخير لذلك: { واذكر عبدنا } أي الذي أخلصناه لنا ~~وأخلص نفسه للنظر إلى عظمتنا والقيام في خدمتنا، وأبدل منه أو بقوله: { ~~داود ذا الأيد } أي القوى العظيمة في تخليص نفسه من علائق الأجسام، فكانت ~~قوته في ذلك سببا لعروجه إلى المراتب العظام. # ولما كان أعظم الجهاد الإنقاذ من حفائر الهفوات وأوامر الشهوات، ~~بالإصعاد في مدارج الكمالات، ومعارج الإقبال، وكان ذلك لا يكاد يوجد في ~~الآدميين لما حفوا به من الشهوات وركز في طباعهم من الغفلات، علل قوته ~~بقوله مؤكدا: { إنه أواب * } أي رجاع إلى الله تعالى ليصير إلى ما خلقه ~~عليه من أحسن تقويم بالعقل المحض أطلق العلو درجة درجة على الرجوع، لأن ~~ذلك دون الرتبة التي تكون نهاية عند الموت، فكان المقضي له بها أنزل نفسه ~~عنها، ثم صار يرجع إليها كل لحظة بما يكابد من المجاهدات والمنازلات ~~والمحاولات حتى وصل إليها بعد التجرد عن الهوى كله. ولما كان ms4029 الإنسان لا ~~يزال يتقرب إلى الله تعالى حتى يحبه فإذا أحبه صار يفعل به سبحانه، وظهرت ~~على يديه الخوارق، قال مستأنفا جوابا لمن سأل عن جزائه على ذلك الجهاد، ~~مؤكدا له لما طبع عليه البشر من إنكار الخوارق لتقيده بالمألوفات: { إنا ~~} أي على ما لنا من العظمة التي لا يعجزها شيء { سخرنا الجبال } أي التي ~~هي أقسى من قلوب قومك فإنها أعظم الأراضي صلابة وقوة وعلوا ورفعة، بأن ~~جعلناها منقادة ذلولا كالجمل الأنف، ثم قيد ذلك بقوله: { معه } أي ~~مصاحبة له فلم يوجد ذلك التسخير ظاهرا لأحد بعده ولا قبله، ولما كان ~~وجود التسبيح من الجبال شيئا فشيئا أعجب لأنها جماد، عبر بالفعل ~~المضارع، فقال مصورا لتلك الحال معبرا بضمير الإناث إشارة إلى أنها بعد ~~ما لها من الصلابة صارت في غاية اللين والرخاوة، يسبح كل جبل منها بصوت ~~غير مشبه بصوت الآخر، لأن ذلك أقرب إلى التمييز والعلم بتسبيح كل على ~~انفراده: { يسبحن } ولم يقل: " مسبحة " أو " تسبح " لئلا يظن أن تسبيحها ~~بصوت واحد ليشكل الأمر في بعضها، وهو يمكن أن يكون استئنافا وأن يكون ~~حالا بمعنى أنهن ينقدن له بالتسبيح قالا وحالا انقياد المختار المطيع ~~لله. # ولما كان في سياق الأوبة، وكان آخر النهار وقت الرجوع لكل ذي إلف إلى ~~مألفه مع أنه وقت الفتور والاستراحة من المتاعب قال: { بالعشي } أي تقوية ~~للعامل وتذكيرا للغافل. ولما كان في سياق الفيض والتشريف بالقرآن قال: { ~~والإشراق * } أي في وقت ارتفاع الشمس عن انتشاب الناس في الأشغال، ~~واشتغالهم بالمآكل والملاذ من الأقوال والأفعال، تذكيرا لهم وترجيعا عن ~~مألوفاتهم إلى تقديس ربهم سبحانه، وليس الإشراق طلوع الشمس، إنما هو ~~صفاؤها وضوءها، وشروقها طلوعها، وروت أم هانىء رضي الله عنها أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم صلى في بيتها الضحى وقال لها: # " هذه صلاة الإشراق " # وفي الجامع لعبد الرزاق أن ابن عباس رضي الله عنهما قال: صلاة الضحى في ~~القرآن، ولكن لا يغوص عليها إلا غائص، ثم قرأ هذه الآية. وإليها الإشارة ~~أيضا ms4030 - والله أعلم - بصلاة الأوابين { واذكر عبدنا داود ذا الأيد أنه ~~أواب } { ووهبنا لداود سليمان نعم العبد أنه أواب } { يا جبال أوبي معه ~~} { والطير محشورة كل له أواب } روى مسلم في صحيحه وعبد بن حميد في ~~مسنده والدارمي في جامعه المسمى بالمسند عن زيد بن أرقم رضي الله عنه أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " صلاة الأوابين حين ترمض الفصال " # ، ولفظ الدارمي أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج عليهم وهو يصلون بعد ~~طلوع الشمس فقال: # " صلاة الأوابين إذا رمضت الفصال " # ، ولفظ عبد أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاهم في مسجد قباء فرآهم يصلون ~~الضحى فقال: # " هذه صلاة الأوابين وكانوا يصلونها إذا رمضت الفصال " # أي بركت من شدة الحر وإحراقه أخفافها، من الرمض - بالتحريك، وهو شدة ~~الشمس على الرمل وغيره، والرمضاء: الشديدة الحر. ### || [38.19-22] # ولما أخبر سبحانه عن تسخير أثقل الأشياء وأثبتها له، أتبعها أخفها ~~وأكثرها انتقالا، وعبر فيها بالاسم الدال على الاجتماع جملة والثبات ~~لأنه أدل على القدرة فقال معبرا باسم الجمع دون الجمع إشارة إلى أنها في ~~شدة الاجتماع كأنها شي واحد، ذكر حالها في وصف صالح للواحد، وجعله مؤنثا ~~إشارة إلى ما تقدم من الرخاوة اللازمة للإناث المقتضية لغاية الطواعية ~~والقبول لتصرف الأحكام: { والطير } أي سخرناها له حال كونها { محشورة } ~~أي مجموعة إليه كرها من كل جانب دفعة واحدة - بما دل التعبير بالاسم دون ~~الفعل وهو أدل على القدرة وهي أشد نفرة من قومك وأعسر ضبطا وهذا كما كان ~~الحصى يسبح في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي يد بعض أصحابه، وكما ~~تحرك الجبل فضربه برجله وقال: # " اسكن أحد " # فسكن، وكما حشر الدبر على رأس عاصم بن ثابت بن أبي الأفلح رضي الله عنه ~~فمنع من أخذه ليتلعب به، فلما جاء الليل أرسل الله سيلا فاحتمله إلى حيث ~~لم يعرف له خبر ولا وقف له على أثر { كل } أي كل واحد من الجبال والطير { ~~له أواب * } أي رجاع لأجل داود عليه السلام خاصة عن ms4031 مألوفه لا بمعنى آخر ~~مما ألفته، فكلما رجع هو عن حكمه وما هو فيه من الشغل بالخلق إلى تسبيح ~~الحق رجعت معه بذلك الجبال والطير، وجعل الخبر مفردا إشارة إلى إلى شدة ~~زجلها بالتأديب وعظمته، والإفراد أيضا يفيد الحكم على كل فرد، ولو جمع ~~لطرقه احتمال أن الحكم على المجموع يقيد الجمع، فكأن داود عليه السلام ~~يفهم تسبيح الجبال والطير، وينقاد له كل منهما إذا أمره بالتسبيح، وكل من ~~تحقق بحاله ساعده كل شيء - قاله القشيري، ففي هذا إشارة إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم بأنا متى شئنا جعلنا قومك معك في التسخير هكذا، فلا تيأس ~~منهم على شدة نفرتهم وقوة سماجتهم وغرتهم، فإنا جعلناهم كذلك لتروض نفسك ~~بهم وتزداد بالصبر عليهم جلالا، وعلوا ورفعة وكمالا - إلى غير ذلك من ~~الحكم التي لا تسعها العقول، ولا تيأس من لينهم لك ورجوعهم إليك فإنهم لا ~~يعدون أن يكونوا كالجبال قوة وصلابة، أو الطير نفرة وطيشا وخفة، فمتى ~~شئنا جعلناهم لك مثل ما جعلنا الجبال والطير مع داود عليه السلام، بل ~~أمرهم أيسر وشأنهم أهون. # ولما كان هذا دالا على الملك من حيث أنه التصرف في الأشياء العظيمة ~~قسرا، فكان كأنه قيل: كل ذلك إثباتا لنبوته وتعظيما لملكه، قال: { ~~وشددنا } أي بما لنا من العظمة { ملكه } بغير ذلك مما يحتاج إليه الملك، ~~قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان أشد ملوك الأرض سلطانا. # ولما كان أعظم المثبتات للملك المعرفة قال: { وآتيناه } أي بعظمتنا { ~~الحكمة } أي النبوة التي ينشأ عنها العلم بالأشياء على ما هي عليه، ووضع ~~الأشياء في أحكم مواضعها، فالحكمة العمل بالعلم. ولما كان تمامه بقطع ~~النزاع قال: { وفصل الخطاب * } أي ومعرفة الفرق بين ما يلتبس في كلام ~~المخاطبين له من غير كبير روية في ذلك، بل يفرق بديهة بين المتشابهات ~~بحيث لا يدع لبسا يمكن أن يكون معه نزاع لغير معاند وكسوناه عزا وهيبة ~~ووقارا يمنع أن يجترىء أحد على العناد في شيء من أمره بعد ذلك البيان ~~الذي فصل ms4032 بين المتشابهات، وميز بين المشكلات الغامضات، وإذا تكلم وقف على ~~المفاصل، فيبين من سرده للحديث معانيه، ويضع الشيء في أحكم مبانيه. # ولما كان السياق للتدريب على الصبر والتثبيت الشافي والتدبر التام ~~والابتلاء لأهل القرب، وكان المظنون بمن أوتي فصل الخطاب أن لا يقع له ~~لبس في حكم ولا عجلة في أمر، وكان التقدير: هل أتتك هذه الأنباء، عطف ~~عليه - مبينا عواقب العجلة معلما أن على من أعطى المعارف أن لا يزال ~~ناظرا إلى من أعطاه ذلك سائلا له التفهيم، استعجازا لنفسه متصورا ~~لمقام العبودية التي كرر التنبيه عليها في هذه السورة بنحو قوله: " نعم ~~العبد " قوله في سياق ظاهره الاستفهام وباطنه التنبيه على ما في ذلك من ~~الغرابة خبره العظيم جدا، وأفرده وإن كان المراد الجمع دلالة على أنهم ~~على كلمة واحدة في إظهار الخصومة لا يظهر لأحد منهم أنه متوسط مثلا ونحو ~~ذلك. # ولما كان الخصم مصدرا يقع على الواحد فما فوقه ذكرا كان أو أنثى، وكان ~~يصح تسمية ربقة المتخاصمين خصما لأنهم في صورة الخصم قال: { إذا } أي ~~خبر تخاصمهم حين { تسوروا } أي صعدوا السور ونزلوا من هم ومن معهم، آخذا ~~من السور وهو الوثوب { المحراب * } أي أشرف ما في موضع العبادة الذي كان ~~داود عليه السلام به، وهو كناية عن أنهم جاؤوه في يوم العبادة ومن غير ~~الباب، فخالفوا عادة الناس في الأمرين، وكأن المحراب الذي تسوروه كان فيه ~~باب من داخل باب آخر، فنبه على ذلك بأن أبدل من " إذ " الأول قوله: { إذ ~~} أي حين { دخلوا } وصرح باسمه رفعا للبس وإشعارا بما له من قرب ~~المنزلة وعظيم الود فقال: { على داود } ابتلاء منا له مع ما له من ضخامة ~~الملك وعظم القرب منا، وبين أن ذلك كان على وجه يهول أمره إما لكونه في ~~موضع لا يقدر عليه أحد أو غير ذلك بقوله: { ففزع } أي ذعر وفرق وخاف { ~~منهم } أي مع ما هو فيه من ضخامة الملك وشجاعة القلب وعلم الحكمة وعز ~~السلطان. # ولما كان كأنه ms4033 قيل: فما قالوا له؟ قال: { قالوا لا تخف } ولما كان ذلك ~~موجبا لذهاب الفكر في شأنهم كل مذهب، عينوا أمرهم بقولهم: { خصمان } أي ~~نحن فريقان في خصومة، ثم بينوا ذلك بقولهم: { بغى بعضنا } أي طلب طلبة ~~علو واستطالة { على بعض } فأبهم أولا ليفصل ثانيا فيكون أوقع في النفس، ~~ولما تسبب عن هذا سؤاله في الحكم قالوا: { فاحكم بيننا بالحق } أي الأمر ~~الثابت الذي يطابقه الواقع، وإنما سألاه ذلك مع العلم بأنه لا يحكم إلا ~~بالعدل ليكون أجدر بالمعاتبة عند أدنى هفوة { ولا تشطط } أي لا توقع ~~البعد ومجاوزة الحد لا في العبارة عن ذلك بحيث يلتبس علينا المراد ولا في ~~غير ذلك، أو ولا تمعن في تتبع مداق الأمور فإني أرضى بالحق على أدنى ~~الوجوه، ولذا أتى به من الرباعي والثلاثي بمعناه، قال أبو عبيد: شط في ~~الحكم وأشط - إذا جار، ولذا أيضا فك الإدغام إشارة إلى أن النهي إنما هو ~~عن الشطط الواضح جدا. ولما كان الحق له أعلى وأدنى وأوسط، طلبوا التعريف ~~بالأوسط فقالوا { واهدنا } أي أرشدنا { إلى سواء } أي وسط { الصراط * } ~~أي الطريق الواضح، فلا يكون بسبب التوسط ميل إلى أحد الجانبين: الإفراط ~~في تتبع مداق الأمر والتفريط في إهمال ذلك. ### || [38.23-26] # ولما كانت هذه الدعوى بأمر مستغرب يكاد أن لا يسمعه أحد إلا أنكره ساق ~~الكلام مؤكدا فقال: { إن هذا } يشير إلى شخص من الداخلين، ثم أبدل منه ~~قوله: { أخي } أي في الدين والصحبة، ثم أخبر عنه بقوله: { له تسع وتسعون ~~نعجة } ويجوز أن يكون { أخي } هو الخبر والتأكيد حينئذ لأجل استبعاد ~~مخاصمة الأخ وعدوانه على أخيه ويكون ما بعده استئنافا { ولي } أي أنا ~~أيها المدعي { نعجة } ولما كان ذلك محتملا لأن يكون جنسا أكده بقوله: { ~~واحدة } ثم سبب عنه قوله: { فقال } أي الذي له الأكثر: { أكفلنيها } أي ~~أعطنيها لأكون كافلا لها { وعزني } أي غلبني وقوى علي واشتد وأغلظ بي { ~~في الخطاب * } أي الكلام الذي له شأن من جدال وغيره بأن حاورني إلى أن ~~أملني فسكت ms4034 عجزا عن التمادي معه، ولم يقنع مني بشيء دون مراده. # ولما تمت الدعوى، حصل التشوف إلى الجواب فاستؤنف قوله: { قال } أي على ~~تقدير صحة ما قلت، وذلك أنه لما رأى الخصم قد سكت ولم ينكر مما قال ~~المدعي شيئا، وربما أظهر هيئة تدل على تصديقه قال ذلك فعوتب وإن كان له ~~مخرج، كل ذلك تدريبا على التثبت في القضاء وأن لا ينحي نحو القرآئن، وأن ~~لا يقنع فيه إلا بمثل الشمس، وأكد قوله في سياق القسم ردعا للظالم على ~~تقدير صحة الدعوى بالمبالغة في إنكار فعله لأن حال من فعل شيئا مؤذن ~~بإنكار كونه ظالما وكون فعله ظلما. مفتتحا لقوله بحرف التوقع لاقتضاء ~~حال الدعوى له: { لقد ظلمك } أي والله قد أوقع ما فعله معك في غير موقعه ~~على تقدير صحة دعواك { بسؤال نعجتك } أي بأن سألك أن يضمها، وأفاد أن ذلك ~~على وجه الاختصاص بقوله: { إلى نعاجه } بنفسه أو بغيره نيابة عنه ولذا لم ~~يقل: بسؤاله, ثم عطف على ذلك أمرا كليا جامعا لهم ولغيرهم واعظا ~~ومرغبا ومرهبا, ولما كانت الخلطة موجبة لظن الألفة لوجود العدل والنصفة ~~واستبعاد وجود البغي معها، أكد قوله واعظا للباغي إن كان وملوحا ~~بالإغضاء والصلح للمظلوم: { وإن كثيرا من الخلطاء } أي مطلقا منكم ومن ~~غيركم { ليبغي } أي يتعدى ويستطيل { بعضهم } عاليا { على بعض } فيريدون ~~غير الحق { إلا الذين آمنوا } من الخلطاء { وعملوا } أي تصديقا لما ~~ادعوه من الإيمان { الصالحات } أي كلها فإنهم لا يقع منهم بغي { وقليل } ~~وأكد قلتهم وعجب منها بما أبهم في قوله: { ما } مثل نعما ولأمرها { هم } ~~وأخر هذا المبتدأ وقدم الخبر اهتماما به لأن المراد التعريف بشدة الأسف ~~على أن العدل في غاية القلة، أي فتأس بهم أيها المدعي وكن منهم أيها ~~المدعى عليه. # ولما أتم ذلك ذهب الداخلون عليه فلم ير منهم أحدا فوقع في نفسه أنه لا ~~خصومة، وأنهم إنما أرادوا أن يجربوه في الحكم ويدربوه عليه، وأنه يجوز ~~للشخص أن يقول ما لم يقع إذا انبنى عليه ms4035 فائدة عظيمة تعين ذلك الكلام ~~طريقا للوصول إليها أو كان أحسن الطرق مع خلو الأمر عن فساد، وحاصله أنه ~~تذكر كلام، والمراد به بعض لوازمه، فهو مثل دلالة التضمن في المفردات، ~~وهذا مثل قول سليمان عليه السلام " ائتوني بالسكين أشقه بينهما " وليس ~~مراده إلا ما يلزم عن ذلك من معرفة الصادقة والكاذبة بإباء الأم لذلك ~~وتسليم المدعية كذبا، وتحقيقه أنه لا ملازمة بين الكلام وإرادة المعنى ~~المطابقي لمفردات ألفاظه بدليل لغو اليمين، وقول النبي صلى الله عليه ~~وسلم لصفية رضي الله عنها # " عقرى حلقى " # ولأم سلمة رضي الله عنها # " تربت يمينك " # وقوله صلى الله عليه وسلم: # " ثلاث جدهن جد وهزلهن جد " # مشير إلى أن الكلام قد لا يراد به معناه، ومن هنا كان الحكم في ألفاظ ~~الكنايات أنه لا يقع بها شيء إلا إن اقترن بقصد المعنى، ولما كان هذا ~~القدر معلوما عطف عليه قوله: { وظن داود } أي بذهابهم قبل فصل الأمر وقد ~~دهمه من ذلك أمر عظيم من عظمة الله لا عهد له بمثله { أنما فتناه } أي ~~اختبرناه بهذه الحكومة في الأحكام التي يلزم الملوك مثلها ليتبين أمرهم ~~فيها. وعلم أنه بادر إلى نسبة المدعى عليه إلى أنه ظلم من قبل أن يسمع ~~كلامه ويسأله المدعي الحكم، فعاتبه الله على ذلك، والأنبياء عليهم السلام ~~لعلو مقاماتهم يعاتبون على مثل هذا، وهو من قصر الموصوف على الصفة قلبا، ~~أي هذه القصة مقصورة على الفتنة لا تعلق لها بالخصوصة، ولو كان المراد ما ~~قيل من قصة المرأة التي على كل مسلم تنزيهه وسائر إخوانه عليهم السلام عن ~~مثلها لقيل " وعلم داود " ولم يقل: وظن - كما يشهد بذلك كل من له أدنى ~~ذوق في المحاورات - والله الموفق، وقال الزمخشري: وعن سعيد بن المسيب ~~والحارث الأعور أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: من حدثكم بحديث ~~داود على ما يرويه القصاص جلدته مائة وستين، وهو حد الفرية على الأنبياء ~~عليهم السلام، وروي أنه حدث بذلك عمر بن عبد العزيز، وعنده رجل ms4036 من أهل ~~الحق، فكذب المحدث به وقال: إن كانت القصة على ما في كتاب الله عز وجل ~~فما ينبغي أن يلتمس خلافها، وأعظم بأن يقال غير ذلك، وإن كانت على ما ~~ذكرت وكف الله عنها سترا على نبيه صلى الله عليه وسلم فما ينبغي إظهارها ~~عليه، فقال عمر بن عبد العزيز: لسماعي هذا الكلام أحب إلي مما طلعت عليه ~~الشمس. # وتلك القصة وأمثالها من كذب اليهود، وأخبرني بعض من أسلم منهم أنهم ~~يتعمدون ذلك في حق داود عليه السلام لأن عيسى عليه السلام من ذريته ~~ليجدوا السبيل إلى الطعن فيه. # ولما ظن هذا، سبب له تحقيق ما وصفه الله من الأوبة فعبر عن ذلك بقوله: { ~~فاستغفر } ولما استغرقته العظمة التي هذا مخرها، رجع إلى ذكر الإحسان ~~واللطف فقال: { ربه } أي طلب الغفران من مولاه الذي أحسن إليه بإحلاله ~~ذلك المحل العظيم من أن يعود للحكم للأول بدون أن يسمع الآخر { وخر } أي ~~سقط من قيامه توبة لربه عن ذلك، ولما كان الخرور قد يكون لغير العبادة ~~قال: { راكعا } أي ساجدا لأن الخرور لا يكون إلا للسقوط على الأرض، ~~ولأن النبي صلى الله عليه وسلم فسره بالسجود فيما روى النسائي عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد في " ص " وقال: # " سجدها داود توبة ونسجدها شكرا " # وعبر بالركوع عن السجود ليفهم أنه كان عن قيام وأنه في غاية السرعة لقوة ~~الاهتمام به وتوفر الداعي إليه بحيث إنه وصل إلى السجود في مقدار ما يصل ~~غيره إلى الركوع، قال ابن التياني في كتابه الموعب: وكل شيء يكب لوجهه ~~فتمس ركبته الأرض بعد أن يطأطىء رأسه فهو راكع. ابن دريد: الراكع الذي ~~يكبو على وجهه - انتهى. والركعة - بالضم: الهوة من الأرض، كأنها سميت ~~بذلك لأنها تسقط فيها على الوجه، وكأنها هي أصل المادة، وقال في القاموس: ~~ركع أي صلى، فحينئذ يكون المعنى: سقط مصليا، ومعلوم أن صلاتهم لا ركوع ~~فيها وقد تقدم ذلك في آل عمران والبقرة { وأناب ms4037 * } أي تاب أي رجع عن أن ~~يعود لمثلها. ولما كان الحال قد يشكل في الإخبار عن المغفرة لو عبر بضمير ~~الغائب لإيهام أن ربه غير المتكلم، وكان الغفران لا يحسن إلا مع القدرة، ~~عاد إلى مظهر العظمة إثباتا للكمال ونفيا للنقص: فقال: { فغفرنا } أي ~~بسبب ذلك وفي أثره على عظمتنا وتمام قدرتنا غفرا يناسب مقداره ما لنا من ~~العظمة { له ذلك } أي الوقوع في الحديث عن إسناد الظلم إلى أحد بدون سماع ~~لكلامه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم اشترط على ربه سبحانه لأجل هذه ~~القصة أن كل من سبه أو دعا عليه وليس أهلا لذلك أن يكون ذلك له صلاة ~~وبركة ورحمة، والحاصل أن هذه القضية لتدريب النبي صلى الله عليه وسلم على ~~الصبر على قومه، والثاني فإن هذه السورة على ما روي عن جابر بن زيد من ~~أوائل ما أنزل بمكة، وعلى هذا دل الحديث السابق عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما في شكوى المشركين منه صلى الله عليه وسلم إلى عمه أبي طالب الوقوع ~~في آلهتهم فإنه كان في أوائل الأمر، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أول ما ~~دعاهم لم يؤمر بذكر آلهتهم فلم يجيبوه ولم يبعدوا عن كل البعد، ثم أمره ~~الله بذكر ألهتهم فناكروه حينئذ وباعدوه، وتقدموا ذلك بالشكوى إلى أبي ~~طالب مرة بعد أخرى ليرده عنه، فكانت هذه الدعوى تدريبا لداود عليه ~~السلام في الأحكام، وذكرها للنبي صلى الله عليه وسلم تدريبا له على ~~الأناة في جميع أموره على الداوم. # ولما كان ذكر هذا ربما أوهم شيئا في مقامه صلى الله عليه وسلم، سيق في ~~أسلوب التأكيد قوله: { وإن له } أي مع الغفران، وعظم ذلك بمظهر العظمة ~~لأن ما ينسب إلى العظيم لا يكون إلا عظيما فقال: { عندنا } وزاد في ~~إظهار الاهتمام بذلك نفيا لذلك الذي ربما توهم, فأكد قوله: { لزلفى } أي ~~قربة عظيمة ثابتة بعد المغفرة { وحسن مآب * } أي مرجع في كل ما يؤمل من ~~الخير، وفوق ذلك فهذا معلم ولا بد ms4038 بأن هذه القضية لم يجر إلى ذكرها إلا ~~الترقية في رتب الكمال لا غير ذلك، وأدل دليل على ما ذكرته - أن هذه ~~الفتنة إنما هي بالتدريب في الحكم لا بامرأة ولا غيرها وأن ما ذكروه من ~~قصة المرأة باطل وإن اشتهر, فكم من باطل مشهور ومذكور هو عين الزور - ~~قوله تعالى عقبها على هيئة الاستثمار منها صارفا القول عن مظهر العظمة ~~إلى المواجهة بلذيذ الخطاب، على نحو ما يجري بين الأحباب { يا داود }. # ولما كان مضمون الخبر لزيادة عظمة مما من شأنه أن تستنكره نفوس البشر، ~~أكده لذلك وإظهارا لأنه مما يرغب فيه لحسنه وجميل أثره وينشط غاية ~~النشاط لذكره فقال: { إنا } أي على ما لنا من العظمة { جعلناك } فلا تحسب ~~لشيء من أسبابه حسابا ولا تخش له عاقبة { خليفة } أي من قبلنا تنفذ ~~أوامرنا في عبادنا فحكمك حكمنا، وحذف ما يعلم أنه مراد من نحو { قلنا } ~~إشارة إلى أنه استقبل بهذا الكلام الألذ عند فراغه من السجود إعلاما ~~بصدق ظنه، وقال: { في الأرض } أي كلها إشارة إلى إطلاق أمره في جميعها، ~~فلا جناح عليه فيما فعل في أي بلد أرادها، ولم يذكر المخلوف تعظيما له ~~بالإشارة إلى أن كل ما جوزه العقل فيه فهو كذلك فهو كان خليفة في بيت ~~المقدس بالفعل على ما اقتضاه صريح الكلام بالتعبير بفي، وأشار الإطلاق ~~والتعبير بآل إلى أنها الأرض الكاملة لانبساط الحق منها بإبراهيم عليه ~~السلام وذريته على سائر الأرض وهو خليفة في جميع الأرض بالقوة بمعنى أنه ~~مهما حكم فيها صح، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرسل إلى قومه ~~خاصة فيكون ما يؤديه إليه واجبا عليه، وأما بقية الناس فأمره معهم من ~~باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مهما فعله منه صح ومضى، ثم كان ~~خليفة في جميع الأرض حقيقة بالفعل بابنه سليمان عليه السلام فاستوفى ~~الإطلاق { وآل } المكملة أقصى ما يراد منه، إعلاما بأن كلام القدير كله ~~كذلك وإن لم يظهر في الحالة الراهنة، وذلك كما أن ms4039 المنزل عليه هذا الذكر ~~وبسببه محمد صلى الله عليه وسلم كان خليفة بالفعل في أرض العرب التي هي ~~الأرض كلها, لأن الأرض دحيت منها, وبيتها لأول بيت وضع للناس, وهو قيام ~~لهم، ومن انبسط القيام بالنور والعدل على جميع الأرض وفي جميع الأرض ~~بالقوة بمعنى أنه مهما حكم به فيها مضى، فقد أعطى تميما الداري رضي الله ~~عنه أرض بلد الخليل من بلاد الشام قبل أن يفتح وصح ونفذ، وأعطى شويلا ~~رضي الله عنه بنت بقيلة من أهل الحيرة وصح ذلك ونفذ وقبض كل منهما عند ~~الفتح ما أعطاه صلى الله عليه وسلم الذي هو من ذرية داود عليه السلام ثم ~~في جميع الوجود يوم القيامة يوم الشفاعة العظمى يوم يكون الأنبياء كلهم ~~تحت لوائه، ويغبطه الأولون والاخرون بذلك المقام المحمود. # ولما تمت النعمة، سبب عنها قوله: { فاحكم بين الناس } أي الذين يتحاكمون ~~إليك من أي قوم كانوا { بالحق } أي الأمر الثابت الذي يطابقه الواقع. ~~ولما كان أعدى عدو للإنسان نفسه التي بين جنبيه لما لها من الشهوات، ~~وأعظم جناياته وأقبح خطاياه ما تأثر عنها من غير استناد إلى أمر الله، ~~مشيرا بصيغة الافتعال إلى أنه سبحانه عفا الخطرات، وما بادر الإنسان ~~الرجوع عنه والخلاص منه توبة إلى الله تعالى: { ولا تتبع الهوى } أي ما ~~يهوى بصاحبه فيسقطه من أوج الرضوان إلى حضيض الشيطان، ثم سبب عنه قوله: { ~~فيضلك } أي ذلك الاتباع أو الهوى لأن النفس إذا ضربت على ذلك صار لها ~~خلقا فغلب صاحبها عن ردها عنه، ولفت القول عن مظهر العظمة إلى الاسم ~~الأعظم الجامع لجميع الأسماء الحسنى والصفات العلى تعظيما لأمر سبيله، ~~وحثا على لزومه والتشرف بحلوله، فقال: { عن سبيل الله } أي طريقه التي ~~شرعها للوصول إليه بما أنزل من النقل المؤيد بأدلة ما خلق من العقل، ولا ~~يوصل إليه بدونها لأن اتباعه يوجب الانهماك في اللذات الجسمانية، ~~والإهمال لتكميل القوى الروحانية، الموصلة إلى السعادة الأبدية، فإن ~~دواعي البدن والروح متضادتان فبقدر زيادة إحداهما تنقص الأخرى. # ولما ms4040 كانت النفس نزاعة إلى الهوى، ميالة عن السوى، قال معللا للنهي ~~مؤكدا لما للنفس من التعللات عند المخالفة بالكرم والمغفرة الدافع ~~للعذاب: { إن الذين يضلون } أي يوجدون الضلال بإهمالهم التقوى الموجب ~~لاتباع الهوى المقتضي لأن يكون متبعه ضالا { عن سبيل الله } إعادة ~~تفخيما لأمره وتيمنا بذكره وإيذانا بأن سبيله مأمور به مطلقا من غير ~~تقييد بداود عليه السلام ولا غيره فيه { لهم عذاب شديد } أي بسبب ضلالهم. # ولما أمر سبحانه ونهى، وذكر أن السبب في النهي كراهة الضلال وعلم منه أن ~~سبب الضلال الهوى، ذكر سبب هذا السبب فقال معبرا بالنسيان إشارة إلى أنه ~~من شدة ظهوره كما كان محفوظا فنسي، وفك المصدر لأنه أصرح لأنه لو عبر ~~بالمصدر لأمكن إضافته إلى المفعول، واختيرت { ما } دون { إن } لأن صورتها ~~صورة الموصول الاسمي، وهو أبلغ مما هو حرف صورة ومعنى: { بما نسبوا يوم ~~الحساب } أي عاملوه معاملة المنسي بعضهم بالإنكار وبعضهم بخبث الأعمال، ~~فإنهم لو ذكروه حقيقة لما تابعوا الهوى المقتضي للضلال على أنه مما لا ~~يجهله من له أدنى مسكة من عقل فإنه لا يخطر في عقل عاقل أصلا أن أقل ~~الناس وأجهلهم يرسل أحدا إلى مزرعة له يعملها، ثم لا يحاسبه عليها فكيف ~~إذا كان حكيما فكيف إذا كان ملكا فكيف وهو ملك الملوك، وقال الغزالي في ~~آخر كتاب العلم من الإحياء في الكلام على العقل: ثم لما كان الإيمان ~~مركوزا في النفوس بالفطرة انقسم الناس إلى من أعرض فنسي، وهم الكفار، ~~وإلى من جال فكره فتذكر، وكان كمن حمل شهادة فنسيها بغفلة ثم تذكرها، ~~ولذلك قال تعالى { لعلهم يتذكرون } { وليتذكر أولوا الألباب } # واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به # [المائدة: 7] # ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر # [القمر: 17] وتسمية هذا النمط تذكرا ليس ببعيد، وكأن التذكر ضربان: ~~أحدهما أن يذكر صورة كانت حاضرة الوجود في قلبه، لكن غابت بعد الوجود، ~~والآخر أن يكون عن صورة كانت متضمنة فيه الفطرة، وهذه حقائق ظاهرة لناظر ~~بنور البصيرة ثقيلة على ms4041 من يستروح إلى السماع والتقليد دون الكشف والعيان ~~- انتهى. وقد علم من هذه القصة وما قبلها أن المعنى: اصبر على ما يقولون ~~الآن، فلننصرك فيما يأتي من الزمان، ولنؤيدنك كما أيدنا داود العظيم ~~الشأن. ### || [38.27-30] # ولما كان التقدير: فما قضيناه في الأزل بيوم الحساب وتوعدنا به سدى، عطف ~~عليه قوله صارفا الكلام عن الغيبة إلى مظهر العظمة إشارة إلى أن العظيم ~~تأبى له عظمته غير الجد العظيم: { وما خلقنا } أي على ما لنا من العظمة، ~~ويجوز أن تكون الجملة حالية. ولما كان السياق لما وقع من الشقاق عنادا ~~لا جهلا، ذكر من السماوات ما لا يمكن النزاع فيه مع أن اللفظ للجنس ~~فيشمل الكل فقال: { السماء } أي التي ترونها { والأرض وما بينهما } مما ~~تحسونه من الرياح وغيرها خلقا { باطلا } أي لغير غاية أردناها بذلك من ~~حساب من فيهما كما يحاسب أقل من فيكم إجزاء، ومجازاة من فيهما بالثواب ~~لمن أطاع والعقاب لمن عصى كما يفعل أقل ملوككم فإن أدنى الناس عقلا لا ~~يبني بناء ضخما إلا لغاية أرادها، وتلك الغاية هي الفصل بين الناس الذين ~~أعطيناهم القوى والقدر في هذه الدار، وبثثنا بينهم الأسباب الموجبة ~~لانتشار الصفاء فيهم والأكدار، وأعطيناهم العقول تنبيها على ما يراد، ~~وأرسلنا فيهم الرسل، وأنزلنا إليهم الكتب، بالتعريف بما يرضينا ويسخطنا، ~~فنابذوا كل ذلك فلو تركناهم بلا جمع لهم ولا إنصاف بينها لكان هذا الخلق ~~كله باطلا لا حكمة فيه أصلا، لأن خلقه للضر أو النفع أو لا لواحد ~~منهما، والأول باطل لأنه غير لائق بالرحيم الكريم، والثالث باطل لأنه كان ~~في حال العدم كذلك، فلم يبق للإيجاد مرجح، فتعين الوسط وهو النفع، وهو لا ~~يكون بالدنيا لأن ضرها أكثر من نفعها، وتحمل ضر كثير لنفع غير لائق ~~بالحكيم الكريم، فتعين ما وقع الوعد الصادق به من نفع الآخرة المطابق لما ~~ذكر من عقل العقلاء وسير النبلاء. # ولما كان هذا - وهو منابذة الحكمة - عظيما جدا، عظمه بقوله: { ذلك } ~~أي الأمر البعيد عن الصواب { ظن الذين كفروا ms4042 } أي من أوقع هذا الظن في ~~وقت ما، فقد أوجد الكفر لأنه جحد الحكمة التي هي البعث لإظهار صفات ~~الكمال والمجازاة بالثواب والعقاب، ومن جحد الحكمة فقد سفه الخالق، فكان ~~إقراره بأنه خالق كلا إقرار فكان كافرا به، ثم سبب عن هذا الظن قوله: { ~~فويل } أي هلاك عظيم بسبب هذا الظن، وأظهر في موضع الإضمار تعميما ~~وتعليقا للحكم بالوصف فقال: { للذين كفروا } أي مطلقا بهذا الظن وبغيره ~~{ من } أي مبتدأ من { النار * } أي الحكم عليهم بها. # ولما كان التقدير: أفنحن نخلق ذلك باطلا؟ فلا يكون له مآل يظهر فيه ~~حكمته ونحن منزهون عن العبث، عطف عليه قوله إنكارا لما يلزم من ترك ~~البعث من التسوية بين ما حقه المفاوتة فيه، وذلك أشد من العبث وإن كان له ~~أن يفعل ذلك لأنه لا يقبح منه شيء: { أم نجعل } أي على عظمتنا { الذين ~~آمنوا } أي امتثالا لأوامرنا { وعملوا } أي تصديقا لدعواهم الإيمان { ~~الصالحات } من الأعمال كالذين أفسدوا وعملوا السيئات أم نجعل المصلحين في ~~الأرض { كالمفسدين } أي المطبوعين على الفساد الراسخين فيه { في الأرض } ~~أي بالكفر وغيره، والتسوية بينهم لا يشك عاقل في أنها سفه { أم نجعل } ~~على ما لنا من العز والمنعة الذين اتقوا كالذين فجروا أم نصير { المتقين ~~} أي الراسخين من المؤمنين في التقوى الموجبة للتوقف عن كل ما لم يدل ~~عليه دليل { كالفجار * } أي الخارجين من غير توقف عن دائرة التقوى من ~~هؤلاء الذين كفروا أو من غيرهم في أن كلا من المذكورين يعيش على ما أدى ~~إليه الحال في الدنيا، وفي الأغلب يكون عيش الطالح أرفع من عيش الصالح، ~~ثم يموت ولا يكون شيء بعد ذلك، ولا شك أن المساواة بين المصلح والمفسد ~~والمتقي والمارق لا يراها حكيم ولا غيره من سائر أنواع العقلاء فهو لا ~~يفعلها سبحانه وإن كان له أن يفعل ذلك، فإنه لا يجب عليه شيء ولا يقبح ~~منه شيء، وقد علم أن الآية من الاحتباك، وأنه مشير إلى احتباك آخر، فإنه ~~ذكر { الذين أمنوا } أولا ms4043 دليلا على { الذين أفسدوا } ثانيا، وذكر { ~~المفسدين } ثانيا دليلا { على المؤمنين } أولا، وأفهم ذلك ذكر { الذين ~~اتقوا } وأضدادهم وسر ما ذكر وما حذف أنه ذكر أدنى أسنان الإيمان تنبيها ~~على شرفه وأنه سبب السعادة وإن كان على أدنى الوجوه وذكر أعلى أحوال ~~الفساد، إشارة إلى أنه يغفر ما دون ذلك لمن يشاء وذكر أعلى أحوال التقوى ~~إيماء إلى أنه لا يوصف بها ويستحق جزاءها إلا الراسخ فيها ترغيبا للمؤمن ~~في أن يترقى إلى أوجها. # ولما ثبت بما ذكر من أول السورة إلى هنا ما ذكر في هذا الذكر من ~~البراهين التي لا يأباها إلا مدخول الفكر مخالط العقل، ثبت أنه ذو الذكر ~~والشرف الأعظم فقال تعالى منبها على ذلك تنبيها على أنه القانون الذي ~~يعرف به الصلاح ليتبع والفساد ليجتنب مخبرا على مبتدأ تقديره هو: { كتاب ~~} أي له من العظمة ما لا يحاط به، ووصفه بقوله: { أنزلناه } أي بما من ~~العظمة { إليك } وذلك من عظمته لأنك اعظم الخلق، ثم أخبر عن مبتدأ آخر ~~مبين لما قبله على طريق الاستئناف فقال: { مبارك } أي دائم الخير كثير ~~النفع ثابت كل ما فيه ثباتا لا يزول أبدا ولا ينسخه كتاب ولا شيء. # ولما ذكر ما له من العظمة إشارة وعبارة، ذكر غاية إنزاله المأمور بها ~~فقال: { ليدبروا } بالفوقانية وتخفيف الدال بالخطاب في قراءة أبي جعفر ~~مشرفا للأمة بضمهم بالخطاب إلى حضرته الشماء صلى الله عليه وسلم، ~~ولافتا للقول في قراءة الجماعة بالغيب وتشديد الدال إلى من يحتاج إلى ~~التنبيه على العلل، لما له من الشواغل الموقعة في الخلل، وأما هو صلى ~~الله عليه وسلم ففي غاية الإتعام للنظر، والتدبر بأجلى الفكر، من حين ~~الإنزال، لعلمه بعلة الإنزال بحيث إنه من شدة إتعابه لنفسه الشريفة ~~بالتخفيف وضمن له تعالى جمعه وقرآنه { آياته } أي لينظروا في عواقب كل ~~آية وما تؤدي إليه وتوصل إليه من المعاني الباطنة التي أشعر بها طول ~~التأمل في الظاهر، فمن رضي بالاقتصار على حفظ حروفه كان كمن له لقحة درور ms4044 ~~لا يحلبها، ومهرة نتوج لا يستولدها، وكان جديرا بأن يضيع حدوده فيخسر ~~خسرانا مبينا. # ولما كان كل أحد مأمورا بأن ينتبه بكل ما يرى ويسمع على ما وراءه ولم ~~يكن في وسع كل أحد الوصول إلى النهاية في ذلك، قنع منهم بما دونها فأدغمت ~~تاء التفعل في فاء الكلمة إشارة إلى ذلك كما تشير إليه قراءة أبي جعفر، ~~وربما كانت قراءة الجماعة إشارة إلى الاجتهاد في فهم خفاياه - والله ~~أعلم. # ولما كان السياق للذكر، وأسند إلى خلاصة الخلق، وكان استحضار ما كان عند ~~الإنسان وغفل عنه لا يشق لظهوره، أظهر التاء حثا على بذل الجهد في إعمال ~~الفكر والمداومة على ذلك فإنه يفضي بعد المقدمات الظنية إلى أمور يقينية ~~قطعية إما محسوسة أولها شاهد في الحس فقال: { وليتذكر } أي بعد التدبر ~~تذكرا عظيما جليا - بما أشار إليه الإظهار { أولوا الألباب * } أي كل ~~ما أرشد إليه مما عرفه الله لهم في أنفسهم وفي الآفاق فإنهم يجدون ذلك ~~معلوما لهم بحس أو غيره في أنفسهم أو غيرها، لا يخرج شيء مما في القرآن ~~عن النظر إلى شيء معلوم للإنسان لا نزاع له فيه أصلا، ولكن الله تعالى ~~يبديه لمن يشاء ويخفيه عمن يشاء # سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم # [فصلت: 53] وأظهره يوم القيامة فإنه مركوز في طبع كل أحد أن الرئيس لا ~~يدع من تحت يده بغير حساب أصلا. # ولما كان الإنسان وإن أطال التدبر وأقبل بكليته على التذكر لا بد له من ~~نسيان وغفلة وذهول، ولما كان الممدوح إنما هو الرجاع # " لو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم " # وكان الله تعالى هو الملك الذي لا شريك له والمالك الذي له الملك كله ~~فهو يرفع من يشاء ممن لا يخطر في وهم أن يرتفع، ويخفض من يشاء ممن علا في ~~الملك حتى لا يقع في خاطر أنه يحصل له خلل ولا سيما إن كان على أعلى خلال ~~الطاعة ليبين لكل ذي لب أن الفاعل لذلك هو الفاعل المختار، فلا ms4045 يزال خيره ~~مرجوا، وانتقامه مرهوبا مخشيا، قال تعالى: { ووهبنا } أي بما لنا من ~~الحكمة والعظمة { لدواد سليمان } فجاء عديم النظير في ذلك الزمان دينا ~~ودنيا وعلما وحكمة وحلما وعظمة ورحمة، ولذلك نبه على أمثال هذه ~~المعاني باستئناف الإخبار عما حرك النفس إلى السؤال عنها من إسناد الهبة ~~إلى نون العظمة فقال: { نعم العبد } ولما كان السياق لسرعة الانتباه من ~~الغفلات، والتفضي من الهفوات، والتوبة من الزلات، وبيان أن الابتلاء ليس ~~منحصرا في العقوبات، بل قد يكون لرفعة الدرجات، وكان هذا بعيدا من ~~العادات، علل مدحه مؤكدا له بقوله: { إنه أواب * } أي رجاع إلى الازدياد ~~من الاجتهاد في المبالغة في الشكر والصبر على الضر كلما علا من مقام ~~بالاستغفار منه وعده مع ما له من الكمال مما يرغب عنه. ### || [38.31-37] # ولما كانت الخيل من أعظم ما زين للناس من حب الشهوات، وكان السياق للعزة ~~والشقاق الدالين على عظيم الاحتياج إلى ما يكف ذلك مما أعظمه الخيل، ذكر ~~فيها آمرا له صلى الله عليه وسلم، دل على أنه مع ما له من عظمة الملك ~~كثير الأوبة عظيمها لأن من لم يكن ذلك له طبعا لم يقدر على ما فعل فقال: ~~{ إذ } أي اذكر لتقف على شاهد ما أخبرناك به حين { عرض عليه بالعشي } أي ~~فيما بعد زوال الشمس { الصافنات } أي الخيول العربية الخالصة التي لا ~~تكاد تتمالك بجميع قوائمها الاعتماد على الأرض اختيالا بأنفسها وقربا ~~من الطيران بلطافتها وهمتها وإظهارا لقوتها ورشاقتها وخفتها، قال في ~~القاموس: صفن الفرس يصفن صفونا: قام على ثلاث قوائم وطرف حافز الرابعة، ~~وقال القزاز: قام على ثلاث قوائم وقائمة يرفعها عن الأرض أو ينال سنبكها ~~الأرض ليستريح بذلك، وأكثر ما تصفن الخيل العتاق، قال: وقالوا: كل ذي ~~حافز يفعله ولكنه من الجياد أكثر، لا يكاد يكون إلا في العراب الخلص، ~~وقيل: الصافن الذي يجمع يديه ويثني طرف سنبك إحدى رجليه، وقيل: الصافن ~~الذي يرفع سنبك إحدى يديه فإذا رفع طرف سنبك إحدى رجليه فهو مخيم، وقد ~~أخام ms4046 - إذا فعل ذلك. # ولما تحرر أنه يجوز أن يجمل الصافن على غير العتيق وإن كان قليلا، حقق ~~أن المراد الوصف بالجودة واقفة وجارية فقال: { الجياد * } أي التي تجود ~~في جريها بأعظم ما تقدر عليه، جمع جواد، فلم تزل تعرض عليه حتى فاتته ~~صلاة آخر النهار، وكان المفروض على من تقدمنا ركعتين أول النهار وركعتين ~~آخره، فانتبه في الحال. # ولما كان بيان ضخامة ملكه وكثرة هيبته وعزته مع زيادة أوبته لتحصل ~~التأسية به في حسن ائتماره وانتهائه والتسلية بابتلائه مع ذلك من شرفه ~~وبهائه، أشار إلى كثرة الخيل جدا وزيادة محبته له وسرعة أوبته بقوله: { ~~فقال } ولما كان اللائق بحاله والمعروف من فعاله أنه لا يؤثر على ذكر ~~الله شيئا فلا يكاد أحد ممن شاهد ذلك يظن به ذلك بل يوجهون له في ذلك ~~وجوها ويحملونه على محامل تليق بما يعرفونه من حال من الإقبال على الله ~~والغنا عما سواه، أكد قوله تواضعا لله تعالى ليعتقدوا أنه بشر يجوز عليه ~~ما يجوز عليهم لولا عصمة الله: { إني } ولما كان الحب أمرا باطنا لا ~~يظهر في شيء إلا بكثرة الاشتغال به، وكان الاشتغال قد يكون لغير الحب فهو ~~غير دال عليه إلا بقرائن قال اعترافا: { أحببت } أي أوجدت وأظهرت بما ~~ظهر مني من الاشتغال بالخيل مقرونا ذلك بأدلة الود { حب الخير } وهو ~~المال بل خلاصة المال وسبب كل خير دنيوي وأخروي # " الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة " # أظهرت ذلك بغاية الرغبة غافلا { عن ذكر ربي } المحسن إلي بهذه الخيل ~~التي شغلتني وغيرها، فلم أذكره بالصلاة التي كانت وظيفة الوقت وإن كان ~~غرضي لها لكونه في طاعته ذكرا له. ولم يزل ذلك بي { حتى توارت } أي ~~الشمس المفهومة من " العشي " { بالحجاب * } وهي الأرض التي حالت بيننا ~~وبينها فصارت وراءها حقيقة. # ولما اشتد تشوف السامع إلى الفعل الذي أوجب له الوصف بأواب بعد سماع ~~قوله في لومه نفسه ليجمع بين معرفة القول والفعل، أجيب بقوله: { ردوها } ~~أي قال سليمان عليه السلام: ردوا ms4047 { علي } الخيول التي شغلتني. ولما كان ~~التقدير: فردوها عليه، نسق به قوله: { فطفق } أي أخذ يفعل ظافرا بمراده ~~لازما له مصمما عليه واصلا له معتمدا على الله في التقوية على العدو ~~لا على الأسباب التي من أعظمها الخيل مفارقا ما كان سبب ذهوله عن الذكر ~~معرضا عما يمكن أن يتعلق به القلب متقربا به إلى الله تعالى كما يتقرب ~~في هذه الملة بالضحايا { مسحا } أي يوقع المسح - أي القطع - فيها بالسيف ~~إيقاعا عظيما. ولما كان السيف إنما يقع في جزء يسير من العضوين أدخل ~~الباء فقال: { بالسوق } أي منها { والأعناق * } يضربها ضربا بسيف ماض ~~وساعد شديد وصنع سديد يمضي فيها من غير وقفة أصلا حتى كأنه يمسحه مسحا ~~على ظاهر جلودها كما يقال: مسح علاوته، أي ضرب عنقه - والله أعلم. # ولما ظهر بهذا ما له من ضخامة الملك وعز السلطان، وكانت الأوبة عظيمة ~~جدا، وكان الثبات على مقام الشهود مع حفظه من جميع جهاته أعظم، نبه عليه ~~بقوله مؤكدا لما طبعت عليه النفوس من ظن أن الأواب لا ينبغي أن يواجه ~~بالعتاب: { ولقد فتنا } أي بما لنا من العظمة { سليمان } أي مع إسراعه ~~بالرجوع إلى الله والتنبه لما فيه رضاه نوعا من الفتنة، الله أعلم ~~بحقيقتها، فأسفرت تلك الفتنة عن رسوخه في مقام الأوبة فتنبه لما أردنا ~~بها من تدريبه على ما أقمناه فيه كما فعلنا بأبيه داود عليهما السلام ~~فاقتد بهما في الاستبصار بالبلاء، فإنا نريد بك أمرا عظيما جليلا ~~شريفا كريما { وألقينا } أي بما لنا من العظمة { على كرسيه } الذي كانت ~~تهابه أسود الفيل. # ولما كانت العبرة إنما هي بالمعاني، فمن كان معناه ناقصا كان كأنه جسد ~~لا روح فيه، له صورة بلا معنى، قال: { جسدا } فغلب على ذلك المكان ~~الشريف مع ما كنا شرفناه به من هيبة النبوة المقرونة بالملك بحيث لم يكن ~~أحد يظن أن أحدا يقدر على أن يدنو إليه فضلا عن أن يغلب عليه، فمكنا ~~هذا الجسد منه تمكينا لا كلفة عليه فيه، بل ms4048 كان ذلك بحيث كأنه ألقى عليه ~~بغير اختياره ليعلم أن الملك إنما هو لنا، نفعل ما نشاء بمن نشاء، ~~فالسعادة لمن رجانا والويل لمن يأمن مكرنا فلا يخشانا، فعما قليل تصير ~~هذه البلدة في قبضتك، وأهلها مع العزة والشقاق طوع مشيئتك ويكون لك بذلك ~~أمر لا يكون لأحد بعدك كما أنه ما كان لأحد كان قبلك من نفوذ الأمر ~~وضخامة العز وإحلال الساحة الحرام بقدر الحاجة, وسعة الملك وبقاء الذكر، ~~والذي أنت فيه الآن ابتلاء واختبار وتدريب على ما يأتي من الأمور الكبار. # ولما كان المراد بإطلاق الجسد عليه التعريف بأنه لا معنى له، لا أنه لا ~~روح فيه، أطلقه ولم يتبعه ما يبين أنه جماد كما فعل في العجل حيث قال " ~~له خوار " فبين بذلك أنه لا روح له، وإن صح أن هذا الجسد هو صخر الجني ~~وأن سببه سجود الجرادة امرأة سليمان عليه السلام لصورة أبيها بغير علم ~~نبي الله سليمان عليه السلام ولا إرادته، فالإشارة بذلك في التسلية أنا ~~سلبنا الملك من صفينا لصورة رفع سجود بعض من ينسب إليه لها في بيته أمره ~~ولا إرادته ولا علمه، فكيف بمن يسجد لهذه الأوثان في البيت الحرام فعما ~~قليل نزيل أمرهم ونخمد شرهم ونمحو ذكرهم. # ولما كانت الإنابة رجوعا إلى ما كان، فهي استرجاع لما فات قال: { ثم ~~أناب * } وفسر الإنابة ليعلم أنه تعالى فتنه مع أنه عبد عظيم المنزلة ~~مجاب الدعوة بقوله جوبا لمن سأل عنها: { قال رب } أي أيها المحسن إلي { ~~اغفر لي } أي الأمر الذي كانت الإنابة بسببه. ولما قدم أمر الآخرة، أتبعه ~~قوله: { وهب لي } أي بخصوصي { ملكا لا ينبغي } أي لا يوجد طلبه وجودا ~~تحصل معه المطاوعة والتسهل { لأحد } في زمان ما طال أو قصر سواء كان ~~كاملا في الصورة والمعنى أو جسدا خاليا عن العز كما حصلت به الفتنة من ~~قبل، وبعض الزمان بذكر الجار فقال: { من بعدي } حتى أتمكن من كل ما أريد ~~من التقرب إليك وجهاد من عاداك، ويكون ذلك ms4049 إمارة لي على قبول توبتي ولا ~~تحصل لي فتنة بإلقاء شيء على مكان حكمي ولا غيره, وهذا يشعر بأن الفتنة ~~كانت في الملك, وكذا ذكر الإلقاء على الكرسي مضافا إليه من غير أن ينسب ~~إليه هو صلى الله عليه وسلم شيء، وهو مناسب لعقر الخيل الذي هو إذهاب ما ~~به العز - والله أعلم، وبهذا التقدير علم أنه لو ذكر الظرف من غير حرف ~~لأوهم تقيد الدعوة بملك يستغرق الزمان الذي بعده، ثم علل ما طلبه من ~~الإعطاء والمنع بقوله على سبيل التأكيد إسقاطا لما غلب على النفوس من ~~رؤية الأسباب: { إنك أنت } أي وحدك { الوهاب * } أي العظيم المواهب مع ~~التكرار كلما أردت، فتعطي بسبب وبغير سبب من تشاء وتمنع من تشاء. # ولما تسبب عن دعائه الإجابة، أعلم به سبحانه بقوله: { فسخرنا } أي ذللنا ~~بما لنا من العظمة { له الريح } لإرهاب العدو وبلوغ المقاصد عوضا عن ~~الخيل التي خرج عنها لأجلنا؛ ثم بين التسخير بقوله مستأنفا: { تجري ~~بأمره رخاء } أي حال كونها لينة غاية اللين منقادة يدرك بها ما لا يدرك ~~بالخيل { غدوها شهر ورواحها شهر } وكل من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا ~~منه، وهو هنا مبالغة من الرخاوة. ولما كانت إصابته لما يشاء ملازمة ~~لإرادته، عبر بها عنها لأنها المقصود بالذات فقال: { حيث أصاب * } أي ~~أراد إصابة شيء من الأشياء، وقد جعل الله لنبينا صلى الله عليه وسلم أعظم ~~من ذلك وهو أن العدو يرعب منه إلى مسيرة شهر من جوانبه الأربعة فيه أربعة ~~أشهر { والشياطين } أي الذين عندهم خفة الريح مع الاقتران بالروح سخرناهم ~~له؛ ثم نبه على منفعتهم بالإبدال منهم فقال: { كل } وعبر ببناء المبالغة ~~في سياق الامتنان فقال: { بناء وغواص * } أي عظيم في البناء صاعدا في جو ~~السماء والغوص نازلا في أعماق الماء، يستخرج الدر وغيره من منافع البحر. ### || [38.38-41] # ولما دل على مطلق تسخيرهم، دل على أنه قهر وغلبة كما هو شأن أيالة الملك ~~وصولة العز فقال: { وآخرين } أي سخرناهم له من الشياطين حال كونهم ms4050 { ~~مقرنين } بأمره إلى من يشاكلهم أو مقرونة أيديهم بأرجلهم أو بأعناقهم، ~~وعبر به مثقلا دون " مقرونين " مثلا إشارة إلى شدة وثاقهم وعظيم ~~تقرينهم. ولما كانت مانعة لهم من التصرف في أنفسهم، جعلوا كأنهم بأجمعهم ~~فيها وإن لم يكن فيها إلا بعض أعضائهم مثل # جعلوا أصابعهم في آذانهم # [نوح: 7] فقال: { في الأصفاد * } أي القيود التي يوثق بها الأسرى من ~~حديد أو قيد أو غير ذلك، جمع صفد - بالتحريك، روى البخاري ومسلم عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن عفريتا من الجن تفلت علي البارحة ليقطع علي صلاتي فأمكنني الله ~~منه فأخذته فأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتى تنظروا إليه ~~كلكم، فذكرت دعوة أخي سليمان { هب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي } ~~فرددته خاسئا " # ، وقد حكمه الله في بعض الجن، فحمي من الذين يطعنون دار مولده ودار ~~هجرته، روى أحمد في مسنده بسند حسن إن شاء الله عن أبي هريرة رضي الله ~~عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " المدينة ومكة محفوفتان بالملائكة، على كل نقب منهما ملك، فلا يدخلهما ~~الدجال ولا الطاعون " # هذا في البلدين، وأما المدينة خاصة ففيها أحاديث عدة عن عدة من الصحابة ~~في الصحيحين وغيرهما، وقد عوض الله نبينا صلى الله عليه وسلم عن الشياطين ~~التأييد بجيوش الملائكة في غزواته، وقد كان نبينا عبدا كما اختار فلم ~~يكن له حاجة بغير ذلك. # ولما كان ذلك ملكا عظيما، نبه على عظمته بكثرته ودوامه وعظمة مؤتيه ~~فقال مستأنفا بتقدير: قلنا له ونحوه: { هذا } أي الأمر الكبير { عطاؤنا ~~} أي على ما لنا من العظمة؛ ثم سبب عن ذلك إطلاق التصرف الذي هو أعظم ~~المقاصد، فكم من مالك لشيء وهو مغلول اليد عن التصرف فيه، فقال بادئا ~~بما يوجب الحب ويقبل بالقلوب دالا على عظمته وظهور أمره بفك الإدغام: { ~~فامنن } أي أعط من شئت عطاء مبتدئا من غير تسبب من المعطي: { أو أمسك } ~~أي عمن شئت. # ولما كان هذا ms4051 عطاء يفوت الوصف عظمه، زاده تعظيما بكثرته وتسهيله وسلامة ~~العاقبة فيه فقال: { بغير } أي كائنا كل ذلك من العطاء والمن خاليا عن ~~{ حساب * } لأنك لا تخشى من نقصه وربك هو المعطي والآمر، ولا من كونه مما ~~يسأل عنه في الآخرة لأنه قد أذن لك، فنفي الحساب عنه يفيد شيئين الكثرة ~~وعدم الدرك في إعطاء أو منع، وجعله مصدرا مزيدا يفهم أنه إنما ينفي عنه ~~حساب يعتد به لا مطلق حسب بالتخمين كما يكون في الأشياء التي تعيي الحاصر ~~فيقرب أمرها بنوع حدس. # ولما رفع الحرج عنه في الدارين، أثبت المزيد فقال عاطفا على ما تقديره: ~~هذا له في الدنيا، مؤكدا زيادة في الطمأنية لكونه خارقا لما حكم به من ~~العادة في أنه كل ما زاد عن الكفاف في الدنيا كان ناقصا للحظ في الآخرة: ~~{ وإن له } أي خاصا به { عندنا } أي في الآخرة { لزلفى } أي قربى عظيمة ~~{ وحسن مآب * } أي مرجع. # ولما انقضى الخبر عن الملك الأواب الذي ملك الدنيا بالفعل قهرا وغلبة ~~شرقا وغربا، وكان أيوب عليه السلام في ثروة الملوك وإن لم يكن ملكا ~~بالفعل، وكان تكذيب من كذب بالنبي صلى الله عليه وسلم إنما هو بتسليط ~~الله الشياطين بوسوسته عليهم، وأمره سبحانه بالصبر على ذلك وقص عليه من ~~أخبار الأوابين تعليما لحسن الأوبة إن وهن الصبر، أتبعه الإخبار عن ~~الصابر الأواب الذي لم يتأوه إلا من وسوسة الشيطان لزوجه بما كان يفتنها ~~ليزداد النبي صلى الله عليه وسلم بذكر هذه الأخبار صبرا ويتضاعف إقباله ~~على الله تعالى وتضرعه له اقتداء بإخوانه الذين لم تشغلهم عنه منحة ~~السراء ولا محنة الضراء، وتذكيرا لقدرة الله على كل ما يريده تنبيها ~~على أنه قادر على رد قريش عما هم فيه ونصر المستضعفين من عباده عليهم ~~بأيسر سعي فقال: { واذكر عبدنا } أي الذي هو أهل للإضافة إلى عظيم ~~جنابنا، وبينه بقوله: { أيوب } وهو من الروم من أولاد عيص بن إسحاق عليهم ~~السلام لتتأسى بحاله فنصبر على قومك وإن رأيت ما لا ms4052 صبر لك عليه دعوت ~~الله في إصلاحه. # ولما أمره بذكره، بين أن معظم المراد بعض أحواله الشريفة ليتأسى به فقال ~~مبدلا منه بدل اشتمال: { إذ } أي اذكر حاله الذي كان حين: { نادى } وصرف ~~القول عن مظهر العظمة إلى صفة الإحسان لأنه موطنه لاقتضاء حاله ذلك فقال: ~~{ ربه }: أي المحسن إليه الذي عرف إحسانه إليه في تربيته ببلائه كما عرف ~~امتنانه بظاهر نعمائه وآلائه، ثم ذكر المنادى به حاكيا له بلفظه فقال ~~مشيرا بالتأكيد إلى أنه - وإن كان حاله فيما عهد من شدة صبره مقتضيا ~~عدم الشكوى - أتاه ما لا صبر عليه: { إني } أي رب أدعوك بسبب أني. ولما ~~كان هنا في سياق التصبير, عظم الأمر بإسناد الضر إلى أعدى الأعداء ~~إلهابا إلى الإجابة وأدبا مع الله فقال: { مسني } أي وأنا من أوليائك ~~{ الشيطان } أي المحترق باللعنة البعيد من الرحمة بتسليطك له { بنصب } أي ~~ضر ومشقة وهم داء ووجع وبلاء يثقل صاحبه فيتبعه ويعيده ويكده ويجهده ويصل ~~به إلى الغاية من كل ذلك، وقرئ بضم الصاد أيضا وقرئ بالتحريك كالرشد ~~والرشد، وكان ذلك إشارة إلى أحوال الضر في الشدة والخفة فالمسكن أدناه، ~~والمحرك أوسطه، والمثقل بالضم أعلاه { وعذاب * } أي نكد قوي جدا دائم ~~مانع من كل ما يلذ، ويمكن أن يساغ ويستطعم أجمله، ونكره تنكير لتعظيم ~~استغنائه على وجازته عن جمل طوال ودعاء عريض إعلاما بأن السيل قد بلغ ~~الزبى، وأوهن البلاء القوي، ولم يذكره بلفظ إبليس الذي هو من معنى اليأس ~~وانقطاع الرجاء دلالة على أنه هو راج فضل الله غير آيس من روحه، وذلك أن ~~الله تعالى سلطه على إهلاك أهله وولده وماله فصبر ثم سلطه على بدنه إلى ~~أن سقط لحمه واستمر على ذلك مددا طوالا، فلذلك ثم تراءى لزوجته رضي ~~الله عنها في زي طبيب وقال لها: أنا أداويه ولا أريد أن يقول لي، إذا ~~عوفي أنت شفيتني، وقيل: قال لها: لو سجد لي سجدة واحدة شفيته، فأتته ~~وحدثته بذلك فأخبرها وعرفها أنه الشيطان، وحذرها منه وخاف ms4053 غائلته عليها، ~~فدعا الله بما تقدم وشدد النكير والتعظيم لما وسوس لها به بأن حلف ~~ليضربنها مائة ضربة، ردعا لها عن الإصغاء إلى شيء من ذلك، وتهوينا لما ~~يلقاه من بلائه في جنبه. ### || [38.42-45] # ولما تشوف السامع إلى جوابه عن ذلك، استأنف قوله: { اركض } أي قلنا له: ~~اضرب الأرض وأوجد الركض وهو المشي والتحريك والإسراع والاستحثاث { برجلك ~~} يخرج منها ماء نافع حسن لتغتسل فيه وتشرب منه ففعل فأنبعنا له عينا، ~~فقيل له: { هذا } بإشارة القريب إشارة إلى تسهله { مغتسل } أي ماء يغتسل ~~به وموضعه وزمانه { بارد } أي يبرد حر الظاهر { وشراب * } يبرد حر ~~الباطن. # ولما كان التقدير: ففعل اغتسل فبرأ ظاهره وسر باطنه، عطف عليه قوله ~~صارفا القول إلى مظهر الجلال تنبيها على عظمة الفعل: { ووهبنا } أي بما ~~لنا من العظمة { له أهله } أي الذين كان الشيطان سلط عليهم بأن أحييناهم، ~~وجمع اعتبارا بالمعنى لأنه أفخم وأقرب إلى فهم المراد فقال: { ومثلهم } ~~وأعلم باجتماع الكل في آن واحد فقال: { معهم } جددناهم له وليعلم من ~~يسمع ذلك أنه لا عبرة بشيء من الدنيا وأنها وكل ما فيها عرض زائل لا ثبات ~~له أصلا إلا ما كان لنا، فإنه من الباقيات الصالحات، فلا يغير أحد بشيء ~~منها ولا يشتغل عنا أصلا، ويعلم من هذا من صدقه القدروة على البعث بمجرد ~~تصديقه له ومن توقف فيه سأل أهل الكتاب فعلم ذلك بتصديقهم له، ثم علل ~~سبحانه فعله ذلك بقوله: { رحمة } ولما كان في مقام الحث على الصبر عظم ~~الأمر بقوله: { منا } فإنه أعظم من التعبير في سورة الأنبياء بعندنا، ~~ليكون ذلك أحث على لزوم الصبر، وإذا نظرت إلى ختام الآيتين عرفت تفاوت ~~العبارتين ولاح لك أن مقام الصبر لا يساويه شيء، لأن الطريق إليه سبحانه ~~لا ينفك شيء منه عن صبر وقهر للنفس وجبر، لأنها بالإجماع خلاف ما تدعو ~~إليه الطبائع { وذكرى } أي إكراما وتذكيرا عظيما { لأولي الألباب * } ~~أي الأفهام الصافية، جعلنا ذلك لرحمته ولتذكير غيره من الموصوفين على طول ~~الزمان ليتأسى به ms4054 كل مبتلى ويرجو مثل ما رجا، فإن رحمة الله واسعة، وهو ~~عند القلوب المنكسرة، فما بينه وبين الإجابة إلا حسن الإنابة، فمن دام ~~إقباله عليه أغناه عن غيره: # لكل شيء إذا فارقته عوض # وليس لله إن فارقت من عوض # ولما أجمل العذاب الصالح لألم الظاهر، وذكر المخلص منه، أتبعه التنبيه ~~على أعظمه وهو ألم الباطن، بل أبطن الباطن التعلق بالاعتقاد فيما وسوس ~~لزوجه رضي الله عنها بما كاد يزلها فحلف ليضربنها مائة لئلا تعود إلى شيء ~~من ذلك فيزلها عن مقامها كما أزل غيرها فأرشده سبحانه وتعالى إلى المخلص ~~من ذلك الحلف على أخف وجه لأنها كانت صابرة محسنة، فشكر الله لها ذلك، ~~وجعل هذا المخلص بعدها سنة باقية لعباده تعظيما لأجرها وتطييبا لذكرها ~~فقال عاطفا على { اركض } { وخذ بيدك } أي التي قد صارت في غاية الصحة { ~~ضغثا } أي حزمة صغيرة من حشيش فيها مائة عود كشمراخ النخلة، قال الفراء: ~~هو كل ما جمعته من شيء مثل الحزمة الرطبة، وقال السمين: وأصل المادة يدل ~~على جميع المختلطات { فأضرب به } أي مطلق ضرب ضربة واحدة { ولا تحنث } في ~~يمينك أي تأثم بترك ما حلفت على فعله، فهذا تخفيف على كل منهما لصبره، ~~ولعل الكفارة لم تكن فيهم وخصنا الله بها مع شرعه فينا ما أرخصه له ~~تشريفا لنا، وكل هذا إعلاما بأن الله تعالى ابتلاه صلى الله عليه وسلم ~~في بدنه وولده وماله، ولم يبق له إلا زوجة فوسوس لها الشيطان طمعا في ~~إيذائهما كما آذى آدم وحواء عليهما السلام، إلى أن قارب منها بعض ما ~~يريد، والمراد بالإعلام به تذكير النبي صلى الله عليه وسلم بأنه إن كان ~~مكن الشيطان من الوسوسة لأقاربه والإغواء والإضلال فقد من عليه بزوجه ~~أعظم وزراء الصدق وكثير من أقاربه الأعمام وبني الأعمام وغيرهم، وحفظ له ~~بدنه وماله ليزداد شكره لله تعالى، وفي القصة إشارة إلى أنه قادر على أن ~~يطيع له من يشاء، فإنه قادر على التصرف في المعاني كقدرته على التصرف في ~~الذوات، ms4055 وأنه سبحانه يهب لهذا النبي الكريم قومه العرب الذين هم الآن أشد ~~الناس عليه وغيرهم فيطيعه الكل. # ولما كان الصبر والأفعال المرضية عزيزة في العباد لا تكاد توجد فلا يكاد ~~يصدق بها، علل سبحانه هذا الإكرام له صلى الله عليه وسلم وأكده، فقال على ~~سبيل الاستنتاج مما تقدم ردا على من يظن أن الشكوى إليه تنافي الصبر، ~~وإشارة إلى أن السر في التذكير به التأسي في الصبر: { إنا } أي على ما ~~لنا من العظمة { وجدناه } أي في عالم الشهادة طبق ما كان لنا في عالم ~~الغيب ليتجدد للناس من العلم بذلك ما كنا به عالمين، ولما كان السياق ~~للحث على مطلق الصبر في قوله تعالى # واصبر على ما يقولون # [المزمل: 10] أتى باسم الفاعل مجردا على مبالغة فقال: { صابرا } ثم ~~استأنف قوله: { نعم العبد } ثم علل بقوله مؤكدا لئلا يظن أن بلاءه قادح ~~في ذلك: { إنه أواب * } أي رجاع بكليته إلى الله سبحانه على خلاف ما يدعو ~~إليه طبع البشر، قال الرازي في اللوامع: قال ابن عطاء: واقف معنا بحسن ~~الأدب لا يغيره دوام النعمة، ولا يزعجه تواتر البلاء والمحنة، روى عبد بن ~~حميد في مسنده عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: وضع رجل يده على النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال: والله ما أطيق أن أضع يدي عليك من شدة حماك، فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # " إنا معشر الأنبياء يضاعف لنا البلاء كما يضاعف لنا الأجر، إن كان ~~النبي من الأنبياء ليبتلي بالقمل حتى يقتله وإن كان النبي من الأنبياء ~~ليبتلي بالفقر حتى يأخذ العباة فيحويها وإن كانوا ليفرحون بالبلاء كما ~~يفرحون بالرخاء ". # ولما ذكر سبحانه من ابتلاه في بدنه وماله وولده ثم جعل له الماء بردا ~~وسلاما وعافية ونظاما وشفاء وقواما، عطف عليه من ابتلاه بالنار على ~~أيدي الجبابرة فجعلها عليه بردا وسلاما باعتماده عليه وصبره لديه، ~~ونجاه من كيدهم، وجعل أيده بمفرده فوق أيدهم، ثم ابتلاه بالهجرة لوطنه ~~وأهله وعشيرته وسكنه، ثم بذبح ابنه، فصبر على ms4056 ذلك كله، اعتمادا على فضل ~~الله ومنة فقال: { واذكر عبدنا } بالتوحيد في رواية ابن كثير للجنس أو ~~لإبراهيم وحده عليه السلام لأنه أصل من عطف عليه دينا وأبوة، فبين الله ~~أساس عطفه عليه في المدح بالعبودية أيضا، ثم بين المراد بقوله: { ~~إبراهيم } وعطف على العبد لا على مبينه لئلا يلزم بيان واحد بجماعة إذا ~~أريد به إبراهيم وحده لا الجنس ابنه لصبره على دينه في الغربة بين عباد ~~الأوثان ومباعدي الإيمان، فلم يلفت لفتهم ولا داناهم، بل أرسل إلى أقاربه ~~في بلاد الشرق، فتزوج منه من وافقته على دينه الحق، واستمر على إخلاص ~~العبادة لا يأخذه في الله لومة لائم إلى أن مضى لسبيله فقال: { وإسحاق } ~~ثم أتبعه ولده الذي قفا أثره، وصبر صبره، وابتلى بفقد ولده، وبهجة كبده، ~~فصبر أتم الصبر في ذلك الضر، وأبلغ في الحمد والشكر، فقال تعالى: { ~~ويعقوب } وألحقهما سبحانه بأبيها بعد أن بينت قراءة الإفراد إصالته في ~~المدح بالعبودية فعطفهما عليه نفسه في قراءة غير ابن كثير { عبادنا } ~~بالجمع كما قال تعالى # والذين آمنوا واتبعتهم ذرياتهم بإيمان ألحقنا بهم ذرياتهم # [الطور: 21]. # ولما اجتعموا بالعطف أو البدل وصفهم بقوله: { أولي الأيدي } أي القوة ~~الشديدة والأعمال السديدة لأن الأيدي أعظم آلات ذلك { والأبصار * } أي ~~الحواس الظاهرة والباطنة التي هي حقيقة بأن تذكر وتمدح بها لقوة إدراكها ~~وعظمة نفوذها فيما هو جدير بأن يراعى من جلال الله ومراقبته في الحركات ~~والسكنات سرا وعلنا، وعبر عن ذلك بالأبصار لأنها أقوى مبادئه، ومن لم ~~يكن مثلهم كان مسلوب القوة والعقل، فلم يكن له عقل فكان عدما، فهو أعظم ~~توبيخ لمن رزقه الله قوة وعقلا، ثم لا يصرفه في عبادة الله والمجاهدة ~~فيه سبحانه. ### || [38.46-50] # ولما اشتد تشوف السامع لما استحقوا به هذا الذكر، قال مؤكدا إشارة إلى ~~محبته سبحانه لمدحهم وردا على من ينسب إليهم أو إلى أحد منهم ما لا يليق ~~كما كذبه اليهود فيما بدلوه من التوراة في حق إسحاق عليه السلام في بعض ~~المواضع معديا للفعل بالهمزة ms4057 إشارة إلى أنه جذبهم من العوائق إليه جذبة ~~واحدة هي في غاية السرعة: { إنا أخلصناهم } أي لنا إخلاصا يليق بعظمتنا ~~التي لا تدانيها عظمة { بخالصة } أي أعمال وأحوال ومقامات وبلايا ومحن هي ~~سالمة عن شوب ما، فصاروا بالصبر عليها في غاية الخلوص. # ولما كان سبب الإخلاص تذكر يوم الدين وما يبرز فيه من صفات الجلال ~~والجمال وينكشف فيه من الأمور التي لا توصف عظمتها، بينها بقوله: { ذكرى ~~الدار } أي تذكرهم تلك الخالصة تذكيرا عظيما لا يغيب عنهم أصلا الدار ~~التي لا يستحق غيرها أن يسمى دارا بوجه بحيث نسوا بذكر هذا الغائب ذكر ~~ما يشاهدونه من دار الدنيا فهم لا ينظرون إليه أصلا بغضا فيها, فقد ~~أنساهم هذا الغائب الثابت الشاهد الزائل عكس ما عليه العامة، وإضافة نافع ~~وأبي جعفر وهشام عن ابن عامر بخلاف عنه لخالصة مؤيد لما قلت من أن ذكرى ~~بيان لأنها إضافة الصفة إلى الموصوف، والمعنى أنهم لا يعملون شيئا إلا ~~وهو مقرب للآخرة، فالمعنى أن ذكرهم لها خالص عن سواه لا يشاركه فيه شيء ~~ولا يشوبه شوب أصلا. # ولما دلت هذه الجملة على هذا المدح البليغ، عطف عليه ما يلازم الإخلاص ~~فقال مؤكدا لمثل ما تقدم من التنبيه على أنهم ممن يغتبط بمدحهم، وردا ~~على من ربما ظن خلاف ذلك بكثرة مصائبهم في الدنيا: { وإنهم عندنا } أي ~~على ما لنا من العظمة والخبرة { لمن المصطفين } المبالغ في تصفيتهم ~~مبالغة كأنها بعلاج { الأخيار * } الذين كل واحد منهم بخير بليغ في ~~الخير، وإصابتنا إياهم بالمصائب دليل ذلك لا دليل عكسه كما يظنه من طمس ~~قلبه، والآية من الاحتباك: ذكر { أخلصناهم } أولا دليل على { اصطفيناهم ~~} ثانيا، و { المصطفين } دليلا على { المخلصين } أولا، وسر ذلك أن ~~الإخلاص يلزم منه الاصطفاء، لا سيما إذا أسنده إليه بخلاف العكس بدليل # ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه # [فاطر:32]. # ولما أتم الأمر بذكر الخليل وابنه عليهما السلام الذي لم يخرج من كنفه ~~قط ونافلته المبشر به للتأسي بهم في ms4058 صبرهم الدين وإن خالفهم من خالفهم، ~~أتبعه ولده الذي أمر بالتجرد عنه مرة بالإسكان عند البيت الحرام ليصير ~~أصلا برأسه في أشرف البقاع، ومرة بالأمر بذبحه في تلك المشاعر الكرام، ~~فصار ما أضيف إليه من الأحوال والأفعال من المناسك العظام عليه الصلاة ~~والسلام، وأفرده بالذكر دلالة على أنه أصل عظيم برأسه من أصول الأئمة ~~الأعلام، فقال: { واذكر إسماعيل } أي أباك وما صبر عليه من البلاء ~~بالغربة والانفراد والوحدة والإشراف على الموت في الله غير مرة وما صار ~~إليه بعد ذلك البلاء من الفرج والرئاسة والذكر في هذه البلدة { واليسع } ~~أي الذي استخلفه إلياس عليه السلام على بني إسرائيل فجمعهم الله عليه بعد ~~ذلك الخلاف الشديد الذي كان منهم لإلياس عليه السلام { وذا الكفل } أي ~~النصيب العظيم بالوفاء بما يكفله من كل أمر علي، وعمل صالح زكي. # ولما تقدم وصف من قبل إبراهيم عليه السلام بالأوبة وخصوا بالتصريح، لما ~~كان لهم من الشواغل عنها بكل من محنة السراء ومحنة الضراء وكذلك ~~بالعبودية سواء، وكان الأمر بالذكر مع حذف الوصف المذكور لأجله والإشارة ~~إليه بالتلويح ولا مانع من ذكره - دالا على غاية المدح له لذهاب الوهم ~~في تطلبه كل مذهب، قال معمما للوصف بالعبودية والأوبة بها جميع ~~المذكورين، عاطفا بما أرشد إليه العطف على غير مذكور على ما تقديره: ~~إنهم أوابون، ليكون تعليلا لذكرهم بما علل به ذكر أول مذكور فيهم: { وكل ~~} أي من هؤلاء المذكورين في هذه السورة من الأنبياء قائمون بحق العبودية ~~فهم من خيار عبادنا من هؤلاء الثلاثة ومن قبلهم { من الأخيار * } أي كما ~~أن كلا منهم أواب بالعراقة في وصف الصبر - كما مضى في الأنبياء، وبغير ~~ذلك من كل خير على أن الصبر - جامع لجميع الطريق، فهم الذين يجب الاقتداء ~~بهم في الصبر على الدين ولزوم طريق المتقين. # ولما أتم سبحانه ما أراد من ذكر هؤلاء الأصفياء عليهم السلام الذين ~~عافاهم بصبرهم وعافى من دعوهم، فجعلهم سبحانه سبب الفلاح ولم يجعلهم ~~سببا للهلاك، قال مؤكدا لشرفهم وشرف ما ms4059 ذكروا به، حاثا على إدامة ~~تذكره وتأمله وتدبره للعمل به، مبينا ما لهم في الآخرة على ما ذكر من ~~أعمالهم وما لمن نكب عن طريقهم على سبيل التفصيل: { وهذا } أي ما تلوناه ~~عليك من أمورهم وأمور غيرهم { ذكر } أي شرف في الدنيا وموعظة من ذكر ~~القرآن ذي الذكر، ثم عطف على قوله { إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم ~~عذاب شديد } ما لأضدادهم، فقال مؤكدا ردا على من ينكر ذلك من كفار ~~العرب وغيرهم: { وإن } ويجوز - وهو أحسن - أن يكون معطوفا على " هذا " ~~وتقديره: هذا ذكر للصابرين. # ولما أداهم إليه صبرهم في الدنيا وأن لهم على ما وهبناهم من الأعمال ~~الصالحة التي مجمعها الصبر لمرجعا حسنا، ولكنه أظهر الوصف الذي أداهم ~~إلى هذا المآب تعميما لكل من اقتدى بهم حثا على الاقتداء فقال: { ~~للمتقين } أي جميع العريقين في وصف التقوى الذين يلزمون لتقواهم الصراط ~~المستقيم { لحسن مآب * } أي مصير ومرجع ولما شوق سبحانه إلى هذا الجزاء ~~أبدل منه أو بينه بقوله: { جنات عدن } أي إقامة في استمراء وطيب عيش ونمو ~~وامتلاء وشرف أصل. # ولما كانت من الأعلام الغالبة، نصب عنها على الحال قوله: { مفتحة } أي ~~تفتيحا كثيرا وبليغا من غير أن يعانوا في فتحها شيئا من نصب أو طلب ~~أو تعب، وأشار جعل هذا الوصف مفردا أن تفتحيها على كثرتها كان لهم في آن ~~واحد حتى كأنها باب واحد { لهم } أي لا لغيرهم { الأبواب } التي لها ~~والتي فيها فلا يلحقهم في دخولها ذل الحجاب ولا كلفة الاستئذان، تستقبلهم ~~الملائكة بالتبجيل والإكرام. ### || [38.51-59] # ولما ذكر إقامتهم ويسر دخولهم، وصف حالهم إذ ذاك فقال: { متكئين فيها } ~~أي ليس لهم شغل سوى النعيم ولا عليهم كلفة أصلا. ولما كان المتكىء لا ~~يتم نعيمه إلا إن كان مخدوما، دل على سؤددهم بقوله: { يدعون فيها } اي ~~كلما أرادوا من غير مانع أصلا ولا حاجة إلى قيام ولا قعود يترك به ~~الاتكاء. ولما كان أكلهم إنما هو للتفكه لا لحفظ الجسد من آفة قال: { ~~بفاكهة كثيرة ms4060 } فسمى جميع مآكلهم فاكهة، ولما كانت الفاكهة لا يمل منها، ~~والشراب لا يؤخذ إلا بقدر الكفاية، وصفها دونه فقال: { وشراب * }. # ولما كان الأكل والشرب داعيين إلى النساء لا سيما مع الراحة قال: { ~~وعندهم } أي لهم من غير مفارقة أصلا. ولما كان سياق الامتنان مفهما ~~كثرة الممتن به لا سيما إذا كان من العظيم، أتى بجمع القلة مريدا به ~~الكثرة لأنه أشهر وأوضح وأرشق من " قواصر " المشترك بين جمع قاصر وقوصرة ~~- بالتشديد والتخفيف - لوعاء التمر فقال: { قاصرات } ولما كن على خلق ~~واحد في العفة وكمال الجمال وحد فقال: { الطرف } أي طرفهن لعفتهن وطرف ~~أزواجهن لحسنهن، ولما لم تنقص صيغة جمع القلة المعنى، لكونه في سياق ~~المدح والامتنان، وكان يستعار للكثرة، أتى على نمط الفواصل بقوله: { ~~أتراب * } أي على سن واحد مع أزواجهن وهو الشباب، سمي القرين تربا لمس ~~التراب جلده وجلد قرينه في وقت واحد، قال البغوي: بنات ثلاث وثلاثين سنة، ~~لأن ذلك ادعى للتآلف فإن التحاب بين الأقران أشد وأثبت. # ولما ذكر هذا النعيم لأهل الطاعة، وقدم ذلك العذاب لأهل المعصية قال: { ~~هذا } أي الذي ذكر هنا والذي مضى { ما } وبني للمفعول اختصارا وتحقيقا ~~للتحتم قوله: { توعدون } من الوعد والإيعاد، وقراءة الغيب على الأسلوب ~~الماضي، ومن خاطب لفت الكلام للتلذيذ بالخطاب تنشيطا لهممهم وإيقاظا ~~لقلوبهم { ليوم الحساب * } أي ليكون في ذلك اليوم. # ولما كان هذا يصدق بأن يوجد ثم ينقطع كما هو المعهود من حال الدنيا، ~~أخبر أنه على غير هذا المنوال فقال: { إن هذا } أي المشار إليه إشارة ~~الحاضر الذي لا يغيب { لرزقنا } أي للرزق الذي يستحق الإضافة إلينا في ~~مظهر العظمة، فلذلك كانت النتيجة: { ما له من نفاد * } أي فناء وانقطاع، ~~بل هو كالماء المتواصل في نبعه، كلما أخذ منه شيء أخلف في الحال بحيث إنه ~~لا يميز المأخوذ من الموجود بوجه من الوجوه، فيكون في ذلك تلذيذ وتنعيم ~~لأهل الجنة بكثرة ما عنده، وبمشاهدة ما كانوا يعتقدونه ويثبتونه لله ~~تعالى من القدرة على الإعادة في كل وقت، ms4061 جزاء وفاقا عكس ما يأتي لأهل ~~النار. # ولما كانت النفوس نزاعة للهوى ميالة إلى الردى، فكانت محتاجة إلى مزيد ~~تخويف وشديد تهويل، قال تعالى متوعدا لمن ترك التأسي بهؤلاء السادة في ~~أحوال العبادة، مؤكدا لما مضى من إيعاد العصاة وتخويف العتاة: { هذا } ~~أي الأمر العظيم الذي هو جدير بأن يجعل نصب العين وهو أنه لكل من ~~الفريقين ما ذكر وإن أنكره الكفرة، وحذف الخبر بعد إثباته في الأول أهول ~~ليذهب الوهم فيه كل مذهب { وإن للطاغين } أي الذين لم يصبروا على تنزيلهم ~~أنفسهم في منازلها بالصبر على ما أمروا به فرفعوا أنفسهم فوق قدرها، ~~وتجاوزوا الحد وعلوا في الكفر به وأسرفوا في المعاصي والظلم وتجبروا ~~وتكبروا فكانوا أحمق الناس { لشر مآب * } أي مصير ومرجع، وأبدل منه أو ~~بينه بقوله: { جهنم } أي الشديدة الاضطرام الملاقية لمن يدخلها بغاية ~~العبوسة والتجهم. # ولما كان اختصاصهم بها ليس بصريح في عذابهم، استأنف التصريح به في قوله: ~~{ يصلونها } أي يدخلونها فيباشرون شدائدها. ولما أفهم هذا غاية الكراهة ~~لها وأنه لا فراش لهم غير جمرها، فكان التقدير: فيكون مهادا لهم لتحيط ~~بهم فيعمهم صليها، سبب عنه قوله: { فبئس المهاد * } أي الفراش هي، فإن ~~فائدة الفراش تنعيم الجسد، وهذه تذيب الجلد واللحم ثم يعود في الحال كلما ~~ذاب عاد عقوبة لهم ليريهم الله ما كانوا يكذبون به من الإعادة في كل وقت ~~دائما أبدا، كما كانوا يعتقدون ذلك دائما أبدا جزاء وفاقا عكس ما ~~لأهل الجنة من التنعيم والتلذيذ بإعادة كل ما قطعوا من فاكهتها وأكلوا من ~~طيرها، لأنهم يعتقدون الإعادة فنالوا هذه السعادة. # ولما قدم أن لأهل الطاعة فاكهة وشرابا، وكان ما وصف به مأوى العصاة لا ~~يكون إلا عذابا، وكان مفهما لا محالة أن الحرارة تسيل من أهل النار ~~عصارة من صديد وغيره قال: { هذا } أي العذاب للطاغين { فليذوقوه } ثم ~~فسره بقوله: { حميم } أي ماء حار، وأشار بالعطف بالواو إلى تمكنه في كل ~~من الوصفين فقال: { وغساق * } أي سيل منتن عظيم جدا بارد أسود مظلم ms4062 شديد ~~في جميع هذه الصفات من صديد ونحوه وهو في قراءة الجماعة بالتخفيف اسم ~~كالعذاب والنكال من غسقت عينه، أي سالت، وغسق الشيء، أي امتلأ، ومنه ~~الغاسق للقمر لامتلائه وكماله، وفي قراءة حمزة والكسائي وحفص بالتشديد ~~صفة كالخباز والضراب، تشير إلى شدة أمره في جميع ما استعمل فيه من ~~السيلان والبرد والسواد. # ولما كان في النار - أجارنا الله منها بعفوه ورحمته - ما لا يعد من ~~أنواع العقاب، قال عاطفا على هذا، { وآخر } أي من أنواع المذوقات - على ~~قراءة البصريين بالجمع لأخرى، ومذوق على قراءة غيرهما بالإفراد، وهو ~~حينئذ للجنس، وأخبر عن المبتدأ بقوله: { من شكلة } أي شكل هذا المذوق ~~ولما كان المراد الكثرة في المعذبين وهم الطاغون وفي عذابهم مع افتراقه ~~بالأنواع وإن اتحد في جنس العذاب، صرح بها في قوله: { أزواج * } أي هم أو ~~هي أو هو، أي جنس عذابهم أنواع كثيرة. # ولما كان مما أفهمه الكتاب في هذا الخطاب أن الطاغين الداخلين إلى جهنم ~~أصناف كثيرة، وكانت العادة جارية بأن الأصناف إذا اجتمعوا كانت محاورات ~~ولا سيما إن كانوا من الطغاة العتاة، تحرك السامع إلى تعرف ذلك فقال ~~تعالى مستأنفا جوابه بما يدل على تقاولهم بأقبح المقاولة وهو التخاصم ~~الناشىء عن التباغض والتدابر الذي من شأنه أن يقع بين الذين دبروا أمرا ~~فعاد عليهم بالوبال في أن كلا منهم يحيل ما وقع به العكس على صاحبه، ~~وذلك أشد لعذابهم: { هذا } أي قال أطغى الطغاة لما دخلوها أولا كما هم ~~أهل له لأنهم ضالون مضلون ورأوا جمعا من الأتباع داخلا عليهم: هذا { ~~فوج } أي جماعة كثيفة مشاة مسرعون. ولما كانوا يدخلونها من شدة ما تدفعهم ~~الزبانية على هيئة الواثب قال مشيرا بالتعبير بالوصف مفردا إلى أنهم في ~~الموافقة فيه والتسابق كأنهم نفس واحدة: { مقتحم } أي رام بنفسه في الشدة ~~بشدة فجاءة بلا روية كائنا { معكم }. # ولما كان أهل النار يؤذي بعضهم بعضا بالشهيق والزفير والزحام والدفاع ~~والبكاء والعويل وما يسيل من بعضهم على بعض من القيح والصديد وغير ذلك ms4063 من ~~أنواع النكد، ولا سيما إن كانوا أتباعا لهم في الدنيا، فصاروا مثلهم في ~~ذلك الدخول في الرتبة، لا يتحاشون عن دفاعهم وخصامهم ونزاعهم، قالوا ~~استئنافا: { لا مرحبا } ثم بينوا المدعو عليه فقالوا: { بهم } وهي كلمة ~~واقعة في أتم مواقعها لأنها دالة على التضجر والبغضة مع الصدق في أهل ~~مدلولها الذي هو مصادقة الضيق، مفعل من الرحب مصدر ميمي وهو السعة، أي لا ~~كان بهم سعة أصلا ولا اتسعت بهم هذه الأماكن ولا هذه الأزمان ولا حصلت ~~لهم ولا بهم راحة، ولذلك عللوا استحقاقهم لهذا الدعاء بقولهم مؤكدين لما ~~كان استقر في نفوسهم وتطاول عليه الزمان من إنكارهم له: { إنهم صالوا ~~النار * } أي ومن صليها صادف من الضيق ما لم يصادفه أحد وآذى كل من ~~جاوره. ### || [38.60-64] # ولما كان من المعلوم على ما جرت به العوائد أنهم يتأثرون من هذا القول ~~فيحصل التشوق إلى ما يكون من أمرهم هل يجيبونهم أم تمنعهم هيبتهم على ما ~~كانوا في الدنيا، اعلم بما يعلم منه انقطاع الأسباب هناك، فلا يكون من ~~أحد منهم خوف من آخر، فقال مستأنفا: { قالوا } أي الأتباع المعبر عنهم ~~بالفوج لسفولهم وبطون أمرهم: { بل أنتم } أي خاصة أيها الرؤساء { لا ~~مرحبا } وبينوا بقولهم: { بكم } أي هذا الذي دعوتم به علينا أنتم أحق به ~~منا، ثم عللوا قولهم بما أفهم أنهم شاركوهم في الضلال وزادوا عليهم ~~بالإضلال فقالوا: { أنتم } أي خاصة { قدمتموه } أي الاقتحام في العذاب ~~بما أقحمتمونا فيه من أسبابه وقدمتم في دار الغرور من تزيينه { لنا } ~~ولما كان الاقتحام وهو الوثوب أو الدخول على شيء بسرعة كأنها الوثوب ~~ينتهي منه إلى استقرار، وكان الفريقان قد استقروا في مقاعدهم في النار، ~~سببوا عن ذلك قولهم: { فبئس القرار * } أي قراركم. # ولما كان قول الأتباع هذا مفهما لأنهم علموا أن سبب ما وصلوا إليه من ~~الشقاء هو الرؤساء، وكان هذا موجبا لنهاية غيظهم منهم، تشوف السامع لما ~~يكون من أمرهم معهم؟ هل يكتفون بما أجابوهم به أو يكون أمنهم شيء آخر؟ ms4064 ~~فاستأنف قوله إعلاما بأنهم لم يكتفوا بذلك وعلموا أنهم لا يقدرون على ~~الانتقام منهم: { قالوا } أي الأتباع: { ربنا } أي أيها المحسن إلينا ~~الذي منعنا هؤلاء عن الشكر له { من قدم لنا هذا } أي العذاب بما قدم لنا ~~من الأسباب التي اقتحمناه، وقدموا ذلك اهتماما به وأجابوا الشرط بقولهم: ~~{ فزده } أي على العذاب الذي استحقه بما استحققنا به نحن وهو الضلال { ~~عذابا ضعفا } أي زائدا على ذلك مثله مرة أخرى بالإضلال، وقيدوه طلبا ~~لفخامته بقولهم معبرين بالظرف لإفهام الضيق الذي تقدم الدعاء المجاب فيه ~~به ليكون عذابا آخر فهو أبلغ مما في الأعراف لأن السياق هنا للطاغين ~~وهناك لمطلق الكافرين { في النار * } أي كائنا فيها، وهذا مثل الآية ~~الأخرى ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا أي مثل عذابنا ~~مرتين. # ولما ذكر من اقتحامهم في العذاب وتقاولهم بما دل على خزيهم وحسرتهم ~~وحزنهم، أعلم بما دل على زيادة خسرانهم وحسرتهم وهوانهم بمعرفتهم بنجاة ~~المؤمنين الذين كانوا يهزؤون بهم ويذلونهم فقال: { وقالوا } أي الفريقان: ~~الرؤساء والأتباع بعد أن قضوا وطرهم مما لم يغن عنهم شيئا من تخاصمهم: { ~~ما } أي أي شيء حصل { لنا } مانعا في أنا { لا نرى } أي في المحل الذي ~~أدخلناه { رجالا } يعنون فقراء المؤمنين { كنا نعدهم } أي في دار الدنيا ~~{ من الأشرار * } أي الأراذل الذين لا خير فيهم بأنهم قد قطعوا الرحم، ~~وفرقوا بين العشيرة وأفسدوا ذات البين، وغيروا الدين بكونهم لا يزالون ~~يخالفون الناس في أقوالهم وأفعالهم، مع ما كانوا فيه من الضعف والذل ~~والهوان وسوء الحال في الدنيا، فيظن أهلها نقص حظهم منه وكثرة مصائبهم ~~فيها لسوء حالهم عند الله وما دروا أنه تعالى يحمي أحباءه منها كما يحمي ~~الإنسان عليله الطعام والشراب ومن يرد به خيرا يصب منه. # ولما كانوا يسخرون من المؤمنين ويستهزئون بهم، وهم ليسوا موضعا لذلك، ~~بل حالهم في جدهم وجدهم في غاية البعد عن ذلك، قالوا مستفهمين، أما على ~~قراءة الحرميين وابن عامر وعاصم فتحقيقا، وأما على قراءة غيرهم ~~فتقديرا: { اتخذناهم ms4065 } أي كلفنا أنفسنا وعالجناها في أخذهم { سخريا } ~~أي نسخر منهم ونستهزئ بهم - على قراءة الكسر، ونسخرهم أي نستخدمهم على ~~قراءة الضم، وهم ليسوا أهلا لذلك، بل كانوا خيرا منا فلم يدخلوا هنا ~~لعدم شرارتهم، وكأنهم إلى تجويز كونهم في النار معهم ومنعهم من رؤيتهم ~~أميل، فدلوا على ذلك بتأنيث الفعل ناسبين خفاءهم عنهم إلى رخاوة في ~~أبصارهم على قوتها في ذلك الحين فقالوا: { أم زاغت } أي مالت متجاوزة { ~~عنهم }. # ولما كان تعالى يعيد الخلق في القيامة على غاية الإحكام في أبدانهم ~~ومعانيها فتكون أبصارهم أحد ما يمكن أن تكون وأنفذه " اسمع بهم وابصر يوم ~~يأتوننا فبصرك اليوم حديد " عدوا أبصارهم في الدنيا بالنسبة إليها عدما، ~~فلذلك عرفوا قولهم: { الأبصار * } أي منا التي لا أبصار في الحقيقة سواها ~~فلم نرها وهم فينا ومعنا في النار ولكن حجبهم عنا بعض أوديتها وجبالها ~~ولهبها. ف { أم } معادلة لجملة السخرية، وقد علم بهاذ التقدير أن معنى ~~الآية إلى إنفصال حقيقي معناه: أهم معنا أم لا؟ فهي من الاحتباك: أثبت ~~الاتخاذ المذكور الذي يلزمه بحكم العناد بين الجملتين عدم كون المستسخر ~~بهم معهم في النار أولا دليلا على ضده ثانيا، وهو كونهم معهم فيها، ~~وأثبت زيغ الأبصار ثانيا اللازم منه بمثل ذلك كونهم معهم في النار ~~دليلا على ضده أولا وهو كونهم ليسوا معهم، وسر ذلك أن الموضع لتسحرهم ~~ولومهم لأنفسهم، في غلطهم والذي ذكر عنهم أقعد في ذلك. # ولما كان هذا أمرا رائعا جدا زاجرا لمن له عقل فتأمله مجردا لنفسه ~~من الهوى، وكانت الجدود تمنعهم عن التصديق به، كان موضعا لتأكيد الخبر ~~عنه فقال: { إن ذلك } أي الأمر العظيم الذي تقدم الإخبار به { لحق } أي ~~ثابت لا بد من وقوعه إذا وقع مضمونة وافق الواقع منه هذا الإخبار عنه، ~~ولما كان أشق ما فيه عليهم وأنكأ تخاصمهم جعله هو المخبر به وحده، فقال ~~مبينا له مخبرا عن مبتدإ استئنافا تقديره: هو { تخاصم أهل النار * } ~~لأنه ما أناره لهم إلا الشر والنكد فسمي تخاصما. ms4066 ### || [38.65-70] # ولما كانت قد جرت عادتهم عند التخويف أن يقولوا: عجل لنا هذا إن كنت ~~صادقا فينا ادعيت، ومن المقطوع به أنه لا يقدر على ذلك إلا الإله فصاروا ~~كأنهم نسبوه إلى أنه ادعى الإلهية، قال تعالى منبها على ذلك آمرا له ~~بالجواب: { قل } أي لمن يقول لك ذلك: { إنما أنا منذر } أي مخوف لمن عصى، ~~ولم أدع أني إله، ليطلب مني ذلك فإنه لا يقدر على مثله إلا الإله، فهو ~~قصر قلب للموصوف على الصفة، وأفرد قاصرا للصفة في قوله: { وما } وأعرق ~~في النفي بقوله: { من إله } أي معبود بحق لكونه محيطا بصفات الكمال. ~~ولما كان السياق للتوحيد الذي هو أصل الدين، لفت القول عن مظهر العظمة ~~إلى أعظم منه وأبين فقال: { إلا الله } وللإحاطة عبر بالاسم العلم الجامع ~~لجميع الأسماء الحسنى ولو شاركه شيء لم يكن محيطا وللتفرد قال مبرهنا ~~على ذلك: { الواحد } أي بكل اعتبار فلا يمكن أن يكون له جزء أو يكون له ~~شبيه محتاجا مكافئا { القهار * } أي الذي يقهر غيره على ما يريد، وهذا ~~برهان على أنه الإله وحده وأن آلهتهم بعيدة عن استحقاق الإلهية لتعددها ~~وتكافئها بالمشابهة واحتياجها. # ولما وصف نفسه سبحانه بذلك، دل عليه بقوله: { رب السماوات } أي مبدعها ~~وحافظها على علوها وسعتها وإحكامها بما لها من الزينة والمنافع، وجمع لأن ~~المقام للقدرة، وإقامة الدليل على تعددها سهل { والأرض } على سعتها ~~وضخامتها وكثافتها وما فيها من العجائب. # ولما كان القائل مخيرا كما قال ابن مالك في الكافية الشافية عند اختلاط ~~العقلاء بغيرهم في إطلاق ما شاء من " من " التي أغلب إطلاقها على ~~العقلاء و " ما " التي هي بعكس ذلك، وكان ربما وقع في وهم أن تمكنه تعالى ~~من العقلاء دون تمكنه من غيرهم لما لهم من الحيل التي يحترزون بها عن ~~المحذور، وينظرون بها في عواقب الأمور، أشار إلى أن حكمه فيهم كحكمه في ~~غيرهم من غير فرق بالتعبير عنهم ب " ما " التي أصلها وأغلب استعمالها ~~لمن لا يعقل، وسياق العظمة بالوحدانية وآثارها ms4067 دال على دخولها في العبادة ~~قطعا فقال: { وما بينهما } أي الخافقين من الفضاء والهواء وغيرهما من ~~العناصر والنبات والحيوانات العقلاء وغيرها، ربي كل شيء من ذلك إيجادا ~~وإبقاء على ما يريد وإن كره ذلك المربوب، فدل ذلك على قهره، وتفرده في ~~جميع أمره. # ولما كان السياق للإنذار، كرر ما يدل على القهر فقال: { العزيز } أي ~~الذي يعز الوصول إليه ويغلب كل شيء ولا يغلبه شيء، ولما ثبت أنه يغلب كل ~~شيء ولا يغلبه شيء، وكانت دلالة الوصفين العظيمين على الوعيد أظهر من ~~إشعارها بالوعد، كان موضع قولهم، فما له لا يعجل بالهلاك لمن يخالفه ~~فقال: { الغفار * } أي المكرر ستره لما يشاء من الذنوب حلما إلى وقت ~~الماحي لها بالكلية بالنسبة إلى من يشاء من العباد كما فعل مع أكثر ~~الصحابة رضي الله عنهم حيث غفر لهم ما اقترفوه قبل الإسلام. # ولما ثبت بهذا وحدانيته وقدرته ولم يزعهم ذلك عن ضلالهم، ولا ردهم عن ~~عتوهم ومحالهم، مع كونه موجبا لأن يقبل كل أحد عليه ولا يعدل أبدا عنه، ~~قال آمرا له بما ينبههم على عظيم خطئهم: { قل هو } أي هذا الأمر الذي ~~تلوته عليكم من الأخبار عن الماضي والآتي من القيامة المشتملة على ~~التخاصم المذكور وغيرها والأحكام والمواعظ، فثبت بمضمونه الوحدانية، ~~وتحقق بإعجازه مع ثبوت الوحدانية وتمام القدرة وجميع صفات الكمال أنه ~~كلام الله: { نبؤا عظيم * } أي خبر يفوت الوصف في الجلال والعظم بدلالة ~~العبارة والصفة لا يعرض عن مثله إلا غافل لا وعي له ولا شيء من رأى. # ولما كانوا يدعون أنهم أعظم الناس إقبالا على الغرائب، وتنقيبا عن ~~الدقائق والجلائل من المناقب، بكتهم بقوله واصفا له: { أنتم عنه } أي ~~خاصة لا عن غيره والحال أن غيره من المهملات, ولما كان أكثرهم متهيئا ~~للإسلام والرجوع عن الكفران لم يقل: مدبرون، ولا " يعرضون " بل قال: { ~~معرضون * } أي ثابت لكم الإعراض في هذا الحين، وقد كان ينبغي لكم الإقبال ~~عليه خاصة والإعراض عن كل ما عداه لأن في ذلك السعادة الكاملة، ولو ms4068 ~~أقبلتم عليه بالتدبر لعلمتم قطعا صدقي وأني ما أريد بكم إلا السعادة في ~~الدنيا والآخرة، فبادرتم الإقبال إلي والقبول لما أقول. # ولما قصر نفسه الشريفة على الإنذار، وكانوا ينازعون فيه وينسبونه إلى ~~الكذب، دل على صدقه وعلى عظيم هذا النبأ بقوله: { ما كان لي } وأعرق في ~~النفي بالتأكيد في قوله: { من علم } أي من جهة أحد من الناس كما تعرفون ~~ذلك من حالي له إحاطة ما { بالملإ } أي الفريق المتصف بالشرف { الأعلى } ~~وهم الملائكة أهل السماوات العلى وآدم وإبليس، وكأن مخاطبة الله لهم كانت ~~بواسطة ملك كما هو أليق بالكبرياء والجلال، فصح أن المقاولة بين الملأ { ~~إذ } أي حين، ولما أفرد وصف الملأ إيذانا بأنهم في الاتفاق في علو رتبة ~~الطاعة كأنهم شيء واحد، جمع لئلا يظن حقيقة الوحدة فقال: { يختصمون * } ~~أي في شأن آدم عليه السلام، أول خليفة في الأرض بل الخليفة المطلق، لأن ~~خلافه أولاده من خلافته، وفي الكفارات الواقعة من بينه، كما أنه ما كان ~~لي من علم بأهل النار إذ يختصمون، ولا بالخصم الذين دخلوا على داود عليه ~~السلام الذي جعله الله تعالى خليفة في الأرض إذ يختصمون، وقد علمت ذلك ~~علما مطابقا للحق بشهادة الكتب القديمة وأنتم تعلمون أني لم أخالط ~~عالما قط، فهذا علم من أعلام النبوة واضح في أني لم أعلم ذلك إلا بالوحي ~~لكوني رسول الله وعبر هنا بالمضارع - وإن كان قد وقع ومضى من أول الدهر - ~~تذكيرا بذلك الحال وإعلاما بما هم فيه الآن من مثله في الدرجات، كما ~~سيأتي قريبا في الحديث القدسي، وعبر في تخاصم أهل النار - وهو لم يأت - ~~بالماضي تنبيها على أن وقوعه مما لا ريب فيه، فكأنه وقع وفرغ منه لأنه ~~قد فرغ من قضائه من لا يرد له قضاء، لأنه الواحد فلا شريك له ولا منازع. # ولما كانوا ربما قالوا في تعنتهم: فلعله مثل ما أوحي إليك بعلم ما لم ~~تكن تعلم، يوحي إليك بالقدرة على ما لم تكن تقدر عليه، فتعجل لنا الموت ~~ثم ms4069 البعث لنرى ما أخبرتنا به من التخاصم مصورا، لعلنا نصدقك فيما أتيت ~~به، قال مجيبا لهم قاصرا للوحي على قصره على النذارة وهي إبلاغ ما أنزل ~~إليه، لا تعجيل شيء مما توعدوا به: { إن } أي ما { يوحى } أي في وقت من ~~الأوقات، وبناه للمفعول لأن ذلك كاف في تنبيههم على موضع الإشارة في أن ~~دعواه إنما هي النبوة لا الإلهية { إلي إلا } ولما كان الوحي قولا قرأ ~~أبو جعفر بكسر { إنما أنا نذير } أي قصري على النذارة لا أني أنجز ما ~~يتوعد به الله؛ فإنما مفعول يوحى القائم مقام الفاعل في القراءتين وإن ~~اختلف التوجيهان فالتقدير على قراءة الجماعة بالفتح: إلا الإنذار أو إلا ~~كوني نذيرا، وعلى قراءة الكسر: إلا هذا القول وهو أني أقول لكم كذا { ~~مبين * } أي لا أدع لبسا فيما ابلغه بوجه من الوجوه. ### || [38.71-74] # ولما دل على أنه نذير، وأزال ما ربما أوردوه عليه، أتبعه ظرف اختصام ~~الملأ الأعلى، أو بدل " إذ " الأولى فقال: { إذ } أي حين { قال } ودل على ~~أنه هذا كله إحسان إليه وإنعام عليه بذكر الوصف الدال على ذلك، ولفت ~~القول عن التكلم إلى الخطاب لأنه أقعد في المدح وأدل على أنه كلام الله ~~كما في قوله: # قل من كان عدوا لجبريل # [البقرة: 97] دليلا يوهم أنه ظرف ليوحى أو لنذير فقال: { ربك } أي ~~المحسن إليك بجعلك خير المخلوقين وأكرمهم عليه فإنه أعطاك الكوثر، وهو كل ~~ما يمكن أن تحتاج إليه { للملائكة } وهم الملأ الأعلى وإبليس منهم لأنه ~~كان إذ ذاك معهم وفي عدادهم. ولما كانوا عالمين بما دلهم عليه دليل من ~~الله كما تقدم في سورة البقرة أن البشر يقع منه الفساد، فكانوا يبعدون أن ~~يخلق سبحانه من فيه فساد لأنه الحكيم الذي لا حكيم سواه، أكد لهم سبحانه ~~قوله: { إني خالق بشرا } أي شخصا ظاهر البشرة لا ساتر له من ريش ولا ~~شعر ولا غيرهما ليكون التأكيد دليلا على ما مضى من مراجعتهم لله تعالى ~~التي أشار إليها بالاختصام، وبين أصله بقوله ms4070 معلقا بخالق أو بوصف بشر: { ~~من طين * } اجعله خليفتي في الأرض وإن كان في ذلك فساد لأني أريد أن أظهر ~~حلمي ورحمتي وعفوي وغير ذلك من صفاتي التي لا يحسن في الحكمة إظهارها إلا ~~مع الذنوب " لو لم تذنبوا فتستغفروا لجاء الله بقوم يذنبون فيستغفرون ~~فيغفر لهم " قال القشيري: وإخباره للملائكة بذلك يدل على تفخيم شأن آدم ~~عليه السلام لأنه خلق ما خلق من الكونين والجنة والنار والعرش والكرسي ~~والملائكة، ولم يقل في صفة شيء منها ما قاله في صفة آدم عليه السلام ~~وأولاده، ولم يأمر بالسجود لشيء غيره. # ولما أخبرهم سبحانه بما يريد أن يفعل، سبب عنه قوله: { فإذا سويته } أي ~~هيأنه بإتمام خلقه لما يراد منه من قبول الروح وما يترتب عليه { ونفخت ~~فيه من روحي } فصار حساسا متنفسا، سبه سبحانه إفاضته الروح بما يتأثر ~~عن نفخ الإنسان من لهب النيران، وغير ذلك من التحريك والإسكان، والزيادة ~~والنقصان، وأضافه سبحانه إليه تشريفا له، { فقعوا له } أي خاصة { ساجدين ~~* } أي اسجدوا له للتكرمة امتثالا لأمري سجودا هو بغاية ما يكون من ~~الطواعية والاختيار والمحبة لتكونوا كأنكم وقعتم بغير اختيار، ففعلوا ما ~~أمرهم به سبحانه من غير توقف، ولذلك ذكر فعلهم مع جواز تأنيثه فقال: { ~~فسجد } أي عند ما نفخ فيه الروح { الملائكة } على ما أمرهم الله، ولما ~~كان إسناد الخبر إلى الجميع قد يراد به أكثرهم، أكد بقوله: { كلهم } ~~إرادة لرفع المجاز. # ولما كان لا يقدح في ذلك واحد مثلا أو قليل لا يعبأ بهم لضعف أو نحوه، ~~رفع ذلك بقوله: { أجمعون* } مع إفادة أن السجود كان في آن واحد إعلاما ~~بشدة انقيادهم، وحسن تأهبهم للطاعة واستعدادهم، ثم زاد في إيضاح العموم ~~بالاستثناء الذي هو معياره فقال: { إلا إبليس } عبر عنه بهذا الاسم لكونه ~~من الإبلاس وهو انقطاع الرجاء إشارة إلى أنه في أول خطاب الله له ~~بالإنكار عليه على كيفية علم منها تأبد الغضب عليه وتحتم العقوبة له. # ولما عرف بالاستثناء أنه لم يسجد، وكان مبنى السورة على ms4071 استكبار الكفرة ~~بكونهم في عزة وشقاق، بين أن المانع له من السجود الكبر تنفيرا عنه ~~مقتصرا في شرح الاختصام عليه وعلى ما يتصل به فقال: { استكبر } أي طلب ~~أن يكون أكبر من أن يؤمر بالسجود له وأوجد الكبر على أمر الله، وكان من ~~المستكبرين العريقين في هذا الوصف كما استكبرتم أيها الكفرة على رسولنا، ~~وسنرفع رسولنا صلى الله عليه وسلم كما رفعنا آدم صفينا عليه السلام على ~~من استكبر عن السجود له، ونجعله خليفة هذا الوجود كما جعلنا آدم عليه ~~السلام، وأشرنا إلى ذلك في هذه السورة بافتتاحها بخليفة واختتامها بخليفة ~~أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذكر كل من أحوالهما. # ولما كان الفعل الماضي ربما أوهم أنه حدث فيه وصف لم يكن، وكان التقدير: ~~فكفر بذلك، عطفا عليه بيانا لأنه جبل على الكفر ولم يحدث منه إلا ظهور ~~ذلك للخلق قوله: { وكان } أي جبلة وطبعا { من الكافرين * } أي عريقا في ~~وصف الكفر الذي منشؤه الكبر على الحق المستلزم للذل للباطل، فالآية من ~~الاحتباك: ذكر فعل الاستكبار أولا، دليلا على فعل الكفر ثانيا ووصف ~~الكفر ثانيا دليلا على وصف الاستكبار أولا، وسر ذلك أن ما ذكره أقعد ~~في التحذير بأن من وقع منه كبر جره إلى الكفر. ### || [38.75-80] # ولما كان من خالف أمر الملك جديرا بأن يحدث إليه أمر ينتقم به منه، ~~فتشوف السامع لما كان من الملك إليه، استأنف البيان لذلك بقوله: { قال } ~~وبين أنه بمحل البعد بقوله: { يا } وبين يأسه من الرحمة، وأنه لا جواب له ~~اصلا بتعبيره بقوله: { إبليس ما } أي، أي شيء { منعك أن تسجد } وبين ما ~~يوجب طاعته ولو أمر بتعظيم ما لا يعقل بقوله معبرا بأداة ما لا يعقل عمن ~~كان عند السجود له عاقلا كامل العقل: { لما خلقت } فأنا العالم به وبما ~~يستحقه دون غيري، وما أمرت بالسجود له إلا لحكمة في الأمر وابتلاء للغير، ~~وأكد بيان ذلك بذكر اليد وتثنيتها فقال: { بيدي } أي من غير توسط سبب من ~~بين هذا النوع ms4072 وما ذاك إلا لمزيد اختصاص، والمراد باليد هنا صفة شريفة ~~غير النعمة والقدرة معلومة له سبحانه ولمن تبحر في علمي اللغة والسنة، ~~خص بها خلق آدم عليه السلام تشريفا له وفي تثنية اليد إشارة إلى أنه ~~ربما أظهر فيه معاني الشمال وإن كان كل من يديه مباركا، ثم قسم المانع ~~إلى طلب العلو ووجود العلو مع الإنكار عليه في الاستناد إلى شيء منهما، ~~فقال في صيغة استفهام التقرير مع الإنكار والتقريع، بيانا لأنه يلزمه لا ~~محالة زيادة على ما كفر به أن يكون على أحد هذين الأمرين: { أستكبرت } أي ~~طلبت أن تكون أعلى منه وأنت تعلم أنك دونه فأنت بذلك ظالم، فكنت من ~~المستكبرين العريقين في وصف الظلم، فإن من اجترأ على أدناه أوشك أن يصل ~~إلى أعلاه { أم كنت } أي مما لك من الجبلة الراسخة { من العالين * } أي ~~الكبراء المستحقين للكبر وأنا لا أعلم ذلك فنقصتك من منزلتك فكنت جائرا ~~في أمري لك بما أمرتك به، فلذلك علوت بنفسك فلم تسجد له، هذا المراد لا ~~ما يقوله بعض الملاحدة من أن العالين جماعة من الملائكة لم يسجدوا لأنهم ~~لم يؤمروا لأن ذلك قدح في العموم المؤكد هذا التأكيد العظيم، وفي تفسير ~~العلماء له من غير شبهة، والآية من الاحتباك؛ دل فعل الاستكبار أولا على ~~فعل العلو ثانيا، ووصف العلو ثانيا على وصف الاستكبار أولا، وسر ذلك ~~ان إنكار الفعل المطلق مستلزم لإنكار المقيد لأنه المطلق بزيادة، وإنكار ~~الوصف مستلزم لإنكار الفعل لأنه جزوه مع أن إنكار الفعل من هذا مستلزم ~~لإنكار الفعل من ذاك، فيكون كل من الفعلين مدلولا على إنكاره مرتين: ~~تارة بإنكار فعل عديله وأخرى بإنكار وصفه نفسه, والوصفان كذلك, وفعل ~~الكبر أجدر بالإنكار من فعل العلو و " أم " معادلة لهمزة الاستفهام وإن ~~حذفت من قراءة بعضهم لدلالة " أم " عليها وإن اختلف الفعل، قال أبو حيان: ~~قال سيبويه: تقول: أضربت زيدا أم قتلته، فالبدء هنا بالفعل أحسن لأنك ~~إنما تسأل عن أحدهما لا تدري أيهما كان، ولا ms4073 تسأل عن موضع أحدهما كأنك ~~قلت: أي ذلك كان - انتهى. # ولما صدعه سبحانه بهذا الإنكار، دل على إبلاسه بقوله مستأنفا: { قال } ~~مدعيا لأنه من العالين: { أنا خير منه } أي فلا حكمة في أمري بالسجود ~~له، ثم بين ما ادعاه بقوله: { خلقتني من نار } أي وهي في غاية القوة ~~والإشراق { وخلقته من طين * } أي وهو في غاية الكدورة والضعف، واستؤنف ~~بيان ما حصل التشوف إليه من علم جوابه بقوله معرضا عن القدح في جوابه ~~لظهور سقوطه بأن المخلوق المربوب لا اعتراض له على ربه بوجه: { قال فاخرج ~~} أي بسبب تكبرك ونسبتك الحكيم الذي لا اعتراض عليه إلى الجور { منها } ~~أي من الجنة محل الطهر عن الأدواء الظاهرة والباطنة، ثم علل ذلك بقوله ~~مؤكدا لأجل ادعاء أنه أهل لأقرب القرب: { فإنك رجيم * } أي مستحق للطرد ~~والرجم وهو الرمي بالحجارة الذي هو للمبالغة في الطرد. # ولما كان الطرد قد يكون في وقت يسير، بين أنه دائم بقوله، مؤكدا إشارة ~~إلى الإعلام بما في نفسه من مزيد الكبر: { وإن عليك } أي خاصة. ولما كان ~~السياق هنا للتكلم في غير مظهر العظمة لم يأت بلام الكلام بخلاف الحجر ~~فقال: { لعنتي } أي إبعادي مع الطرد والخزي والهوان والذل مستعل ذلك عليك ~~دائما قاهرا لك لا تقدر على الانفكاك عنه بوجه، وأما غيرك فلا يتعين ~~للعن بل يكون بين الرجاء والخوف لا علم للخلائق بأنه مقطوع بلعنة ما دام ~~حيا إلا من أخبر عنه نبي من الأنبياء بذلك، ثم غيى هذا اللعن بقوله: { ~~إلى يوم الدين * } أي فإذا جاء ذلك اليوم أخذ في المجازاة لكل عامل بما ~~عمل ولم يبق لمذنب وقت يتدارك فيه ما فاته، وحينئذ يعلم أهل الاستحقاق ~~للعن كلهم، ولم يبق علم ذلك خاصا بإبليس، بل يقع العلم بجميع أهل ~~اللعنة، فالغاية لعلم الاختصاص باللعن لا للعن. # ولما كان ذلك، تشوف السامع إلى ما كان منه فأخبر سبحانه به في سياق معلم ~~أنه منعه التوفيق فلم يسأل التخفيف ولا عطف نحو التوبة، بل أدركه ms4074 الخذلان ~~بالتمادي في الطغيان، فطلب ما يزداد به لعنة من الإضلال والإعراق في ~~الضلال ضد ما أنعم به على آدم عليه السلام، فقال ذاكرا صفة الإحسان ~~والتسبيب لسؤال الإنظار لما جرأه عليهما من ظاهر العبارة في أن اللعنة ~~مغباة بيوم الدين: { قال رب } أي أيها المحسن إلي بإيجادي وجعلي في عداد ~~الملائكة الكرام { فأنظرني } أي بسبب ما عذبتني به من الطرد { إلى يوم ~~يبعثون * } أي آدم وذريته الذين تبعثهم ببعث جميع الخلائق: { قال } ~~مؤكدا لأن مثل ذلك في خرقه للعادة لا يكاد يتصور: { فإنك } أي بسبب هذا ~~السؤال { من المنظرين * } وهذا يدل أن مثل هذا الإنظار لغيره أيضا. ### || [38.81-88] # ولما دبج في عبارته بما يقتضي السؤال في أن لا يموت، فإن يوم البعث ظرف ~~لفيض الحياة لا لغيضها ولبسطها لا لقبضها، منعه ذلك بقوله: { إلى يوم ~~الوقت } ولما كان تدبيجه في السؤال قد أفهم تجاهله بما هو أعلم الخلق به ~~من تحتم الموت لكل من لم يكن في دار الخلد الذي أبلغ الله تعالى في ~~الإعلام به، قال: { المعلوم * } وهو الصعقة الأولى وما يتبعها. # ولما كانت هذه الإجابة سببا لأن يخضع وينيب شكرا عليها، وأن يطغى ~~ويتمرد ويخيب لأنها تسليط، وتهيئة للشر، فاستشرف السامع إلى معرفة ما ~~يكون من هذين المسببين، عرف أنه منعه الخذلان من اختيار الإحسان بقوله: { ~~قال فبعزتك } أي التي أبت أن يكون لغيرك فعل لا بغير ذلك، ويجوز أن تكون ~~الباء للقسم { لأغوينهم } أي ذرية آدم عليه السلام { أجمعين * } قال ~~القشيري: ولو عرف عزته لما أقسم بها على مخالفته. # ولما كان عالما بأن القادر ما خلق آدم عليه السلام وشرفه بما شرفه به ~~ليشقي ذريته كلهم قال: { إلا عبادك } فأضافهم إليه سبحانه تنبيها على أن ~~غيرهم قد انسلخوا من التشرف بعبوديته بالنسبة إلى من أطاعوه. ولما كان ~~يمكن أن يكون المستثنى، من غير البشر قيد بقوله: { منهم المخلصين * } أي ~~الذين أخلصهم الله تعالى لطاعته فأخلصوا قصدهم لها، وعرف من الاستثناء ~~أنهم قليل وأن الغواة هم الأصل. ms4075 # ولما حصل التشوف إلى جوابه، دل عليه بقوله: { قال فالحق } أي فبسبب ~~إغوائك وغوايتهم أقول الحق { والحق } أي لا غيره أبدا { أقول * } أي لا ~~أقول إلا الحق، فإن كل شيء قلته ثبت، فلم يقدر أحد على نقضه ولا نقصه. ~~ولما كانت إجابته بالإنظار ربما كانت سببا لطمعه في الخلاص، قطع رجاءه ~~بما أبرزه في أسلوب التأكيد من قوله جوابا لقسم مقدر وبيانا للحق، وفي ~~قراءة عاصم وحمزة برفع { فالحق } يكون هو المقسم به أي فالحق قسمي، ~~والجواب { لأملأن } وما بينهما اعتراض مبين أن هذا مما لا يخلف اصلا { ~~جهنم } أي النار العظيمة التي من شأنها تجهم من حكم بدخوله إياها { منك } ~~أي نفسك وكل من كان على شاكلتك من جنسك من جميع الجن { وممن }. # ولما كان الأغلب على سياقات هذه السورة سلامة العاقبة، كان توحيد الضمير ~~في { تبع } أولى، وليفهم الحكم على كل فرد ثم الحكم على المجموع فقال: { ~~تبعك } ولما كان ربما قال متعنت: إن المالىء لجهنم من غير البشر قال: { ~~منهم } أي الناس الذين طلبت الإمهال لأجلهم، وأكد ضمير { منك } والموصول ~~في { ممن } بقوله: { أجمعين * } لا تفاوت في ذلك بين أحد منكم، وهذا ~~الخصام الذي بين سبحانه أنه كان بين الملأ الأعلى كان سببا لهم إلى ~~انكشاف علوم كثيرة منها أن السجود والتحيات والاستغفار والكفارات سبب ~~الوصول إلى الله والقربات، فصاروا بعد ذلك يختصمون فيها، فكانت هذه ~~القضية سببا لاطلاع النبي صلى الله عليه وسلم على أسرار الملك والملكوت، ~~وإلى ذلك الإشارة بالحديث الذي رواه أحمد والترمذي - وقال: حسن غريب - ~~والدارمي والبغوي في تفسير عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " إني نعست فاستثقلت نوما فأتاني ربي " # - وفي رواية؛ # " آت من ربي - في أحسن صورة، فقال لي يا محمد، قلت: لبيك ربي وسعديك، ~~قال: هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى، فقلت لا يا رب " # - وفي رواية: # " قلت: أنت أعلم أي رب مرتين - قال: فوضع يده بين كتفي حتى وجدت بردها ~~بين ثديي ms4076 - أو قال: نحري - فعلمت ما في السماوات وما في الأرض " # - وفي رواية: # " ما بين المشرق والمغرب " # - وفي رواية الدارمي والبغوي: # " ثم تلا هذه الآية { وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون ~~من الموقنين } قال: يا محمد! هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى، قلت: نعم، ~~في الدرجات والكفارات، قال: وما هن؟ قلت: المكث في المساجد بعد الصلوات، ~~والمشي على الأقدام إلى الجماعات، وإسباغ الوضوء في المكاره " # - وفي رواية: # " في السبرات - وانتظار الصلاة بعد الصلاة قال: من فعل ذك عاش بخير ومات ~~بخير، وكان من خطيئته كيوم ولدته أمه، وقال: يا محمد، قلت: لبيك وسعديك، ~~قال: إذا صليت فقل " اللهم إني أسالك فعل الخيرات وترك المنكرات وحب ~~المساكين وأن تغفر لي وترحمني، وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضني إليك غير ~~مفتون " # قال: # " والدرجات إفشاء السلام وإطعام الطعام والصلاة بالليل والناس نيام " # ، قال المنذري: الملأ الأعلى: الملائكة المقربون، والسبرات - بفتح السين ~~المهملة وسكون الباء الموحدة: جمع سبرة، وهي شدة البرد، وعزاه شيخنا في ~~تخريج أحاديث الفردوس إلى أحمد والترمذي عن معاذ رضي الله عنه أيضا ~~وقال: وفي الباب عن ثوبان رضي الله عنه عند أحمد بن منيع وعن أبي هريرة ~~وأبي سعيد الخدري، وأبي رافع وأبي أمامة وأبي عبيدة وأسامة وجابر بن سمرة ~~وجبير بن مطعم وأسامة بن عمير وأنس رضي الله عنهم عند أحمد، فهذا اختصام ~~سبب العلم بتفاصيله الاختصام الأول وهو ما في شأن آدم عليه السلام ~~وذريته، والعلم الموهوب لمحمد صلى الله عليه وسلم بسبب السؤال عن هذا ~~الاختصام كالعلم الموهوب لأبيه آدم عليه عليه السلام بسبب ذلك الاختصام، ~~وهذا الاختصام - والله أعلم - هو اختلافهم في مقادير جزاء العاملين من ~~الثواب المشار إليه بالدرجات الحامل عليها العقل الداعي إلى أحسن تقويم، ~~والعقاب المشار إليه بالكفارات الداعي إلى أسبابها الوساوس الشيطانية ~~الرادة إلى أسفل سافلين التي سأل إبليس الإنظار لأجلها، وسبب اختلافهم في ~~مقادير الجزاء اختلاف مقادير الأعمال الباطنة من صحة النيات وقوة العزائم ~~وشدة المجاهدات ولينها على حسب دواعي الحظوظ والشهوات ms4077 التي كان سبب علمهم ~~بهذا الاختصام في أمر آدم عليه السلام وما نشأ عنه تفصيله بأمور دقيقة ~~المأخذ المظهرة لأن الفضل ليس بالأمور الظاهرة, وإنما هو بما يهبه الله ~~من الأمور الباطنة, وسمي تقاولهم في ذلك اختصاما دلالة على عظمة ما ~~تقاولوا فيه، لأن الخصومة لا تكون إلا بسبب أمر نفيس، فالمعنى أن ~~الملائكة كل واحد منهم مشغول بما أقيم فيه من الخدمة، فليس بينهم تقاول ~~يكون بغاية الجد والرغبة كما هو شأن الخصام إلا في هذا لشدة عجبهم منه ~~لما يعملون من صعوبة هذه الأمور على الآدمي لما عنده من الشواغل والصوارف ~~عنها بما وهبهم الله من العلم جزاء لانقيادهم للطاعة بالسجود بعد ذلك ~~الخصام فنزوع الآدمي عن صوارفه وحظوظه إلى ما للملائكة من الصفوف في ~~الطاعة والإعراض أصلا عن المعصية غاية في العجب، وعلمه صلى الله عليه ~~وسلم لما في السماوات وما في الأرض علم عام لما كان في حين الرؤيا ظهر له ~~به ملكوتهما، ونسبة ذلك كله إلى علم الله تعالى كالنسبة التي ذكرها الخضر ~~لموسى عليهما السلام في نفرة العصفور من البحر، والذي ذكره العلماء في ~~ذلك أنه تقريب للإفهام فإنه لا نسبة في الحقيقة لعلم أحد من علمه تعالى ~~ولا بنقص علمه أصلا سبحانه عما يلم بنقص أو يدني إلى وهن # قل لو كان البحر مدادا # [الكهف: 109] # ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام # [لقمان: 27] # يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا # [المائدة: 109] ويقال للنبي صلى الله عليه وسلم في ناس اختلجوا دونه عن ~~حوضه # " إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك؟ فيقول: فسحقا سحقا ". # ولما تم ما أراد من الدليل على أن ما ذكره لهم نبأ عظيم هم عنه معرضون ~~بما أخبر به من الغيب مع ما له من الإعجاز، فثبت بذلك ما اقتضى أنه صادق ~~في نسبته إلى الله تعالى، وختم بالتحذير من اتباع إبليس، أمره بالبراءة ~~من طريقه وأن ينفي عن نفسه ما قد يحمل على التقول بقوله: ms4078 { قل } أي ~~لأمتك: { ما أسئلكم } سؤالا مستعليا، وعلق به لا " بأجر " قوله: { عليه ~~} أي على التبليغ والإنذار مما أنتم متعرضون له من الهلاك بالإعراض، ~~فأداة الاستعلاء للاحتراز عن سؤال المودة في القربى وحسن الاتباع فإنهما ~~مسؤولان وهما روح الدين، ولكن سؤالهما ليس مستعليا على الإبلاغ بحيث ~~إنهما لو انتفيا انتفى، وأعرق في النفي بقوله: { من أجر } أي فيكون لكم ~~في الرد شبهة { وما أنا من المتكلفين * } أي المتحلين بما ليسوا من أهله ~~من قول ولا فعل، الذين يكلفون أنفسهم تزوير الكلام والتصنع فيه وترتيبه ~~على طريق من الطرق بنظم أو نثر سجع أو خطب أو غير ذلك، أو وضع أنفسهم في ~~غير مواضعها، كما فعل إبليس، لست منهم بسبيل ولا أعد في عدادهم بوجه، لا ~~أفعل أفعالهم ولا أحبهم ولا أتعصب لهم، فهو أبلغ من " وما أنا متكلفا " ~~قد عرفتموني طول عمري كذلك، ومن المعلوم أن ذلك لو كان في غريزتي لما ~~كففت عنه طول زماني النمو من الصبي والشباب اللذين توجد فيهما الغرائز ~~ولا توجد بعدهما، فإذا ثبت أن ذلك لم يكن لي إذ ذاك ثبت أنه متعذر بعده، ~~لما تقرر من أنه لا توجد غريزة بعد الوقوف عن النمو في سن الثلاث ~~والأربعين، فإذا علم أني لست كذلك علم أني مأمور بما أنا فيه من القول ~~والفعل، فأنا من المكلفين لا المتكلفين، فكل من قال أو فعل ما لم يؤمر به ~~فهو متكلف، وروى الثعلبي بسنده من حديث سلمة بن نفيل رضي الله عنه ~~مرفوعا والبيهقي في الشعب من قول علي بن أرطاة وأبو نعيم في الحلية من ~~قول وهب: علامة المتكلف ثلاث: ينازع من فوقه، ويتعاطى ما لا ينال، ويقول ~~ما لا يعلم. # ولما أثبت المقتضيات لأنه من عند الله وأزال الموانع، بين حقيقته التي ~~لا يتعداها إلى ما نسبوه إليه بقوله: { إن } أي ما { هو إلا ذكر } أي عظة ~~وشرف { للعالمين * } أي كلهم يفهم كل فرد ما تحتمله قواه ذكيا كان أو ~~غبيا على ما هو ms4079 عليه من العلو الذي لا يدانيه فيه كلام بخلاف الشعر ~~والكهانة التي محطها السجع والكذب في الإختبار ببعض المغيبات، فإنهما مع ~~سفول رتبتهما لا يفهمهما من العالمين إلا ذاك وذاك. # ولما كان التقدير: أنا عالم بذلك، عطف عليه قوله جوابا لقسم: { ولتعلمن ~~} أي أنتم أيضا { نبأه } أي صدقي في جميع ما أنبأتكم به فيه وعنه من ~~الأخبار العظيمة وفيما أشار إليه افتتاح هؤلاء الأنبياء المذكورين في هذه ~~السورة بخليفة وختامهم بخليفة من أن عزتكم تصير إلى ذل وشقاقكم يصير إلى ~~مسالمة وألفة، وكثرتكم تصير إلى قل، وأن ما أنا فيه الآن يفضي بي إلى ~~خلافة الله في أرضه، وأن أوسط أمري يصير إلى مثل خلافة الأول في جميع ~~جزيرة العرب التي هي أرض المسجد الأعظم الذي هو قبل المسجد الأقصى الذي ~~هو محل خلافته، ثم يزاد أمر خلافتي في سائر البلاد ولا يزال حتى يعم ~~الأرض بطولها والعرض على يد ابنه عيسى عليه السلام خاتمة أكابر أتباعي ~~وأنصاري وأشياعي، وترك الجار إعلاما باستغراق العلم لزمان البعد فقال: { ~~بعد حين * } أي مبهم عندكم معلوم لي في الدنيا إذا ظهر عبادي عليكم وفي ~~الآخرة مطلقا، وإنما أخروا إلى هذا الحين ليبلغ في الإعذار إليهم فتنقطع ~~حججهم وتتناهى ذنوبهم التي يستحقون الأخذ بها، ولقد والله علموا ذلك ثم ~~ندموا من مات منهم ومن عاش قبل مضي عشرين سنة من إعلاء كلمته وإظهار ~~رسالته وإتمام دينه، واستمر العلم لهم ولمن بعدهم بما بث فيه من العلوم، ~~وجمع فيه من شريف الرسوم، وأظهر مما تقدم الوعد به فيه إلى هذا الزمان، ~~وإلى أن يفنى كل فان، ثم يبعثوا إلى الجنان أو النيران، فقد أثبتت هذه ~~الآية من كون القرآن ذكرا ما أثبتته أول آية فيها على أتم وجه مع زيادة ~~الوعيد، فانعطف الآخر على الأول، واتصل به أحسن اتصال وأجمل، ونظر إلى ~~أول الزمر أعظم نظر وأكمل، فلله در هذا الانتظام، فهو لعمري أضوأ من شمس ~~الضحى وأتم من بدر التمام، فسبحان من أنزله و ms4080 - أجمله وفصله، وفضله وشرفه ~~وكرمه - والله أعلم. ### | [39 - سورة الزمر] ### || [39.1-3] # لما تبين من التهديد في ص أنه سبحانه قادر على ما يريد، ثم ختمها بأن ~~القرآن ذكر للعالمين، وأن كل ما فيه لا بد أن يرى لأنه واقع لا محالة لكن ~~من غير عجلة، فكانوا ربما قال متعنتهم: ما له إذا كان قادرا لا يعجل ما ~~يريده بعد حين، علل ذلك بأنه { تنزيل } أي بحسب التدريج لموافقة المصالح ~~في أوقاتها وتقريبه للأفهام على ما له من العلو حتى صار ذكرا للعالمين، ~~ووضع موضع الضمير قوله: { الكتاب } للدلالة على جمعه لكل صلاح، أي لا بد ~~أن يرى جميع ما فيه لأن الشأن العظيم إنزاله على سبيل التنجيم للتقريب في ~~فهمه وإيقاع كل شيء منه في أحسن أوقاته من غير عجلة ولا توان، ثم أخبر عن ~~هذا التنزيل بقوله: { من الله } أي المتصف بجميع صفات الكمال { العزيز } ~~فلا يغلبه شيء وهو يغلب كل شيء { الحكيم * } الذي يضع الأشياء في محالها ~~التي هي أوفق لها، فلكونه منه لا من غيره كان ذكرا للعالمين، صادقا في ~~كل ما يخبر به، حكيما في جميع أموره. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما بنيت سورة ص على ذكر المشركين ~~وعنادهم وسوء ارتكابهم واتخاذهم الأنداد والشركاء، ناسب ذلك ما افتتحت به ~~سورة الزمر من الأمر بالإخلاص الذي هو نقيض حال من تقدم، وذكر ما عنه ~~يكون وهو الكتاب، فقال تعالى { تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم } { ~~إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين } { ألا لله ~~الدين الخالص } وجاء قوله تعالى { والذين اتخذوا من دونه أولياء } - ~~الآية في معرض أن لو قيل: عليك بالإخلاص ودع من أشرك ولم يخلص، فسترى ~~حاله، وهل ينفعهم اعتذارهم بقولهم { ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله ~~زلفى } وهؤلاء هم الذين بنيت سورة ص على ذكرهم، ثم وبخهم الله تعالى ~~وقرعهم فقال { لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى } - الآية، فنزه نفسه ~~عن عظيم مرتكبهم بقوله سبحانه { هو الله الواحد ms4081 القهار } ثم ذكر بما فيه ~~أعظم شاهد من خلق السماوات والأرض وتكوير الليل على النهار وتكوير النهار ~~على الليل وذكر آيتي النهار والليل ثم خلق الكل من البشر من نفس واحدة، ~~وهي نفس آدم عليه السلام، ولما حرك تعالى إلى الاعتبار بعظيم هذه الآيات ~~وكانت أوضح شيء وأدل شاهد، عقب ذلك بما يشير إلى معنى التعجب من توقفهم ~~بعد وضوح الدلائل، ثم بين تعالى أنه غني من الكل بقوله { إن تكفروا فإن ~~الله غني عنكم } ثم قال { ولا يرضة لعباده الكفر } فبين أن من اصطفاه ~~وقربه واجتباه من العباد لا يرضى له بالكفر، وحصل من ذلك مفهوم الكلام أن ~~الواقع من الكفر إنما وقع بإرادته ورضاه لمن ابتلاه به ثم أنس من آمن ولم ~~يتبع سبيل الشيطان وقبيلته من المشار إليهم في السورة قبل فقال تعالى { ~~ولا تزر وازرة وزر أخرى } # إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم # [الأسراء:7] { ولا تكسب كل نفس إلا عليها } ثم تناسجت الآي والتحمت ~~الجمل إلى خاتمة السورة - انتهى. # ولما أخبر أنه من عنده، علل ذلك بما ثبت به جميع ما مضى من الخير، فقال ~~صارفا القول عن الغيبة منبها على زيادة عظمته بذكر إنزاله ثانيا، ~~مبرزا له في أسلوب العظمة مختبرا أنه خص به أعظم خلقه، معبرا بالإنزال ~~الظاهر في الكل تجوزا عن الحكم الجازم الذي لا مرد له: { إنا } أي على ~~ما لنا من العظمة { أنزلنا } أي بما لنا من العظمة، وقرن هذه العظمة بحرف ~~الغاية المقتضي للواسطة إشارة إلى أن هذا كان في البداية بدلالة اتباعه ~~بالأمر بالعبادة، بخلاف ما يأتي في هذه السورة فإنه للنهاية بصيرورته ~~خلقا له صلى الله عليه وسلم، فكان بحرف الاستعلاء أنسب دلالة على أن ~~ثقله الموجب لتفطر القدم وسبب اللمم خاص به صلى الله عليه وسلم، ومن قرب ~~منه ويسره وسهولته لأمته فقال: { إليك } أي خاصة بواسطة الملك، لا يقدر ~~أحد من الخلق أن يدعي مشاركتك في شيء من ذلك، فتكون دعواه موجبة لنوع من ~~اللبس، وأظهر موضع الإضمار ms4082 تفخيما بالتنبيه على ما فيه من جمع الأصول ~~والفروع واللطائف والمعارف { الكتاب } أي الجامع لكل خير مع البيان ~~القاطع والحكم الجازم بالماضي والآتي، والكائن، متلبسا { بالحق } وهو ~~مطابقة الواقع لجميع أخباره، فالواقع تابع لأخباره، لا يرى له خبر إلا ~~طابقه مطابقة لاخفاء بشيء منها، لا حلية له ولا لباس إلا الحق، فلا دليل ~~على كونه من عنده من ذلك، فليتبعوا خبره، ولينظروا عينه وأثره. # ولما ثبت بهذا أنه خصه سبحانه بشيء عجز عنه كل أحد، ثبت أنه سبحانه ~~الإله وحده، فتسبب عن ذلك قوله لفتا للقول عن مظهر العظمة إلى أعظم منه ~~بلحظ جميع صفات الكمال لأجل العبادة تعظيما لقدرها لأنها المقصود ~~بالذات: { فاعبد الله } أي الحائز لجميع صفات الكمال حال كونك { مخلصا } ~~والإخلاص هو القصد إلى الله بالنية بلا علة { له } أي وحده { الدين * } ~~بمعانقة الأمر على غاية الخضوع لأنه خصك بهذا الأمر العظيم فهو أهل منك ~~لذلك وخسأ عنك الأعداء، فلا أحد منهم يقدر على الوصول إليك بما يوهن ~~شيئا من أمرك فأخلص لتكون رأس المخلصين الذين تقدم آخر سورة ص أنه لا ~~سبيل للشيطان عليهم وتقدم ذكر كثير من رؤوسهم، ووقع الحث على الاقتداء ~~بهم بما ذكر من أمداحهم لأجل صبرهم في إخلاصهم، قال الرازي: قال الجنيد: ~~الإخلاص أصل كل عمل وهو مربوط بأول الأعمال، وهو تصفية النية ومنوط ~~بأواخر الأعمال بأن لا يلتفت إليها ولا يتحدث بها ويضمر في جميع الأحوال، ~~وهو إفراد الله بالعمل، وفي الخبر " أنا أغنى الشركاء عن الشرك ". # ولما أمره سبحانه بهذا الأمر، نادى باستحقاقه لذلك وأنه لم يطلب غير ~~حقه، وأن ذلك لا يتصور أن يكون لغيره، فقال في جواب من كأنه قال: لم منعه ~~من الالتفات إلى غيره؟ مناديا إشارة إلى أنه لا مكافئ له فلا يسع أحدا ~~يبلغه هذا النداء إلا الخضوع طائعا أو كارها: { ألا لله } أي الملك ~~الأعلى وحده { الدين الخالص } لأنه له الأمر والخلق لا يشركه فيه أحد، ~~فكما تفرد بأن خلقك وخلق كل ما لك ms4083 من شيء فكذلك ينبغي أن تفرده بالطاعة، ~~ولأنه إذا عبده أحد مخلصا كفاه كل شيء، وأما غيره فلو أخلص له أحد لم ~~يمكن أن يكفيه شيئا من الأشياء فضلا عن كل شيء والدين الذي هو أهل ~~للإخلاص هو الإسلام الذي كان في كل ملة المنبني على القواعد الخمس ~~المثبتة بالإخلاص المحض الناشئ من المراقبة في الأوامر والنواهي وجميع ما ~~يرضي الشارع للدين أو يسخطه، فتكون جملته لله من غير شهوة ظاهرة أو باطنة ~~في شهرة ولا غيرها، وإنما استحقه سبحانه دون غيره لأنه هو الذي شرعه ولا ~~أمر لأحد معه فكيف يشركه من لا أمر له بوجه من الوجوه، وأما ما كان فيه ~~أدنى شرك فهو رد على عامله والله غني حميد، وهذه كما ترى مناداة لعمري ~~تخضع لها الأعناق فتنكس الرؤوس ولا يوجد لها جواب إلا بنعم وعزته وأي ~~وكبريائه وعظمته، قال القشيري: وما للعبد فيه نصيب فهو عن الإخلاص بعيد ~~اللهم إلا أن يكون بأمره فإنه إذا أمر العبد أن يحتسب الأجر على طاعته ~~فأطاعه لا يخرج عن الاحتساب باحتسابه أمره فيه، ولولا هذا لما صح أن يكون ~~في العالم مخلص، قال ابن برجان: وذلك - أي ترك الإخلاص - كله مولد عن حب ~~البقاء في الدنيا ونسيان لقاء الله تعالى، ثم قال ما معناه: إن ذلك من ~~الشرك، وهو ثلاثة أنواع: شرك في الإلهية وهو أن يرى مع الله إلها آخر، ~~وهو شرك المجوس والمجسمة: والوثنية، ويضاهيه غلط القدرية، الثاني شرك في ~~العبادة بالرياء وإضافة العمل إلى النفس، والثالث الشرك الخفي وهو الشهوة ~~الخفية، وهو أن يخفي العمل ويخاف من إظهار ويحب لو اطلع عليه ومدح ~~بأسراره، ومن أحسن العون على الإخلاص الحياء من الله أن تتزين لغيره بعمل ~~ألهمك إياه وقواك عليه وخلت فيه وزعمت تطلب التقرب إليه فأتاك عدوه إبليس ~~الذي عاداه فيك فتطيعه فيما يضرك ولا ينفعك، فاستعن على عبادتك بالستر ~~فاستر حسناتك كما تستر سيئاتك، فإن عمل السر يزيد على عمل العلانية سبعين ~~ضعفا، وذلك ms4084 كالشجرة إذا ظهرت عروقها ضعف شربها، وأضر بها حرارة الهواء ~~وبرده، وتعرضت للآفات من قطع ويبس وغير ذلك ولم تحسن فروعها وخف ورقها ~~فقل نفعها، وإذا غاصت عروقها غابت عن الآفات وأمنت القطع من أيدي الناس، ~~فكثر شربها فجرى ماؤها فيها، فتزايدت لذلك فروعها واخضر ورقها وكثر خيرها ~~وطاب ثمرها لجانيها، فكذلك العمل إذا كانت له أصول في القلب مستورة زكا ~~في نفسه وطهر من الأدناس وكثر خيره وطاب ثوابه لعامله، وإذا بدا لم يؤمن ~~عليه من أبصار الناظرين، وإذا خفي لم يبق ما يخاف منه إلا العجب ومحبة أن ~~يطلع عليه، وهي الشهوة الخفية، ومن قولهم " من عرف الله بعد الضلالة وعرف ~~الإخلاص بعد الرياء وأنزل الموت حق منزلته لم يغفل عن الموت والاستعداد ~~له بما أمكنه " انتهى. # ولما أخبر سبحانه عما له وحده، وكان محط أمر الإنسان بل جميع الحيوان ~~على الهداية إلى مصالحه ليفعلها ومفاسدة ليتركها، وأرشد السياق إلى أن ~~التقدير: فمن أخلص له الدين هداه في جميع أموره، وإن اشتد الإشكال، ~~وتراكمت وجوه الضلال، عطف عليه الإخبار عمن لزم الضلال، والغي والمحال، ~~فقال محذرا من مثل حاله، بما حكم عليه في مآله: { والذين } ولما كان ~~الإنسان مفطورا على الخضوع للملك الديان، ولا يلتفت إلى غيره إلا ~~بمعالجة النفس بما لها من الهوى والطغيان، عبر بصيغة الافتعال فقال: { ~~اتخذوا } أي عالجوا عقولهم حتى صرفوها عن الله فأخذوا، ونبههم على خطئهم ~~في رضاهم بالأدنى على الأعلى بقوله: { من دونه } ومعلوم أن كل شيء دونه { ~~أولياء } أي يكلون إليهم أمورهم، ويدخل فيهم الذين اتخذوا أحبارهم ~~ورهبانهم أربابا من دون الله مع اعترافهم بأن الله تفرد بخلقهم ورزقهم. # ولما كان من العجب العجيب فعلهم، هذا بين ما وجهوا به فعلهم ليكون آية ~~بينة في أنه لا هدى لهم فقال: { ما } أي قائلين لمن أخلصوا له الدين إذا ~~أنكروا عليهم أن يتخذوا من دونه وليا: ما { نعبدهم } لشيء من الأشياء { ~~إلا ليقربونا } ونبه سبحانه على بعدهم عن الصواب بالتعبير بالاسم الأعظم ms4085 ~~مع حرف الغاية فقال: { إلى الله } الذي له معاقد العز ومجامع العظمة، ~~تقريبا عظيما على وجه التدريج ويزلفونا إليه { زلفى } أي تقريبا حسنا ~~سهلا بهجا زائدا ناميا متعاليا، قال القشيري: ولم يقولوا هذا من قبل ~~الله ولا بإذنه، وإنما حكموا بذلك من ذات أنفسهم، فرد الله عليهم، وفي ~~هذا إشارة إلى ما يفعله العبد من القرب بنشاط نفسه من غير أن يقتضيه حكم ~~الوقت، فكل ذلك اتباع هوى - انتهى - والآية من الاحتباك: ذكر فعل التقريب ~~أولا دليلا على فعل الزلف ثانيا، واسم الزلف ثانيا دليلا على الاسم ~~من التقريب أولا، وسره أنهم أرادوا بهذا الاعتذار المسكت عن قبيح ~~صنيعهم، فأتى سبحانه في حكايته عنهم بالتأكيد على أبلغ وجه لأن الدلالة ~~على المعنى بلفظين أجدر في ثباته وتكثيره من لفظ واحد, وبدأ, بأرشق ~~الفعلين وأشهرهما وأخفهما وأوضحهما، وقد خسر لعمري غاية الخسارة قوم ~~تمذهبوا بأقبح المذاهب وجعلوا عذرهم هذه الآية التي ذم الله المعتذر بها، ~~وعلى ذلك فقد راج اعتذارهم بها على كثير من العقول، وهم أهل الاتحاد ~~الذين لا أسخف من عقولهم ولا أجمد من أذهانهم. # ولما كان إنما محط دينهم الهوى، وكان كل من تبع الهوى لا ينفك عن ~~الاضطراب في نفسه، فكيف إذا كان معه غيره فكيف إذا كانوا كثيرا فيكثر ~~الخلاف والنزاع وإن لم يحصل ذلك بالفعل كان بالقوة، ولذلك كلن لكل قبيلة ~~ممن يعبد الأصنام صنم غير صنم الأخرى وكان بعض القبائل يعبد الشعرى، ~~وبعضهم يعبد الملائكة وبعضهم غير ذلك # إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء فتقطعوا أمرهم بينهم ~~زبرا كل حزب بما لديهم فرحون # [المؤمنون: 53] نبه على ذلك مهددا لهم بقوله مخبرا مؤكدا لأجل ~~إنكارهم: { إن الله } أي الذي له جميع صفات الكمال. ولما لم يقيد الحكم ~~بالقيامة وكانوا معترفين بأن المصائب في الدنيا منه قال: { يحكم بينهم } ~~من غير تأكيد آخر أي بين جميع المخالفين في الأديان وغيرها من المتخذين ~~للأولياء من دونه ومن المخلصين وغيرهم فلا بد أن ينصر ms4086 أهل الحق على جميع ~~أهل الباطل. # ولما كانوا أوزاعا أكثر قبائلهم على خلاف ما يعتقده غيرها، قال: { في ~~ما } أي في الدين الذي والأمر الذي. ولما كان تحكيمهم للهوى موفرا ~~لدواعيهم على الاختلاف، وكان الاتخاذ الذي يبنى الكلام عليه له نظر عظيم ~~إلى علاج الباطن بخلاف سورة يونس اثبت الضمير هنا فقال: { هم } أي ~~بضمائرهم { فيه يختلفون * } أي ليس لهم أصل يضبطهم، فهو لا يرجعون إلا ~~إلى الخلف كيف ما تقلبوا لأنهم مظروفون لذلك العمل الذي مبناه الهوى هو ~~منشأ الاختلاف، فكيف إذا انضم إلى ذلك خلاف المخلصين وإنكارهم عليهم الذي ~~أرشد إليه اعتذارهم، فظهر من هذا أن اختلاف الأئمة في فهم كتاب الله وسنة ~~رسوله صلى الله عليه وسلم لقواعد استنبطوها من ذلك لا يخرجون عنها ليس ~~خلافا بل وفاق لوحدة ما يرجعون إليه من الأصل الصحيح الثابت عن الله، ~~ومن هذا إنكار النبي صلى الله عليه وسلم على عمر وأبي وغيرهما رضي الله ~~عنهم لما أنكر كل منهم على من خالفه في القراءة وقال: # " إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فلا تختلفوا " # ، فلا فرق بين أن يستند كل من الأمرين إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~نقلا أو اجتهادا لأنه في قوة الاتفاق لوحدة مرجعه - والله الموفق، ~~ويجوز أن يكون الضمير في " بينهم " لهم ولمعبوداتهم فإنهم ليس منهم معبود ~~صامت ولا ناطق إلا وهو صارخ بلسان حاله إن لم ينطق لسان قاله بأنه مقهور ~~مربوب عابد لا معبود، فهم مع من يعبدهم في غاية الخلاف. # ولما كان من الأمر الواضح أن الدين لا يكون صالحا إلا أن انتظم بنظام ~~غير مختل، وكان الدين إذا كان معوجا داعيا إلى التفرق مناديا على نفسه ~~بالانخلاع عنه والبعد منه فكان الحال مقتضيا للتعجب ممن تدين به، فضلا ~~عمن يدوم عليه، فضلا عمن لا ينتبه عند التنبيه، فضلا عمن يقاتل دون ~~ذلك، أجاب من كأنه قال: سبب عكوفهم على هذا الضلال الذي أوجب لهم قطعا ~~الاختلاف بالفعل أو بالقوة، فقال مؤكدا ms4087 تكذيبا لمن ينكر ما تضمنه هذا ~~الإخبار وإن ظهر لبعض العمى غير ذلك مما يبدو من الكذبة والكفرة من أعمال ~~مزينة وأفكار دقيقة فتظن هدى وإنما هي استدراج. ولما أرشد السياق إلى أن ~~المعنى: لأنهم غير مهتدين لأن الله لم يخلق الهداية في قلوبهم، نسق به ~~قوله: { إن الله } أي الملك القادر القاهر الحكيم. ولما كان الأصل: لا ~~يهديهم, وأراد سبحانه التعميم وتعليق الحكم بالوصف تنفيرا عنه قال: { لا ~~يهدي } أي لا يخلق الهداية في قلب { من هو } أي لضميره { كاذب } أي مرتكب ~~الكذب عريق فيه حتى أداه كذبه إلى أن يقول على ملك الملوك أن شيئا يقرب ~~إليه بغير إذنه، ويخضع بالعبادة التي هي نهاية التعظيم، فهي لا تليق بغير ~~من ينعم غاية الإنعام لمن لا يملك ضرا ولا نفعا، ولم يعبر في الكذب ~~بصيغة مبالغة لأن الذين السياق لهم لم يقع منهم كذب إلا في ادعائهم أنهم ~~يقربونهم. # ولما كان من كفر في حين من الدهر قد ضاعف كفره لكثرة ما على الوحدانية ~~من الدلائل وما لله عليه من الإحسان، وكان هؤلاء الذين لهم السياق قد ~~كفروا بتأهيلهم لشركائهم للعبادة ولعبادتهم بالفعل ولادعائهم فيهم ~~التقريب قال { كفار } بصيغة المبالغة، والأحسن أن يقال: إن المبالغة ~~لإفهام أن الذي لا يهديه إنما هو من ختم عليه سبحانه الموت على ذلك، قال ~~القشيري: والإشارة إلى تهديد من يتعرض لغير مقامه ويدعي شيئا ليس بصادق ~~فيه فالله لا يهديه قط إلى ما فيه سداده ورشده، وعقوبته أن يحرمه ذلك ~~الشيء الذي تصدى له بدعواه قبل تحققه بوجوده وذوقه. ### || [39.4-6] # ولما أخبر سبحانه بالحكم بينهم، فكان ذلك مع تضمنه التهديد وافيا بنفي ~~الشريك، كافيا في ذلك لأن المحكوم فيه لا يجوز أن يكون قسيما للحاكم، ~~فلم يبق في شيء من ذلك شبهة إلا عند ادعاء الولدية، قال نافيا لها على ~~سبيل الاستئناف جوابا لمن يقول: فما حال من يتولى الولد؟ - قال القشيري: ~~والمحال يذكر على جهة الإبعاد أن لو كان كيف حكمه -: { لو ms4088 أراد الله } أي ~~الذي له الإحاطة بصفات الكمال { أن يتخذ } أي يتكلف كما هو دأبكم، ولا ~~يسوغ في عقل أن الإله يكون متكلفا { ولدا } أي كما زعم من زعم ذلك، ~~ولما كان الولد لا يراد إلا أن يكون خيارا، وكان الله قادرا على كل ~~شيء، عدل عن أن يقول { لاتخذ } إلى قوله: { لاصطفى } أي اختار على سبيل ~~التبني { مما يخلق } أي يبدعه في أسرع من الطرف، وعبر بالأداة التي أكثر ~~استعمالها فيما لا يعقل إشارة إلى أنه قادر على جعل أقل الأشياء أجلها ~~على سبيل التكرار والاستمرار - كما أشار إليه التعبير بالمضارع فقال: { ~~ما يشاء } أي مما يقوم مقام الولد فإنه لا يحتاج إلى التطوير في إتيان ~~الولد إلا من لا يقدر على الإبداع بغير ذلك. # ولما كان لا يرضى إلا بأكمل الأولاد وهم الأبناء، لكنه لم يرد ذلك فلم ~~يكن، فهذا أقصى ما يمكن أن يجوز خلقا شريفا ويسميه ولدا إشارة إلى شدة ~~إكرامه له وتشريفه إياه، أو يقربه غاية التقريب كما فعل بالملائكة وعيسى ~~عليهم السلام، فكان ذلك سببا لغلطكم فيهم حتى دعيتم أنهم أولاد ثم زعمتم ~~أنهم بنات، فكنتم كاذبين من جهتين، هذا غاية الإمكان، وأما أنه يجوز عليه ~~التوليد فلا، بل هو مما يحيله العقل، لأن ذلك لا يكون إلا لمحتاج، والإله ~~لا يتصور في عقل أن يكون محتاجا أصلا، قال ابن برجان ما معناه: كان ~~معهود الولادة على وجهين، فولد منسوب إلى والده بنوة وولادة ورحما، فهذا ~~ليس له في الوجود العلي وجود، ولا في الإمكان تمكن، ولا في الفعل مساغ ~~بوجه من الوجوه، وولد بمعنى التبني والاتخاذ، وقد كانت العرب وغيرها من ~~الأمم يفعلونه حتى نسخة القرآن، فلا يبعد أن تكون هذه العبارة كانت جائزة ~~في الكتب قبلنا، فلما أعضل بهم الداء وألحدوا في ذلك عن سواء القصد الذي ~~هو الاصطفاء إلى بنوة الولادة أضلهم الله وأعمى أبصارهم وسد السبيل عن ~~العبادة عن ذلك، وكشف معنى الاصطفاء، وأظهر معنى الولاية، ونسخ ذلك بهذا، ~~لأن ms4089 هذا لا يداخله لبس، وذلك كله لبيان كمال هذه الأمة وعلوها في كل أمر. # ولما كانت نسبة الولد إليه كنسبة الشريك أو أشنع، وانتفى الأمران بما ~~تقدم من الدليل باالحكم باعترافهم بأن حكمه سبحانه نافذ في كل شيء لشهادة ~~الوجود، ولقيام الأدلة على عدم الحاجة إلى شيء أصلا فضلا عن الولد، نزه ~~نفسه بما يليق بجلاله من التنزيه في هذا المقام، فقال: { سبحانه } أي له ~~التنزيه التام عن كل نقيصة، ثم أقام الدليل على هذا التنزيه المقتضي ~~لتفرده فقال: { هو } أي الفاعل لهذا الفعال، والقائل لهذه الأقوال، ~~ظاهرا وباطنا { الله } أي الجامع لجميع صفات الكمال، ثم ذكر من الأوصاف ~~ما هو كالعلة لذلك فقال: { الواحد } أي الذي لا ينقسم أصلا، ولا يكون له ~~مثل فلا يكون له صاحبة ولا ولد، لأنه لو كان شيء من ذلك لما كان لا ~~مجانسا ولا جنس له ولا شبه بوجه من الوجوه { القهار * } أي الذي له هذه ~~الصفة، فكل شيء تحت قهره آلهتهم وغيرها على سبيل التكرار والاستمرار، فصح ~~من غير شك أنه لا يحتاج إلى شيء أصلا، وجعل ما لا حاجة إليه ولا داعي ~~يبعث عليه عبث ينزه عنه العاقل فكيف من له الكمال كله. # ولما أثبت هذه الصفات التي نفت أن يكون له شريك أو ولد، وأثبتت له ~~الكمال المطلق، دل عليها بقوله: { خلق السماوات والأرض } أي أبدعهما من ~~العدم { بالحق } أي خلقا متلبسا بالأمر الثابت الذي ليس بخيال ولا سحر، ~~على وجه لا نقص فيه بوجه، ولا تفاوت ولا خلل يقول أحد فيه أنه مناف ~~للحكمة ولما كان من أدل الأشياء على صفتي الوحدانية والقهر، وتمام القدرة ~~وكمال الأمر، بعد إيجاد الخافقين اختلاف الملوين، وكان التكوير - وهو ~~إدارة الشيء على الشيء بسرعة وإحاطته به بحيث يعلو عليه ويغلبه ويغطيه - ~~أدل على صفة القهر من الإيلاج، قال مبينا لوقت إيجاد الملوين: { يكور } ~~أي خلقهما أي صورهما في حال كونه يلف ويلوي ويدير فيغطي مع السرعة والعلو ~~والغلة تكويرا كثيرا متجددا مستمرا إلى ms4090 أجله { اليل على النهار } ~~بأن يستره به فلا يدع له أثرا، ولعظمة هذا الصنع أعاد العامل فقال: { ~~ويكور النهار } عاليا تكويره وتغطيته { على اليل } فيذهبه كذلك ويدخل ~~في هذا الزيادة في كل منهما بما ينقص من الآخر لأنه إذا ذهب أحدهما وأتى ~~الآخر مكانه، فكأن الآتي لف على الذاهب وألبسه كما يلف اللباس على ~~اللابس، أو أنه شبه الذاهب في خفائه بالآتي بشيء ظاهر لف عليه ما غيبه عن ~~مطامع الأبصار، أو أن كلا منهما لما كان يكر على الآخر كرورا متتابعا ~~شبه ذلك بتتابع أكوار بعضها على بعض، فتغيب ما تحتها. # ولما كانت الظلمة سابقة على الضياء، وكان الليل إنما هو ظلمة يسبقها ~~ضياء بطلوع الشمس، رتب سبحانه هذا الترتيب على حسب الإيجاد، ولذلك قدم ~~آية النهار فقال معبرا بالماضي بخلقه الآيتين مسخرتين على منهاج معلوم ~~لكل منها لا يتعداه، وحد محدود لا يتخطاه { وسخر } أي ذلل وأكره وقهر ~~وكلف لما يريد من غير نفع للمسخر { الشمس } أي التي محت ما كان من الظلام ~~فأوجبت اسم النهار { والقمر } أي آية الليل. # ولما أخبر بقهرهما، بين ما صرفهما فيه، فقال بيانا لهذا التسخير: { كل ~~} أي منهما { يجري } أي بقضائنا الذي لا مرد له، وهذا آية لاختلاف أحوال ~~العبد لأن خلقه جامع، فيختلف في القبض والبسط والجمع والفرق والأخذ والرد ~~والصحو والسكر، وفي نجوم العقل، وأقمار العلم، وشموس المعرفة، ونهار ~~التوحيد، وليل الشك والجحد، ونهار الوصل وليالي الهجر والفراق، وكيفية ~~اختلافها وزيادتها ونقصانها - قاله القشيري. # ولما كان مقصود السورة العزة التي محطها الغلبة، وكان السياق للقهر، ~~وكان القضاء لعلة لا يتخلف عنها المعلول أدل على القهر من ذكر الغاية ~~مجردة عن العلة قال: { لأجل مسمى } أي لمنتهى الدور ومنقطع الحركة. ولما ~~ثبت بهذا قهره، قال مناديا رشقا في قلوب المنكرين: { ألا هو } أي وحده ~~{ العزيز } ولما كان ربما قال متعنت: فما له لا يأخذ من يخالفه؟ وكانت ~~صفة القهر والعزة ربما أقنطت العصاة فأخرتهم عن الإقبال، قال مبينا لسبب ~~التأخير ومستعطفا: ms4091 { الغفار * } أي الذي له صفة الستر على الذنوب متكررة ~~فيمحو ذنوب من يشاء عينا، وأثرا بمغفرته ويأخذ من يشاء بعزته. # ولما كان خلق الحيوان أدل على الوحدانية والقهر بما خالف به الجمادات من ~~الحياة التي لا يقدر على الانفكاك عنها قبل أجله، وبما له من أمور ~~اضطرارية لا محيص له عنها، وأمور اختيارية موكولة في الظاهر إلى مشيئته، ~~وكان أعجبه خلقا الإنسان بما له من قوة النطق، قال دالا على ما دل عليه ~~بخلق الخافقين لافتا القول إلى خطاب النوع كله إيذانا بتأهلهم للخطاب، ~~وترقيهم في علا الأسباب، من غير عطف إيذانا بأن كلا من خلقهم وخلق ما ~~قبلهم مستقل بالدلالة على ما سيق له: { خلقكم } أي أيها الناس المدعون ~~لإلهية غيره { من نفس واحدة } هي آدم عليه السلام. # ولما كان إيجادنا منها بعد شق الأنثى منها، قال عاطفا على ما تقديره: ~~أوجدها من تراب، مبينا بلفظ الجعل أن الذكر هو سببها ومادتها منبها ~~بأداة التراخي على القهر الذي السياق له بالتراخي في الزمان بتأخير ~~المسبب عن سببه المقتضي له إلى حين مشيئته لأن إيجادها منه كان بعد مدة ~~من إيجاده، والأصل في الأسباب ترتب المسببات عليها من غير مهلة وعلى ~~التراخي في الرتبة أيضا بأن ذلك - لكونه شديد المباينة لأصله - من أعجب ~~العجب: { ثم } أي بعد حين، وعبر بالجعل لأنه كاف في نفي الشركة التي هذا ~~أسلوبها وليبين أنه ما خلق آدم عليه السلام إلا ليكون سببا لما يحدث عنه ~~من الذرية ليترتب على ذلك إظهار ما له سبحانه من صفات الكمال فقال: { جعل ~~منها } أي تلك النفس { زوجها } أي ونقلكم بعد خلقكم منه إليها ثم أبرزكم ~~إلى الوجود الخارجي منها، ويجوز - وهو أحسن - أن يكون المعنى لأن السياق ~~لإحاطة العلم المدلول عليه بإنزال الكتاب وما تبعه: قدر خلقكم على ما ~~أنتم عليه من العدد والألوان وجميع الهيئات حين خلق آدم بأن هيأه لأن ~~تفيضوا منه، فلا تزيدون على ما قدره شيئا ولا تنقصون وأن تفيض منه زوجه، ~~وذلك ms4092 قبل خلق حواء منه، ثم أوجدها فكان الفيض منها فيضا منه فالكل منه، ~~ولهذا ورد الحديث في مسند أحمد بن منيع عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " خلق الله آدم يوم خلقه وضرب على كتفه اليمنى فأخرج ذرية بيضاء كأنهم ~~الذر، وضرب كتفه اليسرى فأخرج ذرية سوداء كأنهم الحمم، فقال للذي في ~~يمينه: إلى الجنة ولا أبالي، وقال للذي في يساره: إلى النار ولا أبالي ". # ولما كان تنويع الحيوان إلى أنواع متباينة أدل على القدرة التي هي منشأ ~~القهر، وكان سبحانه موصوفا بالعلو، وكان أكثر الأنعام أشد من الإنسان، ~~فكان تسخيره له وتذليله إنزالا عن قوته وإيهانا لشدته، قال دالا على ~~ذلك الإنشاء والجعل بلفظ الإنزال: { وأنزل لكم } أي خاصة { من الأنعام } ~~أي الإبل بنوعيها، والبقر كذلك، والضأن والمعز. ولما لم يكن عند العرب ~~البخاتي والجواميس لم يذكرها سبحانه، واقتصر على ما عندهم، وقال: { ~~ثمانية أزواج } أي من كل نوع زوجين ذكرا وأنثى، والزوج اسم لواحد معه ~~آخر لا يكمل نفعه إلا به، وإذا نظرت هذه العبارة مع العبارة عن خلق ~~الإنسان فهمت أن الأنعام خلق كل ذكرها وأنثاها على انفراده، لا أن أحدا ~~منها من صاحبه، وذلك أدل على إطلاق التصرف وتنويعه مما لو جعل خلقها مثل ~~خلق الآدمي. # ولما كان تكوينهم في تطويرهم عجبا قال مستأنفا بيانا لما أجمل قبل: { ~~يخلقكم } أي يقدر إيجادكم أنتم والأنعام على ما أنتم عليه من أخلاط ~~العناصر { في بطون أمهاتكم } ولما كان تطوير الخلق داخل البطن حيث لا تصل ~~إليه يد مخلوق ولا بصره، قال دالا على عظمته ودلالته على تمام القدرة ~~والقهر: { خلقا } ودل على تكوينه شيئا بعد شيء بإثبات الحرف فقال: { من ~~بعد خلق } أي في تنقلات الأطوار وتقلبات الأدوار. ولما كان الحيوان لا ~~يعرف ما هو إلا في التطوير الرابع، وكان الجهل ظلمة قال: { في ظلمات ثلاث ~~} ظلمة النطفة ثم العلقة ثم المضغة، فإذا صار عظاما مكسوة لحما عرف هل ~~هو ذكر ms4093 أو أنثى فزالت عنه ظلمات الجهل، وصار خلقا آخر، وقيل؛ ظلمة البطن ~~والرحم والمشيمة - نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما وعزاه ابن أبي الدنيا ~~في كتاب القناعة إلى عيسى ابن مريم عليه السلام. # ولما ثبت له سبحانه كمال العظمة والقهر، قال مستأنفا ما أنتجه الكلام ~~السابق معظما باداة البعد رميم الجمع: { ذلكم } أي العالي المراتب ~~شهادتكم أيها الخلق كلكم، بعضكم بلسان قاله، وبعضكم بناطق حاله، الذي ~~جميع ما ذكر من أول السورة إلى هنا أفعاله، ولما أشار إلى عظمته بأداة ~~البعد، أخبر عن اسم الإشارة فقال: { الله } أي الجامع لجميع صفات الكمال، ~~ونبه على جهلهم مما يعلمون من ربوبيته لعملهم بالشرك عمل جاهل بذلك فقال ~~واصفا: { ربكم } أي المالك والمربي لكم بالخلق والرزق. ولما كان المربي ~~قد لا يكون ملكا قال نتيجة لما سبق: { له } أي وحده { الملك } ولما كان ~~المختص بالملك قد لا يكون إلها، قال مثبتا له الإلهية على ما يقتضيه من ~~الوحدانية وهو بمنزلة نتيجة النتيجة: { لا إله إلا هو }. # ولما تكفل هذا السياق بوجوب الإخلاص في الإقبال عليه والإعراض عما سواه، ~~لأن الكل تحت قهره، وشمول نهيه وأمره، سبب عنه قوله: { فأنى } أي فكيف ~~ومن أي وجه { تصرفون * } أي قهرا عن الإخلاص له إلى الإشراك به بصارف ما ~~وإن كان عظيما، ونبه بالبناء للمفعول مع هذا على أنهم مقهورون في فعل ما ~~هم عليه لأنهم تابعون للهلاك المحض، تاركون للأدلة التي لا خفاء في شيء ~~منها، ومعلوم أنه لا يترك أحد الدليل في الفيافي العطشة الذي إن تركه هلك ~~إلا قهرا؛ وأن الناس هيئوا لطريق الهدى بما خلقوا عليه من أحسن تقويم ~~بسلامة الفطر واستقامة العقول، وأشار إلى هذا لأنهم يأنفون من النسبة إلى ~~القهر وأن يفعلوا شيئا بغير اختيار لما عندهم من الأنفة وعلو الهمم ~~والعظمة. ### || [39.7-9] # ولما ظهرت الأدلة وبهرت الحجج، بين ما على من غطاها بالإصرار، وما لمن ~~تاب ورجع التذكار، فقال مستأنفا لما هو نتيجة ما مضى، معرفا لهم نعمته ~~عليهم ms4094 بأنه ما تعبد لشيء يخصه من نفع أو ضر، وإنما هو لمصالحهم خاصة ~~بادئا بما هو من درء المفاسد: { إن تكفروا } أي تستروا الأدلة فتصروا ~~على الانصراف عنه بالإشراك { فإن الله } لأنه جامع لصفات الكمال { غني ~~عنكم } أي فلا يضره كفركم ولا تنفعه طاعتكم، وأما أنتم فلا غنى لكم عنه ~~بوجه، ولا بد أن يحكم بينكم فلم تضروا إلا أنفسكم { ولا يرضى } لكم - ~~هكذا كان الأصل بدليل ما سبقه ولحقه، وإنما أظهر ليعم وليذكرهم بما ~~يجدونه في أنفسهم من أن أحدا منهم لا يرضى لعبده أن يؤدي خرجه إلى غيره ~~بغير إذنه فقال: { لعباده } أي الذين تفرد بإيجادهم وتربيتهم { الكفر } ~~بالإقبال على سواه وأنتم لا ترضون ذلك لعبيدكم مع أن ملككم لهم في غاية ~~الضعف، ومعنى عدم الرضى أنه لا يفعل فعل الراضي بأن يأذن فيه ويقر عليه ~~أو يثيب فاعله ويمدحه، بل يفعل فعل الساخط بأن ينهى عنه ويذم عليه ويعاقب ~~مرتكبه { وإن تشكروا } أي بالعبادة والإخلاص فيها { يرضه } أي الشكر ~~الدال عليه فعله { لكم } أي الرضى اللائق بجنابه سبحانه بأن يقركم عليه ~~أو يأمركم به ويثيبكم على فعله، والقسمان بإرادته، واختلاف القراء في ~~هائه دال على مراتب الشكر - والله أعلم، فالوصل للواصلين إلى النهاية على ~~اختلاف مراتبهم في الوصول والاختلاس للمتوسطين والإسكان لمن في الدرجة ~~الأولى منه. # ولما كان في سياق الحكم والقهر، وكانت عادة القهارين أن يكلفوا بعض ~~الناس ببعض ويأخذوهم بجوائرهم لينتظم لهم العلو على الكل لعدم إحاطة ~~علمهم بكل مخالف لأمرهم، بين أنه سبحانه على غير ذلك فقال: { ولا تزر ~~وازرة } أي وازرة كانت { وزر أخرى } بل وزر كل نفس عليها لا يتعداها يحفظ ~~عليها مدة كونها في دار العمل، والإثم الذي يكتب على الإنسان بترك الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر ليس وزر غيره، وإنما هو وزر نفسه، فوزر الفاعل ~~على الفعل، ووزر الساكت على الترك لما لزمه من الأمر والنهي { ثم إلى ~~ربكم } أي وحده لا إلى أحد ممن أشركتموه به { مرجعكم } أي بالبعث ms4095 بعد ~~الموت إلى دار الجزاء. ولما كان الجزاء تابعا للعلم، قال معبرا عنه به: ~~{ فينبئكم } أي فيتسبب عن البعث أنه يخبركم إخبارا عظيما { بما كنتم ~~تعملون } أي بما كان في طبعكم العمل به سواء عملتموه بالفعل أم لا ثم ~~يجازيكم عليه إن شاء. # ولما كان المراد - كما أشار إليه بكان - الإخبار بجميع الأعمال الكائنة ~~بالفعل أو القوة، حسن التعليل بقوله: { إنه عليم } أي بالغ العلم { بذات ~~الصدور * } أي بصاحبتها من الخواطر والعزوم، وذلك بما دلت عليه الصحبة - ~~كل ما لم يبرز إلى الخارج، فهو بما برز أعلم. # ولما ذكر سبحانه أنه المختص بالملك وحده، وأتبعه بما يرضيه وما يسخطه، ~~أقام الدليل على ذلك الاختصاص مع أنه أوضح من الشمس بدليل وجداني لكل أحد ~~على وجه ذمهم فيه بالتناقض الذي هم أعظم البأس ذما له ونفرة منه وذما ~~به فقال: { وإذا } وهي - والله أعلم - حالية من واو { تصرفون } وكان ~~الأصل: مسكم، ولكنه عمم ودل بلفت القول عن الخطاب على الوصف الموجب ~~للنسيان فقال: { مس الإنسان } أي هذا النوع الآنس بنفسه مؤمنه وكافره { ~~ضر } أي ضر كان من جهة يتوقعها - بما أشار إليه الظرف بمطابقة المقصود ~~السورة مع تهديد آخر التي قبلها { دعا ربه } أي الحسن إليه الذي تقدم ~~تنبيهكم من غفلتكم عليه بقوله " ذلكم الله ربكم " ذاكرا صفة إحسانه { ~~منيبا } أي راجعا رجوعا عظيما { إليه } بباطنه مخلصا في ذلك عالما ~~أنه لا يكفيه أمره غيره ضرورة يجدها في نفسه لأن الضر أزال عنه الأموية ~~والحظوظ، معرضا عما كان يزعم من الشركاء معرفا لسان حاله أنه لا شريك ~~له سبحانه كما هو الحق فتطابق في حال الضراء الحق والاعتقاد. # ولما كان الإنسان لما جبل عليه من الجزع واليأس إذا كان في ضر استبعد كل ~~البعد أن يكشف عنه، لتقيده بالجزئيات وقصوره على التعلق بالأسباب، أشار ~~إلى ذلك مع الإشارة إلى الوعد بتحقيق الفرج فقال: { ثم } أي بعد استبعاده ~~جدا. ولما كان الرخاء محققا، وهو أكثر من الشدة، عبر بأداة التحقق، ~~فقال منبها ms4096 بالتعبير ب " خول " على أن غطاءه ابتداء فضل منه لا يستحق ~~أحد عليه شيئا, لأن التخويل لا يكون جزاء بل ابتداء: { إذا خوله } أي ~~أعطاه عطاء متمكنا ابتداء، وجعله حسن القيام عليه قادرا على إجادة ~~تعهده { نعمة منه } ومكنه فيها { نسي } أي مع دعائه أن يشكر على الإحسان، ~~فكانت مدة تخويله ظرف نسيانه، فعلم أن صلاحه بالضراء { ما } أي الأمر ~~الذي { كان يدعوا } ربه على وجه الإخلاص { إليه } إلى كشفه من ذلك الضر ~~الذي كان، وأعلم بتقارب وقتي النسيان والإنابة بإثبات الجار فقال: { من ~~قبل } أي قبل حال التخويل { وجعل } زيادة على الكفران بنسيان الإحسان { ~~لله } أي الذي لا مكافئ له بشهادة الفطرة والعقل والسمع { أندادا } أي ~~لكونه يتأهلهم، فينزلهم بذلك منزلة من يكون قادرا على المعارضة ~~والمعاندة، فقد علم من التعبير بالنسيان أنه عالم بربه، ولذلك دعاه في ~~كشف ضره وأنه جعل علمه عند الإحسان إليه جهلا، فكان كمن لا يعلم من سائر ~~الحيوانات العجم. # ولما كان ذلك في غاية الضلال، لكونه - مع أنه خطأ - موجبا لقطع الإحسان ~~وعدم الإجابة في كشف الضر مرة أخرى وكانوا يدعون أنهم أعقل الناس، وكان ~~هذا الضلال في غاية الظهور، وكان العاقل لا يفعل شيئا إلا لعلة، عظمهم ~~تهكما بهم عن أن يكونوا ضلوا هذا الضلال الظاهر من غير قصد إليه، فقال ~~مشيرا إلى ذلك كله: { ليضل } أي بنفسه عند فتح الياء، ويضل غيره عند من ~~ضمها { عن سبليه } أي الطريق الموصل إلى رضوانه، الموجب للفوز بإحسانه. # ولما كان من المعلوم المحقق المقطوع به المركوز في الفطر الأولى المستمر ~~فيما بعدها أن الملك لا يدع من يعصيه بغير عقاب، وكان قد ثبت بقضية ~~الإجماع وقت الاضطرار أنه لا يلتفت إلى أحد سوى الله وكان من التفت - بعد ~~أن أنجاه الله من ضرره وأسبغ عليه من نعمه - كافرا من غير شك عند ذي ~~عقل، وكان من كان بهذه المثابة في هذه الدار هم أهل النعم الكبار، ~~والتمتع الصافي عن الأكدار، كان من المعلوم أنه ms4097 لا بد من عقوبته في دار ~~القرار، فقال تعالى مبينا لأن هذا التمتع إنما هو سبب هذا الكفران ~~استدراجا مع الإعراض المؤذن بالغضب { قل } أي يا أحب خلقنا إلينا ~~المستحق للإقبال عليه بالخطاب، لهذا الذي قد حكم بكفره مهددا له بما ~~يقوته بلذيذ عيشه في الدنيا من الفيض من الجناب الأقدس ويؤول إليه أمره ~~من العذاب الأكبر: { تمتع } أي في هذه الدنيا التي هي وكل ما فيها - مع ~~كونه زائلا - يفيض إلى الله، فهو من جملة المقت إلا لمن صرفه في طاعة ~~الله. # ولما ذكر تمتيعه بالخسيس، ذكر سببه الخسيس تعظيما لأجور المؤمنين ~~لانصرافهم عن الكفر مع علمهم بأنه من أسباب التمنيع وبيانا لذوي الهمم ~~العوال من غيرهم فقال: { بكفرك } ثم أشار إلى قلة زمن الدنيا وما فيها في ~~جنب الآخرة فقال: { قليلا } ثم علل ذلك بما إذا غمس في عذابه أنعم أهل ~~الدنيا غمسة واحدة قال: ما رأيت نعيما قط، فقال مؤكدا لأجل تكذيبهم ~~بالنار، ودفعا لما استقر في نفوسهم أن تنعيمهم في الدنيا إنما هو لقربهم ~~من الله ومحبته لهم، وأن ذلك يتصل بنعيم الآخرة على تقدير كونها: { إنك } ~~وهذا الأمر هنا يراد به الزجر، تقديره: إن تمتعت هكذا كنت { من أصحاب ~~النار * } أي الذين لم يخلفوا إلا لها # ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها # [الأعراف: 179]. # ولما أرشدت " أم " قطعا في قراءة من شدد إدغاما لإحدى الميمين في ~~الأخرى أن التقدير شرحا لأحوال المؤمنين بعد أحوال المشركين: أهذا - ~~الذي يدعو الله مرة، وغيره ممن يجعله له ندا أخرى - أسد طريقة وأقوم ~~قيلا: { أمن هو } والتقدير في قراءة نافع وابن كثير وحمزة بالتخفيف: ~~أمن هو بهذه الصفة خير أم ذلك الكافر الناسي لمن أحسن إليه، ويرجح ~~التقدير بالاستفهام دون النداء إنكار التسوية بين العالم الذي حداه علمه ~~على القنوت والذي لا يعلم حقيقة أو مجازا لعدم الانتفاع بعلمه { قانت } ~~أي مخلص في عبادته الله تعالى دائما { آناء اليل } أي جميع ساعاته. # ولما كان ms4098 المقام للإخلاص، وكان الإخلاص أقرب مقرب إلى الله لأنه التجرد ~~عن جميع الأغيار، وكان السجود أليق الأشياء بهذا الحال، ولذلك كان أقرب ~~مقرب للعبد من ربه، لأنه خاص بالله تعالى، قال: { ساجدا } أي وراكعا, ~~ودل على تمكنه من الوصفين بالعطف فقال: { وقائما } أي وقاعدا، وعبر ~~بالاسم تنبيها على دوام إخلاصه في حال سجوده وقيامه، والآية من ~~الاحتباك: ذكر السجود دليلا على الركوع والقيام دليلا على القعود، ~~والسر في ذكر ما ذكر وترك ما ترك أن السجود يدل على العبادة، وقرن القيام ~~به دال على أنه قيام منه فهو عبادة، وذلك مع الإيذان بأنهما أعظم ~~الأركان، فهو ندب إلى تطويلهما على الركنين الآخرين لأن القعود إنما هو ~~للرفق بالاستراحة, والركوع إنما أريد به إخلاص الأركان للعبادة، لأنه لا ~~يمكن عادة أن يكون لغيرها، وأما السجود فيطرقه احتمال السقوط والقيام ~~والقعود مما جرت به العوائد، فلما ضم إليهما الركوع تمحضا للخضوع بين ~~يدي الملك العليم العزيز الرحيم. # ولما كان الإنسان محل الفتور والغفلة والنسيان، وكان ذلك في محل ~~الغفران، وكان لا يمكن صلاحه إلا بالخوف من الملك الديان، قال معللا أو ~~مستأنفا جوابا لمن كأنه يقول: ما له يتعب نفسه هذا التعب ويكدها هذا ~~الكد: { يحذر الآخرة } أي عذاب الله فيها، فهو دائم التجدد لذلك كلما غفل ~~عنه. ولما ذكر الخوف، أتبعه قرينه الذي لا يصح بدونه فقال: { ويرجوا رحمة ~~ربه } أي الذي لم يزل ينقلب في إنعامه. # ولما كان الحامل على الخوف والرجاء والعمل إنما هو العلم النافع، وكان ~~العلم الذي لا ينفع كالجهل أو الجهل خير، كان جواب ما تقدم من الاستفهام: ~~لا يستويان، لأن المخلص عالم والمشرك جاهل. فأمره بالجواب بقوله: { قل } ~~أي لا يستويان، لأن الحامل على الإخلاص العلم وعلى الإشراك الجهل وقلة ~~العقل، ثم أنكر على من يشك في ذلك فقل له: { هل يستوي } أي في الرتبة { ~~الذين يعلمون } أي فيعملون على مقتضى العلم، فأداهم علمهم إلى التوحيد ~~والإخلاص في الدين { والذين لا يعلمون } فليست أعمالهم على ms4099 مقتضى العلم ~~إما لجهل وإما لإعراض عن مقتضى العلم فصاروا لا علم لهم لأنه لا انتفاع ~~لهم به لأنهم لو تأملوا أدنى تأمل مع تجريد الأنفس من الهوى لرجعوا إليه ~~من أنه لا يرضى أحد أصلا لعبده أن يخالف أمره، وإلى أنه لا يطلق العلم ~~إلا على العامل أرشد قول ابن هشام في السيرة # ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا # [آل عمران: 188] أن يقول الناس: علماء، وليسوا بأهل علم، لم يحملوهم على ~~هدى ولا حق. # ولما كان مدار السداد التذكر. وكان مدار التذكر الذي به الصلاح والفساد ~~هو القلب لأنه مركز العقل الذي هو آلة العلم، وكان القلب الذي لا يحمل ~~على الصلاح عدما، بل العدم خير منه، قال: { إنما يتذكر } أي تذكرا ~~عظيما بما أفهمه إظهار التاء فيعلم أن المحسن لا يرضى بالإحسان إلى من ~~يأكل خيره ويعبد غيره { أولوا الألباب * } أي العقول الصافية والقلوب ~~النيرة وهم الموصوفون آخر آل عمران بقوله تعالى: # الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم # [آل عمران: 191] إلى آخرها، وما أحسن التعبير هنا باللب الذي هو خلاصة ~~الشيء لأن السياق للإخلاص، قال الرازي في اللوامع: قال الإمام محمد بن ~~علي الترمذي: خلق الله تعالى الأشياء مسخرة للآدمي، وخلق الآدمي للخدمة، ~~ووضع فيه أنواره ليخرج الخدمة لله تعالى من باطنه بالحاجة، فالآدمي مندوب ~~إلى العلم بالله تعالى وبأوامره حسب ما خلق له، والخدمة والقنوت بقلبك ~~بين يديه ماثلا منتصبا محقا مبادرا مسارعا سائقا مركبك في جميع ~~أمورك بالحب له، وعلم الخدمة علم البساطين: بساط القدرة وبساط العبودة ~~فإذا طالعت بساط القدرة بعقل وافر وهو أن تعرف نفسك وتركيبك من روحاني ~~وجسماني، وطالعت بساط العبودة بكياسة تامة أدركت تدبيره في العبودة وباطن ~~أمره ونهيه وعلل التحريم والتحليل، وبسط الله بساط الربوبية من باب ~~القدرة، وبسط بساط العبودة من باب العظمة، ثم كان آخر خلقه سبحانه هذا ~~الإنسان الذي بسط له هذين البساطين، وجمع فيه العالمين، وزاد على ما ~~فيهما من قبول الأمر اختيارا وطوعا، وكل شيء ms4100 أعطاك إنما أعطاك لتبرزه ~~إلى جوارحك، وتستعمله فيما خلق له، فلو لم يعطك منك لم يطلب منك، فلا ~~تطلب الزكاة ممن لا مال له، ولا الصلاة قياما ممن لا رجل له. ### || [39.10-13] # ولما ثبت أن القانت خير، وكان المخالف له كثيرا، وكان أعظم حامل له على ~~القنوت التقوى، وكانت كثرة المخالف أعظم مزلزل، وكان الإنسان - لما له من ~~النقصان - أحوج شيء إلى التثبيت، وكان التثبيت من المجانس، والتأنيس من ~~المشاكل أسكن للقلب وأشرح للصدر، أمر أكمل الخلق وأحسنهم ملاطفة بتثبيتهم ~~فقال: { قل } ولما كان الثبات لا يرسخ مع كثرة المخالف، وتوالي الزلزال ~~والمتالف، إلا إذ كان عن الملك، جعل ذلك عنه سبحانه ليجتمع عليه الخالق ~~والأقرب إليه من الخلائق، فقال: { يا عباد } دون أن يقول: يا عباد الله، ~~مثلا تذكيرا لهم تسكينا لقلوبهم بما علم من أن التقدير. قال الله، ~~وتشريفا لهم بالإضافة إليه بالضمير الدال على اللطف وشدة الخصوصية، ~~وإعلاما لهم بأنه حاضر لا يغيب عنهم بوجه: { الذين آمنوا } أي أوجدوا ~~هذه الحقيقة ولو على أدنى حالاتها. # ولما كان الإحسان ربما جرا على المحسن، أشار سبحانه إلى سداد قول ~~العارفين " اجلس على البساط وإياك والانبساط " ونبه بلفت القول عن مظهر ~~التكلم إلى الوصف بما يدل على أن العاقل من أوجب له الإحسان إجلالا ~~وإكبارا، وأثمر له العطف والتقريب ذلا في نفسه وصغارا، وخوفا ~~وانكسارا، مما أقله قطع الإحسان فقال: { اتقوا ربكم } أي اجعلوا بينكم ~~وبين غضب المحسن إليكم وقاية بأن تترقوا في درجات طاعته مخلصين له كما ~~خلقكم لكم لا لغرض له ليرسخ إيمانكم ويقوي إحسانكم، وهذا أدل دليل على أن ~~الإيمان يكون مع عدم التقوى. # ولما أرشدهم بالاسم الناظر إلى الإحسان إلى أن يقولوا: فما لنا إن ~~فعلنا؟ قال مجيبا معللا: { للذين أحسنوا } أي لكم، ولكنه أظهر الوصف ~~الدال على سبب جزائهم تشويقا إلى الازدياد منه، ولما كان العمل لا ينفع ~~إلا في دار التكليف قال: { في هذه } باسم الإشارة زيادة في التعيين { ~~الدنيا } أي الدنية الوضرة التي ms4101 لا تطهر الحياة فيها إلا بالتقديس بعبادة ~~الخالق والتخلق بأوصافه { حسنة } أي عظيمة في الدنيا بالنصر والمعونة مع ~~كثرة المخالف وفي الآخرة بالثواب، ويجوز أن يكون معنى { أحسنوا } أوقعوا ~~الإحسان، ومعلوم أنه في هذه الدنيا، فيكون ما بعده مبتدأ وخبرا، لكنه ~~يصير خاصا بثواب الدنيا، فالأول حسن. # ولما كان ربما عرض للإنسان في أرض من يمنعه الإحسان، ويحمله على ~~العصيان، حث سبحانه على الهجرة إلى حيث يزول عنه ذلك المانع، تنبيها على ~~أن مثل هذا ليس عذرا في التقصير كما قيل: # وإذا نبا بك منزل فتحول # فقال: { وأرض الله } أي الذي له الملك كله والعظمة الشاملة { واسعة } ~~ووجوده بعلمه وقدرته في كل أرض على حد سواء، فالمتقيد بمكان منها ضعيف ~~العزم واهن اليقين، فلا عذر للمفرط في الإحسان بعدم الهجرة. # ولما كان الصبر على هجرة الوطن ولا سيما إن كان ثم أهل وعشيرة شديدا ~~جدا، ذكر ما للصابر على ذلك لمن تشوف إلى السؤال عنه فقال: { إنما يوفى ~~} أي التوفية العظمية { الصابرون } أي على ما تكرهه النفوس في مخالفة ~~الهوى واتباع أوامر الملك الأعلى من الهجرة وغيرها { أجرهم بغير حساب * } ~~أي على وجه من الكثرة لا يمكن في العادة حسبانه، وذلك لأن الجزاء من جنس ~~العمل، وكل عمل يمكن عده وحصره إلا الصبر فإنه دائم مع الأنفاس، وهو معنى ~~من المعاني الباطنة لا يطلع خلق على مقداره في قوته وضعفه وشدته ولينه ~~لأنه مع خفائه يتفاوت مقداره، وتتعاظم آثاره، بحسب الهمم في علوها ~~وسفولها، وسموها ونزولها، ويجوز أن يكون المعنى أن من كمل صبره بما أشارت ~~إليه لام الكمال - لم يكن عليه حساب، لما رواه البزار وابن حبان في صحيحه ~~عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاءت امرأة بها لمم إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، ادع الله لي، قال: # " إن شئت دعوت الله فشفاك، وإن شئت صبرت ولا حساب عليك " # ، قالت: بل أصبر ولا حساب علي. # ولما كانت الأعين ناظرة إلى الأمر هل ms4102 يفعل ما يأمر به ومقيده بالرئيس ~~لتأتسي به، وكان أعظم الصابرين من جاهد نفسه حتى خلص أعمالها من الشوائب ~~وحماها من الحظوظ والعوائق، وصانها من الفتور والشواغل، أمره بما يرغبهم ~~في المجاهدة، ويكشف لهم عن حلاوة الصبر، بقوله: { قل } ولما كان الرئيس ~~لقربه من الملك بحيث يظن أنه يسامحه في كثير مما يكلف به غيره أكد قوله: ~~{ إني أمرت } وبني الفعل لما لم يسم فاعله تعظيما للأمر بأنه قطع ومضى ~~بحيث لم يبق فيه مشوبة، وأقام مقام الفاعل دليلا على أنه العمدة للحث ~~على لزومه قوله: { أن أعبد الله } أي الذي الخلق كلهم سواء بالنسبة إلى ~~قبضته وعلوه وعظمته لأنه غني عن كل شيء { مخلصا له الدين * } أي العبادة ~~التي يرجى منه الجزاء عليها. # ولما كان الرئيس إذا سابق إلى شيء شوق النفوس إليه، وأوجب عليها العكوف ~~عليه قال: { وأمرت } أي، وقع الأمر لي وانبرم بأوامر عظيمة وراء ما أمرتم ~~به لا تطيقونها { لأن } أي لأجل أن { أكون } في وقتي وفي شرعي { أول } أي ~~أعظم { المسلمين * } أي المنقادين في الرتبة الحائزين قصب السبق بكل ~~اعتبار لأوامر الإله الذي لا فوز إلا بامتثال أوامره أو أسبق الكائنين ~~منهم في زماني، فجهة هذا الفعل غير جهة الأول، فلذلك عطف عليه لأنه ~~لإحراز قصب السبق، والأول لمطلق الإخلاص في العبادة. # ولما كان ما أمر به مفهما لأن يكون مع ترغيب ومع ترهيب، وكان ربما ظن ~~أن الرئيس لا يرهب الملك لأمور ترجى منه أو تخشى، وكان تكرير الأمر ~~بإبلاغ المأمورين أوقع في قلوبهم وأشد إقبالا بنفوسهم قال تعالى: { قل } ~~أي لأمتك، وأكد - لما في الأوهام أن الرئيس لا يخاف - قوله { إني أخاف } ~~أي مع تأمينه لي بغفران ما تقدم وما تأخر إخلاصا في إجلاله وإعظامه ~~وفعلا لما على العبد لمولاه الذي له جميع الكبرياء والعظمة، ولما كان ~~وصف الإحسان ربما جرا على العصيان، يبن أنه لا يكون ذلك إلا لعدم ~~العرفان فقال: { إن عصيت ربي } أي المحسن إلي المربي لي بكل جميل فتركت ms4103 ~~الإخلاص له { عذاب يوم عظيم * } وإذا كان اليوم عظيما، فكيف يكون عذابه. ### || [39.14-19] # ولما بين ما أمر به، وأعلم أنه يخاف من مخالفة الأمر له بذلك فأفهم أنه ~~ممتثل لما أمر به، أمره سبحانه بأن يصرح بذلك لأن التصريح من المزية ما ~~لا يخفى فقال: { قل الله } أي المحيط بصفات الكمال وحده { أعبد } تخصيصا ~~له بذلك، لا أنحو أصلا بالعبادة نحو غيره أبدا { مخلصا له } وحده { ~~ديني * } أي امتثالا لما أمرت به فلا أشينه بشائبة أصلا لا طلبا لجنة ~~ولا خوفا من نار فإنه قد غفر لي ما تقدم وما تأخر، فصارت عبادتي لآجل ~~وجهه وكونه مستحقا للعبادة خاصة شوقا إليه وحبا له وحياء منه, وأما ~~الرغبة فيما عنده سبحانه والخوف من سطواته التي جماعها قطع الإحسان الذي ~~هو عند الأغبياء أدنى ما يخاف فإنما خوفي لأجل إعطاء المقام حقه من ذل ~~العبودية وعز الربوبية. # ولما علم من هذا غاية الامتثال بغاية الرغبة والرهبة وهم يعلمون أنه صلى ~~الله عليه وسلم أقواهم قلبا وأصفاهم لبا، وأجرأهم نفسا وأصدقهم ~~وأشجعهم عشيرة وحزبا، كان خوف غيره من باب الأولى، فسبب عنهد تهديدهم ~~أعظم تهديد بقوله: { فاعبدوا } أي أنتم أيها الداعون له في وقت الضراء ~~المعرضون عنه في وقت الرخاء { ما شئتم } أي من جماد أو غيره. ونبه على ~~سفول رتبة كل شيء بالنسبة إليه سبحانه تسفيها لمن يلتفت إلى سواه بقوله: ~~{ من دونه } فإن عبادة ما دونه تؤدي إلى قطع إحسانه، ولا إحسان إلا ~~إحسانه، فإذا انقطع حصل كل سوء، وفي ذلك جميع الخسارة. # ولما كانوا يدعون الذكاء، ويفعلون ما لا يفعله عاقل، أمره أن يقول لهم ~~ما ينبههم على غباوتهم بما يصيرون إليه من شقاوتهم فقال: { قل إن ~~الخاسرين } أي الذين خسارتهم هي الخسارة لكونها النهاية في العطب { الذين ~~خسروا أنفسهم } أي بدخولهم النار التي هي معدن الهلاك لعبادتهم غير الله ~~من كل ما يوجب الطغيان. ولما كان أعز ما على الإنسان بعد نفسه أهله الذين ~~عزه بهم قال: { وأهليهم } أي ms4104 لأنهم إن كانوا مثلهم فحالهم في الخسارة ~~كحالهم، ولا يمكن أحدا منهم أن يواسي صاحبه بوجه فإنه لكل منهم شأن ~~يغنيه، وإن كانوا ناجين فلا اجتماع بينهم. # ولما كانت العاقبة هي المقصودة بالذات، قال: { يوم القيامة } لأن ذلك ~~اليوم هو الفيصل لا يمكن لما فات فيه تدارك أصلا ولما كان في ذلك غاية ~~الهول. كرر التعريف بغباوتهم تنبيها على رسخوهم في ذلك الوصف على طريق ~~النتيجة لما أفهمه ما قبله, فقال مناديا لأنه أهول مبالغا بالاستئناف ~~وحرف التنبيه وضمير الفصل وتعريف الخبر ووصفه: { ألا ذلك } أي الأمر ~~العظيم البعيد الرتبة في الخسارة جدا { هو } أي وحده { الخسران } أتى ~~بصيغة الفعلان المفهم مطلقا للمبالغة فكيف إذا بنيت على الضم الذي هو ~~أثقل الحركات، وزاد في تقريعهم بالغباوة بقوله: { المبين * }. # ولما علم بهذا أنه البين في نفسه المنادي بما فيه من القباحة بأنه لا ~~خسران غيره، فصله بقوله على طريق التهكم بهم: { لهم } فإن عادة اللام عند ~~مصاحبة المجرور ولا سيما الضمير إفهام المحبوب للضمير لا سيما مع ذكر ~~الظلل, وأشار إلى قربها منهم بإثبات الجار فقال: { من فوقهم ظلل } ولما ~~أوهمهم ذلك الراحة، أزال ذلك بقوله: { من النار } وذلك أنكأ مما لو ~~أفهمهم الشر من أول الأمر. ولما كان في القرار - كائنا ما كان على أي ~~حال كان نوع من الراحة بالسكون، بين أنهم معلقون في غمرات الاضطراب، ~~يصعدهم اللهيب تارة، ويهبطهم انعكاسه عليهم برجوعه إليهم أخرى، فلا قرار ~~لهم أصلا كما يكون الحب في الماء على النار، يغلي به صاعدا وسافلا، لا ~~يقر في أسفل القدر أصلا لقوله: { ومن تحتهم }. # ولما كان كون الظلة المأخوذة من الظل من تحت في غاية الغرابة، أعادها ~~ولم يكتف بالأولى، ولم يعد ذكر النار لفهمها في التحت من باب الأولى ~~فقال: { ظلل } ومما يدل على ما فهمته من عدم القرار ما رواه البخاري في ~~صحيحه عن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~إذا صلى صلاة أقبل علينا ms4105 بوجهه فقال: # " من رأى منكم الليلة رؤيا، فسألنا يوما قلنا: لا، قال: لكني رأيت ~~رجلين أتياني فأخذا بيدي وأخرجاني إلى الأرض المقدسة " # - فذكره بطوله حتى قال: # " فانطلقنا إلى نقب مثل التنور أعلاه ضيق وأسفله واسع، توقد تحته نار، ~~فإذا فيه رجال ونساء عراة فيأتيهم اللهيب من تحتهم فإذا اقترب ارتفعوا ~~حتى كادوا يخرجون فإذا خمدت رجعوا " # فذكره وهو طويل عظيم، ثم فسرهم بالزناة. # لما كان هذا أمرا مهولا، وهو لا يرهبونه ولا يرجعون عن غيهم به، ذكر ~~فائدته مع الزيادة في تعظيمه فقال: { ذلك } أي الأمر العظيم الشأن { يخوف ~~الله } أي الملك الأعظم الذي صفاته الجبروت والكبر { به عباده } أي الذين ~~لهم أقلية الإقبال عليه ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم فيعيذهم منه. ولما ~~أهلهم للإضافة إليه وخوفهم سطواته، أقبل عليهم عند تهيئتهم للاستماع ~~منبها على أنه تخويف استعطاف فقال: { يا عباد فاتقون * } أي سببوا عن ~~ذلك أن تجعلوا بينكم وبين ما يسخطني وقاية مما يرضيني لأرضى عنكم. # ولما ذكر ما لمن عبد الطاغوت، عطف عليه أضدادهم ليقترن الوعد بالوعيد، ~~فيحصل كمال الترغيب والترهيب فقال: { والذين اجتنبوا } أي كلفوا أنفسهم ~~ذلك لما لها في الانسياق إليه من الهوى مع تزيين الشيطان " حفت النار ~~بالشهوات " ولما كان للإجمال ثم البيان موقع عظيم، قال: { الطاغوت } وهو ~~كل ما عبد من دون الله، فلغوت من الطغيان وهو صيغة مبالغة، وفيه مبالغة ~~أخرى بجعل الذات عين المعنى، ودل على عكس من تبعها بتعكيس حروفها، ولما ~~ذكر اجتنابها مطلقا ترغيبا فيه، بين خلاصة ما يجتنب لأجله مع التنفير ~~منها بتأنيثها الذي أبصره المنيبون بتقوية الله لهم عليها حتى كانوا ~~ذكرانا وهم إناثا عكس ما تقدم للكفار في البقرة، فقال مبدلا منها بدل ~~اشتمال: { أن يعبدوها }. # ولما ذكر اجتناب الشرك، أتبعه التزام التوحيد فقال: { وأنابوا } أي ~~رجعوا رجوعا عظيما أزالوا فيه النوبة وجعلوها إقبالة واحدة لا صرف فيها ~~{ إلى الله } أي المحيط بصفات الكمال فلا معدل عنه { لهم البشرى } في ~~الدنيا على ألسنة الرسل وعند الموت تتلقاهم الملائكة ms4106 فقد ربحوا ربحا لا ~~خسارة معه لأنهم انتفعوا بكلام الله فأخلصوا دينهم له فبشرهم - هكذا كان ~~الأصل، ولكنه أظهر تعميما وتعليقا بالوصف فقال مسببا عن عملهم، صارفا ~~القول إلى التكلم بالإفراد تشريفا للمبشرين الموصوفين: { فبشر عباد * } ~~أي الذين أهلوا أنفسهم بقصر هممهم علي للإضافة إلي { الذين يستمعون } ~~أي بجميع قلوبهم { القول } أي هذا الجنس من كل قائل ليسوا جفاة عساة إذا ~~أقبلوا على شيء أعرضوا عن غيره بغير دليل { فيتبعون } أي بكل عزائمهم بعد ~~انتقاده: { أحسنه } بما دلتهم عليه عقولهم من غير عدول إلى أدنى هوى، ~~ويدخل في هذه الآية دخولا بينا حث أهل الكتاب على اتباع هذا القرآن ~~العظيم، فإن كتب الله كلها حسنة، وهذا القرآن أحسنها كلاما، ومعاني ~~ونظاما، لا يشك في هذا أحد له أدنى ذوق. # ولما بين عملهم، أنتج ذلك مدحهم فقال مظهرا زيادة المحبة لهم والاهتمام ~~بشأنهم بالتأكيد: { أولئك } أي العالو الهمة والرتبة خاصة { الذين } ولما ~~كان في هؤلاء المجتبين العالو الرتبة جدا وغيره، أبرز المفعول فقال ~~محولا الأسلوب إلى الاسم الأعظم إشارة إلى عظيم هدايتهم، { هداهم الله } ~~بما له من صفات الكمال فبين سبحانه أن لا وصول إليه إلا به، وهذا بخلاف ~~آية الأنعام حيث ذكر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فقال { أولئك الذين ~~هدى الله } فحذف المفعول لتصير هدايتهم مكررة بوجوب تسليط العامل على ~~الموصول الذي أعاد عليه الضمير في هذه الآية، وكرر الإشارة زيادة في ~~تعظيمهم فقال: { وأولئك هم } أي خاصة { أولوا الألباب * } أي العقول ~~الصافية عن شوب كدر. # ولما خص سبحانه البشارة بالمحسنين، علم أن غيرهم قد حكم بشقاوته، وكان ~~صلى الله عليه وسلم لما جبل عليه من عظيم الرحمة ومزيد الشفقة جديرا ~~بالأسف على من أعرض، سبب عن أسفه عليهم قوله: { أفمن حق } وأسقط تاء ~~التأنيث الدالة على اللين تأكيدا للنهي عن الأسف عليهم { عليه كلمة ~~العذاب } بإبائه وتوليه، فكان لذلك منغمسا في النار التي أبرمنا القضاء ~~بأنها جزاء الفجار لا يمكن إنقاذه منها، أفأنت تنقذه من إعراضه الذي غمسه ~~في ms4107 النار؟ ثم دل على هذا الذي قدرته بقوله مؤكدا بإعادة حرف الاستفهام ~~لأجل طول الكلام ولتهويل الأمر وتفخيمه للنهي عن تعليق الهم بهم لما عنده ~~صلى الله عليه وسلم من جبلة العطف والرقة على عباد الله: { أفأنت تنقذ } ~~أي تخلص وتمنع وتنجي، ووضع موضع ضميره قوله شهادة عليه بما هو مستحقه ولا ~~يمكن غير الله فكه منه { من في النار * } متمكنا فيها شديد الانغماس في ~~طبقاتها، والرسوخ بحيث إنها قد أحاطت به من كل جانب، وكان الأصل: أنت ~~تنقذ من حق عليه العذاب، فقدم المفعول وجعله عمدة الكلام ليقرع السمع ~~ويترقب الخبر عنه، ثم حذف خبره ليكون أهول فتذهب النفس فيه كل مذهب، ثم ~~أنكر أن يكون أعلى الخلق ينقذه، فغيره من باب الأولى، فصار الكلام بذلك ~~من الرونق والبهجة والهول والإرهاب ما لا يقدر البشر على مثله. ### || [39.20-23] # ولما بين أن من عبد الأنداد هالك لخروجه عن دائرة العقل بجرأة وعدم ~~تدبير، بين ما لأضدادهم، فقال صارفا القول عن الاسم الأعظم إلى وصف ~~الإحسان إشارة إلى كرم المتقين بما لهم من إصالة الرأي التي أوجبت خوفهم ~~مع تذكر الإحسان ليدل على أن خوفهم عند تذكر الانتقام أولى: { لكن الذين ~~اتقوا ربهم } أي جعلوا بينهم وبين سخط المحسن إليهم وقاية في كل حركة ~~وسكنة، فلم يفعلوا شيئا من ذلك إلا بنظر يدلهم على رضاه { لهم غرف } أي ~~علالي من الجنة يسكنونها في نظير ظلل الكفار. ولما كانت الغرف في قرار ~~تقر به العيون لم يقل " من فوقهم " كما قال في أهل النار وقال: { من ~~فوقها غرف } أي شديدة العلو. ولما كان ربما ظن أن الطبقة الثانية السماء، ~~لأن الغرفة أصلها العالي، ولذلك سميت السماء السابعة غرفة، وأن تكون ~~الغرفة مثل ظلل النار ليس لها قرار، قال تحقيقا للحقيقة مفردا كما هو ~~المطرد في وصف جمع الكثرة لما يعقل: { مبنية }. ولما كانت المنازل لا ~~تطيب إلا بالماء، وكان الجاري أشرف وأحسن قال: { تجري من تحتها } أي ~~الغرف من الطبقة السفلى والطبقة ms4108 العليا من غير تفاوت بين العلو والسفل، ~~لأن القدرة صالحة لأكثر من ذلك { الأنهار }. # ولما ذكر يوم القيامة وما يكون فيه، بين أنه أمر لا بد منه بقوله، رادا ~~السياق إلى الاسم الأعظم الذي لا يتصور مع استحضار ما له من الجلال ~~إخلاف: { وعد الله } مؤكدا لمضمون الجملة بصيغة المصدر الدال على الفعل ~~الناصب له، وهو واجب الإضمار والإضافة إلى الاسم الأعظم الجامع لجميع ~~الصفات، ثم أتبع ذلك بيان ما يلزم من كونه وعده بقوله على سبيل النتيجة: ~~{ لا يخلف الله } أي الملك الذي لا شريك له يمنعه من شيء يريده. ولما كان ~~الرعي لزمان الوعد ومكانه إنما يكون للمحافظة عليه فهو أبلغ من رعيه ~~نفسه، عبر بالمفعال فقال: { الميعاد * } لأنه لا سبب أصلا يحمله على ~~الإخلاف. # ولما أخبر سبحانه بقدرته على البعث، دل عليها بما يتكرر مشاهدته من ~~مثلها، وخص المصطفى صلى الله عليه وسلم بالخطاب حثا على تأمل هذا الدليل ~~تنبيها على عظمته فقال مقدرا: { ألم تر } أي مما يدلك على قدرته سبحانه ~~على إعادة ما اضمحل وتمزق، وأرفت وتفرق: { أن الله } أي الذي له كل صفة ~~كمال { أنزل من السماء } أي التي لا يستمسك الماء فيها إلا بقدرة باهرة ~~تقهره على ذلك { ماء } كما تشاهدونه في كل عام { فسلكه } أي في خلال ~~التراب حال كونه { ينابيع } أي عيونا فائرة { في الأرض } فقهره على ~~الصعود بعد أن غيبه في أعماقها بالفيض والصوب بعد أن كان قسره على ~~الانضباط في العلو ثم أكرهه على النزول على مقدار معلوم وكيفية مدبرة ~~وأمر مقسوم، قال الشعبي والضحاك: كل ماء في الأرض من السماء ينزل إلى ~~الصخرة ثم يقسم منها العيون والركايا. # ولما كان إخراج النبات متراخيا عن نزول المطر، عبر بثم، وفيها أيضا ~~تنبيه على تعظيم الأمر فيما تلاها بأنه محل الشاهد فقال: { ثم يخرج } أي ~~والله { به } أي الماء { زرعا } ولما كان اختلاف المسبب مع اتحاد السبب ~~أعجب في الصنعة وأدل على بديع القدرة، قال: { مختلفا ألوانه } أي في ~~الأصناف ms4109 والكيفيات والطبائع والطعوم وغير ذلك مع اتحاد الماء الذي جمعه ~~من أعماق الأرض بعد أن تفتت فيها وصار ترابا. # ولما كان الإيقاف بعد قوة الإشراف دالا على القهر ونفوذ الأمر، قال ~~إشارة إلى أن الخروج عن الحد غير محمود في شيء من الأشياء فإنه يعود عليه ~~النقص { ثم يهيج } وزاد في تعظيم هذا المعنى للحث على تدبره بإسناده إلى ~~خير الخلق صلى الله عليه وسلم فقال: { فتراه } أي فيتسبب عن هيجه وهو شدة ~~ثورانه في نموه بعد التمام بتوقيع الانصرام أنك تراه { مصفرا } آخذا في ~~الجفاف بعد تلك الزهرة والبهجة والنضرة. ولما كان السياق لإظهار القدرة ~~التامة، عبر بالجعل مسندا إليه سبحانه بخلاف آية الحديد التي عبر فيها ~~بالكون لأن السياق ثم لأن الدنيا عدم فقال: { ثم يجعله حطاما } أي ~~مكسرا مفتتا باليا. # ولما تم هذا المنوال البديع الدال بلا شك لكل من رآه على أن فاعله قادر ~~على الإعادة لما يريد بعد الإبادة، كما قدر على الإيجاد من العدم ~~والإفادة لكل ما لم يكن، قال على سبيل التأكيد للتنبيه على أن إنكارهم ~~غاية في الحمق والجمود: { إن في ذلك } أي التدبير على هذا الوجه { لذكرى ~~} أي تذكيرا عظيما واضحا على البعث وما يكون بعده، فإن النبات ~~كالإنسان سواء، يكون ماء، ثم ينعقد بشرا، ثم يخرج طفلا، ثم يكون شابا، ~~ثم يكون كهلا، ثم شيخا ثم هرما، ثم ترابا مفتتا في الأرض، ثم يجمعه ~~فيخرجه كما أخرج الماء النبات: { لأولي الألباب * } أي العقول الصافية ~~جدا كما نبه عليه بخصوص الخطاب في أول هذا الباب للمنزل عليه هذا ~~الكتاب، وأما غيره وغير من تبعه بإحسان فهم كبهائم الحيوان. # ولما كان الذي قرر به أمرا فيما يظنه السامع ظاهرا كما كان جديرا بأن ~~ينكر بعض الواقفين مع الظواهر تخصيص الألباء به، سبب عن ذلك الإنكار في ~~قوله: { أفمن شرح الله } أي الذي له القدرة الكاملة والعلم الشامل { صدره ~~للإسلام } أي للانقياد للدليل، فكان قلبه لينا فانقاد للإيمان فاهتدى ~~لباطن هذا الدليل { فهو ms4110 } أي فيتسبب عن إسلام ظاهره وباطنه للداعي أن كان ~~{ على نور } أي بيان عظيم بكتاب، به يأخذ، وبه يعطي، وإليه في كل أمر ~~ينتهي قد استعلى عليه فهو كأنه راكبه، يصرفه حيث يشاء، وزاد في بيان عظيم ~~هدايته بلفت القول إلى مظهر الإحسان فقال: { من ربه } أي المحسن إليه ~~إحسانه في انقياده، فبشرى له فهو على صراط مستقيم، كمن جعل صدره ضيقا ~~حرجا فكان قلبه قاسيا، فكان في الظلام خابطا، فويل له - هكذا كان ~~الأصل ولكن قيل: { فويل للقاسية قلوبهم } أي لضيق صدورهم، وزاد في بيان ~~ما بلاهم به من عظيم القسوة بلفت القول إلى الاسم الدال على جميع الأسماء ~~الحسنى والصفات العلى فقال: { من ذكر الله } فإن من تبتدئ قسوته مما ~~تطمئن به القلوب وتلين له الجلود، من مدح الجامع لصفات الكمال فهو أقسى ~~من الجلمود. # ولما كان من رسم بهذا الخزي أخسر الناس صفقة أنتج وصفه قوله تعالى: { ~~أولئك } أي الأباعد الأباغض { في ضلال مبين * } أي واضح في نفسه موضح ~~أمره لكل أحد، فالآية من الاحتباك: ذكر أولا الشرح والنور دليلا على ~~حذف ضده ثانيا، وثانيا الويل للقاسي والضلال دليلا على حذف ضده أولا ~~- روى البيهقي في الشعب والبغوي من طريق الثعلبي والحكيم الترمذي من وجه ~~آخر عن ابن مسعود رضي الله عنه # " أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية، قال: فقلنا: يا رسول ~~الله! كيف انشراح صدورهم؟ قال: إذا دخل النور القلب انشرح وانفسح, قلنا: ~~يا رسول الله؟ فما علاقة ذلك؟ قال: الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن ~~دار الغرور والتأهب للموت قبل نزول الموت " # وقال الأستاذ أبو القاسم القشيري: والنور الذي من قبله سبحانه نور ~~اللوائح بنجوم العلم، ثم نور اللوامع ببيان الفهم، ثم نور المحاضرة ~~بزوائد اليقين، ثم نور المكاشفة بتجلي الصفات، ثم نور المشاهدة بظهور ~~الذات، ثم أنوار الصمدية بحقائق التوحيد، فعند ذلك لا وجد ولا قصد، ولا ~~قرب ولا بعد، كلا بل هو الله الواحد القهار، وذلك كما قيل: المؤمن بقوة ms4111 ~~عقله يوجب استقلاله بعلمه إلى أن يبدو ومنه كمال تمكنه من وقادة بصيرته، ~~ثم إذا بدا له لائحة من سلطان المعارف تصير تلك الأنوار مقمرة، فإذا بدت ~~أنوار التوحيد استهلكت تلك الجملة، فلما استبان الصبح أدرج ضوءه بأنواره ~~أنوار تلك الكواكب. # ولما كان من المستبعد جدا أن يقسو قلب من ذكر الله، بينه الله وصوره في ~~أعظم الذكر فإنه كان للذين آمنوا هدى وشفاء، وللذين لا يؤمنون في آذانهم ~~وقر وفي أبصارهم عمى، فقال مفخما للمنزل بجعل الاسم الأعظم مبتدأ وبناء ~~الكلام عليه: { الله } أي الفعال لما يريد الذي له مجامع العظمة والإحاطة ~~بصفات الكمال { نزل } أي بالتدريج للتدريب وللجواب عن كل شبهة { أحسن ~~الحديث } وأعظم الذكر، ولولا أنه هو الذي نزله لما كان الأحسن، ولقدر - ~~ولو يوما واحدا - على الإتيان بشيء من مثله، وأبدل من " أحسن " قوله: { ~~كتابا } أي جامعا لكل خير { متشابها } أي في البلاغة المعجزة والموعظة ~~الحسنة، لا تفاوت فيه أصلا في لفظ ولا معنى، مع كونه نزل مفرقا في نيف ~~وعشرين سنة، وأما كلام الناس فلا بد فيه من التفاوت وإن طال الزمان في ~~التهذيب سواء اتحد زمانه أو لا، والاختلاف في المختلف في الزمان أكثر، ~~ولم يقل: مشتبها، لئلا يظن أنه كله غير واضح الدلالة لا يمدح به. # ولما كان مفصلا إلى سور وآيات وجمل، وصفه بالجمع في قوله: { مثاني } ~~جمع مثنى مفعل من التثنية بمعنى التكرير أي تثنى فيه القصص والمواعظ ~~والأحكام والحكم، مختلفة البيان في وجوه من الحكم، متفاوتة الطرق في وضوح ~~الدلالات، من غير اختلاف أصلا في أصل المعنى، ولا يمل من تكراره، وترداد ~~قراءته وتأمله واعتباره، مع أن جميع ما فيه أزواج من الشيء وضده: المؤمن ~~والكافر، والمطيع والعاصي، والرحمة العامة والرحمة الخاصة، والجنة ~~والنار، والنعيم والشقاء والضلال والهدى، والسراء والضراء، والبشارة ~~والنذارة، فلا ترتب على شيء من ذلك جزاء صريحا إلا ثني بإفهام ما لضده ~~تلويحا، فكان مذكورا مرتين، ومرغبا فيه أو مرهبا منه كرتين، ويجوز أن ~~يكون التقدير: متشابهة ms4112 مثانيه، فيكون نصبه على التمييز، وفائدة التكرير ~~أن النفوس أنفر شيء عن حديث الوعظ والنصيحة، فما لم يكرر عليها عودا على ~~بدء لم يرسخ عندها ولم يعمل عمله، ومن ثم كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يكرر قوله ثلاث مرات فأكثر. # ولما كان التكرار يمل، ذكر أن من خصائص هذا الكتاب أنه يطرب مع التكرار، ~~ويزداد حلاوة ولو ثنى آناء الليل وأطراف النهار، فقال: { تقشعر } أي تهتز ~~وتتجمع وتتقبض تقبضا شديدا، من القشع وهو الأديم اليابس، وزيد حرفا ~~لزيادة المعنى، واختير حرف التكرير إشارة إلى المبالغة فيه، وكونه حرف ~~التطوير أشد للمناسبة { منه جلود } أي ظواهر أجسام { الذين يخشون } أي ~~يخافون خوفا شديدا ويلتذون لذة توجب إجلالا وهيبة، فيكون ذلك سبب ذلك، ~~وزاد في مدحهم بأنهم يخافون المحسن، فهم عند ذكر أوصاف الجلال أشد خوفا، ~~فلذلك لفت القول إلى وصف الإحسان فقال: { ربهم } أي المربي لهم والمحسن ~~إليهم لاهتزاز قلوبهم، روى الطبراني عن العباس رضي الله عنه أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " إذا اقشعر جلد العبد من خشية الله تحاتت خطاياه " # ، وروي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه مر برجل من أهل العراق ساقط، قال: ~~فما بال هذا؟ قال: إنه إذا قرئ عليه القرآن وسمع ذكر الله سقط، قال ابن ~~عمر رضي الله عنهما: إنا لنخشى الله وما نسقط وإن الشيطان ليدخل في جوف ~~أحدهم، ما كان هذا صنيع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، { ثم تلين } ~~أي تمتد وتنعم، وقدم ما صرح فيه بالاقشعرار الذي يلزمه اليبس، وأخر ~~القلوب إبعادا لها عما قد يفهم يبسا فيوهم قسوة فقال: { جلودهم } ~~لتراجعهم بعد برهة إلى الرجاء وإن اشتدت صلابتها { وقلوبهم } وذكره لتجدد ~~لين القلوب مع الجلود دال على تقدير اقشعرارها معها من شدة الخشية, فإن ~~الخشية لا تكون إلا في القلب، وكان سر حذف التصريح بذلك تنزيهها عن ذكر ~~ما قد يفهم القسوة. # ولما كان القلب شديد الاضطراب والتقلب، دل على حفظه له بنافذ أمره وباهر ~~عظمته ms4113 بالتعدية ب " إلى " ليكون المعنى: ساكنة مطمئنة { إلى ذكر الله } ~~أي ذي الجلال والإكرام، فإن الأصل في ذكره الرجاء لأن رحمته سبقت غضبه، ~~وأظهر موضع الإضمار لأحسن الحديث لئلا يوهم أن الضمير للرب، فيكون شبهة ~~لأهل الاتحاد أو غيرهم من أرباب البدع، ولم يقل: إلى الحديث أو الكتاب - ~~مثلا، بل عدل إلى ما عرف أنه ذكره سبحانه ليكون أفخم لشأنه، وزاده فخامة ~~بصرف القول عن الوصف المقتضي للإحسان إلى الاسم الجامع للجلال والإكرام. # ولما كان ما ذكر من الآثار عجبا، دل على عظمته بقوله على طريق ~~الاستنتاج: { ذلك } أي الأمر العظيم الغريب من الحديث المنزل والقبض ~~والبسط { هدى الله } أي الذي لا يتمنع عليه شيء { يهدي به من يشاء } ومن ~~هداه الله فما له من مضل، ويضل به من يشاء فلا تتأثر جلودهم لقساوة ~~قلوبهم، فيكون هدى لناس ضلالا لآخرين { ومن يضلل الله } أي الملك الأعظم ~~المحيط بكل شيء إضلالا راسخا في قلبه بما أشعر به الفك ليخرج الضلال ~~العارض { فما له من هاد * } لأنه لا راد لأمره ولا معقب لحكمه، لأنه ~~الواحد في ملكه، فلا شريك له، فالآية من الاحتباك: ذكر أولا إطلاق أمره ~~في الهداية دليلا على حذف مثله في الضلال، وثانيا انسداد باب الهداية ~~على من أضله دليلا على وحذف مثله فيمن هداه وهي دامغة للقدرية. ### || [39.24-28] # ولما أتم الإنكار على من سوى، بين من شرح صدره ومن ضيق، وما تبعه وختم ~~بأن الأول مهتد، والثاني ضال، شرع في بيان ما لكل منهما نشرا مشوشا في ~~أسلوب الإنكار أيضا، فقال مشيرا إلى أن الضلال سبب العذاب، والهدى سبب ~~النعيم، وحذف هنا المنعم الذي سبب له النعيم لين قلبه كما حذف القاسي ~~القلب في آية الشرح الذي سببت له قسوته العذاب، لتتقابل الآيتان، وتتعادل ~~العبارتان: { أفمن } وأفرد على لفظ { من } لئلا يظن أن الوجوه الأكابر ~~فقال: { يتقي } ودل على أن يده التي جرت العادة بأنه يتقي بها المخاوف ~~مغلولة بقوله: { بوجهه } الذي كان يقيه المخاوف ويحميه منها بجعله ms4114 وهو ~~أشرف أعضائه وقاية يقي به غيره من بدنه { سوء العذاب } أي شدته ومكروهه ~~لأنه تابع نفسه على هواها حتى قسا قلبه وفسد لبه { يوم القيامة } لأنه ~~يرمي به في النار منكوسا وهو مكبل، لا شيء له من أعضائه مطلق يرد به عن ~~وجهه في عنقه صخرة من الكبريت مثل الجبل العظيم، ويسحب في النار على ~~وجهه، كمن أمن العذاب فهو يتلقى النعيم بقلبه وقالبه. # ولما كان مطلق التوبيخ والتقريع متكئا، بني للمفعول قوله: { وقيل } له ~~- هكذا كان الأصل، ولكنه أظهر تعميما وتعليقا للحكم به وجمع تنبيها ~~على أن كثرتهم لم تغن عنهم شيئا فقال: { للظالمين } أي الذين تركوا طريق ~~الهدى واتبعوا الهوى فضلوا وأضلوا: { ذوقوا ما } أي جزاء ما { كنتم ~~تكسبون * } أي تعدونه فائدة وثمرة لأعمالكم وتصرفاتكم، وقيل لأهل النعيم: ~~طيبوا نفسا وقروا عينا جزاء بما كنتم تعلمون، فالآية من الاحتباك: ذكر ~~الاستفهام أولا دليلا على حذف متعلقه ثانيا، وما يقال للظالم ثانيا ~~دليلا على ما يقال للعدل أولا. # ولما ذكر ما أعد لهم من الآخرة، وكانوا في مدة كفرهم كالحيوانات العجم ~~لا ينظرون إلا الجزئيات الحاضرة، خوفهم بما يعملونه في الدنيا، فقال على ~~طريق الاستئناف في جواب من يقول: فهل يعذبون في الدنيا: { كذب الذين } ~~وأشار إلى قرب زمان المعذبين من زمانهم بإدخال الجار فقال: { من قبلهم } ~~أي مثل سبأ وقوم تبع وأنظارهم: { فأتاهم العذاب } وكان أمرهم علينا ~~يسيرا، وأشار إلى أنه لم يغنهم حذرهم بقوله: { من حيث } أي من جهة { لا ~~يشعرون * } أنه يأتي منها عذاب، جعل إتيانه من مأمنهم ليكون ذلك أوجع ~~للمعذب، وأدل على القدرة بأنه سواء عنده تعالى الإتيان بالعذاب من جهة ~~يتوقع منها ومن جهة لا يتوقع أن يأتي منها شر ما، فضلا عما أخذوا به، بل ~~لا يتوقع إلا الخير. # لما بين سفههم وشدة حمقهم باستعجالهم بالعذاب استهزاء، سبب عنه تبكيت من ~~لم يتعظ بحالهم فقال: { فأذاقهم الله } أي الذي لا راد لأمره { الخزي } ~~أي الذل الناشئ عن الفضيحة والعذاب الكبير بما ms4115 رادوه من إخزاء الرسل ~~بتكذبيهم { في الحياة الدنيا } أي العاجلة الدنية. # ولما كان انتظار الفرج مما يسلي، قال معلما أن عذابهم دائم على سبيل ~~الترقي إلى ما هو أشد، وأكده إنكارهم إياه: { ولعذاب الآخرة } أي الذي ~~انتقلوا إليه بالموت ويصيرون إليه البعث: { أكبر } من العذاب الذي أهلكهم ~~في الدنيا، وأشدهم إخزاء، فالآية من الاحتباك: ذكر الخزي أولا دليلا ~~على إرادته ثانيا، والأكبر ثانيا دليلا على الكبير أولا، وسره تغليظ ~~الأمر عليهم بالجمع بين الخزي والعذاب بما فعلوا برسله عليهم الصلاة ~~والسلام بخلاف ما يأتي في فصلت. فإن سيافه للطعن في الوحدانية، وهي لكثرة ~~أدلتها وبعدها عن الشكوك وعظيم المتصف بها وعدم تأثيره بشيء يكفي في نكال ~~الكافر به مطلق العذاب. # ولما كان من علم أن فعله يورث نكالا كف عنه ولا يكفون ولا يتعظون قال: ~~{ لو كانوا يعلمون * } أي لو كان لهم علم ما لعلموا أنه أكبر فاتعظوا ~~وآمنوا، ولكنه لا علم لهم أصلا، بل هم كالأنعام بل هم أضل سبيلا، لأن ~~الجزئيات لا تنفعهم كما تنفع سائر الحيوانات، فإن الشاة ترى الذئب فتنفر ~~منه إدراكا لأن بينها وبينه عداوة بما خلق الله في طبعه من أكل أمثالها، ~~وهؤلاء يرون ما حل بأمثالهم من العذاب لتكذيبهم الرسل فلا يفرون منه إلى ~~التصديق. # ولما ذكر سبحانه حال الأولين موعظة للعرب، فكان كأنه قيل صرفا للقول ~~إلى مظهر العظمة تذكيرا بما في الأناة من المنة لأن حالها يقتضي ~~المعاجلة بالأخذ والمبادرة بإحلال السطوة، ضربنا لكم حالهم مثلا لحالكم ~~لتعتبروا به، فإن الأمثال يفهم بها المعاني الغائبة، وتصير كأنها محسوسة ~~مشاهدة، عطف عليه قوله مؤكدا لإنكارهم أن يكون في القرآن بيان شاف ~~وادعائهم أنه إنما هو شعر وكهانة وسحر: { ولقد ضربنا } على ما لنا من ~~العظمة. ولما كان في سياق المفاضلة بين المتقي وغيره من أوائل السورة حين ~~قال { أمن هو قانت } إلى أن ختم بقوله { أفمن يتقي بوجهه } وأسس ذلك كله ~~على ابتداء الخلق من نفس واحدة، كانت العناية في هذا السياق ms4116 بالمخاطبين ~~أكثر، فقدم قوله: { للناس } أي عامة لأن رسالة رسولكم عامة. # ولما كان المتعنت كثيرا، عين المحدث عنه بالإشارة التي هي أعرف ~~المعارف، وجعلها ما يعبر به عن القرب، إشارة إلى أنه لما أتى به الرسول ~~صلى الله عليه وسلم خلع القلوب وملأها، فلا حاضر فيها سواه وإن كان ~~المعاند يقول غير ذلك فقوله زور وبهتان وإثم وعدوان، فقال: { في هذا ~~القرآن } أي الجامع لكل علم. ولما كانت كلماته سبحانه لا تنفد وعجائبه لا ~~تعد ولا تحد، وكان في سياق التعجيب من توقفهم قال { من كل مثل } أي يكفي ~~ضربه في البيان لإقامة الحجة البالغة، ثم بين علة الضرب بقوله: { لعلهم ~~يتذكرون * } أي ليكون حالهم بعد ضربه حال من يرجى تذكره بما ضرب له ما ~~يعرفه في الكون في نفسه أو في الآفاق تذكرا واضحا مكشوفا - بما أرشد ~~إليه الإظهار، فيتعظ لما في تلك الامثال المسوقة في أحسن المقال المنسوقة ~~بما يلائمها من الأوضاع والأشكال من البيان وأوضح البرهان. # ولما كان ذلك غاية في الشرف، دل على زيادة شرفه بحال مؤكدة دالة على شدة ~~عنادهم، تسمى موطئه لأن الحال في الحقيقة ما بعدها بقوله: { قرآنا } أي ~~حال كون ذلك المضروب جامعا لكن ما يحتاج إليه، ويجوز أن يكون النصب على ~~المدح { عربيا } جاريا على قوانين لسانهم في جمعه باتساعه ووضوحه ~~واحتمال اللفظ الواحد منه لمعان كثيرة، فكيف إذا انضم إلى غيره فصار ~~كلاما. ولما كان الشيء قد يكون مستقيما بالفعل وهو معوج بالقوة، قال ~~تعالى: { غير ذي عوج } أي ليس بمنسوب إلى شيء من العوج ولا من شأنه ~~العوج، فلا يصح أن يكون معوجا أصلا في شيء من نظمه ولا معناه باختلاف ~~ولا غيره كما في آية الكهف سواء، وفي الإتيان بعوج الذي هو مختص بالمعاني ~~بيان أن الوصف له حقيقة، فهو أبلغ من غير معوج، لأنه يحتمل إرادة أهله ~~على المجاز. # ولما كان التذكر بالتذكير لكونه أبلغ للوعظ حاملا، ولا بد للعاقل على ~~الخوف المسبب للنجاة قال: { لعلهم يتقون ms4117 * } أي ليكون حالهم بعد التذكير ~~الناشىء عن التذكير حال من يرجى له أن يجعل بينه وبين غضب الله وقاية. ### || [39.29-33] # ولما أقام سبحانه الدليل المنير على التفاوت العظيم، بين من هو قانت ~~آناء الليل ساجدا وقائما يدعو الله مخلصا له الدين وبين من يدعو لله ~~أندادا، وختم بضرب الأمثال، وكان الأمثال أبين فيما يراد من الأحوال، ~~قال منبها على عظمتها بلفت القول عن مظهر العظمة إلى الاسم الأعظم ~~الجامع لجميع صفات الكمال: { ضرب الله } أي الملك الأعظم المتفرد بصفات ~~الكمال { مثلا } لهذين الرجلين مع أنه لا يشك ذو عقل أن المشرك لا يداني ~~المخلص فضلا عن أن يقول: إن المشرك أعظم كما يقوله المشركون. ولما كان ~~الذكر أقوى من الأنثى، وأعرف بمواقع النفع والضر، وكان كونه بالغا أعظم ~~لقوته وأشد لشكيمته، فيكون أنفى للعار عن نفسه وأدفع للظلم عن جانبه وأذب ~~عن حماه، قال مبينا للمثل مشيرا إلى تبكيت الكفار ورضاهم لأنفسهم بما ~~لا يرضاه لنفسه أدنى الأرقاء { رجلا فيه } أي خاصة. ولما كانت معبوداتهم ~~- لكونها من جملة المخلوقات - كثيرة الأشباه والنظائر، عبر عنها بجمع ~~الكثرة فقال: { شركاء } في الظاهر من الأصنام وفي الباطن من الحظوظ ~~والشهوات، ووصف الشركاء بقوله: { متشاكسون } أي مختلفون عسرون يتجاذبون ~~مع سوء الأخلاق وضيقها وقباحة الشركة، فليس أحد منهم يرضى بالإنصاف، فهو ~~لا يقدر أن يرضيهم أصلا { ورجلا سلما } أي من نزاع { لرجل } فليس فيه ~~لغيره شركة ولا علاقة أصلا، فهو أجدر بأن يقدر على رضاه مع راحته من ~~تجاذب الشركاء - هذا على قراءة المكي والبصري، وعلى قراءة الباقين بحذف ~~الألف وفتح اللام وهو وصف بالمصدر على المبالغة. # ولما انكشف الحال فيها جدا قال: { هل يستويان } أي الرجلان يكون أحدهما ~~مساويا للآخر بوجه من الوجوه ولو بغاية الجهد والعناية. ولما كان ~~الاستواء مبهما قال: { مثلا } أي من جهة المثل، أي هل يستوي مثلهما أي ~~يجمعهما مثل واحد حتى أن يكونا هما متساويين فهو تمييز محول في الأصل عن ~~الفاعل، والجواب في هذا الاستفهام الإنكاري قطعا: ms4118 لا سواء، بل مثل الرجل ~~السالم في غاية الحسن فكذا ممثوله وهو القانت المخلص، ومثل الرجل الذي ~~وقع فيه التشاكس في غاية القبح فكذا ممثوله وهو الداعي للأنداد. # ولما علم بهذا المثل المضروب للرجلين سفول المشترك وهو الداعي للأنداد، ~~وعلو السالم وهو القانت، ظهر بذلك بلا ريب حقارة المتشاركين وجلالة ~~المتفرد وهو الله، فأنتج قطعا قوله: { الحمد } أي الإحاطة بأوصاف الكمال ~~{ لله } الذي لا مكافئ له، يعلم ذلك كل أحد لما له من الظهور لما عليه من ~~الدلائل، فلا يصح أن يكون له شريك { بل أكثرهم } أي الناس { لا يعلمون * ~~} لأنهم يعملون لما لا يليق بهذا العلم فيشركون به إما جليا وإما خفيا، ~~ويجوز أن يقال: له الكمال كله، فليس الملتفتون إلى غيره أدنى التفات ~~علماء، بل لا علم لهم أصلا، وهم المشركون شركا جليا، وأما أصحاب الشرك ~~الخفي فهم، وإن كان لهم علم - فليس بكامل. # ولما كان السالم مثلا له صلى الله عليه وسلم ولأتباعه، والآخر ~~للمخالفين، وكان سبحانه قد أثبت جهلهم، وكان الجاهل ذا حمية وإباء لما ~~يدعى إليه من الحق وعصبيته: # والجاهلون لأهل العلم اعداء # فكان لذلك التفكير في أمرهم وما يؤدي إليه من التقاعد من الأتباع ~~والتصويب بالأذى ولا سيما وهم أكثر من أهل العلم مؤديا إلى الأسف وشديد ~~القلق فكان موضع أن يقال: فما يعمل؟ وكان لا ينبغي في الحقيقة أن يقلق ~~إلا من ظن دوام النكد، قال تعالى مسليا ومعزيا وموسيا في سياق ~~التأكيد، تنبيها على أن من قلق كان حاله مقتضيا لإنكار انقطاع التأكيد: ~~{ إنك } فخصه صلى الله عليه وسلم لأن الخطاب إذا كان للرأس كان أصدع ~~لأتباعه، فكل موضع كان للأتباع وخص فيه صلى الله عليه وسلم بالخطاب دونهم ~~فهم المخاطبون في الحقيقة على وجه أبلغ. # ولما لم يكن لممكن من نفسه إلا العدم قال: { ميت } أي الآن لأن هذه صفة ~~لازمة بخلاف " مايت " يعني: فكن كالميت بين يدي الغاسل فإنك مستريح ~~قريبا عما تقاسي من أنكادهم، وراجع إلى ربك ليجازيك على ms4119 طاعتك له { ~~وإنهم } أي العباد كلهم أتباعك وغيرهم { ميتون } فمنقطع ما هم فيه من ~~اللدد والعيش والرغد. # ولما كان الشفاء الكامل إنما يكون بأخذ الثار، وإذلال الظالم، قال ~~مشيرا بأداة التراخي إلى مدة البرزخ مؤكدا لأجل إنكارهم البعث فضلا عن ~~القصاص صادعا لهم بالخطاب بعد الغيبة: { ثم إنكم } أي أيها العباد كلكم، ~~فإن كل أحد مسؤول عن نفسه وعن غيره هل راعى حق الله فيه، أو أنت وهم من ~~باب تغليب المخاطب وإن كان واحدا لعظمته على الغائبين، وزاد في إثبات ~~المعنى بقوله: { يوم القيامة } فساقه مساق ما خلاف فيه، وبين أن ذلك ~~الحال مخالف لهذا الحال لانقطاع الأسباب بقوله، صارفا القول إلى وصف ~~التربية الذي يحق له الفضل على الطائع والعدل في العاصي { عند ربكم } أي ~~المربي لكم بالخلق والرزق, فلا يجوز في الحكمة أن يدعكم يبغي بعضكم على ~~بعض كما هو مشاهد من غير حساب كما أن أقلكم عقلا لا يرضى بذلك في عبيده ~~الذين ملكه الله إياهم ملكا ضعيفا، أو ولاه عليهم ولاية مزلزلة، فكيف ~~بمن فوقه فكيف بالحكماء { تختصمون * } أي تبالغون في الخصومة ليأخذ بيد ~~المظلوم وينتقم له من الظالم، ويجازي كلا بما عمل، أما في الشر فسوءا ~~بسوء، لا يظلم مثقال ذرة ولا ما دونه، وأما في الخير فالحسنة بعشرة ~~أمثالها - إلى ما فوق ذلك مما لا يعلمه غيره، فلا ينبغي أبدا لمظلوم أن ~~يتوهم دوام نكده وعدم الأخذ بيده فيقتصر في العمل ويجنح إلى شيء من الخوف ~~والوجل، بل عليه أن يفرح بما يجزل ثوابه، ويسر بما ييسر حسابه، ويشتغل ~~بما يخلص به نفسه في يوم التلاق الذي الناس فيه فريقان، ولا يشتغل بما لا ~~يكون من تصفية دار الكدر عن الأكدار، وقرارة الدنس عن الأقذاء والأقذار، ~~فإن الدوام فيها محال على حال من الأحوال، قال القشيري: نعاه صلى الله ~~عليه وسلم ونعى المسلمين إليهم ففرغوا بأنفسهم عن مأتمهم، ولا تعزية في ~~العادة بعد ثلاث، ومن لم يتفرغ عن مأتم نفسه وأنواع غمومه وهمومه، ms4120 فليس ~~له من هذا الحديث شمة، وإذا فرغ قلب عن حديث نفسه وعن الكون بجملته، ~~فحينئذ يجد الخير من ربه وليس هذا الحديث إلا بعد فنائهم عنهم، وأنشد ~~بعضهم يعني في لسان الحال بما قدمنا: # كتبت إليكم بعد موتي بليلة # ولم أدر أني بعد موتي أكتب # انتهى. ومن المعلوم أنهم إذا أماتوا نفوسهم حييت أرواحهم, فانفسحت ~~صدورهم, وانتعشت قوى قلوبهم فاتسعت علومهم, واستنارت فهومهم, وتجلت لهم ~~حقائق الأمور, فحدثوا عن مشاهدة { الناس نيام } فإذا ماتوا انتبهوا. # ولما أخبر سبحانه بأنهم جعلوا لله أندادا، وأعلم بأنهم كذبة في ذلك ~~كافرون ساترون للحق، وأنه لا يهدي من هو كاذب كفار، وأخبر أنه لا بد من ~~خصام الداعي لهم بين يديه سبحانه، لآنه لا يجوز في الحكمة تركهم هملا ~~كما هو مقرر في العقول وموجود في الفطر الأولى، ومعلوم بالمشاهدة من ~~أحوالهم فينعم على المظلوم، وينتقم من الظالم، وكان الكاذب في أقل ~~الأشياء ظالما، وأظلم منه الكاذب على الأكابر، وأظلم الظالمين الكاذب ~~على الله، قال تعالى مسببا عما مضى: { فمن أظلم } أي منهم - هكذ كان ~~الأصل ولكنه قال: { ممن كذب } تعميما وتعليقا بالوصف، فكفر بستر الصدق ~~الثابت وإظهار ما لا حقيقة له. # ولما كان الكذب عظيم القباحة في نفسه فكيف إذا كان كما مضى على الأكابر ~~فكيف إذا كانوا ملوكا، فكيف إذا كان على ملك الملوك، لفت القول إلى مظهر ~~الاسم الأعظم تنبيها على ذلك فقال: { على الله } أي الذي الكبرياء رداؤه ~~والعظمة إزاره، فمن نازعه واحدة منهما قصمه، فزعم فب كذبه أن له سبحانه ~~أندادا، وشركاء وأولادا. # ولما كان وقوع الحساب يوم القيامة حقا لكونه واقعا لا محالة وقوعا ~~يطابق الخبر عنه، لما علم من أنه لا يليق في الحكمة غيره, لما علم من أن ~~أقل الخلق لا يرضى أن يترك عبيده سدى، فكيف بالخالق؟ فكان الخبر به صدقا ~~لوقوع العلم القطعي بأنه يطابق ذلك الواقع قال: { وكذب } أي أوقع التكذيب ~~لكل من أخبره { بالصدق } أي الإخبار بأن الله واحد, وأنه يبعث ms4121 الخلائق ~~للجزاء المطابق كل منهما للواقع لما دل على ذلك من الدلائل المشاهدة { إذ ~~جاءه } أي من غير توقف ولا نظر في دليل، كما هو دأب المعاندين، أولئك هم ~~الكافرون لهم ما يضرهم من عذاب جهنم، ذلك جزاء المسيئين. # ولما كان قد تقرر كالشمس أنه لا يسوغ في عقل العاقل ترك الخلق سدى، فكان ~~يوم الدين معلوما قطعا، وكان معنى هذا الاستفهام الإنكاري نفي مدخوله ~~فترجمته: ليس أحد أكذب منهم، وكان عرف اللغة في تسليط هذا النفي على صيغة ~~أفعل إثبات مدلول أفعل ليكون المعنى أنهم أكذب الخلق، فكان التقدير: أليس ~~هذا الكاذب المكذب عاقلا يخشى أن يحاسبه الله الذي خلقه؟ أليس الله ~~المتصف بجميع صفات الكمال يحاسب عباده كما يحاسب كل من الخلائق من تحت ~~يده؟ أليس يحبس الظالم منهم في دار انتقامه كما يفعل أدنى الحكام؟ أليس ~~دار انتقامه جهنم التي تلقى داخلها بعبوسة وتجهم؟ نسق به قوله: { أليس في ~~جهنم } أي النار التي تلقى داخلها بالتجهم والعبوسة كما كان يلقى الحق ~~وأهله { مثوى } أي منزل مهيأ للإقامة فيه على وجه اللزوم لهم هكذا كان ~~الأصل، ولكنه قال تعميما وتعليلا بالوصف مبينا أن الكذب كفر أي ستر ~~للصدق وغظهار لما لا حقيقة له، والتكذيب بالصدق كذلك { للكافرين * } أي ~~الذين ستروا كذبهم فألبسوه ملابس الصدق وستروا الصدق الذي كذبوا به، ذلك ~~جزاء المسيئين لأنهم ليسوا بمتقين، فأقام سبحانه هذه المقدمة دليلا على ~~تلك المقدمات كلها. # ولما ذكر سبحانه الظالمين بالكذب ذكر أضدادهم الذين يخاصمونهم عند ربهم ~~وهم المحسنون بالصدق فقال: { والذي } أي الفريق الذي { جاء بالصدق } أي ~~الخبر المطابق للواقع، فصدق على الله، وتعريفه يدل على كماله، فيشير إلى ~~أن الإتيان به ديدنه لا يتعمد كذبا { وصدق به } أي بكل صدق سمعه وقام ~~عليه الدليل، وليس هو بجموده عدو ما لم يعلم، فهو يكذب بكل ما لم يسمع، ~~فمن أعدل منه لكونه صدق على الله وصدق بالصدق إذ جاءه واستمر عليه، ولعله ~~أفرد الضمير إشارة إلى قلة الموصوف بهذا ms4122 الوصف من الصدق، وهذا الفريق هو ~~الرسل وأتباعهم، ولذلك حصر التقوى فيهم، فقال مشيرا بالجمع إلى عظمتهم ~~وإن كانوا قليلا: { أولئك } أي العالو الترتبة { هم } أي خاصة { المتقون ~~* } الذين جانبوا الظلم، فليس لجهنم عليهم سبيل، ولا لهم فيها منزل ولا ~~مقيل، بل الجنة منزلهم، أليس في الجنة منزل للمتقين؟ فالآية من الاحتباك: ~~ذكر أولا المثوى في جهنم دليلا على حذف ضده ثانيا، والاتقاء ثانيا ~~دليلا على حذف ضده أولا، وسره أنه ذكر أنكأ ما للمجرم من الكفر وسوء ~~الجزاء. وأسر ما للمسلم من قصر التقوى عليه، وذكر أحب جزائه إليه، ~~والإشارة إلى عراقته في الإحسان, وفي الآيات احتباك آخر وهو أنه ذكر ~~الكذب والتكذيب أولا دليلا على الصدق والتصديق ثانيا، والاتقاء وجزاءه ~~وما يتبعه ثانيا دليلا على ضده أولا، وسره أنه ذكر في شق المسيء أنكأ ~~ما يكون من الكذب والتكذيب في أقبح مواضعه، ولا سيما عند العرب، وأسر ما ~~يكون في شق المحسن من استقامة الطبع وحسن الجزاء. ### || [39.34-37] # ولما مدحهم على تقواهم، قال في جواب من سأل عن ثوابهم، فقال لافتا ~~القول إلى صفة الإحسان تعريفا بمزيد إكرامهم: { لهم ما يشآءون } أي ~~يتجدد لهم إرادته متى أرادوه { عند ربهم } أي المحسن إليهم اللطيف بهم في ~~الدنيا والآخرة لأنهم سلموا له في الأولى ما يشاء، فسلم لهم في الأخرى ما ~~يشاؤون. ولما كان أعظم الجزاء، مدحه على وجه بين علته وأوجب عمومه فقال: ~~{ ذلك } أي الثواب الكبير { جزاء المحسنين * } أي كل من اتصف بالإحسان ~~كما اتصفوا به بالتقوى، فأحبه الله سبحانه كما أحبهم، فكان سمعه الذي ~~يسمع به وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها. # ولما كان العاقل من قدم في كل أمر الأهم فالأهم فميز بين خير الخيرين ~~فأتبعه، وشر الشرين فاجتنبه، كان المحسن من جعل أكبر ذنوبه نصب عينيه ~~وعمل على هدمه، فلذلك علل الإحسان بقوله: { ليكفر } أي يستر سترا عظيما ~~كأنه قال: المحسنين الذين أحسنوا لهذا الغرض، ويجوز أن يكون التعليل ms4123 ~~للجزاء، وعبر بالاسم الأعظم لفتا عن صفة الإحسان إشارة إلى عظيم ~~الاجتهاد في العمل والإيذان بأنه لا يقدر على الغفران لمن يريد إلا مطلق ~~التصرف فقال: { الله } أي الذي نصب المحسن جلاله وجماله بين عينيه، ~~فاستغرق في صفاته ابتغاء مرضاته، فعبده كأنه يراه، وحقق باعترافهم بالخطأ ~~وقصدهم التكفير لما أهمهم فعلهم له بقوله: { عنهم أسوأ } العمل { الذي ~~عملوا } وتابوا عنه بالندم والإقلاع والعزم على عدم العود وقد علم أنه ~~إذا محي الأكبر انمحى الأصغر لأن الحسنات يذهبن السيئات، فلله در أهل ~~البصائر والإخلاص في الإعلان والسرائر ولما أخبر بالتطهير من اوضار ~~السيىء، أتبعه الإخبار بالتنوير بأنوار الحسن فقال: { ويجزيهم أجرهم } أي ~~الذي تفضل عليهم بالوعد به. # ولما كان تعالى يزيد العمل الصالح ويربيه، زاد الجار في الجزاء إعلاما ~~بأنه يجعل الأعمال الصالحة كلها مثل أعلاها فقال: { بأحسن } ولما كان ~~مقصود هذه السورة أخص من مقصود سورة النحل، وكانت " الذي " و " من " أقل ~~إبهاما من " ما " قال: { الذي } أي العمل الذي، وهو كالأول من إضافة ~~الشيء إلى ما هو بعضه كخاتم فضة، وأشار إلى مداومتهم على الخير بالتعبير ~~بالكون والمضارع فقال: { كانوا يعملون * } مجددين له وقتا بعد وقت لأنه ~~في طبائعهم فهم عريقون في تعاطيه، فمن كان في هذه الدار محسنا في وقت ما ~~يعبد الله كأنه يراه فهو في الآخرة كل حين يراه، قال القشيري، ثم يجب أن ~~يكون على أحسن الأعمال أحسن الثواب، وأحسن الثواب الرؤية، فيجب أن يكون ~~على الدوام. وهذا استدلال قوي. # ولما فهم من قوله: " وكذب بالصدق إذ جاءه " أن المشركين يكذبونه، وكان ~~من طبع الآدمي الاهتمام بمثل ذلك ولا سيما إذا كان المكذب كثيرا وقويا، ~~وتقرر أنه سبحانه الحكم العدل بين المتخاصمين وغيرهم في الدنيا والآخرة، ~~ولزم كل سامع الإقرار بالآخرة، وبشر المحسنين وحذر المسيئين، وكان من ~~المعلوم أنهم يحذرونه آلهتهم كما يحذرهم إلهه، حسن كل الحسن قوله مقرا ~~للكفاية غاية الإقرار، ومنكرا لنفيها كل الإنكار: { أليس الله } أي ~~الجامع لصفات العظمة كلها المنعوت بنعوت ms4124 الكمال من الجلال والجمال، وأكد ~~المراد بزيادة الجار لما عندهم من الجزم بأنهم غالبون فقال: { بكاف } ~~وحقق المناط بالإضافة في قوله: { عبده } أي الخالص له الذي لم يشرك به ~~أصلا كما تقدم في المثل ممن كذبه وقصد مساءته فينصره عليهم حتى يظهر ~~دينه ويعلي أمره ويغنيه عن أن يحتاج إلى غيره أو يجنح إلى سواه، باعتقاد ~~أن في يده شيئا يستقل به، وهاذ لا ينافي السعي في الأسباب مع اعتقاد ~~أنها بيد الله، فإن شاء ربط بها المسببات، وإن شاء أعقمها، بل السعي ~~أكمل، لأن ترتيب الأسباب بوضع الحكيم، فالسعي في طرحها ينافي وضع الحكمة، ~~وقرأ حمزة والكسائي وأبو جعفر: عباده - بالجمع بمعنى الرسول وأتباعه. # ولما كان الجواب قطعا: بلى، إنه ليكفي من يشاء، والأصنام الممثلون ~~بالشركاء المتشاكسين لا يكفون من تولاهم، بني على ذلك حالا عجيبا من ~~أحوالهم، فقال معجبا منهم ومتهكما بهم: { ويخوفونك } أي عباد الأصنام ~~يعلمون أن الله يكفي من أراد وأن الأصنام لا كفاية عندها بوجه والحال ~~أنهم يخوفونك. ولما كان الخوف ممن له اختيار، فإن كان عاقلا كان أقوى ~~لمخالفته، وكان من المعلوم بديهة أنه لا اختيار لهم فضلا عن العقل، قال ~~تهكما بهم بالتعبير بما يعبر به عن الذكور العقلاء لكونهم ينزلونهم ~~بالعبادة وغيرها منزلة العقلاء مع اعترافهم بأنهم لا عقل لهم، فصاروا ~~بذلك ضحكة وشهرة بين الناس: { بالذين } وبين حقارتهم بقوله: { من دونه } ~~وهم معبوداتهم ضلالا عن المحجة فيقولون: إنا نخشى عليك أن يخبلك آلهتنا ~~كما قالت عاد لهود عليه السلام # أن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء # [هود:54] وسيأتي التعبير عنهم بالتانيث زيادة في توبيخهم. # ولما كان من الحق الواضح كالشمس أن ما قالوه لا يقوله عاقل، وكان ~~التقدير: فقد أظلهم الله إهانة لهم وهداك إكراما لك، بين أنه سبحانه ~~قسرهم على ذلك ليكون إضلاله لهم آية كما أن هداه لمن هداه آية، فقال ~~مخففا عنه صلى الله عليه وسلم في إذهاب نفسه عليهم حسرات دامغا ~~للقدرية: { ومن يضلل الله } أي الذي ms4125 له الأمر كله فلا يرد أمره { فما له ~~} لأجل أنه هو الذي أضله { من هاد } أي فخفض من حزنك عليهم { ومن يهد ~~الله } أي الذي لا يعجزه شيء أبدا { فما له من مضل } فهو سبحانه يهدي ~~من شاء منهم إن أراد. # ولما لم تبق شبهة ولا شيء من شك أن الهادي المضل إنما هو الله وحده وأنه ~~جعل شيئا واحدا سببا لضلال قوم ليكون ضلالهم في الظاهر علة للنقمة، ~~وهدى لآخرين فيكون هداهم سببا للنعمة، بلغ النهاية في الحسن قوله: { ~~أليس الله } أي الذي بيده كل شيء { بعزيز } أي غالب لما يريد في إضلاله ~~قوما يدعون أنهم النهاية في كمال العقول لما هدى به غيرهم { ذي انتقام * ~~} أي له هذا الوصف، فمن أراد النقمة منه سلط عليه ما يريد مما يحزنه ~~ويذله كما أنه إذا أراد يعميه عن أنور النور ويضله. ### || [39.38-41] # ولما علم بهذه البراهين أنه سبحانه المتصرف في المعاني بتصرفه في القلوب ~~بالهداية والإضلال، وكان التقدير: فلئن قررتم بهذا الاستفهام الإنكاري ~~ليقولن: بلى! عطف عليه بيان أن الخالق للذات كما أنه المالك للمعاني ~~والصفات، فقال مفسدا لدينهم باعترافهم بأصلين: القدرة التامة له والعجز ~~الكامل لمعبوداتهم: { ولئن سألتهم } أي فقلت لمن شئت منهم فرادى أو ~~مجتمعين: { من خلق السماوات } أي على ما لها من الاتساع والعظمة ~~والارتفاع { والأرض } على ما لها من العجائب وفيها من الانتفاع { ليقولن ~~} بعد تخويفهم لك بشركائهم الذين هم من جملة خلق من أرسلك بما أنت فيه: ~~الذي خلقها { الله } أي وحده الذي لا سمي له وإلباس بوجه في أمره، ولا ~~يصدهم عن ذلك الحياء من التناقض ولا الخوف من التهافت بالتعارض. # ولما كان هذا مخيرا لأن بين ولا بد أنهم لا يقبلون ولا يعرضون كان كأنه ~~قيل: فماذا أصنع؟ فقال: { قل } مسببا عن اعترافهم له سبحانه بجميع الأمر ~~قوله مقررا بالفرع بعد إقرارهم بالأصل, ومقرعا بتخويفهم ممن ليس له أمر ~~بعقد ولا حل: { أفرءيتم }. # ولما كان السائل النصوح ينبغي له أنه ينبه الخصم على ms4126 محل النكتة لينتبه ~~من غفلته فيرجع عن غلطته, عبر بأداة ما لا يعقل عن معبوداتهم بعد التعبير ~~عنها سابقا بأداة الذكور العقلاء بيانا لغلطهم، فقال معبرا عن مفعول { ~~رأيت } الأول والثاني جملة الاستفهام، { ما تدعون } أي دعاء عبادة، وقرر ~~بعدهم عن التخويف بهم بادعاء إلهيتهم بقوله: { من دون الله } أي الذي هو ~~ذو الجلال والإكرام فلا شيء إلا وهو من دونه وتحت قهره، ولما كانت ~~العافية أكثر من البلوى، أشار إليها بأداة الشك ونبه على مزيد عظمته ~~سبحانه بإعادة الاسم الأعظم فقال: { إن أرادني الله } أي الذي لا راد ~~لأمره ولما كان درأ المفاسد مقدما قال: { بضر } أي إن أطعتكم في الجنوح ~~إليها خوفا منها، وبالغ في تنبيههم نصحا لهم ليرجعوا عن ظاهر غيهم بما ~~ذكر من دناءتها وسفولها بالتأنيث بعد سفولها بعدم العقل مع دناءتها وبعد ~~التهكم بهم بالتعبير عنها بأداة الذكور العقلاء فقال: { هل هن } أي هذه ~~الأوثان التي تعبدونها { كاشفات } أي عني مع اعترافكم بأنه لا خلق لها ~~وأنها مخلوقة لله تعالى { ضره } أي الذي أصابني به نوعا من الكشف، ~~لأرجوها في وقت شدتي { أو أرادني برحمة } لطاعتي إياه في توحيده، وخلع ما ~~سواه من عبيده { هل هن ممسكات } أي عني { رحمته } أي لأجل عصياني لهن نوع ~~إمساك، لأطيعكم في الخوف منهن - هذه قراءة أبي عمرو بالتنوين وإعمال اسم ~~الفاعل بنصب ما بعده، وهو الأصل في اسم الفاعل، والباقون بالإضافة، ولا ~~فائدة غير التخفيف، وقد يتخيل منها أن الأوثان مختصة بهذا المعنى معروفة. # ولما كان من المعلوم أنهم يسكتون عند هذا السؤال لما يعلمون من لزوم ~~التناقض أن أجابوا بالباطل، ومن بطلان دينهم أن أجابوا بالحق، وكان ~~الجواب قطعا عن هذا: لا سوء نطقوا أو اسكتوا، تحرر أنه لا متصرف بوجه ~~إلا الله، فكانت النتيجة قوله: { قل } إذا ألقمتهم الحجر: { حسبي } أي ~~كافي { الله } الذي أفردته بالعبادة لأنه له الأمر كله مما يخوفونني به ~~ومن غيره { عليه } وحده لأن له الكمال كله { يتوكل المتوكلون * } أي ~~الذين يريدون ms4127 أن يعلو أمرهم كل أمر، وأمره بالقول إعلاما بأن حالهم عند ~~هذا السؤال التناقض الظاهر جدا. # ولما كانوا مع هذه الحجج القاطعة، والأدلة القامعة والبراهين الساطعة، ~~التي لا دافع لها بوجه، كالبهائم لا يبصرون إلا الجزئيات حال وقوعها، قال ~~مهددا مع الاستعطاف: { قل يا قوم } أي يا أقاربي الذين أرتجيهم عند ~~الملمات, وفيهم كفاية في القيام بما يحاولونه { اعملوا } أي افعلوا ~~افعالا مبنية على العلم { على مكانتكم } أي حالتكم التي ترتبتم فيها ~~وجمدتم عليها لأنه جبلة لكم من الكون والمكنة لتبصروا حقائق الأمور، ~~فتنتقلوا عن أحوالكم السافلة إلى المنازل العالية، فكأنه يشير إلى أنهم ~~كالحيوانات العجم، لا اختيار لهم ويعرض بالعمل الذي مبناه العلم ~~والمكانة التي محطها الجمود بأن أفعالهم ليس فيها ما ينبني على العلم، ~~وإنما هي جزاف لا اعتبار لها ولا وزن لها. ثم أجاب من عساه أن يقول له ~~منهم: فماذا تعمل أنت؟ بقوله: { إني عامل } على كفاية الله لي، ليس لي ~~نظر إلى سواه، ولا أخشى غيره، وليس لي مكانة ألتزم الجمود عليها، بل أنا ~~واقف على ما يرد من عند الله، إن نقلني انتقلت وإن أمرني بغير ذلك ~~امتثلت, وأنا مرتقب كل وقت للزيادة، ثم سبب عن قول من لعله يقول منهم: ~~وماذا عساه يكون قوله؟ إيذانا بأنه على ثقة من أمره، لأن المخبر له به ~~الله: { فسوف تعلمون * } أي بوعد لا خلف فيه { من يأتيه } أي منا ومنكم { ~~عذاب يخزيه } بأن يزيل عنه كل شيء يمكنه أن يستعذبه { ويحل عليه } أي يجب ~~في وقته، من حل عليه الحق يحل بالكسر أي وجب، والدين: صار حالا بحضور ~~أجله { عذاب مقيم * } لإقامته على حالته وجموده على ضلالته، ومن يؤتيه ~~الله انتصارا يعليه وينقله إلى نعيم عظيم، لانتقاله بارتقائه في مدارج ~~الكمال، بأوامر ذي الجلال والجمال، ولقد علموا ذلك في قصة المستهزئين ثم ~~في وقعة بدر فإن من أهلكه الله منهم جعل إهلاكه أول عذابه ونقله به إلى ~~عذاب البرزخ ثم عذاب النار، فلا انفكاك له من ms4128 العذاب، ولا رجاء لحسن ~~المآب. # ولما تجلت عرائس هذه المعاني آخذة بالألباب، ولمعت سيوف تلك المباني من ~~المثاني قاطعة الرقاب، وختمها بما ختم من صادع الإرهاب، أنتجت ولا بد ~~قوله معللا لإتيان ما توعدهم به مؤكدا لما لهم من الإنكار لمضمون هذا ~~الإخبار: { إنا أنزلنا } أي بما لنا من باهر العظمة ونافذ الكلمة. # ولما كان توسط الملك خفيا. لم يعده فأسقط حرف الغاية إفهاما لأنه في ~~الحقيقة بلا واسطة بعد أن أثبت وساطته أول السورة فقال مقرونا بالأمر ~~بالعبادة إشارة إلى بداية الحال، فلما حصل التمكن فصار الكتاب خلقا له ~~صلى الله عليه وسلم وصار ظهوره فيه هاديا لغيره، نبه على ذلك بأداة ~~الاستعلاء فقال: { عليك } أي خاصة لا على غيرك من أهل هذا الزمان، لأنك ~~عندنا الخالص لنا دون أهل القريتين ودون أهل الأرض كلهم، لم يكن لشيء ~~دوننا فيك حظ { الكتاب } الجامع لكل خير لكونه في غاية الكمال بما دل ~~عليه " ال " { للناس } عامة لأن رسالتك عامة { بالحق } مصاحبا له، لا ~~يقدر الخلق على أن يزيحوا معنى من معانيه عن قصده، ولا لفظا من ألفاظه ~~عن سبيله وحده، بل هو معجز في معانيه - حاضرة كانت أو غائبه - ونظومه، ~~وألفاظه وأسماء سوره وآياته وجميع رسومه، فلا بد من إتيان ما فيه من وعد ~~ووعيد. # ولما تسبب عن علم ذلك وجوب المبادرة إلى الإذعان له لفوز الدارين، حسن ~~جدا قوله تعالى تسلية له صلى الله عليه وسلم لعظيم ما له من الشفقة ~~عليهم وتهديدا لهم: { فمن اهتدى } أي طاوع الهادي { فلنفسه } أي ~~فاهتداؤه خاص نفعه بها ليس له فيه إلا أجر التسبب { ومن ضل } أي وقع منه ~~ضلال بمخالفته لداعي الفطرة ثم داعي الرسالة عن علم وتعمد، أو إهمال ~~للنظر وتهاون. ولما كان ربما وقع في وهم أنه يحلق الداعي بعد البيان ومن ~~إثم الضال، وكان السياق لتهديد الضالين. زاد في التأكيد فقال: { فإنما ~~يضل عليها } أي ليس عليك شيء من ضلاله، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات. # ولما هدى السياق ms4129 إلى أن التقدير: فما أنت عليهم بجبار لتقهرهم على ~~الهدى، عطف عليه قوله: { وما أنت } أي في هذا الحال، ولمزيد العناية بنفي ~~القهر أداة الاستعلاء فقال: { عليهم بوكيل * } لتحفظهم عن الضلال، فإن ~~الرسالة إليهم لإقامة الحجة لا لقدرة الرسول على هدايتهم ولا لعجز المرسل ~~عن ذلك. ### || [39.42-44] # ولما كان الوكيل في الشيء لا تصلح وكالته فيه إلا إن كان قادرا عليه ~~بطريق من الطرق، وكان حفظهم على الهدى وعن الضلال لا يكون عليه إلا لحاضر ~~لا يغيب ولا يعتريه نوم ولا يطرقه موت، لم تصح وكالة أحد من الخلق فيه، ~~وكان كأنه قيل: لأنه لو وكل إليك أمرهم لضاعوا عند نومك وموتك، فدل عليه ~~بما أدى معناه وزاد عليه من الفوائد ما يعرف بالتأمل من تشبيه الهداية ~~بالحياة واليقظة والضلال بالموت والنوم، فكما أنه لا يقدر على الإماتة ~~والإنامة إلا الله فكذلك لا يقدر على الهداية والإضلال إلا الله، فمن عرف ~~هذه الدقيقة عرف سر الله في القدرة، ومن عرف السر فيه هانت عليه المصائب، ~~فهي تسلية له صلى الله عليه وسلم، لفت القول إلى التعبير بالاسم الأعظم ~~لاقتضاء الحال له، وأسند التوفي إليه سبحانه لأنه في بيان أنه لا يصلح ~~للوكالة غيره أصلا، فقال: { الله } أي الذي له مجامع الكمال، وليس ~~لشائبة نقص إليه سبيل { يتوفى الأنفس } التي ماتت عند انقضاء آجالها، أي ~~يفعل في وفاتها فعل من يجتهد في ذلك بأن يقبضها وافية لا يدع شيئا منها ~~في شيء من الجسد، وعبر عن جمع الكثرة بجمع القلة إشارة إلى أنها وإن ~~تجاوزت الحصر فهي كنفس واحدة، ولعله لم يوحده لئلا يظن أن الوحدة على ~~حقيقتها { حين موتها } أي منعها من التصرف في أجسادها في هذه الحياة ~~الدنيا كائنة في مماتها محبوسة فيه مظروفة له، وعطف على الأنفس قوله: { ~~والتي } أي ويتوفى الأنفس التي { لم تمت } لأنها لم تنقض آجالها حين ~~نومها كائنة { في منامها } بمنعها من التصرف بالحس والإدراك ما دام النوم ~~موجودا مظروفة له لا شيء منها ms4130 في الجسد على حال اليقظة، فالجامع بينهما ~~عدم الإدراك والشعور والتصرف، ولو قيل: بموتها وبمنامها، لم يفد أن كلا ~~من الموت والوفاة آية مغايرة للأخرى. # ولما كان النوم منقضيا، دلنا بقرانه بالموت على أن الموت أيضا منقض، ~~ولا بد لأن الفاعل لكل منهما واحد، فسبب عن ذلك قوله: { فيمسك } أي ~~فيتسبب عن الوفاتين أنه يمسك عنده { التي قضى } أي ختم وحكم وبت بتا ~~مقدرا مفروغا منه، وقراءة البناء للمفعول موضحة لهذا المعنى بزيادة ~~اليسر والسهولة { عليها الموت } مظروفة لمماتها، لا تقدر على تصريف جسدها ~~ما دام الموت محيطا بها كما أن النائمة كذلك ما دام النوم محيطا بها { ~~ويرسل الأخرى } أي التي أخر موتها، وجعلها مظروفة للمنام لأنها لم ينقض ~~أجلها الذي ضربه لها بأن يفنى بالمنام فيوقظها لتصريف أبدانها، ويجعل ذلك ~~الإمساك للميتة، والإرسال للنائمة { إلى أجل مسمى } لبعث الميتة ولموت ~~النائمة، لا يعلمه غيره، فإذا جاء ذلك الأجل أمات النائمة وبعث الميتة، ~~وقد ظهر من التقدير الذي هدى إليه قطعا السياق أن النفس التي تنام هي ~~التي تموت وهي الروح، قال ابن الصلاح في فتاويه: وهو الأشبه بظاهر الكتاب ~~والسنة - انتهى. # روى الطبراني في الأوسط - قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح - عن ابن ~~عباس رضي الله الله عنهما قال: تلتقي أرواح الأحياء والأموات، فيتساءلون ~~بينهم، فيمسك الله أرواح الموتى ويرسل أرواح الأحياء إلى أجسادها. وروى ~~البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا أوى أحدكم إلى فراشه فليقل " باسمك ربي وضعت جنبي اللهم إن أمسكت ~~نفسي فارحمها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين " " # وظهر أيضا أن الآية من الاحتباك: ذكر الحين أولا دليلا على تقدير ~~مثله في النوم ثانيا، والمنام ثانيا دليلا على حذف الممات أولا. # ولما تم هذا على الأسلوب الرفيع، والنظم المنيع، نبه على عظمته وما فيه ~~من الأسرار بقوله مؤكدا قرعا بمن يرميه بالأساطير وغيرها من الأباطيل: ~~{ إن في ذلك } أي الأمر العظيم من الوفاة والنوم على ms4131 هذه الكيفية ~~والعبارة عنه على هذا الوجه { لآيات } أي على أنه لا يقدر على الإحياء ~~والحفظ غيره، وأنه قادر على البعث وغيره من كل ما يريده { لقوم } أي ذوي ~~قوة في مزاولة الأمور. ولما كان هذا الأمر لا يحتاج إلى غير تجريد النفس ~~من الشواغل والتدبر قال: { يتفكرون * } أي في عظمة هذا التدبير ليعلم به ~~عظمة الله، وذلك أن النفس جوهر روحاني له في التعلق بالبدن ثلاث حالات: ~~إحداهما أن يقع ضوء النفس على البدن ظاهرا وباطنا، وذلك هو الحياة مع ~~اليقظة، وثانيتها انقطاع ضوء النفس عن البدن ظاهرا لا باطنا، وذلك ~~بالنوم، وثالثها انقطاع ذلك ظاهرا وباطنا وهو بالموت، فالموت والنوم من ~~جنس واحد إلا أن الموت انقطاع تام، والنوم انقطاع ناقص، فلا يقدر على ~~إيجاد شيء واحد على نوعين، ثم يجعلهما في شيء واحد على التعاقب ويفصل ~~كلا منهما من الآخر إلا هو سبحانه، وكلما قدر على إنهاء الموتة الصغرى ~~بحد جعله لها فهو قادر على إنهاء الكبرى بمثل ذلك. # ولما أنتج هذا ولا بد نحو أن يقال توعدا لهم: هل علموا أنه لا يقوم شيء ~~مقامه، ولا يكون شيء إلا بإذنه، ولا يقرب أحد من القدرة على شيء من فعله، ~~فكيف بالقرب من رتبته فضلا عن مماثلته، فرجعوا عن ضلالهم، عادله بقوله: ~~{ أم اتخذوا } أي كلفوا أنفسهم بعد وضوح الدلائل عندها أن أخذوا { من دون ~~الله } أي الذي لا مكافئ له مداني { شفعاء } أي تقربهم إليه زلفى في ~~الدنيا وفي الآخرة على تقدير كونها مع قيام الأدلة الشهودية عندهم على ~~أنه لا يشفع أحد إلا عند من يصح أن يكافئه بوجه من الوجوه، ولذلك نبه على ~~المعنى بقوله معرضا عنهم إشارة إلى سفولهم عن الفهم: { قل أولو } أي ~~أيتخذونهم لذلك ولو { كانوا لا يملكون شيئا } أي لا تتجدد لهم هذه الصفة ~~{ ولا يعقلون * } كما يشاهد من حال أصنامكم. # ولما نفى صلاحية أصنامهم لهذا الأمر، أشار إلى نفيه عما سواه بقصر الأمر ~~عليه فقال: { قل لله } أي المحتوي ms4132 على صفات الكمال وحده { الشفاعة } أي ~~هذا الجنس { جميعا } فلا يملك أحد سواه منها شيئا لكنه يأذن إن شاء ~~فيما يريد منها لمن لمن يشاء من عباده. ولما كان كل ما سواه ملكا له، ~~وكان من المقرر أن المملوك لا يصح أن يملك شيئا يملكه سيده، لأن الملكين ~~لا يتواردان على شيء واحد من جهة واحدة، علل ذلك بقوله: { له } أي وحده { ~~ملك السماوات والأرض } أي التي لا تشاهدون من ملكه سواهما والشفاعة من ~~ملكهما. # ولما كان المملوك ملكا ضعيفا قد يتغلب على مالكه فيناظره فيتأهل ~~للشفاعة عنده، نفى ذلك في حقه سبحانه بقوله دالا على عظمة القهر بأداة ~~التراخي فقال: { ثم إليه } أي لا إلى غيره { ترجعون * } معنى في الدنيا ~~بأن ينفذ فيكم جميع أمره وحسا ظاهرا ومعنى في الآخرة. ### || [39.45-49] # ولما دل على أن شفعاءهم ليست بأهل للشفاعة، وعلى أن الأمر كله مقصور ~~عليه، وختم بأنه لا بد من الرجوع إليه المقتضي لأن تصرف الهمم كلها نحوه، ~~وتوجه العزائم جميعها تلقاءه، ولأنه لا يخشى سواه ولا يرجى غيره، ذكر ~~حالا من أحوالهم فقال: { وإذا } أي الحال ما ذكرناه وإذا { ذكر } وأعاد ~~الاسم الأعظم ولم يضمره تعظيما لأمره زيادة في تقبيح حالهم فقال: { الله ~~} أي الذي لا عظيم غيره ولا أمر لسواه { وحده } أي دون شفعائهم التي قد ~~وضح أنه لا شفاعة لهم: { اشمأزت } أي نفرت كراهية وذعرا واستكبارا مع ~~تمعر الوجه وتقبضه قلوبهم - هكذا كان الأصل، ولكنه قال: { قلوب الذين لا ~~يؤمنون } أي لا يجددون إيمانا { بالآخرة } بيانا لأن الحامل لهم على ~~ذلك إضاعة اعتقاد ما ختم به الآية من الرجوع إليه الذي أتمه وأظهره رجوع ~~الآخرة { وإذا ذكر الذين } وبكت بهم في رضاهم بالأدنى فقال: { من دونه } ~~أي الأوثان، وأكد فرط جهلهم في اتباعهم الباطل وجمودهم عليه دون تلبث ~~لنظر في دليل، أو سماع لقال أو قيل، بقوله: { إذا هم } أي بضمائرهم ~~المفيضة على ظواهرهم { يستبشرون * } أي فاجؤوا طلب البشر وإيقاعه وتجديده ~~على سبيل الثبات في ذلك ms4133 كله سواء ذكر معهم الله أو لا، فالاستبشار حينئذ ~~إنما هو بالانداد، والاشمئزاز والاستبشار متقابلان لأن الاشمئزاز: امتلاء ~~القلب غما وغيظا فيظهر أثره، وهو الانقباض في أديم الوجه، والاستبشار: ~~امتلاء القلب سرورا حتى يظهر أثره، وهو الانبساط والتهلل في الوجه - قال ~~الزمخشري، والعمل في " إذا " الأولى هو العامل في الفجائية، أي فاجؤوا ~~الاستبشار وقت هذا الذكر، وعبر بالفعل أولا وبالاسمية ثانيا، ليفيد ~~ذمهم على مطلق الاشمئزاز ولو كان على أدنى الأحوال، وعلى ثبات الاستبشار ~~تقبيحا لمطلق الكفر، ثم الثبات عليه فتحا لباب التوبة. # ولما نفى صلاحية الوكالة على الناس في الهدى والضلال لغيره ودل على ذلك ~~بملكه وملكه وأخبر بتعمدهم الباطل، أنتج ذلك وجب اللجاء إليه والإعراض ~~عما سواه وقصر العزم عليه فقال معلما بذلك ومعلما لما يقال عند مخالفة ~~الداعي باتباع الهوى: { قل } أي يا من نزل عليه الكتاب فلا يفهم عنا حق ~~الفهم غيره راغبا إلى ربك في أن ينصرك عليهم في الدنيا والآخرة: { اللهم ~~} أي يا الله، وهذا نداء محض ويستعمل أيضا على نحوين آخرين - ذكرهما ابن ~~الخشاب الموصلي في كتابه النهاية شرح الكفاية - أحدهما أن تذكر لتمكين ~~الجواب في نفس السائل كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لضمام بن ثعلبة ~~رضي الله عنه حيث قال: # " الله أمرك أن تصلي الصلوات الخمس، فقال: اللهم نعم " # - إلى آخر ما قاله له، وسره أن المسؤول إذا ذكر الله في جوابه. كان ذكره ~~إياه أبعث للسائل على تصديقه لأنه أوقر في صدره إن لم يتصد لذكر الله ولم ~~يكن بصدده، وهو ممن يدين باستعمال الكذب، والثاني أن يدل به على الندرة ~~وقلة وقوع المذكور كقول المصنفين: لا يكون كذا اللهم إلا إذ كان كذا - ~~كأنه استغفر الله من جزمه أو لا يسد الباب في أنه لا يكون غير ما ذكره ~~فقال: اللهم اغفر لي, فإنه يمكن أن يكون كذا - انتهى. ثم أبدل عند سيبويه ~~ووصف عند غيره فقال: { فاطر } أي مبدع من العدم { السماوات } أي كلهم { ~~والأرض } أي جنسها. ms4134 ولما كانت القدرة لا تتم إلا بتمام العلم قال: { عالم ~~الغيب والشهادة } أي ما لا يصح علمه للخلق وما يصح. # ولما كان غيره سبحانه لا يمكن له ذلك، حسن التخصيص في قوله: { أنت } أي ~~وحدك { تحكم بين عبادك } أي أنا وهم وغيرنا في الدنيا والآخرة لا محيص عن ~~ذلك ولا يصح في الحكمة سواه كما أن كل أحد يحكم بين عبيده ومن تحت أمره ~~لا يسوغ في رأيه غير ذلك { في ما كانوا } أي دائما بما اقتضته جبلاتهم ~~التي جبلتهم عليها { فيه يختلفون * } وأما غيرك فإنه لا يعلم جميع ما ~~يفعلون، فلا يقدر على الحكم بينهم، وأما غير ما هم عريقون في الاختلاف ~~فيه فلا يحكم بينهم فيه لأنه أما ما هيؤوا بفطرهم السليمة وعقولهم ~~القويمة للاتفاق عليه فهو الحق, وأما ما يعرض لهم الاختلاف فيه لا على ~~سبيل القصد أو بقصد غير ثابت فهو مما تذهبه الحسنات فعرف أن تقديم الظرف ~~إنما وهو للاختصاص لا الفاصلة. # ولما كان التقدير: فيعذب الظالمين فلو علموا ذلك لما ظنوا بادعائهم له ~~سبحانه ولدا وشركاء يقربونهم إليه زلفى منهم بجلاله ونزاهته عما ادعوه ~~له وكماله، عطف عليه تهويلا للأمر قوله: { ولو أن } وكان الأصل: لهم - ~~ولكنه قال تعميما وتعليقا بالوصف: { للذين ظلموا } أي وقعوا في الظلم ~~في شيء من الأشياء ولو قال { ما في الأرض } ولما كان الأمر عظيما أكد ~~ذلك بقوله: { جميعا } وزاد في تعظيمه بقوله: { ومثله } وقال: { معه } ~~ليفهم بدل الكل جملة لا على سبيل التقطيع { لافتدوا } أي لاجتهدوا في طلب ~~أن يفدوا { به } أنفسهم { من سوء العذاب } وبين الوقت تعظيما له وزيادة ~~في هوله فقال: { يوم القيامة } روى الشيخان عن أنس رضي الله عنه أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " يقول الله عز وجل لأهون أهل النار عذابا: لو أن لك ما على الأرض من ~~شيء أكنت مفتديا به؟ فيقول: نعم، فيقول: قد أردت منك أهون من هذا وأنت ~~صلب آدم عليه السلام أن لا تشرك بي شيئا فأبيت ms4135 إلا أن تشرك بي " # قوله: أردت أي فعلت معك بالأمر فعل المريد وهو معنى قوله في رواية: قد ~~سألتك. # ولما كان التقدير: ولو كان لهم ذلك وافتدوا به ما قبل منهم ولا نفعهم، ~~ولأن ذلك الوقت وقت الجزاء لا وقت العمل، واليوم وقت العمل لا وقت ~~الجزاء، فلو أنفقوا فيه أيسر شيء على وجهه قبل منهم، عطف عليه من أصله لا ~~على جزائه قوله معظما الأمر بصرف القول إلى الاسم الأعظم: { وبدا } أي ~~ظهر ظهورا تاما { لهم } في ذلك اليوم { من الله } أي الملك الأعظم، ~~وهول أمره بإبهامه ليكون ضد # فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين # [السجدة: 17] فقال: { ما لم يكونوا } بحسب جبلاتهم وما فطروا عليه من ~~الإهمال والتهاون { يحتسبون * } أي لم يكن في طبائعهم أن يتعمدوا أن ~~يحسبوه وتجوزه عقولهم من العذاب، وما كان كذلك كان أشق على النفس وأروع ~~للقلب { وبدا لهم } أي ظهر ظهورا تاما كأنه في البادية لا مانع منه { ~~سيئات ما } ولما كان في سياق الافتداء، وكان الإنسان يبذل عند الافتداء ~~في فكاك نفسه الرغائب والنفائس، عبر هنا بالكسب الذي من مدلوله الخلاصة ~~والعصارة التي هي سر الشيء فهو أخص من العمل، ولذا جعله الأشعري مناط ~~الجزاء، فقال مبينا أن خالص عملهم ساقط فكيف بغيره، وهذا بخلاف ما في ~~الجاثية { كسبوا } أي الشيء الذي عملوه برغبة مجتهدين فيه لظنهم نفعه ~~وأنه خاص أعمالهم وأجلها وأنفعها { وحاق } أي أحاط على جهة اللزوم والأذى ~~{ بهم ما } أي جزاء الشيء الذي { كانوا به } أي دائما كأنهم جبلوا عليه ~~{ يستهزئون * } أي يطلبون ويوجدون الهزء والسخرية به من النار وجميع ما ~~كانوا يتوعدون به. # ولما أخبر عن ظهور هذا لهم، علله بأنهم كانوا يفعلون ما لم يكن في ~~العادة يتوقع منهم، وهو مجازاة الإحسان بالإساءة وقد كانوا جديرين بضده ~~فقال: { فإذا } أي وقع لهم ذلك بسبب أنهم إذا مسهم، ولكنه أخبر عن النوع ~~الذي هم منه بما هو مطبوع عليه فقال: { مس الإنسان ضر } أي ضر كان ms4136 من ~~جهة يتوقعها كما تقدم في التي في أول السورة، ويجوز أن يكون مسببا عن ~~الإخبار بافتدائهم بما يقدرون عليه وأن يكون مسببا عن اشمئزازهم من ~~توحيد الله تعجيبا من حالهم في تعكيسهم وضلالهم، وتقدم في الآية التي في ~~أول السورة سر كونها بالواو، ولفت القول إلى مظهر العظمة دالا على أن ~~أغلب الناس لا يرجى اعترافه بالحق وإذعانه لأهل الإحسان إلا إذا مس ~~بأضرار فقال: { دعانا } عالما بعظمتنا دون آلهته مع اشمئزازه من ذكرنا ~~واستبشاره بذكرها. # ولما كان ذلك الضر عظيما يبعد الخلاص عنه من جهة أنه لا حيلة لمخلوق في ~~دفعه، أشار إلى عظمته وطول زمنه بأداة التراخي فقال مقبحا عليه نسيانه ~~للضر مع عظمه في نفسه ومع طول زمنه: { ثم إذا خولناه } أي أعطيناه على ~~عظمتنا متفضلين عليه محسنين القيام بأمره وجعلناه خليقا بحاله جديرا ~~بتدبيره على غير عمل عمله محققين لظنه الخير فينا وأحسنا تربيتنا له ~~والقيام عليه مع ما فرط في حقنا { نعمة منا } ليس لأحد غيرنا فيها شائبة ~~من ولولا عظمتنا ما كانت { قال } ناسيا لما كان فيه من الضر وإن كان قد ~~طال أمده، قاصرا لها على نفسه غير متخلق بما نبهناه على التخلق به من ~~إحساننا إليه وإقبالنا عليه عند إذعانه، مذكرا لضميرها تفخيما لها، ~~وبنى الفعل للمجهول إشارة إلى أنه لا نظر له في تعرف المعطي من هو يشكره، ~~وإنما نظره في عظمة النعمة وعظمة نفسه، وإنها على مقدار ما: { إنما ~~أوتيته } أي هذا المنعم به علي الذي هو كبير وعظيم لأني عظيم فأنا أعطي ~~على مقداري، و " ما " هي الزائدة الكافة لأن للدلالة على الحصر، ويجوز أن ~~تكون موصولة هي اسم إن وخبرها قوله: { على } إي إيتاء مستعليا متمكنا ~~على { علم } أي عظيم، وجد مني بطريق الكسب والاجتهاد ووجوده الطلب ~~والاحتيال، فكان ذلك سببا لمجيئه إلي أو علم من الله باستحقاقه له. # ولما كان التقدير: ليس كذلك ولا هي نعمة، قال دالا على شؤم ذلك المعطي ~~وحقارته لأنه من أسباب ms4137 إضلاله بالتأنيث { بل هي } أي العطية والنعمة { ~~فتنة } لاختباره هل يشكر أم يكفر لتقام عليه الحجة. فإن أدت إلى النار ~~كانت استدراجا، وأنث الضمير تحقيرا لها بالنسبة إلى قدرته سبحانه ~~وتعالى ولأنها أدت إلى الغرور بعد أن ذكر ضميرها أولا تعظيما لها ~~لإيجاب شكرها. # ولما كان من المفتونين من ينتبه وهم الأقل، قال جامعا تنبيها على ~~إرادة الجنس وأن تعبيره أولا بإفراد الضمير إشارة إلى أن أكثر الناس ~~كأنهم في ذلك الخلق النحس نفس واحدة: { ولكن أكثرهم } أي أكثر هؤلاء ~~القائلين لهذا الكلام { لا يعلمون * } أي لا يتجدد لهم علم أصلا لأنهم ~~طبعوا على الجلافة والجهل والغباوة، فلو أنهم إذا دعونا وهم في جهنم ~~أجبناهم وأنعمنا عليهم نعمتنا ونسبوها إلى غيرنا كما كانوا يفعلون في ~~الدنيا سواء. ### || [39.50-53] # ولما كان كفار قريش مقصودين بهذا قصدا عظيما وإن كان شاملا بإطلاقه ~~غيرهم من الأولين والآخرين قال موضحا لذلك: { قد قالها } أي مقالتهم { ~~إنما أوتيته على علم } { الذين من قبلهم } أي ممن هو أشد منهم قوة وأكثر ~~جمعا كما قال قارون ومن رضي حاله فتمنى ماله { فما أغنى عنهم } أي أولئك ~~الماضين { ما كانوا } بما اقتضته جبلاتهم { يكسبون * } أي يجددون على ~~الاستمرار كسبه من المال والجاه وإن كان مليء السهل والجبل: { فأصابهم } ~~أي إصابة شديدة بما دل عليه تذكير الفعل - أي تسبب عن عدم الإغناء أنه ~~أصابهم { سيئات ما كسبوا } أي وبال ذلك وما يسوء من آثاره { والذين ظلموا ~~} أي أوقعوا الأشياء في غير محالها { من هؤلاء } أي قومك الذين لا ~~يتدبرون القرآن فإنهم لو تدبروا آياته عرفوا ولكن سبق عليهم العمى { ~~سيصيبهم } أي إصابة شديدة جدا بوعد لا خلف فيه كما أصاب من قبلهم { ~~سيئات ما كسبوا } أي عملوا من الأشر والبطر فيه أعمال من يظن أنه لا ~~تناله مصيبة في الدنيا وأنه لا يبعث إلى ما أعددنا له من الأهوال في ~~الآخرة، ولقد أصابهم ذلك، فأول ما أصابهم ما كشف عنه الزمان من وقعة بدر ~~ثم ما تبعه إلى ما ms4138 لا آخر له. # ولما ثبت أن الضار النافع إنما هو الله، من شاء أعطاه، ومن شاء منعه، ~~ومن شاء استلبه ووضعه بعد ما رفعه، وكان التقدير: ألم يعلموا أن ما جمعه ~~من قبلهم لم يدفع عنهم أمر الله، عطف قوله: { أولم } ولما كان السياق ~~لنفي العلم عن الأكثر، وكان مقصود السورة بيان أنه صادق الوعد ومطلق ~~العلم كاف فيه، عبر بالعلم بخلاف ما مضى في الروم فقال: { يعلموا } أي ~~بما رأوا في أعمارهم من التجارب. ولفت الكلام إلى الاسم الأعظم تعظيما ~~للمقام ودفعا للبس والتعنت بغاية الإفهام: { أن الله } أي الذي له ~~الجلال والجمال { يبسط } أي هو وحده { الرزق } غاية البسط { لمن يشاء } ~~وإن كان لا حيلة له ولا قوة { يقدر } أي يضيق مع النكد بأمر قاهر على من ~~هو أوسع الناس باعا في الحيل وأمكنهم في الدول، ومن المعلوم أنه لولا أن ~~ذلك كله منه وحده لما كان أحد ممن له قوة في الجسم وتمكن في العلم فقيرا ~~أصلا. # ولما كان هذا أمرا لا ينكره أحد، عده مسلما وقال: { إن في ذلك } أي ~~الأمر العظيم، وأكده لأن أفعالهم أفعال من ينكر أن يكون فيه عبرة { لآيات ~~لقوم } ذوي قوة وهمم عليه { يؤمنون * } أي هيئوا لأن يوجد منهم الإيمان ~~فيجددوا التصديق في كل وقت تجديدا مستمرا بأن الأمور كلها من الله ~~فيخافوه ويرجوه ويشكروه ولا يكفروه، وأما غيرهم فقد حقت عليه الكلمة بما ~~هيىء له من عمل النار، فلا يمكنه الإيمان فليس له في ذلك آيات لأنها لا ~~تنفعه. # ولما حذر سبحانه في هذه السورة ولا سيما في هذه الآيات فطال التحذير، ~~وأودعها من التهديد وصادع الإنذار والوعيد العظيم الكثير، وختم بالحث على ~~الإيمان، والنظر السديد في العرفان، وكانت كثرة الوعيد ربما أيأست ونفرت ~~وأوحشت، وصدت عن العطف وأبعدت، قال تعالى مستعطفا مترفقا بالشاردين عن ~~بابه متلطفا جامعا بين العاطفين، كلام ذوي النعمة على لسان نبي الرحمة ~~صارفا القول إلى خطابه بعد أسلوب الغيبة: { قل } أي يا أكرم الخلق ~~وأرحمهم ms4139 بالعباد، ولفت عما تقتضيه " قل " من الغيبة إلى معنى الخطاب ~~زيادة في الاستعطاف، وزاد في الترفق بذكر العبودية والإضافة إلى ضميره ~~عريا عن التعظيم فقال: { يا } أي ربكم المحسن إليكم يقول: يا { عبادي } ~~فلذذهم بعد تلك المرارات بحلاوة الإضافة إلى جنابه تقريبا من بابه. ولما ~~أضاف، طمع المطيعون أن يكونوا هم المقصودين، فرفعوا رؤوسهم، ونكس العاصون ~~وقالوا: من نحن حتى يصوب نحونا هذا المقال؟ فقال تعالى جابرا لهم: { ~~الذين أسرفوا } أي تجاوزوا الحد في وضع الأشياء في غير مواضعها حتى صارت ~~لهم أحمال ثقال { على أنفسهم } فأبعدوها عن الحضرات الربانية، وأركسوها ~~في الدنايا الشيطانية، فانقلب الحال، فهؤلاء الذين نكسوا رؤوسهم انتعشوا ~~وزالت ذلتهم والذين رفعوا رؤوسهم أطرقوا وزالت صولتهم - قاله القشيري، ~~وأفهم تقييد الإسراف أن الإسراف على الغير لا يغفر إلا بالخروج عن عهدة ~~ذلك الغير { لا تقنطوا } أي ينقطع رجاؤكم وتيأسوا وتمتنعوا - وعظم ~~الترجية بصرف القول عن التكلم وإضافة الرحمة إلى الاسم الأعظم الجامع ~~لجميع صفات الجلال والإكرام فقال: { من رحمة الله } أي إكرام المحيط بكل ~~صفات الكمال، فيمنعكم ذلك القنوط من التوبة التي هي باب الرحمة، ولعظم ~~المقام أضاف إلى الاسم الأعظم، ثم علل ذلك بقوله على سبيل التأكيد لظنهم ~~أن كثرة الوعيد منعت الغفران، وحتمت الجزاء بالانتقام، وكرر الاسم الأعظم ~~تعظيما للحال، وتأكيدا بما فيه من معنى الإحاطة والجمع لإرادة العموم: ~~{ إن الله } أي الجامع لجميع نعوت الجمال والجلال والإكرام، فكما أنه ~~متصف بالانتقام وهو متصف بالعفو والغفران { يغفر } إن شاء { الذنوب } ~~ولما أفهمت اللام الاستغراق أكده فقال: { جميعا } ولا يبالي، لكنه سبق ~~منه القول أنه إنما يغفر الشرك بالتوبة عنه، وأما غيره فيغفره إن شاء ~~بتوبة وإن شاء بلا توبة، ولا يقدر أحد أن يمنعه من شيء من ذلك. # ولما كان لا يعهد في الناس مثل هذا بل لو أراد ملك من ملوك الدنيا العفو ~~عن أهل الجرائم، قام عليه جنده فانحل عقده وانثلم حده، علل هذه العلة بما ~~يخصه، فقال مؤكدا لاستبعاد ذلك بالقياس على ms4140 ما يعهدون: { إنه هو } أي ~~وحده { الغفور } أي البليغ المغفرة بحيث يمحو الذنوب مهما شاء عينا ~~وأثرا، فلا يعاقب ولا يعاتب { الرحيم * } أي المكرم بعد المغفرة ولا ~~يقدر أحد أصلا على نوع اعتراض عليه، ولا توجيه طعن إليه. ### || [39.54-57] # ولما كان التقدير: فأقلعوا عن ذنوبكم، فإنها قاطعة عن الخير، مبعدة عن ~~الكمال، عطف عليه استعطافا قوله دالا على أن الغفران المتقدم إنما هو ~~إذا شاء التفضل سبحانه بتوبة وبغير توبة: { وأنيبوا } أي ارجعوا بكلياتكم ~~وكلوا حوائجكم وأسندوا أموركم واجعلوا طريقكم { إلى } ولفت الكلام إلى ~~صفة الإحسان زيادة في الاستعطاف فقال: { ربكم } أي الذي لم تروا إحسانا ~~إلا وهو منه { وأسلموا له } أي أوجدوا إسلام جميع ما ملكه لكم من الأعيان ~~والمعاني متبرئين عنه لأجله فإنه لو شاء سلبكموه، فإذا لم تكونوا مالكيه ~~ملكا تاما فعدوا أنفسكم عارية عنه غير مالكة له ولا قادرة، وكان الذي ~~لكم بالإصالة ما كان. # ولما كان ذلك شديدا لأن الكف عما أشرفت النفس على بلوغ الوطر منه في ~~غاية المرارة، قال مهددا لهم دالا بحرف الابتداء على رضاه منهم بإيقاع ~~ما أقر به في اليسير من الزمان لأنه لا يقدر أحد أن يقدر الله حق قدره ~~الله حق قدره باستغراق الزمان في الطاعة وإن كان إبهام الأجل يحدو العاقل ~~على استغراقه فيها: { من قبل أن يأتيكم } أي وأنتم صاغرون { العذاب } أي ~~القاطع لكل العذوبة المجرع لكل مرارة وصعوبة. ولما كان الإنسان ربما ~~توقع ضررا في إقدامه على ما له فيه لذة، وحاول دفعه، قال معظما لهذا ~~العذاب مشيرا بأداة التراخي إلى أنه لا يمكن دفعه ولو طال المدى: { ثم ~~لا تنصرون * } أي لا يتجدد لكم نوع نصر أبدا. # ولما أمر برؤية الأمور كلها من الله وإسلام القياد كله إليه، أمر بما هو ~~أعلى من ذلك، وهو المجاهدة بقتل النفس فقال: { واتبعوا } أي عالجوا ~~أنفسكم وكلفوها أن تتبع { أحسن ما أنزل } واصلا { إليكم } على سبيل ~~العدل كالإحسان الذي هو أعلى من العفو الذي هو فرق الانتقام ms4141 باتباع هذا ~~القرآن الذي هو أحسن ما نزل من كتب الله وباتباع أحاسن ما فيه، فتصل من ~~قطعك وتعطي من حرمك وتحسن إلى من ظلمك، هذا في حق الخلائق ومثله في عبادة ~~الخالق بأن تكون " كأنك تراه " الذي هو أعلى من استحضار " إنه يراك " ~~الذي هو أعلى من أدائها مع الغفلة عن ذلك. # ولما كان هذا شديدا على النفس، رغب فيه بقوله مظهرا صفة الإحسان موضع ~~الإضمار: { من ربكم } أي الذي لم يزل يحسن إليكم وأنتم تبارزونه ~~بالعظائم. ولما كان من النفوس ما هو كالبهائم لا ينقاد إلا بالضرب، قال ~~منبها أيضا علة رفقه بإثبات الجار: { من قبل أن يأتيكم } أي على ما بكم ~~من العجز عن الدفاع { العذاب } أي الأمر الذي يزيل ما يعذب ويحلو لكم في ~~الدنيا أو في الآخرة. # ولما كان الأخذ على غرة أصعب على النفوس قال: { بغتة } ولما كان الإنسان ~~قد يشعر بالشيء مرة ثم ينساه فيباغته، نفى ذلك بقوله: { وأنتم لا تشعرون ~~* } أي ليس عندكم شعور بإتيانه لا في حال إتيانه ولا قبله بوجه من الوجوه ~~لفرط غفلتكم، ليكون افظع ما يكون على النفس لشدة مخالفته لما هو مستقر ~~فيها وهي متوطنة عليه من ضده. # ولما كان للإنسان عند وقوع الخسران أقوال وأحوال لو تخيلها قبل هجومه ~~لحسب حسابه فباعد أسبابه. علل الإقبال على الاتباع بغاية الجهد والنزاع ~~فقال: { أن } أي كراهة أن { تقول } ولما كان الموقع للإنسان في النقصان ~~إنما هو حظوظه وشهواته المخالفة لعقله، عبر بقوله: { نفس } أي عند وقوع ~~العذاب لها، وإفرادها وتنكيرها كاف في الوعيد لأن كل أحد يجوز أن يكون هو ~~المراد { يا حسرتى } والتحسر: الاغتمام على ما فات والتندم عليه، وألحق ~~الألف بدلا من الياء تعظيما له، أي يا طول غماه لانكشاف ما فيه صلاحي ~~عني وبعده مني فلا وصول لي إليه لاستدراك ما فات منه، وذلك عند انكشاف ~~أحوالها، وحلول أوجالها وأهوالها ودل على تجاوز هذا التحسر الحد قراءة ~~أبي جعفر " حسرتاي " بالجميع بين العوض وهو الألف ms4142 والمعوض عنه وهو الياء، ~~وحل المصدر لأن ما حل إليه أصرح في الإسناد وأفخم، وأدل على المراد ~~وأعظم، فقال: { على ما فرطت } أي بما ضيعت فانفرط مني نظامه، وتعذر ~~انضمامه والتئامه. # ولما كان حق كل أحد قريبا منه حسا أو معنى حنى كأنه إلى جنبه، وكان ~~بالجنب قوام الشيء ولكنه قد يفرط فيه لكونه منحرفا عن الوجاه والعيان، ~~فيدل التفريط فيه على نسبة المفرط لصاحبه إلى الغفلة عنه، وذلك أمر لا ~~يغفر، قال: { في جنب } وصرف القول إلى الاسم الأعظم لزيادة التهويل ~~بقوله: { الله } أي حق الملك الأعظم الذي هو غير مغفول عنه ولا متهاون ~~به. # ولما كان المضرور المعذب المقهور يبالغ في الاعتراف، رجاء القبول ~~والانصراف، قال مؤكدا مبالغة في الإعلام بالإقلاع عما كان يقتضيه حاله، ~~ويصرح به مقاله، من أنه على الحق واجد الجد: { وإن } أي والحال أني { كنت ~~} أي كان ذلك في طبعي { لمن الساخرين * } أي المستهزئين المتكبرين ~~المنزلين أنفسهم في غير منزلتها، وذلك أنه ما كفاني المعصية حتى كنت أسخر ~~من أهل الطاعة، أي تقول: هذا لعله يقيل منها ويعفي عنها على عادة ~~المترققين في وقت الشدائد، لعلهم يعادون إلى أجمل العوائد. # ولما كانت النفس إذا وقعت في ورطة لا تدع وجها محتملا حتى تتعلق ~~بأذياله، وتمت بحباله وتفتر بمحاله، قال حاكيا كذبها حيث لا يغني إلا ~~الصدق: { أو تقول } أي عند نزول ما لا قبل لها به { لو أن } وأظهر ولم ~~يضمر إظهارا للتعظيم وتلذذا بذكر الاسم الشريف فقال: { الله } أي الذي ~~له القدرة الكاملة والعلم الشامل { هداني } أي ببيان الطريق { لكنت } أي ~~ملازما ملازمة المطبوع على كوني { من المتقين * } أي الذي لا يقدمون على ~~فعل ما لم يدلهم عليه دليل. ### || [39.58-62] # ولما ذكر حالها في الاعتراف بالبطلان، ثم الفزع إلى الزور والبهتان، ~~أتبعه التمني الذي لا يفيد غير الخسران، فقال: { أو تقول } أي تلك النفس ~~المفرطة { حين ترى العذاب } أي الذي هاجمها للرحمة أو النقمة: { لو أن } ~~أي يا ليت { لي كرة } أي رجعة ms4143 إلى دار العمل لأتمكن منه { فأكون } أي ~~فيتسبب عن رجوعي إليها أن أكون { من المحسنين * } أي العاملين بالإحسان ~~الذي دعا إليه القرآن، هذا الإعراب - وهو عطفه على الجواب - أوفق لبقية ~~الآيات التي من سلكه. # ولما حذر سبحانه بما يكون للمأخوذ من سيىء الأحوال وفظيع الأهوال، وكان ~~معنى ما تقدم من كذبه وتمنيه أنه ما جاءني بيان ولا كان لي وقت أتمكن فيه ~~من العمل، قال تعالى مكذبا له: { بلى } أي قد كان لك الأمران كلاهما { ~~قد جاءتك } ولفت القول إلى التكلم مع تجريد الضمير عن مظهر العظمة لما ~~تقدم من موجبات استحضارها إعلاما بتناهي الغضب بعد لفته إلى تذكير النفس ~~المخاطبة المشير إلى أنها فعلت في العصيان فعل الأقوياء الشداد من ~~التكذيب والكبر مع القدرة في الظاهر على تأمل الآيات، واستيضاح الدلالات، ~~والمشي على طرق الهدايات بعد ما أشار تأنيثها إلى ضعفها عن حمل العذاب ~~وغلبة النقائص لها فقال: { آياتي } على عظمتها في البيان الذي ليس مثله ~~بيان في وقت كنت فيه متمكنا من العمل بالجنان واللسان والأركان { فكذبت ~~بها } جرأة على الله وقلة مبالاة بالعواقب { واستكبرت } أي عددت نفسك ~~كبيرا عن قبولها { وكنت } أي كونا كأنه جبلة لك لشدة توغلك فيه وحرصك ~~عليه { من الكافرين * } أي العريقين في ستر ما ظهر من أنوار الهداية ~~للتكذيب تكبرا لم يكن لك مانع من الإحسان إلا ذلك لا عدم البيان ولا عدم ~~الزمان القابل للعمل. # ولما كان قد تعمد الكذب عند مس العذاب في عدم البيان والوقت القابل، قال ~~تعالى محذرا من حاله وحال أمثاله، ولفت القول إلى من لا يفهمه حق فهمه ~~غيره تسلية له وزيادة في التخويف لغيره: { ويوم القيامة } أي الذي لا يصح ~~في الحكمة تركه { ترى } أي يا محسن { الذين كذبوا } وزاد في تقبيح حالهم ~~في اجترائهم بلفت القول إلى الاسم الأعظم فقال: { على الله } أي الحائز ~~لجميع صفات الكمال بأن وصفوه بما لا يليق به وهو منزه عنه من أنه فعل ما ~~لا يليق بالحكمة من التكليف ms4144 مع عدم البيان، ومن خلق الخلق يعدو بعضكم على ~~بعض من غير حساب يقع فيه الإنصاف بين الظالم والمظلوم، أو ادعوا له ~~شريكا أو نحو ذلك، قال ابن الجوزي: وقال الحسن: هم الذين يقولون: إن ~~شئنا فعلنا، وإن شئنا لم نفعل - انتهى، وكأنه عنى المعتزلة الذين اعتزلوا ~~مجلسه وابتدعوا قولهم: إنهم يخلقون أفعالهم، ويدخل فيه كل من تكلم في ~~الدين بجهل، وكل من كذب وهو يعلم أنه كاذب في أي شيء كان، فإنه من حيث ~~إن فعله فعل من يظن أن الله لا يعلم كذبه أو لا يقدر على جزائه كأنه كذب ~~على الله - تراهم بالعين حال كونهم { وجوههم مسودة } مبتدأ وخبر، وهو حال ~~الموصول أي ثابت سوادها زائد البشاعة والمعظم في الشناعة بجعل ذلك إمارة ~~عليهم ليعرفهم من يراهم بما كذبوا في الدنيا فإنهم لم يستحيوا من الكذب ~~المخزي، أليس ذلك زاجرا عن مطلق الكذب فكيف بالكذب على الله الذي جهنم ~~سجنه فكيف بالمتكبرين عليه { أليس في جهنم } أي التي تلقى فيها بالتجهم ~~والعبوسة { مثوى } أي منزل { للمتكبرين * } الذي تكبروا على اتباع أمر ~~الله. # ولما ذكر حال الذين أشقاهم، أتبعهم حال الذين أسعدهم، فقال عاطفا لجملة ~~على جملة لا على " ترى " المظروف ليوم القيامة، إشارة إلى أن هذا فعله ~~معهم في الدارين وإشارة إلى كثرة التنجية لكثرة الأهوال كثرة تفوت الحصر: ~~{ وينجي } أي مطلق إنجاء لبعض من اتقى بما أشارت إليه قراءة يعقوب ~~بالتخفيف، وتنجية عظمية لبعضهم بما أفادته قراءة الباقين بالتشديد، وأظهر ~~ولم يضمر زيادة على تعظيم حالهم وتسكين قلوبهم { الله } أي يفعل بما له ~~من صفات الكمال في نجاتهم فعل المبالغ في ذلك { الذين اتقوا } أي بالغوا ~~في وقاية أنفسهم من غضبه فكما وقاهم في الدنيا من المخالفات حماهم هناك ~~من العقوبات { بمفازتهم } أي بسبب أنهم عدوا أنفسهم في مفازة بعيدة مخوفة ~~فوقفوا فيها عن كل عمل إلا بدليل لئلا يمشوا بغير دليل فيهلكوا، فأدتهم ~~تقواهم إلى الفوز، وهو الظفر بالمراد وزمانه ومكانه الذي سميت المفازة به ms4145 ~~تفاؤلا، ولذلك فسر ابن عباس رضي الله عنهما المفازة بالأعمال الحسنة ~~لأنها سبب الفوز، وقرئ بالجمع باعتبار أنواع المصدر، وذلك كله بعناية ~~الله بهم في الدارين، فمفازة كل أحد في الأخرى على قدر مفازته بالطاعات ~~في الدنيا. # ولما كان كأنه قيل: ما فعل في تنجيتهم؟ قال ذاكرا نتيجة التنجية { لا ~~يمسهم السوء } أي هذا النوع فلا يخافون { ولا هم يحزنون * } أي ولا يطرق ~~بواطنهم حزن على فائت لأنهم لا يفوت لهم شيء أصلا. # ولما كان المخوف منه والمحزون عليه جامعين لكل ما في الكون فكان لا يقدر ~~على دفعهما إلا المبدع القيوم، قال مستأنفا أو معللا مظهرا الاسم ~~الأعظم تعظيما للمقام: { الله } أي المحيط بكل شيء قدرة وعلما الذي ~~نجاهم { خالق كل شيء } فلا يكون شيء أصلا إلا بخلقه، وهو لا يخلق ما ~~يتوقعون منه خوفا، ولا يقع لهم عليه حزن. ولما دل هذا على القدرة ~~الشاملة، كان ولا بد معها من العلم الكامل قال: { وهو } وعبر بأداة ~~الاستعلاء لأنه من أحسن مجزأتها { على كل شيء } أي مع القهر والغلبة { ~~وكيل * } أي حفيظ لجميع ما يريد منه، قيوم لا عجز يلم بساحته ولا غفلة. ### || [39.63-67] # ولما كان الخافقان خزائن الكائنات، وكان لا يتصرف في الخزائن إلا ذو ~~المفاتيح، قال دالا على وكالته: { له } أي وحده { مقاليد } واحدها مقلاد ~~مثل مفتاح، ومقليد مثل قنديل، وهي المفاتيح والأمور الجامعة القوية وهي ~~استعارة لشدة التمكن من { السماوات } أي جميع أعدادها { والأرض } أي ~~جنسها خزائنهما وأمورهما ومفاتيحهما الجامعة لكل ما فيهما، فلا يمكن أن ~~يكون فيهما شيء ولا أن يتصرف فيه شيء منهما ولا فيهما أحد إلا بإذنه فلا ~~بدع في تنجيته الذين اتقوا. # ولما كان التقدير: فالذين آمنوا بالله وتقبلوا آياته أولئك هم الفائزون، ~~عطف عليه قوله الذي اقتضاه سياق التهديد: { والذين كفروا } أي لبسوا ما ~~اتضح لهم من الدلالات، وجحدوا أن تكون الأمور كلها بيده { بآيات الله } ~~أي الذي لا ظاهر غيرها، فإنه ليس في الوجود إلا ذاته سبحانه وهي غيب لا ms4146 ~~يمكن المخلوق دركها، وأفعاله وهي أظهر الأشياء، وصفاته وهي غيب من جهة ~~شهادة من جهة أخرى { أولئك } البعداء البغضاء { هم } خاصة { الخاسرون * } ~~فإنهم خسروا نفوسهم وكل شيء يتصل بها على وجع النفع لأن كفرهم أقبح الكفر ~~من حيث إنه متعلق بأظهر الأشياء. # ولما قامت هذه الدلائل كما ترى قيام الأعلام، فانجابت دياجير الظلام، ~~وكان الجهلة قد دعوه صلى الله عليه وسلم كما قال المفسرون في أول سورة ص ~~- إلى أن يكف عن آلهتهم، وكان الإقرار عليها عبادة لها، تسبب عن ذلك أمره ~~صلى الله عليه وسلم بما يصدعهم به بقوله: { قل } ولما كان مقام الغيرة ~~يقتضي محو الأغيار، وكان الغير إذا انمحى تبعه جميع أعراضه، قدم الغير ~~المفعول لأعبد المفعول - على تقدير " أن " - لتأمر فقال: { أفغير الله } ~~أي الملك الأعظم الذي لا يقر على فساد أصلا. # ولما كان تقديم الإنكار على فعلهم لهم أرجع، وتأخير ما سبق من الكلام ~~لإنكاره أروع، وكان مد الصوت أوكد في معنى الكلام وأفزع وأهول وأفظع، قال ~~صارفا الكلام إلى خطابهم، لأنه أقعد في إرهابهم وأشد في اكتئابهم { ~~تأمروني } بالإدغام المقتضي للمد في قراءة أكثر القراء. ولعل الإدغام ~~إشارة إلى أنهم حالوه صلى الله عليه وسلم في أمر آلهتهم على سبيل المكر ~~والخداع. ولما قرر الإنكار لإثبات إلإغيار، أتم تقرير ذكر العامل في { ~~غير } قال حاذفا " أن " المصدرية لتصير صلتها في حيز الإنكار: { أعبد } ~~وهو مرفوع لأن " أن " لما حذفت بطل عملها، ولم يراع أيضا حكمها ليقال: ~~إنه يمتنع نصب " غير " بها لأن معمول الصلة لا يتقدم على الموصول. # ولما كانت عبادة غير الله أجهل الجهل، وكان الجهل محط كل سفول، قال: { ~~أيها الجاهلون * } أي العريقون في الجهل، وهو التقدم في الأمور المنبهمة ~~بغير علم - قاله الحرالي في سورة البقرة. # ولما كان التقديم يدل على الاختصاص، وكانوا لم يدعوه للتخصيص، بل للكف ~~المقتضي للشرك، بين أنه تخصيص من حيث إن الإله غني عن كل شيء فهو لا يقبل ~~عملا فيه شرك، ومتى حصل أدنى شرك ms4147 كان في ذلك العمل كله للذي أشرك، فكان ~~التقدير بيانا لسبب أمره بأن يقول لهم ما تقدم منكرا عليهم: قل كذا، ~~فلقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك وجوب التوحيد، فعطف عليه قوله مؤكدا ~~لأجل ما استقر في النفوس من أن من عمل لأحد شيئا قبل سواء كان على وجه ~~الشركة أولا: { ولقد } ولما كان الموحي معلوما له صلى الله عليه وسلم، ~~بني للمفعول قوله: { أوحي إليك } ولما كان التعميم أدعى إلى التقبل قال: ~~{ وإلى الذين } ولما كان الإرسال إنما هو في بعض الزمان لبعض الناس قال: ~~{ من قبلك } ولما كان الحكم على قوم ربما كان حكما على المجموع مع قيد ~~الجمع خص بيانا لأنه مع كونه حكما على المجموع حكم على كل فرد، ولأن ~~خطاب الرئيس خطاب لأتباعه لأنه مقتداهم. # ولما كان الموحى إليهم أنه من أشرك حبط عمله سواء كان هو أو غيره، صح ~~قوله بالإفراد موضع نحو أن الإشراك محبط للعمل وقائم مقام الفاعل، وعدل ~~عنه إلى ما ذكر لأنه أعظم في النهي وأقعد في الزجر لمن يتأهل له من ~~الأمة، وأكد لأن المشركين ينكرون معناه غاية الإنكار: { لئن } أي أوحى ~~إلى كل منكم هذا اللفظ وهو وعزتي لئن { أشركت } أي شيئا من الأشياء في ~~شيء من عملك بالله وهو من فرض المحال، ذكره هكذا ليكون أروع للأتباع، ~~والفعل بعد إن الشرطية للاستقبال، فعدل هنا عن التعبير بالمضارع للمطابقة ~~بين اللفظ والمعنى لأن الآية سبقت للتعريض بالكفار فكان التعبير بالماضي ~~أنسب ليدل بلفظه على أن من وقع منه شرك فقد خسر، وبمعناه على أن الذي ~~يقنع منه ذلك فهو كذلك. # ولما تقرر الترهيب أجاب الشرط والقسم بقوله: { ليحبطن } أي ليفسدن ~~فيبطلن عملك فلا يبقى له أثرا ما من جهة القادر فلأنه أشرك به فيه وهو ~~غني لا يقبل إلا الخالص، لأنه لا حاجة إلى شيء، وأما من جهة غيره فلأنه ~~لا يقدر على شيء. ولما كان السياق للتهديد، وكانت العبادة شاملة لمت تقدم ~~على الشرك من الأعمال ms4148 وما تأخر عنه، لم يقيده بالاتصال بالموت اكتفاء ~~بتقييده في آية البقرة وقال: { ولتكونن } أي لأجل حبوطه { من الخاسرين * ~~} فإنه من ذهب جميع عمله لا شك في خسارته، والخطاب للرؤساء على هذا النحو ~~- وإن كان المراد به في الحقيقة أتباعهم - أزجر للأتباع، وأهز للقلوب ~~منهم والأسماع. # ولما كان التقدير قطعا: فلا تشرك، بنى عليه قوله: { بل الله } أي ~~المتصف بجميع صفات الكمال وحده بسبب هذا النهي العظيم والتهديد الفظيع ~~مهما وقعت منك عبادة ما { فاعبد } أي مخلصا له العبادة، فحذف الشرط، عوض ~~عنه بتقديم المفعول. ولما كانت عبادته لا يمكن أن تقع إلا شكرا لما له ~~من عموم النعم سابقا ولاحقا، وشكر المنعم واجب، نبه على ذلك قوله: { ~~وكن من الشاكرين * } أي العريقين في هذا الوصف لأنه جعلك خير الخلائق. # ولما كان التقدير: فما أحسن هؤلاء ولا أجملوا حين دعوك للإشراك بالله، ~~وما عبدوه حق عبادته إذ أشركوا به، عطف عليه قوله: { وما قدروا } وأظهر ~~الاسم الأعظم في أحسن مواطنه فقال: { الله } أي الملك الأعظم { حق قدره } ~~أي ما عظموه كما يجب له فإنه لو استغرق الزمان في عبادته وخالص طاعته ~~بحيث لم يخل شيء منه عنها لما كان ذلك حق قدره فكيف إذا خلا بعضه عنها ~~فكيف إذا عدل به غيره. # ولما ذكر تعظيم كل شيء ينسب إليه، دل على باهر قدرته الذي هو لازم القبض ~~والطي بما يكون من الحال في طي هذا الكون، فقال كناية عن العظمة بذلك: { ~~والأرض } أي والحال أنها، وقدمها لمباشرتهم لها ومعرفتهم بحقيقتها. ولما ~~كان ما يدركون منها من السعة والكبر كافيا في العظمة وأن لم يدركوا أنه ~~سبع، أكد بما يصلح لجميع طبقاتها تنبيها للبصراء على أنها سبع من غير ~~تصريح به فقال: { جميعا } ولما كان أحقر ما عند الإنسان وأخفه عليه ما ~~يحويه في قبضته، مثل بذلك في قوله مخبرا عن المبتدأ مفردا بفتح القاف ~~لأنه أقعد في تحقير الأشياء العظيمة بالنسبة إلى جليل عظمته: { قبضته }. # ولما كان في الدنيا من ms4149 يدعي الملك والقهر والعظمة والقدرة، وكان الأمر ~~في الآخرة بخلاف هذا لانقطاع الأسباب قال: { يوم القيامة } ولا قبضة هناك ~~حقيقية ولا مجازا، وكذا الطي واليمين، وإنما تمثيل وتخييل لتمام القدرة. ~~ولما كانوا يعلمون أن السماوات سبع متطابقة بما يشاهدون من سير النجوم، ~~جمع ليكون مع { جميعا } كالتصريح في جميع الأرض أيضا في قوله: { ~~والسماوات مطويات } ولما كان العالم العلوي أشرف، شرفه عند التمثيل ~~باليمين فقال: { بيمينه } ولما كان هذا إنما هو تمثيل بما نعهد والمراد ~~به الغاية في القدرة، نزه نفسه المقدس عما ربما تشبث به المجسم والمشبه ~~فقال: { سبحانه } أي تنزه من هذه القدرة قدرته عن كل شائبة نقص وما يؤدي ~~إلى النقص من الشرك والتجسيم وما شاكله { وتعالى } علوا لا يحاط به { ~~عما يشركون * } أي إن علوه عن ذلك علو من يبالغ فيه، فهو في غاية من ~~العلو لا يكون وراءها غاية لأنه لو كان له شريك لنازعه هذه القدرة أو ~~بعضها فمنعه شيئا منها، وهذه معبوداتهم لا قدرة لها على شيء، روى ~~البخاري في صحيحه في التوحيد وغيره من عبد الله رضي عنه قال: # " جاء حبر من اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إذا كان يوم ~~القيامة جعل الله السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع, والماء والثرى ~~على إصبع, والخلائق على إصبع, ثم يميزهن ثم يقول: أنا الملك، فلقد رأيت ~~النبي صلى الله عليه وسلم يضحك حتى بدت نواجذه - تعجيبا وتصديقا لقوله ~~- ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم { وما قدروا الله حق قدره } - إلى: - ~~{ يشركون } [الأنعام:91] " # وروى الشيخان عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " يطوي الله السماوات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم يقول: أنا ~~الملك اين الجبارون أين المتكبرون ثم يطوي الأرضين ثم يأخذهن بشماله ثم ~~يقول: أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون " # ، وللبخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " يقبض الله الأرض يوم القيامة، ويطوي السماء ms4150 بيمينه، ثم يقول: أنا ~~الملك أين ملوك الأرض ". ### || [39.68] # ولما دل على عظيم قدره بعض ما يكون يوم القيامة، أتبعه ما لا يحتمله ~~القوي من أحوال ذلك اليوم دليلا آخر، فقال دالا على عظيم قدرته وعزه ~~وعظمته بالبناء للمفعول: { ونفخ في الصور } أي القرن العاطف للأشياء ~~المقبل بها نحو صوته المميل لها عن أحوالها العالي عليها في ذلك اليوم ~~بعد بعث الخلائق وهي النفخة الأولى بعد البعث التي هي بعد نفختي الموت ~~والبعث المذكورتين في سورة يس، والمراد بها - والله أعلم - إلقاء الرعب ~~والمخافة والهول في القلوب إظهارا للعظمة وترديا بالكبرياء والعز في ~~عزة يوم المحشر ليكون أول ما يفجأهم يوم الدين ما لا يحتمله القوي، ولا ~~تطيقه الأحلام والنهى، كما كان آخر ما فجأهم في يوم الدنيا وإن افترقا في ~~التأثير، فإن تلك أثرت الموت، وهذه أثرت الغشي لأنه لا موت بعد البعث، ~~وهي الثالثة من النفخات { فصعق } أي مغشيا عليه { من في السماوات } ولما ~~كان المقام التهويل، وكان التصريح أهول، أعاد الفاعل بلفظه فقال: { ومن ~~في الأرض }. # ولما كان منهم من لا يصعق ليعرف دائما أنه في كل فعل من أفعاله مختار ~~قادر جبار، استثناه فقال: { إلا من شاء الله } أي الذي له مجامع العظمة ~~ومعاقد العز، فيجعل الشيء الواحد هلاكا لقوم دون قوم، وصعقا لقوم دون ~~قوم، يجعل ذلك الذي كان به الهلاك به الحياة وذلك الذي كان به الغشي به ~~الإفاقة وإن كان بالنسبة إليهم على حد سواء، إعلاما بأن الفاعل لما يريد ~~لا الأثر، قيل: المستثنون الشهداء وقيل: غيرهم { ثم نفخ فيه أخرى } أي ~~نفخة ثانية من هذه، وهي رابعة من النفخة المميتة، ودل على سرعة تأثيرها ~~بالفجاءة في قوله: { فإذا هم قيام } أي قائمون كلهم { ينظرون * } أي ~~يقبلون أبصارهم أو ينتظرون ما يأتي بعد ذلك من أمثاله من دلائل العظمة، ~~وهاتان النفختان هما المرادتان في حديث تخاصم اليهود مع المسلم الذي لطم ~~وجهه، وفي آخره: # " يصعق الناس يوم القيامة فأكون أول من يفيق فإذا ms4151 موسى باطش بجانب العرش ~~فلا أدري أفاق قبلي أو جوزي بصعقة الطور " # - وقد رواه البخاري في الخصومات في موضعين، وفي أحاديث الأنبياء في ~~موضعين، وفي الرقاق وفي التوحيد ومسلم في الفضائل، وأبو داود في السنة، ~~والنسائي في التفسير والنعوت، وبتفصيل رواياته وجمع ألفاظها يعلم أن ما ~~ذكرته هو المراد, روى البخاري ومسلم في أحاديث الأنبياء عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه قال: # " بينما يهودي يعرض سلعة له - وقال البخاري: سلعته - أعطى بها شيئا ~~كرهه أو لم يرضه، قال: لا والذي اصطفى موسى على البشر! فسمعه رجل من ~~الأنصار فلطم - وقال البخاري: فقام فلطم وجهه، قال: تقول: والذي اصطفى ~~موسى على البشر ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا، فذهب اليهودي ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا أبا القاسم إن لي ذمة وعهدا، ~~وقال: فلان لطم وجهي، - وقال البخاري: فما بال فلان لطم وجهي؟ - فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: لم لطمت وجهه؟ قال: قال يا رسول الله " ~~والذي اصطفى موسى على البشر " وأنت بين أظهرنا، فغضب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حتى عرف الغضب في وجهه، ثم قال: لا تفضلوا بين أنبياء الله ~~فإنه ينفخ في الصور فيصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله، ~~ثم ينفخ فيه أخرى فأكون أول من بعث " # - وفي رواية مسلم: # " أو في أول من بعث - فإذا موسى آخذ بالعرش فلا أدري أحوسب بصعقة يوم ~~الطور أو بعث قبلي ولا أقول: إن أحدا أفضل من يونس بن متى, " # وفي رواية للبخاري في تفسير الزمر: # " إني من أول من يرفع رأسه بعد النفخة الآخرة فإذا أنا بموسى متعلق ~~بالعرش فلا أدري أكذلك كان أم بعد النفخة, " # وفي رواية للبخاري في الخصومات والرقاق وأحاديث الأنبياء وهي لمسلم ~~أيضا قالا: استب رجلان: رجل من المسلمين ورجل من اليهود - وفي رواية ~~لمسلم: رجل من اليهود ورجل من المسلمين - فقال المسلم: والذي اصفطى ~~محمدا صلى الله عليه وسلم على العالمين، قال ms4152 البخاري في كتاب التوحيد ~~وأحاديث الأنبياء: في قسم يقسم به، فقال اليهودي: والذي اصطفى موسى على ~~العالمين، قال البخاري: فغضب المسلم عند ذلك فلطم وجه اليهودي، وقال مسلم ~~وكذلك البخاري في التوحيد والخصومات وأحاديث الأنبياء: فرفع المسلم يده ~~عند ذلك فلطم وجه اليهودي، فذهب اليهودي إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فأخبره بما كان من أمره وأمر المسلم، قال البخاري في الخصومات: فدعا ~~النبي صلى الله عليه وسلم المسلم فسأله عن ذلك فأخبره - ثم اتفقا: فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا تخيروني على موسى فإن الناس يصعقون " # قال البخاري في الرقاق والخصومات وأحاديث الأنبياء ونسخة في التوحيد: # " يوم القيامة فأكون في أول من يفيق " # ، وفي رواية له في الخصومات؛ # " فأصعق معهم " # ، وفي رواية له في الرقاق وفي رواية في التوحيد وهي رواية لمسلم وأبي ~~داود: # " فأكون أول من يفيق, فإذا موسى باطش بجانب العرش " # ، وقال أبو داود: # " في جانب العرش، فلا أدري أكان ممن صعق فأفاق قبلي أم كان ممن استثنى ~~الله " # ، وفي رواية: # " فلا أدري أكان ممن صعق فأفاق قبلي أو اكتفى بصعقة الطور " # ، وفي رواية للبخاري في أحاديث الأنبياء: # " فلا أدري أكان فيمن صعق فأفاق أو كان ممن استثنى الله " # - ولم يذكر قبلي وروى الحديث الترمذي في تفسير سورة الزمر وابن ماجه في ~~الزهد: قال: قال اليهودي، وقال ابن ماجه: رجل من اليهود بسوق المدينة: ~~والذي اصطفى وموسى على البشر فرفع رجل من الأنصار يدا فصك بها وجهه - ~~وقال ابن ماجه: فلطمه - قال: تقول هذا وفينا نبي الله صلى الله عليه ~~وسلم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ونفخ في الصور " # - وقال ابن ماجه: تقول هذا وفينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر ~~ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: # " قال الله تعالى: ونفخ في الصور - فصعق من في السماوات ومن في الأرض ~~إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون، فأكون أول من رفع ~~رأسه فإذا موسى ms4153 آخذ " # - وقال ابن ماجه: # " فإذا أنا بموسى آخذ - بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أرفع رأسه قبلي ~~أم كان ممن استثنى الله، ومن قال: أنا خير من يونس بن متى فقد كذب " # ، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وفي رواية للبخاري في الرقاق: # " يصعق الناس حين يصعقون، فأكون أول من قام، فإذا موسى آخذ بالعرش، فما ~~أدري أكان فيمن صعق " # ، قال: ورواه أبو سعيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه، وللبخاري ~~في الخصومات عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: # " بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس جاء يهودي فقال: يا أبا ~~القاسم! ضرب وجهي رجل من أصحابك، قال: من؟ قال: رجل من الأنصار، قال: ~~ادعوه، قال: ضربته؟ قال: سمعته بالسوق يحلف " والذي اصطفى موسى على البشر ~~" قلت: أي خبيث على محمد، فأخذتني غضبة ضربت وجهه، فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: لا تخيروا بين الأنبياء، فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون ~~أول من تنشق عنه الأرض " # - وفي رواية في أحاديث الأنبياء: # " فأكون أول من يفيق - فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا ~~أدري أكان فيمن صعق أم حوسب بصعقته الأولى " # ، وفي رواية في أحاديث الأنبياء: # " فلا أدري أفاق قبلي أو حوسب بصعقة الطور " # والله أعلم - هذا ما رأيته من ألفاظ الحديث في الكتب الستة، وأما معنى ~~صعق فإنه صاح ومات فجأة أو غشي عليه، قال في القاموس: الصاعقة الموت وكل ~~عذاب مهلك وصيحة العذاب، وصعق كسمع صعقا ويحرك وصعقة وتصعاقا: غشي ~~عليه. والصعق محركة: شدة الصوت، وككتف: الشديد الصوت، وقال عبد الحق في ~~الواعي: الأزهري: الصاعقة - يعني بالفتح - وأصعقتهم - إذا أصابتهم فصعقوا ~~وصعقوا، ومنه حديث الحسن: ينتظر بالمصعوق ثلاثا ما لم يخافوا عليه نتنا ~~- يعني الذي مات فجأة، قال: والصاعقة مصدر جاء على فاعلة، تقول: سمعت ~~صاعقة الرعد وثاغية الشاء، وقوله: # وخر موسى صعقا # [الأعراف: 143] أي مغشيا عليه، دل على ذلك قوله سبحانه { فلما أفاق } ~~إنما يقال: أفاق من العلة والغشية وبعث من ms4154 الموت، قال: وجملة الصاعقة ~~الصوت مع النار، وقال أبو عبد الله يعني القزاز: الصعق هو أن يسمع ~~الإنسان صوت الهدة الشديدة فيصعق لذلك عقله، واشتقاق الصاعقة من هذا، ~~سميت صاعقة لشدة صوتها وتقول: إنه لصعق، أي شديد الصوت، وكذا هو صعاق - ~~انتهى. # فتحرر من هذا أن الصعق يطلق على الموت فجأة، وعلى الغشي كذلك، وأن ~~الإفاقة لا تكون إلا عن غشي لا عن موت، فعلم أن الصعقة في هذه الآية إنما ~~هي غشي لأن الثانية عنها إفاقة، وأيضا فمن الأمر المحقق أنه لا يموت أحد ~~من أهل البرزخ فكيف بالأنبياء عليهم السلام، فالصواب حمل الصعقة المذكورة ~~في الحديث على الغشي أو ما يشبهه، ويؤيده التجويز لأن تكون صعقة الطور ~~جزاء عنها، وعلى تقدير أن تكون غشيا إن قلنا إنه يكون بنفخة الإماتة ~~يلزم عليه أن لا يكون للغشي ولا لعدمه مدخل في الشك في أن موسى عليه ~~السلام أفاق قبل أو لم يحصل له غشي أصلا، لأن الذي يكون به بطشه بالعرش ~~- وهو بروحه وجسه - إنما هو البعث من الموت لا الإفاقة من الغشي ولا عدم ~~الغشي قبل البعث، فالذي يوضح الأمر ولا يدع فيه لبسا أن يكون ذلك بعد ~~البعث، وتكون حينئذ النفخات أربعا: الأولى لإماتة الأحياء، الثانية ~~لإحياء جميع الموتى، وهاتان هما المذكورتان في سورة يس، ولذلك لما ذكرهما ~~صرح في أمرهما بما لا يحتمل غيره { ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم ~~يخصمون فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون ونفخ في الصور فإذا هم ~~من الأجداث إلى ربهم ينسلون } الثالثة لابتدائهم بعد البعث بالهول ~~الشديد، والحال يقتضيه لأن ذلك اليوم يوم الأهوال والارعاب والارهاب، ~~وإظهار العظمة والجلال لتقطيع الأسباب، والذي يدل عليه في هذا الحديث ~~قوله صلى الله عليه وسلم في كثير من رواياته: # " فإن الناس يصعقون يوم القيامة " # فإن يوم القيامة اسم للوقت الذي أوله البعث وآخره تكامل دخول كل فريق ~~إلى داره ومحل استقراره، وأما صعقة الموت فإنها في دار الدنيا وهي ~~للإنامة لا ms4155 للإقامة، ويضعف حمله على ما قبل البعث الروايات الصحيحة ~~الجازمة بأن النبي صلى الله عليه وسلم أول من تنشق عنه الأرض، وما حكاه ~~الكرماني من الإجماع على ذلك ولا فخر فيه إلا بحصول البعث لا بإظهار ~~الجسد من غير بعث، فهذا الجزم ينافي ذلك الشك، فإذا كان المراد بما في ~~الحديث الغشي كانت نفخة أخرى للإيقاظ منه، وهاتان المرادتان بما في هذه ~~السورة كما في رواية السورة كما في رواية الترمذي وما في النمل، ولذلك ~~عبر عنها بالفزع، ويؤيد ذلك التعبير في رواية البخاري في التفسير بالنفخة ~~الآخرة، والنبي صلى الله عليه وسلم قد أوتي جوامع الكلم، واختصر له ~~الكلام اختصارا، ولو أنهما نفختان فقط كان التعبير بالآخرة قاصرا عما ~~تفيده الثانية مع المساواة في عدة الحروف، وهو مما لا يظن ببليغ، فكيف ~~بأبلغ الخلق المؤيد بروح القدس صلى الله عليه وسلم فكان العدول عن ~~الثانية إلى الآخرة مفيدا أنها أربع، ولعل ذلك معنى # أمتنا اثنتين وأحيينا اثنتين # [غافر: 11] وسميت إماتة لشدة الغشي بها لعظم أمرها ومعنى زلزلة الساعة ~~التي تسكر، ويؤيده التعبير عن القيام منها بالإفاقة لا بالبعث، ولا يعكر ~~على هذا شيء إلا رواية البخاري في الخصومات: # " فأكون أول من تنشق عنه الأرض فإذا أنا بموسى " # - إلى آخره، فالظاهر أن راويها وهم، أو روي بالمعنى فما وفى بالغرض، ~~والراجح روايات من قالوا: # " فأكون أول من يفيق " # - بالكثرة وبزوال الإشكال، هذا ما كان ظهر لي في النظر في المعنى وتطبيق ~~الآيات والأحاديث عليه، ثم رأيت شيخنا حافظ عصره أحمد بن علي بن حجر ~~الكناني العسقلاني المصري رحمه الله نقل ما جمعت به بين الروايات في كتاب ~~الأنبياء من شرحه للبخاري عن القاضي عياض فقال: وقال عياض: يحتمل أن يكون ~~المراد صعقة فزع بعد البعث حين تنشق السماء والأرض. وأقره على ذلك ثم نقل ~~عن ابن حزم عين ما قلته في النفخات فقال ما نصه: تكميل: زعم ابن حزم أن ~~النفخات يوم القيامة أربع: الأولى نفخة إماتة يموت فيها من ms4156 بقي في الأرض، ~~حيا، ثانيها نفخة إحياء فيقوم كل ميت، والثالثة نفخة فزع وصعق يفيقون ~~منها كالمغشي عليهم، لا يموت منها أحد، والرابعة إفاقة من ذلك الغشي، ثم ~~رده شيخنا بأن الصعقات أربع، ولا يستلزم كون النفخات أكثر من اثنتين، ~~وذلك أنه ينفخ في الصور النفخة الأولى فيموت من كان حيا ويغشى على من ~~كان ميتا، فهاتان صعقتان في النفخة الأولى، وينفخ النفخة الثانية فيفيق ~~من كان مغشيا عليه ويحيى من كان ميتا، فهاتان اثنتان في النفخة ~~الثانية، وهذا الرد مردود لمن حقق ما قلته بأدنى تأمل، ويلزم عليه أن ~~يكون أصفياء الله أشد حالا وفزعا ممن تقوم عليهم الساعة وهم شر عباد ~~الله، والعجب أن الذي رده على ابن حزم سلمه لعياض - والله الموفق. ### || [39.69-72] # ولما ذكر إقامتهم بالحياة التي هي نور البدن، أتبعه إقامتهم بنور جميع ~~الكون ظاهرا بالضياء الحسي، وباطنا بالحكم على طريق العدل الذي هو نور ~~الوجود الظاهري والباطني على الحقيقة كما أن ظلم ظلامة كذلك فقال: { ~~وأشرقت } أي أضاءت إضاءة عظيمة مالت بها إلى الحمرة { الأرض } أي التي ~~أوجدت لحشرهم، وعدل الكلام عن الاسم الأعظم إلى صفة الإحسان لغلبة الرحمة ~~لا سيما في ذلك اليوم فإنه لا يدخل أحد الجنة إلا بها فقال: { بنور ربها ~~} أي الذي رباها بالإحسان إليها بجعلها محلا للعدل والفضل، لا يكون ~~فيها شيء غير ذلك أصلا، وذلك النور الذي هو شيء واحد يبصر به قوم دون ~~آخرين كما كانت النفخة تارة للهلاك وتارة للحياة. # ولما كان العلم هو النور في الحقيقة، وكان الكتاب أساس العلم وكان لذلك ~~اليوم من العظمة ما يفوت الوصف ولذلك كذب به الكفار أتى فيما يكون فيه ~~بإذنه بصيغة المجهول على طريقة كلام القادرين إشارة إلى هوانه وأنه طوع ~~أمره لا كلفة عليه في شيء من ذلك وكذا ما بعده من الأفعال زيادة في تصوير ~~عظمة اليوم بعظمة الأمر فيه فقال: { ووضع الكتاب } أي الذي أنزل إلى كل ~~أمة لتعمل به. # ولما كان الأنبياء أعم من ms4157 المرسلين، وكان للنبي وهو المبعوث ليعمل من ~~أمره أن يأمر بالمعروف، وقد يتبعه من أراد الله به الخير، وكان عدتهم ~~مائة ألف وأربعة وعشرين ألفا، وهي قليلة جدا بالنسبة إلى جميع الناس، ~~عبر بهم دون المرسلين وبجمع القلة فقال: { وجاء بالنبيين } للشهادة على ~~أممهم بالبلاغ. ولما كان أقل ما يكون الشهود ضعف المكلفين، عبر بجمع ~~الكثرة فقال: { والشهداء } أي الذين وكلوا بالمكلفين فشاهدوا أعمالهم ~~فشهدوا بها وضبطوها فأصلت الأصول وصورت الدعاوى وأقيمت البينات على حسبها ~~من طاعة أو معصية، ووقع الجزاء على حسب ذلك، فظهر العدل رحمة للكفار، ~~وبان الفضل رحمة للمسلمين { وقضى بينهم } أي بين العباد الذين فعل ذلك ~~كله لأجلهم، ولما كان السياق ظاهرا في عموم الفضل عدلا وفضلا كما يأتي ~~التنبيه عليه قال: { بالحق } بأن يطابق الواقع من المثوبات والعقوبات ما ~~وقع الخبر به في الكتب على ألسنة الرسل. # ولما كان المراد كمال الحق باعتبار عمومه لجميع الأشخاص والأعمال وكان ~~ربما طرقه احتمال تخصيص ما، أزال ذلك بقوله: { وهم } أي باطنا وظاهرا { ~~لا يظلمون * } أي لا يتجدد لهم ظلم في وقت أصلا، فلا يزادون في جزاء ~~السيئة على المثل شيئا ولا ينقصون في جزاء الحسنة عن العشر شيئا. # ولما كان ذلك ربما كان بالنسبة إلى ما وقع فيه الحكم، وليس نصا في شمول ~~الحكم لكل عمل، نص عليه بقوله، ذاكرا الوفاء والعمل لاقتضاء السياق ذلك ~~بذكر الكتاب وما في حيزه من النبيين والشهداء والقضاء الحق، وذلك كله ~~أليق بذكر العمل المؤسس على العلم، والوفاء الذي هو الركن الأعظم في الحق ~~ومساق العلم، والعلم والوفاء أوفق لجعل العمل نفسه هو الجزاء بأن يصور ~~بما يستحقه من الصور المليحة إن كان ثوابا والقبيحة إن كان عقابا، ~~والفرق بينه وبين العقل المؤسس على الشهوة وقوة الداعية: { ووفيت كل نفس ~~} ولما كانت التوفية في الجزاء على غاية التحرير والمبالغة في الوفاء ~~والمشاكلة في الصورة والمعنى، جعل الموفي نفس العمل فقال: { ما عملت } أي ~~من الحسنات، لذلك عبر بالعمل الذي لا يكون ms4158 إلا مع العلم وأفهم الختام ~~تقدير " والله أعلم بما يعملون ". # ولما كان المراد بالشهداء إقامة الحقوق على ما يتعارفه العباد وكان ذلك ~~ربما أوهم نقصا في العلم قال: { وهو أعلم } أي من العاملين والشهداء ~~عليهم { بما يفعلون * } أي مما عمل به بداعية من النفس سواء كان مع ~~مراعاة العلم أو لا. فالآية من الاحتباك: ذكر ما عملت أولا يدل على ما ~~فعلت ثانيا، وذكر ما يفعلون ثانيا يدل عليه ما يفعلون أولا، وسره أن ~~ما ذكر أوفق للمراد من نفي الظلم على حكم الوعد بالعدل والفضل لأن فيه ~~الجزاء على كل ما بني على علم، وأما المشتهي فما ذكر أنه يجازى عليه بل ~~الله يعلمه. # ولما كان الأغلب على هذه المقامات التحذير، قدم في هذه التوفية حال أهل ~~الغضب فقال: { وسبق } أي بأمر يسير من قبلنا بعد إقامة الحساب سوقا ~~عنيفا { الذين كفروا } أي غطوا أنوار عقولهم، فالتبست عليهم الأمور ~~فضلوا { إلى جهنم } أي الدركة التي تلقاهم بالعبوسة كما تلقوا الأوامر ~~والنواهي والقائمين بها بمثل ذلك، فإن ذلك لازم لتغطية العقل { زمرا } ~~أي جماعات في تفرقة بعضهم على إثر بعض - قاله أبو عبيد - أصنافا مصنفين، ~~كل شخص مع من يلائمه في الطريقة والزمرة، مأخوذة من الزمر وهو صوت فيه ~~التباس كالزمر المعروف لأن ذلك الصوت من لازم الجمع. # ولما كان إغلاق الباب المقصود عن قاصده دالا على صغاره، دل على أن ~~أمرهم كذلك بقوله ذاكرا غاية السوق: { حتى إذ جاءوها } أي على صفة الذل ~~والصغار، وأجاب " إذا " بقوله: { فتحت أبوابها } أي بولغ كما يفعل في ~~أبواب السجن لأهل الجرائم بعد تكاملهم عندها في الإسراع في فتحها ليخرج ~~إليهم ما كان محبوسا بإغلاقها من الحرارة التي يلقاهم ذكاؤها وشرارها ~~على حالة هي أمر من لقاء البهام التي اختاروها في الدنيا على تقبل ما ~~خالف أهويتهم من حسن الكلام. # ولما كان المصاب ربما رجا الرحمة، فإذا وجد من يبكته كان تبكيته أشد ~~عليه مما هو فيه قال: { وقال لهم خزنتها } إنكارا عليهم ms4159 وتقريعا ~~وتوبيخا: { ألم يأتكم رسل } ولما كان قيام الحجة بالمجانس أقوى قال ~~واصفا لرسل: { منكم } أي لتسهل عليكم مراجعتهم. # ولما كانت المتابعة بالتذكير أوقع في النفس قال آتيا بصفة أخرى معبرا ~~بالتلاوة التي هي أنسب لما يدور عليه مقصد السورة من العبادة لما للنفوس ~~من النقائص الفقيرة إلى متابعة التذكير: { يتلون } أي يوالون { عليكم ~~آيات } ولما كان أمر المحسن أخف على النفس فيكون أدعى إلى القبول قالوا: ~~{ ربكم } أي بالبشارة إن تابعتم. ولما كان الإنذار أبلغ في الزجر قالوا: ~~{ وينذرونكم لقاء يومكم } ولما كانت الإشارة أعلى في التشخيص قالوا: { ~~هذا } إشارة إلى يوم البعث كله، أي من الملك الجبار إن نازعتم، فالآية من ~~الاحتباك: ذكر الرب أولا دلالة على حذف الجبروت ثانيا والإنذار ثانيا ~~دليلا على البشارة أولا { قالوا بلى } أي قد أتونا وتلوا علينا ~~وحذرونا. # ولما كان عدم إقبالهم على الخلاص مما وقعوا فيه مع كونه يسيرا من أعجب ~~العجب، بينوا موجبه بقولهم: { ولكن حقت } أي وجبت وجوبا يطابقه الواقع، ~~لا يقدر معه على الانفكاك عنه { كلمة العذاب } أي التي سبقت في الأزل ~~علينا - هكذا كان الأصل، ولكنهم قالوا: { على الكافرين * } تخصيصا بأهل ~~هذا الوصف وبيانا لأنه موجب دخولهم وهو تغطيتهم للأنوار التي أتتهم بها ~~الرسل. # ولما فرغوا من إهانتهم بتبكيتهم، أنكوهم بالأمر بالدخول، وعبر بالمبني ~~للمفعول إشارة ألى أنهم وصلوا إلى أقصى ما يكون من الذل بحيث إنهم ~~يمتثلون قول كل قائل جل أو قل، فقيل في جواب من كأنه قال: ماذا وقع بعد ~~هذا التقريع؟: { قيل } أي لهم جوابا لكلامهم: { ادخلوا أبواب جهنم } أي ~~طبقاتها المتجهمة لداخليها. ولما كان الإخبار بالخلود حين الدخول أوجع ~~لهم قالوا: { خالدين } أي مقدرين الخلود { فيها } ولما كان سبب كفرهم ~~بالأدلة هو التكبر، سبب عن الأمر بالدخول قوله معرى عن التأكيد لأنه يقال ~~في الآخرة ولا تكذيب فيها يقتضي التأكيد ولم يتقدم منهم هنا كذب كالنحل ~~بل اعتراف وتندم { فبئس مثوى } أي منزل ومقام { المتكبرين * } أي الذين ~~أوجب تكبرهم حقوق كلمة العذاب ms4160 عليهم، فلذلك تعاطوا أسبابها. ### || [39.73-75] # ولما ذكر أحوال الكافرين، أتبعه أحوال أضدادهم فقال: { وسيق } وسوقهم ~~إلى المكان الطيب يدل على أن موقفهم كان طيبا لأن من كان في أدنى نكد ~~فهيئ له مكان هنيء لا يحتاج في الذهاب إليه إلى سوق، فشتان ما بين ~~السوقين! هذا سوق إكرام، وذاك سوق إهانة وانتقام، وهذا لعمري من بدائع ~~أنواع البديع، وهو أن يأتي سبحانه بكلمة في حق الكفار فتدل على هوانهم ~~بعقابهم، ويأتي بتلك الكلمة بعينها وعلى هيئتها في حق الأبرار فتدل على ~~إكرامهم بحسن ثوابهم، فسبحان من أنزله معجز المباني، متمكن المعاني، عذب ~~الموارد والمثاني. # ولما كان هذا ليس لجميع السعداء بل للخلص منهم، دل على ذلك بقوله: { ~~الذين اتقوا } أي لا جميع المؤمنين { ربهم } أي الذين كلما زادهم إحسانا ~~زادوا له هيبة، روى أحمد وأبو يعلى وابن حبان في صحيحه عن أبي سعيد رضي ~~الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " يوما كان مقداره خمسين ألف سنة، فقيل: ما أطول هذا اليوم؟ قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده إنه ليخفف على المؤمن حتى يكون عليه ~~أخف من صلاة مكتوبة " # وروى الطبراني وابن حبان في صحيحه عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " تجتمعون يوم القيامة " # - فذكر الحديث حتى قال: # " قالوا: فأين المؤمنون يومئذ؟ قال: توضع لهم كراسي من نور ويظلل عليهم ~~الغمام يكون ذلك اليوم أقصر على المؤمنين من ساعة من نهار " # ويمكن أن يكون السوق إشارة إلى قسر المقادير للفريقين على الأفعال التي ~~هي أسباب الدارين { إلى الجنة زمرا } أهل الصلاة المنقطعين إليها ~~المستكثرين منها على حدة، وأهل الصوم كذلك - إلى غير من الأعمال التي ~~تظهر آثارها على الوجوه. # ولما ذكر السوق، ذكر غايته بقوله: { حتى إذا جاءوها } ولما كان إغلاق ~~الباب عن الآتي يدل على تهاون به، وفي وقوفه إلى أن يفتح له نوع هوان ~~قال: { وفتحت } أي والحال أنها قد فتحت { أبوابها ms4161 } أي إكراما لهم قبل ~~وصولهم إليها بنفس الفتح وبما يخرج إليهم من رائحتها، ويرون من زهرتها ~~وبهجتها، ليكون ذلك لهم سائقا ثانيا إلى ما لم يروا مثله ولا رأوا عنه ~~ثانيا. # ولما ذكر إكرامهم بأحوال الدار، ذكر إكرامهم بالخزنة الأبرار، فقال ~~عطفا على جواب " إذا " بما تقديره: تلقتهم خزنتها بكل ما يسرهم: { وقال ~~لهم خزنتها } أي حين الوصول: { سلام عليكم } تعجيلا للمسرة لهم بالبشارة ~~بالسلامة التي لا عطب فيها. ولما كانت دارا لا تصلح إلا للمطهرين قالوا: ~~{ طبتم } أي صلحتم لسكناها، فلا تحول لكم عنها أصلا، ثم سببوا عن ذلك ~~تنبيها على أنها دار الطيب، فلا يدخلها إلا مناسب لها، قولهم: { ~~فادخلوها } فأنتج ذلك { خالدين * } ولعل فائدة الحذف لجواب " إذا " أن ~~تذهب النفس فيه من الإكرام كل مذهب وتعلم أنه لا محيط به الوصف، ومن أنسب ~~الأشياء أن يكون دخولهم من غير مانع من إغلاق باب أو منع بواب، بل ~~مأذونا لهم مرحبا بهم إلى ملك الأبد. # ولما كان التقدير: فدخلوها، عطف عليه قوله: { وقالوا } أي جميع ~~الداخلين: { الحمد } أي الإحاطة بأوصاف الكمال، وعدلوا إلى الاسم الأعظم ~~حثا لأنفسهم على استحضار جميع ما تمكنهم معرفته من الصفات فقالوا: { لله ~~} أي الملك الأعظم { الذي صدقنا وعده } في قوله تلك الجنة التي نورث من ~~عبادنا من كان تقيا فطابق قوله الواقع الذي وجدناه في هذه الساعة { ~~وأورثنا } كما وعدنا { الأرض } التي لا أرض في الحقيقة غيرها وهي أرض ~~الجنة التي لا كدر فيها بوجه وفيها كل ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين، بأن ~~جعل حالنا فيها في تمام الملك وعدم التسبب في الحقيقة فيه حال الوارث ~~الذي هو بعد موروثه ولا شيء بعده ولا منازع له حال كوننا { نتبوأ } أي ~~نتخذ منازل هي أهل لمن خرج منها أن يشتهي العود إليها، وبينوا الأرض ~~بقولهم في موضع الضمير: { من الجنة } أي كلها { حيث نشاء } لاتساعها فلا ~~حاجة لأحد فيها أن ينازع أحدا في مكان أصلا، ولا يشتهي إلا مكانه. ولما ~~كانت بهذا الوصف الجليل، ms4162 تسبب عنه مدحها بقوله: { فنعم } أجرنا - هكذا ~~كان الأصل، ولكنه قال: { أجر العاملين * } ترغيبا في الأعمال وحثا على ~~عدم الاتكال. # ولما ذكر سبحانه الذين ركب فيهم الشهوات، وما وصلوا إليه من المقامات، ~~أتبعهم أهل الكرامات الذين لا شاغل لهم عن العبادات، فقال صارفا الخطاب ~~لعلو الخبر إلى أعلى الخلق أنه لا يقوم بحق هذه الرؤية غيره: { وترى } ~~معبرا بأخص من الإبصار الأخص من النظر كما بين في البقرة في قوله تعالى # وإن القوة لله جميعا # [البقرة: 165] { الملائكة } القائمين بجميع ما عليهم من الحقوق { حافين ~~} أي محدقين ومستديرين وطائفين في جموع لا يحصيها إلا الله. من الخف وهو ~~الجمع، والحفة وهو جماعة الناس، والأعداد الكثيرة، وهو جمع حاف، وهو ~~الواحد من الجماعة المحدقة. # ولما كان عظيم الشيء من عظم صاحبه، وكان لا يحيط بعظمة العرش حق الإحاطة ~~إلا الله تعالى، أشار إلى ذلك بإدخال الجاز فقال: { من حول العرش } أي ~~الموضع الذي يدار فيه به ويحاط به منه، من الحول وهو الإحاطة والانعطاف ~~والإدارة. محدقين ببعض أحفته أي جوانبه التي يمكن الحفوف بها بالقرب منها ~~يسمع لحفوفهم صوت بالتسبيح والتحميد والتقديس والاهتزاز خوفا من ربهم، ~~فإدخال { من } يفهم أنهم مع كثرتهم إلى حد لا يحصيه إلا الله، لا يملؤون ~~ما حوله، حال كونهم { يسبحون بحمد } وصرف القول إلى وصف الإحسان مدحا ~~لهم بالتشمير لشكر المنعم وتدريبا لغيرهم فقال: { ربهم } أي يبالغون في ~~التنزيه عن النقص بأن يتوهم متوهم أنه محتاج إلى عرش أو غيره، وأن يحويه ~~مكان متلبسين بإثبات الكمال للمحسن إليهم بإلزامهم بالعبادة من غير شاغل ~~يشغلهم، ولا منازع من شهوة أو حظ يغفلهم، تلذذا بذكره وتشرفا بتقديسه، ~~ولأن حقه إظهار تعظميه على الدوام كما أنه متصل الإنعام. # ولما تقدم ذكر الحكم بين أهل الشهوات بما برز عليهم من الشهادات، ذكر ~~هنا الحكم بينهم وبين الملائكة الذين فاضوا في أصل خلقهم بقولهم { أتجعل ~~فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء } الآية فقال: { وقضى بينهم } أي بين أهل ~~الشهوات وأهل العصمة والثبات. ms4163 ولما كان السياق عاما في الترغيب والترهيب ~~عدلا وفضلا، بخلاف سياق سورة يونس عليه السلام، قال: { بالحق } بأن ~~طوبق بما أنزلنا فيهم في الكتب التي وضعناها لحسابهم الواقع، فمن طغى ~~منهم أسكناه لظى بعدلنا، ومن اتقى نعمناه في جنة المأوى بفضلنا، لجهادهم ~~ما فيهم من الشهوات حتى ثبتوا على الطاعات، مع ما ينزعهم من الطبائع إلى ~~الجهالات، وأما الملائكة فأبقيناهم على حالهم في العبادات: { وقيل } أي ~~من كل قائل: آخر الأمور كلها { الحمد } أي الإحاطة بجميع أوصاف الكمال، ~~وعدل بالقول إلى ما هو حق بهذا المقام فقال: { لله } ذي الجلال والإكرام، ~~علمنا ذلك في هذا اليوم عمل اليقين كما كنا في الدنيا نعلمه علم اليقين. # ولما كان ذلك اليوم أحق الأيام بمعرفة شمول الربوبية لاجتماع الخلائق ~~وانفتاح البصائر وسعة الضمائر، قال واصفا له سبحانه بأقرب الصفات إلى ~~الاسم الأعظم: { رب العالمين * } أي الذي ابتدأهم، أولا من العدم ~~وأقامهم ثانيا بما رباهم به من التدبير، وأعادهم ثالثا بعد إفنائهم ~~بأكمل قضاء وتقدير، وأبقاهم رابعا لا إلى خير، فقد حقق وعده كما أنزل في ~~كتابه وصدق وعيده لأعدائه كما قال في كتابه، فتحقق أنه تنزيله، فقد ختم ~~الأمر بإثبات الكمال باسم الحمد عند دخول الجنان والنيران كما ابتدأ به ~~عند ابتداء الخلق في أول الإنعام، فله الإحاطة بالكمال في أن الأمر كما ~~قال كتابه على كل حال، فقد انطبق آخرها على أولها بأن الكتاب تنزيله ~~لمطابقة كل ما فيه للواقع عندما يأتي تأويله، وبأن الكتاب الحامل على ~~التقوى المسببة للجنة أنزل للإبقاء الأول، فمن أتبعه كان له سببا ~~للإبقاء الثاني، وهذا الآخر هو عين أول سورة غافر فسبحان من أنزله معجزا ~~نظامه، فائتا القوى أول كل شيء منه وختامه، وصلى الله على سيدنا محمد ~~وآله وصحبه وأهل بيته الطيبين الطاهرين وصحابته أجمعين. ### | [40 - سورة غافر] ### || [40.1-4] # { حم * } أي هذه حكمة محمد صلى الله عليه وسلم التي خصه بها الرحمن ~~الرحيم الحميد المجيد مما له من صفة الكمال. # لما كان ختام التي قبلها ms4164 إثبات الكمال لله بصدقه في وعده ووعيده بإنزال ~~كل فريق في داره التي أعدها له، ثبت أن الكتاب الذي فيه ذلك منه، وأنه ~~تام العزة كامل العلم جامع لجميع صفات الكمال فقال: { تنزيل الكتاب } أي ~~الجامع من الحدود والأحكام والمعارف والاكرام لكل ما يحتاج إليه بإنزاله ~~بالتدريج على حسب المصالح والتقريب للأفهام الجامدة القاصرة، والتدريب ~~للألباب السائرة في جو المعاني والطائرة { من الله } أي الجامع لجميع ~~صفات الكمال. ولما كان النظر هنا من بين جميع الصفات إلى العزة والعلم ~~أكثر، لأجل أن المقام لإثبات الصدق وعدا ووعيدا قال: { العزيز العليم * ~~}. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما افتتح سبحانه سورة الزمر بالإخلاص ~~وذكر سببه والحامل بإذن الله عليه وهو الكتاب، وأعقب ذلك بالتعويض بذكر ~~من بنيت على وصفهم سورة ص وتتابعت الآي في ذلك الغرض إلى توبيخهم بما ~~ضربه سبحانه من المثل الموضح في قوله { ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء ~~متشاكسون ورجلا سلما لرجل } ووصف الشركاء بالمشاكسة إذ بذلك الغرض يتضح ~~عدم استمرار مراد لأحدهم، وذكر قبح اعتذار لهم بقولهم # ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى # [الزمر: 3] ثم أعقب تعالى بالإعلام بقهره وعزته حتى لا يتخبل مخذول شذوذ ~~أمر عن يده وقهره، فقال الله تعالى # أليس الله بكاف عبده # - إلى قوله: # أليس الله بعزيز ذي انتقام # [الزمر: 37] ثم أتبع ذلك بحال أندادهم من أنها لا تضر ولا تنفع فقال # قل أفرءيتم ما تدعون من دون الله أن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره ~~أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته # [الزمر: 38] ثم أتبع هذا بما يناسبه من شواهد عزته فقال # قل لله الشفاعة جميعا # [الزمر: 44] { قل اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة } { ~~أو لم يعلموا أن الله يبسط الرزق لما يشاء ويقدر } { الله خالق كل شيء } ~~{ له مقاليد السماوات والأرض } ثم عنفهم وقرعهم بجهلهم فقال تعالى { ~~أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون } ثم قال تعالى { وما قدروا الله ~~حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات ms4165 مطويات بيمينه } ثم ~~اتبع تعالى - ذلك بذكر آثار العزة والقهر فذكر النفخ في الصور للصعق ثم ~~نفخة القيام والجزاء ومصير الفريقين، فتبارك المتفرد بالعزة والقهر، فلما ~~انطوت هذه الآي من آثار عزته وقهره على ما أشير إلى بعضه، أعقب ذلك بقوله ~~سبحانه وتعالى: { حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم } فذكر من ~~أسمائه سبحانه هذين الاسمين العظيمين تنبيها على انفراده بموجبهما وأنه ~~العزيز الحق القاهر للخلق لعلمه تعالى بأوجه الحكمة التي خفيت عن الخلق ~~ما أخر الجزاء الحتم للدار الآخرة، وجعل الدنيا دار ابتلاء واختبار، مع ~~قهره للكل في الدارين معا، وكونهم غير خارجين عن ملكه وقهره، ثم قال ~~تعالى { غافر الذنب وقابل التوب } تأنيسا لمن استجاب بحمده، وأناب ~~بلطفه، وجريا على حكم الرحمة وتغليبها، ثم قال { شديد العقاب ذي الطول } ~~ليأخذ المؤمن بلازم عبوديته من الخوف والرجاء، واكتنف قوله { شديد العقاب ~~} بقوله { غافر الذنب وقابل التوب } وقوله { ذي الطول } وأشار سبحانه ~~بقوله - { فلا يغررك تقلبهم في البلاد } - إلى قوله قبل { وأورثنا الأرض ~~} وكأنه في تقدير: إذا كانت العاقبة لك ولأتباعك فلا عليك من تقلبهم في ~~البلاد، ثم بين تعالى أن حالهم في هذا كحال الأمم قبلهم، وجدالهم في ~~الآيات كجدالهم، وأن ذلك لما حق عليهم من كلمة العذاب، وسبق لهم في أم ~~الكتاب - انتهى. # ولما تقدم آخر تلك أن كلمة العذاب حقت على الكافرين، فكان ذلك ربما أيأس ~~من تلبس بكفر من الفلاح، وأوهمه أن انسلاخه من الكفر غير ممكن، وكان ~~الغفران - وهو محو الذنب عينا وأثرا - مترتبا على العلم به، والتمكن ~~من الغفران وما رتب عليه من الأوصاف نتيجة العزة، دل عليهما مستعطفا لكل ~~عاص ومقصر بقوله: { غافر الذنب } أي بتوبة وغير توبة إن شاء، وهذا الوصف ~~له دائما فهو معرفة. قال السمين: نص سيبويه على أن كل ما إضافته غير ~~محضة جاز أن تجعل محضة وتوصف بها المعارف إلا الصفة المشبهة، ولم يستثن ~~الكوفيون شيئا. # ولما أفهم تقديمه على التوبة أنه غير متوقف عليها فيما عدا الشرك، ms4166 وكان ~~المشركون يقولون: قد أشركنا وقتلنا وبالغنا في المعاصي فلا يقبل رجوعنا ~~فلا فائدة لنا في إسلامنا، رغبهم في التوبة بذكرها وبالعطف بالواو الدالة ~~على تمكن الوصف إعلاما بأنه سبحانه لا يتعاظمه ذنب فقال: { وقابل التوب ~~} وجرد المصدر ليفهم أن أدنى ما يطلق عليه الاسم كاف وجعله اسم جنس ~~كأخواته أنسب من جعله بينها جمعا كتمر وتمرة. ولما كان الاقتصار على ~~الترغيب بما أطمع عذر المتمادي من سطوته، فقال معريا عن الواو لئلا يؤنس ~~ما يشعر به كل من العطف والصفة المشبهة من التمكن، وذلك إعلاما بخفي ~~لطفه في أن رحمته سبقت غضبه، وأنه لو أبدى كل ما عنده من العزة لأهلك كل ~~من عليها كما أشير إليه بالمفاعلة في # ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم # [النحل: 61] فإن الفعل إذا كان بين اثنين كان أبلغ: { شديد العقاب * } ~~على أن تنكيره وإبهامه - كما قال الزمخشري - للدلالة على فرط الشدة وعلى ~~ما لا شيء أدهى منه وأمر، لزيادة الإنذار وهي أخفى من دلالة الواو لو ~~أوتي بها. # ولما أتم الترغيب بالعفو والترهيب من الأخذ، أتبعه التشويق إلى الفضل، ~~فقال معريا عن الواو لأن التمام لا يقتضي المبالغة، والحذف غير مخل ~~بالغرض فإن دليل العقل قائم على كمال صفاته سبحانه: { ذي الطول } أي سعة ~~الفضل والإنعام والقدرة والغنى والسعة والمنة، لا يماثله في شيء من ذلك ~~أحد ولا يدانيه، ثم علل تمكنه في كل شيء من ذلك بوحدانيته فقال: { لا إله ~~إلا هو } ولما أنتج هذا كله تفرده، أنتج قطعا قوله: { إليه } أي وحده { ~~المصير * } أي في المعنى في الدنيا، وفي الحس والمعنى في الآخرة، ليظهر ~~كل من هذه الصفات ظهورا تاما، بحيث لا يبقى في شيء من ذلك لبس، فإنه لا ~~يصح في الحكمة أن يبغي أحد على العباد ثم يموت في عزة من غير نقمة فيضيع ~~ذلك المبغي عليه، لأن هذا أمر لا يرضى أقل الناس أن يكون بين عبيده. # ولما تبين ما للقرآن من البيان الجامع بحسب نزوله جوابا لما يعرض ms4167 لهم ~~من الشبه، فدل بإزاحته كل علة عى ما وصف سبحانه به نفسه المقدس من العزة ~~والعلم بيانا لا خفاء في شيء منه، أنتج قول ذما لمن يريد إبطاله ~~وإخفاءه: { ما يجادل } أي يخاصم ويماري ويريد أن يفتل الأمور إلى مراده { ~~في آيات } وأظهر موضع الإضمار تعظيما للآيات فقال: { الله } أي في إبطال ~~أنوار الملك الأعظم المحيط بصفات الكمال الدالة كالشمس على أنه إليه ~~المصير، بأن يغش نفسه بالشك في ذلك لشبه يميل معها، أو غيره بالتشكيك له، ~~أو في شيء غير ذلك مما أخبر به تعالى { إلا الذين كفروا } أي غطوا مرائي ~~عقولهم وأنوار بصائرهم لبسا على أنفسهم وتلبيسا على غيرهم. # ولما ثبت أن الحشر لا بد منه، وأن الله تعالى قادر كل قدرة لأنه لا شريك ~~له وهو محيط بجميع أوصاف الكمال، تسبب عن ذلك قوله: { فلا يغررك تقلبهم } ~~أي تنقلهم بالتجارات والفوائد والجيوش والعساكر وإقبال الدنيا عليهم { في ~~البلاد * } فإنه لا يكون التفعل بالقلب إلا عن قهر وغلبة، فتظن لإمهالنا ~~إياهم أنهم على حق، أو أن أحدا يحميهم علينا، فلا بد من صيرورتهم عن ~~قريب إلينا صاغرين داخرين، وتأخيرهم إنما هو ليبلغ الكتاب أجله. ### || [40.5-7] # ولما نهى عن الاغترار بما لا قوة لاحد على صرفه من نفسه إلا بتأييد من ~~الله، علله بما يحقق معنى النهي من أن التقلب وما يثمره لا يصح أن يكون ~~معتمدا ليزهد فيه كل من سمع هاتين الآيتين، فقال مشيرا بتأنيث الفعل ~~إلى ضعفهم عن المقاومة، وتلاشيهم عند المصادمة، وإن كانوا في غاية القوة ~~بالنسبة إلى أبناء جنسهم: { كذبت } ولما كان تكذيبهم عظيما وكان زمانه ~~قديما وما قبله من الزمان قليلا بالنسبة إلى ما بعده وطال البلاء بهم، ~~جعل مستغرقا بجميع الزمان، فقال من غير خافض: { قبلهم } ولما كان الناس ~~على زمن نوح عليه السلام حزبا واحدا مجتمعين على أمر واحد ولسان جامع، ~~وحدهم فقال: { قوم نوح } أي وقد كانوا في غاية القوة والقدرة على القيام ~~بما يحاولونه وكانوا حزبا واحدا لم ms4168 يفرقهم شيء. ولما كان الناس من ~~بعدهم قد كثروا وفرقهم اختلاف الألسنة والأديان، وكان للاجمال من الروع ~~في بعض المواطن ما ليس للتفصيل قال: { والأحزاب } أي الأمم المتفرقة ~~الذين لا يحصون عددا، ودل على قرب زمان الكفر من الإنجاء من الغرق ~~بقوله: { من بعدهم }. # ولما كان التذكيب وحده كافيا في الأذى، دل على أنهم زادوا عليه ~~بالمبالغة في المناصبة بالمعاندة، وقدم قصد الإهلاك لأنه أول ما يريده ~~العدو فإن عجز عنه نزل إلى ما دونه فقال: { وهمت كل أمة } أي من ~~الأحزاب المذكورين { برسولهم } أي الذي أرسلناه إليهم. ولما كان الأخذ ~~يعبر عنه عن الغلبة والقهر والاستصغار مع الغضب قال: { ليأخذوه } ولما ~~كان سوق الكلام هكذا دالا على أنهم عجزوا عن الأخذ، ذكر أنهم بذلوا ~~جهدهم في المغالبة بغيره، فقال حاذفا للمفعول تعميما: { وجادلوا ~~بالباطل } أي الأمر الذي لا حقيقة له، وليس له من ذاته إلا الزوال، كما ~~تفعل قريش ومن انضوى إليهم من العرب، ثم بين علة مجادلتهم فقال: { ~~ليدحضوا } أي ليزلقوا فيزيلوا { به الحق } أي الثابت ثباتا لا حيلة في ~~إزالته. # ولما كان من المعلوم لكل ذي لب أن فاعل ذلك مغلوب، وأن فعله مسبب لغضب ~~المرسل عليه، قال صارفا القول إلى المتكلم دفعا للالباس، وإشارة إلى ~~شدة الغضب وجرده عن مظهر العظمة استصغارا لهم: { فأخذتهم } أي أهلكتهم ~~وهم صاغرون غضبا عليهم وإهانة لهم. ولما كان أخذه عظيما، دل على عظمته ~~بأنه أهل لأن يسأل عن حاله لزيادة عظمتها في قوة بطشها وسرعة إهلاكها ~~وخرقها للعوائد فقال: { فكيف كان عقاب * } ومن نظر ديارهم وتقرى آثارهم ~~وقف على بعض ما أشرنا إليه ونبهنا عليه، وحذف ياء المتكلم إشارة إلى أن ~~أدنى من عذابه بأدنى نسبة كاف في المراد وإن كان المعذب جميع العباد. # ولما كان التقدير: فحقت عليهم كلمة الله لأخذهم على هذا الجدال إنهم ~~أصحاب النار التي جادلوا فيها، عطف عليه قوله: { وكذلك } أي ومثل ما حقت ~~عليهم كلمتنا بالأخذ، فلم يقدروا على التفصي من حقوقها { حقت } بالأخذ ms4169 ~~والنكال { كلمت } وصرف الكلام إلى صفة الإحسان تلطفا به صلى الله عليه ~~وسلم وبشارة له بالرفق بقومه فقال: { ربك } أي المحسن إليك بجميع أنواع ~~الإحسان فهو لا يدع أعداءك. # ولما كان السياق للمجادلة بالباطل وهي فتل الخصم من اعتقاده الحق، وذلك ~~تغطية للدليل الحق وتلبيس، كان الحال أحق بالتعبير بالكفر الذي معناه ~~التغطية فلذا قال تعالى: { على الذين كفروا } أي أوقعوا الكفر وقتا ما ~~كلهم سواء هؤلاء العرب وغيرهم، لأن علة الإهلاك واحدة، وهي التكذيب الدال ~~على أن من تلبس به مخلوق للنار، ثم أبدل من " الكلمة " فقال: { أنهم ~~أصحاب النار * } أي من كفر في حين من الأحيان فهو مستحق للنار في الأخرى ~~كما أنه مستحق للأخذ في الدنيا لا يبالي الله به بالة، فمن تداركته ~~الرحمة بالتوبة، ومن أوبقته اللعنة بالإصرار هلك. # ولما بين عداوة الكفار للأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم رضي الله ~~عنهم بقوله: { وما يجادل في آيات الله } ما بعده، وكان ذلك أمرا غائظا ~~محزنا موجعا، وختم ذلك ببيان حقوق كلمة العذاب عليهم تسلية لمن عادوهم ~~فيه سبحانه، زاد في تسليتهم شرحا لصدورهم وتثبيتا لقلوبهم ببيان ولاية ~~الملائكة المقربين لهم مع كونهم أخص الخلق بحضرته سبحانه وأقربهم من محل ~~أنسه وموطن قدسه وبيان حقوق رحمته للذين آمنوا بدعاء أهل حضرته لهم فقال، ~~أو يقال: إنه لما بين حقوق كلمة العذاب، كان كأنه قيل: فكيف النجاة؟ قيل: ~~بايقاع الإيمان بالتوبة عن الكفران ليكون موقعه أهلا للشفاعة فيه من أهل ~~الحضرة العلية، فيغفر له إن تاب ما قدم من الكفر، فقال مظهرا لشرف ~~الإيمان وفضله: { الذين يحملون العرش } وهم المقربون وهم أربعة كما يذكر ~~إن شاء الله تعالى في الحاقه، فإذا كانت القيامة كانوا ثمانية، وهل هم ~~أشخاص أو صفوف فيه كلام يذكر إن شاء الله تعالى { ومن حوله } وهم جميع ~~الملائكة وغيرهم ممن ربما أراد الله كونه محيطا به كما تقدم في التي ~~قبلها { وترى الملائكة حافين من حول العرش } أي طائفين به، فأفادت هذه ~~العبارة النص على ms4170 الجميع مع تصوير العظمة. # ولما كان ربما وقع في وهم أنه سبحانه محتاج إلى حملهم لعرشه أو إلى عرشه ~~أو إلى شيء، نبه بالتسبيح على أنه غني عن كل شيء وأن المراد بالعرش ~~والحملة ونحو ذلك إظهار عظته لنا في مثل محسوسة لطفا منه بنا تنزلا إلى ~~ما تسعه عقولنا وتحمله أفهامنا، فقال مخبرا عن المبتدأ وما عطف عليه: { ~~يسبحون } أي ينزهون أي يوقعون تنزيهه سبحانه عن كل شائبة نقص ملتبسين { ~~بحمد } وصرف القول إلى ضميرهم إعلاما بأن الكل عبيده من العلويين ~~والسفليين القريب والبعيد، وكائنون تحت تصرفه وقهره، وإحسانه وجبره، ~~فقال: { ربهم } أي باحاطة المحسن إليهم بأوصاف الكمال. # ولما كان تعالى باطنا لا يحيط أحد به علما، أشار إلى أنهم مع أنهم أهل ~~الحضرة هم من وراء حجاب الكبر وأردية العظمة، لا فرق بينهم في ذلك وبين ~~ما هو في الأرض السفلى بقوله: { ويؤمنون به } لأن الإيمان إنما يكون ~~بالغيب. ولما كانوا لقربهم أشد الخلق خوفا لأنه على قدر القرب من تلك ~~الحضرات يكون الخوف، فهم أشد خوفا من أهل السماء السابعة، وأهل السماء ~~السابعة أشد خوفا من أهل السماء السادسة وهكذا، وكانوا قد علموا من ~~تعظيم الله تعالى للنوع الإنساني ما لم يعلمه غيرهم لأمره سبحانه لهم ~~بتعظيمه بما اختص به سبحانه من السجود، وكان من أقرب ما يقترب به إلى ~~الملك التقرب إلى أهل وده، نبه سبحانه على ذلك كله بقوله: { ويستغفرون } ~~أي يطلبون محو الذنوب أعيانا وآثارا. # ولما كان الاشتراك في الإيمان أشد من الاتحاد في النسب، قال دالا على ~~أن الاتصاف بذلك يجب أن يكون أدعى شيء إلى النصيحة وأبعثه على إمحاض ~~الشفقة: { للذين آمنوا } أي أوقعوا هذه الحقيقة لما بينهم من أخوة ~~الإيمان ومجانسته وإن اختلف جنسهم في حقيقة التركيب وإن وقع منهم بعد ذلك ~~خلل يحق عليهم الكلمة لولا العفو { وما قدروا الله حق قدره } { ويعفو عن ~~كثير } " لن يدخل أحد الجنة بعمله ". ولما ذكر استغفارهم بين عبارتهم عنه ~~بقوله: { ربنا } أي أيها ms4171 المحسن إلينا بالإيمان وغيره. ولما كان المراد ~~بيان اتساع رحمته سبحانه وعلمه، وكان ذلك أمرا لا يحتمله العقول، عدل ~~إلى أسلوب التمييز تنبيها على ذلك مع ما فيه من هز السامع وتشويقه ~~بالإبهام إلى الإعلام فقال: { وسعت كل شيء } ثم بين جهة التوسع بقوله ~~تميزا محولا عن الفاعل: { رحمة } أي رحمتك أي بإيجاده من العدم فما فوق ~~ذلك { وعلما } أي وأحاط بهم علمك، فمن أكرمته فعن علم بما جلبته عليه ~~مما يقتضي إهانة أو إكراما. # ولما كان له سبحانه أن يفعل ما يشاء من تعذيب الطائع وتنعيم العاصي وغير ~~ذلك، قالوا منبهين على ذلك: { فاغفر للذين تابوا } أي رجعوا إليك عن ~~ذنوبهم برحمتك لهم بأن تمحوا أعيانها وآثارها، فلا عقاب ولا عتاب ولا ذكر ~~لها { واتبعوا } أي كلفوا أنفسهم على ما لها من العوج أن لزموا { سبيلك } ~~المستقيم الذي لا لبس فيه. ولما كان الغفران قد يكون لبعض الذنوب، وكان ~~سبحانه له أن يعذب من لا ذنب له، وأن يعذب من غفر ذنبه قالوا: { وقهم ~~عذاب الجحيم * } أي اجعل بينهم وبينه وقاية بأن تلزمهم الاستقامة وتتم ~~نعمتك عليهم، فإنك وعدت من كان كذلك بذلك، ولا يبدل القول لديك، وإن كان ~~يجوز أن تفعل ما تشاء. ### || [40.8-13] # ولما كانت النجاة من العذاب لا تستلزم الثواب، قالوا مكررين صفة الإحسان ~~زيادة في الرقة في طلب الامتنان: { ربنا } أي أيها المحسن إلينا بتوفيق ~~أحبابنا الذين لذذونا بالمشاركة في عبادك بالجنان واللسان والأركان { ~~وأدخلهم جنات عدن } أي إقامة لا عناد فيها. ولما كانوا عالمين بأن سبحانه ~~لا يجب عليه لأحد شيء ولا يقبح منه شيء، نبهوا على ذلك بقولهم: { التي ~~وعدتهم } مع الزيادة في التملق واللطافة في الحث وإدخالهم لأجل استعمالك ~~إياهم الصالحات. # ولما كان الإنسان لا يطيب له نعيم دون أن يشاركه فيه أحبابه الذين كانوا ~~يشاركونه في العبادة قالوا مقدمين أحق الناس بالإجلال: { ومن صلح من ~~آبائهم } ثم أتبعوهم ألصقهم بالبال فقالوا: { وأزواجهم وذرياتهم }. ولما ~~كان فاعل هذا منا ربما نسب إلى ms4172 ذل أو سفه، وربما عجز عن الغفران لشخص ~~لكثرة المعارضين، عللوا بقولهم مؤكدين لأجل نسبة الكفار العز إلى غيره، ~~ومن ذلك تسميتهم العزى: { إنك أنت } أي وحدك { العزيز } فأنت تغفر لمن ~~شئت غير منسوب إلى وهن { الحكيم * } فكل فعل لك في أتم مواضعه فلذلك لا ~~يتهيأ لأحد نقضه ولا نقصه. # ولما كان الإنسان قد يغفر له ويكرم، وفيه من الأخلاق ما ربما حمله على ~~بعض الأفعال الناقصة دعوا لهم بالكمال فقالوا: { وقهم السيئات } أي بأن ~~تجعل بينهم وبينها وقاية بأن تطهرهم من الأخلاق الحاملة عليها بتطهير ~~القلوب بنزع كل ما يكره منها أو بأن يغفرها لهم ولا يجازيهم عليها، ~~وعظموا هذه الطهارة ترغيبا في حمل النفس في هذه الدار على لزومها بقمع ~~النفوس وإماتة الحظوظ بقولهم: { ومن تق السيئات } أي جزاءها كلها { يومئذ ~~} أي يوم إذ تدخل فريقا الجنة وفريقا النار المسببة عن السيئات أو إذ ~~تزلف الجنة للمتقين وتبرز الجحيم للغاوين: { فقد رحمته } أي الرحمة ~~الكاملة التي لا يستحق غيرها أن يسمى معها رحمة، فإن تمام النعيم لا يكون ~~إلا بها لزوال التحاسد والتباغض والنجاة من النار باجتناب السيئات ولذلك ~~قالوا: { وذلك } أي الأمر العظيم جدا { هو } أي وحده { الفوز العظيم * } ~~فالآية من الاحتباك: ذكر إدخال الجنات أولا دليلا على حذف النجاة من ~~النار ثانيا، ووقاية السيئات ثانيا دليلا على التوفيق للصالحات أولا، ~~وسر ذلك التشويق إلى المحبوب - وهو الجنان - بعمل المحبوب - وهو الصالح - ~~والتنفير من النيران باجتناب الممقوت من الأعمال، وهو السيء, فذكر المسبب ~~أولا وحذف السبب لأنه لا سبب في الحقيقة إلا الرحمة، وذكر السبب ثانيا ~~في إدخال النار وحذف المسبب. # ولما أتم الذين آمنوا، فتشوفت النفس إلى معرفة ما لأضدادهم، قال ~~مستأنفا مؤكدا لإنكارهم هذه المناداة بانكار يومها: { إن الذين كفروا } ~~أي أوقعوا الكفر ولو لحظة { ينادون } أي يوم القيامة بنداء يناديهم به من ~~أراد الله من جنوده أو في الدار أرفع نعما - أنهم آثر عند الله من فقراء ~~المؤمنين، أكد قوله: { لمقت الله } أي الملك ms4173 الأعظم إياكم بخذلانكم { ~~أكبر من مقتكم } وقوله: { أنفسكم } مثل قوله تعالى: { انظر كيف كذبوا على ~~أنفسهم } جاز على سبيل الإشارة إلى تنزه الحضرة المقدسة عما لزم فعلهم من ~~المقت، فإن من دعا إلى أحد فأعرض عنه إلى غيره كان إعراضه مقتا للمعرض ~~عنه، وهذا المقت منهم الموجب لمقت الله لهم موصل لهم إلى عذاب يمقتون به ~~أنفسهم، والمقت أشد البغض؛ ثم ذكر ظرف مقتهم العائد وباله عليهم بقوله: { ~~إذا } أي حين، وأشار إلى أن الإيمان لظهور دلائله ينبغي أن يقبل من أي ~~داع كان، فبنى الفعل لما لم يسم فاعله فقال: { تدعون إلى الإيمان } أي ~~بالله وما جاء من عنده { فتكفرون * } أي فتوقعون الكفر الذي هو تغطية ~~الآيات موضع إظهارها والإذعان بها، وهذا أعظم العقاب عند أولي الألباب، ~~لأن من علم أن مولاه عليه غضبان علم أنه لا ينفعه بكاء ولا يغني عنه ~~شفاعة ولا حيلة في خلاصه بوجه. # ولما كان من أعظم ذنوبهم إنكار البعث، وكانوا قد استقروا العوائد، ~~وسبروا ما جرت به الأقدار في الدهور والمدائد، من أن كل ثان لا بد له من ~~ثالث، وكان الإحياء لا يطلق عرفا إلا من كان عن موت، حكى سبحانه جوابهم ~~بقوله الذي محطه الإقرار بالبعث والترفق بالاعتراف بالذنب حيث لا ينفع ~~لفوات شرطه وهو الغيب: { قالوا ربنا } أي أيها المحسن إلينا بما تقدم في ~~دار الدنيا { أمتنا اثنتين } قيل: واحدة عند انقضاء الآجال في الحياة ~~الدنيا وأخرى بالصعق بعد البعث أو الإرقاد بعد سؤال القبر، والصحيح أن ~~تفسيرها آية البقرة # كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم # [آية: 28] وأما الصعق فليس بموت، وما في القبر فليس بحياة حتى يكون عنه ~~موت، وإنما هو إقدار على الكلام كما أقدر سبحانه الحصى على التسبيح ~~والحجر على التسليم، والضب على الشهادتين، والفرس حين قال لها فارسها ثبي ~~إطلال على قولها وثبا وسورة البقرة { وأحييتنا اثنين } واحدة في البطن، ~~وأخرى بالبعث بعد الموت، أو واحدة بالبعث وأخرى بالإقامة من الصعق، أو ms4174 ~~الإقامة في القبر، فشاهدنا قدرتك على البعث { فاعترفنا } أي فتسبب عن ذلك ~~أنا اعترفنا بعد تكرر الإحياء { بذنوبنا } الحاصلة بسبب إنكار البعث لأن ~~من لم يخش العاقبة بالغ في متابعة الهوى، فذلك توبة لنا { فهل إلى خروج } ~~أي من النار ولو على أدنى أنواع الخروج بالرجوع إلى الدنيا فنعمل صالحا ~~{ من سبيل } فنسلكه فنخرج ثم تكون لنا موتة ثالثة وإحياءة ثالثة إلى ~~الجنة التي جعلتها جزاء من أقر بالبعث. # ولما كان الجواب قطعا: لا سبيل إلى ذلك، علله بقوله: { ذلكم } أي ~~القضاء النافذ العظيم العالي بتخليدكم في النار مقتا منه لكم { بأنه } ~~أي كان بسبب أنه { إذا دعي الله } أي وجدت ولو مرة واحدة دعوة الملك ~~الأعظم من أي داع كان { وحده } أي محكوما له بالوحدة أو منفردا من غير ~~شريك { كفرتم } أي هذا طبعكم دائما رجعتم إلى الدنيا أولا { وإن يشرك ~~به } أي يوقع الإشراك به ويجدد ولو بعدد الأنفاس من أي مشرك كان { تؤمنوا ~~} أي بالشركاء وتجددوا ذلك غير متحاشين ومن تجديد الكفر وهذا مفهم لأن حب ~~الله للإنسان أكبر من حبه له الدال عليه توفيقه له في أنه إذا ذكر الله ~~وحده آمن، وإن ذكر معه غيره على طريقة تؤل إلى الشركة كفر بذلك الغير ~~وجعل الأمر لله وحده { فالحكم } أي فتسبب عن القطع بأن لا رجعة، وأن ~~الكفار ما ضروا إلا أنفسهم مع ادعائهم العقول الراجحة ونفوذ ذلك أن كل ~~حكم { لله } أي المحيط بصفات الكمال خاص به لا دخل للعوائد في أحكامه بل ~~مهما شاء فعل إجراء على العوائد او خرقا لها { العلي } أي وحده عن أن ~~يكون له شريك، فكذب قول أبي سفيان يوم أحد " اعل هبل " وقول ابن عربي أحد ~~أتباع فرعون أكذب وأقبح وأبطل حيث قال: العلي علا عن من وما ثم إلا هو، ~~فعليه الخزي واللعنة وعلى من قال بقوله وعلى من توقف في لعنه. # ولما كانت النفوس لا تنقاد غاية الانقياد للحاكم إلا مع العظمة الزائدة ~~والقدم في المجد، قال ms4175 معبرا بما يجمع العظمة والقدم: { الكبير * } الذي ~~لا يليق الكبر إلا له، وكبر كل متكبر وكبر كل كبير متضائل تحت دائرة كبره ~~وكبره، وعذابه مناسب لكبريائه فما أسفه من شقي بالكبراء فإنهم يلجئون ~~أنفسهم إلى أن يقولوا ما لا يجديهم { ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا }: ~~ولما قصر الحكم عليه دل على ذلك بقوله ذاكرا من آيات الآفاق العلوية ما ~~يرد الموفق عن غيه: { هو } أي وحده { الذي يريكم } أي بالبصر والبصيرة { ~~آياته } أي علاماته الدالة على تفرده بصفات الكمال تكميلا لنفوسكم، ~~فينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بإعادة ما تحطم فيها من الحبوب ~~فتفتتت بعد موتها بصيرورة ذلك الحب ترابا لا تميز له عن ترابها, فيتذكر ~~به البعث لمن انمحق فصار ترابا وضل في تراب الأرض حتى لا تميز له عنه من ~~طبعه الإنابة، وهو الرجوع عما هو عليه من الجهل إلى الدليل بما ركز في ~~فطرته من العلم، وذلك هو معنى قوله: { وينزل لكم } أي خاصا بنفعكم أو ~~ضركم { من السماء } أي جهة العلو الدالة على قهر ما نزل منها بإمساكه إلى ~~حين الحكم بنزوله { رزقا } لإقامة أبدانكم من الثمار والأقوات بانزال ~~الماء فهو سبحانه يدلكم عليه ويتحبب إليكم لتنفعوا أنفسكم وأنتم تتبغضون ~~إليه وتتعامون عنه لتضروها { وما يتذكر } ذلك تذكرا تاما - بما أشار ~~إليه الإظهار - فيقيس عليه بعث من أكلته الهوام، وانمحق باقيه في الأرض { ~~إلا من ينيب * } أي له أهلية التجديد في كل وقت للرجوع إلى الدليل بأن ~~يكون حنيفا ميالا للطافته مع الدليل حيثما مال. ما هو بحلف جامد ما ~~الفه، ولا يحول عنه أصلا، لا يصغي إلي قال ولا قيل، ولو قام على خطابه ~~كل دليل. ### || [40.14-17] # ولما كان كل من الناس يدعي أنه لا يعدل عن الدليل، وكان كل أحد مأمورا ~~بالنظر في الدليل مأمورا بالإنابة لما دل عليه من التوجه إلى الله وحده، ~~كان ذلك سببا في معرفة الكل التوحيد الموجب لاعتقاده القدرة التامة ~~الموجب لاعتقاد البعث، فكان سببا لإخلاصهم، فقال تعالى ms4176 مسببا عنه: { ~~فادعوا } وصرح بالاسم الأعظم تدريبا للمخلصين على كيفية الإخلاص فقال: { ~~الله } أي المتوحد بصفات الكمال دعاء خضوع وتعبد بعد الإنابة بعد النظر ~~في الدليل { مخلصين له الدين } أي الأفعال التي يقع الجزاء عليها، فمن ~~كان يصدق بالجزاء وبأن ربه غني لا يقبل إلا خالصا اجتهد في تصفية ~~أعماله، فيأتي بها في غاية الخلوص عن كل ما يمكن أن يكدر من غير شائبة ~~شرك جلي أو خفي كما أن معبوده واحد من غير شائبة نقص. # ولما كانت مخالفة الجنس شديدة لما تدعو إليه من المخاصمة الموجبة ~~للمشاققة الموجبة لاستطابة الموت قال تعالى: { ولو كره } أي الدعاء منكم ~~{ الكافرون * } أي الساترون لأنوار عقولهم، والإخلاص أن يفعل العباد ~~لربهم مثل ما فعل لهم فلا يفعلوا فعلا من أمر أو نهي إلا لوجهه خاصة من ~~غير غرض لأنفسهم بجلب شيء من نفع أو ضر، وذلك لأنه سبحانه فعل لهم كل ~~إحسان من الخلق والرزق ولأنفسهم خاصة لا لغرض يعود عليه - سبحانه وما أعز ~~شأنه - بنفع ولا ضر، فلا يكون شكرهم له إلا بما تقدم، لكنه لما علم ~~سبحانه بأن أباح لهم العمل لأجل الرجاء في ثوابه والخوف من عقابه، ولم ~~يجعل ذلك قادحا في الإخلاص، قال الاستاذ أبو القاسم القشيري: ولولا إذنه ~~في ذلك لما كان في العالم مخلص. # ولما كان الإخلاص لا يتأتى إلا ممن رفعه إشراق الروح عن كدورات الأجسام، ~~وطارت به أنوارها عن حضيض ظلمات الجهل إلى عرش العرفان، فصار إذ كان ~~الملك الديان سمعه الذي يسمع به، بمعنى أنه لا يفعل بشيء من هذه الجوارح ~~إلا ما أمره به سبحانه يتصرف في الأكوان بإذن الفتاح العليم تكسب القلوب ~~من ضياء أنواره ويحيى ميت الهمم بصافي أسراره، نبه سبحانه على ذلك حثا ~~عليه وتشويقا إليه بقوله ممثلا بما يفهمه العباد مخبرا عن مبتدأ محذوف ~~تقديره: هو { رفيع الدرجات } أي فلا يصل إلى حضرته الشماء إلا من علا في ~~معارج العبادات ومدارج الكمالات. # ولما كنا لا نعرف ملكا إلا بغلبته ms4177 على سرير الملك، وكانت درج كل ملك ما ~~يتوصل بها إلى عرشه، أشار سبحانه بجميع القلة إلى السماوات التي هي دون ~~عرشه سبحانه، ثم أشار إلى أن الدرج إليه لا تحصى بوجه، لأنا لو أنفقنا ~~عمر الدنيا في اصطناع درج للتوصل إلى السماء الدنيا ما وصلنا، فكيف بما ~~فوقها فكيف وعلوه سبحانه، ليس هو بمسافة بل علو عظمة ونفوذ كلمة تنقطع ~~دونها الآمال وتفنى الأيام والليال، والكاشف لذلك أتم كشف تعبيره في { ~~سأل } بصيغة منتهى الجموع { المعارج } - ثم قال ممثلا لنا بما نعرف: { ~~ذو العرش } أي الكامل الذي لا عرش في الحقيقة إلا هو، فهو محيط لجميع ~~الأكوان ومادة لكل جماد وحيوان، وعال بجلاله وعظمه عن كل ما يخطر في ~~الأذهان. # ولما كان الملوك يلقون أوامرهم من مراتب عظمائهم إلى من أخلصوا في ~~ودادهم قال: { يلقي الروح } أي الذي تحيى به الأرواح حياة الأشباح ~~بالأرواح { من أمره } أي من كلامه، ولا شك أن الذي يلقي ليس الكلام ~~النفسي وإنما هو ما يدل عليه، وهو الذي يقبل النزول والتلاوة والكتابة ~~ونحو ذلك. ولما كان أمره عاليا على كل أمر، أشار إلى ذلك بأداة ~~الاستعلاء فقال: { على من يشاء } ولما كان ما رأوه من الملوك لا يتمكنون ~~من رفع كل من أرادوا من رقيقهم، نبه على عظمته بقوله: { من عباده } وأشار ~~بذلك مع الإشارة إلى أنه مطلق الأمر لا يسوغ لأحد الاعتراض عليه، ولو ~~اعترض كان اعتراضه أقل من أن يلتفت إليه أو يعول بحال عليه إلى توهية ~~قولهم # أو أنزل عليه الذكر من بيننا # [ص: 8] بأنه عليه السلام المخلص في عباده لم يمل إلى شيء من أوثانهم ~~ساعة ما ولا صرف لحظة عن الإله الحق طرفة عين، فلذلك اختصه من بينهم بهذا ~~الروح الذي لا روح في الوجود سواه، فمن أقبل عليه وأخلص في تلاوته والعمل ~~بما يدعو إليه والبعد عما ينهى عنه صار ذا روح موات يحيي الأموات ويزري ~~بالنيرات. قال الرازي: قال ابن عطاء: حياة القلب على حسب ما ms4178 ألقي إليه من ~~الروح، فمنهم من ألقي إليه روح الرسالة، ومنهم من ألقي إليه روح النبوة، ~~ومنهم من ألقي إليه روح الصديقية والكشف والمشاهدة، ومنهم من ألقي إليه ~~روح العلم والمعرفة، ومنهم من ألقي إليه روح العبادة والخدمة، ومنهم من ~~ألقي إليه روح الحياة فقط، ليس له علم بالله ولا مقام مع الله، فهو ميت ~~في الباطن، وله الحياة البهيمية التي يهتدي بها إلى المعاش دون المعاد - ~~انتهى. وبالجملة فكل من هذه الأرواح منطق لمن ألقي عليه مطلق للسانه ~~ببديع بيانه وإن اختلف نطقهم في بيانهم، وتصرفهم في عظيم شأنهم. # ولما بين سر اختصاصه بالإرسال لهذا النبي الكريم، أتبع ذلك بما يزيده ~~بيانا من ثمرة الإرسال فقال: { لينذر } أي الذي اختصه سبحانه بروحه، ~~وعبر بما يقتضيه تصنيف الناس الذي هو مقصود السورة من الاجتماع، وأزال ~~وهم من قد يستحيل لقاء سبحانه لرفعه درجاته وسفول درجات غيره { يوم ~~التلاق * } أي الذي لا يستحق أن يوصف بالتلاقي على الحقيقة غيره لكونه ~~يلتقي فيه الأولون والآخرون وأهل السماوات والأرض ولا حيلة لأحد منهم في ~~فراق غريمه بغير فصل على وجه العدل، وإلى هذا المعنى أشارت قراءة ابن ~~كثير باثبات الياء في الحالين وهو واضح جدا في إفراد حزبي الأسعدين ~~والأخسرين فإنه تلاق لا آخر له، وأشارت قراءة الجمهور بالحذف في الحالين ~~إلى تلاقي هذين الجزئين: أحدهما بالآخر فإنه - والله أعلم - قل ما يكون ~~حتى يفترقا بالأمر بكل إلى داره: الأسعدين بغير حساب، والأخسرين لا يقام ~~لهم وزن، وأشار الإثبات في الموقف دون الوصل إلى الأمر الوسط وهي لمن بقي ~~لقاءهم يمتد إلى حين القصاص لبعضهم من بعض. # ولما أفهم ذلك عدم الحجاب من بيوت أو جبال، أو أشجار أو تلال، أو غير ~~ذلك من سائر ذوات الظلال، نبه عليه في قوله معيدا ذكر اليوم لأنه أهول ~~له: { يوم هم } أي بظواهرهم وبواطنهم { بارزون } أي برزوا لا ساتر فيه ~~أصلا. # ولما كان من المعلوم عندهم إنما لا ساتر له معلوم، أجرهم على ما يعهدون، ms4179 ~~وعبر بعبارة تعم ذلك فقال مستأنفا في جواب من ظن أنه قد يخفي عليه شيء ~~عن الساتر معظما الأمر بإظهار الاسم الأعظم: { لا يخفى على الله } أي ~~المحيط علما وقدرة { منهم شيء } أي من ذواتهم ولا معانيهم سواء ظهروا أو ~~استتروا في هذا اليوم وفي غيره. # ولما كان من العادة المستمرة أن الملك العظيم إذا أرسل جيشه إلى من طال ~~تمردهم عليه وعنادهم له فظفروا بهم وأحضروهم إليه أن يناديهم مناديه وهم ~~وقوف بين يديه قد أخرستهم هيبته وأذلتهم عظمته بلسان قاله أو لسان حاله ~~بما يبكهم به ويوبخهم ويؤسفهم على ما مضى من عصيانهم ويندمهم قال: { لمن ~~الملك اليوم } أي يا من كانوا يعملون أعمال من يظن أنه لا يقدر عليه أحد، ~~فيجيبون بلسان الحال أو المقال كما قال بعض من قال: # سكت الدهر طويلا عنهم # قد أبكاهم دما حين نطق # { لله } أي الذي له جميع صفات الكمال، ثم دل على ذلك بقوله: { الواحد } ~~أي الذي لا يمكن أن يكون له ثان بشركة ولا قسمة ولا غيرها { القهار * } ~~أي الذي يقهر من يشاء متكررا وصفه بذلك دائما أبدا لما ثبت من غناه ~~المطلق بوحدانيته الحقيقة. # ولما أخبر عن إذعان كل نفس بانقطاع الأسباب، أخبرهم بما يزيد رعبهم، ~~ويبعث رغبهم ورهبهم، وهو نتيجة تفدره بالملك قال: { اليوم تجزى } أي تقضى ~~وتكافأ، بناه للمفعول لأن المرغب المرهب نفس الجزاء ولبيان سهولته عليه ~~سبحانه { كل نفس } لا تترك نفس واحدة لأن العلم قد شملهم والقدرة قد ~~أحاطت بهم وعمتهم، والحكمة قد منعت من إهمال أحد منهم. # ولما كان السياق للملك والقهر يقتضي الجزاء واعتماد الكسب الذي هو محط ~~التكليف بالأمر والنهي ويقتضي النظر في الأسباب، لأن ذلك شأن الملك، قال ~~معبرا بالباء والكسب: { بما } أي بسبب ما { كسبت } أي عملت، وهي تظن أنه ~~يفيدها سواء بسواء بالكيل الذي كالت يكال لها. # ولما كانت السببية مفهمة للعدل، فإن الزيادة تكون بغير سبب، قال معللا ~~نافيا مثل ما كانوا يتعاطونه من ظلم بعضهم لبعض ms4180 في الدنيا: { لا ظلم } ~~أي بوجه من الوجوه { اليوم } ولما كان استيفاء الخلائق بالمجازاة أمرا ~~لا يمكن في العادة ضبطه، ولا يتأنى حفظه وربطه، فكيف إذا قصدت المساواة ~~في مثاقيل الدر فما دونها: # بميزان قسط لا يخيس شعيرة # له شاهد من نفسه غير عائل # ضافت النفوس من خوف الطول، فخفف عنها بقوله معلما أن أموره على غير ما ~~يعهدونه، ولذلك أكد وعظم باظهار الاسم الأعظم: { إن الله } أي التام ~~القدرة الشامل العلم { سريع الحساب * } أي بليغ السرعة فيه، لا يشغله ~~حساب أحد عن حساب غيره في وقت حساب ذلك الغير، ولا يشغله شأن عن شأن لأنه ~~لا يحتاج إلى تكلف عد، ولا يفتقر إلى مراجعة كتاب، ولا شيء، فكان في ذلك ~~ترجية للفريقين وتخويف، لأن الظالم يخشى إسراع الأخذ بالعذاب، والمؤمن ~~يرجو إسراع البسط بالثواب. ### || [40.18-20] # ولما تم هذا على هذا الوجه المهول، وكان يوم القيامة له أسماء تدل على ~~أهواله باعتبار مواقفه وأحواله، منها يوم البعث وهو ظاهر، ومنها يوم ~~التلاق لما تقدم، ومنها يوم التغابن لغبن أكثر من فيه خسارته، ومنها يوم ~~الآزفة لقربه وسرعة أخذه، وكان كأنه قيل خطابا للنبي صلى الله عليه ~~وسلم: وأمن ممن ألقينا هذا الروح الأعظم من أمرنا فأنذرهم ما مضى من يوم ~~التلاقي وما عقبناه به، عطف عليه قوله زيادة في بيان هوله إعلاما بأنه ~~مع ثبوته وثبوت التلاقي فيه قريب تحذيرا من تزيين إبليس للشهوات وتقريره ~~بالتسويف بالتوبة: { وأنذرهم } أي هؤلاء المعرضين إعراض من لا يجوز ~~الممكن { يوم الآزفة } أي الحالة الدائبة العاجلة السريعة جدا مع الضيق ~~في الوقت وسوء العيش لأكثر الناس، وهي القيامة، كرر ذكرها الإنذار منها ~~تصريحا وتلويحا تهويلا لها وتعظيما لشأنها. # ولما ذكر اليوم، هول أمره بما يحصل فيه من المشاق فقال: { إذ القلوب } ~~أي من كل من حضره. ولما كان هذا الرعب على وجه غريب باطن، عبر ب " لدى " ~~فقال: { لدى الحناجر } أي حناجر المجموعين فيه إلا من شاء الله، وهي جمع ~~حنجور وهي الحلقوم وزنا ms4181 ومعنى، يعني أنها زالت عن أمكانها صاعدة من كثرة ~~الرعب حتى كادت تخرج وصارت مواضعها من الأفئدة هواء، وكانت الأفئدة ~~معترضة كالشجا لا هي ترجع إلى مقارها فيستريحوا ولا تخرج فيموتوا. # ولما كان الحديث - وإن كان في الظاهر عن القلوب - إنما هو عن أصحابها، ~~جمع على طريقة جمع العقلاء، وزاده حسنا أن القلوب محل الكظم، وبها صلاح ~~الجملة وفسادها، وقد أسند إليها ما يسند للعقلاء فقال: { كاظمين } أي ~~ممتلئين خوفا ورعبا وحزنا، ساكتين مكروبين، قد انسدت مجاري أنفاسهم ~~وأخذ بجميع إحساسهم. ولما كان من المعلوم أن ذلك الكرب إنما هو للخوف من ~~ديان ذلك اليوم، وكان من المعهود أن الصداقات تنفع في مثل ذلك اليوم ~~والشفاعات، قال مستأنفا: { ما للظالمين } أي العريقين في الظلم منهم { ~~من حميم } أي قريب صادق في مودتهم مهتم بأمورهم مزيل لكروبهم، قال ابن ~~برجان: والحميم: الماء الحار الناهي في الحرارة، سمي القريب به لأنه يحمي ~~لقريبه غضبا، والغضب حرارة تعرض في القلب تخرج إلى الوجه فيحمر وتنتفخ ~~الأوداج فيستشيط غيظا { ولا شفيع يطاع * } أي ليس لهم شفيع أصلا لأن ~~الشفيع يعلم أنه لو شفع ما أطيع فهو لا ينفع، وقد يشفع في بعضهم بعض ~~المقربين لعلامة فيهم يحصل بها اشتباه يظن بهم أنهم ممن يستحق الشفاعة ~~فينبه على أنهم ليسوا بذلك، فيبرأ منهم. # ولما كانت الشفاعة إنما تقع وتنفع بشرط براءة المشفوع له من الذنب إما ~~بالاعتراف بما نسب إليه والإقلاع عنه، وإما بالاعتذار عنه، وكان ذلك إنما ~~يجري عند المخلوقين على الظاهر، ولذلك كانوا ربما وقع لهم الغلط فيمن لو ~~علموا باطنه لما قبلوا الشفاعة فيه، علل تعالى ما تقدم بعلمه أن المشفوع ~~له ليس بأهل لقبول الشفاعة فيه لإحاطة علمه فقال: { يعلم خائنة } ولما ~~كان السياق هنا للابلاغ في أن علمه تعالى محيط بكل كلي وجزئي، فكان من ~~المعلوم أن الحال يقتضي جمع الكثرة، وأنه ما عدل عنه إلى جمع القلة إلا ~~للاشارة إلى أن علمه تعالى بالكثير كعلمه بالقليل الكل، عليه هين، ms4182 ~~فالكثير عنده في ذلك قليل فلذا قال: { الأعين } أي خيانتها التي هي أخفى ~~ما يقع من أفعال الظاهر، جعل الخيانة مبالغة في الوصف وهي الإشارة ~~بالعين، قال أبو حيان: من كسر وغمز ونظر يفهم منه ما يراد - انتهى. # وذلك يفعل بفعل ما يخالف الظاهر، ولما ذكر أخفى أفعال الظاهر، أتبعه ~~أخفى ما في الباطن فقال: { وما تخفي الصدور * } أي عن المشفوع عنده وغير ~~ذلك. # ولما كان العفو عن الظالم الذي لا يرجع عن ظلمه نقصا، لكونه لا حكمة ~~فيه، عبر بالاسم الأعظم في جملة حالية فقال: { والله } أي والحال أن ~~المتصف بجميع صفات الكمال { يقضي بالحق } أي الثابت الذي لا يصح أصلا ~~نفيه، فلو قضى فيمن يعلم أنه ليس بأهل للشفاعة فيه بقبول الشفاعة لنفى ~~الحق وأثبت الباطل, فخالف ذلك الكمال { والذين يدعون } أي الظالمون - على ~~قراءة الجماعة، وأيها الظالمون - على قراءة نافع وابن عامر بخلاف عن ابن ~~ذكوان بالخطاب للمواجهة بالإزراء. ولما كانت المراتب دون عظمته سبحانه لا ~~تنحصر ولا يحتوي عليها كلها شيء، أثبت الجار فقال: { من دونه } أي سواه، ~~ومن المعلوم أنهم خلقه فهم دون رتبته لأنهم في قهره { لا يقضون بشيء } من ~~الأشياء أصلا، فضلا عن أن يقضوا بما يعارض حكمه، فلا مانع له من القضاء ~~بالحق، فلا مقتضى لقبول الشفاعة فيمن يعلم عراقته في الظلم أنه لا ينفك ~~عنه. # ولما أخبر أنه لا فعل لشركائهم، وأن الأمر له وحده، علل ذلك بقوله ~~مرهبا من الخيانة وغيرها من الشر، مرغبا في كل خير، مؤكدا لأجل أن ~~أفعالهم تقتضي إنكارا ذلك: { إن الله } عبر به لأن السياق لتحقير ~~شركائهم وبيان أنها في غاية النقصان { هو } أي وحده. ولما ذكر ما هو غيب، ~~وصفه بأظهر ظاهر فقال: { السميع } أي لكل ما يمكن أن يسمع { البصير * } ~~أي بالبصر والعلم لكل ما يمكن أن يبصر ويعلم، فلا إدراك لشركائهم أصلا ~~ولا لشيء غيره بالحقيقة، ومن لا إدراك له ولا قضاء له، فثبت أن الأمر له ~~وحده، فما تنفعهم شفاعة الشافعين ms4183 ولا تقبل فيهم من أحد شفاعة بعد الشفاعة ~~العامة التي هي خاصة بنبينا صلى الله عليه وسلم، وهي المقام المحمود الذي ~~يغبطه به الأولون والآخرون، فإن كل أحد يحجم عنها حتى يصل الأمر إليه صلى ~~الله عليه وسلم فيقول: أنا لها أنا لها، ثم يذهب إلى المكان الذي أذن له ~~فيشفع، فيشفعه الله تعالى فيفصل سبحانه بين الخلائق ليذهب كل أحد إلى ~~داره: جنته أو ناره، روى الشيخان: البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله ~~عنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في دعوة فرفع إليه الذراع، ~~وكانت تعجبه، فنهش منها نهشة، فقال: # " أنا سيد الناس يوم القيامة، هل تدرون مم ذاك، يجمع الله الأولين ~~والآخرين في صعيد واحد فيبصرهم الناظر، ويسمعهم الداعي، وتدنو منهم ~~الشمس، فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحملون، فيقول ~~الناس: ألا ترون إلى ما أنتم فيه وإلى ما بلغكم؟ ألا تنظرون إلى من يشفع ~~لكم إلى ربكم، فيقول بعض الناس لبعض: أبوكم آدم فذكر سؤالهم أكابر ~~الأنبياء، وكل واحد منهم يحيل على الذي بعده إلى أن يقول عيسى عليه ~~السلام: اذهبوا إلى محمد صلى الله عليه وسلم، فيقول النبي صلى الله عليه ~~وسلم حين يأتونه: أنا لها، فينطلق فيسجد تحت العرش " # - وهو مروي عن غير أبي هريرة عن أنس وغيره من الصحابة رضي الله تعالى ~~عنهم، ولكن لم أر فيه التصريح بالشفاعة العامة بعد رفع رأسه صلى الله ~~عليه وسلم من السجود إلا فيما رواه البخاري في الزكاة من صحيحه في باب " ~~من سأل الناس تكثرا " عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " إن الشمس تدنو يوم القيامة حتى يبلغ العرق نصف الأذن فبينما هم كذلك ~~استغاثوا بآدم ثم بموسى ثم بمحمد فيشفع ليقضي بين الخلق فيمشي حتى يأخذ ~~بحلقة الباب، فيومئذ يبعثه الله مقاما محمودا يحمده أهل الجمع كلهم " # ، وكذا فيما رواه أيو يعلى في مسنده فقال: حدثنا عمرو بن الضحاك بن ms4184 مخلد ~~ثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد ثنا أبو رافع إسماعيل بن رافع عن محمد بن ~~زياد عن محمد بن كعب القرظي عن رجل من الأنصار عن أبي هريرة رضي الله عنه ~~قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في طائفة من أصحابه فقال: # " إن الله تبارك وتعالى لما فرغ من خلق السماوات والأرض خلق الصور فذكر ~~النفخ فيه للموت ثم للبعث ثم ذكر الحشر " # - وهو حديث طويل جدا إلى أن قال: # " ثم يقفون موقفا واحدا مقدار سبعين عاما لا ينظر إليكم ولا يقضى ~~بينكم، فتبكون حتى تنقطع الدموع، ثم تدمعون دما وتعرقون إلى أن يبلغ ذلك ~~منكم أن يلجمكم أو يبلغ الأذقان، فتضجون وتقولون: من يشفع لنا إلى ربنا ~~يقضى بيننا، فتقولون: من أحق بذلك من أبيكم آدم، خلقه الله بيده، ونفخ ~~فيه من روحه، وكلمه قبلا، فتأتون آدم فتطلبون ذلك إليه فيأبى فيقول: ما ~~أنا بصاحب ذلك، ثم يستقربون الأنبياء نبيا نبيا كلما جاؤوا نبيا أبى ~~عليهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حتى تأتوني، فأنطلق حتى آتي ~~الفحص فأخر ساجدا, فقال أبو هريرة: يا رسول الله! ما الفحص؟ قال: قدام ~~العرش - حتى يبعث الله إلي ملكا فيأخذ بعضدي فيرفعني فيقول لي: يا ~~محمد! فأقول: نعم يا رب! فيقول: ما شأنك - وهو أعلم فأقول: يا رب وعدتني ~~فشفعني في خلقك فاقض بينهم، قال: قد شفعتك أنا آتيكم فأقضي بينكم, قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأرجع فأقف مع الناس فبينما نحن وقوف ~~سمعنا حسا من السماء شديدا فنزل أهل السماء الدنيا مثل من في الأرض من ~~الجن والإنس حتى إذا دنوا من الأرض أشرقت الأرض بنورهم، وأخذوا مصافهم ~~وقلنا لهم: أفيكم ربنا؟ قالوا: لا، وهو آت ثم ينزل أهل السماء الثانية ~~بمثل من نزل من الملائكة، ومثل الجن والإنس، حتى إذا دنوا من الأرض أشرقت ~~الأرض بنورهم، وأخذوا مصافهم وقلنا لهم: أفيكم ربنا؟ قالوا: لا، وهو آت، ~~ثم ينزلون على قدر ذلك من التضعيف ms4185 حتى ينزل الجبار تبارك وتعالى في ظلل ~~من الغمام، والملائكة تحمل عرشه يومئذ ثمانية، وهو اليوم على أربعة - إلى ~~أن قال: فيضع الله كرسيه حيث شاء من أرضه، ثم يهتف بصوته فيقول: يا معشر ~~الجن والإنس! إني قد أنصت لكم من يوم خلقتكم إلى يوم يومكم هذا أسمع ~~قولكم، وأبصر أعمالكم، فانصتوا لي فإنما هي أعمالكم وصحفكم تقرأ عليكم، ~~فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه، ثم يأمر ~~الله جهنم فيخرج منها عنق ساطع مظلم، ثم يقول الله عز وجل { ألم أعهد ~~إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن اعبدوني هذا ~~صراط مستقيم ولقد أضل منكم جبلا كثيرا أفلم تكونوا تعقلون هذه جهنم ~~التي كنتم توعدون } [يس: 60-63] - أو بها تكذبون - شك أبو عاصم، { ~~وامتازوا اليوم أيها المجرمون } [يس: 59] فتسمى النار وتجثو الأمم وترى ~~كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها فيقضي بين خلقه " # - فذكره وهو طويل جدا، ثم ذكر الصراط وبعض الشفاعات الخاصة في أهل ~~الجنة، فذكر دخولهم الجنة ثم أنهم يشفعون في بعض أهل النار إلى أن قال: # " ثم يأذن الله في الشفاعة، فلا يبقى نبي ولا شهيد إلا شفع " # إلى أن قال: # " ثم يقول الله عز وجل: بقيت أنا وأنا أرحم الراحمين. فيدخل الله يده في ~~جهنم فيخرج منها لا يحصيه غيره " # وروى ابن حبان في صحيحه - قال المنذري: ولا أعلم في إسناده مطعنا - عن ~~حذيفة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " يقول إبراهيم عليه السلام يوم القيامة. يا رباه، فيقول الرب جل وعلا: ~~يا لبيكاه، فيقول إبراهيم: يا رب حرقت بني - فيقول الله: أخرجوا من النار ~~من كان في قلبه ذرة أو شعيرة من الإيمان " # وروى الحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم وأحمد بن منيع: # " يلقى رجل أباه يوم القيامة فيقول: يا أبة! أي ابن كنت لك؟ فيقول: خير ~~ابن، فيقول: هل أنت مطيعي اليوم، فيقول: نعم، فيقول خذ ms4186 بازرتي، فيأخذ ~~بازرته، ثم ينطلق حتى يأتي الله وهو يعرض بعض الخلق، فيقول: يا عبدي! ~~ادخل من أي أبواب الجنة شئت، فيقول: أي ربي، وأبي معي فإنك وعدتني أن لن ~~تخزيني، فيعرض عنه ويقضي بين الخلق ويعرضهم ثم ينظر إليه فيقول: يا ابن ~~آدم, ادخل من أي أبواب الجنة شئت, فيقول: أي ربي وأبي معي فإنك قد وعدتني ~~أن لن تخزيني, قال: فيمسخ الله أباه ضبعا أمذر أو أمجر " # - شك أبو جعفر أحد رواة ابن منيع - # " فيأخذ بأنفه فيقول: أبوك هو، فيقول: ما هو بأبي، فيهوي في النار " # وهو في البخاري في أحاديث الأنبياء وتفسير الشعراء بلفظ: # " يلقى إبراهيم عليه السلام أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آذر قترة ~~وغبرة، فيقول له إبراهيم عليه السلام: ألم أقل لك: لا تعصني، فيقول له ~~أبوه: فاليوم لا أعصيك، فيقول إبراهيم: يا رب إنك وعدتني أن لا تخزيني ~~يوم يبعثون فأي خزي أخزى عن أبي الأبعد، فيقول الله تعالى: إني حرمت ~~الجنة على الكافرين، ثم يقال لإبراهيم عليه السلام: انظر ما تحت رجلك ~~فينظر فإذا هو بذيخ - وهو ذكر الضبعان - متلطخ فيؤخذ بقوامه فيلقى في ~~النار " # ، وروى أبو يعلى الموصلي والحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين عن أبي ~~سعيد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " ليأخذن رجل بيد أبيه يوم القيامة فتقطعه النار يريد أن يدخله الجنة، ~~قال: فينادى أن الجنة لا يدخلها مشرك، ألا إن الله قد حرم الجنة على كل ~~مشرك قال: فيقول: أي رب! أبي، فيحول في صورة قبيحة وريح منتنة فيتركه، ~~فكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرون أنه إبراهيم عليه السلام " # ، وروى الشيخان وغيرهما عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يخطب على المنبر يقول: # " إنكم ملاقو الله حفاة عراة غرلا كما بدأنا أول خلق نعيدة وعدا علينا ~~إنا كنا فاعلين، ألا وإن أول الخلائق يكسى إبراهيم عليه السلام ألا وإنه ~~سيجاء برجال من ms4187 أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول: يا رب! أصحابي، فيقول: ~~إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح { وكنت عليهم ~~شهيدا ما دمت فيهم } - إلى قوله: { وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ~~} [المائدة: 118] " # ورواه الترمذي والنسائي بنحوه، ومن نحو ما قال عيسى عليه السلام قول ~~إبراهيم عيله السلام كما حكاه الله عنه { فمن تبعني فانه مني ومن عصاني ~~فإنك غفور رحيم } وروى مسلم في الإيمان من صحيحه والنسائي في التفسير عن ~~عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما # " أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول الله عز وجل في إبراهيم عليه ~~السلام " { رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فأنه مني } الآية - ~~وقال عيسى عليه السلام { إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت ~~العزيز الحكيم } فرفع يديه وقال: اللهم أمتي اللهم أمتي اللهم أمتي - ~~وبكى " ، فقال الله عز وجل: يا جبريل، اذهب إلى محمد - وربك أعلم - ~~فاسأله ما يبكيك؟ فأتاه جبريل عليه السلام فسأله: فأخبره رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بما قال وهو أعلم، فقال الله: يا جبريل اذهب إلى محمد ~~فقل: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك " # ، وللشيخين في الحوض والفتن ومسلم في فضل النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~سهل بن سعد وأبي سعيد رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " أنا فرطكم على الحوض، من مر على شرب، ومن شرب لم يظمأ أبدا، ليردن ~~علي أقوام أعرفهم ويعرفوني، ثم يحال بيني وبينهم " # - زاد أبو سعيد رضي الله عنه: فأقول: # " إنهم مني - فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقا سحقا ~~لمن غير بعدي " # ولمسلم وابن ماجه - وهذا لفظه - عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم - فذكر خطبته في الحج ثم قال: # " ألا وإني فرطكم على الحوض وأكاثر بكم الأمم، ولا تسودوا وجهي، ألا ~~وإني مستنقذ أناسا ومستنقذ مني أناس فأقول: يا رب: أصحابي أصحابي، ~~فيقول: ms4188 إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك " # ولفظ مسلم: # " أنا فرطكم على الحوض ولأنازعن أقواما ثم لأغلبن عليهم فأقول: يا رب! ~~أصحابي فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك " # ولمسلم عن عائشة رضي الله عنهما قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول وهو بين ظهراني أصحابه: # " إني على الحوض أنظر من يرد علي منكم، فوالله ليقطعن دوني رجال ~~فلأقولن: أي رب! مني ومن أمتي، فيقول: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، ما ~~زالوا يرجعون على أعقابهم " # وللشيخين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " ترد علي أمتي الحوض وأنا أذود الناس عنه كما يذود الرجل إبل الرجل عن ~~إبله، قالوا: يا نبي الله! تعرفنا؟ قال: نعم، لكم سيما ليست لغيركم تردون ~~علي غرا محجلين من آثار الوضوء، ولتصدن عني طائفة منكم فلا يصلون، ~~فأقول يا رب هؤلاء أصحابي، فيجيبني ملك فيقول: وهل تدري ما أحدثوا بعدك؟ ~~وفي رواية: بينما أنا قائم على الحوض إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج من ~~بيني وبينهم رجل، فقال: هلم؛ فقلت: إلى أين؟ فقال: إلى النار والله، ~~فقلت: ما شأنهم، فقال: إنهم ارتدوا على أدبارهم فلا أراه يخلص منهم إلا ~~مثل همل النعم. أي ضوالها - أي الناجي قليل، وفي رواية لمسلم في الوضوء: ~~ألا ليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال أناديهم ألا هلم، فيقال: ~~إنهم قد بدلوا بعدك، فأقول: سحقا سحقا " # قال المنذري: والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جدا. ### || [40.21-26] # ولما وعظهم سبحانه بصادق الأخبار عن قوم نوح ومن تبعهم من الكفار، وختمه ~~بالإنذار بما يقع في دار القرار للظالمين الأشرار، أتبعه الوعظ والتخويف ~~بالمشاهدة من تتبع الديار والاعتبار، بما كان لهم فيها من عجائب الآثار، ~~من الحصون والقصور وسائر الأبنية الصغار والكبار، فقال موبخا ومقررا ~~عاطفا على ما تقديره ألم يتعظوا بما أخبرناهم به من الظالمين الأولين من ~~تبعهم من الإهلاك في الدنيا المتصل بالشقاء في الأخرى: { أو لم يسيروا } ~~ولما كان المتقدمون من ms4189 الكثرة والشدة والمكنة بحيث لا يعلمه إلا الله ولا ~~يقدر آدمي على الإحاطة بمساكنهم، نبه عليه بقوله: { في الأرض } أي أي أرض ~~ساروا فيها وعظتهم بما حوت من الأعلام. # ولما كان السير سببا للنظر قال: { فينظروا } أي نظر اعتبار كما هو شأن ~~أرباب البصائر الذين يزعمون أنهم أعلاهم. ولما كانت الأحوال المنظور فيها ~~المعتبر بها شديدة الغرابة، نبه عليها بقوله: { كيف } أي أنها أهل لأن ~~يسأل عنها، ونبه على أن التصاقها بهم في غاية العراقة بحيث لا انفكاك لها ~~بقوله: { كان عاقبة } أي آخر أمر { الذين كانوا } أي سكانا للأرض عريقين ~~في عمارتها. ولما كان المنتفع بالوعظ يكفيه أدنى شيء منه، نبه على ذلك ~~بالجار فقال: { من قبلهم } أي قبل زمانهم { كانوا } ولما كان السياق ~~لمجادلة قريش لإدحاض الحق مع سماعهم لأخبار الأولين، كانوا كأنهم ادعوا ~~أنهم أشد الناس، فاقتضى الحال تأكيد الخبر بأن الأولين أشد منهم، فأكدر ~~أمرهم فيما نسبه إليهم معبرا بضمير الفصل بقوله: { هم } أي المتقدمون، ~~لما لهم من القوى الظاهرة والباطنة. # ولما كان مرجع المجادلة القوة لا الكثرة، وقال استئنافا في جواب من ~~لعله يقول: ما كان أمرهم؟: { أشد منهم } أي هؤلاء - قرأه ابن عامر { منكم ~~} بالكاف كما هو في مصحف أهل الشام على الالتفات للتنصيص على المراد { ~~قوة } أي ذواتا ومعاني { و } أشد { آثارا في الأرض } لأن آثارهم لم ~~يندرس بعضها إلى هذا الزمان وقد مضى عليها ألوف من السنين، وأما ~~المتأخرون فتنطمس آثارهم في أقل من قرن. # ولما كانت قوتهم ومكنتهم سببا لإعجابهم وتكبرهم على أمر ربهم ومخالفة ~~رسله، فكان ذلك سبب هلاكهم قال: { فأخذهم الله } أي الذي له صفات الكمال ~~أخذ غلبة وقهر وسطوة، ولما لم يتقدم شيء يسند إليه أخذهم، قال مبينا ما ~~أخذوا به: { بذنوبهم } أي التي سببت لهم الأخذ ولم يغن عنهم شيء من ذلك ~~الذي أبطرهم حتى عتوا به على ربهم ولا شفع فيهم شافع { وما كان لهم } أي ~~من شركائهم الذين ضلوا بهم كهؤلاء ومن غيرهم { من الله ms4190 } أي عوض المتصف ~~بجميع صفات الكمال، أو كونا مبتدئا من جهة عظمته وجلاله، وأكد النفي ~~بزيادة الجار فقال: { من واق * } أي يقيهم مراده سبحانه فيهم، لا من ~~شركائهم ولا من غيرهم، فعلم أن الذين من دونه لا يقضون بشيء، ويجوز أن ~~تكون " من " الأولى ابتدائية على بابها تنبيها على أن الأخذ في غاية ~~العنف لأنه إذا لم يبتدئ من جهته سبحانه لهم وقاية لم تكن لهم باقية ~~بخلاف من عاقبه الله عقوبة تأديب، فإن عذابه يكون سبب بقائه لما يحصل له ~~منه سبحانه من الوقاية. # ولما ذكر سبحانه أخذهم ذكر سببه بما حاصله أن الاستهانة بالرسول استهانة ~~بمن أرسله في قوله: { ذلك } أي الأخذ العظيم ولما كان مقصود السورة تصنيف ~~الناس في الآخرة صنفين، فكانوا إحدى عمدتي الكلام، أتى بضميرهم فقال: { ~~بأنهم } أي الذين كانوا من قبل { كانت تأتيهم } أي شيئا فشيئا في ~~الزمان الماضي على وجه قضاه سبحانه فأنفذه { رسلهم } أي الذين هم منهم { ~~بالبينات } أي الآيات الدالة على صدقهم دلالة هي من وضوح الأمر بحيث لا ~~يسع منصفا إنكارها. # ولما كان مطلق الكفر كافيا في العذاب، عبر بالماضي فقال: { فكفروا } أي ~~سببوا عن إتيان الرسل عليهم الصلاة والسلام الكفر موضع ما كان إتيانهم ~~سببا له من الإيمان. # ولما سبب لهم كفرهم الهلاك قال: { فأخذهم } أي أخذ غضب { الله } أي ~~الملك الأعظم. ولما كان قوله { فكفروا } معلما بسبب أخذهم لم يقل: ~~بكفرهم، كما قال سابقا: بذنوبهم، لإرشاد السباق إليه. ولما كان اجتراؤهم ~~على العظائم فعل منكر للقدرة، قال مؤكدا لعملهم عمل من لا يخافه: { إنه ~~قوي } لا يغلبه شيء وهو يغلب كل شيء { شديد العقاب * }. # ولما كان ذلك عجبا لأن البينات تمنع من الكفر، فكان تقدير لمن ينكر ~~الإرسال على هذه الصفة: فلقد أرسلناهم كذلك، وكان موسى عليه السلام من ~~أجل المرسلين آيات، عطف على ذلك تسلية ونذارة لمن أدبر، وإشارة لمن ~~استبصر قوله: { ولقد } ولفت القول إلى مظهر العظمة كما في الآيات التي ~~أظهرها بحضرة هذا الملك المتعاظم ms4191 من الهول والعظم الذي تصاغرت به نفسه ~~وتحاقرت عنده همته وانطمس حسه، فقال: { أرسلنا } أي على ما لنا من العظمة ~~{ موسى بآياتنا } أي الدالة على جلالنا { وسلطان } أي أمر قاهر عظيم ~~جدا، لا حيلة لهم في مدافعة شيء منه { مبين * } أي بين في نفسه مناد لكل ~~من يمكن إطلاعه عليه أنه ظاهر جدا، وذلك الأمر هو الذي كان يمنع فرعون ~~من الوصول ألى أذاه مع ما له من القوة والسلطان { إلى فرعون } أي ملك ~~مصر. ولما كان الأكابر أول من يتوجه إليه الأمر لأن بانقيادهم ينقاد ~~غيرهم قال: { وهامان } أي وزيره. ولما كان من أعجب العجب أن يكذب الرسول ~~من جاء لنصرته واستنقاذه من شدته قال: { وقارون } أي قريب موسى عليه ~~السلام { فقالوا } أي هؤلاء ومن تبعهم، أما من عدا قارون فأولا وآخرا ~~بالقوة والفعل، وأما قارون ففعله آخرا بين أنه مطبوع على الكفر وإن آمن ~~أولا، وإن هذا كان قوله وإن لم يقله بالفعل في ذلك الزمان فقد قاله في ~~التيه، فدل ذلك على أنه لم يزل قائلا به، لأنه لم يتب منه { ساحر } ~~لعجزهم عن مقاهرته، ولم يقل، " سحار " لئلا يتوهم أحد أنه يمدحه بالبراعة ~~في علم السحر فتتحرك الهمم للإقبال عليه للاستفادة منه, وهو خبر مبتدأ ~~محذوف، ثم وصفوه بقولهم: { كذاب * } لخوفهم من تصديق الناس له، فبعث أخص ~~عباده به إلى أخس عباده عنده ليقيم الحجة عليه، وأمهله عندما قابل ~~بالتكذيب وحلم عنه حتى أعذر إليه غاية الإعذار. # ولما أجمل أمره كله في هاتين الآيتين، شرع في تفصيله فقال مشيرا إلى ~~مباردتهم إلى العناد من غير توقف أصلا التي أشار إليها حذف المبتدأ ~~والاقتصار على الخبر الذي هو محط الفائدة: { فلما جاءهم } أي موسى عليه ~~السلام { بالحق } أي بالأمر الثابت الذي لا طاقة لأحد بتغيير شيء منه, ~~كائنا { من عندنا } على ما لنا من القهر، فآمن معه طائفة من قومه { ~~قالوا } أي فرعون وأتباعه { اقتلوا } أي قتلا حقيقيا بإزالة الروح { ~~أبناء الذين آمنوا } أي به فكانوا { معه ms4192 } أي خصوهم بذلك واتركوا من ~~عداهم لعلهم يكذبونه { واستحيوا نساءهم } أي اطلبوا حياتهن بأن لا ~~تقتلوهن. # ولما كان هذا أمرا صادا في العادة لمن يؤمن عن الإيمان ورادا لمن آمن ~~إلى الكفران، أشار إلى أنه سبحان خرق العادة بإبطاله فقال: { وما } أي ~~والحال أنه ما كيدهم - هكذا كان الأصل ولكنه قال: { كيد الكافرين } ~~تعميما وتعليقا بالوصف { إلا في ضلال } أي مجانبة للسدد الموصل إلى ~~الظفر والفوز لأنه ما أفادهم أولا في الحذر من موسى عليه السلام ولا ~~آخرا في صد من آمن به مرادهم، بل كان فيه تبارهم وهلاكهم، وكذا أفعال ~~الفجرة مع أولياء الله، ما حفر أحد منهم لأحدم منهم حفرة مكر إلا أركبه ~~الله فيها. # ولما أخبر تعالى بفعله بمن تابع موسى عليه السلام، أخبر عن فعله معه بما ~~علم به أنه عاجز فقال: { وقال فرعون } أي أعظم الكفرة في ذلك الوقت ~~لرؤساء أتباعه عندما علم أنه عاجز عن قتله وملاه ما رأى منه خوفا ~~وذعرا، دافعا عن نفسه ما يقال من أنه ما ترك موسى عليه السلام مع ~~استهانته به إلا عجزا عنه، موهما أن آله هم الذين يردونه عنه، وأنه ~~لولا ذلك قتله: { ذروني } أي اتركوني على أي حالة كانت { أقتل موسى } ~~وزاد في إيهام الأغبياء والمناداة على نفسه عند البصراء بالفضيحة بقوله: ~~{ وليدع ربه } أي الذي يدعوه ويدعي إحسانه إليه بما يظهر على يديه من هذه ~~الخوارق، ثم علل ذلك بقوله مؤكدا إعلاما بأنه الأمر صعب جدا لأنه كان ~~منهم من يوهي أمره بأنه لا يؤثر ما هو فيه شيئا أصلا تقربا إلى فرعون، ~~وإظهارا للثبات على متابعته { إني أخاف } أي إن تركته { أن يبدل دينكم } ~~أي الذي أنتم عليه من نسبة الفعل إلى الطبيعة بما يدعو إليه من عبادة ~~إلهه. # ولما ألهبهم بهذا الكلام إلى ممالأتهم له على موسى عليه السلام، زاد في ~~ذلك بقوله: { وأن يظهر } أي بسببه - على قراءة الجماعة بفتح حرف المضارعة ~~{ في الأرض } أي كلها { الفساد * } وقرأ المدنيان والبصريان وحفص ms4193 بالضم ~~إسنادا إلى ضمير موسى عليه السلام وبنصب الفساد أي بفساد المعائش فإنه ~~إذا غلب علينا قوي على من سوانا، فسفك الدماء وسبى الذرية، وانتهب ~~الأموال، ففسدت الدنيا مع فساد الدين، فسمى اللعين الصلاح - لمخالفته ~~لطريقته الفاسدة - فسادا كما هو شأن كل مفسد مع المصلحين، وقرأ الكوفيون ~~ويعقوب " أو أن " بمعنى أنه يخاف وقوع أحد الأمرين: التبديل أو ظهور ما ~~هو عليه مما سماه فسادا، وإن لم يحصل التبديل عاجلا فإنه يحصل به ~~الوهن. ### || [40.27-30] # ولما أعلم بمقالة العدو، أتبعه الإعلام بقول الولي فقال: { وقال موسى } ~~إبطالا لهذا القول وإزالة لآثاره مؤكدا لما استقر في النفوس من قدرة ~~فرعون: { إني عذت } أي اعتصمت عند ابتداء الرسالة { بربي } ورغبهم في ~~الاعتصام به وثبتهم بقوله: { وربكم } أي المحسن إلينا أجمعين، فأرسلني ~~لاستنقاذكم من أعداء الدين والدنيا { من كل متكبر } أي عات طاغ متعظم ~~على الحق هذا وغيره { لا يؤمن } أي لا يتجدد له تصديق { بيوم الحساب * } ~~من ربه له وهو يعلم أنه لا بد من حسابه هو لمن تحت يده من رعاياه وعبيده ~~فيحكم على ربه بما لا يحكم به على نفسه، ومعنى العوذ أنه لا وصول لأحد ~~منهم إلى قتلي بسبب عوذي، هذا أمر قد فرغ منه مرسلي لخلاصكم، القادر على ~~كل شيء. # ولما انقضى كلام الرأسين، وكانت عادة من لم يكن لهم نظام من الله رابط ~~أن قلوبهم لا تكاد تجتمع وأنه لا بد أن يجاهر بعضهم بما عنده ولو عظم شأن ~~الملك القائم بأمرهم، واجتهد في جمع مفترق علنهم وسرهم، قال تعالى مخبرا ~~عن كلام بعض الأتباع في بعض ذلك: { وقال رجل } أي كامل في رجوليته { مؤمن ~~} أي راسخ الإيمان فيما جاء به موسى عليه السلام. ولما كان للإنسان، إذا ~~عم الطغيان، أن يسكن بين أهل العدوان، إذا نصح بحسب الإمكان، أفاد ذلك ~~بقوله: { من آل فرعون } أي وجوههم ورؤسائهم { يكتم إيمانه } أي يخفيه ~~إخفاء شديدا خوفا على نفسه لأن الواحد إذا شذ عن قبيلة يطمع فيه ما لا ms4194 ~~يطمع إذا كان واحدا من جماعة مختلفة، مخيلا لهم بما يوقفهم عن الإقدام ~~على قتله من غير تصريح بالإيمان. # ولما رآهم قد عزموا على القتل عزما قويا أوقع عليه اسم القتل، فقال ~~منكرا له غاية الإنكار: { أتقتلون رجلا } أي هو عظيم في الرجال حسا ~~ومعنى، ثم علل قتلهم له بما ينافيه فقال: { أن } أي لأجل أن { يقول } ولو ~~على سبيل التكرير: { ربي } أي المربي لي والمحسن إلي { الله } أي الجامع ~~لصفات الكمال { وقد } أي والحال أنه قد { جاءكم بالبينات } أي الآيات ~~الظاهرات من غير لبس { من ربكم } أي الذي لا إحسان عندكم إلا منه، وكما ~~أن ربوبيته له اقتضت عنه الاعتراف له بها فكذلك ينبغي أن تكون ربوبيته ~~لكم داعية لكم إلى اعترافكم له بها. # ولما كان كلامه هذا يكاد أن يصرح بإيمانه، وصله بما يشككهم في أمره ~~ويوقفهم عن ضره، فقال مشيرا إلى أنه لا يخلو حاله من أن يكون صادقا أو ~~كاذبا، مقدما القسم الذي هو أنفى للتهمة عنه وأدعى للقبول منه: { وإن } ~~أي والحال أنه إن. # ولما كان المقام لضيقه غاية الضيق بالكون بين شرور ثلاثة عظيمة: قتلهم ~~خير الناس إذ ذاك، وإتيانهم بالعذاب، واطلاعهم على إيمانه، فأقل ما ~~يدعوهم ذلك إلى اتهامه إن لم يحملهم على إعدامه داعية للإيجاز في الوعظ ~~والمسارعة إلى الإتيان بأقل ما يمكن، حذف النون فقال: { يك كاذبا فعليه ~~} أي خاصة { كذبه } يضره ذلك وليس عليكم منه ضرر، ولم يقل: أو صادقا، ~~وإن كان الحال مقتضيا لغاية الإيجاز لئلا يكون قد نقص الجانب المقصود ~~بالذات حقه، فيكون قد أخل ببعض الأدب، فقال مظهرا لفعل الكون عادلا عما ~~له إلى ما عليهم معادلا لما ذكره عليه ونقصه عنه إظهارا للنصفة ودفعا ~~للتهمة عن نفسه: { وإن يك } حذف نونه لمثل ما مضى { صادقا يصبكم } أي ~~على وجه العقوبة من الله وله صدقه ينفعه ولا ينفعكم شيئا. # ولما كان العاقل من نظر لنفسه فلم يرد كلام خصمه من غير حجة، وكان أقل ~~ما يكون من ms4195 توعد من بانت مخايل صدقه البعض، قال ملزما الحجة بالبعض، غير ~~ناف لما فوقه إظهارا للانصاف وأنه لم يوصله حقه فضلا عن التعصب له ~~نفيا للتهمة عن نفسه: { بعض الذي } وقال: { يعدكم } دون " يوعدكم " ~~إشارة إلى أنهم إن وافوه أصابهم جميع ما وعدهموه من الخير، وإلا دهاهم ما ~~توعدهم من الشر، والآية من الاحتباك: ذكر اختصاصه بضر الكذب أولا دليلا ~~على ضده وهو اختصاصه بنفع الصدق ثانيا، وإصابتهم ثانيا دليلا على ~~إصابته أولا، وسره أنه ذكر الضار في الموضعين، لأنه أنفع في الوعظ لأن ~~من شأن النفس الإسراع في الهرب منه، ولقد قام أعظم من هذا المقام - كما ~~في الصحيح عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما - أبو بكر الصديق رضي الله ~~عنه وهو مظهر إيمانه وقد جد الجد بتحقق الشروع في الفعل حيث اخذ المشركون ~~بمجامع ثوب النبي صلى الله عليه وسلم وهو يطوف بالبيت فالتزمه أبو بكر ~~رضي الله عنه وهو يقول هذه الآية، ودموعه تجري على لحيته حتى فرج الله ~~وقد مزقوا كثيرا من شعر رأسه - رضي الله عنه. # ولما كان فرعون قد نسب موسى عليه الصلاة والسلام بما زعمه من إرادته ~~إظهار الفساد إلى الإسراف بعد ما نسبه إليه من الكذب، علل هذا المؤمن ~~قوله هذا الحسن في شقي التقسيم بما ينطبق إلى فرعون منفرا منه مع ~~صلاحيته لإرادة موسى عليه الصلاة والسلام على ما زعمه فيه فرعون فقال: { ~~إن الله } أي الذي له مجامع العظمة ومعاقد العز { لا يهدي } أي إلى ~~ارتكاب ما ينفع واجتناب ما يضر { من هو مسرف } أي بإظهار الفساد متجاوز ~~للحد، وكأنه رضي الله عنه جوز أن يتأخر شيء مما توعد به فيسموه كذبا، ~~ولذا قال { يصبكم بعض الذي يعدكم } فعلق الأمر بالمبالغة فقال: { كذاب * ~~} لأن أول خذلانه وضلاله تعمقه في الكذب، ويهدي من هو مقتصد صادق، فإن ~~كان كاذبا كما زعمتم ضره كذبه، ولم يهتد لوجه يخلصه، وإن كان صادقا ~~أصابتكم العقوبة ولم تهتدوا لما ينجيكم، لاتصافكم بالوصفين. # ولما ms4196 خيلهم بهذا الكلام الذي يمكنه توجيهه، شرع في وعظهم إظهارا ~~للنصيحة لهم والتحسر عليهم فقال مذكرا لهم بنعمة الله عليهم محذرا لهم ~~من سلبها مستعطفا بذكر أنه منهم: { يا قوم } وعبر بأسلوب الخطاب دون ~~التكلم تصريحا بالمقصود فقال: { لكم الملك } ونبه على ما يعرفونه من ~~تقلبات الدهر بقوله: { اليوم } وأشار إلى ما عهدوه من الخذلان في بعض ~~الأزمان بقوله: { ظاهرين } أي غالبين على بني إسرائيل وغيرهم، وما زال ~~أهل البلاء يتوقعون الرخاء، وأهل الرخاء يتوقعون البلاء، ونبه على الإله ~~الواحد القهار الذي له ملك السماوات فملك الأرض من باب الأولى، بقوله ~~معبرا بأداة الظرف الدالة على الاحتياج ترهيبا لهم: { في الأرض } أي ~~أرض مصر التي هي لحسنها وجمعها المنافع كالأرض كلها، قد غلبتم الناس ~~عليها. # ولما علم من هذا أنهم لا يملكون جميع الكون، تسبب عنه أن المالك للكل هو ~~الإله الحق والملك المطلق الذي لا مانع لما يريد، فلا ينبغي لأحد من ~~عبيده أن يتعرض إلى ما لا قبل له به من سخطه، فلذلك قال: { فمن ينصرنا } ~~أي أنا وأنتم، أدرج نفسه فيهم عن ذكر الشر بعد إفراده لهم بالملك إبعادا ~~للتهمة وحثا على قبول النصيحة: { من بأس الله } أي الذي له الملك كله، ~~ونبه بأداة الشك على أن عذابه لهم أمر ممكن، والعاقل من يجوز الجائز ~~ويسعى في التدرع منه فقال: { إن جاءنا } أي غضبا لهذا الذي يدعي أنه ~~أرسله، ويجوز أن يكون صادقا، بل يجب اعتقاد ذلك لما أظهره من الدلائل، ~~وفي قوله هذا تسجيل عليهم بأنهم يعرفون أن الله ملك الملوك ورب الأرباب، ~~وكذا قول موسى عليه السلام # لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض # [الاسراء: 102] وأن ادعاء فرعون الإلهية إنما هو محض عناد. # ولما سمع فرعون ما لا طعن له فيه، فكان بحيث يخاف من بقية قومه إن أفحش ~~في أمر هذا المؤمن، فتشوف السامع لجوابه، أخبر تعالى أنه رد ردا دون رد ~~بقوله: { قال فرعون } أي لقومه جوابا لما قاله هذا المؤمن ms4197 دالا بالحيدة ~~عن حاق جوابه على الانقطاع بالعجز عن نقض شيء من كلامه: { ما أريكم } أي ~~من الآراء { إلا ما أرى } أي إنه الصواب على قدر مبلغ علمي، أي إن ما ~~أظهرته لكم هو الذي أبطنه. ولما كان في كلام المؤمن تعريض في أمر ~~الهداية، وكان الإنسان ربما يتوافق قلبه ولسانه، ويكون تطابقهما على ~~ضلال، قال: { وما أهديكم } أي بما أشرت به من قتل موسى عليه السلام وغيره ~~{ إلا سبيل الرشاد * } أي الذي أرى أنه صواب، لا أبطن شيئا وأظهر غيره، ~~وربما يكون في هذا تنبيه لهم على ما يلوح من كلام المؤمن لأنه ارتاب في ~~أمره، وفي هذا أنه في غاية الرعب من أمر موسى عليه السلام لاستشارته ~~لقومه في أمره واحتمال هذه المراجعات التي يلوح منها أنه يكاد ينفطر ~~غيظا منه ولكنه يتجلد. # ولما ظهر لهذا المؤمن رضي الله عنه أن فرعون ذل لكلامه، ولم يستطع ~~مصارحته، ارتفع إلى أصرح من الأسلوب الأول فأخبرنا تعالى عنه بقوله ~~مكتفيا في وصفه بالفعل الماضي لأنه في مقام الوعظ الذي ينبغي أن يكون من ~~أدنى متصف بالإيمان بعد أن ذكر عراقته في الوصف لأجل أنه كان في مقام ~~المجاهدة والمدافعة عن الرسول عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام الذي ~~لا يقدم عليه إلا راسخ القدم في الدين: { وقال الذي آمن } أي بعد قول ~~فرعون هذا الكلام الذي هو أبرد من الثلج الذي دل على جهله وعجزه وذله { ~~يا قوم } وأكد لما رأى عندهم من إنكار أمره وخاف منهم من اتهامه فقال: { ~~إني أخاف عليكم } أي من المكابرة في أمر موسى عليه الصلاة والسلام. ولما ~~كان أقل ما يخشى يكفي العاقل، وكانت قدرة الله سبحانه عليهم كلهم على حد ~~سواء لا تفاوت فيها فكان هلاكهم كلهم كهلاك نفس واحدة، أفرد فقال: { مثل ~~يوم الأحزاب * } مع أن إفراده أروع وأقوى في التخويف وأفظع للاشارة إلى ~~قوة الله تعالى وأنه قادر على إهلاكهم في أقل زمان. ### || [40.31-34] # ولما أجمل فصل وبين أو بدل بعد ms4198 أن هول، فقال بادئا بمن كان عذابهم مثل ~~عذابهم، ودأبهم شبيها بدأبهم: { مثل دأب } أي عادة { قوم نوح } أي فيما ~~دهمهم من الهلاك الذي محقهم فلم يطيقوه مع ما كان فيهم من قوة المحاولة ~~والمقاومة لما يريدونه { وعاد وثمود } مع ما بلغكم من جبروتكم. ولما كان ~~هؤلاء أقوى الأمم، اكتفى بهم وأجمل من بعدهم فقال: { والذين } وأشار ~~بالجار إلى التخصيص بالعذاب لئلا يقال: هذه عادة الدهر، فقال: { من بعدهم ~~} أي بالقرب من زمانهم لا جميع من جاء بعدهم. # ولما كان التقدير: أهلكهم الله وما ظلمهم، عبر عنه تعميما مقرونا بما ~~تضمنه من الخبر بدليله فقال: { وما الله } أي الذي له الإحاطة بأوصاف ~~الكمال. ولما كان في مقام الوعظ لهم ومراده ردهم عن غيهم بكل حال، علق ~~الأمر بالإرادة لأنها متى ارتفعت انتفى الظلم، ونكر تعميما فقال: { يريد ~~ظلما } أي يتجدد منه أن يعلق إرادته وقتا ما بنوع ظلم { للعباد * } لأن ~~أحد لا يتوجه أبدا إلى أنه يظلم عبيده الذين هم تحت قهره، وطوع مشيئته ~~وأمره، ومتى لم يعرفوا حقه وأرادوا البغي على من يعرف حقه عاقبهم ولا بد، ~~وإلا كان كفه ظلما للمبغي عليهم. # ولما أشرق من آفاق هذا الوعظ شمس البعث ونور الحشر، لأنه لا يسوغ أصلا ~~أن ملكا يدع عبيده يبغي بعضهم على بعض من غير إنصاف بينهم ونحن نرى أكثر ~~الخلق يموت مقهورا من ظالمه، ومكسورا من حاكمه، فعلم قطعا أن الموت ~~الذي لم يقدر ولا يقدر أحد أصلا أن يسلم منه إنما هو سوق إلى دار العرض ~~وساحة الجزاء للقرض - كما جرت به عادة الملوك إذا وكلوا بمن يأمرون ~~باحضاره إليهم لعرضه عليهم ليظهر التجلي في صفات الجبروت والعدل، ومظاهر ~~الكرم الفضل قال: { ويا قوم } ولما كانوا منكرين للبعث أكد فقال: { إني ~~أخاف } وعبر بأداة الاستعلاء زيادة في التخويف فقال: { عليكم } ولما كان ~~قد سماه فيما مضى بالتلاقي والآزفة لما ذكر، عرف هنا أن الخلق فيه وجلون ~~خائفون وأنهم لكثرة الجمع ينادون وينادون للرفعة أو الضعة ms4199 وغير ذلك من ~~الأمور المتنوعة التي مجموعها يدل على ظهور الجبروت وذل الخلق لما يظهر ~~لهم من الكبرياء والعظموت فقال: { يوم التناد * } أي أهواله وما يقع فيه، ~~فينادي الجبار سبحانه بقوله { ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدو ~~الشيطان } وينادونه " بلى يا ربنا " وتنادي الملائكة بصوت يسمعه من بعد ~~كما يسمعه من قرب " يا فلان ابن فلان أقبل لفصل النزاع " وينادي ذلك ~~العبد " ألا سمعا وطاعة " وينادي الفائز " ألا نعم أجر العاملين " ~~وينادي الخائب " ألا بئس منقلب الظالمين " وينادي أصحاب الأعراف, وأهل ~~الجنة أهل النار, وأهل النار أهل الجنة, وينادي الكل حين يذبح الموت، ~~ويدعى كل أناس بإمامهم، وتتنادى الملائكة وقد أحاطوا بالثقلين صفوفا ~~مترتبة ترتب السماوات التي كانوا بها بالتسبيح والتقديس، وترتفع الأصوات ~~بالضجيج، بعضهم بالسرور وبعضهم بالويل والثبور، وتنادي ألسن النيران: أي ~~الجبارون أين المتكبرون، وتنادي الجنة، أين المشمرون في مرضاة الله ~~والصابرون، فيا له يوما يذل فيه العصاة العتاة, ويعز المنكسرة قلوبهم من ~~أجل الله, وقرأ ابن عباس رضي الله عنهما في آخرين بتشديد الدال من التناد ~~على أنه مصدر تناد من ند البعير - إذا هرب ونفر، وهو كقوله يوم # يفر المرء من أخيه # [عبس: 34] وتقدم في حذف ياء التلاق وإثباتها ما يمكن الفطن تنزيله هنا. ~~ولما كانت عادة المتنادين الإقبال، وصف ذلك اليوم بضد ذلك لشدة الأهوال ~~فقال مبدلا أو مبينا: { يوم تولون مدبرين } أي حين تخرج ألسنة النيران ~~فتخطف أهل الكفران، وتزفر زفرات يخر أهل الموقف من خشيتها، فترى كل أمة ~~جاثية ويفرون فلا يقصدون مكانا إلا وجدوا به الملائكة صافين كما قال ~~تعالى # والملك على أرجائها # [الحاقة: 17] وينادي المنادي # يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض ~~فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان # [الرحمن: 33]. # ولما كان المدبر إنما يقصد في إدباره معقلا يمنعه ويستره أو فئة تحميه ~~وتنصره، قال مبينا حالهم: { ما لكم من الله } أي الملك الجبار الذي لا ~~ند له، وأعرق في النفي فقال: { من عاصم } أي ms4200 مانع يمنعكم مما يراد فما ~~لكم من عاصم أصلا، فإنه سبحانه يجير ولا يجار عليه. # ولما كان التقدير: لضلالكم في الدنيا فإن حالكم في ذلك اليوم مكتسب من ~~احوالكم في هذا اليوم، عطف عليه قوله معمما: { ومن يضلل الله } أي ~~الملك المحيط بكل شيء الباطن في اردية الجلال الظاهر في مظاهر القهر ~~والجمال، إضلالا جبله عليه فهو في غاية البيان - بما أشار إليه الفلك { ~~فما له من هاد * } أي إلى شيء ينفعه بوجه من الوجوه، وأما الضلال العارض ~~فيزيله الله لمن يشاء من عباده، وهذا لا يعرف إلا بالخاتمة كما قاله ~~الإمام أبو الحسن الأشعري: فمن مات على شيء فهو مجبول عليه. # ولما كان حاصل ما مضى من حالهم في أمر موسى عليه السلام أنه جاءهم ~~بالبينات فشكوا فيها، وختم بتحذيرهم من عذاب الدنيا والآخرة، عطف عليه شك ~~آبائهم في مثل ذلك، فقال مبينا أنهم مستحقون لما حذر منه العذاب ليشكروا ~~نعمة الله في إمهاله إياهم ويحذروا نقمته إن تمادوا وأكد لأجل إنكارهم أن ~~يكونوا أتو ببينة، وافتتح بحرف التوقع لأن حالهم اقتضت توقع ذلك ودعت ~~إليه: { ولقد جاءكم } أي جاء آباءكم يا معشر القبط، ولكنه عبر بذلك دلالة ~~على أنهم على مذهب الآباء كما جرت به العادة من التقليد، ومن أنهم على ~~طبائعهم لا سيما إن كانوا لم يفارقوا مساكنهم: { يوسف } أي نبي الله ابن ~~نبي الله يعقوب ابن نبي الله إسحاق بن خليل الله إبراهيم عليهم وعلى ~~نبينا أفضل الصلاة وأتم التسليم. # ولما لم يكن مجيئه مستغرقا لما تقدم موسى عليه السلام من الزمان أدخل ~~الجار فقال: { من قبل } أي قبل زمن موسى عليه السلام: { بالبينات } أي ~~الآيات الظاهرات ولا سيما في أمر يوم التناد { فما زلتم } بكسر الزاي من ~~زال يزال أي ما برحتم أنتم تبعا لآبائكم { في شك } أي محيط بكم لم تصلوا ~~إلى رتبة الظن { مما جاءكم به } من التوحيد وما يتبعه، ودل على تمادي ~~شكهم بقوله: { حتى إذا هلك } وكأنه عبر بالهلاك إيهاما لهم ms4201 أنه غير معظم ~~له، وأنه إنما يقول ما يشعر بالتعظيم لأجل محض النصيحة والنظر في العاقبة ~~{ قلتم } أي من عند أنفسكم بغير دليل كراهة لما جاء به وتضجرا منه جهلا ~~بالله تعالى: { لن يبعث الله } أي الذي له صفات الكمال. # ولما كان مرادهم استغراق النفي حتى لا يقع البعث في زمن من الأزمان وإن ~~قل، أدخل الجار فقال: { من بعده } أي يوسف عليه السلام { رسولا } وهذا ~~ليس إقرارا منهم برسالته، بل هو ضم منهم إلى الشك في رسالته التكذيب ~~برسالة من بعده، والحجر على الملك الأعظم في عباده وبلاده والإخبار عنه ~~بما ينافي كماله. # ولما كان كأنه قيل: هذا ضلال عظيم هل ضل أحد مثله؟ أجيب بقوله: { كذلك } ~~أي مثل هذا الضلال العظيم الشأن { يضل } وأبرز الاسم ولم يضمره لئلا يخص ~~الإضلال بالحيثية الماضية، وجعله الجلالة تعظيما للأمر لصلاحية الحال ~~لذلك وكذا ما يأتي بعده { الله } أي بما له من صفات القهر { من هو مسرف } ~~أي متعال في الأمور خارج عن الحدود طالب للارتفاع عن طور البشر. # ولما كان السياق للشك في الرسالة والقول بالظن الذي يلزم منه اتهام ~~القادر سبحانه بالعجز أو مجانبة الحكمة قال: { مرتاب * } أي يشك فيما لا ~~يقبل الشك ويتهم غيره بما لا حظ للتهمة فيه، أي ديدنه التذبذب في الأمور ~~الدينية، فلا يكاد يحقق أمرا من الأمور، ولا إسراف ولا ارتياب أعظم من ~~حال المشرك فإنه منع الحق أهله وبذله لمن لا يستحقه بوجه، وهذه الآية ~~دليل على أن القبط طول الدهر على ما نشاهده من أنه لا ثقة بدخولهم في ~~الدين الحق، ولا ثبات لهم في الأعمال الصالحة. ### || [40.35-39] # ولما ظهر ظهورا لا يحتمل شكا بما أتى به موسى عليه السلام من البينات ~~أن شكهم في رسالة الماضي وجزمهم في الحكم بنفي رسالة الآتي أعظم ضلال ~~وأنه من الجدال الذي لا معنى له إلا فتل المحق عما هو عليه من الحق إلى ~~ما عليه المجادل من الضلال، وصل بذلك قوله على سبيل الاستنتاج ذما ms4202 لهم ~~بعبارة تعم غيرهم: { الذين } أي جدال من { يجادلون } أي يقاتلون ويخاصمون ~~خصاما شديدا { في آيات الله } أي المحيطة بأوصاف الكمال لا سيما الآيات ~~الدالة على يوم التناد، فإنها أظهر الآيات على وجوده سبحانه وعلى ما هو ~~عليه من الصفات والأفعال وما يجوز عليه أو يستحيل. # ولما كان الجدال بالتي هي أحسن مشروعا، وهو بما أمر به قال: { بغير ~~سلطان } أي تسليط ودليل { أتاهم } أي من عند من له الأمر كله { كبر } أي ~~عظم هو، أي الجدال المقدر مضافا قبل { الذين } وبين ما أبهم من هذا ~~العظم بتمييز محول عن الفاعل فقال: { مقتا عند الله } أي الملك الأعظم { ~~وعند الذين آمنوا } أي الذين هم خاصته. # ولما كان فاعل هذا لا يكون إلا مظلم القلب، فكان التقدير: أولئك طبع ~~الله على قلوبهم، وصل به استنئافا قوله: { كذلك } أي مثل هذا الطبع ~~العظيم { يطبع } أي يختم ختما فيه العطب { الله } أي الذي له جميع ~~العظمة { على كل قلب } ولما كان فعل كل ذي روح إنما هو بقلبه، نسب الفعل ~~إليه في قراءة أبي عمرو وابن عامر في إحدى الروايتين عنه بالتنوين فوصفه ~~بقوله: { متكبر } أي متكلف ما ليس له وليس لأحد غير الله { جبار * } أي ~~ظاهر الكبر قويه قهار, وقراءة الباقين بالإضافة مثلها سراء في أن السور ~~داخل القلب ليعم جميع أفراده غير أن الوصف بالكبر والجبروت للشخص لا ~~للقلب، وهي أبين من القراءة الشاذة بتقديم القلب على كل, لأن تقديم كل نص ~~في استغراق أفراد القلوب ممن اتصف بهذا الوصف، ومن المقطوع به أن آحاد ~~القلوب موزعة على آحاد الأشخاص لأنه لا يكون لشخص أكثر من قلب بخلاف ما ~~إذا قدم القلب فإنه قد يدعي أن الشخص الواحد، وأن السور لأجل جمعه لأنواع ~~الكبر والجبروت فيكون المعنى: على قلب شخص جامع لكل فرد من أفراد التكبر ~~والتجبر - والله الموفق. # ولما ذكر الطبع المذكور، دل عليه بما ذكر من قول فرعون وفعله عطفا على ~~ما مضى من قوله وقول المؤمن، فإنه قصد ms4203 ما لا مطمع في نيله تيها وحماقة ~~تكبرا وتجبرا لكثافة قلبه وفساد لبه، فصار به ضحكة لكل من سمعه, هذا إن ~~كان ظن أنه يصل إلى ما أراد, وإن كان قصد بذلك التلبيس على قومه للمدافعة ~~عن اتباع موسى عليه السلام إلى وقت ما فقد نادى عليهم بالجهل، والإغراق ~~في قلة الحزم والشهامة والعقل، فقال تعال: { وقال فرعون } أي بعد قول ~~المؤمن هذا، معرضا عن جوابه لأنه لم يجد فيه مطعنا: { يا هامان } وهو ~~وزيره { ابن } وعرفه بشدة اهتمامه به بالإضافة إليه في قوله: { لي صرحا ~~} أي بناء ظاهرا يعلوه لكل أحد. # قال البغوي: لا يخفى على الناظر وإن بعد. وأصله من التصريح وهو الإظهار، ~~وتعليله بالترجي الذي لا يكون إلا في الممكن دليل على أنه كان يلبس على ~~قومه وهو يعرف الحق، فإن عاقلا لا يعد ما رامه في عداد الممكن العادي ~~فقال: { لعلي أبلغ الأسباب * } أي التي لا أسباب غيرها لعظمها. # ولما كان بلوغها أمرا عجيبا، أورده على نمط مشوق عليه ليعطيه السامع ~~حقه من الاهتمام تفخيما لشأنها، ليتشوف السامع إلى بيانها، بقوله: { ~~أسباب السماوات } أي الأمور الموصلة إليها، وكل ما أداك إلى شيء فهو سبب ~~إليه. # ولما ذكر هذا السبب، ذكر المسبب عنه فقال: { فاطلع } أي فلعله يتسبب ~~عن ذلك ويتعقبه أني أتكلف الطلوع { إلى إله موسى } فيكون كما ترى عطفا ~~على { أبلغ } ، ونصبه حفص عن عاصم على الجواب تنبيها على أن ما أبرزه ~~الخبيث في عداد الممكن إنما هو تمني محال غير ممكن في العادة. # ولما كان من جملة إرادته بذلك مع إيقاف قومه إلى وقت ما عن المتابعة أن ~~يخيلهم بأن يقول: طلعت فبحثت عما قال موسى فلم أقف له على صحة، قدم لهم ~~قوله مبينا لحاله إذ ذاك لما ظن من ميل قلوبهم إلى تصديق موسى عليه ~~السلام: { وإني لأظنه } أي موسى { كاذبا } فترك الكلام على احتمال أن ~~يريد في الرسالة أو في الإلهية. ولما كان هذا أمرا عجيبا، وهو كون أحد ~~يظن أنه ms4204 يخيل للعقول أنه يصعد إلى السماء، وأن الإله الذي هو غني عن كل ~~شيء وقد كان ولا شيء معه يكون في السماء، أو في محل من المحال، فإن كل ~~حال في شيء يحتاج إلى محله، وكل محتاج عاجز ولا يصلح العاجز للإلهية لو ~~لم يجئ عن الله لما كان أهلا لأن يصدق، فكان التقدير: عمله فرعون لأنا ~~زيناه له، عطف عليه زيادة في التعجيب: { وكذلك } أي ومثل ذلك التزيين ~~العظيم الشأن اللاعب بالألباب. ولما كان الضار هو التزيين لا المزين ~~الخاص، بناه للمفعول فقال: { زين } أي زين المزين النافذ الأمر، وهو لله ~~تعالى حقيقة بخلقه وإلزامه لأن كل ما دخل في الوجود من المحدثات فهو ~~خلقه، والشيطان مجازا بالتسبب بالوسوسة التي هي خلق الله تعالى { لفرعون ~~سوء عمله } في جميع أمره، فاقبل عليه راغبا فيه مع بعده من عقل أقل ذوي ~~العقول فضلا عن ذوي الهمم منهم فضلا عن الملوك، وأطاعه فيه وقومه { ~~وصد } بنفسه ومنع غيره على قراءة الفتح، ومنعه الله - على قراءة ~~الكوفيين ويعقوب بالضم { عن السبيل } أي التي لا سبيل في الحقيقة غيرها، ~~وهو الموصلة إلى الله تعالى. # ولما كان هذا السياق بحيث يظن منه الظان أن لفرعون نوع تصرف، نفى ذلك ~~بقوله: { وما كيد } واعاد الاسم ولم يضمره لئلا يخص بخيثية من الحيثيات ~~فقال: { فرعون } أي في إبطال أمر موسى عليه السلام { إلا في تباب * } أي ~~خسار وهلاك عظيم محيط به لا يقدر على الخروج منه، وما تعطاه إلا لأنه ~~محمول عليه ومقهور فيه، كما كشف عنه الحال، فدل ذلك قطعا على أنه لو كان ~~له أدنى تصرف يستقل به لما أنتج فعله الخسار. # ولما كان فساد ما قاله فرعون أظهر من أن يحتاج إلى بيان، أعرض المؤمن ~~عنه تصريحا، ولوح إلى ما حكاه الله عنه من أنه محيط به الهلاك تلويحا ~~في قوله مناديا قومه ومستعطفا لهم ثلاث مرات: الأولى على سبيل الإجمال ~~في الدعوة، والأخريان على سبيل التفصيل، فقال تعالى عنه: { وقال الذي آمن ms4205 ~~} أي مشيرا إلى وهي قول فرعون بالإعراض عنه، وعبر بالفعل إشارة إلى أنه ~~ينبغي لأدنى أهل الإيمان أن لا يحقر نفسه عن الوعظ: { يا قوم } أي يا من ~~لا قيام لي إلا بهم فأنا غير متهم في نصيحتهم { اتبعون } أي كلفوا أنفسكم ~~اتباعي لأن السعادة غالبا تكون فيما يكره الإنسان { أهدكم سبيل } أي ~~طريق { الرشاد * } أي الهدى لأنه مع سهولته واتساعه موصل ولا بد إلى ~~المقصود، وأما ما قال فرعون مدعيا أنه سبيل الرشاد لا يوصل إلا إلى ~~الخسار، فهو تعريض به شبيه بالتصريح. # ولما كان هذا دعاء على سبيل الإجمال، وكان الداء كله في الإقبال على ~~الفاني، والدواء كله في الإقدام على الباقي، قال استئنافا في جواب من ~~سأل عن تفصيل هذه السبيل مبينا أنها العدول عما يفنى إلى ما يبقى محقرا ~~للدنيا مصغرا لشأنها لأن الإخلاد إليها أصل الشر كله، ومنه يتشعب ما ~~يؤدي إلى سخط الله { يا قوم } كرر ذلك زيادة في استعطافهم بكونهم أهله ~~فهو غير متهم في نصحهم لأنه لا يريد لهم إلا ما يريد لنفسه. ولما كانت ~~الأنفس لكونها مطبوعة على الوهم لا تعد الحاصل إلا الحاضر أكد فقال: { ~~إنما هذه الحياة } وحقرها بقوله: { الدنيا } إشارة إلى دناءتها وبقوله: { ~~متاع } إشارة إلى أنها جيفة لأنها في اللغة من جملة مدلولات المتاع، فلا ~~يتناول منها إلا كما يتناول المضطر من الجيفة لأنها دار القلعة والزوال ~~والتزود والارتحال. # ولما افتتح بذم الدنيا، ثنى بمدح الآخرة فقال: { وإن الآخرة } لكونها ~~المقصودة بالذات { هي دار القرار * } التي لا تحول منها أصلا دائم كل ~~شيء من ثوابها وعقابها، فهي للتلذذ والانتفاع, والترفه والاتساع, لمن ~~توسل إلى ذلك بحسن الاتباع, أو للشقاوة والهلاك، لمن اجترأ على المحارم ~~واستخف الانتهاك قال الأصفهاني: قال بعض العارفين: لو كانت الدنيا ذهبا ~~فانيا والآخرة خزفا باقيا، لكانت الآخرة خيرا من الدنيا فكيف والدنيا ~~خزف فان، والآخرة ذهب باق بل أشرف وأحسن. # وكما أن النعيم فيها دائم فكذلك العذاب، فكان الترغيب في نعيم الجنان، ~~والترهيب ms4206 من عذاب النيران، من أعظم وجوه الترغيب والترهيب، فالآية من ~~الاحتباك: ذكر المتاع أولا دليلا على حذف التوسع ثانيا، والقرار ~~ثانيا دليلا على حذف الارتحال أولا. ### || [40.40-44] # ولما حرك الهمم بهذا الوعظ إلى الإعراض عن دار الأنكاد والأمراض، ~~والإقبال على دار الجلال والجمال بخدمة ذي العز والكمال، قال في جواب من ~~سأل عن كيفية ذلك ما حاصله أنه بالإقبال على محاسن الأعمال، وترك السيء ~~من الخلال، واصلا بذلك على طريق البيان للبيان، ذاكرا عاقبة كل ليثبط ~~عما يتلف، وينشط لما يزلف، مشيرا إلى جانب الرحمة أغلب، مقدما لما هم ~~عليه من السوء محذرا منه ليرجعوا { من عمل سيئة } أي ما يسوء من أي صنف ~~كان: الذكور والإناث والمؤمنين والكافرين { فلا يجزى } أي من الملك الذي ~~لا ملك سواه { إلا مثلها } عدلا لا يزاد عليها مقدار ذرة ولا أصغر منها ~~ويدخل النار إن لم يكن له ما يكفرها، فهذا هو الملك الذي ينبغي الإقبال ~~على خدمته لكونه الحكم العدل القادر على الجزاء والمساواة في الجزاء، ~~فالكافر لما كان على عزم إدامه الكفر كان عذابه دائما, والفاسق لما كان ~~على نية التوبة لاعتقاده أنه في معصية وشر كان عذابه منقطعا، والآية على ~~عمومها، وما خرج منها بدليل كان مخصوصا فيخرج عليها جميع باب الجنايات ~~وغيره، ومن قال: إنها في شيء معين، لزمه أن تكون مجملة، لأن ذاك المعين ~~غير مذكور، والتخصيص أولى من الإجمال كما قال أهل الأصول. # ولما بين العدل في العقاب، بين الفضل في الثواب، تنبيها على أن الرحمة ~~سبقت الغضب فقال: { ومن عمل صالحا } أي ولو قل. ولما كان من يعهدون من ~~الملوك إنما يستعملون الأقوياء لاحتياجهم، بين أنه على غير ذلك لأنه لا ~~حاجة به أصلا فقال: { من ذكر أو أنثى } ولما كان العمل لا يصح بدون ~~الإيمان قال مبينا شرطه: { وهو } أي عمل والحال أنه { مؤمن } ولما كان ~~في مقام الترغيب في عدله وجوده وفضله، جعل الجزاء مسببا عن الأعمال ~~فقال: { فأولئك } أي العالو الهمة والمقدار { يدخلون ms4207 الجنة } أي بأمر من ~~له الأمر كله بعد أن ضاعف لهم أعمالهم فضلا، والآية من الاحتباك: ذكر ~~المساواة أولا عدلا يدل على المضاعفة ثانيا فضلا، وذكر إدخال الجنة ~~ثانيا يدل على إدخال النار أولا، وسره أنه ذكر فضله في كل من الشقين { ~~يرزقون فيها } أي من غير احتياج إلى تحول أصلا ولا إلى أسباب، ولعل ذلك ~~من أسرار البناء للمفعول { بغير حساب * } لخروج ما فيها بكثرته عن الحصر، ~~فإن أدنى أهلها منزلة لو أضاف كل أهل الأرض لكفاهم من غير أن ينقص من ~~ملكه شيء، وهذا من باب الفضل، وفضل الله لا حد له، ورحمته غلبت غضبه، ~~وأما جزاء السيئة فمن باب العدل، فلذلك وقع الحساب فيها لئلا يقع الظلم، ~~قال الأصبهاني: فإذا عارضنا عمومات الوعيد بعمومات الوعد ترجح الوعد لسبق ~~الرحمة الغضب، فأنهدمت قواعد المعتزلة. # ولما بلغ النهاية في نصحهم، وختم بإعلامهم بأن الناس قسمان: هالك وناج، ~~وكان حاصل إرادتهم لأن يكون على ما هم عليه الهلاك بالنار، قال مبكتا ~~لهم بسوء مكافأتهم مناديا لهم مكررا للنداء لزيادة التنبيه والإيقاظ من ~~الغفلة. والتذكير بأنهم قومه واعضاده، وعاطفا على ندائه السابق لأنه غير ~~مفصل له ولا داخل في حكمه: { ويا قوم ما } أي أي شيء من الحظوظ والمصالح ~~{ لي } في أني { أدعوكم إلى النجاة } والجنة بالإيمان شفقة عليكم ورحمة ~~لكم واعترافا بحقكم { و } مالكم من ذلك في كونكم { تدعونني إلى النار * ~~} والهلاك بالكفران، فالآية من الاحتباك: ذكر النجاة الملازمة للايمان ~~أولا دليلا على حذف الجنة أولا، ومراده هزهم وإثارة عزائمهم إلى ~~الحياة منه بتذكيرهم أن ما يفعلونه معه ليس من شيم أهل المروءة يجازونه ~~على إحسانه إليهم بالإساءة. # ولما أخبر بقلة إنصافهم إجمالا، بينه بقوله: { تدعونني } أي توقعون ~~دعائي إلى معبوداتكم { لأكفر } أي لأجل أن أكفر { بالله } أي أستر ما يجب ~~إظهاره بسبب الذي أناله لأن له كل شيء وله مجامع القهر والعز والعظمة ~~والكبر { وأشرك } أي أوقع الشرك { به } أي أجعل له شريكا. ولما كان كل ~~ما عداه سبحانه ms4208 ليس له من ذاته إلا العدم، أشار إلى حقارته بالتعبير ~~بأداة ما لا يعقل فقال: { ما ليس لي به علم } أي نوع من العلم بصلاحيته ~~لشيء من الشركة، فهو دعاء إلى الكذب في شيء لا يحل الإقدام عليه إلا ~~بالدليل القطعي الذي لا يحتمل نوعا من الشرك، وإذا لم يكن به علم لم يكن ~~له عزة ولا مغفرة، فلم يكن له وجود لأن الملك لازم الإلهية وهو أشهر ~~الأشياء، فما ادعى له أشهر الأشياء، فكان بحيث لا يعرف بوجه من الوجوه، ~~كان عدما محضا. # ولما بين أنهم دعوه إلى ما هو عدم فضلا عن أن يكون له نفع أو ضر في ~~جملة فعليه إشارة إلى بطلان دعوتهم وعدم ثبوتها، بين لهم أنه دعاهم إلا ~~إلى ما له الكمال كله، ولا نفع ولا ضر إلا بيده، فقال مشيرا بالجملة ~~الاسمية إلى ثبوت دعوته وقوتها: { وأنا ادعوكم } أي أوقع دعاءكم الآن ~~وقبله وبعده { إلى العزيز } أي البالغ العزة الذي يغلب كل شيء ولا يغلبه ~~شيء. ولما وصفه بهذا الوصف ترهيبا، صح قطعا وصفه ترغيبا بقوله: { ~~الغفار * } أي الذي يتكرر له دائما محو الذنب عينا وأثرا ولا يقدر على ~~ذلك غير من هو بصفة العزة، ومن صح وصفه بهذين الوصفين فهو الذي لا يجهل ~~ما عليه، من صفات الكمال أحد، فالآية من الاحتباك: ذكرا أولا عدم العلم ~~دليلا على العلم ثانيا، وثانيا العزة والمغفرة دليلا على حذفهما ~~أولا. # ولما كان انتفاء العلم بالشيء من أهل العلم انتفاء ذلك الشيء في أصول ~~الدين، كان ما دعوه إليه باطلا، وكان ما دعاهم إليه هو الحق، فلذلك أنتج ~~قطعا قوله: { لا جرم } وهي وإن كانت بمعنى: لا ظن ولا اضطراب أصلا - ~~كما مضى في سورة هود عليه السلام فيها معنى العلة، أي فلأجل ذلك لا شك في ~~{ أنما } أي الذي { تدعونني إليه } من هذه الأنداد { ليس له دعوة } بوجه ~~من الوجوه، فإنه لا يقوم عليها دليل بل ولا شبهة موهمة { في الدنيا } ~~التي هي محل الأسباب، ms4209 الظاهرة لأن شيئا منه ليس له واحد من الوصفين { ولا ~~في الآخرة } لأن ما لا تعلم إلهيته كذلك يكون { وإن } أي ولا اضطراب في ~~أن { مردنا } أي ردنا العظيم بالموت وموضع ردنا ووقته منته { إلى الله } ~~أي الذي له الإحاطة بصفات الكمال لما اقتضته عزته، فيجازي كل أحد بما ~~يستحقه { وأن } أي ولا شك في أن { المسرفين } أي المجاوزين للحدود ~~العريقين في هذا الوصف { هم } أي خاصة لأجل حكم الله بذلك عليهم { أصحاب ~~النار * } أي الذين يخلدون فيها لا يفارقونها كما يقتضيه معنى الصحبة لأن ~~إسرافهم اقتضى إسراف ملازمتهم للنار التي طبعها الإسراف، وقد علم أن ربها ~~لا يجزي بالسيئة إلا مثلها. # ولما تقرر أنه لا أمر لغير الله وأنه لا بد من المعاد، تسبب عنه بقوله: ~~{ فستذكرون } أي قطعا بوعد لا خلف فيه مع القرب { ما أقول لكم } حين لا ~~ينفعكم الذكر في يوم الجمع الأعظم والزحام الذي يكون فيه القدم على القدم ~~إذا رأيتم الأهوال والنكال والزلزال إن قبلتم نصحي وإن لم تقبلوه. ولما ~~ذكر خوفهم الذي لا يحميهم منه شيء ذكر خوفه الذي هو معتمد فيه على الله ~~ليحيمه منه فقال عاطفا على " ستذكرون " غير مراعى فيها معنى السين: { ~~وأفوض } أي أنا الآن بسبب أنه لا دعوة لغير الله { أمري } فيما تمكرونه ~~بي { إلى الله } أي الذي أحاط بكل شيء علما وقدرة فهو يحميني منكم: إن ~~شاء، قال صاحب المنازل: التفويض ألطف إشارة وأوسع من التوكل بعد وقوع ~~السبب، والتفويض قبل وقوعه وبعده، وهو عين الاستسلام، والتوكل شعبة منه، ~~وهو على ثلاث درجات: الأولى أن تعلم أن العبد لا يملك قبل علمه استطاعة، ~~فلا يأمن من مكر، ولا ييأس من معونة، ولا يعول على نية، والثانية معاينة ~~الاضطرار فلا ترى عملا منجيا ولا ذنبا مهلكا ولا سببا حاملا، ~~والثالثة شهود انفراد الحق بملك الحركة والسكون والقبض والبسط والتفريق ~~والجمع. # ولما علق تفويضه بالاسم العلم الجامع المقتضي للإحاطة، على ذلك بيانا ~~لمراده بقوله مؤكدا لأن عملهم في مكرهم ms4210 به عمل من يظن أن سبحانه لا ~~يبصرهم ولا ينصره { إن الله } وكرر الاسم الأعظم بيانا لمراده بأنه { ~~بصير } أي بالغ البصر { بالعباد * } ظاهرا وباطنا، فيعلم من يستحق ~~النصرة لاتصافه بأوصاف الكمال ويعلم من يمكر فيرد مكره عليه بما له من ~~الإحاطة. ### || [40.45-50] # ولما تسبب عن نصحه هذا لهم والتجائه إلى ملك الملوك حفظه منهم على عظم ~~الخطر، قال تعالى مخبرا أنه صدق ظنه { فوقاه الله } أي جعل له وقاية ~~تجنه منهم بما له سبحانه من الجلال والعظمة والكمال جزاء على تفويضه { ~~سيئات } أي شدائد { ما مكروا } دينا ودنيا، فنجاه مع موسى عليه السلام ~~تصديقا لوعده سبحانه بقوله # أنتما ومن اتبعكما الغالبون # [القصص: 35] ولما كان المكر السيء لا يحيق إلا بأهله قال: { وحاق } أي ~~نزل محيطا بعد إحاطة الإغراق { بآل فرعون } أي كلهم فرعون وأتباعه لأجل ~~إصرارهم على الكفر ومكرهم، فالإحاطة بفرعون من باب الأولى وإن لم نقل: أن ~~الآل مشترك بين الشخص والأتباع، لأن العادة جرت أنه لا يوصل إلى جميع ~~أتباع الإنسان إلا بعد إذلاله وأخذه فهو مفهوم موافقة { سوء العذاب * } ~~أي العقوبة المانعة من كل مستعذب، ثم بين ذلك بقوله: { النار } أي حال ~~كونهم { يعرضون عليها } أي في البرزخ { غدوا وعشيا } أي غادين ورائحين ~~في وقت استرواحهم بالأكل واستلذاذهم به - هذا دأبهم طول أيام البرزخ، ~~وكان عليهم في هذا العرض زيادة نكد فوق ما ورد عاما مما روى مالك ~~والشيخان وغيرهم عن أن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة ~~فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، فيقال: هذا مقعدك ~~حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة " # ولعل زيادة النكد أنهم هم المعروضون، فيذهب بهم في الأغلال يساقون ~~لينظروا ما أعد الله لهم، وعامة الناس يقتصر في ذلك على أن يكشف لهم - ~~وهو في محالهم - عن مقاعدهم، ففي ذلك زيادة إهانة لهم، وهو مثل: ms4211 عرض ~~الأمير فلانا على السيف إذا أراد قتله، هذا دأبهم إلى أن تقوم الساعة { ~~ويوم تقوم الساعة } يقال لهم: { ادخلوا آل } أي يا آل { فرعون } هو نفسه ~~وأتباعه لأجل اتباعهم له فيما أضلهم به، وجعله نافع وحمزة والكسائي ~~ويعقوب وحفص فعل أمر من الإدخال، فالتقدير: نقول لبعض جنودنا: أدخلوا آله ~~لأجل ضلالهم به اليوم { أشد العذاب } وإذا كان هذا لآله لأجله كان له ~~أعظم منه من باب الأولى، وهذه الآية نص في عذاب القبر كما نقل عن عكرمة ~~ومحمد بن كعب. # ولما كان هذا من خبر موسى عليه السلام وفرعون أمرا غريبا جدا، قل من ~~يعرفه على ما هو عليه، لأنه من خفي العلم، أشار سبحانه إلى ذلك بقوله: { ~~وإذ } أي اذكر لهم هذا الذي أنبأناك به مما كان في الزمن الأقدم، ولا ~~وصول له إليك إلا من جهتنا، لأنهم يعلمون قطعا أنك ما جالست عالما قط، ~~واذكر لهم ما يكون في الزمن الآتي حين { يتحاجون } أي هؤلاء الذين نعذبهم ~~{ في النار } أي يتخاصمون فيما أتباعهم ورؤساؤهم بما لا يغنيهم: { فيقول ~~الضعفاء } أي الأتباع { للذين استكبروا } أي طلبوا أن يكونوا كبراء. # ولما كانوا لشدة ما هم فيه يتبرأ كل منهم من صاحبه. أكدوا قولهم: { إنا ~~كنا لكم } أي دون غيركم { تبعا } أي أتباعا، فتكبرتم على الناس بنا، ~~وهو عند البصريين يكون واحدا كجمل ويكون جمعا كخدم جمع خادم، ولعله عبر ~~به إشارة إلى أنهم كانوا في عظيم الطواعية لهم على قلب رجل واحد ولما كان ~~الكبير يحمي تابعه، سببوا عن ذلك سؤالهم فقالوا: { فهل أنتم } أي أيها ~~الكبراء { مغنون } أي كافون ومجزون وحاملون { عنا نصيبا من النار * }. # ولما أتى بكلام الضعفاء مضارعا على الأصل، وإشارة مع تصوير الحال لأنه ~~أقطع إلى طول خصامهم لأنه أشد في إيلامهم، فتشوف السامع إلى جوابهم، ~~استأنف الخبر عنه بصيغة الماضي تأكيدا لتحقيق وقوعه ردا قد يتوهمه ~~الضعيف من أن المستكبر له قوة المدافعة وإباء الأنفة فقال: { قال الذين ~~استكبروا } أي من شدة ما هم ms4212 فيه. ولما كان الأتباع قد ظنوا أن المتبوعين ~~يغنون عنهم، أكدوا إخبارهم لهم بما ينافي ذلك فقالوا: { إنا كل } أي ~~كلنا كائنون { فيها } أي النار، كل يناله من العذاب بقدر ما يستحقه سواء ~~إن جادلتمونا أو تركتم جدالنا ولا يظلم بك أحدا، فلة قدرنا على شيء ~~لأغنينا عن أنفسنا، ولو سألنا أن نزاد أو ننقص لما أجبنا. فإن هذه دار ~~العدل فاتركونا وما نحن فيه. # ولما كان حكم الله تعالى مانعا مما كان يفعل في الدنيا من فك المجرم ~~وإيثاق غيره به، وكان سؤالهم في الإغناء سؤال من يجوز أن يكون حكمه على ~~ما عليه الأحكام من حكام أهل الدنيا، عللوا جوابهم مؤكدين فقالوا: { إن ~~الله } أي المحيط بأوصاف الكمال { قد حكم بين العباد * } أي بالعدل، ~~فأدخل أهل الجنة دارهم، وأهل النار نارهم، فلا يغني أحد عن أحد شيئا. # ولما دل على أنه لا يغني أحد عن أحد شيئا، أخبر انهم لما رأوا بعدهم من ~~الله وأنهم ليسوا بأهل لدعائه سبحانه، علقوا آمالهم بتوسط الملائكة، ~~فأخبر عن ذلك منهم بقوله: { وقال الذين في النار } أي جميعا الأتباع ~~والمتبوعون { لخزنة } ووضع موضع الضمير قوله: { جهنم } للدلالة على أن ~~سؤالهم لأهل الطبقة التي من شأنها وشأن خزنتها تجهم داخليها ليدل على ~~أنهم لسوء ما هم فيه لا يعقلون، فهم لا يضعون شيئا في محله كما كانوا في ~~الدنيا: { ادعوا ربكم } أي المحسن إليكم بأنكم لا تجدون ألما من النار { ~~يخفف عنه يوما } أي مقداره { من العذاب * } أي بعضه. # ولما سألوهم، استأنفوا جوابهم إشارة إلى ما حصل من تشوف السامع إليه، ~~معرفين لهم بسياقه بالسبب، الجاعل لهم في محل الاطراح والسفول عن التأهل ~~لأن يسمع لهم كلام، فقال تعالى مخبرا عنهم: { قالوا } أي الخزنة. ولما ~~كان التقدير: ألم تكن لكم عقول تهديكم إلى الاعتقاد الحق، عطف عليه قوله ~~إلزامنا لهم الحجة وتوبيخا وتنديما بتفويت أوقات الدعاء المجاب: { ~~أولم } ولما كان المقام خطرا، والمرام وعرا عسرا، فكانوا محتاجين إلى ~~الإيجاز، قالوا مشيرين بذكر فعل ms4213 الكون مع اقتضاء الحال للإيجاز إلى عراقة ~~الرسل عليهم السلام في النصح المنجي من المخاوف بالمعجزات والرفق ~~والتلطف وطول الأناة والحلم والصبر مع شرف النسب وطهارة الشيم وحسن ~~الأخلاق وبداعة الهيئات والمناظر ولطافة العشرة وجلالة المناصب: { تك } ~~بإسقاط النون مع التصوير للحال بالمضارع { تأتيكم } على سبيل التجدد ~~شئيا في أثر شيء { رسلكم } أي الذين هم منكم فأنتم جديرون بالإصغاء ~~إليهم والإقبال عليهم، لأن الجنس إلى الجنس أمثل، والإنسان من مثله أقبل ~~{ بالبينات } أي التي لا شيء أوضح منها { قالوا } أي الكفار: { بلى } أي ~~أتونا كذلك، ثم استأنفوا جوابهم لما حصل من التشوف إليه بما حاصله عدم ~~إجابتهم فسببوا عن إخبارهم بعدم إجابتهم للرسل عدم إجابة دعائهم فقال ~~تعالى مخبرا عنهم: { قالوا } أي الخزنة: { فادعوا } أي أنتم الآن الله ~~أو أهل الله من رسل البشر أو الملائكة أو غيرهم، أو لا تدعوا فإنه لا ~~يسمع لكم. # ولما كان أمرهم بالدعاء موجبا لأن يظنوا نفعه، أتبعوه بما أيأسهم لأن ~~ذلك أنكأ وأوجع وأشد عليهم وأفظع بقولهم: { وما } دعاؤكم - هكذا كان ~~الأصل، ولكنه أتى بالوصف تعليقا للحكم به فقال: { دعاء الكافرين } أي ~~الساترين لمرائي عقولهم عن أنوار العقل المؤيد بصحيح النقل { إلا في ضلال ~~* } أي ذهاب في غير طريق موصل كما كانوا هم في الدنيا كذلك فإن الدنيا ~~مزرعة الآخرة، من زرع شيئا في الدنيا حصده في الآخرة، والآخرة ثمرة ~~الدنيا لا تثمر إلا من جنس ما غرس في الدنيا. ### || [40.51-55] # ولما كان حاصل ما مضى من هذا القص الذي هو أحلى من الشراب، وأغلى من ~~الجوهر المنظم في أعناق الكواعب الأتراب، لأنه سبحانه نصر الرسل على ~~أممهم حين هموا بأخذهم، فلم يصلوا إليهم ثم أهلكهم الله هذا في الدنيا، ~~وأما في الآخرة فعذبهم أشد العذاب، وكذلك نصر موسى عليه السلام والمؤمن ~~الذي دافع عنه، وكان نصر اهل الله قاطبة خفيا، لأنهم يبتلون ثم يكون ~~لهم العاقبة، فكان أكثر الجامدين وهم أكثر الناس يظن أنه لا نصره لهم، ~~قال الله تعالى لافتا القول ms4214 إلى مظهر العظمة، لأن النصرة عنها تكون على ~~سبيل الاستنتاج مما مضى مؤكدا تنبيها للأغبياء على ما يخفى عليهم: { ~~إنا } أي بما لنا من العظمة { لننصر رسلنا } أي على من ناوأهم { والذين ~~آمنوا } أي اتسموا بهذا الوصف وإن كانوا في أدنى رتبة. # ولما كانت الحياة تروق وتحلو بالنصرة وتتكدر بضدها، ذكرها لذلك ولئلا ~~يتوهم لو سقطت أن نصرتهم تكون رتبتها دنية فقال: { في الحياة الدنيا } ~~بالزامهم طريق الهدى الكفيلة بكل فوز وبالحجة والغلبة، وإن غلبوا في بعض ~~الأحيان فإن العاقبة تكون لهم، ولو بأن يقيض سبحانه لأعدائهم من يقتض ولو ~~بعد حين، وأقل ذلك أن لا يتمكن أعداؤهم من كل ما يرون منهم { ويوم يقوم ~~الأشهاد * } أي في الدار الآخرة من الملائكة والنبيين وسائر المقربين، ~~جمع شهيد كشريف وأشراف، إشارة إلى أن شهادتهم بليغة في بابها، لما لهم من ~~الحضور التام، وإلى ذلك يشير تذكير الفعل والتعبير بجمع القلة، ولكن ~~الجياد قليل مع أنهم بالنسبة إلى أهل الموقف كالشعرة البيضاء في جلد ~~الثور الأسود، وإنما عبر بذلك إشارة إلى أهل الحكم بصفات الجبروت للقسط، ~~فيرفع أولياءه بكل اعتبار، ويهين أعداءهم كل إهانة. # ولما وصف اليوم الآخر بما لا يفهمه كثير من الناس، أتبعه ما أوضحه على ~~وجه بين نصره لهم غاية البيان، فقال مبدلا مما قبله: { يوم لا ينفع ~~الظالمين } الذين كانوا عريقين في وضع الأشياء في غير مواضعها { معذرتهم ~~} أي اعتذارهم وزمانه ومكانه - بما أشار إليه كون المصدر ميميا ولو جل - ~~بما أشار إليه قراءة التذكير للفعل, فعلم بذلك أنهم لا يجدون دفاعا بغير ~~الاعتذار, وأنه غير نافعهم لأنهم لا يعتذرون إلا بالكذب # والله ربنا ما كنا مشركين # [الأنعام: 23] أو بالقدر # ربنا غلبت علينا شقوتنا # [المؤمون: 106] { ولهم } أي خاصة { اللعنة } أي البعد عن كل خير، مع ~~الإهانة بكل ضير { ولهم } أي خاصة { سوء الدار * } وهي النار الحاوية لكل ~~سوء - هذا مع ما يتقدمها من المواقف الصعبة، وإذا كان هذا لهم فما ظنك ~~بما هو عليهم، وقد علم من هذا ms4215 أن لأعدائهم - وهم الرسل وأتباعهم - ~~الكرامة والرحمة ولهم قبول الاعتذار وحسن الدار، فظهرت بذلك أعلام ~~النصرة، وصح ما أخبر به من تمام القدرة. # ولما كان التقدير: فلقد نصرنا موسى رسولنا مع إبراق فرعون وإرعاده، عطف ~~عليه قوله دالا على الكرامة والرحمة، مؤكدا لإزالة ما استقر في النفوس ~~من أن ملوك الدنيا لا يغلبهم الضعفاء: { ولقد آتينا } أي بما لنا من ~~العزة { موسى الهدى } أي في الدين اللازم منه أن يكون له العاقبة وإن ~~تناهت ضخامة من يعانده، لأنه ضال عن الهدى، والضال هالك وإن طال المدى، ~~وذلك بما آتيناه من النبوة والكتاب. # ولما كانت النبوة خاصة والكتاب عاما قال: { وأورثنا } أي بعظمتنا { بني ~~إسرائيل } بعد ما كانوا فيه من الذل { الكتاب * } أي الذي أنزلنا عليه ~~وآتيناه الهدى به - وهو التوراة - إيتاء هو كالإرث لا ينازعهم فيه أحد، ~~ولا أهل له في ذلك الزمان غيرهم، حال كونه { هدى } أي بيانا عاما لكل ~~من تبعه { وذكرى } أي عظة عظيمة { لأولي الألباب * } أي القلوب الصافية ~~والعقول الوافية الشافية، فذكر إيتاء موسى الثمرة وذكر إيراثهم السبب ~~إشارة إلى أنهم من جنى ثمرته فاهتدي، ومنهم من ضل، وذلك تحذير للاتباع، ~~وتشريف للأنبياء بما نالوه من مراتب الارتفاع. # ولما كان التقدير بعد أن تقدم الوعد المؤكد بنصرة الرسل وأتباعهم: ولقد ~~آتيناك الهدى والكتاب كما آتينا موسى، ولننصرنك مثل ما نصرناه وإن زاد ~~إبراق قومك وإرعادهم، فإنهم لا يعشرون فرعون فيما كان فيه من الجبروت ~~والقهر والعز والسلطان والمكر ولم ينفعه شيء منه، سبب عنه قوله: { فاصبر ~~} أي على أذاهم فإنا نوقع الأشياء في أتم محالها على ما بنينا عليه أحوال ~~هذه الدار من إجراء المسببات على أسبابها، ثم علل ذلك بقوله صارفا القول ~~عن مظهر العظمة الذي هو مدار النصرة إلى اسم الذات الجامع لجميع الكمالات ~~التي من أعظمها إنفاذ الأمر وصدق الوعد: { إن وعد الله } أي الذي له ~~الكمال كله { حق } أي في إظهار دينك وإعزاز أمرك، فقد رأيت ما اتفق لموسى ~~عليه السلام مع ms4216 أجبر أهل ذلك الزمان وما كان له من العاقبة، قال القشيري: ~~الصبر في انتظار الموعود من الحق على حسب الإيمان والتصديق، فمن كان ~~تصديقه ويقينه أتم وأقوى كان صبره أكمل وأوفى. # ولما تكفل هذا الكلام من التثبيت بانجاز المرام، وكان من الأمر المحتوم ~~أن لزوم القربات يعلى الدرجات فيوصل إلى قوة التصرفات، أمر بالإعراض عن ~~ارتقاب النصر والاشتغال بتهذيب الأحوال لتحصيل الكلام، موجها الخطاب إلى ~~أعلى الخلق ليكون من دونه من باب الأولى فقال: { واستغفر لذنبك } أي وهو ~~كل عمل كامل لأن ذلك غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فتستن بك أمتك، ~~وسماه ذنبا من باب " حسنات الأبرار سيئات المقربين ". # ولما أمره بالاستغفار عند الترقية في درجات الكمال، المطلع على بحور ~~العظمة ومفاوز الجلال، أمره بالتنزيه عن شائبة نقص والإثبات لكل رتبة ~~كمال، لافتا القول إلى صفة التربية والأحسان لأنه من أعظم مواقعها فقال: ~~{ وسبح } أي نزه ربك عن شائبة نقص كلما علمت بالصعود في مدارج الكمال نقص ~~المخلوق في الذات والأعمال ملتبسا { بحمد ربك } أي إثبات الإحاطة باوصاف ~~الكمال للمحسن إليك المربي لك، ولا تشتغل عنه بشيء فإن الأعمال من أسباب ~~الظفر. ولما كان المقام لإثبات قيام الساعة، وكان العشي أدل عليها، قدمه ~~فقال: { بالعشي والإبكار * } فإن تقلبهما دائما دل على كمال مقلبهما ~~وقدرته على إيجاد المعدوم الممحوق كما كان وتسويته، ومن مدلول الآية الحث ~~على صلاتي الصبح والعصر، وهما الوسطى لأنهما تشهدهما ملائكة الليل ~~وملائكة النهار، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: بل على الصلوات الخمس - ~~نقله البغوي. وذلك لأن العشى من زوال الشمس، والأبكار من طلوع الفجر إلى ~~طلوع الشمس. ### || [40.56-61] # ولما كان الأمر بشغل هذين الوقتين أمرا بشغل غيرهما من باب الأولى، لأن ~~أول النهار وقت الاشتغال بالأعمال والاهتمام بالابتداء والتمام، وآخره ~~وقت التهيؤ للراحة والمقيل بالأكل والشرب وما يتبعهما، وكان ذلك موجبا ~~للاشتغال عن أعداء الدين رأسا، وكان ذلك أمرا على النفوس شاقا, علله ~~بما يقتضي المداومة على الأعمال والإعراض عنهم لأن خذلانهم ms4217 أمر قد فرغ ~~منه فقال معللا للمداومة على الطاعة: { إن الذين يجادلون } أي يناصبون ~~بالعداوة لنقل أهل هذا الدين عنه إلى ما هم عليه من الباطل، ولفت القول ~~إلى الجلالة الدالة على نهاية العظمة تهوينا لشأنهم فقال: { في آيات ~~الله } أي الملك الأعظم الدالة على تمام قدرته اللازم منه قدرته على ~~البعث الذي في تذكره صلاح الدين والدنيا { بغير سلطان } أي أمر مسلط ~~ودليل مسلك { أتاهم إن } أي ما { في صدورهم } بصدودهم عن سواء السبيل، ~~وآذن ذكر الصدور دون القلوب لعظم الكبر جدا بأنه قد ملأ القلوب, وفاض ~~منها حتى شغل الصدور التي هي مساكنها { إلا كبر } أي عن اتباع الحق مع ~~إشراق ضيائه واعتلاء لألائه إرادة إطفائه أو إخفائه، والكبر إرادة التقدم ~~والتعظم والرئاسة، وأن يكون مريد ذلك فوق كل أحد { ما هم ببالغيه } أي ~~ببالغي مقتضاه من إبطال الدين تكبرا عن أن يكونوا تحت أوامره، لا يبلغون ~~ذلك بوجه من الوجوه، ولا بد أن يظهر الدين بنصر الرسول ومن تبعه من ~~المؤمنين على أهل الكتاب والمشركين وغيرهم من أنواع الكافرين، ثم يبعثون ~~فيكون أعداؤهم أسفل سافلين صغرة داخرين. # ولما ظهر من أول هذا الكلام وآخره تصريحا وتلويحا بما أفاده أسلوب ~~كلام القادرين المصوغ لأعم من يمكن أن يخطر في البال أنه تعالى وصف نفسه ~~في مطلع السورة بأنه غالب لكل شيء ولا يغلبه شيء, وأن الذي بهم إنما هو ~~إرادة أن يكونوا عالين غالبين، عنه قوله تعالى: { فاستعذ } أي اطلب العوذ ~~{ بالله } المحيط بكل شيء من شر كبرهم كما عاذ به موسى عليه السلام لينجز ~~لك ما وعدك كما أنجز له، ثم علل ذلك بقوله: { إنه } أي على ما له من ~~البطون { هو } أي وحده { السميع } لكل ما يمكن أن يسمع. ولما كان السياق ~~للعياذ من شياطين الإنس الذين لهم المكر الظاهر والباطن، ختم بقوله: { ~~البصير * } الصالح للبصر والبصيرة فيعم المحسوس والمعلوم، وختم آيتي ~~الأعراف وفصلت المسبوقتين لنزغ الشيطان الذي هو وساوس وخطرات باطنة ~~بالعليم. # ولما كان أعظم ms4218 النظر في آية المجادلة المكررة من أول السورة إلى هنا إلى ~~البعث وصيرورة العباد إلى الله بالحشر ليقع فيه الحكم الفصل، وتتحقق نصرة ~~الأنبياء وأتباعهم يوم يقوم الأشهاد، دل على قدرته عليه بما هو كالتعليل ~~لما نفى في آية المجادلة من بلوغهم لما قصدوا من الكبر، فقال مؤكدا ~~تنزيلا للمقر العالم منزلة الجاهل المعاند لمخالفة فعله لاعتقاده: { ~~لخلق السماوات } أي خلق الله لها على عظمها وارتفاعها وكثرة منافعها ~~واتساعها { والأرض } على ما ترون من عجائبها وكثرة متاعها { أكبر } عند ~~كل من يعقل من الخلق في الخلق { من خلق الناس } أي خلق الله لهم لأنهم ~~شعبة يسيرة من خلقهما، فعلم قطعا أن الذي قدر على ابتدائه على عظمه قادر ~~على إعادة الناس على حقارتهم { ولكن أكثر الناس } وهم الذين ينكرون البعث ~~وغيره مما يمكن أن تتعلق به القدرة وصح به السمع { لا يعلمون * } أي لا ~~علم لهم أصلا، بل هم كالبهائم لغلبة الغفلة عليهم واتباعهم أهواءهم، فهم ~~لا يستدلون بذلك على القدرة على البعث كما أن البهائم ترى الظاهر فلا ~~تدرك به الباطن، بل هم أنزل رتبة من البهائم، لأن هذا النحو من العلم في ~~غاية الظهور فهو كالمحسوس، فمن توقف فيه كان جمادا. # ولما ثبت بهذا القياس الذي لا خفاء به لا دافع له ولا مطعن فيه أن ~~القادر على خلق الكبير ابتداء قادر على تسوية الصغير إعادة، وثبت به ~~أيضا أن خلق الناس ليس مستندا إلى طبائع السماوات والأرض وإلا لتساووا ~~في العلم والجهل، والقدر والهيئة والشكل، لأن اقتضاء الطبائع لذلك على حد ~~سواء لا تفاوت فيه، وهي لا اختيار لها، وكان من الناس من يقول: إن هذا ~~الإيجاد إنما هو للطبائع، ومن هؤلاء فرعون الذي مضى في هذه السورة كثير ~~من كشف عواره وإظهار عاره، دل على إبطاله بأن ذلك قول يلزمه التساوي فيما ~~نشأ عن ذي الطبع لأن لا اختيار له ونحن نشاهد الأشياء مختلفة، فدل ذلك ~~قطعا على أنها غير مستندة إلى طبيعة بل إلى فاعل ms4219 مختار، فكان التقدير ~~بما أرشد إليه سياق الآية قطعا مع ختمها بنفي العلم وعطف ما بعدها على ~~غير مذكور: وأقلهم يعلمون، فثبت أن خالقهم الذي فاوت بينهم قادر مختار لا ~~شريك له، فإنه ما يستوي العالم والجاهل: { وما يستوي } أي بوجه من الوجوه ~~من حيث البصر { الأعمى والبصير * } وذلك موجب للعلم بأن استناد ~~المتخالفين ليس إلى الطبيعة، بل إلى فاعل مختار. # ولما ذكر الظلام والنور الحسيين، أتبعه المعنويين نشرا مشوشا ليكشف ~~قسما الظلام قسمي النور إشارة إلى أن المهتدي عزيز الوجود، كالذهب ~~الإبريز بين النقود، فقال: { والذين آمنوا } أي أوجدوا هذه الحقيقة ثبتت ~~أو لا { وعملوا الصالحات } كذلك فكانوا محسنين { ولا المسيء } أي الثابت ~~الإساءة الذي كفر وعمل الصالحات، ووقع التغاير في العطف لأن المراد - ~~والله أعلم - نفس التساوي بين أفراد الأعمى وأفراد البصير والمحسن ~~والمسيء، ولكنه لما كان في المخاطبين الغبي والذكي، عطف البصير بغير " لا ~~" ليكون ظاهر ذلك نفي المساواة بين نوعي الأعمى والبصير، لأن نفي ~~المساواة بين أفراد الأنواع دقيق، واقتصر على الواو في عطف { الذين آمنو ~~} لأنه لا ينتظم أن يراد جعل الأعمى والبصير فريقا والمؤمن الموصوف ~~فريقا، وينتفي التساوي بينهما لأنه لا لبس في أن المؤمنين الموصوفين ~~كالبصير، وليس فيهم من يتوهم مساواته للأعمى، فكان من الجلي معرفة أن ~~المراد نفي مساواة الأعمى للبصير ونفي مساواة المؤمن الموصوف للمسيء، ~~وزيدت " لا " في المسيء وعبر فيه بالإفراد إشارة للفطن إلى أن المراد نفي ~~التساوي بين أفراد كل نوع لأن ذلك أدل على القدرة، وأنها بالاختيار، وهذا ~~بخلاف الظلمات في سورة فاطر لأنه لو تركت " لا " هناك لتوهم متوهم أن ~~المنفي المساواة بين الأعمى والبصير وبين الظلمات، فيوجد حينئذ الطعن بأن ~~الظلمات مساوية لهما باعتبار أن الظلمة منها كثيف جدا لا يمكن نفوذ ~~البصر فيه، ومنها خفيف جدا يكون تسميته ظلاما بالنسبة إلى النور ~~الساطع، والآية من الاحتباك: ذكر عمل الصالحات أولا دليلا على ضدها ~~ثانيا، والمسيء ثانيا دليلا على المحسنين أولا، وسره أنه ذكر الصلاح ~~ترغيبا ms4220 والإساءة ترهيبا. # ولما تقرر هذا على هذا النحو من الوضوح الذي لا مانع للإنسان من فهمه ~~ورسوخه في علمه إلا عدم تذكره لحسه حتى في نفسه قال تعالى: { قليلا ما ~~يتذكرون } أي المجادلون أو أيها المجادلون أو الناس لأن المتذكر غاية ~~التذكر - بما دل عليه الإظهار - منكم قليل - على قراءة الكوفيين بالخطاب ~~لأنه أقوى في التبكيت، وأدل على الغضب. # ولما ثبت بهذا كله تمام القدرة, وانتفى ما توهمه من لا بصر له من ~~الطبائع, ثبت قطعا قوله: { إن الساعة } أي القيامة التي يجادله فيها ~~المجادلون { لآتية } وعزتي! للحكم بالعدل في المقارنة بين المسيء والمحسن ~~لأنه لا يسوغ في الحكمة عند أحد من الخلق أن يساوي أحد بين محسن عبيده ~~ومسيئهم، فكيف يظن ذلك بأحكم الحاكمين الذي نشاهده يميت المسيء وهو في ~~غاية النعمة والمعصية، والمحسن وهو في غاية البلاء والطاعة، والمظلوم قبل ~~أن ينتصف من الظالم، ولهذا الأمر الظاهر قال: { لا ريب فيها } أي لا شك ~~في إتيانها بوجه من الوجوه، لأفضي فيها بالعدل فأدخل فيها ناسا دار ~~رحمتي، وآخرين نقمتي. # ولما وصل الحال في أمرها إلى حد لا خفاء به أصلا، نفى الإيمان دون ~~العلم فقال تعالى: { ولكن أكثر الناس } أي بما فيهم من النوس وهو ~~الاضطراب، وراعى معنى الأكثر فجمع لأن الجمع أدل على المراد وأقعد في ~~التبكيت: { لا يؤمنون * } أي لا يجعلون المخبر لهم بإتيانها آمنا من ~~التكذيب مع وضوح علمها لديهم، وما ذاك إلا لعناد بعضهم وقصور نظر الباقين ~~على الحس. # ولما كان التقدير: فعل ذلك ربكم ليقضي بين عباده بالعدل فيدخل المحسن ~~الجنة نصرة له، والمسيء النار خذلانا وإهانة له، لما برز به وعده من أنه ~~ينصر رسله وأتباعهم في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وقال لعباده كلهم: ~~آمنوا لأسلمكم من غوائل تلك الدار، عطف عليه قوله: { وقال ربكم } أي ~~المحسن إليكم بهدايتكم ووعدكم النصرة: { ادعوني } أي استجيبوا لي بأن ~~تعبدوني وحدي فتسألوني ما وعدتكم به من النصرة على وجه العبادة، وهذا ~~معنى قوله صلى الله ms4221 عليه وسلم " الدعاء هو العبادة " فقد حصر الدعاء في ~~العبادة سواء كانت بدعاء أو صلاة أو غيرهما، فمن كان عابدا خاضعا لله ~~تعالى بسؤال أو غيره كانت عبادته دعاء، عن ابن عباس رضي الله عنهما: ~~وحدوني اغفر لكم. وعن الثوري أنه قيل له: ادع، فقال: إن ترك الذنوب هو ~~الدعاء: { أستجب } أي أوجد الإجابة إيجادا عظيما كأنه ممن يطلب ذلك ~~بغاية الرغبة فيه { لكم } في الدنيا أي بإيجاد ما دعوتم به، أو كشف مثله ~~من الضر، أو إدخاره في الآخرة، ليظهر الفرق بين من له الدعوة ومن ليس له ~~دعوة في الدنيا ولا في الآخرة، ولا تتكلوا على ما سبق به الوعد فتتركوا ~~الدعاء فتتركوا العبادة التي الدعاء مخها، فكل ميسر لما خلق له، قال ~~القشيري، وقيل: الدعاء مفتاح الإجابة، وأسنانه لقمة الحلال - انتهى - ~~والآية بمعنى آية البقرة # أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي # [آية: 186]. # ولما كان السبب في ترك الدعاء في العادة الكبر، فكان كأنه قيل: ولا ~~تتركوا دعائي تكونوا مستكبرين، علله ترهيبا في طيه ترغيب بقوله: { إن ~~الذين يستكبرون } أي يوجدون الكبر، ودل على أن المراد بالدعاء العبادة ~~بقوله: { عن عبادتي } أي عن الاستجابة لي فيما دعوت من العبادة بالمجادلة ~~في آياتي والإعراض عن دعائي في جميع ما ينوبهم في الشدة والرخاء { ~~سيدخلون } بوعد لا خلف فيه { جهنم } فتلقاهم جزاء على كبرهم بالتجهم ~~والعبوسة والكراهة { داخرين * } أي صاغرين حقيرين ذليلين، فالآية من ~~الاحتباك: ذكر الدعاء أولا دليلا على حذفه ثانيا، والعبادة ثانيا ~~دليلا على حذفها أولا. ولما ختم ذلك أيضا بأمر الساعة، زاد في الدلالة ~~عليه وعلى الفعل بالاختيار والحكمة التي لا يسوغ معها إهمال الخلق من غير ~~حساب، في دار ثواب وعقاب، بعد الإتقان لدار العمل بالخطإ والصواب، فقال ~~معللا مفتتحا بالاسم الأعظم الذي لا يتخيل أن المسمى به يهمل المتكبرين ~~عليه مع الإبلاغ في الإحسان إليهم { الله } أي المحيط بصفات الكمال { ~~الذي جعل لكم } لا غيره { اليل } أي مظلما { لتسكنوا فيه } راحة ظاهرية ~~بالنوم الذي ms4222 هو الموت الأصغر، وراحة حقيقية بالعبادة التي هي الحياة ~~الدائمة { والنهار مبصرا } لتنتشروا فيه باليقظة التي هي إحياء في ~~المعنى، فالآية من الاحتباك: حذف الظلام أولا لكونه ليس من النعم ~~المقصودة في أنفسها لما دل عليه من الإبصار الذي هو المقصود من نعمة ~~الضياء المقصود في نفسه، وحذف الانتشار لأنه بعض ما ينشأ عن نعمة الإبصار ~~لما دل عليه من السكون الذي هو المقصود الأعظم من الليل: للراحة لمن ~~أرادها، والعبادة لمن اعتمدها واستزادها. # ولما كان بعض الكفرة ينسب الأفعال كما مضى للطبائع ويجعلها بغير اختيار، ~~قال مستأنفا أو معللا مؤكدا: { إن الله } أي ذا الجلال والإكرام { لذو ~~الفضل } أي عظيم جدا باختياره { على الناس } أي كافة باختلاف الليل ~~والنهار وما يحتويان عليه من المنافع. ولما بلغت هذه الآيات من الدلالة ~~على الوحدانية والبعث ونفى أمر الطبائع حدا قل أن يوجد في غيرها، فكان ~~المخالف مذموما لذلك غاية الذم، فكان التعميم بالذم للمخالفين واقعا في ~~أوفق محاله، وكان الاسم قد يراد بعض مدلومه، وكان المراد هنا التعميم، ~~أظهر للإفهام إرادة ذلك، ولم يضمر ليتعلق الحكم بالوصف المفهم للنوس ~~المشير إلى أن صاحبه قاصر عن درجة أول أسنان المؤمنين فيعلم أن هذا النوع ~~مطبوع على ذلك فقال: { ولكن أكثر الناس } أي بما لهم من الاضطراب وعدم ~~الثبات في لزوم الصواب { لا يشكرون * } فينسبون أفعاله سبحانه إلى غيره ~~جهلا، أو يعملون بما يسلب عنهم اسم الشكر من الشرك وغيره، ويجوز أن يكون ~~المراد بالناس أولا كل من يتأتى منه النوس، وهو كل من برز من الوجود، ~~وبهم ثانيا الجن والإنس - والله أعلم. ### || [40.62-65] # ولما ثبت بآية الخافقين وآية الملوين ثبوتا لا شك فيه أصلا شمول ~~القدرة بالاختيار، قال معظما بأداة البعد وميم الجمع: { ذلكم } أي أيها ~~المخاطبون! - الواحد القهار العظيم الشأن الذي علم بما ذكر من أفعاله أنه ~~لا يشاركه أحد { الله } أي الملك الأعظم المعلوم لكل أحد المتميز عن كل ~~شيء بالأفعال التي لا يشاركه أحد, ولذلك قال: { ربكم } أي المربى ms4223 لكم ~~والمحسن إليكم بقدرته واختياره المتفرد بربوبيتكم لا رب لكم سواه. ولما ~~كان في سياق الامتنان بالنعم للدلالة على الساعة التي ينكرونها ويجادلون ~~في أمرها، قدم الخلق على التهليل فقال: { خالق كل شيء } أي بما ثبت من ~~تمام قدرته بإبداع الخافقين ثائبين والملوين متعاقبين دائبين، ولا مانع ~~له من إعادة الثقلين لأنه { لا إله إلا الله } بل كان ذلك واجبا في ~~الحكمة، لأن المنعم عليهم انقسموا إلى شاكر وكافر، فوجب في الحكمة إقامة ~~الساعة للفصل بينهم، وجاء ذلك على ترتيب مطلع السورة، فإن العزيز ناظر ~~إلى كمال القدرة على الإيجاد والإعدام، والعليم هو المتوحد بكمال الذات، ~~فإن إحاطة العلم تستلزم كل كمال، والقدرة قد لا تستلزم العلم كما ~~للحيوانات العجم، وهذا بخلاف ما مضى في آية الأنعام، فإن السياق هناك ~~لإنكار الشرك وإثبات الوحدانية بما دل عليها من عموم الخلق طبق ما مضى ~~أيضا في مطلعها. # ولما أنتجت هذه الأخبار - التي كل منها مقرر لما قبله بكونه كالعلة له - ~~الوحدانية المطلقة اللازم منها كل كمال، سبب عنها قوله منكرا مبكتا: { ~~فأنى } أي فكيف ومن أي وجه { تؤفكون * } أي تقلبون عن وجوه الأدلة إلى ~~أقفائها فتعبدون الأوثان وتجادلون في الساعة التي يلزم من الطعن فيها ~~الطعن في الحكمة التي الطعن فيها طعن في الإلهية التي الطعن فيها طعن في ~~وجود هذا الوجود ومكابرة فيه، وذلك مؤد إلى سقوط المتكلم به بكل اعتبار ~~لمكابرته في المشاهد المحسوس، وفي المعقول المركوز في جميع النفوس. # ولما كشف هذا السياق عن أن هذا الصرف أمر لا يقدم عليه عاقل، كان كأنه ~~قيل: هل وقع لأحد غير هؤلاء مثل هذا؟ فأجيب بقوله: { كذلك } أي مثل هذا ~~الصرف الغريب البعيد عن مناهيج العقلاء { يؤفك } أي يصرف صرف سيئا - ~~بناه للمفعول إشارة إلى تمام قدرته عليه بكل سبب كان، ولأنه المتعجب منه ~~{ الذين كانوا } مطبوعين على أنهم { بآيات الله } أي ذي الجلال والجمال { ~~يجحدون * } أي ينكرون عنادا ومكابرة، فدل هذا على أن كل من تكبر عن حق ~~فأنكره ms4224 مع علمه به عوقب بمسخ القلب وعكس الفهم، فصار له الصرف عن وجوه ~~الدلائل إلى أقفائها ديدنا بحيث يموت كافرا إن لم يتداركه الله برحمة ~~منه. # ولما تقرر أنه سبحانه ربنا وحده، وأن مدعي ربوبية ما سواه معاند، لأنه ~~سبحانه متميز بأفعاله التي لا يشاركه فيها أحد، دل على ذلك بوجه مركوز في ~~الطبائع صحته، واضح في العقول معرفته، كالمعلل لتسمية هذا الإنكار ~~جحودا، فقال دالا بالخافقين بعد الدلالة بما نشأ عنهما من الملوين، ~~وأخر هذا لأنه مع كونه أجلى سبب بقرارية الأرض وفلكية السماء لذاك، بما ~~حصل فيه من الاختلاف، فقال: { الله } أي الذي له الإحاطة الكاملة بكل شيء ~~{ الذي جعل } أي وحده { لكم الأرض } أي مع كونها فراشا ممهدا { قرارا ~~} مع كونها في غاية الثقل، ولا ممسك لها سوى قدرته { والسماء } على علوها ~~وسعتها مع كونها افلاكا دائرة بنجوم طول الزمان سائرة، ينشأ عنها الليل ~~والنهار والإظلام والإبصار { بناء } مظلة كالقبة من غير عماد حامل، ومن ~~المعلوم لكل ذي عقل أن الأجسام الثقيلة تقتضي بطبعها تراص بعضها على بعض، ~~فلا يمنع بعضها من السقوط على بعض إلا بقوة وقسر، فالآية من الاحتباك: ~~ذكر القرار أولا دليلا على الدوران ثانيا، والبناء ثانيا دليلا على ~~الفراش أولا. # ولما ذكر المسكين ذكر الساكن دالا على أنه الفاعل في الكل باختياره ~~وتمام قدرته بتصويره الإنسان بصورة لا يشبهها صورة شيء من الحيوانات، ~~وفاوت بين أفراده في هيئة تلك الصورة على أنحاء لا تكاد تنضبط في نفسها، ~~ولا تشبه واحدة منها الأخرى، ولا في الخافقين شيء يشبهها محال تصويرها ~~عليه فقال: { وصوركم } والتصوير على غير نظام واحد لا يكون بقدرة قادر ~~تام القدرة مختار لا كما يقول أهل الطبائع { فأحسن صوركم } على أشكال ~~وأحوال مع أنها أحسن الصور ليس في الوجود ما يشبهها، وليس فيها صورة تشبه ~~الأخرى لتسدوا انطباع تصويرها إليه، فثبت قطعا أنه هو المصور سبحانه على ~~غير مثال كما أنه الذي أبدع الموجود كله كذلك. # ولما ذكر المسكن والساكن، ذكر ms4225 ما يحتاج إليه في مدة السكن فقال: { ~~ورزقكم من الطيبات } الشهية الملائمة للطبائع النافعة على وجه لا احتياج ~~معه بوجه، فلا دليل أدل على تمام العلم وشمول القدرة ووجود الاختيار من ~~هذا التدبير في حفظ المسكن والسقف وتدبير ما به البقاء على وجه يكفي ~~الساكن من جميع الوجوه على مر السنين وتعاقب الأزمان، وبث من الساكن - مع ~~أنه قطعة يسيرة جدا من أديم الأرض - أنسالا شعبهم شعبا فرعها إلى فروع ~~لا تسعها الأرض، فدبر بحكمته وسعة علمه وقدرته تدبيرا وسع لهم به الأرض، ~~وعمهم به الرزق، كما روى الإمام أحمد في كتاب الزهد عن الحسن أنه قال: ~~لما خلق الله آدم عليه الصلاة والسلام وذريته قالت الملائكة عليهم ~~السلام: إن الأرض لا تسعهم، قال: فإني جاعل موتا، قالوا: إذا لا يهنأهم ~~العيش، قال: فإني جاعل أملا. # ولما دل هذا قطعا على التفرد، قال على وجه الإنتاج: { ذلكم } أي الرفيع ~~الدرجات { الله } أي المالك لجميع الملك، ودلهم على ما مضى بتربيتهم وما ~~فيها من بديع الصنائع فقال: { ربكم } أي لا غيره، ولما أفاد هذا الدليل ~~تربية لا مثل لها، دالة على إحاطة العلم وتمام القدرة على وجه لا حاجة ~~معه مع حسنه وثباته تسبب عنه ولا بد قوله: { فتبارك } أي ثبت ثباتا ~~عظيما مع اليمن والخير وحسن المدد والفيض { الله } أي المختص بالكمال، ~~ورقى الخطاب وعظم إيضاحا للدلالة فقال: { رب العالمين * } كلهم أنتم ~~وغيركم، ثم دل على ما أفاده الدليل معللا بقوله: { هو } أي وحده { الحي ~~} وكل ما عداه لا حياة له، لأنه ليس له من ذاته إلا العدم، فأنتج ذلك ~~قطعا قوله: { لا إله إلا هو } فتسبب عنه قوله: { فادعوه } أي وحده ~~بالقول والفعل على وجه العبادة، وذلك معنى { مخلصين له الدين } أي من كل ~~شرك جلي أو خفي. # ولما أمر بقصر الهمم عليه، علله بقوله: { الحمد } أي الإحاطة بأوصاف ~~الكمال، وأظهر موضع الإضمار إشارة إلى أن له من الصفات العلي ما لا ~~ينحصر: { لله } أي المسمى بهذا الاسم الجامع ms4226 لجميع معاني الأسماء الحسنى ~~لذاته. ولما كان هذا الوجود على ما هو عليه من النظام، وبديع الارتسام، ~~دالا دلالة قطعية على الحمد، قال واصفا بما هو كالعلة للعلم بمضمون ~~الخبر: { رب العالمين * } أي الذي رباهم هذه التربية فإنه لا يكون إلا ~~كذلك، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: من قال { لا إله إلا الله } ~~فليقل على أثرها { الحمد لله رب العالمين }. ### || [40.66-70] # ولما أمر سبحانه بما دل على استحقاقه إياه، أنتج قطعا قوله: { قل } أي ~~لهؤلاء الذين يجادلونك في التوحيد والبعث مقابلا لإنكارهم بالتأكيد: { ~~إني نهيت } أي ممن لا ناهي غيره، نهيا عاما ببراهين العقل، ونهيا ~~خاصا بأدلة النقل { أن أعبد } ولما أهلوهم لأعلى المقامات، عبر عنهم ~~إرخاء للعنان بقوله: { الذين تدعون } أي يؤهلونهم لأن تدعوهم، ودل على ~~سفولهم بقوله تعالى: { من دون الله } أي الذي له الكمال كله، ودل على أنه ~~ما كان متعبدا قبل البعث بشرع أحد بقوله: { لما جاءني البينات } أي ~~الحجج الواضحة جدا من أدلة العقل والنقل ظاهرة، ولفت القول إلى صفة ~~الإحسان تنبيها على أنه كما يستحق الإفراد بالعبادة لذاته يستحقها شكرا ~~لإحسانه فقال: { من ربي } أي المربي لي تربية خاصة هي أعلى من تربية كل ~~مخلوق سواي، فلذلك أنا أعبده عبادة تفوق عبادة كل عابد. # ولما أخبر بما يتخلى عنه، أتبعه الأمر بما يتحلى به فقال: { وأمرت أن ~~أسلم } أي بأن أجدد إسلام كليتي في كل وقت على سبيل الدوام { لرب ~~العالمين * } لأن كل ما سواه مربوب فالإقبال عليه خسار، وإذا نهى هو صلى ~~الله عليه وسلم عن ذلك وأمر بهذا لكون الآمر والناهي ربه لأنه رب كل شيء، ~~كان غيره مشاركا له في ذلك لا محالة. # ولما قامت الأدلة وسطعت الحجج على أنه سبحانه رب العالمين الذين من ~~جملتهم المخاطبون، ولا حكم للطبيعة ولا غيرها، أتبع ذلك آية أخرى في ~~أنفسهم هي أظهر مما مضى، فوصل به على طريق العلة لمشاركتهم له صلى الله ~~عليه وسلم في الأمر والنهي في التي قبلها ms4227 قوله تعالى: { هو } لا غيره { ~~الذي } ولما كان الوصف بالتربية ماضيا، عبر عنه به فقال: { خلقكم من ~~تراب } أي أصلكم وأكلكم التي تربى به أجسادكم { ثم من نطفة } من مني يمنى ~~{ ثم من علقة } مباعدا حالها لحال النطفة كما كان النطفة مباعدا لحال ~~التراب، { ثم } بعد أن جرت شؤون أخرى { يخرجكم } أي يجدد إخراجكم شيئا ~~بعد شيء { طفلا } لا تملكون شيئا ولا تعلمون شيئا، ثم يدرجكم في مدارج ~~التربية صاعدين بالقوة في أوج الكمال طورا بعد طور وحالا بعد حال { ~~لتبلغوا أشدكم ثم } يهبطكم بالضعف والوهن في مهاوي السفول { لتكونوا ~~شيوخا } ضعفاء غرباء، قد مات أقرانكم، ووهت أركانكم، فصرتم تخشون كل ~~أحد. # ولما كان هذا مفهما لأنه حال الكل، بين أنه ما أريد به إلا البعض لأن ~~المخاطب الجنس، وهو يتناول البعض كما يتناول الكل فقال: { ومنكم من يتوفى ~~} بقبض روحه وجميع معانيه. ولما كان الموت ليس مستغرقا للزمن الذي بين ~~السنين, وإنما هو في لحظة يسيرة مما بينهما، أدخل الجار على الظرف فقال: ~~{ من قبل } أي قبل حال الشيخوخة أو قبل حال الأشدية. # ولما كان المعنى: لتتفاوت أعماركم وأحوالكم وأعمالكم، عطف عليه قوله: { ~~ولتبلغوا } أي كل واحد منكم { أجلا مسمى } أي له سماه الملك الذي وكل به ~~في بطن أمه عن إذننا وبأمرنا الذي قدرناه في الأزل، فلا يتعداه مرة، ولا ~~بمقدار ذرة, فيتجدد للملائكة إيمان في كل زمان. # ولما كانت هذه الأمور مقطوعا بها عند من يعلمها، وغير مترجاة عند من ~~يجهلها، فإنه لا وصول للآدمي بحيلة ولا فكر إلى شيء منها، فعبر فيها ~~اللام، وكان التوصل بالتفكر فيها والتدبر إلى معرفة أن الإله واحد في ~~موضع الرجاء للعاقل قال: { ولعلكم تعقلون * } أي فتعلموا بالمفاوتة بين ~~الناس فيها ببراهين المشاهدة بالتقليب في أطوار الخلقة وأدوار الأسنان، ~~وإرجاع أواخر الأحكام على أوائلها أن فاعل ذلك قادر مختار حكيم قهار، لا ~~يشبه شيئا ولا يشبهه شيء. # ولما نظم سبحانه هذا الدليل في صنع الآدمي من التراب، وختمه بأن دلالته ~~على ms4228 البعث - بإجراء سنته في إرجاع أواخر الأمور على أوائلها وغير ذلك - ~~لا يحتاج إلى غير العقل، أنتج عنه قوله: { هو } لا غيره { الذي يحيي ~~ويميت } كما تشاهدونه في أنفسكم وكما مضى لكم الإشارة إليه بخلق السماوات ~~والأرض، فإن من خلقهما خلق ما بينهما من الآجال المضروبة باختلاف الليل ~~والنهار والشهور والأعوام لبلوغ الأفلاك مواضعها، ثم رجوعها عودا على ~~بدء مثل تطوير الإنسان بعد الترابية من النطفة إلى العلقة إلى ما فوقها، ~~ثم رجوعه في مدارك هبوطه إلى أن تصير ترابا كما كان، فليست النهاية ~~بأبعد من البداية. # ولما كانت إرادته لا تكون إلا تامة نافذة، سبب عن ذلك قوله معبرا ~~بالقضاء: { فإذا قضى أمرا } أي أراد أي أمر كان من القيامة أو غيرها { ~~فإنما يقول له كن } ولما كانت { إذا } شرطية أجابها في قراءة ابن عامر ~~بقوله: { فيكون * } وعطفها في قراءة غيره على { كن } بالنظر إلى معناه، ~~أو يكون خبرا لمبتدأ أي فهو يكون، وعبر بالمضارع تصويرا للحال وإعلاما ~~بالتجدد عند كل قضاء، وقد مضى في سورة البقرة إشباع الكلام في توجيه ~~قراءة ابن عامر بما تبين به أنها أشد من قراءة غيره. # ولما علم من هذا أنه لا كلفة عليه في شيء من الأشياء بهذه الأمور ~~المشاهدة في أنفسهم وفي الآفاق، أنتج التعجب من حالهم لمن له الفهم ~~الثاقب والبصيرة الوقادة، وجعل ذلك آياته الباهرة وقدرته القاهرة ~~الظاهرة، فلذلك قال لافتا الخطاب إلى أعلى الخلق لأن ذم الجدال بالباطل ~~من أجل مقصود هذه السورة: { ألم تر } أي يا أنور الناس قلبا وأصفاهم ~~لبا، وبين بعدهم بأداة النهاية فقال: { إلى الذين يجادلون } أي بالباطل، ~~ونبه على ما في هذه الآيات من عظمته التي لا نهاية لها بإعادة الاسم ~~الجامع فقال: { في آيات الله } أي الملك الأعظم { أنى } أي وكيف ومن أي ~~وجه { يصرفون * } عن الآيات الحقة الواضحة التي سبقت بالفطرة الأولى إلى ~~جذور قلوبهم، فلا حجة يوردون ولا عذاب عن أنفسهم يردون، لأنه سبحانه ~~استاقهم - كما قال ابن برجان - بسلاسل ms4229 قهره المصوغة من خالص عزماتهم ~~وعزائهم إرادتهم من حقيقة ذواتهم إلى خزي الدنيا وعذاب الآخرة - فصل ما ~~جادلوا فيه واصفا لهم بما يزيد في التعجيب من شدة جهلهم وتعاظم عماهم ~~فقال: { الذين كذبوا } وحذف المفعول إشارة إلى عموم التكذيب: { بالكتاب } ~~أي بسببه في جميع ما له من الشؤون التي تفوت الحصر والعظمة في كل أمر كان ~~أشير بأداة الكمال إلى أنه لكماله كأنه لا كتاب غيره لأن من سمعه فكأنما ~~سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم لإعجازه، فمن كذب بحرف منه فقد كذب بكل ~~كتاب الله. # ولما كان التذكيب به تكذيبا بجميع الرسالات الإلهية، أكد عظمته بذلك ~~وبالإضافة إلى مظهر العظمة، تحذيرا للمكذبين من سطواته، وتذكيرا لهم ~~بأن العمل مع الرسول عمل مع من أرسله، فلذا لفت الكلام على الاسم الجامع ~~لصفتي الجلال والإكرام فقال تعال: { وبما أرسلنا } أي على ما لنا من ~~العظمة { به رسلنا } من جميع الملل والشرائع بكتاب كان أو بغيره، وهو ~~بحيث لا يحاط بكنه جلاله وعظمه حاله، ولذا تسبب عنه تهديدهم في قوله ~~تعالى: { فسوف يعلمون * } أي بوعيد صادق لا خلف فيه، ما يحل بهم من ~~سطوتنا. ### || [40.71-77] # ولما كانوا في الدنيا قد جمعت أيديهم إلى أذقانهم بجوامع السطوة، ثم ~~وصلت بسلاسل القهر يساقون بها عن مقام الظفر بالنجاح إلى أهويات الكفر ~~بالجدال بالباطل ومهامه الضلال المبين كما قال تعالى # إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا # [يس: 8] الآية، فجعل باطن تلك السلاسل الدنيوية والأغلال ظاهرا في ذلك ~~المجمع قال: { إذ } أي حين تكون { الأغلال } جمع غل، قال في ديوان الأدب، ~~هو الذي يعذب به الإنسان. وقال القزاز: الغل من الحديد معروف، ويكون من ~~القد، وقال في النهاية: هو الحديدة التي تجمع يد الأسير إلى عنقه، ويقال ~~لها جامعة أيضا - انتهى. وأصله الإدخال، يدخل فيه العنق واليد فتجمعان ~~به، وذلك معنى قول الصغاني في مجمع البحرين: في رقبته غل من حديد، وقد ~~غلت يده إلى عنقه { في أعناقهم } أي جامعة لأيديهم إلى تراقيهم، وعبر بإذ ~~ومعناها ms4230 المضي مع سوف ومعناها الاستقبال، لأن التعبير بالمضي إنما هو ~~إشارة إلى تحقق الأمر مع كونه مستقبلا { والسلاسل } أي في أعناقهم أيضا ~~يقيدهم ذلك عن كل تصرف لكونهم لم يتقيدوا بكتاب ولا رسول، والسلسلة من: ~~تسلسل الشيء: اضطرب، قال الراغب: كأنه تصور منه تسلسل متردد، فردد لفظه ~~تنبيها على تردد معناه، وما سلسل متردد في مقره حتى صفا، حال كونهم { ~~يسحبون * } أي بها، والسحب: الجر بعنف { في الحميم * } أي الماء الحار ~~الحاضر الذي يكسب الوجوه سوادا، والأعراض عارا، والأرواح عذابا ~~والأجسام نارا، والقلوب هما واللحوم ذوبانا واعتصارا، وذلك عوض ~~ترفيعهم لأنفسهم عن سحبها بأسباب الأدلة الواضحات في كلف العبادات ~~ومرارات المجاهدات وحرارات المنازلات. # ولما أخبر عن تعذيبهم بالماء الحار الذي من شأنه أن يضيق الأنفاس، ويضعف ~~القوى، ويخفف القلوب، أخبر بما هو فوق ذلك فقال: { ثم في النار } أي ~~عذابها خاصة { يسجرون * } أي يلقون فيها وتوقد بهم مكردسين مركوبين كما ~~يسجر التنور بالحطب - أي يملأ - وتهيج ناره، وكما يسجر - أي يصب - الماء ~~في الحلق، فيملؤونها فتحمى بهم ويشتد اضطرامها لكونهم كانوا في الدنيا ~~وقود المعاصي، والفتن بهم يشب وقودها ويقوى عودها، ويثبت عمودها، لأنهم ~~لم يلقوا أنفسهم في نيران الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومخالفات ~~الشهوات في أبواب الأوامر والنواهي، التي هي في الظاهر نيران، وفي ~~الحقيقة جنان. # ولما كان المدعو إنما يدخر لأوقات الشدائد، قال موبخا لهم مندما ~~مقبحا لقاصر نظرهم لأنفسهم بانيا للمفعول لأن المنكىء هذا القول مطلقا ~~لا لكونه من قائل معين: { ثم قيل لهم } أي بعد أن طال عذابهم، وبلغ منهم ~~كل مبلغ، ولم يجدوا ناصرا يخلصهم ولا شافعا يخصصهم: { أين } والتعبير ~~عنهم بأداة ما لا يعقل في أحكم مواضعه في قوله: { ما كنتم } أي دائما { ~~تشركون * } أي بدعائكم لهم في مهماتكم دعاء عبادة مع تجديده في كل وقت؛ ~~ثم بين سفولهم بقوله لافتا القول عن مظهر العظمة إلى أعظم منه فقال: { ~~من دون الله } أي المحيط بجميع العز وكل العظمة، لتطلبوا منهم تخليصكم ~~مما أنتم ms4231 فيه أو تخفيفه: { قالوا } أي مسترسلين مع الفطرة وهي الفطرة ~~الأولى على الصدق: { ضلوا عنا } فلا نراهم كما ضللنا نحن في الدنيا عما ~~ينفعنا. # ولما رأوا أن صدقهم قد أوجب اعترافهم بالشرك، دعتهم رداءة المكر ورذالة ~~الطباع إلى الكذب، فاسترسلوا معها فبادروا أن أظهروا الغلظ فقالوا ملبسين ~~على من يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ظانين أن ذلك ينفعهم كما كان ~~ينفعهم عند المؤمنين في دار الدنيا: { بل لم نكن ندعو } أي لم يكن ذلك في ~~طباعنا. ولما كان مرادهم نفي دعائهم أصلا ورأسا في لحظة فما فوقها، لا ~~النفي المقيد بالاستغراق، فإنه لا ينفي ما دونه، أثبتوا الجار فقالوا: { ~~من قبل } أي قبل هذه الإعادة { شيئا } لنكون قد أشركنا به، فلا يقدرهم ~~الله إلا على ما يزيد في ضرهم ويضاعف ندمهم ويوجب لعن أنفسهم ولعن بعضهم ~~بعضا بحيث لا يزالون في ندم كما كان حالهم في الدنيا # انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون # [الأنعام: 24] فالآية من الاحتباك: ذكر الإشراك أولا دليلا على نفيهم ~~له ثانيا، والدعاء ثانيا دليلا على تقديره أولا. # ولما كان في غاية الإعجاب من ضلالهم، كان كأنه قيل: هل يضل أحد من الخلق ~~ضلال هؤلاء، فأجيب بقوله: { كذلك } أي نعم مثل هذا الضلال البعيد عن ~~الصواب { يضل الله } أي المحيط علما وقدرة، عن القصد النافع من حجة ~~وغيرها { الكافرين * } أي الذين ستروا مرائي بصائرهم لئلا يتجلى فيها ثم ~~صار لهم ذلك ديدنا. # ولما تم جواب السؤال عن التعجب من هذا الضلال، رجع إلى خطاب الضلال فقال ~~معظما لما ذكر من جزائهم بأداة البعد وميم الجمع نصا على تقريع كل ~~منهم: { ذلكم } أي الجزاء العظيم المراتب، الصعب المراكب, الضخم المواكب ~~{ بما كنتم } أي دائما { تفرحون } أي تبالغون في السرور وتستغرقون فيه ~~وتضعفون عن حمله للإعراض عن العواقب. ولما كانت الأرض سجنا، فهي في ~~الحقيقة دار الأحزان، حسن قوله: { في الأرض } أي ففعلتم فيها ضد ما وضعت ~~له، وزاد ذلك حسنا قوله: { بغير الحق ms4232 } فأشعر أن السرور لا ينبغي إلا ~~إذا كان مع كمال هذه الحقيقة، وهي الثبات دائما للمفروح به، وذلك لا ~~يكون إلا في الجنة { وبما } أي وبسبب ما { كنتم تمرحون * } أي تبالغون في ~~الفرح مع الأشر والبطر والنشاط الموجب الاختيال والتبختر والخفة بعدم ~~احتمال الفرح. # ولما كان السياق لذم الجدال، وكان الجدال إنما يكون عن الكبر، وكان ~~الفرح غير ملازم للكبر، لم يسبب دخول النار عنه، بل جعله كالنتيجة لجميع ~~ما مضى فقال: { ادخلوا } أي أيها المكذبون. # ولما كان في النار أنواع من العذاب، دل على تعذيبهم بكل نوع بذكر ~~الأبواب جزاء على ما كانوا يخوضون بجدالهم في كل نوع من أنواع الأباطيل ~~فقال: { أبواب جهنم } أي الدركة التي تلقي صاحبها بتكبر وعبوسة وتجهم { ~~خالدين فيها } أي لازمين لما شرعتم فيه بالدخول من الإقامة لزوما لا ~~براح منها أصلا. # ولما كانت نهاية في البشاعة والخزي والسوء، وكان دخولهم فيها مقرونا ~~بخلودهم سببا لنحو أن يقال: فهي مثواكم، تسبب عنه قوله: { فبئس مثوى } ~~دون أن يقال: مدخل { المتكبرين * } أي موضع إقامتهم المحكوم بلزومهم إياه ~~لكونهم تعاطوا ما ليس لهم، ولا ينبغي أن يكون إلا الله يقول الله تعالى: # " الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعنيهما قصمته " # ولم يؤكد جملة { بئس } هنا لأن مقاولتهم هذه بنيت على تجدد علمهم في ~~الآخرة بأحوال النار، وأحوال ما سببها، والتأكيد يكون للمنكر ومن في ~~عداده، وحال كل منهما مناف للعلم، وزاد ذلك حسنا أن أصل الكلام مع ~~الأعلم للسر الذي تقدم - صلى الله عليه وسلم فبعد جدا من التأكيد. ولما ~~كان هذا في الجزاء أعظم الشماتة بهم، فكان فيهم أعظم التسلية لمن جادلوه ~~وتكبروا عليه، سبب عنه قوله: { فاصبر } أي ارتقابا لهذه النصرة، ثم علل ~~بقوله مؤكدا لأجل تكذيبهم بالوعد: { إن وعد الله } أي الجامع لصفات ~~الكمال { حق } أي في نصرتك في الدارين فلا بد من وقوعه، وفيه أعظم تأسية ~~لك ولذلك سبب عنه مع صرف القول إلى ما يأتي الاعتراض إشارة إلى أنه لا ~~يسأل عما ms4233 يفعل، قوله تعالى: { فإما نرينك } وأكده ب " ما " والنون ومظهر ~~العظمة لأنكارهم لنصرته عليهم ولبعثهم { بعض الذي نعدهم } أي بما لنا من ~~العظمة مما يسرك فيهم من عذاب أو متاب قبل وفاتك، فذاك إلينا وهو علينا ~~هين. # ولما ذكر فعل الشرط وحذف جوابه للعلم به، عطف عليه قوله: { أو نتوفينك ~~} أي قبل أن ترى ذلك فيهم وأجاب هذا المعطوف بقوله: { فإلينا } أي بما ~~لنا من العظمة { يرجعون * } أي معي في الدنيا فتريهم بعد وفاتك من نصر ~~أصحابك عليهم بما تسرك به في برزخك فإنه لا بقاء لجولة باطلهم، وحسا في ~~القيامة فنريك فيهم فوق ما تؤمل من النصرة المتضمنة لتصديقك وتكذيبهم، ~~وإكرامك وإهانتهم، والآية من الاحتباك: ذكر الوفاة ثانيا دليلا على ~~حذفها أولا، والرؤية أولا دليلا على حذفها ثانيا. ### || [40.78-80] # ولما قسم له الله سبحانه الحال إلى إصابتهم أو وفاته صلى الله عليه ~~وسلم، وكان قد بقي مما هو أقر لعينه وأشفى لصدره أن يريهم في حياته آية ~~تلجئهم إلى الإيمان، وتحملهم على الموافقة والإذعان، فيزول النزاع بحسن ~~الاتباع، كما وقع لقوم يونس عليه الصلاة والسلام، قال عاطفا على ما ~~تقديره في تعليل الأمر بالصبر، فلقد أرسالناك إليهم ولننفذن أمرنا فيهم، ~~وأما أنت فما عليك إلا البلاغ: { ولقد أرسلنا } أي على ما لنا من العظمة ~~{ رسلا } أي بكثرة. ولما كان الإرسال إنما هو في بعض الزمان الماضي وإن ~~كان بلوغ رسالة كل لمن بعده موجبة لانسحاب حكم رسالته إلى مجيء الرسول ~~الذي يقفوه، أثبت الجار لإرادة الحقيقة فقال: { من قبلك } أي إلى أممهم ~~ليبلغوا عنا ما أمرناهم به: { منهم من قصصنا } أي بما لنا من الإحاطة { ~~عليك } أي أخبارهم وأخبار أممهم { ومنهم من لم نقصص } وإن كان لنا العلم ~~التام والقدرة الكاملة { عليك } لا أخبارهم ولا أخبار أممهم ولا ذكرناهم ~~لك بأسمائهم { وما } أي أرسلناهم والحال أنه ما { كان لرسول } أصلا { أن ~~يأتي بآية } أي ملجئة أو غير ملجئة مما يطلب الرسول استعجالا لاتباع ~~قومه له, أو اقتراحا من قومه ms4234 عليه أو غير ذلك مما يجادل فيه قومه أو ~~يسلمون له أو ينقادون، وصرف الكلام عن المظهر المشير إلى القهر إلى ما ~~فيه - مع الإهانة - الإكرام فقال: { إلا بإذن الله } أي بأمره وتمكينه، ~~فإن له الإحاطة بكل شيء، فلا يخرج شيء عن أمره، فإن لم يأذن في ذلك رضوا ~~وسلموا وصبروا واحتسبوا، وإن أذن في شيء من ذلك من عذاب أو آية ملجئة أو ~~غير ذلك جاءهم ما أذن فيه { فإذا جاء } وزاد الأمر عظما لمزيد الخوف ~~والرجاء بالإظهار دون الإضمار فقال: { أمر الله } أي المحيط بكل شيء قدرة ~~وعلما، وأمره ما توعد به من العذاب عند العناد بعد الإجابة إلى المقترح، ~~ومن القيامة وما فيها، وتكرير الاسم الأعظم لتعظيم المقام باستحضار ما له ~~من صفات الجلال والإكرام، ولثبات ما أراد ولزومه عبر عنه بالقضاء، فقال ~~مشعرا بصيغة المفعول بغاية السهولة: { قضي } أي بأمره على أيسر وجه ~~وأسهله { بالحق } أي الأمر الثابت الذي تقدم الوعد به وحكم بثبوته من ~~إهلاك ناس وإنجاء آخرين أو إيمان قوم وكفر آخرين - وهذا كله هو الذي أجرى ~~سبحانه سنته القديمة بثبوته، وأما الفضل من الإمهال والتطول بالنعم فإنما ~~هو قبل الإجابة إلى المقترحات، والدليل على أن هذا من مراد الآية ما يأتي ~~من قوله: { فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا } وما أشبهه { وخسر } ~~أي هلك أو تحقق وتبين بالمشاهدة أنه خسر { هنالك } أي في ذلك الوقت ~~العظيم بعظمة ما أنزلنا فيه، ظرف مكان استعير للزمان إيذانا بغاية ~~الثبات والتمكن في الخسارة تمكن الجالس { المبطلون * } أي المنسوبون إلى ~~إيثار الباطل على الحق، إما باقتراح الآيات مع إتيانهم بما يغنيهم عنها ~~وتسميتهم له سحرا أو بغير ذلك، إما بتيسرهم على الرجوع عما هم فيه من ~~العناد من غير إذعان وإما الهلاك، وإما بإدحاض الحجج والحكم عليهم بالغلب ~~ثم النار ولو بعد حين، ومن هذه الآية أخذ سبحانه في رد مقطع السورة على ~~مطلعها، فهذه الآية ناظرة إلى قوله تعالى { وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه ~~} { وما ms4235 كان لرسول أن يأتي بآية } إلى { وجادلوا بالباطل } و { أفلم ~~يسيروا في الأرض } إلى { فأخذتهم فكيف كان عقاب } وهذا وما بعده مما ~~اشتمل عليه من الحكمة والقدرة إلى الثلاث الآيات الأول. # ولما كان المبطلون ليسوا أشد ولا أقوى من بعض الحيوانات العجم، دل على ~~ما أخبر به من نافذ نصرته فيهم بقوله مذكرا لهم نعمته مستعطفا إلى ~~طاعته دالا على التوحيد بعد تليينهم بالوعيد مظهرا الاسم الجامع إشارة ~~إلى أن هذه الآية من الدلالات لا يحصى: { الله } أي الملك الأعظم { الذي ~~جعل لكم } لا غيره { الأنعام } أي الأزواج الثمانية بالتذليل والتسخير { ~~لتركبوا منها } وهي الإبل مع قوتها ونفرتها، والتعبير باللام في الركوب ~~مطلقا ثم فيه مقيدا ببلوغ الأماكن الشاسعة إشارة إلى أن ذلك هو المقصود ~~منها بالذات، وهو الذي اقتضى تركيبها على ما هي عليه، فنشأ منه بقية ~~المنافع فكانت تابعة. ولما كان الاقتيات منها - في عظيم نفعه وكثرته ~~وشهوته - بحيث لا يناسبه غيره، عد الغير عدما فقال تعالى: { منها } أي ~~من الأنعام كلها { تأكلون * } بتقديم الجار. # ولما كان التصرف فيها غير منضبط، أجمله بقوله: { ولكم فيها } أي كلها { ~~منافع } أي كثيرة بغير ذلك في الدر والوبر والصوف وغيرها. ولما كان سوقها ~~وبلوغ الأماكن الشاسعة عليها في أقرب مدة لنيل الأمور الهائلة عظيم ~~الجدوى جدا، نبه على عظمته بقطعه عما قبله بإجمال المنافع ثم تفصيله منه ~~فقال: { ولتبلغوا } أي مستعلين { عليها } وهي في غاية الذل والطواعية، ~~ونبههم على نقصهم وعظيم نعمته عليهم بقوله: { حاجة } أي جنس الحاجة. ولما ~~كان في مقام التعظيم لنعمه لأن من سياق الامتنان وإظهار القدرة وحدها ~~وجمع ما تضمر فيه فقال: { في صدوركم } إشارة إلى أن حاجة واحدة ضاقت عنها ~~قلوب الجميع حتى فاضت منها فملأت مساكنها. ولما كان الحمل يكون مع مطلق ~~الاستعلاء سواء كان على أعلى الشيء أولا بخلاف الركوب، قال معبرا بأداة ~~الاستعلاء فيها وفي الفلك غير سفينة نوح عليه الصلاة والسلام، فإنها كانت ~~مغطاة كما حكي فكانوا في بطنها لا على ظهرها: ms4236 { وعليها } أي في البر { ~~وعلى الفلك } أي في البحر { تحملون * } أي تحمل لكم أمتعتكم فإن حمل ~~الإنسان نفسه تقدم بالركوب. وأشار بالنباء للمفعول أنه سخر ذلك تسخيرا ~~عظيما لا يحتاج معه إلى علاج في نفس الحمل. ### || [40.81-84] # ولما كانت هذه آية عظيمة جعلها سبحانه مشتملة على آيات كثيرة، عبر فيها ~~بالماضي وعطف بالمضارع تنبيها على التجدد على ما تقديره: فأراكم هذه ~~الآيات البينات منها، قوله: { ويريكم } أي في لحظة { آياته } أي الكثيرة ~~الكبيرة فيها وفي غيرها من أنفسكم ومن الآفاق، ودل على كثرة الآيات ~~وعظمتها بإسقاط تاء التأنيث كما هو المستفيض في غير النداء بإظهار الاسم ~~الأعظم في قوله: { فأي آيات الله } أي المحيط بصفات الكمال { تنكرون * } ~~حتى تتوجه لكم المجادلة في آياته التي من أوضحها البعث. # ولما وصل الأمر إلى حد من الوضوح لا يخفى على أحد، تسبب عنه لفت الخطاب ~~عنهم دلالة على الغضب الموجب للعقاب المقتضي للرهب فقال: { أفلم يسيروا } ~~أي هؤلاء الذين هم أضل من الأنعام { في الأرض } أي أرض كانت، سير اعتبار ~~{ فينظروا } نظر ادكار فيما سلكوه من سبلها ونواحيها، ونبه على زيادة ~~العظمة فيما حثهم على النظر فيه بسوقه مساق الاستفهام تنبيها على خروجه ~~عن أمثاله، ومباينته لأشكاله، بقوله: { كيف كان عاقبة } أي آخر أمر { ~~الذين } ولما كانوا لا يقدرون على استغراق نظر جميع الأرض وآثار جميع ~~أهلها، نبه بالجار على ما تيسر فقال تعالى: { من قبلهم } أي مع قرب ~~الزمان والمكان، ولما كانوا معتمدين في مغالبة الرسول صلى الله عليه وسلم ~~ومجادلته بالباطل في الآيات الظاهرة على كثرتهم وقوتهم وقلة أصحابه مع ~~ضعفهم، وكان قد تقدم الإنكار عليهم في المجادلة لإدحاض الحق، وعظم النكير ~~عليهم بعدم النظر عن المسير في الأرض بأعين الاعتبار في الآثار، من ~~المساكن والديار، لمن مضى من الأشرار، وأثبت لهم الأشدية وأنها لم تغن ~~عنهم، وذكر فرعون وما كان له من المكنة بالمال والرجال، وأنه أخذه أخذة ~~صارت مثلا من الأمثال، وكان قد بقي مما قد يتعلل به في ms4237 المبالغة الكثرة، ~~ذكرها مضمومة إلى الشدة تأكيدا لمضمون الخبر في أنه لا أمر لأحد مع ~~أمره، فقال مستأنفا جوابا لمن يقول: ما كانت عاقبتهم؟ فقال: { كانوا ~~أكثر منهم } أي عددا أضعافا مضاعفة ولا سيما قوم نوح عليه الصلاة ~~والسلام: { وأشد قوة } في الأبدان كقوم هود عليه الصلاة والسلام الذين ~~قالزا كما يأتي في التي بعدها # من أشد منا قوة # [فصلت: 15] { وآثارا في الأرض } بنحت البيوت في الجبال، وحفر الآبار, ~~وإنباط المياه, وبناء المصانع الجليلة - وغير ذلك مما كانوا عليه. # ولما كان التقدير: فنظروا فأهلكهم الله, سبب عن كثرتهم وشدتهم في قوتهم ~~قوله نافيا صريحا, أو يكون استفهاما إنكاريا { فما } أي أي شيء { ~~أغنى عنهم } أو لم يغن عنهم شيئا من الغنى { ما كانوا } أي دائما كما ~~في جبلاتهم من دواعيه { يكسبون * } بقوة أبدانهم وعظم عقولهم واحتيالهم ~~وما رتبوا من المصانع لنجاتهم حين جاءهم أمرنا بل كانوا كأمس الذاهب. # ولما أخبر عن كثرتهم وقوتهم وآثارهم الدالة على مكنتهم، سبب عنه شرح ~~حالهم، الذي أدى إلى هلاكهم واغتيالهم، فقال مبينا لما أغنى: { فلما ~~جاءتهم رسلهم } أي الذين أرسلناهم إليهم وهم منهم يعرفون صدقهم وأمانتهم ~~{ بالبينات } أي الدالة على صدقهم لا محالة { فرحوا } أي القوم الموصوفون ~~{ بما عندهم من العلم } الذي أثروا به تلك الآثار في الأرض من إنباط ~~المياه وجر الأثقال وهندسة الأبنية ومعرفة الأقاليم وإرصاد الكواكب لأجل ~~معرفة أحوال المعاش، وغير ذلك من ظواهر العلوم المؤدية إلى التفاخر ~~والتعاظم والتكاثر وقوفا مع الوهم، وتقييدا بالحاضر من الرسم من علم ~~ظاهر الحياة الدنيا وقناعة بالفاني كما قال في التي قبلها # ثم إذا خولناه نعمة منا قال إنما أوتيته على علم # [الزمر: 49] وكما قال قارون لما قيل له { وأحسن كما أحسن الله إليك }: " ~~قال ": { إنما أوتيته على علم عندي } وفرحهم به لأنه أداهم إلى التوسع في ~~الدنيا والتلذذ بما فيها واستهزؤوا بما اتتهم به الرسل من علم الباطن ~~الداعي إلى الإعراض عن الفاني والإقبال على الباقي والخوف مما بعد الموت ~~من الأمور الغائبة ms4238 والأهوال الآتية والكوائن العظيمة المستورة بحجاب هذه ~~الحياة الدنيا الواهي، على ما فيها من الذوات والمعاني والأحوال والأوجال ~~والدواهي، والذي حركهم إلى الفرح بما عندهم هو ما هم فيه من الزهرة مع ما ~~يرون من تقلل الرسل وأتباعهم من الدنيا، وإسراع المصائب إليهم، وكثرة ما ~~يعانونه من الهموم والأنكاد، ويكابدونه من الأنداد والأضداد، فاشتد ~~استهزاؤهم بهم وبما أتوا به من بعدهم ذلك محالا وباطلا وضلالا، ~~وكانوا لا ينفكون من فعل الفرح الأشر البطر بالتضاحك والتمايل كما قال ~~الله تعالى { فلما جاءهم إذا هم منها يضحكون } ونصبوا للرسل واتباعهم ~~المكايد، وأحاطوا بهم المكر والغوايل، وهموا بأخذهم فأنجينا رسلنا ومن ~~آمن بهم منهم وأتيناهم بما أزال فرحهم، وأطال غمهم وترحهم { وحاق } أي ~~أحاط على وجه الشدة { بهم ما كانوا } أي عادة مستمرة. # ولما كان استهزاؤهم بالحق عظيما جدا، عد استهزاءهم بغيرة عدما، وأشار ~~إلى ذلك بتقديم الجار فقال: { به يستهزؤون * } من الوعيد الذي كانوا ~~قاطعين ببطلانه فعلم قطعا أنه إنما يفرح من العلم بما تضمن النجاة ~~والسعادة الأبدية على أن سوق الكلام هكذا مليء بالاستهزاء بهم والتهكم ~~عليهم لأنهم نصبوا أنفسهم منصب العالم المطيق المنطيق الذي إذا غلب خصمه ~~فأسكته وألقمه الحجر فأخرسه وأفحمه بواضح الحجة وقويم المحجة ظهر عليه ~~السرور وغلبه الفرح فإن عاند خصمه ووقف مع وهمه استهزأ به وتضاحك منه - ~~هذا مع ما عنده من عمايات الجهل التي لا يقدرون على إنكارها بدليل اعتراف ~~هؤلاء الذين أرسل إليهم هذا النبي الكريم أن أهل الكتاب أعلم منهم، ~~فكانوا يوجهون ركابهم إلى اليهود يسألونهم عن أمرهم وأمره على أنه قد ~~أتاهم بما يعلي به قدرهم على أهل الكتاب، ويجعلهم المخصوصين بالسيادة على ~~مر الأحقاب، وهم يأبون بمجادلتهم بالباطل إلا سفولا وإعراضا عن الصواب، ~~وعدولا ونكوصا ونكولا، والآية مرشدة إلى أنه لا يتعلم إلا من ظن من ~~نفسه القصور، ولهذا كل أقبل شيء للعلم الصغار، والآية من الاحتباك: إثبات ~~الفرح أولا دليل عل حذف ضده ثانيا، وإثبات الاستهزاء ثانيا دليل على ~~حذف ms4239 مثله أولا. # ولما كانت هذه السورة في بيان العزة التي هي نتيجة كمال العلم وشمول ~~القدرة، وكان عظم العزة بحسب عظمة المأخوذ بها المعاند لها، كرر ذكر ~~المجادلة في هذه السورة تكريرا أذن بذلك فقال في أولها { ما يجادل في ~~آيات الله إلا الذين كفروا } ثم دل على أنهم مأخوذون من غير أن يغني عنهم ~~جدالهم الذي أنتجه ضلالهم، وعلى توابع ذلك ترغيبا وترهيبا إلى أن قال { ~~هو الذي يريكم آياته } وذكر بعض ما اشتد إلفهم له حتى سقطت غرابته عندهم، ~~فنبههم على ما فيه ليكفهم عن الجدال ويغتنوا به عن اقتراح غيره، ثم ذكر ~~قصة موسى عليه الصلاة والسلام مذكرا لهم ما حصل من تعذيب المكذبين ~~المجادلين بعد وقوع ما اقترحوا من الآيات بقولهم { فائت بآية إن كنت من ~~الصادقين } ومضى يذكر وينذر ويحذر في تلك الأساليب التي هي أمضى من ~~السيوف، وأجلى من الشموس في الصحو دون الكسوف، حتى قال { الذين يجادلون ~~في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا } ثم ~~شرع في إتمام قصة موسى عليه السلام إلى أن قال { إن الذين يجادلون في ~~آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه } ثم شرع ~~يعدد الآيات العظيمة التي تأبى لشدة وضوحها جدال المجادل, وضلال المماحك ~~المماحل، لولا أنه قد أخرجتها شدة الإلف لها من حيز الغرابة من خلق ~~الخافقين وتكوير الملوين، وبسط الأرض ورفع السماء وتصوير الإنسان وما فيه ~~من عظيم الشأن، فكشف ستورها، وبين دلالتها وظهورها، ولفت الكلام إلى ~~تهديد المجادلين بقوله منكرا عليهم { ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات ~~الله أنى يصرفون } على عادة البلغاء في أنه إذا أخرس أحدهم خصمه بما هو ~~من حججه كالشمس نورا وطلعة وظهورا أنكر بالاستفهام الذي هو أمر من وقع ~~السهام. فلما ثبت بذلك عنادهم وغلظتهم وقوتهم في لددهم واشتدادهم، بين ~~جهلهم بذلهم عند ما بدا لهم وبال أمرهم وحان أن تبرك عليهم أثقال العذاب ~~الفائتة للقوى, فحلت ms4240 ما أحكموا عقده من شرهم، فقال مبينا لما أجمل من ~~الحيق مسببا عنه لافتا القول إلى مظهر العظمة ترهيبا: { فلما رأوا } ~~أي عاينوا { بأسنا } أي عذابنا الشديد على ما له من العظمة التي أدنت بها ~~نسبته إلينا وصدوره عنا { قالوا آمنا بالله } أي الذي له مجامع العظمة، ~~ومعاقد العز ونفوذ الكلمة، كما ظهر لنا في هذا البأس من غير إشكال ولا ~~إلباس، وأكدوا ذلك نافين لما كانوا فيه من الشرك: بقولهم { وحده } ودل ~~على إنحلال عراهم ووهي قواهم بزيادة التصريح في قولهم: { وكفرنا بما كنا ~~} أي جبلة وطبعا { به مشركين * } لأنا علمنا أنه لا يغني من دون الله ~~شيء. ### || [40.85] # ولما كان الكفر بالغيب سببا لعدم قبول الإيمان عند الشهادة قال: { فلم ~~يك } أي لم يصح ولم يقبل بوجه من الوجوه لأنه لا كون يساعد على ذلك ولا ~~بأدنى درجات الكون، فأشار بكان إلى أن هذا أمر مستقر وشأن مستمر لكل أمة ~~ليس خاصا بالمحدث عنهم، ومن مضى قبلهم وبحذف لام الكلمة إلى أنهم أمعنوا ~~في الترقق بتقرير الإيمان وتكريره وتصريحه في إطلاقه وتسريحه، والوقت ضيق ~~والمجال حصير، وقد أزفت الآزفة، ليس لها من دون الله كاشفة، فلم يكونوا ~~لفوات الوقت موفين بما طلب منهم { ينفعهم إيمانهم } أي يتجدد لهم نفعه ~~بعد ذلك لأنه إيمان إلجاء واضطرار لا إيمان طواعية واختيار { لما رأوا } ~~وأظهر موضع الإضمار زيادة في الترهيب فقال: { بأسنا } لإن الإيمان لا ~~يتحقق ولا يتصور إلا مع الغيب، وأما عند الشهادة فقد كشفت سريرته على أنه ~~قد فاتت حقيقته وصورته، فلو ردوا لعادوا، ولو أتاهم بعد ذلك العذاب ~~لانقادوا، ولهذا السر قال تعالى صارفا القول إلى الاسم المقتضي لمزج ~~الحكمة بالعظمة: { سنت الله } أي سن الملك الأعظم المحيط علما وقدرة ذلك ~~على في كل دهر سنة، ولذا قال: { التي قد خلت في عبادة } أن الإيمان بعد ~~كشف الغطاء لا يقبل، وكل أمة كذبت الرسل أهلكت، وكل من أجيب إلى الإيمان ~~المقترحة فلم يؤمن عذب، سنها سنة وأمضاها عزمة، ms4241 فلا غير لها، فربح إذ ذاك ~~المؤمنون { وخسر } أي هلك أو تحقق وتبين أنه خسر. ولما كان المكان لا ~~ينفك عن الزمان، استعير ظرفه له وليدل على غاية التمكن فقيل: { هنالك } ~~أي في ذلك الوقت العظيم الشأن بما كان فيه وكان { الكافرون * } أي ~~العريقون في هذا الوصف فلا انفكاك بينهم وبينه، وقد التف آخرها بما بين ~~من كمال العزة وتمام القدرة وشمول العلم مما رتب من أسباب الهداية ~~والإضلال والإشقاء والإسعاد والنجاة والإهلاك بأولها أي التفاف, واكتنفت ~~البداية والنهاية بيان ذلك مع ما اشتمل عليه الوسط أيضا منه أعظم ~~اكتناف، فسبحان من هذا إنزاله، وتبارك اسمه وجل جلاله، ولا إله سواه ولا ~~حول ولا قوة إلا بالله - رب سهل يا كريم. ### | [41 - سورة فصلت] ### || [41.1-6] # { حم * } أي حكمة محمد التي أعجزت الخلائق. # ولما ختمت غافر بأن الكفرة جادلوا في آيات الله بالباطل، وفرحوا بما ~~عندهم من علم ظاهر الحياة الدنيا، وأنهم عند البأس انسلخوا عنه وتبرؤوا ~~منه ورجعوا إلى ما جاءت به الرسل فلم يقبل منهم، فعلم أن كل علم لم ينفع ~~عند الشدة والبأس فليس بعلم، بل الجهل خير منه، وكان ذلك شاقا على النبي ~~صلى الله عليه وسلم خوفا من أن يكون آخر أمر أمته الهلاك، مع الإصرار ~~على الكفر إلى مجيء البأس، وأن يكون أغلب أحواله صلى الله عليه وسلم ~~النذارة، افتتح سبحانه هذه السورة بأن هذا القرآن رحمة لمن كان له علم ~~وله قوة توجب له القيام فيما ينفعه، وكرر الوصف بالرحمة في صفة العموم ~~وصفة الخصوص إشارة إلى أن أكثر الأمة مرحوم، وأعلم أن الكتاب فصل تفصيلا ~~وبين تبيينا لا يضره جدال مجادل، وكيد مماحك مماحل، وأنه مغن بعجز الخلق ~~عنه عن اقتراح الآيات فقال مخبرا عن مبتدأ: { تنزيل } أي بحسب التدريج ~~عظيم { من الرحمن } أي الذي له الرحمة العامة للكافر والمؤمن بإنزال ~~الكتب وإرسال الرسل { الرحيم * } أي الذي يخص رحمته بالمؤمنين بإلزامهم ~~ما يرضيه عنهم. # ولما تشوف السامع إلى بيان هذا التنزيل المفرق بالتدريج، ms4242 بين أنه مع ذلك ~~حاو لكل خير فقال مبدلا من تنزيل: { كتاب } أي جامع قاطع غالب. ولما ~~كان الجمع ربما أدى إلى اللبس قال: { فصلت } أي تفصيل الجوهر { آياته } ~~أي بينت بيانا شافيا في اللفظ والمعنى مع كونها مفصلة إلى أنواع من ~~المعاني، وإلى مقاطع وغايات ترقى جلائل المعاني إلى أعلى النهايات، حال ~~كونه { قرآنا } أي جامعا مع التفصيل، وهو مع الجمع محفوظ بما تؤديه ~~مادة " قرا " من معنى الإمساك، وهو مع جمع اللفظ وضبطه وحفظه وربطه منشور ~~اللواء منتشر المعاني لا إلى حد، ولا نهاية وعد، بل كلما دقق النظر جل ~~المفهوم، ولذلك قال تعالى: { عربيا } لأن لسان العرب أوسع الألسن ساحة، ~~وأعمقها عمقا وأغمرها باحة، وأرفعها بناء وأفصحها لفظا، وأبينها معنى ~~وأجلها في النفوس وقعا، قال الحرالي: هو قرأن لجمعه، فرقان لتفصيله، ذكر ~~لتنبيهه على ما في الفطر والجبلات، وجوده حكيم لإنبائه الاقتضاءات ~~الحكمية، مجيد لإقامته قسطاس العدل، عربي لبيانه عن كل شيء، كما قال ~~تعالى في سوره أحسن القصص، وتفصيل كل شيء مبين لمحوه الكفر بما أبان من ~~إحاطة أمر الله، محفوظ لإحاطته حيث لم يختص فيقبل العدول عن سنن. # ولما كان لا يظهر إلا لمن له قابلية ذلك، وأدمن اللزوم ذلا للأعتاب، ~~والقرع خضوعا وحبا للأبواب، قال معلقا ب " فصلت " أو " تنزيل " أو " ~~الرحمن الرحيم ": { لقوم } أي ناس فيهم قوة الإدراك لما يحاولونه { ~~يعلمون * } أي فيهم قابلية العلم وتجدد الفهم بما فيهم من سلامة الطبع ~~وسلاسة الانقياد لبراهين العقل والسمع وحدة الأذهان وفصاحة اللسان وصحة ~~الأفكار وبعد الأغوار، وفي هذا تبكيت لهم في كونهم لا ينظرون محاسنه ~~فيهتدوا بها كما يعتنون بالنظر في القصائد حتى يقضوا لبعضها على بعض حتى ~~أنهم ليعلقون بعضها على الكعبة المشرفة تشريفا له، وفيه حث لهم - وهم ~~أولو العزائم الكبار - على العلم بع ليغتنوا عن سؤال اليهود، وفيه بشرى ~~بأنه تعالى يهب العرب بعد هذا الجهل علما كثيرا، وعن هذا الكفر إيمانا ~~عظيما كبيرا، وفي الآية إشارة إلى ذم المقترحين المشار ms4243 إليهم آخر التي ~~قبلها بأنهم قد أتاهم ما أغناهم عنه من آيات هذا الكتاب الذي عجزوا عن ~~مباراته، ومناظرته ومجاراته وذلك في غاية الغرابة، لأنه كلام من جنس ~~كلامهم في كونه عربيا، وقد خالف كلامهم في تخطية من ذرى البلاغة إلى فنن ~~تضاءلت عنها أشعارهم, وتقاصرت دونها خطبهم وأسجاعهم، مع كونه ليس شعرا ~~ولا سجعا أصلا ولا هو من أنواع نثرهم، ولا من ضروب خطبهم، فعجزوا عن ~~الإتيان بشيء من مثله في مر الأحقاب وكر الدهور والأعصار، وكفى بذلك ~~معجزة شديدة الغرابة لمن ينيب. # وقال الإمام أبو جعفر ابن الزبير: لما تضمنت سورة غافر بيان حال ~~المعاندين وجاحدي الآيات، وأن ذلك ثمرة تكذيبهم وجدلهم، وكان بناء السورة ~~على هذا الغرض بدليل افتتاحها وختمها، ألا ترى قوله تعالى # ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا # [غافر: 4] وتأنيس نبيه عليه أفضل الصلاة والسلام بقوله # فلا يغررك تقلبهم في البلاد # [غافر: 4] فقد تقدم ذلك من غيرهم فأعقبهم سوء العاقبة والأخذ الوبيل { ~~كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه } ~~فعصمتهم واقية # أنا لننصر رسلنا # [غافر: 51] وقال تعالى: # وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب # [غافر: 5] أي رأيت ما حل بهم وقد بلغك خبرهم، فهلا اعتبر هؤلاء بهم # أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا هم ~~أشد منهم قوة وإثارا في الأرض فأخذهم الله بذنوبهم وما كان لهم من الله ~~من واق # [غافر: 21] وإنما أخذهم بتكذيبهم الآيات { ذلك بأنهم كانت تأتيهم رسلهم ~~بالبينات فكفروا فأخذهم الله } ثم ذكر تعالى من حزب المكذبين فرعون ~~وهامان وقارون، وبسط القصة تنبيها على سوء عاقبة من عاند وجادل بالباطل ~~وكذب الآيات، ثم قال تعالى بعد آيات { إن الذين يجادلون في آيات الله ~~بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه } إذ الحول والقوة ~~ليست لهم # فاستعذ بالله # [الأعراف: 200] من شرهم، فخلق غيرهم لو استبصروا أعظم من خلقهم # لخلق السماوات والأرض أكبر من ms4244 خلق الناس # [غافر: 57] وهم غير آمنين من الأخذ من كلا الخلقين # إنما نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء # [سبأ: 9] ثم قال تعالى بعد هذا { ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله ~~أنى يصرفون } إن أمرهم لعجيب في صرفهم عن استيضاح الآيات بعد بيانها، ثم ~~ذكر تعالى سوء حالهم في العذاب الأخروي وواهي اعتذارهم بقولهم # ضلوا عنا بل لمن نكن ندعو من قبل شيئا # [غافر: 74] ثم صبر تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: # فاصبر إن وعد الله حق # [الروم: 60] ثم أعاد تنبيههم فقال تعالى: { أفلم يسيروا في الأرض } إلى ~~ختم السورة، ولم يقع من هذا التنبيه الذي دارت عليه آي هذه السورة في ~~سورة الزمر شيء ولا من تكرار التحذير من تكذيب الآيات، فلما بنيت على هذا ~~الغرض أعقبت بذكر الآية العظيمة التي تحديت بها العرب، وقامت بها حجة ~~الله سبحانه على الخلق، وكان قيل لهم: احذروا ما قدم لكم، فقد جاءكم محمد ~~صلى الله عليه وسلم بأوضح آية وأعظم برهان { تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب ~~فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون بشيرا ونذيرا } وتضمنت هذه ~~السورة العظيمة من بيان عظيم الكتاب وجلالة قدره وكبير الرحمة به ما لا ~~يوجد في غيرها من أقرانها كما أنها في الفصاحة تبهر العقول بأول وهلة، ~~فلا يمكن العربي الفصيح في شاهد برهان أدنى توقف، ولا يجول في وهمه إلى ~~معارضة بعض آيها أدنى تشوف، وأنه لكتاب عزيز { لا يأتيه الباطل من بين ~~يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد } { ولو جعلناه قرآنا أعجميا ~~لقالوا لولا فصلت آياته أعجمي وعربي } فوبخهم سبحانه وتعالى وأدحض حجتهم ~~وأرغم باطلهم وبكت دعاويهم ثم قال { قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء ~~والذين لا يؤمنون في اذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد ~~} { إنما يستجيب الذين يسمعون } وقرعهم تعالى في ركيك جوابهم عن واضح ~~حجته بقولهم { قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر } وقولهم { ~~لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا ms4245 فيه } وهذه شهادة منهم على أنفسهم ~~بالانقطاع عن معارضته، وتسجيلهم بقوة عارضته، ثم فضحهم بقوله { قل أرأيتم ~~إن كان من عند الله ثم كفرتم به } - الآية، وتحملت السورة مع هذا بيان ~~هلاك من عاند وكذب ممن كان قبلهم وأشد قوة منهم، وهم الذين قدم ذكرهم ~~مجملا في سورة غافر في آيتي { أو لم يسيروا في الأرض } { أفلم يسيروا } ~~فقال تعالى مفصلا لبعض ذلك الإجمال { فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل ~~صاعقة عاد وثمود } ثم قال { فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق ~~وقالوا من أشد منا قوة } ثم قال تعالى { فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا } ~~الآية، ثم قال { وأما ثمود } فبين تعالى حالهم وأخذهم، فاعتضد التحام ~~السورتين، واتصال المقصدين - والله أعلم - انتهى. # ولما كان حال الإنسان إن مال إلى جانب الخوف الهلع أو إلى جانب الرجاء ~~البطر، فكان لا يصلحه إلا الاعتدال، بالتوسط الموصل إلى الكمال، بما يكون ~~لطبعه بمنزلة حفظ الصحة ودفع المرض لبدنه، قال واصفا ل " قرآنا " { ~~بشيرا } أي لمن اتبع { ونذيرا } أي لمن امتنع فانقطع. روى أبو نعيم في ~~الحلية في ترجمة إمامنا الشافعي رضي الله عنه وأرضاه أنه روي عن علي بن ~~أبي طالب كرم الله وجه أنه قال في خطبة له: وأعجب ما في الإنسان قلبه، ~~وله مواد من الحكمة وأضداد من خلافها إن سنح له الرجاء ادلهمه الطمع، وإن ~~هاج به الطمع أهلكه الحرص، وإن ملكه اليأس قتله الأسف، وإن عرض له الغضب ~~اشتد به الغيظ، وإن سعد بالرضى نسي التحفظ، وإن ناله الخوف شغله الحزن، ~~وإن أصابته مصيبة قصمه الجزع، وإن أفاد مالا أطغاه الغنى، وإن عضته فاقة ~~شغله البلاء، وإن أجهده الجوع قعد به الضعف، فكل تقصير به مضر وكل إفراط ~~به مفسد. # ولما كانت عادتهم دوام الاحتياط في كل بشارة ونذارة بأمر دنيوي، سبب عن ~~هذا مخالفتهم لعادتهم في ترك الحزم بالجزم بالإعراض فقال: { فأعرض أكثرهم ~~} أي عن تجويز شيء من بشائره أو نذائره { فهم } لذلك { لا يسمعون * } أي ~~يفعلون فعل من ms4246 لا يسمع فهم لا يقبلون شيئا مما دعا إليه وحث عليه. # ولما أخبر عن إعراضهم، أخبر عن مباعدتهم فيه فقال: { وقالوا } أي عند ~~إعراضهم ممثلين لمباعدتهم في عدم قبولهم: { قلوبنا في أكنة } أي أغشية ~~محيطة بها، ولما كان السياق في الكهف للعظمة كان الأنسب له أداة ~~الاستعلاء فقال { إنا جعلنا على قلوبهم أكنة } وعبروا هنا بالظرف إبعادا ~~لأن يسمعوا { مما } أي مبتدئة تلك الأغشية وناشئة من الأمر الذي { تدعونا ~~} أيها المخبر بأنه نبي { إليه } فلا سبيل له إلى الوصول إليها لنفيه ~~أصلا. ولما كان القلب أفهم لما يرد إليه من جهة السمع قالوا: { وفي ~~آذاننا } التي هي أحد الطرق الموصلة إلى القلوب { وقر } أي ثقل قد أصمها ~~عن سماعه { ومن بيننا وبينك } أي مبتدئ من الحد الذي فصلك منا والحد الذي ~~فصلنا منك في منتصف المسافة قي ذلك { حجاب } ساتر كثيف، فنحن لا نراك ~~لنفهم عنك بالإشارة، فانسدت طرق الفهم لما نقول { فاعمل } أي بما تدين ~~به. ولما كان تكرار الوعظ موضعا للرجاء في رجوع الموعوظ قطعوا ذلك ~~الرجاء بالتأكيد بأداته، وزادوه بالنون الثالثة والتعبير بالاسمية ~~فقالوا: { إننا عاملون * } أي بما ندين به فلا مواصلة بيينا بوجه ليستحي ~~أحد منا من الآخر في عمله أو يرجع إليه، ولو قال { وبيننا } من غير { من ~~} لأفهم أن البينين بأسرهما حجاب، فكان كل من الفريقين ملاصقا لبينه، ~~وهو نصف الفراغ الحاصل بينه وبين خصمه، فيكون حينئذ كل فريق محبوسا ~~بحجابة لا يقدر على عمل فينا في ما بعده أو يكون بينهما اتصال أقله ~~بالإعلام بطرق من أراد من المتباينين الحجاب، فأفادت " من " التبعيض مع ~~إفادة الابتداء، فإنهم لا يثبتون الحجاب في غير أمور الدين. # ولما أخبروا باعراضهم وعللوا بعدم فهمهم بما يدعو إليه، أمره سبحانه ~~بجواب يبين أنهم على محض العناد فقال: { قل } أي لهؤلاء الذين عجزوا عن ~~رد شيء من أمرك بشيء يقبله ذو عقل فادعوا ما ينادي عليهم بالعجز: { إنما ~~أنا بشر مثلكم } لا غير بشر مما لا يرى، والبشر يرى ms4247 بعضه بعضا ويسمعه ~~ويبصره فقولكم أنه لا وصول لكم إلى رؤيتي ولا إدراك شيء مما أقول مما لا ~~وجه له أصلا. ولما كان ادعاؤهم لعدم المواصلة بينهم قد تضمن شيئين: ~~أحدهما فيه، والآخر فيما يدعو إليه، ونقض الأول، قال في الثاني: { يوحى ~~إلي } أي بطريق يخفى عليكم { إنما إلهكم } أي الذي يستحق العبادة { إله ~~واحد } لا غير واحد، وهذا مما دلت عليه الفطر الأولى السوية, وقامت عليه ~~الأدلة العقلية, وأيدتها في كل عصر الطرق النقلية، وانعقد عليه الإجماع ~~في أوقات الضرورات النفسانية، أي لست مغايرا للبشر ممن يخفى عليكم شخصه ~~كالملك، ولا يعجم عليهم مراده بصوته كسائر الحيوانات، ومع كوني بشرا ~~فلست بمغاير لكم في الصنف بكوني أعجميا، بل أنا مثلكم سواء في كوني ~~عربيا، ومع ذلك كله فأصل ما أوحي إلي ليس معبرا عنه بجمل طوال تمل أو ~~تنسى، أو يشكل فهمها، وإنما هو حرف واحد وهو التوحيد، فلا عذر لكم أصلا ~~في عدم فهمه ولا سماعه ولا رؤية قائله. # ولما قطع حجتهم وأزال علتهم، سبب عن ذلك قوله: { فاستقيموا } أي اطلبوا ~~واقصدوا وأوجدوا القوام متوجهين وإن كان في غاية البعد عنكم { إليه } غير ~~معرجين أصلا على نوع شرك بشفيع ولا غيره. ولما كان أعظم المراد من الوحي ~~العلم والعمل، وكان رأس العلم التوحيد فعرفه وأمر بالاستقامة فيه، أتبعه ~~رأس العمل وهو ما أنبأ عن الاعتراف بالعجز مع الاجتهاد فقال: { واستغفروه ~~} أي اطلبوا منه غفران ذنوبكم، وهو محوها عينا وأثرا حتى لا تعاقبوا ~~عليها ولا تعاتبوا بالندم عليها، والإقلاع عنها حالا ومآلا. ولما أمر ~~بالخير، رغب فيه ووهب من ضده، فكان التقدير للترغيب: فالفلاح والفوز لمن ~~فعل ذلك، فعطف عليه ما السياق له فقال: { وويل } أي وسواة وهلاك { ~~للمشركين * }. ### || [41.7-12] # ولما كانت العقول والشرائع ناطقة بأن خلاصة السعادة في أمرين: التعظيم ~~لأمر الله، والشفقة على خلق الله، وكان أفضل أبواب التعظيم لأمر الله ~~الإقرار بوحدانيته، فكان أخس الأعمال التي بين العبد وربه الإخلال بذلك، ~~وكان أخس الأعمال التي بين ms4248 العبد وبين الخلق منع ما أوجبه الله من ~~الزكاة، وكان معنى الشرك الحكم بأن ما لا شيء له أصلا وما لا يمكن أن ~~يكون له ملك تام على شيء أصلا قد شارك من له الكل خلقا وتصرفا فيما هو ~~عليه من الملك التام الذي لا شوب فيه، وكانت الزكاة إشراك من له ملك غير ~~تام لمثله في جزء يسير من ماله. قال ذاما لمن أبى أن يشارك الخلائق ~~وأشرك بالخالق: { الذين لا يؤتون } أي أمثالهم من أولاد آدم { الزكاة } ~~من المال الذي لا صنع لهم في خلقه، فهو مخلف عن أبيهم آدم، فالقياس يقتضي ~~اشتراكهم كلهم فيه على حد سواء، ولكنا رحمناهم بتخصيص كل واحد منهم بما ~~ملكت يمينه منه بطريقه، فقد حكموا في أمر ربهم بما لا يرضونه لأنفسهم، ~~فإنهم أبوا أن يشركوا ببذل الزكاة بعض أخوانهم في بعض مالهم الذي ملكهم ~~له ضعيف، وأشركوا ما لا يملك شيئا أصلا بما لا نفع مع المالك المطلق. # ولما كان مما تضمنه إشراكهم وإنكارهم البعث أنهم أداهم شحهم إلى ~~استغراقهم في الدنيا والإقبال بكلياتهم على لذاتها، فأنكروا الآخرة، فصار ~~محط حالهم أنهم أثبتوا لمن لا فعل أصلا فعلا لا يمكنه تعاطيه بوجه، ~~ونفوا عن الفاعل المختار الذي هم لأفعاله الهائلة في كل وقت يشاهدون، ~~وإليه في منافعهم ومضارهم يقصدون، ما أثبت لنفسه من فعله، فقال مؤكدا ~~تنبيها على أن إنكارهم هذا مما لا يكاد يصدق: { وهم بالآخرة } أي الحياة ~~التي بعد هذه ولا بعد لها { هم } أي بخاصة من بين أهل الملل { كافرون * } ~~فاختصموا بإنكار شيء لم يوافقهم عليه أحد في حق من يشاهدون في كل وقت من ~~أفعاله أكثر من ذلك، وأثبتوا لمن لم يشاهدوا له فعلا قط ما لا يمكنه ~~فعله أصلا، وهم يدعون العقول الصحيحة والآراء المتينة ورضوا لأنفسهم ~~بالدناءة في منع الزكاة وحكموا بأعظم منها على الله وهم يدعون مكارم ~~الأخلاق ومعالي الهمم، فأقبح بهذه عقولا وأسفل بها همما فقد تضمنت ~~الآية أن الويل لمن اتصف بصفات ms4249 ثلاثة: الشرك الذي هو ضد التعظيم لأمر ~~الله، والامتناع من الزكاة الذي هو ضد الشفقة على خلق الله وإنكار ~~القيامة المؤدي إلى الاستغراق فيما أبغض الله من طلب الدنيا ولذاتها وهو ~~من الاستهانة بأمر الله، قال الأصبهاني: وتمام الكلام في أنه لا زيادة ~~على هذه المراتب الثلاثة أن الإنسان له ثلاثة أيام: أمس واليوم والغد، ~~فمعرفة أنه كيف كانت أحواله بالأمس في الأزل هو بمعرفة الخالق لهذا ~~العالم, ومعرفة كيف ينبغي وقوع الأحوال في الاليوم الحاضر هو بالإحسان ~~إلى أهل العلم بقدر الطاقة، ومعرفة الأحوال في اليوم المستقبل بالإقرار ~~بالبعث والقيامة، فإذا كان الإنسان على ضد الحق في هذه المراتب الثلاثة ~~كان في نهاية الجهل والضلال. # ولما ذكر ما للجاهلين وعيدا وتحذيرا، ذكر ما لأضدادهم وعدا وتبشيرا، ~~فقال مجيبا لمن تشوف لذلك مؤكدا لإنكار من ينكره: { إن الذين آمنوا } ~~أي بما آتاهم الله من العلم النافع { وعملوا الصالحات } من الزكاة وغيرها ~~ليكون عملهم شرعيا نافعا، ولما كان افتتاح السورة بالرحمن الرحيم ~~مشعرا بأن الأسباب الظاهرية انمحت عند السبب الحقيقي الذي هو رحمته، ~~أعرى الخبر عن الفاء، فقال إيذانا بعظم الجزاء لأن سببه رحمة الرحيم، ~~ولو كان بالفاء لآذنت أنه على مقدار العمل الذي هو سببه: { لهم أجر } أي ~~عظيم { غير ممنون * } أي مقطوع - جزاء على سماحهم بالفاني اليسير من ~~أموالهم في الزكاة وغيرها وما أمر الله به من أقوالهم وأفعالهم في الآخرة ~~والدنيا، والممنون: المقطوع من مننت الحبل أي قطعته بقطع مننه ومنه ~~قولهم: قد منه السفر أي قطعه وأذهب منته. # ولما ذكر سبحانه سفههم في كفرهم بالآخرة، شرع في ذكر الأدلة على قدرته ~~عليها وعلى كل ما يريد بخلق الأكوان وما فيها الشامل لهم ولمعبوداتهم من ~~الجمادات وغيرها الدال على أنه واحد لا شريك له، فقال منكرا عليهم ~~ومقررا بالوصف لأنهم كانوا عالمين بأصل الخلق: { قل } أي لمن أنكر ~~الآخرة منكرا عليه بقولك: { أئنكم } وأكد لإنكارهم التصريح بما يلزمهم ~~من الكفر { لتكفرون } أي توجدون حقيقة الستر لأنوار العقول الظاهرة ms4250 { ~~بالذي خلق الأرض } أي على سعتها وعظمتها من العدم { في يومين } فتنكرون ~~قدرته على إعادة ما خلقه منها ابتداء مع اعترافكم بأنه ابتدأ خلقها وخلق ~~ذلك منها، وهذان اليومان الأحد والاثنين - نقل هذا عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما وعبد الله بن سلام رضي الله عنه - قال ابن الجوزي: والأكثرين، ~~وحديث مسلم الذي تقدم في سورة البقرة # " خلق الله التربة يوم السبت " # يخالف هذا، فإن البداءة فيه بيوم السبت وهو مصرح بأن خلق الأرض وما فيها ~~في ستة أيام كما هو ظاهر هذه الآية، ويجاب بأن المراد بالخلق فيه إخراج ~~أقواتها بالفعل، والمراد هنا تهيئتها لقبول ذلك، ويشكل أيضا بأن الأيام ~~إنما كانت بدوران الأفلاك، وإنما كان ذلك بعد تمام الخلق بالفعل، فالظاهر ~~أن المراد باليوم ما قال الحرالي: مقدار ما يتم فيه أمر ظاهر أو مقدار ~~يومين تعرفونها من أيام الدنيا. ولما ذكر كفرهم بالبعث وغيره، عطف على { ~~تكفرون } قوله: { وتجعلون } أي مع هذا الكفر { له أندادا } مما خلقه، ~~فتثبتون له أفعالا وأقوالا مع أنكم لم تروا شيئا من ذلك، فأنكرتم ما ~~تعلمون مثله وأكبر منه، وأثبتم ما لم تعلموه أصلا، هذا هو الضلال ~~المبين. # ولما بكتهم على قبيح معتقدهم، عظم ذلك بتعظيم شأنه سبحانه فقال: { ذلك } ~~أي الإله العظيم { رب العالمين * } أي موجدهم ومربيهم، وذلك يدل قطعا ~~على جميع ما له من صفات الكمال. # ولما ذكر ما هم به مقرون من إبداعها، أتبعه ما جعل فيها من الغرائب، ~~فقال عاطفا على ما تقديره: أبدع الأرض على ما ذكر: { وجعل } ولا يجوز ~~عطفه على صلة الموصول للفصل بأجنبي { فيها رواسي } هي أشدها وهي الجبال، ~~ونبه على أنها مخالفة للرواسي في كونها تحت ما يراد إرساؤه فقال: { من ~~فوقها } فمنعتها من الميد، فعل ذلك لكونه أدل على القدرة، فإنها لو كانت ~~من تحت لظن أنها، أساطين حاملة، ولتظهر منافع الجبال بها أنفسها وبما ~~فيها، ويشاهد أنها أثقال مفتقرة إلى حامل. ولما هيأها لما يراد منها، ذكر ~~ما أودعها فقال: { وبارك ms4251 فيها } أي جعلها قابلة ميسرة صالحة بالأقوات ~~والنافع من الذوات والمعاني المعينة على محاسن الأعمال الميسرة للسير ~~إليه والإقبال عليه، ودالة على جميع صفاته الحسنى وأسمائه العلى وغير ذلك ~~من المعارف والقدر والقوى { وقدر فيها أقواتها } أي جعلها مع البركة على ~~مقدار لا تتعداه، ومنهاج بديع دبره في الأزل وارتضاه، وقدره فأمضاه، ومن ~~ذلك أنه خص بعض البلاد بشيء لا يوجد في غيرها لتنظيم عمارة الأرض كلها ~~باحتياج بعضهم إلى بعض، فكان جميع ما تقدم من إيداعها وإيداعها ما ذكر من ~~متاعها، دفعة واحدة لا ينقص عن حاجة المحتاجين أصلا، وإنما ينقص توصلهم ~~أو توصل بعضهم إليه فلا يجد له حينئذ ما يكفيه، وفي الأرض أضعاف كفايته، ~~ثم ذكر فذلكة خلق الأرض وما فيها فقال: { في أربعة أيام } وهذا العدد عن ~~ضم اليومين الماضيين إلى يومي الأقوات وهما الثلاثاء والأربعاء، أو يكون ~~المعنى في تتمته أربعة أيام، ولا يحمل على الظاهر ليكون ستة لأنه سيأتي ~~للسماوات يومان فكانت تكون ثمانية، فتعارض آية { الم السجدة } { لله ~~الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام } وفصل مقدار ما خلقها ~~فيه ومقدار ما خص الأقوات والمنافع لإحاطة العلم بأنه يخص كل أمر من ~~الأمرين يومان، ونص على الأولين ليكون ذلك أدل على القدرة فيحسن موقع ~~النعي عليهم بما فصل به الآيتين من اتخاذ الأنداد، وإنما كان أدل على ~~القدرة، لأنه إيجاد ذوات محسوسة من العدم قائمة بأنفسها بخلاف البركة، ~~وتقدير الأقوات فإنه أمر لا يقوم بنفسه، فلم يفرد يوميه بالذكر، بل ~~جعلهما تابعين كما أن ما قدر فيهما تابع، ولم يفعل ذلك في أقل من لمح ~~البصر مع تمام القدرة عليه، لأن هذا أدل على الاختيار وأدخل في الابتلاء ~~والاختيار، ليضل به كثيرا ويهدي به كثيرا، فيكون أعظم لأجورهم لأنه أدل ~~على تسليمهم، وجعل مدة خلقها ضعف مدة السماء مع كونها أصغر من السماء ~~دلالة على أنها هي المقصودة بالذات لما فيها من الثقلين، فزادت بما فيها ~~من كثرة المنافع وتباين أصناف ms4252 الأعراض والجواهر لأن ذلك أدخل في المنة ~~على سكانها، والاعتناء بشأنهم وشأنها، وزادت أيضا بما فيها من الابتلاء ~~بالتهيئة للمعاصي والمجاهدات والمعالجات التي يتنافس فيها الملأ الأعلى ~~ويتخاصم - كل ذلك دلالة على أن المدة ما هي لأجل القدرة بل لأجل التنبيه ~~على ما في المقدر من المقدور وعجائب الأمور، وليعلم أيضا بخلق السماء ~~التي هي أكبر جرما وأتقن جسما وأعظم زينة وأكثر منافع بما لا يقايس في ~~أقل من مدة خلق الأرض أن خلقها في تلك المدة ليس للعجز عن إيجادها في أقل ~~من اللمح، بل لحكم تعجز عن حملها العقول، ولعل تخصيص السماء بقصر المدة ~~دون العكس لإجراء أمرها على ما نتعارفه من أن بناء السقف أخف من بناء ~~البيت تنبيها على أنه بنى أمر دارنا هذه على الأسباب تعليما للتأني ~~وتدريبا على السكينة والبعد من العجلة. # ولما كان لفظ { سواء } الذي هو بمعنى العدل الذي لا يزيد عن النصف ولا ~~ينقص يطلب اثنين، تقول: سواء زيد وعمرو { إلى كلمة سواء بيننا وبينكم } ~~قال تعالى مزيلا لما أوهمه قوله: { أربعة أيام } من أنها للأقوات ~~والبركة ليكون مع يومين من الأرض ستة، ناصبا على المصدر: { سواء } أي ~~التوزيع إلى يومين ويومين على السواء { للسائلين * } أي لمن سأل أو كان ~~بحيث يسأل ويشتد بحثه بسؤال أو نظر عن التوفيق بين ظاهر هذه الآية وبين ~~غيرها، لا بد في كل يوم منها من زيادة عن الذي قبله أو نقص، ومجموع ~~الأربعة كأربعة من أيام الدنيا لا تزيد عليها ولا تنقص، وقراءة يعقوب بجر ~~" سواء " معينة لأن تكون نعتا ل " أربعة " وقراءة أبي جعفر بالرفع خبر ~~لمبتدأ محذوف، وعن خلقها وتتميمها في أربعة أيام كانت فصولها أربعة، قال ~~ابن برجان: ألا ترى الأمر إلى السماء أولا في إنزال الماء فيخلقه فيما ~~هنالك ثم ينزله إلى الأرض والنبات والحيوان عن الماء الذي ينزل من السماء ~~إلى الأرض بمنزلة النسل بين الذكر والأنثى وبمنزلة تسخير السماء والأرض ~~وما بينهما لما وجدنا له فافهم - أمر قويم ms4253 وحكمة شائعة آية ذلك قضاؤه ~~بركات الأرض في أربعة أيام بواسطة ما قدر في السماء من أمر وهي الأربعة ~~الفصول من السنة. الشتاء الربيع الصيف والخريف، فهذه الأيام معلومة ~~بالمشاهدة، فيهن يتم زرع الأرض وبركات الدنيا وجميع ما يخرجه منها من ~~فؤائد وعجائب، قال: وقوله " للسائلين " تعجيب وإغراب وتعظيم للمراد ~~المعنى بالخطاب، وقد يكون معنى السواء زائدا إلى ما تقدم أن بهذه ~~الأربعة الأيام استوت السنة مطالعها ومغاربها وقربها وبعدها وارتفاعها ~~ونزولها في شمالي بروجها وجنوبيها باحكام ذلك كله وتوابعه - انتهى. # ولما كانت السماوات أعظم من الأرض في ذاتها بنور أبنيتها واتساعها ~~وزينتها ودوران أفلاكها وارتفاعها، نبه على ذلك بالتعبير بأداة التراخي، ~~ولفظ الاستواء وحرف الغاية الدال على عظيم العناية فقال: { ثم استوى } أي ~~قصد قصدا هو القصد منتهيا قصده { إلى السماء وهي } أي والحال أنها { ~~دخان } بعد ما فتقها من الأرض، قالوا: كان ذلك الدخان بخار الماء فهو ~~مستعار من المرتفع من النار، وهو تشبيه صوري، فالسماء متقدمة في الدخانية ~~على الأرض، تقدم الذكر على الأنثى ثم خلقت ذات الأرض وبعد تصوير السماء ~~وتتميمها دحيت أنثى الأرض وسويت لذكر السماء, قال ابن برجان: فالذي يعتقد ~~أن السماء أولا إيجادا وتتميما والأرض بعدها إيجادا ورتبة, وأيام ~~الخلق يومان لإيجاد الأرض ويومان لتسوية السماء بعد أن كانت دخانا، ~~ويومان لتتميم المنافع فتداخلت الأعداد لتداخل الأفعال، { فقال لها } أي ~~عقب هذا الاستواء { وللأرض } بعد خلقها وقبل دحوها: { ائتيا } أي تعاليا ~~وأقبلا مواتيتين مقارنتين لما قدرته فيكما وأردته منكما من إخراج المنافع ~~من المياه والنبات والمعادن وغيرها، ووضع المصدر موضع الحال مبالغة فقال: ~~{ طوعا أو كرها } أي طائعتين أو كارهتين في إخراج ما أودعتكما من ~~الأمانة في أوقاتها وعلى ما ينبغي من مقاديرها وهيآتها طوع تسخير لا ~~تكليف { قالتا أتينا } أي نحن وما فينا ما بيننا. # ولما جعلهما موضع المخاطبة للتي هي للعقلاء والتكلم، قال جامعا لهما ~~باعتبار أفرادهما وما فيهما جمع من يعقل: { طائعين * } أي في كل ما رسمته ~~فينا لا نحمل ms4254 من ذلك شيئا بل نبذله على ما أمرت به لا نغير ولا نبدل، ~~وذلك هو بذلهما للأمانة، وعدم حملها، وجمع الأمر لهما في الإخبار لا يدل ~~على جمعه في الزمان، بل قد يكون القول لهما متعاقبا { فقضاهن } أي خلقهن ~~وصنعهن حال كونهن معدودات { سبع سماوات } صنعا نافذا هو كالقضاء لا ~~تخلف فيه { في يومين } أي الخميس والجمعة إذا حسب مقدار ما يخصهن من ~~التكوين في الستة الأيام التي كان فيها جميع الخافقين، وما بينهما كان ~~بمقدار ما خص واحدا من الأرض ومن أقواتها لا يزيد على مدة منهما ولا ~~ينقص، فيكون الذي خصهما ثلث المجموع، قال ابن جرير: وإنما سمي يوم الجمعة ~~لأن الله تعالى جمع فيه خلق السماوات والأرض. يعني فرغ من ذلك وأتمه { ~~وأوحى } أي ألقى بطريق خفي وحكم مبتوت قوي { في كل سماء أمرها } أي الأمر ~~الذي دبرها ودبر منافعها به على نظام محكم لا يختل، وزمام مبرم لا ينحل. # ولما عم، خص ما للتي تلينا إشارة إلى تشريفنا، فقال صارفا القول إلى ~~مظهر العظمة تنبيها على ما في هذه الآية من العظم: { وزينا } أي بما ~~لنا من العظمة { السماء الدنيا } أي القربى إليكم لأجلكم { بمصابيح } من ~~زواهر النجوم، وشفوفها عنها لا ينافي أن تكون في غيرها مما هو أعلى منها، ~~ودل السياق على أن المراد: زينة { و } حفظناها بها { حفظا } من ~~الشياطين، فالآية من الاحتباك: حذف فعل الحفظ بدلالة المصدر، ومصدر ~~الزينة بما دل عليه من فعلها. # ولما كان هذا أمرا باهرا، نبه على عظمته بقوله صارفا الخطاب إلى صفتي ~~العز والعلم إعلاما بأنهما أساس العظمة ومدارها: { ذلك } أي الأمر ~~الرفيع والشأن البديع { تقدير العزيز } الذي لا يغلبه شيء وهو يغلب كل ~~شيء { العليم * } المحيط علما بكل شيء وكما قدر سبحانه ذلك بعزته وعلمه ~~قضى أنه لا يفيد العز الدائم إلا ما شرعه من العلم، وفي ختمه بالوصفين ~~بشارة للأمة التي خوطبت بهما أنه يوتيها من عزه وعلمه لا سيما بالهبة وما ~~شاكلها من الطبائع وغيرها ms4255 ما لم يؤت أمه من الأمم قبلها، وسر خلقه سبحانه ~~العالم في مدة ولم يكن قي لمحة وجعلها ستة لا أقل ولا أكثر أنه لو خلقه ~~في لمحة لكان ذلك شبهة لمن يقول: إنه فاعل بالذات لا بالاختيار، فاقتضى ~~الحال عددا، ثم اقتضى الحال أن يكون ستة لأنها أول عدد يدل على الكمال ~~لأنها عدد تام كسورها لا تزيد عنها ولا تنقص، فآذن ذلك بأن للفاعل نعوت ~~الكمال وأوصاف التمام والتعال، ولم يخلقه فيما دون ذلك من العدد لأنه ~~ناقص، وخلق الأرض في يومين مكررين باعتبار الذات والمنافع إيذانا بما ~~يقع فيها من المعصية بالشرك الذي هو تثنية وإفك، ولم يكرر في السماء لأن ~~آياتها أدل على التوحيد ولم يحصل من أهلها ما يدل على الوعيد، وليكون ~~إيجادها في أقل من مدة الأرض - مع أنها أكبر جرما وأعجب صنعا وأتقن ~~جسما - أدل على الفعل بالاختيار بعجائب الحكم وغرائب الأسرار الكبار. ### || [41.13-16] # ولما كان هذا القدر من العلم موجبا للانقياد لكل خير من الوحدانية ~~وغيرها، والإقبال على الحق في كل أمر، فكان المتمادي على إعراضه قبل ~~الوعظ به كأنه جدد إعراضا غير إعراضه الأول، قال مفصلا بعض قوله { ~~فأعرض أكثرهم }: { فإن أعرضوا } أي استمروا على إعراضهم، أو أعرض غيرهم ~~عن قبول ما جئتهم به من الذكر بعد هذا البيان الواضح في هذه الآيات التي ~~دلت على الوحدانية والعلم والقدرة وغيرها من صفات الكمال أتم دلالة { فقل ~~} أي لهم: إن لكم سلفا سلكتم طريقهم في العناد، فإن أبيتم إلا الإصرار ~~ألحقناكم بهم كأمثالهم وهو معنى { أنذرتكم صاعقة } ، أي حلول صاعقة مهيأة ~~لمن كشف له الأمر فعاند، فإن وظيفة الحجة قد تمت على أكمل الوجوه، قال ~~البغوي وابن الجوزي: والصاعقة المهلكة من كل شيء - انتهى. والحاصل أنه ~~عذاب شديد الوقع كأنه في شدة وقعه صاعقة. # ولما كان التخويف بما تسهل مشاهدة مثله أوقع في النفس قال: { مثل صاعقة ~~عاد وثمود * } أي الذين تنظرون ديارهم وتستعظمون آثارهم، وعلل إيقاع ذلك ~~بهم بقوله: { إذا } ويجوز ms4256 أن يكون ظرفا لصاعقة وظرفيته لا تنافي عليته ~~أي حين { جاءتهم الرسل } لأن الزمان الطويل يجوز نسبة ما وقع في جزء منه ~~إليه، ولما كانت الرسل إنما أتت بالفعل في بعض الزمان أدخل الجار فقال: { ~~من بين أيديهم } أي من قبلهم لأن النذير الأول نذير لكل من أتى بعده بأنه ~~إن واقع ما واقعه أتاه ما عذب به { ومن خلفهم } وهم من أتى إليهم لأنهم ~~لم يكونوا يعلمون إتيانهم، فالخلف كناية عن الخفاء، والقدام عن الجلاء، ~~ولا شك أن الإنسان لما انقاد له من قبله فسمعه منه أقبل مما رآه بعينه، ~~لأن النفس لا تنقاد لما خالفها إلا بعد جدال وجهاد، فإذا تطاول الزمن ~~وانقاد له الغير، سهل عليها الأمر، وخف عليها الخطب، وأيضا الآتي إلى ~~ناس إنما يأتيهم بعد وجودهم وبلوغهم حد التكليف، فهو بهذا آت إليهم من ~~ورائهم أي بعد وجودهم أو يكون ما بين الأيدي هو من جاءهم لأنهم علموا ~~بمجيئه علم من ينظر من قدامه، وما خلفهم ما غاب عنهم ممن تقدمهم، فلم ~~تنقل إليهم أخبارهم إلا على وجوه تحتمل الطعن، أو المعنى: أتاهم رسولهم ~~الذي هو بإظهار المعجزة كجميع الرسل بالوعظ من كل جانب يخفى عليهم أو ~~يتضح لهم وأعمل فيهم كل حيلة بكل حجة حتى لم يدع لهم شبهة، ثم بين أن ~~مجيء الرسل ينفي عبادة غير الله وقصر العبادة عليه، فقال مظهرا مع ~~العبادة الاسم الذي هو أولى بها: { أن } أي بأن قولوا لهم { لا تعبدوا ~~إلا الله } أي الذي له جميع صفات الكمال. # ولما كان هذا موضعا لتشوف السامع إلى خبرهم عند ذلك إجابة بقولهم: { ~~قالوا } أي كل منهم: { لو شاء ربنا } أي والذي ربانا أحسن تربية وجعلنا ~~من خواصه بما حبانا به من النعم أن يرسل إلينا رسولا { ملائكة } فأرسلهم ~~إلينا بما يريده منا لكنه لم ينزل ملائكة فلم يشأ أن يرسل رسولا، فتسبب ~~عما قالوه من القياس الاستثنائي الذي استنتجوا فيه من نقيض تاليه نقيض ~~مقدمه، لما جعلوا بين المقدم ms4257 والتالي من الملازمة بزعمهم قولهم: { فإنا ~~بما } أي بسبب الذي ولما كانوا لم ينكروا مطلق رسالتهم، إنما أنكروا ~~كونها من الله، بنوا للمجهول قولهم مغلبا تعالى في الترجمة عنهم للخطاب ~~على الغيبة لأنه أدخل في بيان قلة أدبهم: { أرسلتم } أي أيها الرسل ومن ~~كان على مثل حالهم من البشر { به } أي على ما تزعمون خاصة لا بغير ما ~~أرسلتم به مما أنزل به ملائكة مثلا { كافرون * } لأن قياسنا قد دل على ~~أنه تعالى لم يشأ الإرسال، فأنتم لستم بمرسل عنه لأنكم بشر لا ملائكة وقد ~~كذبوا في قياسهم الذي لم يأخذوه عن عقل ولا نقل لأنه لا ملازمة بين مشيئة ~~الإرسال إلى الناس كافة أو إلى أمة منهم وبين أن يكون المرسل إليهم كلهم ~~ملائكة. # ولما جمعهم فيما اجتمعوا فيه حتى كأنهم تواصوا به، فصل ما اختلفوا فيه ~~فقال مسببا عما مضى من مقالهم: { فأما عاد } أي قوم هود عليه الصلاة ~~والسلام { فاستكبروا } أي طلبوا الكبر وأوجدوه { في الأرض } أي كلها التي ~~كانوا فيها بالفعل وبقيتها بالقوة، أو في الكل بالفعل لكونهم ملكوها ~~كلها. ولما كان الكبر قد يكون بالحق كما على من خالف أمر الله قال: { ~~بغير الحق } أي الأمر الذي يطابقه الواقع، وهو إنكار رسالة البشر، فإن ~~الواقع إرسالهم { وقالوا } أي وضموا إلى استكبارهم على قبول ما جاءهم من ~~الحق أن قالوا متعاظمين على أمر الله بما أتاهم الله من فضله: { من أشد ~~منا قوة } فنحن نقدر على دفع ما يأتي من العذاب الذي يهددنا به هود عليه ~~الصلاة والسلام لأنهم كانوا أشد الناس قوى وأعظمهم أجساما. # ولما كان التقدير أن يقال إنكارا عليهم: ألم يروا أن الله لو شاء ~~لجعلهم كغيرهم، عطف عليه قوله: { أو لم يروا } أي يعلموا علما كما هو ~~كالمشاهدة لأنه غريزة في الفطرة الأولى فهو علم ضروري { أن الله } أي ~~المحيط بكل شيء قدرة وعلما { الذي خلقهم } ولم يكونوا شيئا { هو أشد ~~منهم قوة } ومن علم أن غيره أقوى منه وكان عاقلا انقاد ms4258 له فيما ينفعه ~~ولا يضره، واجتماع قوتهم التي هي شدة البنية وقوته سبحانه التي هي كمال ~~القدرة وهي صفة قائمة بذاته سبحانه إنما هو في الآثار الناشئة عن القوة، ~~فلذلك جمعا بأشد. # ولما بين أنهم أوجدوا الكبر، عطف عليه من غرائزهم ما هو أصل لكل سوء، ~~فقال مبينا قرط جهلهم باجترائهم على العظمة التي شأنها قصم الظالم وأخذ ~~الآثم: { وكانوا } أي طبعا لهم { بآياتنا } على ما لها من العظمة ~~بنسبتها إلينا { يجحدون * } أي ينكرون إنكارا يضمحل عنده كل إنكار ~~عنادا مع علمهم بأنها من عندنا { فأرسلنا } بسبب ذلك على ما لنا من ~~العظمة، ودل على صغارهم وحقارتهم بأداة الاستعلاء فقال: { عليهم } وزاد ~~في تحقيرهم بأن أخبر أنه أهلكهم لأجل ما تعززوا به من قوة أبدانهم ووثاقة ~~خلقهم بما هو من ألطف الأشياء جسما وهو الهواء فقال: { ريحا } أي عظيمة ~~{ صرصرا } أي شديدة البرد والصوت والعصوف حتى كانت تجمد البدن ببردها ~~فتكون كأنها تصره - أي تجمعه - في موضع واحد فتمنعه التصرف بقوته، وتقطع ~~القلب بصوتها، فتقهر شجاعته، وتحرق بشدة بردها كل ما مرت عليه. # ولما تقدم في هذا السياق استكبارهم على الوجه المذكور وادعاؤهم أنهم أشد ~~الناس قوة اقتضى الحال تحقيرهم في إهلاكهم، فذكر الأيام دون الليالي وإن ~~تضمنتها فقال تعالى: { في أيام } ولما كان جمع القلة قد يستعار للكثرة ~~حقق أن المراد القلة بوصفه بجمع السلامة فقال: { نحسات } وكان ذلك أدل ~~على هذا المراد من إفراد اليوم كما في القمر لأنه قد يراد به زمان يتم ~~فيه أمر ظاهر ولو طالت مدته، ويصح للجنس فيشمل مع القليل ما يصلح له جمع ~~الكثرة. وفيه - مع أنه نذارة - رمز للمنزل عليه هذا الوحي صلى الله عليه ~~وسلم بأعظم بشارة لما أومأ إليه افتتاح السورة باسمي الرحمة، وقوله تعالى ~~{ بشيرا ونذيرا } ومن جعل أيام هذا العذاب ثمانية، أشار إلى الحلم ~~والتأني كما أشار إليه ما تقدم من خلق هذا الوجود في ستة أيام، وقد كان ~~قادرا على كل من التعذيب والإيجاد في لحظة ms4259 واحدة، فأشار ذلك إلى أنه في ~~السنة السادسة من الهجرة يكون الفتح السببي بعمرة الحديبية التي كانت سبب ~~نزول سورة الفتح، وفي السابعة يكون الاعتمار الذي كان عليهم أشد من وقوع ~~الصارم البتار، حتى ذهب عمرو بن العاص من أجل ذلك إلى الحبشة لئلا يرى من ~~دخول النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم ما لا صبر له عليه، ~~وفي الثامنة يكون الفتح الحقيقي بعشرة آلاف مقاتل أكثرهم دارع لا يرى ~~منهم إلا الحدق، حتى خالوا بياض لأمهم السراب، فظنوا بهم غاية العذاب، ~~فكانوا رحمة، وعاد رأوا السحاب فظنوه رحمة فكان عذابا ونقمة، ووصفها ~~بالنحس مبالغة مثل رجل عدل ليدل على أنها كانت قابلة لانفعال الجسد وما ~~كان فيه من القوى بهذه الريح، وهو مصدر جمع لاختلاف أنواع النحس فيها - ~~هذا على قراءة الجماعة بسكون الحاء، وأما قراءة ابن عامر والكوفيين بكسر ~~الحاء فهي صفة من فعل بالكسر مثل: فرح فهو فرح، وأول هذه الأيام الأربعاء ~~في قول يحيى بن سلام، وقال غيره: وما عذب قوم إلا يوم الأربعاء { لنذيقهم ~~} وأضاف الموصوف إلى صفته على المبالغة من وادي رجل عدل فقال: { عذاب ~~الخزي } أي الذي يهيئهم ويفضحهم ويذلهم بما تعظموا وافتخروا على كلمة ~~الله التي أتتهم بها رسله، وصف العذاب بالخزي الذي هو للمعذب به مبالغة ~~في إخزائه له { في الحياة الدنيا } ليذلوا عند من تعظموا عليهم في الدار ~~التي اغتروا بها فتعظموا فيها, فإن ذلك أدل على القدرة عند من تقيد ~~بالوهم { ولعذاب الآخرة } الذي أعد للمتكبرين { أخزى } أي أشد إخزاء كما ~~قالوا: هو أعطاهم للدراهم وأولادهم للمعروف، وأكد لإنكارهم له. # ولما انتفت مدافعتهم عن أنفسهم، نفى دفع غيرهم فقال: { وهم } أي أصابهم ~~هذا العذاب وسيصيبهم عذاب الآخرة والحال أنهم { لا ينصرون * } أي لا ~~يوجد ولا يتجدد لهم نصر أبدا بوجه من الوجوه. ### || [41.17-21] # ولما أنهى أمر صاعقتهم، شرع في بيان صاعقة ثمود فقال: { وأما ثمود } وهم ~~قوم صالح عليه الصلاة والسلام { فهديناهم } أي بينا لهم طريق ms4260 الهدى من ~~أنا قادرون على البعث وعلى كل شيء فلا شريك لنا، وكان بيان ذلك بالناقة ~~غاية البيان فأبصروا ذلك بأبصارهم التي هي سبب أبصار بصائرهم غايه ~~الإبصار، فكرهوا ذلك لما يلزمه من تنكب طريق آبائهم وأقبلوا على لزوم ~~طريق آبائهم: { فاستحبوا العمى } اي الضلال الناشئ عن عمى اليصر أو ~~البصيرة أو هما معا { على الهدى } أي أوجدوا من الأفعال والأقوال ما يدل ~~على حب ذلك وعلى طلب حبه فعموا فضلوا، وقال القشيري: قيل: إنهم آمنوا ~~وصدقوا ثم ارتدوا وكذبوا، فأجراهم مجرى إخوانهم في الاستئصال. { فأخذتهم ~~} أي بسبب ذلك أخذ قسر وهوان { صاعقة العذاب } وأبلغ في وصفه بجعله نفس ~~الهون فقال: { الهون } أي ذي الهون، قامت ضمته مقام ما في الهوان من ~~الصيغة فعلم أن المراد أنه المهين المخزي { بما كانوا } أي دائما { ~~يكسبون * } أي يتجدد تحصيلهم له وعدهم له فائدة، فالآية من الاحتباك: ذكر ~~الهداية أولا دليلا على حذف الضلال ثانيا والعمى ثانيا دليلا على ~~حذف الإبصار أولا، وسره أنه نسب إليه أشرف فعليه، وأسند إليهم ما لا ~~يرضاه ذو الروح. # ولما أتم الخبر عن الكافرين من الفريقين، أتبعه الخبر عن مؤمنيهم بشارة ~~لمن اتبع النبي صلى الله عليه وسلم ونذارة لمن صد عنه فقال: { ونجينا } ~~أي تنجية عظيمة { الذين آمنوا } أي أوجدوا هذا الوصف ولو على أدنى وجوهه ~~من الفريقين { وكانوا } أي كونا عظيما { يتقون * } أي يتجدد لهم هذا ~~الوصف في كل حركة وسكون فلا يقدمون على شيء بلا دليل. # ولما ذكر حالهم في الدنيا، وأشار إلى حال الآخرة، أتبعه تفصيل ذلك فقال: ~~{ ويوم } أي اذكر أيام أعداء الله في الدنيا في إنزال عذابه بهم وإحلال ~~مثلاته بساحاتهم، واذكر يوم يحشرون - هكذا كان الأصل، ولكنه بين ما عذبوا ~~به ليعم كل من اتصف به من الأولين والآخرين فقال: { يحشر } أي يجمع بكثرة ~~بأمر قاهر لا كلفة علينا فيه - هذا على قراءة الجماعة بالبناء للمفعول، ~~وعلى قراءة ناقع ويعقوب بالنون مبنيا للفاعل يكون ناظرا إلى سياق " ~~ونجينا " وفي كلتا ms4261 القراءتين معنى العظمة، فلذلك ناسبهما الاسم الأعظم ~~الذي هو أعظم من مظهر العظمة الذي وقع الصرف عنه لما في ذكره من زيادة ~~التوبيخ لهم والتهجين لفعلهم والتخسيس لعقولهم في قولهم: { أعداء الله } ~~أي الملك الأعظم ولا يخفى إعرابه بحسب كل قراءة { إلى النار } دار ~~الأشقياء { فهم } بسبب حشرهم { يوزعون * } أي يدفعون ويرد بأيسر أمر ~~أولهم على آخرهم، ومن يريد أن يعرج منهم يمينا أو شمالا ظنا منه أنه ~~قد يخفى بسبب كثرتهم ويزجرون زجر إهانة، ويجمع إليهم من شذ منهم،ة فإن كل ~~شيء من ذلك نوع من العذاب. # ولما بين إهانتهم بالوزع، بين غاياتها فقال: { حتى إذا } وأكد الكلام ~~لإنكارهم مضمونه بزيادة النافي ليكون اجتماعه مع الإثبات نفيا للضد ~~فيفيد غاية القوة بمضمون الخبر في تحقيقه وثباته واتصاله بالشهادة على ~~الفور فقال: { ما جاؤوها } أي النار التي كانوا بها يكذبون { شهد عليهم } ~~حين التكوير فيها مركومين بعضهم على بعض. ولما كان في مقام الترهيب، وكان ~~التفصيل أهول قال: { سمعهم } أفرده لتقارب الناس فيه { وأبصارهم } جمع ~~لعظم التفاوت فيها { وجلودهم بما } وأثبت الكون بيانا لأنهم كانوا ~~مطبوعين على ما أوجب لهم النار من الأوزار فقال: { كانوا يعملون * } أي ~~يجددون عمله مستمرين عليه، فكأن هذه الأعضاء تقول في ذلك الحين إقامة ~~للحجة البالغة: أيها الأكوان والحاضرون من الإنس والملائكة والجان، ~~اعلموا أن صاحبي كان يعمل بي كذا وكذا مع الإصرار، فاستحق بذلك النار، ~~وغضب الجبار - ثم يقذف به. # ولما أخبر بهذا الذي يفتت الحجارة لو علقت ساعة ما، أخبر أنه لم يفدهم ~~الرجوع عن طبعهم الجافي وبلادتهم الكثيفة، فقال عاطفا على ما تقديره: ~~فلم تفدهم هذه الشهادة خجلا من الله ولا خضوعا في أنفسهم ولا رجوعا عن ~~الجدال والعناد كما لم يفدهم ذلك مجرد علم الله فيهم: { وقالوا لجلودهم } ~~ودخل فيها ما صرح به من منافعها بها لفقد ما يدعو إلى التفصيل. ولما فعلت ~~فعل العقلاء خاطبوها مخاطبتهم فقالوا: { لم شهدتم علينا }. # ولما كان هذا محل عجب منهم، وكان متضمنا لجهلهم بظنهم ms4262 أنه كان لها قدرة ~~على السكوت، وكان سؤالهم عن العلة ليس على حقيقته وإنما المراد به اللوم، ~~أجيب من تشوف إلى الجواب بقوله معبرا لنطقها بصيغة ما يعقل: { قالوا } ~~معتذرين: { أنطقنا } قهرا { الله } الذي له مجامع العز على وجه لم نقدر ~~على التخلف عنه. ولما كان حال الكفار دائما دائرا بين غباوة وعناد، ~~أقاموا لهم على ذلك دليلين شهوديين فقالوا: { الذي أنطق كل شيء } أي ~~فعلا أو قوة أو حالا ومقالا. # ولما كانت الأشياء كلها متساوية الأقدام في الإنطاق والإخراس وغيرهما من ~~كل ما يمكن بالنسبة إلى قدرته سبحانه، نبهوهم على ذلك بقولهم: { وهو ~~خلقكم أول مرة } والعلم القطعي حاصل عندكم بأنكم كنتم عدما ثم نطفا لا ~~تقبل النطق في مجاري العادات بوجه، ثم طوركم في أدوار الأطوار كذلك إلى ~~أن أوصلكم إلى حيز الإدراك، فقسركم على النطق بحيث لو أردتم سلبه عن ~~أنفسكم ما قدرتم. ولما كان الخلق شيئا واحدا فعبر عنه بالماضي وكان ~~الرجوع تارة بالحس وتارة بالمعنى وكان الذي بالمعنى كثير التعدد بكثرة ~~التجدد قال: { وإليه } أي إلى غيره { ترجعون * } أي في كل حين بقسركم ~~بأيسر أمر على كل ما يريد من أول ما خلقتم إلى ما لا نهاية له، فلو كان ~~لكم نوع علم لكفاكم ذلك واعظا في الدنيا تعلمون به أنكم في غاية العجز، ~~وأن له العظمة والكبر والقدرة والقهر، روى مسلم في صحيحه عن أنس رضي الله ~~عنه قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: # " هل تدرون مم أضحك؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: من مخاطبة العبد ~~ربه، يقول: يا رب ألم تجرني من الظلم؟ قال: يقول: بلى، اقل: فيقول: فإني ~~لا أجيز إلا شاهدا مني، قال: فيقول: كفى بنفسك اليوم شهيدا وبالكرام ~~الكاتبين شهودا، قال: فيختم على فيه فيقال لأركانه: انطقي، فتنطق ~~بأعماله، ثم يخلى بينه وبين الكلام فيقول: بعدا لكن وسحقا فعنكن كنا ~~أناضل ". ### || [41.22-26] # ولما اعتذروا بما إخبارهم به في هذه الدنيا وعظ وتنبيه، وفي الآخرة ~~توبيخ وتنديم، ms4263 قالوا مكررين للوعظ محذرين من جميع الكون: { وما كنتم } أي ~~بما هو لكم كالجبلة { تستترون } أي تتكفلون الستر عند المعاصي وأنتم ~~تتوهمون، وهو مراد قتادة بقوله؛ تظنون. { أن يشهد عليكم } بتلك المعاصي. ~~ولما كان المقصود الإبلاغ في الزجر، أعاد التفصيل فقال: { سمعكم } وأكد ~~بتكرير النافي فقال: { ولا أبصاركم } جمع وأفرد لما مضى { ولا جلودكم ~~ولكن } إنما كان استتاركم لأنكم { ظننتم } بسبب إنكاركم البعث جهلا منكم ~~{ أن الله } الذي له جميع الكمال { لا يعلم } أي في وقت من الأوقات { ~~كثيرا مما تعملون * } أي تجددون عمله مستمرين عليه، وهو ما كنتم تعدونه ~~خفيا فهذا هو الذي جرأكم على ما فعلتم، فإن كان هذا ظنكم فهو كفر، وإلا ~~كان عملكم عمل من يظنه فهو قريب من الكفر والمؤمن حقا من علم أن الله ~~مطلع على سره وجهره، فلم يزل مراقبا خائفا هائبا، روى الشيخان في ~~صحيحيهما واللفظ للبخاري في كتاب التوحيد عن عبد الله بن مسعود رضي الله ~~عنه قال: اجتمع عند البيت ثقفيان وقرشي أو قرشيان وثقفي كثيرة شحم بطونهم ~~قليلة فقه قلوبهم، فقال أحدهم: أترون أن الله يسمع ما نقول؟ قال الآخر: ~~يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا، وقال الآخر: إن كان يسمع إذا جهرنا ~~فأنه يسمع إذا أخفينا، فأنزل الله { وما كنتم } - الآية، قال البغوي؛ ~~قيل: الثقفي عبد ياليل وختناه، والقرشيان: ربيعة وصفوان بن أمية. # ولما كان ذكر المعصية وما جرأ عليها يقتضي انتقاصا يقدح في الإلهية، ~~بين أنه الموجب للغضب فقال: { وذلكم } أي الأمر العظيم في القباحة، ثم ~~بينه بقوله: { ظنكم } أي الفاسد، ووصفه بقوله: { الذي ظننتم بربكم } أي ~~الذي طال إحسانه إليكم من أنه لا يعلم حالكم، ثم أخبر عنه بقوله: { ~~أردناكم } أي تسبب عنه خاصة أنه أهلككم. وأما معاصي الجوارح مع التوحيد ~~والتنزيه فأمرها أسهل، والحاصل أن كل ظن كان غير مأذون فيه من الشارع فهو ~~يردي صاحبه. # ولما كان الصباح محل رجاء الأفراح، فكان شر الأتراح ما كان فيه، قال: { ~~فأصبحتم } أي بسبب أن ما ms4264 أعطيتموه من النعم لتستنقذوا به أنفسكم من ~~الهلاك كان سبب هلاككم { من الخاسرين * } أي العريقين في الخسارة، ~~المحكوم بخسارتهم في جميع ذلك اليوم، وصوره بأقبح صورة وهو الصباح، ~~فالمعنى أنه إذا صار حالكم حال من أصبح كذلك لم يكن للربح وقت يتدارك فيه ~~بخلاف ما لو وجد ذلك عن المساء فإنه كان ينتظر الصباح للسعي في الربح، ~~ويوم القيامة لا يوم بعده يسعى فيه للربح، فينبغي للمؤمن أن يكون حال ~~خلوته أشد ما يكون هيبة لله. # ولما كان ذلك، تسبب عنه قوله لافتا القول عن خطابهم إيذانا بشدة الغضب ~~وإشارة ألى أنهم لما وصلوا إلى ما ذكر من الحال أعيا عليهم المقال، فلم ~~يقدروا على نطق بلسان، ولا إشارة برأس ولا بنان: { فإن يصبروا } أي على ~~ما جوزوا به فليس صبرهم بنافعهم، وهو معنى قوله: { فالنار مثوى } أي ~~منزلا { لهم وإن يستعتبوا } أي يطلبوا الرضى بزوال العتب, وهو المؤاخذة ~~بالذنب { فما هم من المعتبين * } أي المرضيين الذين العتب عليهم ليعفي ~~عنهم ويترك عذابهم. # ولما ذكر وعيدهم في الدنيا والآخرة، أتبعه كفرهم الذي هو سبب الوعيد، ~~وعطفه على ما تقديره: فإنا طبعناهم طبيعة سوء تقتضي أنهم لا ينفكون عما ~~يوجب العتب، فأعرضوا ولم تنفعهم النذرى بصاعقة عاد وثمود، فقال صارفا ~~القول إلى مظهر العظمة إشارة إلى أن التصرف في القلوب أمر عظيم جدا: { ~~وقيضنا } أي جئنا وأتحنا وبعثنا وسببنا ووكلنا وهيأنا، من القيض الذي هو ~~المثل، وقشر البيضة الأعلى اليابس { لهم قرناء } أي أشخاصا أمثالهم في ~~الأخلاق والأوصاف أقوياء وهم مع كونهم شديدي الالتصاق بهم والإحاطة في ~~غاية النحس والشدة في اللؤم والخبث واللجاجة فيما يكون به ضيق الخير ~~واتساع الشر من غواة الجن والإنس { فزينوا لهم } أي من القبائح { ما } ~~وعم الأشياء كلها فلم يأت بالجار فقال: { بين أيديهم } أي يعلمون قباحته ~~حتى حسنوه لهم فارتكبوه ورغبوا فيه { وما خلفهم } أي ما يجهلون أمره ولا ~~يزالون في كل شيء يزينونه ويلحون فيه ويكررونه حتى يقبل، فإن التكرير ~~مقرون بالتأثير، قال ms4265 القشيري: إذا أراد الله بعبد سوءا قيض له إخوان سوء ~~وقرناء سوء يحملونه على المخالفات ويدعونه إليها، وإذا أراد الله بعبد ~~خيرا قيض له قرناء خير يعينونه على الطاعات ويحملونه عليها ويدعونه ~~إليها، ومن ذلك الشيطان، وشر منه النفس وبئس القرين، تدعو اليوم إلى ما ~~فيه الهلاك وتشهد غدا عليه. # ولما كان التقدير: فلم يدعوا قبيحة حتى ارتكبوها، عطف عليه قوله: { وحق ~~} أي وجب وثبت { عليهم القول } أي بدوام الغضب. # ولما كان هذا مما يوجب شدة أسفه صلى الله عليه وسلم، خفف منه بقوله: { ~~في } أي كائنين في جملة { أمم } أي كثيرة. ولما عبر عنهم بما يقتضي ~~تعظيمهم بأنهم مقصودون، حقرهم بمضير التأنيث فقال: { قد خلت } أي لم تتعظ ~~أمه منهم بالأخرى. ولما كان الخلو قد يكون بالموت في زمانهم، بين أنه مما ~~مضى وفات. # ولما كان بعض من مضى غير مستغرق لجميع الزمان، عبر ب " من " فقال: { من ~~قبلهم } أي في الزمان، وقدم الأقوى لتفهم القدرة عليه القدرة على ما دونه ~~من باب الأولى، فإن الإنس كانوا يعدون أنفسهم دون الجن فيعوذون بهم فقال: ~~{ من الجن والأنس } ثم علل حقوق الشقاء عليهم بقوله منبها بالتأكيد على ~~أنهم ينكرون أن تكون القبائح موجبة للخسر { إنهم } أي جميع المذكورين ~~منهم وممن قبلهم: { كانوا } أي طبعا وفعلا { خاسرين * } فعلى العاقل أن ~~يجتهد في اختيار أصحابه وأخدانه وأحبابه، فإن العاقبة فيهم حسنة جسيمة أو ~~قبيحة وخيمة، روى صاحب الفردوس عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " إذا أراد الله بعبد شرا قيض له قبل موته شيطانا فلا يرى حسنا إلا ~~قبحه ولا قبيحا إلا حسنه عنده ". # ولأحمد وأبي داود والنسائي وأبي يعلى وابن حبان في صحيحه عن عائشة رضي ~~الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا أراد الله بوالي خيرا جعل له وزير صدق، إن نسي ذكره، وإن ذكر ~~أعانه، وإن أراد به غير ذلك جعل له وزير سوء إن نسي لم يذكره ms4266 وإن ذكر لم ~~يعنه ". # وروى البخاري عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهما والنسائي عن ~~أبي هريرة وحده رضي الله عنه والبخاري أيضا عن أبي أيوب رضي الله أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانة تأمره ~~بالمعروف وتحضه عليه، وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه، والمعصوم من عصمه ~~الله تعالى ". # وفي رواية النسائي: # " ما من وال إلا وله بطانتان: بطانة تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر، ~~وبطانة لا تألوه خبالا، فمن وقي شرها فقد وقي، وهو إلى من يغلب عليه ~~منهما " # ، ورواية البخاري عن أبي أيوب نحوها. # ولما أخبر بخسرانهم، دل عليه بما عطف على ما أرشد إليه السياق من تقديره ~~من وقولي: فأعرضوا - أي هؤلاء العرب - وقالوا - هكذا كان ألأصل ولكنه قال ~~تنبيها على الوصف الذي أوجب إعراضهم: { وقال الذين كفروا } أي ستروا ما ~~دلتهم عليه عقولهم من الحق { لا تسمعوا } أي شيئا من مطلق السماع { لهذا ~~القرآن } تعيينا بالإشارة احترازا من غيره من الكتب القديمة كالتوارة، ~~قال القشيري: لأنه يغلب القلوب ويسلب العقول، وكل من استمع له صبا إليه { ~~وألغوا } أي أهذوا من لغي - بالكسر يلغى - بالفتح - إذا تكلم بما لا ~~فائدة فيه { فيه } أي اجعلوه ظرفا للغو بأن تكثروا من الخرافات ~~والهذيانات واللغو بالمكاء والتصدية أي الصفير والتصفيق وغيرهما في حال ~~تلاوته ليقع تاليه في السهو والغلط، قال القشيري: قالوا ذلك ولم يعلموا ~~أن من نور قلبه بالإيمان وأيد بالفهم وأمد بالبصيرة وكوشف بسماع السر من ~~الغيب، فهو الذي يسمع ويؤمن، والذي هو في ظلمات جهله لا يدخل الإيمان ~~قلبه، ولا يباشر السماع سره. # { لعلكم تغلبون * } أي ليكون حالكم حال من يرجى له أن يغلب ويظفر بمراده ~~في أن يميل إليه أحد، أو يسكت أو ينسى ما كان يقول، وهذا يدل على أنهم ~~عارفون بأن من سمعه ولا هوى عنده مال إليه وأقبل بكليته عليه، وقد فضحوا ~~أنفسهم بهذا فضيحة لا مثل لها، ms4267 وذلك لأنهم تحدوا به في أن يأتوا بشيء من ~~مثله ليعدوا غالبين فلم يجدوا شيئا يترجون به الغلب إلا الصفير والتصفيق ~~ونحوه من اللغو في معارضة ما علا من أعلى ذرى الكلام إلى حيث لا مطمع ولا ~~مرام، فلا يفيد ما أتوا به معنى غير أنهم عاجزون عن المعارضة قاطعون ~~بأنهم متى أتوا بشيء منها افتضحوا، وقطع كل من سمعه بأنهم مغلوبون. ### || [41.27-30] # ولما استحقوا بهذا العقوبة، سبب عن ذلك مؤكدا لإنكارهم قوله تعالى: { ~~فلنذيقن } وأظهر في موضع الإضمار تعميما بالوصف فقال: { الذين كفروا } ~~أي هؤلاء وغيرهم { عذابا شديدا } في الدنيا بالحرمان وما يتبعه من فنون ~~الهوان وفي الآخرة بالنيران { ولنجزينهم } أي بأعمالهم. ولما كان من قدر ~~على الأغلظ، قدر على ما دونه قال: { أسوأ } أي جزاء أسوأ العمل { الذين ~~كانوا } بما هو لهم كالغرائز { يعملون * } مواظبين عليه. # ولما أبلغ سبحانه في الترهيب من عقابهم، زاد في تعظيمه وفضله لطفا لمن ~~أراد هدايته من عباده وإقامة الحجة على غيرهم فقال: { ذلك } أي الجزاء ~~الأسوأ العظيم جدا { جزاء } ولما كانت عداوة من لا يطاق آمرا زائد ~~العظمة، نبه على ذلك بصرف الكلام عن مظهرها إلى أعظم منه فقال: { أعداء ~~الله } أي الملك الأعظم، لأنهم ما كانوا يفعلون ما دون الأسوأ إلا عجزا ~~عنه لأن جبلتهم تقتضي ذلك، وبينه بقوله: { النار } وفصل بعض ما فيها ~~بقوله: { لهم فيها } أي النار { دار الخلد } أي المحل المحيط بهم الدائر ~~من غير علم من زاوية أو غيرها يعرف به خصوص موضع منه، مع إيذانه بالدوام ~~واللزوم وعدم الانفكاك، أو هو على التجريد بمعنى: هي لهم دار خلود كما ~~كان لهم في الدنيا دار سرور بمعنى أنها كانت لهم نفسها دار لهو وغرور. # ولما كانوا على أعمالهم التي استحقوا بها هذا العذاب مصرين إصرارا ~~يمتنع انفكاكهم عنه، زاد حسنا قوله: { جزاء } أي وفاقا { بما كانوا } ~~أي جبلة وطبعا، ورد الكلام إلى مظهر العظمة المقتضي للنكال فقال: { ~~بآياتنا } أي على ما لها من العظمة { يجحدون * } أي ينكرون ms4268 عنادا من غير ~~مراعاة لعلوها في نفسها ولا علوها بنسبتها إلينا، فلأجل جحودهم كانوا ~~يقدمون على ما لا يرضاه عاقل من اللهو وغيره. # ولما تراءى لهم أن الذي أوجب لهم هذا السوء جلودهم بالشهادة عليهم ~~وقرناؤهم بإضلالهم لهم وكان التباغض والعداوة قد وقع بين الجميع، فصار ~~تمني كل للآخر السوء زيادة في عذابهم، وكانت مساءة جلودهم مساءتهم، خصوا ~~القرناء بإرادة الانتقام منهم، فحكى سبحانه قولهم بقوله عطفا على { ~~وقالوا لجلودهم } أو على ما تقديره: فعلموا حينئذ أنهم كانوا على ضلال ~~لتقصيرهم في النظر وتقليدهم لغيرهم: { وقال الذين كفروا } أي غطوا أنوار ~~عقولهم داعين بما لو يسمع لهم، فهو زيادة في عقوبتهم، وحكايته لنا وعظ ~~وتحذير: { ربنا } أي أيها الذي لم يقطع قط إحسانه عنا { أرنا } الصنفين { ~~اللذين أضلانا } عن المنهج الموصل إلى محل الرضوان { من الجن والإنس } ~~المزينين لنا ارتكاب السوء خفية وجهرا، قرأ الجماعة بكسر الراء من أرنا، ~~وقرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب والسوسي عن أبي عمرو وأبو بكر عن عاصم ~~بإسكان الراء هنا خاصة. # قال الأصبهاني: يحكى عن الخليل أنك إذا قلت: أرني ثوبك - بالكسر فالمعنى ~~بصرنيه، وإذا قلته بالسكون فهو استعطاء، ومعناه أعطني ثوبك، ونظيره ~~اشتهار الإيتاء في معنى الإعطاء، وأصله الإحضار - انتهى. { نجعلهما تحت ~~أقدامنا } في النار إذلالا لهما كما جعلانا تحت أمرهما { ليكونا من ~~الأسفلين * } أي من أهل الدرك الأسفل وممن هو دوننا كما جعلانا كذلك في ~~الدنيا في حقيقة الحال بإتباعنا لهما فيما أراد بنا، وفي الآخرة بهذا ~~المال، والظاهر أن المراد أن كل أحد يتمنى أن يعرف من أضله من القبيلتين ~~ليفعل بهم ذلك إن قدر عليه. # ولما ذكر الأعداء وقرناءهم نذارة، أتبعه ذكر الأولياء وأوداءهم بشارة، ~~فقال مبينا لحالهم القابل للإعراض وثمراته جوابا لمن يسأل عنهم مؤكدا ~~لأجل إنكار المعاندين: { إن الذين } قال أبو حيان: قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما: نزلت في الصديق رضي الله عنه وأرضاه. { قالوا } أي قولا حقيقيا ~~مذعنين به بالجنان وناطقين باللسان تصديقا لداعي الله في ms4269 دار الدنيا ~~متذللين حيث ينفع الذل جامعين بين الأس الذي هو المعرفة والاعتقاد، ~~والبناء الذي هو العمل الصالح بالقول والفعل على السداد، فإن أصل ~~الكمالات النفسانية يقين مصلح وعمل صالح، تعرف الحق لذاته والخير لتعمل ~~له ورأس المعارف اليقينية ورئيسها معرفة الله، ورأس الأعمال الصالحة ~~الاستقامة على حد الاعتدال من غير ميل إلى طرف إفراط أو تفريط: { ربنا } ~~أي المحسن إلينا { الله } المختص بالجلال والإكرام وحده لا شريك له. # ولما كان الثبات على التوحيد ومصححاته إلى الممات أمرا في علو رتبته لا ~~يرام إلا بتوفيق ذي الجلال والإكرام، أشار إليه بأداة التراخي فقال: { ثم ~~استقاموا } طلبوا وأوجدوا القوام بالإيمان بجميع الرسل وجميع الكتب ولم ~~يشركوا به صنما ولا ثنا ولا آدميا ولا ملكا ولا كوكبا ولا غير ~~بعبادة ولا رياء، وعملوا بما يرضيه وتجنبوا كل ما يسخطه وإن طال الزمان، ~~امتثالا لما أمر به أول السورة في قوله { إنما إلهكم إله واحد فاستقيموا ~~إليه } فمن كان له أصل الاستقامة في التوحيد أمن من النار بالخلود، ومن ~~كان له كمال الاستقامة في الأصول والفروع أمن الوعيد { تتنزل } على سبيل ~~التدريج المتصل { عليهم } من حين نفخ الروح فيهم إلى أن يموتوا ثم إلى أن ~~يدخلوا الجنة باطنا فظاهرا { الملائكة } بالتأييد في جميع ما ينوبهم ~~فتستعلي الأحوال الملكية على صفاتهم البشرية وشهواتهم الحيوانية فتضمحل ~~عندها، وتشرق مرائيهم، ثم شرح ما يؤيدونهم به وفسره فقال: { ألا تخافوا } ~~أي من شي مثله يخيف، وكأنهم يثبتون ذلك في قلوبهم { ولا تحزنوا } أي على ~~شيء فاتكم، فإن ما حصل لكم أفضل منه، فأوقاتكم الأخراوية فيها بل هي كلها ~~روح وراحة، فلا يفوتهم لذلك محبوب ولا يلحقهم مكروه { وابشروا } أي ~~املأوا صدوركم سرورا يظهر أثره على بشرتكم بتهلل الوجه ونعمة سائر الجسد ~~{ بالجنة التي كنتم } أي كونا عظيما على ألسنة الرسل { توعدون * } أي ~~يتجدد لكم ذلك كل حين بالكتب والرسل، وقال الرازي في اللوامع: يبشرون في ~~ثلاثة مواضع: عند الموت، وفي القبر، ويوم البعث - انتهى. وهذا محول على ms4270 ~~الكلام الحقيقي وما قبله على أنهم يفعلون معه ما ترجمته ذلك. ### || [41.31-33] # ولما أثبتوا لهم الخير، ونفوا عنهم الضير، عللوه بقولهم: { نحن أولياؤكم ~~} أي أقرب الأقرباء إليكم، فنحن نفعل معكم كل ما يمكن أن يفعله القريب { ~~في الحياة الدنيا } نجتلب لكم المسرات ونبعد عنكم المضرات ونحملكم على ~~جميع الخيرات بحيث يكون لكم فيها ما تؤثره العقول بالامتناع مما تهواه ~~النفوس وإن تراءى للرائين في الدنيا أن الأمر بخلاف ذلك، فنوقظكم من ~~المنام، ونحملكم على الصلاة والصيام، ونبعدكم عن الآثام، ضد ما تفعله ~~الشياطين مع أوليائهم { وفي الآخرة } كذلك حيث يتعادى الأخلاء إلا ~~الأتقياء { ولكم فيها } أي الآخرة في الجنة وقبل دخولها في جميع أوقات ~~الحشر { ما تشتهي } ولو على أدنى وجوه الشهوة بما يرشد إليه حذف المفعول ~~{ أنفسكم } لأجل ما منعتموها من الشهوات في الدنيا { ولكم }. # ولما كان السياق للذين استقاموا العام للسابقين وأصحاب اليمين على ما ~~أشير إليه الختم بصفة المغفرة وتقديمها، قيد بالظرف بخلاف ما في يس فقال: ~~{ فيها } أي الآخرة { ما تدعون * } أي ما تؤثرون دعاءه وطلبه وتسألونه ~~وتمنونه بشهوة نفوسكم ورغبة قلوبكم. # ولما كان هذا كله بالنسبة إلى ما يعطون شيئا يسيرا، نبه عليه بقوله: { ~~نزلا } أي هذا كله يكون لكم كما يقدم إلى الضيف عند قدومه إلى أن يتهيأ ~~ما يضاف به. ولما كان من حوسب عذب، فلا يدخل أحد الجنة إلا بالرحمة، أشار ~~إلى ذلك بقوله: { من } أي كائنا النزل من { غفور } له صفة المحو للذنوب ~~عينا وأثرا على غاية لا يمكن وصفها { رحيم * } أي بالغ الرحمة بما ~~ترضاه الإلهية، فالحاصل أن المفسد يقيض الله له قرناء السوء من الجن ~~والإنس يزيدونه فسادا والمصلح ييسر الله له أولياء الخير من الإنس ~~والملائكة يعينونه ويحببونه في جميع الخيرات ويبعدونه ويكرهونه في جميع ~~المضرات - والله يتولى الصالحين. # ولما كان هذا لمن كمل نفسه، أتبعه بمن أكمل غيره إشارة إلى أن السعادة ~~التامة أن يكتسب الإنسان من الصفات الفاضلة مما يصير بها كاملا في نفسه، ~~فإذا فرغ ms4271 اشتغل بتكميل الناقص عاطفا على ما تقديره: ما أحسن هذا الذي ~~كمل نفسه، وقاله تنويها بعلو قدر النفع المتعدي وحثا على مداومة الدعاء ~~وإن أبوا وقالوا { قلوبنا في أكنة } ثم قالوا { لا تسمعوا لهذا القرآن } ~~فإنهم لم يقولوا من ذلك شيئا إلا ذكرت أجوبته الشافية الكافية فاندفعت ~~جميع الشبهات وزالت غياهب الضلالات، فصار تحذير الدعاء موضعا للقبول { ~~ومن أحسن قولا } أي من جهة القول { ممن دعا } وحد الضمير دلالة على قلة ~~هذا الصنف { إلى الله } أي الذي عم بصفات كماله جميع الخلق فهو يستعطف كل ~~أحد بما تعرف إليه سبحانه به من صفاته { وعمل } أي والحال أنه قد عمل { ~~صالحا } في نفسه ليكون ذلك أمكن لدعائه أعم من أن يكون ذلك لصالح نية أو ~~قولا أو عملا للجوارح الظاهرة سرا كان أو علنا، ولذا حذف الموصوف ~~لئلا يوهم تقيده بالأعمال الظاهرة وللاغناء عنها بقوله " دعا " بخلاف ما ~~كان سياقه للتوبة كآية الفرقان أو اعتقاد الحشر كآية الكهف، فإنه لا بد ~~فيه من إظهار العمل ليكون شاهدا على صحة الاعتقاد وكمال التوبة، والدعاء ~~هنا مغن عن ذلك { وقال } مؤكدا عند المخالف والمؤالف قاطعا لطمع ~~المفسد فيه: { إنني من المسلمين * } أي الراسخين في صفة الإسلام متظاهرا ~~بذلك لا يخاف في الله لومة لائم وإن سماه أبناء زمانه كذا جافيا وغليظا ~~عاسيا لتصلبه في مخالفته إياهم فيما هم عليه بتسهله في انقياده لكل ما ~~أمره به ربه سبحانه. ### || [41.34-37] # ولما كان التقدير: لا أحد أحسن قولا منه، بل هو المحسن وحده، فلا يستوي ~~هذا المحسن وغيره أصلا، ردا عليهم أن حالهم أحسن من حال الدعاة إلى ~~الله، وكان القيام بتكميل الخلق يحتاج إلى جهاد للنفس عظيم من تحمل ~~المشاق والصبر على الأذى، وغير ذلك من جميع الأخلاق، عطف عليه التفرقة ~~بين عمليهما ترغيبا في الحسنات فقال: { ولا تستوي } أي وإن اجتهدت في ~~التحرير والاعتبار { الحسنة } أي لا بالنسبة إلى أفراد جنسها ولا بالنسبة ~~إلى عامليها عند وحدتها، لتفاوت الحسنات في أنفسها، والحسنة الواحدة ms4272 ~~باعتبار نيات العاملين لها واجتهادهم فيها ولا بالنسبة إلى غيرها، وإلى ~~ذلك إشارة بالتأكيد في قوله: { ولا السيئة } أي في نفسها ولا بالنسبة إلى ~~جنس آخر. # ولما أنتج هذا الحث على الإقبال على الحسن والإعراض عن السيء، وأفهم أن ~~كلا من القسمين متفاوت الجزئيات متعالي الدرجات، وكان الإنسان لا ينفك ~~عن عوارض تحصل له من الناس ومن نفسه يحتاج إلى دفع بعضها، أنتج عند قصد ~~الأعلى فقال: { ادفع } أي كل ما يمكن أن يضرك من نفسك ومن الناس { بالتي ~~} أي الخصال والأحوال التي { هي أحسن } على قدر الإمكان من الأعمال ~~الصالحات فالعفو عن المسيء حسن، والإحسان أحسن منه { فإذا الذي بينك ~~وبينه عداوة } عظيمة قد ملأت ما بين البينين فاجأته حال كونه { كأنه ولي ~~} أي قريب ما يفعل القريب { حميم * } أي في غاية القرب لا يدع مهما إلا ~~قضاه وسهله ويسره، وشفا علله، وقرب بعيده، وأزال درنه، كما يزيل الماء ~~الحار الوسخ. # ولما كانت هذه الخصلة أما جامعا لجميع مصالح الدين والدنيا قال منبها ~~على عظيم فضلها وبديع نبلها حاثا على الاستظلال بجميع ظلها مشيرا ~~بالبناء للمفعول إلى أنها هي العمدة المقصودة بالذات على وجه منبه على ~~أنها مخالفة لجبلة الإنسان حثا على الرغبة في طلبها من واهبها { وما ~~يلقاها } أي يجعل لاقيا لهذه الخصلة التي هي مقابلة الإساءة بأحسن ~~الحسن وهو الإحسان الذي هو أحسن من العفو والحلم والصبر والاحتمال بأن ~~يعلق الله تعالى إرادته على وجه الشدة والمبالغة بإلقائها إليه { إلا ~~الذين صبروا } أي وجدت منهم هذه الحقيقة وركزت في طباعهم، فصاروا يكظمون ~~الغيظ ويحتملون المكاره، وكرر إظهار البناء للمفعول للتنبيه على أنه لا ~~قدرة عليها أصلا إلا بتوفيق الخالق بأمر وطني يقذفه الله في القلب قذفا ~~وحيا تظهر ثمرته على سائر البدن، فقال دالا باعادة النافي على زيادة ~~العظم وعلى أن أصحاب هذه الخصلة على رتبتين كل رتبة منهما مقصودة في ~~نفسها { وما يلقاها } على ما هي عليه من العظمة { إلا } وأفرد هنا بعد ~~جمع الصابر دلالة ms4273 على ندرة المستقيم على هذه لخصلة { ذو حظ } أي نصيب ~~وقسم وبخت { عظيم * } أي جليل في الدنيا والآخرة عند الله وعند الناس. # ولما كان التقدير: فإن لقيت ذلك وأعاذك الله من الشيطان فأنت أنت، عطف ~~عليه قوله معبرا بأداة الشك المفهمة لجواز وقوع ذلك في الجملة، مع العلم ~~بأنه صلى الله عليه وسلم معصوم إشارة إلى رتبة الإنسان من حيث هو إنسان ~~وإلى أن الشيطان يتوهم مع علمه بالعصمة أنه يقدر على ذلك فيعلق أمله به، ~~وكأنه لذلك أكد لأن نزغه له في محل الإنكار { وإما } ولما كانت وسوسة ~~الشيطان تبعث على ما لا ينبغي، وكان العاقل لا يفعل ما لا ينبغي إلا ~~بالالجاء، شبه المتعاطي له بالمنخوس الذي حمله النخس على ارتكاب ما يضر ~~فقال: { ينزغنك } أي ينخسنك ويطعننك طعنا مفسدا فيحصل لك تألم { من ~~الشيطان } البعيد من الرحمة المحترق باللعنة. ولما كان المقام خطرا لأن ~~الطبع مساعد للوسواس، جعل النزغ نفسه نازغا إشارة إلى ذلك فقال: { نزغ } ~~أي وسوسة تحرك نحو الموسوس من أجله وتبعث إليه بعث المنخوس إلى الجهة ~~التي يوجه إليها، فإن ينبعث إلى تلك الجهة بعزم عظيم { فاستعذ بالله } أي ~~استجر بالملك الأعلى واطلب منه الدخول في عصمته مبادرا إلى ذلك حين نخس ~~بالنزغة فإنه لا يقدر على الإعاذة منه غيره, ولا تذر النزغة تتكرر, بل ~~ارجع إلى المحيط علما وقدرة في أول الخطرة، فإنك إن لم تخالف أول الخطرة ~~صارت فكرة فيحصل العزم فتقع الزلة فتصير قسوة فيحصل التمادي - نبه عليه ~~القشيري. # ولما كانت الاستعاذة هنا من الشيطان، وكان نزغه مما يعلم لا مما يرى ~~وكانت صفة السمع نعم ما يرى وما لا يرى، قال مؤكدا لوقوف الجامدين مع ~~الظواهر: { إنه هو } أي وحده { السميع } وختم بقوله: { العليم * } الذي ~~يسمع كل مسموع من استعاذتك وغيرها، ويعلم كل معلوم من نزغه وغيره، فهو ~~القادر على رد كيده، وتوهين أمره وأيده، وليس هو كما جعلتموه له من ~~الأنداد الصم البكم التي لا قدرة لها على شيء ms4274 أصلا. # ولما ذكر أنهم جعلوا له أندادا مع أنه خلق الأرض في يومين، وختم ذلك ~~بأن أحسن الحسن الدعاء إلى الله، وختم الأمر بالدعاء بصفة العلم، أتبعه ~~دلائل التوحيد إعلاما بأن التوحيد أحسن الحسن يطرد كل شيء، وتنبيها على ~~أن الدعوة إلى الله تعالى عبارة عن تنوير الدلائل الدالة على الذات ~~والصفات، وذلك ببيان الأفعال وآثارها وهو العالم بجميع ما فيه من الأجزاء ~~والأبعاض جوهرا وعرضا، وبدأ بذكر الفلكيات لأنها أدل، فقال عاطفا على ~~ما تقديره: فمن آياته الناشئة عن شمول علمه المستلزم لشمول قدرته المنتجة ~~لإعادته لمن يريد ونفوذ تصرفه في كل ما يشاء المستلزم لتفرده بالإلهية ~~أنه خلق الخافقين كما مضى في ستة أيام: { ومن آياته } الدالة على ~~وحدانيته: # وفي كل شيء له آية # تدل على أنه الواحد # ولما كانت الظلمة عدما والنور وجودا والعدم مقدم قال: { الليل والنهار ~~} أي الدالان باختلافهما وهيئتهما على قدرته على البعث وعلى كل مقدور { ~~والشمس والقمر } اللذان هما الليل والنهار كالروح لذوي الأجساد، وهذه ~~الموجوات - مع ما مضى من خلق الخافقين - كتاب الملك الديان، إلى الإنس ~~والجان، المشهود لهم بالعيان كما قيل يا إنسان: # تأمل سطور الكائنات فإنها # من الملك الأعلى إليك رسائل # وقد خط فيها لو تأملت خطة # إلا كل شيء ما خلا الله باطل # ولما ثبت له سبحانه التفرد بالخلق والأمر، وكان باطنا إلا عند من نور ~~الله أو كانت الشمس والقمر من آياته المعرفة المشيرة في وجود الدنيا ~~والآخرة إليه، وكانا مشاهدين، وكان الإنسان قاصر العقل مقيد الوهم ~~بالمشاهدات لما عنده من الشواغل إلا من عصم الله، أنتج قوله محذرا من ~~عبادتهما لما يرى لهما من البهاء وفيهما من المنافع: { لا تسجدوا للشمس } ~~التي هي أعظم أوثانكم فإنها من جملة مبدعاته، وأعاد النافي تأكيدا للنفي ~~وإفادة لأن النهي عن كل منهما على حدته ولذلك أظهر موضع الإضمار فقال: { ~~ولا للقمر } كذلك. # ولما نهى عن السجود لهما، أمر بالسجود بما يبين استحقاقه لذلك وعدم ~~استحقاقهما أو استحقاق شيء غيرهما له ms4275 فقال: { واسجدوا } ونبه على مزيد ~~عظمته بالإظهار موضع الإضمار فقال: { لله } أي الذي له كل كمال من غير ~~شائبة نقص من أقول أو تجدد حلول { الذي خلقهن } أي الأربعة لأجلكم فهو ~~الذي يستحق الإلهية، وأنث لأن ما لا يعقل حكمه حكم المؤنث في الضمير وهي ~~أيضا آيات، وفيه إشارة إلى تناهي سفولها عما أهلوها له وذم عابديها ~~بالإفراط في الغباوة، ويمكن أن يكون عد القمر أقمارا لأنه يكون تارة ~~هلالا وأخرى بدرا وأخرى محوا، فلذلك جمع إشارة إلى قهرهما بالتغيير له ~~في الجرم ولمهما بالتسيير، ولذلك عبر بضمير المؤنث الذي يكون لجمع الكثرة ~~مما لا يعقل. # ولما ظهر أن الكل عبيده، وكان السيد لا يرضى بإشراك عبده عبدا آخر في ~~عبادة سيده قال: { إن كنتم إياه } أي خاصة بغاية الرسوخ { تعبدون * } كما ~~هو صريح قولكم في الدعاء في وقت الشدائد لا سيما في البحر، ومحصل قولكم { ~~ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى } فإن أشركتم به شيئا بسجود أو ~~غيره فما خصصتموه بالعبادة لأن السجود من العبادة وفعله ولو في وقت واحد ~~لغيره إشراك في الجملة، ومن أشرك به لم يعبده وحده، ومن لم يعبده وحده لم ~~يعبده أصلا، لأنه أغنى الأغنياء، لا يقبل إلا الخالص وهو أقرب إلى عباده ~~من كل شيء فيوشك أن ينتقم بإشراككم، وفي الآية إشارة إلى الحث على صيانة ~~الآدميين عن أن يقع منهم سجود لغيره رفعا لمقامهم عن أن يكونوا ساجدين ~~لمخلوق بعد أن كانوا مسجودا لهم، فإنه سبحانه أمر الملائكة الذين هم ~~أشرف خلقه بعدهم بالسجود آدم وهم في ظهره فتكبر اللعين إبليس، فابد لعنه، ~~فشتان ما بين المقامين. ### || [41.38-41] # ولما كانوا في هذا الأمر بين طاعة ومعصية، وكان درء المفاسد مقدما، سبب ~~عن ذلك قوله معبرا بأداة الشك تنبيها لهم على أن استكبارهم بعد إقامة ~~هذه الأدلة ينبغي أن لا يتوهم، وصرف القول إلى الغيبة تحقيرا لهم ~~وإبعادا على تقدير وقوع ذلك منهم { فإن استكبروا } أي أوجدوا الكبر عن ~~اتباعك فيما أمرتهم ms4276 به من التوحيد فلم يوحدوا الله ولم ينزهوه تعالى عن ~~الشريك { فالذين عند } وأظهر موضع الإصخار معبرا بوصف الإحسان بشارة له ~~ونذارة لهم { ربك } خاصة لا عندهم لكونهم مقربين لديه في درجة الرضاء ~~والكرامة ولكونهم مما يستغرق به الآدميون ولكون الكفار لا قدرة لهم على ~~الوصول إليهم بوجه: { يسبحون له } أي يوقعون التنزيه عن النقائص ويبعدون ~~عن الشركة لأجل علوه الأقدس وعزه الأكبر لا لشيء غيره إخلاصا في عبادته ~~وهم لا يستكبرون. # ولما كان حال الكفار في الإخلاص مختلفا في الشدة والرخاء، أشار إلى ~~تقبيح ذلك منهم بتعميم خواصه عليهم الصلاة والسلام بالإخلاص حالتي ~~الإثبات الذي هو حالة بسط في الجملة، والمحو الذي هو حالة قبض كذلك ~~يجددون هذا التنزيه مستمرين عليه في كل وقت فقال: { بالليل والنهار } أي ~~على مر الملوين وكر الجديدين لا يفترون. ولما كان في سياق الفرص ~~لاستكبارهم المقتضي لإنكارهم، أكد بالعاطف والضمير فقال مؤذنا بأن هذا ~~ديدنهم لا ينفكون عنه: { وهم } أي والحال أنهم على هذا الدوام { لا ~~يسئمون * } أي لا يكاد لهم في وقت من الأوقات فتور ولا ملل، فهو غني عن ~~عبادة هؤلاء بل وعن عبادة كل عابد، والحظ الأوفر لمن عنده وأما هو سبحانه ~~فلا يزيده شيئا ولا ينقصه شيء فدع هؤلاء أن استكبروا وشأنهم، فيعلمون من ~~الخاسر، فالآية من الاحتباك: ذكر الاستكبار أولا دليلا على حذفه ثانيا ~~والتسبيح ثانيا دليلا على حذفه أولا، وسر ذلك أنه ذكر أقبح ما لأعدائه ~~وأحسن ما لأوليائه. # ولما ذكر بعض آيات السماء لشرفها، ولأن بعضها عبد، ومن آثار الإلهية، ~~فذكر دلالتها على وحدانيته اللازم منه إبطال عبادتها، أتبعه بعض آيات ~~الأرض بخلاف ما في يس، فإن السياق هناك للبعث وآيات الأرض أدل فقال: { ~~ومن آياته } أي الدالة على عظم شأنه وعلو سلطانه { أنك ترى الأرض } أي ~~بعضها بحاسة البصر وبعضها بعين البصيرة قياسا على ما أبصرته، لأن الكل ~~بالنسبة إلى القدرة على حد سواء. # ولما كان السياق للوحدانية، عبر بما هو أقرب إلى حال العابد ms4277 بخلاف ما ~~مضى في الحج فقال: { خاشعة } أي يابسة لا نبات فيها فهي بصورة الذليل ~~الذي لا منعة عنده لأنه لا مانع من المشي فيها لكونها متطأمنة بعد الساتر ~~لوجهها بخلاف ما إذا كانت مهتزة رابية متزخرفة تختال بالنبات. # ولما كان إنزال الماء مما استأثر به سبحانه، فهو من أعظم الأدلة على ~~عظمة الواحد، صرف القول إلى مظهر العظمة فقال: { فإذا أنزلنا } بما لنا ~~من القدرة التامة والعظمة { عليها الماء } من الغمام أو سقناه إليها من ~~الأماكن العالية وجلبنا به إليه من الطين ما تصلح به للانبات وإن كانت ~~سبخة كأرض مصر { اهتزت } أي تحركت حركة عظيمة كثيرة سريعة، فكانت كمن ~~يعالج ذلك بنفسه { وربت } أي تشققت فارتفع ترابها وخرج منها النبات وسما ~~في الجو مغطيا لوجهها، وتشعبت عروقه، وغلظت سوقه، فصار يمنع سلوكها على ~~ما كان فيه من السهولة، وصار بحسن زيه بمنزلة المختال في أثواب ثرية بعد ~~أن كان عاريا ذليلا في أطمار رثة وحل زرىء, وكذلك القلوب إذا خشعت ~~لاستشعارها بما ألمت به من الذنوب أقبل الحق سبحانه عليها فطهرها بمياه ~~المعارف فظهرت فيها بركات الندم وعفا عن أربابها ما قصروا في صدق القدم ~~وأشرقت بحلى الطاعات وزهت بملابس القربات، وزكت بأنواع التجليات. # ولما كان هذا دليلا مشاهدا على القدرة على إيجاد المعدوم، وإعادة ~~البالي المحطوم، أنتج ولا بد قوله مؤكدا لأجل ما هم فيه من الإنكار ~~صارفا القول عن مظهر العظمة إلى ما ينبه على القدرة على البعث ولا بد: { ~~إن الذي أحياها } بما أخرج من نباتها الذي كان بلي وتحطم وصار ترابا { ~~لمحيي الموتى } كما فعل بالنبات من غير فرق. ولما كانوا مع إقرارهم بتمام ~~قدرته كأنهم ينكرون قدرته لإنكارهم البعث قال معللا مؤكدا: { أنه على ~~كل شيء قدير * } لأن الممكنات متساوية الأقدام بالنسبة إلى القدرة، ~~فالقادر قدرة تامة على شيء منها قادر على غيره. # ولما بين أن الدعوة إلى الله أعظم المناصب، وأشرف المراتب، وبين أنها ~~إنما تحصل ببيان دلائل التوحيد التي من اعظمها ms4278 البعث، وبينه إلى أن كان ~~بهذا الحد من الوضوح، كان مجز التهديد من أعرض عن قبوله: فقال في عبارة ~~عامة له ولغيره، مؤكدا تنبيها على أن فعلهم فعل من يظن أنه سبحانه لا ~~يطلع على أعماله: { إن الذين يلحدون * } أي يميلون بصرف المعاني عن القصد ~~وسنن العدل بنحو قولهم { ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى } ، أو ~~يماحلون باللغو بالمكاء والتصدية وغير ذلك من أنواع اللغط وكل ما يشمله ~~معنى الميل عما تصح إرادته. # ولما كان الاجتراء على الإلحاد قادحا في الاعتراف بالعظمة، أعاد مظهرها ~~فقال: { في آياتنا } على ما لها من العظمة الدالة على ما لنا من ~~الوحدانية وشمول العلم وتمام القدرة: ولما كان العلم بالإساءة مع القدرة ~~سببا للأخذ، قال مقررا للعلم بعد تقرير القدرة: { لا يخفون علينا } أي ~~في وقت من الأوقات ولا وجه من الوجوه، ونحن قادرون على أخذهم، فمتى شئنا ~~أخذنا، ولا يعجل إلا ناقص يخشى الفوت. # ولما كان الإلحاد سببا لإلقاء صاحبه في النار، وكان التقدير: ونحن نحلم ~~عن العصاة فمن رجع إلينا أمن كل مخوف، ومن أعرض إلى الممات ألقيناه في ~~النار، سبب عنه قوله تعالى: { أفمن يلقى في النار } أي على وجهه بأيسر ~~أمر بسبب إلحاده في الآيات وإعراضه عن الدلالات الواضحات، فيكون خائفا ~~يوم القيامة لما يرى من مقدمات ذلك حتى يدهمه ما خاف منه { خير أم من ~~يأتي } إلينا { آمنا يوم القيامة } حين نجمع عبادنا للعرض علينا للحكم ~~بينهم بالعدل فيدخل الجنة دار السلام فيدوم أمنه، والآية من الاحتباك: ~~ذكر الإلقاء في النار أولا دليلا على دخول الجنة ثانيا، والأمن ثانيا ~~دليلا على الخوف أولا، وسره أنه ذكر المقصود بالذات، وهو ما وقع الخوف ~~لأجله أولا، والأمن الذي هو العيش في الحقيقة ثانيا. # ولما كان هذا رادا ولا بد للعاقل عن سوء أعماله إلى الإحسان رجاء إنعام ~~الله وإفضاله، أنتج قوله مهددا ومخوفا ومتوعدا صارفا القول عن الغيبة ~~إلى الخطاب لأنه أدل على الغضب على التمادي بعد هذا البيان: { اعملوا ms4279 ما ~~شئتم } أي فقد علمتم مصير المسيء والمحسن، فمن أراد شيئا من الجزاءين ~~فليعمل أعماله، فإنه ملاقيه. ولما كان العامل لا يطمع في الإهمال إلى على ~~تقدير خفاء الأعمال، والمعمول له لا يترك الجزاء إلا لجهل أو عجز، بين ~~أنه سبحانه محيط العلم عالم بمثاقيل الذر فقال مرغبا مرهبا مؤكدا ~~لأنهم يعملون عمل من يظن أن أعماله تخفى، عادلا عن مظهر العظمة إلى ما ~~هو أدل شيء على الفردانية، لئلا يظن ان مزيد العلم بواسطة كثيرة: { إنه } ~~وقدم أعمالهم تنبيها على الاهتمام بشأنها جدا فقال: { بما تعملون } أي ~~في كل وقت { بصير * } بصرا وعلما، فهو على كل شيء منكم قدير. # ولما جعل إليهم الاختيار في العمل تهديدا، أتبعه الإخبار بما لمن ~~خالفه، فقال مؤكدا لإنكارهم مضامين ما دخل عليه التأكيد: { إن الذين ~~كفروا } أي ستروا مرائي العقول الدالة على الحق مكذبين { بالذكر } الذي ~~لا ذكر في الحقيقة غيره { لما جاءهم } من غير توقف أصلا, فدل ذلك منهم ~~على غاية العناد { وإنه } أي والحال أنه { لكتاب } أي جامع لكل خير { ~~عزيز * } أي لا يوجد مثله فهو يغلب كل ذكر ولا يغلبه ذكر ولا يقرب من ~~ذلك، ويعجز كل معارض, ولا يعجز أصلا عن إقعاد مناهض. ### || [41.42-45] # ولما كان من معاني العزة أنه ممتنع بمتانة رصفه وجزالة نظمه وجلالة ~~معانيه من أن يلحقه تغيير ما، بين ذلك بقوله: { لا يأتيه الباطل } أي ~~البين البطلان إتيان غلبة فيصير أو شيء منه باطلا بينا، ولما كان ~~المراد تعميم النفي، لا نفي العموم، أدخل الجار فقال: { من بين يديه } أي ~~من جهة الظاهر مثل ما أمر أخبر به عما كان قبله { ولا من خلفه } من جهة ~~العلم الباطن مثل علم ما لم يشتهر من الكائن والآتي سواء كان حكما أو ~~خبرا لأنه في غاية الحقية والصدق، والحاصل أنه لا يأتيه من جهة من ~~الجهات، لأن ما قدام اوضح ما يكون، وما خلف أخفى ما يكون، فما بين ذلك من ~~باب الأولى، فالعبارة كناية عن ذلك ms4280 لأن صفة الله لا وراء لها ولا أمام ~~على الحقيقة، ومثل ذلك ليس وراء الله مرمى، ولا دون الله منتهى، ونحوه ~~مما تفهم العرب ومن علم لسانها المراد به دون لبس، ثم علل ذلك بقوله: { ~~تنزيل } أي بحسب التدريج لأجل المصالح { من حكيم } بالغ الحكمة فهو يضع ~~كل شيء منه في أتم محاله في وقت النزول وسياق النظم { حميد * } أي بالغ ~~الإحاطة بأوصاف الكمال من الحكمة وغيرها والتنزه والتطهر والتقدس عن كل ~~شائبة نقص، يحمده كل خلق بلسان حاله إن لم يحمده بلسان قاله، بما ظهر ~~عليه من نقصه أو كماله، والخبر محذوف تقديره: خاسرون لا محالة لأنهم لا ~~يقدرون على شيء مما يوجهونه إليه من الطعن لأنهم عجزة ضعفاء صغرة كما قال ~~المعري: # أرى الجوزاء تكبر أن تصادا # فعاند من تطيق له عنادا # وحذف الخبر أهول لتذهب النفس كل مذهب. # ولما وصف الذكر بأنه لا يصح ولا يتصور أن يلحقه نقص، فبطل قولهم { لا ~~تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه } ونحوه مما مضى وحصل الأمن منه، أتبعه ~~التسلية مما يلحق به من الغم ليقع الصبر على جميع أقوالهم فقال: { ما ~~يقال لك } أي يبرز إلى الوجود قوله سواء كان في ماضي الزمان أو حاضره آو ~~آتيه من شيء من الكفار أو غيرهم يحصل به ضيق صدر أو تشويش فكر من قولهم { ~~قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه } إلى آخره. وغير ذلك مما تقدم أنهم ~~قالوه له متعنتين به { إلا ما } أي شيء { قد قيل } أي حصل قوله على ذلك ~~الوجه { للرسل } وأن لم يقل لكل واحد منهم فإنه قيل للمجموع، ونبه على أن ~~ذلك ليس لمستغرق للزمان بل تارة وتارة بإدخال الجار في قوله: { من قبلك } ~~ولما حصل بهذا الكلام ما أريد من التأسية، فكان موضع التوقع لهم أن يحل ~~بهم ما حل بالأمم قبلهم من عذاب الاستئصال، وكان صلى الله عليه وسلم شديد ~~الشفقة عليهم والمحبة لصلاحهم، سكن سبحانه روعه بالإعلام بأن رحمته سبقت ~~غضبه فقال مخوفا مرجيا لأجل ms4281 إنكار المنكرين: { إن } وأشار إلى مزيد ~~رفعته بذكر صفة الإحسان وإفراد الضمير فقال: { ربك } أي المحسن إليك ~~بارسالك وإنزال كتابه إليك، ومن أكرم بمثل هذا لا ينبغي له أن يحزن لشيء ~~يعرض { لذو مغفرة } أي عظيمة جدا في نفسها وزمانها ومكانها لمن يشاء ~~منهم، فلا يقطع لأحد بشقاء. # ولما رغبهم باتصافه بالمغفرة، رهبهم باتصافه بالانتقام، وأكد باعادة " ~~ذو " والواو فقال: { وذو عقاب } والختم بما رويه الميم مع تقديم الاسم ~~الميمي في التي قبلها دال للأشعري الذي قال بأن الفواصل غير مراعية في ~~الكتاب العزيز، وإنما المعول عليه المعاني لا غير، والمعنى هنا على إيلام ~~من كانوا يؤلمون أولياءه باللغو عند التلاوة الدالة على غاية العناد، ~~فلذلك قدم حكيم، ولم يقل شديد، وقال: { أليم * } أي كذلك، فلا يقطع لأحد ~~نجاة إلا من أخبر هو سبحانه بإشقائه أو إنجائه، وقد تقدم فعله لكل من ~~الأمرين أنجى ناسا وغفر لهم كقوم يونس عليه الصلاة والسلام، وعاقب ~~آخرين، وسيفعل في قومك من كل من الأمرين ما هو الأليق بالرحمة بإرسالك، ~~كما أشار إليه ابتداؤه بالمغفرة، فالآية نحو: إن ربك لذو مغفرة للناس على ~~ظلمهم، ولعله لم يصرح هنا تعظيما للقرآن الذي الكلام بسببه. # ولما افتتحت السورة بأنه أنزل على أحسن الوجوه وأجملها وأعلاها وأبينها ~~وأكملها من التفصيل، والجمع والبيان بهذا اللسان العظيم الشأن، فقالوا ~~فيه ما وقعت هذه التسلية لأجله من قولهم { فلوبنا في أكنة } إلى آخره، ~~وكان ربما قال قائل؛ لو كان بلسان غير العرب، وأعطى هذا النبي فهمه ~~والقدرة وعلى تبيينه لكان أقوى في الإعجاز وأجدر بالاتباع، أخبر أن الأمر ~~ليس كذلك، لأنهم لم يقولوا: هذا الشك حصل لهم في أمره، بل عنادا، ~~والمعاند لا يرده شيء، فقال على سبيل التأكيد، معلما بأن الأمر على غير ~~ما ظنه هذا الظان، وقال الأصبهاني: إنه جواب عن قولهم { وقالوا قلوبنا في ~~أكنه }. والأحسن عندي أن يكون عطفا على { فصلت آياته قرآنا عربيا } ~~وبناه للمفعول لأنه بلسانهم فلم يحتج إلى تعيين المفصل، فيكون التقدير: ~~فقد ms4282 جعلناه عربيا معجزا، وهم أهل العلم باللسان، فأعرضوا عنه وقالوا ~~فيه ما تقدم، ولفت القول عن وصف الإحسان الذي اقتضى أن يكون عربيا إلى ~~مظهر العظمة الذي هو محط إظهار الاقتدار وإنفاذ الكلمة { ولو جعلناه } أي ~~هذا الذكر بما لنا من العظمة والقدرة { قرآنا } أي على ما هو عليه من ~~الجمع { أعجميا } أي لا يفصح وهو مع ذلك على وجه يناسب عظمتنا ليشهد كل ~~أحد أنه معجز للعجم كما أن معجز للعرب وأعطيناك فهمه والقدرة على إفهامهم ~~إياه { لقالوا } أي هؤلاء المتعنتون فيه كما يقولون في هذا بغيا ~~وتعنتا: { لولا } أي هلا ولم لا { فصلت آياته } أي بينت على طريقة ~~نفهمها بلا كلفة ولا مبين، حال كونه قرآنا عربيا كما قدمنا أول السورة. # ولما تبين بشاهد الوجود أنهم قالوا في العربي الصرف وبشهادة الحكيم ~~الودود، وأنهم يقولون في الأعجمي الصرف، لم يبق إلا المختلط منهما ~~المنقسم إليهما، فقال مستأنفا منكرا عليهم للعلم بأن ذلك منهم مجرد لدد ~~لا طلبا للوقوف على سبيل الرشد: { أعجمي } أي أمطلوبكم أو مطلوبنا - على ~~قراءة الخبر من غير استفهام - أعجمي { وعربي } مفصل باللسانين، والأعجمي ~~كما قاله الرازي في اللوامع: الذي لا يفصح ولو كان عربيا والعجمي من ~~العجم ولو تفاصح بالعربية. # ولما كان من الجائز أن يقولوا: نعم، ذلك مطلوبنا، وكان نزولا من الرتبة ~~العليا إلى ما دونها مع أنه لا يجيب إلى المقترحات إلا مريد للعذاب، او ~~عاجز عن إنفاذ ما نريد، بين أن مراده نافذ من غير هذا فقال: { قل هو } أي ~~هذا القرآن على ما هو عليه من العلو الذي لا يمكن أن يكون شيء يناظره { ~~للذين آمنوا } أي أردنا وقوع الإيمان منهم { هدى } بيان لكل مطلوب { ~~وشفاء } لما في صدروهم من داء الكفر والهواء والإفك فآذانهم به سميعة, ~~وقلوبهم له واعية, وهو لهم بصائر, قال القشيري, فهو شفاء للعلماء حيث ~~استراحوا عن كد الفكرة وتحير الخواطر وشفاء لضيق صدور المريدين بما فيه ~~من التنعيم بقراءته والتلذذ بالتفكر فيه، ولقلوب المحبين من ms4283 لواعج ~~الاشتياق بما فيه من لطائف المواعيد، ولقلوب العارفين بما يتوالى عليها ~~من أنوار التحقيق وآثار خطاب الرب العزيز { والذين لا يؤمنون } أي أردنا ~~أنه لا يتجدد منهم إيمان { في آذانهم وقر } أي ثقل مذهب للسمع مصم، فهم ~~لذلك لا يسمعون سماعا ينفعهم لأنهم بادروا إلى رده أول ما سمعوه وتكبروا ~~عليه فصاروا لا يقدرون على تأمله فهزهم الكسل وأصمهم الفشل فعز عليهم ~~فهمه { وهو عليهم } أي خاصة { عمى } مستعل على أبصارهم وبصائرهم لازم ~~لهم، فهم لا يعونه حق الوعي، ولا يبصرون الداعي به حق الإبصار، فلهم به ~~ضلال وداء، فلذلك قالوا { ومن بيننا وبينك حجاب } وذلك لما يحصل لهم من ~~الشبه التي هيئت قلوبهم لقبولها، أو يتمادى بهم في الأوهام التي لا ~~يألفون سوى فروعها وأصولها، فقد بان لأن سبب الوقر في آذانهم الحكم بعدم ~~إيمانهم للحكم بإشقائهم، فالآية من الاحتباك: ذكر الهدى والشفاء اولا ~~دليلا على الضلال والداء ثانيا، والوقر والعمى ثانيا دليلا على السمع ~~والبصائر أولا، وسر ذلك أنه ذكر أمدح صفات المؤمنين وأذم صفات الكافرين، ~~لأنه لا أحقر من أصم أعمى. # ولما بان بهذا بعدهم عن عليائه وطردهم عن فنائه قال: { أولئك } أي ~~البعداء البغضاء مثالهم مثال من { ينادون } أي يناديهم من يريد نداءهم ~~غير الله { من مكان بعيد * } فهم بحيث لا يتأبى سماعهم، وأما الأولون فهم ~~ينادون بما هيئوا له من القبول من مكان قريب، فهذه هي القدرة الباهرة، ~~وذلك أن شيئا واحدا يكون لناس في غاية القرب ولناس معهم في مكانهم في ~~أنهى البعد. # ولما كان التقدير: فلقد آتيناك الكتاب على هذه الصفة من العظمة، فاختلفت ~~فيه أمتك على ما أعلمناك به أول البقرة من انقسام الناس فعاقبنا الذين ~~تكبروا عليه أن ختمنا على مشاعرهم، عطف عليه مسليا قوله مؤكدا لمن يقول ~~من أهل الكتاب إضلالا: لو كان نبيا ما اختلف الناس عليه ونحو ذلك مما ~~يلبس به: { ولقد آتينا } أي على ما لنا من العظمة { موسى الكتاب } أي ~~الجامع لما فيه هداهم { فاختلف ms4284 } أي وقع الاختلاف { فيه } أي من أمته كما ~~وقع في هذا الكتاب لأن الله تعالى خلق الخلق للاختلاف مع ما ركب فيهم من ~~العقول الداعية إلى الإنفاق { ولولا كلمة } أي إرادة { سبقت } في الأزل، ~~ولفت القول إلى صفة الإحسان ترضية بالقدر وتسلية، وزاد ذلك بإفراده ~~بالإضافة فقال: { من ربك } أي المحسن إليك بتوفيق الصالح لاتباعك وخذلان ~~الطالح بالطرد عنك لإراحتك منه من غير ضرر لدينك وبإهمال كل إلى أجل ~~معلوم ثم إمهال الكل إلى يوم الفصل الأعظم من غير استئصال بعذاب كما ~~صنعنا بغيرهم من الأمم { لقضي } أي وقع القضاء الفيصل { بينهم } ~~المختلفين بإنصاف المظلوم من ظالمه الآن. ولما علم بهذا وغيره أن يوم ~~القيامة قد قدره وجعله موعدا من لا يبدل القول لديه، فاتضح أنه لا بد ~~منه ولا محيد عنه وهو يجادلون فيه، قال مؤكدا: { إنهم لفي شك } أي محيط ~~بهم { منه } أي القضاء يوم الفصل { مريب * } أي موقع في الريب وهو التهمة ~~والاضطراب بحيث لا يقدرون على التخلص من دائرته أصلا. ### || [41.46-48] # ولما تقرر بما مضى أن المطيع ناج، وتحرر أن العاصي هالك كانت النتيجة ~~من غير تردد: { من عمل صالحا } كائنا من كان من ذكر أو أنثى { فلنفسه } ~~أي فنفع عمله لها ببركتها به لا يتعداها، والنفس فقيرة إلى التزكية ~~بالأعمال الصالحة لأنها محل النقائص، فلذا عبر بها، وكان قياس العبارة في ~~جانب الصلاح. " ومن عمل سيئا " فأفاد العدول إلى ما عبر به مع ذكر العمل ~~أولا الذي مبناه العلم إن الصالح تتوقف صحته على نيته، وأن السيء يؤاخذ ~~به عامله في الجملة من الله أو الناس ولو وقع خطأ فلذا قال: { ومن أساء } ~~أي في عمله { فعليها } أي على نفسه خاصة ليس على غيره منه شيء. # ولما كان لمقصد السورة نظر كبير إلى الرحمة، كرر سبحانه وصف الربوبية ~~فيها كثيرا، فقال عاطفا على ما تقديره: فما ربك بتارك جزاء أحد أصلا ~~خيرا كان أو شرا: { وما ربك } أي المحسن إليك بإرسالك لتتميم مكارم ~~الأخلاق. ولما ms4285 كان لا يصح أصلا ولا يتصور أن ينسب إليه سبحانه ظلم، عبر ~~للدلالة على ذلك بنكرة في سياق النفي دالة على النسبة مقرونة بالجار ~~فقال: { بظلام } أي بذم ظلم { للعبيد * } أي الجنس فلا يتصور أن يقع منه ~~ظلم لأحد أصلا لأن له الغنى المطلق والحكمة البالغة، وعبر ب " عبيد " ~~دون عباد لأنه موضع إشفاق وإعلام بضعف وعدم قدرة على انتصار وعناد يدل ~~على طاعة وعدم حقارة بل إكرام هذا أغلب الاستعمال، ولعل حكمة التعبير ~~بصيغة المبالغة الإشارة إلى أنه لو ترك الحكم والأخذ للمظلوم من الظالم، ~~لكان بليغ الظلم من جهة ترك الحكمة التي هي وضع الأشياء في أتقن محالها ~~ثم من جهة وضع الشيء وهو العفو عن المسيء وترك الانتصار للمظلوم في غير ~~موضعه، ومن جهة التسوية بين المحسن والمسيء، وذلك أشد في تهديد الظالم ~~لأن الحكيم لا يخالف الحكمة فكيف إذا كانت المخالفة في غاية البعد عنها - ~~هذا مع أن التعبير بها لا يضر لأنها موضوعة أيضا للنسبة إلى أصل المعنى ~~مطلقا ولأن نفي مطلق الظلم مصرح به في آيات أخرى. # ولما تضمنت الآية السالفة الجزاء على كل جليل وحقير، وقليل وكثير، ~~والبراءة من الظلم، كما قال تعالى { وقضى بينهم بالحق وهم لا يظلمون } # ووفيت كل نفس ما عملت # [آل عمران: 25] { وهو أعلم بما يفعلون } وأشير إلى التوعد بالجزاء في ~~يوم الفصل لأنا نشاهد أكثر الخلق يموت من غير جزاء، وكان من عادتهم ~~السؤال عن علم ذلك اليوم، وكان ترك الجزاء إنما يكون للعجز، والظلم إنما ~~يكون للجهل، لأنه وضع الأشياء في غير محالها فعل الماشي في الظلام، دل ~~على تعاليه عن كل منهما بتمام العلم المستلزم لشمول القدرة على وجه فيه ~~جوابهم عن السؤال عن علم الوقت الذي تقوم فيه الساعة الذي كان سببا ~~لنزول هذه الآية - كما ذكره ابن الجوزي - بقوله على سبيل التعليل: { إليه ~~} أي إلى المحسن إليك لا إلى غيره { يرد } من كل راد { علم الساعة } أي ~~التي لا ساعة في الحقيقة غيرها، لما ms4286 لها من الأمور التي لا نسبة لغيرها ~~بها، فهي الحاضرة لذلك في جميع الأذهان، وإنما يكون الجزاء على الإساءة ~~والإحسان فيها حتى يظهر لكل أحد ظهورا بينا لكل أحد أنه لا ظلم أصلا، ~~فلا يمكن أن يسأل أحد سواه عنها ويخبر عنها بما يغنى في تعيين وقتها ~~وكيفيتها وصنعتها، وكلما انتقل السائل من مسؤول ألى أعلم منه وجده كالذي ~~قبله حتى يصل الأمر إلى الله تعالى، والعالم منهم هو الذي يقول: الله ~~أعلم، فاستئثاره بعلمها دال على تناهي علمه، وحجبه له عن كل من دونه دال ~~على تمام قدرته، واجتماع الأمرين مستلزم لبعده عن الظلم، وأنه لا يصح ~~اتصافه به، فلا بد من إقامته لها ليوفي كل ذي حق حقه، ويأخذ لكل مظلوم ~~ظلامته غير متعتع. # ولما كانوا ينازعون في وقوعها فضلا عن العلم بها، عدها أمرا محققا ~~مفروغا منه وذكر ما يدل على شمول علمه لكل حادث في وقته دليلا على علمه ~~بما يعين وقت الساعة، وذلك على وجه يدل على قدرته عليها وعلى كل مقدور ~~بما لا نزاع لهم فيه من ثمرات النبات والحيوان التي هي خبء في ذوات ما هي ~~خارجة منه، فهي كخروج الناس بعد موتهم من خبء الأرض، فقال مقدما للرزق ~~على الخلق كما هو الأليق، عطفا على ما تقديره: فما يعلمها ولا يعلمها ~~إلا هو: { وما تخرج } أي في وقت من الأوقات الماضية والكائنة والآية، فإن ~~" ما " النافية لا تدخل إلا على معناه الحلول، فالمراد مجرد تصوير إن كان ~~زمانه قد مضى أو لم يأت، وأكد النفي بالجار فقال: { من ثمرات } أي صغيرة ~~أو كبيرة صلحة أو فاسدة من الفواكه والحبوب وغيرها؛ والإفراد في قراءة ~~الجماعة للجنس الصالح للقليل والكثير، نبهت قراءة نافع وابن عامر وحفص عن ~~عاصم بالجمع على كثرة الأنواع { من أكمامها } جمع كم وكمامة بالكسر فيهما ~~وهو وعاء الطلع وغطاء النور، وكل ما غطى على وجه الإحاطة شيئا من شابه ~~أن يخرج فهوكم، ومنه قيل للقلنسوة: كمة، ولكم القميص ونحوه: كم، ms4287 أي إلا ~~بعلمه { وما تحمل من أنثى } خداجا أو تماما، ناقصا أو تاما، وكذا ~~النفي باعادة النافي ليشمل كلا على حياله، وعبر ب " لا " لأن الوضع ليس ~~كالحمل يقع في لحظة بل يطول زمان انتظاره فقال: { ولا تضع } حملا حيا ~~أو ميتا { إلا } حال كونه ملتبسا { بعلمه } ولا علم لأحد غيره بذلك، ~~ومن ادعى علما به فليخبر بأن ثمرة الحديقة الفلانية والبستان الفلاني ~~والبلد الفلاني تخرج في الوقت الفلاني أو لا تخرج العام شيئا أصلا, ~~والمرأة الفلانية تحمل في الوقت الفلاني وتضع في وقت كذا أو لا تحمل ~~العام شيئا، ومن المعلوم أنه لا يحيط بهذا علما إلا الله سبحانه ~~وتعالى. # ولما ثبت بهذا علمه صريحا وقدرته لزوما وعجز من سواه وجهله، وتقرر ~~بذلك أمر الساعة من أنه قادر عليها بما أقام من الأدلة، وأنه لا بد من ~~كونها لما وعد به من تكوينها لينصف لمظلوم من ظالمه لأنه حكيم ولا يظلم ~~أحدا وإن كانوا في إيجادها ينازعون، ولم ينكرون قال تعالى مصورا ما ~~تضمنه ما سبق من جهلهم، ومقررا بعض أحوال القيامة، عاطفا على أرشد ~~السياق إلى تقديره من نحو: فهو على كل شيء قدير لأنه على كل شيء شهيد وهم ~~بخلاف ذلك، مقررا قدرته تصريحا وعجز ما ادعوا من الشركاء: { ويوم ~~يناديهم } أي المشركين بعد بعثهم من القبور، للفصل بينهم في سائر الأمور ~~فيقول المحسن إليك بأنواع الإحسان الذي منه إنصاف المظلوم من ظالمه على ~~سبيل الأمور فيقول المحسن إليك بأنواع الإحسان الذي منه إنصاف المظلوم من ~~ظالمه على سبيل التوبيخ والتقريع والتنديم: { أين شركائي } أي الذين ~~زعمتم أنهم يشفعون لكم في هذا اليوم ويحمونكم من العقاب واللوم، والعامل ~~في الظرف { قالوا } أي المشركون: { آذناك } أي اعلمناك سابقا بألسنة ~~أحوالنا والآن بألسنة مقالنا، وفي كلتا الحالتين أنت سامع لذلك لأنك سامع ~~لكل ما يمكن أن يسمع وإن لم يسمعه غيرك، ولذا عبروا بما منه الإذن { ما ~~منا } وأكدوا النفي بإدخال الحار في المبتدأ المؤخر فقالوا: { من شهيد * ~~} أي ms4288 حي دائما حاضر دون غيبة، مطلع على ما يريد من غير خفاء بحيث لا ~~يغيب عن علمه شيء فيخبر بما يخبر به على سبيل القطع والشهادة، فآل الأمر ~~إلى أن المعنى: لا نعلم أي ما كنا نسميهم شركاء لأنه ما منا من هو محيط ~~العلم. # ولما قرر جهلهم، أتبعه عجزهم فقال: { وضل } أي ذهب وشذ وغاب وخفي { عنهم ~~} ولما كانت معبوداتهم إما ممن لا يعقل كالأصنام وإما في عداد ذلك لكونهم ~~لا فعل لهم في الحقيقة، عبر عنهم بأداة ما لا يعقل فقال: { ما كانوا } أي ~~دائما { يدعون } في كل حين على وجه العادة. # ولما كان دعاؤهم لهم غير مستغرق لزمان القبل، أدخل الجار فقال: { من قبل ~~} فهم لا يرونه فضلا عن أنهم يجدون نفعه ويلقونه، كأنهم كانوا لما هم ~~عريقون فيه من الجهل وسوء الطبع يتوقعون أن يظفروا بهم فيشفعوا لهم، ~~فلذلك عبر بالظن في قوله: { وظنوا } أي في ذلك الحال { ما لهم } وأبلغ في ~~النفي بإدخال الجار على المبتدأ المؤخر فقال { من محيص * } أي مهرب وملجأ ~~ومعدل. ### || [41.49-51] # ولما دل أتباعهم للظن حتى في ذلك اليوم الذي تنكشف فيه الأمور، وتظهر ~~عظائم المقدور، وإلقاؤهم بأيديهم فيه على أنهم في غاية العراقة في الجهل ~~والرسوخ في العجز، أتبع ذلك الدليل على أن ذلك طبع هذا النوع فلا يزال ~~متبدل الأحوال متغير المناهج، إن أحسن بخير انتفخ عظمه وتطاول كبرا، وإن ~~مس ببلاء تضاءل ذلا وأمتلأ ضعفا وعجزا، وذلك ضد مقصود السورة الذي هو ~~العلم، بيانا لأن حال هذا النوع بعيد من العلم، عريق الصفات في الجهل ~~والشر إلا من عصمه الله فقال تعالى: { لا يسئم } أي يمل ويضجر { الإنسان ~~} أي من الأنس بنفسه الناظر في أعطافه، الذي لم يتأهل للمعارف الإلهية ~~والطرق الشرعية { من دعاء الخير } أي من طلبه طلبا عظيما، وذلك دال مع ~~شرهه على جهله، فإنه لو كان عالما بأن الخير يأتيه أو لا يأتيه لخفف عن ~~نفسه من جهده في الدعاء # ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت ms4289 من الخير وما مسني السوء # [الأعراف: 188] { وإن مسه الشر } أي هذا النوع قليله وكثيره بغتة من جهة ~~لا يتوقعها { فيؤوس } أي عريق في اليأس، وهو انقطاع الرجاء والأمل والحزن ~~العظيم والقطع بلزوم تلك الحالة بحيث صار قدوة في ذلك { قنوط * } أي مقيم ~~في دار انقطاع الأمل والخواطر الرديئة، فهو تأكيد للمعنى على أحسن وجه ~~وأتمه، وهذا هو ما طبع عليه الجنس، فمن أراد الله به منهم خيرا عصمه، ~~ومن أراد به شرا أجراه مع الطبع فكان كافرا، لأنه لا ييأس من روح الله ~~إلا القوم الكافرون, قال أبو حيان: واليأس من صفة القلب, وهو أن ينقطع ~~رجاؤء من الخير، والقنوط أن يظهر عليه آثار اليأس فيتضاءل وينكسر، وبدأ ~~بصفة القلب لأنها هي المؤثرة فيما يظهر على الصورة من الانكسار. # ولما دل ذلك على عظيم جهله وغلبة أفكاره الرديئة على عقله، أتبعه ~~تأكيدا لذلك ما يدل على أن حاله بعد هذا اليأس الذي قطع فيه بلزوم الشر ~~وامتناع حصول الخير أنه لو عاودته النعمة بغتة من وجه لا يرجوه، وليس له ~~دليل على ما دوامها وانصرامها لعاد إلى البطر والكبر والأشر، ونسي ما كان ~~فيه من الشدة، فقال مسندا إلى نفسه الخير بعد أن ذكر الشر، ولم يسنده ~~إليه تعليما للأدب معبرا بمظهر العظمة تنبيها على أن ذلك من جليل ~~التدبير { ولئن أذقناه } أي الإنسان الذي غلبت عليه حالة الأنس بنفسه حتى ~~أسفلته عن أبناء جنسه إلى رتبة الحيوانات العجم بل دونها. # ولما أخبر آخر الآية السالفة عن حاله عند الشر، قدم هنا ضده على صلته ~~اهتماما به بخلاف ما في سورة هود عليه السلام فقال: { رحمة منا } أي ~~نعمة عظيمة دلت على إكرامه من جهة لا يرجوها، وهو من فائدة التعبير بأداة ~~الشك، ودل بإثبات الجار على انفصالها عن الضر مع قرب زمانها منه ليكون قد ~~جمع مباشرة الأحوال الثلاث: الانتقام والإكرام وما بينهما من الوسط الذي ~~بين حالتي الرضا والسخط، ثم شرع بيان ذلك فقال: { من بعد ضراء } أي ms4290 محنة ~~وشدة عظيمة { مسته } فطال بروكها عليه؛ وأجاب القسم لتقدمه على الشرط ~~بقوله: { ليقولن } بمجرد ذوق تلك الرحمة على أنها ربما كانت بلاء عظيما ~~لكونها استدراجا إلى الهلاك: { هذا } أي الأمر العظيم { لي } أي مختص بي ~~لما لي من الفضل، لا مشاركة لأحد معي فيه مع أنه ثابت لا يتغير انتقالا ~~من حالة اليأس إلى حالة الأمن والبطر والكبر والأشر على قرب الزمن من ذوق ~~المحن وينسى أنها من فضل الله ليقيدها بشكرها، ويطردها بكفرها { وما أظن ~~الساعة } أي القيامة التي هي لعظمها المستحقة أن تختص باسم الساعة { ~~قائمة } أي ثابتا قيامها، فقطع الرجاء منها سواء عبر عن ذلك بلسان قاله ~~أو بلسان حاله، لكونه يفعل أفعال الشاك فيها كما كان قطع الرجاء من الخير ~~عند مباشرته للشر لكنه هنا قال على سبيل التقدير: والفرض، لدفع من يعظه ~~محققا لدوام نعمته: { ولئن رجعت } أي على سبيل الفرض بقسر قاسر ما { إلى ~~ربي } أي الذي أحسن إلي بهذا الخير الذي أنا فيه { إن لي عنده } وأكده ~~على من يعظه بأنه يعذب إن لم يحسن قلبه وقالبه { للحسنى } أي الحالة ~~والرتبة البالغة في الحسن حدا لا يوصف لأني أهل لذلك، والدليل على تأهلي ~~له ما أنا فيه الآن من الخير، ونسي ما يشاهده غالبا من أن كثيرا من ~~النعم يكون للاستدارج، ومن أن كثيرا من الناس يكون في غاية النعمة فيصبح ~~وقد أحاطت به كل نقمه، فهو بين أمنيتين في الدنيا بقوله هذا، وفي الآخرة ~~يقول: يا ليتي كنت ترابا، فلا يزال في المحال - نعوذ بالله من سوء ~~الحال. # ولما كان هذا هو الكفر الصراح لنسيان نعمة المنعم وجعله الإنعام من ~~الواجب اللازم وشكه فيما أخبر سبحانه على ألسنة جميع الرسل أنه محط ~~حكمته، سبب عنه سبحانه قوله، مؤكدا في نظير تأكيد هذا الناسي: { فلننبئن ~~} أي تنبئة عظيمة بخير الوصف فيها مستقصاة على سبيل العدل، وجعل الضمير ~~الوصف تصريحا بالعموم وبيانا للعلة الموجبة فقال: { الذين كفروا } أي ~~ستروا ما دلت عليه العقول، ms4291 وأوجبته صرائح النقول، من إقامة الساعة لأظهار ~~جلاله وجماله، ومن أنه تعالى يحل بالإنسان السراء والضراء ليخافه ويرجوه ~~ويشكره ويدعو { بما عملوا } لا ندع منه قليلا ولا كثيرا صغيرا ولا ~~كبيرا، فليرون عيانا ضد ما ظنوه في الدنيا من أن لهم الحسنى # وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا # [الفرقان: 23] { ولنذيقنهم } بعد إقامة الحجة عليهم بموازين القسط ~~الوافية لمثاقيل الذر { من عذاب غليظ * } لا يدع جهة من أجسامهم ولا ~~قواهم إلا أحاط بها ولا تقوى على دفعه قواهم. # ولما بين جهل الإنسان في حالات مخصوصة باليأس عند مس الشر، والأمن عند ~~ذوق النعمة بعد الضر، بين حاله عند النعمة مطلقا ودعاءه عند الشر وإن ~~كان قانطا تكريرا لتقلب أحواله وتناقص أقواله وأفعاله تصريفا لذلك على ~~وجوه شتى ليكون داعيا له إلى عدم الأنفة من الرجوع عن الكفر إلى ~~الإيمان، ومسقطا عنه خوف الشبه بذلك والنسبة إلى الخفة وعدم الثبات، ~~فقال معبرا بأداة التحقيق دلالة على غلبة نعمه تعالى في الدنيا لنقمه، ~~ودلالة على حالة الإنسان عند مس النعمة من جهة يتوقعها بعد بيان حاله عند ~~مسها بغتة من غير توقع تأكيدا لبيان جهله حيث جعل ظرف النعمة ظرفا ~~للإعراض من غير خوف من نزعها على قرب عهده بالضر: { وإذا أنعمنا } مما ~~لنا من العظمة والإحسان { على الإنسان } أي الواقف مع نفسه نعمة تليق ~~بعظمتنا, فمسه الخير, ولم يعبر في هذا الجانب بما عبر به في الذي بعده ~~إيذانا بأن المعرض مسيء لمجرد الإعراض لا المبالغة فيه فقال: { أعرض } ~~أي انحرف عن سواء القصد إلينا عنا في جميع مدة النعمة - بما أفهمه الظرف، ~~فلم يقيد تلك النعمة بالشكر بعد ما رأى من حلالنا، قاطعا بأن تلك النعمة ~~خير محض ظاهرا وباطنا فهو يستديمها، وربما كانت بلاء استدراجا ~~وامتحانا { وناء } أي أبعد إبعادا شديدا بحيث جعل بيننا وبينه حجابا ~~عظيما حال كونه مال { بجانبه } أي بشقه كناية عن تكبره وبأوه وإعجابه ~~بنفسه وزهوة وتصويرا له بمن كلمته فازور عنك والتوى، ms4292 وأبعد في ضلاله ~~وغوى. # ولما تقدم حال الإنسان عند مس الشر بغتة، بين حاله عند مسه وهو يتوقعه، ~~فقال معبرا في جانب الشر بأداة التحقيق على غير عادة القرآن في الأغلب، ~~ليدل على أنه لزيادة جهله على الحد يلزم الكبر وإن كان يتوقع الشر ولا ~~يزال حاله حال الآمن إلى أن يخالطه وحينئذ تنحل عراه وتضمحل قوله: { وإذا ~~مسه الشر } أي هذا النوع قليله وكثيره لانتقامنا منه، فالآية من ~~الاحتباك: ذكر الإنعام أولا دليلا الانتقام ثانيا وذكر الشر ثانيا ~~دليل الخير أولا، وسره تعليم الأدب بنسبة الإنعام دون الشر إليه وإن كان ~~الكل منه. # ولما كان تعظيم العرض دالا على عظمة الطول، قال معبرا بما يدل على ~~الملازمة والدوام: { فذو دعاء } أي في كشفه، وربما كان نعمة باطنة وهو لا ~~يشعر ولا يدعو إلا عند المس، وقد كان ينبغي له أن يشرع في الدعاء عند ~~التوقع بل قبله تعرفا إلى الله تعالى في الرخاء ليعرفه في الشدة وهو خلق ~~شريف لا يعرفه إلا أفراد خصهم الله بلطفه، فدل تركه على عدم شره لما مضى ~~وخفة عقله لما يأتي ومفاجأته للزوم الدعاء عند المس على عدم صبره وتلاشي ~~جلده وقله حيائه { عريض * } أي مديد العرض جدا، وأما طوله فلا تسأل عنه، ~~وهذا كناية عن النهاية في الكثرة. ### || [41.52-54] # ولما ذكر سبحانه من أحوالهم المندرجة في أحوال هذا النوع كله ما هو ~~مكشوف بشاهد الوجود من أنه لا ثبات لهم لا سيما عند الشدائد إعلاما ~~بالعراقة في الجهل والعجز، دل على الأمرين معا بما لا يمكن عاقلا دفعه ~~من أنهم لا يجوزون الممكن فيعدون له ما يمتعه على تقدير وقوعه، فأمره صلى ~~الله عليه وسلم أن يذكر ذلك إيذانا بالإعراض عنهم دليلا على تناهي ~~الغضب: { قل أرأيتم } أي أخبروني { إن كان } أي هذا القرآن الذي نصبتم ~~لمغالبته حتى بالإعراض عن السماع باللغو حال قراءته من الصفير والتصفيق ~~وغير ذلك، وليس ذلك منكم صادرا عن حجة قاطعة في أمره أتم معها على يقين ms4293 ~~بل هو عن خفة وعدم تأمل منكم أنه { من عند الله } الذي له الإحاطة بجميع ~~صفات الجلال والجمال فهو لا يغالب. # ولما كان الكفر به على هذا التقدير في غاية البعد، وكان مقصود السورة ~~دائرا على العلم، نبه على ذلك بأداة التراخي مع الدلالة على أن ذلك ما ~~كان منهم إلا بعد تأمل طويل، فكانوا معاندين حتى نزلوا بالصفير والتصفيق ~~من أعلى رتب الكلام إلى أصوات الحيوانات العجم فقال: { ثم كفرتم به } أي ~~بعد إمعان النظر فيه والتحقق لأنه حق، فكنتم بذلك في شقاق هو في غاية ~~البعد من الملائمة لمن لم يزل يستعطفكم بجميل أفعاله، ويردكم بجليل ~~أقواله وآمن به غيركم لأنه من عند الله { من أضل } منكم - هكذا كان الأصل ~~ولكنه قال: { ممن هو في شقاق } أي لأولياء الله { بعيد * } تنبيها على ~~أنهم صاروا كذلك، وأن من صار كذلك فقد عرض نفسه لسطوات الله وتعالى التي ~~من واقعته هلك لا محالة، ومن أهدى ممن هو في إسلام قريب وهو الذي آمن ~~لأنه سالم الله الذي من سالمه سالمه كل شيء، فنجا من كل خطر - فالآية من ~~الاحتباك: ذكر الكفر أولا دليلا على الإيمان ثانيا، والضلال ثانيا ~~دليلا على الهدى أولا، وسره أن ذكر المضار أصدع للقلب فهو أنفع في ~~الوعظ. # ولما كان هذا محزنا للشفوق عليهم لإفهامه لشدة بعدهم عن الرجوع، قال ~~منبها على أنه إذا أراد سبحانه قرب ذلك منهم غاية القرب لافتا القول ~~إلى مظهر العظمة إيذانا بسهولة ذلك عليه: { سنريهم } أي عن قرب بوعد لا ~~خلف فيه { آياتنا } أي على ما لها من العظمة { في الآفاق } أي النواحي، ~~جمع أفق كعنق وأعناق، أبدلت الهمزة الثانية ألفا لسكونها بعد مثلها، أي ~~وما ظهر من نواحي الفلك أو مهب الرياح، وذلك بما يفتح الله من البلاد ~~بغلب أهلها بوقائع كل واحد منها علم من أعلام النبوة، وشاهد عظيم كاف في ~~صحة الرسالة، تصديقا لوعده سبحانه وما أهلك من أهلها لنصر أنبيائه ورسله ~~وبما فيها من عجائب الصنع ms4294 وغرائب الآثار والوضع باختلاف الأحكام مع اتفاق ~~جواهرها في التجانس - وغير ذلك من الآيات بالبصر اللاتي يشرحها بآيات ~~السمع. # ولما كان الإيمان بالغيب هو المعتبر، وكل ما كان أقرب إليه كان أقرب إلى ~~الكمال، وكانت آيات الآفاق أقرب إلى ذلك، بدأ بها، ثم قال: { وفي أنفسهم ~~} أي من فتح مكة وما أصابهم من سني الجوع وقصة أبي بصير ونحو ذلك, وتفصل ~~لهم مع ذلك ما في الآدمي نفسه من بدائع الآيات وعجائب الخلق وغرائب ~~الصنعة وما فيه من أمارات الحدوث واختلاف الأوصاف وغير ذلك من الشواهد ~~المطابقة لما تضربه من الأمثال والدلائل المعقولة عند اعتبار الأقوال ~~والأفعال، وبما في بلاد العرب من الآيات المرئية من نفي بعد إسراعهم إليه ~~وإطباقهم عليه وإثبات التوحيد عند جميعهم بعد إبعادهم عنه وقتالهم الداعي ~~إليه، وقد بين سبحانه في هذه من آيات الآفاق في آية { أئنكم لتكفرون ~~بالذي خلق الأرض في يومين } وما شاكلها، وفي الأنفس في آيات { فقل ~~أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود والذي من بعدهم } ونحوها، وآيات { لا ~~يسئم الإنسان من دعاء الخير } إلى آخرها الدالة على أن الإنسان مبني أمره ~~على الجهل والعجز، فأكثر ما يتصوره ليس كما تصوره، فعليه أن يتأمل كتاب ~~ربه ويتدبره - والله أعلم، قال الرازي في اللوامع: الاستدلال بالأفعال ~~على فاعلها واضح وطريق لائح، والأفعال على قسمين أحدهما الآفاق وهو جملة ~~العالم، والثاني النفوس، فإن من عرف نفسه عرف ربه, أي من عرف روحه وكونها ~~جوهرا متصرفا في البدن تصرف التدبير وعلم صفاتها من أنها باقية بغير ~~البدن لا يحتاج في قوامها إلى البدن, بل البدن محتاج إليها وأنها محل ~~المعرفة فمن عرف أمثال هذه المعارف عرف ربه وصفاته من وحدانيته وعلمه ~~وقدرته وإرادته وتصرفه في جملة العالم يعني وأن وجوده تعالى مباين وجود ~~غيره. # ولما كان التقدير: ولا نزال نواتر ذلك شيئا في أثر شيء، عطف عليه قوله: ~~{ حتى يتبين لهم } غاية البيان بنفسه من غير إعمال فكر { أنه } أي القرآن ~~{ الحق } الكامل في الحقية ms4295 الذي تطابقه الوقائع وتصادقه الأحوال العارضة ~~والصنائع، فيجتعوا عليه ويقبلوا بكل قلوبهم إليه، فلا يأباه في جزيرة ~~العرب إنسان، ولا يختلف فيه منهم اثنان، ثم ينبثون في أرجاء الأرض بطولها ~~والعرض فيظهر بهم على سائر الأديان، ويبيد على أيديهم أهل الكفران، في ~~سائر البلدان، ويزول كل طغيان، فيكون ظهورهم في هذا الوقت وضعف المؤمنين ~~بعد أن كان سببا لازديادهم من الكفر عظة لهم ولكل من يأتي بعدهم يوجب ~~الثبات في محال الزلزال علما بأن الله أجرى عادته أن يكون للباطل ريح ~~تخفق ثم تسكن، ودولة تظهر ثم تضمحل، وصولة تجول ثم تحول. # ولما كان هذا القول منبها على أن في الآفاق والأنفس من الآيات المرئية ~~التي يقرأها أولو الأبصار بالبصائر، ويتأملها بأعين السرائر، أمرا لا ~~يحيط به الوصف، فكان حاديا على تجريد الأفكار للنظر والاعتبار، والوقوف ~~على بعض ما في ذلك من لطائف الأسرار، كان كأنه قيل: ألم يروا بعقولهم ما ~~في ذلك من الأدلة على أن القرآن من عند الله فيكفيهم عن شهادة شيء خارج ~~عن أنفسهم، عطف عليه قوله: { أو لم يكف } وأكد بإدخال الجار، وحقق الفاعل ~~فقال مؤكدا بالباء ومحققا أنه الفاعل صارفا القول إلى وصف الإحسان ~~إيذانا بالرفق بهم بردهم إليه دون ارتكابهم ما يوجب نكالهم وإهلاكهم ~~واستئصالهم: { بربك } أي المحسن إليك بهذا البيان المعجز للإنس والجان ~~شهادة بأنه من عنده { أنه } أي أو لم يكف شهادة ربك لأنه { على كل شيء ~~شهيد * } لا يغيب عنه شيء من الأشياء، لا هذا القرآن ولا غيره، وقد شهد ~~لك فيه بإعجازه لجميع الخلق بكل ما تضمنته آياته، ونطقت به كلماته، ففيه ~~أعظم بشارة بتمام أمر الدين وظهوره على المعتدين، وذلك لأن كل أحد يجد في ~~نفسه أنه إذا أراد ثبوت حق ينكره من هو عليه لصاحب الحق من الشهود ما ~~يتحقق قولهم فيه ووصوله بهم إليه أنه يكون مطمئنا لا ينزعج بالجحد علما ~~منه بأن حقه لا بد أن يظهر ويخزي معانده ويقهر، وفي هذا تأديب لكل من ms4296 كان ~~على حق ولا يجد من يساعده على ظهوره فإن الله شاهده فلا بد أن يظهر أمره ~~فتوكل على الله إنك على الحق المبين. # ولما لم يبق بعد هذا لمتعنت مقال، ولا شبهة أصلا لضال، كان موضع ~~المناداة على من استمر على عناده بقوله مؤكدا لادعائهم إنهم على جلية من ~~أمرهم، { ألا إنهم } أي الكفرة { في مرية } أي جحد وجدال وشك وضلال عن ~~العبث { من لقاء } وصرف القول إلى إضافة وصف الإحسان إليهم إشارة إلى أنه ~~لا بد من كمال تربيتهم بالبعث لأنه أحكم الحاكمين فقال: { ربهم } أي ~~المحسن إليهم بأن خلقهم ورزقهم للحساب والجزاء بالثواب والعقاب كما هو ~~شأن كل حكيم فيمن تحت أمره. # ولما كانوا مظهرين الشك في القدرة على البعث، قرره إيمانهم معترفون به ~~من قدرته على كل شيء من البعث وغيره فقال: { ألا إنه } أي هذا المحسن ~~إليهم { بكل شيء } أي من الأشياء جملها وتفاصيلها كلياتها وجزئياتها ~~أصولها وفروعها غيبتها وشهادتها ملكها وملكوتها { محيط * } قدرة وعلما ~~من كثير الأشياء وقليلها كليها وجزئيها، فعما قليل يجمعهم على الحق ~~ويبدلهم بالمرية إذعانا وبالشك يقينا وبرهانا، فرحمته عامة لجميع أهل ~~الوجود وخاصة لمن من عليه الإيمان الموصل إلى راحة الأمان، فكيف يتصور ~~في عقل أن يترك البعث ليوم الفصل الذي هو مدار الحكمة، ومحط إظهار النعمة ~~والنقمة، وقد علم بذلك انطباق آخرها المادح للكتاب المقرر للبعث والحساب ~~على أولها المفصل للقرآن المفيض لقسمي الرحمة: العامة والخاصة لأهل ~~الأكوان، على ما اقتضاه العدل والإحسان، بالبشارة لأهل الإيمان، والنذارة ~~لأهل الطغيان - والله الهادي وعليه التكلان. ### | [42 - سورة الشورى] ### || [42.1-5] # { حم عسق* } هذه الحروف يجوز أن تكون إشارة إلى كلمات منتظمة من كلام ~~عظيم يشير إلى أن معنى هذا الجمع يجوز أن يقال: حكمة محمد علت وعمت فعفت ~~سقام القلوب، وقسمت حروفها قسمين موافقة لبقية أخواتها وبعدها آيتين، ولم ~~تقسم { كهيعص } لأنها آية واحدة ولا أخت لها ولم تقسم { المص } مثلا وإن ~~كان لها أخوات لأنها آية واحدة، ولم يعد في شيء ms4297 من القرآن حرف واحد آية، ~~ويجوز أن يعتبر مفردة فتكون إشارة إلى أسرار تملأ الأقطار، وتشرح الصدور ~~والأفكار، فإن نظرت إلى مخارجها وجدتها قد حصل الابتداء فيها بأدنى وسط ~~الحلق إلى اللسان باسم الحاء, وثنى بأوسط حروف الشفة وهي الميم, وحصل ~~الرجوع إلى وسط الحلق بأقصاه من اللسان في اسم العين، وهو جامع للحلق ~~واللسان، وقصد رابعا إلى اللسان بالسين التي هي من أدناه إلى الشفتين ~~وهو رأسه ولها التصاق بالشفتين واتصال بأعلى الفم, ففيها بهذا الاعتبار ~~جمع, ثم جعل بعد هذا الظهور بطونا إلى أصل اللسان، وهو أقصاه من الشفة ~~بالقاف، ولاسم هذا الحرف جمع بالابتداء بأصل اللسان مع سقف الحلق ~~والاختتام بالشفة العليا والثنيتين السفليين، ففي هذه الحروف ثلاثة وهي ~~أكثرها لها نظر بما فيها من الجمع إلى مقصود السورة، وقد اتسق الابتداء ~~فيها فيما كان من حرفين جمعهما مخرج بالأعلى ثم بالأدنى إشارة إلى أنه ~~يكون لأهل هذا الدين بعد الظهور بطون كما كان في أول الإسلام حيث حصر ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأقاربه في الشعب، وذلك أيضا إشارة إلى أنه من ~~تحلية الظاهر ينتقل إلى تصفية الباطن من زين ظاهره بجمع الأعمال الصالحة ~~صحح الله باطنه بالمراقبة الخالصة الناصحة على أن في هذا التدلي بشرى بأن ~~الحال الثاني يكون أعلى من الأول، كما كان عند الظهور من الشعب بما حصل ~~من نقض الصحيفة الظالمة الذي كان الضيق سببا له، لأن الثاني من مراتب ~~هذه الحروف أقوى صفة مما هو أعلى منه مخرجا، فإن الحاء لها من الصفات ~~الهمس والرخاوة والاستفال والانفتاح والميم له من الصفات الجهر والانفتاح ~~والاستفال وبين الشدة والرخاوة، والعين لها من الصفات ما للميم سواء، ~~والسين لها من الصفات ما للحاء، وتزيد بالصفير، والقاف له من الصفات ~~الجهر والشدة والانفتاح والاستعلاء والقلقلة فالحرف الأول أكثر صفاته ~~الضعف، ويزيد بالإمالة التي قرأ بها كثير من القراء، والثاني والثالث على ~~السواء، وهما إلى القوة أرجح قليلا، وذلك كما تقدم من وسط الحال عند ~~الخروح ms4298 من الشعب، والرابع فيه قوة وضعف وضعفه أكثر، فإن فيه للضعف ثلاث ~~صفات وللقوة صفتين، وذلك كما كان حال النبي صلى الله عليه وسلم عند آخر ~~أمره بمكة المشرفة حين مات الوزيران خديجة رضي الله عنها وأبو طالب لكن ~~ربما كانت الصفتان القويتان عاليتين على الصفات الضعيفة بما فيهما ~~بالانتشار بالصفير والجمع الذي مضت الإشارة إليه من الإشارة إلى ضخامة ~~تكون باجتماع أنصار كما وقع من بيعة الأنصار، والخامس وهو الأخير كله قوة ~~كما وقع بعد الهجرة عند اجتماع الكلمة وظهور العظمة، كما قال صلى الله ~~عليه وسلم: # " فلما هاجرنا انتصفنا من القوم وكانت سجال الحرب بيننا وبينهم " # ثم تكاملت القوة عند تكامل الاجتماع بعد قتال أهل الردة بعد موته صلى ~~الله عليه وسلم لا جرم انتشر أهل هذا الدين في الأرض يمينا وشمالا، فما ~~قام لهم مخالف، ولا وافقتهم أمه من الأمم على ضعف حالهم وقلتهم وقوة ~~غيرهم وكثرتهم إلا دمروا عليهم فجعلوهم كأمس الدار، وقد جمعت هذه الحروف ~~كما مضى وصفي المجهورة والمهموسة كانت المجهورة أغلبها إشارة إلى ظهور ~~هذا الدين على كل دين كما حققه شاهد الوجود، وصنفي المنقطوطة والعاطلة، ~~وكانت كلها عاطلة إلا حرفا واحدا، إشارة إلى أن أحسن أحوال المؤمن أن ~~يكون أغلب أحواله محوا لا يرى له صفة من الصفات بل يعد في زمرة الأموات ~~وإلى أن المتحلي بالأعمال الصالحة الخالصة من أهل القلوب من أرباب هذا ~~الدين قليل جدا، وكان المنقوط آخرها إشارة إلى أن نهاية المراتب عند أهل ~~الحق الجمع بعد المحو والفرق وكان حرف الشفة من بين حروفها الميم، وهي ~~ذات الدائرة المستوية الاستدارة إشارة إلى أن لأهل هذا الدين من الاجتماع ~~فيه والانطباق عليه والإطافة به والإسراع إليه ما ليس لغيرهم, وإلى أن هم ~~من القدم الراسخ في القول المقتطع من الفم المختتم بالشفتين ما لا يبلغه ~~غيرهم بحيث أنه لا نهاية له مع حسن استنارته بتناسب استدارته، ثم إنك إذا ~~بلغت نهاية الجمع في هذه الأحرف بأن جمعت أعداد ms4299 مسمياتها وهو مائتان ~~وثمانية وسبعون وفي السنة الموافقة لهذا العدد كانت ولادتي، فكان ~~الابتداء في هذا الكتاب الديني حينئذ بالقوة القريبة من الفعل, وسنة ~~ابتدائي فيه بالفعل وهي سنة إحدى وستين في شعبان كان سني إذا ذاك قد شارف ~~أربعا وخمسين سنة، وهو موافق لعدد حرفي { دن } أمرا من الدين الذي هو ~~مقصود السورة، فكأنه أمر إذ ذاك بالشروع في الكتاب ليحصل مقصودها، وسنة ~~وصولي إلى هذه السورة وهي سنة إحدى وسبعين في شعبان منها كان سني قد شارف ~~أربعا وستين سنة، وهو عدد موافق لعدد أحرف { دين } الذي هو مقصود ~~السورة، فأنا أرجو بهذا الاتفاق الغريب أن يكون ذلك مشيرا إلى أن الله ~~تعالى يجمع بكتابي هذا الذي خصني بإلهامه وادخر لي المنحة بحله وإبرامه، ~~واعتناقه والتزامه، أهل هذا الدين القيم جمعا عظيما جليلا جسيما، ~~يظهر له أثر بالغ في اجتماعهم وحسن تأسيهم برؤوس نقلته وأتباعه، ومن ~~الآثار الجليلة في لحظها للجمع أنه لما كان مقصود سورة مريم عليها السلام ~~بيان اتصاف الرحمن، المنزل لهذا القرآن، بشمول الرحمة لجميع الأكوان، ~~وكانت هذه السورة لرحمة خاصة من آثار تلك الرحمة العامة، وهي الاجتماع ~~على هذا الدين المراد ظهوره وعلوه على كل دين وقهره لكل أمر، فكان لذلك ~~محيطا قاهرا لحظ كل قاهر وظالم، وكانت هذه الرحمة الخاصة - لنسبتها إلى ~~الخلق - ثانية لتلك العامة ومنشعبة منها، كانت لكونها من أوصاف الخلق ~~بمنزلة اليسار، وتلك لكونها من صفة الحق بمنزلة اليمين، لذلك - والله ~~أعلم - قال الاستاذ أبو الحسن الحرالي في كتاب له في الحرف: ولما كان ذلك ~~- أي هذه الاسم المجتمع من هذه الأحرف المقطعة - أول هذه السورة مما ينسب ~~إلى أمر الشمال كان متى وضع على أصابع اليسار ثم وضعت على هانجة ظلم أو ~~جور استولى عليه بحكم إحاطة حكمة الله، وكانت خمسها مضافة إلى خمس { ~~كهيعص } المستولية على حكمة اليمين محيطا ذلك بالعشر المحيط بكل الحكمة ~~التي مسندها الياء الذي هو أول العشر ومحل الاستواء بما هو عائد وحدة ~~الألف ms4300 - انتهى. # ولما كانت هذه الحروف - والله أعلم - مشيرة إلى الاجتماع كما أشار إليه ~~آخر السورة الماضية، قال الله سبحانه وتعالى: { كذلك } أي مثل هذا ~~الإيحاء العظيم الشأن الذي أخبرك به ربك صريحا أول " فصلت " من أن الإله ~~إله واحد وآخرها من أنه ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك، ومن أنه ~~يجمع أمتك على هذا الدين بما يتبين لهم أن هذا القرآن هو الحق بما يريهم ~~من الآيات البينات والدلالات الواضحات في الآفاق وفي أنفسهم وبشهادته ~~سبحانه باعجاز القرآن لجميع الإنس والجان ولا سيما إذا أقدم ضال على ~~معارضته كمسيلمة فإنه يتبين لهم الأمر بذلك غاية البيان " وبضدها تتبين ~~الأشياء " ورمز لك به سبحانه تلويحا اول هذه السورة بهذه الأحرف المقطعة ~~التي هي أعلى وأغلى من الجواهر المرصعة - إلى مثل ذلك، فهما نوعان من ~~الوحي: صريح وعبارة، وتلويح وإشارة. # ولما كان المقصود الإفهام لأن الإيحاء منه سبحانه عادة مستمرة إلى جميع ~~أنبيائه ورسله والبشارة له صلى الله عليه وسلم بتجديده له، مدة حياته ~~تثبيتا لفؤاده، ودلالة على دوام وداده، عبر بالمضارع الدال على التجدد ~~والاستمرار، وتقدم في أول البقرة نقلا عن أبي حيان ومن قبله الزمخشري ~~وغيره أنه قد لا يلاحظ منه زمن معين، بل يراد مطلق الوجود فقال: { يوحى ~~إليك } أي سابقا ولاحقا ما دمت حيا لا يقطع ذلك عنك أصلا توديعا ولا ~~قلى بما يريد من أمره مما يعلي لك مقدارك، وينشر أنوارك ويعلي منارك. # ولما كان الاهتمام بالوحي لمعرفة أنه حق - كما أشارت إليه قراءة ابن ~~كثير بالبناء للمفعول - والموحي إليه لمعرفة أنه رسول حقا وكان المراد ~~بالمضارع مجرد إيقاع مدلوله لا يفيد الاستقبال صح أن يتعلق به قوله ~~مقدما على الفاعل: { وإلى الذين } والقائم مقام الفاعل في قراءة ابن ~~كثير ضمير يعود على " كذلك ". # ولما كان الرسل بعض من تقدم في بعض أزمنة القبل، ادخل الجار فقال: { من ~~قبلك } أي من الرسل الكرام والأنبياء الأعلام، بأن أمتك أكثر الأمم وأنك ~~أشرف الأنبياء، وأخذ ms4301 على كل منهم العهد باتباعك، وأن يكون من أنصارك ~~وأشياعك. ولما قدم ما هو الأهم من الوحي والموحى إليه، أتى بفاعل { يوحي ~~} في قراءة العامة فقال: { الله } أي الذي له الإحاطة بأوصاف الكمال.. ~~وهو مرفوع عند ابن كثير بفعل مضمر تقديره الذي يوحيه. ولما كان نفوذ ~~الأمر دائرا على العزة والحكمة قال: { العزيز } أي الذي يغلب كل شيء ولا ~~يغلبه شيء { الحكيم * } الذي يضع ما يصنعه في أتقن محاله، فلأجل ذلك لا ~~يقدر على نقض ما أبرمه، ولا نقص ما أحكمه. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما تضمنت سورة غافر ما تقدم من بيان ~~حالي المعاندين والجاحدين، وأعقبت بسورة السجدة بيانا أن حال كفار العرب ~~في ذلك كحال من تقدمه وإيضاحا لأنه الكتاب العزيز وعظيم برهانه، ومع ذلك ~~فلم يجد على من قضى عليه تعالى بالكفر، اتبعت السورتان بما اشتملت عليه ~~سورة الشورى من أن ذلك كله إنما جرى على ما سبق في علمه تعالى بحكم ~~الأزلية { فريق في الجنة وفريق في السعير } { وما أنت عليهم بوكيل } { ~~ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة } { ولولا كلمة الفصل لقضى بينهم } { ~~وهو على جمعهم إذا يشاء قدير } { وما أنتم بمعجزين في الأرض } { ومن ~~يضلل الله فما له من سبيل } { إن عليك إلا البلاغ } { نهدي به من نشاء ~~من عبادنا } فتأمل هذه وما التحم بها مما لم يجر في السورة المتقدمة منه ~~إلا النادر، ومحكم ما استجره، وبناء هذه السورة على ذلك ومدار آيها، يلح ~~لك وجه اتصالها بما قبلها والتحامها بما جاورها. # ولما ختمت سورة السجدة بقوله تعالى { إلا أنهم في مرية من لقاء ربهم } ~~أعقبها سبحانه بتنزيهه وتعاليه عن ريبهم وشكهم، فقال تعالى { تكاد ~~السماوات يتفطرن من فوقهن } كما أعقب بمثله في قوله تعالى { وقالوا اتخذ ~~الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا إدا تكاد السماوات يتفطرن منه ولما تكرر في ~~سورة حم السجدة ذكر تكبر المشركين وبعد انقيادهم في قوله تعالى { فأعرض ~~أكثرهم وقالوا قلوبنا في أكنة } إلى ما ذكر تعالى من ms4302 حالهم المنبئة عن ~~بعد استجابتهم فقال تعالى في سورة الشورى { كبر على المشركين ما تدعوهم ~~إليه } - انتهى. # ولما أخبر سبحانه أنه صاحب الوحي بالشرائع دائما قديما وحديثا، علل ~~ذلك بأنه صاحب الملك العام فقال: { له ما في السماوات } أي من الذوات ~~والمعاني { وما في الأرض } كذلك. ولما كان العلو مستلزما للقدرة قال: { ~~وهو العلي } أي على العرش الذي السماوات فيه علو رتبة وعظمة ومكانة لا ~~مكان وملابسة، فاستلزم ذلك أن تكون له السماوات كلها والأراضي كلها مع ما ~~فيها { العظيم * } أي فلا يتصور شيء في وهم ولا يتخيل في عقل إلا وهو ~~أعظم منه بالقهر والملك، فلذلك يوحي إلى من يشاء بما يشاء من إقرار ~~وتبديل، لا اعتراض لأحد عليه. # ولما كان السياق مفهما عظيم ملكه سبحانه وقدرته بكثرة ما في الأكوان من ~~الأجسام والمعاني التي هي لفظاعتها لا تحتمل، قال مبينا لذلك: { تكاد ~~السماوات } أي على عظم خلقهن ووثاقة إبداعهن، وفلقهن بما أعلم به الواقع، ~~ونبه عليه بتذكير { تكاد } في قراءة نافع والكسائي { يتفطرن } أي يتشققن ~~ويتفرط أجزاؤهن مطلق انفطار في قراءة من قرأ بالنون وخفف وهم هنا أبو ~~عمرو ويعقوب وشعبة عن عاصم، وتفطرا شديدا في قراءة الباقين بالتاء ~~المثناة من فوق مفتوحة وتشديد الطاء، مبتدئا ذلك { من فوقهن } الذي جرت ~~العادة أن يكون أصلب مما تحته، فانفطار غيره من باب الأولى، وابتداء ~~الانفطار من ثم لأن جهة الفوق أجدر بتجلي ما يشق حمله من عظيم العظمة ~~والجلال والكبرياء والعزة التي منها ما يحمل من الملائكة الذين لا تسع ~~عقولهم وصفهم على ما عليه من كل واحد منهم من عظم الخلق في الهيئة والطول ~~والمتانة والكبر إلى غير ذلك مما لا يحيط به علما إلا الذي يراهم بحيث ~~إن أحدهم إذا أشير له إلى الأرض حملها كما قال صلى الله عليه وسلم # " أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع قدم إلا فيه ملك قائم يصلي " # ومن غير ذلك من العظمة والكبرياء والجبروت والعلاء، أو يكون انفطارهن ms4303 من ~~عظيم شناعة الكفر بالذي خلق الأرض في يومين وجعلهم له أندادا كما قال في ~~السورة المناظرة لهذه سورة مريم # تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ~~ولدا # [آية: 90-91] ونقص ما في هذه عن تلك لأنه لم يذكر هنا للولد، وهذا كناية ~~عن التخويف بالعذاب لأن من المعلوم أن العالي إذا انفطر تهيأ للسقوط، ~~فإذا سقط أهلك من تحته فكيف إذا كان من العلو والعظم وثقل الجسم على صفة ~~لا يحيط بها إلا بارئها، فذكر الفوق تصوير لما يترتب على هذا الانفطار من ~~البلايا الكبار، وعلى هذا يحسن أني يعود الضمير على الأراضي التي كفروا ~~بفاطرها. # ولما بين أن سبب كيدودة انفطارهن حلالة العظمة التي منها كثرة الملائكة ~~وشناعة الكفر، بين لها سببا آخر وهو عظيم قولهم، فقال: { والملائكة } أي ~~والحال أنهم، وعدل عن التأنيث مراعاة للفظ إلى التذكير وضمير الجمع، ~~إشارة إلى قوة التسبيح وكثرة المسبحين فقال: { يسبحون } أي يوقعون ~~التنزيه والتقديس لله سبحانه وتعالى ملتبسين { بحمد ربهم } أي بإثبات ~~الكمال للمحسن إليهم تسبيحا يليق بما لهم - بما أشارت إليه الإضافة ~~دائما لا يفترون، فلهم بذلك زجل وأصوات لا تحملها العقول، ولا تثبت لها ~~الجبال، فلا تستبعدن ذلك، فكم من صاعقة سمعتها من السحاب فرجت لها الأرض ~~فتصدعت لها الأبنية المتينة والجبال الصلاب، ولفت القول إلى صفة الإحسان ~~لمدح الملائكة بالإشارة إلى أنهم عرفوا إحسان المحسن وعملوا في الشكر بما ~~اقتضاه إحسانه فصار تعريضا بذم الكفرة بما غطوا من إحسانه، وتذرعوا من ~~كفرانه. # ولما كانوا لما عندهم من العلم بجلال الله سبحانه يستحيون منه سبحانه ~~كما يفعل أهل الأرض ويقولون ما لا يليق بحضرته الشماء وجنابه الأسمى، ~~وكانوا يعلمون مما جادلهم سبحانه عنهم أن له بهم عناية، فكانوا يرون أن ~~الأقرب إلى رضاه الاستغفار لهم، فلذلك عبر عنهم سبحانه بقوله حاذقا ما ~~أوجبه السياق في { غافر } من ذكر الإيمان، إشارة إلى أن أقرب الخلق من ~~العرش كأبعد الناس في الإيمان المشروط بالغيب إبلاغا ms4304 في التنزيه لأنه لا ~~مقتضى له هنا: { ويستغفرون } أي وهم مع التسبيح يطلبون الغفران { لمن في ~~الأرض } لما يرون من شدة تقصيرهم في الوفاء بحق تلك العظمة، التي لا ~~تضاهى، أما للمؤمن فمطلقا، وأما للكافر فبتأخير المعالجة، وكذا لبقية ~~الحيوانات، وذلك لما يهولهم مما يشاهدونه من عظمة ذي الكبرياء وجلالة ذي ~~الجبروت. قال ابن برجان: لم يشأ الله جل ذكره كون شيء إلا قيض ملائكة من ~~عباده يشفعون في كونه، وكذلك في إبقاء ما شاء إبقاءه وإعدام ما شاء ~~إعدامه، وهذه أصول الشفاعة فلا تكن من الممترين، وألطف من ذلك أن تكون ~~كيدودة انفطارهن في حال تسبيح الملائكة واستغفارهم لما يرين من فوقهن من ~~العظمة، ومن تحتهن من ذنوب الثقلين، فلولا ذكرهم لتفطرن وحضر العذاب، ~~فعوجل الخلق بالهلاك، وقامت القيامة، وقضي الأمر، وإذا كانت كيدودة ~~الانفطار مع هذا التنزيه والاستغفار، فما ظنك بما يكون لو عرى الأمر عنه ~~وخلا منه، ولذلك ذكر العموم هنا ولم يخص المؤمنين بالاستغفار كما في { ~~غافر } لما اقتضاه السياق هنا من العموم، ولأن مقصود غافر تصنيف الناس في ~~الآخرة صنفين, وتوفية كل ما يستحقه فناسب ذلك إفراد الذين تلبسوا ~~بالإيمان, ومقصود هذه الجمع على الدين في الدنيا فناسب الدعاء للكل ~~ليجازى كل بما يستحقه من إطلاق المغفرة في الدارين للمؤمن وتقييدها ~~بالتأخير في الدنيا للكافر. # ولما كانت أفعال أهل الأرض وأقوالهم عظيمة المخالفة لما يرضيه سبحانه ~~فهم يستحقون المعاجلة بسببها، أجاب من كأنه قال: هذا يستجاب لهم في ~~المؤمنين، فكيف يستجاب لهم في الكافرين ليجمع الكلام التهييب والتهويل في ~~أوله والبشارة واللطف والتيسير في آخره، فقال لافتا القول عن صفة ~~الإحسان إلى الاسم الأعظم تعريفا بعظيم الأمر حملا على لزوم الحمد ~~وإدامة الشكر: { ألا إن الله } أي الذي له الإحاطة بصفات الكمال، فله ~~جميع العظمة، وأكد لأن ذلك لعظمه لا يكاد يصدق { هو } أي وحده، ورتب ~~وصفيه سبحانه على أعلى وجوه البلاغة فبدأ بما أفهم إجابة الملائكة وأتبعه ~~الإعلام بمزيد الإكرام فقال: { الغفور الرحيم * } أي ms4305 العام الستر ~~والإكرام على الوجه الأبلغ أما لأهل الإيمان فواضح دنيا وآخرة، وأما لأهل ~~الكفران ففي الدنيا فهو يرزقهم ويعافيهم ويملي لهم # ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة # [فاطر: 45] وأما غير الله فلا يغفر لأهل معصيته، ولو أراد ذلك ما تمكن. ### || [42.6-9] # ولما كان التقدير: فالذين تولوه وماتوا في ولايته فهو يغفر ذنوبهم بمعنى ~~أنه يزيلها عينا وأثرا، عطف عليه قوله: { والذين اتخذوا } أي عالجوا ~~فطرهم الأولى وعقولهم حتى أخذوا { من دونه } أي من أدنى رتبة من رتبته { ~~أولياء } يعبدونهم كالأصنام وكل من اتبع هواه في شيء من الأشياء، فقد ~~اتخذ الشيطان الآمر له بذلك وليا من دون الله بمخالفة أمره. # ولما كان ما فعلوه عظيم البشاعة، اشتد التشوف إلى جزائهم عليه فأخبر عنه ~~سبحانه بقوله معبرا بالاسم الأعظم إشارة إلى وضوح ضلالهم وعظم تهديدهم ~~معريا له عن الفاء لئلا يتوهم أن الحفظ مسبب عن الاتخاذ المذكور عادلا ~~إلى التعبير بالجلالة تعظيما لما في الشرك من الظلم وتغليظا لما يستحق ~~فاعله من الزجر: { الله } أي المحيط بصفات الكمال { حفيظ عليهم } أي رقيب ~~وراع وشهيد على اعمالهم، لا يغيب عنه شيء من أحوالهم، فهو إن شاء أبقاهم ~~على كفرهم وجازاهم عليه بما أعده للكافرين، وإن شاء تاب عليهم ومحا ذلك ~~عينا وأثرا، فلم يعاقبهم ولم يعاتبهم، وإن شاء محاه عينا وأبقى الأثر ~~حتى يعاتبهم { وما أنت عليهم بوكيل * } أي حتى يلزمك أن تراعي جميع ~~أحوالهم من أقوالهم وأفعالهم، فتحفظها وتقسرهم على تركها ونحو ذلك مما ~~يتولاه الوكيل مما يقوم فيه مقام الموكل سواء قالوا { لا تسمعوا لهذا ~~القرآن } أو قالوا { قلوبنا في أكنة } أو غير ذلك. # ولما كان الإيحاء السابق أول السورة للبشرى لأنها المقصود بالذات وكانت ~~البشرى مقتضية تلويحا ورمزا بالأحرف المقطعة لاجتماع أهل الدين وغلبتهم ~~على سائر الأديان وأن دينهم يعم سائر الأمم ويحيط بجميع الخلق، ولا يريد ~~أحد بأهله سوءا إلا كان له فيه رفعة كما مضى بيانه، وكانت رمزا لأن ~~المقام ms4306 للانذار بما تشهد به السورة الماضية، وكان المراد بها التكرار حتى ~~لا تزال لذاذتها في أذن المبشر وحلاوتها في قلبه، ذكرها بلفظ المضارع ~~الدال على التجدد والتكرار والحدوث والاستمرار، وكان المتعنت ربما حمله ~~له على الوعد بالإيحاء في المستقبل، وكان العاقل يكفيه في النذرى مرة ~~واحدة فقال معبرا بالماضي الدال على الإمضاء والقطع والقضاء الحتم في كل ~~من الإيحاء وفائدته التي هي الأنذار، عاطفا على ما يتصل بالآية السالفة ~~المختومة بنفي الوكالة مما تقديره: إنما عليك البلاغ بالبشارة والنذارة، ~~وقد أوحينا إليك البشارة رمزا، كما جرت به عادة الأحباب في محاورات ~~الخطاب، ولفت القول إلى مظهر العظمة لأن الإنذار من مجازه: { وكذلك } أي ~~ومثل ذلك الإيحاء الذي قدمنا أنا حبوناك به من وحي الإشارة بالحروف ~~المقطعة { أوحينا } بما لنا من العظمة مع الفرق بين كل ملبس { إليك ~~قرآنا } جامعا لكل حكمة { عربيا } فهو بين الخطاب واضح الصواب معجز ~~الجناب { لتنذر } أي به { أم القرى } مكة التي هي أم الأرض وأصلها، منها ~~دحيت ولشرفها أوقع الفعل عليها، عدا لها عداد العقلاء، ثم بين أن المراد ~~أهلها بقوله: { ومن } أي وتنذر من { حولها } وهم سكان جميع الأرض التي هي ~~امها، وبذلك فسره البغوي فقال: قرى الأرض كلها، وكذا القشيري وقال: ~~العالم محدق بالكعبة ومكة لأنها سرة الأرض. # ولما كان مفعول { تنذر } الثاني على ما هدى إليه السياق ما عذبت به ~~الأمم السالفة والقرون الماضية حين تمادى بهم الكفر وغلب عليهم الظلم في ~~اتخاذهم أولياء من دون الله، عطف عليه: { وتنذر } أي أم القرى ومن حولها ~~مع عذاب الأمم في الدنيا { يوم الجمع } أي لجميع الخلائق ببعثهم من ~~الموت، حذف المفعول الأول من الشق الثاني، والمفعول الثاني من الأول، ~~فالآية من الاحتباك: ذكر المنذرين أولا دلالة على إرادتها ثانيا، وذكر ~~المنذر به وهو يوم الجمع ثانيا دلالة على المنذر به من عذاب الأمم ~~أولا، ليذهب به الوهم في المحذوف كل مذهب، فيكون أهول، وذكر هذا المذكور ~~أفخم وأوجل. # ولما كان الإنذار - وهو الإعلام ms4307 بموضع المخافة - تارة يكون عما لا علم ~~به، وهو الأغلب، وتارة عما وقع العمل به ثم خالف المنذر به علمه فعمل ~~أعمال من لا علم له به، نبه على أنه هذا من القسم الثاني بقوله في جملة ~~حالية: { لا ريب فيه } أي لأنه قد ركز في فطرة كل أحد أن الحاكم إذا ~~استعمل عبيده في شيء ثم تظالموا فلا بد له بما تقتضيه السياسة من جمعهم ~~لينصف بينهم وإلا عد سفيها، فما ظنك بأحكم الحاكمين. # ولما تشوف السامع إلى ما يفعل في جمعهم، وكان الثقلان لما طبعوا عليه من ~~النقصان أهل فرقة وطغيان، ذكر نهايته معبرا بما هو من الفرقة بقوله ~~مسوغا الابتداء بالنكرة للتفصيل أو تقرير الوصف: { فريق } أي من ~~المجموعين أهل فرقة تداركهم الله بأن جعلهم أهل جمع { في الجنة } فصلا ~~منه وهم الذين قبلوا الإنذار وبالغوا في الحذار { وفريق } أي منهم خذلهم ~~الله ووكلهم إلى أنفسهم فزادوا في الفرقة { في السعير * } عدلا منه، قال ~~القشيري: كما أنهم في الدنيا فريقان: فريق في درجات الطاعة وحلاوات ~~العبادات، وفريق في ظلمات الشرك وعقوبات الجحد والشك، فلذلك غداهم ~~فريقان: فريق هم أهل اللقاء، وفريق هم أهل البلاء والشقاء. روى الإمام ~~أحمد عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: خرج علينا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وفي يده كتابان فقال: # " أتدرون ما هذان الكتابان؟ قال: قلنا لا، إلا أن تخبرنا يا رسول الله! ~~قال للذي في يده اليمنى: هذا كتاب من رب العالمين بأسماء أهل الجنة ~~وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أجمل على آخرهم، ولا يزاد فيهم ولا ينقص منهم ~~أبدا، ثم قال للذي في يساره: هذا كتاب أهل النار بأسمائهم وأسماء آبائهم ~~وقبائلهم، ثم أجمل على آخرهم، لا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدا، فقال ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: فلأي شيء نعمل إن كان هذا أمرا قد ~~فرغ منه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سددوا وقاربوا فإن صاحب ~~الجنة يختم له بعمل الجنة ms4308 وإن عمل أي عمل وإن صاحب النار يختم له بعمل ~~النار وإن عمل أي عمل، قال بيده فقبضها، ثم قال: فرغ ربكم عز وجل من ~~العباد، ثم قال باليمنى فنبذ بها فقال: فريق في الجنة، ونبذ باليسرى ~~فقال: فريق في السعير " # قال ابن كثير: وهكذا رواه النسائي والترمذي جميعا، وقال الترمذي: حسن ~~صحيح غريب. # ولما كان ملوك الدنيا غالبا لا يريدون أن يعصى أمرهم، فإذا حذروا من ~~شيء أرادوا أن لا يقرب، فإن فعله أحد كان فعله له خارجا عن مرادهم، ~~فكانت عقوبتهم له لخروجه عن المراد شفاء لما حصل لهم من داء الغيظ، بين ~~أنه سبحانه على غير ذلك، وأنه منزه عن خروج شيء عن مراده، وعن أن يلحقه ~~نفع بطاعة أو ضر بمعصية، وإن عقوبته إنما هي على مخالفة أمره مع الدخول ~~تحت مراده بإلجائه وقسره، وهذا في نفس الأمر، وأما في الظاهر فالأمر أن ~~لا يظهر أنه لشيء منهما مانع إلا صرف الاختيار، فقال صارفا القول عن ~~مظهر العظمة استيفاء لإنذار ما هو حقيق به منها إلى الاسم الجامع صفات ~~العظمة وغيرها لاقتضاء الحال له: { ولو شاء الله } أي المحيط بجميع صفات ~~الكمال { لجعلهم } أي المجموعين { امة واحدة } للعذاب أو الثواب ولكنه لم ~~يشأ ذلك بل شاء أن يكونوا فريقين: مقسطين وظالمين، ليظهر فضله وعدله وأنه ~~إله جبار واحد قهار، لا يبالي بأحد وهو معنى قوله: { ولكن يدخل من يشاء } ~~أي إدخاله { في رحمته } بخلق الهداية في قلبه فتكون أفعالهم في مواضعها ~~وهم المقسطون، ويدخل من يشاء في نقمته بخلق الضلال في قلوبهم فيكونون ~~ظالمين، فلا يكون لهم فعل في حاق موضعه، فالمقسطون ما لهم من عدو ولا ~~نكير { والظالمون } أي العريقون في الظلم الذين شاء ظلمهم فيدخلهم في ~~لعنته { ما لهم من ولي } يلي أمورهم فيجتهد في إصلاحها { ولا نصير * } ~~ينصرهم من الهوان، فالآية من الاحتباك, وهو ظاهر ذكر الرحمة أولا دليلا ~~على اللعنة ثانيا, والظلم وما معه ثانيا دليلا على أضداده أولا، وسره ~~أنه ذكر ms4309 السبب الحقيقي في أهل السعادة ليحملهم على مزيد الشكر، والسبب ~~الظاهري في أهل الشقاوة لينهاهم عن الكفر. # ولما كان التقدير: هل قصر هؤلاء الذين تنذرهم هممهم وعزائمهم وأقوالهم ~~وأفعالهم على الله تعالى اتعاظا وانتذارا بهذا الكلام المعجز، عادل به ~~قوله: { أم اتخذوا } أي عالجوا فطرهم الشاهدة بذلك بشهادة أوقات الاضطرار ~~حتى لفتوها عنه سبحانه فأخذوا { من دونه أولياء } هم عالمون بأنهم لا ~~يغنون عنهم شيئا, ولهذا قال: { فالله } أي فتسبب عما أفهمته صيغة ~~الافتعال من أنهم عالمون بأنه وحده الضار النافع علمهم بأنه { هو } وحده ~~{ الولي } لا غيره، ويجوز أن يكون مسببا عن هذا الاستفهام الإنكاري ~~التوبيخي كأنه قيل: هل قصروا هممهم عليه سبحانه، فسبب أنه وحمده المستحق ~~لما يقصدونه من التولي { وهو } أيضا وحده لا غيره { يحيي الموتى } أي ~~يجدد إحيائهم في أي وقت يشاؤه { وهو } أي وحده { على كل شيء قدير * } أي ~~بالغ القدرة لا يشاركه شيء في ذلك بشهادة كل عاقل، وأكده بالقصر لأن ~~شركهم بالأولياء إنكار لاختصاصه بالولاية. ### || [42.10-13] # ولما كانوا جميعا يقرون بجميع ما وصف به نفسه المقدسة في هذه الآية عند ~~الشدائد، بعضه تصريحا من الوحدانية في الولاية والإحياء في هذه الدار ~~والقدرة على كل شيء، وبعضه لزوما وهو الإحياء بالبعث، تسبب عن ذلك قطعا ~~أن يقال مع صرف القول إلى الخطاب إشارة إلى أنه تعالى قرب إليهم كل خير ~~وقرب إليهم فهم الوحدانية لعقولهم بعد أن فطرهم على لزومها عند الاضطرار، ~~فما اتفقتم فيه من أمره سبحانه فهو الحق، وذلك هو أصل الدين الذي أطبق ~~عليه الخلائق في وقت الاضطرار، لم يتلعثم فيه منهم ضعيف، ولا جبار منيف، ~~عطف عليه قوله: { وما اختلفتم } أي أيها الخلق { فيه من شيء } وذلك هو ~~الفروع مطلقا والأصول في حال الرفاهية { فحكمه إلى الله } أي الذي هو ~~الولي لا غيره وهو القدير لا غيره، فلا يخرج شيء عن أمره، فحصوا عنه ~~تجدوه في كتابه لأن فيه تبيان كل شيء، فإن قصرت أفهامكم عن إخراجه منه ~~فاطلبوه في ms4310 سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فإن عز عليكم ففي إجماع أهل ~~دينه، فإن أعوزكم ذلك ففي القياس على شيء من ذلك. قال القشيري: هذه ~~الأشياء هي قانون الشريعة، وجملتها من كتاب الله، فإن الكتاب هو الذي يدل ~~على صحة هذه الجملة - انتهى. وما اجتهدتم فيه على ما شرع لكم وفصلتموه ~~بما ظهر لكم على حكم بذل الجهد مضى، وما لا فصله بينكم سبحانه في هذا ~~اليوم أن أراد بنصر المحق وخذلان الظالم، وإن أراد أخره إلى يوم الدين، ~~فإن شاء عفا وإن شاء عاقب عليه، فلا حكم لغيره لا في الدنيا ولا في ~~الآخرة. # ولما أنتج هذا أنه لا عظيم غيره، ولا إله إلا هو، ترجم ذلك بقوله ~~مخاطبا للكل: { ذلكم } أي العظيم الرتبة جدا { الله } المحيط بجميع ~~أوصاف الكمال، فلا شريك له في شيء منه بوجه { ربي } الذي لا مربي له غيره ~~في ماض ولا حال ولا استقبال. ولما كان ذلك، أنتج ولا بد قوله: { عليه } ~~أي وحده { توكلت } أي أسلمت جميع أمري { وإليه } أي لا إلى غيره { أنيب * ~~} أي أرجع بالتوبة إذا قصرت في شيء من فروع شرعه وأرجع إلى كتابه إذا ~~نابني أمر من الأمور، فأعرف منه حكمه فافعلوا أنتم كذلك، اجعلوه الحكم ~~تفلحوا، ولا تعدلوا عنه في شيء من الأشياء تهلكوا. # ولما تقرر بهذا الكلام أنه قد ركز في الفطر أنه لا إله غيره لأنه خالق ~~سواه كما يهدي إليه الاضطرار وإن أغفل عنه البطر، وصفه بالدليل على ذلك ~~الذي جبل عليه جميع الفطر: { فاطر السماوات والأرض } أي مبتدئهما بالخلق ~~والإخراج من العدم، وكل ما اتخذتموه وليا من دونه فهو منهما، فهو مما ~~فطره كما يعلم كل أحد منكم ذلك لا يتمارى فيه، فهذا هو السبب في العلم ~~المركوز في الفطر من أنه الواحد الذي لا إله معه كما كان في الأزل ولا ~~شيء معه. # ولما ذكر سبحانه ما شق العدم بإيجاده من غير سبب أصلا، أتبعه ما سببه ~~عن ذلك فأنشأه من العناصر التي ms4311 أبدعتها يد القدرة في الخافقين، فقال ~~معبرا بالفعلية تذكيرا بما يوجب لهم الاعتراف بما اعترف به نبيه صلى ~~الله عليه وسلم من أنه وحده ربه لا شريك له في ذلك، فيوجب التوكل عليه ~~وحده: { جعل لكم } أي بعد أن خلقكم من الأرض { من أنفسكم أزواجا } يكون ~~بالسكون إليها بقاء نوعكم، ولما كانت الأنعام ومنافعها لأجلنا قال: { ومن ~~} أي وجعل لكم من { الأنعام } الي هي أموالكم وجمالكم وبها أعظم قوامكم { ~~أزواجا } أي من أنفسها، يكون بها أيضا بقاء نوعها، وكذا جميع ~~الحيوانات، ومعنى قوله مغلبا العقلاء: { يذرؤكم } أي يخلقكم ويكثركم ~~ولما كان الأزواج في غاية المحبة للزواج بحيث إنه مستول على القلوب، كان ~~كأنه محيط بهم فقال: { فيه } أي في ذلك التزاوج بحيث يجعلكم مولعين به، ~~من قوله ذراه: خلقه وكثره وأولعه بالشيء، فيكون لكم في الأزواج من البشر ~~نطفا وجمالا وولادة، وفي الأنعام غذاء وشرابا واكلا، وغير ذلك مما ~~لكم فيه من المنافع، ولا تزالون في هذا الوجه من الخلق والتزاوج نسلا ~~بعد نسل وجيلا بعد جيل. # ولما تقرر في الأوهام وثبت في كثير من الأذهان أنه لا يكون شيء إلا بسبب ~~التزواج، كان ربما سرى شيء من هذا الوهم في حق الخالق سبحانه فنفاه على ~~أبلغ وجه بقوله: استئنافا في جواب من يسأل عنه: { ليس } وقدم الخبر لأن ~~المراد نفيه فأولاه النافي دلالة على شدة العناية بنفسه فقال: { كمثله } ~~أي مثل نفسه في ذاته ولا في شيء من صفاته: { شيء } يزاوجه أو يناسبه، وكل ~~ما اتخذتموه وليا من دونه، فله ما يزاوجه ويماثله، فالمراد بالمثل هنا ~~النفس وهو أصله وحقيقته في اللغة من قولهم: مثل الرجل يمثل - إذا قام ~~وانتصب، قال الإمام عبد الحق الإشبيلي في كتابه الواعي: والمثل يكون هو ~~الحديث نفسه # مثل الجنة التي وعد المتقون # [الرعد: 35] فمثلها هو الخبر عنها، وقيل: المثل ههنا الصفة # ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم # [البقرة: 214] أي صفتهم، نقل ذلك الهروي ونقل عن أبي عبد الله القزاز ~~قوله: # ضرب مثل ms4312 فاستمعوا له # [الحج: 73] كذلك، لأنه قال: { إن الذين تدعون } الآية فصار الخبر عن ذلك ~~هو المثل، قال: وهو على أصل ما ذكرنا أن مثل الشيء صفته وصورته، وروي عن ~~علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قرأ { مثال } وقرأ { أمثال الجنة التي ~~وعد المتقون } ثم قال: وهذا كله يدل على أن معنى { مثل } صفة صورة، قال ~~أبو عبد الله: مثلت له الشيء تمثيلا: صورته له حتى كأنه ينظر إليه، وفي ~~الحديث: # " مثلت لي الجنة والنار " # انتهى. في القاموس: المثل - بالكسر والتحريك وكأمر: المشبه، والمثل ~~محركة: الحجة والحديث والصفة، والمثيل: المقدار والقصاص وصفة الشيء ~~والفراش، جمعه أمثلة ومثل، والتمثال - بالكسر: الصورة ومثل قائما: قام ~~منتصبا كمثل بلاضم مثولا - انتهى. وفي شمس العلوم: والعرب تقيم المثل ~~مقام النفس فتقول: مثلي لا يقول هذا أي أنا انتهى. فقد بان أن المثل ~~بالإسكان والتحريك واحد، وأنه في الأصل عبارة عن نفس الشيء وصورته، ثم ~~شاع فيما يشابهه، فمعنى مثل أي انتصب تشكل وتصور فكانت له صورة وشكل لأن ~~بالانتصاب تتحقق صورته وتظهر، وكذا مثل بمعنى لصق الأرض وإن كان ظهوره ~~بالقيام أوضح، وكذا مثل إذا زال عن مكانه لأنه حصل الانتصاب أو اللصوق، ~~وزاد الانتقال، ويوضح ذلك قولهم: مثله له - إذا صوره حتى كأنه ينظر إليه، ~~فعلم قطعا أن معنى الآية ما قلته، وأنه لو قيل { ليس كمثله شيء } ، من ~~غير كاف، لربما قال بعض أهل التعنت: هذا معناه أنه ليس شيئا، لأنا قد ~~علمنا أن المثل هو الشيء، وقد كانوا يتعنتون بدون هذا، فأتى بالكاف ~~إزالة لهذا التعنت مع العلم القطعي بأن ظاهر ما نفهمه غير مراد, لأنه ~~يؤدي إلى محالين هما في غاية الضمور يحاشى عن أحدهما فكيف إذا اجتمعا من ~~له أدنى حكمة فكيف بأحكم الحكماء، أحدهما أن له مثلا، والثاني أن مثله ~~لا مثل له مع الحكم بأنه مثله، وذلك تناقض ظاهر يتعالى الله عن إرادة ~~مثله علوا كبيرا - والله الموفق. # ولما كان قد أبطن نفسه سبحانه بهذا التنزيه ms4313 إبطانا عظيما، وكان هذا ~~الإعراق في البطون لا تحتمله العقول، فلا يؤمن عليها النزوع إلى التعطيل، ~~قربه بنوع ظهور بذكر ما نعقله من الأوصاف بعد الأمن من التشبيه لمن يأمل ~~الكلام، وحكم العقل وطرد الوهم، فأتى بأوضح ما نحسه من أوصافنا. وأظهره ~~مع استلزامه لبقية الصفات فقال: { وهو } أي والحال أنه لا غيره { السميع ~~البصير * } أي الكامل في السمع والبصر والعلم من البصر والبصيرة، ومن ~~المقطوع به أن ذلك لا يكون على وجه الخصوص إلا بالوحدانية والحياة ~~والقدرة والإرادة والكلام، فاستوفت هذه الآية ما لوح إليه العاطف فيب ~~قوله " وما اختلفتم " بعد ما صرح به، فالله هو الولي من أصول الدين ~~بالصفات السبع على أتم وجه - والله الموفق، قال الحرالي: السمع إدراك ~~ألطف المثلين وهو الاسم، والصر إدراك أظهر المثلين وهو الصورة، وبالحق ~~سبحانه بدأ كل مثل لطيف فهو السميع بالحقيقة أن لا يسمع ما هو مبدىء ألطف ~~مثيله، أو لا يبصر ما هو مبدىء أظهر مثيله، ولما كان سبحانه وتعالى ~~عليما بأمثال البادئات قبل كونها كان سميعا لها بصيرا لها قبل كونها، ~~وإنما يستجد السمع والبصر من يتبع علمه إدراك حسه، لا من هو دائما سميع ~~بصير بما هو دائما عليم، فهو سبحانه يسمع الأشياء وإن لم تتسم، ويراها ~~وإن لم تتصور، رؤيته لها وسمعه في خلقها وبريها وتصويرها رؤية دائمة وسمع ~~دائم، والخلق لا يرون الشيء قبل تصوره ولا يسمعونه قبل تكلمه - انتهى. # فقد صرحت الآية بتنزيهه عن مساو في شيء ما، فمن ادعى لأحد مساواته في ~~شيء من صفاته علم أو غيره فقد أشرك به في تلك الصفة وهو أشد ملامة من ~~المشرك بالصنم ونحوه من المخلوقات لأن إشراك هذا ظاهر الوهي واضح الخلل ~~بين السفسفة، وإشراك الأول خفي لا يقدر على حله إلا راسخ وإن كان كل ~~منهما يصير إلى الركاكة والهذيان لأنه لا يسوغ في عقل أن يكون أحد شريكا ~~لأحد في شيء إلا وهو مساو له في حقيقة الذات، وصالح في الجملة لأن يقوم ms4314 ~~مقامه في جميع الصفات، فإياك ثم إياك من مزلة ربما استغوى بها الشيطان ~~بعض من يريد الترقي في درجات العرفان، ليخرجه من جميع الأديان. # ولما قرر أمر الوحي بما ثبت به من الإعجاز، وأراهم الآيات في الآفاق، ~~بأن له ما في الوجود، وأنه هو الذي فطره، وكان ربما كان للإنسان شيء ولم ~~يكن كامل التصرف فيه بأن يكون مفاتيح خزائنه مع غيره من شريك أو غيره، ~~وكان ربما اخترع الإنسان بناء وكان لغيره، أخبر إكمالا لتنزيه الآية ~~السالفة وشرحا له أنه تعالى ليس كمثله شيء كغيره في هذا أيضا بل كما ~~كان أن له ما في الخافقين وهو مخترعهما فله مفاتيح خزائنهما، فقال: { له ~~} أي وحده { مقاليد السماوات والأرض } أي خزائنهما ومفاتيح خزائنهما من ~~الأمطار والأنبات وغيرهما وقد ثبت أنه ابتدعهما، وأن له جميع ما فيهما ~~مما اتخذ من دونه وليا وغيره، قال القشيري: والمفاتيح الخزائن وخزائنه ~~مقدوراته - انتهى. ولما كان قد حصر الأمر فيه دل عليه بقوله: { يبسط ~~الرزق } أي الذي فيهما ولا مانع منه إلا قدرته { لمن يشاء } أي أن يبسطه ~~له { ويقدر } أي يضيق ويقبض على من يشاء كما وسع على فارس والروم وضيق ~~على العرب وفاوت في الأفراد، بين أفراد من وسع عليهم ومن ضيق عليهم، فدل ~~ذلك قطعا على أنه لا شريك له وأنه هو المتصرف وحده فقطع بذلك أفكار ~~الموفقين من عباده من غيره ليقبلوا عليه ويتفرغوا له، فإن عبادته هي ~~المقاليد بالحقيقة # استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا ويمددكم بأموال # [الآية 12: نوح] # ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار # [الطلاق: 11] # ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض # [الأعراف: 96] { ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم ~~ولأدخلناهم جنات النعيم } # ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل # [الآية 66: المائدة]. # ولما كان كأنه قيل: لم فعل ذلك؟ علله بقوله مؤكدا لأن أعمال غالب الناس ~~في المعاصي عمل من يظن أنه سبحانه يخفى عليه عمله: ms4315 { إنه بكل شيء عليم * ~~} فلا فعل له إلا وهو جار على أتقن ما يكون من قوانين الحكمة، فلو أنه ~~وسع العرب وقواهم ثم أباحهم ملك أهل فارس والروم لقبل بقوتهم ومكنتهم، ~~وله في كل شيء دق أو جل من الحكم ما يعجز عن إدراك لطائفة أفاضل الأمم. # ولما ثبت أن له كل شيء وأنه لا متصرف في الوجود سواه، أنتج ذلك أنه لا ~~ناهج لطرق الأديان التي هي أعظم الرزق وأعظم قاسمة للرزق غيره، فأعلمهم ~~أنه لم يشرع دينا قديما وحديثا غير ما اتفقوا عليه وقت الشدائد. فقال ~~دالا على ما ختم به الآية التي قبلها من شمول علمه ومرغبا في لزوم ما ~~هدى إليه ودل عليه: { شرع } أي طرق وسن طريقا ظاهرا بينا واضحا { لكم ~~} أيتها الأمة الخاتمة من الطرق الظاهرة المستقيمة { من الدين } وهو ما ~~يعمل فيجازي عليه. ولما كان السياق للدين، وكانوا هم المقصودين في هذا ~~السياق بالأمر به، لأن الشارع لهم قد أنتجه، وكانوا لتقليدهم الآباء يرون ~~أن ما كان منه أقدم كان أعظم وأحكم، ذكر لهم أول الآباء المرسلين إلى ~~المخالفين فقال: { ما } أي الذي { وصى به } توصية عظيمة بعد إعلامه بانه ~~شرعه { نوحا } في الزمان الأقدم كما ختم به على لسان الخاتم، وأرسل به ~~من توسط بينهما من الأنبياء المشاهير لأنه لا يرضيه سواه، فإن كنتم إنما ~~تأنفون من الدخول في هذا الدين لحدوثه فإنه أقدم الأديان وكل ما سواه ~~حادث مع أنه ما بعث نبيا من أنبيائكم ولا من غيرهم إلا به ومع أنه توفرت ~~على الشهادة به الفطر الأولى دائما والفطر اللاحقة حتى من القلوب ~~العاتية في أوقات الشدائد أبدا فأدخلوا فيه على بصيرة. # ولما كان الإعجاز خاصا بنا، أبرزه في مظهر العظمة معبرا بالوحي، ~~وبالأصل في الموصلات، ودالا على زيادة عظمته بتقديمه على من كانوا قبله ~~مع ترتيبهم عند ذكرهم على ترتيبهم في الوجود فقال: { والذي أوحينا إليك } ~~وأفرد الضمير زيادة في عظمته دلالة على أنه لا يفهمه حق فهمه غيره ms4316 صلى ~~الله عليه وسلم، ودل على عظمه ما كان لإبراهيم وبنيه بما ظهر من آثاره ~~بمظهر العظمة، وعلى نقصه عما إلى نبينا صلى الله عليه وسلم بالتعبير ~~بالوصية فقال: { وما وصينا } أي على ما لنا من العظمة الباهرة التي ظهرت ~~بها تلك المعجزات { به إبراهيم } الذي نجيناه من كيد نمرود بالنار وغيرها ~~ووهبنا له على الكبر إسماعيل وإسحاق، وهو أعظم آباء العرب وهم يدعون أكبر ~~بالآباء فليكونوا على ما وصيناه به { وموسى } الذي أنزلنا عليه التوراة ~~موعظة وتفصيلا لكل شيء { وعيسى } الذي أنزلنا عليه الإنجيل فيه هدى ونور ~~وموعظة، ودخرناه في سمائنا شريعة الخاتم الفاتح. # ولما اشتد تشوف السامع إلى الموحى الموصى به، أبرزه في أسلوب الأمر فقال ~~مبدلا من معمول " شرع " أو مستأنفا: { أن أقيموا } أي أيها المشروع لهم ~~من هذه الأمة الخاتمة ومن الأمم الماضية { الدين } أي الذي اتفق عليه ~~الخلائق بالرجوع إلى ما فطروا عليه وقت الاضطرار وهو التوحيد والوصف ~~بجميع صفات الكمال على الإطلاق وغير ذلك من كل ما أرسل به رسله هذا على ~~تقدير أن تكون { أن } مصدرية، ويجوز أن تكون مفسرة لتقدم ما هو بمعنى ~~القول. # ولما عظمه الأمر بالاجتماع، أتبعه التعظيم بالنهي عن الافتراق فقال: { ~~ولا تتفرقوا } أي تفرقا عظيما بما أشار إليه إثبات التاء، وكأن ذلك ~~إشارة إلى التحذير من التفرق في الأصل وإذن في الاجتهاد على قدر القوة في ~~الفرع { فيه } أي الدين في أوقات الرخاء عند التقلب في لذيذ ما أنعم به ~~الشارع له الآمر به المرغب في اتباعه المرهب من اجتنابه، واجتمعوا على ما ~~أرسله الذي أثبتم له جميع صفات الكمال عند الشدائد من غير خلاف أصلا في ~~شيء من الأشياء، فإن التفرق سبب الهلاك، والاجتماع سبب النجاة، فكونوا ~~يدا واحدة يا أهل الكتاب قال تعالى { يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة ~~سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا ~~بعضا أربابا من دون الله }. # ولما نهى عن التفرق، حث على لزوم الاجتماع ms4317 اللازم به بتعليل النهي ~~بقوله: { كبر على المشركين } أي جل وعظم وشق حتى ضاقت به صدورهم، وهو { ~~ما تدعوهم إليه } أيها النبي الفاتح الخاتم من الاجتماع أبدا على ما ~~اجتمعوا عليه وقت الاضطرار من وحدانية الواحد القهار، فلأجل كبره عليهم ~~هم يسعون في تفرقكم عنه فإن تفرقتم عنه كنتم قد تابعتم العدو الحسود ~~وخالفتم الولي الودود. ولما كان الإخبار بكره عليهم ربنا أوهم اتباع ~~أتباعهم له، أزال ذلك الوهم بقوله جوابا لمن كأنه قال: كيف السبيل مع ~~ذلك إلى دخول أحد في هذا الدين، عادلا عن مظهر العظمة إلى أعظم منه ~~تعظيما للقدرة على جميع القلوب: { الله } أي الذي له مجامع العظمة ونفوذ ~~الأمر { يجتبي } أي يختار بغاية العناية ويصرف { إليه } أي إلى هذا الدين ~~الذي تدعوهم إليه { من يشاء } اجتباءه. # ولما ذكر سبحانه بهذا المراد بغير تكسب منه، أتبعه المزيد المعنى ~~بالسلوك فقال: { ويهدي إليه } بالتوفيق للطاعة { من ينيب * } أي فيه ~~أهلية لأن يجدد الرجوع إلى مراتب طاعاته كل حين بباطنه بعد الرجوع بظاهر ~~إلى ما كتبه له من الدرجات كأنه كان الوصول إليها قد نزل عنها وهو بترقيه ~~في المنازلات بأحوال الطاعات يرجع إليها. ### || [42.14-16] # ولما كان المراد بالمشركين مع عباد الأوثان أهل الكتاب الذين اتخذوا ~~أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله لقبولهم منهم التحليل والتحريم، ~~وكان ذلك مفهما لأنهم فارقوا أهل الطاعة، وكان ذلك موهما لأنهم ما ~~فارقوهم إلا عن جهل، قال عاطفا على ما تقديره: فأتى الرسل إلى الناس ~~فأقاموا لهم الدين وبينوا لهم غاية التبيين فاجتبى الله بعضهم وأضل بعضهم ~~فافترقوا: { وما تفرقوا } أي المشركين من قبلكم من أهل الكتاب وغيرهم في ~~أديانهم { إلا } وأدخل الجار لعدم استغراق الزمان فقال: { من بعد ما ~~جاءهم } أي على ألسنة أنبيائهم الذين لم يدعوا لبسا { العلم } أي بما لا ~~يسوغ معه التفرق ومنه أن الفرقة ضلالة، وأشار الجار أيضا إلى أن التفرق ~~كان مع العلم لم يكن طال الزمان فتطرق إلى علمهم نسيان كل ذلك بيانا ~~لعظيم قدرة ms4318 الله تعالى في تصرفه في القلوب، فإياكم أن يكون حالكم كحالهم ~~فليشتد خوفكم لربكم ورجاءكم له. # ولما كان ترك طريق العلم عجبا ومستبعدا، قال مبينا أن الذي حملهم على ~~ذلك حظوظ الأنفس التي لا نجاة منها إلا بعصمة الله تعالى: { بغيا } أي ~~حال كون تفرقهم عداوة ولا شبهة فيها هي بينة الظلم لأجل حظوظ الأنفس ~~واتباع الأهواء التي يجب على العبد البعد عنها بأن لا تكون له إرادة ~~أصلا بل تكون إرادته تابعة لأمر مولاه. # ولما كان مطلق البغي منافيا لمكارم الأخلاق، فكان ارتكابه عجبا، زاد ~~في التعجب منه ببيان أن البغي لم يعد جماعتهم إلى غيرها، بل كان خاصا ~~بها، فقال: { بينهم }. # ولما كان ذلك يقتضي المعالجة، قال عاطفا على ما تقديره: فلولا قدرة ~~الله ولطفه لما اجتمعوا بعد الفرقة أبدا: { ولولا كلمة } أي لا تبديل ~~لها { سبقت } أي في الأزل بتأخيرهم إلى آجالهم. ولما كان إمهالهم والرفق ~~بهم رحمة لهم، بين أن ذلك إنما هو لأجل خير الخلق ليكونوا أتباعا له ~~فيزدادوا لذلك شرفا، وأفرده بالذكر تنبيها على ذلك فقال مؤنسا له صلى ~~الله عليه وسلم بلفت الكلام إلى صفة الإحسان إرضاء له بما يرجوه في امته، ~~وزاد ذلك بالإضافة إلى ضميره فأفهم أن إحسانه إليهم إحسان يليق بمقامه، ~~ويلتئم بمراده الشريف ومرامه: { من ربك } أي المحسن إليك بجعلك خير ~~الخلائق وإمامهم، سبقت الكلمة بإمهالهم { إلى أجل مسمى } ضربه لآجالهم ثم ~~لجمعهم في الآخرة { لقضي } على أيسر وجه وأسهله { بينهم } حين الافتراق ~~بإهلاك الظالم وإنجاء المحق. # ولما أخبر عن حال المتقدمين، وكان من في زمانه صلى الله عليه وسلم من ~~أهل الكتاب يدعون غاية العلم بها والاجتماع عليها، وهي كلها داعية إلى ~~المبادرة إلى إرث هذا الكتاب الخاتم الجامع، وكان بعضهم يتلبس بالتنسك ~~والإعراض عن الدنيا وغير ذلك مما يقتضي أنه على بصيرة من أمره، وإنكار أن ~~يكون عنده نوع شك، قال على وجه يعم غيرهم، مؤكدا تنبيها على ذلك: { وإن ~~الذين } ولما كان المراد الوصول إلى الكتاب ms4319 من غير منازع، ولم تدع حاجة ~~إلى العلم بالموصل، بني للمفعول قوله: { أورثوا الكتاب } أي الكامل ~~الخاتم، وهم هذه الأمة بما نسخ كتابهم ما تقدمه كان غيرهم كأنه مات، ~~فورثوا كما قال تعالى # ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا # [فاطر: 32] فكان حالهم في تمكنهم من التصرف في الكتاب بالحفظ والفهم ~~وعدم المنازع في ادعائه حال الوارث والموروث منه فقال: { من بعدهم } أي ~~المتفرقين، وأثبت الجار لعدم استغراق الزمان { لفي شك منه } أي إيراث ~~للكتاب المقتضي للاجتماع لا للتفرق لما فيه من الخير، وذلك لعملهم عمل ~~الشاك فيقولون: إنه سحر وشعر وكهانة، ونحو ذلك، وأن الآتي به غير صادق ~~بعد اطلاعهم على ما اتى به من المعجزات وبعد معرفتهم به، أما العرب ومن ~~ساكنهم من أهل الكتاب فبإعجازه مع ما في أهل الكتاب من البشارة به، وأما ~~غير من ساكنهم فبدعوة كتابهم { مريب * } أي موقع في التهمة الموقعة في ~~الحاجة الموقعة في صروف الدهر وهي شدائده وآفاته ونوائبه, هذا على أن ~~المراد كتابنا، ويجوز أن يكون الضمير لأهل الكتاب خاصة والكتاب كتابهم، ~~وشكهم فيه عملهم بغير ما دعاهم إليه من اتباع كتابنا باتباع نبينا صلى ~~الله عليه وسلم. # ولما ثبت بهذا زيغهم عن أوامر الكتاب الآتي من الله، سبب عنه أمره صلى ~~الله عليه وسلم بإبلاغ الناس ما ينفعهم عن رسالة ربه الذي أنزل تلك الكتب ~~في آية واحد مفصلة بعشر كلمات في كل كلمة منها حكم برأسه، قالوا: ولا ~~نظير لها إلا آية الكرسي فإنها عشرة أصول كل أصل منها مستقل برأسه فقال ~~مسببا عن حالهم الاجتهاد في إزالتها والعمل بضدها: { فلذلك } أي لهذا ~~الوحي العلي الرتبة الذي وصينا بمقاصده جميع الرسل أصحاب الشرائع الكبار ~~من أولي العزم وغيرهم، أو لذلك التصرف المباعد للصواب والشك في أمر ~~الكتاب. # ولما كان سياق الدعوة للخلق إلى ما أوحى إليه فأنزل عليه، قدم قوله: { ~~فادع } إلى من أرسلك الله به من الاتفاق على ما أمر به الإله من الاجتماع ~~على الملة الحنيفية. ms4320 ولما كان الداعي لغيره لا ينفع دعاءه لذلك الغير ما ~~لم ينفع نفسه، قال: { واستقم } أي اطلب القوم من ربك على مشاق الدعوة ~~ليعينك عليه وأوجده على ما يدعو إليه كتابه مما تدعو إليه ويجب عليه { ~~كما أمرت } ممن لا أمر لغيره في تفاصيل الدعاء من اللين والغلظة والتوسط ~~وغير ذلك من تحديث الناس بما تحتمل عقولهم وتربيتهم على حسب ما ينفعهم. # ولما كان كل ما خالف كتابنا هوى، وكل ما خالف كتابنا فهو على مجرد ~~الهوى، قال: { ولا تتبع } أي تعمدا { أهواءهم } في شيء ما، فإن الهوى لا ~~يدعو إلى خير، والمقصود من كل أحد أن يفعل ما أمر به لأجل أنه أمر به لا ~~لأجل أنه يهواه. # ولما كانوا قد تفرقوا في الكتاب وشكوا فآمنوا ببعض وكفروا ببعض، أمره ~~بما يخالف حالهم فقال: { وقل } أي لجميع أهل الفرق، وكل من يمكن له القول ~~فإنك أرسلت إلى جميع الخلق: { آمنت بما } أي بكل شيء. ولما كان أكمل ~~الناس إيمانا أكثرهم استحضارا لأوصاف الكمال من الجلال والجمال، صرف ~~القول إلى الاسم الأعظم إشارة إلى سلوك أعلى المسالك في ذلك فقال: { أنزل ~~الله } أي الذي له العظمة الكاملة { من كتاب } لا أفرق بين شيء من كتبه ~~ولا أحد من رسله، بل كل كتاب ثبت أنه نزل على رسول ثبت رسالته بالمعجزة ~~فأنا به مؤمن وإليه داع كما اقتضاه كمال القوة النظرية، قال أبو علي ~~القالي في ذيل الأمالي: حدثنا أبو بكر - هو ابن الأنباري - حدثنا أبو ~~جعفر محمد بن عثمان حدثنا صحاب بن الحارث أنا بشر بن عمارة عن محمد بن ~~سوقة قال: أتى عليا رضي الله عنه رجل فقال: يا أمير المؤمنين ما الإيمان ~~أو كيف الإيمان؟ قال: الإيمان على أربع دعائم: على الصبر واليقين والعدل ~~والجهاد، والصبر على أربع شعب: على الشوق والشفق والزهادة والترقب، فمن ~~اشتاق إلى الجنة سلى عن الشهوات، ومن أشفق من النار رجع عن الحرمات، ومن ~~زهد في الدنيا تهاون بالمصيبات، ومن ارتقب الموت سارع ms4321 إلى الخيرات، ~~واليقين على أربع شعاب: تبصرة الفطنة وتاويل الحكمة وموعظة العبرة وسنة ~~الأولين، فمن تبصر الفطنة تأول الحكمة، ومن تأول الحكمة عرف بالعبرة، ومن ~~عرف العبرة عرف السنة، ومن عرف السنة فكأنما كان في الأولين، والعدل على ~~أربع شعب: على غائص الفهم وزهرة الحلم وروضة العلم وشرائع الحكم، فمن فهم ~~جمع العلم، ومن حلم لم يضل في الحكم، ومن علم عرف شرائع الحكم، ومن حلم ~~لم يفرط أمره، وعاش في الناس. والجهاد على أربع شعب: على الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر والصدق في المواطن وشنآن الفاسقين، فمن أمر بالمعروف شد ~~ظهر المؤمنين، ومن نهى عن المنكر أرغم آناف الفاسقين، ومن صدق في المواطن ~~فقد قضى الذي عليه، ومن شنئ المنافقين غضب لله وغضب الله له فأزلفه وأعلى ~~مقامه، قال: فقام الرجل فقبل رأسه. # ولما أخبر بالعدل في القوة النظرية، أتبعه ذلك في القوة العملية فقال: { ~~وأمرت } أي ممن له الأمر كله بما أمرني به مما أنزل علي { لأعدل } أي ~~لأجل أن أعدل { بينكم } أيها المفرقون في الأديان من العرب والعجم من ~~الجن والإنس كما دعى إليه كمال القوة العملية، ثم علل ذلك بقوله: { الله ~~} أي الذي له الملك كله { ربنا وربكم } أي موجدنا ومتولي جميع أمورنا، ~~فلهذا أمرنا بالعدل على سبيل العموم لأن الكل عباده. # ولما كان الرب واحدا، انتج عنه قوله: { لنا أعمالنا } خاصة بنا لا ~~تعدونا إلى غيرنا { ولكم أعمالكم } خاصة بكم لا تعدوكم إلى غيركم، لأنه ~~لا داعي لأن نأخذ عمل بعضنا فنعطيه لغيره، لأن ذلك لا يفعله إلا ذو غرض، ~~وهو سبحانه محيط بصفات الكمال، فهو منزه عن الأغراض، ولما وصل بتمام هذه ~~الجملة في إزالة الريب وإثبات الحق إلى ما هو كالشمس لثبوت الرسالة ~~بالمعجزات وإعجاز هذا الكتاب وتصادقه مع ما عند أهل الكتاب، وبيان هاتين ~~المقدمتين اللتين لا نزاع بين أحد من الخلق فيهما كانت نتيجة ذلك: { لا ~~حجة } أي موجودة بمحاجة أحد منا لصاحبه { بيننا وبينكم } لأن الأمر وصل ~~إلى الانكشاف التام ms4322 فلا فائدة بعده للمحاجة فما بقي إلا المجادلة ~~بالسيوف، وإدارة كؤوس الحتوف، لأنا نعلم بإعلام الله لنا في كتابه الذي ~~دلنا إعجازه للخلائق على أنه كلامه، فنحن نسمعه لذلك منه أنا على محض ~~الحق وأنكم على محض الباطل، وقد أعذرنا إليكم وأوصلنا ببراهينه إلى ~~المشاهدة فلم يبق إلا السيف عملا بفضيلة الشجاعة. # ولما كان هذا موضع أن يقال: أفما تخافون الله فيمن تقاتلونه وهو عباده، ~~أجاب بقوله مظهرا غير مضمر تعظيما للأمر: { الله } أي الذي هو أحكم ~~الحاكمين { يجمع بيننا } أي نحن وأنتم على دين واحد أراد فلا يكون قتال، ~~وفي الآخرة على كل حال { فهو يحكم بيننا } # وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون # [الشعراء: 227] فما أقدمنا على القتال إلا عن بصيرة. # ولما كان الجامع بين ناس قد يكون مآلهم إلى غيره، بين أن الأمر فيه على ~~غير ذلك، فقال عاطفا على ما تقديره: فمنه كان المبدأ: { وإليه } أي لا ~~إلى غيره من حيث هذا الاسم الجامع لجميع الصفات { المصير * } حسا ومعنى ~~لتمام عزته وشمول عظمته وكمال رحمته، وما كان فيما بين المبدأ والمعاد من ~~الأمور التي كانت بحيث يظن أنها خارجة - لتصرف الغير فيها - إنما كانت ~~ابتلاء منه يقيم بها الحجة على العباد على ما يتعارفونه بينهم، وما كان ~~المتصرف فيها غيره فتصرفهم إنما كان أمرا طارئا يصحح عليهم الحجة ~~ويلزمهم الحجة. # ولما كان التقدير: فالذين رجعوا إليه طوعا في هذه الدار بعد هذا البيان ~~والإظهار، وتركوا الجدال حجتهم ثابتة ولهم الرضا والنعيم المقيم، عطف ~~عليه قوله مبتدئا بالموصول ليصله بما يفهم التجدد والاستمرار: { والذين ~~يحاجون } أي يوردون تشكيكا على دينه الحق من الشبه ما يسمونه حججا، ~~ولعل الإدغام يشير إلى أن أهل هذا الضرب منافقون يلقون شبههم في خفاء ~~فتشربها قلوب أمثالهم فتصير أهوية فيضعف أمرها ويؤيده تقييد الدحوض بما ~~عند الرب { في الله } أي في دين الملك الأعظم ليعيدوا الناس بعدما دخلوا ~~في نور الهدى إلى ظلام الضلال. # ولما كانت إقامة الحجة وإظهار المعجزة أمرا ملزما لجميع ms4323 من بلغه ~~الاستجابة لوصول الأمر إلى حد من البيان سقط معه الجدال، قال معلما إن ~~ما كان في قوة الوجود يصح أن يطلق عليه أنه موجود، ومنبها بالجار على ذم ~~هذا الجدال ولو قل زمنه: { من بعدما } ولما كان المقصود مطلق الاستجابة ~~لا من مجيب معين قال: { استجيب له } أي استجاب له الرسول صلى الله عليه ~~وسلم، وصار الناس كلهم بما يبين لهم مستجيبين بالقوة وإن لم يستجيبوا ~~بالفعل، فإن الأمر قد ظهر غاية الظهور، ولم يبق إلا العناد، فهذه الجملة ~~هي المراد والثمرة من قوله { لا حجة بيننا وبينكم }. # ولما كان من خالف ظاهره باطنه ضعيف الحجة هلهل النسج، قال معبرا بمبتدأ ~~ثان مفردا للحجة إشارة إلى ضعفها: { حجتهم } أي التي زعموها حجة، وأخبر ~~عن هذا المبتدأ الثاني ليكون هو وخبره خبرا عن الأول فقال: { داحضة } أي ~~زالقة فهي ذاهبة غير ثابتة لأجل أنها في معارضة ما ظهوره كالشمس بل أجلى، ~~والعبارة لفت إلى صفة الإحسان والعندية إشارة إلى شدة ظهور ما في حجتهم ~~من الدحوض لأن { عند } للأمور الظاهرة المألوفة، وصفة التربية للعطف ~~والرفق، والإضافة إلى ضميرهم تقتضي مزيد لطف وعطف، فهو إشارة إلى أنها ~~هباء منثور عند تدقيق النظر ولا سيما إذا كان بصفة عزة وقهر وغضب، ~~فالمعنى أن دحوضها ظاهرا جدا ولو عوملوا بصفة الإحسان ولو خصوا بمزيد ~~عطف وبر، فأين هذا مما لو قيل " لدى عليم قدير " فإنه يفهم أن دحوضها لا ~~يدركه إلا بليغ العلم تام القدرة، وهو مع ذلك غريب فيصير فيه نوع مدح ~~لحجتهم في الجملة: { عند ربهم } أي المحسن إليهم بإفاضة العقل الذي جعلهم ~~به في أحسن تقويم، فمهما جردوه عن الهوى، دلهم على أن جميع ما كانوا فيه ~~باطل، وفيه إشارة إلى أن أدنى ما يعذبهم به قطع إحسانه عنهم، وأنه يظهر ~~بطلان ما سموه حجة لكل عاقل فيورثهم الخزي في الدنيا والعذاب في الأخرى ~~على أن قطع إحسانه هو عند التأمل أعلى العذاب { وعليهم } زيادة على قطع ~~الإحسان { غضب ms4324 } أي عقوبة تليق بحالهم المذموم ووصفهم المذؤوم ومنه ~~الطرد، فهم مطرودون عن بابه، مبعودون عن جنابه، مهانون بحجابه. ولما أفهم ~~التعبير ب " على " ذمهم باستعلاء النقم عليهم لم يشكل التعبير باللام، ~~بل كان مفهما التهكم والملام فقال: { ولهم } أي مع ذلك { عذاب شديد * } ~~لا تصلون إلى إدراك حقيقة وصفه، والآية مشيرة إلى الانتصار على أهل الردة ~~وضربهم بكل شدة لسوء منزلتهم عنده كما كشف عنه الحال عند ندب الصديق ~~إليهم بالقتال رضي الله عنه وأرضاه. ### || [42.17-20] # ولما جزم سبحانه بما توعدهم بعد بعد أن حكم على حجتهم بالدحوض، وكان لا ~~يجزم بالشيء إلا من كان نافذ الأمر محيط الحكم، نبه على أنه كذلك، مبينا ~~ما به يعرف ثبات الحجج ودحوضها المستلزم للغضب من الله المستعقب للعذاب، ~~بقوله لافتا القول إلى الاسم الأعظم تنبيها على عظمة المخبر عنه: { ~~الله } أي الذي له جميع الملك { الذي } وأشار بالتعبير بالإنزال إلى أن ~~المراد جملة الكتاب الذي لا مطعن في شيء منه فقال: { أنزل الكتاب } أي ~~أوجد إنزاله هو لا غيره { بالحق } أي متلبسا على أكمل الوجوه بالأمر ~~الثابت الذي لا يبدل وبسبب العمل الحق العام للأقوال والأفعال والعقائد ~~لتعرف الحجج الثابتة من غيرها. # ولما كان الكتاب آمرا بالعدل قالا وحالا، وكان من محسوسات أوامره ~~التقدير بالمقادير الضابطة، قال مخصصا معبرا بأقومها إشارة إلى أن ~~الكتاب أعدل عدالة عند العقل وأبين من الميزان للحس: { والميزان } أي ~~الأمر به مريدا به عينه حقيقة وجميعها بل جميع العدل الذي تقدم في " لا ~~عدل بينكم " مجازا. ولما ثبت أن من جادل فيه كانت حجته داحضة إذا حوسب ~~في الساعة فكان معذبا، وكان التقدير بما هدى إليه السياق تسلية له صلى ~~الله عليه وسلم فيما يقاسي في إنفاذ ما أمر به من العدل في جميع أقواله ~~وأفعاله وصبره على أذاهم: فمن فزع إلى الكتاب في المعاني وإلى الميزان في ~~الأعيان فبنى أمره على تحقق العدل فيهما بهما فاز، ومن أهمل ذلك خاب, ~~فدحضت حجته, وسقطت عند ربع منزلته, ms4325 وما يدريك لعل من جار يعاجل في الدنيا ~~بالأخذ لكون أجله الذي سبقت الكلمة بتأخيره إليه قد حضر، عطف عليه قوله ~~موجها الخطاب إلى أعلى الخلق تعظيما للأمر: { وما يدريك } يا أكمل ~~الخلق { لعل الساعة } التي أشير إليها في هذه الآية بقوله { عند ربهم } ~~بعد أن صرح بها في غير آية. ولما كان تأنيث الساعة غير حقيقي لأنها بمعنى ~~الوقت، ذكرها فقال: { قريب * } فأفهم ذلك أنها ذات الشدائد وأن شدائدها ~~ذكور الشدائد وأن قربها أسرع من لمع البرق لما له من الثبات في الحق، أو ~~ذكرها على إرادة السبب أي ذات قرب، أو على حذف مضافة أي مجيئها، وعلى كل ~~حال فهو دال على تفخيمها أي إنك بمظنة من قرب القيامة، فيقع بهم ما ~~توعدوا به مما ينبغي الإشفاق منه، فيظهر فيها العدل بموازين القسط لجميع ~~الأعمال ظهورا لا يتمارى فيه أحد فيشرف من وفى، ويخزي من جار وجفا. # ولما تصور بهذا قربها مشارا بالتعبير بلعل إلى أن حال المستعجل بها حال ~~المترجي لشيء محبوب وهو جهل منه عظيم، شرع في تفصيل الناس في أمرها فقال ~~مشيرا إلى أنه ينبغي للعاقل الاستعداد لها للخلاص في وقتها لظهور ~~دلائلها من غير بحث عن قربها أو بعدها، فإنه لا بد من كونها { يستعجل بها ~~} أي يطلب أن تكون قبل الوقت المضروب لها { الذين لا يؤمنون بها } أي لا ~~يتجدد لهم ذلك أصلا وهم غير مشفقين منها ويظنون أنها الباطل، وكان الحال ~~يقتضي أن يكونوا أنفر الناس منها لكن حملهم على ذلك تكذيبهم بها ~~واستهزاؤهم وظنهم عدم كونها جهلا ممن هم معترفون بقدرته وعلوه وعظمته. # ولما دل على جهل الكافرين، دل على أضدادهم فقال: { والذين آمنوا } وإن ~~كانوا في أول درجات الإيمان { مشفقون } أي خائفون خوفا عظيما { منها } ~~لأن الله هداهم بإيمانهم، فصارت صدورهم معادن المعارف، وقلوبهم منابع ~~الأنوار، فأيقنوا بما فيها من الأهوال الكبار، فخافوا للطافتهم أن يكونوا ~~مع صلاحهم من أهل النار. ولما قدم الإشفاق تنبيها على أن العاقل ينبغي ~~أن ms4326 يخشى ما يمكن وقوعه، قال: { ويعلمون أنها الحق } إعلاما بأنهم على ~~بصيرة من أمرها، فهم لا يستعجلون بها، فالآية من الاحتباك: ذكر الاستعجال ~~أولا دليلا على حذف ضده ثانيا، والإشفاق ثانيا دليلا عل حذف ضده ~~أولا. قال ابن كثير: وقد روي من طرق تبلغ درجة التواتر في الصحاح ~~والحسان والسنن والمسانيد # " أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم بصوت جهوري وهو في بعض ~~أسفاره فناداه: يا محمد، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم بنحو من صوته ~~" هاؤم " فقال: متى الساعة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه: " ويحك أنها ~~كائنة فما أعددت لها؟ " فقال: حب الله ورسوله، فقال: " أنت مع من أحببت " # قال ابن كثير: فقوله في الحديث # " المرء مع من أحب " # متواتر لا محالة، والغرض أنه لم يجبه عن وقت الساعة، بل أمره بالاستعداد ~~لها - انتهى، وهو مشروط بالبراءة من أعداء الله بدليل قصة أبي طالب فإنه ~~لم ينفعه حب الولي نفعا تاما بدون البراءة من العدو. # ولما أعلم بتعريف الحق أنها ثابتة كاملا لا انقضاء له أصلا ولا زوال ~~لآثارها، أنتج قوله مؤكدا معظما في مقابلة إنكارهم: { ألا إن الذين ~~يمارون } أي يظهرون شكهم في معرض اللجاجة الشديدة طلبا لظهور شك غيرهم ~~من: مريت الناقة - إذا مسحت ضرعها بشدة للحلب لتستخرج ما عساه يكون فيها ~~من اللبن { في الساعة } أي القيامة وما تحتوي عليه { لفي ضلال } أي ذهاب ~~جائر عن الحق { بعيد * } جدا عن الصواب، فإن لها من الأدلة الظاهرة في ~~العقل المؤيد بجازم النقل ما ألحقها حال غيابها بالمحسوسات لو كشف الغطاء ~~ما ازددت يقينا. # ولما كان حاصل أمر الفريقين أنه أظهر خوف الكافرين في غاية الأمن وأبطن ~~أمن المؤمنين في أزعج خوف، وكان هذا عين اللطف، فأنه الوصول إلى الشيء ~~بضده، ويطلق على إيصال البر إلى الخلق على وجه يدق إدراكه، وكان أكثر ما ~~يبطئ بالإنسان في أمر الدين اهتمامه بالرزق، أنتج ذلك قوله: { الله } أي ~~الذي له الأمر كله فهو يفعل ما يريد ms4327 { لطيف } أي بالغ في العالم وإيقاع ~~الإحسان بإيصال المنافع، وصرف المضار على وجه يلطف إدراكه، قال القشيري: ~~اللطيف العالم بدقائق الأمور وغوامضها وهو الملطف المحسن وكلاهما في صفته ~~سبحانه صحيح، وأكثر ما يستعمل اللطف في وصفه بالإحسان في الأمور الدينية، ~~وقال الرازي في اللوامع: هو اسم مركب من علم ورحمة ورفق خفي { بعباده } - ~~انتهى. # أما بالمؤمن فواضح، وأما الكافر فأقل لطفه به أنه لا يعاجله في الدنيا ~~ولا يعذبه فوق ما يستحق في الأخرى، فالاسم الأول تخويف والثاني ترجية ~~ظاهرة باطنها تخويف، إشارة إلى ما ينبغي من الخوف والرجاء، وأن يكون ~~الخوف أغلب. # ولما كان أظهر ما يكون هذا الوصف في الرزق، فإنه يوسع على من لا حيلة ~~له، ويحرم من هو في غاية القوة والقدرة، ويرفع الضعيف الجبان ويخفض القوي ~~الشجاع، وكل ذلك على حسب ما يعلم من بواطنهم ويزيد من أعمالهم، قال دالا ~~على ذلك استئنافا لمن سأل عن كيفية اللطف: { يرزق من يشاء } مهما شاء ~~على سبيل من السعة أو الضيق أو التوسط لا مانع له من شيء من ذلك، ويمنع ~~الرزق عمن يشاء إذا علم فراغ أجله فيتوفاه إليه فأجهدوا أنفسكم في طلب ~~مرضاته، ولا تلتفتوا إلى الخوف من الحاجة فإنه قد فرغ من تقدير الرزق ~~ونهى عن المبالغة في طلبه. # ولما كان ذلك لا يستطيعه أحد سواه لما يحتاج إليه من القوة الكاملة ~~والعزة الشاملة قال: { وهو القوي } أي فلا يضيق عطاؤه بشيء { العزيز * } ~~فلا يقدر أحد أن يمنعه عن شيء. # ولما بين بهذا أن الرزق ليس إلا في يده، أتبعه ما يزهد في طلب رزق ~~البدن، ويرغب في رزق الروح فقال على سبيل الاستئناف جوابا لمن يسأل: هل ~~يكون الرزق بشدة السعي أو لا، وبدأ برزق الروح لشرفه: { من كان } أي من ~~شريف أو دنيء { يريد } ولما كان مدار مقصد السورة على الدين، وكان الدين ~~معاملة بين العبد وربه يقصد به ما يقصد بالحرث من حصول الفائدة، وكان ~~الحرث من أجل أسباب المكاسب، وكانت ms4328 الجنة قيعانا غراسها ذكر الله، عبر ~~عن مطلق الكسب بالحرث فقال: { حرث الآخرة } أي أعمالها التي تستنمي بها ~~الفوائد. ولما كانت أسباب الحروث وثمراتها لا يقدر على تعطيلها وإنجاحها ~~إلا الله، وكان الآدمي يظن لنفسه في ذلك قدرة، نبه سبحانه بالالتفات إلى ~~أسلوب العظمة أن أمره سبحانه في ذلك لا يستطاع دفاعه ولا ممانعته ونزاعه: ~~{ نزد له } أي بعظمتنا التي لا يقدر أحد على تحويلها { في حرثه } بأن ~~يعينه على الأعمال الصالحة بإنارة القلب وتصفية الحال وتهدئة السر ونفوذ ~~البصر فيما يضر وينفع ويضاعف له ثوابها من العشر لكل حسنة إلى ما لا ~~نهاية له ويغطيه، من الدنيا التي أعرض عنها ما قدر له إعانة له على ما ~~أقبل عليه من الآخرة، وطوى ذكر الدنيا في هذا الشق تنبيها على أنها أحقر ~~من أن تذكر مع أنه معلوم من آيات أخر { ومن كان } أي من قوي أو ضعيف { ~~يريد حرث الدنيا } أي أرزاقها التي تطلب بالكد والسعي ويستنمي به مكتفيا ~~به مؤثرا له على الآخرة { نؤته منها } ما قسمناه له، ولو تهاون به ولم ~~يطلبه لأتاه، ولا ينال كل ما يتمناه ولو جهد كل الجهد، وأما الآخرة فكل ~~ما نواه طالبها من أعمالها حصل له وإن لم يعمله { وما } أي والحال أن ~~طالب الدنيا ما { له في الآخرة من نصيب * } أصلا، روى أبي بن كعب رضي ~~الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " بشر هذه الأمة بالسنا والرفعة والنصرة والتمكين في الأرض فمن عمل منهم ~~عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة من نصيب " # رواه أحمد وابن حبان في صحيحه والحاكم - وقال: صحيح الإسناد - والبيهقي، ~~وذلك لأن الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، وهذا تهاون بها فلم ~~ينوها وهي أشرف من أن تقبل على من أعرض عنها وتبعد عمن أقبل عليها حتى ~~تهلكه في مهاويها، والآخرة تقبل على من أقبل عليها أضعاف إقباله، وتنادي ~~من أدبر عنها لينتهي عن غيه وضلاله، قال الرازي في اللوامع: أهل الإرادة ms4329 ~~على أصناف: مريد للدنيا ومريد للآخرة ومريد للحق جل وعلا، وعلامة إرادة ~~الدنيا أن يرضى في زيادة دنياه بنقص دينه والإعراض عن فقراء المسلمين وأن ~~تكون حاجاته في الدعاء مقصورة على الدنيا، وعلامة إرادة الآخرة بعكس ذلك، ~~وأما علامة إرادة الله سبحانه وتعالى كما قال { ويريدون وجهه } طرح ~~الكونين والحرية عن الخلق والخلاص من يد النفس - انتهى، وحاصله أن يستغرق ~~أوقاته في التوفية بحقوق الحق وحقوق الخلق وتزكية النفس لا طمعا في جنة ~~ولا خوفا من نار، بل امتثالا لأمر الملك الأعلى الذي لا إله غيره لأنه ~~أهل لذلك مع اعترافه لأنه لن يقدر الله حق قدره. ### || [42.21-24] # ولما تقرر ما شرع من الدين مما وصى به جميع النبيين فبانت أصوله، واتضحت ~~فروعه وفصوله، وظهرت غرائبه وأشرقت فرائده وآياته، وختم بالقانون الأعظم ~~في أمر الدارين مما هو مشاهد ولا يقدر عليه غيره، فكان التقدير من غير ~~خفاء: هذا شرع الله الذي ارتضاه لعباده وحكم بأن الإقبال عليه غير ضار ~~بطلب الرزق وقدر الأرزاق فلا قدرة لأحد أن يزيد في رزقه شيئا، ولا أن ~~ينقص منه شيئا، أقبلوه؟ عادل ذلك بقوله تعالى مقررا موبخا منبها على ~~ما هو الأصل في الضلال عن قوانينه المحررة وشرائعه الثابتة المقررة: { أم ~~لهم } أي لهؤلاء الذيب يروغون يمينا وشمالا { شركاء } على زعمهم شاركوا ~~الشارع الذي مضى بيان عزته وظهور جلاله وعظمته في أمره حتى { شرعوا } أي ~~الشركاء الذين طرقوا ونهجوا { لهم } أي للكفار، ويجوز أن يكون المعنى: ~~شرع الكفار لشركائهم { من الدين } في العبادات والعادات التي تقرر في ~~الأذهان أنه لا بد من الجزاء عليها لما جرت به عوائدهم عن محاسبة من تحت ~~أيديهم وقدروا لهم من الأرزاق، وعدل عن أسلوب العظمة إلى الاسم الأعظم ~~إشارة إلى ما فيه مع العظمة من الإكرام الذي من جملته الحلم المقتضي لعدم ~~معاجلتهم بالأخذ فقال تعالى: { ما لم يأذن به الله } أي يمكن العباد منه ~~بأمرهم به وتقريرهم عليه الملك الذي لا أمر لأحد معه، وقد محقت صفاته ms4330 كل ~~صفة وتضاءل عندها كل عظمة، فأقبلوا عليه دون غيره لكونه معتدا به، فإن ~~كان كذلك فليسعدوا من أقبل على الدنيا التي هي محط أمرهم فلا يعرفون ~~غيرها بأن يعطوه جميع مراده ويشقوا من أراد الآخرة وسعى لها سعيها، ونسب ~~الشرع إلى الأوثان لأنها سببه كما كانت سبب الضلال في قوله سبحانه وتعالى ~~حكاية عن إبراهيم خليله عليه الصلاة والسلام { رب إنهن أضللن كثيرا من ~~الناس } ويضاف الشركاء إليهم تارة لأنهم متخذوها وتارة إلى الله تعالى ~~لأنهم أشركوهم به، والعبارة تأتي بحسب المقام. # ولما علم قطعا أن التقدير: فلولا أن هذه الأفعال التي يفعلونها من غير ~~إذن منه لا تنقص من ملكه سبحانه شيئا، ولا تضر إلا فاعلها مع أنها ~~بإرادته، فكانت لمنعهم عنها لم يصلوا إلى شيء منها، عطف عليه قوله تعالى: ~~{ ولولا كلمة الفصل } التي سبق في الأزل أنها لا تكون ولما كان أمرهم ~~هينا، بني الفعل للمفعول، فقال: { لقضي بينهم } أي بين الذين امتثلوا ~~أمره فالتزموا شرعه وبين الذين اتبعوا ما شرعوه لمن سموهم شركاء في أقرب ~~وقت ولكنه قد سبق القضاء في أزل الأزل بمقادير الأشياء وتحديدها على وجوه ~~الحكمة، فهي تجري على ما حد لها لا تقدم لشيء منها ولا تأخر ولا تبدل ولا ~~تغير، وستنكشف لكم الأمور وتظهر مخبآت المقدور فلا يقع الفصل إلا في ~~الآخرة كما سبق به القضاء بأن يكون للمقسطين نعيم مقيم. # ولما كانوا ينكرون أن يقع بهم عذاب، قال مؤكدا عطفا على ما قدرته بما ~~أرشد إليه السياق: { وإن الظالمين } بشرع ما لم يأذن به الله من الشرك ~~وغيره { لهم عذاب أليم * } أي مؤلم بليغ إيلامه. # ولما علم من هذا السياق كما ترى أنه لا بد من الفصل، وأن الفصل لا يكون ~~إلا يوم القيامة، قال شارحا للفصل بين الفريقين في ذلك اليوم مقبلا على ~~خطاب أعلى الخلق إشارة إلى أن هذا لا يفهمه حق الفهم ويوقن به حق الإيقان ~~غيره صلى الله عليه وسلم، أو يكون المراد كل من ms4331 يصح أن يخاطب إشارة إلى ~~أن الأمر في الوضوح بحيث لا يختص به أحد دون أحد فقال: { ترى } أي في ذلك ~~اليوم لا يشك فيه عاقل لما له من الأدلة الفطرية الأولية والعقلية ~~والنقلية { الظالمين } أي الواضعين الأشياء في غير مواضعها { مشفقين } أي ~~خائفين أشد الخوف كما هو حال من يحاسبه من هو أعلى منه وهو مقصر. ولما ~~كان الكلام في الذين ظلمهم صفة راسخة لهم، كان من المعلوم أن كل عملهم ~~عليهم، فلذلك عبر بفعل الكسب مجردا فقال: { مما كسبوا } أي عملوا ~~معتقدين لأنه غاية ما ينفعهم { وهو } أي جزاءه ووباله الذي هو من جنسه ~~حتى كأنه هو { واقع بهم } لا محالة من غير أن يزيدهم خوفهم إلا عذابا في ~~غمرات النيران، ذلك هو الخسران المبين، ذلك الذي ينذر به الذين ظلموا { ~~والذين آمنوا } يصح أن يكون معطوفا على مفعول { ترى } وأن يكون معطوفا ~~على جميع الجملة فيكون مبتدأ { وعملوا الصالحات } وهي التي أذن الله فيها ~~غير خائفين مما كسبوا لأنهم مأذون لهم في فعله وهو مغفور لهم ما فرطوا ~~فيه { في روضات الجنات } أي في الدنيا بما يلذذهم الله به من لذائد ~~الأقوال والأعمال والمعارف والأحوال، وفي الآخرة حقيقة بلا زوال { لهم ما ~~يشاؤون } أي دائما أبدا كائن ذلك لكونه في غاية الحفظ والتربية ~~والتنبيه على مثل هذا الحفظ لفت إلى صفة الإحسان، فقال: { عند ربهم } أي ~~الذي لم يوصلهم إلى هذا الثواب العظيم إلا حسن تربيته لهم، ولطف بره بهم ~~على حسب ما رباهم. # ولما ذكر ما لهم من الجزاء عظمه فقال: { ذلك } أي الجزاء العظيم الرتبة ~~الجليل القدر { هو } لا غيره { الفضل } أي الذي هو أهل لأن يكون فاضلا ~~عن كفاية صاحبه، ولو بالغ في الإنفاق { الكبير * } الذي ملأ جميع جهات ~~الحاجة وصغر عنده كل ما ناله غيرهم من هذا الحطام، فالآية كما ترى من ~~الاحتباك: أثبت الإشفاق أولا دليلا على حذف الأمن ثانيا، والجنات ~~ثانيا دليلا على حذف النيران أولا. # ولما ذكر محلهم ومآلهم فيه، ms4332 بين دوامه زيادة في تعظيمه فقال مبتدئا: { ~~ذلك } أي الأمر العظيم من الجنة ونعيمها، وأخبر عن المبتدأ بقوله: { الذي ~~يبشر } أي مطلق بشارة عند من خفف وبشارة كثيرة عند من ثقل، وزاد البشارة ~~بالاسم الأعظم، فقال لافتا القول إليه: { الله } أي الملك الأعظم ~~والعائد وهو " به " محذوف تفخيما للمبشر به لأن السياق لتعظيمه بالبشارة ~~وبجعلها بأداة البعد وبالوصف بالذي، وذكر الاسم الأعظم والتعبير بلفظ ~~العباد مع الإضافة إلى ضميره سبحانه فأفهم حذفه أن الفعل واقع عليه واصل ~~بغير واسطة إليه، فصار كأنه مذكور وظاهر ومنظور فقال: { عباده } ومن ~~المعلوم أن كل أحد يعظم من اختصه لعبوديته. # ولما أشعر بالإضافة لصلاحهم، نص عليه بقوله: { الذين آمنوا } أي صدقوا ~~بالغيب { وعملوا } تحقيقا لإيمانهم { الصالحات } وذلك الذي مضى قلبه ~~الذي ينذر به الذين كفروا. ولما كانت العادة جارية بأن البشير لا بد له ~~من حياء وإن لم يسأل لأن بشارته قائمة مقام السؤال، قال كعب بن مالك رضي ~~الله عنه: لما أذن الله بتوبته علينا ركض نحوي راكض على فرس وسعى ساع على ~~رجليه، فأوفى على جبل سلع ونادى: يا كعب بن مالك أبشر، فقد تاب الله ~~عليك، فكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته خلعت له ~~ثوبي، فدفعتهما إليه، والله ما أملك يومئذ غيرهما، واستعرت ثوبين ~~فلبستهما - إلى آخر حديثه، كان كأنه قيل: ماذا تطلب على هذه البشارة، ~~فأمر بالجواب بقوله: { قل } أي لمن توهم فيك ما جرت به عادة المبشرين: { ~~لا أسئلكم } أي الآن ولا في مستقبل الزمان { عليه } أي البلاغ بشارة ~~ونذارة { أجرا } أي وإن قل { إلا } أي لكن أسألكم { المودة } أي المحبة ~~العظيمة الواسعة. # ولما كانوا يثابرون على صلة الأرحام وإن بعدت والأنساب لذلك قال: { في ~~القربى } أي مظروفة فيها بحيث يكون القربى موضعا للمودة وظرفا لها، لا ~~يخرج شيء من محبتكم عنها، فإنها بها يتم أمر الدين ويكمل الاجتماع فيه، ~~فإنكم إذا وصلتم ما بيني وبينكم من الرحم لم تكذبوني بالباطل، ولم تردوا ~~ما جئتكم ms4333 به من سعادة الدارين، فأفلحتم كل الفلاح ودامت الألفة بيننا حتى ~~نموت ثم ندخل الجنة فتستمر ألفتنا دائما أبدا وقد شمل ذلك جميع القرابات ~~ولم يكن بطن من قريش إلا وله صلى الله عليه وسلم فيهم قرابة، رواه ~~البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما وقال: إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم ~~من القرابة، وروى البخاري عن سعيد بن جبير: إلا أن تؤدوني في قرابتي أي ~~تبروهم وتحسنوا إليهم، قال ابن كثير: وقال السدي: لما جيء بعلي بن الحسين ~~أسيرا فأقيم على درج دمشق قام رجل من أهل الشام فقال: الحمد لله الذي ~~قتلكم واستأصلكم وقطع قرن الفتنة، فقال له علي: أقرأت القرآن؟ قال: نعم ~~قال: ما قرأت { قلا لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى } قال: ~~وإنكم لأنتم هم، قال: نعم. # وعن العباس رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله! إن قريشا إذا لقي ~~بعضهم بعضا لقوهم ببشر حسن وإذا لقونا لقونا بوجوه لا نعرفها، فغضب ~~النبي صلى الله عليه وسلم غضبا شديدا وقال: # " والذي نفسي بيده لا يدخل قلب رجل الإيمان حتى يحبكم لله ورسوله " # ، وعنه أنه دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنا لنخرج فنرى ~~قريشا تحدث، فإذا رأونا سكتوا، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم ودر ~~عرق بين عينيه، ثم قال: # " والله لا يدخل قلب امرئ مسلم إيمان حتى يحبكم لله ولقرابتي " # وعبر في المنقطع بأداة الاستثناء إعراقا في النفي بالإعلام بأنه لا ~~يستثني أجر أصلا إلا هذه المودة إن قدر أحد أنها تكون أجرا، ويجوز أن ~~تكون " إلا " بمعنى " غير " فيكون من باب: # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم # بهن فلول من قراع الكتائب # فمن كان بينه وبين أحد من المسلمين قرابة فهو مسؤول أن يراقب الله في ~~قرابته تلك، فيصل صاحبها بكل ما تصل قدرته إليه من جميع ما أمره الله به ~~من ثواب أو عقاب، فكيف بقرابة النبي صلى الله عليه وسلم فإنه قد قال صلى ~~الله ms4334 عليه وسلم فيما رواه الطبراني وأبو نعيم في الحلية عن أبي ذر رضي ~~الله عنه: # " مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح عليه الصلاة والسلام، من ركب فيها نجا، ~~ومن تخلف عنها هلك " # وقال فيما رواه في الفردوس عن ابن عباس رضي الله عنهما: # " أصحابي بمنزلة النجوم في السماء بأيهم اقتديتم اهتديتم " # قال الأصبهاني: ونحن الآن في بحر التكليف محتاجون إلى السفينة الصحيحة ~~والنجوم الزارهة، فالسفينة حب الآل، والنجوم حب الصحب، فنرجو من الله ~~السلامة والسعادة بحبهم في الدنيا والآخرة - والله أعلم. # ولما كان التقدير حتما: فمن يقترف سيئة فعليه وزرها، ولكنه طوى لأن ~~المقام للبشارة كما يدل عليه ختم الآية مع سابقه، عطف عليه قوله: { ومن ~~يقترف } أي يكسب ويخالط ويعمل بجد واجتهاد وتعمد وعلاج { حسنة } أي ولو ~~صغرت، وصرف القول إلى مظهر العظمة إشارة إلى أنه لا يزيد في الإحسان إلا ~~العظماء، وإلى أن الإحسان قد يكون سببا لعظمة المحسن فقال: { نزد } على ~~عظمتنا { له فيها حسنا } بما لا يدخل تحت الوهم، ومن الزيادة أن يكون له ~~مثل أجر من اقتدي به فيها إلى يوم القيامة لا ينقص من أجورهم شيئا، وهذا ~~من أجر الرسل على إبلاغه إلى الأمم، فهم أغنياء عن طلب غيره - هذا إن ~~اهتدوا به، وإن دعاهم فلم يهتدوا كان له مثل أجورهم لو اهتدوا، فإن عدم ~~اهتدائهم ليس من تقصيره، بل قدر الله وما شاء فعل. # ولما كانوا يقولون: إنا قد ارتكبنا من المساوىء ما لم ينفع معه شيء، قال ~~نافيا لذلك على سبيل التأكيد معللا مبينا بصرف القول إلى الاسم الأعظم ~~أن مثل ذلك لا يقدر عليه ملك غيره على الإطلاق: { إن الله } أي الذي لا ~~يتعاظمه شيء { غفور } لكل ذنب تاب منه صاحبه أو كان يقبل الغفران وإن لم ~~يتب منه إن شاء، فلا يصدن أحدا سيئة عملها عن الإقبال على الحسنة. # ولما كان إثبات الحسنة فضلا عن الزياة عليها لا يصح إلا مع الغفران، ~~ولا يمكن أن يكون مع المناقشة، فذكر ذلك ms4335 الوصف الذي هو أساس الزيادة، ~~أفادها - أي الزيادة - بقوله: { شكور * } فهو يجزي بالحسنة أضعافها ويترك ~~سائر حقوقه. ولما أثبت أنه أنزل الكتاب بالحق، ودل على ذلك إلى أن ختم ~~بنفي الغرض في البلاغ فحصل القطع بمضمون الخبر، كان كأنه قيل إنكارا ~~عليهم وتوبيخا لهم: هل عملوا بما نبهناهم عليه مما يدعون أنهم عريقون ~~فيه من صلة الرحم والإقبال على معالي الأخلاق باجتناب السئيات وارتكاب ~~الحسنات، والبعد عن الكذب والمكابرة والبهتان، فاعتقدوا أنه حق وأنه وحي ~~من عند الله بما قام على ذلك من البرهان: { أم يقولون } عنادا: { افترى ~~} أي تعمد أن يقطع، وقدم ذكر الملك الأعظم تنبيها على أنه لا أفظع من ~~الكذب على ملك الملوك مع فهم المفعول به من لفظ الافتراء فقال: { على ~~الله } الذي أحاط بصفات الكمال، فله العلم الشامل بمن يتقول عليه والقدرة ~~التامة على عقابه { كذبا } حين زعم أن هذا القرآن من عنده وأنه أرسله ~~لهذا الدين. # ولما كان التقدير قطعا: إنهم ليقولون ذلك وكان قولهم له قولا معلوم ~~البطلان لأنه تحداهم بشيء من مثله في زعمهم أن له مثلا ليعلم صحة قولهم ~~فلم يأتوا بشيء وهم وإن كانوا قد يدعون أنه يمنعهم من ذلك أنهم لا ~~يستجيزون الكذب مبطلون لا يمتري عاقل في بطلان ذلك منهم أيضا لأنهم لم ~~يكلب منهم أن ينسوا ما يأتون به إلى الله على أنه لو طلب منهم ذلك لما ~~كان عذرا، لأنه لا يتوقف أحد في أن الضرورات تبيح المحذورات، وأنه يرتكب ~~أخف الضررين لدفع أثقلهما، فالإتيان بكلام يسر يسكن به فتن طوال وتنقطع ~~به شرور كبار في غاية الحسن لأن الخطب فيه سهل، والأمر يسير، فكان ذلك ~~وهم يرتكبون أكبر منه من قطع الأرحام وتفريق الكلمة لقتل النفوس وتخريب ~~الديار وإتلاف الأموال دليلا قاطعا على أنهم إنما يتركونه عجزا، تسبب ~~عن قولهم هذا وهو نسبتهم له إلى تعمد الكذب أن قال تعالى ردا عليهم ~~ببيان كذبهم فيما قالوا ببيان ما له صلى الله عليه وسلم من نور ms4336 القلب ~~اللازم عن استقامة القول: { فإن } وأظهر الجلالة ولم يضمر تعظيما للأمر ~~بأن الختم لا يقدر عليه إلا المتصف بجميع صفات الكمال على الإطلاق من غير ~~تقيد بقيد أصلا فقال: { يشأ الله } أي الذي له الإحاطة بالكمال { يختم } ~~وجرى على الأسلوب السابق في الخطاب لأعظم أولي الألباب فقال معبرا بأداة ~~الاستعلاء: { على قلبك } فيمنعه من قبول روح هذا الوحي كما ختم على قلوب ~~أعدائك من قبول ذلك، فتستوي حينئذ معهم في عدم القدرة على الإتيان بشيء ~~منه وتصير لو قلت وقد أعاذك الله عما يقولون مما يصح نسبته إلى الباطل لم ~~تقله إلا ومعه الأدلة قائمة على بطلانه كما أنهم هم كذلك لا يزالون ~~مفضوحين بما على أقوالهم من الأدلة قائمة على بطلانها، وكان الأصل في ~~الكلام: أم يقولون ذلك وأنهم لكاذبون فيه بسبب أن الله قد شرح صدرك وأنار ~~قلبك فلا تقول فولا إلا كانت الأدلة قائمة على صدقه، ولكنه ساق الكلام ~~هكذا لأنه مع كونه أنصف دال على تعليق بالافتراء على ختم القلوب، وذلك ~~دال قطعا على أنهم هم الكاذبون لما على قلوبهم من الختم الموجب لأنها ~~تقول ما الأدلة قائمة على كذبه. # ولما كان التقدير كما دل عليه السياق: ولكنه لم يشأ ذلك، بل شاء جعله ~~قابلا لروح الوحي واعيا لفنون العلم فهو يقذف بأنواع المعارف، ويهتف ~~بتلقي أعاجيب اللطائف، ويثبت الله ذلك كله من غير مانع ولا صارف، عطف ~~عليه قوله: { ويمح الله } أي الذي له جميع صفات الكمال { الباطل } وهو ~~قولهم " افترى " وكل كذب فلا يدع له أثرا، وهنالك يظهر خسران الجاحد ~~وينقطع لسان الألد المعاند، ولم يذكر أن آلة المحو الكلمات وغيرها ~~استهانة به بالإشارة إلى أنه تارة يمحوه بنفسه بلا سبب وتارة بأضعف ~~الأسباب وتارة بأعلى منه، وحذفت واوه في الخط في جميع المصاحف مع أنه ~~استئناف غير داخل في الجواب لأنه تعالى يمحو الباطل مطلقا إيماء إلى أنه ~~سبحانه يمحق رفعه وعلوه وغلبته التي دلت عليها الواو مطابقة بين خطه ~~ولفظه، ومعناه ms4337 تأكيدا للبشارة يمحوه محوا لا يدع له عينا ولا أثرا ~~لمن ثبت لصولته: وصبر كما أمر لحولته، اعتمادا على صادق وعد الله ~~إيمانا بالغيب وثقة بالرسل عليهم الصلاة والسلام، وفي الحذف أيضا تشبيه ~~له بفعل الأمر إيماء إلى أن إيقاع هذا المحو أمر لا بد من كونه على أتم ~~الوجوه وأحكمها وأعلاها وأتقنها كما يكون المأمور به من الملك المطاع، ~~وأما الحق فإنه ثابت شديد مضاعف فلذا قال: { ويحق } أي يثبت على وجه لا ~~يمكن زواله { الحق } أي كل من شأنه الثبات لأنه أذن فيه وأقره، وعظم الحق ~~وإحقاقه بذكر آلة الفعل فقال: { بكلماته } أي التي # لو كان البحر مدادا # [الكهف: 109] الآية التي يقولون إن ما أتاهم من العبارة عنها افتراء ~~للكذب، والحاصل أنه سبحانه أثبت صفاء لبه ونورانية قلبه وسداد قوله وصاب ~~أمره، وظلام قلوبهم وبطلان أقوالهم إثباتا مقرونا بدليله أما لأهل ~~البصائر فبعجزهم عن معارضته، وأما للأغبياء فإبثات قوله ومحو قولهم. # ولما كانوا يعلمون أنه على حق وهم على باطل، وكان من أحاط علمه بشيء قدر ~~على ما يريده من ذلك الشيء، بين ذلك بقوله معللا على وجه التأكيد لأن ~~عملهم عمل من يظن أن الله لا يعلم مكرهم: { إنه عليم } أي بالغ { بذات ~~الصدور * } أي ما هو فيها مما يعلمه صاحبه ومما لا يعلمه فيبطل باطله ~~ويثبت حقه وإن كره الخلائق ذلك # ولتعلمن نبأه بعد حين # [ص: 88] ولقد صدق الله فأثبت ببركة هذا القرآن كل ما كان يقوله صلى الله ~~عليه وسلم وأبطل بسيف هذا البرهان كل ما كانوا يخالفونه فيه، ومن أصدق من ~~الله قيلا. ### || [42.25-30] # ولما أخبر بضلالهم وجزم بإبطال أعمالهم، رغبهم رحمة منه لهم في التوبة ~~التي هي من الحق الذي يحقه ولو على أقل وجوهها بأن يقولوها بألسنتهم ~~ليبلغه ذلك عنهم، فإن قول اللسان يوشك أن يدخل إلى لا غيره أزلا وأبدا ~~{ الذي يقبل التوبة } كلما شاء بالغة له أو متجاوزا { عن عباده } الذين ~~خالصون لطاعته، سئل أبو الحسن البوشنجي عن التوبة فقال: ms4338 إذا ذكرت الذنب ~~فلا تجد له حلاوة في قلبك. # ولما كان القبول قد يكون في المستقبل مع الأخذ بما مضى قال: { ويعفو عن ~~السيئات } أي التي كانت التوبة عنها صغيرة أو كبيرة وعن غيرها فلا يؤاخذ ~~بها أن شاء لأن التوبة تجب ما قبلها كما أن الإسلام الذي هو توبة خاصة ~~يجب ما كان قبله. # ولما كانت تعدية القبول ب " عن " مفهمة لبلوغه ذلك بواسطة، فكان ربما ~~اشعر بنقص في العلم، أخبر بما يوجب التنزيه عن ذلك ترغيبا وترهيبا ~~بقوله: { ويعلم } أي والحال أنه يعلم كل وقت { ما تفعلون } أي كل ما ~~يتجدد لهم عمله سواء كان عن علم أو داعية شهوة وطبع سيئة كان أو حسنة, ~~وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم ورويس عن يعقوب بالخطاب لافتا للقول عن ~~غيب العباد لأنه أبلغ في التخويف وقرأ الباقون بالعيب نسقا على العباد ~~وهو، أعم وأوضح في المراد فعفوه مع العلم عن سعة الحلم. # ولما رغب بالعفو زاد الإكرام فقال: { ويستجيب } أي يوجد بغاية العناية ~~والطلب إجابة { الذين آمنوا } أي دعاء الذي أقروا بالإيمان في كل ما دعوه ~~به أو شفعوا عنده فيه لأنه لولا إرادته لهم الإكرام بالإيمان ما آمنوا، ~~وعدى الفعل بنفسه تنبيها على زيادة بره لهم ووصلتهم به { وعملوا } ~~تصديقا لدعواهم الإيمان { الصالحات } فيثيبهم النعيم المقيم { ويزيدهم } ~~أي مع ما دعوا له ما لم يدعوا به ولم يخطر على قلوبهم ولما كان هذا وإن ~~كان الأول فضلا منه أبين في الفضل قال تعالى: { من فضله } على أنه يجوز ~~تعليقه بالفعلين. # ولما رغب الذين طالت مقاطعتهم في المواصلة بذكر إكرامهم إذا أقبلوا ~~عليه، رهب الذين استمروا على المقاطعة فقال: { والكافرون } أي العريقون ~~في هذا الوصف، الذين منعتهم عراقتهم من التوبة والإيمان { لهم عذاب شديد ~~* } ولا يجيب دعاءهم، فغيرهم من العصاة لهم عذاب غير لازم التقيد بشديد، ~~والآية من الاحتباك: ذكر الاستجابة أولا دليلا على ضدها ثانيا, ~~والعذاب ثانيا دليلا على ضده أولا، وسره أنه ذكر الحامل على الطاعة ~~والصاد ms4339 عن المعصية. # ولما كان المتبادر من الاستجابة إيجاد كل ما سألوه في هذه الدنيا على ما ~~أرادوه وكان الموجود غير ذلك بل كان أكثر أهل الله مضيقا عليهم، وكانت ~~الإجابة إلى كل ما يسأل بأن يكون في هذه الدار يؤدي في الغالب إلى البطر ~~المؤدي إلى الشقاء فيؤدي ذلك إلى عكس المراد، قال على سبيل الاعتذار ~~لعباده وهو الملك الأعظم مبينا أن استجابته تارة تكون كما ورد به الحديث ~~لما سألوه، وتارة تكون بدفع مثله من البلاء وتارة تكون بتأخيره إلى الدار ~~الآخرة { ولو } أي هو يقبل ويستجيب والحال أنه لو { بسط } ولما كان هذا ~~المقام عظيما لاحتياجه إلى الإحاطة بأخلاقهم وأوصافهم وما يصلحهم ~~ويفسدهم والقدرة على كل بذل ومنع، عبر بالاسم الأعظم فقال: { الله } أي ~~الملك الأعظم الجامع لجميع صفات الكمال تنبيها على عظمة هذا المقام: { ~~الرزق } لهم - هكذا كان الأصل، لكنه كره أن يظن خصوصيته ذلك بالتائبين ~~فقيل: { لعباده } أي كلهم التائب منهم وغيره بأن أعطاهم فوق حاجتهم { ~~لبغوا في الأرض } أي لصاروا يريدون كل ما يشتهونه، فإن لم يفعل سعوا في ~~إنفاذه كالملوك بما لهم من المكنة بكل طريق يوصلهم إليه فيكثر القتل ~~والسلب والنهب والضرب ونحو ذلك من أنواع الفساد، وقد تقدم في النحل من ~~الكلام على البغي ما يتقن به علم هذا المكان. # ولما كان معنى الكلام أنه سبحانه لا يبسط لهم ذلك بحسب ما يريدونه، بنى ~~عليه قوله سبحانه: { ولكن ينزل } أي لعباده من الرزق { بقدر } أي ~~بتقدير لهم جملة ولكل واحد منهم لا يزيد عن تقدير دره ولا ينقصها { ما ~~يشاء } من الماء الذي هو أصل الرزق والبركات التي يدبر بها عباده كما ~~اقتضته حكمته التي بنى عليها أحوال هذه الدرر. # ولما كان أكثر الناس يقول في نفسه: لو بسط إلي الرزق لعملت الخير، ~~وتجنبت الشر، وأصلحت غاية الإصلاح، قال معللا ما أخبر به في أسلوب ~~التأكيد: { إنه } وكان الأصل: بهم، ولكنه قال: { بعباده } لئلا يظن أن ~~الأمر خاص بمن وسع عليهم أو ms4340 ضيق عليهم: { خبير بصير * } يعلم جميع ظواهر ~~أمورهم وحركاتهم وانتقالاتهم وكلامهم وبواطنها فيقيم كل واحد فيما يصلح ~~له من فساد وصلاح وبغي وعدل، ويهيئ لكل شيء من ذلك أسبابه. # ولما ذكر إنزال الرزق على هذ المنوال، وكان من الناس ممن خذله الإضلال ~~من يقول: إن ما الناس فيه من المطر والنبات وإخراج الأقوات إنما هو عادة ~~الدهر بين أنه سبحانه هو الفاعل لذلك بقدرته واختياره بما هو كالشمس من ~~أنه قد يحبس المطر عن إبانه وإعادته في وقته وأوانه، حتى ييأس الناس منه ~~ثم ينزله إن شاء، فقال معبرا بالضمير الذي هو غيب لأجل أن إنزال الغيث ~~من مفاتيح الغيب: { وهو } أي لا غيره قادر على ذلك فإنه هو { الذي ينزل ~~الغيث } أي المطر الذي يغاث به الناس أي يجابون إلى ما سألوا ويغاثون ~~ظاهرا كما ينزل الوحي الذي يغاثون به ظاهرا وباطنا. # ولما كان الإنزال لا يستغرق زمان القنوط، أدخل الجار فقال: { من بعد ما ~~قنطوا } أي يئسوا من إنزاله وعملوا انه لا يقدر على إنزاله غيره، ولا ~~يقصد فيه سواه، ليكون ذلك أدعى لهم إلى الشكر وينشره - هكذا كان الأصل ~~ولكنه لما بين أنه غيث قال بيانا لأنه رحمة، وتعميما لأثره من النبات ~~وغيره: { وينشر رحمته } أي على السهل والجبل فينزل من السحاب المحمول ~~بالريح من الماء ما يملأ الأرض بحيث لو اجتمع عليه الخلائق ما أطاقوا ~~حمله، فتصبح الأرض ما بين غدران وأنهار، ونبات ونجم وأشجار، وحب وثمار، ~~وغير ذلك من المنافع الصغار والكبار، فلله ما أعلى هذه القدرة الباهرة ~~والآية الظاهرة، فيخرج من الأرض التي هي من صلابتها تعجز عنها المعاول ~~نجما هو في لينه ألين من الحرير، وفي لطافته ألطف من النسيم، ومن سوق ~~الأشجار التي تنثني فيها المناقير أغصانا ألطف من ألسنة العصافير، فما ~~أجلف من ينكر إخراجه الموتى من القبور، أو يحيد من ذلك بنوع من الغرور. # ولما أنكر عليهم فيما مضى اتخاذ ولي من دونه بقوله تعالى { أم اتخذوا من ~~دونه أولياء ms4341 } وأثبت أنه هو الولي، وتعرف إليهم بآثاره التي حوت أفأنين ~~أنواره، وكانت كلها في غاية الكمال موجبة للحمد المتواتر المنوال، قال: { ~~وهو } أي وحده لا غيره { الولي } أي الذي لا أحد أقرب منه إلى عباده في ~~شيء من الأشياء { الحميد * } أي الذي استحق مجامع الحمد مع أنه يحمد من ~~يطيعه فيزيده من فضله ويصل حبله دائما بحبله. # ولما كان ما مضى من بسط الرزق وقبضه، وإنزال الغيث وحبسه. من الآيات ~~العظمية، عمم بذكر ما ذلك بعض منه، وهو دال على جميع ما ختم به الأية ~~السالفة من الحمد الذي هو الاتصاف بجميع صفات الكمال فقال عاطفا على ما ~~تقديره: فذلك من آيات الله الدالة على قدرته واختياره وإنه هو الذي يحيي ~~هذا الوجود بالمعاني من روح الوحي وغيره تارة والأعيان من الماء وغيره ~~أخرى: { ومن آياته } العظيمة على ذلك وعلى استحقاقه لجميع صفات الكمال { ~~خلق السماوات } التي تعلمون أنها متعددة بما ترون من أمور الكواكب { ~~والأرض } أي جنسها على ما هما عليه من الهيئات وما اشتملا عليه من ~~المنافع والخيرات { وما بث } أي فرق بالأبدان والقلوب على هذا المنوال ~~الغريب من الحس والحركة بالاختيار مع التفاوت في الأشكال، والقدور ~~والهيئات والأخلاق وغير ذلك من النقص والكمال. # ولما كانت الأرض بناء والسماء سقفه، فمن كان في أحدهما صح نسبته إلى أنه ~~في كل منهما: الأسفل بالإقلال والأعلى بالإظلال قال تعالى: { فيهما } أي ~~السماوات والأرض ولا سيما وقد جعل لكل منهما تسببا في ذلك بما أودعهما ~~من الجواهر وأنشأ عنهما من العناصر. # ولما كانت الحياة التي هي سبب الانتشار والدب ربنا أورثت صاحبها كبرا ~~وغلظا في نفسه نظن أنه تام القدرة، أنث تحقيرا لقدرته وتوهية لشأنه ~~ورتبته فقلل { من دابة } أي شيء فيه أهلية الدبيب بالحياة من الإنس والجن ~~والملائكة وسائر الحيوانات على اختلاف أصنافهم وألوانهم وأشكالهم ولغاتهم ~~وطباعهم وأجناسهم وأنواعهم أقطارهم ونواحيهم وأصقاعهم ومن نظر إلى صنائعه ~~سبحانه تيقن وجوده وقدرته واختياره، ثم إذا أمعن في النظر وتابع التدبر ~~في الفكر ms4342 وصل إلى معرفة الصانع بأسمائه وصفاته وما ينبغي له ويستحيل عليه ~~فيحمده بمحامدة التي لا نهاية لها ويسبحه بسبحانه ثم إن أمعن سما إلى ~~الوقوف على حكمة ما جاءت به الرسل ونزلت به الكتب. # ولما كنا عالمين بأن من أوجد أشياء على ضم أشتاتهم متى شاء مع نقص ~~التصرف والعجز في التقلب كنا جديرين بالعلم القطعي بمضمون قوله تعالى: { ~~وهو } أي بما له من صفات العظمة التي يعلم الظاهر معها، وما غاب عنا أكبر ~~{ على جمعهم } أي هذه الدواب من ذوي العقول وغيرهم بعد تفرقهم بالقلوب ~~والأبدان بالموت وغيره من الحظوظ والأهواء وغير ذلك. # ولما كان الجمع لا بد منه، عبر بأداة التحقق فقال معلقا بجمع: { إذا } ~~وحقق النظر إلى البعث فعبر بالمضارع فقال: { يشاء قدير * } أي بالغ ~~القدرة كما كان بالغ القدرة عند الإيجاد من العدم بجمعهم في صعيد واحد ~~يسمعهم الداعي وينفذهم البصر، ولما ذكرهم سبحانه بنعمه، وكان السياق ~~لتعداد ما ناسب مقصود هذه السورة منها، كان الفكر جديرا بأن يخطر له ما ~~في الدنيا من الأمراض والأنكاد والهموم والفهوم بالإشقاء فيها والإسعاد، ~~قال شافيا لعي سؤاله عن ذلك ببيان ما فيه من نعمته على وجه دال على تمام ~~قدرته، عاطفا على ما هو مضمون ما مضى بما تقديره: فهو الذي خلقكم ورزقكم ~~وهو المتصرف فيكم بعد بثكم بالعافية والبلاء تمام التصرف، فلا نعمة عندكم ~~ولا نقمة إلا منه، ولا يقدر أصحابها على ردها ولا رد شيء مها فهو وليكم ~~وحده { وما أصابكم } واجههم بالخطاب زيادة في تقريب الطائع وتبكيت ~~العاصي، وعم بقوله: { من مصيبة } وأخبر عن المبتدأ بقوله: { فبما } أي ~~كائن بسبب الذي - هذا على قراءة نافع وابن عامر، وإثبات الفاء في الباقين ~~زيادة في إيضاح السببية فقرأوا " فبما " لتضمن المبتدأ الشرط أي فهو ~~بالذي. # ولما كانت النفوس مطبوعة على النقائض، فهي لا تنفك عنها إلا بمعونة من ~~الله شديدة، وكان عملها كله أو جله عليها، فعبر بالفعل المجرد إشارة إلى ~~ذلك فقال: { كسبت }. # ولما كان العمل ms4343 غالبا باليد قال: { أيديكم } أي من الذنوب، فكل نكد ~~لاحق إنما هو بسبب ذنب سابق أقله التقصير، روى ابن ماجة في سننه وابن ~~حبان في صحيحه - والحاكم واللفظ له - وقال: صحيح الإسناد - عن ثوبان رضي ~~الله عنه قال: قال رسول الله: # " لا يرد القدر إلا الدعاء ولا يزيد في العمر إلا البر، وإن الرجل ليحرم ~~الرزق بالذنب يصيبه " # فالآية داعية لكل أحد إلى المبادرة عند وقوع المصيبة إلى محاسبة النفس ~~ليعرف من أين جاء تقصيره، فيبادر إلى التوبة عنه والإقبال على الله لينقذ ~~نفسه من الهلكة، وفائدة ذلك وإن كان الكل بخلقه وإرادته إظهار الخضوع ~~والتذلل واستشعار الحاجة والافتقار إلى الواحد القهار، ولولا ورود ~~الشريعة لم يوجد سبيل إلى الهدى، ولا إلى هذه الكمالات البديعية، ومثل ~~هذه التنبيهات ليستخرج من العبد ما أودع في طبيعته وركز في غريزته كغرس ~~وزرع سبق إليه ماء وشمس لاستخراج ما أودع في طبيعته من المعلومات الإلهية ~~والحكم العلية. # ولما ذكر عدله، أتبعه فضله فقال: { ويعفو عن كثير * } ولولا عفوه ~~وتجاوزه لما ترك على ظهرها من دابة ويدخل في هذا ما يصيب الصالحين لإنالة ~~درجات وفضائل وخصوصيات لا يصلون إليها إلا بها لأن اعمالهم لم تبلغها فهي ~~خير واصل من الله لهم، وقيل لأبي سليمان الداراني: ما بال العقلاء أزالوا ~~اللوم عمن أساء إليهم؟ قال: لأنهم علموا أن الله ابتلاهم بذنوبهم - وقرأ ~~هذه الآية. ### || [42.31-35] # ولما كان من يعاقب بما دون الموت ربما ظن أنه عاجز قال: { وما أنتم ~~بمعجزين } لوأريد محقكم بالكلية ولا في شيء أراد سبحانه منكم كائنا ما ~~كان. ولما كان من ثبت قدرته على محل العلو بخلقه وما أودعه من المصنوعات ~~أجدر بالقدرة على ما دونه، أشار إلى ذلك بقوله: { في الأرض } ولما كان ~~الكلام في العقوبة في الدنيا قبل الموت، ولم يكن أحد يدعي فيها التوصل ~~إلى السماء، لم يدع داع إلى ذكرها بخلاف ما مضى في العنكبوت. ولما نفى ~~امتناعهم بأنفسهم، وكان له سبحانه من العلو ما تقصر عنه ms4344 العقول، فكان كل ~~شيء دونه، فكان قادرا على كل شيء قال: { وما لكم } أي عند الاجتماع فكيف ~~عند الانفراد. # ولما كانت الرتب في غاية السفول عن رتبته والتضاؤل دون حضرته، أثبت ~~الجار منبها على ذلك فقال: { من دون الله } أي المحيط بكل شيء عظمة ~~وكبرا وعزة، وعم بقوله: { من ولي } أي يكون متوليا لشيء من أموركم ~~بالاستقلال { ولا نصير * } يدفع عنكم شيئا يريده سبحانه بكم. # ولما دل سبحانه على تمام قدرته واختياره وختم بنفي الشريك اللازم ~~للوحدانية التي اعتقادها أساس الأعمال الصالحة، دل عليها بأعظم الآيات ~~عندهم وأوضحها في أنفسهم وأقربها إلى إفهامهم لما لهم من الإخلاص عندها ~~فقال تعالى: { ومن آياته } أي الدالة على تمام قدرته واختياره ووحدانيته ~~وعظيم سلطانه تسخيره وتذليله لسير الفلك فيه حاملة ما لا يحمله غيرها، ~~وهو معنى قوله: { الجوار } أي من السفن، وهي من الصفات التي جرت مجرى ~~الأعلام، ودل على الموصوف ما بعده فلذلك حذف لأن القاعدة أن الصفة إذا لم ~~تخص الموصوف امتنع حذفه فنقول: مررت بمهندس، ولا تقول: مررت بماش - إلا ~~بقرينة كما هنا. # ولما كانت ثقيلة في أنفسها، وكان يوضع فيها من الأحمال ما يثقل الجبال، ~~وكان كل ثقيل ليس له من ذاته إلا الغوص في الماء، كانت كأنها فيه لا عليه ~~لأنها جديرة بالغرق فقال تعالى محذرا من سطواته متعرفا بجليل نعمته ~~معرفا بحقيقة الجواري: { في البحر كالأعلام * } أي الجبال الشاهقة بما ~~لها من العلو في نفسها عن الماء ثم بما يوصلها وما فيه من الشراع عليها ~~من الارتفاع، وقال الخليل: كل شيء مرتفع عند العرب فهو علم. # ولما كان كأنه قيل: وما تلك الآيات؟ ذكر ما يخوفهم منها ويعرفهم أن جميع ~~ما أباحهم إياه من شؤونها إنما هو بقدرته واختياره فقال: { إن يشاء } أي ~~الله الذي حملكم فيها على ظهر الماء آية بينة سقط اعتبارها عندكم لشدة ~~الفكر لها { يسكن الريح } التي يسيرها وانتم مقرون أن أمرها ليس إلا ~~بيده { فيظللن } أي فتسبب عن ذلك أنهن يظللن أن ms4345 يقمن ليلا كان أو ~~نهارا، ولعله عبر به مع أن أصله الإقامة نهارا لأن النهار موضع ~~الاقتدار على الأشياء وهو المنتظر عند كل متعسر للسعي في إزالة عسره ~~وتيسر أمره { رواكد } أي ثوابت مستقرات من غير سير { على ظهره } ثباتا ~~ظاهرا بما دل عليه إثبات اللامين وفتح لامه الأولى للكل. # ولما كان ذلك موضع إخلاصهم الدعوة لله والإعراض عن الشركاء فإنهم كانوا ~~يقولون في مثل هذا الحال: اخلصوا فإن آلهتكم - أي من الأصنام وغيرها من ~~دون الله - لا تغني في البحر شيئا، وكانوا ينسبون ذلك شركاء مع طلوعهم ~~إلى البر كانوا بمنزلة من لا يعد ذلك آية أصلا، فلذلك أكد قوله: { إن في ~~ذلك } أي ما ذكر من حال السفن في سيرها وركودها مما لا يقدر عليه إلا ~~الله سبحانه بدليل ما للناس كافة من الإجماع على التوجه في ذلك إليه خاصة ~~والانخلاع مما سواه { لآيات } أي على أن إحاطته سبحانه بجميع صفات الكمال ~~أمر مركوز في العقول ثابت في الفطر الأولى مما لا يصد عنه إلا الهوى، ~~وعلى أن بطلان أمر ما دونه لذلك هو من الظهور بمكان لا يجهل. # ولما كانوا يتمادحون بالصبر على نوازل الحدثان والشكر لكل إحسان ~~ويتذامون بالجزع والكفران، وكان ذلك يقتضي ثباتهم على حال واحد فإن كان ~~الحق عليهم لمعبوداتهم فرجوعهم عنها عند الشدائد مما لا ينحو نحوه ولا ~~يلتفت لفتة أحد من كمل الرجال الذين يجانبون العار والاتسام بمسيم ~~الإغمار، وإن كان الحق كما هو الحق لله فرجوعهم عنه عند الرخاء بعد ~~إنعامه عليهم بإنجائهم من الشدة لا يفعله ذو عزيمة، قال مشيرا إلى ذلك ~~بصيغتي المبالغة: { لكل صبار } أي في الشدة { شكور * } أي في الرخاء وإن ~~كثر مخالفوه، وعظم نزاعهم له، وهاتان صفتا المؤمن المخلص الذي وكل همته ~~بالنظر في الآيات فهو يستملي منها العبر ويجلو بها من البصيرة عين البصر. # ولما نبه بهذا الاعتراض بين الجزاء ومعطوفه على ما فيه من دقائق المعاني ~~في جلائل المباني، قال مكملا لما في ذلك ms4346 من الترغيب في صورة الترهيب: { ~~أو } أي أو أن يشاء في كل وقت أراده، واسند الإيباق إلى الجواري تأكيدا ~~لإرادة العموم في هلاك الركاب فقال: { يوبقهن } أي يهلكهن بالإغراق ~~بإرسال الريح وغير ذلك من التباريح حتى كأنهن بعد ذلك العلو في وقبه أي ~~حفره، وطاق في الماء وقعره، وقد تقدم تحقيق معنى " وبق " بجميع تقاليبه ~~في سورة الكهف، ومنه أن وبق كوعد ووجل وورث وبوقا وموبقا: هلك، والموبق ~~كمجلس: المهلك وكل شيء حال بين شيئين لأن الوقبة تحول بين ما فيها وبين ~~غيره، ومنه قيل للموعد: موبق، وأوبقه: حبسه أو أهلكه. # ولما كان الإهلاك لهن إهلاكا للركاب، قال مبينا أنهم المقصودون مجردا ~~الفعل إشارة إلى أن ابن آدم لما طبع عليه من النقائص ليس له من نفسه فعل ~~خال عن شوب نقص حثا له على اللجوء إلى الله في تهذيب نفسه وإخلاص فعله: ~~{ بما كسبوا } أي فعلوا من المعاصي بجدهم فيه واجتهادهم. # ولما كان التقدير تفصيلا للإيباق: فيغرق كل من فيهن إن شاء ويغرق ~~كثيرا منهم إن شاء عطف عليه قوله: { ويعف } أي إن يشاء { عن كثير * } أي ~~من الناس الذين في هذه السفن الموبقه، فينجيهم بعوم أو حمل عى خشبة أو ~~غير ذلك، وإن يشأ يرسل الريح طيبة فينجيها ويبلغها أقصى المراد إلى غير ~~ذلك من التقادير الداخلة تحت المشيئة، فالفعل كما ترى عطف على يوبق، وعطف ~~بالواو لأنه قسم من حالي الموبقة، وهو بمعنى ما ورى عن أهل المدينة من ~~نصب " يعفو " بتقدير " إن " ليكون المعنى: يوقع إيباقا وعفوا. # ولما كان هذا كله على صورة الاختبار لن يستبصر فيدوم إخلاصه، ومن يرجع ~~إلى العمى فلا يكون خلاصه، قال مبينا بالنصب للصرف عن العطف على شيء من ~~الأفعال الماضية لفساد المعنى لكونها في حيز الشرط، فيصير العلم أيضا ~~مشروطا: { ويعلم الذين يجادلون } أي عند النجاة بالعفو. ولما كان مقام ~~العظمة شديد المنافاة للمجادلة، لفت القول إليه فقال: { في آياتنا } أي ~~هذه التي لا تضاهي عظمتها ولا تقايس جلالتها وعزتها ms4347 رجوعا إلى ما كانوا ~~عليه من الشرك والنزاع في تمام القدرة بإنكار البعث، ومن واو الصرف يعرف ~~أن مدخولها مفرد في تأويل المصدر لأن النصب فيها بتقدير أن فيكون مبتدأ ~~خبره ما يدل عليه السياق فالتقدير هنا: وعلمه سبحانه بالمجادلين عند هذا ~~حاصل، والتعبير عنه بالمضارع لإفادة الاستمرار لتجدد تعلق العلم بكل ~~مجادل كلما حصل جدال، وقراءة نافع وابن عامر بالرفع دالة على هذا، فإن ~~التقدير: وهو يعلم - فالرفع هنا والنصب سواء، قال الرضي في شرح قول ابن ~~الحاجب في نواصب الفعل: والفاء - أي ناصبة - بشرطين: السببية، والثاني أن ~~يكون قبلها أحد الأشياء الثمانية، والواو الواقعتين بعد الشرط قبل الجزاء ~~نحو أن تأتني فتكرمني أو تكرمني أنت، أو بعد الشرط والجزاء: إن تأتني إنك ~~فأكرمك أو وأكرمك، وذلك لمشابهة الشرط في الأول والجزاء في الثاني النفي، ~~إذ الجزاء مشروط ووجوده بوجود الشرط، ووجود الشرط مفروض، فكلاهما غير ~~موصوفين بالوجود حقيقة، وعليه حمل قوله تعالى { ويعلم الذين } في قراءة ~~النصب، ثم قال: وكذا يقول في الفعل المنصوب بعد واو الصرف أنهم لما قصدوا ~~فيها معنى الجمعية نصبوا المضارع بعدها ليكون الصرف عن سنن الكلام ~~المتقدم مرشدا من أول الأمر أنها ليست للعطف فهي إذن إما واو الحال ~~وأكثر دخولها على الاسمية فالمضارع بعدها في تقدير مبتدأ محذوف الخبر ~~وجوبا، فمعنى قم وأقوم: قم وقيامي ثابت: أي في حال ثبوت قيامي، وأما ~~بمعنى مع وهي لا تدخل إلا على الاسم قصدوا ها هنا مصاحبة الفعل للفعل ~~منصوبا ما بعدها، فمعنى قم وأقوم: قم مع قيامي كما قصدوا في المفعول معه ~~مصاحبة الاسم للاسم فنصبوا ما بعد الواو، ولو جعلنا الواو عاطفة للمصدر ~~متصيد من الفعل قبله النجاة، أي لم يكن منك قيام وقيام مني، لم يكن فيه ~~نصوصية على معنى الجمع، والأولى في قصد النصوصية في شيء على معنى أن يجعل ~~على وجه يكون ظاهرا فيما قصدوا النصوصية عليه، وإنما شرطوا في نصب ما ~~بعد فاء السببية كون ما قبلها أحد الأشياء ms4348 المذكورة أي الأمر والنهي ~~والنفي والاستفهام والتمني والعرض والتحضيض والرجاء لأنها غير حاصلة ~~المصادر فتكون كالشرط الذي ليس بمتحقق الوقوع، ويكون ما بعد الفاء ~~كجزائها ثم حملوا ما قبل واو الجمعية في وجوب كون أحد الأشياء المذكورة ~~على ما قبل فاء السببية التي هي أكثر استعمالا من الواو في مثل هذا ~~الموضع أعني في انتصاب المضارع بعدها، وذلك لمشابهة الواو للفاء في أصل ~~العطف، وفي صرف ما بعدهما عن سنن العطف لقصد السببية في إحداهما والجمعية ~~في الأخرى، ولقرب الجمعية من التعقب الذي هو لازم السببية ثم قال: وكذا ~~ربما لم يصرف بعد واو الحال قد تدخل على المضارع المثبت كما ذكرنا في باب ~~الحال، نحو قمت وأضرب زيدا أي وأنا أضرب. # ولما كان علم القادر بالمعصية موجبا لعذاب من عصاه، كان كأنه قيل: قد ~~خسر من فعل ذلك فيا ليت شعري ما يكون حالهم؟ أجاب بقوله: { ما لهم من ~~محيص * } أي محيد ومفر أصلا عن عذابه، ولا بشيء يسير، وإن تأخر في نظركم ~~إيقاع العذاب بهم فإن عذابه سبحانه منه ما هو باطن وهو الاستدراج بالنعم ~~وهذا لا يدركه إلا أرباب القلوب المقربون لدى علام الغيوب، ومنه ما هو ~~ظاهر، ويجوز أن يكون " الذين " فاعل " يعلم " ، وحينئذ تكون هذه الجملة ~~في محل نصب لسدها مسد مفعول العلم. ### || [42.36-39] # ولما علم أن جميع النعم من الغيث وأثاره، ومن نشر الدواب برا وبحرا ~~بمعرض من الزوال وهو عظيم التقلبات هائل الأحوال سبب عنه قوله محقرا ~~لدنياهم وما فيها من الزهرة بسرعة الذبول والزوال، والأفوال والارتحال، ~~ولهم بأنها مع ما ذكر لا قدرة لهم على شيء منها إلا يموت يمن عليهم بها، ~~وأما هم فقوم ضعفاء لا قدرة لهم على شيء وليس لهم من أنفسهم إلا العجز، ~~فلو عقلوا لعلموا ولو علموا لعملوا عمل العبيد، وأطاعوا القوي الشديد: { ~~فما أوتيتم } أي أيها الناس { من شيء } أي من النعم الظاهرة، وأجاب " ما ~~" الشرطية بقوله: { فمتاع الحياة الدنيا } أي القريبة الدنيئة لا نفع فيه ms4349 ~~لأحد إلا مدة حياته، وذلك جدير بالإعراض عنه وعما يسببه من الأعمال إلا ~~ما يقرب إلى الله { وما } أي والذي، ولفت الكلام عن مظهر العظمة إلى أعظم ~~منها بذكر الاسم الجامع للترغيب في ذكر آثار الأوصاف الجمالية والترهيب ~~من آثار النعوت الجلالية فقال: { عند الله } أي الملك الأعظم المحيط بكل ~~شيء قدرة وعلما من نعم الدارين { خير } أي في نفسه وأشد خيرية من النعم ~~الدنيوية المحضة لانقطاع نفعها. ولما كانت النعم الدنيوية قد تصحب ~~الإنسان طول عمره فتسبب بذلك إلى البقاء قال: { وأبقى } أي من الدنيوية ~~لأنه لا بد من نزعها منه بالموت، ولذلك قيد بالحياة فلا تؤثر الفاني على ~~خساسته على الباقي مع نفاسته. # ولما بين ما لها من النفاسة ترغيبا فيها، بين من هي له فقال: { للذين ~~آمنوا } أي أوجدوا هذه الحقيقة { وعلى } أي والحال أنهم صدقوها بأنهم ~~على، ولفت القول إلى صفة الإحسان لأنها نسب شيء للمتوكل، وأحكم الأمر ~~بالإضافة إشارة إلى " إنه إحسان " هو في غاية المناسبة لحالهم فقال: { ~~ربهم } أي الذي لم يروا إحسانا قط إلا منه وحده بما رباهم من الإخلاص له ~~{ يتوكلون } أي يحملون جميع أمورهم عليه كما يحمل غيرهم متاعه على من ~~يتوسم فيه قوة على الحمل ولا يلتفتون في ذلك إلى شيء غيره أصلا لينتفي ~~عنهم بذلك الشرك الخفي كما انتفى بالإيمان الشرك الجلي، والتعبير بأداة ~~الاستعلاء تمثيل للإسناد والتفويض إليه بالحمل عليه لأن الحمل أبين في ~~الراحة، وأظهر في البعد من الهم والمشقة، ولعل التعبير بالمضارع للتخفيف ~~في أمر التوكل بالرضى بتجديده كلما تجدد مهم، ومن كان كذلك كان الله ~~كافيه كل ملم، فيشاركون أهل الدنيا في نيل نعمها ويفارقونهم في أن ربهم ~~سبحانه يجعلها على وجه لا حساب عليهم فيها، بل ولهم فيها الأجور الموجبة ~~للنعمة والحبور، وفي أنه يجعلها كافية لمهماتهم وسادة لخلاتهم، ويزيدهم ~~الباقيات الصالحات التي يتسبب عنها نعيم الآخرة بعد راحة الدنيا. # ولما كان كل من الإيمان والتوكل امرا باطنا فكان لا بد من دلائله من ms4350 ~~ظواهر الأعمال، وكانت تخليات من الرذائل وتحليات بالفضائل وكانت التخليات ~~لكونها درء للمفاسد مقدمة على التحليات التي هي جلب للمصالح قال عاطفا ~~على { الذين }: { والذين يجتبنون } أي يكلفون أنفسهم أن يجابوا { كبائر ~~الإثم } أي جنس الفعال الكبار التي لا توجد إلا ضمن أفرادها ويحصل بها ~~دنس للنفس، فيوجب عقابا لها مع الجسم، وعطف على { كبائر } قوله: { ~~والفواحش } وهي ما أنكره الشرع والعقل والطبع التي هي آيات الله الثلاث ~~التي نصبها حجة على عباده وله الحجة البالغة فاستعظم الناس أمرها ولو ~~أنها صغائر لدلالتها على الإخلال بالمروءة كسرقة لقمة والإقرار على ~~المعصية من شيخ جليل القدر لمن لا يخشاه ولا يرجوه، وقرأ حمزة والكسائي: ~~كبير، وهو للجنس، فهو بمعنى قراءة الجمع أو هي أبلغ لشمولها المفرد. ولما ~~ذكر ما قد تقود إليه المطامع دون حمل الغضب الصارع قال منبها على عظمته ~~معبرا بأداة التحقق دلالة على أنه لا به منه توطينا للنفس عليه معلقا ~~بفعل الغفر: { وإذا } وأكد بقوله: { ما } وقدم الغضب إشارة إلى الاهتمام ~~بإطفاء جمره وتبريد حره فقال: { غضبوا } أي غضبا هو على حقيقته من أمر ~~مغضب في العادة، وبين بضمير الفصل أن بواطنهم في غفرهم كظواهرهم فقال: { ~~هم يغفرون } أي الإحصاء والإخفاء بأنهم كلما تجدد لهم غضب جددوا غفرا أي ~~محوا للذنب عينا وأثرا مع القدرة على الانتقام فسجاياهم تقتضي الصفح ~~دون الانتقام ما لم يكن من الظالم بغي لأنه لا يؤاخذ على مجرد الغضب إلا ~~متكبر، والكبر لا يصلح لغير الإله وذلك لأنه لا يغيب أحلامهم عند اشتداد ~~الأمر ما يغيب أحلام غيرهم من طيش الجهل وسفاهة الرأي، فدل ذلك على أن ~~الغفر دون غضب لا يعد بالنسبة إلى الغفر معه، وفي الصحيح أنه صلى الله ~~عليه وسلم ما انتقم لنفسه قط إلا أن تنتهك حرمات الله، وروى ابن أبي حاتم ~~عن إبراهيم قال: كان المؤمنون يكرهون أن يستذلوا وكانوا أذا قدروا عفوا. # ولما أتم ما منه التحلي، أتبعه ما به التخلي، وذكر أوصافا أربعة هي ~~قواعد ms4351 النصفة ما انبنى عليها قط ربعها إلا كان الفاعلون لها كالجسد ~~الواحد لا تأخذهم نازلة في الدنيا ولا في الآخرة فقال: { والذين استجابوا ~~} أي أوجدوا الإجابة بمالهم من العلم الهادي إلى سبيل الرشاد { لربهم } ~~أي الداعي لهم إلى إجابته إحسانه إليهم إيجادا من شدة حمل أنفسهم عليه ~~يطلبونه من أنفسهم طلبا عظيما صادقا لم يبق معه لأحدهم نفس ولا بقية ~~من وهم ولا رسم إلا على موافقة رضاه سبحانه لأنهم يعلمون أنه ما دعاهم ~~إليه وهو مربيهم لصلاحهم وسعدهم وفلاحهم، لأنه محيط العلم شديد الرحمة لا ~~يتهم بوجه من الوجوه. # ولما كان هذا عاما لكل خير دعا إليه سبحانه، خص أعظم عبادات البدن، ~~وزاد في عظمتها بالتعبير بالإقامة فقال: { وأقاموا } أي بما لهم من القوة ~~{ الصلاة } فأفهم ذلك مع اللام أنهم أوجدوا صورتها محمولة بروحها على وجه ~~يقتضي ثبوتها دائما. ولما كانت الاستجابة توجب للاتحاد القلوب بالإيمان ~~الموجب للاتحاد في الأقوال والأفعال، والصلاة توجب الاتحاد بالأبدان، ذكر ~~الاتحاد بالأقوال الناشىء عنه عند أولي الكمال الاتحاد في الأفعال، فقال ~~معبرا بالاسمية حثا على أن جعلوا ذلك لهم خلقا ثابتا لا ينفك: { ~~وأمرهم } أي كل ما ينوبهم مما يحوجهم إلى تدبير { شورى } أي يتشاورون فيه ~~مشاورة عظيمة مبالغين مما لهم من قوة الباطن وصفائه في الإخلاص والنصح، ~~من الشور وهو العرض والإظهار { بينهم } أي بحيث إنهم لا فرق في حال ~~المشاورة بين كبير منهم وصغير بل كل منها يصغي إلى كلام الآخر وينظر في ~~صحته وسقمه بتنزيله على أصول الشرع وفروعه، فلا يستبدل أحد منهم برأي ~~لدوام اتهامه لرأيه لتحققه نقصه بما له من غزارة العلم وصفاء الفهم ولا ~~يعجلون في شيء بل صار التأبي لهم خلقا، وسوق المشورة هذا السياق دال على ~~عظيم جدواها وجلالة نفعها قال الحسن رحمه الله: ما تشاور قوم إلا هدوا ~~لأرشد أمرهم - على أنه روى الطبراني في الصغير والأوسط لكن بسند ضعيف عن ~~أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ما خاب ms4352 من استخار ولا ندم من استشار ولا عال من اقتصد " # وروى في الأوسط عن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " من أراد أمرا فشاور فيه أمرأ مسلما وفقه الله لأرشد أمره ". # ولما كانت المواساة بالأموال بعد الاتحاد في الأقوال والافتاق في ~~الأفعال أعظم جامع على محاسن الخلال، واظهر دال على ما ادعى من الاتحاد ~~في الحال والمآل قال مسهلا عليهم أمرها بأنه لا مدخل لهم في الحقيقة في ~~تحصيلها راضيا منهم باليسير منها: { ومما } ولفت القول إلى مظهر العظمة ~~تذكيرا بما يتعارفونه بينهم من أنه لا مطمع في التقرب من العظماء إلا ~~بالهدايا فقال: { رزقناهم } أي بعظمتنا من غير حول منهم ولا قوة { ينفقون ~~* } أي يديمون الإنفاق كرما منهم وإن قل ما بأيديهم اعتمادا على فضل ~~الله سبحانه وتعالى لا يقبضون أيديهم كالمنافقين، وذلك الإنفاق على حسب ~~ما حددناه لهم فواسوا بالمشورة في فضل عقولهم وبالإنفاق في فضل أموالهم ~~تقوى منهم ومراقبة لله لا شهوة نفس. # ولما كان في العقوبة مصلحة ومفسدة فندب سبحانه إلى المغفرة تقديما لدرء ~~المفسدة لأن الإنسان لعدم علمه بالقلوب لا يصح له بوجه أن يعاقب بمجرد ~~الغضب لأنه قد يخطئ فيعاقب من أغضبه، وهو شريف الذات كريم الطبع على ~~الهمة أبي النفس، ما وقع منه الذنب الذي أغضب إلا خطأ معفوا عنه أو كذب ~~عليه فيه فيربي في نفسه أخته تفسد ذات البين فيجر إلى خراب كبير، وكانت ~~إدامة الغفر جالبة للفساد مجرئة على العناد، وكان البغي هو التمادي في ~~السوء محققا لقصد الذنب مجوزا للإقدام على الانتقام، وكان الانتصار من ~~الفجار ربما أحوج مع قوة الجنان إلى إنفاق المال، عقب الإنفاق بمدح ~~الانتصار بقوله: { والذين } وذكر أداة التحقق إشارة إلى أن شرطها لا بد ~~من وقوعه بالفعل أو بالقوة فقال ناصبا بفعل الانتصار مقدما لما من شأن ~~النفس الاهتمام بدفعه لعدم صبرها عليه: { إذا أصابهم } أي وقع بهم وأثر ~~فيهم { البغي } وهو التمادي على الرمي بالشر { هم } أي ms4353 بأنفسهم خاصة لما ~~لهم من قوة الجنان والأركان المعلمة بأن ما تقدم من غفرانه ما كان إلا ~~لعلو شأنهم لا لهوانهم { ينتصرون * } أي يوقعون بالعلاج بما أعطاهم الله ~~من سعة العقل وشدة البطش وقوة القلب النصر لأنفسهم في محله على ما ينبغي ~~من زجر الباغي عن معاودتهم وعن الاجتراء على غيرهم مكررين لذلك كلما كرر ~~لهم فيكون ذلك من إصلاح ذات البين، ليسوا بعاجزين ولا في أمر دينهم ~~متوانين، والتعبير في هذه الأفعال بالإسناد إلى الجمع إشارة إلى أنه لا ~~يكون تمام التمكن الرادع إلا مع الاجتماع، ومن كان فيها مفردا كان همه ~~طويلا وبثه جليلا، قال النخعي: كانوا يكرهون أن يذلوا أنفسهم فيجترئ ~~عليهم الفساق. ### || [42.40-44] # ولما كان الإذن في الانتصار في هذا السياق المادح مرغبا فيه مع ما ~~للنفس من الداعية إليه، زجر عنه لمن كان له قلب أولا بكفها عن الاسترسال ~~فيه وردها على حد المماثلة، وثانيا بتسميته سيئة وإن كان على طريق ~~المشاكلة، وثالثا بالندب إلى العفو، فصار المحمود منه إنما هو ما كان ~~لإعلاء كلمة الله لا شائبة فيه للنفس أصلا فقال: { وجزاء سيئة } أي أي ~~سيئة كانت { سيئة مثلها } أي لا تزيد عليها في عين ولا معنى أصلا، وقد ~~كفلت هذه الجمل بالدعاء إلى أمهات الفضائل الثلاث العلم والعفة والشجاعة ~~على أحسن الوجوه، فالمدح بالاستجابة والصلاة دعاء إلى العلم، وبالنفقة ~~إلى العفة، وبالانتصار إلى الشجاعة، حتى لا يظن ظان أن إذعانهم لما مضى ~~مجرد ذل، والقصر على المماثلة دعاء إلى فضيلة التقسيط بين الكل وهي ~~العدل، وهذه الأخيرة كافلة بالفضائل الثلاث، فإن من علم المماثلة كان ~~عالما، ومن قصد الوقوف عندها كان عفيفا، ومن قصر نفسه على ذلك كان ~~شجاعا، وقد ظهر من المدح بالانتصار بعد المدح بالغفران أن الأول للعاجز ~~والثاني للمتغلب المتكبر بدليل البغي. # ولما كان شرط المماثلة نادبا بعد شرع العدل الذي هو القصاص إلى العفو ~~الذي هو الفصل لأن تحقق المثلية من العبد الملزوم للعجز لا يكاد يوجد، ~~سبب عنه ms4354 قوله: { فمن عفا } أي بإسقاط حقه كله أو بالنقص عنه لتتحقق ~~البراءة مما حرم من المجاوزة { وأصلح } أي أوقع الإصلاح بين الناس بالعفو ~~والإصلاح لنفسه ليصلح الله ما بينه وبين الناس، فيكون بذلك منتصرا من ~~نفسه لنفسه { فأجره على الله } أي المحيط بجميع صفات الكمال فهو يعطيه ~~على حسب ما يقتضيه مفهوم هذا الاسم الأعظم، وهذا سر لفت الكلام إليه عن ~~مظهر العظمة وقوله صلى الله عليه وسلم: # " ما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا ". # ولما كان هذا ندبا إلى العفو بعد المدح بالانتصار، بين أن علته كراهة ~~أن يوضع شيء في غير محله لأنه لا يعلم المماثلة في ذلك إلا الله، فقال ~~مضمرا إشارة إلى أن المثلية من الغيب الخفي مؤكدا لكف النفس لما لها من ~~عظم الاسترسال في الانتصار: { إنه لا يحب الظالمين * } أي لا يكرم ~~الواضعين للشيء في غير محله دأب من يمشي في مأخذ الاشتقاق إذا كان عريقا ~~في ذلك سواء كان ابتداء أو مجاوزة في الانتقام بأخذ الثأر. # ولما كان هذا سادا لباب الانتصار لما يشعر به من أنه ظلم على كل، قال ~~مؤكدا نفيا لهذا الإشعار: { ولمن انتصر } أي سعى في نصر نفسه بجهده { ~~بعد ظلمه } أي بعد ظلم الغير له وليس قاصد البعد عن حقه ولو استغرق ~~انتصاره جميع زمان البعد. # ولما بين تعالى ما لذلك الناظر في مصالح العباد المنسلخ من خط نفسه ~~إحسانا إلى عباد الله من الرتبة العليا، بين ما لهذا الذاب عن نفسه ~~القاصد لشفاء صدره وذهاب غيظه، فقال رابطا للجزاء بفاء السبب بيانا ~~لقصور نظره على دفع الظلم عن نفسه، ويجوز كون { من } موصولة والفاء لما ~~للموصول من شبه الشرط. # ولما عبر أولا بالإفراد فكان ربما قصر الإذن على الواحد لئلا تعظم ~~الفتنة، جمع إشارة إلى أن الفتنة إنما هي في إقرار الظلم لا في نصر ~~المظلوم واحدا كان أو جماعة فقال: { فأولئك } أي المنتصرون لأجل دفع ظلم ~~الظالم عنهم فقط { ما عليهم } وأكد بإثبات الجار فقال: { من ms4355 سبيل * } أي ~~عقاب ولا عتاب، وروى النسائي وابن ماجه عن عائشة رضي الله عنها قالت: # " ما علمت حتى دخلت علي زينب رضي الله عنها بغير إذن وهي غضبى ثم ~~أقبلت علي فأعرضت عنها حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: دونك فانتصري، ~~فأقبلت عليها حتى رأيتها قد يبس ريقها في فيها ما ترد علي شيئا، فرأيت ~~النبي صلى الله عليه وسلم يتهلل وجهه ". # ولما نفى السبيل عنه بعد تشوف السامع إلى موضع ما أشعر به الكلام السابق ~~من الظلم، بين ذلك فقال: { إنما السبيل } أي الطريق السالك الي لا منع ~~منه أصلا بالحرج والعنت { على } وجمع إعلاما بكثرة المفسدين تجرئة على ~~الانتصار منهم وإن كانوا كثيرا فإن الله خاذلهم فقال: { الذين يظلمون ~~الناس } أي يوقعون بهم ظلمهم تعمدا عدوانا { ويبغون } أي يتجاوزن ~~الحدود { في الأرض } بما يفسدها بعد إصلاحها بتهيئتها للصلاح طبعا ~~وفعلا وعلما وعملا. ولما كان الفعل قد يكون بغيا وإن كان مصحوبا بحق ~~كالانتصار المقترن بالتعدي فيه قال: { بغير الحق } أي الكامل ولما أثبت ~~عليهم بهذا الكلام السبيل، كان السامع جديرا بأن يسأل عنه فقال: { أولئك ~~} أي البغضاء البعداء من الله { لهم عذاب أليم * } أي مؤلم بما آلموا من ~~ظلموه من عباد الله بحيث يعم إيلامه أبدانهم وأرواحهم بما لها من المشاعر ~~الظاهرة والباطنة. # ولما أفهم سياق هذا الكلام وترتيبه هكذا أن التقدير: فلمن صبر عن ~~الانتصار أحسن حالا ممن انتصر، لأن الخطأ في العفو أولى من الخطأ في ~~الانتقام، عطف عليه مؤكدا لما أفهمه السياق أيضا من مدح المنتصر: { ~~ولمن صبر } عن الانتصار من غير انتقام ولا شكوى { وغفر } فصرح بإسقاط ~~العقاب والعتاب فمحا عين الذنب وأثره: { إن ذلك } أي ذلك الفعل الواقع ~~منه البالغ في العلو جدا لا يوصف { لمن عزم الأمور * } أي الأمور التي ~~هي لما لها من الأهلية لأن يعزم عليها قد صارت في أنفسها كأنها دوات ~~العزم أو متأهلة لأن تعزم على ما تريد، والعزم: الإقدام على الأمر بعد ~~الروية والفكرة، قال أبو ms4356 علي بن الفراء؛ آيات العفو محمولة على الجاني ~~النادم، وآيات مدح الانتصار على المصر، وذلك إنما يحمد مع القدرة على ~~تمام النصرة كما قال يوسف عليه الصلاة والسلام لإخوته # لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم # [الآية: 92] وقال: فعل النبي صلى الله عليه وسلم في مواطن كثيرة منها ~~الموقف الأعظم الذي وقفه يوم الفتح عند باب الكعبة وقال لقريش وهم تحته ~~كالغنم المطيرة: # " ما تظنون أني فاعل بكم يا معشر قريش؟ قالوا: خيرا، أخ كريم وابن أخ ~~كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء " # ، وروى أحمد وأبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا شتم أبا بكر ~~رضي الله عنه فلما رد عليه قام صلى الله عليه وسلم ثم قال: # " يا أبا بكر! ثلاث كلهن حق ما من عبد مظلم مظلمة فعفى عنها لله إلا أعز ~~الله بها نصره، وما فتح رجل باب عطية يريد بها صلة إلا زاده الله بها ~~كثرة وما فتح رجل باب مسألة يريد بها كثرة إلا زاده الله بها قلة ". # ولما بان في هذا الكلام المقتصر على الصبر والجامع إليه الغفر والمقتضي ~~بالنصر أدرجهم كلهم في دائرة الحق، أتبعه من خرج عن تلك الدائرة، فقال ~~مخبرا أن ما شاءه كان وما لم يشأه لم يكن عطفا على نحو: فمن يهدي الله ~~للوقوف عند هذه الحدود فما له من مضل، مبينا بلفظ الضلال أن ما شرعه من ~~الطريق في غاية الوضوح لا يزيغ عنه أحد إلا بطرد عظيم: { ومن يضلل الله } ~~أي الذي له صفات الكمال إضلالا واضحا بما أفاده الفك بعدم البيان أو ~~بعدم التوفيق لمطلق الصبر أعم من أن يكون الاقتصار على أخذ الحق وبتأخير ~~الحق إلى وقت وبالعفو وبالغفر. # ولما كان الضال عن ذلك لا يكون إلا مجبولا على الشر، سبب عنه قوله: { ~~فما له } أي في ذلك الوقت { من ولي } أي يتولى أمره في الهداية بالبيان ~~لما أخفاه الله عنه أو التوفيق لما بينه له { من بعده } أي من بعد معاملة ~~الله ms4357 له معاملة البعيد من وكله إلى نفسه وغيره من الخلق في شيء من زمان ~~البعد ولو قل. # ولما كان مبنى أمر الضال على الندم ولو بعد حين، قال عاطفا على نحو: ~~فترى الظالمين قبل رؤية العذاب في غاية الجبروت والبطر والتكذيب بالقدرة ~~عليهم، فهم لذلك لا يرجون حسابا ولا يخافون عقابا: { وترى } وقال: { ~~الظالمين } موضع " وتراهم " لبيان أن الضال لا يضع شيئا في موضعه، ولما ~~كان عذابهم حتما، عبر عنه بالماضي فقال: { لما رأوا العذاب } أي المعلوم ~~مصير الظالم إليه رؤية محيطة بظاهره وباطنه يتمنون الرجعة إلى الدنيا ~~لتدارك ما فات من الطاعات الموجبة للنجاة { يقولون } أي مكررين مما ~~اعتراهم من الدهش وغلب على قلوبهم من الوجل: { هل إلى مرد } أي رد إلى ~~دار العمل وزمانه مخلص من هذا العذاب { من سبيل }. ### || [42.45-48] # ولما أثبت رؤيتهم العذاب، أثبت دنوهم من محله وبين حالهم في ذلك الدنو ~~فقال: { وتراهم } أي يا أكمل الخلق ويا أيها المتشوف إلى العلم بحالهم ~~بعينك حال كونهم { يعرضون } أي يجدد عرضهم ويكرر، وهو إلجاؤهم إلى أن ~~يقارنوها بعرضهم الذي يلزم محاذاتهم لها أيضا بطولهم ليعلموا أنها ~~مصيرهم فلا مانع لها منهم { عليها } أي النار التي هي دار العذاب مكررا ~~عرضهم في طول الموقف مع ما هم فيه من تلك الأهوال بمقاساة ما عليهم من ~~الأحمال الثقال حال كونهم { خاشعين } أي في غاية الضعة والإلقاء باليد ~~خشوعا هو ثابت لهم. # ولما كان الخشوع قد يكون محمودا قال: { من الذل } لأنهم عرفوا إذ ذاك ~~ذنوبهم وانكشفت لهم عظمة من عصوه. # ولما كان الذل ألوانا، صوره بأقبح صورة فقال معبرا بلفظ النظر الذي هو ~~مماسة البصر لظاهر المبصر: { ينظرون } أي يبتدئ نظرهم المتكرر { من طرف } ~~أي تحريك للأجفان { خفي } يعرف فيه الذل لأنه لا يكاد من عدم التحديق يظن ~~أنه يطرف لأنهم يسارقون النظر مسارقة كما ترى الإنسان ينظر إلى المكاره، ~~والصبور ينظر إلى السيف الذي جرد له فهو بحيث لا يحقق منظورا إليه، بل ~~ربما تخيله بأعظم مما ms4358 هو عليه. ولما صور حالهم وكان من أفظع الأشياء ~~وأقطعها للقلوب شماتة العدو، قال مبشرا لجميع أصناف أهل الإيمان ورادعا ~~لأهل الكفران: { وقال } أي في ذلك الموقف الأعظم على سبيل التعبير لهم ~~والتبكيت والتوبيخ والتقريع { الذين آمنوا } أي أوقعوا هذه الحقيقة سواء ~~كان إيقاعهم لها في أدنى الرتب أو أعلاها عند رؤيتهم إياهم على هذا ~~الحال، مؤكدين لتحقيق مقالهم عند من قضى بضلالهم والإعلام بما لهم من ~~السرور بصلاح حالهم، والحمد لمن من عليهم بحس منقلبهم ومآلهم، ويجوز أن ~~يكون قولهم هذا في الدنيا لما غلب على قلوبهم من الهيبة عندما تحققوا هذه ~~المواعظ: { إن الخاسرين } أي الذين كملت خسارتهم هم خاصة { الذين خسروا ~~أنفسهم } بما استغرقها من العذاب { وأهليهم } بمفارقتهم لهم إما في إطباق ~~العذاب إن كانوا مثلهم في الخسران أو في دار الثواب إن كانوا من أهل ~~الإيمان. # ولما أخبر بخسارتهم بين ظرفها تهويلا لها، ويجوز أن يكون ظرفا لهذا ~~القول وهو أردع لمن له مسكة لأن من جوز أن يخسر وأن عدوه يطلع على خسارته ~~ويظهر الشماتة به، كان جديرا بأن يترك السبب الحامل على الخسارة فقال: { ~~يوم القيامة } أي الذي هو يوم فوت التدراك لأنه للجزاء لا للعمل لفوات ~~شرطه بفوات الإيمان بالغيب لانكشاف الغطاء. ولما كان هذا نهاية الخسارة، ~~أنتج قوله مناديا ذاكرا سبب هذه الخسارة المعينة مؤكدا لأجل إنكار ~~الظالمين لها وإن كان من تتمه قول المؤمنين هناك، فالتأكيد مع ما يفيد ~~الإخبار به في هذه الدار من ردع المنكر للإعلام بما لهم من اللذة فيما ~~رأوا من سوء حالهم وتقطع أوصالهم ورجائهم من أن ينقطع عنهم ذلك كما ينقطع ~~عن عصاة المؤمنين: { ألا إن الظالمين } أي الراسخين في هذا الوصف فهم ~~بحيث لا ينفكون عن فعل الماشي في الظلام بوضع الأشياء في غير مواضعها { ~~في عذاب مقيم * } لا يزايلهم أصلا، فلذلك لا يفرغون منه في وقت من ~~الأوقات، فلذلك كان خسرانهم لكل شيء. # ولما كانت العادة جارية بأن من وقع في ورطة وجد ms4359 في الأغلب وليا ينصره ~~لأو سبيلا ينجيه، قال عاطفا على { وتراهم } أو " ألا إن ": { وما كان } ~~أي صح ووجد { لهم } وأعرق في النفي فقال: { من أولياء } فما لهم من ولي ~~لأن النصرة إذا انتفت من الجمع انتفت من الواحد من باب الأولى. # ولما كان من يفعل فعل القريب لا يفيد إلا إن كان قادرا على النصرة قال: ~~{ ينصرونهم } أي يوجدون نصرهم في وقت من الأوقات لا في الدنيا بأن يقدروا ~~على إنقاذهم من وصف الظلم ولا في الآخرة بإنقاذهم مما جرى عليهم من ~~العذاب. ولما كان الله تعالى يصح منه أن يفعل ما يشاء بواسطة أو غيرها ~~قال: { من دون الله } أي ما صح ذلك وما استقام بوجه بغيره، وأما هو فيصح ~~ذلك منه ويستقيم له لإحاطته بأوصاف الكمال, ولو أراد لفعل, ولما بين ما ~~لهم بين ما لمن اتصف بوصفهم كائنا من كان، فقال بناء على نحو: لأنه هو ~~الذي أضلهم: { ومن يضلل الله } أي يوجد ضلاله إيجادا بليغا بما أفاده ~~الفك على سبيل الاستمرار بعدم البيان له أو بعدم التوفيق بعد البيان: { ~~فما له } بسبب إضلال له جميع صفات الجلال والإكرام، وأعرق في النفي ~~بقوله: { من سبيل * } أي تنجية من الضلال ولا مما تسبب عنه من العذب. ~~ولما كان هذا، أنتج قطعا قوله: { استجيبوا } أي اطلبوا الإجابة ~~وأوجدوها، ولفت القول إلى الوصف الإحساني تذكيرا بما يحث على الوفاق، ~~ويخجل من الخلاف والشقاق، فقال: { لربكم } الذي لم تروا إحسانا إلا وهو ~~منه فيما دعاكم إليه برسوله صلى الله عليه وسلم من الوفاء بعهده في أمره ~~ونهيه، ولا تكونوا ممن ترك ذلك فتكونوا ممن علم أنه أضله فانسد عليه ~~السبيل. # ولما كان الخوف من الفوت موجبا للمبادرة، قال مشيرا بالجار إلى أنه ~~يعتد بأدنى خير يكون في أدنى زمن يتصل بالموت: { من قبل أن يأتي يوم } أي ~~يكون فيه ما لا يمكن معه فلاح؛ ثم وصفه بقوله لافتا إلى الاسم الأعظم ~~الجامع لأوصاف الإحسان والإنعام على المطيعين والقهر والانتقام من ms4360 ~~العاصين: { لا مرد } أي لا رد ولا موضع رد ولا زمان رد { له } كائن { من ~~الله } أي الذي له جميع العظمة وإذا لم يكن له مرد منه لم يكن له مرد من ~~غيره، ومتى عدم ذاك أنتج قوله: { ما لكم } وأعرق في النفي بقوله: { من ~~ملجأ يومئذ } أي مكان تلجؤون إليه في ذلك اليوم وحصن تتحصنون فيه من شيء ~~تكرهونه، وزاد في التأكيد بإعادة النافي وما في حيزه إبلاغا في التحذير ~~فقال: { وما لكم من نكير * } أي من إنكار يمكنكم به من النجاة لأن الحفظة ~~يشهدون عليكم فإن صدقتموهم وإلا شهدت عليكم أعضاؤكم وجلودكم، ولا لكم من ~~أحد ينكر شيئا مما تتجاوزون به ليخلصكم منه. # ولما أنهى ما قدمه في قوله { شرع لكم من الدين } نهايته، ودل عليه وعلى ~~كل ما قادته الحكمة في حيزه حتى لم يبق لأحد شبهة في شيء من الأشياء، كان ~~ذلك سببا لتهديدهم على الإعراض عنه وتسلية رسولهم صلى الله عليه وسلم ~~فقال معرضا عن خطابهم إيذانا بشديد الغضب: { فإن أعرضوا } أي عن إجابة ~~هذا الدعاء الذي وجبت إجابته والشرع الذي وضحت وصحت طريقته بما تأيد به ~~من الحجج، ولفت القول إلى مظهر العظمة دفعا لما قد يوهم الإرسال من ~~الحاجة فقال: { فما أرسلناك } مع ما لنا من العظمة { عليهم حفيظا } أي ~~نقهرهم على امتثال ما أرسلناك به. ولما كان التقدير. فأعرض عن غير ~~إبلاغهم لأنا إنما أرسلناك مبلغا، وضع موضعه: { إن } أي ما { عليك إلا ~~البلاغ } لما أرسلناك به، وأما الهداية والإضلال فإلينا. # ولما ضمن لهذه الآية ما أرسله له، أتبعه ما جبل عليه الإنسان بيانا ~~لأنه صلى الله عليه وسلم لا حكم له على الطباع وأن الذي عليه إنما هو ~~الإسماع لا السماع، فقال عاطفا على ما قبل آية الشرع من قوله { يبسط ~~الرزق لمن يشاء } حاكيا له في أسلوب العظمة تنبيها على أنه الذي حكم ~~عليهم بالإعراض عما هو جدير بأن لا يعرض عنه عاقل، وإيماء إلى أن الإنسان ~~لغلبه جهله وقلة ms4361 عقله يجترىء بأدنى تأنيس على من تجسد الجبال لعظمته ~~وتندك الشوامخ من هيبته: { وإنا إذا أذقنا } بعظمتنا التي لا يمكن ~~مخالفتها. ولما كان من يفرح بالنعمة عند انفراده بها مذموما، عبر بالجنس ~~الصالح للواحد فما فوقه تنبيها على أن طبع الإنسان عدم الاهتمام بشدائد ~~الإخوان إلا من أقامه الله في مقام الإحسان فقال: { الإنسان } أي بما ~~جبلناه عليه من النقص بالعجلة وعدم التمالك { منا رحمة } أي نوعا من ~~أنواع الإكرام من صحة أو غنى ونحو ذلك، وأفرد الضمير إشارة إلى أنه مطبوع ~~على أنه ليس عليه إلا من نفسه ولو كان أهل الأرض كلهم على غير ذلك، وكذا ~~عبر بالإنسان فقال: { فرح بها } أي ولو أن أهل الأرض كلهم في نقمة وبؤس ~~وعمى فأخرجه الفرح عن تأمل ما ينفعه ليشكر، فكان ذلك لذلك كافرا للنعمة ~~لأنه أبدل الشكر بالفرح والكفر فتوصل بالعافية إلى المخالفة، فأوقع نفسه ~~في أعظم البلاء. # ولما دل باداة التحقق على أن النعمة هي الأصل لعموم رحمته، وأنها سبقت ~~غضبه، دل على أن السيئة قليلة بالنسبة إليها بأداة الشك والمضارع فقال: { ~~وإن } ولما كانت المشاركة في الشدائد تهون المصائب، فكان من يزيد غمه ~~بخصوص مصيبته عند العموم مذموما، نبه على نقص الإنسان بذلك بالجمع فقال: ~~{ تصبهم سيئة } أي نقمة وبلاء وشدة. ولما كانت الرحمة فضلا منه، أعلمهم ~~أن السيئة مسببة عنهم فقال: { بما قدمت أيديهم } وعبر باليد عن الجملة ~~لأن أكثر العمل بها. ولما كان الجواب على نهج الأول: حزنوا فكفروا، وعدل ~~عنه إلى ما يدل على أن جنس الإنسان موضع الكفران، ولما كانوا يدعون الشكر ~~وينكرون الكفر، أكد قوله وسبب عن تلك الإصابة والإذاقة معا إشارة إلى ~~أنه لا أصل له غيرهما، فقال مظهرا موضع الضمير لينص على الحكم على الجنس ~~من حيث هو: { فإن الإنسان } أي الآنس بنفسه المعرض عن غيره بما هو طبع له ~~بسبب مسه بضر { كفور * } أي بليغ الستر للنعم نساء له، ينسى بأول صدمة من ~~النقمة جميع ما تقدم له من ms4362 النعم، ولا يعرف إلا الحالة الراهنة، فإن كان ~~في نعمه أشر وبطر، وإن كان في نقمه أيس وقنط، وهذا حال الجنس من حيث هو، ~~ومن وفقه الله جنبه ذلك كما قال صلى الله عليه وسلم: # " المؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان ~~خيرا له " # وليس ذلك إلا للمؤمن، والآية من الاحتباك: قكر الفرح أولا دالا على ~~الحزن ثانيا، وذكر الكفران ثانيا دال على حذفه أولا. ### || [42.49-51] # ولما قدم سبحانه في هذه السورة أن له التصرف التام في عالم الخلق ~~بالأجسام المرئية وفي عالم الأمر بالأرواح الحسية والمعنوية القائمة ~~بالأبدان والمدبرة للأديان، وغير ذلك من بديع الشأن، فقال في افتتاح ~~السورة { كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك } وأتبعه أشكاله إلى أن قال ~~{ أم يقولون افترى على الله كذبا فإن يشأ الله يختم على قلبك } الآية { ~~فاطر السموات والأرض جعل لكم من أنفكسم أزواجا ومن الأنعام أزواجا } - ~~الآية { له مقاليد السماوات والأرض } { الله لطيف بعباده يرزق من يشاء } ~~{ من كان يريد حرث الآخرة } - الاية، { ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا ~~في الأرض } ، { ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام } - الآية إلى أن ذكر ~~أحوال الآخرة في قوله { وترى الظالمين لما رأوا العذاب يقولون } - ~~الآيات، وختم بتصرفه المطلق في الإنسان من إنعام وانتقام، وما له من ~~الطبع المعوج مع ما وهبه له من العقل المقيم في أحسن تقويم، فدل ذلك على ~~أن له التصرف التام ملكا وملكوتا خلقا وأمرا، أتبعه الدليل على أن ~~تصرفه ذلك على سبيل الملك والقهر إيجادا وإعداما إهانة وإكراما، فقال ~~صارفا القول عن أسلوب العظمة التي من حقها دوام الخضوع وإهلاك الجبابرة ~~إلى أعظم منها بذكر الاسم الأعظم الجامع لمظهر العظمة ومقام اللطف ~~والإحسان والرحمة نتيجة لكل ما مضى: { لله } أي الملك الأعظم وحده لا ~~شريك له { ملك السماوات } كلها على علوها وارتفاعها وتطابقها وكبرها ~~وعظمها وتباعد أقطارها { والأرض } جميعها على تباينها وتكاثفها واختلاف ~~أقطارها وسكانها واتساعها. # ولما أخبر بانفراده بالملك، دل عليه ms4363 بقوله تعالى: { يخلق } أي على سبيل ~~التجدد والاستمرار { ما يشاء } أي وإن كان على غير اختيار العباد، ثم دل ~~على ذلك بما يشاهد من حال الناس فانه لما استوى البشر في الإنسانية ~~والنكاح الذي هو سبب الولادة اختلفت أصناف أولادهم. كان ذلك أدل دليل على ~~أنه لا اختيار لأحد معه وأن الأسباب لا تؤثر أصلا إلا به. ولما كانت ~~ولادة الإناث أدل على عدم اختيار الولد وكانوا يعدونه من البلاء الذي ختم ~~به ما قبلها قدمهن في الذكر فقال: { يهب } خلقا ومولدا { لمن يشاء } ~~أولادا { إناثا } أي فقط ليس معهن ذكر كما في لوط عليه الصلاة والسلام، ~~وعبر سبحانه فيهن بلفظ الهبة لأن الأوهام العادية قد تكتنف العقل فتحجبه ~~عن تأمل محاسن التدبيرات الإلهية، وترمي به في مهاوي الأسباب الدنيوية، ~~فيقع المسلم مع إسلامه في مضاهاة الكفار في كراهة البنات وفي وادي الوأد ~~بتضييعهن أو التقصير في حقوقهن وتنبيها على أن الأنثى نعمة، وأن نعمتها ~~لا تنقص عن نعمة الذكر وربما زادت، وإيقاظا من سنة الغفلة على أن ~~التقديم وإن كان لما قدمته لا يقدم تأنيسا وتوصية لهن واهتماما بأمرهن، ~~نقل ابن ميلق عن ابن عطية عن الثعلبي أن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه ~~قال: من يمن المرأة تبكيرها بالأنثى قبل الذكر لأن الله تعالى بدأ ~~بالإناث، ولذلك رغب النبي صلى الله عليه وسلم في الإحسان إليهن في أحاديث ~~كثيرة ورتب على ذلك أجرا كبيرا ولأجل تضمين الهبة مع الخلق عداها ~~باللام مع أن فعلها متعد بنفسه إلى مفعولين لئلا يتوهم أن الولد كان لغير ~~الوالد ووهبه الله له. # ولما كان الذكر حاضرا في الذهن لشرفه وميل النفس إليه لا سيما وقد ذكر ~~به ذكر الإناث، عرف لذلك وجبرا لما فوته من التقديم في الذكر تنبيها ~~على أنه ما أخر إلا لما ذكر من المعنى فقال: { ويهب لمن يشاء الذكور * } ~~أي فقط ليس بينهن أنثى كما صنع لإبراهيم عليه السلام وهو عم لوط عليه ~~السلام. ولما فرغ من القسمين ms4364 الأولين عطف عليهما قسيما لهما ودل على أنه ~~قسم بأو فقال: { أو يزوجهم } أي الأولاء بجعلهم ازواجا أي صنفين حال ~~كونهم { ذكرانا وإناثا } مجتمعين في بطن ومنفردين كما منح محمدا صلى ~~الله عليه وسلم، ورتبهما هنا على الأصل تنبيها على أنه ما فعل غير ذلك ~~فيما مضى إلا لنكت جليلة فيجب تطلبها، وعبر في الذكر بما هو أبلغ في ~~الكثرة ترغيبا في سؤاله، والخضوع لديه رجاء نواله. # ولما فرغ من أقسام الموهوبين الثلاثة، عطف على الإنعام بالهبة سلب ذلك، ~~فقال موضع أن يقال مثلا: ولا يهب شيئا من ذلك لمن يشاء: { ويجعل من ~~يشاء عقيما } أي لا يولد له كيحيى بن زكريا عليهما الصلاة والسلام - كذا ~~قالوه، والظاهر أنه لا يصح مثالا فإنه لم يتزوج، قال ابن ميلق، وأصل ~~العقيم اليبس المانع من قابلية التأثر لما من شأنه أن يؤثر، والداء ~~العقام هو الذي لا يقبل البرء - انتهى. فهذا الذي ذكر أصرح في المراد ~~لأجل ذكر العقم، وأدل على القدرة لأن شامل لمن له قوة الجماع والإنزال ~~لئلا يظن أن عدم الولد لعدم تعاطي أسبابه، وذكروا في هذا القسم عيسى عليه ~~الصلاة والسلام. ولا يصح لأنه ورد أنه يتزوج بعد نزوله ويولد له، وهذه ~~القسمة الرباعية في الأصول كالقسمة الرباعية في الفروع، بعضهم لا من ذكر ~~ولا أنثى كآدم عليه الصلاة والسلام، وبعضهم من ذكر فقط كحواء عليها ~~السلام، وبعضهم من أنثى فقط كعيسى عليه السلام وبعضهم من ذكر وأنثى وهو ~~أغلب الناس، فتمت الدلالة على أنه ما شاء كان ولا راد له وما لم يشأ لم ~~يكن، ولا مكون له ولا مانع أعطى ولا معطي لما منع. # ولما دل هذا الدليل الشهودي على ما بنيت الآية عليه من إثبات الملك له ~~وحده مع ما زادت به من جنس السياق وعذوبة الألفاظ وإحكام الشك وإعجاز ~~الترتيب والنظم، كانت النتيجة قطعا لتضمن إشراكهم به الطعن في توحده ~~بالملك مقدما فيها الوصف الذي هو أعظم شروط الملك: { إنه عليم } أي بالغ ~~العلم ms4365 بمصالح العباد وغيرها { قدير* } شامل القدرة على تكوين ما يشاء. # ولما تم القسم الأول مما بنى على العلم والقدرة، والقدرة فيه أظهر ~~وفاقا لما ختمت به الآية، وكان قد يكون خلقه إياه إبداعا من غير توسط ~~سبب، وقد يكون بتوسيط سبب، أتبعه القسم الآخر الأعلى الذي العلم فيه أظهر ~~وهو الوحي الذي ختمت آيته أول السورة بالحكمة التي هي سر العلم, وقسمه ~~أيضا إلى ما هو بواسطة وإلى ما هو بغير واسطة, ولكن سر التقدير في القسم ~~الأول الكلام وهو الذي شرف به, وكان لا يمكن أحدا أن يتكلم إلا بتكليم ~~الله له أي إيجاده الكلام في قلبه قال: { وما } أي وهو سبحانه تام العلم ~~شامل القدرة غرز في البشر غريزة العلم وأقدره على النطق به بقدرته وحيا ~~منه إليه كما أوحى إلى النحل ونحوها والحال أنه ما { كان لبشر } من ~~الأقسام المذكورة، وحل المصدر الذي هو اسم " كان " ليقع التصريح بالفاعل ~~والمفعول على أتم وجوهه فقال: { أن يكلمه } وأظهر موضع الإضمار إعظاما ~~للوحي وتشريفا لمقداره بجلالة إيثاره قفال: { الله } أي يوجد الملك ~~الأعظم الجامع لصفات الكمال في قلبه كلاما { إلا وحيا } أي كلاما ~~خفيا يوجده فيه بغير واسطة بوجه خفي لا يطلع عليه أحد إلا بخارق العادة ~~إما بإلهام أو برؤيا منام أو بغير ذلك سواء خلق الله في المكلم به قوة ~~السماع له وهو أشرف هذه الأقسام مطلقا سواء كان ذلك مع الرؤية ليكون ~~قسيما لما بعده أولا أو يخلق فيه ذلك ومن هذا القسم الأخير # وأوحينا إلى أم موسى # [القصص: 7] # وأوحى ربك إلى النحل # [النحل: 68] # وأوحى في كل سماء أمرها # [فصلت: 12] فإن إيداعها القوى التي يحصل بها المنافع مثل إيداع الإنسان ~~قوة الكلام ثم قوة التعبير عنه - والله أعلم. وهذا معنى قول القاضي عياض ~~في الشفاء في آخر الفصل الثاني من الباب الرابع في الإعجاز: وقد قيل في ~~قوله تعالى { وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا } الآية أي ما يلقيه ~~في قلبه دون واسطة، ومعنى ms4366 قول الإمام شهاب الدين السهروردي في الباب ~~السادس والعشرين من عوارفه: والعلوم اللدنية في قلوب المنقطعين إلى الله ~~ضرب من المكالمة. # ولما كان الحجاب الحسي يخفي ما وراءه عن العيان، استعير لمطلق الخفاء ~~فقال: { أو من } أي كلاما كائنا بلا واسطة، لكنه مع السماع لعين كلام ~~الله كائن صاحبه من { وراء حجاب } أي من وجه لا يرى فيه المتكلم مع ~~السماع للكلام على وجه الجهر، قال القشيري: والمحجوب العبد لا الرب، ~~والحجاب أن يخلق في محل الرؤية ضد الرؤية، وتعالى الله أن يكون من وراء ~~حجاب لأن ذلك صفة الأجسام - انتهى. # والآية يمكن تنزيلها على الاحتباك بأن يكون ذكر الحجاب ثانيا دليلا ~~على نفيه أولا، وذكر الوحي الدال على الخفاء أولا دليلا على الجهر ~~ثانيا، والحجاب ثانيا دليلا على الرؤية أولا، وسره أن ترك التصريح ~~والدلالة عليها بالحجاب أولى بسياق العظمة. # ولما كان الذي بلا واسطة مع كونه أخفى الأقسام ليس فيه صوت ولا ترتب في ~~كلمات، عبر فيه بالمصدر وعبر بما يلقيه الملك بما يدل على التجدد فقال: { ~~أو يرسل } وهو عطف على المصدر بعد تقدير حله { رسولا } أي من الملائكة. ~~ولما كان الوحي مسببا عن الإرسال ومرتبا عليه قال: { فيوحي } أي على ~~سبيل التجديد والترتيب، وقرأ نافع برفع يرسل ويوحي بتقدير: أو هو يرسل. ~~ولما كان ربما ظن أن للواسطة فعلا يخرج عن فعله، رد ذلك بقوله: { بإذنه ~~} أي بإقداره وتمكينه، فذلك المبلغ إنما هو آلة. ولما كان رسوله لا يخرج ~~عما حده له بوجه قال: { ما يشاء } أي لا يتعدى مراده وإقداره أصلا فهو ~~المكلم في الحقيقة وقد بان أنها ثلاثة أقسام: أولها فيه قسمان، خص الأول ~~بقسميه بالتصريح باسم الوحي لأنه كما مر أخفاها وهو أيضا يقع دفعة، ~~والوحي يدور معناه على الخفاء والسرعة. # ولما كانت الأقسام دالة على العظمة الباهرة، وكانت للروح البدني لأن روح ~~الوحي يكسب الروح البدني حياة العلم كما أفاد الروح البدن حياة الحركة ~~بالإرادة والحس، كانت النتيجة مؤكدة لتضمن طعنهم في ms4367 الرسول والقرآن ~~والتوحيد طعنهم في مضمون الجملة: { إنه } أي الذي له هذا التصرف العظيم ~~في هذا الوحي الكريم { علي } أي بالغ العلو حدا مما لا يليق به من ~~الأوصاف وبما يكون للخلق عن جنابه من السفول بما عليهم من الحجب فلا يلبس ~~شيء مما يعبر به تقريبا للعقول فيحمل على ما يوهم نقصا، فإن المجازات ~~في لسان العرب شهيرة { حكيم * } يتقن ما يفعله إتقانا لا تحيط العقول ~~بإدراكه فيسكن روح العلم الذي هو من ألطف أسراره في روح البدن المدبر له ~~فيكون سرا في سر كما كان برا بعد بر، ويجعل ذلك تارة بواسطة وتارة بغير ~~واسطة على حسب ما يقتضيه الحال، ويعبر عن كل معنى بما يقتضيه حاله في ذلك ~~السياق، ومهما أوهم شيء من ذلك نقصا فرد المستبصر إلى المحكم بضرب من ~~التأويل على ما يقتضيه الشائع من استعمالات رجع رجوعا بينا متقنا بحيث ~~يصير في غاية الجلاء. ### || [42.52-53] # ولما كان الوحي روحا مدبرا للروح كما أن الروح مدبر للبدن، صرح به ~~فقال: { وكذلك } أي ومثل ما أخبرناك بالكيفيات التي نوحيها إلى عبادنا { ~~أوحينا إليك } صارفا القول إلى مظهر العظمة تعظيما لما أوحى إليه وأفاض ~~من نعمه عليه على جميع تلك الأقسام، فالتفت في الروع مذكورا غير منكور، ~~والسماع من دون الحجاب أصلا منقول في الإخبار عن ليلة المعراج ومعقول في ~~السماع من وراء الحجاب أيضا ذكر فيها في قوله: " أمضيت فريضتي وخففت عن ~~عبادي " والوحي بواسطة الملك كثيرا جدا، وأعظم الوحي وشرفه بقوله ~~منكرا له تعظيما لما عنده من الروح الأمري بإفادة أن هذا الكتاب الذي ~~أبكم الفصحاء وأعجز البلغاء وحير الألباب من الحكماء شعبة منه وذرة بارزة ~~عنه، ويمكن أن يكون تنكير تعظيم وإجلال وتكريم { روحا } أي من خالطه صار ~~قلبه حيا ومن عري عنه كان قلبه ميتا. وزاد عظمه بقوله: { من أمرنا } أي ~~بجعله من قسم الأمر وإظهاره في مظهر العظمة فيا له من علو يتضاءل دونه كل ~~شامخ ويتحاقر إكبارا له كل مادح، والمراد ms4368 بهذا رد ما تقدم من نسبتهم له ~~صلى الله عليه وسلم إلى الإفتراء لأنه تعالى لم يختم على قلبه بل فتحه ~~بيد القدرة وأحياه بروح الوحي فأنطقه بالحكم التي خضعت لها الحكماء، ~~وأقرت بالعجز عن إدانتها ألباب العلماء، ودل على ذلك بقوله، نافيا ~~مبينا حاله صلى الله عليه وسلم قبل هذا الوحي: { ما كنت } أي فيما قبل ~~الأربعين التي مضت لك وأنت بين ظهراني قومك مساويا لهم في كونك لا تعلم ~~شيئا ولا تتفوه بشيء من ذلك وهو معنى { تدري } وعبر بأداة الاستفهام ~~إشارة إلى أن ما بعدها مما يجب الاهتمام به والسؤال عنه، وعلق بجملة ~~الاستفهام الدراية عن العمل وسدت مسد مفعولي الدراية { ما الكتاب } أي ما ~~كان في جبلتك أن تعلم ذلك بأدنى أنواع العلم بمجادلة ولا غيرها { ولا ~~الإيمان } أي بتفصيل الشرائع على ما حددناه لك بما أوحيناه إليك، وهو صلى ~~الله عليه وسلم وإن كان قبل النبوة مقرا بوحدانية الله تعالى وعظمته ~~لكنه لم يكن يعلم الرسل على ما هم عليه، ولا شك أن الشهادة له نفسه صلى ~~الله عليه وسلم بالرسالة ركن الإيمان ولم يكن له علم بذلك، وكذا الملائكة ~~واليوم الآخر فيصح نفي المنفي لفواته بفوات جزئه. # ولما كان المعنى: ولكن نحن أدريناك بذلك كله، عبر عنه إعلاما بأن الخلق ~~كانوا في ظلام لكونهم كانوا يفعلون بوضع الأشياء في غير مواضعها فعل من ~~يمشي في الظلام بقوله: { ولكن جعلناه } أي الروح الذي هو الكتاب المنزل ~~منا إليك المعلم بالإيمان وكل عرفان بما لنا من العظمة { نورا نهدي } ~~على عظمتنا { به من نشاء } خاصة لا يقدر أحد على هدايته بغير مشيئتنا { ~~من عبادنا } بخلق الهداية في قلبه، قال ابن برجان: فمن رزقه الفرقان الذي ~~يفرق بين المتشابهات والنور الذي يمشي به في الظلمات، فذلك الذي أبصر ~~شعاع النور وشاهد الضياء المبثوث في العالم المفطور، وعلى قدر إقباله ~~عليه والتفرغ عن كل شاغل عنه يكون قبوله له وهدايته به، وقال الأصبهاني ~~في سورة النور: هو الكيفية ms4369 الفائضة من الشمس والقمر والنار مثلا على ~~الأرض والجدار وغيرهما، يقال: استنارت الأرض، وقال حجة الإسلام الغزالي ~~رضي الله عنه: ومن المعلوم أن هذه الكيفية إنما اختصت بالفضيلة والشرف ~~لأن المرئيات تصير بسببها ظاهرة, ثم من المعلوم أنه كما يتوقف إدراك هذه ~~المرئيات على كونها مستنيرة فكذلك يتوقف على وجود اليعن الباصرة وهي ~~المدركة وبها الإدراك، فكان وصف الإظهار بالنور الباصر أحق بالنور المبصر ~~فلا جرم أطلقوا اسم النور على نور العين المبصرة فقالوا في الخفاش: إن ~~نور عينيه ضعيف، وفي الأعمى أنه فقد نور البصر، إذا ثبت هذا فنقول: ~~للإنسان بصر وبصيرة، فالبصر هو العين الظاهرة المدركة للأضواء والألوان, ~~والبصيرة هي القوة العاقلة, وكل واحد من الإدراكين يقتضي نورا، ونور ~~العقل أقوى وأشد من نور العين، لأن القوة الباصرة لا تدرك نفسها ولا ~~إدراكها ولا آلاتها، والقوة العاقلة تدرك نفسها، وإدراكها وآلتها فنور ~~العقل اكمل من نور البصر، والقوة العاقلة تدرك الكليات والقوة الباصرة لا ~~تدركها، وإدراك الكليات أشرف لانه لا يتغير بخلاف الجزئيات، وإدراك العقل ~~منتج وإدراك الجزئي غير منتج، والقوة الباصرة لا تدرك إلا السطح الظاهر ~~من الجسم واللون القائم بذلك السطح بشرط الضوء, فإذا أدركت الإنسان لم ~~تدرك منه إلا السطح الظاهر من جسمه واللون القائم به, والقوة العاقلة ~~تدرك ظاهر الأشياء وباطنها فان الباطن والظاهر بالنسبة إليها على السواء, ~~فكانت القوة العاقلة نورا بالنسبة إلى الظاهر والباطن، والقوة الباصرة ~~ظلمة بالنسبة إلى الباطن، ومدرك القوة العاقلة هو الله وصفاته وأفعاله، ~~ومدرك القوة هو الألوان والأشكال فيكون نسبة شرف القوة العاقلة إلى شرف ~~القوة الباصرة كنسبة شرف ذات الله إلى شرف الألوان والأشكال، والقوة ~~الباصرة كالخادم والقوة العاقلة كالأمير، والأمير أشرف من الخادم، والقوة ~~الباصرة قد تغلط والقوة العاقلة لا تغلط، فثبت أن الإدراك العقلي أكمل ~~وأقوى وأشرف من الإدراك البصري، وكل واحد من الإدراكين يقتضي الظهور الذي ~~هو أشرف خواص النور، فكان الإدراك العقلي أولى بكونه نورا، والإدراك ~~العقلي قسمان: أحدهما واجب الحصول عند سلامة ms4370 القوى والآلات وهي التعقلات ~~الفطرية، والثاني ما يكون مكتسبا، وهي التعقلات النظرية، ولا يكون من ~~لوازم جوهر الإنسان لأنه حال الطفولية لم يكن عالما البتة، فهذه الأنوار ~~إنما حصلت بعد أن لم تكن فلا بد لها من سبب، والفطرة الإنسانية قد ~~يعتريها الزيغ فلا بد من هاد ومرشد، ولا مرشد فوق كلام الله وأنبيائه، ~~فتكون منزلة آيات القرآن عند عين العقل منزلة نور الشمس كما يسمى نور ~~الشمس نورا فنور القرآن يشبه نور الشمس, ونور العقل يشبه نور العين، ~~وبهذا يظهر معنى قوله تعالى: # فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا # [التغابن: 8] { قد جاءكم برهان من ربكم } # وأنزلنا إليكم نورا مبينا # [النساء: 74] وإذا ثبت أن بيان الرسول صلى الله عليه وسلم أقوى من نور ~~الشمس وجب أن تكون نفسه القدسية أعظم في النورانية من الشمس كما أن الشمس ~~في عالم الأجسام تفيد النور لغيرها ولا تستفيد من غيرها, فكذا نفس النبي ~~صلى الله عليه وسلم تفيد الأنوار العقلية لسائر النفوس البشرية ولا ~~تستفيد النور العقلي من شيء من النفوس البشرية، فلذلك وصف الله الشمس ~~بأنها سراج، ووصف محمدا صلى الله عليه وسلم بأنه سراج، ثم قال: ولمراتب ~~الأنوار في عالم الأرواح مثال، وهو أن ضوء الشمس إذا وصل إلى القمر ثم ~~دخل في كوة بيت ووقع على مرآة منصوبة على حائط ثم انعكس منه إلى طشت ~~مملوء ماء موضوع على الأرض ثم انعكس منه إلى سقف البيت, فالنور الأعظم في ~~الشمس التي هي المعدن، وثانيها في القمر، وثالثها في المرآة، ورابعها في ~~الماء، وخامسها في السقف، وكل ما كان أقرب إلى المعدن كان أقوى, فكذا ~~الأنوار السماوية لما كانت مترتبة لا جرم كان النور المفيد أشد إشراقا، ~~ثم تلك الأنوار لا تزال مترتبة حتى تنتهي إلى النور الأعظم والروح الذي ~~هو أعظم الأرواح منزلة عند الله الذي هو المراد بقوله # يوم يقوم الروح والملائكة صفا # [النبأ: 38] ثم نقول: إن هذه الأنوار الحسية سفلية كانت كأنوار النيران ~~أو علوية كأنوار فإنها ممكنة ms4371 لذواتها والممكن لذاته لا يستحق الوجود ~~لذاته بل وجوده من غيره، والعدم هو الظلمة والوجود هو النور، فكل ما سوى ~~الله مظلم لذاته مستنير بإنارة الله تعالى، وكذا جميع معارفها وجودها ~~حاصل من وجود الله تعالى فإن الحق سبحانه هو الذي أظهرها بالوجود بعد أن ~~كانت في ظلمات العدم، وأفاض عليها أنوار المعارف بعد أن كانت في ظلمات ~~الجهالة، فلا ظهور لشيء من الأشياء إلا بإظهاره، وخاصة النور إعطاء ~~الإظهار والتجلي والانكشاف، وعند هذا يظهر أن النور المطلق هو الله ~~سبحانه وإن إطلاق النور على غيره مجاز، وكل ما سوى الله من حيث هو هو ~~ظلمة محضة لأنه من حيث أنه ممكن عدم محض بل الأنوار إذا نظر إليها من حيث ~~هي هي فهي ظلمات لأنها من حيث هي هي ممكنات، والممكن من حيث هو هو معدوم، ~~والمعدوم مظلم، فالنور إذا نظر من حيث هو ممكن مظلم، فأما إذا التفت ~~إليها من حيث أن الحق سبحانه أفاض عليها نور الوجود بهذا الاعتبار صارت ~~أنوارا, فثبت أنه سبحانه هو النور وأن كل ما سواه ليس بنور، وأضاف النور ~~إلى الخافقين في قوله { نور السماوات والأرض } لأنهما مشحونتان بالأنوار ~~العقلية والأنوار الحسية، أما الحسية فما نشاهده في السماوات من الكواكب ~~وغيرها، وفي الأرض من الأشعة المنبسطة على سطوح الأجسام حتى ظهرت بها ~~الألوان المختلفة، ولولاها لما كان للألوان ظهور بل وجود، وأما الأنوار ~~العقلية فالعالم الأعلى مشحون بها وهي جواهر الملائكة، والعالم الأدنى ~~مشحون بها وهي القوى النباتية والحيوانية والإنسانية، وبالنور الإنساني ~~السفلي ظهر نظام العالم الأسفل كما أنه بالنور الملكي ظهر نظام العالم ~~العلوي, وإذا عرفت هذا عرفت أن العالم بأسره مشحون بالأنوار البصرية ~~الظاهرة والعقلية الباطنة، ثم عرفت أن السفلية فائضة بعضها من بعض فيضان ~~النور من السراج, والسراج هو الروح النبوي, ثم إن الأنوار القدسية مقتبسة ~~من الأنوار العلوية اقتباس السراج من النور, وإن العلويات مقتبسة بعضها ~~من بعض وإن بينها ترتيبا في الغايات، ثم ترتقي جملتها إلى نور ms4372 الأنوار ~~ومعدنها ومنبعها الأول، وذلك هو الله وحده لا شريك له، فإذا الكل نوره، ~~ثم قال: قال الإمام الغزالي: قد تبين أن القوى المدركة أنوار. # ومراتب القوة المدركة الإنسانية خمسة، أحدهما القوة الحساسة وهي التي ~~تتلقى ما تورده الحواس الخمس، وكأنها أصل الروح الحيواني إذ بها يصير ~~الحيوان حيوانا، وهي موجودة للصبي والرضيع, وثانيها القوة الخيالية وهي ~~التي تسبب ما أوردته الحواس وتحفظه مخزونا عندها لتعرضه عن القوة ~~العقلية عند الحاجة إليه، وثالثها القوة العقلية المدركة للحقائق الكلية، ~~ورابعها القوة الفكرية وهي التي تأخذ المعارف العقلية فتؤلفها تأليفا ~~تستنتج منه علما بالمجهول، وخامسها القوة القدسية التي يختص بها ~~الأنبياء وبعض الأولياء، وتنجلي فيها لوائح الغيب وأسرار الملكوت، وإليه ~~إشار قوله { وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا } الآية، وإذا عرفت هذه ~~القوى فهي بجملتها أنوار إذ بها تظهر أصناف الموجودات، وهذه المراتب ~~الخمس يمكن تشبيهها بالأمور الخمسة التي ذكرها الله في المشكاة والزجاجة ~~والمصباح والشجرة والزيت، أما الروح الحساس فإذا نظرت إلى خاصته وجدت ~~أنواره خارجة من ثقب كالعينين والأذنين والمنخرين، فأرفق مثال له من عالم ~~الأجسام المشكاة، وأما الثاني وهو الروح الخيالي فله خواص ثلاثة: الأول ~~أنه من طينة العالم السفلي الكثيف لأن الشيء المتخيل ذو شكل وحيز، ومن ~~شأن العلائق الجسمانية أن تحجب عن الأنوار العقلية المحضة، والثاني أن ~~هذا الخيال الكثيف إذا صفا ورق صار موازنا للمعارف العقلية ومؤديا ~~لأنوارها، ولذلك يستدل المعبر بالصور الخيالية على المعاني العقلية كما ~~يستدل بالشمس على الملك، وبالقمر على الوزير، وبختم فروج الناس وأفواهم ~~على الأذان قبل الصبح، والثالث أن الخيال في البداية محتاج إليه لتضبط به ~~المعارف العقلية ولا تضطرب، وأنت لا تجد شيئا في الأجسام يشبه الخيال في ~~هذه الصفات إلا الزجاجة فإنها في الأصل من جوهر كثيف ولكن صفا ورق حتى ~~صار لا يحجب نور المصباح بل يؤديه على وجهه ثم يحفظه من الانطفاء ~~بالزجاج، وأما الثالث وهو القوة العقلية القوية على إدراك الماهيات ~~الكلية والمعارف الإلهية فلا يخفى ms4373 عليك وجه تمثيله بالمصباح، وأما الرابع ~~وهو القوة الفكرية فمن خاصيتها أنها تأخذ ماهية واحدة ثم تقسمها إلى ~~قسمين كقولنا: الموجود إما واجب وإما ممكن، ثم تجعل كل قسم قسمين، وهكذا ~~إلى أن تنتهي إلى ما لا يقبل القسمة، ثم تنتهي بالآخرة إلى نتائج هي ~~ثمرتها، فبالحري أن يكون مثاله من هذا العالم الشجرة, وإذا كانت ثمارها ~~مادة لتزايد أنوار المعارف وبيانها فبالحري أن لا تمثل بشجرة السفرجل ~~والتفاح بل بشجرة الزيتون خاصة لأن لب ثمرتها هو الزيت الذي هو مادة ~~المصابيح, وله من بين سائر الأدهان خاصة زيادة الإشراق وقلة الدخان، وإذا ~~كانت الماشية التب يكثر درها ونسلها والشجرة التي تكثر ثمرتها تسمى ~~مباركة فالتي لا نهاية لمنفعتها وثمرتها أولى أن تسمى شجرة مباركة، وإذا ~~كانت شعب الأفكار العقلية المحضة مجردة عن لواحق الأجسام، فبالحري أن لا ~~تكون شرقية ولا غربية، وأما الخامس وهو القوة القدسية النبوية فهي في ~~نهاية الشرف والصفاء، فإن القوة الفكرية تنقسم إلى ما تحتاج إلى تعليم ~~وإلى ما لا يحتاج إليه، ولا بد من وجود هذا القسم دفعا للتسلسل فبالحري ~~أن يعبر عن هذا القسم لكماله وصفاته بأنه يكاد زيته يضيء ولو لم تمسه ~~نار، فهذا المثال موافق لهذه الأقسام، وهذه الأنوار مرتبة بعضها على بعض، ~~فالحس هو الأول وهو كالمقدمة للخيال، والخيال كالمقدمة للعقل - انتهى ~~كلام الغزالي رحمه الله تعالى عن نقل الأصفهاني في تفسيره عنه - والله ~~أعلم. # ولما كان المعنى بناء على ما تقدم من صفة الروح الإلهي: فهديناك به، عطف ~~عليه قوله تعالى: { وإنك لتهدي } أي تبين وترشد، وأكده لإنكارهم ذلك { ~~إلى صراط } أي طريق واضح جدا، وإن عانيت في البيان مشقة بنفسك وبالوسائط ~~بما أفادته التعدية ب " إلى " فيفهم من ذلك أنه يهدي للصراط بدون ذلك من ~~العناية لمن يسر الله أمره ويهدي الصراط لمن هو أعظم توفيقا من ذلك { ~~مستقيم } أي شديد التقوم لأنه كأنه يريد أن يقوم نفسه فهو بعد وجود تقومه ~~حافظ لها من أدنى خلل، وهو ms4374 كل ما دعا إليه من خصال هذا الدين الحنيف الذي ~~هو ملة إبراهيم عليه الصلاة والسلام، ثم أبدل منه تعظيما لشأنه قوله بدل ~~كل من كل معرفة من نكرة لافتا القول من مظهر العظمة إلى أعظم منه, إشارة ~~إلى جلالة هذا الصراط بما فيه من مجامع الرحمة والنقمة ترغيبا وترهيبا: ~~{ صراط الله } أي الملك الأعظم الجامع لصفات الكمال، ثم وصفه بأنه مالك ~~لما افتتح هذا الكلام بأن له ملكه فقال: { الذي له } ملك { ما في ~~السماوات } أي هو جميع السماوات التي هي في عرشه والأرض لأنها في ~~السماوات وما في ذلك من المعاني والأعيان { وما في الأرض }. # ولما أخبر سبحانه أنه المخترع لجميع الأشياء والمالك لعالمي الغيب ~~والشهادة والخلق والأمر وأنه المتفرد بالعظمة كلها، وكان مركوزا في ~~العقول مغروزا في الفطر أن من ابتدأ شيئا وليس له كفوء قادر على إعادته ~~وأن يكون مرجع أمره كله إليه، فلذلك كانت نتيجة جميع ما مضى على سبيل ~~المناداة على المنكرين لذلك وعدا ووعيدا لأهل الطاعة والمعصية بناء على ~~ما تقديره: كيف يكون له ما ذكر على سبيل الدوام ونحن نرى لغيره أشياء ~~كثيرة تضاف إليه ويوقف تصريفها والتصرف فيها عليه: { ألا إلى الله } أي ~~المحيط بجميع صفات الكمال الذي تعالى عن مثل أو مدان وهو الكبير ~~المتعالي، لا إلى أحد غيره { تصير } أي على الدوام وإن كانت في الظاهر في ~~ملك غيره بحيث يظن الجاهل أن ملكها مستقر له، قال أبو حيان: أخبر ~~بالمضارع والمراد به الديمومة كقوله: زيد يعطي ويمنع أي من شأنه ذلك ولا ~~يراد به حقيقة المستقبل: { الأمور } أي كلها من الخلق والأمر معنى وحسا ~~خفيا في الدنيا بما نصب من الحكام وجعل بين الناس من الأسباب، وجليا ~~فيما وراءها حيث قطع ذلك جميعه وحده العزيز الحكيم العلي العظيم، فقد رجع ~~آخر السورة على أولها، وانعطف مفصلها على موصلها، واتصل من حيث كونه في ~~الوحي الهادي في أول الزخرف على أتم عادة لهذا الكتاب المنير من اتصال ~~الخواتم فيه ms4375 بالبوادي والروائح بالغوادي - والله أعلم بالصواب. ### | [43 - سورة الزخرف] ### || [43.1-7] # { والكتاب } أي وإعجاز هذا الجامع لكل خير وغير ذلك من أنواع عظمته { ~~المبين } أي البين في نفسه، المبين لجميع ما فيه من العظمة والشرائع ~~والسنن، واللطائف والمعارف والمنن، بيانا عظيما شافيا. # ولما كانوا ينكرون أن يرجعوا به عما هم فيه، وأن يكون من عند الله، أكد ~~ما يكذبهم من قوله فيما مضى آخر الشورى أنه نور وهدى وروح معبرا بالجعل ~~لذلك دون الإنزال لأنه قد دل عليه جميع السور الماضية تارة بلفظه وأخرى ~~بلفظ الوحي، فقال مقسما بالكتاب على عظمة الكتاب، قال السمين: ومن ~~البلاغة عندهم كون القسم والمقسم عليه من واد واحد، وهذا إن أريد بالكتاب ~~القرآن فإن أريد به أعم منه كان بعض القسم به، وصرف القول إلى مظهر ~~العظمة تشريفا للكتاب: { إنا جعلناه } أي صيرناه ووضعناه وسميناه مطابقة ~~لحاله بالتعبير عن معانيه بما لنا من العظمة { قرآنا } أي مع كونه مجموع ~~الحروف والمعاني جامعا، ومع كونه جامعا فارقا بين الملتبسات { عربيا ~~} أي جاريا على قوانين لسانهم في الحقائق والمجازات والمجاز فيه أغلب ~~لأنه أبلغ ولا سيما الكنايات والتمثيلات، وصرف القول عن تخصيص نبيه صلى ~~الله عليه وسلم بالخطاب إلى خطابهم تشريفا له صلى الله عليه وسلم ولهم ~~فيما يريده بهم وتنبيها على سفول أمرهم في وقت نزولها فقال: { لعلكم ~~تعقلون * } أي لتكونوا أيها العرب على رجاء عند من يصح منه رجاء من أن ~~تعقلوا أنه من عندنا لم تبغوا له أحدا علينا وتفهموا معانيه وجميع ما في ~~طاقة البشر مما يراد به من حكمه وأحكامه، وبديع وصفه ومعجز وصفه ونظامه، ~~فترجعوا عن كل ما أنتم فيه من المغالبة، ولا بد أن يقع هذا الفعل، فإن ~~القادر إذا عبر بأداة الترجي حقق ما يقع ترجيه، ليكون بين كلامه وكلام ~~العاجز فرق، وسيبلغ هذا الجامع أقصاكم كما عرض على أدناكم وكل منكم يعلم ~~أنه عاجز عن مباراة آية منه في حسن معناها، وجزالة ألفاظها وجلالة سبكها، ~~ونظم كل كلمة ms4376 منها بالمحل الذي لا يمكن زحزحتها عنه بتقديم ولا تأخير، ~~ولا أن يبدل شيء منها بما يؤدي معناه أو يقوم مقامه، كما أن ذلك في غاية ~~الظهور في موازنة # في القصاص حياة # [البقرة: 179] مع " القتل أنفى للقتل " وذلك بعض آية فكيف بآية فما ~~فوقها فتخضع له جبابرة ألبابكم وتسجد له جباه عقولكم، وتذل لعزته شوامخ ~~أفكاركم، فتبادرون إلى تقبله وتسارعون إلى حفظه وتحمله علما منكم بأنه ~~فخر لكم لا يقاربه فخر، وعز لا يدانيه عز، ثم يتأمل الإنسان منكم من ~~خالفه فيه من بعيد أو قريب ولد أو والد إلى أن تدين له الخلائق، وتتصاغر ~~لعظمته الجبال الشواهق، والآية ناظرة إلى آية فصلت # ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا # الآية [فصلت: 44]. # ولما كانوا ينكرون تعظيمه عنادا وإن كانوا يقرون بذلك في بعض الأوقات، ~~قال مؤكدا لذلك وتنبيها على أنه أهل لأن يقسم به، ويزاد في تعظيمه لأنه ~~لا كلام يشبه، بل ولا يدانيه بوجه: { وإنه } أي القرآن، وقدم الظرفين على ~~الخبر المقترن باللام اهتماما بهما ليفيد بادئ بدء أن علوه وحكمته ثابتة ~~في الأم وأن الأم في غاية الغرابة عنده { في أم الكتاب } أي كائنا في ~~أصل كل كتاب سماوي، وهو اللوح المحفوظ، وزاد في شرفه بالتعبير بلدى التي ~~هي لخاص الخاص وأغرب المستغرب ونون العظمة فقال مرتبا للظرف على الجار ~~ليفيد أن أم الكتاب من أغرب الغريب الذي عنده { لدينا } على ما هو عليه ~~هناك { لعلي }. # ولما كان العلي قد يتفق علوه ولا تصحبه في علوه حكمة، فلا يثبت له علوه، ~~فيتهور بنيانه وينقص سفوله ودنوه، قال: { حكيم } أي بليغ في كل من هاتين ~~الصفتين راسخ فيهما رسوخا لا يدانيه فيه كتاب فلا يعارض في علي لفظه، ~~ولا يبارى في حكيم معناه، ويعلو ولا يعلى عليه بنسخ ولا غيره، بل هناك ~~مكتوب بأحرف وعبارات فائقة رائقة تعلو عن فهم أعقل العقلاء، ولا يمكن ~~بوجه أن يبلغها أنبل النبلاء، إلا بتفهيم العلي الكبير، الذي هو على كل ~~شيء قدير. # وقال الإمام ms4377 أبو جعفر بن الزبير: لما أخر سبحانه بامتحان خلف بني ~~إسرائيل في شكهم في كتابهم بقوله: # وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب # [الشورى: 14] ووصى نبيه صلى الله عليه وسلم بالتبري من سيئ حالهم ~~والتنزه عن سوء محالهم فقال # ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب # الآية [الشورى: 15] وتكرر الثناء على الكتاب العربي كقوله # وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا # [الشورى: 7] وقوله # الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان # [الشورى: 17] وقوله { وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما ~~الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا } - إلى ~~آخر السورة، أعقب ذلك بالقسم به وعضد الثناء عليه فقال { حم والكتاب ~~المبين إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون وإنه في أم الكتاب لدينا ~~لعلي حكيم } ولما أوضح عظيم حال الكتاب وجليل نعمته به، أردف ذلك بذكر ~~سعة عفوه وجميل إحسانه إلى عباده ورحمتهم بكتابه مع إسرافهم وقبيح ~~مرتكبهم فقال: { أفنضرب عنكم الذكر صفحا أن كنتم قوما مسرفين } ولما ~~قدم في الشورى قوله { لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء ~~إناثا ويهب لمن يشاء الذكور أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء ~~عقيما } فأعلم أن ذلك إنما يكون بقدرته وإرادته، والجاري على هذا أن ~~يسلم الواقع من ذلك ويرضى بما قسم واختار، عنف تعالى في هذه السورة من ~~اعتدى وزاغ فقال { وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ظل وجهه مسودا ~~وهو كظيم } فكمل الواقع هنا بما تعلق به، وكذلك قوله تعالى { ولو بسط ~~الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض } وقوله في الزخرف { ولولا أن يكون ~~الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة } إلى ~~آخره - انتهى. # ولما أفهم تكرير هذا التأكيد أنهم يطعنون في علاه، ويقدحون في بديع ~~حلاه، فعل من يكرهه ويأباه، إرادة للإقامة على ما لا يحبه الله ولا ~~يرضاه، قال منكرا عليهم: { أفنضرب } أي نهملكم فنضرب أن ننحي ونسير ~~مجاوزين { عنكم } خاصة ms4378 من بين بني إبراهيم عليه الصلاة والسلام { الذكر } ~~أي الوعظ المستلزم للشرف { صفحا } أي بحيث يكون حالنا معكم حال المعرض ~~المجانب بصفحة عنقه، فلا نرسل إليكم رسولا، ولا ننزل معه كتابا فهو ~~مفعول له أي نضرب لأجل إعراضنا عنكم، أو يكون ظرفا بمعنى جانبا أي ~~نضربه عنكم جانبا، قال الجامع بين العباب والمحكم: أضربت عن الشيء: كففت ~~وأعرضت، وضرب عنه الذكر وأضرب عنه: صرفه، وقال الإمام عبد الحق في ~~الواعي: والأصل في ضرب عنه الذكر أن الراكب إذا ركب دابته فأراد أن يصرفه ~~عن جهته ضربه بعصاه ليعدله عن جهته إلى الجهة التي يريدها، فوضع الضرب في ~~موضع الصرف والعدل، قال الهروي: قال الأزهري: يقال: ضربت عنه وأضربت ~~بمعنى واحد، ونقل النواوي عنه أنه قال: إن المجرد قليل، فالحاصل أن ~~الضرب إيقاع شيء على آخر بقوة، فمجرده متعد إلى واحد، فإن عدي إلى آخر ب ~~" عن " ضمن معنى الصرف، وإذا زيدت همزة النقل فقيل: أضربت عنه، أفادت ~~الهمزة قصر الفعل، وأفهمت إزالة الضرب، فمعنى الآية: أفنضرب صارفين عنكم ~~الذكر صفحا، أي معرضين إعراضا شديدا حتى كأنا ضربنا الذكر لينصرف عنكم ~~معرضا كإعراض من ولى إلى صفحة عنقه، ثم علل إرادتهم هذا الإعراض بما ~~يقتضي الإقبال بعذاب أو متاب فقال: { أن } أي أنفعل ذلك لأن { كنتم ~~قوما مسرفين } أي لأجل أن كان الإسراف جبلة لكم وخلقا راسخا، وكنتم ~~قادرين على القيام به في تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم والقدح فيما ~~يأتي به والاستهزاء بأمره بترككم خشية من شدتكم أو رجاء من غير تذكير ~~لتوبتكم وقد جعل حينئذ المقتضى مانعا، فإن المسرف أجدر بالتذكير وأحوج ~~إلى الوعظ، هذا إن كان مقربا، وأما البعيد فإنه لا يلتفت إليه من أول ~~الأمر، بل لو أراد القرب طرد، وعلى قراءة نافع وحمزة والكسائي بكسر " إن ~~" على كونها شرطية يكون الكلام مسبوقا على غاية ما يكون من الإنصاف، ~~فيكون المعنى: أنترككم مهملين فننحي عنكم الذكر والحال أنكم قوم يمكن أن ~~تكونوا متصفين بالإسراف، يعني أن ms4379 المسرف أهل لأن يوعظ ويكلم بما يرده عن ~~الإسراف، وأنتم وإن ادعيتم أنكم مصلحون لا تقدرون أن تدفعوا عنكم إمكان ~~الإسراف فكيف يدفع عنكم إنزال الذكر الواعظ وأنتم بحيث يمكن أن تكونوا ~~مسرفين فتحتاجوا إليه - هذا ما لا يفعله حكيم في عباده، بل هو سبحانه ~~للطفه وزيادة بره لا يترك دعاء عباده إلى رحمته وإن كانوا مسرفين قد ~~أمعنوا في الشراد، والجحد والعناد، فيدعوهم بأبلغ الحجة، وهو هذا القرآن ~~الذي هو أشرف الكتاب على لسان هذا النبي الذي هو أعظم الرسل ليهتدي من ~~قدرت هدايته وتقوم الحجة على غيره. # ولما كان المعنى أن لا نترككم هملا، كان كأنه قيل: هيهات منكم ~~فلنرفعنكم كما رفعنا بني إسحاق من إسرائيل وعيسى عليهم الصلاة والسلام، ~~فلقد أرسلنا إليكم مع أنكم أعلى الناس رسولا هو أشرفكم نسبا وأزكاكم ~~نفسا وأعلاكم همة وأرجحكم عقلا وأوفاكم أمانة وأكرمكم خلقا وأوجهكم ~~عشيرة، فعطف قوله تأنيسا للنبي صلى الله عليه وسلم وتأسية وتعزية ~~وتسلية: { وكم أرسلنا } أي على ما لنا من القدرة على ذلك والعظمة الباهرة ~~المقتضية لذلك. # ولما كان الإرسال يقع على أنحاء من الأشكال، ميزه بأن قال: { من نبي في ~~الأولين } ثم حكى حالهم الماضية إشارة إلى استمرار حال الخلق على هذا ~~فقال: { وما } أي والحال أنه ما { يأتيهم } وأغرق في النفس بقوله: { من ~~نبي } أي في أمة بعد أمة بعد أمة وزمان بعد زمان { إلا كانوا } أي خلقا ~~وطبعا وجبلة { به يستهزءون * } كما استهزأ قومك، وتقديم الظرف للإشارة ~~إلى أن استهزاءهم به لشدة مبالغتهم فيه كأنه مقصور عليه. ### || [43.8-13] # ولما كان الاستهزاء برسول الملك استهزاء به، وكانت المماليك إنما تقام ~~بالسياسة بالرغبة والرهبة وإيقاع الهيبة حتى يتم الجلال وتثبت العظمة، ~~فكان لذلك لا يجوز في عقل عاقل أن يقر ملك على الاستهزاء به، سبب عن ~~الاستهزاء بالرسل الهلاك فقال: { فأهلكنا } وكان الأصل الإضمار، ولكنه ~~أظهر الضمير بيانا لما كان في الأولين من الضخامة صارفا أسلوب الخطاب ~~إلى الغيبة إقبالا على نبيه صلى الله عليه وسلم ms4380 تسلية له وإبلاغا في ~~وعيدهم فقال: { أشد منهم } أي من قريش الذي يستهزئون بك { بطشا } من جهة ~~العد والعدد والقوة والجلد فما ظنهم بأنفسهم وهم أضعف منهم إن تمادوا في ~~الاستهزاء برسول الله الأعلى. # ولما ذكر إهلاك أولئك ذكر أن حالهم عن الإهلاك كان أضعف حال ليعتبر ~~هؤلاء فقال: { ومضى مثل الأولين * } أي وقع إهلاكهم الذي كان مثلا يتمثل ~~به من بعدهم، وذكر أيضا في القرآن الخبر عنه بما حقه أن يشير مشير المثل ~~بل ذكر أن من عبده الأولون واعتمدوا علهي مثل بيت العنكبوت فكيف بالأولين ~~أنفسهم فكيف بهؤلاء، فإن الحال أدى إلى أنهم أضعف من الأضعف من بيت ~~العنكبوت فلينتظروا أن يحل بهم مثل ما حل بأولئك، بأيدي جند الله من ~~البشر أو الملائكة. # ولما كان التقدير: فلئن سألتهم عمن سمعوا بخبره ممن ذكرناهم من الأولين ~~ليعترفن بما سمعوا من خبرهم لأنا لم نجعل لهم على المباهتة فيه جرأة لما ~~طبعناهم عليه في أغلب أحوالهم من الصدق، عطف عليه قولهم مبينا لجهلهم ~~بوقوعهم في التناقض مؤكدا له لما في اعترافهم به من العجب المنافي ~~لحالهم: { ولئن سألتهم } أيضا عما هو أكبر من ذلك وأدل على القدرة، ~~وجميع صفات الكمال فقلت لهم: { من خلق السماوات } على علوها وسعتها { ~~والأرض } على كثرة عجائبها وعظمتها { ليقولن } أي من غير توقف. # ولما كان السؤال عن المبتدأ، كان الجواب المطابق ذكر الخبر، فكان الجواب ~~هنا: الله - كما في غيره من الآيات، لكنه عدل عنه إلى المطابقة المعنوية ~~لافتا القول عن مظهر العظمة إلى ما يفيد من الأوصاف القدرة على كل شيء، ~~وأنه تعالى يغلب كل شيء، ولا يغلبه شيء مكررا للفعل تأكيدا لاعترافهم ~~زيادة في توبيخهم وتنبيها على عظيم غلطهم، فقال معبرا بما هو لازم ~~لاعترافهم له سبحانه بالتفرد بالإيجاد لأنه أنسب الأشياء لمقصود السورة ~~وللإبانة التي هي مطلعها. { خلقهن } الذي هو موصوف بأنه { العزيز العليم ~~* } أي الذي يلزم المعترف بإسناد هذا الخلق إليه أن يعترف بأنه يغلب كل ~~شيء ولا يغلبه شيء ms4381 وأن علمه محيط بكل شيء، فيقدر على إيجاده على وجه من ~~البداعة ثم على أكمل منه ثم أبهج منه وهلم جرا إلى ما لا نهاية له - هذا ~~هو الأليق بكمال ذاته وجليل صفاته، ونعوذ بالله من عمى المعتزلة ~~والفلاسفة أصحاب الأذهان الجامدة والعقول الكاسدة والعرب لجهلهم يعبدون ~~مع اعترافهم بهذا غيره، وذلك الغير لا قدرة له على شيء أصلا، ولا علم له ~~بشيء أصلا، فقد كسر هذا السؤال بجوابه حجتهم، وبان به غلطهم وفضيحتهم، ~~حتى بان لأولي الألباب أنهم معاندون. # ولما كان جوابهم بغير هاتين الصفتين ودل بذكرهما على أنهما لا زمان ~~لاعترافهم تنبيها لهم على موضع الحجة، أتبعهما من كلامه دلالة على ذلك ~~قوله التفاتا إلى الخطاب لأنه أمكن في التقريع والتوبيخ والتشنيع ~~وتذكيرا لهم بالإحسان الموجب للإذعان وتفصيلا للقدرة: { الذي جعل لكم } ~~فإنه لو كان ذلك قولهم لقالوا لنا { الأرض مهدا } أي فراشا، قارة ثابتة ~~وطية، ولو شاء لجعلها مزلزلة لا يثبت فيها شيء كما ترون من بعض الجبال، ~~أو جعلها مائدة لا تثبت لكونها على تيار الماء، ولما جعل الأرض قرارا ~~لأشباحكم جعل الأشباح قرارا لأرواحكم وطوقها حمل قرارها وقوة التصرف به ~~في حضورها وأسفارها ليدلكم ذلك على تصرفه سبحانه في الكون وتصريفه له حيث ~~أراد، وأنه الظاهر الذي لا أظهر منه والباطن الذي لا أبطن منه، قال ~~القشيري: فإذا انتهى مدة كون النفوس على الأرض حكم الله بخرابها، كذلك ~~إذا فارقت الأرواح الأشباح بالكلية قضى الله بخرابها، وأعاد الفعل ~~تنبيها على تمكنه تعالى من إقامة الأسباب لتيسير الأمور الصعاب إعلاما ~~بأنه لا يعجزه شيء: { وجعل لكم فيها سبلا } أي طرقا تسلكونها بين ~~الجبال والأودية، ولو شاء لجعلها بحيث لا يسلك في مكان منها كما جعل بعض ~~الجبال كذلك، ثم ذكر العلة الغائبة في ذلك فقال: { لعلكم تهتدون } أي ~~ليكون خلقنا لها كذلك جاعلا حالكم حال من يرجى له الهداية إلى مقاصد ~~الدنيا في الأسفار وغيرها ظاهرا فتتوصلون بها إلى الأقطار الشاسعة ~~والأقاليم الواسعة للأمور الرافقة النافعة، ms4382 فإنها إذا تكرر سلوكها صار ~~لها من الآثار الناشئة من كثرة التكرار ما يهدي كل مار وإلى المقاصد ~~الأخرى وحكمتها باطنا إذا تأمل الفطن حكمة مسخرها وواضعها وميسرها. # ولما كان إنزال الماء من العلو في غاية العجب لا سيما إذا كان في وقت ~~دون وقت، وكان إنبات النبات به أعجب، وكان دالا على البعث ولا بد، وكان ~~مقصود السورة أنه لا بد من ردهم عن عنادهم بأعظم الكفران إلى الإيمان، ~~والخضوع له بغاية الإذعان، قال دالا على كمال القدرة على ذلك وغيره ~~بالتنبيه على كمال الوصف بالعطف وبإعادة الموصول الدال على الفاعل المذكر ~~بعظمته للتنبيه على أن الإعادة التي هذا دليلها هي سر الوجود، فهي أشرف ~~مما أريد من الآية الماضية بمهد الأرض وسلك السبل: { والذي نزل } أي بحسب ~~التدريج، ولولا قدرته الباهرة لكان دفعة واحدة أو قريبا منها { من ~~السماء } أي المحل العالي { ماء } عذبا لزروعكم وثماركم وشربكم بأنفسكم ~~وأنعامكم { بقدر } وهو بحيث ينفع الناس ولا يضر بأن يكون على مقدار ~~حاجاتهم، ودل على عظمة الإنبات بلفت القول إلى مظهر العظمة تنبيها على ~~أنه الدليل الظاهر على ما وصل به من نشر الأموات فقال مسببا عن ذلك: { ~~فأنشرنا } أي أحيينا، والمادة تدور على الحركة والامتداد والانبساط { به ~~} أي الماء { بلدة } أي مكانا يجتمع الناس فيه للإقامة معتنون بإحيائه ~~متعاونون على دوام إبقائه { ميتا } أي كان قد يبس نباته وعجز أهله عن ~~إيصال الماء إليه ليحيى به، ولعله أنث البلد وذكر الميت إشارة إلى أن ~~بلوغها في الضعف والموت بلغ الغاية بضعف أرضه في نفسها وضعف أهله عن ~~إحيائه وقحط الزمان واضمحلال ما كان به من النبات. # ولما كان لا فرق بين جمع الماء للنبات من أعماق الأرض بعد أن كان ترابا ~~من جملة ترابها وإخراجه كما كان رابيا يهتز بالحياة على هيئته وألوانه ~~وما كان من تفاريعه أغصانه بأمر الله وبين جميع الله تعالى لما تفتت من ~~أجساد الآدميين وإخراجه كما كان بروحه وجميع جواهره وأعراضه إلا أن الله ms4383 ~~قادر بكل اعتبار وفي كل وقت بلا شرط أصلا، والماء لا قدرة له إلا بتقدير ~~الله تعالى، كان فخرا عظيما لأن تنتهز الفرصة لتقدير ما هم له منكرون ~~وبه يكفرون من أمر البعث، فقال تعالى إيقاظا لهم من رقدتهم بعثا من موت ~~سكرتهم: { كذلك } أي مثل هذا الإخراج العظيم لما تشاهدونه من النبات { ~~تخرجون } من الموت الحسي والمعنوي بأيسر أمر من أمره تعالى وأسهل شأن ~~فتخرجون في زمرة الأموات من الأرض ثانيا # فإذا أنتم بشر تنتشرون # [الروم: 20] وتخرجون من ظلمة الجهل إلى نور الإيمان فإذا أنتم حكماء ~~عالمون. # ولما انتهزت هذه الفرصة، وسوغ ذكرها ما أثره سوء اعتقادهم من عظيم ~~الغصة، شرع في إكمال ما يقتضيه الحال من الأوصاف، فقال عائدا إلى أسلوب ~~العزة والعلم للإيماء إلى الحث على تأمل الدليل على بعث الأموات بانتشار ~~الموات معيدا للعاطف تنبيها على كمال ذلك الوصف الموجب لتحقيق مقصود ~~السورة من القدرة على ردهم بعد صدهم: { والذي خلق الأزواج } أي الأصناف ~~المتشاكلة التي لا يكمل شيء منها غاية الكمال إلا بالآخر على ما دبره ~~سبحانه في نظم هذا الوجود { كلها } من النبات والحيوان، وغير ذلك من سائر ~~الأكوان، لم يشاركه في شيء منها أحد. # ولما ذكر الأزواج، وكان المتبادر إلى الذهن إطلاقها على ما هو من نوع ~~واحد، دل على أن المراد ما هو أعم، فقال ذاكرا ما تشاكل في الحمل وتباين ~~في الجسم: { وجعل لكم } لا لغيركم فاشكروه { من الفلك } أي السفن العظام ~~في البحر { والأنعام } في البر { ما تركبون * } وحذف العائد لفهم المعنى ~~تغليبا للمتعدي بنفسه في الأنعام على المتعدي بواسطة في الفلك. # ولما ذكر النعمة الناشئة عن مطلق الإيجاد، ذكر بنعمة الراحة فيه فقال ~~معللا: { لتستووا } أي تكونوا مع الاعتدال والاستقرار والتمكن والراحة { ~~على ظهوره } أي ظهور كل من ذلك المجعول، فالضمير عائد على ما جمع الظهر ~~نظرا للمعنى تكثيرا للنعمة، وأفرد الضمير ردا على اللفظ دلالة على ~~كمال القدرة بعظيم التصريف برا وبحرا أو تنبيها بالتذكير على قوة ~~المركوب ms4384 لأن الذكر أقوى من الأنثى. # ولما أتم النعمة بخلق كل ما تدعو إليه الحاجة، وجعله على وجه دال على ما ~~له من الصفات، ذكر ما ينبغي أن يكون من غايتها على ما هو المتعارف بينهم ~~من شكر المنعم، فقال دالا على عظيم قدر النعمة وعلو غايتها وعلو أمر ~~الذكر بحرف التراخي: { ثم تذكروا } أي بقلوبكم، وصرف القول إلى وصف ~~التربية حثا على تذكر إحسانه للانتهاء عن كفرانه والإقبال على شكرانه ~~فقال: { نعمة ربكم } الذي أحسن إليكم بنعمة تسخيرها لكم وما تعرفونها من ~~غيرها. # ولما كان الاعتدال عليه أمرا خارقا للعادة بدليل ما لا يركب من ~~الحيوانات في البر والجوامد في البحر وإن كان قد أسقط العجب فيه كثرة ~~إلفه ذكر به فقال: { إذا استويتم عليه } ولما كان تذكر النعمة يبعث ~~الجنان واللسان والأركان على الشكر لمن أسداها قال: { وتقولوا } أي ~~بألسنتكم جمعا بين القلب واللسان. ولما كان الاستواء على ذلك مقتضيا ~~لتذكر النقص بالاحتياج إليها في بلوغ ما ركبت لأجله وفي الثبات عليها ~~وخوف العطب منها وتذكر أن من لا يزال يحسن إلى أهل العجز الذين هم في ~~قبضته ابتداء وانتهاء من غير شيء يرجوه منهم لا يكون إلا بعيدا من صفات ~~الدناءة وأن استواءه على عرشه ليس كهذا الاستواء المقارن لهذه النقائص ~~وأنه ليس كمثله شيء، كان المقام للتنزيه فقال: { سبحان الذي سخر } أي ~~بعلمه الكامل وقدرته التامة { لنا هذا } أي الذي ركبناه سفينة كان أو ~~دابة { وما } أي والحال أنا ما { كنا } ولما كان كل من المركوبين في ~~الواقع أقوى من الركاب، جعل عدم إطاقتهم له وقدرتهم عليه كأنه خاص به، ~~فقال مقدما للجار دلالة على ذلك: { له مقرنين } أي ما كان في جبلتنا ~~إطاقة أن يكون قرنا له وحده لخروج قوته من بين ما نعالجه ونعانيه عن ~~طاقتنا بكل اعتبار ولا مكافئين في القوة غالبين ضابطين، مطيقين من أقرن ~~الأمر: أطاقه وقوي عليه فصار بحيث يقرنه بما شاء. ### || [43.14-18] # ولما كان كل راكب شيئا من هذين الصنفين ms4385 مستحضرا كل حين أنه ينقلب بطن ~~شقة أسفاره إلى محل قراره، ذكرهم سبحانه بذلك أن ظهر هذه الأرض لهم مثل ~~ظهور السفن والدواب يسبحون بها في لجج أمواج الزمان وتصاريف الحدثان، هم ~~على ظهرها مسافرون، ولكنهم لطول الإلف عنه غافلون، وقليلا ما يذكرون، ~~وأنهم على خطر فيما صاروا إليه من ظهور هذه الأشياء يوشك أن يكون سبب ~~موتهم ومثير هلكهم وقوتهم، فقال عاطفا على ما تقديره: فمن ربنا كان ~~ابتداؤنا لا نعلم شيئا ولا نقدر على شيء، والآن نحن متى شئنا ساكنون، ~~ومهما أردنا منتشرون { وإنا إلى ربنا } المحسن إلينا بالبداءة والإقرار ~~على هذه التنقلات على هذه المراكيب لا إلى غيره { لمنقلبون } أي لصائرون ~~ومتوجهون وسائرون بالموت وما بعده إلى الدار الآخرة انقلابا لا إياب معه ~~إلى هذه الدار، فالآية منبهة بالسير الدنيوي على السير الأخروي، وأكد ~~لأجل إنكارهم للبعث حتى لا يزالوا مراقبين للمنعم عليهم، ويجوز أن يكون ~~المعنى أنه لما أمرهم بالمراقبة على نعمة الركوب، عبر بالانقلاب تذكيرا ~~بنعمته عليهم في حال الدعة والسكون قبل الانقلاب وبعده، أي وإنا بعد ~~رجوعنا إلى نعمة ربنا لمنقلبون أي وإنا في نعمة في كل حال، روى أحمد وأبو ~~داود والترمذي - وقال: حسن صحيح - والنسائي عن علي رضي الله عنه أنه وضع ~~رجله في الركاب وقال: بسم الله، فلما استوى على الدابة قال: الحمد لله ~~الذي سخر لنا هذا - الآية، ثم حمد الله ثلاثا وكبر ثلاثا ثم قال: ~~سبحانك لا إله إلا أنت ظلمت نفسي فاغفر لي، ثم ضحك، وأخبر أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم فعل مثله، وقال: # " يعجب الرب من عبده إذا قال: رب اغفر لي ويقول: علم عبدي أنه لا يغفر ~~الذنوب غيري " # روى أحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أردفه على دابة، فلما استوى عليها ~~كبر ثلاثا وحمد الله ثلاثا وسبح ثلاثا وهلل الله واحدة ثم استلقى عليه ~~فضحك ثم أقبل علي فقال: ما من امرىء مسلم يركب دابته فيصنع ms4386 كما صنعت إلا ~~أقبل الله عليه يضحك إليه كما ضحكت إليك " # وروى أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي والترمذي عن ابن عمر رضي الله عنهما ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ركب راحلته ثلاثا ثم قال: # " سبحان الذي سخر لنا هذا الآية، ثم يقول: اللهم إني أسألك في سفري هذا ~~البر والتقوى ومن العمل ما ترضى اللهم هون علينا السفر واطو لنا البعيد، ~~اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل، اللهم اصبحنا في سفرنا ~~واخلفنا في أهلنا، وكان إذا رجع إلى أهله قال: آئبون تائبون إن شاء الله ~~عابدون لربينا حامدون " # وروى أحمد عن أبي لاس الخزاعي رضي الله عنه قال: # " حملنا رسول الله صلى الله عليه وآله على إبل من إبل الصدقة إلى الحج، ~~فقلنا: يا رسول الله! ما نرى أن تحملنا هذه، فقال: ما من بعير إلا في ~~ذروته شيطان فاذكروا اسم الله عليها إذا ركبتموها كما أمركم ثم امتهنوها ~~لأنفسكم فإنما يحمل الله عز وجل ". # ولما علم بهذا الاعتراف منه وما تبعه من التقريب أن العالم كله متزاوج ~~بتسخير بعضه لبعض، فثبت أن خالقه مباين له لا يصح أصلا أن يكون محتاجا ~~بوجه لأنه لا مثل له أصلا، كان موضع التعجيب من نسبتهم الولد إليه ~~سبحانه: فقال لافتا القول عن خطابهم للإعراض المؤذن بالغضب: { وجعلوا } ~~أي ولئن سألتهم ليقولن كذا اللازم منه قطعا لأنه لا مثل { له } والحال ~~أنهم نسبوا له وصيروا بقولهم قبل سؤالك إياهم نسبة هم حاكمون بها حكما ~~لا يتمارون فيه كأنهم متمكنون من ذلك تمكن الجاعل فيه يجعله { من عباده } ~~الذين أبدعهم كما أبدع غيرهم { جزءا } أي ولدا هو لحصرهم إياه في ~~الأنثى أحد قسمي الأولاد، وكل فهو جزء من والده، ومن كان له جزء كان ~~محتاجا فلم يكن إلها وذلك لقولهم: الملائكة بنات الله، فثبت بذلك طيش ~~عقولهم وسخافة آرائهم. # ولما كان هذا في غاية الغلظة من الكفر، قال مؤكدا لإنكارهم أن يكون ~~عندهم كفر: { إن الإنسان } أي هذا النوع ms4387 الذي هم بعضه { لكفور مبين } أي ~~مبين الكفر في نفسه مناد عليها بالكفر بيانا لذلك لكل أحد هذا ما يقتضيه ~~طبعه بما هو عليه من النقص بالشهوات والحظوظ ليبين فضل من حفظه الله ~~بالعقل على من سواه من جميع المخلوقات بمجاهدته لعدو وهو بين جنبيه مع ~~ظهور قدرة الله الباهرة بذلك. # ولما كان كأنه قيل إنكارا عليهم وتهكما بهم حيث لم يرضوا بأن جعلوا ~~لمن إليه الجعل من عباده جزءا حتى جعلوه شر الجزئين الإناث، وهم أشد ~~الناس نفرة منهن: أوهب له ذلك الجزء الذي جعلتموه إناثا غيره قسرا بحيث ~~لم يقدر أن ينفك عنه كما قدم في السورة التي قبله عن نفسه المقدس أنه يهب ~~لمن يشاء إناثا ولا يقدر على التقصير عنهن بوجه، عادله بقوله عائدا إلى ~~الخطاب لأنه أقعد في التبكيت على اختيار الغي عن الصواب: { أم اتخذ } أي ~~عالج هو نفسه فأخذ بعد المعالجة وهو خالق الخلق كلهم { مما يخلق } أي ~~يجدد إبداعه في كل وقت كما اعترفتم { بنات } فلم يقدر بعد التكليف والتعب ~~على غير البنات التي هي أبغض الجزئين إليكم، ونكر لتخصيصهم اتخاذه ببعض ~~هذا الصنف الذي شاركه فيه غيره، وعطف على قوله " اتخذ " ليكون منفيا على ~~أبلغ وجه لكونه في حيز الإنكار: { وأصفاكم } وهو السيد وأنتم عبيده { ~~بالبنين } أي الجزء الأكمل لديكم المستحق لأن يكون دائما مستحضرا في ~~الخاطر فلذلك عرفه ولأنهم ادعوا أن هذا النوع كله خاص بهم لم يشاركهم في ~~شيء منه، فكان هذا الكفر الثاني أعرق في المحال من الأول للزيادة على ~~مطلق الحاجة بالسفه في أنه رضي بالدون الخسيس فلم يشاركهم في شيء من ~~الأعلى، بل جعل لهم ذلك خالصا صافيا عن أدنى ما يشوبه من كدر. # ولما كانت نسبة الولد إليه سبحانه مما لا يبنغي أن يخطر بالبال على حال ~~من الأحوال. وكانت نسبته على سبيل الحقيقة أبعد منها على طريق المثال بأن ~~يقال: الملائكة عنده في العزة بمنزلة البنات عند الأب، قال مرشدا إلى أن ~~ما قالوه ms4388 لو كان على قصد التمثيل في غاية القباحة فضلا عن أن يكون على ~~التحقيق، عائدا إلى الإعراض المؤذن بالمقت والإبعاد: { وإذا } أي جعلوا ~~ذلك والحال أنه إذا { بشر } من أي مبشر كان { أحدهم } أطلق عليه ذلك ~~تنبيها على أنه مما يسر كالذكر سواء في أن كلا منهما ولد وتارة يسر ~~وتارة يضر وهو نعمة من الخالق لأنه خير من العقم { بما ضرب } وعدل عن ~~الوصف بالربوبية لأنه قد يدعى المشاركة في مطلق التربية إلى الوصف الدال ~~على عموم الرحمة، فتأمله بمجرده كاف في الزجر عن سوء قولهم فقال: { ~~للرحمن } أي الذي لا نعمة على شيء من الخلق إلا وهي منه { مثلا } أي جعل ~~له شبها وهو الأنثى، وعبر به دونه أن يقول: بما جعل، موضع " بما ضرب " ~~تعليما للأدب في حقه سبحانه في هذه السورة التي مقصودها العلم الموجب ~~للأدب وزيادة في تقبيح كفرهم لا سيما إن أرادوا الحقيقة بالإشارة إلى أن ~~الولد لا يكون إلا مثل الوالد، لا يتصور أصلا أن يكون خارجا عن شبهه في ~~خاص أوصافه. # ولما كان تغير الوجه لا سيما بالسواد لا يدرك حق الإدراك إلا بالنهار، ~~عبر بما هو حقيقة في الدوام نهارا وإن كان المراد هنا مطلق الدوام: { ظل ~~} أي دام { وجه مسودا } أي شديد السواد لما يجد من الكراهة الموصلة إلى ~~الحنق بهذه البشارة التي أبانت التجربة عن أنها قد تكون سارة { وهو كظيم ~~} أي حابس نفسه على ما ملئ من الكرب فكيف يأنف عاقل من شيء ويرضاه لعبده ~~فضلا عن مكافيه فضلا عن سيده - هذا ما لا يرضى عاقل أن يمر بفكره فضلا ~~عن أن يتفوه به. # ولما كان الملك لا يأخذ في جنده إلا من يصلح للجندية بالمجالدة ~~والمجادلة أو بإحداهما، نبه على إنكار آخر بأن الإناث لا يصلحن لشيء من ~~هذين الوصفين، فقال معبدا لإنكار الثالث تنبيها على أنه بالغ جدا في ~~إثارة الغضب: { أو من } أي اتخذ من لا يرضونه لأنفسهم. # .. لنفسه مع أنفتهم منه واتخذ من { ينشؤا ms4389 } أي على ما جرت به عوائدكم ~~على قراءة الجماعة، ومن تنشؤونه وتحلونه بجهدكم على قراءة ضم الباء ~~وتشديد الشين { في الحلية } أي في الزينة فيكون كلا على أبيه لا يصلح ~~لحرب ولا معالجة طعن ولا ضرب { وهو } أي والحال أنه، وقدم لإفادة ~~الاهتمام قوله: { في الخصام } إذا احتيج إليه { غير مبين } أي لا يحصل ~~منه إبانة مطلقة كاملة لما يريده لنقصان العقل وضعف الرأي بتدافع الحظوظ ~~والشهوات وتمكن السعة، فلا دفاع عنده بيد ولا لسان. ### || [43.19-23] # ولما كان ربما ظن أن المحذور إنما هو جعلهم عيهم السلام إناثا بقيد ~~النسبة إليه سبحانه، نبه على أن ذلك قبيح في نفسه مطلقا لدلالته على ~~احتقارهم وانتقاصهم فهو كفر ثالث إلى الكفرين قبله: نسبة الولد إليه ~~سبحانه ثم جعل أخص النوعين، فقال: { وجعلوا } أي مجترئين على ما لا ينبغي ~~لعاقل فعله { الملائكة الذين هم } متصفون بأشرف الأوصاف أنهم { عباد ~~الرحمن } العامة النعمة الذي خلقهم فهم بعض من يتعبد له وهم عباده وحقيقة ~~لأنهم ما عصوه طرفه عين، فهم أهل لأن يكونوا على أكمل الأحوال، وقراءة " ~~عند " بالنون شديدة المناداة عليهم بالسفه، وذلك أن أهل حضرة الملك الذين ~~يصرفهم في المهمات لا يكونون إلا على أكمل الأحوال وعنديته أنهم لم يعصوه ~~قط وهم محل مقدس عن المعاصي مشرف بالطاعات وأهل الاصطفاء، وذكر المفعول ~~الثاني للجعل الذي بمعنى التعبير الاعتقادي والقول فقال: { إناثا } وذلك ~~أدنى الأوصاف خلقا وذاتا وصفة، ثم دل على كذبهم في هذا المطلق ليدل على ~~كذبهم في المقيد من باب الأولى فقال تهكما بهم وتوبيخا لهم وإنكارا ~~عليهم إظهارا لفساد عقولهم بأن دعاويهم مجردة عن الأدلة: { أشهدوا } أي ~~حضروا حضورا هم فيه على تمام الخبرة ظاهرا وباطنا - هذا هو معنى قراءة ~~الجماعة، وأدخل نافع همزة التوبيخ على أخرى مضمومة بناء الفعل للمفعول ~~تنبيها على عجزهم عن شهود ذلك إلا بمن يشهدهم إياه، وهو الخالق لا غيره، ~~ومدها في إحدى الروايتين زيادة في المادة عليهم بالفضيحة، وسهل الثانية ~~بينها وبين الواو إشارة إلى ms4390 انحطاط أمرهم وسفول آرائهم وأفعالهم، وجميع ~~تقلباتهم وأحوالهم كما سيكشف عنه الزمان ونوازل الحدثان { خلقهم } أي ~~مطلب الخلق في أصله أو عند الولادة أو بعدها على حال من الأحوال حضورا ~~أوجب لهم تحقق ما قالوا بأن لم يغيبوا عن شيء من الأحوال الدالة على ذلك ~~أعم من أن تكون تلك الشهادة حسية بنظر العين أو معنوية بعلم ضروري أو ~~استدلالي بعقل أو سمع. # ولما كان الجواب قطعا: لا، قال مهددا لهم مؤكدا لتهديدهم بالسين ~~لظنهم أن لا بعث ولا حساب ولا حشر ولا نشر فقال: { ستكتب } بكتابة من ~~وكلناهم بهم من الحفظة الذين لا يعصوننا فنحن نقدرهم على جميع ما نأمرهم ~~به - هذا على قراءة الجماعة بالتاء والبناء للمفعول، وعظم الكتابة ~~تفخيما للوعيد وإكبارا لما اشتمل عليه من التهديد في قراءة النون ~~المفيدة للعظمة والبناء للفاعل ونصب الشهادة { شهادتهم } أي قولهم فيهم ~~أنهم إناث الذي لا ينبغي أن يكون إلا بعد تمام المشاهدة، فهو قول ركيك ~~سخيف ضعيف - بما أشار إليه التأنيث في قراءة الجماعة { ويسألون } عنها ~~عند الرجوع إلينا، ويجوز أن يكون في السين استعطاف إلى التوبة قبل كتابة ~~ولا علم لهم به، فإنه قد روى أبو أمامة رضي الله عنه أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم: # " كاتب الحسنات على يمين الرجل وكاتب السيئات على يسار الرجل، وكاتب ~~الحسنات أمين على كاتب السيئات، فإذا عمل حسنة كتبها صاحب اليمين عشرا، ~~وإذا عمل سيئة قال صاحب اليمين لصاحب الشمال: دعه سبع ساعات، لعله يسبح ~~الله أو يستغفر " # رواه الشعبي والبغوي من طريقه والطبراني والبيهقي من طريق جعفر عن ~~القاسم عن أبي أمامة والبيهقي من رواية بشر بن نمير عن القاسم نحوه وأبو ~~نعيم في الحلية وابن مردويه من طريق إسماعيل بن عياش عن عاصم بن رجاء عن ~~عروة بن رويم عن القاسم عن أبي أمامة رضي الله عنه، وروى الحاكم وقال: ~~صحيح الإسناد عن أم عصمة العوصية رضي الله تعالى عنها قال: # " ما من مسلم يعمل ذنبا إلا وقف الملك ms4391 ثلاث ساعات، فإن استغفر من ذنبه ~~لم يوقعه عليه ولم يعذب يوم القيامة ". # ولما ذكر أنهم يسألون بطريق الأولى عن العبادة، نبه على أنهم عبدوهم مع ~~ادعاء الأنوثة فيهم، فقال معجبا منهم في ذلك وفي جعل قولهم حجة دالة على ~~صحة مذهبهم وهو من أوهى الشبه: { وقالوا } أي بعد عبادتهم لهم ونهيهم عن ~~عبادة غير الله: { لو شاء الرحمن } أي الذي له عموم الرحمة { ما عبدناهم ~~} لأن عموم الرحمة يمنع الإقرار على ما لا ينبغي ولكنه لم يشأ عدم ~~عبادتنا لهم فعبدناهم طوع مشيئته، فعبادتنا لهم حق، ولولا أنها حق يرضاه ~~لنا لعجل لنا العقوبة. # ولما كان كأنه قيل: بماذا يجابون عن هذا، قال منبها على جوابهم بقوله ~~دالا على أن أصول الدين لا يتكلم فيها إلا بقاطع: { ما لهم بذلك } أي ~~بهذا المعنى البعيد عن الصواب الذي قصدوا جعله دليلا على حقية عبادتهم ~~لهم وهو أنه سبحانه لا يشاء إلا ما هو حق ويرضاه ويأمر به، ومن أن ~~الملائكة إناث، وأكد الاستغراق بقوله: { من علم } أي لأنه لو لزم هذا ~~لكان وضعه بعموم الرحمة حينئذ اضطراريا لا اختياريا فيؤدي إلى نقص لا ~~إلى كمال، ولكان أيضا ذلك يؤدي إلى إيجاب أن يكون الناس كلهم مرضيا ~~عنهم لكونهم على حق، وذلك مؤد بلا ريب إلى كون النقيضين معا حقا، وهو ~~بديهي الاستحالة. # ولما كان العلم قد ينتفي والمعلوم ثابت في نفسه قال نافيا لذلك: { إن ~~هم } أي ما هم { إلا يخرصون } أي يكذبون في هذه النتيجة التي زعموا أنها ~~دلتهم على رضى الله سبحانه لكفرهم فإنها مبنية على أنه سبحانه لا يشاء ~~إلا ما هو حق، والذي جرأهم على ذلك أنهم يجددون على الدوام القول بغير ~~تثبت ولا تحر، فكان أكثر قولهم كذبا، فصاروا لذلك يجترئون على تعمد ~~القول للظن الذي لا يأمن صاحبه من الوقوع في صريح، وسيأتي تمام إبطال هذه ~~الشبهة بقوله تعالى { قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين } وأن ذلك ~~هو المراد لا ما طال ms4392 الخبط فيه لإهمال في السوابق واللواحق الموجبة لسوق ~~المقال، مطابقا لمقتضى الحال، وقد جهلوا في هذا الكلام عدة جهالات: ~~ادعاء الولدية للغني المطلق، وكون الولد أدنى الصنفين، وعبادتهم لهم مع ~~أنفسهم منهم بغير دليل، واحتياجهم على صحة فعلهم بتقدير علم على ذلك وهو ~~قد نهاهم عنه بلسان كل رسول، وظنهم أنه لا يشاء إلا ما هو الحق المؤدي ~~إلى الجميع بين النقيضين إذ لا ريب فيه ولا خفاء به. # ولما كان الإيمان بالملائكة الذين هم جند الملك من دعائم أصول الدين، ~~وكان الإيمان بالشيء إن لم يكن على ما هو عليه الشيء ولو بأدنى الوجوه ~~كان مختلا، وأخبر سبحانه أنهم وصفوهم بغير ما هم عليه ففرطوا بوصفهم ~~بالبنات حتى أنزلوهم إلى الحضيض وأفرطوا بالعبادة حتى أعلوهم عن قدرهم ~~فانسلخوا في كلا الأمرين من صريح العقل بما أشار إليه ما مضى، أتبع ذلك ~~أنهم عريئون أيضا من صحيح النقل، فقال معادلا لقوله { أشهدوا خلقهم } ~~إنكارا عليهم بعد إنكار، موجبا ذلك أعظم العار، لافتا القول عن الوصف ~~بالرحمة تنبيها بمظهر العظمة على أن حكمه تعالى متى برز لم يسع سامعة ~~إلا الوقوف عنده والامتثال على كل حال وإلا حل به أعظم النكال: { أم ~~آتيناهم } بما لنا من العظمة { كتابا } أي جامعا لما يريدون اعتقاده من ~~أقوالهم هذه { من قبله } أي القرآن أخبرناهم فيه أنا جعلناهم إناثا وأنا ~~لا نشاء إلا ما هو حق نرضاه ونأمر به { فهم } أي فتسبب عن هذا الإيتاء ~~أنهم { به } أي وحده { مستمسكون } أي موجدون الاستمساك به وطالبون للثبات ~~عليه في عبادة غير الله، وفي أن ذلك حق لكونه لم يعاجلهم بالعقوبة، وفي ~~وصفهم الملائكة بالأنوثة، وفي غير ذلك من كل ما يرتكبونه باطلا، ~~والإنكار يقتضي نفي ما دخل عليه من إيتاء الكتاب كما انتفى إشهاده لهم ~~خلقهم، وهذه المعادلة التي لا يشك فيها من له بصر بالكلام تدل على صحة ~~كون الإشارة في { ما لهم بذلك من علم } شاملة لدعواهم الأنوثة في ~~الملائكة. # ولما كان الجواب قطعا ms4393 عن هذين الاستفهامين: ليس لهم ذلك على مطلق ما ~~قالوا ولا مقيده من صريح عقل ولا صحيح نقل إلى من يصح النقل عنه من أهل ~~العلم بالأخبار الإلهية، نسق عليه قوله إرشادا إليه: { بل قالوا } أي في ~~جوابهم عن قول ذلك واعتقاده مؤكدين إظهارا جهلا أو تجاهلا لأن ذلك لم ~~يعب عليهم إلا لظن أنه لا سلف لهم أصلا فيه، فإذا ثبت أنه عمن تقدمهم ~~انفصل النزاع: { إنا وجدنا آباءنا } أي وهم أرجح منا عقولا وأصبح ~~أفهاما { على أمة } أي طريقة عظيمة يحق لها أن تقصد وتؤم مثل رحلة بمعنى ~~شيء هو أهل لأن يرحل إليه، وكذا قدوة ونحوه. # وقراءة الكسر معناها حالة حسنة يحق لها أن تؤم { وإنا على آثارهم } أي ~~خاصة لا على غيرها ونحن في غاية الاجتهاد والقص للآثار وإن لم نجد عينا ~~نتحققها. # ولما علم ذلك من حالهم، ولم يكن صريحا في الدلالة على الهداية، بينوا ~~الجار والمجرور، وأخبروا بعد الإخبار واستنتجوا منه قولهم استئنافا ~~لجواب من سأل: { مهتدون } أي نحن، فإذا ثبت بهذا الكلام المؤكد أنا ما ~~أتينا بشيء من عند أنفسنا ولا غلطنا في الاتباع واقتفاء الآثار، فلا ~~اعتراض علينا بوجه، هذا قوله في الدين بل في أصوله التي من ضل في شيء ~~منها هلك، ولو ظهر لأحد منهم خلل في سعي أبيه الدنيوي الذي به يحصل ~~الدينار والدرهم ما اقتدى به أصلا وخالفه أي مخالفة، ما هذا إلا لمحض ~~الهوى وقصور النظر، وجعل محطه الأمر الدنيوي الحاضر، لا نفوذ لهم في ~~المعاني بوجه. # ولما كان ترك المدعو للدليل واتباعه للهوى غائظا موجعا ومنكئا ~~مولما، قال يسليه صلى الله عليه وسلم عاطفا على قوله: { وكذلك } أي ~~ومثل هذا الفعل المتناهي في البشاعة فعلت الأمم الماضية مع إخوانك ~~الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ ثم فسر ذلك بقوله: { ما أرسلنا } مع ما ~~لنا من العظمة. # ولما كانت مقالة قريش قد تقدمت والمراد التسلية بغيرهم، وكان صلى الله ~~عليه وسلم خاتم النبيين فلا أمة لغيره في زمانه ولا ms4394 بعده يسليه بها، سلاه ~~بمن مضى، وقدم ذكر القبلية اهتماما بالتسلية وتخليصا لها من أن يتوهم ~~أنه يكون معه في زمانه أو بعده نذير، وإفهاما لأن المجدد لشريعته إنما ~~يكون مغيثا لأمته وبشيرا لا نذيرا لثباتهم على الدين بتصديقهم جميع ~~النبيين فقال تعالى: { من قبلك } أي في الأزمنة السالفة حتى القريبة منك ~~جدا، فإن التسلية بالأقرب أعظم، وأثبت الجار لأن الإرسال بالفعل لم يعم ~~جميع الأزمنة وأسقط هذه القبلية في " سبأ " لأن المراد فيها التعميم لأنه ~~لم يتقدم لقريش ذكر حتى يخص من قبلهم. ولما كان أهل القرى أقرب إلى العقل ~~وأولى بالحكمة والحكم، قال: { في قرية } وأعرق في النفي بقوله: { من نذير ~~} وبين به أن موضع الكراهة والخلاف الإنذار على مخالفة الأهواء { إلا قال ~~مترفوها } أي أهل الترفه بالضم وهي النعمة والطعام الطيب والشيء الطريق ~~يكون خاصة بالمترف، وذلك موجب للقلة وهو موجب للراحة والبطالة الصارف عن ~~جهد الاجتهاد إلى سفالة التقليد، وهو موجب لركون الهواء ولو بان الدليل، ~~وهو موجب للبغي والإصرار عليه واللجاجة فيه والتجبر والطغيان، ومعظم ~~الناس في الأغلب أتباع لهؤلاء: { إنا وجدنا آباءنا } أي وهم أعرف منا ~~بالأمور { على أمة } أي أمر جامع يستحق أن يقصد ويؤم وطريقة ودين، وأكدوا ~~قطعا لرجاء المخالف من لفتهم عن ذلك { وإنا على آثارهم } لا غيرها، ثم ~~بينوا الجار والمجرور وأخبروا خبرا ثانيا واستأنفوا لإتمام مرادهم ~~قولهم إيضاحا لأن سبب القص القدوة: { مقتدون } أي مستنون أي راكبون سنن ~~طريقهم لازمون له لأنهم مقتدون لأن تقدم عليهم، وحالنا أطيب ما يكون في ~~الاستقامة وأقرب وأسرع. ### || [43.24-28] # ولما كان كأنه قيل: فقال كل نذير: فما أصنع؟ أجاب بقوله: { قل } أي يا ~~أيها النذير - هذا على قراءة الجماعة، وعلى قراءة ابن عامر وحفص وعاصم ~~يكون التقدير أن السامع قال: فما قال النذير في جوابهم؟ فأجيب بقوله: قال ~~إنكارا عليهم: { أولو } أي أتقتدون بآبائكم على كل حال وتعدونهم مهتدين ~~ولو { جئتكم } والضمير فيه للنذير، وفي قراءة أبي جعفر: أو لو جئتكم ~~للنذر كلهم ms4395 { بأهدى } أي أمر أعظم في الهداية وأوضح في الدلالة { مما ~~وجدتم } أي أيها المقتدون بالآباء { عليه آباءكم } كما تضمن قولكم أنكم ~~تقتفون في اتباعهم بالآثار في أعظم الأشياء، وهو الدين الذي الخسارة فيه ~~خسارة للنفس وأنتم تخالفونهم في أمر الدنيا إذا وجدتم طريقا أهدى من ~~التصرف فيها من طريقهم ولو بأمر يسير، ويفتخر أحدكم بأنه أدرك من ذلك ما ~~لم يدرك أبوه فحصل من المال أكثر مما حصل، فيا له من نظر ما أقصره، ومتجر ~~ما أخسره. # ولما كان من المعلوم أن النذر قالوا لهم ما أمروا به؟ فتشوف السامع إلى ~~جوابهم لهم، أجيب بقوله: { قالوا } مؤكدين ردا لما قطع به كل عاقل سمع ~~هذا الكلام من أنهم يبادرون النظر في الدليل والرجوع إلى سواء السبيل: { ~~إنا بما أرسلتم به } أي أيها المدعون للإرسال من أي مرسل كان، ولو ثبت ما ~~زعمتموه من الرسالة ولو جئتمونا بما هو أهدى { كافرون } أي ساترون لما ~~ظهر من ذلك جهدنا حتى لا يظهر لأحد ولا يتبعهم فيه مخلوق. # ولما علم بهذا أن أمرهم وصل إلى العناد المسقط للاحتجاج، سبب عنه قوله ~~موعظة لهذه الأمة وبيانا لما خصها به من الرحمة: { فانتقمنا } أي بما ~~لنا من العظمة التي استحقوا بها { منهم } فأهلكناهم بعذاب الاستئصال، ~~وعظم أثر النقمة بالأمر بالنظر فيها في قوله: { فانظر } أي بسبب التعرف ~~لذلك وبالاستفهام إشارة إلى أن ذلك أمر هو جدير لعظمه بخفاء سببه فقال: { ~~كيف كان عاقبة } أي آخر أمر { المكذبين * } أي إرسالنا فإنهم هلكوا ~~أجمعون، ونجا المؤمنون أجمعون، فليحذر من رد رسالتك من مثل ذلك. # ولما ذكر لهم الأدلة وحذرهم بالأخذ وتحرر أنهم مع التقليد لا ينفكون ~~عنه، ذكرهم بأعظهم آبائهم ومحط فخرهم وأحقهم بالاتباع للفوز بأتباع الأب ~~في ترك التقليد أو في تقليده إن كان لا بد لهم من التقليد لكونه أعظم ~~الآباء ولكونه مع الدليل، فقال عاطفا على ما تقديره للإرشارة إلى تأمله ~~وإمعان النظر فيه: اذكر لهم ذلك: { وإذ } أي واذكر لهم حين { قال } أعظم ms4396 ~~آبائهم ومحط فخرهم والمجمع على محبته وحقية دينه منهم ومن أهل الكتاب ~~وغيرهم { إبراهيم لأبيه } من غير أن يقلده كما أنتم قلدتم آبائكم، ولما ~~كانت مخالفة الواحد للجمع شديدة، ذكر لهم حاله فيها بيانا لأنهم أحق ~~منهم بالانفكاك عن التقليد { وقومه } الذين كانوا هم القوم في الحقيقة ~~لاحتوائهم على ملك جميع الأرض كما قلت: إنا لكم سواء ولما كانوا لا ~~يتخيلون أصلا أن أحدا يكون مخالفا لهم، أكد بالحرف وإظهار نون الوقاية ~~فقال: { إنني } وزاد بالنعت بالمصدر الذي يستوي فيه الواحد وغيره والمذكر ~~وغيره لكونه مصدرا وإن وقع موقع الصفة باللفظ الدال على أنه مجسد من ~~البراءة جعله على صورة المزيد لزيادة التأكيد فقال: { براء } ومن ضمه ~~جعله وصفا محضا مثل طوال في طويل { مما تعبدون } في الحال والاستقبال ~~مهما كان غير من اشتبه، فإنهم كانوا مشركين فلا بد من الاستثناء ومن كونه ~~متصلا، قال الإمام أبو علي الحسن بن يحيى بن نصر الجرجاني في كتاب بيان ~~نظم القرآن ما حاصله: سر قول السلف أن الكلمة هنا أي الآية في قوله كلمة ~~باقية { لا إله إلا الله } أن النفي والتبرئة واحد فإنني براء بمنزلة لا، ~~وقوله { مما تعبدون } بمنزلة إله إذا كل معبود يسمى إلها فآل ذلك إلى: ~~لا إله { إلا الذي فطرني } قال: فقد ضممت بهذا التأويل إلى فهمك الأول ~~الذي استفدته من الخبر فهم المعرفة الحقيقية الذي أفاد له طباعك بالعبرة، ~~ونبه بالوصف بالفطر على دليل اعتقاده أي الذي شق العدم فأخرجني منه ثم شق ~~هذه المشاعر والمدرك، ومن كان بهذه القدرة الباهرة كان منفردا بالعظمة. # ولما كان الله سبحانه - وله المن - قد أنعم بعد الإيجاد بما أشار إليه ~~من العقل والحواس المهيئ، للهداية من غير طلب، فكان جديرا بأن يمنح ~~قاصده بأعظم هداية قال مسببا عن قطعه العلائق من سواه، مؤكدا لأجل من ~~ينكر وصوله إلى حد عمي عنه أسلافه { فإنه سيهدين } أي هداية هي الهداية ~~إلى ما لاح لي من الحقائق من كل ما يصلحني لتوجهي ms4397 إليه وتوكلي عليه، لا ~~مرية عندي في هذا الاعتقاد، وقد أفاد بهذه المقترنة بالسين هدايته في ~~الاستقبال بعد أن أفاد بقوله المحكي في الشعراء { فهو يهدين } الهداية في ~~الحال وكأنه خص هذا بالسين لأجل ما عقبها به من عقبه، فجعل هدايتهم ~~هدايته { وجعلها } أي جعل إبراهيم عليه الصلاة والسلام هذه الكلمة التي ~~هي التوحيد بدليله { كلمة باقية في عقبه } أي ذريته دعا وهو مجاب الدعوة ~~في قوله: { وأجنبني وبني أن نعبد الأصنام } وفي قوله { ومن ذريتي ربنا ~~وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم ~~إنك أنت العزيز الحكيم }: { لعلهم يرجعون * } أي ليكون حالهم حال من ينظر ~~إليهم إن حصل منهم مخالفة واعوجاج حال من يرجى رجوعه، فإنهم إذا ذكروا أن ~~أباهم الأعظم الذي بنى لهم البيت وأورثهم الفخر قال ذلك تابعوه، ويجوز أن ~~يتعلق بما يتعلق به " إذ " أي اذكر لهم قول أبيهم ليكون حالهم عند من ~~يجهل العواقب حال من يرجى رجوعه عن تقليد الجهلة من الآباء إلى اتباع هذا ~~الأب الذي اتباعه لا يعد تقليدا لما على قوله من الأدلة التي تفوت الحصر ~~فتضمن لمتبعها حتما تمام النصر، وفي سوقه المترجي إشارة إلى أنهم يكونون ~~صنفين: صنفا يرجع وآخر لا يرجع. ### || [43.29-32] # ولما كان من المعلوم أن السامع يقول لمن أحاط علمه بهم ويعلم سرهم ~~وعلنهم: يا رب! بل رجعوا، أجيب بقوله: { بل } أي لم يرجعوا بل استمروا ~~لأجل إظهاري لقدرتي على القلوب بإقحام أربابها برضاهم واختيارهم في أقبح ~~الخطوب وأفحش الذنوب على ترك الطريق المنيع والصراط الأقوم وزاغوا عنه ~~زيغا عظيما، واستمروا في ضلالهم وتيههم ولم أعاجلهم بالعقوبة لأني { ~~متعت } بإفراده ضميرهم سبحانه لأن التمتيع يتضمن إطالة العمر التي لا ~~يقدر عليها ظاهرا ولا باطنا سواه وأما الانتقام فقد يجعله بأيدي عباده ~~من الملائكة وغيرهم فهو من وادي # سنستدرجهم من حيث لا يعلمون وأملي لهم إن كيدي متين # [القلم: 45] { هؤلاء } أي الذين بحضرتك من المشركين وأعداء الدين { ~~وآباءهم } فمددت من الأعمار مع سلامة ms4398 الأبدان ومتانة الأركان، وإسباغ ~~النعم والإعفاء من البلايا والنقم، فأبطرتهم نعمي وأزهدتهم أيادي جودي ~~وكرمي، وتمادى بهم ركوب ذلك الباطل { حتى جاءهم الحق } بهذا الدين المتين ~~{ ورسول مبين } أي أمره ظاهر في نفسه، لو لم تكن فيه آيات مبينة كانت ~~بديهية تنبئك بالخبر وهو مع ظهوره في نفسه مظهر لكل معنى يحتاج إليه، و ~~{ متعت } بالخطاب من لسان الرسول المنزل عليه هذا الكتاب لأنه يدعو ~~انتهازا للفرصة لعله يجاب بما يزيل الغصة يقول: يا رب! قد أقمتهم لمن ~~يجهل العواقب في مقام من يرجى رجوعه فما قضيت بذلك بل متعت إلى آخره. # ولما كان التقدير: فلم يردهم التمتيع بإدرار النعم عليهم وإسراعنا بها ~~إليهم مع وضوح الأمر لهم، بل كان الإنعام عليهم سببا لبطرهم، وكان البطر ~~سببا لتماديهم على الاستعانة بنعمتنا على عصيان أمرنا وهم يدعون أنهم ~~أتبع الناس للحق وأكفهم عن الباطل، عطف عليه قوله؛ { ولما جاءهم الحق } ~~أي الكامل في حقيته بمطابقة الواقع إياه من غير إلباس ولا اشتباه، الظاهر ~~في كماله لكل من له أدنى لب بما عليه القرآن من الإعجاز في نظمه، وما ~~عليه ما يدعو إليه من الحكمة من جميع حكمه، والتصادق مع ما يعلمونه من ~~دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام قبل أن يبدلوه ومن أمر موسى وعيسى ~~عليهما الصلاة والسلام من التوحيد، زادوا على تلك الغفلة التي أدى إليها ~~البطر بالنعمة ما هو شر من ذلك وهو التكذيب بأن { قالوا } مكابرة وعنادا ~~وحسنا وبغيا من غير وقفة ولا تأمل: { هذا } مشيرين إلى الحق الذي ~~يطابقه الواقع، فلا شيء أثبت منه وهو القرآن وغيره مما أتى به من دلائل ~~العرفان { سحر } أي خيال لا حقيقة له، ولما كان الحال مقتضيا من غير شك ~~ولا وقفة لمعرفتهم لما جاء به وإذعانهم له قالوا مؤكدين لمدافعه ما ثبت ~~في النفوس من ذلك: { وإنا به كافرون } أي عريقون في ستره بخصوصه حتى لا ~~يعرفه أحد ولا يكون له تابع. # ولما أخبر عن طعنهم في القرآن أتبعه الإخبار عن ms4399 طعنهم فيمن جاء به تغطية ~~لأمره عملا بأخبارهم في ختام ما قبلها عن أنفسهم بالكفر زيادة وإمعانا ~~فيما كانت النعم أدتهم إليه من البطر فقال: { وقالوا } لما قهرهم ما ~~ذكروا به مما يعرفونه من أمر إبراهيم عليه الصلاة والسلام من النبوة ~~والرسالة، وكذا من بعده من أولاده فلم يتهيأ لهم الإصرار على العناد ~~بإنكار أن يكون النبي من البشر قول من له أمر عظيم في التصرف في الكون ~~والتحكم على الملك الذي لا يسأل عما يفعل، فأنكروا التخصيص بما أتوا به ~~من التخصيص في قولهم: { لولا } أي هل لا ولولا. # ولما كان إنزال القرآن نجوما على حسب التدريج، عبروا بما يوافق ذلك ~~فقالوا: { نزل } أي من المنزل الذي ذكره محمد صلى الله عليه وسلم وعينوا ~~مرادهم ونفوا اللبس فقالوا بقسر وغلظة كلمة على من يطلبهم لإصلاح حالهم { ~~هذا القرآن } أي الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم وادعى أنه جامع لكل ~~خير، ففيه إشارة إلى التحقير { على رجل من القريتين } أي مكة والطائف، ~~ولم يقل: إحدى - اغتناء عنها بوحدة رجل { عظيم } أي بما به عندهم من ~~العظمة والجاه والمال والسن ونحو ذلك وهم عالمون أن شأن الملك إنما هو ~~إرسال من يرتضونه لا من يقترحه الرعية، ويعلمون أن للملك المرسل له صلى ~~الله عليه وسلم الغني المطلق لكنهم جهلوا - مع أنه هو الذي أفاض المال ~~والجاه - أنه ندب إلى الزهد فيهما والتخلي عنهما، وأنه لا يقرب إليه إلا ~~إخلاص الإقبال عليه الناشئ عن طهارة الروح وذكاء الأخلاق وكمال الشمائل ~~والتحلي بسائر الفضائل والتخلي عن جميع الرذائل، فقد جعلوا لإفراطهم في ~~الجهل الحالة البهيمية شرطا للوصول إلى الحالة الملكية المضادة لها بكل ~~اعتبار. # ولما تضمن قولهم إثبات عظمة لأنفسهم بالاعتراض على الملك، قال منكرا ~~عليهم موبخا لهم بما معناه أنه ليس الأمر مردودا إليهم ولا موقوفا ~~عليهم بل هو إلى الله وحده # والله أعلم حيث يجعل رسالته # [الأنعام: 124] { أهم } أي أهؤلاء الجهلة العجزة { يقسمون } أي على ~~التجدد والاستمرار: ولفت القول ms4400 عن إفراد الضمير إلى صفة الرحمة المضافة ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم تشريفا له وإظهارا لعلي قدره: { رحمت ربك ~~} أي إكرام المحسن إليك وإنعامه وتشريفه بأنواع اللطف والبر وإعظامه بما ~~رباك له من تخصيصك بالإرسال إليهم بتأهيلهم للإنقاذ من الضلال، وجعلك ~~وأنت أفضل العالمين الرسول إليهم ففضلوا بفضيلتك مع أنك أشرفهم نسبا ~~وأفضلهم حسبا وأعظمهم عقلا وأصفاهم لبا وأرحمهم قلبا ليتصرفوا في تلك ~~الرحمة التي هي روح الوجود وسر الأمر بحسب شهواتهم وهم لا يقدرون على ~~التصرف في المتاع الزائل بمثل ذلك. # ولما نفى أن يكون لهم شيء من القسم قال جوابا لمن كأنه قال: فمن ~~القاسم؟ دالا على بعدهم عن أن يكون إليهم شيء من قسم ما أعد لأديانهم ~~بما يشاهدونه من بعدهم عن قسم ما أعد لأبدانهم، لافتا القوم عن صفة ~~الإحسان إلى مظهر العظمة إشارة إلى أنها تأبى المشاركة في شيء وتقتضي ~~التفرد: { نحن قسمنا } أي بما من العظمة { بينهم } أي في الأمر الذي ~~يعمهم ويوجب تخصيص كل منهم بما لديهم { معيشتهم } التي يعدونه رحمة ~~ويقصرون عليها النعمة { في الحياة الدنيا } التي هي أدنى الأشياء عندنا، ~~وإشار إلى أنها حياة ناقصة لا يرضاها عاقل، وأما الآخرة فعبر عنها ~~بالحيوان لأنا لو تركنا قسمها إليهم لتعاونوا على ذلك فلم يبق منهم أحد ~~فكيف يدخل في الوهم أن يجعل إليهم شيئا من الكلام في أمر النبوة التي هي ~~روح الوجود، وبها سعادة الدارين: { ورفعنا } بما لنا من نفوذ الأمر { ~~بعضهم } وإن كان ضعيف البدن قليل العقل { فوق بعض } وإن كان قويا عزيز ~~العقل { درجات } في الجاه والمال ونفوذ الأمر وعظم القدر لينتظر حال ~~الوجود، فإنه لا بد في انتظامه من تشارك الموجودين وتعاونهم، تفاوتنا ~~بينهم في الجثث والقوى والهمم ليقتسموا الصنائع، والمعارف والبضائع، ~~ويكون كل ميسر لما خلق له، وجانحا إلى ما هي له لتعاطيه، فلم يقدر أحد ~~من دنيء أو غني أن يعدو قدره وترتقي فوق منزلته. # ولما ذكر ذلك، علله بما ثمرته عمارة الأرض فقال: { ليتخذ ms4401 } أي بغاية ~~جهده { بعضهم بعضا } ولما كان المراد هنا الاستخدام دون الهزء لأنه لا ~~يليق التعليل به، أجمع القراء على ضم هذا الحرف هنا فقال: { سخريا } أي ~~أن يستعمله فيما ينوبه أو يتعسر أو يتعذر عليه مباشرته ويأخذ للآخر منه ~~من المال ما هو مفتقر إليه، فهذا بماله، وهذا بأعماله، وقد يكون الفقير ~~أكمل من الغني ليكمل بذلك نظام العالم لأنه لو تساوت المقادير لتعطلت ~~المعايش، فلم يقدر أحد أن ينفك عما جعلناه إليه من هذا الأمر الدنيء فكيف ~~يطمعون في الاعتراض في أمر النبوة، أيتصور عاقل أن يتولى قسم الناقص ونكل ~~العالي إلى غيرنا، قال ابن الجوزي: فإذا كانت الأرزاق بقدر الله لا بحول ~~المحتال وهي دون النبوة فكيف تكون النبوة - انتهى. وهذا هو المراد بقوله ~~تعالى صارفا القول عن مظهر العظمة والسلطان إلى الوصف بالإحسان إظهارا ~~لشرف النبي صلى الله عليه وسلم { ورحمة ربك } أي المربي لك والمدبر لأمرك ~~بإرسالك وإنارة الوجود برسالتك التي هي لعظمتها جديرة بأن تضاف إليه ولا ~~يسمى غيرك رحمة { خير مما يجمعون } من الحطام الفاني فإنه وإن تأتي فيه ~~خير باستعماله في وجوه البر بشرطه، فهذا بالنسبة إلى النبوة، وما قارنا ~~مما دعا إلى الإعراض عن الدنيا متلاش. ### || [43.33-39] # ولما دلت صريح آية التمتيع وتلويح ما بعدها أن البسط في الرزق الموجب ~~للعلو مع أنه خسيس المنزلة ناقص المقدار مقتض للخروج عن السواء، وكان ~~التقدير: فنحن نخص بهذا الخير للأفراد في الأدوار الآحاد من الأبرار ~~لنستنقذ بهم من شئنا من الضلال ونعطي الحطام للعتاة الطغام الأرذال ~~ابتلاء للعباد ليبين لهم أهل البغي من أهل الرشاد، ولولا ما اقتضته ~~حكمتنا بترتيب هذا الوجود على الأسباب من المفاوتة بين الناس لقيام ~~الوجود لساوينا بينهم، وعطف: عليه قوله مذكرا بلطفه بالمؤمنين وبره لهم ~~برفعه ما يقضتي لهم شديد المجاهدة وعظيم المصابرة والمكابدة لحال تزل فيه ~~الأقدام عن سنن الهدى من الميل والإصغاء إلى مظان الغنى والملك وتمام ~~المكنة والعظمة: { ولولا أن يكون الناس } أي أهل التمتع ms4402 بالأموال بما ~~فيهم من الاضطراب والأنس بأنفسهم { أمة واحدة } أي في الضلال بالكفر ~~لاعتقادهم أن إعطاءنا المال دليل على محبتنا لمن أعطيناه لحبهم الدنيا ~~وجعلها محط أنظارها وهممهم إلا من عصم الله { لجعلنا } أي في كل زمان وكل ~~مكان بما لنا من العظمة التي لم يقدر أحد على معارضتها لحقارة الدنيا ~~عندنا وبغضنا لها { لمن يكفر } وقوله: { بالرحمن } أي العام الرحمة دليل ~~على حقارة الدنيا من جهة إعطائها للمبعد الممقوت، وعلى أن صفة الرحمة ~~مقتضية لتناهي بسط النعم على الكافر لولا العلة التي ذكرها سبحانه من ~~الرفق بالمؤمنين. # ولما كان تزيين الظرف دائما بحسب زينة المظروف، دل على ما لهم من ~~ملابسهم ومراكبهم وغير ذلك من أمورهم بزينة المنازل، فقال مبدلا من { ~~لمن } بدل الاشتمال لأن سوقه على طريق الإبدال أروع: { لبيوتهم } أي التي ~~ينزلونها { سقفا } أي هذا الجنس في قراءة ابن كثير وأبي عمرو بالموحدة ~~بدليل قراءة الباقين بضمتين جمعا { من فضة } كأنه خصها لإفادتها النور { ~~ومعارج } أي من فضة، وهي المصاعد من الدرج لأن المشي عليها مثل مشي ~~الأعرج { عليها يظهرون } أي يعلون ويرتقون على ظهورها إلى المعالي { ~~ولبيوتهم أبوابا } أي من فضة أيضا. # ولما كان إفراد السرير يوهم أنه واحد يدار به على الكل، جمع ليفهم أن ~~لكل واحد ما يخصه من الأسرة بخلاف السقف فإنه لا يهوم ذلك فلعله قرئ ~~بإفراده وجمعه، فقال: { وسررا } بالجمع خاصة، ودل على هدوء بالهم وصفاء ~~أوقاتهم وأحوالهم بقوله: { عليها يتكئون } ودل على ما لا يتناهى من غير ~~ذلك بقوله: { وزخرفا } أي ذهبا وزينة عامة كاملة. # ولما كان لفظ الزخرف دالا على كون ذلك أمرا ظاهريا متلاشيا عند ~~التحقيق، دل عليه بقوله مؤكدا لما تقرر في النفوس من أن السادة في مثل ~~ذلك، وما كان مقررا عندهم من أن السعيد في الأول سعيد في الآخرة على ~~تقدير كونها: { وإن } أي وما { كل ذلك } أي الأمر البعيد عن الخير لكونه ~~في الأغلب مبعدا مما يرضينا، ولأن صاحبه لا يزال فقيرا وإن استوسقت ms4403 له ~~الدنيا ملكا وملكا، لأنه لا بد أن يبقى في نفسه شيء لا تبلغه قدرته فهو ~~لا يزال مغبونا { لما } أي إلا - هذا على قراءة عاصم وحمزة بالتشديد: ~~وهي في قراءة الباقين بالتخفيف فارقة بين النافية والمخففة، وما مؤكدة ~~والخبر هو { متاع الحياة الدنيا } أي التي اسمها دال على دناءتها وأن لها ~~ضرة هي الآخرة، وهو منقطع بالموت، فلذلك اقتضت رحمته أن لا يضيق على ~~المؤمنين في الأغلب لأن السعة تنقصهم في الآخرة ويطول الحساب { والآخرة } ~~التي لا دار تعدلها بل لا دار الحقيقة إلى هي. # ولما كانت الإضافة إلى الجليل دالة على جلالة المضاف إليه فقال: { عند ~~ربك } وأشار بالوصف بالرب إلى أن الجلالة بالحسن والراحة، وبالإضافة إليه ~~صلى الله عليه وسلم في أعلى الغايات { للمتقين } أي الذين هم دائما ~~واقفون عن أدنى تصرف إلا بدليل لا يشاركهم فيها غيرهم، وهذا لما ذكر عمر ~~رضي الله عنه كسرى وقيصر وما كانا فيه من النعم قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " ألا ترضى أن يكون لهم الدنيا ولنا الأخرى " # ولا يبعد أن يكون ما صار إليه الفسقة من الجبابرة من زخرفة الأبنية ~~وتركيب السقوف وغيرها من مساوئ الفتنة بأن يكون الناس أمة واحدة بالكفر ~~قرب الساعة حتى لا تقوم الساعة على من يقول: الله، وفي زمن الدجال من ~~يبقى إذ ذاك على الحق في غاية القلة بحيث إنهم لا عداد لهم في جانب ~~الكفرة لأن كلام الملوك لا يخلو عن حقيقة، وإن خرج مخرج الشرط فكيف بملك ~~الملوك. # ولما كان التقدير: ولكنا لم نجعل ذلك علما منا بأن الناس كادوا يكونون ~~أمة واحدة وإن كنا نقيض من جبلناه على الخير على الإيمان لكن ينقصه ما ~~أوتي في الدنيا من خطر في الآخرة لأن من وسع عليه في دنياه اشتغل في ~~الأغلب عن ذكر الله فنفرت منه الملائكة ولزمته الشياطين، فساقه ذلك إلى ~~كل سوء، ومن يتق الله فيديم ذكره يؤيده بملك فهو له معين، عطف عليه قوله ~~معبرا عن غفلة ms4404 البصيرة بالعشا الذي هو ضعف البصر تصورا لمن ينسى ذكر ~~الله بأقبح صورة تنفيرا عن ذلك { من يعش } أي يفعل فعل المعاشي، وهو من ~~شاء بصره بالليل والنهار أو عمي على قراءة شاذه وردت عن يعقوب بفتح الشين ~~وركب الأمور متجاوزا { عن ذكر الرحمن } الذي عمت رحمته، فلا رحمة على ~~أحد إلا وهي منه كما فعل هؤلاء حين متعناهم وآباءهم حيث أبطرهم ذلك، وهو ~~شيء يسير جدا، فأعرضوا عن الآيات والدلائل فلم ينظروا فيها إلا نظرا ~~ضعيفا كنظر من عشي بصره { نقيض } أي نقرر ونسلط ونقدر عقابا { له } على ~~إعراضه عن ذكر الله { شيطانا } أي شخصا ناريا بعيدا من الرحمة يكون ~~غالبا محيطا به مضيقا عليه مثل قيض البيضة وهو القشر الداخل { فهو له ~~قرين } مشدود به كما يشد الأسير، ملازم فلا يمكنه التخلص منه ما دام ~~متعاميا عن ذكر الله، فهو يزين له العمى ويخيل إليه أنه على عين الهدى، ~~كما أن من يستبصر بذكر الرحمن يسخر له ملك فهو له ولي يبشره بكل خير، ~~فذكر الله حصن حصين من الشيطان، متى خرج العبد منه أسره العدو كما ورد في ~~الحديث، قال في القاموس: العشى مقصور: سوء البصر بالليل والنهار أو ~~العمى، عشى كرضى ودعا، والعشوة بالضم والكسر: ركوب الأمر على غير بيان، ~~قال ابن جرير: وأصل العشو النظر بغير ثبت لعلة في العين، وقال الرازي في ~~اللوامع: وأصل اللغة أن العين والشين والحرف المعتل يدل على ظلام وقلة ~~وضوح في الشيء. # ولما كانت { من } عامة، وكان القرين للجنس، وأفرده لأنه نص على كل فرد، ~~فكان التقدير: فإنهم ليحملونهم على أنواع الدنايا ويفتحون لهم أبواب ~~الرذائل والبلايا، ويحسنون لهم ارتكاب القبائح والرزايا، عطف عليه قوله ~~مؤكدا لما في أنفس الأغلب - كما أشار إليه آخر الآية - أن الموسع عليه ~~هو المهتدي، جامعا دلالة على كثرة الضال: { وإنهم } أي القرناء { ~~ليصدونهم } أي العاشين { عن السبيل } أي الطريق الذي من حاد عنه هلك، ~~لأنه لا طريق في الحقيقة سواه. # ولما كانت الحيدة ms4405 عن السبيل إلى غير سبيل، بل إلى معاطب لا يهتدي فيها ~~دليل، عجبا، أتبعه عجبا آخر فقال: { ويحسبون } أي العاشون مع سيرهم في ~~المهالك لتزيين القرناء بإحضار الحظوظ والشهوات وإبعاد المواعظ: { أنهم ~~مهتدون } أي عريقون في هذا الوصف لما يستدرجون به من التوسعة عليهم ~~والتضييق على الذاكرين. # ولما كان من ضل عن الطريق، ومن ظن أنه على صواب لا يكاد يتمادى بل ينجلي ~~له الحال عن قرب ضم إلى العجبين الماضيين عجبا ثالثا بيانا له على ما ~~تقديره: ونملي لهذا العاشي استدراجا له وابتلاء لغيره ونمد ذلك طول ~~حياته { حتى } وحقق الخبر بقوله: { إذا } ولما علم من الجمع فيما قيل أن ~~المراد الجنس، وكان التوحيد أدل دليل على تناول كل فرد، فكان التعبير به ~~أهول، وكان السياق دالا على من الضمير له قال: { جاءنا } أي العاشي، ومن ~~قرأ بالتثنية أراد العاشي والقرين { قال } أي العاشي تندما وتحسرا لا ~~انتفاع له به لفوات محله وهو دار العمل: { يا ليت بيني وبينك } أيها ~~القرين { بعد المشرقين } أي ما بين المشرق والمغرب على التغليب - قاله ~~ابن جرير وغيره، أو مشرق الشتاء والصيف أي بعد أحدهما عن الآخر؛ ثم سبب ~~عن هذا التمني قوله جامعا له أنواع المذام: { فبئس القرين } أي إني علمت ~~أنك الذي أضلني وأوصلني إلى هذا العيش الضنك والمحل الدحض وأحسست في هذا ~~الوقت بذلك الذي كنت تؤذيني به أنه أذى بالغ، فكنت كالذي يحك جسمه لما به ~~من قروح متأكلة حتى يخرج منه الدم فهو في أوله يجد له لذة بما هو مؤلم له ~~في نفسه غاية الإيلام. # ولما كان الإيلام قد يؤذي الجسد، وكان التقدير حتما بما هدى إليه ~~السياق فيقال لهم: فلن ينفعكم ذلك اليوم يوم جئتمونا إذ تمنيتهم هذا ~~التمني حين عاينتم تلك الأهوال اشتراككم اليوم في يوم الدنيا في الظلم ~~وتمالؤكم عليه ومنافرة بعضكم لبعض، عطف عليه قوله: { ولن ينفعكم اليوم } ~~أي في الدنيا شيئا من نفع أصلا { إذ } حين { ظلمتم } حال كونكم مشتركين ~~في الظلم ms4406 متعاونين عليه متناصرين فيه، وكل واحد منكم يقول لصاحبه سرورا ~~به وتقربا إليه وتوددا: يا ليت أنا لا نفترق أبدا فنعم القرين أنت، ~~فيقال لهم توبيخا: { أنكم في العذاب } أي العظيم، وقدمه اهتماما بالزجر ~~به والتخويف منه { مشتركون } أي اشتراككم فيه دائما ظلمكم أنفسكم ظلما ~~باطنا بأمور أخفاها الطبع على القلوب وهو موجب للارتباك في أشراك ~~المعاصي الموصلة إلى العذاب الظاهر يوم التمني ويوم القيامة عذابا ~~ظاهرا محسوسا، وذلك كمن يجرح جراحة بالغة وهو مغمي عليه فهو معذب بها ~~قطعا، ولكنه لا يحس إلا إذا أفاق فهو كما تقول لأناس يريدون أن يتمالؤوا ~~على قتل نفس محرمة: لن ينفعكم اليوم إذ تتعاونون على قتله اشتراككم غدا ~~في الهلاك بالسجن الضيق والضرب المتلف وضرب الأعناق، مرادك بذلك زجرهم عن ~~ظلمهم بتذكيرهم بأنهم يصلون إلى هذا الحال ويزول ما هم فيه من المناصرة ~~فلا ينفعهم شيء منها - والله الموفق، فالآية من الاحتباك، وبه زال عنها ~~ما كان من إعراب المعربين لها موجبا للارتباك " فيا ليت " - إلى آخره، ~~دال على تقدير ضده ثانيا " ولن ينفعكم " - إلى آخره، دال على تقدير مثله ~~أولا. ### || [43.40-45] # ولما كان صلى الله عليه وسلم شديد الإرادة لإقبالهم يكاد يقتل نفسه ~~أسفا إدبارهم، وكان هذا الزجر الذي لا يسمعه من له أدنى عقل إلا خلع ~~قلبه فرجع عن غيه وراجع رشده قد تلا عليهم فلم ينتفعوا به، فكان كأنه ~~قيل: إن هؤلاء لصم عمي محيط بهم الضلال إحاطة لا يكادون ينفكون عنه من كل ~~جانب، فلا وصول لأحد إلى إسماعهم ولا تبصيرهم ولا هدايتهم، قال بانيا ~~عليه مسببا عنه تخفيفا على النبي صلى الله عليه وسلم فيما يقاسي من ~~الكرب في المبالغة في إبلاغهم حرصا على إقبالهم والغم من إعراضهم بهمزة ~~الإنكار الدالة على نفي ما سيقت له: { أفأنت } أي وحدك من غير إرادة الله ~~تعالى { تسمع الصم } وقد أصممناهم بما صببنا في مسامع أفهامهم من رصاص ~~الشقاء { أو تهدي العمي } الذين أعميناهم بما غشينا به أبصار بصائرهم من ms4407 ~~أغشية البلادة والخسارة، فصار ما اختارون لأنفهسم من العشى عميا مقرونا ~~بصممهم { ومن كان } أي جبلة وطبعا { في ضلال مبين } أي بين في نفسه أن ~~ضال وأنه محيط بالضلال مظهر لكل أحد ذلك، فهو بحيث لا يخفى على أحد، ~~فالمعنى: ليس شيء من ذلك إليك، بل هو إلى الله القادر على كل شيء، وأما ~~أنت فليس عليك إلا البلاغ. # ولما كان هذا كالمؤيس منهم، وكان اليأس من صلاح الخصم موجبا لتمني ~~الراحة منه بموت أحدهما، سبب عن التقديرين قوله مبينا أن الإملاء لهم ~~ليس لعجز عنهم ولا لإخلاف في الوعد، مؤكدا بالنون و " ما " ثم " أنا " ~~والاسمية لمن يظن خلاف ذلك، ولأنه صلى الله عليه وسلم مشرف عنده سبحانه ~~وتعالى معظم لديه فذهابه به مما يستبعد، ومن حقه أن ينكر، وكذا إراءته ما ~~توعدهم به لأن المظنون إكرامهم لأجله: { فإما نذهبن بك } أي من بين ~~أظهرهم بموت أو غيره { فإنا منهم } أي الذين تقدم التعريض بأنهم صم عمي ~~ضلال لأنهم لن تنفعهم مشاعرهم { منتقمون } أي بعد فراقك لأن وجودك بين ~~أظهرهم هو سبب تأخير العذاب عنهم { أو نرينك } وأنت بينهم { الذي وعدناهم ~~} أي من العذاب وعبر فيه بالوعد ليدل على الخير بلفظه وعلى الشر بأسلوبه ~~فيعم { فإنا } بما تعلم من عظمتنا التي أنت أعلم الخلق بهم { عليهم ~~مقتدرون } على كلا التقديرين، وأكد ب " أن " لأن أفعالهم أفعال من ينكر ~~قدرته، وكذا بالإتيان بنون العظمة وصيغة الافتعال، وأحد هذين التقديرين ~~سبق العلم الأزلي بأنه لا يكون، فالآية من أدلة القدرة على المحال لغيره ~~وهي كثيرة جدا، وقد أكرم الله نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم عن أن ~~يريه شيئا يكرهه في أمته حتى قبض. # ولما أوقف سبحانه السامع بهاتين الشرطيتين بين الخوف والرجاء لبيان ~~الاستبداد بعلم الغيب تغليبا للخوف، وأفهم السياق وإن كان شرطا أن ~~الانتقام منهم أمر لا بد منه، وأنه لا قدرة لأحد على ضرهم ولا نفعهم إلا ~~الله، سبب عنه قوله: { فاستمسك } أي أطلب وأوجد بجد عظيم على ms4408 كل حال ~~الإمساك { بالذي أوحي إليك } من حين نبوتك وإلى الآن في الانتقام منهم ~~وفي غيره. # ولما كان المقام لكثرة المخالف محتاجا إلى تأكيد يطيب خواطر الأتباع ~~ويحملهم على حسن الاتباع، علل ذلك بقوله: { إنك على صراط } أي طريق واسع ~~واضح جدا: { مستقيم } موصل إلى المقصود لا يصح أصلا أن يلحقه شيء من ~~عوج، فإذا فعلت ذلك لم يضرك شيء من نقمتهم. # ولما أثبت حسنه في نفسه المتقضي للزومه، عطف عليه نفعه لهم. وأكد ~~لإنكارهم فقال: { وإنه } أي الذي أوحى إليك في الدنيا { لذكر } أي شرف ~~عظيم جدا وموعظة وبيان، عبر عن الشرف بالذكر للتنبيه على أن سببه ~~الإقبال على الذكر وعلى ما بينه وشرعه والاستمساك به والاعتناء بشأنه: { ~~لك ولقومك } قريش خصوصا والعرب عموما وسائر من اتبعك ولو كان من غيرهم ~~من جهة نزوله على واحد منهم وبلسانهم، فكان سائر الناس تبعا لهم ومن جهة ~~إيراثه الطريقة الحسنى والعلوم الزاكية الواسعة وتأثيره الظهور على جميع ~~الطوائف والإمامة لقريش بالخصوص كما قال صلى الله عليه وسلم: # " لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي في الناس اثنان ما أقاموا الدين " # فمن أقام هذا الدين كان شريفا مذكورا في ملكوت السماوات والأرض، قال ~~ابن الجوزي: وقد روى الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان إذا سئل: لمن هذا الأمر، من بعدك، لم يخبر بشيء حتى ~~نزلت هذه الآية، فكان بعد ذلك إذا سئل قال: لقريش - وهذا يدل على أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم فهم من هذا أنه يلي على المسلمين بحكم النبوة ~~وشرف القرآن، وأن قومه يخلفونه من بعده في الولاية بشرف القرآن الذي أنزل ~~على رجل منهم - انتهى. # ولما كان التقدير: فسوف تشرفون على سائر الملوك وتعلمون، عطف عليه قوله: ~~{ وسوف تسألون } أي تصيرون في سائر أنواع العلم محط رحال السائلين دنيا ~~ودنيا بحيث يسألكم جميع أهل الأرض من أهل الكتاب ومن غيرهم عما يهمهم من ~~أمر دينهم ودنياهم لما يعتقدون من ms4409 أنه لا يوازيكم أحد في العلم بعد أن ~~كنتم عندهم أحقر الأمم ضعفا وجهلا كما وقع لبني إسرائيل حيث رفعهم ~~الله، وكان ذلك أبعد الأشياء عند فرعون وآله، ولذلك كانوا يتضاحكون ~~استهزاء بتلك الآيات وينسبون الآتي بها إلى ما لا يليق بمنصبه العالي من ~~المحالات، وتسألون عن حقه وأداء شكره وكيف كنتم في العمل به والاستجابة ~~له، وهذا بوعد صادق لا خلف فيه أصلا. # ولما أبطل سبحانه إلهية غيره التي أدى إليها الجهل، واستمر إلى أن ختم ~~بالعلم الموجب لمعرفة الحق، فكان التقدير إبطالا لشبهتهم الوهمية ~~القائلة { لو شاء الرحمن ما عبدناهم }: فاستحضر جميع ما أوحى إليك وتأمله ~~غاية التأمل، هل ترى فيه خفاء في الإلهية لشيء دون الله، عطف عليه قوله ~~نفيا لدليل سمعي كما أشير إليه بقوله { أم آتيناهم كتابا } { واسأل من ~~أرسلنا } أي على ما لنا من العظمة. ولما كان الممكن تعرفه من آثار الرسل ~~إنما هو لموسى وعيسى ومن بينهما من أنبياء بني إسرائيل عليهم الصلاة ~~والسلام الحافظ لسنتهم من التوراة والإنجيل والزبور وسفر الأنبياء، قال ~~مثبتا للجار المفهم لبعض الزمان: { من قبلك }. # ولما كان أتباعهم قد غيروا وبدلوا فلم تكن بهم ثقة، عبر بالرسل فقال: { ~~من رسلنا } أي بقراءة أتباعهم لكتبهم التي حرفوا بعضها، وجعلت كتابك ~~مهيمنا عليها فإنهم إذا قرؤوها بين يديك وعرضوها عليك علمت معانيها وفضحت ~~تحريفهم وبينت اتفاق الكتب كلها برد ما ألبس عليهم من متشابهها إلى ~~محكمها، فالمراد من هذا نحو المراد من آية يونس # فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك # [رقم: 94] ومن آية الأنبياء # هذا ذكر من معي وذكر من قبلي # [رقم: 24] مع زيادة الإشارة إلى تحريفهم، فالمسؤول في الحقيقة القرآن ~~المعجز على لسان الرسول الذي شهدت له جميع الرسل الذين أخذ عليهم العهد ~~بالإيمان به والمتابعة له، وبهذا التقرير ظهر ضعف قول من قال: إن المراد ~~سؤال الرسل حقيقة لما جمعوا له صلى الله عليه وسلم في بيت المقدس ليلة ~~الإسراء، فإنه ليس المراد من هذا إلا تبكيت الكفار ms4410 من العرب وممن عزهم من ~~أهل الكتاب بقولهم: دينكم خير من دينه وأنتم أهدى سبيلا منه، فإنهم إذا ~~أحضروا كتبهم علمت دلالتها القطعية على اختصاصه سبحانه بالعبادة كما ~~بينته في كتابي هذا يرد المتشابه منها إلى المحكم، وجعلها ابن جرير مثل ~~قوله تعالى # فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم ~~الآخر # [النساء: 59] وقال: ومعلوم أن معنى ذلك: فردوه إلى كتاب الله وسنة رسوله ~~صلى الله عليه وسلم، قال: فاستغنى بذكر الرسل عن ذكر الكتب. وهو عين ما ~~قلته، ولو كان المراد حقيقة السؤال وسؤال جميع الرسل لقال " قبلك " ~~بإسقاط " من " ليستغرق الكل - والله أعلم. # ولما ذكر المسؤول مفخما له بما اقتضته العبارة من الإرسال والإضافة ~~إليه، ذكر المسؤول عنه بقوله تعالى: { أجعلنا } أي أبحنا وأمرنا ورضينا ~~على ما لنا من العظمة والقدرة التامة، مما ينافي ذلك، وقرر حقارة ما سواه ~~بقوله: { من دون } وزاد بقوله: { الرحمن } أي الذي رحمته عمت جميع ~~الموجودات { آلهة } ولما كان قد جعل لكل قوم وجهة يتوجهون في عبادتهم ~~إلها، وشيئا محسوسا بغلبة الأوهام على الأفهام يشهدونه وكان ربما تعنت ~~به متعنت، قال محترزا: { يعبدون } أي من عابد ما بوجه ما. # ولما كان المترفون مولعين بأن يزدروا من جاءهم بالرد عن أغراضهم الفاسدة ~~بنوع من الازدراء كما قال كفار قريش { لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم } ولا يزالون يردون هذا وأمثاله من الضلال حتى يقهرهم ذو ~~الجلال بما أتتهم به رسله إما بإهلاكهم أو غيره وإن كانوا في غاية القوة، ~~أورد سبحانه قصة موسى عليه الصلاة والسلام شاهدة على ذلك بما قال فرعون ~~لموسى عليه الصلاة والسلام من نحو ذلك ومن إهلاكه على قوته وإنجاء بني ~~إسرائيل على ضعفهم، وتسلية للنبي صلى عليه وسلم وترجية. ### || [43.46-51] # ولما كان التقدير: فلقد أرسلنا جميع رسلنا وهم أشرف الخلق بالتوحيد الذي ~~جئت به، وما كنا في إرسالنا إياهم مراعين لما يريده الأمم من جاه أو مال ~~أو غير ذلك، فلا ms4411 وجه للاتكال عليك فيما أرسلناك به من التوحيد وغيره، ولا ~~لمعاداتك فيه، عطف عليه أول من أرشد إلى سؤال أتباعهم فقال مؤكدا أجل ما ~~يعاندون به من إنكار الرسالة، وأتى بحرف التوقع لما اقتضاه من الأمر ~~بسؤال الرسل عليهم الصلاة والسلام: { ولقد أرسلنا } أي بما ظهر من ~~عظمتنا. # ولما كان الإرسال منه سبحانه ليس على حسب العظمة في الدنيا بما يراه ~~أهلها كما قال هؤلاء { لولا نزل هذا القرآن } - الآية، قال مناقضا لهم: ~~{ موسى } أي الذي كان فرعون يرى أنه أحق الناس بتعظيمه لأنه رباه وكفله { ~~بآياتنا } أي التي قهر بها عظماء الخلق وجبابرتهم، فدل ذلك على صحة دعواه ~~وعلى جميع الآيات لتساويها في القدرة وخرق العادة. ولما كان السياق لسؤال ~~النبي صلى الله عليه وسلم الرسل عن أمر التوحيد، كانت الآيات كافية، فلم ~~يذكر السلطان لأنه للقهر والغلبة: { إلى فرعون } أي لأنه طغى وبغى وادعى ~~أنه هو الرب الأعلى ووافقه الضالون: { وملأه } الذين جعلهم آلهة دونه ~~وعبدهم قومهم فلم يقرهم على ذلك لأنا ما رضيناه { فقال } بسبب إرسالنا { ~~إني رسول } وأكد لأجل إنكارهم ما أنكره قومك من الرسالة. ولما كان ~~الإحسان سببا للإذعان قال: { رب العالمين* } أي مالكهم ومربيهم ومدبرهم. # ولما كانوا قد فعلوا من الرد لرسالته صلى الله عليه وسلم والاستهزاء بها ~~ما فعلته قريش، قال مسليا للنبي صلى الله عليه وسلم ومهددا لهم تسبيبا ~~عما تقديره: فقالوا له ائت بآية، فأتى بها على ما تقدم غير مرة بما هو ~~كالشمس بيانا وحسنا: { فلما جاءهم بآياتنا } بالإتيان بآيتي اليد ~~والعصا اللتين شهدوا فيهما عظمتنا ودلتاهم على قدرتنا على جميع الآيات { ~~إذا هم } أي بأجمعهم استهزاء برسولنا، وطال ما يضحك عليهم هو ومن آمن ~~برسالته وبما جاء به عنا يوم الحسرة والندامة { منها يضحكون } أي فاجؤوا ~~المجيء بها من غير توقف ولا كسل بالضحك سخرية واستهزاء. # ولما كان ربما ظن ظان أن في الآيات ما يقبل شيئا من ذلك، بين حالها ~~سبحانه بقوله: { وما } أي والحال أنا ما { نريهم ms4412 } على ما لنا من الجلال ~~والعلو والكمال، وأعرق في النفي بإثبات الجار وأداة الحصر لأجل من قد ~~يتوهم أنهم معذورون في ضحكهم فقال: { من آية إلا هي أكبر } أي في الرتبة ~~{ من أختها } أي التي تقدمت عليها بالنسبة إلى علم الناظرين لها لأن ~~الآدمي لما له من النسيان إذا أتاه الثاني من المتساويين رأى جميع من ~~أتاه ناسيا ولا بعض من أتى الأول فيقطع بأنه أكبر منه، أو أن هذا كناية ~~عن أنها كلها في نهاية العظمة كما قال شاعرهم: # " من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم " # أو أن بينها في الكبر عموما وخصوصا من وجه، وأحسن من ذلك ما أشار إليه ~~ابن جرير من أن كل آية أوضح في الحجة عليهم وأوكد مما قبلها، لأنها دلت ~~على ما دلت عليه وزادت ما أفادته المعاضدة من الضخامة فصارت هي مع ما ~~قبلها أكبر مما قبلها عند ورودها وإقامة الحجة بها. # ولما كان التقدير: فاستمروا على كفرهم ولم يرجعوا لشيء من الآيات لأنا ~~أصممناهم وأعميناهم وأحطنا بهم الضلال لعلمنا بحالهم، عطف عليه قوله: { ~~وأخذناهم } أي أخذ قهر وغلبة { بالعذاب } أي كله لأنا واترنا عليهم ~~ضرباته على وجه معلم بأنا قادرون على ما نريد منه فأرسلنا عليهم الطوفان ~~والجراد والقمل والضفادع والدم { آيات مفصلات } والقطع: البرد الكبار ~~الذي لم يعهد مثله ملتهبا بالنار، وموت الأبكار، فكانت آيات على صدق ~~موسى عليه الصلاة والسلام بما لها من الإعجاز، وعذابا لهم في الدنيا ~~موصولا بعذاب الآخرة، فيا لها من قدرة باهرة وحكمة ظاهرة { لعلهم يرجعون ~~} أي ليكون حالهم عند ناظرهم الجاهل بالعواقب حال من يرجى رجوعه. # ولما كان فرعون في كثير من الضربات التي كان يضربه بها سبحانه - كما مضى ~~في الأعراف عن التوراة - يقول لموسى عليه الصلاة والسلام: قد أخطأت والرب ~~بار وأنا وشعبي فجار، فصلينا بين يدي الرب فإنه ذو إمهال وأناة، فيصرف ~~عني كذا، فإذا صرف الله ذلك عنهم عاد على ما كان عليه من الفجور، كان ~~فعله ذلك فعل من لا ms4413 يعتقد أنه موسى عليه الصلاة والسلام نبي حقيقة، بل ~~يعتقد أنه ساحر، وأن أفعاله إنما هي خيال، فكذلك عبر عن هذا المعنى بقوله ~~عطفا على ما تقديره، فلم يرجعوا: { وقالوا } أي فرعون بالمباشرة وأتباعه ~~بالموافقة له: { يا أيها الساحر } فنادوه بأداة البعد مع الإفهام بقالوا ~~دون " نادوا " أنه حاضر إشارة إلى بعده من قلوبهم، والتعبير بهذا توبيخ ~~لقريش بالإشارة إلى أنهم وغيرهم ممن مضى يرمون الرسول بالسحر ويقرون ~~برسالته عند الحاجة إلى دعائه في كشف ما عذبهم ربهم به، وذلك قادح فيما ~~يدعون من الثبات والشجاعة والعقل والإنصاف والشهامة، وذلك كما وقع لقريش ~~لما قال النبي صلى الله عليه وسلم # " اللهم أعني عليهم بسنين كسني يوسف " # فقحطوا، فلما اشتد عليهم البلاء أتى أبو سفيان بن حرب إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم بالمدينة الشريفة فقال: يا محمد! إنك قد جئت بصلة ~~الأرحام وإن قومك قد هلكوا فادع الله لهم، فدعا لهم فأغيثوا، فلا شك أن ~~ترجمة حالهم هذا الذي ذكره الله من التناقض الذي لا يرضاه لنفسه عاقل، ~~وهو وصفه بالسحر وطلب الدعاء منه يمنع اعتقاد أنه ساحر، واعتقاد أنه ساحر ~~يمنع طلب الدعاء منه عند العاقل { ادع لنا ربك } أي المحسن إليك بما يفعل ~~معك من هذه الأفعال التي نهيتنا بها إكراما لك { بما } أي بسبب ما { عهد ~~عندك } من أنه يفعل من وضعها ورفعها على ما تريد على ما أخبرتنا أنه إن ~~آمنا أكرمنا، وإن تمادينا أهاننا، ثم عللوا ذلك بقولهم مؤكدا تقريبا ~~لحالهم البعيدة من الاعتداء بما يخبر به شاهد الوجود: { إننا لمهتدون } ~~أي اهتداء ثابتا يصير لنا وصفا لازما عند كشف ذلك عنا. # ولما كان العاقل لا يخبر عن نفسه إلا بما هو صحيح، فكيف إذا كان عظيما ~~بين قومه فكيف إذا أكد ذلك بأنواع من التأكيد، فكان السامع لهذا الكلام ~~يقطع بصدقه، بين تعالى ما يصحح أن حالهم حال من يعتقد أنه ساحر بأنهم ~~أسرعوا الخيانة بالكذب فيه من غير استحياء ولا خوف، فقال معبرا ms4414 بالفاء ~~دلالة على ذلك: { فلما كشفنا } على ما لنا من العظمة التي ترهب الجبال { ~~عنهم العذاب } أي الذي أنزلناه بهم { إذا هم ينكثون } أي فاجؤوا الكشف ~~بتجديد النكث بإخلاف بعد إخلاف { ونادى فرعون } أي زيادة على نكثه { في ~~قومه } أي الذين لهم غاية القيام معه، وأمر كلا منهم أن يشيع قوله إشاعة ~~تعم البعيد كما تشمل القريب فتكون كأنها مناداة إعلاما بأنه مستمر على ~~الكفر لئلا يظن بعضهم أنه رجع. ولما كان كأنه قيل: لم نادى؟ أجاب بقوله: ~~{ قال } أي خوفا من إيمان القبط لما رأى من أن ما شاهدوا من باهر الآيات ~~مثله يزلزل ويأخذ بالقلوب: { يا قوم } مستعطفا لهم بإعلامهم بأنهم لحمة ~~واحدة، ومستنهضا بوصفهم بأنهم ذوو قوة على ما يحاولونه، مقررا لهم على ~~عذره في نكثه بقوله: { أليس لي } أي وحدي { ملك مصر } أي كله، فلا اعتراض ~~على بني إسرائيل ولا غيرهم، لينتج له ذلك على زعمه أن غلبته على بني ~~إسرائيل ومقاهرته على إخراجهم من تحت يده بغى على من له الملك فتكون ~~فسادا فلا بأس عليه إذا خدع من فعل به ذلك بما عاهده عليه عند مس الضر، ~~ولم يقرأ بالصرف ليكون نصا على مراده من العلمية، ولأن المصر يطلق على ~~المدينة الواحدة، والتنوين يأتي للتحقير وهو ضد مراده. # ولما كان قد حصل له مما رأى من الآيات وورد عليه من تلك الضربات بأنواع ~~المثلات ما أدهشه بحيث صار في عداد من يشك أتباعه في ملكه، دل عليه بما ~~بناه من الحال: { وهذه } أي والحال أن هذه { الأنهار } وكأنه كان قد أكثر ~~من تشقيق الخلجان إلى بساتينه وقصوره، ونحو ذلك من أموره فقال: { تجري من ~~تحتي } أي من أي موضع أردته بما لا يقدر عليه غيري، وزاد في التقرير ~~بقوله: { أفلا تبصرون } أي الذي ذكرته لكم فتعلموا ببصائر قلوبكم أنه لا ~~ينبغي لأحد أن ينازعني، وهذا لعمري قول من ضعفت قواه وانحلت عراه. ### || [43.52-58] # ولما أرشد السياق إلى أن التقدير: أفهذا الذي جاء يسلبنا عبيدنا ms4415 بني ~~إسرائيل خير عندكم مني؟ نسق عليه قوله: { أم أنا خير } مع ما وصفت لكم من ~~ضخامتي وما لي من القدرة على إجراء المياه التي بها حياة كل شيء، ونقل ~~ابن الجوزي وغيره من المفسرين عن سيبويه وأستاذه الخليل أنها معادلة ~~لتقريرهم بالإبصار، فكأنه قال: أفلا تبصرون ما ذكرتكم به فترون لعدم ~~إبصاركم أنه خير مني أم أنا خير منه لأنكم لا تبصرون، وكان هو أحق بهذه ~~النصيحة منهم فإنه أراهم الطريق الواضحة إلى الضلال والموصلة إليه من غير ~~مشقة ولا تعب بقوله: أفلا تبصرون أم أنتم بصراء، فيكون ذلك احتباكا ~~تقديره: أفلا تبصرون ما نبهتكم عليه، فذكر الإبصار أولا دليلا على حذف ~~مثلها ثانيا والخيرية ثانيا دليلا على حذف مثلها أولا، وحقر من عظمة ~~الآتي له بتلك الآيات صلى الله عليه وسلم لئلا يسرع الناس إلى اتباعه لأن ~~آياته - لكونها من عند الله - كالشمس بهجة وعلوا وشهرة فقال: { من هذا } ~~فكنى بإشارة القريب عن تحقيره، ثم وصفه بما يبين مراده فقال: { الذي هو ~~مهين } أي ضعيف حقير قليل ذليل، لأنه يتعاطى أموره بنفسه، وليس له ملك ~~ولا قوة يجري بها نهرا ولا ينفذ بها أمرا { ولا يكاد يبين } أي لا يقرب ~~من أن يعرب عن معنى من المعاني لما في لسانه من الحبسة فلا هو قادر في ~~نفسه ولا له قوة بلسانه على تصريف المعاني وتنويع البيان يستجلب القلوب ~~ويدهش الألباب فيكثر أتباعه ويضخم أمره، وقد كذب في جميع قوله، فقد كان ~~موسى عليه الصلاة والسالم أبلغ أهل زمانه قولا وفعلا بتقدير الله الذي ~~أرسله له وأمره إياه ولكن الخبيث أسند هذا إلى ما بقي في لسانه من الحبسة ~~تخييلا لأتباعه لأن موسى عليه الصلاة والسلام ما دعا بإزالة حبسته بل ~~بعقدة منها. # ولما كان عند فرعون وعند من كان مثله مطموس البصيرة فاقد الفهم وقوفا ~~مع الوهم أن القرب من الملوك والغلبة على الأمور لا تكون إلا بكثرة ~~الأعراض الدنيوية، والتحلي بحلي الملوك، سبب عن ادعائه لرسالته عن ms4416 ملك ~~الملوك اللازمة للقرب منه قوله: { فلولا } ولما كانت الكرامات والحبى ~~والخلع تلقى على المكرم بها إلقاء، عبر به فقال: { ألقي } أي من أي ملق ~~كان { عليه } من عند مرسله الذي يدعي أنه الملك بالحقيقة { أسورة } جمع ~~أسورة - قاله الزجاج، وصرف لصيرورته على وزن المفرد نحو علانية وكراهية، ~~والسوار: ما يوضع في العصم من الحلية { من ذهب } ليكون ذلك أمارة على صدق ~~صحة دعواه كما نفعل نحن عند إنعامنا على أحد من عبيدنا بالإرسال إلى ~~ناحية من النواحي لمهم من المهمات { أو جاء معه } أي صحبته عندما أتى ~~إلينا بهذا النبأ الجسيم والملم العظيم { الملائكة } أي هذا النوع، وأشار ~~إلى كثرتهم بما بين من الحال بقوله: { مقترنين } أي يقارن بعضهم بعضا ~~بحيث يملؤون الفضاء ويكونون في غاية القرب منه بحيث يكون مقارنا لهم ~~ليجاب إلى هذا الأمر الذي جاء يطلبه كما نفعل نحن إذا أرسلنا رسولا إلى ~~أمر يحتاج إلى دفاع وخصام ونزاع، فكان حاصل أمره كما ترى أنه تعزز بإجراء ~~المياه، فأهلكه الله بها إيماء إلى أن من تعزز بشيء دون الله أهلكه الله ~~به، واستصغر موسى عليه الصلاة والسلام وعابه بالفقر والغي فسلطه إشارة ~~إلى أنه ما استصغر أحد شيئا إلا غلبه - أفاده القشيري. # ولما كان كلامه هذا واضعا له عند من تأمل لا رافعا، وكان قد مشى على ~~أتباعه لأنهم مع المظنة دون المنة، فهم أذل شيء لمن ثبتت له رئاسته ~~دنيوية وإن صار ترابا، وأعصى شيء على من لم تفقه له الناس وإن فعل ~~الأفاعيل العظام، تشوف السامع إلى ما يتأثر عنه فقال: { فاستخف } أي بسبب ~~هذه الخدع التي سحرهم بها في هذا الكلام الذي هو في الحقيقة محقر له موهن ~~لأمره قاصم لملكه عند من له لب { قومه } الذين لهم قوة عظيمة، فحملهم ~~بغروره على ما كانوا مهيئين له في خفة الحلم { فأطاعوه } بأن أقروا بملكه ~~وأذعنوا لضخامته واعترفوا بربوبيته وردوا أمر موسى عليه الصلاة والسلام. # ولما كان كلامه كما مضى أعظم موهن لأمره وهو ms4417 منقوض على تقدير متانته بأن ~~موسى صلى الله عليه وسلم على نبينا وعليه وسلم أتى بما يغني عما قاله من ~~الأساورة وظهور الملائكة بأنه مهما هددهم فعله ومهما طلبوه منه أجابهم ~~إليه، فلم يكن للقبط داع إلى طاعة فرعون بعدما رأوا من الآيات إلا ~~المشاكلة في خباثة الأرواح، علل ذلك سبحانه بقوله مؤكدا لما يناسب ~~أحوالهم فيرتضي أفعالهم وهم الأكثر: { إنهم كانوا } أي بما في جبلاتهم من ~~الشر والنفاق لأنهم كانوا { قوما } أي عندهم قوة شكائم توجب لهم الشماخة ~~إلا عند من يقهرهم بما يألفون من أسباب الدنيا { فاسقين } أي عريقين في ~~الخروج عن طاعة الله إلى معصية، قد صار لهم ذلك خلقا ثانيا، وكأن مدة ~~محاولة الكليم عليه الصلاة والسلام لهم كانت قريبة، فلذلك عبر بالفاء في ~~قوله: { فلما آسفونا } أي فعلوا معناه ما يغضب إغضابا شديدا بإغضاب ~~أوليائنا كما في الحديث القدسي # " مرضت فلم تعدني " # لنكثهم مرة بعد مرة وكرة في إثر كرة { انتقمنا منهم } أي أوقعنا بهم على ~~وجه المكافأة لما فعلوا برسولنا عليه السلام عقوبة عظيمة منكرة مكروهة ~~كأنها بعلاج { فأغرقناهم } في اليم { أجمعين } إهلاك نفس واحدة لم يفلت ~~منهم أحد على كثرتهم وقوتهم وشدتهم، وهذا لا يكون في العادة إلا بعد علاج ~~كثير أو اعتناء كبير. # ولما كان إهلاكهم بسبب إغضابهم لله وبالكبر على رسله، كانوا سببا لأن ~~يتعظ بحالهم من يأتي بعدهم فلذلك قال تعالى: { فجعلناهم } أي بأخذنا لهم ~~على هذه الصورة من الإغراق وغيره مما تقدمه { سلفا } متقدما لكل من ~~يهلك بعدهم إهلاك غضب في الهلاك في الدنيا والعذاب في الآخرة وقدوة لمن ~~يريد العلو في الأرض فتكون عاقبته في الهلاك في الدارين أو إحداهما ~~عاقبتهم كما قال سبحانه عز من قائل وتبارك وتعالى # وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار # [القصص: 41]: { ومثلا } أي حديثا عجيبا سائرا مسير المثل { للآخرين ~~} الذين خلفوا بعدهم من زمنهم إلى آخر الدهر فيكون حالهم عظة لناس ~~وإضلالا لآخرين، فمن قضى أن يكون على مثل حالهم عمل مثل أعمالهم، ومن ms4418 ~~أراد النجاة مما نالهم تجنب أفعالهم، فمن أريد به الخير وفق لمثل خير ~~يرده عن غيه، ومن أريد به الشر، وجعل له منهم مثلا يجترئ به على شره، ~~ويقوى على خبثه ومكره، فيجعل الشرير ما أوتوه من الدنيا من النعمة ~~والحبرة الرفاهية والنصرة مثلا له في التوصل إليه مما كانوا عليه من ~~الظلم، ويجعل الخير إهلاكهم مثلا له فيبعد عن أفعالهم لينجو من مثل ~~نكالهم، يقول أحدهم: أخذ الفلانيون أخذ آل فرعون، أي لم يفلت منهم إنسان ~~ونحو ذلك من أمثالهم في جميع أحوالهم، ونقول نحن: إنا نهلك من ظلم وتمادى ~~في ظلمه بعد تحذيرنا له وغشم وإن عظم آله وأتباعه، وظن عزه وامتناعه، ~~كدأب آل فرعون، ويقول من أريد به الشر: ليس على ظهرها أحد يبقى إن خاف ~~العواقب فأحجم عن شهواته وانهمك في رياض أهويته وإرادته وشهي طيباته وكذا ~~ذاته كما وقع لفرعون فإنه لم يرجع لشيء عن رئاسته، وبلوغ النهاية من صلفه ~~ونفاسته إلى أن ذهب به كما ذهب بغيره سواء سار بسيره أو بغير سيره، ولقد ~~ضل به قوم وأضلوا، وحلوا لمن داناهم عرى الدين فزلوا، وما كفاهم ذلك حتى ~~ادعوا أنه من أعز المقربين لأن الذي كان آخر كلامه الإيمان، فجب ما كانا ~~قبله ولم يتدنس بعده فمات طاهرا مطهرا ليس فيه شيء من الدنس مع أن ذلك ~~ما كان إلا عند اليأس حيث لا نفع فيه، وغروا الضعفاء بأن قالوا: إنه لا ~~صريح في القرآن بعذابه بعد الموت تعمية عن الدليل القطعي المنتظم من قوله ~~تعالى # وإن فرعون لعال في الأرض وإنه لمن المسرفين # [يونس: 83] # وإن المسرفين هم أصحاب النار # [غافر: 43] المنتج من غير شك أن فرعون من أصحاب النار، وقوله تعالى # فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم فانظر كيف كانت عاقبة الظالمين # [القصص: 40] # وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون # وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين # وقوله تعالى # كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد # إلى أن ms4419 قال # إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب # [ص: 14] غير ذلك من محكم الآيات وصريح الدلالات البينات، وكذا غير فرعون ~~وقومه من الصالحين والطالحين جعلهم سبحانه سلفا ومثلا للآخرين، فمن ~~أراد به خيرا يسر له مثل خير احتذى به، ومن أراد به شرا أضله بمثل سوء ~~اقتدى به، فقد جعل الله عيسى عليه الصلاة والسلام مثلا لتمام قدرته على ~~اختراع الأشياء بأسباب وبغير أسباب، وكان أعبد أهل زمانه وأعلمهم وأزهدهم ~~وأقربهم إلى الخير وأبعدهم عن الشر، فاقتدى به من أراد الله به الخير في ~~مثل ذلك فاهتدى به، وضل به آخرون وضربوا به لأنفسهم أمثال الآلهة، وصاروا ~~يفرحون بما لا يرضاه عاقل ولا يراه، وضربه قومك مثلا لآلهتهم لما أخبرنا ~~أنهم معهم حصب جهنم وسروا بذلك وطربوا وظنوا أنهم فازوا وغلبوا: { ولما ~~ضرب ابن مريم } أي ضربه ضارب منهم { مثلا } لآلهتهم { إذا قومك } أي ~~الذين أعطيناهم قدرة على القيام بما يحاولونه { منه } أي ذلك المثل { ~~يصدون } أي يضجون ويعلون أصواتهم سرورا بأنهم ظفروا على زعمهم بتناقض، ~~فيعرضون به عن إجابة دعائك، يقال: صد عنه صدودا: أعرض، وصد يصد ويصل: ضج ~~- قاله في القاموس، فلذلك قال ابن الجوزي: معناهما جميعا - أي قراءة ضم ~~الصاد وقراءة كسرها - يضجون، ويجوز أن يكون معنى المضمومة: يعرضون، قال ~~ابن برجان: والكسر أعلى القراءتين - انتهى. # وذلك أن قريشا قالوا كما مضى في الأنبياء { إنا وما نعبد في جهنم } ~~مقتض أن يكون عيسى كذلك، وأن نستوي نحن وآلهتنا به، فإنه مما عبد ونحن ~~راضون بمساواته لنا - إلى آخر ما قالوا وما رد عليهم سبحانه به من الآية ~~من العام الذي أريد به الخصوص كما هو مقتضى كلامهم ولسانهم في أن الأصل ~~في " ما " لما لا يعقل، وذلك هو المراد من قوله تعالى حاكيا عنهم: { ~~وقالوا أآلهتنا } التي نعبدها من الأصنام والملائكة { خير أم هو } أي ~~عيسى فنحن راضون بأن نكون معه. # ولما اشتد التشوف إلى جوابهم، وكان قد تقدم الجواب عنه في الأنبياء، قدم ~~عليه هنا أن ms4420 مرادهم بذلك إنما هو المماحكة والمماحلة والمراوغة والمقاتلة ~~فقال تعالى: { ما ضربوه } أي ما ضرب الكفار: ابن الزبعري حقيقة وغيره من ~~قومك مجازا، المثل لآلهتهم بعيسى عليه الصلاة والسلام { لك إلا جدلا } ~~أي لإرادة أن يقتلوك عن دعوتك مغالطة وهم عالمون بأن ما ألزموك به غير ~~لازم ولم يعتقدوا لزومه قط لأن الكلام ما كان إلا في أصنامهم، ولأن ~~الخصوص في كلامهم شائع، ولأنه قد عقب بما يبين الخصوص ويزيل اللبس على ~~تقدير تسليمه، فلم يقتدوا قط بما ألزموا به أنه لازم { بل هم قوم } أي ~~أصحاب قوة على القيامة بما يحاولونه { خصمون } أي شديدو الخصام قادرون ~~على اللدد، روى الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه عن أبي إمامة رضي الله ~~عنهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل، ثم قرأ الآية ". ### || [43.59-63] # ولما تضمن هذا أنه غير مهان، صرح به على وجه الحصر قصر قلب لمن يدعي أنه ~~مقصور على الإلهية فقال: { إن } أي ما { هو } أي عيسى عليه الصلاة ~~والسلام { إلا عبد } وليس هو بإله { أنعمنا } أي بما لنا من العظمة ~~والإحسان { عليه } أي بالنبوة والإقدار على الخوارق { وجعلناه } بما ~~خرقنا به العادة في ميلاده وغير ذلك من آياته { مثلا } أي أمرا عجيبا ~~مع وضوحه وجلائه فيه خفاء وموضع شبهة بأن جعلناه من أنثى فقط بلا واسطة ~~ذكر ليضل بذلك من يقف مع المحسوسات، ودللنا على الحق فيه بما منحنا به من ~~الخوارق وزكاء الأخلاق وطيب الشيم والإعراق إسعادا لمن أعليناه بنور ~~قلبه وصفاء لبه إلى إحسان النظر في المعاني { لبني إسرائيل } الذين هم ~~أعلم الناس به، بعضهم بالمشاهدة وبعضهم بالنقل القريب، فلما جاءهم على ~~تلك الحالة الجلية في كونها حقا بما كان على يديه ويدي أمه من الكرامات، ~~آمن به من بصره الله منه بالحق من أمره بما كان فيه من الكرامات، وكان ~~كلما رأى رجلا منهم على منهاجه في أعماله وكرامته اهتدى إلى الحق من ~~أمره، وقال: ms4421 هذا مثله عيسى عليه الصلاة والسلام فانتفع بالنبي ومن تبعه ~~بإحسان، فنال من الله الرضوان، وقال أيضا هذا الموفق مستبصرا في أمر ~~عيسى عليه الصلاة والسلام: مثله في ذلك مثل أبيه آدم عليه الصلاة والسلام ~~في إخراجه من أنثى بلا ذكر، بل آدم عليه الصلاة والسلام أعجب، ومثل ابن ~~خالته يحيى وجده إسحاق عليهما الصلاة والسلام في إخراج كل منهما بسبب هو ~~في غاية الضعف، هذه أمثاله الحسنة وقال من أراد الله به الضلال منهم غير ~~ذلك من المحال، فلما جعلوا له أمثال السوء ضرب الله عليهم الذلة ~~والمسكنة، وقال ابن برجان: خصهم - أي بني إسرائيل - بالذكر لأنهم ~~المفتونون بالدجال المسارعون إليه، ثم قال: وإنما المثل في ذلك متى جاء ~~الدجال بتلك الآيات يدعو إلى نفسه فيعارض ما يأتي به عيسى عليه الصلاة ~~والسلام من إحياء الموتى وتأييده بروح القدس، أي فيضل عن الأمر الواضح من ~~أراد الله فتنته - انتهى، والأحسن أن يكون معنى كونه مثلا أنه جعل أمره ~~واضحا جدا بحيث أنه يمثل به فيكون موضحا لغيره، ولا يحتاج هو إلى مثل ~~يوضحه عند من له أدنى بصيرة. # ولما كان التقدير: فلو شئنا لجعلنا الناس كلهم من أنثى بلا ذكر، ولو ~~شئنا لساويناكم بهم في ذلك الذي ضربناه عليهم من الذل عندما جعلوا له مثل ~~السوء فزدنا ما أنتم فيه من الذل والحقارة عن سائر الأمم بأن سلطانهم ~~عليكم حتى استباحوكم، ولو شئنا لمحوناكم أجمعين عن وجه الأرض فتركناها ~~بيتا؟ لا أنيس بها، عطف عليه قوله: { ولو } معبرا بصيغة المضارع إشارة ~~إلى دوام قدرته على تجديد الإبداع فقال: { نشاء لجعلنا } أي على ما لنا ~~من العظمة ما هو أغرب مما صنعناه في أمر عيسى عليه الصلاة والسلام { منكم ~~} أي جعلا مبتدئا منكم، إما بالتوليد كما جعلنا عيسى عليه الصلاة ~~والسلام من أنثى من غير ذكر وجعلنا آدم عليه الصلاة والسلام من تراب من ~~غير أنثى ولا ذكر وإما بالبدلية { ملائكة في الأرض يخلفون * } أي يكونون ~~خلفا لكم شيئا بعد ms4422 شيء بعد إعدامكم فجعلناهم مثلا لكم كما جعلنا عيسى ~~عليه الصلاة والسلام مثلا لبني إسرائيل، ويجوز أن يكون المعنى: لجعلنا ~~بعضكم ملائكة بأن نحول خلقتهم فنجعلهم خلفا لمن تحولوا عنهم ونخلف بعضهم ~~بعضا، فإنهم من جملة عبادنا أجسام تقبل التوليد كما تقبل الإبداع، وعلى ~~كلا التقديرين فذلك إشارة إلى أن الملائكة ذوات ممكنة من جملة عبيده ~~سبحانه، يصرفهم في مراده إن شاء في السماء، وإن شاء في الأرض، لا شيء ~~منكم إلا وهو بعيد جدا عن رتبة الإلهية إرشادا لهم إلى الاعتقاد الحق ~~في أمره سبحانه بشمول قدرته وكمال علمه اللازم منه أنه لا إله إلا هو. # ولما ذكر سبحانه الإعدام والخلافة بسببه فرضا، ذكر أن إنزاله إلى الأرض ~~آخر الزمان أمارة على إعدام الناس تحقيقا، فقال مؤكدا لأجل إنكارهم: { ~~وإنه } أي عيسى عليه الصلاة والسلام { لعلم للساعة } أي نزوله سبب للعلم ~~بقرب الساعة التي هي إعدامه الخلائق كلهم بالموت، وكذا ما نقل عنه من أنه ~~كان يحيى وكذا إبراؤه الأسقام سبب عظيم للقطع بالساعة التي هي القيامة، ~~فهو سبب للعلم بالأمرين: عموم الإعدام وعموم القيام. # ولما كان قريش يستنصحون اليهود يسألونهم - لكونهم أهل الكتاب - عن أمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وكان النصارى مثلهم في ذلك، وكان كون عيسى ~~عليه الصلاة والسلام من أعلام الساعة أمرا مقطوعا به عند الفريقين، أما ~~النصارى فيقولون: إنه الذي أتى إليهم ورفع إلى السماء كما هو عندنا، وأما ~~اليهود فيقولون: إنه إلى الآن لم يأت، ويأتي بعد، فثبت بهذا أمر عيسى ~~عليه الصلاة والسلام فيما أخبر الله تعالى عنه من إنعامه عليه، ومن أنه ~~من أعلام الساعة بشهادة الفرق الثلاثة اليهود والنصارى والمسلمين ثباتا ~~عظيما جدا، فصارت كأنها مشاهدة، فلذلك سبب عما سبق قوله على لسان نبيه ~~عليه الصلاة والسلام، لافتا القول إلى مواجهتهم مؤكدا في مقابلة ~~إنكارهم لها بما ثبت من شهادة الفرق الثلاثة: { فلا تمترن } أي تشكوا ~~أدنى شك وتضطربوا أدنى اضطراب وتجحدوا أدنى جحد وتجادلوا أدنى جدل { بها ~~} أي بسببها، ms4423 يقال: مرى الشيء وامتراه: استخرجه، ومراه مائة سوط: ضربه، ~~ومراه حقه، أي جحده، والمرية بالضم والكسر: الجدل والشك { واتبعون } أي ~~أوجدوا تبعكم بغاية جهدكم { هذا } أي كل ما أمرتكم به من هذا وغيره { ~~صراط } أي طريق واسع واضح { مستقيم } أي لا عوج فيه. # ولما حثهم على السلوك لصراط الولي الحميد بدلالة الشفوق النصوح الرؤوف ~~الرحيم، حذرهم من العدو البعيد المحترق الطريد، فقال دالا على عظيم ~~فتنته بما له من التزيين للمشتهى والأخذ من المأمن والتلبيس للمشكل ~~والتغطية للخوف بالتأكيد، لما هم تابعون من ضده على وجه التقليد: { ولا ~~يصدنكم } أي عن هذا الطريق الواضح الواسع المستقيم الموصل إلى المقصود ~~بأيسر سعي { الشيطان } ولما كان كأنه قيل ما له يصدنا عن سبيل ربنا؟ ذكر ~~العلة تحذيرا في قوله: { إنه لكم } أي عامة، وأكد الخبر لأن أفعال ~~التابعين لكم أفعال من ينكر عداوته: { عدو مبين } أي واضح العداوة في ~~نفسه مناد بها، وذلك بإبلاغه في عداوة أبيكم حتى أنزلكم بإنزاله عن محل ~~الراحة إلى موضع النصب، عداوة ناشئة عن الحسد، فهي لا تنفك أبدا. # ولما قدم سبحانه أنه أنعم على عيسى عليه الصلاة والسلام وجعله مثلا ~~لبني إسرائيل، ولوح إلى اختلافهم وأن بعضهم نزل مثله على غير ما هو به، ~~وحذر من اقتدى بهم في نحو ذلك الضلال، وأمر باتباع الهادي، ونهى عن اتباع ~~المضل، صرح بما كان من حالهم حين أبرزه الله لهم على تلك الحالة الغريبة، ~~فقال عاطفا على ما تقدم تقديره بعد قوله تعالى { وجعلناه مثلا }: { ~~ولما جاء عيسى } أي إلى بني إسرائيل بعد موسى عليهما الصلاة والسلام: { ~~بالبينات } أي من الآيات المسموعة والمرئية، { قال } منبها لهم: { قد ~~جئتكم } ما يدلكم قطعا على أنه آية من عند الله وكلمة منه أيضا { ~~بالحكمة } أي الأمر المحكم الذي لا يستطاع نقضه ولا يدفع إلا بالمعاندة ~~لأخلصكم بذلك مما وقعتم فيه من الضلال. # ولما كان المراد بالحكمة ما نسخ من التوراة وغيره من كل ما أتاهم به، ~~فكان التقدير: لتتبعوه وتتركوا ما ms4424 كنتم عليه أمرا خاصا هو من أحكم ~~الحكمة فقال: { ولأبين لكم } أي بيانا واضحا جدا { بعض الذي تختلفون } ~~أي الآن { فيه } ولا تزالون تجددون الخلافة بسببه، وهذا البعض الظاهر بما ~~يرشد إليه ختام الآية أنه المتشابه الذي كفروا بسببه بينه بيانا يرده ~~إلى المحكم، ويحتمل أن يكون بعض المتشابه، وهو ما يكون بيانه كافيا في ~~رد بقية المتشابه إلى المحكم بالقياس عليه، فإن الشأن في كل كتاب أن يجمع ~~المحكم والمتشابه، فالمحكم ما لا لبس فيه، والمتشابه ما يكون ملبسا، ~~وفيه ما يرده إلى المحكم لكن على طريق الرمز والإشارة التي لا يذوقها إلا ~~أهل البصائر ليتبين بذلك الصادق من الكاذب فالصادق الذي رسخ علما ~~وإيمانا يرد المتشابه منه إلى المحكم، أو يعجز فيقول: الله أعلم، ربنا ~~لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، ولا يتزلزل، والكاذب يتبع المتشابه فيجريه ~~على ظاهره فيشبه كأهل الاتحاد الجوامد المفتونين بالمشاهدة ويؤول بحسب ~~هواه بما لا يتمشى على قواعد العلم ولا يوافق المحكم فيفتتن. # ولما صح بهذا أن الذي أرسله الملك الأعلى الذي له الأمر كله، فهو فعال ~~لما يشاء، وكان الحامل على الانتفاع بالرسل عليهم الصلاة والسلام التقوى، ~~سبب عنه قوله تعالى: { فاتقوا الله } أي خافوه لما له من الجلال بحيث لا ~~تقدموا على شيء إلا ببيان منه لأن له كل شيء منكم ومن غيركم، ومن المعلوم ~~لكل ذي عقل أنه لا يتصرف في ملك الغير بوجه من الوجوه إلا بإذنه { ~~وأطيعون * } فيما أنقلكم إليه وأبينه لكم مما أبقيكم عليه، فإني لا آخذ ~~شيئا إلا عنه، ولا أتلقى إلا منه، فطاعتي لأمره بما يرضيه هي ثمرة ~~التقوى، وكلما زاد المتقي في أعمال الطاعة زادت تقواه. ### || [43.64-69] # ولما أمرهم بطاعته، علل ذلك بما أزال تهمته ما يطاع فيه، فقال مؤكدا ~~لما في أعمالهم من المجاملة المؤذنة بالتكذيب: { إن الله } أي الذي اختص ~~بالجلال والجمال، فكان أهلا لأن يتقى { هو } أي وحده { ربي وربكم } نحن ~~في العبودية بإحسانه إلينا وسيادته لنا على حد سواء، فلولا ms4425 أنه أرسلني ~~لما خصني عنكم بهذه الآيات البينات { فاعبدوه } بما آمركم به لأنه صدقني ~~في أمركم باتباع ما ظهر على يدي فصار هو الآمر لا أنا. # ولما كان دعاؤه إلى الله بما لا حظ له عليه الصلاة والسلام فيه دل ~~قطعيا على صدقه ولا سيما وقد اقترن بالمعجزات مع كونه في نفسه في غاية ~~الخفية لا يستطاع بعضه بوجه، أشار إلى ذلك كله بقوله على وجه الاستنتاج ~~مما مضى مرغبا فيه دالا على اقتضائه الطاعة { هذا } أي الأمر العظيم ~~الذي دعوتكم إليه { صراط } أي طريق واسع جدا واضح { مستقيم } لا عوج له. # ذكر ما يدل على أنه أتى بالحكمة من الإنجيل: # قال متى أحد مترجميه الأربعة وقد خلطت تراجمهم وأغلب السياق لمتى: فلما ~~خرج يسوع وجاء إلى نواحي صور وصيدا إذا بامرأة كنعانية - وقال مرقس: ~~يونانية - خرجت من تلك التخوم تصيح وتقول: ارحمني يا رب يا ابن داود! ~~ابنتي بها شيطان رديء، فلم يجبها بكلمة، فجاء تلاميذه وسألوه قائلين: ~~اصرف هذه المرأة لأنها تصيح خلفنا، أجاب وقال لهم: لم أرسل إلا إلى ~~الخراف من بيت إسرائيل، فأتت وسجدت له قائلة: يا رب أعني فأجاب: ليس هو ~~جيدا أن يؤخذ خبز البنين فيعطى للكلاب، فقالت: نعم! يا رب، والكلاب تأكل ~~من الفتات الذي يسقط من موائد أربابها، حينئذ أجاب يسوع وقال لها: يا ~~امرأة عظيمة أمانتك يكون لك كما أردت، فبرئت ابنتها منه تلك الساعة، وقال ~~مرقس: فقال لها من أجل هذه الكلمة اذهبي، قد خرج الشيطان من ابنتك، فهذبت ~~إلى ابنتها فوجدت الصبية على السرير والشيطان قد خرج منها، فجاؤوا إليه ~~بأخرس أصم فطلبوا إليه أن يضع يده عليه، فأخرجوه وحده من الشعب، وترك ~~أصابعه في أذنيه، وتفل ثم مس لسانه ونظر إلى السماء وشهد وقال: الفاثا ~~الذي هو التفتح، وللوقت انفتح سمعه وسمع، وانحل رباط لسانه وتكلم ~~مستويا، ووصاهم أن لا يقولوا لأحد شيئا فأتاهم فكانوا ينكرون كثيرا ~~ويبهتون جدا، قائلين: ما أحسن كل شيء! يصنع الخرس يتكلمون والصم ms4426 يسمعون، ~~وقال مرقس: ثم جاء إلى بيت صيدا فقدموا إليه أعمى، وطلبوا منه أن يلمسه، ~~فأخذ بيد الأعمى ثم أخرجه خارجا من القرية، وتفل في عينيه ووضع يده عليه ~~وسأله: ما ينظر؟ قال: أنظر الناس مثل الشجر يمشون، فوضع يده أيضا على ~~عينيه، فأبصر حينا ونظر إلى كل شيء ظاهرا، قال: ثم جاء إلى ناحية ~~قيسارية فيلقس فسأل تلاميذه: ماذا يقول الناس في ابن الإنسان؟ فقال قوم: ~~يوحنا المعمدان، وآخرون: إليا، وآخرون: إرميا، وواحد من الأنبياء، فقال ~~لهم: فأنتم ماذا تقولون؟ أجاب سمعان بطرس - وقال: أنت هو المسيح، أجاب ~~يسوع وقال له: طوبى لك يا سمعان ابن يونا لأنه ليس جسد يسعى وأبواب ~~الجحيم لا تقوى عليه ولك أعطي ملكوت السماوات، وما ربطته الأرض يكون ~~مربوطا في السماوات، وما حللته على الأرض يكون محلولا في السماوات، ~~وبدأ يسوع من ذلك الوقت يخبر تلاميذه أنه ينبغي أن يمضي إلى يروشليم ~~ويقبل الآما كثيرة من المشايخ ورؤساء الكهنة والكتبة، وقال: من أراد أن ~~يخلص نفسه فليهلكها، وهن أهلك نفسه من أجلي وجدها، وما ينفع الإنسان لو ~~ربح العالم كله وخسر نفسه؟ وماذا يعطي الإنسان فداء لنفسه، وقال لوقا: ~~وكان جمع كثير ينطلق فالتفت لهم وقال لهم: من يأتي إلي ولا يبغض أباه ~~وأمه وامرأته وبنيه وإخوته وأخواته نعم حتى نفسه، فلا يقدر أن يكون لي ~~تلميذا، من منكم يريد أن يبني برجا ولا يجلس أولا ويحسب نفقته؟ وهل له ~~ما يكمله لكيما يستهزىء به كل من ينظره إذا وضع الأساس ولم يقدر على ~~إكماله، وأي ملك يخرج إلى محاربة ملك آخر فلا يجلس أولا ويفكر هل يستطيع ~~أن يلقي بعشرة آلاف الموافي إيه في عشرين ألفا إلا فما دام بعيدا منه ~~يرسل رسلا رسل سلامة، وهكذا كل منكم إن لم يرفض كل شيء له لا يقدر أن ~~يكون لي تلميذا، وذكر لوقا أيضا أنه عليه الصلاة والسلام كان في وليمة ~~فقال مثلا لأنهم كانوا يتخيرون المتكآت فقال لهم: متى دعاك أحد إلى ms4427 عرس ~~فلا تجلس في أول الجماعة، فلعله قد دعا هناك أكرم منك عليه فيأتي الذي ~~دعاه فيقول له: يا حبيب! ارتفع إلى فوق، حينئذ يكون لك مجدا قدام ~~المتكئين معك لأن كل من يرتفع يتضع، وكل من يتضع يرتفع، وقال للذي دعاه: ~~وإذا صنعت وليمة فلا تدع أحباءك ولا إخوتك ولا أقاربك ولا أغنياء جيرانك ~~لعلهم أن يدعوك أيضا فيكون لك مكافأة، لكن إذا صنعت طعاما فادع ~~المساكين والعور والضعفاء والعميان، وطوباك لأنه ليس لك ما يكافئونك، ~~ومجازاتك تكون في قيامة الصديقين، فسمع واحد من المتكئين ذلك، فقال له: ~~طوبى لمن يأكل خبزا في ملكوت الله، وقال متى: وجاء تلاميذ يسوع إليه ~~وقالوا له: من هو العظيم في ملكوت السماوات، فدعا طفلا وأقامه بينهم ~~وقال: الحق أقول: إن لم ترجعوا وتكونوا مثل الصبيان لا تدخلوا ملكوت ~~السماوات، ومن اتضع مثل هذا الصبي فهو العظيم في ملكوت السماوات، ومن قبل ~~صبيا مثل هذا باسمي فقد قبلني، قال مرقس: ومن قبلني فليس يقبلني فقط بل ~~والذي أرسلني، وقال لوقا: ومن قبلني فقد قبل الذي أرسلني، والذي هو ~~الصغير فيكم هو الأكبر، قال متى: ومن شك أحد هؤلاء الصغار المؤمنين فخير ~~أن يعلق حجر الرحى في رقبته، ويغرق في البحر، الويل للعالم من الشكوك ~~لكمن الويل للإنسان الذي يأتي منه الشكوك، إن شكتك يدك أو رجلك فاقطعها ~~وألقها عنك، فخير لك أن تدخل الحياة وأنت أعرج أو أعشم من أن يكون لك ~~يدان أو رجلان وتلقى في نار الأبد، وقال مرقس: وتذهب إلى جهنم حتى لا ~~تطفأ نارها ولا يموت دورها - انتهى. # وإن شكتك عينك فاقلعها وألقها عنك فخير لك أن تدخل الحياة بعين واحدة من ~~أن يكون لك عينان وتلقى في جهنم، وقال مرقس: وكل شيء بالنار يملح وكل ~~ذبيحة تملح بالملح جيد هو الملح، فإن فسد الملح فبما ذا يملح فليكن فيكم ~~الملح، ويكون سلام بعضكم بعضا، وقال لوقا: ثم قال: من أجل أقوام يقولون: ~~إنهم صديقون ويحقرون البقية، هذا المثل ms4428 رجلان صعدا إلى الهيكل ليصليا، ~~أحدهما فريسي والآخر عشار، فأما الفريسي فإنه كان يصلي بهذا في نفسه: ~~اللهم إني أشكرك لأني لست مثل سائر الناس العاصين الظلمة الفجار، ولا مثل ~~هذا العشار، فكان قائما من بعيد ولا يرى أن يرفع عينيه إلى السماء، وكان ~~يضرب على صدره ويقول: اللهم اغفر لي فإني خاطئ، أقول لكم: إن هذا نزل إلى ~~بيته أمر من ذلك لأن كل من يرفع نفسه يتضع، ولك من يضع نفسه يرتفع، ثم ~~قدم إليه صبيان ليضع يده عليهم، فلما نظرهم التلاميذ نهروهم فقال: دعوا ~~الصبيان يأتوا إلي ولا تمنعوهم لأن ملكوت الله لمثل هؤلاء، الحق أقول ~~لكم، إن من لا يقبل ملكوت الله مثل صبي لا يدخلها، وقال متى: انظروا لا ~~تحقروا أحد هؤلاء الصغار، لم يأت ابن الإنسان إلا ليطلب ويخلص من كان ~~ضالا، ماذا تظنون إذا كان الإنسان مائة خروف فضل منها واحد ليس يترك ~~التسعة والتسعين في الجبل، ويمضي يطلب الضال؟ وقال لوقا: حتى يجده، الحق ~~أقول لكم، إنه يفرح به أكثر من التسعة والتسعين التي لم تضل، هكذا ليس ~~مشيئة ربي الذي في السماوات أن يهلك أحد من هؤلاء الصغار، وقال لوقا: ~~ودنا منه العشارون والخطأة ليسمعوا منه فتذمر الفريسيون والكتبة قائلين: ~~هذا يقبل الخطأة ويأكل معهم، فقال لهم: أي رجل منكم له مائة خروف فيتلف ~~واحد منها ليس يترك التسعة والتسعين في البرية ويمضي إلى الضال حتى يجده، ~~فإذا وجده حمله على منكبيه فرحا، ويأتي به إلى بيته ويدعو أصدقاءه ~~وجيرانه ويقول لهم: افرحوا معي لوجودي خروفي الضال، أقول لكم: إنه يكون ~~فرح في السماء بخاطىء واحد يتوب أكثر من التسعة والتسعين الصديق الذين لا ~~يحتاجون إلى توبة، وأي امرأة لها عشرة دراهم يتلف واحد منها أليس توقد ~~سراجا وتكنس بيتها وتطلبه مجتهدة حتى تجده، فإذا وجدته دعت أحبابها ~~وجاراتها قائلة: افرحوا لي لوجودي درهمي الضال، هكذا أقول لكم: يكون فرح ~~قدام ملائكة الله بخاطئ واحد يتوب، وقال: إنسان له ابنان فقال ms4429 الأصغر يا ~~أبتاه! أعطني نصيبي من مالك فقسم بينهما ماله، وبعد أيام قليلة جمع ~~الأصغر كل شيء له وسافر إلى كورة بعيدة، وبذر ماله هناك بعيش بذخ، فلما ~~نفد كل شيء له حدث جوع شديد في تلك الكورة فافتقر وانقطع إلى رجل منها ~~فأرسله إلى حقله يرعى خنازير، وكان يشتهي أن يملأ بطنه من الخرنوب الذي ~~كانت الخنازير تأكله، فلا يعطى ذلك، ففكر في نفسه وقال: كم من أجراء أبي ~~يفضل عنهم الخبز وأنا ههنا أهلك جوعا، أقوم أمضي إلى أبي وأقول: يا ~~أبتاه! أخطأت في السماء وبين يديك، ولست بمستحق أن أدعى لك ابنا لكن ~~اجعلني كأحد أجرائك فجاء إليه فنظره أبوه فتحنن وأسرع واعتنقه وقبله ~~فقال: يا أبتاه! أخطأت في السماء وقدامك، ولست بمستحق أن ادعى لك ابنا، ~~فقال أبوه لعبيده: قدموا الحلة الأولى وألبسوه وأعطوه خاتما في يده، ~~وحذاء في رجليه، وائتوا بالعجل المعلوف واذبحوه ونأكل ونفرح لأن ابني هذا ~~كان ميتا فعاش، وضالا فوجد، فبدؤوا يفرحون، وكان ابنه الأكبر في الحقل، ~~فلما جاء وقرب من البيت سمع المزاهر واتفاق الأصوات والرقص، فدعا واحدا ~~من الغلمة وسأله فقال له: إن أخاك قدم، وذبح أبوك العجل المعلوف، فغضب ~~ولم يرد أن يدخل، فخرج أبوه وطلب إليه فقال: كم لي من سنة أخدمك ولم ~~أخالف لك وصية قط ولم تعطني جديا واحدا أتنعم به مع أصدقائي، فلما جاء ~~ابنك هذا الذي أكل مالك مع الزناة ذبحت له العجل المعلوف، فقال له: يا ~~بني! أنت معي في كل حين وفي كل شيء هو لي، وينبغي لك أن تسر وتفرح لأن ~~أخاك هذا كان ميتا فعاش، وضالا فوجد. # وقال: رجل كان غنيا يلبس الأرجوان وكان يتنعم كل يوم ويلذ، ومسكين كان ~~اسمه العازر مطروحا عند بابه مضروبا بقروح، وكان يشتهي أن يشبع من ~~الفتات الذي يسقط من مائدة ذلك الغني، وكانت الكلاب تأتي وتلطع قروحه، ~~فلما مات ذلك المسكين أخذته الملائكة إلى حصن إبراهيم، ومات ذلك الغني ~~وقبو فرفع عينيه في ms4430 الهاوية وهو في العذاب، فنظر إبراهيم من بعيد والعازر ~~في حصنه، فنادى: يا أبتاه إبراهيم! ارحمني وأرسل العازر ليبل طرف إصبعه ~~بما يبرد لساني لأني معذب في اللهب، فقال له إبراهيم: يا ابني اذكر أنك ~~قد قتلت جيرانك في حياتك والعازر في بلائه والآن فهو يستريح ههنا وأنت ~~تعذب، ومع ذلك فبيننا وبينكم أهوية عظيمة نائية لا يقدر أحد على العبور ~~من ههنا إليكم، ولا من هنا إلينا، قال له: أسألك يا أبتاه أن ترسله إلى ~~بيت أبي، فإن خمسة أخوة لكي يناشدهم لئلا يأتوا إلى موضع هذا العذاب، قال ~~له إبراهيم: عندهم موسى والأنبياء فليسمعوا منهم، فقال له: يا أبتاه ~~إبراهيم! إن لم يمض إليهم واحد من الأموات ما يتوبون؟ فقال له: إن كانوا ~~لا يسمعون من موسى والأنبياء فليس إن قام واحد من الأموات يصدقونه، وقال ~~لتلاميذه: سوف تأتي الشكوك والويل، الذي تأتي الشكوك من قبله خير له لو ~~علق حجر رحى الحماز في عنقه ويطرح في البحر من أن يشك أحدا من هؤلاء ~~الضعفاء - والله أعلم. # ولما كان الطريق الواضح القديم موجبا للاجتماع عليه، والوفاق عند ~~سلوكه، بين أنهم سببوا عنه بهذا الوعظ غير ما يليق بهما بقوله: { فاختلف ~~} وبين أنهم أكثروا الاختلاف بقوله: { الأحزاب } أي إنهم لم يكونوا ~~فرقتين فقط، بل فرقا كثيرة. ولما كانت العادة أن يكون الخلاف بين أمتين ~~وقبيلتين ونحو ذلك، وكان اختلاف الفرقة الواحدة عجبا، بين أنهم من أهل ~~القسم فقال: { من بينهم } أي اختلافا ناشئا ابتدأ من بين بني إسرائيل ~~الذين جعلناهم مثلا لهم: وقال لهم: قد جئتكم بالحكمة، فسبب عن اختلافهم ~~قوله: { فويل } وكان أن يقال: لهم، ولكنه ذكر الوصف الموجب للويل تعميما ~~وتعليقا للحكم به. ولما كان في سياق الحكمة، وهو وضع الشيء في أتقن ~~مواضعه، جعل الوصف الظلم الذي أدى إليه الاختلاف فقال: { للذين ظلموا } ~~أي وضعوا الشيء في غير موضعه مضادة لما أتاهم صلى الله عليه وسلم به من ~~الحكمة { من عذاب يوم أليم } أي مؤلم، وإذا ms4431 كان اليوم مؤلما لما الظن ~~بعذابه. # ولما عم الظالمين بالوعيد بذلك اليوم فدخل فيه قريش وغيرهم، أتبعه ما هو ~~كالتعليل مبرزا له في سياق الاستفهام لأنه أهول فقال: { هل } وجرد الفعل ~~إشارة إلى شدة القرب حتى كأنه بمرأى فقال: { ينظرون } أي ينتظرون { إلا ~~الساعة } أي ساعة الموت العام والبعث والقيام، فإن ذلك لتحقق أمره كأنه ~~موجود منظور إليه. # ولما قدم الساعة تهويلا تنبيها على أنها لشدة ظهور دلائلها كأنها ~~مرئية بالعين هزا لهم إلى تقليب أبصارهم لتطلب رؤيتها، أبدل منها زيادة ~~في التهويل قوله تعالى: { أن تأتيهم } وحقق احتمال رؤيتها بقوله: { بغتة ~~} ولما كان البعث قد يطلق على ما يجهل من بعض الوجوه، أزال هذا الاحتمال ~~بقوله: { وهم لا يشعرون } أي لا يحصل لهم بعين الوقت الذي يجيء نوع من ~~أنواع العلم، ولا بما كالشعرة منه. # ولما كانت الساعة تطلق على الحبس بالموت وعلى النشر بالحياة، بين ما ~~يكون في الثاني الذي هم له منكرون من أحوال المبعوثين على طريق الاسئتناف ~~في جواب من يقول: هل يقومون على ما هم عليه الآن؟ فقال: { الأخلاء } أي ~~في الدار { يومئذ } أي إذ تكون الساعة وهي ساعة البعث التي هي بعض مدلول ~~الساعة { بعضهم لبعض عدو } ولما ينكشف لهم من أن تأخيرهم في الحياة هو ~~السبب في عذابهم، فيقول التابع للمتبوع: أنت غررتني فضررتني، ويقول ~~المتبوع: بل أنت كبرتني فصغرتني، ورفعتني فوضعتني، ونحو هذا من الكلام ~~المؤلم أشد الإيلام { إلا المتقين } الذين تقم أمرهم بالتقوى وحثهم ~~عليها. # ولما أفهم هذا أنهم لا عداوة بينه، بل يكونون في التواد على أضعاف ما ~~كانوا عليه في الدنيا لما ظهر لهم من توادهم فيها وتناصرهم هو أفضى بهم ~~إلى الفوز الدائم برضوان الله، وصل به حالا بين فيها ما يتلقاهم به من ~~تواد فيه سبحانه تشريفا لهم وتسكينا لما يقتضيه ذلك المقام من الأهوال: ~~{ يا عباد } أي مقولا لهم هذا، فخص بالإضافة إليه كما خصوه بالعبادة { ~~لا خوف } أي بوجه من الوجوه { عليكم اليوم } أي في ms4432 الآخرة مما يحويه ذلك ~~اليوم العظيم من الأهوال والأمور الشداد والزلازل { ولا أنتم تحزنون } أي ~~لا يتجدد لكم حزن على شيء فات في وقت من الأوقات الآتية لأنكم لا يفوتكم ~~شيء تسرون به. # ولما ناداهم بما يطمع فيه سائر أهل الموقف لأن كل حزب يقولون: نحن ~~عباده، خص المرادين بما يوئس غيرهم ولئلا يكون الوصف بالتقوى موقفا لمن ~~سمعه اليوم من الكفار عن الدخول وكانوا لا يستطيعون ذلك، فوصف سبحانه ~~المتقين بما يهون الوصول إلى درجتهم على غيرهم فقال: { الذين آمنوا } أي ~~أوجدوا هذه الحقيقة { بآياتنا } الظاهر عظمتها في نفسها أولا وبنسبتها ~~إلينا ثاينا { وكانوا } أي دائما بما هو لهم كالجبلة والخلق { مسلمين } ~~أي منقادين للأوامر والنواهي أتم انقياد، فبذلك يصلون إلى حقيقة التقوى ~~التامة. ### || [43.70-77] # ولما ذكر ما لهم بشارة لهم وترغيبا لغيرهم في اللحاق بهم على وجه فيه ~~إجمال، شرح ذلك بقوله: { ادخلوا الجنة } ولما كانت الدار لا تكمل إلا ~~بالرفيق السار، قال تعالى: { أنتم وأزواجكم } أي نساؤكم اللاتي كن ~~مشاكلات لكم في الصفات، وأما قرناؤهم من الرجال فدخلوا في قوله { كانوا ~~مسلمين } { تحبرون } أي تكرمون وتزينون فتسرون سرورا يظهر أثره عليكم ~~مستمرا يتجدد أبدا. # ولما كان هذا أمرا سائقا إلى حالهم سابقا لمن كان واقفا عنهم إلى ~~وصالهم، أقبل على ما لعله يوقفه الاشتغال بلهو أو مال محركا لما جهل ~~منه، ومنبها على ما غفل عنه، فقال عائدا إلى الغيبة ترغيبا في التقوى: ~~{ يطاف عليهم } أي المتقين الذين جعلناهم بهذا النداء ملوكا { بصحاف } ~~جمع صحفة وهي القصعة { من ذهب } فيها من ألوان الأطعمة والفواكه والحلوى ~~ما لا يدخل تحت الوهم. # ولما كانت آنية الشرب في الدنيا أقل من آنية الأكل، جرى على ذلك ~~المعهود، فعبر بجمع القلة في قوله: { وأكواب } جمع كوب وهو كوز مستدير ~~مدور الرأس لا عروة له، قد تفوق عن شيء منه اليد أو الشفقة أو يلزم منها ~~بشاعة في شيء من دائر الكوز، وإيذانا بأنه لا حاجة أصلا إلى تعليق شيء ~~لتزيد أوصافه ms4433 عن أذى أو نحو ذلك. # ولما رغب فيها بهذه المغيبات، أجمل بما لا يتمالك معه عاقل عن المبادرة ~~إلى الدخول فيما يخصها فقال: { وفيها } أي الجنة. ولما كانت اللذة محصورة ~~في المشتهى قال تعالى: { ما تشتهيه الأنفس } من الأشياء المعقولة ~~والمسموعة والملموسة وغيرها جزاء لهم على ما منعوا أنفسهم من الشهوات في ~~الدنيا، ولما كان ما يخص المبصرات من ذلك أعظم، خصها فقال: { وتلذ الأعين ~~} من الأشياء المبصرة التي أعلاها النظر إلى وجهه الكريم تعالى، جزاء ما ~~تحملوه من مشاق الاشتياق. # ولما كان ذلك لا يكمل طيبه إلا بالدوام، قال عائدا إلى الخطاب لأنه ~~أشرف وألذ مبشر لجميع المقبلين على الكتاب، والملتفت إليهم بالترغيب في ~~هذا الثواب، بشارة لهذا النبي الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام بما قدمه ~~في أول السورة وأثنائها من بلوغ قومه نهاية العقل والعلم والموصلين إلى ~~أحسن العمل الموجب للسعادة: { وأنتم فيها خالدون } لبقائها وبقاء كل ما ~~فيها، فلا كلفة عليكم أصلا من خوف من زوال ولا حزن من فوات. # ولما كان التقدير: الجنة التي لمثلها يعمل العاملون، عطف عليه قوله ~~مشيرا إلى فخامتها بأداة البعد: { وتلك الجنة } أي العالية المقام { ~~التي } ولما كان الإرث أمكن للملك، وكان مطمح النفوس إلى المكنة في الشيء ~~مطلقا لا يبعد، بني للمفعول قوله تعالى: { أورثتموها } ولما كان ما حصله ~~الإنسان بسعيه ألذ في نفسه لسرورة بالتمتع به وبالعمل الذي كان من سببه، ~~قال تعالى: { بما } وبين أن العمل كان لهم كالجبلة التي جبلوا عليها، ~~فالمنة لربهم في الحقيقة بما زكى لهم أنفسهم بقوله: { كنتم تعملون } أي ~~مواظبين على ذلك لا تفترون. # ولما كان الأكل أعم الحاجات وأعم الطلبات، قال تعالى مبينا أن جميع ~~أكلهم تفكه ليس فيه شيء تقوتا لأنه لا فناء فيها لقوة ولا غيرها لتحفظ ~~بالأكل ولا ضعف { لكم فيها فاكهة } أي ما يؤكل تفكها وإن كان لحما ~~وخبزا. ولما كان ما يتفكه في الدنيا قليلا قال تعالى: { كثيرة } ودل مع ~~الكثرة على دوام النعمة بقصد التفكه بكل ms4434 شيء فيها بقوله: { منها } أي لا ~~من غيرها مما يلحظ فيه التقوت { تأكلون } فلا تنفد أبدا ولا تتأثر بأكل ~~الآكلين لأنها على صفة الماء النابع، لا يؤخذ منه شيء إلا خلف مكانه مثله ~~أو أكثر منه في الحال. # ولما ذكر ما للقسم الثاني من الإخلاء وهم المتقون ترغيبا لهم في ~~التقوى، أتبعه ما لأضدادهم اهل القسم الأول تحذيرا من مثل أعمالهم، فقال ~~استئنافا مؤكدا في مقابلة إنكارهم: { إن المجرمين } أي الراسخين في قطع ~~ما أمر الله به أن يوصل { في عذاب جهنم } أي النار التي من شأنها لقاء ~~داخلها بالتجهم والكراهة والعبوسة كما كان يعمل عند قطعه لأولياء الله ~~تعالى { خالدون } لأن إجرامهم كان طبعا لهم لا ينفكون عنه أصلا ما ~~بقوا. # ولما بين إحاطته بهم إحاطة الظرف بمظروفه، وكان من المعلوم أن النار لا ~~تفتر عمن لابسته إلا بمفتر بمنعها بماء يصبه عليها أو تقليل من وقودها أو ~~غير ذلك خرقا للعادة، بين أن لا يعتريها نقصان أصلا كما يعهد في عذاب ~~الدنيا لأنهم هم وقودها فقال تعالى: { لا يفتر عنهم } أي يقصد إضعافه ~~بنوع من الضعف، فنفي التفتير نفي للفتور من غير عكس، قال البيضاوي: وهو ~~من فترت عنه الحمى - إذا سكنت، والتركيب للضعف. # ولما كان انتظار الفرج مما يخفف عن المتضايق، نفاه بقوله: { وهم فيه ~~مبلسون * } أي ساكتون سكوت يأس من النجاة والفرج. # ولما كان ربما ظن من لا بصيرة له أن هذا العذاب أكبر وأكثر مما ~~يستحقونه، أجاب سبحانه بقوله ليزيد عذابهم برجوعهم باللائمة على نفسوهم ~~ووقوعهم في منادمات الندامات: { وما ظلمناهم } نوعا من الظلم لأنه تعالى ~~مستحيل في حقه الظلم { ولكن كانوا } جبلة وطبعا وعملا وصنعا دائما { ~~هم } أي خاصة { الظالمين } لأنهم بارزوا المنعم عليهم بالعظائم ونووا ~~أنهم لا ينفكون عن ذلك بقوا، والأعمال بالنيات، ولو كانوا يقدرون على أن ~~لا يموتوا لما ماتوا. # ولما كان من مفهوم الإبلاس السكوت، أعلم بأن سكوتهم ليس دائما لأن ~~الإنسان إذا وطن نفسه على حالة واحدة ربما خف ms4435 عنه بعد الألم، فقال مبينا ~~أنهم من البعد بمحل كبير لا يطمعون معه في خطاب الملك، وأنهم مع علمهم ~~باليأس يعلقون آمالهم بالخلاص كما يقع للمتمنين للمحالات في الدنيا ليكون ~~ذلك زيادة في المهم: { ونادوا } ثم بين أن المنادي خازن النار فقال ~~مؤكدا لبيان البعد بأداته: { يا مالك } وقراءة " يا مال " للإشارة إلى ~~أن العذاب أوهنهم عن إتمام الكلام، ولذا قالوا: { ليقض علينا } أي سله ~~سؤالا حتما أن القضاء الي لا قضاء مثله، وهو الموت على كل وحد منا، ~~وجروا على عادتهم في الغباوة والجلافة فقالوا: { ربك } أي المحسن إليك ~~فلم يروا لله عليهم إحسانا وهم في تلك الحالة، فلا شك أن إحسانه ما ~~انقطع عن موجود أصلا، وأقل ذلك أنه لا يعذب أحدا منهم فوق استحقاقه، ~~ولذلك جعل النار دركات كما كانت الجنة درجات، ويجوز أن تكون عبارتهم بذلك ~~تغييظا له بما رأوا من ملابسة النار من تأثير فيه، ونداؤهم لا ينافي ~~إبلاسهم لأنه السكوت عن يأس، فسكوتهم المقيد باليأس دائم، فلذلك سألوا ~~الموت، والحاصل أنهم لا يتكلمون ما يدل على رجاء الفرج بل هم ساكتون ~~أبدا عن ذلك. # .. اليأس لا على رجاء الفرج باللحاق برتبة المتقين. # ولما ذكر نداءهم، استأنف ذكر جوابهم بقوله: { قال } أي مالك عليه الصلاة ~~والسلام مؤكدا لأطماعهم لأن كلامهم هذا بحيث يفهم الرجاء ويفهم بأن رحمة ~~الله تعالى التي هي موضع الرجاء خاصة بغيرهم { إنكم ماكثون }. ### || [43.78-83] # ولما ذكر سبحانه الساعة عند عيسى عليه الصلاة والسلام فقال { وإنه لعلم ~~للساعة } وأكد أمرها وشرح بعض أحوالها إلى أن ختم بما دل على انحلال ~~عزائمهم ولين شكائمهم، وكانوا غير مقرين بذلك، قال مؤكدا جوابا لمن ~~يبصر بعض البصر فيقول: أحق هذا؟ ويتوقع الجواب: { لقد جئناكم } أي في هذه ~~السورة خصوصا وجميع القرآن عموما، سمى مجيء الرسل مجيئا لهم لما ~~لمجيئهم من العظمة التي أشارت إليها النون { بالحق } الكامل في الحقية، ~~ولما كان ظهور حقيته بحيث لا يخفى على أحد ولكن شدة البغض وشدة الحب ~~تريان الأشياء ms4436 على غير ما هي عليه، قال إشارة إلى ذلك: { ولكن أكثركم } ~~أي أيها المخاطبون { للحق كارهون * } لما فيه من المنع عن الشهوات فلذلك ~~أنتم تقولون: إنه ليس بحق لأجل كراهتكم فقط، لا لأجل أن في حقيته نوعا ~~من الخفاء. # ولما كان هذا خبرا لا جواب فيه لظهور الدلائل وتعالي العظمة إلا ~~الرجوع، وكان من لا يرجع إنما يريد بمحاربة الإله الأعظم، قال عادلا عن ~~الخطاب إنزالا لهم بالغيبة منزلة البعيد الذي لا يلتفت إليه معادلا لما ~~تقديره: أرجعوا لما ظهر لهم من الحق الظاهر { أم أبرموا } أي أحكموا { ~~أمرا } في رد أمرنا ومعاداة أوليائنا مع علمهم بأنا مطلعون عليهم. # ولما كان سبحانه مطلعا بطية أمرهم وغائب سرهم، سبب عما سأل عنه من ~~إبرامهم ما دل على أنه عالم به وقد أبرم له قبل كونه ما يزيله ويعدمه ~~ويحيله، على سبيل التأكيد لإنكارهم أن يغلبوا فقال: { فإنا مبرمون } أي ~~دائما للأمور لعلمنا بها قبل كونها وقدرتنا واختيارنا، تلك صفتنا التي ~~لا تحول بوجه: العلم والقدرة والإرادة، لم يتجدد لنا شيء لم يكن. # ولما كان إصرارهم بين العزم على مجاهرة القدير بالمعاداة وبين معاملته ~~وهو عليم بالمساترة والمماكرة في المعاداة والمباكرة والمسالمة والمناكرة ~~قال تعالى: { أم يحسبون أنا } على ما لنا من العظمة المقتضية بجميع صفات ~~الكمال { لا نسمع } ولما كان المراد إثبات أن علمه تعالى محيط بالخفي ~~والجلي، نسبة كل منهما إليه على السواء، ذكرهما وقدم من شأنه أن يخفي وهو ~~المكر المشار إليه بالإبرام، لأن السياق له فقال تعالى: { سرهم } أي ~~كلامهم الخفي ولو كان في الضمائر فيما يعصينا، ولما كان ربما وقع في ~~الأوهام أن المراد بالسمع إنما هو العلم لأن السر ما يخفى وهو يعم ما في ~~الضمائر وهي مما يعلم، حقق أن المراد به حقيقته بقوله: { ونجواهم } أي ~~كلامهم المرتفع حتى كأنه على نجوة أي مكان عال، فعلم أن المراد حقيقة ~~السمع، وأنه تعالى يسمع كل ما يمكن أن يسمع ولو لم يكن في قدرتنا نحن ~~سماعه، ms4437 فنكون فيه كالأصم بالنسبة إلى ما نسمعه نحن من الجهر ولا يسمعه هو ~~لفقد قوة السمع فيه، لا لأنه مما من حقه ألا يسمع. # ولما كان إنكار عدم السماع معناه السماع، صرح به فقال: { بلى } أي نسمع ~~الصنفين كليهما على حد سواء { ورسلنا } وهم الحفظة من الملائكة على ما ~~لهم من العظمة بنسبتهم إلينا. ولما كان حضور الملائكة معنا وكتابتهم ~~لجميع أعمالنا على وجه لا نحس به نوع أحساس أمرا هو في غاية الغرابة، ~~قال معبرا بلدى التي يعبر بها عبر اشتداد الغرابة: { لديهم يكتبون } أي ~~يجددون الكتابة كلما تجدد ما يقتضيها لأن الكتابة أوقع في التهديد، لأن ~~من علم أن أعماله محصاة مكتوبة تجنب ما يخاف عاقبته. # ولما تقدم أول السورة تبكيتهم والتعجيب منهم في ادعاءهم لله ولدا من ~~الملائكة وهددهم بقوله { ستكتب شهادتهم ويسألون } وذكر شبههم في قولهم { ~~لو شاء الرحمن ما عبدناهم } وجهلهم فيها بقوله { ما لهم بذلك من علم } ~~ونفى أن يكون لهم على ذلك دليل سمعي بقوله منكرا موبخا { أم آتيناهم ~~كتابا } ومر في توهية أمرهم في ذلك وغيره بما لاحم بعضه بعضا على ما ~~تقدم إلى ما تمم نفي الدليل السمعي على طريق النشر المشوش بقوله تعالى { ~~واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا } ، ونظم به ما أتى به رسوله أهل ~~الكتاب مما يصدق ما أتى به كتابنا من التوحيد وما هدد به من أعراض عنه ~~إلى أن أخبر أنه الحق الذي لا زوال أصلا لشيء منه، وأن رسله سبحانه تكتب ~~جميع أعمالهم من شهادتهم في الملائكة وغيرها، أعاد الكلام في إبطال ~~شبهتهم في أن عبادتهم لهم لو كانت ممنوعة لم يشأها الذي له عموم الرحمة ~~لأن عموم رحمته يمنع على زعمهم مشيئة ما هو محرم، فقال بعد أن نفى قوله { ~~واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا } أن يكون لهم دليل سمعي على أحد من ~~رسله عليهم الصلاة والسلام: { قل إن كان للرحمن } أي العام الرحمة { ولد ~~} على ما زعمتم، والمراد به الجنس ms4438 لادعائهم في الملائكة، وغيرهم في ~~غيرهم، وقراءة حمزة والكسائي بضم ثم سكون على أنه جمع على إرادة الكثرة. ~~ولما كان المعنى: فأنا ما عبدت ذلك الولد ولا أعبده، ولو شاء الرحمن ما ~~تركت عبادته، ولكنه شاء تركي لها وشاء فعلكم لها، فإحداهما قطعا مشيئة ~~للباطل، وإلا لاجتمع النقيضان بأن يكون الشيء حقا باطلا في حال واحد من ~~وجه واحد، وهو بديهي الاستحالة، فبطلت شبهتكم بدليل قطعي - هكذا كان ~~الأصل، ولكنه عدل عنه إلى ما يفيد معناه وزيادة أنه يعبد الله مخلصا ولا ~~يعبد غيره، أنه لا يستحق اسم العبادة إلا ما كان له خالصا، فقال: { فأنا ~~} أي في الرتبة { أول العابدين * } للرحمن، العبادة التي هي العبادة ولا ~~يستحق غيرها أن يسمى عبادة وهي الخالصة، أي فأنا لا أعبد غيره لا ولدا ~~ولا غيره، ولم يشأ الرحمن لي أن أعبد الولد، أو يكون المعنى: أنا أول ~~العابدين للرحمن على وجه الإخلاص، لم أشرك به شيئا أصلا في وقت من ~~الأوقات مما سميتموه ولدا أو شريكا أو غيره، ولو شاء ما عبدته على وجه ~~الإخلاص، ولا شك عندكم وعند غيركم أن من أخلص لأحد كان أولى من غيره ~~برحمة، فلو أن الإخلاص له ممنوع ما شاء لي، ولولا أن عبادة غيره ممنوعة ~~لشاءها لي، ولو أن له ولدا لشاء لي عبادته، فإن عموم رحمته لكافة خلقه ~~لكونهم خلقه وخصوصها بي لكوني عبده خالصا له يمنع على زعمكم من أن ~~يشقيني وأنا أخلص له، فبطلت شبهتكم بمثلها بل أقوى منها، وهذا مما علق ~~بشيء هو بنقيضه أولى، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن " أن " نافية ~~بمعنى: ما ينبغي أي ما كان له ولد، فإني أول من عبده رتبة وما علمت له ~~ولدا، ولو كان له ولد لعلمته فعبدته تقربا إليه بعبادة ولده. # ولما بطلت الشبهة على تقدير ببرهان، وعلى آخر بشبهة أقوى منها، وظهر ~~الأمر واتضح الحق في أنه سبحانه يشاء لشخص فعل شيء ولآخر عدم فعل ذلك ~~الشيء وفعل ضده أو ms4439 نقيضه، ومن المعلوم قطعا أنه لا يكون فعل النقيضين ~~ولا الضدين في آن واحد حقا من وجه واحد، فعرف بذلك أن العبرة في الحلال ~~والحرام بأمره ونهيه لا بإرادته، وأنه لولا ذلك لما علم أنه فاعل ~~بالاختيار يخص من يشاء من عباده بما يشاء بعد أن عمهم بما شاء، كان موضع ~~التنزيه عما نسبوه إليه من الباطل، فقال منزها على وجه مظهر أنه لا يصح ~~أن ينسب إليه ولد أصلا: { سبحان رب } أي مبدع ومالك { السماوات } ولما ~~كان المقام للتنزيه وجهة العلوية أجدر، لأنه أبعد عن النقص والنقيض، ولم ~~يقتض الحال إعادة لفظ الرب بخلاف ما يأتي آخر الجاثية، فإنه لإثبات ~~الكمال ونظره إلى جميع الأشياء على حد سواء فقال: { والأرض } أي اللتين ~~كل ما فيهما ومن فيهما مقهور مربوب محتاج لا يصح أن يكون له منه سبحانه ~~نسبة بغير العبودية بالإيجاد والتربية. # ولما كانت خاصة الملك أن يكون له ما لا يصل إليه غيره بوجه أصلا، قال ~~محققا لملكه لجميع ما سواه ومن سواه وملكه له، ولم يعد العاطف لأن العرش ~~من السماوات: { رب العرش } أي المختص به لكونه خاصة الملك الذي وسع كرسيه ~~السماوات والأرض { عما يصفون } من أنه له ولد أو شريك. # ولما حصحص الحق لمعت في الموجود كله أعلام الصدق بعد بطلان شبهتهم وبيان ~~أغلوطتهم، عرف أنهم فاعلون بوضع الأشيء في غير مواضعها فعل الخائض ~~اللاعب، فقال مسببا عن ذلك: { فذرهم } أي اتركهم على أسوأ أحوالهم { ~~يخوضوا } أي يفعلوا فعل الخائض في الماء في وضع رجله التي هي عماده فيما ~~لا يعرفه، وقد لا يرضاه لكونه لا علم له به { ويلعبوا } أي يفعلوا فعل ~~اللاعب في انهماكه في فعل ما ينقصه ولا يزيده { حتى يلاقوا } أي يفعلوا ~~بتصريم أعمارهم في فعل ما لا ينفعهم فعل المجتهدين في أن يلقوا { يومهم ~~الذي يوعدون * } بوعد لا خلف فيه فيظهر فيه وعيدهم ويحق تهديدهم. ### || [43.84-89] # ولما نزهه سبحانه عن الولد ودل على ذلك بأنه مالك كل شيء وملكه، وكان ms4440 ~~ذلك غير ملازم للألوهية، دل على أنه مع ذلك هو الإله لا غيره في الكونين ~~بدليل بديهي يشترك في علمه الناس كلهم، وقدم السماء ليكون أصلا في ذلك ~~يتبع لأن الأرض تبع لها في غالب الأمور، فقال دالا على أن نسبة الوجود ~~كله إليه على حد سواء لأنه منزه عن الاحتياج إلى مكان أو زمان عاطفا على ~~ما تقديره: تنزه عما نسبوه إليه الذي هو معنى { سبحان }: { وهو الذي } هو ~~{ في السماء إله } أي معبود لا يشرك به شيء { وفي الأرض إله } توجه ~~الرغباب إليه في جميع الأحوال، ويخلص له في جميع أوقات الأضطرار، فقد وقع ~~الإجماع من جميع من في السماء والأرض على إلهيته فثبت استحقاقه لهذه ~~الرتبة وثبت اختصاصه باستحقاقها في الشدائد فباقي الأوقات كذلك من غير ~~فرق لأنه لا مشارك له في مثل هذا الاستحقاق، فعبادة غيره باطلة، قال في ~~القاموس: أله - أي بالفتح - إلاهة وألوهة وألوهية: عبد عبادة، ومنه: لفظ ~~الجلالة - وأصله: إله بمعنى معبود وكل ما اتخذ معبودا فهو إله عند ~~متخذه، وأله كفرح: تحير، فقد علم من هذا جواز تعلق الجار بإله. # ولما كان الإله لا يصلح للألوهية إلا إذا كان يضع الأشياء في محلها بحيث ~~لا يتطرق إليه فساد، ولا يضرها إفساد مفسد، وكان لا يكون كذلك إلا بالغ ~~العلم قال: { وهو الحكيم } أي البليغ الحكمة، وهي العلم الذي لأجله وجب ~~الحكم من قوام من أمر المحكوم عليه في عاجلته وآجلته، ولما كانت الحكمة ~~العلم بما لأجله وجب الحكم قال تعالى: { العليم } أي البالغ في علمه إلى ~~حد لا يدخل في عقل العقلاء أكثر من وصفه به على طريق المبالغة ولو وسعوا ~~أفكارهم وأطالوا أنظارهم لأنه ليس كمثله شيء في ذاته ولا صفة من صفاته ~~ليقاس به، وكل من ادعى فيه أنه شريك له لا يقدر من أشرك به أن يدعي له ما ~~وصف به من الإجماع على ألوهيته ومن كمال علمه وحكمه، فثبت قطعا ببطلان ~~الشركة بوجه يفهمه كل أحد، فلا خلاص ms4441 حينئذ إن خالف كائنا من كان، وإذا ~~قد صح أنه الإله وحده وأنه منزه عن شريك وولد وكل شائبة نقص كان بحيث لا ~~يخاف وعيده، فلا يخوض ولا يعلب عبده، ومن خاض منهم أو لعب فلا يلومن إلا ~~نفسه، فإن عمله محفوظ بعلمه فهو مجاز عليه بحكمته. # ولما نزه ذاته الأقدس وأثبت لنفسه استحقاق الإلهية بالإجماع من خلقه بما ~~ركزه في فطرهم وهداهم إليه بعقولهم، أتبع ذلك أدلة أخرى بإثبات كل كمال ~~بما تسعه العقول وبما لا تسعه مصرحا بالملك فقال: { وتبارك } أي ثبت ~~ثباتا لا يشبهه ثبات لأنه لا زوال مع التيمن والبركة وكل كمال، فلا ~~تشبيه له حتى يدعي أنه ولد له أو شريك، ثم وصفه بما يبين تباركه واختصاصه ~~بالإلهية فقال: { الذي له ملك السماوات } أي كلها { والأرض } كذلك { وما ~~بينهما } وبين كل اثنين منها، والدليل على هذا الإجماع القائم على توحيده ~~عند الاضطرار. # لما ثبت اختصاصه بالملك وكان الملك لا يكون إلا عالما بملكه وكان ربما ~~ادعى مدع وتكذب معاند في الملك أو العلم، قطع الأطماع بقوله: { وعنده } ~~أي وحده { علم الساعة } سائقا له مساق ما هو معلوم الكون، لا مجال ~~للخلاف فيه إشارة إلى ما عليها من الأدلة القطعية المركوزة في الفطرة ~~الأولى فكيف يما يؤدي إليه الفكر من الذكر المنبه عليه السمع، ولأن من ~~ثبت اختصاصه بالملك وجب قبول أخباره لذاته، وخوفا من سطواته، ورجاء في ~~بركاته { وإليه } أي وحده لا إلى غيره بعد قيام الساعة { ترجعون } بأيسر ~~أمر تحقيقا لملكه وقطعا للنزاع في وحدانيته، وقراءة الجماعة وهم من عدا ~~ابن كثير وحمزة والكسائي وورش عن يعقوب بالخطاب أشد تهديدا من قراءة ~~الباقين بالغيب، وأدل على تناهي الغضب على من لا يقبل إليه بالمتاب بعد ~~رفع كل ما يمكن أن يتسبب عنه ارتياب. # ولما أرشد السياق قطعا إلى التقدير: فلا شريك له في شيء من ذلك ولا ~~ولده ولا يقدر أحد منهم على التخلف عن الرجوع إليه كما أنه لا يقدر أحد ~~على مدافعة ms4442 قضائه وقدره، عطف عليه قوله: { ولا يملك } أي بوجه من الوجوه ~~في وقت ما { الذين يدعون } أي يجعلونهم في موضع الدعاء بعبادتهم لهم، ~~وبين سفول رتبتهم بقوله تعالى: { من دونه } من أدنى رتبة من رتبته من ~~الأصنام والملائكة والبشر وغيرهم { الشفاعة } أي فلا يكون منهم شفيع كما ~~زعموا أنهم شفعاؤهم { إلا من شهد } أي منهم { بالحق }. أي التوحيد الذي ~~يطابقه الواقع إذا انكشف أتم انكشاف وكذا ما يتبعه فإنه يكون أهلا لأن ~~يشفع كالملائكة والمسيح عليهم الصلاة والسلام، والمعنى أن أصنامهم التي ~~ادعوا أنها تشفع لهم لا تشفع غير أنه تعالى ساقه على أبلغ ما يكون لأنه ~~كالدعوى. # ولما كان ذلك مركوزا حتى في فطر الكفار فلا يفزعون في وقت الشدائد إلا ~~إلى الله، ولكنهم لا يلبثون أن يعملوا من الإشراك بما يخالف ذلك، فكأنه ~~لا علم لهم قال: { وهم } أو والحال أن من شهد { يعلمون } أي على بصيرة ~~مما شهدوا به، فلذلك لا يعملون بخلاف ما شهدوا إلا جهلا منهم بتحقيق ~~معنى التوحيد، فلذلك يظنون أنهم لم يخرجوا عنه وإن أشكروا، أو يكون ~~المعنى: وهم من أهل العلم، والأصنام ليسوا كذلك، وكأنه أفرد أولا إشارة ~~إلى أن التوحيد فرض عين على كل أحد بخصوصه وإن خالفه كل غير، وجمع ثانيا ~~إيذانا بالأمر بالمعروف ليجتمع الكل على العلم والتوحيد هو الأساس الذي ~~لا تصح عبادة إلا به، وتحقيقه هو العلم الذي لا علم يعدله، قال الرازي في ~~اللوامع: وجميع الفرق إنما ضلوا حيث لم يعرفوا معنى الواحد على الوجه ~~الذي ينبغي إذ الواحد قد يكون مبدأ العدد، وقد يكون مخالطا للعدد، وقد ~~يكون ملازما للعدد، والله تعالى منزه عن هذه الواحدات - انتهى. # ففي الآية تبكيت لهم في أنهم يوحدون في أوقات، فإذا أنجاهم الذي وحدوه ~~جعلوا شكرهم له في الرخاء إشراكهم به، ومنع لهم من ادعاء هذه الرتبة، وهي ~~الشهادة بالحق لأنهم انسلخوا بإشراكهم عن العلم، وأن الملائكة لا تشفع ~~لهم لأن ذلك يؤدي إلى أن تكون قد عملت بخلاف ms4443 ما تعلم، وذلك ينتج الانسلاخ ~~من العلم المؤهل للشفاعة، وقال ابن الجوزي: وفي الآية دليل على أن شرط ~~جميع الشهادات أن يكون الشاهد عالما بما يشهد به. # ولما كان التقدير لتقرير وجود إلهيته في الأرض بالاجتماع: فلئن سألتهم ~~من ينجيهم في وقت كروبهم ليقولن: الله، ليس لمن ندعوه من دونه هناك فعل، ~~فقال عطفا عليه: { ولئن سألتهم } أي الكفار { من خلقهم } أي العابدين ~~والمعبودين معا، أجابوا بما يدل على عمى القلب الحقيقي المجبول عليه ~~والمطبوع بطابع الحكمة الإلهية عليه، ولم يصدقوا في جواب مثله بقوله: { ~~إذ سألتهم }: { ليقولن الله } الذي له جميع صفات الكمال هو الذي خلق الكل ~~ليس لمن يدعوه منه شيء، ولذلك سبب عنه قوله: { فأنى } أي كيف ومن أي جهة ~~بعد أن أثبتوا له الخلق والأمر { يؤفكون * } أي يقلبون عن وجوه الأمور ~~إلى أقفائها من قالب ما كائنا من كان، فيدعون أن له شريكا تارة ~~بالولدية، وتارة بغيرها، مع ما ركز في فطرهم مما ثبت به أنه لا شريك له ~~لأن له الخلق والأمر كله. # ولما أبطل سبحانه شبهتهم ووهى غاية التوهية أمرهم في شركهم وادعائهم ~~الولد وغير ذلك مما تضمنته أقوالهم الفاسدة المنسوبة إليهم في هذه ~~السورة، وأقام حجج الحق، ونصب براهين الصدق، وأبت ما ينفعهم، وحذرهم ما ~~يضرهم، حتى ختم ذلك بقوله مقسما مع جلالة قدره وعظم أمره { لقد جئناكم ~~بالحق } ثم حصر أمرهم في رد ذلك إن ردوه إلى قسمين في حالين: حال مجاهرة ~~وحال مماكرة، وأخبر أنه لا نجاة لهم على حالة منهما، وأخبر أن رسله تعالى ~~يكتبون جميع أمورهم، ذلك مع غناه عن ذلك لعلمه بما يكتبونه من ذلك وغيره ~~مما لا يطلعون، عليه، فكان ذلك فخرا عظيما ملاحما أشد الملاحمة لما ~~قدمه من شبهتهم في ادعاء الولد فأكد إبطالها وحقق زوالها، وختم بالتعجيب ~~من حالهم في تركهم وجوه الأمور واتباعهم أقفائها، وكان من جملة ذلك عملهم ~~عمل من يظن أن الله سبحانه لا يسمع قولهم الموجب لأخذهم وقول رسوله: ~~الموجب لنصره، ms4444 عطف على ما مضى من إنكارهم عليهم عدم سماعه لقولهم، ولما ~~كان اشتدادهم في تكذيبهم ومباعدتهم وعنادهم لا يزداد بمرور الزمان إلا ~~قوة أوقع في نفس الرسول صلى الله عليه وسلم أسفا ورقة وشفقة عليهم ~~وعطفا، وصار يشكو أمرهم إلى ربه شكوى المضطر سرا وعلنا إرادة التيسير ~~في أمرهم والتهوين لشأنهم، فاختير للتعبير عن هذا المعنى مصدر " قال " ~~المشترك لفظه مع لفظ الماضي المبني للمجهول إشارة إلى أن شكواه بذلك ~~كأنها صارت أمرا ضروريا له لا اختيار له في قوله فكأنه صار قولا من ~~غير قائل أو من غير قصد، لأنه صار حالا من الأحوال، ووصل به الضمير من ~~غير تقدم ذكر، إشارة إلى أن ضميره قد امتلأ بتلك الشفقة عليهم والرحمة ~~لهم، فقال تعالى عطفا على سرهم المقدر بعد { بلى } في قوله تعالى: { إنا ~~لا نسمع سرهم ونجواهم بلى } أو يكون معطوفا على محل الساعة أي " ويعلم ~~قيله " قاله الزجاج، وعدل في هذا الوجه - وهو قراءة عاصم له وحمزة بالجر ~~فإنه ظاهر في تعلقه بذلك لعطفه على لفظ { الساعة } ، وقرئ شاذا بالرفع، ~~ووجهه أن الواو للحال، أي كيف يصرفون عن اتباع رسولنا الآمر لهم بتوحيدنا ~~في العبادة كما أنا توحدنا بالخلق والحال أن قيله كذا في شكايتهم، ~~أفيظنون أنا لا ننصره وقد أرسلناه: { وقيله } الذي صار في ملازمته وعدم ~~انفكاكه حالا من الأحوال، الدال على وجه قيله وانكسار نفسه بما دلت عليه ~~كسرة المصدر وياؤه المجانسة لها، والتعبير بقوله: { يا رب } دال على ذلك ~~بما تفيده " يا " الدالة على بعد، أو تقديره، والرب الدال على الإحسان ~~والعطف والشفقة والتدبير والسيادة الاختصاص والولاية، وذلك على غير ~~العادة في دعاء المقربين، فإنها جارية في القرآن بإسقاط أداة النداء. # ولما كان الإرسال إليهم - والمرسل قادر - مقتضيا لإيمانهم، أكد ما ظهر ~~له من حالهم بقوله زيادة في التحسر وإشارة إلى أن تأخير أمرهم يدل على أن ~~إيمانهم مطموع فيه: { إن هؤلاء } لم يضفهم إلى نفسه بأن يقول: قومي، ونحو ~~ذلك من العبارات ولا ms4445 سماهم باسم قبيلتهم لما ساءه من حالهم، وأتى بهاء ~~المنبهة قبل اسم على غير عادة الأصل إشارة إلى أن استشعر من نفسه بعدا ~~استصغارا لها واحتقارا { قوم } أي أقوياء على الباطل { لا يؤمنون } أي ~~لا يتجدد منهم هذا الفعل. # ولما كان هذا قولا دالا على غاية ما يكون من بلوغ الجهد، تسبب عنه ما ~~يسره بإيمانهم وبلوغهم الرتب العالية التي هي نتيجة ما كان مترجى لهم أول ~~السورة، وذلك كله ببركته صلى الله عليه وسلم في سياق ظاهره التهديد ~~وباطنه - بالنسبة إلى علمه - البشارة بالتشديد فقال: { فاصفح عنهم } أي ~~اعف عمن أعرض منهم صفحا فلا تلتفت إليهم بغير التبليغ { وقل } أي لهم: { ~~سلام } أي شأني الآن متاركتكم بسلامتكم مني وسلامتي منكم { فسوف يعلمون } ~~بوعد لا خلف فيه، فهذا ظاهره تهديد كبير، وقراءة المدنيين وابن عامر ~~بالخطاب أشد تهديدا، وباطنه من التعبير بالصفح عنهم والسلام بشارة لأنهم ~~يصيرون علماء فيفوقون الأمم في العلم بعد أن يفوقهم في العقل - بما أفهمه ~~أول السورة - فيعلون الأمم في المشي على مناهيج العقل، فلله دره من آخر ~~عانق الأول، ومقطع رد إلى المطلع تنزل، يا ناظم اللآلئ! أين تذهب عن هذا ~~البناء العالي، وتغفل عن هذا الجوهر الرخص الغالي، وتضل عن هذا الضياء ~~اللامع الملألىء، ثم أعلاه فأنزله، وأغلاه بدر المعاني وفضله. ### | [44 - سورة الدخان] ### || [44.1-8] # فقال: { والكتاب } أي الجامع لكل خير { المبين * } أي البين في نفسه، ~~الموضح لما تقدم من دقيق البشارة لأهل الصفاء والبصارة، واضح النذارة ~~بصريح العبارة، وغير ذلك من كل ما يراد منه، ولأجل ما ذكر من الاستبعاد ~~أكد جواب القسم وأتى به في مظهر العظمة فقال: { إنا } أي بما لنا من ~~العظمة { أنزلناه } أي الكتاب إما جميعا إلى بيت العزة في سماء الدنيا ~~أو ابتدأنا إنزاله إلى الأرض { في ليلة مباركة } أي ليلة القدر - قاله ~~ابن عباس رضي الله عنهما أو النصف من شعبان، فلذلك يتأثر عنه من ~~التأثيرات ما لم تحط به الأفهام في الدين والدنيا، قال الأستاذ أبو ms4446 ~~القاسم القشيري: ينزل إلى سماء الدنيا كل سنة بمقدار ما كان جبريل عليه ~~السلام ينزله على الرسول صلى الله عليه وسلم في تلك السنة وسماها { ~~مباركة } لأنها ليلة افتتاح الوصلة وأشد الليالي بركة يكون العبد فيها ~~حاضرا بقلبه مشاهدا لربه، يتنعم فيها بأنوار الوصلة ويجد فيها نسيم ~~القربة، وقال الرازي في اللوامع: وأعظم الليالي بركة ما كوشف فيها بحقائق ~~الأشياء. # ولما كان هذا موضحا لما لوح به آخر تلك من البشارة في ظاهر النذارة، ~~علل الإنزال أو استأنف ما فيه من واضح النذارة الموصل إلى المعاني ~~المقتضية للبشارة، فقال مؤكدا لأجل تكذيبهم: { إنا } أي على ما نحن عليه ~~من الجلال { كنا } بما لنا من العظمة دائما لعبادنا { منذرين * } لا ~~نؤاخذهم من غير إنذار، فلأجل رحمتنا لهؤلاء القوم وهم أرق الناس طبعا ~~وأصفاهم قلوبا وأوعاهم سمعا نوصلهم بما هيأناهم به من ذلك إلى ما لم ~~يصل غيرهم إليه ولم يقاربه من المعالي في الأخلاق والشمائل والاكتساب ~~لجميع الفضائل. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما تضمنت سورة حم السجدة وسورة الشورى ~~من ذكر الكتاب العزيز ما قد أشير إليه مما لم تنطو سورة غافر على شيء ~~منه، وحصل من مجموع ذلك الإعلام بتنزيله من عند الله وتفصيله وكونه ~~قرآنا عربيا إلى ما ذكر تعالى من خصائصه إلى قوله # وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسئلون # [الزخرف: 44] وتعلق الكلام بعد هذا بعضه ببعض إلى آخر السورة، افتتح ~~تعالى سورة الدخان بما يكمل ذلك الغرض، وهو التعريف بوقت إنزاله إلى سماء ~~الدنيا فقال تعالى: { إنا أنزلناه في ليلة مباركة } ثم ذكر من فضلها فقال ~~{ فيها يفرق كل أمر حكيم } فحصل وصف الكتاب بخصائصه والتعريف بوقت إنزاله ~~إلى سماء الدنيا وتقدم الأهم من ذلك في السورتين قبل، وتأخر التعريف بوقت ~~إنزاله إلى السماء الدنيا إذ ليس في التأكيد كالمتقدم، ثم وقع إثر هذا ~~تفصيل وعيد قد أجمل في قوله تعالى { فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون } ~~وما تقدمه من قوله { أم أبرموا أمرا فإنا مبرمون ms4447 } وقوله سبحانه { أم ~~يحسبون أنا نسمع سرهم ونجواهم } وتنزيهه سبحانه وتعالى نفسه عن عظيم ~~افترائهم في جعلهم الشريك والولد - إلى آخر السورة، ففصل بعض ما أجملته ~~هذه الآي في قوله تعالى في صدر سورة الدخان { فارتقب يوم تأتي السماء ~~بدخان مبين } وقوله تعالى { يوم نبطش البطشة الكبرى } ، والإشارة إلى يوم ~~بدر، ثم ذكر شأن غيرهم في هذا وهلاكهم بسوء ما ارتكبوا ليشعروا أن لا ~~فارق إن هم عقلوا واعتبروا، ثم عرض بقرنهم في مقالته ما بين لابتيها أعز ~~مني ولا أكرم، ثم ذكر تعالى: { شجرة الزقوم } إلى قوله: { ذق إنك أنت ~~العزيز الكريم } والتحم هذا كله التحاما يبهر العقول، ثم اتبع بذكر حال ~~المتقين جريا على المطرد من شفع الترغيب والترهيب ليبين حال الفريقين ~~وينتج علم الواضح من الطريقين، ثم قال لنبيه صلى الله عليه وسلم { فإنما ~~يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون } وقد أخبره مع بيان الأمر ووضوحه أنه { ~~إنما يتذكر من يخشى } ثم قال { فارتقب } وعدك ووعيدهم { إنهم مرتقبون }. # ولما وصف ليلة إنزال هذا القرآن بالبركة، وأعلم أن من أعظم بركتها ~~النذارة، وكانت النذارة مع أنها فرقت من البشارة أمرا عظيما موجبا ~~لفرقان ما بين المحاسن والمساوىء من الأعمال قائدة إلى كل خير بدليل أن ~~أتباع ذوي البركة من العلماء، وإذا تعارض عندهم أمر العالم والظالم، ~~قدموا أمر الظالم لما يخافون من نذارته، وأهملوا أمر العالم وإن عظم ~~الرجاء لبشارته، قال معللا لبركتها بعد تعليل الإنزال فيها، ومعمما لها ~~يحصل فيها من بركات التفضيل: { فيها } أي الليلة المباركة سواء قلنا: ~~إنها ليلة القدر أو ليلة النصف أصالة أو مآلا { يفرق } أي ينشر ويبين ~~ويفصل ويوضح مرة بعد مرة { كل أمر حكيم * } أي محكم الأمر لا يستطاع أن ~~يطعن فيه بوجه من جميع ما يوحى به من الكتب وغيرها والأرزاق والآجال ~~والنصر والهزيمة والخصب والقحط وغيرها من جميع أقسام الحوادث وجزئيا في ~~أوقاتها وأماكنها، ويبين ذلك للملائكة من تلك الليلة إلى مثلها من العام ~~المقبل فيجدونه سواء فيزدادون بذلك إيمانا، قال ms4448 البغوي رحمه الله: قال ~~ابن عباس رضي الله عنهما: يكتب من أم الكتاب في ليلة القدر ما هو كائن في ~~السنة من الخير والشر، والأرزاق والآجال، قال: وروى أبو الضحى عنه أن ~~الله تعالى يقضي الأقضية في ليلة النصف من شعبان فيسلمها إلى أربابها في ~~ليلة القدر. وقال الكرماني: فيسلمها إلى إلى أربابها وعملها من الملائكة ~~ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان. # ولما كان هذا مفهما لأمور لا حصر لها، بين أنه لا كلفة عليه سبحانه ~~فيه، ولا تجدد عنده في وقت من الأوقات لشيء لم يكن قبل إلا تعليق القدرة ~~على وفق الإرادة، فقال مؤكدا لفخامة ما تضمنه وصفه بأنه حكيم: { أمرا } ~~أي حال كون هذا كله مع انتشاره وعدم انحصاره أمرا عظيما جدا واحدا لا ~~تعدد فيه دبرناه في الأزل وقررناه وأتقناه واخترناه ليوجد في أوقاته ~~بتقدير، ويبرز على ما له من الإحكام في أحيانه في أقل من لمح البصر، ودل ~~على أنه ليس مستغرقا لما تحت قدرته سبحانه بإثبات الجار فقال: { من ~~عندنا } أي من العاديات والخوارق وما وراءها. # ولما بين حال الفرقان الذي من جملته الإنذار، علله بقوله مؤكدا لما لهم ~~من الإنكار: { إنا } أي بما لنا من أوصاف الكمال وكمال العظمة { كنا } أي ~~أزلا وأبدا { مرسلين * } أي لنا صفة الإرسال بالقدرة عليها في كل حين ~~والإرسال لمصالح العباد، لا بد فيه من الفرقان بالبشارة والنذارة وغيرهما ~~حتى لا يكون لبس، فلا يكون لأحد على الله حجة بعد الرسل، وهذا الكلام ~~المنتظم والقول الملتحم بعضه ببعض، المتراصف أجمل رصف في وصف ليلة ~~الإنزال دال على أنه لم تنزل صحيفة ولا كتاب إلا في هذه الليلة، فيدل على ~~أنها ليلة القدر للأحاديث الواردة في أن الكتب كلها نزلت فيها كما بينته ~~في كتابي " مصاعد النظر للإشراف على مقاصد السور " وكذا قوله في سورة ~~القدر { تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر } فإن الوحي الذي ~~هو مجمع ذلك هو روح الأمور الحكيمة، وبين سبحانه حال الرسالات ms4449 بقوله: { ~~رحمة } وعدل لأجل ما اقتضاه التعبير بالرحمة عما كان من أسلوب التكلم ~~بالعظمة من قوله " منا " إلى قوله: { من ربك } أي المحسن إليك بإرسالك ~~وإرسال كل نبي مضى من قبلك، فإن رسالاتهم كانت لبث الأنوار في العباد، ~~وتمهيد الشرائع في العباد، حتى استنارت القلوب، واطمأنت النفوس، بما صارت ~~تعهد من شرع الشرائع وتوطئة الأديان، فتسهلت طرق الرب لتعميم رسالتك حتى ~~ملأت أنوارك الآفاق، فكنت نتيجة كل من تقدمك من الرفاق. # ولما كانت الرسالة لا بد فيها من السمع والعلم، قال: { إنه هو } أي وحده ~~{ السميع } أي فهو الحي المريد { العليم * } فهو القدير البصير المتكلم، ~~يسمع ما يقوله رسله وما يقال لهم، وكل ما يمكن أن يسمع وإن كان بحيث لا ~~يسمعه غيره من الكلام النفسي وغيره الذي هو بالنسبة إلى سمعنا كنسبة ما ~~تسمعه من الكلام إلى سمع الأصم وسمعه ليس كأسماعنا، بل هو متعلق ~~بالمسموعات على ما هي عليه قبل وجودها كما أن علمه متعلق بالمعلومات كما ~~هي قبل كونها. # ولما ذكر إنزال الكتاب على تلك الحال العظيمة البركة لأجل الإرسال، وبين ~~أن معظم ثمرة الإرسال الإنذار لما للمرسل إليهم من أنفسهم من التوراة، دل ~~على ذلك من التدبير المحكم الذي اقتضته حكمة التربية فقال: { رب } أي ~~مالك ومنشئ ومدبر { السماوات } أي جميع الأجرام العلوية { والأرض } وما ~~فيها { وما بينهما } مما تشاهدون من هذا الفضاء، وما فيه من الهواء ~~وغيره، مما تعلمون من اكتساب العباد، وغيرهما مما لا تعلمون، ومن المعلوم ~~أنه ذو العرش والكرسي فعلم بهذا أنه مالك الملك كله. # ولما كانوا مقرين بهذا الربوبية ويأنفون من وصفهم بأنهم غير محققين لشيء ~~يعترفون به، أشار إلى ما يلزمهم بهذا الإقرار إن كانوا كما يزعمون من ~~التحقيق فقال: { إن كنتم موقنين * } أي إن كان لكم إيقان بأنه الخالق لما ~~ركز في غرائزكم وجبلاتكم رسوخ العلم الصافي السالم عن شوائب الأكدار من ~~حظوظ النفوس وعوائق العلائق، فأنتم تعلمون أنه لا بد لهذه الأجرام ~~الكثيفة جدا المتعالي بعضها عن بعض ms4450 بلا ممسك تشاهدونه مع تغير كل منها ~~بأنواع الغير من رب، وأنه لا يكون وهي على هذا النظام إلا وهو كامل العلم ~~شامل القدرة، مختار في تدبيره، حكيم في شأنه كله وجميع تقديره، وأنه لا ~~يجوز في الحكمة أن يدع من فيها من العلماء العقلاء الذين هم خلاصة ما ~~فيهما هملا يبغي بعضهم على بعض من غير رسول معلم بأوامره، وأحكامه ~~وزواجره، منبه لهم على أنه ما خلق هذا الخلق كله إلا لأجلهم، ليحذروا ~~سطواته ويقيدوا بالشكر على ما حباهم به من أنواع هباته. # ولما ثبت بهذا النظر الصافي ربوبيته، وبعدم اختلال التدبير على طول ~~الزمان وحدانيته، وبعدم الجري على نظام واحد من كل وجه فعله بالاختيار ~~وقدرته، صرح بذلك منبها لهم على أن النظر الصحيح أنتج ذلك ولا بد فقال ~~تعالى: { لا إله إلا هو } أي وإلا لنازعه في أمرهما أو بعضه منازع، أو ~~أمكن أن ينازع فيكون محتاجا لا محالة، وإلا لدفع عنه من يمكن نزعه له ~~وخلافه إياه، فلا يكون صالحا للتدبير والقهر لكل من يخالف رسله والإيحاء ~~لكل من يوافقهم على مر الزمان وتطاول الدهر ومد الحدثان على نظام مستمر، ~~وحال ثابت مستقر. # ولما ثبت أنه لا مدبر للوجود غيره، ثبت قوله تعالى: { يحيى ويميت } لأن ~~ذلك من أجل ما فيهما من التدبير، وهو تنبيه على تمام دليل الوحدانية لأنه ~~لا شيء ممن فيهما يبقى ليسند التدبير إليه، ويحال شيء من الأمور عليه، ~~فهما جملتان: الأولى نافية لما أثبتوه من الشركة، والثانية مثبتة لما ~~نفوه من البعث. # ولما ثبت أنه المختص بالإفاضة والسلب، وكان السلب أدل على القهر، ذكرهم ~~ما لهم من ذلك في أنفسهم فقال سبحانه: { ربكم } أي الذي أفاض عليكم ما ~~تشاهدون من النعم في الأرواح وغيرها { ورب آبائكم } ولما كانوا يشاهدون ~~من ربوبيته لأقرب آبائهم ما يشاهدون لأنفسهم، رقي نظرهم إلى النهاية ~~فقال: { الأولين * } أي الذين أفاض عليهم ما أفاض عليكم ثم سلبهم ذلك كما ~~تعلمون، فلم يقدر أحد منهم على ممانعة ولا ms4451 طمع في منازعة بنوع مدافعة. ### || [44.9-15] # ولما كان أكثرهم منكرا لما لزمه القطع به بهذا البرهان الزاهر والسلطان ~~الظاهر القاهر عنادا ولددا وإن كان باطنه على غير ذلك، فكان فعله فعل ~~الشاك اللاعب، كان التقدير لأجل ما يظهر من حالهم: لكنكم غير موقنين بعلم ~~من العلوم، بنى عليه قوله مع الصرف إلى الغيبة إعراضا عنهم أيذانا ~~بالغضب، وأنهم أهل للمعاجلة بالعطب: { بل هم } أي بضمائرهم { في شك } ~~لأنهم لا يجردون أنفسهم من شوائب المكدرات لصفاء العلم، ثم أعلم نبيه صلى ~~الله عليه وسلم أن الشاغل لهم عن هذا المهم حال الصبيان مع ادعائهم ~~الكمال بأخلاق الأجلاء من الرجال فقال: { يلعبون * } أي يفعلون دائما ~~فعل التارك لما هو فيه من أجد الجد الذي لا مرية فيه اللعب الذي لا فائدة ~~فيه ولا ثمرة له بوجه بعد فعل الشاك بالإعراض وعدم الإسراع إلى التصديق ~~والإيقاض. # ولما كان هذا موضع أن يقول الرسول صلى الله عليه وسلم المفهوم من ~~السياق: فماذا صنع فيهم بعد هذا البيان، الذي لم يدع لبسا لإنسان؟ سبب ~~عن ذلك قوله تسلية له وتهديدا لهم: { فارتقب } أي انتظر بكل جهد عاليا ~~عليم ناظرا لأحوالهم نظر من هو حارس لها، متحفظا من مثلها بهمة كهمة ~~الأسد الأرقب، والفعل متعد ولكنه قصر تهويلا لذهاب الوهم في مفعوله كل ~~مذهب، ولعل المراد في الأصل ما يحصل من أسباب نصرك وموجبات خذلانهم { يوم ~~تأتي السماء } أي فيما يخيل للعين لما يغشي البصر من شدة الجهد بالجوع إن ~~كان المراد ما حصل لهم من المجاعة الناشئة عن القحط الذي سببه قوله صلى ~~الله عليه وسلم # " اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف " # وروي في الصحيح أن الرجل منهم كان يرى ما بين السماء والأرض كهيئة ~~الدخان، وفي الواقع أن المراد عند قرب الساعة وعقب قيامها، فإنه ورد أنه ~~يأتي إذ ذاك فيغشي الناس ويحصل للمؤمن منه كهيئة الزكام، ويجوز أن يكون ~~المراد أعم من ذلك كله وأوله وقت القحط وكان آية على ما بعده، أو ms4452 منه ما ~~يأتي عند خروج الدخان من القحط الذي يحصل قبله أو غيره كما قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " إني قد خبأت لك خبأ فما هو؟ " # قال: الدخ، ففسر بالدخان، فلذلك قال تعالى: { بدخان مبين } أي واضح لا ~~لبس فيه عند رائية ومبين لما سواه من الآيات للفطن { يغشى الناس } أي ~~المهددين بهذا، وهم الذين رضوا بحضيض النوس والاضطراب عن أوج الثبات في ~~رتبة الصواب، روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " بادروا بالأعمال ستا: الدجال والدخان ودابة الأرض وطلوع الشمس من ~~مغربها وأمر العامة وخويصة أحدكم ". # ولما كان من المعلوم أنهم يقولون عند إتيانه جريا على عادة جهلهم: ما ~~هذا؟ أجيبوا بقوله تعالى حكاية عن لسان الحال، أو قول بعضهم أو بعض ~~أولياء الله: { هذا عذاب أليم * } يخلص وجعه إلى القلب فيبلغ في ألمه بما ~~كنتم تؤلمون دعاتكم إلى الله برد مقولهم والاستخفاف باغتراركم بكثرة ~~العدد والقوة والمدد. # ولما كان كأنه قيل: فما قالوا حين تحققوا ذلك؟ قيل: قالوا وقد انحلت عرى ~~تلك العزائم، ووهت تلك القوى من كل عازم، وسفلت بعد العو تلك الشوامخ من ~~الهمم مدعين أنهم لغاية الإذعان من أهل القرب والرضوان: { ربنا } أي أيها ~~المبدع لنا والمحسن إلينا { اكشف عنا العذاب } ثم عللوا ذلك بما علموا ~~أنه الموجب كشفه، فقالوا مؤكدين لما لحالهم من المنافاة لخبرهم: { إنا ~~مؤمنون * } أي عريقون في وصف الإيمان واصلون إلى رتبة الإيقان، وهذا يصح ~~أن يراد به بعد طلوع الشمس من مغربها، روى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله ~~عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس ~~آمنوا أجمعون، وذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها " # ثم قرأ الآية، وإن كان المراد بالعذاب ما حصل من القحط كان هذا الإيمان ~~على سبيل الوعد. # ولما كان كشف الآيات وإظهار العذاب لا يفيد في الدلالة على الحق أكثر ~~مما ms4453 أفاده الرسول صلى الله عليه وسلم بما أقامه من المعجزات بل إفادة ~~الرسول أعظم، أجيب من كأنه سأل عن حالهم عند ذلك بقوله معرضا عن خطابهم، ~~إيذانا بدوام مصابهم، لئلا يظن أنه ما كشف عنهم العذاب إلا لظن أنهم ~~صادقون: { أنى } أي كيف ومن أين { لهم الذكرى } أي هذا التذكر العظيم ~~الذي وصفوا به أنفسهم { وقد } أي والحال أنه قد { جاءهم } ما هو أعظم من ~~ذلك بما لا يقايس { رسول مبين * } أي ظاهر غاية الظهور أنه رسولنا، وموضح ~~غاية الإيضاح لما جاء به عنا بما أظهر من الآيات، وغير ذلك من الدلالات. # ولما كان الإعراض عنه مع ماله من العظمة بالبيان استخفافا به وبمن جاء ~~من بعده، أشار إلى ذلك بأداة التراخي فقال: { ثم } أي بعد ما له من علي ~~الرتبة في نفسه وبالإضافة إلى من أرسله. ولما كانت الفطر الأولى داعية ~~إلى الإقبال على الحق، نازعة إلى الانقطاع إلى الله والعكوف ببابه، ~~واللجاء إلى جنابه، إلا بجهد من النفس في النفور وعلاج دواعي الثبور، ~~أشار إلى ذلك بالتعبير بصيغة التفعل فقال: { تولوا عنه } أي أطاعوا ما ~~دعاهم إلى الإدبار عنه من دواعي الهوى ونوازع الشهوات والحظوظ { وقالوا } ~~أي زيادة على إساءتهم بالتولي: { معلم } أي علمه غيره من البشر { مجنون * ~~} فلم يبالوا بالتناقض البين الأمر، وهذا يدل على أن من لا يبالي بعرضه ~~ولا حياء له لا طيب لدائه لأنه لا وجود لدوائه، وأنه إذا مس بما يلينه ~~ويرده ويهينه لا يؤمن من رجوعه إلى الحال السيىء عند كشف ذلك الضر عنه. # ولما لفت سبحانه الخطاب عنهم إهانة لهم، بين أن سببه أن داءهم عضال، ~~فليس له أبدا زوال، فقال مؤكدا لاستبعادهم زوال ما هم فيه: { إنا } أي ~~على ما لنا من العظمة بالعلم المحيط وغيره { كاشفوا العذاب } أي عنكم ~~بدعاء رسولكم صل الله عليه وسلم في القول بأن الدخان ما كانوا يرونه بسبب ~~الجوع من القحط { قليلا } إقامة للحجة عليكم لا لخفاء ما في ضمائركم ~~علينا. ولما كانوا قد ms4454 أكدوا الإخبار بإيمانهم، وهو باطل، أكد سبحانه ~~الإخبار بكذبهم، ومن أصدق منه سبحانه قيلا، فقال تحقيقا لقوله تعالى # ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه # [الأنعام:28] # وإنهم لكاذبون # [الأنعام: 28]: { إنكم عائدون * } أي ثابت عودكم بعد كشفنا عنكم في ذلك ~~الزمن القصير إلى الكفران وإن أكدتم حصول الإيمان بأكيد الإيمان لما في ~~جبلاتكم من العوج ولطباعكم من المبادرة إلى الزلل، فإيمانكم هذا الذي ~~أخبرتم برسوخه عرض زائل وخيال باطل، وإن كان هذا في آخر الزمان فلا يدع ~~أن يكون الخطاب لهم على حقيقته بملك أو غيره ممن يرده الله تعالى لأن ذلك ~~زمان خرق العادات ونقض المطردات إقامة للحجة عليهم وله الحجة البالغة، ~~وتأديبا لنا وتعليما. ### || [44.16-18] # ولما كان اليوم قد يراد به المن المجتمع في حكم من الأحكام، وكان زمان ~~الدخان إن كان المراد به القحط الذي كان قبل يوم بدر أو ما يقرب من ~~الساعة يسمى يوما واحدا لاتحاد ذلك الحكم، أبدل من { يوم الدخان } قوله ~~تهديدا بشق الأكباد: { يوم نبطش } أي بما لنا من العظمة، والبطش: الأخذ ~~بقوة { البطشة الكبرى } أي التي تنحل لها عراهم وتنخل بها عزائمهم وقواهم ~~ولا يحتملها حقائقهم ولا مناهم، سواء كانت البطشة يوم بدر أو غيره فيخسر ~~هنالك من كشف حال الابتلاء عن طغيانه، وتمرده على ربه وعصيانه، ويجوز أن ~~يكون هذا ظرفا لعائدون. ولما كان ما له سبحانه من الحلم وطول الإمهال ~~موجبا لأهل البلادة والغلظة الشك في وعيده، قال مؤكدا { إنا منتقمون * ~~} أي ذلك صفة ثابتة لم نزل نفعلها بأعدائنا لنسر أضدادهم في أوليائنا. # ولما كان التقدير: لفقد فتناهم بإرسالك إليهم ليكشف ذلك لمن لا يعلم ~~الشيء إلا بعد وقوعه عما نعلمه في الأزل، وفيما لا يزال ولم يزل، من ~~بواطن أمورهم، فتقوم الحجة على من خالفنا على مقتضى عاداتكم، عطف عليه ~~محذرا لقريش ومسليا للنبي صلى الله عليه وسلم قوله: { ولقد فتنا } أي ~~فعلنا على ما لنا من العظمة فعل الفاتن وهو المختبر الذي يريد أن يعلم ~~حقيقة الشيء بالإملاء والتمكين ms4455 ثم الإرسال. # ولما كان من المعلوم أن قوم فرعون لم يستغرقوا الزمان ولا كانوا أقرب ~~الناس زمانا إلى قريش، نزع الجار قبل الظرف لعدم الإلباس أو أنه عظم ~~فتنتهم لما كان لهم من العظمة والمكمنة، فجعلها لذلك كأنها مستغرقة لجميع ~~الزمان فقال: { قبلهم } أي قبل هؤلاء العرب ليكون ما مضى من خبرهم عبرة ~~لهم وعظة. # ولما كان فرعون من أقوى من جاءه رسول قبلهم بما كان له من الجنود ~~والأموال والمكنة، وكان الرسول الذي أتاه قد جمع له - صلى الله عليه وسلم ~~- الآيات التي اشتملت على التصرف في العناصر الأربعة. فكان فيها الماء ~~والتراب والنار والهواء، وكانوا إذا أتتهم الآية قالوا: يا أيها الساحر! ~~ادع لنا ربك بما عهد عندك إننا لمهتدون، فإذا كشف عنهم ذلك عادوا إلى ما ~~كانوا عليه كما أخبر تعالى عن هؤلاء عند مجيء الدخان - إلى غير ذلك مما ~~شابهوهم فيه من الأسرار التي كشفها هذا المضمار، وكان آخر ذلك أن أهلكهم ~~أجمعين، فكانوا أجلى مثل لقوله تعالى في التي قبلها # فأهلكنا أشد منهم بطشا # [الزخرف: 8] خصهم بالذكر من بين المفتونين قبل فقال: { قوم فرعون } أي ~~مع فرعون لأن ما كان فتنة لقومه كان فتنة له لأن الكبير أرسخ في الفتنة ~~بما أحاط به من الدنيا، وسيأتي التصريح به في آخر القصة { وجاءهم } أي ~~المضافين والمضاف إليه في زيادة فتنتهم { رسول كريم } أي يعلمون شرفه ~~نسبا وأخلاقا وأفعالا، ثم زاد بيان كرمه بما ظهر لله به من العناية ~~بما أيده به من المعجزات. # ولما أخبر بمجيئه إليهم بالرسالة التي لا تكون إلا بالقول، فسر ما بلغهم ~~منها بقوله: { أن أدوا } أي أوصلوا مع البشر وطيب النفس، وأبرز ذلك في ~~صيغة الأمر الذي لا يسوغ مخالفته ولما كان بين موسى عليه الصلاة والسلام ~~وبين تصرفه في قومه حائل كثيف من ظلم فرعون وقومه، أشار إليه بحرف الغاية ~~فقال: { إلي } ونبهه على أنه لا حكم له عليهم بقوله { عباد الله } أي ~~بني إسرائيل الذين استعبدتموهم ظلما وليست عليهم ms4456 عبودية إلا للذي أظهر ~~في أمورهم صفات جلاله وجماله بما صنع مع آبائهم إبراهيم عليه الصلاة ~~والسلام ومن بعده وما سيظهر مما ترونه وما يكون بعدكم. # ولما كان لهم به من النفع إن تبعوا ما جاءهم به والضر إن ردوه ما ليس ~~لغيرهم، وكان لا يقدر على تأدية بني إسرائيل إليه من أهل الأرض غيرهم ~~لاحتوائهم عليهم كان تقديم الجار في أحكم مواضعه فلذلك قال مؤكدا ~~فإنكارهم لرسالته عليه الصلاة والسلام: { إني لكم } أي خاصة بسبب ذلك { ~~رسول } أي من عند من لا تكون الرسالة الكاملة إلا منه، ولما كان الإنسان ~~لا يأتمن على السياسة إلا ثقة كافيا، قال واصفا لنفسه بما يزيل عذرهم ~~ويقيم الحجة عليهم: { أمين * } أي بالغ الأمانة لأن الملك الديان لا يرسل ~~إلا من كان كذلك. ### || [44.19-24] # ولما كان استعباد عبد الغير بغير حق في صورة العلو على مالك العبد قال: ~~{ وأن لا تعلوا } أي تفعلوا باستعبادكم لبني إسرائيل نبي الله ابن خليل ~~الله فعل العالي { على الله } الذي له مجامع العظمة ومعاقد العزة بنفوذ ~~الكلمة وجميع أوصاف الكمال فإنكم إن فعلتم ذلك أخذكم بعزته ودمركم ~~بعظمته. # ولما كان علو من يتصرف في العبد على مالك العبد لا يثبت إلا بعد ثبوت ~~أنه ملكه وأنه لا يحب التصرف فيه، علل ذلك بقوله مؤكدا لأجل أن ما أتى ~~به بصدد أن ينكروه لأن النزوع عما استقر في النفس ومضى عليه الإلف بعيد: ~~{ إني آتيكم } وهو يصح أن يكون اسم فاعل وأن يكون فعلا مضارعا. ولما ~~كان فعلهم فعل العالي على السلطان، قال: { بسلطان } أي أمر باهر قاهر من ~~عند مالكهم، لا يسوغ لأحد الاستعلاء عليه فكيف بالاستعلاء على من هو ~~بأمره { مبين * } أي واضح في نفسه سلطنته ومظهر لغيره ذلك. # ولما كان من العجائب أن يقتل منهم نفسا ثم يخرج فارا منهم ثم يأتي ~~إليهم لا سيما إتيانا يقاهرهم فيه في أمر عظيم من غير أن يقع بينهم ~~وبينه ما يمحو ما تقدم منه، نبههم على إتيانه ms4457 هذا على هذا الحال آية أخرى ~~دالة على السلطان، فقال مؤكدا تكذيبا لظنهم أنه في قبضتهم: { وإني عذت ~~} أي اعتصمت وامتنعت { بربي } الذي رباني على ما اقتضاه لطفه بي وإحسانه ~~إلي { وربكم } الذي أعاذني من قتلكم لي بكم على ما دعت إليه حكمته من ~~جبروتكم وتكبركم وقوة مكنتكم { أن ترجمون * } أي أن يتجدد في وقت من ~~الأوقات قتل منكم لي، ما أتيتكم حتى توثقت من ربي في ذلك، فإني قلت { إني ~~أخاف أن يقتلون } فقال # سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما بآياتنا # [القصص: 38] فهو من أعظم آياتي أن لا تصلوا على قوتكم وكثرتكم إلى قتلي ~~منع أنه لا قوة لي بغير الله الذي أرسلني. # ولما كان التقدير: فإن آمنتم بذلك وسلمتم لي أفلحتم، عطف عليه قوله: { ~~وإن لم تؤمنوا لي } أي تصدقوا لأجلي ما أخبرتكم به { فاعتزلون * } أي وإن ~~لم تعتزلوني هلكتم، ولا تقدرون على قتلي بوجه وأنا واحد ممن تسومونهم سوء ~~العذاب، وما قتلتم أبناءهم إلا من أجلي، فرباني على كف من ضاقت عليه ~~الأرض بسببي وسفك الدماء في شأني، ومنعه الله من أن يصل إلي منه سوء قبل ~~أن أعوذ به، فكيف به بعد أن أرسلني وعذت به فأعاذني، واستجرت به فأجارني. # ولما كان التقدير: لم يؤمنوا به ولا لأجله ولم يعتزلوه، بل بغوا له ~~الغوائل وراموا أن يواقعوا به الدواهي والقواصم، فلم يقدروا على ذلك ~~وآذوا قومه وطال البلاء، سبب عنه قوله: { فدعا ربه } الذي أحسن إليه وضمن ~~له سياسته وسياسة قومه، ثم فسر ما دعا به بقوله: { أن هؤلاء } أي ~~الحقيرون الأراذل الذليلون { قوم } أي لهم قوة على القيام بما يحاولونه { ~~مجرمون * } أي عريقون في قطع ما أمرت به أن يوصل، وذلك متضمن وصل ما أمرت ~~به أن يقطع، فكان المعنى: فدعا بهذا المعنى، ولذلك أتى " بأن " الدالة ~~على المصدرية. # ولما كان ممن يستجيب دعاءه ويكرم نداءه، سبب عن ذلك قوله: { فأسر } أي ~~فقلنا له: سر عامة الليل - هذا على قراءة المدنيين وابن ms4458 كثير بوصل الهمزة ~~وعلى قراءة غيرهم بالقطع المعنى: أوقع السرى وهو السير عامة الليل { ~~بعبادي } الذين هم أهل لإضافتهم إلى جنابي، قومك الذين أرسلناك لإسعادهم ~~باستنقاذهم ممن يظلمهم وتفريغهم لعبادتي لا لعبادة غيري. # ولما كان سبحانه قد تقدم إلى بني إسرائيل في أن يكونوا متهيئين في ~~الليلة التي أمر بالسرى فيها بحيث لا يكون لأحد منهم عاقة أصلا كما تقدم ~~بيانه في الأعراف عن التوراة، بين تأكيده لذلك بقوله: { ليلا } فصار ~~تأكيدا بغير اللفظ، وإنما أمره بالسير في الليل لأنه أوقع بالقبط موت ~~الأبكار ليلا، فأمر فرعون موسى عليه الصلاة والسلام أن يخرج بقومه في ~~ذلك خوفا من أن يموت القبط. # ولما علم الله تعالى أنهم إن تأخروا إلى أن يطلع الفجر ويرتفع عنهم ~~الموت، منعوهم الخروج، وإن تأخروا إلى آخر الليل أدركوهم قبل الوصول إلى ~~البحر فيقتلوهم، علل هذا الأمر بقوله مؤكدا له لأن حال القبط عندما ~~أمروهم بالخروج كان حال من لا يصدق له ترجع في قوله: { إنكم متبعون * } ~~أي مطلوبون بغاية الشهوة والجهد من عدوكم، فلا يغرنكم ما هم فيه عند ~~أمركم بالخروج من الجزع من إقامتكم بين أظهرهم وسؤالهم لكم في الخروج ~~عنهم بسب وقوع الموت الفاشي فيهم، فإن القلوب بيد الله، فهو يقسي قلب ~~فرعون بعد رؤية هذه الآيات حين يرتفع عنهم الموت ويفرغون من دفن موتاهم ~~فيطلبكم لما دبرته في القدم من سياستكم بإغراقهم أجمعين ليظهر مجدي بذلك ~~وأدفع عنكم روع مدافعتهم فإني أعلم أنه لا قوة لكم ولا طاقة بهم، فلم ~~أكلفكم لمباشرة شيء من أمرهم. # ولما أمره بالإسراء وعلله، أمره بما يفعل فيه وعلله فقال: { واترك البحر ~~} أي إذا أسريت بهم وتبعك العدو ووصلت إليه وأمرناك بضربه لينفتح لتدخلوا ~~فيه فدخلتم ونجوتم { رهوا } بعد خروجكم منه بأجمعكم أي منفرجا واسعا ~~ساكنا بحيث يكون المرتفع من مائه مرتفعا والمنخفض منخفضا كالجدار، ~~وطريقه الذي سرتم به يابسا ذا سير سهل على الحالة التي دخلتم فيها ليدخل ~~فيه عدوكم فنمجد بإغراقهم كما وعدناكم، وقال البغوي: ms4459 راهيا أي ذا رهو ~~فسمي بالمصدر - وعزاه إلى مقاتل - انتهى. ولما كانت هذه أسبابا لدخول آل ~~فرعون فيه، علل بما يكون عنها تسكينا لقلوبهم في ترك البحر طريقا ~~مفتوحا يدخله العدو، فقال مؤكدا لأجل استبعاد بني إسرائيل مضمون الخبر ~~لأنه من خوارق العادات مع ما لفرعون وآله في قلوبهم من الهيبة الموجبة ~~لأن يستبعدوا معها عمومهم بالإهلاك { إنهم جند مغرقون * } أي متمكنون في ~~هذا الوصف وإن كان لهم وصف القوة والتجمع الذي محطه النجدة الموجبة للعلو ~~في الأمور. ### || [44.25-31] # ولما أرشد السياق ولا بد إلى تقدير: فأسرى موسى بعباد الله كما أمره ~~الله فتعبهم آل فرعون كما أخبر سبحانه، ففتح الله البحر بباهر قدرته ~~وأمسك ماءه كالجدران بقاهر عظمته وتركه بعد طلوعهم منه على حالته فتبعهم ~~عباد الشيطان بما فاض عليهم من شقاوته فأغرقهم الله بعزته لم يفلت منهم ~~أحد، عبر سبحانه عن هذا كله بقوله على طريق الاستئناف: { كم تركوا } أي ~~الذي سبق الحكم بإغراقهم فغرقوا { من جنات } أي بساتين هي في غاية ما ~~يكون من طيب الأرض وكثرة الأشجار وزكاء الثمار والنبات وحسنها الذي يسر ~~المهموم ويستر الهموم، ودل على كرم الأرض بقوله: { وعيون وزروع } أي مما ~~هو دون الأشجار. ولما كان ذلك لا يكمل إلا بمنازل ومناظر في الجنان ~~وغيرها فقال: { ومقام كريم * } أي مجلس شريف هو أهل لأن يقيم الإنسان ~~فيه، لأن النهاية فيما يرضيه. # ولما كان ذلك قد يكون بتعب صاحبة فيه، دل على أنه كان بكد غيرهم وهم في ~~غاية الترف، وهذا هو الذي حملهم على اتباع من كان يكفيهم ذلك حتى أداهم ~~إلى الغرق قال: { ونعمة } هي بفتح النون اسم للتنعم بمعنى الترفه والعيش ~~اللين الرغد، وأما التي بالكسر فهي الإنعام { كانوا فيها } أي دائما { ~~فاكهين * } أي فعلهم في عيشهم فعل المترفه لا فعل من يضطر إلى إقامة ~~نفسه. # ولما كان هذا أمرا عظيما لا يكاد يصدق أن يكون لأحد، دل على عظمه ~~وحصوله لهم بقوله: { كذلك } أي الأمر كما أخبرنا به من ms4460 تنعيمهم وإخراجهم ~~وإغراقهم وأنهم تركوا جميع ما كانوا فيه لم يغن عنهم شيء منه، فلا يغترن ~~أحد بما ابتليناه به من النعم لئلا يصنع به من الإهلاك ما صنعنا بهم. ~~ولما أفهم سوق الكلام هكذا إغراقهم كلهم، زاده إيضاحا بالتعبير بالإرث ~~الذي حقيقته الأخذ عن الميت أخذا لا منازع فيه فقال عاطفا على ما تقدم ~~تقديره بعد اسم الإشارة: { وأورثناها } أي تلك الأمور العظيمة { قوما } ~~أي ناسا ذوي قوة في في القيام على ما يحاولونه، وحقق أنهم غيرهم تحقيقا ~~لإغراقه بقوله: { آخرين * } قال ابن برجان، وقال في سورة الظلمة: " وعيون ~~وكنوز " مكان " وزروع " لما كان المعهود من الزرع الحصد في أقرب المدة ~~أورث زروعها وجناتها وما فيها من مقام كريم قوما بآل فرعون فإنهم أهلكوا ~~ولا بني إسرائيل فإنهم قد عبروا البحر، ولما توطد ملكهم في الأرض المقدسة ~~اتصل بمصر، فورثوا الأرض بكنوزها وأموالها ونعمتها ومقامها الكريم - ~~انتهى. # ولما كان الإهلاك يوجب أسفا على المهلكين ولو من بعض الناس ولا سيما ~~إذا كانوا جمعا فكيف إذا كانوا أهل مملكة ولا سيما إذا كانوا في نهاية ~~الرئاسة، أخبر بأنهم كانوا لهوانهم عنده سبحانه وتعالى على خلاف ذلك، ~~فسبب عما مضى قوله: { فما بكت عليهم } استعارة لعدم الاكتراث لهم لهوانهم ~~{ السماء والأرض } وإذا لم يبك السكن فما ظنك بالساكن الذي هو بعضه، روى ~~أبو يعلى في مسنده والترمذي في جامعه - وقال: غريب والربذي والرقاشي ~~يضعفان في الحديث - عن أنس رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " ما من مسلم إلا وله في السماء بابان، باب يصعد منه عمله وباب ينزل منه ~~رزقه فإذا مات بكيا عليه " # وتلا هذه الآية، وقال علي رضي الله عنه: إن المؤمن إذا مات بكى مصلاه من ~~الأرض ومصعد عمله من السماء. # ولما جرت العادة بأن العدو قد يستمهله عدوه في بعض الأوقات لمثل وصية ~~وقضاء حاجة فيمهله، أخبر تتميما لعدم الاكتراث بهم أنهم كانوا دون ذلك ~~فقال: { وما كانوا } ولما كان هذا لكونه ms4461 خيرا عنهم بعد مضيهم المقصود ~~منه تحذير من بعدهم فقط، لم يذكر التقييد بذلك الوقت بإذن ونحوها دلالة ~~على أن ما كانوا فيه من طويل الإمهال كان كأنه لم يكن لعظم هذا الأخذ ~~بخلاف ما مر في في الحجر من التخويف من إنزال الملائكة عليهم، فإن تقييد ~~عدم الإنظار بذلك الوقت لرد السامعين عن طلب إنزالهم فقال تعالى: { ~~منظرين * } أي ممهلين عما أنزلنا بهم من المصيبة من ممهل ما لحظه فما ~~فوقها ليتداركوا بعض ما فرطوا فيه وينظروا في شيء مما يهمهم بل كان أخذهم ~~لسهولته علينا في أسرع من اللمح، لم يقدروا على دفاع، فنالهم عذاب الدنيا ~~وصاروا إلى عذاب الآخرة فخسروا الدارين وما ضروا غير أنفسهم. # ولما كان إنقاذ بني إسرائيل من القبط أمرا باهرا لا يكاد يصدق فضلا ~~عن أن يكون بإهلاك أعدائهم، أكد سبحانه الإخبار بذلك إشارة إلى ما يحق له ~~من العظمة تنبيها على أنه قادر أن يفعل بهذا النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأتباعه كذلك وإن كانت قريش يرون ذلك محالا وأنهم في قبضتهم فقال: { ~~ولقد نجينا } أي بما لنا من العظمة " تنجية عظيمة " مع كونها بسبب الآيات ~~المتفرقات كانت على التدريج { بني إسرائيل } عبدنا المخلص لنا { من ~~العذاب المهين * } بسبب أنهم كانوا عندهم في عداد العبيد يتسخدمون الرجال ~~والنساء بل أذل للزيادة على التصرف العبيد بالتذبيح للأبناء. # ولما تشوف السامع إلى صاحب ذلك العذاب قال مبدلا مما قبله إفهاما لأن ~~فرعون نفسه كان عذابا لإفراطه في أذاهم: { من فرعون } ثم علل ذلك بما ~~يعرف منه صحة الوصف للعذاب فقال مؤكدا لأن حال قريش في استذلال المؤمنين ~~حل من يكذب بأن الله أنجى بني إسرائيل على ضعفهم فهو ينجي غيرهم من ~~الضعفاء أو يكذب أن فرعون كان قويا { إنه كان عاليا } في جبلته العراقة ~~في العلو { من المسرفين * } أي العريقين في مجاوزة الحدود. ### || [44.32-37] # ولما كانت قريش تفتخر بظواهر الأمور من الزينة والغرور ويعدونه تعظيما ~~من الله ويعدون ضعف الحال في الدنيا شقاء وبعدا ms4462 من الله، رد عليهم قولهم ~~بما أتى بني إسرائيل على ما كانوا فيه من الضعف وسوء الحال بعد إهلاك آل ~~فرعون بعذاب الاستئصال، فقال مؤكدا لاستبعاد قريش أن يختار من قل حظه من ~~الدنيا: { ولقد } اخترناهم } أي فعلنا بما لنا من العظمة في جعلنا لهم ~~خيارا فعل من اجتهد في ذلك، وعظم أمرهم بقوله بانيا على ما تقديره: ~~اختيارا مستعليا { على علم } أي منا بما يكون منهم من خير وشر، وقد ظهر ~~من آثاره أنكم صرتم تسألونهم وأنتم صريح ولد إسماعيل عليه الصلاة والسلام ~~عما ينوبكم وتجعلونهم قدوتكم فيما يصيبكم وتضربون إليه أكباد الإبل، ~~وهكذا يصير عن قليل كل من اتبع رسولكم صلى الله عليه وسلم منكم ومن ~~غيركم. ولما بين المفضل، بين المفضل عليه فقال: { على العالمين * } أي ~~الموجودين في زمانهم بما أنزلنا عليهم من الكتاب وأرسلنا إليهم من الرسل. # ولما أعلم باختيارهم، بين آثار الاختيار فقال: { وآتيناهم } أي على ما ~~لنا من العظمة { من الآيات } أي العلامات الدالة على عظمتنا واختيارنا ~~لهم من حين أتى موسى عبدنا عليه الصلاة والسلام فرعون إلى أن فارقهم ~~بالوفاة وبعد وفاته على أيدي الأنبياء المقررين لشرعه عليهم الصلاة ~~والسلام { ما فيه بلاؤا } أي اختبار مثله يميل من ينظره أو يسمعه أو ~~يحيله إلى غير ما كان عليه، وذلك بفرق البحر وتظليل الغمام وإنزال المن ~~والسلوى وغير ذلك مما رأوه من الآيات التسع، وفي هذا ما هو رادع للعرب عن ~~بعض أقوالهم من خوف التخطف من العرب والفقر لقطع الجلب عنهم وغير ذلك { ~~مبين * } أي بين لنفسه موضح لغيره، وما أنسب هذا الختم لقوله أول قصتهم " ~~ولد فتنا قبلهم قوم فرعون ". # ولما ثبت بما مضى أنه سبحانه متصف بالإحياء والإماتة، وكان إنكار ذلك ~~عنادا لا يستطيع أحد يثبت الإله أن ينكره، وكان الإقرار بذلك في بعض ~~وإنكاره في بعض تحكما ومخالفا لحاكم العقل وصارم النقل، وكان من الآيات ~~التي أوتوها إحياؤهم بعد إماتتهم حين طلبوا الرؤية فأخذتهم الصاعقة، وحين ~~خرجوا من ديارهم وهم ms4463 ألوف حذر الموت، وكان ذلك هو البعث بعينه، وكان ~~العرب ينكرونه ويبالغون في إنكارهم له ولا يسألونهم عنه، قال موبخا لهم ~~مشيرا بالتأكيد إلى أنه لا يكاد يصدق أن أحدا ينكر ذلك لما له من ~~الأدلة: { إن } وحقرهم بقوله: { هؤلاء } أي الأدنياء الأقلاء الأذلاء { ~~ليقولون * } أي بعد قيام الحجة البالغة عليهم مبالغين في الإنكار في نظير ~~تأكيد الإثبات: { إن } أي ما. # ولما كان قد تقدم قوله تعالى { يحيي ويميت } وهم يعلمون أن المراد به أن ~~يتكرر منه الإحياء للشخص الواحد، وكان تعالى قد قال ولا يخاطبهم إلا بما ~~يعرفونه # وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون # [البقرة: 28] أي بالانتشار بعد الحياة وقال # أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين # [غافر: 11] قالوا: ما { هي إلا موتتنا } على حذف مضاف أي ما الحياة إلا ~~حياة موتتنا { الأولى } أي التي كانت قبل نفخ الروح - كما سيأتي في ~~الجاثية { إن هي إلا حياتنا الدنيا } وعبروا عنها بالموتة إشارة إلى أن ~~الحياة في جنب الموت المؤبد على زعمهم أمر متلاش لا نسبة لها منه، وساق ~~سبحانه كلامهم على هذا الوجه إشارة إلى أن الأمور إذا قيس غائبها على ~~شاهدها، كان الإحياء بعد الموتة الثانية أولى لكونه بعد حياة من الإحياء ~~بعد الموتة الأولى، فحط الأمر على أن الابتداء كان من موت لم يتقدمه ~~حياة، والقرار يكون على حياة لا يعقبها موت. # ولما كان المعنى: وليس وراءها حياة، أكدوه بما يفهمه تصريحا فقالوا برد ~~ما أثبته الله على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم: { وما نحن } وأكدوا ~~النفي فقالوا: { بمنشرين * } أي من منشر ما بالبعث بحيث نصير ذوي حركة ~~اختيارية ننتشر بها بعد الموت، يقال: نشره وأنشره - إذا أحياه. # ولما كانوا يزعموه أن دعوى الإحياء لا يصح إلا إذا شاهدوا أحدا من ~~الأموات الذين يعرفونه حيا بعد أن تمزق جلده وعظامه، سببوا عن إنكارهم ~~مخاطبين للنبي صلى الله عليه وسلم ومن تبعه: { فأتوا } أي أيها الزاعمون ~~أنا نبعث بعد الموت إيذانا بأنهم لا يصدقون بذلك وإن ms4464 كثر معتقدوه من جنس ~~بشرهم وتبعهم { بآبائنا } أي لكوننا نعرفهم ونعرف وفور عقولهم فلا نشك في ~~أن ذلك إحياء لمن مات ليكون ذلك آية لنا على البعث، وأكدوا تكذيبهم ~~بقوله: { إن كنتم صادقين * } أي ثابتا صدقكم. # ولما أخبروا على هذه العظمة تنطعا لأنها لو وقعت لم يكن بأدل على ثبوت ~~النبوة المستلزمة لتصديق كل ما يقول لهم الرسول صلى الله عليه وسلم وما ~~يأتيهم به من الآيات، غير خائفين من الله وهم يعلمون قدرته وإهلاكه ~~للماضين لأجل تكذيب الرسل عليهم الصلاة والسلام، وكأنهم يدعون خصوصيته في ~~مكنة من عين أو معنى ينجون بها من مساواة من قبلهم في ذلك، فقال تعالى ~~منكرا عليهم: { أهم خير } أي في الدين والدنيا { أم قوم تبع } أي الذين ~~ملك بهم تبع الأرض بطولها والعرض وحيرة الحيرة وبنى قصر سمرقند وكان ~~مؤمنا، وقومه حمير ومن تبعهم أقرب المهلكين إلى قريش زمانا ومكانا. ~~وكان له بمكة المشرفة ما ليس لغيره من الآثار، وقال الرازي في اللوامع: ~~هو أول من كسا البيت ونحر بالشعب ستة آلاف بدنة وأقام به ستة أيام وطاف ~~به وحلق. # وقال البغوي بعد أن ذكر قصته مع الأنصار لما قتل ابنه غيلة بالمدينة ~~الشريفة وما وعظته به اليهود في الكف عن إخراب المدينة لأنها مهاجر نبي ~~من قريش: فصدقهم وتبع دينهم، وذلك قبل نسخه، وقال عن الرقاشي: آمن تبع ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث بسبعمائة عام، وعن عائشة رضي الله ~~عنها أنها قالت: لا تسبوا تبعا فإنه كان رجلا صالحا. # ولما كان ذلك في سياق التهديد بالإهلاك لأجل مخالفتهم، وكان الإهلاك ~~لذلك إنما كان لبعض من تقدم زمانهم لا لجميع الخلق، أدخل الجار فقال: { ~~والذين من قبلهم } أي من مشاهير الأمر كمدين وأصحاب الأيكة والرس وثمود ~~وعاد. # ولما كان كأنه قيل: ما لهؤلاء الأمم؟ قيل: { أهلكناهم } أي بعظمتنا وإن ~~كانوا عظماء لا يشعرهم هؤلاء فيما لهم من المكنة لقطعهم من أمر الله به ~~أو يوصل من الرسل وأتباعهم، وتكذيبهم بما ms4465 أتوا به، ولذلك علل الإهلاك ~~تحذيرا للعرب بقوله مؤكدا لظنهم أن هلاكهم إنما هو على عادة الدهر: { ~~إنهم كانوا } أي جبلة وطبعا { مجرمين * } أي عريقين في الإجرام، فليحذر ~~هؤلاء إذا ارتكبوا مثل أفعالهم من مثل حالهم وأن يحل بهم ما حل بهم. ### || [44.38-45] # ولما كان التقدير للاستدلال على الجزاء الذي جامعه التكفل بجميع أنحائه ~~يوم القيامة: فإنا ما خلقنا الناس عبثا يبغي بعضهم على بعض ثم لا ~~يؤاخذون، عطف عليه ما هو أكبر في الظاهر منه فقال: { وما خلقنا السماوات ~~} أي على عظمها واتساع كل واحدة منها واحتوائها لما تحتها، وجمعها لأن ~~العمل كلما زاد كان أبعد من العبث مع أن إدراك تعددها مما يقتضي المشاهدة ~~بما فيها من الكواكب، ووحد في سورة الأنبياء تخصيصا بما يتحقق المكذبون ~~بالبعث رؤيته لما ذكر هناك من اختصاص " لدن " بما بطن. # ولما كان الدليل على تطابق الأرضي دقيقا وحدها فقال: { والأرض } أي على ~~ما فيها من المنافع { وما بينهما } أي النوعين وبين كل واحدة منها وما ~~يليها { لاعبين * } أي على ما لنا من العظمة التي يدرك من له أدنى عقل ~~تعاليها عن اللعب لأنه لا يفعله إلا ناقص، ولو تركنا الناس يبغي بعضهم ~~على بعض كما تشاهدون ثم لا نأخذ لضعيفهم بحقه من قويهم لكان خلقنا لهم ~~لعبا، بل اللعب أخف منه، ولم نكن على ذلك التقدير مستحقين لصفة ~~القدوسية، فإنه " لا قدست أمة لا يؤخذ لضعيفها بالحق من قويها غير متعتع ~~" - رواه ابن ماجة عن أبي سعيد وابن جميع في معجمه عن جابر، وصاحب ~~الفردوس عن أبي موسى رضي الله عنهم رفعوه، وهو شيء لا يرضى به لنفسه أقل ~~حكام الدنيا، فكان هذا برهانا قاطعا على صحة الحشر ليظهر هناك الفصل ~~بالعدل والفضل. # ولما نفى أن يكون خلق لك اللعب الذي هو باطل، أثبت ما خلقه له ولم يصرح ~~بما في البين لأنه تابع، وقد نبه ما مضى، فقال مستأنفا: { ما خلنقاهما } ~~أي السماوات والأراضي مع ما بينهما { إلا بالحق } من الحكم ms4466 بين من فيهما، ~~فمن عمل الباطل عاقبناه ومن عمل الحق أثبناه، وبذلك يظهر غاية الظهور ~~إحاطتنا بجميع أوصاف الكمال كما نبهنا عليه أهل الكمال في هذا الدار ~~بخلقهما الذي واقعة بمطابق للحق، وهو ما لنا من تلك الصفات المقتضية ~~للبعث لأحقاق الحق وإبطال الباطل بما لا خفاء فيه عند أحد. # ولما كان أكثر الخلق لا يعلم ذلك لعظمته عن النظر في دليله وإن كان ~~قطعيا بديهيا. { ولكن أكثرهم } أي أكثر هؤلاء الذين أنت بين أظهرهم ~~وهم يقولون: { إن هي إلا موتتنا الأولى } وكذا من نحا نحوهم { لا يعلمون ~~* } أي أنا خلقنا الخلق بسبب إقامة الحق فهم لأجل ذلك يجترئون على ~~المعاصي ويفسدون في الأرض لا يرجون ثوابا ولا يخافون عقابا، ولو تذكروا ~~ما ركزناه في جبلاتهم لعلموا علما ظاهرا أنه الحق الذي لا معدل عنه كما ~~يتولى حكامهم المناصب لأجل إظهار الحكم بين رعاياهم، ويشرطون الحكم ~~بالحق، ويؤكدون على أنفسهم أنهم لا يتجاوزونه. # ولما كان كأنه قيل: إنا نرى أكثر المظلومين يموتون بمرير غصصهم مقهورين، ~~وأكثر الظالمين يذهبون ظافرين بمطالبهم مسرورين، فمتى يكون هذا الحق؟ قال ~~جوابا لذلك مؤكدا لأجل تكذبيهم: { إن يوم الفصل } عند جمع الأولين ~~والآخرين من جميع المكلفين الذين ينتظره كل أحد للفرق بين كل ملبس، فلا ~~يدع نوعا منه حتى أنه يميز بين المكاره والمحاب ودار النعيم وغار ~~الجحيم، وبين أهل كل منهما بتمييز المحق من المبطل بالثواب والعقاب وهو ~~بعد البعث من الموت { ميقاتهم } أي وقت جمع الخلائق للحكم بينهم الذي ضرب ~~لهم في الأزل وأنزلت به الكتب على ألسنة الرسل { أجمعين * } لا يتخلف عنه ~~أحد ممن مات من الجن والإنس والملائكة وجميع الحيوانات. # ولما ذكر هذا اليوم الذي دل على عظمته بهذه العبارة إفرادا وتركيبا، ~~ذكر من وصفه ما يحمل على الخوف والرجاء، فقال مبدلا منه: { يوم لا يغني ~~} بوجه من الوجوه { مولى } بقرابة أو غيرها بحلف أو رق من أعلى أو أسفل { ~~عن مولى } أريد أخذه بما وقع منه { شيئا } من الإغناء. ولما ms4467 كان الإغناء ~~تارة يكون بالرفق وأخرى بالعنف، صرح بالثاني لأنه أعظمها والسياق للإهلاك ~~والقهر فقال: { ولا هم } أي القسمان { ينصرون * } أي من ناصر ما لو أراد ~~بعضهم نصرة بعض، أو أراد غيرهم لو فرض أن ينصرهم، وعبر بالجمع الذي أفاده ~~الإبهام للمولى ليتناول القليل والكثير منه لأن النفي عنه نفي عن الأفراد ~~من باب الأولى. # ولما نفى الإغناء استثنى منه فقال: { إلا من رحم الله } أي أراد إكرامه ~~الملك الأعظم وهم المؤمنون يشفع بعضهم لبعض بإذن الله في الشفاعة لأحدهم ~~فيكرم الشافع فيه بقبول شفاعته ويكرمه بقبوله الشفاعة فيه. ولما كان ما ~~تقدم دالا على تمام القدرة في الإكرام والانتقام، وكان الإكرام قد يكون ~~عن ضعف، قال نافيا لذلك ومقررا لتمام القدرة اللازم منه الاختصاص بذلك ~~مؤكدا له تنبيها على أنه ما ينبغي أن يجعل نصب العين وتعقد عليه ~~الخناصر، ولأن إشراكهم وتكذيبهم بالبعث يتضمن التكذيب بذلك: { إنه هو } ~~أي وحده { العزيز } أي المنيع الذي لا يقدح في عزته عفو ولا عقاب، بل ذلك ~~دليل على عزته فإنه يفعل ما يشاء فيمن يشاء من غير مبالاة بأحد. ولما كان ~~العزيز قد لا يرحم قال: { الرحيم * } أي الذي لا تمنع عزته أن يكرم من ~~يشاء. # ولما كان السياق للانتقام، أخبر عن حال الفجار على سبيل الاستئناف، فقال ~~مؤكدا لما يكذبون به: { إن شجرة الزقوم * } التي تقدم من وصفها ما يقطع ~~القلوب من أنها تخرج من أصل الجحيم، وأن طلعها كأنه رؤوس الشياطين، وغيره ~~مما لا يعلمه حق علمه إلا الله تعالى والذي تعرفونه من ذلك في الدنيا ~~أنها شجرة صغيرة الورق ذفرة أي شديد النتن - مرة، من الزقم، أي اللقم ~~الشديد والشوب والمفرط، وقال عبد الحق في كتابه الواعي: الزقوم شجرة ~~غبراء صغيرة الورق لا شوك لها ذفرة لها كعابر في سوقها أي عقد كالأنابيب ~~ولها ورد تجرسه النحل، ورأس ورقها قبيح جدا، وهي مرعى، ومنابتها السهل، ~~قال ابن برجان: وهي في النار في مقابلة شجرة طوبى في الجنة، يضطرون إلى ms4468 ~~أكلها وإلى شرب الغسلين كما يضطر أهل الدنيا لإدخال الطعام والشراب { ~~طعام الأثيم * } أي المبالغ في اكتساب الآثام حتى مرن عليها فصارت به إلى ~~الكفر { كالمهل } أي القطران الرقيق وما ذاب من صفر أو حديد أو دردية، ~~روى أحمد والترمذي - وقال: لا نعرفه إلا من حديث رشدين - وابن حبان في ~~صحيحه والحاكم من وجه آخر - وقال الحاكم: صحيح الإسناد - عن أبي سعيد رضي ~~الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله { كالمهل } قال: # " كعكر الزيت فإذا قرب إلى وجهه سقطت فروة وجهه فيه " # { تغلي } أي الشجرة - على قراءة الجماعة بالتأنيث، والطعام على قراءة ~~ابن كثير وحفص عن عاصم ورويس عن يعقوب بالتذكير ولا يعود الضمير على ~~المهل لأنه مشبه به { في البطون * } أي من شدة الحر. ### || [44.46-54] # ولما كان للتذكير بما يعرف شأن عظيم من الإقبال أو التنفير وإن كان دون ~~ما شبه به قال: { كغلي } أي مثل غلي { الحميم * } أي الماء الذي تناهى ~~حره بما يوقد تحته، فهو يثبت كأنه يريد أن يتخلص مما هو فيه من الحر، روى ~~- وقال حسن صحيح - والنسائي وابن ماجة وابن حبان في صحيحه والحاكم - وقال ~~صحيح على شرطهما - عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " لو أن قطرة من الزقوم قطرت في الدنيا لأفسدت على أهل الدنيا معائشهم ~~فكيف بمن يكون هذا طعامه ". # ولما كان كأنه قيل: ما للأثيم يأكل هذا الطعام، وما الحامل له عليه وعلى ~~مقاربة مكانه، أجيب بأنه مقهور عليه، يقتضيه صفة العزة فيه الرحمة ~~لإعادته بأن يقال للزبانية: { خذوه } أي أخذ قهر فلا تدعوه يملك من أمره ~~شيئا { فاعتلوه } أي جروه بقهر بغلظة وعنف وسرعة إلى العذاب والإهانة ~~بحيث يكون كأنه محمول، وقال الرازي في اللوامع: والعتل أن يأخذ بمجامع ~~ثوبه عند صدره يجره، وقراءة الضم أدل على تناهي الغلظة والشدة من قراءة ~~الكسر { إلى سواء } أي وسط { الجحيم * } أي النار التي في غاية الاضطرام ~~والتوقد، وهي موضع خروج الشجرة التي ms4469 هي طعامه. # ولما أفهم هذا صار في موضع يحيط به العذاب فيه من جميع الجوانب، بين أن ~~له نوعا آخر من النكد رتبته في العظمة مما يستحق العطف بأداة التراخي ~~فقال: { ثم صبوا } أي في جميع الجهة التي هي { فوق رأسه } ليكون المصبوب ~~محيطا بجميع جسمه { من عذاب الحميم } أي العذاب الذي يغلي به الحميم أو ~~الذي هو الحميم نفسه، والتعبير عنه بالعذاب أهول، وهذا في مقابلة ما كان ~~لهم من البركة بما ينزل من السماء من المطر ليجتمع لهم حر الظاهر بالحميم ~~والباطن بالزقوم. # ولما علم بهذا أنه لا يملك من أمر نفسه شيئا، بل وصل إلى غاية الهوان، ~~دل عليه بالتهكم بما كان يظن في نفسه من العظمة التي يترفع بها في الدنيا ~~على أوامر الله، فقيل بناء على ما تقديره: يفعل به ذلك مقولا له: { ذق } ~~أي من هذا أوصلك إليه تغررك على أولياء الله. ولما كان أولياء الله من ~~الرسل وأتباعهم يخبرون في الدنيا أنه - لإبائه أمر الله - هو الذليل، ~~وكان هذا الأثيم وأتباعه يكذبون بذلك ويؤكدون قولهم المقتضي لعظمته ~~لإحراق أكباد الأولياء حكى له قولهم على ما كانوا يلفظون به زيادة في ~~تعذيبه بالتوبيخ والتقريع معللا للأمر بالذوق: { إنك } وأكد بقوله: { ~~أنت } وحدك دون هؤلاء الذين يخبرون بحقارتك { العزيز } أي الذي يغلب ولا ~~يغلب { الكريم * } أي الجامع إلى الجود شرف النفس وعظم الإباء، فلا تنفعك ~~عن ستر مساوئ الأخلاق بإظهار معاليها فلست بلئيم أي بخيل مهين النفس خسيس ~~الإباء، فهو كناية عن مخاطبته بالخسة مع إقامة الدليل على ذلك بما هو فيه ~~من المهالك، وقراءة الكسائي بفتح " إن " دالة على هذا العذاب قولا ~~وفعلا على ما كان يقال له من هذا الدنيا ويعتقد هو أنه حق. # ولما دل على أنه يقال هذا لكل من الأثماء ويفعل به على حدته، دل على ما ~~يعمون به، فقال مؤكدا ردا لتكذيبهم سائقا لهم على وجه مفهم أنه علة ما ~~ذكر من عذابهم: { إن هذا } أي العذاب قولا وفعلا ms4470 وحالا { ما كنتم } أي ~~جبلة وطبعا طبعناكم عليه لتظهر قدرتنا في أمركم دنيا وأخرى { به تمترون ~~* } أي تعالجون أنفسكم وتحملونها على الشك فيه وتردونها عما لها من ~~الفطرة الأولى من التصديق بالممكن لا سيما لمن جرب صدقه وظهرت خوارق ~~العادات على يده بحيث كنتم لشدة ردكم له كأنكم تخصونه بالشك. # ولما وصف سبحانه ما للمبالغ في المساوئ وأفرده أولا إشارة إلى قليل في ~~قوم هذا النبي الكرمي الذي تداركهم الله بدعوته تشريفا له وإعلاء ~~لمقداره، وجمع آخرا ذاكرا من آثار ما استحق به ذلك من مشاركة في ~~أوزاره، ففهم أن وصفه انقضى، ومر ومضى، فتاقت النفس إلى تعرف ما لأضداده ~~الذين خالفوه في مبدئه ومعاده، قال مؤكدا لما لهم من التكذيب: { إن ~~المتقين } أي العريقين في هذا الوصف { في مقام } أي موضع إقامة لا يريد ~~الحال فيه تحولا عنه { أمين * } أي يأمن صاحبه فيه من كل ما لا يعجبه. # ولما كان الوصف بعد الوصف شديد الترغيب في الشيء، قال مبدلا من " مقام ~~": { في جنات } أي بساتين تقصر العقول عن إدراك وصفها كل وصفها { وعيون * ~~} كذلك بحيث تقر بها العيون، ولما كان قد أشار إلى وصف ما للباطن من لذة ~~النظر ولباس الأكل والشرب، أتبعه كسوة الظاهر وما لكل من القرب فقال: { ~~يلبسون }. # ولما وصف ما أعد لهم من اللبس في الجنة، دل على الكثرة جدا بقوله: { من ~~سندس } وهو ما رق من الحرير يعمل وجوها، وزاد صنفا آخر فقال: { وإستبرق ~~} وهو ما غلظ منه يعمل بطائن، وسمي بذلك لشدة بريقه. ولما كان وصف ~~الأثماء بما لهم من القبض الشاغل لكل منهم عن نفسه وغيره بعد ما تقدم في ~~الزخرف في آية الأخلاء ما أعلم بكونهم مدابرين وصف أضدادهم بما لهم من ~~البسط مع الاجتماع فقال: { متقابلين * } أي ليس منهم أحد يدابر الآخر لا ~~حسا ولا معنى، وود أن كلا منهم يقابل الآخر ناظرا إليه، فإذا أرادوا ~~النساء حالت الستور بينهم. # ولما كان هذا أمرا يبهر العقل، فلا يكاد يتصوره، قال ms4471 مؤكدا له: { كذلك ~~} أي الأمر كما ذكرنا سواء لا مرية فيه. ولما كان ذلك لا يتم السرور به ~~إلا بالأزواج قال: { وزوجناهم } أي قرناهم كما تقرن الأزواج، وليس المراد ~~به العقد لأنه فعل متعد بنفسه وهو لا يكون في الجنة لأن فائدته الحل، ~~والجنة ليست بدار كلفة من تحليل أو تحريم، وذكر مظهر العظمة تنبيها على ~~كمال الشرف { بحور } أي على حسب التوزيع بجواري بيض حسان نقيات الثياب { ~~عين * } أي واسعات الأعين. ### || [44.55-59] # ولما كان الإنسان في الدنيا يخشى كلفة النفقات، وصف ما هنالك من سعة ~~الخيرات فقال: { يدعون } أي يطلبون طلبا هو بغاية المسرة { فيها بكل } ~~لا يمتنع عليهم صنف من الأصناف ببعد مكان ولا فقد أوان، ولا غير ذلك من ~~الشأن، وقال: { فاكهة } إيذانا بأن ذلك مع سعته ليس فيها شيء لإقامة ~~البينة وإنما هو للفتكه ومجرد التلذذ. ولما كان التوسع في التلذذ يخشى ~~منه غوائل جمة قال: { آمنين * } أي وهم في غاية الأمن من كل مخوف. # ولما ذكر الأمان، وكان أخوف ما يخاف أهل الدنيا الموت، قال: { لا يذوقون ~~فيها } أي الجنة { الموت } أي لا يتجدد لهم أوائل استطعامه فكيف بما وراء ~~ذلك. ولما كان المراد نفي ذلك على وجه يحصل معه القطع بالأمن على أعلى ~~الوجوه، وكان الاستثناء معيار العموم، وكان من المعلوم أن ما كان في ~~الدنيا من ذوق الموت الذي هو معنى من المعاني قد استحال عوده، قال معللا ~~معلقا على هذا المحال: { إلا الموتة } ولما كان المعنى مع إسناد الذوق ~~إليه لا يلبس لأن ما قبل نفخ الروح ليس مذوقا، عبر بقوله: { الأولى } ~~وقد أفهم التقييد بالظرف أن النار يذاق فيها الموت، والوصف بالأولى أن ~~المذوق موتة ثانية، فكان كأنه قيل: لكن غير المتقين ممن كان عاصيا فيدخل ~~النار فيذوق فيها موتة أخرى - كما جاء في الأحاديث الصحيحة، ويجوز أن ~~يجعل وصف المتقين أعم من الراسخين وغيرهم، فيكون الحكم على المجموع، أي ~~أن الكل لا يذوقون، وبعضهم - وهم من أراد الله من العصاة ms4472 - يذوقونه في ~~غيرها وهو النار، ويجوز أن تكون الموتة الأولى كانت في الجنة المجازية ~~فلا يكون تعليقا بمحال، وذلك أن المتقي لم يزل فيها في الدنيا مجازا ~~بما له من التسبب وبما سبق من حكم الله له بها، قال صلى الله عليه وسلم: # " المؤمن إذا عاد أخاه لم يزل في خرفة الجنة حتى يرجع، قيل: وما خرفة ~~الجنة؟ قال: جناها " # " وإذا مررتم برياض الجنة فارتعوا " # وكذا المحكوم له بما هو فيها عند الموت وبعده بما له من التمتع بالنظر ~~ونحوه من الأكل للشهداء وغير ذلك مما ورد في الأخبار الصحيحة، ومن ذلك ما ~~رواه البخاري عن أنس رضي الله عنه أن عمه النضر رضي الله عنه قال يوم ~~أحد: يا سعد بن معاذ الجنة ورب النضر إني لأجد ريحها من دون أحد، ثم قاتل ~~حتى قتل. ثم يكون تمام ذلك النعيم بالجنة بعد البعث، قال ابن برجان: ~~الدنيا إذا تحققت في حق المؤمن المتقي وتتبع النظر فيها فإنها جنة صغرى ~~لتوليه سبحانه إياهم فيها وقربه منهم ونظره إليهم وذكرهم له وعبادتهم ~~إياه وشغلهم به وهو معهم أينما كانوا. # ولما كان السياق للمتقين قال: { ووقاهم } أي جملة المتقين في جزاء ما ~~اتقوه { عذاب الجحيم * } أي التي تقدم إصلاء الأثيم لها، وأما غير ~~المتقين من العصاة فيدخل الله من أراد منهم النار فيعذر كلا منهم على ~~قدر ذنوبه ثم يميتهم فيها ويستمرون إلى أن يأذن الله في الشفاعة فيهم ~~فيخرجهم ثم يحييهم بما يرش عليهم أهل الجنة من ماء الحياة، روى الإمام ~~أحمد في مسنده ومسلم في الإيمان من صحيحه وابن حبان في الشفاعة من سننه ~~والدرامي في صفة الجنة والنار من سننه المشهور بالمسند، وابن أبي حاتم في ~~تفسيره عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " أما أهل النار الذين هم أهلها " # - وقال الدارمي: الذين هم للنار - # " فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن ناس منكم أصابتهم النار بذنوبهم ~~" # ، - أو قال: # " بخطاياهم - فأماتهم ms4473 الله إماتة " # ، وقال الإمام أحمد: # " فيميتهم إماتة " # ،وقال الدرامي: # " فإن النار تصيبهم على قدر ذنوبهم فيحرقون فيها حتى إذا كانوا فحما ~~أذن في الشفاعة فجيء بهم " # وقال الدرامي: # " فيخرجون من النار ضبائر ضبائر فنبتوا على أنهار الجنة، ثم قيل: يا أهل ~~الجنة، أفيضوا عليهم، فينبتون " # ، وقال الدرامي فتنبت لحومهم نبات الحبة في حميل السيل. الضبائر قال عبد ~~الغافر الفارسي في مجمع الرغائب: جمع ضبارة مثل عمارة عمائر: جماعات ~~الناس، وروى أبو يعلى عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " يدخل ناس في النار حتى إذا صاروا فحما أدخلوا الجنة، فيقول أهل ~~الجنة: من هؤلاء؟، فيقال: هؤلاء الجهنميون " # ، ولأحمد بن منيع عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " يوضع الصراط " # فذكر شفاعة المؤمنين في إخوانهم بعد جواز الصراط وإذن الله لهم في ~~إخراجهم، قال: # " فيخرجونهم منها فيطرحونهم في ماء الحياة فينبتون نبات الزرع في غثاء ~~السيل " # ، ولابن أبي عمر عن عبيد بن عمير رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " يخرج الله قوما من النار بعد ما امتحشوا فيها وصاروا فحما فيلقون في ~~نهر على باب الجنة يسمى نهر الحياة، فينبتون فيه كما تنبت الحبة في حميل ~~السيل - أو كما تنبت الثعارير - فيدخلون الجنة، فيقال: هؤلاء عتقاء ~~الرحمن " # الثعارير - بالثاء المثلثة والعين والراء المهملتين: نبات كالهليون، ~~وروى الترمذي - وقال: حسن صحيح - وروي من غير وجه عن جابر رضي الله عنه ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " يعذب ناس من أهل التوحيد في النار حتى يكونوا فيها حمما ثم تدركهم ~~الرحمة فيخرجون ويطرحون على أبواب الجنة فيرش عليهم أهل الجنة الماء ~~فينبتون كما تنبت الغثاء في حمالة السيل ثم يدخلون الجنة ". # ولما كان السياق للمتقين، فكان ربما ظن أن هذا الذي فعل بهم حق لهم لا ~~بد و لا محيد عنه، بين أن الأمر على غير ذلك، وأنه سبحانه لو واخذهم ولم ~~يعاملهم بفضله ms4474 وعفوه لهلكوا، فقال: { فضلا } أي فعل بهم ذلك لأجل الفضل، ~~ولذلك عدل عن مظهر العظمة فقال تعالى: { من ربك } أي المحسن إليك بكمال ~~إحسانه إلى اتباعك إحسانا يليق بك، قال الرازي في اللوامع: أصل الإيمان ~~رؤية الفضل في جميع الأحوال. ولما عظمه تعالى بإظهار هذه الصفة مضافة ~~إليه صلى الله عليه وسلم، زاد في تعظيمه بالإشارة بأداة البعد فقال: { ~~ذلك } أي الفضل العظيم الواسع { هو } أي خاصة { الفوز } أي الظفر بجميع ~~المطالب { العظيم * } الذي لم يدع جهة الشرف إلا ملأها. # ولما قدم سبحانه في هذه السورة ما للقرآن من البركة بما اشتمل عليه من ~~البشارة والندارة والجمع والفرق، وذكرهم بما يقرون به من أنه مبدع هذا ~~الكون مما يستلزم إقرارهم بتوحيده المستلزم لأنه يفعل ما يشاء من إرسال ~~وإنزال وتنبيه وبعث وغير ذلك، وهددهم بما لا يقدر عليه غيره من الدخان ~~والبطشة، وفعل بعض ذلك، وذكرهم بما يعرفون من أخبار من مضى من قروم ~~القرون وأنهم مع ذلك كله أنكروا البعث، ثم ذكر ما يقتضي التحذير والتبشير ~~- كل ذلك في أساليب فأتت كل المدى، فأعجزت جميع القوى، مع ما لها من ~~المعاني الباهرة، والبدائع الزاهرة القاهرة، سبب عن قوله فذلكة للسورة: { ~~فإنما يسرناه } أي جعلنا له يسرا عظيما وسهولة كبيرة. # ولما كان الإنسان كلما زادت فصاحته وعظمت بلاغته، كان كلامه أبين وقوله ~~أعذب وأرصن وأرشق وأمتن، وكان صلى الله عليه وسلم أفصح الناس وأبعدهم ~~لذلك من التكلف، أضافه إليه فقط فقال: { بلسانك } أي هذا العربي المبين ~~وهم عرب تعجبهم الفصاحة { لعلهم يتذكرون * } أي ليكونوا عند من يراهم وهو ~~عارف بلسانهم ممن شأنه كشأنهم على رجاء من أن يتذكروا أن هذا القرآن شاهد ~~بإعجازه بصحة ما فيه من التوحيد والرسالة وغيرهما مما سبق إليك وجلى عليك ~~وإلا لقدروا هم وهم أفصح الناس على معارضة شيء منه فيتذكروا ما غفلوا عنه ~~من أنه عزيز بإهلاكه الجبابرة، وأنه حكيم بنصبه الآيات لأنبيائه وتأييدهم ~~بالمعجزات، ومن أن الكبير منهم لا يرضى أن يطعن أحد ms4475 في كبريائه ولا أن ~~يترك من له عليه حكم وهو تحت قهره أن يبغي بعضهم على بعض ثم لا ينصر ~~المظلوم منهم على ظالمه ويأخذ بيده حتى لا يستوي المحسن بالمسيء، فإذا ~~تذكروا ذلك مع ما يعرفون من قدرة الملك وكبريائه وحكمته علموا قطعا أنه ~~لا بد من البعث للتمييز بين أهل الصلاح والفساد، والفصل بين جميع العباد، ~~فتسبب عن ذلك قوله: { فارتقب } أي ما رجيتك به من تذكرهم المستلزم ~~لهدايتهم. # ولما كانوا يظهرون تجلدا ولددا أنهم لا يعبؤون بشيء من القرآن ولا ~~غيره مما يأتي به ولا يعدون شيئا منه آية، أخبر عما يبطنون من خوفهم ~~وانتظارهم لجميع ما يهددهم به مؤكدا لأجل ظن من حمل تجلدهم على أنه جلد ~~فقال: { إنهم } وزاد الأمر بالإخبار بالاسم الدال على الثبات والدوام ~~فقال: { مرتقبون * } أي تكليفهم أنفسهم المراقبة وإجهادهم أفكارهم في ذلك ~~دائم لا يزايلهم بل قد قطع قلوبهم وملأ صدورهم، فقد انطبق آخر السورة على ~~أولها، بل وعلى المراد من مجملها ومفصلها، بذكر الكتاب والأرتقاب لأنواع ~~العذاب - والله الهادي إلى الصواب، إنه الكريم الوهاب. ### | [45 - سورة الجاثية] ### || [45.1-5] # { حم * } أي حكمة محمد إليها المنتهى كما تقدم في الدخان ما أفهم إنزاله ~~من أم الكتاب جملة إلى بيت العزة، ودل على بركته مما دل على حكمة منزله ~~وعزته بالبشارة والنذارة والإيقاع بالمجرمين بعد طول الحلم والأناة ~~والنجاة للمتقين وغير ذلك من أمور هي في غاية الدلالة على ذلك لأنها ~~راجعة إلى الحسن لمن ألقى السمع، وهو شهيد، وأشار إلى سهولتها على من ~~تأمل هذا الذكر المترجم بلسان أعلى الخلق وأكملهم وأشرفهم خلائق وأفضلهم، ~~ابتدأ هذه بالإعلام بأنه زاد ذلك يسرا وسهولة بإنزاله منجما بحسب ~~الوقائع مطابقا لها أتم مطابقة بعد إنزاله جملة من أم الكتاب ثم مرتبا ~~لما أنزل منه ترتيبا يفهم علوما ويوضح أسرارا غامضة مهمة فقال: { ~~تنزيل الكتاب } أي إنزال الجامع لكل خير مفرقا لزيادة التسهيل في ~~التفهيم والإبلاغ في اليسر في التعليم وغير ذلك من الفضل العميم وزاده ms4476 ~~عظما بقوله: { من الله } أي كائن من المحيط بصفات الكمال. # ولما كان - كما مضى - للعزة والحكمة أعظم بركة هنا قال: { العزيز الحكيم ~~* } فكان كتابه عزيزا حكيما لا كما تقول الكفرة من أنه شعر أو كذب أو ~~كهانة لأنه لا حكمة لذلك ولا عزة بحيث يلتبس أمره بأمره هذا الكتاب ~~المحيط بدائرة الحكمة والصواب، ودل بشواهد القدرة وآثار الصنعة من نسخة ~~هذا الكتاب على الصفتين وعلى وحدانيته فيهما اللازم منه تفرده المطلق ~~فقال مؤكدا لأجل من ينكر ذلك ولو بالعمل، وترغيبا في تدقيق النظر بتأمل ~~آيات الوجود التي هذا الكتاب شرح لمغلقها وتفصيل لمجملها. وإيماء إلى ~~أنها أهل لصرف الأفكار إلى تأملها { إن في } ولما كانت الحواميم - كما ~~روى أبو عبيدة في كتاب الفضائل عن ابن عباس رضي الله عنهما - لباب ~~القرآن، حذف ما ذكر في البقرة من قوله " خلق " ليكون ما هنا أشمل فقال: { ~~السماوات } أي ذواتها بما لها من الدلالة على صانعها وخلقها على ما فيها ~~من العبر بما فيها من المنافع وعظيم الصنعة ما لها من الشفوف الدال على ~~تعددها بما فيها من الكواكب { والأرض } كذلك وبما حوت من المعادن ~~والمعايش والمنابع والمعاون { لآيات } أي دلائل على وحدانيته وجميع ~~كماله، فإن من المعلوم أنه لا بد لكل من ذلك من صانع متصف بذلك { ~~للمؤمنين * } أي لأنهم برسوخهم في هذا الوصف الشريف أهل للنظر لأن ربهم ~~يهديهم بإيمانهم فشواهد الربوبية لهم منهما لائحة، وأدلة الإلهية فيهما ~~واضحة، ولعله أشار بالتعبير بالوصف إلى أنه لا بد في رد شبه أهل الطبائع ~~من تقدم الإيمان، وأن من لم يكن راسخ الإيمان لم يخلص من شكوكهم. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما تضمنت السورة المتقدمة إيضاح أمر ~~الكتاب وعظيم بيانه وأنه شاف كاف وهدى ونور، كان أمر من كفر من العرب ~~أعظم شيء لانقطاعهم عجزهم وقيام الحجة به عليهم حتى رضوا بالقتل والخزي ~~العاجل وما قاموا بادعاء معارضته ولا تشوفوا إلى الإسناد إلى عظيم تلك ~~المعارضة، أتبع ذلك تعالى تنبيها لنبيه ms4477 والمؤمنين إلى ما قد نصبه من ~~الدلائل سواه مما صد المعرض عن الاعتبار بها أو ببعضها مجرد هواه، ومن ~~أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله، فقال تعالى بعد القسم بالكتاب ~~المبين { إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين } أي لو لم تجئهم يا محمد ~~بعظيم آية الكتاب فقد كان لهم فيما نصبنا من الأدلة أعظم برهان وأعظم ~~تبيان # أو لم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا ~~بالحق وأجل مسمى # [الروم: 8] فلما نبه بخلق السماوات والأرض، أتبع بذكر ما بث في الأرض ~~فقال { وفي خلقكم وما بث فيهما من دابة آيات لقوم يوقنون واختلاف اليل ~~والنهار } أي في دخول أحدهما على الآخر بألطف اتصال وأربط انفصال { لا ~~الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار } ثم نبه على ~~الاعتبار بإنزال الماء من السماء وسماه رزقا بحط القياس فقال { وما أنزل ~~الله من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها } ثم قال { وتصريف الرياح آيات ~~لقوم يعقلون } الاستدلال بهذه الآي يستدعي بسطا يطول، ثم قال { تلك آيات ~~الله نتلوها عليك بالحق } أي علاماته ودلائله { وإن من شيء إلا يسبح ~~بحمده } ثم قال { فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون } أبعد ما شاهدوه من ~~شاهد الكتاب وما تضمنه خلق السماوات والأرض وما فيهما وما بينهن من عجائب ~~الدلائل الواضحة لأولي الألباب، فإذا لم يعتبروا بشيء من ذلك فبماذا ~~يعتبر، ثم أردف تعالى بقريعهم وتوبيخهم في تصميمهم مع وضوح الأمر فقال { ~~ويل لكل أفاك أثيم } الآيات الثلاث، ثم قال { هذا هدى } وأشار إلى الكتاب ~~وجعله نفس الهدى لتحمله كل أسباب الهدى وجميع جهاته، ثم توعد من كفر به ~~ثم أردف ذلك بذكر نعمه وآلائه ليكون ذلك زائدا في توبيخهم، والتحمت الآي ~~عاضدة هذا الغرض تقريعا وتوبيخا ووعيدا وتهديدا إلى آخر السورة - ~~انتهى. # ولما ذكر سبحانه بالنظر في آيات الآفاق، أتبعها آيات الأنفس فقال: { وفي ~~خلقكم } أي المخالف لخلق الأرض التي أنتم منها بالاختيار والعقل ~~والانتشار والقدرة على السار ms4478 والضار { وما يبث } أي ينشر ويفرق بالحركة ~~الاختيارية بثا على سبيل التجدد والاستمرار { من دآبة } مما تعلمون ومما ~~لا تعلمون بما في ذلك من مشاركتكم في الحركة بالاختيار والهداية للمنافع ~~بإدراك الجزئيات ومخالفتكم في الصورة والعقل وإدراك الكليات وغير ذلك من ~~مخالفة الأشكال والمنافع والطبائع ونحوها { آيات } أي على صفات الكمال ~~ولا سيما العزة والحكمة، وهي على قراءة حمزة والكسائي ويعقوب بالنصب هنا، ~~وفي الذي بعده عطف الآيتين على حيز إن في الآية الأولى من الاسم والخبر، ~~فلهذه الآية نظر إلى التأكيد، وهو على قراءة الجماعة مبتدأ بالعطف على " ~~إن " وما في حيزها، وهي أبلغ لأنها تشير إلى أن ما في تصوير الحيوان ~~وجميع شأنه من عجيب الصنع ظاهر الدلالة على الله فهو بحيث لا ينكره أحد، ~~فهو غني عن التأكيد، ويجوز أن تكون الآية على قراءة النصب من الاحتباك: ~~حذف أولا الخلق بما دل عليه ثانيا، وثانيا ذوات الأنفس بما دل عليه من ~~ذوات السماوات أولا. # ولما كانت آيات الأنفس أدق وأدل على القدرة والاختيار بما لها من التجدد ~~والاختلاف، قال: { لقوم } أي فيهم أهلية القيام بما يحاولونه { يوقنون * ~~} أي يتجدد لهم العروج في درجات الإيمان إلى أن يصلوا إلى شرف الإيقان، ~~فلا يخالطهم شك في وحدانيته؛ قال الحرالي في تفسير { أو كالذي مر على ~~قرية }: آية النفس منبهة على آية الحس، وآية الحس منبهة على آية النفس، ~~إلا أن آية النفس أعلق، فهي لذلك أهدى، غاية آية الآفاق الإيمان، وغاية ~~آية النفس اليقين. # ولما ذكر الظرف وما خلق لأجله من الناس، ضم إليهم بعض ما خلقه لأجلهم ~~لشرفه بالحياة، أتبعه ما أودع الظرف من المرافق لأجل الحيوان فقال: { ~~واختلاف اليل والنهار } بذهاب أحدهما ووجود الآخر بعد ذهابه على التعاقب ~~آية متكررة للدلالة على القدرة على الإيجاد بعد الإعدام بالبعث وغيره، ~~وجر " اختلاف " بتقدير " في " فينوب حرف العطف مناب عامل واحد للابتداء ~~عند من رفع " آيات " ، ومناب " إن " عند من نصب، فلم يلزم نيابته مناب ~~عاملين مختلفين في الابتداء ms4479 في الرفع وفي " إن " في النصب. # ولما كان المطر أدل مما مضى على البعث والعزة، لأن الشيء كلما قل الإلف ~~له كان أمكن للتأمل فيه، أولاه إياه فقال: { وما أنزل الله } أي الذي تمت ~~عظمته فنفذت كلمته. ولما كان الإنزال قد يستعمل فيما اتى من علو معنوي ~~وإن لم يكن حسيا، بين أن المراد هنا الأمران فقال: { من السماء }. # ولما كانت منافع السماء غير منحصرة في الماء قال: { من رزق } أي مطر ~~وغيره من الأسباب المهيئة لإخراج الرزق { فأحيا به } أي بسببه وتعقبه { ~~الأرض } أي الصالحة للحياة، ولذلك قال: { بعد موتها } أي يبسها وتهشم ما ~~كان فيها من النبات وانقلابه بالاختلاط بترابها ترابا، فإذا نزل عليها ~~الماء جمعه منها فأخرجه على ما كان عليه كلما تجدد نزوله، ولذلك لم يأت ~~بالجار إشارة إلى دوام الحياة بالقوة إن لم يكن بالفعل. # ولما ذكر ما يشمل الماء، ذكر سبب السحاب الذي يحمله فقال: { وتصريف ~~الرياح } في كل جهة من جهات الكون وفي كل معنى من رحمة وعذاب وغير ذلك من ~~الأسباب، ولم يذكر الفلك والسحاب كما في البقرة لاقتضاء اللبابية المسماة ~~بها الحواميم، ذلك لأنهما من جملة منافع التصريف، وتوحيد حمزة والكسائي ~~أبلغ لأن تصريف الشيء الواحد في الوجوه الكثيرة أعجب { آيات } قراءة ~~الرفع أبلغ لإشارتها بعدم الحاجة إلى التأكيد إلى أن ما في الآية ظاهر ~~الدلالة على القدرة والاختيار للصانع بما في التصريف من الاختلاف، والماء ~~بما يحدث عنه من الإنبات أوضح دلالة من بقيتها على البعث، ولأجل شدة ~~ظهورها ناط الأمر فيها بالعقل فقال: { لقوم يعقلون * } وقال القالي: ~~والمعنى أن المنصفين لما نظروا في السماوات والأرض وأنه لا بد لهما من ~~صانع آمنوا، فإذا نظروا في خلق أنفسهم ونحوها ازدادوا إيمانا فأيقنوا، ~~فإذا نظروا في سائر الحوادث عقلوا واستحكم علمهم. ### || [45.6-12] # ولما ذكر هذه الآيات العظيمات، وكانت كلها مشتركة في العظم، بعد ما أشار ~~إلى تباين رتبها في الخفاء والجلاء بفواصلها، قال مشيرا إلى علو رتبها ~~بأداة البعد: { تلك } أي ms4480 الآيات الكبرى { آيات الله } أي دلائل المحيط ~~بصفات الكمال التي لا شيء أجلى ولا أظهر ولا أوضح منها. ولما كان كأنه ~~قيل: ما لها؟ قال، أو يكون المراد: نشير إليها حال كوننا { نتلوها } أي ~~نتابع قصها { عليك } سواء كانت مرئية أو مسموعة، متلبسة { بالحق } أي ~~الأمر الثابت الذي لا يستطاع تحويله فليس بسحر ولا كذب، فتسبب عن ذلك ~~حينئذ الإنكار عليهم وعلى من يطلب إجابتهم إلى المقترحات طمعا في ~~إيمانهم في قوله تعالى: { فبأي حديث } أي خبر عظيم صادق يتجدد علمهم به ~~يستحق أن يتحدث به، واستغرق كل حديث فقال: { بعد الله } أي الحديث الأعظم ~~عن الملك الأعلى { وآياته } أي والحديث عن دلالاته العظيمة { يؤمنون * } ~~من خاطب - وهم الجمهور - ردوه على قوله " وفي خلقكم " وهو أقوى تبكيتا، ~~وغيرهم وهم أبو عمرو وحفص عن عاصم وروح عن يعقوب رأوا أن ذلك الخطاب صرف ~~إلى خطاب النبي صلى الله عليه وسلم في قوله { نتلوها عليك بالحق }. # ولما كان لا يبقى على الكفر نوع بقاء فضلا عن الإصرار بعد هذا البيان ~~إلا من يستحق النكال لمجاهرته بالعناد، قال على وجه الاستنتاج مهددا: { ~~ويل } أي مكان معروف في جهنم { لكل أفاك } أي مبالغ في صرف الحق عن وجهه ~~{ أثيم * } أي مبالغ في اكتساب الإثم وهو الذنب، وعمل ما لا يحل مما يوجب ~~العقاب، وفسر هذا بقوله: { يسمع آيات الله } أي دلالات الملك الأعظم ~~الظاهرة حال كونها { تتلى } أي يواصل استماعه لها بلسان القال أو الحال ~~من أي تال كان، عالية { عليه } بجميع ما فيها من سهولة فهمها وعذوبة ~~ألفاظها وظهور معانيها وجلالة مقاصدها مع الإعجاز فكيف إذا كان التالي ~~أشرف الخلق. # ولما كانت تلاوتها موجبة لإقلاعه فكان إصراره مع بعد رتبته في الشناعة ~~مستبعدا كونه قال: { ثم يصر } أي يدوم دوما عظيما على قبيح ما هو فيه ~~حال كونه { مستكبرا } أي طالبا الكبر عن الإذعان وموجدا له. ولما كان ~~مع ما ذكر من حاله يجوز أن يكون سماعه لها، خفف من مبالغته في الكفر، ms4481 بين ~~أنها لم تؤثر فيه نوعا من التأثير، فكان قلبه أشد قسوة من الحجر فقال: { ~~كأن } أي كأنه { لم يسمعها } فعلم من ذلك ومن الإصرار وما قيد به من ~~الاستكبار أن حاله عند السماع وقبله وبعده على حد سواء، وقد علم بهذا ~~الوصف أن كل من لم ترده آيات الله تعالى كان مبالغا في الإثم والإفك، ~~فكان له الويل. # ولما كان الإصرار معناه الدوام المتحكم، لم يذكر الوقر الذي هو من ~~الأمراض الثابتة كما ذكره في سورة لقمان، قال ابن القطاع وابن ظريف في ~~أفعالهما، أصر على الذنب والمكروه: أقام، وقال عبد الغافر الفارسي في ~~المجمع: أصررت على الشيء أي أقمت ودمت عليه، وقال ابن فارس في المجمل: ~~والإصرار: العزم على الشيء والثبات عليه، وقال أبو عبد الله القزاز في ~~ديوانه ونقله عن عبد الحق في واعيه: وأصل الصر الإمساك، ومنه يقال: أصر ~~فلان على كذا، أي أقام عليه وأمسكه في نفسه وعقده لأنه قد يقول ما ليس في ~~نفسه وما لا يعتقده، والرجل مصر على الذنب أي ممسك له معتقد عليه، ثم ~~قال: من الإصرار عليه وهو العزم على أن لا يقلع عنه، وقال الأصفهاني ~~تبعا لصاحب الكشاف: وأصله من أصر الحمار على العانة، وهو أن ينحني عليها ~~صارا أذنيه. # ولما أخبر عن ثباته على الخبث، سببب عنه تهديده في أسلوب دال - بما فيه ~~من التهكم - على شدة الغضب وعلى أنه إن كان له بشارة فهي العذاب فلا ~~بشارة له أصلا فقال تعالى: { فبشره } أي على هذا الفعل الخبيث { بعذاب } ~~لا يدع له عذوبة أصلا { أليم * } أي بليغ الإيلام. # ولما بين تعالى كفره بما يسمع من الآيات، أتبعه ما هو أعم منه فقال: { ~~وإذا علم } أي أي نوع كان من أسباب العلم { من آياتنا } أي على ما لها ~~من العظمة بإضافتها إلينا { شيئا } وراءه وكان كلما رأوا الإنسان في ~~غاية التمكن منه، قال مبينا للعذاب: { جهنم } أي تأخذهم لا محالة وهم في ~~غاية الغفلة عنها بترك الاحتراز منها، ويحسن ms4482 التعبير بالوراء أن الكلام ~~في الأفاك، وهو انصراف الأمور عن أوجهها إلى اقفائها فهو ماش أبدا إلى ~~ورائه فهو ماش إلى النار بظهره، ويستعمل، " وراء " في الإمام، فيكون ~~حينئذ مجارا عن الإحاطة أي تأخذهم من الجهة التي هم بها عالمون والجهة ~~التي هم بها جاهلون، فتلقاهم بغاية التجهم والعبوسة والغيظ والكراهة ضد ~~ما كانوا عليه عند العلم بالآيات المرئية والمسموعة من الاستهزاء الملازم ~~للضحك والتمايل بطرا وأشرا، ومثل ما كانوا عليه عند الملاقاة للمصدقين ~~بتلك الآيات. # ولما كانوا يظهرون الركون إلى ما بأيديهم من الأعراض الفانية، قال: { ~~ولا يغني عنهم } أي في دفع ذلك { ما كسبوا } أي حصلوا من الأمور التي ~~أفادتهم العز الذي أورثهم الاستهزاء { شيئا } أي من إغناء. ولما كان ~~هؤلاء لما هم عليه من العمى يدعون إغناء آلهتهم عنهم، قال مصرحا بها: { ~~ولا ما اتخذوا } أي كلفوا أنفسهم أي كلفوا أنفسهم بأخذه مخالفين لما ~~دعتهم إليها فطرهم الأولى السليمة من البعد عنها. # ولما كان كفرهم إنما هو الإشراك، فكانوا يقولون " الله " أيضا، قال ~~معبرا بما يفهم سفول ما سواه: { من دون الله } أي أدنى رتبة من رتب ~~الملك الأعظم { أولياء } أي يطمعون في أن يفعلوا معهم ما يفعله القريب من ~~النفع والذب والدفع { ولهم } مع عذابه بخيبة الأمر { عذاب عظيم * } لا ~~يدع جهة من جهاتهم ولا زمانا من أزمانهم ولا عضوا من أعضائهم إلا ملأه. # ولما أخبر عما لمن أعرض عن الآيات بما هو أجل موعظة وأردع زاجر عن ~~الضلال، قال مشيرا إلى ما افتتح به الكلام من المتلو الذي هذا منه: { ~~هذا } أي التنزيل المتلو عليكم { هدى } أي عظيم جدا بالغ في الهداية ~~كامل فيها، فالذين اهتدوا بآيات ربهم لأنهم - لم يغتروا بالحاضر لكونه ~~زائلا فاستعملوا عقولهم فآمنوا به لهم نعيم مقيم { والذين كفروا } أي ~~ستروا ما دلتهم عليهم مرائي عقولهم به - هكذا كان الأصل، ولكنه نبه على ~~أن كل جملة من جمله، بل كل كلمة من كلماته دلالة واضحة عليه سبحانه فقال: ~~{ بآيات ربهم } أي ms4483 وهذه التغطية بسبب التكذيب بالعلامات الدالة على ~~وحدانية المحسن إليهم فضلوا عن السبيل لتفريطهم في النظر لغروهم بالحاضر ~~الفاني { لهم عذاب } كائن { من رجز } أي عقاب قذر شديد جدا عظيم القلقلة ~~والاضطراب متتابع الحركات، قال القزاز، الرجز والرجس واحد { أليم * } أي ~~بليغ الإيلام، الآية من الاحتباك: ذكر الهدى أولا دليلا على الضلال ~~ثانيا، والكفر والعذاب ثانيا دليلا على ضدهما أولا، وسره أنه ذكر ~~السبب المسعد ترغيبا فيه، والمشقى ترهيبا منه. # ولما ذكر سبحانه وتعالى صفة الربوبية، ذكر بعض آثارها وما فيها من ~~أياته، فقال مستأنفا دالا على عظمتها بالاسم الأعظم: { الله } أي الملك ~~الأعلى المحيط بجميع صفات الكمال. ولما كان آخر الآيات التي قدمها ~~الرياح، ذكر ما يتصرف بتسييرها فقال: { الذي سخر } أي وحده من غير حول ~~منكم في ذلك بوجه من الوجوه { لكم } أيها الناس بربكم وفاجركم { البحر } ~~بما جعل فيه مما لا يقدر عليه إلا واحد لا شريك له فاعل بالاختيار من ~~القبلية للسير فيه بالرقة والليونة والاستواء مع الريح الموافقة وأنه ~~يطفوا عليه ما كان من الخشب مع ما علم من صنعته على هذا الوجه الذي تم به ~~المراد { لتجري الفلك } أي السفن { فيه بأمره } ولو كانت موقرة بأثقال ~~الحديد الذي يغوص فيه أخف شيء منه كالإبرة وما دونها. # ولما كان التقدير: لتعبروا بذلك فتعلموا أنه بقدرته خاصة لتؤمنوا به، ~~عطف عليه قوله: { ولتبتغوا } أي تطلبوا بشهوة نفس واجتهاد بما تحملون فيه ~~من البضائع وتتوصلون إليه من الأماكن والمقاصد بالصيد والغوص وغير ذلك { ~~من فضله } لم يصنع شيئا منه سواه. ولما كان التقدير: لتظهر عليكم آثار ~~نعمته، عطف عليه قوله تعالى: { ولعلكم تشكرون * } أي ولتكونوا بحيث يرجوا ~~منكم من ينظر حالكم ذلك الشكر من أنعم عليكم به ليزيدكم من فضله في ~~الدنيا والآخرة. ### || [45.13-15] # ولما ذكر آية البحر لعظمتها، عم بمنافع الخافقين دلالة على أنه ما خلق ~~ذلك كله، على عظمه إلا لنا، تنبيها على أن الأمر عظيم فقال تعالى: { ~~وسخر لكم } أي خاصة ولو شاء لمنعه ms4484 { ما في السماوات } بإنزاله إليكم ~~منبها على أنها بحيث لا يمكنكم الوصول إليه بوجه، وأكد بإعادة الموصول ~~لأن السياق للدلالة على عزته وحكمته الدالتين على توحده باستحقاق العبادة ~~الذي هم له منكرون كما دلتا على توحده بالإيجاد والسيادة وهم معترفون ~~بذلك بألسنتهم، وأفعالهم أفعال من ينكره، فقال: { وما في الأرض } وأوصلكم ~~إليه ولو شاء لجعلكم كما في السماء لا وصول لكم إليه، وأكد ما دل على ما ~~مضى من العموم بقوله: { جميعا } حال كون ذلك كله من أعيان تلك الأشياء ~~ومن تسخيرها { منه } لا صنع لأحد غيره في شيء منه في ذلك، قال الرازي في ~~اللوامع: قال أبو يعقوب النهر جوري: سخر لك الكل لئلا يسخرك منها شيء، ~~وتكون مسخرا لمن سخر لك الكل وهو الله تعالى، فإنه يقبح بالمخدوم أن ~~يخدم خادمه، وقال القشيري: ما من شيء من الأعيان الظاهرة إلا ومن وجه ~~للانسان به انتفاع، فمن أن يستسخرك ما هو مسخر لك. # ولما صح أنه لا شريك له في شيء من الخلق لا من الذوات ولا من المعاني، ~~حسن جدا قوله، مؤكدا لأن عملهم يخالفه: { إن في ذلك } أي الأمر العظيم ~~وهو تسخيره لنا كل شيء في الكون { لآيات } أي دلالات واضحات على أنهم في ~~الالتفات إلى غيره في ضلال مبين بعد تسخيره لنا ما لنا من الأعضاء والقوى ~~على هذا الوجه البديع مع أن من هذا المسخر لنا ما هو أقوى منا { لقوم } ~~أي ناس فيهم أهلية للقيام بما يجعل إليهم { يتفكرون * } أنه المتوحد ~~باستحقاق الإلهية فلا يشركون به شيئا. # ولما علمت دلائل التوحيد على وجه علم منه أنه قد بسط نعمه على جميع خلقه ~~طائعهم وعاصيهم، فعلمت بواسطة ذلك الأخلاق الفاضلة والأفعال الحميدة، ~~وكان على المقبل عليه المحب له التخلق بأوصافه، أنتج قوله مخاطبا لأفهم ~~خلقه عنه وأطوعهم له الذي الأوامر إنما هي له من شدة طواعته تكوين لا ~~تكليف: { قل } أي بقالك وحالك { للذين آمنوا } أي ادعوا التصديق بكل ما ~~جاءهم من الله: اغفروا تسننا ms4485 به من أساء إليكم. ولما كان هذا الأمر في ~~الذروة من اقتضاء الإحسان إلى المسيء فكيف بالصفح عنه، كان كأنه علة ~~مستقلة في الإقبال عليه والقبول منه والإعراض عن مؤاخذة المسيء، فإن ذلك ~~يقدح في كمال الإقبال عليه مع أن من كان يريد هو سبحانه الانتقام منه فهو ~~يكفي أمره، ومن لم يرد ذلك منه فلا حيلة في كفه بوجه فالاشتغال به عبث ~~فنبه على ذلك بأن جعل جواب الأمر قوله: { يغفروا } أي يستروا سترا ~~بالغا. # ولما كان العاقل من سعى جهده في نفع نفسه، وكان الأذى لعباد الله مظنة ~~لتوقع الغضب منه وقادحا فيما يرجى من إحسانه قال: { للذين } وعبر في ~~موضع { أساؤوا إليهم } بقوله تعالى: { لا يرجون } أي حقيقة ومجازا، ~~والتعبير في موضع الخوف بالرجاء لما فيه من الاستجلاب والترغيب والتأليف ~~والاستعطاف، وقال بعد ما نبه عليه بتلك العبارة من جليل الإشارة: { أيام ~~الله } أي مثل وقائع الملك الأعظم المحيط بصفات الكمال في الأمم الخالية ~~بإدالة الدول تارة لهم وأخرى عليهم، وفيه أعظم ترغيب في الحث على الغفران ~~للموافق في الدين، وتنبيه على أنه لا يقدم على الإساءة إلى عبيده إلا من ~~أعرض عنه، فصار حاله حال الآئس من صنائعه سبحانه في جزائه للمسيء والمحسن ~~في الأيام والليالي، وعبر بالاسم الشريف تنبيها على ما له من الجلال ~~والجمال في معاملة كل منهما، قال ابن برجان: وهذه الآية وشبهها من النسي ~~المذكور في قوله تعالى # ما ننسخ من آية أو ننسها # [البقرة: 106] وليس بنسخ بل هو حكم يجيء ويذهب بحسب القدرة على ~~الانتصار، وكان ينزل مثل هذا بمكة والمسلمون في ضعف، ونزل بعد الهجرة آية ~~الجهاد والأمر بالمعروف، وتركت هذه وأمثالها مسطورة في القرآن لما عسى أن ~~يدور من دوائر أيام الله ومن أيامه إزالة أهل الكفر تنبيها للمسلمين ~~ليراجعوا أمرهم ويصلحوا ما بينهم وبين ربهم. # ولما كان من قوصص على جنايته في الدنيا، سقط عنه أمرها في الآخرة، وكان ~~المسلط للجاني في الحقيقة إنما هو الله تعالى وكان ms4486 تسليطه إياه لحكم ~~بالغة تظهر غاية الظهور في الآخرة، علل الأمر بالغفران مهددا للجاني ~~ومسليا للمجني عليه: { ليجزي } أي الله في قراءة الجماعة بالتحتانية ~~والبناء للفاعل، ونحن بما لنا من العظمة في قراءة ابن عامر وحمزة ~~والكسائي بالنون، وبناه أبو جعفر للمفعول فيكون النائب عن الفاعل الخير ~~أو الشر بتقدير حرف الجر لجزائهم في الدنيا وفي الآخرة حيث يظهر الحكم ~~وينجلي الظلم. # ولما كان ربما جوزي جميع الجناة، وربما عفي عن بعضهم بالتوبة عليه أو ~~غيرها تفضلا لحكم أخرى ويثاب المظلوم على ظلامته لمثل ذلك قال: { قوما ~~} أي من الجناة وإن كانوا في غاية العلو الكبرياء والجبروت ومن المجني ~~عليهم وإن كانوا في غاية الضعف { بما } أي بسبب الذي { كانوا } أي في ~~جبلاتهم وأبرزوه إلى الخارج { يكسبون * } أي يفعلون على ظن أنه ينفعهم أو ~~بسبب كسبهم من خير أو شر، والحاصل أنه تعالى يقول: أعرض عمن ظلمك وكل ~~أمره إلي فإني لا أظلمك ولا أظلم أحدا، فسوف أجزيك على صبرك أجزيه على ~~بغيه وأنا قادر، وأفادت قراءة أبي جعفر الإبلاغ في تعظيم الفاعل وأنه ~~معلوم، وتعظيم ما أقيم مقامه وهو الجزاء بجعله عمدة مسندا إليه لأن ~~عظمته على حسب ما أقيم مقامه، فالتقدير لكون الفعل يتعدى إلى مفعولين كما ~~قال تعالى # وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا # [الدهر: 12] ليجزي الملك الأعظم الجزاء الأعظم من الخير للمؤمن والشر ~~للكافر قوما، فجعل الجزاء كالفاعل وإن كان مفعولا كما جعل " زيد " ~~فاعلا في مات زيد وإن كان مفعولا في المعنى: تنبيها على عظيم تأثير ~~الفعل فإنه لا انفكاك عنه لأنه يجعل متمكنا من المجزي تمكن المجزي من ~~جزائه ومحيصا به لأن الله تعالى بعظم قدرته يجعل عمل الإنسان نفسه جزاء ~~له، قال الله تعالى # سيجزيهم وصفهم # [الأنعام: 139] بما كانوا يعملون، ويجوز أن يكون النائب عن الفاعل ضمير ~~" الذين " بالنظر إلى لفظه فيكون المعنى: سيجزي الذين آمنوا ناسا كانوا ~~أقوياء على القيام في أذاهم بسبب أذاهم لهم فيجعل كلا منهم فداء لكل ~~منهم من النار، ms4487 وربما رأوا بعض آثار ذلك في الدنيا، روى مسلم والترمذي عن ~~أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " ما نقصت صدقة من مال وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، وما تواضع أحد ~~إلا رفعه الله عز وجل " # ولأحمد والترمذي واللفظ له وقال حسن صحيح عن أبي كبشة الأنماري رضي الله ~~عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " ثلاث أقسم عليهن وأحدثكم حديثا فاحفظوه: ما نقص مال عبد من صدقة، وما ~~ظلم عبد مظلمة صبر عليها إلا زاده الله عزا، ولا فتح عبد باب مسألة إلا ~~فتح الله باب فقر " # - أو كلمة نحوها، وروى الحاكم وصحح إسناده، قال المنذري: وفيه انقطاع عن ~~أبي بن كعب رضي الله عنه قال: # " من سره أن يشرف له البنيان وترفع له الدرجات فليعف عمن ظلمه ويعط من ~~حرمه ويصل من قطعه ". # ولما رغب سبحانه ورهب وتقرر أنه لا بد من الجزاء، زاد في الترغيب ~~والترهيب بأن النفع والضر لا يعدوهم فقال شارحا للحزاء: { من عمل صالحا ~~} قال أو جل { فلنفسه } أي خاصة عمله يرى جزاءه في الدنيا أو في الآخرة { ~~ومن أساء } أي كذلك إساة قلت أو جلت { فعليها } خاصة إساءته كذلك، وذلك ~~في غاية الطهور لأنه لا يسوغ في عقل عاقل أن ملكا يدع عبيده من غير جزاء ~~ولا سيما إذا كان حكيما وإن كانت نقائص النفوس قد غطت على كثير من ~~العقول ذلك ومن جزائه أنه يديل المسيء على المحسن لهفوة وقعت له ليراجع ~~حاله بالتوبة. # ولما كان سبحانه قادرا لا يفوته شيء كان بحيث لا يعجل فأخر الجزاء إلى ~~اليوم الموعود: { ثم } أي بد الابتلاء بالإملاء في الدنيا والحبس في ~~البرزخ { إلى ربكم } أي المالك لكم وحده لا إلى غيره { ترجعون * }. ### || [45.16-19] # ولما علم بهذه الحكم ما افتتحت به السورة من أن منزل هذا الكتاب عزيز ~~حكيم، فكان التقدير فذلكة لذلك: لفقد آتيناك الكتاب والحكم والنبوة ~~وفضلناك وأمتك على العالمين وأرسلناك لتنبه ms4488 الناس على ما أمامهم وكان ~~قومه بعد ائتلافهم على الضلال قد اختلفوا بهذا الكتاب الذي كان ينبغي لهم ~~أن يشتد اجماعهم به واستنصارهم من أجله، عطف عليه مسليا قوله: { ولقد ~~آتينا } أي على ما لنا من العظمة والقدرة الباهرة { بني إسرائيل } نبي ~~الله ابن عمكم إسحاق نبي الله ابن أبيكم إبراهيم خليل الله عليهم الصلاة ~~والسلام { الكتاب } الجامع للخيرات وهو يعم التوارة والإنجيل والزبور ~~وغيرها مما أنزل على أنبيائهم { والحكم } أي العلم والعمل الثابتين ثبات ~~الاحكام بحيث لا يتطرق إليهما فساد بما للعلم من الزينة بالعمل، وللعمل ~~من الإتقان بالعلم { والنبوة } التي تدرك بها الأخبار العظيمة التي لا ~~يمكن اطلاع الخلق عليها بنوع اكتساب منهم، فأكثرنا فيهم من الأنبياء { ~~ورزقناهم } بعظمتنا لإقامة أبدانهم { من الطيبات } من المن والسلوى ~~وغيرهما من الأرزاق اللدنية وغيرها { وفضلناهم } بما لنا من العزة { على ~~العالمين } وهم الذين تحقق إيجادنا لهم في زمانهم وما قبله فإنا آتيناهم ~~من الآيات المرئية والمسموعة وأكثرنا فيهم من الأنبياء ما لم نفعله ~~لغيرهم ممن سبق، وكل ذلك فضيلة ظاهرة { وآتيناهم } مع ذلك { بينات من ~~الأمر } الموحى به إلى أنبيائهم من الأدلة القطعية والأحكام والمواعظ ~~المؤيدة بالمعجزات، ومن صفات الأنبياء الآتين بعدهم وغير ذلك مما هو في ~~غاية الوضوح لمن قضينا بسعادته، وذلك أمر يقتضي الألفة والاجتماع وقد ~~كانوا متفقين وهم في زمن الضلال لا يختلفون إلا اختلافا يسيرا لا يضر ~~مثله ولا يعد اختلافا. # ولما كان حالهم بعد هذا الإيتاء مجملا، فصله فقال تعالى: { فما اختلفوا ~~} أي أوقعوا الاختلاف والافتراق بغاية جهدهم، ولما لم يكن اختلافهم ~~مستغرقا لجميع الزمن الذي بعد الإيتاء، أثبت الجار فقال: { إلا من بعد ~~ما جاءهم العلم } الذي من شأنه الجمع على المعلوم، فكان ما هو سبب ~~الاجتماع سببا لهم في الافتراق لأن الله تعالى أراد ذلك وهو عزيز. # ولما كان هذا عجبا، بين علته محذرا من مثلها فقال: { بغيا } أي ~~للمجاوزة في الحدود التي اقتضاها لهم طلب الرئاسة والحسد وغيرهما من ~~نقائص النفوس. ولما كان ms4489 البغي على البعيد مذموما، زاده عجبا بقوله: { ~~بينهم } واقعا فيهم لم يعدهم إلى غيرهم، وقد كانوا قبل ذلك وهم تحت أيدي ~~القبط في غاية الاتفاق واجتماع الكلمة على الرضا بالذل، ولذلك استأنف ~~قوله الذي اقتضاه الحال على ما يشاهده العباد من أفعال الملوك فيمن خالف ~~أوامرهم، مؤكدا لأجل إنكارهم. { إن ربك } أي المحسن إليك بإرسالك وتكثير ~~أمتك وحفظهم مما ضل به القرون الأولى وبيان يوم الفصل الذي هو محط الحكمة ~~بيانا لم يبينه على لسان أحد ممن سلف { يقضي بينهم } بإحصاء الأعمال ~~والجزاء عليها، لأن هذا مقتضى الحكمة والعزة { يوم القيامة } الذي ينكره ~~قومك الذين شرفناهم برسالتك مع أنه لايجوز في الحكمة إنكاره { فيما كانوا ~~} أي بما هو لهم كالجبلة { فيه يختلفون * } بغاية الجهد متعمدين له بخلاف ~~ما كان يقع منهم خطأ فإنه يجوز في الحكمة أن يتفضل عليهم بالعفو عنه فقد ~~علم أنه لا يجوز في الحكمة أصلا أن يترك المختلفون من غير حكم بينهم لأن ~~هذا لا يرضاه أقل الملوك فإنه لايعرف الملك إلا بالقهر والعزة ولا يعرف ~~كونه حكيما إلا بالعدل، وإذا كان هذا لا يرضاه ملك فكيف يرضاه ملك ~~الملوك، وإذا كان هذا القضاء مقتضى الحكمة كان لا فرق فيه بين ناس وناس، ~~فهو يقتضي بينكم أيضا كذلك، ومن التأكيد للوعد بذلك اليوم التعبير باسم ~~الرب مضافا إليه صلى الله عليه وسلم. # ولما كان معنى هذا أنه سبحانه وتعالى جعل بني إسرائيل على شريعة وهددهم ~~على الخلاف فيها، فكان تهديدهم تهديدا لنا، قال مصرحا بما اقتضاه سوق ~~الكلام وغيره من تهديدنا منبها على علو شريعتنا: { ثم } أي بعد فترة من ~~رسلهم ومجاوزة رتب كثيرة عالية على رتبة شريعتهم { جعلناك } أي بعظمتنا { ~~على شريعة } أي طريقة واسعة عظيمة ظاهرة مستقيمة سهلة موصلة إلى المقصود ~~هي جديرة بأن يشرع الناس فيها ويخالطوها مبتدئة { من الأمر } الذي هو ~~وحينا وهو حياة الأرواح كما أن الأرواح حياة الأشباح. # ولما بين بهذه العبارة بعض فضلها على ما كان قبلها، سبب عنه ms4490 قوله موجها ~~الخطاب إلى الإمام بما أراد به المأمومين ليكون أدعى إلى اجتهادهم، فإن ~~أمرهم تكليف وأمر إمامهم تكوين: { فاتبعها } أي بغاية جهدك. ولما كانت ~~الشريعة العقل المحفوظ الذي أخبر الله أنه به يأخذ وبه يعطي، كان الإعراض ~~عنها إلى غيرها إنما هو هوى، ولما كان أحاد الأمة غير معصومين أشار إلى ~~العفو عن هفواتهم بقوله تعالى: { ولا تتبع } أي تتعمدا أن تتبعوا { أهواء ~~الذين لا يعلمون * } أي لا علم لهم أو لهم علم ولكنهم يعملون عمل من ليس ~~لهم علم أصلا من كفار العرب وغيرهم، فإن من تعمد اتباعهم فعلت بهم ما ~~فعلت ببني إسرائيل حيث لعنتهم على لسان داود وعيسى ابن مريم عليهما ~~الصلاة والسلام بعد ما لعنتهم على لسان موسى عليه الصلاة والسلام، ثم علل ~~هذا النهي مهددا بقوله: مؤكدا تنبيها على أن من خالف أمر الله لأجل ~~أحد كان عمله عمل من يظن أنه يحميه: { إنهم } وأكد النفي فقال تعالى: { ~~لن يغنوا عنك } أي لا يتجدد لهم نوع إغناء مبتدىء { من الله } المحيط بكل ~~شيء قدرة وعلما واصل إليه، وكل ما لا يكون ذا وصلة به فهو عدم { شيئا } ~~من إغناء إن تبعتهم كما أنهم لن يقدروا لك على شيء من أذى إن خالفتهم ~~وناصبتهم. # ولما كان التقدير: فإنهم ظلمة لا يضعون شيئا في موضعه، ومن اتبعهم فهو ~~منهم قال تعالى عاطفا عليه: { وإن } وكان الأصل: وإنهم ولكنه أظهر ~~للاعلام بوصفهم فقال: { الظالمين } أي العريقين في هذا الوصف الذميم { ~~بعضهم أولياء بعض } فلا ولاية - أي قرب - بينهم وبين الحكيم أصلا لتباعد ~~ما بين الوصفين فكانت أعمالهم كلها باطلة لبنائها على غير أساس خلافا ~~لمن يظن بها غير ذلك تقيدا بالأمور الظاهرة في هذه الدار { والله } أي ~~الذي له جميع صفات الجلال والجمال والعز والكمال { ولي المتقين * } الذين ~~همهم الأعظم الاتصاف بالحكمة باتخاذ الوقايات المنجية لهم من سخط الله ~~ولا ولاية بينه وبين الظالمين. ### || [45.20-22] # ولما أوصل سبحانه إلى هذا الحد من البيان، الفائت لقوى الإنسان، قال ms4491 ~~مترجما عنه: { هذا } أي الوحي المنزل. ولما كان في عظم بيانه وإزالة ~~اللبس عن كل ملبس دق أو جل بحيث لا يلحقه شيء من خفاء، جعله نفس البصيرة، ~~مجموعة جمع كثرة بصيغة منتهى الجموع كما جعله روحا فقال: { بصائر للناس ~~} أي الذين هم في أدنى المراتب، يبصرهم بما يضرهم وما ينفعهم، فما ظنك ~~بمن فوقهم من الذين آمنوا ثم الذين يؤمنون ومن فوقهم. # ولما بين ما هو لأهل السفول، بين ما هو لأهل العلو فقال تعالى: { وهدى } ~~أي قائد إلى كل خير، مانع من كل زيغ { ورحمة } أي كرامة وفوز ونعمة { ~~لقوم يوقنون * } أي ناس فيهم قوة القيام بالوصول إلى العلم الثابت وتجديد ~~الترقي في درجاته إلى ما لا نهاية له أبدا. ولما كان التقدير بعد هذا ~~البيان الذي لم يدع لبسا في أمر الحساب بما حده من الملك الذي يوجب ما ~~له من العظمة والحكمة أن يحاسب عبيده لثواب المحسن وعقاب المسيء: أعلم ~~هؤلاء المخاطبون - لأنهم لا يعدون أن يكونوا من الناس أو من الذين يوقنون ~~بهذه البصائر لما لهم من حسن الغرائز المعلية لهم عن حضيض الحيوان إلى ~~أوج الإنسان أنا نفرق بين المسيئين الذين بعضهم أولياء بعض وبين المحسنين ~~الذين نحن أولياؤهم، عطف عليه سبحانه وتعالى قوله: { أم } قال الأصبهاني: ~~قال الإمام: كلمة وضعت للاستفهام عن شيء حال كونه معطوفا على آخر سواء ~~كان المعطوف مذكورا أو مضمرا - انتهى. وكان الأصل: حسبوا، ولكنه عدل ~~عنه للتنبيه على أن ارتكاب السوء معم للبصيرة مضعف للعقل كما أفاده ~~التعبير بالحسبان كما تقدم بيانه في البقرة فقال: { حسب الذين اجترحوا } ~~أي فعلوا بغاية جهدهم ونزوع شهواتهم { السيئات أن نجعلهم } مع ما لنا من ~~العظمة المانعة من الظلم المقتضية للحكمة { كالذين آمنوا وعملوا } ~~تصديقا لإقرارهم ظاهرا وباطنا وسرا وعلانية { الصالحات } بأن نتركهم ~~بلا حساب للفصل بين المحسن والمسيء. # ولما كانت المماثلة مجملة، بينهما استئنافا بقوله مقدما ما هو عين ~~المقصود من الجملة الأولى: { سواء } أي مستو استواء عظيما { محياهم ~~ومماتهم } أي ms4492 حياتهم وموتهم وزمان ذلك ومكانه في الارتفاع والسفول واللذة ~~والكدر وغير ذلك من الأعيان والمعاني. ولما كان هذا مما لا يرضاه أحد لمن ~~تحت يده ولا لغيره، قال معبرا بمجمع الذم: { ساء ما يحكمون * } أي بلغ ~~حكمهم هذا في نفسه ولا سيما وهم بإصرارهم عليه في تجديد له كل ساعة أقصى ~~نهايات السوء، فهو مما يتعجب منه، لأنه لا يدري الحامل عليه، وذلك أنه ~~نسبوا الحكيم الذي لا حكيم في الحقيقة غيره إلى ما لا يفعله أقل الناس ~~فيمن تحت يده. # ولما أنكر التسوية وذمهم على الحكم بها، أتبع ذلك الدليل القطعي على أن ~~الفريقين لا يستويان وإلا لما كان الخالق لهذا الوجود عزيزا ولا حكيما، ~~فقال دالا على إنكار التسوية وسوء حكمهم بها، عاطفا على ما تقديره: فقد ~~خلق الله الناس كلهم بالحق وهو الأمر الثابت الذي يطابقه الواقع، وهو ~~ثبات أعمال المحسنين وبطلان أفعال المسيئين، عطف عليه قوله: { وخلق الله ~~} أي الذي له جميع أوصاف الكمال ولا يصح ولا يتصور أن يحلقه نوع نقص { ~~السماوات والأرض } اللتين هما ظرف لكم وابتدئت السورة بالتنبيه على ~~آياتهما، خلقا ملتبسا { بالحق } فلا يطابق الواقع فيهما أبدا شيئا ~~باطلا، فمتى وجد سبب الشيء وانتفى مانعه وجد، ومتى وجد مانع الشيء ~~وانتفى سببه انتفى، لا يتخلف ذلك أصلا، ولذلك جملة ما وقع من خلقهما ~~طابقه الواقع الذي هو قدرة الله وعلمه وحكمته وجميع ما له من صفات الكمال ~~التي دل خلقهما عليها، فإذا كان الظرف على هذا الإحكام فما الظن بالمظروف ~~الذي ما خلق الظرف إلا من أجله، هل يمكن في الحكمة أن يكون على غير ذلك ~~فيكون الواقع الذي هو تفضيل المحسن على المسيء غير مطابق لأحوالهم، ومن ~~جملة المظروف ما بينهما فلذا لم يذكر هنا، ولو كان ذلك من غير بعث ~~ومجازاة بحسب الأعمال لما كان هذا الخلق العظيم بالحق بل بالباطل الذي ~~تعالى عنه الحكيم فكيف وهو أحكم الحاكمين. # ولما كان التقدير: ليكون كل مسبب مطابقا لأسبابه، عطف عليه قوله: ms4493 { ~~ولتجزى } بأيسر أمر { كل نفس } أي منكم ومن غيركم { بما } أي بسبب الأمر ~~الذي. ولما كان السياق للعموم، وكان المؤمن لا يجزى إلا بما عمله على عمد ~~منه وقصد ليكتب في أعماله، عبر بالكسب الذي هو أخص من العمل فقال: { كسبت ~~} أي كسبها من خير أو شر، فيكون ما وقع الوعد به مطابقا لكسبها { وهم } ~~أي والحال أنهم { لا يظلمون * } أي لا يوجد من موجد ما في وقت من الأوقات ~~جزاء لهم في غير موضعه، وهذا على ما جرت به عوائدكم في العدل والفضل، ولو ~~وجد منه سبحانه غير ذلك لم يكن ظلما منه لأنه المالك المطلق والملك ~~الأعظم، فلو عذب أهل سماواته وأهل أرضه كلهم لكان غير ظالم لهم في نفس ~~الأمر، فهذا الخطاب إنما هو على ما نتعارفه من إقامة الحجة بمخالفة ~~الأمر. ### || [45.23] # ولما بين غاية البيان أنه الإله وحده بما له من الإحاطة بجميع صفات ~~الكمال، وأنه لا بد من جمعه الخلائق ليوم الفصل للحكم بينهم بما له من ~~الحكمة والقدرة، وحقر الهوى ونهى عن اتباعه، وكانوا هم قد عظموه بحيث ~~جعلوه معبودا، فلزم من ذلك تحقيرهم الإله، ولم يرجعوا عن ضلالهم، تسبب ~~عن ذلك التعجيب ممن يظن أنه يقدر على رد أحد منهم عن غيه بشيء من الأشياء ~~فقال: { أفرءيت } أي أعلمت علما هو في تيقنه كالمحسوس بحاسة البصر التي ~~هي أثبت الحواس { من اتخذ } أي بغاية جهده واجتهاده { إلهه هواه } أي حول ~~وصف الإله حتى صار هوى لنفسه، فهو تابع لهواه ليس غير، فهو في أودية ~~الضلال يهيم على غير سنن فهو معرض لكل بلاء، فخسر أكثر من ربحه لكونه ~~بلا دليل، والدليل على أنهم لا يعبدون إلا مجرد الهوى ما رواه البخاري في ~~وفد بني حنيفة من المغازي من صحيحه عن أبي رجاء العطاردي وهو مخضرم ثقة ~~أدرك الجاهلية ومات سنة خمس ومائة عن مائة وعشرين سنة، قال: كنا نعبد ~~الحجر، فإذا وجدنا حجرا أحسن منه ألقيناه وأخذنا الآخر، فإذا لم نجد ~~حجرا ms4494 جمعنا جثوة من تراب ثم جئنا بالشاة فحلبنا عليه ثم طفنا به - ~~انتهى. ومع ذلك فكيفما قلبت أمرهم وجدته شعبة يسيرة من كفر الاتحادية، ~~ولك متشبثات قريش التي عابهم الله بها تشبثت بها الاتحادية حتى قولهم # ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى # [الزمر: 3] ولو قدم الهوى لكان المعنى أنه حول وصفه إلى الألوهية فاضمحل ~~الهوى، ولم يبق إلا ما ينسب إلى الإلهية كما اضمحل الطين في: اتحدت الطين ~~حرقا، فصار المعنى أن العابد لا يتحرك إلا بحسب ما يأمره به الإله ويصير ~~التركيب يفيد تعظيمه بغلبة الإثبات وإذهاب الهوى غاية الإذهاب، ولو كان ~~التقديم في هذا بحسب السياق من غير اختلاف المعنى لقدم هنا الهوى لأن ~~السياق والسباق له وقد تقدم في سورة الفرقان ما ينفع هنا ومفعول " رأى " ~~الثاني مقدر يدل عليه قوله آخر الكلام { فمن يهديه } تقديره: أيمكن أحدا ~~غير الله هدايته ما دام هواه موجودا، وعن ابن عباس رضي الله عنهما: ما ~~ذكر الله هوى في القرآن إلا ذمه - انتهى. ومعناه أنه يهوي بصاحبه في ~~الهواء الممدود وهو الفضاء، أي ينزل به عن درجة عليا إلى ما دونها. فهو ~~في سفول ما دام تابعا له لأنه بحيث لا قرار ولا تمكن، فلذلك هو يوجب ~~الهوان، قال الأصبهاني: سئل ابن المقفع عن الهوى، فقال: هوان سرقة نونه، ~~فنظمه من قال: # نون الهوان من الهوى مسروقة # وأسير كل هوى أسير هوان # وقال آخر ولم يخطىء المعنى وأجاد: # إن الهوى لهو الهوان بعينه # فإذا هويت فقد لقيت هوانا # { وأضله الله } أي بما له من الإحاطة { على علم } منه بما فطر عليه من ~~أنه لا يكون أثر بلا مؤثر، ومن أنه لا يكون منفردا بالملك إلا وهو مستحق ~~للتفرد بالعبادة، وهو أنه لم يخلق الكون إلا حكيم، وأن الحكيم لا يدع من ~~تحت يده يبغي بعضهم على بعض من غير فصل بينهم لا سيما وقد وعد بذلك ولا ~~سيما والوعد بذلك في أساليب الإعجاز التي هم أعرف الناس بها، أو ms4495 على علم ~~من المضل بأن الضال مستحق لذلك لأنه جبله جبلة شر. # ولما كان الضال أحوج إلى سماع صوت الهادي منه إلى غيره، وكان من لا ~~ينتفع بما هو له في حكم العادم له قال: { وختم } أي زيادة على الإضلال ~~الحاضر { على سمعه } فلا فهم له في الآيات المسموعة. ولما كان الأصم قد ~~يفهم بالإشارة قال: { وقلبه } أي فهو لا يعي ما من حقه وعيه. ولما كان ~~المجنون الأصم قد يبصر مضاره ومنافعه فيباشرها مباشرة البهائم قال: { ~~وجعل على بصره غشاوة } فصار لا يبصر الآيات المرئية، وترتيبها هكذا لأنها ~~في سياق الإضلال كما تقدم في البقرة. # ولما صار هذا الإنسان الذي صار لا يسمع الهادي فيقصده ولا يعي المعاني ~~لينتفع بما تقدم له علمه، ولا يبصر حق البصر ليهتدي ببصره دون رتبة ~~الحيوان، قال تعالى منكرا مسببا للإنكار عما تقدمه: { فمن يهديه } ~~وأشار إلى قدرة الله عليه بقوله: { من بعد الله } أي إضلال الذي له ~~الإحاطة بكل شيء. ولما كان من المعلوم قطعا أنه لا هادي له غيره، سبب ~~عنه الإنكار لعدم التذكر حثا على التذكر فقال مشيرا بإدغام تاء التفعل ~~إلى عدم الاحتياج بسبب وضوحه إلى كثير تذكر: { أفلا تذكرون * } أي يكون ~~لكم نوع تذكر فتذكرون أنهم لا يسمعون الآيات المتلوة ولا يعتبرون بالآيات ~~المرئية مع ما لكل منهما من الظهور، وأن من كان هذا حاله فلا سبيل لمخلوق ~~مثله إلى هدايته. ### || [45.24-27] # ولما كان التقدير للدلالة على الختم على مشاعرهم، فقد قالوا مع اعترافهم ~~بتفرده تعالى بخلقهم ورزقهم وخلق جميع الموجدات في إنكار الوحدانية: إن ~~له شركاء، عطف عليه قوله: { وقالوا } أي في إنكارهم البعث مع اعترافهم ~~بأنه قادر على كل شيء ومعرفتهم أنه قد وعد بذلك في الأساليب المعجزة وأنه ~~لا يليق بحكيم أصلا أن يدع من تحت يده يتهارجون من غير حكم بينهم: { ما ~~هي } أي الحياة { إلا حياتنا } أي أيها الناس { الدنيا } أي هذه التي نحن ~~فيها مع أن تذكر مدلول هذا الوصف الذي هو ms4496 أمر نسي لا يعقل إلا بالإضافة ~~إلى حياة أخرى بعدى كاف في إثبات البعث. # ولما أثبتوا بادعائهم الباطل هذه الحياة أتبعوها حالها فقالوا: { نموت ~~ونحيا } أي تنزع الروح من بعض فيموت، وتنفخ في بعض آخر فيحيى، وليس وراء ~~الموت حياة أخرى للذي مات، فقد أسلخوا أنفسهم بهذا القول من الإنسانية ~~إلى البهيمية لوقوفهم مع الجزئيات، ولما كان هلاكهم في زعمهم لا آخر له، ~~عدوا الحياة في جنبه عدما فلم يذكروها وقالوا بجهلهم: { وما يهلكنا } أي ~~بعد هذه الحياة { إلا الدهر } أي الزمان الطويل بغلبته علينا بتجدد ~~إقباله وتجدد إدبارنا بنزول الأمور المكروهة بنا، من دهره - إذا غلبة. ~~ولما أسند إليهم هذا القول الواهي، بين حالهم عند قوله فقال تعالى: { وما ~~} أي قالوه والحال أنه ما { لهم بذلك } أي القول البعيد من الصواب وهو ~~أنه لا حياة بعد هذه، وأن الهلاك منسوب إلى الدهر على أنه مؤثر بنفسه، ~~وأعرق في النفي فقال: { من علم } أي كثير ولا قليل { إن } أي ما { هم إلا ~~يظنون * } بقرينة أن الإنسان كلما تقدم في السن ضعف، وأنه لم يرجع أحد من ~~الموتى. # ولما كان هذا من قولهم عجبا، زاده عجبا بحالهم عند سماعهم للبراهين ~~القطعية، فقال عاطفا على " قالوا ": { وإذا تتلى } أي تتابع بالقراءة من ~~أي تال كان { عليهم آياتنا } أي على ما لها من العظمة في نفسها ~~وبالإضافة إلينا حال كونها { بينات } أي في غاية المكنة في الدلالة على ~~البعث، فلا عذر لهم في ردها { ما كان } أي بوجه من وجوه الكون { حجتهم } ~~أي قولهم الذي ساقوه مساق الحجة، وهو لا يستحق أن يسمى شبهة { إلا أن ~~قالوا } قولا ذميما ولم ينظروا إلى مبدئهم { ائتوا } أيها التالون ~~للحجج البينة من النبي - صل الله عليه وسلم - وأتباعه الذين اهتدوا بهداه ~~{ بآبائنا } الموتى، وحاصل هذا أنه ما كان لهم حجة إلا أن أتوا بكلام ~~معناه: ليس لنا حجة لأنه ليس فيه شبهة فضلا عن حجة، وما كفاهم مناداتهم ~~على أنفسهم بالجهل حتى عرضوا لأهل البينات بالكذب ms4497 فقالوا: { إن كنتم ~~صادقين * } أي عريقين في الكون في أهل الصدق الراسخين فيه من أنه سبحانه ~~وتعالى يبعث الخلق بعد موتهم، وذلك استبعاد منهم لأن يقدر على جمع الجسم ~~بعد ما يلي، وهم يقرون بأنه الذي خلق ذلك الجسم ابتداء، ومن المعلوم ~~قطعا أن من قدر على إنشاء شيء من العدم قدر على إعادته بطريق الأولى. # ولما كان سبحانه وتعالى إنما يقبل الإيمان عند إمكان تصوره، وذلك إذا ~~كان بالغيب لم يجبهم إلى إحياء آبائهم إكراما لهذه الأمة لشرف نبيها ~~عليه أفضل الصلاة والسلام لأن سنته الإلهية جرت بأن من لم يؤمن بعد كشف ~~الأمر بإيجاد الآيات المقترحات أهلكه كما فعل بالأمم الماضية، فرفعهم عن ~~الحس إلى التدريب على الحجج العقلية فقال آمرا له صلى الله عليه وسلم ~~بالجواب بقوله تعالى: { قل الله } أي المحيط بكل شيء قدرة وعلما وحكمة { ~~يحييكم } أي يجدد هذا تجديدا لا يحصى كما أنتم به مقرون إحياء لأجساد ~~يخترعها من غير أن يكون لها أصل في الحياة { ثم يميتكم } بأن يجمع ~~أرواحكم من أجسادكم فيستلها منها لا يدع " شيئا " منها في شيء من الجسد ~~وما ذلك على الله بعزيز فإذا هو كما كان قبل الإحياء كما تشاهدون، ومن ~~قدر على هذا الإبداء على هذا الوجه من التكرر ثم على تمييز ما بث من ~~الروح في حال سلها من تلك الأعضاء الظاهر عادة مستمرة كان المخبر عنه ~~بأنه يجمع الخلق بعد موتهم من العريقين في الصدق، فلذلك قال من غير ~~تأكيد: { ثم يجمعكم } أي بعد التمزق فيعيد فيكم أرواحكم كما كانت بعد طول ~~مدة الرقاد، منتهين { إلى يوم القيامة } أي القيام الأعظم لكونه عاما ~~لجميع الخلائق الذين أماتهم. # ولما صح بهذا الدليل القطعي المدعى، أنتج قوله: { لا ريب } أي شك بوجه ~~من الوجوه { فيه } بل هو معلوم علما قطعيا ضروريا { ولكن أكثر الناس } ~~بما لهم من السفول بما ركبنا فيهم من الحظوظ والشهوات التي غلبت على ~~غريزة العقل فردوا بها أسفل سافلين في حد النوس وهو ms4498 التردد لم يرتقوا إلى ~~الإيمان { لا يعلمون * } أي لا يتجدد لهم علم لما لهم من النوس والتردد ~~والسفول عن أوج العقل إلى حضيض الجهل، فهم واقفون مع المحسوسات، لا يلوح ~~لهم ذلك مع ما له من الظهور لتظهر قدرتنا ويتحقق اسمنا الباطن كما تحقق ~~الظاهر عند من هديناه لعلم ذلك. # ولما دل على قدرته على الإعادة بهذا الدليل الخاص الذي تقديره: فالله ~~الذي ابتدأ خلقكم من الأرض على هذا الوجه قادر على إعادتكم، عطف عليه ~~دليلا آخر جامعا فقال تعالى: { ولله } أي الملك الأعظم وحده { ملك ~~السماوات } كلها { والأرض } التي ابتدأكم منها، ومن تصرف في ملكه بشيء من ~~الأشياء، كان قادرا على مثله ما دام ملكا. # ولما كان التقدير: له ملك ذلك أبدا، فهو يفعل فيه اليوم ما تشاهدون مع ~~رفع هذا وخفض هذا، فلو أن الناس سلموا لقضائه لوصلوا إلى جميع ما وصلوا ~~إليه بالبغي والعدوان، فإنه لا يخرج شيء عن أمره ولكن أكثر الناس اليوم ~~في ريبهم يترددون، بنى عليه قوله تعالى: { ويوم تقوم الساعة } أي توجد ~~وتتحقق تحقق القائم الذي هو على كمال تمكنه وتمامه أمره الناهض بأعباء ما ~~يريد، وكرر سبحانه للتهويل والتأكيد قوله: { يومئذ } أي إذا تقول يخسرون ~~- هكذا كان الأصل، ولكنه قال للتعميم والتعليق بالوصف: { يخسر المبطلون * ~~} أي الداخلون في الباطل العريقون في الاتصاف به، الذين كانوا لا يرضون ~~بقضائي فيستعجلون فيتوصلون إلى مراداتهم بما لم آمر به، ولا يزالون يبغون ~~إلى أن يأتي الوقت الذي قدرت وصلوهم إليها فيه، فيصلون ويظنون أنهم وصلوا ~~بسعيهم، وأنهم لو تركوا لما كان لهم ذلك فيخسرون لأجل سعيهم بما جعلت لهم ~~من الاختيار بمرادي فيهم على خلاف أمري، خسارة مستمرة التجدد لا انفكاك ~~لهم عنها ويفوز المحقون. ### || [45.28-32] # ولما كان ذلك من شأن اليوم مهولا، عم في الهول بقوله مصورا لحاله: { ~~وترى } أي في ذلك اليوم { كل أمة } من الأمم الخاسرة فيها والفائزة { ~~جاثية } أي مجتمعة لا يخلطها غيرها، وهي مع ذلك باركة على الركب رعبا ~~واستيفازا ms4499 لما لعلها تؤمر به، جلسة المخاصم بين يدي الحاكم، ينتظروا ~~القضاء الحاتم، والأمر الجازم اللازم، لشدة ما يظهر لها من هول ذلك ~~اليوم. ولما كان كأن قيل: هم مستوفزون، قال: { كل أمة } أي من الجاثين { ~~تدعى إلى كتابها } أي الذي أنزل إليها وتعبدها الله به والذي نسخته ~~الحفظة من أعمالها ليطبق أحدهما بالآخر، فمن وافق كتابه ما أمر به من ~~كتاب ربه نجا، ومن خاله هلك، ويقال لهم حال الدعاء: { اليوم تجزون } على ~~وفق الحكمة بأيسر أمر { ما } أي عين الذي { كنتم } بما هو لكم كالجبلات { ~~تعملون * } أي مصرين عليه غير راجعين عنه من خير أو شر. # ولما أخبر بالجزاء، بين كيفية ما به يطبق بين كتاب الإنزال وكتاب ~~الأعمال، فما حكم به كتاب الإنزال أنفذه الكبير المتعال، فقال مشيرا إلى ~~كتاب الإنزال بأداة القريب لقربه وسهولة فهمه: { هذا كتابنا } أي الذي ~~أنزلناه على ألسنة رسلنا { ينطق } أي يشهد شهادة هي في بيانها كالنطق { ~~عليكم بالحق } أي الأمر الثابت الذي يطابقه الواقع من أعمالكم، ذلك بأن ~~يقول: من عمل كذا فهو كافر، ومن عمل كذا فهو عاص، ومن عمل كذا فهو مطيع، ~~فيطبق ذلك على ما عملتموه فإذا الذي أخبر به الكتاب مطابق لأعمالكم لا ~~زيادة فيه ولا نقص، كل كلي ينطبق على جزئيه سواء بسواء كما نعطيكم علم ~~ذلك في ذلك اليوم، فينكشف أمر جبلاتكم وما وقع منكم من جزئيات الأفعال لا ~~يشذ عنه منه ذرة، وتعلمون أن هذا الواقع منكم مطابق لما أخبر به الكتاب ~~الذي أنزلناه، فهو حق لأن الواقع طابقه، هذا نطقه عليكم، وأما نطقه لكم ~~فالفضل: الحسنة بعشر أمثالها إلى ما فوق ذلك. # ولما كانت العادة جارية في الدنيا بإقامة الحقوق بكتابة الوثائق، وكانوا ~~كأنهم يقولون: من يحفظ أعمالنا على كثرتها مع طول المدة وبعد الزمان، ~~وكانوا ينكرون أمر الحفظة وغيره مما أتت به الرسل، أكد قوله مجيبا بما ~~يقرب إلى عقل من يسأل عن ذلك: { إنا } على ما لنا من القدرة والعظمة ~~الغنية عن ms4500 الكتابة { كنا } على الدوام { نستنسخ } أي نأمر ملائكتنا بنسخ ~~أي نقل { ما كنتم } طبعا لكم وخلقا { تعملون * } قولا وفعلا ونية، ~~فإن كان المراد بالنسخ مطلق النقل فهو واضح، وإن كان النقل من أصل فهو ~~إشارة إلى لوح الجبلات المشار إليه بكنتم أو من اللوح المحفوظ ليطابق به ~~ما يفعله العامل، ومن المشهور بين الناس أن كل أحد يسطر في جبينه ما ~~يلقاه من خير أو شر. # ولما صرح بالمبطلين حسب ما اقتضاه الحال كما تقدم، وأشار إلى المحقين، ~~صرح بما لوح إيه من أمر المحقين وعطف عليهم أضدادهم، فقال بادئا بهم على ~~طريق النشر المشوش مفصلا: { فأما الذين آمنوا } أي من الأمم الجاثية { ~~وعملوا } تصديقا لدعواهم الإيمان { الصالحات فيدخلهم } أي في ذلك اليوم ~~الذي ذكرنا عظمته وشدة هوله { ربهم } الذي أحسن إليهم بالتوفيق بالأعمال ~~الصالحة المرضية الموصلة { في رحمته } أي تقريبه وإكرامه بجليل الثواب ~~وحسن المآب، وتقول لهم الملائكة تشريفا: سلام عليكم أيها المؤمنون، ودل ~~على عظيم الرحمة بقوله: { ذلك } أي الإحسان العالي المنزلة { هو } أي لا ~~غيره { الفوز }. # ولما كان السياق لغباوتهم وخفاء الأشياء عليهم قال تعالى: { المبين * } ~~الذي لا يخفى على أحد شيء من أمره، لأنه لا يشوبه كدر أصلا ولا نقص، ~~بخلاف ما كان من أسبابه في الدنيا، فإنها - مع كونها كانت فوزا - كانت ~~خفية جدا على غير الموقنين { وأما الذين كفروا } أي ستروا ما جلته لهم ~~مرائي عقولهم وفطرهم الأولى من الحق الذي أمر الله به ولو عملوا جميع ~~الصالحات غير الإيمان، فيدخلهم الملك الأعظم في لعنته. # ولما كان هذا الستر سببا واضحا في تبكيتهم قال: { أفلم } أي فيقال ~~لهم: ألم يأتكم رسلي، وأخلق لكم عقولا تدلكم على الصواب من التفكر في ~~الآيات المرئية من المعجزات التي أتوكم بها وأنزل عليكم بواسطتهم آيات ~~مسموعة فلم { تكن آياتي } على ما لها من عظمة الإضافة إلي وعظمة الإتيان ~~إليكم على ألسنة رسلي الذين هم أشرف خلقي. # ولما كانت هذه الآيات توجب الإيمان لما لها من العظمة بمجرد تلاوتها، ms4501 ~~بني للمفعول قوله: { تتلى } أي تواصل قراءتها من أي تال كان، فكيف إذا ~~كانت بواسطة الرسل، تلاوة مستعلية { عليكم } لا تقدرون على رفع شيء منها ~~بشيء يرضاه منصف { فاستكبرتم } أي فتسبب عن تلاوتها التي من شأنها إيراث ~~الخشوع والإخبات والخضوع أن طلبتم الكبر لأنفسكم وأوجدتموه على رسلي ~~وآياتي { وكنتم } خلقا لازما { قوما } أي ذوي قيام وقدرة على ما ~~تحاولونه { مجرمين * } أي عريقين في قطع ما يستحق الوصل، وذلك هو الخسران ~~المبين، والآية من الاحتباك: ذكر الإدخال في الرحمة أولا دليلا على ~~الإدخال في اللعنة ثانيا، وذكر التبكيت ثانيا دليلا على التشريف ~~أولا، وسره أن ما ذكره أدل على شرف الولي وحقارة العدو { وإذا } أي ~~وكنتم إذا { قيل } من أي قائل كان ولو على سبيل التأكيد: { إن وعد الله ~~} الذي كل أحد يعلم أنه محيط بصفات الكمال { حق } أي ثابت لا محيد عنه ~~يطابقه الواقع من البعث وغيره لأن أقل الملوك لا يرضى بأن يخلف وعده فكيف ~~به سبحانه وتعالى فكيف إذا كان الإخلاف فيه مناقضا للحكمة { والساعة } ~~التي هي مما وعد به وهي محط الحكمة فهي أعظم ما تعلق به الوعد { لا ريب ~~فيها } بوجه من الوجوه لأنها محل إظهار الملك لما له من الجلال والجمال ~~أتم إظهار { قلتم } راضين لأنفسكم بحضيض الجهل: { ما ندري } أي الآن ~~دراية علم ولو بذلنا جهدنا في محاولة الوصول إليه { ما الساعة } أي نعرف ~~حقيقتها فضلا عما تخبروننا به من أحوالها. # ولما كان أمرها مركوزا في الفطر لا يحتاج إلى كبير نظر، بما يعلم كل ~~أحد من تمام قدرة الله تعالى، فمتى نبه عليها نوع تنبيه سبق إلى القلب ~~علمها، سموا ذلك ظنا عنادا واستكبارا، فقالوا مستأنفين في جواب من ~~كأنه يقول: أفلم تفدكم تلاوة هذه الآيات البينات علما بها: { إن } أي ما ~~{ نظن } أي نعتقد ما تخبروننا به عنها { إلا ظنا } وأما وصوله إلى درجة ~~العلم فلا. ولما كان المحصور لا بد وأن يكون أخص من المحصور فيه كان الظن ~~الأول بمعنى الاعتقاد، ms4502 ولعله عبر عنه بلفظ الظن تأكيدا لمعنى الحصر، ~~ولذلك عطفوا عليه - تصريحا بالمراد لأن الظن قد يطلق على العلم - قولهم: ~~{ وما نحن } وأكدوا النفي فقالوا: { بمستيقنين * } أي بموجود عندنا ~~اليقين في أمرها ولا بطالبين له - هذا مع ما تشاهدونه من الآيات في ~~الآفاق وفي أنفسكم وما يبث من دابة وما ينبهكم على ذلك من الآيات ~~المسموعة، وهذا لا ينافي آية { إن هي إلا حياتنا الدنيا } لأن آخرها مثبت ~~للظن، فكأنهم كانوا تارة يقوى عندهم ما في جبلاتهم وفطرهم الأولى من ~~أمرها فيظنونها، وتارة تقوى عليهم الحظوظ مع ما يقترن بها من الشبهة ~~المبنية على الجهل فيظنون عدمها فيقطعون به لما للنفس إليه من الميل، أو ~~كانوا فرقتين - والله أعلم. ### || [45.33-35] # ولما وصلوا إلى حد عظيم من العناد، التفت إلى أسلوب الغيبة إعراضا عنهم ~~إيذانا بشديد الغضب فقال تعالى: { وبدا } أي ولم يزالوا يقولون ذلك إلى ~~أن بدت لهم الساعة بما فيها من الأوجال، والزلازل والأهوال، وظهر { لهم } ~~غاية الظهور { سيئات ما } ولما كان السياق للكفرة، وكانوا مؤاخذين بجميع ~~أعمالهم فإنه ليس لهم أساس صالح يكون سببا لتكفير شيء مما تقلبوا فيه ~~ولم يقتض السياق خصوصا مثل الزمر، عبر بالعمل الذي هو أعم من الكسب ~~فقال: { عملوا } فتمثلت لهم وعرفوا مقدار جزائها واطلعوا على جميع ما ~~يلزم على ذلك { وحاق بهم } أي أحاط على حال القهر والغلبة، قال أبو حيان: ~~ولا يستعمل إلا في إلا في المكروه. { ما كانوا } جبلة وخلقا { به ~~يستهزءون * } أي يوجدون الهزء به على غاية الشهوة واللذة إيجاد من هو ~~طالب لذلك { وقيل } أي لهم على قطع الأحوال وأشدها قولا لا معقب له، ~~فكأنه بلسان كل قائل: { اليوم ننساكم } أي نفعل معكم بالترك من جميع ما ~~يصلحكم فعل المنسي الذي نقطع عنه جميع إحساننا فيأتيه كل شر { كما نسيتم ~~} وأضاف المصدر إلى ظرفه لما فيه من الرشاقة والبلاغة فقال تعالى: { لقاء ~~يومكم هذا } أي الذي عملتم في أمره عمل الناسي له، ومن نسي لقاء اليوم ~~نسيء لقاء ms4503 الكائن فيه بطريق الأولى، وقد عابهم الله سبحانه تعالى بذلك ~~أشد العيب لأن ما عملوه ليس من فعل الحزمة أن يتركوا ما ضرره محتمل لا ~~يعتدون له، وإنما هذا فعل الحمق الذين هم عندهم أسقال لا عبرة لهم ولا ~~وزن لهم، وعبر بالنسيان لأن علمه مركوز في طبائعهم، وعبر في فعله ~~بالمضارع ليدل على الاستمرار، وفي فعلهم بالماضي ليدل على أن من وقع منه ~~ذلك وقتا ما وإن قل كان على خطر عظيم بتعريض نفسه لاستمرار الإعراض عنه. # ولما كان تركه على هذا الحال يلزم منه استمرار العذاب، صرح به إيضاحا ~~له لئلا يظن غير ذلك، فقال مبينا لحالهم: { ومأواكم النار } ليس لكم ~~براح عنها أصلا، لأن أعمالكم أدخلتكموها، ولا يخرج منها إلا من أذنا في ~~إخراجه، نحن قد جعلناكم في عداد المنسي فلا يكون من قبلنا لكم فرج { وما ~~لكم } في نفس الأمر سواء أفكرتم وأنتم مكذبون في مدافعة هذا اليوم أو ~~تركتموه ترك المنسي { من ناصرين * } ينقذونكم من ذلك بشفاعة ولا مقاهرة. # ولما ذكر جزاءهم على ما هو الحق المساوي لأعمالهم طبق الفعل بالفعل، ~~علله بما لزم على أعمالهم فقال: { ذلكم } أي العذاب العظيم { بأنكم ~~اتخذتم } أي بتكليف منكم لأنفسكم وقسر على خلاف ما أدى إليه العقل، وجاءت ~~به الرسل، وساعدت عليه الفطر الأول { آيات الله } أي الملك الأعظم الذي ~~لا شيء أعظم منه { هزوا } أي جعلتموها عين ما أنزلت للإبعاد منه { ~~وغرتكم } لضعف عقولكم { الحياة الدنيا } أي الدنية فآثرتموها لكونها ~~حاضرة وأنت كالبهائم لا يعدو نظركم المحسوس فقلتم: لا حياة غيرها ولا بعث ~~ولا حساب، ولو تعقلتم وصفكم لها لأداكم إلى الإقرار بالأخرى. # ولما أوصلهم إلى هذا الحد من الإهانة، سبب عنه زيادة في إهانتهم ~~وتلذيذا لأوليائه الذين عادوهم فيه وإشماتا لهم بهم: { فاليوم } بعد ~~إيوائهم فيها { لا يخرجون } بمخرج ما { منها } لأن الله لا يخرجهم ولا ~~يقدر غيره على ذلك { ولا هم } خاصة { يستعتبون * } أي يطلب من طالب ما ~~منهم الإعتاب، وهو الاعتذار بما يثبت لهم ms4504 العذر ويزيل عنهم العتب الموجب ~~للغضب بعمل من الأعمال الصالحات لأنهم في دار الجزاء لا دار العمل. ### || [45.36-37] # ولما أثبت سبحانه بعده بإثبات الآيات المرئية والمسموعة وإعزاز أوليائه ~~وإدلال أعدائه من غير مبالاة بشيء ولا عجز عن شيء مع الإحاطة التامة بكل ~~شيء قدرة وعلما، تسبب عن ذلك حتما قوله تعالى: { فلله } أي الذي له ~~الأمر كله { الحمد } أي الإحاطة بجميع صفات الكمال. ولما أبان سبحانه أن ~~ذلك ثابت له لذاته لا لشيء آخر، أثبت أنه لا بالإحسان والتدبير فقال ~~تعالى: { رب السماوات } أي ذات العلو والاتساع والبركات. ولما كان السياق ~~لإثبات الاختصاص بالكمال، وكانوا قد جعلوا له سبحانه ما دل على أنهم لا ~~شبهة لهم في عبادتهم بحصر أمرهم في الهوى، أعاد ذكر الرب تأكيدا ~~وإعلاما أن له في كل واحد من الخافقين أسرارا غير ما له في الآخر، ~~فالتربية متفاوتة بحسب ذلك، وأثبت العاطف إعلاما بأن كمال قدرته في ~~ربوبيته للأعلى والأسفل على حد سواء دفعا لتوهم أن حكمه في الأعلى أمكن ~~لتوهم الاحتياج إلى مسافة فقال تعالى: { ورب الأرض } أي ذات القبول ~~للواردات. # ولما خص الخافقين تنبيها على الاعتبار بما فيهما من الآيات لظهورها، عم ~~تنبيها على أن له وراء ذلك من الخلائق ما لا يعلمه إلا لله سبحانه ~~وتعالى فقال مسقطا العاطف لعدم الاحتياج إليه بعد إثبات استواء الكونين ~~الأعلى والأسفل في حكمه من حيث العلم والقدرة للتنزه عن المسافة، وذلك لا ~~يخرج عنه شيء من الخلق لأنه إما أن يكون علويا أو سفليا { رب العالمين ~~* } فجمع ما مفرده يجل على جميع الحوادث لأن العالم ما سوى الله. تنبيها ~~على أصنافه وتصريحا بها وإعلاما بأنه أريد به مدلوله المطابقي لا البعض ~~بدلالة التضمن، وأعاد ذكر الرب تنبيها على أن حفظه للخلق وتربيته لهم ذو ~~ألوان بحسب شؤون الخلق، فحفظه لهذا الجزء على وجه يغاير حفظه لجزء آخر، ~~وحفظه للكل من حيث هو كل على وجه يغاير حفظه لكل جزء على حدته، مع أن ~~الكل بالنسبة إلى ms4505 تمام القدرة على حد سواء. # ولما أفاد ذلك غناه الغنى المطلق وسيادته وأنه لا كفوء له، عطف عليه بعض ~~اللوازم لذلك تنبيها على مزيد الاعتناء به لدفع ما يتوهمونه من ادعاء ~~الشركة التي لا يرضونها لأنفسهم فقال: { وله } أي وحده { الكبرياء } أي ~~الكبر الأعظم الذي لا نهاية له: { في السماوات } كلها { والأرض } جميعها ~~اللتين فيهما آيات للمؤمنين، روى مسلم وأبو داود وابن ماجة عن أبي هريرة ~~ومسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: يقول الله عز وجل: # " الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني واحدا منهما أدخلته النار " # ، وفي رواية: عذبته، وفي رواية: قصمته. # { وهو } وحده { العزيز } الذي يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء { الحكيم * } ~~الذي يضع الأشياء في أتقن مواضعها ولا يضع شيئا إلا كذلك كما أحكم أمره ~~ونهيه وجميع شرعه، وأحكم نظم هذا القرآن جملا وآيات، وفواصل وغايات، ~~وبعد أن حرر معانيه وتنزيله جوابا لما كانوا يعتنون به، فصار معجزا في ~~نظمه ومعناه وإنزاله طبق أجوبة الوقائع على ما اقتضاه الحال، فانطبق ~~آخرها على أولها بالصفتين المذكورتين، وبالحث على الاعتبار بآيات ~~الخافقين، والتصريح بما لزم ذلك من الكبرياء المقتضية لإذلال الأعداء ~~وإعزاز الأولياء - والله الهادي إلى الصواب وإله المرجع والمآب - والله ~~أعلم بمراده. ### | [46 - سورة الأحقاف] ### || [46.1-3] # { حم * } حكمة محمد صلى الله عليه وسلم التي هي النهاية في الصواب ~~والسداد أحكمها الذي أحاطت قدرته فهو لا يخلف الميعاد. # ولما بنيت الجاثية على النظر في آيات الخافقين خطابا لأهل الإيمان ~~استدلالا على يوم الفصل المدلول عليه في الدخان بآية # وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين # [الأنبياء: 16] والتي بعدها، فأنتجت العلم بأن الكبرياء لخالقهما بما ~~يشاهد من قهره للملوك فمن سواهم بالموت وما دونه من غير مبالاة بأحد ~~وبينت - بما أفهمه الملك والكبرياء والحكمة لأن عادة من كان بهذا الوصف ~~ألا يكون كلامه إلا بحسب الحاجة - أن الكتاب منزل نجوما لبيان ما ~~يحاولون به مدحض لحجتهم هادم لعزتهم بحكمته وعزته، فثبت ms4506 الحشر وحق النشر، ~~وختم بصفتي العزة والحكمة، ذكر بما ثبت من ذلك كله تأكيدا لأمر البعث ~~وتحقيقا لليوم الآخر على وجه مبين أن الخلق كله آيات وحكم واعتبارات ~~لأنه أثبت أنه كله حق، ونفى عنه كل باطل، فقال خطابا لأهل الأوثان من ~~سائر الأديان الصابية والمجوس وغيرهم الذين افتتحت السورة بهم وختمت ~~بالفسق الجامع لهم الموجب لكفرهم: { تنزيل الكتاب } أي الجامع لجميع ~~الخيرات بالتدريج على حسب المصالح { من الله } أي الجبار المتكبر المختص ~~بصفات الكمال الذي هو الحمد بما دلت عليه ربوبيته، وختم بقوله: { العزيز ~~الحكيم * } تقريرا لأنه لم يضع شيئا إلا في أوفق محاله، وأنه الخالق ~~للشر كما أنه الخالق للخير ولجميع الأفعال وأنه يعز أولياءه ويذل أعداءه ~~ويحكم أمر دينه فيظهره على الدين كله من غير أن يقدر أحد على معارضته في ~~شيء منه فصارت آية الجاثية مقدمة لهذه وهذه نتيجة. # ولما ثبت في الجاثية مضمون قوله تعالى في الدخان { وما خلقنا السماوات ~~والأرض وما بينهما لاعبين } بما ذكر فيهما من الآيات والمنافع والحكم، ~~أثبت هنا مضمون ما بعد ذلك بزيادة الأجل فقال دالا على عزته وحكمته: { ~~ما خلقنا } أي على ما لنا من العظمة الموجبة للتفرد بالكبرياء { السماوات ~~والأرض } على ما فيهما من الآيات التي فصل بعضها في الجاثية. ولما كان من ~~المقاصد هنا الرد على المجوس وغيرهم ممن ثبت خلقا لغير الله قال: { وما ~~بينهما } أي من الهواء المشحون بالمنافع وكل خير وكل شر من أفعال العباد ~~وغيرهم، وقال ابن برجان في تفسيره: جميع الوجود أوله وآخره نسخة لأم ~~الكتاب والسماوات والأرض إشارة إلى بعض الوجود، وبعضه يعطي من الدلالة ~~على المطلوب ما يعطيه الكل بوجه ما، غير أن علا أصح دلالة وأقرب شهادة ~~وأبين إشارة، وما صغر من الموجودات دلالته مجملة يحتاج المستعرض فيه إلى ~~التثبت وتدقيق النظر والبحث - انتهى. { إلا بالحق } أي الأمر الثابت من ~~القدرة التامة والتصرف المطلق، فخلق الباطل بالحق لأنه تصرف في ملكه الذي ~~لا شائبة لغيره فيه للابتلاء والاختبار للمجازاة ms4507 بالعدل والمن بالفضل إلى ~~غير ذلك من الحكم التي لا يعلمها سواه، وفي خلق ذلك على هذا الوجه أعظم ~~دلالة على وجود الحق سبحانه، وأنه واحد لا شريك له، ودل على قهره بقوله: ~~{ وأجل مسمى } أي لبعث الناس إلى دار القرار لفصل أهل الجنة من أهل ~~النار، وفناء الخافقين وما نشأ عنهما من الليل والنهار. # ولما كان التقدير: وأمرنا الناس بالعمل في ذلك الأجل بطاعتنا ووعدناهم ~~عليها جنان النعيم، فالذين آمنوا على ما أنذروا مقبلون، ومن غوائله ~~مشفقون، فهم بطاعتنا عاملون، عطف عليه من السياق له من قوله: { والذين ~~كفروا } أي ستروا من أعلام الدلائل ما لو خلوا أنفسهم وما فطرناها عليه ~~لعلموه فهم لذلك { عما أنذروا } ممن هم عارفون بأن إنذاره لا يتخلف { ~~معرضون * } ومن غوائله آمنون، فهم بما يغضبنا فاعلون، شهدت عندهم شواهد ~~الوجود فما سمعوا لها ولا أصغوا إليها وأنذرتهم الرسل والكتب من عند الله ~~فأعرضوا عنها واشمأزوا منها. ### || [46.4-6] # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير رحمه الله تعالى: لما قدم ذكر الكتاب ~~وعظيم الرحمة به وجليل بيانه، وأردف ذلك بما تضمنته سورة الشريعة من ~~توبيخ من كذب به وقطع تعلقهم وأنه سبحانه قد نصب من دلائل السماوات ~~والأرض إلى ما ذكر في صدر السورة ما كل قسم منها كاف في الدلالة وقائم ~~بالحجة، ومع ذلك فلم يجر عليهم التمادي على ضلالهم والانهماك في سوء ~~حالهم وسيىء محالهم، أردفت بسورة الأحقاف تسجيلا بسوء مرتكبهم وإعلاما ~~باليم منقلبهم فقال تعالى { ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا ~~بالحق وأجل مسمى } ولو اعتبروا بعظيم ارتباط ذلك الحق وإحكامه وإتقانه ~~لعلموا أنه لم يوجد عبثا، ولكنهم عموا عن الآيات وتنكبوا عن انتهاج ~~الدلالات { والذين كفروا عما أنذروا معرضون } ثم أخذ سبحانه وتعالى في ~~تعنيفهم وتقريعهم في عبادة ما لا يضر ولا ينفع فقال { أفرأيتم ما تدعون ~~من دون الله } - إلى قوله: { وكانوا بعبادتهم كافرين } ثم ذكر عنادهم عن ~~سماع الآيات فقال: { وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات } الآيات، ثم التحم ~~الكلام ms4508 وتناسج إلى آخر السورة - انتهى. # ولما قرر سبحانه الأصل الدال على التوحيد وإثبات العدل والحرمة بالبعث ~~للفصل، وكانوا يقولون: إنهم أعقل الناس، وكان العاقل لا يأمن غوائل ~~الإنذار إلا أن أعد لها ما يتحقق دفعه لها وكان لا يقدر على دفع المتوعد ~~إلا من يساويه أو يزيد عليه بشركة أو غيرها، وكانوا يدعون في أصنامهم ~~أنها شركاء، بنى على ذلك الأصل تفاريعه، وبدأ بإبطال متمسكهم فقال سبحانه ~~وتعالى آمرا له صلى الله عليه وسلم بأن ينبههم على سفههم بأنهم أعرضوا ~~عما قد يضرهم من غير احتراز منه دالا على عدم إلهية ما دعوه آلهة بعدم ~~الدليل على إلهيتها من عقل أو نقل، لأن منصب الإلهية لا يمكن أن يثبت وله ~~من الشرف ما هو معلوم بغير دليل قاطع: { قل } أي لهؤلاء المعرضين أنفسهم ~~لغاية الخطر منكرا عليهم تبكيتا وتوبيخا: { أرءيتم } أي أخبروني بعد ~~تأمل ورؤية باطنة { ما تدعون } أي دعاء عبادة، ونبه على سفولهم بقوله ~~تعالى: { من دون الله } أي الملك الأعظم الذي كل شيء دونه، فلا كفوء له. # ولما كان من المعلوم أن الاستفهام عن رؤية ما مشاهدتهم له معلومة لا يصح ~~إلى بتأويل أنه عن بعض الأحوال، وكان التقدير: أهم شركاء في الأرض، ~~استأنف قوله: { أروني ما } وأكد الكلام بقوله سبحانه وتعالى: { ماذا ~~خلقوا } أي اخترعوه { من الأرض } ليصح ادعاء أنهم شركاء فيها باختراع ذلك ~~الجزء. ولما كان معنى الكلام وترجمته: أروني أهم شركاء في الأرض؟ عادله ~~بقوله: { أم لهم } أي الذين تدعونهم { شرك في السماوات } أي نوع من أنواع ~~الشركة: تدبير - كما يقول أهل الطبائع، أو خلق أو غيره، أروني ذلك الذي ~~خلقوه منها ليصح ادعاؤكم فيهم واعتمادكم عليهم بسببه. # فالآية من الاحتباك: ذكر الخلق أولا دليلا على حذفه ثانيا، والشركة ~~ثانية دليلا على حذفها أولا. # ولما كان الدليل أحد شيئين: سمع وعقل، قال تعالى: { ائتوني } أي حجة على ~~دعواكم في هذه الأصنام أنها خلقت شيئا، أو أنها تستحق أن تعبد { بكتاب } ~~أي واحد يصح التمسك به، ms4509 لا أكلفكم إلى الإتيان بأكثر من كتاب واحد. ولما ~~كانت الكتب متعددة ولم يكن كتاب قبل القرآن عاما لجميع ما سلف من ~~الزمان، أدخل الجار فقال تعالى: { من قبل هذا } أي الذي نزل علي ~~كالتوراة والإنجيل والزبور، وهذا من أعلام النبوة فإنها كلها شاهدة ~~بالوحدانية، لو أتى بها آت لشهدت عليه. # ولما ذكر الأعلى الذي لا يجب التكليف إلا به، وهو النقل القاطع، سهل ~~عليهم فنزل إلى ما دونه الذي منه العقل، وأقنع منه ببقية واحدة ولو كانت ~~أثرا لا عينا فقال: { أو أثارة } أي بقية رسم صالح للاحتجاج، قال ابن ~~برجان: وهي البقية من أثر كل شيء يرى بعد ذهابه وحال رؤيته بأثرها خلف عن ~~سلف يتحدثون بها في آثارهم، قال البغوي: وأصل الكلمة من الأثر وهو ~~الرواية. { من علم } أي قطعي بضرورة أو تجربة أو مشاهدة أو غيره ولو ظنا ~~يدل على ما ادعيتم فيهم من الشركة. ولما كان لهم من النفرة من الكذب ~~واستشناعه واستبشاعه واستفظاظه ما ليس لأمة من الأمم، أشار إلى تقريعهم ~~بالكذب إن لم يقيموا دليلا على دعواهم بقوله تعالى: { إن كنتم } أي بما ~~هو لكم كالجبلة { صادقين * } أي عريقين في الصدق على ما تدعون لأنفسكم. # ولما أبطل سبحانه وتعالى قولهم في الأصنام بعدم قدرتها على إتيان شيء من ~~ذلك لأنها من جملة مخلوقات في الأصل، أتبعه إبطاله بعدم علمها ليعلم ~~قطعا أنهم أضل الناس حيث ارتبطوا في أجل الأشياء - وهو أصول الدين - بما ~~لا دليل عليه أصلا، فقال تعالى منكرا أن يكون أحد أضل منهم، عاطفا على ~~ما هدى السياق حتما إلى تقديره وهو: فمن أضل ممن يدعي شيئا من الأشياء ~~وإن قل بلا دليل: { ومن أضل ممن } يدعي أعظم الأشياء بغير دليل ما عقلي ~~ولا نقلي، فهو { يدعوا } ما لا قدرة له ولا علم، وما انتفت قدرته وعلمه ~~لم تصح عبادته ببديهة العقل، وأرشد إلى سفولها بقوله تعالى: { من دون ~~الله } أي من أدنى رتبة من رتب الذي له جميع صفات الجلال ms4510 والجمال ~~والكمال، فهو سبحانه يعلم كل شيء ويقدر على كل شيء بحيث يجيب الدعاء ~~ويكشف البلاء ويحقق الرجاء إذا شاء، ويدبر عبده لما يعلم من سره وعلنه ~~بما لا يقدر هو على تدبير نفسه به، ويريد العبد في كثير من الأشياء ما لو ~~وكل العبد فيه إلى نفسه وأجيب إلى طلبته كان فيه حتفه، فيدبره سبحانه بما ~~تشتد كراهيته له فيكشف الحال عن أنه لم يكن له فرج إلا فيه { من لا ~~يستجيب له } أي لا يوجد الإجابة ولا يطلب إيجادها من الأصنام وغيرها لأنه ~~لا أهلية له لذلك. # ولما كان أقل الاستجابة مطلق الكلام، وكانوا في الآخرة يكلمونهم في ~~الجملة وإن كان بما يضرهم، غيى هذا النفي بوقت لا ينفع فيه استجابة أصلا ~~ولا يغني أحد عن أحد أبدا فقال تعالى: { إلى يوم القيامة } أي الذي ~~صرفنا لهم من أدلته ما هو أوضح من الشمس ولا يزيدهم لك إلا إنكارا ~~وركونا إلى ما لا دليل عليه أصلا وهم يدعون الهداية ويعيبون أشد عيب ~~الغواية. ولما كان من لا يستجيب قد يكون له علم بطاعة الإنسان له ترجى ~~معه إجابته يوما ما، نفى ذلك بقوله زيادة في عيبهم في دعاء ما لا رجاء ~~في نفعه: { وهم عن دعائهم } أي دعاء المشركين إياهم { غافلون * } أي لهم ~~هذا الوصف ثابت لا ينفكون عنه، لا يعلمون من يدعوهم ولا من لا يدعوهم، ~~وعبر بالغفلة التي هي من أوصاف العقلاء للجماد تغليبا إن كان المراد أعم ~~من الأصنام وغيرها ممن عبدوه من عقلاء الإنس والجن وغيرهم واتصافا إن ~~كان المراد الأصنام خاصة، أو تهكما كأنه قيل: هم علماء فإنكم أجل مقاما ~~من أن تعبدوا ما لا يعقل، وإنما عدم استجابتهم لكم دائما غفلة دائمة كما ~~تقول لمن كتب كتابا كله فاسد: أنت عالم لكنك كنت ناعسا - ونحو هذا. # ولما غيى سبحانه بيوم القيامة فأفهم أنهم يستجيبون لهم فيه، بين ما ~~يحاورونهم به إذ ذاك فقال: { وإذا حشر } أي جمع بكره على أيسر وجه وأسهل ms4511 ~~أمر { الناس } أي كل من يصح منه النوس - أي التحرك - يوم القيامة { ~~كانوا } أي المدعوون { لهم } أي للداعين { أعداء } ويعطيهم الله قوة ~~الكلام فيخاطبونهم بكل ما يخاطب به العدو عدوه { وكانوا } أي المعبودون { ~~بعبادتهم } أي الداعين، وهم المشركون - إياهم { كافرين * } لأنهم كانوا ~~عنها غافلين كما قال سبحانه وتعالى في سورة يونس عليه الصلاة والسلام # وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون # [يونس: 28]. ### || [46.7-9] # ولما بين أنهم في غاية السفه في عبادة ما لا دليل بوجه على عبادته، ~~أتبعه بيان أنهم في غاية الغباوة بإنكار ما لا شيء أبين منه، فقال عاطفا ~~على { والذين كفروا عما أنذروا معرضون }: { وإذا تتلى } أي تقرأ من أي ~~قارئ كان على وجه المتابعة { عليهم آياتنا } أي التي لا أعظم منها في ~~أنفسها وبإضافتها إلينا { بينات } لا شيء أبين منها قالوا - هكذا كان ~~الأصل ولكنه بين الوصف الحامل لهم على القول فقال: { قال الذين كفروا } ~~أي ستروا تلك الأنوار التي أبرزتها تلك التلاوة لها - هكذا كان الأصل ~~ولكنه قال: { للحق } أي لأجله { لما } أي حين { جاءهم } بيانها لأنها مع ~~بيانها لا شيء أثبت منها وأنهم بادروا أول سماعهم لها إلى إنكارها دون ~~تفكر: { هذا } أي الذي تلي { سحر } أي خيال لا حقيقة له { مبين * } أي ~~ظاهر في أنه خيال، فدل قولهم هذا - بمبادرتهم إليه من غير تأمل أصلا، ~~وبكونه أبعد الأشياء عن حقيقة ما قيل فيه - على أنهم أكثر الناس عنادا ~~وأجرؤهم على الكذب وهم يدعون أنهم أعرق الناس في الإنصاف وألزمهم للصدق. # ولما دلت هذه الآيات بعظيم حججها وزخار ما أغرق من لججها، على أن ما ~~يدينون به أوهى من الخيال، وأن هذا الكتاب في صدقه وكل شيء من أمره أثبت ~~من الجبال، فكانوا أجدر الخلق بأن يقولوا: رجعنا عما كنا فيه وآمنا، كان ~~موضع أن يقال: هل أقروا بأنك صادق في نسبة هذا الكتاب إلى الله، فعادله ~~بقوله دليلا عليه: { أم يقولون } مجددين لذلك متابعين له { افتراه } أي ~~تعمد كذبه، فيكون ذلك من قولهم عجبا ms4512 لأنه قول مقرون بما يكذبه ويبطله ~~كما يأتي في تقريره. # ولما كان كأنه قيل: إنهم ليقولون ذلك، وقد قرحوا القلوب به فماذا يردهم ~~عنه؟ قيل: { قل } ما هو أشد عليهم من وقع النبل، وهو ما يرد ما رموك به ~~عليهم بحجة هي أجلى من الشمس في الظهيرة صحوا ليس دونها سحاب. ولما كان ~~من عادة الملوك أنه متى كذب عليهم أحد عاجلوه بالعقوبة قال: { إن افتريته ~~} أي تعمدت كذبه على زعمكم وأنا إنما أريد به نصيحتكم، فالذي أفتريه عليه ~~وأنسبه إليه يعاقبني على ذلك ولا يتركني أصلا، وذلك هو معنى قوله: { فلا ~~تملكون } أي أيها المنصوحون في وقت من الأوقات بوجه من الوجوه { لي من ~~الله } أي الملك الأعظم العزيز المتكبر الحكيم { شيئا } مما يرد عني ~~انتقامه مني لأن الملك لا يترك من كذب عليه مطلق كذب، فكيف بمن يتعمد ~~الكذب عليه في الرسالة بأمور عظيمة ويلازمه مساء وصباحا غدوا ورواحا، ~~فأي حامل لي حينئذ على افترائه، والمقصود به لا ينفعني، والمكذوب عليه لا ~~يتركني؛ ثم علل ما أفاده الكلام من وجوب الانتقام بقوله: { هو أعلم } أي ~~منكم ومن كل أحد { بما تفيضون فيه } من نسبتي إلى الكذب، فلو أنه كما ~~تقولون ما ناظرني فضلا عن أنه يؤيدني وينصرني، وفيه على ذلك تهديد لهم ~~وتسلية له وتفريج عنه. # ولما كان الإملاء وحده ليس قاطعا في ذلك وإن كان ظاهرا فيه، فكان لا ~~بد في دعوى الصدق من دليل قاطع وبرهان ساطع، وكانت شهادة الملك الذي ~~الكلام فيه أعظم الأدلة لأنه الأعلم، ومدار الشهادة العلم، فأنتج الكلام ~~قطعا قوله: { كفى } وأكد الكلام بما قرن بالفاعل من حرف الجر تحقيقا ~~للفعل ونفيا للمجاز فقال: { به شهيدا } أي شاهدا بليغ الشهادة لأنه ~~الأعلم بجميع أحوالنا { بيني وبينكم } يشهد بنفسه الأقدس للصادق منا وعلى ~~الكاذب، وقد شهد بصدقي بعجزكم عن معارضة شيء من هذا الكتاب الذي أتيت به ~~فثبت بذلك أنه كلامه لأني لا أقدر وحدي على ما لا تقدرون عليه فرادى ولا ~~مجتمعين ms4513 وأنتم عرب مثلي، بل وأنا أمي وفيكم أنتم الكتبة والذين خالطوا ~~العلماء وسمعوا أحاديث الأمم وضربوا - بعد بلاد العجم - في بلاد العرب، ~~فظهر بذلك ظهور الشمس أنكم كاذبون { وهو الغفور } الذي من شأنه أن يمحو ~~الذنوب كلها أعيانها وآثارها فلا يعاقب عليها ولا يعاتب { الرحيم * } ~~الذي يكرم بعد المغفرة ويفضل بالتوفيق لما يرضيه، ففي هذا الختام ترغيب ~~للنبي صلى الله عليه وسلم في الصفح عنهم فيما نسبوه إليه في افتتاحها من ~~الافتراء، وندب إلى الإحسان إليهم، وترغيب لهم في التوبة، ومنع من أن ~~يقولوا: فلم لا يعاجلنا بالعقوبة على نسبتنا لك إلى الكذب إن كنت صادقا ~~بأنه يجوز أن يمهل الكاذب، وأما أنه يؤيده بما يشد به كذبه اللازم منه ~~أنه يزيد فيه فلا يجوز، لأن ذلك قادح في الحكمة وفي الكبرياء وفي الملك. # ولما كان من أعظم الضلال أن ينسب الإنسان إلى الكذب من غير دليل في شيء ~~لم يبتدعه، بل تقدمه بمثله ناس قد ثبت صدقهم في مثل ذلك ومضت عليه ~~الأزمان وتقرر غاية التقرر في القلوب والأذهان، قال تعالى: { قل } أي ~~لهؤلاء الذين نسبوك إلى الافتراء: { ما كنت } أي كونا ما { بدعا } أي ~~منشئا مبتدعا محدثا مخترعا بحيث أكون أجنبيا منقطعا { من الرسل } ~~لم يتقدم لي منهم مثال في أصل ما جئت به، وهو الحرف الذي طال النزاع بيني ~~وبينكم فيه وعظم الخطب وهو التوحيد ومحاسن الأخلاق بل قد تقدمني رسل ~~كثيرون أتوا بمثل ما أتيت به ودعوا إليه كما دعوت وصدقهم الله بمثل ما ~~صدقني به، فثبتت بذلك رسالاتهم وسعد بهم من صدقهم من قومهم، وشقي بهم من ~~كذبهم، فانظروا إلى آثارهم، واسألوا عن سيرهم من أتباعهم وأنصارهم ~~وأشياعهم، قال الإمام أبو عبد الله القزاز في ديوانه: والبدعة الاسم لما ~~ابتدع وضد البدعة السنة، لأن السنة ما تقدم له إمام، والبدعة ما اخترع ~~على غير مثال، وفي الحديث # " كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار " # معناه - والله أعلم - أن يبتدع ما يخالف السنة إذ كانت البدعة ms4514 ضد السنة، ~~فإذا أحدث ما يخالفها كان بإحداثه لها ضالا مشركا، وكان من أحدث في ~~النار، ولم يدخل تحت هذا ما يخترع الإنسان من أفعال البر يسمى بدعة لعدم ~~فعله قبل ذلك فيخرج عما ذكرنا إن كان له نظير في الأصول، وهو الحض على كل ~~أفعال البر ما علم منها وما لم يعلم، فإن أحدث محدث من ذلك شيئا فكأنه ~~زيادة فيما تقدم من البر وليس بضد لما تقدمه من السنة، بل هو باب من ~~أبوابها، ويقولون: ما فلان ببدع في هذا الأمر أي ليس هو بأول من أصابه ~~ذلك ولكن سبقه غيره أيضا، قال الشاعر: # ولست ببدع من النائبات # ونقض الخطوب وإمرارها # ويقال: أبدع بالرجل - إذا كلت راحلته، وأبدعت الركاب إذا كلت وعطبت، ~~وقيل: كل من عطبت ركابه فانقطع به فقد أبدع به، وقال في القاموس: والبدعة ~~الحدث في الدين بعد الإكمال أو ما استحدث بعده صلى الله عليه وسلم من ~~الأهواء والأعمال، وأبدع بالرجل: عطبت ركابه، وبقي منقطعا به، وأبدع ~~فلان بفلان: قطع به وخذله، ولم يقم بحاجته، وحجته بطلت، وقال الصغاني في ~~مجمع البحرين: وشيء بدع - بالكسر أي مبتدع، وفلان بدع في هذا الأمر أي ~~بديع، وقوم أبداع، عن الأخفش: والبديع المبتدع والبديع المبتدع أيضا، ~~وأبدعت حجة فلان - إذا بطلت وأبدعت: أبطلت - يتعدى ولا يتعدى. # ولما أثبت بموافقته صلى الله عليه وسلم للرسل أصل الكلام وبقي أن يقال: ~~إن التكذيب في أن الله أرسله به، قام الدليل على صدقه في دعواه، وذلك ~~بأنه مماثل لهم في أصل الخلقة ليس له من ذاته من العلم إلا ما لهم، وليس ~~منهم أحد يصح له حكم على المغيبات، فلولا أن الله أرسله لما صح كل شيء ~~حكم به على المستقبلات ولم يتخلف من ذلك شيء فقال: { وما أدري } أي في ~~هذا الحال بنوع حيلة وعمل واجتهاد { ما } أي الذي { يفعل } أي من أي ~~فاعل كان سواء كان هو الله تعالى بلا واسطة أو بواسطة غيره { بي } وأكد ~~النفي ليكون ظاهرا ms4515 في الاجتماع وكذلك في الانفراد أيضا فقال: { ولا } ~~أي ولا أدري الذي يفعل { بكم } هذا في أصل الخلقة وأنتم ترونني أحكم على ~~نفسي بأشياء لا يختل شيء منها مثل أن أقول: إني آتيكم من القرآن بما ~~يعجزكم، فلا تقدرون كلكم على معارضة شيء منه فيضح ذلك على سبيل التكرار ~~لا يتخلف أصلا، فلولا أن الله أرسلني به لم أقدر وحدي على ما لا تقدرون ~~عليه كلكم، وإن قدرت على شيء كنتم أنتم أقدر مني عليه، وفي الآية بعمومها ~~دليل على أن لله أن يفعل ما يشاء، فله أن يعذب الطائع وينعم العاصي، ولو ~~فعل ذلك لكان عدلا وحقا وإن كنا نعتقد أنه لا يفعله. # ولما سوى نفسه الشريفة بهم في أصل الخلقة، وكان قد ميزه الله عنهم بما ~~خصه من النبوة والرسالة، أبرز له ذلك - سبحانه وتعالى على وجه النتيجة ~~فقال: { إن } أي ما { أتبع } أي - بغاية جهدي وجدي { إلا ما } أي الذي { ~~يوحى } أي يجدد إلقاؤه ممن لا يوحي بحق إلا هو { إلي } على سبيل التدريج ~~سرا، لا يطلع عليه حق اطلاعه غيري، ومنه ما أخبر فيه عن المغيبات فيكون ~~كما قلت، فلا يرتاب في أني لا أقدر على ذلك بنفسي فعلم أنه من الله. # ولما نسبوه إلى الافتراء تارة والجنون أخرى، وكان السبب الأعظم في ~~نسبتهم له إلى ذلك صدعهم بما يسوءهم على غير عادته السالفة وعادة أمثاله، ~~قال على سبيل القصر القلبي: { وما أنا } أي بإخباري لكم عما يوحى إلي { ~~إلا نذير } أي لكم ولكل من بلغه القرآن { مبين * } أي ظاهر أني كذلك في ~~نفسه مظهر له - أي كوني نذيرا - ولجميع الجزئيات التي أنذر منها بالأدلة ~~القطعية. ### || [46.10-13] # ولما أثبت أنه من عند الله بشهادة الله نفسه بعجزهم عن المعارضة، قبح ~~عليهم إصرارهم على التكذيب على تقدير شهادة أحد ممن يثقون بهم يسألونهم ~~عنه من أهل الكتاب فقال تعالى: { قل أرءيتم } أي أخبروني وبينوا لي ~~وأقيموا ولو ببعض حجة أو برهان { إن كان } أي هذا الذي يوحى ms4516 إلي وآتيكم ~~به وأنذركم وأعلمكم أنه من الله فإنه { من عند الله } أي الملك الأعظم. # ولما كان مقصود السورة إنذار الكافرين الذين لا ينظرون في علم، بل شأنهم ~~تغطية المعارف والعلوم، عطف بالواو الدالة على مطلق الجمع الشامل لمقارنة ~~الأمرين المجموعين من غير مهلة فيدل على الإسراع في الكفر من غير تأمل ~~قال: { وكفرتم به } أي على هذا التقدير { وشهد شاهد } أي واحد وأكثر { من ~~بني إسرائيل } الذين جرت عادتكم أن تستفتوهم وتثقوا بهم { على مثله } أي ~~مثل ما في القرآن من أن من وحد فقد آمن، ومن أشرك فقد كفر، وأن الله أنزل ~~ذلك في التوراة والإنجيل وجميع أسفارهم، فطابقت عليه كتبهم، وتظافرت به ~~رسلهم، وتواترت على الدعاء إليه والأمر به أنبياؤهم عليهم الصلاة ~~والسلام، ثم سبب عن شهادته وعقب وفصل فقال: { فآمن } أي هذا الذي شهد هذه ~~الشهادة بهذا القرآن عندما رآه مصدقا لما ذكر وعلم أنه الكتاب الذي بشرت ~~به كتبهم، فاهتدى إلى وضع الشيء في محله فوضعه ولم يستكبر. # ولما كان الحامل لهم بعد هذه الأدلة على التمادي على الكفر إنما هو ~~الشماخة والأنفة قال: { واستكبرتم } أي أوجدتم الكبر بالإعراض عنه طالبين ~~بذلك الرئاسة والفخر والنفاسة، فكنتم بعد شهادة هذا الشاهد معاندين من ~~غير شبهة أصلا فضللتم فكفرتم فوضعتم الشيء في غير موضعه فانسد عليكم باب ~~الهداية. # ولما كانوا يدعون أنهم أهدى الناس وأعدلهم، وكان من رد شهادة الخالق ~~والخلق ظالما شديد الظلم، فكان ضالا على علم، قال الله تعالى مستأنفا ~~دالا على أن تقدير الجواب: أفلم تكونوا بتخلفكم عن الإيمان بعد العلم قد ~~ظلمتم ظلما عظيما بوضع الكفران موضع الإيمان، فتكونوا ضالين تاركين ~~للطريق الموصل على عمد { إن الله } أي الملك الأعظم ذا العزة والحكمة { ~~لا يهدي القوم } أي الذين لهم قدرة على القيام بما يريدون محاولته { ~~الظالمين * } أي الذين من شأنهم وضع الأمور غير مواضعها، فلأجل ذلك لا ~~يهديكم لأنه لا أحد أرسخ منكم في الظلم الذي تسبب عنه ضلالكم، أما من كان ~~منكم ms4517 عالما فالأمر فيه واضح، وأما من كان منكم جاهلا فهو كالعالم لعدم ~~تدبره مثل هذه الأدلة التي ما بين العالم بلسان العرب وبين انكشافها له ~~إلا تدبها مع ترك الهوى، وقال الحسن - كما نقله البغوي - الجواب: فمن أضل ~~منكم كما قال في " فصلت " # قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به من أضل ممن هو في شقاق بعيد # [فصلت: 52] فالآية من الاحتباك: ذكر الإيمان أولا دليلا على ضده ~~ثانيا، والاستكبار والظلم وعدم الهداية ثانيا دليلا على أضدادها ~~أولا، وسره أنه شكر سببي السعادة ترغيبا وترهيبا. # ولما دل على أن تركهم للإيمان إنما هو تعمد للظلم استكبارا، عطف على ~~قولهم { إنه سحر } ما دل على الاستكبار فقال تعالى: { وقال الذين كفروا } ~~أي تعمدوا تغطية الحق { للذين } أي لأجل إيمان الذين { آمنوا } إذ سبقوهم ~~إلى الإيمان: { لو كان } إيمانهم بالقرآن وبهذا الرسول { خيرا } أي من ~~جملة الخيور { ما سبقونا إليه } ونحن أشرف منهم وأكثر أموالا وأولادا ~~وأعلم بتحصيل العز والسؤدد الذي هو مناط الخير فكأن لم يسبقونا إلى شيء ~~من هذه الخيرات التي نحن فائزون بها وهم صفر منها، لكنه ليس بخير، فلذلك ~~سبقوا إليه فكان حالهم فيه حالهم فيما هو محسوس من أمورهم في المال ~~والجاه. # ولما أخبر عما قالوا حين سبقهم غيرهم، أخبر عما يقولون عند تعمد الإعراض ~~عنه فقال: { وإذ } أي وحين { لم يهتدوا به } يقولون عنادا وتكبرا ~~وكفرا: لو كان هدى لأبصرناه ولم يعلموا أنها لا تعمي الأبصار ولكن تعمي ~~القلوب التي في الصدور. # ولما كان التقدير: فإن قيل لهم: فما هو؟ أجابه بقوله مسببا عن هذا ~~المقدر علما من أعلام النبوة: { فسيقولون } بوعد لا خلف فيه لأن الناس ~~أعداء ما جهلوا ولأنهم لم يجدوا على ما يدعونه من أنه لو كان خيرا ~~لسبقوا غيرهم إليه دليلا: { هذا } أي الذي سبقتم إليه { إفك } أي شيء ~~مصروف عن وجهه إلى قفاه { قديم * } أفكه غيره وعثر هو عليه فأتى به ونسبه ~~إلى الله. # ولما كان هذا الكلام ساقطا ms4518 في نفسه لما قام من الأدلة الباهرة على صدق ~~القرآن وكان الوقوف مع المحسوسات غالبا عليهم لعدم نفوذهم في المعقولات، ~~دل على بطلانه لموافقة القرآن لأعظم الكتب القديمة التوراة التي اشتهر ~~أنها من عند الله وأن الآتي بها كلم وقد صدقه الله في الإتيان بها بما لم ~~يأت به قبله من المعجزات والآيات البينات وهم يستفتون أهلها، فقال على ~~وجه التبكيت لهم والتوبيخ: { ومن } أي قالوا ذلك والحال أنه كان في بعض ~~الزمن الذي من { قبله } أي القرآن العظيم الذي حرموا تدبر آياته وحل ~~مشكلاته وأعجزهم فصاحته { كتاب موسى } كلم الله وصفوته عليه الصلاة ~~والسلام وهو التوراة التي كلمه الله بها تكليما حال كون كتابه { إماما ~~} أي يستحق أن يؤمه كل من سمع به في أصول الدين مطلقا وفي جميع ما فيه ~~قبل تحريفه ونسخه وتبديله { ورحمة } لما فيه من نعمة الدلالة على الله ~~والبيان الشافي فهبهم طعنوا في هذا القرآن وهم لا يقدرون على الطعن في ~~كتاب موسى الذي قد سلموا لأهله أنهم أهل العلم وجعلوهم حكماء يرضون ~~بقولهم في هذا النبي الكريم، وكتابهم مصادق لكتابهم فقد صاروا بذلك ~~مصدقين بما كذبوا به، ولذلك قال الله تعالى: { وهذا } أي القرآن المبين ~~المبين { كتاب } أي جامع لجميع الخيرات. # ولما أريد تعميم التصديق بجميع الكتب الإلهية والحقوق الشرعية، حذف ~~المتعلق فقال: { مصدق } أي لكتاب موسى عليه الصلاة والسلام وغيره من ~~الكتب التي تصح نسبتها إلى الله تعالى فإن جميع الكتب التي جاءت به الرسل ~~ناطقة بتوحد الله وأن هذا الكتاب لم يخرج عن هذا فأنى يصح فيما هذا شأنه ~~أن يكون إفكا، إنما الإفك ما كذب كتب الله التي أتت بها أنبياؤه ~~وتوارثها أولياؤه. # ولما كان الكتاب قد تقوم الأدلة على مصادقته لكتب الله ويكون بغير لسان ~~المكذب به فيكون في التكذيب أقل ملامة، احترز عن ذلك بقوله: { لسانا } ~~أي أشير إلى هذا المصدق القريب منكم زمانا ومكانا وفهما حال كونه { ~~عربيا } في أعلى طبقات اللسان العربي مع كونه أسهل الكتب ms4519 تناولا ~~وأبعدها عن التكليف، ليس هو بحيث يمنعه علوه بفخامة الألفاظ وجلالة ~~المعاني وعلو النظم ورصافة السبك ووجازة العبارة، وظهور المهاني ودقة ~~الإشارة مع سهولة الفهم وقرب المتناول بعد بعد المغزى. # ولما دل على أن الكتاب حق، بين ثمرته فقال: { لينذر } أي أشير إلى ~~الكتاب في هذا الحال لينذر الكتاب بحسن بيانه وعظيم شأنه { الذين ظلموا } ~~سواء كانوا عريقين في الظلم أم لا، فأما العريقون فهو لهم نذري كاملة، ~~فإنهم لا يهتدون كما تقدم، وأما غيرهم فيهتدي بنذارته ويسعد بعبارته ~~وإشارته، وليبشر الذين أحسنوا في وقت ما { ما } هو { بشرى } كاملة { ~~للمحسنين * } لا نذارة لهم لا في الدنيا ولا في الآخرة، فالآية من ~~الاحتباك: أثبت أولا { ينذر } و { الذين ظلموا } دلالة على حذف نحوه ~~ثانيا، { وبشرى } و { للمحسنين } ثانيا دلالة على { نذري } { ~~وللظالمين } أولا. # ولما بين حالة المحسنين شرح أمرهم فقال مستأنفا في جواب من سأل عنهم ~~وعن بشراهم: { إن الذين قالوا ربنا } أي خالقنا ومولانا والمحسن إلينا { ~~الله } سبحانه وتعالى لا غيره. ولما كانت الاستقامة - وهي الثبات على كل ~~ما يرضي الله مع ترتبها على التوحيد - عزيزة المنال عليه الرتبة، وكانت ~~في الغالب لا تنال إلا بعد منازلات طويلة ومجاهدات شديدة، أشار إلى كل من ~~بعدها وعلو رتبتها بأداة التراخي فقال: { ثم } أي بعد قولهم ذلك الذي ~~وحدوا به { استقاموا } أي طلبوا القوم طلبا عظيما وأوجدوه. # ولما كان الوصف لرؤوس المؤمنين، عد أعمالهم أسبابا فأخبر عنهم بقوله: { ~~فلا خوف عليهم } أي يعلوهم بغلبة الضرر، ولعله يعبر في مثل هذا بالاسم ~~إشارة إلى أن هيبته بالنظر إلى جلاله وقهره وجبروته وكبره وكماله لا ~~تنتفي، ويحصل للأنسان باستحضارها إخبات وطمأنينة ووقار وسكينة يزيده في ~~نفسه جلالا ورفعة وكمالا، فالمنفي خوف يقلق النفس { ولا هم } في ~~ضمائرهم ولا في ظواهرهم { يحزنون * } أي يتجدد لهم شيء من حزن أصلا. ### || [46.14-16] # ولما نفى عنهم المحذور، مدهم بإيثار السرور، فقال تعالى: { أولئك } أي ~~العالو الدرجات { أصحاب الجنة } ولما دلت الصحبة على الملازمة، صرح بها ~~بقوله ms4520 تعالى: { خالدين فيها } خلودا لا آخرا له، جوزوا بذلك { جزاء } ~~ولما كانوا محسنين فكانت أعمالهم في غاية الخلوص جعلها تعالى أسبابا ~~أولا وثانيا، فقال مشيرا إلى دوامها لأنها في جبلاتهم { بما كانوا } ~~أي طبعا وخلقا { يعملون * } على سبيل التجديد المستمر. # ولما تفضل سبحانه وتعالى على الإنسان بعد الأعمال التي هيأه لها وأقدره ~~عليها ووفقه لها أسبابا قرن بالوصية بطاعته - لكونه المبدع - الوصية ~~بالوالدين لكونه تعالى جعله سبب الإيجاد، فقال في هذا السياق الذي عد فيه ~~الأعمال لكونه سياق الإحسان التي أفضلها الصلاة على ميقاتها، وثانيها في ~~الرتبة بر الوالدين كما في الصحيح، وفي الترمذي: # " رضى الله في رضى الوالدين وسخطه في سخطهما " # وعلى هذا المنوال جرت عادة القرآن يوصي بطاعة الوالدين بعد الأمر ~~بعبادته # وإذ أخذ الله ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا # [البقرة: 83] # واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا # [النساء: 36] وكذا ما بعدهما عاطفا على ما قدرته أو السورة من نحو أن ~~يقال: وأمرنا الناس أجميعن أن يكونوا بطاعتنا في مهلة الأجل عاملين ~~ولمعصيتنا مجتنبين: { ووصينا الإنسان } أي هذا النوع الذي أنس بنفسه { ~~بوالديه } ولما استوفى { وصى } مفعوليه كان التقدير: ليأتي إليهما حسنا، ~~وقرأ الكوفيون: { إحسانا } وهو أوفق للسياق. # ولما كان حق الأب ظاهرا لا له من الكسب والإنفاق والذب والتأديب لم ~~يذكره، وذكر ما للأم لأن أمده يسير، فربما استهين به فقال مستأنفا أو ~~معللا: { حملته أمه } أي بعد أن وضعه أبوه بمشاركتها في أحشائها، حملا ~~{ كرها } بثقل الحبل وأمراضه وأوصابه وأعراضه { ووضعته } أي بعد تمام ~~مدة حمله { كرها } فدل هذا - مع دلالته على وجوب حق الأم - على أن الأمر ~~في تكوينه لله وحده، وذكر أوسط ما للأم من مدة التعب بذكر أقل مدة الحمل ~~وأنهى مدة الرضاع لانضباطها فقال تعالى: { وحمله وفصاله } أي ومدة حمله ~~وغاية فطامه من الرضاع، وعبر بالفصال لإرادة النهاية لأن الفطام قد يكون ~~قبل النهاية لغرض ثم تظهر الحاجة فتعاد الرضاعة { ثلاثون شهرا } فانصرف ~~الفصال إلى الكامل الذي ms4521 تقدم في البقرة فعرف أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، ~~وبه قال الأطباء، وربما أشعر بأن أقل مدة الرضاع سنة وتسعة أشهر لأن أغلب ~~الحمل تسعة أشهر. # ولما كان ما بعد ذلك تارة يشترك في مؤنته الأبوان وتارة ينفرد أحدهما، ~~طوي ذكرهما، وذكر حرف الغاية مقسما للموصي إلى قسمين: مطيع وعاصي، ~~ذاكرا ما لكل من الجزاء بشارة ونذارة، إرشادا إلى أن المعنى: واستمر ~~كلا على أبويه أو أحدهما { حتى إذا بلغ أشده } قال في القاموس: قوته، ~~وهو ما بين ثماني عشرة سنة إلى ثلاثين، واحد جاء على بناء الجمع كأنك ولا ~~نظير لهما، أو جمع لا واحد له من لفظه، أو واحده شدة بالكسر مع أن فعلة ~~لا تجمع على أفعل، أو شد ككلب وأكلب أو شد كذئب وأذؤب، وما هما بمسموعين ~~بل قياس - انتهى، وقد مضى في سورة يوسف ما ينفع هنا جدا، وروى الطبراني ~~في ترجمة ابن أحمد بن لبيد البيروتي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ~~الأشد ثلاث وثلاثون سنة، وهو الذي رفع عليه عيسى ابن مريم - قال الهيثمي: ~~وفيه صدقة بن يزيد وثقه أبو زرعة وأبو حاتم وضعفه أحمد وجماعة وبقية ~~رجاله ثقات، قال الزمخشري: وهو أول الأشد وغايته الأربعون. # ولما كانت أيام الصبى والشباب وإن كانت صفوة عمر الإنسان وأوقات لذاذته ~~ومجتمع شمله وراحاته فيها يظهر له سر عمره في الغالب لغلبة الأنفس ~~الخبيثة عليه البهيمية والسبعية لما يحملانه عليه من نتائج الشهوات ~~ونوازع الغضب والبطالات، عبر بما يدل على القحط والشؤم والضيق تنبيها ~~على ذلك، فقال شارحا للاستواء ومعبرا عنه: { وبلغ أربعين سنة } فاجتمع ~~أشده وتم حزمه وجده، وزالت عنه شرة الشباب وطيش الصبا ورعونة الجهل، ~~ولذلك كان هذا السن وقت بعثة الأنبياء، وهو يشعر بأن أوقات الصبى أخف في ~~المؤاخذة مما بعدها وكذا ما بين أول الأشد والأربعين { قال } إن كان ~~محسنا قابلا لوصية ربه: { رب } أي أيها المحسن إلي بالإيجاد وتيسير ~~الأبوين وغيرهما وتسخيره { أوزعني } أي اجعلني أطيق { أن أشكر ms4522 نعمتك } أي ~~وازعا للشكر أي كافا مرتبطا حتى لا يغلبني في وقت من الأوقات، وذلك ~~الشكر بالتوحيد في العبادة كما أنه يوحد بنعمة الإيجاد والترزيق، ووحدها ~~تعظيما للأمر بالإشارة إلى أن النعمة الواحدة لا يبلغ شكرها إلا بمعونة ~~الله مع أن ذكر الأبوين يعرف أن المراد بها الجنس. # ولما كان ربما ظن ظان أن المراد بنعمته قدرته على الإنعام ليكون المعنى: ~~أن أشكر لك لكونك قادرا على الإنعام، قال: { التي أنعمت علي } أي ~~بالفعل لوجوب ذلك علي لخصوصه بي { وعلى والدي } ولو بمطلق الإيجاد ~~والعافية في البدن، لأن النعمة عليهما نعمة علي، وقد مضى في النمل ما ~~يتعين استحضاره هنا. # ولما كان المقصود الأعظم من النعمة الماضية نعمة الإيجاد المراد من ~~شكرها التوحيد، أتبعها تمام الشكر فقال: { وأن أعمل } أي أنا في خاصة ~~نفسي { صالحا }. ولما كان الصالح في نفسه قد يقع الموقع لعدم الإذن فيه ~~قال: { ترضاه } والتنكير إشارة إلى العجز عن بلوغ الغاية فإنه لن يقدر ~~الله حق قدره أحد. # ولما دعا لنفسه بعد أن أوصى برعاية حق أبيه، لقنه سبحانه الدعاء لمن ~~يتفرع منه، حثا على رعاية حقوقهم لئلا يسلطهم على عقوقه فقال: { وأصلح } ~~أي أوقع الإصلاح، وقال: { لي في ذريتي } لأن صلاحهم يلحقه نفعه، والمراد ~~بقصر الفعل وجعلهم ظرفا له أن يكون ثابتا راسخا ساريا فيهم وهم ~~محيطون به فيكونوا صالحين. # ولما استحضر عند كمال العقل في الأربعين أن ما مضى من العمر كان أغلبه ~~ضائعا فدعا، وكان من شرط قبول الدعاء التوبة، علله بقوله: { إني تبت } ~~أي رجعت { إليك } أي عن كل ما يقدح في الإقبال عليك، وأكده إعلاما بأن ~~حاله في الإقبال على الشهوات حال من يبعد منه الإقلاع فينكر إخباره به، ~~وكذا قوله: { وإني من المسلمين * } أي الذين أسلموا ظواهرهم وبواطنهم لك ~~فانقادوا أتم انقياد وأحسنه. # ولما وصف هذا المؤمن بادئا به لكونه في سياق الإحسان، وكان المراد ~~بالإنسان الجنس، قال مادحا له بصيغة الجمع منبها على أن قبول الطاعات ~~مشروط ببر الوالدين ms4523 لأن ما ظهر دليل ما بطن، ومن لا يشكر من كان من جنسه ~~لا سيما وهو أقرب الناس إليه لا سيما وهو السبب في إيجاده لم يشكر الله ~~كما في الحديث # " لا يشكر الله من لا يشكر الناس " # ومن صلح ما بينه وبين الله صلح ما بينه وبين الناس عامة لا سيما الأقارب ~~نسبا أو مكانا لا سيما الوالدين: { أولئك } أي العالو الرتبة { الذين ~~نتقبل } بأسهل وجه { عنهم } وأشار سبحانه بصيغة التفعل إلى أنه عمل في ~~قبوله عمل المعتني، وقرأ حمزة والكسائي وحفص بالنون فيه وفي الذي بعده، ~~ويدل على ذلك قوله تعالى: { أحسن } ويجوز أن يراد به مطلق الدعاء أو ~~الطاعات ويكون ما دون الأحسن مقبولا، قبولا مطلقا على مقدار النية ~~فيه، وتكون التعدية بعن إشارة إلى أن جبلاتهم مبنية على الترقي في معارج ~~الكمال في كل وقت إلى غير نهاية، فتكون هذه المحاسن ليست منهم بمعنى أنهم ~~مجبولون على أعلى منها في نهاياتهم والعبرة بالنهايات ولذلك قال تعالى: { ~~ما عملوا } ولم يقل: أعمالهم. ولما كان الإنسان محل النقصان وإن كان ~~محسنا، نبه على ذلك وعلى أن شرط تكفير السيئات التوبة بقوله تعالى: { ~~ونتجاوز } أي بوعد مقبول لا بد من كونه، وهو معنى قراءة حمزة والكسائي ~~بالنون في الفعلين { عن سيئاتهم } أي فلا يعابهم عليها. # ولما كان هذا مفهما لأنهم من أهل الجنة، صرح به زيادة في مدحهم بقوله: ~~{ في أصحاب الجنة } أي أنه فعل بهم ذلك وهم في عدادهم لأنهم لم يزالوا ~~فيه لأنهم ما برحوا بعين الرضا. ولما كان هذا وعدا، أكد مضمونه بقوله: { ~~وعد الصدق } لكونه مطابقا للواقع { الذي كانوا } بكون ثابت جدا { ~~يوعدون * } أي يقطع لهم الوعد به في الدنيا ممن لا أصدق منهم، وهم الرسل ~~عليهم الصلاة والسلام. ### || [46.17-18] # ولما ذكر سبحانه هذا المحسن بادئا به لكون المقام للإحسان، أتبعه ~~المسيء المناسب لمقصود السورة المذكور صريحا في مطلعها فقال تعالى: { ~~والذي قال لوالديه } مع اجتماعهما كافرا لنعمهما نابذا لوصيتنا بهما ~~فكان كافرا بنعمة أعظم ms4524 منعم محسوس بعد الكفر بنعم أعظم منعم مطلقا، ~~والتثنية مشيرة إلى أنه أغلظ الناس كبدا، لأن العادة جرت بقبول الإنسان ~~كلام أصله ولو كان واحدا، وأن الاجتماع مطلقا له تأثير فكيف إذا كان ~~والدا: { أف } أي تضجر وتقذر واسترذال وتكره مني ولغاتها أربعون - حكاها ~~في القاموس، المتواتر منها عن القراء ثلاث: الكسر بغير تنوين وهو قراءة ~~الجمهور، والمراد به أن المعنى الذي قصده مقترن بسفول ثابت، ومع التنوين ~~وهو قراءة المدنيين وحفص والمراد به أنه سفول عظيم سائر مع الدهر بالغلبة ~~والقهر، والفتح من غير تنوين وهو قراءة ابن كثير وابن عامر ويعقوب، ~~والمراد به اقتران المعنى المقصود بالاشتهار بالعلو والانتشار مع الدوام، ~~وقد تقدم في الإسراء عن الحرالي - وهو الحق - أن التأفيف أنهى الأذى ~~وأشده، فإن معناه أن المؤفف به لا خطر له ولا وزن أصلا، ولا يصلح لشيء ~~بل هو عدم بل العدم خير منه مع أنهى القذر. # ولما كان كأنه قيل: لمن هذا التأفيف؟ قال: { لكما } ولما كانا كأنهما ~~قالا له: لم هذا التقذير العظيم بعد الإحسان لا تقدر على جزائنا به، قال ~~مبكتا موبخا منكرا على تقدير كونه وعدا: { أتعدانني } أي على سبيل ~~الاستمرار بالتجديد في كل وقت { أن أخرج } أي من مخرج ما يخرجني من الأرض ~~بعد أن غبت فيها وصرت ترابا أحيى كما كنت أول مرة { وقد } أي والحال أنه ~~قد { خلت } أي تقدمت وسبقت ومضت على سنن الموت { القرون } أي الأجيال ~~الكثيرة من صلابتهم، وأثبت الجار لأن القرن لا ينخرم إلا بعد مدة طويلة، ~~فالانخرام في ذلك غير مستغرق للزمان فقال: { من قبلي } أي قرنا بعد قرن ~~وأمة بعد أمة وتطاولت الأزمان وأغلبهم يكذب بهذا الحديث فأنا مع الأغلب، ~~وتأيد ذلك بأنه لم يرجع أحد منهم { وهما } أي والحال أنهما كلما قال لهما ~~ذلك { يستغيثان الله } أي يطلبان بدعائهما من له جميع الكمال أن يعينهما ~~بإلهامة قبول كلامهما، قائلين لولدهما مجتهدين بالنصيحة له بعد الاجتهاد ~~بالدعاء: { ويلك } كما يقول المشفق إذا زاد به ms4525 الكرب وبلغ منه الغم، ~~إشارة إلى أنه لم يبق له إن أعرض إلا الويل وهو الهلاك { آمن } أي أوقع ~~الإيمان الذي لا إيمان غيره، وهو الذي ينقذ من كل هلكة، ويوجب كل فوز ~~بالتصديق بالعبث وبكل ما جاء عن الله، ثم عللا أمرهما على هذا الوجه ~~مؤكدين في مقابلة إنكاره فقالا: { إن وعد الله } أي الملك الأعظم المحيط ~~بجميع صفات المهابة والكمال الموصوف بالعزة والحكمة { حق } أي ثابت أعظم ~~ثبات لانه لو لم يكن حقا لكان نقصا من جهة الإخلاف الذي لا يرضاه لنفسه ~~أقل العرب فكيف وهو يلزم منه منافاة الحكمة بكون الخلق حينئذ على وجه ~~العبث لأنهم عباد ورعايا لا يعرضون على ملكهم الذي أبدعهم مع علمه بما هم ~~عليه من ظلم بعضهم لبعض وبغي بعضهم على بعض { فيقول } مسببا عن قولهما ~~ومعقبا له: { ما هذا } أي الذي ذكرتماه لي من البعث { إلا أساطير ~~الأولين * } أي خرافات كتبها على وجه الكذب الأولائل وتناقلها منهم ~~الأعمار جيلا بعد جيل فصارت بحيث يظن الضعفاء أنها صحيحة - هذا والعجب ~~كل العجب أنه بتصديقه لا يلزمه فساد على تقدير من التقادير الممكنة، بل ~~يحمله التصديق على محاسن الأعمال ومعالي الأخلاق التي هو مقر بأنها محاسن ~~من لزوم طريق الخير وترك طريق الشر، وتكذيبه يجره إلى المرح والأشر، ~~والطبر وأفعال الشر، ودنايا الأخلاق مع احتمال الهلاك الذي يخوفانه به ~~وهو لا ينفي أنه محتمل وإن استبعده فما دعوه إليه كما ترى لا يأباه عاقل ~~ولكنها عقول كادها باريها. # ولما كان هذا الكلام، ومع بلوغ النهاية في حسن الانتظام، وقد حصر ~~الإنسان هذين القسمين مثلا بليغا لكفار العرب ومؤمنيهم، فالأول ~~للمؤمنين التابعين لملة إبراهيم عليه الصلاة والسلام، الآتي بها أعظم ~~أنبيائه الكرام محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، والثاني للكفار المنابذين ~~لأعظم آبائهم إبراهيم عليه الصلاة والسلام الذي يعرفونه منه نقلا ~~يتوارثونه من آبائهم، وقرآنا معجزا كأنهم سمعوه من خالقهم أنه موحد لله ~~مقر بالبعث محذر من غوائله، وكان قد ابتدأ سبحانه الحديث عنهم بما ms4526 ذكر ~~مما كفروا فيه المنعمين واستحقوا كلتا السوءتين، خزي الدنيا وعذاب ~~الآخرة، أخبر عنهم بما أنتجه تكذيبهم بموعود ربهم وعقوقهم لوالديهم حقيقة ~~أو تعليما بقوله: { أولئك } أي البعداء من العقل والمروءة وكل خير { ~~الذين حق } أي ثبت ووجب. ولما كان هذا وعيدا، دل عليه بأداة الاستعلاء ~~فقال: { عليهم القول } أي الكامل في بابه بأنهم أسفل السافلين، وهذا يكذب ~~من قال: إنها نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما، فإنه أسلم ~~وصار من أكابر الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، فحقت له الجنة. # ولما أثبت لهم هذه الشنيعة، عرف بكثرة من شاركهم فيها فقال: { في } أي ~~كائنين في { أمم } أي خلائق كانوا بحيث يقصدهم الناس ويتبع بعضهم بعضا { ~~قد خلت } تلك الأمم. ولما كان المحكوم عليه بعض السالفين، أدخل الجار ~~فقال: { من قبلهم } فكانوا قدوتهم { من الجن } بدأ بهم لأن العرب ~~تستعظمهم وتستجير بهم، وذلك لأنهم يتظاهرون لهم يؤذونهم ولم يقطع أذاهم ~~لهم وتسلطهم عليهم ظاهرا وباطنا إلا القرآن، فإنه أحرقهم بأنواره ~~وجلاهم عن تلك البلاد بجلي آثاره { والإنس } وما نفعتهم كثرتهم ولا أغنت ~~عنهم قوتهم، ثم علل حقوق الأمر عليهم أو استأنف بقوله مؤكدا تكذيبا لظن ~~هذا القسم الذي الكلام فيه أن الصواب مع الأكثر: { إنهم } أي كلهم { ~~كانوا } أي جبلة وطبعا وخلقا لا يقدرون على الانفكاك عنه { خاسرين * } ~~أي عريقين في هذا الوصف. ### || [46.19-21] # ولما قسمهم في الأعمال، جمعهم في العدل والإفضال فقال: { ولكل } أي من ~~فريقي السعداء والبعداء من القبيلتين: الجن والإنس، في الدنيا والآخرة { ~~درجات } أي دركات أي منازل ومراتب متفاضلين فيها { من } أجل { ما عملوا } ~~أو من جوهره ونوعه من الأعمال الصالحة والطالحة. ولما كان التقدير: ليظهر ~~ظهورا بينا أنه سبحانه فاعل بالاختيار بالمفاوته بين العقلاء ويظهر ~~بينا لا وقفة فيه أن الحقائق على غير ما كان يتراءى لهم في الدنيا، فإن ~~حجب المكاره والشهوات كانت ترى الأمور على خلاف ما هي عليه، عطف عليه ~~قوله في قراءة البصريين وعاصم وهشام عن ابن عامر ms4527 بخلاف عنه: { وليوفيهم } ~~أي ربهم الذي تقدم إقبال المحسن عليه ودعاؤه له، وقراءة الباقين بالنون ~~أنسب لمطلع السورة ولما يشير إليه من كشف حجب الكبرياء في يوم الفصل. # ولما كان سبحانه يعلم مثاقيل الذر وما دونها وما فوقها ويجعل الجزاء على ~~حسبها في المقدار والشبه والجنس والنوع والشخص حتى يكاد يظن العامل أن ~~الجزاء هو العمل قال: { أعمالهم } أي جزاءها من خير وشر وجنة ونار - وهذا ~~ظاهر، أو نص في أن الجن يثابون بالإحسان كما يعاقبون بالعصيان، وسورة ~~الرحمن كلها خطاب للثقلين بالثواب لأهل الطاعة، والعقاب لأهل المعصية من ~~كل من القبيلتين؛ كما سيأتي إن شاء الله تعالى بيانه، ويجزى مطيعهم ~~بالثواب كما يجازى عاصيهم بالعقاب - قاله مالك وابن أبي ليلى والضحاك ~~وغيرهم كما نقله البغوي { وهم } أي والحال أنهم { لا يظلمون * } أي لا ~~يتجدد لهم شىء من ظالم ما من ظلم في جزاء أعمالهم بزيادة في عقاب أو نقص ~~من ثواب، بل الرحمانية كما كانت لهم في الدنيا فهي لهم في الآخرة فلا ~~يظلم ربك أحدا بأن يعذبه فوق ما يستحقه من العقاب، أو ينقصه عما يستأهل ~~من الثواب. # ولما كان الظاهر في هذه السورة الإنذار كما يشهد به مطلعها، قال ذاكرا ~~بعض ما يبكت به المجرمون يوم البعث الذي كانوا به يكذبون ويكون فيه توفية ~~جزاء الأعمال، عاطفا على ما تقديره: اذكر لهم هذا لعلهم يأنفون أن ~~يكونوا المسيئين فيكونوا من المحسنين: { ويوم } أي واذكر لهم يوم يعرضون ~~- هكذا كان الأصل ولكنه أظهر الوصف الذي أوجب لهم الجزاء إشارة إلى أن ~~الأمر كان ظاهرا لهم ولكنهم ستروا، أنوار عقولهم فقال: { يعرض الذين ~~كفروا } أي من الفريقين المذكورين { على النار } أي يصلون لهبها ويقلبون ~~فيها كما يعرض اللحم الذي يشوى، مقولا لهم على سبيل التنديم والتقريع ~~والتوبيخ والتشنيع لأنهم لم يذكروا الله حق ذكره عند شهواتهم بل نالوها ~~مع مخالفة أمره سبحانه ونهيه: { أذهبتم } في قراءة نافع وأبي عمرو ~~والكوفيين بالإخبار، وقراءة الباقين بالاستفهام لزيادة الإنكار والتوبيخ ~~{ طيباتكم } أي ms4528 لذاتكم باتباعكم الشهوات { في حياتكم } ونفر منها بقوله ~~تعالى: { الدنيا } أي القريبة الدنية المؤذن وصفها لمن يعقل بحياة أخرى ~~بعدها، فكان سعيكم في حركاتكم وسكناتكم لأجلها حتى نلتموها { واستمتعتم } ~~أي طلبتم وأوجدتم انتفاعكم { بها } وجعلتموها غاية حظكم في رفعتكم ~~ونعمتكم. # ولما كان ذلك استهانة بالأوامر والنواهي للاستهانة بيوم الجزاء، سبب عنه ~~قوله تعالى: { فاليوم تجزون } أي على إعراضكم عنا بجزاء من لا تقدرون ~~التقصي من جزائه بأيسر أمر منه { عذاب الهون } أي الهوان العظيم المجتمع ~~الشديد الذي فيه ذلك وخزي { بما كنتم } جبلة وطبعا { تستكبرون } أي ~~تطلبون الترفع وتوجدونه على الاستمرار { في الأرض } التي هي لكونها ~~ترابا وموضوعة على الزوال والخراب، أحق شيء بالتواضع والذل والهوان. ~~ولما كان الاستكبار يكون بالحق لكونه على الظالمين فيكون ممدوحا، قيده ~~بقوله: { بغير الحق } أي الأمر الذي يطابقه الواقع وهو أوامرنا ونواهينا، ~~ودل بأداة الكمال على أنه لا يعاقب على الاستكبار مع الشبهة { وبما كنتم ~~} على الاستمرار { تفسقون * } أي تجددون الخروج عن محيط الطاعة الذي تدعو ~~إليه الفطرة الأولى العقل إلى نوازع المعاصي. # ولما هددهم سبحانه بالأمور الأخروية، وستر الأمر بالتذكير بها لكونها ~~مستورة وهم بها يكذبون في قوله " ويوم " ، وختم بالعذاب على الاستكبار ~~المذموم والفسق، عطف عليه تهديهم بالأمور المحسوسة لأنهم متقيدون بها ~~مصرحا بالأمر بالذكر فقال تعالى: { واذكر } أي لهؤلاء الذين لا يتعظون ~~بمحط الحكمة الذي لا يخفى على ذي لب، وهو البعث. ولما كان أقعد ما يهددون ~~به في هذه السورة وأنسبه لمقصودها عاد لكونهم أقوى الناس أبدانا وأعتاهم ~~رقابا وأشدهم قلوبا وأوسعهم ملكا وأعظمهم استكبارا بحيث كانوا يقولون ~~{ من أشد منا قوة } وبنوا البنيان الذي يفني الدهر ولا يفنى، فلا يعمله ~~إلا من نسي الموت أو رجا الخلود واصطنعوا جنة على وجه الأرض لأن ملكهم ~~عمها كلها مع قرب بلادهم لكونها في بلاد العرب من قريش ومعرفتهم بأخبارهم ~~ورؤيتهم لديارهم وكون عذابهم نشأ من بلدهم بدعاء من دعا منهم، ذكر أمرهم ~~على وجه دل على مقصود السورة، وعبر بالأخوة تسلية ms4529 لنبيه صلى الله عليه ~~وسلم لأن فظيعة القوم لمن هو منهم ويعلمون مناقبه ومفاخره أنكأ فقال: { ~~أخا عاد } وهو أخو هود عليه الصلاة والسلام الذي كان بين قوم لا يعشرهم ~~قومك في قوة ولا مكنة، وصدعهم مع ذلك بمر الحق وبادأهم بأمر الله، لم يخف ~~عاقبتهم ونجيته منهم، فهو لك قدوة وفيه أسوة، ولقومك في قصدهم إياك ~~بالأذى من أمره موعظة. # ولما ذكره عليه الصلاة والسلام لمثل هذه المقاصد الجليلة، أبدل منه قصته ~~زيادة في البيان، فقال مبينا أن الإنذار هو المقصد الأعظم من الرسالة: { ~~إذ } أي حين { أنذر قومه } أي الذين لهم قوة زائدة على القيام فيما ~~يحاولونه { بالأحقاف } قال الأصبهاني: قال ابن عباس: واد بين عمان ومهرة، ~~قال: وقال مقاتل: كانت منازل عاد باليمن في حضرموت بموضع يقال له مهرة، ~~إليه ينسب الإبل المهرية، وكانوا أهل عمد سيارة في الربيع، فإذا هاج ~~العود رجعوا إلى منازلهم، وكانوا من قبيلة إرم. # وقال قتادة: كانوا مشرفين على البحر بأرض يقال لها الشجر، والأحقاف جمع ~~حقف بالكسر، وهو رمل مستطيل مرتفع فيه انحناء، وقال ابن زيد: هو ما ~~استطال من الرمل كهيئة الجبل ولم يبلغ أن يكون جبلا، وقال في القاموس: ~~وهو الرمل العظيم المستدير، وأصل الرمل، واحقوقف الرمل والظهر والهلال: ~~طال واعوج. ومن الأمر الجلي أن هذه الهيئة لا تكون في بلاد الريح بها ~~غالبة شديدة لأنه لو كان ذلك انسف الجبل نسفا بخلاف بلاد الجبال كمكة ~~المشرفة، فإن الريح تكون بها غاية في الشدة لأنها إما أن تصك الجبل ~~فتنعكس راجعة بقوة شديدة، أو يكون هناك جبال فتراد بينها أو تنضغط فتخرج ~~مما تجد من الفروج على هيئة مزعجة فينبغي أن يكون أهل الجبال أشد من ذلك ~~حذرا. # ولما ذكر النذير والمنذرين ومكانهم لما ذكر من المقاصد، ذكر أنهم أعرضوا ~~عنه ولم يكن بدعا من الرسل ولا كان قومه جاهلين بأحوالهم، فاستحقوا ~~العذاب تحذيرا من مثل حالهم، فقال: { وقد } أي والحال أنه قد { خلت } أي ~~مرت ومضت وماتت { النذر ms4530 } أي الرسل الكثيرون الذين محط أمرهم الإنذار. # ولما لم يكن إرسالهم بالفعل مستغرقا لجميع الأزمنة، أدخل الجار فقال: { ~~من بين يديه } أي قبله كنوح وشيث وآدم عليه الصلاة والسلام فما كان بدعا ~~منها { ومن خلفه } أي الذين أتوا من بعده فما كنت أنت بدعا منهم. ولما ~~أشار إلى كثرة الرسل، ذكر وحدتهم في أصل الدعاء، فقال مفسرا للإنذار ~~معبرا بالنهي: { ألا تعبدوا } أي أيها العباد المنذرون، بوجه من الوجوه، ~~شيئا من الأشياء { إلا الله } الملك الذي لا ملك غيره ولا خالق سواه ولا ~~منعم إلا هو، فإني أراكم تشركون به من لم يشركه في شيء من تدبيركم، ~~والملك لا يقر على مثل هذا. # ولما أمرهم ونهاهم، علل ذلك فقال محذرا لهم من العذاب مؤكدا لما لهم ~~من الإنكار لاعتمادهم على قوة أبدانهم وعظيم شأنهم: { إني أخاف عليكم } ~~لكونكم قومي وأعز الناس علي { عذاب يوم عظيم * } لا يدع جهة إلا ملأها ~~عذابه، إن أصررتم على ما أنتم فيه من الشرك. ### || [46.22-25] # ولما تشوف السامع إلى جوابهم عن هذه الحكمة، أجيب بقوله تعالى: { قالوا ~~} أي منكرين عليه: { أجئتنا } أي يا هود { لتأفكنا } أي تصرفنا عن وجه ~~أمرنا إلى قفاه { عن آلهتنا } فلا نعبدها ولا نعتد بها. ولما كان معنى ~~الإنكار النفي، فكان المعنى: إنا لا ننصرف عنها، سببوا عنه قولهم { فأتنا ~~بما تعدنا } سموا الوعيد وعدا استهزاء به. ولما كان ذلك معناه تكذيبه، ~~زادوه وضوحا بقولهم معبرين بأداة الشك إشارة إلى أن صدقه في ذلك من فرض ~~المحال: { إن كنت } أي كما يقال عنك. كونا ثابتا { من الصادقين * } في ~~أنك رسول من الله وأنه يأتينا بما تخافه علينا من العذاب إن أصررنا. ولما ~~تضمن قولهم هذا نسبة داعيهم عليه الصلاة والسلام إلى ما لا دلالة لكلامه ~~عليه بوجه، وهو ادعاء العلم بعذابهم والقدرة عليه وتكذبيه في كل منهما ~~اللازم منه أمنهم اللازم منه ادعاؤهم العلم بأنهم لا يعذبون، وكانوا ~~كاذبين في جميع ذلك كان كأنه قيل: بم أجابهم؟ فقيل: { قال } مصدقا لهم ms4531 ~~في سلب علمه بذلك وقدرته عليه، مكذبا لهم في نسبتهم إليه ادعاء شيء ~~منهما وإلى أنفسهم بأنه لا يقع: { إنما العلم } أي المحيط بكل شيء عذابكم ~~وغيره { عند الله } أي المحيط بجميع صفات الكمال، فهو ينزل علم ما توعدون ~~على من يشاء إن شاء ولا علم لي الآن ولا لكم بشيء من ذلك ولا قدرة. # ولما كان العلم المحيط يستلزم القدرة، فكان التقدير: فليست القدرة على ~~الإتيان بعذابكم إلا له سبحانه وتعالى لا لي ولا لغيري، وليس علي إلا ~~البلاغ كما أوحى إلي ربي بقوله سبحانه # إن عليك إلا البلاغ # [الشورى: 48] وقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم من الوعظ بأن أعمالكم أعمال ~~من قد أعرض عن سيده وعرض نفسه للهلاك والعذاب بإشراكه بالمحسن المطلق من ~~لا يكافئه بوجه فهو بحيث يخشى عليه الأخذ، عطف عليه قوله: { وأبلغكم } أي ~~أيضا في الحال والاستقبال { ما أرسلت } أي ممن لا مرسل في الحقيقة غيره، ~~فإنه يقدر على نصر رسوله { به } أي من التوحيد وغيره، سواء كان وعدا أو ~~وعيدا أو غيرهما لو لم يذكر الغاية لأن ما أرسل به صالح لهم ولغيرهم. # ولما كان معنى الإخبار بالإبلاغ أنه ليس علي إلا ذلك، وكان معنى قصر ~~العلم المطلق على الله تصديقهم في نفي علمه عليه الصلاة والسلام بذلك، ~~حسن قوله مستدركا علمه بجهلهم: { ولكني أراكم } أي أعلمكم علما هو ~~كالرؤية { قوما } غلاظا شدادا عاسين { تجهلون * } أي بكم مع ذلك صفة ~~الجهل، وهو الغلظة في غير موضعها مع قلة العلم، تجددون لك على سبيل ~~الاستمرار بسبب أنكم تفعلون بإشراككم بالمحسن المطلق وهو الملك الأعظم من ~~لا إحسان له بوجه أفعال من يستحق العذاب ثم لا تجوزون وقوعه وتكذبون من ~~ينبهكم على أن ذلك أمر يحق أن يحترز منه، وتنسبونه إلى غير ما أرسل له من ~~الإنذار من ادعاء القدرة على العذاب ونحوه. # ولما تسبب عن قولهم هذا إتيان العذاب فأتاهم في سحاب أسود، استمروا على ~~جهلهم وعادتهم في الأمن وعدم تجويز الانتقام، وكأن إتيانه كان ms4532 قريبا من ~~استعجالهم به، فلذلك أتى بالفاء في قوله مسببا عن تكذيبهم مبينا لعظيم ~~جهلهم بجهلهم في المحسوسات، مفصلا لما كان من حالهم عند رؤية البأس: { ~~فلما رأوه } أي العذاب الذي يعدهم به { عارضا } أي سحابا أسود بارزا ~~في الأفق ظاهر الأمر عند من له أهلية النظر، حال كونه قاصدا إليهم { ~~مستقبل أوديتهم } أي طالبا لأن يكون مقابلا لها وموجدا لذلك، وهو وصف ~~لعارضا فهو نكرة إضافته لفظية وإن كان مضافا إلى معرفة، وكذا " ممطرنا ~~" { قالوا } علىعادة جهلهم مشيرين إليه بأداة القرب الدالة على أنهم في ~~غاية الجهل، لأن جهلهم به استمر حتى كاد أن يواقعهم: { هذا عارض } أي ~~سحاب معترض في عرض السماء أي ناحيتها { ممطرنا } لكونهم رأوه أسود ~~مرتادا فظنوه ممتلئا ماء يغاثون به بعد طول القحط وإرسال رسلهم إلى مكة ~~المشرفة ليدعوا لهم هنالك الله الذي استخفوا به بالقدح في ملكه بأن ~~أشركوا به من هو دونهم، علما منهم بأن شركاءهم لا تغني عنهم في الإمطار ~~شيئا، غافلين عن ذنوبهم الموجبة لعذابهم، فلذلك قال الله تعالى مضربا ~~عن كلامهم، والظاهر أنه حكاية لقول هود عليه الصلاة والسلام في جواب ~~كلامهم: { بل هو } أي هذا العارض الذي ترونه { ما استعجلتم به } أي طلتم ~~العجلة في إتيانه إليكم من العذاب. # ولما اشتد تشوف السامع إلى معرفته قال: { ريح } أي ركمت هذا السحاب الذي ~~رأيتموه { فيها عذاب أليم * } أي شديد الإيلام، كانت تحمل الظعينة في ~~الجو تحملها وهودجها حى ترى كأنها جرادة، وكانوا يرون ما كان خارجا عن ~~منازلهم من الناس والمواشي تطير بهم الريح بين السماء والأرض ثم تقذف بهم ~~{ تدمر } أي تهلك إهلاكا عظيما شديدا سريعا تأتي بغتة على طريق ~~الهجوم { كل شيء } أي أتت عليه، هذا شأنها فمن سلم منها كهود عليه الصلاة ~~والسلام ومن آمن به رضي الله عنهم فسلامته أمر خارق للعادة كما أن أمرها ~~في إهلاك كل ما مرت عليه أمر خارق للعادة، والجملتان يحتمل أن تكونا ~~وصفا لريح ويحتمل وهو أعذب وأهز للنفس ms4533 وأعجب أن تكونا استئنافا، ولما ~~كان ربما ظن ظان أنها مؤثرة بنفسها قال: { بأمر ربها } أي المبدع لها ~~والمربي والمحسن بالانتقام بها من أعدائه. # ولما ذكرها بهذا الذكر الهائل، وكان التقدير: جاءتهم فدمرتهم لم تترك ~~منهم أحدا، سبب عن ذلك زيادة في التهويل قوله: { فأصبحوا } ولما اشتد ~~إصغاء السامع إلى كيفية إصباحهم، قال مترجما لهلاكهم: { لا ترى } أي ~~أيها الرائي، فلما عظمت روعة القلب وهول النفس قال تعالى: { إلا مساكنهم ~~} أي جزاء على إجرامهم، فانطبقت العبارة على المعنى، وعلم أن المراد ~~بالإصباح مطلق الكون، ولكنه عبر به لأن المصيبة فيه أعظم، وعلم أنه لم ~~يبق من المكذبين ديار ولا نافخ نار، وهذا كناية عن عموم الهلاك لهم سواء ~~كان الرمل دفنهم أو على وجه الأرض مرتبين كما في الآية الأخرى # فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية # [الحاقة: 7] وروي أن هودا عليه الصلاة والسلام لما أحس بالريح اعتزل ~~بمن آمن معه في حظيرة فأمالت الريح على الكفرة الأحقاف التي كانت مجتمعهم ~~إذا تحدثوا ومحل بسطهم إذا لعبوا، فكانوا تحتها سبع ليال وثمانية أيام، ~~ثم كشفت عنهم فاحتملتهم فقذفتهم في البحر وكذا أهلكت مواشيهم وكل شيء لهم ~~فيه روح ولم يصب هودا عليه الصلاة والسلام ومن معه رضي الله عنهم منها ~~إلا ما لين أبشارهم ونعش أرواحهم، والآية على هذا على حقيقتها في أنه لم ~~يصبح الصباح ومنهم أحد يرى. # ولما طارت لهذا الهول الأفئدة واندهشت الألباب، قال تعالى منبها على ~~زبدة المراد بطريق الاستئناف: { كذلك } أي مثل هذا الجزاء الهائل في أصله ~~أو جنسه أو نوعه أو شخصه من الإهلاك { نجزي } بعظمتنا دائما إذا شئنا { ~~القوم } وإن كانوا أقوى ما يكون { المجرمين * } أي العريقين في الإجرام ~~الذين يقطعون ما حقه الوصل فيصلون ما حقه القطع، وذلك الجزاء هو الإهلاك ~~على هذا الوجه الشنيع، فاحذروا أيها العرب مثل ذلك إن لم ترجعوا. ### || [46.26-29] # ولما كان هذا محلا يتوقع فيه الإخبار عن حال مكنتهم ليعلم هل تركوا ~~الدفع لمانع فيهم أو ms4534 لأن ما أتاهم بحيث لا يمكن لأحد دفاعه، قال ذاكرا ~~حرف التوقع مخوفا للعرب مقسما لأن قريشا قد قال قائلهم: إنهم يدفعون ~~العذاب بدفع الزبانية، ونحوها: { ولقد } أي فعل بهم ذلك والحال أنا ~~وعزتنا قد { مكناهم } تمكينا تظهر به عظمتنا { فيما إن } أي الذي ما { ~~مكناكم فيه } من قوة الأبدان وكثرة الأموال وغيرها، وجعل النافي " أن " ~~لأنها أبلغ من " ما " لأن " ما " تنفي تمام الفوت لتركبها من الميم ~~والألف التي حقيقة إدراكها فوت تمام الإدراك و " أن " تنفي أدنى مظاهر ~~مدخولها فكيف بما وراءه من تمامه لأن الهمزة أول مظهر لفوت الألف والنون ~~لمطلق الإظهار - هذا إلى ما في ذلك من عذوبة اللفظ وصونه عن ثقل التكرار ~~إلى غير ذلك من بدائع الأسرار. # ولما كانت قريش تفتخر بعقولها فربما ظنت أنها في العقل ومقدماته من ~~الحواس أمكن منهم، وأنهم ما أتى عليهم إلا من عدم فهمهم، قال تعالى: { ~~وجعلنا } أي جعلا يليق بما " زدناهم عليكم " من المكنة على ما اقتضته ~~عظمتنا { لهم سمعا } بدأ به لأن المقام للإنذار المنبه بحاسة السمع على ~~ما في الآيات المرئيات من المواعظ، فهو أنفع لأنه أوضح، ووحده لقلة ~~التفاوت فيه { وأبصارا } أي منبهة على ما في الآيات المرئيات من مطابقة ~~واقعها لأخبار السمع، وجمع لكثرة التفاوت في أنوار الأبصار، وكذا في ~~قوله: { وأفئدة } أي قلوبا ليعرفوا بها الحق فيتبعوه والباطل فيجتنبوه ~~ويشكروا من وهبها لهم، وختم بها لأنها الغاية التي ليس بعد الإدراك منتهى ~~ولا وراءها مرمى، وعبر بما هو من التفود وهو التجرد إشارة إلى أنها في ~~غاية الذكاء { فما أغنى عنهم } في حال إرسالنا إليهم الرحمة على لسان ~~نبينا هود عليه الصلاة والسلام ثم النقمة بيد الريح { سمعهم } وأكد النفي ~~بتكرير النافي فقال: { ولا أبصارهم } وكذا في قوله: { ولا أفئدتهم } أي ~~لما أردنا إهلاكهم، وأكد بإثبات الجار فقال: { من شيء } أي من الإغناء، ~~وإن قل لا في دفع العذاب، ولا في معرفة الصواب، بل صرفوا ما وهبنا لهم ~~من القوى فيما لا ms4535 ينبعي تعليق الهمم به من أمور الدنيا حتى فاقوا في ذلك ~~الأمم وعملوا أعمال من تخلد كما قيل: # والخلد قد حاولت # عاد فما خلدوا # ولما ذكر نفي الإغناء، ذكر ظرفه على وجه يفهم التعليل، فإنه إذا ذكر ~~الانتقام في وقت فعل الشيء علم أن علته فعل ذلك الشيء فقال: { إذ كانوا } ~~أي طبعا لهم وخلقا { يجحدون } أي يكررون على مر الزمان الجحد { بآيات ~~الله } أي الإنكار لما يعرف من دلائل الملك الأعظم { وحاق } أي أحاط على ~~جهة الإحراق والعظم بأمور لا يدري وجه المخلص منها { بهم ما } أي عقاب ~~الذي { كانوا } على جهة الدوام لكونه خلقا لهم { به يستهزءون * } أي ~~يوجدونه على سبيل الاستمرار إيجاد من هو طالب له عاشق فيه. # ولما تم المراد من الإخبار بهلاكهم على ما لهم من المكنة العظيمة ليتعظ ~~بهم من سمع أمرهم، أتبعهم من كان مشاركا لهم في التكذيب فشاركهم في ~~الهلاك، فقال مكررا لتخويفهم دالا على إحاطة قدرته بإحاطة علمه: { ولقد ~~أهلكنا } بما لنا من العظمة والقدرة المحيطتين الماضيتين بكل ما نريد { ~~ما حولكم } أي يا أهل مكة { من القرى } كأهل الحجر وسبا ومدين والأيكة ~~وقوم لوط وفرعون وأصحاب الرس وثمود وغيرهم ممن فيهم معتبر. ولما كان ~~الموعوظ به الإهلاك ذكر مقدما، فتشوف السامع إلى السؤال عن حالهم في ~~الآيات، فقال عاطفا بالواو التي لا يمنع معطوفها التقدم على ما عطف ~~عليه: { وصرفنا الآيات } أي حولنا الحجج البينات وكررناها موصلة مفصلة ~~مزينة محسنة على وجوه شتى من الدلالات، خالصة عن كل شبهة. # ولما كان تصريف الآيات لا يخص أحدا بعينه، بل هو لكل من رآه أو سمع به ~~لم يقيدها بهم وذكر العلة الشاملة لغيرهم فقال: { لعلهم } أي الكفار { ~~يرجعون * } أي ليكونوا عند من يعرف حالهم في رؤية الآيات حال من يرجع عن ~~الغي الذي كان يركبه لتقليد أو شبهة كشفته الآيات وفضحته الدلالات فلم ~~يرجعوا، فكان عدم رجوعهم سبب إهلاكنا لهم. # ولما كانوا قد جعلوا محط حالهم في الشركاء أنهم سبب التواصل ms4536 بينهم ~~والتفاوت، وادعوا أنهم يشفعون فيهم فيقربونهم إلى الله زلفى ويمنعونهم من ~~العذاب في الآخرة، وكان أدنى الأمور التسوية بينه وبين عذاب الدنيا، سبب ~~عن أخباره عن إهلاك الأمم الماضية قوله مقدما للعلة التي جعلها محط ~~نظرهم منكرا عليهم موبخا لهم: { فلولا } أي فهل لا ولم لا { نصرهم } أي ~~هؤلاء المهلكين { الذين اتخذوا } أي اجتهدوا في صرف أنفسهم عن دواعي ~~العقل والفطر الأولى حتى أخذوا، وأشار إلى قلة عقولهم ببيان سفولهم فقال: ~~{ من دون الله } أي الملك الذي هو أعظم من كل عظيم { قربانا } أي لأجل ~~القربة التقريب العظيم يتقربون إليها ويزعمون أنها تقربهم إلى الله { ~~آلهة } أشركوهم مع الملك الأعظم لأجل ذلك - قاتلهم الله وأخزاهم. # ولما كان التخصيص يفهم أنهم ما نصروهم، أضرب عنه فقال: { بل ضلوا } أي ~~غابوا وعموا عن الطريق الأقوم وبعدوا { عنهم } وقت بروك النقمة وقروع ~~المثلة حسا ومعنى. ولما كان التقدير: فذلك الاتخاذ الذي أدتهم إليه ~~عقولهم السافل جدا البعيد من الصواب كان الموصل إلى مآلهم هذا، عطف عليه ~~قوله: { وذلك } أي الضلال البعيد من السداد الذي تحصل من هذه القصة من ~~إخلاف ما كانوا يقولون: إن أوثانهم آلهة، وإنها تضر وتنفع وتقربهم إلى ~~الله وتشفع لهم عنده { إفكهم } أي صرفهم الأمور عن وجهها إلى أقفائها، ~~ويجوز أن تكون الإشارة إلى العذاب، أي وهذا العذاب جزاؤهم في مقابلة ~~إفكهم { وما كانوا } أي على وجه الدوام لكونه في طباعهم { يفترون * } أي ~~يتعمدون كذبه لأن إصرارهم عليه بعد مجيء الآيات لا يكون إلا لذلك لأن من ~~نظر فيها مجردا نفسه عن الهوى اهتدى. # ولما كان ما ذكر من البعد من الإيمان مع تصريف العظات والعبر والآيات ~~يكاد أن يؤنس السامع من إيمان هؤلاء المدعوين، قربه دلالة على عزته ~~وحكمته بالتذكير بالإيمان من هم أعلى منهم عتوا وأشد نفرة وأبعد إجابة ~~وأخفى شخصا، فقال جوابا عما وقع له صلى الله عليه وسلم في عرض نفسه ~~الشريفة على القبائل وإبعادهم عنه لا سيما أهل الطائف، دالا على تمام ~~القدرة ms4537 بشارة للمنزل عليه صلى الله عليه وسلم وتوبيخا لما تأخر عن ~~إجابته من قومه عاطفا على ما تقديره: اذكر هذه الأخبار: { وإذ } أي ~~واذكر حين { صرفنا إليك } أي وجهنا توجيها خالصا حسنا متقنا فيه ميل ~~إليك وإقبال عليك، وإعراض عن غيرك، بوادي نخلة عند انصرافك من الطائف حين ~~عرضت نفسك الشريفة عليهم بعد موت النصيرين فردوك ردا تكاد تنشق منه ~~المرائر، وتسل من تذكاره النواظر. # ولما كان استعطاف من جبل على النفرة وإظهار من بني على الاجتنان أعظم في ~~النعمة، عبر بما يدل على ذلك فقال: { نفرا } وهو اسم يطلق على ما دون ~~العشرة، وهو المراد هنا، ويطلق على الناس كلهم، وحسن التعبير به أن هؤلاء ~~لما خصوا بشرف السبق وحسن المتابعة كانوا كأنهم هم النفر لا غيرهم { من ~~الجن } من أهل نصيبين من الناحية التي منها عداس الذي جبرناك به في ~~الطائف بما شهد به لسيديه عتبة وشيبة ابني ربيعة أنك خير أهل الأرض مع ~~أنه ليس لهؤلاء النفر من جبلاتهم إلا النفرة والاجتنان وهو الاختفاء ~~والستر فجعلناهم ألفين لك ظاهرين عندك لتبلغهم ما أرسلناك به فإنا ~~أرسلناك إلى جميع الخلائق، وهذا جبر لك وبشارة بإيمان النافرين من الإنس ~~كما أيدناك منهم بعد نفرة أهل الطائف بعداس، ثم وصفهم بقوله: { يستمعون ~~القرآن } أي يطلبون سماع الذكر الجامع لكل خير، الفارق بين كل ملبس وأنت ~~في صلاة الفجر في نخلة تصلي بأصحابك، ودل على قرب زمن الصرف من زمن ~~الحضور بتعبيره سبحانه بالفاء في قوله تعالى مفصلا لحالهم: { فلما حضروه ~~} أي صاروا بحيث يسمعونه { قالوا } أي قال بعضهم ورضي الآخرون: { أنصتوا ~~} أي اسكتوا وميلوا بكلياتكم واستمعوا حفظا للأدب على بساط الخدمة، وفيه ~~تأدب مع العلم في تعلمه وأيضا مع معلمه، قال القشيري: فأهل الحضور صفتهم ~~الذبول والسكون والهيبة والوقار، والثوران والانزعاج يدل على غيبة أو قلة ~~تيفظ ونقصان من الاطلاع، ودل على أن ما استمعوه كان يسيرا وزمنه قصيرا، ~~وعلى تفصيل حالهم بعد انقضائه بالفاء في قوله تعالى: { فلما } أي ms4538 فأنصتوا ~~فحين { قضي } أي حصل الفراغ من قراءته الدالة على عظمته من أي قارئ كان ~~{ ولوا } أي أوقعوا التولية - أي القرب - بتوجيه الوجوه والهمم والعزائم ~~{ إلى قومهم } الذين فيهم قوة القيام بما يحاولونه، ودل على حسن تقبلهم ~~لما سمعوه ورسوخهم في اعتقاده بقوله تعالى: { منذرين * } أي مخوفين لهم ~~ومحذرين عواقب الضلال بأمر من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال ابن ~~عباس رضي الله عنهما: جعلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم رسلا إلى ~~قومهم. ### || [46.30-32] # ولما كان كأنه قيل: ما قالوا لهم في إنذارهم؟ قيل: { قالوا } أي لقومهم ~~حين أقبلوا عليهم: { يا قومنا } مترققين لهم ومشفقين بهم بذكر ما يدل على ~~أنهم منهم يهمهم ما يهمهم ويكربهم ما يكربهم كما قيل: # وإن أخاك الحق من كان معك # ومن يضر نفسه لينفعك # ولما كانوا - بنزول ما في أسفار الأنبياء من بني إسرائيل والزبور ~~والإنجيل خالية من الأحكام والحدود إلا يسيرا من ذلك في الإنجيل - ~~قاطعين أو كالقاطعين بأنه لا ينزل كتاب يناظر التوراة في الأحكام والحدود ~~وغيرها، فكان قومهم ربما توقفوا في الإخبار بإنزال ما هو أشرف من ذلك، ~~أكدوا قولهم: { إنا سمعنا } أي بيننا وبين القارئ واسطة، وأشاروا إلى أنه ~~لم ينزل بعد التوراة شيء جامع لجميع ما يراد منه، مغن عن جميع الكتب غير ~~هذا، وبذلك عرفوا أنه ناسخ لجميع الشرائع فقالوا على سبيل التبيين لما ~~سمعوا: { كتابا } أي ذكرا جامعا، لا كما نزل بعد التوراة على بني ~~إسرائيل { أنزل } أي ممن لا منزل في الحقيقة غيره، وهو مالك الملك وملك ~~الملوك لأن عليه من رونق الكتب الإلهية ما يوجب القطع لسامعه بأنه منها ~~فكيف إذا انضم إلى ذلك الإعجاز، وعلموا قطعا بعربيته أنه عربي وبأنهم ~~كانوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها ويسمعون قراءة الناس لما يحدثونه من ~~الحكم والخطب والكهانة والرسائل والأشعار، وبأنه مباين لجميع ذلك أنه ~~قريب العهد بالنزول من محل العظمة، فقالوا مثبتين للجار: { من بعد موسى } ~~عليه الصلاة والسلام، فلم يعتدوا بما أنزل بين هذا ms4539 الكتاب وبين التوراة ~~من الإنجيل وما قبله، لأنه لا يساوي التوراة في الجمع، ولا يعشر هذا ~~الكتاب في الأحكام والحكم واللطائف والمواعظ مع ما زاد به من الإعجاز ~~وغيره. # ولما أخبروا بأنه منزل، أتبعوه ما يشهد له بالصحة فقالوا: { مصدقا لم ~~بين يديه } أي من جميع كتب بني إسرائيل الإنجيل وما قبله؛ ثم بينوا ~~تصديقه بقولهم: { يهدي إلى الحق } أي الأمر الثابت الذي يطابقه الواقع ~~فلا يقدر أحد على إزالة شيء مما يخبر به، الكامل في جميع ذلك { وإلى طريق ~~} موصل إلى المقصود الأعظم وهو الإيمان بمنزله { مستقيم * } فهو يوصل ~~بغاية ما يمكن من السرعة، لا يمكن أن يكون فيه عوج، فيقدر السالك فيه على ~~أن يختصر طريقا يكون وترا لما تقوس منه. # ولما أخبروهم بالكتاب وبينوا أنه من عند الله وأنه أقرب موصل إليه، فكان ~~قومهم جديرين بأن يقولوا: فما الذي ينبغي أن نفعل؟ أجابوهم بقوله: { يا ~~قومنا } الذين لهم قوة العلم والعمل { أجيبوا داعي الله } أي الملك ~~الأعظم المحيط بصفات الجلال والجمال والكمال، فإن دعوة هذا الداعي عامة ~~لجميع الخلق، فالإجابة واجبة على كل من بلغه أمره. # ولما كنا المجيب قد يجيب في شيء دون شيء كما كان أبو طالب عم النبي صلى ~~الله عليه وسلم، عطفوا في خطابهم لهم في الدعوة أن قالوا: { وآمنوا به } ~~أي أوقعوا التصديق بسبب الداعي لا بسبب آخر، فإن المفعول معه مفعول مع من ~~أرسله وهو الله الذي جلت قدرته وآمنوه من كل تكذيب، أو الضمير للمضاف ~~إليه وهو الله بدليل قولهم: { يغفر لكم }: فإنه يستر ويسامح { من ذنوبكم ~~} أي الشرك وما شابهه مما هو حق لله تعالى أي وذلك الستر لا يكون إلا إذا ~~حصل منكم الإجابة التامة والتصديق التام وأدخلوا " من " إعلاما بأن ~~مظالم العباد لا تغفر إلا بإرضاء أهلها وكذا ما يجازى به صاحبه في الدنيا ~~بالعقوبات والنكبات والهموم ونحوها مما أشار إيه قوله تعالى # وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير # [الشورى: 30] { ويجركم } أي يمنعكم ms4540 " إذا أجبتم " منع الجار لجاره ~~لكونكم بالتحيز إلى داعيه صرتم من حزبه { من عذاب أليم * } واقتصارهم على ~~المغفرة تذكير بذنوبهم لأن مقصودهم الإنذار لا ينافي صريح قوله ي هذه ~~السورة # ولكل درجات مما عملوا # [الأنعام: 132] في إثبات الثواب، ونقله أبو حيان عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما قال: لهم ثواب وعليهم عقاب يلتقون في الجنة ويزدحمون على أبوابها. # ولما فرغوا من التعريف بالحق والدلالة عليه والدعاء إليه والإنذار ~~بالرفق بما أفهم كلامهم من أنهم إن لم يجيبوا انتقم منهم بالعذاب الأليم، ~~أتبعوه ما هو أغلظ إنذارا منه فقالوا: { ومن لا يجب } أي لا يتجدد منه ~~أن يجيب { داعي الله } أي الملك الأعظم المحيط بكل شيء الذي لا كفوء له ~~ولا طاقة لأحد بسخطه فعم بدعوة هذا الرسول صلى الله عليه وسلم جميع ~~الخلق. # ولما دل الكتاب والسنة كما قدمته في سورتي الأنعام والفرقان على عموم ~~الرسالة، وكان التارك لإجابة من عمت رسالته عاصيا مستحقا للعذاب، عبر ~~عن عذابه، بما دل على تحتمه فقال تعالى: { فليس بمعجز } أي لما يقضي به ~~عليه { في الأرض } فإنه آية سلك فيها فهو في ملكه وملكه وقدرته محيطة به ~~{ وليس له من دونه } أي الله الذي لا يجير إلا هو { أولياء } يفعلون ~~لأجله ما يفعل القريب مع قريبه من الذب عنه والاستشفاع له والافتداء ~~والمناصبة لأجله. # ولما انتفى عنه الخلاص من كل وجه، وكان ذلك لا يختلف سواء كان العاصي ~~واحدا أو أكثر، أنتج قوله سبحانه وتعالى معبرا بالجمع لأنه أدل على ~~القدرة ودلالة على أن العصاة كثيرة لملاءمة المعاصي لأكثر الطبائع: { ~~أولئك } أي البعيدون من كل خير { في ضلال مبين * } أي ظاهر في نفسه أنه ~~ضلال، مظهر لكل أحد قبح إحاطتهم به، قال القشيري: ويقال: الإجابة على ~~ضربين: إجابة الله، وإجابة الداعي، فإجابة الداعي بشهود الواسطة وهو ~~الرسول صلى الله عليه وسلم، وإجابة الله بالجهر إذا بلغت المدعو رسالته ~~صلى الله عليه وسلم على لسان السفير، وبالسر إذا حصلت التعريفات من ~~الواردات على القلب، ms4541 فمستجيب بنفسه، ومستجيب بقلبه، و مستجيب بروحه، ~~ومستجيب بسره، ومن توقف عن دعاء الداعي إياه هجر فما كان يخاطب به. ### || [46.33-35] # ولما أتم سبحانه وتعالى ما اقتضاه مقصود هذه السورة من أصول الدين ~~وفروعه والتحذير من سطواته بذكر بعض مثلاته، وختم بضلال من لم يجب ~~الداعي، نبه على أن أوضح الأدلة على إحاطته بالجلال والجمال وقدرته على ~~الأجل المسمى الذي خلق الخلق لأجله ما جلى به مطلع السورة من إبداع ~~الخافقين وما فيهما من الآيات الظاهرة للأذن والعين، فقال مبكتا لهم على ~~ضلالهم عن إجابة الداعي ومنكرا عليهم وموبخا لهم مرشدا بالعطف على غير ~~مذكور إلى أن التقدير: ألم ير هؤلاء الضلال ما نصبنا في هذه السورة من ~~أعلام الدلائل وواضح الرسائل في المقاصد والوسائل، عاطفا عليه قوله ~~تعالى ردا لمقطع السورة بتقرير المعاد على مطلعها المقرر للبدء بخلق ~~الكونين بالحق: { أو لم يروا } أي يعلموا علما هو في الوضوح كالرؤية { ~~أن الله } ودل على هذا الاسم الأعظم بقوله: { الذي خلق السماوات } على ما ~~احتوت عليه مما يعجز الوصف من العبر { والأرض } على ما اشتملت عليه من ~~الآيات المدركة بالعيان والخبر { ولم يعي } أي يعجز، يقال: عيي بالأمر - ~~إذ لم يهتد لوجه مراده أو عجز عنه ولم يطق إحكامه، قال الزجاج: يقال: ~~عييت بالأمر - إذ لم تعرف وجهه، وأعييت: تعبت، وفي القاموس: وأعيى ~~بالأمر: كل { بخلقهن } أي بسببه فإنه لو حصل له شيء من ذلك لأدى إلى ~~نقصان فيهما أو في إحدهما، وأكد الإنكار المتضمن للنفي بزيادة الجار في ~~حيز " أن " فقال تعالى: { بقادر } أي قدرة عظيمة تامة بليغة { على أن ~~يحيي } أي على سبيل التجديد مستمرا { الموتى } والأمر فيهم لكونه إعادة ~~ولكونهم جزاء يسيرا منها ذكر اختراعه أصغر شأنا وأسهل صنعا. # ولما كان هذا الاستفهام الإنكاري في معنى النفي، أجابه بقوله تعالى { ~~بلى } قد علموا أنه قادر على ذلك علما هو في إتقانه كالرؤية بالبصر ~~لأنهم يعلمون أنه المخترع لذلك، وأن الإعادة أهون من الابتداء في مجاري ~~عاداتهم، ولكنهم ms4542 عن ذلك، غافلون لأنهم عنه معرضون، ولما كانوا مع هذه ~~الأدلة الواضحة التي هي أعظم من المشاهدة بالبصر ينكرون ما دلت عليه هذه ~~الصنعة من إحاطة القدرة، علل ذلك مؤكدا له بقوله مقررا للقدرة على وجه ~~عام يدخل فيه البعث الذي ذكر أول السورة أنه ما خلق هذا الخلق إلا لأجله ~~ليختم بما بدأ به { إنه على كل شيء } أي هو أهل لأن تتعلق القدرة به { ~~قدير * }. # ولما ثبت البعث بما قام من الدلائل ذكر ببعض ما يحصل في يومه من الأهوال ~~تحذيرا منه، فقال عاطفا على ما تقديره: اذكر لهم هذا القياس الناطق ~~بالمراد وما مضى في هذه السورة من الزواجر { ويوم } أي واذكر يوم { يعرض ~~} بأيسر أمر من أوامرنا { الذين كفروا } أي ستروا بغفلتهم وتماديهم عليه ~~هذه الأدلة الظاهرة { على النار } عرض الجند على الملك فيسمعوا من تغيظها ~~وزفيرها ويروا من لهيبها واضطرامها وسعيرها ما لو قدر أن أحدا يموت من ~~ذلك لماتوا من معاينته وهائل رؤيته. # ولما كان كأنه قيل: ماذا يصنع بهم في حال عرضهم؟ قيل: يقال على سبيل ~~التبكيت والتقريع والتوبيخ: { أليس هذا } أي الأمر العظيم الذي كنتم به ~~توعدون ولرسلنا في أخبارهم تكذبون { بالحق } أي الأمر الثابت الذي يطابقه ~~الواقع، فلا قدرة لكم على صليه أمر هو خيال وسحر، فلا تبالون بوروده. # ولما اشتد تشوف السامع العالم بما كانوا يبدون من الشماخة والعتو إلى ~~جوابهم، قال في جوابه مستأنفا: { قالوا } أي مصدقين حيث لا ينفع ~~التصديق: { بلى } وما كفاهم البدار إلى تكذيب أنفسهم حتى أقسموا عليه لأن ~~حالهم كان مباعدا للإقرار، وذكروا صفة الإحسان زيادة في الخضوع والإذعان ~~{ وربنا } أي إنه لحق هو من أثبت الأشياء، وليس فيه شيء مما يقارب السحر، ~~ثم استأنف جواب من سأل عن جوابه لهم بقوله تعالى: { قال } مبكتا لهم ~~بيانا لذلهم موضع كبرهم الذي كان في الدنيا مسببا عن تصديقهم هذا الذي ~~أوقعوه في غير موضعه وجعلوه في دار العمل التي مبناها على الإيمان بالغيب ~~تكذيبا معبرا بما ms4543 يفهم غاية الاستهانة لهم: { فذوقوا العذاب } أي ~~باشروه مباشرة الذائق باللسان، ثم صرح بالسبب فقال: { بما كنتم } أي ~~خلقا وخلقا مستمرا دائما أبدا { تكفرون * } في دار العمل. # ولما علم بما قام من الأدلة وانتصب من القواطع أن هذا مآلهم، سبب عنه ~~قوله ردا على ما بعد خلق الخافقين في مطلعها من أمر الرسول صلى الله ~~عليه وسلم ونسبتهم له إلى الافتراء وما بعده: { فاصبر } أي على مشاق ما ~~ترى في تبليغ الرسالة، قال القشيري: والصبر هو الوقوف بحكم الله والثبات ~~من غير بث ولا استكراه. { كما صبر أولوا العزم } أي الجد في الأمر والحزم ~~في الجد والإرادة المقطوع بها والثبات الذي لا محيد عنه، الذين مضوا في ~~أمر الله مضيا كأنهم أقسموا عليه فصاروا كالأسد في جبلته والرجل الشديد ~~الشجاع المحفوف بقبيلته، قال الرازي في اللوامع: فارقت نفوسهم الشهوات ~~والمنى فبذلوا نفوسهم لله صدقا لاتفاق النفس القلب على البذل. # ولما تشوف السامع إلى بيانهم قال: { من الرسل } عليهم الصلاة والسلام، ~~وقيل وهو ظاهر جدا: أن " من " للتبعيض، والمراد بهم أصحاب الشرائع الذين ~~اجتهدوا في تأسيس قواعدها وتثبيت معاقدها، ومشاهيرهم نوح وإبراهيم وموسى ~~وعيسى صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وقد نظمهم بعضهم في قوله: # أولو العزم نوح والخليل بن آزر # وموسى وعيسى والحبيب محمد # والخلاف في تعيينهم كثير منتشر هذا القول أشهر ما فيه، وكله مبني على أن ~~" من " للتبعيض وهو الظاهر، والقول بأنهم جميع الرسل - قال ابن الجوزي - ~~قاله ابن زيد واختاره ابن الأنباري وقال: " من " للتجنيس لا للتبعيض، وفي ~~قول أنهم جميع الأنبياء إلا يونس عليه الصلاة والسلام - قال ابن الجوزي: ~~حكاه الثعلبي. # ولما أمره بالصبر الذي من أعلى الفضائل، نهاه عن العجلة التي هي من ~~أمهات الرذائل، ليصح التحلي بفضيلة الصبر الضامنة للفوز والنصر فقال: { ~~ولا تستعجل لهم } أي تطلب العجلة وتوجدها بأن تفعل شيئا مما يسوءهم في ~~غير حينه الأليق به. ولما كان ما أمر به ونهى عنه في غاية الصعوبة، سهله ~~بقوله مستأنفا: { كأنهم يوم يرون ms4544 } أي في الدنيا عند الموت مثلا أو في ~~الآخرة وقت العرض والحساب والهول الأعظم الأكبر الذي تقدمت الإشارة إليه ~~جدا والتحذير منه لأهل المعاصي والبشارة فيه لأهل الطاعة، فأما هذه ~~الطائفة فإذا رأوا { ما يوعدون } من ظهور الدين في الدنيا والبعث في ~~الآخرة، وبناه للمفعول لأن المنكىء هو الإيعاد لا كونه من معين { لم ~~يلبثوا } أي في الدنيا حيث كانوا عالين { إلا ساعة }. # ولما كانت الساعة قد يراد بها الجنس وقد تطلق على الزمن الطويل، حقق ~~أمرها وحقرها بقوله: { من نهار } ولما تكفل ما ذكر في هذه السورة من ~~الحجج الظاهرة والبراهين الباهرة ببيان ما هو مقصودها بحيث لم يبق فيه ~~لبس، وكان مقصودها آئلا إلى سورة إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وهو ~~التوحيد اللازم منه إحاطة العلم بكل شيء وشمول القدرة لكل شيء ختمت بما ~~ختمت به إبراهيم إلا أن لحواميم لبابا، حذف المبتدأ ومتعلق الخبر وقيل: ~~{ بلاغ } أي هذا الذي ذكر هنا هو من الظهور وانتشار النور بحيث يرد ~~المنذرين ويوصلهم إلى رضى العزيز الحكيم الكافل بالنور الدائم والنعيم ~~المقيم، ومن لم يوصله فذلك الذي حكم العزيز بشقائه فلا حيلة لغيره في ~~شفائه من عظيم دائه، ولذلك سبب عن كونه بلاغا قوله زيادة على ختام ~~إبراهيم ما يناسب مطلعها: { فهل يهلك } بني للمفعول من أهلك، لأن المحذور ~~الهلاك وإن لم يعين المهلك، وللدلالة على أن إهلاكهم عليه سبحانه وتعالى ~~يسير جدا { إلا القوم } الذين فيهم أهلية القيام بما يحاولونه من اللدد ~~{ الفاسقون * } أي العريقون في إدامة الخروج من محيط ما يدعو إليه هادي ~~العقل والفطرة الأولى من الطاعة الآتي بها النقل إلى مضل المعصية الناهي ~~عنها والعقل، وأما الذين فسقوا والذين يفسقون فإن هادي هذه السورة يردهم ~~ويوصلهم إلى المقصود، فهذا الآخر نتيجة قوله أولها { والذين كفروا عما ~~أنذروا معرضون } وذكر اليوم الموعود هو الأجل الذي أوجد الخافقان لأجله ~~وبسببه والدلالة على القدرة بخلقهما من غير إعياء هو ذكره أولهما أنهما ~~ما خلقا إلا بالحق، وذكر البلاغ هو تنزيل ms4545 الكتاب من الله وحكمه على ~~العريق بالفسق بالهلاك مع الهادي الشفيق ولغيره بالنجاة بعد انسيابه في ~~الفسق مع التكرر هو من ثمرات العزة والحكمة، فقد التحم هذا الآخر بذاك ~~الأول أي التحام، واتصل بمعناه اتصال الجوهر النفيس في متين النظام، ~~والتأم بأول التي تليها أحسن التئام فسبحان من جعله أشرف الكلام، لكونه ~~صفة الملك العلام، منزلا على خاتم الرسل الكرام، ورسول - الملك العلام - ~~صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأهل بيته الكرام وسلم تسليما كثيرا. ### | [47 - سورة محمد] ### || [47.1-3] # فقال سبحانه وتعالى: { الذين كفروا } أي ستروا أنوار الأدلة فضلوا على ~~علم { وصدوا } أي امتنعوا بأنفسهم ومنعوا غيرهم لعراقتهم في الكفر { عن ~~سبيل الله } أي الطريق الرحب المستقيم الذي شرعه الملك الأعظم { أضل } أي ~~أبطل إبطالا عظيما يزيل العين والأثر { أعمالهم * } التي هي أرواحهم ~~المعنوية وهي كل شيء يقصدون به نفع أنفسهم من جلب نفع أو دفع ضر بعد أن ~~وفر سيئاتهم وأفسد بالهم، ومن جملة أعمالهم ما يكيدونكم به لأنها إذا ضلت ~~عما قصدوا بها بجعله سبحانه لها ضالة ضائعة هلكت من جهة أنها ذهبت في ~~المهالك ومن جهة أنها ذهبت في غير الجهة التي قصدت لها فبطلت منفعتها ~~المقصودة منها فصارت هي باطلة فأذهبوا أنتم أرواحهم الحسية بأن تبطلوا ~~صورهم وأشباحهم بأن تقطعوا أوصالهم وأنتم في غاية الاجتراء عليهم، فإن ~~ربهم الذي أوجدهم قد أبطلهم وأذن لكم في إبطالهم، فإنه قد علم أن لا صلاح ~~لهم والمؤذي طبعا يقتل شرعا، فمن قدرتم على قتله فهو محكوم بكفره، ~~محتوم بخيبته وخسره. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما انبنت سورة الأحقاف على ما ذكر من ~~مآل من كذب وافترى وكفر وفجر، وافتتحت السورة بإعراضهم، ختمت بما قد تكرر ~~من تقريعهم وتوبيخهم، فقال تعالى: { ألم يروا أن الله الذي خلق السماوات ~~والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى } أي لو اعتبروا ~~بالبداءة لتيسر عليهم أمر العودة، ثم ذكر عرضهم على النار إلى قوله { فهل ~~يهلك إلا القوم الفاسقون } فلما ms4546 ختم بذكر هلاكهم، افتتح السورة الأخرى ~~بعاجل ذلك اللاحق لهم في دنياهم فقال تعالى: { فإذا لقيتم الذين كفروا ~~فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء ~~حتى تضع الحرب أوزارها } الآية بعد ابتداء السورة بقوله { الذين كفروا ~~وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم } فنبه على أن أصل محنتهم إنما هو بما ~~أراده تعالى بهم في سابق علمه ليعلم المؤمنون أن الهدى والضلال بيده، ~~فنبه على الطريقين بقوله { أضل أعمالهم } وقوله في الآخر { كفر عنهم ~~سيئاتهم وأصلح بالهم } ثم بين أنه تعالى لو شاء لانتصر منهم ولكن أمر ~~المؤمنين بقتالهم ابتلاء واختبارا، ثم حض المؤمنين على ما أمرهم به من ~~ذلك فقال: { إن تنصروا الله ينصركم } ثم التحمت الآي - انتهى. # ولما ذكر أهل الكفر معبرا عنهم بأدنى طبقاتهم ليشمل من فوقهم، ذكر ~~أضدادهم كذلك ليعم من كان منهم من جميع الفرق فقال تعالى: { والذين آمنوا ~~} أي أقروا بالإيمان باللسان { وعملوا } تصديقا لدعواهم ذلك { الصالحات ~~} أي الأعمال الكاملة في الصلاة بتأسيسها على الإيمان. ولما كان هذا ~~الوصف لا يخص أتباع محمد صلى الله عليه وسلم، خصهم بقوله تعالى: { وآمنوا ~~} أي مع ذلك. # ولما كان بعضهم كحيي بن أخطب ومن نحا نحوه قد طعن في القرآن بنزوله ~~منجما مع أن التوراة ما نزلت إلا كذلك، وليس أحد منهم يقدر أن ينكره ~~قال: { بما نزل } أي ممن لا منزل إلا هو منجما مفرقا ليجددوا بعد ~~الإيمان به إجمالا الإيمان بكل نجم منه { على محمد } النبي الأمي العربي ~~القرشي المكي ثم المدني الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل ~~صلى الله عليه وسلم، ولما كان هذا معلما بأن كل إيمان لم يقترن بالإيمان ~~به صلى الله عليه وسلم لم يعتد به، اعترض بين المبتدأ وجوابه بما يفهم ~~علته حثا عليه وتأكيدا له فقال تعالى: { وهو } أي هذا الذي نزل عليه ~~صلى الله عليه وسلم مختص بأنه { الحق } أي الكامل في الحقية لأن ينسخ ولا ~~ينسخ كائنا { من ربهم } المحسن إليهم بإرساله، ms4547 أما إحسانه إلى أمته ~~فواضح، وأما سائر الأمم فبكونه هو الشافع فيهم الشفاعة العظمى يوم ~~القيامة، وأمته هي الشاهدة لهم. # ولما ثبت بهذا أنهم أحق الناس بالحق، بين ما أثمر لهم ذلك دالا على أنه ~~لا يقدر أحد أن يقدر الله حق قدره، فلا يسع الخلق إلا العفو لأنهم وإن ~~اجتهدوا في الإصلاح بدا لهم لنقصانهم من سيئات أو هفوات فقال تعالى: { ~~كفر } أي غطى تغطية عظيمة { عنهم } في الدارين بتوبتهم وإيمانهم لأن ~~التوبة تجب ما كان قبلها كالإيمان { سيئاتهم } أي الأعمال السيئة التي ~~لحقتهم قبل ذلك بما يظهر لهم من المحاسن وهدى أعمالهم. ولما كان من يعمل ~~سوءا يخاف عاقبته فيتفرق فكره، إذ لا عشية لخائف قال تعالى: { وأصلح ~~بالهم * } أي موضع سرهم وفكرهم بالأمن والتوفيق والسداد وقوة الفهم ~~والرشاد لما يوفقهم له من محاسن الأعمال ويطيب به اسمهم في الدارين، قال ~~ابن برجان: وإذا أصلح ذلك من العبد صلح ما يدخل إليه وما يخرج عنه وما ~~يثبت فيه، وإذا فسد فبالضد من ذلك. ولذلك إذا اشتغل البال لم ينتفع من ~~صفات الباطن بشيء، وقد علم أن الآية من الاحتباك: ذكر ضلال الكفار أولا ~~دليلا على إرادة الهدى للمؤمنين ثانيا، وإصلاح البال ثانيا دليلا على ~~حذف إفساده أولا. # ولما كان الجزاء من جنس العمل، علل ما تقدم من فعله بالفريقين بقوله: { ~~ذلك } أي الأمر العظيم الذي ذكر هنا من جزاء الطائفتين { بأن } أي بسبب ~~أن { الذين كفروا } أي ستروا مرائي عقولهم { اتبعوا } أي بغاية جهدهم ~~ومعالجتهم لما قادتهم إليه فطرهم الأولى { الباطل } من العمل الذي لا ~~حقيقة له في الخارج يطابقه، وذلك هو الابتداع والميل مع الهوى إيثارا ~~للحظوظ فضلوا { وأن الذين آمنوا } أي ولو كانوا في أقل درجات الإيمان { ~~اتبعوا } أي بغاية جهدهم متابعين لما تدعو إليه الفطرة الأولى مخالفين ~~لنوازع الشهوات ودواعي الحظوظ على كثرتها وقوتها { الحق } أي الذي له ~~واقع يطابقه وذلك هو الحكمة وهي العمل بموافقة العلم وهو معرفة المعلوم ~~على ما هو عليه { من ms4548 ربهم } الذي أحسن إليهم بإيجادهم وما سببه من حسن ~~اعتقادهم فاهتدوا. # ولما علم من هذا أن باطن حال الذين كفروا الباطل، وباطن حال الذين آمنوا ~~الحق، وتقدم في البقرة أن المثل هو ما يتحصل في باطن الإدراك من حقائق ~~الأشياء المحسوسة، فيكون ألطف من الشيء المحسوس، وأن ذلك هو وجه الشبه، ~~علم أن مثل كل من الفريقين ماعلم من باطن حاله فمثل الأول الباطل ومثل ~~الثاني الحق، فلذلك قال سبحانه استئنافا جوابا لمن كأن قال لما أدركه ~~من دهش العقل لما راعه من علو هذا المقال: هل يضرب مثل مثل هذا: { كذلك } ~~أي مثل هذا الضرب العظيم الشأن { يضرب الله } أي الذي له الإحاطة بجميع ~~صفات الكمال { للناس } أي كل من فيه قوة الاضطراب والحركة { أمثالهم * } ~~أي أمثال أنفسهم وأمثال الفريقين المتقدمين أو أمثال جميع الأشياء التي ~~يحتاجون إلى بيان أمثالها مبينا لها مثل هذا البيان ليأخذ كل واحد من ~~ذلك جزاء حاله، فقد علم من هذا المثل أن من اتبع الباطل أضل الله عمله ~~ووفر سيئاته وأفسد باله، ومن اتبع الحق عمل به ضد ذلك كائنا من كان، وهو ~~غاية الحث على طلب العلم في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ~~والعمل بهما. ### || [47.4-5] # ولما تحرر أن الكفار أحق الخلق بالعدم لأن الباطل مثلهم وحقيقة حالهم، ~~سبب عنه قوله: { فإذا لقيتم } أي أيها المؤمنون { الذين كفروا } ولو ~~بأدنى أنواع الكفر في أي مكان كان وأي زمان اتفق. ولما كان المراد ~~القتل المجهر بغاية التحقق، عبر عنه مؤكدا له من الاختصار بذكر المصدر ~~الدال على الفعل مصورا له بأشنع صوره مع ما فيه من الغلظة على الكفار ~~والاستهانة بهم فقال تعالى: { فضرب الرقاب } أي عقبوا لقيكم لهم من غير ~~مهلة بأن تضربوا رقابهم ضربا بالصدق في الضرب بما يزهق أرواحهم، فإن ذلك ~~انتهاز للفرصة وعمل بالأحوط، وكذلك النفس التي هي أعدى العدو إذا ظفرت ~~بها وجب عليك أن لا تدع لها بقية، قال القشيري: فالحية إذا بقيت منها ms4549 ~~بقية فوضعت عليها إصبع ثبت فيها سمها. # ولما كان التقدير: ولا يزال ذلك فعلكم، غياه بقوله: { حتى } وبشرهم ~~بالتعبير بأداة التحقق فقال تعالى: { إذا أثخنتموهم } أي أغلظتم القتل ~~فيهم وأكثرتموه بحيث صاروا لا حراك بهم كالذي ثخن فأفرط ثخنه؛ فجعل ذلك ~~شرطا للأسر كما قال تعالى # وما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض # [الأنفال: 67] ثم قال تعالى مبينا لما بعد الثخن: { فشدوا } أي لأنه لا ~~مانع لكم الآن من الأسر { الوثاق } أي الرباط الذي يستوثق به من الأسر ~~بالربط على أيديهم مجموعة إلى أعناقهم - مجاز عن الأسر بغاية الاستيلاء ~~والقهر. # ولما كان الإمام مخيرا في أسراهم بين أربعة أشياء: القتل والإطلاق ~~مجانا والإطلاق بالفدية وهي شيء يأخذه عوضا عن رقابهم والاسترقاق، عبر ~~عن ذلك بقوله مفصلا: { فإما منا } أي أن ينعموا عليهم إنعاما { بعد } ~~أي في جميع أزمان ما بعد الأسر باستبقائهم ثم بعد الإنعام باستبقائهم إما ~~أن يكون ذلك مع الاسترقاق أو مع الإطلاق ثم الإطلاق إما مجانا { وإما ~~فداء } بمال أو بأسرى من المسلمين ونحو ذلك، فأفهم التعبير بالمن الذي ~~معناه الإنعام أن الإبقاء غير واجب بكل جائز، ودخل في الإبقاء ثلاث صور: ~~الاسترقاق والإطلاق مجانا وبالفداء فصرح سبحانه وتعالى بالفداء الذي ~~معناه الأخذ على وجه أن قسيم للمن، فعلم أن المراد به الإبقاء مع عدم ~~الأخذ فدخل فيه الإطلاق مجانا وهو واضح والاسترقاق لأنه إنعام بالنسبة ~~إلى القتل، وأفهم التعبير بالمن الذي معناه الإنعام من المنان الذي هو ~~اسمه تعالى ومعناه المعطي ابتداء جواز القتل لأن الإنعام مخير فيه لا ~~واجب لأنه لو كان واجبا كان حقا لا نعمة، فقد دخلت السور الأربع في ~~التعبير بهاتين الكلمتين - والله الهادي، وكل هذا على ما يراه الإمام أو ~~نائبه مصلحة، قال القشيري: كذلك حال المجاهدة مع النفس إذا كان في إغفاء ~~ساعة وإفطار يوم ترويح للنفس من الكد وقوة على الجهد فيما يستقبل من ~~الأمر على ما يحصل به الاستصواب من شيخ المريد وفتوى لسان ms4550 الوقت أو فراسة ~~صاحب المجاهدة - انتهى. # وقد أفهم هذا السياق أن هذا الحكم ثابت غير منسوخ والأمر بالقتل وحده في ~~غيرها من الآيات عام غير مخصوص بما أفهمته الغاية من أن التقدير: والجهاد ~~على هذه الصفة باق وماض مع كل أمير برا كان أو فاجرا، لا يزال طائفة من ~~الأمة قائمين به ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله، ~~وهو - والله أعلم - المراد بقوله تعالى: { حتى } أي افعلوا ما أمرتكم به ~~على ما جددت لكم إلى أن { تضع الحرب أوزارها } وهي أثقالها أي الآلات ~~التي تثقل القائمين بها من النفقات والسلاح والكراع ونحوه، وذلك لا يكون ~~وفي الأرض كافر، وذلك على زمن عيسى عليه الصلاة والسلام حين تخرج الأرض ~~بركاتها، وتكون الملة واحدة وهي الإسلام لله رب العالمين، فيتخذ الناس ~~حديد السلاح سككا ومناجل وفؤوسا ينتفعون بها في معاشهم كما ورد في ~~الحديث: # " الجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال " # - رواه في الفردوس عن أنس رضي الله عنه # " الجهاد واجب عليكم مع كل بر وفاجر " # رواه أبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه. # ولما كانت الحرب كريهة إلى النفوس شديدة المشقة، أكد أمرها بما معناه: ~~إن هذا أمر قد فرغ منه، فقال تعالى: { ذلك } أي الأمر العظيم العالي ~~الحسن النافع الموجب لكل خير. ولما كان هذا ربما أوهم أن التأكيد في هذا ~~الأمر لكون الحال لا يمكن انتظامه إلا به، أتبعه ما يزيل هذا الإيهام ~~فقال: { ولو } ولما كان لو عبر بالماضي أفاد أنه كان ولم يبق، عبر ~~بالمضارع الدال على الحال وما بعده فقال: { يشاء الله } أي الملك الأعظم ~~الذي له جميع صفات الكمال والقدرة على ما يمكن { لانتصر منهم } أي بنفسه ~~من غير أحد انتصارا عظيما بأن لا يبقى منهم أحدا { ولكن } أوجب ذلك ~~عليكم { ليبلوا }. # ولما كان الابتلاء ليس خاصا بفريق منهم بل عاما للفريقين لأنه يكشف عن ~~أهل المحاسن وأهل المساوئ من كل منهم، قال تعالى: { بعضكم ms4551 } من الفرقة ~~المؤمنين بالإنكار عليهم من الفرقة الطاغين حتى يكون لهم بذلك اليد ~~البيضاء { ببعض } أي يفعل في ذلك فعل المختبر ليترتب عليه الجواء على حسب ~~ما تألفونه من العوائد. # ولما أفهم هذا أن الابتلاء بين فريقين بالجهاد، قال عاطفا على ما ~~تقديره: فالذين قاتلوا أو قتلوا في سبيل الشيطان أضل أعمالهم: { والذين ~~قتلوا } وفي قراءة البصريين وحفص { قتلوا } وهي أكثر ترغيبا والأولى ~~أعظم ترجية { في سبيل الله } أي لأجل تسهيل طريق الملك الأعظم المتصف ~~بجميع صفات الكمال. # ولما كان في سياق الترغيب، قرن الخبر بالفاء إعلاما بأن أعمالهم سببه ~~فقال تعالى: { فلن يضل } أي يضيع ويبطل { أعمالهم * } لكونها غير تابعة ~~لدليل بل يبصرهكم بالأدلة ويوفقهم لاتباعها، وهو معنى قوله تعالى ~~تعليلا: { سيهديهم } أي في الدارين بوعد لا خلف فيه بعد المجاهدة إلى كل ~~ما ينفعهم مجددا ذلك على سبيل الاستمرار { ويصلح بالهم } أي موضع فكرهم ~~فيجعله مهيأ لكل خير بعيدا عن كل شر آمنا من المخاوف مطمئنا بالإيمان ~~بما فيه من السكينة، فإذا قتل أحد في سبيله تولى سبحانه وتعالى ورثته ~~بأحسن من تولي المقتول لو كان حيا. ### || [47.6-9] # ولما كان هذا ثوابا عظيما ونوالا جسيما، أتبعه ثوابا أعظم منه فقال ~~تعالى: { ويدخلهم الجنة } أي دار القرار الكاملة في النعيم، وأجاب من ~~كأنه يسأل عن كيفية إدخالهم إياها وكيفيتها عند ذلك بقوله تعالى: { عرفها ~~لهم * } أي بتعريف الأعمال الموصلة إليها والتوفيق لهم إليها في الدنيا ~~وأيضا بالتبصير بالمنازل في الآخرة حتى أن أحدهم يصير أعرف بمنزله فيها ~~منه بمنزله في الدنيا، وطيب رائحتها وجعل موضعها عاليا وجدرانها عالية ~~وهي ذات أغراف وشرف، وفي هذه الآية بشرى عظيمة لمن جاهد ساعة ما بأن الله ~~يميته على الإسلام المستلزم لئلا يضيع له عمل، ويؤيده ما رواه الطبراني ~~في الكبير عن فضالة بن عبيد الأنصاري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول: # " للإسلام ثلاث أبيات: سفلى وعليا وغرفة، فأما السفلى فالإسلام دخل فيه ~~عامة المسلمين فلا تسأل ms4552 أحدا منهم إلا قال: أنا مسلم، وأما العليا ~~فتفاضل أعمالهم بعض المسلمين أفضل من بعض، وأما الغرفة العليا فالجهاد في ~~سبيل الله لا ينالها إلا أفضلهم ". # ولما ذكر القتال، تشوف السامع إلى حال المقاتل من النصر والخذلان فأجاب ~~بما يعرف بشرط النصر فقال: { يا أيها الذين آمنوا } أي أقروا بذلك وإن ~~كان في أدنى الدرجات بما أشعرت به أداة البعد والصلة بالماضي { إن تنصروا ~~الله } أي يتجدد لكم نية مستمرة وفعل دائم على نصرة دين الملك الأعظم ~~بإيضاح أدلته وتبيينها وتوهية شبه أهل الباطل وقتالهم، ويكون ذلك خالصا ~~له لا لغيره من النيات الفاسدة المعلولة بطلب الدنيا أو الشهرة بالشجاعة ~~والعلم وطيب الذكر الغضب للأهل وغير ذلك { ينصركم } فإنه الناصر لا غيره ~~من عدد أو عدد فيقمع أعداء الدين بأيديكم. # ولما كان النصر قد يكون مع العجز والكسل والجبن والفشل بين أنه يحميهم ~~من ذلك فقال: { ويثبت أقدامكم * } أي تثبيتا عظيما بأن يملأ قلوبكم ~~سكينة واطمئنانا وأبدانكم قوة وشجاعة في حال القتل ووقت البحث والجدال، ~~وعند مباشر جميع الأعمال، فتكونوا عالين قاهرين في غاية ما يكون من طيب ~~النفوس وانشراح الصدور ثقة بالله واعتزازا به وإن تملأ عليكم أهل الأرض. # ولما ذكر أهل الإيمان، بين ما لأهل الكفران، فقال سبحانه: { والذين ~~كفروا } أي ستروا ما دل عليه العقل وقادت إليه الفطر الأولى، وبين أن سوء ~~أعمالهم أسباب وبالهم بالفاء. فقال مؤكدا بجعل الخبر مفعولا مطلقا ~~لأجل استبعادهم بما لهم من القوة بكثرة العدد والملاءة بالعدد: { فتعسا ~~} أي فقد عثروا فيقال لهم ما يقال للعاثر الذي يراد أنه لا يقوم: تعسا ~~لا قيام معه، كما يقال لمن عثر وأريد قيامه: تعسا لك، والمراد بالتعس ~~الانحطاط والسفول والهوان والقلق. # ولما كان كأنه قيل: لمن هذا؟ قيل: { لهم } فلا يكادون يثبتون في قتال ~~لمن صلحت من الأعمال. # ولما كان الإنسان قد يعثر ويقع ويقال له: تعسا، ويقوم بعد ذلك، ولا ~~يبطل عمله، بين أن قوله ليس كذلك، بل مهما قاله كان لا يتخلف ms4553 أصلا، فقال ~~معبرا بالماضي إشارة إلى التحتم فيه، وأما الاستقبال فربما تاب على ~~بعضهم فيه عاطفا على ما تقديره فقال تعالى لهم ذلك: { وأضل أعمالهم * } ~~وإن كانت ظاهرة الإيقان لأجل تضييع الأساس بالإيمان. # ولما بين ما صنع بهم ليجترئ به حزبه عليهم، بين سببه ليجتنب فقال: { ذلك ~~} الأمر البعيد من الخير { بأنهم } أي بسب بأنهم { كرهوا } بغضوا وخالفوا ~~وأنكروا { ما أنزل الله } أي الملك الأعظم الذي لا نعمة إلا منه، والذي ~~أنزله من القرآن والسنة هو روح الوجود الذي لا يعاندونه، فلما كرهوا ~~الروح الأعظم بطلت أرواحهم فتبتها أشباحهم، وهو معنى قوله مسببا بيانا ~~لمعنى إضلال أعمالهم: { فأحبط } أي أبطل إبطالا لا صلاح معه { أعمالهم * ~~} بسبب أنهم أفسدوها بنياتهم فصارت وإن كانت صورها صالحة ليس لها أرواح، ~~لكونها واقعة على غير ما أمر به الله الذي لا أمر إلا له يقبل من العمل ~~إلا ما حده ورسمه، وهذا وعيد للأمة بأنها إن تخلت عن نصر الله والجهاد في ~~سبيله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وكلها سبحانه إلى نفسها وتخلى عن ~~نصرها وسلط عليها عدوها، ولقد وجد بعض ذلك من تسلط الفسقة لما وجد ~~التهاون في بعض ذلك والتواكل فيه. ### || [47.10-14] # ولما كان لا يستهين بهذه القضايا ويجترئ مثل هذه البلايا إلا من أمن ~~العقوبة، ولا يأمن العقوبة إلا من أعرض عن الله سبحانه وتعالى، وكان يكفي ~~في الصد عن الأمرين وقائعه تعالى بالأمم الخالية لأجل تكذيب رسله ومناصبة ~~أوليائه والاعتداء على حدوده، قال منكرا عليهم وموبخا لهم تقدما إليهم ~~بالتحذير من بطشه وسطوته وشديد أخذه وعقوبته، مسببا عن كراهيتهم ~~المذكورة وما تأثر عنها من العداوة لأهل الله: { أفلم يسيروا } أي بسبب ~~تصحيح أعمالهم وبنائها على أساس { في الأرض } أي التي فيها آثار الوقائع ~~فإنها هي الأرض في الحقيقة لما لها من زيادة التعريف بالله { فينظروا } ~~عقب سيرهم وبسبه. ولما كانت وقائعه خلعة للقلوب بما فيها من الأمور ~~الباهرة الناطقة بها ألسنة الأحوال بعد التنبيه بالمقال، ساق ذلك بسوقه ~~في أسلوب ms4554 الاستفهام مساقا منبها على أنه من العظمة بحيث يفرغ الزمان ~~للعناية بالسؤال عنه فقال: { كيف كان عاقبة } أي آخر أمر { الذين } ولما ~~كان يمكنهم معرفة ذلك من جميع المهلكين، نبه بإثبات الجار على أنهم بعضهم ~~بل بعض المكذبين للرسل، وهم الذين سمعوا أخبارهم ورأوا ديارهم بعاد وثمود ~~ومدين وسا وقوم لوط فقال تعالى: { من قبلهم } ولما كان كأنه قيل: ما لهم؟ ~~قال: { دمر الله } أي أوقع الملك الأعظم الهلاك العظيم الداخل بغير إذن، ~~الهاجم بغتة { عليهم } بما علم أهاليهم وأحوالهم وكل من رضي فعالهم أو ~~مقالهم، وعدل عن أن يقول: " ولهؤلاء " إلى قوله: { وللكافرين } تعميما ~~وتعليقا للحكم بالوصف وهو العراقة في الكفر، فكان فيه بشارة بأن بعضهم ~~سينجيه الله تعالى من أسباب الهلاك لكونه ليس عريقا في الكفر، لأنه لم ~~يطبع عليه { أمثالها * } أي أمثال هذه العاقبة. # ولما بين أن يعلي أولياءه ويذل أعداءه، بين علته فقال: { ذلك } أي الأمر ~~العظيم الذي فعله بالفريقين { بأن الله } أي بسبب أن الملك الأعظم المحيط ~~بصفات الكمال { مولى الذين آمنوا } أي القريب من المصدقين به المرضين له، ~~فهو يفعل معهم بما له من الجلال والجمال ما يفعل القريب بقريبه الحبيب ~~له، قال القشيري: ويصح أن يقال: أرجى آية في كتاب الله هذه الآية لأنه لم ~~يقل: الزهاد والعباد وأصحاب الأوراد والاجتهاد. يعني بل ذكر أدنى أسنان ~~أهل الإيمان. { وأن الكافرين } أي العريقين في هذا الوصف { لا مولى لهم * ~~} بهذا المعنى، لأنهم بعيدون من الله الذي لا يعبد على الحقيقة إلا هو، ~~فلا ينفعهم قرب قريب أصلا وإن كان الله مولاهم بغير هذا المعنى بل بمعنى ~~أنه سيدهم ومالكهم، وفيه إيماء إلى أنه سبحانه وتعالى ولي من لم يكن ~~عريقا في الكفر فيخرجه من الظلمات إلى النور. # ولما تشوف السامع إلى تعرف تمام آثار الولاية، قال شافيا لعي سؤالهم ~~مؤكدا لأجل كثرة المكذبين: { إن الله } أي الذي له جميع الكمال { يدخل ~~الذين آمنوا } أي أوقعوا التصديق { وعملوا } تصديقا لما ادعوا أنهم ~~أوقعوه { الصالحات } فتمتعوا ms4555 بما رزقهم الله من الملاذ لا على وجه أنها ~~ملاذ بل على وجه أنها مأذون فيها، وهي بلاغ إلى الآخرة وأكلوا لا للترفه ~~بل لتقوية البدن على ما أمروا به تقوتا لا تمتعا { جنات } أي بساتين ~~عظيمة الشأن موصوفة بأنها { تجري } وبين قرب الماء من وجهها بقوله: { من ~~تحتها الأنهار } أي فهي دائمة النمو والبهجة والنضارة والثمرة لأن أصول ~~أشجارها ربى وهي بحيث متى أثرت بقعة مناه أدنى إثارة جرى منها نهر، ~~فأنساهم دخولهم غصص ما كانوا فيه في الدنيا من نكد العيش ومعاناة ~~الشدائد، وضموا نعيمها إلى ما كانوا فيه في الدنيا من نعيم الوصلة بالله ~~ثم لا يحصل لهم كدر ما أصلا، وهي مأواهم لا يبغون عنها حولا، وهذا في ~~نظير ما زوي عنهم من الدنيا وضيق فيها عيشهم نفاسة منهم عنها حتى فرغهم ~~لخدمته وألزمهم حضرته حبا لهم وتشريفا لمقاديرهم { والذين كفروا } أي ~~غطوا ما دل عليه العقل فعملوا لأجل كفرهم الأعمال الفاسدة المبعدة عن ~~جناب الله { يتمتعون } أي في الدنيا بالملاذ لكونها ملاذ كما تتمتع ~~الأنعام، ناسين ما أمر الله معرضين عن لقائه بل عن الموت أصلا بل يكون ~~ذكر الموت حاثا لهم على الانهماك في اللذات مسابقة له جهلا منهم بالله ~~{ ويأكلون } على سبيل الاستمرار { كما تأكل الأنعام } أكل التذاذ ومرح من ~~أي موضع كان وكيف كان الأكل في سبعة أمعاء، أي في جميع بطونهم من غير ~~تمييز للحرام من غيره لأن الله تعالى أعطاهم الدنيا ووسع عليهم فيها ~~وفرغهم لها حتى شغلهم عنه هوانا بهم وبغضا لهم لأنه علم حالهم قبل أن ~~يوجدهم فيدخلهم نارا وقودها الناس والحجارة { والنار } أي والحال أن ذات ~~الحرارة العظمى والإحراق الخارج عن الحد { مثوى } أي منزل ومقام { لهم * ~~} تنسيهم أول انغماسهم فيها كل نعيم كانوا فيه ثم لا يصير لهم نعيم ما ~~أصلا، بل لا ينفك عنهم العذاب وقتا ما، فالآية من الاحتباك، ذكر ~~الأعمال الصالحة ودخول الجنات أولا دليلا على حذف الفاسدة ودخول النار ~~ثانيا، والتمتع والمثوى ms4556 ثانيا دليلا على حذف التعلل والمأوى أولا، ~~فهو احتباك في احتباك واشتباك مقارن لاشتباك. # ولما وعد سبحانه أنه ينصر من ينصره لأنه مولاه ويدخله دار نعمته، ويخذل ~~من يعانده لأنه عاداه إلى أن يدخله دار شقوته، كان التقدير دليلا على ~~ذلك: فكأين من قوم هم أضعف من الذين اتبعوك نصرناهم على من كذبهم، فلا ~~خاذل لهم، فعطف عليه قوله: { وكأين } ولما كانت قوة قريش في الحقيقة ~~ببلدهم، وكان الإسناد إليها أدل على تمالؤ أهلها وشدة اتفاقهم حتى كأنهم ~~كالشيء الواحد قال: { من قرية } أي كذبت رسولها { هي أشد قوة } وأكثر عدة ~~{ من قريتك } ولما كان إنزال هذه بعد الهجرة، عين فقال: { التي أخرجتك } ~~أي أخرجك أهلها متفقين في أسباب الإخراج من أنواع الأذى على كلمة واحدة ~~حتى كأن قلوبهم قلب واحد فكأنها هي المخرجة - وهي مكة - كذبوك وآذوك حتى ~~أخرجناك من عندهم لننصرك عليهم بمن أيدناك بهم من قريتك هذه التي آوتك من ~~الأنصار نصرا جاريا على ما تألفونه وتعتادونه { أهلكناهم } بعذاب ~~الاستئصال كما اقتضت عظمتنا، وحكى حالهم الماضية بقوله: { فلا ناصر لهم * ~~}. # ولما كان هذا دليلا شهوديا بعد الأدلة العقلية على ما تقدم الوعد به، ~~سبب عنه الإنكار عليهم فقال: { أفمن كان } أي في جميع أحواله { على بينة ~~} أي حالة ظاهرة البيان في أنها حق { من ربه } المربي المدبر له المحسن ~~إليه بما يقيم من الأدلة التي تعجز الخلائق أجمع عن أن يأتوا بواحد منها ~~فبصر سوء عمله وأريه على حقيقته فرآه سيئا فاجتنبه مخالفا لهواه، قال ~~القشيري: العلماء في ضياء برهانهم والعارفون في ضياء بيانهم. { كمن زين ~~له } بتزيين الشيطان بتسليطنا له عليه وخلقنا للآثار بأيسر أمر { سوء ~~عمله } من شرك أو معصية دونه. # ولما كان التقدير: فرآه حسنا فعمله ملازما له، فكان على عمى وضلال، ~~وكان قد أفرد الضمير لقبول " من " له من جهة لفظها، جمع ردا على معناها ~~بتعميم القبح مثنى وفرادى، وإشارة إلى أن القبيح يكون أولا قليلا جدا، ~~فمتى غفل عنه فلم تحسم مادته ms4557 دب وانتشر فقال عاطفا على ما قدرته: { ~~واتبعوا أهواءهم * } فلا شبهة لهم في شيء من أعمالهم السيئة فضلا عن ~~دليل، والآية من الاحتباك ذكر البينة أولا دليلا على ضدها ثانيا، ~~والتزيين واتباع الهوى ثانيا دليلا على ضدهما أولا، وسره أنه ذكر ~~الأصل الجامع للخير ترغيبا والأصل الجامع للشر ترهيبا. ### || [47.15] # ولما تكرر ذكر الجنة والنار في هذه السورة إلى أن ختم بهذه الآية التي ~~قسم الناس فيها إلى أولياء مهتدين وأعداء ضالين معتدين، فهدى سياقها إلى ~~أن التقدير: أفمن كان على بينة من ربه أحياه الحياة الطيبة في الدارين، ~~ومن تبع هواه أراده فيها، أتبعه وصف الجنة التي هي دار أوليائه قادهم ~~إليها الهدى، والنار التي هي دار أعدائه ساقهم إليها الضلال المحتم ~~للردى، فقال: { مثل الجنة } أي البساتين العظيمة التي تستر داخلها من ~~كثرة أشجارها. # ولما تكرر وعده سبحانه للذين آمنوا بالجنة بالاسم الأعظم الجامع وبعضها ~~بالضمير العائد إليه، صار الوعد بها في غاية التحقق فعبر عنه هنا بالماضي ~~المبني للمفعول إشارة إلى أنه أمر قد تحقق بأسهل أمر، وفرغ منه إلى أن ~~صار حاضرا لا مانع منه إلا الوصف الذي علق به الوعد ووصفها بصفات تفيد ~~القطع بأنه لا يقدر عليها إلا الله فصار مجرد ذكرها والإخبار به عنها ~~بصيغة المجهول أعلى لأمره فقال: { التي وعد المتقون } أي الذي حملتهم ~~تقواهم بعد الوقوف عن كل فعل لم يدل عليه دليل على أن استمعوا منك ~~فانتفعوا بما دللتهم عليه من أمور الدين حتى انقسم الناس إلى ثلاثة ~~أقسام: مقبل عليه بكليته فهو متبع، ومعرض عنه جملة، ومستمع غير منتفع. # ولما كان التقدير: مثل بستان عظيم لا يسقط ورقه ولا ينقطع ثمره ولا ~~يتفطن نعيمه لما فيه من الأنهار المتنوعة، وكان ما هو بهذه الصفة إنما هو ~~موهوم لنا لا معلوم، طواه وذكره ما دل عليه من صفة الجنة الموعودة ~~المعلومة بوعد الصادق الذي ثبت صدقه بالمعجزات فقال استئنافا: { فيها } ~~أي الجنة الموعودة. ولما كان ما يعهدونه من الجنان لا ms4558 يحتمل أكثر من ~~ثلاثة أنهار، عبر بالجمع الذي يستعار للكثرة إذا دلت قرينة، وهي هنا ~~المدح والامتنان، فقال: { أنهار من ماء } ولما كان ماء الدنيا مختلف ~~الطعوم على ثلاثة: حلو وعذب وملح، مع اتحاد الأرض ببساطتها وشدة اتصالها ~~للدلالة على أن فاعل ذلك قادر مختار، وقد يكون آسنا أي متغيرا عن الماء ~~الذي يشرب بريح منتنة من أصل خلقه أو من عارض عرض له من منبعه أو مجراه ~~قال: { غير آسن } أي ثابت له في وقت ما شيء من الطعم أو الريح أو اللون ~~بوجه من الوجوه وإن طالت إقامته وإن أضيف إليه غيره فإنه لا يقبل التغير ~~بوجه. # ولما كان أكثر شرابهم بعد الماء اللبن، ثنى به فقال سبحانه: { وأنهار من ~~لبن } ولما كان التغير غير محمود، وكانوا يعهدون في الدنيا أن اللبن كله ~~على جميع أنواعه طيب حال نزوله من الضرع مع اختلاف ذوات الدر في الأشكال ~~والأنواع والمقادير والأمزجة، ومع انفصال كل واحدة منها من الأخرى، وأنه ~~إنما يتغير بعد حلبه، عبر بما ينفي التغير في الماضي فقال: { لم يتغير ~~طعمه } أي بنفسه عن أصل خلقته وإن أقام مدى الدهر، وهذا يفهم أنهم لو ~~أرادوا تغييره لشهوة اشتهوها تغير، وأنه مع طيبه على أنواع كثيرة كما كان ~~في الدنيا متنوعا. # ولما كان أكثر ما بعد اللبن الخمر قال: { وأنهار من خمر } ولما كانت ~~الخمر يكثر طعمها، وإنما يشربها شاربوها لأثرها، وأنه متى تغير طعمها زال ~~اسمها، عرف أن كل ما في خمر الجنة في غاية الحسن غير متعرض لطعم فقال: { ~~لذة } أي ثابتة لها اللذة ودائمة حال شربها وعبده { للشاربين * } في طيب ~~الطعم وحسن العاقبة. # ولما كان العسل أعزها وأقلها، أخره وإن كان أجلها فقال: { وأنهار من عسل ~~} ولما كان عسل الدنيا لا يوجد إلا مخلوطا بالشمع وغيره من القذى قال: { ~~مصفى } أي هو صاف صفاء ما اجتهد في تصفيته من ذلك، وهذا الوصف ثابت له ~~دائما لا انفكاك له عنه في وقت ما، فقد حصل بهذا ms4559 غاية التشويق إلى الجنة ~~بالتمثيل بما يستلذ به من أشربة الدنيا لأنه غاية ما نعلم من ذلك مجردا ~~عما ينقصه أو ينغصه مع الوصف بالغزارة والاستمرار قال البغوي: قال كعب ~~الأحبار: نهر دجلة نهر ماء أهل الجنة، ونهر الفرات نهر لبنهم، ونهر مصر ~~نهر خمرهم، ونهر سبحان نهر عسلهم. وهذه الأنهار الأربعة تخرج من نهر ~~الكوثر. وقال ابن عبد لحكم في فتوح مصر: حدثنا عثمان بن صالح ثنا ابن ~~لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب أن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما سأل ~~كعب الأحبار رضي الله عنه: هل تجد لهذا النيل في كتاب الله تعالى خبرا؟ ~~قال: أي والذي فلق البحر لموسى، إني لأجده في يكتاب الله أن الله عز وجل ~~يوحي إليه في كل عام مرتين، يوحي إليه عن جريه أن الله يأمرك أن تجري، ~~فيجري ما كتب الله له ثم يوحي إليه بعد ذلك: يا نيل غر حميدا. حدثنا عبد ~~الله بن صالح حدثنا الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن كعب ~~الأحبار أنه كان يقول: أربعة أنها من الجنة وضعها الله عز وجل في الدنيا. ~~فالنيل نهر العسل في الجنة، والفرات نهر الخمر في الجنة. وسيحان نهر ~~الماء في الجنة. وجيحان نهر اللبن في الجنة. حدثنا سعيد بن أبي مريم ~~حدثنا الليث بن سعد وعبد الله بن لهيعة قالا حدثنا يزيد بن أبي حبيب عن ~~أبي الخير عن أبي جنادة الكناني أنه سمع كعبا يقول: النيل في الآخرة ~~عسلا أغزر ما يكون من الأنهار التي سمى الله عز وجل، ودجلة في الآخرة ~~لبنا أغزر ما يكون من الأنهار التي سمى الله عز وجل، والفرات خمرا أغزر ~~ما يكون من الأنهار التي سمى الله عز وجل، وجيحان ماء أغزر ما يكون من ~~الأنهار التي سمى الله وأصل هذا كله ما في الصحيح في صفة الجنة عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم: # " سيحان وجيحان والنيل والفرات من أنهار ms4560 الجنة " # وقال أبو حيان في حكمة ترتيبها غير ما تقدم: إنه بدئ بالماء الذي لا ~~يستغنى عنه في المشروبات، ثم باللبن إذ كان يجري مجرى المطعومات في كثير ~~من أقوات العرب وغيرهم، ثم بالخمر لأنه إذا حصل الري والمطعوم تشوفت ~~النفس إلى ما يتلذذ به، ثم بالعسل لأن فيه الشفاء في الدنيا مما يعرض من ~~المطعوم والمشروب - انتهى. وأحسن منه أنه لما كان السياق للتعجب في ضرب ~~المثل لأنه قول لا ينفك عن غرابة بدأ بأنهار الماء لغرابتها في بلادهم ~~وشدة حاجتهم إليها، ولما كان خلوها عن تغير أغرب نفاه، ولما كان اللبن ~~أقل فكان جريه أنهارا أغرب، ثنى به، ولما كان الخمر أعز ثلث به، ولما ~~كان العسل أشرفها وأقلها ختم به، ونبه - مع هذا التذكير بقدرته تعالى - ~~على ما يريد بسبب وبغير سبب فإن هذه المشروبات الثلاثة التي وبعضها متمحض ~~للشرابية كالخمر وبعضها في غذائية وهي فيه أغلب، وهو العسل، وبعضها ينزع ~~إلى كل منهما وهو اللبن كلها من الماء مع تمايزها مذاقا وأثرا في ~~الغذاء والدواء وغير ذلك، فإن الماء أصل النبات، ومن النبات يكون اللبن ~~والخمر والعسل بما لا يخفى من الأسباب، وأما الآخرة فغنية عن الأسباب ~~لظهور اسمه الظاهر سبحانه هناك لأنه لا ابتلاء فيها، وبهذا فهم للترتيب ~~سر آخر وهو أنه تعالى قدم الماء لأنه الأصل لها، وتلاه بأقرب الأشياء ~~إليه في الشرابية والطبع: اللبن، ثم بما هو أقرب إلى اللبن من جهة أنه ~~شراب فقط، ثم بالعسل لأنه أبعدها منه. # ولما كانت الثمار ألذ مستطاب بعد سائغ الشراب قال تعالى: { ولهم فيها } ~~ولما كان أهلها متفاوين في الدرجات فلا تجمع جنان أغلبهم جميع ما في ~~الجنة من الثمار بعض فقال: { من كل الثمرات } أي جميع أصنافها على وجه لا ~~حاجة معه من قلة ولا انقطاع. # ولما كان العيش لا يطيب مع الإنصاف بما يوجب العتب، قال مشيرا إلى أنه ~~لا يقدر أحد أن يقدر الله حق قدره، لأن الرتب متضائلة عن رتبته سبحانه: ms4561 { ~~ومغفرة من ربهم } أي المحسن إليهم بمحو ذنوبهم السالفة أعيانها وأثارها ~~بحيث لا يخشون لها عاقبة بعقاب. لا عتاب وعدم بلوغهم إلى ما يحق له من ~~الشكر سبحانه. # ولما أرشد هذا السياق إلى أن التقدير: أفمن هو في هذا النعيم الأكبر ~~المقيم، بنى عليه قوله: { كمن هو خالد } أي مقيم إقامة لا انقطاع معها، ~~ووحده لأن الخلود يعم من فيها على حد سواء { في النار } أي التي لا يطفأ ~~لهيبها، لا يفك أسيرها ولا يؤنس عريبها. ولما كان كل واحد من داخليها له ~~سقي يخصه على حسب عمله ولا يظلم ربك أحدا. كان المؤثر لضرهم السقي على ~~الكيفية التي تذكر لا كونه من ساق معين، بني للمجهول قوله مسندا إلى ~~ضمير الجمع قوله تعالى: { وسقوا } أي عوض ما ذكر من شراب أهل الجنة { ماء ~~حميما } أي في غاية الحرارة { فقطع أمعاءهم * } ويمكن أن تكون الآية من ~~الاحتباك، وذلك أنه تعالى لما قدم أن المؤمنين في جنات تجري من تحتها ~~الأنهار، وأن الكافرين مأواهم النار، وكان التقدير إنكاره على من لم ~~يرتدع للزواجر تنبيها على أن عمله عمل من يسوي بين الجنة والنار لأن كون ~~النار جزاء لمثله والجنة جزاء المؤمن صار في حد لا يسوغ إنكاره: أمثل ~~الجنة الموصوفة كمثل النار، ومن هو خالد في الجنة كمن هو خالد في النار - ~~والله الموفق للصواب. ### || [47.16-17] # ولما كان التقدير بعد هذا التمثيل والوصف والتشويق الذي يبهر العقول: ~~فمن الناس من يسمع منك بغاية المحبة والإنصاف فيعليه الله بفهم ما يتلوه ~~واعتقاده والعمل به واعتماده وهم المتقون الذين وعدوا الجنة، عطف عليه ~~قوله تعالى: { ومنهم من يستمع } أي بغاية جهده لعله يجد في المتلو مطعنا ~~يشك به على الضعفاء، وبين تعالى بعدهم بقوله: { إليك } ولما أفرد المستمع ~~نظرا إلى لفظ " من " إشارة إلى قلة المستمع جمع نظرا إلى معناه إشارة ~~إلى كثرة المعرضين الجامدين المستهزئين من المستمعين منهم والسامعين فقال ~~تعالى: { حتى } أي واستمر إجهادهم لأنفسهم بالإصغاء حتى { إذا خرجوا } أي ~~المستمعون ms4562 والسامعون جميعا { من عندك قالوا } أي الفريقان عمى وتعاميا ~~واستهزاء. ولما كان مجرد حصول العلم النافع مسعدا، أشار إلى تعظيمه ~~ببنائه لما لم يسم فاعله فقال تعالى: { للذين أوتوا العلم } أي بسبب ~~تهيئة الله لهم بما آتاهم من صفاء الأفهام لتجردهم عن النفوس والحظوظ ~~وانقيادهم لما تدعوا إليه الفطرة الأولى: { ماذا قال } أي النبي صلى الله ~~عليه وسلم { آنفا } أي قبل افتراقنا وخروجنا عنه من ساعة - أي أول وقت - ~~تقرب منه، من أنفة الصلاة - بالتحريك، وهو ابتداؤها وأولها، قال أبو ~~حيان: حال، أي مبتدئا، أي ما القول الذي ائتنفه الآن قبل انفصالنا عنه. ~~ورد كونه ظرفا بأنه تفسير معنى، وأنه لا يعلم أحدا من النحاة عده في ~~الظروف. وقال البغوي: ائتنفت الأمر: ابتدأته، وأنف الشيء أوله، قال ~~مقاتل: وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب ويعيب المنافقين، فإذا ~~خرجوا من المسجد سألوا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه استهزاء: ماذا قال ~~محمد صلى الله عليه وسلم؟ قال ابن عباس رضي الله عنه: وقد سئلت فيمن سئل. # ولما دل هذا من المصغي ومن المعرض على غاية الجمود الدال على غاية ~~الشقاء، أنتج قوله: { أولئك } أي خاصة هؤلاء البعداء من الفهم ومن كل خير ~~{ الذين طبع الله } أي الملك الأعظم الذي لا تناهي لعظمه جل وعلا { على ~~قلوبهم } أي فلم يؤمنوا ولم يفهموا فهم الانتفاع لأن مثل هذا الجمود لا ~~يكون إلا بذلك. ولما كان التقدير: إنهم ضلوا حتى صاروا كالبهائم، عطف ~~عليه ما هو من أفعال البهائم فقال: { واتبعوا } أي بغاية جهدهم { أهواءهم ~~* } أي مجانبين لوازع العقل وناهي المروءة، فلذلك هم يتهاونون بأعظم ~~الكلام ويقبلون على جمع الحطام، فهم أهل النار المشار إليهم قبل آية " ~~مثل الجنة " بأنهم زين لهم سوء أعمالهم. # ولما ذكر ما هم عليه وشنع عليهم أقبح الذكر، ذكر الذين آتاهم العلم ~~فقال: { والذين اهتدوا } أي اجتهدوا باستماعهم منك في مطاوعة داعي الفطرة ~~الأولى إلى الوقوع على الهدى بالصدق في الإيمان والتسليم والإذعان بأنواع ~~المجاهدات ms4563 { زادهم } أي الله الذي طبع على قلوب الجهلة { هدى } بأن شرح ~~صدورهم ونورها بأنوار المشاهدات فصارت أوعية للحكمة " إن الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم " { وآتاهم تقواهم * } أي بين لهم ~~ما هو أهل لأن يحذر ووفقهم لاجتنابه مخالفة للهوى، فهم القسم الأول من ~~آية توطئة المثل { الذين هم على بينة من ربهم } ومعنى الإضافة أنه آتى ~~كلا منهم منها بحسب ما يقتضيه حاله، قال ابن برجان: التقوى عمل الإيمان ~~كما أن أعمال الجوارح عمل الإسلام - انتهى. ### || [47.18-19] # ولما كان أشد ما يتقى القيامة التي هم بها مكذبون، سبب عن اتباعهم الهوى ~~قوله تعالى: { فهل ينظرون } أي ينتظرون، ولكنه جرده إشارة إلى شدة قربها ~~{ إلا الساعة } ولما كان كأنه قيل: ما ينتظرون من أمرها؟ أبدل منها قوله: ~~{ أن تأتيهم } أي تقوم عليهم، وعبر بالإتيان زيادة في التخويف { بغتة } ~~أي فجاءة من غير شعور بها ولا استعداد لها. # ولما دل ذلك على مزيد القرب، وكان مجيء علامات الشيء أدل على قربه مع ~~الدلالة على عظمته، قال معللا للبغتة: { فقد } ودل على القوة بتذكير ~~الفعل فقال: { جاء أشراطها } أي علاماتها المنذرات بها من مبعث النبي صلى ~~الله عليه وسلم # " بعثت أنا والساعة كهاتين " # انشقاق القمر المؤذن بآية الشمس في طلوعها من مغربها وغير ذلك، وما بعد ~~مقدمات الشيء إلا حضوره. # ولما كان المجيء من أهوالها تذكرها قبل حلولها للعمل بما يقتضيه التذكر، ~~وكانت إذا جاءت شاغلة عن كل شيء، سبب عن مجيئها قوله تعالى: { فأنى } أي ~~فكيف ومن أين { لهم إذا جاءتهم } أي الساعة وأشراطها المعينة لها مثل ~~طلوع الشمس من مغربها { ذكراهم * } لأنهم في أشغل الشغل ولو فرغوا لما ~~تذكروا فعملوا ما أفاد لفوات وقت الأعمال وشرطها، وهو العمل على الإيمان ~~بالغيب، وهكذا ساعة الإنسان التي تخصه وهي موته وأشراطها الجاثة على ~~الذكرى وهو المرض والشيب ونحو ذلك، ومن أشراطها المعينة لها التي لا ينفع ~~معها العمل الوصول إلى حد الغرغرة. # ولما علم بذلك أن الذكرى غير نافعة إذا انقضت هذه ms4564 الدار التي جعلت للعمل ~~أو جاءت الأشراط المحققة الكاشفة لها، سبب عنه أمر أعظم الخلق وأشرفهم ~~وأرقاهم وأجملهم صلى الله عليه وسلم تكوينا ليكون لغيره تكليفا فقال ~~تعالى: { فاعلم أنه } أي الشأن الأعظم الذي { لا إله إلا الله } أي انتفى ~~انتفاء عظيما أن يكون معبود بحق غير الملك الأعظم، فإن هذا العلم هو ~~أعظم الذكرى المنجية من أهوال الساعة، وإنما تكون عالما إذا كان نافعا ~~وإنما يكون نافعا إذا كان مع الإذعان والعمل بما يقتضيه وإلا فهو جهل ~~صرف، وهذا العلم يفيد أنه لا بد من قيام الساعة لأن الإله وعد بذلك وهو ~~متصف بالكمال ولا شريك له يمنعه من إنجاز وعده. قال القشيري: والعبد يعلم ~~أولا ربه بدليل وبحجة فعلمه بنفسه ضروري وهذا هو أصل الأصول، وعليه بني ~~كل علم استدلالي، ثم تزداد قوة علمه بزيادة البيان وكثرة الحجج وتناقص ~~علمه بنفسه بغلبات ذكره لله بقلبه، فإذا انتهى إلى حال المشاهدة واستيلاء ~~سلطان الحقيقة عليه صار علمه في تلك الحالة ضروريا ويقل إحساسه بنفسه ~~حتى يصير علمه بنفسه كالاستدلال وكأنه غافل عن نفسه أو ناس لنفسه، ويقال: ~~الذي رأى البحر غلب عليه ما يأخذه في الرؤية للبحر عن ذكر نفسه فإذا ركب ~~البحر قوي هذا الحال، فإذا غرق في البحر فلا إحساس له بشيء سوى ما هو ~~مستغرق فيه ومستهلك، ولهذه الكلمة من الأسرار ما يملأ الأقطار منها أنها ~~بكلماتها الأربع مركبة من ثلاثة أحرف إشارة إلى الوتر الذي هو الله ~~سبحانه وتعالى والشفع الذي هو الخلق أنشأه تعالى أزواجا، ومنها حرف ~~لساني وحرفان حلقيان: الهاء والألف، غير أن الألف عبر عنها بمظهرها وهو ~~الهمزة ظاهرا مرتين وخفيا في أداة التعريف في الابتداء مرة، وذكرت ~~بلفظها أربع مرات، فتلك سبع هي أتم العدد لذلك وبني الخلق عليه، ~~فالسماوات سبع والأراضي كذلك سبع إشارة إلى أن الإله الحق الذي هو غيب ~~محض إنما علم بالتنزيل بأفعاله، فهي وصلة إلى معرفته وهي منقسمة إلى علوي ~~وسفلي كما أن الألف التي هي ms4565 كالغيب لأنها لا يمكن النطق بها ابتداء نزلت ~~في مظهر الهمزة التي تكررت في هذه الكلمة مرتين في مقابلة الكونين العلوي ~~والسفلي وبينهما ما لا نعلمه مما خفي عنا كما خفيت همزة الوصل. # وعبر في الأمر بهذه الكلمة بالعلم إعلاما بأن عمل القلب بها هو العمدة ~~العظمى لكن لما كانت حروفها حلقيا ولسانيا كان في ذلك إشارة إلى أنه لا ~~يكفي في أمرها إلا إذعان الباطن ومطابقة الظاهر الذي هو اللسان، فهو ~~ترجمان القلب، ومتى لم يطابق اللسان القلب حيث لا مانع كان صاحبه من أهل ~~آية الصافات وأحرفها اللفظية أربعة عشر حرفا على عدد السماوات والأرض ~~الدالة على الذات الأقدس الذي هو غيب محض والمقصود منها مسمى الجلالة ~~الذي هو الإله الحق سبحانه وتعالى والجلالة الدالة عليه خمسة أحرف على ~~عدة دعائم الإسلام الخمس: ووتريته دلالة على التوحيد، ولم يجعل فيها ~~شيئا شفهيا لتمكن ملازمتها لكونها أعظم مقرب إلى الله وأقرب موصل إليه ~~مع الإخلاص، فإن الذاكر بها يقدر على المواظبة عليها ولا يعلم جليسه بذلك ~~أصلا، لأن غيرك لا يعلم ما في وراء شفتيك إلا بإعلامك، وكما دل الكلام ~~على التوحيد بهذه الكلمة صريحا دل على كلمة الرسالة التي لا ينفع ~~التوحيد إلا بها تلويحا بتسمية السورة " سورة محمد " ، فهي القتال لأنه ~~أمر صلى الله عليه وسلم أن يقاتل الناس حتى يصرحوا بما صرحت به السورة من ~~كلمة التوحيد، وهي سورة محمد صلى الله عليه وسلم لأن التوحيد لا ينفع ~~بدون الشهادة له بالرسالة، وبين الكلمتين مزيد اتفاق يدل على تمام ~~الاتحاد والاعتناق، وذلك أن أحرف كل منهما إن نظرنا إليها خطا كانت اثني ~~عشرة حرفا على عدد أجزاء السنة يكفر كل حرف منها شهرا، وإن نظرنا إليها ~~نطقا كانت أربعة عشر حرفا لملأ الخافقين نورا وعظمة ومهابة وجلالة ~~واحتشاما، وإن نظرنا إليها بالنظرين معا كانت خمسة عشر لا يوقفها عن ذي ~~العرش خالق الكونين موقف، وهو سر غريب دال على الحكم الشرعي الذي هو عدم ~~انفكاك إحداهما ms4566 عن الأخرى، فمن لم يجمعهما اعتقاده لم يقبل إيمانه، وقدمت ~~هذه السورة في هذا سابقة لأن لها السبق وذكرت الأخرى في الفتح تالية، ~~وسميت سورة هذه بالقتال وسورة الكلمة المحمدية بالفتح إشارة إلى أنه ما ~~قاتل أحد عليهما مع الإخلاص إلا فتح عليه ولا يقدر أحد على مخالفته مع ~~مناصبته إلا نفاقا على وجه الذل والاضطراب. # ولما كان حصول التوحيد الذي هو كمال النفس موجبا للإجابة كما في حديث ~~أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عند الترمذي وأبي يعلى # " ما من مؤمن يدعو الله بدعوة إلا استجيب له ما لم يكن إثما أو قطيعة ~~رحم " # الحديث، قال معلما أنه يجب على الإنسان بعد تكميل نفسه السعي في تكميل ~~غيره ليحصل التعاون على ما خلق العباد له، { واستغفر } أي اطلب الغفران ~~من الله بعد العلم بأنه لا كفوء له بالدعاء له وبالاجتهاد في الأعمال ~~الصالحة { لذنبك } ، وهو كل مقام عال ارتفعت عنه إلى أعلى منه، وأوجده ~~أنت من نفسك من أساء إليك لتكثر أبتاعك، فإن الاستقامة مهيئة للإمامة. # ولما كان تكميل النفس مرقيا إلى تكميل الغير ليكون له مثل أجره، قال ~~تعالى مبينا لهذه النعمة العظيمة والمنة الجسيمة معيدا للجار معبرا ~~بالإيمان والوصف إيذانا بأن أعلى الأمة محتاج إلى ذلك، لأنه لا يقدر أحد ~~أن يقدر الله حق قدره، وهذا مشرفا لهذه الأمة حيث أمر الشفيع المجاب ~~الدعوة بالاستغفار لهم وهو بالدعاء والحث على الاجتهاد في الأعمال ~~الصالحة، حاذفا المضاف إشارة إلى الاحتياج إلى المغفرة في كل حال لما ~~للإنسان من النقصان بالخطأ والنسيان: { وللمؤمنين والمؤمنات } أي ~~الراسخين في الإيمان لأنهم أحق الناس بذلك منك لأن ما عملوا من خير كان ~~لك مثل أجره، ولا يخلو أحد منهم من تقصير في المعارف الإلهية والعمل ~~بموجبها أو هفوة. # ولما كان معرفة من يذنب ومن لا يذنب متوقفة على إحاطة العلم، قال عاطفا ~~على ما تقديره: فالله يعلم حركاتكم وسكناتكم سرا وجهرا ويعلم أنكم لا ~~بد أن تعملوا ما جبلكم عليه من ذنب ms4567 وهو يغفر لمن أراد ممن يسعى في كمال ~~نفسه وتكميل غيره بغسل الذنوب، بالرجوع إلى طاعة علام الغيوب { والله } ~~المحيط بجميع صفات الكمال { يعلم متقلبكم } أي تقلبكم ومكانه وزمانه { ~~ومثواكم * } أي موضع سكونكم وقراره للراحة وكل ما يقع فيه من الثواء في ~~وقته - في الدنيا والآخرة من حين كونكم نطفا إلى ما لا آخر له. ### || [47.20-22] # ولما كان دليل على إحاطة العلم، علم ما أبطنه الإنسان ولا سيما إن كان ~~مخالفا لما أظهره، قال دالا على إحاطة علمه بإظهار أسرار المنافقين ~~عاطفا على { ومنهم من يستمع إليك }: { ويقول } على سبيل التجديد المستمر ~~{ الذين آمنوا } أي ادعوا ذلك بألسنتهم وفيهم الصادق والمنافق دالين على ~~صدقهم في إيمانهم بالتحريض على طلب الخير بتجدد الوحي الذي هو الروح ~~الحقيقي: { لولا نزلت } على سبيل التدريج، وبناه للمفعول دلالة على إظهار ~~أنهم صاروا في صدقهم في الإيمان اعتقادهم أن التنزيل لا يكون إلا من الله ~~بحيث لا يحتاجون إلى التصريح به { سورة } أي سورة كانت لنسر بسماعها ~~ونتعبد بتلاوتها ونعمل بما فيها كائنا ما كان، ويستمر الوحي فينا ~~متجددا مع تجدد الزمان ليكون ذلك أنشط لنا وأدخل في تحريك عزائمنا { ~~فإذا أنزلت سورة } أي قطعة من القرآن تكامل نزولها كلها تدريجا أو جملة، ~~وزادت على مطلوبهم بالحس بأنها { محكمة } أي مبينة لا يلبس شيء منها بنوع ~~إجمال ولا ينسخ لكونه جامعا للمحاسن في كل زمان ومكان { وذكر فيها ~~القتال } بأي ذكر كان، والواقع أنه لا يكون إلا ذكرا مبينا أنه لا ~~يزداد إلا وجوبا وتأكدا حتى تضع الحرب أوزارها، قال البغوي: وكل سورة ~~ذكر فيها الجهاد فهي محكمة وهي أشد القرآن على المنافقين. وهو مروي عن ~~قتادة { رأيت } أي بالعين والقلب { الذين في قلوبهم مرض } أي ضعف في ~~الدين أو نفاق من الذين أقروا بالإيمان وطلبوا تنزيل القرآن وكانوا قد ~~أقسموا بالله جهد أيمانهم: لئن أمرتهم ليخرجن { ينظرون إليك } كراهة لما ~~نزل عليك بعد أن حرضوا على طلبه { نظر المغشي عليه } ولما كان للغشي ~~أسباب، ms4568 بين أن هذا أشدها فقال تعالى: { من الموت } الذي هو نهاية الغشي ~~فهو لا يطرف بعينه بل هو شاخص لا يطرف كراهة للقتال من الجبن والخور. # ولما كان هذا أمرا منابذا للإنسانية لأنه مباعد للدين والمروءة، سبب ~~عنه أعلى التهديد فقال متوعدا لهم بصورة الدعاء بأن يليهم المكروه: { ~~فأولى } أي أشد ميل وويل وانتكاس وعثار موضع لهم في الهلكة كائن { لهم * ~~} أي خاص بهم، وفسرته بذلك لما تقدم في آخر الأنفال من أن مادة " ولى " ~~تدور على الميل، فإذا كانت على صيغة أفعل التفضيل - وهو قول الأكثر - ~~جاءت الشدة، قال الأصمعي: إنه فعل ماض أي قاربهم ما يهلكهم وأولادهم ~~الله الهلاك، وقال الرضي في باب المعرفة والنكرة: إنه علم للوعيد وفيه ~~وزن الفعل فلذا منع من الصرف، وليس بأفعل تفضيل ولا أفعل فلا ولا اسم ~~فعل لأن أبا زيد حكى لحاق تاء التأنيث له فقالوا: أولاة الآن - كأرملة ~~وهو من وله الشر أي قرنه حال، وقبوله للتاء لا يضر الوزن، لأن ذلك في علم ~~آخر. # ولما علم بما ذكر من التسبب أن هذا الدعاء عليهم لما تقدم من سوء أدبهم ~~في مقالهم، وقبح ما ظهر من فعالهم، حصل التشوف إلى ما ينبغي لهم، فقال ~~تعالى على طريق النشر المشوش: { طاعة } أي منهم { وقول معروف } أي ~~بالتسليم والإذعان وحسن الانقياد خير لهم مما أظهروا من المحبة في الطاعة ~~وما كشف حالهم عنه من الكراهة، ونكر الاسمين ليكونا صالحين للتعظيم وما ~~دونه، ثم سبب عنهما قوله مسندا إلى الأمر ما هو لأهله تأكيدا لمضمون ~~الكلام: { فإذا عزم الأمر } أي فإذا أمر بالقتال الذي ذكر في أول السورة ~~وغيره من الأوامر أمرا مجزوما به معزوما عليه { فلو صدقوا الله } أي ~~الملك الأعظم المحيط قدرة وعلما في قولهم الذي قالوه في طلب التنزيل { ~~لكان } صدقهم له { خيرا لهم * } أي من تعللهم وتسللهم عنه لواذا على ~~تقدير التنزيل في تسليم أن في جماحهم عن الأمر وتقاعدهم عنه نوع خير، ~~ويجوز أن يكون " خير " اسما لا ms4569 للتفضيل ليفهم أن كذبهم شر لهم. # ولما كان هذا تبكيتا لهم من أجل فتورهم عن أمر الله، سبب عن ذلك الفتور ~~بيان ما يحصل منه من عظيم الفساد ويتأثر به من خراب البلاد وشتات العباد ~~في معرض سؤال في أسلوب الخطاب بعد التبكيت والتهديد في أسلوب الغيبة ~~تنبيها على تناهي الغضب وبلوغه الغاية فقال تعالى: { فهل عسيتم } أي ~~فتسبب عن تسرعكم إلى السؤال في أن يأمركم الملك بما يرضيه، فإذا أجابكم ~~فرحمكم بما يعلم أنه أصلح الأشياء لكم وهو الجهاد كرهتموه ووجهتم منه ~~وقعدتم عنه أن يقال لكم لما يرى منكم من المخايل الدالة على ضعف الإيمان: ~~هل يمكن عندكم نوع إمكان وتتوقعون شيئا من توقع أن يكون حالكم جديرا ~~وخليقا لتغطية علم العواقب عنكم فتخافون من أنفسكم. # ولما كان المقام لذم الإعراض عن الأمر، فصل بين " عسى " وخبرها بشرطية ~~معبر فيها بالتولي بصيغة التفعل إشارة مع نهاية الذم إلى أن المعرض عن ~~أمر الله معرض عما تدعوه الفطرة الأولى القويمة والعقل السديد إلى حسنه، ~~فهو لا يعرض عنه إلا بمجاهدة منه لنفسه فقال تعالى: { إن توليتم } أي ~~بأنفسكم عن الجهاد الذي أمركم به ربكم الذي عرفكم من فوائده ما لا مزيد ~~عليه مما لا يتركه معه عاقل ولا يتخيل تركه إلا على سبيل الفرض - بما ~~أشارت إليه أداة الشرط - أو حصلت توليتكم بتحصيل محصل أوجبها لكم وزينها ~~في أعينكم حتى فعلتموها، وهذا المعنى الثاني هو المراد ببنائه للمجهول في ~~رواية رويس عن يعقوب { أن تفسدوا } أي توقعوا الإفساد العظيم الذي يستمر ~~تجديده منكم { في الأرض } بقتال يكرهه الله ويسخطه ويغضب أشد غضب على ~~فاعله وتكونوا في غاية الجرأة عليه، فإن الذي رحمكم بإنزال ما أنزل حكم ~~بأن من جبن عما يرضيه رغبة في الآخرة اجترأ على ما يسخطه حبا في الدنيا، ~~وقد كنتم في الجاهلية على ذلك في الغارة من بعضكم على بعض ونحو ذلك { ~~وتقطعوا } تقطعيا عظيما شديدا كثيرا منتشرا كبيرا { أرحامكم * } ~~فتكونوا بذلك أعزة على المؤمنين كما ms4570 كنتم أذلة على الكافرين، وأقل ما في ~~إعراضكم خذلانكم للمؤمنين المجاهدين بما قد يكون سببا لظهور الكافرين ~~عليهم فتكونوا بذلك قد جمعتم بين قطيعة أرحامهم وفقدكم لما كان يصل إليكم ~~من منافعهم، فإن كففتم بعدهم عن قتلهم كنتم مع ما فاتكم من خيرهم أجبن ~~الناس وأرضاهم بالعار، وإن تعاطيتم الأخذ بثأرهم كنتم كمن أخذ في فعل ما ~~أمر به بعد فواته وأن له ذلك، وقد علم من هذا أن من أمر بالمعروف وجاهد ~~أهل المنكر أمن الإفساد في الأرض وقطيعة الرحم، ومن تركه وقع فيهما، ~~ويمكن أن يكون " توليتم " من ولاية الأمر، فتكون الآية مشيرة إلى ولاية ~~الفجرة ومنذرة بذلك أن اصنع الأمر بالمعروف، وقد وقع ذلك وشوهد ما ابتنى ~~عليه من الفساد والقطيعة، وعزائم الأنكاد وسوء الصنيعة. ### || [47.23-26] # ولما بين لهم ما يكون ممن تثاقل عن أمر الله، لأن الملك لا يطرق ~~احتمالا في شيء إلا وهو واقع فرقا بين كلامه وكلام غيره، فكيف بملك ~~الملوك المحيط بكل شيء قدرة وعلما، بين حالهم الذي أنتج لهم ذلك، فقال ~~ملتفتا عنهم إيذانا بالغضب مخاطبا لمن جبل على الشفقة على خلق الله ~~والرحمة لهم إعلاما له بأن هؤلاء قد تحتم شقاؤهم فليسوا بأهل للشفاعة ~~فيهم ولا للأسى عليهم: { أولئك } أي البعداء البغضاء { الذين لعنهم الله ~~} أي طردهم أشد الطرد الملك الأعظم لما ذكر من إفسادهم وتقطيعهم؛ ثم سبب ~~عن لعبهم قوله تعالى: { فأصمهم } عن الانتفاع بما يسمعون { وأعمى أبصارهم ~~* } عن الارتفاق بما يبصرون، فليس سماعهم سماع ادكار، ولا إبصارهم إبصار ~~اعتبار، فلا سماع لهم ولا إبصار. # ولما أخبر بذلك فكان ربما سأل من لا يعي الكلام حق وعيه عن السبب الموجب ~~للعن المسبب للصم والعمى، أجابه بقوله منكرا موبخا مظهرا لتاء التفعل ~~إشارة إلى أن المأمور به صرف جميع الهمة إلى التأمل: { أفلا يتدبرون } أي ~~كل من له أهلية التدبر بقلوب منفتحة منشرحة ليهتدوا إلى كل خير { القرآن ~~} بأن يجهدوا أنفسهم في أن يتفكروا في الكتاب الجامع لكل خير الفارق بين ms4571 ~~كل ملبس تفكر من ينظر في أدبار الأمور وماذا يلزم من عواقبها ليعلموا أنه ~~لا عون على الإصلاح في الأرض وصلة الأرحام والإخلاص لله في لزوم كل طاعة ~~والبراءة من كل معصية مثل الأمر بالمعروف من الجهاد بالسيف وما دونه، ~~وربما دل إظهار التاء على أن ذلك من أظهر ما في القرآن من المعاني، فلا ~~يحتاج في العثور عليه إلى كبير تدبر- والله أعلم. # ولما كان الاستفهام إنكاريا فكان معناه نفيا، فهو لكونه داخلا على ~~النفي نفي له فصار إثباتا، فكان كأنه قيل: هل يجددون التدبر تجديدا ~~مستمرا لترق قلوبهم به وتنير بصائرهم له، فيكفوا عن الإفساد والتقطيع، ~~عادله بقوله مشبها للقلوب بالصناديق دالا على ذلك التشبيه بذكر ما هو ~~مختص بالصناديق من الأقفال: { أم على قلوب } من قلوب الغافلين لذلك، ~~ونكرها لتبعيضها وتحقيرها بتعظيم قسوتها { أقفالها * } أي الحقيقة بها ~~الجديرة بأن تضاف إليها، فهي لذلك لا تعي شيئا ولا تفهم أمرا ولا تزداد ~~إلا غباوة وعنادا، لأنها لا تقدر على التدبر، قال القشيري: فلا تدخلها ~~زواجر التنبيه ولا ينبسط عليها شعاع العلم، فلا يحصل لهم فهم الخطاب، ~~والباب إذا كان مقفلا فكما لا يدخل فيه شيء فلا يخرج ما فيه، فلا كفرهم ~~يخرج ولا الإيمان الذي يدعون إليه يدخل - انتهى. والإضافة تشعر بأن بعض ~~المتولين على قلوبهم أقفال، لكن ليست متمكنة فيها، فهو سبحانه يفتحها ~~بالتوبة عليهم إذا أراد، وأما الأولون فلا صلاحية لهم، وفي هذه الآية ~~أعظم حاث على قبول أوامر الله لا سيما الجهاد في سبيله وأشد زاجر عن ~~الإعراض عنه لأن حاصلها أنه لعن من أعرض عنه لكونه لا يتدبر القرآن مع ~~وضوحه ويسره ليعلم فوائد الجهاد الداعية إليه المحببة فيه، فكان كأن قلبه ~~مقفل، والآية من الاحتباك: ذكر التدبر أولا دليلا على ضده ثانيا، ~~والأقفال ثانيا دليلا على ضدها أولا، وسره أنه ذكر نتيجة الخير ~~الكافلة بالسعادة أولا وسبب الشر الجامع للشقاوة ثانيا. # ولما أخبر سبحانه وتعالى بأقفال قلوبهم، بين منشأ ذلك، فقال مؤكدا ~~تنبها لمن ms4572 لا يهتم به على أنه مما ينبغي الاهتمام بالنظر فيه ليخلص ~~الإنسان نفسه منه، وتكذيبا لمن يقال: إن ذلك حسن: { إن الذين ارتدوا } ~~أي عالجوا نفوسهم في منازعة الفطرة الأولى في الرجوع عن الإسلام، وهو ~~المراد بقوله: { على أدبارهم } أي من أهل الكتاب وغيرهم، فقلبوا وجوه ~~الأمور إلى ظهورها، فوقعوا في الضلال فكفروا. # ولما كان الذي يلامون عليه ترك ما أتاهم به النبي صلى الله عليه وسلم ~~مما أوحاه الله سبحانه إليه من الشريعة، لا ما في غرائزهم من الملة التي ~~يكفي في الهداية إليها نور العقل، وكان الذم لاحقا بهم ولو كان ارتدادهم ~~في أدنى وقت، أثبت الجار فقال: { من بعد ما تبين } غاية البيان الذي لا ~~خفاء معه بوجه وظهر غاية الظهور { لهم } بالدلائل التي هي من شدة ظهورها ~~غنية عن بيان مبين { الهدى } أي الذي أتاهم به رسولنا صلى الله عليه ~~وسلم. # ولما كانوا قد أحرقوا بذلك أنفسهم وأبعدوها به غاية البعد عن كل خير، ~~عبر عن المغوي بما يدل على ذلك فقال تعالى: { الشيطان } أي المحترق ~~باللعنة البعيد من الرحمة { سول } أي حسن { لهم } بتزيينه وإغوائه الذي ~~حصل لهم منه استرخاء في عزائمهم وفتور في هممهم فجروا معه في مراده في ~~طول الأمل، والإكثار من مواقعه الزلل والأماني من جميع الشهوات والعلل، ~~بعد أن زين لهم سوء العمل، بتمكين الله له منهم، وهذا لما علم سبحانه ~~منهم حال الفطرة الأولى { وأملى لهم * } أي أطال في ذلك ووسع بتكرار ذلك ~~عليهم على تعاقب الملوين ومر الجديدين حتى نسوا المواعظ وأعرضوا عن الذكر ~~هذا على قراءة الجماعة بفتح الهمزة واللام، وأما على قراءة البصريين بضم ~~الهمزة وكسر اللام فالمراد أن الله تعالى هو المملي - أي الممهل - لهم ~~بإطالة العمر وإسباغ النعم، وتسهيل الأماني والحلم، عن المعاجلة بالنقم، ~~حتى اغتروا، وهي أيضا موافقة لقوله تعالى # سنستدرجهم من حيث لا يعلمون وأملي لهم إن كيدي متين # [القلم: 45]، وأما في قراءة أبي عمرو بفتح الياء فهو فعل ماض مبني ~~للمفعول، ودل ms4573 على أن المملي هو الله سبحانه وتعالى قراءة يعقوب بإسكان ~~الياء على أنه مضارع همزته للمتكلم. # ولما بين تسليطه الشيطان عليهم، بين سببه فقال: { ذلك } أي الأمر البعيد ~~من الخير وما دل عليه صريح العقل { بأنهم } أي بسبب أن هؤلاء المتولين { ~~قالوا للذين كرهوا ما } أي جميع ما { نزل الله } أي الملك الأعظم على ~~التدريج بحسب الوقائع تنزيلا فيه إعجاز الخلق في بلاغة التركيب مع فصاحة ~~المفردات وجزالتها مع السهولة في النطق والعذوبة في السمع والملاءمة ~~للطبع كما يشهد به كل ذوق من الأغبياء والأذكياء على تباينهم في مراتب ~~الغباوة والذكاء، وإعجاز آخر لهم في رصانة المعنى وحكمته، وثالث في ~~مطابقته للحال الذي اقتضى نزوله مطابقة يعجز الخلق عن الإتيان بمثلها، ~~ورابع بنظمه مع ما نزل قبله من الآيات، لا على ترتيب النزول، بل على ما ~~اقتضته الحكمة التي تتضاءل دونها الأفكار، وتولى خاسئة من جلالتها على ~~الأدبار، بصائر أولي الأبصار، وهؤلاء المقول لهم هذا الكلام هم - والله ~~أعلم - المصارحون بالكفر، قالوا لهم بعد هذه الأدلة من الإعجازات، وما ~~تقدمها من الآيات البينات الواضحات: { سنطيعكم } بوعد صادق لا خلق فيه { ~~في بعض الأمر } وهو القتال في سبيل الله الذي تقدم أنهم عند نزول سورة ~~يذكر بها يصيرون كالذي يغشى عليه من الموت، فأنتم في أمان من أن نقاتلكم ~~أبدا، فإنا إنما أسلمنا للأمان على دمائنا وأموالنا، والذي نحبه مما ~~ينزل هو التأمين لمن أقر بكلمة الإسلام والقناعة منه بالظاهر والوعد ~~العام بالتبسط في البلاد والتوسعة في الأرزاق ونحو ذلك، فكانوا بذلك كفرة ~~فإن الدين لا يتجزأ، فمن أضاع من أصوله شيئا فقد أضاعه كله، والتقييد ~~بالبعض يفهم أنهم لا يطيعونهم في البعض الآخر، وهو إظهار الإسلام والتصور ~~بصورة المسالمة، وذلك كله بأن الله تعالى جبلهم جبلة هيأهم فيها لمثل ~~هذا، فلما قالوه مضيعين لما من عليهم من غريزة العقل استحقوا في مجاري ~~عاداتنا لاختيارهم طاعة العدو - مع تعييب علم العواقب عنهم - أن يخذلوا ~~ويسلط عليهم ليكون أخذهم في الظاهر ممن ms4574 أطاعوه في الباطن، ولو أنهم ~~استمسكوا بدينهم وكانوا مع أهله يدا على من سواهم لم يقدر عليهم عدو، ~~ولا طرقتهم طارقة يكرهونها سوء. # ولما كان من له أدنى عقل لا يخون إلا إذا ظن أن خيانته تخفي ليأمن ~~عاقبتها، صور قباحة ما ارتكبوه فقال: { والله } أي قالوا ذلك والحال أن ~~الملك الأعظم المحيط بكل شيء علما وقدرة { يعلم } على مر الأوقات { ~~إسرارهم * } أي كلها هذا الذي أفشاه عليهم وغيره مما في ضمائرهم مما لم ~~يبرز على ألسنتهم، ولعلهم لم يعلموه هم فضلا عن أقوالهم التي تحدثت بها ~~ألسنتهم فبان بذلك أنه لا أديان لهم ولا عقول ولا مروءات. ### || [47.27-30] # ولما بين تعالى إحاطة علمه بهم، أتبعه إحاطة قدرته فقال تعالى مسببا عن ~~خيانتهم وهم في القبضة بما لا يخفى مما يريدون به صيانة أنفسهم عن القتل ~~معبرا بالاستفهام تنبيها على أن حالهم مما يجازون به على هذا الاستحقاق ~~له من البشاعة والقباحة والفظاعة ما يحق السؤال عنه لأجله فقال: { فكيف } ~~أي حالهم { إذا توفتهم الملائكة } أي قبضت رسلنا وهم ملك الموت وأعوانه ~~أرواحهم كاملة، فجازتها إلى دار الجزاء مقطوعة عن جميع أسبابهم وأنسابهم ~~فلم ينفعهم تقاعدهم عن الجهاد في تأخير آجالهم، وصور حالهم وقت توفيهم ~~فقال: { يضربون } أي يتابعون في حال التوفية ضربهم { وجوههم } التي هي ~~أشرف جوارحهم التي جبنوا عن الحرب صيانة لها عن ضرب الكفار. ولما كان ~~حالهم في جبنه مقتضيا لضرب الأقفاء، صوره بأشنع صوره فقال: { وأدبارهم * ~~} التي ضربها أدل ما يكون على هوان المضروب وسفالته ثم تتصل بعد ذلك ~~آلامهم وعذابه وهوانهم إلى ما لا آخر له. # ولما كان كفران النعيم يوجب مع إحلال النعم إبطال ما تقدم من الخدم قال: ~~{ ذلك } أي الأمر العظيم الإهانة من فعل رسلنا بهم { بأنهم اتبعوا } أي ~~عالجوا فطرهم الأولى في أن تبعوا عنادا منهم { ما أسخط الله } أي الملك ~~الأعظم وهو العمل بمعاصيه من موالاة أعدائه ومناواة أوليائه وغير ذلك. # ولما كان فعل ما يسخط قد يكون مع الغفلة ms4575 عن أنه يسخط، بين أنهم ليسوا ~~كذلك فقال تعالى: { وكرهوا } أي بالإشراك { رضوانه } بكراهتهم أعظم أسباب ~~رضاه وهو الإيمان، فهم لما دونه بالقعود عن سائر الطاعات أكره، لأن ذلك ~~ظاهر غاية الظهور في أنه مسخط ففاعله مع ذلك غير معذور في ترك النظر فيه ~~{ فأحبط } أي فلذلك تسبب عنه أنه أفسد { أعمالهم * } الصالحة فأسقطها ~~بحيث لم يبق لها وزن أصلا لتضييع الأساس من مكارم الأخلاق من قرى الضيف ~~والأخذ بيد الضعيف والصدقة والإعتاق وغير ذلك من وجوه الإرفاق. # ولما صور سبحانه ما أثرته خيانتهم بأقبح صوره، فبان به أنه ما حملهم على ~~ما فعلوه إلا جهلهم وسفاهتهم، فأنتج إهانتهم بالتبكيت فقال عاطفا على ما ~~تقديره: أعلموا حين قالوا ما يسخطنا أنا نعلم سرهم ونجواهم، وإن قدرتنا ~~محيطة بهم ليكونوا قد وطنوا أنفسهم على أنا نظهر للناس ما يكتمونه ~~ونأخذهم أخذا وبيلا فيكونوا أجهل الجهلة: { أم } حسبوا لضعف عقولهم - ~~بما أفهمه التعبير بالحسبان - هكذا كان الأصل، ولكنه عبر بما دل على ~~الآفة التي أدتهم إلى ذلك فقال تعالى: { حسب الذين في قلوبهم } التي إذا ~~فسدت فسد جميع أجسادهم { مرض } أي آفة لا طب لها حسبانا هو في غاية ~~الثبات بما دل عليه التأكيد في قوله سبحانه وتعالى: { أن لن يخرج الله } ~~أي يبرز من هو محيط بصفات الكمال للرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ~~رضوان الله عليهم على سبيل التجديد والاستمرار { أضغانهم * } أي ميلهم ~~وما يبطنونه في دواخل أكشاحهم من اعوجاجهم الدال على أحقادهم، وهي أنهم ~~كاتمون عداوة في قلوبهم مصرون عليهم يترقبون الدوائر لانتهاز فرصتها، ليس ~~الأمر كما توهموا بل الله يفضحهم ويكشف تلبيسهم. # ولما علم من ذلك إحاطة علمه سبحانه وتعالى وشمول قدرته علم ما له سبحانه ~~من باهر العظمة وقاهر العزة، فنقل الكلام إلى أسلوبها تنبيها على ذلك ~~عاطفا على ما تقديره: خابت ظنونهم وفالت آراؤهم فلنخرجن ما يبالغون في ~~ستره حتى لا ندع منه شيئا يريدون إخفاءه إلا كشفناه وأبديناه للناس ~~وأوضحناه، فإنا نعلمهم ونعلم ذلك منهم ms4576 من قبل أن نخلقهم، فلو نشاء ~~لفضحناهم حتى يعرفهم الناس أجمعون، فلا يخفى منهم أحد على أحد منهم فقال ~~تعالى: { ولو } ويجوز أن تكون واو للحال أي أم حسبوا ذلك والحال أنا لو { ~~نشاء } أي وقعت منا مشيئة الآن أو قبله أو بعده. ولما كانوا لشدة جهلهم ~~لا يتصورون أن سرائرهم كلها معلومة مقدور على أن يعلمها بشر مثلهم، أكد ~~قوله: { لأريناكهم } أي رؤية تامة كاشفة لك الغطاء عنهم { فلعرفتهم } أي ~~فتعقبت رؤيتك إياهم معرفتك لهم أنت بخصوصك { بسيماهم } أي بسبب علاماتهم ~~التي نجعلها عالية عليهم غالبة لهم في إظهار ضمائرهم عليها لا يقدرون على ~~مدافعتها بوجه، ولم يذكرهم سبحانه بأسمائهم إبقاء على قراباتهم المخلصين ~~من الفتن. # ولما انقضى ما علق بالمشيئة مما كان ممكنا له في الماضي وغيره، عطف ~~عليه ما يجزه له مما كشف من أمرهم في المستقبل فقال مؤكدا لاستبعاد من ~~يستبعد ذلك منهم أو ممن شاركهم في مرض القلب من غيرهم فقال في جواب قسم ~~محذوف دل عليه باللام: { ولتعرفنهم } أي بعد هذا الوقت معرفة تتجدد بحسب ~~تجدد أقوالهم مستمرة باستمرار ضمائرهم الخبيثة وإسرارهم { في لحن القول } ~~أي الصادر منهم، ولحنه فحواه أي معناه ومذهبه وما يدل عليه ويلوح به من ~~مثله عن حقائقه إلى عواقبه وما " يؤول إليه " أمره مما يخفى على غيرك، ~~وقال ابن برجان: هو ما تنحوا إليه بلسانك أي تميل إليه ليفطن لك صاحبك ~~وتخفيه على من لم يكن له عهد بمرادك، وعلى القول بالتحقيق فلحن القول ما ~~يبدو من غرض الكلام وخفيات الخطاب وسياق اللفظ وهيئة السحنة حال القول ~~وإن لم يرد المتكلم أن يظهره ولكنه على الأغلب يغلبه حالا، فلا يقدر على ~~كل كتمه وإن كان في تكليمه معتمدا على ذلك، وحقيقته حال يلوح عن السر ~~وإظهار كلام الباطن يكاد يناقض كلام اللسان بحال خفية ومعان يقف عليها ~~باطن التخاطب وقال: # ولقد لحنت لكم لكيما تفقهوا # واللحن يعرفه ذوو الألباب # وقال آخر: # عيناك قد دلتا عيناي منك على # أشياء لولاهما ms4577 ما كنت أدريها # وقال أبو حيان: كانوا اصطلحوا على الفاظ يخاطبون بها الرسول صلى الله ~~عليه وسلم مما ظاهره حسن ويعنون به القبيح، وقال الأصبهاني: وقيل ~~للمخطىء: لاحن لأنه يعدل بالكلام عن الصواب: وقال البغوي: للحن وجهان: ~~صواب وخطأ، فالفعل من الصواب لحن يلحن لحنا فهو لحن - إذا فطن للشيء، ~~والفعل من الخطأ لحن يلحن لحنا فهو لاحن، والأصل فيه إزالة الكلام عن ~~جهته، قال: فكان بعد هذا لا يتكلم منافق عند النبي صلى الله عليه وسلم ~~إلا عرفه، وقال الثعلبي: وعن أنس رضي الله عنه: ما خفي على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآية شيء من المنافقين، كان يعرفهم ~~بسيماهم، ولقد كنا في غزوة وفيها سبعة من المنافقين يشكرهم الناس فناموا ~~ذات ليلة وأصبحوا على جبهة كل واحد منهم مكتوب " هذا منافق " ومثل ابن ~~عباس رضي الله عنهم بقوله: " ما لنا إن أطعنا من الثواب " قال: ولا ~~يقولون: ما لنا إن عصينا من العقاب. # ولما أخبر سبحانه أنه يعلم ظواهرهم وبواطنهم، وأنه يجليهم لنبيه صلى ~~الله عليه وسلم في صور ما يخفونه من أقوالهم، وأكد ذلك لعلمه بشكهم فيه، ~~واجههم بالتبكيت زيادة في إهانتهم عاما لغيرهم إعلاما بأنه محيط بالكل ~~فقال عاطفا على ما تقديره: فالله يعلم أقولكم: { والله } أي مما له من ~~صفات الكمال { يعلم أعمالكم * } كلها الفعلية والقولية جليها وخفيها، ~~علما ثابتا غيبيا وعلما راسخا شهوديا يتجدد بحسب تجددها مستمرا ~~باستمرار ذلك. ### || [47.31-33] # ولما أخبر سبحانه أنه يعرفهم لنبيه صلى الله عليه وسلم، أتبعه الإخبار ~~بأنه يعرفهم لكافة المؤمنين أيضا، فقال مؤكدا لأجل ظنهم أن عندهم من ~~الملكة الشديدة والعقل الرصين ما يخفون به أمورهم: { ولنبلونكم } أي ~~نعاملكم معاملة المبتلى بأن تخالطكم بما لنا من صفات العظمة بالأوامر ~~الشديدة على النفوس النواهي الكريهة إليها والمصائب، خلطة مميلة محيلة، ~~وهكذا التقدير في الفعلين الآتيين في قراءة الجماعة بالنون جريا على ~~الأسلوب الأول، وفي قراءة أبي بكر عن عاصم بالياء الضمير لله تعالى الذي ~~هو ms4578 محيط بصفات العظمة الراجعة إلى القهر وغيرها من صفات الإكرام الآئلة ~~إلى الإنعام، فهو في غاية الموافقة لقراءة النون { حتى نعلم } بالابتلاء ~~علما شهوديا يشهده غيرنا مطابقا لما كنا تعلمه علما غيبيا فنستخرج ~~من سرائركم ما كوناه فيكم وجبلناكم عليه مما لا يعلمه أحد منكم بل ولا ~~تعلمونه أنتم حق علمه { المجاهدين منكم } في القتال وفي سائر الأعمال ~~والشدائد والأهوال امتثالا للأمر بذلك. # ولما كان عماد الجهاد الصبر على المكاره قال تأكيدا لأمره: { والصابرين ~~} أي على شدائد الجهاد وغيره من الأنكاد، قال القشيري: فبالابتلاء ~~والامتحان تتبين جواهر الرجال، فيظهر المخلص ويتضح المماذق وينكشف ~~المنافق. ولما نصب معيارا للعلم بالذوات، أتبعه مسبارا للمعرفة ~~للأخيار، فقال عاطفا على " نعلم " في رواية الجماعة وعلى " نبلو " في ~~الرواية عن يعقوب بإسكان الواو: { ونبلوا أخباركم } أي نخالطها بأن نسلط ~~عليها من يحرفها فيجعل حسنها قبيحا وقبيحا مليحا ليظهر للناس العامل ~~لله والعامل للشيطان، فإن العامل لله إذا سمى قبيحه باسم الحسن علم أن ~~ذلك إحسان من الله إليه فيستحيي منه ويرجع إليه، وإذا سمى حسنه باسم ~~القبيح واشتهر به علم أن ذلك لطف من الله به كيلا يدركه العجب أو يهاجمه ~~الرياء فيزيد في إحسانه، والعامل للشيطان يزداد في القبائح. لأن شهرته ~~عند الناس محط نظره، ويرجع عن الحسن لأنه لم يوصله إلى ما أراد به من ~~ثناء الناس عليه بالخبر ولم يؤكد بنا، وفي قراءة يعقوب إشارة إلى أن ~~إحالة حال المخبر بعد ظهور خبره أسهل من إحالته قبل ظهوره، وعن الفضيل ~~أنه كان إذا قرأ هذه الآية بكى وقال: اللهم لا تبلنا فإنك إن بلوتنا هتكت ~~أستارنا وفضحتنا. # ولما جرت العادة بأن الإنسان لا يعذب ولا يهدد إلى من ضره كما تقدم من ~~الإخبار بنكالهم وقبيح أعمالهم مهيئا للسؤال عن ذلك فاستأنف قوله مؤكدا ~~لظنهم أنهم هم الغالبون لحزب الله: { إن الذين كفروا } أي غطوا من دلت ~~عليه عقولهم من ظاهر آيات الله لا سيما بعد إرسال الرسول المؤيد بواضح ~~المعجزات صلى الله ms4579 عليه وسلم { وصدوا } أي امتنعوا ومنعوا غيرهم زيادة في ~~كفرهم { عن سبيل الله } أي الطريق الواضح الذي نهجه الملك الأعظم. # ولما كان أكثر السياق للمساترين بكفرهم، أدغم في قوله: { وشاقوا الرسول ~~} أي الكامل في الرسلية المعروفة غاية المعرفة. # ولما كان سبحانه قد عفا عن إهمال الدليل العقلي على الوحدانية قبل ~~الإرسال، قال مثبتا الجار إعلاما بأنه لا يغفر لمضيعه بعد الإرسال ولو ~~في أدنى وقت: { من بعد ما تبين } أي غاية التبين بالمعجز { لهم الهدى } ~~بحيث صار ظاهرا بنفسه غير محتاج بما أظهره الرسول من الخوارق إلى مبين، ~~ومنه ما أخبرت به الكتب القديمة الإليهة. # ولما كان المناصب للرسول إنما ناصب من أرسله، دل على ذلك بقوله معريا ~~له من الفاء دلالة على عدم التسبيب بمعنى أن عدم هذا الضر موجود عملوا أو ~~لم يعملوا وجدوا أو لم يوجدوا { لن يضروا الله } أي ملك الملوك، ولم يقل: ~~الرسول { شيئا } أي كثيرا ولا قليلا من ضرر بما تجمعوا عليه من الكفر ~~والصد. # ولما كان التقدير: إنما ضروا أنفسهم ناجزا بأنهم أتعبوها مما لم يغن ~~عنهم شيئا. عطف عليه: { وسيحبط } أي يفسد فيبطل بوعد لا خلق فيه { ~~أعمالهم * } من المحاسن لبنائها من المنافق على غير أساس ثابت، فهو إنما ~~يرائي بها، ومن المجاهر على غير أساس أصلا، فلا ينفعهم شيء منها، ومن ~~المكائد التي يريدون بها توهين الإسلام ونجعل تدميرهم بها في تدبيرهم وإن ~~تناهوا في إحكامها، فلا تثمر لهم إلا عكس مرادهم سواء. # ولما حدى ما تقدم كله من ترغيب المخلص وترهيب المتردد والمبطل إلى ~~الإخلاص ودعا إلى ذلك مع بيان أنه لا غرض أصلا، وإنما هو رحمة ولطف ~~وإحسان ومن، أنتج قوله مناديا من احتاج إلى النداء من نوع بعد لاحتياجه ~~إلى ذلك وعدم مبادرته قبله: { يا أيها الذين آمنوا } أي أقروا بألسنتهم { ~~أطيعوا الله } أي الملك الأعظم تصديقا لدعواكم طاعته بشدة الاجتهاد فيها ~~أنها خالصة، وعظم الرسول الله صلى الله عليه وسلم بإفراده فقال تعالى: { ~~وأطيعوا الرسول } لأن طاعته ms4580 من طاعة الذي أرسله، فإذا فعلتم ذلك حققتم ~~أنفسكم وأعمالكم كما مضى أول السورة، فتكون صحيحة ببنائها على الطاعة ~~بتصحيح النيات وتصفيتها مع الإحسان للصورة في الظاهر ليكمل العمل صورة ~~وروحا. # ولما كانت الطاعة قد تحمل على إقامة الصورة الظاهرة، قال منبها على ~~الإخلاص لتكمل حسا ومعنى: { ولا تبطلوا أعمالكم * } أي بمعصيتهما، فإن ~~الأعمال الصالحة إذا نوى لها ما لا يرضيهما بطلب وإن كانت في الذروة من ~~حسن الصورة، فكانت صورة بلا معنى، فهي مما يكون هباء منثورا مثل ما فعل ~~أولئك المظهرون للإيمان المبطنون للمشاققة بالنفاق والرياء والعجب والملء ~~والأذى ونحو ذلك من المعاصي، ولكن السياق بسياقه ولحاقه يدل على أن الكفر ~~هو المراد الأعظم بذلك، والآية من الاحتباك: ذكر الطاعة أولا دليلا على ~~المعصية ثانيا، والإبطال ثانيا دليلا على الصحة أولا، وسره أنه أمر ~~بمبدأ السعادة ونهى عن نهاية الفساد ثانيا، لأنه أعظم في النهي عن ~~الفساد لما فيه من تقبيح صورته وهتك سريرته. ### || [47.34-36] # ولما دل ما أخبر به أولا عن المشاققين على أنهم مغلوبون في الدنيا ~~خاسرون في الآخرة، وكانت الخسارة في الآخرة مشروطة بشرط، علل ما أمر به ~~المؤمنون هنا من الطاعة ونهوا عنه من إبطال الأعمال بالمعصية، زيادة في ~~حثهم على ما أمر به بعلتين كل منها مستقل بامتثال أمره واجتناب نهيه: ~~إحدهما عدم المغفرة، والثانية بطلان الأعمال والأموال بكون الدنيا لا ~~حقيقة لها، وقدم الأولى لأن الثانية - وهي أن الدنيا لعب - كالعلة ~~الحاصلة على ما أوجبها، ومن حسن التعليم بيان الحكم ثم تعليله بأقرب ما ~~يحمل عليه أو يصد عنه، فكأنه قيل: لا تبطلوها بالصد عن سبيل الله الحامل ~~عليه الإقبال على الدنيا التي هي عين الباطل، فإنكم إن فعلتم ذلك فاتتكم ~~المغفرة، وذلك من معنى قوله تعالى مؤكدا لإنكارهم مضمونه: { إن الذين ~~كفروا } أي أوقعوا الكفر بفعلهم فعل الساتر لما دله عليه عقله من آيات ~~الله المرئية ثم المسموعة { وصدوا عن سبيل الله } أي طريق الملك الأعلى ~~الواضح المستقيم الموصل إلى كل ms4581 ما ينبغي أن يقصد كل من أراده بتماديهم ~~على باطلهم وأذاهم لمن خالفهم. # ولما كان هذا أمرا قبيحا من جهات عديد لما فيه من مخالفة الملك الأعظم ~~المرهوب بطشه المحذورة سطوته، ومن ترك الواسع إلى الضيق والمستقيم إلى ~~المعوج والموصل إلى الفوز إلى الموصل إلى الخيبة، فكان التمادي فيه في ~~غاية البعد، نبه على ذلك بأداة التراخي فقال: { ثم ماتوا } أي بعد ~~المدلهم في مضمارهم بالتطويل في أعمارهم { وهم } أي والحال أنهم { كفار } ~~ولما كان السبب الأعظم في الإحباط الموت على الكفر، نبه عليه بالفاء ~~الدالة على ربط الجزاء بالشرط وتسببه عنه فقال مؤكدا له لإنكارهم ذلك: { ~~فلن يغفر الله } أي المحيط بجميع صفات الكمال التي تمنع من تسوية المسيء ~~بالمحسن { لهم } فلا يمحو ذنوبهم ولا يستر عيوبهم، بل يفضح سرائرهم ويوهن ~~كيدهم ويردهم على أعقابهم في كل ما يتقلبون فيه لأنهم قد أبطلوا أعمالهم ~~بالخروج عن دائرة الطاعة، فلم يبق لهم ما يغفر لهم بسببه، وقد دلت هذه ~~الآية على ما دلت عليه آية البقرة من أن إحباط العمل في المرتد مشروط ~~بالموت على الكفر. # ولما قدم سبحانه ذم الكفرة وأنه عليهم وأنه يبطل أعمالهم في الدنيا في ~~الحرب وغيرها، وختم بأن عداوته لهم متحتمة لا انفكاك لها، وكان ذلك ~~موجبا للاجتراء عليهم، سبب عنه قوله مرغبا لهم في لزوم الجهاد محذرا ~~من تركه: { فلا تهنوا } أي تضعفوا ضعفا يؤدي بكم إلى الهوان والذل { ~~وتدعوا } أي أعداءكم { إلى السلم } أي المسالمة وهي الصلح { وأنتم } أي ~~والحال أنكم { الأعلون } على كل من ناواكم لأن الله عليهم، ثم عطف على ~~الحال قوله: { والله } أي الملك الأعظم الذي لا يعجزة شيء ولا كفوء له { ~~معكم } أي بنصره ومعونته وجميع ما يفعله الكرمي إذا كان مع غيره، ومن علم ~~أن سيده معه وعلم أنه قادر على ما يريد لم يبال بشيء أصلا { ولن يتركم ~~أعمالكم * } أي فيسلبكموها فيجعلكم وترا منها بمعنى أنه يبطلها كما يفعل ~~مع أعدائكم في إحباط أعمالهم فيصيرون مفردين عنها ms4582 لأنكم لم تبطلوا ~~أعمالكم بجعل الدنيا محط أمركم، فلا يجوز لإمام المسلمين أن يجيب إلى ~~مسالمة الكفار وبه قوة على مدافعتهم، ولا يحل له ترك الجهاد إلا لمعنى ~~يظهر فيه النظر للمسلمين، ومتى لم يجاهد في سبيل الله انصرف بأسه إلى ~~المسلمين. # ولما أتم العلة الأولى أقبل على الثانية الصادة عن الطاعة القائدة إلى ~~المعصية الملائمة للشهوة المبطلة للأعمال الموجبة للتهاون المؤدي إلى عدم ~~المغفرة، فقال مرغبا في طاعته الموجبة للفوز الدائم ببيان قصر أيام ~~المحنة وتجرع مرارات المشقة: { إنما الحياة } وأشار إلى دناءتها تنفيرا ~~عنها بقوله: { الدنيا } ولما كان مطلق العلو موجبا لأعظم اللذاذة فكيف ~~إذا كان موجبه الدين الضامن لدوام اللذة موصولا دنيويها بأخرويها، وكان ~~اللعب ما ينشأ من زيادة البسط وينقضي بسرعة مع دلالته على الخفة كالرقص، ~~قدمه إشارة إلى أن العاقل من يسعى في زيادة بسط يحمل على الرزانة ويدوم، ~~وأتبعه اللهو لأنه ما يستجلب به السرور كالغنا إشارة إلى أنه إن كان ~~المراد بالدنيا زيادة بسطها فهو ينقضي بسرعة، مع ما فيه من الرعونة، وإن ~~كان المراد أصل البسط والسرور فعندكم منه بالعلو الحاصل لكم بالجهاد ما ~~هو في غاية العظمة والجد والثبات فلا سفه أعظم من العدول عنه إلى ما إن ~~سر حمل على الطيش وانقضى بسرعة، فقال: { لعب } أي أعمال ضائعة سافلة تزيد ~~في السرور ويسرع اضمحلاله، فيبطل من غير ثمرة { ولهو } أي مشغلة يطلب بها ~~إثارة اللذة كالغنا وحيرة وغفلة، فإن تتبعوها تكفروا وتبطروا وتجترئوا ~~على الله، وإن تكفروا به وتجترئوا عليه تبطل أجوركم فلا يكون لكم أجر ولا ~~مال لأنه يبطل أعمالكم وأموالكم بكونها تصير صورا لا معاني لها. # ولما صور سبحانه الدنيا بألذ صورها عند الجاهل وأمضها عند العاقل، ~~وحاصله أنها زيادة سرور لمن كان مسرورا، واستجلاب له لمن كان مضرورا، ~~لكنه سريع الانصرام بخلاف ثمرة الاجتماع على الدين من سرور العلو ~~بالإسلام، فإنه باق على الدوام، علم أن التقدير بناء على ما تبع وصف ~~الدنيا، والآخرة جد وعمل وحضور ms4583 فإن تقبلوا عليها تؤمنوا وتتقوا فلا ~~تخدعنكم الدنيا على دناءتها عن نيل الآخرة بالجهاد الأكبر والأصغر على ~~شرفها وشرفه، قال بانيا على ما أرشد السياق إلى تقديره: { وإن تؤمنوا ~~وتتقوا } أي تخافوا فتجعلوا بينكم وبين غضبه سبحانه وقاية من جهاد أعدائه ~~ومقاساة لفح إيقاد الحروب وحر الأمر بالمعروف وإنفاق الأموال في ذلك، ~~فتكونوا جادين فتتركوا اللهو واللعب القائدين إلى الكفر { يؤتكم } أي ~~الله الذي فعلتم ذلك من أجله في الدار الآخرة { أجوركم } أي ثواب كل ~~أعمالكم لبنائها على الأساس ولأنه غني لا ينقصه إلا عطاء، والآية من ~~الاحتباك: ذكر الحياة الدنيا واللهو واللعب أولا دال على ذكر الآخرة ~~والجد ثانيا، وذكر الإيمان والتقوى ثانيا دال على حذف ضدهما الكفران ~~والجرأة أولا، وسره أن تصوير الشيء بحال الصبي والسفيه أشد في الزجر عنه ~~عند ذوي الهمم العالية، وذكر الأجر المرتب على الخوف الذي هو فعل الحزمة ~~أعون على تركه. # ولما كان الملعوب به الملهو منه يسأل اللاعب اللاهي من ماله، ولا يقنع ~~عند سؤاله، فيكون سببا لضياع أعماله وأمواله، بين أن المعبود بخلاف ذلك ~~في الأمرين، وأنه يعطي ولا يأخذ لنفسه شيئا وإنما أخذه أمره بمواصلة ~~بعضكم لبعض فقال تعالى: { ولا يسئلكم } أي الله في الدنيا { أموالكم * } ~~أي لنفسه ولا كلها، وهذا مفهم لأنهم إن لم يتقوا بما ذكر سلط عليه من ~~يأخذ أموالهم بما يخرج أضغانهم، قال ابن برجان: ومتى سئلوا أموالهم ~~بخلوا، فإن أكرهوا على ذلك أشحنوا ضغائن وحقائد، ولم يكن من الإمام لهم ~~نصيحة ولا منهم للإمام ولا لبعضهم لبعض، وكان الخلاف، وفي ذلك الحالقة، ~~وهو إنذار منه سبحانه بما يكون بعد، وما أنذر شيئا إلا كان منه ما شاء ~~الله. ### || [47.37-38] # ولما كان الإنسان، لما جبل عليه من النقصان، قد يهلك جميع أمواله لهوا ~~ولعبا بالمقامرة ونحوها، ولا ينهاه ذلك بل لا يزيده إلا إقبالا رجاء أن ~~يظفر، ولو سئل جميع ماله في الطاعة لبخل، قال تعالى ذاكرا لهم ذلك ~~تنبيها عليه وإيماء إلى حلمه تعالى عنهم ms4584 وتحببه إليه معللا ما قبله: { ~~أن يسئلكموها } أي الأموال كلها، ولما كانت الأموال قد تطلق على معظمها، ~~حقق المعنى بقوله: { فيحفكم } أي يبالغ في سؤالكم ويبلغ فيه الغاية حتى ~~يستأصلها فيجهدكم بذلك { تبخلوا } فلا تعطوا شيئا { ويخرج } أي الله أو ~~المصدر المفهوم من " تبخلوا " بذلك السؤال { أضغانكم * } أي ميلكم عنه ~~حتى يكون آخر ذلك عداوة وحقدا، وقد دل إضافة الأضغان إلى ضميرهم أن كل ~~إنسان ينطوي بما له من النقصان، على ما جبل عليه من الإضغان، إلا من عصم ~~الرحيم الرحمن، قال الرازي: وهذا دليل على أن العبد إذا منع في مواسم ~~الخيرات سوى الزكاة لم يخرج من البخل، فحد البخل منع ما يرتضيه الشرع ~~والمروءة فلا بد من مراعاة المروءة ورفع قبح الأحدوثة، وذلك يختلف ~~باختلاف الأشخاص، وقدم المادة مهما ظهر له أن فائدة البذل أعظم من فائدة ~~الإمساك ثم يشق عليه البذل فهو بخيل محب للمال، والمال لا ينبغي أن يحب ~~لذاته بل لفائدته، وحفظ المروءة أعظم وأفضل وأقوى من التنعم بالأكل ~~الكثير مثلا. # ولما أخبر ببخلهم لو سئلوا جميع أموالهم أو أكثرها، دل عليه بمن يبخل ~~منهم عما سأله منهم وهو جزء يسير جدا من أموالهم، فقال منبها لهم على ~~حسن تدبيره لهم وعفوه عنهم عند من جعل " ها " للتنبيه، ومن جعل الهاء ~~بدلا من همزة استفهام جعلها للتوبيخ والتقريع، لأن من حق من دعاه مولاه ~~أن يبادر للإجابة مسرورا فضلا أن يبخل، وفي هاء التنبيه ولا سيما عند ~~من يرى تكررها تأكيد لأجل استبعادهم أن أحدا يبخل عما يأمر الله به ~~سبحانه: { هأنتم } وحقر أمرهم أو أحضره في الذهن وصوره بقوله: { هؤلاء ~~تدعون } أي إلى ربكم الذي لا يريد بدعائكم إلا نفعكم وأما هو فلا يلحقه ~~نفع ولا ضر { لتنفقوا } شيئا يسيرا من الزكاة وهي ربع العشر ونحوه، ومن ~~نفقة الغزو وقد يحصل من الغنيمة أضعافها وقد يحصل من المتجر أو أكثر، وقد ~~عم ذلك وغيره قوله: { في سبيل الله } أي الملك الأعظم الذي يرجى خيره ms4585 ~~ويخشى ضيره، بخلاف من يكون وما يكون به اللهو اللعب. # ولما أخبر بدعائهم، فصلهم فقال تعالى: { فمنكم } أي أيها المدعون { من ~~يبخل } وهو منكم لا شك فيه، وحذف القسم الآخر وهو " ومنكم من يجود " لأن ~~المراد الاستدلال على ما قبله من البخل. # ولما كان بخله عمن أعطاه المال بجزء يسير منه إنما طلبه ليقع المطلوب ~~منه فقط زاد العجب بقوله: { ومن } أي والحال أنه من { يبخل } بذلك { ~~فإنما يبخل } أي بماله بخلا صادرا { عن نفسه } التي هي منبع الدنايا، ~~فلا تنفس ولا تنافس إلا في الشيء الخسيس، فإن نفع ذلك الذي طلب منه فبخل ~~به إنما هو له، وأكده لأنه لا يكاد أحد يصدق أن عاقلا يتجاوز بماله عن ~~نفع نفسه، ولذا حذف " ومن يجد فإنما يجد على نفسه " لفهمه عن السياق ~~واستغناء الدليل عنه، هذا والأحسن أن يكون " يبخل " متضمنا " يمسك " ثم ~~حذف " يمسك " ودل عليه بحال محذوفة دل عليها التعدية بعن. # ولما كان سؤال المال قد يوهم شيئا، قال مزيلا له مقررا لأن بخل ~~الإنسان إنما هو عن نفسه عطفا على ما تقديره: لأن ضرر بخله إنما يعود ~~عليه وهو سبحانه لم يسألكم ذلك لحاجته إليه ولا إلى شيء منكم، بل لحاجتكم ~~إلى الثواب، وهو سبحانه قد بنى أمور هذه الدار كما اقتضته الحكمة على ~~الأسباب: { والله } أي الملك الأعظم الذي له الإحاطة بجميع صفات الكمال { ~~الغني } أي وحده { وأنتم } أيها المكلفون خاصة { الفقراء } لأن العطاء ~~ينفعكم والمنع يضركم. فمن افتقر منكم إلى فقير مثله وقع في الذل والهوان، ~~وقد جرت عادتكم أن يداخلكم من السرور ما لا يجد إذا طلب من أحد منكم أحد ~~من الأجواد الأغنياء شيئا طمعا في جزائه، فكونوا كذلك وأعظم إذا طلب ~~منكم الغنى المطلق. # ولما كان التقدير: فإن تقبلوا بنولكم تفلحوا عطف عليه قوله مرهبا لأن ~~الترهيب أردع: { وإن تتولوا } أي توقعوا التولي عنه تكلفوا أنفسكم ضد ما ~~تدعو إليه الفطرة الأولى من السماح بذلك الجزاء اليسير جدا الموجب ~~للثواب الخطير والفوز ms4586 الدائم، ومن الجهاد في سبيله، والقيام بطاعته، ~~لكونه المحسن الذي لا محسن في الحقيقة غيره { يستبدل } أي يوجد { قوما } ~~فيهم قوة وكفاية لما يطلب منهم محاولته. # ولما كان ذلك مفهما أنهم غيرهم، لكنه لا يمنع أن يكونوا - مع كونهم غير ~~أعيانهم - من قومهم أو أن يشأ دونهم في الصفات وإن كانوا من غير قومهم، ~~نبه على أنهم يكونون من غير قومهم وعلى غير صفاتهم، بل هم أعلى منهم درجة ~~وأكرم خليقة وأحسن فعلا فقال تعالى: { غيركم } أي بدلا منكم وهو على ~~غير صفة التولي. # ولما كان الناس متقاربين في الجبلات، وكان المال محبوبا، كان من ~~المستبعد جدا أن يكون هذا البذل على غير ما هم عليه، قال تعالى مشيرا ~~إلى ذلك بحرف التراخي تأكيدا لما أفهمه ما قلته من التعبير ب " غير " ~~وتثبيتا له: { ثم } أي بعد استبعاد من يستبعد وعلو الهمة في مجاوزة جميع ~~عقبات النفس والشيطان: { لا يكونوا أمثالكم * } في التولي عنه بترك شيء ~~مما أمر به أو فعل شيء مما نهى عنه، ومن قدر على الإيجاد قدر على ~~الإعدام. # بل هو أهون في مجاري العادات، فقد ثبت أنه سبحانه لو شاء لانتصر من ~~الكفار، إما بإهلاكهم أو إما بناس غيركم بضرب رقابهم وأسرهم، وغير ذلك من ~~أمرهم، وثبت بمواصلة ذم الكفار مع قدرته عليهم أنه أبطل أعمالهم، فرجع ~~بذلك أول السورة إلى آخرها، وعانق موصله ما ترى من مفصلها، وعلم أن معنى ~~هذا الآخر وذلك الأول أنه سبحانه لا بد من إذلاله للكافرين وإعزازه ~~للمؤمنين لأنهم إن أقبلوا على ما يرضيه فجاهدوا نصرهم نصرا عزيزا بما ~~ضمنه قوله تعالى { إن تنصروا الله ينصركم وثبت أقدامكم } وإن تتولوا أتى ~~بقوم غيركم يقبلون عليه فيصدقهم وعده، فصار خذلانهم أمرا متحتما، وهو ~~معنى أول سورة محمد - والله الموفق لما يريد من الصواب. ### | [48 - سورة الفتح] ### || [48.1-4] # لما كانت تلك سورة الجهاد وكانت هذه سورة محمد بشارة للمجاهدين من أهل ~~هذا الدين بالفوز والنصر والظفر على كل من كفر، وهذا كما ms4587 سيأتي من إيلاء ~~سورة النصر لسورة الكافرون، فأخبرت القتال عن الكافرين بإبطال الأعمال ~~والتدمير وإهلاكهم بالتقال، وإفساد جميع الأحوال، وعن الذين آمنوا بما ~~نزل على محمد صلى الله عليه وسلم بالهداية وإصلاح البال، وختمها بالتحريض ~~على مجاهدتهم بعد أن ضمن لمن نصره منهم النصر وتثبيت الأقدام، وهدد من ~~أعرض باستبدال غيره به، وإن ذلك البدل لا يتولى عن العدو ولا ينكل عنه، ~~فكان ذلك محتما لسفول الكفر وعلو الإيمان، وذلك بعينه هو الفتح المبين، ~~فافتتح هذه بقوله على طريق النتيجة لذلك بقوله مؤكدا إعلاما بأنه لا بد ~~منه وأنه مما ينبغي أن يؤكد لابتهاج النفوس الفاضلة به، وتكذيب من في ~~قلبه مرض وهم أغلب الناس في ذلك الوقت. { إنا } أي بما لنا من العظمة ~~التي لا تثبت لها الجبال { فتحنا } أي أوقعنا الفتح المناسب لعظمتنا لكل ~~متعلق بإتقان الأسباب المنتجة له من غير شك، ولذلك عبر عنه بالماضي. # ولما كانت منفعة ذلك له صلى الله عليه وسلم لأن إعلاء كلمة الله يكون به ~~فيعليه ويمتلىء الأرض من أمنه، فلا يعمل منهم أحد حسنة إلا كان له مثل ~~أجرها ويكونون على قصر زمنهم ثلثي أهل الجنة، فيكون ذلك شرفا له - إلى ~~غير ذلك الأسرار، التي يعيى دون أيسرها الكفار، قال: { لك } أي بصلح ~~الحديبية في ذي القعدة سنة ست من الهجرة التي نزلت هذه السورة في شأنه، ~~يصحبان في الرجوع منه إلى المدينة المشرفة، قال الأزهري: لم يكن فتح أعظم ~~من صلح الحديبية، وذلك أن المشركين اختلطوا بالمسلمين فسمعوا كلامهم ~~فرأوا ما لا أعدل منه ولا أحسن، فاستولى الإسلام على قلوبهم وتمكن منهم ~~فأسلم منهم في ثلاث سنين خلق كثير، وكذا كان من الفتح تقوية أمره صلى ~~الله عليه وسلم بالتصديق فيما أنزل عليه من سورة من غلبهم على أهل فارس ~~في رواية من قال: إنه كان في زمن الحديبية، ثم زاده تأكيدا بقوله: { ~~فتحا } وزاد في إعظامه بقوله: { مبينا * } أي لا لبس فيه على أحد، بل ~~يعلم كل ذي عقل ms4588 به أنك ظاهر على جميع أهل الأرض لأنك كنت وحدك، وكان عند ~~أهل الكفر أنك في أيديهم، وأن أمرك لا يعدو فمك، فتبعك ناس ضعفاء فعذبوهم ~~وكانوا معهم في أسوأ الأحوال، وتقرر ذلك في إذهانهم مددا طوالا ثلاث ~~عشرة سنة، ثم انقذ الله أتباعك منهم بالهجرة إلى النجاشي رحمه الله تعالى ~~أولا، وإلى المدينة الشريفة ثانيا، وهم مطمئنون بأنك أنت - وأنت رأسهم ~~- لا ينتظم لهم بدونك أمر، ولا يحصل لكسرهم ما لم تكن معهم جبر، بأنك في ~~قبضتهم لا خلاص لك أبدا منهم ولا انفكاك من بلدتهم، فاستخرجك الله من ~~عندهم بعد أن حماك على خلاف القياس وأنت بينهم من أن يقتلوك، مع اجتهادهم ~~في ذلك واستفراغهم قواهم في أذاك، ثم بذلوا جهدهم في منعك من الهجرة فما ~~قدروا، ثم في ردك فما أطاقوا ولا فازوا ولا ظفروا. # بل غلبوا وقهروا، ثم أيدك بأنصار أبرار أخيار فكنتم على قلتكم كالليوث ~~الكواسر والبحار الزواخر، ما ملتم على جهة إلا غمرتموها، وفزتم بالنصف من ~~أربابها قتلتموها أو أسرتموها ولم تزالوا تزدادون وتقوون، وهم ينقصون ~~ويضعفون، حتى أتيتموهم في بلادهم التي هم قاطعون بأنهم ملوكها، يتعذر على ~~غيرهم غلبهم عليها بل سلوكها، فما دافعوكم عن دخول عليهم إلا بالراح، ~~وسألوكم في وضع الحرب للدعة والإصلاح، فقد ظهرت أعلام الفتح أتم ظهور، ~~وعلم أرباب القلوب أنه لا بد أن تكون في امتطائكم الذرى وسموكم إلى رتب ~~المعالي وأي أمور، وروى الإمام أحمد عن مجمع بن جارية الأنصاري رضي الله ~~عنه قال: # " شهدنا الحديبية مع النبي صلى الله عليه وسلم، فلما انصرفنا منها إذا ~~الناس يهزون الأباعر فقال بعضهم: ما بال الناس؟ قالوا: أوحي إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، قال: فخرجنا نوجف، فوجدنا النبي صلى الله عليه ~~وسلم واقفا على راحلته عند كراع الغميم، فلما اجتمع عليه الناس قرأ { ~~إنا فتحنا لك فتحا مبينا } فقال عمر رضي الله عنه: أو فتح هو يا رسول ~~الله؟ قال: نعم، والذي نفسي بيده ". # وقال الإمام أبو ms4589 جعفر بن الزبير: ارتباط هذه السورة بالتي قبلها واضح من ~~جهات - وقد يغمض بعضها - منها أن سورة القتال لما أمروا فيها بقتال عدوهم ~~في قوله تعالى { فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب } الآية، وأشعروا ~~بالمعونة عند وقوع الصدق في قوله { إن تنصروا الله ينصركم } استدعى ذلك ~~تشوف النفوس إلى حالة العاقبة فعرفوا ذلك في هذه السورة فقال تعالى { إنا ~~فتحنا لك فتحا مبينا } - الآيات، فعرف تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم ~~بعظيم صنعه له، وأتبع ذلك بشارة المؤمنين العامة فقال { هو الذي أنزل ~~السكينة في قلوب المؤمنين } - الآيات، والتحمت إلى التعريف بحال من نكث ~~من مبايعته صلى الله عليه وسلم، وحكم المخلفين من الأعراب، والحض على ~~الجهاد، وبيان حال ذوي الأعذار، وعظيم نعمته سبحانه على أهل بيعته { لقد ~~رضي الله عن المؤمنين } وأثابهم الفتح وأخذ المغانم وبشارتهم بفتح مكة { ~~لتدخلن المسجد الحرام } إلى ما ذكر سبحانه من عظيم نعمته عليهم وذكرهم في ~~التوراة والإنجيل ما تضمنت هذه السورة الكريمة، ووجه آخر وهو أنه لما قال ~~الله تعالى في آخر سورة القتال { فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم ~~الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم } كان هذا إجمالا في عظيم ما ~~منحهم وجليل ما أعطاهم، فتضمنت سورة محمد تفسير هذا الإجمال وبسطه، وهذا ~~يستدعي من بسط الكلام ما لم تعتمده في هذا التعليق، وهو بعد مفهوم مما ~~سبق من الإشارات في الوجه الأول، ووجه آخر مما يغمض وهو أن قوله تعالى { ~~وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم } إشارة إلى من يدخل ~~في ملة الإسلام من الفرس وغيرهم عند تولي العرب، وقد أشار أيضا إلى هذا ~~قوله تعالى # يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ~~ويحبونه # [المائدة: 54] وأشار إلى ذلك عليه الصلاة والسلام: # " ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا " # - وعقد السبابة بالإبهام، أشار عليه الصلاة والسلام إلى تولي العرب ~~واستيلاء غيرهم الواقع في الآيتين، وإنما ms4590 أشار عليه الصلاة والسلام بقوله ~~" اليوم " إلى التقديم والتأخير، وفرغ هذا الأمر إلى أيام أبي جعفر ~~المنصور، فغلبت الفرس والأكراد وأهل الصين وصين الصين - وهو ما يلي يأجوج ~~ومأجوج - وكان فتحا وعزا وظهورا لكلمة الإسلام، وغلب هؤلاء في الخطط ~~والتدبير الإماري وسادوا غيرهم، ولهذا جعل صلى الله عليه وسلم مجيئهم ~~فتحا فقال: " فتح اليوم " ولو أراد غير هذا لم يعبر بفتح، ألا ترى قول ~~عمر لحذيفة رضي الله عنهما في حديث الفتن حين قال له " إن بينك وبينها ~~بابا مغلقا " فقال عمر: أيفتح ذلك الباب أم يكسر؟ فقال: بل يكسر. ففرق ~~بين الفتح والكسر، وإنما أشار إلى قتل عمر رضي الله عنه، ولذا قال عليه ~~الصلاة والسلام # " فتح " # وقال: # " من ردم يأجوج ومأجوج " # وأراد من نحوهم وجهتهم وأقاليمهم، لأن الفرس ومن أتى معهم هم أهل الجهات ~~التي تلي الردم، فعلى هذا يكون قوله تعالى: { وإن تتولوا يستبدل قوما ~~غيركم } إشارة إلى غلبة من ذكرنا وانتشارهم في الولايات والخطط الدينية ~~والمناصب العلمية. ولما كان هذا قبل أن يوضح أمره يوهم نقصا وخطأ، بين ~~أنه تجديد فتح وإعزاز منه تعالى لكلمة الإسلام، فقال تعالى: { إنا فتحنا ~~لك فتحا مبينا } الآيات، ذكر القاضي أبو بكر بن العربي في تلخيض ~~التلخيض علماء المالكية مشيرا إلى تفاوت درجاتهم ثم قال: وأمضاهم في ~~النظر عزيمة وأقواهم فيه شكيمة أهل خراسان: العجم أنسابا وبلدانا، ~~والعرب عقائد وإيمانا، الذين ينجز فيهم وعد الصادق المصدوق، وملكهم الله ~~مقاليد التحقيق حين أعرضت العرب عن العلوم وتولت عنها، وأقبلت على الدنيا ~~واستوثقت منها، # " قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله! من هؤلاء ~~الذين قال الله { وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم } ~~فأشار عليه الصلاة والسلام إلى سلمان وقال: لو كان الإيمان في الثريا ~~لناله رجال من هؤلاء " # - انتهى. # ولما أخبر سبحانه بالفتح عقب سورة { الذين كفروا } بشارة بظهور أهل هذا ~~الدين وإدبار الكافرين - كما سيأتي في إيلاء سورة النصر بسورة الكافرين، ~~لذلك علل الفتح ms4591 بالمغفرة وما بعدها رمزا إلى وفاة النبي صلى الله عليه ~~وسلم - بروحي هو وأبي وأمي - وإيماء إلى أن المراد من إخراجه إلى دار ~~الفناء إنما هو إظهار الدين القيم وإزهاق الباطل لتعلو درجته وتعظم ~~رفعته، فعند حصول الفتح ثم المراد كما كانت سورة النصر الوالية للكافرين ~~رامزة إلى ذلك كما هو مشهور ومذكور ومسطور، فالفتح الذي هو أحد العلامات ~~الثلاث المذكورة كما في سورة النصر على جميع المناوين، الذي هو السبب ~~الأعظم في ظهور دينه على الدين كله الذي هو العلامة العظمى على اقتراب ~~أجله - نفسي فداؤه وإنسان عيني من كل سوء وقاؤه - فقال تعالى: { ليغفر لك ~~الله } مشيرا بالانتقال من أسلوب العظمة بالنون إلى أسلوب الغيبة المشير ~~إلى غاية الكبرياء بالإسناد إلى الاسم الأعظم إلى أن هذه المغفرة بحسب ~~إحاطة هذا الاسم الجامع لجميع الأسماء الحسنى: { ما تقدم من ذنبك } أي ~~الذي تقدم في القتال أمرك بالاستغفار له وهو مما ينتقل به من مقام كامل ~~إلى مقام فوقه أكمل منه، فتراه بالنسبة إلى أكملية المقام الثاني ذنبا، ~~وكذا قوله: { وما تأخر } قال الرازي: المغفرة المعتبرة لها درجات كما أن ~~الذنوب لها درجات " حسنات الأبرار سيئات المقربين " انتهى. ويجوز أن يكون ~~المراد: لتشاهد المغفرة بالنقلة إلينا بعد علم اليقين بعين اليقين وحق ~~اليقين، فالمعنى أن الله يتوفاه صلى الله عليه وسلم عقب الفتح ودخول جميع ~~العرب الذين يفتتحون جميع البلاد ويهدي الله بهم سائر العباد في دينه، ~~ويأس الشيطان من أن يعبد في جزيرتهم إلا بالمحقرات لوجود المقصود من ~~امتلاء الأكوان بحسناته صلى الله عليه وسلم، وعموم ما دل عليه اسمه ~~المذكور في هاتين السورتين من حمده تعالى بكماله في ذاته وصفاته ببلوغ ~~أتباعه إلى حد لا يحصرون فيه بعد، ولا يقف لهم مخلوق على حد. # ولما كان تمام النعمة يتحقق بشيئين: إظهار الدين والتقلة إلى مرافقة ~~النبيين، قال تعالى مخبرا بالشيئين: { ويتم نعمته عليك } بنقلك من عالم ~~الشهادة إلى عالم الغيب، ومن عالم الكون والفساد إلى عالم الثبات ~~والصلاح، ms4592 الذي هو أخص بحضرته وأولى برحمته وإظهار أصحابك من بعدك على ~~جميع أهل الملل، ويدحضون شبه الشيطان، ويدمغون كل كفران، وينشرون رايات ~~الإيمان في جميع البلدان، بعد إذلال أهل العدوان، ومحو كل طغيان. # ولما كانت هدايتهم من هدايته، أضافها سبحانه إليه إعلاما له أنها هداية ~~تليق بجانبه الشريف سرورا له فقال: { ويهديك } أي بهداية جميع قومك { ~~صراطا مستقيما * } أي واضحا جليلا جليا موصلا إلى المراد من كتاب ~~لا عوج فيه بوجه، هداية تقتضي لزومه والثبات عليه { وينصرك الله } بنصرهم ~~على ملوك الأمم وجلائهم لسائر الغمم، نصرا يليق إسناده إلى اسمه المحيط ~~بسائر العظم { نصرا عزيزا } أي يغلب المنصور به كل من ناواه ولا يغلبه ~~شيء مع دوامه فلا ذل بعده لأن الأمة التي تنصف به لا يظهر عليها أحد، ~~والدين الذي قضاه لأجله لا ينسخه شيء. # ولما كان صلى الله عليه وسلم قد أخبر المؤمنين برؤياه أنه يطوف بالكعبة ~~الشريفة، وعز على العمرة عام الحديبية، وخرج صلى الله عليه وسلم وخرج معه ~~خلاصة أصحابه ألف وخمسمائة، فكانوا مؤقنين أنهم يعتمرون في وجههم ذلك، ~~وقر ذلك في صدورهم وأشربته قلوبهم، فصار نزعه منها أشق شيء يكون، قصدهم ~~المشركون بعد أن بركت ناقته وصالحهم صلى الله عليه وسلم على أن يرجع عنهم ~~في ذلك العام ويعتمر في مثل ذلك الوقت من القابل، وكان ذلك - بل أدنى منه ~~- مزلزلا للاعتقاد مطرقا للشيطان الوسوسة في الدين، وقد كان مثله في ~~الإسراء ولم يكن صلى الله عليه وسلم أخبر بما يوهم في أمره فارتد ناس ~~كثير بسببه، قال تعالى دالا على النصر بتثبيت المؤمنين في هذا المحل ~~الضنك إظهارا لتمام قدرته ولطيف حكمته: { هو } أي وحده { الذي أنزل } في ~~يوم الحديبية { السكينة } أي الثبات على الدين { في قلوب المؤمنين } أي ~~الراسخين في الإيمان وهم أهل الحديبية بعد أن دهمهم فيها ما من شأنه أن ~~يزعج النفوس ويزيغ القلوب من صد الكفار ورجوع الصحابة رضي الله تعالى ~~عنهم دون مقصودهم، فلم يرجع أحد منهم عن الإيمان ms4593 بعد أن ماج الناس ~~وزلزلوا حتى عمر رضي الله عنه - مع أنه الفاروق ومع وصفه في الكتب ~~السالفة بأنه قرن من حديد - فما الظن بغيره في فلق نفسه وتزلزل قلبه، ~~وكان للصديق رضي الله عنه من القدم الثابت والأصل الراسخ ما علم به رضي ~~الله عنه أنه لا يسابق، ثم ثبتهم الله أجمعين، قال الرازي: والسكينة ~~الثقة بوعد الله، والصبر على حكم الله، بل السكينة ههنا معين بجمع فوزا ~~وقوة وروحا، يسكن إليه الخائف ويتسلى به الحزين، وأثر هذه السكينة ~~الوقار والخشوع وظهور الحزم في الأمور - انتهى. وكل من رسخ في الإيمان، ~~له في هذه الآية نصيب جناه دان. # ولما أخبر بما لا يقدر عليه غيره، علله بقوله: { ليزدادوا } أي بتصديق ~~الرسول حين قال لهم: إنهم لا بد أن يدخلوا مكة ويطوفوا بالبيت العتيق، ~~وحلهم الله به من الشبهة بتذكرهم أنه لم يقل لهم: إنهم يدخلون العام { ~~إيمانا } بهذا التصديق بالغيب من أن صلحهم للكفار ورجوعهم من غير بلوغ ~~قصدهم هو عين الفتح لترتب الصلح عليه وترتب فشو الإسلام على الصلح كما ~~كشف عنه الوجود بعد ذلك ليقيسوا عليه غيره من الأوامر { مع إيمانهم } ~~الثابت من قبل هذه الواقعة، قال القشيري رحمه الله: بطلوع أقمار اليقين ~~على نجوم علم اليقين، ثم بطلوع شمس حق اليقين على بدر عين اليقين. # ولما كان ربما ظن شقي من أخذ الأمور بالتدريج شيئا في القدرة قال: { ~~ولله } أي الذي أنزل السكينة عليهم ليكون نصرهم في هذه العمرة بالقوة ثم ~~يكون عن قريب بالفعل والحال أنه له وحده { جنود السماوات والأرض } أي ~~جميعها، ومنها السكينة، يدبرهم بلطيف صنعه وعجيب تدبيره، فلو شاء لنصر ~~المؤمنين الآن بالفعل، ودمر على أعدائهم بجنود من جنوده أو بغير سبب، ~~لكنه فعل ذلك ليكون النصر بكم، فيعلوا أمركم ويعظم أجركم، ويظهر الصادق ~~في نصره من الكاذب، فإن الدار دار البلاء، وبناء المسببات على الأسباب ~~على وجه الأغلب فيه الحكمة، لا القهر وظهور الكلمة، فاسمه الباطن هو ~~الظاهر في هذه الدار، ms4594 فلذلك ترى المسببات مستورات بأسبابها، فلا يعلم ~~الحقائق إلا البصراء ألا ترى أنه صلى الله عليه وسلم لما نزلت عليه هذه ~~السورة فتلاها عليه قال بعض الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين: أي رسول ~~الله وفتح هو؟ قال بعضهم: لقد صدونا عن البيت وصدوا هدينا، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " بئس الكلام هذا، بل هو أعظم الفتح، أما رضيتم أن تطرقوهم في بلادهم ~~فيدفعوكم عنها بالراح ويسألوكم التضير ويرغبون إلكم في الأمان وقد رأوا ~~منكم ما كرهوا وأظفركم الله عليهم وردكم سالمين مأجورين، فهو أعظم ~~الفتوح، أنسيتم يوم أحد إذ تصعدون ولا تلوون على أحد وأنا أدعوكم في ~~أخراكم، أنسيتم يوم الأحزاب إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت ~~الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنون " # ، فقال المسلمون: صدق الله ورسوله فهو أعظم الفتوح. والله يا نبي الله ~~ما فكرنا فيما فكرت فيه لأنت أعلم بالله وأمره منا. وأنزل الله تأكيدا ~~لأمر الرؤيا لمن أشكل عليهم حالها { لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق ~~لتدخلن المسجد الحرام } الآية، فهذه الأشياء كلها كما ترى راجعة إلى ~~الخفاء بالتعجب في أستار الأسباب، فلا يبصرها إلا أرباب التدقيق في النظر ~~في حكمة الله سبحانه. # ولما كان مبنى ما مضى كله على القدرة بأمور خفية يظهر منها من الضعف غير ~~ما كشف عنه الزمان من القوة، وكان تمام القدرة متوقفا على شمول العلم، ~~قال تعالى: { وكان الله } أي الملك الأعظم أزلا وأبدا { عليما } ~~بالذوات والمعاني { حكيما * } في إتقان ما يصنع، فرده لهم عن هذه العمرة ~~بعد أن دبر أمر الصلح ليأمن الناس فيداخل بعضهم بعضا لما علم من أنه لا ~~يسمع القرآن أحد له عقل مستقيم ويرى ما عليه أهله من شدة الاستمساك به ~~والبغض لما كانوا فيه من متابعة الآباء إلا بادر إلى المتابعة ودخل في ~~الدين برغبة، وأدخل سبحانه خزاعة في صلح النبي صلى الله عليه وسلم وبني ~~بكر وهم أعداؤهم في صلح قريش ليبغوا عليهم فتعينهم قريش الصلح بعد ms4595 أن ~~كثرت جنود الله وعز ناصر الدين، فيفتح الله بهم مكة المشرفة، فتنشر أعلام ~~الدين، وتخفق ألوية النصر المبين، ويدخل الناس في الدين أفواجا، فيظهر ~~دين الإسلام على جميع الأديان. ### || [48.5-8] # ولما دل على الفتح بالنصر وما معه، وعلل الدين بالسكينة، علل علة الدليل ~~وهي { ليزدادوا إيمانا } وعلل ما دل عليه ملك الجنود من تدبيرهم وتدبير ~~الأكوان بهم بقوله تعالى زيادة في السكينة: { ليدخل } أي بما أوقع في ~~السكينة { المؤمنين والمؤمنات } الذين جبلهم جبلة خير بجهاد بعضهم ودخول ~~بعضهم في الدين بجهاد المجاهدين، ولو سلط على الكفار جنوده من أول الأمر ~~فأهلكوهم أو دمر عليهم بغير واسطة لفات دخول أكثرهم الجنة، وهم من آمن ~~منهم بعد صلح الحديبية { جنات } أي بساتين لا يصل إلى عقولكم من وصفها ~~إلا ما تعرفونه بعقولكم وإن كان الأمر أعظم من ذلك { تجري } ودل وقرب ~~وبعض بقوله: { من تحتها الأنهار } فأي موضع أردت أن تجري منه نهرا قدرت ~~على ذلك، لأن الماء قريب من وجه الأرض مع صلابتها وحسنها. ولما كان الماء ~~لا يطيب إلا بالقرار تعالى: { خالدين فيها } أي لا إلى آخر. # ولما كان السامع لهذا ربما ظن أن فعله ذلك باستحقاق، قال إشارة إلى أنه ~~لا سبب إلا رحمته: { ويكفر } أي يستر سترا بليغا شاملا { عنهم سيئاتهم ~~} التي ليس من الحكمة دخول الجنة دار القدس قبل تكفيرها، بسبب ما كانوا ~~متلبسين به منها من الكفر وغيره، فكان ذلك التكفير سببا لدخولهم الجنة { ~~وكان ذلك } أي الأمر العظيم من الإدخال والتكفير المهيىء له، وقدم الظرف ~~تعظيما لها فقال تعالى: { عند الله } أي الملك الأعظم ذي الجلال ~~والإكرام { فوزا عظيما * } يملأ جميع الجهات. # ولما كان من أعظم الفوز إقرار العين بالانتقام من العدو وكان العدو ~~المكاتم أشد من العدو المجاهر المراغم قال تعالى: { ويعذب المنافقين } أي ~~يزيل كل ما لهم من العذوبة { والمنافقات } بما غاظهم من ازدياد الإيمان { ~~والمشركين والمشركات } بصدهم الذي كان سببا للمقام الدحض الذي كان سببا ~~لإنزال السكينة الذي كان سببا لقوة ms4596 أهل الإسلام بما تأثر عنه من كثرة ~~الداخلين فيه، الذي كان سببا لتدمير أهل الكفران، ثم بعد ذلك عذاب ~~النيران. # ولما أخبر بعذابهم، أتبعه وصفهم بما سبب لهم ذلك فقال تعالى: { الظانين ~~بالله } أي المحيط بجميع صفات الكمال { ظن السوء } من أنه لا يفي بوعده ~~في أنه ينصره رسوله صلى الله عليه وسلم وأتباعه المؤمنين أو أنه لا ~~يبعثهم. أو أنه لا يعذبهم لمخالفة رسوله صلى الله عليه وسلم. ومشاققة ~~أتباعه. ولما أخبر سبحانه وتعالى بعذابهم فسره بقوله: { عليهم } أي في ~~الدنيا والآخرة بما يخزيهم الله به من كثرة جنوده وغيظهم منهم وقهرهم بهم ~~{ دائرة السوء } التي دبروها وقدروها للمسلمين لا خلاص لهم منها، فهم ~~مخذولون في كل موطن خذلانا ظاهرا يدركه كل أحد، وباطنا يدركه من أراد ~~الله تعالى من أرباب البصائر كما اتفق في هذه العمرة، والسوء - بالفتح ~~والضم: ما يسوء كالكره إلا أنه غلب في أن يضاف إلى ما يراد ذمه، والمضموم ~~جار مجرى الشر الذي هو ضد الخير - قاله في الكشاف. # ولما كان من دار عليه السوء قد لا يكون مغضوبا عيه، قال: { وغضب الله } ~~أي الملك الأعظم بما له من صفات الجلال والجمال فاستعلى غضبه { عليهم } ، ~~وهو عبارة عن أنه يعاملهم معاملة الغضبان بما لا طاقة لهم به. ولما كان ~~الغضب قد لا يوجب الإهانة والإبعاد قال: { ولعنهم } أي طردهم طردا سفلوا ~~به أسفل سافلين، فبعدوا به عن كل خير. # ولما قرر ما لهم في الدارين، وكان قد يظن أنه يخص الدنيا فلا يوجب عذاب ~~الآخرة، أتبعه بما يخصها فقال: { وأعد } أي هيأ الآن { لهم جهنم } تلقاهم ~~بالعبوسة والغيظ والزفير والتجهم كما كانوا يتجهمون عباد الله مع ما فيها ~~من العذاب بالحر والبرد والإحراق، وغير ذلك من أنواع المشاق. ولما كان ~~التقدير: فساءت معدا، عطف عليه قوله: { وساءت مصيرا * }. # ولما كان هذا معلما بأن الكفار - مع ما يشاهد منهم من الكثرة الظاهرة ~~والقوة المتضافرة المتوافرة - لا اعتبار لهم لأن البلاء محيط بهم في ~~الدارين، وكان ms4597 ذلك أمرا يوجب تشعب الفكر في المؤثر فيهم ذلك، عطف على ما ~~تقديره إعلاما بأن التدبير على هذا الوجه لحكم ومصالح يكل عنها الوصف، ~~ودفعا لما قد يتوهمه من لم يرسخ إيمانه مما يجب التنزيه عنه: فلله ~~القوة جميعا يفعل ما يشاء فيمن يشاء من غير سبب ترونه: { ولله } أي ~~الملك الأعظم { جنود السماوات والأرض } فهو يسلط ما يشاء منها على من ~~يشاء. # ولما كان ما ذكر من عذاب الأعداء وثواب الأولياء متوقفا على تمام العلم ~~ونهاية القدرة التي يكون بها الانتقام والسطوة قال تعالى: { وكان الله } ~~الملك الذي لا أمر لأحد مع أزلا وأبدا { عزيزا } يغلب ولا يغلب { ~~حكيما * } يضع الشيء في أحكم مواضعه، فلا يستطاع نقض شيء مما ينسب إليه ~~سبحانه وتعالى. # ولما تبين أنه ليس لغيره مدخل في إيجاد النصر، وكانت السورة من أولها ~~حضرة مخاطبة وإقبال فلم يدع أمر إلى نداء بياء ولا غيرها. وكان كأنه قيل: ~~فما فائدة الرسالة إلى الناس؟ أجيب بقوله تقريرا لما ختم به من صفتي ~~العزة والحكمة. { إنا } بما لنا من العزة والحكمة { أرسلناك } أي بما لنا ~~من العظمة التي هي معنى العزة والحكمة إلى الخلق كافة { شاهدا } على ~~أفعالهم من كفر وإيمان وطاعة وعصيان، من كان بحضرتك فبنفسك ومن كان بعد ~~موتك أو غائبا عنك فبكتابك، مع ما أيدناك به من الحفظة من الملائكة. # ولما كانت البشارة محبوبة إلى النفوس رغبهم فيما عنده من الخيرات وحببهم ~~فيه بصوغ اسم الفاعل منها مبالغة فيه فقال تعالى: { ومبشرا } أي لمن ~~أطاع بأنواع البشائر. ولما كانت لنذارة كريهة جدا، لا يقدم على إبلاغها ~~إلا من كمل عرفانه بما فيها من المنافع الموجبة لتجشم مرارة الإقدام على ~~الصدع بها، أتى بصيغة المبالغة فقال تعالى: { ونذيرا * }. ### || [48.9-10] # ولما ذكر حال الرسالة، ذكر علتها فقال: { لتؤمنوا } أي الذين حكمنا ~~بإيمانهم ممن أرسلناك إليهم - هذا على قراءة ابن كثير وأبي عمرو بالغيب، ~~وعلى قراءة الباقين بالخطاب المعنى. أيها الرسول ومن قضينا بهداه من ~~أمته، مجددين لذلك في ms4598 كل لحظة مستمرين عليه، وكذا الأفعال بعده، وذلك ~~أعظم لطفا لما في الأنس بالخطاب من رجاء الاقتراب { بالله } أي الذي لا ~~يسوغ لأحد من خلقه - والكل خلقه - التوجه إلى غيره لاستجماعه لصفات ~~الجلال والإكرام { ورسوله } الذي أرسله من له كل شيء ملكا وملكا إلى ~~جميع خلقه. # ولما كان الإيمان أمرا باطنا، فلا يقبل عند الله إلا بدليل، وكان ~~الإيمان بالرسول إيمانا بمن أرسله، والإيمان بالمرسل إيمانا بالرسول، ~~وحد الضمير فقال: { ويعزروه } أي يعينوه ويقووه وينصروه على كل من ناواه ~~ويمنعوه عن كل من يكيده، مبالغين في ذلك باليد واللسان والسيف، وغير ذلك ~~من الشأن فيؤثروه على أنفسهم وغيرها، تعظيما له وتفخيما - هذا حقيقة ~~المادة، وما خالفه فهو إما من باب الإزالة كالعزور بمعنى الديوث، وإما من ~~باب الأول كاللوم والضرب دون الحد، فإنه يوجب للملوم والمضروب وتجنب ما ~~نقم عليه فيعظم، فهو من إطلاق الملزوم على اللازم، وهو من وادي ما قيل: # عداي لهم فضل علي ومنة # فلا أذهب الرحمن عني الأعاديا # هم بحثوا عن زلتي فاجتنبتها # وهم نافسوني فاقتنيت المعاليا # ولما كان المعنى يحتمل الإزالة كما ذكر، خلص المراد بقوله: { ويوقروه } ~~أي يجتهدوا في حسن اتباعه في تبجيله وإجلاله بأن يحملوا عنه جميع ~~الأثقال، ليلزم السكينة باجتماع همه وكبر عزمه لزوال ما كان يشعب فكره من ~~كل ما يهمه { ويسبحوه } أي ينزهوه عن كل وصمة من إخلاف الوعد بدخول مكة ~~والطواف بالبيت الحرام ونحو ذلك، ويعتقدوا فيه الكمال المطلق، والأفعال ~~الثلاثة يحتمل أن يراد بها الله تعالى، لأن من سعى في قمع الكفار فقد فعل ~~فعل المعزر الموقر، فيكون إما عائدا على المذكور وإما أن يكون جعل ~~الاسمين واحدا إشارة إلى اتحاد المسميين، في الأمر فلما اتحد أمرها وحد ~~الضمير إشارة إلى ذلك. # ولما كانت محبة الله ورسوله ترضى منها بدون النهاية قال كائنا عن ذلك: ~~{ بكرة وأصيلا * } أي وعشيا إيصانا لما بين النهار والليل بذلك. # ولما ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم ما أرسله له، وختم الآية بأنه ms4599 لا ~~يرضى من ذكره وذكر رسوله إلا بالمداومة بالفعل أو بالقوة مع توحيده ~~الضمير إشارة إلى وحدة الإرادة والمداوة بالفعل أو بالقوة مع توحيده ~~الضمير إشارة إلى وحدة الإرادة والمحبة من الرسول والمرسل، أوضح المراد ~~بتوحيد الضمير بقوله مرغبا في اتباعه ومرهبا لأتباعه عن أدنى فترة أو ~~توان فيما دخلوا فيه من الإيمان الذي هو علة الرسال، وما ذكره معه في ~~جواب من يسأل: ما سبب توحيد الضمير والمذكور اثنان؟ مؤكدا لأجل ما غلب ~~على الطباع البشرية من التقيد بالوهم والنكوص عما غاب ولا مرشد إليه سوى ~~العقل: { إن الذين }. # ولما كان المضارع قد يراد به مطلق الوقوع لا بقيد زمن معين كما نقلته في ~~أول سورة البقرة عن أبي حيان وغيره، عبر به ترغيبا في تجديد مثل ذلك ~~والاستمرار عليه فقال: { يبايعونك } أي في بيعة الرضوان وقبلها وبعدها ~~على ما جئت به من الرسالة التي مقصودها الأعظم النذارة التي مبناها على ~~المخالفة التي تتقاضى الشدائد التي عمادها الثبات والصبر، وسميت " مبايعة ~~" لأنهم بايعوا أنفسهم فيها من الله بالجنة وهذا معنى الإسلام، فكل من ~~أسلم فقد باع نفسه سبحانه منه # إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم # [التوبة: 111]، الآية. { إنما يبايعون الله } أي الملك الأعظم لأن عملك ~~كله من قول وفعل له # وما ينطق عن الهوى # [النجم: 3]. # ولما عظم بيعته بما رغب فيها ترغيبا مشعرا بالترهيب، زادها تعظيما ~~بما الترهيب فيه أظهر من الأول، فقال مبينا للأول: { يد الله } أي ~~المتردي بالكبرياء. ولما كان منزها. عما قد يتوهم من الجارحة مما فيه ~~شائبة نقص، أومأ إلى نفي ذلك بالفوقية مع ما فيه من الدلالة على تعظيم ~~البيعة فقال: { فوق أيديهم } أي في المبايعة عالية عليهم بالقدرة والقوة ~~والقهر والعزة، والتنزه عن كل شائبة نقص، ولذلك كرر الاسم الأعظم في هذه ~~ثلاث مرات إشارة إلى العظمة الفائتة للوصف والغيب العالي عن الإدراك، ثم ~~أعاد ذكره بالضمير إيذانا بالغيب المحض، هذا هو المراد من تعظيم البيعة ~~وإجلال الرسول صلى الله عليه وسلم مع ms4600 العلم القطعي بتنزيه الله سبحانه عن ~~كل شائبة نقص من حلول أو اتحاد كما هو واضح في مجاري عادات العرب ظاهر ~~جدا في دأبهم في محاوراتهم، لا يشك فيه منهم عاقل عالم أو جاهل أصلا، ~~فلعنة الله على من حمله على الظاهر من أهل العناد ببدعة الاتحاد على من ~~تبعهم على ذلك من الرعاع الطغام الذي شاقوا الله ورسوله عليه الصلاة ~~والسلام، وجميع الأئمة الأعلام، وسائر أهل الإسلام: ورضوا لأنفسهم بأن ~~يكونوا أتباع فرعون اللعين، وناهيك به في ضلال مبين. # ولما كان كلام الله تعالى - وإن جرى مجرى الشرط والتهديد لا بد أن يقع ~~منه شيء وإن قل، وكان من سر التعبير بالمضارع " يبايعونك " الإشارة إلى ~~نكث الجد بن قيس أصل بيعته على الإسلام فإنه اختبأ في الحديبية وقت ~~البيعة في وقت من الأوقات، فلم يبايع، سبب عن ذلك وفصل ترغيبا وترهيبا، ~~فقال معبرا بالماضي إيذانا بأنه لا ينكث أحد من أهل هذه البيعة: { فمن ~~نكث } أي نقض في وقت من الأوقات فجعلها كالكساء الخلق والحبل البالي الذي ~~ينقض { فإنما ينكث } وعبر بالمضارع إشارة إلى أن من فعل النكث فهو في كل ~~لحظة ناكث نكثا جديدا { على نفسه } لا على غيرها فإنه بمرأى من الله ~~ومسمع وهو قادر عليه جدير بأن يعاقبه بعد ما عجل لنفسه من العار العظيم ~~في الدنيا ويستحل به على نكثه عذابا أليما، ولا يضر ذلك رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم شيئا فإن الله ناصره لا محالة، وكذا كل منكوث به إذا ~~أراد الله نصرته فإن يده سبحانه فوق كل يد. # ولما أتم الترهيب لأنه مقامه للحث على الوفاء الذي به قيام الدين على ~~أبلغ وجه، أتبعه على عادته الترغيب إتماما للحث فقال تعالى: { ومن أوفى ~~} أي فعل الإتمام والإكثار والإطالة { بما عهد } وقدم الظرف اهتماما به ~~فقال: { عليه الله } أي الملك المحيط بكل شيء قدرة وعلما من هذه ~~المبايعة وغيرها فإنما وفاؤه لنفسه { فسيؤتيه } أي بوعد لا خلف فيه { ~~أجرا عظيما * } لا يسع عقولكم ms4601 شرح وصفه، ومن قرأ بالنون أظهر ما ستر في ~~الجلالة من التعظيم، والآية من الاحتباك: ذكر أولا أن النكث عليه دليلا ~~على أن الوفاء له ثانيا، وإيتاء الأجر ثانيا دليلا على إحلال العقاب ~~أولا وسره أنه بين أن ما يرديه الناكث من الأذى لغيره إنما هو واقع به، ~~لأن ذلك أعظم في الترهيب عن النكث لما جبل الإنسان عليه من النفرة عن ضر ~~نفسه وبعده عنه، وذكر الأجر للموفي لأنه أعظم في الترغيب، وسبب بيعة ~~الرضوان هذه # " أن النبي صلى الله عليه وسلم لما فهم من بروك ناقته في الحديبية ~~الإشارة من الله سبحانه وتعالى إلى أنه لم يأذن في دخولهم البلد الحرام ~~في هذه السفرة، فمشى مع إرادته سبحانه وتعالى لأنه ليس فيها مخالفة لما ~~أمر به سبحانه إلى أن وقع الصلح الذي كان الفتح هو بعينه، وكان في غضون ~~ذلك أن أرسل عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه إلى مكة المشرفة ليخبر ~~قريشا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجئ لقتال وأنه لا يريد إلا ~~الاعتمار، فأرجف مرجفون بأنه قد قتل، فعزم النبي صلى الله عليه وسلم على ~~مناجزتهم فبايع الصحابة رضي الله عنهم على أن لا يفروا عنه، فبايع كل من ~~كان معه إلا جد بن قيس، فإنه اختبأ تحت إبط بعيره فلم يبايع، وقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: " كلكم مغفور له إلا صاحب الجمل الأحمر ". ### || [48.11-15] # ولما ذكر سبحانه وتعالى أهل بيعة الرضوان، وأضافهم إلى حضرة الرحمن، ~~تشوف السامع إلى الخبر عمن غاب عن ذلك الجناب، وأبطأ عن حضرة تلك العمرة، ~~فاستؤنف الإخبار عما ينافقون به بقوله تعالى: { سيقول } أي بوعد لا خلف ~~فيه، وأكد أمر نفاقهم تنبيها على جلدهم فيه ووقاصهم به ولطف النبي صلى ~~الله عليه وسلم وشدة رحمته ورفقه وشفقته فقال: { لك } أي لأنهم يعلمون ~~أنك ألطف الخلق عشرة وأعظمهم شفقة على عباد لله، فهم يطمعون في قبولك من ~~فساد عذرهم ما لا يطمعون فيه من غيرك من خلص المؤمنين، ms4602 وغاب عنهم - لما ~~عندهم من غلظ الأكباد أن الكذب بحضرتك في غاية القباحة لأنك أعظم الخلق ~~وأفطنهم، مع ما يأتيك من الأنباء عن علام الغيوب، وحقر أمرهم بسلب العقل ~~عنهم وجعلهم مفعولين لا فاعلين إشارة إلى أنهم طردوا عن هذا المقام، ~~لأنهم أشرار لئام، فقال تعالى { المخلفون } أي الذين - خلفهم الله عنك ~~ولم يرضهم لصحبتك في هذه العمرة، فجعلهم كالشيء التافه الذي يخلفه ~~الإنسان، لأنه لا فائدة فيه فلا يؤبه له ولا يعبأ به، وذلك إنه صلى الله ~~عليه وسلم لما أراد الاعتمار ندب أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين لذلك، ~~وندب من الأعراب الذين حول المدينة الشريفة من كان قد أقر بالإسلام، فلم ~~يرد الله حضورهم لأن إسلامهم لم يكن خالصا فلو حضروا لفسد بهم الحال، ~~وإن حفظ الله بحوله وقوته من الفساد، أعقب ذلك فسادا آخر وهو أن يقال: ~~إنه لم يكف عنهم الأعداء إلا الكثرة، فتخلفوا لما علم الله في تخلفهم من ~~الحكم. # ولما كان قد تخلف بالجسد من خلص الأنصار وغيرهم من كان حاضرا معه صلى ~~الله عليه وسلم بالقلب أخرجهم بقوله: { من الأعراب } أي أهل البادية ~~كذبا وبهتانا جرأة على الله ورسوله { شغلتنا } أي عن إجابتك في هذه ~~العمرة { أموالنا وأهلونا } أي لأنا لو تركناها ضاعت، لأنه لم يكن لنا من ~~يقوم بها وأنت قد نهيت عن إضاعة المال والتفريط في العيال، ثم سببوا عن ~~هذا القول المراد به السوء قولهم: { فاستغفر } أي اطلب المغفرة { لنا } ~~من الله إن كنا أخطأنا أو قصرنا. # ولما كان هذا ربما يغتر به من لا خبرة له، رده تعالى بقوله منبها على ~~أن من صدق مع الله لم يشغله عن شاغل، ومن شغله عنه شيء كان شوما عليه: { ~~يقولون } وعبر بالمضارع إشارة إلى أن هذا ديدن لهم لا ينفكون عنه. ولما ~~صح بعد ذلك إيمان، لم يعبر بالأفواه دأبه، في المنافقين، بل قال: { ~~بألسنتهم } أي في الشغل والاستغفار، وأكد ما أفهمه ذكر اللسان من أنه قول ~~ظاهري نفيا للكلام الحقيقي ms4603 الذي هو النفسي بكل اعتبار بقوله: { ما ليس ~~في قلوبهم } لأنهم لم يكن شغل ولا كانت لهم نية في سؤال الاستغفار. # ولما كان فعلهم هذا من تخلفهم واعتلالهم وسؤالهم الاستغفار ظنا منهم ~~أنهم يدفعون عن أنفسهم بذلك المكروه ويحصلون لها المحبوب وكان كأنه قيل: ~~قد علم كذبهم، فماذا يقال لهم؟ استأنف سبحانه الجواب بقوله: { قل } أي ~~لهؤلاء الأغبياء واعظا لهم مسببا عن مخادعتهم لمن لا يخفى عليه خافية ~~إشارة إلى أن العاقل يقبح عليه أن يقدم على ما هو بحيث تخشى عاقبته: { ~~فمن يملك لكم } أيها المخادعون { من الله } أي الملك الذي لا أمر لأحد ~~معه لأنه لا كفوء له { شيئا } يمنعكم منه { إن أراد بكم } أي خاصة { ~~ضرا } أي نوعا من أنواع الضرر عظيما أو حقيرا، فأهلك الأموال ~~والأهلين وأنتم محتاطون في حفظهما فلا ينفعها حضوركم أو أهلككم أنتم { أو ~~أراد بكم نفعا } بحفظهما به مع غيبتكم فلا يضرها بعدكم عنها، ويحفظكم في ~~أنفسكم، وقد علم من تصنيفه سبحانه حالهم إلى صنفين مع الإبهام أنه يكون ~~لبعضهم الضر لأن منهم من ارتد في زمن الردة، ولبعضهم النفع لأنه ثبت على ~~الإسلام. # ولما كان التقدير قطعا: لا أحد يملك منه سبحانه لهم شيئا من ذلك بل هو ~~قادر على كل ما يريد منه، فعلكم لما عندكم من الجلافة والغباوة والكثافة ~~فعل من يظن أنه لا يقدر عليكم ولا يعلم كثيرا مما تعملون، فيخفى عليه ~~كذبكم، وليس الأمر كما ظننتم فإنه لا يخفى عليه شيء من أعمالكم، بنى عليه ~~ما أرشد إلى تقديره فقال تعالى: { بل كان الله } أي المحيط أزلا وأبدا ~~بكل شيء قدرة علما { بما تعملون } أي الجهلة { خبيرا * } أي يعلم بواطن ~~أموركم هذه وغيرها كما يعلم ظواهرها. # ولما أضرب عن ظنهم أن كذبهم يخفى عليه بأمر عام، وقدمه لأنه أعم نفعا ~~بما فيه من الشمول، أتبعه الإضراب عن مضمون كلامهم فقال: { بل } أي ليس ~~تخلفكم لما أخبرتم به من الاشتغال بالأهل والأموال { ظننتم } وأنتم ~~واقفون مع الظنون الظاهرة، ms4604 ليس لكم نفوذ إلى البواطن، وأشار إلى تأكد ~~ظنهم على زعمهم فقال: { أن لن ينقلب } ولما كان الكلام فيما هو شأن ~~الرسول من الانبعاث والمسير، قال مشيرا إلى أن من أرسل رسولا إلى شيء ~~وهو لا يقدر على نصره ليبلغ ذلك الشيء إلى الغاية التي أرادها منه كان ~~عاجزا عما يريد: { الرسول } وعظم التابعين فقال: { والمؤمنون } معبرا ~~بما يحق لهم من الوصف المفهم للرسوخ وأفهم تأكيد ذلك عندهم بقوله تعالى: ~~{ إلى أهليهم أبدا } أي لما في قلوبكم من عظمة المشركين وحقارة المؤمنين ~~فحملكم ذلك على أن قلتم: ما هم في قريش إلا أكلة رأس. # ولما كان الإنسان قد يظن ما لا يجب، قال مشيرا بالبناء للمفعول إلى أن ~~ما حوته قلوبهم مما ينبغي أن ينزه سبحانه وتعالى عن نسبته إليه وإن كان ~~هو الفاعل له في الحقيقة: { وزين ذلك } أي الأمر القبيح الذي خراب الدنيا ~~{ في قلوبكم } حتى أحببتموه. # ولما علم أن ذلك سوء، صرح به على وجه يعم غيره فقال: { وظننتم } أي بذلك ~~وغيره مما يترتب عليه من إظهار الكفر وما يتفرع منه { ظن السوء } أي الذي ~~لم يدع شيئا مما يكره غاية الكراهة إلا أحاط به. ولما انكشف جميع أمره ~~كشف أثره فقال: { وكنتم } أي بالنظر إلى جمعكم من حيث هو جمع في علمنا ~~قبل ذلك بما جبلناكم عليه وعلى ما كشفه الحال عنه من له بصيرة { قوما } ~~أي مع قوتكم على ما تحاولونه { بورا * } أي في غاية الهلاك والكساد ~~والفساد، وعدم الخير لأنكم جبلتم على ذلك الفساد، فلا انفكاك لهم عنه، ~~وهذا كما مضى بالنظر إلى الجميع من حيث هو جمع لا بالنسبة إلى كل فرد ~~فإنه قد أخلص منهم بعد ذلك كثير، وثبتوا فلم يرتدوا. # ولما كان التقدير: ذلك لأنكم لم تؤمنوا، فمن آمن منكم ومن غيركم وأخلص، ~~أبحناه جنة وحريرا، عطف عليه قوله معمما: { ومن لم يؤمن } منكم ومن ~~غيركم { بالله } أي الذي لا موجود في الحقيقة سواه { ورسوله } أي الذي ~~أرسله لإظهار دينه وهو ms4605 الحقيق بالإضافة إليه، معبرا عنه بالاسم الأعظم، ~~وللزيادة في تعظيمه وتحقير شانئه وتوهية كيد التفت إلى مقام التكلم بمظهر ~~العظمة فقال: { فإنا } أي على ما لنا من العظمة { أعتدنا } له أو لهم ~~هكذا كان الأصل، ولكنه قال معلقا للحكم بالوصف إيذانا بأن من لم يجمع ~~الإيمان بهما فهو كافر، وإن السعير لمن كان كفره راسخا فقال تعالى: { ~~للكافرين } أي الذين لا يجمعون الإيمان بالمرسل والرسول فيكونون بذلك ~~كفارا، ويستمرون على وصف الكفر لأنهم جبلوا عليه { سعيرا * } أي نارا ~~شديدة الإيقاد والتلهب، فهي عظيمة الحر توجب الجنون وإيقاد الباطن بالجوع ~~بحيث لا يشبع صاحبه والانتشار بكل شر، فإن التنكير هنا للتهويل والتعظيم، ~~وهذه الآية مع ما أرشد السياق إلى عطفها عليه ممن يؤمن دالة - وإن كانت ~~في سياق الشرط - على أن أكثرهم يخلص إيمانه بعد ذلك. # ولما انقضى حديث الجنود عامة ثم خاصة من المنتدبين والمخلصين وختم بعذاب ~~الكافرين، وكان المتصرف في الجنود ربما كان بعض خواص الملك، فلا يكون ~~تصرفه فيهم تاما، وكان الملك قد لا يقدر على عذاب من أراد من جنوده، ~~وكان إذا قدر قد لا يقدر على العذاب بكل ما يريده من السعير الموصوف ~~وغيره لعدم عموم ملكه قال تعالى عاطفا على آية الجنود: { ولله } أي ~~الملك الأعظم وحده { ملك السماوات والأرض } أي من الجنود وغيرها، يدبر ~~ذلك كله كيف يشاء لا راد لحكمه ولا معقب. # ولما لم يكن في هؤلاء من عذب بما عذب الأمم الماضية من الريح وغيرها، لم ~~يذكر ما بين الخافقين، وذكر نتيجة التفرد بالملك بما يقتضيه الحال من ~~الترغيب والترهيب: { يغفر لمن يشاء } أي لا اعتراض لأحد عليه بوجه ما { ~~ويعذب من يشاء } أي لأنه لا يجب عليه شيء ولا يكافيه شيء، وليس هو ~~كالملوك الذين لا يتمكنون من مثل ذلك لكثرة الأكفاء المعارضين لهم في ~~الجملة، وعلم من هذا التقسيم المبهم أيضا أن منهم من يرتد فيعذبه، ومنهم ~~من يثبت على الإسلام فيغفر له لأنه لا يعذب بغير ذنب وإن كان ms4606 له أن يفعل ~~ذلك، لأنه لا يسأل عما يفعل وملكه تام، فتصرفه فيه عدل كيفما كان. ولما ~~كان من يفعل الشيء في وقت قد لا يستمر على وصف القدرة عليه قال تعالى: { ~~وكان الله } أي المحيط بصفات الكمال أزلا وأبدا، لم يتجدد له شيء لم ~~يكن. ولما ابتدأ الآية بالمغفرة ترغيبا في التوبة، ختم بذلك لأن المقام ~~له، وزاد الرحمة تشريفا لنبي المرحمة بالترغيب والدلالة على أن رحمته ~~غلبت غضبه فقال: { غفورا } أي لذنوب المسيئين { رحيما * } أي مكرما ~~بعد الستر بما لا تسعه العقول، وقدرته على الإنعام كقدرته على الانتقام. ~~ولما ذم المخلفين بما منه - أي من الذم - أنهم هالكون بعد أن قدم أنه ~~لعنهم، وكان قد وعد سبحانه أهل الحديبية فتح خيبر جبرا لهم بما منعهم من ~~الاستيلاء على مكة المشرفة لما له في ذلك من الحكم البالغة الدقيقة، وختم ~~بأنه نافذ الأمر، وكان ذلك مستلزما لإحاطة العلم، دل على كلا الأمرين ~~بقوله استئنافا، جوابا لمن كأنه قال: هل يغفر للمخلفين حتى يكونوا ~~كأنهم ما تخلفوا؟: { سيقول } أي بوعد لا خلف فيه. # ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم بحيث لا مطمع لأحد فى أن يظفر منه ~~بشيء من خلاف الأمر الله، أسقط ما عبر به في ذكرهم أولا من خطابه وقال: ~~{ المخلفون } أي لمن يطمعون فيه من الصحابة أن يسعى في تمكينهم من المسير ~~في جيشه صلى الله عليه وسلم لخفاء الحكم عليه ونحو ذلك، ولم يقيدهم ~~بالأعراب ليعم كل من كان يتخلف من غيرهم { إذا انطلقتم } بتمكين الله لكم ~~{ إلى مغانم }. # ولما أفهم اللفظ الأخذ، والتعبير بصيغة منتهى الجموع كثرتها، صرح بالأول ~~رفعا للمجاز فقال: { لتأخذوها } أي من خيبر { ذرونا } أي على أي حالة ~~شئتم من الأحوال الدنية { نتبعكم } ولما كان يلزم من تمكينهم من ذلك ~~إخلاف وعد الله بأنها تخص أهل الحديبية، وأنه طرد المنافقين وخيب قصدهم، ~~علل تعالى قولهم بقوله: { يريدون } أي بذهابكم معكم { أن يبدلوا كلام ~~الله } أي المحيط بكل شيء قدرة وعلما في ms4607 الإخبار بلعنهم وإبارتهم، وأن ~~فتح خيبر مختص بأهل الحديبية، لا يشركهم فيه إلا من وافقهم في النية ~~والهجرة، ليتوصلوا بذلك إلى تشكيك أهل الإسلام فيه، والمراد أن فعلهم فعل ~~من يريد ذلك، ولا يبعد أن يكونوا صنفين: منهم من يريد ذلك، ومنهم من لم ~~يرده ولكن فعل من يريده. # ولما كان السامع جديرا بأن يسأل عما يقال لهم، قال مخاطبا لأصدق الخلق ~~عليه الصلاة والسلام: { قل } أي يا حبيب لهم إذا بلغك كلامهم أنت بنفسك، ~~فإن غيرك لا يقوم مقامك في هذا الأمر المهم، قولا مؤكدا: { لن تتبعونا ~~} وإن اجتهدتم في ذلك، وساقه مساق النفي وإن كان المراد به النهي، لأنه ~~مع كونه آكد يكون علما من أعلام النبوة، وهو أزجر وأدل على الاستهانة. # ولما أذن هذا التأكيد أنه من عند من لا يخالف أصلا في مراده، بينه ~~تعالى بقوله: { كذلكم } أي مثل هذا القول البديع الشأن العلي الرتبة { ~~قال الله } أي الذي لا يكون إلا ما يريد وليس هو كالملوك الذين لا قدرة ~~لهم على الغفران لمن شاؤوا والعقاب لمن شاؤوا { من قبل } هذا الوقت، وهو ~~الذي لا يمكن الخلف في قوله، فإنه قضى أن لا يحضر " خيبر " المرادة بهذه ~~الغنائم إلا من حضر الحديبية، وأمر بذلك فكان ما قال بعد اجتهاد بعض ~~المخلفين في إخلافه فإنهم غيرهم الطمع بعد سماعهم قول الله هذا، فطلبوا ~~أن يخرجوا معه صلى الله عليه وسلم فمنعوا فلم يحضرها غيرهم أحد، وذلك أنه ~~صلى الله عليه وسلم رجع من الحديبية في ذي الحجة سنة ست، فأقام إلى أثناء ~~محرم سنة سبع، وخرج بأهل الحديبية إلى خيبر ففتحها الله عليه، وأخذ جميع ~~أموالها من المنقولات والعقارات، وأتى إليه صلى الله عليه وسلم وهو بها ~~بعد فتحها ابن عمه جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه وبعض من معهم من مهاجرة ~~الحبشة، فأشركهم النبي صلى الله عليه وسلم مع أهل الحديبية لأنهم لم ~~يكونوا مخلفين بل كانوا متخلفين لعذر عدم الإدراك. # ولما كانوا منافقين لا ms4608 يعتقدون شيئا من هذه الأقوال، بل يظنون أنها حيل ~~على التوصل إلى المرادات الدنيوية، سبب عن قولهم له ذلك تنبيها على ~~جلافتهم وفساد ظنونهم: { فسيقولون }: ليس الأمر كما ذكر مما ادعى أنه قول ~~الله { بل } إنما ذلكم لأنكم { تحسدوننا } فلا تريدون أن يصل إلينا من ~~مال الغنائم شيء. ولما كان التقدير: وليس الأمر كما زعموا، رتب عليه ~~قوله: { بل كانوا } أي جبلة وطبعا { لا يفقهون } أي لا يفهمون فهم ~~الحاذق الماهر { إلا قليلا * } في أمر دنياهم، ومن ذلك إقرارهم بالإيمان ~~لأجلها، وأما أمور الآخرة فلا يفهمون منها شيئا. ### || [48.16-17] # ولما كان ذلك يوقع في نفس السامع السؤال عن هذا الطرد: هل يستمر؟ أجيب ~~بأنهم سيمتحنون بأمر شاق يحدثه الله للتمييز بين الخلص وغيرهم، فقال ~~مكررا لوصفهم بالتخلف إعلاما بأنهم في الحقيقة ما تخلفوا، بل منعوا ~~طردا لهم وإبعادا معذبا لهم بما خلفهم عن اتباع النبي صلى الله عليه ~~وسلم في هذه العمرة من الخوف من قتال قريش لشدة بأسهم كما أثاب المحبين ~~له صلى الله عليه وسلم بضد ما عزموا عليه من القتال إلى النصر أو الموت ~~من كف أيديهم عنهم بما جعله الله سببا للفتح الأعظم والتفرغ لفتح خيبر ~~وأخذ غنائمها الكثيرة من غير كبير كلفة { قل } يا أعظم الخلف { للمخلفين ~~} وزاد في ذمهم بنسبتهم إلى الجلافة فقال: { من الأعراب } أي أهل غلظ ~~الأكباد، ويجوز أن يكون هذا القيد للاحتراز عن المخلفين من أهل المدينة ~~فيكون إشارة إلى أن الأعراب ينقسمون عند هذا الدعاء إلى مطيع وعاص - كما ~~أشار إليه تقسيمه سبحانه لهم - وأن المخلفين من أهل المدينة لمثل ما اعتل ~~به الأعراب لا مطمع في صلاحهم: { ستدعون } بوعد لا خلف فيه بإخبار محيط ~~العلم والقدرة دعوة محيطة ونفيرا عاما لما أفهمه الإسناد إلى جميعهم من ~~داع صحت إمامته فوجبت طاعته، ودل على بعدهم من أرضهم بقوله تعالى: { إلى ~~قوم }. # ولما أفهم التعبير بذلك أن لهم قوة وشدة على ما يحاولونه، أوضح المعنى ~~بقوله: { أولي بأس } أي شدة في ms4609 الحرب وشجاعة مع مكر ودهاء { شديد }. ولما ~~كان المعنى كأنه قيل: لماذا؟ قال تعالى: { تقاتلونهم } أي بأمر إمامكم { ~~أو يسلمون } أي يدعوكم إليهم ليكون أحد الأمرين المظهرين لأن كلمة الله ~~هي العليا: المقاتلة منكم أو الإسلام منهم، فإن لم يسلموا كان القتال لا ~~غير، وإن أسلموا لم يكن قتال، لأن الإمام لا غرض له إلا إعلاء كلمة الله، ~~ولا يكون شيء غير هذين الأمرين من إبقاء بجزية أو مصالحة أو متاركة إلى ~~مدة، ونحو ذلك، وهذا الداعي هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه والقوم بنو ~~حنيفة وغيرهم من أهل الردة الذين كان الدعاء لهم أول خلافة الصديق رضي ~~الله عنه، وأما قول من قال: إنهم ثقيف، فضعيف، لأن الدعاء لم يكن إليهم ~~إنما كان المقصود بالذات فتح مكة، وكان أمر هوازن وثقيف وغيرهما تبعا له ~~في غزوته، لم يكن بينهم شيء، وأيضا فإن ثقيف لما عسر أمرهم تركهم النبي ~~صلى الله عليه وسلم حتى أسلموا بعد ذلك، وترك أيضا فلال هوازن فلم ~~يتبعهم ولم يؤمر باتباعهم، فظاهر الآية أنه إذا انتشب القتال لم يترك إلا ~~أن حصل الإسلام، والقول بأنهم فارس والروم ضعيف أيضا، فإن كلا منهم ~~تقبل منه الجزية، وتأويله بأنه إسلام لغوي لا داع له مع إمكان الحقيقة، ~~وقد كان ما أشار إليه التقسيم فإنهم لما دعوا إليهم انقسموا إلى مجيب وهم ~~الأكثر، وقد آتاهم الله الأجر الحسن في الدنيا بالغنيمة والذكر الجميل ~~وهو المرجو في الآخرة، ومرتد وهم قليل وقد أذاقهم الله العذاب الأليم في ~~الدنيا بالقتل على أقبح حال، وهو يذيقهم في الآخرة أعظم النكال، وأما ~~قتال غير العرب فأطاع فيه الكل ولم يحصل فيه ما أشير إليه من التقسيم، ~~فتحقق بهذا أنهم أهل الردة - والله الموفق، ولذلك سبب عن دعوة الحق قوله ~~مرددا القول في حالهم مبهما له إشارة إلى أنهم عند الدعاء ينقسمون إلى ~~مقبل ومتول: { فإن تطيعوا } أي توقعوا الطاعة للداعي إلى ذلك، وهو أبو ~~بكر رضي الله عنه { يؤتكم الله } أي ms4610 الذي له الإحاطة والقدرة على الإعطاء ~~والمنع، لا راد لأمره { أجرا حسنا } دنيا وأخرى، جعل الله طاعة أبي بكر ~~رضي الله عنه في هذا الأمر بالخصوص كطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الذي طاعته طاعة الله، جزاء له على خصوصه في مزيد تسليمه لما فعله النبي ~~صلى الله عليه وسلم من الصلح وثباته بما أجاب به عمر رضي الله عنهما بمثل ~~جواب النبي صلى الله عليه وسلم من غير أن يكون حاضرا له كما هو معلوم من ~~السيرة. # ولما كانت مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم ومن يقوم مقامه لا تكون إلا ~~من منازعة في الفطرة الأولى ومعالجة لها، عبر بالتفعل فقال: { وإن تتولوا ~~} عن قبول دعوته عصيانا { كما توليتم } أي عالجتم أنفسكم وكلفتموها ~~التولي بالتخلف عن الرسول صلى الله عليه وسلم { من قبل } أي بعض الأزمان ~~التي تقدمت على هذا الدعاء، وذلك في الحديبية { يعذبكم } أي يخالطكم ~~بعقوبة تزيل العذوبة في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما { عذابا أليما * ~~} لأجل تكرر ذلك منكم. # ولما توعد المتخلفين بتخلفهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم توعدهم ~~في التقاعد عن هذا الإمام القائم بعده بالحق، وكان أهل الأعذار لا يتيسر ~~لهم ما أريد بهذا الدعاء، وكان الدين مبنيا على الحنيفية السمحة، استأنف ~~قوله تعالى مسكنا لما اشتثاره الوعيد من روعهم: { ليس على الأعمى } أي ~~في تخلفه عن الدعاء إلى الخروج مع النبي صلى الله عليه وسلم أو مع غيره ~~من أئمة الدعاء { حرج } أي ميل بثقل الإثم لأجل أن عماه موهن لسعيه وجميع ~~بطشه، ولأجل تأكيد المعنى تسكينا لما ثار من روع المؤمن كرر النافي ~~والحرج في كل جملة مستقلة تأكيدا لهذا الأمر فقال: { ولا على الأعرج } ~~وإن كان نقصه أدنى من نقص العمى { حرج } وجعل كل جملة مستقلة تأكيدا ~~لهذا الحكم. # ولما ذكر هذين الأثرين الخاصين المزيد ضررهما في العاقة عن كمال الجهاد، ~~عم بقوله: { ولا على المريض } أي بأي مرض { حرج } فلم يخرج أهل هذه ~~الأعذار الذين ms4611 لم يمنعهم إلا إعذارهم عن أهل الحديبية، وأطلب الحرج ~~المنفي ليقبل التقدير بالتخلف ولا حاجة لأن حضورهم لا يخلو عن نفع في ~~الجهاد، وذكر هكذا دون أسلوب الاستثناء إيذانا بأنهم لم يدخلوا في ~~الوعيد أصلا حتى يخرجوا منه. # ولما بشر المطيعين لتلك الدعوة وتوعد القاعدين عنها وعذر المعذورين، ~~وكانت إجابة المعذورين جائزة، بل أرفع من قعودهم، ولذلك لم ينف إجابتهم ~~إنما نفى الحرج، قال معمما عاطفا على ما تقديره: فمن تخلف منهم فتخلفه ~~مباح له: { ومن يطع الله } أي المحيط بجميع صفات الكمال المفيض من آثار ~~صفاته على من يشاء ولو كان ضعيفا، المانع منها من يشاء وإن كان قويا { ~~ورسوله } من المعذورين وغيرهم فيما ندبا إليه من أي طاعة كانت إجابته { ~~يدخله } أي الله الملك الأعظم جزاء له { جنات تجري } ونبه على قرب منال ~~الماء بإثبات الجار في قوله: { من تحتها الأنهار } أي ففي أي موضع أردت ~~أجريت نهرا { ومن يتول } أي كائنا من كان من المخاطبين الآن وغيرهم، عن ~~طاعة من الطاعات التي أمرا بها من أي طاعة كانت { يعذبه } أي على توليه ~~في الدارين أو إحداهما { عذابا أليما * } وقراءة أهل المدينة والشام { ~~ندخله ونعذبه } بالنون أظهر في إرادة العظمة لأجل تعظيم النعمة والنقمة. ### || [48.18-21] # ولما وعد المطيع وأوعد العاصي، وكانت النفوس إلى الوعد أشد التفاتا، دل ~~عليه بثواب عظيم منه أمر محسوس يعظم جذبه للنفوس القاصرة عن النفوذ في ~~عالم الغيب، فقال مؤكدا لأن أعظم المراد به المذبذبون، مفتتحا بقد لأن ~~السياق موجب للتوقع لما جرى من السنة الإلهية أنها إذا شوقت إلى شيء دلت ~~عليه بمشهود يقرب الغائب الموعود: { لقد رضي الله } أي الذي له الجلال ~~والجمال { عن المؤمنين } أي الراسخين في الإيمان، أي فعل معهم فعل الراضي ~~بما جعل لهم من الفتح وما قدر له من الثواب، وأفهم ذلك أنه لم يرض عن ~~الكافرين فخذلهم في الدنيا مع ما أعد لهم في الآخرة، فالآيات تقرير لما ~~ذكر من جزاء الفريقين بأمور مشاهدة. # ولما ذكر الرضى، ms4612 ذكر وقته للدلالة على سببه فقال: { إذ } أي حين، وصور ~~حالهم إعلاما بأنها سارة معجبة شديدة الرسوخ في الرضى فقال: { يبايعونك ~~} في عمرة الحديبية لما صد المشركون عن الوصول إلى البيت، فبعثت عثمان ~~رضي الله عنه إليهم ليخبرهم بأنك لم تجىء لقتال وإنما جئت للعمرة، فبلغك ~~أنهم قتلوه فندبت إلى البيعة لمناجزتهم فبايعك كل من كان معك على أن لا ~~يفروا لتناجز بهم القوم؛ وزاد الأمر بيانا وقيده تفضيلا لأهل البيعة ~~بقوله: { تحت الشجرة } واللام للعهد الذهني، وكانت شجرة في الموضع الذي ~~كان النبي صلى الله عليه وسلم نازلا به في الحديبية، ولأجل هذا الرضى ~~سميت بيعة الرضوان، وروى البغوى من طريق الثعلبي عن جابر رضي الله عنه أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة ". # ولما دل على إخلاصهم بما وصفهم، سبب عنه قوله: { فعلم } أي لما له من ~~الإحاطة { ما في قلوبهم } أي من مطابقته لما قالوا بألسنتهم في البيعة، ~~وأن ما حصل لبعضهم من الاضطراب في قبول الصلح والكآبة منه إنما هو لمحبة ~~الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وإيثار ما يريد من إعلاء دينه وإظهاره لا ~~عن شك في الدين، وسبب عن هذا العلم ترغيبا في مثل هذا المحدث عنهم قوله: ~~{ فأنزل السكينة } أي بثبات القلوب وطمأنيتها في كل حالة ترضي الله ~~ورسوله، ودل على عظمها بحيث إنها تغلب الخوف وإن عظم بقوله: { عليهم } ~~فأثر ذلك أنهم لم يخافوا عاقبة القتال لما ندبوا إليه وإن كانوا في كثرة ~~الكفار كالشعرة البيضاء في جنب الثور الأسود، لا أثر الصلح بما يتراءى ~~فيه من الضعف وغيره من مخايل النقص في قلوبهم في ذلك المقام الدحض ~~والمواطن الضنك إلا ريثما رأوا صدق عزيمة الرسول صلى الله عليه وسلم ومضى ~~أمره في ذلك بما يفعل ويقول. # ولما ذكر منه سبحانه وتعالى عليهم بما هو الأصل الذي لا يبنى إلا عليه، ~~أتبعه آثاره فقال: { وأثابهم } أي أعطاهم جزاء لهم على ما وهبهم من ~~الطاعة ms4613 والسكينة فيها جزاء، مقبلا عليهم، يملأ مواضع احتياجهم، هو أهل ~~لأن يقصده الإنسان ويتردد في طلبه لما له من الإقبال والمكنة والشمول { ~~فتحا } بما أوقع سبحانه من الصلح المترتب على تعجيز قريش عن القتال { ~~قريبا * } بترك القتال الموجب بعد راحتهم وقوتهم وجمومهم لاختلاط بعض ~~الناس ببعض فيدخل في الدين من كان مباعدا له لما يرى من محاسنه، فسيكون ~~الفتح الأعظم فتح المكة المشرفة الذي هو سبب لفتح جميع البلاد. # ولما ذكر الفتح ذكر بعض ثمرته فقال: { ومغانم } فنبه بصيغة منتهى الجموع ~~إلى أنها عظيمة، ثم صرح بذلك في قوله: { كثيرة } ولما كان الشيء ربما ~~أطلق على ما هو بالقوة دون الفعل، أزال ذلك بقوله تعالى { يأخذونها } وهي ~~خيبر. ولما كان ذلك مستبعدا لكثرة الكفار وقلة المؤمنين، بين سببه فقال ~~عاطفا على ما تقديره: بعزة الله وحكمته: { وكان الله } أي الذي لا كفوء ~~له { عزيزا } أي يغلب ولا يغلب { حكيما * } يتقن ما يريد فلا ينقض. # ولما قرب ذلك وتأكد وتحرر وتقرر، أقبل سبحانه وتعالى عليهم بالخطاب ~~تأكيدا لمسامعهم فقال مزيلا لكل احتمال يتردد في خواطر المخلفين: { ~~وعدكم الله } أي الملك الأعظم { مغانم } وحقق معناها بقوله: { كثيرة ~~تأخذونها } أي فيما يأتي من بلدان شتى لا تدخل تحت حصر، ثم سبب عن هذا ~~الوعد قوله: { فعجل لكم } أي منها { هذه } أي القضية التي أوقعها بينكم ~~وبين قريش من وضع الحرب عشر سنين، ومن أنكم تأتون في العام المقبل في مثل ~~هذا الشهر معتمرين فإنها سبب ذلك كله، عزاه أبو حيان لابن عباس رضي الله ~~عنهما وهو في غاية الظهور، ويمكن أن يكون المعنى: التي فتحها عليكم من ~~خيبر من سببها وأموالها المنقولات وغيرها { وكف أيدي الناس } أي من أهل ~~خيبر وحلفائهم أسد وغطفان أن يعينوا أهل خيبر أو يغيروا على عيالاتكم بعد ~~ما وهموا بذلك بعد ما كف أيدي قريش ومن دخل في عهدهم بالصلح { عنكم } على ~~ما أنتم فيه من القلة والضعف. # ولما كان التقدير: رحمة لكم على طاعتكم لله ورسوله وجزاء ms4614 لتقوى أيديكم، ~~وتروا أسباب الفتح القريبة بما يدخل من الناس في دينكم عند المخاطبة بسبب ~~الإيمان، عطف عليه قوله: { ولتكون } أي هذه الأسباب من الفتح والإسلام { ~~آية } أي علامة هي في غاية الوضوح { للمؤمنين } أي منكم على دخول المسجد ~~الحرام آمنين في العمرة ثم في الفتح ومنكم ومن غيركم من الراسخين في ~~الإيمان إلى يوم القيامة على جميع ما يخبر الله به على ما وقع التدريب ~~عليه في هذا التدبير الذي دبره لكم من أنه لطيف يوصل إلى الأشياء العظيمة ~~بأضداد أسبابها فيما يرى الناس فلا يرتاع مؤمن لكثرة المخالفين وقوة ~~المنابذين أبدا، فإن سبب كون الله مع العبد هو الاتباع بالإحسان الذي ~~عماده الرسوخ في الإيمان الذي علق الحكم به، فحيث ما وجد عليه وجد المعلق ~~وهو النصر بأسباب جلية أو خفية { ويهديكم } في نحو هذا الأمر الذي دهمكم ~~فأزعجكم بالثبات عند سماع الموعد والوعيد والثقة بمضمونه لأنه قادر حكيم، ~~فهو لا يخلف الميعاد بأن يهديكم { صراطا مستقيما } أي طريقا واسعا ~~واضحا موصلا إلى الكرامة من غير شك، وهذا من أعلام النبوة فإنه لم يزغ ~~أحد من المخاطبين بهذه الآية وهم أهل الحديبية وكأنه والله أعلم لذلك لم ~~يقل: ويهديهم - بالغيب على ما اقتضاه السياق لئلا يغم غيرهم ممن يظهر ~~صدقه في الإيمان ثم يزيغ، ولذا أكثر تفاصيل هذه السورة من أعلام النبوة، ~~فإنه وقع الإخبار به قبل وقوعه. # ولما سرهم سبحانه بما بشرهم به من كون القضية فتحا ومن غنائم خيبر، ~~أتبع ذلك البشارة دالا على أنها لا مطمع لهم في حوزه ولا علاجه لولا ~~معونته فقال: { وأخرى } أي ووعدكم مغانم كثيرة غير هذه وهي - والله أعلم ~~- مغانم هوازن التي لم يحصل قبلها ما يقاربها. ولما كان في علمه سبحانه ~~وتعالى أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم مقرون فيها إلا من لا يمكنه في ~~العادة أن يهزمهم ليحوي الغنائم، فكان ما في علمه تعالى لتحققه كالذي وقع ~~وانقضى، قال تعالى: { لم تقدروا } أي بما علمتم من قراركم { عليها ms4615 } ولما ~~توقع السامع بعد علمه بعجزهم عنها الإخبار عن السبب الموصل إلى أخذها بما ~~تقرر عند من صدق الوعد بها، قال مفتتحا بحرف التوقع: { قد أحاط الله } ~~أي المحيط بكل شيء علما وقدرة { بها } فكانت بمنزلة ما أدير عليه سورة ~~مانع من أن يغلب منها شيء عن حوزتكم أو يقدر غيركم أن يأخذ منها شيئا، ~~ولذلك وللتعميم ختم الآية بقوله: { وكان الله } أي المحيط بجميع صفات ~~الكمال أزلا وأبدا { على كل شيء } منها ومن غيرها { قديرا * } بالغ ~~القدرة لأنه بكل شيء عليم. ### || [48.22-25] # ولما قدم سبحانه أنه كف أيدي الناس عنكم أجمعين، ذكر حكمهم لو وقع قتال، ~~فقال مقررا لقدرته عاطفا على نحو: فلو أراد لمكنكم من الاعتمار، مؤكدا ~~لأجل استبعاد من يستبعد ذلك من الأعراب وغيرهم: { ولو قاتلكم } أي في هذا ~~الوجه { الذين كفروا } أي أوقعوا هذا الوصف من الناس عموما الراسخ فيه ~~ومن دونه، وهم أهل مكة ومن لاقهم، وكانوا قد اجتمعوا وجمعوا الأحابيش ومن ~~أطاعهم وقدموا خالد بن الوليد طليعة لهم إلى كراع الغميم، ولم يكن أسلم ~~بعد { لولوا } أي بغاية جهدهم { الأدبار } منهزمين. # ولما كان عدم نصرهم بعد التولية مستبعدا أيضا لما لهم من كثرة الإمداد ~~وقوة الحمية، قال معبرا بأداة البعد: { ثم } أي بعد طول الزمان وكثرة ~~الأعوان { لا يجدون } في وقت من الأوقات { وليا } أي يفعل معهم فعل ~~القريب من الحياطة والشفقة والحراسة من عظيم ما يحصل من رعب تلك التولية ~~{ ولا نصيرا * }. # ولما كانت هذه عادة جارية قديمة مع أولياء الله تعالى حيثما كانوا من ~~الرسل وأتباعهم، وأن جندنا لهم الغالبون، قال تعالى: { سنة الله } أي سن ~~المحيط بهذا الخلق في هذا الزمان وما بعده كما كان محيطا بالخلق في قديم ~~الدهر، ولذلك قال: { التي قد خلت } أي سنة مؤكدة لا تتغير، وأكد الجار ~~لأجل أن القتال ما وقع الزمان الماضي إلا بعد نزول التوراة فقال: { من ~~قبل } وأما قبل ذلك فإنما كان يحصل الهلاك بأمر من عند الله بغير أيدي ~~المؤمنين { ولن ms4616 تجد } أيها السامع { لسنة الله } الذي لا يخلف قولا لأنه ~~محيط بجميع صفات الكمال { تبديلا * } أي تغيرا من مغير ما، يغيرها بما ~~يكون بدلها. # ولما تقرر أن الكفار مغلوبون وإن قاتلوا، وكان ذلك من خوارق العادات مع ~~كثرتهم دائما وقلة المؤمنين حتى يأتي أمر الله موقعا للعلم القطعي بأنه ~~ما دبره إلا الواحد القهار القادر المختار، عطف عليه عجبا آخر وهو عدم ~~تغير أهل مكة في هذه العمرة للقتال بعد تعاهدهم وتعاقدهم عليه مع ما لهم ~~من قوة العزائم وشدة الشكائم، فقال عاطفا على ما تقديره: هو الذي سن هذه ~~السنة العامة: { وهو الذي كف } أي وحده من غير معين له على ذلك { أيديهم ~~} أي الذين كفروا من أهل مكة وغيرهم، فإن الكل شرع واحد { عنكم وأيديكم } ~~أيها المؤمنون { عنهم }. # ولما كان الكفار لو بسطوا أيديهم مع ما حتمه الله وسنه من تولية الكفار ~~دخلوا مكة قال: { ببطن مكة } أي كائنا كل منكم ومنهم في داخل مكة هم ~~حالا وأنت مآلا، وعن القفال أنه قال: يجوز أن يراد به الحديبية لأنها ~~من الحرم - انتهى. # وعبر بالميم دون الباء كما في آل عمران إشارة إلى أنه فعل هنا ما اقتضاه ~~مدلول هذا الاسم من الجمع والنقض والتنقية، فسبب لهم أسباب الاجتماع ~~والتنقية من الذنوب - بما أشارت إليه آية العمرة حالا وآيات الفتح ~~مآلا، ووفى بما يدل عليه اسمها من الأهل على خلاف القياس. # ولما كان هذا ليس مستغرقا لجميع الزمان الآتي، بل لا بد أن يبسط أيدي ~~المؤمنين بها يوم الفتح، أدخل الجار فقال تعالى: { من بعد أن أظفركم } أي ~~أوجد فوزكم بكل ما طلبتم منهم وجعل لكم الطول والعز { عليهم } وذلك فيما ~~رواه أصحاب. السير قالوا: ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم خراش بن ~~أمية الخزاعي رضي الله عنه فبعثه إلى قريش بمكة وحمله على بعير له فقال ~~له التغلب: ليبلغ أشرافهم عنه ما جاء له فعقروا جمل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وأرادوا قتله، فمنعه الأحابيش فخلوا ms4617 سبيله حتى أتى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وبعثت قريش أربعين رجلا منهم أو خمسين وأمروهم أن ~~يطوفوا بعسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصيبوا لهم من أصحابه أحدا ~~فأخذوا أخذا فأتى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فعفا عنهم وخلى ~~سبيلهم، وقد كانوا رموا في عسكره بالحجارة والنبل، ثم ذكروا إرساله صلى ~~الله عليه وسلم لعثمان رضي الله عنه إلى مكة ثم إرسال قريش لسهيل بن عمرو ~~في الصلح، وروى مسلم في صحيحه عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: لما ~~اصطلحنا واختلط بعضنا ببعض أتيت شجرة فاضطجعت في أصلها فأتاني أربعة من ~~المشركين من أهل مكة، فجعلوا يقعون في النبي صلى الله عليه وسلم ~~فأبغضتهم، فتحولت إلى شجرة أخرى، وعلقوا سلاحهم واضطجعوا، فبينما هم كذلك ~~إذ نادى مناد من أسفل الوادي: يا آل المهاجرين: قتل ابن زنيم، فاخترطت ~~سيفي ثم شددت على أولئك الأربعة وهم رقود فأخذت سلاحهم، فجعلته ضغثا في ~~يدي، ثم قلت والذي كرم وجه محمد صلى الله عليه وسلم! لا يرفع أحد منكم ~~رأسه إلا ضربت الذي فيه عيناه ثم جئت بهم أسوقهم إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وجاء عمي عامر رضي الله عنه برجل من العبلات يقال له مكرز ~~يقوده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على فرس مجفف في سبعين من ~~المشركين، فنظر إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: دعوهم يكن لهم ~~بدء الفجور وثناه، فعفا عنهم فأنزل الله تعالى { وهو الذي كف أيديهم عنكم ~~وأيديكم عنهم } الآية - انتهى. وروى مسلم والنسائي عن أنس بن مالك رضي ~~الله عنه أن ثمانين رجلا من أهل مكة هبطوا على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من قبل التنعيم متسلحين، يريدون غرة النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه رضي الله عنهم، وفي رواية النسائي: قالوا: نأخذ محمدا - صلى ~~الله عليه وسلم وأصحابه، فأخذهم النبي صلى الله عليه وسلم سلما ~~فاستحياهم فأنزل الله عز وجل { وهو الذي كف ms4618 أيديهم عنكم } الآية. # ولما كان هذا ونحوه من عنف أهل مكة وغلظتهم وصلابتهم وشدتهم ورفق النبي ~~صلى الله عليه وسلم ولينه لهم مما أحزن أغلب الصحابة رضي الله تعالى عنهم ~~قال تعالى يسليهم: { وكان الله } أي المحيط بالجلال والإكرام { بما ~~يعملون } أي الكفار - على قراءة أبي عمرو بالغيب، وأنتم - على قراءة ~~الباقين بالخطاب في ذلك الوقت وفيما بعده كما كان قبله { بصيرا * } أي ~~محيط العلم ببواطن ذلك كما هو محيط بظواهره فهو يجريه في هذه الدار التي ~~ربط فيها المسببات بأسبابها على أوثق الأسباب في نصركم وغلبكم لهم ~~وقسركم، وستعلمون ما دبره من دخولكم مكة المشرفة آمنين لا تخافون في عمرة ~~القضاء صلحا ثم في الفتح بجحفل جرار قد نيطت أظفار المنايا بأسنة رماحه، ~~وعادت كؤوس الحمام طوعا لبيض صفاحه، فيؤمن أكثر أهل مكة وغيرهم ممن هو ~~الآن جاهد عليكم، ويصيرون أحب الناس فيكم يقدمون أنفسهم في جهاد الكفار ~~دونكم، فيفتح الله بكم البلاد، ويظهركم - وهو أعظم المحامين عنكم - على ~~سائر العباد. # ولما كان ما مضى من وصفهم على وجه يشمل غيرهم من جميع الكفار، عينهم ~~مبينا لسبب كفهم عنهم مع استحقاقهم في ذلك الوقت للبوار والنكال والدمار ~~فقال: { هم } أي أهل مكة ومن لافهم { الذين كفروا } أي أوغلوا في هذا ~~الوصف بجميع بواطنهم وتمام ظواهرهم { وصدوكم } زيادة على كفرهم في عمرة ~~الحديبية هذه { عن المسجد الحرام } أي مكة، ونفس المسجد الحرام، والكعبة، ~~للإخلال بما أنتم فيه من شعائر الإحرام بالعمرة { والهدي } أي وصدوا ما ~~أهديتموه إلى مكة المشرفة لتذبحوه بها وتفرقوه على الفقراء، ومنه أربعون، ~~وفي رواية: سبعون بدنة، كان أهداها النبي صلى الله عليه وسلم { معكوفا } ~~أي حال كونه مجموعا محبوسا مع رعيكم له وإصلاحه لما أهدى لأجله { أن ~~يبلغ محله } أي الموضع الذي هو أولى المواضع لنحره، وهو الذي إذا أطلق ~~انصرف الذهن إليه، وهو في العمرة المروة، ويجوز الذبح في الحج والعمرة في ~~أي موضع كان من الحرم، فالموضع الذي نحر فيه النبي صلى الله عليه ms4619 وسلم في ~~هذه المرة عند الإحصار ليس محله المطلق. # ولما كان التقدير: فلولا ما أشار إليه من ربط المسببات بأسبابها لسلطكم ~~عليهم فغلبتموهم على المسجد وأتممتم عمرتكم على ما أردتم، ثم عطف عليه ~~أمرا أخص منه فقال: { ولولا رجال } أي مقيمون بين أظهر الكفار بمكة { ~~مؤمنون } أي عريقون في الإيمان فكانوا لذلك أهلا للوصف بالرجولية { ~~ونساء مؤمنات } أي كذلك حبس الكل عن الهجرة العذر لأن الكفار لكثرتهم ~~استضعفوهم فمنعوهم الهجرة، على أن ذلك شامل لمن جبله الله على الخير وعلم ~~منه الإيمان وإن كان في ذلك الوقت مشركا { لم تعلموهم } أي لم يحط علمكم ~~بهم من جميع الوجوه لتميزوهم بأعيانهم عن المشركين لأنهم ليس لهم قوة ~~التمييز زمنهم بأنفسهم وأنتم لا تعرفون أماكنهم لتعاملوهم بما هم له أهل ~~ولا سيما في حال الحرب والطعن والضرب، ثم أبدل من " الرجال والنساء " ~~قوله: { أن تطؤهم } أي تؤذوهم بالقتل أو ما يقاربه من الجراح والضرب ~~والنهب ونحوه من الوطء الذي هو الإيقاع بالحرب منه قوله صلى الله عليه ~~وسلم # " آخر وطأة وطئها الله بوج " # يكون ذلك الأذى منكم لهم على ظن أنهم مشركون أذى الدائس لمدوس وتضغطوهم ~~وتأخذوهم أخذا شديدا بقهر وغلبة تصيرون به لا تردون يد لامس ولا تقدرون ~~على مدافعة { فتصيبكم } أي فيتسبب عن هذا الوطء أن يصيبكم { منهم } أي من ~~جهتهم وبسببهم { معرة } أي مكروه وأذى هو كالحرب في انتشاره وأذاه، وإثم ~~وخيانة بقتال دون إذن خاص، وبعدم الإمعان في البحث، وغرم وكفارة ودية ~~وتأسف وتعيير ممن لا علم له، ثم علق بالوطء المسبب عنه إصابة المعرة ~~إتماما للمعنى قوله: { بغير علم } أي بأنهم من المؤمنين. # ولما دل السياق على أن جواب " لولا " محذوف تقديره: لسلطكم عليهم وما كف ~~أيديكم عنهم، ولكنه علم ذلك، وعلم أنه سيؤمن ناس من المشركين فمن عليكم ~~بأن رفع حرج إصابتهم بغير علم عنكم، وسبب لكم أسباب الفتح الذي كان يتوقع ~~بسبب تسليطكم عليهم بأمر سهل، وكف أيديكم ولم يسلطكم عليه { ليدخل الله } ~~أي الذي ms4620 له جميع صفات الكمال { في رحمته } أي إكرامه وإنعامه { من يشاء } ~~من المشركين بأن يعطفهم إلى الإسلام، ومن المؤمنين بأن يستنقذهم منهم على ~~أرفق وجه، ولما كان ذلك، أنتج قوله تعالى: { لو تزيلوا } أي تفرقوا فزال ~~أحد الفريقين عن الآخر زوالا عظيما بحيث لا يختلط صنف بغيره فيؤمن وطء ~~المؤمنين له بغير علم { لعذبنا } أي بأيديكم بتسليطنا أبو بمجرد أيدنا من ~~غير واسطة { الذين كفروا } أي أوقعوا ستر الإيمان. # ولما كان هذا عاما لجميع من اتصف بالكفر من أهل الأرض، صرح بما دل عليه ~~السياق فقال: { منهم } أي الفريقين وهم الصادون { عذابا أليما * } أي ~~شديد الإيجاع بأيديكم أو من عندنا لنوصلكم إلى قصدكم من الاعتمار والظهر ~~على الكفار، ففيه اعتذار وتدريب على تأدب بعضهم مع بعض، وفي الإشارة إلى ~~بيان سر من أسرار منع الله تعالى لهم من التسليط عليهم حث للعبد على أن ~~لا يتهم الله في قضائه فربما عسر عليه أمرا يظهر له أن السعادة كانت فيه ~~وفي باطنه سم قاتل، فيكون منع الله له منه رحمة في الباطن وإن كان نقمة ~~في الظاهر، فألزم التسليم مع الاجتهاد في الخير والحرص عليه والندم على ~~فواته وإياك والاعتراض، وفي الآية أيضا أن الله تعالى قد يدفع عن الكافر ~~لأجل المؤمن. ### || [48.26-27] # ولما بين شرط استحقاقهم للعذاب، بين وقته، وفيه بيان لعلته، فقال: { إذ ~~} أي حين { جعل الذين كفروا } أي ستروا ما تراءى من الحق في مرأى عقولهم ~~{ في قلوبهم } أي قلوب أنفسهم { الحمية } أي المنع الشديد والأنفة ~~والإباء الذي هو في شدة حره ونفوذه في أشد الأجسام كالسم والنار، ولما ~~كان مثل هذه الحمية قد تكون موجبة للرحمة بأن تكون لله، قال مبينا ~~معظما لجرمها، { حمية الجاهلية } التي مدارها مطلق المنع أي سواء كان ~~بحق أو بباطل، فتمنع من الإذعان للحق، ومبناها التشفي على مقتضى الغضب ~~لغير الله فتوجب تخطي حدود الشرع، ولذلك أنفوا من دخول المسلمين مكة ~~المشرفة لزيارة البيت العتيق الذي الناس فيه سواء، ومن الإقرار بالبسملة، ms4621 ~~فأنتجت لهم هذه الحمية أن تكبروا عن كلمة التقوى وطاشوا وخفوا إلى الشرك ~~الذي هو أبطل الباطل. # ولما كانت هذه الحمية مع الكثرة موجبة ولا بد ذل من تصوب إليه ولا سيما ~~إن كان قليلا، بين دلالة على أن الأمر تابع لمشيئته لا لجاري العادة أنه ~~تأثر عنها ضد ما تقتضيه عادة، فقال مسببا عن هذه الحمية: { فأنزل الله } ~~أي الذي لا يغلبة شيء وهو يغلب كل شيء بسبب حميتهم { سكينته } أي الشيء ~~اللائق إضافته إليه سبحانه من الفهم عن الله والروح الموجب لسكون القلب ~~المؤثر للإقدام على العدو والنصر عليه، إنزالا كائنا { على رسوله } صلى ~~الله عليه وسلم الذي عظمته من عظمته، ففهم عن الله مراده في هذه القضية ~~فجرى على أتم ما يرضيه { وعلى المؤمنين } رضي الله تعالى عنهم العريقين ~~في الإيمان لأنهم أتباع رسوله صلى الله عليه وسلم وأنصار دينه فألزمهم ~~قبول أمره الذي فهمه عن الله وخفي عن أكثرهم حتى فهمتموه صلى الله عليه ~~وسلم عند نزول سورة محمد وحماهم عن همزات الشياطين، ولم يدخلهم ما دخل ~~الكفار من الحمية ليقاتلوا غضبا لأنفسهم فيتعدوا حدود الشرع { وألزمهم } ~~أي المؤمنين إلزام إكرام أو تشريف، لا إلزام إهانة وتعنيف { كلمة التقوى ~~} وهي كل قول أو فعل ناشىء عن التقوى وإعلاء كلمة الإخلاص المتقدم في ~~سورة القتال وهي لا إله إلا الله التي هي أحق الحق، يقتضي التحقق ~~بمدلولها من أنه لا فاعل إلا الله الثبات على كل ما أخبر به رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من التوحيد والبسملة والرسالة مع تغيير الكتابة بكل ~~منهما لأجل الكفار في ذلك المقام الدحض الذي لا يكاد يثبت فيه قدم، ~~وأضافها إلى التقوى التي هي اتخاذ ساتر يقي حر النار فجعلها وصفا لازما ~~لهم غير منفك عنهم لأنها سببها الحامل عليها، ويجمع الحامل على التقوى ~~اعتقاد الوحدانية وهي لا إلا الله فإنها كلمة - كما قال الرازي - أولها ~~نفي الشرك وآخرها تعلق بالإلهية، وهذا من أعلام النبوة، فإن أهل الحديبية ~~الذين ألزموا ms4622 هذه الكلمة ماتوا كلهم على الإسلام { وكانوا } أي جبلة ~~وطبعا. # ولما كان من الكفار من يستحقها في علم الله فيصير مؤمنا، عبر فأفعل ~~التفضيل فقال تعالى: { أحق بها } أي كلمة التقوى من الكفار والأعرب ~~وغيرهم من جميع الخلق، ولمثل هذا التعميم أطلق الأمر بحذف المفضل عليه. ~~ولما كان الأحق بالشيء قد لا يكون أهله من أول الأمر قال تعالى: { وأهلها ~~} أي ولاتها والملازمون لها ملازمة العشير بعشيره والدائنون لها والآلفون ~~لها. ولما كان الحكم بذلك لا يكون إلا لعالم قال عاطفا على ما تقديره: ~~لما علم الله من صلاح قلوبهم وصفائها: { وكان الله } أي المحيط بالكائنات ~~كلها علما وقدرة { بكل شيء } من ذلك وغيره { عليما * } أي محيط العلم ~~الدقيق والجلي، والآية من الاحتباك: ذكر حمية الجاهلية أولا دليلا على ~~ضدها ثانيا، وكلمة التقوى ثانيا دليلا على ضدها أولا، وسره أنه ذكر ~~مجمع الشر أولا ترهيبا منه ومجمع الخير ثانيا ترغيبا فيه. ولما قرر ~~سبحانه وتعالى علمه بالعواقب لإحاطة علمه ووجه أسباب كفه أيدي الفريقين ~~وبين ما فيه من المصالح وما في التسليط من المفاسد من قتل من حكم بإيمانه ~~من المشركين وإصابة من لا يعلم من المؤمنين - وغير ذلك إلى ختم بإحاطة ~~علمه المستلزم لشمول قدرته. أنتج ذلك قوله لمن توقع الإخبار عن الرؤيا ~~التي أقلقهم أمرها وكاد بعضهم أن يزلزله ذكرها على سبيل التأكيد: { لقد ~~}. # ولما كان للنظر إلى الرؤيا اعتباران: أحدهما من جهة الواقع وهو غيب عن ~~الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين: والآخر من جهة الإخبار وهو مع ~~الرؤيا شهادة بالنسبة إليه سبحانه وتعالى، عبر بالصدق والحق فقال تعالى: ~~{ صدق الله } أي الملك الذي لا كفوء له المحيط بجميع صفات الكمال { رسوله ~~} صلى الله عليه وسلم الذي هو أعز الخلائق عنده وهو غني عن الإخبار عما ~~لا يكون أنه يكون، فكيف إذا كان المخبر رسوله { الرؤيا } التي هي من ~~الوحي لأنه سبحانه يرى الواقع ويعلم مطابقتها في أنكم تدخلون المسجد ~~الحرام آمنين يحلق بعض ويقصر آخرون، متلبسا ms4623 خبره ورؤيا رسوله صلى الله ~~عليه وسلم { بالحق } لأن مضمون الخبر إذا وقع فطبق بين الواقع وبينه، ~~وكان الواقع يطابقه لا يخرم شيء منه عن شيء منه، والحاصل أنك إذا نسبتها ~~للواقع طابقته فكان صدقا، وإذا نسبت الواقع إليها طابقها فكانت حقا. # ولما أقسم لأجل التأكيد لمن كان يتزلزل، أجابه بقوله مؤكدا بما يفهم ~~القسم أيضا إشارة إلى عظم الزلزال: { لتدخلن } أي بعد هذا دخولا قد ~~تحتم أمره { المسجد } أي الذي يطاف فيه بالكعبة ولا يكون دخوله إلى بدخول ~~الحرم { الحرام } أي الذي أجاره الله من امتهان الجبابرة ومنعه من كل ~~ظالم. # ولما كان لا يجب عليه سبحانه وتعالى شيء وإن وعد به، أشار إلى ذلك بقوله ~~تأديبا لهم أن يقول منهم بعد ذلك: ألم يقل أننا ندخل البيت ونحو ذلك، ~~ولغيرهم أن يقول: نحن ندخل: { إن شاء الله } أي الذي له الإحاطة بصفات ~~الكمال، حال كونكم { آمنين } لا تخشون إلا الله منقسمين بحسب التحليق ~~والتقصير إلى قسمين { محلقين رءوسكم } ولعله أشار بصيغة التفعيل إلى أن ~~فاعل الحق كثير، وكذا { ومقصرين } غير أن التقديم يفهم أن الأول أكثر. # ولما كان الدخول حال الأمن لا يستلزم الأمن بعده قال تعالى: { لا تخافون ~~} أي لا يتجدد لكم خوف بعد ذلك إلى أن تدخلوا عليهم عام الفتح قاهرين لهم ~~بالنصر. ولما كان من المعلوم أن سبب هذا الإخبار إحاطة العلم، فكان ~~التقدير، هذا أمر حق يوثق غاية الوثوق لأنه إخبار عالم الغيب والشهادة، ~~صدق سبحانه فيه، وما ردكم عنه هذه الكرة على هذا الوجه إلا لأمور دبرها ~~وشؤون أحكمها وقدرها، قال عاطفا على { صدق } مسببا عنه أو معللا: { ~~فعلم } أي بسبب، أو لأنه علم من أسباب الفتح وموانعه وبنائه على الحكمة { ~~ما لم تعلموا } أي أيها الأولياء { فجعل } أي بسب إحاطة علمه { من دون } ~~أي أدنى رتبة من { ذلك } أي الدخول العظيم في هذا العام { فتحا قريبا * ~~} يقويكم به من فتح خيبر ووضع الحرب بين العرب بهذا الصلح، واختلاط بعض ~~الناس بسبب ذلك ms4624 ببعض، الموجب لإسلام بشر كثير تتقوون بهم، فتكون تلك ~~الكثرة والقوة سبب هيبة الكفار المانعة لهم من القتال، فتقل القتلى رفقا ~~بأهل حرم الله تعالى إكراما لهذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم عن ~~إغارة وإصابة من عنده من المسلمين المستضعفين من غير علم. ### || [48.28] # ولما أخبر بهذه الأمور الجليلة الدقيقة المبنية على إحاطة العلم، عللها ~~سبحانه وبين الصدق فيها بقوله تعالى: { هو } أي وحده { الذي أرسل رسوله } ~~أي الذي لا رسول أحق منه بإضافته إليه - صلى الله عليه وسلم { بالهدى } ~~الكامل الذي يقتضي أن يستقيم به أكثر الناس، ولو أنه أخبر بشيء يكون فيه ~~أدنى مقال لم يكن الإرسال بالهدى { ودين الحق } أي الأمر الثابت الكامل ~~في الثبات الذي يطابقه الواقع { ليظهره } أي دينه { على الدين كله } دين ~~أهل مكة والعرب عباد الأصنام، الذي يقتضي إظهاره عليه دخوله إليه آمنا، ~~وإظهاره على من سواهم من أهل الأديان الباطلة بأيدي صحابته الأبرار ~~والتابعين لهم بإحسان إظهارا يتكامل بنزول عيسى عليه الصلاة والسلام مع ~~الرفق بالخلق والرحمة لهم، فلا يقتل إلا من لا صلاح له أصلا، وعلى قدر ~~الجبروت يحصل القهر، فلأجل ذلك هو يدبر أمره بمثل هذه الأمور التي توجب ~~نصره وتعلي قدره مع الرفق بقومه وجميل الصنع لأتباعه، فلا بد أن تروا من ~~فتوح أكثر البلاد وقهر الملوك الشداد ما تعرفون به قدرة الله سبحانه ~~وتعالى. # ولما كان في سياق إحاطة العلم، وكان التقدير: شهد ربه سبحانه بتصديقه في ~~كل ما قاله بإظهار المعجزات على يده، بنى عليه قوله تعالى { وكفى بالله } ~~أي الذي له الإحاطة بجميع صفات الكمال { شهيدا * } أي ذا رؤية وخبرة ~~بطية كل شيء ودخلته لما له الغنى في أمره، ولا شهيد في الحقيقة إلا هو ~~سبحانه لأنه لا إحاطة وخبرة ورقبة إلا له سبحانه، وهو يشهد بكل ما أخبر ~~به رسوله صلى الله عليه وسلم في هذه الصورة خصوصا وفي غيرها عموما. ### || [48.29] # ولما ختم سبحانه بإحاطة العلم بالخفايا والظواهر في الإخبار بالرسالة، ~~عينها في ms4625 قوله جوابا لمن يقول: من الرسول المنوه باسمه: { محمد رسول ~~الله } أي الملك الذي لا كفوء له، فهو الرسول الذي لا رسول يساويه لأنه ~~رسول إلى جميع الخلق ممن أدرك زمانه بالفعل في الدنيا ومن تقدمه بالقوة ~~فيها وبالفعل في الآخرة يوم يكون الكل تحت لوائه، وقد أخذ على الأنبياء ~~كلهم الميثاق بأن يؤمنوا به إن أدركوه، وأخذ ذلك الأنبياء على أممهم، لا ~~يكتب الرحمة التي وسعت كل شيء إلا لمن وقع العلم بالمحيط بإنه يؤمن به، ~~فما عمل عامل عملا صالحا إلا كان له مثل أجره، تقدم ذلك العامل أو ~~تأخر، كان من أهل السماء أو من أهل الأرض، وهذا أمر لا يحصيه إلا الله ~~سبحانه وتعالى، وأشار بذلك إلى هذا الاسم بخصوصه في سورة محمد إلى أنه ~~صلى الله عليه وسلم هو الخاتم - بما أشارت إليه الميم التي مخرجها ختام ~~المخارج، وهي محيطة بما أشارة إليه صورته، وكررت في الاسم بعده غاية ~~التأكيد، وهو ثلاث - كما أشار إليه اسمه: أحمد - إلى أنه مع كونه خاتما ~~فهو فاتح بما أشار إليه قوله صلى الله عليه وسلم # " كنت أولهم خلقا وآخرهم بعثا " # واختصت به سورة الصف ليعادل ذلك بتصريح المبشر به عليه الصلاة والسلام ~~بالبعدية في قوله # برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد # [الصف: 6] وأشارت الميم أوله أيضا إلى بعثه عند الأربعين، وما بقي من ~~حروفه وهي حمد يفيد له كمال الحمد بالفعل في السنة الثانية والخمسين من ~~عمره وهي الثانية عشرة من نبوته ببيعة الأنصار رضي الله عنهم، وقد أشارت ~~هذه السورة إلى كلمة الإخلاص تلويحا مما ذكرت من كلمة الرسالة تصريحا ~~وبطنت سطوة الإلهية وظهرت الرحمة المحمدية - كما أشارت القتال إلى ~~الرسالة تلويحا وصرحت بسطوة الإلهية بكلمة الإخلاص والناشئة عن القتال ~~تصريحا، وقد تقدم في القتال نبذة من أسرار الكلمتين. ولما ذكر الرسول ~~ذكر المرسل إليهم فقال تعالى: { والذين معه } أي بمعية الصحبة من أصحابه ~~وحسن التبعية من التابعين لهم بإحسان: ولما كان شرف القوم شرفا لرئيسهم، ~~مدحهم ms4626 بما يشمله فقال تعالى: { أشداء على الكفار } فهم لا تأخذهم بهم ~~رأفة بل هم معهم كالأسد على فريسته، لأن الله أمرهم بالغلظة عليهم { ~~رحماء بينهم } كالوالد مع الولد، لأن الله تعالى أمرهم باللين للمؤمنين، ~~ولا مؤمن في زمانهم إلا من كان من أهل دينهم، فهو يحبهم ويحبونه بشهادة ~~آية المائدة. # ولما كان هذا بخلاف ما وصفت به الأمم الماضية من أنهم ما اختلفوا إلا من ~~بعدما جاءهم العلم بغيا بينهم، فكان عجبا، بين الحامل عليه بقوله: { ~~تراهم } أي أيها الناظر لهم { ركعا سجدا } أي دائمي الخضوع فأكثر ~~أوقاتهم صلاة قد غلبت صفة الملائكة على صفاتهم الحيوانية، فكانت الصلاة ~~آمرة لهم بالخير مصفية عن كل نقص وضير. # ولما كانت الصلاة مما يدخله الرياء، بين إخلاصهم بقوله: { يبتغون } أي ~~يطلبون بذلك وغيره من جميع أحوالهم بغاية جهدهم وتغليبا لعقولهم على ~~شهواتهم وحظوظهم { فضلا } أي زيادة في الخير { من الله } أي الذي له ~~الإحاطة بصفات الكمال والجمال الذي أعطاهم ملكة الغلظة على الكفار بما ~~وهبهم من جلاله والرقة على أوليائه بما أعطاهم من رحمته التي هيأهم بها ~~للإحسان إلى عياله فنزعوا الهوى من صدورهم فصاروا يرونه وحده سيدهم ~~المحسن إليهم لا يرون سيدا غيره، ولا محسن سواه. ولما ذكر عبادتهم ~~وطلبهم الزيادة منها ومن غيرها من فضل الله الذي لا يوصل إلى عبادته إلا ~~بمعونته، أتبعه المطلوب الأعلى فقال: { ورضوانا } أي رضاء منه عظيما. # ولما ذكر كثرة عبادتهم إخلاصهم فيها اهتماما به لأنه لا يقبل عملا ~~بدونه، دل على كثرتها بقوله: { سيماهم } أي علامتهم التي لا تفارقهم { في ~~وجوههم } ثم بين العلامة بقوله: { من أثر السجود } فهي نور يوم القيامة - ~~رواه الطبراني عن أبي بن كعب رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم - ~~هذا مع ما لهم من مثل ذلك في الدنيا من أثر الخشوع والهيبة بحيث إنه إذا ~~رئي أحدهم أورث لرائيه ذكر الله، وإذا قرأ أورثت قراءته حزنا وخشوعا ~~وإخباتا وخضوعا، وإن كان رث الحال رديء الهيئة، ولا يظن أن ms4627 من السيما ~~ما يصنعه بعض المرائين من هيئة أثر سجود في جبهته، فإذا ذلك من سيما ~~الخوارج، وفي نهاية ابن الأثير في تفسير الثفن: ومنه حديث أبي الدرداء ~~رضي الله عنه: رأى رجلا بين عينيه مثل ثفنة العنز، فقال: لو لم يكن هذا ~~لكان خيرا - يعني كان على جبهته أثر السجود، وإنما كرهها خوفا من ~~الرياء بها، وقد روى صاحب الفردوس عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: # " إني لأبغض الرجل وأكرهه إذا رأيت بين عينيه أثر السجود ". # ولما أتم وصفهم بهذا الأمر الذي لا يقدر عليه أحد إلا من صفاه الله من ~~جميع حظوظه وشهواته، أشار إلى علوه فقال: { ذلك } أي هذا الوصف العالي ~~جدا البديع المثال البعيد المنال { مثلهم في التوراة } فإنه قال فيها: ~~أتانا ربنا من سببنا وشرق لنا من جبل ساعير، وظهر لنا من جبل فاران، معه ~~ربوات الأطهار على يمينه، أعطاهم وحببهم إلى الشعوب وبارك على جميع ~~أطهاره وهم يتبعون آثارك. فظهوره من فاران صريح في نبوة محمد صلى الله ~~عليه وسلم فإنه لم يأت منها - وهي جبال مكة باتفاقهم - بعد نزول التوراة ~~بالنبوة غيره صلى الله عليه وسلم، وربوات الأطهار إشارة إلى كثرة أمته، ~~وأنهم في الطهارة كالملائكة، وأيد ذلك جعلهم من أهل اليمين، ووصفهم ~~بالتحبيب إلى الشعوب، فكل ذلك دال على ما وصفوا به منا من شهادة الوجود - ~~هذا مع ما وجدته في التوراة بعد تبديلهم لما بدلوا منها وإخفائهم كما قال ~~الله تعالى لكثير، وروى أصحاب فتوح البلاد في فتح بيت المقدس عن كعب ~~الأحبار أن سبب إسلامه أن أباه كان أخبره أنه ذخر عنه ورقتين جعلهما في ~~كوة وطين عليهما، وأمره أن يعمل بهما بعد موته، قال: فلما مات فتحت عنهما ~~فإذا فيهما: محمد رسول الله صلى الله خاتم النبيين لا نبي بعده مولده ~~بمكة ومهاجرة بطيبة ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق، ولا يجزي ~~السيئة بالسيئة، ولكن يجزي بالسيئة الحسنة ويعفو ويغفر ms4628 ويصفح، وإن أمته ~~الحمادون الذين يحمدون الله على كل شيء وعلى كل حال، ويذلل ألسنتهم ~~بالتكبير، وينصر الله نبيهم على كل من ناواه، يغسلون فروجهم بالماء، ~~ويؤثرون على أواسطهم، وأناجيلهم في صدورهم، يأكلون قربانهم في بطونهم ~~ويؤجرون عليها، تراحمهم بينهم تراحم بين الأم والأب، وهم أول من يدخل ~~الجنة يوم القيامة من الأمم، هم السابقون المقربون والشافعون والمشفع ~~لهم. # وأصله في الصحيح عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما وفي الدارمي عن كعب ~~هذا، ولأصحاب الفتوح عن سمرة بن حوشب عن كعب قال: قلت لعمر رضي الله عنه ~~وهو بالشام عند انصرافه: يا أمير المؤمنين! إنه مكتوب في كتاب الله " إن ~~هذه البلاد التي كان فيها بنو إسرائيل وكانوا أهلها مفتوحة على رجل من ~~الصالحين، رحيم بالمؤمنين شديد على الكافرين، سره مثل علانيته، وعلانيته ~~مثل سره، وقوله لا يخالف فعله، والقريب والبعيد عنده في الحق سواء، ~~أتباعه رهبان بالليل أسد بالنهار، متراحمون متباذلون " فقال عمر: ثكلتك ~~أمك أحق ما تقول؟ قلت: أي والذي أنزل التوراة على موسى والذي يسمع ما ~~نقول! إنه لحق، فقال عمر: فالحمد لله الذي أعزنا وشرفنا وأكرمنا ورحمنا ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم ورحمته التي وسعت كل شيء - هذا على أن المراد ~~بالمثل الوصف، ويمكن أن يكون على حقيقته، ويكون الذي في التوراة ما ~~ترجمته " هم على أعدائهم كقرن الحديد وفيما بينهم في النفع والتواصل ~~كالماء والصعيد، ولربهم كخامة الزرع مع الريح والصديق النصيح، وفي ~~الإقبال على الآخرة كالمسافر الشاحب والباكي الناحب " فعبر عنه في كتابنا ~~بما ذكر. # ولما ذكر مثلهم في الكتاب الأول، أتبعه الكتاب الثاني الذي هو ناسخ ~~ليعلم أنه قد أخذ على كل ناسخ لشريعته أن يصفهم لأمته ليتبعوهم إذا دعوهم ~~فقال: { ومثلهم في الإنجيل } أي الذي نسخ الله به بعض أحكام التوراة { ~~كزرع } أي مثل زرع { أخرج شطأه } أي فراخه وورقه وما خرج حول أصوله، فكان ~~ذلك كله مثله. # ولما ذكر هذا الإخراج سبب عنه قوله { فآزره } أي فأحاط به الشطأ، ms4629 فقواه ~~وطهره من غير نبتة نبتت عنه فتضعفه وساواه وحاذاه وعاونه، ويظهر أن قراءة ~~الهمزة بالمد على المفاعلة أبلغ من قراءة ابن عامر بالقصر، لأن الفعل إذا ~~كان بين اثنين يتجاذبانه كان الاجتهاد فيه أكثر، ثم سبب عن المؤازرة ~~قوله: { فاستغلظ } أي فطلب المذكور من الزرع والشطأ الغلظ وأوجده فتسبب ~~عن ذلك اعتداله { فاستوى } أي وجد فيه القيام العدل وجودا عظيما كأنه ~~كان بغاية الاجتهاد والمعالجة { على سوقه } أي قصبه، جمع ساق، وهو ما قام ~~عليه الشيء، حال كون هذا المذكور من الزرع والشطأ { يعجب الزراع } ويجوز ~~كونه استنئافا للتعجب منه والمبالغة في مدحه وإظهار السرور في أمره، ~~وإذا أعجبهم وهم في غاية العناية بأمره والتفقد لحاله والملابسة له ~~ومعرفة معانيه كان لغيرهم أشد إعجابا، ومثل لأنهم يكونون قليلين ثم ~~يكثرون مع البهجة في عين الناظر لما لهم من الرونق الذي منشؤه نور ~~الإيمان وثبات الطمأنينة والإيقان وشدة الموافقة من بعضهم لبعض، ونفي ~~المخالف لهم وإبعاده، وقد تقدم في هذا الكتاب في آخر المائدة أمثال ضربت ~~في الإنجيل بالزرع أقربها إلى هذا مثل حبة الخردل فراجعه. # ولما أنهى سبحانه مثلهم، ذكر الثمرة في جعلهم كذلك فقال: { ليغيظ } ~~معلقا له بما يؤخذ من معنى الكلام وهو جعلهم كذلك لأجل أن يغيظ { بهم } ~~أي غيظا شديدا بالغ القوة والإحكام { الكفار } وذلك أنهم لما كانوا أول ~~الأمر قليلا، كان الكفار طامعين في أن لا يتم لهم أمر، فكلما ازدادوا ~~كثرة مع تمادي الزمان زاد غيظ الكفار منهم، فكيف إذا رأوا مع الزيادة ~~والقوة منهم حسنا ونضارة ورونقا وبهجة، فهو في الغيظ مما لو كانوا في ~~أول الأمر كثيرا لأنه كان يكون دفعه ويقصر زمنه، فمن أبغض صحابيا خيف ~~عليه الكفر لأنهم أول مراد بالآية، وغيرهم بالقصد الثاني وبالتبع، ومن ~~أبغضهم كلهم كان كافرا، وإذا حملناه على غيرهم كان دليلا على أن كل من ~~خالف الإجماع كفر - قاله القشيري. # ولما ثم مثلهم وعلة جعلهم كذلك، بشرهم فقال في موضع وعدهم لتعليق الوعد ~~بالوصف على ms4630 عادة القرآن ترغيبا في التمسك به وترهيبا من مجانبته: { وعد ~~الله } أي الملك الأعظلم { الذين آمنوا } ولما كان الكلام في الذين معه ~~صلى الله عليه وسلم، وكانت المعية ظاهرة في الاتحاد في الدين لم تكن ~~شاملة للمنافقين، فلم يكن الاهتمام بالتقييد بمنهم هنا كالاهتمام به في ~~سورة النور، فأخره وقدم العمل لأن العناية به هنا أكثر، لأنه من سيماهم ~~المذكورة فقال: { وعملوا } أي تصديقا لدعواهم الكون معه في الدين { ~~الصالحات } ولما كان قوله " معه " يعم كما مضى من بعد الصحابة رضي الله ~~تعالى عنهم، وكان الخلل فيمن بعدهم كثيرا، قيد بقوله: { منهم } أي من ~~الذين معه صلى الله عليه وسلم سواء كانوا من أصل الزرع أو فراخه التي ~~أخرجها وهم التابعون لهم بإحسان. # ولما كان الإنسان وإن اجتهد مقصرا عن بلوغ ما يحق له من العبادة، أشار ~~إلى ذلك بقوله: { مغفرة } أي لما يقع منهم من الهفوات أو الذنوب والسيئات ~~{ وأجرا عظيما * } بعد ذلك الستر، وقد جمعت هذه الآية الخاتمة لهذه ~~السورة جميع حروف المعجم بشارة تلويحية مع ما فيها من البشائر التصريحية ~~باجتماع أمرهم وعلو نصرهم، وذلك أنه لما كانت هذه العمرة قد حصل لهم فيها ~~كسر لرجوعهم قبل وصولهم إلى قصدهم من الدخول إلى مكة المشرفة والطواف ~~بالبيت العتيق، ولم يكن ذلك بسبب خلل أتى من قبلهم كما كان في غزوة أحد ~~على ما مضى من بيانه في آل عمران التي هي سورة التوحيد الذي كلمته كلمة ~~التقوى عند الآية الثانية لهذه، بشرهم سبحانه بما في هذه السورة من ~~البشائر الظاهرة تصريحا وبما في هذه الآية الخاتمة من جمعها لجميع حروف ~~المعجم تلويحا إلى أن أمرهم لا بد من تمامه، واشتداد سلكه وانبرامه، ~~واتساق شأنه وانتظامه، وخفوق ألويته وأعلامه، وافتتحها بميم " محمد " وهي ~~مضمومة، وختمها بميم " عظيما " المنصوبة إشارة بما للميم من الختام ~~بمخرجها إلى أن تمام الأمر قد دنا جدا إبانه، وحضر زمانه، وبما في أولها ~~من الضم إلى رفعة دائمة في حمد كثير، وبما في آخرها ms4631 من النصب إلى تمام ~~الفتح وانتشاره، وقربه واشتهاره، على وجه عظيم، وشرف في علو جسيم، وأومأ ~~تدويرها إلى أنه أمر لا انتهاء له، بل كلما ختم ابتدأ، وقد ظهر من هذا ~~وما في صريح الآية من القوة المعزة للمؤمنين المذلة للكافرين رد مقطعها ~~على مطلعها بالفتح للنبي صلى الله عليه وسلم والتسكين العظيم لأصحابه رضي ~~الله عنهم، والرحمة والمغفرة والفوز العظيم لجميع أتباعه وأنصاره وأشياعه ~~رضي الله تعالى عنهم أجمعين، وجعلنا بمنه وكرمه منهم، وهذا آخر القسم ~~الأول من القرآن، وهو المطول، وقد ختم - كما ترى - بسورتين هما في ~~الحقيقة للنبي صلى الله عليه وسلم، وحاصلهما الفتح له بالسيف والنصر على ~~من قاتله ظاهرا كما ختم الثاني المفصل بسورتين هما نصرة له صلى الله ~~عليه وسلم بالحال على من قصده بالضر باطنا - والله الهادي للصواب وإليه ~~المرجع والمآب وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه. ### | [49 - سورة الحجرات] ### || [49.1-3] # ولما نوه سبحانه في القتال بذكر النبي صلى الله عليه وسلم في ابتدائها ~~باسمه الشريق وسمى السورة به، وملأ سورة محمد بتعظيمه، وختمها باسمه، ~~ومدح أتباعه لأجله، افتتح هذه باشتراط الأدب معه في القول والفعل للعد من ~~حزبه والفوز بقربه، ومدار ذلك معالي الأخلاق، وهي إما مع الله سبحانه ~~وتعالى أو مع رسوله صلى الله عليه وسلم أو مع غيرهما وإن كان كل قسم لا ~~يخلو عن لحظة الآخر، وغيرهما إما أن يكون داخلا مع المؤمنين في رتبة ~~الطاعة أو خارجا عنها، وهو الفاسق، والداخل في طاعة المؤمنين السالك ~~لطريقتهم إما أن يكون حاضرا عندهم أو غائبا عنهم، فهذه خمسة أقسام، فصل ~~النداء بسببها خمس مرات، كل مرة لقسم منها، وافتتح بالله لأن الأدب معه ~~هو الأصل الجامع للكل والأس الذي لا يبنى إلا عليه، فقال مناديا ~~للمتسمين بأول أسنان القلوب تنبيها على أن سبب نزولها من أفعالهم لا من ~~أفعال أهل الكمال، فهو هفوة تقال، وما كان ينبغي أن يقال، وليشمل الخطاب ~~المعهود للأدنى - ولو مع النفاق - من فوقه من ms4632 باب الأولى: { يا أيها ~~الذين آمنوا } أي أقروا بالإيمان { لا تقدموا } وحذف المفعول ليعم كل ما ~~يصح تقديمه فيذهب الوهم كل مذهب، ويجوز أن يكون حذفه من قصد إليه أصلا، ~~بل يكون النهي موجها إلى نفس التقدمة أي لا تتلبسوا بهذا الفعل، ويجوز ~~أن يكون من قدم - بالتشديد بمعنى أقدم وتقدم أي شجع نفسه على التقدم، ~~ومنه مقدمة الجيش، وهم متقدموه، وأشار إلى تهجين ما نهوا عنه وتصوير ~~شناعته، وإلى أنهم في القبضة ترهيبا لهم فقال: { بين يدي الله } أي ~~الملك الذي لا يطاق انتقامه. # ولما كان السياق للنهي عن التقديم والتقدم، وكان مقتضى الرسالة إنفاذ ~~الأوامر والنواهي عن الملك من غير أن يكون من المرسل إليهم اعتراض أصلا، ~~وبذلك استحق أن لا يتكلم بحضرته في مهم ولا يفعل مهم إلا بإذنه، لأن ~~العبيد لما لهم من النقص لا استقلال لهم بشيء أصلا، عبر بالرسول دون ~~النبي بعد أن ذكر اسمه تعالى الأعظم زيادة في تصوير التعظيم فقال: { ~~ورسوله } أي الذي عظمته ظاهرة جدا، ولذلك قرن اسمه باسمه وذكره بذكره، ~~فهو تمهيد لما يأتي من تعظيمه، فالتعبير بذلك إشارة إلى أن النفس إذا ~~خليت وفطرتها الأولى، امتلأت بمجرد رؤيته هيبة منه، وإجلالا له، فلا ~~يفعل أحد غير ذلك إلا بتشجيع منه لنفسه وتكليفها ضد ما تدعو إليه الفطرة ~~الأولى القويمة، فالمعنى: لا تكونوا متقدمين في شيء من الأشياء والله ~~يقول الحق ويهدي السبيل، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يبلغ عنه لا ينطق ~~عن الهوى، فعلى الغير الاقتداء والاتباع، لا الابتداء والابتداع، سواء ~~كان النبي صلى الله عليه وسلم غائبا أو حاضرا بموت أو غيره. # فإن آثاره كعينه، فمن بذل الجهد فيها هدي للأصلح، # والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا # [العنكبوت: 69]. # ولما استعار للدلالة على القدرة التعبير باليدين وصور البينة ترهيبا من ~~انتقام القادر إذا خولف، صرح بذلك بقوله تعالى: { واتقوا الله } أي ~~اجعلوا بينكم وبين غضب الملك الأعظم وقاية، فإن التقوى مانعة من أن ~~تضعيوا حقه وتخالفوا أمره وتقدموا على ms4633 شيء لم تعلموا رضاه فيه. # ولما كان سبحانه مع كل بعلمه، وأقرب إليه من نفسه، فكان مع ذلك غيبا ~~محضا لكونه محتجبا برداء الكبر وإزار العظمة والقهر، وكان الإنسان لما ~~غاب عنه نساء، ذكره مرهبا بقوله مستأنفا أو معللا مؤكدا تنبيها على ~~ما في ذلك من الغرابة والعظمة التي يحق للإنسان مجاهدة نفسه لأجلها في ~~الإيمان به والمواظبة على الاستمرار على استحضاره، لأن أفعال العاصي ~~أفعال من ينكره: { إن الله } أي الذي له الإحاطة بصفات الكمال. ولما كان ~~ما يتقدم فيه إما قولا أو فعلا قال: { سميع } أي لأقوالكم أن تقولوها { ~~عليم * } أي بأعمالكم قبل أن تعملوها. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما وصف سبحانه عباده المصطفين صحابه ~~نبيه والمخصوصين بفضيلة مشاهدته وكريم عشرته فقال # محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم # [الفتح: 29] " إلى آخره " ، فأثنى سبحانه عليهم وذكر وصفه تعالى بذلك في ~~التوراة والإنجيل، وهذه خصيصة انفردوا بمزية تكريمها وجرت على واضح قوله ~~تعالى # كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف # [آل عمران: 110] إلى آخره، وشهدت لهم بعظيم المنزلة لديه، ناسب هذا ~~طلبهم بتوفية العشب الإيمانية قولا وعملا ظاهرا وباطنا على أوضح عمل ~~وأخلص نية، وتنزيههم عما وقع من قبلهم في مخاطبات أنبيائهم كقول بني ~~إسرائيل # يا موسى ادع لنا ربك # [الأعراف: 134] إلى ما شهد من هذا الضرب بسوء حالهم فقال تعالى: { يا ~~أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله } الآية و { يا أيها ~~الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول } - ~~إلى قوله - { والله غفور رحيم } فطلبوا بآداب تناسب علي إيمانهم وإن ~~اغتفر بعضه لغيرهم من ليس في درجتهم وقد قيل حسنات الأبرار سيئات ~~المقربين فكأن قد قيل لهم: لا تغفلوا ما منح لكم في التوراة والإنجيل، ~~فإنها درجة لم ينلها غيركم من الأمم فقابلوها بتنزيه أعمالكم عن أن يتوهم ~~في ظواهرها أنها صدرت عن عدم اكتراث في الخطاب، أو سوء قصد في الجواب، ~~وطابقوا بين ظواهركم وبواطنكم ms4634 وليكن علنكم منبئا بسليم سرائركم { إن ~~الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى ~~} ثم عرفوا بسوء حال من عدل به عن هذه الصفة فقال تعالى { إن الذين ~~ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون } ثم أمروا بالتثبت عند نزغة ~~الشيطان، أو تقول ذي بهتان { يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ } ~~الآية، ثم أمرهم بصلاح ذات بينهم والتعاون في ذلك بقتال الباغين العتاة ~~وتحسين العشرة والتزام ما يثمر الحب والتودد الإيماني والتواضع، وأن ~~الخير كله في التقوى { إن أكرمكم عند الله أتقاكم } وكل ذلك محذر لعلي ~~صفاتهم التي وصفوا بها في خاتمة سورة محمد. # ولما ثبت إعظام الرسول صلى الله عليه وسلم بأن لا يفتات عليه بأن يتأهب ~~ما هو وظيفته من التقدم في الأمور وقطع المهمات، فلا يكلم إلا جوابا أو ~~سؤالا في أمر ضروري لا يمكن تأخيره، وكان من يكلمه لذلك ربما رفع صوته ~~رفعا الأولى به غيره مما هو دونه، وكان من جملة أحواله أن يوحى إليه ~~بالأمور العظيمة، وكان رفع الصوت إذ ذاك من المشوشات في حسن التلقي للوحي ~~مع ما فيه من قلة الاحترام والإخلاء بالإجلال والإعظام، قال ذاكرا لثاني ~~الأقسام، وهو ما كان النظر فيه إلى مقامه صلى الله عليه وسلم بالقصد ~~الأول، مستنتجا مما مضى من وصفه بالرسالة الدالة على النبوة، آمرا بحفظ ~~حرمته ومراعاة الأدب في خدمته وصحبته بتبجيله وتفخيمه، وإعزازه وتعظيمه، ~~مكررا لندائهم بما ألزموا أنفسهم به من طاعته بتصديقه واستدعاء لتجديد ~~الاستنصار وتطرية الندب إلى الإنصات وإشارة إلى أن المنادى له أمر يستحق ~~أن يفرد بالنداء ويستقل بالتوصية: { يا أيها الذين آمنوا } مكررا ~~للتعبير بالأدنى من أسنان القلوب للتنبيه على أن فاعل مثل هذه المنهيات ~~والمحتاج فيها إلى التنبيه بالنهي قد فعل من هذا حاله { لا ترفعوا ~~أصواتكم } أي في شيء من الأشياء { فوق صوت النبي } أي الذي يتلقى عن ~~الله، وتلقيه عنه متوقع في كل وقت، وهذا يدل على أن أذى العلماء الذين ms4635 ~~هيأهم الله لتلقي فهم دينه عند شديد جدا، فإن تكدير أوقاتهم يمنعهم عن ~~كثير من ذلك. # ولما بين ما في ذلك لأجل النبوة، بين ما ينبغي في نفسه من المزية فقال: ~~{ ولا تجهروا بالقول } أي إذا كلمتموه سواء كان ذلك بمثل صوته أو أخفض من ~~صوته، فإن ذلك غير مناسب لما يهاب به العظماء، ويوقر الكبراء. ولما شمل ~~هذا كل جهر مخصوص، وهو ما يكون مسقطا للمزية، قال: { كجهر بعضكم لبعض } ~~أي فإنكم إن لم تفعلوا ذلك لم يظهر فرق بين النبي صلى الله عليه وسلم ~~وبين غيره. ولما نهى عن ذلك، بين ضرره فقال مبينا أن من الأعمال ما يحبط ~~ولا يدرى أنه محبط، ليكون العامل كالماشي في طريق خطر لا يزال يتوقى خطره ~~ويديم حذره: { أن } أي النهي لأجل خشية أن { تحبط } أي تفسد فتسقط { ~~أعمالكم } أي التي هي الأعمال بالحقيقة وهي الحسنات كلها { وأنتم لا ~~تشعرون } أي بأنها حبطت، فإن ذلك إذا اجترأ الإنسان عليه استخف به وإذا ~~استخف به واظب عليه، وإذا واظب عليه أوشك أن يستخف بالمخاطب فيكفر وهو لا ~~يشعر. # ولما تقدم سبحانه في الإخلال بشيء من حرمته صلى الله عليه وسلم ونهى عن ~~رفع الصوت والجهر الموصوف، أنتج المخافة عنده على سبيل الإجلال، فبين ما ~~لمن حافظ على ذلك الأدب العظيم، فقال مؤكدا لأن في المنافقين وغيرهم من ~~يكذب بذلك، وتنبيها. على أنه لمحبة الله له ورضاه به أهل لأن يؤكد أمره ~~ويواظب على فعله: { إن الذين يغضون } أي يخفضون ويلينون لما وقع عليهم من ~~السكينة من هيبة حضرته، قال الطبري: وأصل الغض الكف في لين { أصواتهم } ~~تخشعا وتخضعا ورعاية للأدب وتوقيرا. # ولما كان المبلغ ربما أنساه اللغط ورفع الأصوات ما كان يريد أن يبلغه " ~~إنه بينت لي ليلة القدر فخرجت لأخبركم بها فتلاحى رجلان فأنسيتها وعسى أن ~~يكون خيرا لكم " قال: { عند رسول الله } أي الذي من شأنه أن يعلو كلامه ~~على كل كلام، لأنه مبلغ من الملك الأعظم وعبر بعند التي ms4636 للظاهر إشارة إلى ~~أن أهل حضرة الخصوصية لا يقع منهم إلا أكمل الأدب. # ولما ابتدأ ذكرهم مؤكدا تنبيها على عظيم ما ندبوا إليه، زاده إعظاما ~~بالإشارة إليهم بأداة البعد فقال: { أولئك } أي العالو الرتب لما لهم من ~~علو الهمم بالخضوع لمن أرسله مولاهم الذي لا إحسان عندهم إلا منه { الذين ~~امتحن الله } أي فعل المحيط بجميع صفات الكمال فعل المختبر بالمخالطة ~~البليغة بالشدائد على وجه يؤدي إلى المنحة باللين والخلوص من كل درن، ~~والانشراح والاتساع { قلوبهم } فأخلصها { للتقوى } أي الخوف المؤدي إلى ~~استعداد صاحبه بإقامة ما يقيه من كل مكروه، والامتحان: اختبار بليغ يؤدي ~~إلى خبر، فالمعنى أنه طهر قلوبهم ونقاها كما يمتحن الصائغ الذهب والفضة ~~بالإذابة للتنقية والتخليص من كل غش لأجل إظهار ما بطن فيها من التقوى ~~ليصير معلوما للخلق في عالم الشهادة كما كان معلوما له سبحانه في عالم ~~الغيب، وهو خروجهم عن العادات البشرية ومفارقتهم لما توجبه الطبيعة، وهو ~~حقيقة التوحيد، فإن التقوى لا تظهر إلا عند المحن والشدائد بالتكليف ~~وغيرها، ولا تثبت إلا بملازمة الطاعة في المنشط والمكره والخروج عن مثل ~~ذلك. # ولما كان الإنسان وإن اجتهد في الإحسان محلا للنقصان، استأنف الإخبار ~~عن جزائهم بقوله: معربا له من فاء السبب، إشارة إلى أن ذلك بمحض إحسانه: ~~{ لهم مغفرة } أي لهفواتهم وزلاتهم { وأجر عظيم * } أي جزاء لا يمكن وصفه ~~على محاسن ما فعلوه. ### || [49.4-7] # ولما نهى سبحانه عن الإخلال بالأدب، وأمر بالمحافظة على التعظيم، وذكر ~~وصف المطيع، أتبع ذلك على سبيل النتيجة وصف من أخل به، فقال مؤكدا لأجل ~~أن حالهم كان حال من يدع عقلا تاما: { إن الذين ينادونك } أي يجددون ~~نداءك من غير توبة والحال أن نداءهم إياك كائن { من وراء } إثبات هذا ~~الجار يدل على أنه صلى الله عليه وسلم كان داخلها، ولو سقط لم يفد ذلك، ~~بل كان يفيد أن نسبة الأماكن التي وراءها الحجرات كلها بالنسبة إليه ~~وإليهم على حد سواء، وذلك بأن يكون الكل خارجها، والوراء: الجهة التي ~~تواريك ms4637 وتواريها من خلف أو قدام. # ولما كان الرسول صلى الله عليه وسلم من العظمة في نفسه وفي تبليغ رسالات ~~الله في هيئتها بمكان من العظمة بحيث لا يخفى على أحد. فليس لأحد أن ~~يفتات فيها عليه ولا أن يعجله عن شيء، وكان نداؤه لذلك من وراء حجرته ~~واحدة كندائه من وراء كل حجرة جمع فقال: { الحجرات } ولم يضفها إليه ~~إجلالا له، وليشمل كوني في غيرها أيضا، والمعنى: مبتدئين النداء من جهة ~~تكون الحجرات فيها بينك وبينهم فتكون موازية لك منهم ولهم منك، وهي جمع ~~حجرة، وهي ما حوط من قطع الأرض بحائط يمنع ممن يكون خارجه من أذى من يكون ~~داخله بقول أو فعل، فإنه يكون فيما يختص به من الاجتماع بنسائه أو إصلاح ~~شيء من حاله، لا يتهيأ له بحضور الناس فيما يتقاضاه المروءة، وأسند الفعل ~~إلى الجمع وإن كان المنادي بعضهم للرضى به أو السكوت عن النهي. # ولما كان الساكت قد لا يكون راضيا قال: { أكثرهم } أي المنادي والراضي ~~دون الساكت لعذر { لا يعلقون * } لأنهم لم يصبروا، بل فعلوا معه صلى الله ~~عليه وسلم كما يفعل بعضهم مع من يماثله، والعقل يمنع من مثل ذلك لمن اتصف ~~بالرئاسة فكيف إذا كانت رئاسة النبوة والرسالة عن الملك الجبار الواحد ~~القهار. # ولما ذمهم بسوء عملهم، أرشدهم إلى ما يمدحون به من حسنه فقال: { ولو ~~أنهم } أي المنادي والراضي { صبروا } أي حبسوا أنفسهم ومنعوها عن ~~مناداتهم، والصبر حبس النفس عن أن تنازع إلى هواها وهو حبس فيه شدة، وصبر ~~عن كذا - محذوف الفعل لكثرة دوره، أي نفسه { حتى تخرج } من تلقاء نفسك ~~عند فراغ ما أنت فيه مما يهمك من واردات الحق ومصالح الخلق. ولما كان ~~الخروج قد يكون إلى غيرهم من المصالح، فلا يسوغ في الأدب أن يقطع ذاك ~~عليه قال: { إليهم } أي ليس لهم أن يكلموك حتى تفرغ لهم فتقصدهم فإنك لا ~~تفعل شيئا في غير حينه بمقتضى أمر الرسالة { لكان } أي الصبر. # ولما كان العرب أهل معال فهم ms4638 بحيث لا يرضون إلا الأحسن فقال: { خيرا ~~لهم } أي من استعجالهم في إيقاظك وقت الهاجرة وما لو قرعوا الباب ~~بالأظافير كما كان يفعل غيرهم من الصحابة رضي الله عنهم، وهذا على تقدير ~~أن يكون ما ظنوا من أن فيه خيرا فكانوا يعقلون، ففي التعبير بذلك مع ~~الإنصاف بل الإغضاء والإحسان هز لهم إلى المعالي وإرشاد إلى ما يتفاخرون ~~به من المحاسن، قال الرازي: قال أبو عثمان: الأدب عند الأكابر يبلغ ~~بصاحبه إلى الدرجات العلى والخير في الأولى والعقبى - انتهى. وأخيرية صبر ~~في الدين معروفة، وأما في الدنيا فإنهم لو تأدبوا لربهم زادهم النبي صلى ~~الله عليه وسلم في الفضل فأعتق جميع سبيهم وزادهم، والآية في الاحتباك: ~~حذف التعليل بعدم الصبر أولا لما دل عليه ثانيا، والعقل ثانيا لما دل ~~عليه من ذكره أولا. # ولما ذكر التقدير تأديبا لنا وتدريبا على الصفح عن الجاهل وعذره ~~وتعليمه: ولكنهم لم يصبروا وأساؤوا الأدب فكان ذلك شرا لهم والله عليم ~~بما فعلوا حليم حيث لم يعاجلهم بالعقوبة لإساءتهم الأدب على رسوله صلى ~~الله عليه وسلم، عطف عليه استعطافا لهم مع إفهامه الترهيب: { والله } أي ~~المحيط بصفات الكمال { غفور } أي ستور لذنب من تاب من جهله { رحيم * } ~~يعامله معاملة الراحم فيسبغ عليه نعمه. ولما تابوا، أعتبهم الله في ~~غلظتهم على خير خلقه أن جعلهم أغلظ الناس على شر الناس: الدجال، فإن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إنهم أشد الناس عليه ". # ولما أنهى سبحانه ما أراد من النهي عن أذى الرسول صلى الله عليه وسلم في ~~نفسه، وكان من ذلك أذاه في أمته، فإنه عزيز عليه ما عنتوا وكان من آذاه ~~فيهم فاسقا، وكان أعظم الأذى فيهم ما أورث كربا فأثار حربا، وكان ربما ~~اتخذ أهل الأغراض هذه الآداب ذريعة إلى أذى بعض المسلمين فقذفوهم ~~بالإخلال بشيء منها فوقعوا هم فيها فيما قذفوا به غيرهم من الإخلال بحقه ~~والتقيد بولائه ورقه، وكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم من الأخلاق ~~الطاهرة والمعالي الظاهرة ما يؤمن ms4639 معه أن يوقع شيئا في غير محله، أن ~~يأمر بأمر من غير حله - هذا مع ما له من العصمة، قال منبها على ما في ~~القسم الثالث من مكارم الأخلاق من ترك العجز بالاعتماد على أخبار الفسقة، ~~تخاطبا لكل من أقر بالإيمان على طريق الاستنتاج مما مضى، نادبا إلى ~~الاسترشاد بالعقل الذي نفاه عن أهل الآية السالفة، والعفو عن المذنب ~~والرحمة لعباد الله، مناديا بأداة البعد إشارة إلى أن من احتاج إلى ~~التصريح بمثل هذا التنبيه غير مكتف بما أفاده من قواعد الشرع وضع نفسه في ~~محل بعيد، وتنبيها على أن ما في حيزها كلام له خطب عظيم ووقع جسيم: { يا ~~أيها الذين آمنوا } وعبر بالفعل الماضي الذي هو لأدنى أسنان القلوب، وعبر ~~بأداة الشك إيذانا بقلة الفاسق فيهم وقلة مجيئه إليهم بخبر له وقع، ~~فقال: { إن جاءكم } أي في وقت من الأوقات { فاسق } أي خارج من ربقة ~~الديانة أي فاسق كان { بنبأ } أي خبر يعظم خطبه فيؤثر شرا، أي خير كان ~~مما يكون كذلك؟ { فتبينوا } أي عالجوا البيان وهو فصل الخطأ من الصواب، ~~استعمالا لغريزة العقل المنفي عن المنادين واتصافا بالغفران والرحمة ~~ليرحمكم الله ويغفر لكم، وهذه القراءة غاية لقراءة حمزة والكسائي ~~بالمثلثة ثم المثناة الفوقية، والسياق مرشد إلى أن خبر الفاسق كالنمام ~~والساعي بالفساد كما أنه لا يقبل فلذلك لا يرد حتى يمتحن، وإلى أن خبر ~~العدل لا وقفة فيه، وإلا لاستوى مع الفاسق، فالتثبت معلل بالفسق، فإذا ~~انتفى ولم توجد علة أخرى توجب التثبت وجب القبول، والمعلق على شيء بكلمة ~~" إن " عدم عند عدمه، والتبين بأحد شيئين: بمراجعة النبي صلى الله عليه ~~وسلم إن كان حاضرا، وبمراجعة آثاره من كتاب الله وسنته إلى أن تبين ~~الأمر منهما إن كان غائبا، فإنه لا تكون أبدا كائنة إلا وفي الكتاب ~~والسنة المخرج منها. # ولما أمر بالتبين، ذكر علته فقال: { أن } أي لأجل كراهة أن { تصيبوا } ~~أي بأذى { قوما } أي هم مع قوتهم النافعة لأهل الإسلام براء مما نسب ~~إليهم { بجهالة ms4640 } أي مع الجهل بحال استحاقهم ذلك. # ولما كان الإنسان إذا وضع شيئا في غير موضعه جديرا بالندم، سبب عن ذلك ~~قوله: { فتصبحوا } أي فتصيروا، ولكنه عبر بذلك لأن أشنع الندم ما استقبل ~~الإنسان صباحا وقت انتباهه وفراغه وإقباله على لذاته { على ما فعلتم } ~~أي من إصابتهم { نادمين * } أي عريقين في الأسف على ما فات مما يوقع الله ~~في نفوسكم من أمور ترجف القلوب وتخور الطباع، وتلك سنته في كل باطل، فإنه ~~لكونه مزلزلا في نفسه لا ينشأ عنه إلا الزلزال والندم على ما وقع من ~~تمني أنه لم يقع، وهو غم يصحب الإنسان صحبة لها دوام بما تدور مادته عليه ~~مما يرشد إليه مدن ودمن، وهو ينشأ من تضييع أثقال الأسباب التي أمر ~~الإنسان بالسعي فيها كما أشار إليه حديث # " احرص على ما ينفعك ولا تعجز فإن غلبك أمر فقل: قدر الله وما شاء فعل، ~~ولا تقل: لو أني فعلت كذا، فإن " لو " تفتح عمل الشيطان " # والفاسق المذكور في الآية المراد به الجنس، والذي نزل ذلك بسببه هو ~~الوليد بن عقبة، ولم يزل كذلك حتى أن عثمان رضي الله عنه ولاه الكوفة ~~فصلى بالناس وهو سكران صلاة الفجر أربعا ثم قال: هل أزيدكم فعزله عثمان ~~رضي الله عنه. # ولما كان إقدامهم على كثير من الأمور من غير مشاورة لمن أرسله الله رحمة ~~لعباده ليعلمهم ما يأتون وما يذرون عمل من لا يعلم أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قريب منه، وكان الإعراض عنه حيا وعن بذل الجهد في استخراج ~~الأمور من شريعته بعد موته أمرا مفسدا للبين إن لم يعتبر ويتنبه له ~~غاية التنبه، أخبرهم به منزلا لهم منزلة من لا يعلم أنه موجود معه ~~مشيرا بكلمة التنبيه إلى أن من أخل بمراعاة ذلك في عداد الغافلين فقال: ~~{ واعلموا } أي أيها الأمة، وقدم الخبر إيذانا بأن بعضهم باعتراضه أو ~~بإقدامه على ما لا علم له به يعمل علم من لا يعلم مقدار ما خصه الله به ~~من إنعامه عليه ms4641 به صلى الله عليه وسلم، فهو يفيد توبيخ من فعل ذلك: { أن ~~فيكم } أي على وجه الاختصاص لكم ويا له من شرف { رسول الله } أي الملك ~~الأعظم المتصف بالجلال والإكرام على حال هي أنكم تريدونه أن يتبع أذاكم، ~~وذلك أمر شنيع جدا، فإنه لا يليق أن يتحرك إلا بأمر من أرسله، فيجب ~~عليكم الرجوع عن تلك الحالة، فإنك تجهلون أكثر مما تعلمون، ولإرادتهم إن ~~لا يطيعهم في جميع الأمور عبر بالمضارع فقال: { لو يطيعكم } وهو لا يحب ~~عنتكم ولا شيئا يشق عليكم { في كثير من الأمر } أي الذي تريدونه على ~~فعله من أنه يعمل في الحوادث على مقتضى ما يعن لكم وتستصوبونه ليكون فعله ~~معكم فعل المطواع لغيره التابع له، فينقلب حينئذ الحال، ويصير المبتوع ~~تابعا والمطاع طائعا { لعنتم } أي لاءمتم وهلكتم، ومن أراد دائما أن ~~يكون أمر الرسول الله صلى الله عليه وسلم تابعا لأمره فقد زين له ~~الشيطان الكفران، فأولئك هم الغاوون، وسياق " لو " معلم قطعا أن ~~التقدير: ولكنه صلى الله عليه وسلم لا يطيعكم لكراهة لما يشق عليكم لما ~~هو متخلق به من طاعة الله والوقوف عند حدوده والتقيد في جميع الحركات ~~والسكنات بأمره، مع ما له من البصرة في التمييز بين الملبسات والخبرة ~~التامة بالأمور المشتبهات، التي هي سبب هلاك الأغلب لكونها لا يعلمها ~~كثير من الناس، والتقييد بالكثير معلم بأنهم يصيبون وجه الرشاد في كثير ~~من الأمور. # ولما كان التقدير حتما بما هدى إليه السياق: ولو خالفتموه في الأمور ~~التي لا يطيعكم فيها لعنتم، استدرك عنه قوله: { ولكن الله } أي الملك ~~الأعظم الذي يفعل ما يريد { حبب إليكم الإيمان } فلزمتم طاعته وعشقتم ~~متابعته. ولما كان الإنسان قد يحب شيئا وهو يعلم فيه عيبا، فيكون ~~جديرا بأن يتزلزل فيه، نفى ذلك بقوله: { وزينه في قلوبكم } أي فلا شيء ~~عندكم أحسن منه ولا يعادله ولا يقاربه بوجه { وكره إليكم الكفر } وهو ~~تغطية ما أدت إليه الفطرة الأولى والعقول المجردة عن الهوى من الحق ~~بالجحود { والفسوق } وهو المروق ms4642 من ربقة الدين، ولو من غير تغطية بل بغير ~~تأمل { والعصيان } وهو الامتناع من الانقياد عامة فلم تخالفوه، ورأيتم ~~خلافه هلاكا، فصرتم والمنة لله أطوع شيء للرسول صلى الله عليه وسلم، ~~فعلم من هذا أن الله تعالى هو الفاعل وحده لجميع الأفعال من الطاعات ~~والمعاصي والعادات والعبادات، لأنه خالق لكل، ومدحوا لفعل الله بهم لأنهم ~~الفاعلون في الظاهرة فهو واقع موقع: أطعتم الرسول صلى الله عليه وسلم ولم ~~تخالفوه، وإنما وضع فعل الله وهولا يمدحون عليه موضع فعلهم الذي يمدحون ~~عليه للحث على الشكر والإنسلاخ من العجب. # ولما أرشد السياق إلى متابعتهم على هذا الوجه، أنتج قوله مادحا لهم ~~ثانيا الكلام عن خطابهم إلى خطابه صلى الله عليه وسلم ليدل على عظم هذه ~~الأوصاف وبينه بأداة البعد على علو مقام المتصف: { أولئك } أي الذين أعلى ~~الله القادر على كل شيء مقاديرهم { هم } أي خاصة { الراشدون * } أي ~~الكاملون في الرشد وهو الهدى على أحسن سمت وتقدير، وفي تفسير الأصبهاني: ~~الرشد الاستقامة على طريق الحق مع تصلب فيه - انتهى. والذي أنتج الرشاد ~~متابعة الحق، فإن الله تكفل لمن تعمد الخير وجاهد نفسه على البر بإصابة ~~الصواب وإحكام المساعي المنافي للندم، { والذين جاهدوا فينا لنهدينهم ~~سبلنا وإن الله لمع المحسنين } وقد دل السياق على أنهم كانوا في خبر ~~الوليد صنفين: صنف صدقه وأراد غزوة بني المصطلق وأشار به، وصنف توقف، وأن ~~الصنفين سلموا آخر الأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فهدوا، فالآية من ~~الاحتباك وهي شبيهة به: دلت الشرطية في { لو يطيعكم } على الاستدراكية، ~~والاستدراكية في { ولكن الله } على تقدير الشرطية دلالة ظاهرة. ### || [49.8-11] # ولما ذكر التحبيب والتزيين والتكريه وما أنتجه من الرشاد، ذكر علته ~~إعلاما بأنه تعالى لا يحب عليه شيء حثا على الشكر فقال: { فضلا } أي ~~زيادة وتطولا وامتنانا عظيما جسيما ودرجة عالية من الله الملك الأعظم ~~الذي بيده كل شيء { ونعمة } أي وعيشا حسنا ناعما وخفضا ودعة وكرامة. # ولما كان التقدير: فالله منعم بفضل، بيده كل ضر ونفع، عطف ms4643 عليه قوله: { ~~والله } أي المحيط بصفات الكمال { عليم } أي محيط العلم، فهو يعلم أحوال ~~المؤمنين وما بينهم من التفاضل { حكيم * } بالغ الحكمة، فهو يضع الأشياء ~~في أوفق محالها وأتقنها، فلذلك وضع نعمته من الرسالة والإيمان على حسب ~~علمه وحكمته. # ولما كانت النميمة ونقل الأخبار الباطلة الذميمة ربما جرت فتنا وأوصلت ~~إلى القتال، وكان العليم الحكيم لا ينصب سببا إلا ذكر مسببه وأشار إلى ~~دوائه، وكان لا ينهى عن الشيء إلا من كان متهيئا له لما في جبلته من ~~الداعي إليه، فكان قد يواقعه ولو في وقت، قال تعالى معلما لنا طريق ~~الحكمة في دفع ما جرت إليه الأخبار الباطلة من القتال، معبرا بأداة الشك ~~إشارة إلى أن ما في حيزها لا ينبغي أن يقع بينهم، ولا أن يذكروه إلا على ~~سبيل الفرض: { وإن طائفتان } أي جماعتان بالفعل أو القوة جدير كل جماعة ~~منهما بأن يجتمع على ما دهمها من الأمير بحيث تصير من شدة مراعاته ~~كالطائفة حوله والمتحلقة به، بحيث لا يدرى من شدة اجتماعها على ذلك أولها ~~من آخرها { من المؤمنين } أي ممن هو معدود في عداد العريقين في الإيمان ~~سواء كان هو عريقا أو فاعلا ما يطلق عليه به الاسم فقط. # ولما كانت الشناعة والفساد في قتال الجماعة أكثر، عبر بضمير الجمع دون ~~التثنية تصويرا لذلك بأقبح صورة فقال: { اقتتلوا } أي فاختلطوا بسبب ~~القتال حتى كانوا كالفرقة الواحدة { فأصلحوا } أي فأوقعوا الإصلاح ليحصل ~~الصلح. ولما كانت العبرة في الصلح إذا وقع بين الطائفتين ما يسكن به الشر ~~وإن تخلف شذان من الجانبين لا يعبأ بهم، عبر بالتثنية دون الجمع فقال: { ~~بينهما } أي بالوعظ والإرشاد الدنيوي والأخروي، ولا تظنوا أن الباغي غير ~~مؤمن فتتجاوزوا فيه أمر الله. # ولما كان البغي من أشنع الأمور فكان ينبغي أن لم يلم به أحد، عبر بأداة ~~الشك إرشادا إلى ذلك فقال: { فإن بغت } أي أوقعت الإرادة السيئة الكائنة ~~من النفوس التي لا تأمر بخير { إحداهما } أي الطائفتين { على الأخرى } ~~فلم ترجع إلى حكم ms4644 الله الذي خرجت عنه ولم تقبل الحق. ولما كان الإضمار ~~هنا ربما أوهم لبسا فتمسك به متعنت في أمر فساد، أزال بالإظهار كل لبس ~~فقال: { فقاتلوا } أي أوجدوا واطلبوا مقاتلة { التي }. # ولما كان القتال لا يجوز إلا بالاستمرار على البغي، عبر بالمضارع ~~إفهاما لأنه متى زال البغي ولو بالتوبة من غير شوكة حرم القتال فقال: { ~~تبغي } أي توقع الإرادة وتصر عليها، وأديموا القتال لها { حتى تفيء } أي ~~ترجع مما صارت إليه من جر القطيعة الذي كأنه حر الشمس حين نسخه الظل إلى ~~ما كانت فيه من البر والخير الذي هو كالظل الذي ينسخ الشمس، وهو معنى ~~قوله تعالى: { إلى أمر الله } أي التزام ما أمر به الملك الذي لا يهمل ~~الظالم، بل لا بد أن يقاصصه وأمره ما كانت عليه من العدل قبل البغي. ولما ~~كانت مقاتلة الباغي جديرة بترجيعه، أشار إلى ذلك بقوله: { فإن فاءت } أي ~~رجعت إلى ما كانت عليه من التمسك بأمر الله الذي هو العدل { فأصلحوا } أي ~~أوقعوا الإصلاح { بينهما }. # ولما كان الخصام يجر في الغالب من القول والفعل ما يورث للمصلحين إحنة ~~على بعض المتخاصمين، فيحمل ذلك على الميل مع بعض على بعض، قال: { بالعدل ~~} ولا يحملكم القتال على الحقد على المتقاتلين فتحيفوا. ولما كان العدل ~~في مثل ذلك شديدا على النفوس لما تحملت من الضغائن قال تعالى: { وأقسطوا ~~} أي وأزيلوا القسط - بالفتح وهو الجور - بأن تفعلوا القسط بالكسر وهو ~~العدل العظيم الذي لا جور فيه، في ذلك وفي جميع أموركم، ثم علله ترغيبا ~~فيه بقوله مؤكدا تنبيها على أنه من أعظم ما يتمادح به، وردا على من ~~لعله يقول: إنه لا يلزم نفسه الوقوف عنده إلا ضعيف: { إن الله } أي الذي ~~بيده النصر والخذلان { يحب المقسطين * } أي يفعل مع أهل العدل من الإكرام ~~فعل المحب. # ولما أمر بما قد يفضي إلى القتال، وكان الباغي ربما كان أقرب إلى الصلح ~~من جهة النسب من المبغي عليه فروعي، وكان القتال أمرا شاقا ربما حمل ~~على الإحجام ms4645 عن الإصلاح، علل ذلك سبحانه بما قدم فيه قرابة الدين على ~~قرابة النسب، وكشف كشفا تاما عن أنه لا يسوغ له تركه لما يؤدي إليه من ~~تفريق الشمل المؤدي إلى وهن الإسلام وأهله المؤدي إلى ظهور الباطل المؤدي ~~إلى الفساد الأعظم الذي لا تدارك له فقال تعالى: { إنما المؤمنون } أي ~~كلهم وإن تباعدت أنسابهم وأغراضهم وبلادهم { إخوة } لانتسابهم إلى أصل ~~واحد وهو الإيمان، لا بعد بينهم، ولا يفضل أحد منهم على أحد بجهة غير جهة ~~الإيمان. # ولما كانت الأخوة داعية ولا بد إلى الإصلاح، سبب عنها قوله: { فأصلحوا ~~}. # ولما كانت الطائفة قد تطلق على ما هو أصل لأن يطاف حوله كما يطلق على ما ~~فيه أهلية التحليق والطواف، وكان أقل ما يكون ذلك في الأثنين، وأن ~~مخاصمتهما يجر إلى مخاصمة طائفتين بأن يغضب لكل ناس من قبيلته وأصحابه، ~~قال واضعا الظاهر موضع المضمر مبالغة في تقرير الأمر وتأكيده، وإعلاما ~~بأن المراد بالطائفة القوة لا الفعل بحيث يكون ذلك شاملا للاثنين فما ~~فوقهما: { بين أخويكم } أي المختلفين بقتال أو غيره كما تصلحون بين ~~أخويكم من النسب، إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير، بل الأمر كما ~~نقل عن أبي عثمان الحيري أن أخوة الدين أثبت من أخوة النسب، وقرأ يعقوب { ~~إخوتكم } بالجمع، وقراءة الجماعة أبلغ لدلالتها على الاثنين فما فوقهما ~~بالمطابقة { واتقوا الله } أي الملك الأعظم الذين هم عباده في الإصلاح ~~بينهما بالقتال وغيره، لا تفعلوا ما صورته إصلاح وباطنه إفساد، وأشار إلى ~~سهولة الأمور عنده ونفوذ أمره وأن النفوس إنما تشوفها إلى الإكرام لا إلى ~~كونه من معين، فبنى للمفعول قوله تعالى: { لعلكم ترحمون * } أي لتكونوا ~~إذا فعلتم ذلك على رجاء عند أنفسكم ومن ينظركم من أن يكرمكم الذي لا قادر ~~في الحقيقة على الإكرام غيره بأنواع الكرامات كما رحمتم إخوتكم بإكرامهم ~~عن إفساد ذات البين التي هي الحالقة، وقد دلت الآية أن الفسق بغير الكفر ~~لا يخرج عن الإيمان، وعلى أن الإصلاح من أعظم الطاعات، وعلى وجوب نصر ms4646 ~~المظلوم لأن القتال لا يباح بدون الوجوب، قال القشيري: وذلك يدل على عظم ~~وزر الواشي والنمام والمضرب في إفساد ذات البين، وقال: من شرط الأخوة أن ~~لا تحوج أخاك إلى الاستعانة بك والتماس النصرة منك، ولا تقصر في تفقد ~~أحواله بحيث يشكل عليك موضع حاجته فيحتاج إلى مسألتك. # ولما نهى عن الإسراع بالإيقاع بمجرد سماع ما يوجب النزاع، وختم بما ترجى ~~به الرحمة، وكان ربما كان الخبر الذي أمر سبحانه بتبينه صريحا، نهى عن ~~موجبات الشر التي يخبر بها فتكون سببا للضغائن التي يتسبب عنها الشر ~~الذي هو سبب للنقمة رحمة لعباد الله وتوقعا للرحمة منه، فقال على سبيل ~~النتيجة من ذلك ذاكرا ما في القسم الرابع من الآداب والمنافع من وجوب ~~ترك أذى المؤمنين في حضورهم والإزراء بحالهم المذهب لسرورهم الجالب ~~لشرورهم: { يا أيها الذين آمنوا } أي أوقعوا الإقرار بالتصديق { لا يسخر ~~} أي يهزأ ويستذل. # ولما كانت السخرية تكون بحضرة ناس، قال معبرا بما يفهم أن من شارك أو ~~رضي أو سكت وهو قادر فهو ساخر مشارك للقائل: { قوم } أي ناس فيهم قوة ~~المحاولة، وفي التعبير بذلك هز إلى قيام الإنسان على نفسه وكفها عما ~~تريده من النقائص شكرا لما أعطاه الله من القوة: { من قوم } فإن ذلك ~~يوجب الشر لأن أضعف الناس إذا حرك للانتقاص قوي بما يثور عنده من حظ ~~النفس. # ولما كان الذي يقتضيه الرأي الأصيل أنه لا يستذل الإنسان إلا من أمن أن ~~يصير في وقت من الأوقات أقوى منه في الدنيا وفي الآخرة، علل بقوله: { عسى ~~} أي لأنه جدير وخليق لهم { أن يكونوا } أي المستهزأ بهم { خيرا منهم } ~~فينقلب الأمر عليهم ويكون لهم سوء العاقبة، قال ابن مسعود رضي الله عنه: ~~البلاء موكل بالقول ولو سخرت من كلب خشيت أن أحول كلبا؛ وقال القشيري: ~~ما استضعف أحد أحدا إلا سلط عليه، ولا ينبغي أن تعتبر بظاهر أحوال ~~الناس، فإن في الزوايا خبايا، والحق سبحانه يستر أولياءه في حجاب الظنة، ~~كذا في الخبر # " كم من ms4647 أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره ". # ولما كان إطلاق القوم لمن كان فيه أهلية المقاومة وهم الرجال، قال ~~معبرا ما هو من النسوة بفتح النون أن ترك العمل: { ولا نساء من نساء } ~~ثم علل النهي بقوله: { عسى } أي ينبغي أن يخفن من { أن يكن } المسخور بهن ~~{ خيرا منهن } أي الساخرات. # ولما كانت السخرية تتضمن العيب، ولا يصرح فيها، وكان اللمز العيب نفسه، ~~رقي الأمر إليه فقال: { ولا تلمزوا } أي تعيبوا على وجه الخفية { أنفسكم ~~} بأن يعيب بعضكم بعضا بإشارة أو نحوها، فكيف إذا كان على وجه الظهور، ~~فإنكم في التواصل والتراحم كنفس واحدة، أو يعمل الإنسان ما يعاب به، ~~فيكون قد لمز نفسه أو يلمز غيره فيكون لمزه له سببا لأن يبحث عن عيوبة ~~فيلمزه فيكون هو الذي لمز نفسه { ولا تنابزوا } أي ينبز بعضكم بعضا، أي ~~يدعو على وجه التغير والتسفل { بالألقاب } بأن يدعو المرء صاحبه بلقب ~~يسوءه سواء كان هو المخترع له أولا، وأما ألقاب المدح فنعم هي كالصديق ~~والفاروق. # ولما كان الإيمان قيدا لأوابد العصيان، وكان النبز والسخرية قطعا لذلك ~~القيد، علل بما يؤذن فأنه فسق، معبرا بالكلمة الجامعة لجميع المذام ~~تنفيرا من ذلك فقال: { بئس الاسم الفسوق } أي الخروج من ربقة الدين { ~~بعد الإيمان } ترك الجار إيذانا بأن من وقع في ذلك أوشك أن يلازمه ~~فيستغرق زمانه فيه فإن النفس عشاقة للنقائص، ولا سيما ما فيه استعلاء، ~~فمن فعل ذلك فقد رضي لنفسه أو يوسم بالفسق بعد أن كان موصوفا بالإيمان. # ولما كان التقدير: فمن تاب فأولئك هم الراشدون، وكان المقام بالتحذير ~~أليق، عطف عليه قوله: { ومن لم يتب } أي يرجع عما نهى الله عنه، فخفف عن ~~نفسه ما كان شدد عليها { فأولئك } أي البعداء من الله { هم } أي خاصة { ~~الظالمون * } أي العريقون في وضع الأشياء في غير مواضعها. ### || [49.12-14] # ولما كان الإنسان ربما دعا صاحبه بلقب له شيء غير قاصد به عيبه، أو فعل ~~فعلا يتنزل على الهزء غير ms4648 قاصد به الهزء، نهى تعالى عن المبادرة إلى ~~الظن من غير تثبت لأن ذلك من وضع الأشياء في غير مواضعها، الذي هو معنى ~~الظلم فقال خاتما بالقسم الخامس منبها على ما فيه من المعالي والنفائس: ~~{ يا أيها الذين آمنوا } أي اعترفوا بالإيمان وإن كانوا في أول مراتبه { ~~اجتنبوا } أي كلفوا أنفسكم أن تتركوا وتبعدوا وتجعلوا في جانب بعيد عنكم ~~{ كثيرا من الظن } أي في الناس وغيرهم فاحتاطوا في كل ظن ولا تمادوا معه ~~حتى تجزموا به فتقدموا بسببه على ما يقتضيه من الشر إلا بعد التبين لحقه ~~من باطله بأن يظهر عليه أمارة صحيحة وسبب ظاهر، والبحث عن ذلك الذي أوجب ~~الظن ليس بمنهي عنه كما فتش النبي صلى الله عليه وسلم في قصة الإفك ~~وتثبت حتى جاءه الخبر اليقين من الله، وأفهم هذا أن كثيرا منه مجتنب كما ~~في الاجتهاد حيث لا قاطع، وكما في ظن الخير بالله تعالى، بل قد يجب كما ~~قال تعالى: # ولولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا # [النور: 12] وقد أفاد التنكير شياع النهي في كل ظن، فكان بمعنى " بعض " ~~مع الكفالة بأن كثيرا منه منهي عن الإقدام عليه إلا بعد تبين أمره، ولو ~~عرف لأفهم أنه لا يجتنب إلا إذا اتصف بالكثرة، قال القشيري: والنفس لا ~~تصدق، والقلب لا يكذب، والتمييز بين النفس والقلب مشكل، ومن بقيت عليه من ~~حظوظة بقية وإن قلت فليس له أن يدعى بيان القلب، بل هو بنفسه ما دام عليه ~~شيء من بقيته، ويجب عليه أن يتهم نفسه في كل ما يقع له من نقصان غيره، ثم ~~علل ذلك مثيرا إلى أن العاقل من يكف نفسه عن أدنى احتمال من الضرر ~~احتمالا مؤكدا لأن أفعال الناس عند الظنون أفعال من هو جازم بأنه بريء ~~من الإثم: { إن بعض الظن إثم } أي ذنب يوصل صاحبه لاستحقاق العقوبة كالظن ~~في أصول الدين، وحيث يخالفه قاطع، قال الزمخشري رحمه الله تعالى: الهمزة ~~في الإثم عن الواو وكأنه يثم الأعمال أي يكسرها ms4649 بإحباطه. # ولما نهى عن اتباع الظن، أتبعه ما يتفرع عنه فقال: { ولا تجسسوا } أي ~~تمعنوا في البحث عن العورات ولا يكون ذلك إلا في المستورين. # ولما كانت الغيبة أعم من التجسس، قال: { ولا يغتب } أي يتعمد أن يذكر { ~~بعضكم بعضا } في غيبته بما يكره، قال القشيري: وليس تحصل الغيبة من ~~الخلق إلا بالغيبة عن الحق، وقال أبو حيان: قال ابن عباس رضي الله عنهما: ~~الغيبة إدام كلاب الناس. # ولما كان تمزيق عرض الناس كتمزيق أديمهم ولا يكون ذلك ساتر عظمة الذي به ~~قوامه كما أن عرضه ساتر عليه، وكونه لا يرد عن نفسه بسبب غيبته كموته ~~وأعمال الفم والجوف في ذلك كله، وكان هذا لو تأمله العاقل كان منه على ~~غاية النفرة، ولكنه لخفائه لا يخطر بباله، جلاه له في قوله تقريرا ~~وتعبيرا بالحب عما هو في غاية الكراهة لما للمغتاب من الشهوة في الغيبة ~~ليكون التصوير بذلك رادا له عنها ومكرها فيها: { أيحب } وعم بقوله: { ~~أحدكم } وعبر بأن والفعل تصويرا للفعل فقال: { أن يأكل } وزاد في ~~التنفير بجعله في إنسان هو أخ فقال: { لحم أخيه } وأنهى الأمر بقوله: { ~~ميتا }. # ولما كان الجواب قطعا: لا يحب أحد ذلك، أشار إليه بما سبب من قوله: { ~~فكرهتموه } أي بسب ما ذكر طبعا فأولى أن تكرهوا الغيبة المحرمة عقلا، ~~لأن داعي العقل بصير عالم، وداعي الطبع أعمى جاهل، وقد رتب سبحانه هذه ~~الحكم أبدع ترتيب، فأمر سبحانه بالتثبت. وكان ربما أحدث ضغينة، نهى عن ~~العمل بموجبه من السخرية واللمز والنبز والتمادي مع ما ينشره ذلك من ~~الظنون، فإن أبت النفس إلا تماديا مع الظن فلا يصل إلى التجسس والبحث عن ~~المعايب، فإن حصل الاطلاع عليها كف عن ذكرها، وسعى في سترها، وفعل ذلك ~~كله لخوف الله، لا شيء غيره، فإن وقع في شيء من ذلك بادر المتاب رجاء ~~الثواب. # ولما كان التقدير: فاتركوه بسبب كراهتهم لما صورته، عطف عليه ما دل على ~~العلة العظمى وهي خوف الله تعالى فقال: { واتقوا الله } أي اجعلوا ms4650 بينكم ~~وبين الملك الأعظم وقاية بترك ذلك وإصلاح ذات البين. ولما كان التقدير: ~~فإن الله يتوب عليكم إن تركتموه، علله بما دل على أن ذلك صفة له متكررة ~~التعلق فقال: { إن الله } أي الملك الأعظم { تواب } أي مكرر للتوبة، وهي ~~الرجوع عن المعصية إلى ما كان قبلها من معاملة التائب وإن كرر الذنب، فلا ~~ييأس أحد وإن كثرت ذنوبه وعظمت { رحيم * } يزيده على ذلك أن يكرمه غاية ~~الإكرام. # ولما ذكر سبحانه الأخوة الدينية تذكيرا بالعاطف الموجب للإكرام، المانع ~~من الانتقام، ونهى عن أمور يجر إليها الإعجاب بالنفس من جهة التعظيم ~~بالآباء والعراقة في النسب العالي، أسقط ذلك مبينا أن لا نسب إلا ما ~~يثمره الإيمان الي بدأ به من التقوى، وعبر بما يدل على الذبذبة والاضطراب ~~إشارة إلى سفول رتبة من افتخر بالنسب، وإلى أن من لم يتعظ بما مضى فيعلو ~~عن رتبة الذين آمنوا فقد سفل سفولا عظيما: { يا أيها الناس } أي كافة ~~المؤمن وغيره { إنا } على عظمتنا وقدرتنا { خلقناكم } أي أوجدناكم عن ~~العدم على ما أنتم عليه من المقادير في صوركم وما أنتم عليه من التشعب ~~الذي يفوت الحصر، وأخرجنا كل واحد منكم { من ذكر } هو المقصود بالعزم ~~والقوة { وأنثى } هي موضع الضعف والراحة، لا مزية لأحد منكم في ذلك على ~~آخر، ولا فخر في نسب. # ولما كان تفضيلهم إلى فرق لكل منهما تعرف به أمرا باهرا، عبر فيه بنون ~~العظمة فقال: { وجعلناكم } أي بعظمتنا { شعوبا } تتشعب من أصل واحد، جمع ~~شعب بالفتح وهو الطبقة الأولى من الطبقات الست من طبقات النسب التي عليها ~~العرب { وقبائل } تحت الشعوب، وعمائر تحت القبائل، وبطونا تحت العمائر، ~~وأفخاذا تحت البطون، وفصائل تحت الأفخاذ، والعشائر تحت الفصائل، خزيمة ~~شعب، وكنانة قبيلة، وقريش عمارة، وقصي بطن، وعبد مناف فخذ، وهاشم فصيلة، ~~والعباس عشيرة، قال البغوي: وليس بعد العشيرة حي يوصف به - انتهى. واقتصر ~~على الأولين لأنهما أقصى ما يسهل على الآدمي معرفته فما دونه أولى، ثم ~~ذكر علة التشعب ليوقف عندها فقال: { لتعارفوا ms4651 } أي ليعرف الإنسان من ~~يقاربه في النسب ليصل من رحمه ما يحق له، لا لتواصفوا وتفاخروا. # ولما كانت فائدة التفاخر بالتواصف عندهم الإكرام لمن كان أفخر، فكانت ~~الآية السالفة التي ترتبت عليها هذه آمرة بالتقوى كان التقدير: فتتقوا ~~الله في أقاربكم وذوي أرحامكم، فقال مبطلا للتفاخر بالأنساب معللا لما ~~أرشد إلى تقديره السياق مؤكدا لأجل ما عندهم من أن الكرم إنما هو ~~بالنسب: { إن أكرمكم } أيها المتفاخرون { عند الله } أي الملك الذي لا ~~أمر لأحد معه ولا كريم إلا من أكرمكم بكرمه ولا كمال لأحد سواه { أتقاكم ~~} فذلك هو الذكر الذي يصح أصله باقتدائه بأبيه آدم عليه السلام فلم يمل ~~إلى الأنوثة وإن كان أدناكم نسبا ولذلك أكده، وهذا معنى قوله صلى الله ~~عليه وسلم: # " خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا " # أي علموا بأن كانت لهم ملكة الفقه فعملوا بما عملوا كما قال الحسن رحمه ~~الله: إنما الفقيه العامل بعلمه. وقد تقدم أن هذا هو المراد بقوله تعال: # هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون # [الزمر: 9] لما دل عليه سياقها وسباقها، والأتقى لا يفتخر على غيره لأنه ~~لا يعتقد أنه أتقى، قال الرازي في اللوامع: أكرم الكرم التقوى، وهو مجمع ~~الفضائل الإنسانية، وألأم اللؤم الفجور، وذلك أن الكرم اسم للأفعال ~~المحمودة، وهذه الأفعال إنما تكون محمودة إذا كانت عن علم، وقصد بها ~~الله، وهذا هو التقوى، فليس التقوى إلا العلم وتحري الأفعال المحمودة - ~~انتهى. وذلك لأن التقوى تثبت الكمالات وتنفي النقائص فيصير صاحبها بشريا ~~ملكيا. # ولما كان هذا مركوزا في طبائعهم مغروزا في جبلاتهم متوارثا عندهم أن ~~الفخر إنما هو بالأنساب، وأن الكريم إنما هو من طاب أصله، وكان قلع ذلك ~~من نفوسهم فيما أجرى به سبحانه العادة في دار الأسباب يتوقف على تأكيد، ~~أكد سبحانه معللا قوله لإخباره بالأكرم: { إن الله } أي المحيط علما ~~وقدرة { عليم } أي بالغ العلم بالظواهر { خبير * } محيط العلم بالبواطن ~~والسرائر أيضا، روى البغوي بسند من طريق عبد الله بن حميد عن ابن ms4652 عمر ~~رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف يوم الفتح على راحلته ~~ليستلم الأركان بمحجنه، فملا خرج لم يجد مناخا فنزل على أيدي الرجال، ثم ~~قام فخطبهم ثم حمد الله وأثنى عليه وقال: # " الحمد لله الذي أذهب عنكم عبية الجاهلية وتكبرها بآبائها، إنما الناس ~~رجلان: بر تقي كريم على الله، وفاجر شقي هين على الله - ثم تلا " يا ~~أيها الناس " الآية، ثم قال: أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم " # وأخرجه أبو داود والترمذي وحسنة والبيهقي - قال المنذري، بإسناد حسن، ~~واللفظ له - عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~قال: # " إن الله عز وجل أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء، الناس بنو ~~آدم وآدم من تراب، مؤمن تقي وفاجر شقي، لينتهين أقوام يفتخرون برجال إنما ~~هم فحم من فحم جهنم أو ليكونن أهون على الله من الجعلان التي تدفع النتن ~~بأنفها ". # ولما أمر سبحانه بإجلال رسوله صلى الله عليه وسلم وإعظامه، ونهى عن أذاه ~~في نفسه أو في أمته، ونهى عن التفاخر الذي ه وسبب التقاطع والتداحر، وختم ~~بصفتة الخبر، دل عليها بقوله مشيرا إلى أنه لا يعتد بشيء مما أمر به أو ~~نهى عنه إلا مع الإخلاص فقال: { قالت الأعراب } أي أهل البادية من بني ~~أسد وغيرهم الذين هم معدن الغلظة والجفاء الذين تقدم تأديبهم في سورة ~~محمد، وألحق التاء في فعلهم إشارة إلى ضعفهم في العزائم، قال ابن برجان: ~~هم قوم شهدوا شهادة الحق وهم لا يعلمون ما شهدوا به غير أن أنفسهم ليست ~~تنازعهم إلى التكذيب: { آمنا } أي بجميع ما جئت به فامتثلنا ما أمرنا به ~~في هذه السورة ولنا النسب الخالص، فنحن أشرف من غيرنا من أهل المدر. # ولما كان الإيمان التصديق بالقلب فلا اطلاع عليه لآدمي إلا بإطلاعه ~~سبحانه فكانوا كاذبين في دعواه، قال: { قل } أي تكذيبا لهم مع مراعاة ~~الأدب في عدم التصريح بالتكذيب: { لم تؤمنوا } أي لم تصدق قلوبكم لأنكم ~~لو أمنتم لم تمنوا ms4653 بإيمانكم لأن الإيمان التصديق بجميع ما لله من الكمال ~~الذي منه أنه لولا منه بالهداية لم يحصل الإيمان، فله ولرسوله - الذي كان ~~ذلك على يديه - المن والفضل. # ولما كان التقدير ما كان الأصل في أن يكون الرد به وهو: فلا تقولوا: ~~آمنا، فإنه كذب، وعدل عنه للاحتراز عن النهي عن القول بالإيمان، عطف عليه ~~قوله: { ولكن قولوا } لأنكم أسلمتم للدنيا لا للدين، وعدل عنه لئلا تكون ~~شهادة لهم بالإسلام في الجملة: { أسلمنا } أي أظهرنا الانقياد في الظاهر ~~للأحكام الظاهرة فأمنا من أن نكون حزبا للمؤمنين وعونا للمشركين، يقول: ~~أسلم الرجل - إذا دخل في السلم، كما يقال: أشتى - إذا دخل في الشتاء، ولم ~~يقل: ولكن أسلمتم، لما فيه من الشهادة لهم بالإسلام الملازم للإيمان ~~المنفي عنه، فكان يكون تناقضا، والآية من الاحتباك: نفي الإيمان الشرعي ~~أولا يدل على إثبات الإسلام اللغوي ثانيا، والأمر بالقول بالإسلام ~~ثانيا يدل على النهي عن القول بالإيمان أولا. # ولما كانت " لم " غير مستغرقة، عطف عليها ما يستغرق ما مضى من الزمان ~~كله ليكون الحكم بعدم إيمانهم مكتنفا بأمرهم بالاقتصاد على الإخبار ~~بإسلامهم، فقال معلما بأن ما يجتهدون في إخفائه منكشف لديه " ألا يعلم ~~من خلق ". { ولما يدخل } أي إلى هذا الوقت { الإيمان } أي المعرفة التامة ~~{ في قلوبكم } فلا يعد إقرار اللسان إيمانا إلا بمواطأة القلب، فعصيتم ~~الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وأحبطتم أعمالكم، والتعبير ب " لما " ~~يفهم أنهم آمنوا بعد ذلك، ويجوز أن يكون المراد بهذا النفي نفي التمكن في ~~القلب، لا نفي مطلق الدخول بدليل { إنما المؤمنون } دون { إنما الذين ~~آمنوا }. # ولما كان التقدير: فإن تؤمنوا يعلم الله ذلك من قلوبكم غنيا عن قولكم، ~~عطف عليه قوله ترغيبا لهم في التوبة: { وإن تطيعوا الله } أي الملك الذي ~~من خالفه لم يأمن عقوبته { ورسوله } الذي طاعته من طاعته على ما أنتم ~~عليه من الأمر الظاهري فتؤمن قلوبكم { لا يلتكم } أي ينقصكم ويبخسكم من ~~لاته يليته، وهي لغة أهل الحجاز، وقرأ البصريان: يألتكم من الألت وهو ms4654 ~~النقص أيضا، وهي لغة أسد وغطفان، وهما المخاطبون بهذه الآية المعاتبون ~~بها، قال أبو حيان: قال مجاهد: نزلت في بني أسد بن خزيمة - انتهى. فلذلك ~~اختار أبو عمرو القراءة بها، وعدل عن لغة الحجاز { من أعمالكم شيئا } ~~فلا حاجة إلى إخباركم عن إيمانكم بغير ما يدل عليه من الأقوال والأفعال، ~~قال ابن برجان: فعموم الناس وأكثر أهل الغفلة مسلمون غير مؤمنين، فإن ~~يعلموا علم ما شهدوا وعقدوا عليه عقدا علما ويقينا لهم المؤمنون. وفي ~~الآية احتباك من وجه آخر: ذكر عدم الإيمان أولا دليلا على إثباته ~~ثانيا، وذكر توفير الأعمال ثانيا دليلا على بخسها أو إحباطها أولا، ~~وسره أنه نفى أساس الخير أولا ورغب في الطاعة بحفظ ما تعبوا عليه من ~~الأعما ثانيا. # ولما كان الإنسان مبنيا على النقصان، فلو وكل إلى عمله هلك، ولذهب عمله ~~فيما يعتريه من النقص، قال مستعطفا لهم إلى التوبة، مؤكدا تنبيها على ~~أنه مما يحق تأكيده لأن الخلائق لا يفعلون مثله: { إن الله } أي الذي له ~~صفات الكمال { غفور } أي ستور للهفوات والزلات لمن تاب وصحت نيته، ولغيره ~~إذا أراد، فلا عتاب ولا عقاب { رحيم * } أي يزيد على الستر عظيم الإكرام. ### || [49.15-18] # ولما نفى عنهم الإيمان، وكان ربما غلط شخص في نفسه فظن أنه مؤمن، وليس ~~كذلك، أخبر بالمؤمن على سبيل الحصر ذاكرا أمارته الظاهرة الباطنة، وهي ~~أمهات الفضائل: العلم والعفة والشجاعة، فقال جوابا لمن قال: فمن الذي ~~آمن؟ عادلا عن جوابه إلى وصف الراسخ ترغيبا في الاتصاف بوصفه وإيذانا ~~بأن المخبر عن نفسه بآية إيمانه لا يريد إلا أنه راسخ: { إنما المؤمنون } ~~أي العريقون في الإيمان الذي هو حياة القلوب، قال القشيري: والقلوب لا ~~تحيا إلا بعد ذبح النفوس، والنفوس لا تموت ولكنها تعيش { الذين آمنوا } ~~أي صدقوا معترفين { بالله } معتقدين جميع ما له من صفات الكمال { ورسوله ~~} شاهدين برسالته، وهذا هو المعرفة التي هي العلم، وغايتها الحكمة، وهذا ~~الإثبات هنا يدل على أن المنفي فيما قيل الكمال لا المطلق، وإلا لقال " ~~إنما ms4655 الذين آمنوا ". # ولما كان هذا عظيما والثبات عليه أعظم، وهو عين الحكمة، أشار إلى عظيم ~~مزية الثبات بقوله: { ثم } أي بعد امتطاء هذه الرتبة العظيمة { لم ~~يرتابوا } أي ينازعوا الفطرة الأولى في تعمد التسبب إلى الشك ولم يوقعوا ~~الشك في وقت من الأوقات الكائنة بعد الإيمان، فلا يزال على تطاوله الأمنة ~~وحصول الفتن وصفهم بعد الريب غضا جديدا، ولعله عبر بصيغة الافتعال ~~إشارة إلى العفو عن حديث النفس الذي لا يستطيع الإنسان دفع أصله ويكرهه ~~غاية الكراهة ويجتهد في دفعه، فإذا أنفس المذموم المشي معه والمطاولة منه ~~حتى يستحكم. # ولما ذكر الأمارة الباطنة على وجه جامع لجميع العبادات المالية والبدنية ~~قال: { وجاهدوا } أي أوقعوا الجهاد بكل ما ينبغي أن تجهد النفس فيه ~~تصديقا لما ادعوه بألسنتهم من الإيمان { بأموالهم } وذلك هو العفة { ~~وأنفسهم } أعم من النية وغيرها، وذلك هو الشجاعة، وقدم الأموال لقلتها في ~~ذلك الزمان عند العرب { في سبيل الله } أي طريق الملك الأعظم بقتال ~~الكفار وغيره من سائر العبادات المحتاجة إلى المال والنفس لا الذين ~~يتخلفون ويقولون: شغلتنا أموالنا وأهلونا، قال القشيري: جعل الله الإيمان ~~مشروطا بخصال ذكرها، وذكر بلفظ " إنما " وهي للتحقيق، تقتضي الطرد ~~والعكس، فمن أفرد الإيمان عن شرائطه التي جعلها له فمردود عليه قوله، ~~والإيمان للعبد الأمان، فإيمان لا يوجب الأمان لصاحبه فخلافه أولى به. # ولما عرف بهم بذكر أمارتهم على سبيل الحصر، أنتج ذلك حصرا آخر قطعا ~~لأطماع المدعين على وجه أثنى عليهم فيه بما تعظم المدحة به عندهم ترغيبا ~~في مثل حالهم فقال: { أولئك } أي العالو الرتبة الذين حصل لهم استواء ~~الأخلاق والعدل في الدين بجميع أمهات الأخلاق { هم } أي خاصة { الصادقون ~~* } قالا وحالا وفعالا، وأما غيرهم فكاذب. # ولما كانوا كأنهم يقولون: نحن كذلك، أمره صلى الله عليه وسلم بالإنكار ~~عليهم والتوبيخ لهم دلالة على ما أشار إليه ختام الآية إحاطة علمه الذي ~~تميز به الصادق من غيره من جميع الخلق فقال: { قل } أي لهؤلاء الأعراب ~~مجهلا لهم مبكتا: { أتعلمون } أي أتخبرون إخبارا ms4656 عظيما بلغيا، كأنهم ~~لما آمنوا كان ذلك إعلاما منهم، فلما قالوا آمنا كان ذلك تكريرا، فكان ~~في صورة التعليم، فبكتهم بذلك { الله } أي الملك الأعظم المحيط قدرة ~~وعلما { بدينكم } فلذلك تقولون: آمنا، ففي ذلك نوع بشرى لهم لأنه أوجد ~~لهم دينا وأضافه إليهم - قاله ابن برجان. ولما أنكر عليهم وبكتهم وصل به ~~ما يشهد له فقال: { والله } أي والحال أن الملك المحيط بكل شيء { يعلم ما ~~في السماوات } كلها على عظمها وكثرة ما فيها ومن فيها. ولما كان في سياق ~~الرد عليهم والتبكيت لهم كان موضع التأكيد فقال: { وما في الأرض } كذلك. # ولما كان المقام للتعميم، أظهر ولم يضمر لئلا يوهم الاختصاص بما ذكر من ~~الخلق فقال: { والله } أي الذي له الإحاطة الكاملة { بكل شيء } أي مما ~~ذكر ومما لم يذكر { عليم * }. # ولما كان قولهم هذا صورته صورة المنة، قال مترجما له مبكتا لهم عليه ~~معبرا بالمضارع تصويرا لحاله في شناعته: { يمنون عليك } أي يذكرون ذكر ~~من اصطنع عندك صنيعة وأسدى إليك نعمة، إنما فعلها لحاجتك إليها لا لقصد ~~الثواب عليها، لأن المن هو القطع - قال في الكشاف: لأنه إنما يسديها إليه ~~ليقطع بها حاجته لا غير، من غير أن يعمد لطلب مثوبة، ثم يقال: من عليه ~~ضيعة - إذا اعتده عليه منة وإنعاما. ولما كان الإسلام ظاهرا في الدين ~~الذي هو الانقياد بالظاهر مع إذعان الباطن لم يعبر به، وقال: { إن أسلموا ~~} أي أوقعوا الانقياد للأحكام في الظاهر. # ولما كان المن هو القطع من العطاء الذي لا يراد عليه جزاء، قال: { قل } ~~أي في جواب قولهم هذا: { لا تمنوا } معبرا بما من المن إشارة إلى أن ~~الإسلام لا يطلب جزاؤه إلا من الله، فلا ينبغي عده صنيعة على أحد، فإن ~~ذلك يفسده { علي إسلامكم } لو فرض أنكم كنتم مسلمين أي متدينين بدين ~~الإسلام الذي هو انقياد الظاهر مع إذعان الباطن، أي لا تذكروه على وجه ~~الامتنان أصلا، فالفعل وهو { تمنوا } مضمن " تذكروا " نفسه لا معناه كما ~~تقدم في { ولتكبروا الله ms4657 على ما هداكم } { بل الله } أي الملك الأعظم ~~الذي له المنة على كل موجود ولا منة عليه بوجه { يمن عليكم } أي يذكر أنه ~~أسدى إليكم نعمه ظاهرة وباطنة منها ما هو { أن } أي بأن { هداكم للإيمان ~~} أي بينة لكم أو وفقكم للاهتداء وهو تصديق الباطن مع الانقياد بالظاهر، ~~والتعبير عن هذا بالمن أحق مواضعه، فإنه سبحانه غير محتاج إلى عمل فإنه ~~لا نفع يلحقه ولا ضر، وإنما طلب الأعمال لنفع العاملين أنفسهم، ومن عليهم ~~بأن أرسل رسوله صلى الله عليه وسلم فبين لهم فكذبوه بأجمعهم، فلم يزل ~~يقويه حتى أظهر فيه آية مجده وأظهر دينه على الدين كله، ودخل فيه الناس ~~طوعا وكرها على وجوه من المجد يعرفها من استحضر السيرة ولا سيما من عرف ~~أمر بني أسد وغطفان الذين نزلت فيهم هذه الآيات، وكيف كان حالهم في غزوة ~~خيبر وغيره. # ولما كان المراد بهذا تجهيلهم وتعليمهم حقائق الأمور، لا الشهادة لهم ~~بالهداية، قال منبها على ذلك: { إن كنتم } أي كونا أنتم عريقون فيه { ~~صادقين * } في ادعائكم ذلك، فإنه على تقدير الصدق إنما هو بتوفيق الله ~~وهو الذي خلق لكم قدرة الطاعة، فهو الفاعل في الحقيقة فله المنة عليكم، ~~قال الأستاذ أبو القاسم القشيري: من لاحظ شيئا من أعماله وأحواله فإن ~~رآها دون نفسه كان شركا، وإن رآها لنفسه كان مكرا، فكيف يمن العبد بما ~~هو شرك أو مكر، والذي يجب عليه قبول المنة كيف يرى لنفسه على غيره منة، ~~هذا لعمري فضيحة، والمنة تكدر الصنيعة، إذا كانت من المخلوقين، وبالمنة ~~تطيب النعمة إذا كانت من قبل الله. # ولما نفى عنهم ما هو باطن، وختم جدالهم سبحانه بهذه الشرطية، فكان ربما ~~توهم قاصر النظر جامد الفكر عدم العلم بما هو عليه، أزال ذلك على وجه ~~عام، وأكده لذلك فقال: { إن الله } أي المحيط بكل شيء قدرة وعلما { يعلم ~~} أي بطريق ثبوت الصفة وتجريد التعلق واستمراره كلما تجدد محدث أو كان ~~بحيث يتجدد { غيب السماوات } أي كلها { والأرض } كذلك. # ولما أريد ms4658 التعميم من غير تقييد بالخافقين أظهر ولم يضمر قوله: { والله ~~} أي الذي له الإحاطة بذلك وبغيره مما لا تعلمون { بصير } أي عالم أتم ~~العلم ظاهرا وباطنا { بما تعملون * } من ظاهر إسلامكم وباطن إيمانكم في ~~الماضي والحاضر والآتي سواء كان ظاهرا أو باطنا سواء كان قد حدث فصار ~~بحيث تعلمونه أنتم أو كان مغروزا في جبلاتكم وهو خفي عنكم - هذا على ~~قراءة الخطاب التفات إليهم لاستنقاذ من توهم منهم هذا التوهم، وهي أبلغ، ~~وعلى قراءة ابن كثير بالغيب يكون على الأسلوب الأول مما أمر النبي صلى ~~الله عليه وسلم بإبلاغه لهم، فهو سبحانه عالم بمن انطوى ضميره على ~~الإيمان، ومن هو متكيف بالكفران، ومن يموت على ما هو عليه، ومن يتحول ~~حاله بإبعاد عنه أو جذب إليه، قال القشيري رحمه الله تعالى: ومن وقف ههنا ~~تكدر عليه العيش إذ ليس يدري ما غيبه فيه، وفي المعنى قال: # أبكي وهل تدرين ما يبكيني # أبكي حذارا أن تفارقيني # وتقطعي حبلي وتهجريني # انتهى. وفي ذلك أعظم زجر وترهيب لمن قدم بين يدي الله ورسوله ولو أن ~~تقدمه في سره. فإنه لا تهديد أبلغ من إحاطة العلم، فكأنه قيل: لا تقدموا ~~بين يديه فإن الله محيط العلم فهو يعلم سركم وجهركم، فقد رجع هذا الآخر ~~إلى الأول، والتف به التفاف الأصل بالموصل. ### | [50 - سورة ق] ### || [50.1-6] # لما ختم سبحانه الحجرات بإحاطة العلم قال أول هذه: { ق } إشارة إلى أنه ~~هو سبحانه وحده المحيط علما وقدرة بما له من العلو والشدة والقوة ~~القيومية والقهر ونافذ القضاء والفتح لما أراد من المغلقات، بما أشارت ~~إليه القاف بصفاتها وأظهرته بمخرجها المحيط بما جمعه مسماها من المخارج ~~الثلاث: الحلق واللسان والشفاه. # وقد قال الأستاذ أبو الحسن الحرالي في سر افتتاح المفصل بهذا الحرف فقال ~~في آخر كتابه في هذا الحرف: اعلم أن القرآن منزل مثاني، ضمن ما عدا ~~المفصل منه الذي هو من قاف إلى آخر الكتاب العزيز وفاتحة ما يختص بأولي ~~العلم والفقه من مبسوطات الحكم ومحكمات الأحكام ms4659 ومطولات الأقاصيص، ~~ومتشابه الآيات، والسورة المفتتحة بالحروف الكلية للإحاطة لغيبية المتهجى ~~المسندة إلى آحاد الأعداد، فلعلو رتبة إيراده وطوله ثنى الحق سبحانه ~~الخطاب وانتظمه في سور كثيرة العدد يسيرة عدد الآي قصيرة مقدارها، ذكر ~~فيها من أطراف القصص والمواعظ والأحكام والثناء وأمر الجزاء ما يليق ~~بسماع العامة ليسهل عليهم سماعه وليأخذوا بحظ مما أخذه الخاصة وليكرر على ~~أسماعهم في قراءة الأئمة له في الصلوات المفروضة التي لا مندوحة لهم عنها ~~ما يكون لهم خلفا مما يعولهم من مضمون سائر السور المطولات، فكان أحق ما ~~افتتح به مفصلهم حرف ق الذي هو وتر الآحاد، والظاهر منها مضمون ما يحتوي ~~عليه مما افتتح بألف لام ميم، وكذلك كان صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقرأ ~~في خطبة يوم الجمعة إليهم لأنها صلاة جامعة الظاهر بفاتحة المفصل الخاص ~~بهم، وفي مضمونها من معنى القدرة والقهر المحتاج إليه في إقامة أمر ~~العامة ما فيه كفاية، وشفعت بسورة المطهرة فخصوا بما فيه القهر والإنابة، ~~واختصرت سورة نون من مقتضى العلم بما هو محيط بأمر العامة المنتهي إلى ~~غاية الذكر الشامل للعالمين. # ولما كان جميع السور المفتتحة بالحروف المتضمنة للمراتب التسع، العاشر ~~الجامع قواما وإحاطة في جميع القرآن، ولذلك كانت سورة قاف وسورة ن ~~قواما خاصا وإحاطة خاصة بما يخص العامة من القرآن الذين يجمعهم الأرض ~~بما أحاط بظاهرها من صورة جبل قاف، وما أحاط بباطنها من صورة حيوان " نون ~~" الذي تمام أمرهم بما بين مددي إقامتها ولهذا السورة المفتتحة بالحرف ~~ظهر اختصاص القرآن وتميزه عن سائر الكتب لتضمنها الإحاطة التي لا تكون ~~إلا بما للخاتم الجامع، واقترن بها من التفضيل في سورها ما يليق ~~بإحاطتها، ولإحاطة معانيها وإتمامها كان كل ما فسرت به من معنى يرجع إلى ~~مقتضاها، فهو صحيح في إحاطتها ومنزلها من أسماء الله وترتبها في جميع ~~العوالم، فلا يخطىء فيها مفسر لذلك لأنه كلما قصد وجها من التفسير لم ~~يخرج عن إحاطة ما تقتضيه، ومهما فسرت به من أنها من أسماء الله ms4660 تعالى أو ~~من أسماء الملائكة أو من أسماء الأنبياء أو من مثل الأشياء، وصور ~~الموجودات أو من أنها أقسام أقسم بها، أو فواتح عرفت بها السور، أو أعداد ~~تدل على حوادث وحظوظ من ظاهر الأمر أو باطنه على اختلاف رتب وأحوال مما ~~أعطيه محمد صلى الله عليه وسلم من مقدار أمد الخلافة والملك والسلطنة وما ~~ينتهي إليه أمره من ظهور الهداية ونحو ذلك مما يحيط بأمد يومه إلى غير ~~ذلك، وكل داخل في إحاطتها، ولذلك أيضا لا تختص بمحل مخصوص تلزمه علامة ~~إعراب مخصوصة فمهما قدر في مواقعها من هذه السورة جرا أو نصبا أو ~~رفعا، فتداخل في إحاطة رتبتها ولم يلزمها معنى خاص ولا إعراب خاص لما لم ~~يكن لها انتظام، لأنها مستقلات محيطات، وإنما ينتظم ما يتم معنى - كل ~~واحد من المنتظمين بحصول الانتظام، وذلك يختص من الكلم بما يقصر عن إحاطة ~~مضمون الحروف حتى أنه متى وقع استقلال وإحاطة في كلمة لم يقع فيها ~~انتظام. # ولما أشار سبحانه إلى هذه الإحاطة بالقاف، أقسم على ذلك قسما هو في ~~نفسه دال عليه فقال: { والقرآن } أي الكتاب الجامع الفارق { المجيد * } ~~الذي له العلو والشرف والكرم والعظمة على كل كلام، والجواب أنهم ليعلمون ~~ما أشارت إليه القاف من قوتي وعظمتي وإحاطة علمي وقدرتي، وما اشتمل عليه ~~القرآن من المجد بإعجازه واشتماله على جميع العظمة، ولم ينكروا شيئا من ~~ذلك بقلوبهم، ومجيد القرآن كما تقدم في أثناء الفاتحة ما جربت أحكامه من ~~بين عاجل ما شهد وآجل ما علم بعلم ما شهد، وكان معلوما بالتجربة ~~المتيقنة بما تواتر من القصص الماضي، وما شهد من الأثر الحاضر وما يتجدد ~~مع الأوقات من أمثاله وأشباهه، وإذا تأملت السورة وجدت آيها المنزلة على ~~جميع ذلك، فإنه سبحانه ذكرهم فيها ما يعلمون من خلق السماوات والأرض وما ~~فيهما ومن مصارع الأولين وكذا السورة الماضية ولا سيما آخرها المشير إلى ~~أنه أدخل على الناس الإيمان برجل واحد غلبهم بمجده وإعجازه لمجد منزله ~~بقدرته وإحاطة علمه - والله ms4661 الهادي، ومن أحاط علما بمعانيه وعمل ما فيه ~~مجد عند الله وعند الناس. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما كانت سورة الفتح قد انطوت على جملة ~~من الألطاف التي خص الله بها عباده المؤمنين كذكره تعالى أخوتهم وأمرهم ~~بالتثبت عند غائلة معتد فاسق { يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ } ~~الآية، وأمرهم بغض الأصوات عند نبيهم وأن لا يقدموا بين يديه ولا يعاملوه ~~في الجهر بالقول كمعاملة بعضهم بعضا، وأمرهم باجتناب كثير من الظن ~~ونهيهم عن التجسس والغيبة، وأمرهم بالتواضع في قوله { يا أيها الناس إنا ~~خلقناكم من ذكر وأنثى } وأخبرهم تعالى أن استجابتهم وامتثالهم هذه ~~الأوامر ليست بحولهم، ولكن بفضله وإنعامه، فقال: { ولكن الله حبب إليك ~~الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان } الآيتين، ~~ثم أعقب ذلك بقوله { يمنون عليك أن أسلموا } الآية، ليبين أن ذلك كله ~~بيده ومن عنده، أراهم سبحانه حال من قضى عليه الكفر ولم يحبب إليه ~~الإيمان ولا زينه في قلبه، بل جعله في طرف من حال من أمر ونهى في سورة ~~الفتح مع المساواة في الخلق وتماثل الأدوات فقال تعالى: { والقرآن المجيد ~~بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم } الآيات، ثم ذكر سبحانه وتعالى وضوح الأدلة ~~{ أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم } الآيات، ثم ذكر حال غيرهم ممن كان على ~~رأيهم { كذبت قبلهم قوم نوح } ليتذكر بمجموع هذا من قدم ذكره بحاله وأمره ~~ونهيه في سورة الفتح، ويتأدب المؤمن بآداب الله ويعلم أن ما أصابه من ~~الخير فإنما هو من فضل ربه وإحسانه، ثم التحمت الآي إلى قوله خاتمة ~~السورة { نحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم } الآيات - انتهى. # ولما كان هذا ظاهرا على ما هدى إليه السياق، بنى عليه قوله دلالة أخرى ~~على شمول علمه: { بل } أي أن تكذيبهم ليس لإنكار شيء من مجده ولا لإنكار ~~صدقك الذي هو من مجده بل لأنهم { عجبوا } أي الكفار، وأضمرهم قبل الذكر ~~إشارة إلى أنه إذا ذكر شيئا خارجا عن سنن الاستقامة انصرف إليهم، ms4662 ~~والعجب من تغير النفس لأمر خارج عن العادة. # ولما كان المقام لتخويف من قدم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم أو ~~من عليه بالإسلام أو غيره، أو لتخويف من أنكر البعث، اقتصر على النذارة ~~فقال: { أن جاءهم منذر } أنذرهم حق الإنذار من عذاب الله عند البعث الذي ~~هو محط الحكمة، وعجب منهم هذا العجب بقوله: { منهم } لأن العادة عندهم ~~وعند جميع الناس أنه إذا كان النذير منهم لم يداخلهم في إنذاره شك بوجه ~~من الوجوه، وهؤلاء خالفوا عادة الناس في تعجبهم من كون النذير - وهو ~~أحدهم - خص بالرسالة دونهم، ولم يدركوا وجه الخصوصية لكونه مثلهم، فكذلك ~~أنكروا رسالته وفضل كتابه بألسنتهم نفاسة وحسدا لأنهم كانوا معترفين ~~بخصائصه التي رفعه الله تعالى عليهم بها قبل الرسالة فحطهم عجبهم ذلك إلى ~~الحضيض من دركات السفه وخفة الأحلام، لأنهم عجبوا أن كان الرسول بشرا ~~وأوجبوا أن يكون الإله حجرا، وعبجوا من أن يعادوا من تراب، وتثبت له ~~الحياة، ولم يعجبوا أن يبتدؤوا من تراب ولم يكن له أصل في الحياة، ولذلك ~~سبب عنه قوله: { فقال } أي بسبب إنذاره بالبعث وعقبه { الكافرون } فأظهر ~~في موضع الإنذار إيذانا بأنهم لم يخف عليهم شيء من أمره، ولكنهم ستروا ~~تعديا بمرأى عقولهم الدالة على جميع أمره دلالة ظاهرة، وعبر بما دل على ~~النذارة لأنها المقصود الأعظم من هذه السورة، وجميع سياق الحجرات ظاهر ~~فيها: { هذا } أن يكون النذير منا خصص بالرسالة من دوننا، وكون ما أنذر ~~به هو البعث بعد الموت { شيء عجيب * } أي بليغ في الخروج عن عادة أشكاله، ~~وقد كذبوا في ذلك، أما من جهة النذير فإن أكثر الرسل من الطوائف الذين ~~أرسلوا إليهم، وقليل منهم من كان غريبا ممن أرسل إليه، وأما من جهة ~~البعث فإن أكثر ما في الكون مثل ذلك من إعادة كل من الملوين بعد ذهابه ~~وإحياء الأرض من بعد موتها وابتداء الإحياء لجميع موات الحيوان وإخراج ~~النبات والأشجار والثمار وغير ذلك مما هو ظاهر جدا. # ولما كان المتعجب ms4663 منه مجملا، أوضحه بقوله حكاية عنهم مبالغين في ~~الإنكار، بافتتاح إنكارهم باستفهام إنكاري: { إذا متنا } ففارقت أرواحنا ~~أشباحنا { وكنا ترابا } لا فرق بينه وبين تراب الأرض. ولما كان العامل ~~في الظرف ما تقديره: نرجع؟ دل عليه بقوله والإشارة بأداة البعد إلى عظيم ~~استبعادهم: { ذلك } أي الأمر الذي هو في تمييز ترابنا من بقية التراب في ~~غاية البعد، وهو مضمون الخبر برجوعنا { رجع } أي رد إلى ما كنا عليه { ~~بعيد * } جدا لأنه لا يمكن تمييز ترابنا من بقية التراب. ولما كان ~~السياق لإحاطة العلم بما نعلم وما لا نعلم، توقع السامع الجواب عن هذا ~~الجهل، فقال مزيلا لسببه، مفتتحا بحرف التوقع: { قد } أي بل نحن على ~~ذلك في غاية القدرة لأنا قد { علمنا } بما لنا من العظمة { ما تنقص الأرض ~~منهم } أي من أجزائهم المتخللة من أبدانهم بعد الموت وقبله، فإنه لو زاد ~~الإنسان بكل طعام يأكله ولم ينقص صار كالجبل بل نحن دائما في إيجاد ~~وإعدام تلك الأجزاء، وذلك فرع العلم بها كل جزء في وقته الذي كان نقصه ~~فيه قل ذلك الجزء أو جل، ولم يكن شيء من ذلك إلا بأعيينا بما لنا من ~~القيومية والخبرة النافذة في البواطن فضلا عن الظواهر والحفظ، الذي لا ~~يصوب إلى جنابه عي ولا غفلة ولا غير، ولكنه عبر بمن لأن الأرض لا تأكل ~~عجب الذنب، فإنه كالبزر لأجسام بني آدم. # ولما كانت العادة جارية عند جميع الناس بأن ما كتب حفظ، أجرى الأمر على ~~ما جرت به عوائدهم فقال مشيرا بنون العظمة إلى غناه عن الكتاب: { وعندنا ~~} أي على ما لنا من الجلال الغني عن كل شيء { كتاب } أي جامع لكل شيء { ~~حفيظ * } أي بالغ في الحفظ لا يشذ عنه شيء من الأشياء دق أو جل، فكيف ~~يستبعدون على عظمتنا أن لا نقدر على تمييز ترابهم من تراب الأرض ولم ~~يختلط في علمنا شيء من جزء منه بشيء من جزء آخر فضلا عن أن يختلط شيء ~~منه بشيء آخر من تراب الأرض ms4664 أو غيرها. # ولما كان التقدير: وهم لا ينكرون ذلك من عظمتنا لأنهم معترفون بأنا ~~خلقنا السماوات والأرض وخلقناهم من تراب وإنا نحن ننزل الماء فينبت ~~النبات، أضرب عنه بقوله: { بل الذين كذبوا بالحق } أي الأمر الثابت الذي ~~لا أثبت منه { لما } أي حين { جاءهم } لما ثار عندهم من أجل تعجبهم من ~~إرسال رسولهم من حظوظ النفوس وغلبهم من الهوى، حسدا منهم من غير تأمل ~~لما قالوه ولا تدبر، ولا نظر فيه ولا تفكر، فلذلك قالوا ما لا يعقل من أن ~~من قدر على إيجاد شيء من العدم وإبدائه لا يقدر على إعادته بعد إعدامه ~~وإفنائه. # ولما تسبب عن انتسابهم في هذا القول الواهي وارتهانهم في عهدته اضطرابهم ~~في الرأي: هل يرجعون فينسبوا إلى الجهل والطيش والسفة والرعونة أم يدومون ~~عليه فيؤدي ذلك مع كفرهم بالذي خلقهم إلى أعظم من ذلك من القتال والقتل، ~~والنسبة إلى الطيش والجهل، قال معبرا عن هذا المعنى: { فهم } أي لأجل ~~مبادرتهم إلى هذا القول السفساف { في أمر مريج * } أي مضطرب جدا مختلط، ~~من المرج وهو اختلاط النبت بالأنواع المختلفة، فهم تارة يقولون: سحر، ~~وتارة كهانة، وتارة شعر، وتارة كذب، وتارة غير ذلك، والاضطراب موجب ~~للاختلاف، وذلك أدل دليل على الإبطال كما أن الثبات والخلوص موجب ~~للاتفاق، وذلك أدل دليل على الحقية، قال الحسن: ما ترك قوم الحق إلا مرج ~~أمرهم - وكذا قال قتادة، وزاد: والتبس عليهم دينهم. # ولما أخبرهم أنهم قالوا عن غير تأمل أنكر عليهم ذلك موبخا لهم دالا ~~على صحة ما أنكروه وفساد إنكارهم بقوله، مسببا عن عجلتهم إلى الباطل، { ~~أفلم ينظروا } أي بعين البصر والبصيرة { إلى السماء } أي المحيط بهم ~~وبالأرض التي هم عليها. ولما كان هذا اللفظ يطلق على كل ما علا من سقف ~~وسحاب وغيره وإن كان ظاهرا في السقف المكوكب حققه بقوله: { فوقهم } فإن ~~غيرهم إنما هو فوق ناس منهم لا فوق الكل. ولما كان أمرها عجبا، فهو أهل ~~لأن يسأل عن كيفيته دل عليه بأداة الاستفهام فقال: { كيف ms4665 بنيناها } أي ~~أوجدناها على ما لنا من المجد والعزة مبنية كالخيمة إلا أنها من غير عمد ~~{ وزيناها } أي بما فيها من الكواكب الصغار والكبار السيارة والثابتة { ~~وما } أي والحال أنه ما { لها } وأكد النفي بقوله: { من فروج * } أي فتوق ~~وطاقات وشقوق، بل هي ملساء متلاصقة الأجزاء، فإن كانت هذه الزينة من ~~تحتها فالذي أوقع ذلك على هذا الإحكام الذي يشاهدونه بما فيه من المنافع ~~والستر الذي لا يختل على مر الجديدين، فهو من القدرة بحيث لا يعجزه شيء، ~~وإن كانت الزينة من فوقها فكذلك، وإن كان بعضها من فوق وبعضها من تحت ~~فالأمر عظيم، وهذا يدل على أن السماء كرة مجوفة الوسط مقببة كالبيضة، فإن ~~نفي الفروج فيها على هذا الوجه المؤكد يدل على ذلك دلالة ظاهرة، وأفرد ~~السماء ولم يجمع لأن بناءها على ما ذكر وإن كانت واحدة يدل على كمال ~~القدرة، فإن البناء المجوف لا يمكن بانيه إكمال بنائه من غير أن يكون له ~~فروج، وإن اختل ذلك كان موضع الوصل ظاهرا للرائين ما فيه من فتور وشقوق ~~وقصور وما يشبه ذاك، ولم يمكنه مع ذلك الخروج منه، إن كان داخله فلم يقدر ~~على حفظ خارجه، وإن كان خارجه لم يتمكن من حفظ داخله، وهذا الكون محفوظ ~~من ظاهره وباطنه، فعلم أن صانعه منزه عن الاتصاف بما تحيط به العقول ~~بكونه داخل العلم أو خارجه أو متصلا به أو منفصلا عنه، أو محتاجا في ~~الصنعة إلى إله أو في الحفظ إلى ظهير أو معين، وجمع الفرج للدلالة على ~~إرادة الجنس بالسماء بعد ما أفاده إفراد لفظها، فيدل الجمع مع إرادة ~~الجنس على التوزيع، مع الإفهام إلى أن الباني لو احتاج في هذا الخلق ~~الواسع الأطراف المتباعد الأكناف إلى فرج واحد لاحتاج إلى فروج كثيرة. # فإن هذا الجرم الكبير لا يكفي فيه فرج واحد لمن يحتاج إلى الحركة، فنزل ~~كلام العليم الخبير على مثل هذه المعاني، ولا يظن أنه غيرت فيه صنعة من ~~الصنع لأجل الفاصلة فقط، فإن ذلك ms4666 لا يكون إلا من محتاج، والله متعال عن ~~ذلك، ويجوز - وهو أحسن - أن يراد بالفروج قابلية الإنبات لتكون - مثل ~~الأرض - يتخللها المياه فيمتد فيها عروق الأشجار والنبات وتظهر منها، وأن ~~يراد بها الخلل كقوله تعالى # ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور # [الملك: 3] أي خلل واختلاف وفساد، وهو لا ينفي الأبواب والمصاعد - والله ~~أعلم. ### || [50.7-11] # ولما دل سبحانه على تمام قدرته وكمال علمه وغير ذلك من صفات الكمال بآية ~~السماء، أتبع ذلك الدلالة على أنه لا يقال فيه داخل العالم ولا خارجه ~~لأنه متصل به ولا منفصل عنه، نبه على ذلك بالدلالة على آية الأرض، وأخرها ~~لأن السماء أدل على المجد الذي هذا سياقه، لأنها أعجب صنعة وأعلى علوا ~~وأجل مقدارا وأعظم أثرا، وأن الأرض لكثرة الملابسة لها والاجتناء من ~~ثمارها يغفل الإنسان عن دلالتها، بما له في ذلك من الصنائع والمنافع، ~~فقال: { والأرض } أي المحيطة بهم { مددناها } أي جعلناها لما لنا من ~~العظمة مبسوطة لا مسنمة. ولما كان الممدود يتكفأ، قال: { وألقينا } ~~بعظمتنا { فيها رواسي } أي جبالا ثوابت كان سببا لثباتها، وخالفت عادة ~~المراسي في أنها من فوق، والمراسي تعالجونها أنتم من تحت. # ولما كان سكانها لا غنى لهم عن الرزق، قال ممتنا عليهم: { وأنبتنا } ~~بما لنا من العظمة { فيها } وعظم قدرتها بالتبعيض فقال: { من كل زوج } أي ~~صنف من النبات تزاوجه أشكاله بأرزاقكم كلها { بهيج * } أي هو في غاية ~~الرونق والإعجاب، فكان - مع كونه رزقا - متنزها. # ولما ذكر هذه الصنائع الباهرة، عللها بقوله: { تبصرة } أي جعلنا هذه ~~الأشياء كلها، أي لأجل أن تنظروها بأبصاركم، ثم تتفكروا ببصائركم، ~~فتعبروا منها إلى صانعها، فتعلموا ما له من العظمة { وذكرى } أي ~~ولتتذكروا بها تذكرا عظيما، بما لكم من القوى والقدر فتعلموا بعجزكم عن ~~كل شيء من ذلك أن صانعها لا يعجزه شيء، وأنه محيط بجميع صفات الكمال، لو ~~ألم بجنابه شائبة من شوائب النقص لما فاض عنه هذا الصنع الغريب البديع. # ولما كان من لا ms4667 ينتفع بالشيء كأنه عادم لذلك الشيء، قصر الأمر على ~~المنتفع فقال: { لكل عبد } يتذكر بما له من النقص وبما دل عليه هذا الصنع ~~من الكمال أنه عبد مربوب لصانعه. ولما كان الإنسان لما له من النقصان لا ~~يزال كلما أعلاه عقله أسفله طبعه، فكان ربما ظن أنه لا يقبل إذا رجع، ~~رغبة في الرجوع بقوله: { منيب * } أي رجاع عما حطه عنه طبعه إلى ما يعليه ~~إليه عقله، فيرجع من شهود هذه الأفعال إلى شهود هذه الصفات إلى علم ~~الذات. # ولما كان إنزال الماء أبهر الآيات وأدلها على أنه أجل من أن يقال: إنه ~~داخل العالم أو خارجه، أو متصل به أو منفصل عنه، مع أن به تكون النبات ~~وحصول الأقوات وبه حياة كل شيء، أفرده تنبيها على ذلك فقال: { ونزلنا } ~~أي شيئا فشيئا في أوقات على سبيل التقاطر وبما يناسب عظمتنا التي لا ~~تضاهى بغيب، بما له من النقل والنبوع والنفوذ فنزل دفعة واحدة فأهلك ما ~~نزل عليه فزالت المفقرة وعادت المنفعة مضرة { من السماء } أي المحل ~~العالي الذي لا يمسك فيه الماء عن دوام التقاطر إلا بقاهر { ماء مباركا ~~} أي نافعا جدا ثابتا لا خيالا محيطا بجميع منافعكم. # ولما كان الماء سببا في تكون الأشياء، وكان ذلك سببا في انعقاده حتى ~~يصير خشبا وحبا وعنبا، وغير ذلك عجبا، قال: { فأنبتنا } معبرا بنون ~~العظمة { به جنات } من الثمر والشجر والزرع وغيره مما تجمعه البساتين ~~فتجن - أي تستر - الداخل فيها. ولما كان القصب الذي يحصد فيكون حبه ~~قوتا للحيوان وساقه للبهائم، خصه بقوله: { وحب الحصيد } أي النجم الذي ~~من شأنه أن يحصد من البر والشعير ونحوهما، وأومأ بالتقييد إلى أن هذه ~~الحبوب أشرف من حب اللآلىء الذي ينبته الله من المطر لأنها لقيام النبتة؟ ~~وتلك للزينة، ولما كان النخل من أعجبه ما يتكون منه مع ما له من المنافع ~~التي لا يساويه فيها شجر، والطباق للرزع بالطول والقصر والاتساق ~~بالاقتيات للآدميين والبهائم، قال: { والنخل باسقات } أي عاليات طويلات ~~على جميع الأشجار ms4668 المثمرة ذوات أثمار طيبة { لها } مع يبس ساقها { طلع ~~نضيد * } أي مصفوف متراكم بعضه فوق بعض، وهو حشو طلعه، والطلع ذلك الخارج ~~من أعلى النخلة كأنه فعلان مطبقان، والحمل النضيد بينهما، والطرف محدد، ~~أو الطلع ما يبدو من ثمر النخل أول ظهورها، وذلك القشر يسمى الكفرى ~~لتعطيته إياه على أحكم مما يكون وأوثق، والطلع يشبه ما للناقة المبسق من ~~اللبا المتكون في ضرعها قبل النتاج، ثم يصير بعد اتحاده في البياض وهو ~~طلع إلى الافتراق حال الينوع إلى أحمر وأصفر وأخضر وغير ذلك من الألوان ~~الغريبة، والأوصاف العجيبة، وهي محيطة المنافع بالتفكه على عدة أنواع ~~والاقتيات وغير ذلك، وطلعها مخالف لعادة أكثر الأشجار فإن ثمارها مفردة، ~~كل حبة منفردة عن أختها. # ولما ذكر سبحانه بعض ما له في الماء من العظمة، ذكر له علة هي غاية في ~~المنة على الخلق فقال: { رزقا للعباد } أي أنبتنا به ذلك لأجل أنه بعض ~~ما جعلناه رزقهم. # ولما كان ذلك أعظم مذكر للبصراء بالبعث ولجميع صفات الكمال، أتبعه ما له ~~من التذكير بالبعث بخصوصه فقال: { وأحيينا به } أي الماء بعظمتنا { بلدة ~~} وسمها بالتاء إشارة إلى أنها في غاية الضعف والحاجة إلى الثبات والخلو ~~عنه، وذكر قوله: { ميتا } للزيادة في تقرير تمكن الحاجة فيها. ولما كان ~~هذا خاصة من أوضح أدلة البعث، قال على سبيل النتيجة: { كذلك } أي مثل هذا ~~الإخراج العظيم { الخروج * } الذي هو لعظمته كأنه مختص بهذا المعنى، وهو ~~بعث الموتى من قبورهم على ما كانوا عليه في الدنيا، لا فرق بين خروج ~~النبات بعد ما تهشم في الأرض وصار ترابا كما كان من بين أصفره وأبيضه ~~وأحمره وأخضره وأزرقه إلى غير ذلك، وبين إخراج ما تفتت من الموتى كما ~~كانوا في الدنيا، قال أبو حيان: ذكر تعالى في السماء ثلاثة: البناء ~~والتزيين ونفي الفروج، وفي الأرض ثلاثة: المد وإلقاء الرواسي والإنبات، ~~قابل المد بالبناء لأن المد وضع والبناء رفع، وإلقاء الرواسي بالتزيين ~~بالكواكب لارتكاز كل واحد منها - أي على سطح ما هو ms4669 فيه, والإنبات المترتب ~~على الشق بانتفاء الفروج، فلا شق فيها، ونبه فيما تعلق به الإنبات على ما ~~يقطف كل سنة ويبقى أصله، وما يزرع كل سنة أو سنتين ويقطف كل سنة، وعلى ما ~~اختلط من جنسين، فبعض الثمار فاكهة لا قوت، وأكثر الزرع قوت والثمر فاكهة ~~وقوت. ### || [50.12-16] # ولما وصل الأمر إلى حد لا خفاء معه، فصح أنهم يعلمون ذلك ولم يحملهم على ~~التصريح بالتكذيب به إلا المبادرة إلى ذلك بغلبة الهوى من غير تأمل ~~لعاقبته، فصار من باب لزوم الغلط، وكان السياق لإنكار البعث الذي جاء به ~~منذر من القوم المنذرين، كان كأنه قيل: إن إنكار هؤلاء أعجب، فهل وقع هذا ~~لأحد قط، فقال تعالى مسليا لهذا النبي الكريم لأن المصيبة إذا عمت هانت، ~~مبينا لمجد القرآن ولمجد آياته تحقيقا للإنذار وتحذيرا به لا للنصيحة: ~~{ كذبت } وسم الفعل بالتاء إشارة إلى هوانهم في جنب هذا المجد ولما كان ~~هؤلاء الأحزاب المذكورون لقوتهم وكثرتهم كأنهم أهل المجد قاطبة قد ~~استغرقوا زمانها ومكانها، أسقط الجار فقال: { قبلهم }. # ولما لم تكن لهم شهرة يعرفون بها قال: { قوم نوح } وأشار إلى عظيم ~~التسلية بأنهم جاءهم منذر منهم، وكانوا في القوة في القيام فيما يحاولونه ~~والكثرة بحيث لا يسع الأفهام جميع أوصافهم، فآذوا رسولهم وطال أذاهم ~~قريبا من عشرة قرون ولما كان آخر أمرهم أنه التقى عليهم الماءان: ماء ~~السماء، وطلع إليهم ماء الأرض فأغرقهم، أتبعهم من طائفتهم قصتهم بأن نزل ~~بهم الماء فأوبقهم لما بين حاليهم من الطباق دلالة على عظيم القدرة ~~والفعل بالاختيار فقال: { وأصحاب الرس } أي البئر التي تقوضت بهم فخسفت ~~مع ما حولها فذهبت بهم وبكل ما لهم كما ذكرت قصتهم في الفرقان. ولما كانت ~~آية قوم صالح من أعظم الدلالات على القدرة على البعث، وكان إهلاكهم ~~مناسبا لإهلاك من قبلهم، أما لأصحاب الرس فكان بالرجفة التي هي على مبدأ ~~الخسف، وأما لقوم نوح فلأن الرجفة تأثرت عن الصيحة التي حملتها الريح ~~التي من شأنها حمل السحاب الحامل للماء، أتبعهم ms4670 بهم، وكانوا أصحاب بئر ~~ولم يخسف بهم فقال: { وثمود * } ولما اتفق قوم هود عليه السلام والقبط ~~بالإهلاك بالريح التي أثرت بها صيحة ثمود، أولئك مع الحجارة والرمل ~~وهؤلاء بالماء الذي فرقه الله بالريح عند ضرب العصي، وكان لكل منهما من ~~ضخامة الملك وعز السلطان ما هو مشهور قدم أشدهما أبدانا وأوسعهما ملكا ~~لأن إهلاكهم كان أدل دليل على القدرة وأقرب شبها بهلاك ثمود فقال: { ~~وعاد } وعطف عليه أقرب الطائفتين شبها بالهلاك بقوم نوح وأصحاب الرس ~~فقال: { وفرعون } نص عليه لأنه ليس في مادة هذا الغرق كافر غيره، والنص ~~عليه يفهم غيره، وما تقدم في غير هذه السورة غير مرة من وصفه بأنه ملك ~~قاهر وأنه استخفهم فأطاعوه فيعلم كفرهم طاعة له، وأنه ليوافق ما قبله وما ~~بعده. ولما كان السياق للعزة والشقاق، فلم يدع داع إلى إثبات ذي الأوتاد. # ولما كان هلاك المؤتفكات جامعا في الشبهة بهلاك جميع من تقدم بالخسف ~~وغمرة الماء بعد القلب في الهواء، أتبعهم بهم معبرا عنهم بأخصر من تسميه ~~قبائلهم أو مدنهم لأنها عدة مدن، وعبر بالأخوة دون القوم لأن السياق ~~لتكذيب من هو منهم لأنه أدخل في التسلية فقال: { وإخوان لوط * } أي ~~أصهاره الذين جبروا بينهم وبينه مع المصاهرة بالمناصرة لملوكهم ورعاياهم ~~على من ناواهم بنفسه وعمه إبراهيم عليهما السلام كما مضى بيانه في البقرة ~~ما صار كالأخوة، ومع ذلك عاملوه بما اشتق من لفظ هذا الجمع من الجناية له ~~ولأنفسهم وغيرهم. # ولما كان الشجر مظنة الهواء البارد والروح، وكان أصحابه قد عذبوا بضد ~~ذلك قال: { وأصحاب الأيكة } لمشاركتهم لهم في العذاب بالنار، وأولئك ~~بحجارة الكبريت النازلة من العلو وهؤلاء بالنار النازلة من ظلمة السحاب، ~~وعبر عنهم بالواحدة والمراد الغيضة إشارة إلى أنها من شدة التفافها ~~كالشجرة الواحدة. ولما كان { تبع } مع كونه من قومه ملكا قاهرا، ~~وخالفوه مع ذلك، وكان لقومه نار في بلادهم يتحاكمون إليها فتأكل الظالم، ~~ختم بهم فقال: { وقوم تبع } مع كونه مالكا، وهو يدعوهم إلى الله، فلا ~~يظن أن ms4671 التكذيب مخصوص بمن كان قويا لمن كان مستضعفا، بل هو واقع بمن ~~شئنا من قوي وضعيف، لا يخرج شيء عن مرادنا. # ولما لم يكن هنا ما يقتضي التأكيد مما مر بيانه في ص قال معريا منه: { ~~كل } أي من هذه الفرق { كذب الرسل } أي كلهم بتكذيب رسولهم، فإن الكل ~~متساوون فيما يوجب الإيمان من إظهار العجز والدعاء إلى الله { فحق } ~~فتسبب عن تكذيبهم لهم أنه ثبت عليهم ووجب { وعيد } أي أي الذي كانوا ~~يكذبون به عند إنذارهم لهم إياه، فعجلنا لهم منه في الدنيا ما حكمنا به ~~عليهم في الأزل فأهلكناهم إهلاكا عاما كإهلاك نفس واحدة على أنحاء ~~مختلفة كما هو مشهور عند من له بأمثاله عناية وأتبعناه ما هو في البرزخ ~~وأخرنا ما هو في القيامة إلى البعث، بإهلاكنا لهم على تنائي ديارهم ~~وتباعد أعصارهم وكثرة أعدادهم أن لنا الإحاطة البالغة فتسل بإخوانك ~~المرسلين وتأس بهم، ولتحذر قومك ما حل بمن كذبهم إن أصروا. # ولما ذكر سبحانه التسلية بتكذيب هذه الأحزاب بعد ذكر تكذيب قريش وإقامة ~~الأدلة القاطعة على ما كذبوا به وبطلان تكذيبهم، وختم بحقوق الوعيد الذي ~~شوهدت أوائله بإهلاكهم، فثبت صدق الرسل وثبتت القدرة على كل ما يريد ~~سبحانه بهذا الخلق من الإيجاد والإعدام أنكر عليهم التكذيب ووبخهم عليه ~~تقريرا لحقوق الوعيد، فقال مسببا عن تكذيبهم بعد ما ذكر أنه خلق جميع ~~الوجود: { أفعيينا بالخلق } أي حصل لنا على ما لنا من العظمة الإعياء، ~~وهو العجز بسبب الخلق في شيء من إيجاده وإعدامه { الأول } أي من السماوات ~~والأرض وما بينهما حين ابتدأناه اختراعا من العدم، ومن خلق الإنسان ~~وسائر الحيوان مجددا، ثم في كل أوان من الأطوار المشاهدة على هذه ~~التدريجات المعتادة بعد أن خلقنا أصله على ذلك الوجه مما ليس له أصل في ~~الحياة، وفي إعدامه بعد خلقه جملة كهذه الأمم أو تدريجا كغيرهم ليظنوا ~~بسبب العجز بالخلق الأول الذي هو أصعب في مجاري العادات من الإعادة أن ~~نعجز عن الإعادة ثانيا، يقال: عيي بالأمر - إذا ms4672 لم يهتد لأمره أو لوجه ~~مراده أو عجز عنه، ولم يطق إحكامه. # ولما كان التقدير قطعا بما دلت عليه همزة الإنكار: لم نعي بذلك بل ~~أوجدناه على غاية الإحكام للظرف والمظروف وهم يعلمون ذلك ولا ينكرونه ~~ويقرون بتمام القدرة عليه، وفي طيه الاعتراف بالبعث وهم لا يشعرون أضرب ~~عنه لقولهم الذي يخل باعتقادهم إياه فقال: { بل هم في لبس } أي خلط شديد ~~وشبهة موجبة للتكلم بكلام مختلط لا يعقل له معنى، بل السكوت عنه أجمل، ~~قال علي رضي الله عنه: يا جار، إنه لملبوس عليك، اعرف بالحق تعرف أهله. ~~ولبس الشيطان عليهم تسويله لهم أن البعث خارج عن العادة فتركوا لذلك ~~القياس الصحيح والحكم بطريقة الأولى { من } أجل { خلق جديد * } أي ~~الإعادة. ولما ذكر خلق الخافقين، أتبعه خلق ما هو جامع لجميع ما هو فيها ~~فقال: { ولقد } أي والحال أنا قد { خلقنا } بما لنا من العظمة { الانسان ~~} وهو أعجب خلقا وأجمع من جميع ما مضى ذكره بما فيه من الأنس والطغيان، ~~والذكر والنسيان، والجهل والعرفان، والطاعة والعصيان، وغير ذلك من عجيب ~~الشأن، ووكلنا به من جنودنا من يحفظه فيضبط حركاته وسكناته وجميع أحواله ~~{ ونعلم } أي والحال أننا نعلم بما لنا من الإحاطة { ما توسوس } أي تكلم ~~على وجه الخفاء، { به } الآن وفيما بعد ذلك مما لم ينقدح بعد من خزائن ~~الغيب إلى سر النفس كما علمنا ما تكلم { نفسه } وهي الخواطر التي تعترض ~~له حتى أنه هو ربما عجز عن ضبطها، فنحن نعلم أن قلوبهم عالمة بقدرتنا على ~~أكمل ما نريد وبصحة القرآن وإعجازه وصدق الرسول به صلى الله عليه وسلم ~~وامتيازه، وإنما حملهم الحسد والنفاسة والكبر والرئاسة على الإنكار ~~باللسان حتى صار ذلك لهم خلقا وتمادوا فيه حتى غطى على عقولهم، فصاروا ~~في لبس محيط بهم من جميع الجوانب. # ولما كان العالم بالشيء كلما كان قريبا منه كان علمه به أثبت وأمكن، ~~قال ممثلا لعلمه ومصورا له بما نعلم أنه موجبه: { ونحن } بما لنا من ~~العظمة { أقرب إليه } قرب ms4673 علم وشهود من غير مسافة { من حبل الوريد * } ~~لأن أبعاضه وأجزاءه تحجب بعضها بعضا، ولا يحجب علم الله شيء، والمراد به ~~الجنس، والوريدان عرقان كالحبلين مكتنفان لصفحتي العنق في مقدمها متصلات ~~من الرأس إلى الوتين وهو عرق القلب، وهذا مثل في فرط القرب، وإضافته مثل ~~مسجد الجامع، وقد مضى في تفسير سورة المائدة عند قوله # والله يعصمك من الناس # [المائدة: 67] ما ينفع هنا، قال القشيري: وفي هذه الآية هيبة وفزع وخوف ~~لقوم، وروح وأنس وسكون قلب لقوم. ### || [50.17-19] # ولما كان سبحانه قد وكل بنا حفظة تحفظ أعمالنا وتضبط أقوالنا وأحوالنا، ~~فكان المعروف لنا أن سبب الاستحفاظ خوف الغفلة والنسيان، قدم سبحانه ~~الإخبار بكمال علمه فأمن ذلك المحذور، علق بأقرب أو نعلم قوله تأكيدا ~~لما علم من إحاطة علمه من عدم حاجته، وتخويفا بما هو أقرب إلى مألوفتنا ~~{ إذ } أي حين { يتلقى } أي بغاية الاجتهاد والمراقبة والمراعاة من كل ~~إنسان خلقناه وأبرزناه إلى هذا الوجود { المتلقيان } وما أدراك ما هما؟ ~~ملكان عظيمان حال كونهما { عن اليمين } لكل إنسان قعيد منهما { وعن ~~الشمال } كذلك { قعيد * } أي رصد وحبس مقاعد لذلك الإنسان بأبلغ المقاعدة ~~ونحن أقرب منهما وأعلم علما، وإنما استحفظناهما لإقامة الحجة بهما على ~~مجاري عاداتكم وغير ذلك من الحكم. # ولما كانت الأفعال اللسانية والقلبية والبدنية ناشئة عن كلام النفس، ~~فكان الكلام جامعا، قال مبينا لإحاطة علمه بإحاطة من أقامه لحفظ هذا ~~الخلق الجامع في جواب من كأنه قال: ما يفعل المتلقيان: { ما يلفظ } أي ~~يرمي ويخرج المكلف من فيه، وعم في النفي بقوله: { من قول } أي مما تقدم ~~النهي عنه في الحجرات من الغيبة وما قبلها وغير ذلك قل أو جل { إلا لديه ~~} أي الإنسان أو القول على هيئة من القدرة والعظمة هي من أغرب المستغرب { ~~رقيب } من حفظتنا شديد المراعاة له في كل من أحواله { عتيد * } أي حاضر ~~مراقب غير غافل بوجه، روى البغوي بسنده من طريق الثعلبي عن أبي أمامة رضي ~~الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه ms4674 وسلم قال: # " كاتب الحسنات على يمين الرجل، وكاتب السيئات على يسار الرجل، وكاتب ~~الحسنات أمير على كاتب السيئات، فإذا عمل حسنة كتبها صاحب اليمين عشرا، ~~وإذا عمل سيئة قال صاحب اليمين لصاحب الشمال: دعه سبع ساعات لعله يسبح أو ~~يستغفر ". # ولما كان مثل إرسال الخافقين ثم الموت ثم النفخ بإرسال الملك في الدنيا ~~إلى الناس لعرضهم فيصير الإنسان منهم ساعيا في التزين للملك بما يعجبه ~~في مقصود ذلك العرض في الأجل الذي ضربه لهم، فإذا جاء ذلك الوقت الذي هو ~~كالموت أخذته الرسل فباءوا به كما يفعل حال الموت بالميت ومن أحضروه منهم ~~حبسوه على باب الملك لتكامل المعروضين، فإذا كمل جمعهم وأمر بقيامهم ~~للعرض زعق لهم المنادي بالبوق الذي يسمى النفير وهو كالصور، فلهذا قال ~~تعالى مبينا لإحاطة قدرته بجميع خلقه عاطفا على ما تقديره: فاضطرب ذلك ~~الإنسان الموكل به في الوقت المأمور بالتردد فيه بما يرضي الله بالقول ~~والفعل على حسب إرادته سبحانه سواء كان موافقا للأمر أو مخالفا إلى أن ~~أوان الرحيل معبرا بالماضي تنبيها على أن الموت مع أنه لا بد منه قريب ~~جدا: { وجاءت } أي أتت وحضرت { سكرة الموت } أي حالته عند النزع وشدته ~~وغمرته، يصير الميت بها كالسكران، لا يعي وتخرج بها أحواله وأفعاله ~~وأقواله عن قانون الاعتدال، ومجيئا متلبسا { بالحق } أي الأمر الثابت ~~الذي يطابقه الواقع فلا حيلة في الاحتراس منه من بطلان الحواس وكشف ~~الغطاء عن أحوال البرزخ من فتنة السؤال وضيق المجال أو سعة الحال، وقيل ~~للميت بلسان الحال إن لم يكن بلسان القال: { ذلك } أي هذا الأمر العظيم ~~العالي الرتبة الذي يحق لكل أحد الاعتداد له بغاية الجد { ما } أي الأمر ~~الذي { كنت } جبلة وطبعا. # ولما كانت نفرته منه وهربه من وقوعه بحفظ الصحة ودواء الأداء في الغاية، ~~كان كأنه لا ينفر إلا منه، فأشار إلى ذلك بتقديم الجار فقال: { منه تحيد ~~* } أي تميل وتنفر وتروع وتهرب. ### || [50.20-26] # ولما كان التقدير: فأخذ ذلك الإنسان بالقهر من بين الأهل والإخوان، ~~والعشائر ms4675 والجيران، وضم إلى عسكر الموتى وهم بالبرزخ نزول، ولانتظار ~~بقيتهم حلول، ولم يزالوا كذلك حتى تكامل القادمون عليهم الواصلون إليهم، ~~عطف عليه قوله مبنيا لإحاطة من عامل الملكوت والعز والجبروت: { ونفخ } ~~أي بأدنى إشارة وأيسر أمر { في الصور } وهو القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل ~~عليه السلام للموت العام والبعث العام عند التكامل، وانقطاع أوان ~~التعامل، وهو بحيث لا يعلم قدر عظمه واتساعه إلا الله تعالى، وهو عليه ~~الصلاة والسلام التقم الصور من حين بعث النبي صلى الله عليه وسلم وحنى ~~جبهته وأصغى سمعه ينتظر متى يؤمر، فيا لها من عظمة ما أغفلنا عنها، ~~وأنسانا لها، وآمننا منها، والمراد بهذه نفخة البعث. # ولما كان ذلك الأثر عن النفس هو سر الوجود، وأشار إلى عظمته بقوله: { ~~ذلك } أي الوقت الكبير العظيم الأهوال والزلازل والأوجال { يوم الوعيد * ~~} أي الذي يقع فيه ما وقع الإيعاد به. # ولما كان التقدير: فكان من تلك النفخة صيحة هائلة ورجة شاملة، فقال ~~الناس عامة من قبورهم، وحصل ما في صدورهم، عطف عليه قوله بيانا لإحاطة ~~العرض: { وجاءت كل نفس } أي مكلفة كائنا { معها سائق } يسوقها إلى ماهي ~~كارهة للغاية لعلمه بما قدمت من النقائص { وشهيد * } يشهد عليها بما ~~عملت، والظاهر من هذا أن السائق لا تعلق له بالشهادة أصلا، لئلا تقول ~~تلك النفس: إنه خصم، والخصم لا تقبل شهادته، ويقال حينئذ للمفرط في ~~الأعمال في أسلوب التأكيد جريا على ما كان يستحقه إنكاره في الدنيا، ~~وتنبيها على أنه لعظمه مما يحق تأكيده: { لقد كنت } أي كونا كأنه جبلة ~~لك { في غفلة } أي عظيمة محيطة بك ناشئة لك { من هذا } أي من تصور هذا ~~اليوم على ما هو عليه من انقطاع الأسباب، والجزاء بالثواب أو العقاب لأنه ~~على شدة جلائه خفي على من اتبع الشهوات { فكشفنا } بعظمتنا بالموت ثم ~~بالعبث { عنك غطاءك } الذي كان يحجبك عن رؤيته من الغفلة بالآمال في ~~الجاه والأموال وسائر الحظوظ والشهوات، تحقيقا لما له سبحانه من الإحاطة ~~بالتقدير والتعجيز، وعن الواسطي: من كشف عنه ms4676 غطاء الغفلة أبصر الأشياء ~~كلها في أسر القدرة وانكشف له حقائق الأشياء بأسرها، وهذا عبارة عن العلم ~~بأحوال القيامة. # ولما تسبب عن هذا الكشف الانكشاف التام، عبر عنه بقوله: { فبصرك اليوم } ~~أي بعد البعث { حديد * } أي في غاية الحدة والنفوذ، فلذا تقر بما كنت ~~تنكر. # ولما أخبر أخبر تعالى بما تقوله له الملائكة أو من أراد من جنوده، وكان ~~قد أخبر أن معبوداتهم من الأصنام والشياطين وغيرها تكون عليهم يوم ~~القيامة ضدا، أخبر بما يقول القرين من السائق والشهيد والشيطان الذي ~~تقدم حديثه في الزخرف، فقال عاطفا على القول المقدر قبل " لقد " معبرا ~~بصيغة المضي تأكيدا لمضمونه وتحقيقا: { وقال قرينه } أي الشيطان الذي ~~سلط على إغوائه واستدراجه إلى ما يريد. # نقله الكرماني عن ابن عباس رضي الله عنهما { هذا } أي الإنسان الذي ~~قرنتني به. ولما كان الأمر في كل من الطائع والعاصي في غاية العجب، لأن ~~الطائع ينابذ هواه فيكون ملكيا مجردا من حظوظه ونوازع نفوسه وما بنيت ~~عليه من النقائص والشهوات، والعاصي طوع يدي الشيطان، يصرفه في أغراضه كيف ~~يشاء، فيطيعه بغاية الشهوة مع علمه بعداوته، وأن طاعته لا تكون إلا ~~بمخالفة أمر الله الولي الودود، وكان العاصي أكثر كثرة يكون الطائع فيها ~~بالنسبة إليه كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود، وكان ذلك منابذا ~~للعقل، أشار إلى هذه المنابذة بأداة من لا يعقل وإلى جميع ما في أمره من ~~العجب بلدي فقال: { ما لدي } أي الأمر الذي عندي من الأمر المستغرب جدا ~~لكون المطيع عصاني، وهو مطبوع على النقائص والحظوظ التي يرى أنها حياته ~~ولذته وراحته، والعاصي أطاعني وهو يعلم بعقله أني شر محض، وترك الخير ~~المحض وهو عالم بأن في ذلك هلاكه { عتيد * } أي حاضر مهيأ لما يراد منه. # ولما كانت العادة جارية بأن من أحضر إليه شيء تبادر إلى أمهر بقوله أو ~~فعل، وصل بذلك ما هو نتيجته، وبدأ بالعاصي لأن المقام له، فقال ما يدل ~~على أنه لا وزن له، فلا وقفة في عذابه بحسابه ولا ms4677 غيره، مؤكدا خطابا ~~للمؤكد بالإلقاء أو خطابا للسائق والشهيد، أو السائق وحده مثنيا لضميره ~~تثنية للأمر كأنه قال: ألق ألق - تأكيدا له وتهويلا: { ألقيا } أي ~~اطرحا دفعا من غير شفقة، وقيل: بل هو تثنية وأصل ذلك أن الرفقة أدنى ما ~~يكون ثلاثة، فجرى كلام الواحد على صاحبه، ألا ترى أن الشعراء أكثر شيء ~~قيلا: يا صاحبي يا خليلي، والسر فيه إذا كان المخاطب واحدا إفهامه ~~أنه يراد منه الفعل بجد عظيم تكون قوته فيه معادلة لقوة اثنين { في جهنم ~~} أي النار التي تلقى الملقى فيها بما كان يعامل به عباد الله من الكبر ~~والعبوسة والتكره والتعصب. ولما كان المقصود تعليل إلقائه بوصف يعم غيره ~~ليكون لطفا لمن أراد الله عصمته ممن سمع هذا المقال وحجة على من أراد ~~الله إهانته: { كل كفار عنيد * } أي مبالغ في ستر الحق والمعاداة لأهله ~~من غير حجة حمية وأنفة نظرا إلى استحسان ما عنده والثبات عليه تجبرا ~~وتكبرا على ما عند غيره ازدراء له كائنا من كان { مناع } أي كثير المنع ~~{ للخير } من { مريب * } أي داخل في الريب وهو الشك والتهمة في أمر ~~الدين، وموقع غيره فيه، ثم أبدل من " كل " قوله بيانا لمبالغته في الكفر ~~الذي أوجب له كل شر { الذي جعل } كفرا مضاعفا وعنادا ومنعا للخير ~~الذي يجب عليه في قلبه ولسانه وبدنه، وتجاوزا للحدود دخولا في الشك ~~وإدخالا لغيره فيه { مع الله } أي الذي له الإحاطة بجميع صفات الكمال، ~~فليس أمره خفيا عن كل ذي عقل { إلها }. # ولما كان ربما تعنت متعنت فنزل الآية على من يدعو الله بغير هذا الاسم ~~الأعظم، صرح بالمراد بقوله: { آخر } وزاد الكلام أنه مأخوذ من التأخر ~~الناظر إلى الرداءة والسقوط عن عين الاعتبار بالكلية. # ولما كان هذا قد جحد الحق الواجب لله لذاته مع قطع النظر عن كل شيء ثم ~~ما يجب له من جهة ربوبيته وإنعامه على كل موجود، ثم من جهة إدامة إحسانه ~~مع المعصية بالحلم، وعاند في ذلك وفي إثباته للغير ما ms4678 لا يصح له بوجه من ~~الوجوه، سبب عن وصفه قوله: { فألقياه في العذاب } أي الذي يزيل كل عذوبة ~~{ الشديد * }. ### || [50.27-33] # ولما كان القرين قد قال ما تقدم مريدا به - جهلا منه - الخلاص من ~~العذاب بإظهار أنه ليس بأوصاف هذه النفس، بل من كبار المؤمنين، فأجيب ~~مقاله بإلقاء تلك النفس معللا للأمر بإلقائها بما شمل هذا القرين، فتشوف ~~السامع إلى ما يكون من حاله، وكانت العادة جارية أن من تكلم في شخص بما ~~فيه مثله ولا سيما إن كان هو السبب فيه أو كان قد تكلم ذلك الشخص فيه، ~~فكان قياس ذلك يقتضي ولا بد أن تقول تلك النفس القول فيها، وهذا عند ~~الأمر بإلقائها: ربنا هو أطغاني: أجاب تعالى عند هذا التشوف بقوله: { قال ~~قرينه } مناديا بإسقاط الأداة دأب أهل أهل القرب إيهاما أنه منهم: { ~~ربنا } أيها المحسن إلينا أيتها الخلائق كلهم { ما أطغيته } أي أوقعته ~~فيما كان فيه من الطغيان، فإنه لا سلطان لي عليه وأنت أعلم بذلك { ولكن ~~كان } بجبلته وطبعه { في ضلال بعيد * } محيط به من جميع جوانبه لا يمكن ~~رجوعه معه، فلذلك كان يبادر إلى كل ما يغضب الله، وإن حركته إليه أن فإنه ~~لا يحتاج إلى أدنى تحريك فيثور له ثورة من هو مجبول مركوز في طباعه. # ولما كان كأنه قيل: بم يجاب عن هذا؟ وهل يقبل منه؟ قيل: لا { قال } أي ~~الملك المحيط علما وقدرة الذي حكم عليهم في الأزل: { لا تختصموا } أي لا ~~توقعوا الخصومة بهذا الجد والاجتهاد { لدي } أي في دار الجزاء بهذه ~~الحضرة التي هي فوق ما كنتم تدركونه من الأخبار عنها بكثير، وأعجب بما ~~يدرك حق الإدراك، فقد أتم انكشاف ما كان يستغربه الخاصة بل خاصة الخاصة، ~~ففات بانكشافها نفع إيمان جديد { وقد } أي والحال أنه قد { قدمت } أي ~~تقدمت، أي أمرت وأوصيت قبل هذا الوقت موصلا ومنهيا { إليكم } أي كل ما ~~ينبغي تقديمه حتى لم يبق لبس ولا تركت لأحد حجة بوجه، وجعلت ذلك رفقا ~~بكم ملتبسا { بالوعيد * } أي ms4679 التهديد وهو التخويف العظيم على جميع ما ~~ارتكبتموه من الكفران والعدوان في الوقت الذي كانت فيه هذه الحضرة التي ~~هي غيب الغيب ومستورة بستائر الكبرياء والعظمة وبل كان ما دونها من الغيب ~~مستورا، فكان الإيمان به نافعا. # ولما كانت الأوقات كلها عنده سبحانه حاضرة، عبر سبحانه في تعليل ذلك ب ~~" ما " التي للحاضر دون " لا " التي للمستقبل فقال: { ما يبدل } أي يغير ~~من مغير ما كان من كان بوجه من الوجوه بحيث يجعل له بدل فيكون فيه خلف { ~~القول لدي } أي الواصل إليكم من حضرتي التي لا يحاط بأمر غرابتها بأن من ~~أشرك بي لا أغفر له وأغفر ما دون ذلك لمن أشاء، والعفو عن بعض المذنبين ~~ليس تبديلا لأن دلائل العفو تدل على تخصيص الوعيد، وأنه مشروط بشرائط { ~~وما أنا } وأكد النفي فقال: { بظلام } أي بذي ظلم { للعبيد * } لا القرين ~~ولا من أطغاه ولا غيرهم، فأعذب من لا يستحق أو أعفو عمن قلت: إني لا أغفر ~~له وأمرت جندي فعادوه في، ولو عفوت عنه كنت مع تبديل القول قد سؤتهم ~~بإكرام من عادوه في ليس إلا. # ولما كان هذا التقاول مما يهول أمره ويقلع القلوب ذكره، صور وقته بصورة ~~تزيد في ذلك الهول، وينقطع دون وصفها القول، ولا يطمع في الخلاص منها ~~بقوة ولا حول، فقال ما معناه: يكون هذا كله { يوم } ولما كان المقصود ~~الإعلام بأن النار كبيرة مع ضيقها، فهي تسع من الخلائق ما لا يقع تحت ~~حصر، وأنها مع كراهتها لمن يصلاها وتجهمها لهم تحب تهافتهم فيها وجلبهم ~~إليها عبر عنه على طريق الكناية بقوله: { نقول } أي على ما لنا من العظمة ~~التي لا يسوغ لشيء أن يخفى عنها { لجهنم } دار العذاب مع الكراهة ~~والعبوسة والتجهم إظهارا للهول بتصوير الأمر المهدد به، وتقريع الكفار، ~~وتنبيه من يسمع هذا الخبر عن هذا السؤال من الغفلة: { هل امتلأت } فصدق ~~قولنا # لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين # [هود: 119] وذلك بعد أن يلقى فيها من الخلائق ما لا يحيط به ms4680 الوصف، ~~فتقول: لا، { وتقول } طاعة لله ومحبة في عذاب أعدائه وإخبارا بأنها لم ~~تمتلىء لأن النار من شأنها أنها كلما زيدت حطبا زادت لهبا: { هل من ~~مزيد * } أي زيادة أو شيء من العصاة إزادة، سواء كان كثيرا أو قليلا، ~~فإني أسع ما يؤتى به إلي ولا تزال كذلك كما ورد في الحديث # " لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول هل من مزيد حتى يضع الجبار فيها قدمه " # أي يضربها من جبروته بسوط إهانة فينزوي بعضها إلى بعض وتقول: قط قط ~~وعزتك، ثم يستمرون بين دولتي الحر والزمهرير، وقد جعل الله سبحانه لذلك ~~آية في هذه الدار باختلاف الزمان في الحر والبرد، فإذا أفرط الحر جاءت ~~رحمته تعالى بالبرد وبالماء من السماء فامتزجا معا فكان التوسط، وإذا ~~أفرط البرد جاءت رحمته بالحر بواسطة الشمس، فامتزج الموجدان، فكان له ~~توسط، وكل ذلك له دوائر موزونة بأقساط مقسطة معلومة بتقدير العزيز العليم ~~- ذكر ذلك ابن برجان. # ولما ذكر النار وقدمها لأن المقام للإنذار، أتبعها دار الأبرار، فقال ~~سارا لهم بإسقاط مؤنة السير وطي شقة البعد: { وأزلفت } أي قربت بأيسر ~~أمر مع الدرجات والحياض الممتلئة { الجنة للمتقين } أي العريقين في هذا ~~الوصف، فإذا رأوها تسابقوا إليها وتركوا ما كانوا فيه من الموقف من منابر ~~النور وكثبان المسك ونحو هذا، وأما غيرهم من أهل الإيمان فقد يكون لهم ~~على غير هذا الوصف، فيساق إليها الذين اتقوا كما مضى في الزمر. # ولما كان القرب أمرا نسبيا أكده بقوله: { غير بعيد * } أي إزلافا لا ~~يصح وصفه ببعد. # ولما كان التقريب قد لا يدري الناظر ما سببه، قال سارا لهم: { هذا } أي ~~الإزلاف والذي ترونه من كل ما يسركم { ما } أي الأمر الذي { توعدون } أي ~~وقع الوعد لكم به في الدنيا، وعبر بالمضارع حكاية للحال الماضية، وعبر عن ~~الإزلاف بالماضي تحقيقا لأمره وتصويرا لحضوره الآن ليكون المضارع من ~~الوعد في أحكم مواضعه، وأبهم الأمر لأنه أكثر تشويقا، والتعيين بعد ~~الإبهام ألذ، فلذلك قال بيانا للمتقين، معيدا للجار لما وقع ms4681 بينه وبين ~~المبدل منه من الجملة الاعتراضية جوابا لمن كأنه قال: لمن هذا الوعد؟ ~~فقال تعالى: { لكل أواب } أي رجاع إلى الاستقامة بتقوى القلب إن حصل في ~~ظاهره عوج، فنبه بذلك على أنه من فضله لم يشترط في صحة وصفه بالتقوى دوام ~~الاستقامة { حفيظ } أي مبالغ في حفظ الحدود وسار العهود بدوام الاستقامة ~~والرجوع بعد الزلة، ثم أبدل من " كل " تتميما لبيان المتقين قوله: { من ~~خشي } ولم يعد الجار لأنه لا اعتراض قبله كالأول، ونبه على كثرة خشيته ~~بقوله: { الرحمن } لأنه إذا خاف مع استحضار الرحمة العامة للمطيع والعاصي ~~كان خوفه مع استحضار غيرها أولى، وقال القشيري: التعبير بذلك للإشارة إلى ~~أنها خشية تكون مقرونة بالأنس يعني الرجاء كما هو المشروع، قال: ولذلك لم ~~يقل { الجبار } أو { القهار } قال: ويقال: الخشية ألطف من الخوف، فكأنها ~~قريبة من الهيبة { بالغيب } أي مصاحبا له من غير أن يطلب آية أو أمرا ~~يصير به إلى حد المكاشفة، بل استغنى بالبراهين القاطعة التي منها أنه ~~مربوب، فلا بد له من رب، وهو أيضا بيان لبليغ خشيته. # ولما كان النافع من الطاعة الدائم إلى الموت، قال: { وجاء } أي بعد ~~الموت { بقلب منيب * } أي راجع إلى الله تعالى بوازع العلم، ولم يقل: ~~بنفس، لطفا بالعصاة لأنهم وإن قصرت نفوسهم لم يكن لها صدق القدم فلهم ~~الأسف بقلوبهم، وصدق الندم. ### || [50.34-37] # ولما كان الإخبار بكونها لهم وإن كان أمرا سارا لا يقتضي دخولها في ~~ذلك الوقت، زاد سرورهم بالإذن بقوله معبرا بضمير الجميع بيانا لأن ~~المراد من " من " جميع المتقين: { ادخلوها } أي يقال لهم: ادخلوا الجنة. ~~ولما كان المراد استقبالهم بالإلذاذ بالبشارة قال: { بسلام } أي مصاحبين ~~للسلامة من كل يمكن أن يخاف، فأنتج ذلك قوله إنهاء للسرور إلى غاية لا ~~توصف: { ذلك } أي اليوم العظيم جدا { يوم } ابتداء أو تقرير { الخلود * ~~} أي الإقامة التي لا آخر لها ولا نفاذ لشيء من لذاتها أصلا، ولذلك وصل ~~به قوله جوابا لمن كأنه قال: على أي وجه خلودهم؟: { لهم } بظواهرهم ms4682 ~~وبواطنهم { ما يشاؤون } أي يتجدد مشيئتهم أو تمكن مشيئتهم له { فيها } أي ~~الجنة { ولدينا } أي عندنا من الأمور التي في غاية الغرابة عندهم وإن كان ~~كل ما عندهم مستغربا { مزيد * } أي مما لا يدخل تحت أوهامهم يشاؤه، فإن ~~سياق الامتنان يدل على أن تنوينه للتعظيم، والتعبير بلدى يؤكد ذلك ~~تأكيدا يناسبها بأن يكونوا كل لحظة في زيادة على أمانيهم عكس ما كانوا ~~في الدنيا، وبذلك تزداد علومهم، فمقدورات الله لا تنحصر، لأن معلوماته لا ~~تنتهي. # ولما ذكر سبحانه أول السورة تكذيبهم بالقدرة على اعترافهم بما يكذبهم في ~~ذلك التكذيب، ثم سلى وهدد بتكذيب الأمم السابقة، وذكر قدرته عليهم، ~~وأتبعه الدلالة على كمال قدرته إلى أن ختم بالإشارة إلى أن قدرته لا ~~نهاية لها، ولا تحصر بحد ولا تحصى بعد، ردا على أهل العناد وبدعة ~~الاتحاد في قولهم " ليس في الإمكان أبدع مما كان " عطف على ما قدرته بعد ~~{ فحق وعيد } من إهلاك تلك الأمم مما هو أعم منه بشموله جميع الزمان ~~الماضي وأدل على شمول القدرة، فقال: { وكم أهلكنا } أي بما لنا من ~~العظمة. ولما كان المراد تعميم الإهلاك في جميع الأزمان لجميع الأمم، نزع ~~الجار بيانا لإحاطة القدرة فقال: { قبلهم } وزاد في دلالة التعميم ~~فأثبته في قوله: { من قرن } أي جيل هم في غاية القوة، وزاد في بيان القوة ~~فقال: { هم } أي أولئك القرون بظواهرهم وبواطنهم { أشد منهم } أي من قريش ~~{ بطشا } أي قوة وأخذا لما يريدونه بالعنف والسطوة والشدة، وحذف الجار ~~هنا يدل على أن كل من كان قبل قريش كانوا أقوى منهم، وإثباته في ص يدل ~~على أن المذكورين بالإهلاك هناك مع الاتصاف بالنداء المذكور بعض المهلكين ~~لا كلهم. ولما أخبر سبحانه بأشديتهم سبب عنه قوله: { فنقبوا } أي أوقعوا ~~النقب { في البلاد } بأن فتحو فيها الأبواب الحسية والمعنوية وخرقوا في ~~أرجائها ما لم يقدر غيرهم عليه وبالغوا في السير في النقاب، وهي طرق ~~الجبال والطرق الضيقة فضلا عن الواسعة وما في السهول، بعقولهم الواسعة ~~وآرائهم النافذة وطبائعهم ms4683 القوية، وبحثوا مع ذلك عن الأخبار، وأخبروا ~~غيرهم بما لم يصل إليهم، وكان كل منهم نقابا في ذلك أي علامة فيه فصارت ~~له به مناقب أو مفاخر. # ولما كان التقدير: ولم يسلموا مع كثربة تنقيبهم وشدته من إهلاكنا بغوائل ~~الزمان ونوازل الحدثان، توجه سؤال كل سامع على ما في ذلك من العجائب ~~والشدة والهول والمخاوف سؤال تنبيه للذاهل الغافل، وتقريع وتبكيت للمعاند ~~الجاهل، بقوله: { هل من محيص * } أي معدل ومحيد ومهرب وإن دق، من قضائنا ~~ليكون لهؤلاء وجه ما في رد أمرنا. # ولما ذكرنا هنا من المواعظ ما أرقص الجماد، فكيف بمن يدعي أنه من رؤوس ~~النقاد، أنتج قوله مؤكدا لأجل إنكار الجاحد وعناد المعاند: { إن في ذلك ~~} أي الأمر البديع من العظات التي صرفناها هنا على ما ترون من الأساليب ~~العجيبة والطرق الغريبة في الإهلاك وغيره { لذكرى } أي تذكيرا عظيما ~~جدا. ولما كان المتذكر بمصارع المهلكين تارة بأن يكون حاضرا فيرى ~~مصارعهم حال الإيقاع بهم أو يرى آثارهم بعد ذلك، وتارة يخبر عنها، قال ~~بادئا بالرائي لأنه أجدر بالتذكير: { لمن كان } أي كونا عظيما { له ~~قلب } هو في غاية العظمة والنورانية إن رأى شيئا من ذلك فهو بحيث يفهم ~~ما يراه ويعتز به، ومن لم يكن كذلك فلا قلب له لأن قلبه لما كان غير نافع ~~كان عدما. # ولما كان قد بدأ بالناظر لأنه أولى بالاعتبار وأقرب إلى الادكار، ثنى ~~بمن نقلت إليه الأخبار فقال: { أو ألقى } أي إلقاء عظيما بغاية إصغائه ~~حتى كأنه يرمي بشيء ثقيل من علو إلى سفل { السمع } أي الكامل الذي قد ~~جرده عن الشواغل من الحظوظ وغيرها إذا سمع ما غاب عنه { وهو } أي والحال ~~أنه في حال إلقائه { شهيد * } أي حاضر بكليته، فهو في غاية ما يكون من ~~تصويب الفكر وجمع الخاطر، فلا يغيب عنه شيء مما تلي عليه وألقي إليه، ~~فيتذكر بما ذكرناه به عن قدرتنا من الجزئيات ما أنتجه من القدرة على كل ~~شيء، ورأى مجد القرآن فعلم أنه كلام الله ms4684 فسمعه منه فصدق الرسول، وقبل كل ~~ما يخبر به، ومن سمع شيئا ولم يحضر له ذهنه فهو غائب، فالأول العالم ~~بالقوة وهو المجبول على الاستعداد الكامل فهو بحيث لا يحتاج إلى غير ~~التدبر لما عنده من الكمال المهيأ بفهم ما يذكر به القرآن، والثاني ~~القاصر بما عنده من كثافة الطبع فهو بحيث يحتاج إلى التعليم فيتذكر بشرط ~~أن يقبل بكليته، ويزيل الموانع كلها، فلذلك حسن جدا موقع " أو " المقسمة ~~وعلم منه عظيم شرف القرآن في أنه مبشر للكامل والناقص، ليس منه مانع غير ~~الإعراض. ### || [50.38-43] # ولما دل على تمام علمه وشمول قدرته بخلق الإنسان إثر ما ذكره من جميع ~~الأكوان، ثم بإعدامه لأصناف الإنسان في كل زمان، ذكر بخلق ما أكبر منه في ~~المقدار والإنسان بعضه على وجه آخر، فقال عاطفا على { ولقد خلقنا ~~الانسان } وأكد تنبيها لمنكري البعث وتبكيتا، وافتتحه بحرف التوقع لأن ~~من ذكر بخلق شيء توقع الإخبار عما هو أكبر منه: { ولقد خلقنا } أي بما ~~لنا من العظمة التي لا يقدر قدرها ولا يطاق حصرها { السماوات والأرض } ~~على ما هما عليه من الكبر وكثرة المنافع { وما بينهما } من الأمور التي ~~لا ينتظم الأمر على قاعدة الأسباب والمسببات بدونها { في ستة أيام } ~~الأرض في يومين، ومنافعها في يومين، والسماوات في يومين، ولو شاء لكان ~~ذلك في أقل من لمح البصر، ولكنه سن لنا التأني بذلك { وما مسنا } لأجل ما ~~لنا من العظمة { من لغوب * } أي إعياء فإنه لو كان لاقتضى ضعفا فاقتضى ~~فسادا، فكان من ذلك شيء على غير ما أردناه، فكان تصرفنا فيه غير تصرفنا ~~في الباقي، وأنتم تشاهدون الأمر في الكل على حد سواء من نفوذ الأمر وتمام ~~التصرف، من اللغب وهو الإعياء، والريش اللغاب وهو الفاسد. # ولما دل سبحانه على شمول العلم وإحاطة القدرة، وكشف فيهما الأمر أتم ~~كشف، كان علم الحبيب القادر بما يفعل العدو أعظم نذارة للعدو وبشارة ~~للولي، سبب عن ذلك قوله: { فاصبر على ما } أي جميع الذي { يقولون } أي ~~الكفرة وغيرهم. ms4685 ولما كانت أقوالهم لا تليق بالجناب الأقدس، أمر سبحانه ~~بما يفيد أن ذلك بإرادته وأنه موجب لتنزيهه، وكماله، لأنه قهر قائله على ~~قوله، ولو كان الأمر بإرادة ذلك القائل استقلالا لكان ذلك في غاية البعد ~~عنه، لأنه موجب للهلاك، فقال: { وسبح } أي أوقع التنزيه عن كل شائبة نقص ~~متلبسا { بحمد ربك } أي بإثبات الإحاطة بجميع صفات الكمال للسيد المدبر ~~المحسن إليك بجميع هذه البراهين التي خصك بها تفضيلا لك على جميع الخلق ~~في جميع ما { قبل طلوع الشمس } بصلاة الصبح، وما يليق به من التسبيح ~~غيرها { وقبل الغروب } بصلاة العصر والظهر كذلك فالعصر أصل لذلك الوقت ~~والظهر تبع لها. # ولما ذكر ما هو أدل على الحب في المعبود لأنه وقت الانتشار إلى الأمور ~~الضرورية التي بها القوام والرجوع لقصد الراحة الجسدية بالأكل والشرب ~~واللعب والاجتماع بعد الانتشار والانضمام مع ما في الوقتين من الدلالة ~~الظاهرة على طي الخلق ثم نشرهم، أتبعه ما يكون وقت السكون المراد به ~~الراحة بلذيذ الاضطجاع والمنام فقال: { ومن الليل } أي في بعض أقواته { ~~فسبحه } بصلاتي المغرب والعشاء وقيام الليل لأن الليل وقت الخلوات وهي ~~ألذ المناجاة. # ولما ذكر الفرائض التي لا مندوحة عنها على وجه يشمل النوافل من الصلاة ~~وغيرها، أتبعها النوافل المقيدة بها فقال: { وأدبار السجود * } أي الذي ~~هو أكل بابه وهو صلاة الفرض بما يصلى بعدها من الرواتب والتسبيح بالقول ~~أيضا، قال الرازي: واعلم أن ثواب الكلمات بقدرة صدورها عن جنان المعرفة ~~والحكمة وأن تكون عين قلبه تدور دوران لسانه ويلاحظ حقائقها ومعانيها، ~~فالتسبيح تنزيه من كل ما يتصور في الوهم أو يرتسم في الخيال أو ينطبع في ~~الحواس أو يدور في الهواجس، والحمد يكشف عن المنة وصنع الصنائع وأنه ~~المتفرد بالنعم. انتهى. ومعناه أن هذا الحمد هو الحقيقة، فإذا انطبقت في ~~الجنان قامت باللسان، وتصورت بالأركان، وحمل على الصلاة لأنها أفضل ~~العبادات، وهي جامعة بما فيها من الأقوال والأفعال لوجهي الذكر: التنزيه ~~والتحميد، وهاتان الصلاتان المصدر بهما أفضل الصلوات فهما أعظم ما ms4686 وقع ~~التسبيح بالحمد، والمعنى. والله أعلم. أن الاشتغال استمطار من المحمود ~~المسبح للنصر على المكذبين، وأن الصلاة أعظم ترياق للنصر وإزالة الهم، ~~ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة. # ولما سلاه سبحانه عما يسمع منهم من التكذيب وغيره من الأذى بالإقبال على ~~علي حضرته والانتظار لنصرته، أتبعه تعزية الإشارة فيها أظهر بما صوره ~~يوم مصيبتهم وقربه حتى أنه يسمع في وقت نزول هذه الآية ما فيه لهم من ~~المثلات وقوارع المصيبات، تحذيرا لهم وبشرى لأوليائه بتمام تأييده عليهم ~~ونصره لهم في الدنيا والآخرة فقال: { واستمع } أي اسمع بتعمدك للسمع ~~بغاية جهدك بإصغاء سمعك وإقبال قلبك بعد تسبيحك بالحمد ما يقال لهم { يوم ~~يناد المناد } لهم في الدنيا يوم بدر أول الأيام التي أظهر الله فيها ~~لأوليائه مجده بالانتقام من أعدائه، وفي الآخرة يوم القيامة في صورة ~~النفخة الثانية وما بعده. # ولما كان المراد إظهار العظمة بتصوير تمام القدرة، وكان ذلك يتحقق ~~بإسماع البعيد من محل المنادي كما يسمع القريب سواء، وكان القرب ملزوما ~~للسماع، قال مصورا لذلك: { من مكان } هو صخرة بيت المقدس { قريب } أي ~~يسمع الصوت من بعد كما يسمعه من قرب، يكونون في البقاع سواء لا تفاوت ~~بينهم أصلا. # ولما عظم هذا المقام بما كساه من ثوب الإجمال أبدل منه إيضاحا وزيادة ~~في التعظيم قوله: { يوم يسمعون } أي الذين ينادون { الصيحة } أي صيحة ~~أصمتهم المستنفر لهم إلى بدر في الدنيا، فكانت صيحة قاضية بصممهم عن جميع ~~تصرفاتهم، وصيحة النفخة الثانية في الصورة في الآخرة فهما نفختا حشر إلى ~~القضاء بين المحق والمبطل { بالحق } أي لأمر الثابت الذي كانوا يسمونه ~~سحرا، ويعدونه خيالا، فيعلمون حينئذ أن الواقع قد يطابقه، فكان حقا ~~فإنه قد طابقه الواقع، فكان الإخبار به صدقا. # ولما عظمه سبحانه باجمال بعد إجمال، إشارة إلى أن ما فيه من شديد ~~الأهوال، يطول شرحه بالمقال، زاده تعظيما بما أنتجه الكلام فقال: { ذلك ~~} أي اليوم العظيم الذي يظهر به المجد ويعلو بضعفاء المؤمنين ms4687 المجد { يوم ~~الخروج } أي الذي لا خروج أعظم منه وهو خروجهم من بيوتهم في الدنيا إلى ~~مصارعهم ببدر، ومن قبورهم من الأرض التي خلقوا منها إلى مقامعهم في ~~النار. # ولما بنيت دعائم القدرة ودقت بشائر النصرة وختم بما يصدق على البعث الذي ~~هو الإحياء الأعظم دالا بما هو مشاهد من أفعاله، وأكده لإنكارهم البعث، ~~فقال: { إنا } أي بما لنا من العظمة { نحن } خاصة { نحيي ونميت } تجدد ~~ذلك شيئا بعد شيء سنة مستقرة وعادة مستمرة كما تشاهدونه، فقد كان منا ~~بالإحياء الأول البدء { وإلينا } خاصا بالإماتة ثم الإحياء { المصير * } ~~أي الصيرورة ومكانها وزمانها بأن نحيي جميع من أمتناه يوم البعث ونحشرهم ~~إلى محل الفصل، فنحكم بينهم وليس المعاد بأصعب من المبدأ، فمن أقر به ~~وأنكر البعث كان معاندا أو مجنونا قطعا. ### || [50.44-45] # ولما تحقق بذلك أمر البعث غاية التحقق، صور خروجهم فيه فقال معلقا بما ~~ختم به الابتداء مما قبله زيادة في تفخيمه وتعظيمه وتبجيله: { يوم تشقق ~~الأرض } وعبر بفعل المطاوعة لاقتضاء الحال له، وحذف تاء المطاوعة إشارة ~~إلى سهولة الفعل وسرعته { عنهم } أي مجاوزة لهم بعد أن كانوا في بطنها ~~فيخرجون منها أحياء كما كانوا على ظهرها أحياء، حال كونهم { سراعا } إلى ~~إجابة مناديها، وأشا إلى عظمه بقوله: { ذلك } أي الإخراج العظيم جدا { ~~حشر } أي جمع بكره، وزاد في بيان عظمة هذا الأمر بدلالته على اختصاصه ~~بتقديم الجار فقال: { علينا } أي خاصة { يسير * } فكيف يتوقف عاقل فيه ~~فضلا عن أن ينكره، وأما غيرنا فلا يمكنه ذلك بوجه. انتهى. # ولما أقام سبحانه الأدلة على تمام قدرته وشمول علمه وختم بسهولته عليه ~~واختصاصه به، وصل تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم بتهديدهم على تكذيبهم ~~بالعلم الذي هو أعظم التهديد فقال: { نحن } أي لا غيرنا ولا هم أنفسهم { ~~أعلم } أي من كل من يتوهم فيه العلم { بما يقولون } أي في الحال ~~والاستقبال من التكذيب بالبعث وغيره مع إقرارهم بقدرتنا. # ولما كان التقدير: فنحن قادرون على ردهم عنه بما لنا من العلم المحيط ~~وأنت ms4688 لهم منذير تنذرهم وبال ذلك، عطف عليه قوله: { وما أنت عليهم } ولما ~~أفاد حرف الاستعلاء القهر والغلبة صرح به مؤكدا في النفي فقال: { بجبار ~~} أي متكبر قهار عات تردهم قهرا عما تكره منهم من الأقوال والأفعال، ~~إنما أنت منذر، ولما نفى عنه الجبروت، أثبت لهم ما أفهمه واو العطف من ~~النذارة كما قدرته قبله، فقال مسببا عنه معبرا بالتذكير الذي يكون عن ~~نسيان لأن كل ما في القرآن من وعظ إذا تأمله الإنسان وجده شاهدا في نفسه ~~أو فيما يعرفه من الآفاق { فذكر } أي بطريق البشارة والنذارة { بالقرآن } ~~أي الجامع بمجده لكل خير المحيط كل صلاح { من يخاف وعيد * } أي يمكن ~~خوفه، وهو كل عاقل، ولكنه ساقه هكذا إعلاما بأن الذي يخاف بالفعل فيكشف ~~الحال عن إسلامه هو المقصود بالذات، وغيره إنما يقصد لإقامة الحجة عليه ~~لا لدده ولا يؤسف عليه ولا يتأثر بتكذيبه بل يعتقد أنه عدم لا تضر عداوته ~~ولا تنفع ولايته، وما آذى إلا نفسه وكل من والاه في الدنيا والآخرة، وهذا ~~هو المجد للقرآن ولمن أنزله ولمن أتى به عنه بتمام قدرة من هو صفته وشمول ~~علمه، فقد انعطف هذا الآخر على ذلك الأول أشد انعطاف، والتفت فروعه بأصله ~~أتم التفاف، فاعترفت به أولو براعة وأهل الإنصاف والاتصاف بالتقدم في كل ~~صناعة بالسبق الذي لا يمكن لحاقه أي اعتراف. والله الهادي للصواب. ### | [51 - سورة الذاريات] ### || [51.1-8] # لما ختم سبحانه ق بالتذكير بالوعيد، افتتح هذه بالقسم البالغ على صدقه، ~~فقال مناسبا بين القسم والمقسم عليه: { والذاريات } أي الرياح التي من ~~شأنها الإطارة والرمي والتفريق والإذهاب، وأكد ذلك بقوله: { ذروا * } أي ~~بما تصرفها فيه الملائكة، قال الأصبهاني: الرياح تحت أجنحة الكروبيين ~~حملة العرش، فتهيج من ثم فتقع بعجلة الشمس ثم تهيج عن عجلة الشمس فتقع ~~برؤوس الجبال، ثم من رؤوس الجبال تقع في البر، فأما الشمال فإنها تمر تحت ~~عدن فتأخذ من عرف طيبها فتمر على أرواح الصديقين، ثم تأخذ حدها من كرسي ~~بنات نعش إلى مغرب الشمس، ms4689 وتأتي الدبور حدها من مغرب الشمس إلى مطلع ~~سهيل، وتأتي الجنوب حدها من مطلع سهيل إلى مطلع الشمس، وتأتي الصبا حدها ~~من مطلع الشمس إلى كرسي بنات نعش، فلا تدخل هذه في حد هذه ولا هذه في حد ~~هذه. # ولما كانت غاية الذرو التهيئة للحمل، قال مسببا ومعقبا: { فالحاملات } ~~أي من السحب التي فرقت الريح أصلها وهو الأبخرة، وأطارته في الجو في جهة ~~العلو ثم جمعته، فانعقد سحابا فبسطه مع الالتئام فحمله الله ما أوجد فيه ~~من مراده من الماء والصواعق وغيرها { وقرا * } أي حملا ثقيلا، وقد كان ~~قبل ذلك لا يرى شيء منه ولا من محموله، فتحققوا قدرة الله على كل ما يريد ~~وإن لم تروا أسبابه، ولا يغرنكم بالله الغرور. # ولما كان الحمل إنما هو الوضع في الأماكن التي يراد ضرها أو نفعها، وكان ~~سير الغمام بعد الحمل في ساحة الجو وباحة الأفق من غير ممسك يرى أدل على ~~القدرة، ولا سيما إذا كان مع الجري الذي يضرب به لسرعته المثل، وكذا جري ~~السفن في باحة البحر بعد ثقلها بالوسق قال: { فالجاريات يسرا * } أي ~~جريا ذا سهولة. # ولما كان في غاية الدلالة على تمام القدرة بغريق محمولها في الأراضي ~~المجتاحة ولا سيما إن تباعدت أماكن صبه ومواطن سكبه، وكان ذلك التفريق هو ~~غاية الجري المترتب على الحمل المترتب على الذرو، قال مسببا معقبا ~~مشيرا بالتفعيل، إلى غرابة فصلها لقطراتها وبداعة تفريقها لرحمتها من ~~عذابها، وغير ذلك من أحوال الجاريات وتصريف الساريات: { فالمقسمات } أي ~~من السحب بما تصرفها فيه الملائكة عليهم السلام، وكذا السفن بما يصرفها ~~الله به من الرياح اللينة أو العاصفة من سلامة وعطب وسرعة وإبطاء، وكذا ~~غيرهما من كل أمر تصرفه الملائكة بين العباد وتقسمه. # ولما كان المحمول مختلفا كما تقدم، قال جامعا لذلك: { أمرا * } أي من ~~الرحمة أو العذاب، قال الرازي في اللوامع: وهذه أقسام يقسم الله بها ولا ~~يقسم بها الخلق لأن قسم الخلق استشهاد على صحة قولهم بمن يعلم السر ~~كالعلانية وهو الله ms4690 تعالى، وقسم الخالق إرادة تأكيد الخبر في نفوسهم ~~فيقسم ببعض بدائع خلقه على وجه يوجب الاعتبار ويدل على توحيده، فالرياح ~~بهبوبها وسكونها لتأليف السحاب وتذرية الطعام واختلاف الهواء وعصوفها مرة ~~ولينها أخرى والسحاب بنحو وقوفها مثقلات بالماء من غير عماد وصرفها في ~~وقت الغنى عنها بما لو دامت لأهلكت، ولو انقطعت لم يقدر أحد على قطرة ~~منها، وبتفريق المطر وإلا هلك الحرث والنسل، والسفن بتسخير البحر ~~لجريانها وتقدير الريح لها بما لو زاد لغرق، ولو ركد لأهلك، والملائكة ~~تقسم الأمور بأمر ربها، كل ذلك دليل على وجود الصانع الحكيم، والفاطر ~~العليم، القادر الماجد الكريم. # ولما كانوا يكذبون بالوعيد، أكد الجواب بعد التأكيد بنفس القسم فقال: { ~~إنما } أي الذي { توعدون } أي من الوعد للطائع والوعيد للعاصي، وإن لم ~~تروا أسبابه، ولما كان ما توعدوا به لتحقق وقوعه وقربه كأنه موجود ~~يخاطبهم عن نفسه، عبر عن المصدر باسم الفاعل فقال: { لصادق * } أي مطابق ~~الإخبار به للواقع، وسترون مطابقته له إذا وقع، وتعلمون أن ذلك الواقع حق ~~ثابت لا خيال لمطابقته للخبر، قال ابن برجان: واعلم أن الله عز وجل ما ~~أقسم بقسم إلا مطابقا معناه لمعان في المقسم من أجله بسراج منير يهدي به ~~الله تعالى من يشاء، وإنما يعمي عن رؤية ذلك ظواهر إشخاص للمحسوسات، ويصم ~~عن إسماع ندائها ضوضاء المشاهدات، ولولا ذلك لنودوا بها من مكان قريب، ~~وقال البيضاوي: كأنه استدل باقتداره على هذه الأشياء العجيبة المخالفة ~~لمقتضى الطبيعة على اقتداره على البعث. # ولما كان أجل وعيدهم وما يتعلق بالجزاء يوم القيامة وكانوا ينكرونه، ~~قال: { وإن الدين } أي المجازاة لكل أحد بما كسب يوم البعث، والشرع الذي ~~أرسلت به هذا النبي الكريم { لواقع * } لا بد منه وإن أنكرتم ذلك، فيظهر ~~دينه على الدين كله كما وعد بذلك، ثم نقيم الناس كلهم للحساب. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير في برهانه: لما ذكر سبحانه المواعيد ~~الأخروية في سورة ق وعظيم تلك الأحوال من لدن قوله { وجاءت سكرة الموت ~~بالحق } إلى آخر ms4691 السورة، أتبع سبحانه ذلك بالقسم على وقوعه وصدقه فقال: { ~~والذاريات ذروا } إلى قوله: { إنما توعدون لصادق وإن الدين لواقع } ~~والدين الجزاء، أي أنهم سيجازون على ما كان منهم ويوفون قسط أعمالهم { ~~فلا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون } { إنما نملي لهم ليزدادوا ~~إثما }. ولما أقسم الله على صدق وعده ووقوع الجزاء، عقب ذلك بتكذيبهم ~~بالجزاء وازدرائهم فقال { يسألون أيان يوم الدين } ثم ذكر تعالى حال ~~الفريقين وانتهاء الطريقين إلى قوله: { وفي الأرض آيات للموقنين } فوبخ ~~تعالى من لم يعمل فكره ولا بسط نظره فيما أودع سبحانه في العالم من ~~العجائب، وأعقب بذكر إشارات إلى أحوال الأمم وما أعقبهم تكذيبهم، وكل هذا ~~تنبيه لبسط النظر إلى قوله: { ومن كل شيء خلقنا } بقوله: { كذلك ما أتى ~~الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون } أي إن هذا دأبهم ~~وعادتهم حتى كأنهم تعاهدوا عليه وألقاء بعضهم إلى بعض فقال تعالى: { ~~تواصوا به أم هم قوم طاغون } أي عجبا لهم في جريهم على التكذيب والفساد ~~في مضمار واحد، ثم قال تعالى: { بل هم قوم طاغون } أي أن علة تكذيبهم هي ~~التي اتحدت فاتحد معلولها، والعلة طغيانهم وإظلام قلوبهم بما سبق { ولو ~~شئنا لأتينا كل نفس هداها } ثم زاد نبيه عليه السلام أشياء مما ورد على ~~طريقة تخييره عليه السلام في أمرهم من قوله تعالى: { فتول عنهم فما أنت ~~بملوم } ثم أشار تعالى بقوله: { وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين } إلى أن ~~إحراز أجره عليه السلام إنما هو في التذكار والدعاء إلى الله تعالى، ثم ~~ينفع الله بذلك من سبقت له السعادة { إنما يستجيب الذين يسمعون } ثم أخبر ~~نبيه عليه الصلاة والسلام بأن تكذيبه سينالهم قسط ونصيب مما نال غيرهم من ~~ارتكب مرتكبهم، وسلك مسلكهم، فقال تعالى { وإن للذين ظلموا ذنوبا مثل ~~ذنوب أصحابهم } إلى آخر السورة - انتهى. # ولما أخبر سبحانه عن ثبات خبره، أتبعه الإخبار عن وهي كلامهم، فقال ~~مقسما عليه لمبالغتهم في تأكيد مضامينه مع التناقض بفعله الجميل وصنعه ~~الجليل، إشارة إلى ms4692 أنهم لم يتخلقوا من أخلاقه الحسنى بقول ولا فعل: { ~~والسماء ذات الحبك * } أي الآيات المحتبكة بطرائق النجوم المحكمة، الحسنة ~~الصنعة، الجيدة الرصف والزينة، حتى كأنها منسوجة، الجميلة الصنعة الجليلة ~~الآثار، الجامعة بين القطع والاختلاط والاتفاق والاختلاف، وأصل الحبك ~~الإحكام في امتداد واطراد - قاله الرازي في اللوامع. { إنكم } يا معشر ~~قريش { لفي قول } محيط بكم في أمر القرآن والآتي به وجميع أمر دينكم ~~وغيره مما تريدون به إبطال الدين الحق { مختلف * } كاختلاف طرائق السماء ~~التي لا تكاد تنتظم، ولا يعرف أولها من آخرها، واختلاف هذه الأشياء ~~المقسم بها من أول السورة واختلاف غاياتها لكنه مع ذلك متدافع، وإن كنتم ~~تجتهدون في تزيينه وتقريبه للأفهام وتحسينه فإنه لا يكاد إذا عرضه الناقد ~~على الفكر النافذ ينضبط بضابط ولا يرتبط برابط، بل تارة تقولون: هذا شعر ~~فيلزمكم وصفه بما تصفون به الشعر من الاتساق بالوزن المجرد والروي ~~المتحد، والعذوبة والرشاقة، وتارة تقولون: هذا سحر فيلزمكم مع الإقرار ~~بالعجز عنه أنه لا حقائق له والواقع أنه لا يتأمله ذو فهم إلا رأى حقائقه ~~أثبت من الجبال، وتارة تقولون: أضغاث أحلام، فيلزمكم أنه لا ينضبط بضابط، ~~ولا يكون له مفهوم يحصل، ولا يعجز أحد عن تلفيق مثله، فقد أبطلتم قولكم: ~~إنه شعر وإنه سحر. # وتارة تقولون: إنه كهانة فيلزمكم أن تعتقدوا منه ما تعتقدون في أقوال ~~الكهان من الإخبار بالمغيبات وإظهار الخبء وفصل الحكم، فأبطلتم ما مضى من ~~قولكم أضغاث أحلام وسحر وشعر، وتارة تقولون، إنه جنون، فقد نقضتم جميع ~~أقوالكم الماضية وناديتم على أنفسكم بالمباهتة، تقولون في الآتي به: إنه ~~شاعر وساحر ومجنون وكاهن وكاذب، وكل قول منها ينقض الآخر، وأنتم تدعون ~~أنكم أصدق الناس وأبعدهم عن عار الكذب، وأنكم أعقل الناس وأنصفهم، فقد ~~تباعد أولا ما بين أقوالكم، ثم ما بينها وبين أفعالكم، فكان اختلاف ~~طرائق النجوم دالا على مانع مختار تام العلم كامل القدرة، وكذا اختلاف ~~قولكم على هذا الوجه مع ما لكم من العقول دال على قاهر لكم على ذلك، ~~فهما ms4693 آيتان في الآفاق وفي أنفسكم. ### || [51.9-18] # ولما كان هذا الاختلاف مما لا يكاد يصدق لأنه لا يقع فيه عاقل، بين سببه ~~بأنهم مغلوبون عليه بقهر يد القدرة فقال: { يؤفك } أي يصرف بأيسر أمر ~~وأسهله عن سنن الاستقامة، ويقلب من وجهه لقفاه { عنه } أي يصدر صرفه عن ~~هذا القول مجازا لما يلزمه من عاره، فهو لأجل ذلك يقوله { من أفك * } أي ~~قلبه قلب قاهر أي تبين بهذا الصرف الذي هو أعظم الصرف أنه حكم في الأزل ~~حكما ثابتا جامعا، فصار لا يصد عنه قول ولا فعل إلا كان مقلوبا وجهه ~~إلى قفاه لا يمكن أن يأتي منه بشيء على وجهه، فكأنه لا مأفوك سواه لشدة ~~افكه وعجيب أمره. # ولما كان الكذب الإخبار بما لا حقيقة له وتعمد الافتراء، وكان الخرص ~~الكذب والافتراء والاختلاف وكل قول بالظن، قال معلما بما لهم على قولهم ~~هذا: قتلوا أو قتلتم - هكذا كان الأصل ولكنه أظهر الوصف الذي استحقوه ~~بقولهم: { قتل الخراصون * } أي حصل بأيسر أمر قتل الكذابين ولا محالة من ~~كل قاتل، والمتقولين بالظن المنقطعين للكلام من أصل لا يصلح للخرص وهو ~~القطع، وهم الذين يقولون عن غير سند من كتاب أو سنة أو أثارة من علم، وهو ~~دعاء أو خبر لأنه مجاب: { الذين هم } خاصة { في غمرة } أي أعماق من العمى ~~والضلال، غارقون في سكرهم وجهلهم الذي غمرهم، ولذلك هم مضطربون اضطراب من ~~هو يمشي في معظم البحر فهو لا يكاد ينتظم له أمر من قول ولا فعل ولا حال ~~{ ساهون * } أي عريقون في السهو وهو النسيان والغفلة والحيرة وذهاب القلب ~~إلى غيره ما يهمه، ففاعل ذلك ذو ألوان متخالفة من هول ما هو فيه وشدة ~~كربه. # ولما حكم بسهوهم، دل عليه بقوله: { يسئلون } أي حينا بعد حين على سبيل ~~الاستمرار استهزاء بقولهم: { أيان } أي متى وأي حين { يوم الدين * } أي ~~وقوع الجزاء الذي يخبرنا به، ولولا أنهم بهذه الحالة لتذكروا من أنفسهم ~~أنه ليس أحد منهم يبث عبيده أو أجراءه في عمل من ms4694 الأعمال إلا وهو يحاسبهم ~~على أعمالهم، وينظر قطعا في أحوالهم، ويحكم بينهم في أقوالهم وأفعالهم ~~فكيف يظن بأحكم الحاكمين أن يترك عبيدة الذين خلقهم على هذا النظام ~~المحكم وأبدع لهم هذين الخافقين وهيأ لأجلهم فيهما ما لا ضرورة لهم في ~~التزود للمعاد إلى سواه فيتركهم سدى يوجدهم عبثا. # ولما تقرر أمر القيامة بالتعبير بساهون قال: { يوم } أي نقول يوم { هم ~~على النار يفتنون * } أي يرمون فيحرقون ويعذبون ويصبحون... من الاختلاف ~~مقولا لهم على سبيل القرع والتوبيخ: { ذوقوا فتنتكم }... العقوبة من ~~الفتنة المحيطة. # .. واستعجالكم ما توعدون استهزاء وتكذيبا { هذا الذي كنتم به تستعجلون ~~* } أي تطلبون عجلته... { إن المتقين } أي الذين كانت التقوى لهم وصفا ~~ثابتا { في جنات } أي بساتين عظيمة نحن داخلها... { وعيون * }... { ~~آخذين... ما } أي كل شيء { آتاهم... ربهم } أي المحسن إليهم... بتمام ~~علمه وشامل قدرته وهو لا يدع لهم لذة إلا أنحفهم بها فيقبلونها بغاية ~~الرغبة لأنها في غاية النفاسة. ولما كان هذا أمرا عظيما يذهب الوهم في ~~سببه كل مذهب، علله بقوله مؤكدا لنسبة الكفار لهم إلى الإساءة: { إنهم ~~كانوا } أي كونا هو كالجبلة. ولما كان الإنسان إما يكون مطيعا في مجموع ~~عمره أو في بعضه... على الطاعة، وكانت الطاعة تجب ما قبلها، وتكون ~~سببا في تبديل السيئات حسنات فضلا منه سبحانه، فكان كل من القسمين ~~مطيعا في جميع زمانه، نزع الجار فقال: { قبل ذلك } أي في دار العمل، ~~وقيل: أخذوا ما فرض عليهم بغاية القبول لأنهم كانوا قبل فرض الفرائض ~~يعملون على المحبة وهو معنى { محسنين * } أي في معاملة الخالق والخلائق، ~~يعبدون الله كأنهم يرونه، ثم فسر إحسانهم معبرا عنه بما هو في غاية ~~المبالغة بقوله: { كانوا } أي لما عندهم من الإجلال له والحب فيه بحيث ~~كأنهم مطبوعون عليه، ولغاية التأكيد وقع الإسناد إليهم مرتين { قليلا من ~~الليل } الذي هو وقت الراحات وقضاء الشهوات، وأكد المعنى بإثبات " ما " ~~فقال: { ما يهجعون * } أي يفعلون الهجوع وهو النوم الخفيف القليل، فما ~~ظنك بما فوقه لأن الجملة تثبت هجوعهم وهو ms4695 النوم للراحة، وكسر التعب وما ~~ينفيه، وذكر الليل لتحقق المعنى فإن الهجوع النوم ليلا، فالمعنى أنهم ~~يحيون أكثر الليل وينامون أقله. ولما كان المحسن لا يرى نفسه إلا مقصرا، ~~قال دالا على ذلك وعلى أن تهجدهم يتصل بآخر الليل مؤكدا بالإسناد ~~مرتين أيضا: { وبالأسحار } قال ابن زيد: السحر: السدس الأخير من الليل { ~~هم } أي دائما بظواهرهم وبواطنهم { يستغفرون * } أي يعدون مع هذا ~~الاجتهاد أنفسهم مذنبين ويسألون غفران ذنوبهم لوفور علمهم بالله وأنهم لا ~~يقدرون على أن يقدروه حق قدره وإن اجتهدوا لقول سيد الخلق # " لا أحصي ثناء عليك " # وإبراز الضمير دال على أن غيرهم لو فعل هذا ليلة لأعجب بنفسه ورأى أنه ~~لا أحد أفضل منه، وعلى أن استغفارهم في الكثرة يقتضي أنهم يكونون بحيث ~~يظن أنهم أحق بالتذلل من المصرين على المعاصي، فإن استغفارهم ذلك على ~~بصيرة لأنهم نظروا ما له سبحانه في الآفاق وفي أنفسهم من الآيات والحكم ~~البالغة التي لا تحصى فعلموا أنه أهل لأن يطاع ويخشى فاجتهدوا وتركوا ~~الهجوع، وأجروا الدموع، ثم قابلوا ذلك بنعمه فإذا الأعمال في غاية ~~التقصير فأقبلوا على الاستغفار عالمين بأنه لا يمكن أن يقدر حق قدره. ### || [51.19-25] # ولما ذكر معاملتهم للخالق، أتبعه المعاملة للخلائق تكميلا لحقيقة ~~الإحسان فقال: { وفي أموالهم } أي كل أصنافها { حق } أي نصيب ثابت. ولما ~~كان السياق هنا للإحسان، فكان إحسانهم لفرط محبتهم إلى عباد الله لا ~~يوقفهم عن الواجب بخلاف ما في " سأل " من سياق المصلين مطلقا ترك وصفه ~~بالمعلومية فقال: { للسائل } أي الذي ينبه على حاجته بسؤال الناس وهو ~~المتكفف { والمحروم * } وهو المتعفف الذي لا يجد ما يغنيه، ولا يسأل ~~الناس ولا يفطن له ليتصدق عليه، وهذه صفة أهل الصفة رضي الله عنهم، ~~فالمحسنون يعرفون صاحب هذا الوصف لما لهم من نافذ البصيرة ولله بهم من ~~العناية. # ولما دل إقسامه بالسماء وما قبلها من الذاريات على ما له في العلويات من ~~الآيات إلى أن ختم بالأموال التي تنبتها الأرض، فكان التقدير: ففي ~~السماوات آيات للمؤمنين دالات ms4696 على عظمته واستحقاقه للعبادة بغاية الخضوع ~~رغبا ورهبا، عطف عليه قوله: { وفي الأرض } مما فيه أيضا من الاختلاف ~~بالمعادن الكثيرة المتباينة مع اتحاد أصلها والنبات والحيوان والجماد ~~والبر والبحر وغير ذلك من الأسرار الدالة على الفاعل المختار { آيات } أي ~~دلالات عظيمات هي مع وضوحها بعد التأمل خفيات { للموقنين * } الذين صار ~~الإيقان لهم غريزة ثابتة، فهم لذلك يتفطنون لرؤية ما فيها مع ما يلابسهم ~~منها من الأسباب فيشغلهم ولا يرون أكثر أسباب ما فيها من الآيات فأداهم ~~ذلك إلى الإيقان بما نبهت عليه الرسل مما تستقل به العقول من البعث ~~وغيره، قال القشيري: من الآيات فيها أنها تحمل كل شيء، فكذلك العارف يحمل ~~كل أحد ومن استثقل أحدا أو تبرم برؤيته أحدا فلغيبته عن الحقيقة ~~ومطالعة الخلق بعين التفرقة. وأهل الحقائق لا يتصفون بهذه الصفة، ومن ~~الآيات فيها أنه يلقى عليها كل قذارة وقمامة فتنبت كل زهر ونور وكذلك ~~العارف يتشرب ما يلقى من الجفاء ولا يترشح إلا بكل خلق علي وشيمة زكية. # ولما أشار إلى آيات الآفاق، أتبعها آيات الأنفس فقال: { وفي أنفسكم } أي ~~من الآيات التي شاركتم بها الجماد، ثم فارقتموه بالنمو ثم بالحس ثم ~~فارقتم الحيوان الخسيس بالعقل الموصل إلى بدائع العلوم ودقائق الفهوم. ~~ولما كانت أظهر الآيات، سبب عن التنبيه عليها الإنكار عليهم في ترك ~~الاعتبار بها فقال: { أفلا تبصرون * } أي بأبصاركم وبصائركم فتتأملوا ما ~~في ذلك من الآيات وتتفكروا هل ترون أسباب أكثرها، فإن كل هذه آيات دالة ~~على قدرة الصانع على كل ما يريد واختياره، وأنه ما خلق هذا لخلق سدى، فلا ~~بد أن يجمعهم إليه للعرض عليه، فالموقنون لا يزالون ينظرون في أمثال هذا ~~بعيون باصرة وأفهام نافذة، فكلما رأوا آية اعتبروا بها، فازدادوا إيمانا ~~إلى إيمانهم، وإيقانا مع إيقانهم، وأول نظرهم فما أودعوا من الآيات ~~الحاجة، فمن تأملها علم أنه عبد، ومتى علم ذلك علم أن له ربا غير محتاج، ~~ومن أبصر جميع الصفات والأسماء فنفذ فهمه في شفاف الكائنات، فارتقى إلى ~~أعلى ms4697 الدرجات. # ولما بان بما قدمته في { المقسمات أمرا } ما في جهة العلو من الأسباب ~~الموجبة للنعمة والعذاب، قال: { وفي السماء } أي جهة العلو { رزقكم } بما ~~يأتي من المطر والرياح والحر والبرد وغير ذلك مما رتبه سبحانه لمنافع ~~العباد { وما توعدون * } وجميع ما أتتكم به الرسل من الوعد والوعيد ~~والصعقة والزلزال وغير ذلك من الأهوال وموجبات النكال، وكذا الرحمة ~~والخير والنعمة وكل ما يتعلق به الآمال، فكما أنكم تصدقون بذلك وأنتم لا ~~ترونه فكذلك صدقوا بالجنة والنار وإن لم تروها، فإنه لا فرق بين ماء ~~ينزله الله فيكون منه رياض وجنات وشوك وأدواء ومرارات، وسموم وعقارب ~~وحيات، وخشاش وسباع وحشرات، وبين ماء يعيد به الأموات، ثم يحشرهم إلى ~~جنان ونيران، فكما أنه لا مرية في إظهار هذا الغيب فكذلك لا لبس في إظهار ~~ذلك الغيب، ومن المعنى أيضا أنك لا تشتغل برزق فإنه في السماء، ولا سبيل ~~لك إلى العروج إليها، واشتغل بما كلفته من الخدمة لمن عنده الرزق ففي ~~السماء الرزق وإليها يرفع العمل، فإن أردت أن ينزل إليك رزقك فأصعد إليها ~~الصالح من عملك، ولهذا قالوا: الصلاة فرع باب الرزق { واصطبر عليها لا ~~نسئلك رزقا نحن نرزقك }. # ولما أقسم بما له من المقدورات لمن وقف مع المحسوسات المشهورات، فترقوا ~~بذلك إلى أعلى الدرجات، وانكشف ما له من الكمال انكشافا تاما، وعلم أن ~~في خزائنه سبحانه كل ما أخبرت عنه به الرسل من وعد ووعيد، سبب عنه قوله ~~مقسما بنفسه الأقدس لكن بصفة مألوفة فقال: { فورب } أي مبدع ومدبر { ~~السماء والأرض } بما أودع فيهما مما علمتموه وما لم تعلموه { إنه } أي ~~الذي توعدونه من الخير والشر والجنة والنار وتقدم الإقسام عليه أنه صادق ~~{ لحق } أي ثابت يطابقه الواقع فقد جمع الحق مع الصدق { مثل ما أنكم } أي ~~وأنتم مساوون لبقية ما في الأرض من الجمادات وغيرها { تنطقون * } نطقا ~~مجددا في كل وقت مستمرا، ليس هو بخيال ولا سحر، أي أن ذلك لحق مثل ما ~~أن هذا حق، فالذي جعل لكم ms4698 قوة النطق من بين ما في الأرض بأسباب لا ترونها ~~وتحصونها، ومع ما عداكم من ذلك بأسباب مثل ذلك قادر على الإتيان بوعده من ~~الرزق وغيره ما دمتم تحتاجون إلى ذلك بما جعل فيكم من الحياة التي يصح ~~بها العلم الناشىء عنه النطق المحوج إلى الرزق من أي جهة أرادوا، وإن لم ~~تروا أسبابه كما أنه لو أراد لأنطق جميع من في السماوات والأرض من ~~الجمادات بما يقيمه لها من الأسباب التي أقامها لكم وإن لم تروا ذلك. # ولما بين بما مضى من القسم وما أتبعه من أنه أودع في السماوات والأرض ~~وما بينهما أسبابا صالحة للإتيان بما وعدناه من الخير، وما توعدنا به من ~~الشر وإن كنا لم نرها وهو قادر مختار، فصار ذلك كالمشاهد، ولا وجه ~~للتكذيب بوعد ولا وعيد، دل عليه وصوره بما شوهد من أحوال الأمم وبدأ - ~~لأن السياق للمحسنين - برأس المحسنين من أهل هذه الأنباء الذي أخبرته ~~الملائكة عليهم السلام بما سببه معه وإن كان على غير العادة. فتعجب زوجته ~~من ذلك مع كونها أعلى نساء ذلك الزمان، وأتبع قصته قصة لوط ابن أخيه ~~عليهما السلام لاتصال ما بين قصتيهما في الزمان، ولمناسبة عذابهم لما ~~أقسم به في أول السورة، فإنه سبحانه أمر الذاريات فاقتلعتهم بقراهم ~~وحملتها كما تحمل السحاب ثم كبتهم فرجمتهم، والأرض فخسفت بهم، والملائكة ~~الموكلة بمثل ذلك، ففعلوا جميع ما أمروا به ورأوهم في قريتهم وقصدوهم ~~بالمكر لأنهم خفي عليهم أمرهم، وأتوا الخليل عليه السلام وهو أعلى ذلك ~~الزمان وهم في ذلك ولم يعلم أول الأمر بشيء من حالهم ولا ظنهم إلا ~~آدميين، فقال مفخما لأمر القصة بتخصيص الخطاب لأعلى الخلق وأنفذهم فهما ~~إشارة إلى أنه لا يفهم هذا حق فهمه سواه على طريق الاستفهام على عادة ~~العرب في الإعلام بالأمور الماضية وإن كان المخبر عالما بأن المخاطب لا ~~علم له بذلك لأن المقصود ليس إلا التنبيه على أن ذلك الأمر مما ينبغي ~~الاهتمام به والبحث فيه ليعرف ما فيه، من الأمور ms4699 الجليلة؛ قال أبو حيان: ~~تقرير لتجتمع نفس المخاطب كما تبدأ المرء إذا أردت أن تحدثه بعجيب ~~فتقرره: هل سمعت ذلك أم لا؟ فكأنك تقتضي بأن يقول: لا، ويستطعمك الحديث - ~~انتهى. { هل أتاك } يا أكمل الخلق { حديث ضيف } عبر عنهم بلفظ الواحد ~~إشارة إلى اتحاد كلمتهم { إبراهيم * } وهو خليلنا، ودل على أنه لم يعرف ~~شيئا مما أتوا به دالا على أنهم جمع { المكرمين * } أي الذين هم أهل ~~الكرامة، وأكرمهم إبراهيم عليه السلام بقوله وفعله، ففي حديثه ذلك آية ~~بينة على ما بين في هذه السورة من قدرة الله تعالى وصدق وعده ووعيده، مع ~~ما فيه من التسلية لك ولمن تبعك، والبشارة بإكرام المصدق وإهانة المكذب، ~~قال القشيري: وقيل: كان عددهم اثني عشر ملكا، وقيل: جبريل عليه السلام، ~~وكان معه تسعة، وقيل: كانوا ثلاثة: { إذ } أي حديثهم حين { دخلوا عليه } ~~أي دخول استعلاء مخالف لدخول بقية الضيوف { فقالوا سلاما } أي نحدث، ثم ~~استأنف الأخبار عن جوابه بقوله: { قال } أي بلسانه: { سلام } أي ثابت ~~دائم، فهو أحسن من تحيتهم. # ولما كان ما ذكر من دخولهم وسلامهم غير مستغرب عند المخاطبين بهذا، ~~وكانت القصة قد ابتدئت بما دل على غرابة ما يقص منها، تشوف السامع إلى ما ~~كان بعد هذا فأجيب بقوله: { قوم } أي ذوو قوة على ما يحاولونه ويقومون ~~فيه { منكرون * } أي حالهم لإلباسه أهل لأن ينكره المنكر، وقدم هذا على ~~موضعه الذي كان أليق به فيما يظهر بادي الرأي، وإيضاحا لأن السياق لخفاء ~~الأسباب على الآدمي وبعدها وإن كانت في غاية الظهور والقرب ولو أنه غاية ~~العلو فإن إنكاره لهم كان متأخرا عن إحضار الأكل لكونهم لم يأكلوا، وهذا ~~القول كان في نفسه ولم يواجههم به. ### || [51.26-37] # ولما أشار إلى أنه حين إنكاره لهم لم يعرف من أي نوع هم ولا خصوص ما هم ~~فيه، رتب على رده لسلامهم أنه أسرع غاية الإسراع في إحضار ما ينبغي للضيف ~~على ظن أنهم آدميون فقال: { فراغ } أي ذهب في خفية وخفة ومواضع سترة عن ms4700 ~~أعينهم كما هو من آداب الضيافة خوفا من أن يمنعوه أو يكدر عليهم ~~الانتظار: { إلى أهله } أي الذين عندهم بقرة { فجاء بعجل } أي فتى من ~~أولاد البقر { سمين * } قد شواه وأنضجه { فقربه إليهم } ولما أخبر بما ~~ينبغي الإخبار به من أمر الضيافة إلا الأكل، كان من المعلوم أن التقدير: ~~فكان كأنه قيل: فماذا قال لهم حين لم يأكلوا؟ قيل: { قال } أي متأدبا ~~غاية التأدب ملوحا بالإنكار: { ألا تأكلون * } أي منه. # ولما كان كأنه قيل: فلم يأكلوا، سبب عنه قوله: { فأوجس } أي أضمر إضمار ~~الحال في جميع سره { منهم خيفة } لأجل إنكاره عدم أكلهم فإنه لما رأى ~~إعراضهم عن الطعام ذهب وهمه في سبب إتيانهم إليه كل مذهب { قالوا } ~~مؤنسين له: { لا تخف } وأعلموه بأنهم رسل الله { وبشروه بغلام } على ~~شيخوخته ويأس امرأته بالطعن في السن بعد عقمها، وهو إسحاق عليه السلام. ~~ولما كان السياق لخفاء الأسباب كان في الذروة وصفه بقوله: { عليم * } أي ~~مجبول جبلة مهيأة للعلم ولا يموت حتى يظهر علمه بالفعل في أوانه. # ولما كانا بعيدين عن قبول الولد، تسبب عن ذلك قوله، دالا على أن الولد ~~إسحاق مع الدلالة على أن خفاء الأسباب لا يؤثر في وجود المسببات: { ~~فأقبلت } أي من سماع هذا الكلام { امرأته } ولما كانت قد امتلأت عجبا، ~~عبر بالظرف فقال: { في صرة } أي صيحة وكرب من الصرير قد أحاط بها، فذهب ~~وهمهما في ذلك كل مذهب { فصكت } أي ضربت بسبب تعجبها بأطراف أناملها فعل ~~المتعجب { وجهها } لتلاشي أسباب الولد في علمها بسبب العادة مع معرفتها ~~بأن العبرة في الأسباب وإن كانت سليمة بالمسبب لا بها، قال البغوي: وأصل ~~الصك ضرب الشيء بالشيء العريض { وقالت } تريد أن تستبين الأمر هل الولد ~~منها أم من غيرها: { عجوز } ومع العجز { عقيم * } فهي في حال شبابها لم ~~تكن تقبل الحبل، قال القشيري رحمه الله تعالى: قيل: إنها كانت يومئذ ابنة ~~ثمان وتسعين سنة. # ولما كان في هذا أشد تشوف إلى الجواب، استأنف تعالى الجواب بقوله: { ~~قالوا كذلك } أي ms4701 مثل ما قلناه من هذه البشرى العظيمة { قال ربك } أي ~~المحسن إليك بتأهيلك لذلك على ما ذكرت من حالك وبتأهيلك من قبل الاتصال ~~بخليله صلى الله عليه وسلم. ولما كان محط تعجبها أن ذلك كان بأيام شبابها ~~أولى، عللوا إخبارهم تأكيدا له مؤكدين لأن قولها وفعلها فعل المنكر وإن ~~كانت ما أرادت به إلا الاستثبات: { إنه هو } أي وحده { العليم } الذي يضع ~~الأشياء في أحق مواضعها فرتب عظمة هذا المولود على كل من عقمك وعجزك؛ ثم ~~عللوا ذلك بقولهم: { الحكيم * } أي المحيط العلم فهو كذلك لا يعجزه شيء ~~لما تقدم من البرهان في سورة طه أن إحاطة العلم مستلزم شمول القدرة. # ولما كان الخليل عليه السلام أعلم أهل زمانه بالأمور الإلهية، علم أن ~~اجتماع الملائكة على تلك الهيئة التي يراهم فيها ليس لهذه البشارة فقط، ~~فلذلك استأنف تعالى الجواب لمن كان كأنه قال: ما كان من حاله وحالهم بعد ~~هذا؟ بقوله: { قال } أي قال مسببا عما رأى من حالهم: { فما خطبكم } أي ~~خبركم العظيم { أيها المرسلون * } أي لأمر عظيم { قالوا } قاطعين ~~بالتأكيد بأن مضمون خبرهم حتم لا بد منه، ولا مدخل للشفاعة فيه: { إنا ~~أرسلنا } أي بإرسال من تعلم { إلى قوم مجرمين * } أي هم في غاية القوة ~~على ما يحاولونه وقد صرفوا ما أنعم الله به عليهم من القوة في قطع ما يحق ~~وصله ووصل ما يحق قطعه { لنرسل عليهم } أي من السماء التي فيها ما وعد ~~العباد به وتوعدوا { حجارة من طين * } أي مهيأ للاحتراق والإحراق { مسومة ~~} أي معلمة بعلامة العذاب المخصوص. ولما كان قد رأوا اهتمامه بالعلم ~~بخبرهم خشية من أن يكونوا أرسلوا لعذاب أحد يعز عليه أمره، أمنوا خوفه ~~بوصف الإحسان فقالوا: { عند ربك } أي المحسن إليك بهذه البشارة وغيرها { ~~للمسرفين * } أي المتجاوزين للحدود غير قانعين بما أبيح لهم. # ولما كان من المعلوم أن القوم يكونون تارة في مدر وتارة في شعر، وعلم من ~~الآيات السالفة أن العذاب مختص بذوي الإسراف، سبب عن ذلك مفصلا لخبرهم ~~قوله ms4702 تعالى معلما أنهم في مدر: { فأخرجنا } بما لنا من العظمة بعد أن ~~ذهبت رسلنا إليهم ووقعت بينهم وبين لوط عليهم السلام محاولات معروفة لم ~~تدع الحال هنا إلى ذكرها، والملائكة سبب عذابهم، وأهل القرية المحاولون ~~في أمرهم لا يعرفون ذلك، وهذه العبارة إن كانت إخبارا لنا كانت خبرا ~~عما وقع لنعتبر به، وإن كانت لإبراهيم عليه السلام كان معناها أن الحكم ~~الأعظم وقع بإخراجهم بشارة له بنجاتهم { من كان فيها } أي قراها. ولما ~~كان القلب عماد البدن الذي به صلاحه أو فساده، فكان عمله أفضل الأعمال ~~أنه به يكون استسلام الأعضاء أو جماحها، بدأ به فقال: { من المؤمنين * } ~~أي المصدقين بقلوبهم لأنا لا نسويهم بالمجرمين فخلصناهم من العذاب على ~~قلتهم وضعفهم وقوة المخالفين وكثرتهم، وسبب عن التعبس والستر والتعرض ~~للظواهر والبواطن قوله: { فما وجدنا } أسند الأمر إليه تشريفا لرسله ~~إعلاما بأن فعلهم فعله { فيها غير بيت } واحد وهو بيت لوط ابن أخي ~~إبراهيم عليه السلام، وقيل: كان عدة الناجين منهم ثلاثة عشر، ولما كان ~~الإسلام قد تطلق على الظاهر فقط وإن كان المراد هنا الأخص أخره فقال: { ~~من المسلمين * } أي العريقين في الإسلام الظاهر والباطن لله من غير ~~اعتراض أصلا وهم إبراهيم وآله عليهم السلام فإنهم أول من وجد منه ~~الإسلام الأتم، وتسموا به كما مضى في البقرة وسموا به أتباعهم، فكان هذا ~~البيت الواحد صادقا عليه الإيمان الذي هو التصديق والإسلام الذي هو ~~الانقياد، قال البغوي: وصفهم الله تعالى بالإيمان والإسلام جميعا لأنه ~~ما آمن مؤمن إلا وهو مسلم. # يعني لما بينها من التلازم وإن اختلف المفهومان، وقال الأصبهاني: وقيل: ~~كان لوط وأهل بيته الذين نجوا ثلاثة عشر. # ولما وكان إبقاء آثار المهلكين أدل على قدرة من أهلكهم قال: { وتركنا } ~~أي بما لنا من العظمة { فيها } أي تلك القرى بما أوقعنا بها من العذاب ~~الذي كان مبدؤه أنسب شيء بفعل الذاريات من السحاب فإنا قلعنا قراهم كلها ~~وصعدت في الجو كالغمام إلى عنان السماء ولم يشعر أحد من أهلها ms4703 بشيء من ~~ذلك ثم قلبت وأتبعت الحجارة ثم خسف بها وغمرت بالماء الذي لا يشبه شيئا ~~من مياه الأرض كما أن خباثتهم لم تشبه خباثة أحد ممن تقدمهم من أهل الأرض ~~{ آية } أي علامة عظيمة على قدرتنا على ما نريد { للذين يخافون } كما ~~تقدم آخر ق أنهم المقصودون في الحقيقة بالإنذار لأنهم المنتفعون به دون ~~من قسا قلبه ولم يعتبر { العذاب الأليم * } أي أن يحل بهم كما حل بهذه ~~القرى في الدنيا من رفع الملائكة لهم في الهواء الذاري إلى عنان السماء ~~وقلبهم وإتباعهم الحجارة المحرقة، وغمرهم بالماء المناسب لفعلهم بنتنه ~~وعدم نفعه، وما ادخر لهم في الآخرة أعظم. ### || [51.38-46] # ولما قدم سبحانه أحق القصص الدالة على قسمه وما أقسم عليه بما فيها من ~~خفاء الأسباب مع وجودها، ثم ما فيها من إنزال ما به الوعيد من السماء ~~بالنار والماء الذي أشير إليه بالمقسمات، مع الفرقة بين المسلم والمجرم، ~~أتبعها قصة من أيده بحاملات فيها مطر وبرد ونار مضطرمة، كما مضى بيانه في ~~الأعراف، ثم بعد ذلك بريح فرقت البحر ونشفت أرضه ودخله فرعون والقبط، وهو ~~واضح الأمر في أنه سبب لهلاكهم وهم لا يشعرون به، فقال عاطفا على المقدر ~~في قصة إبراهيم عليه السلام أو الظاهر في { وفي الأرض } أو على " في " ~~التي في قوله { وتركنا فيها آية للذين يخافون } وهذا أقرب من غيره وأولى: ~~{ وفي موسى } أي في قصته وأمره آية على ذلك عظيمة { إذ أرسلناه } بعظمتنا ~~{ إلى فرعون } الذي كان قد أساء إلى إبراهيم عليه السلام بعد عظيم ~~إحسانهم إله وإلى جميع قومه بما أحس إليهم يوسف عليه السلام { بسلطان ~~مبين * } أي معجزات ظاهرة في نفسه منادية من شدة ظهورها بأنها معجزة، ~~فكان فيها دلالة واضحة على صدق وعيده ومع ذلك فلم ينفعهم علمها ولذلك سبب ~~عنه وعقب به قوله: { فتولى } أي كلف نفسه الإعراض بعد ما دعاه علمها إلى ~~الإقبال إليها، وأشار إلى توليه بقوله: { بركنه } أي بسب ما يركن إليه من ~~القوة في نفسه وبأعوانه ms4704 وجنوده أو بجميع جنوده - كناية عن المبالغة في ~~الإعراض، { وقال } معلما بعجزه عما أتاه به وهو لا يشعر: { ساحر } ثم ~~ناقض كمناقضتكم فقال بجهله عما يلزم على قوله: { أو مجنون * } أي ~~لاجترائه علي مع ما لي من عظيم الملك بمثل هذا الذي يدعو إليه ويتهدد ~~عليه. # ولما وقعت التسلية بهذا للأولياء، قال تعالى محذرا للأعداء: { فأخذناه ~~} أي أخذ غضب وقهر بعظمتنا بما استدرجناه به وأوهناه به من العذاب الذي ~~منه سحاب حامل ماء وبردا ونارا وصواعق { وجنوده } أي كلهم { فنبذناهم } ~~أي طرحناهم طرح مستهين بهم مستخف لهم كما تطرح الحصيات { في اليم } أي ~~البحر الذي هو أهل لأن يقصد بعد أن سلطنا الريح فغرقته لما ضربه موسى ~~عليه السلام بعصاه ونشفت أرضه، فأيبست ما أبرزت فيه من الطرق لنجاة ~~أوليائنا وهلاك أعدائنا { وهو } أي والحال أن فرعون { مليم * } أي آت ~~بما هو بالغ في استحقاقه الملامة، ويجوز أن يكون حالا من { أليم } بمعنى ~~أنه فعل بهم فعل اللائم من ألامه - إذا بالغ في عذله، وصار ذا لائمة أي ~~لهم، من ألام - لازما، وأن يكون مخففا من لأم المهموز فيكون المعنى: ~~فهو مصلح أي فاعل فعل المصلحين في إنجاء الأولياء وإغراق الأعداء ~~بالالتئام والانطباق عليهم، قال في القاموس: اللوم العدل، لام لوما ~~وألامه ولومه للمبالغة، وألام: أتى ما يلام عليه أو صار ذا لائمة، ولأمه ~~بالهمز كمنعه، نسبه إلى اللوم، والسهم: أصلحه كألامه ولأمه فالتأم، ولا ~~يضر يونس عليه السلام أن يعبر في حقه بنحو هذه العبارة، فإن أسباب اللوم ~~تختلف كما أن أسباب المعاصي تختلف في قوله # وعصوا رسله # [هود: 59] # وعصى آدم ربه # [طه: 121] وبحسب ذلك يكون اختلاف نفس اللوام ونفس المعاصي. # ولما أتم قصة من جمع له السحاب والماء والنار والريح، أتبعها قصة من ~~أتاهم بريح ذارية لم يوجد قط مثلها، وكان أصلها موجودا بين ظهرانيهم وهم ~~لا يشعرون، بل قاربت الوصول إليهم وهم يظنونها مما ينفعهم: { وفي عاد } ~~أي آية عظيمة { إذ } أي حين { أرسلنا } بعظمتنا { عليهم } إرسال ms4705 علو وأخذ ~~{ الريح } فأتتهم تحمل سحابة سوداء وهي تذرو الرمل وترمي بالحجارة على ~~كيفية لا تطاق { العقيم * } أي التي لا ثمرة لها فلا تلقح شجرا ولا ~~تنشىء سحابا ولا تحمل مطرا ولا رحمة فيها ولا بركة فلذلك أهلكهم هلاك ~~الاستئصال، ثم بين عقمها وإعقامها بقوله: { ما تذر } أي تترك على حال ~~ردية، وأعرق في النفي فقال: { من شيء } ولما كان إهلاكها إنما هو بالفاعل ~~المختار، نبه على ذلك بأداة الاستعلاء فقال: { أتت عليه } أي إتيان إرادة ~~مرسلها، استعلاها على ظاهره وباطنه، وأما من أريدت رحمته كهود عليه ~~السلام ومن معه رضي الله عنهم فكان لهم روحا وراحة لا عليهم { إلا جعلته ~~كالرميم * } أي الشيء البالي الذي ذهلته الأيام والليالي، فصيره البلى ~~إلى حالة الرماد، وهو في كلامهم ما يبس من نبات الأرض ودثر - قاله ابن ~~جريج، وخرج بالتعبير ب " تذر " هود عليه السلام ومن معه من المؤمنين رضي ~~الله عنهم أجمعين، فإنهم تركتهم على حالة حسنة لم يمسهم منها سوء كما ~~أشير إلى مثل ذلك بأداة الاستعلاء. # ولما تم ما اقتضاه سياق السورة من قصة أهل الريح الذارية، أتبعها قصة من ~~أهلكوا بما يحمله السحاب من الريح وما تحمله الريح من صوت الصيحة الراجفة ~~الماحقة فقال: { وفي ثمود } أي قوم صالح عليه السلام آية عظيمة كذلك { إذ ~~} أي حين { قيل لهم } ممن لا يخلف المعياد: { تمتعوا } أي بلبن الناقة ~~وغيره مما مكناكم فين من الزرع والنخيل والأبنية في الجبال والسهول وغير ~~ذلك من جلائل الأمور الذي أمرناكم به ولا تطغوا { حتى حين * } أي وقت ~~ضربناه لآجالكم { فعتوا } أي أوقعوا بسبب إحساننا إليهم العتو، وهو ~~التكبر والإباء { عن أمر ربهم } أي مولاهم الذي أعظم إحسانه إليهم فعقروا ~~الناقة وأرادوا قتل نبيه عليه السلام { فأخذتهم } بسبب عتوهم أخذ قهر ~~وعذاب { الصاعقة } أي الصيحة العظيمة التي حملتها الريح، فأوصلتها إلى ~~مسامعهم بغاية العظمة، ورجت ديارهم رجة أزالت أرواحهم بالصعق، وقوله: { ~~وهم ينظرون * } دال على أنها كانت في غمام، وكان فيها نار، ويجوز - مع ms4706 ~~كونه من النظر - أن يكون أيضا من الانتظار، فإنهم وعدوا نزول العذاب بعد ~~ثلاثة أيام، وجعل لهم في كل يوم علامة وقعت بهم فتحققوا وقوعه اليوم ~~الرابع { فما } أي فتسبب عن ذلك أنه ما { استطاعوا } أي تمكنوا، وأكد ~~النفي فقال: { من قيام } أي بعد مجيئها بأن عاجلتهم بإهلاكها عن القيام. # ولما كان الإنسان قد لا يتمكن من القيام لعارض في رجليه وينتصف من عدوه ~~بما يرتبه من عقله ويدبره برأيه قال: { وما كانوا } أي كونا ما { ~~منتصرين } أي لم يكن فيهم أهلية للانتصار بوجه، لا بأنفسهم ولا بناصر ~~ينصرهم فيطاوعونه في النصرة لأن تهيؤهم لذل سقط بكل اعتبار. # ولما أتم قصة من أهلكوا بما من شأنه الإهلاك وهو الصاعقة، أتبعهم قصة من ~~أهلكوا بما من شأنه الإحياء، وهو الماء الذي جل ما يشتمل عليه الحلامات ~~التي أثارتها الذاريات، وقد كانوا موجودين في الأرض والسماء - وأسبابه ~~مهيأة - وهم لا يحسون بشيء من ذلك، وأما عبادنا المؤمنون فهيأنا لهم ~~أسباب النجاة من السفينة وغيرها، وأعلمناهم بها، فكان كل ما أردنا وقاله ~~عنا أولياؤنا فقال مغيرا للأسلوب تنبيا على العظمة بنفسه الإهلاك لكونه ~~بما من شأن الإحياء والإبقاء والتصرف في الأسباب: { وقوم } أي وأهلكنا ~~قوم { نوح } على ما كان فيهم من الكثرة وقوة المحاولة والقيام بما ~~يريدونه، ويجوز أن يكون معطوفا على " فيها " أي وتركناهم آية، ويحسن هذا ~~الإعراب أنهم هلكوا جميعا وكانوا جميع أهل الأرض، وعم عذابهم جميع ~~الأرض، كانوا لهم الآية، ويؤيد هذا الإعراب قراءة أي عمرو وحمزة والكسائي ~~بالجر عطفا على ضمير " فيها ". # ولما كان إهلاكهم على عظمه وانتشاره في بعض الزمان، أدخل الجار فقال: { ~~من قبل } أي قبل هذه الأمم كلها، ثم علل إهلاكهم بقوله: { إنهم كانوا } ~~خلقا وطبعا، لا حيلة لغيرنا من أهل الأسباب في صلاحهم { قوما } أي ~~أقوياء { فاسقين * } أي عريقين في الخروج عن حظيرة الدين. ### || [51.47-51] # ولما كان إهلاكهم بالماء الذي نزل من السماء، وطلع من الأرض بغير حساب، ~~كان ربما ظن ظان أن كان الخلل ms4707 كان فيهما، ثم أصلح بعد ذلك كما يقع لبعض ~~من يصنع من الملوك صنعا يبالغ في إتقانه فيختل، قال عاطفا على ما نصب " ~~يوم " مبينا أن فعل ذلك ما كان بالاختيار، دالا على وحدانيته لتمام ~~القدرة الدالة على ما تقدم من أمر البعث: { والسماء بنيناها } بما لنا من ~~العظمة { بأيد } أي بقوة وشدة عظيمة لا يقدر قدرها. ولما كانت السماء ~~أليق لعظمتها وطهارتها بصفات الإلهية، قال، وأكد لما يلزم إنكارهم البعث ~~من الطعن في القدرة: { وإنا } على عظمتنا مع ذلك { لموسعون * } أي أغنياء ~~وقادرون ذوو سعة لا تتناهى، أي قدرة، من الوسع وهو اللطافة، وكذلك أوسعنا ~~مقدار جرمها وما فيها من الرزق عن أهلها فالأرض كلها على اتساعها كالنقطة ~~في وسط دائرة السماء بما اقتضته صفة الإلهية التي لا يصح فيها الشركة ~~أصلا، ومطيقون لما لا يحصى من أمثال لك، ومما هو أعظم منه مما لا ~~يتناهى، ومحيطون بكل شيء قدرة وعلما، وجديرون وحقيقون بأن يكون ذكل من ~~أوصافنا فنوصف به لما يشاهد لنا من القوة على كل ما نريد، فلسنا كمن ~~يعرفون من الملوك لأنهم إذا فعلوا لا يقدرون على أعظم منه وإن قدروا كان ~~ذلك منهم بكلفة ومشقة، وسترون في اليوم الآخر ما يتلاشى وما تريدون في ~~جنبه، ومن اتساعنا جعلها بلا عمد مع ما هي عليه من العظمة إلى غير ذلك من ~~الأمور الخارقة للعوائد: { والأرض فرشناها } كذلك بما لنا من العظمة، ~~فصارت ممهدة جديرة بأن يستقر عليها الأشياء وهي آية على تمهيدنا لأرض ~~الجنة وشقنا لأنهارها وغرسنا لأشجارها { فنعم } أي فتسبب عن ذلك أن يقال ~~في وصفنا: نعم { الماهدون * } أي نحن لكمال قدرتنا، فما نزل من السماء ~~شيء ولا نبع من الأرض شيء إلا بإرادتنا وتقديرنا واختيارنا من الأزل لأنا ~~إذا صنعنا شيئا علمنا ما يكون منه من حين إنشائه إلى حين إنباته، ولا ~~يكون شيء منه إلا بتقديرنا، وذلك تذكير بالجنة والنار، فما فوقها من خير ~~فهو آية على الجنة، وما فيها من جبال ووهاد ms4708 وعر وخروبة فهو آية على ~~النار. # ولما كان الأشياء المتضادة من الشيء الواحد أدل على القدرة من هذا ~~الوجه، قال: { ومن كل شيء } أي من الحيوان وغيره { خلقنا } بعظمتنا. ولما ~~كان الفلاسفة يقولون: لا ينشأ عن الواحد إلا واحد، قال ردا عليهم: { ~~زوجين } أي مثله شيئين كل منهما يراوح الآخر من وجه وإن خالفه من آخر، ~~ولا يتم نفع أحدهما إلا بآخر من الحيوان والنبات وغيرها ويدخل فيه ~~الأضداد من الغنى والفقر، والحسن والقبح، والحياة والموت، والضياء ~~والظلام، والليل والنهار، والصحة والسقم، والبر والبحر، والسهل والجبل، ~~والشمس والقمر، والحر والبرد، والسماوات والأرض، وأن الحر والبرد من نفس ~~جهنم آية بينة عليها، وبناءهما على الاعتدال في بعض الأحوال آية على ~~الجنة مذكرة بها مشوقة إليها. # ولما كان ذلك في غاية الدلالة على أن كلا من الزوجين يحتاج إلى الآخر ~~وأنه لا بد أن ينتهي الأمر إلى واحد لا مثل له وأنه لا يحتاج بعد ذلك ~~التنبيه إلى تأمل كبير قال: { لعلكم تذكرون * } فأدغم تاء التفعل الدالة ~~على العلاج والاجتهاد والعمل فصار: فتكونوا عند من ينظر ذلك حق النظر على ~~الرجاء من أن يتذكروا قليلا من التذكر فيهديكم إلى سواء السبيل. # ولما كان كل شيء مما سواه لا بد له من ضد يضاده أو قرين يسد مسده، وأما ~~سبحانه فلا مثل له لأنه لو كان له مثل لنازعه، فلم يقدر على كل ما يريد # لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا # [الأنبياء: 22] وثبت أنه أهلك القرون الأولى بمخالفة الرسل عليهم الصلاة ~~والسلام، فثبت أن وراء المكلفين عذابا يحق لهم الفرار منه، وثبت أن كل ~~شيء غيره محتاج إلى زوجه يثبت حاجة الكل إليه، وأنه لا كفاية عند شيء في ~~كل ما يرام منه، وجب أن لا يفزع إلا إلى الواحد الغني فسبب عن ذلك قوله: ~~{ ففروا } أي أقبلوا وألجؤوا. ولما درب عباده في هذه السورة بصفة ~~الربوبية كثيرا، فتأهلوا إلى النفوذ في الغيب، وكانت العبادة لا تكون ~~خالصة إلا إن علقت بالذات ms4709 لا لشيء آخر، ذكر اسم الذات فقال: { إلى الله } ~~أي إلى الذي لا مسمى له من مكافىء، وله الكمال كله، فهو في غاية العلو، ~~فلا يقر ويسكن أحد إلى محتاج مثله فإن المحتاج لا غنى عنده، ولا يقر ~~سبحانه. # إلا من تجرد عن حضيض عوائقه الجسمية إلى أوج صفاته الروحانية، وذلك من ~~وعيده إلى وعده اللذين دل عليهما بالزوجين، فتنقل السياق بالتحذير ~~والاستعطاف والاستدعاء، فهو من باب " لا ملجأ منك إلا إليك أعوذ بك منك " ~~واستمر إلى آخر السورة في ذكره إشارة إلى علي أمره، ثم علل بقوله مؤكدا ~~لما لهم من الإنكار: { إني لكم منه } أي لا من غيره { نذير } أي من أن ~~يفر أحد إلى غيره فإنه لا يحصل له قصده. # لما أقام الدليل العقلي الظاهر جدا بما يعلمه أحد في نفسه على ما قاله ~~في هذا الكلام الوحيد قال: { مبين * } ففرار العامة من الجهل إلى العلم ~~عقدا وسعيا، ومن الكسل إلى التشمير حذرا وحزما، ومن الضيق إلى السعة ~~ثقة ورجاء، وفرار الخاصة من الخير إلى الشهود، ومن الرسوم إلى الأصول، ~~ومن الحظوظ إلى التجريد، وفرار خاصة الخاصة مما دون الحق إلى الحق ~~إشهادا في شهود جلاله واستغراقا في وحدانيته، قال القشيري: ومن صح ~~فراره إلى الله صح فراره مع الله - انتهى. وهو بكمال المتابعة ليس غيره، ~~ومن فهم منه اتحادا بصفة أو ذات فقد ما حد طريق القوم فعليه لعنه الله. ### || [51.52-55] # ولما ثبت أنه لا ملجأ إلا إلى الله الواحد المنزه عن الزوج، وذلك هو ~~الله الذي له الكمال كله، وكان ربما وقع في وهم أن في الوجود من غير ~~الزوجين المعروفين من نفزع إليه كما نفزع إلى وزير الملك وبوابه ونحو ذلك ~~مما يوصل إليه، قال محذرا من سطواته: { ولا تجعلوا } أي بأهوائكم { مع ~~الله } وكرر الاسم الأعظم ولم يضمر تعيينا للمراد لأنه لم يشاركه في ~~التسمية به أحد وتنبيها على ما له من صفات الكمال وتعميما لوجوه ~~المقاصد لئلا يظن، وقيل " معه " إن المراد ms4710 النهي عن الجعل من جهة الفرار ~~لا من جهة غيرها { إلها }. # ولما كان المراد كمال البيان، منع مجاز التجريد منع تعنت من يطعن بتكثير ~~الأسماء كما أشار إليه بقوله { قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن } الآية ~~بقوله: { آخر } ثم علل النهي مع التأكيد لطعنهم في نذارته فقال: { إني ~~لكم منه } أي لا من غيره فإن غيره لا يقدر على شيء { نذير } أي محذر من ~~الهلاك الأبدي بالعقوبة التي لا خلاص منها إن فعلتم ذلك { مبين * } أي لا ~~أقول شيئا من واضح النقل إلا ودليله ظاهر من صريح العقل. ولما ذكر قولهم ~~المختلف الذي منه تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم ونسبته إلى السحر ~~والجنون وغير ذلك من الفنون، ومنه الإشراك مع اعترافهم بأنه لا خالق إلا ~~الله ولا كاشف ضر غيره إلى غير ذلك من أنواع الاضطراب، وأخبر بهلاكتهم ~~على ذلك وحذرهم منه ودل عليه إلى أن ختم بإنذار من اتخذ إلها غيره قال ~~مسليا: { كذلك } أي مثل قول قومك المختلف العظيم الشناعة، البعيد من ~~الصواب، بما له من الاضطراب، وقع لمن قبلهم، ودل على هذا المقدر بقوله ~~مستأنفا: { ما أتى الذين } ولما كان الرسل إنما كان إرسالهم في بعض ~~الأزمان الماضية ولم يستغرقوا جميعها بالفعل، أثبت الجار في قوله: { من ~~قبلهم } وعمم النفي بقوله: { من رسول } أي من عند الله { إلا قالوا } ولو ~~بعضهم برضا الباقين: { ساحر أو مجنون * } لأن الرسول يأتيهم بمخالفة ~~مألوفاتهم التي قادتهم إليها أهواؤهم، والهوى هو الذي أوجب لهم هذا ~~التناقض الظاهر سواء كانت " أو " للتفصيل بأن بعضهم قال واحدا وبعضهم ~~قال آخر، أو كانت للشك لأن الساحر يكون لبيبا فطنا آتيا بما يعجز عنه ~~كثير من الناس، والمجنون بالضد من ذلك، ثم عجب منهم بقوله: { أتواصوا به ~~} أي أوصى بهذا بعض الأولين والآخرين بعضا. # ولما ساق هذا في أسلوب الاستفهام إشارة إلى قول ينبغي السؤال عن سببه ~~لما له من الخفاء، أجاب عنه بأنهم لم يتواصوا به لأن الأولين ما اجتمعوا ~~مع الآخرين: { بل ms4711 هم } اجتمعوا في وصف أداهم إلى ذلك. # وهو أنهم { قوم } أي ذوو شماخة وكبر { طاغون * } أي عالون في الكفر ~~مسرفون في الظلم والمعاصي مجاوزون للمقدار، وأشار بالضمير إلى أن الطغيان ~~أمر ذاتي لهم، فهو يمدح منه سبحانه بأنه هو الذي قهرهم بسوقهم إلى هلاكهم ~~بقدرته التامة وعلمه الشامل. # ولما كان صلى الله عليه وسلم، يكاد يتلف نفسه الشريفة - بأبي هو وأمي - ~~غما عليهم وأسفا لتخلصهم عن الإسلام وخوفا أن لا يكون وفى بما عليه من ~~التنبيه والإعلام، سبب تعالى عن حالهم قوله: { فتول عنهم } أي كلف نفسك ~~الإعراض عن الإبلاغ في إبلاغهم بالمجادلة والصدع بالتغليظ بعد ما تقدم ~~منك من الإبلاغ { فما أنت } بسبب الإعراض بعد الإنذار { بملوم * } أي ~~بمستحق الملامة بسبب إعراض من أعرض منهم عنك، فإني إنما حكمت بذلك لأني ~~إنما قسمت الناس إلى مؤمن تنفعه الذكرى، وطاغ لا ينفعه شيء، ولذلك قال: { ~~وذكر } أي بالرفق واللين، ولما أصروا على التكذيب والإعراض حتى أيس منهم، ~~أكد ما سببه عن التذكير بقوله: { فإن الذكرى } أي التذكر بالنذارة ~~البليغة { تنفع المؤمنين * } أي الذين قدر الله أن يكونوا عريقين في وصف ~~الإيمان ولا بد من إكثار التذكير ليغلب ما عندهم من نوازع الحظوظ وصوارف ~~الشهوات، مع ما هم مجبولون عليه من النسيان. ### || [51.56-60] # ولما كان هذا ربما أوهم أن سواهم غير مقدور عليهم، قال مؤكدا بالحصر ~~دالا على أنه هو الذي قسم الناس إلى طاغين ومؤمنين بالعطف على ما ~~تقديره: فما حكم عليهم بذلك الضلال والهدى غيري، وما أرسلت الرسل وأنزلت ~~الكتب إلا لاستخلاص المؤمنين وإقامة الحجة على الضالين: { وما خلقت الجن ~~والإنس } الذين أكثرهم كافرون { إلا ليعبدون * } أي لينجروا تحت أقضيتي ~~على وجه ينفعون به أنفسهم أو يضرونها لا لشيء يلحقني أنا منه شيء من نفع ~~أو ضرر، فإني بنيتهم على العجز وأودعتهم نوازع الهوى، وركبت فيهم غرائز ~~فهيأتهم لاتباع الهدى، فمن أطاع عقله كان عابدا لي فارا إلي مع جريه ~~تحت الإرادة، عبادة شرعية أمرية يستفيد بها الثواب، ومن ms4712 أطاع الهوى كان ~~عابدا لي مع مخالفته أمري عبادة إرادية قسرية يستحق بها العقاب، وكل ~~تابع لهواه إذا حقق النظر علم أن الخير في غير ما هو مرتكبه، فما ألزمه ~~ما هو فيه مع علمه بأن غيره خير منه إلا قهر إرادتي، فهذه عبادة لغوية، ~~وذاك عبادة شرعية، وقد مر في آخر هود ما ينفع هنا، وهذا كله معنى قول ابن ~~عباس: إلا ليقروا لي بالعبادة طوعا وكرها. # ولما حصر سبحانه خلقهم في إرادة العبادة، صرح بهذا المفهوم بقوله: { ما ~~أريد منهم } أي في وقت من الأوقات، وعم في النفي بقوله: { من رزق } أي ~~شيء من الأشياء على وجه ينفعني من جلب أو دفع، لأني منزه عن لحاق نفع أو ~~ضر، كما يفعل غيري من الموالي بعبيدهم من الاستكثار بغلاتهم والاستعانة ~~بقواتهم لأني الغني المطلق وكل شيء مفتقر إلي { وما أريد } أصلا { أن ~~يطعمون * } أي أن يرزقوني رزقا خاصا هو الإطعام، وفيه تعريض بأصنامهم ~~فإنهم كانوا يعملون معها ما ينفعها ويحضرون لها الأكل، فربما أكلتها ~~الكلاب ثم بالت على الأصنام. ثم لا يصدهم ذلك، وهذه الآية دليل على أن ~~الرزق أعم من الأكل، والتعبير بالإرادة دال على ما قلت إنه مقصود ~~بالعبادة. وهو الجري تحت الإرادة، تارة بموافقة الشرع وتارة بمخالفته. # ولما كان الاهتمام بأمر الرزق - وقد ضمنه سبحانه - شاغلا عن كثير من ~~العبادة، وكان الإنسان يظن أن الذي حصل له ما حواه من الرزق سعيه، قال ~~حاصرا ذلك مؤكدا إزالة لتلك الظنون معللا لافتا الكلام إلى سياق ~~الاسم الأعظم الذي لم يتسم به غيره، نصا على المراد وبالغا من الإرشاد ~~أقصى المراد: { إن الله } أي المحيط بجميع صفات الكمال المنزه عن شوائب ~~النقص { هو } أي لا غيره { الرزاق } أي على سبيل التكرار لكل حي وفي كل ~~وقت. ثم وصفه بما يبين هوان ذلك فقال: { ذو القوة } أي التي لا تزول بوجه ~~{ المتين * } أي الشديد الدائم الشدة. # ولما أقسم سبحانه على الصدق في وعيدهم، ودل على ذلك حتى بجميع قصد ms4713 ~~أحوالهم على إرادته. وختم بقوته التي لا حد لها، سبب عن ذلك إيقاعه ~~بالمتوعدين، فقال مؤكدا لأجل إنكارهم: { فإن للذين ظلموا } أي الذين ~~أوقعوا الأشياء في غير مواقعها. ولما كان القسم على ما يوعدون بما يحمل ~~المطر، عبر عن نصيبهم الذي قدره عليهم من ذلك بقوله: { ذنوبا } أي خطا ~~من العذاب طويل الشر، كأنه من طوله صاحب ذنب وهو على ذنوبهم { مثل ذنوب ~~أصحابهم } أي الذين تقدم ظلمهم بتكذيب الرسل وهو في مشابهته له كالدلو ~~الذي يساجل به دلو آخر، وذلك دليل واضح على أن ما يوعدون صادق، وأن الدين ~~واقع { فلا يستعجلون * } أي يطلبوا أن آتيهم به قبل أوانه اللاحق به، فإن ~~ذلك لا يفعله إلا ناقص، وأنا متعال عن ذلك لا أخاف الفوت ولا يلحقني عجز ~~ولا أوصف به، ولا بد أن أوقعه بهم في الوقت الذي قضيت به في الأزل، لأنه ~~أحق الأوقات بعقابهم لتكامل ذنوبهم، وحينئذ تكون فيا له من تهديد ما ~~أفظعه، ووعيد ما أعظمه وأوجعه، أمرا لا يدفعه دافع، ولا يمنع من وقوعه ~~مانع، ولذلك سبب عنه قوله: { فويل } أي شر حال وعذاب يوجب الندب والتفجع ~~{ للذين كفروا } أي ستروا ما ظهر من هذه الأدلة التي لا يسع عاقلا ~~إنكارها { من يومهم } إضافة إليهم لأنه خاص بهم دون المؤمنين { الذي ~~يوعدون * } في الدنيا والآخرة، وقد انطبق آخرها على أولها بصدق الوعيد، ~~وثبت بالدليل القطعي لك القسم الأكيد - والله أعلم بالصواب وإليه المرجع ~~والمآب. ### | [52 - سورة الطور] ### || [52.1-10] # لما ختمت الذاريات بتحقيق الوعيد، افتتحت هذه بإثبات العذاب الذي هو روح ~~الوعيد، فقال تعالى: { والطور * } وذلك أنهم لما كانوا يقولون عما أتاهم ~~به الرسول صلى الله عليه وسلم: إنه سحر خيال لا حقيقة له، أقسم بالجبل - ~~الذي هو عندهم وعند غيرهم من ذوي العقول - أثبت الأرض وأشدها وأصلبها، ~~وعبر عنه بالطور الذي هو مشترك بين مطلق الجبل وبين المضاف إلى سينا الذي ~~كان فيه نبوة موسى عليه السلام وإنزال كثير من كتابه وغير ذلك - آيات ~~تعلمها ms4714 بنو إسرائيل الذين يستنصحونهم ويسألونهم عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم ويرضون بقولهم فيه فمن آياته أنه كانت فيه الرحمة بمناجاة موسىعليه ~~السلام وما كتب له فيه على ألواح الجوهر وما أنزل عليه من الناموس الذي ~~جعله هدى ورحمة وموعظة وذكرا وتفصيلا لكل شيء وكان فيه مع الرحمة ~~العذاب بما أتاهم من الصاعقة التي أماتتهم ثم أحياهم الله وبما كانوا ~~يشهدون من السحاب الذي تخلله فيكون كقتار الأتون، وفيه بروق كأعظم ما ~~يشاهد من النار، وأبواق تزعق بصوت هائل، ولما شوهد من اندكاك لجبل عند ~~التجلي وصعق موسى عليه السلام إلى غير ذلك من الآيات التي تكشف الظلمات، ~~وأيضا فالطور كل جبل ينبت، وإنبات الجبل عجيب، فإن نباته لا يكون إلا ~~بسبب، وسبب النبات الماء، والماء منبث في الأرض لتركبها عليه وهو مواز ~~لما انكشف منه من ماء البحار، وكلما علت الأرض بعدت عن الماء، والجبال ~~أبعدها منه، فسبب إنباته خفي جدا لا يعلمه إلا الله ومن فهمه إياه. # ولما كانت الأرض لوح السماء التي منها الوعيد، وكانت الجبال أشدها، فذكر ~~أعظمها آية، وكان الكتاب لوح الكاتب، وكانت الكتب الإلهية أثبت الكتب، ~~وكان طور سينا قد نزل كتاب إلهي قال: { وكتاب } وحقق أمره بقوله: { مسطور ~~* } أي متفق الكتابة بسطور مصفوفة من حروف مرتبة جامعة لكلمات متفقة ~~ككتاب موسى عليه السلام الذي أنزله عليه وكلمه بكثير منه في الطور ~~وتنكيره للتعظيم لأنه إن كان المراد به الكتب الإلهية فهو أثبت الأشياء، ~~وإن كان المراد صحيفة قريش فقد كانوا ظنوها أثبت العهود، وذكر أمتن ما ~~يكتب فيه وأشده وأتقنه فقال: { في رق } أي في جلد مهيأ بالقشر للكتابة { ~~منشور * } أي مهيأ للقراءة والاتعاظ بما فيه، ويمكن أن يكون أراد به جميع ~~الكتب المنزلة عاما بعد خاص، قال الرازي: قال الصادق: إن الله تجلى ~~لعبده بكتابه كما تجلى بالطور لما كان محلا للتجلي خلقا، والكتاب لما ~~كان محلا للتجلي أمرا، أجراهما في قرن - انتهى. ويجوز أن يكون أراد به ~~سبحانه صحيفة الظلم التي ms4715 كتبوها بما تعاقدوا عليه من أنهم لا يعاشرون بني ~~هاشم ولا يكلمونهم ولا يبايعونهم ولا يشاورونهم ولا يناكحونهم ولا ~~يؤازرونهم ولا يعاملونهم حتى يسلموا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وعلقوها في جوف الكعبة فانحاز بنو هاشم إلى شعب أبي طالب خلف أبي قبيس ~~وتبعهم بنو المطلب رهط إمامنا الشافعي رضي الله عنه، فتحيزوا معهم من بين ~~بني عبد مناف، فكان ذلك سبب شرفهم على مدى الدهر، فأرسل الله على الصحيفة ~~- بعد أن مضى على ذلك سنتان حين جهدهم العيش ومضهم الزمان وزلزلتهم ~~القوارع زلزالا شديدا وهم ثابتون ليظهر الله بذلك شرف من شاء من عباده ~~- الأرضة، فأبقت ما فيها من أسماء الله تعالى ومحت ما كان من ظلمهم ~~وقطيعتهم، فكان ذلك سببا لأن قام في نقضها معشر منهم، فنقضها الله بهم، ~~وكانوا إذا ذاك كفرة كلهم ليظهر الله قدرته سبحانه على كل من النقض ~~والإبرام بما شاء ومن شاء { والبيت المعمور * } الذي هو قيام للناس كما ~~كانت قبة الزمان قياما لبني إسرائيل، هذا إن كان تعالى أراد به الكعبة ~~التي علقوا فيها الصحيفة بعد أن كانوا لما عمروها اختلفوا فيمن يضع الحجر ~~الأسود في موضعه، وزاد بهم الاختلاف حتى تهيؤوا للقتال وتحالفوا عليه، ~~فكان منهم لعقة الدم، ومنهم المطيبون كما هو مشهور في السير، ثم وفقوا ~~لأن رضوا أن يحكم بينهم أو داخل من باب عينوه، فكان أول داخل منه النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقالوا بأجمعهم: هذا محمد هذا الأمين، رضينا بحكمه، ~~فحكم صلى الله علي وسلم بأن يوضع الحجر الشريف في ثوب ويأخذ رئيس كل ~~قبيلة بطرف من أطرافه ويرفعوه كلهم، فلما وازى موضعه أخذه هو صلى الله ~~عليه وسلم بيده الشريفة فوضعه في موضعه، فكان الفخر له مضاعفا بحكمه ~~وإصلاحه بينهم، واختصاصه بوضعه وهو معمور بالزوار والخدمة وكثرة الحاشية. # ولما كان البيت لا بد في مسماه من السقف قال: { والسقف المرفوع * } يريد ~~سقف الكعبة إشارة إلى أنه محكم البناء مغلق الباب متقن السقف إتقانا هو ms4716 ~~أعظم من إتقان سقف قبة الزمان التي شاهد فيها بنو إسرائيل من العظمة ~~الإلهية والجلال ما إن سألتموهم عنه أخبروكم به، ومع ذلك سلط على الصحيفة ~~- التي في جوفه، ولعلها كانت في سقفه بحيث لا يصل إليها أحد - ما أفسدها ~~تحقيقا لثبوت ما أراد من أمره تحذيرا مما توعد به، ويمكن أن يراد به مع ~~ذلك السماء التي فيها ما توعدون، ومن المعلوم أن لكل ذي عقل أن أقل ~~السقوف لا يرتفع توعدون، ومن المعلوم أن لكل ذي عقل أن أقل السقوف لا ~~يرتفع بغير عمد إلا بأسباب لا ترى، فكيف بالسماء التي لها من السعة ~~والعظمة والثخن وما فيها من الكواكب ما لها مما لا يسع العقول شرحه، وهم ~~لا ينظرون أسبابه كما قال تعالى # بغير عمد ترونها # [الرعد: 2] ونقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: إنه العرش وهو سقف ~~الجنة. # ولما كان الماء أقوى من كل ما تقدم، ختم به فقال: { والبحر المسجور * } ~~أي الذي فيه من الماء أكثر من ملئه وهو ساجره أي مانعه - كما يمنع الكلب ~~بساجوره عن الانسباح، ولو أراد خلاه فاندفق فجرى فأهلك ما مر عليه من جبل ~~وكتاب وبيت كما شوهد لما شجره سبحانه لبني إسرائيل فانفلق، ونشفت أرضه ثم ~~لما أراد سببه أن فرعون فعذبهم به فأهلكهم حتى لم يبق منهم أحد. # ولما أقسم بما يدل على نبوة موسى عليه السلام وثلث بما أشار إلى نبوة ~~محمد صلى الله عليه وسلم، وثنى بما هو مشترك بينهما، وكان الأول مع ذلك ~~دالا على استقرار الأرض، والثالث على صلاحيتها للسكنى، والثاني على ~~الحافظ في ذلك، وربع بما كمل المنافع، وحذر من السقوط كما خوف بالأول من ~~الخسف، وخمس بما دل على ما أريد بالأول من الاستقرار لأنه لو كان ميل ~~لانطلق البحر إلى جهته، أجاب القسم بقوله: { إن عذاب } ولما كان سبحانه ~~عظيم الإكرام له صلى الله عليه وسلم، أضاف العذاب إلى صفة الإحسان ~~والتربية الخاصة به، وأضاف الصفة إلى ضميره إيذانا ms4717 بأنه يريه في أمته ما ~~يسره، وإن مماثلة " ذنوبهم كذنوب أصحابهم " الماضين إنما هي في مجرد ~~الإذلال، لا في أنه يستأصلهم كما استأصل أولئك فقال: { ربك } أي الذي ~~تولى تربيتك أي عذاب أراده بكل من أراد به لا سيما المعادي لأوليائه ~~سبحانه { لواقع * } أي ثابت نازل بمن أراد نزول ما هو ثقيل من مكان عال ~~كما أنه لو أراد لقلب الأرض التي ثبتها وأوقع السقف الذي رفع، وأطلق ~~البحر الذي سجر، كما علم من إطلاقه البحر فلقه على آل فرعون حتى أغرقهم ~~به { ما له من دافع * } لأنه لا شريك لموقعه لما دلت عليه هذه الأقسام من ~~كمال قدرته وجلال حكمته وضبط أعمال العباد للمجازاة سواء قلنا: إن الكتاب ~~هو الذي يكتبه الحفظة أو الذي يضبط الدين، فلما أوقع الجزاء بهم في ~~الصحيفة، ونقض معاقدتهم، وفض جمعهم، أخرج معاشرك من ذلك الضيق فكذلك ~~يؤيدك حتى توقع بهم وتنقض جمعهم وتكسر شوكتهم ونقتل سرواتهم ويظهر دينك ~~على دينهم، ويصير من بقي منهم من حزبك وأنصار دينك، قال البغوي: قال جبير ~~بن مطعم رضي الله عنه: قدمت المدينة لأكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في أسارى بدر، فدفعت إليه وهو يصلي بأصحابه المغرب وصوته يخرج من المسجد ~~فسمعته يقرأ { والطور } - إلى قوله - { إن عذاب ربك لواقع ما له من دافع ~~} فكأنما صدع قلبي حين سمعته، ولم أكن أسلمت يومئذ، فأسلمت خوفا من نزول ~~العذاب ما كنت أظن أن أقوم من مقامي حتى يقع بي العذاب. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما توعد تعالى كفار قريش ومن كان على ~~طريقتهم من سائر من كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم سيصيبهم ما ~~أصاب غيرهم من مكذبي الأمم، المنبه على ذكرهم في السورة قبل، ثم أشار ~~سبحانه إلى عظيم ما ينالهم من الخزي وأليم العذاب بقوله: # فويل للذين كفروا من يومهم الذي يوعدون # [الذاريات:60] أقسم سبحانه على صحة ذلك ووقوعه - والعياذ به سبحانه من ~~سخطه وأليم عذابه - فقال تعالى: { والطور } - إلى ms4718 قوله - { إن عذاب ربك ~~لواقع ما له من دافع } ثم أومأ سبحانه إلى مستحقيه ومستوجبيه فقال { فويل ~~يومئذ للمكذبين } ثم ذكر ما يعنفون به ويوبخون على ما سلف منهم من نسبته ~~عليه الصلاة والسلام إلى السحر فقال تعالى # ذوقوا عذاب النار التي كنتم بها تكذبون # [سبأ: 42] { أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون } ثم أعقب بذكر حال المؤمنين ~~المستجيبين، ثم ذكر إثر إعلامه بحال الفريقين - نعمته على نبيه عليه ~~الصلاة والسلام وعصمته ووقايته مما يقول المفترون فقال تعالى { فذكر فما ~~أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون } ثم جرت الآي على توبيخهم في مقالتهم ~~ووهن انتقالاتهم، فمرة يقولون: كاهن، ومرة يقولون: مجنون، ومرة يقولون: ~~شاعر يترقب موته. فوبخهم على ذلك كله وبين كذبهم وأرغمهم وأسقط ما ~~بأيديهم بقوله { فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين } وهذا هو المسقط ~~لما تقولوه أولا وآخرا، وهذا الذي لم يجدوا عنه جوابا، ورضوا بالسيف ~~والجلاء، لم يتعرضوا لتعاطي معارضته، وهذا هو الوارد في قوله تعالى في ~~صدر سورة البقرة # وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله # [البقرة: 23] الآيات، فما نطقوا في جوابه ببنت شفة # قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله # [الإسراء: 88] فتبارك من جعله آية باهرة وحجة قاهرة - انتهى. # ولما أثبت وقوع العذاب، تشوفت نفس الموقن إلى وقته، قال مستأنفا لبيان ~~أنه واقع على تلك الصفة: { يوم تمور } أي تتحرك وتضطرب وتجيء وتذهب ~~وتتكفأ تكفأ السفينة وتدور دوران الرحى، ويموج بعضها في بعض، وتختلف ~~أجزاؤها بعضها في بعض، ولا تزول عن مكان؛ قال البغوي: والمور يجمع هذه ~~المعاني فهو في اللغة الذهاب والمجيء والتردد والدوران والاضطراب، قال ~~الرازي: وقيل: تجيء وتذهب كالدخان ثم تضمحل. { السماء } التي هي سقف ~~بيتكم الأرض { مورا * } أي اضطرابا شديدا { وتسير الجبال } أي تنتقل ~~من أمكنتها انتقال السحاب، وحقق معناه بقوله: { سيرا } فتصير هباء ~~منثورا وتكون الأرض قاعا صفصفا. ### || [52.11-16] # ولما حقق العذاب وبين يومه، بين أهله بقوله مسببا عن ms4719 ذلك: { فويل } هي ~~كلمة يقولونها لمن وقع في الهلاك، ومعناه حلول شر فاضح يكون فيه ندبة ~~وتفجع { يومئذ } أي يوم إذ يكون ما تقدم ذكره { للمكذبين * } أي العريقين ~~في التكذيب وهم من مات على نسبة الصادقين إلى الكذب. # ولما كان التكذيب قد يكون في محله، بين أن المراد تكذيب ما محله الصدق ~~فقال: { الذين هم } أي من بين الناس بظواهرهم وبواطنهم { في خوض } أي ~~أعمالهم وأقوالهم أعمال الخائض في ماء، فهو لا يدري أين يضع رجله. ولما ~~كان ذلك قد يكون من دهشة بهم أو غم، نفى ذلك بقوله: { يلعبون * } فاجتمع ~~عليهم أمران موجبان للباطل: الخوض واللعب، فهم بحيث لا يكاد يقع لهم قول ~~ولا فعل في موضعه، فلا يؤسس على بيان أو حجة. ولما صور تكذيبهم بأشنع ~~صورة، بين ويلهم ببيان ظرفه وما يفعل فيه فقال: { يوم يدعون } أي يدفعون ~~دفعا عنيفا بجفوة وغلظة من كل ما يقيمه الله لذلك، ذاهبين ومنتهين { ~~إلى نار جهنم } وهي الطبقة التي تلقاهم بالعبوسة والكراهة والغليظ ~~والزفير، وأكد المعنى وحققه بقوله: { دعا * } قال البغوي: وذلك أن خزنه ~~جهنم يعلون أيديهم إلى أعناقهم ويجمعون نواصيهم إلى أقدامهم فم يدفعون ~~دفعا على وجوههم وزجا في أقفيتهم، مقولا لهم تبكيتا وتوبيخا: { هذه ~~النار } أي الجسم المحرق المفسد لما أتى عليه، الشاغل عن اللعب { التي ~~كنتم } بجبلاتكم الفاسدة. ولما كان تكذيبهم بها في أقصى درجات التكذيب، ~~وكان سببا لكل تكذيب، كان كأنه مقصور عليه فقال مقدما للظرف إشارة إلى ~~ذلك، { بها تكذبون * } أي في الدنيا على التجديد والاستمرار. # ولما كانوا يقولون عنادا: إن القرآن بما فيه من الوعيد سحر، سبب عن ذلك ~~الوعيد قوله مبكتا موبخا متهكما: { أفسحر هذا } أي الذي أنتم فيه من ~~العذاب مع هذا الإحراق الذي تصلون منه { أم أنتم } في منام ونحوه { لا ~~تبصرون * } بالقلوب كما كنتم تقولون في الدنيا # قلوبنا في أكنة # [فصلت: 5] ولا بالأعين كما كنتم تقولون للمذرين # من بيننا وبينك حجاب فاعمل إننا عاملون # [فصلت: 5] أي أنتم عمي عن المخبر ms4720 عنه مع إحراقه لهم كما كنتم عميا عن ~~الخبر أي هل تستطيعون أن تقولوا إنكم لا تبصرون المخبر عنه كما كنتم ~~تقولون في الخبر كذبا وفجورا، ثم يقال لهم بعد هذا التبكيت الذي يقطع ~~بأن جوابهم يكون بأن يقولوا: لا وعزة ربنا ما هو بسحر ولا خيال، بل هو ~~حقيقة، ونحن في غاية الإبصار على سبيل الإخزاء، والامتهان والإذلال: { ~~اصلوها } أي باشروا حرها وقاسوه وواصلوه كما كنتم تواصلون أذى عبادي بما ~~يحرق قلوبهم { فاصبروا } أي فيتسبب عن تكذيبكم في الدنيا ومباشرتكم لها ~~الآن أن يقال لكم: اصبروا على هذا الذي لا طاقة لكم به { أو لا تصبروا } ~~فإنه لا محيص لكم عنها { سواء عليكم } أي الصبر والجزع. # ولما كان المعهود أن الصبر له مزية على الجزع، بين أن ذلك حيث لا تكون ~~المصيبة إلا على وجه الجزاء الواجب وقوعه فقال معللا: { إنما تجزون } أي ~~يقع جزاؤكم الآن وفيما يأتي على الدوام { ما كنتم } أي دائما بما هو لكم ~~كالجبلة { تعملون * } مع الأولياء غير مبالين بهم، فكان هذا ثمرة فعلكم ~~بهم. ### || [52.17-21] # ولما ذكر ما للمكذبين من العذاب المشار إليه بكلمات القسم، أتبعه ما ~~لأضدادهم من الثواب المنبه عليه أيضا بتلك الكلمات ليتم الخبر ترغيبا ~~وترهيبا، فقال جوابا لمن كأنه قال: فما لمن عاداهم فيك؟ مؤكدا لما ~~للكفار من التكذيب: { إن المتقين } أي الذين صارت التقوى لهم صفة راسخة { ~~في جنات } أي بساتين دائما في الدنيا حكما وفي الآخرة. # ولما كانت البساتين ربما يشقى داخلها أو صاحبها، نفى هذا بقوله: { ونعيم ~~* } أي نعيم في العاجل، يعني بما هم فيه من الأنس، والآجل بالفعل، وزاد ~~في تحقيق التنعم بقوله: { فاكهين } أي معجبين متلذذين { بما آتاهم ربهم } ~~الذي تولى تربيتهم بعملهم بالطاعات إلى أن أوصلهم إلى ذهاب النعيم، فهو ~~لأن عظمته من عظمته لا يبلغ كنه وصفه. ولما كان المتنعم قد تكون نعمته ~~بعد عذاب، فبين أنهم ليسوا كذلك فقال: { ووقاهم } أي قبل ذلك { ربهم } أي ~~المتفضل بتربيتهم بكفهم عن المعاصي والقاذورات { عذاب ms4721 الجحيم * } أي ~~النار الشديدة التوقد. # ولما كان من باشر النعمة وجانب النقمة في هناء عظيم، قال مترجما لذلك ~~على تقدير القول: { كلوا } أي أكلا هنيئا { واشربوا } شربا { هنيئا } ~~أي لا نقص فيه، وهو صفة في موضع المصدر أي هنأتم بمعنى أن كل ما ~~تتناولونه مأمون العاقبة من التخمة والسقم ونحوها { بما كنتم } أي كونا ~~راسخا { تعملون * } أي مجددين له على سبيل الاستمرار حتى كأنه طبع لكم. # ولما كان النعيم لا يتم إلا بأن يكون الإنسان مخدوما، نبه عليه بقوله: ~~{ متكئين } أي مستندين استناد راحة، لأنهم يخدمون فلا حاجة لهم إلى ~~الحركة { على سرر مصفوفة } أي منصوبة واحدا إلى جنب واحد، مستوية كأنها ~~السطور على أحسن نظام وأبدعه، قال الأصبهاني: والصفة: مد الشيء على ~~الولاء. ولما كان السرور لا يتم إلا بالتنعم بالنساء قال: { وزوجناهم } ~~أي تزويجا يليق بما لنا من العظمة. # ولما كانت تلك الدار غنية عن الأسباب، فكانوا غنيين عن العقد، قال ~~مشيرا بالباء إلى صرف الفعل عن ظاهره فإنه إذا كان بمعنى النكاح تعدى ~~بنفسه، وتضمين الفعل " قرناهم " أي جعلناهم أزواجا مقرونين { بحور } أي ~~نساء هن في شدة بياض العين وشدة سوادها واستدارة حدقتها ورقة جفونها في ~~غاية لا توصف { عين * } أي واسعات الأعين في رونق وحسن. # ولما وصف حال المتقين من أعداء المكذبين وبدأ بهم لشرفهم، أتبعهم من هو ~~أدنى منهم حالا لتكون النعمة تامة فقال: { والذين آمنوا } يعني أقروا ~~بالإيمان ولم يبدلوا ولا بالغوا في الأعمال الصالحة. ولما كان من هؤلاء ~~من لا يتبعه ذريته بسبب إيمانه لأنه يرتد عنه، عطف على فعلهم تمييزا لهم ~~واحترازا عمن لم يثبت قوله: { واتبعتهم } أي بما لنا من الفضل الناشىء ~~عما لنا من العظمة { ذرياتهم } الصغار والكبار وإن كثروا، والقرار ~~لأعينهم بالكبار بايمانهم والصغار بإيمانهم آبائهم { بإيمان } أي بسب ~~إيمان حاصل منهم، ولو كان في أدنى درجات الإيمان، ولكنهم ثبتوا عليه إلى ~~أن ماتوا، وذلك هو شرط إتباعهم الذريات، ويجوز أن يراد وهو أقرب: بسبب ~~إيمان الذرية حقيقة إن ms4722 كانوا كبارا، وحكما إن كانوا صغارا، ثم أخبر عن ~~الموصول بقوله: { ألحقنا بهم } أي فضلنا لأجل عمل آبائهم { ذرياتهم } وإن ~~لم يكن للذرية أعمال، لأنه قيل في المعنى: " ولأجل عين ألف عين تكرم " ~~ويلحق بالذرية من النسب الذرية بالسبب وهو المحبة، فإن كان معها آخذ لعلم ~~أو عمل كانت أجدر، فتكون ذرية الإفادة كذرية الولادة، وذلك لقول النبي ~~صلى الله عليه وسلم # " المرء مع من أحب " # في جواب من سأل عمن يحب القوم ولم يلحق بهم. # ولما كان ربما خيف أن ينقص الآباء بسبب إلحاق ذرياتهم بهم شيئا من ~~درجاتهم، قال: { وما ألتناهم } أي نقصنا الآباء وحبسنا عنهم { من عملهم } ~~وأكد النفي بقوله: { من شيء } بسبب هذا الإلحاق وكان من فوق رتبتهم من ~~الذين يؤمنون والمؤمنين والمتقين وغيرهم أولى منهم، وإنما فصلهم منهم لأن ~~هؤلاء قد لا يوقنون قبل دخول الجنة العذاب، قال جامعا للفريقين، أو يقال ~~- ولعله أقرب - أنه لما ذكر اتباع الأدنى للأعلى في الخير فضلا، أشفقت ~~النفس من أن يكون إتباع في الشر فأجاب تعالى بأنه لا يفعل بقوله: { كل ~~امرىء } أي من الذين آمنوا والمتقين وغيرهم { بما كسب } أي من ولد وغيره ~~{ رهين * } أي مسابق ومخاطر ومطلوب وآخذ شيئا بدل كسبه وموفي على قدر ما ~~يستحقه ومحتبس به إن كان عاصيا، فمن كان صالحا كان آخذا بسبب صلاح ~~ولده لأنه كسبه، ولا يؤخذ به ذلا وهو حسن في نفسه لأجل الحكم بإيمانه ~~سواء كان حقيقة أو حكما وكل حسن مرتفع، فلذلك يلتحق بأبيه، وأما الإساءة ~~فقاصرة على صاحبها يؤخذ بها ويرهن بذنبه ولا يؤخذ بذنب غيره، والحاصل أن ~~المعالي التي هي كالحياة تفيض من صاحبها على غيره فتحييه، والمساوئ التي ~~هي كالموت لا يتعدى صاحبها، قال الرازي في اللوامع: اعلم أن الذوات ~~بقاؤها ودوامها ببقاء صورها، فحيث ما كانت الصورة المقومة لها أدوم كانت ~~الذوات بها أقوم، وأن النفوس الإنسانية ذوات وصورها علومها وأخلاقها، ~~فحيث ما كانت العلوم حق اليقين ثم عين اليقين، والأخلاق مقومة على ms4723 نهج ~~الشرع المبين، كانت النفوس دائمة بدوامها غير مستحيلة، إذ لا تتطرق ~~الاستحالة إلى اليقين والعمل الحق، وغير كائنة ولا فاسدة إذ ليس عن ~~اليقين ولا العلوم الحقيقية من عالم الكون والفساد، وإن لم تبلغ النفس ~~إلى كمال اليقين فتعلقت بدليل صاحبه كما انخرطت في سلكها حتى يخرط ~~الإنسان في سلك محبته، لو أحب أحدكم حجرا لحشر معه، فإن الدين هو الحب ~~في الله والبغض في الله، ولهذا اكتفى الشرع من المكلفين بالإسلام وتسليم ~~وتفويض وتحكيم دون الوقوف على المسائل العويصة بالبراهين الواضحة ~~الصحيحة، وما لم يبلغ الولد حد التكليف واخترم ألحقوا بآبائهم وحكم عليهم ~~بحكم عقائدهم وآرائهم حتى يكون حكم آبائهم جاريا عليهم وحكم القيامة ~~نافذا فيهم، وأما إذا كانت الصورة القائمة بالذوات مستحيلة بأن كانت ~~جهلا وباطلا ينقص أوله آخره وآخره أوله، كانت ذات النفس لا تنعدم ولا ~~تفنى بل تبقى على حال لا يموت فيها ولا يحي، فإنها لو فنيت لاستراحت ولو ~~بقيت لاستطابت، فهي على استحالة بين الموت والحياة، وهذه الاستحالة لا ~~تكون إلا في أجساد وأبدان # كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها # [النساء:56] انتهى. وهو كما ترى في غاية النفاسة، ويؤيده # " يحشر المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل " # ويجوز أن تكون الجملة تعليلا لما قبلها من النفي، أي ما نقصناهم لأنه ~~قد سبق في حكمنا بأن يكون " كل امرىء " قدرنا أن يرتهن بما قد ينقصه { ~~بما كسب } أي لا يضر ما كسب ما كسبه غيره " رهين " أي معوق عن النعيم حتى ~~يأتيه بما يطلق من العمل الصالح. ### || [52.22-27] # ولما جمعهم في إلحاق الذرية بهم لأنهم من أعظم النعيم، وأمنهم مما قد ~~يخشى من نقصهم بنقصه غيرهم، وعلل ذلك ليكون أرسخ في النفس، أتبعه بما ~~يشاكله فقال: { وأمددناهم } أي آمنوا والمتقين ومن ألحق بهم من ذرياتهم ~~بما لنا من العظمة زيادة على ما تقدم { بفاكهة }. ولما كانت الفاكهة ~~ظاهرة فيما يعرفونه في الدنيا وإن كان عيش الجنة بجميع الأشياء تفكها ليس ~~فيه شيء يقصد ms4724 به حفظ البدن قال: { ولحم مما يشتهون * } ليس فيه شيء منه ~~مما لا يعجبهم غاية الإعجاب. # ولما كان هذا النعيم العظيم المقيم يدعو إلى المعاشرة، بالقرينة ~~العاطرة، بين أن ذلك حالهم اللازمة الظاهرة، من الخصال اللائقة الطاهرة، ~~فقال: { يتنازعون } أي يشربون متجاذبين مجاذبة الملاعبة لفرط المحبة ~~والسرور وتحلية المصاحبة { فيها كأسا } أي خمرا من رقة حاشيتها تكاد أن ~~لا ترى في كأسها. ولما كان في خمر الدنيا غوائل نفاها عنها فقال: { لا ~~لغو } أي سقط مما يضر ولا ينفع { فيها } أي في تنازعها ولا بسبها لأنها ~~لا تذهب بعقولهم ولا يتكلمون إلا بالحسن الجميل { ولا تأثيم * } أي ولا ~~شيء فيها مما يلحق شرابها إثما ولا يسوغ نسبه. # ولما كانت المعاطاة لا يكمل بسطها ولا يعظم إلا بخدم وسقاة قال: { ويطوف ~~عليهم } أي بالكؤوس وغيرها من أنواع التحف { غلمان } ولما كان أحب ما إلى ~~الإنسان ما يختص به قال: { لهم } ولم يضفهم لئلا يظن أنهم الذين كانوا ~~يخدمونهم في الدنيا فيشفق كل من خدم أحد في الدنيا بقول أو فعل أن يكون ~~خادما له في الجنة فيحزن بكونه لا يزال تابعا، وأفاد التنكير أن كل من ~~دخل الجنة وجد له خدما لم يعرفهم قبل ذلك { كأنهم } في بياضهم وشدة ~~صفائهم { لؤلؤ مكنون * } أي مصون في الصدف لم تغيره العوارض، هذا حال ~~الخادم فما ظنك بالمخدوم. # ولما كان ألذ ما إلى الحبيب وأعظم ما يكون من أربه ذكر محبوبه والثناء ~~عليه بما من به، قال تعالى شارحا لذلك عاطفا على ما تقديره: فأقبلوا ~~على تعاطي ما ذكر من النعم: { وأقبل بعضهم } لما ازدهاهم من السرور، ~~وراقهم من اللذة والحبور { على بعض يتساءلون * } أي يسأل بعضهم بعضا عن ~~السبب الموصل له إلى هذا النعيم الذي لا يقدر مخلوق على وصفه حق وصفه، ثم ~~استأنف شرح ذلك بقوله: { قالوا } أي قال كل منهم مؤكدا استلذاذا بما ~~أداهم إلى ما هم فيه لأنه لا يكاد يصدق، مسندين النعمة بفعل الكون إلى ~~الله الذي جبلهم جبلة ms4725 خير، مسقطين الجار إشارة إلى دوام خوفهم، تنبيها ~~على أن الخوف الحامل على الكف عن المعاصي يشترط فيه الدوام، بخلاف الرجاء ~~الحامل على الطاعات، فإنه يكفي فيه ما تيسر كما تأتي الإشارة إليه بإثبات ~~الجار: { إنا كنا قبل } أي في دار العمل { في أهلنا } على ما لهم من ~~العدد والعدد والنعمة والسعة، ولنا بهم من جوالب اللذة والدواعي إلى ~~اللعب { مشفقين * } أي عريقين في الخوف من الله لا يلهينا عنه شيء مع ~~لزومنا لما نقدر عليه من طاعته لعلمنا بأنا لا نقدره لما له من العظمة ~~والجلال والكبرياء والكمال حق قدره، وأنه لو واخذنا بأصغر ذنوبنا أهلكنا، ~~قال الرازي: والإشفاق: دوام الحذر مقرونا بالترحم، وهو أن يشفق على ~~النفس قبل أن تجمح إلى العناد، وله أقسام: إشفاق على العمل أن يصير إلى ~~الضياع، وإشفاق على الخليقة لمعرفة مقاديرها، وإشفاق على الوقت أن يشوبه ~~تفرق وعلى القلب أن يمازجه عارض وعلى النفس أن يداخلها - انتهى. # ولما حكى عنهم سبحانه أنهم أثبتوا لأنفسهم عملا تدريبا لمن أريدت ~~سعادته، فكان بحيث يظن أنهم رأوه هو السبب لما وصلوا إليه، قالوا نافين ~~لهذا الظن، مبينين أن ما هم فيه إنما هو ابتداء تفضل من الله تعالى لأن ~~إشفاقهم منه سبحانه لكيلا يعتمد الإنسان على شيء من عمله فلا يزال معظما ~~لربه خائفا منه: { فمن الله } الذي له جميع الكمال بسب إشفاقنا منه { ~~علينا } بما يناسب كماله فأمننا { ووقانا } أي وجنبنا بما سترنا به { ~~عذاب السموم * } أي الحر النافذ في المسام نفوذ السم. ### || [52.28-34] # ولما ذكروا إشفاقهم، بينوه مؤكدين أيضا لمثل ذلك بقولهم: { إنا كنا } ~~أي بما طبعنا عليه وهيئنا له. ولما كان الدعاء بمعنى فعل العبادة، وكانت ~~تقع في بعض الزمان، أثبت الجار إشارة إلى ذلك مع إسقاطه قبل هذا في ~~الدعاء بالقوة إشارة إلى أن التحلي بالفضائل يرضى منه باليسر، والتخلي عن ~~الرذائل لا بد فيه من البراءة عن كل قليل وكثير فقيل: { من قبل } أي في ~~الدنيا { ندعوه } أي نسأله ونعبده بالفعل، ms4726 وأما خوفنا بالقوة فقد كان في ~~كل حركة وسكنة، ثم عللوا دعاءهم إياه مؤكدين لأن إنعامه عليهم مع تقصيرهم ~~مما لا يكاد يفعله غيره، فهو مما يعجب منه غاية العجب فقالوا: { إنه هو } ~~أي وحده { البر } الواسع الجود الذي عطاؤه حكمة ومنعه رحمة، لأنه لا ~~ينقصه إعطاء ولا يزيده منع، فهو يبر عبده المؤمن بما يوافق نفسه فربما ~~بره بالنعمة وربما بره بالبؤس، فهو يختار له من الأحوال ما هو خير له ~~ليوسع له في العقبى، فعلى المؤمن أن لا يتهم ربه في شيء من قضائه { ~~الرحيم * } المكرم لمن أراد من عباده بإقامته فيما يرضاه من طاعته، ثم ~~بإفضاله عليه وإن قصر في خدمته. # ولما كان هذا مع تشويقه إلى الجنة والأعمال الموصله إليها وعظا يرقق ~~القلوب ويجلي الكروب، سبب عنه قوله: { فذكر } أي جدد التذكير بمثل هذا ~~لكل من يرجو خيره ودم على ذلك، وسماه تذكيرا لأنه مما يعلمه الإنسان إذا ~~أمعن النظر من نفسه أو من الآفاق، وعلل التذكير بقوله: { فما أنت } أي ~~وأنت أشرف الناس عنصرا وأكملهم نفسا وأزكاهم خلائق هم بها معترفون لك ~~قبل النبوة { بنعمت ربك } أي بسبب ما أنعم به عليك المحسن إليك من هذا ~~الناموس الأعظم بعد تأهيلك له بما هيأك به من رجاحة العقل وعلو الهمة ~~وكرم الفعال وجود الكف وطهارة الأخلاق وشرف النسب، وأكد النفي بقوله: { ~~بكاهن } أي تقول كلاما - مع كونه سجعا متكلفا - أكثره فارغ وتحكم على ~~المغيبات بما يقع خلاف بعضه. ولما كان للكاهن والمجنون اتصال بالجن، أتبع ~~ذلك قوله: { ولا مجنون * } أي تقول كلاما لا نظام له مع الإخبار ببعض ~~المغيبات، فلا يفترك قولهم هذا عن التذكير فإنه قول باطل لا تلحقك به ~~معرة أصلا؛ وعما قليل يكون عيبا لهم لا يغسله عنهم إلا اتباعهم لك، فمن ~~اتبعك منهم غسل عاره، ومن استمر على عناده استمر تبابه وخساره. # ولما كانت نسبته صلى الله عليه وسلم فيما أتاهم به من هذا القرآن الآمر ~~بالحكمة إلى أنه أتى به عن ms4727 الجن الذين طبعهم الفساد مما لا ينبغي أن ~~يتخيله أحد فضلا أن يقوله له صلى الله عليه وسلم، ولا يكاد يصدق أن ~~أحدا يرميه به، فكان في طيه سؤال تقريع وتوبيخ، نبه على ذلك بالعطف على ~~ما تقديره: أيقولون هذا القول البعيد من أقوال أهل العقول: { أم يقولون } ~~ما هو أعجب في مجرد قوله فضلا عن تكريره، فأم معادلة للاستفهام قبلها لا ~~مقطوعة، وكذا جميع ما بعدها وهو معنى ما نقله البغوي عن الخليل أنه قال: ~~ما في سورة الطور من ذكر " أم " كله استفهام وليس بعطف. # { شاعر } يقول كلاما موزونا بالقصد، يلزمه التكلف لذلك فيغلب إلزام ~~الوزن قائله حتى يجعل اللفظ هو الأصل ويجعل المعنى تابعا له، فيأتي كثير ~~من كلامه ناقص المعاني هلهل النسج مغلوبا فيه على أمره معترفا إذا وقف ~~عليه بتقصيره متعذرا مما زانه بهزعم من أوزانه، وساق سبحانه هذا وكذا ما ~~بعده من الأقسام على طريق الاستفهام مع أن نسبتها إليهم محققة، تنبيها ~~على أن مثل هذا لا يقوله عاقل، وإن قاله أحد لم يكد الناقل عنه يصدق: { ~~نتربص } أي ننتظر { به ريب المنون * } أي حوادث الدهر من الموت وغيره ~~القاطعة، من المن وهو القطع. # ولما كان كأنه قيل لهم: إنهم ليقولون ذلك، قال معلما جوابهم: { قل ~~تربصوا } ولم يعرج على محاججتهم في قولهم هذا تنبيها على أنه من السقوط ~~بمنزلة لا يحتاج معها إلى رد مجادلة، ثم سبب عن أمره لهم بالتربص قوله: { ~~فإني معكم } وأكده تنبيها على أنه يرجو الفرح بمصيبتهم كما يرجون الفرح ~~بمصيبته وإن كانت كثرتهم وقوتهم عندهم مانعة من مثل هذا التربص { من ~~المتربصين * } أي العريقين في التربص وإن ظننتم خلاف ذلك، وأشار بالمعية ~~إلى أنه مساو لهم في ذلك وإن ظنوا لكثرتهم وقوتهم ووحدته وضعفه أن الأمر ~~خلاف ذلك، قال القشيري: جاء في التفسير أن جميعهم - أي الذي تربصوا به - ~~ماتوا، قال: ولا ينبغي لأحد أن يؤمل نفاق سوقه بموت أحد لتنتهي النوبة ~~إليه فقل من تكون هذه صفته ms4728 إلا سبقته المنية، ولا يدرك ما تمناه من ~~الأمنية. # ولما كان قولهم هذا مما لا يقال أصلا وإن قيل على بعده كان قوله كأنه ~~على جهة سبق اللسان أو نحو ذلك، نبه عليه بمعادلة ما تقديره: أقالوا ذلك ~~ذهولا: { أم تأمرهم } أي نزين لهم تزيينا يصير مآلهم إليه من الانبعاث ~~كالأمر { أحلامهم } أي عقولهم التي يزعمون أنهم اختصوا بجودتها دون الناس ~~بحيث إنه كان يقال فيهم: أولوا الأحلام والنهي { بهذا } أي وهم يعتقدون ~~صحته وأنه العدل السواء لأنه متقيدون بالأحلام والنهي على ما فيه من ~~الفساد بالتناقض بعد اختلال كل قول منه على حدته كما تقدم بيانه، وهو ~~توبيخ عظيم بالإشارة إلى أنه ليست لهم عقول أصلا لقولهم هذا، فإن الكاهن ~~شرطه أن يكون في غاية المعرفة عندهم حتى أنهم يجعلونه حكما وربما عبدوه، ~~والمجنون لا يصلح لصالحة لأنه لا يعقل، والشاعر بعيد الأمر بوزن الكلام ~~وكثرته من سجع الكاهن وغيره وكلام المجنون: { أم هم } بظواهرهم وبواطنهم ~~{ قوم } أي ذوو قوة على ما يحاولونه فهم لذلك { طاغون } أي مجازون ~~للحدود، وذلك عادة لهم بما أفهمه الوصف، فهم لذلك لا يبالون بالعناد ~~الظاهر في مخالفته لما تأمر به الأحلام والنهى، ولا يقوله إلا الطغاة ~~السفهاء مع ظهور الحق لهم، فهم يقولون الكلام المتناقض غير مبالين بأحد ~~ولا مستحيين من أن ينسبوا إلى العدوان والمبالغة في العصيان، والآية من ~~الاحتباك: ذكر الأحلام أولا دليلا على ضدها ثانيا، والطغيان ثانيا ~~على ضده " العدل السواء " أولا، وسره أن ما ذكر أشد تنفيرا من السوء ~~وأعظم تقبيحا له وتحذيرا منه { أم يقولون } ما هو أفحش عارا من ~~التناقض: { تقوله } أي تكلف قوله من عند نفسه كذبا وليس بشعر ولا كهانة ~~ولا جنون، وهم على كثرتهم وإلمام بعضهم بالعلم وعرافة آخرين في الشعر ~~والخطب والترسل والسجع يعجزونه عن مثله بل عن مثل شيء منه. # ولما كان الكلام حقيقة في النفس، وكانوا يعلمون بطلان جميع ما يقولونه ~~من ذلك، كان التقدير: لم يقولوا شيئا من ذلك حقيقة ms4729 واعتقادا { بل لا ~~يؤمنون * } أي لا يقرون بالحق مع علمهم ببطلان قولهم وتناقضه عنادا منهم ~~لا تكذيبا في الباطن. # ولما كان هذا القول أظهر بطلانا من كل ما قالوه لأن تكذيبهم لهم على ~~تقدير كذبه - على زعمهم - غير موقوف على شيء خارج عن القوة، طالبهم ~~بالمعارضة لأنهم إذا عارضوه بمثله انفصل النزاع، ولذلك سبب عما مضى قوله ~~تكذيبا لهم في قولهم هذا الذي أظهروه بألسنتهم يوقفون به غيرهم عن ~~الخير: { فليأتوا } أي على تقدير أرادوه { بحديث } أي كلام مفرق مجدد ~~إتيانه مع الأوقات لا تكلفهم أن يأتوا به جملة { مثله } أي القرآن في ~~البلاغة وصحة المعاني والإخبار بالمغيبات مما كان أو يكون على ما هي عليه ~~والحكم. # ولما كان المقصود هنا مطلق التعجيز للمكذبين لا بقيد الاجتماع كما في ~~سبحان لأن نزول هذه أوائل ما نزل، تحداهم بالإتيان بالمثل في التنجيم ~~والتطبيق على الوقائع سورا أو آيات أو دون ذلك، تحدث وتتجدد شيئا في ~~أثر شيء - بما أشار إليه التعبير بالحدوث، ولذلك أعراه عن تظاهرهم ~~بالاجتماع ودعاء المستطاع، ولكونهم كاذبين في جزمهم بنسبته إلى التقول ~~وغيره، أشار إلى ذلك بقوله مقرعا لهم إلهابا إلى الخوض في المعارضة: { ~~إن كانوا } أي كونا هم راسخون فيه { صادقين * } أي في أنه تقوله من عند ~~نفسه شيئا فشيئا، كونا هم عريقون فيه كما يزعمون سواء ادعوا أنه شاعر ~~أو كاهن أو مجنون أو غير ذلك، لأن العادة تحيل أن يأتي واحد من قوم وهو ~~مساو لهم بما لا يقدرون كلهم على مثله، والعاقل لا يجزم بشيء إلا وهو ~~عالم به، ويلزم من علمهم بذلك قدرتهم على مثل ما يأتي به، فإنه صلى الله ~~عليه وسلم مثلهم في الفصاحة والبلد والنسب، وبعضهم يزيد عليه بالكتابة ~~وقول الشعر ومخالطة العلماء، ومزاولة الخطب والرسائل وغير ذلك، فلا يقدر ~~على ما يعجزون عنه إلا بتأييد إلهي، وهو المراد من تكذيبهم، وقد علم من ~~هذا ومما تقدم من نحوه مفرقا في السور التي فيها مثله أن المتحدى به في ms4730 ~~كل سورة غير المتحدى به في الأخرى - والله الهادي، وهذه الأقسام الماضية ~~من تكذيبهم تتأتى أن تكون على تقدير الاعتقاد للإله على ما هو عليه من ~~صفات الكمال فأتباعها قسما على تقدير التعطيل، وإذا لم يكن إله لم يكن ~~رسول فيأتي التكذيب، ثم أتبع ذلك قسما آخر هو على تقدير إثبات الإله لكن ~~مع الضعف بالشركة، ولكون الشركة تارة تكون من المتكلم وتارة من غيره، قدم ~~منها ما للمتكلم على زعمه، وقدم تقدير شركته بالخلق ثم بضبط الخزائن ثم ~~بالكتابة ثم بسماع الأسرار ثم بضعف السعة بالرضا بالصنف الأردأ. ### || [52.35-38] # ولما مضت فضيحتهم بالتحدي، وكانت عندهم فضيحة التناقض دون فضيحة ~~المعارضة، فكانوا يقدمونها عليها، فلم يحدث أحد منهم يوما من الأيام ~~بشيء مما يعارضه به علما منهم بأنهم يصيرون بذلك إلى خزي لا يمكن أن ~~يغسل عاره كما صار مسيلمة، لأنهم كانوا أعقل العرب وكان التقدير كما هدى ~~إليه السياق: فإنك مستو معهم بالنسبة إلى إيجاد الله لكم، هو سبحانه ~~خالقهم كما أنه خالقك، ولا خصوصية لك منه على زعمهم: أهو خالقهم كما هو ~~خالقك فيلزمهم أن يأتوا بمثل ما تأتي به، وكان ذلك على تقدير إقرارهم ~~بالله وادعائهم لكذبه صلى الله عليه وسلم، عادله سبحانه تبكيتا لهم ~~وإظهارا لفضائح هي أشنع مما فروا منه من المعارضة بقوله على تقدير أن ~~يكونوا منكرين للإله أو مدعين لأن يكونوا آلهة: { أم خلقوا } أي وقع ~~خلقهم على هذه الكيفية المتقنة { من غير شيء } فيكونوا مخالفين لصريح ~~العقل إذ تعلق الخلق بالخالق من ضرورة الاسم كتعلقه بالمخلوق ليسلم لهم ~~أنك تأتي بما لا يقدرون على معارضته لأنك أقوى منهم بكونك مستندا إلى ~~خالق وهم ليسوا مستندين إلى شيء أو ليكونوا لذلك أقوى منك وأعلى، فيكون ~~لهم التكبر عليك { أم هم الخالقون * } أي الذين لهم هذا الوصف فيكونون قد ~~خلقوا أنفسهم ليكونوا بذلك شركاء فيكون الخالق والمخلوق واحدا، وهو مثل ~~القسم الذي قبله في عدم الاستناد إلى شيء أو يكون ثبوت هذا الوصف لهم ms4731 ~~موجبا لأن يكونوا على ثقة مما يقولون وللتكبر عليك، فإن ادعوا ذلك حكم ~~أدنى الخلق بجنونهم؛ { أم خلقوا } أي على وجه الشركة { السماوات والأرض } ~~فهم لذلك عالمون بما فيها على وجه الإحاطة واليقين حتى علموا أنك تقولته ~~ليصير لهم رده والتهكم عليه. # ولما كان التقدير: لم يكن شيء من ذلك ليكون لهم شبهة في الكلام فيك، عطف ~~عليه قوله: { بل لا يوقنون * } أي ليس لهم نوع يقين ليسكنوا إلى شيء واحد ~~لكونه الحق أو ليعلموا أن هذه الملازم الفاضحة تلزمهم فيكفوا عن أمثالهم ~~{ أم عندهم } أي خاصة دون غيرهم { خزائن } ولما كان ذكر الرحمة لا يقتضيه ~~مقصود السورة الذي هو العذاب، لم تذكر كما في ص وسبحان فقيل: { ربك } ~~المحسن إليك بإرسالك بهذا الحديث فيعلموا أن هذا الذي أثبت به ليس من ~~قوله لأنه لا تصرف له في الخزائن إلا بهم، فيصح قولهم: إنك تقولته وحينئذ ~~يلزمهم فضائح لا آخر لها، منها أن يأتوا بحديث مثله بل أحسن منه من تلك ~~الخزائن { أم هم } لا غيرهم { المسيطرون * } أي الرقباء الحافظون ~~والجبارون والمسلطون الرؤساء الحكماء الكتبة، ليكونوا ضابطين للأشياء ~~كلها كما هو شأن كتاب السر عند الملوك فيعلموا أنك تقولت هذا الذكر ~~لأنهم لم يكتبوا به إليك { أم لهم سلم } يصعدون به إلى السماء { يستمعون ~~} أي يتعمدون السمع لكل ما يكون فيها ومنها { فيه } أي في ذلك السلم ~~وبسببه كما يكون بعض من يحضر مجالس الملوك في الدنيا ويعلم ما يقع فيها ~~ليكونوا ضابطين لما يأتي من الملك فيعلموا أن ما قالوه فيك حق ولما كان ~~من يكون هكذا متمكنا من الإتيان منها بالعجائب، سبب عنه قوله: { فليأت ~~مستمعهم } إن ادعوا ذلك { بسلطان مبين * } أي حجة قاهرة بينة في نفسها، ~~موضحة لأنها من السماء على صحة ما يرمونك به. ### || [52.39-43] # ولما كان ما مضى على تقدير وجود الإله مع الشركة، وكان ادعاؤهم الولد ~~عظيما جدا لدلالته على حاجته وضعفه، وكان جعله بنات أعظم لأنه دال مع ~~ضعفه على سفهه، دل على ms4732 استعظامه بالالتفات إلى خطابهم بعذابهم فقال: { أم ~~له البنات } أي كما ادعيتم { ولكم } أي خاصة { البنون * } لتكونوا أقوى ~~منه فتكذبوا رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم وتردوا قوله من غير حجة ~~فتكونوا آمنين من عذاب يأتيكم منه لضعفه وقوتكم، وهذه الأقسام كلها على ~~تقدير التكذيب، وهي هنا بذكر ما على تقدير التصديق، وإنما وقع الرد فيها ~~لعارض عرض. # ولما كان المكذب بشيء قد يكون معترفا بأنه من عند إله، وأن إلهه متصف ~~بجميع صفات الكمال فلا شريك له، وإنما تكذيبه لقادح لا يقدر عليه، وكرب ~~رمى بجميع أنكاده إليه، أعرض عنهم التفاتا إلى الأسلوب الأول فقال ~~مخاطبا له صلى الله عليه وسلم تنويها بذكره ورفعا لعظيم قدره وتسلية ~~لما يعلم من نفسه الشريفة البراءة منه: { أم تسألهم } أي أيها الطاهر ~~الشيم البعيد عن مواضع التهم { أجرا } على إبلاغ ما أتيتهم به { فهم من ~~مغرم } ولو قل، والمغرم: التزام ما لا يجب { مثقلون * } أي حمل عليهم ~~حامل بذلك ثقلا فهم لذلك يكذبون من كان سببا في هذا الثقل بغير مستند ~~ليستريحوا مما جره لهم من الثقل. # ولما كان من يدعي الانفراد بشيء يحسد من يدعي مشاركته فيه قال: { أم ~~عندهم } أي خاصة بهم { الغيب } أي علمه { فهم يكتبون * } أي يجددون للناس ~~كتابة جميع ما غابة عنهم مما ينفعهم ويضرهم حتى يحسدونك فيما شاركتهم به ~~منه، فيردوه لذلك، وينسبوك إلى ما نسبوك إليه مما يعلم كل أحد ترافعك عنه ~~وبعدك منه { أم يريدون } بهذا القول الذي يرمونك به { كيدا } أي مكرا ~~أو ضررا عظيما يطفئون به نور الله بزعمهم مع علمهم بأنك صادق فيه، فهم ~~بسبب إرادتهم ذلك هكذا كان الأصل، ولكنه قال تعميما وتعليقا للحكم ~~بالوصف: { فالذين كفروا } أي ستروا الأجلة تارة عنادا وتارة بالإعراض عن ~~تأملها { هم } أي خاصة { المكيدون * } أي يختص وبال الكيد بلزومه لهم ~~وقطعه لدابرهم لأن من كان الإله عليه كان خاسرا، وأقرب مآلهم من الكيد ~~الظاهر في بدر عن انتهاء سنين عدتها عدة ما هنا من ms4733 " أم " وهي خمسة عشرة ~~مرة لأن بدرا كانت في الثانية من الهجرة، وهي الخامسة عشرة من النبوة، ~~فقد سبب الله فيها من الأسباب ما أوجب سعيهم إلى هلاكهم بأمور خارقة ~~للعادة، فلو كانت لهم بصائر لكفتهم في الهداية، والرد عن الضلالة ~~والغواية. # ولما كان التقدير: أكذلك الأمر عادله بقوله: { أم لهم إله } يمنعهم من ~~التصديق بكتابنا، أو يستندون إليه للأمان من عذابنا { غير الله } الذي ~~أحاط بجميع صفات الكمال، فلا يمكن بوجه من الوجوه ولا على تقدير من ~~التقادير أن يكون معه إله، ولذلك وصل به قوله: { سبحان الله } أي الملك ~~الأعظم الذي تعالى أن يداني جنابه شائبة نقص { عما يشركون } من الأصنام ~~وغيرها، وأخر سبحانه هذا القسم وهو من الشركة لكن بالغير لأنه آت على ~~تقدير التصديق للرسول صلى ولأنه دينهم الذي أوقفهم عن الهدى، فأوقعهم في ~~الردى، ليحتم بنفسه والتنزيه عن الإقسام فيحصل به غاية القصد والمرام. # والحاصل أنه قسم به سبحانه حالهم في ردهم القرآن إلى التكذيب وغيره، ~~ولما كان التكذيب - وهو النسبة إلى الكذب وهو عدم المطابقة للواقع - إما ~~في الإرسال، وإما في المعاني، وما وقع به الإرسال إما لنقص في الرسول ~~وإما النقص في المرسل، والذي في الرسول إما أن يكون لأمر خارج عنه أو ~~لأمر داخل فيه، ولما كان الخارج قد يكون معه نقص دخل بذاته، ولما كان ذلك ~~قد يكون فيه ما يمدح به ولو من وجه، وهو الكهانة بدأ بها، وأتبعه الداخل ~~لذلك بادئا بما قد يمدح به وهو الشعر. ولما كان القول بجمع الكهانة ~~والشعر والجنون في شخص واحد على غاية من ظهور التناقص لا يخفى، أتبعها ~~الرمي بالتهكم على عقولهم. ولما كان الكذب في الرمي بالتقول قد يخفى، ~~أتبعه دليله بالعجز عن المعارضة. ولما قسم ما رموا به الرسول، أتبعهم ما ~~ألزمهم به في المرسل، ولما كان ذلك إما أن يكون بالتعطيل أو لا، وكان ~~التعطيل أشد، بدأ به وهو الخلق من غير شيء، ولما كان النقص مع الإقرار ~~بالوجود ms4734 إما أن يكون بالشركة أولا، وكان بالشركة إما أن يكون المكذب هو ~~المشارك أولا، وكانت الشركة المكذب أقعد في التكذيب بدأبها، ولما كانت ~~شركة المكذب إما أن تكون في الخلق أو لا، وكان الأول إما أن يكون بخلق ~~النفس أو الغير، وكانت الشركة بخلق النفس ألصق، بدأ بها قوله: { أم هم ~~الخالقون } ولما كانت الشركة بغير الخلق إما أن يكون بضبط الحواس أو لا، ~~وكان الثاني إما أن يكون بضبط الكتاب فيها وإليه الإشارة بالمسيطر، أو ~~بضبط ما يؤمر به فيها وإليه الإشارة بالسلم أو بسفه صاحب الخزائن لرضاه ~~بالبنات، وكان كل قسم أشد مما بعده رتبه هكذا. ولما انتهى ما يرجع إلى ~~التكذيب، أتبعه الرد لا للتكذيب بل لأمر آخر، ولما كان ذلك الأمر إما من ~~الآتي أو من المأتي إليه أو من غيرهما، كان ما من الآتي ألصق بدأ به وهو ~~المغرم، ولما كان ما من المأتي إليه إما لحسد أو غيره، وكان أمر الحسد ~~أشد، بدأ به وهو المشاركة في الأبناء بما يكون به الفخر والرئاسة وهو علم ~~الغيب - الناظر بوجه للكهانة المبدوء بها في قسم التكذيب، وآخر ما من ~~الغير وهو الشريك المانع لهم من القبول، وخلطه بهذا القسم مع كونه قسيما ~~لما فرض فيه المكذب مشاركا لخلوه عما قارن تلك الأقسام من التكذيب، هذا ~~تمام القول في إبطال ما لزمهم فيما تقولوه في أمر القرآن، وقد تضمن ما ~~ترى من تأصيله وتقسيمه وتفصيله من بيان مقدورات الله وعجائب مصنوعاته ما ~~ألزمهم حتما التوحيد الملزم بتصديق الرسالة والإذعان للحق مع ما له من ~~الإعجاز في ترتيبه ونظمه وتهذيبه وتسهيله وتقريبه مجلوا أسلوبه العظيم ~~بألفاظ هي الدر النظيم، ومعان علت عن لاحق بغريزة أو تعليم، يكاد لها ~~أثبت القلوب يهيم فيطير، وأبلغ البلغاء في افنان روحها يتدله ويحير، فكان ~~ذلك كما قال جبير بن مطعم رضي الله عنه كما روى البخاري ومسلم وأبو داود ~~والنسائي وابن ماجه رضي الله عنهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ms4735 قرأ ~~في المغرب بالطور، وقال البخاري في التفسير: فلما بلغ هذه الآية { أم ~~خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون } { أم خلقوا السماوات والأرض بل لا ~~يوقنون أم عندهم خزائن ربك أم هم المسيطرون } كاد قلبي يطير، وقال ابن ~~ماجه: فلما سمعه يقرأ { أم من غير شيء أم هم الخالقون } - إلى قوله - { ~~فليأت مستمعهم بسلطان مبين } كاد قلبي يطير. # وسبق في أول السورة ما ذكره البغوي من هذا الحديث. ### || [52.44-49] # ولما كان التقدير تسكينا لقلب من يريد إجابتهم إلى الآيات المقترحات ~~طمعا في إيمانهم: فلقد تلونا عليهم في هذه السورة وغيرها من الآيات، ~~وخلونا من المعجزات البينات، وأتينا من تناقضهم في هذه التقسيمات، بما ~~يهد الجبال الشامخات، وبينا من فضائحهم بحسن سوقها وحلاوة ذوقها، وصحة ~~معانيها وإحكام مبانيها، ما يزلزل الراسيات، ويحل العزمات، ويفرج ~~الأزمات، ويصد ذوي المروات عن أمثال هذه النقائص الفاضحات، لما لها من ~~الأدلة الواضحات، ولكنهم لما ألزمناهم به من العكس لا يؤمنون، وكدناهم ~~بما أعمينا من بصائرهم فهم لا يعلمون أنهم المكيدون، عطف عليه قوله: { ~~وإن يروا } أي معاينة { كسفا } قطعة، وقيل: قطعا واحدتها كسفة مثل سدرة ~~وسدر { من السماء } نهارا جهارا { ساقطا يقولوا } لددا وتجلدا في ~~البغي إصرارا، وتعلقهم بما أمكنهم من الشبه تخييلا على العقول وإيقافا ~~لذوي الآراء والفهوم دأب الأصيل في نصر الباطل ومكابرة الحق لما لهم من ~~العراقة في عمى القلوب بما لنا من القدرة على صرفهم عن وجوه الأمر: هذا { ~~سحاب } فإن قيل لهم: هو مخالف للسحاب بصلابته، قالوا: { مركوم * } أي ~~تراكم بعضه على بعض فتصلب، ولذلك سبب عن هذا الحال الدال على أنهم وصلوا ~~في عمى البصائر إلى أنه لو جاءتهم كل آية لا يؤمنون، قوله لنبيه صلى الله ~~عليه وسلم ومن تبعه: { فذرهم } أي اتركهم على شر أحوالهم { حتى يلاقوا } ~~سعيا بسوء أعمالهم { يومهم } كما أنه هو يسعى إليهم لاستحقاقهم لما فيه ~~{ الذي فيه } لا في غيره لأن ما حكمنا به لا يتقدم ولا يتأخر { يصعقون * ~~} بالموت من شدة ms4736 الأهوال وعظيم الزلزال كما صعق بنو إسرائيل في الطور، ~~ولكنا لانقيمهم كما أقمنا أولئك إلا عند النفخ في الصور لنحشرهم إلى ~~الحساب الذي يكذبون به، والظاهر أن هذا اليوم يوم بدر فإنهم كانوا قاطعين ~~بالنصرة فيها فما أغنى أحد منهم عن أحد شيئا كما قال أبو سفيان بن ~~الحارث: ما هو إلا أن لقيناهم فمنحناهم أكتافنا يقتلوننا كيف شاؤوا ~~ويأسروننا كيف شاؤوا. { يوم لا يغني } أي بوجه من الوجوه { عنهم كيدهم } ~~الذي يرمونه بهذه الأقوال المتناقضة { شيئا } أي من الإغناء في دفع شيء ~~يكرهونه من الموت ولا غيره كما يظنون أنه يغني عنهم في غير ذلك من أحوال ~~هذه الدار بتثبيط الناس عن اتباع القرآن بما يصفونه به من البهتان { ولا ~~هم ينصرون * } أي لا يتجدد لهم نصر من أحد ما في ساعة ما. # ولما أفهم هذا الكلام السابق أن التقدير: فإن لكل ظالم في ذلك اليوم ~~عذابا لا يحيط به الوصف، فإن الإصعاق من أشد ما يكون من العذاب، عطف ~~عليه قوله مؤكدا لما لهم من الإنكار أي ينصر عليهم المؤمنون وهم من ~~الكثرة والقوة بحيث لا مطمع فيهم لأحد لا سيما لمن هم مثل في الضعف ~~والقلة { وإن } وكان الأصل لهم، ولكنه أظهر تعميما وتعليقا للحكم ~~بالوصف فقال: { للذين ظلموا } أي أوقعوا الأشياء في غير مواقعها كما ~~يقولونه في القرآن، ويفعلونه من العصيان ويعتقدون من الشرك والبهتان { ~~عذابا دون ذلك } أي غير عذاب ذلك اليوم الصعب المرير، أو أدنى رتبة منه، ~~إن كان المراد بالعصق ما يكون بعد البعث فبعذاب البزرخ في القبور، وإن ~~كان المراد به الموت فيما يلقونه في الدنيا من عذابي بواسطتكم مثل تحيزكم ~~إلى الأنصار في دار الهجرة ومعدن النصرة وصيرورتكم في القوة بحيث ~~تناصبونهم الحرب، وتعاطونهم الطعن والضرب، فتكونوا بعد أن كنتم طوع ~~أيديهم قذى في أعينهم وشجا في حلوقهم ودحضا لأقدامهم ونقضا لإبرامهم، ~~ومثل القحط الذي حصل لهم والسرايا التي لقيتموها فيها مثل سرية حمزة أسد ~~الله وأسد رسوله، وعبيدة بن الحارث ms4737 وعبيد الله بن جحش التي كانت مقدمة ~~لغزوة بدر. # ولما كان بعضهم يبصر هذا مثل عتبة بن ربيعة والوليد بن مغيرة والنضر بن ~~الحارث ويقولون: والله ما هو شاعر ولا كاهن ولا ساحر ولا مجنون، وليكونن ~~لقوله الذي يقول نبأ، قال: { ولكن أكثرهم } بسبب ما يرون من كثرتهم وحسن ~~حالهم في الدنيا وقوتهم { لا يعلمون * } أي يتجدد لهم علم بتقويتكم عليهم ~~لأنهم لا علم لهم أصلا حتى يروا ذلك معاينة. # ولما كان العلم المحيط من الملك القاهر أعظم مسل للولي وأكبر مخيف ~~للعدو، قال عاطفا على { فذرهم } أو على ما تقديره: فكن أنت العلماء بذلك ~~ليكون فيه لك أعظم تسلية: { واصبر } أي أوجد هذه الحقيقة لتصبر على ما ~~أنت فيه من أداء الرسالة وما لها من الكلف من أذى الناس وغيره ولكونه في ~~مقام الإعراض عن الكفار وكون إعراضه عنهم أصعب عليه من مقاساة إنذاره وإن ~~نشأ عنها تكذيبهم واستهزاؤهم، اشتدت العناية هنا بالصبر فقدم، وأيضا فإن ~~الإعراض عنهم مقتض لعدهم فانين، وذلك هو مقام الجمع، والجمع لا يصلح إلا ~~بالفرق، فلذلك قدم الأمر بالصبر، وذكر الحكم إشارة إلى أنه متمكن في مقام ~~الفرق كما أنه عريق في مقام الجمع بخلاف المدثر، فإن سياقها للإنذار ~~الناشىء عنه غاية الأذى فاشتدت العناية هناك بتقديم ذكر الإله نظرا إلى ~~الفناء عن الفانين وإن كان مباشرا لدعائهم، وعبر بما يذكر بحسن التربية ~~زيادة في التعزية فاقتضى هذا السياق أن رغبه سبحانه بقوله: { لحكم ربك } ~~أي المحسن إليك فإنه هو المريد لذلك ولو لم يرده لم يكن شيء منه، فهو ~~إحسان منه إليك وتدريب لك وترقية في معارج الحكم، وسبب عن ذلك قوله لما ~~يغلب على الطبع البشري في بعض أوقات الامتحان من نوع نسيان: { فإنك ~~بأعيننا } جمع لما اقتضته نون العظمة التي هذا سياقها، وهي ظاهرة في ~~الجمع وإشارة إلى أنه محفوف بالجنود الذين رؤيتهم من رؤيته سبحانه فهو ~~مكلوء مرعى به وبجنوده وفاعل في حفظه فعل من له أعين محيطة بمحفظه من ms4738 كل ~~جهة من جهاته. # ولما كانت الطاعة أعظم ناصر وأكبر معز، وكانت الصلاة أعظمها قال: { وسبح ~~} أي أوقع التنزيه عن شائبة كل نقص بالقلب واللسان والأركان، متلبسا { ~~بحمد ربك } أي المحسن إليك، فأثبت له كل كمال مع تنزيهه له عن كل نقص، ~~فلا يكون في ملكه ما لا يريد ولا يريد إلا ما هو حكمة بالغة { حين تقوم * ~~} أي من الليل في جميع الأوقات التي هي مظنة القيام على الأمور الدنيوية ~~والأشغال النفسانية، وهي أوقات النهار الذي هو للانتشار بصلاة الصبح ~~والظهر والعصر، وتحتمل العبارة التسبيح عند كل قيام بكفارة المجلس وهو " ~~سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله أنت أستغفرك وأتوب إليك " فإنها تكفر ~~ما كان في المجلس - كما رواه أبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح غريب ~~والنسائي وابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم { ومن الليل } الذي هو محل السكون والراحة { فسبحه } كذلك ~~بالنية والقول كلما انتبهت وبالفعل بصلاة المغرب والعشاء وصلاة الليل، ~~ولتعظيمه صرح بذلك وقدمه على الفعل، والضمير يعود على المضاف إليه، وأشار ~~إلى التهجد بعد دخوله فيما قبله بقوله: { وإدبار النجوم * } أي وسبحه في ~~وقت إدبارهم أي إذا أدبرت، وذلك من آخر الليل في نصفه الثاني: وكلما قارب ~~الفجر كان أعلى وبالإجابة أولى، وإلى قرب الفجر تشير قراءة الفتح جمع ~~دابر أي في أعقابها عند خفائها أو أفولها، وذلك بصلاة الفجر سنة وفرضا ~~أحق وأولى لأنه وقت إدبارها حقيقة، فصارت عبادة الصبح محثوثا عليها ~~مرتين تشريفا لها وتعظيما لقدرها فإن ذلك ينجي من العذاب الواقع، وينصر ~~على العدو الدارع، من المجاهر المدافع، والمنافق المخادع، وقد رجع آخرها ~~على أولها، ومقطعها على موصلها، بحلول العذاب على الظالم، وبعده عن ~~الطائع السالم - والله الموفق. ### | [53 - سورة النجم] ### || [53.1-7] # ولما ختمت الطور بأمره صلى الله عليه وسلم بالتسبيح والتحميد، وكان أمره ~~تكوينا لا تكليفا، فكان فاعلا لا محالة، وذاك بعد تقسيمهم القول في ~~النبي صلى الله عليه وسلم بأنه ms4739 كاهن وساحر ومجنون، وكان لذلك تعلق ~~بالشياطين، وكانت الشياطين مباينة للقرآن بختلها وبمنعها بالرجوم من ~~النجوم كما بين آخر الشعراء، افتتحت هذه بالحث على الاهتداء بهدية ~~والاستدلال بدله واتباع أثره، ولما كان من ذلك تسبيحه بالحمد في إدبار ~~النجوم أقسم أول هذه بالنجم على وجه أعم مما في آخر تلك فعبر بعبارة تفهم ~~عروجه وصعوده لأنه لا يغيب في في الأفق الغربي واحد من السيارة إلا وطلع ~~من الأفق الشرقي في نظير له منها لما يكون عند ذلك من تلك العبارة ~~العالية، والأذكار الزاكية، مع ما فيه من عجيب الصنع الدال على وحدانية ~~مبدعه من زينة السماء التي فيها ما توعدون والحراسة من المردة حفظا ~~لنجوم الكتاب والاهتداء به الدين والدنيا، وغير ذلك من الحكم التي يعرفها ~~الحكماء، فقال تعالى: { والنجم } أي هذا الجنس من نجوم السماء أو القرآن ~~لنزوله منجما مفرقا وهم يسمون التفريق تنجيما - أو النبات، قال ~~البغوي: سمي النجم نجما لطلوعه وكل طالع نجم. { إذا هوى } أي نزل للأفول ~~أو لرجم الشياطين عند الاستراق كما رواه عكرمة عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما إن كان المراد السمائي، فكانت عنده العبادة والاستغفار والدعاء ~~للملك الجبار بالأسحار، أو صعد فكان به اهتداء المصلي والقارئ والساري، ~~فإنه يقال: هوى هويا - بالفتح إذا سقط، وبالضم - إذا علا وصعد، أو نزل ~~به الملك للإصعاد وللإبعاد إن كان المراد القرآني لما يحصل من البركات في ~~الدين والدنيا والشرح للصدور، والاطلاع على عجائب المقدور، أو إذا سقط ~~منبسطا على الأرض أو ارتفع عنها إن كان المراد النبات، لما فيه من غريب ~~الصنعة وجليل التقدير الدال على عام القدرة وكمال العلم والتوحد بالملك ~~والغنى المطلق. # ولما أقسم بهذا القسم الجليل، أجابه بقوله معبرا بالماضي نفيا لما ~~كانوا رموه به وليسهل ما قبل النبوة فيكون ما بعدها بطريق الأولى: { ما ~~ضل } أي عدل عن سواء المحجة الموصلة إلى غاية المقصود أي أنه ما عمل ~~الضالين يوما من الأيام فمتى تقول القرآن عنده ولا علم فيه عمل ms4740 المجانين ~~ولا غيرهم ما رموه به وأما # وجدك ضالا # [الضحى: 7] فالمراد غير عالم، وعبر بالصحبة مع كونها أدل على القصد ~~مرغبة لهم فيها ومقبلة بهم إليه ومقبحة عليهم اتهامه في إنذاره وهم ~~يعرفون طيب أعرافه وطهارة شمائله وأخلاقه فقال: { صاحبكم } أي في إنذاره ~~لكم في القيامة فلا وجه لكم في اتهامه. # ولما كان الهدى قد يصحبه ميل لا يقرب الموصول إلى القصد وإن حصل به نوع ~~خلل في القرب أو نحوه فقد يكون القصد مع غير صالح قال: { وما غوى * } وما ~~مال أدنى ميل ولا كان مقصوده مما يسوء فإنه محروس من أسبابه التي هي ~~غواية الشياطين وغيرها، وقد دفع سبحانه عن نبينا صلى الله عليه وسلم، ~~وأما بقية الأنبياء فدفعوا أنفسهم # ليس بي ضلالة # [الأعراف: 61] # ليس بي سفاهة # [الأعراف: 67]، ونحو ذلك - قاله القشيري. # ولما كان قد يكون مع الهدى مصادفة قال: { وما ينطق } أي يجاوز نطقه فمه ~~في وقت من الأوقات لا في الحال ولا في الاستقبال، نطقا ناشئا { عن ~~الهوى } أي من أمره كالكاهن الذين يغلب كذبهم صدقهم والشعراء وغيرهم، وما ~~تقول هذا القرآن من عند نفسه. ولما أكد سبحانه في نفسه ذلك عند التأكيد ~~تنزيها له عما نسب إليه، فكان ذلك مظنة السؤال عن أصل ما تقوله، أجاب ~~بالحصر والآية أصرح وأدفع لإنكارهم البالغ فقال: { إن } أي ما { هو } أي ~~الذي يتكلم به من القرآن وبيانه، وكل أقواله وأفعاله وأحواله بيانه { إلا ~~وحي } أي من الله تعالى، وأكده بقوله: { يوحى * } أي يجدد إليه إيحاؤه ~~منا وقتا بعد وقت، ويجوز أن يجتهد صلى الله عليه وسلم، فإذا استقر ~~اجتهاده على شيء أوحي مع أن من يرد ما يجتهد فيه إلى ما أوحي إليه بريء ~~من الهوي. # وقال أبو جعفر ابن الزبير في برهانه: لما قطع سبحانه تعليقهم بقوله: ~~ساحر وشاعر ومجنون - إلى ما هو به مما علموا أنه لا يقوم على ساق، ولكن ~~شأن المنقطع المبهوت أن يستريح إلى ما أمكنه وإن لم يغن عنه، أعقب الله ~~سبحانه ms4741 بقسمة على تنزيه نبيه وصفيه من خلقه عما تقوله وتوهمه الضعفاء ~~فقال تعالى: { والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى } ثم أتبع سبحانه هذا ~~القسم ببسط الحال في تقريبه عليه السلام وإدنائه وتلقيه لما يتلقاه من ~~ربه وعظيم منزلته لديه، وفي إبداء ذلك يحركهم عز وجل ويذكرهم ويوبخهم ~~على سوء نكاياتهم بلطف واستدعاء كريم منعم فقال تعالى: { أفرأيتم اللات ~~والعزى } والتحمت الآي على هذه الأغراض إلى الإعلام بانفراده سبحانه ~~بالإيجاد والقهر والإعزاز والانتقام، لا يشاركه في شيء من ذلك غيره فقال: ~~{ وأن إلى ربك المنتهى وأنه هو أضحك وأبكى }. ولما بين ذلك فقال: { فبأي ~~آلاء ربك تتمارى } أي في أي نعمة تشكون أم بأي آية تكذبون؟ ثم قال: { ~~هذا نذير من النذر الأولى } وإذا كان عليه الصلاة والسلام... فشأن مكذبيه ~~شأن مكذبي غيره - انتهى. # ولما كان الوحي ظاهرا فيما بواسطة الملك، تشوف السامع إلى بيان ذلك ~~فقال مبينا له بأوصافه لأن ذلك أضخم في حقه وأعلى لمقداره: { علمه } أي ~~صاحبكم الوحي الذي أتاكم به { شديد القوى * } أفلا تعجبون من هذه البحار ~~الزاخرة التي فأقكم بها وهو أمي فإن معلمه بهذه الصفة التي هو بها بحيث ~~ينفذ كل ما أمره الله به { ذو مرة } أي جزم في قوة وقدرة عظيمة على ~~الذهاب فيما أمر به والطاقة لحمله في غير آية النشاط والحدة كأنه ذو مزاج ~~غلبت عليه الحدة فهو صعب المراس ماض في مراوته على طريقة واحدة على غاية ~~من الشدة لا توصف لا التفات له بوجه إلى غير ما أمر به، فهو على غاية ~~الخلوص فهو مجتمع القوى مستحكم الشأن شديد الشكيمة، لا بيان في شيء ~~بزواله ومن جملة ما أعطى من القوة والقدرة على التشكل، وإلى ذلك كله أشار ~~بما سبب عن هذا من قوله: { فاستوى * } فاستقام واعتدل بغاية ما يكون من ~~قوته على أكمل حالاته في الصورة التي فطر عليها { وهو } أي والحال أن ~~جبرائيل عليه السلام، وجوزوا أن يكون الضمير المنفصل للنبي صلى الله عليه ~~وسلم ms4742 أي استوى جبرائيل عليهما السلام معه { بالأفق الأعلى * } أي الناحية ~~التي هي النهاية في العلو والفضل من السماوات مناسبة لحالة هذا الاستواء، ~~وذلك حين رآه النبي صلى الله عليه وسلم جالسا على كرسي بين السماء ~~والأرض قد سد الأفق. ### || [53.8-10] # ولما كان الدنو من الحضرة الإلهية - التي هي مهيئة لتلقي الوحي - من ~~العلو والعظمة بحيث لا يوصف، أشار إلى ذلك بأداة التراخي فقال: { ثم } أي ~~بعد ذلك الاستواء العظيم { دنا } أي جبرائيل عليه السلام من الجناب ~~الأقدس دنو زيادة في كرامة لا دنو مسافة، وكل قرب يكون منه سبحانه فهو مع ~~أنه منزه عن المسافة يكون على وجهين: قرب إلى كل موجود من نفسه، وقرب ~~ولاية حتى يكون سمع الموجود وبصره بمعنى أنه لا يسمع ولا يبصر إلا ما ~~يرضاه - أشار إليه ابن برجان، فأخذ الوحي الذي أذن له في أخذه في ذلك ~~الوقت { فتدلى } عقب ذلك من الله رسولا إلى صاحبكم أي أنزل إليه نزولا ~~هو فيه كالمتدلي إليه بحبل فوصل إليه ولم ينفصل عن محله من الأفق الأعلى ~~لما له من القوة والاستحكام، قال البيضاوي: فإن التدلي هو استرتسال مع ~~تعلق كتدلي الثمرة { فكان } في القرب من صاحبكم في رأي من يراه منكم { ~~قاب } أي على مسافة قدر { قوسين } من قسيكم، قال الرازي في اللوامع: أي ~~بحيث الوتر في القوس مرتين، وعن ابن عباس رضي الله عنهما: القوس الذراع ~~بلغة أزدشنوءة، وقال ابن برجان: قاب القوسين: ما بين السيين، وقيل: ما ~~بين القبضة والوتر { أو أدنى * } بمعنى أن الناظر منكم لو رآه لتردد وقال ~~ذلك لشدة ما يرى له من القرب منه صلى الله عليه وسلم، روى مسلم في ~~الإيمان من صحيحه عن الشيباني قال: " سألت زر بن حبيش عن قوله تعالى { ~~فكان قاب قوسين } فقال: أخبرني ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم رأى جبرائيل عليه السلام له ستمائة جناح " { فأوحى } أي ألقى ~~سرا من كلام الله بسبب هذا القرب، وعقبه بقوله: { إلى ms4743 عبده } أي عبد ~~الله، وإضماره من غير تقدم ذكره صريحا لما هو معلوم مما تقدم في آخر ~~الشورى أن كلام الله يكون وحيا بواسطة رسول يوحي بإذنه سبحانه، والمقام ~~يناسب الإضمار لأن الكلام هو الوحي الخفي، وعبر بالبعد إشارة إلى أنه لم ~~يكن أحد ليستحق هذا الأمر العظيم غيره لأنه لم يتعبد قط لأحد غير الله، ~~وكل من عاداه حصل منهم تعبد لغيره في الجملة، فكان أحق الخلق بهذا الوصف ~~مع أنه كان يتعبد لله في غار حراء وغيره، وهذه النزلة - والله أعلم - ~~كانت على هذا التقدير في أول الوحي لما كان بحراء وفرق منه صلى الله عليه ~~وسلم فرجع ترجف بوادره، وقال: زملوني زملوني. وأشار إلى عظمة ما أنزل ~~بقوله: { ما أوحى * } أي إنه يجل عن الوصف فأجمل له ما فصل له بعد ذلك، ~~هذا الذي ذكر من تفسير لضمائر مظاهر العبارة وإن كان الإضمار في جميع ~~الأفعال لا يخلو عن التباس وإشكال، ويمكن لأجل احتمال الضمائر لما ~~يناسبها من الظواهر أن يكون ضمير { دنا } وما بعده لله تعالى، وحينئذ ~~يصير في { عبده } واضحا كما تقدم في هذا الوجه جعله له سبحانه لأنه لا ~~يجوز لغيره، روى البخاري في التوحيد في باب { وكلم الله موسى تكليما } ~~عن أنس رضي الله عنه في قصة الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~مسجد الكعبة " أنه جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه وهو نائم في المسجد ~~الحرام فقال أولهم ": أيهم هو؟ فقال أوسطهم: هو خيرهم، فقال آخرهم: خذوا ~~خيرهم، وكانت تلك الليلة، فلم يرهم حتى أتوه ليلة أخرى فيما يرى قلبه ~~وتنام عينه ولا ينام قلبه، وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم، ~~فلم يكلموه حتى احتملوه فوضعوه عند بئر زمزم، فتولاه منهم جبرئيل عليه ~~السلام فشق جبرئيل ما بين نحره إلى لبته حتى فرغ من صدره وجوفه فغسله من ~~ماء زمزم بيده حتى أنقى جوفه ثم أتى بطست من ذهب فيه نور من ذهب محشوا ~~إيمانا وحكمة فحشا به ms4744 صدره ولغاديده - يعني عروق حلقه، ثم أطبقه ثم عرج ~~به إلى السماء الدنيا، فضرب بابا من أبوابها فناداه أهل السماء: من هذا؟ ~~فقال: جبرئيل، قالوا: ومن معك، قال: معي محمد، قالوا: وبعث إليه، قال: ~~نعم، قالوا: فمرحبا به وأهلا - ثم ذكر عروجه إلى السماوات السبع، وأنه ~~لما وصل إلى السماء السابعة علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله حتى ~~جاء سدرة المنتهى، ودنا الجبار رب العزة فتدلى منه فكان قاب قوسين أو ~~أدنى، فأوحى إليه فيما يوحي الله إليه خمسين صلاة - فذكر مشورة موسى ~~عليهما السلام في سؤال التخفيف حتى صارت خمسا كل واحدة بعشرة، ودنا ~~الجبار رب العزة في هذا الوجه وهو رب العزة " وهو في غاية الحسن إذا ~~جمعته مع ما يأتي في هذا الوجه المنقول عن جعفر الصادق رضي الله عنه ~~فيكون المعنى أنه صلى الله عليه وسلم لما استوى بالأفق الأعلى فوصل إلى ~~حد لا يمكن المخلوق الصعود عنه تنزل له الخالق سبحانه، ولذلك عبر عنه ب ~~{ ثم } يعني أنه سبحانه تنزل له تنزلا لا يمكن الاطلاع على كنه رتبته في ~~العلو والعظمة، ثم نزل ثم تنزل. # ولما كانت العبارة ربما أوهمت شيأ لا يليق به نفاه صلى الله عليه وسلم ~~بما في الرواية من تخصيص التعبير باسم الجبار فعلم أنه قربه تقريبا يليق ~~به، وسمى ذلك دنوا فكان الدنو والتدلي تمثيلا لما وصل منه سبحانه إلى ~~عبده محمد صلى الله عليه وسلم بغاية السهولة واليسر واللطافة مع اتصاله ~~بالحضرات القدسية، والتعبير بالتدلي لإفهام العلو مثل ما كني بالنزول كل ~~ليلة إلى سماء الدنيا عن إجابة الدعاء بفتح أبواب السماء كما رويناه في ~~جزء العيشي من حديث عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه تمثيلا بما نعرفه ~~من حال الملوك في أن أحدهم يكون نزوله عن سريره أدنى في إتيان خواصه ~~إليه، وفتح بابه أدنى لمن يليهم، وكلما نزل درجة كان الإذن أعم إلى أن ~~يصل إلى الإذن العام لجميع الناس، هذا علم المخاطبين ms4745 بأن ذلك على سبيل ~~التمثيل بمن يحتاج إلى هذه الدرجات، وأما من هو غني عن كل شيء فله سبحانه ~~المثل الأعلى ولا يشبه شيئا، ولا يشبهه شيء، وفي { قرآن الفجر } من سورة ~~سبحان لهذا مزيد بيان، وقال القاضي عياض في الشفاء ما حاصله أن تلك ~~الضمائر للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: قال جعفر بن محمد - يعني الصادق ~~بن الباقر: أدناه ربه حتى كان منه كقاب قوسين، وقال أيضا: انقطعت ~~الكيفية عن الدنو، ألا ترى كيف حجب جبريل عليه السلام عن دنوه ودنا محمد ~~صلى الله عليه وسلم إلى ما أودع قلبه من المعرفة والإيمان فتدلى بسكون ~~قلبه إلى ما أدناه وزال عن قلبه الشك والارتياب، وقال جعفر أيضا: والدنو ~~من الله تعالى لا حد له، ومن العباد بالحدود - انتهى. # وحينئذ يكون ضمير " استوى " له صلى الله عليه وسلم، ويكون المعنى: فتسبب ~~عن تعليم جبريل له استواوه - أي اعتدال علمه - إلى غاية لم يصلها غيره من ~~الخلق علما وكسبا بالملك والملكوت والحال أنه بالأفق الأعلى ليلة ~~الإسراء، وتدليه كناية عن وصوله بسبب عظيم حامل السبب للمتدلي، وعبر به ~~وهو ظاهر في النزول من علو مع عدم الانفصال منه لئلا يوهم اختصاص جهة ~~العلو به سبحانه دون بقية الجهات، ومنه # " أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد " # وكذا قيل في الإشارة ب # " لا تفضلوني على يونس بن متى " # ومن المحاسن جدا أن تكون ألف { تدلى } المقلبة عن ياء في هذا الوجه ~~بدلا من لام فيكون من التدلل وهو الانبساط وثوقا بالمحبة، يقال: تدلل ~~عليه، أي انبسط ووثق بمحبته فأفرط عليه، وانبساطه صلى الله عليه وسلم في ~~تلك الحالة إفراط كثرة سؤاله، وشفاعته في أمته، وبذلك ظهر إلى عالم ~~الشهادة أنه أرحم الخلق كما كان معلوما إلى عالم الغيب، فتسبب عنه زيادة ~~تقريبه حتى كان قاب قوسين أو أدنى، وإبراز هذا الكلام في هذه الضمائر ~~المتحملة لهذه الوجوه من غير ظاهر يعين المراد يناسب لتلك الحالة، فإنها ~~كانت حالة غيب وخفاء ms4746 وستر، وكان العلم فيها واسعا، وسوق الضمائر هكذا ~~يكثر احتمال الكلام للوجوه، فيتسع العلم مع أنه ليس فيها وجه يؤدي إلى ~~لبس في الدين ولا ركاكة في معنى ولا نظم ولا مجال للعلم - والله أعلم. ### || [53.11-18] # ولما أثبت هذا الكلام ما أثبت من القرب من النبي صلى الله عليه وسلم ممن ~~أوحى إليه على كلا التقديرين، قرره على وجه أفاد الرؤية فقال: { ما كذب ~~الفؤاد } أي القلب الذي هو في غاية الذكاء والاتقاد { ما رأى } البصر أي ~~حين رؤية البصر كان القلب، لا أنها رؤية بصر فقط تمكن فيها - للخلو - عن ~~حضور القلب - النسبة إلى الغلط، وقال القشيري ما معناه: ما كذب فؤاد محمد ~~صلى الله عليه وسلم ما رآه بصره، بل رآه على الوصف الذي علمه قبل أن رآه ~~فكان علمه حق اليقين، وفي صحيح مسلم # " عن أبي ذر رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم " هل ~~رأيت ربك؟ قال:نور إلي أراه " # ، وفي صحيح مسلم أيضا # " عن مسروق أنه قال لعائشة رضي الله عنها لما أنكرت الرؤية: ألم يقل ~~الله تعالى { ولقد رآه بالأفق المين } و { لقد رآه نزلة أخرى } فقالت: ~~أنا أول هذه الأمة سأل عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " إنما ~~هو جبرئيل عليه السلام، لم أره على صورته التي خلق عليها غير هاتين ~~المرتين، رأيته منهبطا من السماء سادا عظم خلقه ما بين السماء والأرض " # قال البغوي: وذهب جماعة إلى أنه رآه فقال بعضهم: جعل بصره في فؤاده، ثم ~~روي من صحيح مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: " رآه بفؤاده ~~مرتين " وذهب جماعة إلى أنه رآه بعينه وهو قول أنس رضي الله عنه، وقال ~~ابن برجان ما معناه: إن النوم والصعق من آيات الله على لقاء الله وهي ~~مقدمات لذلك، ولكل حقيقة حق يتقدمها كأشراط الساعة، والإسراء وإن لم يكن ~~موتا ولا صعقا ولا نوما على أظهر الوجوه فقد خرج عن مشاهدات الدنيا ~~إلى مشاهدات الأفق ms4747 الأعلى فلا تنكر الرؤية هنالك، فالإسراء حالة غير حالة ~~الدنيا، بل هي من أحوال الآخرة وعالم الغيب - والله الهادي. # ولما تقرر ذلك غاية التقرر، وكان موضع الإنكار عليهم، قال مسببا عن ~~ذلك: { أفتمارونه } أي تستخرجون منه بجدالكم له فيما أخبركم به شكا فيه ~~ولا شك فيه، وعبر بالمفاعلة في قراءة الجماعة عن حمزة والكسائي ويعقوب ~~إشارة إلى اجتهادهم في تشكيكه، من مري الشيء: استخرجه، ومري الناقة: مسح ~~ضرعها، فأمرى: در لبنها، والمرية بالكسر والضمر: الشك والجدل { على ما ~~يرى * } على صفة مطابقة القلب والبصر، وذلك مما لم تجر العادة بدخول الشك ~~فيه ولا قبوله للجدال، وزاد الأمر وضوحا بتصوير الحال الماضية بالتعبير ~~بالمضارع إشارة إلى أنه كما لم يهم لم يلبس الأمر عليه، بل كأنه الآن ~~ينظر. # ولما كان الشيء أقوى ما يكون إذا حسر البصر، فإذا وافقه كون القلب في ~~غاية الحضور كان أمكن، فإذا تكرر انقطعت الأطماع عن التعلق بالمجادلة ~~منه، قال مؤكدا لأجل إنكارهم: { ولقد رآه } أي الله تعالى أو جبرئيل ~~عليه السلام على صورته الحقيقية، روى مسلم في الإيمان عن عبد الله بن ~~عباس رضي الله عنهما قال { ما كذب الفؤاد ما رأى } { ولقد رآه نزلة أخرى ~~} ، قال: " رآه بفؤاده مرتين " وجعل ابن برجان الإسراء مرتين: الأولى ~~بالفؤاد مقدمة وهذه بالعين. # ولما كان ذلك لا يتأتي إلا بتنزل يقطع مسافات البعد التي هي الحجب ليصير ~~به بحيث يراه البشر، عبر بقوله: { نزلة } وانتصب على الظرفية لأن الفعلة ~~بمعنى المرة { أخرى } أي ليكمل له الأمر مرة في عالم الكون والفساد وأخرى ~~في المحل الأنزه الأعلى، وعين الوقت بتعين المكان فقال: { عند سدرة ~~المنتهى * } أي الشجرة التي هي كالسدر وينتهي إليها علم الخلائق وينتهي ~~إليها ما يعرج من تحت وما ينزل من فوق، فيتلقى هنالك، وذلك - والله أعلم ~~- ليلة الإسراء في السنة الثالثة عشرة من النبوة قبل الهجرة بقليل بعد ~~الترقي في معراج الكمالات من السنين على عدد السماوات وما بينهما من ~~المسافات، فانتهى إلى منتهى يسمع فيه ms4748 صريف الأقلام، وعظمها بقوله: { ~~عندها } أي السدرة { جنة المأوى * } الذي لا مأوى في الحقيقة غيره لأنه ~~لا يوازي في عظمه، وزاد في تعظيمها بقوله: { إذ يغشى السدرة ما يغشى * } ~~أي يغطيها ويركبها وسمره؟ من فراش الذهب والرفرف الأخضر والملائكة والنبق ~~وغير ذلك فإن الغشو النبق { ما يغشى } لا تحتملون وصفه وهو بحيث يكاد أن ~~لا يحصى، وإليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث: # " وغشيها، ألا وإني لا أدري ما هي فليس أحد من خلق الله يستطيع أن ~~ينعتها " # أو كما قال صلى الله عليه وسلم، وأكد الرؤية وقررها مستأنفا بقوله: { ~~ما زاغ } أي ما مال أدنى ميل { البصر } أي الذي لا بصر لمخلوق أكمل منه، ~~فما قصر عن النظر فيما أذن له فيه ولا زاد { وما طغى * } أي تجاوز الحد ~~إلى ما لم يؤذن له فيه مع أن ذلك العالم غريب عن بني آدم، وفيه من ~~العجائب ما يحير الناظر، بل كانت له العفة الصادقة المتوسطة بين الشره ~~والزهادة على أتم قوانين العدل، فأثبت ما رآه على حقيقته، وكما قال ~~السهروردي في أول الباب الثاني والثلاثين من عوارفه: وأخبر تعالى بحسن ~~أدبه في الحضرة بهذه الآية، وهذه غامضة من غوامض الأدب، اختص بها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. # ولما كانوا قد أنكروا الإسراء إنكارا لم يقع لهم في غيره مثله، زاد في ~~تأكيده على وجه يعم غيره فقال: { لقد رأى } أي أبصر بسبب ما أهلناه له من ~~الرسالة إبصارا ساريا إلى البواطن غير مقتصر على الظواهر { من آيات ربه ~~} أي المحسن إليه بما لم يصل إليه أحد قبله ولا يصل إليه أحد بعده، ومن ~~ادعى ذلك فهو كافر { الكبرى * } من ذلك ما رآه في السماوات من الأنبياء ~~عليه وعليهم الصلاة والسلام إشارة بكل شيء إلى أمر دقيق جليل وحالة ~~شريفة، وقال الإمام أبو القاسم السهيلي في الروض الأنف: والذي أقول في ~~هذا أن مأخذ فهمه من علم التعبير، فإنه من علم النبوة، وأهل التعبير ~~يقولون: من رأى ms4749 نبيا بعينه في المنام فإن رؤياه تؤذن بما يشبه من حال ~~ذلك النبي في شده أو رخاء أو غير ذلك من الأمور التي أخبر بها عن ~~الأنبياء في القرآن والحديث، وحديث الإسراء كان بمكة، ومكة حرم الله ~~وأمنه، وقطانها جيران الله لأن فيها بيته، فأول ما رأى صلى الله عليه ~~وسلم من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام آدم عليه الصلاة والسلام الذي كان ~~في أمن الله وجواره، فأخرجه إبليس عدوه منها، وهذه القصة تشبهها الحالة ~~الأولى من أحوال النبي صلى الله عليه وسلم حين أخرجه أعداؤه من حرم الله ~~وجوار بيته، فكربه ذلك وغمه فأشبهت قصته في هذا قصة آدم عليه الصلاة ~~والسلام مع أن آدم تعرض عليه أرواح ذريته البر والفاجر منهم، فكان في ~~السماء الدنيا بحيث يرى الفريقين لأن أرواح أهل الشقاء لا تلج في السماء ~~ولا تفتح لهم أبوابها، كما قال الله تعالى، ثم رأى في الثانية عيسى ويحيى ~~عليهما الصلاة والسلام وهما الممتحنان باليهود، أما عيسى عليه السلام ~~فكذبته اليهود وآذته وهموا بقتله فرفعه الله إليه، وأما يحيى عليه السلام ~~فقتلوه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بعد انتقاله إلى المدينة صار إلى ~~حالة ثانية من الامتحان، وكانت محنته فيها باليهود آذوه وظاهروا عليه ~~وهموا بإلقاء الصخرة عليه لقتلوه فنجاه الله كما نجى عيسى عليه السلام ~~منهم، ثم سموه في الشاة ولم تزل تلك الأكلة تعاوده حتى قطعت أبهره كما ~~قال عند الموت وهكذا فعلوا بابني الخالة يحيى وعيسى لأن أم يحيى أشياع ~~بنت عمران أخت مريم بنت عمران أمهما جنة، وأما لقاؤه ليوسف عليه السلام ~~في السماء الثالثة فإنه يؤذن بحالة ثالثة تشبه حالة يوسف عليه السلام، ~~وذلك أن يوسف ظفر بإخواته من بعد ما أخرجوه من بين ظهرانيهم فصفح عنهم ~~وقال # لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم # [يوسف: 92] الآية، وكذلك نبينا صلى الله عليه وسلم أسر يوم بدر جملة من ~~أقاربه الذين أخرجوهم فيهم عمه العباس وابن عمه عقيل فمنهم من أطلق، ~~ومنهم من ms4750 قبل أفديته، ثم ظهر عليهم بعد ذلك عام الفتح فجمعهم فقال لهم: # " أقول ما قال أخي يوسف: لا تثريب عليكم اليوم " # ثم لقاؤه إدريس عليه السلام في السماء الرابعة وهو المكان الذي سماه ~~الله مكانا عليا وإدريس أول من آتاه الله الخط بالقلم، فكان ذلك مؤذنا ~~بالحالة الرابعة وهو علو شأنه عليه السلام حتى أخاف الملوك وكتب إليهم ~~يدعوهم إلى طاعته حتى قال أبو سفيان وهو عند ملك الروم حين جاء كتاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم ورأى ما رأى من خوف هرقل: لقد أمر أمر ابن ~~أبي كبشة حتى أصبح يخافه ملك بني الأصفر، وكتب عنه بالقلم إلى جميع ملوك ~~الأرض فمنهم من اتبعه على دينه كالنجاشي وملك بني عمان ومنهم من هادنه ~~وأهدى إليه وأتحفه كهرقل والمقوقس، ومنهم من تعصى عليه فأظهره الله عليه، ~~فهذا مقام علي، وخط بالقلم كنحو ما أوتي إدريس عليه السلام، ولقاؤه في ~~السماء الخامسة لهارون عليه السلام المحبب في قومه يؤذن بحب قريش وجميع ~~العرب له بعد بعضهم فيه، ولقاؤه في السماء السادسة لموسى عليه السلام ~~يؤذن بحالة تشبه حالة موسى عليه السلام حين أمر بغزو الشام، فظهر على ~~الجبابرة الذين كانوا فيها، وأدخل بني إسرائيل البلد الذي خرجوا منه بعد ~~هلاك عدوهم، ولذلك غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تبوك من أرض الشام ~~وظهر على صاحب دومة حتى صالحه على الجزية بعد أن أتى به أسيرا، وافتتح ~~مكة ودخل أصحابه البلد الذي خرجوا منه، ثم لقاؤه في السماء السابعة ~~إبراهيم عليه السلام لحكمتين: إحداهما أنه رآه عند البيت المعمور مسندا ~~ظهره إليه، والبيت المعمور جبال مكة، وإليه تحج الملائكة كما أن إبراهيم ~~عليه السلام هو الذي بنى الكعبة وإذن في الناس بالحج إليها، والحكمة ~~الثانية أن آخر أحوال النبي صلى الله عليه وسلم حجه إلى البيت الحرام، ~~وحج معه في ذلك العام نحو من سبعين ألفا من المسلمين، ورؤية إبراهيم ~~عليه السلام عند أهل التأويل تؤذن بالحج لأنه الداعي إليه والرافع ms4751 لقواعد ~~الكعبة المحجوجة - انتهى. وهذا المقام هو الإسراء وما تفرع منه الموصل ~~إلى أعلى ما يكون من تجريد التوحيد، فجعل سبحانه عنوانه المفروض فيه ~~الحاجز بين الإسلام والشرك وهو الصلاة الجامعة لمعاني الدين الشاملة ~~لجميع البركات بأن جعلت خمسين مستغرقة لجميع الفراغ ثم ردت إلى خمس دون ~~القوى بكثير ثم رتب عليها جزاء الخمسين ورفع كل واحدة من صلاة الجماعة ~~إلى سبع وعشرين صلاة وفضل صلاتي الطرفين: الصبح الثنائية والعصر الرباعية ~~بشهادة فريقي الملائكة وكتابتهما في صحيفتي كل من الجمعين، فقال حمزة ~~الكرماني في جوامع التفسير: فأسري به في شهر ربيع الأول قبل الهجرة من ~~بيت أم هانىء رضي الله عنها، ثم ساق حديث الإسراء مساقا عجيبا جدا ~~طويلا. ### || [53.19-22] # ولما أخبر سبحانه من استقامة طريق نبيه عليه الصلاة والسلام مما ثبتت ~~رسالته بما أوحي إليه وما أراه من آياته التي ظهر بها استحقاقه سبحانه ~~الإلهية متفردا بها، سبب عنه الإنكار عليهم في عبادة معبوداتهم على وجه ~~دال على أنها لا تصلح لصالحة فقال: { أفرأيتم } أي أخبروني بسبب ما تلوت ~~عليكم من هذه الآيات الباهرات. هل رأيتم رؤية خبرة بالباطن والظاهر { ~~اللات } وهو صنم ثقيف { والعزى } وهي شجرة لغطفان وهما أعظم أصنامهم ~~فإنهم كانوا يحلفون بهما { ومناة } وهو صخرة لهذيل وخزاعة، ودل على أنها ~~عندهم بعدهما في الربوبية بقوله مشيرا بالتعدد بالتعبير عنه بما عبر به ~~إلى أن شيئا منها لا يصلح لصالحة حتى ولا أن يذكر: { الثالثة الأخرى * } ~~أي إنه ما كفاهم في خرق سياج منها العقل في مجرد تعديد الإله بجعله ~~الاثنين حتى أضافوا ثالثا أقروا بأنه متأخر الرتبة فكان الإله عندهم قد ~~يكون سافلا ويكون ملازما للإنزال وللسفول بكونه أنثى، قال الرازي في ~~اللوامع: وأنثوا أسماءها تشبيها لها بالملائكة على زعمهم بأنها بنات ~~الله - انتهى، ولا شك عند من له أدنى معرفة بالفصاحة أن هذا الاستفهام ~~الإنكاري والتعبير بما شأنهم بالولادة التي هي أحب الأشياء إلى الإنسان ~~بل الحيوان لا يوافقه أن يقال بعده ما يقتضي مدحا ms4752 بوجه في الوجوه، فتبين ~~بطلان ما نقل نقلا واهيا من أنه قيل حين قرئت هذه السورة في هذا المحل: ~~تلك الغرانيق العلا - إلى آخره لعلم كل عربي أن ذلك غاية في الهذيان في ~~هذا السياق، فلا وصلة بهذا السياق المعجز بوجه. # ولما كان التقدير بما أفهمه السياق، كيف ادعيتم أنها آلهة أهي كذلك مع ~~أن عادتكم احتقار الإناث من أن تكون لكم أولادا، فكيف رضيتم أن تكون لكم ~~آلهة، وتكونوا لها عبادا مع أنها لم تنزل لكم وحيا ولا أرسلت لكم ~~رسولا ولا فعلت مع أحد منكم شيئا مما كرمنا به عبدنا محمدا صلى الله ~~عليه وسلم ولا أرتكم قط آية ولا هي متأهلة لشيء من ذلك، بل لا تملك ضرا ~~ولا نفعا وادعيتم أنها بناته واستوطنها جنيات هي بناته وادعيتم مع ادعاء ~~مطلق الولدية لمن لا يلم به حاجة ولا شبه له أن له أردأ الصنفين، فكان ~~ذلك نقصا مضموما إلى نقص - وعلا سبحانه تعالى عن صحابة أو ولد، ~~فاستحققتم بذلك الإنكار الشديد، وعلم بهذا التقدير الذي هدى إليه السياق ~~بطلان حديث الغرانيق ولا سيما مع تعقيبه بقوله: { ألكم } أي خاصة { الذكر ~~} أي النوع الأعلى { وله } أي وحده { الأنثى * } أي النوع الأسفل. # ولما كان الاستفهام إنكاريا رد الإنكار بقوله فذلكة لفعلهم: { تلك } أي ~~هذه القسمة البعيدة عن الصواب { إذا } أي إذ جعلتم البنات له والبنين ~~لكم { قسمة ضيزى * } أي جائرة ناقصة ظالمة فيما يحسن للحق للغاية عرجاء ~~غير معتدلة حيث خصصتم به ما أوصلتكم الكراهة له إلى دفنه حيا، وقد علم ~~أن الآية من الاحتباك: دل ذكر اسمها في أسلوب الإنكار على حذف إنكار ~~كونها آلهة وإنكار تخصيصة بالإناث على حذف ما يدل على أنهم جعلوها بناته. ### || [53.23-28] # ولما أفهم هذا الإنكار بطلان قولهم هذا، حصر القول الحق فيها فقال ~~مستأنفا: { إن } أي ما { هي } أي هذه الأصنام { إلا أسماء } أي لا حقائق ~~لها، فما ادعيتم لها من الإلهية ليس لها من ذلك إلا الأسماء، وأكد ذلك ~~بقوله مبينا: ms4753 { سميتموها } أي ابتدعتم تسميتها أنتم، واجتث قولهم من ~~أصله فقال: { أنتم وآباؤكم } أي لا غير بمجرد الهوى لم تروا منها آية ولا ~~كلمتكم قط كلمة تعتدونها، وعلى تقدير أن تتكلم الشياطين على ألسنتها فأي ~~طريقة قويمة شرعت لكم وأي كلام مليح أو بليغ وصل إليكم وأي آية كبرى ~~أرتكموها - انتهى. # ولما علم بهذا أن الله تعالى لم يأمرهم بشيء من ذلك، صرح به نافيا أن ~~يدل على ما وسموه به دليل فقال: { ما } ولما قدم في الأعراف ترك النافي ~~للتدريج لما تقدم بما اقتضاه، نفى هنا الإفعال النافي لأصل الفعل سواء ~~كان بالتدريج أو غيره لأن المفصل لباب القرآن فهو للمقاصد، وذلك كاف في ~~ذم الهوى الذي هو مقصود السورة فقال: { أنزل الله } الذي له جميع صفات ~~الكمال { بها } أي بالاستحقاق للأسماء ولا لما وسمتموها به من الإلهية، ~~وأعرق في النفي بقوله: { من سلطان } أي حجة تصلح مسلطا على ما يدعي ~~فيها. # ولما كان هذا النفي المستغرق موجبا للخصم إيساع الحيلة في ذكر دليل على ~~أي وجه كان، وكان هؤلاء قد أبلسوا عند سماع هذا الكلام ولم يجدوا ما ~~يقولون ولا يجدوا، فكان من حقهم أن يرجعوا فلم يرجعوا، أعرض عنهم إيذانا ~~بشديد الغبن قائلا: { إن } أي ما { يتبعون } أي في وقت من الأوقات في ~~أمر هذه الأوثان بغاية جهدهم من أنها آلهة، وأنها تشفع لهم أو تقربهم من ~~الله { إلا الظن } أي غاية أمرهم لمن يحسن الظن بهم، فالظن ترجيح أحد ~~الجائزين على رغم الظان. # ولما كان الظن قد يكون موافقا للحق مخالفا للهوى قال: { وما تهوى ~~الأنفس } أي تشتهي، وهي - لما لها من النقص - لا تشتهي أبدا إلا بما ~~يهوي بها عن غاية أوجها إلى أسفل حضيضها، وأما المعالي وحسن العواقب ~~فإنما تشوق إليها العقل، قال القشيري: فالظن الجميل بالله فليس من هذا ~~الباب، والتباس عواقب الشخص عليه ليس من هذه الجملة بسبيل، إنما الظن ~~المعلول في الله وصفاته وأحكامه. { ولقد } أي العجب أنهم يفعلون ذلك ~~والحال أنه ms4754 قد { جاءهم من ربهم } أي المحسن إليهم { الهدى * } أي الكامل ~~في بابه إلى الدين الحق الناطق بالكتاب الناطق بالصواب على لسان الرسول ~~صلى الله عليه وسلم، والرأي يقتضي أن من رأى الهدى تبعه ولو أتاه به ~~عدوه، فكيف إذا أتاه به من هو أفضل منه من عند من إحسانه لم ينقطع عنه ~~قط. # ولما كان التقدير: أعليهم أن يتركوا أهويتهم ويهتدوا بهدى ربهم الذي لا ~~ملك لهم معه { أم } لهم ما تمنوا - هكذا كان الأصل، ولكنه ذكر الأصل ~~الموجب لاتباع الهوى فقال: { للإنسان } أي الآنس بنفسه المحسن لكل ما ~~يأتي وما يذر { ما تمنى * } أي من اتباع ما يشتهي من جاه ومال وطول عمر ~~ورفاهية عيش ومن كفره وعناده، وقوله # لئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى # [فصلت: 50]. # ولما كان الاستفهام إنكاريا، كان المعنى: ليس له ما تمنى، وكان ذلك ~~دليلا قطعيا على أنه مربوب مقهور ممن له الأمر كله، فسبب عنه قوله: { ~~فلله } أي الملك الأعظم وحده. ولما كانت الأخرى دار اللذات وبلوغ جميع ~~الأماني وحرمانها، وكانوا يدعون فيها على تقدير كونها جميع ما يتمنون من ~~شفاعة آلهتهم وإجابتها إلى إسعادهم ونحو ذلك، قدم قوله: { الآخرة } فهو ~~لا يعطي الأماني فيها إلا لمن تبع هداه وخالف هواه { والأولى * } فهو لا ~~يعطي جميع الأماني فيها لأحد أصلا كما هو مشاهد، فمن ترك هواه فيها نال ~~أمانيه في الآخرة، فلهذا قدمها لا للفاصلة فإنه لو قيل " الأخرى " لصلحت ~~للفاصلة. # ولما كان التقدير: فكم من شخص ترونه في الأرض مع أنه في غاية المكنة ~~فيما يظهر لكم لا يصل إلى ربع ما يتمناه، عطف عليه قوله، مظهرا لضخامة ~~ملكه وأنه لا يبالي بأحد، دالا على الكثرة: { وكم من ملك } أي مقرب، ودل ~~على زيادة قربه بشرف مسكنه فقال: { في السماوات } أي وهم في الكرامة ~~والزلفى { لا تغني } أي لا تجزي وتسد وتكفي، ولما كان رد الجمع لحال ~~اجتماعهم أدل على العظمة، عبر بما يحتمل ذلك فقال: { شفاعتهم } أي عن أحد ~~من ms4755 الناس { شيئا } فقصر الأمر ورده بحذافيره إليه بقوله: { إلا } ودل ~~باثبات الجار على أنه مع ما يحده سبحانه لا مطلقا فقال: { من بعد أن ~~يأذن } أي يمكن ويريد { الله } أي الذي لا أمر لأحد أصلا معه، وعبر بأن ~~والفعل دلالة على أنه لا عموم بعد الإذن بجميع الأوقات، وإنما ذلك يجدد ~~بعد تجدد الإذن على حينه وقبل الأمر الباب؟ لعموم العظمة بقوله: { لمن ~~يشاء } أي بتجدد تعلق مشيئته به لأن يكون مشفوعا أو شافعا. # ولما كان الملك قد يأذن في الشفاعة وهو كاره، قال معلما أنه ليس ~~كأولئك: { ويرضى * } فحينئذ تغني شفاعتهم إذا كانوا من المأذون لهم - كل ~~هذا قطعا لأطماعهم وعن قولهم بمجرد الهوى أي آلهتهم تشفع لهم. ولما أخبر ~~باتباعهم للهوى ونفى أن يكون لهم من ذلك ما يتمنونه دل على اتباعهم للهوى ~~بقوله موضع { أنهم }: { إن الذين } وأكد تنبيها على أنه قول بالغ في ~~العجب الغاية فلا يكاد يصدق أن عاقلا بالآخرة يقوله بما جرى لهم على ~~قولهم ذلك وأمثاله بقوله: { لا يؤمنون } أي لا يصدقون ولا هم يقرون { ~~بالآخرة } ولذلك أكد قوله: { ليسمون الملائكة } أي كل واحد وهم رسل الله ~~{ تسمية الأنثى } بأن قالوا: هي بنات الله، كما يقال في جنس الأنثى: بنات ~~{ وما } أي والحال أنهم ما { لهم به } أي بما سموهم به، وأعرق في النفي ~~بقوله: { من علم } ولما نفى علمهم تشوف السامع إلى الحامل لهم على ذلك ~~فقال: { إن } أي ما { يتبعون } أي بغاية ما يكون في ذلك وغيره { إلا الظن ~~}. # ولما كانوا كالقاطعين بأن ذلك ينفعهم، أكد قوله: { وإن الظن } أي مطلقا ~~في هذا وغيره، ولذلك أظهر في موضع الإضمار { لا يغني } إغناء مبتدئا { ~~من الحق } أي الأمر الثابت في نفس الأمر الذي هو حقيقة الشيء وذاته بحيث ~~يكون الظن بدله، والظن إنما يعبر به في العمليات لا العلميات ولا سيما ~~الأصولية { شيئا } من الإغناء عن أحد من الخلق فإنه لا يؤدي أبدا إلى ~~الجزم بالعلم بالشيء على ما هو عليه في ms4756 نفس الأمر فهو ممنوع في أصول ~~الدين، فإن المقصود بتحقق الأمر على ما هو عليه في الواقع، وأما الفروع ~~فإن المكلف به فيها هو الظن لكن بشرطه المأذون فيه، وهو رده إلى الأصول ~~المستنبط منها لعجز الإنسان على القطع في جميع الفروع، تنبيها على عجزه ~~وافتقاره إلى الله ليقبل عليه ويتبرأ من حوله وقوته ليكشف له من الأحقاف. ### || [53.29-32] # ولما كانوا بعد مجيء الهدى قد أصبروا على الهوى، وكانت هذه السورة في ~~أوائل ما نزل، والمؤمنون قليل، سبب عن ذلك: { فأعرض عن من تولى * } أي ~~كلف نفسه خلاف ما يدعو إليه العقل والفطرة من ولى { عن ذكرنا } أي ذكره ~~إيانا، فأعرض عن الذكر الذي أنزلناه فلم ينله ولم يتدبر معانيه فلا يلتفت ~~إلى شيء علمه فإنه مطموس على قلبه ولو كان ذهنه أرق من الشعر فإنه لا ~~يؤول إلا إلى شر # ولا تذهب نفسك عليهم حسرات # [فاطر: 8] فإنه ما عليك إلا البلاغ. # ولما كان المعرض في وقت قد يقبل في آخر، دل على دوامه على وجه بليغ ~~بقوله: { ولم يرد } أي في وقت من الأوقات { إلا الحياة الدنيا * } أي ~~الحاضرة ليقصده بالمحسوسات كالبهائم في العمى عن دناءتها وحقارتها، ثم ~~ترجم جملتي الإعراض والإرادة بقوله: { ذلك } أي الأمر المتناهي في الجهل ~~والقباحة { مبلغهم } أي نهاية بلوغهم وموضع بلوغهم والحاصل لهم، وتهكم ~~بهم بقوله: { من العلم } أنه لا علم لهم لأن عيون بصائرهم عمي، ومرائبها ~~كثيفة مظلمة لا تكشف عن نظر الآخرة التي هي أصل العلوم كلها، ثم علل هذه ~~الجملة بقوله مؤكدا قطعا لطمع من يظن أن وعظه وكلامه يرد أحدا من غيه ~~وإن أبلغ في أمره ودعائه في سره وجهره، وإعلاما بأن ذلك إنما هو من ~~الله، فمن وعظ له سبحانه راجيا منه في إيمانه أوشك أن ينفع به كما فعل ~~في وعظ مصعب بن عمير رضي الله عنه فصغى له أسيد بن حضير وسعد بن معاذ رضي ~~الله عنهما في ساعة واحدة كما هو مشهور { إن ربك } أي المحسن ms4757 إليك ~~بالإرسال وغيره { هو } أي وحده { أعلم بمن ضل عن سبيله } ضلالا مستمرا، ~~فلا تعلق أملك بأن يصل علمه إلى ما وراء الدنيا، وعبر بالرب إشارة إلى أن ~~ضلال هذا من الإحسان إليه صلى الله عليه وسلم لأنه لو دخل في دنيه لأفسد ~~أكثر مما يصلح كما قال تعالى: # ولا أوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم # [التوبة: 47] وذلك لأنه جبل جبلة غير قابلة للخير { وهو } أي وحده { ~~أعلم بما اهتدى * } أي ظاهرا وباطنا. # ولما كان هذا ربما أوهم أن من ضل على هذه الحالة ليس في قبضه، قال ~~نافعا لهذا الإبهام مبينا أن له الأسماء الحسنى ومقتضياتها في العالم ~~موضع " والحال أنه له " أو عطفا على ما تقديره: فلله من في السماوات ~~ومن في الأرض: { ولله } أي الملك الأعظم وحده { ما في السماوات } من ~~الذوات والمعاني فيشمل ذلك السماوات والأراضي، فإن كل سماء في التي ~~تليها، والأرض في السماء { وما في الأرض } وكذلك الأراضي والكل في العرش ~~وهو ذو العرش العظيم. # ولما أمره صلى الله عليه وسلم بالإعراض عنهم وسلاه وأعلمه أن الكل في ~~ملكه، فلو شاء لهداهم ورفع النزاع، ولكنه له في ذلك حكم تحار فيها ~~الأفكار، علل الإعراض كما تقدم في الجاثية في قوله: # قل للذين آمنوا يغفروا # [الجاثية: 14] بقوله: { ليجزي } أي يعاقب هو سبحانه كافيا لك ما أهمك ~~من ذلك، ويجوز أن يكون التقدير: وكما أنه سبحانه مالك ذلك فهو ملكه ليحكم ~~بجزاء كل على حسب ما يستحق، فإن الحكم نتيجة الملك { الذين أساؤوا } ~~بالضلال { بما عملوا } أي بسببه وبحسبه إما بواسطتك وبسيوفك وسيوف أتباعك ~~إذا أذنت لكم في القتال، وإما بغير ذلك بالموت حتف الأنف بضرب الملائكة ~~وجوههم وأدبارهم، ثم بعذاب الآخرة على جميع ذنوبهم من غير أن يكون عجل ~~لهم في الدنيا شيء ينقص بسببه عذاب الآخرة { ويجزي } أي يثبت ويكرم { ~~الذين أحسنوا } أي على ثباتهم على الدين وصبرهم عليه وعلى أذى أعدائهم { ~~بالحسنى * } أي الثبوت الذي هو في غاية الحسن ما بعدها غاية، ms4758 فإن الحسنى ~~تأنيث الأحسن. # ولما وعد الذين وقع منهم الإحسان، وصفهم فقال: { الذين يجتنبون } أي ~~يكلفون أنفسهم ويجهدونها على أن يتركوا { كبائر الإثم } أي ما عظم الشارع ~~إثمه بعد تحريمه بالوعيد والحد، وعطف على { كبائر الإثم } قوله: { ~~والفواحش } والفاحشة من الكبائر ما يكرهه الطبع وينكره العقل ويستخسه. # ولما أفهم هذا التقييد أن من خالط ما دون كان مغفورا له، صرح به فقال: ~~{ إلا } أي لكن { اللمم } معفو، فمن خالطه لا يخرج عن عداد من أحسن، فهو ~~استثناء منقطع، ولعله وضع فيه { إلا } موضع { لكن } إشارة إلى الصغير ~~يمكن أن يكون كبيرا باستهانته مثلا كما قال تعالى # وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم # [النور: 15] واللمم هو صغار الذنوب، والمراد هنا ما يحصل منها في ~~الأحيان كأنه وقع في صحابه فلتة بغير اختيار منه، لا ما يتخذ عادة أو ~~يكثر حتى يصير كالعادة، قال الرازي في اللوامع: وأصله مقاربة الذنب ثم ~~الامتناع منه قبل الفعل، قال ذو النون: ذكر الفاحشة من العارف كفعلها من ~~غيره - انتهى. يقال: وألم بالمكان - إذا قل لبثه فيه، وقال البغوي: قال ~~السدي: قال أبو صالح أنه سئل عن اللمم فقال: هو الرجل يلم بالذنب ثم لا ~~يعاوده، قال: فذكرت ذلك لابن عباس رضي الله عنهما فقال: لقد أعانك عليها ~~ملك كريم، ثم قال البغوي: فأصل الملم والإلمام ما يعمله الإنسان الحين ~~بعد الحين، ولا يكون له إعادة ولا إقامة عليه - انتهى - وعلى هذا يصح أن ~~يكون الاستثناء متصلا. # ولما كان الملوك لا يغفرون لمن تكررت ذنوبه إليهم وإن صغرت، فكان السامع ~~يستعظم أن يغفر ملك الملوك سبحانه مثل هذا، علل ذلك بقوله: { إن ربك } أي ~~المحسن إليك بإرسالك رحمة للعالمين والتخفيف عن أمتك { واسع المغفرة } ~~فهو يغفر الصغائر حقا أوجبه على نفسه ويغفر الكبائر إن شاء بخلاف غيره ~~من الملوك فإنه لو أراد ذلك ما أمكنه اتباعه، ولو جاهد حتى تمكن من ذلك ~~في وقت فسدت مملكته فأدى ذلك إلى زوال الملك من يده أو اختلاله. # ولما ms4759 وصف الذين أحسنوا فكان ربما وقع في وهم أنه لا يعلمهم سبحانه إلا ~~بأفعالهم، وربما قطع من عمل بمضمون الآية أنه ممن أحسن، قال نافيا لذلك: ~~{ هو أعلم بكم } أي بذواتكم وأحوالكم منك بأنفسكم { إذ } أي حين { أنشاكم ~~} ابتداء { من الأرض } التي طبعها طبع الموت: البرد واليبس بإنشاء أبيكم ~~آدم عليه السلام منها وتهيئتكم للتكوين بعد أن لم يكن فيكم تقوية قريبة ~~ولا بعيدة أصلا يميز الثواب الذي يصلح لتكونكم منه والذي لا يصلح { وإذ ~~} أي حين { أنتم أجنة } أي مستورون. ولما كان البشر قد يكون في بطن الأرض ~~وإن كان الجنين معروفا للطفل في البطن، حقق معناه بقوله: { في بطون ~~أمهاتكم } بعد أن مزج بذلك التراب البارد اليابس الماء والهواء، فنشأت ~~الحرارة والرطوبة، فكانت هذه الأربعة الأخلاط الزكية والدنية، ولكن لا ~~علم لكم أصلا، فهو يعلم إذ ذاك ما أنتم صائرون إليه من خير وشر وإن ~~عملتم مدة من العمر بخلاف ذلك فإنه يعلم ما جبلكم عليه من ذلك وأنتم لا ~~تعلمون إلا ما يكون في أنفسكم حال كونه أنكم لا تحيطون به إذ ذاك علما. # ولما كان من عادة من سلم من الذنوب أن يفتخر على من قارفها لما بني ~~الإنسان عليه من محبة الفخر لما جبل عليه من النقصان، وكان حاله قد يتبدل ~~فيسبق عليه الكتاب فيشقى، سبب عن ذلك قوله: { فلا تزكوا } أي تمدحوا ~~بالزكاة وهو البركة والطهارة عن الدناءة { أنفسكم } أي حقيقة بان يثني ~~على نفسه فإن تزكيته لنفسه من علامات كونه محجوبا عن الله - قال القشيري ~~- أو مجازا بأن يثني على غيره من إخوانه فإنه كثيرا ما يثني بشيء فيظهر ~~خلافه، وربما حصل له الأذى بسببه # " وإن العبد ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا باع أو ~~ذراع " # الحديث، ولذلك علل بقوله: { هو أعلم } أي منكم ومن جميع الخلق { بمن ~~اتقى } أي جاهد نفسه حتى حصل فيه تقوى، فهو يوصله فوق ما يؤمل من الثواب ~~في الدارين، فكيف بمن صارت له ms4760 التقوى وصفا ثابتا. ### || [53.33-38] # ولما أمره سبحانه بالإعراض عمن تولى عن التشرف بذكر الملك الأعظم ~~واللجاء إليه، ونهى عن التزكية للجهل بالعواقب، وكان قد ارتد ناس عن ~~الإسلام، كان سبب ارتدادهم إخباره صلى الله عليه وسلم عن بعض ما رأى من ~~الآيات الكبرى ليلة الإسراء، وكان لما نزلت عليه صلى الله عليه وسلم سجدة ~~النجم وسجد فيها صلى الله عليه وسلم سجد معه - كما في البخاري - المسلمون ~~والمشركون والجن والإنس، ولم يكن في ظن أحد من الخلق انقلابهم على ~~أدبارهم بعد حتى ولا في ظن المرتدين، سبب عن ذلك قوله: { أفرأيت } أي ~~أخبروني { الذي تولى * } أي عن ذكرنا بعد أن كان حريصا عليه، يظن هو ~~وأهله أنه عريق في أهله بإيمانه وأعماله في أيام إيمانه { وأعطى قليلا ~~وأكدى * } أي قطع ذلك العطاء على مكده وقلته وأبطله وأفسده فصار كالحافر ~~الذي وصل في حفره إلى كدية، يقال لحافر البئر: أجبل - إذا وصل إلى جبل، ~~وأكدى - إذا وصل إلى كدية أي صفاة عظيمة شديدة لا تعمل فيها المعاول، ~~فصار لا يقدر معها على شيء من علمه، ولا يستطيع النفوذ فيها بشيء من ~~حيله، وقد كان قبل ذلك لما صادف التراب الليل يظن أنه لا يمنعه مانع مما ~~يريد، فهذا دليل خبري شهودي على أنه لا علم لأحد من الخلق بما حباه الله ~~في نفسه فضلا عن غيره، فلا ينبغي لأحد أن يزكي نفسه ولا غيره، قيل: نزلت ~~في الوليد بن المغيرة أسلم ثم ارتد لتعيير بعض المشركين له، وقوله له " ~~ارجع وأنا أتحمل عنك العذاب " وهي تصلح لكل من ارتد ظاهرا أو نافق أو ~~انهمك في المعاصي بعد إيمانه معرضا عن الأعمال الصالحة. # ولما كان هذا - وقد وقع في خطر عظيم من إفساد العمل في الماضي وتركه في ~~المستقبل فصار على خطأ عظيم في أحدهما - يتعلق بأصل الدين: الكفر ~~والإيمان، وكان مثل هذا لا يفعله عاقل بنفسه إلا عن بصيرة، قال تعالى ~~موبخا له مقرعا: { أعنده } أي خاصة { علم الغيب } أي كله ms4761 بحيث لا ~~يشاركه في مشارك يمكن أن يخفى عليه شيء منه { فهو } أي فيتسبب عن ذلك أنه ~~{ يرى * } أي الرؤية الكاملة فيعلم جميع ما ينفعه فيرتكبه وجميع ما يضره ~~فيجتنبه ويعلم أن هذا القليل الذي أعطاه قد قبل وأمن به من العطب فاكتفى ~~به. # ولما كان الغبي قد يظن أن عمل غيره ينفعه، عبر عنه جامعا للوعظ ~~والتهويل بقوله: { أم لم ينبأ } أي يخبر إخبارا عظيما متتابعا { بما ~~في صحف موسى * } أي التوراة المنسوبة إليه بإنزالها عليه وكذا ما يتبعها ~~من أسفار الأنبياء الذين جاؤوا بعده بتقريرها. # ولما قدم كتاب موسى عليه السلام لكونه أعظم كتاب بعد القرآن مع أنه ~~موجود بين الناس يمكن مراجعته، قال: { وإبراهيم } ومدحه بقوله دالا ~~بتشديد الفعل على غاية الوفاء: { الذي وفى } أي أتم ما أمر به وما امتحن ~~به وما قلق شيئا من قلق، وكان أول من هاجر قومه وصبر على حر ذبح الولد ~~وكذا على حر النار ولم يستعن بمخلوق، وخص هذين النبيين لأن المدعين من ~~بني إسرائيل اليهود والنصارى يدعون متابعة عيسى عليه السلام، ومن العرب ~~يدعون متابعة إبراهيم عليه السلام، ومن عداهم لا متمسك لهم ولا سلف في ~~نبوة محققة ولا شريعة محفوظة، ثم فسر الذي في الصحف أو استأنف بقوله: { ~~ألا تزر } أي تأثم وتحمل { وازرة } أي نفس بلغت مبلغا تكون فيه حاملة { ~~وزر أخرى * } أي حملها الثقيل من الإثم، يعني فمن يحمل عنه أثم أحد ~~الشقين الذي لزمه فلا بد أن يكون آثما وهما قبل التولي وما بعده. ### || [53.39-48] # ولما نفى أن يضره إثم غيره نفى أن ينفعه سعي غيره فقال: { وأن ليس ~~للإنسان } كائنا من كان { إلا ما سعى * } فلا بد أن يعلم الحق في أي جهة ~~فيسعى، ودعاء المؤمنين للمؤمن سعيه بمواددته لهم ولو بموافقته لهم في ~~الدين وكذا الحج عنه والصدقة ونحوهما، وأما الولد فواضح في ذلك، وأما ما ~~كان لسبب العلم ونحوهما فكذلك، وتضحية للنبي صلى الله عليه وسلم في ~~عزامته أصل كبير في ذلك، ms4762 فإن من تبعه فقد وادده، وهذا أصل في التصدق عن ~~الغير وإهداء ما له من الثواب في القراءة ونحوها. # ولما ثبت أنه ليس له ولا عليه إلا ما عمل، وكان في الدنيا قد يفعل الشيء ~~من الخير والشر ولا يراه من فعله لأجله ولا غيره نفى أن يكون الآخرة كذلك ~~بقوله: { وأن سعيه } أي من خير وشر { سوف } أي من غير شك بوعد لا خلف فيه ~~وإن طال المدى. # ولما كان الاطلاع نفسه مرضيا أو مخزيا لا بالنسبة لأحد بعينه، بناه ~~للمجهول بقوله: { يرى * } ولما كان المخوف منه المجازاة مطلقا لا من ~~مجاز معين قال: { ثم يجزاه } ولما كان في هذه الدار ربما وقعت المسامحة ~~ببعض الأشياء والغفلة عن بعضها، قال: { الجزاء الأوفى * } أي الإثم ~~الأكمل، إن كان خيرا فمع المضاعفة، وإن كان غيره فعلى السواء لمن أراد ~~الله ذلك له ويعفو عن كثير، لكنه تذكرة له. # ولما كانت رؤية الأعمال لا تقطع برؤية المتوكلين بها من الملائكة أو ~~غيرها ممن أقامه الله لذلك، وكان الرائي كلما كان أكثر كان الأمر أهول، ~~وكان رؤية الملك الأعظم أخوف، قال عاطفا على { لا تزر } مبينا بحروف ~~الغاية أن الرائين للأعمال كثير لكثرة جنوده سبحانه: { وأن إلى ربك } أي ~~المحسن إليك لا غيره { المنتهى * } أي الانتهاء برجوع الخلائق حسا ~~بالبعث ومعنى بالعمل والعلم، وإسناد الأمور وإرسال الآمال، ومكان رجوعهم ~~وزمانه كما كان منه المبتدأ، أكد ذلك خلقا لذلك كله وحسابا عليه، روى ~~البغوي من طريق أبي جعفر الرازي عن أبي بن كعب رضي الله عنه عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم في هذه الآية قال # " لا فكرة في الرب " # قال: ومثل هذا ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا: # " تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخالق فإنه لا يحيط به الفكرة " # ورواه أبو نعيم في الحلية عن ابن عباس رضي الله عنهما: # " لا تتفكروا في الله فإنكم لن تقدروا قدره " # ،هذا هو المراد وهو واضح، فمن أول الآية باتحاد أو غير ms4763 ذلك من الإلحاد ~~فعليه لعنة الله وعلى الذاب عنه والساكت عنه. # ولما ذكر تعالى الأمور الاختيارية وقدمها لأنها محط للبلاء وسلب علمها ~~عن أصحابها، وحذر من عاقبتها بإحاطته بكل شيء، وكان معنى ذلك أنه القادر ~~على غيره والعالم لا غيره، عطف عليه قوله ذاكرا للأمور الاضطرارية التي ~~هي في غاية التنافي إكمالا للدليل على أنه يعلم ما في النفوس دون ~~أصحابها وغيرهم وأنه إليه المنتهى إعادة وإبداء، يوقف ما يشاء على ما ~~يريد من الأسباب التي تفعل بإذنه من الضحك أو البكاء وغيرهما من الأمور ~~المنافية التي لولا الإلف لها لقضى الإنسان أن المتلبس بأحدهما لا يتلبس ~~بضده أصلا من غيرها { وأنه } ولما كانت التأثيرات الإدراكية تحال على ~~أسبابها، أكد الكلام فيها فقال: { هو } أي لا غيره { أضحك وأبكى * } أي ~~ولا يعلم أحد قبل وقت الضحك أو البكاء أنه يضحك أو يبكي ولا أنه يأتيه ما ~~يعجبه أو يحزنه، ولو قيل له حالة الضحك أنه بعد ساعة يبكي لأنكر ذلك، ~~وربما أدركه ما أبكاه وهو في الضحك وبالعكس. # ولما كانت الإماتة والإحياء أعظم تنافيا بما مضى، فكانت القدرة على ~~إيجادها في الشخص الواحد أعظم ما يكون، وكان ربما نسب إلى من قتل داوى من ~~مرض أو أطلق من وجب قتله، أكد فقال: { وأنه هو } أي لا غيره. ولما كان ~~الإلباس في الموت أكبر، وكان الموت انسب للبكاء، والإحياء أنسب للضحك، ~~وكان طريق النشر المشوش أفصح، قدمه فقال: { أمات وأحيا * } وإن رأيتم ~~أسبابا ظاهرية فإنه لا عبرة بها أصلا في نفس الأمر بل هو الذي خلقها. # ولما كان ذكر الإحياء، وكان تصنيف الولد إلى نوعيه ظاهرا في اختصاصه، ~~بل وهو في غاية التعذر على من سواه، أعراه عن مثل التأكيد في الذي قبله ~~فقال: { وأنه خلق الزوجين } ثم فسرها بقوله: { الذكر والأنثى * } فإنه لو ~~كان ذلك في غيره لمنع البنات لأنها مكروهة لكل أحد، ثم ذكر ما يظهر ولا ~~بد أنه من صنعه فتسبب أن مادة الاثنين واحدة وهو الماء الذي ms4764 هو أشد ~~الأشياء امتزاجا فقال: { من نطفة } وصور كونها منها بقوله: { إذا تمنى * ~~} أي تراق وتدفق بالفعل لا قبل ذلك ليمكن فيه طعن بأنه كان بدءا أو غيره ~~بل أنتم تعلمون أنه لا يخلق الولد إلا بعد الإمناء بالفعل، وخرج أصله ما ~~يمكن خلقا من خلق الله أن يعرف بمجرد رؤيته أهو صالح للأنثى فقط أو ~~للذكر فقط أو لهما أو للأشكال بالخنوثة. # ولما ساق هذه الأشياء دليلا على إحاطة علمه فلزمها أن دلت على تمام ~~قدرته، وختمها بالنشأة الأولى فلزم من ذلك الإقرار حتما بأنه قادر على ~~البعث، عبر بما يتقضي أنه لما تقدم به وعده على جميع ألسنة رسله صار ~~واجبا عليه بمعنى أنه لا بد من كونه لأنه لا يبدل القول لديه، لا غير ~~ذلك، فعبر بحرف الاستعلاء تأكيدا له ردا لإنكارهم إياه فقال: { وأن ~~عليه } أي خاصا به علما وقدرة { النشأة } أي الحياة وهو ممدود لابن ~~كثير وأبي عمرو ومقصور لغيرهما مصدر نشأ - إذا حنى وربى وسن { الأخرى * } ~~أي التي ينشأ بها الخلق بعد أن يميتهم. # ولما كان الغنى والفقر من الأمور المتوسطة بين الاختيارية والاضطرارية ~~له بكل الأمرين لسبب وكان مقسوما بين الإناث والذكور بحكمة ربانية لا ~~ينفع الذكر فيها قوته ولا يضر الأنثى ضعفها، وكان ذكر النشأة الآخرة ~~كالمعترض إنما أوجب ذكر النشأة الأولى، تعقب ذكرهما به وكان ذكر الغنى مع ~~أنه يدل على الفقر أليق بالامتنان، والنسبة إلى الرب، وكان الغنى الحقيقي ~~إنما يكون في تلك الدار، أخر ذكره فقال: { وأنه } ولما كان ربما نسب إلى ~~السعي وغيره، أكد بالفعل فقال: { هو } أي وحده من غير نظر إلى سعي ساع ~~ولا غيره { أغنى } ولما كان الغنى في الحقيقة إنما هو غنى النفس، وهو ~~رضاها بما قسم لها وسكونها وطمأنينتها، وإنما سمي ذو المال غنيا لأن ~~المال بحيث تطمئن معه النفس، فمن كان راضيا بكل ما قسم الله به فهو غني، ~~وهو في الجنانة مغني وإن كان في الدنيا { وأقنى * } أي أمكن من المال ms4765 ~~وأرضى بجميع الأحوال قال البغوي: أعطى أصول المال وما يدخر بعد الكفاية، ~~قال: وقال الأخفش أقنى أفقر - انتهى. ونقل الأصبهاني مثله عن أبي زيد، ~~فتكون الهمزة للإزالة ويقال، أفناه بكذا أرضاه، وأقناه الصد: أمكنه منه. ### || [53.49-52] # ولما كانت الشعرى لأنها تقطع السماء عرضا أدل النجوم بعد تمام القدرة ~~على الفعل بالاختيار مع أنها مما دخل تحت ذلك الجنس المقسم به أول ~~السورة، وهي لمرورها في سيرها عرضا على جميع المنازل التي كانت العرب ~~تستمطر بها وتنسب بالإتيان بالحد الموجب للغنى إليها كانت قد عبدها من ~~دون الله أبو كبشة الخزاعي لكونها عنده أجل الكواكب، قال تعالى دالا ~~بالتأكيد على سفاهة من عبدها: { وأنه هو } أي لا غيره { رب الشعرى * } أي ~~الكاملة في معناها وهي العبور، وأهل علم النجوم يقولون، إن الأحكام ~~النجومية المنسوبة إليها أصح ما ينسب إلى العالم العلوي، وهي نجم يضيء ~~خلف الجوزاء، ويسمى كلب الجبال، وسميت الجوزاء بالجبار تشبيها لها بملك ~~على كرسيه وعلى رأسه تاج، وقال الرازي في اللوامع: هي أحد كوكبي ذراعي ~~الأسد، وقال ابن القاص في كتاب دلائل القبلة: وترى عند صلاة الصبح نيرة ~~زائدا نورها على نور سائر الكواكب حولها، وقد طمس الصبح نور سائر ~~الكواكب، وأما الشعرى الأخرى فهي الغميصاء - بالغين المعجمة والصاد ~~المهملة - فهي أقل نورا منها، ولذلك سميت الغميصاء، وقال القزاز في ~~جامعه: وقيل: بكت على أختها فغمصت عينها، أي غارت وذهبت. # ولما دل سبحانه على كمال علمه وشمول قدرته بأمور الخافقين: العلوي ~~والسفلي، فكان ذلك داعيا إلى الإقبال على ما يرضيه، وناهيا عن الإلمام ~~بما يسخطه، شرع في التهديد لمن وقف عن ذلك بما وقع في مصارع الأولين من ~~عجائب قدرته فقال: { وأنه أهلك عادا } ولم يأت بضمير الفصل لأنه لم يدع ~~في أحد غيره إهلاكهم، وهول أمرهم بقوله: { الأولى * } أي القدماء في ~~الزمان جدا دلالة على أنه المنصرف في جميع الأزمنة، وقدمهم لأن الشر ~~أتاهم من حيث ظنوه خيرا وجزموا بأنه من الأنواء النافعة التي كانت ~~عادتهم استمطارها، ms4766 وقيل: إن عادا قبيلتان: والأولى قوم هود عليه السلام ~~والأخرى إرم ذات العماد - قاله جماعة منهم القشيري، قال البغوي: وكان لهم ~~عقب فكانوا عادا الأخرى، وقال ابن جرير: وعادا الأولى هم الذين عنى ~~الله بقوله # ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم # [الفجر: 6 - 7] وإنما قيل لهم عادا الأولى لأن بني لقيم بن هزال هزيل ~~بن عنبل بن عاد كانوا أيأم أرسل الله على هؤلاء عذابه سكانا بمكة مع ~~إخوانهم من العمالقة ولد عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح عليه السلام فلم ~~يصبهم من العذاب ما أصاب قومه وهم عاد الأخرى، ثم هلكوا بعد بغي بعضنهم ~~على بعض فتفانوا، وقال غير ابن جرير: إن إرم هم عاد الأخرى، وعطف عليهم ~~قوله: { وثمودا } أي أهلكهم ثم سبب عن الإهلاك قوله: { فما أبقى * } أي ~~من الفريقين أحدا، ومن قال: إن عادا قبيلتان جعل عدم الإبقاء خاصا ~~بثمود، وقراءة عاصم وحمزة ويعقوب بمنع الصرف نص في أنه قوم صالح عليه ~~السلام، وقراءة الباقين بالصرف أنسب للإهلاك والإعدام. # ولما قدم من كان إهلاكهم بنفس الريح التي هي مبدأ الأمطار الآتية لهم في ~~السحاب، وأتبعهم من إهلاكهم بها بحملها للصيحة إرجافها بهم، أتبعهم من ~~كان إهلاكهم بالماء الذي هو غاية السحاب فقال: { وقوم نوح } أي أهلكهم ~~لأجل ظلمهم بالتكذيب، ولما كان إهلاكهم في بعض الزمان الماضي قال: { من ~~قبل } أي قبل الفريقين فصار في الكلام تهويلان يهزان القلب ويفعلان في ~~النفس وصف هؤلاء بالقبيلتين وأولئك بالأولى، ولولا تقديمهم ما كان هذا، ~~وعلل هلاكهم بما يؤذن أنه لا فرق عنده بين قوي وضعيف وقليل وكثير مؤكدا ~~لان ما اشتهر من طغيان عاد يوجب أنهم أطغى الناس: { إنهم كانوا } أي بما ~~لهم من الأخلاق التي هي كالجبال التي لا انفكاك عنها { هم } أي خاصة { ~~أظلم } من الطائفتين المذكورتين { وأطغى * } أي وأشد تجاوزا في الظلم ~~وعلوا وإسرافا في المعاصي وتجبرا وعتوا لتمادي دعوة نوح عليه السلام ~~ولأنهم أطول أعمارا وأشد أبدانا، وكانوا مع ذلك ملء الأرض، ويجوز ms4767 أن ~~يكون الضمير للفرق الثلاثة. ### || [53.53-62] # ولما ذكر الهلاك بالريح العاصفة الناشئة عنها ثم بالماء الناشئ عن ~~السحاب الناشئ عن الريح، ذكر الإهلاك بالريح والنار والماء إعلاما بأنه ~~الفاعل وحده بما أراد من العذاب من العناصر التي سبب الحياة مجتمعة ~~ومنفردة، فقال مقدما عن العامل إعلاما بالتخصيص بما ذكر من العذاب ~~إفادة بإنه تعالى قادر على كل شيء فلم يعذب فرقة بما عذب به الأخرى: { ~~والمؤتفكة } أي المدن المقلبة عن وجوهها إلى أقفائها بقدرة جعلتها من ~~شدتها وعظمتها كأنها انقلبت نفسها من غير قالب وذلك أنه سبحانه فتقها من ~~الأرض ففتقها ثم دفعها في الهواء إلى عنان السماء ثم قلبها وأتبعها حجارة ~~النار الكبريتية وغمرها بالماء الذي لا يشبهه شيء من مياه الدنيا، ولذلك ~~قال: { أهوى * } أي رفع وحط وأنزل، فكان الإنزال إهواء حقيقيا، والرفع ~~مجازيا لأنه سببه وهي مدن قوم لوط عليه السلام، وأشار إلى الحجارة ~~والماء بقوله مسببا عن الإهواء ومعقبا له: { فغشاها } أي أتبعها ما ~~غطاها فكان لها بمنزلة الغشاء، وهولها بقوله: { ما غشى * } أي أمرا ~~عظيما من الحجارة وغيرها لا يسع العقول وصفه، وقد اشتمل ما ذكره سبحانه ~~من الصحف على بيان ما ينفع من الأعمال وما يضر وبيان التوحيد باحاطة الله ~~سبحانه بالنهايات التي لا نهاية بعدها علما وقدرة لاختصاصه ببيان ~~المصنوعات وببيان البعث للتخويف بالآجل وإهلاك المرتدين للتخويف بالعاجل ~~لمن كان قلبه جافيا عن النفوذ إلى الآجل. # ولما أهلك كل واحدة من هذه الفرقة فلم يبق من فجارها أحد، وأنجى من ~~أطاعه منهم فلم يهلك منهم أحد، وكان إهلاكه لكل منها بشيء غير ما هلك به ~~الفريق الآخر، فدل كل من ذلك على تمام علمه وكمال قدرته، وكان كمل ما ~~تقدم في هذه السورة من النعم والنقم لكونه كان أتم أوجه الحكم نعمة على ~~كل مؤمن لما فيها من الترغيب في ثوابه والترهيب من عقابه، خاطب سبحانه ~~رأس المؤمنين لأن خطابه له أشد في تذكير غيره فقال مسببا عما مضى: { ~~فبأي آلاء ربك } أي ms4768 عطية المحسن إليك التي هي وجه الإنعام والإكرام وهي ~~إشارة المعرفة به سبحانه بمنزلة ظل الشخص من الشخص كما أنه لايتصور ظل ~~إلا لشخص فكذلك فعل الفاعل ولا أثر للمؤثر { تتمارى * } أي تشك بإجالة ~~الخواطر في فكرك في إرادة هداية قومك بحيث لا تريد أن أحدا منهم يهلك ~~وقد حكم ربك بإهلاك كثير منهم لما اقتضته حكمته، وكان بعض خطرك في تلك ~~الإجالة يشكك بعضا، ولما تم الكلام على هذا المنهاج البديع والنمط ~~الرفيع في حسان البيان للمواعظ والشرع والقصص القديمة والإنذار العظيم ~~التام على وجه معجز من وجوه شتى، أنتج قوله مرغبا مرهبا خاتما السورة ~~بما بدأ هنا به من ذكره صلى الله عليه وسلم: { هذا } النبي صلى الله عليه ~~وسلم { نذير } أي محذر بليغ التحذير، ولما كانت الرسل الماضون عليهم ~~الصلاة والسلام قد تقررت رسالتهم في النفوس وسكنت إليها القلوب، بحيث أنه ~~لا يسع إنكارها، فكان قد أخبر عن إنكار من كذبهم لأجل تكذيبهم، وإنجائهم ~~وإنجاء من صدقهم لأجل نصرتهم، وكان لا فرق بينه صلى الله عليه وسلم ~~وبينهم في ذلك إلا أن الرحمة به أبلغ وأغلب، مرعبا في اتباعه مرهبا من ~~نزاعه، قال: { من النذر الأولى * } يجب له ما وجب لهم وأنتم كالمنذرين ~~الأولين، فاحذروا ما حل بالمكذبين منهم وارجوا ما كان للمصدقين. # ولما كان كل آت قريبا، وكانت الساعة - وهي ما أنذر به من القيامة ومما ~~دونها - لا بد من إتيانها لما وقع من الوعد الصادق به المتحف بالدلائل ~~التي لا تقبل شكا بوجه من الوجوه، فكان باعتبار ذلك لا شيء أقرب منها، ~~قال دالا على ذلك بصيغة الماضي الذي قد تحقق وقوعه وباشتقاق الواقع ~~الفاعل مما منه الفعل: { أزفت الآزفة * } أي دنت الساعة الدانية في نفسها ~~التي وصفت لكم بالفعل بالقرب غير مرة لأنها محط الحكمة وإظهار العظمة، ~~وما خلق الخلق إلا لأجلها، المشتملة على الضيق وسوء العيش من القيامة، ~~وكل ما وعدتموه في الدنيا مما يكون به ظهور هذا الدين وقمع المفسدين. ~~ولما ضاق ms4769 الخناق من ذكرها على هذا الوجه، تشوف السامع إلى دفعها، فاستأنف ~~قوله: { ليس لها } واستدرك بقوله: { من دون الله } أي من أدنى رتبة من ~~رتبة الملك المحيط بكل شيء قدرة وعلما { كاشفة * } أي كاشف يوجدها ~~ويقيمها ويجلي علمها، أو يدفع كربها وهمها وإن بالغ في الكشف وبذلك الجهد ~~فيه، فالهاء للمبالغة، ويجوز أن تكون مصدرا كالجاثية والكاذبة والباقية ~~فيكون الهاء للتأنيث. # ولما أفهم هذا أن الله يكشفها أي يكشف كربها ممن يريد من عباده ويثقله ~~على من يشاء، ويكشف علمها بإقامتها، ولا حيلة لغيره في شيء من ذلك بوجه، ~~سبب عنه وعما تقدمه من الإنذار قوله منكرا موبخا، { أفمن هذا الحديث } ~~أي القول العظيم الذي يأتيكم على سبيل التجدد بحسب الوقائع والحاجات { ~~تعجبون * } إنكارا وهو في غاية ما يكون من ترقيق القلوب. # ولما كان المعجب قد يمسك نفسه عن الضحك، بين أنهم ليسوا كذلك فقال: { ~~وتضحكون } أي استهزاء تجددون ذلك في كل وقت مبتدأ ضحككم منه وهو بعيد من ~~ذلك، ولما كان إنما يورث الحزن بكونه نزل بالحزن قال: { ولا تبكون * } أي ~~كما هو حق من يسمعه. # ولما كان البكاء قد يكون على التقصير في العمل، بين أن الأمر أخطر من ~~ذلك فقال: { وأنتم } أي والحال أنكم في حال بكائكم { سامدون * } أي ~~دائبون في العمل جاهدون في العمل، فإن الأمر جد، فالدأب في العمل والجد ~~فيه حينئذ علة للبكاء، فكأنه قيل: ولا تدأبون في العمل فتبكون، وإنما قلت ~~ذلك لأن " سمد " معناه دأب في العمل ورفع رأسه تكبرا وعلا، وسمد الإبل: ~~جد في السير، وسار سيرا شديدا، واسماد: ورم، وسمد: قام متحيرا وحزن ~~وسر وغفل ولها وقام وحصل ونام واهتم وتكبر وتحير وبطر وأشر، وسمد الأرض: ~~سهلها، وأيضا جعل فيها السماد، أي السرقين، والشعر: استأصله، وهو لك ~~سمدا أي سرمدا، والسميد: الحواري، ذكر ذلك مبسوطا القزاز في جامعه ~~وصاحب القاموس. # فالمادة كما ترى تدور على انتشارها على الدأب في العمل فتارة بذكر مبدئه ~~الباعث عليه، وتارة الناشئ عنه، وتارة ما ms4770 بينهما، وهو الجد في العمل، ~~فينطلق الاسم على كل من ذلك تارة حقيقة ومرة بمجاز الأول، وأخرى بمجاز ~~الكون، فالقصد باعث، وكذا الاهتمام والقيام ورفع الرأس ناشئان عنهما، ~~وذلك أوله، والسدم بمعنى احرص والهم واللهج بالشيء، والسديم: الضباب ~~الرقيق، هو مبدأ الكشف، والمسدم: البعير المهمل وما دبر ظهره، كأنه من ~~الإزالة، وركية سدم: متدفقة - للمعالجة في فتحها، ولأن تدفقها دأب في ~~العمل، وكذا سدم الباب أي ردمه، والدسم: الودك، لأنه منشط على العمل ~~ومنشأ منه، والوضر والدنس، ودسم المطر الأرض: بلها قليلا، لأنه مبدأ ~~الكثير، والقارورة: سدها، والباب: أغلقه، لأنه يعالج في فتحه، والدسمة: ~~غبرة إلى السواد - كأنه مبدأ السواد والدسيم لما لم يكن أبواه من نوع ~~واحد - كأنه مبدأ لكل نوع منهما ولأنه يلزم الخلط في العادة العلاج، ومنه ~~الدسمة للرديء من الرجال - كأنه لم يكمل فيه النوع، ولأن نقص الشيء عن ~~عادته يلزمه العلاج والفعل بالاختيار، والديسم: الرفيق بالعمل المشفق، ~~وأنا على دسم من الأمر أي طرف منه، والمسد - محركة: المحور من الحديد، ~~لأنه آلة الفتل، وحبل من الليف أو ليف المقل لأنه محل الدأب، والمساد: ~~نحى السمن، ودمسه: دفنه، يصلح أن يكون مبدأ ومقصدا، ومنه دمس بينهم: ~~أصلح لأنه دفن أحقادهم وعالج في ذلك، والدمس: إخفاء الشيء والظلام، لأنه ~~منشئ التعب، ودمس الموضع: درس - للتعب في معرفته، ودمس الإهاب: غطاه ~~فيمشط شعره، والدمس: الشخص، وبالتحريك: ما غطى، والدودمس بالضم: حية مجر ~~نفشة الغلاصيم تنفخ فتحرق ما أصابت بنفخها، ومن آثاره الناشئة عن الورم، ~~وكذ القيام متحيرا والغفلة والسرور والحزن واللهو والنوم والكبر ~~والتبختر والعلو والعتا، والسميد أي الحواري، والسمد بمعنى السرمد: ~~والسمد: الهم مع ندم أو الغيظ مع حزن، والديماس: الكن، وما بين ذلك سمد ~~الأرض والشعر والسير الشديد والجد فيه، وهو نفس الدأب، وكذا السديم ~~للكثير الذكر، وماء مسدم وعاشق مسدم: شديد العشق، والدسيم: ظلمة السواد، ~~والدسيم، الكثير الذكر، ودسم البعير: طلاه بالحناء - والمسد: إداب السير ~~- وبالتحريك: المضفور المحكم الفتل، ورجل ممسود: مجدول الخلق - شبه به ms4771 - ~~وهي بها، ودمس بينهم: أصلح، وهو من الدفن أيضا لأنه دفن أحقادهم فنبين ~~أن جعل السمود في الآية بمعنى الدأب في العمل هو الأولى، وأن كون الجملة ~~حالا من جعلها معطوفة على { تضحكون } - انتهى والله أعلم. # ولما حث على السمود، فسره مسببا عن الاستفهام ومدخوله قوله: { فاسجدوا ~~} أي اخضعوا خضوعا كثيرا بالسجود الذي في الصلاة { لله } أي الملك ~~الأعظم { واعبدوا * } أي بكل أنواع العبادة فإنه { ما ضل صاحبكم } عن ~~الأمر بذلك { وما غوى } قال الرازي في اللوامع: قال الإمام محمد بن علي ~~الترمذي: تعبدنا ربنا مخلصين أن نكون له كالعبيد وأن يكون لعبيده كما هو ~~لهم - انتهى، ولو كان السمود بمعنى اللهو كان الأنسب تقديمه على { تبكون ~~} - والله أعلم، وقد ظهر أن آخرها نتيجة أولها، ومفصلها ثمرة موصلها - ~~والله الهادي. ### | [54 - سورة القمر] ### || [54.1] # لما ختمت النجم بالتهديد باقتراب القيامة التي ينكرونها بعد أن فتحها ~~بالأقسام البلس (؟) في النجم الذي هو أعم من القمر وغيره بتسييره طلوعا ~~وأفولا وصعودا وهبوطا، افتتح هذه بذلك مع الدلالة عليه عقلا وسمعا ~~في التأثير في أعظم آيات الله وغير ذلك ليقطع العباد عن الفساد، ويستعدوا ~~لها قبل مجيئها أحسن استعداد، فقال دالا على عظيم اقتداره عليها بتأنيث ~~فعلها: { اقتربت الساعة } اشتدت قربا الساعة: اللحظة التي لا ساعة في ~~الحقيقة غيرها التي تقوم فيها القيامة لأنه قل ما بقي بيننا وبينها ~~بالنسبة إلى ما مضى من زمن آدم عليه السلام لبعث خاتم الأنبياء الذي لم ~~يبق بعد أمته أمة تنتظر، فيكون في الزمان مهلة لذلك. # ولما كان الإخبار باقترابها يحتاج عند المعاند إلى آية دالة عليه، وكانت ~~الآيات السماوية أعظم، فالتأثير فيها أدل على تمام الاقتدار، وكان القمر ~~أدل على الأنواء التي بها منافع الخلق في معاشهم، وكانت العرب أعرف الناس ~~بها، دلهم على التأثير فيه على اقترابها مع الإرهاب من شدائد العذاب ~~بإعدام الأسباب فقال: { وانشق } بغاية السرعة والسهولة { القمر * } آية ~~للرسول المنذر لكم بها، فكان انشقاقه - مع الدلالة على ذلك بإعجاز القرآن ~~وغيره ms4772 - دالا على كونها وقربها أيضا بالتأثير العظيم الخارق لعادة ما ~~قبله من التأثير في أحد النيرين اللذين هما أعظم الأسباب المقامة للمعايش ~~الدال على القدرة على التأثير في الآخرة الدال ذلك على القدرة على تمام ~~التصرف فيهما من جمعهما وخسفهما واعتدامهما ولسببهما (؟) الذي هو من ~~أسباب خراب الأرض، يقول الإنسان عنده: أين المفر؟ المؤذن بطي العالم ~~المعلم بأن له ربا فاعلا بالاختيار مدبرا بالحكم الدال على بعث عباده ~~ليحكم بينهم فيما كانوا فيه يختلفون، فيثيب من تابع رسله ويعاقب من ~~خالفهم، وانشقاق القمر على حقيقته في زمان النبي صلى الله عليه وسلم أمر ~~شهير جدا، وإجماع أهل التفسير عليه كما قاله القشيري، وقال: رواه ابن ~~مسعود رضي الله عنده ولا مخالف له فيه - انتهى. وذلك أن قريشا سألوا ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية # " فأراهم انشاق القمر بحيث طلعت فرقة عن يمين حراء وأخرى عن يساره " # - رواه الشيخان عن ابن مسعود وأنس رضي الله عنهما، ومعلوم أن الأمة تلقت ~~كتابيهما بالقبول فهو يكاد يلحق بالمتواتر وقد أيده القرآن فلم يبق فيه ~~شك، قال القشيري: وروى أيضا ابن عمر وحذيفة وابن عباس وجبير بن مطعم رضي ~~الله عنهم، وقال أبو حيان: سبب نزولها أن مشركي العرب من قريش قالوا ~~للنبي صلى الله عليه وسلم: إن كنت صادقا فشق لنا القمر فرقتين، ووعدوه ~~بالإيمان إن فعل ذلك، وكانت ليلة البدر فسأل ربه فانشق - انتهى، ومن قال: ~~المراد به " سينشق " يحتاج في صرف الماضي عن حقيقته إلى المستقبل إلى ~~صارف وأنى له ذلك ولا سيما وقد تأيدت الحقيقة بالنسبة الصحيحة الشهيرة. # وقال الإمام أبو جعفر ابن الزبير: لما أعلمهم سبحانه بأن إليه المنتهى، ~~وأن عليه النشأة الأخرى، وإذا ذاك يقع جزاء كل نفس بما أسلفت، أعلمهم ~~سبحانه بقرب ذلك وحسابه ليزدجر من وفقه للازدجار فقال تعالى: { اقتربت ~~الساعة وانشق القمر } ثم إن سورة ص تضمنت من عناد المشركين وسوء حالهم ~~وتوبيخهم في عبادتهم ما لا يضر ولا ينفع ما يكاد يوجد ms4773 في غيرها مما ~~تقدمها، وبعد التنبيه في السورة قبلها والتحريك بآيات لا يتوقف عنها إلا ~~من أضله الله وخذله، وأثبتت السورة بعد على تمهيد ما تضمنته سورة ص فلم ~~يخل سورة منها من توبيخهم وتقريعهم لقوله في الزمر # والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى # [الزمر: 3] وقوله: # لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء # [الزمر: 4] وقوله: # قل الله أعبد مخلصا له ديني فاعبدوا ما شئتم من دونه # [الزمر: 14] وقوله مثلا لحالهم: # ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون # [الزمر: 29] الآية إلى ما بعد من التقريع والتوبيخ، وقوله في سورة غافر: # ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم في البلاد # [غافر: 4] وقوله: # ذلكم بأنه إذ دعى الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا فالحكم لله # [غافر: 12] وقوله: # أفلم يسيروا في الأرض # [غافر: 21 - 82] الآية، وقوله: # إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ~~ما هم ببالغيه # [غافر: 56] وقوله: # ألم تر إلى الذين يجادلون في أيات الله أنى يصرفون # [غافر: 69] # الذين كذبوا بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا فسوف يعلمون # [غافر:70] إلى قوله: # فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا يرجعون # [غافر: 77] وقوله: # أو لم يسيروا في الأرض # [غافر: 82] إلى ما تخلل هذه الآيات، وقوله في فصلت # فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون وقالوا قلوبنا في أكنة # [فصلت: 5] # وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه # [فصلت: 26] # إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا # [فصلت: 40 - 44] إلى قوله: # أولئك ينادون من مكان بعيد # [فصلت: 40 - 44] وقوله: # سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم # [فصلت: 53] إلى آخر السورة، وقوله في الشورى: # والذين اتخذوا من دونه أولياء الله حفيظ عليهم وما أنت عليهم بوكيل # [الشورى: 6] # كبر على المشركين ما تدعوهم إليه والذين يحاجون في الله من بعد ما ~~استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم # [الشورى: 13] الآية # أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم ms4774 يأذن به الله # [الشورى: 21] الآية # فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا إن عليك إلا البلاغ # [الشورى: 48] وقوله في الزخرف: # أفنضرب عنكم الذكر صفحا # [الزخرف: 5] الآية، # وجعلوا له من عباده جزءا # [الزخرف: 15] إلى ما تردد في هذه السورة مما قرعوا به أشد التقريع، ~~وتكرر في آيات كثيرة فتأملها مثل قوله تعالى في الدخان # بل هم في شك يلعبون # [الدخان:9] إلى قوله: # يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون # [الدخان:16] وقوله: # إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين # [الدخان:40] إلى قوله هذا # ما كنتم به تمترون # [الدخان:50] وقوله في الأعراف: # فبأي حديث بعده يؤمنون # [الأعراف:185] إلى قوله: # والذين كفروا بآيات ربهم لهم عذاب من رجز أليم # [الجاثية:11] وقوله: # أفرءيت من اتخذ إلهه هواه # [الجاثية: 23] إلى آخر السورة، وقوله في الأحقاف: # والذين كفروا عما أنذروا معرضون # [الأحقاف: 3] ومعظم هذه الآية لم يخرج عن هذا إلى ختامها، وكذلك سورة ~~القتال ولم يتضمن إلا الأمر بقتلهم وأسرهم وتعجيل حربهم # فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب # [محمد: 4] وأما سورة الفتح فما تضمنته من البشارة والفتح أشد على الكفار ~~من كل ما قرعوا به، ولم تخرج عن الغرض المتقدم، وكذا سورة الحجرات ~~لتضمنها من الأمر بتقدير النبي صلى الله عليه وسلم وإجلاله ما يقر عين ~~المؤمن ويقتل العدو الحاسد وما فيها أيضا من إتلاف أمر المؤمنين وجمع ~~كلمتهم وتآخيهم، وموقع هذا لا يخفى على أحد، وأما سورة الذاريات والطور ~~والنجم فما تضمنته مما ذكرناه قبل أوضح شيء، وبذلك افتتحت كل سورة منها ~~فتأمل مطالعها ففي ذلك كفاية في الغرض - والله تعالى هو أعمل بالصواب، ~~فلما انتهى ما قصد من تقريع مكذبي رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلغت ~~الآي في هذه السورة من ذلك أقصى غاية، وتمحض باطلهم وانقطع دابرهم، ولم ~~يحيروا جوابا فيما عرض عليهم سبحانه في سورة القمر من أحوال الأمم مع ~~أنبيائهم، وكان القصد من ذلك - والله أعلم - مجرد التعريف بأنهم ذكروا ~~فكذبوا فأخذوا ليتبين لهؤلاء أن لا فرق بينهم وبين غيرهم وأن لا يغرهم ~~عظيم حلمه ms4775 سبحانه عنهم، فهذه السورة إعذار عند تبكيتهم وانقطاع حجتهم بما ~~تقدم وبعد أن انتهى الأمر في وعظهم وتنبيههم بكل آية إلى غاية يعجز عنها ~~البشر، ولهذا افتتح سبحانه هذه السورة بقوله تعالى: { ولقد جاءهم من ~~الأنباء ما فيه مزدجر حكمة بالغة فما تغن النذر } وختمها سبحانه بقوله: { ~~أكفاركم خير من أولائكم أم لكم براءة في الزبر } وهذا يبين ما قدمنا، ~~وكان قد قيل لهم: أي فرق بينكم وبين من تقدم حتى ترتكبوا مرتكبهم وتظنوا ~~أنكم ستفوزون بعظيم جزائكم، فذكر سبحانه لهم قصة كل أمة وهلاكها عند ~~تكذيبها بأعظم إيجاز وأجزل إيراد وأفخم عبارة وألطف إشارة، فبدأ بقصة قوم ~~نوح بقوله: { كذبت قوم نوح } إلى قوله: { ولقد تركناها آية فهل من مدكر ~~فكيف كان عذابي ونذر } ثم استمر في ذكر الأمم مع أنبيائهم حسبنا ذكروا في ~~السورة الوارد فيها إخبارهم من ذكر أمة بعد أمة إلا أن الواقع هنا من ~~قصصهم أوقع في الزجر وأبلغ في الوعظ وأعرق في الإفصاح بسوء منقلبهم ~~وعاقبة تكذيبهم، ثم ختمت كل قصة بقوله: { فكيف كان عذابي ونذر } وتخلل ~~هذه القصص بقوله تعالى: { ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر } وهي ~~إشارة إلى ارتفاع عذر من تعلق باستصعاب الأمور على زواجره وتنبيهاته ~~ومواعظه ويدعي بعد ذلك واستعلاقه فقيل له إنه ميسر قريب المرام، وهذا ~~فيما يحصل عند التنبيه والتذكير لما عنده بكون الاستجابة بإذن الله تعالى ~~ووراء ذلك من المشكل والمتشابه ما لا يتوقف عليه ما ذكره وحسب عموم ~~المؤمنين الإيمان بجميعه والعمل بمحكمه، ثم يفتح الله تعالى فهم ذلك على ~~من شرفه به وأعلى درجته، فيتبين بحسب ما يشرح الله تعالى صدره { يرفع ~~الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات } ومن تيسر المقصود ~~المتقدم تكرار قصص الأنبياء مع أممهم في عدة سور أي حفظ مها اطلع على ما ~~هو كاف في الاعتبار بهم، ثم إذا ضم بعضه إلى بعض اجتمع منه ما لم يكن ~~ليحصل من بعض تلك السورة، فسبحان من جعله حجة باهرة ms4776 وبرهانا على صدق ~~الآتي به محمد صلى الله عليه وسلم، وصراطا مستقيما ونورا مبينا، ولما ~~ذكر سبحانه عواقب الأمم في تكذيبهم قال لمشركي العرب: { أكفاركم خير من ~~أولائكم } ومن هذا النمط قول شعيب عليه السلام: # ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو ~~قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد # [هود: 89] ثم قال تعالى: { أم يقولون نحن جميع منتصر سيهزم الجمع ويولون ~~الدبر } إي إنكم تعلقتم بتألفكم وجماعتكم فسأفرق ذلك بهزيمتكم يوم بدر ~~بقتل صناديدكم فما حجتكم بعد هذا، إنما مساق القصص في هذه السورة واعتماد ~~التعريف بحال من ذكر في أن كذبوا وعاندوا، فأعقب تكذيبهم أخذهم وهلاكهم، ~~ثم تعقب هذا كله بصرف الكلام في مشركي العرب في قوله: { أكفاركم خير من ~~أولائكم } وليس شيء من السور المذكورة فيها قصص على هذا الاستيفاء ~~كالأعراف وهود، وبظاهرهما ليس في شيء من ذلك تعقيب بذكر مشركي العرب على ~~الصفة الواردة هنا، فأنبأ ذلك بكمال المقصود من الوعظ والتحريك بذكره ~~وانقضاء هذا الغرض، وذلك أنهم ذكروا أولا بعرض أحوال الأمم والتعريف بما ~~آل إليه أمرهم، وكان ذلك في صورة عرض من يريد تأديب طائفة من إليه نظرهم ~~قبل أن يظهر منهم تمرد وعناد، فهو يستلطف في دعائهم ولا يكلمهم تكليم ~~الواجد عليهم، بل يفهم الإشفاق والاستعطاف وإرادة الخير بهم ثم يذكرهم ~~بذلك ويكرره عليهم المرة بعد المرة وإن تخلل ذلك ما يبين منهم فظاعة ~~التهديد وشدة الوعيد، فلا يصحبه تعيين المخاطب وصرف الكلام بالكلية إليه، ~~بل يكون ذلك على طريق التعريض والتوبيخ، ثم لو كان لا يحتقر بما قبله وما ~~بعده من التلطف حتى إذا تكررت الموعظة فلم تقبل، فهنا محل الغضب وشدة ~~الوعيد، وعلى هذا وردت السور المذكور فيها حال الأمم كسورة الأعراف وهود ~~والمؤمنين والظلة والصافات، وما من سورة منها إلا والتي بعدها أشد في ~~التعريف وأمل في الزجر بعد التعريف، فتأمل تعقيب القصص في سورة الأعراف ~~بقوله تعالى: # وكذلك نفصل الآيات ولعلهم ms4777 يرجعون # [الأعراف: 174] وقوله بعد موعظة بالغة بذكر من حرمه بعد إشرافه عل الفوز ~~وهو الذي أخلد إلى الأرض واتبع هواه فقال بعد ذلك # فاقصص القصص لعلهم يتفكرون # [الأعراف: 176] وتذكيره إياه لمحنة الغفلة إلى ما ختمت به السورة وذلك ~~غير خاف في التلطف بالموعظة وقال تعالى بعد قصص سورة هود: # وكذلك أخذ ربك # [هود: 102] الآية، وقال تعالى: # فلا تك في مرية مما يعبد هؤلاء # [هود:109] - إلى قوله - # وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص # [هود: 109] وتكررت الآية إلى آخر السورة يجاري ما ذكر ولم تبق هذه وآي ~~الأعراف في تلطف الاستدعاء، وقال تعالى في قصص آخر سورة المؤمنين: # فذرهم في غمرتهم حتى حين # [المؤمنون:54] - إلى قوله - # لا يشعرون # [المؤمنون: 56] ثم قال: # ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا ~~هم يجأرون # [المؤمنون: 64] استمرت الآي على شدة الوعيد يتلو بعضها بعضا إلى قوله: # أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون # [المؤمنون: 115] وقوله تعالى بعد: # إنه لا يفلح الكافرون # [المؤمنون: 17] ولم يبين هذه الآي، وبين الواقعة عقب قصص سورة هود، وقال ~~في آخر قصص الظلمة: # وإنه لتنزيل رب العالمين # [الشعراء: 192] إلى قوله خاتمة السورة: # وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون # [الشعراء: 227] فوبخهم وعنفهم ونزه نبيه صلى الله عليه وسلم عن توهمهم ~~وعظيم إفكهم وافترائهم، وكل هذا تعنيف وإن لم يتقدم له مثله في السورة ~~المذكورة، ثم هو صريح في مشركي العرب معين لهم في غير تلويح ولا تعريض، ~~ثم إنه وقع عقب كل قصة في هذه السورة قوله تعالى: { إن في ذلك } وفيه ~~تهديد ووعيد، وقال تعالى في آخر والصافات: # فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون ~~ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله وإنهم لكاذبون # [الصافات: 149] وهذا أعظم التوبيخ وأشد التقريع، ثم نزه نبيه سبحانه عن ~~بهتان مقالهم وسوء ارتكابهم وقبح فعالهم، بقوله: # سبحان ربك رب العزة عما يصفون # [الصافات: 180] فلما أخذوا بكل مأخذ فما أغنى ذلك عنهم قال تعالى في ~~سورة القمر: ms4778 { ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر } { حكمة بالغة فما ~~تغني النذر } ، ثم قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: { فتول عنهم } ~~ولم يقع أمره صلى الله عليه وسلم بتركهم والإعراض عنهم والتولي إلى بعد ~~حصول القصص في السورة المذكورة وأخذهم بكل طريق، وأول أمره بذلك صلى الله ~~عليه وسلم في سورة السجدة { فأعرض عنهم وانتظر إنهم منتظرون } ثم في سورة ~~والذريات { فتول عنهم فما أنت بملوم } بأشد وعيد وأعظم تهديد بعقب كل قصة ~~بقوله: { ولقد تركناها آية فهل من مذكر } وقوله: { فكيف كان عذابي ونذر } ~~ثم صرف إليهم بما تقدم قوله: { أكفاركم خير من أولائكم أم لكم براءة في ~~الزبر } فبلغ ذلك أعظم مبلغ في البيان وإعذار، ثم قال تعالى: { وكل شيء ~~فعلوه في الزبر } ففرق سبحانه بسابق حكمته فيهم { إنا كل شيء خلقناه بقدر ~~} وانقضى ذكر القصص فلم يتعرض لها مستوفاة على المساق فيما بعد إلى آخر ~~الكتاب - فسبحان من رحم به عباده المتقين وجعله آية وأي آية باهرة إلى ~~يوم الدين، وقطع عناد الجاحدين وغائلة المعتدين وجعله بيانا كافيا ~~ونورا هاديا وواعظا شافيا - جعلنا الله سبحانه وتعالى ممن اهتدى ~~واعتلق بسببه إنه أهل الاستجابة والعفو والمغفرة - انتهى. ### || [54.2-7] # ولما كان التقدير: فأعرض الكفار عن آية انشقاقه وقالوا: سحر، مع علمهم ~~بأنه دال قطعا على صدق من انشق لتصديقه، عطف عليه الإعلام بحالهم في ~~المستقبل فطما لمن يطلبه من المؤمنين إجابة مقترحة من مقترحاتهم رجاء ~~إيمانهم فقال: { وإن يروا } أي فيما يأتي { آية } أي أية آية كانت { ~~يعرضوا } أي عن الانتفاع بها كما أن أعرضوا عن هذه لما رأوها، وقال ~~بعضهم: سحر، وقال بعضهم: أمهلوا حتى يجيء السفار، فإن قالوا: إنهم رأوا ~~كما رأيتم فليست بسحر، فإن محمدا لا يستطيع أن يسحر أهل الأرض كلهم، ~~فجاء السفار وشهدوا برؤيته منشقا، ومع ذلك فلم يؤمنوا { ويقولوا } أي ~~على سبيل التجديد منهم والاستمرار: هذا { سحر } أي هذا الذي يأتينا به ~~هذا الرجل من وادي الخيال الذي لا حقيقة له وهو ms4779 { مستمر * } أي لأنه فارق ~~السحر بأنه لا ينكشف في الحال لأنه محكم ثابت دائم بشموله وإحاطته بجميع ~~الأنواع، ولذلك يتأثر عنه غاية الخوارق المتباينة الأنواع الكثيرة. # ولما فطم عن التشوف إلى إجابتهم في المقترحات على ما قدرته، تسبب منهم ~~عن الانشقاق بقوله: { وكذبوا } أي بكون الانشقاق دالا على صدق الرسول ~~صلى الله عليه وسلم وجزموا بالتكذيب عنادا أو خبثا منهم. ولما كان ~~التكذيب في نفسه قد يكون حقا، قال مبينا أنه باطل، فبين عن حالهم ~~بقوله: { واتبعوا } أي بمعالجة فطرهم الأولى المستقيمة في دعائها إلى ~~التصديق { أهواءهم } أي حتى نابذوا ما دلتهم عليه بعد الفطرة الأولى ~~عقولهم، قال القشيري: إذا حصل اتباع الهوى فمن شؤمه يحصل التكذيب، لأن ~~الله سبحانه وتعالى يلبس على قلب صاحبه حتى لا يستبصر الرشد، واتباع ~~الرضى مقرون بالتصديق لأن الله تعالى ببركات الاتباع للحق يفتح عين ~~البصيرة فيأتي بالتصديق - والله الهادي. ولما كان ذلك مفظعا لقلوب ~~المحقين، سلاهم بالوصول إلى محط تظهر فيه الحقائق وتضمحل فيه الشقاشق، ~~فقال عاطفا على ما تقديره: فسيستقر أمر كل من أمر المحق والمبطل في ~~قراره، ويطلع على دقائقه وأسراره: { وكل أمر } من أموركم وغيرها { مستقر ~~* } أي ثابت وموجود، انتهاؤه إلى غاية تظهر فيها حقيقته من غير حيلة ~~تصاحبه إلى رد ذلك القرار ولا خفاء على أحد، فلا بد أن ينتهي الحق من كل ~~شيء من الآجال والهدايات والضلالات والسعادات والشقاوات وغيرها إلى ~~نهايته فيثبت ثبوتا لا زوال له، وينتهي الباطل مما دعاه الخلق فيه إلى ~~غايته فيتلاشى تلاشيا لا ثبات له بوجه من الوجوه، فإذا استقرت الأمور ~~ظهر ما لهم عليه وعلموا الخاسر من الفائز، وفي مثل هذا قال ابن عمرو ~~التيمي أخو القعقاع في وقعة السي (؟) من بلاد العراق: # والموت خيلنا لما التقينا # بقارن والأمور لها انتهاء # وقرأ أبو جعفر بالجر صفة لأمر، فيكون معطوفا على الساعة أي واقترب كل ~~أمر مستقر أي ثابت وهو الحق أي اقترب الظهور وثباته، وذلك لا يكون إلا ~~وقد كان خفاء الباطل ms4780 وفواته. ولما حذر وبشر قال معلما أنه محيط العلم ~~بأمرهم من قبل الإجابه إلى شق القمر وأنه ما شقه لطمع في إيمانهم بلا ~~للأعلام بخذلانهم مؤكدا لمن يتعلق رجاؤه بأن تواتر الآيات ربما أوجب لهم ~~التصديق المتضمن لأن ما جاءهم ليس فيه كفاية: { ولقد جاءهم } من قبيل ~~الانشقاق { من الأنباء } أي الأمور العظيمة المرئية، المسموعة التي تستحق ~~لعظمتها أن يخبر بها إخبارا عظيما سيما ما جاء في القرآن من تفصيل أصول ~~الدين وفروعه وأخبار الأولين والآخرين والأولى والأخرى { ما فيه } خاصة { ~~مزدجر * } أي موضع للزجر من شأنه أن يكون لهم به انزجار عظيم عما فيه من ~~الباطل، ولكن لم يزدجر منهم إلا من أراد الله، قال القشيري: لأن الله ~~أسبل على أبصارهم سجوف الجهل فعموا عن مواضع الرشد. # ولما كان ما فيه ذلك قد لا يكون محكما، بينه بقوله: { حكمة } عظيمة { ~~بالغة } أي لها معظم البلوغ إلى منتهى غايات الحكمة لصحتها وطهارتها ~~ووضوحها، ففيها مع الزجر ترجية ومواعظ وأحكام ودقائق تجل عن الوصف. ولما ~~تسبب عنها انزجارهم، سبب عن ذلك قوله: { فما } نفيا صريحا أو باستفهام ~~إنكاري موبخ { تغن النذر * } الإنذارات والمنذرون والأمور المنذر بها - ~~إنما المعني بذلك هو الله تعالى، فما شاءه كان وما لم يشأه لم يكن، ولعل ~~الإشارة بإسقاط يا " تغني " بإجماع المصاحف من غير موجب في اللفظ إلى أنه ~~كما سقطت غاية أحرف الكلمة سقطت نمرة الإنذار وهو القبول. # ولما كان صلى الله عليه وسلم التعلق بطلب نجاتهم، فهو لذلك ربما اشتهى ~~إجابتهم إلى مقترحاتهم، سبب عن ذلك قوله: { فتول عنهم } أي كلف نفسك ~~الإعراض عن ذلك فما عليك إلا البلاغ، وأما الهداية فإلى الله وحده. ولما ~~بين اقتراب الساعة بالإجابة إلى بعض مقترحاتهم القائمة مقامها كلها ~~بدلالته على القدرة عليها، وأتبع ذلك الفطم عن طلب الإجابة إلى شيء فيها ~~لأنها لا تغني شيئا، تطلعت النفوس الكاملة إلى وصف الساعة فأجاب عن ذلك ~~على سبيل الاستئناف بذكر ظرفها وذكر... ما يقع فيه من الأهوال، فقال ~~معلقا ms4781 بما تقديره: الساعة كائنة على وجه الاقتراب الشديد: { يوم يدع } ~~ويجوز - والله أعلم - أن يكون الناصب له { تول } لأنهم لما أعرضوا حين ~~دعاهم كان جزاءهم أن يعرض عنهم يوم حاجتهم إليه لأن الجزاء من جنس العمل، ~~فكأنه قيل بعد أن عد القيامة أمرا محققا لا يأتي النزاع فيه: تول عنهم ~~في ذلك اليوم العبوس الذي أنت فيه الشافع المقبول. # .. واتركهم لأهواله ودواهيه، فقد بان الخاسر فتوليهم إنما يضرهم، لأن ~~توليهم عنك لا يضرك شيئا أصلا، وتوليك عنهم يضرهم ضررا ما بعدهم ضرر - ~~والله أعلم، وحذف واو " يدعو " للرسم بإجماع المصاحف من غير موجب لأن ~~المقام لبيان اقترابها، فكأنه إشارة إلى كونها بأدنى دعاء، وأيضا ففي ~~حذفه تشبيه للخبر بالأمر إشارة إلى أن هذا الدعاء لا بد على أن يكون على ~~أعظم وجه وأتقنه وأهوله وأمكنه كما يكون كل مأمور من الأمر المطاع، ~~والوقف على هذا وأمثاله بغير واو لجميع القراء موافقة للرسم لأن القاعدة ~~أن ما كان فيها رواية أتبعت وإن خالفت الرسم أو الأصل، وما لم يرد فيه عن ~~أحد منهم رواية اتبع فيه الرسم وإن خولف الأصل، لأن التخفيف معهود في ~~كلام العرب كالوال والمتعال من أسمائه الحسنى، لكن قال علامة القراءات ~~شمس الدين الجزري في كتابه المسمى بالنشر في هذه الأحرف الأربعة: هذا و { ~~يدع الإنسان } في سبحان و { يمح الله الباطل } في شورى و { سندع الزبانية ~~} في العلق: نص الحافظ أبو عمرو الداني عن يعقوب على الوقف عليها بالواو ~~على الأصل، ثم قال: قلت: وهو من انفراده، وقد قرأت به من طريقه { الداع } ~~أي النفخ في الصور { إلى شيء نكر * } عظيم الوصف في النكارة بما تكرهه ~~النفوس فتوجل منه القلوب لأنه لا شيء منه إلا وهو خارج عما تقدمه من ~~العادة. # ولما بين دعاءه بما هال أمره، بين حال المدعوين زيادة في الهول فقال: { ~~خشعا أبصارهم } أي ينظرون نظرة الخاضع الذليل السافل المنزلة المستوحش ~~الذي هو بشر حال، ونسب الخشوع إلى الأبصار لأن العز والذل يتبين ms4782 من النظر ~~فإن الذل أن يرمي به صاحبه إلى الأرض مثلا مع هيئة يعرف منها ذلك كما ~~قال تعالى: { خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي } وإفراده في قراءة أبي ~~عمرو ويعقوب وحمزة والكسائي على أن الخشوع بلغ في النهاية من الشدة ~~ونسبته إلى كل بصر على حد سواء، وجمع على لغة " أكلوني البراغيث " تفي ~~قراءة الباقين بضم الخاء وتشديد الشين مفتوحة أو مستندا المدعوين، ~~والإبصار يدل بعض الإشارة إلى أن كل ذلك موزع على الأبصار. # ولما بين من حالهم هكذا ما يدل على نكارة ذلك اليوم، بين كيفية خروجهم ~~بيانا لما يلزم من تصوره زيادة الذعر فقال: { يخرجون } أي على سبيل ~~التجدد الأشرف فالأشرف { من الأجداث } أي القبور المهيأة لسماع النفخ في ~~الصور { كأنهم } في كثرتهم وتراكم بعضهم على بعض من كبيرهم وصغيرهم ~~وضعيفهم وقويهم { جراد منتشر * } أي منبث متفرق حيران مطاوع لمن نشره ~~بعدما كان فيه من سكون مختلط بعضه ببعض، لا جهة له في الحقيقة يقصدها لو ~~خلى ونفسه. ### || [54.8-12] # ولما كان الانتشار قد يكون وجه المهل والوقار، قال مبينا أن الأمر على ~~خلاف ذلك زيادة في هول ذلك اليوم وتقريرا لما تقدم من وصفه: { مهطعين ~~إلى الداع } أي مسرعين خائفين مقبلين بأبصارهم عليه لا يقلعون عنه، مادين ~~أعناقهم نحوه مصوبي رؤوسهم لا يلتفتون إلى سواه كما يفعل من ينظر في ذلك ~~وخضوع وصمت واستكانة. ولما بين حال الكل حصر حال المبطلين فقال: { يقول } ~~أي على سبيل التكرار: { الكافرين } أي الذين كانوا في الدنيا عريقين في ~~ستر الأدلة وإظهار الأباطيل المضلة: { هذا } أي الوقت الذي نحن فيه بما ~~نرى من الأهوال { يوم عسر * } أي في غاية العسر الصعوبة والشدة، وذلك ~~بحسب حالهم فيه. # ولما تقدم أمره سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم بالتولي عنهم تهديدا ~~لهم، وصرح بما أراد من أمر الساعة لما دعا إلى ذلك من تقدم ذكرها، ولأنها ~~أشد هول يهددون به، وبيانا أن الخلق ما خلق إلا لأجلها لأنها محط ~~الحكمة، وختم بعسرها على ms4783 الكافرين، تمم ذلك التهديد بعذاب الدنيا ردعا ~~لأهل الغلظة الموكلين بالمحسوسات، فذكر عسر يوم كان على الكافرين فيها، ~~فقال مهددا لقريش بجعل القصة مثلا لهم في إهلاكهم وفي أمر الساعة من ~~حيث إنه كما أهلك أهل الأرض في آن واحد بما أرسله من الماء فهو قادر على ~~أن يهلكهم في آن واحد بالصيحة، وكما صرف هذا التصريف الذي ما سمع بمثله ~~في الإهلاك فهو قادر على أن يصرفه في الإحياء عند البعث على وجه ما عهد ~~مثله تنبت فيه الأجساد وتحيا فيه العباد، جوابا لمن كأنه قال: هذا ما ~~يوعدونه بعد الموت، فهل لهم عذاب قبله دال على كمال القدرة: { كذبت } أو ~~أوقعت التكذيب العظيم الذي عموا به جميع الرسالات وجميع الرسل، وأنث ~~فعلهم تحقيرا لهم وتهوينا لأمرهم في جنب قدرته. # ولما كان ما كان من تصميمهم عليه وعزمهم على عدم الانفكاك عنه لكونه ~~جبلة مستغرقا لجميع ما بعدهم من الزمان، وكانوا قد سنوا سنة التكذيب ~~فكان عليهم مع وزرهم وزر من أتى بعدهم، وكان ما قبلهم من الزمان يسيرا ~~في جنب ما بعده عدما، فلذلك ذكر الظرف من غير حرف جر لأنه مع أنه الحق ~~أعظم في التسلية فقال: { قبلهم } أي في جميع ما سلف من الزمان ومضى بعضه ~~بالفعل وبعضه بالقوة لقوة العزم: { قوم نوح } مع ما كان بهم من القوة ~~ولهم من الانتشار في جميع الأقطار. # ولما ذكر تكذيبهم إشارة إلى أنه جبلة لهم جحدوا بها النبوة رأسا فلاحظ ~~لهم في التصديق للحق فلا يفترق حالهم بالنسبة إلى أحد من الناس كان من ~~كان، فلذلك سبب عن هذا المطلق قوله: { فكذبوا عبدنا } أي على ما له من ~~العظمة نسبة إلينا لكونه لم يتعبد لغيرنا قط مع تشريفنا إياه بالرسالة، ~~فكان تكذيبهم فرا مما دخل في تكذيبهم المطلق الشامل لكل ما يمكن تكذيبه ~~وهو ميد (؟) { وقالوا } مع التكذيب أيضا زيادة على تغطية ما ظهر منه من ~~الهداية: { مجنون } أي فهذا الذي يظهر له من الخوارق من أمر الجن. ms4784 # ولما كان إعلاء الصوت على النبي كائنا من كان عظيم القباحة جدا زائد ~~الفظاظة فكيف إذا كان مرسلا فكيف إذا كان من أولي العزم فكيف إذا كان ~~على سبيل الإنكار عليه، فكيف إذا كان على صورة ما يفعل ممن لا خطر له ~~بوجه، قال بانيا للمجهول إشارة إلى تبشيعه من غير نظر إلى قائل وإيذانا ~~بأن ذلك لم يكن من أكابرهم فقط بل من كبيرهم وصغيرهم: { وازدجر * } أي ~~أعملوا أنفسهم في انتهاره وتوعده وتهديده وانتشر ذلك في جميعهم بغاية ما ~~يكون من الغلظة كفاله عن الرسالة ومنعا له عنها، والمعنى أنهم قالوا: ~~إنه استظهر عليهم بالجنون. # ولما طال ذلك منهم ومضت عليه أجيالهم جيلا بعد جيل حتى مضى له من ~~إنذارهم أكثر مما مضى من الزمان لأمة هذا النبي الحاتم إلى يومنا هذا، ~~وأخبره الله أنه لن يؤمن منهم إلا من قد آمن معه، تسبب عن ذلك الدعاء ~~بالراحة منهم، فلذلك قال صارفا وجه الخطاب إلى صفة الإحسان والربوبية ~~والامتنان إيذانا بأنه أجاب دعاءه ولبى نداءه: { فدعا ربه } أي الذي ~~رباه بالإحسان إليه برسالته معلما له لما أيس من أجابتهم: { أني مغلوب } ~~أي من قومي كلهم بالقوة والمنعة لا بالحجة، وأكده لأنه من يأبى عن الملك ~~الأعظم يكون مظنة النصرة، وإبلاغا في الشكاية إظهارا لذل العبودية، لأن ~~الله سبحانه عالم بسر العبد وجهره، فما شرع الدعاء في أصله إلا لإظهار ~~التذلل، وكذا الإبلاغ فيه { فانتصر * } أي أوقع نصري عليهم أنت وحدك على ~~أبلغ وجه. # ولما استجاب له سبحانه، سبب عن دعائه قوله، عائدا إلى مظهر العظمة ~~إعلاما بمزيد الغضب الموجب دائما للاستيعاب بالغضب: { ففتحنا } أي تسبب ~~عن دعائه أنا فتحنا فتحا يليق بعظمتنا { أبواب السماء } كلها في جميع ~~الأقطار، وعبر بجمع القلة عن الكثرة لأن عادة العرب أن تستعيره لها وهو ~~أرشق وأشهر من بيبان، وسياق العظمة يأبى كونه لغيرها. ولما كان المراد ~~تهويل أمر الماء بذكر حاله التي كان عليها حتى كأن المحدث بذلك شاهده ~~جعلت كأنه آية فتحت ms4785 بها السماء فقال: { بماء منهمر * } أي منصب بأبلغ ما ~~يكون من السيلان والصب عظما وكثرة، ولذلك لم يقل: بمطر، لأنه خارج عن ~~تلك العادة، واستمر ذلك أربعين يوما { وفجرنا } أي صدعنا بما لنا من ~~العظمة وشققنا وبعثنا وأرسلنا { الأرض عيونا } أي جميع عيون الأرض، ~~ولكنه عدل عنه للتهويل بالإبهام ثم البيان، وإفادة لأن وجه الأرض صار كله ~~عيونا. # ولما كان الماء اسم جنس يقع على الأنواع المختلفة كما يقع على النوع ~~الواحد، وكان قد ذكر ماء السماء والأرض، سبب عن ذلك قوله: { فالتقى الماء ~~} أي المعهود وهو ماء السماء وماء الأرض بسبب فعلنا هذا، وزاد في تعظيمه ~~بأداة الاستعلاء فقال: { على أمر } ولما تقررت هذه العظمة لهذه الواقعة، ~~فكان ربما ظن أنه صار جزافا، وزاد على الحد المأمور به، أشار إلى أنه ~~بالنسبة إلى عظمته في غاية الحقارة فقال: { قد قدر * } أي مع كونه ~~مقدورا عليه في كل وقت بغاية السهولة قد وقع تقديره في الأزل، فلم يستطع ~~أن يزيد على ذلك قطرة فما فوقها ولا أن يهلك غير من أمرناه بإهلاكه، ~~وأشار بالتخفيف إلى غاية السهولة في ذلك سبحانه. ### || [54.13-18] # ولما ذكر ما علم منه بقرينة ما ذكر من خرقه للعادة، وأن إجابته لدعوته ~~عليه الصلاة والسلام، ذكر تمام الانتصار بنجاته فقال: { وحملناه } أي بما ~~لنا من العظمة على متن ذلك الماء بعد أن صار جميع وجه الأرض مجرى واحدا، ~~وحذف الموصوف تهويلا بالحث على تعرفة بتأمل الكلام فقال: { على ذات } أي ~~سفينة ذات { ألواح } أي أخشاب نجرت حتى صارت عريضة { ودسر * } جمع دسار ~~وهو ما يشد به السفينة وتوصل بها ألواحها ويلج بعضها ببعض بمسمار من حديد ~~أو خشب أو من خيوط الليف على وجه الضخامة والقوة الدفع والمتانة، ولعله ~~عبر عن السفينة بما شرحها تنبيها على قدرته على ما يريد من فتق الرتق ~~ورتق الفتق بحيث يصير ذلك المصنوع، فكان إلى ما هيأه ليراد منه وإن كان ~~ذلك المراد عظيما وذلك المصنوع. # ولما كان ذلك خارقا للعادة ms4786 فكان يمكن أن يكون في السفينة خارق آخر ~~بإسكانها على ظهر الماء من غير حركة، بين أن الأمر ليس كذلك فقال مظهرا ~~خارقا آخر في جريها: { تجري } أي السفينة { بأعيننا } أي محفوظة أن تدخل ~~بحر الظلمات، أو يأتي عليها غير ذلك من الآفات، بحفظنا على ما لنا من ~~العظمة حفظ من ينظر الشيء كثرة ولا يغيب عنه أصلا، وجوزوا أن يكون جمع ~~تكسير لعين الماء، ثم علل ذلك بقوله: { جزاء } أي لعبدنا نوح عليه ~~السلام، ولكنه عبر هنا بما يفهم العلة ليحذر السامع وقوع مثل ذلك العذاب ~~له إن وقع منه مثل فعل قومه فقال: { لمن } وعبر عن طول زمان كفرهم بقوله: ~~{ كان كفر * } أي وقع الكفر به وهو أجل النعم، فقال على أهل ذلك الزمان ~~وذلك جزاء من كفر النعم، ويجوز أن يكون المراد به قومه بين أنه وقع الكفر ~~منهم وقوعا كأنهم مجبولون عليه حتى كأنه وقع عليهم لتوافق قراءة مجاهد ~~بالبناء. للفاعل. # ولما تم الخبر عن نجاته بحمله فيها، نبه عن آثارها بقوله: { ولقد ~~تركناها } أي هذه الفعلة العظيمة من جري السفينة على هذا الوجه وإبقاء ~~نوعها دالة على ما لنا من العظمة، وقيل: تلك السفينة بعينها بقيت على ~~الجودي حتى أدرك بقايا ما هذه الأمة { آية } أي علامة عظيمة على ما لنا ~~من العلم المحيط والقدرة التامة { فهل من مدكر * } أي مجتهد في التذكير ~~بسبب هذا الأمر لما يحق على الخلق من شكر الخالق بما هدت إليه رسله كما ~~قالوه. # ولما قدم تعالى قوله: { فما تغن النذر } وأتبعه ذكر إهلاكه المكذبين، ~~وكان ما ذكره من شأنهم أمرهم في الجلالة والعظمة بحيث يحق للسامع أن يسأل ~~عنه ويتعرف أحواله ليهتدي بها على ذلك بقوله مسببا عن التذكير باستفهام ~~الإنكار والتوبيخ: { فكيف كان } أي وجد وتحقق { عذابي } أي لمن كذب وكفر ~~وكذب رسلي { ونذر * } أي الإنذارات الصادرة عني والمنذرون المبلغون عني ~~فإنه أنجى نوحا عليه السلام ومن آمن معه من أولاده وغيرهم ومتعهم بعد ~~إهلاك عدوهم وجعل الناس ms4787 الآن كلهم من نسله، قال القشيري: في هذا قوة ~~لرجاء أهل الدين إذا لقوا في دين الله محنة فجحد غيرهم ما آتاه الله أن ~~يهلك الله عن قريب عدوهم ويمكنهم من ديارهم وبلادهم ويورثهم ما كان ~~إليهم، وكذلك سنة الله في جميع أهل الضلال - انتهى. # وكان المعنى في تكرير ذلك عليهم بعد التذكير بما أتيناهم به من قصص هذه ~~الأمم ميسرا لفهم صغيرهم وكبيرهم وذكرهم وأنثاهم كيف كان أخذي لهم ~~وعاقبة تخويفي إياهم لعلهم يتعظون فينفعهم إنذار المنذرين. # ولما كان هذا التفصيل مما أنزل أول القرآن تيسيرا على الأمة، نبه على ~~ذلك بقوله: { ولقد يسرنا } أي على ما لنا من العظمة { القرآن } أي على ما ~~له من الجمع والفرق والعظمة المناسبة لكونه صفة لنا { للذكر } أي الاتعاظ ~~والتذكر والتدبر والفهم والحفظ والتشريف لمن يراعيه، قال ابن برجان: ~~أنزلناه باللسان العربي وأنزلناه للأفهام تنزيلا وخاطبناهم بعوائدهم ~~وأعلمنا من قبل أعمالهم وأقبسناهم المعرفة واليقين من قبل ذواتهم وضربنا ~~لهم الأمثال وأطلنا لهم في هذه الأعمال ليتذكروا الميثاق المأخوذ عليهم، ~~وقال القشيري: يسر قراءته على ألسنة قوم، وعلمه على قلوب قوم، وفهمه على ~~قلوب قوم، وحفظه على قلوب قوم، وكلهم أهل القرآن وكلهم أهل الله وخاصته - ~~انتهى. والآية ناظرة بالعطف والمعنى إلى { ولقد جاءهم من الأنباء } ~~الآيتين، فالمعنى أنا ولو شئنا بما لنا من العظمة لجئناهم بعبارات لا ~~يشمون رائحتها، وبلاغات لا يهتدون إلى وجه معناها أصلا لكننا لم نفعل ~~ذلك بل خاطبناهم بأبلغ من بلاغتهم مع تيسير فهم ما خاطبناهم به فكان في ~~ذلك إعجازان: أحدهما أنه فوق بلاغتهم، والثاني أنه مع علوه يشترك في أصل ~~فهمه الذكي والغبي. ولما كان هذا القرآن العظيم الجامع ترجمة لأفعاله ~~سبحانه في هذا الوجود الشاهد والغائب الذي أخبرنا عنه وشرحنا لما أنزل ~~علينا من أسمائه الحسنى وصفاته العليا التي تعرف لنا بها، وكان سبحانه قد ~~جعل خلق الآدمي جامعا، فما من شيء من أفعاله إلا وفي نفسه منه أثر ظاهر ~~ناظر للتفكر في القرآن والتعرف ms4788 للأسرار منه بالتذكير الذي يكون... لما ~~كان الإنسان يعرفه ثم نسيه حتى صار لا يستقل باستحضاره فإذا ذكر به ذكره، ~~فقال منبها على عظيم فعل العلم والقرآن الذي هو طريقه بالتكرار والتعبير ~~بما هو من الذكر على أنه المحفوظ للإنسان بما هيأ له من تيسير أمره { فهل ~~من مدكر * } قال البخاري في آخر صحيحه: قال مطر الوراق: هل من طالب علم ~~فيعان عليه، وقد تكررت هذه الموعظة في هذه السورة أربع مرات، وذكرت ~~الجملة الأخيرة منها منفكة عن تيسير القرآن مرتين: مرة في أول القصص وهي ~~قصة نوح عليه السلام، ومرة كما يأتي في آخرها، وذلك عقب قصة فرعون وهو ~~قوله: { فكيف كان عذابي ونذر } مثل ذلك، وكررت { فبأي ألاء ربكما تكذبان ~~} في الرحمن إحدى وثلاثين مرة، فنظرت في سر ذلك فظهر لي - والله الهادي - ~~أن الذي تقدم في سورة المفصل على هذه السورة أربع سور هذه السورة خاتمتها ~~فأشير إلى التذكر بكل سورة منها حثا على تدبرها بآية ختمت كلماتها بكلمة ~~عادت حروفها في السور الخمس وأدغم حرف منها في آخر بعد قلب كل منهما، ~~فكانت هذه الكلمة التي مدلولها الذكر مشيرة إلى الحواس الخمس الظاهرة ~~التي هي مبادئ العلم، وكان ما في أول هذه المواعظ وآخرها لخلوه عن ذكر ~~القرآن موازيا للحرفين اللذين طرفهما للوهن بالتعبير والقلب لكن كان ~~الحرفان بالإدغام كحرف واحد، كانت الجملتان الموازيتان لهما كآية واحدة ~~من تلك الأربع، وكان هذا الأول والآخر مشارا به إلى هذه السورة التي ~~جمعت التذكير بالسورة الأربع، وأعريت عن ذكر تيسير القرآن لافتتاح السور ~~السور بمحو وما يقرب من المحو وهو آية الليل والتيسير فيها والساعة التي ~~هي أغيب الغيب، وكل من فيها سوى الله محو لسلب الأمر كله عنهم وخصت بها ~~الأولى والآخرة لجامع بينهما من غرق العصا في الماء ونجاة المطيعين بعضهم ~~بالسفينة وبعضهم بنفس البحر الذي هو مسرح السفن، وكانت الموعظة المذكور ~~فيها القرآن في ختام قصة نوح عليه السلام مع عمومها لجميع القرآن إشارة ~~إلى ms4789 خصوص التذكير بسورة ق لما بينهما من جامع الإحاطة بإحاطة جبل ق ~~بالأرض كلها وطوفان قوم نوح عليه السلام بعموم جميع الأرض والتي في سورة ~~عاد إشارة إلى سورة الذاريات لأن كلاهم كان بالريح، والتي في قصة ثمود ~~إشارة إلى التذكير بالطور بجامع ما بينهما من الرج والرجف والذل والصعق، ~~أما في قصة ثمود فظاهر، وأما في الطور فلما كان من دكه وصعق بني إسرائيل ~~فيه، وقد ذكر الصعق في آخر الطور، وما في قصة لوط إشارة إلى النجم لأن ~~مدائنهم ارتفعت إلى عنان السماء ثم أهويت وأتبعت الحجارة، فلما كان الأمر ~~هكذا، وكانت النعم محيطة بالإنسان من جهاته الست، فضربت الحواس الخمس في ~~الجهات الست، فكانت ثلاثين، كأنه قيل: هل مذكر بهذا القرآن، ولا سيما ما ~~تقدم على هذه السورة منه في المفصل ما لله عليه من النعم في نفسه وفي ~~الآفاق المشار إلى القسم الأول منها بمذكر وإلى الثاني بتكرير ذكر الآلاء ~~فكل آية تكرير انتهى إلى العدد المخصوص وإلى المجموع بالمجموع ليعلم أن ~~نعم الله محيطة به على وجه لا يقدر على صنعه إلا الله الذي له الإحاطة ~~بجميع صفات الكمال التي أعظمها - من حيث كونه أساسا يبنى عليه - ~~الوحدانية المنزهة عن الشركة فيخشى من معصيته أن يسلبه نعمه أو واحدة ~~منها فلا يجد من يقوم بها ولا بشيء منها غيره أو يعذبه بشيء مثل عذاب هذه ~~الأمم أو بغير ذلك مما له من إحاطة القدرة والعلم فلا يجد من يرد عنه ~~شيئا منه سبحانه، وأما الواحد الزائد فهو إشارة إلى أن المدار في ذلك ~~الإدراك هو العقل والحواس كما أن المقصود بذلك كله واحد وهو الله تعالى، ~~وكل هذه الأشياء أسباب لمعرفته وأيضا فالواحد إشارة إلى أن زيادة الآلاء ~~من فضل الله تعالى لا تنقطع كما أن الواحد الذي هو أصل العدد لا يزال، ~~فكلما أغنت زيادتها ابتدأ دور ثم ابتدأ دور آخر دائما أبدا، وللتكرير ~~نكتة أخرى بديعة جدا، وهي تأكيد التقرير دلالة على اشتداد ms4790 الغضب المقتضي ~~لأنهى العقوبة كما أن من اشتد غضبه من إنكار شخص لشيء من قتله إذا بينه ~~غاية البيان بأمور متنوعة وهو يتمرد ويلد غاية اللدد يأخذه فيجمع له ~~جمعا لا يقدر على العدول عن الحق بحضرتهم. # وهو يذعن وهو في قبضته فيذكر تلك المعاني بين ذلك الجمع، فيصير كلما ذكر ~~له نوعا منها بحضرتهم، قال له: هل ظهر لك هذا؟ فيقول ذاك المنكر: نعم ~~ظهر لي، فلا يريد ذلك إلا غضبا لما تقدم له من عظيم غضبه ولدده فيذكر له ~~معنى آخر ثم يقول: هل ظهر لك هذا؟ فيقول: نعم والله لا يعرج على اعترافه ~~ذلك ويذكر له نوعا آخر، ويقول مثل ذلك يريد الزيادة في تبكيته وتخجيله، ~~وهكذا إلى أن يشتفي - كل ذلك للتنبيه على لدده وكفاية كل نوع منها لما ~~أريد منه من البيان، وقال في الكشاف: فائدته أن يجددوا عند استماع كل نبأ ~~من أنباء الأولين أدكارا واتعاظا وأن يستأنفوا تنبها واستيقاظا إذا ~~سمعوا الحث عليه والبعث على ذلك كله وأن يقرع لهم العصى مرات ويقعقع لهم ~~السن تارات، لئلا يغلبهم السهود ويستولي عليهم حكم الغفلة، وهكذا حكم ~~التكريرات لتكون العبر حاضرة للقلوب مصورة للأذهان مذكورة غير منسية في ~~أوان - انتهى، ولمثل ما مضى أو قريب منه كرر التهويل بالعذاب ست مرات: ~~أربع منها { فكيف كان عذابي ونذر } واثنان منها { فذوقوا عذابي ونذر } ~~فهما بمنزلة واحدة من الأربع ليرجع الست إلى الخمس الدال عليها { مدكر } ~~إشارة إلى أن الحواس الخمس كما ضربت في الجهات الست لأجل النعم التي هي ~~جلب المصالح ضربت فيها للتذكير بدفع النقم الذي هو درأ المفاسد والتحذير ~~منها، ومن فوائد تكرر الست الراجعة إلى الخمس مرتين: مرة لجلب النعم ~~وأخرى لدفع النقم أن الحواس مكررة ظاهرا وباطنا، فمن ذل لسانه بالقرآن ~~ظاهرا صحت حواسه الظاهرة ونورت له الباطنة، ومن أبى عذب بسبب الباطنة ~~فتفسد الظاهرة، واختير للموعظتين عدد الست مع إرادة جماعة إلى خمسة لأن ~~الست عدد تام وذلك لأن عدد كسورها ms4791 إذا جمعت سادتها ولم تزد عنها ولم تنقص ~~وهي النصف والثلث والسدس، وهذا العدد مساو لدعائم الإسلام الخمس وحظيرته ~~الجهاد التي هي عماد تقوى المتقين أهل مقعد الصدق الذين يؤمنون بالغيب ~~ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون والذين يؤمنون بما أنزل إلى نبيهم ~~صلى الله عليه وسلم وما أنزل من قبله المشار به إلى الصيام # كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم # [البقرة: 183] والحج # وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا # [البقرة: 125] والجهاد # أم حسبتم أن تدخلوا الجنة # [البقرة: 214] إلى قوله: # كتب عليكم القتال وهو كره لكم # [البقرة:216] وذلك إشارة إلى أن هذا الدين تام لا زيادة فيه ولا نقص لأن ~~النبي الذي أرسل ختام الأنبياء، وتمام الرسل الأصفياء. ولما كان قوم عاد ~~قد تكبروا بشدتهم وقوتهم، وكانت حال قريش قريبة من ذلك لقولهم إنهم أمنع ~~العرب وأقواهم وأجمعهم للكمالات وأعلاهم، كرر ذلك في قصتهم مرتين زيادة ~~في تذكير قريش وتحذيرهم ولا سيما وقد كان بدء عذابهم من بلدهم مكة ~~المشرفة كما هو مشروح في قصتهم، وكرر الأمر بالذوق في قصة لوط عليه ~~السلام لأنهم عذبوا بما يردع من كان له قلب بالطمس، فلما لم ينفعهم ذلك ~~أتاهم أكبر منه فكانوا كأمس الدابر، فلكل مرة من العذاب من الأمر بالذوق، ~~وخصوا بالأمر بالذوق لما في فاحشتهم الخبيثة ما يستلذونه، وقد عم عذاب ~~هذه الأمم جميع الجهات بما لقوم نوح ولوط عليهما السلام من جهة الغرق ~~بالماء الماطر وحجارة السجيل ومن البحث من الماء النابع والخسف، وما في ~~عموم عذابهم من استغراق بقية الجهات - والله الهادي. # ولما انقضت قصة نوح عليه السلام على هذا الهول العظيم، كان ذلك موجبا ~~للسامع أن يظن أنه لا يقصر أحد بعدهم وإن لم يرسل برسول فكيف إذا أرسل، ~~فتشوف إلى علم ما كان بعده هل كان كما ظن أم رجع الناس إلى طباعهم؟ وكانت ~~قصة عاد أعظم قصة جرت بعد قوم نوح عليه السلام فيما يعرفه العرب فيصلح أن ~~يكون واعظا لهم، وكان عذابهم بالريح ms4792 التي أهلكتهم ونسفت جبالهم التي ~~كانت في محالهم من الرمال المتراكمة، فنقلها إلى أمكنة أخرى أقرب دليل ~~إلى أنه تعالى يسير الجبال يوم الدين، هذا إلى ما في صفها الخارج عن ~~العوائد من تصوير النفخ في الصور تارة للقيامة وتارة للأحياء، فأجيب ~~بقوله: { كذبت عاد } أي أوقعت التكذيب العام المطلق الذي أوجب تكذيبهم ~~برسولي هود عليه السلام في دعوته لهم إلي وإنذاره لهم عذابي. # ولما كان عادة الملوك أو بعضهم أنه إذا أهلك قوما كثيرين من جنده نجا ~~ناس مثلهم بمثل ذنوبهم أن يرفع بهم، ويستألفهم لئلا يهلك جنده، فيختل ~~ملكه، عقب الإخبار بتكذبيهم الإعلام بتعديهم لأنه لا يبالي بشيء لأن كل ~~شيء في قبضته، ولما كان تكذيبهم إلا بإرادته كا أن عذابه بمشيئته، قال ~~مسببا عن ذلك: { فكيف } أي فعلى الأحوال لأجل تكذيبهم { كان عذابي لهم ~~ونذر * } أي وإنذاري إياهم بلسان رسولي، وكرر في آخر قصتهم هذا ~~الاستخبار، فكان في قصتهم مرتين كما تقدم من سره - والله أعلم. ### || [54.19-26] # ولما ذكر تكذيبهم وأعقبه تعذيبهم، علم السامع أنه شديد العظمة فاستمطر ~~أن يعرفه فاستأنف قوله، مؤكدا تنبيها على أن قريشا أفعالهم في التكذيب ~~كأفعالهم كأنهم يكذبون بعذابهم: { إنا أرسلنا } بعظمتنا، وعبر بحرف ~~الاستعلاء إعلاما بالنقمة فقال: { عليهم ريحا } ولما كانت الريح ربما ~~كانت عيانا، وصفها بما دل على حالها فقال: { صرصرا } أي شديد البرد ~~والصوت. ولما كان مقصود السورة تقريب قيام الساعة ووصف سيرهم إلى الداعي ~~بالإسراع، ناسب أن يعبر عن عذابهم بأقل ما يمكن، فعبر باليوم الذي يراد ~~به الجنس الشامل للقليل والكثير وقد يعبر به عن مقدار من الزمان يتم فيه ~~أمر ظاهر سواء لحظة أو أياما أو شهورا أو كثيرا من ذلك أو أقل كيوم ~~البعث ويوم بدر ويوم الموت بقوله تعالى: - # إلى ربك يومئذ المساق # - [القيامة: 35]: { في يوم } وأكد شؤمها بذم زمانها فقال: { نحس } أي ~~شديد القباحة، قيل: كان يوم الأربعاء آخر الشهر وهو شوال لثمان بقيت إلى ~~غروب الأربعاء، وحقق لأن المراد باليوم الجنس لا ms4793 الواحد بالوصف فقال: { ~~مستمر * } أي قوي في نحوسته نافذ ماض فيما أمر به من ذلك شديد أسبابه، ~~موجود مرارته وجودا مطلوبا من مرسله في كل وقت، مستحكم المرارة قويها ~~دائمها إلى وقت إنفاذ المراد. # ولما علم وصفها في ذاتها، أتبعه وصفها بما يفعل فيه فقال: { تنزع } أي ~~تأخذ من الأرض بعضهم من وجهها وبعضهم من حفر حفروها ليتمنعوا بها من ~~العذاب، وأظهر موضع الإضمار ليكون نصا في الذكور، والإناث فعبر بما هو ~~من النوس تفضيلا لهم فقال: { الناس } الذين هم صور لا ثبات لهم بأرواح ~~التقوى، فتطيرهم بين السماء والأرض كأنهم الهباء المنثور، فتقطع رؤوسهم ~~من جثثهم وتغير ألوانهم تعتيما لهم إلى السواد، ولذا قال: { كأنهم } أي ~~حين ينزعون فيلقون لا أرواح فيهم كأنهم { أعجاز } أي أصول { نخل } قطعت ~~رؤوسها. ولما كان الحكم هنا على ظاهر حالهم، وكان الظاهر دون الباطن، حمل ~~على اللفظ قوله: { منقعر * } أي منقصف أي منصرع من أسفل قعره وأصل مغرسه، ~~والتشبيه يشير إلى أنهم طوال قد قطعت رؤوسهم، وفي الحافة وقع التشبيه في ~~الباطن الذي فيه الأعضاء الرئيسة، والمعاني اللطيفة، فأنث الوصف حملا ~~على معنى النخل لا للطفها - والله أعلم. # ولما طابق ما أخبر به من عذابهم ما هو له به أولا، أكد ذلك لما تقدم من ~~سره فقال مسببا عنه مشيرا إلى أنه لشدة هوله مما يجب السؤال عنه: { ~~فكيف كان } أيها السائل، ولفت القول إلى الإقرار تنبيها للعبيد على ~~المحافظة على مقام التوحيد: { عذابي } لمن كذب رسلي { ونذر * } أي ~~وإنذاري أو رسلي في إنذارهم هل صدق. # ولما أتم سبحانه تحذيره من مثل حالهم بأمر ناظر أتم نظر إلى تدبير ما في ~~سورة الذاريات، أتبع ذلك التنبيه على أنه ينبغي للسامع أن يتوقع الحث على ~~ذلك، فقال مؤكدا لما لأكثر السامعين من التكذيب بالقال أو بالحال معلما ~~أنه سهل طريق الفرار من مثل هذه الفتن الكبار إليه، وسوى من الاعتماد ~~عليه، عائدا إلى مظهر العظمة إيذانا بأن تيسير القرآن لما ذكر من ~~إعجازه لا ms4794 يكون إلا لعظمة تفوت قوى البشر، وتعجز عنها القدرة { ولقد ~~يسرنا } على ما لنا من العظمة في الذات والصفات { القرآن } الجامع الفارق ~~كله وما أشارت إليه هذه القصة من مفصله { للذكر } للحفظ والشرف والفهم ~~والتدبير والوعظ والاتعاظ ما صرفنا فيه من أنواع الوعظ مع التنبيه للحفظ ~~بالإيجاز وعذوبة اللفظ وقرب الفهم وجلالة المعاني وجزالة السبك وتنويع ~~الفنون وتكثير الشعب وإحكام الربط { فهل من مدكر * } أي تسبب عن هذا ~~الأمر العظيم الذي فعلناه أنه موضع السؤال عن أحوال السامعين: هل فيهم من ~~يقبل على حفظه ثم تدبره وفهمه ويتعظ بما حل بالأمم السالفة، ويتذكر جميع ~~ما صرف من الأقوال وينزلها على نفسه وما لها من الأحوال، ويجعل ذلك ~~لوجهنا فيلقيه بتشريفه به أمر دنياه وأخراه. # ولما كان هذا موضع الإقبال على تدبر مواعظ القرآن، وكان ثمود أعظم وعظ ~~كان بعد عاد لما في صيحتهم الخارجة عن العهود من تصوير الساعة بنفختيها ~~المميتة ثم المحيية، وقال مؤنثا فعلهم إشارة إلى سفول هممهم وسفول فعلهم ~~معلما أن من كذب هلك - على طريق الجواب لمن لعله يقول استبعادا لتكذيب ~~بعد ما جرى في القصتين الماضيتين من التعذيب: { كذبت ثمود } أي قوم صالح ~~{ بالنذر * } الإنذارات والمنذرين كلهم لأنهم شرع واحد، ثم علل ذلك وعقبه ~~بقوله معلما بالضمير أن المباشر بهذا الكفر رجالهم لئلا يظن أنهم نساء ~~فقط: { فقالوا } منكرين لما جاءهم من الله غاية الإنكار: { أبشرا } ~~إنكارا لرسالة هذا النوع ليكون إنكار النبوة إنكارا لنبوة نبيهم على ~~أبلغ الوجوه، وأعظم الإنكار بقولهم مقدمين عدم الانفراد عنهم لخصوصيته: { ~~منا } أي فلا فضل له علينا فما وجه اختصاصه بذلك من بيننا، وزادوا ذلك ~~تأكيدا فقالوا: { واحدا } أي ليس معه من يؤيده، ثم فسر الناصب لقوله: { ~~بشرا } بقوله: { نتبعه * } أي نجاهد نفسنا في خلع مألوفنا وخلاف آبائنا ~~والإقرار على أنفسنا بسخافة العقل والعراقة في الجهل ونحن أشد الناس كثرة ~~وقوة وفهما ودراية، ثم استنتجوا عن هذا الإنكار الشديد قولهم مؤكدين ~~الاستشعار بأن كلامهم أهل لأن يكذب: { إنا إذا ms4795 } أي إن اتبعناه { لفي ~~ضلال } أي ذهاب عن الصواب محيط بنا { وسعر * } أي تكون عاقبتنا في ذلك ~~الضلال الكون في أوائل أمر لا ندري عاقبته، فإنه لم يجرب ولم يختبر ولم ~~يمعن أحد قبلنا سلفا لنا فيجرنا ذلك إلى جنون وجوع ونار كما يكون من ~~يأتوه في القفار في أنواع من الحر بتوقد حر الجبال وحر الضلال وحر الهموم ~~والأوجال - وذلك من النار التي توعدنا بها، وهو معنى تفسير ابن عباس رضي ~~الله عنهما له بالعذاب، وجعل سفيان بن عيينه له جمع سعير، والمعنى إنا ~~نكون إذا اتبعناك كما تقول جامعين بين الضلال والعذاب بسائر أنواعه. # ولما كان فيما قالوه أعظم تكذيب مدلول على صحته في زعمهم بما أمؤوا إليه ~~من كونه آدميا مثلهم، وهو مع ذلك واحد من أحادهم فليس هو بأمثلهم وهو ~~منفرد فلم يتأيد فكره بفكر غيره حتى يكون موضع الوثوق به، دلوا عليه بأمر ~~آخر ساقوه أيضا مساق الإنكار، وأموؤا بالإلقاء إلى أنه في إسراعه كأنه ~~سقط من علو فقالوا: { أألقي } أي أنزل بغتة في سرعة لأنه لم يكن عندهم في ~~مضمار هذا الشأن ولم يأتمروا فيه قبل إتيانه به شيء منه بل أتاهم به بغتة ~~في غاية الإسراع. ولما كان الإلقاء يكون للأجسام غالبا، فكان لدفع هذا ~~الوهم تقديم النائب عن الفاعل أولى بخلاف ما تقدم في ص فقالوا: { الذكر } ~~أي الوحي الذي يكون به الشرف الأعظم، وعبروا بعلى إشارة إلى أن مثل هذا ~~الذي تقوله لا يقال إلا عن قضاء غالب وأمر قاهر فقال: { عليه } ودلوا على ~~وجه التعجب والإنكار بالاختصاص بقولهم: { من بيننا } أي وبيننا من هو ~~أولى بذلك سنا وشرفا ونبلا. # ولما كان هذا الاستفهام لكونه إنكاريا بمعنى النفي، أضربوا عنه بقولهم ~~على وجه النتيجة عطفا على ما أفهمه الاستفهام من نحو: ليس الأمر كما ~~زعم: { بل هو } لما أبديناه من الشبه { كذاب } أي بليغ في الكذب { أشر * ~~} أي مرح غلبت عليه البطالة حتى أعجبته نفسه بمرح وتجبر وبطر، ونشط في ~~ذلك ms4796 حتى صار كالمنشار الذي هو متفرغ للقطع مهيأ له خشن الأمر سيئ الخلق ~~والأثر فهو يريد الترفع. # ولما كان هذا غاية الذم لمن يستحق منهم غاية المدح، أجاب تعالى عنه ~~موعظة لعباده لئلا يتقولوا ما يعلمون بطلانه أو يقولوا ما لا يعلمون صحته ~~بقوله: { سيعلمون } بوعد لا خلف فيه. ولما كان المراد التقريب لأنه أقعد ~~في التهديد، قال: { غدا } أي في الزمن الآتي القريب لأن كل ما حقق ~~إتيانه قريب عند نزول العذاب في الدنيا ويوم القيامة، وقراءة ابن عامر ~~وحمزة ورويس عن يعقوب بالخطاب التفات يعلم بغاية الغضب { من الكذاب الأشر ~~* } أي الكذب والأشر وهو احتقار الناس والاستكبار على ما أبدوه من الحق ~~مختص به ومقصود عليه لا يتعداه إلى مرميه وذلك بأنهم جعلوا الكذب ديدنه ~~ولم يتعدهم حتى يدعى شيء منه لصالح عليه الصلاة والسلام، فكان الكلام ~~معينا لهم في الكذب قاصرا عليهم بسياقه على هذا الوجه المبهم المنصف ~~الذي فيه من روعة القلب وهز النفس ما لا يعلمه حق علمه إلا الله تعالى، ~~وكلما كان الإنسان أسلم طبعا وأكثر علما كان له أعظم ذوقا. ### || [54.27-31] # ولما علم من هذا أنه سبحانه فصل الأمر بينهم، تشوف السامع إلى علم ذلك ~~فقال تعالى مستأنفا دالا بأنهم طالبوه بآية دالة على صدقه: { إنا } أي ~~بما لنا من العظمة { مرسلو الناقة } أي موجدوها ومخرجوها كما اقترحوا من ~~حجر أهلناه لذلك وخصصناه من بين الحجارة دلالة على إرسالنا صالحا عليه ~~السلام: مخصصين له من بين قومه، وذلك أنهم قالوا لصالح عليه السلام: نريد ~~أن نعرف المحق منا بأن ندعو آلهتنا وتدعو إلهك فمن أجابه إلهه علم أنه ~~المحق، فدعوا أوثانهم فلم تجبهم، فقالوا: ادع أنت، فقال: فما تريدون؟ ~~قالوا: تخرج لنا من هذه الصخرة ناقة تبعر عشراء، فأجابهم إلى ذلك بشرط ~~الإيمان، فوعدوه بذلك وأكدوا فكذبوا بعد ما كذبوا في أن آلهتهم تجيبهم، ~~وصدق هو صلى الله عليه وسلم في كل ما قال فأخبره ربه سبحانه أنه يجيبهم ~~إلى إخراجها { فتنة لهم ms4797 } أي امتحانا يخالطهم به فيميلهم عن حالتهم التي ~~وعدوا بها ويجيبهم عنها، وسبب سبحانه عن ذلك أمره بانتظارهم فيما يصنعون ~~بعد إخراجهم لما توصلهم إليه عواقب الفتنة فقال: { فارتقبهم } أي كلف ~~نفسك انتظارهم فيما يكون لهم جزاء على أعمالهم انتظار من يحرسهم وهو عالم ~~عليم فإنهم واصلون بأعمالهم إلى الداهية التي تسمى بأم العرقوب ليكونوا ~~كمن جعل في رقبته، ودل بصيغة الافتعال على أنه يكون له منه أذى بالغ قبل ~~انفصال النزاع فقال: { واصطبر * } أي عالج نفسك واجتهد في الصبر عليهم { ~~ونبئهم } أي أخبرهم إخبارا عظيما بأمر عظيم، وهو أن الماء الذي يشربونه ~~وهو ماء بئرهم { أن الماء قسمة بينهم } أي بين ثمود وبين الناقة، غلب ~~عليها ضمير من يعقل، يعني إذا بعثناها كان لهم يوم لا تشاركهم فيه في ~~الماء، ولها يوم لا تدع في البئر قطرة يأخذها أحد منهم، وتوسع الكل بدل ~~الماء لبنا. ولما أخبر بتوزيع الماء، أعلم أنه على وجه غريب بقوله ~~استئنافا: { كل شرب } أي من ذلك وحظ منه ومورد البرو وقت يشرب فيه { ~~محتضر * } أي أهل لما فيه من الأمر العجيب أن يحضره الحاضرون حضورا ~~عظيما، وتتكلف أنفسهم لذلك لأنه صار في كثرته وحسنه كماء الحاضرة ~~للبادية وتأهل لأن تعارضه حاضروه من حسنه ويرجعوا إليه وأن يجتمع عليه ~~الكثير ويعودوا أنفسهم عليه. # ولما كان التقدير: فكان الأمر كما ذكرنا، واستمر الأمد الذي ضربنا ~~فافتتنوا كما أخبرنا { فنادوا } بسبب الفتنة { صاحبهم } قذار بن سالف ~~الذي انتدبوه بطرا وأشرا لقتل الناقة وكذبنا فيها بوعدهم الإيمان ~~وإكرامها بالإحسان وهو أشقى الأولين { فتعاطى } أي أوقع بسبب ندائهم ~~التعاطي الذي لا تعاطي مثله، فتناول ما لا يحق له أن يتناوله بسبب الناقة ~~وهو سيفه بيده قائما في الأمر الناشئ عن هذا الأخذ على كل حال، ورفع ~~رأسه بغاية الهمة ومد يديه مدا عظيما ورفعها وقام على أصابع رجليه حين ~~عاطوه ذلك أي سألوه فيه فطاوعهم وتناول الناقة بذلك السيف غير مكترث ولا ~~مبال { فعقر * } أي فتسبب عن هذا الجد ms4798 العظيم أن صدق فيما أثبت لهم الكذب ~~في الوعد بالإحسان إليها والأشر، وهو إيقاع العقر الذي ما كان في ذلك ~~الزمان عقر مثله وهو عقر الناقة التي هي آية الله وإهلاكها. # ولما وقع كذبهم على هذا الوجه العظيم المبني على غاية الأشر، حقق الله ~~تعالى صدقه في توعدهم على تقدير وقوع ذلك، فأوقع عذابهم سبحانه على وجه ~~هو من عظمه أهل لأن يتساءل عنه، فنبه سبحانه على عظمة بإيراده في أسلوب ~~الاستفهام مسببا عن فعل الأشقى فقال: { فكيف كان } وحافظ على مقام ~~التوحيد كما مضى فقال: { عذابي } أي كان على حال ووجه هو أهل لأن يجتهد ~~في الإقبال على تعرفه والسؤال عنه { ونذر * } أي إنذاري. ولما علم تفرغ ~~ذهن السائل الواعي، استأنف قوله مؤكدا إشارة إلى أن عذابهم مما يستلذ ~~وينجح به، وإرغاما لمن يستبعد النصيحة الواحد بفعل مثل ذلك، وإعلاما ~~بأن القدرة على عذاب من كذب من غيرهم كهي على عذابهم فلا معنى للتكذيب: { ~~إنا } بما لنا من العظمة { أرسلنا } إرسالا عظيما، ودل على كونه عذابا ~~بقوله: { عليهم صيحة } وحقر شأنهم بالنسبة إلى عظمة عذابهم بقوله تعالى: ~~{ واحدة } صاحها عليهم جبريل عليه السلام فلم يكن بصيحته هذه التي هي ~~واحدة طاقة، وتلاشى عندها صياحهم حين نادوا صاحبهم لعقر الناقة. ولما ~~تسبب عنها هلاكهم قال: { فكانوا } كونا عظيما { كهشيم المحتظر * } أي ~~محطمين كالشجر اليابس الذي جعله الراعي ومن في معناه ممن يجعل شيئا يأوي ~~إليه ويحتفظ به ويحفظ به ماشيته في وقت ما لا يقاله (؟) وهو حظيره أي شيء ~~مستدير مانع في ذلك الوقت لمن يدخل إليه فهو يتهشم ويتحطم كثير منه وهو ~~يعمله فتدوسه الغنم ثم تتحطم أولا فأولا، وكل ما سقط منه شيء فداسته ~~الغنم كان هشيما، وكأنه الحشيش اليابس الذي يجمعه صاحب الحظيرة لماشيته. ### || [54.32-39] # ولما كان التقدير: فلقد أبلغنا في الموعظة لكل من يسمع هذه القصة، عطف ~~عليه قوله مؤكدا لأجل من يعرض عن هذا القرآن ويعلل إعراضه عنه بصعوبته: ~~{ ولقد يسرنا } أي على ما لنا ms4799 من القدرة والعظمة { القرآن } أي الكتاب ~~الجامع لكل خير، الفارق بين كل ملبس { للذكر } أي الحفظ والتذكير والتذكر ~~وحصول النباهة به والشرف إلى الدارين. ولما كان هذا غاية في وجوب الإقبال ~~عليه لجميع المتولين، قال: { فهل من مدكر * } أي ناظر فيه بسبب قولنا هذا ~~بعين الإنصاف والتجرد عن الهوى ليرى كل ما أخبرنا به فنعينه عليه. ولما ~~كان النذير: كأنه قال المنذرين لم يتعظوا به فزاد في وعظهم، وكانت قصة ~~لوط عليه السلام مع قومه أعظم ما كان بعد ثمود مما تعرفه العرب بالأخبار ~~ورؤية الآثار، ومع ما في قصتهم من تصوير الساعة من تبديل الأرض غير ~~الأرض، استأنف قوله: { كذبت قوم لوط } أي وهم في قوة عظيمة على ما ~~يحاولونه وإن كانوا في تكذيبهم هذا في ضعف وقوع النساء عن التجرد مما دل ~~عليه تأنيث الفعل بالتاء وكذا ما قبلها من القصص { بالنذر * } أي الإنذار ~~والإنذارات والمنذرين، ودل على تناهي القباحة في مرتكبهم بتقديم الإخبار ~~عن عذابهم فقال: { إنا } أي بما لنا من العظمة { أرسلنا } ودل على أنه ~~إرسال إهانة بقوله: { عليهم } ودل على هوانهم وبلوغ أمره كل ما يراد به ~~بقوله: { حاصبا } أي ريحا ترمي بحجارة هي دون ملء فكانت مهلكة لهم ~~محرقة خاسفة مفرقة { إلا آل لوط } وهم من آمن به وكان بحيث إذا رأيته ~~فكأنك رأيت لوطا عليه السلام لما يلوح عليه من أفعاله والمشي على منواله ~~في أقواله وأحواله وأفعاله. # ولما كان استثناؤهم مفهما إنجاءهم مع التجويز لإرسال شيء عليهم غير ~~مقيد بما ذكر، قال مستأنفا جوابا لمن كأنه قال: ما حالهم: { تجيناهم } ~~أي تنجية عظيمة بالتدريج، وذكر أول الشروع لإنجاءهم فقال: { بسحر * } أي ~~بآخر ليلة من الليالي وهي التي عذب فيها قومه، فكأنه تنكيره لأنا لا نعرف ~~تلك الليلة بعينها، ولو قصدت سحر الليلة التي صبحت منها كان معرفة لا ~~ينصرف، والسحر: السدس الأخير من الليل: الوقت الذي يكون فيه الإنسان لا ~~سيما النساء والأطفال في غاية الغفلة بالاستغراق في النوم، ويفتح الله ~~فيها ms4800 أبواب السماء باذن الدعاء ليحصل منه الإجابة لأن الملوك إذا فتحوا ~~أبوابهم كان ذلك إذنا للناس في الدخول لقضاء الحوائج، فالنزول وفتح ~~الأبواب كناية عن ذلك - والله سبحانه وتعالى متعال عن حاجة إلى نزول أو ~~فتح باب أو غير ذلك. # ولما كان المراد من الموعظين الطاعة التي هي سبب النجاة، فلذا قال ~~ذاكرا للإنعام معبرا عنه بغاية المقصود منه معرفا أن انتقامه عدل ~~ومعافاته فضل، لأن أحدا لا يقدر أن يكافئ نعمه ولا نعمة منها، معللا ~~للنجاة: { نعمة من عندنا } أي عظيمة غريبة جدا لشكرهم، ولما كان كأنه ~~قيل: هل هذا مختص بهم. # .. الإنجاء من بين الظالمين وهو مختص بهم، أجاب بقوله: { كذلك } أي مثل ~~هذا الإنجاء العظيم الذي جعلنا جزاء لهم { نجزي } بقدرتنا وعظمتنا { من ~~شكر * } أي أوقع الشكر بجميع أنواعه فآمن وأطاع ليس... بالأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر كائنا من كان من سوقة أو سلطان جائر شجاع أو جبان، ~~فاننا عليه بالإنجاء بعد هلاك عدوه، قال القشيري: والشكر على نعم الدفع ~~أتم من الشكر على نعم النفع، ولا يعرف ذلك إلا كل موفق كيس فالآية من ~~الاحتباك: ذكر الإنعام أولا - لأنه السبب الحقيقي - دليلا على حذفه ~~ثانيا، والشكر ثانيا - لأنه السبب الظاهر - دليلا على حذفه أولا. # ولما كان التقدير دفعا لعناد... استشراف السامع إلى ما كان من حاله صلى ~~الله عليه وسلم معهم قبل العذاب: لقد بالغ في شكرنا بوعظهم ونصحهم ~~ودعائهم إلنيا صرفا لما أنعمنا به عليه من الرسالة في أتم مواضعه، عطف ~~عليه إيماء إليه قوله، مؤكدا لأن تمادي المحذور من العذاب على الإقامة ~~في موجبه يكاد أن لا يصدق: { ولقد أنذرهم } أي رسولنا لوط عليه السلام { ~~بطشتنا } أي أخذتنا لهم المقرونة بشدة ما لنا من العظمة، ووحد إشارة إلى ~~أنه لا يستهان بشيء من عذابه سبحانه بل الأخذة الواحدة كافية لما لنا من ~~العظمة فهي غير محتاجة إلى التثنية، ودل على أن إنذاره كان جديرا ~~بالقبول لكونه واضح الحقيقة بما سبب عن ذلك من قوله: ms4801 { فتماروا } أي ~~تكلفوا الشك الواهي { بالنذر * } أي الإنذار مصدرا والإنذارات أو ~~المنذرين حتى أداهم إلى التكذيب، فكان سببا للأخذ. # ولما كان ترك الاحتياط في إعمال الحيلة في وجه الخلاص من إنذار النذير ~~عظيم العرافة في السفه دل على أنهم تجاوزوا ذلك إلى انتهاك حرمة النذير، ~~فقال مقسما لأن مثل ذلك لا يكاد يقع فلا يصدق من حكاه: { ولقد راودوه } ~~أي زادوا في التكذيب الموجب للتعذيب أن عالجوا معالجة طويلة تحتاج إلى ~~فتل ودوران { عن ضيفه } ليسلمهم إليهم وهم ملائكة في هيئة شباب مرد، ~~وأفردوا وإن كان المراد الجنس استعظاما لذلك لو كان الضيف واحدا { ~~فطمسنا } أي فتسبب عن مراودتهم أن طمسنا بعظمتنا { أعينهم } فسويناها مع ~~سائر الوجوه فصارت بحيث لا يرى لها شق، قال البغوي: هذا قول أكثر ~~المفسرين، وذلك بصفقة صفقها لهم جبريل عليه الصلاة والسلام، وقال ~~القشيري: مسح بجناحيه على وجوههم فعموا ولم يهتدوا للخروج، وقال ابن ~~جرير: والعرب تقول: طمست الريح الأعلام - إذا دفنتها بما يسفي عليها من ~~التراب. # فانطلقوا هرابا مسرعين إلى الباب لا يهتدون إليه ولا يقعون عليه بل ~~يصادمون الجدران خوفا مما هو أعظم من ذلك وهم يقولون: عند لوط أسحر ~~الناس، وما أدتهم عقولهم أن يؤمنوا فينجوا أنفسهم مما حل بهم، قال ~~القشيري: وكذلك أجرى الله سبحانه سنته في أوليائه بأن يطمس على قلوب ~~أعدائهم حتى يلتبس عليهم كيف يؤذون أولياءه ويخلصهم من كيدهم. ولما ~~كان... أول عذابهم قال: { فذوقوا } أي فتسبب عن ذلك أن قال قائل عن الله ~~بلسان القال أو الحال: أيها المكذبون ذوقوا بسبب تكذيبكم لرسلي في ~~إنذارهم { عذابي ونذر * } أي وعاقبة إنذاري على ألسنة رسلي. # ولما كان بقاؤهم بعد هذا على حال كفرهم عجبا إذ العادة قاضية بأن من ~~أخذ ارعوى ولو كان أفجر الخلق، وسأل العفو عنه صدقا أو كذبا خداعا ~~ومكرا ليخلص مما هو فيه... بثباتهم على تكذيبهم حتى عذبوا على قرب العهد ~~فقال مقسما: { ولقد صبحهم } أي أتاهم في وقت الصباح، وحقق المعنى بقوله: ~~{ بكرة } أي ms4802 في أول النهار العذاب، ولو كان أول نهارك الذي أنت به كان ~~معرفة فامتنع... { عذاب } أي قلع بلادهم ورفعها ثم قلبها، وحصبها بحجارة ~~من نار وخسفها وغمرها بالماء المنتن الذي لا يعيش به حيوان { مستقر * } ~~أي ثابت عليهم غير مزايل بخيال ولا سحر كما قالوا عند الطمس فإنه أهلكهم ~~فاتصل بعذاب البرزخ المتصل بعذاب القيامة المتصل بالعذاب الأكبر في ~~الطبقة التي تناسب أعمالهم من عذاب النار فقال لهم لسان الحال إن لم ~~ينطلق لسان القال: { فذوقوا } بسبب أعمالكم { عذابي ونذر * }. ### || [54.40-44] # ولما كرر هذا التكرير، علم منه أن سبب العذاب التكذيب بالإنذار لأي رسول ~~كان، وكان استئناف كل قصة منبها على أنها أهل على حدتها لأن يتعظ بها، ~~علم أن التقدير: فلقد بلغت هذه المواعظ النهاية لمن كان له قلب، فعطف ~~عليه قوله مذكرا بالنعمة التي لا عدل لها: { ولقد يسرنا } أي تعالى جدنا ~~وتناهى مجدنا { القرآن } الجامع الفارق { للذكر } ولو شئنا لأعليناه بما ~~لنا من العظمة إلى الحد حتى تعجز القوي عن فهمه، كما أعليناه إلى رتبة ~~وقفت القوى عن معارضته في نظمه، أو مطلع لا يتشبث بأذيال أدنى علمه، إلا ~~الأفراد من حذاق العباد، فكيف بما فوق ذلك. # ولما كانوا مع ذلك واقفين عن المبادرة إليه والإقبال عليه، قال تلطفا ~~بهم وتعطفا عليهم مسببا عن ذلك: { فهل } وأكد فقال: { من مدكر * } مفتك ~~لنفسه من مثل هذا الذي أوقع فيه هؤلاء أنفسهم ظنا منهم أن الأمر لا يصل ~~إلى ما وصل إليه جهلا منهم وعدم اكتراث بالعواقب. # ولما كان الآخر ينبغي له أن يحذر ما وقع للأول، وكان قوم فرعون قد جاء ~~بعد قوم لوط عليه السلام، فكان ربما ظن أنهم لم ينذروا لأن من علم أن ~~العادة جرت أن من كذب الرسل هلك أنكر أن يحصل ممن تبع ذلك تكذيب، قال ~~مقسما: { ولقد جاء آل فرعون } أي ملك القبط بمصر وأشرافه الذين إذا رؤوا ~~كان كأنه رئي فيهم لشدة قربهم منه وتخلقهم بأخلاقهم { النذر * } أي ~~الإنذارات والمنذرون بنذارة ms4803 موسى وهارون عليهما السلام، فإن نذارة بعض ~~الأنبياء كنذارة الكل لأنه يأتي أحد منهم إلا وله من الآيات ما مثله آمن ~~عليه البشر، والمعجزات كلها متساوية في خرق العادة، وكان قد أنذرهم يوسف ~~عليه السلام، ولما كان كأنه قيل: فما فعلوا عند مجيء ذلك إليهم، قال: { ~~كذبوا } أي تكذيبا عظيما متسهينين { بآياتنا } التي أتاهم بها موسى ~~عليه السلام وغيرها لأجل تكذيبهم بها على ما لها من العظمة المعرفة قطعا ~~عن أنها من عندنا. # ولما كانت خوارق العادات كما مضى متساوية الأقدام في الدلالة على صدق ~~الآتي بها، وكانوا قد صمموا على أنه مهما أتاهم بآية كذبوا بها، كانوا ~~كأنهم قد أتتهم كل آية فلذلك قال: { كلها } وسبب عن ذلك القول: { ~~فأخذناهم } أي بما لنا من العظمة بنحو ما أخذنا به قوم نوح من الإغراق { ~~أخذ عزيز } أي لا يغلبه شيء وهو يغلب كل شيء { مقتدر * } أي لا يعجل ~~بالأخذ لأنه لا يخاف الفوت ولا يخشى معقبا لحكمه، بالغ القدرة إلى حد لا ~~يدرك الوصف كنهه لأن صيغة الافتعال مبناها على المعاجلة من عاجل فعلا ~~أجهل نفسه فيه، فكان على أتم الوجوه، وهذه الغاية هي المرادة ليس غيرها، ~~فهو تمثيل لأنه سبحانه يخاطبنا بما نعبده، وبهذه المبالغة فلم يلفت منهم ~~أحد، وقد ختمت القصص بمثل ما افتتحت به من عذاب المفسدين بالإغراق ليطابق ~~الختم البدء، وكانت نجاة المصلحين من الأولين بالسفينة، وكانت نجاة ~~المصلحين من الآخرين بأرض البحر كانت هي سفينتهم، ليكون الختم أعظم من ~~البدء كما هو شأن أهل الاقتدار. # ولما بلغت هذه المواعظ الانتهاء، وعلت أقدامها على رتبة السها، ولم يبين ~~ذلك كفار قريش عن شرادهم، ولا فتر من جحودهم وعنادهم، كان لسان حالهم ~~قائلا: إنا لا نخاف شيئا من هذا، فكان الحال مقتضيا لأن يقال لهم ~~إلزاما بالحجة: { أكفاركم } الراسخون منكم في الكفر الثابتون عليه يا ~~أيها المكذبون لهذا النبي الكريم الساترون لشموس دينه { خير } في الدنيا ~~بالقوة والكثرة أو الدين عند الله أو عند الناس { من أولائكم ms4804 } أي الكفار ~~أي الكفار العظماء الجبابرة الأشداء الذين وعظناكم بهم في هذه السورة ~~ليكون ذلك سببا لافتراق حالهم منهم فيأمنوا العذاب مع جامع التكذيب وإن ~~لم يكن لهم براءة من الله { أم لكم } أجمعين دونهم كفاركم وغير كفاركم { ~~براءة } من العذاب من الله { في الزبر * } أي الكتب الآتية من عنده ~~أأمنتم بها من العذاب مع أنهم خير منكم، فالآية من الاحتباك: أثبت ~~الخيرية أولا دليلا على حذفها ثانيا، والبراءة ثانيا دليلا على ~~حذفها أولا. # ولما بلغوا إلى هذا الحد من التمادي في الكفر مع المواعظ البالغة ~~والاستعطاف المكين، استحقوا أعظم الغضب، فأعرض عنهم الخطاب إيذانا بذلك ~~وإهانة لهم واحتقارا وإقبالا على النبي صلى الله عليه وسلم تسلية فقال ~~عاطفا على ما تقديره: أيدعون جهلا ومكابرة شيئا من هذين الأمرين: { أم ~~يقولون } أي هؤلاء الذي أنت بين أظهرهم تعاملهم باللين في القال والقيل ~~والصفح الجميل امتثالا لأمرنا تعظيما لقدرك فاستهانوا بك: { نحن جميع } ~~أي جمع واحد مبالغ في اجتماعه فهو في الغاية من الضم فلا افتراق له { ~~منتصر * } أي على كل من يناويه لأنهم على قلب رجل واحد، فالإفراد للفظ " ~~جميع " ولإفهام هذا المعنى، أو أن كل واحد محكوم له بالانتصار. ### || [54.45-48] # ولما كان لسان الحال ناطقا بأنهم يقولون: هذا كله فأي الفريقين خير ~~مقاما وأحسن نديا ونحوها، وقال بعضهم: لئن بعثنا لأوتينا وولدا، ولا ~~شك أنهم كانوا في غاية الاستحالة لغلبة المؤمنين لهم على قلتهم وضعفهم، ~~استأنف الجواب بقوله: { سيهزم } بأيسر أمر من أي هازم كان بوعد لا خلف ~~فيه، وقراءة الجمهور بالبناء للمفعول مفهمة للعظمة بطريقة كلام القدرين، ~~فهي أبلغ من قراءة يعقوب بالنون والبناء للفاعل الدالة على العظمة صريحا ~~{ الجمع } الذي تقدم أنه بولغ في جمعه فصدق الله وعده وهزموا في يوم بدر ~~وغيره في الدنيا عن قريب، ولم يزالوا يضعفون حتى اضمحل أمرهم وزال ~~بالكلية سرهم، وهي من دلائل النبوة البينة { ويولون الدبر * } أي يقع ~~توليتهم كلهم بهذا الجنس بأن يكون واليا لها من منهم مع الهزيمة ms4805 لأنه لم ~~يتولهم في حال الهزيمة نوع مسكنة يطمعون بها في الخيار، وكل من إفراد ~~الدبر والمنتصر وجمع المولين أبلغ مما لو وضع غيره موضعه وأقطع للتعنت. # ولما ونقع هذا في الدنيا، وكان في يوم بدر، وكان ذلك من أعلام النبوة، ~~وكان ربما ظن ظان أن ذلك هو النهاية، كان كأنه قيل: ليس ذلك الموعد ~~الأعظم: { بل الساعة } القيامة التي يكون فيها الجمع الأعظم والهول ~~الأكبر { موعدهم } أي الأعظم للجزاء المتوعد به { والساعة أدهى } من كل ~~ما يفرض وقوعه في الدنيا، أفعل تفضيل من الداهية وهي أمر هائل لا يهتدي ~~لدوائه { وأمر * } لأن عذابها للكافر غير مفارق ومزايل. ولما أخبر عن ~~الساعة بهذا الإخبار الهائل، علله مقسما لأهلها مجملا بعض ما لهم عند ~~قيامها بقوله مؤكدا لما أظهروا من التكذيب: { إن المجرمين } أي القاطعين ~~لما أمر الله بأن يوصل { في ضلال } أي عمى عن القصد بتكذيبهم بالبعث محيط ~~بهم مانع من الخلاص من دواهي الساعة وغيرها، ومن الوصول إلى شيء من ~~مقاصدهم التي هم عليها الآن معتمدون { وسعر } أي نيران تضطرم وتتقد غاية ~~الاتقاد { يوم } أي في ذلك اليوم الموعود به { يسحبون } أي في الساعة ~~دائما بأيسر وجه إهانة لهم من أي صاحب كان { في النار } أي الكاملة في ~~النارية { على وجوههم } لأنهم في غاية الذل والهوان جزاء بما كانوا يذلون ~~أولياء الله تعالى، مقولا لهم من أي قائل اتفق: { ذوقوا } أي لأنهم لا ~~منعة لهم ولا حمية عندهم بوجه { مس سقر * } أي ألم مباشرة الطبقة النارية ~~التي تلفح بحرها فتلوح الجسم وتذيبه فيسيل ذهنه... وعصارا كما يسيل ~~الدبس وعصارة الرطب فتسمى النخلة بذلك مسقارا. ### || [54.49-55] # ولما أخبر بقيام الساعة وما يتفق لهم فيها جزاء لأعمالهم التي قدرها ~~عليهم وهي ستر فرضوا بها لاتباع الشهوات واحتجوا على رضاه بها، وكان ربما ~~ظن ظان أن تماديهم على الكفر لم يكن بإرادته سبحانه، علل ذلك منبها على ~~أن الكل فعله، وإنما نسبته إلى العباد بأمور ظاهرية، تقوم عليهم بها ~~الحجة في مجاري ms4806 عاداتهم، فقال: { إنا } أي بما لنا من العظمة { كل شيء } ~~أي من الأشياء المخلوقة كلها صغيرها وكبيرها. # ولما كان هذا التعميم في الخلق أمرا أفهمه النصب، استأنف قوله تفسيرا ~~للعامل المطوي وإخبارا بجعل ذلك الخلق كله على نظام محكم وأمر مقدر مبرم ~~{ خلقناه بقدر * } أي قضاء وحكم وقياس مضبوط وقسمة محدودة وقودة بالغة ~~وتدبير محكم في وقت معلوم ومكان محدود مكتوب في ذلك اللوح قبل وقوعه ~~تقيسه الملائكة بالزمان وغيره من العد وجميع أنواع الأقيسة - فلا يخرم ~~عنه مثقال ذرة لأنه لا منازع لنا مع ما لنا من القدرة الكاملة والعلم ~~التام، فهذا العذاب بقدرتنا ومشيئتنا فاصبروا عليه وارضوا به كما كنتم ~~ترضون أعمالكم السيئة ثم تحتجون على عبادنا بأنها مشيئتنا بنحو # ولو شاء الله ما أشركنا # [الأنعام: 148] فقد أوصلكم إلى ما ترون وانكشف أتم انكشاف أنه لا يكون ~~شيء على خلاف مرادنا، ولا يقال لشيء قدرناه: لم؟ قال الرازي في اللوامع: ~~الكمية ساقطة عن أفعاله كما أن الكيفية والكمية ساقطتان عن ذاته وصفته - ~~انتهى. ولا يكون شيء من أمره سبحانه إلا ما هو على غاية الحكمة، ولو كان ~~الخلق لا يبعثون بعد الموت ليقع القصاص والقياس العدل ليكون القياس ~~جزافا لا بقدر وعدل، لأن المشاهد أن الفساد في هذه الدار من المكلفين من ~~الصلاح أضعافا مضاعفة، وقرئ في الشواذ برفع " كل " وجعله ابن جني أقوى ~~من النصب، وليس كذلك لأن الرفع لا يفيد ما ذكرته، وما حمله على ذلك إلا ~~أنه معتزلي، والنصب على ما قدرته قاصم لأهل الاعتزال. # ولما بين أن كل شيء بفعله، بين يسر ذلك وسهولته عليه فقال: { وما أمرنا ~~} أي كل شيء أردناه وإن عظم أثره، وعظم القدر وحقر المقدورات بالتأنيث ~~فقال: { إلا واحدة } أي فعلة يسيرة لا معالجة فيها وليس هناك إحداث قول ~~لأنه قديم بل تعلق القدرة بالمقدور على وفق الأرادة الأزلية، ثم مثل لنا ~~ذلك بأسرع ما يعقله وأخفه فقال؛ { كلمح بالبصر * } فكما أن لمح أحدكم ~~ببصره لا كلفة عليه فيه، فكذلك ms4807 الأفعال كلها، بل أيسر من ذلك. # ولما أخبر بتمام قدرته، وكان إهلاك من ذكر من الكفار وإنجاء من ذكر من ~~الأبرار في هذه السورة نحوا مما ذكر من أمر الساعة في السهولة والسرعة، ~~دل على ذلك بإنجاء أوليائه وإهلاك أعدائه فذكر بهم جملة وبما كان من ~~أحوالهم بأيسر أمر لأن ذلك أوعظ للنفوس وأزجر للعقول، فقال مقسما ~~تنبيها على عادتهم في الكفر مع هذا الوعظ فعل المكذب بهلاكهم لأجل ~~تكذيبهم عاطفا على ما تقديره: ولقد أنجينا رسلنا وأشياعهم من كل شيء ~~خطر: { ولقد أهلكنا } أي بما لنا من العظمة { أشياعكم } الذين أنتم وهم ~~شرع واحد في التكذيب، والقدرة عليكم كالقدرة عليهم، فاحذروا أن يصيبكم ما ~~أصابهم، فلذلك سبب عنه قوله: { فهل من مدكر * } أي بما وقع لهم أنه مثل ~~من مضى بل أضعاف. # ..، وأن قدرته سبحانه عليه كقدرته عليهم ليرجع عن غيه خوفا من سطوته ~~سبحانه. # ولما تمت الدلالة على إحاطة القدرة بما شوهد من الأفعال الهائلة التي لا ~~تسعها قدرة غيره سبحانه، وكانوا يظنون أن أحواله غير مضبوطة لأنه لا يمكن ~~ضبطها ولا يسعها علم عالم ولا سيما إذا ادعى أنه واحد، شرع في إتمام ~~الإخبار بعظمة القدر بالإخبار بأن أفعالهم كلها مكتوبة فضلا عن كونها ~~محفوظة فقال: { وكل شيء فعلوه } أي الأشياء في أي وقت كان، كأن بالكتابة ~~{ في الزبر * } أي كتب الحفظة فليحذروا من أفعالهم فإنها غير منسية، هذا ~~ما أطبق عليه القراء مما أدى إلى هذا المعنى من رفع كل، لأنه لو نصب ~~لأوهم تعلق الجار بالفعل فيوهم أنهم فعلوا في الزبر كل شيء من الأشياء ~~وهو فاسد. # ولما خصهم، عم بقوله واعظا ومخوفا ومحذرا بأن كل شيء محفوظ فمكتوب ~~فمعروض على الإنسان يوم الجمع: { وكل صغير وكبير } من الجواهر والمعاني ~~منهم ومن غيرهم { مستطر * } أي مكتوب على وجه عظيم من اجتهاد الحفظة في ~~كتابته وتحريره مع يسر ذلك وسهولته. # ولما أخبر عن أحوال الكفرة في الدنيا والآخرة واعظا بها وإعلاما ~~بعظمته وعلي صفاته وسعة مملكته ms4808 وشامل علمه وقدرته، ختم بأحوال القسم ~~الآخر من أهل الساعة وهم أهل طاعته تتميما لذلك وإشارة وبشارة للسالك في ~~أحسن المسالك، فقال مؤكدا ردا على المنكر: { إن المتقين } أي العريقين ~~في وصف الخوف من الله تعالى الذي أداهم إلى أن لا يفعلوا شيئا إلا ~~بدليل. ولما كان من البساتين والمياه وما هو ظاهر بكل مراد على عكس ما ~~عليه الضال البعيد عن القصد الواقع في الهلاك والنار قال: { في جنات } أي ~~في بساتين ذات أشجار تسر داخلها، قال القشيري: والجمع إذا قوبل بالجمع ~~فالأحاد تقابل الأحاد. ولما كانت الجنان لا تقوم وتدوم إلا بالماء قال: { ~~ونهر * } وأفرده لأن التعبير ب " في " مفهم لعمومهم به عموم ما كأنه ظرف ~~وهم مظروفون له، ولكثرة الأنهار وعظمها حتى أنها لقرب بعضها من بعض ~~واتصال منابعها وتهيئ جميع الأرض لجري الأنهار منها كأنها شيء واحد، وما ~~وعد به المتقون من النعيم في تلك الدار فرقائقه معجلة لهم في هذه الدار، ~~فلهم اليوم جنات العلوم وأنهار المعارف، وفي الآخرة الأنهار الجارية ~~والرياض والأشجار والقصور والزخارف، وهو يصلح مع ذلك لأن يكون مما منه ~~النهار فيكون المعنى: أنهم في ضياء وسعة لا يزايلونه أصلا بضد ما عليه ~~المجرم من العمى الناشئ عن الظلام، ولمثل هذه الأغراض أفرد مع إرادة ~~الجنس لا للفاصلة فقط. # ولما كانت البساتين لا تسكن في الدنيا لأنه ليس فيها جميع ما يحتاجه ~~الإنسان، بين أن حال تلك غير حال هذه، فقال مبدلا مما قبله: { في مقعد } ~~أي تلك الجنان محل إقامتهم التي تراد للقعود { صدق } أي فيما أراده ~~الإنسان صدق وجوده الإرادة ولا يقعد فيه إلا أهل الصدق، ولا يكون فيه إلا ~~صدقه، لا لغو فيه ولا تأثيم، والتوحيد لإرادة الجنس مع أن الإبدال يفهم ~~أنه لا موضع في تلك الجنان إلا وهو الصالح للتسمية بهذا الاسم ولأنهم ~~لاتحاد قلوبهم ورضاهم كأنهم في مقعد واحد على أنه قرئ بالجمع. # ولما كان هذا غير معهود، بين أن سببه تمكين الله لهم منه لاختصاصه ms4809 لهم ~~وتقريبه إياهم لإرضائه لهم، فقال مقيدا لذلك بالتعبير بالعندية لأن ~~عنديته سبحانه تعالى منزهة عن قرب الأجسام والجهات: { عند مليك } أي ملك ~~تام الملك { مقتدر } أي شامل اقدرة بالغها إلى حد لا يمكن إدراكه لغيره ~~سبحانه كما تقدم قريبا، فهو يوصلهم إلى كل خير ويدفع عنهم كل ضير، وكما ~~أن لهم في الآخرة عندية الإشهاد فلهم في الدنيا عندية الإمداد، ولهذا ~~الاسم الشريف سر في الانتصار على الظالمين، ولقد ختمت السورة كما ترى كما ~~ابتدئت به من أمر الساعة، وكانت البداية للبداية والنهاية للنهاية، وزادت ~~النهاية بيان السبب الموجد لها، وهو قدرته سبحانه وعز شأنه وعظمت رحمته ~~وإحسانه، وعفوه ومغفرته ورضوانه، ولتصنيف الناس فيها إلى كافر مستحق ~~للانتقام، ومؤمن مؤهل لغاية الإكرام، لم يذكر الاسم الأعظم الجامع الذي ~~يذكر في سياق مقتضى جمع الجلال والإكرام لصنف واحد وهو من يقع منه ~~الإيمان ولا يتدنس بالعصيان، وهم الذين آمنوا، ولمشاركتها للسورتين ~~اللتين بعدها في هذا العرض، وهو الكلام في حق الصنفين فقط من غير ذكر ~~عارض ممن آمن، أشرك الثلاثة في الخلو عن ذكر الاسم الأعظم. فلم يذكر في ~~واحدة منها وجاء فيها من الصفات ما يقتضي العظمة على أهل الكفران، وما ~~ينبئ عن الإكرام والإحسان لأهل الإيمان # ولمن خاف مقام ربه جنتان # [الرحمن: 46] ولهذا ختمت هذه بصفة الملك المقتضي للسطوة التامة والإكرام ~~البالغ وعدم المبالاة بأحد كائنا من كان، لأن الملك من حيث هو ملك إما ~~يقتضي مقامه إهانة العدو وإكرام الولي، وجعل ذلك على وجه المبالغة أيضا، ~~كل ذلك للإعلام بأن تصريفه سبحانه لأحوال الآخرة كما قصد في هذه السورة ~~من تصريفه في أحوال الدنيا من إهلاك الأعداء وإنجاء الأولياء، وكأن هذه ~~السورة كانت هكذا لأنها جاءت عقب النجم التي شرح فيها الإسراء وكان للنبي ~~صلى الله عليه وسلم من العظمة بخرق العوائد باختراق السماوات، والوصول ~~إلى أنهى الغاية من المناجاة، وغيره من سر الملكوت ومحل الجبروت، بعد أن ~~لوح بمقامه عليه الصلاة والسلام بالطور ليعلم الفرق ويوصف ms4810 كل بما هو ~~الحق، فكان ذلك مقتضيا لئلا يكون بعده من الناس إلا مؤمن خالص، فإن كان ~~غيره فهو معاند شديد الكفر، وكأنها جعلت ثلاثا لإرادة غاية التأكيد لهذا ~~المعنى الشديد، فلما انقضت الثلاثة كان متبركا به في معظم آيات الحديد ~~ثم توجت كل آية من آيات المجادلة به إشارة إلى أنه قد حصل غاية التشوف ~~إليه ترهيبا لمن يعصي ولا سيما من يظاهر، وترغيبا في الطاعة للملك ~~الغافر، والله الموفق لما يريد إنه قوي فعال لما يريد. ### | [55 - سورة الرحمن] ### || [55.1-10] # ولما ختم سبحانه القمر بعظيم الملك وبليغ القدرة، وكان الملك القادر لا ~~يكمل ملكه إلا بالرحمة، وكانت رحمته لا تتم إلا بعمومها، قصر هذه السورة ~~على تعداد نعمه على خلقه في الدارين، وذلك من آثار الملك، وفصل فيها ما ~~أجمل في آخر القمر من مقر الأولياء والأعداء في الآخرة، وصدرها بالاسم ~~الدال على عموم الرحمة براعة للاستهلال، وموازنة لما حصل بالملك ~~والاقتدار من غاية التبرك والظهور والهيبة والرعب باسم هو مع أنه في غاية ~~الغيب دال على أعظم الرجاء مفتتحا لها بأعظم النعم وهو تعليم الذكر الذي ~~هز ذوي الهمم العالية في القمر إلى الإقبال عليه بقوله { ولقد يسرنا ~~القرآن للذكر فهل من مدكر } لأنه لما كان للعظمة الدالة عليها نون { ~~يسرنا } التي هي عماد الملك نظران: نظر الكبرياء والجبروت يقتضي أن يتكلم ~~بما يعجز خلقه من كل جهة في الفهم والحفظ والإتيان بمثله وكل معنى من ~~معانيه، ونظر الإكرام والرحمة، وكانت رحمته سابقة لغضبه نظر بها لخلقه لا ~~سيما هذه الأمة المرحومة فيسر لها الذكر تحقيقا للرحمة بعد أن أبقى من ~~آثار الجبروت الإعجاز عن النظر، ومن الإعجاز من الفهم الحروف المقطعة ~~أوائل السور، ومنع المتعنت من أن يقول: إنه لا معاني لها بأن فهم بعض ~~الأصفياء بعض أسرارها، فقال جوابا لمن كأنه قال: من هذا المليك المقتدر، ~~فقيل: { الرحمان * } أي العام الرحمة، قال ابن برجان: وهو ظاهر اسمه ~~الله، وباطن اسمه الرب، جعل هذه الأسماء الثلاثة ms4811 في ظهورها مقام الذات ~~يخبر بها عنه وحجابا بينه وبين خلقه، يوصل بها الخطاب منه إليهم، ثم ~~أسماؤه الظاهرة مبينة لهذه الأسماء الثلاثة - انتهى. # ومن مقتضى اسمه { الرحمن } انبثت جميع النعم، ولذا ذكر في هذه السورة ~~أمهات النعم في الدارين. # ولما كان لا شيء من الرحمة أبلغ ولا أدل على القدرة من إيصال بعض صفات ~~الخالق إلى المخلوق نوع إيصال ليتخلقوا به بحسب ما يمكنهم منه فيحصلوا ~~على الحياة الأبدية والسعادة السرمدية قال: { علم القرآن * } أي المرئي ~~المشهود بالكتابة والمتلو المسموع الجامع لكل خير، الفارق بين كل لبس، ~~وكان القياس يقتضي أن لا يعلم المسموع أحد لأنه صفة من صفاته، وصفاته في ~~العظم كذاته، وذاته غيب محض، لأن الخلق أحقر من أن يحيطوا به علما، " ~~وأين الثريا من يد المتناول " فدل تعليمه القرآن على أنه يقدر أن يعلم ما ~~أراد من أراد # وعلم آدم الاسماء كلها # [البقرة: 31] ولا يخفى ما في تقديمه على جميع النعم من المناسبة لأن أجل ~~النعم نعمة الدين التي تتبعها نعمة الدنيا والآخرة، وهو أعلى مراتب، فهو ~~سنام الكتب السماوية وعمادها ومصداقها والعبار عليها، وفائدتها الإيصال ~~إلى مقعد الصدق المتقدم لأنه بين ما يرضي الله ليعمل به وما يسخطه ~~ليجتنب. # وقال الإمام جعفر بن الزبير: من المعلوم أن الكتاب العزيز وإن كانت آية ~~كلها معجزة باهرة وسورة في جليل النظم وبديع التأليف قاطعة بالخصوم ~~قاهرة، فبعضها أوضح من بعض في تبين إعجازها، وتظاهر بلاغتها وإيجازها: ~~ألا ترى إلى تسارع الأفهام إلى الحصول على بلاغة آيات وسور من أول وهلة ~~دون كبير تأمل كقوله تعالى # وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي # [هود: 44] وقوله # فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين # [الحجر: 94]، الآيات، لا يتوقف في باهر إعجازها إلا من طبع الله على ~~قلبه أو سد دونه باب الفهم بأنى له بر لوجه وقوعه، وسورة القمر من هذا ~~النمط، ألا ترى اختصار القصص فيه مع حصول أطرافها وتوفية أغراضها، وما ~~جرى مع كل قصة من الزجر والوعظ ms4812 والتنبيه والإعذار، ولولا أني لم أقصد ~~التعليق ما بنيته عليه من ترتيب السور لأوضحت ما أشرت إليه مما لم أسبق ~~إليه، ولعل الله سبحانه ييسر ذلك فيما باليد من التفسير نفع الله به ويسر ~~فيه، فلما انطوت هذه السورة على ما ذكرنا وبان فيها عظيم الرحمة في تكرر ~~القصص وشفع العظات، وظهرت حجة الله على الخلق، وكان ذلك من أعظم ألطافه ~~تعالى لمن يسره لتدبر القرآن ووفقه لفهمه واعتباره، أردف ذلك سبحانه ~~بالتنبيه على هذه النعمة فقال تبارك وتعالى { الرحمن علم القرآن خلق ~~الإنسان علمه البيان } وخص من أسمائه الحسنى هذا الاسم إشعارا برحمته ~~بالكتاب وعظيم إحسانه به # وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها # [إبراهيم: 34] ثم قد تمهد أن سورة القمر إعذار ومن أين للعباد بجميل هذا ~~اللطف وعظيم هذا الحلم حتى يرادوا إلى بسط الدلالات وإيضاح البينات إن ~~تعذر إليهم زيادة في البلاغ، فأنبأ تعالى أن هذا رحمة فقال { الرحمن علم ~~القرآن } ثم إذا تأملت سورة القمر وجدت خطابها وإعذارها خاصا ببني آدم ~~بل بمشركي العرب منهم فقط، فاتبعت سورة القمر بسورة الرحمن تنبيها ~~للثقلين وإعذارا إليهم وتقريرا للجنسين على ما أودع سبحانه في العالم ~~من العجائب والبراهين الساطعة فتكرر فيها التقرير والتنبيه بقوله تعالى: ~~{ فبأي آلاء ربكما تكذبان } خطابا للجنسين وإعذارا للثقلين فبان ~~اتصالها بسورة القمر أشد البيان - انتهى. # ولما كان كأنه قيل: كيف علمه وهو صفة من صفاته ولمن علمه، قال مستأنفا ~~أو معللا: { خلق الإنسان * } أي قدره وأوجده على هذا الشكل المعروف ~~والتركيب الموصوف منفصلا عن جميع الجمادات وأصله منها ثم عن سائر ~~الناميات ثم عن غيره من الحيوانات، وجعله أصنافا، وفصل بين كل قوم ~~بلسانهم عمن عداهم وخلقه لهم دليل على خلقه لكل شيء موجود # إنا كل شيء خلقناه بقدر # [القمر: 49] والإنسان وإن كان اسم جنس لكن أحقهم بالإرادة بهذا أولهم ~~وهو آدم عليه السلام، وإرادته - كما قال ابن عباس رضي الله عنهما - لا ~~تمنع إرادة الجنس من حيث هو. # ولما كان كأنه قيل: فكان ms4813 ماذا بخلقه، قال: { علمه البيان * } وهو القوة ~~الناطقة، وهي الإدراك للأمور الكلية والجزئية والحكم الحاضر والغائب ~~بقياسه على الحاضرة تارة بالتوسم وأخرى بالحساب ومرة بالعيافة والزجر ~~وطورا بالنظر في الآفاق وغير ذلك من الأمور مع التمييز بين الحسن ~~والقبيح وغير ذلك ما أدعه سبحانه وتعالى له مع تعبيره عما أدركه بما هو ~~غائب في ضميره وإفهامه للغير تارة بالقول وتارة بالفعل نطقا وكتابة ~~وإشارة وغيرها، فصار بذلك ذا قدرة على الكمال في نفسه والتكميل لغيره، ~~فهذا تعليم البيان الذي مكن من تعليم القرآن، وهذا وإن كان سبحانه جبلنا ~~عليه وخلقناه به قد صار عندنا مألوفا ومشهورا معروفا، فهو عند غيرنا ~~على غير ذلك مما أوضحه لنا سبحانه نعمة علينا بمحاجته لملائكته الكرام عن ~~نبينا آدم عليه الصلاة والسلام وما أبدى لهم من علمه وبهرهم من رسم كل ~~شيء بمعناه واسمه. # ولما بين سبحانه النعمة في تعليم القرآن الذي هو حياة الأرواح، وبين ~~الطريق فيها، دل على البيان بذكر البينات التي يجمعها أمر ويفرقها آخر، ~~ولها مدخل في حياة الأشباح، وعددها على سبيل الامتنان بيانا لأنها من ~~أكبر النعم فقال في جواب من قال: ما بيانه؟ بادئا بالكوكب الأعظم الذي ~~هو أعظم نورا وأكبر جرما وأعم نفعا ليكون خضوعه لقبول الآثار أدل على ~~خضوع غيره بيانا لحكمته في تدبيره وقوته في تقديره: { الشمس } وهي آية ~~النهار { والقمر } وهو آية الليل اللذان كان بهما البيان الإبراهيمي، ~~ولعله بدأ لهذه الأمة بغاية بيانه عليه الصلاة والسلام تشريفا لها ~~بالإشارة إلى علو أفهامها { بحسبان * } أي جريهما، يجري كل منهما - مع ~~اشتراكهما في أنهما كوكبان سماويان - بحساب عظيم جدا لا تكاد توصف ~~جلالته في دقته وكثرة سعته وعظم ما يتفرع عليه من المنافع الدينية ~~ولدنيوية، ومن عظم هذا الحساب الذي أفادته صيغة الفعلان أنه على نهج واحد ~~لا يتعداه، تعلم به الأعوام والشهور والأيام والساعات والدقائق والفصول ~~في منازل معلومة، ويعرف موضع كل منهما في الآفاق العلوية وما يحدث له وما ~~يتأثر عنه في الكوائن ms4814 السفلية بحيث أن به انتظام غالب الأمور السفلية إلى ~~غير ذلك من الأمور التي خلقهما الله عليها ولها، وبين الإنسان وبين كل ~~منهما من المسافات ما لا يعلمه على التحرير إلا العليم الخبير، وهذا على ~~تطاول الأيام والدهور لا يختل ذرة دلالة على أن صانعه قيوم لا يغفل، ثم ~~بعد هذا الحساب المستجد والحساب الأعظم الذي قدر لتكوير الشمس وانكدار ~~القمر دلالة على أنه فاعل بالاختيار مع ما أفاد ذلك من تعاقب الملوين ~~تارة بالاعتدال وتارة بالزيادة وأخرى بالنقص، وغير ذلك من الأمور في ~~لطائف المقدور. # ولما كان سيرهما على هذا المنهاج مع ما لهما فيه من الدؤب فيه بالتغير ~~والتنقل طاعة منهما لمدبرهما ومبدعهما ومسيرهما، وكان خضوعهما - وهما ~~النيران الأعظمان - دالا على خضوع ما دونهما من الكواكب بطريق الأولى، ~~كان ذكرهما مغنيا عن ذكر ما عداهما بخصوصه، فأتبعهما حضور ما هو للأرض ~~كالكواكب للسماء في الزينة والنفع والضر والصغر والكبر والكثرة والقلة من ~~النبات مقدما صغاره لعموم نفعه وعظيم وقعه بأن من أكثر الأقوات لجميع ~~الحيوان والملابس من القطن والكتان وغير ذلك من عجيب الشأن، معبرا بما ~~يصلح لبقية الكواكب فقال: { والنجم } أي وجميع الكواكب السماوية وكل نبت ~~ارتفع من الأرض ولا ساق له من النبات الأرضية التي هي أصل قوام الإنسان ~~وسائر الحيوان { والشجر } وكل ما له ساق ويتفكه به أو يقتات { يسجدان * } ~~أي يخضعان وينقادان لما يراد منهما ويذلان للانتفاع بهما انقياد الساجد ~~من العقلاء لما أمر به بجريهما لما سخرا له وطاعتهما لما قدرا فيه غير ~~إباء على تجدد الأوقات من نمو في النبات ووقوف واخضرار ويبس وإثمار وعطل، ~~لا يقدر النجم أن يعلو إلى رتبة الشجرة ولا الشجرة أن يسفل إلى وهدة ~~النجم إلى غير ذلك مما صرفنا فيه من سجود الظلال ودوران الجبال والمثال ~~مما يدل على وحدانية الصانع وفعله بالاختيار، ونفي الطبائع، ومن تسيير في ~~الكواكب وتدبير في المنافع في الحر والبرد اللذين جعل سبحانه بهما ~~الاعتدال في النبات من الفواكهة والأقوات، وغير ms4815 ذلك من وجود الانتفاعات. # ولما كان تغير ما تقدم من الشمس والقمر والنجم والشجر يدل دلالة واضحة ~~على أنه سبحانه هو المؤثر فيه، وكانت السماء والأرض ثابتتين على حالة ~~واحدة، فكان ربما أشكل أمرهما كما ضل فيهما خلق من أهل الوحدة أهل الجمود ~~والاغترار والوقوف مع الشاهد وغيرهم، وكان إذا ثبت أنه تعالى المؤثر ~~فيهما، فلذلك قال مسندا التأثير فيهما إليه بعد أن أعرى ما قبلهما من ~~مثله لما أغنى عنه من الدلالة بالتغير والسير والتنقل عطفا على ما ~~تقديره: وهو الذي دبر ذلك: { والسماء رفعها } أي حسا بعد أن كانت ملتصقة ~~بالأرض ففتقها منها وأعلاها عنها بما يشهد لذلك من العقل عند كل من له ~~تأمل في أن كل جسم ثقيل ما رفعه عما تحته إلا رافع، ولا رافع لهذه إلا ~~الله فإنه لا يقدر على التأثير غيره، ولعظمها قدمها على الفعل تنبيها ~~على التفكر فيما فيها من جلالة الصنائع وأنواع البدائع، ومعنى بأنه جعلها ~~منشأ أحكامه ومصدر قضاياه ومتنزل أوامره ونواهيه ومسكن ملائكته الذين ~~يهبطون بالوحي على أنبيائه. # ولما كانت السماء مع علوها الدال على عزة موجدها ومدبرها دالة على عدله ~~باعتدال جميع أحوالها من الحر والبرد والمطر والثلج والندى والطل وغير ~~ذلك في أن كل فصل منها معادل لضده وأنها لا ينزلها سبحانه إلا بقدر ~~معلوم، وإلا لفسدت الأرض كلها، ودلنا على أنه شرع لنا مثل ذلك العدل ~~لتقوم أحوالنا وتصلح أقوالنا وأفعالنا بما قامت به السماوات والأرض فقال: ~~{ ووضع الميزان * } أي العدل الذي بدر به الخافقين من الموازنة وهي ~~المعادلة لتنتظم أمورنا. # ولما ذكر أولا القرآن الذي هو ميزان المعلومات، ودل على رحمانيته ~~بأنواع من البيان، الذي رقي به الإنسان فصار أهلا للفهم، وذكره نعمة ~~الميزان للمحسوسات، أقبل بالخطاب عليه لافتا له عن أسلوب الغيبة تنشيطا ~~له إلى ارتقاء مراتب الكمال بحسن الامتثال معللا فقال: { أن } أي لأن { ~~لا تطغوا } أي لا تتجاوزا الحدود { في الميزان * } أي الأشياء الموزونة ~~من الموزونات المعروفة والعلم والعمل المقدر أحدهما ms4816 بالآخر، وفي مساواة ~~الظاهر والباطن والقول والفعل، فالميزان الثاني عام لميزان المعلومات ~~وميزان المحسوسات. # ولما كان التقدير: فاقتدوا بأفعالي وتخلقوا بكل ما آمر به من أقوالي، ~~عطف عليه قوله: { وأقيموا الوزن* } أي جميع الأفعال التي يقاس لها ~~الأشياء { بالقسط }. # ولما كان المراد العدل العظيم، بينه بالتأكيد بعد الأمر بالنهي عن الضد ~~فقال: { ولا تخسروا الميزان * } أي توقعوا في شيء من آلة العدل التي يقدر ~~بها الأشياء من الذرع والوزن والعدل والكيل ونحو - نوعا من أنواع الخسر ~~- بما دل عليه تجريد الفعل فتخسروا ميزان أعمالكم وجزائكم يوم القيامة، ~~وقد علم بتكرير الميزان ما أريد من التأكيد في الأمر به لما له من ~~الضخامة سواء كان بمعنى واحد أو بمعان مختلفة. # ولما ذكر إنعامه الدال على اقتداره برفع السماء، ذكر على ذلك الوجه ~~مقابلها بعد أن وسط بينهما ما قامتا به من العدل تنبيها على شدة العناية ~~والاهتمام به فقال: { والأرض } أي ووضع الأرض: ثم فسر ناصبها ليكون ~~كالمذكور مرتين إشارة إلى عظيم تدبيره لشدة ما فيه من الحكم فقال: { ~~وضعها } أي دحاها وبسطها على الماء { للأنام * } أي كل من فيه قابلية ~~النوم أو قابلية الونيم وهو الصوت بعد أن وضع لهم الميزان الذي لا تقوم ~~الأرض إلا به. ### || [55.11-19] # ولما كان في سياق بيان الرحمة بمزيد الإنعام، وكان إقامة البينة أعظم ~~نعمة، وكانت الفواكه ألذ ما يكون، وكانت برقتها وشدة لطافتها منافية ~~للأرض في يبسها وكثافتها، فكان كونها فيها عجبا دالا على عظيم قدرته، ~~وكان ذكرها يدل على ما تقدمها من النعم من جميع الأقوات، بدأ بها ليصير ~~ما يتقدمها كالمذكور مرتين، فقال مستأنفا وصفها بما هو أعم: { فيها ~~فاكهة } أي ضروب منها عظيمة جدا يدرك الإنسان بما له من البيان تباينها ~~في الصور والألوان، والطعوم والمنافع - وغير ذلك من بديع الشأن. # ولما كان المراد بتنكيرها تعظيمها، نبه عليه بتعريف بنوع منها، ونوه به ~~لأن فيه مع التفكه التقوت، وهو أكثر ثمار العرب المقصودين بهذا الذكر ~~بالقصد الأول فقال: { والنخل } ودل ms4817 على تمام القدرة بقوله: { ذات } أي ~~صاحبة { الأكمام * } أي أوعية ثمرها، وهو الطلع قبل أن ينفتق بالثمر، وكل ~~نبت يخرج ما هو مكمم فهو ذو كمام، ولكنه مشهور في النخل لشرفه وشهرته ~~عندهم، قال البغوي: وكل ما ستر شيئا فهو كم وكمة، ومنه كم القميص، وفيه ~~تذكير بثمر الجنة الذي ينفتق عن نباهم، وذكر أصل النخل دون ثمره للتنبيه ~~عن كثرة منافعه من الليف والسعف والجريد والجذوع وغيرها من المنافع التي ~~الثمر منها. # ولما ذكر ما يقتات من الفواكه وهو في غاية الطول، أتبعه الأصل في ~~الاقتيات للناس والبهائم وهو بمكان من القصر، فقال ذاكرا ثمرته لأنها ~~المقصودة بالذات: { والحب } أي من الحنطة وغيرها، ونبه على تمام القدرة ~~بعد تنبيه بتمايز هذه المذكورات مع أن أصل الكل الماء بقوله: { ذو العصف ~~} أي الورق والبقل الذي إذا زال عنه ثقل الحب كان مما تعصفه الرياح التي ~~تطيره، وهو التبن الذي هو من قوت البهائم. # ولما كان الريحان يطلق على كل نبت طيب الرائحة خصوصا، وعلى كل نبت ~~عموما، أتبعه به ليعم ويخص جميع ما ذكر من سائر النبات وغيره على وجه ~~مذكر بنعمه بغذاء الأرواح بعد ما ذكر غذاء الأشباح فقال: { والريحان * } ~~ولما كان من كفر به سبحانه بإنكاره أو إنكار شيء من صفاته، أو كذب بأحد ~~من رسله قد أنكر نعمه أو نعمة منها فلزمه بانكاره لتلك النعمة إنكار جميع ~~النعم، لأن الرسل داعية إلى الله بالتذكير بنعمه، وكان ما مضى من هذه ~~السورة إلى هنا اثنتي عشرة آية على عدد الكوفي والشامي، عدد فيها أصول ~~نعمه سبحانه على وجه دل بغاية البيان على أن له كل كمال، وكان هذا العدد ~~أول عدد زائد إشارة إلى تزايد النعم لأن كسوره النصف والثلث الربع والسدس ~~تزيد على أصله، وكان قد مضى ذكر الثقلين الجن والإنس في قوله { الأنام } ~~قال تعالى إشارة إلى أنهم المقصودون بالوعظ، منكرا موبخا مبكتا لمن ~~أنكر شيئا من نعمه أو قال قولا أو فعل فعلا يلزم منه ms4818 إنكار شيء منها ~~مسببا عما مضى من تعداد هذه النعم المتزايدة التي لا يسوغ إنكارها ولا ~~إنكار شيئ منها فيجب شكرها: { فبأي آلاء } أي نعم عطايا { ربكما } أي ~~المحسن إليكما بما أسدى من المزايا التي أسداها إليكم على وجه الكبرياء ~~والعظمة وهي دائمة لا تنقطع من غير حاجة إلى مكافأة أحد ولا غيرها - أيها ~~الثقلان - المدبر لكما الذي لا مدبر ولا سيد لكما غيره، من آياته وصنائعه ~~وحكمه وحكمته وعزته في خلقه واستسلام الكل له وخضوعهما إليه، فإن كل هذه ~~النعم الكبار آيات دالة عليه وصنائع محكمة وأحكام وحكم ظهرت بها عزته ~~وبانت بها قدرته { تكذبان * } فمخاطبته بهذا الثقلين دليل على أن هذه ~~الأشياء تعم على الجن كما أنها تعم على الإنس، وأن لهم من ذلك ما لهم، ~~وذكره لهذه الآية بعد ذكر هذا العدد من الآيات إشارة إلى أن زيادة النعم ~~إلى حد لا يحصى بحيث أن استيفاء عددها لا تحيط به عقول المكلفين لئلا ~~يظنوا أنه لا نعمة غير ما ذكر في هذه السورة، والتعبير عنها بلفظ الآلاء ~~من أجل أنها النعم المخصوصة بالملوك لما لها من اللمعان والصف المميز لها ~~من غيرها ولما لرؤيتها من الخير والدعاء، وهي وإن كانت من الوا فيمكن ~~أخذها من اللؤواء إلى أن الأصل الهمزة واللام، فإذا انضم إليهما لام أخرى ~~أو ألف ازداد المعنى الذي كان ظهورا لأن الألف غيب الهمزة وباطنها، ~~واللام هي عين ما كان فلم يحصل خروج عن ذلك المعنى، فإذا نظرت إلى الآل ~~كان المعنى أن تلك النعم الكبار الملوكية تظهر للعباد معرفته سبحانه وأنه ~~يؤل إليه كل شيء أولا من غير نزاع كما أنه كان بكل شيء، وتكل عن نظرها ~~الأبصار النوافذ كما تكل عن رؤية الأشخاص التي يرفعها الآل لأنها تدل ~~عليه سبحانه. # .. نعم عظيمة وإن كانت نقما لأنه لا نعمة تدل مثل ما دل عليه سبحانه، ~~وكرر هذه الآية في هذه السورة من هنا بعد كل آية إلى آخرها لما تقدم في ~~القمر من ms4819 أن المنكر إذا تكرر إنكاره جدا بحيث أحرق الأكباد في المجاهرة ~~بالعناد حسن سرد ما أنكره عليه، وكلما ذكر بفرد منه قيل له: لم تنكره؟ ~~سواء أقر به حال التقرير أو استمر على العناد، فالتكرار حينئذ يفيد ~~التعريف بأن إنكاره تجاوز الحد، ولتغاير النعم وتعددها واختلافها حسن ~~تكرير التوقيف عليها واحدة واحدة تنبيها على جلالتها، فإن كانت نعمة ~~فالأمر فيها واضح، وإن كانت نقمة فالنعمة دفعها أو تأخير الإيقاع بها، ~~ولما تقدم من أن كل تذكير بما أفاده الله تعالى من النعم بالحواس الخمس ~~مضروبة في الجهات الست على أنك إذا اعتبرت نفس الآية وجدتها مشيرة إلى ~~ذلك، فإن كل كلمة منها - إلا الأخيرة في رسم من أثبت ألفها من كتبة ~~المصاحف - خمسة أحرف أن اعتبرت هجاء الأولين والثالثة خمسة في الرسم ستة ~~في الهجاء والنطق، فهي للحواس وللجهات لأن الكل من الرب، والكلمة الأخيرة ~~ستة أحرف إن اعتبرت رسمها في المصاحف التي أسقطت ألفها، فإن في إثباتها ~~وحذفها اختلافا بين أئمة المصاحف، وهي إشارة إلى الجهات التي يملك ~~الإنسان التصرف فيها، أما الحواس فلا اختيار له فيها، وإن اعتبرت هجاءها ~~بحسب النطق كانت سبعة أحرف إشارة إلى أن النعم أكثر من أن تحصى لما تقدم ~~من أسرار عدد السبعة وإلى أن تكذيب المكلفين متكاثر جدا، فلذلك كان في ~~غاية المناسبة أن تبسط هذه النعم على عدد ضرب الحواس الخمس في الجهات ~~الست، وذلك في الحقيقة فائدة، فإنه من المألوف المعروف والجميل الموصوف ~~أن التكرير عند التكذيب يوجب التكرير عند التقرير، ويبلغ به النهاية في ~~حسن التأثير، وزاد العدد على مسطح الخمس في الست واحد إشارة إلى أن نعم ~~الواحدة لا انقطاع لها، ولذلك فصلت إلى ثمان ذكرت أولا عقب النعم، فكانت ~~على عدد السبع الذي هو أول عدد تام لأنه جمع الفرد والزوج وزوج الفرد ~~وزوج الزوج، وزاد بواحد إشارة إلى أنه كلما انقضى دور من عدد تام جدير ~~لنعم أخرى فهي لا تتناهى لأن موليها له القدرة الشاملة ms4820 والعلم التام ~~ورحمته سبقت غضبه، وفي كونها ثمانية إشارة إلى أنها سبب إلى الجنة ذات ~~الأبواب الثمانية إن شكرت، وفي تعقيبها بسبع نارية إشارة إلى أنها ~~سببيتها للنار أقرب لكونها حفت بالشهوات، وفي ذلك إشارة إلى أن من اتقى ~~ما توعد عليه بشكر هذه النعم وقي أبواب النار السبعة، ثم عقبها بثمانية ~~ذكر فيها جنة المقربين إشارة إلى أن من عمل لما وعده كما أمره به الله ~~نال أبواب الجنة الثمانية، وثمانية أخرى عقب الجنة أصحاب اليمين إشارة ~~إلى مثل ذلك والله أعلم، وكان ترتيبها في غاية الحسن، ذكرت النعم أولا ~~استعطافا وترغيبا في الشكر ثم الأهوال ترهيبا ودرأ للمفسدة بالعصيان ~~والكفر ثم النعم الباقية لجلب المصالح، وبدأ بأشرفها فذكر الجنة العليا ~~لأن القلب إثر التخويف يكون أنشط والهمم تكون أعلى والعزم يكون أشد، ~~فحينئذ هذه الآية الأولى من الإحدى والثلاثين مشيرة إلى أن نعمة البصر من ~~جهة الأمام، فكأنه قيل: أبنعمة البصر مما يواجهكم أو غيرها تكذبان. # ولما كان قد تقدم في إشارة الخطاب الامتنان بخلق الإنسان، ثم ذكر أصول ~~النعم عليه على وجه بديع الشأن، إلى أن ذكر غذاء روحه: الريحان، أتبع ذلك ~~تفصيلا لما أجمل فقال: { خلق الإنسان } أي أصل هذا النوع الذي هو من ~~جملة الأنام الذي خلقنا الريحان لهم والغالب عليه الأنس بنفسه وبما ألفه. # ولما كان أغلب عناصره التراب وإن كان من العناصر الأربعة، عبر عن إشارة ~~به إلى مطابقة اسمه - بما فيه مما يقتضي الأنس الذي حاصله الثبات على ~~حالة واحدة - لمسماه الذي أغلبه التراب لنقله وثباته ما لم يحركه محرك، ~~وعبر عن ذلك بما هو في غاية البعد عن قابلية البيان فقال: { من صلصال } ~~أي طين يابس له صوت إذا نقر عليه { كالفخار * } أي كالخزف المصنوع المشوي ~~بالنار لأنه أخذه من التراب ثم خلطه بالماء حتى صار طينا ثم تركه حتى ~~صار حماء مسنونا مبينا، ثم صوره كما يصور الإبريق وغيره من الأواني ثم ~~أيبسه حتى صار في غاية الصلابة فصار كالخزف ms4821 الذي إذا نقر عليه صوت صوتا ~~يعلم منه هل فيه عيب أم لا، كما أن الآدمي بكلامه يعرف حاله وغاية أمره ~~ومآله، فالمذكور هنا غاية تخليقه وهو أنسب بالرحمانية، وفي غيرها تارة ~~مبدؤه وتارة إنشاؤه، فالأرض أمه والماء أبوه ممزوجين بالهواء الحامل ~~للجزء الذي هو من فيح جهنم، فمن التراب جسده ونفسه، ومن الماء روحه ~~وعقله، ومن النار غوايته وحدته، ومن الهواء حركته وتقلبه في محامده ~~ومذامه. # ولما كان الجان الذي شمله أيضا اسم الأنام مخلوقا من العناصر الأربعة، ~~وأغلبها في جبلته النار، قال تعالى: { وخلق الجان } أي هذا النوع ~~المستتر عن العيون بخلق أبيهم، وهو اسم جمع للجن. ولما كان الجن يطلق على ~~الملائكة لاستتارهم، بين أنهم لم يرادوا به هنا فقال: { من مارج } أي شيء ~~صاف خالص مضطرب شديد الاضطراب جدا والاختلاط، قال البغوي: وهو الصافي من ~~لهب النار الذي لا دخان فيه، وقال القشيري، هو اللهب المختلط بسواد النار ~~- انتهى. ومرجت نارهم - أي اختلطت - ببرد الزمهرير. ولما كان المارج ~~عاما في النار وغيرها، بينه بقوله: { من نار * } هي أغلب من عناصر، ~~فتعين المراد بذكر النار لأن الملائكة عليهم السلام من نور لا من نار، ~~وليس عندهم مروج ولا اضطراب، بل هم في غاية الثبات على الطاعة فيما أمروا ~~به، وقد عرف بهذا كل مضطرب قدره لئلا يتعدى طوره. # ولما كان خلق هذين القبيلين على هذين الوجهين اللذين هما في غاية ~~التنافي مستورا أحدهما عن الآخر مع منع كل من التسلط على الآخر إلا ~~نادرا، إظهارا لعظيم قدرته وباهر حكمته من أعظم النعم، قال مسببا عنه: ~~{ فبأي آلاء ربكما } أي النعم الملوكية الناشئة عن مبدعكما ومربيكما ~~وسيدكما { تكذبان * } أي بنعمة البصر من جهة الوراء وغيرها من خلقكم على ~~هذا النمط الغريب، وإيداعكم ما أودعكم من القوى، وجعلكم خلاصة مخلوقاته، ~~ومن منع أحد قبيليكم عن الآخر، وتيسيره لكم الأرزاق والمنافع، وحملكم على ~~الحنيفية السمحة، وقدرته على إعادتكم كما قدر على ابتدائكم. # ولما ذكر سبحانه هذين الجنسين اللذين أحدهما ظاهر ms4822 والآخر مستتر، إرشادا ~~إلى التأمل فيما فيهما من الدلالة على كمال قدرته، فكانا محتاجين إلى ما ~~هما فيه من المحل، وكان صلاحه مما دبر سبحانه فيه من منازل الشروق الذي ~~هو سبب الأنوار والظهور، والغروب الذي هو منشأ الظلمة والخفاء، أتبعه ~~قوله منبها على النظر في بديع صنعه الدال على توحيده: { رب } أي هو خالق ~~ومدير { المشرقين } ومدبرهما على كيفية لا يقدر على شيء منها غيره { ورب ~~المغربين * } كذلك، وهذه المشارق والمغارب هي ما للشتاء من البروج، ~~السافلة الجنوبية التي هي سبب الأمطار والثلوج، التي هي سبب الحياة ~~والظهور، حال كون الشمس منحدرة في آفاق السماء، وما للصيف من البروج ~~العالية في جهة الشمال التي هي سبب التهشم والأفول والشمس مصعدة في جو ~~السماء، وما بينهما من الربيع الذي هو للنمو، والخريف الذي هو للذبول، ~~فهي آية الإيجاد والإعدام، فأول المشارق الصيف وقت استواء الليل والنهار ~~عند حلول الشمس بأول البروج الشمالية صاعدة وهو الكبش، يعتدل الزمان ~~حينئذ بقطعها الجنوبية واستقبالها الشمالية، ثم آخر مشارقه إذا كانت ~~الشمس في آخر الشمالية وأول الجنوبية عند حلولها برأس الميزان يعتدل ~~الزمان ثانيا لاستقبالها البروج الجنوبية، ثم بحلولها بآخر القوس ورأس ~~الجدي يكون الانتهاء في قصر الأيام وطول الليالي لتوسطها البروج ~~الجنوبية، ثم بحلولها كذلك عند خروجها من برج التوأمين إلى السرطان من ~~بروج الشمال، وهي آخر درجات الشمس، يكون طول الأيام وقصر الليالي، فيختلف ~~على هذين الفصلين الحر والبرد، وكون الشمس في أول برج الحمل هو بمثابة ~~طلوعها من المشرق في أول كل نهار، وكونها في الاعتدال الثاني عند ~~استقبالها البروج الجنوبية إذا حلت برأس الميزان هو بمثابة غروبها، ثم ~~بكونها في الانتهائين في طول الأيام حين حلولها برج السرطان هو بمنزلة ~~استوائها في الصيف في كبد السماء كما أن حلولها برأس الجدي عند الانتهاء ~~في الشتاء في قصر الأيام وطول الليالي هو بمثابة استوائها فيما يقابل ~~استواءها في الشتاء في كبد السماء في النهار - ذكر ذلك ابن برجان وقال ~~بعد ذلك: ms4823 سخر سبحانه لعباده جهنم - أي بواسطة الشمس - وهي أعدى عدو لهم، ~~فأخرج لهما بواسطتها الزرع والزيتون والرمان والنخيل والأعناب والجنان ~~المعروشات وغير المعروشات ومن كل الثمرات. # ولما كان في هذا من النعم ما لا يحصى، قال مسببا: { فبأي آلاء ربكما ~~} الذي دبر لكم هذا التدبير العظيم { تكذبان * } أي بنعمة البصر من جهة ~~اليمين أو غيرها من تسخير الشمس والقمر دائبين دائرين لإدارة الزمان ~~وتجديد الأيام، وعدد الشهور والأعوام، واعتدال الهواء واختلاف الأحوال ~~على الوجه الملائم لمصالح الدنيا ومعايشها على منهاج محفوظ وقانون لا ~~يزيغ. # ولما كانت باحة البحر لجري المراكب كساحة السماء لسير الكواكب مع ما ~~اقتضى ذكره من تضمن ذكر المشارق والمغارب للشتاء الحاصل فيه من الأمطار ~~ما لو جرى على القياس لأفاض البحار، فأغرقت البراري والقفار، وعلت على ~~الأمصار وجميع الأقطار، فقال: { مرج } أي أرسل الرحمن { البحرين } أي ~~الملح والعذب فجعلهما مضطربين، من طبعهما الاضطراب، حال كونهما { يلتقيان ~~* } أي يتماسان على ظهر الأرض بلا فصل بينهما في رؤية العين وفي باطنها، ~~فجعل الحلو آية دالة على مياه الجنة، والملح آية دالة على بعض شراب أهل ~~النار لا يروي شاربه ولا يغنيه، بل يحرق بطنه ويعييه، أو بحري فارس ~~والروم هما ملتقيان في البحر المحيط لكونهما خليجين منه. ### || [55.20-26] # ولما كان التقاء المايعين ولا سيما مع الاضطراب الدائم الاختلاط فيحيل ~~ما لأحدهما أو لكل منهما من الصفات إلى الصفات الأخرى، فتشوفت النفس إلى ~~المانع من مثل ذلك في البحرين، قال مستأنفا: { بينهما برزخ } أي حاجز ~~عظيم من القدرة المجردة على الأول وتسيب الأرض على الثاني يمنعهما مع ~~الالتقاء من الاختلاط، وقال ابن برجان: البرزخ ما ليس هو بصريح هذا ولا ~~بصريح هذا، فكذلك السهل والجبل بينهما برزخ يسمى الخيف، كذلك الليل ~~والنهار بينهما برزخ يسمى غبشا، كذلك بين الدنيا والآخرة برزخ ليس من ~~هذا ولا من هذا ولا هو خارج عنهما، وكذلك الربيعان هما برزخان بين الشتاء ~~والصيف بمنزلة غبش أول النهار وغبش آخره، جعل بين كل صنفين من ms4824 الموجودات ~~برزخا ليس من هذا ولا من هذا وهو منهما كالجماد والنبات والحيوان. # ولما كانت نتيجة ذلك كذلك قال: { لا يبغيان * } أي لا يطغيان في هلاك ~~الناس كما طغيا فأهلكا من على الأرض أيام نوح عليه الصلاة والسلام، ولا ~~يبغي واحد منهما على الآخر بالممارجة، ولا يتجاوزان ما حده لهما خالقهما ~~ومدبرهما لا في الظاهر ولا في الباطن، فمتى حفرت على جنب المالح وجدت ~~الماء العذب، وإن قربت الحفرة منه بل كلما قربت كان أحلى، فخلطهما الله ~~سبحانه في رأى العين وحجز بينهما في رأى عين القدرة، هذا وهما جمادان لا ~~نطق لهما ولا إدراك، فكيف يبغي بعضكم على بعض أيها المدركون العقلاء. # ولما كان هذا أمرا باهرا دالا دلالة ظاهرة على تمام قدرته لا سيما ~~على الآخرة، قال مسببا عنه: { فبأي آلاء ربكما } أي الموجد لكما ~~والمربي { تكذبان * } أي بنعمة الإبصار من جهة اليسار أو غيره، فهلا ~~اعتبرتم بهذه الأصول من أنواع الموجودات فصدقتم بالآخرة لعلمكم بهذه ~~البرازخ أن موتتكم هذه برزخ وفصل بين الدنيا والآخرة كالعشاء بين الليل ~~والنهار، ولو استقر أتم ذلك في آيات السماوات والأرض وجدتموه شائعا في ~~جميع الأكوان. # ولما ذكر المنة بالبحر ذكر النعمة بما ينبت فيه كما فعل بالبر، فقال ~~معبرا بالمبني للمفعول لأن كلا من وجوده فيه والتسليط على إخراجه منه ~~خارق من غير نظر إلى مخرج معين، والنعمة نفس الخروج، ولذلك قرأ غير نافع ~~والبصريين بالبناء للفاعل من الخروج: { يخرج منهما } أي بمخالطة العذب ~~الملح من غير واسطة أو بواسطة السحاب، فصار ذلك كالذكر والأنثى، قال ~~الرازي: فيكون العذب العذب كاللقاح للملح، وقال أبو حيان: قال الجمهور: ~~إنما يخرج من الأجاج في المواضع التي يقع فيها الأنهار والمياه العذبة ~~فناسب إسناد ذلك إليهما، وهذا مشهور عند الغواصين، وقال ابن عباس رضي ~~الله عنهما وعكرمة مولاه رضي الله عنه: تكون هذه الأشياء في البحر بنزول ~~المطر لأن الصدف وغيرها تفتح أفواهها للمطر - انتهى. # فتكون الأصداف كالأرحام للنطف وماء البحر كالجسد الغاذي، والدليل ms4825 على ~~أنه من ماء المطر كما قال الأستاذ حمزة الكرماني: إن من المشهور أن السنة ~~إذا أجدبت هزلت الحيتان، وقلت الأصداف والجواهر - انتهى. ثم لا شك في ~~أنهما وإن كانا بحرين فقد جمعها وصف واحد بكونهما ماء، فيسوغ إسناد ~~الخروج إليهما كما يسند خروج الإنسان إلى جميع البلد، وإنما خرج من دار ~~منها كما نسب الرسل إلى الجن والإنس بجمعهما في خطاب واحد فقال: # رسل منكم # [الأنعام: 130] وكذا # وجعل القمر فيهن نورا # [نوح: 16] ومثله كثير { اللؤلؤ } وهو الدر الذي هو في غاية البياض ~~والإشراق والصفاء { والمرجان * } أي القضبان الحمر التي هي في غاية ~~الحمرة، فسبحان من غاير بينهما في اللون والمنافع والكون - نقل هذا القول ~~ابن عطية عن ابن مسعود رضي الله عنه، وقال: وهذا هو المشهور الاستعمال - ~~انتهى، وقال جمع كثير: إن اللؤلؤ كبار الدر والمرجان صغاره. # ولما كان ذلك من جليل النعم، سبب عنه قوله: { فبأي آلاء ربكما } أي ~~المالك لكما الذي هو الملك الأعظم { تكذبان * } مع هذه الصنائع العظمى، ~~أبنعمة البصر من جهة الفوق أو غير ذلك من خلق المنافع في البحار وتسليطكم ~~عليها وإخراج الحلي الغريبة وغيرها. # ولما كان قد ذكر الخارج منه بماء السماء، ذكر السائر عليه بالهواء، ~~وأشار بتقديم الجار إلى أن السائر في الفلك لا تصريف له، وإن ظهر له ~~تصريف فهو لضعفه كلا تصريف، فقال: { وله } أي لا لغيره، فلا تغتروا ~~بالأسباب الظاهرة فتقوا معها فتسندوا شيئا من ذلك إليها كما وقف أهل ~~الاغترار بالشاهد، الذين أجمد أهل الأرض أذهانا وأحقرهم شأنا فقالوا ~~بالاتحاد والوحدة { الجوار } أي السفن الكبار والصغار الفارغة والمشحونة. ~~ولما كانت حياة كل شيء كونه على صفة كماله، وكانت السفن تبنى من خشب مجمع ~~وتوصل حتى تصير على هيئة تقبل المنافع الجمة، وكانت تربى بذلك الجمع كما ~~تربى النبات والحيوان، وكانت ترتفع على البحر ويرفع شراعها وتحدث في ~~البحر بعد أن كانت مستترة بجبال الأمواج قال تعالى: { المنشآت } من نشأ - ~~إذا وربا، والسحابة: ارتفعت، وأصل الناشئ كل ما حدث ms4826 بالليل وبدأ، ومعنى ~~قراءة حمزة وأبي بكر بكسر الشين أنها رافعة شراعها بسبب استمساكها عن ~~الرسوب ومنشئة للسير، ومعنى قراءة الباقين أنه أنشأها الصانع وأرسلها ~~ورفع شراعها. # ولما كانت مع كونها عالية على الماء منغمسة فيه مع أنه ليس لها من نفسها ~~إلا الرسوب والغوص قال: { في البحر } ولما كانت ترى على البعد كالجبال ~~على وجه الماء قال: { كالأعلام * } أي كالجبال الطوال. # ولما كان ما فيها من المنافع بالتكسب من البحر بالصيد وغيره والتوصل إلى ~~البلاد الشاسعة للفوائد الهائلة، وكانت أعمالهم في البحر الإخلاص الذي ~~يلزم منها الإخلاص في البر، لأنهما بالنسبة إلى إبداعه لهما وقدرته على ~~التصرف فيهما بكل ما يريده على حد سواء، سبب عن ذلك قوله: { فبأي آلاء ~~ربكما } أي النعمة العظمى { تكذبان * } أبنعمة البصر من تحتكم أو غيرها ~~من الأسفار، في محل الأخطار، والإنجاء عند الاضطراب والريح في محل ~~الخسار، والإرشاد إلى ذلك بعد خلق مواد السفن وتعليم صنعتها وتسخيرها ~~والفلك لعدصي لوهما (؟) بمثابة جميع الكون، فخدامها كالملائكة في إقامة ~~الملكوت وتحسين تماسكه بإذن ربهم، والمسافرون بها الذين أنشئت لأجلهم ~~وزان المأمورين المكلفين المتهيئين الذين من أجلهم خلقت السماوات والأرض ~~وما بينهما فعبر بهم من غربتهم إلى قرارهم، ومن غيبتهم إلى حضورهم ~~ومشاهدهم، ومدبرها أمرها في أعلاها يأمرهم بأمره فيعدونه ويسمعون له، ثم ~~قد يصرف الاعتبار إلى أن تكون آية على قطع المؤمن أيام الدنيا فالدنيا هي ~~البحر، والسفينة جسمه، وباطن العبد هو المحمول فيها، العقل صاحب سياستها، ~~والقوى خدمتها، وأمر الله وتدبيره محيط بها، والإيمان أمنتها، والتوفيق ~~ريحها، والذكر شراعها، والرسول سائقها بما جاء به من عند ربه، والعمل ~~الطيب يصلح شأنها - ذكر ذلك ابن برجان. # ولما أخبر تعالى أنه خلق السماوات والأرض وما بث فيهما من المنافع من ~~الأعيان والمعاني، واستوفى الأرض بقسميها برا وبحرا، مضمنا ذلك ~~العناصر الأربعة التي أسس عليها المركبات، وكان أعجب ما للمخلوق من ~~الصنائع ما في البحر، وكان راكبه في حكم العدم، دل على أنه المتفرد بجميع ~~ذلك بهلاك ms4827 الخلق، فقال مستأنفا معبرا بالاسمية الدالة على الثبات وب { ~~من } للدلالة على التصريح تهويلا بفتاء العاقل على فناء غير العاقل ~~بطريق الأولى: { كل من عليها } أي الأرض بقسميها والسماء أيضا { فان * } ~~أي هالك ومعدوم بالفعل بعد أن كان هو وغيره من سائر ما سوى إليه، وليس ~~لذل كله من ذاته إلا العدم، فهو فان بهذا الاعتبار، وإن كان موجودا ~~فوجوده بين عدمين أولهما أنه لم يكن، وثانيهما أنه يزول ثم هو فيما بين ~~ذلك يتعاوره الإيجاد والإفناء في حين من أحواله وأعراضه وقواه، وأسباب ~~الهلاك محيطة به حسا ومعنى وهو لا يراها كما أنها محيطة بمن هو في ~~السفينة من فوقه ومن تحته ومن جميع جهاته. ### || [55.27-34] # ولما كان الوجه أشرف ما في الوجود، وكان يعبر به عما أريد به صاحب الوجه ~~مع أنه لا يتصور بقاء الوجه صاحبه، فكان التعبير به عن حقيقة ذلك الشيء ~~أعظم وأدل على الكمال، وكان من المقرر عند أهل الشرع أنه سبحانه ليس ~~كمثله شيء فلا يتوهم أحد منهم من التعبير به نقصا قال: { ويبقى } أي بعد ~~فناء الكل، بقاء مستمرا إلى ما لا نهاية له { وجه ربك } أي المربي لك ~~بالرسالة والترقية بهذا الوحي إلى ما لا يحد من المعارف، وكل عمل أريد به ~~وجهه سبحانه وتعالى خالصا. ولما ذكر مباينته للمخلوقات، وصفه بالإحاطة ~~الكاملة بالنزاهة والحمد، وقال واصفا الوجه لأن المراد به الذات الذي هو ~~أشرفها معبرا به ولأنها أبلغ من " صاحب " وبما ينبه على التنزيه عما ~~ربما توهمه من ذكر الوجه بليد جامد مع المحسوسات يقيس الغائب - الذي لا ~~يعتريه حاجة ولا يلم بجنابه الأقدس نقص - بالشاهد الذي كله نقص وحاجة { ~~ذو الجلال } أي العظمة التي لا ترام وهو صفة ذاته التي تقتضي إجلاله عن ~~كل ما لا يليق به { والإكرام * } أي الإحسان العام وهو صفة فعله. # ولما كان الموت نفسه فيه نعم لا تنكر، وكان موت ناس نعمة على ناس، مع ما ~~ختم به الآية من وصفه بالإنعام قال: { فبأي ms4828 آلاء ربكما } أي المربي لكما ~~على هذا الوجه الذي مآله إلى العدم إلى أجل مسمى { تكذبان * } أي أيها ~~الثقلان الإنس والجان، أبنعمة السمع من جهة الأمام أو غيرها من إيجاد ~~الخلق ثم إعدامهم وتخليف بعضهم في أثر بعض وإيراث البعض ما في يد البعض - ~~ونحو ذلك من أمور لا يدركها على جهتها إلا الله تعالى. # ولما كان أدل دليل على العدم الحاجة، وعلى دوام الوجود الغنى، قال ~~دليلا على ما قبله: { يسئله } أي على سبيل التجدد والاستمرار { من في ~~السماوات } أي كلهم { والأرض } أي كلهم من ناطق أو صامت بلسان الحال أو ~~القال أو بهما، ولما كان كأنه قيل: فماذا يفعل عند السؤال، وكان أقل ~~الأوقات المحدودة المحسوسة { اليوم } عبر به عن أقل الزمان كما عبر به عن ~~أخف الموزونات بالذرة فقال مجيبا لذلك: { كل يوم } أي وقت من الأوقات من ~~يوم السبت وعلى اليهود لعنة الله وغضبه حيث قالوا في السبت ما هو مناف ~~لقوله سبحانه وتعالى: # ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب # [ق: 38] # ولا يؤده حفظهما هو العلي العظيم # [البقرة:255] { هو في شأن } أي من إحداث أعيان وتجديد معان أو إعدام ~~ذلك، قال القشيري: في فنون أقسام المخلوقات وما يجريه عليها من اختلفا ~~الصفات - انتهى. # وهو شؤون يبديها لا شؤون يبتدئها تتعلق قدرته على وفق إرادته على ما ~~تعلق به العلم في الأزل أنه يكون أو يعدم في أوقاته، فكل شيء قانت له ~~خاضع لديه ساجد لعظمته شاهد لقدرته دال عليه { وإن من شيء إلا يسبح ~~يحمده } وذلك التعبير - مع أنه من أجل النعم - أدل دليل على صفات الكمال ~~له وصفات النقص للمتغيرات وأنها عدم في نفسها ولأنها نعم قال: { فبأي ~~آلاء ربكما } أي المربي لكما بهذا التدبير العظيم لكل ما يصلحكما { ~~تكذبان * } أبنعمة السمع من جهة الخلف أو غيرها من تصريفه إياكم فيما ~~خلقكم له هو أعلم به منكم من معايشكم وجميع تقلباتكم، وقد تكررت في هذه ~~الآية المقررة على ms4829 النعم من أولها إلى هنا ثماني مرات عقب النعم إشارة - ~~والله أعلم - إلى أن نعمة الله سبحانه وتعالى لا تحصى لأنها تزيد على ~~السبعة التي هي العدد التام الواحد هو مبدأ لدور جديد من العدد إشارة إلى ~~أنه كلما انقضى منها دور ابتدأ دور آخر، ووجه آخر وهو أن الأخيرة صرح ~~فيها ب { من في السماوات والأرض } والسبع التي قبلها يختص بأهل الأرض ~~إشارة إلى أن أمهات النعم سبع كالسماوات والأرض والكواكب السيارة ونحو ~~ذلك. # ولما انقضى عد النعم العظام على وجه هو في غاية الإمكان من البيان، وكان ~~تغير سائر الممكنات من النبات والجماد والملائكة والسماوات والأرض وما ~~حوتا مما عدا الثقلين على نظام واحد لا تفاوت فيه، وأما الثقلان ~~فأحوالهما لأجل تنازع العقل والشهوات لا تكاد تنضبط، بل تغير حال الواحد ~~منهم في اللحظة الواحد إلى ألوان كثيرة متضادة لما فيهم من المكر وأحوال ~~المغالبة والبغي والاستئثار باللهو بالأمر والنهي، وكان أكثرهم يموت ~~بناره من غير أخذ ثأره، واقتضت الحكمة ولا بد أنه لا بد لهم من يوم ~~يجتمعون فيه يكون بينهما فيه الفصل على ميزان العدل، خصهما بالذكر فقال ~~آتيا في النهاية بالوعيد لأنه ليس للعصاة بعد الإنعام والبيان إلا ~~التهديد الشديد للرجوع إلى طاعة الملك الديان، والالتفات في قراءة ~~الجماعة بالنون إلى التكلم أشد تهديدا من قراءة حمزة والكسائي بالتحتية ~~على نسق ما مضى: { سنفرغ } أي بوعد قريب لا خلف فيه من جميع الشؤون التي ~~ذكرت { لكم } أي نعمل علم من يفرغ للشيء فلا يكون له شغل سواه بفراغ ~~جنودنا من الملائكة وغيرهم مما أمرناهم به مما سبقت به كلمتنا ومضت به ~~حكمتنا من الآجال والأرزاق وغير ذلك فينتهي كله ولا يكون لهم حينئذ عمل ~~إلا جمعكم ليقضي بينكم: { أيه الثقلان * } بالنصفة، والثقل هو ما يكون ~~به قوام صاحبه، فكأنهما سميا بذلك تمثيلا لهما بذلك إشارة إلى أنهما ~~المقصودان بالذات من الخلائق، وقال الرازي في اللوامع: وصفا بذلك يعظم ~~ذلك شأنهما، كأن ما عداهما لا وزن ms4830 له بالإضافة إليهما - انتهى. # وهذا كما قال صلى الله عليه وسلم # " إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي " # وقال جعفر الصادق: سميا بذلك لأنهما مثقلان بالذنوب. # ولما كان هذا من أجل النعم التي يدور عليها العباد، ويصلح بها البلاد، ~~وتقوم بها السماوات والأرض، لأن مطلق التهديد يحصل به انزجار النفس عما ~~لها من الانتشار فيما يضر ولا ينفع، فكيف بالتهديد بيوم الفصل قال: { ~~فبأي آلاء ربكما } أي المحسن إليكما بهذا الصنع المحكم { تكذبان * } ~~أبنعمة السمع عن اليمين أو بغيرها من إثابة أمل طاعته وعقوبة أمل معصيته، ~~وسمى ابن برجان هذا الإخبار الذي لا نون جمع فيه خطاب القبض يخبر فيه عن ~~موجوداته وما هو خالقه، قال: وذلك إخبار منه عن محض الوحدانية، وما قبله ~~من { سنفرغ } ونحوه وما فيه نون الجمع إخبار عن وصف ملكوته وجنوده وهو ~~خطاب البسط. # ولما كان التهديد بالفراغ ربما أوهم أنهم الآن معجوز عنهم أو عن بعض ~~أمرهم، بين بخطاب القبض المظهر لمحض الواحدانية أنهم في القبضة، لا فعل ~~لأحد منهم بدليل أنهم لا يصلون إلى جميع مرادهم مما هو في مقدورهم، ولكنه ~~ستر ذلك بالأسباب التي يوجد التقيد بها إسناد الأمور إلى مباشرتها فقال ~~بيانا للمراد بالثقلين: { يا معشر } أي يا جماعة فيهم الأهلية والعشرة ~~والتصادق { الجن } قدمهم لمزيد قوتهم ونفوذهم في المسام وقدرتهم على ~~الخفاء والتشكل في الصور بما ظن أنهم لا يعجزهم شيء { والإنس } أي الخواص ~~والمستأنسين والمؤانسين المبني أمرهم على الإقامة والاجتماع. # ولما بان بهذه التسمية المراد بالتثنية، جمع دلالة على كثرتهم فقال: { ~~إن استطعتم } أي إن وجدت لكم طاعة الكون في { أن تنفذوا } أي تسلكوا ~~بأجسامكم وتمضوا من غير مانع يمنعكم { من أقطار } أي نواحي { السماوات ~~والأرض } التي يتخللها القطر لسهولة انفتاحها لشي تريدونه من هرب من الله ~~من إيقاع الجزاء بينكم، أو عصيان عليه في قبول أحكامه وجري مراداته ~~وأقضيته عليكم من الموت وغيره أو غير ذلك { فانفذوا } وهذا يدل على أن كل ~~واحدة منها محيطة بالأخرى لأن النفوذ ms4831 لا يكون حقيقة إلا مع الخرق. # ولما كان نفوذهم في حد ذاته ممكنا ولكنه منعهم من ذلك بأنه لم يخلق في ~~أحد منهم قوته ولا سيما وقد منعهم منه يوم القيامة بأمور منها إحداق أهل ~~السماوات السبع بهم صفا بعد صف وسرادق النار قد أحاط بالكافرين ولا منفذ ~~لأحد إلا على الصراط ولا يجوزه إلا كل ضامر يخف، أشار إليه بقوله ~~مستأنفا: { لا تنفذون } أي من شيء من ذلك { إلا بسلطان } إلا بتسليط ~~عظيم منه سبحانه بأمر قاهر وقدرة بالغة وأنى لكم بالقدرة على ذلك، قال ~~البغوي: وفي الخبر: يحاط على الخلق بالملائكة وبلسان من نار ثم ينادون: ~~يا معشر الجن الآية. # انتهى، وهذا حكاية ما يكون من ذلك يوم القيامة لا أنه خاص بهم. # ولما كان هذا نظرهم فيما بينهم وبين بقية الحيوانات بما أعطاهم من القوى ~~الحسية والمعنوية وما نصب لهم، المصاعد العقلية والمعارض النقلية التي ~~ينفذون بها إلى غاية الكائنات ويتخللون بما يؤديهم إليه علمها إلى أعلى ~~المخلوقات، ثم نظرهم فيما بين الحيوانات وبين النباتات ثم بينها وبين ~~الجمادات دالا دلالة واضحة على أنه سبحانه وتعالى يعطي من يشاء من ~~يشاء، فلو أراد قواهم على النفوذ منها، ولو قواهم على ذلك لكان من أجل ~~النعم، وأنه سبحانه قادر على ما يريد منهم، فلو شاء أهلكهم ولكنه يؤخرهم ~~إلى آجالهم حلما منه وعفوا منه عنهم، سبب عن ذلك قوله: { فبأي آلاء ~~ربكما } أي المحسن إليكما المربي لكما بما تعرفون به قدرته على كل ما ~~يريد { تكذبان * } أبنعمة السمع من جهة اليسار أو غيرها من جعلكم سواء في ~~أنكم لا تقدرون على مخالفة مراده سواء ابتدأ بخلقكم أو اليوم المشهود وقد ~~أشهدكم قبل على أنفسكم وعهد إليكم أو بتكشيط السماوات وقد شاهدتم تكشيط ~~السحاب بعد بسطه أو بالجزاء وقد رأيتم الجزاء العاجل وشاهدتم ما أصاب ~~الأمم الماضية. ### || [55.35-45] # ولما سلب عنهم القدرة على النفوذ المذكور تنبيها على سلب جميع القدرة ~~عنهم وعلى أن ما يقدرون عليه إنما هو بتقديره ms4832 لهم نعمة منه عليهم، ولما ~~كان منهم من بلغ الغاية في قسوة القلب وجمود الفكر فهو يحيل العجز عن بعض ~~الأمور إلى أنه لم يجر بذلك عادة، لا إلى أنه سبحانه المانع من ذلك، ~~فعمهم شيء من ذلك سطوته فقال { يرسل عليكما } أي أيها المعاندون، قال ابن ~~عباس رضي الله عنهما: حين تخرجون من القبور بسوقكم إلى المحشر { شواظ } ~~أي لهب عظيم منتشر مع التضايق محيط بكم من كل جانب له صوت شديد كهيئته ذي ~~الخلق الضيق الشديد النفس. # ولما كان الشواظ يطلق على اللهب الذي لا دخان فيه وعلى دخان النار وحرها ~~وعلى غير ذلك، بينه بقوله: { من نار ونحاس } أي دخان هو في غاية الفظاعة ~~فيه شرر متطاير وقطر مذاب، قال ابن جرير: والعرب تسمي الدخان نحاسا بضم ~~النون وكسرها، وأجمع القراء على ضمها - انتهى. وجرها أبو عمرو وابن كثير ~~عطفا على { نار } ورفعه الباقون عطفا على { شواظ }. # ولما كان ذلك ممكنا عقلا وعادة، وكانوا عارفين بأنهم لو وقعوا في مثل ~~ذلك لم يتخلصوا منه بوجه، سبب عنه قوله: { فلا تنصران * } قال ابن برجان: ~~هذا مصداق قول رسول الله صلى الله عليه وسلم # " يخرج عنق من نار فيقول بكل جبار عنيد فيلتقطهم من بين الجمع لقط ~~الحمام حب السمسم، ويغشي المجرمين دخان جهنم من بين المؤمنين ولا يضرهم، ~~وآية الشواظ وعنق النار هنالك صواعق ما هنا وبروقه والنار المعهودة ". # ولما كان التهديد بهذا لطفا بهم فهو نعمة عليهم والعفو عن المعالجة ~~بإرسالة لذلك، سبب عنه قوله: { فبأي آلاء ربكما } أي المربي لكما بدفع ~~البلايا وجلب المنافع { تكذبان * } أبنعمة السمع من فوق أو غيرها، ألم ~~يكن لكم فيما شهدتموه في الدنيا من دلائل ذلك وآياته ما يوجب لكم ~~الإيمان. ولما كان هذا مما لم تجر عادة بعمومه وإن استطردت بجريانه منه ~~في أشياء منه في أماكن متفرقة كأشخاص كثيرة، بين لهم وقته بقوله: { فإذا ~~} أي فيتسبب عن هذا الإرسال إنه إذا { انشقت السماء } من هوله وعظمته ~~فكانت أبوابا لنزول ms4833 الملائكة وغيرهم، وغير ذلك من آيات الله { فكانت } ~~لما يصيبها من الحر { وردة } أي حمراء مشرقة من شدة لهيبه، وقال البغوي: ~~كلون الفرس الورد وهو الأبيض الذي يضرب إلى حمرة وصفرة. { كالدهان } أي ~~ذائبة صافية كالشيء الذي يدهن به أو كالأديم الأحمر والمكان الزلق، وآية ~~ذلك في الدنيا الشفقان عند الطلوع وعند الغروب، وجواب { إذا } محذوف ~~تقديره: علمتم ذلك علما شهوديا أو فما أعظم الهول حينئذ ونحو ذا أن ~~يكون الجواب شيئا دلت عليه الآيات الآتية نحو: فلا يسأل أحد إذ ذاك عن ~~ذنبه، وحذفه أفخم ليذهب الوهم فيه كل مذهب. # ولما كان حفظ السماء عن مثل ذلك بتأخير إرسال هذا وغيره من الأسباب ~~وجعلها محل الروح والحياة والرزق من أعظم الفواضل قال مسببا عنه: { ~~فبأي آلاء ربكما } أي المربي لكما هذا التدبير المتقن { تكذبان * } ~~أبنعمة السمع من تحت أو غيرها وليس شيء بما أخبرتكم به من أحوال الآخرة ~~إلا قد أقمت لكم في الدنيا ما تهتدون به إلى العلم بكونه. ولما كان يوم ~~القيامة ذا ألوان كثيرة ومواقف مهولة طويلة شهيرة تكون في كل منها شؤون ~~عظيمة وأمور كبيرة، ذكر بعض ما سببه هذا الوقت من التعريف بالعاصي ~~والطائع بآيات جعلها الله سببا في علمها فقال: { فيومئذ } أي فسبب عن ~~يوم انشقت السماء لأنه { لا يسئل } سؤال تعرف واستعلام بل سؤال تقريع ~~وتوبيخ وكلام، وذلك أنه لا يقال له: هل فعلت كذا؟ بل يقال له: لم فعلت ~~كذا، على أنه ذلك اليوم طويل، وهو ذو ألوان تارة يسأل فيه وتارة لا يسأل، ~~والأمر في غاية الشدة، وكل لون من تلك الألوان يسمى يوما، فقد مضى في ~~الفاتحة أن اليوم عبارة عن وقت يمتد إلى انقضاء أمر مقدر فيه ظاهر من ليل ~~أو نهار أو غيرهما لقوله تعالى # إلى ربك يومئذ المساق # [القيامة: 30] أي يوم إذا بلغت الروح التراقي وهو لا يختص بليل ولا ~~نهار، وبناه للمفعول تعظيما للأمر بالإشارة إلى أن شأن المعترف بالذنب ~~لا يكون خاصا بعهد دون ms4834 عهد بل يعرفه كل من أراد علمه، وأضمر قبل الذكر ~~لما هو مقدم في الرتبة ليفهم الاختصاص فوجد الضمير لأجل اللفظ فقال: { عن ~~ذنبه } أي خاصة وقد سئل المحسن عن حسنته سؤال تشريف له وتنديم لمن دونه. # ولما كان الإنس أعظم مقصود بهذا، ولهذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم ~~منهم، وكان التعريف بالشاهد المألوف أعظم في التعريف، وكان علم أحوال ~~الشيء الظاهر أسهل، قدمهم فقال: { إنس } ولما كان لا يلزم من علم أحوال ~~الظاهر علم أحوال الخفي، بين أن الكل عليه سبحانه هين فقال: { ولا جان * ~~} ولما كان هذا التمييز من أجل النعم لئلا يؤدي الالتباس إلى ترويع بعض ~~المطيعين عاملا أو نكاية بالسؤال عنه قال: { فبأي آلاء ربكما } أي ~~الذي ربى كلا منكم بما لا مطمع في إنكاره ولا خفاء فيه { تكذبان * } ~~أبنعمة الشم من الأمام أم من غيرها. # ولما كان الكلام عاما عرف انه خاص بتعرف المجرم من غيره دون التعزير ~~بالذنب أو غيره من الأحوال فقال معللا لعدم السؤال: { يعرف } أي لكل أحد ~~{ المجرمون } أي العريقون في هذا الوصف { بسيماهم } أي العلامات التي صور ~~الله ذنوبهم فيها فجعلها ظاهرة بعد أن كانت باطنة، وظاهرة الدلالة عليهم ~~كما يعرف أن الليل إذا جاء لا يخفى على أحد أصلا وكذلك النهار ونحوهما ~~لغير الأعمى، وتلك السيما - والله أعلم - زرقة العيون وسواد الوجوه ~~والعمى والصمم والمشي على الوجوه ونحو ذلك، وكما يعرف المحسنون بسيماهم ~~من بياض الوجوه وإشراقها وتبسمها، والغرة والتحجيل ونحو ذلك، وسبب عن هذه ~~المعرفة قوله مشيرا بالبناء للمفعول إلى سهولة الأخذ من أي آخذ كان { ~~فيؤخذ بالنواصي } أي منهم وهي مقدمات الرؤوس { والأقدام * } بعد أن يجمع ~~بينهما كما أنهم كانوا هم يجمعون ما أمر الله به أن يفرق، ويفرقون ما أمر ~~الله به أن يجمع، فيسحبون بها سحبا من كل ساحب أقامه الله لذلك لا ~~يقدرون على الامتناع بوجه فيلقون في النار. # ولما كان ذلك نعمة لا يقام بشكرها لكل من يسمعها لأن كل أحد ينتفي ms4835 من ~~الإجرام ويود للمجرمين عظيم الانتقام، سبب عنه قوله: { فبأي آلاء ربكما ~~} أي النعم الكبار من الذي دبر مصالحكم بعد أن أوجدكم { تكذبان * } ~~أبنعمة الشم من الوراء أم بغيرها مما يجب أن يفعل من الجزاء في الآخرة ~~لكل شخص بما كان يعمل في الدنيا أو غير ذلك من الفضل. # ولما كان أخذهم على هذا الوجه مؤذنا بأنه يصير إلى خزي عظيم، صرح به في ~~قوله، بانيا على ما هدى إليه السياق من نحو: أخذا مقولا فيه عند ~~وصولهم إلى محل النكال على الحال التي ذكرت من الأخذ بنواصيهم وأقدامهم، ~~{ هذه } أي الحفرة العظيمة الكريهة المنظر " القريبة منكم " الملازمة ~~للقرب لكم { جهنم التي يكذب } أي ماضيا وحالا ومآلا استهانة # ولو ردوا # [الأنعام:28] - إلى الدنيا - بعد إدخالهم إياها - # لعادوا لما نهوا عنه # [الأنعام: 28] { بها المجرمون * } أي العريقون في الإجرام، وهو قطع ما ~~من حقه أن يوصل وهو ما أمر الله به، وخص هذا الاسم إشارة إلى أنها تلقاهم ~~بالتجهم والعبوسة والكلاحة والفظاظة كما كانوا يفعلون مع الصالحين عند ~~الإجرام المذكور، قال ابن برجان: وقرأ عبد الله " هذه جهنم التي كنتم بها ~~تكذبان فتصليانها لا تموتان فيها ولا تحييان " ثم استأنف ما يفعل بهم ~~فيها فقال: { يطوفون بينها } أي بين دركة النار التي تتجهمهم { وبين حميم ~~} أي ماء حار هو من شدة حرارته ذو دخان. # ولما كان هذا الاسم يطلق على البارد، بين أمره فقال: { آن } أي بالغ حره ~~إلى غاية ليس وراءها غاية، قال الرازي في اللوامع: وقيل: حاضر، وبه سمي ~~الحال بالآن لأنه الحاضر الموجود، فإن الماضي لا تدارك له والمستقبل أمل ~~وليس لنا إلا الآن، ثم " الآن " ليس بثابت طرفة عين، لأن الآن هوالجزء ~~المشترك بين زمانين، فهم دائما يترددون بين عذابي النار المذيبة للظاهر ~~والماء المقطع بحره للباطن لا يزال حاضرا لهم تردد الطائف الذي لا أول ~~لتردده ولا آخر. # ولما كانت عذاب المجرم - القاطع لما من شأنه أن يكون متصلا - من أكبر ~~النعم وأسرها لكل أحد حتى لمن ms4836 سواه من المجرمين، سبب قوله: { فبأي آلاء ~~ربكما } أي المحسن إليكما أيها الثقلان بإهلاك المجرم في الدارين وإنجاء ~~المسلم مما أهلك به المجرم لطفا بالمهددين ليرتدعوا وينزجروا عما يكون ~~سبب إهلاكهم هم ومن والاهم { تكذبان * } أبنعمة الشم من اليمين أمن من ~~غيرها مما أراكم من آياته، وظاهر عليكم من بيناته، في السماوات والأرض، ~~وما أراكم من مطالع الدنيا من الشمس التي هي آية النهار والقمر الذي هو ~~آية الزمهرير، وغير ذلك من آياته المحكمة المرئية المسموعة، وقد كررت هذه ~~الآية عقب ذكر النار وأهوالها سبع مرات تنبيها على استدفاع أبوابها ~~السبعة كما مضى - والله المستعان. ### || [55.46-57] # ولما كان قد عرف ما للمجرم المجترئ على العظائم، وقدمه لما اقتضاه مقام ~~التكبر من الترهيب وجعله سبعا إشارة إلى أبواب النار السبعة، عطف عليه ~~ما للخائف الذي أداه خوفه إلى الطاعة وجعله ثمانية على عدد أبواب الجنة ~~الثمانية فقال: { ولمن } أي ولكل من، ووحد الضمير مراعاة للفظ { من } ~~إشارة إلى قلة الخائفين { خاف } أي من الثقلين. # ولما كان ذكر الخوف من الزمان المضروب للحساب والتدبير والمكان المعد ~~لهما أبلغ من ذكر الخوف من الملك المحاسب المدبر، والخوف مع ذكر وصف ~~الإكرام أبلغ من ذكر الخوف عند ذكر أوصاف الجلال، قال دالا بذلك على أن ~~المذكور رأس الخائفين: { مقام ربه } أي مكان قيامه الذي يقيمه وغيره فيه ~~المحسن إليه للحكم وزمانه الذي ضربه له وقيامه عليه وعلى غيره بالتدبير، ~~فهو رقيب عليه وعليهم، فكيف إذا ذكر مقام المنتقم الجبار المتكبر فترك ~~لهذا ما يغضبه وفعل ما يرضيه { جنتان } عن يمين وشمال، واحدة للعلم ~~والعقل وأخرى للعمل، ويمكن أن يراد بالتثنية المبالغة إفهاما لأنها جنان ~~متكررة ومتكثرة مثل # ألقيا في جهنم كل كفار عنيد # [ق: 24] ونحو ذلك. # ولما كانت هذه نعمة جامعة، سبب عنها قوله: { فبأي آلاء ربكما } أي نعم ~~المربي لكما والمحسن إليكم بإحسانه الكبار التي لا يقدر غيره على شيء ~~منها { تكذبان * } أبنعمة الشم من اليسار المنبعثة من القلب أو غيرها من ~~تربة ms4837 جنان الدنيا بنفس جهنم من حر الشمس وحرورها، فجعل من ذلك جميع ~~الفواكه والزروع إلى غير ذلك من المرافق التي طبخها بها # وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون # [يوسف: 105] وغير ذلك من نعمه التي لا تحصى. # ولما كانت البساتين لا يكمل مدحها إلا بكثرة الأنواع والألوان والفروع ~~المشتبكة والأغصان، قال واصفا لهما: { ذواتا } أي صاحبتا برد عين الكلمة ~~فإن أصلها " ذوو " { أفنان * } أي جميع فن يتنوع فيه الثمار، وفنن وهو ~~الغصن المستقيم طولا الذي تكون به الزينة بالورق والثمر وكمال الانتفاع، ~~قال عطاء: في كل غصن فنون من الفاكهة؛ ولهذا سبب عنه قوله: { فبأي آلاء ~~ربكما } أي المربي لكما والمحسن إليكما { تكذبان * } أبنعمة الشم من جهة ~~الفوق أو غيرها مما ذكره لكم من وصف الجنة الذي جعل لكم من أمثاله ما ~~تعتبرون به. # ولما كانت الجنان لا تقوم إلا بالأنهار قال: { فيهما عينان } أي في كل ~~واحدة عين { تجريان * } أي في كل مكان شاء صاحبهما وإن علا مكانه كما ~~تصعد المياه في الأشجار في كل غصن منها، وإن زاد علوها جرى على عيني ~~دموعه الجاريتين من خشية الله وذلك على مثال جنان الدنيا، والشمس صاعدة ~~في البروج الشمالية من تكامل المياه وتفجرها عيونا في أيام الربيع ~~والصيف لقرب العهد بالأمطار { فبأي آلاء ربكما } أي المالك لكما والمحسن ~~إليكما { تكذبان * } أبنعمة الشم من جهة التحت أو غيرها مما ذكره وجعل له ~~في الدنيا أمثالا كثيرا. # ولما كان بالمياه حياة النبات وزكاؤه، قال ذاكرا أفضل النبات: { فيهما ~~} أي هاتين الجنتين العاليتين، ودل على جميع كل ما يعلم وزيادة بقوله: { ~~من كل فاكهة } أي تعلمونها أو لا تعلمونها { زوجان } أي صنفان يكمل ~~أحدهما بالآخر كما لا يدرك كنه أحد الزوجين بسبب العمل بما يرضى والآخر ~~بالانتهاء عما يسخط { فبأي آلاء ربكما } أي النعم الكبار التي رباها ~~الموجد لكما المحسن إليكما { تكذبان * } أبنعمة اللمس من الأمام أو غيرها ~~من أنه أوجد لكما جنان الدنيا بواسطة حر النار التي هي ms4838 أعدى عدوكما إشارة ~~إلى أنه قادر على أنه يوجد برضوانه ومحبته من موضع غضبه وانتقامه ~~إكراما، فقد جعل ما في الدنيا مثالا لما ذكر في الآخرة، فبأي شيء من ~~ذلك تكذبان، لا يكمل الإيمان حتى يصدق المؤمن أنه تعالى قادر على أن يجعل ~~من جهنم جنة بأن يجعل من موضع سخطه رحمة ويشاء ذلك ويعتبر ذلك بما أرانا ~~من نموذجه. # ولما كان التفكه لا يكمل حسنه إلا مع التنعم من طيب الفرش وغيره، قال ~~مخبرا عن الذين يخافون مقام ربهم من قبيلي الإنس والجن مراعيا معنى { ~~من } بعد مراعاة لفظها تحقيقا للواقع: { متكئين } أي لهم ما ذكر في حال ~~الاتكاء وهو التمكين بهيئة المتربع أو غيره من الكون على جنب، قال في ~~القاموس: توكأ عليه: تحمل، واعتمد كأوكأ، والتكأة كهمزة: العصا، وما ~~يتوكأ عليه، وضربه فأتكأه: ألقاه على هيئة المتكئ أو على جانبه الأيسر، ~~وقال ابن القطاع: وضربته حتى أتكأته أي سقط على جانبه، وهو يدل على تمام ~~التنعم بصحة الجسم وفراغ البال { على فرش } وعظمها بقوله مخاطبا ~~للمكلفين بما تحتمل عقولهم وإلا فليس في الجنة ما يشبهه على الحقيقة شيء ~~من الدنيا { بطائنها } أي فما ظنك بظواهرها ووجوهها { من إستبرق } وهو ~~ثخين الديباج يوجد فيه من حسنه بريق كأنه من شدة لمعانه يطلب إيجاده حتى ~~كأنه نور مجرد. # ولما كان المتكىء قد يشق عليه القيام لتناول ما يريد قال: { وجنا ~~الجنتين } أي مجنيهما اسم بمعنى المفعول - كأنه عبر به ليفهم سهولة نفس ~~المصدر الذي هو الاجتناء { دان * } أي قريب من كل من يريده من متكىء ~~وغيره لا يخرج إلى صعود شجرة، وموجود من كل حين يراد غير مقطوع ولا ~~ممنوع. # ولما كان ربما وجد مثل من ذلك شاهد له من أغصان تنعطف بجملتها فتقرب ~~وأخرى تكون قريبة من ساق الشجرة فيسهل تناولها قال: { فبأي آلاء ربكما ~~} أي النعم الكبار الملوكية التي أوجدها لكما هذا المربي لكما الذي يقدر ~~على كل ما يريد { تكذبان * } أبنعمة اللمس من جهة الوراء أم ms4839 غيرها من ~~قدرته على عطف الأغصان وتقريب الثمار. # ولما كان ما ذكر لا تتم نعمته إلا بالنسوان الحسان، قال دالا على ~~الكثرة بعد سياق الامتنان بالجمع الذي هو أولى من التثنية بالدلالة على ~~أن في كل بستان جماعة من النسوان، لما بهن من عظيم اللذة وفرط الأنس: { ~~فيهن } أي الجنان التي علم مما مضى أن لكل فرد من الخائفين منها جنتين. ~~ولما كان سياق الامتنان معرفا بأن جمع القلة أريد به الكثرة مع ما ذكر ~~من محسناته في سورة " ص " قال معبرا به: { قاصرات الطرف } أي نساء ~~مخدرات هن في وجوب الستر بحيث يظن من ذكرهن بغير الوصف من غير تصريح، قد ~~قصرن طرفهن وهممهن على أزواجهن ولهن من الجمال ما قصرن به أزواجهن عن ~~الالتفات إلى غيرهن لفتور الطرف وسحره وشدة أخذه للقلوب جزاء لهم على قصر ~~هممهم في الدنيا على ربهم. # ولما كان الاختصاص بالشيء لا سيما المرأة من أعظم الملذذات قال: { لم ~~يطمثهن } أي يجامعهن ويتسلط عليهن في هذا الخلق الذي أنشئن فيه نوع من ~~أنواع السلطة سواء من إنسيات أو جنيات أو غير ذلك، يقال: طمثت المرأة ~~كضرب وفرح: حاضت، وطمثها الرجل: افتضها وأيضا جامعها، والبعير عقلته، ~~فكأنه قيل: هن أبكار لم يخالط موضع الطمث منهن { إنس } ولما كان المراد ~~تعميم الزمان أسقط الجار فقال: { قبلهم } أي المتكئين { ولا جان * } وقد ~~جمع هذا كل من يمكن منه جماع من ظاهر وباطن، وفيه دليل على أن الجني يغشى ~~الإنسي كما نقل عن الزجاج { فبأي آلاء ربكما } أي النعم الجسام من ~~المربي الكامل العلم الشامل القدرة القيوم { تكذبان * } أبنعمة اللمس من ~~جهة اليمنى أم غيرها مما جعله الله لكم مثالا لهذا من الأبكار الحسان، ~~أو غير ذلك من أنواع الإحسان. ### || [55.58-65] # ولما دل ما تقدم من وصف المستمتع بهن بالعزة والنفاسة، زاده على وجه ~~أفاد أنه يكون بهن غاية ما يكون من سكون النفس وقوة القلب وشدة البدن ~~واعتدال الدم وغير ذلك من خواص ما شبههن به فقال: ms4840 { كأنهن الياقوت } الذي ~~هو في صفاته بحيث يشف عن سلكه وهو جوهر معروف، قال في القاموس: أجوده ~~الأحمر الرماني نافع للوسواس والخفقان وضعف القلب شربا ولجمود الدم ~~تعليقا: { والمرجان * } في بياضه، وصغار الدر أنصع بياضا، قال أبو عبد ~~الله القزاز: والمرجان صغار اللؤلؤ، وهذا الذي يخرج من نبات البحر أحمر ~~معروف - انتهى. وقد يستفاد من ذلك أن ألوانهن البياض والحمرة على نوع من ~~الإشراب هو في غاية الإعجاب من الشفوف والصفاء، وهو مع ذلك ثابت لا ~~يعتريه تغير ليطابق الحديث الذي فيه # " يرى مخ ساقها من وراء سبعين حلة " # وقال أبو حيان: شبههن بهما فيما يحسن التشبيه به فالياقوت في املاسه ~~وشفوفه والمرجان في املاسه وجمال منظره { فبأي آلاء ربكما } أي النعم ~~الغريبة البالغة في الحسن من المالك الملك المربي ببدائع التربية { ~~تكذبان * } أبنعمة اللمس من جهة اليسرى أم غيرها مما جعله مثالا لما ذكر ~~من وصفهن من تشبيه شيء بشيئين لبلوغ الأمر في الحسن إلى حد لا يساويه فيه ~~شيء واحد ليشبه به، فهو كما قيل: بيضاء في دعج صفراء في نعج كأنها فضة قد ~~شابها ذهب، وقد جعل سبحانه الأشياء الشفافة مثلا لذلك وأنت ترى بعض ~~الأجسام يكاد يرى فيه الوجه بل في سواد العين أعظم غرة حيث يرى فيه الوجه ~~فإن السواد منشأ الظلام. # ولما كان ألذ ما أفاده الإنسان من النعم ما كان تسبب منه، قال سارا لهم ~~بذلك مع ما فيه من لذة المدح لا سيما والمادح الملك الأعلى، معظما له ~~بسياق الاستفهام المفيد للإثبات بعد النفي المفيد للاختصاص على وجه ~~الإنكار الشديد على من يتوهم غير ذلك: { هل جزاء الإحسان } أي في العمل ~~الكائن من الإنس أو الجن أو غيرهم { إلا الإحسان * } أي في الثواب، فهذا ~~من المواضع التي أعيدت فيها المعرفة والمعنى مختلف، روى البغوي بسنده عن ~~أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " هل تدرون ما قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: يقول: هل جزاء ~~من أنعمت ms4841 عليه بالتوحيد إلا الجنة " # وذلك جزاء إحسان العبد في العمل في مقابلة إحسان ربه إليه بالتربية { ~~فبأي آلاء ربكما } أي النعم العظيمة الحسن من السيد الكريم العظيم ~~الرحيم الجامع لأوصاف الكمال { تكذبان * } أبنعمة اللمس من جهة الفوق أم ~~غيرها مما جعله الله سبحانه مثالا في أن من أحسن قوبل بمثل إحسانه، وهذه ~~الآية ختام ثمان آيات حاثة على العمل الموصل إلى الثمانية الأبواب ~~الكائنة لجنة المقربين - والله الهادي. # ولما كان قد علم مما ذكر أول هذا الكلام من الخوف مع ذكر وصف الإكرام، ~~وآخره من ذكر الإحسان أن هذا الفريق محسنون، وكان من المعلوم أن العاملين ~~طبقات، وأن كل طبقة أجرها على مقدار أعمالها، اقتضى الحال بيان ما أعد ~~لمن دونهم: { ومن دونهما } أي من أدنى مكان، رتبة مما تحت جنتي هؤلاء ~~المحسنين المقربين { جنتان * } أي لكل واحد لمن دون هؤلاء المحسنين من ~~الخائفين وهم أصحاب اليمين، قال ابن عباس رضي الله عنهما: دونهما في ~~الدرج، وجعل ابن برجان الأربع موزعة بين الكل، وأن تخصيص هذه العدة إشارة ~~إلى أنها تكون جامعة لما في فصول الدنيا الأربعة: الشتاء والربيع والصيف ~~والخريف، وفسر بذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم # " جنتان من ذهب أوتيتهما وما فيهما وجنتان من فضة أوتيتهما وما فيهما " # ثم جوز أن يكون المراد بالدون الأدنى إلى الإنسان، وهو البرزخ، فتكون ~~هاتان لأهل البرزخ كما كان { وإن للذين ظلموا عذابا دون ذلك } من عذاب ~~القبر { فبأي آلاء ربكما } أي المحسن بنعمه السابغة إلى الأعلى ومن ~~دونه { تكذبان * } أبنعمة اللمس من جهة التحت أم غيرها مما جعله الله في ~~الدنيا مثالا لهذا من أن بعض البساتين أفضل من بعض إلى غير ذلك من أنواع ~~التفضيل. # ولما كان ما في هاتين من الماء دون ما في الباقيتين، فكان ربما ظن أن ~~ماءهما لا يقوم بأعلى كفايتهما قال: { مدهامتان * } أي خضراوان خضرة تضرب ~~من شدة الري إلى السواد، من الدهمة، قال الأصبهاني: الغالب على هاتين ~~الجنتين النبات والرياحين المنبسطة على وجه ms4842 الأرض وفي الأوليين الأشجار ~~والفواكه { فبأي آلاء ربكما } أي نعم المحسن إلى العالي منكما ومن دونه ~~بسعة رحمته { تكذبان * } أبنعمة الذوق من جهة الأمام أم غيرها مما جعله ~~مثالا لذلك من جنان الدنيا الكثيرة الري وغيره. ### || [55.66-78] # ولما كان ذكر ما يدل على ريهما، حققه بقوله: { فيهما } أي في كل جنة لكل ~~شخص منهم { عينان نضاختان * } أي تفوران بشدة توجب لهما رشاش الماء بحيث ~~لا ينقطع ذلك، ولم يذكر جريهما فكأنهما بحيث يرويان جنتهما ولا يبلغان ~~الجري، والنضخ دون الجري وفوق النضخ، قال الأصبهاني: وأصل النضخ بالمعجمة ~~- انتهى. وكأنهما لمن تغرغر عيناه بالدمع فتمتلئان من غير جري، وقال ابن ~~برجان ما معناه إن حر (؟) عدم جريهما لكونهما على مثال جنة خريف ما ههنا ~~وشتاء به لبعد عهدهما بنزول الماء وسكنا في أعماق الأرض لينعكس بالنبع ~~والفوران صاعدا مع أن الجنة لا مطر فيها { فبأي آلاء ربكما } أي نعم ~~المربي البليغ الحكمة في التربية { تكذبان * } أبنعمة الذوق من جهة ما ~~وراء اللسان أم غيرها مما جعله مثالا لذلك من الأعين التي تفور ولا تجري ~~والأنابيب المصنوعة للفوران لأنها بحيث تروق ناظرها لصعودها بقوة نبعها ~~وترشيشها من النعم الكبار. ولما ذكر الري والسبب فيه، ذكر ما ينشأ عنه ~~فقال: { فيهما فاكهة } أي من كل الفاكهة، وخص أشرفها وأكثرها وجدانا في ~~الخريف والشتاء كما في جنان الدنيا التي جعلت مثالا لهاتين الجنتين ~~فقال: { ونخل ورمان * } فإن كلا منهما فاكهة وإدام، فلذا خص تشريفا ~~وتنبيها على ما فيهما من التفكه وأولاهما أعم نفعا وأعجب خلقا فلذا ~~قدم { فبأي آلاء ربكما } أي نعم المحسن إليكما أيها الثقلان بجليل ~~التربية { تكذبان * } أبنعمة الذوق من اليمين أم من غيرها مما جعل مثالا ~~لهذا من جنان الدنيا وغير ذلك. # ولما كان ما ذكر لا تكمل لذته إلا بالأنيس، وكان قد ورد أنه يكون في بعض ~~ثمار الجنة وحمل أشجارها نساء وولدان كما أن أمثال ذلك في بطن مياه ~~الدنيا # وجعلنا من الماء كل شيء حي # [الأنبياء: 30] قال جامعا ms4843 على نحو ما مضى من الإشارة إلى أن الجنتين ~~لكل واحد من أفراد هذا الصنف: { فيهن } أي الجنان الأربع أو الجنان التي ~~خصت للنساء، وجوز ابن برجان أن يكون الضمير للفاكهة والنخل والرمان فإنه ~~يتكون منها نساء وولدان في داخل قشر الرمان ونحوه { خيرات } أي نساء بليغ ~~ما فيهن من الخير، أصله خير مثقلا لأن " خير " الذي للتفضيل لا يجمع جمع ~~سلامة، ولعله خفف لاتصافهن بالخفة في وجودهن وجميع شأنهن، ولكون هاتين ~~الجنتين دون ما قبلهما { حسان * } أي في غاية الجمال خلقا وخلقا { ~~فبأي آلاء ربكما } أي نعم الكامل الإحسان إليكما { تكذبان * } أبنعمة ~~الذوق من جهة اليسار أمن من غيرها ممن جعله مثالا لتكوين النساء ~~والولدان والملابس والحلي من ثمار الأشجار والزروع التي من المياه التي ~~بها العيش، ففيها التوليد وغير ذلك مما تظهره الفكرة لأهل العبرة لأن كل ~~ما في الجنة ينشأ عن الكلمة من الرزق كما ينشأ عنه سبحانه في هذه الدار ~~على تسبيب. # .. والحكمة، ثم بينهن بقوله: { حور } أي ذوات أعين شديدة سواد السواد ~~وشديدة بياض البياض، وقال ابن جرير: بيض جمع { مقصورات } أي على أزواجهن ~~ومحبوسات، صيانة عن التبذل، فهو كناية عن عظمتهن { في الخيام * } التي هي ~~من الدر المجوف الشفاف جزاء لمن قصر نفسه عن... الله فكف جوارحه عن ~~الزلات، وصان قلبه عن الغفلات { فبأي آلاء ربكما } أي الجليل الإحسان ~~إليكما { تكذبان * } أبنعمة الذوق من جهة الفوق أم بغيرها مما جعله ~~مثالا لهذا في الدنيا، فإنه كما خلقنا من تراب ثم طورنا في أطوار الخلقة ~~بحسب حكمة الأسباب كذلك خلق أولئك من أرض الجنة ورياضها وفواكهها عن كلمة ~~السكان من غير أسباب. # ولما كانت أنفس الأخيار ذوي الهمم العالية الكبار في الالتفات إلى ~~الأبكار قال: { لم يطمثهن } أي يتسلط عليهن نوع سلطة { إنس } وعم الزمان ~~بحذف الجار فقال: { قبلهم } أي انتفى الطمث المذكور في جميع الزمان ~~الكائن قبل طمث أصحاب هذه الجنان لهن، فلو وجد في لحظة من لحظات القبل ~~لما صدق النفي { ولا جان ms4844 * } فهن في غاية الاختصاص كل بما عنده { فبأي ~~} أي فتسبب عن هذا التعدد لمثل هذه النعم العظيمة أنا نقول تعجيبا ممن ~~يكذب توبيخا له وتنبيها على ما له تعالى من النعم التي تفوت الحصر: ~~بأي { آلاء ربكما } أي النعم الجليلة من المدبر لكما بما له من القدرة ~~التامة والعظمة الباهرة العامة { تكذبان * } أبنعمة الذوق من تحت أم ~~بغيرها مما جعله مثالا لهذا من الأبكار المخدرات، وجميع ما ذكر من النعم ~~العامة الظاهرة في كل حالة في الدنيا والآخرة، وختم بالتقرير أربع وعشرون ~~ثمان منها أول السورة من النعم الدنياوية، وست عشرة جنان، وجعلها على هذا ~~العدد، إشارة إلى تعظيمها بتكثيرها فإنه عدد تام لأنه جامع لأكثر الكسور، ~~ولذا قسم الدرهم وغيره أربعة وعشرون قيراطا. ولما تم التقرير بالنعم ~~المحيطة بالجهات الست والحواس الخمس على الوجه الأكمل من درء المفاسد ~~وجلب المصالح كما تقدمت الإشارة إليه بمدكر، بقوله: # فهل من مدكر # [القمر: 17] في القمر، بالحسن فيها إلى الحواس الخمس وبتكرارها، وتكرار # كيف كان عذابي ونذر # [القمر: 18] ستا إلى الجهات الست من جهة الوراء والخلف، أوترها بنعمة ~~أخرى واحدة إشارة إلى أن السبب في هذا اعتقاد وحدانية الواحد تعالى ~~اعتقادا أدى الخضوع لأمر مرسل كلما جاء من عنده تعالى فلذلك كانت نعمة ~~لا تنقطع أصلا، بل كلما تم دور منها ابتدأ دور آخر جديد، وهكذا على وجه ~~لا انقطاع له أبدا كما أن الواحد الذي هو أصل العدد لا انتهاء له أصلا، ~~وهذه النعمة الدالة على الراحة الدائمة التي هي المقصودة بالذات على وجه ~~لا يرى أغرب منه ولا أشرف، فقال تعالى مبينا حال المحسنين ومن دونهم ~~مشركا لهم في الراحة على ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب ~~بشر: { متكئين } أي لهم ذلك في حال الاتكاء ديدنا لأنهم لا شغل لهم بوجه ~~إلا التمتع { على رفرف } أي ثياب ناعمة وفرش رقيقة النسج من الديباج لينة ~~ووسائد عظيمة ورياض باهرة وبسط لها أطراف فاضلة، ورفرف السحاب هدبه أي ms4845 ~~ذيله المتدلي. # ولما كان الأخضر أحسن الألوان وأبهجها قال: { خضر وعبقري } أي متاع كامل ~~من البسط وغيرها هو في كماله وغرابته كأنه من عمل الجن لنسبته إلى بلدهم، ~~قال في القاموس: عبقر موضع كثير الجن، وقرية بناؤها في غاية الحسن، ~~والعبقري الكامل من كل شيء، والسيد والذي ليس فوقه شيء، وقال الرازي: هو ~~الطنافس المخملة، قال ابن جرير: الطنافس الثخان، وقال القشيري: العبقري ~~عند العرب كل ثوب موشى، وقال الخليل: كل جليل نفيس فاخر من الرجال ~~وغيرهم، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في عمر رضي الله عنه: # " فلم أر عبقريا من الناس يفري فريه " # وقال قطرب: ليس هو من المنسوب بل هو بمزلة كرسي وبختي. # ولما كان المراد به الجنس، دل على كثرته بالجمع مع التعبير بالمفرد ~~إشارة إلى وحدة تكامله بالحسن فقال: { حسان * } أي هي في غاية من كمال ~~الصنعة وحسن المنظر لا توصف { فبأي آلاء ربكما } أي النعم العظيمة من ~~المحسن الواحد الذي لا محسن غيره ولا إحسان إلا منه ولا تعد نعمه ولا ~~تحصي ثناء عليه { تكذبان * } وبهذه الآية تمت النعم الثمان المختصة بجنة ~~أصحاب اليمين إشارة إلى العمل لأبوابها الثمانية. والله الموفق. # ولما دل ما ذكر في هذه السورة من النعم على إحاطة مبدعها بأوصاف الكمال، ~~ودل بالإشارة بالنعمة الأخيرة على أن نعمه لا نهاية لها لأنه مع أن له ~~الكمال كله متعال عن شائبة نقص، فكانت ترجمة ذلك قوله في ختام نعم الآخرة ~~مناظرة لما تقدم من ختام نعم الدنيا معبرا هناك بالبقاء لما ذكر قبله، ~~من الفناء، وهذا بما من البركة إشارة إلى أن نعمه لا انقضاء لها: { تبارك ~~} قال ابن برجان: تفاعل من البركة، ولا يكاد يذكره جل ذكره إلا عند أمر ~~معجب - انتهى، ومعناه ثبت ثباتا لا يسع العقول جمع وصفه لكونه على صيغه ~~المفاعلة المفيدة لبذل الجهد إذا كانت ممن تمكن منازعته، وذلك مع اليمن ~~والبركة والإحسان. ولما كان تعظيم الاسم أقعد وأبلغ في تعظيم المسمى قال: ~~{ اسم ربك ms4846 } أي المحسن إليك بإنزال هذا القرآن الذي جبلك على متابعته ~~فصرت مظهرا له وصار خلقا لك فصار إحسانه إليك فوق الوصف، ولذلك قال ~~واصفا للرب في قراءة الجمهور: { ذي الجلال } أي العظمة الباهرة فهو ~~المنتقم من الأعداء { والإكرام * } أي الإحسان الذي لا يمكن الإحاطة به ~~فهو المتصف بالجمال الأقدس المقتضي لفيض الرحمة على جميع الأولياء، ~~وقراءة ابن عامر { ذو } صفة للاسم، وكذا هو في مصاحف أهل الشام، والوصفان ~~الأخيران من شبه الاحتباك حذف من الأول متعلق الصفة وهو النقمة للأعداء، ~~ومن الثاني أثر الإكرام وهو الرحمة للأولياء، فإثبات الصفة أولا يدل على ~~حذف ضدها ثانيا، وإثبات الفعل ثانيا يدل على حذف ضده أولا، وقال ~~الرازي في اللوامع: كأنه يريد بالاسم الذي افتتح به السورة وقد انعطف آخر ~~السورة على أولها على وجه أعم، فيشمل الإكرام بتعليم القرآن وغيره ~~والانتقام بإدخال النيران وغيرها - الله سبحانه وتعالى هو الموفق للصواب. ### | [56 - سورة الواقعة] ### || [56.1-14] # لما صنف سبحانه الناس في تلك إلى ثلاث أصناف: مجرمين وسابقين ولاحقين، ~~وختم بعلة ذلك وهو أنه ذو الانتقام والإكرام، شرح أحوالهم في هذه السورة ~~وبين الوقت الذي يظهر فيه إكرامه وانتقامه بما ذكر في الرحمن غاية الظهور ~~فقال بانيا على ما أرشده السياق إلى أن تقديره: يكون ذلك كله كونا ~~يشترك في علمه الخاص والعام: { إذا وقعت الواقعة * } أي التي لا بد من ~~وقوعها ولا واقع يستحق أن يسمى الواقعة بلام الكمال وتاء المبالغة غيرها، ~~وهي النفخة الثانية التي يكون عنها البعث الأكبر الذي هو القيامة الجامعة ~~لجميع الخلق للحكم بينهم على الانفراد الظاهر الذي لا مدعى للمشاركة فيه ~~بوجه من الوجوه، ويجوز أن يكون { إذا } منصوبا بالمحذوف لتذهب النفس فيه ~~كل مذهب، فيكون أهول أي إذا وقعت كانت أمورا يضيق عنها نطاق الحصر. # ولما كان هذا معناه الساعة التي أبرم القضاء بأنه لا بد من كونها، عبر ~~عنه بانيا على مبتدأ محذوف فقال: { ليس لوقعتها } أي تحقق وجودها { ~~كاذبة * } أي كذب فهي مصدر عبر عنه باسم ms4847 الفاعل للمبالغة بأنه ليس في ~~أحوالها شيء يمكن أن ينسب إليه كذب ولا يمشي فيها كذب أصلا ولا يقر ~~عليه، بل كل ما أخبر بمجيئه جاء من غير أن يرده شيء، وكل ما أخبر بنفيه ~~انتفى فلا يأتي به شيء، وقرر عظمتها وحقق بعث الأمور فيها بقوله مخبرا ~~عن مبتدأ محذوف: { خافضة } أي هي لمن يشاء الله خفضه من عظماء أهل النار ~~وغيرهم مما يشاؤه من الجبال وغيرها إلى أسفل سافلين { رافعة * } أي ~~لضعفاء أهل الجنة وغيرهم من منازلهم وغيرها مما يشاؤه إلى عليين، لا راد ~~لأمره ولا معقب لحكمه. ولما كان في هذا من الهول ما يقطع القلوب الواعية ~~أكده بقوله وزاد ما يشاء منه أيضا بقوله مبدلا من الظرف الأول بعض ما ~~يدخل في الرفع والخفض: { إذا رجت الأرض } أي كلها على سعتها وثقلها بأيسر ~~أمر { رجا * } أي زلزلت زلزالا شديدا بعنف فانخفضت وارتفعت ثم انتفضت ~~بأهلها انتفاضا شديدا، قال البغوي: والرج في اللغة التحريك. ولما ذكر ~~حركتها المزعجة، أتبعها غايتها فقال: { وبست الجبال } أي فتتت على ~~صلابتها وعظمها بأدنى إشارة وخلط حجرها بترابها حتى صار شيئا واحدا، ~~وصارت كالعهن المنفوش، وسيرت وكانت تمر مر السحاب { بسا * فكانت } أي ~~بسبب ذلك { هباء } غبارا هو في غاية الانمحاق، وإلى شدة لطافته أشار ~~بصيغة الانفعال فقال: { منبثا * } أي منتشرا متفرقا بنفسه من غير حاجة ~~إلى هواء يفرقه فهو كالذي يرى في شعاع الشمس إذا دخل في كوة. # ولما ذكر غاية مبادئها المرجفة المرهبة، ذكر مبادئ غاياتها فقال: { ~~وكنتم } أي قسمتم بما كان في جبلاتكم وطباعكم في الدنيا { أزواجا ثلاثة ~~* } أي أصنافا لا تكمل حكمة صنف منها إلا بكونها قسمين: أعلى ودونه، ~~ليكون ذلك أدل على تمام القدرة وهم أصحاب الميمنة المنقسمين إلى سابقين ~~وهم المقربون، وإلى لاحقين وهم الأبرار أو أصحاب اليمين، وكأنهم من أولي ~~القلب الذي هو العدل السواء من أصحاب المشأمة إلى آخر أصحاب الميمنة ~~فأصحاب السواء هم المقربون، وبقية أصحاب الميمنة أصحاب اليمين، وأصحاب ~~المشأمة هم أصحاب ms4848 القسم الثالث، وكل من الثلاثة ينقسم إلى أعلى ودونه، ~~وقد تبينت الأقسام الثلاثة آخر السورة، قال البيضاوي: وكل صنف يكون أو ~~يذكر مع صنف آخر زوج. # ولما قسمهم إلى ثلاثة أقسام وفرع تقسيمهم، ذكر أحوالهم وابتدأ ذلك ~~بالإعلام بأنه ليس الخبر كالخبر كما أنه ليس العين كالأثر فقال: { فأصحاب ~~الميمنة * } أي جهة اليمين وموضعها وأعمالها، ثم فخم أمرهم بالتعجيب من ~~حالهم بقوله منبها على أنهم أهل لأن يسأل عنهم فيما يفهمه اليمين من ~~الخير والبركة فكيف إذا عبر عنها بصيغة مبالغة فقال: { ما } وهو مبتدأ ~~ثان { أصحاب الميمنة * } أي جهة اليمين وموضعها وأعمالها، والجملة خبر عن ~~الأولى، والرابط تكرار المبتدأ بلفظه، قال أبو حيان رحمه الله تعالى: ~~وأكثر ما يكون ذلك في موضع التهويل والتعظيم. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما تقدم الإعذار في السورتين ~~المتقدمتين والتقرير على عظيم البراهين، وأعلم في آخر سورة القمر أن كل ~~واقع في العالم فبقضائه سبحانه وقدره # إنا كل شيء خلقناه بقدر # [القمر: 49] # وكل شيء فعلوه في الزبر # { القمر: 52] وأعلمهم سبحانه في الواقعة بانقسامهم الأخروي فافتتح ذكر ~~الساعة { إذا وقعت الواقعة } إلى قوله { وكنتم أزواجا ثلاثة } فتجردت ~~هذه السورة للتعريف بأحوالهم الأخروية، وصدرت بذلك كما جرد في هذه السورة ~~قبل التعريف بحالهم في هذه الدار، وما انجر في السور الثلاث جاريا على ~~غير هذا الأسلوب فبحكم استدعاء الترغيب والترهيب لطفا بالعباد ورحمة ~~ومطالعها مبنية على ما ذكرته تصريحا لا تلويحا، وعلى الاستيفاء لا ~~بالإشارة والإيماء، ولهذا قال تعالى في آخر القصص الأخراوية في هذه ~~السورة: { هذا نزلهم يوم الدين } فأخبر أن هذا حالهم يوم الجزاء وقد قدم ~~حالهم الدنياوي في السورتين قبل وتأكيد التعريف المتقدم فيما بعد، وذلك ~~قوله { فأما إن كان من المقربين } إلى خاتمتها - انتهى. # ولما ذكر الناجين بقسميهم، أتبعهم أضدادهم فقال: { وأصحاب المشأمة } أي ~~جهة الشؤم وموضعها وأعمالها، ثم عظم ذنبهم فقال: { ما أصحاب المشأمة } أي ~~لأنهم أهل لأن يسأل عما أصابهم من الشؤم والشر والسوء بعظيم قدرته التي ~~ساقتهم ms4849 إلى ما وصلوا إليه من الجزاء الذي لا يفعله بنفسه عاقل بل ولا ~~بهيمة مع ما ركب فيهم من العقول الصحيحة والأفكار العظيمة وصان الأولين ~~عن خذلان هؤلاء فأوصلهم إلى النعيم المقيم. # ولما ذكر القسمين، وكان كل منهما قسمين، ذكر أعلى أهل القسم الأول ~~ترغيبا في أحسن حالهم ولم يقسم أهل المشأمة ترهيبا من سوء مآلهم فقال: ~~{ والسابقون } أي إلى أعمال الطاعة أصحاب الجنتين الأوليين في الرحمان ~~وهم أصحاب القلب { السابقون * } أي هم الذين يستحقون الوصف بالسبق لا ~~غيرهم لأنه منزلة أعلى من منزلتهم فلذلك سبقوا إلى منزلتهم وهي جنتهم وهم ~~قسمان كما يأتي عن الرازي، وعن المهدوي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " السابقون الذين إذا أعطوا الحق قبلوه وإذا سألوه بذلوه وحكموا للناس ~~كحكمهم لأنفسهم ". # ولما بين علو شأنهم ونسب السبق إليهم، ترجمه نازعا للفعل منهم بقوله: { ~~أولئك } أي العالو الرتبة جدا من الذين هم أصحاب الميمنة { المقربون * } ~~أي الذين اصطفاهم الله تعالى للسبق فأرادهم لقربه أو أنعم عليهم بقربه ~~ولولا فعله في تقريبهم لم يكونوا سابقين، قال الرازي في اللوامع: ~~المقربون تخلصوا من نفوسهم فأعمالهم كلها لله دينا ودنيا من حق الله وحق ~~الناس، وكلاهما عندهم حق الله، والدنيا عندهم آخرتهم لأنهم يراقبون ما ~~يبدو لهم من ملكوته فيتلقونه بالرضا والانقياد، وهم صنفان فصنف قلوبهم في ~~جلاله وعظمته هائمة قد ملكتهم هيبتهم فالحق يستعملهم، وصنف آخر قد أرخى ~~من عنانه، فالأمر عليه أسهل لأنه قد جاور بقلبه هذه الحطة ومحله أعلى فهو ~~أمين الله في أرضه، فيكون الأمر عليه أسهل لأنه قد جاوز - انتهى. ثم بين ~~تقريبه لهم بقوله: { في جنات النعيم * } أي الذي لا نعيم غيره لأنه لا ~~كدر فيه بوجه ولا منغص، والصنف الآخر منهم المتقربون والمتشاققون من ~~أصحاب المشأمة، أولئك المغضوب عليهم المبعودون، ومن دونهم الضالون ~~البعيدون وهم أصحاب الشمال. # ولما ذكر السابقين فصلهم فقال: { ثلة } أي جماعة كثيرة حسنة، وقال ~~البغوي: والثلة جماعة غير محصورة العدد، { من الأولين * } وهم الأنبياء ~~الماضون عليهم ms4850 الصلاة والسلام، ومن آمن بهم من غير واسطة رضي الله عنهم { ~~وقليل من الآخرين * } وهم من آمن بمحمد - عليه الصلاة والسلام - كذلك ~~بغير واسطة رضي الله عنهم، فقد كان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مائة ~~ألف ونيفا وعشرين ألفا، وكان من خرج مع موسى عليه السلام من مصر وهم من ~~آمن به من الرجال المقاتلين ممن هو فوق العشرين ودون الثمانين وهم ستمائة ~~ألف فما ظنك بمن عداهم من الشيوخ ومن دون العشرين من التابعين والصبيان ~~ومن النساء، فكيف بمن عداه من سائر النبيين عليهم الصلاة والسلام. ~~المجددين من بني إسرائيل وغيرهم، وقيل " الثلة والقليل كلاهما من هذه ~~الأمة " ، رواه الطبراني وابن عدي عن ابن عباس رضي الله عنهما، وفيه أبان ~~بن أبي عياش وهو متروك ورواه إسحاق بن راهويه مسدد بن مسرهد وأبو داود ~~الطيالسي وإبراهيم الحربي والطبراني من رواية علي بن زيد وهو ضعيف عن ~~عقبة بن صهبان عن أبي بكرة رضي الله عنه مرفوعا وموقوفا، والموقوف أولى ~~بالصواب، وتطبيقه على هذه الأمة سواء كان مرفوعا أو موقوفا صحيح لا ~~غبار عليه، فتكون الصحابة رضي الله عنهم كلهم من هذه الثلة وكذا من تبعهم ~~بإحسان إلى رأس القرن الثالث وهم لا يحصيهم إلا الله تعالى، ومن المعلوم ~~أنه تناقص الأمر بعد ذلك إلى أن صار السابق في الناس أقل من القليل لرجوع ~~الإسلام إلى الحال الذي بدأ عليها من الغربة # " بدأ الإسلام غريبا وسيكون غريبا فطوبى للغرباء " # ويجوز أن يقدر أيضا: وثلة - أي جماعة كثيرة هلكى - من الأولين، وهم ~~المعاندون من الأمم الماضين، وقليل من الآخرين - وهم المعاندون من هذه ~~الأمة. ### || [56.15-23] # ولما ذكر السابقين في الخير بصنفيهم مشيرا إلى السابقين في الشر ~~بصنفيهم، ذكر جزاء أهل الخير ليعلم منه جزاء أولئك، فقال مبينا أنهم ~~ملوك لكن ملكهم لا ينافس فيه ولا يحاسد، بل هو كله يقابل بالوداد والصفاء ~~{ على سرر } وهو ما يسر الإنسان من المقاعد العالية المصنوعة للراحة ~~والكرامة التي هي آية الملك وهو العرش { موضونة * } أي ms4851 منسوجة نسجا ~~مضاعفا منضودة داخلا بعضها في بعض مقارب النسج معجبا كالدرع لكن نسجها ~~بالذهب مفصلا بالجوهر من الدر والياقوت. # ولما ذكر السرر وبين عظمتها، ذكر غايتها فقال: { متكئين } أي متكئين ~~هيئة المتربع أو غيرها من الجنب أو غيرها { عليها } ولما كان الجمع إذا ~~كثر كان ظهور بعض أهله إلى بعض، أعلم أن جموع أهل الجنة على غير ذلك ~~فقال: { متقابلين * } فلا بعد ولا مدابرة لا ينظر بعضهم إلى قفا بعض ولا ~~يكره بعضهم بعضا. # ولما كان المتكىء قد يصعب عليه القيام لحاجته قال: { يطوف عليهم } أي ~~لكفاية كل ما يحتاجون إليه { ولدان } على أحسن صورة وزي وهيئة { مخلدون * ~~} قد حكم ببقائهم على ما هم عليه من الهيئة، قال البغوي: تقول العرب لمن ~~كبر ولمن شمط: إنه مخلد، قال: قال الحسن: هم أولاد أهل الدنيا، لم يكن ~~لهم حسنات يثابون عليها ولا سيئات يعاقبون عليها لأن الجنة لا ولادة ~~فيها، فهم خدام أهل الجنة. # ولما كان مدحهم هذا في غاية الإبلاغ مع الإيجاز، وكان فيه - إلى تبليغ ~~ما لهم - تحريك إلى مثل أعمالهم، وكان الأكل الذي هو من أعظم المآرب ~~مشارا إليه بالمدح العظيم الذي من جملته الاستراحة على الأسرة التي علم ~~أن من عادة الملوك أنهم لا يتسنمونها إلا بعد قضاء الوطر منه فلم يبق ~~بعده إلا ما تدعو الحاجة إليه من المشارب وما يتبعها قال تعالى: { بأكواب ~~} أي كيزان مستديرة الأفواه بلا عرى ولا خراطيم لا يعوق الشارب منها عائق ~~عن الشرب من أي موضع أراد منها فلا يحتاج أن يحول الإناء إلى الحالة التي ~~تناوله عنها ليشرب، ويمكن أن تكون البدأة بالشراب لما نالوا من المتاعب ~~من العطش كما لمن يشرب من الحوض فيكون حينئذ قبل الأكل والله أعلم { ~~وأباريق * } أي أواني لها عرى وخراطيم فيها من أنواع المشارب ما تشتهي ~~الأنفس وتلذ الأعين { وكأس } أي إناء معد للشرب فيه والشراب نفسه. # ولما كان الشراب عاما بينه بقوله: { من معين * } أي خمر جارية صافية ~~صفاء الماء ليس ms4852 يتكلف عصرها بل ينبع كما ينبع الماء. ولما أثبت نفعها وما ~~يشوق إليها، نفى ما ينفر عنها فقال: { لا يصدعون } أي تصدعا يوجب ~~المجاوزة { عنها } أي بوجع في الرأس ولا تفرق لملالة { ولا ينزفون * } أي ~~يذهب بعقولهم بوجه من الوجوه أي يصرع شرابهم، من نزفت البئر - إذا نزح ~~ماؤها كله، ونزف فلان: ذهب عقله أو سكر، وبنى الفعلان لملجهول لأنه لم ~~تدع حاجة إلى معرفة الفاعل، وقال الرازي في اللوامع: قال الصادق: لا تذهل ~~عقولهم عن موارد الحقائق عليهم ولا يغيبون عن مجالس المشاهدة بحال. # ولما بدأ بالألذ الهاضم للأكل، تلاه بما يليه مما يدعو إليه الهضم ~~تصريحا به بعد التلويح فقال: { وفاكهة مما يتخيرون * } أي هو فيها بحيث ~~لو كان فيها جيد وغيره واختاروا وبالغوا في التنقية لكان مما يقع التخير ~~عليه، ولما ذكر ما جرت العادة بتناوله لمجرد اللذة، أتبعه ما العادة أنه ~~لإقامة البينة وإن كان هناك لمجرد اللذة أيضا فقال: { ولحم طير } ولما ~~كان في لحم الطير مما يرغب عنه، احترز عنه بقوله: { مما يشتهون * } أي ~~غاية الشهوة بحيث يجدون لآخره من اللذة ما لأوله. # ولما كان لم يكن بعد الأكل والشرب أشهى من الجماع، قال عاطفا على { ~~ولدان }: { وحور العين * } أي يطفن عليهم، وجره حمزة والكسائي عطفا على ~~{ سرر } فإن النساء في معنى الاتكاء لأنهن يسمين فراشا. ولما كان المثل ~~في الأصل الشيء نفسه كما مضى في الشورى قال: { كأمثال } أي مثل أشخاص { ~~اللؤلؤ المكنون * } أي المصون في الصدف عما قد يدنسه. ### || [56.24-34] # ولما أبلغ في وصف جزائهم بالحسن والصفاء، دل على أن أعمالهم كانت كذلك ~~لأن الجزاء من جنس العمل فقال تعالى: { جزاء } أي فعل لهم ذلك لأجل ~~الجزاء { بما كانوا } جبلة وطبعا { يعملون * } أي يجددون عمله على جهة ~~الاستمرار. # ولما أثبت لها الكمال وجعله لهم، نفى عنها النقص فقال: { لا يسمعون } أي ~~على حال من الأحوال { فيها لغوا } أي شيئا مما لا ينفع فإن أنكا... ~~بالسميع الحكيم ذلك، واللغو: الساقط { ولا تأثيما * } أي ms4853 ما يحصل به ~~الإثم أو النسبة إلى الإثم، بل حركاتهم وسكناتهم كلها رضى الله، وما قطع ~~قلوب السائرين إلى الله إلا هاتان الخصلتان بينا أحدهم يبني ما ينفعه ~~مجتهدا في البناء إذ هو غلبه طبعه فهدم أكثر ما بنى، وبينا هو يظن أنه ~~قد قرب إذا هو تحقق بمثل ذلك أنه قد بعد، نزحت داره وشط مزاره، فالله ~~المستعان. # ولما كان الاستثناء، معيار العموم، ساق بصورة الاستثناء قوله: { إلا ~~قيلا } أي هو في غاية اللطافة والرقة بما دل عليه المبني على ما قبلها ~~محاسن مع ما تدل عليه مادة قوله. ولما تشوف السامع إليه بالعبير بما ذكر، ~~بينه بقوله: { سلاما } ودل على دوامه بتكريره فقال: { سلاما * } أي لا ~~يخطر في النفس ولا يظهر في الحس منهم قول إلا دالا على السلامة لأنه لا ~~عطب فيها أصلا، وساقه مساق الاستثناء المتصل دلالة على أنه إن كان فيها ~~لغو فهو ذلك حسب، وهو ما يؤمنهم وينعمهم ويبشرهم مع أنه دال على حسن ~~العشرة وجميل الصحبة وتهذيب الأخلاق وصفاء المودة. # ولما أتم سبحانه القسم الأول القلبي السوائي المولي من الثلاثة بقسميه، ~~وذكر في جزائه مما لأصحاب المدن ما لا يمكنهم الوصول إليه، عطف عليه ~~الثاني الذي هو دونه لذلك وهم والله أعلم الأبرار وهم أيضا صنفان، وذكر ~~في جزائهم من جنس ما لأهل البوادي أنهى ما يتصورونه ويتمنونه فقال: { ~~وأصحاب اليمين * } ثم فخم أمرهم وأعلى مدحهم لتعظيم جزائهم، والإشارة إلى ~~أنهم أهل لأن يسأل عن حالهم فإنهم في غاية الإعجاب فقال: { ما أصحاب ~~اليمين } ولما عبر عنهم بما أفهم أنهم أولو القوة والجد في الأعمال، ~~والبركة في جمع الأحوال، ذكر عشيهم بادئا بالفاكهة لأن عيش الجنة كله ~~تفكه، ذاكرا منها ما ينبت في بلاد العرب من غير كلفة بغرس ولا خدمة، ~~وأشار إلى كثرة ما يذكره بأن جعله ظرفهم، فقال من غير ذكر لسرير الملك ~~الذي حبا به المقربين من الملك، ولم يزد على ذلك المأكول وما معه بما ~~يتصور للبهائم: { في سدر ms4854 } أي شجر نبق متدلي الأغصان من شدة حمله، من سدر ~~الشعر - إذا سدله { مخضود * } أي هو مع أنه لا شوك له ولا عجم بحيث تنثني ~~أغصانه من شدة الحمل، من خضد الشوك: قطعه، والغصن: ثناه وهو رطب، وفي ذكر ~~هذا تنبيه على أن كل ما لا نفع فيه أو فيه نوع أذى له في الجنة وجود كريم ~~لأن الجنة إنما خلقت للنعيم. # ولما ذكر ما يطلع في الجبال والأماكن المعطشة والرمال، أتبعه ما لا يطلع ~~إلا على المياه دلالة على أن أماكنهم في غاية السهولة والري فقال: { وطلح ~~} أي شجر موز أو نخل، وقال الحسن: شجر له ظل بارد طيب الرائحة وقال ~~الفراء وأبو عبيدة: شجر عظام لها شوك، وقيل: هو أم غيلان، وله نور كثير، ~~ويحكى عن أبي تراب النخشبي أنه كان سائرا مع قوم من الصوفية على قدم ~~التوكل، فجاعوا أياما فقال: أتريدون أن تأكلوا، قالوا: نعم، فضرب بيده ~~على شجرة غيلان فإذا عليها عراجين موز، فأكلوا إلا شابا منهم، فقال: لا ~~آكل ولا أصحبك بعدها، لأني كنت أسير بلا معلوم، وقد صرت أنت الآن معلومي، ~~كلما جعت التفتت نفسي إليك. { منضود * } أي منظوم بالحمل من أعلاه إلى ~~أسفله متراكم يتراكب بعضه على بعض على ترتيب هو في غاية الإعجاب، قال في ~~القاموس: الطلح: شجر عظيم، والطلع: والموز، والطلع من النخل: شيء يخرج ~~كأنه نعلان مطبقان والحمل بينهما منضود، والطرف محدد، أو ما يبدو من ~~ثمرته أول ظهورها. # ولما ذكر ما لا يكون إلا في البلاد الحارة قال: { وظل ممدود * } أي ~~مستوعب للزمان والمكان فهو دائم الاستمداد كما بين الإسفار وطلوع الشمس ~~لا فناء له ولا نهاية. ولما كان ما ذكر من الري لا يستلزم الجري قال: { ~~وماء مسكوب * } أي جار في منازلهم من غير أخدود ولا يحتاجون فيه إلى جلب ~~من الأماكن البعيدة، ولا الإدلاء في بئر كما لأهل البوادي. # ولما ذكر ما تقدم، عم بقوله: { وفاكهة كثيرة * } أي أجناسها وأنواعها ~~وأشخاصها. ولما كانت لا تكون عندنا ms4855 إلا في أوقات يسيرة، بين أن أمر الجنة ~~على غير ذلك فقال: { لا مقطوعة } ولما كانت في الدنيا قد يعز التوصل ~~إليها مع وجودها لشيء من الأشياء أقله صعود الشجرة أو التحجز بجدار أو ~~غيره قال: { ولا ممنوعة * } ولما كان التفكه لا يكمل الالتذاذ به إلا مع ~~الراحة قال: { وفرش مرفوعة * } أي هي رفيعة القدر وعالية بالفعل لكثرة ~~الحشو ولتراكم بعضها على بعض ولأنها على السرر، وروى البغوي من طريق ~~النسائي عن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " ارتفاعها كما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام " ### || [56.35-46] # ولما كانت النساء يسمين فرشا، قال تعالى معيدا للضمير على غير ما ~~يتبادر إليه الذهن من الظاهر على طريق الاستخدام مؤكدا لأجل إنكار من ~~ينكر البعث: { إنا } أي بما لنا من القدرة والعظمة التي لا يتعاظمها شيء ~~{ أنشأناهن } أي الفرش التي معناها النساء من أهل الدنيا بعد الموت ولو ~~عن الهرم والعجز بالبعث، وزاد في التأكيد فقال: { إنشاء * } أي من غير ~~ولادة، بل جمعناهن من التراب كما فعلنا في سائر المكلفين ليكونوا كأبيهم ~~آدم عليه الصلاة والسلام في خلقه من تراب، فتكون الإعادة كالبداءة، ولذلك ~~يكون الكل عند دخول الجنة على شكله عليه الصلاة والسلام، ويجوز أن يكون ~~المراد بهن الحور العين فيكون إنشاء مبتدعا لم يسبق له وجود. # ولما كان للنفس أتم التفات إلى الاختصاص، وكان الأصل في الأنثى المنشأة ~~أن تكون بكرا، نبه على أن المراد بكارة لا تزول إلا حال الوطىء ثم تعود، ~~فكلما عاد إليها وجدها بكرا، فقال: { فجعلناهن } أي الفرش الثيبات ~~وغيرهن بعظمتنا المحيطة بكل شيء { أبكارا * } أي بكارة دائمة لأنه لا ~~تغيير في الجنة ولا نقص. # ولما كان مما جرت به العادة أن البكر تتضرر من الزوج لما يلحقها من ~~الوجع بإزالة البكارة، دل على أنه لا نكد هناك أصلا بوجع ولا غيره ~~بقوله: { عربا } جمع عروب، وهي الغنجة المتحببة إلى زوجها، قال الرازي ~~في اللوامع: الفطنة بمراد الزوج ms4856 كفطنة العرب. ولما كان الاتفاق في السن ~~أدعى إلى المحبة ومزيد الألفة قال: { أترابا * } أي على سن واحدة وقد ~~واحد، بنات ثلاث وثلاثين سنة وكذا أزواجهن. قال الرازي في اللوامع: أخذ ~~من لعب الصبيان بالتراب - انتهى، # " وروى البغوي من طريق عبد بن حميد عن الحسن: قال أتت عجوز النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله! ادع الله أن يدخلني الجنة، فقال: " ~~يا أم فلان! إن الجنة لا تدخلها عجوز، فولت تبكي، قال: أخبروها أنها لا ~~تدخلها وهي عجوز، إن الله تعالى يقول: إنا أنشأناهن، الآية " # رواه الترمذي عنه في الشمائل هكذا مرسلا، ورواه البيهقي في كتاب البعث ~~عن عائشة رضي الله عنها والطبراني في الأوسط من وجه عنها، ومن وجه آخر عن ~~أنس رضي الله عنه، قال شيخنا حافظ عصره ابن حجر: وكل طرقه ضعيفة، وروى ~~البغوي أيضا من طريق الثعلبي عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم في هذه الآية قال: # " عجائزكن في الدنيا عمشا رمصا فجعلهن أبكارا ". # ولما كان هذا الوصف البديع مقتضيا لما يزدهي عنه النفس لأن يقال: لمن ~~هؤلاء؟ وإن كان قد علم قبل ذلك، نبه عليه بقوله تعالى: { لأصحاب اليمين * ~~} ويجوز أن يتعلق ب { أترابا } نصا على أنهن في أسنان أزواجهن. # ولما أنهى وصف ما فيه أهل هذا الصنف على أنهى ما يكون لأهل البادية بعد ~~أن وصف ما للسابقين بأعلى ما يمكن أن يكون لأهل الحاضرة، وكان قد قدم ~~المقايسة في السابقين بين الأولين والآخرين، فعل هنا كذلك فقال: { ثلة من ~~الأولين * } أي من أصحاب اليمين { وثلة } أي منهم { من الآخرين * } فلم ~~يبين فيهم قلة ولا كثرة، والظاهر أن الآخرين أكثر، فإن وصف الأولين ~~بالكثرة لا ينافي كون غيرهم أكثر ليتفق مع قول النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن هذه الأمة ثلثا أهل الجنة، فإنهم عشرون ومائة صف، هذه الأمة منهم ~~ثمانون صفا ". # ولما أتم وصف ما فيه الصنفان المحمودان، وبه تمت أقسام أصحاب الميمنة ~~الأربعة ms4857 الذين هم أصحاب القلب واليمين، أتبعه أضدادهم فقال: { وأصحاب ~~الشمال } أي الجهة التي تتشاءم العرب بها وعبر بها عن الشيء الأخس والحظ ~~الأنقص، والظاهر أنهم أدنى أصحاب المشأمة كما كان أصحاب اليمين دون ~~السابقين من أصحاب الميمنة، ثم عظم ذمهم ومصابهم فقال: { ما أصحاب الشمال ~~* } أي إنهم بحال من الشؤم هو جدير بأن يسأل عنه. ولما ذمهم وعابهم، ذكر ~~عذابهم ليعلم أن القسم الأشد منهم في الشؤم أشد عذابا فقال: { في سموم } ~~أي ظرفهم المحيط بهم لفح من لفح النار شديد يتخلل المسام { وحميم * } أي ~~ماء حار بالغ في الحرارة إلى حد يذيب اللحم. ولما كان للتهكم في القلب من ~~شديد الوقد ما يجل عن الوصف والحد قال: { وظل } ثم أتبعه ما صرح بأنه ~~تهكم فقال: { من يحموم * } أي دخان أسود كالحمم أي الفحم شديد السواد بما ~~أفهمته الزيادة وشبه صيغة المبالغة: ولما كان المعهود من الظل البرد ~~والإراحة، نفى ذلك عنه فقال: { لا بارد } ليروح النفس { ولا كريم * } ~~ليؤنس به ويلجأ إليه ويرجى خيره ويعول في حال عليه بأن يفعل ما يفعله ~~الواسع الخلق الصفوح من الإكرام، بل هو مهين، سماه ظلا لترتاح النفس ~~إليه ثم نفى عنه نفع الظل وبركته لينضم حرقان: اليأس بعد الرجاء إلى ~~إخراق اليحموم فتصير الغصة غصتين. # ولما أنتج هذا أنه على خلق اللئيم فهو موضع الحرارة والضيق والخسة ~~والشدة، علله بقوله: { إنهم } أكده وإن كان فيهم أهل الضر لاجتماعهم في ~~الاسترواح إلى منابذة الدين باتباع الشهوات، ولأن ما مضى لهم بالنسبة إلى ~~هذا العذاب حال ناعم، وعبر بالكون دلالة على العراقة في ذلك ولو بتهيئهم ~~له جبلة وطبعا فقال: { كانوا } أي في الدنيا. ولما كان ذلك ملازما ~~للاستغراق في الزمان بميل الطباع، نزع الجار فقال: { قبل ذلك } أي الأمر ~~العظيم الذي وصلوا إليه { مترفين * } أي في سعة من العيش منهمكين في ~~الشهوات مستمتعين بها متمكنين فيها لترامي طباعهم إليها فأعقبهم ما في ~~جبلاتهم من الإخلاد إلى الترف عدم الاعتبار والاتعاظ في الدنيا والتكبر ms4858 ~~على الدعاة إلى الله، وفي الآخرة شدة الألم لرقة أجسامهم المهيأة للترف ~~بتعودها بالراحة بإخلادها إليها وتعويلها عليها { وكانوا } أي مع الترف { ~~يصرون } أي يقيمون ويدومون على سبيل التجديد مما لهم من الميل الجبلي إلى ~~ذلك { على الحنث } أي الذنب، ومنه قولهم: بلغ الغلام الحنث، أي الحلم ~~الذي هو وقت المؤاخذة بالذنب، ويطلق الحنث على الكذب والميل إلى الأباطيل ~~واليمين الغموس ونقض العهد المؤكد. # ولما كان ذلك قد يكون من المعهود مما يغتفر بكونه صغيرا أو في وقت يسير ~~قال: { العظيم * } دالا على أنهم يستهينون العظائم من القبائح ~~والفواحش. ### || [56.47-55] # ولما وصفهم بالترف والإصرار على السرف، وكان ذلك يلازم البطالة، وكان ~~يلزم عنها الغباوة والفساد الموجب للشقاوة، ذكر إنكارهم لما لا أبين منه، ~~فقال عاطفا على ما أفهمه التعبير عن الإثم بالحنث من نحو: فكانوا يقسمون ~~بالله جهد أيمانهم أنهم لا يبعثون وأن الرسل كاذبون: { وكانوا يقولون * } ~~أي إنكارا مجددين لذلك دائما جلافة أو عنادا: { أئذا } أي أنبعث ~~إذا، وحذف العامل لدلالة { مبعوثون } عليه، ولا يعمل هو لأن الاستفهام ~~وحرف التأكيد اللذين لهما الصدر معناه { متنا } أي فلم يبق في رد أرواحنا ~~طب بوجه { وكنا } أي كونا ثابتا { ترابا وعظاما } ولما كان استفهامهم ~~هذا لإنكار أن يكون في شيء من إقامة أبدانهم أو رد أرواحهم طب، أعاد ~~الاستفهام تاكيدا لإنكارهم فقال: { أءنا لمبعوثون * } أي كائن وثابت ~~بعثنا ساعة من الدهر، وأكدوا ليكون إنكارهم لما دون المؤكد بطريق الأولى. # ولما كانت أفهامهم واقفة مع المحسوسات لجمودهم. وكان البلى كلما كان ~~أقوى كان ذلك البالي في زعمهم من البعث أبعد، قالوا مخرجين في جملة فعلية ~~عطفا على الواو من { معبوثون } من غير تأكيد بضمير الفصل بالاستفهام: { ~~أو آباؤنا } أي يبعث آباؤنا أي يوجد بعثهم من حين، وزادوا الاستبعاد على ~~ما أفهموا بقولهم: { الأولون * } أي الذين قد بليت مع لحومهم عظامهم، ~~فصاروا كلهم ترابا ولا سيما إن حملتهم السيول ففرقت ترابهم في كل أوب، ~~وذهبت به في كل صوب، وسكن نافع وابن عامر ms4859 الواو على أن العاطف { أو } ~~ويجوز أن يكون العطف على محل " إن " واسمها. # ولما كانوا في غاية الجلافة، رد إنكارهم بإثبات ما نفوه، وزادهم الإخبار ~~بإهانتهم ثم دل على صحة ذلك بالدليل العقلي لمن يفهمه، فقال مخاطبا ~~لأعلى الخلق وأوقفهم به لأن هذا المقام لا يذوقه حق ذوقه إلا هو كما أنه ~~لا يقوم بتقريره لهم والرفق بهم إلا هو: { قل } أي لهم ولكل من كان ~~مثلهم، وأكد لإنكارهم: { إن الأولين } الذين جعلتم الاستبعاد فيهم ~~أوليا، ونص على الاستغراق بقوله: { والآخرين * } ودل على سهولة بعثهم ~~وأنه في غاية الثبات، منبها على أن نقلهم بالموت والبلى تحصيل لا تفويت: ~~{ لمجموعون * } بصيغة اسم المفعول، في المكان الذي يكون فيه الحساب. ولما ~~كان جمعهم بالتدريج، عبر بالغاية فقال: { إلى ميقات } أي زمان ومكان { ~~يوم معلوم * } أي معين عند الله، ومن شأنه أن يعلم بما عنده من الأمارات، ~~والميقات: ما وقت به الشيء من زمان أو مكان أي حد. # ولما كان زمان البعث متراخيا عن نزول القرآن، عبر بأداته وأكد لأجل ~~إنكارهم فقال: { ثم } أي بعد البعث بعد الجمع المدرج { إنكم } وأيد ما ~~فهمه من أصحاب الشمال هم القسم الأدنى من أصحاب المشأمة فقال: { أيها ~~الضالون } أي الذين غلبت عليه الغباوة فيهم لا يفهمون، ثم أتبع ذلك ما ~~أوجب الحكم عليهم بالضلال فقال: { المكذبون * } أي تكذيبا ناشئا عن ~~الضلال والتقيد بما لا يكذب به إلا عريق في التكذيب بالصدق { لآكلون من ~~شجر } منبته النار. # ولما كان الشجر معدن الثمار الشهية كالسدر والطلح، بينه بقوله: { من ~~زقوم * } أي شيء هو في غاية الكراهة والبشاعة في المنظر ونتن الرائحة ~~والأذى، قال أبو عبد الله القزاز في ديوانه الجامع وعبد الحق في واعيه: ~~الزقم: شوب اللبن والإفراط فيه، يقال: بات يزقم اللبن زقما، ومن هذا ~~الزقوم الذي ذكره الله تبارك وتعالى، وقالا: قال أبو حنيفة: الزقوم شجرة ~~غبراء صغيرة الورق لا شوك لها زفرة لها كعابر في رؤوسها ولها ورد تجرشه ~~النحل، ونورها أبيض ورأس ورقها قبيح ms4860 جدا، وهي مرعى، ومنابتها السهل، ~~وقال في القاموس: في الدفر بالدال المهملة، الدفر - بالتحريك: وقوع الدود ~~في الطعام والذل والنتن، ويسكن، وقال في المعجمة: الذفر - محركة: شدة ~~ذكاء الريح كالذفرة أو يخص برائحة الإبط المنتن، والنتن وماء الفحل، ~~والذفراء من الكتائب: السهكة من الحديد، والكعبرة بضمتين عين وراء ~~مهملتين: عقدة أنبوب الزرع، وعن السهيلي أن أبا حنيفة ذكر في النبات أن ~~شجرة باليمن يقال لها الزقوم لا ورق لها، وفروعها أشبه شيء برؤوس الحيات، ~~وقال البيضاوي: شجرة صغيرة الورق دفرة مرة تكون بتهامة، وفي القاموس: ~~والزقمة: الطاعون وقال في النهاية: فعول من الزقم: اللقم الشديد والشرب ~~المفرط، وقال ابن القطاع: زقم زقما: بلع، وقد علم من مجموع هذا الكلام ~~تفسيره بالطاعون تارة والشرب المفرط أخرى، ومن الاشتراط والشجرة المنتنة ~~والبشعة المنظر أنه شيء كريه يضطر آكله إلى التملؤ منه بنهمة وهمة عظيمة، ~~ومن المعلوم أن الحامل له على هذا مع هذه الكراهة لا يكون إلا في أعلى ~~طبقات الكراهة، ولذلك حسن جدا موقع قوله مسببا عن الأكل: { فمالئون } ~~أي ملأ هو في غاية الثبات وأنتم في غاية الإقبال عليه مع ما هو عليه من ~~عظيم الكراهة { منها } أي الشجر، أنثه لأنه جمع شجر أو هو اسم جنس، وهم ~~يكرهون الإناث فتأنيثه - والله أعلم - زيادة في تنفيرهم منه { البطون * } ~~أي لشيء عجيب يضطركم إلى تناول هذا الكريه مما هو أشد منه كراهة بطبقات ~~من جوع أو غيره، وإن فسرت بما قالوا من أنه معروف لهم أنه الزبد بالتمر ~~لم يضر ذلك بل يكون المعنى أنهم يتملؤون منها تملأ من يأكل من هذا في ~~الدنيا مع أنه من المعلوم أنه لا شيء في النار المعدة للعذاب لمن أعدت ~~لعذابه حسن. # ولما كان من يأكل كثيرا يعطش عطشا شديدا فيشرب ما قدر عليه رجاء ~~تبريد ما به من حرارة العطش، سبب عنه قوله: { فشاربون عليه } أي على هذا ~~المليء أو الأكل { من الحميم * } أي الماء الذي هو في غاية الحرارة بحث ~~ضوعف إحماؤه ms4861 وإغلاؤه. # ولما كان شربهم لأدنى قطرة من ذلك في غاية العجب، أتبعه ما هو أعجب منه ~~وهو شدة تملئهم منه فقال مسببا عما مضى: { فشاربون } أي منه { شرب } ~~بالفتح في قراءة الجماعة وبالضم لنافع وعاصم وحمزة، وقرئ شاذا بالكسر ~~والثلاثة مصادر، قال في القاموس: وشرب كسمع شربا ويثلث أ والشراب مصدر ~~وبالضم والكسر اسمان، وبالفتح القوم: يشربون، وبالكسر: الماء والحظ منه، ~~والمورد ووقت الشرب، والكل يصلح هنا { الهيم * } أي الإبل العطاش لأن بها ~~الهيام وهو داء يشبه الاستسقاء جمع أهيم، وقال القزاز: جمع هيماء وهو أي ~~- اليهام - بالضم: داء يصيب الإبل فتشرب ولا تروى - انتهى. وقال: ذو ~~الرمة: # فأصبحت كالهيماء لا الماء مبرد # صداها ولا يقضي عليها هيامها # ويقال: الهيم: الرمل، ينصب فيه كل ما صب عليه، والمعنى أنه يسلط عليهم ~~من الجوع ما يضطرهم إلى الأكل ثم من العطش ما يضطرهم إلى الشرب على هذه ~~الهيئة. ### || [56.56-61] # ولما كان كأنه قيل: هذا عذابهم كله، قيل تهكما بهم ونكاية لهم: { هذا ~~نزلهم } أي ما يعد لهم أول قدومهم مكان ما يعد للضيف أول حلوله كرامة له ~~{ يوم الدين * } أي الجزاء الذي هو حكمة القيامة، وإذا كان هذا نزلهم فما ~~ظنك بما يأتي بعده على طريق من يعتني به فما ظنك بما يكون لمن هو أغنى ~~منهم من المعاندين وهو في طريق التهكم مثل قول أبي الشعراء الضبي: # وكنا إذا الجبار بالسيف ضافنا # جعلنا القنا والمرهفات له نزلا # ولما ذكر الواقعة وما يكون فيها للأصناف الثلاثة، وختم بها على وجه بين ~~فيه حكمتها وكانوا ينكرونها، دل عليه بقوله: { نحن } أي لا غيرنا { ~~خلقناكم } أي بما لنا من العظمة، ولعل هذا الخطاب للدهرية المعطلة من ~~العرب. ولما كانوا منكرين للبعث عدوا منكرين للابتداء وإن كانوا من ~~المخلصة بالمقريب بالخلق لأنهما لما بينهما من الملازمة لا انفكاك ~~لأحدهما عن الآخر فقال: { فلولا } أي فتسبب عن ذلك أن يقال تهديدا ~~ووعيدا: هلا ولم لا { تصدقون * } أي بالخلق الذي شاهدتموه ولا منازع لنا ~~فيما فيه ms4862 فتصدقوا بما لا يفرق بينه وبينه إلا بأن يكون أحق منه في مجاري ~~عاداتكم، وهو الإعادة فتعملوا عمل العبيد لساداتهم ليكون حالكم حال مصدق ~~بأنه مربوب. # ولما حضضهم على التصديق بالاستدلال بإيجادهم، وكان البعث إنما هو ~~تحويلهم من صورة بالية إلى الصورة التي كانوا عليها من قبل، سبب عن ~~تكذيبهم به مع تصديقهم بالخلق عدم النظر في تبديل الصور في تفاصيله، أو ~~سبب عن قول من عساه يقول من أهل الطبائع: إنما خلقنا من نطفة حدثت بحرارة ~~كامنة، فقال: { أفرأيتم } أي أخبروني هل رأيتم بالبصر أو البصيرة أنا ~~خلقناكم فيهديكم ذلك أنا نقدر على الإعادة كما قدرنا على البداءة فرأيتم ~~{ ما تمنون * } أي تريقون - من النطف التي هي مني في الأرحام بالجماع. # ولما كانت العبرة بالمسبب لا بالسبب، نبه على ذلك بتجديد الإنكار ~~تنبيها على أنهم وإن كانوا معترفين بتفرده بالإبداع، فإن إنكارهم للبعث ~~مستلزم لإنكارهم لذلك فقال: { ءأنتم تخلقونه } أي توجدونه مقدرا على ما ~~هو عليه من الاستواء والحكمة بعد خلقه من صورة النطفة إلى صورة العلقة ثم ~~من صورة العلقة إلى صور المضغة ثم منها إلى صور العظام والأعصاب { أم نحن ~~} خاصة. ولما كان المقام لتقرير المنكرين ذكر الخبر المفهوم من السياق ~~على وجه أفهم أن التقدير: أو أنتم الخالقون له أم نحن؟ فقال: بل نحن { ~~الخالقون * } أي الثابت لنا ذلك، فالآية من الاحتباك: ذكر أولا { تخلقون ~~} دليلا على حذف مثله له سبحانه ثانيا، وذكر الاسم ثانيا دليلا على ~~حذف مثله لهم أولا، وسر ذلك أنه ذكر ما هو الأوفق لأعمالهم مما يدل على ~~وقت التجدد ولو وقتا ما، وما هو الأولى بصفاته سبحانه مما يدل على ~~الثبات والدوام. # ولما كان الجواب: أنت الخالق وحدك، وكان الطبيعي ربما قال: اقتضى ذلك ~~الحرارة المخمرة للنطفة، وكانت المفاوتة للآجال مع المساواة في اسمية ~~الحياة من الدلائل العظيمة على تمام القدرة على الإفناء والإبداء ~~بالاختيار مبطلة لقول أهل الطبائع دافعة لهم، أكد ذلك الدليل بقوله: { ~~نحن } أي بما لنا من العظمة ms4863 لا غيرنا { قدرنا } أي تقديرا عظيما، لا ~~يقدر سوانا على نقض شيء منه { بينكم } أي كلكم لم نترك أحدا منكم بغير ~~حصة منه { الموت } أي أوجبناه على مقدار معلوم لكل أحد لا يتعداه، فقصرنا ~~عمر هذا وربما كان في الأوج من قوة البدن وصحة المزاج، فلو اجتمع الخلق ~~كلهم على إطالة عمره ما قدروا أن يؤخروه لحظة، وأطلنا عمر هذا وقد يكون ~~في الحضيض من ضعف البدن واضطراب المزاج لو تمالؤوا على تقصيره طرفة عين ~~لعجزوا، وأنتم معترفون بأنه سبحانه رتب أفعاله على مقتضى الكمال والقدرة ~~والحكمة البالغة، فلو كانت فائدة الموت مجرد القهر لكانت نقصا لكونه يعم ~~الغني والفقير والظالم والمظلوم، ولكان جعل الإنسان مخلدا أولى وأحكم، ~~ففائدته غير مجرد القهر وهي الحمل على إحسان العمل للقاهر خوفا من العرض ~~عليه والمحاسبة بين يديه ثم النقلة إلى دار الجزاء والترقية إلى العلوم ~~التي البدن حجابها من تمييز الخبيث والطيب والعلم بمقادير الثواب ~~والعقاب، وغير ذلك مما يبصره أولو الألباب. # ولما كان حاصل الموت أنه تغيير الصورة التي كانت إلى غيرها، وكان من قدر ~~على تحويل صورة إلى شيء قدر على تحويلها إلى شيء آخر مماثل لذلك الشيء ~~قال: { وما نحن } أي على ما لنا من العظمة، وأكد النفي فقال: { بمسبوقين ~~* } أي بالموت ولا عاجزين ولا مغلوبين { على أن نبدل } تبديلا عظيما { ~~أمثالكم } أي صوركم وأشخاصكم لما تقدم في الشورى من أن المثل في الأصل هو ~~الشيء نفسه { وننشئكم } أي إنشاء جديدا بعد تبديل ذواتكم { في ما لا ~~تعلمون * } فإن بعضهم تأكله السباع أو الحيتان أو الطيور فتنشأ أبدانها ~~منه، بعضهم يصير ترابا فربما نشأ منه نبات فأكلته الدواب، فنشأ منه ~~أبدانها، وربما صار ترابه من معادن الأرض كالذهب والفضة والحديد والحجر ~~ونحو ذلك، وقد لمح إلى ذلك قوله تعالى: { قل كونوا حجارة أو حديدا أو ~~خلقا } إلى آخرها، أو يكون المعنى كما قال البغوي: نأتي بخلق مثلكم ~~بدلا منكم ونخلقكم فيما لا تعلمون من الصور. أي بتغيير أوصافكم وصوركم ms4864 ~~في صور أخرى بالمسخ، ومن قدر على ذلك قدر على الإعادة. ### || [56.62-69] # ولما كان التقدير: فلقد علمتم النشأة الثانية النطفية، عطف عليه قوله ~~مؤكدا تنبيها على أنهم لما كانوا يعملون بخلاف ما يعلمون كانوا كأنهم ~~منكرون لهذا العلم: { ولقد علمتم } أي أيها العرب { النشأة الأولى } ~~الترابية لأبيه آدم عليه الصلاة والسلام: أو اللحمية لأمكم حواء عليها ~~السلام حيث لم يكن هناك طبيعة تقتضي ذلك، وإلا لوجد مثل ذلك بعد ذلك، ~~والنطفية لكم، وكل منها تحويل من شيء إلى غيره، فالذي شاهدتم قدرته على ~~ذلك لا يقدر على تحويلكم بعد أن تصيروا ترابا إلى ما كنتم عليه أولا من ~~الصورة؟ ولهذا سبب عما تقدم قوله: { فلولا } أي فهلا ولم لا { تذكرون * } ~~أي تذكرا عظيما تكرهون أنفسكم وإن كان فيه خفاء ما - مما أشار إليه ~~الإدغام من أن الملوم عليه غيب، وكذا بعض ما قيس به أن من قدر على هذه ~~الوجوه من الإبداءات قدر على الإعادة، بل هي أهون في مجاري عاداتكم. # ولما كان علمهم بأمر النبات الذي هو الآية العظمى لإعادة الأموات أعظم ~~من علمهم بجميع ما مضى، وكان أمره في الحرث وإلقاء البذر فيه أشبه شيء ~~بالجماع وإلقاء النطفة، ولذلك سميت المرأة حرثا، وصل بما مضى مسببا عنه ~~قوله منكرا عليهم: { أفرأيتم } أي أخبروني هل رأيتم بالبصر أو البصيرة ~~ما نبهناكم عليه وفيما تقدم فتسبب عن تنبهكم لذلك أنكم رأيتم { ما تحرثون ~~* } أي تجددون حرثه على سبيل الاستمرار بتهيئة أرضه للبذر وإلقاء البذر ~~فيه. # ولما كانوا لا يدعون القدرة على الإنبات بوجه، وكان القادر عليه قادرا ~~على كل شيء، وهم يعتقدون في أمر البعث ما يؤدي إلى الطعن في قدرته، كرر ~~الإنكار عليهم فقال: { ءأنتم تزرعونه } أي تنبتونه بعد طرحكم البذر فيه ~~وتحفظونه إلى أن يصير مالا { أم نحن } خاصة، وأكد لما مضى بذكر الخبر ~~المعلوم من السياق فقال: { الزارعون * } أي المنبتون له والحافظون، ~~فالآية من الاحتباك بمثل ما مضى في أختها قريبا سواء. # ولما كان الجواب قطعا: أنت ms4865 الفاعل لذلك وحدك؟ قال موضحا لأنه ما زرعه ~~غيره بأن الفاعل الكامل من يدفع عما صنعه ما يفسده، ومن إذا أراد إفساده ~~لم يقدر أحد على منعه { لو نشاء } أي لو عاملناكم بصفة العظمة، وأكد لأن ~~فعلهم فعل الآمن من ذلك مع أنهم في غاية الاستبعاد لأن يهلك زرعهم كما ~~زرعوه أو لأن المطعوم أهم من المشروب وأعظم، فإنه الأصل في إقامة البدن ~~والمشروب تبع له فقال: { لجعلناه } أي بتلك العظمة { حطاما } أي مكسرا ~~مفتتا لا حب فيه قبل النبات حتى لا يقبل الخروج أو بعده ببرد مفرط أو حر ~~مهلك أو غير ذلك فلا ينتفع به { فظلتم } أي فأمتم بسبب ذلك نهارا في وقت ~~الأشغال العظيمة وفي كل وقت وتركتم كل ما يهمكم { تفكهون * } قال في ~~القاموس: فكههم بملح الكلام: أطرفهم بها وفكه - كفرح فكها فهو فكه ~~وفاكه: طيب النفس أو يحدث صحبه فيضحكم ومنه تعجب كتفكه، والتفاكه: ~~التمازح، وتفكه: تندم: والأفكوكة: الأعجوبة، وقال ابن برجان: الفكه هو ~~المتردد في القول الذاهب فيه كل مذهب - انتهى. # فأقمتم دائما تندمون على العاقكم أو معاصيكم التي سببت ذلك التلف أو ~~تتعجبون أو تحدثون في ذلك ولم تعرجوا على شغل غيره كما تفعلون عند ~~الأشياء السارة التي هي في غاية الإعجاب والملاحة والملاءمة، ولهذا عبر ~~عما المراد به الإقامة مع الدوام ب { ظل } الذي معناه أقام نهارا إشارة ~~إلى ترك الأشغال التي تهم ومحلها النهار ويمنع الإنسان من أكثر ما يهمه ~~من الكلام لهذا النازل الأعظم، وحذف إحدى لامي ظل وتاء التفعل من تفكه ~~إشارة إلى ضعف المصابين عن الدفاع في بقائهم وفي كلامهم حال بقائهم ~~الضعيف، وكون المحذوف عين الفعل وهو الوسط، إشارة إلى خلع القلب واختراق ~~الجوف والقهر العظيم، فلا قدرة لأحد منهم على ممانعة هذا النازل بوجه ولا ~~على تبريد ما اعتراه منه من حرارة الصدر وخوف الفقر بغير الشكاية إلى ~~آماله ممن يعلم أنه لا ضر في يده ولا نفع، ورمبا كان ذلك إشارة إلى أنه ~~عادته سبحانه ms4866 قرب الفرج من شدائد الدنيا ليكون الإنسان متمكنا من الشكر ~~لا عذر له في تركه، ويكون المعنى أنكم مع كثرة اعتيادكم للفرج بعد الشدة ~~عن قرب تيأسون أول ما يصدمكم البلاء، فتقبلون على كثرة الشكاية، ولا ~~ينفعكم كثرة التجارب لإدرار النعم أبدا. # ولما ذكر تفكههم، وكان التفكه يطلق على ما ذكر من التعجب والتندم وعلى ~~التنعم، قال الكسائي: هو من الأضداد، تقول العرب: تفكهت أي تنعمت، ~~وتفكهت، أي حزنت، بين المراد بقوله حكاية لتفكههم: { إنا } وأكد إعلاما ~~بشدة بأسهم فقال { لمغرمون * } أي مولع بنا وملازمون بشر دائم وعذاب ~~وهلاك لهلاك رزقنا، أو مكرمون بغرامة ما أنفقنا ولم ينتفع به، وقراءة أبي ~~بكر عن عاصم بالاستفهام لإنكار هذا الواقع والاستعظام له والتعجب منه، ~~وهي منبهة على أنهم لشدة اضطرابهم من ذلك الحادث مذبذبون تارة يجزمون ~~باليأس والشر وتارة يشكون فيه وينسبون الأمر إلى سوء تصرفهم، وعليه يدل ~~إضرابهم: { بل نحن } أي خاصة { محرمون * } أي حرمنا غيرنا وهو من لا يرد ~~قضاؤه، فلا حظ لنا في الاكتساب، فلو كان الزراع ممن له حظ لأفلح زرعه، ~~قال في القاموس: الغرام: الولوع والشر الدائم والهلاك والعذاب، والغرامة ~~ما يلزم أداؤه، وحرمه: منعه، والمحروم، الممنوع عن الخير ومن لا ينمى له ~~مال والمحارف - أي بفتح الراء - وهو الممنوع من الخير الذي لا يكاد ~~يكتسب، وقال الأصبهاني في تفسيره: والمحروم ضد المرزوق، أي والمرزوق ~~المجرود بالجيم وهو المحظوظ. # ولما وقفهم على قدرته في الزرع مع وجود أسبابه، وقدمهم بشدة إليه، وكان ~~ربما ألبس نوع لبس لأن لهم فيه سببا في الجملة، أتبعه التوقيف على قدرته ~~على التصرف في سببه الذي هو الماء الذي لا سبب لهم في شيء من أمره أصلا، ~~فقال مسببا عما أفادهم هذا التنبيه مذكرا بنعمة الشرب الذي يحوج إليه ~~الغذاء: { أفرءيتم } أي أخبروني هل رأيتم بالبصر أو البصيرة ما نبهنا ~~عليه مما مضى في المطعم وغيره، أفرأيتم { الماء } ولما كان منه ما لا ~~يشرب، وكانت النعمة في المشروب أعظم، قال واصفا له ms4867 بما أغنى عن وصفه ~~بالعذوبة، وبين موضع النعمة التي لا محيد عنها فقال: { الذي تشربون * } ~~ولما كان عنصره في جهة العلو، قال منكرا عليهم مقررا لهم: { أءنتم ~~أنزلتموه } ولما كان الإنزال قد يطلق على مجرد إيجاد الشيء النفيس، وكان ~~السحاب من عادته المرور مع الريح لا يكاد يثبت، عبر بقوله تحقيقا لجهة ~~العلو وتوقيفا على موضع النعمة في إثباته إلى أن يتم حصول النفع به: { ~~من المزن } أي السحاب المملوء الممدوح الذي شأنه الإسراع في المضي، وقال ~~الأصبهاني، وقيل: السحاب الأبيض خاصة، وهو أعذب ماء { أم نحن } أي خاصة، ~~وأكد بذكر الخبر وهو لا يحتاج إلى ذكره في أصل المعنى فقال: { المنزلون * ~~} أي له، رحمة لكم وإحسانا إليكم بتطييب عيشكم على ما لنا من مقام ~~العظمة الذي شأنه الكبر والجبروت وعدم المبالاة بشيء، والآية من الاحتباك ~~بمثل ما مضى في الآيتين السابقتين سواء. ### || [56.70-76] # ولما كان الجواب: أنت وحدك فعلت ذلك على غناك عن الخلق بما لك من الرحمة ~~وكمال الذات والصفات، قال مذكرا بنعمة أخرى: { لو نشاء } أي حال إنزاله ~~وبعده قبل أن ينتفع به. ولما كانت صيرورة الماء ملحا أكثر من صيرورة ~~النبت حطاما، ولم يؤكد لذلك وللتنبيه على أن السامعين لما مضى التوقيف ~~على تمام القدرة صاروا في حيز المعترفين فقال تعالى: { جعلناه } أي بما ~~تقتضيه صفات العظمة { أجاجا } أي ملحا مرا محرقا كأنه في الأحشاء ~~لهيب النار المؤجج فلا يبرد عطشا ولا ينبت نبتا ينتفع به. ولما كان هذا ~~مما لا يساغ لإنكاره، سبب عنه على سبيل الإنكار والتحضيض قوله: { فلولا ~~تشكرون * } أي فهل لا ولم لا تجددون الشكر على سبيل الاستمرار باستعمال ~~ما أفادكم ذلك من القوى في طاعة الذي أوجده لكم ومكنكم منه وجعله ملائما ~~لطباعكم مشتهى لنفوسكم نافعا لكم في كل ما ترونه. # ولما كانت النار سببا لعنصر ما فيه الماء فيتحلب فيتقاطر كما كان الماء ~~سببا لتشقيق الأرض بالزرع، ولم يكن لمخلوق قدرة على التول بنوع سبب، ~~أتبعه بما كما أتبع الزرع ms4868 بالماء لذلك ولبيان القدرة على ما لا سبب فيه ~~لمخلوق في السفل كما كان إنزال الماء عريا عن سنتهم في العلو، فقال ~~مسببا عما مضى تنبيها على أنه أهلهم للتأمل في مصنوعاته والتبصر في ~~عجائب آياته فقال: { أفرءيتم } أي أخبروني هل رأيتم بالأبصار والبصائر ما ~~تقدم فرأيتم { النار } ولما كان المراد نارا مخصوصة توقفهم على تمام ~~قدرته وتكشف لهم ذلك كشفا بينا بإيجاد الأشياء من أضدادها فقال: { التي ~~تورون * } أي تستخرجون من الزند فتوقدون به سواء كان الزند يابسا أو ~~أخضر بعد أن كانت خفية فيه لا يظن من لم يجرب ذلك أن فيه نارا أصلا، ~~فكان ذلك مثل التورية التي يظهر فيها شيء ويراد غيره، ثم صار بعد ذلك ~~الخفاء إلى ظهور عظيم وسلطة متزايدة وعظمة ظاهرة تحرق كل ما لا بسها حتى ~~ما خرجت منه، والعرب أعرف الناس بأمر الزند، وذلك أنهم يقطعون غصنا من ~~شجر المرخ وآخر من العفار، ويحكون أحدهما على الآخر فتتقدح منها النار ~~على أن النار في كل شجر، وإنما خص المرخ والعفار لسهولة القدح منهما، وقد ~~قالوا: في كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار. # ولما كان هذا من عجائب الصنع، كرر التقرير والإنكار تنبيها عليه فقال: ~~{ ءأنتم أنشأتم } أي اخترعتم وأوجدتم وأودعتم وأحييتم وربيتم وأوقعتم { ~~شجرتها } أي المرخ والعفار التي تتخذون منها الزناد الذي يخرج منه، ~~وأسكنتموها النار مختلطة بالماء الذي هو ضدها وخبأتموها في تلك الشجرة لا ~~يعدو واحد منها على الآخر مع المضادة فيغلبه حتى يمحقه ويعدمه { أم نحن } ~~أي خاصة، وأكد بقوله: { المنشئون * } أي لها بما لنا من العظمة على تلك ~~الهيئة، فمن قدر على إيجاد النار التي هي أيبس ما يكون من الشجرة الأخضر ~~مع ما فيه من المائية المضادة لها في كيفيتها، كان أقدر على إعادة ~~الطرواة والغضاضة في تراب الجسد الذي كان غضا طريا فيبس وبلي، والآية ~~من الاحتباك بمثل ما مضى في أخواتها سواء. # ولما كان الجواب قطعا: أنت وحدك، قال دالا على ذلك تنبيها على ms4869 عظم ~~هذا الخبر: { نحن } أي خاصة { جعلناها } بما اقتضته عظمتنا، وقدم من ~~منافعها ما هو أولى بسياق البعث الذي هو مقامه فقال: { تذكرة } أي شيئا ~~تتذكرونه وتتذكرون به تذكرا عظيما جليلا عن كل ما أخبرنا به من البعث ~~وعذاب النار الكبرى وما ينشأ فيها من شجرة الزقوم وغير ذلك مما ننيره ~~لأولي البصائر والفهوم من العلوم، قال ابن برجان: فوزان قدح الزناد من ~~الشجر، والزناد وزان الصيحة بهم ووزان إنشائه الأجسام وزان إنشائه الشجرة ~~النار، ويتذكر بإنشائها في الشجر إنشاء الحياة في الأجسام وبإنشائها من ~~غيبها أن النار الكبرى في غيب ما نشاهده، وهذا من آثار كونها في الجو - ~~انتهى. وعلق بها سبحانه كثيرا من أسباب المعاش التي لا غنى عنها ليكون ~~مذكرا لهم بما أوقدوا به حاضرا دائما فيكون أجدر باتعاظهم { ومتاعا } ~~أي إنشاء وبقاء وتعميرا ونفعا وإيصالا إلى غاية المراد من الاستضائة ~~والاصطلاء والإنضاج والتحليل والإذابة والتعقيد والتكليس، وهروب السباع ~~وغير ذلك، والمراد أنها سبب لجميع ذلك { للمقوين } أي الجياع الذي أقوت ~~بطونهم - أي خلت - من الفقر والإغناء من النازلين بالأرض القواء، والقواء ~~بالكسر والمد أي القفر الخالية المتباعدة الأطراف البعيدة من العمران، ~~وكل آدمي مهيأ للقواء فهو موصوف به وإن لم يكن حال الوصف كذلك، وقال ~~الرازي: أقوى من الأضداد: اغتنى وافتقر، وقال أبو حيان: وهذه الأربعة ~~التي ذكرها الله تعالى ووقفهم عليها من أمر خلقهم وما به قوام عيشهم من ~~المطعوم والمشروب، والنار من أعظم الدلائل على البعث إذ فيها انتقال من ~~شيء إلى شيء إحداث شيء من شيء، ولذلك أمر في آخرها بتنزيهه - انتهى. # ولما دل سبحانه في هذه الآيات على عجائب القدرة وغرائب الصنع، فبدأ ~~بالزرع وختم بالنار والشجر، وأوجب ما نبه التذكر لأمرها والتبصر في شأنها ~~أنها من أسباب ما قبلها، وأنه سبب لها لكونه سببا لها لإثبات ما هي له، ~~وكان مجموع ذلك إشارة إلى العناصر الأربعة، قال ابن برجان: إلا أن الماء ~~والأرض لخلق الأركان، والأخلاق والصفات للهواء والنار، وكان ذلك ms4870 من جميع ~~وجوهه أمرا باهرا، أشار إلى زيادة عظمته بالأمر بالتنزيه مسببا عما ~~أفاد ذلك، فقال معرضا عمن قد يلم به الإنكار مقبلا على أشرف خلقه إشارة ~~إلى أنه لا يفهم هذا المقام حق فهمه سواه ولا يعمل به حق عمله غيره: { ~~فسبح } أي أوقع التنزيه العظيم عن كل شائبة نقص من ترك البعث وغيره ولا ~~سيما بعد بلوغ هذه الأدلة إلى حد المحسوس تسبيح متعجب من آثار قدرته ~~الدالة على تناهي عظمته وتسبيح شكر له وتعظيم له وإكبار وتنزيه عما يقول ~~الجاحدون وتعجيب منهم مقتديا بجميع ما في السماوات والأرض، ومن أعجب ذلك ~~أنه سخر لنا في هذه الدار جهنم، قال ابن برجان: جعل منها بحرارة الشمس ~~جنات وثمرات وفواكه وزروع ومعايش. # ولما كان تعظيم الاسم أقعد في تعظيم المسمى قال: { باسم } أي متلبسا ~~بذكر اسم { ربك } أي المحسن بعد التربية إليك بهذا البيان الأعظم بما خصك ~~به مما لم يعطه أحدا غيرك، وأثبتوا ألف الوصل هنا لأنه لم يكثر دوره ~~كثرته في البسملة منها وحذفوه منها لكثرة دورها وهم شأنهم الإيجاز وتقليل ~~الكثير إذا عرف معناه، وهذا معروف لا يجهل، وإثبات ما أثبت من أشكاله مما ~~لا يكثر دليل على الحذف منه، وكذا لا تحذف الألف مع غير الباء في اسم ~~الله ولا مع الباء في غير الجلالة من الأسماء لما تقدم من العلة. # ولما كان المقام للتعظيم قال: { العظيم * } الذي ملأ الأكوان كلها عظمة، ~~فلا شيء منها إلا وهو مملوء بعظمته تنزها عن أن تلحقه شائبة نقص أو ~~يفوته شيء من كمال، قال القشيري: وهذه الآيات التي عددها سبحانه تمهيد ~~لسلوك طريق الاستدلال وكما في الخبر # " تفكر ساعة خير من عبادة ستين سنة " # هذه الفكرة التي نبه الله عليها. # ولما كان من العظمة الباهرة ما ظهر في هذه السورة من أفانين الإنعام في ~~الدارين، وبدأ بنعمة الآخرة لكونها النتيجة، ثم دل عليها بإنعامه في ~~الدنيا فكان تذكيرا بالنعم لتشكر، ودلالة على النتيجة لتذكر، وفي كل ~~حالة تستحضر ms4871 فلا تكفر، فوصلت الدلالة إلى حد هو أوضح من المحسوس وأضوأ من ~~المشموس، وكان مع هذه الأمور الجليلة في مظهر أعجز الخلائق على أن يأتوا ~~بمثله من كل وجه، أما من جهة الجواب عن تشبههم وتعنتهم فلكونه يطابق ذلك ~~مطابقة لا يمكن أن يكون شيء مثلها، ويزيد على ذلك بما شاء الله من ~~المعارف من غير أن يدع لبسا، وأما من جهة المفردات فلكونها النهاية في ~~جلالة الألفاظ ورشاقة الحروف وجمع المعاني، فيفيد ذلك أنه لا تقوم كلمة ~~أخرى مقام كلمة منه أصلا، وأما من جهة التركيب فلكون كل كلمة منها أحق ~~في مواضعها بحيث إنه لو قدم شيء منها أو أخر لاختل المعنى المراد في ذلك ~~السياق بحسب ذلك المقام، وأما من جهة الترتيب في الجمل والآيات والقصص في ~~المبادئ والغايات فلكونه مثل تركيب الكلمات، كل جملة منتظمة بما قبلها ~~انتظام الدر اليتيم في العقد المحكم النظيم، لأنها إما أن تكون علة لما ~~تلته أو دليلا أو متممة بوجه من الوجوه الفائقة على وجه ممتع الجناب ~~جليل الحجاب لتكون أحلى في فمه، وأجلى بعد ذوقه في نظمه وسائر علمه، فكان ~~ثبوت جميع ما أخبر به على وجه لا مغتمر فيه ولا وقفة في اعتقاد حسنه، ~~فثبت أن الله تعالى أرسل الآتي بهذا القرآن صلى الله عليه وسلم بالهدى ~~وبالحق، لا أنه آتاه كل ما ينبغي له، فآتاه الحكمة وهي البراهين القاطعة ~~واستعمالها على وجوهها، والموعظة الحسنة، وهي الأمور المرققة للقلوب ~~المنورة للصدور، والمجادلة التي هي على أحسن الطرق في نظم معجز موجب ~~للإيمان، فكان من سمعه ولم يؤمن لم يبق له من الممحلات إلا أن يقول: هذا ~~البيان ليس لظهور المدعى وثبوته بل لقوة عارضة المدعي وقوته على تركيب ~~الأدلة وصوغ الكلام وتصريف وجوه المقال، وهو يعلم أنه يغلب لقوة جداله لا ~~لظهور مقاله، كما أنه ربما يقول أحد المتناظرين عند انقطاعه لخصمه: أنت ~~تعلم أن الحق معي لكنك تستضعفني ولا تنصفني، فحينئذ لا يبقى للخصم جواب ~~إلا الإقسام ms4872 بالإيمان التي لا مخرج عنها أنه غير مكابر وأنه منصف، وإنما ~~يفزع إلى الإيمان لأنه لو أتى بدليل آخر لكان معرضا لمثل هذا، فيقول: ~~وهذا غلتني فيه لقوة جدالك وقدرتك على سوق الأدلة ببلاغة مقالك، فلذلك ~~كانوا إذا أفحمهم النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: إنه يريد أن يتفضل ~~علينا فيما نعلم خلافه، فلم يبق إلا الإقسام، فأنزل الله أنواعا من ~~الأقسام بعد الدلائل العظام، ولهذا كثرت الآيات في أواخر القرآن، وفي ~~السبع الأخيرة خاصة أكثر، فلذلك سبب عن هذه الأدلة الرائعة والبراهين ~~القاطعة قوله: { فلا أقسم } بإثبات " لا " النافية، إما على أن يكون ~~مؤكدة بأن ينفي ضد ما أثبته القسم، فيجمع الكلام بين إثبات المعنى المخبر ~~به ونفي ضده، وإما على تقدير أن هذا المقام يستحق لعظمته وإنكارهم له أن ~~يقسم عليه بأعظم من هذا على ما له من العظمة لمن له علم - والله أعلم. # ولما كان الكلام السابق في الماء الذي جعله سبحانه مجمعا للنعيم ~~الدنيوية الظاهرة وقد رتب سبحانه لإنزاله الأنواء على منهاج دبره وقانون ~~أحكمه، وجعل إنزال القرآن نجوما مفرقة وبوارق متلالئة متألقة قال: { ~~بمواقع النجوم * } أي بمساقط الطوائف القرآنية المنيرة النافعة المحيية ~~للقلوب، وبهبوطها الذي ينبني عليه ما ينبني من الآثار الجليلة وأزمان ذلك ~~وأماكنه وأحواله، وبمساقط الكوكب وأنوائها وأماكن ذلك وأزمانه في تدبيره ~~على ما ترون من الصنع المحكم والفعل المتقن المقوم، الدال بغروب الكواكب ~~على القدرة على الطي بعد النشر والإعدام بعد الإيجاد، وبطلوعها الذي ~~يشاهد أنها ملجأة إليه إلجاء الساقط من علو إلى سفل لا يملك لنفسه شيئا، ~~لقدرته على الإيجاد بعد الإعدام، وبآثار الأنواء على مثل ذلك بأوضح منه - ~~إلى غير ذلك من الدلالات التي يضيق عنها العبارات، ويقصر دون علياها مديد ~~الإشارات، ولمثل هذه المعاني الجليلة والخطوب العظيمة جعل في الكلام ~~اعتراضا بين القسم وجوابه، وفي الاعتراض اعتراضا بين الموصوف وصفته ~~تأكيدا للكلام، وهزا لنافذ الأفهام تنبيها على أن الأمر عظيم والخطب ~~فادح جسيم، فقال موضحا له بالتأكيد رحمة للعبيد ms4873 بالإشارة إلى أنهم جروا ~~على غير ما يعلمون من عظمتنا فعدوا غير عالمين: { وإنه } أي هذا القسم ~~على هذا المنهج { لقسم لو تعلمون } أي لو تجدد لكم في وقت علم لعلمتم أنه ~~{ عظيم } وإقسامه لنا على ذلك ونحن أقل قدرا وأضعف أمرا إعلاما بما له ~~من الرحمة التي من عظمها أنه لا يتركنا سدى - كل ذلك ليصلح أنفسنا باتباع ~~أمره والوقوف عند زجره، قال ابن برجان: ومن إتقانه جل جلاله في خليقته ~~وحكمه في بريته أن جعل لكل واقع من النجوم الفلكية طالعا يسمى بالإضافة ~~إلى الواقع الرقيب دون تأخر، وذلك هو المشار إليه بقوله تعالى: # رب المشرقين ورب المغربين فبأي آلاء ربكما تكذبان # [الرحمن: 18] يجمع ذلك الشمس والقمر والنجوم وهي نجوم منازل القمر عددها ~~ثمانية وعشرون منزلة سوى تحجبها الشمس فتمت تسع وعشرون منزلة يشتشرفها ~~القمر، فربما استتر ليلة وربما استتر ليلتين، فالقمر ينزل في هذه المنازل ~~كل ليلة منزلة حتى يتمها لتمام الشهر، وإما الشمس فإنها تقيم فيها أربعة ~~عشر يوما ويسمى حلولها في هذه المحال ثم طلوع المنزلة التي تليها لوقوع ~~هذا رقيب لها نوء - انتهى، وهو يعني أن من تأمل هذه الحكم علم ما في هذا ~~القسم من العظم، وأشبع القول فيها أبو الحكم، وبين ما فيها من بدائع ~~النعم، ثم قال: ويفضل الله بفتح رحمته كما يشاء فينزل من السماء ماء ~~مباركا يكسر به من برد الزمهرير فيرطبه ويبرد من حر السعير فيعدله، وقسم ~~السنة على أربعة فصول أتم فيها أمره في الأرض بركاتها وتقدير أقواتها، ~~قال # وبارك فيها وقدر بها أقواتها في أربعة أيام # [فصلت: 10] في قراءتنا (فيها) بدل (بها) ا. ه. ثم قال: وجعل هذه الدنيا ~~على هذا الاعتبار الجنة الصغرى، ولو أتم القسم على هذا الوجه ثم على ~~الاعتبار تخفيفه الفيح وإنارته الزمهرير والسعير هي جهنم الصغرى. ### || [56.77-85] # ولما أتم القسم على هذا الوجه الجليل، أجابه بقوله مؤكدا لما لهم من ~~ظاهر الإنكار: { إنه } أي القرآن الذي أفهمته النجوم بعموم أفهامها { ~~لقرآن ms4874 } أي جامع سهل قريب مفقه مبين للغوامض ذو أنواع جليلة { كريم * } ~~ظهرت فيه أفانين إنعامه سبحانه فيما دق من أمور هذه الدنيا وجل من أمور ~~الدارين بما ذكر في هذه السورة وما تقدمها من إصلاح المعاش والمعاد، فهو ~~بالغ الكرم منزه عن كل شائبة نقص ولؤم ودناءة، من كرمه كونه من الملك ~~الأعلى إلى خير الخلق بسفارة روح القدس وبلسان العرب الذين اتفق الفرق ~~على أن لسانهم أفصح الألسن وعلى وجه أعجز العرب. # ولما ذكر المعنى، ذكر محل النظم الدال عليه بلفظ دال على نفس النظم ~~فقال: { في كتب } أي خط ومخطوط فيه جامع على وجه هو في غاية الثبات { ~~مكنون * } أي هو في ستر مصون لما له من النفاسة والعلو في السماء في ~~اللوح المحفوظ، وفي الأرض في الصدور المشرفة، وفي السطور في المصاحف ~~المكرمة المطهرة، محفوظا مع ذلك من التغيير والتبديل. # ولما كان ما هو كذلك قد يحصل له خلل يسوء خدامه قال: { لا يمسه } أي ~~الكتاب الذي هو مكتوب الذي هو مكتوب فيه أعم من أن يكون في السماء أو في ~~الأرض أو القرآن أو المكتوب منه فضلا عن أن يتصرف فيه { إلا المطهرون * ~~} أي الطاهرون الذين بولغ في تطهيرهم وهم رؤوس الملائكة الكرام، ولم يكن ~~السفير به إلا هم ولم ييسر الله حفظه إلا لأطهر عباده، ولم يعرف معناه ~~إلا لأشرف حفاظه وأطهرهم قلوبا، ومن عموم ما يتحمله اللفظ من المعنى ~~بكونه كلام العالم لكل شيء فهو لا يحمل لفظا إلا وهو مراد له أنه يحرم ~~منه على من لم يكن له في غاية الطهارة بالبعد عن الحدثين الأكبر والأصغر، ~~فهو على هذا نفي بمعنى النهي وهو أبلغ، قال البغوي: وهو قول أكثر أهل ~~العلم، وروي بإسناد من طريق أبي مصعب عن مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن ~~عمرو ابن حزم أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله لعمرو بن حزم رضي الله ~~عنه (أن لا يمس القرآن إلا طاهر) والمراد به المصحف للجوار ms4875 كما في النهي ~~أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو. ومما يحتمله أيضا التعبير باللمس أنه ~~لا يقرأه بلسانه إلا طاهر، فإن أريد الجنابة كان النهي للحرمة أو للأكمل. # ولما ذكر الذي منه صيانته، أتبعه شرفه بشرف منزله وإنزاله على حال هو في ~~غاية العظمة مسميا له باسم المصدر للمبالغة ولأن هذا المصدر أغلب ~~أحواله، ولذلك غلب عليه هذا الأسم: { تنزيل } أي وصوله إليكم بالتدريج ~~بحسب الوقائع والتقريب للأفهام والتأني والترقية من حال إلى حال وحكم ~~بواسطة الرسل من الملائكة. # ولما كان هذا في غاية الاتفاق واليسر ذكر من صفاته ما يناسبه فقال: { من ~~رب العالمين * } من الخالق العالم بتربيتهم. # ولما أفصح من وصف هذا الكتاب العظيم ما يقتضي أن يكون بمجرده مثبتا لما ~~لا تدركه العقول من كماله وكافيا في الإذعان لاعتقاده فكيف إذا كان ما ~~تحكم العقول وتقضي بفساد ما سواه، فكيف إذا كان مما يتذكر الإنسان مثله ~~في نفسه، عجب منهم في جعله سببا لإنكار البعث الذي إذا ذكر الإنسان ~~أحوال نفسه كفاه ذلك في الجزم به فقال منكرا تعجبا: { أفبهذا } ولما ~~كان الإنسان مغرما بما يجدد له من النعم ولو هان فكيف إذا كان أعلى ~~النعم قال: { الحديث } أي الذي تقدمت أوصافه العالية وهو متجدد إليكم ~~إنزاله وقتا بعد وقت { أنتم } أي وأنتم العرب الفصحاء والمفوهون البلغاء ~~{ مدهنون * } أي كذابون منافقون بسببه تظهرون غير ما تبطنون أنه كذاب ~~وأنتم تعلمون صدقه بحسن معانيه، وعجزكم عن مماثلته في نظومه ومبانيه، ~~وتقولون: لو شئنا لقلنا مثل هذا: وجميع أفعالكم تخالف هذا فإنكم تصبرون ~~لوقع السيوف ومعانقة الحتوف، ولا تأتون بشيء يعارضه يبادئ شيئا منه أو ~~يناقضه أو تلاينون أيها المؤمنون من يكذب به ويطعن في علاه أو يتوصل ولو ~~على وجه خفي إلى نقض شيء من عراه، تهاونا به ولا يتصلبون في تصرفه ~~تعظيما لأمره حتى يكونوا أصلب من الحديد، قال في القاموس: دهن: نافق، ~~والمداهنة: إظهار خلاف ما تبطن كالإدهان والغش، وقال البغوي رحمه الله: ~~هو الإدهان وهو ms4876 الجري في الباطن على خلاف الظاهر، وقال الرازي: والفرق ~~بين المداراة والمداهنة يرجع إلى القصد، فما قصد به غرض سوى الله فهو ~~المداهنة، وما قصد به أمر يتعلق بالدين فهو المداراة، وقال ابن برجان: ~~الإدهان والمداهنة: الملاينة في الأمور والتغافل والركون إلى التجاوز - ~~انتهى. فهو على هذا إنكار على من سمع أحدا يتكلم في القرآن بما لا يليق ~~ثم لا يجاهره بالعداوة، وأهل الاتحاد كابن عربي الطائي صاحب الفصوص وابن ~~الفارض صاحب التائية أول من صوبت إليه هذه الآية، فإنهم تكلموا في القرآن ~~على وجه يبطل الدين أصلا ورأسا ويحله عروة عروة، فهم أضر الناس على هذا ~~الدين، ومن يؤول لهم أو ينافح عنهم ويعتذر لهم أو يحسن الظن بهم مخالف ~~لإجماع الأمة أنجس حالا منهم فإن مراده إبقاء كلامهم الذي لا أفسد ~~للإسلام منه من غير أن يكون لإبقائه مصلحة ما بوجه من الوجوه. # ولما كان هذا القرآن متكفلا بسعادة الدارين، قال تعالى: { وتجعلون ~~رزقكم } أي حظكم ونصيبكم وجميع ما تنتفعون به من هذا الكتاب وهو نفعكم ~~كله { أنكم تكذبون * } أي توجدون حقيقة التكذيب في الماضي والحال، ~~وتجددون ذلك في كل وقت به وبما أرشد إليه من الأمور الجليلة وهي كل ما هو ~~أهل للتصديق به وتصفونه بالأوصاف المتناقضة، ومن ذلك ما أرشد إليه من أنه ~~لا فاعل إلا الله تعالى فتقولون أنتم إذا أمطركم ما يرزقكم به: هذا بنوء ~~كذا، معتقدين تأثير ذلك النوء، وإنما هو بالله تعالى، فجعلتم جزاء الرزق ~~وبذل الشكر على الرزق التكذيب، وقال ابن برجان: وتجعلون رزقي إياكم من ~~قرآن عظيم أنزلته، وكلام عظيم نزلته، ونور إيمان بينته، وضياء يقين ~~جليته، وما أنزلته من السماء من بركات قدرتها ومن رياح أرسلتها، وسحب ~~ألفتها، تجعلون مكان الشكر على ذلك التكذيب. # ولما أنكر عليهم هذا الإنكار، وعجب منهم هذا التعجيب في أن ينسبوا لغيره ~~فعلا أو يكذبوا له خبرا، سبب عن ذلك تحقيقا لأنه لا فاعل سواه قوله: { ~~فلولا } وهي أداة تفهم طلبا بزجر وتوبيخ وتقريع ms4877 بمعنى هل لا ولم لا { ~~إذا بلغت } أي الروح منكم ومن غيركم عند الاحتضار، أضمرت من غير ذكر ~~لدلالة الكلام عليها دلالة ظاهرة { الحلقوم * } وهو مجرى الطعام في ~~الحلق، والحلق مساغ الطعام والشراب معروف، فكان الحلقوم أدنى الحلق إلى ~~جهة اللسان لأن الميم لمنقطع التمام، { وأنتم } أي والحال أنكم أيها ~~العاكفون حول المحتضر المتوجعون له { حينئذ } أي حين إذ بلغت الروح ذلك ~~الموضع. # ولما كان بصرهم لكونه لا ينفذ في باطن كالعدم قال: { تنظرون * } أي ولكم ~~وصف التحديق إليه ولا حيلة لكم ولا فعل بغير النظر، ولم يقل: تبصرون، ~~لئلا يظن أن لهم إدراكا بالبصر لشيء من البواطن من حقيقة الروح وغيرها ~~نحوها { ونحن } أي والحال أنا نحن بما لنا من العظمة { أقرب إليه } أي ~~المحتضر حقيقة بعلمنا وقدرتنا التامة وملائكتنا { منكم } على شدة قربكم ~~منه { ولكن لا تبصرون * } أي مع تحديقكم إليه لا يتأثر عن ذلك التحديق ~~غايته، وهو الإبصار لقربنا منه، ولا ملائكتنا الموكلين بقبض روحه، ~~لتعلموا أن الفعل لنا لا لغيرنا، فلا يتجدد لكم شيء من هذا الوصف لتدركوا ~~به حقيقة ما هو فيه، فثبت ما أخبرنا به من الاختصاص بباطن العلم والقدرة ~~اللذين عبرنا عنهما بالقرب الذي هو أقوى أسبابها. ### || [56.86-96] # ولما كان الكلام لإثبات هذه الأغراض المهمة قبل جواب " لولا " أعادها ~~تأكيدا لها وتبينا فقال: { فلولا إن كنتم } أيها المكذبون بالبعث وغيره ~~{ غير مدينين * } أي مقهورين مملوكين مجربين محاسبين بما عملتم في دار ~~البلاء التي أقامكم فيها أحكم الحاكمين بامتناعكم بأنفسكم عن أن يجازيكم ~~أو يمنع غيركم لكم منه، وأصل تركيب (دان) للذل والانقياد - قاله البيضاوي ~~{ ترجعونها } أي الروح إلى ما كانت عليه { إن كنتم } أي كونا ثابتا { ~~صادقين * } أي في أنكم غير مقهورين على الإحضار على الملك الجبار الذي ~~أقامكم في هذه الدار للابتلاء والاختبار، وأنه ليس لغيركم أمركم، وفي ~~تكذيبكم لما يخبر به من الأمور الدنيوية بذل شكركم، وهذا دليل على أنه لا ~~حياة لمن بلغت روحه الحلقوم أصلا وهذا إلزام لهم بالبعث ms4878 حاصله أنه ~~سبحانه إن كان لا يعيدكم فليس هو الذي قدر الموت عليكم، وإن كان لم يقدره ~~فما لكم لا ترفعونه عنه لأنه من الفوادح التي لا يدرك علاجها، وأنتم ~~تعالجون مقدماته. وإن قلتم: إنه مقدر لا يمكن علاجه، لزمكم الإقرار بأن ~~البعث مقدر لا يمكن علاجه، فإن أنكرتم أحدهما فأنكروا الآخر، وإن أقررتم ~~بأحدهما فأقروا بالآخر، وإلا فليس إلا العناد، فإن قلتم: نحن لا نعلم أنه ~~قدره فاعلموا أنه لو لم يكن بتقديره لأمكنت مقاومته وقتا ما لا سيما ~~والنفوس مجبولة على كراهته، وفي الموتى الحكماء والملوك، وتقريبه أنكم قد ~~بالغتم في الجحود بآيات الله تعالى وأفعاله في كل شيء إن أرسل إليكم ~~رسولا قلتم: ساحر كذاب، وإن صدقه مرسله بكتاب معجز قلتم: سحر وافتراء ~~وأمر عجاب، وإن رزقكم من الماء الذي به حياة كل شيء مطرا ينعشكم به ~~قلتم: صدق نوء كذا، على حال مؤد إلى التعطيل والإهمال والعبث، فما لكم لا ~~ترجعون الروح إلى البدن عند بلوغه الحلقوم إن لم يكن ثم مدبر لهذا الكون ~~بالإرسال والإنزال وإفاضة الأرواح وقبضها وبعث العباد لدينونتهم على ما ~~فعلوا فيما أقامهم فيه، تمثيل بأفعال الملوك على ما يعهد، فكما أن ملوك ~~الدنيا لا يرسل أحد منهم إلى أحد من رعيته فيأخذه قهرا إلا للدينونة ~~فكيف يظن بملك الملوك غير ذلك، فتكون ملوك الدنيا أحكم منه، فإن كان ليس ~~بتمام القدرة فافعلوا برسله كما تفعلون برسل الملوك، فإنه ربما خلص ~~المطلوب منهم بنوع من أنواع الخلاص بعد بلوغه إلى باب الملك فإرساله ~~سبحانه هو مثل إرسال الملوك غير أنه لتمام قدرته يأخذ أخذا لا يقدر أحد ~~على رده، ولا أن يتبع مأخوذه أصلا لا ليخدمه بعد الأخذ ولا ليخفف عنه ~~شيئا مما هو فيه بغير ما أمر به سبحانه على ألسنة رسله من الدعاء ~~والصدقة ولا ليعلم حاله بوجه من الوجوه بل الأمر كما قيل: # إذا غيب المرء استسر حديثه # ولم يخبر الأفكار عنه بما يغني # ولما كان التقدير: لا يقدر ms4879 أحد أصلا على ردها بعد بلوغها إلى ذلك المحل ~~لأنا نريد جمع الخلائق للدينونة بما فعلوا فيما أقمناهم فيه وأمرناهم به ~~ولا يكون إلا ما تريد، فكما أنكم مقرون بأنه خلقكم من تراب وبأنه يعيدكم ~~قهرا إلى التراب يلزمكم حتما أن تقروا بأنه قادر على أن يعيدكم من ~~التراب فإن أنكرتم هذا اللازم لزمكم إنكار ملزومه، وذلك مكابرة في الحس ~~فليكن الآخر مثله، فثبت أنا إنما نعيد الخلائق إلى التراب لنجمعهم فيه ثم ~~نبعثهم منه لنجازي كلا بما يستحق ونقسمهم إلى أزواج ثلاثة { فأما إن ~~كان } أي الميت منهم { من المقربين * } أي السابقين الذين اجتذبهم الحق ~~من أنفسهم فقربهم منه فكانوا مرادين قبل أن يكونوا مريدين، وليس القرب ~~قرب مكان لأنه تعالى منزهه عنه، وإنما هو بالتخلق بالصفات الشريفة على ~~قدر الطاقة البشرية ليصير الإنسان روحا خالصا كالملائكة لا سبيل للحظوظ ~~والشهوات عليه، فإن قربهم إنما هو بالانخلاع من الإرادة أصلا ورأسا، ~~وذلك أنه لا شهوات لهم فلا أغراض فلا فعل إلا أمروا به فلا إرادة، إنما ~~الإرادة للمولى سبحانه وهو معنى # وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي # [النحل: 90] أي مطلق الإرادة في غير أمر من الله، لأن المملوك الذي هو ~~لغيره لا ينبغي أن يكون له شيء لا إرادة ولا غيرها - وفقنا الله تعالى ~~لذلك { فروح } أي فله راحة ورحمة ما ينعشه من نسيم الريح ومعنى قراءة ~~يعقوب بالضم طمأنينة في القلب وسكينة وحياة لا موت بعدها { وريحان } أي ~~رزق عظيم ونبات حسن بهج وأزاهير طيبة الرائحة. # ولما ذكر هذه اللذاذة، ذكر ما يجمعها وغيرها فقال: { وجنات } أي بستان ~~جامع للفواكه والرياحين وما يكون عنها وتكون عنه. # ولما كان جنان الدنيا قد يكون فيها نكد، أضاف هذه الجنة إلى المراد بهذه ~~الجنان إعلاما بأنها لا تنفك عنه فقال: { نعيم * } أي ليس فيها غيره بل ~~هي مقصورة عليه { وأما إن كان } أي الميت منهم { من أصحاب اليمين * } أي ~~الذين هم الدرجة الثانية من أصحاب الميمنة { فسلام } أي سلامة ونجاة وأمر ~~وقول ms4880 دال عليه. ولما كان ما يواجه به الشريف من ذلك أعلى قال: { لك } أي ~~يا أعلى الخلق أو يا أيها المخاطب. # ولما كان من أصاب السلام على وجه من الوجوه فائزا، فكيف إذا كان مصدرا ~~للسلام ومنبعا منه قال: { من أصحاب اليمين * } أي أنهم في غاية من ~~السلامة وإظهار السلام، لا يدرك وصفها، وهو تمييز فيه معنى التعجيب، فإن ~~إضافته لم تفده تعريفا، وفي اللام و { من } مبالغة في ذلك، فالمعنى: ~~فأما هم فعجبا لك وأنت أعلى الناس في كل معنى، وأعرفهم بكل أمر غريب ~~منهم في سلامتهم وسلامهم وتعافيهم وملكهم وشرفهم وعلو مقامهم، وذلك كله ~~إنما أعطوه لأجلك زيادة في شرفك لاتباعهم لدينك، فهو مثل قول القائل حيث ~~قال: # فيا لك من ليل كأن نجومه # بكل مقار العمل شدت يذبل # وقول القائل أيضا حيث قال: # لله در أنو شروان من رجل # ما كان أعرفه بالدون والسفل # أي عجبا لك من ليل وعجبا من أنو شروان. ولما ذكر الصنفين الناجيين، ~~أتبعهما الهالكين جامعا لهم في صنف واحد لأن من أريدت له السعادة يكفيه ~~ذلك، ومن ختم بشقائه لا ينفعه ذلك الإغلاظ والإكثار فقال { وأما إن كان } ~~أي ذلك الذي أخذناه من أصحاب المشأمة وأنتم حوله تنقطع أكبادكم له ولا ~~تقدرون له على شيء أصلا { من المكذبين }. # ولما كان المكذب تارة يكون معاندا، وتارة يكون جاهلا مقتصرا، قال: { ~~الضالين } أي أصحاب الشمال الذين وجهوا وجهة هدى فزاغوا عنها لتهاونهم في ~~البعث { فنزل } أي لهم وهو ما يعد للقادم على ما لاح { من حميم * } أي ~~ماء متناه في الحرارة بعد ما نالوا من العطش كما يرد أصحاب الميمنة الحوض ~~كما يبادر به القادم ليبرد به غلة عطشه ويغسل به وجهه ويديه { وتصلية ~~جحيم * } أي لهم بعد النزل يصلوا النار الشديدة التوقد صليا عظيما. # ولما تم ما أريد إثبات البعث على هذا الوجه المحكم البين، وكانوا مع ~~البيان يكذبون به، لفت الخطاب عنهم إلى أكمل الخلق، وأكد تسميعا لهم ~~فقال سائقا له مساق ms4881 النتيجة: { إن هذا } أي الذي ذكر في هذه السورة من ~~أمر البعث الذي كذبوا به في قولهم { إننا لمبعوثون } ومن قيام الأدلة ~~عليه. ولما كان من الظهور في حد لا يساويه فيه غيره. زاد في التأكيد على ~~وجه التخصيص فقال: { لهو حق اليقين * } أي لكونه لما عليه من الأدلة ~~القطعية المشاهدة كأنه مشاهد مباشر، قال الأصبهاني: قال قتادة في هذه ~~الآية: إن الله عز وجل ليس تاركا أحدا من الناس حتى يوقفه على اليقين ~~من هذا القرآن، فأما المؤمن فأيقن في الدنيا فنفعه ذلك، وأما المنافق ~~فأيقن يوم القيامة حيث لا ينفعه - انتهى. # ولما تحقق له هذا اليقين، سبب عنه أمره بالتنزيه له سبحانه عما وصفوه به ~~مما يلزم منه وصفه بالعجز بعد تقسيمه للأزواج الثلاثة على طريق الإيجاز ~~كما أمره بذلك بعد الفراغ من تقسيمهم على طريق الإطناب إشارة إلى أن ~~المفاوتة بينهم مع ما لهم من العقول من أعظم الأدلة على الفعل بالاختيار ~~وعلى فساد القول بالطبيعة: { فسبح } أي أوقع التنزيه كله عن كل شائبة نقص ~~بالاعتقاد والقول والفعل والصلاة وغيرها بأن تصفه بكل ما وصف به نفسه من ~~الأسماء الحسنى وتنزهه عن كل ما نزه عنه نفسه المقدس، ولقصره الفعل ~~لإفادة العموم أثبت الجار بقوله: { باسم ربك } أي المحسن إليك بما خصك به ~~مما لم يعطه أحدا غيرك عما وصفه به الكفرة من التكذيب بالواقعة، وإذا ~~كان هذا لا سمه فكيف بما له وهو { العظيم * } الذي ملأت عظمته جميع ~~الأقطار والأكوان، وزادت على ذلك بما لا يعلمه حق العلم سواه لأن من له ~~هذا الخلق على هذا الوجه المحكم، وهذا الكلام الأعز الأكرم، لا ينبغي ~~لشائبة نقص أن تلم بجنابه، أو تدنو من فناء بابه، وقد انطبق آخر السورة ~~على أولها في الإخبار بالبعث وتصنيف الخلائق فيه إلى الأصناف المذكورة في ~~أولها أي انطباق، وزاد هذا الآخر بأن اعتنق بدليله أي اعتناق، واتفق مع ~~أول التي بعدها أي اتفاق، وطابقه أجل طباق، وختمت بصفتي الرحمة ~~والعظمة، وجلت ms4882 عن الاسم الجامع كاللتين قبلها لما ذكره في أواخر القمر من ~~أنه لم يذكر في واحدة من الثلاث أحد من أهل المعصية المصاحبة للإيمان، ~~ليخاطب بالاسم الجامع للإهانة والإحسان، وإنما ذكر أهل الكفران ~~المستوجبين للهوان بالخلود في النيران، وأهل الإيمان المتأهلين للإحسان ~~بتأبيد الإمكان في أعلى الجنان - انتهى. ### | [57 - سورة الحديد] ### || [57.1-4] # ولما ختمت الواقعة بالأمر بتنزيهه عما أنكره الكفرة من البعث، جاءت هذه ~~لتقرير ذلك التنزيه وتبيينه بالدليل والبرهان والسيف والسنان فقال تعالى ~~كالتعليل لآخر الواقعة: { سبح } أي أوقع التسبيح بدلالة الجبلة تعظيما ~~له سبحانه وإقرارا بربوبيته وإذعانا لطاعته، وقصره، وهو متعد ليدل على ~~العموم بقصره، وعلى الإخلاص بتعديته باللام وجعله ماضيا هنا وفي الحشر ~~والصف ومضارعا في الجمعة والتغابن ليدل على أن مما أسند إليه التسبيح هو ~~من شأنه وهجيراه وديدنه وتخصيص كل من الماضي والمضارع بما افتتح به لما ~~يأتي في أول الجمعة، والإتيان بالمصدر أول الإسراء أبلغ من حيث إنه يدل ~~إطلاقه على استحقاق التسبيح من كل شيء وفي كل حال { لله } أي الملك ~~المحيط بجميع صفات الكمال { ما في السماوات } أي الأجرام العالية والذي ~~فيها وهي الأرض ومن فيها وكل سماء ومن فيها، وما بينهما لأنها كلها في ~~العرش الذي هو أعلى الخلق. # ولما كان الكلام آخر الواقعة مع أهل الخصوص بل هو أخص أهل الخصوص، لم ~~يحتج إلى تأكيد فحذف ما جعلا للخافقين كشيء واحد لأن نظره لهما نظر علو ~~نظرا واحدا لما أخبر به عنهما من التنزيه فقال: { والأرض * } أي وما ~~فيها وكذا نفس الأراضي كما تقدم، فشمل، ذلك جميع الموجودات لأنه إذا سبح ~~ذلك كله فتسبيح العرش بطريق الأولى وتنزيه هذه الأشياء بما فيها من ~~الآيات الدالة على أنه سبحانه لا يلم بجنابه شائبة نقص، وأن كل شيء واقف ~~على الباب يشاهد الطلب، قال القشيري: التسبيح: التقديس والتنزيه، ويكون ~~بمعنى سباحة الأسرار في بحار الإجلال، فيظفرون بجواهر التوحيد، وينظمونها ~~في عقد الإيمان، ويرصعونها في أطواق الوصلة. # ولما قرر ذلك، دل على أنه ms4883 لا قدرة لشيء على الانفكاك عنه، وأن له كل ~~كمال، فهو المستحق للتسبيح والحمد فقال: { وهو } أي وحده { العزيز } الذي ~~يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء { الحكيم * } الذي أتقن كل شيء صنعه. # وقال الأستاذ أبو جعفر بن الزبير العاصمي في برهانه: لما تقدم قوله ~~سبحانه وتعالى # فلولا تصدقون # [الواقعة: 57] وفيه من التقريع والتوبيخ لمن قرع به ما لا خفاء به، ثم ~~اتبع بقوله تعالى # أفرءيتم ما تمنون # [الواقعة: 58] الآيات إلى قوله # ومتاعا للمقوين # [الواقعة: 73] فعزروا ووبخوا على سوء جهلهم وقبح ضلالهم، ثم قال سبحانه ~~وتعالى بعد ذلك # أبهذا الحديث أنتم مدهنون # [الواقعة: 81] واستمر توبيخهم إلى قوله: # إن كنتم صادقين # [الواقعة: 87] فلما أشارت هذه الآيات إلى قبائح مرتكباتهم، أعقب تعالى ~~ذلك تنزيهه عز وجل عن سوء ما انتحلوه وضلالهم فيما جهلوه فقال تعالى # فسبح باسم ربك # [الواقعة: 69] أي نزهه عن عظيم ضلالهم وسوء اجترائهم، ثم أعقب ذلك بقوله ~~{ سبح لله ما في السماوات والأرض } أي سبح باسم ربك، فهي سنة العالم ~~بأسرهم # وله أسلم من في السماوات والأرض # [آل عمران: 83] { سبح لله ما في السماوات والأرض } ثم أتبع ذلك بقوله: { ~~له الملك وله الحمد } فبين تعالى انفراده بصفة الجلال ونعوت الكمال، وأنه ~~المتفرد بالملك والحمد وأنه الأول والآخر والظاهر والباطن إلى قوله: { ~~وهو عليم بذات الصدور } فتضمنت هذه الآيات إرغام من أشير إلى حاله في ~~الآية المتقدمة من سورة الواقعة وقطع ضلالهم والتعريف بما جهلوه من صفاته ~~العلى وأسمائه الحسنى جل وتعالى، وافتتحت آي السورتين واتصلت معانيها ثم ~~صرف الخطاب إلى عباده المؤمنين فقال تعالى { آمنوا بالله ورسوله } ~~واستمرت الآي على خطابهم إلى آخر السورة - انتهى. # ولما أخبر بذلك، دل على وجه مصرح بما أفهمه الأول من تسبيح السماوات ~~والأرض بقوله: { له } أي وحده { ملك السماوات والأرض } أي وملك ما فيهما ~~وما بينهما ظاهرا وباطنا، فالملك الظاهر ما هو الآن موجود في الدنيا من ~~أرض مدحية وسماء مبنية وكواكب مضية وأفلاك علية ورياح محسوسة وسحاب مرئية ~~- وما تفصل إلى ذلك من ms4884 خلق وأمر، والملك الباطن الغائب عنا، وأعظمه ~~المضاف إلى الآخر وهو الملكوت، قال القشيري: الملك مبالغة من الملك يعني ~~بدلالة الضمة، قال، والملك بالكسر أي القدرة على الإبداع فلا مالك إلا ~~الله، وإذا قيل لغيره: مالك، فعلى المجاز بالأحكام المتعلقة في الشريعة ~~على ملك الناس أي بتصحيحه أو إفساده ونحوه ذلك، فالآية من الاحتباك: ذكر ~~ما بين السماوات والأرض أولا دليلا على حذف ما بينهما ثانيا، وذكر ~~الخافقين ثانيا دليلا على حذف مثل ذلك أولا ليكون التسبيح والملك ~~شاملا للكل. # ولما كان ذلك مما لا نزاع فيه، وكان ربما عاند معاند، دل عليه بما لا ~~مطمع فيه لغيره فقال مقدما الإحياء لأنه كذلك في الخارج ولأن زمن الحياة ~~أكثر لأن البعث حياة دائمة لا موت بعدها: { يحيي } أي له صفة الإحياء ~~فيحيي ما يشاء من الخلق بأن يوجده على صفة الإحياء كيف شاء في أطور ~~يتقلبها كيف شاء وكيف يشاء ومما يشاء { ويميت } أي له هاتان الصفتان على ~~سبيل الاختيار والتجد والاستمرار، فهو قادر على البعث بدليل ما ثبت له من ~~صفة الإحياء. ولما كان هذا شاملا للقدرة على التجديد والإعادة، عم الحكم ~~بقوله: { وهو على كل شيء } أي من الإحياء والإماتة وغيرهما من كل ممكن { ~~قدير * } أي بالغ القدرة إلى حد لا يمكن الزيادة عليه. # ولما أخبر بتمام القدرة، دل على ذلك بقوله: { هو } أي وحده { الأول } أي ~~بالأزلية قبل كل شيء فلا أول له، والقديم الذي منه وجود كل شيء وليس ~~وجوده من شيء لأن كل ما نشاهده متأثر لأنه حقير، وكل ما كان ما كان كذلك ~~فلا بد له من موجد غير متأثر { والآخر } بالأبدية، الذي ينتهي إليه وجود ~~كل شيء في سلسلة الترقي وهو بعد فناء كل شيء ولو بالنظر إلى ما له من ~~ذاته فلا آخر له لأنه يستحيل عليه نعت العدم لأن كل ما سواه متغير، بنوع ~~من التغيير جاز إعدامه، وما جاز إعدامه فلا بد له من معدم يكون بعده ولا ~~يمكن إعدامه. ms4885 # ولما كان السبق يقتضي البطون، والتأخر يوجب الظهور، وكانا أمرين متضادين ~~لا يكاد الإنسان يستقل بتعلقهما في شيء واحد، نبه على اجتماعهما فيه، ~~فقال مشيرا بالواو إلى تمام الاتصاف وتحققه: { والظاهر } أي بالأحدية ~~للعقل بأدلته الظاهرة في المصنوعات بما له من الأفعال ظهورا لا يجهله ~~عاقل، وهو الغالب في رفعته وعلوه فليس فوقه شيء { والباطن } بالصمدية وعن ~~انطباع الحواس وارتسام الخيال وتصور الفهم والفكر وبتمام العلم والحكمة ~~بما له من العظمة في ذاته بكثرة التعالي والحجب بطونا لا يكتنه شيء، ~~وقال القشيري: الأول بلا ابتداء، الآخر بلا انتهاء. الظاهر بلا خفاء، ~~الباطن بنعت العلا وعز الكبرياء - انتهى، والعطف للدلالة كما أشير إليه ~~على الإحاطة التامة لأنها لما كانت متضادة كانت بحيث لو أعريت عن الواو ~~لربما ظن أن وجودها لا على سبيل التمكن، فلا تكون محيطة بل مقيدة بحيثية ~~مثلا فجاءت الواو دلالة على تمكن الوصف وإحاطته وإنه واقع بكل اعتبار ~~ليس واحد من الأوصاف مكملا لشيء آخر ولا شارحا لمعناه، فهو أول على ~~الإطلاق وآخر كذلك، وظاهر حتى في حال بطونه وباطن كذلك، وهذا على الأصل ~~فإن صفاته تعالى محيطة فلا إشكال، إنما الإشكال عند الخلو من العطف فهو ~~الأغلب في إيرادها كما آخر الحشر، ولعل ذلك مراد الكشاف بقوله: إن الواو ~~الأولى معناها الدلالة على الجامع بين الصفتين الأولية والآخرية، أي ~~جمعا هو في غاية المكنة، والثالثة على أنه الجامع بين الظهور والخفاء، ~~وأما الوسطى فعلى أنه الجامع بين مجموع الصفتين الأولين ومجموع الصفتين ~~الأخيرتين، فهو المستمر الوجود في جميع الأوقات الماضية والآتية. انتهى. # ولما كان من ظهر لشيء بطن عن غيره، ومن بطن لشيء غاب عنه علمه، وكان ~~سبحانه في ظهوره على ذلك بمعنى أنه ليس فوقه شيء، وفي بطونه بحيث ليس ~~دونه شيء، فقد جمعت الأوصاف إحاطة العلم والقدرة، أعلم نتيجة ذلك فقال: { ~~وهو بكل شيء عليم * } أي لكون الأشياء عنده على حد سواء، والبطون والظهور ~~إنما هو بالنسبة إلى الخلق، وأما هو سبحانه فلا باطن ms4886 من الخلق عنده بل هو ~~في غاية الظهور لديه لأنه الذي أوجدهم، وهذا معنى ما قال البغوي رحمه ~~الله تعالى: سأل عمر رضي الله عنه كعبا عن هذه الآية فقال: معناها أن ~~علمه بالأول كعلمه بالآخر، وعلمه بالظاهر كعلمه بالباطن - انتهى. # لأن العلم يستلزم القدرة على حسبه. ولما كان الصانع للشيء عالما به، دل ~~على علمه وما تقدم من وصفه بقوله: { هو } أي وحده { الذي خلق السماوات } ~~وجمعها لعلم العرب بتعددها { والأرض } أي الجنس الشامل للكل، أفردها لعدم ~~توصلهم إلى العلم بتعددها { في ستة أيام } سنا للتأني وتقريرا للأيام ~~التي أوترها سابعها الذي خلق فيه الإنسان الذي دل خلقه باسمه { الجمعة } ~~على أنه المقصود بالذات وبأنه السابع على أنه نهاية المخلوقات - انتهى. # ولما كان تمكن الملك من سرير الملك كناية عن انفراده بالتدبير وإحاطة ~~قدرته وعلمه، وكان ذلك هو روح الملك، دل عليه منبها على عظمته بأداة ~~التراخي فقال: { ثم استوى } أي أوجد السواء وهو العدل إيجاد من هو شديد ~~العناية { على العرش } المحيط بجميع الموجودات بالتدبير المحكم للعرش وما ~~دونه ومن دونه ليتصور للعباد أن العرش منشأ التدبير، ومظهر التقدير، كما ~~يقال في ملوكنا: جلس فلان على سرير الملك، بمعنى أنه انفرد بالتدبير، وقد ~~لا يكون هناك سرير فضلا عن جلوس. # ولما كان المراد بالاستواء الانفراد بالتدبير، وكان التدبير لا يصح إلا ~~بالعلم والقدرة، كشفه بقوله دالا على أن علمه بالخفايا كعلمه بالجلايا: ~~{ يعلم ما يلج } أي يدخل دخولا يغيب به { في الأرض } أي من النبات وغيره ~~من أجزاء الأموات وغيرها وإن كان ذلك بعيدا من العرش، فإن الأماكن كلها ~~بالنسبة إليه على حد سواء في القرب والبعد { وما يخرج منها } كذلك، وفي ~~التعبير بالمضارع دلالة على ما أودع في الخافقين من القوى فصار بحيث ~~يتجدد منهما ذلك بخلقه تجدد استمرار إلى حين خرابهما. # ولما قرر ذلك فيما قد يتوهم بعده لبعده عن العرش بسفوله تنبيها على ~~التنزه عن التحيز فكان أولى بالتقديم، أتبعه قسيمه وهو جهة العلو تعميما ms4887 ~~للعمل بسائر الخلق فقال: { وما ينزل من السماء } ولم يجمع لأن المقصود ~~حاصل بالواحدة مع إفهام التعبير بها الجنس السافل للكل، وذلك من الوحي ~~والأمطار والحر والبرد وغيرهما من الأعيان والمنافع التي يوجدها سبحانه ~~من مقادير أعمار بني آدم وأرزاقهم وغيرها من جميع شؤونهم { وما يعرج } أي ~~يصعد ويرتقي ويغيب { فيها } كالأبخرة والأنوار والكواكب والأعمال وغيرها. # ولما كان من يتسع ملكه يغيب عنه علم بعضه لبعده عنه، عرف أنه لا مسافة ~~أصلا بينه وبين شيء من الأشياء فقال: { وهو معكم } أي أيها الثقلان ~~المحتاجان إلى التهذيب بالعلم والقدرة المسببين عن القرب { أين ما كنتم } ~~فهو عالم بجميع أموركم وقادر عليكم تعاليا عن اتصال بالعلم ومماسة، أو ~~انفصال عنه بغيبة أو مسافة، قال أبو العباس ابن تيمية في كتابه الفرقان ~~بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان: لفظ " مع " لا يقتضي في لغة العرب أن ~~يكون أحد الشيئين مختلطا بالآخر لقوله # اتقوا الله وكونوا مع الصادقين # [التوبة: 119] وقوله: { محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار } ~~ولفظ " مع " جاءت في القرآن عامة وخاصة، فالعامة # ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى ~~من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم # [المجادلة: 7] فافتتح الكلام بالعلم واختتمه بالعلم، ولهذا قال ابن عباس ~~رضي الله عنهما والضحاك وسفيان الثوري وأحمد بن حنبل: هو معهم بعلمه، ~~وأما المعية الخاصة فقوله تعالى: # إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون # [النحل: 128] وقوله تعالى لموسى وهارون عليهما السلام: # إنني معكما أسمع وأرى # [طه: 46] وقال: # إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا # [التوبة: 40] يعني النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر الصديق رضي الله ~~عنه، فهو مع موسى وهارون عليهما السلام دون فرعون، ومع محمد صلى الله ~~عليه وسلم وصاحبه رضي الله عنه دون أبي جهل وغيره من أعدائه، ومع الذين ~~اتقوا والذين هم محسنون دون الظالمين المعتدين، فلو كان معنى المعية أنه ~~بذاته في كل مكان تناقض الخبر الخاص والخبر العام، بل ms4888 المعنى أنه مع ~~هؤلاء بنصره وتأييده دون أولئك، وقوله تعالى: # وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله # [الزخرف: 84] أي هو إله في السماء وإله في الأرض كما قال تعالى: # وله المثل الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم # [الروم: 27] وكذلك في قوله تعالى: { وهو الله في السماوات وفي الأرض } ~~كما فسره أئمة العلم كأحمد وغيره أنه المعبود في السماوات والأرض. # ولما كانت الأعمال منها ظاهر وباطن، عبر في أمرها باسم الذات دلالة على ~~شمولها بالعلم والقدر وتنبيها على عظمة الإحاطة بها وبكل صفة من صفاته ~~فقال: { والله } أي المحيط بجميع صفات الكمال، وقدم الجار لمزيد ~~الاهتمام والتنبيه على تحقق الإخاطة كما مضى التنبيه عليه غير مرة ~~وتمثيله بنحو: أعرف فلانا ولا أعرف غيره؛ فقال: { بما تعملون } أي على ~~سبيل التجدد والاستمرار { بصير * } أي عالم بجلائله ودقائقه. ### || [57.5-7] # ولما كان صانع الشيء قد لا يكون ملكا، وكان الملك لا يكمل ملكه إلا ~~بعلم جميع ما يكون في مملكته والقدرة عليه، وكان إنكارهم للبعث إنكارا ~~لأن يكون ملكا، أكد ذلك بتكرير الإخبار به فقال: { له } أي وحده { ملك ~~السماوات } وجمع لاقتضاء المقام له { والأرض } أفرد لخفاء تعددها عليهم ~~مع إرادة الجنس، ودل على دوام ملكه وإحاطته بقوله عاطفا على ما تقديره: ~~فمن الله المبدأ، معبرا بالاسم الأعظم الجامع لئلا يظن الخصوص بأمور ما ~~تقدم: { وإلى الله } أي الملك الذي لا كفؤ له وحده { ترجع } بكل اعتبار ~~على غاية السهولة { الأمور * } أي كلها حسا بالبعث ومعنى بالإبداء ~~والإفناء، ودل على هذا الإبداء والإفناء بأبدع الأمور وأروقها فقال: { ~~يولج } أي يدخل ويغيب بالنقص والمحو { اليل في النهار } فإذا قد قصر بعد ~~طوله، وقد انمحى بعد تشخصه وحلوله، فملأ الضياء الأقطار بعد ذلك الظلام { ~~ويولج النهار } الذي عم الكون ضياؤه وأناره لألاؤه { في اليل } الذي قد ~~كان غاب في علمه، فإذا الظالم قد طبق الآفاق، والطول، الذي كان له قد صار ~~نقصا. # ولما كان في هذا إظهار أخفى الأشياء حتى يصير في غاية الجلاء، ms4889 أتبعه علم ~~ما هو عند الناس أخفاء ما يكون فقال: { وهو } أي وحده { عليم } أي بالغ ~~العلم { بذات الصدور * } أي ما يصحبها فتخفيه فلا يخرج منها الهمزات على ~~مدى الأيام على كثرة اختلافها وتغيرها وإن خفيت على أصحابها. # ولما قامت الأدلة على تنزيهه سبحانه عن شائبة كل نقص، وإحاطته بكل صفة ~~كمال، المقتضي لثبوت أن الملك له، الموجب قطعا لتفرده بعموم الإلهية، ~~المقتضي لإرسال من يريده إلى جميع من في ملكه، وختم بالعلم بالضمائر التي ~~أجلها الإيمان، قال آمرا بالإذعان له ولرسوله صلى الله عليه وسلم: { ~~آمنوا } أي أيها الثقلان { بالله } أي الملك الأعظم الذي لا مثل له { ~~ورسوله } الذي عظمته من عظمته. ولما كان الإيمان أساسا، والإنفاق وجها ~~ظاهرا ورأسا، قال جامعا بين الأساس الحامل الخفي والوجه الظاهر الكامل ~~البهي: { وأنفقوا } أي في إظهار دينه: ورغبهم في ذلك بطلب اليسير مما ~~أعطاهم الله وزهدهم منه بقوله: { مما جعلكم } أي بقدرته { مستخلفين } أي ~~مطلوبا موجودا خلافتكم { فيه } وهو له دونكم بما يرضي من استخلفكم في ~~تمهيد سبيله فطيبوا بها نفسا لأنها ليست في الحقيقة لكم وإنما أنتم ~~خزان، وخافوا من عزلكم من الخلافة بانتزاعها من أيديكم بتولية غيركم ~~أمرها، إما في حياتكم، وإما بعد مماتكم، كما فعل بغيركم حين أوصل إليكم ~~ما وصل من أموالهم، # " فليس لكم منها إلا ما أكلتم فأفنيتم أو لبستم فأبليتم أو تصدقتم ~~فأبقيتم - وفي رواية: فأمضيتم " # وليهن الإنفاق منها عليكم كما يهون على الإنسان النفقة من مال غيره إذا ~~كان أذن له فيه. # ولما أمر بالإنفاق ووصفه بما سهله، سبب عنه ما يرغب فيه فقال مبالغا في ~~تأكيد الوعد لما في ارتكابه من العسر بالتعبير عنه بالجملة الاسمية وبناء ~~الحكم على الضمير بالوصف بالكبير وغير ذلك: { فالذين آمنوا } وبين أن هذا ~~خاص بهم لضيق الحال في زمانهم فقال: { منكم وأنفقوا } أي من أموالهم في ~~الوجوه التي ندب إليها على وجه الإصلاح كما دل عليه التعبير بالإنفاق { ~~لهم أجر كبير * } أي لا تبلغ عقولكم حقيقة كبره ms4890 فاغتنموا الإنفاق في أيام ~~استخلافكم قبل عزلكم وإتلافكم. ### || [57.8-10] # ولما رغب في الإنفاق والإيمان، وكان الإيمان مقتضى بالإنفاق، عجب ممن لا ~~يبادر إلى الحاصل على كل خير، فقال مفصلا لما أجمل من الترغيب فيهما، ~~بادئا بأبين كل خير، منفسا عنهم بالتعبير بأداة الاستقبال بالبشارة ~~بالعفو عن الماضي مرهبا موبخا لمن لا يبادر إلى مضمون ما دخل عليه ~~الاستفهام، عاطفا على ما تقديره: فما لكم لا تبادرون إلى ذلك: { وما } ~~أي وأي شيء { لكم } من الأعذار أو غيرها في أنكم، أو حال كونكم { لا ~~تؤمنون بالله } أي تجددون الإيمان - أي تجديدا مستمرا - بالملك الأعلى ~~أي الذي له الملك كله ولأمر كله بعد سماعكم لهذا الكلام: لأن " لا " لا ~~تدخل على مضارع إلا وهو بمعنى الاستقبال، ولو عبر بعبارة تدل على الحال ~~لربما تعنت متعنت فقال: فأت ما طلب منا، والذي بعد هذا من الحال التي هي ~~في معنى دالة على هذا، وهي قوله: { والرسول } أي والحال أن الذي له ~~الرسالة العامة { يدعوكم } صباحا ومساء على ما له من مقتضيات القبول منه ~~من حسن السمت وجلالة القدر وإظهار الخوارق وغير ذلك { لتؤمنوا } أي لأجل ~~أن تجددوا الإيمان { بربكم } أي الذي أحسن تربيتكم بأن جعلكم من أمة هذه ~~النبي الكريم صلى الله عليه وسلم وشرفكم به { وقد } أي والحال أنه قد { ~~أخذ ميثاقكم } أي وقع أخذه فصار في غاية القباحة ترك ما وقع التوثق بسببه ~~بنصب الأدلة والتمكين من النظر بإبداع العقول، وذلك كله منضم إلى أخذ ~~الذرية من ظهر آدم عليه الصلاة والسلام وإشهادهم على أنفسهم وإشهاد ~~الملائكة عليهم، وبنى الفعل للمفعول في قراءة أبي عمرو ليكون المعنى أي ~~أخذ كان لأن الغدر عند الكرماء شديد من غير نظر إلى معين لا سيما العرب ~~فكيف إذا كان الآخذ الملك الأعظم القادر على كل شيء العالم بكل شيء، ~~ورسوله الذي تعظيمه من تعظيمه، كا صرحت به قراءة الجماعة بالبناء للفاعل ~~ولا يخفى الإعراب، والحاصل أنهم نقضوا الميثاق في الإيمان، فلم يؤاخذهم ~~حتى أرسل ms4891 الرسل. # ولما حثهم على تجديد الإيمان على سبيل الاستمرار بالتعجب من ترك ذلك، ~~وكان كل واحد يدعي العراقة في الخير، هيجهم وألهبهم بقوله: { إن كنتم } ~~أي جبلة ووصفا ثابتا { مؤمنين * } أي عريقين في وصف الإيمان، وهو الكون ~~على نور الفطرة الأولى. # ولما وصفه بالربوبية، دل عليها بقوله: { هو } أي وحده لا غيره { الذي ~~ينزل } أي على سبيل التدريج والموالاة بحسب الحاجة. ولما كان الخطاب في ~~هذه السورة للمخلص، قال مضيفا إلى ضميره غير مقرون بما يدل على الجلال ~~والكبرياء { على عبده } أي الذي هو أحق الناس بحضرة جماله وإكرامه لأنه ~~ما تعبد لغيره قط { آيات } أي علامات هي من ظهورها حقيقة بتأن يرجع إليها ~~ويتقيد بها { بينت } جدا على ما له من النعوت التي هي في غاية الوضوح { ~~ليخرجكم } أي الله أي عبده بما أنزل إليه مع أنه بشر مثلكم، والجنس إلى ~~جنسه أميل ومنه أقبل، ولا سيما إن كان قريبا ولبيبا أريبا { من ~~الظلمات } التي أنتم منغمسون فيها من الحظوظ والنقائص التي جبل عليها ~~الإنسان والغفلة والنسيان، الحاملة على تراكم الجهل، فمن آتاه سبحانه ~~العلم والإيمان فقد أخرجه نم هذه الظلمات التي طرأت عليه { إلى النور } ~~الذي كان وصفا لروحه وفطرته الأولى السليمة. # ولما كان التقدير: فإن الله به للطيف خبير، عطف عليه قوله مؤكدا لأجل ~~زلزال من يطول به البلاء من المؤمنين وإنكار الكفار: { وإن الله } أي ~~الذي له صفات الكمال { بكم } قدم الجار لأن عظيم رحمته لهذه الأمة موجب ~~لعد نعمته على غيرنا عدما بالنسبة إلى نعمته علينا { لرؤوف رحيم * } أي ~~كنتم بالنظر إلى رحمته الخاصة التي هي لإتمام النعمة صنفين: منكم من كان ~~له به وصلة بما يفعل في أيام جاهليته من الخيرات كالإنفاق في سبيل ~~المعروف، وعبر بالإنفاق لكونه خيرا لا رياء ونحوه فيه كالصديق رضي الله ~~عنه فعاد عليه، بعد عموم رحمته بالبيان، بخصوص رحمة عظيمة أوصلته إلى ~~أعظم درجات العرفان، ومنكم من كان بالغا في اتباع الهوى فابتدأه بعد ~~عموم رحمة البيان بخصوص ms4892 رحمة هداه بها إلى أعمال الجنان، وهي دون ما ~~قبلها في الميزان، وفوقها من حيث إنها بدون سبب من المرحوم. # ولما أمرهم بالإيمان والإنفاق، وكان الإيمان مع كونه الأساس الذي لا يصح ~~عمل بدونه ليس فيه شيء من خسران أو نقصان، فبدأ به لذلك، ورغب بختم الآية ~~بالإشارة بالرأفة إلى أن من توصل إليه بشيء من الإيمان أو غيره زاده من ~~فضله " من تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا - إلى قوله: ومن أتاني يمشي ~~أتيته هرولة " عطف عليه الترغيب في التوصل إليه بالإنفاق منكرا على من ~~تركه موبخا لمن حاد عنه هو يعلم أنه فان، مفهما بزيادة " أن " المصدرية ~~اللوم على تركه في جميع الأزمنة الثلاثة فقال: { وما } أي وأي شيء يحصل ~~{ لكم } في { ألا تنفقوا } أي توجدوا الإخراج للمال { في سبيل الله } أي ~~في كل ما يرضي الملك الأعظم الذي له صفات الكمال لتكون لكم به وصلة ~~فيخصكم بالرأفة التي هي أعظم الرحمة، فإنه أم بخل به أحد عن وجه خير إلا ~~سلط الله عليه غرامة في وجه شر، وأظهر موضع الإضمار في جملة حالية باعثا ~~على الإنفاق بأبلغ بعث فقال: { ولله } تأكيدا للعظمة بالندب إلى ذلك ~~باستحضار جميع صفات الكمال لا سيما صفة الإرث المقتضية للزهد في الموروث ~~{ ميراث } أي الإرث والموروث والموروث عنه وغير ذلك { السماوات والأرض } ~~جميعا لا شيء فيهما أو منهما إلا هو كذلك يزول عن المنتفع به ويبقى لله ~~بقاء الإرث، ومن تأمل أنه زائل هو وكل ما في يده والموت من ورائه، ويد ~~طوارق الحوادث مطبقة به، وعما قليل ينقل ما في يده إلى غيره هان عليه ~~الجود بنفسه وماله. # ولما رغبهم في الإنفاق على الإطلاق، رغبهم في المبادرة إليه، مادحا ~~أهله خاصا منهم أهل السياق فقال: { لا يستوي }. ولما كان المراد أهل ~~الإسلام بين بقوله: { منكم من أنفق } أي أوجد الإنفاق في ماله وجميع قواه ~~وما يقدر عليه. ولما كان المقصود الإنفاق في زمان الإيمان لا مطلق ~~الزمان، خص بالجار فقال: { من ms4893 قبل الفتح } أي الذي هو فتح جميع الدنيا ~~في الحقيقة وهو فتح مكة الذي كان سببا لظهور الدين على الدين كله لما ~~نال المنفق إذ ذاك بالإنفاق من كثرة المشاق لضيق المال حينئذ، وذلك ~~مستلزم لكون المنفق أنفذ بصيرة ونفقته أعظم غنى وأشد نفعا، وفيه دليل ~~على فضل أبي بكر رضي الله عنه فإنه أول من أنفق ولم يسبقه في ذلك أحد، ~~وفيه نزلت الآية - كما حكاه البغوي عن الكلبي. # ولما كان المراد بالإيمان خدمة الرحمة، وكان الإنفاق وإن كان مصدقا ~~للإيمان لا يكمل تصديقه إلا ببذل النفس قال: { وقاتل } أي سعيا في إنفاق ~~نفسه لمن آمن به، وحذف المنفي للتسوية به وهو من لم ينفق مطلقا أو بقيد ~~القبلية لدلالة ما بعده، ولعله أفرد الضمير إشارة إلى قلة السابقين. # ولما كان نفي المساواة لا يعرف منها الفاضل من غيره، وقد كان حذف قسيم ~~من أنفق لوضوحه والتنفير منه ودلالة ما بعده عليه، نفى اللبس بقوله: { ~~أولئك } أي المنفقون المقاتلون وهم السابقون الأولون من المهاجرين ~~والأنصار، المقربون من أهل الرتبة العية لمبادرتهم إلى الجود بالنفس ~~والمال { أعظم درجة } وبعظم الدرجة يكون عظم صاحبها { من الذين أنفقوا } ~~ولما كان المراد التفضيل على أوجد الإنفاق والقتال في زمان بعد ذلك، لا ~~على من استغرق كل زمان بعده بالإنفاق والقتال أدخل الجار فقال: { من بعد ~~وقاتلوا } ولما كان التفضيل مفهما اشتراك الكل في الفضل، صرح به ترغيبا ~~في الإنفاق على كل حال فقال: { وكلا } أي من القسمين { وعد الله } أي ~~الذي له الجلال والكمال والإكرام { الحسنى } أي الدرجة التي هي غاية ~~الحسن وإن كانت في نفسها متفاوتة، وقرأ ابن عامر { وكل } وهو أوفق لما ~~عطف عليه. # ولما كان زكاء الأعمال إنما هو بالنيات، وكان التفضيل مناط العلم، قال ~~مرغبا في إحسان النيات مرهبا من التقصير فيها: { والله } أي الذي له ~~الإحاطة الشاملة بجميع صفات الكمال، وقدم الجار إعلاما بمزيد اعتناء ~~بالتمييز عند التفضيل فقال: { بما تعملون } أي تجددون عمله على مر ~~الأوقات { خبير ms4894 * } أي عالم بباطنه وظاهره علما لا مزيد عليه بوجه، فهو ~~يجعل جزاء الأعمال على قدر النيات التي هي أرواح صورها. ### || [57.11-12] # ولما فضل السابقين بالإنفاق، ووعد بالحسنى اللاحقين بحسن الاتباع، وأشار ~~إلى أنه ربما ألحقهم ببعضهم بصفاء الإخلاص فتوفرت الدواعي على البذل، ~~أثمر ذلك قوله مسيما الصدقة التي صورتها صورة إخراج من غير عوض باسم ~~القرض الذي هو إخراج بعوض ترغيبا فيها لما أعد عليها من الجزاء المحقق ~~فكيف إذا كان مضاعفا: { من } وأكد بالإشارة بقوله: { ذا } لأجل ما ~~للنفوس من الشح { الذي يقرض الله } أي يعطي الذي له جميع صفات الجلال ~~والإكرام بإعطاء المستحق لأجله عطاء من ماله هو على صورة القرض لرجائه ~~الثواب { قرضا حسنا } أي طيبا خالصا فيه متحريا به أفضل الوجوه طيبة ~~به النفس من غير من ولا كدر بتسويف ونحوه. # ولما كان ما يعطي الله المنفق من الجزاء مسببا عن إنفاقه، ربطه بالفاء ~~فقال عطفا على { يقرض }: { فيضاعفه له } مرغبا فيه بجعله مبالغا ~~بالتضعيف أولا وجعله من باب المفاعلة ثانيا، وكذا التفضيل في قراءة ابن ~~كثير وابن عامر ويعقوب { فيضعفه } وقرأه ابن عامر ويعقوب بالنصب جوابا ~~للاستفهام تأكيدا للربط والتسبيب. ولما كانت المضاعفة منه سبحانه لا ~~يعلم كنهها إلى هو قال: { وله } أي المقرض من بعد ما تعقلونه من المضاعفة ~~زيادة على ذلك { أجر } لا يعلم قدره إلى الله، وهو معنى وصفه بقوله: { ~~كريم * } أي حسن طيب زاك نام. # ولما بين ما لهذا المقرض، بين بعض وصفه بالكرم ببيان وقته فقال: { يوم } ~~أي لهم ذلك في الوقت الذي { ترى } فيه بالعين، وأشار إلى أن المحبوب من ~~المال لا يخرج عنه ولا سيما مع الإقتار إلا من وقر الدين في قلبه بتعبيره ~~بالوصف فقال: { المؤمنين والمؤمنات } أي الذي صار الإيمان لهم صفة راسخة ~~{ يسعى } شعارا لهم وأمارة على سعادتهم { نورهم } الذي يوجب إبصارهم ~~لجميع ما ينفعهم فيأخذوه وما يضرهم فيتركوه، وذلك بقدر أعمالهم الصالحة ~~التي كانوا يعملونها بنور العلم الذي هو ثمرة الإيمان كما أنهم قدموا ms4895 ~~المال الذي إنما يقتنيه الإنسان لمثل ذلك جزاء وفاقا. # ولما كان من يراد تعظيمه يعطى ما يجب وما بعده شريفا (؟) في الأماكن ~~التي يحبها قال: { بين أيديهم } أي حيث ما توجهوا، ولذلك حذف الجار { ~~وبأيمانهم } أي وتلتصق بتلك الجهة لأن هاتين الجهتين أشرف جهاتهم، وهم ~~إما من السابقين، وإما من أهل اليمين، ويعطون صحائفهم من هاتين الجهتين، ~~والشقي بخلاف ذلك لا نور له ويعطى صحيفته بشماله ومن وراء ظهره، فالأول ~~نور الإيمان والمعرفة والأعمال المقولة، والثاني نور الإنفاق لأنه ~~بالإيمان - نبه - عليه الرازي. # ولما ذكر نفوذهم فيما يحبون من الجهات وتيسيره لهم، أتبعه ما يقال لهم ~~من المحبوب في سلوكهم لذلك المحبوب فقال: { بشراكم اليوم } أي بشارتكم ~~العظيمة في جميع ما يستقبلكم من الزمان. # ولما تشوفوا لذلك أخبروا بالمبشر به بقوله مخبرا إشارة إلى أن المخبر ~~به يحسد من البشرى لكونه معدن السرور { جنات } أي كائنة لكم تتصرفون فيها ~~أعظم تصرف، والخبر في الأصل دخول، ولكنه عدل عنه لما ذكر من المبالغة ثم ~~وصفها بما لا تكمل اللذة إلا به فقال؛ { تجري } وأفهم القرب بإثبات ~~الجار فقال: { من تحتها الأنهار } ولما كان ذلك لا يتم مع خوف الانقطاع ~~قال: { خالدين فيها } خلودا لا آخر له لأن الله أورثكم ذلك ما لا يورث ~~عنكم كما كان حكام الدنيا لأن الجنة لا موت فيها. ولما كان هذا أمرا ~~سارا في ذلك المقام الضنك محبا بأمر استأنف مدحه بقوله: { ذلك } أي ~~هذا الأمر العظيم جدا { هو } أي وحده { الفوز العظيم * } أي الذي ملأ ~~بعظمته جميع الجهات من ذواتكم وأبدانكم ونفوسكم وأرواحكم. ### || [57.13-15] # ولما عظم هذا الأجر الكريم ببيان ما لأهله في الوقت الكائن فيه، عظمه ~~بما لأضدادهم من النكال، فقال مبدلا من الظرف الأول: { يوم يقول } أي ~~قولا مجددا يلجئ إليه من الأمور العظيمة الشاقة { المنافقون والمنافقات ~~} أي بالعراقة في إظهار الإيمان وإبطان الكفران { للذين آمنوا } أي ~~ظاهرا وباطنا، وأما من علا من هذا السن من المؤمنين ومن فوقهم فالظاهر ~~أنهم لا يرونهم ms4896 ليطمعوا في مناداتهم " وأين الثريا من يد المتناول " { ~~انظرونا } أي انظرونا بأن تمكثوا في مكانكم لنلحق بكم، وكأن الفعل جرد في ~~قراءة الجماعة لاقتضاء الحال الإيجاز بغاية ما توصل المقدرة إليه خوف ~~الفوت، لأن المسؤولين يسرعون إلى الجنة كالبرق الخاطف، وقد حققت المعنى ~~قراءة حمزة بقطع الهمزة وكسر الظاء أي أخرونا في المشي وتأنوا علينا ~~وأمهلوا علينا، لا تطلبوا منا السرعة فيه بل امكثوا في مكانكم لننظر في ~~أمرنا كيف نلحق بكم، والحاصل أنهم عدوا تأنيهم في المشي وتلبثهم ليلحقوا ~~بهم إنظارا لهم { نقتبس } أي نأخذ ونصيب ونستصبح { من نوركم } أي هذا ~~الذي نراه لكم ولا يلحقنا منه بشيء كما كنا في الدنيا نرى إيمانكم بما ~~نرى من ظواهركم ولا نتعلق من ذلك بشيء جزاء وفاقا، وسبب هذا القول أنهم ~~يعطون مع المؤمنين نورا خديعة لهم بما خادعوا في الدنيا لتعظم عليهم ~~المشقة بفقده لأنه لا يلبث أن يبعث الله عليهم ريحا وظلمة فتطفئ نورهم ~~ويبقون في الظلمة، وإلى ذلك ينظر قول المؤمنين { أتمم لنا نورنا } أي لا ~~تطفئه كما أطفأت نور المنافقين. # ولما كان المنكئ لهم إنما هو الرد من أي قائل كان، بنى للمفعول قوله: { ~~قيل } أي لهم جوابا لسؤالهم قول رد وتوبيخ وتهكم وتنديم: { ارجعوا ~~وراءكم } أي في جميع جهات الوراء التي هي أبعد الجهات عن الخير كما كنتم ~~في الدنيا لا تزالون مرتدين على أعقابكم عما يستحق أن يقبل عليه ويسعى ~~إليه { فالتمسوا } بسبب ذلك الرجوع { نورا } ويصح أن يراد بالوراء ~~الدنيا لأن هذا النور إنما هو منها بسبب ما عملوا فيها من الأعمال ~~الزاكية والمعارف الصافية، ولهذا قال الإمام الغزالي رحمه الله تعالى في ~~كتاب المحبة من الإحياء: إن هذه الآية تدل على أن الأنوار لا بد أن يتجدد ~~أصلها في الدنيا ثم يزداد في الآخرة إشراقا فأما أن يتجدد ثم نور ~~فلا. # ولما كان التقدير: فرجعوا أو فأقاموا في الظلمة، سبب عنه وعقب قوله: { ~~فضرب } مبنيا للمفعول على نحو الأول، ولإفادة أن الضرب كان ms4897 في غاية ~~السرعة والسهولة، ويجوز أن تكون الفاء معقبة على ما قبله من غير تقدير { ~~بينهم } أي في جميع المسافة التي بين الذين آمنوا وأضدادهم في وقت قولهم ~~هذا. # ولما كان المقصود أن ضربه كان في غاية السرعة، لم يوقع الفعل وأتى ~~بالفاء ليفيد أنه كان كأنه عصا ضربت به الأرض ضربه واحدة، فقال: { بسور ~~} أي جدار محيط محيل بين الجنة والنار لا يشذ عنه أحد منهم ولا يقدر أحد ~~ممن سواهم أن يتجاوزه إليهم { له باب } موكل به حجاب لا يفتحون إلا لمن ~~أذن الله له من المؤمنين بما يهديهم إليه من نورهم الذي بين أيديهم ~~لشفاعة أو نحوها { باطنه } أي ذلك السور الباب وهو الذي من جهة الذين ~~آمنوا جزاء لإيمانهم الذي هو غيب { فيه الرحمة } وهي ما لهم من الكرامة ~~بالجنة التي هي ساترة ببطن من فيها بأشجارها وبأسبابها كما كانت بواطنهم ~~ملاء رحمة { وظاهره } أي السور أو الباب الذي يظهر لأهل النار، مبتدئ { ~~من قبله } أي تجاه ذلك الظاهر وناحيته وجهته وعنده { العذاب * } من النار ~~ومقدماتها لاقتصار أهله على الظواهر من غير أن يكون لهم نفوذ إلى باطن ~~وعكس ما أرادوا من حفظ ظواهرهم في الدنيا مع فساد بواطنهم، ودل على ما ~~أفهمه التعبير بالمضارع في " يقول " من التكرير بقوله استئنافا: { ~~ينادونهم } أي المنافقون والمنافقات، يواصلون النداء وهم في الظلمة للذين ~~آمنوا يترفقون لهم في مدة هذا القول والضرب: { ألم نكن } أي بكليتنا { ~~معكم } أي فيما كنتم فيه من الدين فنستحق المشاركة فيما صرتم إليه بسبب ~~ذلك الدين الذين كنا معكم فيه { قالوا } أي الذين آمنوا { بلى } قد كنتم ~~معنا { ولكنكم فتنتم } أي كنتم بما كان لكم من الذبذبة تختبرون { أنفسكم ~~} فتخالطونها باختبار أحوال الدين مخالطة محيلة لها مميلة عما كانت عليه ~~من أصل الفطرة من الاستقامة، تريدون بذلك أن تظهر لكم فيه أمور محسوسة ~~لتخلصوا فيه من الشكوك فتخلصوا، فما آمنتم بالغيب فأهلكتموها وتبعتم ~~أيضا الأمور التي كنتم تفتنون بها من الشهوات، فأوجبتهم لكم الإعراض ms4898 عن ~~المعالي الباطنات { وتربصتم } أي كلفتم أنفسكم أن أخرجتموها عن الفطرة ~~الأولى فأمهلتم وانتظرتم لتروا الأمر عيانا أو لم تفعلوا كما فعلنا من ~~الإيمان بالغيب وترك التجربة ونسبة ما يحصل لنا مما فيه فتنة إلى أنفسنا ~~بتقصيرنا، وكنا كلما حصل لنا ما يزلزل نقول: هذا ما وعدنا الله ورسوله ~~وصدق الله ورسوله ولا يزيدنا ذلك إلا إيمانا وتسليما وانتظرتم أيضا ~~الدوائر بأهل الإيمان لتظهروا النفاق { وارتبتم } أي شككتم بتكليف أنفسكم ~~الشك بذلك التربص { وغرتكم الأماني } أي ما تتمنون أي تريدون وتقدرون من ~~الإرادات التي معها شهوة عظيمة من الأطماع الفارغة التي لا سبب لها غير ~~شهوة النفس إياها بما كنتم تتوقعون لنا من دوائر السوء { حتى جاء أمر ~~الله } أي قضاء الملك المتصف بجميع صفات الكمال فلا كفوء له ولا خلف ~~لقوله من الموت ومقدمات من الأمور الدهشة، فكما كنتم في الدنيا مقصرين ~~كنتم في هذا الموطن { وغركم بالله } أي الملك الذي له جميع العظمة، فهو ~~بحيث لا يخلف الميعاد وهو الولي الودود { الغرور } أي من لا صنع له إلا ~~الكذب وهو الشيطان وهو العدو الحسود، فإنه ينوع لكم بغروره التسويف ~~ويقول: إن الله غفور رحيم وعفو كريم، وماذا عسى أن تكون ذنوبكم عنه وهو ~~عظيم ومحسن وحليم ونحو هذا، فلا يزال حتى يوقع الإنسان، فإذا أوقع واصل ~~عليه مثل ذلك حتى يتمادى، فإذا تمادى صار الباعث له حينئذ من قبل نفسه ~~فصار طوع يده. # ولما أقروا لهم بالكون الجامع، وذكروا ما حصل به والفرق المانع فظهر أن ~~لا كون، سببوا عنه قولهم: { فاليوم } أي بسبب أفعالكم تلك { لا يؤخذ } ~~بناء للمفعول لأن الضار عدم الأخذ لا كونه من آخذ معين وليفيد سد باب ~~الأخذ مطلقا { منكم فدية } أي نوع من أنواع الفداء وهو البدل والعضو ~~للنفس على أي حال من قلة أو كثرة أو حسن أو غيره لأن الإله غني وقد فات ~~محل العمل الذي شرعه لإنقاذ أنفسكم. ولما كانوا مكذبين أكد فقال: { ولا ~~من الذين كفروا } أي أظهروا ms4899 كفرهم ولم يستروه كما سترتموه أنتم لمساواتكم ~~لهم في الكفر. ولما كان كأنه قيل: فأين نكون؟ قال: { مأواكم } أي منزلكم ~~ومسكنكم ومجمعكم { النار } لا مقر لكم غيرها، تحرقكم كما كنتم تحرقون ~~قلوب الأولياء بإقبالكم على الشهوات، وإضاعتكم حقوق ذوي الحاجات، وأكد ~~ذلك بقوله: { هي } أي لا غيرها { مولاكم } أي قرينتكم وموضع قربكم ~~ومصيركم وناصركم على نحو " تحية بينهم ضرب وجيع " فهي أولى لكم، لا قرب ~~لكم إلى غيرها، ولا غيرها مولى ولا مصير إلى سواها ولا ناصر إلا هي. ولما ~~كان التقدير: فبئس المولى هي، عطف عليه قوله: { وبئس المصير * } أي هذه ~~النار التي صرتم إليها. ### || [57.16-17] # ولما كان هذا وعظا شافيا لسقام القلوب، وكاشفا لغطاء الكروب، انتج ~~قوله حاثا على الإقبال على كتابه الذي رحم به عباده بإنزاله على لسان ~~نبيه صلى الله عليه وسلم على وجه معلم بإعجازه أنه كلام مستعطفا لهم إلى ~~جنابه زاجرا لهم عما سألهم بعضهم فيه سلمان رضي الله عنه من أن يحدثهم ~~عن التوراة والإنجيل، فكانوا كلما سألوه عن شيء أنزل سبحانه آية يزجرهم ~~بها وينبههم على أن هذا القرآن فيه كل ما يطلب إلى أن أنزل هذه الآية ~~زاجرة هذا الزجر العظيم لئلا يظن ظان أن القرآن غير كاف، مخوفا لهم بما ~~وقع لأهل الكتاب من الإعراض عن كتابهم، قال الكلبي نزلت في المنافقين بعد ~~الهجرة بسنة، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: إن الله استبطأ قلوب ~~المؤمنين على رأس ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن، فقال: { ألم يأن } أي ~~يحن وينتهي ويدرك إلى غاية { للذين آمنوا } أي أقروا بالإيمان بألسنتهم ~~صدقا أو كذبا { أن تخشع } أي أن يكون لهم رتبة عالية في الإيمان بأن ~~تلين وتسكن وتخضع وتذل وتطمئن فتخبت فتعرض عن الفاني وتقبل على الباقي { ~~قلوبهم لذكر الله } أي الملك الأعظم الذي لا خير إلا منه فيصدق في إيمانه ~~من كان كاذبا ويقوى في الدين من كان ضعيفا، فلا يطلب لذلك دينه دواء ~~ولا لمرض قلبه شفاء في غير القرآن، ms4900 فإن ذكر الله يجلو أصداء القلوب ويصقل ~~مرائيها. # ولما كان الذكر وحده كافيا في الخشوع والإنابة والخضوع لأنه مجمع لكل ~~رغبة ومنبع لكل رهبة، وكان من الناس من لا نفوذ له فيما له سبحانه من ~~الجلال والإكرام قال: { وما نزل } أي الله تعالى بالتدريج - على قراءة ~~الجماعة بالتشديد، وما وجد إنزاله من عند الله على خاتم رسله صلى الله ~~عليه وسلم على قراءة نافع وحفص عن عاصم ورويس بخلف عنه عن يعقوب بالتخفيف ~~{ من الحق } أي من الوعد والوعيد والوعظ وغير ذلك على نبيكم صلى الله ~~عليه وسلم من القرآن إشارة إلى أن غير هذا الذكر دخله الدخيل، وأما هذا ~~فثابت ثباتا لا يقدر أحد على إزالته. # ولما كان للمسابقة والمنافسة أمر عظيم في تحريك الهمم لأهل الأنفة وأولي ~~المعالي قال: { ولا يكونوا كالذين } ولما كان العلم بمجرده كافيا في ~~إعلاء الهمة فكيف إذا كان من عند الله فكيف إذا كان بكتاب، إشارة إلى ذلك ~~بالبناء للمجهول فقال: { أوتوا الكتاب } أي لو كان الإتيان من عند غير ~~الله لكان جديرا بالهداية فكيف وهو من عنده. ولما كان إنزال الكتب لم ~~يكن إلا على بني إسرائيل فلم يكن مستغرقا للزمان الماضي أدخل الجار ~~فقال: { من قبل } أي قبل ما نزل إليكم وهم اليهود والنصارى. # ولما كانوا في كل قليل يعبرون قال عاطفا على { أوتوا الكتاب }: { فطال ~~عليهم الأمد } أي الزمان الذي ضربناه لشرفهم ومددناه لعلوهم من أول ~~إيتائهم الكتاب الذي من شأنه ترقيق القلوب، والأمد الأجل، وكل منهما يطلق ~~على المدة كلها وعلى آخرها، وكذا الغاية بقول النحاة: " من " لابتداء ~~الغاية و " إلى " لانتهائها، والمراد جميع المدة { فقسمت } أي بسبب الطول ~~{ قلوبهم } أي صلبت واعوجت حتى كانت بحيث لا تنفعل للطاعات والخير فكانوا ~~كل قليل في تعنت شديد على أنبيائهم عليهم الصلاة والسلام يسألونهم ~~المقترحات، وأما بعد ايتائهم فأبعدوا في القساوة، فمالوا إلى دار الكدر ~~بكلياتهم وأعرضوا عن دار الصفاء فانجروا إلى الهلاك باتباع الشهوات، قال ~~القشيري: وقسوة القلب إنما تحصل ms4901 من اتباع الشهوة وإن الشهوة والصفوة لا ~~تجتمعان. # ولما كان التقدير: فبعضهم ثبت على تزلزل، عطف عليه قوله: { وكثير منهم } ~~أخرجته قساوته عن الدين أصلا ورأسا فهم { فاسقون * } أي عريقون في وصف ~~الإقدام على الخروج من دائرة الحق التي عداها لهم الكتاب، وعن عبد الله ~~بن الزبير عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: " لم يكن بين ~~إسلامهم وبين أن نزلت هذه الآية يعاتبهم الله بها إلا أربع سنين " رواه ~~الطبراني في الكبير، قال الهيثمي: وفيه موسى بن يعقوب الربعي وثقه ابن ~~معين وغيره وضعفه ابن المديني وبقية رجاله رجال الصحيح. انتهى. # ولما كان الموجب الأعظم للقسوة إنكار البعث، وكان العرب يزيدون على أهل ~~الكتاب من موجبات القسوة به، وكان عمل العامل بما يدل على القسوة عمل من ~~ينكره، قال مهددا به مقررا لما ابتدأ به السورة من أمر الإحياء مشيرا ~~إلى القدر على إحياء القلوب ممثلا لإزالة القسمة عنها بصقل الذكر ~~والتلاوة ترغيبا في إدامة ذلك: { اعلموا } أي يا من آمن بلسانه { أن ~~الله } أي الملك الأعظم الذي له الكمال كله فلا يعجزه شيء { يحيي } أي ~~على سبيل التجديد والاستمرار كما تشاهدونه { الأرض } اليابسة بالنبات. ~~ولما كان هذا الوصف ثابتا دائما بالفعل وبالقوة أخرى، وكان الجار هنا ~~مقتضيا للتعميم قال: { بعد موتها } من غير ذكر الجار وكما أنه يحييها ~~فيخرج بها النبات بعد أن كان قد تفتت وصار ترابا فكذلك يحيي بجمع ~~أجسامهم وإفاضة الأرواح كما فعل بالنبات وكما فعل بالأجسام أول مرة سواء، ~~لا فرق بوجه إلا بأن يقال: الابتداء أصعب في العادة، فاحذروا سطوته ~~واخشوا غضبه وارجوا رحمته لإحياء القلوب، فإنه قادر على إحيائها بروح ~~الوحي كما أحيا الأرض بروح الماء لتصير بإحيائها بالذكر خاشعة بعد قسوتها ~~كما صارت الأرض بالماء رابية بعد خشوعها وموتها. # ولما انكشف الأمر بهذا غاية الانكشاف، أنتج قوله: { قد بينا } أي على ما ~~لنا من العظمة، ولما كان العرب يفهمون من لسانهم ما لا يفهم غيرهم فكانوا ~~يعرفون - من ms4902 إعجاز القرآن بكثرة فوائده وجلالة مقاصده ودقة مسالكه وعظمة ~~مداركه، وجزالة تراكيبه ومتانة أساليبه وغير ذلك من شؤونه وأنواعه ~~وفنونه، المنتج لتحقق أنه كلام الله - ما لا يعلمه غيرهم فكأنما كانوا ~~مخصوصين بهذا البيان، فقدم الجار فقال: { لكم الآيات } أي العلامات ~~المنيرات. ولما كان السياق للبعث، وكان من دعائم أصول الدين، وكان العقل ~~كافيا في قياسه على النبات، وكان الفعل الذي لا يعود إلى سعادة الآخرة ~~ناقصا " ، وكان العقل الذي لا ينجي صاحبه مساويا للعدم، قال معبرا ~~بأداة التراخي بخلاف ما سبق في آل عمران فإنه من مصالح النفس التي اختفت، ~~ودواع تدعو إلى فهمها، وتبعث إلى إتقان علمها { لعلكم تعقلون * } أي ~~لتكونوا عند من يعلم ذلك ويسمعه من الخلائق على رجاء من حصول العقل لكم ~~بما يتجدد لكم من فهمه على سبيل التواصل الدار بالاستمرار. ### || [57.18-20] # ولما كانت الصدقة كالبذر الذي تقدم أن الله تعالى يحييه ويضاعفه أضعافا ~~كثيرة على حسب زكاء الأرض، قال منتجا مما مضى ما يعرف أن من أعظم ما دل ~~على الخشوع المحثوث عليه والبعد عن حال الذين أوتوا الكتاب في القسوة ~~الصدقة بالإنفاق الذي قرنه في أولها بالإيمان، وحث عليه في كثير من ~~آياتها تنبيها على أنه ثمرته التي لا تخلف عنه، معبرا عنه بما يرشد إلى ~~أنه المصدق لدعواه، وأكده لمن يشك في البعث من إنكار بركة الصدقة عاجلا ~~أو آجلا تقيدا بالمحسوسات: { إن المصدقين } أي العريقين في هذا الوصف ~~من الرجال { والمصدقات } أي من النساء بأموالهم على الضعفاء الذين ~~إعطاؤهم يدل على الصدق في الإيمان لكون المعطى لا يرجى منه نفع دنيوي، ~~ولعله أدغم إشارة إلى إخفاء الإكثار من الصدقة حتى تصير ظاهرة، وقراءة ~~ابن كثير وأبي بكر عن عاصم بالتخفيف تدل مع ذلك على التصديق بالإيمان، ~~فكل من القراءات يدل عليهما، ومن التفصيل بذكر النوعين تعرف شدة ~~الاعتناء. # ولما كانت صيغة التفعل تدل على التكلف حثا على حمل النفس على التطبع ~~بذلك حتى يصير لها خلقا في غاية الخفة عليها فقال ms4903 عاطفا على صلة ~~الموصول في اسم الفاعل معبرا بالماضي بعد إفهام الوصف الثبات دلالة على ~~الإيقاع بالفعل عطفا على ما تقديره موقعا ضميرا المذكر على الصنفين ~~تغليبا الذين صدقوا إيمانهم بالتصدق: { وأقرضوا الله } الذي له الكمال ~~كله بتصديقهم سواء كانوا من الذكور أو الإناث، وإنفاقهم في كل ما ندب إلى ~~الإنفاق فيه، وأكد ووصف بقوله: { قرضا حسنا } أي بغاية ما يكون من طيب ~~النفس وإخلاص النية في الصدقة والنفقة في سبيل الخير، وحسنه أن يصرف بصره ~~إلى النظر إلى فعله والامتياز به وطلب العوض عليه، قال الرازي: { يضاعف } ~~أي ذاك القرض { لهم } ويثابون بحسب تلك المضاعفة لأن الذي كان القرض له ~~سبحانه حليم كريم ولا يرضى في الخير إلا بالفضل، وثقل في قراءة ابن كثير ~~وابن عامر وأبي جعفر ويعقوب دلالة على المبالغة في التكثير، وعبر ~~بالمفاعلة في قراءة الجماعة لإفهام أن تلك الكثرة مما لا بد من كونه، ~~وأنه عمل فيه عمل من يباري آخر ويغالبه، وبنى للمفعول دلالة على باهر ~~العظمة اللازم عنه كونه بغاية السهولة { ولهم } أي مع المضاعفة { أجر ~~كريم * } أي لا كدر فيه بانقطاع ولا قلة ولا زيادة بوجه من الوجوه أصلا. # ولما بين سبحانه وتعالى أن الصدقة كالبذر الذي هو من أحسن الأرباح ~~وأبهجها، بين الحامل عليها ترغيبا فيها، فقال عاطفا بالواو، إشارة إلى ~~التمكن في جميع هذه الصفات: { والذين آمنوا } اي أوجدوا هذه الحقيقة ~~العظيمة في أنفسهم { بالله } أي الملك الأعلى الذي له الجلال والإكرام { ~~ورسله } اي كلهم لما لهم من النسبة إليه، فمن كذب بشيء على أحد منهم ~~أوعمل عمل المكذب له لم يكن مؤمنا به { أولئك } أي الذين لهم الرتب ~~العالية والمقامات السامية { هم } أي خاصة لا غيرهم { الصديقون } أي ~~الذين هم في غاية الصدق والتصديق لما يحق له أن يصدقه من سمعه، وقال ~~القشيري: الصديق من استوى ظاهره وباطنه، ويقال: هو الذي يحمل الأمر على ~~الأشق ولا ينزل إلى الرخص، ولا يحتاج للتأويلات، ولما كان الصديق لا يكون ~~عريقا في ms4904 الصديقية إلا بالتأهيل لرتبة الشهادة قال تعالى: { والشهداء } ~~معبرا بما مفرده شهيد عاطفا بالواو إشارة إلى قوة التمكن في كل من ~~الوصفين، قال القشيري: هم الذين يشهدون بقلوبهم بواطن الوصل ويعتكفون ~~بأسرارهم في أوطان القربة، وزاد المر عظما بقوله: { عند ربهم } أي الذي ~~أحسن إليهم بالقربة بمثل تلك الرتبة العالية من الشهادة لله بكل ما أرسل ~~به رسله، والأنبياء الماضين على أممهم والحضور في جميع الملاذ بالشهادة ~~في سبيل الله، قال مجاهد: كل مؤمن صديق وشهيد - وتلا هذه الآية { لهم } ~~أي جميع من مضى من الموصوفين بالخير { أجرهم } أي الذي جعله ربهم لهم { ~~ونورهم } أي الذي زادهموه من فضله برحمته، أولئك أصحاب النعيم المقيم. # ولما ذكر أهل السعادة جامعا لأصنافهم، أتبعهم أهل الشقاوة لذلك قال: { ~~والذين كفروا } أي ستروا ما دلت عليه أنوار عقولهم ومرائي فكرهم { وكذبوا ~~بآياتنا } على ما لها من العظمة بنسبتها إلينا سواء كانوا في ذلك مساترين ~~أو مجاهرين أو عمل العالم بها عمل المكذب { أولئك } أي المبعدون من الخير ~~خاصة { أصحاب الجحيم * } أي النار التي هي غاية في توقدها، خالدون فيها ~~من بين العصاة، وأما غيرهم فدخولهم لها إذا دخلوها ليس على وجه الصحبة ~~الدالة على الملازمة، وأولئك هم الكاذبون الذي لا تقبل لهم شهادة عند ~~ربهم، لهم عقابهم وعليهم ظلامهم، والآية من الاحتباك: ذكر الصديقية وما ~~معها أولا دليلا على أضدادها ثانيا، والجحيم ثانيا دليلا على النعيم ~~أولا، وسره أن الأول أعظم في الكرامة، والثاني أعظم في الإهانة. # ولما ذكر سبحانه حال الفريقين: الأشقياء والسعداء، فتقرر بذلك أمر ~~الآخرة، فعلموا أنها الحيوان الذي لا انقضاء له من إكرام أو هوان، وكان ~~الموجب للهوان فيها إنما هو الإقبال على الدنيا لحضورها ونسيان الآخرة ~~لغيابها، قال منتجا مما مضى مبينا لحقيقة ما يرغب فيه المكلف المركب ~~على الشهوة من العاجلة بما نزهه فيه مصدرا له بما يوجب غاية اليقظة ~~والحضور: { اعلموا } أي أيها العباد المبتلون، وأكد المعنى بزيادة { ما } ~~لما للناس من الغفلة عنه فقال قاصرا قصر ms4905 قلب: { إنما الحيوة الدنيا } أي ~~الحاضرة التي رغبت في الزهد فيها والخروج عنها بالصدقة والقرض الحسن { ~~لعب } أي تعب لا ثمرة له فهو باطل كلعب الصبيان { ولهو } أي شيء يفرح ~~الإنسان به فيلهيه ويشغله عما يعنيه ثم ينقضي كلهو الفتيان، ثم أتبع ذلك ~~عظم ما يلهي في الدنيا فقال: { وزينة } أي شيء يبهج العين ويسر النفس ~~كزينة النسوان، وأتبعها ثمرتها فقال: { وتفاخر } أي كتفاخر الأقران يفتخر ~~بعضهم على بعض. # ولما كان ذلك مخصوصا بأهل الشهوات قال: { بينكم } أي يجر إلى الترفع ~~الجار إلى الحسد والبغضاء، ثم أتبع ذلك ما يحصل به الفخر فقال: { وتكاثر ~~} أي من الجانبين { في الأموال } أي التي لا يفتخر بها إلا أحمق لكونها ~~مائلة { والأولاد } الذين لا يغتر بهم إلا سفيه لأنهم الأعداء، وأن جميع ~~ما ذكر زائل وأن الدنيا آفاتها هائلة، وإنما هي فتنة وابتلاء يظهر بها ~~الشاكر من غيره، ثم إلى ذلك كله قد يكون ذهابه عن قرب فتكون على أضداد ما ~~كان عليه، فيكون أشد في الحسرة، ومطابقة ذلك لما بعده ان الإنسان ينشأ في ~~حجر وليه فيشب ويقوى ويكسب المال والولد وثم تغشاه الناس فيكون بينهم ~~أمور معجبة وأحوال ملهية مطربة، فإذا تم شبابه وأطفأه مجيئه وذهابه ~~وأشكاله وأترابه، أخذ في الانحطاط ولا يزال حتى يشيب ويسقم ويضعف ويهرم ~~وتصيبه النوائب والقوارع والمصائب في ماله وجسمه وأولاده وأصحابه، ثم في ~~آخر ذلك يموت، فإذا قد اضمحل أمره ونسي عما قليل ذكره، وصار ماله لغيره ~~وزينته متمتعا بها سواه فالدنيا حقيرة وأحقر منها طالبها وأقل منها خطر ~~المزاحم فيها، فما هي إلا جيفة، وطلاب الجيفة ليس لهم خطر، وأخسهم من بخل ~~بها، قال القشيري: وهذه الدنيا المذمومة هي ما يشغل العبد عن الآخر فكل ~~ما يشغله عن الآخرة فهو الدنيا - انتهى. # ولما قرر سبحانه أنها ظل زائل وعرض هائل، وكان بعض الناس يتنبه فيشكر ~~وبعضهم يعمى فيكفر، كان القسم الثاني أكثر لأن وجودها وإقبالها يعمي أكثر ~~القلوب عن حقارتها، ضرب لذلك مثلا مقررا ms4906 لما مضى من وصفها لأن للأمثال ~~في تقرير الأشياء وتصويرها ما ليس لغيرها فقال تعالى: { كمثل } أي هذا ~~الذي ذكرته من أمرها يشبه مثل { غيث } أي مطر حصل بعد جدب وسوء حال. # ولما كان المثل في سياق التحقير للدنيا والتنفير عنها، عبر عن الزارع ~~بما ينفر فقال: { أعجب الكفار } أي الزراع الذين حصل منهم الحرث والبذرة ~~الذي يستره الحارث بحرثه كما ستر الكافر حقيقة أنوار الإيمان لما يحصل من ~~الجحد والطغيان ولا يتناهى إعجاب الزارع إلى حد يلهي عن الله إلا مع ~~الكفر به سبحانه فإن المؤمن وإن أعجبه ذلك يتذكر به قدرة الله سبحانه ~~وتعالى وعظمته وما أعد لأهل طاعته في الآخرة، فيحمله ذلك على الطاعة، ~~فالتعبير بالكفار الذي هو بمعنى الزراع دونه إشارة إلى عظمة ذلك النبات ~~فإنه لا يعجب العارفين به الممارسين له الذين لهم غاية الإقبال على تلك ~~الحرفة فالمنافسة فيها إلا ما يكون منها نهاية في الإعجاب، وإلى أنه لا ~~يعجب أحدا شيء من الدنيا إعجابا يركن ويأنس به أنسا يؤدي إلى ما في ~~الآية من اللهو وما معه إلا لكفر في نفسه أقله كفر النعمة التي من شأنها ~~أن تدعو إلى تذكر الخالق وتذكر الجميل على الشكر، وترك الشكر كفر { نباته ~~} أي نبات ذلك الغيب كما يعجب الكافر في الكفر في الغالب بسط الدنيا له ~~استدراجا من الله تعالى. # ولما كان الزرع يشيخ بعد مديدة فيضمحل كما هو شأن الدنيا كلها قال: { ~~ثم يهيج } أي يسرع تحركه فيتم جفافه فيحين حصاده { فتراه مصفرا } أي عقب ~~ذلك بالقرب منه على حالة لا ثمر معها بل ولا نبات، ولذلك قال معبرا ~~بالكون لأن السياق للتزهيد في الدنيا وأنها ظل زائل لا حقيقة لها: { ثم } ~~أي بعد تناهي جفافه وابيضاضه { يكون } أي كونا كأنه مطبوع عليه، وأبلغ ~~سبحانه في تقرير اضمحلاله بالإتيان مع فعل الكون هنا للمبالغة لأن السياق ~~لتقرير أن الدنيا عدم وإن كانت في غاية الكثرة والإقبال والمؤاتاة بخلاف ~~ما مضى في الزمر فقال: { حطاما ms4907 } كأن الحطامية كانت في جبلته وأصل طبعه. # ولما ذكر الظل الزائل، ذكر أثره الثابت الدائم مقسما له على قسمين، ~~فقال عاطفا على ما تقديره هذا حال الدنيا في سرعة زوالها وتحقق فنائها ~~واضمحلالها: { وفي } أي هذا الذي غر من حال الدنيا وهو في { الآخرة } على ~~أحدهما { عذاب شديد } أي لمن أخذها بغير حقها معرضا عن ذكر الله لأن ~~الاغترار بها سببه، فكان كأنه هو. # ولما قدم ما هو السبب الأغلب لأن أكثر الخلق هالك، أتبعه الصنف الناجي. ~~فقال: { ومغفرة } أي لأهل الدرجة الأولى في الإيمان { من الله } أي الملك ~~الأعظم لمن يذكر بما صنعه له في الدنيا عظمته سبحانه وجلاله فتاب من ~~ذنوبه، ورجع إليه في التطهير من عيوبه { ورضوان } لأهل الدرجة العليا وهم ~~من أقبل عليه سبحانه فشكره حق شكره ببذل وسعه فيما يرضيه، فآخر الآية ~~تقسيم للدنيا على الحقيقة لئلا يظن من حصرها فيما ذكر أول الآية أنها لا ~~تكون إلا كذلك، فالمعنى أن الذي ذكره أولا هو الأغلب لأحوالها وعاقبته ~~النار، وما كان منها من إيمان وطاعة ونظر توحيد لله وتعظيم ومعرفة تؤدي ~~إلى أخذها تزودا ونظرها اعتبارا وتعبدا، فهو آخره لا دنيا، وقد تحرر ~~أن مثل الغيث المذكور الحطام وتارة يعقبه نكد لازم وأخرى سرور دائم، فمن ~~عمل في ذلك عمل الحزمة فحرس الزرع ما يؤذيه وحصده في وقته وعمل فيه ما ~~ينبغي ولم ينس حق الله فيه سره أثره وحمدت عاقبته، ومن أهمل ذلك أعقبه ~~الأسف، وذلك هو مثل الدنيا: من عمل فيها بأمر الله أعقبته حطاميتها ~~سرورا دائما، ومن أهمل ذلك أورثته حزنا لازما، وكما كان التقدير: فما ~~الآخرة لمن سعى لها سعيها وهو مؤمن إلا حق مشهور وسعي مشكور، عطف عليه ~~قوله: { وما الحياة الدنيا } أي لكونها تشغل بزينتها مع أنها زائلة { إلا ~~متاع الغرور * } أي لهو في نفسه غرور لا حقيقة له إلا ذلك، لأنه لا يجوز ~~لمن أقبل على التمتع إلا ذلك لأنه لا يسر بقدر ما يضر. ### || [57.21] # ولما بين ms4908 أن الدنيا خيال ومحال ليصرف الكملة من العباد عنها لسفولها ~~وحقارتها، وأن الآخرة بقاء وكمال ليرغبوا غاية الرغبة فيها وليشتاقوا كل ~~الاشتياق لكمالها وشرفها وجلالها، أنتج ذلك قوله تعالى: { سابقوا } أي ~~افعلوا في السعي لها بالأعمال الصالحة حق السعي فعل من يسابق شخصا فهو ~~يسعى ويجتهد غاية الاجتهاد في سبقه، ولكن ربما كان قرينه بطيئا فسار ~~هوينا، وأما المسارعة فلا تكون إلا بجهد النفس من الجانبين مع السرعة في ~~العرف، فآية آل عمران الآمرة بالمسارعة الأخص من المسابقة أبلغ لأنها ~~للحث على التجرد عن النفس والمال وجميع الحظوظ أصلا ورأسا، ولذلك كانت ~~جنتها للمتقين الموصوفين. وأما هذه ففي سياق التصديق الذي هو تجرد عن ~~فضول الأموال ولذلك كانت جنته للذين آمنوا. # ولما كان المقام عظيما، والإنسان - وإن بذلك الجهد - ضعيفا، لا يسعه ~~إلا العفو سواء كان سابقا أو لاحقا من الأبرار والمقربين، نبه على ذلك ~~بقوله في السابقين؛ { إلى مغفرة } أي ستر لذنوبكم عينا وأثرا { من ربكم ~~} أي المحسن إليكم بأن رباكم وطوركم بعد الإيجاد بأنواع الأسباب بأن ~~تفعلوا أسباب ذلك بامتثال أوامره سبحانه واجتناب زواجره. ولما كان ~~المقصود من المغفرة ما يترتب عليها من نتيجتها قال: { وجنة } أي وبستان ~~هو من عظم أشجارها واطراد أنهارها بحيث يستر داخله. ولما كان ذلك لا يكمل ~~إلا بالسعة قال: { عرضها } أي فما ظنك بطولها. ولما كان السياق كما بين ~~للتجرد عن فضول الأموال فقط لأن الموعود به دون ما في آل عمران فأفرده ~~وصرح بالعرض فقال: { كعرض السماء والأرض } أي لو وصل بعضها ببعض، فآية آل ~~عمران تحتمل الطول وجميع السماوات والأرض على هيئتها، ويحتمل أن يكون ذلك ~~على تقدير أن تقد كل واحدة منهما ويوصل رأس كل قدة برأس الأخرى، وتمتد ~~جميع القدات إلى نهايتها على مثل الشراك، وهذه الآية ظاهرها عرض واحد ~~وأرض واحدة { أعدت } أي هيئت هذه الجنة الموعود بها وفرغ من أمرها بأيسر ~~أمر { للذين آمنوا } أي أوقعوا هذه الحقيقة وهم من هذه الأمة إيقاعا لا ~~ريب معه ms4909 ولو أنه على أدنى الوجوه فكانوا من السابقين، وهذا يدل على أن ~~الجنة موجودة الآن في آيات كثيرة، وأن الإيمان كاف في استحقاقها، وأحاديث ~~الشفاعة مؤيدة لذلك { بالله } أي الذي له جميع العظمة لأجل ذاته مخلصين ~~له بالإيمان { ورسله } فلم يفرقوا بين أحد منهم، فهذه الجنة غير مذكورة ~~في آل عمران، وإن قيل: إن السماء هنا للجنس لكون السياق فيه الصديقون ~~والشهداء كانت أبلغته تلك بالتصريح بالجمع وعدم التصريح بالعرض لكونها في ~~سياق صرح فيه بالجهاد، وقد جرت السنة الإلهية بإعظام للمجاهدين لشدة ~~الخطر في أمر النفس وصعوبة الخروج عنها وعن جميع المألوفات. # ولما كان من ذكر من الوعد بالمغفرة والجنة عظيما لا سيما لمن آمن ولو ~~كان إيمانه على أعلى الدرجات ومع التجرد من جميع الأعمال، عظمه بقوله ~~ردا على من يوجب عليه سبحانه شيئا من ثواب أو عقاب: { ذلك } أي الأمر ~~العظيم جدا { فضل الله } أي الملك الذي لا كفوء له فلا اعتراض عليه { ~~يؤتيه من يشاء } ولعل التعبير بالمضارع للإشارة إلى هذا خاص بهذه الأمة ~~التي هي أقل عملا وأكثر أجرا، فإذا حسدهم أهل الكتاب قال تعالى: هل ~~ظلمتكم من أمركم شيئا، فإذا قالوا: لا، لأن المصروف من الأجر لجميع ~~الطوائف على حسب الشرط، قال: ذلك فضلي أوتيه من أشاء. { والله } أي ~~والحال أن الملك المختص بجميع صفات الكمال فله الأمر كله { ذو الفضل ~~العظيم * } أي الذي جل عن أن يحيط بوصفه العقول. ### || [57.22-23] # ولما كانت الدنيا مانعة عن العكوف إلى الآخرة بلذاتها وآلائها، وكانت ~~كما أنها منزل رخاء هي دار بلاء، وكان قد اقتصر سبحانه في الآية السالفة ~~على الأول لأن السياق للإنفاق والترغيب في معالي الأخلاق وجعل المسابقة ~~إلى السعادة نتيجة الزهد فيها، تحركت النفس إلى السؤال عما يعوق عن الخير ~~من الضرب بسياط البلاء فقال مسليا عنه لأن النفوس أشد تأثرا بالمكاره ~~وأسرع انفعالا بالمقارع ومحققا ومغريا بالإعلام بأنه لم يكن فيها خير ~~ولا شر إلا بقضاء حتم في الأزل وقدر أحكم ووجب حين ms4910 لم يكن غيره شيء عز ~~وجل، وذكر فعل المؤنث الجائز التذكير لكون التأنيث غير حقيقي إشارة إلى ~~عظم وقع الشر: { ما أصاب } وأكد النفي فقال: { من مصيبة } وهي في الأصل ~~لكل آت من خير أو شر إلا أن العرف خصها بالشر، وعم الساكن والمتحرك ~~بقوله: { في الأرض } أي من منابتها ومياهها ونحو ذلك { ولا في أنفسكم } ~~أي بموت ومرض وعين وعرض { إلا } هي كائنة { في كتاب } أي مكتوب لأنه مقدر ~~مفروغ من القدم، وبين أن الكتابة حدثت بعد أن كان هو سبحانه ولا شيء معه ~~بإدخال الجار فقال: { من قبل أن نبرأها } أي نخلق ونوجد ونقدر المصيبة ~~والأرض والأنفس، وهذا دليل على أن اكتساب العباد يجعله سبحانه وتقديره. # ولما كان ذلك متعذرا على المخلوق فهو أشد شيء تكرها له وقوفا مع ~~الوهم قال مؤكدا: { إن ذلك } أي الأمر الجليل وهو علمه بالشيء وكتبه له ~~على تفاصيله قبل كونه، ثم سوقه النفوس والأسباب إلى إخراجه بعد التكوين ~~على مقدار ما سبق علمه به وكتبه له { على الله } أي على ما له من الإحاطة ~~بالكمال { يسير * } لأن علمه محيط بكل شيء وقدرته شاملة لا يعجزها شيء. # ولما بين هذا الأمر العظيم الدال على ما له سبحانه من الكبرياء والعظمة، ~~بين ثمرة أعماله بقوله: { لكيلا } أي أعملناكم بأن على ما لنا من العظمة ~~قد فرغنا من التقدير، فلا يتصور فيه تقديم ولا تأخير ولا تبديل ولا ~~تغيير، لأن الحزن لا يدفعه، ولا السرور يجلبه ويجمعه، كما قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: # " يا معاذ ليقل همك ما قدر يكن " # لأجل أن لا { تأسوا } أي تحزنوا حزنا كبيرا زائدا { على } ما في أصل ~~الجبلة، يوصل إلى المبلغ بتعاطي أسبابه والتمادي فيها ليتأثر عنها السخط ~~وعدم الرضا بالقضاء، فربما جر ذلك إلى أمر عظيم { ما فاتكم } من ~~المحبوبات الدنيوية { ولا تفرحوا } أي تسروا سرورا يوصل إلى البطر ~~بالتمادي مع ما في أصل الجبلة { بما آتاكم } أي جاءكم منها على قراءة أبي ~~عمرو بالقصر، وأعطاكم الله ms4911 على قراءة الباقين بالمد، وهي تدل على أن ~~النعم لا بد في إيجادها وإبقائها من حافظ، ثم إنها لو خليت ونفسها فاتت ~~لأنه ليس من ذاته إلا العدم، وقد بين سبحانه أن في تقديره هذا وكتبه من ~~السر أن من وطن نفسه على فقد ما لديه من أعيان ومعان قبل أن تأمره بالعدم ~~والوجدان، فلم يغيره ذلك عن المسابقة المذكورة، فالمنهي عنه التمادي مع ~~الحزن حتى يخرج عن الصبر ومع الفرح حتى يلهي عن الشكر، لا أصل المعنى ~~لأنه ليس من الأفعال الاختيارية، قال جعفر الصادق: ما لك تأسف على مفقود ~~ولا يرده إليك الفوت، وما لك تفرح بوجود ولا يتركه في يدك الموت - انتهى، ~~ولقد عزى الله المؤمنين رحمة لهم في مصائبهم وزهدهم في رغائبهم بأن أسفهم ~~على فوت المطلوب لا يعيده، وفرحهم بحصول المحبوب لا يفيدهم، ولأن ذلك لا ~~مطمع في بقائه إلا بادخاره عند الله، وذلك بأن يقول في المصيبة: قدر الله ~~وما شاء الله فعل ويصير في النعمة هكذا قضى، وما أدري ما مثله # هذا من فضل ربي ليبلوني أشكر أم أكفر # [النمل: 40] فلا يزال خائفا عند النقمة راجيا أثر النعمة، قائلا في ~~الحالين: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأكمل من هذا أن يكون ~~مسرورا بذكر ربه له في كلتا الحالتين كما قال القائل: # سقيا لمعهدك الذي لو لم يكن # ما كان قلبي للصبابة معهدا # وهذه صفة المتحررين من رق النفس، وقيمة الرجال إنما تعرف بالواردات ~~المغيرة، فمن لم تغيره المضار ولم يتأثر بالمسار فهو سيد وقته، أشار إليه ~~القشيري. ولما كان الإمعان في استجلاب الأسى إنما هو من اليأس ونسيان ~~النعم وزيادة الفرح الموصل إلى المرح إنما يجره الكبر والمرح، وكان في ~~أوصاف أهل الدنيا التفاخر، قال تعالى مبينا أن المنهي عنه سابقا ~~التمادي مع الجبلة في الحزن والفرح، عاطفا على ما تقديره: { فإن الله لا ~~يحب كل يؤوس كفور } { والله لا يحب } أي لا يفعل فعل المحب بأن يكرم { ~~كل ms4912 مختال } أي متكبر نظر إلى ما في يده في الدنيا { فخور * } قال ~~القشيري: الاختيال من بقايا النفس ورؤيتها، والفخر من رؤية خطر ما به ~~يفتخر. ### || [57.24-25] # ولما كان من جملة صفات المختال المكاثر بالمال البخل، وكان قد تقدم الحث ~~على الإنفاق، وكان ما يوجبه لذة الفخار والاختيال التي أوصل إليها المال ~~حاملة على البخل خوفا من الإقتار الموجب عند أهل الدنيا للصغار، قال ~~تعالى واصفا للمختال أو { لكل }: { الذين يبخلون } أي يوجدون هذه ~~الحقيقة مع الاستمرار { ويأمرون الناس } أي كل من يعرفونه { بالبخل } ~~إرادة أن يكون لهم رفقاء يعملون بأعمالهم الخبيثة فيحامون عنهم أو أنهم ~~يوجبون بأعمالهم من التكبر والبطر في الأموال التي حصلها لهم البخل ~~استدراجا من الله لهم بخل غيرهم لأنه إذا رآهم عظموا بالمال بخل ليكثر ~~ماله ويعظم، وذلك كله نتيجة فرحهم بالموجود وبطرهم عند إصابته، فكانوا ~~آمرين بالبخل لكونهم أسبابا له والسبب كالآمر في إيجاد شيء. # ولما كان التقدير: فمن أقبل على ما ندب إليه من الإقراض الحسن والأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر فإن الله شكور حليم، عطف عليه قوله ذاما ~~للبخل محذرا منه: { ومن يتول } أي يكلف نفسه من الإعراض ضد ما في فطرته ~~من محبة الخير والإقبال على الله { فإن الله } أي الذي له جميع صفات ~~الكمال { هو } أي وحده { الغني } أي عن ماله وإنفاقه وكل شيء إلى الله ~~مفتقر { الحميد * } أي المستحق للحمد وسواء حمده الحامدون أم لا، وقراءة ~~نافع وابن عامر بإسقاط هو مفيدة لحصر المبتدأ في الخبر للتعريف وإن كانت ~~قراءة الجماعة آكد. # ولما ظهرت الأدلة حتى لم يبق لأحد علة، وانتشر نورها حتى ملأ الأكوان، ~~وعلا علوا تضاءل دون عليائه كيوان، وكان فيما تقدم شرح مآل الدنيا وبيان ~~حقيقتها، وأن الأدمي إذا خلي ونفسه ارتكب ما لا يليق من التفاخر وما ~~شاكله وترك ما يراد به مما دعي إليه من الخير جهلا منه وانقيادا مع ~~طبعه، وكان ختم الآية السابقة ربما أوهم المشاركة، قال تعالى نافيا ذلك ~~في جواب من ms4913 توقع الإخبار عن سائر الأنبياء: هو أوتوا من البيان ما أزال ~~اللبس، مؤكدا لإزالة العذر بإقامة الحجج بإرسال الرسل بالمعجزات الحاضرة ~~والكتب الباقية، معلما أن من أعرض كلف الإقبال بالسيف، فإن الحكيم ~~العظيم تأبى عظمته وحكمته أن يخلي المعرض عن بينة ترده عما هو فيه، وقسر ~~يكفيه عما يطغيه: { لقد أرسلنا } أي بما لنا من العظمة { رسلنا } أي ~~الذين لهم نهاية الإجلال بما لهم بنا من الاتصال من الملائكة إلى ~~الأنبياء على جميعهم أفضل الصلاة والسلام والتحية والإكرام، ومن الأنبياء ~~إلى الأمم { بالبينات } أي الموجبة للإقبال في الحال لكونها لا لبس فيها ~~أصلا، ودل على عظمة أنبيائه عليهم الصلاة والسلام بأنهم لعلو مقاماتهم ~~بالإرسال كأنهم أتوا إلى العباد من موضع عال جدا فقال: { وأنزلنا } ~~بعظمتنا التي لا شيء أعلى منها { معهم الكتاب } أي الحافظ في زمن ~~الاستقبال في الأحكام والشرائع. # ولما كان فهم الكتاب ربما أشكل فإنه يحتاج إلى ذهن صقيل وفكر طويل، وصبر ~~كبير وعلم كثير - قال الرازي: وبهذا قيل: لولا الكتاب لأصبح العقل حائرا ~~ولولا العقل لم ينتفع بالكتاب، عقبه بما يشترك في معرفته الكبير والصغير، ~~والجاهل والنحرير، وهو أقرب الأشياء إلى الكتاب في العلم بمطابقة الواقع ~~لما يراد فقال: { والميزان } أي العدل والحكمة، ولعله كل ما يقع به ~~التقدير حسا أو معنى، وتعقيبه به إشارة إلى أن عدم زيغه لعدم حظ ونحوه، ~~فمن حكم الكتاب خاليا عن حظ نفس وصل إلى المقصود { ليقوم الناس } أي ~~الذين فيهم قابلية التحرك إلى المعالي كلهم { بالقسط } أي العدل الذي لا ~~مزيد عليه لانتظام جميع أحوالهم، هذا لمن أذعن للبينات لذات من أقامها أو ~~للرغبة فيها عنده. # ولما كان الإعراض بعد الإبلاغ في الإيضاح موجبا للرد عن الفساد بأنواع ~~الجهاد، قال مهددا وممتنا ترغيبا وترهيبا معبرا عن الخلق بالإنزال ~~تشريفا وتعظيما: { وأنزلنا } أي خلقنا خلقا عظيما بما لنا من القدرة ~~{ الحديد } أي المعروف على وجه من القوة والصلابة واللين والحدة لقبول ~~التأثير يعد به كالبائن لما في الأرض، فلذلك سمي إيجاده ms4914 إنزالا، ولأن ~~الأوامر بالإيجاد والإعدام تنزل من السماء على أيدي الملائكة لأن السماء ~~محل الحوادث الكبار، والبدائع والأسرار، لأن الماء الذي هو أصله وأصل كل ~~نام ينزل من السماء وتكون الأرض له بمنزلة الرحمن للنطفة. # ولما وقع التشوف إلى سبب إنزاله، قال: { فيه بأس } أي قوة وشدة وعذاب { ~~شديد } لما فيه من الصلابة الملائمة للمضاء والحدة { ومنافع للناس } بما ~~يعمل منه من مرافقهم ومعاونهم لتقوم أحوالهم بذلك، قال البيضاوي: ما من ~~صنعة إلا والحديد آلتها. ولما كان التقدير: ليعلم الله من يعصيه ويخذل ~~أولياءه، بوضع بأسه في غير ما أمر به نصرة لشيطانه وهواه وافتنانه، عطف ~~عليه قوله: { وليعلم الله } أي الذي له جميع العظمة علم شهادة لأجل إقامة ~~الحجة بما يليق بعقول الخلق فيكون الجزاء على العمل لا على العلم، وأوقع ~~ضمير الدين عليه سبحانه تعظيما له لأنه شارعه فقال: { من ينصره } أي ~~يقبل مجدا على الاستمرار على نصر دينه { ورسله } بالذب عنهم والدعاء ~~إليهم، كاثنا ذلك النصر { بالغيب } من الوعد والوعيد، أي بسبب تصديق ~~الناصر لما غاب عنه من ذلك، أو غائبا عن كل ما أوجب له النصرة، وروي عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ينصرونه ولا يبصرونه - انتهى. فلم يدع ~~سبحانه في هذه الآية لأحد عذرا بالرسل الذين هم الجنس مع تأييدهم بما ~~ينفي عنهم اللبس، والكتاب العالي عن كلام الخلق، والعقل الذي عرف العدل، ~~والسلاح الذي يرد أولي الجهل، كما قال صلى الله عليه وسلم: # " بعثت بين يدي الساعة بالسيف " # فبيان الشرائع بالكتاب، وتقويم أبواب العدل بالميزان، وتنفيذ هذه ~~المعاني بالسيف، فإن مصالح الدين من غير هيبة السلطان لا يمكن رعايتها، ~~فالملك والدين توأمان، فالدين بلا ملك ضائع، والملك من غير دين باطل، ~~والسلطان ظل الله في الأرض، فظواهر الكتاب للعوام، ووزن معارفه لأهل ~~الحقائق بالميزان، ومن خرج عن الطائفتين فله الحديد وهو السيف، لأن تشويش ~~الدين منه - نبه عليه الرازي. # ولما كان طالب النصرة مظنة لتوهم الضعف، قال نافيا لذلك مؤكدا قطعا ~~لتعنت ms4915 المتعنتين مظهرا للاسم الأعظم إشارة إلى أن من له جميع صفات ~~الكمال لا يمكن أن تطرقه حاجة: { إن الله } أي الذي له العظمة كلها. ولما ~~لم يكن هنا داع إلى أكثر من هذا التأكيد: بخلاف ما أشير إليه من الإخراج ~~من الديار المذكورة في الحج ونحوه، قال معلما بأنه غني عن كل شيء معريا ~~الخبر من اللام: { قوي } أي فهو قادر على إهلاك جميع أعدائه وتأييد من ~~ينصره من أولياءه { عزيز * } فهو غير مفتقر إلى نصر أحد، وإنما دعا عباده ~~إلى نصر دينه ليقيم الحجة عليهم فيرحم من أراد بامتثال المأمور، ويعذب من ~~يشاء بارتكاب المنهي، ببنائه هذه الدار على حكمة ربط المسببات بالأسباب. ### || [57.26-27] # ولما عم الرسل جامعا لهم في البينات، فكان السامع جديرا بأن يتوقع ~~التعيين، وخص من بينهم من أولي العزم أبوين جامعين في الذرية والرسالة، ~~لأن ذلك أنسب لمقصود السورة لتبيين فضل محمد صلى الله عليه وسلم الذي عم ~~برسالته عموما لم يكن لأحد غيره، فنوح عليه السلام أرسل لأهل الأرض ~~لكونهم كانوا على لسان واحد، وعموم إبراهيم عليه السلام بأولاده عليهم ~~السلام ونص بعدهما على عيسى عليه السلام بما له من عموم الرسالة إلى بني ~~إسرائيل بالنسخ والتشريع، ثم من نزوله في هذه الأمة بالتقرير والتجديد ~~فقالك { ولقد أرسلنا } أي بما لنا من صفات الكمال والجمال والجلال { ~~نوحا } الأب الثاني، وجعلنا الأغلب على رسالته مظهر الجلال { وإبراهيم } ~~أبا العرب والروم وبني إسرائيل الذي أكثر الأنبياء من نسله، وجعلنا ~~الأغلب على رسالته مجلى الإكرام { وجعلنا } بما لنا من العظمة { في ~~ذريتهما النبوة } المقتضية للوصلة بالملك الأعظم لتنفيذ الأوامر { ~~والكتاب } الجامع للأحكام الضابط للشرائع بأن استنبأنا بعض ذريتهما ~~وأنزلنا إليهم الكتب فلا يوجد نبي ولا كتاب إلا وهو مدل إليهما بأمتن ~~الأسباب وأعظم الأنساب. # ولما كان مظهر العظمة مقتضيا لإشقاء من أريد إشقاؤه مع عدم المبالاة ~~به، كائنا من كان، سواء اتصل بالأولياء أو الأعداء لئلا يأمن أحد فيقع ~~في الخسران أو ييأس أحد فيلزم الهوان قال: ms4916 { فمنهم } أي ذرية هذين ~~الصنفين { مهتد } هو بعين الرضا منا - وهو من لزم طريق الأصفياء واستمسك ~~بعهدهم ولم يزغ أصلا وإن كان من أولاد الأعداء. # ولما كان من زاغ بعد تذكيره بالكتب والرسل، كان مستحقا للمبالغة في ~~الذم ولو أنه واحد فكيف إذا كان كثيرا، نبه بتغيير السياق على ذلك وعلى ~~أن الأغلب الضلال فقال: { وكثير منهم } أي الذرية الموصوفين { فاسقون * } ~~هم بعين السخط وإن كانوا أولاد الأصفياء وهم من خالف الأولياء بمنابذة أو ~~ابتداع أو زيغ عن سبيلهم بما لم ينهجوه من تفريظ وإفراط. # ولما كان من مقاصد هذه السورة العظمى الإعلام بنسخ الشرائع كلها بشريعة ~~هذا النبي الفاتح العام الرسالة لجميع الخلائق صلى الله عليه وسلم، قال ~~مشيرا إلى عظمة الإرسال والرسل بأداة التراخي: { ثم قفينا } أي بما لنا ~~من العظمة تقفية لها من العظمة ما يجل وصفه { على آثارهم } أي الأبوين ~~المذكورين ومن مضى قبلهما من الرسل، ولا يعود الضمير على { الذرية } ~~لأنها باقية مع الرسل وبعدهم { برسلنا } أي فأرسلناهم واحدا في أثر واحد ~~بين ما لا يحصى من الخلق من الكفرة محروسين منهم في الأغلب بما تقتضيه ~~العظمة، لا ننشئ آثار الأول منهم حتى نرسل الذي بعده في قفاه، فكل رسول ~~بين يدي الذي بعده، والذين بعده في قفاه - فهو مقف له لأن الأول ذاهب إلى ~~الله والثاني تابع له، فنبينا صلى الله عليه وسلم أعرق الناس في هذا ~~الوصف لأنه لا نبي بعده، ولهذا كان الوصف أحد أسمائه. # ولما كان عيسى عليه السلام أعظم من جاء بعد موسى عليه السلام من بني ~~إسرائيل فهو الناسخ لشريعته والمؤيد به هذا النبي الخاتم صلى الله عليه ~~وسلم في تجديد دينه وتقرير شريعته، وكان الزهد والرأفة والرحمة في تابعيه ~~في غاية الظهور مع أن ذلك لم يمنعهم من القسوة المنبهة سابقا على أن ~~الموجب لها طول الأمد الناشئ عنها الإعراض عن الآيات الحاضرة معه والكتاب ~~الباقي بعده، خصه بالذكر وأعاد العامل فقال: { وقفينا } أي أتبعنا بما ~~لنا من ms4917 العظمة على آثارهم قبل أن تدرس { بعيسى ابن مريم } وهو آخر من قبل ~~النبي الخاتم عليهم الصلاة والسلام، فأمته أول الأمم بالأمر باتباعه صلى ~~الله عليه وسلم { وآتيناه } بما لنا من العظمة { الإنجيل * } كتابا ~~ضابطا لما جاء به مقيما لملته مبينا للقيامة مبشرا بالنبي العربي ~~موضحا لأمره مكثرا من ذكره { وجعلنا } لعزتنا { في قلوب الذين اتبعوه } ~~أي بغاية جهدهم، فكانوا على مناهجه { رأفة } أي أشد رقة على من كان يتسبب ~~إلى الاتصال بهم { ورحمة } أي رقة وعطفا من لم يكن له سبب في الصلة بهم ~~كما كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم رحماء بينهم حتى كانوا أذلة على ~~المؤمنين مع أن قلوبهم في غاية الصلابة فهم أعزة على الكافرين، وترتيب ~~الوصفين هكذا أدل دليل على أنهما لم يقصد بهما مراعاة الفواصل في { رؤف ~~رحيم } كما قاله بعض المفسرين وتقدم في آخر براءة أن ذلك قول لا يحل ~~التصويب إليه ولا التعويل عليه وإن قاله من قال { ورهبانية } أي أمورا ~~حاملة على الرهبية والتزيي بزيها والعمل على حسبها مبالغة في العبادة ~~والرياضة والانقطاع عن الناس. # ولم قدم المعمول لفعل غير مذكور ليدل عليه بما يفسره ليكون مذكورا ~~مرتين تأكيدا له إفهاما لذم نفس الابتداع، أتبعه المفسر لعامله فقال: { ~~ابتدعوها } أي حملوا أنفسهم على عملها والتطويق بها من غير أن يكون لهم ~~فيها سلف يعلمونه أو يكون بما صرح به كتابه وإن كانت مقاصده لا تأباها ~~فاعتزلوا لأجلها الناس، وانقطعوا في الجبال على الاستئناس، وكانت لهم ~~بذلك أخبار شائعة في النواحي والأمصار، وفي التقديم على العامل سر آخر ~~وهو الصلاحية للعطف على ما قبلها لئلا يتوهم في لفظ الابتداع أن لا صنع ~~لله فيها { ما كتبناها } أي فرضناها بعظمتنا { عليهم } في كتابهم ولا على ~~لسان رسولهم { إلا } أي لكن ابتدعوها { ابتغاء } أي لأجل تكليفهم أنفسهم ~~الوقوع بغاية الاجتهاد في تصفية القلوب وتهذيب النفوس وتزكية الأعمال على ~~{ رضوان الله } أي الرضا العظيم من الملك الأعظم، وساق المنقطع مساق ~~المتصل إشارة إلى أنه مما ms4918 يرضي الله، وأنه ما ترك فرضها عليهم إلا رحمة ~~لهم لأجل صعوبتها، وأنه صيرها بعد إلزامهم بها كالمكتوبة، فيكون التقدير ~~حينئذ: إلا لأجل أن يبتغوا رضوانه على وجه الثبات والدوام، قال الإمام ~~أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم المصري في كتابه " فتوح ~~مصر والمغرب ": فلما أن أغرق الله عز وجل فرعون وجنوده كما حدثنا هانئ بن ~~المتوكل عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن تبيع قال: استأذن الذين ~~كانوا آمنوا من السحرة لموسى عليه السلام في الرجوع إلى أهله وماله بمصر ~~فأذن لهم ودعا لهم فترهبوا مع رؤوس الجبال، فكانوا أول من ترهب، وكان ~~يقال لهم الشيعة، وبقيت طائفة منهم مع موسى عليه السلام حتى توفاه الله ~~عز وجل، ثم انقطعت الرهبانية بعدهم حتى ابتدعها بعد ذلك أصحاب المسيح ~~عليه السلام. # ولما تسبب عن صعوبتها أنهم أضاعوها بالتقصير عن شؤونها والسفول عن ~~عليائها قال: { فما رعوها } أي حفظوها كلهم بحفظ من هو مرتاع من خوف ~~ضياعها { حق رعايتها } بصون العناية في رعاية الأعمال والأحوال والأقوال، ~~فصون الأعمال توفيرها لتحقيرها من غير التفات إليها، ورعاية الأحوال عند ~~الاجتهاد من أتاه والحال دعوى، ورعاية الوقت الوقوف مع حضور على بساط ~~شهود الجلال - ذكره الرازي. بل غلبت عليهم صفات البشر فقصر بعضهم عن عالي ~~مداها، وانحطوا عن شامخ ذراها، هذا تنفير عظيم عن البدع، وحث شديد على ~~لزوم ما سنه الله وشرع، وتحذير من التشديد، فإنه لن يشاد الدين أحد إلا ~~غلبه وهو الترحال إلى البدعة ولهذا أكثر في أهل الرهبانية المروق من ~~الدين بالاتحاد والحلول وغير ذلك من البلايا ولو كان يظهر أن التشديد ~~والتعمق خير لأن الشارع الذي أحاط علما بما لم يحط به نهى عنه، وقد ~~أفادت التجربة أنه قد يغر لأن هؤلاء ابتدعوا ما أرادوا الخير، فكان ~~داعيا لكثير منهم إلى دار البوار، وفيه أيضا حث عظيم على المداومة على ~~ما اعتيد من الأعمال الصالحة خصوصا، ما عمل النبي صلى الله عليه وسلم ms4919 ~~عملا إلا دوام عليه، وكان ينهى عن التعمق في الدين، ويأمر بالرفق ~~والقصد. # ولما كانت متابعة النفس في التقصير بالإفراط قد توصل إلى المروق من ~~الدين فيوجب الكفر فيحط على الهلاك كله، أشار إلى ذلك بقوله: { فآتينا } ~~أي بما لنا من صفات الكمال { الذين آمنوا } أي استمروا على الإيمان ~~الكامل، ولعل في التعبير بالماضي بعد إرادة التعميم للأدنى والأعلى إشارة ~~إلى إن المتعمق بين إيمان وكفر لا تجرد معصيته كما أشار إليه ختم الآية ~~فهو في غاية الذم للتعمق والمدح للاقتصاد { منهم } أي من هؤلاء المبتدعين ~~لأنهم رعوها حق رعايتها ووصلوا إيمانهم بعيسى ومن قبله عليهم الصلاة ~~والسلام بإيمانهم بمحمد صلى الله عليه وسلم الذي دعا إليه الخروج عن ~~النفس الذي هو روح الرهبانية بموافقتهم لما في كتابهم من البشائر به { ~~أجرهم } أي اللائق بهم وهو الرضوان المضاعف. # ولما كانت متابعة الأهواء تكسب صفات ذميمة تصير ملكات راسخة للأنفس، ~~أشار إلى ذلك بالعدول عن النهج الأول فقال: { وكثير منهم } أي هؤلاء ~~الذين ابتدعوا فضيعوا { فاسقون * } أي عريقون في وصف الخروج عن الحدود ~~التي حدها الله تعالى، روى البغوي من طريق الثعلبي عن ابن مسعود رضي الله ~~عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من آمن بي فقد رعاها حق رعايتها، ومن لم يؤمن بي فأولئك هم الهالكون " # انتهى. ومثل هذه الرهبانية في أنها لا تأباها قواعد الدين ما يفهمه بعض ~~العلماء من الكتاب والسنة فيتذكره، فيكون أخذنا له من الأصول التي نبه ~~عليها لا منه، كما أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا يفعلون أشياء ~~فإن قررهم النبي صلى الله عليه وسلم كانت شرعا لنا وكنا آخذين لها من ~~تفسيره صلى الله عليه وسلم لا منهم، فإن من ملكه الله رتبة الاجتهاد في ~~شيء وأمكنه فيه من القواعد فأداه اجتهاده إلى أن هذا مندوب إليه مرغوب ~~فيه مثلا، كان ذلك بما يشهد له من قواعد الدين بمنزلة ما قاله الصحابة ~~رضي الله عنهم فأقرهم النبي صلى الله عليه وسلم، ms4920 ولا فرق بين أن يقرره ~~النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه أو بقواعد شريعته، ومهما كان مقررا ~~بقواعد شرعه كان عليه أمره، ومهما لم يكن مقررا بها كان مما ليس عليه ~~أمره فهو رد على قائله، فهذا فرق بين البدع الحسنة والبدع القبيحة - ~~والله الموفق، وذكر ابن برجان تنزيل هذا الحديث الذي فيه # " لتتبعن سنن من كان قبلكم " # فذكر أن أصحاب عيسى عليه السلام عملوا بعده بالإنجيل حتى قام فيهم ملك ~~بدل كتابهم، وشايعه على ذلك روم ويونان، فضعف أهل الإيمان، فاستذلوهم حتى ~~هربوا إلى البراري، وعملوا الصوامع وابتدعوا الرهبانية، وكذلك كان في هذه ~~لتصديق الحديث الشريف فإنه لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم تبعه ~~خلفاؤه بإحسان، فلما مضت الخلافة الراشدة تراكمت الفتن كما أخبر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم واشتد البلاء على المتمسكين بصريح الإيمان، ورجم ~~البيت العتيق بحجارة المنجنيق وهدم، وقتل عبد الله بن الزبير رضي الله ~~عنهما واستبيحت مدينة النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام، وقتل خيار من ~~فيها فرأى المسلمون العزلة واجبة، فلزموا الزوايا والمساجد وابتنوا ~~الروابط على سواحل البحر وأخذوا في الجهاد للعدو والنفوس، وعالجوا تصفية ~~أخلاقهم ولزموا الفقر أخذا من أحوال أهل الصفة، وتسموا بالصوفية وتكلموا ~~على الورع والصدق والمنازل والأحوال والمقامات فهؤلاء وزان أولئك - والله ~~الموفق. # ذكر ما في الإنجيل ما من الحكم التي توجب الزهد في الدنيا والإقبال على ~~الله التي يصح تمسك أهل هذه الرهبانية بها: قال متى وغيره وأغلب السياق ~~لمتى: إن أخطأ عليك أخوك فاذهب أعتبه وحدكما، فإن سمع منك فقد ربحت أخاك، ~~وإن لم يسمع منك فخذ معك واحدا أو اثنين، لأن من فم شاهدين أو ثلاثة ~~تقوم كل كلمة، وإن لم يسمع منهم فقل للبيعة، فإن لم يسمع من البيعة فيكون ~~عندك كالوثني والعشار، الحق أقول لكم، وقال لوقا: انظروا الآن إن أخطأ ~~إليك أخوك فانهه، فإن تاب فاغفر له، فإن أخطأ إليك سبع دفعات في اليوم ~~ورجع إليك سبع دفعات يقول لك: ms4921 أنا تائب، فاغفر له، وقال متى: حينئذ جاء ~~إليه بطرس وقال له: إذا أخطأ إلي أخي لم أغفر له سبع مرات، قال: ليس ~~أقول لك إلى سبع مرات، بل إلى سبعين مرة، ولهذا يشبه ملكوت السماوات ~~ملكا أراد أن يحاسب عبيده، فلما بدأ بمحاسبتهم قدم إليه عبد مديون عليه ~~جملة وزنات، ولم يكن معه ما يوفي، فأمر سيده أن تباع امرأته وبنوه وكل ما ~~له حتى يوفي، فخر ذلك العبد له ساجدا قائلا: يا رب، ترأف علي تأن، ~~أوفك كل مالك، فتحنن عليه سيده وترك له كل ما عليه، فخرج ذلك العبد فوجد ~~عبدا من أصدقائه عليه مائة دينار فأمسكه وخنقه وقال: أعطني ما عليك، فخر ~~ذلك العبد على رجليه وطلب إليه قائلا: ترأف علي فأنا أعطيك مالك، فأبى ~~ومضى ورتكه في السجن حتى يوفي الدين، فرأى العبد أصحابه فحزنوا عليه جدا ~~وأعلموا سيده بكل ما كان منه، حينئذ دعاه سيده وقال له: أيها العبد ~~الشرير! كل ما كان عليك تركت بذلك لأنك سألتني، ما كان ينبغي لك أن ترحكم ~~ذلك العبد صاحبك كرحمتي إياك، وغضب سيده ودفعه إلى المعذبين حتى يوفي ~~جميع ما عليه، هكذا أبي السماوي يصنع بكم إن لم تغفروا لإخوانكم سيئاتهم ~~من كل قلوبكم، فلما أكمل يسوع هذا الكلام انتقل من الجليل وجاء إلى تخوم ~~يهود عبر الأردن فتبعه جمع كثير فأبرأهم هناك، قال لوقا: فلما أكمل أيام ~~صعوده أقبل بوجهه إلى يروشليم، وأرسل مخبرين قدام وجهه فمضوا ودخلوا قرية ~~السامرة، لكيما يعدوا له فلم يقبلوه فقال تلميذاه يعقوب ويوحنا: يا رب ~~تريد أن نقول فتنزل عليهم نار من السماء فتهلكهم كما فعل إليا، فالتفت ~~فنهرهما قائلا: لستما تعرفان أي روح أنتما، إن ابن البشر لم يأت ليهلك ~~نفوس الناس بل يحيي، ومضى إلى قرية أخرى، وقال متى: حينئذ قدم إليه صبيان ~~ليضع يده عليهم ويباركهم فنهرهم التلاميذ فقال لهم يسوع: جعوا الصبيان ~~ولا تمنعوهم أن يأتوا إلي لأن ملكوت السماوات لمثل هؤلاء، ووضع يده ~~عليهم ms4922 وبارك لهم، وقال مرقس: الحق أقول لكم، إن من لا يقبل ملكوت الله ~~مثل صبي لا يدخلها، واحتضنهم ووضع يده عليهم وباركهم، وقال متى: ومضى من ~~هناك وجاء إليه واحد وقال: يا معلم صالح - وقال مرقس: أيها الملعم الصالح ~~- ما أعمل من الصلاح لأرث الحياة الدائمة، قال له: لماذا تقول: صالح، ولا ~~صالح إلا الله الواحد، إن كنت تريد أن تدخل الحياة احفظ الوصايا، قال له: ~~وما هي؟ قال يسوع: لا تقتل ولا تسرق ولا تزن ولا تشهد الزور، وقال مرقس: ~~لا تجر، أكرم أباك وأمك - حب قريبك مثلك، قال له الشاب: كل هذا قد حفظته ~~من صغري، قال له يسوع: إن كنت تريد أن تكون كاملا فاذهب، وقال مرقس: ~~فنظر إليه يسوع وأحبه، وقال: تريد أن تكون كاملا، واحدة بقيت عليك: امض ~~وبع كل شيء لك وأعطه للمساكين ليكون لك كنز في السماء وتعال اتبعني، فلما ~~سمع الشاب الكلام مضى حزينا لأنه كان له مال كثير، فقال يسوع لتلامذته: ~~الحق أقول لكم! إنه يعسر على الغني الدخول إلى ملكوت السماء، وأيضا أقول ~~لكم: إنه أسهل أن يدخل الجمل في ثقب الإبرة من غني يدخل ملكوت السماوات، ~~فلما سمع التلاميذ بهتوا جدا وقالوا: من يقدر أن يخلص، فنظر يسوع وقال ~~لهم: أما عند الناس فلا يستطاع هذا، وأما عند الله فكل يستطاع، حينئذ ~~أجاب بطرس وقال له: هو ذا نحن قد تركنا كل شيء وتبعناك، فماذا عسى أن ~~يكون لنا، قال لهم يسوع: الحق والحق أقول لكم! أنتم الذين اتبعتموني في ~~الجبل الآتي إذا جلس ابن الإنسان على كرسي مجده تجلسون أنتم على اثني عشر ~~كرسيا، تدينون اثني عشر سبط بني إسرائيل، كل ما ترك بنين أو أخا أو ~~أخوات أو أبا أو أما أو امرأة أو بيتا أو حقلا من أجل اسمي يأخذ مائة ~~ضعف ويرث حياة الأبد، وقال لوقا: ما من أحد ترك منزلا أو والدين أو إخوة ~~أو امرأة أو مالا من أجل ملكوت الله إلا وينال ms4923 العوض أضعافا كثيرة في ~~هذا الزمان وفي الدهر الآتي حياة الأبد، وقال متى وغيره: كثيرا أولون ~~يصيرون آخرين: وأخرون يصيرون أولين، يشبه ملكوت السماوات إنسانا رب بيت ~~خرج الغداة ليستأجر فعله لكرمه، فشارك الأكرة على دينار واحد في اليوم - ~~إلى آخر ما مضى في الأعراف من البشارة بأمة محمد صلى الله عليه وسلم في ~~مثل الفعلة في الكرم الذي فضل آخرهم وهو العامل قليلا على من عمل أكثر ~~النهار وقد ساقه ابن برجان في آخر تفسير سورة الحديد عن الإنجيل بعبارة ~~أخرى تفسيرا كثيرا من عبارة النسخة التي نقلت ذاك منها، فأحببت أن أذكر ~~عبارة ابن برجان هنا تكميلا للفائدة، قال: وفي الكتاب الذي يذكر أنه ~~الإنجيل: وكثيرا يتقدم الآخرون الأولون ويكون الأولون ساقة الآخرين: ~~ولذلك يشبه ملكوت السماوات برجل ملي خرج في استئجار الأعوان لحفر كرم في ~~أول النهار، وعامل كل واحد في نهاره على درهم ثم أدخلهم كرمه، فلما كان ~~في الساعة الثالثة بصر لغيرهم في الرحاب لا شغل لهم فقال: اذهبوا أنتم ~~أيضا إلى الكرم وسآمر لكم بحقوقكم، ففعلوا، ثم فعل مثل ذلك في الساعة ~~السادسة والتاسعة، فلما كان في الساعة الإحدى عشرة وجد غيرهم وقوفا فقال ~~لهم: لم وقفتم هنا طول نهاركم دون عمل؟ فقالوا له: إنا لم يستأجرنا أحد، ~~فقال لهم: اذهبوا أنتم سآمر لكم بحقوقكم، فلما انقضى النهار قال لوكيله: ~~ادع الأعوان وأعطهم أجرتهم وابدأ بالآخرين حتى تنتهي إلى الأولين، فبدأ ~~بالذين دخلوا في الساعة الإحدى عشرة وأعطى كل واحد منهم درهما، قأقبل ~~الأولون وهم الذين يرجون الزيادة، فأعطى كل واحد منهم درهما، فاستذكروا ~~ذلك على صاحب الكرم وقالوا: سويتنا بالذين لم يعملوا إلا ساعة من النهار ~~في شخوصنا طول نهارنا وعذابنا بحرارته، فأجاب أحدهم وقال: لست أظلمك يا ~~صديق، أما عاملتني على درهم فخذ حقك وانطلق فإنه يوافقني أن أعطي الآخر ~~كما أعطيتك، أفلا يحل لي ذلك؟ وإن كنت حسودا فإني أنا رحيم، ومن أجل ذلك ~~يتقدم الآخرون الأولين، ويكون الأولون ساقة الآخرين ms4924 فالمدعوون كثير، ~~والخيرون قليل، وذكر ابن برجان أن الساعة السادسة لعيسى عليه السلام ~~وأصحابه في أول الأمر والتاسعة لمحمد صلى الله عليه وسلم والحادية عشرة ~~لآخر الزمان - كأنه يعني ما بعد الدجال من أيام محمد صلى الله عليه وسلم ~~التي يكون فيها عيسى عليه السلام مجددا، ولهذا جعلهما النبي صلى الله ~~عليه وسلم التي يكون فيها عيسى عليه السلام مجددا، ولهذا جعلهما النبي ~~صلى الله عليه وسلم في حديث الصحيح شيئا واحدا من العصر إلى غروب ~~الشمس، ثم قال متى في بقية ما مضى من الإنجيل في النسخة التي نقلت منها ~~عقب ما تقدم أنه في الأعراف: فصعد يسوع إلى يروشليم وأخذ الاثني عشر، ~~حينئذ جاءت إليه أم ابني زبدي - هما يعقوب ويوحنا - مع ابنيها وسجدت له، ~~فقال لها: ماذا تريدين؟ قالت: أن يجلس ابناي أحدهما عن يمينك والآخر عن ~~يسارك في ملكوتك، أجاب يسوع: أما جلوسهما عن يميني ويساري فليس لي بل ~~للذي أعده لهم ربي، فلما سمع العشرة تقمقموا على الآخرين - وقال مرقس: ~~على يعقوب ويوحنا - فدعاهم يسوع وقال لهم: أما علمتم أن رؤساء الأمم ~~يسودونهم وعظماءهم مسلطون عليهم، ليس هكذا يكون فيكم، لكن من أراد أن ~~يكون فيكم كبيرا فيكون لكم خادما، ومن أراد أن يكون فيكم أولا فيكون ~~لكم عبدا، وقال مرقس: فيكون آخر للكل وخادما للجميع، كذلك ابن الإنسان ~~لم يأت ليخدم بل ليخدم، ويبذل نفسه فداء عن كثير، فلما خرج من أريحا تبعه ~~جمع كثير وإذا أعميان جالسان على الطريق فسمعا أن يسوع مجتاز فصرخا ~~قائلين: ارحمنا يا رب يا ابن داود، فوقف يسوع ودعاهما وقال لهما: ما ~~تريدان أن أفعل لكما، قالا له: يا رب، أن تفتح أعيننا، فتحنن يسوع ولمس ~~أعينهما وللوقت أبصرت أعينهما وتبعاه، وعبارة مرقس عن ذلك: وجاء إلى ~~أريحا وخرج من هناك وتبعه تلاميذه وجمع كثير وإذا طيماس بن طماس الأعمى ~~جالس يسأل عن الطريق - وقال لوقا: يتوسل - فسمع الجمع المجتاز فسأل: ما ~~هذا، فأخبروه أن يسوع الناصري جاء، ms4925 وقال مرقس: فلما سمع بأن يسوع مقبل ~~بدأ يصيح ويقول: يا يسوع الناصري ابن داود ارحمني، فانتهروه ليسكت، ~~فازداد صياحا قائلا: يا رب يا ابن داود، ارحمني، فوقف يسوع وقال: ~~ادعوه، فدعي الأعمى وقالوا له: ثق وقم فإنه يدعوك، وطرح ثوبه ونهض وجاء ~~إلى يسوع فأجابه يسوع وقال له: ما تريد أن أصنع بك؟ فقال له الأعمى: يا ~~معلم، وقال لوقا: يا رب - أن أبصر، فقال له يسوع: اذهب إيمان خلصك، ~~وللوقت أبصر، وتبعه في الطريق - قال لوقا: يمجد الله - وكان جميع الشعب ~~الذين رأوه يسبحون الله. # وقال أيضا: وكان بينما هو منطلق إلى يروشليم اجتاز بين السامرة ~~والجليل، وفيما هو داخل إلى إحدى القرى استقبله عشرة رجال برص فوقفوا من ~~بعيد ورفعوا أصواتهم قائلين: يا يسوع الملعم ارحمنا! فنظر إليهم وقال ~~لهم: اذهبوا وأروا أنفسكم للكهنة، وفيما هم منطلقون طهروا، فلما رأى ~~أحدهم أنه قد طهر رجع بصوت عظيم بمجد الله وخر على وجهه عند رجليه شاكرا ~~له، وكان سامريا، أجاب يسوع وقال: أليس العشرة قد طهروا فأين التسعة، ~~ألم يجدوا ليرجعوا ويمجدوا الله ما خلا هذا الغريب، ثم قال له: قم فامض، ~~إيمانكم خلصك. # قال متى: ولما قربوا من يروشليم وجاؤوا إلى بيت فاجي عند جبل الزيتون - ~~وقال مرقس: عند باب فاجي وبيت عنيا جانب طور الزيتون - قال متى: حينئذ ~~أرسل يسوع اثنين من تلاميذه: وقال لهما: اذهبا إلى القرية التي أمامكما ~~فتجدان أتانه مربوطة وجحشا معهما فحلاهما وائتياني بهما! فإن قال لكما ~~أحد شيئا فقولا له: إن الرب محتاج إليهما! فهو يرسلهما للقوت، كان هذا ~~ليتم ما قيل في النبي القائل قولوا لابنة صهيون هوذا ملكك يأتيك متواضعا ~~راكبا على أتانه وجحش ابن أتانة، فذهب التلميذان وصنعا كما أمرهما يسوع، ~~فأتيا بالأتانة والجحش وتركوا ثيابهم عليهما، وجلس معهما، وجمع كثير ~~فرشوا ثيابهم في الطريق وآخرون قطعوا أغصانا من الشجر وفرشوها في ~~الطريق، وعبارة مرقس عن ذلك: تجد أن جحشا مربوطا لم يركبه أحد من الناس ~~قط، فحلاه ms4926 وائتيا به، فإن قال لكما أحد: ما تفعلان بهذا؟ فقولا: إن الرب ~~محتاج إليه من ساعة يرسله، فذهبا ووجدا الجحش مربوطا عند الباب خارجا ~~عن الطريق فحلاه فقال لهما قوم من القيام هناك: ما تصنعان؟ فقالا لهم كما ~~قال يسوع فتركوهما، وجاءا بالجحش إلى يسوع فألقوا عليهم ثيابهم وجلس ~~عليهم وكثير بسطوا ثيابهم في الطريق وآخرون قطعوا أغصانا من الحقل ~~وفرشوها في الطريق. # قال متى: والجمع الذي تقدمه والذي تبعوا صرخوا قائلين: أوصنا يا ابن ~~داود مبارك الآتي باسم الرب، قال مرقس: ومباركة المملكة الآتية باسم الرب ~~لأبينا داود أوصنا في العلاء، وقال لوقا: وكان لما قرب من منحدر جبل ~~الزيتون بدأ جمع الملأ والتلاميذ يفرحون ويسبحون الله ويمجدونه بجميع ~~الأصوات من أجل القوات التي نظروا قائلين: تبارك الملك الآتي باسم الرب ~~والسلامة في السماء والمجد في العلا، وقوم من الفريسيين من بين الجمع ~~قالوا له: ما معلم انتهر تلاميذك، فقال لهم: إن سكت التلاميذ نطقت ~~الحجارة، فلما قرب نظر المدينة وبكى عليها وقال: لو علمت في هذا اليوم ما ~~لك فيه من السلامة، فأما الآن فإنه قد خفي عن عينيك، وسوف تأتي أيام تلقى ~~أعداؤك معلمك ويحيطون بك ويضيقون عليك من كل موضع ويقتلونك وبنيك فيك ولا ~~يتركون فيك حجرا، وقال متى: فلما دخل إلى يروشليم ارتجت المدينة كلها ~~قائلين: من هذا؟ فقال الجمع: هذا يسوع النبي الذي هو من ناصرة الجليل، ~~فدخل يسوع إلى هيكل الله وأخرج جميع الذين يبيعون ويشترون في الهيكل وقلب ~~موائد الصيارف وكراسي باعة الحمام وقال لهم: مكتوب أن بيتي بيت الصلاة ~~يدعى، وأنتم جعلتموه مغارة للصوص. وقال يوحنا: فصعد يسوع إلي يروشليم ~~فوجد في الهيكل باعة البقرة والكباش والحمام وصيارف جلوسا، فصنع محضرة ~~من حبل وأخرج جميعهم من الهيكل فطرد البقر والخراف وبدد دراهم الصيارف ~~وقلب موائدهم، وقال متى: وقدم إليه عميان وعرج في الهيكل فشفاهم، فرأى ~~رؤساء الكهنة العجائب التي صنع والصبيان يصيحون في الهيكل ويقولون: أوصنا ~~يا ابن داود، مبارك الآتي ms4927 باسم الرب، فتقمقموا وقالوا: ما تسمع ما يقول ~~هؤلاء، فقال لهم يسوع: نعم، أما قرأتم قط أن من فم الأطفال والمرضعين ~~أعددت سبحا، وتركهم وخرج خارج المدينة وبات هناك في بيت هنيا وفي غد عبر ~~إلى المدينة فجاع ونظر إلى شجرة تين على الطريق فجاء إليها فلم يجد فيها ~~شيئا إلا الورق، فقال لها: لا يخرج منك ثمرة إلى الأبد، فيبست تلك ~~الشجرة للوقت، فنظر التلاميذ وتعجبوا وقالوا: كيف يبست التينة للوقت، ~~أجاب يسوع وقال لهم: الحق أقول لكم! إن كان لكم إيمان ولا تشكون ليس مثل ~~هذه الشجرة التين فقط تصنعون ولكن تقولون لهذا الجبل: تعال واسقط في ~~البحر، فيكون، وقال مرقس: إن كان لكم إيمان بالله، لحق أقول لكم: إن من ~~قال لهذا الجبل: انتقل واسقط في هذا البحر، ولا يشك في قلبه بل يصدق ~~فيكون له الذي قال، من أجل هذا أقول لكم: إن كل ما تسألونه في الصلاة ~~بإيمان أنكم تنالونه فيكون لكم، وقال متى: وكل ما تسألونه في الصلاة ~~بإيمان تنالونه، وقال مرقس: فقال له يوحنا، يا معلم! رأينا واحدا يخرج ~~الشياطين باسمك فمعناه لأنه لم يتبعنا، قال لهم يسوع: لا تمنعوه ليس يصنع ~~أحد قوة باسمي، ويقدر سريعا أن يقول على الشر، كل من ليس هو عليكم فهو ~~معكم ومن سقاكم كأس ماء باسم أبيكم المسيح الحق أقول لكم: إن أجره لا ~~يضيع. # وفيه مما لا يجوز إطلاقه في شرعنا إطلاق الأب على الله وإطلاق الرب على ~~غيره بلا قيد، وقد تقدم التنبيه على مثل ذلك غير مرة - والله الهادي ~~للصواب. ### || [57.28-29] # ولما قرر سبحانه أن الرسل دعاة للحق إلى سيدهم طوعا أو كرها بالكتاب ~~والحديد، وقرر أن السعادة كلها في اتباعهم، وأن البدع لا تأتي بخير وإن ~~زين الشيطان أمرها وخيل أنه خير، وأن أصحاب الذي كان نسخ شريعة من قبله ~~ابتدعوا بدعة حسنة فوكلوا إليها ففسق أكثرهم، فاقتضى ذلك إرسال من ينسخ ~~كل شريعة تقدمته نسخا لا زوال له لأنه لا نبي ms4928 بعده ونهى عن البدع نهيا ~~لم يتقدمه أحد إلى مثله، أنتج ذلك قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا } ~~أي أقروا بذلك إقرارا صحيحا بنبي مما تقدم أو بالنبي صلى الله عليه ~~وسلم { اتقوا الله } أي خافوا عقابه فاجعلوا بينكم وبين سخطه - لأنه ~~الملك الأعظم - وقاية بحفظ الأدب معه ولا تأمنوا مكره، فكونوا على حذر من ~~أن يسلبكم ما وهبكم، فاتبعوا الرسول تسلموا، وحافظوا على اتباعه لئلا ~~تهلكوا { وآمنوا برسوله } أي الذي لا رسول له الآن غيره، إيمانا مضموما ~~إلى إيمانكم بالله فإنه لا يصح الإيمان به إلا مع الإيمان برسوله، وبأن ~~تثبتوا على الإيمان به، وتضموا الإيمان به إلى الإيمان بمن تقدمه يا أهل ~~الكتاب، لأن رسالته عامة، لقد نسخ جميع ما تقدمه من الأديان فإياكم أن ~~يميلكم عنه ميل من حسد أو غيره، فبادروا إلى إجابته والزموا جميعا حذره ~~فلا تميلوا إلى بدعة أصلا { يؤتكم } ثوابا على اتباعه { كفلين } أي ~~نصيبين ضخمين { من رحمته } تحصينا لكم من العذاب كما يحصن الكفل الراكب ~~من الوقوع، وهو كساء يعقد على ظهر البعير فيلقى مقدمه على الكاهل ومؤخره ~~على العجز، وهذا التحصين لأجل إيمانكم به صلى الله عليه وسلم وإيمانكم ~~بمن تقدمه مع خفة العمل ورفع الأصار وهو أعلى بالأجر من الذي عمل الخير ~~في الجاهلية، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لمن سأله عنه # " أسلمت على ما أسلفت من خير " # ودل على أن الكفلين برفع الدرجات وإفاضة خواص من الخيرات بقوله: { ويجعل ~~لكم } أي مع ذلك { نورا } مجازيا في الأولى بالتوفيق للعمل من المعلوم ~~والمعارف القلبية وحسيا في الآخرة بسبب العمل { تمشون به } أي مجازا في ~~الأولى بالتوفيق للعمل، وحقيقة في الآخرة بسبب العمل. # ولما كان الإنسان لا يخلو من نقصان، فلا يبلغ جميع ما يحق للرحمن، قال: ~~{ ويغفر لكم } أي ما فرط منكم من سهو وعمد وهزل وجد. ولما قرر سبحانه ~~وذلك، أتبعه التعريف بأن الغفران وما يتبعه صفة له شاملة لمن يريده فقال: ~~{ والله } أي المحيط بجميع صفات الكمال ms4929 والعظمة والكبرياء { غفور } أي ~~بليغ المحو للذنب عينا وأثرا { رحيم * } أي بليغ الإكرام لمن يغفر له ~~ويوفقه للعمل بما يرضيه. # ولما كان أهل الكتاب قد تابعوا أهويتهم على بغض الأميين، وأشربت قلوبهم ~~أن النبوة مختصة بهم لأنهم أولاد إبراهيم عليه السلام من ابنة عمه، ~~والعرب - وإن كانوا أولاده - فإنهم من الأمة وما دروا أن كونهم من أولاده ~~مرشح لنبوة بعضهم وكونهم من الأمة، مهيئ لعموم الرسالة لأجل عموم النسب، ~~قال دالا على أنهم صاروا كالبهائم لا يبصرون إلا المحسوسات معلقا الجار ~~ب { آمنوا } و { يؤتكم } وما بعده: { لئلا يعلم } أي ليعلم علما عظيما ~~يثبت مضمون خبره وينتفي ضده - بما أفاده زيادة النافي { أهل الكتاب } أي ~~من الفريقين الذي اقتصروا على كتابهم وأنبيائهم ولم يؤمنوا بالنبي الخاتم ~~وما أنزل { ألا } أي أنهم لا { يقدرون } أي في زمن من الأزمان { على شيء ~~} أي وإن قل { من فضل الله } أي الملك الأعلى الذي خصكم بما خصكم به لا ~~يمنع ولا بإعطائكم حيث نزع النبوة منهم ووضها في بني عمهم إسماعيل عليه ~~السلام الذي كانوا لا يقيمون لهم وزنا فيقولون: إنهم بنو الأمة، وإنهم ~~أميون، وإنهم ليس عليهم منهم سبيل، وجعل النبوة التي خصكم بها عامة - كما ~~أشار إليه ما في ابن الأمة من شمول بنسبته وانشعابه وحيث عملوا كثيرا ~~وأعطوا قليلا: " اليهود من أول النهار على قيراط قيراط، والنصارى من ~~الظهر على قيراط قيراط، وهذه الأمة من صلاة العصر على قيراطين قيراطين، ~~فقال الفريقان: ما لنا أكثر عملا وأقل أجرا، قالك هل ظلمتكم من حقكم ~~شيئا، قالوا: لا، قال: ذلك فضلي أوتيه من أشاء " وذكر ابن برجان معنى ~~هذا الحديث - كما تقدم عنه قريبا - من الإنجيل وطبقه عليه وذكرته أنا في ~~الأعراف، روى الإمام أحمد في مواضع من المسند والبخاري في سبعة مواضع في ~~الصلاة والإجارة وذكر بني إسرائيل وفضائل القرآن والتوحيد، والترمذي في ~~الأمثال - وقال: حسن صحيح - من وجوه شتى جمعت بين ألفاظها عن ابن عمر رضي ~~الله عنهما أن النبي صلى ms4930 الله عليه وسلم قال: # " مثلكم " # - وفي هذه الرواية: # " مثل هذه الأمة " # ، وفي رواية: # " مثل أمتي " # وفي رواية: إنما مثلكم ومثل اليهود والنصارى كرجل، وفي رواية: # " مثلكم ومثل أهل الكتابين كمثل رجل استعمل عملاء " # ، وفي رواية: # " استأجر أجراء " # فقال: # " من يعمل لي من صلاة الصبح " # وفي رواية أخرى: # " من غدوة إلى نصف النهار على قيراط، ألا فعملت اليهود " # - وفي رواية: # " قالت اليهود: نحن - فعملوا، ثم قال: من يعمل لي من نصف النهار إلى ~~صلاة العصر على قيراط، ألا فعملته النصارى " # ، وفي رواية: # " قالت النصارى: نحن، فعملوا، ثم قال: من يعمل لي من صلاة العصر إلى ~~غروب الشمس " # - وفي رواية: إلى أن تغيب الشمس - # " على قيراطين قيراطين، ألا فأنتم الذين عملتم " # ، وفي رواية: # " تعملون " # ، وفي رواية # " وأنتم المسلمون تعملون من صلاة العصر إلى الليل " # ، وفي رواية # " إلى مغارب " # ، وفي رواية: # " مغرب الشمس على قيراطين قيراطين قيراطين ألا لكم الأجر مرتين، فغضبت ~~اليهود والنصارى " # وقالوا: # " نحن " # - وفي رواية: # " ما لنا - أكثر عملا وأقل عطاء " # ، وفي رواية # " أجرا، قال الله تعالى هل " # - وفي رواية: # " وهل - نقصتكم - " # وفي رواية: # " هل ظلمتكم - من حقكم شيئا - " # وفي رواية: # " أجركم شيئا، قالوا: لا، قال: فإنه " # - وفي رواية: # " فإنما - هو فضل " # ، وفي رواية: # " فذلك فضلي أوتيه من أشاء " # ، وفي رواية: # " أعطيه من شئت " # وفي رواية: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم وهو قائم على المنبر يقول: # " ألا إن بقاءكم " # ، وفي رواية: # " إنما بقاؤكم " # ، وفي رواية: # " إنما أجلكم في أجل من خلا من الأمم " # - وفي رواية: # " فيما سلف من قبلكم من الأمم كما بين صلاة العصر والمغرب " # - وفي رواية: # " إلى غروب الشمس " # ، وفي رواية: # " ألا إن مثل آجالكم في آجال الأمم قبلكم كما بين صلاة العصر إلى ~~مغيربان " # ، وفي رواية: # " إلى مغرب " # ، وفي رواية: # " إلى مغارب الشمس، أعطي " # - وفي رواية: # " أوتي - أهل التوراة التوراة، فعملوا بها حتى انتصف النهار فعجزوا، ~~فأعطوا قيراطا قيراطا، وأعطي " # - وفي رواية: # " ثم أوتي - أهل الإنجيل الإنجيل فعملوا به حتى " # - وفي رواية: # " إلى - صلاة العصر " # ،وفي ms4931 رواية # " حتى صليت العصر، ثم عجزوا فأعطوا قيراطا قيراطا، ثم أعطيتم القرآن ~~فعملتم به حتى غربت الشمس " # ، وفي رواية: # " حتى غروب الشمس فأعطيتم قيراطين قيراطين " # ، وفي رواية: # " ثم أوتينا القرآن فعملنا إلى غروب الشمس فأعطينا قيراطين قيراطين، ~~فقال أهل الكتابين " # - وفي رواية: # " أهل التوراة والإنجيل - ربنا هؤلاء أقل منا عملا وأكثر أجرا " # ، وفي رواية: # " جزاء " # ، وفي رواية: # " أي ربنا أعطيت هؤلاء قيراطين قيراطين وأعطتينا قيراطا قيراطا، ونحن ~~أكثر عملا منهم، قال الله تبارك وتعالى: هل " # وفي رواية: # " فهل ظلمتكم من أجركم " # - وفي رواية: # " من أجوركم - من شي؟ فقالوا: لا، فقال: فهو فضلي " # ، وفي رواية # " فذلك فضلي، أوتيه من أشاء " # وقد أخذ بعض العلماء من هذا الحديث ما قبل هذه الأمم وترك على ذلك ~~أحوالهم فقال: إنه دال على قوم نوح وإبراهيم عليهما السلام، كان لهم ~~الليل، فكان قوم نوح في أوله في ظلام صرف طويل لم يلح لهم شيء من تباشير ~~الضياء ولا أمارات الصبح، ونوح عليه السلام يخبرهم به ويأمرهم بالتهيؤ ~~له، فلذلك طال بلاؤه عليه السلام بهم، وما آمن معه إلا قليل، وأما قوم ~~إبراهيم عليه السلام فكانوا كأنهم في أواخر الليل، قد لاحت لهم تباشير ~~الصباح وأومضت لهم بوارق الفلاح، فلذلك آمن لوط عليه السلام وكذا سارة ~~زوجته وأولاده منها ومن غيرها كلهم، واستمر الإسلام في أولاده والنبوة ~~حتى جاء موسى عليه السلام، فكان وقته كما بين الصبح والظهر، فكان قومه ~~تارة وتارة، تارة يحسبون أنهم في ضياء كيفما كانوا، فيروغون يمينا ~~وشمالا فيكونون كمن دخل غيرانا وكهوفا وأسرابا ثم يخرجون منها ~~فيرجعون إلى الضياء، فكانت غلطاتهم تارة كبارا وتارة صغارا، وأما قوم ~~عيسى عليه السلام فكانوا كمن هو في الظهيرة في شدة الضياء فالغلط منه لا ~~يكون إلا عن عمى عظيم، فلذلك كان غلطهم أفظع الغلط وأفحشه - والله الموفق ~~- { وإن } أي ولتعلموا أن { الفضل } أي الذي لا يحتاج إليه من هو عنده { ~~بيد الله } أي الذي له الأمر كله { يؤتيه من يشاء } منهم أو من غيرهم ms4932 ~~نبوة كانت أو غيرها. # ولما كان ربما ظن ظان أنه لا يخص به إلا لأنه لا يسع جميع الناس دفع ذلك ~~بقوله: { والله } أي الذي أحاط بجميع صفات الكمال { ذو الفضل العظيم * } ~~أي مالكه ملكا لا ينفك عنه ولا ملك لأحد فيه معه ولا تصرف بوجه أصلا، ~~فلذلك يخص من يشاء بما يشاء، فلا يقدر أحد على اعتراض بوجه، فقد نزه له ~~التنزيه الأعظم جميع ما في السماوات والأرض فهو العزيز الحكيم الذي لا ~~عزيز غيره ولا حكيم سواه، فقد انطبق كما ترى آخرها على أولها، ورجع ~~مفصلها على موصلها - والله الهادي للصواب وإليه المرجع والمآب. ### | [58 - سورة المجادلة] ### || [58.1] # لما ختمت الحديد بعث إثبات عجز الخلق بعظيم الفضل له سبحانه، وكان سماع ~~أصوات جميع الخلائق من غير أن يشغل صوت عن صوت وكلام عن كلام من الفضل ~~العظيم، وكان قد تقدم ابتداع بعض المتعبدين من الرهبانية بما لم يصرح لهم ~~بالإذن فيه، فكان سببا للتضييع، وكان الظهار على نوعين: موقت ومطلق، ~~وكان الموقت مما يدخل في الرهبانية لأنه من التبتل وتحريم ما أحل الله من ~~الطيبات، وكان بعض الصحابة رضي الله عنهم قد منع نفسه بالموقت منه من ~~مرغوبها مما لم يأت عن الله، فظاهر من امرأته محافظة على كمال التعبد ~~خوفا من الجماع في نهار رمضان، وكان ذلك مما لم يأذن به بل نهى عنه كما ~~روى أبو داود عن أنس رضي الله عنه والطبراني في الأوسط على سهل بن حنيف ~~رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم: # " لا تشددوا على أنفسكم، فإنما هلك من كان قبلكم بتشديدهم على أنفسهم، ~~وستجدون بقاياهم في الصوامع والديارات " # وكان بعض الصحابة - رضي الله عنهم أجمعين - قد ظاهر مطلقا فشكت امرأته ~~ما لحقها من الضرر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهتفت باسم الله، ~~وكان علمه سبحانه بخصوص شكاية هذه المرأة المسكينة وإزالة ضررها بحكم عام ~~لها ولغيرها من عباده حتى صارت واقعتها رخصة عامة للمسلمين إلى يوم ~~القيامة ms4933 معلما بأنه ذو الفضل العظيم، وأنه الظاهر الباطن، ذو الملك كله، ~~وكان قد أمر بالإيمان به وبرسوله ووعد على ذلك بالنور، كان السامع لذلك ~~جديرا بتوقع البيان الذي هو النور في هذه الرهبانية التي ابتدعت في هذه ~~الأمة، وتخفيف الشديد الذي وقع عن بعضهم ليعلم أهل الكتاب ما لهذه الأمة ~~من الكرامة على ربها وأنه يختص برحمته من يشاء فقال: { قد سمع الله } أي ~~أجاب بعظيم فضله الذي أحاط بجميع صفات الكمال فوسع سمعه الأصوات { قول } ~~وعبر بالوصف دون الاسم تعريفا برحمته الشاملة فقال: { التي تجادلك } أي ~~تبالغ في أن تقبلك إلى مرادها { في زوجها } أي في الأمر المخلص له من ~~ظهاره رحمة لها { وتشتكي } أي تتعمد بتلك المجادلة الشكوى، منتهية { إلى ~~الله } أي الملك العظيم الرحيم الذي أحاط بكل شيء علما، ولصدقها في ~~شكواها وقطع رجائها في كشف ما بها من غير الله كانت هي والنبي صلى الله ~~عليه وسلم متوقعين أن الله يكشف ضرها { والله } أي والحال أن الذي وسعت ~~رحمته كل شيء لأنه له الأمر كله { يسمع تحاوركما } أي مراجعتكما التي ~~يحور - أي يرجع فيها إلى كل منكما جواب كلامه من الآخر كأنها لثقل ما قدح ~~في أمرها ونزل من ضرها ناشئة عن حيرة. # ولما كان ذلك في غاية ما يكون من خرق العادة بحيث إن الصديقة عائشة رضي ~~الله عنها قالت عند نزول الآية: " الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد ~~كلمت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا في جانب البيت ما أسمع كثيرا ~~مما تقول " أكده تنبيها على شدة غرابته ولأنه ربما استبعده من اشتد جهله ~~لعراقته في التقيد بالعادات فقال: { إن الله } أي الذي أحاط بجميع صفات ~~الكمال فلا كفؤ له { سميع بصير * } أي بالغ السمع لكل مسموع، والبصر لكل ~~ما يبصر والعلم لكل ما يصح أن يعلم أزلا وأبدا، وقد مضى نحو هذا ~~التناسب في المائدة حين أتبع تعالى آية القسيسين والرهبان قوله تعالى # يأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل ms4934 الله لكم # [المائدة: 87] غير أن هذا خاص وذاك عام، فهذا فرد منه، فالمناسبة واحدة ~~لأن الأخص في ضمن الأعم، والحاصل أنه سبحانه امتن عليهم بما جعل في ~~قلوبهم من الرهبانية وغيرها، وأخبر أنهم لم يوفوها حقها، وأنه آتى ~~مؤمنيهم الأجر، وأمر المسلمين بالتقوى واتباع الرسول صلى الله عليه وسلم ~~ليحصل لهم من فضله العظيم ضعف ما حصل لأهل الكتاب، ونهاهم عن التشديد على ~~أنفسهم بالرهبانية، فصاروا مفضلين من وجهين: كثرة الأجر وخفة العمل، ذلك ~~فضل الله يؤتيه من يشاء - والله أعلم، روى البزار من طريق خصيف عن عطاء ~~من غيرهما أيضا عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلا قال: يا رسول الله! ~~إني ظاهرت من امرأتي ورأيت ساقها في القمر فواقعتها قبل أن أكفر، قال " ~~كفر ولا تعد " وروى أبو داود عن عكرمة أن رجلا ظاهر من امرأته ثم ~~واقعها قبل أن يكفر، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال: # " ما حملك على ما صنعت؟ قال: رأيت بياض ساقيها في القمر، قال: فاعتزلها ~~حتى تكفر عنك " # قال المنذري: وأخرجه أيضا عن عكرمة عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن ~~عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم بمعناه، ~~وأخرجه النسائي وابن ماجة والترمذي - وقال: حديث حسن غريب صحيح - وقال ~~النسائي: المرسل أولى بالصواب من المسند، وقال أبو بكر المعافري: ليس في ~~الظهار حديث صحيح يعول عليه، قال المنذري: وفيما قاله نظر، فقد صححه ~~الترمذي كما ترى، ورجال إسناده ثقات، وسماع بعضهم من بعض مشهور، وترجمة ~~عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهم احتج بها البخاري في غير موضع - انتهى. ~~وللترمذي - وقال حسن غريب - عن سلمة بن صخر رضي الله عنه في المظاهر ~~يواقع قبل أن يكفر قال: " كفار واحدة " # " وروى أحمد والحاكم وأصحاب السنن إلا النسائي وحسنه الترمذي، قال ابن ~~الملقن: وصححه ابن حبان والحاكم - من طريق سليمان بن يسار عن سلمة بن صخر ~~البياضي رضي الله عنه قال: كنت أمرأ أصيب من ms4935 النساء ما لا يصيب غيري، ~~فلما دخل شهر رمضان خفت أن أصيب من امرأتي شيئا يتابع بي حتى أصبح ~~فظاهرت منها حتى ينسلخ شهر رمضان، فبينا هي تخدمني ذات ليلة تكشف لي منها ~~شيء فما لبث أن نزوت عليها، فلما أصبحت خرجت إلى قومي فأخبرتهم الخبر ~~وقلت: امشوا معي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا: لا والله: ~~فانطلقت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال " أنت بذاك يا سلمة؟ ~~قلت: أنا بذاك يا رسول الله مرتين، وأنا صابر لأمر الله، فاحكم في بما ~~أراك الله، وفي رواية: فأمض في حكم الله فإني صابر لذلك، قال حرر رقبة. ~~قلت: والذي بعثك بالحق ما أملك غيرها - وضربت صفحة رقبتي، قال: فصم شهرين ~~متتابعين، قلت: وهل أصبت الذي أصبت إلا من الصيام، قال: فاطعم وسقا من ~~تمر بين ستين مسكينا، قال: والذي بعثك بالحق، لقد بتنا وحشين ما لنا ~~طعام، قال: فانطلق إلى صاحب صدقة بني زريق فليدفعها إليك فأطعم ستين ~~مسكينا وسقا من تمر وكل أنت وعيالك بقيتها " # فرجعت إلى قومي فقلت: وجدت عندكم الضيق وسوء الرأي، ووجدت عند النبي صلى ~~الله عليه وسلم السعة وحسن الرأي، وفي رواية: والبركة وقد أمرني - أو أمر ~~لي - بصدقتكم، وفي رواية: فادفعوها إلي، فدفعوها إلي). وأعله عبد الحق ~~بالانقطاع، وأن سليمان لم يدرك سلمة، حكى ذلك الترمذي عن البخاري، وقال ~~الترمذي: إن سلمة بن صخر يقال له سلمان أيضا، ورواه الإمام أحمد أيضا ~~من طريق أخرى قال # " حدثنا عبد الله بن إدريس - هو الأودي - عن محمد بن إسحاق عن محمد بن ~~عمرو بن عطاء عن سليمان بن يسار عن سلمة بن صخر البياضي رضي الله عنه ~~قال: كنت أمرأ أصيب من النساء ما لا يصيب غيري، فلما دخل شهر رمضان خفت ~~فتظاهرت من امرأتي في الشهر فبينا هي تخدمني ذات ليلة إذ تكشف لي منها ~~شيء فلم ألبث أن وقعت عليها، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته ~~فقال " حرر رقبة، ms4936 فقلت: والذي بعثك بالحق، ما أملك غير رقبتي، قال: صم ~~شهرين متتابعين، قلت: وهل أصابني ما أصابني إلا في الصيام؟ قال: فأطعم ~~ستين مسكينا " # وهذا سند حسن متصل إن شاء الله إن سلم من تدليس ابن إسحاق، وروى الحاكم ~~والبيهقي من طريق محمد بن عبد الرحمن بن إسحاق، وروى الحاكم والبيهقي من ~~طريق محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان وأبي سلمة بن عبد الرحمن # " أن سلمة بن صخر البياضي رضي الله عنه جعل امرأته عليه كظهر أنه إن ~~غشيها حتى يمضي رمضان، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ~~اعتق رقبة " # وقصة سلمة هذه أصل الظهار المؤقت، وقد دلت على أنه لا عود فيه لا كفارة ~~عليه إلا بوطئها في مدة الظهار، # " وروى أبو داود عن خويلة بنت مالك بن ثعلبة رضي الله عنها قال: " ظاهر ~~مني زوجي أوس بن الصامت رضي الله عنه فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أشكوا إليه ورسول الله صلى الله عليه وسلم يجادلني فيه ويقول:اتقي الله ~~فإنه ابن عمك، فما برحت حتى نزل القرآن { قد سمع الله } إلى الفرض، فقال: ~~يعتق رقبة، قالت: لا يجد، قال: يصوم شهرين متتابعين، قالت: يا رسول الله، ~~إنه شيخ كبير ما به من صيام، قال فليطعم ستين مسكينا، قالت: ما عنده من ~~شيء يتصدق به قالت: فأتي ساعتئذ بعرق من تمر، قلت: يا رسول الله، فإني ~~أعينه بعرق آخر، قال: قد أحسنت أذهبي فأطعمي بها عنه ستين مسكينا، ~~وارجعي إلى ابن عمك " # قال: والعرق ستون صاعا، وفي رواية: والعرق مكتل يسع ثلاثين صاعا، # " وروى الدارقطني أن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: " إن أوس بن الصامت ~~رضي الله عنه ظاهر من امرأته خويلة بنت ثعلبة رضي الله عنها فشكت إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: ظاهر مني حين كبر سني ورق عظمي، فأنزل ~~الله آية الظهار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأوس اعتق رقبة، ~~قال: مالي بذلك يدان، قال: فصم شهرين ms4937 متتابعين، قال: أما إني إذا أخطأني ~~أن آكل في اليوم مرتين يكل بصري، قال فأطعم ستين مسكينا " # ، قال: ما أجد إلا أن تعينني منك بعون وصلة، فأعانه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بخمسة عشر صاعا حتى جمع الله له، والله رحيم " قال: وكانوا ~~يرون أن عنده مثلها، وذلك لستين مسكينا، وللدراقطني أيضا والبيهقي " أن ~~خولة بنت ثعلبة رضي الله عنها رآها زوجها وهو أوس بن الصامت أخو عبادة ~~رضي الله عنهما وهي تصلي فراودها فأبت فغضب، وكان به لمم وخفة فظاهر ~~منها، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت إن أوسا تزوجني وأنا ~~شابة مرغوب في، فلما خلا سني ونثرت له بطني جعلني عليه كأمه " ~~وللطبراني من طريق أبي معشر عن محمد بن كعب القرظي قال: # " كانت خولة بنت ثعلبة تحت أوس بن الصامت وكان به لمم، فقال في بعض ~~هجراته: أنت علي كظهر أمي، قال: ما أظنك إلا قد حرمت علي، فجاءت إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن أوس بن الصامت أبو ~~ولدي وأحب الناس إلي والذي أنزل عليك الكتاب ما ذكر طلاقا، قال: ما ~~أراك إلا قد حرمت عليه، فقالت: يا رسول الله لا تقل كذلك والله ما ذكر ~~طلاقا، فرادت النبي صلى الله عليه وسلم مرارا، ثم قالت: اللهم إني ~~أشكو إليك فاقتي ووحدتي وما يشق علي من فراقه " # الحديث، ومن طريق أبي العالية قال: فجعل كلما قال لها # " حرمت عليه " # هتفت وقالت: أشكو إلى الله، فلم ترم مكانها حتى نزلت الآية، وروى أبو ~~داود عن هشام بن عروة أن جميلة كانت تحت أوس ابن الصامت وكان رجلا به ~~لمم فكان إذا اشتد به لممه ظاهر من امرأته فأنزل الله عز وجل فيه كفارة ~~الظهار، وأخرجه من حديث عروة عن عائشة رضي الله عنها مثله. وقال القشيري: ~~وفي الخبر أنها قالت: يا سول الله إن أوسا تزوجني شابة غنية ذات أهل ~~ومال كثير، فلما كبر عنده سني، وذهب مالي وتفرق ms4938 أهلي، جعلني عليه كظهر ~~أمه، وقد ندم وندمت، وإن لي صبية صغارا إن ضممتهم إليه ضاعوا، وإن ~~ضممتهم إلي جاعوا، يعني ففرج الله عنها، وقد حصل من هذا مسألة، وهو أن ~~كثيرا من الأشياء ظاهر العلم يحكم فيه بشيء ثم الضرورة تغير ذلك الحكم ~~لصاحبها، قال البغوي: وكان هذا أول ظهار في الإسلام، وقال أبو حيان: وكان ~~عمر رضي الله عنه يكرم خولة رضي الله عنها إذا دخلت عليه ويقول: سمع الله ~~لها، فالمظاهرة في حديث سلمة رضي الله عنه ومن نحا نحوه رهبانية مبتدعة ~~لم ترع حق رعايتها كرهبانية النصارى، ولم يتبع النبي صلى الله عليه وسلم ~~في ابتداعها حق الاتباع، وأما في قصة خولة رضي الله عنها فهي مصيبة كأن ~~ينبغي فيها التسليم وعدم الحزم كما في آية # لكيلا تأسوا # [الحديد: 23] الآية على أن امتناعها من زوجها حين راودها فيه إلمام ~~بالرهبانية، وإزالة شكايتها مع أنها امرأة ضعيفة من عظيم الفضل، وزاده ~~عظما جعله حكما عاما لمن وقع فيه من جميع الأمة. ### || [58.2] # ولما أتم تعالى الخبر عن إحاطة العلم، استأنف الإخبار عن حكم الأمر ~~المجادل بسببه، فقال ذاما للظهار، وكاسيا له ثوب العار: { الذين } ولما ~~كان الظهار منكرا لكونه كذبا، عبر بصيغة التفعل الدالة عليه فقال: { ~~يظهرون } أي يوجدون الظهار في أي رمضان كان وكأنه أدغم تاء التفعل ~~والمفاعلة لأن حقيقته أنه يذهب ما أحل الله له من مجامعة زوجته. ولما كان ~~الظهار خاصا بالعرب دون سائر الأمم، نبه على ذلك تهجينا له عليهم ~~وتقبيحا لعادتهم فيه، تنبيها على أن اللائق بهم أن يكونوا أبعد الناس ~~من هذا الكلام لأن الكذب لم يزل مستهجنا عندهم في الجاهلية، ثم ما زاده ~~الإسلام إلا استهجانا فقال: { منكم } أي أيها العرب المسلمون الذين ~~يستقبحون الكذب ما لا يستقبحه غيرهم وكذا من دان دينهم { من نسائهم } أي ~~يحرمون نساءهم على أنفسهم تحريم الله عليهم ظهور أمهاتهم بأن يقول أحدهم ~~لزوجته شيئا من صرائحه مثل أنت علي كظهر أمي وكناياته كأنت أمي، ms4939 وكل ~~زوج صح طلاقه صح ظهاره من حر أو عبد مسلم أو ذمي دخل بالزوجة أو لا ~~قادرا على الجماع أو عاجزا، صغير كانت الزوجة أو كبيرة، عاقلة كانت أم ~~مجنونة، سليمة كانت أو رتقاء، مسلمة كانت أو ذميمة، ولو كانت رجعية. # ولما كان وجه الشبه التحريم، وكان للتحريم رتبتان: عليا موصوفة بالتأبيد ~~والاحترام، ودنيا خالية عن كل من الوصفين، وكان التقدير خبرا للمبتدأ: ~~مخطئون في ذلك لأنه كذب، لأن التشبيه إن أسقطت أداته لم يكن حمله على ~~الحقيقة ليكون من الرتبة العليا ولو على أدنى أحوالها من أنه طلاق لا ~~رجعة فيه، كما كانوا يعتقدونه، وإن أثبتت ليكون من الدنيا لم يكن صحيحا ~~لأنه ممنوع منه لأن التشريع إنما هو لله، والله لم يكن يشرع ذلك، وكان ~~تعليل شقي التشبيه يفيد معنى الخبر بزيادة التعليل، حذف الخبر، واكتفى ~~بالتعليل فقال معللا له مهجنا للظهار الذي تعوده العرب من غير أن ~~يشاركهم فيه أحد من الأمم: { ما هن } أي نساؤهم { أمهاتهم } على تقدير ~~إرادة أحدهم أعلى رتبتي التحريم، والحاصل أنهم لما كانوا يعتقدون أنه ~~طلاق لا رجعة فيه جعلوا معتقدين أن المرأة أم لأن الحرمة المؤبدة من ~~خصائص الأم فخوطبوا بذلك تقريعا لهم لأنه أردع، وفي سورة الأحزاب ما ~~يوضح هذا. # ولما كانوا قد مرنوا على هذا الحكم في الجاهلية، واستقر في أنفسهم ~~استقرارا لا يزول إلا بغاية التأكيد، ساق الكلام كذلك في الشقين فقال: { ~~إن } أي ما { أمهاتهم } أي حقيقة { إلا اللائي ولدنهم } ونساؤهم لم ~~تلدهم، فلا يحرمن عليهم حرمة مؤبدة للإكرام والاحترام، ولا هن ممن ألحق ~~بالأمهات بوجه يصح وكأزواج النبي صلى الله عليه وسلم فإنهن أمهات لما لهن ~~من حق الإكرام والاحترام والإعظام ما لم يكن لغيرهن لأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أعظم في أبوة الدين من أب النسب وكذلك المرضعات لما لهن من ~~الإرضاع الذي هو وظيفة الأم بالأصالة، وأما الزوجة فمباينة لجميع ذلك. # ولما فرغ من تعليل الشق الأول على أتم وجه، أتبعه تعليل ms4940 الآخر كذلك، ~~فقال عاطفا عليه مؤكدا لأنهم كانوا قد ألفوا قوله فأشربته قلوبهم: { ~~وإنهم } أي المظهرون { ليقولون } أي في هذا التظهر على كل حالة { منكرا ~~من القول } ينكره الحقيقة والأحكام، قال ابن الملقن في عمدة المحتاج: وهو ~~حرام اتفاقا كما ذكره الرافعي في الشهادات. { وزورا } أي قولا مائلا ~~عن السداد، منحرفا عن القصد، لأن الزوجة معدة للاستمتاع الذي هو في ~~الغاية من الامتهان، والأم في غاية البعد عن ذلك لأنها أهل لكل احترام، ~~فلا هي أم حقيقة ولا شبيهة بها بأمر نصبه الشارع للاحترام كالإرضاع، ~~وكونها فراشا لعظيم كالنبي أو للأب أو للحرمة كاللعان، فقد علم أن ذلك ~~الكلام ليس بصدق ولا جاء به مسوغ، فهو زور محض، وأخصر من هذا أن يقال: ~~ولما كان ظهارهم هذا يشتمل على فعل وقول، وكان الفعل هو التحريم الذي هو ~~موضع وجه الشبه، وكانت العادة في وجه الشبه أن يقنع منه بأدنى ما ينطلق ~~عليه الاسم، وكانوا قد خالفوا ذلك فجعلوه في أعلى طبقاته وهو الحرمة ~~المؤبدة التي يلزم منها أن تكون المشابهة من كل وجه في الحرمة مع أن ذلك ~~بغير مستند من الله تعالى الذي لا حكم لغيره، ألزمهم أن يكون الشبه من كل ~~وجه مطلقا ليكونوا جاعلين الزوجة إما حقيقة لا دعوى كما جعلوا الحرمتين ~~كذلك من غير فرق بل أولى لأن الشبه إنما وقع بين الحيثيتين لا بين ~~الحرمتين - ثم وقفهم على جهلهم فيه فقال { ما هن } إلى آخره، ولما وقفهم ~~على جهلهم في الفعل وقفهم على جهلهم في القول: فقال: وأنهم إلى آخره، قال ~~النووي في الروضة: قال الأصحاب: الظهار حرام، وله حكمان: أحدهما تحريم ~~الوطء إذا وجبت الكفارة إلى أن يكفر، والثاني وجوب الكفارة بالعود - ~~انتهى، وهذا القول وإن أفاد التحريم فإنه يفيد لكونه ممنوعا منه على وجه ~~ضيق حرج المورد عسر المخرج ليكون عسره زاجرا عن الوقوع فيه، قال أبو عبد ~~الله القزاز في ديوانه الجامع: وظاهر الرجل امرأته وظاهر من امرأته إذا ~~قال: أنت علي ms4941 كظهر أمي أو كذاب محرم، وإنما استخصوا الظهر في الظهار لأن ~~الظهر موضع الركوب، والمرأة مركب الرجل في النكاح فكني به عن ذلك، فكأنه ~~قال: ركوبك علي للنكاح كركوب أمي، وكان الظهار في الجاهلية طلاقا، ~~ولذلك أشكل معنى قوله تعالى { ثم يعودون لما قالوا } وقال ابن الأثير في ~~النهاية: ظاهر الرجل من امرأته ظهارا وتظهر وتظاهر إذا قال لها: أنت ~~علي كظهر أمي، وكان في الجاهلية طلاقا، وقيل: إنهم أرادوا أنت علي ~~كبطن أمي أي كجماعها، فكنوا بالظهر عن البطن للمجاورة، وقيل إن إتيان ~~المرأة وظهرها إلى السماء كان حراما عندهم، وكان أهل المدينة يقولون: ~~إذا أتيت المرأة ووجهها إلى الأرض جاء الولد أحول، فلقصد الرجل المطلق ~~منهم إلى التغليظ في تحريم امرأته عليه شبهها بالظهر ثم لم يقنع بذلك حتى ~~جعلها كظهر أمه، وإنما عدى الظهار ب { من } لأنهم كانوا إذا ظاهروا ~~المرأة تجنبوها كما يتجنبون المطلقة ويحترزون منها، فكأن قوله: ظاهر من ~~امرأته، أي بعد واحترز منها كما قيل: آلى من امرأته، لما ضمن معنى ~~التباعد عدى ب { من } - انتهى، قال: وقال ابن الملقن في العمدة شرح ~~المنهاج: وكان طلاقا في الجاهلية، ونقل عن صاحب الحاوي أنه عندهم لا ~~رجعة فيه، قال: فنقل الشارع حكمه إلى تحريم بعد العود ووجوب الكفارة - ~~انتهى وقال أبو حيان: قال أبو قلابة وغيره: كان الظهار في الجاهلية يوجب ~~عندهم فرقة مؤبدة. # ولما كان التقدير: فإن الله حرمه، عطف عليه مرغبا في التوبة وداعيا ~~إليها قوله مؤكدا لأجل ما يعتقدون من غلظه وأنه لا مثنوية فيه { وإن ~~الله } أي الملك الأعظم الذي لا أمر لأحد معه في شرع ولا غيره { لعفو } ~~من صفاته أن يترك عقاب من شاء { غفور * } من صفاته أن يمحو عين الذنب ~~وأثره حتى أنه كما لا يعاقب عليه لا يعاتب، فهل من تائب طلبا للعفو عن ~~زلله، والإصلاح لما كان من خلله. ### || [58.3-4] # ولما هجن سبحانه الظهار، وأثبت تحريمه على أبلغ وجه وآكده، وكان ما مضت ~~عليه العوائد لا ms4942 بد أن يبقى منه بقايا، أتبع ذلك بيان حكم هذه الواقعة ~~وما لعله يقع من نظائرها فقال: { والذين يظاهرون } ولما كان في بيان ~~الحكم، أسقط التقييد إعلاما بعمومه الكفار كعمومه المسلم ليفيد تغليظ ~~العقاب عليه لئلا يتوهم أنه يخص العرب الذين قصد تهجينه عليهم بأنهم ~~انفرادوا به عن سائر الناس فقال: { من نسائهم } بدون { منكم }. # ولما كان مقتضى اللفظ المباعدة ممن قيل ذلك فيها، لكان إمساكها بعده ~~ينبغي أن يكون في غاية البعد، قال مشيرا إلى ذلك بأداة البعد { ثم ~~يعودون } أي بعد هذا القول { لما قالوا } بالفعل بأن يعاد هذا القول مرة ~~أخرى أو بالقوة بأن يمسكوا المقول ذلك لها زمنا يمكن أن يعاد فيه هذا ~~القول مرة ثانية من غير مفاقة بلفظ مما ناط الله الفرقة به من طلاق أو ~~سراح أو نحوهما، فيكون المظاهر عائدا إلى هذا القول بالقوة لإمكان هذا ~~القول في ذلك الزمن، وذلك لأن العادة قاضية بأن من قال قولا ولم يبته ~~وينجزه ويمضه بأن يعود إلى قوله مرة أخرى وهلم جرا، أو يكون التقدير ~~لنقض ما قالوا: فيحلوا ما حرموا على أنفسهم بعدم البت بالطلاق، فإن كان ~~الظهار معلقا لم يلزم حكمه إلا بالحنث، فإن طلق في الحال وإلا لزمته ~~الكفارة، وحق العبارة التعبير باللام لدلالتها على الاتصال كما يقتضيه ~~الحال بخلاف " إلى " فإنها تدل على مهلة وتراخ، هذا في الظهار المطلق، ~~وأما الموقت بيوم أو شهر أو نحو ذلك فلا يكون عائدا فيه إلا بالوطء في ~~الوقت المظاهر فيه، وأما مجرد إمساكها فليس بعود لأنه إنما أمسكها لما له ~~فيها من الحل بعد وقت الظهار. # ولما كان المبتدأ الموصول مضمنا معنى الشرط، أدخل الفاء في خبره ليفيد ~~السببية فيتكرر الوجوب بتكرر سببه فقال: { فتحرير } أي فعليهم بسبب هذا ~~الظهار والعود تحرير { رقبة } أي سليمة عن عيب يخل بالعمل كاملة الرق ~~مقيدة أيضا بمؤمنة لأنها قيدت بذلك في كفارة القتل، فيحمل هذا على ذاك، ~~ولأن معاوية بن الحكم رضي الله عنه كانت له ms4943 جارية فقال للنبي صلى الله ~~عليه وسلم: # " علي رقبة أفأعتقها، فسألها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الله ~~فأخبرته بما دل على توحيدها فقال: من أنا؟ فقالت: أنت رسول الله، قال: ~~أعتقها فإنها مؤمنة " # رواه مالك ومسلم، فعلل الإجزاء بالإيمان ولم يسأله عن سبب الوجوب، فدل ~~على أنه لا فرق بين واجب وواجب، والموجب للكفارة الظهار والعود جميعا ~~كما أن الموجب في اليمين اليمين والحنث معا. # ولما كان التحرير لا يستغرق زمن القبل بل يكون في بعضه، أدخل الجار ~~فقال: { من قبل } ولما كان المراد المس بعد المظهارة لا مطلقا قال: { أن ~~يتماسا } أي يتجدد منهما مس وهو الجماع سواء كان ابتداء المباشرة منه أو ~~منها بما أفادته صيغة التفاعل، وهو حرام قبل التكفير ولو كان على أدنى ~~وجوه التماس وأخفاها بما أشار إليه الإدغام ولو كان بإيلاج الحشفة فقط مع ~~الإنزال أو بدونه، وأما مقدمات الجماع فهي فيها كالحائض لا تحرم على ~~الأظهر، فإن جامع عصى ولم تجب كفارة أخرى، لما روى الترمذي عن سلمة بن ~~صخر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في المظاهر يواقع قبل أن ~~يكفر، قال: # " كفارة واحدة ". # ولما كان الوعظ هو الزجر عن الفعل الموعوظ لأجله، قال مستأنفا: { ذلكم ~~} أي الزجر العظيم جد الذي هو عام لكم من غير شبهة { توعظون به } أي يكون ~~بمشقة زاجرا لكم عن العود إلى مقاربة مثل ذلك فضلا عن مقارفته لأن من ~~حرم من أجلها الله تحريما متأبدا على زعمه كان كأنه قد قتلها، ولكون ~~ذلك بلفظ اخترعه وانتهك فيه حرمة أمه كان كأنه قد عصى معصية أوبق بها ~~نفسه كلها إيباقا أخرجه إلى أن يقتلها عضوا عضوا بإعتاق رقبة تماثل ~~رقبته ورقبة من كان قتلها. # ولما كان التقدير: فالله بما يردعكم بصير، عطف عليه قوله: { والله } أي ~~الذي له الإحاطة بالكمال، وقدم الجار إشارة إلى إرادة المبالغة للتنبيه ~~على الاهتمام بإلزام الانتهاء. عن ذلك فقال: { بما تعملون } أي تجددون ~~فعله { خبير * } أي عالم ms4944 بظاهره وباطنه، فهو عالم بما يكفره، فافعلوا ما ~~أمر الله به وقفوا عند حدوده، قال القشيري: والظهار - وإن لم يكن له في ~~الحقيقة أصل ولا بتصحيحه نطق ولا له شرع، بعد ما رفع إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أمره ولوح بشيء ما وقال: إنه حكمه لا يخل الله من بيان ~~ساق إليه شرعه فقضى فيه بما انتظم فيه الجواب ارتفاع شكواها. # ولما كانت الكفارة مرتبة، وكان المظاهر كأنه قد قتل نفسه بقتل المظاهر ~~عنها كما مضى، فكان مفتقرا إلى ما يحيي نفسه فشرع له العتق الذي هو ~~كالإحياء، شرع له عند العجز عنه ما يميت نفسه التي إماتتها له إحياؤها، ~~وكان الشهران نصف المدة التي ينفخ فيها الروح، فكان صومها كنصف قتل النفس ~~التي قتلها إحياء الروح وإنعاش العقل، فكان كأنه إماتتها فجعله سبحانه ~~بدلا عن القتل الذي هو كالإحياء فقال: { فمن لم يجد } أي الرقبة المأمور ~~بها بأن كان فقيرا، فإن كان غنيا وماله غائب فهو واجد { فصيام } أي ~~فعليه صيام { شهرين }. ولما كان المراد كسر النفس كما مضى، وكانت ~~المتابعة أنكى ولذلك سمي رمضان شهر الصبر، قيد بقوله: { متتابعين } أي ~~على أكمل وجوه التتابع على حسب الإمكان بما أشار إليه الإظهار، فلو قطع ~~التتابع بشيء ما ولو كان بنسيان النية وجب عليه الاستئناف والإغماء لا ~~يقطع التتابع لأنه ليس في الوسع وكذا الإفطار بحيض أو نفاس أو جنون بخلاف ~~الإفطار بسفر أو مرض أو خوف على حمل أو رضيع لأن الحيض معلوم فهو مستثنى ~~شرعا، وغيره مغيب للعقل - مزيل للتكليف، وأما المرض ونحوه ففيه تعمد ~~الإفطار مع وجود العقل. # ولما كان الإمساك عن المسيس قد يكون أوسع من الشهرين، أدخل الجار فقال: ~~{ من قبل } وحل المصدر إفادة لمن يكون بعد المظاهرة فقال: { أن يتماسا } ~~فإن جامع ليلا عصى ولم ينقطع التتابع. ولما كان إطعام نفس قوت نصف يوم ~~كإماتة نفسه بالصيام يوما قال تعالى: { فمن لم يستطع } أي يقدر على ~~الصيام قدرة تامة - بما أشار إليه ms4945 إظهار التاء لهرم أو مرض أو شبق مفرط ~~يهيجه الصوم { فإطعام } أي فعليه إطعام { ستين مسكينا } لكل مسكين ما ~~يقوته نصف يوم، وهو مد بمد النبي صلى الله عليه وسلم وذلك نحو نصف قدح ~~بالمصري، وهو ملء حفنتين بكفي معتدل الخلق من غالب قوت البلد، وهو كما في ~~الفطرة سواء، وحذف قيد المماسة لذكره في الأولين، ولعل الحكمة في تخصيص ~~هذا به أن ذكره في أول الخصال لا بد منه، وإعادته في الثاني لطول مدته ~~فالصبر عنه فيها مشقة، وهذا يمكن أن يفعل في لحظة لطيفة لا مشقة للصبر ~~فيها عن المماسة، هذا إذا عاد، فإن وصل الظهار بالطلاق أو مات أحدهما في ~~الحال قبل إمكان الطلاق فلا كفارة، قال البغوي: لأن العود في القول هو ~~المخالفة، وفسر ابن عباس رضي الله عنهما العود بالندم فقال: يندمون ~~ويرجعون إلى الألفة، وهذا يدل على ما قال الشافعي رضي الله عنه: فإن ظاهر ~~عن الرجعية انعقد ظهاره فإن راجعها لزمته الكفارة لأن الرجعة عود. # ولما ذكر الحكم، بين علته ترغيبا فيه فقال: { ذلك } أي الترخيص العظيم ~~لكم والرفق بكم والبيان الشافي من أمر الله الذي هو موافق للحنيفية ~~السمحة ملة أبيكم إبراهيم عليه الصلاة والسلام كان { لتؤمنوا } أي وهذا ~~الفعل العظيم الشاق ليتجدد إيمانكم ويتحقق وجوده { بالله } أي الملك الذي ~~لا أمر لأحد معه فتطيعوه بالانسلاخ من فعل الجاهلية { ورسوله } الذي ~~تعظيمه من تعظيمه وقد بعث بملة أبيه إبراهيم عليهما الصلاة والسلام، فلو ~~ترك هذا الحكم الشديد على ما كان عليه في الجاهلية لكان مشككا في البعث ~~بتلك الملة السمحة. # ولما رغب في هذا الحكم، رهب من التهاون به فقال: { وتلك } أي هذه ~~الأفعال المزكية وكل ما سلف من أمثالها في هذا الكتاب الأعظم { حدود الله ~~} أي أوامر الملك الأعظم ونواهيه وأحكامه التي يجب امتثالها والتقيد بها ~~لترعى حق رعايتها فالتزموها وقفوا عندها ولا تعتدوها فإنه لا يطاق ~~انتقامه إذا تعدى نقضه أو إبرامه. ولما كان التقدير: فللمؤمنين بها جنات ~~النعيم، عطف ms4946 عليه قوله { وللكافرين } أي العريقين في الكفر بها أو بشيء ~~من شرائعه { عذاب أليم * } بما آلموا المؤمنين به من الاعتداء. ### || [58.5-6] # ولما ذكر حدوده، ولوح بالعطف على غير معطوف عليه إلى بشارة حافظها، وصرح ~~بتهديد متجاوزيها أتبع ذلك تفصيل عذابهم الذي منه بشارة المؤمنين بالنصر ~~عليهم، فقال مؤكدا لأجل إنكارهم لأن يغلبوا على كثرتهم وقوتهم وضعف حزبه ~~وقلتهم: { إن الذين يحادون الله } أي يغالبون الملك الأعلى على حدوده ~~ليجعلوا حدودا غيرها، وذلك صورته صورة العداوة، مجددين ذلك مستمرين عليه ~~بأي محادة كانت ولو كانت خفية - بما أشار إليه الإدغام كمحادة أهل ~~الاتحاد الذين يتبعون المتشابه فيجرونه على ظاهره فيخلون به المحكم لتخل ~~الشريعة بأسرها، فإن كثيرا من السورة نزل في المنافقين واليهود ~~والمهادنين كما يأتي في النجوى وغيرها { ورسوله } الذي عزه من عزه { ~~كبتوا } أي صرعوا وكبوا لوجوههم وكسروا وأذلوا وأخزوا فلم يظفروا وردوا ~~بغيظهم في كل أمر يرومونه من أي كانت كان بأيسر أمر وأسهله، وعبر بالماضي ~~إشارة إلى تحقق وقوعه والفراغ من قضائه كما فرغ مما مضى، فلا قال لتكون ~~الدعوى مقرونة بدليلها: { كما كبت الذين } ولما كان المحادون لم يستغرقوا ~~جميع الأزمان الماضية والأماكن، أدخل الجار فقال: { من قبلهم } أي ~~المحادين كقوم نوح ومن بعدهم ممن أصر على العصيان، ولم ينقد لدليل ولا ~~برهان، قال القشيري: ومن ضيع لرسول الله صلى الله عليه وسلم سنة وأحدث في ~~دينه بدعة انخرط في هذا السلك، ووقع في هذا الذل. # ولما استوفى المقام حظه بيانا وترغيبا وترهيبا، عطف على أول السورة ~~أو على ما يقدر من نحو: فقد كان لكم فيما مضى من أول الإسلام إلى هذا ~~الأوان مما يدل على كونه سبحانه بالنصر والمعونة مع نبيه صلى الله عليه ~~وسلم وأتباعه رضي الله عنهم معتبر، قوله: { وقد أنزلنا } أي بما لنا من ~~العظمة عليكم وعلى من قبلكم { آيات بينات } أي دلالات عظيمة هي في غاية ~~البيان لذلك ولكل ما يتوقف عليه الإيمان بترك المحادة ويحصل الإذعان. ~~ولما كان التقدير: ms4947 فللمؤمنين بها نعيم مقيم في مقام أمين، عطف عليه قوله: ~~{ وللكافرين } أي الراسخين في الكفر بها وتغيرها من أمر الله { عذاب مهين ~~* } بما تكبروا واغتروا على أولياء الله وشرائعه، يهينهم ذلك العذاب ~~ويذهب عزهم وشماختهم ويتركون به محادتهم. # ولما ذكر عذابهم، ذكر وقته على وجه مقرر لما مضى من شمول علمه وكمال ~~قدرته فقال: { يوم يبعثهم الله } أي يكون ذلك في وقت إعادة الملك الأعظم ~~للكافرين المصرح بهم والمؤمنين المشار إليهم أحياء كما كانوا { جميعا } ~~في حال كونهم مجتمعين في البعث. ولمان كان لا أوجع من التبكيت بحضرة بعض ~~الناس فكيف إذا كان بحضرتهم كلهم فكيف إذا كان بمرأى من جميع الخلائق ~~ومسمع، سبب عن ذلك وعقب قوله: { فينبئهم } أي يخبرهم إخبارا عظيما ~~مستقصى { بما عملوا } إخزاء لهم وإقامة للحجة عليهم. # ولما كان ضبط ذلك أمرا عظيما، استأنف قوله بيانا لهوانه عليه: { ~~أحصاه الله } أي أحاط به عددا كما وكيفا وزمانا ومكانا بما له من ~~صفات الجلال والجمال. ولم ذكر إحصاءه له، فكان ربما ظن أنه مما يمكن في ~~العادة إحصاؤه، نفى ذلك بقوله: { ونسوه } أي كلهم مجتمعين لخروجه عن الحد ~~في الكثرة فكيف بكل واحد على انفراده ونسوا ما فيه المعاصي تهاونا بها، ~~وذلك عين التهاون بالله والاجتراء عليه، قال القشيري: إذا حوسب أحد في ~~القيامة على عمل عمله تصور له ما فعله ثم يذكر حتى كأنه في تلك الحالة ~~قام من بساط الزلة فيقع عليه من الخجل والندم ما ينسى في جنبه كل عقوبة، ~~فسبيل المسلم أن لا يخالف أمر مولاه ولا يحوم حوله مخالفة أمره، فإن جرى ~~المقدور ووقع في هجنة التقصير فليكن من زلته على بال، وليتضرع إلى الله ~~بحسن الابتهال. # ولما كان التقدير بما أرشد إليه العطف على غير مذكور: فالله بكل شيء من ~~ذلك وغيره عليم، عطف عليه قوله: { والله } أي بما له من القدرة الشاملة ~~والعلم المحيط { على كل شيء } على الإطلاق من غير مثنوية أصلا { شهيد * ~~} أي حفيظ حاضر لا يغيب، ورقيب ms4948 لا يفعل، حفظه له ورقبه وحضوره إياه مستعل ~~عليه قاهر له بإحاطة قهره بكل شيء ليمكن حفظه له على أتم وجه يريده. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما نزه سبحانه نفسه عن تقول الملحدين، ~~وأعلم أن العالم بأسره ينزهه عن ذلك بألسنة أحوالهم لشهادة العوالم على ~~أنفسها بافتقارها لحكيم أوجدها، لا يمكن أن يشبه شيئا منها بل يتنزه من ~~أوصافها ويتقدس عن سماتها، فقال # سبح لله ما في السماوات والأرض # [الحديد: 1] ومضت أي تعرف بعظيم سلطانه وعلي ملكه، ثم انصرف الخطاب إلى ~~عباده في قوله: # آمنوا بالله ورسوله # [الحديد: 7] إلى ما بعد ذلك من الآي، وكان ذلك ضرب من الالتفات، والواقع ~~هنا منه أشبه بقوله سبحانه في سورة البقرة # وإذ قال ربك للملائكة # [البقرة: 30] فإنه بعد تفصيل حال المتقين وحال من جعل في طرف منهم وحال ~~من يشبه بظاهره بالمتقين وهو معدود في شرار الكافرين، فلما تم هذا النمط ~~عدل بعده إلى دعاء الخلق إلى عبادة الله وتوحيده # يا أيها الناس اعبدوا ربكم # [البقرة: 21] ثم عدل بالكلام جملة وصرف الخطاب إلى تعريف نبيه عليه ~~الصلاة والسلام بين أيدي الخلق # وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة # [البقرة: 30] فجاء ضربا من الالتفات فكذا الواقع هنا بين سبحانه حال ~~مشركي العرب وقبح عنادهم وقرعهم ووبخهم في عدة سور غالب آيها جار على ~~ذلك ومجدد له أولها سورة " ص " كما نبه عليه في سورة القمر، وإلى الغاية ~~التي ذكرت فيها إلى أن وردت سورة القمر منبئة بقطع دابرهم، وانجر فيها ~~الإعذار المنبه عليه وكذا في سورة الرحمن بعدها، ثم أعقب ذلك بالتعريف ~~بحال النزل الأخراوي في سورة الواقعة مع زيادة تقريع وتوبيخ على مرتكبات ~~استدعت تسبيحه تعالى وتقديسه عن شنيع افترائهم فأتبعت بسورة الحديد، ثم ~~صرف فيها الخطاب إلى المؤمنين، واستمر ذلك إلى آخر السورة، جرت سورة ~~المجادلة على هذا القصد مصروفا خطابها إلى نازلة تشوف المؤمنين إلى تعرف ~~حكمها، وهو الظهار المبين أمره فيها، فلم يعد في الكلام بعد ms4949 كما كان قد ~~صرف إليه في قوله { آمنوا بالله ورسوله } بأكثر من التعرض لبيان حكم يقع ~~منهم، ثم أن السور الواردة بعد إلى آخر الكتاب استمر معظمها على هذا ~~الغرض لانقضاء ما قصد من التعريف بأخبار القرون السالفة والأمم الماضية، ~~وتقريع من عاند وتوبيخه، وذكر مثال الخلق واستقرارهم الأخراوي، وذكر ~~تفاصيل التكاليف والجزاء عليها من الثواب والعقاب، وما به استقامة من ~~استجاب وآمن وما يجب أن يلتزمه على درجات التكاليف وتأكيدها، فلما كمل ~~ذلك صرف الكلام إلى ما يخص المؤمنين في أحكامهم وتعريفهم بما فيه من ~~خلاصهم، فمعظم آي سورة بعد هذا شأنها، وإن اتجر غيرها فلا استدعاء موجب ~~وهو الأقل كما بينا - انتهى. ### || [58.7] # ولما كان هذا الإخبار عن إحاطة علمه وشمول قدرته مع أنه بديهي التصور - ~~يحتاج عند من جره الهوى إلى الشرك المقتضي للنقص إلى دليل معه فقد كان ~~العرب ينكرون أن يسع الناس كلهم إله واحد، قال تعالى دالا على ذلك ~~بدليل شهودي ليفيد الإنسان بما يراه من المحسوسات، قاصرا الخطاب على ~~أعلى الخلق إشارة إلى أنه لا يفهم ذلك حق فهمه غيره: { ألم تر } أي تعلم ~~علما هو في وضوحه كالرؤية بالعين { أن الله } أي الذي له صفات الكمال ~~كلها { يعلم ما في السماوات } كلها. ولما كان الخطاب لأعلى الخلق، وكان ~~المقام لإحاطة العلم، وكان خطابه صلى الله عليه وسلم بذلك إشارة للسامعين ~~إلى وعورة هذا المقام وأنه بحيث لا يكاد يتصوره ولا يفهمه حق فهمه إلا هو ~~صلى الله عليه وسلم ومن ألحق به ممن صفا فهمه وسوى ذهنه وانخلع من الهوى ~~والعوائق، جمع وأكد بإعادة الموصول، فإفراده صلى الله عليه وسلم بالخطاب ~~بعد أن كان مع المظاهرين ثم المحادين إشارة إلى التعظيم وتأكيده تنبيه ~~على صعوبة المقام بالتعميم ليرعى حق الرعي توفية بحق التعليم كما رعته ~~الصديقة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في قولها (سبحان من وسع سمعه ~~الأصوات) يعني في سماعه مجادلة المرأة وهو في غاية الخفاء فقال تعالى: { ~~وما في ms4950 الأرض } أي كليات ذلك وجزئياته، لا يغيب عنه شيء منه، بدليل أن ~~تدبيره محيط بذلك على أتم ما يكون، وهو يخبر من يشاء من أنبيائه وأصفيائه ~~بما يشاء من أخبار ذلك، القاصية والدانية، الحاضرة والغائبة، الماضية ~~والآتية، فيكون كما أخبر. # ولما كان ذلك وإن كان معلوما يتعذر إحاطة الإنسان بكل جزئي منه، دل ~~عليه بما هو أقرب منه فقال: { ما تكون } بالفوقانية في قراءة أبي جعفر ~~لتأنيث النجوى إشارة إلى العلم بها ولو ضعفت إلى أعظم حد، وقرأ الباقون ~~بالتحتانية للحائل، ولأن التأنيث غير حقيقي، وهي على كل حال من " كان " ~~التامة، وعمم النفي بقوله: { من نجوى } أي تناجي متناجين، جعلوا نجوى ~~مبالغة، والنجوى: السر والمسارون، اسم ومصدر - قاله في القاموس، وقال عبد ~~الحق في الواعي: النجوى الكلام بين الاثنين كالسر والتشاور - انتهى. ~~وأصله من النجوى - للمرتفع من الأرض، والنجو: الخلوص والقطع وكشط الجلد ~~والحدث والكشف، لأن المسارر يرفع ما كان في ضميره إلى صاحبه ويخلصه ~~بمساررته له ويقطعه من ضميره ويكشطه منه ويحدثه ويكشفه. # ولما كانت النجوى لا تكمل إلا بثالث يحفظ الأنس بإدامة الاجتماع لأن ~~الاثنين ينفردان عند عروض حاجة لأحجهما ويكونان في التناجي والتشاور ~~كالمتنازعين، والثالث وسط بينهما مع أنه سبحانه وتر يحب الوتر، والثلاثة ~~أول أوتار العدد، كما كان حافظا لها في أزل الأزل قال: { ثلاثة } أي في ~~حال من الأحوال { إلا هو رابعهم } أي مصيرهم أربعة، فهو اسم فاعل والمعنى ~~بعلمه وقدرته كما يكون كل من المتناجين عالما بنجوى البعض، فروح النجوى ~~العلم بالسر. # ولما كان الثلاثة قد يريد أحدهم أن ينفرد بآخر منهم، فيصير الثالث وحده، ~~فإذا كانوا أربعة دام الأنس بينهم ثم لا يكمل إلا بخامس يحفظ الاجتماع ~~إذا عرضت لأحد الاثنين حاجة قال: { ولا خمسة } أي من نجواهم { إلا هو ~~سادسهم } كذلك، فالحاصل أنه ما يكون من وتر إلا كان هو سبحانه شافع ~~وتريته، وأما وتريته هو سبحانه فقد كانت ولا شيء معها أصلا، وستكون ولا ~~حي معها، فلا وتر في الوجود ms4951 على الحقيقة غيره. # ولما علم بالتكرير أن ما ذكر على سبيل المثال لا لمعنى يخصه من جهة ~~بالعلم، عم بقوله: { ولا أدنى } فبدأ بالقليل لأنه قبل الكثير وهو أخفى ~~منه { من ذلك } أي الذي ذكر وهو الواحد والاثنان والأربعة الذي بعيد عن ~~رتبته وإن كان قد شرفه سبحانه بإطلاق معيته بعد أن لا نسبة له منها. # ولما كان العلم بالكثير أعسر من أجل انتشاره قال: { ولا } أي يكون من ~~نجوى { أكثر } أي من ذلك كالستة فما فوقها لا إلى نهاية - هذا التقدير ~~على قراءة الجماعة بالجر بفتحة الراء ورفع يعقوب على محل من { نجوى } { ~~إلا هو معهم } أي يعلم ما يجري منهم وبينهم، ويلزم من إحاطة علمه إحاطة ~~قدرته كما تقدم في طه لتكمل شهادته. # ولما كان العموم في المكان يستلزم العموم في الزمان، وكان المكان أظهر ~~في الحس قال: { أين ما } أي في أي مكان { كانوا } فإنه لا مسافة بينه ~~وبين شيء من الأشياء لأنه الذي خلق المسافة، وعلمه بالأشياء ليس لقرب ~~مكان حتى يتفاوت باختلاف الأمكنة ولا بسبب من الأسباب غير وجوده على ما ~~هو عليه من صفات الكمال، قال الرازي: ما فارق الأكوان الحق ولا قارنها، ~~كيف يفارقها وهو موجدها وحافظها ومظهرها، وكيف يقارن الحدث القدم وهو به ~~قوام الكل، وهو القيوم على الكل - انتهى. والحاصل أنه سبحانه لا يخفى ~~عليه شيء من العالم وإن بلغ في دقته إلى ما لا ينقسم، وهو شاهد لذلك كله ~~حفظا وعلما وإحاطة وحضورا، وآية ذلك في خلقه أن جملة الجسم يحيا ~~بالروح، فلا يبقى جزء منه إلا وهو محفوظ بالروح يحس بسببها وهو سبحانه لا ~~يحجب علمه ولا شيئا من صفاته حجاب، فقد صحت المعية وهو بحيث لا يحويه ~~المكان ولا يحصره العد، يقبض المخلوق ويبسطه، لا يصعد المخلوق ولا صفته ~~ولا فعله ولا معنى من معانيه إلى صفة من صفاته، إنما له من المكان ~~المكانة، ومن العلم العلا، ومن الأسماء والصفات مقتضاها - أشار إلى لك ~~ابن برجان وقال: ومن ms4952 تدبر ما قرأه وتفهم ما تعلمه أدرك من التحقيق ما نحن ~~بسبيل تبيانه ما قدر له، ألا ترى إلى الجن أين مكانهم وإن كانوا موصوفين ~~به ثم الملائكة أرفع قدرا ومكانة، بل إن الروح من جميع الجملة التي ~~تحمله، به حييت وبه تدبيرها وبه قيامها بإن الله خالقه، # " قال عليه الصلاة والسلام في خطبته الكبرى وهي آخر خطبة خطبها أخرجها ~~الحارث بن أبي أسامة: رقي المنبر وقال: " أيها الناس ادنو وأوسعوا لمن ~~خلقكم " - ثلاث مرات، فدنا الناس وانضم بعضهم إلى بعض، التفتوا فلم يروا ~~أحدا، فقال رجل منهم بعد الثالثة: لمن نوسع يا رسول الله أللملائكة؟ ~~فقال: " لا إنهم إذ كانوا معكم لم يكونوا بين أيديكم ولا من خلفكم ولكن ~~عن أيمانكم وعن شمائلكم " # وعلى ذلك فليسوا في مكان الأيمان هنا والشمائل بل في المكان من ذلك، ~~فالله جل جلاله أعلى وأجل وأنزه مكانة وأكرم استواء - انتهى. # ولما كان الإنسان نساء ولا سيما إن تمادى به الزمان، قال عاطفا على ما ~~تقديره، فيضبط عليهم حركاتهم وسكناتهم من أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم، ~~ويحفظها على طول الزمان كما كان حافظا لها قبل خلقها ثم أزل الأزل { ثم ~~ينبئهم } أي يخبر أصحابها إخبارا عظيما { بما عملوا } دقيقة وجليلة { ~~يوم القيامة } الذي هو المراد الأعظم من الوجود لإظهار الصفات العلى فيه ~~أتم إظهار. ولما أخبر تعالى بهذا الأمر العظيم، علله بما هو دليل على ~~الشهادة فقال مؤكدا لما لهم من الإنكار قولا أو فعلا بالاشتراك الذي ~~يلزم منه النقص { إن الله } أي الذي له الكمال كله. ولما كان المقام ~~للإبلاغ في إحاطة العلم، قدم الجار كما مضت الإشارة إليه غير مرة قال: { ~~بكل شيء } مما ذكر وغيره { عليم * } أي بالغ العلم فهو على كل شيء قدير، ~~فهو على كل شيء شهيد، لأن نسبة ذاته الأقدس إلى الأشياء كلها على حد سواء ~~لا فرق أصلا بين شيء وآخر، قال القشيري: معية الحق سبحانه وإن كانت على ~~العموم بالعلم والرؤية وعلى الخصوص بالفضل والنصرة، فلهذا الخطاب في ms4953 قلوب ~~أهل المعرفة أثر عظيم إلى أن ينتهي الأمر بهم إلى التأويل، فللوله ~~والهيمان في خمار هذا عين رغد. ### || [58.8-10] # ولما كان هذا الدليل أيضا تتعذر الإحاطة به، قال دالا عليه بأمر جزئي ~~واقع بعلم المحدث عنه حقيقة، فإن عاند بعده سقط عنه الكلام إلا بحد ~~الحسام: { ألم تر } أي تعلم علما هو كالرؤية، ودل على سفول رتبه المرئي ~~بإبعاده عن أعلى الناس قدرا بحرف الغاية فقال: { إلى الذين } ولما كان ~~العاقل من إذا زجر عن شيء انزجر حتى يتبين له أنه لا ضرر عليه في فعل ما ~~زجر عنه، عبر بالبناء للمفعول فقال: { نهوا } أي من ناه ما لا ينبغي ~~للمنهي مخالفته حتى يعلم أنه مأمون الغائلة { عن النجوى } أي الإسرار ~~لإحلال أنفسهم بذلك في محل التهمة بما لا يرضى من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم - كما قال أبو العلاء المعري: # والخل كالماء يبدي لي ضمائره # مع الصفاء ويخفيها من الكدر # ولما كان الناهي هو الله، فكان هذا للنهي أهلا لأن يبعد منه غاية ~~البعد، عبر بأداة التراخي فقال: { ثم يعودون } أي على سبيل الاستمرار ~~لأنه إذا وقعت مرة بادروا إلى التوبة منها أو فلتة وقعت معفوا عنها { ~~لما نهوا عنه } أي من غير أن يعدوا لما يتوقع من جهة الناهي من الضرر عدة ~~{ ويتناجون } أي يقبل جميعهم على المناجاة إقبالا واحدا، فيفعل كل منهم ~~ما يفعله الآخر مرة بعد أخرى على سبيل الاستمرار، وقراءة حمزة { وينتجون ~~} بصيغة الافتعال يدل على التعمد والمعاندة { بالإثم } أي بالشيء الذي ~~يكتب عليهم به الإثم بالذنب وبالكذب وبما لا يحل. ولما ذكر المطلق أتبعه ~~المقيد بالشدة فقال: { والعدوان } أي العدو الذي هو نهاية في قصد الشر ~~بالإفراط في مجاوزة الحدود. ولما كان ذلك شرا في نفسه أتبعه الإشارة إلى ~~أن الشيء يتغير وصفه بالنسبة إلى من يفعل معه فيكبر بكبر المعصي فقال: { ~~ومعصيت الرسول } أي الذي جاء إليهم من الملك الأعلى، وهو كامل الرسلية، ~~لكونه مرسلا إلى جميع الخلق وفي كل الأزمان، ms4954 فلا نبي بعده، فهو لذلك ~~يستحق غاية الإكرام. # ولما أنهى تعظيم الذنب إلى غايته آذن بالغضب بأن لفت الكلام إلى الخطاب ~~فقال: { وإذا جاؤوك } أيها الرسول الأعظم الذي يأتيه الوحي ممن أرسله ولم ~~يغب أصلا عنه لأنه المحيط علما وقدرة { حيوك } أي واجهوك بما يعدونه ~~تحية من قولهم: السام عليك ونحوه، وعم كل لفظ بقوله: { بما لم يحيك به ~~الله } أي الملك الأعلى الذي لا أمر لأحد معه فمن تجاوز ما شرعه فقد عرض ~~نفسه لسخطه، ومما دخل فيه قوله بعض الناس لبعض " صباح الخير " ونحوه ~~معرضا عن السلام. ولما كان المشهور عنهم أنهم يخفون ذلك جهدهم ويعلنون ~~بإملاء الله لهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يطلع عليه، وإن اطلع ~~عليه لم يقدر على أن ينتقم منهم، عبر عن ذلك بقوله: { ويقولون } أي عند ~~الاستدراج بالإملاء مجددين قولهم مواظبين عليه { في أنفسهم } من غير أن ~~يطلعوا عليه أحدا: { لولا } أي هلا ولم لا { يعذبنا الله } أي الذي له ~~الإحاطة بكل شيء على زعم من باهانا { بما نقول } مجددين مع المواظبة إن ~~كان يكرهه - كما يقول محمد صلى الله عليه وسلم. # ولما تضمن هذا علمه سبحانه وتعالى بهذه الجزئية من هؤلاء القوم ثبت بذلك ~~علمه سبحانه بجميع ما في الكون، لأن نسبة الكل إليه على حد سواء، فإذا ~~ثبت علمه بالبعض ثبت علمه بالكل فثبتت قدرته على الكل فكان على كل شيء ~~شهيدا، قال مهددا لهم مشيرا إلى أنه لا ينبغي لأحد أن يقول مثل هذا ~~إلا إن كان قاطعا بأنه لا يحصل له عذاب، أو يحصل له منه ما لا يبالي به ~~ثم يرده بقوته: { حسبهم } أي كفايتهم في الانتقام منهم وفي عذابهم ورشقهم ~~بسهام لهيبها ومنكئ شررها وتصويب صواعقها { جهنم } أي الطبقة التي تلقاهم ~~بالتجهم والعبوسة والتكره والفظاظة. فإن حصل لهم في الدنيا عذاب كان ~~زيادة على الكفاية، فاستعجالهم بالعذاب محض رعونة { يصلونها } أي يقاسون ~~عذابها دائما إني أعددتها لهم. ولما كان التقديرية فإنهم يصيرون إليها ms4955 ~~ولا بد، تسبب عنه قوله: { فبئس المصير * } أي مصيرهم، وسبب ذلك أن اليهود ~~والمنافقين كانوا يتناجون فيما بينهم ينظرون إلى المؤمنين ويتغامزون ~~يوهمونهم أنهم يتناجون فيما يسوءهم فيظنون أنه بلغهم شيء من إخوانهم ~~الذين خرجوا في السرايا غزاة في سبيل الله من قتل أو هزيمة فيحزنهم ذلك، ~~فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنهاهم عن التناجي في هذه ~~الحالة فلم ينتهوا، وروى أحمد والبزار والطبراني بإسناد - قال الهيثمي في ~~المجمع إنه جيد لأن حمادا سمع من عطاء بن السائب في حالة الصحة - عن عبد ~~الله بن عمرو رضي الله عنهما أن اليهود كانوا يقولون لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: سام عليك. ثم يقولون في أنفسهم: لولا يعذبنا الله بما نقول، ~~فنزلت. وروى أبو يعلى عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال عند ذلك: # " إذا سلم عليكم أحد من أهل الكتاب فقولوا " وعليك " ". # ولما نهى عن النجوى وذم على فعلها وتوعد عليه فكان ذلك موضع أن يظن أن ~~النهي عام لكل نجوى وإن كانت بالخير، استأنف قوله مناديا بالأداة التي ~~لا يكون ما بعدها له وقع عظيم، معبرا بأول أسنان الإيمان باقتضاء الحال ~~له: { يا أيها الذين آمنوا } أي ادعوا أنهم أوجدوا هذه الحقيقة { إذا ~~تناجيتم } أي قلع كل منكم الكلام من نفسه فرفعه وكشفه لصاحبه سرا { فلا ~~تتناجوا } أي توجدوا هذه الحقيقة ظاهرة كتناجي المنافقين { بالإثم } أي ~~الذنب وكل فعل يكتب بسببه عقوبة. # ولما عم خص فقال: { والعدوان } أي الذي هو العدو الشديد بما يؤذي وإن ~~كان العادي يظن أنه لا يكتب عليه به إثم. ولما كان السياق لإجلال النبي ~~صلى الله عليه وسلم مع أنه لا تعرف حقيقة الإثم إلا منه قال تعالى: { ~~ومعصيت الرسول } أي الكامل في الرسلية فإن ذلك يشوش فكره فلا يدعه يبلغ ~~رسالات ربه وهو منشرح الصدر طيب النفس. # ولما علم أن نهيهم إنما هو عن شر يفسد ذات البين هو ما لا يريدون إطلاع ~~النبي ms4956 صلى الله عليه، صرح بقوله حثا على إصلاح ذات البين لأن خير الأمور ~~ما عاد بإصلاحها، وشر الأمور ما عاد بإفسادها: { وتناجوا بالبر } أي ~~بالخير الواسع الذي فيه حسن التربية، ولما كان ذلك قد يعمل طبعا، حث على ~~القصد الصالح بقوله: { والتقوى } وهي ما يكون في نفسه ظاهرا أنه يكون ~~سترة تقي من عذاب الله بأن يكون مرضيا لله ولرسوله. # ولما كانت التقوى أم المحاسن، أكدها ونبه عليها بقوله: { واتقوا الله } ~~أي اقصدوا قصدا يتبعه العمل أن تجعلوا بينكم وبين سخط الملك الأعظم ~~وقاية. ولما كانت ذكرى الآخرة هي مجمع المخاوف ولا سيما فضائح الأسرار ~~على رؤوس الأشهاد قال: { الذي إليه } أي خاصة { تحشرون * } أي تجمعون ~~بأيسر أمر وأسهله بقهر وكره، وهو يوم القيامة، فيتجلى فيه سبحانه للحكم ~~بين الخلق والإنصاف بينهم بالعدل ومحاسبتهم على النقير والقطمير لا يخفى ~~عليه خافية ولا تقي منه واقية تنكشف فيه سرادقات العظمة، ويظهر ظهورا ~~تاما نفوذ الكلمة، ويتجلى في مجالي العز سطوات القهر، وتنبث لوامع ~~الكبر، فإذا فعلتم ذلك مستحضرين لذلك لم تقدموا على شيء تريدون إخفاءه من ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فيكون ذلك أقر لعينه وأطهر لكم. # ولما شدد سبحانه في أمر النجوى وكان لا يفعلها إلا أهل النفاق، فكان ~~ربما ظن ظان أنه يحدث عنها ضرر لأهل الدين، قال سارا للمخلصين وغاما ~~للمنافقين ومبينا أن ضررها إنما يعود عليهم: { إنما النجوى } أي ~~المعهودة وهي المنهي عنها، وهي ما كره صاحبه أن يطلع عليه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وقيل: ما خيله الشيطان من الأحكام المكروهة للإنسان { من ~~الشيطان } أي مبتدئه من المحترق بطرده عن رحمة الله تعالى فإنه الحامل ~~عليها بتزيينها ففاعلها تابع لأعدى أعدائه مخالفة لأوليائه. # ولما بين أنها منه، بين الحامل له على تزيينها فقال: { ليحزن } أي ~~الشيطان ليوقع الحزن في قلوب { الذين آمنوا } أي يتوهمهم أنهم بسبب شيء ~~وقع ما يؤذيهم، والحزن: هم غليظ وتوجع يرق له القلب، حزنه وأحزنه بمعنى، ~~وقال في القاموس: أو أحزنه: ms4957 جعله حزينا، وحزنه: جعل فيه حزنا. # فعلى هذا قراءة نافع من أحزن أشد في المعنى من قراءة الجماعة. # ولما كان ربما خيل هذا من من في قلبه مرض أن في يد الشيطان شيئا من ~~الأشياء، سلب ذلك بقوله: { وليس } أي الشيطان وما حمل عليه من التناجي، ~~وأكد النفي بالجار فقال: { بضارهم } أي الذين آمنوا { شيئا } من الضرر ~~وإن قل وإن خفي - بما أفهمه الإدغام { إلا بإذن الله } أي تمكين الملك ~~المحيط بكل شيء علما وقدرة، روى الشيخان عن ابن عمر رضي الله عنهما أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث إلا بإذنه فإن ذلك يحزنه ~~" # ولما كان التقدير: فقد علم أنه لا يخشى أحد غير الله لأنه لا ينفذ إلا ~~ما أراده، فإياه فليخش المربوبون، عطف عليه قوله: { وعلى الله } أي الملك ~~الذي لا كفوء له، لا على أحد غيره { فليتوكل المؤمنون } أي الراسخون في ~~الإيمان في جميع أمورهم، فإنه القادر وحده على إصلاحها وإفسادها، ولا ~~يحزنوا من أحد أن يكيدهم بسره ولا بجهره، فإنه إذا توكلوا عليه وفوضوا ~~أمورهم إليه، لم يأذن في حزنهم، وإن لم يفعلوا أحزنهم، وخص الراسخين ~~لإمكان ذلك منهم في العادة، وأما أصحاب البدايات فلا يكون ذلك منهم إلا ~~خرق عادة. ### || [58.11-12] # ولما ذكر ما يحزن من السر لكونه اختصاصا عن الجليس بالمقال فينشأ عنه ~~ظن الكدر وتباعد القلوب، أتبعه الاختصاص بالمجلس الذي هو مباعدة الأجسام ~~اللازم لها من الظن ما لزم من الاختصاص بالسر في الكلام فينشأ عنه الحزن، ~~معلما لهم بكمال رحمته وتمام رأفته بمراعاة حسن الأدب بينهم وإن كان من ~~أمور العادة دون أحكام العبادة، فقال مخاطبا لأهل الدرجة الدنيا في ~~الإيمان لأنهم المحتاجون لمثل هذا الأدب: { يا أيها الذين آمنوا } حداهم ~~بهذا الوصف على الامتثال { إذا قيل لكم } أي من أي قائل كان فإن الخير ~~يرغب فيه لذاته: { تفسحوا } أي توسعوا أي كلفوا أنفسكم في إيساع المواضع ~~{ وفي المجلس } أي الجلوس أو مكانه ms4958 لأجل من يأتي فلا يجد مجلسا يجلس ~~فيه، والمراد بالمجلس جنس المكان الذي هم ماكثون به بجلوس أو قيام في ~~صلاة أو غيرها لأنه أهل لأن يجلس فيه. وذلك في كل عصر، ومجلس النبي صلى ~~الله عليه وسلم أولى بذلك، وقراءة عاصم بالجمع موضحة لإرادة الجنس { ~~فافسحوا } أي وسعوا فيه عن سعة صدر { يفسح الله } أي الذي له الأمر كله ~~والعظمة الكاملة { لكم } في كل ما تكرهون ضيقه من الدارين. # ولما كانت التوسعة يكفي فيها التزحزح مع دوام الجلوس تارة وأخرى تدعو ~~الحاجة فيها إلى القيام للتحول من مكان إلى آخر قال: { وإذا قيل } أي من ~~قائل كان - كما مضى - إذا كان يريد الإصلاح والخير { انشزوا } أي ارتفعوا ~~وانهضوا إلى الموضع الذي تؤمرون به أو يقتضيه الحال للتوسعة أو غيرها من ~~الأوامر كالصلاة أو الجهاد وغيرهما { فانشزوا } أي فارتفعوا وانهضوا { ~~يرفع الله } الذي له جميع صفات الكمال، عبر بالجلالة وأعاد إظهارها موضع ~~الضمير ترغيبا في الامتثال لما للنفس من الشح بما يخالف المألوف { الذين ~~آمنوا } وإن كانوا غير علماء { منكم } أيها المأمورون بالتفسح السامعون ~~للأوامر، المبادرون إليها في الدنيا والآخرة بالنصر وحسن الذكر بالتمكن ~~في وصف الإيمان الموجب لعلو الشأن بطاعتهم لرسوله صلى الله عليه وسلم في ~~سعة صدورهم بتوسعتهم لإخوانهم. # ولما كان المؤمن قد لا يكون من المشهورين بالعلم قال: { والذين } ولما ~~كان العلم في نفسه كافيا في الإعلاء من غير نظر إلى مؤت معين، بنى ~~للمفعول قوله: { أوتوا العلم } أي وهم مؤمنون { درجات } درجة بامتثال ~~الأمر وأخرى بالإيمان، ودرجة بفضل علمهم وسابقتهم - روى الطبراني وأبو ~~نعيم في كتاب العلم عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " من جاءه أجله وهو يطلب العلم ليحيي به الإسلام لم يفضله النبيون إلا ~~بدرجة واحدة " # ، رواه الدارمي وابن السني في رياضة المتعلمين عن الحسن غير منسوب، قال ~~شيخنا: فقيل: هو البصري فيكون مرسلا، وعن الزبير: العلم ذكر فلا يحبه ~~إلا ذكور الرجال. # وكلما كان الإنسان أعلم ms4959 كان أذكر، ولعله ترك التقييد ب " من " في هذا ~~وإن كانت مرادة ليفهم أن العلم يعلي صاحبه مطلقا، فإن كان مؤمنا عاملا ~~بعلمه كان النهاية، وإن كان عاصيا كان أرفع من مؤمن عاص وعار عن العلم، ~~وإن كان كافرا كانت رفعته دنيوية بالنسبة إلى كافر لا يعلم، ودل على ذلك ~~بختم الآية بقوله مرغبا مرهبا: { والله } أي والحال أن المحيط بكل شيء ~~قدرة وعلما { بما تعملون } أي حال الأمر وغيره { خبير * } أي عالم ~~بظاهره وباطنه، فإن كان العلم مزينا بالعمل بامتثال الأوامر واجتناب ~~النواهي وتصفية الباطن كانت الرفعة على حسبه، وإن كان على غير ذلك فكذلك، ~~وقدم الجار ومدخوله وإن كان علمه سبحانه بالأشياء كلها على حد سواء ~~تنبيها على مزيد الاعتناء بالأعمال، لا سيما الباطنة من الإيمان والعلم ~~اللذين هما الروح الأعظم، لأن المقام لنزول الإنسان عن مكانه بالتفسح ~~والانخفاض والارتفاع، ولا يخفى ما في ذلك من حظ النفس الحامل على الجري ~~مع الدسائس، فكان جديرا بمزيد الترهيب، وسبب الآية أن أهل العلم لما ~~كانوا أحق بصدر المجلس لأنهم أوعى لما يقول صاحب المجلس، كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم يقول: # " ليليني أولو الأحلام منكم والنهى " # ، وكان صلى الله عليه وسلم يكرم أهل بدر من المهاجرين والأنصار فجاء ~~أناس من أهل بدر منهم ثابت بن قيس بن شماس وقد سبق غيرهم إلى المجلس ~~فقاموا حيال النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: السلام عليك أيها النبي ~~ورحمة الله وبركاته، فرد عليهم النبي صلى الله عليه وسلم ثم سلموا على ~~القوم فردوا عليهم فقاموا على أرجلهم ينتظرون أن يوسع لهم فلم يفعلوا ~~فقال لمن حوله من غير أهل بدر: قم يا فلان وأنت يا فلان، فأقام من المجلس ~~بقدر القادمين من أهل بدر، فشق ذلك على من أقيم، وعرف النبي صلى الله ~~عليه وسلم الكراهية في وجوههم، فقال المنافقون: ألستم تزعمون أن صاحبكم ~~يعدل، فوالله ما عدل على هؤلاء، إن قوما أخذوا مجالسهم وأحبوا القرب من ~~نبيهم فأقامهم وأجلس من أبطأ ms4960 عنه مكانهم، فأنزل الله هذه الآية، وكان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يقول: # " لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه، ولكن افسحوا يفسح الله لكم ~~" # رواه مسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما، وقال الحسن: بلغني أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم كان إذا قاتل المشركين فصف أصحابه رضي الله عنهم ~~للقتال تشاحوا على الصف الأول فيقول الرجل لإخوانه: توسعوا لنلقى العدو ~~فنصيب الشهادة، فلا يوسعون له رغبة منهم في الجهاد والشهادة، فأنزل الله ~~هذه الآية، وهي دالة على أن الصالح إن كره مجاورة فاسق منع من مجاورته ~~لأنه يؤذيه ويشغله عن كثير من مهماته، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " لا ضرر ولا ضرار " # وقال: # " أعوذ بك من جار السوء في دار المقامة فإن جار البادية يتحول " # وقال: # " شر الناس من لا يآمن جاره بوائقه " # فقال تعالى معظما لرسوله صلى الله عليه وسلم وناهيا عن إبرامه صلى ~~الله عليه وسلم بالسؤال والمناجاة، ونافعا للفقراء والتمييز بين المخلص ~~والمنافق ومحب الآخرة ومحب الدنيا، ولما نهى عما يحزن من المقال والمقام، ~~وكان المنهي عنه من التناجي إنما هو لحفظ قلب الرسول صلى الله عليه وسلم ~~عما يكدره فهو منصرف إلى مناجاتهم غيره، وكان ذلك مفهما أن مناجاتهم له ~~صلى الله عليه وسلم لا حرج فيها، وكان كثير منهم يناجيه ولا قصد له إلا ~~الترفع بمناجاته فأكثروا في ذلك حتى شق عليه صلى الله عليه وسلم، وكان ~~النافع للإنسان إنما هو كلام من يلائمه في الصفات ويشاكله في الأخلاق، ~~وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أبعد الناس من الدنيا تقذرا لها لأجل ~~بغض الله لها، أمر من أراد أن يناجيه بالتصدق ليكون ذلك أمارة على ~~الاجتهاد في التخلق بأخلاقه الطاهرة من الصروف عن الدنيا والإقبال على ~~الله، ومظهرا له عما سلف من الإقبال عليها فإن الصدقة برهان على الصدق ~~في الإيمان، وليخفف عنه صلى الله عليه وسلم ما كانوا قد أكثروا عليه من ~~المناجاة، فلا يناجيه إلا ms4961 من قد خلص إيمانه فيصدق، فيكون ذلك مقدمة ~~لانتفاعه بتلك المناجاة كما أن الهدية تكون مهيئة للقبول كما ورد " نعم ~~الهدية أمام الحاجة " فقال تعالى: { يا أيها الذين آمنوا } أي ادعوا أنهم ~~أوجدوا هذه الحقيقة أغنياء كانوا أو فقراء { إذا ناجيتم } أي أردتم أن ~~تناجوا { الرسول } صلى الله عليه وسلم أي الذي لا أكمل منه في الرسلية ~~فهو أكمل الخلق ووظيفته تقتضي أن يكون منه الكلام بما أرسله به الملك ~~وتكون هيبته مانعة من ابتدائه بالكلام، فلا يكون من المبلغين إلا الفعل ~~بالامتثال لا غير { فقدموا } أي بسبب هذه الإرادة العالية على سبيل ~~الوجوب ومثل النجوى كشخص له يدان يحتاج ان يطهر نفسه ليتأهل للقرب من ~~الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: { بين يدي نجواكم } أي قبل سركم الذي ~~تريدون أن ترتفعوا به { صدقة } تكون لكم برهانا قاطعا على إخلاصكم كما ~~ورد أن الصدقة برهان، فهي مصدقة لكم في دعوى الإيمان التي هي التصديق ~~بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وبكل ما جاء به عن الله تعالى، ~~ومعظمه الإعراض عن الدنيا والإقبال على الآخرة، ولذلك استأنف قوله: { ذلك ~~} أي الخلق العالي جدا من تقديم التصدق قبل المناجاة يا خير الخلق، ~~ولعله أفرده بالخطاب لأنه لا يعلم كل ما فيه من الأسرار غيره. # وعاد إلى الأول فقالك { خير لكم } أي في دينكم من الإمساك عن الصدقة { ~~وأطهر } لأن الصدقة طهرة ونماء وزيادة في كل خير، ولذلك سميت زكاة { خذ ~~من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها } والتعبير بأفعل لأنهم مطهرون قبله ~~بالإيمان. # ولما أمر بذلك، وكانت عادته أن لا يكلف بما فوق الوسع للتخفيف على عباده ~~لا سيما هذه الأمة قال: { فإن لم تجدوا } أي ما تقدمونه. # ولما كان المعنى الكافي في التخفيف: فليس عليكم شيء، دل عليه بأحسن منه ~~فقال: { فإن الله } أي الذي له جميع صفات الكمال، وأكده لاستبعاد مثله ~~فإن المعهود من الملك إذا ألزم رعيته بشيء أنه لا يسقطه أصلا ورأسا، ~~ولا سيما إن كان يسيرا، ودل ms4962 على أنه سبحانه لن يكلف بما فوق الطاقة ~~بقوله: { غفور رحيم * } أي له صفتا الستر للمساوئ والإكرام بإظهار ~~المحاسن ثابتتان على الدوام فهو يغفر ويرحم تارة بعدم العقاب للعاصي ~~وتارة للتوسعة للضيق بأن ينسخ ما يشق إلى ما يخف، وهذه الآية قيل: إنها ~~نسخت قبل العمل بها، وقال علي رضي الله عنه: ما عمل بها أحد غيري، أردت ~~المناجاة ولي دينار فصرفته بعشرة دراهم وناجيته عشر مرات أتصدق في كل مرة ~~بدرهم، ثم ظهرت فشق ذلك على الناس، فنزلت الرخصة في ترك الصدقة، # " وروى النسائي في الكبرى والترمذي وقال: حسن غريب وابن حبان وأبو يعلى ~~والبزار عن علي رضي الله عنه أنه قال: لما نزلت قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: " مرهم أن يتصدقوا ". قلت: بكم يا رسول الله؟ قال: " بدينار " ~~، قلت: لا يطيقون. قال: " فنصف دينار " ، قلت: لا يطيقون، قال: " فبكم؟ " ~~قلت: بشعيرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنك لزهيد " # ، فأنزل الله تعالى { أأشفقتم } الآية. وكان علي رضي الله عنه يقول: بي ~~خفف الله عن هذه الأمة. وعدم عمل غيره لا يقدح فيه لاحتمال أن يكون لم ~~يجد عند المناجاة شيئا أو أن لا يكون احتاج إلى المناجاة. ### || [58.13-15] # ولما دل ختم الآية على التخفيف، وكان قد يدعي مدعون عدم الوجدان كذبا ~~فيحصل لهم حرج، وكان تعالى شديد العناية بنجاة هذه الأمة، دل على لطفه ~~بهم بنسخه بعد فرضه. فقال موبخا لمن يشح على المال نادبا إلى الخروج ~~عنه من غير إيجاب: { أأشفقتم } أي خفتم من العيلة لما يعدكم به الشيطان ~~من الفقر خوفا كاد أن يفطر قلوبكم { أن تقدموا } أي بإعطاء الفقراء وهم ~~إخوانكم { بين يدي نجواكم } أي للرسول صلى الله عليه وسلم، وجمع لأنه ~~أكثر توبيخا من حيث إنه يدل على أن النجوى تتكرر، وذلك يدل على عدم ~~خوفهم من مشقة النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك ووجود خوفهم من فعل ~~التصدق فقال: { صدقات } وكان بعضهم ترك وهو واجد فبين سبحانه رحمته لهم ms4963 ~~بنسخها عنهم لذلك في موضع العقاب لغيرهم عند الترك. # ولما كان من قبلنا إذا كلفوا الأمر الشاق وحملوا على التزامه بمثل رفع ~~الجبل فوقهم، فإذا خالفوا عوقبوا، بين فضل هذه الأمة بأنه خفف عنهم، فقال ~~معبرا بما قد يعشر بأن بعضهم ترك عن قدرة: { فإذ } أي فحين { لم تفعلوا ~~} أي ما أمرتم به من الصدقة للنجوى بسبب هذا الإشفاق { وتاب الله } أي ~~الملك الأعلى الذي كان من شأن ما هو عليه من العظمة أن يعاقب من ترك أمره ~~{ عليكم } أي رجع بمن ترك الصدقة عن وجدان، وبمن تصدق وبمن لم يجد إلى ~~مثل حاله قبل ذلك من سعة الإباحة والعفو والتجاوز والمعذرة والرخصة ~~والتخفيف قبل الإيجاب ولم يعاقبكم على الترك ولا على ظهور اشتغال ذلك ~~منكم، قال مقاتل بن حيان: كان ذلك عشر ليال ثم نسخ، وقال الكلبي: ما كانت ~~إلا ساعة من نهار. وعلى كل منهما فهي لم تتصل بما قبلها نزولا وإن اتصلت ~~بها تلاوة وحلولا { فأقيموا } بسبب العفو عنكم شكرا على هذا الكرم ~~والحلم { الصلاة } التي هي طهرة لأرواحكم ووصلة لكم بربكم { وآتوا الزكاة ~~} التي هي نزاهة لأبدانكم وتطهير ونماء لأموالكم وصلة بإخوانكم، ولا ~~تفرطوا في شيء من ذلك فتهملوه، فالصلاة نور تهدي إلى المقاصد الدنيوية ~~والأخروية، وتعين على نوائب الدارين، والصدقة برهان على صحة القصد في ~~الصلاة. # ولما خص أشرف العبادات البدنية وأعلى المناسك المالية، عم فقال حاثا ~~على زيادة النور والبرهان اللذين بهما تقع المشاكلة في الأخلاق فتكون ~~المناجاة عن أعظم إقبال وإنفاق فقال: { وأطيعوا الله } أي الذي له الكمال ~~كله فلم يشركه في إبداعه لكم على ما أنتم عليه أحد { ورسوله } الذي عظمته ~~من عظمته في سائر ما يأمر به فإنه ما أمركم لأجل إكرام رسولكم صلى الله ~~عليه وسلم إلا بالحنيفية السمحة، وجعل المحافظة على ذلك قائمة مقام ما ~~أمركم به، ثم نسخه عنكم من تقديم الصدقة على النجوى. # ولما كان قد عفا عن أمر أشعر السياق بأنه وقع فيه تفريط، فكان ذلك ms4964 ربما ~~جرى على انتهاك الحرمات، رهب من جنابه بإحاطة العلم، وعبر بالخبر لأن أول ~~الآية وبخ على أمر باطن ولم يبالغ بتقديم الجار لما فيها من الأمور ~~الظاهرة. فقال عاطفا على ما تقديره: فالله يحب الذين يطيعون: { والله } ~~أي الذي أحاط بكل شيء قدرة وعلما { خبير بما تعملون * } أي تجددون عمله، ~~يعلم بواطنه كما يعلم ظواهره. # ولما أخبر بإحاطة علمه ردعا لمن يغتر بطول حلمه، دل على ذلك باطلاعه ~~على نفاق المنافقين الذي هو أبطن الأشياء، فقال معجبا مرهبا معظما ~~للمقام بتخصيص الخطاب بأعلى الخلق صلى الله عليه وسلم تنبيها على أنه لا ~~يفهم ذلك حق فهمه غيره: { ألم تر } ودل على بعدهم عن الخير بحرف الغاية ~~فقال: { إلى الذين تولوا } أي تكلفوا بغاية جهدهم أن جعلوا أولياءهم ~~الذين ينزلون بهم أمورهم { قوما } ابتغوا عندهم العزة اغترارا بما يظهر ~~لهم منهم من القوة { غضب الله } أي الملك الأعلى الذي لا ند له { عليهم } ~~أي على المتولين والمتولين لأنهم قطعوا ما بينهم وبينه، والأولون هم ~~المنافقون تولوا اليهود، وزاد في الشناعة عليهم بقوله مستأنفا: { ما هم ~~} أي اليهود المغضوب عليهم { منكم } أيها المؤمنون لتوالوهم خوفا من ~~السيف ورغبة في السلم { ولا منهم } أي المنافقين، فتكون موالاتهم لهم ~~لمحبة سابقة وقرابة شابكة، ليكون ذلك لهم عذرا، بل هم مذبذبون، فهم مع ~~المؤمنين بأقوالهم، ومع الكفار بقلوبهم، فما تولوهم إلا عشقا في النفاق ~~لمقاربه ما بينهم فيه، أو يكون المعنى: ما المنافقون المتولون من ~~المسلمين ولا من اليهود المتولين، وزاد في الشناعة عليهم بأقبح الأشياء ~~الحالم على كل رذيلة، فقال ذاكرا لحالهم في هذا الاتحاد: { ويحلفون } أي ~~المنافقون يجددون الحلف على الاستمرار، ودل بأداة الاستعلاء على أنهم في ~~غاية الجرأة على استمرارهم على الأيمان الكاذبة بأن التقدير: مجترئين { ~~على الكذب } في دعوى الإسلام وغير ذلك مما يقعون فيه من عظائم الآثام، ~~فإذا عوتبوا عليه بادروا إلى الإيمان. # ولما كان الكذب قد يطلق في اللغة على ما يخالف الواقع وإن كان عن غير ~~تعمد ms4965 بأن يكون الحالف يجهل عدم مطابقته للواقع، قال نافيا لذلك مبينا ~~أنهم جرؤوا على اليمين الغموس: { وهم يعلمون * } أي أنهم كاذبون فهم ~~متعمدون، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: # " " يدخل عليكم رجل قلبه قلب جبار وينظر بعيني شيطان " ، فدخل عبد الله ~~بن نبتل وكان أزرق أسمر قصيرا خفيف اللحية، فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: " علام تشتمني أنت وأصحابك، فحلف بالله ما فعل " فقال له: فعلت. ~~فجاء بأصحابه فحلفوا بالله ما سبوه " # ، فنزلت. # ولما أخبر عن حالهم، أتبعه الإخبار عن مآلهم، فقال دالا - كما قال ~~القشيري - على أن - من وافق مغضوبا عليه أشرك نفسه في استحقاق غضب من هو ~~غضبان عليه، فمن تولى مغضوبا عليه من قبل الله استوجب غضب الله وكفى ~~بذلك هوانا وحزنا وحرمانا، معبرا بما دل على أنه أمر قد فرغ منه: { ~~أعد الله } أي الذي له العظمة الباهرة فلا كفوء له، وعبر بما دل على ~~التهكم بهم فقال: { لهم عذابا } أي أمرا قاطعا لكل عذوبة { شديدا } ~~يعلم من رآه ورآهم أن ذواتهم متداعية إليه ضعيفة عنه. # ولما أخبر بعذابهم، علله بما دل على أنه واقع في أتم مواقعه فقال مؤكدا ~~تقبيحا على من كان يستحسن أفعالهم: { إنهم ساء } أي بلغ الغاية مما ~~يسوء، ودل على أن ذلك كان لهم كالجبلة بقوله: { ما كانوا يعملون * } أي ~~يجددون عمله مستمرين عليه لا ينفكون عنه من غشهم المؤمنين ونصحهم ~~الكافرين وعيبهم للإسلام وأهله، واجترائهم على الأيمان الكاذبة، وأصروا ~~على ذلك حتى زادهم التمرن عليه جرأة على جميع المعاصي. ### || [58.16-19] # ولما دلت هذه الجملة على سوء أعمالهم ومداومتهم عليها، أكد ذلك بقوله: { ~~اتخذوا } أي كلفوا فطرهم الأولى المستقيمة لما لهم من العراقة في اعوجاج ~~الطبع والمحبة للأذى { أيمانهم } الكاذبة التي لا تهون على من في قلبه ~~مثقال حبة من خردل من إيمان { جنة } أي وقاية وسترة من كل ما يفضحهم من ~~النفاق كائنا ما كان، أو يوجب قتلهم بما يقع منهم من الكفران. # ولما كان علمهم بأنه ms4966 يرضى منهم بالظاهر ويصدق أيمانهم هو الذي جرأهم على ~~العظائم، فكانوا يرغبون الناس في النفاق بعاجل الشهوات ويثبطونهم عن ~~الدين بما فيه من عاجل الكلف وآجل الثواب، سبب عن قبول إيمانهم قوله ~~مظهرا بزيادة التوبيخ لهم: { فصدوا } أي كان قبول ذلك منهم وتأخير ~~عقابهم سببا لإيقاعهم الصد { عن سبيل الله } أي شرع الملك الأعلى الذي ~~هو الطريق إلى رضوانه الذي هو سبب الفوز الأعظم، فإنهم كانوا يثبطون من ~~لقوا عن الدخول في الإسلام ويوهون أمره ويحقرونه، ومن رآهم قد خلصوا من ~~المكاره بأيمانهم الحانثة وردت عليهم الأرزاق استدراجا وحصلت لهم الرفعة ~~عند الناس بما يرضونهم من أقوالهم المؤكدة بالأيمان غره ذلك فاتبع سنتهم ~~في أقوالهم وأفعالهم، ونسج على منوالهم، غرورا بظاهر أمرهم، معرضا عما ~~توعدهم الله سبحانه عليه من جزاء خداعهم ومكرهم، وأجرى الأمر على أسلوب ~~التهكم باللام التي تكون في المحبوب فقال: { فلهم } أي فتسبب عن صدهم ~~أنهم كان لهم { عذاب مهين * } جزاء بما طلبوا بذلك الصد إعزاز أنفسهم ~~وإهانة أهل الإسلام. # ولما كان لهم أموال وأولاد يتعززون بها، قال مستأنفا دالا على أن من ~~استتر بجنة دون طاعته لتسلم دنياه وراءه تكشف لسهام التقدير من حيث لا ~~يشعر، ثم لا دينه يبقى ولا دنياه تسلم: { لن تغني } أي بوجه من الوجوه { ~~عنهم } أي في الدنيا ولا في الآخرة بالافتداء ولا بغيره { أموالهم } وأكد ~~النفي بإعادة النافي للتنصيص على كل منهما فقال: { ولا أولادهم } أي ~~بالنصرة والمدافعة { من الله } إي إغناء مبتدئا من الملك الأعلى الذي لا ~~كفوء له { شيئا } أي من إغناء ولو قل جدا، فمهما أراد بهم سبحانه كان ~~ونفد ومضى، لا يدفعه شيء تكذيبا لمن قال منهم: لئن كان يوم القيامة ~~لتكونن أسعد فيه منكم كما نحن الآن ولننصرن بأنفسنا وأموالنا وأولادنا. ~~ولما انتفى الإغناء المبتدئ من الله فانتفى بانتفائه كل إغنائه سواه، ~~أنتج ذلك قوله: { أولئك } أي البعداء من كل خير { أصحاب النار } ولما ~~أفهمت الصحبة الملازمة، أكدها بقوله: { هم } أي خاصة لاضمحلال عذاب غيرهم ms4967 ~~- لكونهم في الهاوية - في جنب عذابهم { فيها } أي خاصة دون شيء يقصر عنها ~~{ خالدون * } أي مقيمون باقون دائمون لازمون إلى غير نهاية. # ولما كان إفسادهم لذات البين سرا، وحلفهم على نفي ذلك جهرا مع الإلزام ~~بقبول ما ظهر من ذلك منهم مع علمه سبحانه وتعالى بأنه كذب غائظا موجعا، ~~وكان ربما توهم متوهم أنه تعالى كما ألزم بقبولنا لما ظهر منهم في دار ~~العمل يأمر بقبولهم في دار الجزاء، قال نافيا لذلك معزيا للمؤمنين ~~بأنهم يفعلون ذلك معه سبحانه بعد كشف الغطاء وتحقيق الأمور، لأن الإنسان ~~يبعث على ما مات عليه، لأن ذلك جبلته التي لا ينفك عنها، ولا ينفعهم ذلك، ~~ذاكرا ظرف الخلود وإظهار التعذيب: { يوم يبعثهم الله } أي الملك الذي له ~~جميع صفات الكمال بإحيائهم عما كانوا فيه من الموت وردهم إلى ما كانوا ~~قبله { جميعا } لا يترك أحدا منهم ولا من غيرهم إلا أعاده إلى ما كان ~~عليه قبل موته { فيحلفون } أي فيتسبب عن ظهور القدرة التامة لهم ومعاينة ~~ما كانوا يكبون به من البعث والنار أنهم يحلفون { له } أي الله في الآخرة ~~أنهم مسلمون فيقولون: والله ربنا ما كنا مشركين، ونحوه من الأكذوبات التي ~~تزيدهم ضررا، ولا تغني عنهم شيئا بوجه من الوجوه، جريا على ما طبعوا ~~عليه من إيثار الهوى والقصور على النظر في المحسوسات التي ألفوها { كما ~~يحلفون } في الدنيا { لكم } لكونكم لا تعلمون الغيب مع توقعهم أن الله ~~يفضحهم كما فعل لهم ذلك مرارا، وحلفهم ناشئ عن اعتقاد بعدهم من القبول ~~فإنه لا يحلف لك إلا من يظن أنك تكذبه: قال القشيري: عقوبتهم الكبرى ظنهم ~~الأجنبية، وغاية الجهد كبهم على مناخرهم في وهدة ندمهم. # ولما كان الذي يحملهم على الإقدام على ذلك ضعف عقولهم وتوغلهم في النفاق ~~ومرودهم عليه حتى بعثوا على مثل ذلك مع علمهم بأن ذلك لا ينجيهم لإحاطة ~~علمه سبحانه، عبر بالحسبان، فقال دالا على أنهم في الغاية من الجهل ~~وقلة العقل: { ويحسبون } أي في القيامة بأيمانهم الكاذبة { أنهم على ms4968 شيء ~~} أي يحصل لهم به نفع لتخيلهم أن أيمانهم تروج على الله فتنجيهم كما كانت ~~في الدنيا تنجيهم. # ولما أفهم ذلك أن أمورهم لا حقائق لها لا في إخباراتهم ولا في أيمانهم ~~ولا في حسبانهم، قال مناديا عليهم مؤكدا لتكذيب حسبانهم: { ألا إنهم } ~~أي خاصة { هم الكاذبون * } أي المحكوم بكذبهم في حسبانهم وفي أخبارهم في ~~الدارين لعراقتهم في وصف الكذب حيث لا يستحيون من الكذب عند الله. # ولما كان هذا الانهماك فيما لا يغني مما يحصل لسامعه غاية العجب من وقوع ~~عاقل فيه مرة من الدهر، فضلا عن ملازمته، أخبر عن الحامل لهم عليه، فقال ~~مستأنفا: { استحوذ } أي طلب أن يغلب ويسوق ويسرع ويضرب الحوطة ويحث ~~ويقهر ويستولي { عليهم الشيطان } مع أنه طريد ومحترق، ووجد منه جميع ذلك، ~~ووصل منهم إلى ما يريده، وملكهم ملكا لم يبق لهم معه اختيار فصاروا ~~رعيته وأقطاعه، وصار هو محيطا بهم من كل جهة، غالبا عليهم ظاهرا ~~وباطنا، من قولهم: حذت الإبل أي استوليت عليها، وحاذ الحمار العانة - ~~إذا جمعها وساقها غالبا لها، والحوذ: السوق السريع، ومنه الأحوذي: ~~الخفيف في المشي لحدقه، وجاء على الأصل على حكم الصحيح لأنه لم يبن على ~~حاذ كافتقر فإنه لا مجرد له، لم يقولوا: فقر: { فأنساهم } أي فتسبب عن ~~استحواذه عليهم أنه أنساهم { ذكر الله } أي الذي له الأسماء الحسنى ~~والصفات العلى بعد أن كان ذكره مركوزا في فطرهم الأولى، فصاروا لا ~~يذكرونه أصلا بقلب، ولا لسان. # ولما كان ذلك، أنتج ولا بد قوله: { أولئك } أي الذين أحلوا أنفسهم أبعد ~~منزل { حزب الشيطان } أي أتباعه وجنده وجماعته وطائفته وأصحابه والمحدقون ~~به والمتحيزون إليه لدفع ما حزبه أي نابه واشتد عليه، المبعدون المحترقون ~~لأنهم تبعوه ولم يخافوا في مجازيته وإنفاذ ما يريد لومة لائم مع أنه كله ~~نقائص ومعايب، وهم مطبوعون على بغضه، وتركوا من له الكمال كله، وكر وحبه ~~مركوز في فطرهم، فلذلك كانت ترجمة هذا ونتيجته قوله: { ألا } وأكد لظنهم ~~الريح بما لهم في الدنيا من الكثرة ms4969 وظهرو التعاضد والاستدراج بالبسط ~~والسعة فقال: { إن حزب الشيطان } أي الطريد المحترق { هم } أي خاصة { ~~الخاسرون * } أي العريقون في هذا الوصف لأنهم لم يظفروا بغير الطرد ~~والاحتراق. ### || [58.20-22] # ولما بين ما أوصلهم إليه نسيان الذكر من الخسار، بين أنه أوقعهم في ~~العداوة، فقال معللا الخسار والنسيان والتحزب، وأكد تكذيبا لحالفهم على ~~نفي ذلك مظهرا موضع الإضمار للتنبيه على الوصف الموقع في الهلاك: { إن ~~الذين يحادون } ولعل الإدغام لسترهم ذلك الإيمان، ويفهم منه الحكم على من ~~جاهر بطريق الأولى { الله } أي يفعلون مع الملك الأعظم الذي لا كفوء له ~~فعل من ينازع آخر في أرض فيغلب على طائفة منها فيجعل لها حدا لا يتعداه ~~خصمه { ورسوله } الذي عظمته من عظتمه. # ولما كانوا لا يفعلون ذلك إلا لكثرة أعوانهم وأتباعهم، فيظن من رآهم ~~أنهم الأعزاء الذين لا أحد أعز منهم، قالتعالى نفيا لهذا الغرور الظاهر: ~~{ أولئك } أي الأباعد الاسافل { في الأذلين * } أي الذين يعرفون أنهم أذل ~~الخلق بحيث يوصف كل منهم بأنه الأذل مطلقا من غير مفضل عليه ليعم كل من ~~يمكن منه ذل، وذلك في الدنيا والآخرة سواء كانوا فارس والروم أو أعظم ~~منهم سواء كانوا ملوكا كفرة كانوا أو فسقة، كما قال الحسن: إن للمعصية ~~في قلوبهم لذلا، وإن طقطقت بهم اللجم. ولما أنزلهم بالحضيض الأسفل، علل ~~ذلك بما يدل على أنه سبحانه لا شريك له بإتمام كلماته بنصر أوليائه على ~~ضعفهم وخذلان أعدائه على قوتهم لأنه سبحانه لا غيب محض لا دلالة عليه إلا ~~بأفعاله فقال: { كتب } أي فعل فعل من أبرم أمرا ففرغ منه وكتبه فأوجب ~~وحتم وقضى وبت { الله } أي الملك الذي لا كفوء له { لأغلبن } أكد لما ~~لهم من ظن الغلب بالكثرة والقوة { أنا ورسلي } أي بقوة الجدال وشدة ~~الجلاد، فهو صادق بالنسبة إلى من بعث بالحرب، وإلى من بعث بالحجة، وعلل ~~هذا القهر بقوله مؤكدا لأن أفعالهم مع أوليائه أفعال من يظن ضعفه: { إن ~~الله } أي الذي له الأمر كله { قوي } فهو يفيض من باطن ms4970 قوته من يظهر به ~~ظاهر قدرته أوليائه، فإن القوي من له استقلال باطن بما يحمله القائم في ~~الأمر ولو ضوعف عليه ما عسى أن يضاعف وحمايته مما يتطرق إلى الإجلال بشدة ~~وبطش منبعث عن ذلك الاستقلال الباطن، وما ظهر من أثر ذلك فهو قدرة، فلا ~~اقتدار يظهر من الخلق إلا بالاستناد إلى القوة بالله، ولا قيام بالحقيقة ~~لباطن إلا بالله الذي بيده ملكوت كل شيء، فلذلك كان بالحقيقة لا قوي إلا ~~هو. # ولما كان القوي من المخلوقات قد يكون غيره أقوى من غيره ولو في وقت، نفى ~~ذلك بقوله: { عزيز * } أي غالب غلبة لا يجد معها المغلوب نوع مدافعة ~~وانفلات، ثابت له هذا الوصف دائما. # ولما ظهر بهذا كالشمس أن من والاه سبحانه كان فائزا، ومن عاداه كان ~~خاسرا، كانت نتيجته قطعا التحذير من موالاة أعداء الله في سياق النفي ~~المفيد للمبالغة في النهي عنه والزجر عن قربانه فقال: { لا تجد } أي بعد ~~هذا البيان { قوما } أي ناسا لهم قوة على ما يريدون محاولته { يؤمنون } ~~أي يجددون الإيمان ويديمونه { بالله } أي الذي له الأسماء الحسنى والصفات ~~العلى { واليوم الآخر } الذي هو موضع الجزاء لكل عامل بكل ما عمل، الذي ~~هو محط الحكمة { يوادون } أي يحصل منهم ودل لا ظاهرا ولا باطنا - بما ~~أشار إليه الإدغام وأقله الموافقة في المظاهرة { من حاد الله } أي عادى ~~بالمناصبة في الحدود الملك الأعلى لذلك فالمحادة لا تخفى وإن كانت باطنة ~~يستتر بها زيادة النفرة منهم { ورسوله } فإن من حاده فقد حاد الذي أرسله، ~~بل لا تجدهم إلا يحادونهم، لا أنهم يوادونهم، وزاد ذلك تأكيدا بقوله: { ~~ولو كانوا آباءهم } الذين أوجب الله على الأبناء طاعتهم بالمعروف، وذلك ~~كما فعل أبو عبيدة عامر بن الجراح رضي الله عنه، قتل أباه عبد الله بن ~~الجرح يوم أحد { أو آبناءهم } الذي جبلوا على محبتهم ورحمتهم كما فعل أبو ~~بكر رضي الله عنه فإنه دعا ابنه يوم بدر إلى المبارزة، وقال: دعني يا ~~رسول الله أكن في الرعلة الأولى، ms4971 فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " متعنا بنفسك يا أبا بكر، أما تعلم أنك بمنزلة سمعي وبصري " # { أو إخوانهم } الذين هم أعضادهم كما فعل مصعب بن عمير رضي الله عنه، ~~قتل أخاه عبيد بن عمير يوم أحد وخرق سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه الصفوف ~~يومئذ على أخيه عتبة بن أبي وقاص غير مرة ليقتله فراع عنه روعان الثعلب، ~~فنهاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: أتريد أن تقتل نفسك وقتل محمد ~~بن مسلمة الأنصاري رضي الله عنه أخاه من الرضاع كعب بن الأشرف اليهودي ~~رأس بني النضير { أو عشيرتهم } الذين هم أنصارهم وأمدادهم كما فعل عمر ~~رضي الله عنه، قتل خاله العاصي بن هشام بن المغيرة يوم بدر وعلي وحمزة ~~وعبيدة بن الحارث رضي الله عنهم قتلوا يوم بدر بني عمهم عتبة وشيبة ابني ~~ربيعة والوليد بن عتبة، وعن الثوري أن السلف كانوا يرون أن الآية نزلت ~~فيمن يصحب السلطان - انتهى. ومدار ذلك على أن الإنسان يقطع رجاءه من غير ~~الله، وإن لم يكن كذلك لم يكن مخلصا في إيمانه. # ولما كان لا يحمل على البراءة ممن هذا شأنه إلا صريح الإيمان، أنتج ~~قوله: { أولئك } أي الأعظمون شأنا الأعلون همما { كتب } أي وصل وأثبت ~~وصلا وهو في لحمته كالخرز في الأديم، وكالطراز في الثوب الرقيم، فلا ~~انفكاك له { في قلوبهم الإيمان } فجعلها أوعية له فأثمر ذلك نور الباطن ~~واستقامة الأعمال في الظاهر { وأيدهم } أي قواهم وشددهم وأعانهم وشجعهم ~~وعظمهم وشرفهم { بروح } أي نور شريف جدا يفهمون به ما أودع في كتابه ~~وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم من كنوز العلم والعمل فهو لقلوبهم كالروح ~~للأبدان، فلا يفعلون شيئا من أحوال أهل الجاهلية كالمظاهرة، وزاد هذا ~~التأييد شرفا بقوله: { منه } أي أحياهم به فلا انفكاك لذلك عنهم في وقت ~~من الأوقات فأثمر لهم استقامة المناهج ظاهرا وباطنا، فقهروا بالدلائل ~~والحجج، وظهروا بالسيف المفني للمهج، وعملوا الأعمال الصالحة فكانوا ~~للدنيا كالسرج، فلا تجد شيئا أدخل في الإخلاص ms4972 من موالاة أولياء الله ~~ومعاداة أعدائه، بل هو عين الإخلاص، ومن جنح إلى منحرف عن دينه أو داهن ~~مبتدعا في عقده نزع الله نور التوحيد من قلبه. # ولما أخبر بما آتاهم في الدنيا وهو غير مفارق لهم في الآخرة، أخبر بما ~~يؤتيهم في الآخرة فقال: { ويدخلهم جنات } أي بساتين يستر داخلها من كثرة ~~أشجارها، وأخبر عن ريها بقوله: { تجري } ولما كانت المياه لو عمت الأرض ~~لم يكن بها مستقر، أثبت الجار فقال: { من تحتها الأنهار } أي فهي لذلك ~~كثيرة الرياض والأشجار والساحات والديار. ولما كان ذلك لا يلذ إلا ~~بالدوام قال: { خالدين فيها }. # ولما كان ذلك لا يتم إلا برضا مالكها قال: { رضي الله } أي الملك الأعظم ~~الذي له الأمر كله فلا التفات إلى غيره { عنهم } ولما كان ذلك لا يكمل ~~سروره إلا برضاهم ليتم حسن المجاورة قال: { ورضوا عنه } أي لأنه أعطاهم ~~فوق ما يؤملون. ولما أخبر عنهم بما يسر كل سامع فيشتاق إلى مصاحبتهم ~~ومعاشرتهم ومرافقتهم ومقاربتهم ومدحهم وعرفهم بقوله: { أولئك } أي الذين ~~هم في الدرجة العليا من العظمة لكونهم قصروا ودهم على الله علما منهم ~~بأنه ليس النفع والضر إلا بيده { حزب الله } أي جند الملك الأعلى الذي ~~أحاط بجميع صفات الكمال وأولياءه، فإنهم هم يغضبون له ولا يخافون فيه ~~لومة لائم. ولما تبين مما أعد لهم وأعد لأضدادهم أنهم المختصون بكل خير، ~~قال على طريق الإنتاج مما مضى مؤكدا لما لأضدادهم من الأنكاد: { ألا إن ~~حزب الله } أي جند الملك الأعلى وهم هؤلاء الموصوفون ومن والاهم { هم } ~~أي خاصة لا غيرهم { المفلحون * } أي الذين حازوا الظفر بكل ما يؤملون في ~~الدارين، وقد علم من الرضى من الجانبين والحزبية والإفلاح عدم الانفكاك ~~عن السعادة فأغنى ذلك عن تقييد الخلود بالتأييد، خصهم بذلك لأن له العزة ~~والقوة والعلم والحكمة، فلذلك علم أمر المجادلة ورحم شكواها لأنها من ~~حزبه وسمع لها، ومن سمع له فهو مرضي عنه، وحرم الظهار بسبب شكواها ~~إكراما لها بحكمته لأنه منابذ للحكمة لأنه تشبيه ms4973 خارج عن قادة ~~التشبيهات، وفيه امتهان للأم التي لها في دينه غاية الإكرام بالتسوية ~~بالزوجة التي هي محل الافتراش، وختم آيها بأن من تعدى حدوده فعاود أحوال ~~الجاهلية فهو مجادله سبحانه فهو من حزب الشيطان، فقد عاد آخرها إلى أولها ~~بأدل دليل على أحسن سبيل، لأن هذا القرآن العظيم أشرف حديث وأقوم قيل ~~وهذا مقصود التي بعدها، ولا شك أنه موجب للتنزيه مبعد عن التشريك ~~والتشبيه، فسبحان من أنزله آية دائمة البيان، موجبة للإيمان، قامعة ~~للطغيان، على مدى الدهور وتطاول الأزمان. ### | [59 - سورة الحشر] ### || [59.1-2] # لما ختمت المجادلة بأنه معز أهل طاعته، ومذل أهل معصيته ومحادته، علله ~~بتنزهه عن النقائص تأييدا للوعد بنصرهم فقال: { سبح } أي أوقع التنزيه ~~الأعظم عن كل شائبة نقص { لله } الذي أحاط بجميع صفات الكمال. # ولما كان الكفار من جميع بني آدم قد عبد بعضهم الشمس وبعضهم القمر ~~وبعضهم غيرهما من الكواكب، وكانت الكواكب مبثوثة في السماوات كلها لا تخص ~~سماء بعينها وكذا الملائكة، جمع دلالة على أن الكل عبيد فقال: { ما في ~~السماوات } أي كلها. ولما كان الكلام في النهي عن موادة الذي يحادون ~~الله، وكان ذلك لمن دون الخلص، أكد بإعادة النافي لاحتياجهم للتأكيد ~~فقال: { وما } ولما كان جميع ما عبدوه ما أشركوا به من الأرضيات من شجر ~~وصنم وبقر وغيرها لا يعد والأرض التي هم عليها، أفرد فقال: { في الأرض }. # ولما شمل هذا جميع العالم، أشار إلى أن عظمته لا تنتهي فقال: { وهو } أي ~~والحال أنه وحده { العزيز } الذي يغلب كل شيء ولا يمتنع عليه شيء { ~~الحكيم * } الذي نفذ علمه في الظواهر والبواطن وأحاط بكل شيء فأتقن ما ~~أراد، فكل ما خلقه جعله على وحدانيته دليلا، وإلى بيان ما له من العزة ~~والحكمة سبيلا. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لا خفاء باتصال أيها بما تأخر من آي ~~سورة المجادلة، ألا ترى أن قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا ~~قوما غضب الله عليهم } إنما يراد به يهود فذكر سبحانه سوء سريرتهم ms4974 وعظيم ~~جرأتهم ثم قال في آخر السورة { لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر ~~يوادون من حاد الله ورسوله } فحصل من هذا كله تنفير المؤمنين عنهم ~~وإعلامهم بأن بغضهم من الإيمان وودهم من النفاق لقبيح ما انطووا عليه ~~وشنيع ما ارتكبوه، فلما أشارت هذه الآي إلى ما ذكر أتبعت بالإعلام في أول ~~سورة الحشر بما عجل لهم من هوانهم وإخراجهم من ديارهم وأموالهم وتمكين ~~المسلمين منهم، جريا على ما تقدم الإيماء إليه سوء مرتكبهم، والتحمت ~~الآي باتحاد المعنى وتناسبه، وتناسج الكلام، وافتتحت السورة بالتنزيه ~~لبنائها على ما أشار إليه غضبه تعالى عليهم إذ لا يكون إلا على أعظم ~~جريمة وأسوأ مرتكب وهو اعتداؤهم وعصيانهم المفصل في مواضع من الكتاب وقد ~~قال تعالى فيهم بعد ذكر غضبه عليهم # أولئك شر مكانا وأضل عن سواء السبيل # [المائدة: 60] وقال تعالى: # لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما ~~عصوا وكانوا يعتدون # [المائدة: 78] فبين تعالى أن لعنته إياهم إنما ترتبت على عصيانهم ~~واعتدائهم، وقد فصل اعتداءهم أيضا في مواضع، فلما كان الغضب مشيرا إلى ~~ما ذكر من عظيم الشرك، أتبعه سبحانه وتعالى تنزيه نفسه جل وتعالى فقال: { ~~سبح لله ما في السماوات وما في الأرض } وإنما يرد مثله من التنزيه أثر ~~جريمة تقع من العباد وعظيمة يرتكبونها وتأمل ذلك حيث وقع، ثم عاد الكلام ~~إلى الإخبار بما فعل تعالى بأهل الكتاب مما يتصل بما تقدم، ثم تناسجت ~~الآي - انتهى. # ولما نزه نفسه الأقدس دل على ذلك التنزه على العزة والحكمة بدليل شهودي ~~من أنه أنفذ ما كتب من أنه يغلب هو ورسله ومن أنه كبت الذين حادوه وخيب ~~ظن الذين نافقوا، فتولوا اليهود من أهل الكتاب ليعتزوا بهم، فأذل اليهود ~~وطردهم من مهبط الوحي وأخزى المنافقين الذين جعلوهم محط اعتمادهم وموضع ~~ولايتهم وودادهم، فقال: { هو } أي وحده من غير إيجاف خيل ولا ركاب { الذي ~~أخرج } على وجه القهر { الذين كفروا } أي ستروا ما في كتبهم من الشواهد ~~التي ms4975 تشهد لمحمد صلى الله عليه وسلم بأنه النبي الخاتم وما في فطرهم ~~الأولى من أن اتباع الحق أحق، وقبح عليهم كفرهم بقوله موضع { من بني ~~النضير } أو { اليهود } مثلا: { من أهل الكتاب } أي الذي أنزله الله على ~~رسوله موسى صلى الله على نبينا وعليه وسلم، وفي التعبير ب { كفروا } ~~إشعار بأنهم الذين أزالوا بالتبديل أو الإخفاء ما قدروا عليه مما بقي من ~~التوراة دالا على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. # ولما كان الوطن عديل الروح لأنه للبدن كالبدن للروح، فكان الخروج منه في ~~غاية العسر، دل على مزيد قهرهم به بأن قال: { من ديارهم } ولما كان كان ~~منهم من جلا من المدينة الشريفة إلى خيبر، وهم آل أبي الحقيق وآل حيي بن ~~أخطب ولحق سائرهم بأريحا من أرض الشام أرض المحشر، ولحق بعضهم بالحيرة، ~~لوح إلى فتح خيبر وحشرهم منها حشرا ثانيا بقوله معللا أو موقتا: { ~~لأول } أي لأجل أول أو عند أول { الحشر } وفي ذلك إشارة إلى أن كل بلد ~~حشروا إليه سيفتح، ويزلزلون منه زلزلة أخرى، لا تزال مصائبهم بأهل ~~الإسلام قائمة حتى يكون الحشر الأعظم بالقيامة، والحشر: الجمع من مكان ~~والسوق إلى غيره بكره، وسمي أولا لأنهم أول من أجلي من اليهود من جزيرة ~~العرب، والحشر الثاني لهم من خيبر على زمن عمر رضي الله عنه، وعند ابن ~~إسحاق أن إجلاءهم في مرجع النبي صلى الله عليه وسلم من أحد وفتح قريظة في ~~مرجعه من الأحزاب وبينهما سنتان، قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: # " اخرجوا قالوا: إلى أين، قال: إلى أرض المحشر " # ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: من شك أن المحشر بأرض الشام فليقرأ هذه ~~الآية. انتهى، وهذا الحشر يدل على المحشر الأعظم وبينه على قوله صلى الله ~~عليه وسلم: # " بعثت أنا والساعة كهاتين ". # ولما كان قد أخبر أن حشرهم لم يكن بسبب غير محض قدرته، استأنف شرح ذلك ~~بقوله: { ما ظننتم } أي أيها المؤمنون { أن يخرجوا } أي يوقعوا الخروج من ~~شيء أورثتموه منهم ms4976 لما كان لكم من الضعف ولهم من القوة لكثرتهم وشدة ~~بأسهم وشكيمتهم وقرب بني قريظة منهم فكانوا بصدد مظاهرتهم، وأهل خيبر ~~أيضا غير بعيدين عنهم وكلهم أهل ملتهم، والمنافقون من أنصارهم وأسرتهم، ~~فخابت ظنونهم في جميع ذلك وفالت أراؤهم وسلط عليهم المؤمنون على قلتهم ~~وضعفهم، وإذا أراد الله نصر عبد استأسد أرنبه وإذا أراد قهر عدو استنوق ~~أسده. # ولما كانت الحصون تمنع إلى إتيان الأمداد قال: { وظنوا أنهم } ودل على ~~قوة ظنهم وثباته بالجملة الاسمية فقال: { مانعتهم حصونهم } أي ثابت لها ~~المنع ولهم الامتناع، قالوا: وفي تقديم الخبر على المبتدأ دليل على فرط ~~وثوقهم بحصانتها ومنعها إياهم، وفي جعل ضميرهم اسم (إن) وإسناد الجملة ~~إليه دليل على اعتقادهم في أنفسهم أنهم في عز ومنعة لا مطمع معها في ~~معازتهم، ودل على ضعف عقولهم بأن عبر عن جنده باسمه وباسمه الأعظم فقال: ~~{ من الله } أي الملك الأعظم الذي لا عز إلا له وأنتم جنده، لا تقاتلون ~~إلا فيه وبه، بأسكم من بأسه، فقد اجتمع الظنان على شيء واحد. ولما كان ~~إسناد ما للمضاف إلى المضاف إليه شائعا في لسان العرب وكثيرا جدا لأنه ~~لا يلتبس على من له إلمام بكلامهم، وبليغا جدا لما له من العظمة، قال: ~~{ فآتاهم الله } أي جاءهم الملك الأعظم الذي يحتملون مجيئه بما صور لهم ~~من حقارة أنفسهم التي اضطرتهم إلى الجلاء { من حيث لم يحتسبوا } أي من ~~الجهة التي لم يحملوا أنفسهم على حسبها وهي خذلان المنافقين لهم رعبا ~~كرعبهم واستضعافا كاستضعاف أنفسهم عن مقاومة جند الله بعد أن كان ~~الشيطان زين لهم غير ذلك، وملأ قلوبهم من الأطماع الفارغة حتى قطعوا بما ~~مناهم وقربه لهم وأغواهم. # ولما كان التقدير: فأوهنهم الله بذلك، عطف عليه قوله: { وقذف } أي أنزل ~~إنزالا كأنه قذفه بحجارة، فثبت وارتكز { في قلوبهم الرعب } أي الخوف ~~الذي سكنها فرضها وملأها وعبر منها إلى جميع قواهم فاجتثها من أصلها، ثم ~~بين حالهم عند ذلك أو فسر قذف الرعب بقوله: { يخربون بيوتهم } أي يبالغون ms4977 ~~- على قراءة أبي عمرو بالتشديد - في إخرابها، أي إفسادها، فإن الخربة ~~الفساد، وقراءة غيره يفهم الفعل المطلق الذي لا ينافي المقيد { بأيديهم } ~~ضعفا منهم - بما أشار إليه جمع القلة، ويأسا من قوتهم ليأخذوا ما ~~استحسنوا من آلاتها، فكان الرجل منهم لما تحملوا للرحيل يهدم بيته عن ~~نجاف بابه وما استحسن من خشبه فيضعه على ظهر بعيره فيأخذه وينقب الجدار ~~ويهدم السقف حسدا للمسلمين أن يسكنوها بعدهم لأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أمرهم أن يخلوا له عن البلد ولهم ما حملت إبلهم. # ولما كان السبب في تخريب الصحابة رضي الله عنهم لبيوتهم ما أحرقوهم به ~~من المكر والغدر كانوا كأنهم أمروهم بذلك، فنابوا عنهم فيه، فقال أيضا ~~بجمع القلة للدلالة على أن الفعل له سبحانه وحده: { وأيدي المؤمنين } أي ~~الراسخين في الإيمان استيلاء وغلبة عليهم وقد كان المؤمنون يخربون ما ضيق ~~عليهم المجال منها لأجل القتال، وقدم تخريبهم لأنه أعجب. # ولما كان في غاية الغرابة أن يفعل الإنسان في نفسه كما يفعل فيه عدوه، ~~سبب عن ذلك قوله: { فاعتبروا } أي احملوا أنفسكم بالإمعان في التأمل في ~~عظيم قدرة الله تعالى على أن تعبروا من ظواهر العلم في هذه القضية بما ~~دبر الله في إخراجهم إلى بواطن الحكمة بأن لا تعدوا لكم ناصرا نم الخلق ~~ولا تعتمدوا على غير الله، فإن الاعتبار - كما قال القشيري - أحد قوانين ~~الشرع، ومن لم يعتبر بغيره اعتبر به غيره - انتهى. وقد احتج بالآية مثبتو ~~القياس فإنه مجاوزة من الأصل إلى الفرع، والمجاوزة اعتبار، وهو مأمور به ~~في هذه الآية فهو واجب. # ولما كان الاعتبار عظيم النفع، لا يحصل إلا للكمل، زاده تعظيما بقوله ~~تعالى: { يا أولي الأبصار * } بالنظر بأبصاركم وبصائركم في غريب هذا ~~الصنع لتحققوا به ما وعدكم على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم من إظهار ~~دينه وإعزاز نبيه ولا تعتمدوا على غير الله كما اعتمد هؤلاء على ~~المنافقين، فإن من اعتمد على مخلوق أسلمه ذلك إلى صغاره ومذلته، ولا ~~تلموا بغدر كما أرادوا ms4978 أن يغدروا برسول الله صلى الله عليه وسلم فيطرحوا ~~عليه وهو قاعد بفناء دار من دورهم رحى من السطح ليقتلوه بها - زعموا، ولا ~~تفعلوا شيئا من قبيح أفعالهم لئلا يحصل لكم مثل نكالهم كما أحكمه قوله ~~صلى الله عليه وسلم # " لتتبعن سنن من كان قبلكم " # الحديث، وذلك الغدر منهم بعد أن حرضوا قريشا على غزوة أحد ودلوهم على ~~بعض العورات، وقال البغوي: إن كعب بن الأشرف أتى قريشا بعد أحد في ~~أربعين راكبا فحالفهم على النبي صلى الله عليه وسلم فنزل جبريل عليه ~~السلام عليه يخبره بذلك، وقال: إنه لما قصدهم عليه السلام أرسلوا إليه أن ~~يخرج في ثلاثين ويخرج منهم ثلاثون ليسمعوا منه، فإن آمنوا به آمن الكل، ~~فأجابهم فأرسلوا أن الجمع كثير فاخرج في ثلاثة ليخرج ثلاثة منا، فأرسلت ~~امرأة منهم إلى أخيها وكان مسلما أنهم اشتملوا على الخناجر يريدون الفتك ~~برسول الله صلى الله عليه وسلم فكف صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وكل ما ~~ذكر من أسباب قصتهم كما ترى دائر على المكر بل هو عين المكر. ### || [59.3-5] # ولما دل هذا على غاية الوهن منهم فكان موضع التعجب من الكف عن قتلهم، ~~بين أن السبب في ذلك أمره الباهر وعزه القاهر حثا على ما ختم به الآية ~~السابقة من الاعتبار والتدبر والاستبصار فقال: { ولولا أن كتب الله } أي ~~فرض فرضا حتما الملك الذي له الأمر كله، ودل على أنه كتب إذلالا ~~وإخزاء بقوله: { عليهم } أي بخصوصهم فيما كتب على بني إسرائيل في الأزل ~~كما كتب على بني قينقاع { الجلاء } أي الخروج من ديارهم والجولان في ~~الأرض، فأما معظمهم فأجلاهم بخت نصر من بلاد الشام إلى العراق، وأما ~~هؤلاء فحماهم الله بمهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك الجلاء ~~وجعله على يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأجلاهم فذهب بعضهم إلى ~~خيبر وبعضهم إلى الشام مرة بعد مرة { لعذبهم في الدنيا } أي بالسيف كما ~~سيفعل بأحوالهم من بني قريظة الذين كتب عليهم العذاب دون ms4979 الجلاء من قتل ~~المقاتلة وسبي الذرية، فإنه تعالى قد قضى قضاء حتما أنه يطهر المدينة ~~بلد الوحي منهم. # ولما كان التقدير: ولكنه كتب عليهم ذلك فهو عذابهم الآن في الدنيا لا ~~محالة وإن اجتمع أهل الأرض على نصرهم، عطف عليه قوله على طريق التهكم ~~بالتعبير بأداة النفع: { ولهم } أي على كل حال أجلوا أو تركوا { في ~~الآخرة } التي هي دار البقاء { عذاب النار * } وهو العذاب الأكبر. # ولما أخبر بما نالهم في الدنيا وينالهم في الآخرة، علله بقوله: { ذلك } ~~أي الأمر العظيم الذي فعله بهم من الجلاء ومقدماته في الدنيا ويفعله بهم ~~في الآخرة { بأنهم } ولما كانوا قد ضموا فى هذه القضية إلى ما كانوا عليه ~~من الكفر الظاهر كفرا باطنا بما أرادوا من إلقاء الرحى وغيره من الأذى ~~مكرا منهم، أدغم في قوله: { شاقوا الله } أي الملك الأعلى الذي له ~~الإحاطة التامة، فكانوا في شق غير شقه بأن صاروا في شق الأعداء المحاربين ~~بعد ما كانوا في شق الموادعين. # ولما جارى رسول الله صلى الله عليه وسلم إخفاءهم لما أرادوا أن يفعلوا ~~به بالإخفاء لخلاصه منهم بأن رجع إلى المدينة الشريفة وترك أصحابه رضي ~~الله عنهم عندهم قال: { ورسوله } الذي إجلاله من إجلاله. ولما أخبر بفعله ~~وبسببه، عطف عليه تأكيدا لمضمونه وإفاده لأنه يفعل في غيرهم ممن كان على ~~أمرهم أعظم من فعلهم فقال: { ومن يشاق الله } أي يوقع في الباطن مشاققة ~~الملك الأعلى الذي لا كفوء له في الحال أو الماضي أو الاستقبال سواء أبطن ~~معها مشاققة أخرى أو لا، وترك الإدغام على حاله لأنهم ما أظهروا معاداة ~~وإنما كان ما فعلوا مكرا ومساترة، وذلك أخف من المجاهرة، وأظهر في ~~الأنفال لقوة أمر المجاهرين كما مضى، ولم يعد ذكر الرسول تفخيما له ~~بإفهام أن مشاققته مشاققة لله من غير مثنوية أصلا، وإشارة إلى أنهم ~~بالغوا في إخفاء مشاققتهم، فلم يظهر عليها غير الله، فلم يحصل منهم في ~~ذلك مفاعلة بينهم وبين الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه لم يمكر ms4980 بهم، ~~وإنما جاهرهم حين أعلمه الله بمكرهم بخلاف ما تقدم في الأنفال، فإن ~~المقام اقتضى هناك الذكر لأنهم مكروا به كما قال تعالى # وإذ يمكر بك الذين كفروا # [الأنفال: 30] الآية وهو صلى الله عليه وسلم أخفى أمر هجرته وأعمل ~~الحيلة في الخلاص من مكرهم على حسب ما أمره الله به فحصلت المفاعلة في ~~تحيز كل من الفريقين إلى شق غير شق الآخرة خفية { فإن الله } أي المحيط ~~بجميع العظمة يشدد عقابه له لأنه { شديد العقاب * } وذلك كما فعل ببني ~~قريظة بعد هذا حيث نقضوا عهدهم وأظهروا المشاققة في غزوة الأحزاب وكما ~~فعل أهل خيبر، وكانوا يماكرون ويساترون في الأولى عند فتحها وفي الثانية ~~عند إجلائهم منها، فقد سوى بين المساترين والمجاهرين في العذاب وهو ~~للمجاهرين أشد عذابا كما هو واضح. # ولما دل سبحانه على عزته وحكمته بما فعل ببني النضير الذين يقولون إنهم ~~أشجع الناس وأشدهم شكيمة بما لهم من الأصالة والاصطفاء على العالمين، مع ~~التأييد بالكتاب والحكمة، وختم بأن من شاق رسوله فقد شاقه، ومن شاقه فقد ~~شدد عقابه، أتبعه بيان ما عاقبهم به من قطع الصحابة رضي الله عنهم بأمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم لنخلهم الذي هو أعز عليهم من أبكارهم وهم ~~ينظرون إليه لا يغنون شيئا ولا منعة لديهم فقال: { ما } وهي شرطية ~~وأتبعها بشرطها الناصب لها فقال: { قطعتم } أي كل ما قطعتموه، وبين ما في ~~" ما " من الإبهام بقوله معبرا عن النخل، بما يفيد نوعه وأنه هان عليهم ~~القطع ولان: { من لينة } وهي ضرب من النخل، قال ابن إسحاق: هو ما خالف ~~العجوة من النخل، وقال ابن هشام: اللينة من الألوان، وهي ما لم يكن برنية ~~ولا عجوة من النخل فيما حدثني أبو عبيدة - انتهى. وقال صاحب القاموس ~~اللون: الدقل من النخل، وهي جماعة واحدتها لونه ولينة، قال المهدوي: وروي ~~عن ابن عباس رضي الله عنهما أيضا أنها لون من النخل، وقال البغوي: ~~ورواية زاذان عن ابن عباس رضي الله عنه قال: كان النبي صلى ms4981 الله عليه ~~وسلم يقطع نخلهم إلا العجوة. وأهل المدينة يسمون ما خلا العجوة من التمر ~~الألوان واحدها لون ولينة، وقال عطية والحسن ومجاهد وابن زيد وعمرو بن ~~ميمون: اللينة: النخلة، اسمان بمعنى واحد، وجمعها لين وليان، وقال سفيان ~~الثوري: اللينة ما تمرها لون وهو نوع من التمر شديد الصفرة يشف عن نواة ~~فيرى من خارج، قال البغوي: يغيب فيها الضرس، وكان من أجود تمرهم وأعجبها ~~إليهم، وكانت النخلة الواحدة ثمنها ثمن وصيف أحب إليهم من وصيف، فلما ~~رأوهم يقطعونها شق عليهم وقالوا للمؤمنين: إنكم تكرهون الفساد وأنتم ~~تفسدون، دعوا هذه النخلة، فإنما هي لمن غلب عليها، وقال الرازي في ~~اللوامع واختلاف الألوان فيها ظاهر لأنها أول حالها بيضاء كصدف مليء ~~درا منضدا، ثم غبراء ثم خضراء كأنها قطع زبرجد خلق فيها الماء ثم ~~حمراء كأنها ياقوت رص بعضه ببعض ثم صفراء كأنها شذو عقيان، ولذلك إذا بلغ ~~الإرطاب نصفها سميت مجزعة لاختلاف ألوانها الجزع الظفاري. # ولما كان ما فسر بمؤنث هو اللينة، أعاد الضمير مؤنثا فقال: { أو ~~تركتموها } ولما كان الترك يصدق ببقائها مغروسة أو مقطوعة قال: { قائمة } ~~ولما كان المراد نخيلا كثيرة لإرادة الجنس قال: { على أصولها } بجمع ~~الكثرة { فبإذن الله } أي فقطعها بتمكين الملك الأعظم ورضاه، قال ~~القشيري: وفي هذا دليل على أن الشريعة غير معللة وإذا جاء الأمر الشرعي ~~بطل طلب التعليل وسكتت الألسنة عن التقاضي ب " لم " وحضور الاعتراض ~~والاستقباح بالبال خروج عن حد العرفان. # ولما فطم عن طلب العلل خطابا للكمل، طيب قلوب من دونهم بعلة معطوفة على ~~ما تقديره: فليس ذلك بفساد ولكنه صلاح أذن لكم فيه ليشفي به صدور ~~المؤمنين ويذهب غيظ قلوبهم، فقال واضعا موضع ضميرهم ظاهرا يدل على ما ~~أوجب خزيهم: { وليخزي الفاسقين * } الذين هم أصلاء في المروق من دائرة ~~الحق بأن يذلهم ويفضحهم ببيان كذبهم في دعواهم العز والشجاعة والتأييد من ~~الله لأنهم على الدين الحق وأنه لا يتطرق إليه نسخ، وروى أبو يعلى عن ~~جابر رضي الله عنه أنه ms4982 قال: رخص لهم في قطع النخل ثم شدد عليهم فأتوا ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله! علينا إثم فيما قطعنا أو ~~علينا فيما تركنا، فأنزل الله الآية - انتهى وكان ناس من المؤمنين مالوا ~~إلى الكف عن القطع لما سموه اليهود فسادا وطائفة أشاروا بالاستمرار على ~~القطع لأنه يغيظهم، فصوب سبحانه في الآية من أمر بالكف وحلل من أشاروا ~~بالاستمرار بالقطع من الإثم، فدلت الآية على جواز إفساد أموال أهل الحرب ~~على أي حال كان مثمرا كان أو لا بالتحريق والتغريق والهدم وغيره ~~لإخزائهم بذلك. ### || [59.6] # ولما كانت الغنائم التي تقسم بين الجيش إنما هي ما قاتلوا عليه، وأما ما ~~أتى منها بغير قتال فهو فيء يأخذه الإمام فيقسمه خمسة أخماس، ثم يقسم ~~خمسا منها خمسة أقسام، أحدها وهو كان للنبي صلى الله عليه وسلم يكون ~~بعده لمصالح المسلمين، والأقسام الأربعة الأخرى من هذا الخمس لمن ذكر في ~~الآية بعدها، والأربعة الأخماس الكائنة من أصل القسمة وهي التي كانت ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم لأنها حصلت بكفايته وإرعابه للعدو، تفرق ~~بين المرتزقة من جميع النواحي، فكانت الأموال كلها لله إنعاما على من ~~يعبده بما شرعه على ألسنه رسله عليهم الصلاة والسلام، كانت أموال الكفار ~~في أيديهم غصبا غصبوه من أوليائه، فخص سبحانه رسول صلى الله عليه وسلم ~~بأموال بني النضير يضعها حيث يشاء لأنها فيء فقال: { وما أفاء الله } أي ~~رد الملك الذي له الأمر كله ردا سهلا بعد أن كان فيما يظهر في غاية ~~العسر والصعوبة { على رسوله } فصيره في يده بعد أن كان خروجه عنها بوضع ~~أيدي الكفار عليه ظلما وعدوانا كما دل عليه التعبير بالفيء الذي هو عود ~~الظل إلى الناحية التي كان ابتدأ منها { منهم } أي ردا مبتدئا من ~~الفاسقين، فبين أن هذا فيء لا غنيمة، ويدخل في الفيء أموال من مات منهم ~~عن غير وارث وكذا الجزية، وأما الغنيمة فهي ما كان بقتال وإيجاف خيل ~~وركاب. # ولما كان الحرب إنما هو كر ms4983 وفر في إسراع وخفة ورشاقة بمخاتلة الفرسان ~~ومراوغة الشجعان ومغاورة أهل الضرب والطعان، قال معللا لكونه فيئا: { ~~فما أوجفتم } أي أسرعتم، وقال ابن إسحاق: حركتم واتبعتم في السير - ~~انتهى، وذلك الإيجاف للغلبة { عليه } وأعرق في النفي بالجار فقال: { من ~~خيل } وأكد بإعادة النافي لظن من ظن أنه غنيمة لإحاطتهم بهم فقال: { ولا ~~ركاب } أي إبل، غلب ذلك عليها نم بين المركوبات، ولا قطعتم من أجله ~~مسافة، فلم تحصل لكم كبير مشقة في حوز أموالهم لأن قريتهم كانت في حكم ~~المدينة الشريفة ليس بينها وبين ما يلي منها مسافة بل هي ملاصقة لإحدى ~~قرى الأنصار التي المدينة اسم لها كلها، وهي قرية بني عمرو بن عوف في ~~قباء بينهما وبين القرية التي كان رسول الله نازلا بها نحو ميلين، فمشى ~~الكل مشيا ولم يركب إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقاتلوا بها ~~قتالا بعد، فلذلك جعلها الله فيئا ولم يجعلها غنيمة، فهي تقسم قسمة ~~الفيء، لا قسمة الغنيمة، فخمسها لأهل خمس الغنيمة وهم الأصناف الخمسة ~~المذكورون في الآية التي بعدها، وما فضل فهو الأربعة الأخماس له صلى الله ~~عليه وسلم مضمومة إلى ما حازه من خمس الخمس. # ولما كان معنى هذا: فما كان التسليط بكم، استدرك بقوله: { ولكن الله } ~~أي الذي له العز كله فلا كفوء له { يسلط رسله } أي له هذه السنة في كل ~~زمن { على من يشاء } بجعل ما آتاهم سبحانه من الهيبة رعبا في قلوب ~~أعدائه، فهو الذي سلط رسوله صلى الله عليه وسلم على هؤلاء بأن ألقى في ~~روعه الشريف أن يذهب إليهم فيسألهم الإعانة في دية العامريين اللذين ~~قتلهما عمرو بن أمية الضمري رضي الله عنه خطأ، فلما جلس رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إلى جانب بيت من بيوتهم، وكانوا موادعين له صلى الله عليه ~~وسلم نقضوا عهدهم خفية مكرا منهم بعد أن رحبوا به ووعدوه الإعانة وأمروا ~~أحدهم أن يرمي عليه من فوق السطح صخرة لتقتله، فأعلمه الله بهذا فذهب ~~وترك أصحابه ms4984 هناك حتى لحقوا به، وهذا بعد ما كان حيي فعل من قدومه مكة ~~وندبه لقريش إلى حرب النبي صلى الله عليه وسلم ومعاقدته لهم على أن يكون ~~معهم عليه عليه الصلاة والسلام، وإعلام الله بذلك لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فأرسل إليهم بعد ما أصبح أنكم قد خنتم الله ورسوله، فأردتم أن ~~تفعلوا كذا، وأن الأرض لله ورسوله، فاخرجوا منها وقد أجلتكم عشرا، ~~فمكثوا على ذلك أياما يتجهزون ودس إليهم ابن أبي ومن معه من المنافقين ~~أنهم معهم في الشدة والرخاء لا يسلمونهم، وقال ابن أبي: معي ألفان من ~~قومي وغيرهم نم العرب يدخلون حصنكم فيموتون من عند آخرهم، وتمدكم قريظة ~~وحلفاؤكم من غطفان فطمع حيي بن أخطب في ذلك فأرسل إنا لا نخرج من ديارنا ~~فاصنع ما بدا لك، فقصدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في المؤمنين يحمل ~~رايته علي بن أبي طالب رضي الله عنه فصلى العصر بفنائهم بعد أن استعمل ~~على المدينة ابن أم مكتوم رضي الله عنه وأقام عليهم ست ليال وهم متحصنون، ~~فقطع من نخلهم وحرق فنادوه أن قد كنت تنهى عن الفساد وتعيبه على من صنعه ~~فما بالك تقطع النخل، وتربصوا نصر ابن أبي ومن معه على ما قالوا فلم يفوا ~~لهم، فألقى الله الرعب في قلوبهم فأرسلوا بالإجابة، فقال: لا إلا أن يكون ~~لي سلاحكم وما لم تقدروا على حمله على إبلكم من أموالكم، فتوقفوا ثم ~~أجابوا فحملوا من أموالهم ما استقلت به الإبل إلا الحلقة، وذهبوا على ~~ستمائة بعير، وأظهروا الحلي والحلل وأبدى نساؤهم زينتهن فلحق بعضهم بخيبر ~~وبعضهم بالشام وخلوا الأموال والحلقة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ~~يسلم منهم إلا رجلان يامين بن عمرو وأبو سعد بن وهب، أسلما على أموالهما ~~فأحرزاها فجعل الله أموال من لم يسلم منهم فيئا لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم خاصة به يضعها حيث يشاء كما روي ذلك في الصحيح عن عمر رضي الله ~~عنه في قصة مخاصمة علي والعباس رضي ms4985 الله عنهما، وفيه أنه من خصائصه صلى ~~الله عليه وسلم فإنه قال: إن الله قد خص رسوله صلى الله عليه وسلم في هذا ~~الفيء بشيء لم يعطه أحدا غيره، ثم قرأ { ما أفاء الله على رسوله منهم } ~~إلى قوله تعالى: { قدير } فكانت خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والله ما احتازها دونكم ولا استأثر بها عليكم قد أعطاكموها وبثها فيكم ~~حتى بقي منها هذا المال - يعني الذي وقع خصامهما فيه، فكان ينفق رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم على أهله نفقة سنتهم من هذا المال ثم يأخذ ما ~~بقي فيجعله مجعل ما لله، وفي الصحيح أيضا عن مالك بن أوس بن الحدثان عن ~~عمر رضي الله عنه قال: كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله ~~صلى الله عليه وسلم ما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، فكانت لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم خاصة ينفق على أهله منها نفقة سنة ثم يجعل ما ~~بقي في السلاح والكراع عدة في سبيل الله - انتهى، وقد قسم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أموالهم بعد ما تركه لنفسه بين المهاجرين، لم يعط الأنصار ~~منه شيئا إلا ثلاثة نفر كانت بهم حاجة شديدة: أبو دجانة سماك بن خرشة ~~وسهل بن حنيف والحارث بن الصمة رضي الله عنهم، وكان لسيف ابن أبي الحقيق ~~عندهم ذكر فنفله سعد بن معاذ رضي الله عنه وقال الأصبهاني: إن الفيء كان ~~يقسم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على خمسة وعشرين سهما أربعة ~~أخماسها وهي عشرون سهما لرسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل بها ما يشاء ~~ويحكم فيها ما أراد، والخمس الباقي على ما يقسم عليه خمس الغنيمة - يعني ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم وذوي القربى ومن بعدهم، هكذا كان عمله ~~صلى الله عليه وسلم في صفاياه، فلما توفي كانت إلى إمام المسلمين وكذا ~~جميع ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه قال: # " لا نورث، ما تركناه صدقة ms4986 ". # فولي ذلك أبو بكر رضي الله عنه ثم عمر رضي الله عنه، فكانا يفعلان فيها ~~ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم: وقال الأصبهاني رضي الله عنه ~~أيضا عن مالك بن أوس بن الحدثان رضي الله عنه: قرأ عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه # إنما الصدقات للفقراء # [التوبة: 60] حتى بلغ { عليم حكيم } ثم قال: هذه لهؤلاء ثم قرأ # واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه # [الأنفال: 41] ثم قال هذه لهؤلاء، ثم قرأ # ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى # [الحشر: 7] حتى بلغ # الفقراء المهاجرين والذين تبوءوا الدار والإيمان والذين جاؤوا من بعدهم # [الحشر: 7] ثم قال: استوعبت هذه المسلمين عامة فليس أحد إلا له فيها حق، ~~ثم قال: لئن عشت ليأتين الراعي نصيبه منه لم يعرف جبينه فيه - انتهى. # وقال ابن عطية: ما أخذ النبي صلى الله عليه وسلم لبني النضير ومن فدك ~~فهو خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم، وليس على حكم الغنيمة التي يوجف ~~عليها ويقاتل فيها، ومذهب الشافعي رضي الله عنه أن هذه الأموال التي هي ~~فيء كبقية الفيء يقسم على خمسة أسهم: خمس منها للأصناف المذكورة أولها ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأربعة أخماسها له صلى الله عليه وسلم وحده، ~~وأجاب الشافعي عن قول عمر رضي الله عنه، " فكانت هذه لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم خاصة " بأنه عام أريد به الخاص، ومعناه، فكان ما بقي منها في ~~يد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد إعطاء الخمس لأربابه خاصا به صلى ~~الله عليه وسلم، لا يشك أحد في خصوصيته به، ثم إنه مع ذلك ما احتازه ~~دونهم بل كان يفعل ما ذكر في الحديث من الإيثار، قال الشافعي رضي الله ~~عنه: لأنا لا نشك أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى الأصناف المذكورين في ~~الآية منها حقهم وقد عهدنا أن حق هؤلاء الأصناف من مال المشركين الخمس ~~كما هو صريح في سورة الأنفال، واستفيد من قول عمر رضي الله عنه " إنها ~~كانت للنبي ms4987 صلى الله عليه وسلم " أنه كان له ما كان يشترك فيه المسلمون ~~من الخمس من الغنيمة التي حصلت بما حصل للكفار من الرعب منهم، والذي كان ~~يشترك فيه المسلمون بعد الخمس هو أربعة الأخماس والنبي صلى الله عليه ~~وسلم قام مقام المسلمين فيه إذ هم لم يوجفوا عليه بخيل ولا ركاب، وإنما ~~حصل ذلك بالرعب الذي ألقاه الله لرسوله صلى الله عليه وسلم في قلوب ~~المشركين، فكانت الأربعة الأخماس تختص ممن كان السبب في حصول الجميع كما ~~في الغنيمة، فعلى هذا الفيء الغنيمة لا يختلفان في أن الأربعة الأخماس ~~تختص لمن كان السبب في حصول الجميع وأن خمس المالين يكون للأصناف ~~المذكورة، والذي كان له صلى الله عليه وسلم من الفيء من الأربعة الأخماس ~~يكون بعد موته صلى الله عليه وسلم للمقاتلة لأنه حصل بالرعب الحاصل ~~للكفار منهم كأربعة أخماس الغنيمة التي حصلت بقتالهم. # ولما كانت قدرته سبحانه عامة بالتسليط وغيره، أظهر ولم يضمر فقال: { ~~والله } أي الملك الذي له الكمال كله { على كل شيء } أي أي شيء يصح أن ~~تتعلق المشيئة به وهو كل ممكن من التسليط وغيره { قدير * } أي بالغ ~~القدرة إلى أقصى الغايات، والآية تدل على أن إيجاف الخيل والركاب وقصد ~~العدو إلى الأماكن الشاسعة له وقع كبير في النفوس ورعب عظيم. ### || [59.7] # ولما نزع سبحانه أموالهم من أيدي الجيش، بين مصرف غيرها مما كان مثلها ~~بأن فتح له صلى الله عليه وسلم بغير قتال فقال مستأنفا جوابا لمن كأنه ~~قال: هل يعم هذا الحكم كل فيء يكون بعد بني النضير: { ما أفاء الله } أي ~~الذي اختص بالعزة والحكمة والقدرة { على رسوله } ولما كان سبحانه محيط ~~العلم بأنه يسلط على أهل وادي القرى وغيرهم أعظم من هذا التسليط، قال ~~ليكون علما من أعلام النبوة: { من أهل القرى } أي قرية بني النضير ~~وغيرها من وادي القرى والصفراء وينبع وما هنالك من قرى العرب التي تسمى ~~قرى عربية { فالله } أي الملك الأعلى الذي الأمر كله بيده { وللرسول } ~~لأنه أعظم ms4988 خلقه، فرتبته تلي رتبته، وهذان يتراءى أنهما قسمان وليس كذلك، ~~هما قسم واحد، ولكنه ذكر سبحانه نفسه المقدس تبركا، فإن كل أمر لا يبدأ ~~به فهو أجذم، وتعظيما لرسوله صلى الله عليه وسلم إعلاما بأنه لا هوى له ~~أصلا في شيء من الدنيا، وإنما رضاه رضا مولاه، خلقه القرآن الذي هو صفة ~~الله فهو مظهره ومجلاه، وسهمه صلى الله عليه وسلم يصرف بعده لمصالح ~~المسلمين كالسلاح والثغور والعلماء والقضاة والأئمة. # ولما أبان هذا الكلام لرسول الله صلى الله عليه وسلم من الفضل والعظمة ~~ما لا يدخل تحت الوصف، أتبعه تعظيما آخر بتعظيم أقاربه لأجله، ولذلك ~~أعاد العامل فقال: { ولذي القربى } أي منه لأن رتبتهم من بعد رتبته وهم ~~بنو هاشم وبنو المطلب رهط إمامنا الشافعي رضي الله عنه سواء فيه غنيهم ~~وفقيرهم، لأن أخذهم لذلك بالقرابة لا بالحاجة كما هو مذهب الإمام الشافعي ~~رضي الله عنه. ولما ذكر أهل الشرف، أتبعه أهل الضعف جبرا لوهنهم فقال ~~مقدما أضعفهم: { واليتامى } أي الذين هم أحق الناس بالعطف لأن مبنى ~~الدين على التخلق بأخلاق الله التي من أجلها تقوية الضعيف وجبر الكسير { ~~والمساكين } فإنهم في الضعف على أثرهم ودخل فيهم الفقراء فإنه إذا انفرد ~~لفظ الفقير أو المساكين دخل كل منهما في الآخر، وإنما يفرق إذا جمع ~~بينهما، وكذا الفيء والغنيمة إذا أفردا جاز أن يدخل كل في الآخر، وإذا ~~جمعا فالفيء ما حصل بغير قتال وإيجاف خيل وركاب، والغنيمة ما حصل بذلك { ~~وابن السبيل } وهم الغرباء لانقطاعهم عن أوطانهم وعشائرهم، وقسمة الفيء ~~على هذه الأصناف كما مضى أن يقسم خمسة أقسام: خمس منها لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ومن ذكر معه من المخلوقين وذكر الله فيهم للتبرك، لأن ~~الأصناف المذكورة هي التي يعبر عنها باسمه سبحانه، والأربعة الأخماس خاصة ~~له صلى الله عليه وسلم ينفق منها نفقة سنة وما فضل عنه أنفقه في مصالح ~~المسلمين السلاح والكراع ونحوه، وما كان له صلى الله عليه وسلم في حياته ~~فهو للمصالح بعد وفاته، ms4989 كما كان يفعل بعد ما يفضل عن حاجته، قال الشافعي ~~رضي الله عنه في الأم: وما أخذ من مشرك بوجه من الوجوه غير ضيافة من مر ~~بهم من المسلمين فهو على وجهين لا يخرج منهما، كلاهما مبين في كتاب الله ~~تعالى وعلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم وفي فعله فأحدهما الغنيمة، قال ~~الله تعالى في سورة الأنفال: # واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول # [الأنفال: 41] والوجه الثاني الفيء، وهو مقسوم في كتاب الله في سورة ~~الحشر، قال الله تبارك وتعالى: { وما أفاء الله على رسوله منهم } - إلى ~~قوله - { رؤف رحيم } فهذان المالان اللذان خولهما الله من جعلهما له من ~~أهل دينه، وهذه أموال يقوم بها الولاة لا يسعهم تركها. فالغنيمة والفيء ~~تجتمعان في أن فيهما معا الخمس من جميعهما لمن سماه الله تعالى، ومن ~~سماه الله تعالى في الآيتين معا سواء مجتمعين غير مفترقين، ثم يفترق ~~الحكم في الأربعة الأخماس بما بين الله عز وجل على لسان نبيه صلى الله ~~عليه وسلم وفي فعله فإنه قسم أربعة أخماس الغنيمة، والغنيمة هي الموجف ~~عليها بالخيل والركاب لمن حضر من غني وفقير، والفيء وهو ما لم يوجف عليه ~~بخيل ولا ركاب، فكانت سنة النبي صلى الله عليه وسلم في قرى عرينة التي ~~أفاءها الله عليها أن أربعة أخماسها لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة ~~دون المسلمين يضعه رسوله الله صلى الله عليه وسلم حيث أراه الله عز وجل، ~~ثم ذكر حديث عمر رضي الله عنه من رواية مالك بن أوس بن الحدثان رضي الله ~~عنه في خصام علي والعباس رضي الله عنهما، قال الشافعي: فأموال بني النضير ~~التي أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم التي ذكر عمر رضي الله عنه ~~فيها ما بقي منها في يد النبي صلى الله عليه وسلم بعد الخمس وبعد أشياء ~~فرقها النبي صلى الله عليه وسلم منها بين رجال من المهاجرين لم يعط منها ~~أنصاريا إلا رجلين ذكرا فقرا وهذا مبين ms4990 في موضعه، وفي هذا الحديث دلالة ~~على أن عمر رضي الله عنه إنما حكى أن أبا بكر رضي الله عنه وهو أمضيا ما ~~بقي من هذه الأموال التي كانت بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم على وجه ~~ما رأيا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل به فيها، وأنهما لم يكن لهما ~~مما لم يوجف عليه المسلمون من الفيء ما كان لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأنهما إنما كانا فيه أسوة للمسلمين، وذلك سيرتهما وسيرة من بعدهما، ~~والأمر الذي لم يختلف فيه أحد من أهل العلم عندنا علمته ولم يزل يحفظ من ~~قولهم أنه ليس لأحد ما كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم من صفي الغنيمة ~~ولا من أربعة أخماس ما لم يوجف عليه منها، وقد مضى من كان ينفق عليه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من أزواجه وغيرهن إن كان معهن، فلم أعلم أحدا ~~من أهل العلم قال لورثتهم تلك النفقة التي كانت لهم، ولا خلاف أن تجعل ~~تلك النفقات حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم يجعل فضول غلات تلك ~~الأموال فيما فيه صلاح الإسلام وأهله، قال الشافعي: والجزية من الفيء ~~وسبيلها سبيل جميع ما أخذه مما أوجف من مال مشرك أن يخمس فيكون لمن سمى ~~الله عز وجل الخمس وأربعة أخماسه على ما سأبينه إن شاء الله تعالى، وكذلك ~~كل ما أخذ من مشرك من مال غير إيجاف، وذلك مثل ما أخذ منه إذا اختلف في ~~بلاد المسلمين ومثل ما أخذ منه إذا مات ولا وارث له، وغير ذلك ما أخذ من ~~ماله، وقد كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فيء من غير قرى عرينة، ~~وذلك مثل جزية أهل البحرين وهجر وغير ذلك فكان له أربعة أخماسها يمضيها ~~حيث أراد الله عز وجل وأوفى خمسه من جعله الله له - انتهى. # ولما حكم سبحانه هذا الحكم في الفيء المخالف لما كانوا عليه في الجاهلية ~~من اختصاص الأغنياء به، بين علته المظهرة لعظمته ms4991 سبحانه وحسن تدبيره ~~ورحمته فقال معلقا بما علق به الجار: { كي لا يكون } أي الفيء الذي سيره ~~الله سبحانه بقوته وما خص به نبيه صلى الله عليه وسلم من قذف الرعب في ~~قلوب أعدائه ومن حقه أن يعطاه الفقراء { دولة } أي شيئا يتناوله أهل ~~الغنى والشرف على وجه القهر والغلبة إثرة جاهلية - هذا على قراءة ~~الجماعة، وقرأ أبو جعفر وهشام عن ابن عامر بالتأنيث من { كان } التامة و ~~{ دولة } بالرفع على أنها فاعل { بين الأغنياء منكم } يتداولونه بينهم ~~فإنهم كانوا يقولون: من عزيز، ومنه قال الحسن: اتخذوا عباد الله خولا ~~ومال الله دولا - يريد من غلب منهم أخذه واستأثر به، وقيل: الضم اسم ~~للمتداول كالغرفة اسم لما يغترف، والفتح التداول. # ولما كان التقدير: فافعلوا ما أمرتكم من قسمته لمن أمرت به، عطف عليه ~~قوله: { وما } أي وكل شيء { آتاكم } أي أحضر إليكم وأمكنكم منه { الرسول ~~} أي الكامل في الرسلية من هذا وغيره { فخذوه } أي فتقبلوه تقبل من حازه ~~{ وما نهاكم عنه } من جميع الأشياء { فانتهوا } لأنه لا ينطق عن الهوى ~~ولا يقول ولا يفعل إلا ما أمره به الله ربه، فمن قبل ذلك هانت عليه ~~الأمور كما ورد (القرآن صعب مستصعب على من تركه ميسر على من طلبه وتبعه) ~~روي أن الآية نزلت في ناس من الأنصار قالوا: لنا من هذه القرى سهمنا. # ولما كان الكف عما ألفته النفوس صعبا، ولا سيما ما كان مع كونه تمتعا ~~بمال على وجه الرئاسة، رهب من المخالفة فيه بقوله: { واتقوا الله } أي ~~اجعلوا لكم بطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقاية من عذاب الملك ~~الأعظم المحيط علما وقدرة، وعلل ذلك بقوله، معظما له بإعادة الجلالة ~~مؤكدا لأن فعل المخالف فعل المنكر: { إن الله } أي الذي له وحده الجلال ~~والإكرام على الإطلاق { شديد العقاب * } أي العذاب الواقع بعد الذنب، ومن ~~زعم أن شيئا مما في هذه السورة نسخ بشيء مما في سورة الأنفال فقد أخطأ، ~~لأن الأنفال نزلت في بدر وهي قبل هذه ms4992 بمدة. ### || [59.8-9] # ولما نزع سبحانه أموال الفيء وما كانت عليه في الجاهلية، وبين مصرف ~~الفيء من القرى، وتهدد في المخالفة في ذلك لصعوبته على النفوس، فكان ذلك ~~جديرا بالتقبل بعد أن أفهم أن أموال بني النضير لمن سلطه عليهم وهو ~~رسوله صلى الله عليه وسلم، وكان من المعلوم من حاله صلى الله عليه وسلم ~~الإيثار على نفسه والقناعة بما دون الكفاف، بين المصرف فيها بعد كفايته ~~صلى الله عليه وسلم لأن بيان ذلك هو المقصود الأعظم لكونه حاصلا حاضرا، ~~الموطأ له بأموال أهل القرى، فقال مبدلا من { لله وللرسول } وما عطف ~~عليهما لأن من أعطى المهاجرين لهجرتهم وتجردهم من أموالهم وديارهم فإنما ~~أعطاهم لوجه الله ووجه رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا يكون بدلا من { ذي ~~القربى } لئلا يختص بفقيرهم، أو يكون جوابا لمن كأنه قال: قد سمعنا ~~وأطعنا فلمن يكون ما سلط الله ورسوله صلى الله عليه وسلم من أموالهم؟ ~~فقيل له: { للفقراء } أي الذي كان الإنسان منهم يعصب الحجر على بطنه من ~~الجوع ويتخذ الحفرة في الشتاء لتقيه البرد، ما له دثار غيرها بعد أن كان ~~له من الأموال ما يسعه ويفضل منه ما يصل به غيره، وإنما وصفهم بالفقر ~~لأنهم كانوا عند نزولها كذلك، ثم خصص بالوصف فقال: { المهاجرين } ولما ~~كانت الهجرة قد تطلق على من هجر أهل الكفر من غير مفارقة الوطن فقال: { ~~الذين أخرجوا } وبناه للمفعول لأن المنكئ الإخراج، لا كونه من مخرج معين ~~{ من ديارهم } ولما كان الإخراج هنا مضمنا معنى المنع، واختبر التعبير ~~به إشارة إلى أن المال السترة للإنسان لأنه ظرف له، قال: { وأموالهم }. # ولما كان غلب الدنيا من النقائص، بين أنه إذا كان من الله لم يكن كذلك، ~~وأنه لا يكون قادحا في الإخلاص، وأن أمر بني النضير إنما يسر تحقيقا ~~لرجائهم فقال: { يبتغون } أي أخرجوا حال كونهم يطلبون على وجه الاجتهاد. ~~وبين أنه لا يجب عليه شيء لأحد بقوله تعالى: { فضلا من الله } أي الملك ~~الأعظم الذي لا كفوء له ms4993 لأنه المختص بجميع صفات الكمال من الدنيا والدين ~~والآخرة فيغنيهم بفضله عمن سواه { ورضوانا } يوفقهم لما يرضيه عنهم ولا ~~يجعل رغبتهم في العوض منه قادحا في الإخلاص فيوصلهم إلى دار كرامته. # ولما وصفهم بتعليق بواطنهم به سبحانه وقطعها بالرضا بالإخراج عمن أو عما ~~سواه، وصفهم ببذل ظواهرهم له فقال: { وينصرون } أي على سبيل التجديد في ~~كل وقت والاستمرار { الله } أي الملك الأعظم المجيد { ورسوله } الذي ~~عظمته من عظمته بأنفسهم وأموالهم ليضمحل حزب الشيطان. ولما بان ما له بهم ~~سبحانه من العناية ترقب السامع من مدحهم ما يليق بهذا الإحبار. # فقال مستأنفا ما هو كالعلة لتخصيصهم: { أولئك } أي العالو الرتبة في ~~الأخلاق الفاضلة { هم } أي خاصة لا غيرهم { الصادقون } العريقون في هذا ~~الوصف لأن مهاجرتهم لما ذكر وتركهم لما وصف دل على كمال صدقهم فيما ادعوه ~~من الإيمان بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم حيث نابذوا من عاداهما وهو ~~القريب الصافي نسبا ودارا وأولوا أولياءهما من كانوا وإن بعدت دارهم ~~وشط مزارهم، وهذا يدل على أن مبنى الدين على إقامة البينات بالثبات عن ~~الابتلاءات على أن العون قد يأتي على قدر البلاء لأن الله تعالى قد خص ~~المهاجرين مما أذن فيه من أموال بني النضير. # ولما مدح المهاجرين وأعطاهم فطابت نفوس الأنصار بذلك وكانوا في كل حال ~~معه صلى الله عليه وسلم كالميت بين يدي الغاسل، مهما شاء فعل، ومهما أراد ~~منهم صار إليه ووصل، أتبعه مدحهم جبرا لهم وشكرا لصنيعهم فقال عاطفا ~~على مجموع القصة: { والذين تبوؤ } أي جعلوا بغاية جهدهم { الدار } ~~الكاملة في الدور وهي التي أعدها الله في الأزل للهجرة وهيأها للنصرة ~~وجعلها دائرة على جميع البلدان محيطة بها غالبة عليها محل إقامتهم ~~وملابستهم وصحبتهم وملازمتهم لكونها أهلا لأن يعود إليها من خرج منها ~~فلا يهجرها أصلا، فهي محل مناه وليست موضعا يهاجر منه لبركتها أو ~~خيرها. # ولما كان المراد الإبلاغ في مدحهم، قال مضمنا " تبوؤا " معنى لازم: { ~~والإيمان } أي ولابسوه وصحبوه وخصوه بالصحبة ولزموه لزوما هو كلزوم ms4994 ~~المنزل الذي لا غنى لنازله عنه، ويجوز أن يكون الإيمان وصفا للدار ~~بإعادة العاطف للإشارة إلى التمكن في كل من الوصفين فيكون كأنه قيل: ~~تبوؤا المدينة التي هي الدار وهي الإيمان لأنها محل تمكن الإيمان ~~وانتشاره وظهوره في سائر البلدان فلشدة ملابستها له سميت به، ويجوز أن ~~يكون المعنى: ومحل الإيمان إشارة إلى أنهم ما أقاموا بها لأجل أن أموالهم ~~بها بل محبة في الإيمان علما منهم بأنه لا يتم بدره، ويكمل شرفه وقدره، ~~وتنشر أعلامه ويقوى ذكره إلا بها، ولولا ذلك لهجروها وهاجروا إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم في أي مكان حله، فهو مدح لهم بأنه متصفون بالهجرة ~~بالقوة مع اتصافهم بالنصرة بالفعل. # ولما كان انفرادهم بإقامة الإيمان في الدار المذكورة قبل قدوم المهاجرين ~~عليهم مدحا تاما، قال مادحا لهم بذلك دالا بإثبات الجار على أنهم لم ~~يستغرقوا زمان القبل من حين إرسال الرسول صلى الله عليه وسلم بالأمرين: { ~~من قبلهم } أي قبل هجرة المهاجرين لأن وصفهم بالهجرة لم يكن إلا بعد ~~إيجادها فالأنصار جمعوا التمكن في الإيمان إلى التمكن في الدار من قبل أن ~~يجمع المهاجرون بينهما بالهجرة. # ولما ابتدأ ذكرهم هذا الابتداء الجليل، أخبر عنهم بقوله: { يحبون } أي ~~على سبيل التجديد والاستمرار، وقيل العطف على المهاجرين، وهذه حال فيكون ~~هذا حكما بالمشاركة { من هاجر } وزادهم محبة فيهم وعطفا عليهم بقوله: { ~~إليهم } لأن القصد إلى الإنسان يوجب حقه عليه لأنه لولا كمال محبته له ما ~~خصه بالقصد إليه، والدليل الشهودي على ما أخبر الله عنهم به من المحبة ~~أنهم شاطروا المهاجرين في أموالهم وعرضوا عليهم أن يشاطروهم نساءهم على ~~شدة غيرتهم، فأبى المهاجرون المشاطرة في النساء وقبلوا منهم الأموال. # ولما أخبرهم بالمحبة ورغبهم في إدامتها، عطف على هذا الخبر ما هو من ~~ثمراته فقال: { ولا يجدون } أي أصلا { في صدورهم } التي هي مساكن قلوبهم ~~فتصدر منها أوامر القلوب فضلا عن أن تنطق ألسنتهم. ولما كان المراد نفي ~~الطلب منهم لما خص به المهاجري، وكان الحامل على طلب ms4995 ذلك الحاجة، وكان كل ~~أحد يكره أن ينسب إلى الحاجة وإن أخبر بها عن نفسه في وقت ما لغرض قال: { ~~حاجة } موقعا اسم السبب على المسبب { مما أوتوا } أي المهاجرون من الفيء ~~وغيره من أموال بني النضير وغيرهم من أي مؤت كان فكيف إذا كان المؤتي هو ~~الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وإذا لم يجدوا حاجة تدعوهم إلى الطلب ~~فلأن لا يجدوا حسدا ولا غيظا من باب الأولى، فهذه الآية من أعظم حاث ~~على حسن الإخاء محذر من الحسد والاستياء. ولما أخبر عن تخليهم عن الرذائل ~~أتبعه الإخبار بتحليهم بالفضائل فقال: { ويؤثرون } عظم ذلك بقصر الفعل ~~فصار المعنى: يوقعون الأثرة وهي اختيار الأشياء الحسنة لغيرهم تخصيصا ~~لهم بها لا على أحبائهم مثلا بل { على أنفسهم } فيبذلون لغيرهم { كائنا ~~} من كان ما في أيديهم، وذكر النفس دليل على أنهم في غاية النزاهة من ~~الرذائل لأن النفس إذا ظهرت كان القلب أطهر، وأكد ذلك بقوله: { ولو كان } ~~أي كونا هو في غاية المكنة { بهم } أي خاصة لا بالمؤثر { خصاصة } أي فقر ~~وخلل في الأحوال وحاجة شديدة تحيط بهم من كل جانب، من خصائص البناء وهي ~~فرجه. # ولما كان التقدير: فمن كان كذلك فهو من الصادقين: عطف عليه قوله: { ومن ~~} ولما كان المقصود النزاهة عن الرذيلة من أي جهة كانت، وكان علاج ~~الرذائل صعبا جدا، لا يطيقه الإنسان إلا بمعونة من الله شديدة، بنى ~~للمفعول قوله: { يوق شح نفسه } أي يحصل بينه وبين أخلاقه الذميمة المشار ~~إليها بالنفس، وقاية تحول بينه وبينها، فلا يكون مانعا لما عنده، حريصا ~~على ما عند غيره حسدا، قال ابن عمر رضي الله عنه: الشح أن تطمح عين ~~الرجل فيما ليس له، قال صلى الله عليه وسلم: # " اتقوا الشح فإنه أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم ~~واستحلوا محارمهم ". # ولما كان النظر إلى التطهير من سفساف الأخلاق عظيما، سبب عنه إفهاما ~~لأنه لا يحصل ما سببه عنه بدونه قوله { فأولئك }: أي العالو المنزلة { هم ~~} أي ms4996 خاصة لا غيرهم { المفلحون * } أي الكاملون في الفوز بكل مراد، قال ~~القشيري: وتجرد القلب من الأعراض والأملاك صفة السادة والأكابر، ومن ~~أسرته الأخطار وبقي في شح نفسه فهو في مصارفة معاملته ومطالبة الناس في ~~استيفاء حظه، فليس له من مذاقات هذه الطريقة شيء. # وشرح الآية أن الأنصار كانوا لما قدم عليهم المهاجرون قسموا دورهم ~~وأموالهم بينهم وبينهم، فلما أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم ~~أموال بني النضير خطب النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ما صنعوا بالمهاجرين ~~من إنزالهم إياهم وأثرتهم على أنفسهم، ثم قال # " إن أحببتم قسمت بينكم وبين المهاجرين ما أفاء الله علي من بني النضير ~~" # ، وكان المهاجرون على ما هم عليه من السكنى في منازلكم وأموالكم، وإن ~~أحببتم أعطتيهم وخرجوا من دياركم، فقال السعدان رضي الله عنهما: بل يقسم ~~بين المهاجرين خاصة ويكونون في دورنا كما كانوا، وقالت الأنصار: رضينا ~~وسلمنا، وفي رواية أنهم قالوا: اقسم فيها هذه خاصة واقسم لهم من أموالنا ~~ما شئت، فنزلت { ويؤثرون على أنفسهم } - الآية، وقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار، وقال أبو بكر الصديق رضي الله ~~عنه: جزاكم الله خيرا يا معشر الأنصار " # ، فوالله ما مثلنا ومثلكم إلا كما قال العنزي: # جزى الله عنا جعفرا حين أزلقت # بنا نعلنا في الواطئين فزلت # أبوا أن يملونا ولو أنا أمنا # تلاقي الذي يلقون منا لملت # فهم لعمري الحقيقون باسم إخوان الصفاء، وخلان المروءة والوفاء، والكرامة ~~والاصطفاء، ورضي الله عنهم وعن تابعيهم من الكرام الخلفاء والسادة ~~والحنفاء. ### || [59.10] # ولما أثنى الله سبحانه وتعالى على المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم بما ~~هم أهله، التابعين لهم بإحسان ما يوجب لهم الثناء فقال عاطفا على ~~المهاجرين فيقتضي التشريك معهم، أو على أصل القصة من عطف الجمل: { والذين ~~جاؤوا } أي من أي طائفة كانوا، ولما كان المراد المجيء ولو في زمن يسير، ~~أثبت الجار فقال: { من بعدهم } أي بعد المهاجرين والأنصار وهم من آمن بعد ~~انقطاع الهجرة بالفتح وبعد إيمان ms4997 الأنصار الذين أسلموا بعد النبي صلى ~~الله عليه وسلم إلى يوم القيامة، ثم ذكر الخبر أو الحال على نحو ما مضى ~~في الذي قبله فقال تعالى: { يقولون } أي على سبيل التجديد والاستمرار ~~تصديقا لإيمانهم بدعائهم لمن سنه لهم: { ربنا } أي أيها المحسن إلينا ~~بإيجاد من مهد الدين قبلنا. ولما كان الإنسان وإن اجتهد موضعا للنقصان ~~قال ملقنا لنا: { اغفر } أي أوقع الستر على النقائص أعيانها وآثارها { ~~لنا } ولما بدؤوا بأنفسهم، ثنوا بمن كان السبب في إيمانهم فقالوا: { ~~ولإخواننا } أي في الدين فإنه أعظم أخوة، وبينوا العلة بقولهم: { الذين ~~سبقونا بالإيمان } ولما لقنهم سبحانه حسن الخلافة لمن مهد لهم ما هم فيه، ~~أتبعه تلقين ما يعاشرون به أعضادهم الذين هم معهم على وجه يعم من قبلهم، ~~فقال معلما بأن الأمر كله بيده حثا على الالتجاء إليه من أخطار النفس ~~التي هي أعدى الأعداء: { ولا تجعل } وأفهم قوله: { في قلوبنا } أن رذائل ~~النفس قل أن تنفك وأنها إن كانت مع صحة القلب أوشك أن لا تؤثر { غلا } ~~أي ضغنا وحسدا وحقدا وهو حرارة وغليان يوجب الانتقام { للذين آمنوا } ~~أي أقروا بالإيمان وإن كانوا في أدنى درجاته. # ولما كان هذا دعاء جامعا للخير، لقنهم ما يجيبهم في لزومه والتخلق به ~~مع ما فيه من التملق للإله والتعريض له بقوة الرجاء فقال: { ربنا } أي ~~أيها المحسن إلينا بتعليم ما لمن نكن نعلم، وأكدوا إعلاما بأنهم يعتقدون ~~ما يقولونه وإن ظهر من أفعالهم ما يقدح في اعتقادهم ولو في بعض الأوقات ~~فقالوا: { إنك رؤوف } أي راحم أشد الرحمة لمن كانت له بك وصلة بفعل من ~~أفعال الخير { رحيم * } مكرم غاية الإكرام لمن أردته ولو لم يكن له وصلة، ~~فأنت جدير بأن تجيبنا لأنا بين أن يكون لنا وصلة فنكون من أهل الرأفة، أو ~~لا فنكون من أهل الرحمة، فقد أفادت هذه الآية أن من كان في قلبه غل على ~~أحد من الصحابة رضي الله عنهم فليس ممن عنى الله بهذه الآية. ### || [59.11-14] # ولما دل على ms4998 أن هذا الثناء للصادقين في الإيمان بإقامة السنة بالهجرة ~~والإيثار والاجتهاد في الدعاء لمن تبين الإيمان فسهل به طريق الأمان، ~~فأخرج ذلك المنافقين وأفهم أنهم لا يفعلون ذلك لأنهم لا رسوخ لهم في ~~الإيمان الحامل على ذلك، دل على نفاقهم الموجب لكذبهم بقوله متمما للقصة ~~مخاطبا لأعلى الخلق إشارة إلى أنه لا يطلع على نفاقهم لما لهم فيه من ~~دقة المكر حق الاطلاع غيره صلى الله عليه وسلم معجبا من حالهم في عدم ~~رسوخهم مع ما يرون من المعجزات والآيات البينات ويرون من حال المؤمنين من ~~إسباغ الرحمة عليهم بتسهيل الأمور والنصرة على الجبابرة والإعراض عن ~~الدنيا مع الإقبال على الآخرة والاجتهاد في الدين الذي هو وحده داع إلى ~~الإيمان ومرقق للقلوب ومبين للحقائق غاية البيان: { ألم تر } أي تعلم ~~علما هو في قوة الجزم به كالمشاهد يا أعلى الخلق، وبين بعدهم عن جنابه ~~العالي ومنصبه الشريف الغالي بأداة الانتهاء فقال تعالى: { إلى الذين ~~نافقوا } أي أظهروا غير ما أضمروا، أظهروا الخير وبالغوا في إخفاء ~~عقائدهم بالشر مبالغة من ساجل غيره، وهم عبد الله بن أبي وأصحابه، قالوا: ~~والنفاق لفظ إسلامي لم تكن العرب تعرفه قبله، وهو استعارة من فعل الضب في ~~نافقائه وقاصعائه، وصور حالهم بقوله: { يقولون لإخوانهم } أي من الموالاة ~~بالضلالة. # ولما جمعهم في الكفر وإن افترقوا في المساترة والمجاهرة، وصف المجاهرين ~~بنوع مساترة توجب النفرة منهم وتقضي بهلاك من صادقهم فقال: { الذي كفروا ~~} أي غطوا أنوار المعارف التي دلتهم على الحق، وعينهم بما أبلغ في ذمهم ~~من حيث إنهم ضلوا على علم فقال: { من أهل الكتاب } وهم بنو النضير هؤلاء، ~~وبكتهم بكذبهم فيما أكدوا الموعد به لأنه في حيز ما ينكر من جهة أنهم لا ~~يقدرون على المجاهرة بكفرهم فكيف بالمبارزة بالخلاف لقومهم الأنصار ~~والنبي صلى الله عليه وسلم فيهم في قولهم: { لئن أخرجتم } أي من مخرج ما ~~من بلدهم الذي في المدينة الشريفة فخرجتم من غير أن تقاتلوا { لنخرجن ~~معكم } فكان ما قضي به على إخوانهم ms4999 من الإخراج فألا وكل بمنطقهم. # ولما كان من المعلوم أن للمنافقين أقارب من أكابر المؤمنين، وكان من ~~المعلوم - أنهم يقومون عليهم في منعهم من القيام معهم نصيحة لهم وإحسانا ~~إليهم، وكان تجويز بني النضير موهنا لذلك، قالوا مؤكدين للكون معهم: { ~~ولا نطيع فيكم } أي في خذلانكم، والمعنى أنه لو فرض أنه صار أحد في القرب ~~منكم مثل قرب المظروف من الظرف ما أطعناه في التقصير فيما يسركم { أحدا ~~} أي يسألنا خذلانكم من الرسول والمؤمنين، وأكدوا بقولهم: { أبدا } أي ~~ما دمنا نعيش، وبمثل هذا العزم استحق الكافر الخلود الأبدي في العذاب. # ولما قدموا في معونتهم ما كان فألا قاضيا عليهم، أتبعوه قولهم: { وإن ~~قوتلتم } أي من أي مقاتل كان فقاتلتم ولم تخرجوا { لننصرنكم } فالآية من ~~الاحتباك: ذكر الإخراج أولا دليلا على ضده ثانيا، والقتال ثانيا ~~دليلا على حذف ضده أولا، ومعنى الآية أن النبي صلى الله عليه وسلم إلى ~~بني النضير: # " اخرجوا من بلدي ولا تساكنوني، قد هممتم بالغدر بن وقد أجلتكم عشرا، ~~فمن رئي بعد لك منكم ضربت عنقه " # فأرسل إليهم ابن أبي بما تقدم. # ولما كان قولهم هذا كلاما يقضي عليه سامعه بالصدق من حيث كونه مؤكدا ~~مع كونه مبتدأ من غير سؤال فيه، بين حاله سبحانه بقوله: { والله } أي ~~يقولون ذلك والحال أن المحيط بكل شيء قدرة وعلما { يشهد } بما يعلم من ~~بواطنهم في عالم الغيب. ولما كان بعض من يسمع قولهم هذا ينكر أن لا ~~يطابقه الواقع، وكان إخلافهم فيه متحققا في علم الله، أطلق عليه ما لا ~~يطلق إلا على ما كشف الواقع عن أنه غير مطابق، فقال تشجيعا للمؤمنين على ~~قتالهم مؤكدا { إنهم } أي المنافقون { لكاذبون * } وهذا من أعظم دلائل ~~النبوة لأنه إخبار بمغيب بعيدة عن العادة بشهادة ما ظننتم أن يخرجوا ~~فحققه الله عن قريب. # ولما كان الكذب في قولهم هذا كونه إخبارا بما لا يكون، شرحه بقوله ~~مؤكدا بأعظم من تأكيدهم: { لئن أخرجوا } أي بنو النضير من أي مخرج كان { ~~لا يخرجون } أي ms5000 المنافقون { معهم } أي حمية لهم لأسباب يعلمها الله { ~~ولئن قوتلوا } أي اليهود من أي مقاتل كان فكيف بأشجع الخلق وأعلمهم صلى ~~الله عليه وسلم { لا ينصرونهم } أي المنافقون ولقد صدق الله وكذبوا في ~~الأمرين معا: القتال والإخراج، لا نصروهم ولا خرجوا معهم، فكان ذلك من ~~أعلام النبوة، وعلم به من كان شاكا فضلا عن الموقنين، صدق الكلام على ~~ما لم يكن ولا ليكون لو كان كيف كان يكون بصدق الكلام على ما لم يكن ~~ويكون كيف يكون إذا كان في قوله تعالى: { ولئن نصروهم } أي المنافقون في ~~وقت من الأوقات { ليولن } أي المنافقون ومن ينصرونه، وحقرهم بقوله: { ~~الأدبار } ولما كان من عادة العرب الكر بعد الفر، بين أنهم لا كرة لهم ~~بعد هذه الفرة وإن طال المدى فقال: { ثم لا ينصرون * } أي لا يتجدد ~~لفريقيهم ولا لواحد منهما نصرة في وقت من الأوقات، وقد صدق سبحانه لم يزل ~~المنافقون واليهود في الذل ولا يزالون. # ولما كان ربما قيل: إن تركهم لنصرهم إنما هو لخوف الله أو غير ذلك مما ~~يحسن وقعه، علل بما ينفي ذلك ويظهر أن محط نظرهم المحسوسات كالبهائم فقال ~~مؤكدا له لأجل أن أهل النفاق ينكرون ذلك وكذا من قرب حاله منهم: { لا ~~أنتم } أيها المؤمنون { أشد رهبة } أي من جهة الرهبة وهو تمييز محول عن ~~المبتدأ أي لرهبتكم الكائنة فيهم أشد وأعظم { في صدورهم } أي اليهود ومن ~~ينصرهم مما أفاض إليها من قلوبهم { من الله } أي من رهبتهم التي يظهرونها ~~لكم منه وإن ذكروه بكل صفة من صفاته فرهبتهم منكم بسبب لإظهارهم أنه ~~يرهبون الله رياء لكم. # ولما كان هذا مما يتعجب منه المؤمن علله بقوله: { ذلك } أي الأمر الغريب ~~وهو خوفهم الثابت اللازم من مخلوق مثلهم ضعيف يزينهم له وعدم خوفهم من ~~الخالق على ما له من العظمة وذاته ولكونه غنيا عنهم { بأنهم قوم } أي ~~على ما لهم من القوة { لا يفقهون * } أي لا يتجدد لهم بسبب كفرهم ~~واعتمادهم على مكرهم في وقت من الأوقات ms5001 فهم يشرح صدورهم ليدركوا به أن ~~الله هو الذي ينبغي إن يخشى لا غيره، بل هم كالحيوانات لا نظر لهم إلى ~~الغيب إنما هم مع المحسوسات، والفقه هو العلم بمفهوم الكلام ظاهره الجلي ~~وغامضه الخفي بسرعة فطنة وجودة قريحة. # ولما أخبر برهبتهم دل عليها بقوله: { لا يقاتلونكم } أي كل من الفريقين ~~اليهود والمنافقين أو أحدهما. ولما كان الشيء قد يطلق ويراد بعضه، حقق ~~الأمر بقوله: { جميعا } أي قتالا يقصدونه مجاهرة وهم مجتمعون كلهم في ~~وقت من الأوقات ومكان من الأماكن { إلا في قرى محصنة } أي ممنعة بحفظ ~~الدروب وهي السكك الواسعة بالأبواب والخنادق ونحوها { أو من وراء جدر } ~~أي محيط بهم سواء كان بقرية أو غيرها لشدة خوفهم، وقد أخرج بهذا ما حصل ~~من بعضهم عن ضرورة كاليسير، ومن كان ينزل من أهل خيبر من الحصن يبارز ~~ونحو ذلك، فإنه لم يكن عن اجتماع، أو يكون هذا خاصا ببني النضير في هذه ~~الكرة. # ولما كان ربما ظن أن هذا عن عجز منهم لازم لهم دفعه بقوه إعلاما بأنه ~~إنما هو من معجزات هذا الدين: { بأسهم } أي قوتهم ما فيهم من الصفات التي ~~يتأثر عنها العذاب { بينهم شديد } أي إذا أداروا رأيا أو حارب بعضهم ~~بعضا فجرأ المؤمنين عليهم بأن ما ينظرونه من شدتهم وشجاعتهم إذا حاربوا ~~المشركين لا ينكر عند محاربة المؤمنين كرامة أكرم الله بها المؤمنين ~~تتضمن علما من أعلام النبوة تقوية لإيمانهم وإعلاء لشأنهم. # ولما كانت علة الشدة الاجتماع، شرح حالتي الشدة والرهبة بقوله مخاطبا ~~للنبي صلى الله عليه وسلم إشارة إلى شدة ما يظهرون من ألف بعضهم لبعض: { ~~تحسبهم } أي اليهود والمنافقين يا أعلى الخلق ويا أيها الناظر من كان ذلك ~~التعاطف الظاهر { جميعا } لما هم فيه من اجتماع الدفاع وعن ذلك نشأت ~~الشدة { وقلوبهم شتى } أي مفترقة أشد افتراق، وعن ذلك نشأت الرهبة، وموجب ~~هذا الشتات اختلاف الأهواء التي لا جامع لها من نظام العقل كالبهائم وإن ~~اجتمعوا في عداوة أهل الحق كاجتماع البهائم في الهرب ms5002 من الذئب، قال ~~القشيري: اجتماع النفوس مع تنافر القلوب واختلافها أصل كل فساد وموجب كل ~~تخاذل، ومقتض لتجاسر العدو، واتفاق القلوب والاشتراك في الهمة والتساوي ~~في القصد يوجب كل ظفر وكل سعادة. # ولما كان السبب الأعظم في الافتراق ضعف العقل، قال معللا: { ذلك } أي ~~الأمر الغريب من الافتراق بعد الاتفاق الذي يخيل الاجتماع { بأنهم قوم } ~~أي مع شدتهم { لا يعقلون * } فلا دين لهم يجمعهم لعلمهم أنهم على الباطل ~~فهم أسرى الأهوية، والأهوية في غاية الاختلاف، فالعقل مدار الاجتماع كما ~~كان الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ~~كما أن الهوى مدار الاختلاف. ### || [59.15-17] # ولما كان الإخبار بعدم عقلهم دعوى دل عليها بأمر مشاهد فقال: { كمثل } ~~أي قصتهم في عدم فقههم بل عقلهم الذي نشأ عنه إخراجهم هذا وما سببه من ~~مكرهم وغدرهم واعتمادهم على ابن أبي ومن معه من المنافقين كمثل قصة { ~~الذين من قبلهم } ولما كان إدخال الجار مع دلالته على عدم استغراق زمان ~~القبل يدل على قرب الزمن، صرجح به فقال: { قريبا } وهم كما قال ابن عباس ~~رضي الله عنهما بنو قينقاع من أهل دينهم اليهود أظهروا بأسا شديدا عند ~~ما قصدهم النبي صلى الله عليه وسلم غزوة بدر فوعظهم وحذرهم بأس الله ~~فقالوا: لا يغرنك يا محمد أنك لقيت قوما أغمارا لا علم لهم بالحرب ~~فأصبت منهم، وأما والله لو قاتلتنا لعلمت أنا نحن الناس، ثم مكروا بامرأة ~~من المسلمين فأرادوها على كشف وجهها فأبت فعقدوا طرف ثوبها من تحت ~~خمارها، فما قامت انكشفت سوأتها فصاحت فغار لها شخص من الصحابة رضي الله ~~عنهم، فقتل اليهودي الذي عقد ثوبها فقتلوه، فانتقض عهدهم، فأنزل النبي ~~صلى الله عليه وسلم بساحتهم جنود الله فأذلهم الله ونزلوا من حصنهم على ~~حكمه صلى الله عليه وسلم وقد كانوا حلفاء ابن أبي، ولم يغن عنهم شيئا ~~غير أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم في أن لا يقتلهم وألح عليه حتى كف ~~عن قتلهم فذهبوا عن المدينة ms5003 الشريفة بأنفسهم من غير حشر لهم بالإلزام ~~بالجلاء. # ولما كان كأنه قيل: ما كان خبرهم؟ قال: { ذاقوا وبال } أي وخامة وسوء ~~عاقبة { أمرهم } في الدنيا وهو كفرهم وعداوتهم لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وحزبه الذين هم حزب الله، وسماه أمرا لأنه مما ائتمروا فيه { ولهم ~~} أي في الآخرة { عذاب أليم * } أي شديد الإيلام، ولما شبه سبحانه أمرهم ~~في طاعتهم لابن أبي ومن معه وهم البعداء المحترقون بسبب إبعاد المؤمنين ~~لهم بإبعاد الله واحتراق أكبادهم لذلك مع ما أعد لهم في الآخرة بأمر بني ~~قينقاع، شبه قصة الكل بقصة الشيطان ومن أطاعه من الإنس والجن، فقال ~~مبينا لمعنى ما حط عليه آخر الكلام: { كمثل } أي مثل الكل الواعدين ~~بالنصر والمغترين بوعدهم مع علمهم بأن الله كتب في الذكر # لأغلبن أنا ورسلي # [المجالة: 21] في إخلافهم الوعد وإسلامهم إياهم عند ما حق الأمر يشبه ~~مثل { الشيطان } أي البعيد من كل خير لبعده من الله المحترق بعذابه، ~~والشيطان هنا مثل المنافقين { إذا قال للإنسان } أي كل من فيه نوس ~~واضطراب وهو هنا مثل اليهود: { اكفر } أي بالله بما زين له ووسوس إليه من ~~اتباع الشهوات القائم مقام الأمر. # ولما كان الإنسان بما يساعد تزيين الشيطان عليه من شهواته وحظوظه ~~وأخلاقه يطيع أمره غالبا قال: { فلما كفر } أي أوجد الكفر على أي وجه ~~كان، ودلت الفاء على إسراعه في متابعة تزيينه { قال } أي الشيطان الذي هو ~~هنا عبارة عن المنافقين مؤكدا لما لمن تعلق بمن أكد له الوعد بشيء من ~~صادق الاعتماد عليه والتكذيب بأنه يخذله: { إني بريء منك } أي ليس بيني ~~وبينك علاقة في شيء أصلا ظنا منه أن هذه البراءة تنفعه شيئا مما ~~استوجبه المأمور بقبوله لأمره، وذلك كناية عن أنه فعل معه من الإعراض عنه ~~والتمادي في كل ما يدل على إهماله من أكد البراءة منه، وذلك كما فعل ~~المنافقون باليهود جرؤوهم على أمر ينهى وهو الإقامة في بلدهم، فلما نصبوا ~~الحرب طمعا في نصرهم فعل المنافقون بتباطؤهم عنهم فعل المتبرئ ms5004 منهم فكان ~~ذلك أشد عليهم مما لم يطمعوهم في نصرهم لأن هذا بمنزله انهزامهم عنهم من ~~الصف الموجب لانهزامهم لا محالة، ثم علل البراءة بقوله: { إني أخاف الله ~~} أي الملك الذي لا أمر لأحد معه فلا تطاق صولته، ثم شرح ذلك بقوله: { رب ~~العالمين * } أي الذي أوجدهم من العدم ورباهم بما يدل على جميع الأسماء ~~الحسنى والصفات العلى، فلا يغني أحد من خلقه عن أحد شيئا إلا بإذنه وهو ~~لا يغفر أصلا لمن يقدح ربوبيته ولا سيما إن نسبها إلى غيره، وكان هذا ~~كمثل ما يجد الإنسان بعد الوقوع في المعصية من الندم والحيرة، فإذا وجد ~~ذلك وهم بالتوبة زين له المعصية وصعب عليه أمر التوبة وعسره وجرأه على ~~المعصية بعينها أو على ما هو أكبر منها، ولا يزال كذلك حتى يتعذر عليه ~~الرجوع فيتحقق هلاكه وهلاك من أوقعه، فلذلك سبب عنه قوله: { فكان } ولما ~~كان تقديم الشيء على محله موجبا لروعة تنبه الإنسان للتفتيش عن السبب ~~والتشويق إلى المؤخر قال: { عاقبتهما } مقدما لخبر " كان " { أنهما } أي ~~الغار والمغرور { في النار } حال كونهما { خالدين فيها } لأنهما ظلما ~~ظلما لا فلاح معه. # ولما كان ذلك قد يحمل على أنه في الإنسان بعينه، قال معلقا بالوصف، ~~تعميما وزجرا عنه: { وذلك } أي العذاب الأكبر { جزاء الظالمين * } أي ~~كل من وضع العبادة في غير محلها. ### || [59.18-21] # ولما أبلغ سبحانه في المواعظ في هذه السورة قولا وفعلا، وكانت ~~الإيقاعات المذكورة فيها مسببة عن الخيانات ممن كان له عهد فنقضه، أو ممن ~~كان أظهر الإيمان فأبان فعله كذبه، قال سبحانه وتعالى استنتاجا عن ذلك ~~وعظا للمؤمنين لأن الوعظ بعد المصائب أوقع في النفس وأعظم في ترقيق ~~القلب وتحذيره مما يوجب العقوبة: { يا أيها الذين آمنوا } مناديا لهم ~~نداء البعد معبرا بأدنى أسنان الإيمان لأنه عقب ذكر من أقر بلسانه فقط { ~~اتقوا الله } أي اجعلوا لكم وقاية تقيكم سخط الملك الأعظم الذي لا أمر ~~لأحد معه ولا بد أن يستعرض عبيده، فاحذروا عقوبته بسب التقصير فيما حده ms5005 ~~لكم من أمر أو نهي { ولتنظر نفس } أي كل نفس تنظر إلى نفاستها وتريد ~~العلو على أقرانها، ولعله وحدها للإشارة مع إفادة التعميم إلى قلة الممثل ~~لهذا الأمر جدا { ما قدمت } أي من الزاد الذي يكون به صلاح المنزل الذي ~~من لم يسع في إصلاحه لم يكن له راحة، هل يرضي الملك ما قدمته فينجيها أو ~~يغضبه فيرديها. # ولما كان الأجل مبهم الوقت، فكان لقاء الله في كل يوم بل كل لحظة للعاقل ~~مترقبا لكونه ممكنا مع كونه على الإطلاق محققا لا يجهله أحد، قال ~~مشيرا بتنكيره وإبهامه إلى تهويله وإعظامه: { لغد } أي لأجل العرض بعد ~~الموت أو في يوم القيامة الذي هو في غاية القرب لأن هذه الدنيا كلها يوم ~~واحد يجيء فيه ناس ويذهب آخرون، والموت أو الآخرة غده، لا بد من كل ~~منهما، وكل ما لا بد منه فهو في غاية القرب لا سيما إن كان باقيا غير ~~منقض، وكل من نظر لغده أحسن مراعاة يومه، وتنوينه للتعظيم من جهات لا ~~تحصى. # ولما أمر بتقواه سبحانه خوفا من سطواته أمر بتقواه لأجل مراقبته حياء ~~من جلالته وهيبته تأكيدا للأمر لأن مدار النجاة على التقوى لأن مكايد ~~الشيطان دقيقة، فمن لم يبالغ في محاسبة نفسه وتفقد ما يمكن أن يكون من ~~الخلل في أعماله أوشك أن يحبط الشيطان أعماله فقال تعالى: { واتقوا الله ~~} أي الجامع لجميع صفات الكمال أي اتقوه حياء منه، فالتقوى الأولى لإيجاد ~~صور الأعمال، وهذه لتصفيتها وتزكية أرواحها، ولذلك علل بقوله مرغبا ~~مرهبا: { إن الله } أي الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلى { خبير } ~~أي عظيم الاطلاع على ظواهركم وبواطنكم والإحاطة { بما تعملون * } فلا ~~تعملون عملا إلا كان بمرأى منه ومسمع فاستحيوا منه، وكرر الاسم الأعظم ~~كراهية أن يظن تقييد التقوى بحيثية من الحيثيات تعظيما لهذا المقام ~~إعلاما بأن شؤونه لا تنحصر وأن إحاطته لا تخص مقاما دون مقام ولا شأنا ~~سوى شأن. # ولما هز إلى تقواه تارة بالخوف وأخرى بالحياء تأكيدا لها، وعلل ذلك بما ms5006 ~~له شعبة من التحذير، وكان الإنسان لما له من النسيان أحوج إلى التحذير، ~~قال مؤكدا لشعبته وإيضاحا لأن التقوى الثانية لمحاسبة النفس في تصفية ~~العمل: { ولا تكونوا } أيها المحتاجون إلى التحذير وهم الذي آمنوا { ~~كالذين نسوا الله } أي أعرضوا عن أوامره ونواهيه وتركوها ترك الناسين لمن ~~برزت عنه مع ما له من صفات الجلال والإكرام لما استغواهم به من أمره ~~الشيطان حتى أبعدهم جدا عن العمران { فأنساهم } أي فتسبب عن ذلك أن ~~أنساهم بما له من الإحاطة بالظواهر والبواطن { أنفسهم } فلم يقدموا لها ~~ما ينفعها وإن قدموا شيئا كان مشوبا بالمفسدات من الرياء والعجب، ~~فكانوا مما قال فيه. سبحانه وتعالى # وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة تصلى نارا حامية تسقى من عين آنية # [الغاشية: 2 - 3 - 4 - 5] لأنهم لم يدعوا بابا من أبواب الفسق فإن رأس ~~الفسق الجهل بالله، ورأس العلم ومفتاح الحكمة معرفة النفس، فأعرف الناس ~~بنفسه أعرفهم بربه " من عرف نفسه فقد عرف ربه ". # ولما كانت ثمرة ذلك أنهم أضاعوها - أي التقوى - فهلكوا قال: { أولئك } ~~أي البعيدون من كل خير { هم } أي خاصة دون غيرهم { الفاسقون * } أي ~~العريقون في المروق من دائرة الدين. # ولما تم الدليل على أن حزب الله هم المفلحون لما أيدهم به في هذه الحياة ~~الدنيا من النصر والشدة على الأعداء واللين والمعاضدة للأولياء وسائر ~~الأفعال الموصلة إلى جنة المأوى، وصرح في آخر الدليل بخسران حزب الشيطان ~~فعلم أن لهم مع هذا الهوان عذاب النيران، وكان المغرور بعد هذا بالدنيا ~~الغافل عن الآخرة لأجل شهوات فانية وحظوظ زائلة عاملا عمل من يعتقد أنه ~~لا فرق بين الشقي بالنار والسعيد بالجنة لتجشمه التجرع لمرارات الأعمال ~~المشتملة عليها، أشج ذلك قوله منزلا لهم منزلة الجازم بذلك أو الغافل ~~عنه تنبيها لهم على غلطهم وإيقاظا من غفلتهم: { لا يستوي } أي بوجه من ~~الوجوه { أصحاب النار } التي هي محل الشقاء الأعظم { وأصحاب الجنة } التي ~~هي دار النعيم الأكبر لا في الدنيا ولا في الآخرة وهي من أدلة أنه لا ~~يقتل ms5007 مسلم بكافر. # ولما كان نفي الاستواء غير معلم في حد ذاته بالأعلى من الأمرين، كان هذا ~~السياق معلما بما حفه من القرائن بعلو أهل الجنة، صرح به في قوله: { ~~أصحاب الجنة هم } أي خاصة { الفائزون * } المدركون لكل محبوب الناجون من ~~كل مكروه، وأصحاب النار هم الهالكون في الدارين كما وقع في هذه الغزوة ~~لفريقي المؤمنين وبني النضير ومن والاهم من المنافقين، فشتان ما بينهما. # ولما كان قد مر في هذه السورة فضلا عما تقدمها من حكمة هذا القرآن ~~وإعجازه تارة بمطابقته لما نزل بسببه مطابقة تجلو عنه كل إشكال، وتارة ~~بما يشاهد من صدقه فيما أخبر بإتيانه من الأفعال، وأخرى بما يتحدى به من ~~الأقوال، ومرة بنظم كل جملة مع ما تقدمها على ما لم يكن لبشر مثله في ~~الأحوال إلى غير ذلك من أمور لا يحصرها المقال، ترتب على ذلك قوله مبينا ~~أن سبب افتراق الفريقين في العقبى افتراقهم في هذا القرآن في الأولى ~~تمثيلا للقلوب في قسوتها أو لينها عند سماع القرآن وتخيلا توبيخا ~~للقاسي ومدحا للعاطف اللين لافتا القول إلى أسلوب العظمة لاقتضاء الحال ~~لها: { لو أنزلنا } بعظمتنا التي أبانها هذا الإنزال { هذا القرآن } أي ~~الجامع لجميع العلوم، الفارق بين كل ملتبس - المبين لجميع الحكم { على ~~جبل } أي أي جبل كان { لرأيته } مع صلابته وفوته يا أشرف الخلق إن لم ~~يتأهل غيرك لمثل تلك الرؤية { خاشعا } أي مطمئنا مخبتا على صلابته ~~متذللا باكيا { متصدعا } أي متشققا غاية التشقق كما تصدع الطور ~~لتجلينا له بما دون ذلك من العظمة التي جلونا كلامنا الشريف لموسى عليه ~~السلام في ملابسها { من خشية الله } أي من الخوف العظيم من له الكمال كله ~~حذرا من أن لا يكون مؤديا ما افترض عليه من تعظيم القرآن عند سماعه فما ~~لابن لآدم وقد آتاه الله من العقل ما لم يؤت الجبل يستخف بحقه، ويعرض عما ~~فيه من العبر، وفي الآية مدح للنبي صلى الله عليه وسلم في ثباته لما لا ~~تثبت له الجبال، وذم ms5008 للمعرضين بكونهم أقسى من الجبال. # ولما كان التقدير تبكيتا وتوبيخا لمن لم يرق للقرآن # أفلم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق # [الحديد: 16] فإنا قد فصلنا لهم الحلال والحرام والأمر والنهي وأوضحنا ~~الحكم ودللنا على المتشابه وقصصنا الأقاصيص بعد جعلهم عقلاء ناطقين، فتلك ~~أقاصيص الماضين لعلهم يعتبرون عطف عليه قوله: { وتلك الأمثال } أي التي ~~لا يضاد فيها شيء { نضربها للناس } أي الذي يحتاجونها وهم من فيهم تذبذب ~~واضطراب { لعلهم يتفكرون * } أي لتكون حالهم عند من ينظرهم حال من يرجى ~~تفكره في تلك الأمثال فينفعه ذلك إذا أراد التفكر إلى التذكر فرأى تنبيه ~~الرسول صلى الله عليه وسلم له أن كل ما في القرآن من شيء فيه مشاهد منه ~~متطابق له كتاب الخلق وكتاب الأمر فتخلى عن الشهوات البهيمية فنجا من ~~الحظوظ النفسية فتحلى بالملابس الروحانية فصار بالمجاهدات والمنازلات إلى ~~الصفات الملكية فكان أهلا للمقامات القدسية في الجنان العلية. ### || [59.22-24] # ولما أعلى سبحانه أولياءه بأن فتح السورة بالإيمان بالغيب وهو العزيز ~~الحكيم بعد التنزيه عن نقائص التعطيل وكل شائبة نقص وينزل لعباده في ~~أسباب الصفات والأفعال إلى أن أوصلهم إلى محسوس الأمثال فتأهلوا للفناء ~~في ذاته وما على صفاته الموجبة لخشيته، رقاهم إلى التفكر في تفصيل ما ~~افتتح به، فقال عادلا عن أسلوب العظمة إلى أعظم منها بإسبال حجب العزة ~~على منهاج الحكمة: { هو } أي الذي وجوده من ذاته فلا عدم له أصلا بوجه ~~من الوجوه، فلا يستحق الوصف ب " هو " غيره لأنه الموجود دائما أزلا ~~وأبدا، فهو حاضر في كل ضمير غائب بعظمته عن كل حس، فلذلك يتصدع الجبل من ~~خشيته. # ولما عبر بأخص أسمائه، أخبر عنه لطفا بنا وتنزلا لنا بأشهرها الذي هو ~~مسمي الأسماء كلها فقال: { الله } أي المعبود الذي لا ينبغي العبادة إلا ~~له، الذي بطن بما لم تحط ولا تحيط به العقول من نعوت الكبرياء والعظمة ~~والإكرام، فظهر بأفعاله التي لا تضاهى بوجه غاية الظهور، فتميز غاية ~~التميز، فلم يلحقه شرك ms5009 أصلا في أمة من الأمم ولا نسمة من النسم، قال ~~الحرالي في شرح الأسماء: وهو لوه القلوب والعقول أي محارها الذي لا ~~تدركه، فلزم الخلق من توحيد اسم الإله ما حصل لهم من توحيد اسم الله من ~~الأحدية الإحاطية - انتهى - فلذلك كان وصفه { الذي لا إله إلا هو } فإنه ~~لا مجانس له ولا يليق ولا يصبح ولا يتصور أن يكافئه أو يدانيه شيء والإله ~~أول اسم الله فلذلك - لا يكون أحدا مسلما إلا بتوحيده فتوحيده فرض وهو ~~أساس كل فريضة، وتوحيد سائر الأسماء نقل وهو أساس كل نافلة، فمن وحد في ~~الكل فقد كمل دينه وتمت النعمة عليه وإلا كان من الذين آمنوا، فإن كان ~~ذلك منه قولا عصم من نار الأحكام على الأبدان في الدنيا، وإن كان علما ~~تخلص من نار الهلع على النفوس في الدنيا، وهو الجزع عند مس الشر، والمنع ~~والبخل عند مس الخير، ولن يشهد التوحيد في هذه الكلمة التي مضمونها توحيد ~~اسم الإله إحسانا إلا بعد إحصاء جميع الأسماء علما، قال الحرالي: ~~والإله: التعبد وهو التذلل، فمن توهم حاجته بشيء وتوهم أن عنده قوام ~~حاجته تذلل فكان تذلله له تألها، وكل من عبد ما أحاط عينه فقد خذل عقله ~~عن تصحيح معنى الإله الذي يجب أن يكون غيبا، فكان تصحيح معنى الإله أنه ~~غيب قائم مستحق للعبادة والتذلل لأجل قيامه والاستغناء به. # ولما أخبر بتفرده، دل عليه بآية استحقاقه لذلك، فقال مقدما لما هو ~~متقدم في الوجود: { عالم الغيب } أي الذي غاب عن علم جميع خلقه. # ولما كنا ربما ظن أن وصفه بالغيب أمر نسبي سمي غيبا بالنسبة لناس دون ~~ناس، دل بذكر الضد على أن المراد كل ما غاب وكل ما شهد فقال تعالى: { ~~والشهادة } أي الذي وجد فكان بحيث يحسه ويطلع عليه بعض خلقه. # ولما تعالى في صفات العظمة ونعوت الجلال والكبر فبطن غاية البطون، أخذ ~~رحمة العبادة بالتنزيل لهم بالتعرف إليهم بعواطف الرحمة فقال بانيا ~~الكلام على الضمير إعلاما بأن المحدث عنه ms5010 أولا هو بعينه المحدث عنه ~~ثانيا: { هو الرحمن } أي العام الرحمة، قال الحرالي رحمه الله تعالى: ~~والرحمة إجراء الخلق على ما يوافق حسبهم ويلائم خلقهم وخلقهم ومقصد ~~أفئدتهم، فإذا اختص ذلك بالبعض كان رحيمية، وإذا استغرق كان رحمانية، ~~ولاستغراق معنى اسم الرحمن لم يكن لإتمام في معنى استغراقه - يعني باسم ~~الله. # ولما كانت الرحيمية خاصة بما ترضاه الإلهية قال تعالى: { الرحيم * } أي ~~ذو الرحمة العامة المسعدة في الظاهر والرحمة الخاصة المسعدة في الباطن، ~~قال الحرالي: الرحمة من الرحيم اختصاص من شملته الرحمانية بمزية ما أوثر ~~به من الرحمة في مقابلة من آل أمره إلى نعمه ليجمع مقتضى الاسمين بين ~~عموم الرحمانية واختصاص الرحيمية: ولما أظهر على الخلق خصوص الإيثار، ~~أجرى عليهم اسم الرحيم كرحمة الخلق أبناءهم. ولما كان حق اسم الرحيم ~~إثبات رحمة غير مجذوذة ولم يكن ذلك للخلق لم يكن بالحقيقة الرحيم إلا ~~الله الذي إذا اختص بالرحمة لم يحدها # فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها ~~والله سميع عليم # [البقرة: 256] " إن الله لا ينزع العلم انتزاعا بعد أن أعطاكموه " # وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما ~~شاء ربك عطاء غير مجذوذ # [هود: 108] فلذلك لا رحيم بالحقيقة إلا الله تحقيق علم كما أنه لا رحمان ~~إلا الله بادي معنى. # ولما كان الملك كمال استيلاء على الخلق يقصرهم به ملكهم على بعض ~~مستطاعهم ويدينهم - أي يجيزهم - على حسب دينهم أي ما وضع لهم من عادة ~~قصره لهم وحكمه عليهم وبحسب إحصائه عليهم دقيق أعمالهم وإحاطته بخفي ~~أحوالهم والاطلاع على سرائرهم بتحقيق استيفاء الجزاء فيتحقق بذلك كمال ~~الملك، فكان لذلك لا تتحقق حقيقة الملك فيمن هو دون العلم بالسر وأخفى، ~~والمحصي الحسيب لمثاقيل الدر، الخبير بخبأ الكون، فكان لا ملك في الحقيقة ~~إلا الله، ولكنه تعالى لما كان قد أولى الخلق من رفعه بعضهم فوق بعض ما ~~أجرى عليهم اسم الملك فتنة لهم فضل بسبب ذلك قوم ادعوا الملك الحقيقي، ms5011 ~~فغلط من أراد الله من الخلق فيهم فضلوا بهم، أعاد التهليل مع اسمه الملك ~~كما ابتدأ مع اسمه الإله أول أسماء الله، ولذلك أيضا قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم في حديث أبي هريرة رضي الله عنه الذي رواه الشيخان وأبو داود ~~والترمذى في حديث الذي يسمى ملك الملوك في رواية المسلم: # " لا ملك إلا الله " # ، فقال مصرحا بما في باطن اسمي الرحمة من القهر والجبر على النسق الأول ~~في البناء على الضمير تأكيدا لتعين المحدث عنه وتوحيده: { هو الله } أي ~~الذي لا يقدر على تعميم الرحمة لمن أراد وتخصيصها بمن شاء { الذي لا إله ~~} أي معبود بحق { إلا هو الملك } فلا ملك في الحقيقة إلا هو لأنه لا ~~يحتاج إلى شيء، فإنه مهما أراد كان. # ولما كان الملك أصل ما لحق الخلق من الآفات لأنه رأس الشرف الذي هو باب ~~الترف الملازم لمخالفة كتاب الله أما في الأعمال فيكون فتنة، وأما في ~~الرأي فيكون علوا وكبرا وكفرا، فإن أمر الله في آدم على ماهو نبوة ثم ~~ينزل فيصير خلافة ثم ينتهي نزوله فيكون ملكا ثم تتداعى الأحداث، فلمكان ~~تداعي الملك لموجبات الذم قال عقب صفات الملك: { القدوس } مصرحا بما لزم ~~عن تمام ملكه من أنه بليغ في النزاهة عن كل وصم يدركه حسن أو يتصوره خيال ~~أو يسبق إليه وهم أيو يختلج به ضمير، فإن القدس طهر لا يقبل التغير ولا ~~يلحقه رجس فلا يزال على وصف الحمد بثبات القدس، ولمكان ما حول سبحانه ~~الخلق من حال طهر لا يظهر فيه تغير بما دونه أجرى عليهم اسم القدس كروح ~~القدس المؤيد للشارع ينفث في روعة المؤيد لشاعره في مكافحته عنه، ولأجل ~~قصر تخلي الخالق بالملك في قليل متاع الدنيا رغب النبي العبد صلى الله ~~عليه وسلم عنه، واختار العبودية الدائمة بدوام العزة لسيده، فوضح بذلك ~~علم أن لا قدوس إلا الله حقيقة معنى وتصحيح إحاطة. # ولما كان سبحانه لتمام ملكه وعلو ملكه وكمال قدسه لا يتصور أن يلحقه نقص ms5012 ~~في ذات ولا صفة ولا فعل، فلا يقبح منه إهلاك على حال من الأحوال ولا مس ~~بضر في الدنيا والآخرة في وقت من الأوقات لأنه سبحانه، لعلمه بالظواهر ~~والبواطن على حد سواء، يصنع الأمور في أحكم مواضعها بما لا يدركه غيره ~~أصلا أو لا يدركه حق إدراكه فاحتيج إلى ما يؤمن من ذلك، وكان السلام حد ~~ما بين الألفة والفرقة وحد ما بين الرحمة والسطوة وهو أدنى منال الجاهل ~~من عباد الرحمان، ومنال المعتدي من المقتدر، وكان سلام المسلم للجاهل ~~مداراة لئلا يزيد في جهله عليه، أو ارتقابا لاستقبال مكنة، وكان الله لا ~~يعبأ بالخلق ولا يحتاج لارتقاب مكنة لأنه لا يعجزه شيء فلم يتحقق السلام ~~بكل معنى من وجود السلامة له وإفاضتها على غيره تماما إلا منه إعفاء من ~~معاجلة استحقاق السطوة وحفيظة لحرمة اختصاص الرحمة، أتبع ذلك مؤمنا ~~للعاصي من المعاجلة وللمطيع من سوء المعاملة قوله: { السلام } لأنه حد ما ~~بينهما ظاهرا، ولذلك أردفه بما يتعلق بالباطن لتحصل إحاطة السلامة ~~ظاهرا وباطنا فقال: { المؤمن } لأن الأمن حد ما بين المحبة والكره فيمن ~~لا وسيلة له للحب وهو أدنى ما يقبله ذو الحق ممن يستحق منه الحب، ولذلك ~~لم يقبل الحق ممن كان ظاهر الوسيلة للحب - إلا بالحب فلم يثبت إيمان ~~المؤمن بمجرد الإيمان حبا له بل إيثارا لمحبته على كل حب ومساواة لأخيه ~~المؤمن فيما يحب لنفسه، وأدناه الأمنة في الغيب من الغيبة والعيب إلى ~~غاية الأمان من بوائق الغشم والظلم من الجار المستحق حفظ جاره في غيبه، ~~فالإحلال بالإيمان لكونه الأمنة في الغيب نفاق، والإخلال بالإسلام لكونه ~~السلم في المواجهة إحرام، فبأدنى إخلال في جانب الحق أو الخلق ينثلم ~~الإسلام والإيمان، وذلك كله إنما هو في الحقيقة من الله تعالى فهو الذي ~~يعزى إليه الأمن والأمان بإفادته أسبابه ومنع أسباب المخاوف فلا أمن في ~~الوجود ولا أمان إلا وهو مستفاد من جهته. # ولما كان الاطلاع على بين ما ذكر ليتحقق معنى السلم والأمن، وعلى كل من ~~تلك ms5013 الحدود خفيا جدا يفتقر إلى مزيد علم، قال: { المهيمن } فإن الهيمنة ~~شهادة خبرة وإحاطة وإبصار لكلية ظاهر الأمر وباطنه بحيث لا يخفى منه ~~خافية هوية ولا بادية ظاهر، ولإحاطة معناه لا يكاد يقع له في الخلق مسوغ ~~إطلاق إلا مسامحة لأن الخلق لا يشهدون إلا الظواهر ولا يشهدون من الباطن، ~~ولذلك انعجم معناه على كثير من فصحاء العرب، فمفهوم معناه موجب توحيده ~~فواضح إذ لا مهيمن بمعنى أنه شهيد على الوجه المشروح مع الأمانة المأمونة ~~والحفظ والرعاية فيكون قائما على كل شيء بكل ما له من رزق وعمل وأجل إلا ~~هو، ولذلك كان القرآن الذي هو صفته سبحانه وتعالى مهيمنا على جميع الكتب ~~التي قبله مصدقا لما يستحق التصديق منها مكذبا لما يستحق التكذيب، فمن ~~كان به أمهر كان بذلك أعلم. # ولما كان تمام الخبرة ملزوما لتمام القدرة، صرح بها اللازم فقال؛ { ~~العزيز } والعزة غلبة لا يجد معها المغلوب وجه مدافعة وجه مدافعة ولا ~~انفلات ولا إعجاز، فالعزيز الذي صعب على طالبه إدراكه مع افتقار كل شيء ~~إليه في كل لحظة، الشديد في انتقامه الذي لا معجز له في إنفاذ حكمه، ~~ولذلك ينظم كثير بآيات إمضاء الأحكام متصلا بالحكمة والعلم إنباء عن ~~العدل، قال الغزالي: وهو الذي يقل وجود مثله وتشتد الحاجة إليه ويصعب ~~الوصول إليه. ولما كان المغلوب على الشيء فيؤخذ من يده قد لا ينقاد ~~باطنا فلا يباشر ما غلب عليه للغالب وقد لا يكون العز ظاهرا لكل أحد، ~~أردفه بقوله: { الجبار } وهو العظيم الذي يفوت المقاوم مناله، فهو على ~~هذا من أسماء الذات ويصلح أمور من يريد من الخلق ويقهرهم على ما يريد، ~~فهم أحقر من أن يعصوه طرفة عين بغير إرادته، والجبر: طول يلجيء الأدنى ~~لما يريد منه الأعلى ويغيب من الأعلى ما يحاول مناله منه الأدنى مع ~~الظهور التام الذي تدور مادته عليه، فالجبار لا يخرج شيء من قبضته، وتقصر ~~الأيدي عن حمى عز حصرته، ولا ينال منه إلا ما نول، وهو أبعد شيء عن ms5014 ~~أوصاف الخلق لمنال الذباب منهم منا شاء وعجزهم عنه، ولما فيه من الإلجاء ~~كان هو الاسم الذي يجليء النار لقصرها على مراده منها من الحسب الذي ~~جبلها على ضده من الاستزادة فلا تزال تقول ما جبلت عليه: هل من مزيد، حتى ~~يضع الجبار فيها قدمه أي يهينها فإن القدم موضع الإهانة، وهذه الإهانة - ~~هي من مبدأ ظهور غلبة الرحمة للغضب، فله الملك ظهورا بالأيدي الظاهرة من ~~الإنسان وما دونه، وله الملكوت بطونا بالأيدي الباطنة من الملك وما ~~دونه، ولو الجبروت اختصاصا من وراء كل ملك وملكوت. # ولما كان الإلجاء قد يكون بنوع ملاطفة، أتبعه قوله: { المتكبر } ليعم ~~الإلجاء الظاهر والباطن فالكبرياء جملة تأدي أمر الله وظاهر خلقه الذي ~~يجد الخلق صغرهم من دونه وكبره عليهم وامتناعه عما لا يريد من مرادهم، ~~لأن الكل حقيرون بالإضافة إلى جلاله وعز جبروته وعظمته وكماله، ولسواء ~~الخلق في عام حضرة القدرة شملهم الصغر فلم يصح منهم كبر، ولا شرع لهم ~~تكبر، فلم يكن للخلق منهم حقيقة حظ ولا لبس حق، فاختص بهذا الاسم ~~لاستيلائه على الظواهر بإظهار ما لهم من الكبر لعدم الحاجة إلى شيء ~~وبإلجاء غيره إلى الاحتياج إليه والإيقاع بجبابرتهم وإذلالهم وغير ذلك من ~~الأمور المزعجة المرهبة من غير مبالاة بشيء كما اختص بالجبار لاستيلائه ~~على البواطن. # ولما تقرر بما ذكر من مظاهر عظمته استيلاؤه على الظواهر والبواطن باللطف ~~والعنف، أنتج ذلك تعاليه عن شوب نقص لا سيما بالشرك فقال سبحانه: { سبحان ~~الله } أي تنزه الملك الأعلى الذي اختص بجميع صفات الكمال تنزها لا تدرك ~~العقول منه أكثر من أنه علا عن أوصاف الخلق فلا يدانيه شيء من نقص { عما ~~يشركون * } أي من هذه المخلوقات من الأصنام وغيرهما مما في الأرض أو في ~~السماء من كبير وصغير. وجليل وحقير. # ولما تم دليل الوحدانية بما حل من التفهيم بالتدني إلى الملك ثم بالتعلي ~~إلى التكبر فأنتج هذه الخاتمة، ابتدأ سبحانه دليلا آخر هو في غاية ~~التنزل والوضوح، فقال مفتتحا بما افتتح به الأول ms5015 من الترتيب في المراتب ~~الثلاث، غيب الغيب ثم الغيب ثم الظهور على مراتبه، إعلاما بأنه لا براح ~~عن الإيمان بالغيب، ومن برح عنه هلك { وهو } أي الذي لا شيء يستحق أن ~~يطلق عليه هذا الضمير غيره لأن وجوده من ذاته ولا شيء غيره إلا وهو ممكن ~~فهو أهل لأن لا يكون فلا يكون له ظهور ليكون له بطون. # ولما ابتدأ بهذا الغيب المحض الذي هو أظهر الأشياء، أخبر عنه بأشهر ~~الأسماء الذي لم يقع فيه شركة بوجه فقال: { الله } أي الذي ليس له سمي ~~فلا كفوء له فهو المعهود بالحق فلا شريك له بوجه. ولما بدأ سبحانه بهذا ~~الدليل الجامع بين الغيب والظهور، ثنى بتنزيل متضمن للعلم والقدرة فهو في ~~غاية الظهور فقال: { الخالق } أي الذي لا خالق على الحقيقة إلا هو لأن ~~الخلق فرض حد وقدر في مطلق منه لم يكن فيه بعد حد ولا قدر كالحاذي يخلق ~~أي يقدر في الجلد حدا وقدرا لنعل ونحوه وهو سابق للفري والبري ونحو " ~~سبق العلم العمل " فالخالق في الحقيقة هو الذي كل شيء عنده بمقدار، الذي ~~يقول # يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق # [الزمر: 6] # وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم # [الحجر:21] ومن ناشئة القدر الفرق والترتيب، ومن ناشئة الفرق والترتيب ~~الإحياء والإماتة، ومن معاد الفرق والإحياء والإماتة على أول أمره الجمع ~~والرب، فلا يملك الخلق والفرق إلا من يملك الجمع والرب، وقد أوتي الحق ~~ملكة ما في الفرق والشتات، ولم يملكوا جمع ما فرقوا ولا ألف ما شتتوا ~~كالقاطع عضوا لا يقدر على لأمه، والهادم بناء لا يقدر على رمه على حده، ~~والكاسر شيئا لا يقدر على وصله، فلأن الخلق لا يحيطون بتقدير ما يسرعون ~~في قدره ولا يقدرون بعد الفرق والفري على رمه ووصله كان المحيط التقدير ~~في الشيء من جميع جهاته وجملة حدوده، القادر على جمع ما فرق الذي كما بدء ~~أول خلق يعيده هو أحسن الخالقين، وتلايح تحت هذا اللبس في ms5016 إطلاق اسم ~~الخالق على الخالق الحق ذي الحول والقوة والقدرة والإحاطة والإبداء ~~والإعادة، وعلى الخالق من الخلق المقدر بغير إحاطة علم ولا تأصيل حول ولا ~~قدرة، ولا إتمام إبداء لاحظ من إعادة أنه لا خالق إلا الله كما أنه لا ~~معيد لما بدأ إلا الله، وأن ليس إطلاق هذا الاسم على الخلق مبدأ فتنته ~~التي يضل بها من يشاء ويهدي من يشاء، وتحقيق أفراد الخلق لله فيما ظهر ~~على أيدي أهل الملك والملكوت وإحاطة جبروته بما ظهر وما بطن من أعمالهم ~~وصنائعهم، هو أول مجمع من مجامع التوحيد، وهو أساس لإيمان أمة محمد صلى ~~الله عليه وسلم، حيث فرض عليهم في الفاتحة { إياك نعبد وإياك نستعين } ~~فهم خير أمة أخرجت للناس حيث أخلصوا الدين لله، ولموقع الشرك فيه كان ~~القدرية مجوس هذه الأمة. # ولما كان الخالق الحق هو من أتقن التقدير والبريء وإن كان أغلب الخلق ~~لقصورهم لا يفهمون منه إلا مطلق التقدير كما قال شاعرهم: # ولأنت تفري ما خلقت # وبعض القوم يخلق ثم لا يفري # أردفه تنبيها على ذلك وتصريحا وتأكيدا قوله: { البارئ } أي الذي يدقق ~~بما وقع به التقدير ويقطعه ويصلحه لقبول الصورة على أتم حال، فإن كان من ~~المحيط العلم كان تمام التهيؤ للصورة على كمال المشيئة فيها، وإن كان ممن ~~لا يحيط علما طرأ له في البرء من النقص عن التمام ما لا يمكن معه حصول ~~المقصود في الصورة، ولا يكاد يقع الإحسان للخلق في مصوراتهم إلا وفاقا ~~لا يعلمون كنهه ولا يثقون بحصوله. # ولما كان من يهيئ الأمور للتصوير قد لا يتقنه قال: { المصور } فإن ~~التصوير إتمام تفصيل الخلق الظاهر وإكمال تخطيطه وإحكام أعضائه وهو حد ما ~~انتهى إليه الخلق في الظهور، وليس وراء ظهور الصور كون إلا لطائف تطويرها ~~في إسنان كمالها بعد بعثها بإحيائها بما لها من الروح المقوم لها سواء ~~كان حيوانيا أو غيره إلى غاية كما لها الذي يعطيه المصور لها إفضالا ~~ومزيدا ويظهره إبداعا، ويتضح الفرق جدا بين الأسماء الثلاثة ms5017 بالبناء ~~فإنه يحتاج أولا إلى مقدر يقدر ما لا بد منه من الحجر واللبن والخشب ~~والحديد ومساحة الأرض وعدد الأبنية وطولها وعرضها، وهذا يتولاه المهندس ~~فيرسمه وهو الخلق ثم يحتاج إلى حجار ينحت الحجارة ويهيئها لتصلح لمواضعها ~~التي تكون فيها من الأبواب وأوساط الجدر وأطرافها وزواياها غير ذلك، وكذا ~~الخشاب والحداد في الخشب والحديد وهو البرئ ثم يأخذ الكل البناء فيضعها ~~مواضعها إلى أن تقوم صورتها التي رسمها المهندس أولا وقدرها، ولا تقوم ~~الصورة بالحق إلا إذا كانت محكمة بحسب الطاقة كما أن البناء يضع الحجارة ~~أولا ثم يجعل الخشب فوقها لا بالاتفاق بل بالحكمة، ولو قلب ذلك لم تثبت ~~الصورة ولم يكن لها الاسم إلا على أقل وجوه الضعف فكل من كان أحكم كان ~~تصويره أعظم، ولذلك لا مصور في الحقيقة إلا الله الخالق البارئ المصور ~~سبحانه، قال الرازي في اللوامع: والتصوير موجود في كل أجزاء العالم وإن ~~صغر حتى في الذرة والنملة بل في كل عضو من أعضاء النملة، بل الكلام يطول ~~في طبقات العين وعددها وهيئاتها وشكلها ومقاديرها وألوانها، ووجه الحكمة ~~فيها، فمن لم يعرف صورتها لم يعرف مصورها إلا بالاسم المجمل، وهكذا القول ~~في كل صورة لكل حيوان ونبات بل لكل جزء من نبات وحيوان. # ولما علم من هذا أنه لا بد أن يكون المصور بالغ الحكمة، أردفه بقوله ~~تعالى: { له } أي خاصة لا لغيره { الأسماء الحسنى } أي من الحكيم وغيره ~~ممن لا يتم التصوير إلا به ولا تدركونه أنتم حق إدراكه. # ولما أخبر سبحانه أول السورة أن الكائنات أوجدت تسبيحه خضوعا لعزته ~~وحكمته، ودل على ذلك بما تقدم إلى أن أسمعه الآذان الواعية بالأسماء ~~الحسنى، دل على دوام اتصافه بذلك من يحتاج لما له من النقص من الخلق إلى ~~التذكير فعبر بالمضارع فقال: { يسبح } أي يكرر التنزيه الأعظم من كل ~~شائبة نقص على سبيل التجدد والاستمرار { له } أي على وجه التخصيص بما ~~أفهمه قصر المتعدي وتعديته باللام { ما في السماوات } ولما كان هذا ~~المنزه الذي ms5018 استجلى التنزيه من الأسماء الحسنى قد أشرقت أنفاسه ولطفت ~~أقطاره وأغراسه حتى صار علويا فرأى الأرض عالية كالسماء لما شاركتها به ~~في الدلالة على تمام كماله لجعلها معها لأنه لا يحتاج إلى تأكيد كالشيء ~~الواحد بإسقاط " ما " وألصقها بها إلاحة إلى ذلك فقال: { والأرض } فمن ~~تأمل الوجود مجملا ومفصلا، علم تسبيح ذلك كله بنعوت الكمال وأوصاف ~~الجلال والجمال { وهو } أي والحال أنه وحده { العزيز } أي الذي يغلب كل ~~شيء ولا يغلبه شيء ولا يوجد له مثل، ويعز الوصول إليه ويشتد الحاجة إليه. # ولما كان من يكون بهذه الصفة لا يتم أمره وثبت كل ما يريده إلا إن كان ~~على قانون الحكمة قال: { الحكيم * } من الحكمة وهي إتقان الحكم وإنهاؤها ~~إلى جد لا يمكن نقضهن والحكم قال الحرالي: المنع عما يترامى إليه المحكوم ~~إيالة عليه وحمله على ما يمتنع منه نظرا له، ففي ظاهره الجهد وفي باطنه ~~الرفق، وفي عاجله الكره، وفي آجله الرضى والروح، فموقعه في الأبدان ~~المداواة " تداووا عباد الله فإن الذي أنزل الداء أنزل الدواء " ، وموقعه ~~في الأديان التزام الأحكام والصبر والمصابرة على مجاهدة الأعمال وجهاد ~~الأعداء ظاهرا من عدو الدين والبغي وباطنا من عدو النفس (أعدى عدوك ~~نفسك التي بين جنبيك) ومن بعض الأهل والولد عدو، والشيطان عدو يجري من ~~ابن آدم مجرى الدم # إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا # [فاطر: 6] فالحمل على جميع أنواع الصبر والمصابرة ظاهرا بالإيالة ~~العالية هو الحكم والعلم بالأمر الذي لأجله وجب الحكم من قوام أمر عاجلته ~~وحسن العقبى في آجلته من الحكمة، فالحكم مباح التعليم للناس عامة بل واجب ~~أن يتعلم كل امرئ من الأحكام ما يخصه، وأن ينتدب طائفة لعلم ما يعم جميع ~~الناس # فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين # [التوبة: 122] والحكمة التي هي العلم بما لأجله وجب الحكم من مشروطه ~~التعليم بالتزكية # هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم ~~الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين # [الجمعة: 2] فما ms5019 يعلمهم الحكمة إلا بعد التزكية فمن تزكى فهو من أهلها ~~ومن يترك فليس من أهلها، فالحكمة تحلي مرارة جهد العمل بالأحكام فييسر ~~بها ما يعسر دونها، والحكم ضيق الأمر للنفس كما أن السجن ضيق الخلق ~~للبدن، والحكمة تود محمل ضيق الحكم لأنها تخرج وتؤول إلى سعة الواسع، ولا ~~يتم الحكم وتستوي الحكمة إلا بحسب سعة العلم. # ولما لم يكن للخلق من العلم إلا بقدر ما يهبهم الله لم يكن لهم من ~~الحكمة إلا مقدار ما يورثهم # ولقد آتينا لقمان الحكمة # [لقمان: 12] ولما كان إنما العلم عند الله كان إنما الحكمة حكمة الله ~~وإنما الحكم حكم الله، فهو الحكيم الذي لا حكيم إلا هو - انتهى. وقد علم ~~سر اتباع الأسماء الشريفة من غير عطف، وذاك أنه لما ابتدأ ب " هو " ~~وأخبر عنه بالاسم العلم الأعظم المفرد المصون الجامع لجميع معاني الأسماء ~~الحسنى، أتبعه تلك الأوصاف العلى من غير عطف إعلاما بأنه لا شيء منها ~~يؤدي جميع معناه بالمفهوم المتعارف عند أهل اللغة، ولذلك جمع بعدها ~~الأسماء إشارة إلى أنه لا يجمع معناه إلا جميع الأوصاف المنزلة في كتبه ~~والمأخوذة عن أوليائه التي استأثر بها في غيبه وليس شيء مما ذكر ههنا ~~مضادا في المعنى الظاهري للآخر كالأول والآخر حتى يظن لأجله نقص في ~~المعنى بسبب ترك العطف، وأما ترتيبها هكذا فلأن كل اسم منها كما مضى شارح ~~لما خفي من الذي قبله ومبين للازمه، وموضع لما ألاح أنه من مضمونه، وقد ~~انعطف على افتتاحها وختامها وعانق ابتداؤها تمامها، ووفى مطلعها مقطعها، ~~وزاد وبلغ الغاية من الإرشاد إلى سبيل الرشاد، فسبحان من أنزله برحمته ~~رحمة للعباد، وهاديا إلى الصواب والسداد. ### | [60 - سورة الممتحنة] ### || [60.1] # ولما كان التأديب عقب الإنعام جديرا بالقبول، وكان قد أجرى سبحانه سنته ~~الإلهية بذلك، فأدب عباده المؤمنين عقب سورة الفتح السببي بسورة الحجرات، ~~وكانت سورة الحشر مذكرة بالنعمة في فتح بني النضير ومعلمة بأنه لا ولي ~~إلا الله، ولذلك ختمها بصفتي العزة والحكمة بعد أن افتتحها بهما، وثبت ms5020 أن ~~من حكمة حشر الخلق، وأن أولياء الله هم المفلحون، وأن أعداءه هم ~~الخاسرون، وكان الحب في الله والبغض في الله أفضل الأعمال وأوثق عرى ~~الإيمان، ولذلك ذم سبحانه من والى أعداءه وناصرهم، وسماهم مع التكلم ~~بكلمة الإسلام منافقين، أنتج ذلك قطعا وجوب البراءة من أعدائه والإقبال ~~على خدمته وولائه، فقال معيدا للتأديب عقب سورة الفتح على أهل الكتاب ~~بسورة جامعة تتعلق بالفتح الأعظم والفتح السببي: { يا أيها الذين آمنوا } ~~مناديا بأداة العبد وإن كان من نزلت بسببه من أهل القرب، ومعبرا ~~بالماضي إقامة لمن والى الكفار نوع موالاة في ذلك المحل إلهابا له ~~وتهييجا إلى الترفع عنه لئلا يقدح في خصوصيته ويحط من علي رتبته مع ~~اللطف به بالتسمية له بالإيمان حيث شهد سبحانه على من فعل نحو فعله مع ~~بني النضير بالنفاق وأحله محل أهل الشقاق، فحكم على القلوب في الموضعين ~~فقال هناك: { الذين نافقوا } كما قال هنا: { الذين آمنوا }. # ولما كان قد تقدم في المجادلة النهي الشديد عن إظهار مطلق الموادة ~~للكفار، وفي الحشر الزجر العظيم عن إبطان ذلك فتكفلت السورتان بالمنع من ~~مصاحبة ودهم ظاهرا أو باطنا، بكت هنا من اتصف بالإيمان وقرعه ووبخه على ~~السعي في موادتهم والتكلف لتحصيلها، فإن ذلك قادح في اعتقاد تفرده سبحانه ~~بالعزة والحكمة، فعبر لذلك بصيغة الافتعال فقال بعد التبكيت بالنداء ~~بأداة البعد والتعبير بأدنى أسنان الإيمان: { لا تتخذوا } وزاد في ذلك ~~المعنى من وجهين: التعبير بما منه العداوة تجرئة عليهم وتنفيرا منهم ~~والتوحيد لما يطلق على الجمع لئلا يظن أن المنهي عنه المجموع بقيد ~~الاجتماع والإشارة إلى أنهم في العداوة على قلب واحد، فأهل الحق أولى بأن ~~يكونوا كذلك في الولاية فقال: { عدوي } أي وأنتم تدعون موالاتي ومن ~~المشهور أن مصادق العدو أدنى مصادقة لا يكون وليا فكيف بما هو فوق ~~الأدنى وهو فعول من عدى، وأبلغ في الإيقاظ بقوله: { وعدوكم } أي العريق ~~في عداوتكم ما دمتم على مخالفته في الدين. # ولما وحد لأجل ما تقدم من الإشارة إلى ms5021 اتحاد الكلمة، بين أن المراد ~~الجمع فقال: { أولياء } ثم استأنف بيان هذا الاتحاد بقوله مشيرا إلى ~~غاية الإسراع والمبادرة إلى ذلك بالتعبير بقوله: { تلقون } أي جميع ما هو ~~في حوزتكم مما لا تطمعون فيه إلقاء الشيء الثقيل من علو { إليهم } على ~~بعدهم منكم حسا ومعنى { بالمودة } أي بسببها. # ولما توقع السامع التصريح بمضادتهم في الوصف الذي ناداهم به بعد التلويح ~~إليه، ملهيا ومهيجا إلى عداوتهم بالتذكير بمخالفهم إياه في الاعتقاد ~~المستلزم لاستصغارهم لأنه أشد المخالفة { وقد } أي هو الحال أنهم قد { ~~كفروا } أي غطوا جميع ما لكم من الأدلة { بما } أي بسبب ما { جاءكم من ~~الحق } أي الأمر الثابت الكامل في الثبات الذي لا شيء أعظم ثباتا منه، ~~ثم استأنف بين كفرهم بما يبعد من مطلق موادتهم فضلا عن السعي فيها بقوله ~~مذكرا لهم بالحال الماضية زيادة في التنفير منهم ومصورا لها بما يدل ~~على الإصرار بأنهم { يخرجون الرسول } أي الكامل في الرسلية الذي يجب على ~~كل أحد عداوة من عاداه أدنى عداوة ولو كان أقرب الناس فكيف إذا كان ~~عدوا، وبين أن المخاطب من أول السورة من المهاجرين وأن إيراده على وجه ~~الجمع للسير والتعميم في النهي بقوله: { وإياكم } أي من دياركم من مكة ~~المشرفة. # ولما بين كفرهم، معبرا بالمضارع إشارة إلى دوام أذاهم لمن آمن المقتضي ~~لخروجه عن وطنه، علل الإخراج بما يحقق معنى الكفر والجداوة فقال: { أن } ~~أي أخرجوكم من أوطانكم لأجل أن { تؤمنوا } أي توقعوا حقيقة الإيمان مع ~~التجديد والاستمرار. # ولما كان الإيمان به سبحانه مستحقا من وجهي الذات والوصف لفت الخطاب من ~~التكلم إلى الغيبة للتنبيه عليهما فقال: { بالله } أي الذي اختص بجميع ~~صفات الكمال، ولما عبر بما أبان أنه مستحق للإيمان لذاته أردفه بما يقتضي ~~وجوب ذلك لإحسانه فقال: { ربكم } ولما ألهبهم على مباينتهم لهم بما فعلوا ~~معهم وانقضى ما أريد من التنبيه بسياق الغيبة عاد إلى التكلم لأنه أشد ~~تحببا وأعظم استعطافا وأكمل على الرضا فألهبهم بما كان من جانبهم من ~~ذلك الفعل ms5022 أن لا يضيعوه، فقال معلما إن ولايته سبحانه لا تصح إلا ~~بالإيمان، ولا يثبت الإيمان إلا بدلائله من الأعمال، ولا تصح الأعمال إلا ~~بالإخلاص، ولا يكون الإخلاص إلا بمباينه الأعداء: { إن كنتم } أي كونا ~~راسخا حين أخرجوكم من أوطانكم لأجل إيمانكم بي { خرجتم } أي منها وهي ~~أحب البلاد إليكم { جهادا } أي لأجل الجهاد { في سبيلي } أي بسبب ~~إرادتكم تسهيل طريقي التي شرعتها لعبادي أن يسلكوها { وابتغاء مرضاتي } ~~أي ولأجل تطلبكم بأعظم الرغبة لرضاي ولكل فعل يكون موضعا له، وجواب هذا ~~الشرط محذوف لدلالة { لا تتخذوا } عليه. # ولما فرغ من بيان حال العدو وشرط إخلاص الولي، وكان التقدير: فلا ~~تتخذوهم أولياء، بنى عليه قوله مبينا { تلقون } إعلاما بأن الإسرار إلى ~~أحد بما فيه نفعه لا يكون إلا توددا: { تسرون } أي توجدون إسرار جميع ما ~~يدل على مناصحتهم والتودد إليهم، وأشار إلى بعدهم عنهم بقوله: { إليهم } ~~إبلاغا في التوبيخ بالإشارة إلى أنهم يتجشمون في ذلك مستفتين إبلاغ ~~الأخبار التي يريد النبي صلى الله عليه وسلم وهو المؤيد بالوحي كتمها ~~عنهم على وجه الإسرار خوف الافتضاح والإبلاغ إلى المكان البعيد { بالمودة ~~} أي بسببها أو بسبب الإعلام بأخبار يراد بها أو يلزم منها المودة. # ولما كان المراد بالإسرار الستر على من يكره ذلك، قال مبكتا لمن يفعله: ~~{ وأنا } أي والحال أني { أعلم } أي من كل أحد من نفس الفاعل { بما ~~أخفيتم } أي من ذلك { وما أعلنتم } فأي فائدة لإسراركم إن كنتم تعلمون ~~أني عالم به، وإن كنتم تتوهمون أني لا أعلمه فهي القاصمة. # ولما كان التقدير بما هدى إليه العاطف: فمن فعل منكم فقد ظن أني لا أعلم ~~الغيب أو فعل ما يقتضي ظن ذلك، عطف عليه قوله: { ومن يفعله } أي يوجد ~~الاتخاذ سرا أو علنا أو يوجد الإسرار بالمودة فالإعلان أولى في وقت من ~~الأوقات ماض أو حال أو استقبال. ولما كان المحب قد يفعل بسبب الإدلال ما ~~يستحق به التبكيت، فإذا بكت ظن أن ذلك ليس على حقيقته لأن محبته لا يضرها ms5023 ~~شيء، وكان قد ستر المعايب بأن أخرج الكلام مخرج العموم، صرح بأن هذا ~~العتاب مراد به الإحباب فقال: { منكم } وحقق الأمر وقربه بقوله: { فقد ضل ~~} أي عمي ومال وأخطأ { سواء السبيل * } أي قويم الطريق الواسع الموسع إلى ~~القصد قويمه وعدله، وسبب نزول هذه الآية روي من وجوه كثيرة فبعضه في ~~الصحيح عن علي ومنه في الطبراني عن أنس ومنه في التفاسير # " أن سارة مولاة أبي عمرو بن صيفي بن هاشم بن عبد مناف أتت المدينة ~~ورسول الله صلى الله عليه وسلم يتجهز لفتح مكة فسألها ما أقدمها، فقالت: ~~ذهب موالي وقد احتجت حاجة شديدة، وكنتم الأهل والعشيرة والموالي، فحث ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بني عبد المطلب وبني المطلب فأعطوها وكسوها ~~وحملوها، فكتب معها حاطب بن أبي بلتعة حليف بني أسد بن عبد العزى من حاطب ~~بن أبي بلتعة إلى أهل مكة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدكم فخذوا ~~حذركم، فأعطاها عشرة دنانير، فنزل جبريل عليه السلام بالخبر فبعث رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عمر وعليا وعمارا والزبير وطلحة والمقداد وأبا ~~مرثد وكانوا كلهم فرسانا فقال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ~~ظعينة معها كتاب من حاط إلى المشركين، فخذوه منها وخلوا سبيلها، وإن لم ~~تدفعه إليكم فاضربوا عنقها. فانطلقوا تعادي بهم خيلهم، فأدركوها في ذلك ~~المكان فأنكرت وحلفت بالله، ففتشوها فلم يجدوه فهموا بالرجوع، فقال علي ~~رضي الله عنه: ما كذبنا ولا كذبنا، وسل سيفه فقال: أخرجي الكتاب أو ~~لألقين الثياب ولأضربن عنقك، فقالت: على أن لا تردوني، ثم أخرجته من ~~عقاصها قد لفت عليه شعرها، فخلوا سبيلها، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لحاطب: هل تعرف الكتاب قال: نعم، قال: فما حملك على هذا؟ قال: لا ~~تعجل يا رسول الله، والله ما كفرت منذ أسلمت ولا غششت منذ نصحتك ولا ~~أحببتهم منذ فارقتهم، ولكن لم يكن أحد من المهاجرين إلا وله بمكة من يدفع ~~الله به عن عشيرته، وكنت غريبا خليفا فيهم، ms5024 وكان أهلي بين ظهرانيهم ~~فأردت أن أتخذ عندهم يدا يدفع الله بها عن أهلي، وقد علمت أن الله تعالى ~~ينزل بهم بأسه، وأن كتابي لا يغني عنهم شيئا، فقال لهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: صدق ولا تقولوا له إلا خيرا، فقال عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: وما يدريك يا عمر لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: ~~اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، ففاضت عينا عمر رضي الله عنه وقال: الله ~~ورسوله أعلم، فأنزل الله { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم } ~~" # الآيات. # ولاق الإمام أبو جعفر بن الزبير: افتتحت - يعني هذه السورة - بوصية ~~المؤمنين على ترك موالاة أعدائهم ونهيهم عن ذلك وأمرهم بالتبرؤ منهم، وهو ~~المعنى الوارد في قوله خاتمة المجادلة { لا تجد قوما يؤمنون بالله ~~واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم } ~~إلى آخر السورة، وقد حصل منها أن أسنى أحوال أهل الإيمان وأعلى مناصبهم # أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه # [المجادلة: 22] فوصى عباده في افتتاح الممتحنة بالتنزه عن موالاة ~~الأعداء ووعظهم بقصة إبراهيم عليه الصلاة والسلام والذين معه في تبرئهم ~~من قومهم ومعاداتهم، والاتصال في هذا بين، وكأن سورة الحشر وردت مورد ~~الاعتراض المقصود بها تمهيد الكلام وتنبيه السامع على ما به تمام الفائدة ~~لما ذكر أن شأن المؤمنين أنهم لا يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا ~~أقرب الناس إليهم، اعترض بتنزيهه عن مرتكباتهم، ثم أتبع ذلك ما عجله لهم ~~من النقمة والنكال، ثم عاد الأمر إلى النهي عن موالاة الأعداء جملة له، ~~ثم لما كان أول سورة الممتحنة إنما نزل في حاطب بن أبي بلتعة رضي الله ~~عنه وكتابه لكفار قريش بمكة، والقصة مشهورة وكفار مكة ليسوا من يهود، ~~وطلبوا المعادة للجميع واحد، فلهذا فضل بما هو من تمام الإخبار بحال ~~يهود، وحينئذ عاد الكلام إلى الوصية عن نظائرهم ms5025 من الكفار المعاندين، ~~والتحمت السور الثلاث وكثر في سورة الممتحنة تزداد الوصايا والعهود، وطلب ~~بذلك كله ولهذا المناسبة ذكر فيها الحكم في بيعة النساء وما يشترط عليهن ~~في ذلك، فمبنى السورة على طلب الوفاء افتتاحا واختتاما حسب ما بين في ~~التفسير لينزه المؤمن عن حال من قدم ذكره في سورة الحشر وفي خاتمة سورة ~~المجادلة - انتهى. ### || [60.2-3] # ولما كان ما بينه تعالى من إخراجهم لهم موضحا بعداوتهم وكان طول كفهم ~~عن قصدهم بالأذى من سنة الأحزاب سنة خمس إلى سنة ثمان ربما شكك في أمرها، ~~وكان سبحانه قد أعز المؤمنين بعد ذلهم وقواهم بعد وهنهم وضعفهم، وثقفهم ~~بعد جهلهم، بين ظلال معتقد ذلك بأن كف الكفار إنما هو لعجزهم وأنهم لو ~~حصل لهم ما هو للمسلمين الآن من القوة لبادروا إلى إظهار العداوة مع أن ~~ذلك في نصر الشيطان، فأولياء الرحمان أولى باتباع ما آتاهم من الإيمان، ~~فقال مبينا لبقاء عداوتهم: { إن يثقفوكم } أي يجدوكم في وقت من الأوقات ~~ومكان من الأماكن وهم يطمعون في أخذكم بكونهم أقوى منكم أو أعرف بشيء مما ~~يتوصل به إلى الغلبة، وأشار بأداة الشك إلى أن وجدانهم وهم على صفة ~~الثقافة مما لا تحقق له، وإنما هو على سبيل الفرض والتقدير، وأنه إنما ~~علم سبحانه أنه لو كان كيف كان يكون، مع أنه مما لا يكون، ونبه على ~~عراقتهم في العداوة بالتعبير بالكون فقال: { يكونوا لكم } أي خاصة { ~~أعداء } أي يعدون إلى أذاكم كل عدو يمكنهم وإن واددتموهم. ولما كانت ~~العداوة قد تكون بإغراء الغير، عرف أنهم لشدة غيظهم لا يقتصرون على ذلك ~~فقال: { ويبسطوا إليكم } أي خاصة وإن كان هناك في ذلك الوقت من غيركم من ~~قتل أعز الناس إليهم { أيديهم } أي بالضرب إن استطاعوا { وألسنتهم } أي ~~بالشتم مضمومة إلى فعل أيديهم فعل من ضاق صدره بما نجرع من آخر من غيركم ~~من القصص حتى أوجب له غاية السعة { بالسوء } أي بكل ما من شأنه أن يسوء. # ولما كان أعدى الأعداء لك من ms5026 تمنى أن يفوتك أعز الأشياء لديك، وكان أعز ~~الأشياء عند كل أحد دينه، قال متمما للبيان: { وودوا } أي وقعت منهم هذه ~~الودادة قبل هذا لأن مصيبة الدين أعظم فهم إليها أسرع لأن دأب العدو ~~القصد إلى أعظم ضرر يراه لعدوه، وعبر بما يفهم التمني الذي يكون في ~~المحالات ليكون المعنى أنهم أحبوا ذلك غاية الحب وتمنوه، وفيه بشرى بأنه ~~من قبيل المحال { لو تكفرون * } أي يقع منكم الكفر الموجب للهلاك الدائم، ~~وقدم الأول لأنه أبين في العداوة وإن كان الثاني أنكأ. # ولما كانت عداوتهم معروفة وإنما غطاها محبة القرابات لأن الحب للشيء ~~يعمي ويصم، فخطأ رأيهم في موالاتهم بما أعلمهم به من حالاتهم، زهد فيها ~~مما يرجع إلى حال من والوهم لأجلهم بما تورثه من الشقاء الدائم يوم ~~البعث، فقال مستأنفا إعلاما بأنها خطأ على كل حال: { لن تنفعكم } أي ~~بوجه من الوجوه { أرحامكم } أي قراباتكم الحاملة لكم على رحمتهم والعطف ~~عليهم { ولا أولادكم } الذين هم أخص أرحامكم إن واليتم أعداء الله لأجلهم ~~فينبغي أن لا تعدوا قربهم منكم بوجه أصلا، ثم علل ذلك بينه بقوله: { يوم ~~القيامة } أي القيام الأعظم. # ولما كان النافي للنفع وقوع الفصل لا كونه من فاصل معين قال بانيا ~~للمفعول على قراءة أبي عمرو ونافع وابن كثير وأبي جعفر وابن عامر من أكثر ~~طرقه إلا أن شدد الصاد للمبالغة في الفصل: { يفصل } أي يوقع الفصل وهو ~~الفرقة العظيمة بانقطاع جميع الأسباب { بينكم } أي أيها الناس فيدخل من ~~شاء من أهل طاعته الجنة، ومن شاء من أهل معصيته النار، فلا ينفع أحد ~~أحدا منكم بشيء من الأشياء إلا إن كان قد أتى الله بقلب سليم فيأذن الله ~~في إكرامه بذلك. # ولما كان التقدير إعلاما بأن الله هو الفاصل وهو الضار النافع بما دلت ~~عليه قراءة الباقين إلا أن حمزة والكسائي بضم الياء وفتح الفاء وكسر ~~الصاد مشددة إشارة إلى عظمة هذا الفصل بخروجه عن المألوف عودا إلى الاسم ~~الأعظم إشارة إلى عظم الأمر بانتشار الخلائق وأعمالهم: ms5027 فالله على ذلك ~~قدير، عطف عليه قوله: { والله } أي الذي له الإحاطة التامة { بما تعملون ~~} أي من كل عمل في كل وقت { بصير * } فيجازيكم عليه في الدنيا والآخرة، ~~وقد مضى غيره مرة أن تقديم الجار في مثل هذا للتنبه على مزيد الاعتناء ~~بعلم ذلك لا على الاختصاص ولا لأجل الفواصل. ### || [60.4-5] # ولما أبلغ سبحانه في وعظهم في ذلك، وكانت عادته التربية بالماضين، كان ~~موضع توقع ذلك فقال معبرا بأداة التوقع: { قد كانت } أي وجدت وجودا ~~تاما، وكان تأنيث الفعل إشارة إلى الرضا بها ولو كانت على أدنى الوجوه { ~~لكم } أي أيها المؤمنون { أسوة } أي موضع اقتداء وتأسية وتسنن وتشرع ~~وطريقة مرضية { حسنة } يرغب فيها { في إبراهيم } أي في قول أبي الأنبياء ~~{ والذين معه } أي ممن كانوا قبله من الأنبياء، قال القشيري: وممن آمن به ~~في زمانه كابن أخيه لوط عليهما الصلاة والسلام وهم قدوة أهل الجهاد ~~والهجرة { إذ } أي حين { قالوا } وقد كان من آمن به أقل منكم وأضعف { ~~لقومهم } الكفرة، وقد كانوا أكثر من عدوكم وأقوى وكان لهم فيهم أرحام ~~وقرابات ولهم فيهم رجاء بالقيام والمحاولات. # ولما كان ما ذكر من ضعفهم وقوة قومهم مبعدا لأن يبارزوهم، أكدوا قولهم ~~فقالوا: { إنا } أي من غير وقفة ولا شك { برءاء } أي متبرئون تبرئة عظيمة ~~{ منكم } وإن كنتم أقرب الناس إلينا ولا ناصر لنا منهم غيركم. ولما ~~تبرؤوا منهم أتبعوه ما هو أعظم عندهم منهم وهو سبب العداوة فقالوا: { ~~ومما تعبدون } أي توجدون عبادته في وقت من الأوقات الماضية المفيد ~~التعبير عنها بالمضارع تصوير الحال أو الحاضرة أو الآتية كائنا من كان ~~لا نخاف شيئا من ذلك لأن إلهنا الذي قاطعنا كل شيء في الانقطاع إليه لا ~~يقاويه شيء، ولا تقدرون أنتم مع إشراككم به على البراءة منه. # ولما كانوا مشركين قالوا مستثنين ومبينين لسفول كل شيء عن متعالي مرتبة ~~معبودهم: { من دون الله } أي الملك الأعظم الذي هو كاف لكل مسلم. ولما ~~كانت البراءة على أنحاء كثيرة، بينوا أنها براءة الدين ms5028 الجامعة لكل براءة ~~فقالوا: { كفرنا بكم } أي أوجدنا الستر لكل ما ينبغي ستره حال كوننا ~~مكذبين بكل ما يكون من جهتكم من دين وغيره الذي يلزم منه الإيمان، وهو ~~إيقاع الأمان من التكذيب لمن يخبرنا بسبب كل ما يضاده مصدقين بذلك. ولما ~~كان المؤمن على جبلة مضادة لجبلة الكافر، عبر بما يفهم أن العداوة كانت ~~موجودة ولكنها كانت مستورة، فقال دالا على قوتها بتذكير الفعل: { وبدا } ~~أي ظهر ظهورا عظما، وعلى عظمتها بالدلالة بنزع الخافض على أنها شاحنة ~~لجميع البينين فقال: { بيننا وبينكم } أي في جمع الحد الفاصل بين كل واحد ~~منا وكل واحد منكم { العداوة } وهي المباينة في الأفعال بأن يعدو كل على ~~الآخر ولا يكون ذلك إلا عندما يستخف الغيظ الإنسان لإرادة أن يشفي صدره ~~من شدة ما حصل له من حرارة الخنق. فالعداوة مما يمتد فيكون مالئة لظرفها، ~~قال الشيخ سعد الدين التفتازاني في تلويحه على توضيح صدر الشريعة في ~~أوائله في علاقات المجاز: الفعل المنسوب إلى ظرف الزمان بواسطة تقدير " ~~في " دون ذكره يقتضي كون الظرف معيارا له غير زائد عليه مثل صمت الشهر، ~~يدل على صوم جميع أيامه بخلاف صمت في الشهر، فإذا امتد الفعل الظرف ليكون ~~معيارا له فيصح حمل اليوم - في نحو صرت يوم كذا - على حقيقته، وهو ما ~~يمتد من الطلوع إلى الغروب، وإذا لم يمتد الفعل - يعني مثل وقوع الطلاق - ~~لم يمتد الظرف، لأن الممتد لا يكون معيارا لغير الممتد فحينئذ لا يصح ~~حمل اليوم على النهار الممتد بل يجب أن يكون مجازا عن جزء من الزمان ~~الذي لا يعتبر في الغرف ممتدا، وهو الآن سواء كان من النهار أو من الليل ~~بدليل قوله تعالى: # ومن يولهم يومئذ دبره # [الأنفال: 16] فإن التولي عن الزحف حرام ليلا كان أو نهارا ولأن مطلق ~~الآن جزء من الآن اليومي وهو جزء من اليوم، فيكون مطلق الآن جزءا من ~~اليوم، فتحقق العلاقة. # ولما كان ذلك قد يكون لغير البغض بل لتأديب ونحوه قالوا: { والبغضاء } ~~أي ms5029 وهي المباينة بالقلوب بالبغض العظيم. ولما كان ذلك قد يكون سريع ~~الزوال قالوا: { أبدا } ولما كان ذلك مرئيا من صلاح الحال، وكان قد ~~يكون لحظ نفس بينوا غايته على وجه عرفت به علته بقولهم: { حتى تؤمنوا } ~~أي توقعوا الأمان من التكذيب من أمركم بالإيمان وأخبركم عن الرحمان، حال ~~كونكم مصدقين ومعترفين { بالله } أي الملك الذي له الكمال كله. ولما ~~كانوا يؤمنون به مع الإشراك قالوا: { وحده } أي تكونوا مكذبين بكل ما ~~يعبد من دونه. # ولما حث سبحانه المخاطبين على التأسي بقوله إبراهيم ومن معه في الوقت ~~عليهم السلام استثنى منه فقال تأنيسا لمن نزلت القصة بسببه واستعطافا ~~له وهو حاطب ابن أبي بلتعة رضي الله عنه: { إلا قول إبراهيم } أي فلا ~~تأسي لكم به { لأبيه } واعدا له قبل أن يبين له أنه ثابت العداوة لله ~~تعالى لكونه مطبوعا على قلبه، فلا صلاح له، يقال: إن أباه وعده أنه يؤمن ~~فاستغفر له، فلما تبين له، أنه لا يؤمن تبرأ منه: { لأستغفرن } أي لأوجدن ~~طلب الغفران من الله { لك } فإن هذا الاستغفار لكافر، فلا ينبغي لهم أن ~~يتأسوا به فيه مطلقا غير ناظرين إلى علم أنه مطبوع على قلبه أو في حيز ~~الرجوع. # ولما وعده بالاستغفار ترغيبا له، رهبه لئلا يترك السعي في النجاة بما ~~معناه أنه ليس في يدي غير الاستغفار، فقال: { وما أملك لك } أي لكونك ~~كافرا { من الله } أي لأنه الملك الأعلى المحيط بنعوت الجلال، وأعرق في ~~النفي بقوله: { من شيء } والاستثناء وقع على هذا القول بقيد الاجتماع، ~~ولا يلزم منه التعرض للأجزاء، فلا تكون هذه الجملة على حيالها مستثناة ~~لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما نادى: # " واصباحاه حين أنزل الله سبحانه وتعالى { وأنذر عشيرتك الأقربين } كان ~~يقول لكل من سماه: لا أملك لك من الله شيئا، حتى قال في آخر ذلك: يا ~~فاطمة بنت محمد! سليني من مالي ما شئت لا أغن عنك من الله شيئا ". # ولما حثهم على التأسي بقول الخلص، وقدم منه المحافاة لأنها المقصودة، ms5030 ~~واستثنى ما لا ينبغي التأسي فيه اعتراضا به بين أجزاء مقالهم بيانا ~~للاهتمام به للتنفير منه من قوله، أتم ما يؤيسي فيه فقال مبينا أنهم ما ~~أقدموا على مجافاتهم بما قال إلا وقد قرروا جميع ما يقولونه ورضوا به دون ~~موادتهم وانقطعوا إلى الله وحده انقطاعا تاما يفعل بهم ما يشاء من ~~تسليطهم عليهم أو حمايتهم منهم، لكنهم سألوا الحماية لا لذاتها ولا ~~لأنفسهم بل لئلا يزيد ذلك أعداءهم ضلالا { ربنا } أي أيها المحسن إلينا ~~بتخليصك لنا من الهلاك باتباعهم { عليك } أي لا على غيرك { توكلنا } أي ~~فعلنا في جميع أمورنا معك فعل من يحملها على قوى ليكفيه أمرها لأنا نعلم ~~أنك تكفي إذا شئت كل ملم، وأنه لا يذل من والتي ولا يعز من عاديت وقد ~~عادينا فيك قوما عتاة أقوياء ونحن ضعفاء، ورضينا بكل ما يحصل لنا منهم ~~غير أن عافيتك هي أوسع لنا. # ولما كان الذي ينبغي لكل أحد وإن كان محسنا أن يعد نفسه مقصرا شاردا ~~عن ربه لأنه لعظم جلاله لا يقدر أحد أن يقدره حق قدره، وأن يعزم على ~~الاجتهاد في العبادة قالوا مخبرين بذلك عادين ذلك العزم رجوعا: { وإليك ~~} أي وحدك لا إلى غيرك { أنبنا } أي رجعنا بجميع ظواهرنا وبواطننا. ولما ~~كان المعنى تعليلا: فإنه منك المبدأ، عطف عليه قوله: { وإليك } أي وحدك ~~{ المصير * } ولما أخبروا بإسلامهم له سبحانه وعللوه بما اقتضى الإحاطة ~~فاقتضى مجموع ذلك الثناء الأتم، فلزم منه الطلب، صرحوا به فقالوا داعين ~~بإسقاط الأداة للدلالة على غاية قربه سبحانه بما له من الإحاطة: { ربنا } ~~أي أيها المربي لنا والمحسن إلينا { لا تجعلنا } بإضعافنا والتسليط علينا ~~{ فتنة } أي موضع اختبار { للذين كفروا } بأن يعذبونا بعذاب يميلنا عما ~~نحن عليه ويميلهم عما وصلوا إليه بسبب إسلامنا من الزلازل بما يوجب ذلك ~~لهم من اعتقاد لو أنك كنت راضيا بديننا لكنا على الحق وكانوا هم على ~~الباطل ما أمكنت منا، فيزيدهم ذلك طغيانا ظنا منهم أنهم على الحق وأنا ~~على الباطل. # ولما كان ms5031 رأس مال المسلم الأعظم الاعتراف بالتقصير وإن بلغ النهاية في ~~المجاهدة فإن الإله في غاية العظمة والبعد في نهاية الضعف، فبلوغه ما يحق ~~له سبحانه لا يمكن بوجه قالوا { واغفر لنا } أي استر ما عجزنا فيه وامح ~~عينه وأثره. # ولما طلبوا منه الحياطة من جميع الجوانب، عللوه زيادة في التضرع والخضوع ~~واستجاز المطلوب مكررين صفة الإحسان زيادة في الترقق والاستعطاف بقولهم: ~~{ ربنا } أي المحسن إلينا، وأكدوا إعلاما بشدة رغبتهم بحسن الثناء عليه ~~سبحانه واعترافا بأنهم قد يفعلون ما فيه شيء من تقصير فيكون من مثل ~~أفعال من لا يعرفه سبحانه فقالوا: { إنك أنت } أي وحدك لا غيرك { العزيز ~~} الذي يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء { الحكيم * } الذي يضع الأشياء في أوفق ~~محالها فلا يستطاع نقضها، ومن كان كذلك فهو حقيق بأن يعطى من أمله فوق ما ~~طلب. ### || [60.6-8] # ولما أتم ما حثهم على التأسي فيه بذكر أعظم آبائهم لأن دواعي الإنسان ~~إلى المداراة عما يخاف عليه من أقاربه وآله وجميع أحواله عظيمة جدا إن ~~كان المدارأ عظيما لا سيما إن كان قد تقدم له صداقة وبه ألفة، فكان ~~جديرا بعد الوعظ والتأسية أن يبقى عنده بقايا ولا سيما والناس متفاوتون، ~~منهم من يرده أيسر وعظ ومنهم من يحتاج إلى أكثر من ذلك أعاد التأسية ~~تأكيدا لها على وجه بلغ الذروة من جمال الترغيب وجلال الترهيب، وليكون ~~فيها أتم دلالة على أن ما بينهما من قول إبراهيم عليه السلام المأمور ~~بالتأسي به من الدعاء وغيره إلا ما استثنى لتشتد الرغبة فيه، فقال مصدرا ~~بما دل على القسم إشارة إلى أن من فعل غير هذا كان فعله فعل منكر لحسن ~~هذا التأسي، ولذلك ذكر الفعل الذي أنثه في الأول: { لقد كان لكم } أي ~~أيها الذين ادعوا الإيمان، وقدم الظرف بيانا للاهتمام به فقال: { فيهم } ~~أي إبراهيم عليه السلام ومن معه { أسوة حسنة } وأبدل من { لكم } ما هو ~~الفيصل في الدلالة على الباطل، فقال مشيرا إلى أن من لم يتأس بهم في هذا ms5032 ~~لم يكن راجيا لما ذكر: { لمن كان } أي جبل على أنه { يرجوا الله } أي ~~الملك المحيط بجميع صفات الكمال فهو ذو الجلال الذي يجير ولا يجار عليه، ~~والإكرام الذي هو جدير بأن يعطى جميع ما يسأله { واليوم الآخر } الذي ~~يحاسب على، النقير والقطمير، ولا تخفى عليه خافية، فمن لم يتأس بهم كان ~~تركه للتأسي دليلا على سوء عقيدته، فلا يلومن إلا نفسه، فقد أذن لإمام ~~المسلمين إن عثر عليه في عقوبته، فإن علم الغيب الذي أعلمناه نبينا صلى ~~الله عليه وسلم بأن حاطبا رضي الله عنه صحيح العقيدة غير متأهل للعقوبة ~~منقطع بموته صلى الله عليه وسلم ولا يبقى إلى ما نصبناه من الشعائر، ~~وأقمناه من الدلائل. # ولما كان التقدير: فمن أقبل على هذا التأسي لكونه يرجو الله واليوم ~~الآخر فلم يخلد إلى الدنيا، يتوله الله فإن الله رحيم ودود، عطف عليه ~~قوله: { ومن يتول } أي يوقع الإعراض عن أوامر الله تعالى في وقت من ~~الأوقات مطلقا لكونه أخلد إلى الدنيا ولم ير اليوم الآخرة أعرض الله ~~عنه، وأشار بصيغة التفعل إلى أن ذلك لا يقع إلا بمعالجة الفطرة الأولى، ~~وأكد لأن فاعل ذلك كالمنكر لمضمون الكلام فقال: { فإن الله } أي الذي له ~~الإحاطة الكاملة { هو } أي خاصة { الغني } أي عن كل شيء { الحميد * } أي ~~الذي له الحمد المحيط لإحاطته بأوصاف الكمال في حال الطاعة له والمعصية ~~فإن العاصي عبد لإرادته، كما أن المطيع عبد لآمره وإرادته ولطفه، فلا ~~يخرج شيء عن مراده، وكل شيء خاضع لحكمه، وقد بينت الآية أدب العشرة لما ~~ألهبت وهيجت على المفارقة للعصاة والتبرء منهم حسا ومعنى، وإظهار ذلك ~~لهم قولا وفعلا، إلى أن تحصل التوبة، ومن لم يفعل ذلك كان شريكا في ~~الفعل فيكون شريكا في الجزاء كما ورد، ثم لا يمنعه ذلك أن يكون أكيله ~~وجليسه، فضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ولعنهم على ألسنة الأنبياء، ومن فعل ~~ما أمره الله به كان فعله جديرا بأن يكون سبب الوصله والقرب والمودة، ~~فالآية من الاحتباك: ms5033 ذكر الرجاء أولا دليلا على ضده ثانيا، والتولي ~~ثانيا دليلا على ضده أولا، وسره أنه ذكر سبب السعادة ترغيبا وسبب ~~الشقاوة ترهيبا. # ولما أتم وعظهم بما هو الأنفع والأقرب إلى صلاحهم ففعلوا، وكان ذلك ~~شاقا لما جبل عليه البشر من حب ذوي الأرحام والعطف عليهم، فتشوفت النفوس ~~إلى تخفيف بنوع من الأنواع، أتبعه الترجئة فيما قصده حاطب رضي الله عنه ~~بغير الطريق الذي يتوصل به فقال على عادة الملوك في الرمز إلى ما يريدونه ~~فيقنع الموعود به بل يكون ذلك الرمز عنده أعظم من البت من غيرهم لما لهم ~~من العظمة التي تقتضي النزاهة عما يلم بشائبة نقص، وذلك أعظم في الإيمان ~~بالغيب لأن الوعود لا تزال بين خوف ورجاء جوابا لمن كأنه كان يقول: كيف ~~يكون الخلاص من مثل هذه الواقعة وقد بنيت يا رب هذه الدار على حكمة ~~الأسباب: { عسى الله } أي أنتم جديرون بأن تطمعوا في الملك المحيط بكل ~~شيء قدرة وعلما { أن يجعل } بأسباب لا تعلمونها { بينكم وبين } أي في ~~جميع الحد الفاصل بين المجموعين أو بين كل شخصين من الجمعين { الذين ~~عاديتم } أي بالمخالفة في الدين { منهم } أي من هؤلاء الذين عادوكم بما ~~تقدم بأعيانهم من أهل مكة { مودة } وقد جعل ذلك عام الفتح تحقيقا لما ~~رجاه سبحانه، وأجرى سنته الإلهية بأن من عاديته فيه جعل عاقبة ذلك إلى ~~ولاية عظيمة، ومن تهاونت في مقاطعته فيه سبحانه أقامه لك ضدا. # ولما كان التقدير: فالله بكم رفيق، عطف عليه تذكيرا لهم بما له سبحانه ~~من العظمة قوله { والله } أي الذي له الإحاطة بالكمال: { قدير } أي بالغ ~~القدرة على كل ما يريده فهو يقدر على تقليب القلوب وتيسير العسير، فلما ~~تم الرجاء لم يبق إلا كدر الذنب فأتبعه تطييبا للقلوب مما نزلت هذه ~~الآيات بسببه قوله: { والله } أي الذي له جميع صفات الكمال { غفور } أي ~~محاء لأعيان الذنوب وآثارها { رحيم * } يكرم الخاطئين إذا أراد بالتوبة ~~ثم بالجزاء غاية الإكرام، قال الرازي في اللوامع: كان النبي صلى الله ms5034 ~~عليه وسلم استعمل أبا سفيان رضي الله عنه على بعض اليمن، فلما قبض رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أقبل فلقي ذا الحجار مرتدا فقاتله، فكان أول من ~~قاتل على الردة، فتلك المودة بعد المعاداة. # ولما تم الوعظ والتأسية وتطبيب النفوس بالترجئة، وكان وصف الكفار ~~بالإخراج لهم من ديارهم يحتمل أن يكون بالقوة فيعم، ويحتمل أن يكون ~~بالفعل فيخص أهل مكة أو من باشر الأذى الذي تسبب عنه الخروج منهم، بين ~~ذلك بقوله مؤذنا بالإشارة إلى الاقتصاد في الولاية والعداوة كما قال صلى ~~الله عليه وسلم: # " أحبب حبيبك هونا ما عسى أن يكون بغيضك يوما ما. وأبغض بغيضك هونا ~~ما عسى أن يكون حبيبك يوما ما " # { لا ينهاكم الله } أي الذي اختص بالجلال والإكرام { عن الذين لم ~~يقاتلوكم } أي بالفعل { في الدين } أي بحيث تكونون مظروفين له ليس شيئا ~~من أحوالهم خارجا عنه، فأخرج ذلك القتال بسبب حق دنيوي لا تعلق له ~~بالدين، وأخرج من لم يقاتل أصلا كخزاعة والنساء، ومن ذلك أهل الذمة بل ~~الإحسان إليهم من محاسن الأخلاق ومعالي الشيم لأنهم جيران. # ولما كان الذين لم يقاتلوا لذلك ربما كانوا قد ساعدوا على الإخراج قال: ~~{ ولم يخرجوكم } وقيد بقوله: { من دياركم } ولما كان قد وسع لهم سبحانه ~~بالتعميم في إزالة النهي خص بقوله مبدلا من " الدين ": { أن } أي لا ~~ينهاكم عن أن { تبروهم } بنوع من أنواع البر الظاهرة فإن ذلك غير صريح في ~~قصد المواددة { وتقسطوا } أي تعدلوا العدل الذي هو في غاية الاتزان بأن ~~تزيلوا القسط الذي هو الجور، وبين أن المعنى: موصلين لذلك الإقساط { ~~إليهم } إشارة إلى أن فعل الإقساط { إليهم } إشارة إلى أن فعل الإقساط ~~ضمن الاتصال، وإلى أن ذلك لا يضرهم وإن تكفلوا الإرسال إليهم من البعد ~~بما أذن لهم فيه فإن ذلك من الرفق والله يحب الرفق في جميع الأمور ويعطي ~~عليه ما لا يعطي على الخرق، ثم علل ذلك بقوله مؤكدا دفعا لظن من يرى ~~أذى الكفار بكل طريق، { إن الله } أي ms5035 الذي له الكمال كله { يحب } أي يفعل ~~المحب مع { المقسطين * } أي الذين يزيلون الجور ويوقعون العدل. ### || [60.9-10] # ولما علم الحال من هذا وما في أول السورة، أتبعه التصريح بما أفاده ~~مجموعا أحسن جمع مصورا أحسن تصوير فقال تعالى: { إنما ينهاكم الله } أي ~~الذي له الإحاطة الكاملة علما وقدرة { عن الذين قاتلوكم } متعمدين ~~لقتالكم كائنين { في الدين } ليس شيء من ذلك خارجا عنه، لتكون العداوة ~~في الله { وأخرجوكم من دياركم } أي بأنفسهم لبغضكم { وظاهروا } أي عاونوا ~~غيرهم { على إخراجكم } ولما تناول هذا المقصودين صريحا، وكان النهي الذي ~~موضعه الأفعال قد علق بأعيانهم تأكيدا له، عرف بالمقصود بقوله: { أن } ~~أي إنما ينهاكم عن المذكورين في أن { تولوهم } أي تكلفوا فطركم الأولى أن ~~تفعلوا معهم جميع ما يفعله القريب الحميم الشفيق فتصرحوا بأنهم أولياؤكم ~~وتناصروهم ولو كان ذلك على أدنى الوجوه - بما أشار إليه إسقاط التاء. # ولما كان التقدير: فمن أطاع فأولئك هم المفلحون، عطف عليه قوله: { ومن ~~يتولهم } أي يكلف نفسه الحمل على غير ما يدعو إليه الفطرة الأولى من ~~المنابذة، وأطلق ولم يقيد ب " منكم " ليعم المهاجرين وغيرهم والمؤمنين ~~وغيرهم: { فأولئك } أي الذين أبعدوا عن العدل { هم } أي خاصة لا غيرهم ~~العريقون في أنهم { الظالمون * } أي العريقون في إيقاع الأشياء في غير ~~مواضعها كمن يمشي في مأخذ الاشتقاق بسبب هذا التولي. # ولما كان نزول هذه الآيات الماضية في الفتح الأعظم حين قصد النبي صلى ~~الله عليه وسلم سنة ثمان المسير بجنود الله إلى مكة المشرفة - شرفها الله ~~تعالى - لدخولها عليهم بالسيف حين نقضوا بقتالهم لخزاعة الذي كانوا قد ~~تحيزوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فكانوا في عقده وعهده في صلح ~~الحديبية الذي كان سنة ست على وضع الحرب بينهم وبين النبي صلى الله عليه ~~وسلم ومن دخل في عقده، وكان من ذلك الصلح أن من جاء إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم من قريش ومن دخل في صلحهم رده إليهم وإن كان مسلما، ومن جاءهم ~~من كان مع النبي صلى ms5036 الله عليه وسلم لم يردوه إليه بحيث قام من ذلك وقعد ~~كثير من الصحابة رضي الله عنه من أعظمهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه حتى ~~سكنه الصديق رضي الله تعالى عنه بما وقر في صدره من الحكم، ورد إليهم صلى ~~الله عليه وسلم أبا بصير رضي الله عنه، وكان رده إليهم للوفاء بالعهد ~~بسبب التصديق لقوله صلى الله عليه وسلم # " أما من جاءنا منهم فرددناه إليهم فسيجعل الله له فرجا ومخرجا " # وقصته في ذلك كله مشهورة، وكانت " من " من صيغ العموم، وكانت دلالة ~~العام قطعية في الحكم على الأفراد ظنية - كما قال الشافعي رضي الله تعالى ~~عنه - في الدلالة على الجزئي من تلك الأفراد بخصوصه حيث لا قرينة لأن تلك ~~الصيغ ترد تارة على عمومها وتارة يراد بها بعض الأفراد فتكون من العام ~~الذي أريد به الخصوص، وتارة يقع فيها التخصيص، فتكون من العام الذي أريد ~~به الخصوص فطرقها الاحتمال فاحتاج ما دلت عليه من الظاهر إلى قرينة، وكان ~~دخول النساء تحت لفظ " من " في صلح الحديبية أما عربا عن القرينة أو أن ~~القرينة القتال الذي وقع الصلح عليه بسببه صارفة عنه، وكذا قرينة التعبير ~~عنهن ب " ما " دون " من " في كثير من الكتاب العزيز # فانكحوا ما طاب لكم من النساء # [النساء: 3] # أو ما ملكت أيمانكم # [النساء:3] # ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء # [النساء:22] # والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم # [النساء:24] # وأحل لكم ما وراء ذلكم # [النساء: 24] # فما استمتعتم به منهن # [النساء:24]، # فما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات # [النساء:25] # إلا على أزواجكم أو ما ملكت أيمانهم # [المؤمنون:6]، وكان قد ختم سبحانه هذه الآيات التي أدب بها في غزوة ~~الفتح بما أبان به ما لا يخرج عن الصلح في عمرة الحديبية مما هو أقرب إلى ~~الخير من البر والعدل، ونهى عن تولي الكفار، فكانت المصاهرة والمناكحة من ~~أعظم التولي، وصل بذلك ما لا يخرج عنه ولا يحل بالعهد في أن من جاء من ~~الكفار إلى النبي صلى الله ms5037 عليه وسلم رده إليهم وإن كان مسلما، فقال ~~مخاطبا لأدنى أسنان أهل الإيمان الذين يحتاجون إلى التفهيم، وأما من هو ~~أعلى منهم فهو عالم بذلك مؤتمر به بما آتاه الله من الفهم وأنار به قلبه ~~الشريف من فنون العلم ليكوفوا النبي صلى الله عليه وسلم مقدمات البيعة ~~منه لهن: { يا أيها الذين آمنوا } أي أقروا بالإيمان - وهو إيقاع الأمان ~~من التكذيب - لمن يخبرهم ما ينبغي التصديق به بسبب تصديقهم بالله سبحانه ~~وتعالى. # ولما كان في علمه سبحانه وتعالى أنه يأتيهم نساء يهربن بدينهن إلى الله، ~~بشرهم بذلك بالتعبير بأداة التحقيق فقال: { إذا } أي صدقوا ما ادعيتموه ~~من الإيمان بأنه في أي زمان { جاءكم } ولما كان لا يهجر داره وعشيرته لا ~~سيما إن كانوا أقارب بسبب كفرهم إلا من رسخ في الإيمان ذكرا كان أو أنثى ~~قال: { المؤمنات } أي النساء اللاتي صار وصف الإيمان لهن صفة راسخة ~~بدلالة الهجرة عليه: { مهاجرات } للكفار ولأرضهم { فامتحنوهن } أي ~~اختبروهن تأكيدا لما دلت عليه الهجرة من الإيمان بالتحليف بأنهن ما خرجن ~~لحدث أحدثته ولا بغضا في زوج ولا رغبة في عشير ولا خرجن إلا حبا لله ~~ورسوله ورغبة في دين الإسلام، قال الإمام شهاب الدين ابن النقيب في ~~الهداية من مختصره للكفاية لفقيه المذهب نجم الدين أحمد بن الرفعة في شرح ~~التنبيه: واختلف قول الشافعي رحمه الله تعالى: هل كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم شرط لقريش في الصلح رد النساء ففي قول: لم يشترطه بل أطلق رد ~~من جاءه فتوهموا تناول النساء، وكان النبي صلى الله عليه وسلم عالما ~~بعدم دخولهن، فأطلق ذلك حذيفة يعني ومن شرعه أن الحرب خدعة، وفي قوله: ~~شملهن الشرط، لكن هل شرطه صريحا أم دخلن في الإطلاق فيه وجهان أظهرهما ~~الثاني، وهل كان شرطهن جائزا فيه وجهان: أحدهما نعم ثم نسخ، وهل ناسخه ~~الآية المذكورة أم منع النبي صلى الله عليه وسلم من الرد فيه وجهان ~~مبنيان على أنه هل يجوز نسخ السنة بالقرآن وفيه قولان للشافعي رحمه الله ms5038 ~~تعالى، ومختاره منهما المنع وهو الجديد، وكذا لا يجوز عنده وعند أصحابه ~~نسخ الكتاب بالسنة وإن كانت متواترة - انتهى. # ومعناه أنه لم يقع فإن وقع نسخها بالقرآن كان معه سنة، وإن وقع نسخه ~~بالسنة كان معها قرآن، وهو معنى قول ابن السبكي في جمع الجوامع: قال ~~الشافعي رضي الله عنه: وحيث وقع بالسنة فمعها قرآن أو بالقرآن فمعه سنة ~~عاضدة تبين توافق الكتاب والسنة. # ولما كان الاختبار ربما دل إيمانهن لا يعلم إلا به، نفى ذلك بقوله ~~مستأنفا في جواب من يقول: أليس الله بعالم بذلك، ومفيدا أن علمكم الذي ~~تصلون إليه بالامتحان ليس بعلم، وإنما سماه به إيذانا بأن الظن الغالب ~~في حقكم بالاجتهاد والقياس قائم مقام العلم يخرج من عنده # ولا تقف ما ليس لك به علم # [الإسراء: 36]: { الله } المحيط بكل شيء قدرة وعلما { أعلم } أي منكم ~~ومنهن بأنفسهن { بإيمانهن } هل هو كائن أو لا على وجه الرسوخ أو لا، فإنه ~~محيط بما غاب كإحاطته بما شهد، وإنما وكل الأمر إليكم في ذلك سترا للناس ~~ولئلا تكون شهادته لأحد بالإيمان والكفران موصلة إلى عين اليقين فيخرج عن ~~مبنى هذه الدار، قال القشيري: وفي الجملة الامتحان طريق إلى المعرفة، ~~وجواهر النفس تتبين بالتجربة، ومن أقدم على شيء من غير تجربة يجني كأس ~~الندم، قال: { فإن علمتموهن } أي العلم المتمكن لكم وهو الظن المؤكد ~~بالأمارات الظاهرة بالحلف وغيره { مؤمنات } أي مخلصات في الهجرة لأجل ~~الإيمان، والتعبير بذلك لإيذان بمزيد الاحتياط. # ولما ذكر هذا الامتحان بين أنه علة لحمايتهن والدفع عنهن فأتبعه مسببه ~~فقال: { فلا ترجعوهن } أي بوجه من الوجوه { إلى الكفار } وإن كانوا ~~أزواجا، ومن الدليل على أن هذا ظاهر في المراد وأن القرائن موضحة له أنه ~~صلى الله عليه وسلم لما أبى أن يرد إليهم من جاءه من النساء لم يعب أحد ~~من الكفار ذلك، ولا نسب إلى عهده صلى الله عليه وسلم - وحاشاه - خللا، ~~ولولا أن ذلك كذلك لملؤوا الأرض تشغيبا كما فعلوا في سرية عبد الله بن ms5039 ~~جحش رضي الله عنه إلى نخله التي نزل بسببها # يسألونك عن الشهر الحرام # [البقرة: 217] الآيات على أن الأخبار الصحيحة وغيرها ناطقة بأن هذه ~~الآية نزلت في الحديبية قبل أن ينفصل الأمر غاية الانفصال ويستقر، روى ~~البخاري في المغازي من صحيحه والبغوي من طريقه وهذا لفظه من المروان ~~والمسور بن مخرمة عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: كاتب سهيل بن ~~عمرو فكان ما اشترط على النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يأتيك أحد منا ~~وإن كان على دينك إلا رددته إلينا، فكاتبه النبي صلى الله عليه وسلم على ~~ذلك، فرد يومئذ أبا جندل إلى أبيه سهل بن عمرو، ولم يأته أحد من الرجال ~~إلا رده في تلك المدة وإن كان مسلما، وجاءت المؤمنات مهاجرات، وكانت أم ~~كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ممن خرج إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو ~~عاتق فجاء أهلها إلى المدينة يسألون النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجعها ~~إليهم فلم يرجعها إليهم كما أنزل الله فيهن { إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات ~~فامتحنوهن } وقال البغوي: قال ابن عباس رضي الله عنهما: أقبل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم معتمرا حتى إذا كان بالحديبية صالحه مشركو مكة على ~~أن من أتاه من أهل مكة رده إليهم فجاءت سبيعة بنت الحارث مسلمة بعد ~~الفراغ من الكتاب، فأقبل زوجها، وكان كافر، فقال: يا محمد! اردد علي ~~امرأتي فإنك قد شرطت أن ترد علينا من أتاك منا، وهذه طينة الكتاب لم تجف، ~~فأنزل الله تعالى { يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات ~~فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن } وقال ابن عباس رضي الله عنهما: امتحانها ~~أن تستحلف أنها ما هاجرت لبغض زوج ولا عشقا لرجل من المسلمين ولا رغبة ~~عن أرض ولا لحدث أحدثته ولا التماس الدنيا وما خرجت إلا رغبة في الإسلام ~~وحبا لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فاستحلفها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ذلك فحلفت فلم يردها وأعطى زوجها ما أنفق عليها، فزوجها عمر رضي ms5040 ~~الله عنه، وكان صلى الله عليه وسلم يرد من جاءه من الرجال ويحبس من جاءه ~~من النساء بعد الامتحان، ويعطي أزواجهن مهورهن، ودعوى النسخ ليست بشيء ~~إلا تؤول بأنه لما كان من العالم الذي أريد به الخصوص أن بعض ما تناوله ~~ظاهر اللفظ من الحكم مرفوع، وذلك بأن الله لا يأمر بإخلاف الوعد فكيف ~~بنقض العهد. ولما نهى عن رد المهاجرات إلى المشركين وعبر بالكفار ~~تعميما، علل ذلك بقوله مقدما حكمهن تشريفا لهن لهجرتهن: { لا هن } أي ~~الأزواج { حل } أي موضع حل ثابت { لهم } أي للكفار باستمتاع ولا غيره. ~~ولما كان نفي الحل الثابت غير مانع من تجدد حل الرجال لهن ولو على تقدير ~~من التقادير وفرض من الفروض، قال معيدا لذلك ومؤكدا لقطع العلاقة من كل ~~جانب: { ولا هم } أي رجال الكفار { يحلون } أي يتجدد في وقت من الأوقات ~~أن يحلوا { لهن } أي للمؤمنات حتى لو تصور أن يكون رجالهن نساء وهن ~~ذكورا ما حلوا لهن بخلاف أهل الكتاب، كذا تنفك الملازمة في مسألة ~~المظاهرة والإيلاء فيحل للمرأة أن تستمتع به إذا كان نائما مثلا، وأما ~~هو فيحرم عليه ذلك قبل التكفير، وقال البيضاوي: الأولى لحصول الفرقة، ~~والثانية للمنع من الاستئناف - انتهى، فنفت هذه الجملة الفعلية من وجه ~~تجدد الحل للنساء فأفهمت الجملتان عدم الحرج فيما كان قبل ذلك تطييبا ~~لقلوب المؤمنات. # ولما نهى عن الرد وعلله، أمر بما قدم من الإقساط إليهم فقال: { وآتوهم } ~~أي الأزواج { ما أنفقوا } أي عليهن من المهور فإن المهر في نظير أصل ~~العشرة ودوامها وقد فوتتها المهاجرة فلا يجمع عليه خسران الزوجية ~~والمالية، وأما الكسوة والنفقة فإنها لما يتجدد من الزمان. # ولما جزم بتأييد منعهن عن الكفار، أباحهن للمسلمين فقال على وجه الرفق ~~واللطف: { ولا جناح } أي ميل وحرج { عليكم } أيها المشرفون بالخطاب { أن ~~تنكحوهن } أي تجددوا زواجكم بهن بعد الاستبراء وإن كان أزواجهن من الكفار ~~لم يطلقوهن لزوال العلق منهم عنهن ولأن الإسلام فرق بينهم فإنه لن يجعل ~~الله للكافرين على المؤمنين ms5041 سبيلا. ولما كان قد أمر برد مهور الكفار، ~~فكان ربما ظن أنه مغن عن تجديد مهر لهن إذا نكحهن المسلم نفى ذلك بقوله: ~~{ إذا آتيتموهن } أي لأجل النكاح { أجورهن } ولما قطع ما بين الكفار ~~والمسلمات مع الإعراض عن الكفار لعصيانهم قطع ما بين المؤمنين والكافرات ~~مع الإقبال عليهم لطاعتهم رفعا لشأنهم فقال: { ولا } ولما كان إمساك ~~المرأة مع عداوتها لمخالفتها في الدين دليلا على غاية الرغبة فيها، دل ~~على ذلك إشارة إلى التوبيخ بالتضعيف في قراءة البصريين فقال: { تمسكوا } ~~أي بعدم التصريح في الطلاق { بعصم الكوافر } جمع عصمة وهي ما يديم علقة ~~النكاح { واسألوا } أي أيها المؤمنون الذين هبت أزواجهم إلى الكفار { ما ~~أنفقتم } أي من مهور نسائكم اللاتي اعتصمن عنكم بهم أو فررن إليهم. ولما ~~أمر برد مهور المؤمنين إلى الكفار وأذن للمؤمنين في المطالبة بمهور ~~أزواجهم، أذن للكفار في مثل ذلك إيقاعا للقسط بين عباده مسلمهم وكافرهم ~~معبرا بالأمر مع الغيبة إعراضا عنهم إعلاما بشدة كراهته سبحانه للظلم ~~وأنه يستوي فيه الكافر مع عداوته بالمؤمن مع ولايته: { وليسألوا } أي ~~الكفار { ما أنفقوا } أي من مهور أزواجهم اللاتي أسلمن واعتصمن بكم عنهم، ~~وهل هذا الحكم باق، قال قوم: نعم، وقال عطاء ومجاهد وقتادة: نسخ فلا يعطي ~~الكفار شيئا ولو شرطنا الإعطاء. # ولما كان هذا حكما عدلا لا يفعله مع عدوه ووليه إلا حكيم، قال مشيرا ~~إلى مدحه ترغيبا فيه بميم الجمع إلى العموم: { ذلكم } أي الحكم الذي ذكر ~~في هذه الآيات البعيدة بعلو الرتبة عن كل سفه { حكم الله } أي الملك الذي ~~له صفات الكمال، فلا ينبغي لشائبة نقص أن يلحقه. # ولما كان هذا مما يفرح به ويغنم عند تقدير فواته، قال مستأنفا مبشرا ~~بإدامة تجديد أمثاله لهم: { يحكم } أي الله أو حكمه على سبيل المبالغة، ~~ودل على استغراق الحكم لجميع ما يعرض بين العباد وأنه سبحانه لم يهمل ~~شيئا منه بإعراء الجار من قوله: { بينكم } أي في هذا الوقت وفي غيره على ~~هذا المنهاج البديع، وذلك لأجل الهدنة ms5042 التي وقعت بين النبي صلى الله عليه ~~وسلم وبينهم، وأما قبل الحديبية فكان النبي صلى الله عليه وسلم يمسك ~~النساء ولا يرد الصداق. # ولما كان التقدير: فالله حكم عدل، قال: { والله } أي الذي له الإحاطة ~~التامة { عليم } أي بالغ العلم لا يخفى عليه شيء { حكيم * } أي فهو لتمام ~~علمه يحكم كل أموره غاية الإحكام فلا يستطيع أحد نقض شيء منها. ### || [60.11-13] # ولما كان المظنون بالكفار عدم العدل فلا يعطون المؤمنين مهور نسائهم ~~الكافرات، قال مداويا لذلك الداء: { وإن فاتكم } أي بالانفلات منكم بعد ~~الهجرة أو بإدامة الإقامة في بلاد الحرب { شيء } أي قل أو كثر { من ~~أزواجكم } أي من أنفسهن أو مهورهن { إلى } أي متحيزا أو واصلا إلى { ~~الكفار } فعجزتم عنه { فعاقبتم } أي تمكنتم من المعاقبة بأن فات الكفار ~~شيء من أزواجهم بالهجرة إليكم أو اغتنمتم من أزواج الكفار فجاءت نوبة ~~ظفركم بأداء المهر إلى إخوانكم طاعة وعدلا عقب نوبتهم التي اقتطعوا فيها ~~ما أنفقتم عصيانا وظلما { فآتوا } أي فاحضروا وأعطوا من مهر المهاجرة { ~~الذين ذهبت أزواجهم } أي منكم إن اختاروا الأخذ { مثل ما أنفقوا } على ~~الكافرة الفائتة إلى الكفار مما غنمتم من أموالهم أو بأن تدفعوا إليهم ~~مثل مهر أزواجهم مما كنتم تعطونه لأزواج المهاجرات، فيكون ذلك جزاء ~~وقصاصا لما فعل الكفار. # ولما كان التجزي في مثل ذلك عسرا على النفس فإن المهور تتفاوت تارة ~~وتتساوى تارة أخرى وتارة تكون نقودا وتارة تكون عروضا إلى غير ذلك من ~~الأحوال مع أن المعامل عدو في الدين فلا يحمل على العدل فيه إلا خالص ~~التقوى قال: { واتقوا } أي في الإعطاء والمنع وغير ذلك { الله } الذي له ~~صفات الكمال وقد أمركم بالتخلق بصفاته على قدر ما تطيقون، ثم وصفه بما ~~يؤكد صعوبة الأمر ويحث على العدل فقال ملهبا لهم كل الإلهاب هازا لهم ~~بالوصف بالرسوخ في الإيمان: { الذي أنتم به } أي خاصة { مؤمنون * } أي ~~متمكنون في رتبة الإيمان. # ولما خاطب سبحانه المؤمنين الذي لهم موضع الذب والحماية والنصرة بما وطن ~~به المؤمنات ms5043 في دار الهجرة فوقع الامتحان وعرف الإيمان، أمر النبي صلى ~~الله عليه وسلم بعد الحكم بإيمانهن بمبايعتهن فقال { يا أيها النبي } ~~مخاطبا له بالوصف المقتضي للعلم، ودل على تحقق كون ما يخبر به من مجيئهن ~~بأداة التحقيق علما من أعلام النبوة فقال: { إذا جاءك المؤمنات } جعل ~~إقبالهن عليه صلى الله عليه وسلم لا سيما مع الهجرة مصححا لإطلاق الوصف ~~عليهن { يبايعنك } أي كل واحدة منهن تبايع { على أن لا يشركن } أي يوقعن ~~الإشراك لأحد من الموجودات في وقت من الأوقات { بالله } أي الملك الذي لا ~~كفوء له { شيئا } أي من إشراك على الإطلاق. # ولما كان الشرك بذل حق الملك لمن لا يستحقه، أتبعه أخذ مال المالك بغير ~~حق لاقتضاء الحال لذلك بتمكن المرأة من اختلاس مال الزوج وعسر تحفظه منها ~~فقال: { ولا يسرقن } أي يأخذن مال الغير بغير استحقاق في خفية، وأتبع ذلك ~~بذل حق الغير لغير أهله فقال: { ولا يزنين } أي يمكن أحدا من وطئهن بغير ~~عقد صحيح. # ولما كان الزنى قد يكون سببا في إيجاد أو إعدام نسمة بغير حقها، أتبعه ~~إعدام نسمة بغير حقه فقال: { ولا يقتلن أولادهن } أي بالوأد كما تقدم في ~~النحل وساء في ذلك كونه من زنى أو لا. # ولما ذكر إعدام نسمة بغير حق ولا وجه شرعي أتبعه ما يشمل إيجاد نسمة ~~بغير حل، فقال مقبحا له على سبيل الكناية عنه بالبهتان وما معه بالتصوير ~~له بلوازمه وآثاره لأن استحضار القبيح وتصوير صورته أزجر عنه فقال: { ولا ~~يأتين ببهتان } أي ولد من غير الزوج يبهت من الحاقة به حيرة في نفيه عنه ~~{ يفترينه } أي يتعمدن كذبه، وحقق المراد به وصوره بقوله: { بين أيديهن } ~~أي بالحمل في البطون { وأرجلهن } أي بالوضع من الفروج ولأن عادة الولد مع ~~أنه يسقط بين أيدي أنه ورجليها أنه يمشي أمامها، وهذا شامل لما كان من ~~شبهة أو لقطة. ولما حقق هذه الكبائر العظيمة تعظيما لأمرها لعسر ~~الاحتراز منها، وأكد النهي عن الزنى مطابقة وإلزاما لما يجر إليه من ms5044 ~~الشرور القتل فما دونه، وغلظ أمر النسب لما يتفرع عليه من إيقاع الشبهات ~~وانتهاك الحرمات، عم في النهي فقال: { ولا يعصينك } أي على حال من ~~الأحوال { في معروف } أي فرد كان منه صغيرا كان أو كبيرا، وفي ذكره مع ~~العلم بأنه صلى الله عليه وسلم لا يأمر إلا به إشعار بأنه لا طاعة لمخلوق ~~في معصية الخالق، وقدم المنهيات على المأمورات المستفادة من المعروف لأن ~~التخلي عن الرذائل مقدم على التخلي بالفضائل لأن درء المفاسد أولى من جلب ~~المصالح: { فبايعهن } أي التزم لهن بما وعدت على ذلك من إعطاء الثواب لمن ~~وفت منهن في نظير ما ألزمن أنفسهن من الطاعة. ولما كان الإنسان محل ~~النقصان لا سيما النسوان رجاهن سبحانه بقوله: { واستغفر } أي اسأل { لهن ~~الله } أي الملك الأعظم ذا الجلال والإكرام في الغفران إن وقع منهن تقصير ~~وهو واقع لأنه لا يقدر أحد أن يقدر الله حق قدره. # ولما كانت عظمته سبحانه مانعة لعظيم الهيبة من سؤاله ما طمع به، علله ~~بقوله معيدا الاسم الأعظم لئلا يظن بإضماره وتقيده بحيثية الهجرة من ~~النساء ونحو ذلك مؤكدا لما طبع الأدمي عليه من أنه لا يكاد يترك المسيء ~~من عقاب أو عتاب فضلا عن التفضيل بزيادة الإكرام: { إن الله } أي الذي ~~له صفات الجلال والإكرام فلو أن الناس لا يذنبون لجاء بقوم يذنبون ~~فيستغفرون فيغفر لهم لتظهر صفة إكرامه { غفور } أي بالغ الستر للذنوب ~~عينا وأثرا { رحيم * } أي بالغ الإكرام بعد الغفران فضلا منه ~~وإحسانا، وقد حقق سبحانه ذلك وصدق، ومن أصدق من الله قيلا، # " فأقبل النساء للبيعة عامة ثاني يوم الفتح على الصفا بعد فراغه صلى ~~الله عليه وسلم من بيعة الرجال فنزلت هذه الآية وهو على الصفا فقام عمر ~~بن الخطاب رضي الله أسفل منه يبايعهن بأمره ويبلغهن عنه وهند بنت عتبة ~~متنقبة متنكرة مع النساء خوفا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~يعرفها، فلما ذكر الشرك قالت: والله إنك لتأخذ علينا أمرا ما رأيناك ~~أخذته على ms5045 الرجال، وبايع الرجال يومئذ على الإسلام والجهاد، فقال { ولا ~~يسرقن } فقالت: إن أبا سفيان رجل شحيح وإني أصيب من ماله هنات فلا أدري ~~أيحل لي أم لا؟ فقال أبو سفيان: ما أصبت من شيء فيما مضى وفيما غير فهو ~~لك حلال، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرفها فقال: وإنك لهند بنت ~~عتبة، قالت: نعم، فاعف عني ما سلف عفا الله عنك، فقال: { ولا يزنين } ~~فقال: أو تزني الحرة، فقال { ولا يقتلن أولادهن } فقالت: ربيناهم صغارا ~~وقتلتموهم كبارا وأنتم وهم أعلم، وكان ابنها حنظلة بن أبي سفيان قتل يوم ~~بدر فضحك عمر رضي الله عنه حتى استلقى وتبسم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وذكر البهتان وهو أن تقذف ولدا على زوجها ليس منه، قالت هند: والله ~~إن البهتان لقبيح وما تدعونا إلا إلى الرشد ومكارم الأخلاق، فقال { ولا ~~يعصينك في معروف } فقالت: ما جلسنا مجلسنا هذا وفي أنفسنا أن نعصيك في ~~شيء، وما مست يد رسول الله صلى الله عليه وسلم يد امرأة لا تحل له، وكانت ~~أسماء بنت يزيد بن السكن في المبايعات فقالت: يا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ابسط يدك نبايعك، فقال: إني لا أصافح النساء لكن آخذ عليهن " # ، وعن الشعبي # " أنه صلى الله عليه وسلم دعا بقدح من ماء فغمس يده فيه ثم غمسن أيديهن ~~فيه، وعنه أنه صلى الله عليه وسلم لقنهن في المبايعة " فيما استطعتن ~~وأطقتن " فقالت: الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا ". # ولما ذكر ما أمر به نبيه صلى الله عليه وسلم في المبايعات بعد أن عد ~~الذين آمنوا أصلا في امتحان المهاجرات فعلم من ذلك أن تولي النساء مع ~~أنه لا ضرر فيهن بقتال ونحوه لا يسوغ إلا بعد العلم بإيمانهن، وكان الختم ~~بضفتي الغفران والرحمة مما جرأه على محاباة المؤمنين لبعض الكفار من ~~أزواج أو غيرهم لقرابة أو غيرها لعلة يبديها الزوج أو غير لك من الأمور، ~~كرر سبحانه الأمر بالبراءة من كل عدو، ردا لآخر السورة على ms5046 أولها ~~تأكيدا للإعراض عنهم وتنفيرا من توليهم كما أفهمته آية المبايعة وآية ~~الامتحان، فقال ملذذا لهم بالإقبال بالخطاب كما فعل أولها بلذيذ العتاب: ~~{ يا أيها الذين آمنوا }. # ولما كان الميل عن الطريق الأقوام على خلاف ما تأمر به الفطرة الأولى ~~فلا يكون إلا عن معالجتها، عبر بالتفعل كما عبر به أول السورة بالافتعال ~~فقال: { لا تتولوا } أي تعالجوا أنفسكم أن تتولوا { قوما } أي ناسا لهم ~~قوة على ما يحاولونه فغيرهم من باب الأولى { غضب الله } أي أوقع الملك ~~الأعلى الغضب { عليهم } لإقبالهم على ما أحاط بهم من الخطايا فهو عام في ~~كل من اتصف بذلك يتناول اليهود تناولا أوليا. # ولما كان السامع لهذا يتوقع بيان سبب الغضب، قال معللا ومبينا أنه لا ~~خير فيهم يرجى وإن ظهر خلاف ذلك: { قد يئسوا } أي تحققوا عدم الرجاء { من ~~الآخرة } أي من أن ينالهم منها خير ما لإحاطة معاصيهم بهم أو لعدم ~~اعتقادهم لقيامها ولا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون، فيوشك من ~~والاهم يكتب منهم فيحل بهم الغضب { كما يئس } من نيل الخير منها { الكفار ~~} ولما كان من مات فصار أهلا للدفن كشف له عن أحوال القيامة فعرف أنه ~~ناج أو هالك، وكان الموتى أعم من الكفار، وموتى الكفار أعم ممن يدفن منهم ~~فقال: { من أصحاب القبور * } فإن الكفار منهم قد علموا يأسهم من حصول ~~الخير منها علما قطعيا، ويجوز أن يكون { من } ابتدائية فيكون المعنى: ~~كما يئس عباد الأوثان من لقاء من مات، فدفن باعتقاد أنه لا اجتماع بينهم ~~أصلا لأنه لا يمكن بعثه لا إلى الدنيا ولا إلى الآخرة لأنه لا آخرة ~~عندهم أصلا لا سيما إن كان مدفونا في قبر، وعلى هذا يكون الظاهر وضع ~~موضع المضمر للدلالة على أن الذي أيأسهم تغطية الدلائل مع وضوحها لو ~~أنصفوا، فلا تتولوا من هذه صفته فيكون بينكم وبينه ما بين القريب مع ~~قريبه من تولى كل منهم من الآخر ما يتولاه القريب الصديق لقريبه فإن ~~توليهم ضرر لا نفع فيه ms5047 فإن من غضب عليه الملك الشهيد لكل حركاته وسكناته ~~لا يفلح هو ولا من تولاه، وأقل ما في ولايته من الضرر أنها تنقطع ~~المعاونة فيها، والمشاركة بالموت وإن كان بعد الموت مشاركة ففي العذاب ~~الدائم المستمر الذي لا ينقطع عنهم والخزي اللازم، وقد علم أن هذا الآخر ~~هو أولها، وهذا الموصل مفصلها، فسبحانه من أنزله كتابا معجزا حكيما، ~~وقرآنا موجزا جامعا عظيما. ### | [61 - سورة الصف] ### || [61.1-4] # لما ختمت الممتحنة بالأمر بتنزيهه سبحانه عن تولي من يخالف أمره بالتولي ~~عنهم والبراءة منهم اتباعا لأهل الصافات المتجردين عن كل ما سوى الله لا ~~سيما عمن كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون، افتتحت الصف بما ~~هو كالعلة لذلك فقال: { سبح لله } أي أوقع التنزيه الأعظم للملك الأعظم ~~الذي له { ما في السموات } من جميع الأشياء التي لا يغفل من أفلاكها ~~ونجومها وغير ذلك من جواهرها وأعراضها في طلوعها وأفولها وسيرها في ~~ذهابها ورجوعها وإنشاء السحاب وإنزال المياه وغير ذلك. ولما كان الخطاب ~~مع غير الخلص أكده فقال: { وما في الأرض } أي بامتثال جميع ما يراد منه ~~مما هو كالمأمور بالنسبة إلى أفعال العقلاء من نزول المياه وإخراج النبات ~~من النجم والشجر وإنضاج الحبوب والثمار - وغير ذلك من الأمور الصغار ~~والكبار. # ولما كان امتثال غير العاقل وعصيان العاقل ربما أوهم نقصا قال: { وهو } ~~أي وحده لا شريك له { العزيز } أي العظيم النفع الذي يغلب كل شيء ولا ~~يغلبه شيء، ويعسر الوصول إليه { الحكيم * } أي الذي يضع الأشياء في أتقن ~~مواضعها، فما مكن العاقل من المعصية إلا لإظهار صفات الكمال من العلم ~~والقدرة والحلم والكرم والرحمة والغضب وغير ذلك، وقد علم بهذا التنزيه ~~وختم آيته بهاتين الصفتين أنه تعالى منزه عما تضمنه يأس الكفار المذكور ~~من أنه لا بعث وعن أن يجعل سبحانه لهم حظا في الآخرة لأن كلا من عدم ~~البعث والتسوية بين المسيء والمحسن نقص. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: افتتحت بالتسبيح لما ختمت به سورة ~~الممتحنة من قوله ms5048 # لا تتولوا قوما غضب الله عليهم # [الممتحنة: 13] وهم اليهود، وقد تقدم الإيماء إلى ما استوجبوا به هذا ~~فأتبع بالتنزيه لما تقدم بيانه فإنه مما تعقب به ذكر جرائم المرتكبات ولا ~~يرد في غير ذلك، ثم أتبع ذلك بأمر العباد بالوفاء وهو الذي حد لهم في ~~الممتحنة ليتنزهوا عن حال مستوجبي الغضب بنقيض الوفاء والمخالفة بالقلوب ~~والألسنة # يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم # [آل عمران: 167] # ليا بألسنتهم وطعنا في الدين # [النساء: 46] # من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم # [المائدة: 41] # ويقولون آمنا بالله والرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم # [النور: 47] وبمجموع هذا استجمعوا اللعنة والغضب فقيل للمؤمنين: # يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون # [الصف: 2] احذروا أن تشبه أحوالكم حال من استحق المقت واللعنة والغضب، ~~ثم أتبع بحسن الجزاء لمن وفى قولا وعقدا ولسانا وضميرا، وثبت على ما ~~أمر به فقال: # إن الله يحب الذي يقاتلون في سبيله صفا # [الصف: 4] الآية ثم تناسج ما بعد. ولما كان الوارد من هذا الغرض في سورة ~~الممتحنة قد جاء على طريق الوصية وسبيل النصح والإشفاق، أتبع في سورة ~~الصف بصريح العتب في ذلك والإنكار ليكون بعد ما تمهد في السورة قبل أوقع ~~في الزجر، وتأمل كم بين قوله سبحانه # يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء # [الممتحنة: 1] وما تضمنته من اللطف وبين قوله # لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون # [الصف: 2] انتهى. # ولما تقدمت في الممتحنة قصة الفتح الأعظم في شأن حاطب بن أبي بلتعة رضي ~~الله عنه وجل منابذة الكفار بكل اعتبار علما على صحة الهجرة وادعى ~~التجرد لجهاد أعداء الله، وقصة الفتح السببي من تحريم المؤمنات على ~~المشركين وتحريم المشركين على المؤمنات في غزوة الحديبية، وأبدى سبحانه ~~في ذلك من الصنائع التي تعجز قوى الخلق عنها أن رتب ما في الفتح السببي ~~على ما في الفتح الفعلي الحقيقي، فجعل الأول في الزمان آخر في الرتبة ~~والآخر في الزمان أولا في الرتبة ms5049 مع شدة الإحكام في ترصيف النظام ~~والبلوغ في الرشاقة والانسجام إلى حد لا يطيقه نوافذ الأفهام مع بداعة ~~المعاني ومتانة المباني، وكان فعل من ناصح الكفار ممن أمن بلسانه وأذعن ~~بجنانه وهاجر بأركانه نوع مناصحة فعل من يقول مالا يفعل في منابذتهم ~~والتجرد بعداوتهم، فذكر أول هذه السورة من تنزيهه بألسنة أحوال ما لا ~~يعقل ما يخجل المسلم بشيء من ذلك تأديبا لأمثاله، وتدريبا لمن يلم بشيء ~~من المخالفة بباله، وكان العاقل أولى من غيره بتنزيه جناب القدس بالطاعة، ~~فكيف إذا كان ممن أقر بالإيمان وتقلد عهدة الإذعان، وكان من عصى منهم ~~مناديا على نفسه بمخالفة قوله لفعله، ومن نزهه حق تنزيهه لم يقصر في حق ~~من حقوقه بتضييع شيء من أوامره كما أن تنزيه ما لا يعقل بأن لا يخالف ~~شيئا من مراده، قال مرهبا بنداء البعد والتوبيخ الذي من مبادئ الغضب ~~والإنكار بالاستفهام والتعبير بما يفهم أدنى مراتب الإيمان: { يأيها ~~الذين آمنوا } أي ادعوا الإيمان { لم } قال في الكشاف: هي لام الإضافة ~~داخلة على " ما " الاستفهامية كما دخل عليها غيرها من حروف الجر في بم ~~وفيم ومم وعم وإلام وعلام، وإنما حذفت الألف لأن " ما " والحرف كشيء ~~واحد، ووقع استعمالها بزيادة هاء السكت أو الإسكان، ومن أسكن في الوصل ~~فلإجرائه مجرى الوقف كما سمع ثلاثه أربعه بالهاء وإلقاء حركة الهمزة ~~عليها محذوفة، وقال الرضي في الموصول: إنها حذفت لأن لها صدر الكلام ولم ~~يمكن تأخير الجار عنها فقدم وركب معها حتى يصير المجموع موضوعة ~~للاستفهام، فلا يسقط الاستفهام عن مرتبة الصدر، وجعل حذف الألف دليل ~~التركيب { تقولون } أي من دعوى الإيمان التي مقتضاها إلزام الإخلاص في ~~جميع الأحوال { ما لا تفعلون * } أي ما لا تصدقونه بالفعل الذي يكون ~~بغاية الرغبة والقوة فتتخذوا العدو وليا بالإقبال عليه وإرسال التنصح ~~إليه وقد تلفظتم بالإيمان الذي يستلزم المعاداة لكل من كفر، وخلف الوعد ~~في نفسه قبيح ومع الخالق أقبح. # ولما كان ذلك مهلكا، رحم المخاطبين بتعظيمه لينجوا أنفسهم بالكف عنه ~~فقال: ms5050 { كبر } فقصد به التعجيب وهو تعظيم الأمر في قلوب السامعين لأن ~~التعجب لا يكون إلا في أمر خارج عن نظائره وأشكاله، وفسر ما قصد منه ~~للدلالة على خلوصه في المقت بقوله: { مقتا } أي عظم جدا وما أعظمه من ~~بغض هو أشد البغض، وزاد في تبشيعه زيادة في التنفير منه بقوله: { عند ~~الله } أي الملك الأعظم الذي يحقر عنده كل متعاظم. ولما أبلغ في تبشيعه ~~تشوفت النفس إلى المسند إليه ذلك قال: { أن تقولوا } أي عظم من تلك الجهة ~~أن يقع في وقت من الأوقات أو حال من الأحوال قولكم { ما لا تفعلون * } ~~وقال القشيري: ويقال: لم يتوعد الله على زلة بمثل ما توعد على هذا - ~~انتهى. وكل ما ذكروه في سببها صالح للسببية قول بعضهم لو ندري أحب ~~الأعمال إلى الله لاجتهدنا فيه ثم ولوا يوم أحد، وتوانى بعضهم في ~~الجهاد، وكون # " صهيب رضي الله عنه قتل يوم بدر رجلا آذى المسلمين وأنكى فيهم وادعى ~~غيره أنه قتله فأعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر وعبد الرحمن ~~بن عوف لصهيب رضي الله عنهم: أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنك ~~قتلته، فقال صهيب رضي الله عنه: " إنما قتلته لله ولرسوله، فأخبر عمر ~~وعبد الرحمن رضي الله عنهما النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أكذلك أبا ~~يحيى، فقال: نعم يا رسول الله " # والتزام المنافقين أحكام الإسلام، وتخلفهم إخلافا في الأمور العظام، ~~وكذا قصة حاطب رضي الله عنه. # ولما عظم ما يكرهه بعد ما ألهب به من تنزيه غير العاقل، فكان العاقل ~~جديرا بأن يسأل عما يحبه لينزهه به، قال ذاكرا الغاية التي هي أم جامعة ~~لكل ما قبلها من المحاسن، مؤكدا لأن الخطاب مع من قصر أو هو في حكمه: { ~~إن الله } أي الذي له جميع صفات الكمال { يحب } أي يفعل فعل المحب مع { ~~الذين يقاتلون } أي يوقعون القتال { في سبيله } أي بسبب تسهيل طريقه ~~الموصلة إلى رضاه إيقاعا مظروفا للسبيل، لا يكون شيء منه كشيء خارج ~~عنه، ms5051 فيقاتلون أعداء الدين من الشيطان بالذكر القلبي واللسان، والإنسان ~~بالسيف والسنان { صفا } أي مصطفين حتى كأنهم في اتحاد المراد على قلب ~~واحد كما كانوا في التساوي في الاصطفاف كالبدن الواحد. # ولما كان الاصطفاف يصدق مع التقدم والتأخر اليسير نفى ذلك بقوله حالا ~~بعد حال: { كأنهم } أي من شدة التراص والمساواة بالصدور والمناكب والثبات ~~في المراكز { بنيان } وزاد في التأكيد بقوله: { مرصوص * } أي عظيم ~~الاتصال شديد الاستحكام كأنما رص بالرصاص فلا فرجة فيه ولا خلل، فإن من ~~كان هكذا كان جديرا بأن لا يخالف شيء من أفعاله شيئا من أقواله، فالرص ~~إشارة إلى اتحاد القلوب والنيات في موالاة الله ومعاداة من عاداه المنتج ~~لتسوية الصفوف في الصلاة التي هي محاربة الشيطان، والحرب التي هي مقارعة ~~حزبه أولى الطغيان، والأفعال التي هي ثمرات الأبدان. ### || [61.5-6] # ولما كان التخلف عن أمر الله تعالى والغفلة عن شيء يؤدي تركه إلى ~~التهاون به والإخلال بأدب من آدابه موجبا للكون في صف الشيطان ومفارقة ~~حزب الرحمن، فيكون أذى الرسول صلى الله عليه وسلم، فيوجب ذلك الشقاء كله ~~لأنه جدير بأن يجر إلى أكبر منه إلى أن تحيط الخطايا فتبيح الرزايا، وكان ~~للتذكير بالمشاهدات والأمور الواقعات ما ليس لغيره في التأديب ومرجع ~~الترهيب، ذكر بما كان لبني إسرائيل ترهيبا من مثل حالهم، لئلا يوقع في ~~نكالهم، حين تقاعسوا عما أمروا به من فتح بيت المقدس من الله تعالى غضب ~~من فعلهم ذلك فسماهم فاسقين وضربهم بالتيه أربعين سنة، وأمات في تلك ~~الأربعين كل من توانى منهم في ذلك، فلم يدخل إلى بيت المقدس منهم أحد، ~~فحرموا البلاد التي تقاعدوا عن فتحها، وهي بعد مكة والمدينة خير بلاد ~~الله تعالى ومهاجر أبيهم إبراهيم عليه الصلاة والسلام ومواطن أبويهما ~~إسحاق ويعقوب عليهما الصلاة والسلام وأنزه الأرض، وأكثرها خيرا وأبركها، ~~مع ما كانوا فيه من الضيق والنكد من التيه الذي هو طرد عن جناب الله بما ~~أراد - بما أشار إليه التعبير عن زمنه بالسنين - إلى ما أبقوا بعدهم نم ~~سوء ms5052 الذكر وشناعة القالة إلى آخر الدهر فقال تعالى: { وإذ } عطفا على ما ~~تقديره: اذكروا ما فعل بعضكم - بما أشرت إليه أول هذه الآيات من الآداب ~~من تنبيه الكفار بما قد يمنع من الفتح أو يكون سببا في عسره أو في إهلاك ~~خلق كثير من عبادي الذين خلقتهم في أحسن تقويم من المؤمنين وغيرهم، أو من ~~الفرار من الكفار عند المقارعة، أو التقاعس عن اللقاء عند البعث عليه، ~~فآذى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أذاه من أذى الله فحلم عنكم، ~~وقبل بما له من بليغ الرحمة بكم والشفقة عليكم منكم، وكان أنهى ما عاتبكم ~~به مرسله سبحانه النداء بما هو أدنى الأسنان في الإيمان في نظير إطلاقه ~~على بني إسرائيل الفسق بالوصف المؤذن بالرسوخ: واذكروا حين { قال موسى ~~لقومه } وهم - مع كونه منهم - ممن له قوة على ما يحاولونه: { يا قوم } ~~استعطافا لهم واستنهاضا إلى رضى ربهم { لم تؤذونني } أي تجددون إذائي ~~مع الاستمرار بالتواني في أمر الله والتقاعد عن فتح بيت المقدس مع قولي ~~عن الله أنكم فاتحوها إن أطعمتموه وأن الله أقسم لآبائكم أنه ما نحكموها ~~لا محالة. # ولما كان هذا الاستفهام الإنكار موجبا لتوقع ما يأتي بعده من موجب ~~التعظيم بدل الأذى، والتبجيل والانقياد موضع التوقف والإباء، قال محققا ~~بحرف التحقيق مضمون الكلام: { وقد } أي والحال أنكم { تعلمون } أي علمتم ~~قطعيا مع تجدده لكم في كل وقت بتجدد أسبابه بما آتيتكم به من المعجزات ~~وبالكتاب الحافظ لكم من الزيغ { أني رسول الله } أي الملك الأعظم الذي لا ~~كفوء له ورسوله أيضا يعظم ويحترم لا أنه تنتهك جلالته وتخترم { إليكم } ~~لا أقول لكم شيئا إلا عنه، ولا أنطق عن الهوى، فعصياني عصيانه مع أني ما ~~قلت لكم شيئا إلا تم، وإن كنتم قاطعين بخلافه فهي معصيته لا حامل عليها ~~أصلا إلا رداءة الجبلات. # ولما تحنن إليهم واستعطفهم وذكرهم ما يعلمون من رسليته وصلته بالله بما ~~شاهدوا من الآيات التي هي أعظم الإحسان إليهم، أعلم أنهم أوشكوا ms5053 العصيان، ~~فقال معبرا عن ذلك بالفاء تسبيبا عن هذا القول الذي هو أهل لأن يسبب ~~الثبات وتعقيبا وتقريبا: { فلما زاغوا } أي تحقق زيغهم عن قرب عن أوامر ~~الله في الكتاب الآتي إليهم بما أبوا من قبول أمره في الإقدام على الفتح ~~{ أزاغ الله } أي الذي له الأمر كله { قلوبهم } من الاستواء، وجمع الكثرة ~~يدل على أنه لم يثبت منهم إلا القليل فهزمهم بين يدي أعدائهم وضربهم ~~بالتيه لأنهم فسقوا عن أمر الله { فالله } - لا يهديهم، فأسند الذنب ~~إليهم والعقوبة إليه وإن كان الكل فعله تعليما لعباده الأدب وإعلاما ~~بأن أفعالهم الاختيارية ينسب إليهم كسبها ويقوم به الحجة عليهم لعدم ~~علمهم بالعاقبة { والله } أي الملك الأعظم الذي له الحكمة البالغة لأنه ~~المستجمع لصفات الكمال { لا يهدي } أي بالتوفيق بعد هداية البيان { القوم ~~الفاسقين * } أي العريقين في الفسق الذين لهم قوة المحاولة فلم يحملهم ~~على الفسق ضعف، فاحذروا أن تكونوا مثلهم في العزائم فتساووهم في عقوبات ~~الجرائم - انتهى. # ولما كان أذى النبي صلى الله عليه وسلم بمخالفة أمره تارة يكون مع العلم ~~برسالته والإقرار بها وتارة مع الإنكار، وقدم العتاب على ما كان منه على ~~تقدير التصديق، وذكر فيه بقصة موسى عليه الصلاة والسلام الذي كانوا ~~يؤذونه مع العلم برسالته، وهدد بما اتفق لهم من زيغ القلوب التي هي عماد ~~الأبدان وصلاح الإنسان، أتبعه ما يكون منه عند فرض الإنكار. ولما كان رد ~~المنكر تارة بالعقل وتارة بالنقل، وكان الذي بالعقل يكون بنظر المعجزات ~~ولا سيما إخراج الخبأ وقد كان منه في قصة حاطب رضي الله تعالى عنه في ~~إخراج كتابه الذي اجتهد في إخفائه واجتهدت الظعينة الحاملة له في كتمانه ~~ما فيه مقنع في العلم بالرسالة وتحقق الجلالة، أتبع ذلك دليلا نقليا ~~تأييدا للعقل مع كونه دليلا على صحة الإخبار بإزاغة قلوب بني إسرائيل ~~جزاء على زيغهم عن الحق فقال: { وإذ } أي واذكروا حين { قال عيسى } ووصفه ~~بما حقق من هو فقال: { ابن مريم } أي لقوم موسى عليهما الصلاة والسلام ~~الذين ms5054 أرسل إليهم وثبتت نبوته لديهم بالمعجزات مع إخلاص الدعوة لله ~~وتصديق من كان قبله من أهل الله: { يا بني إسرائيل } وذكرهم بما كان عليه ~~أبوهم من الدين وما وصى به نبيه من التمسك بالإسلام، ولم يعبر بالقوم كما ~~قال موسى عليه الصلاة والسلام لأنه لا أب له فيهم وإن كانت أمه منهم، فإن ~~النسب إنما هو من جهة الأب، وأكد لإنكار بعضهم فقال: { إني رسول الله } ~~أي الملك الأعظم الذي أحاط علمه بكل شيء { إليكم } أي لا إلى غيركم، حال ~~كوني { مصدقا } نصبه بما في الرسول من رائحة الفعل ولا ينصب ب " إليكم ~~" لأنه صفة للرسول، وحروف الجر لا تعمل بأنفسها بل بما فيها من معنى ~~الفعل، فإذا كانت صلات لم تكن متضمنة لمعنى فعل فلا تعمل، وهو الحرف الذي ~~يسمى في غير " الكتاب العزيز " لغوا { لما بين يدي } أي تقدمني وكان من ~~قبلي { من التوراة } التي تعلمون أن الله تعالى أنزلها على موسى عليه ~~الصلاة والسلام وهي أول الكتب التي نزلت بعد الصحف وحكم بها النبيون، ~~فتصديقي لها مع تأييدي لها مؤيد لأن ما أقمته من الدلائل حق ومبين أنها ~~دليلي فيما لم أنسخه منه كما يستدل الإنسان بما قدامه من الأعلام ويراعيه ~~ببصره. # ولما ذكر أول الكتب ذكر أيضا أول الأنبياء خلقا وآخرهم بعثا وهو آخر ~~الرسل ليكون في ذلك إشارة إلى أن البشارة به في التوراة والإنجيل فقال: { ~~ومبشرا } أي في حال تصديقي للتوراة. # ولما كانت رسالته صلى الله عليه وسلم عامة لجميع الخلق لم يذكر في ~~رسالته حرف الغاية كما ذكر في الرسالتين المذكورتين قبل فقال: { برسول } ~~أي إلى كل من شملته المربوبية { يأتي } ولما كان إتيانه بعده بمدة طويلة ~~أدخل الجار فقال: { من بعدي } ولما كان الإتيان بغاية البيان وإزاحة ~~اللبس بكل اعتبار أقعد في العتاب لمن هفا بعده والأخذ لمن جفا فنقض عهده، ~~أتى بالاسم الذي ما شارك النبي صلى الله عليه وسلم فيه أحد في زمانه ولا ~~قبله أصلا، ووزنه دال على المبالغة ms5055 في معناه فقال: { اسمه أحمد } أي دال ~~على أنه أبلغ الخلق حامدا ومحمودا وهو اسمه صلى الله عليه وسلم في ~~السماء التي سيصير إليها هذا المبشر، وفي تخصيصه بالذكر احتراز عن أن ~~يتوهم أن البعدية في الرتبة لأنه يليح بتصديره بالهمزة التي هي أول ~~الحروف مخرجا وأشد حروف الحلق الذي هو أول المخارج وتضمينه الميم إلى ~~أنه صلى الله عليه وسلم كما أنه خاتم بما أشار إليه أشهر أسمائه وأعظمها ~~" محمد " لابتدائه بالميم التي هي أمكن حروف الشفة التي هي خاتمة للحروف ~~لأن مخرجها آخر المخارج، لا نبي بعده فهو فاتح مقدم باعتبار الذكر والشرف ~~والحكم بالوصف الشريف لا نبي قبله في الخلق وجبت له النبوة وإن آدم ~~لمنجدل في طينه وبين الروح والجسد كما في الحديث الذي أخرجه أحمد عن ~~ميسرة الفجر رضي الله عنه والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه وأخرجه ~~البيهقي في أول دلائل النبوة وقال: إن معناه أنه كذلك في قضاء الله ~~وتقديره، وكأنه يريد قضاء مكتوبا في أم الكتاب ومذكورا لمن أراد من ~~الملائكة قبل إتمام خلق آدم عليه الصلاة والسلام فإنه يحتمل أنه سبحانه ~~وتعالى لما صور آدم عليه الصلاة والسلام جعل طينته شفافة تشف عن ذريته ~~وجعل لصالحيهم نورا يرى دون غيره، فلما رأوا أعظمهم نورا سألوا عنه ~~فأخبرهم سبحانه وتعالى به وأثبت ما أراد من أوصافه في أم الكتاب كما أنه ~~كان نبيا بالإخبار في دعوة أبيه إبراهيم عليه الصلاة والسلام وببشارة ~~عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام وبأمارات النور الذي خرج من أمه كما ~~في الحديث الذي رواه البيهقي في الدلائل وغيره عن العرباض بن سارية رضي ~~الله عنه # " إني عبد الله وخاتم النبيين " # وفي رواية # " إني عبد الله لخاتم النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته وسأخبركم عن ذلك؛ ~~دعوة أبي إبراهيم وبشارة عيسى بي ورؤيا أمي التي رأت، وكذلك أمهات ~~النبيين يرين " # وأن أم رسول الله صلى الله عليه وسلم رأت حين وضعته نورا أضاءت له قصور ~~الشام، فتأويل ms5056 ذلك بذكره سبحانه له لملائكته مثل تأويله بدعوة إبراهيم ~~عليه الصلاة والسلام في قوله تعالى حكاية عنه # ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويزكيهم ويعلمهم الكتاب ~~والحكمة # [البقرة: 129] وبشارة عيسى عليه الصلاة والسلام في مثل حكايته عنه في ~~هذه الآية، وتأويله بالنور الذي رأت أمه مثل تأويله بالنور الذي يحتمل أن ~~يكون الملائكة عليهم السلام " رأوا في شفاف طينة آدم عليه السلام والله ~~سبحانه وتعالى أعلم. وكانت سورة القتال أحق باسمه الدال على الختم لأن ~~الختام محتاج إلى علاج في لأم ما كان من صدع الافتراق، وكذا سورة الفتح ~~لما يلزمه من محاولة المنغلق وإزالة الأغلاق، وختام السورتين بالميم عظيم ~~المناسبة لذلك لأن الميم اسم لتمام الظاهر المقام بالألف، وإلى ذلك إشارة ~~رسم ألف التنوين في الفتح بعد الميم مع أنه لا يخلو من إشارة إلى أنه ~~الفاتح مع كونه الخاتم، ويؤيد ذلك افتتاح السورة بأول حروف الاسم المليح ~~إلى الفتح، وكانت هذه السورة أحق به لأنه أدل دال على الاتفاق واجتماع ~~الكلمة دون اختلاف وافتراق، كما كان عند نزول آدم عليه الصلاة والسلام ~~وبعده بمدة، وإلى ذلك أشار ختمها وختم نظيرتها الصافات بالنون الذي هو ~~مظهر مبين محيط بما أظهره، فهو مبشر لهذه الأمة بالاجتماع والظهور على ~~الاسم الذي يحيط آخره بجميع أهل الأرض على زمن المبشر عيسى عليه السلام ~~المؤيد للمبشر به بتجديد أمره وإقامة دينه صلى الله عليه وسلم، وآخر هذه ~~نتيجة آخر الصافات بالحمد الذي هو الإحاطة بأوصاف الكمال - والله تعالى ~~أعلم بالصواب ". # ذكر ما يصدق هذه الآية من الإنجيل من تصديقه للتوارة # وبشارته بأحمد صلى الله عليه وسلم، قال: وكان رجل مريض اسمه العازر من ~~بيت عنيا وهو أخو مريم ومرتا، فأرسلت الأختان إلى يسوع أن الذي تحبه ~~مريض، فأقام في الموضع الذي هو فيه يومين ثم قال لتلاميذه: امضوا بنا إلى ~~اليهودية، فقال له تلاميذه: الآن يا معلم أراد اليهود رجمك وأنت تريد ~~المضي إليهم، فقال: إن العازر حبيبنا قد نام، فأنا ms5057 انطلق فاوقظه، فقال: ~~يا سيدنا، إن كان نائما فهو يستيقظ، فقال العازر مات، فأقبلوا إلى بيت ~~عنيا، فإذا له أربعة أيام في القبر وكانت بيت عنيا من يروشليم على نحو ~~خمس عشرة غلوة، وكان كثير من اليهود قد جاؤوا إلى مرتا ومريم يعزوهما، ~~فلما سمعت مرتا بقدوم يسوع خرجت لتلقاه فقالت له: يا سيد، لو كنت ههنا لم ~~يمت أخي وأنا أعلم أن الله يعطيك كل ما سألته، قال: سيقوم أخوك، قالت: ~~أنا أعلم أنه سيقوم في القيامة، ثم جاءت مريم للقائه، فظن اليهود الذين ~~كانوا يعزونها أنها تذهب إلى القبر فتبعوها، فلما انتهت إلى المكان الذي ~~كان فيه يسوع خرت على قدميه ساجدة، فلما رآها تبكي ورأى اليهود الذين ~~كانوا معها قال: أين وضعتموه؟ فقالوا له: يا سيد، تعالى وانظر، فدمع يسوع ~~فقال اليهود: انظروا كيف كان يحبه، فقال ناس منهم: أما كان هذا الذي فتح ~~عيني الأعمى يقدر أن يجعل هذا لا يموت، فجاء إلى القبر وكان مغارة وعليه ~~حجر موضوع فقال: ارفعوا الصخرة، فقالت له مرتا أخت الميت: يا سيد، إنه قد ~~أنتن لأن له أربعة أيام، قال لها يسوع: ألم أقل لك إن آمنت رأيت مجد ~~الله، فرفعوا الصخرة فرفع يسوع بصره إلى فوق وقال: أشكرك، لأنك تسمع لي، ~~أقول هذا من أجل هذا الجمع ليؤمنوا أنك أرسلتني، قال هذا القول ونادى ~~بصوت عظيم وصاح: عازر اخرج، فخرج الميت ويداه ورجلاه ملفوفة باللفائف ~~ووجهه ملفوف بعمامة، فقال يسوع: حلوه ودعوه يمضي، وإن كثيرا من اليهود ~~الذين جاؤوا إلى مريم لما رأوا ما صنع يسوع آمنوا، ومضى قوم منهم إلى ~~الفريسيين فأخبروهم، فجمع عظماء الكهنة والفريسيون محفلا فقالوا: ماذا ~~نصنع إذ كان هذا الرجل يعمل آيات كثيرة وإن تركناه فيؤمن به جميع الناس ~~وتأتي الروم فتنقلب على أمتنا وموضعنا، وإن واحدا منهم اسمه قيافا كان ~~أعظم الكهنة في تلك السنة قال لهم: إنه خير لنا أن يموت واحد من الشعب من ~~أن تهلك الأمة كلها - إلى آخر ms5058 ما مضى في النساء عند قوله تعالى: # وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم # [النساء: 157] الآيات، نرجع إلى متى قال: حينئذ ذهب الفريسيون وتشاوروا ~~ليصطادوه بكلمة فأرسلوا إليه تلاميذهم والهردوسيين قائلين: يا معلم، قد ~~علمنا أنك محق وطريق الله بالحق تعلم ولا تبالي بأحد ولا تنظر لوجه إنسان ~~فقل لنا ما عندك، أيجوز لنا أن نعطي الجزية لقيصر أم لا؟ فعلم يسوع شرهم ~~فقال: لماذا تجربوني يا مراؤون أروني دينار الجزية، فأتوه بدينار فقال ~~لهم يسوع: لمن هذه الصورة والكتابة؟ فقالوا: لقيصر، حينئذ قال لهم: أعطوا ~~ما لقيصر لقيصر وما لله لله، فلما سمعوا تعجبوا وتركوه ومضوا، وقال ~~يوحنا: فقال يسوع: أنا ماكث فيكم زمانا يسيرا، ثم انطلق إلى من أرسلني ~~وتطلبوني فلا تجدوني، وحيث أكون أنا لستم تقدرون على المجيء إلي فقال ~~اليهود فيما بينهم: إلى أين هذا مزمع أن يذهب حتى لا نجده، لعله مزمع أن ~~يذهب إلى منفى اليونانيين، وقال متى: وفي اليوم جاء إليه الزنادقة ~~القائلون: ليس قيامة، وسألوه - فذكر سؤالهم وجوابه لهم إلى أن قال في آخر ~~جوابه: أما قرأتم ما قيل لكم من الله، وقال مرقس: في سفر موسى قول الله ~~على العوسج إذ قال: أنا هو إله إبراهيم وإله إسحاق وإله يعقوب وأنتم ~~تضلون كثيرا، وعبارة لوقا: فقد نبأ بذلك موسى في العليقة كما قال الرب: ~~أنا إله إبراهيم وإله إسحاق وإله يعقوب، وقال متى: فلما سمع الجمع بهتوا ~~من تعليمه، فلما سمع ذلك الفريسيون أنه قد أبكم الزنادقة اجتمعوا عليه ~~جميعا وسأله كاتب منهم ليجربه قائلا، يا معلم! أي الوصايا أعظم في ~~الناموس؟ قال له يسوع: تحب الرب إلهك من كل قلبك، وقال: اسمع، يا ~~إسرائيل، الرب إلهك واحد هو، تحب إلهك من كل قلبك - انتهى، ومن كل نفسك ~~ومن كل فكرك، هذه الوصية الأولى العظيمة، والثانية التي تشبهها أن تحب ~~قريب مثل نفسك، قال مرقس: ليس وصية أعظم من هاتين - انتهى، في الوصيتين ~~سائر الناموس والأنبياء يتعلق، قال مرقس: فقال له ms5059 الكاتب: فحينئذ يا معلم ~~الحق قلت أنه واحد ليس آخر غيره، وأن تحبه من كل القلب ومن كل النية ومن ~~كل النفس ومن كل القوة، وتحب القريب مثلك، هذه أفضل من جميع الذبائح ~~والمحترقات، فلما رأى يسوع عقله أجابه قائلا: لست بعيدا من ملكوت الله، ~~وقال لوقا: فقال ليسوع: ومن هو قريبي؟ قال يسوع: كان رجل نازلا من ~~يروشليم إلى أريحا، فوقع بين اللصوص فسلبوه وجرحوه ومضوا وتركوه مثخنا ~~قريب الموت، واتفق أن كاهنا نزل في تلك الطريق فأبصره وجاز، وكذلك لاوي ~~جاء إلى المكان فأبصره وجاز، وإن سامريا جاز به، فلما رآه تحنن ودنا منه ~~وضمد جراحاته وحمله على دابته وجاء به إلى الفندق وعني بأمره، وفي الغد ~~أخرج بدينارين أعطاهما لصاحب الفندق وقال: اهتم به فإن أنفقت عليه أكثر ~~من هذين دفعت لك عند عودتي، فمن من هؤلاء الثلاثة تظن أنه قد صار قريبا ~~للذي وقع بين اللصوص، فقال له: الذي صنع معه رحمة، فقال له يسوع: اذهب ~~أنت وافعل هكذا، وقال مرقس: فلم يتجرأ أحد أن يسأله ثم قال: وكانت جماعة ~~كثيرة يسمعون منه بشهوة، وقال يوحنا: وآمن باسمه عند كونه بإيروشليم في ~~عيد الفسح كثير لأنهم عاينوا الآيات التي عمل، ثم قال: وكان رجل من ~~الفريسيين اسمه نيقوديميس رئيسا لليهود أتى إلى يسوع ليلا وقال له: يا ~~معلم نحن نعلم أنك من الله أتيت معلما لأنه ليس بقدر أحد أن يعمل هذه ~~الآيات التي تعمل أنت إلا من كان الله معه، قال متى: وحينئذ كلم يسوع ~~الجمع وتلاميذه وقال: على كرسي موسى جلس الكتبة والفريسيون وكل ما قالوه ~~لكم احفظوه أنتم وافعلوه، ومثل أعمالهم لا تصنعوا لأنهم يقولون ولا ~~يفعلون، لأنهم يربطون أحمالا ثقالا صعبة الحمل ويحملونها على أعناق ~~الناس ولا يريدون أن يحركوها بإصبعهم، وكل أعمالهم يصنعونها لكي يراؤوا ~~الناس، يعرضون أرديتهم ويعظمون أطراف ثيابهم، ويحبون أول الجماعات في ~~الولائم وصدور المجالس في المجامع والسلام في الأسواق، وأن يدعوهم الناس ~~معلمين، فأما أنتم فلا تدعوا ms5060 لكم معلما على الأرض ولا مدبرا فإن مدبركم ~~واحد هو المسيح، وأنتم جميعا إخوة، ولا تدعوا لكم أبا على الأرض فإن ~~أباكم واحد، هو الذي في السماوات، والكبير الذي فيكم يكون لكم خادما، ~~فمن رفع نفسه اتضع، ومن وضع نفسه ارتفع، الويل لكم أيها الكتبة ~~والفريسيون، لأكلكم بيوت الأرامل والأيتام، لعلة تطويل صلاتكم، ومن أجل ~~هذا تأخذون أعظم دينونة، الويل لكم أنكم تغلقون ملكوت السماوات قدام ~~الناس فلا أنتم تدخلون ولا تتركون الداخلين يدخلون، الويل لكم أنكم ~~تطوفون البر والبحر لتصطفوا غريبا واحدا، فإذا صار صيرتموه لجهنم ابنا ~~مضعفا، لكم الويل يا أيها الهداة العميان الذين يقولون: من حلف بالهيكل ~~فليس عليه شيء، ومن حلف بذهب الهيكل يخطىء، أيها الجهال العمي أيما أعظم؟ ~~الذهب أن الهيكل الذي يقدس الذهب، ومن حلف بالمذبح فلا شيء، ومن حلف ~~بالقربان الذي فوقه فهو يخطىء يا جهال وعميان، أيما أعظم؟ القربان أم ~~المذبح الذي يقدس القربان؟ ومن حلف بالمذبح فقد حلف به وبكل ما فوقه، ومن ~~حلف بالهيكل فهو يحلف به وبالساكن فيه، ومن حلف بالسماء فهو يحلف بكرسي ~~الله وبالجالس عليه، الويل لكم أنكم تعشرون الشبث والنعنع والكمون ~~وتتركون أثقل الناموس الحكم والرحمة والإيمان، وقال لوقا: تعشرون النعنع ~~والسداب وكل البقول، وترفضون حكم الله ومحبته، قد كان ينبغي أن تعقلوا ~~هذا ولا تغفلوا عن تلك - انتهى، يا هداة عيمان الذين يتركون البعوضة ~~ويبلعون الجمل، الويل لكم أنكم تنقون خارج الكأس والسكرجة وداخلهما مملوء ~~اختطافا وظلما، أيها الأعمى، نق أولا داخل الكأس والسكرجة لكيما يتطهر ~~خارجهما، وقال لوقا: اعطو الرحمة فكل شيء يتطهر لكم - الويل لكم لأنكم لا ~~تشبهون القبور المكلسة التي ترى من خارجها حسنة وداخلها مملوء عظام ~~الأموات وكل نجس، وقال لوقا: لأنكم مثل القبور المخفية والناس يمشون ~~عليها ولا يعلمون - انتهى. # وكذلك أنتم ترون الناس ظواهركم مثل الصديقين، ومن داخل ممتلئون إثما ~~ورياء، قال لوقا: وأنتم أيها الكتبة الويل لكم لأنكم تحملون أوساقا ~~وأثقالا وأنتم لا تدنون منها بإحدى أصابعكم، الويل ms5061 لكم لأنكم أخذتم ~~مفاتيح الغرفة فما دخلتم، ومنعتم الذين يريدون الدخول - انتهى، الويل لكم ~~لأنكم تبنون قبور الأنبياء، قال لوقا: الذين قتلهم آباؤكم - انتهى، ~~وتزينون مدافن الصديقين وتقولون: لو كنا في أيام آبائنا لم نشاركهم في دم ~~الأنبياء، فأنتم تشهدون على أنفسكم أنكم أبناء قتلة الأنبياء إنكم تكملون ~~مكيلة آبائكم، أيها الحيات أولاد الأفاعي كيف تهربون من دينونة جهنم، من ~~أجل هذا أرسل إليكم أنبياء وحكماء وكتبة فتقتلون منهم وتصلبون وتجلدون ~~منهم في مجامعكم وتطردونهم من مدينة إلى مدينة لكي يأتي عليكم دم ~~الصديقين المسفوك على الأرض، وقال لوقا: وأنتم تشهدون وتسرون بأعمال ~~آبائكم لأنهم قتلوهم وأنتم تبنون قبورهم، ولهذا قالت حكمة الله: هوذا ~~أرسل إليهم أنبياء ورسلا فيقتلون منهم ويطردونهم لينتقم عن دم جميع ~~الأنبياء الذي أهريق من أول العالم إلى هذا الجيل. وقال متى: من دم هابيل ~~الصديق إلى دم زكريا بن براشيا الذي قتلتموه بين الهيكل والمذبح، الحق ~~أقول لكم إن هذا كله يأتي على هذا الجيل، يا أروشليم، يا قاتلة الأنبياء ~~وراجمة المرسلين إليها كم من مرة أردت أن أجمع بنيك فيك كما تجمع الدجاجة ~~فراخها تحت جناحيها فلم تريدوا، هوذا يترك بينكم لكم خرابا، أنا أقول ~~لكم: إني لا تروني من الآن حتى تقولوا: مبارك الآتي باسم الرب، وقال ~~مرقس: ثم جاء يسوع عند باب الخزانة ينظر الجمع يلقي نحاسا في الخزانة ~~وأغنياء كثير ألقوا كثيرا، فجاءت امرأة أرملة مسكينة، فألقت فلسين ~~فاستدعى تلاميذه وقال لهم: الحق أقول لكم، إن هذه الأرملة المسكينة ألقت ~~أكثر من الكل الذين ألقوا في الخزانة، لأن الكل القوا من فضل ما عنده، ~~وهذه ألقت مع مسكنتها كل ما لها، ثم خرج من الهيكل - انتهى. هذا ما فيه ~~الدلالة على الرسالة وتصديق التوراة، وأما البشارة بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم فقد تقدم في هذا الكتاب مفرقا في السور كالأعراف والنساء وغيرهما، ~~وقال ابن هشام في تهذيب السيرة النبوية جمع ابن إسحاق، قال ابن إسحاق: ~~وقد كان فيما بلغني عما كان ms5062 وضع عيسى ابن مريم عليهما الصلاة والسلام ~~فيما جاءه من الله تعالى في الانجيل لأهل الإنجيل من صفة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم مما أثبت يحنس الحواري لهم حين نسخ لهم الإنجيل عن عهد ~~عيسى ابن مريم في رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم أنه قال: من أبغضني ~~فقد أبغض الرب، ولولا أني صنعت بحضرتهم صنائع لم يصنعها أحد قبلي ما كانت ~~لهم خطيئة، ولكن من الآن بطروا وظنوا أنهم يعزونني وأيضا للرب ولكن لا ~~بد أن تتم الكلمة التي في الناموس أنهم أبغضوني مجانا أي باطلا فلو قد ~~جاء المنحمنا هذا الذي يرسله الله إليكم من عند الرب روح القدس هذا الذي ~~من عند الرب خرج فهو شهيد علي وأنتم أيضا لأنكم قديما كنتم معي في هذا ~~قلت لكم لكي لا تشكوا. # فالمنحمنا بالسريانية محمد صلى الله عليه وسلم وهو بالرومية البارقليطس ~~- انتهى. # ولما تم الدليل النقلي على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وعلى كونه أشرف ~~الأنبياء فاتحا لهم وخاتما عليهم، دل على إلزام بني إسرائيل الزيغ ~~فقال: { فلما جاءهم } أي عيسى أو محمد صلى الله عليه وسلم بني إسرائيل ~~وغيرهم { بالبينات } أي من المعجزات العظيمة التي لا يسوغ لعاقل إلا ~~التسليم لها ومن الكتاب المبين { قالوا } أي عند مجيئها سواء من غير نظرة ~~لتأمل ولا غيره: { هذا } أي المأتي به من البينات أو الآتي بها على ~~المبالغة كما دل عليه قراءة حمزة " ساحر " إشارة بالإشارة إلى القريب بعد ~~الإشارة - بفاء التعقب إلى شدة اتصال الكفر بأول أوقات المجيء: { سحر } ~~فكانوا أول كافر به، لأن هذا وصف لهم لازم سواء بلغهم ذلك وهم بمفردهم أو ~~منضما إليهم غيرهم { مبين * } أي في البيان في سحريته حتى أن شدة ظهوره ~~في نفسه لكل من رآه أنه سحر عنادا منهم ومكابرة للحق الذي لا لبس فيه. ### || [61.7-9] # ولما كان التقدير إعلاما بأنهم أظلم الناس لتعمدهم للكذب: فمن أظلم ~~منهم لتهتكهم في ذلك، عطف عليه قوله: { ومن أظلم } وعم كل ms5063 من اتصف بوصفهم ~~فقال: { ممن افترى } أي تعمد { على الله } أي الملك الأعلى { الكذب } ~~الذي هو أقبح الأشياء { وهو } أي والحال أنه { يدعى } أي من أي داع كان { ~~إلى الإسلام } الذي هو أحسن الأشياء فيكفي في الدعاء إليه أدنى تنبيه ~~لأنه الاعتراف بالحق لمن هو له، فيجعل مكان الإجابة افتراء الكذب في تلك ~~الحالة الحسنى. # ولما كان التقدير: فهو لا يهديه الله لأجل ظلمه، عطف عليه قوله: { والله ~~} أي الذي له الأمر كله فلا أمر لأحد معه { لا يهدي القوم } أي لا يخلق ~~الهداية في قلوب من فيهم قوة المحاولة للأمور الصعاب { الظالمين * } أي ~~الذين يخبطون في عقولهم خبط من هو في الظلام. # ولما أخبر عن ردهم للرسالة، علله بقوله: { يريدون } أي يوقعون إرادة ~~ردهم للرسالة بافترائهم { ليطفئوا } أي لأجل أن يطفئوا { نور الله } أي ~~الملك الذي لا شيء يكافيه { بأفواههم } أي بما يقولون من الكذب لا منشأ ~~له غير الأفواه لأنه لا اعتقاد له في القلوب لكونه لا يتخيله عاقل، فهم ~~في ذلك كالنافخين في الشمس إرادة أن يمحو نفخهم عينها وينقص شينهم زينها، ~~فمثل إرادتهم لإخفاء القرآن بتكذيبهم وجميع كيدهم بمن يريد إطفاء الشمس ~~بنفخه فهو في أجهد وأضل الضلال: # وفي تعب من يحسد الشمس ضوءها # ويجهد أن يأتي لها بضريب # فأفاد قصر الفعل أن إرادتهم كلها مصروفة لهذا الغرض وأنه لا إرادة لهم ~~غير ذلك وأنه لا ينبغي أن يكون لهم إرادة لأنهم عبيد، والإرادة لا ينبغي ~~إلا للسيد ليكون إرادة العبد تابعة لها، فتكون امتثالا لإرادته، فكأنه ~~لا إرادة له، فهو أبلغ مما في براءة لأن هذه نتيجتها. # ولما أخبر بعلة إرادتهم وأشار إلى وهي أمرهم بعد أن أخبر بردهم للحق ~~وجرأ عليهم بالإخبار بإضلالهم، زاد ذلك بقوله مظهرا غير مضمر تنبيها على ~~جميع صفات الجلال والإكرام: { والله } أي الذي لا مدافع له لتمام عظمته. ~~ولما كانت هذه السورة نتيجة سورة براءة التي أخبر فيها بأنه يأبى إلا ~~إتمام نوره، أخبر في هذه بنتيجة ذلك وهي ms5064 ثبات تمام النور ودوامه، لأن هذا ~~شأن الملك الذي لا كفوء له إذا أراد شيئا فكيف إذا أرسل رسولا فقال: { ~~متم } وهذا المعنى يؤيد قول الجمهور أنها مدينة بعد التأييد بذكر الجهاد، ~~فإن فرضه كان بعد الهجرة من والظاهر من ترتيبها على الممتحنة التي نزلت ~~في غزوة الفتح أنها بعد براءة في النزول أيضا. # ولما كان النور لإظهار صور الأشياء بعد انطماسها سببا لوضع الأشياء في ~~أتقن مواضعها، وكان ما أتى من عند الله من العلم كذلك، جعل عينه فأطلق ~~عليه اسمه فقال: { نوره } فلا يضره ستر أحد له بتكذيبه ولا إرادة إطفائه، ~~وزاد ذلك بقوله: { ولو كره } أي إتمامه له { الكافرون * } أي الراسخون في ~~صفة الكفر المجتهدون في المحاماة عنه. # ولما أخبر بذلك، علله بما هو شأن كل ملك فكيف بالواحد في ملكه فقال: { ~~هو } أي الذي ثبت أنه جامع لصفات الجمال والجلال وحده من غير أن يكون له ~~شريك أو وزير { الذي أرسل } بما له من القوة والإرادة { رسوله } أي ~~الحقيق بأن يعظمه كل من بلغه أمره لأن عظمته من عظمته، ولم يذكر حرف ~~الغاية إشارة إلى عموم الإرسال إلى كل من شمله الملك كما مضى { بالهدى } ~~أي البيان الشافي { ودين الحق } أي الملك الذي ثباته لا يدانيه ثبات، فلا ~~ثبات لغيره، فثبات هذا الدين بثباته، ويجوز أن يكون المعنى: والدين الذي ~~هو الحق الثابت في الحقية الكامل فيها كمالا ليس لغيره، فيكون من إضافة ~~الموصوف إلى صفته إشارة إلى شدة التباسه بها { ليظهره } أي يعليه مع ~~الشهرة وإذلال المنازع { على الدين } أي جنس الشريعة التي تجعل ليجازي من ~~يسلكها ومن يزيغ عنها، بها يشرع فيها من الأحكام { كله } فلا يبقى دين ~~إلا كان دونه وانمحق به وذل أهله له ذلا لا يقاس به ذل { ولو كره } أي ~~إظهاره { المشركون * } أي المعاندون في كفرهم الراسخون في تلك المعاندة، ~~وأعظم مراد بهذا أهل العناد ببدعة الاتحاد، فإنهم ما تركوا شيئا مما ~~سواه حتى أشركوا به - تعالى الله عما يقولون ms5065 علوا كبيرا، - وهم مع بعد ~~نحلتهم من العقول وفسادها من الأوهام ومصادمتها لجميع النقول في غاية ~~الكثرة لمصير الناس إلى ما وعد الله ورسوله - وصدق الله ورسوله - من أن ~~أكثرهم قد مرجت عهودهم وخفيت أماناتهم وصاروا حثالة كحثالة التمر لا يعبأ ~~الله بهم، لكنهم على كثرتهم بما تضمنته هذه الآية في أمثالها في غاية ~~الذل ولله الحمد لا عز لهم إلا بإظهار الاتباع للكتاب والسنة وهم يعلمون ~~أنهم يكذبون في هذه الدعوى لأنهم في غاية المخالفة لهما بحيث يعتقدون ~~أنهما شرك لإثباتهما لله تعالى وجودا يخالف وجود الخلق وهم يقولون ~~مكابرة للضرورة أن الوجود واحد وأنه لا موجود ظاهرا وباطنا سواه، ولذلك ~~سموا الوجود به ثم لا يردهم علمهم بذلهم وأنهم لا عز لهم إلا بحمى ~~الشريعة عن ضلالهم فأعجب لذلك وألجأ إلى الله تعالى بسؤال العافية، فإن ~~القلوب بيد الله يقلبها كيف يشاء، وضربهم بالذل مع كثرتهم في غاية ~~الدلالة على الله سبحانه لأن الملك الكامل القدرة لا يقر من يطعن في ملكه ~~ويسعى فر رد رسالته وإهانة رسله ولقد أنجز سبحانه كثيرا من وعده بما دل ~~- لكونه تغليبا على أقوى الملوك من الأكاسرة والقياصرة - على القدرة على ~~الباقين، وذلك أنه لما تقاعد قومه عن نصرته وانتدبوا لتكذيبه وجحد ما ~~شاهدوه من صدقه يسر الله له أنصارا من أمته هم نزاع القبائل وأجاد ~~الأفاضل وسادات الأماثل فبلغوا في تأييده أقصى الأمل. ### || [61.10-11] # ولما أنتج هذا كله نصر رسول الله صلى الله عليه وسلم على كل حال ودمار ~~من يخالف أمره، أنتج قطعا أن الجهاد معه متجر رابح لأن النصر مضمون، ~~والموت منهل لا بد من وروده سواء خاض الإنسان الحتوف أو احترس في القصور ~~المشيدة، فقال تعالى في أسلوب النداء والاستفهام لأنه أفخم وأشد تشويقا ~~بالأداة التي لا يكون ما بعدها إلا بالغا في العظم إلى النهاية: { يا ~~أيها الذين آمنوا } أي قالوا في إقرارهم بالإيمان ما عليهم أن يفعلوا ~~بمقتضاه { هل أدلكم } وأنا المحيط علما وقدرة، فهي إيجاب ms5066 في المعنى ذكر ~~بلفظ الاستفهام تشويقا ليكون أوقع في النفس فتكون له أشد تقبلا، والآية ~~أيضا نتيجة ما مضى باعتبار آخر لأنه لما وبخ على انحلال العزائم واخبر ~~بما يجب من القتال، وبكت على أذى الرسول صلى الله عليه وسلم بالمخالفة، ~~وأخبر أن من خالفه لا يضر إلا نفسه، كان موضع الاستباق في طاعته فرتب ~~عليه الاشتياق إلى ذكر ثمرته فذكرها، ولما كان فعل حاطب رضي الله عنه ~~لأجل أنه لا نجاح أهله الذين كانوا بمكة في أنفسهم ولا في شيء من مالهم، ~~وكان هذا في معنى التجارة قال: { على تجارة } وقراءة ابن عامر { تنجيكم } ~~بالتشديد أنسب لهذا المقام من قراءة الجماعة بالتخفيف، وقراءة الجماعة ~~أنسب لمقصود حاطب رضي الله عنه { من عذاب أليم * } بالإجاحة في النفس أو ~~المال. # ولما كان الاتجار إجهاد النفس في تحصيل الربح النافع، وكان الإيمان ~~والجهاد أعظم إجهاد النفس في تحصين - الجنة الباقية التي لا ريح توازيها، ~~فاستعار لهما اسمها، وكان جواب النداء الإقبال وجواب الاستفهام نعم، عدوا ~~كأنهم أقبلوا وأنعموا تنبيها على ما هو الأليق بهم، فاستأنف لهم بيان ~~التجارة بأنه الجمع بين الإيمان الذي هو أساس الأعمال كلها، والجهاد ~~بنوعيه المكمل للنفس والمكمل للغير فقال: { تؤمنون } أي آمنوا بشرط تجديد ~~الإيمان على سبيل الاستمرار { بالله } الذي له جميع صفات الكمال { ورسوله ~~} الذي تصديقه آية الإذعان المعنوية والخضوع لكونه ملكا { وتجاهدون } أي ~~وجاهدوا بيانا لصحة إيمانكم على سبيل التجديد والاستمرار. ويدل على ~~أنهما بمعنى الأمر ما أرشد إليه جزم ما أقيم في موضع الجواب مع قراءة عبد ~~الله رضي الله عنه: آمنوا وجاهدوا - بصيغة الأمر { في سبيل الله } أي ~~بسبب تسهيل طريق الملك الأعظم الموصل إليه الذي لا أمر لغيره بحيث يكون ~~ظرفا لكم في جميع هذا الفعل فلا شيء يكون منه خارجا عنه ليكون خالصا ~~بفتح بلد الحج ليسهل الوصول إليه من كل من أراده وغير ذلك من شرائعه ~~فتكونوا ممن يصدق فعله قوله، وهذا المعنى لا وقفة فيه لأنه فرق بين ~~قولنا: ms5067 فلان فعل كذا - الصادق بمرة، وبين قولنا بفعله الدال على أن فعله ~~قد صار ديدنا له، فالمعنى: يا من فعل الإيمان إن أردتم النجاة فكونوا ~~عريقين في وصف الإيمان حقيقين به ثابتي الإقدام فيه وأديموا الجهاد دلالة ~~على ذلك فإن الجهاد لما فيه من الخطر والمشقة والضرر أعظم دليل على صدق ~~الإيمان، ويؤيد ذلك أن السياق لقصة حاطب رضي الله عنه المفهمة في الظاهر ~~لعدم الثبات في الإيمان وإرادة الجهاد الدال على المصدق فيه، ولذلك قال ~~عمر رضي الله عنه ما قال - والله الهادي. # ولما كان الجمع بين الروح وعديلها المال على وجه الرضى والرغبة أدل على ~~صحة الإيمان، قال: { بأموالكم } وقدمها لعزتها في ذلك الزمان ولأنها قوام ~~الأنفس والأبدان، فمن بذل ماله كله لم يبخل بنفسه لأن المال قوامها. ولما ~~قدم القوام أتبعه القائم به فقال: { وأنفسكم } ولما أمر بهذا في صيغة ~~الخبر اهتماما به وتأييدا لشأنه، أشار إلى عظمته بمدحه قبل ذكر جزائه، ~~فقال: { ذلكم } أي الأمر العظيم من الإيمان وتصديقه بالجهاد { خير لكم } ~~أي خاصة مما تريدون من الذبذبة بمناصحة الكفار { إن كنتم } أي بالجبلات ~~الصالحة { تعلمون * } أي إن كان يمكن أن يتجدد لكم علم في وقت من الأوقات ~~فأنتم تعلمون أن ذلك خير لكم، فإذا علمتم، أنه خير أقبلتم عليه فكان لكم ~~به أمر عظيم، وإن كانت قلوبكم قد طمست طمسا لا رجاء لصلاحها فصلوا على ~~أنفسكم صلاة الموت. ### || [61.12-14] # ولما كان معنى " تؤمنون ": فالأمر كما تقدم، لكنه حول عن ذلك لما ذكر، ~~وكان أهم ما إلى الإنسان خوفه مما هدد عليه، أمن سبحانه من ذلك دالا على ~~أصل الفعل بجزم ما هو في موضع الجواب فقال: { يغفر لكم } أي خاصة دون من ~~لم يفعل ذلك { ذنوبكم } أي بمحو أعيانها وآثارها كلها. # ولما قرع القلوب من كدر العقاب والعتاب، لذذها بطيب الثواب فقال: { ~~ويدخلكم } أي بعد التزكية بالمغفرة رحمة لكم { جنات تجري } ودل على قرب ~~الجاري وتخلله الأراضي بالجار فقال: { من تحتها } أي تحت أشجارها وغرفها ms5068 ~~وكل متنزه فيها { الأنهار } فهي لا تزال غضة زهراء، ولم يحتج هذا الأسلوب ~~إلى ذكر الخلود لإغناء ما بعده عنه، دل على الكثرة المفرطة في الدور ~~بقوله بصيغة منتهى الجموع: { ومساكن } ولما كانت المساكن لا تروق إلا بما ~~يقارنها من المعاني الحسنة قال: { طيبة } أي في الاتساع واختلاف أنواع ~~الملاذ وعلو الأبنية والأسرة مع سهولة الوصول إليها وفي بهجة المناظر ~~وتيسر مجاري الريح بانفساح الأبنية مع طيب الغرف، لم يفسد الماء الجاري ~~تحتها شيئا من ريحها ولا في اعتدالها في شيء مما يراد منها. ولما كانت ~~لا يرغب فيها إلا بدوام الإقامة، بين صلاحيتها لذلك بقوله: { في جنات عدن ~~} أي بساتين هي أهل للإقامة بها لا يحتاج في إصلاحها إلى شيء خارج يحتاج ~~في تحصيله إلى الخروج عنها له، ولا آخر لتلك الإقامة، قال حمزة الكرماني ~~في كتابه جوامع التفسير: هي قصبة الجنان ومدينة الجنة أقربها إلى العرش. # ولما كان هذا أمرا شريفا لا يوجد في غيرها قال: { ذلك } أي الأمر ~~العظيم جدا وحده { الفوز العظيم * }. ولما ذكر ما أنعم عليه به في ~~الأخرى لأنه أهم لدوامها، كان التقدير بما دل عليه العطف: هذا لكم، عطف ~~عليه ما جعل لهم في الدنيا فقال: { وأخرى } أي ولكم نعمة، أو يعطيكم، أو ~~يزيدكم نعمة أخرى. ولما كان الإنسان أحب في العاجل وأفرح بالناجز قال: { ~~تحبونها } أي محبة كثيرة متجددة متزايدة، ففي ظاهر هذه البشرى تشويق إلى ~~الجهاد وتحبيب، وفي باطنها حث على حب الشهادة بما يشير إليه من التوبيخ ~~أيضا على حل العاجل والتقريع: { نصر من الله } أي الذي أحاطت عظمته بكل ~~شيء لكم وعلى قدر إحاطته تكون نصرته { وفتح قريب } أي تدخلون منه إلى كل ~~ما كان متعسرا عليكم من حصون أعدائكم وغيرها من أمورهم في حياة نبيكم ~~صلى الله عليه وسلم أعظمه فتح مكة الذي كتب حاطب رضي الله عنه بسببه، ~~وبعد مماته، وفيه شهادة لحاطب رضي الله عنه بأنه يحب نصرة النبي صلى الله ~~عليه وسلم والفتح عليه مكة ms5069 وغيرها لصحة إيمانه كما أخبر به النبي صلى ~~الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى. # ولما كان ما تقدم من المعاتبة إنذارا لمن خالف فعله قوله من الذين ~~آمنوا، وكان المقام قد أخذ حظه من الإنذار والتوبيخ، طوى ما تقديره: ~~فأنذر من لم يكن راسخا في الدين من المنافقين، ومن خالف فعله قوله من ~~المؤمنين: عطف عليه دلالة عليه ليكون أوقع في النفس لمن يشير إليه طيه من ~~الاستعطاف قوله: { وبشر المؤمنين * } أي الذين صار الإيمان لهم وصفا ~~راسخا كحاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه بأن الله يفتح لك البلاد شرقا ~~وغربا، وأول ذلك مكة المشرفة ولا يحوجهم إلى أن يدرؤوا عن عشائرهم ~~وأموالهم ولا أن يكون شيء من أفعالهم يخالف شيئا من أقوالهم. ولما هز ~~سبحانه إلى الجهاد وشوق إليه بأنه متجر رابح، ولوح إلى النذارة بالتنشيط ~~بالبشارة، فتهيأت النفوس إلى الإقبال عليه وانبعثت أي انبعاث، حض عليه ~~بالإيجاب المقتضي للثواب أو العقاب، فقال مناديا بأداة البعد والتعبير ~~بما يدل على أدنى الأسنان تأنيبا على أنه لا يعدم الوصف بالإيمان إلا ~~مقرون بالحرمان تشويقا وتحببا: { يأيها الذين آمنوا } أي أقروا بذلك ~~فأذعنوا بهذا الوعظ غاية الإذعان أني أمرت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أن يقول لكم: { كونوا } أي بغاية جهدكم { أنصار الله } أي راسخين في وصف ~~النصرة وفي الذروة العليا من ثبات الأقدام في تأييد الذي له الغنى المطلق ~~لتكونوا - بما أشارت إليه قراءة الجماعة بالإضافة - بالاجتهاد في ذلك ~~كأنكم جميع أنصاره، فإنكم أشرف من قوم عيسى عليه الصلاة والسلام، وما ~~ندبكم سبحانه لنصرته إلا لتشريفكم بمصاحبة رسله الذين هم خلاصة خلقه ~~عليهم الصلاة والسلام فقولوا سمعنا وأطعنا نحن أنصار الله وقرأ نافع وابن ~~كثير وأبو عمرو بالتنوين ولام الجر على معنى: كونوا بعض أنصاره، ويشبه أن ~~يكون المأمور به في هذه القراءة الثبات على الإيمان ولو في أدنى الدرجات، ~~وفي قراءة الجمهور الرسوخ فيه. # ولما كان التقدير على صفة هي من الثبات والسرعة على صفة ms5070 الحواريين، عبر ~~عن ذلك بقوله: { كما } أي كونوا لأجل أني أنا ندبتكم بقولي من غير واسطة ~~ولذذتكم بخطابي مثل ما كان الحواريون أنصار الله حين { قال عيسى ابن مريم ~~} حين أرسلته إلى بني إسرائيل ناسخا لشريعة موسى عليه الصلاة والسلام { ~~للحواريين } أي خلص أصحابه وخاصته منهم: { من أنصاري } حال كونهم سائرين ~~في منازل السلوك والمعاملات ومراحل المجاهدات والمنازلات { إلى الله } أي ~~المحيط بكل شيء فنحن إليه راجعون كما كنا به مبدوئين. # ولما اشتد تشوف السامع إلى جوابهم، أبان ذلك بقوله: { قال الحواريون } ~~معلمين أنه جادون في ذلك جدا لا مزيد عليه عاملين فيما دعاهم إليه عمل ~~الواصل لا السائر لعلمهم أنه إجابته إجابة الله لأنه لا ينطق عن الهوى ~~فليس كلامه إلا عن الله: { نحن } أي بأجمعنا { أنصار الله } أي الملك ~~الأعلى الذي هو غني عنا وقادر على تمام نصرنا، ولو كان عدونا كل أهل ~~الأرض ننصره الآن بالفعل، لا نحتاج إلى تدريب يسير ولا نظر إلى غير، ~~لاستحضارنا لجميع ما يقدر عليه الآدمي من صفات جلاله وجماله وكماله، ~~ولذلك أظهروا ولم يضمروا. # ولما كان التقدير: ثم دعوا من خالفهم من بني إسرائيل وبارزوهم، سبب عنه ~~قوله: { فآمنت } أي به { طائفة } أي ناس فيهم أهلية الاستدارة لما لهم من ~~الكثرة { من بني إسرائيل } أي قومه { وكفرت طائفة } أي منهم، وأصل ~~الطائفة: القطعة من الشيء { فأيدنا } أي قوينا بعد رفع عيسى عليه الصلاة ~~والسلام { الذين آمنوا } أي الذين أقروا بالإيمان المخلص منهم وغيره في ~~القول والفعل وشددنا قلوبهم { على عدوهم } الذين عادوهم لأجل إيمانهم. ~~ولما كان الظفر بالمحبوب أحب ما يكون إذا كان أول النهار، تسبب عن تأييده ~~قوله: { فأصبحوا } أي صاروا بعد ما كانوا فيه من الذل { ظاهرين * } أي ~~عالين غالبين قاهرين في أقوالهم وأفعالهم لا يخافون أحدا إلا الله ولا ~~يستخفون منه، فالتأييد تارة يكون بالعلم وتارة بالفعل # علمه شديد القوى # [النجم: 5] فصار علمه في غاية الإحكام وتبعته قوة هي في منتهى التمام، ~~لأنه ناشىء عن علم مستفاد من ms5071 قوة، وإلا لقال: علمه كثير العلم. # قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك # [النمل: 40] قوة مستفادة من علم، والظاهر كما هو ظاهر قوله تعالى: # جاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة # [آل عمران: 55] وغيرها أن تأييد المؤمنين به كان بعد رفعه بيسير حين ظهر ~~الحواريون وانبثوا في البلاد يدعون إلى الله بما آتاهم من الآيات، ~~فاتبعهم الناس، فلما تمادى الزمان ومات الحواريون رضي الله عنهم افترق ~~الناس ودب إليهم الفساد، فغلب أهل الباطل وضعف أهل الحق حتى كانوا عند ~~بعث النبي صلى الله عليه وسلم عدما أو في حكم العدم، - كما دلت عليه قصة ~~سلمان الفارسي رضي الله عنه، فقد رجع آخر السورة كما ترى بما وقع من ~~التنزه عما يوهمه علو الكفرة من النقص بنصر أوليائه وقسر أعدائه، ومن ~~الأمر مما أخبر أولها أنه يحبه من القتال في سبيله حثا عليه وتشويقا ~~إليه - على أولها، واتصل بما بشر به من آمن ولو على أدنى وجوه الإيمان من ~~العز موصلها بمفصلها، بما أزيل من الأسباب الحاملة له على المداراة، ~~والأمور التي أوقعته في المماشاة مع الكفار والمجاراة، فأوجب ذلك رسوخ ~~الإيمان، وحصول الإتقان، المقتضي للتنزيه بالفعل عن كل شوب نقصان، والله ~~الموفق للصواب وعليه التكلان. ### | [62 - سورة الجمعة] ### || [62.1-4] # ولما ختمت الصف بالإقبال ببعض بني إسرائيل على جنابه الأقدس بعد أن ~~زاغوا فأزاغ الله قلوبهم كلهم أو الشاذ منهم بما أفهمه إطلاق الضمير ~~عليهم ثم تأييدهم على من استمر منهم على الزيغ، فثبت أن له تمام القدرة ~~المستلزم لشمول العلم اللازم منه التنزه عن كل شائبة نقص، وكان سبحانه قد ~~ذكر التسبيح الذي هو الأعظم الأشهر للتنزيه بلفظ الماضي ثلاث مرات في ~~افتتاح ثلاث سور، وذلك نهاية الإثبات المؤكد، فثبت بذلك أنه وقع تنزيهه ~~من كل ناطق وصامت، أخبر أول هذه السورة أن ذلك التنزيه على وجه التجديد ~~والاستمرار بالتعبير بالمضارع لاستمرار ملكه فقال: { يسبح } أي يوقع ~~التنزيه الأعظم الأبهى الأكمل ms5072 { لله } أي الملك المحيط بكل شيء قدرة ~~وعلما، وأكد بذلك لما في التغابن ولم يحتج بعد الإقرار بالوقوع على هذا ~~الوجه إلى التأكيد بأكثر من مرة وجعل بين كل مسبحتين سورة خالية من ذلك ~~ليكون ذلك أدل على قصد التأكيد من حيث شدة الاعتناء بالذكر، وإن وقع فصل ~~ويكون التأكيد أكثر تنبيها وأعظم صدعا وتذكيرا. # ولما كان تقريع العاقل الناطق بطاعة الصامت أعظم، قال: { ما في السماوات ~~} وإن كان العاقل يدخل في ذلك ما عليه فيكون تسبيحه تارة طوعا موافقة ~~للأمر، وتارة كرها بالانقياد مع الإرادة، وتسبيح الصامت طوعا في كل ~~حال. ولما كان الخطاب مع الذين آمنوا، دعا ذلك إلى التأكيد لاحتياجهم ~~إليه فقال: { وما في الأرض } كذلك. # ولما ثبت بالسور الثلاث الماضية أن الموجودات أوقعت له التسبيح، وأخبرت ~~هذه باستمرار ذلك على سبيل التجديد، دل ذلك مع التنزيه عن النقائص على ~~إثبات الكمال الذي لا يكون إلا لملك عظيم الشأن مطاع الأمر، وكان ~~الاقتصار على الصامت بالتعبير بما هو ظاهر فيه ربما أوهم شيئا، قال ~~مصرحا بما أفهمه السياق: { الملك } أي الذي ثبتت له جميع الكمالات فهو ~~ينصر من يشاء من جنده ولو كان ذليلا فيصبح ظاهرا { القدوس } الذي انتفت ~~عنه جميع النقائص، فلا يكون شيء إلا بإذنه وتنزه عن إحاطة أحد من الخلق ~~بعلمه أو إدراك كنه ذاته فليس في أيدي الخلق إلا التردد في شهود أفعاله، ~~والتدبر لمفاهيم نعوته وجلاله، وأحقهم بالقرب والعداد في حزبه المتخلق ~~بأوصافه على قدر اجتهاده، فينبغي للمؤمن التنزه عن أن يقول ما لا يفعل أو ~~يبني شيئا من أموره على غير إحكام، وقد مضى شرح الاسمين الشريفين قريبا ~~وذكر خلاصة شرحهما بما هو خاصة الملك وآية الطهارة للطاهر فقال: { العزيز ~~} أي الذي يغلب كل شيء، لا يغلبه شيء، فلو أراد لجعل العقلاء كلهم أيضا ~~مع تسبيحهم بالجري تحت مراده طوعا وكرها مسبحين بالموافقة لأمره طوعا ~~{ الحكيم * } الذي يوقع كل ما أراده في أحكم مواقعه وأتمها وأتقنها. # وقال الإمام أبو جعفر بن ms5073 الزبير: لما ختمت سورة الصف بالثناء على ~~الحواريين في حسن استجابتهم وجميل إيمانهم، وقد أمر المؤمنين بالتشبه بهم ~~في قوله تعالى: # يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم للحواريين ~~من أنصاري إلى الله # [الصف: 14] كان ذلك مما يوهم فضل أتباع عيسى عليه السلام على أتباع محمد ~~صلى الله عليه وسلم فاتبع ذلك بذكر هذه الأمة، والثناء عليها، فافتتحت ~~السورة بالتنزيه عما أشار إليه قوله: # وكفرت طائفة # [الصف: 14] فإنهم ارتكبوا العظيمة وقالوا بالنبوة، فنزه سبحانه نفسه عن ~~ذلك ثم قال: { هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم } [الجمعة: 2] إلى ~~قوله: { ذو الفضل العظيم } [الجمعة: 4] ثم أعلم تعالى بحال طائفة لاح لهم ~~نور الهدى ووضح لها سبيل الحق فعميت عن ذلك وارتبكت في ظلمات جهلها ولم ~~تزدد بما حملت إلا حيرة وضلالة فقال تعالى: # مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا # [الجمعة: 5] الآيات وهي في معرض التنبيه لمن تقدم الثناء عليه ورحمه ~~الله إياه لئلا يكونوا فيما يتلو عليهم نبيهم من الآيات ويعلمهم من ~~الكتاب والحكمة مثل أولئك الممتحنين، فإنهم مقتوا ولعنوا بعد حملهم ~~التوراة، وزعموا أنهم التزموا حمله والوفاء به فوعظ هؤلاء بمثالهم لطفا ~~من الله لهذه الأمة { وما يذكر إلا أولوا الألباب } انتهى. # ولما كانت القدرة على تزكية الجلف الجافي بحمله على التنزيه أدل على ~~القدرة على غيره، وكان قد أسلف عن بني إسرائيل أنهم لم يقبلوا التزكية بل ~~زاغوا، دل على قدرته في عزته وحكمته وملكه وقدسه على تزكية جميع العقلاء ~~بقوله: { هو } أي وحده { الذي بعث } أي من حضرة غيب غيبه بشرع أوامره ~~ونواهيه { في الأميين } أي العرب لأنهم كانوا معروفين من بين سائر الأمم ~~لا يكتبون بل هم على الخلقة الأولى حين الخروج من بطن الأم، وذكر ظرف ~~البعث وإهمال غايته دال على أنها كل من يتأتى البعث إليه وهم جميع الخلق، ~~ويجوز أن تطلق الأمية على جميع أهل الأرض لأن بعثه صلى الله عليه وسلم ~~كان حين ms5074 ذهب العلم من الناس، ولأن العرب أصل فجميع الباقين تبع لهم، فلا ~~بدع أن يحمل عليهم وصفهم { رسولا } ولما كان تقويم الشيء بمثله أعجب ~~قال: { منهم } بل الأمية بمعنى عدم الكتابة والتجرد عن كل تكلف وصف لازم ~~له دائما وعلمه لما يكن يعلم من غير تطلب، فكانت آثار البشرية عند ~~مندرسة، وأنوار الحقائق عليه لائحة، وذلك يتوهم الافتقار إلى الاستعانة ~~بالكتب لأن منشأ مشاكلته لحال من بعث فيهم أقرب إلى مساواتهم له لو ~~أمكنهم، فيكون عدم إمكان المساواة أدل على الإعجاز، وذكر بعثه منهم إن خص ~~الوصف بالعرب لا ينفي بعثه إلى غيرهم ولا سيما مع ما ورد فيه من الصرائح ~~وأثبته من الدلائل القواطع، فذكر موضع البعث وابتداءه فتكون الغاية مطلقة ~~تقديرها: إلى عامة الخلق. # ولما كان كونه منهم مفهما لأنه لا يزيد عليهم من حيث كونه منهم وإن زاد ~~فبشيء يسير، عجب من أمره ونبه على معجزة عظيمة له بقوله مستأنفا: { ~~يتلوا } أي يقرأ قراءة يتبع بعضها بعضا على وجه الكثرة والعلو والرفعة { ~~عليهم } مع كونه أميا مثلهم { آياته } أي يأتيهم بها على سبيل التجدد ~~والمواصلة آية بينة على صدقه لأنه أمي مثلهم بل فيهم الكاتب والعالم وإن ~~كانوا معمورين في كثرتهم فما خصه عنهم بذلك إلا القادر على كل شيء. # ولما كان المقام للتنزيه ولتأديب من وقع في موادة الكفار ونحو ذلك، قدم ~~التزكية فقال: { ويزكيهم } أي عن الأخلاق الرذيلة والعقائد الزائغة، ~~فكانت تزكيته لهم مدة حياته بنظره الشريف إليهم وتعليمه لهم وتلاوته ~~عليهم، فربما نظر إلى الإنسان نظرة محبة فزكاه الله بها، وربما سرت تلك ~~النظرة إلى ثان فأشرقت أنوارها عليه على حسب القابليات كما وقع لعمير بن ~~وهب ثم صفوان بن أمية وكذا ذو النور الطفيل بن عامر الدوسي رضي الله عنه ~~ثم قومه، فأما عمير فكان من أعظم المؤذين للنبي صلى الله عليه وسلم ولمن ~~آمن به فتذاكر مع صفوان وقعة بدر في الحجر ومن فقدوا من صناديدهم وأنه ~~ليس في العيش بعدهم خير، ms5075 ثم تمنوا رجلا بقتال النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فقال عمير: لولا فقري وبنات لي وعيال أخشى عليهم الضيعة من بعدي لأتيته ~~بغلة أسيري عندهم فقتلته، فاغتنمها صفوان فعاهده أن يكفي عياله إن مات ~~وأن يواسيه إن عاش، فقال: اكتم عني ثلاثا، ثم ذهب إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فهداه الله فحلف صفوان أن لا يكلمه أبدا، فلما فتحت مكة فر ~~صفوان ليركب البحر من جدة، فاستأذن عمير النبي صلى الله عليه وسلم ثم ذهب ~~إليه فلحقه فلم يزل به حتى رجع ثم أسلم فكان من خيار الصحابة رضي الله ~~عنه، وأما ذو النور فحين دعاه النبي صلى الله عليه وسلم ثم سأل آية يعينه ~~الله بها على قومه فآتاه الله نورا حين أشرف على الحي الذي هو منه، ثم ~~دعا أباه وأمه فأسلما، ثم صاحبته فكذلك ثم قومه، فما تخلف منهم أحد، وأما ~~غير الصحابة رضي الله عنهم فتزكيته لهم بآثاره بحسب القابليات والأمور ~~التي قضى الله أن يكون مهيأ، فمن كان له أعشق كان لاتباعه ألزم، فكان في ~~كتاب الله وسنته أرسخ من سيرة وغيرها علما وعملا فكان أشد زكاء. # ولما كانوا بعد التزكية التي هي تخلية عن الرذائل أحوج ما يكون إلى ~~تحلية بالفضائل قال: { ويعلمهم الكتاب } أي المنزل عليه الجامع لكل خير ~~ديني ودنيوي في الأولى والأخرى { والحكمة } وهي غاية الكتاب في قوة فهمه ~~والعمل به، فهي العلم المزين بالعمل والعمل المتقن بالعلم معقوله ومنقوله ~~ليضعوا كل شيء منه في أحكم مواضعه فلا يزيغوا عن الكتاب كما زاغ بنو ~~إسرائيل، فيكون مثلهم كمثل الحمار يحمل أسفارا ولو لم يكن له صلى الله ~~عليه وسلم معجزة إلا هذه لكانت غاية. # ولما كان الوصف بالأمية مفهما للضلال، وكان كثير منهم حال إنزال هذه ~~السورة يعتقد أنهم على دين متين وحال جليل مبين، وكانوا بعد هدايته لهم ~~بعد الأمية سيضلون لأن الإرسال من حضرة غيب الغيب في العلوم المنافية ~~للأمية إلى ما لم تصل إليه أمة من الأمم ms5076 قبلهم، وكان ذلك موجبا للتوقف ~~في كونهم كانوا أميين، أكد هذا المفهوم بقوله: { وإن } أي والحال أنهم { ~~كانوا } أي كونا هو كالجبلة لهم. ولما كان كونهم ذلك في بعض الزمن ~~الماضي، أدخل الجار فقال: { من قبل } أي قبل إرساله إليهم من حين غيروا ~~دين أبيهم إسماعيل عليه الصلاة والسلام وعبدوا الأصنام { لفي ضلال } أي ~~بعد عن المقصود { مبين * } أي ظاهر في نفسه مناد لغيره أنه ضلال ~~باعتقادهم الأباطيل الظاهرة وظنهم أنهم على شيء وعموم الجهل لهم ورضاهم ~~به واختيارهم له وعيبهم من يميل إلى التعلم وينحو نحو التبصر كما وقع لهم ~~مع زيد بن عمرو بن نفيل وغيره، فوصفهم بهذا غاية في نفي التعلم من مخلوق ~~عن نبيهم إعظاما لما جاء به من الإعجاز وتقريرا لشدة احتياجهم إلى نبي ~~يرشدهم إلى الهدى، وينقذهم مما كانوا فيه من العمى والردى. # ولما كانت تزكيته لهم مع أميتهم وغباوتهم لوصف الأمية في الجهل أمرا ~~باهرا في دلالته على تمام القدرة، زاد في الدلالة على ذلك بإلحاق كثير ~~ممن في غيرهم من الأمم مثلهم في الأمية بهم فقال: { وآخرين } أي وبعثه في ~~آخرين { منهم } في الأمية لا في العربية { لما يلحقوا بهم } أي في وقت من ~~الأوقات الماضية في صفة من الصفات، بل هم أجلف الناس كعوام المجوس ~~واليهود والنصارى والبرابر ونحوهم من طوائف العجم الذين هم ألكن الناس ~~لسانا وأجمدهم أذهانا وأكثفهم طبعا وشأنا، وسيلحقهم الله بهم في ~~العلم والتزكية. # ولما كان عدم إلحاقهم بهم في الماضي ربما أوهم شيئا في القدرة، ~~وإلحاقهم بهم في المستقبل في غاية الدلالة على القدرة، قال: { وهو } أي ~~والحال أنه وحده { العزيز } الذي يقدر على كل شيء ولا يغلبه شيء فهو يزكي ~~من يشاء ويعلمه ما أراد من أي طائفة كان، ولو كان أجمد أهل تلك الطائفة ~~لأن الأشياء كلها بيده { الحكيم * } فهو إذا أراد شيئا موافقا لشرعه ~~وأمره جعله على أتقن الوجوه وأوثقها فلا يستطاع نقضه، ومهما أراده كيف ~~كان فلا بد من إنفاذه فلا يطلق ms5077 رده بوجه، ويكون المراد بالآخرين العجم، ~~وأن الله تعالى سيلحقهم بالعرب، قال ابن عمر رضي الله عنهما وسعيد بن ~~جبير أيضا رضي الله عنه وهو رواية ليث عن مجاهد ويؤيده ما: # " روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا سأل عنهم لما نزلت سورة ~~الجمعة فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على سلمان رضي الله عنه ~~وقال: " لو كان الإيمان عند الثريا لناله رجال من هؤلاء " ". # ولما كان هذا أمرا باهرا، عظمه بقوله على وجه الاستثمار من قدرته: { ~~ذلك } أي الأمر العظيم الرتبة من تفضيل الرسول وقومه وجعلهم متبوعين بعد ~~أن كان العرب أتباعا لا وزن لهم عند غيرهم من الطوائف { فضل الله } أي ~~الذي له جميع صفات الكمال، والفضل ما لم يكن مستحقا بخلاف الفرض { يؤتيه ~~من يشاء } بحوله وقوته بأن يهيئه له ولو كان أبعد الناس منه { والله } أي ~~الملك الأعظم { ذو الفضل } ولما كانت " آل " دالة على الكمال دل على ذلك ~~بقوله: { العظيم * } أي الذي يحقر دونه كل عطاء من غيره. ### || [62.5-6] # ولما أدب عباده المؤمنين في الممتحنة عما يؤذي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأتمه في الصف بما حذر من إزاغة القلوب لمن آذى نبيه موسى عليه ~~الصلاة والسلام، وأعلم أنه سبحانه جمع الآداب كلها في هذا الكتاب الذي ~~أنزله على نبيهم الذي جعله خاتم الأنبياء وأشرف الأصفياء، ودل على فضله ~~العظيم بتعليم الجاهل، دل على عقابه الأليم تتميما للدلالة على باهر ~~قدرته بتجهيل العالم بإزاغة قلبه وإذهاب لبه بيأسه من الآخرة لغضبه عليه ~~تحذيرا من الوقوع بما يوجب الإضلال بعد العلم، فقال جوابا لمن كأنه ~~قال: هذا فضله علىالجاهل فكيف فعله بالعالم؟ فقال تحذيرا من يزكي فلا ~~يتزكى بأن يقول ما لا يعمل، ويحمل الكتاب فيحمله غير عالم به من أن يفعل ~~به ما فعل باليهود من الذل في الدنيا والخزي والعذاب في الآخرة بإزاغة ~~القلوب وإحاطة الذنوب فيكون أقبح مما قيل فيه. # من فاته العلم وأخطأ الغنى # فذاك والكلب على ms5078 حد سوا # { مثل الذين } ولما كان العلم ولا سيما الرباني يجب أن يفرح به ويرغب ~~فيه من أي موصل كان، بني للمجهول قوله وصيانة لاسمه الشريف عن أن يذكر ~~عن العصيان: { حملوا التوراة } أي كلفوا وألزموا حمل الكتاب الذي آتاه ~~الله لبني إسرائيل على لسان موسى عليه الصلاة والسلام بأن علمهم إياها ~~سبحانه وكلفهم حفظ ألفاظها عن التغيير والنسيان ومعانيها عن التحريف ~~والتلبيس وحدودها وأحكامها عن الإهمال والتضييع. # ولما كان تركهم لحملها وهي من عند الله وعلى لسان رجل منهم هو أعظم في ~~أنفسهم وأجلهم إحسانا إليهم في غاية البعد ولا سيما مع طول الزمان ~~المسهل لحفظها الميسر لتدبرها وتعرف مقدارها، عبر بأداة البعد فقال: { ثم ~~لم يحملوها } بأن حفظوا ألفاظها ولم يعملوا بما فيها من الوصية باتباع ~~عيسى عليه الصلاة والسلام إذا جاءهم ثم محمد صلى الله عليه وسلم إذا جاء، ~~فهي ضارة لهم بشهادتها عليهم قاذفة لهم في النار من غير نفع أصلا { كمثل ~~} أي مثل مثل { الحمار } الذي هو أبله الحيوان، فهو مثل في الغباوة، ~~حال كونه { يحمل أسفارا } أي كتبا من العلم كاشفة للأمور تنفع الألباء، ~~جمع سفر، وهو الكتاب الكبير المسفر عما فيه. # ولما كان المثل الجامع لهما - وهو وجه الشبه - شخصا مثقلا متعبا جدا ~~بشيء لا نفع له به أصلا فهو ضرر عليه صرف لا يدرك ما هو حامله غير أنه ~~متعب ولا يدري أصخر هو أم كتب، أنتج قوله معبرا بالأداة التي هي لجامع ~~الذم ترهيبا للآدميين من أن يتهاونوا بشيء من أحكام القرآن فيكونوا أسوأ ~~مثلا من أهل الكتاب فيكونوا دون الحمار لأن رسولهم صلى الله عليه وسلم ~~أعظم وكتابهم أعلى وأفخم فقال: { بئس مثل القوم } أي الذين لهم قوة شديدة ~~على محاولة ما يريدونه فلم يؤتوا من عجز يعذرون به { الذين كذبوا } أي ~~عمدوا على علم عنادا منهم وكفرا { بآيات الله } أي دلالات الملك الأعظم ~~على رسله ولا سيما محمد صلى الله عليه وسلم وجميع ما يرضيه مثلهم فإن ~~مثلهم قد ms5079 تكفل بتعريف أنهم قد اجتمعوا مع الحمار في وصف هو الروح ~~الباطني، وهو الضرر الصرف الذي لا نفع فيه بوجه بأنفع الأشياء، وهو ما دل ~~على الله فضمن سعادة الدارين، وهذا المثل وإن كان نصا في اليهود فهو ~~لجميع قراء السوء من كل ملة لاشتراكهم معهم في وجه الشبه كما أن مثل ~~الكلب في الأعراف على هذا النحو، وكأنه لم يدخل سبحانه هذه الأمة في ذلك ~~صريحا إشارة إلى حفظها من غير أن يكلها إلى نفسها كما أنه آتاها العلم ~~مع الأمية منها ومن رسولها من غير أن يكلهم إلى كتابة ولا تقدم علم ما ~~ولا تكلف لشيء. # ولما كان التقدير: فاستحقوا الوصف بجميع المذام لأنهم ظلموا أشد الظلم، ~~عطف عليه قوله: { والله } أي الذي له جميع صفات الكمال لا يهديهم - هكذا ~~كان الأصل، ولكنه أظهر تعميما وتعليقا للحكم بالوصف فقال: { لا يهدي ~~القوم } أي لا يخلق الهداية في قلوب الأقوياء الذين تعمدوا الزيغ: { ~~الظالمين * } أي الذين تعمدوا الظلم بمنابذة الهدى الذي هو البيان الذي ~~لم يدع لبسا حتى صار الظلم لهم صفة راسخة. # ولما كان قولهم أنهم أولياء الله وأحباؤه في غاية البعد من هذا المثل، ~~استأنف ما يدل على صحة المثل قطعا، فقال معرضا عنهم آمرا لمن كذبوه ~~بتبكيتهم: { قل } أي يا أيها الرسول الذي هم قاطعون بأنه رسوله الله: { ~~يا أيها الذين هادوا } أي تدينوا باليهودية. ولما كان الحق يصدع من له ~~أدنى مسكة، فكانوا جديرين بالرجوع عن العناد، عبر بأداة الشك فقال: { إن ~~زعمتم } أي قلتم قولا هو معرض للتكذيب ولذلك أكدتموه { أنكم أولياء الله ~~} أي الملك الأعلى الذي لا أمر لأحد معه، خصكم بذلك خصوصية مبتدأة { من ~~دون } أي أدنى رتبة من رتب { الناس } فلم تتعد الولاية تلك الرتبة الدنيا ~~إلى أحد منكم غيركم، بل خصكم بذلك عن كل من فيه أهلية الحركة لا سيما ~~الأميين { فتمنوا الموت } وأخبروا عن أنفسكم بذلك للقلة من دار البلاء ~~إلى محل الكرامة والآلاء { إن كنتم } أي كونا راسخا ms5080 { صادقين * } أي ~~عريقين عند أنفسكم في الصدق فإن من علامات المحبة الاشتياق إلى المحبوب، ~~ومن التطوع به أن من كان في كدر وكان له ولي قد وعده عند الوصول إليه ~~الراحة التي لا يشوبها ضرر أنه يتمنى النقلة إلى وليه، روي أنه صلى الله ~~عليه وسلم قال لهم # " والذي نفسي بيده لا يقولها منكم أحد إلا غص بريقه " # فلم يقلها أحد منهم علما منهم بمصدقه صلى الله عليه وسلم فلم يقولوا ~~ولم يؤمنوا عنادا منهم. ### || [62.7-9] # ولما كان التقدير: فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم امتثالا ~~لأمرنا ذلك، فلم يتمنوه في الوقت الحاضر، تصديقا منا لنبوته وتعجيزا ~~وتحقيقا لمعجزات رسالته، دل على هذا المقدر بما عطف عليه من قوله الدال ~~قطعا على صدقه بتصديقهم له بالكف عما أخبر أنهم لا يفعلونه: { ولا ~~يتمنونه } أي في المستقبل، واكتفى بهذا في التعبير بلا لأن المذكور من ~~دعواهم هنا أنهم أولياء لا كل الأولياء فهي دون دعوى الاختصاص بالآخرة، ~~وأيضا الولاية للتوسل إلى الجنة، ولا يلزم منها الاختصاص بالنعمة بدليل ~~أن الدنيا ليست خالصة للأولياء المحقق لهم الولاية، بل البر والفاجر ~~مشتركون فيها. ولما أخبر بعدم تمنيهم، وسع لهم المجال تحقيقا للمراد ~~فقال: { أبدا } وعرف أن سببه معرفتهم بأنهم أعداء الله فقال: { بما قدمت ~~} ولما كان أكثر الأفعال باليد، نسب الكل إليها لأنها صارت عبارة عن ~~القدرة فقال: { أيديهم } أي من المعاصي التي أحاطت بهم فلم تدع لهم حظا ~~في الآخرة بعلمهم. # ولما كان التقدير تسببا عن هذا: لئلا يقولوا: سلمنا جميع ما قيل في ~~الظالمين لكنا لسنا منهم فالله عليم بهم في أفعالهم ونياتهم، عطف عليه ~~قوله معلقا بالوصف تعميما وإعلاما بأن وصف ما قدموا من الظلم { والله ~~} أي الذي له الإحاطة بكل شيء قدرة وعلما { عليم } أي بالغ العلم محيط ~~بهم - هكذا كان الأصل، ولكنه قال: { بالظالمين * } تعميما وتعليقا ~~بالوصف لا بالذات، فالمعنى أنه عالم بأصحاب هذا الوصف الراسخين فيه منهم ~~ومن غيرهم فهو يجازيهم على ظلمهم وهم يعلمون ms5081 ذلك، وأعظم مصدق الله - ومن ~~أصدق من الله قيلا - في هذا أنهم ما قوتلوا قط إلا أرزوا إلى حصونهم ~~وقراهم كما مر في سورة الحشر، فدل ذلك على أنهم أحرص على الحياة الدنيا ~~من الذين أشركوا كما مر في سورة البقرة فإنهم عالمون بأنهم يصيرون إلى ~~النار، والعرب يظنون أنهم لا يبعثون فهم لا يخافون ما بعد الموت وهم ~~شجعان يقدمون على الموت كما قال عنترة بن شداد العبسي: # بكرت تخوفني المنون كأنني # أصبحت عن عرض الحتوف بمعزل # فأجبتها أن المنية منهل # لا بد أن أسقى بذاك المنهل # فافني حياك لا أبا لك واعلمي # أني امرؤ سأموت إن لم أقتل # ولما كان عدم تمنيهم علم من أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم لموافقته ما ~~أخبر به، وكان ذلك فعل من يعتقد أن التمني يقدمه عن أجله وعدمه يؤخره، ~~فصاروا بين التكذيب بما عندهم ونهاية البلادة، أمره صلى الله عليه وسلم ~~بتنبيههم على بلادتهم تبكيتا لهم فقال: { قل } وأكد إعلاما لهم بأنه ~~يلزم من فعلهم هذا إنكار الموت الذي لا ينكره أحد فقال: { إن الموت } ~~وزاد في التقريع والتوبيخ بقوله: { الذي تفرون منه } أي بالكف عن التمني ~~الذي هو أيسر ما يكون مع أنه يوصلكم إلى تكذيب من أنتم جاهدون في تكذيبه، ~~وأكد وقوعه بهم لأن عملهم عمل من هو منكر له، وربطه بالفاء جعلا لفرارهم ~~كالسبب له، فإن الجبن من أسباب الموت مع ما يكسب من العار كما قال: " إن ~~الجبان حتفه من فوقه " أي هو غالب عليه غلبة العالي على السافل فقال: { ~~فإنه ملاقيكم } أي مدرككم في كل وجه سلكتموه بالظاهر أو الباطن. # ولما كان الحبس في البرزخ أمرا - مع أنه لا بد منه - مهولا، نبه عليه ~~وعلى طوله بأداة التراخي فقال: { ثم تردون } ونبه بالبناء للمفعول على ~~القهر منه سبحانه والصغار منهم وأنه عنده في غاية السهولة { إلى عالم ~~الغيب } وهو كل ما غاب عن العباد فهو مخبر عن أخلاقكم عن علم. ولما كان ~~بعض الفلاسفة يقر بعلمه ms5082 تعالى بالكليات، وينكر علمه بالجزئيات قال: { ~~والشهادة } وهي كل ما ظهر وتشخص ولو لواحد من الخلق قبل كونه وبعد كونه. ~~ولما كان التوقيف على الأعمال فظيعا مرجفا، قال مسببا عن الرد: { ~~فينبئكم } أي يخبركم إخبارا عظيما مستقصى مستوفى { بما كنتم } أي بما ~~هو لكم كالجبلة { تعملون * } أي بكل جزء منه مما برز إلى الخارج ومما كان ~~في جبلاتكم ولو لقيتم لعلمتموه ليجازيكم عليه. # ولما قبح سبحانه المخالقة بين القول والفعل وصور صاحبها بصورة الحمار ~~على الهيئة السابقة، وحذر من ذلك بما هيأ به العاقل للإجابة إلى دوام ~~الطاعة بعد أن بين أن جميع الكائنات مقرة بشمول ملكه بما لها من التسبيح ~~بألسنة الأحوال، والقيام في مراداته بغاية الامتثال، فكان العاقل جديرا ~~بالمبادرة إلى غاية التسبيح بلسان المقال، وختم بالتحذير من الإخبار يوم ~~الجمع الأعظم بجميع الأعمال، قال على طريق الاستنتاج مما مضى من الترغيب ~~والترهيب، نادبا لهم - ليكونوا أولياء الله - إلى التزكية المذكورة التي ~~هي ثمرة الرسالة بما حاصله الإقبال بالكلية على الله والإعراض بالكلية عن ~~الدنيا ليجمع المكلف بين التحلي بالمزايا والتخلي عن الدنايا، فخص من ~~المزايا أعظم تسبيح يفعله العاقل في أيام الأسبوع وهو الإسراع بالاجتماع ~~العظيم في يوم الجمعة الذي يناظر الاجتماع لإجابة المنادي في يوم الجمع ~~الأكبر، ثم الإقبال الأعظم بفعل صلاة الجمعة التي هي سر اليوم الذي ضيعه ~~اليهود واستبدلوا به ما كان سبب تعذيبهم بعذاب لم يعذب به أحد من ~~العالمين كما جعل نتيجة السورة الماضية النداء بالإرشاد إلى الإيمان ~~والجهاد الموجب للأمان: { يا أيها الذين آمنوا } أي أقروا بألسنتهم ~~بالإيمان وألهبهم بأداة البعد - المشيرة إلى احتياجهم إلى التزكية - إلى ~~المبادرة إلى الإقبال على ما يتعقب ذلك من الأوامر { إذا نودي } أي من أي ~~مناد كان من أهل النداء { للصلاة } أي لأجل الحضور إليها وإليه عند قعود ~~الإمام على المنبر للخطبة. # ولما كانت الإجابة يكفي في إيجابها النداء في الوقت المعروف للنداء ولا ~~يشترط لها استغراق النداء لجميع اليوم أتى بالجار فقال: { من يوم ms5083 الجمعة ~~} أي اليوم الذي عرض على من قبلنا فأبوه فكانوا كمثل الحمار يحمل أسفارا ~~وادخره الله لنا ووفقنا لقبوله، فكانوا لنا تبعا مع تأخرنا عنهم في ~~الزمان، سمي بذلك لوجوب الاجتماع فيه للصلاة، فعلة بالسكون ويضم اسم ~~للمفعول كالضحكة للمضحوك منه، فإن فتح ميمه كان بمعنى الوقت الجامع ~~كالضحكة للكثير الضحك، ومن جمعه أن فيه اجتمع خلق آدم عليه الصلاة ~~والسلام فاجتمع بخلقه جميع الخلق، وهو مذكر بيوم البعث والجمع الذي يقع ~~فيه الإنباء بالأعمال، وتظهر فيه ظهورا بينا تاما الجلال والجمال # يوم يناد المناد من مكان قريب # [ق: 41] وفيه تقوم الساعة، روى مالك عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم عليه الصلاة والسلام ~~وفيه أهبط وفيه مات وفيه تيب عليه، وفيه تقوم الساعة، وما من دابة إلا ~~وهي مصيحة يوم الجمعة من حين تصبح حتى تطلع الشمس مشفقا من الساعة إلا ~~الجن والإنس، وفيه ساعة لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي يسأل الله تعالى ~~شيئا إلا أعطاه إياه " # وفي آخر الحديث أن عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال: إنها آخر ساعة ~~يوم الجمعة، وأول الصلاة بما هو أعم من فعلها وانتظارها لقول النبي صلى ~~الله عليه وسلم # " من جلس مجلسا ينتظر الصلاة فهو في صلاة حتى يصليها " # وكان النداء في زمن النبي صلى الله عليه وسلم عند باب المسجد إذا صعد ~~صلى الله عليه وسلم على المنبر، فإذا نزل بعد الخطبة أقيمت الصلاة، وكذا ~~في زمن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فلما كان عثمان رضي الله عنه وكثر ~~الناس وتباعدت المنازل وقلت الهمم زاد مؤذنا آخر على داره التي تسمى ~~الزوراء، فإذا جلس على المنبر أذن المؤذن ثانيا الأذان الذي كان على زمن ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا نزل من المنبر أقيمت الصلاة، ولم يعب أحد ~~على عثمان زيادة الأذان الأول لعلمهم أنه من السنة بما جعل إليه النبي ms5084 ~~صلى الله عليه وسلم حين قال: # " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي ". # ولما كان المراد إيجاب المعنى جزما من غير تردد مع قطع كل علاقة بلا ~~التفات إلى شيء من غير ما عذر الشارع به، عبر عنه بالسعي، وهو معنى قول ~~الحسن أنه السعي بالنية لا بالقدم، فقال: { فاسعوا } أي لتكونوا أولياء ~~الله ولا تهاونوا في ذلك لتكونوا أعداءه كاليهود { إلى ذكر الله } أي ~~الخطبة والصلاة المذكرة بالملك الأعظم الذي من انقطع عن خدمته هلك، هذا ~~المراد بالسعي لا حقيقة بل هي منهي عنها كما قال صلى ا لله عليه وسلم: # " إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون ولكن ائتوها وعليكم السكينة، فما ~~أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا ". # ولما أمر بالمبادرة إلى تجارة الآخرة، وكان طلب الأرباح لكونها حاضرة ~~أعظم مانع عن أمور الآخرة لكونها غايته، وكان البيع أجل ذلك لتعين ~~الفائدة فيه ولكونه أكثر ما يشتغل به أهل الأسواق لكثرة الوافدين إلى ~~الأمصار يوم الجمعة من الحواضر واجتماعهم للتجارة عند تعالي النهار، قال ~~ناهيا عن تجارة الدنيا وكل ما يعوق عن الجمعة معبرا به عنها لأنه ~~أعظمها: { وذروا البيع } أي اتركوه ولو على أقبح حالاته وأذلها وأحقرها، ~~فأفاد النهي عن غيره من باب الأولى، ووقت التحريم من الزوال إلى فراغ ~~الصلاة، فإن خالف وباع صح العقد مع عصيانه، فإن النهي ليس لعينه ولا لما ~~هو داخل فيه ولا لما هو خارج ولازم له بل لأمر مقارن بطريق الاتفاق، وهو ~~ما هو فيه من الذهول عن الواجب فهو كالصلاة في الدار المغصوبة والثوب ~~المغصوب والوضوء بالماء المغصوب. # ولما أمر بما هو شاق على النفوس معبرا بالفعل المريض لفظا ومعنى، رغب ~~فيه بقوله: { ذلكم } أي الأمر العالي الرتبة من فعل السعي وترك الاشتغال ~~بالدنيا { خير لكم } لأن الذي أمركم به له الأمر كله وهو يريد تطهيركم في ~~أديانكم وأبدانكم وأموالكم وبيده إسعادكم وإشقاؤكم، وألهب إلى ذلك وزاد ~~في الحث عليه بقوله: { إن كنتم } أي بما هو لكم كالجبلة { تعلمون * } أي ~~يتجدد ms5085 لكم علم في يوم من الأيام فأنتم ترون ذلك خيرا، فإذا علمتموه ~~خيرا أقبلتم عليه فكان ذلك لكم خيرا، وصلاة الجمعة فرض عين على كل من ~~جمع البلوغ والعقل والحرية والذكورة والإقامة إذا لم يكن له عذر مما ذكره ~~الفقهاء، وإنما عبر عنها بهذا إشارة إلى أن عاقلا لا يسعه أن يترك ما ~~يعلم أنه أعلى وجوه الخير، وكل من لا يجب عليه حضور الجمعة فإذا حضر وصلى ~~مع الإمام سقط عنه فرض من الظهر ولا يكمل به عدد الجمعة إلا صاحب العذر، ~~فإنه إذا حضر يكمل به العدد. ### || [62.10-11] # ولما حث على الصلاة وأرشد إلى أن وقتها لا يصلح لطلب شيء غيرها، وأنه ~~متى طلب فيه شيء من الدنيا محقت بركته مع ما اكتسب من الإثم، بين وقت ~~المعاش فقال مبيحا لهم ما كان حظر عليهم، ولهذا قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما: إن شئت فاخرج وإن شئت فاقعد: { فإذا قضيت الصلاة } أي وقع الفراغ ~~منها على أي وجه كان { فانتشروا } أي فدبوا وتفرقوا مجتهدين في الأرض في ~~ذلك { في الأرض } جميعها إن شئتم، لا حجر عليكم ولا حرج رخصة من الله لكم ~~{ وابتغوا } أي وتعمدوا وكلفوا أنفسكم مجتهدين بالسعي في طلب المعاش { من ~~فضل الله } أي زفلة الملك الأعلى الذي له كل كمال ولا يجب لأحد عليه شيء ~~بالبيع والشراء وغيرهما من مصالح الدين والدنيا التي كنتم نهيتم عنها. # ولما كان السعي في طلب الرزق ملهيا عن الذكر، بين أنه أعظم السعي في ~~المعاش وأن من غفل عنه لم ينجح له مقصد وإن تحايل له بكل الحيل وغير ذلك ~~فقال: { واذكروا الله } أي الذي بيده كل شيء ولا شيء لغيره فإنه لا رخصة ~~في ترك ذكره أصلا. ولما كان العبد مطلوبا بالعبادة في كل حال فإنه ~~مجبول على النسيان. فمهما فتر عن نفسه استولت عليها الغفلة فمرنت على ~~البطالة فهلكت قال: { كثيرا } أي بحيث لا تغفلوا عنه بقلوبكم أصلا ولا ~~بألسنتكم حتى عند الدخول إلى الخلاء وعند أول ms5086 الجماع وعند الإنزال، ~~واستثنى من اللساني وقت التلبس بالقذر كالكون في قضاء الحاجة. # ولما كان مراد الإنسان من جميع تصرفاته الفوز بمراداته قال معللا لهذا ~~الأمر: { لعلكم تفلحون * } أي لتكونوا عند الناظر لكم والمطلع عليكم من ~~أمثالكم ممن يجهل العواقب على رجاء من أن تظفروا بجميع مطلوباتكم، فإن ~~الأمور كلها بيد من تكثرون ذكره، وهو عالم بمن يستحق الفلاح فيسعفه به ~~وبمن عمل رياء ونحوه فيخيبه، فإذا امتثلتم أمره كان جديرا بتنويلكم ما ~~تريدون، وإن نسيتموه كنتم جديرين بأن يكلكم إلى أنفسكم فتهلكوا. # ولما كان التقدير مما ينطق به نص الخطاب: هذه أوامرنا الشريفة ~~وتقديساتنا العظيمة وتفضلاتنا الكريمة العميمة، فما لهم إذا نودي لها ~~توانى بعضهم في الإقبال إليها، وكان قلبه متوجها نحو البيع ونحوه من ~~الأمور الدنيوية عاكفا عليها ساعيا بجهده إليها فخالف قوله أنه أسلم ~~لرب العالمين فعله هذا، عطف عليه قوله: { وإذا رأوا } أي بعد الوصول إلى ~~موطنها المريح ومحلها الفسيح الشرح المليح، والاشتغال بشأنها العالي { ~~تجارة } أي حمولا هي موضع للتجارة. ولما ذكر ما من شأنه إقامة المعاش ~~أتبعه ما هو أنزل منه وهو ما أقل شؤونه البطالة التي لا يجنح إليها ذو ~~قدر ولا يلقي لها باله فقال: { أو لهوا } أي ما يلهي عن كل نافع. # ولما كان مطلق الانفضاض قبيحا لأنه لا يكون إلا تقربا على حال سيئ، من ~~الفض وهو الكسر بالتفرقة، والفضاض ما تفرق من الفم والطلع: كسرهما، فكيف ~~إذا كانت علته قبيحة، قال تعالى معبرا به: { انفضوا } أي نفروا متفرقين ~~من العجلة. # ولما كان سبب نزول الآية أنه كان أصاب الناس جوع وجهد، فقد دحية الكلبي ~~رحمه الله تعالى بعير تحمل الميرة، وكان في عرفهم أن يدخلوا في مثل ذلك ~~بالطبل والمعازف والصياح، وكان قصد بعض المنفضين العير، وبعضهم ما قارنها ~~من اللهو، ولكن قاصد التجارة هو الكثر، أنث الضمير فقال معلما بالاهتمام ~~بها لأن اللهو مسبب عنها: { إليها } وللدلالة على أنه إذا ذم قاصدها مع ~~ما فيها من النفع والإنسان ms5087 لا بد له من إصلاح معاشه لقيام حاله ولا سيما ~~والحاجة إذ ذاك شديدة، كان الذم لقصد اللهو نم باب الأولى. # ولما كان ذلك حال الخطبة التي هي جديرة بشدة الإصغاء إليها والاتعاظ بها ~~في صرف النفس عن الدنيا والإقبال على الآخرة قال: { وتركوك } أي تخطب حتى ~~بقيت في اثني عشر رجلا، قال جابر رضي الله عنه: أنا أحدهم، ودل على ~~مشروعية القيام بقوله: { قائما } فالواجب خطبتان: قائما يفصل بينهما ~~بجلوس، والواجب فيهما أن يحمد الله تعالى ويصلي على النبي صلى الله عليه ~~وسلم ويوصي بتقوى الله تعالى، هذه الثلاثة واجبة في الخطبتين معا، ويجب ~~أن يقرأ في الأولى آية من القرآن وفي الثانية أن يدعو للمؤمنين، فلو ترك ~~واحدة من هذه الخمس لم تصح الخطبة عند الشافعي رضي الله عنه، ولجواز ~~الجمعة خمس شرائط: الوقت وهو وقت الظهر، والعدد وهو الأربعون، والإمام ~~والخطبة ودار الإقامة، فإن فقد شرط وجبت الظهر، ولا تبتدأ الخطبة إلا بعد ~~تمام، وبقاء هذا العدد شرط إلى آخر الصلاة، فإن انفض بعضهم ثم عاد ولم ~~يفته شيء من الأركان صحت. # ولما كان هذا فعل من سفلت همته عن سماع كلام الحق من الحق، أمره صلى ~~الله عليه وسلم بوعظهم إلهابا لهم إلى الرجوع إلى تأهلهم للخطاب ولو ~~بالعتاب قال: { قل } أي لهم ترغيبا في الرجوع إلى ما كانوا عليه من طلب ~~الخير من معدنه: { ما عند الله } أي المحيط بجميع صفات الكمال من الأعراض ~~العاجلة في الدنيا من واردات القلوب وبوادر الحقيقة، الحاصل من سماع ~~الخطبة الآمر بكل خير، الناهي عن كل شر، المفيد لتزكية الباطن وتقويم ~~الظاهر والبركة في جميع الأحوال والآجلة في الآخرة مما لا يدخل تحت الوصف ~~{ خير } ولما قدم التجارة أولا اهتماما بها، قدم هنا ما كانت سببا له ~~ليصير كل منهما مقصودا بالنهي فقال: { من اللهو } ولما بدأ به لإقبال ~~الإغلب في حال الرفاهية عليه قال معيدا الجار للتأكيد: { ومن التجارة } ~~أي وإن عظمت. # ولما كان من عنده الشيء قد ms5088 لا يعطيه بسهولة وإذا أعطاه لا يعطيه إلا من ~~يحبه قال: { والله } أي ذو الجلال والإكرام وحده { خير الرازقين * } لأنه ~~يرزق متاع الدنيا لسفوله ولكونه زادا إلى الآخرة البر والفاجر والمطيع ~~والعاصي، ويعطي من يريد ما لا يحصيه العد ولا يحصره الحد، وأما المعارف ~~الإلهية والأعمال الدينية الدال عليها رونق الصدق وصفاء الإخلاص وجلالة ~~المتابعة فلا يؤتيها إلا الأبرار وإن كانوا أضعف الناس وأبعدهم من ذلك ~~ولا يفوت أحدا، أقبل على ما شرعه شيئا كان ينفعه فلا تظنوا أن الغنى في ~~البيع والتجارة إنما هو في متابعة أمر من أحل البيع وأمر به وشرع ما هو ~~خير منه تزكية وبركة ونماء في الظاهر والباطن، روى صاحب الفردوس عن أنس ~~بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من قال يوم الجمعة " اللهم أغنني بحلالك عن حرامك وبطاعتك عن معصيتك ~~وبفضلك عمن سواك سبعين مرة لم تمر به جمعتان حتى يغنيه الله تعالى " # وأصل الحديث أخرجه أحمد والترمذي - وقال حسن - عن علي رضي الله عنه، وفي ~~الباب عن ابن عباس رضي الله عنهما، فأقبلوا على متابعة رسوله صلى الله ~~عليه وسلم وألزموا هدية واستمسكوا بغرزه تنالوا خيري الدارين بسهولة، فقد ~~رجع آخر السورة كما ترى على أولها بما هو من شأن الملك من الرزق وإنالة ~~الأرباح والفوائد ولا سيما إذا كان قدوسا وتبكيت من أعرض عن خطبة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم اللازم منه استمرار الإقبال عليه ودوام الإقامة ~~بين يديه، لأنه لا يدعوهم إلا لما يحييهم من الصلاة والوعظ الذي هو عين ~~تنزيه الله وتسبيحه # يتلو عليهم آياته ويعلمهم الكتاب والحكمة # [آل عمران: 164] يزكيهم ربهم ويرزقهم من فضله إنه كريم وهاب - والله ~~أعلم بالصواب. ### | [63 - سورة المنافقون] ### || [63.1-2] # لما نهى سبحانه في الممتحنة عن اتخاذ عدوه وليا، وذم في الصف على ~~المخالفة بين القول والفعل، وحذر آخر الجمعة من الإعراض عن حال من أحوال ~~النبي صلى الله عليه وسلم على حال من الأحوال ولو مع ms5089 الوفاق، لأن صورة ~~ذلك كله صورة النفاق، قبح في أول هذه حال من أقبل عليه على حال النفاق، ~~لأنه يكون كاليهود الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها، واستمرت السورة ~~كلها في ذمهم بأقبح الذم ليكون زاجرا عن كل ما ظاهره نفاق، فقال تعالى: ~~{ إذا جاءك } أي يا أيها الرسول المبشر به في التوراة والإنجيل { ~~المنافقون } أي العريقون في وصف النفاق وهو إسلام الظاهر وكفر الباطن، ~~وأغلبهم من اليهود { قالوا } مؤكدين لأجل استشعارهم لتكذيب من يسمعهم لما ~~عندهم من الارتياب: { نشهد } قال الحسن: هو بمنزلة يمين كأنهم قالوا: ~~نقسم { إنك } - التأكيد لذلك وإيهاما لأن قوة تأكيدهم لشدة رغبتهم في ~~مضمون ما يقولونه { لرسول الله } أي الملك الذي له الإحاطة الكاملة، ~~فوافقوا الحق بظاهر أحوالهم، وخالفوا بقلوبهم وأفعالهم. # ولما كانت الشهادة الإخبار عن علم اليقين لأنها من الشهود وهو كمال ~~الحضور وتمام الاطلاع ومواطأة القلوب للألسنة، صدق سبحانه المشهود به ~~وكذبهم في الإقسام بالشهادة ومواطأة ألسنتهم لقلوبهم فقال: { والله يعلم ~~} أي وعلمه هو العلم في الحقيقة، وأكده سبحانه بحسب إنكار المنافقين ~~فقال: { إنك لرسوله } سواء شهد المنافقون بذلك أم لم يشهدوا، فالشهادة ~~بذلك حق ممن يطابق لسانه قلبه، وتوسط هذا بين شهادتهم وتكذيبهم لئلا ~~يتوهم أن ما تضمنته شهادتهم من الرسالة كذب. # ولما كان ربما ظن أن هذا تأكيد لكلام المنافقين، دل على أنه تحقيق ~~لمضمون كلامهم دون شهادتهم فقال: { والله } أي المحيط بجميع صفات الكمال ~~{ يشهد } شهادة هي الشهادة لأنها محيطة بدقائق الظاهر والباطن { أن ~~المنافقين } أي الراسخين في وصف النفاق { لكاذبون * } أي في إخبارهم عن ~~أنفسهم أنهم يشهدون لأن قلوبهم لا تطابق ألسنتهم فهم لا يعتقدون ذلك، ومن ~~شرط قول الحق أن يتصل ظاهره باطنه وسره بعلانيته، ومتى تخالف ذلك فهو ~~كذب، لا المراد أنهم كاذبون في صحة ما تضمنته شهادتهم من أنك رسول الله ~~والحاصل أن الشهادة تتضمن شيئين: صدق مضمون الخبر والإذعان له، فصدقهم في ~~الأول وكذبهم في الثاني فصاروا بنفاقهم أسفل حالا وشر مآلا من اليهود. # وقال ms5090 الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما أعقب حال المؤمنين فيما خصهم الله ~~به مما انطوت عليه الآيات الثلاث إلى صدر سورة الجمعة إلى قوله: # والله ذو الفضل العظيم # [الجمعة: 4] بذكر حال من لم ينتفع بما حمل حسبما تقدم، وكان في ذلك من ~~المواعظ والتنبيه ما ينتفع به من سبقت له السعادة، أتبع بما هو أوقع في ~~الغرض وأبلغ في المقصود، وهو ذكر طائفة بين أظهر من قدم الثناء عليهم ومن ~~أقرانهم وأترابهم وأقاربهم، تلبست في الظاهر بالإيمان، وأظهرت الانقياد ~~والإذعان، وتعرضت فأعرضت وتنصلت فيما وصلت، بل عاقتها الأقدار، فعميت ~~البصائر والأبصار، ومن المطرد المعلوم أن اتعاظ الإنسان بأقرب الناس إليه ~~وبأهل زمانه أغلب من اتعاظه بمن بعد عنه زمانا ونسبا، فأتبعت سورة ~~الجمعة بسورة المنافقين وعظا للمؤمنين بحال أهل النفاق، وبسط من قصصهم ~~ما يلائم ما ذكرناه، وكان قيل لهم: ليس من أظهر الانقياد والاستجابة، ثم ~~بني إسرائيل ثم كان فيما حمل كمثل الحمار يحمل أسفارا بأعجب من حال ~~إخوانكم زمانا وقرابة، وأنتم أعرف الناس بهم وأنهم قد كانوا في الجاهلية ~~موصوفين بجودة الرأي وحسن النظر # وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم # [المنافقين: 4] # ولكن المنافقين لا يفقهون # [المنافقين: 7] قلت: وقد مر في الخطبة ما رويناه في مصنف ابن أبي شيبة ~~من قول أناس من المؤمنين: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في ~~الجمعة بسورة الجمعة والمنافقين فيبشر بها المؤمنين ويحرضهم، وأما سورة ~~المنافقين فيوئس بها المنافقين ويوبخهم، وهذا نحو ما ذكرناه أولا - ~~انتهى. # ولما كان المعنى أنهم لم يعتقدوا ما شهدوا به، وكان كأنه قيل: فما ~~الحامل لهم على هذا الكلام المؤكد والكذب في غاية القباحة لا سيما عند ~~العرب، علله بقوله مسميا شهادتهم إيمانا لأن الشهادة تجري مجرى القسم ~~في إرادة التوكيد، ولذلك يتلقى بما يتلقى به القسم: { اتخذوا } أي أخذو ~~بجهدهم { أيمانهم } أي كلها من شهادتهم هذه المجتهد في توكيدها وكل يمين ~~سواها { جنة } أي وقاية تقيهم المكاره الدنيوية ويستترون بها منها ~~فيصونون بها ms5091 دماءهم وأموالهم، فاستضاؤوا بنور الإجابة فلم ينبسط عليهم ~~شعاع نور السعادة فانطفأ نورهم بقهر الحرمان، وبقوا في ظلمات القسمة ~~السابقة بحكم الخذلان { فصدوا } أي فسبب لهم اتخاذهم هذا أن أعرضوا ~~بأنفسهم مع سوء البواطن وحرارة الصدور، وحملوا غيرهم على الإعراض لما يرى ~~من سيئ أحوالهم بتلك الظواهر مع بقائهم على ما كانوا ألفوه من الكفر الذي ~~يزينه الشيطان { عن سبيل الله } أي عن طريق الملك الأعظم الذي شرعه ~~لعباده ليصلوا به إلى محل رضوانه، ووصلوا إلى ذلك بخداعهم ومكرهم بجرأتهم ~~على الإيمان الحانثة التي يمشون حالهم بها لما شرعه الله في هذه الحنيفية ~~السمحة من القناعة من الحالف بيمينه فيما لا يعلم إلا من قبله. # ولما كان ما أخبر به من حالهم في غاية القباحة، أنتج قوله: { إنهم } ~~وأكده لأن حالهم بعجبهم وعجب كثيرا ممن قاربهم { ساء ما كانوا } أي جبلة ~~وطبعا { يعملون * } أي يجددون عمله مستمرين عليه بما هو كالجبلة من ~~جرأتهم على الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وخلص عباده بالأيمان الحانثة. ### || [63.3-6] # ولما كانت المعاصي تعمي القلب فكيف بأعظمها، علله بقوله: { ذلك } أي ~~الأمر العظيم في البعد من الخير من الكذب بالإخبار بالشهادة والحلف على ~~الصدق والصد عن السبيل والوصف لعملهم بالسوء { بأنهم آمنوا } أي بسبب ~~أنهم أقروا بالإيمان بألسنتهم من غير مطابقة لقلوبهم. ولما كان الكفر ~~مستبعدا فكيف إذا كان بعد الإقرار، عبر بأداة البعد لذلك ولتفهم الذم ~~على التعقيب من باب الأولى، ولئلا يتوهم أن الذم إنما هو على تعقيب ~~الإيمان بالكفر فقط، لا على مطلقه، فالتعبير بثم يفهم أن من استمر طول ~~عمره على الإيمان ثم كفر قبل موته بلحظة كان له هذا الذم فقال: { ثم ~~كفروا } أي سرا فهابوا الناس ولم يهابوا الله. ولما كان مجرد الطبع على ~~القلب في غاية البشاعة، كان مفهما لبشاعة ما كان منه من الله من باب ~~الأولى، بني للمجهول قوله: { فطبع } أي فحصل الطبع وهو الختم مع أنه ~~معلوم أنه لا يقدر على ذلك غيره سبحانه { على ms5092 قلوبهم } لأجل اجترائهم على ~~ما هو أكبر الكبائر على وجه النفاق حتى مرنوا على الكفر واستحكموا فيه، ~~وكذلك من ترك الجمعة ثلاث مرات تهاونا بها { فهم } أي فتسبب عن ذلك أنهم ~~{ لا يفقهون * } أي لا يقع لهم فقه في شيء من الأشياء فهم لا يميزون ~~صوابا من خطأ ولا حقا من باطل لأن المختوم عليه لا يصل إليه شيء ولا ~~يخرج منه شيء. # ولما وصف سبحانه بواطنهم بما زهد فيهم لأن الإنسان بعقله كما أن المأكول ~~بشكله، وكانت لهم أشكال تغر ناظرها لأن العرب كانت تقول: جمال المنظر يدل ~~غالبا على حسن المخبر، قال تعالى: { وإذا رأيتهم } أي أيها الرسول على ~~ما لك من الفطنة ونفوذ الفراسة أو أيها الرائي كائنا من كان بعين البصر ~~{ تعجبك أجسامهم } لضخامتها وصباحتها، فإن غايتهم كلها بصلاح ظواهرهم ~~وترفيه أنفسهم، فهم أشباح وقوالب ليس وراءها ألباب وحقائق، قال ابن عباس ~~رضي الله عنهما: كان ابن أبي - يعني - الذي نزلت السورة بسببه - جسيما ~~فصيحا صحيحا ذلق اللسان، وقوم من المنافقين في مثل صفته وهم رؤساء ~~المدينة، وكانوا يحضرون مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ويستندون فيه ~~ولهم جهارة المناظر وفصاحة الألسن، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ومن حضر يعجبون بهياكلهم. ولما وصف البواطن والظواهر، وكان قولهم: المرء ~~بأصغريه قلبه ولسانه مشروطا كما هو ظاهر العبارة بمطابقة اللسان للقلب، ~~قال معبرا بأداة الشك إشارة إلى أنهم لا يكلمونه صلى الله عليه وسلم إلا ~~اضطرارا لأنهم لا يحبون مكالمته ولا باعث لهم عليها لما عندهم من أمراض ~~القلوب: { وإن يقولوا } أي يوجد منهم قول في وقت من الأوقات { تسمع ~~لقولهم } أي لأنه يكون بحيث يلذذ السمع ويروق الفكر لما فيه من الادهان ~~مع الفصاحة فهو يأخذ بمجامع القلب. # ولما أخبر عن ظاهرهم، دل على أن ذلك الظاهر أمر لا حقيقة له، وأنهم لما ~~وطنوا أنفسهم على الوقاحة وخلعوا لباس الحياء بالكذب بذلوا جميع الجهد في ~~تحسين القول لأنه لا درك عليهم فيه فيما يحسبون ms5093 بوجه لأنهم لا يحسبون ~~للآخرة حسابا فقال: { كأنهم } أي في حسن ظواهرهم وسوء بواطنهم وفي الجبن ~~والخور وعدم الانتفاع بهم في شيء من فهم أو ثبات فإنهم لا حقيقة لهم { ~~خشب } جمع كثرة لخشبة وهو دليل على كثرتهم. ولما كان الخشب ربما أطلق على ~~المغروس، نفى ذلك بقوله منبها بالتشديد على الكثرة: { مسندة } أي قد ~~قطعت من مغارسها وقشرت وأسندت إلى الجدر لئلا يفسدها التراب، فهي بيض ~~تلوح تعجب ناظرها ولا ثبات لها ولا باطن بثمرة ولا سقي فلا مدد سماوي لها ~~أصلا يزكيها نوع زكاء فقد فقدت روح الإثبات الذي به كمالها كما فقد ~~المنافق روح الإيمان الذي به كمال الناطق وبقاؤه، فهم في تلك الحالة ~~أشباح بلا أرواح أجسام بلا أحلام. # ولما كان من يقول ما لا يفعل يصير متهما لكل من يكلمه، لأنه لإخلافه له ~~قد صار عدوه فيتوهم الناس كلهم أعداء له فيكسبه ذلك أشد الجبن، وذلك هو ~~السبب الأعظم في تحسين قوله، قال: { يحسبون } أي لضعف عقولهم وكثرة ~~ارتيابهم لكثرة ما يباشرون من سوء أعمالهم { كل صيحة } أي من نداء مناد ~~في انفلات دابة أو إنشاد ضالة، ونحو ذلك { عليهم } أي واقعة. ولما كان من ~~يظن عداوة الناس له يكون هو عدوا لهم، قال نتيجة ما مضى: { هم } أي خاصة ~~{ العدو } أي كامل العداوة بما دل عليه الإخبار بالمفرد الذي يقع على ~~الجمع دون الجمع إشارة إلى أنهم - في شدة عداوتهم للاسلام وأهله وكمال ~~قصدهم وشدة سعيهم فيه - على قلب واحد وإن أظهروا التودد في الكلام ~~والتقرب به إلى أهل الإسلام، فإن ألسنتهم معكم إذا لقوكم، وقلوبهم عليكم ~~مع أعدائكم، فهو عيون لهم عليكم. # ولما بين ذلك من سوء أحوالهم سبب عنه قوله: { فاحذرهم } لأن أعدى ~~الأعداء العدو المداحي الذي يكاشرك وتحت ظلوعه الداء الدوي، فإن من ~~استشعر أنك عدو له بغى لك الغوائل، وأغلب من يعجبك قوله على هذا الوصف ~~يكون، ولكنه يكون بلطف الله دائم الخذلان منكوسا في أكثر تقلباته بيد ~~القهر والحرمان ms5094 لسر قوله تعالى: { قاتلهم الله } أي أحلهم الملك المحيط ~~علما وقدرة محل من يقاتله عدو قاهر له أشد مقاتلة على عادة الفعل الذي ~~يكون بين اثنين. # ولما كان حالهم في غاية العجب في صرفهم عن الإسلام أولا بالعمى عن ~~الآيات الظاهرات، وثانيا عن الإخبار بأسرارهم، وخفي مكرهم وأخبارهم، وفي ~~عدم صرفهم عما هم عليه من قبح السرائر وسوء الضمائر بتعكيس مقاصدهم، ~~وتخييب مصادرهم في مكرهم ومواردهم، دل على ذلك بقوله: { أنى } أي كيف ~~ومن أي وجه { يؤفكون * } أي يصرفهم عن إدراك قبح ما هم عليه صارف ما ~~كائنا ما كان ليرجعوا عنه إلى حسن الدين والأنس به وإدراك بركته وعظيم ~~أثره. # ولما كان هذا أمرا عظيما قاطعا عن الله ورسوله فيحتاج فاعله حاجة ~~شديدة إلى التطهير وهو جدير بعظمه أن لا يطهره غاية الطهر إلا سؤال النبي ~~صلى الله عليه وسلم وكانوا لم يفعلوا ذلك، دل على سوء بواطنهم وغلظ ~~أكبادهم وأنهم كالخشب المسندة في أنهم لا ثمرة لهم ولا زكاء أصلا بقوله: ~~{ وإذا قيل لهم } أي من أي قائل كان: { تعالوا } أي ارفعوا أنفسكم ~~مجتهدين في ذلك بالمجيء إلى أشرف الخلق الذي لا يزال مكانه عاليا لعلو ~~مكانته { يستغفر لكم } أي يطلب الغفران لأجلكم خاصة بعد أن تتولوا من ~~ذنبكم من أجل هذا الكذب الذي أنتم مصرون عليه. ولما تقدم عاملان، أعمل ~~الثاني منهما كما هو المختار من مذهب البصريين فرفع قوله: { رسول الله } ~~أي أقرب الخلق إلى الملك الأعظم الذي لا شبيه لجوده { لووا رؤوسهم } أي ~~فعلوا اللي بغاية الشدة والكثرة، وهو الصرف إلى جهة أخرى إعراضا وعتوا ~~وإظهارا للبغض والنفرة، وبالغوا فيه مبالغة تدل على أنهم مغلوبون عليه ~~لشدة ما في بواطنهم من المرض { ورأيتهم } أي بعين البصيرة { يصدون } أي ~~يعرضون إعراضا قبيحا عما دعوا إليه مجددين لذلك كلما دعوا إليه، ~~والجملة في موضع المفعول الثاني لرأيت { وهم مستكبرون * } أي ثابتو الكبر ~~عما دعوا إليه وعن إحلال أنفسهم في محل الاعتذار، فهم لشدة غلظتهم لا ~~يدركون قبح ms5095 ما هم عليه ولا يهتدون إلى دوائه، وإذا أرشدهم غيرهم ونبههم ~~لا ينبهون، فقد روي أنه لما نزل القرآن فيهم أتاهم عشائرهم من المؤمنين ~~وقالوا: ويحكم افتضحتم وأهلكتم أنفسكم، فأتوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وتولوا إليه واسألوه أن يستغفر لكم، فأبوا ذلك فأنزل الله هذه ~~الآية، وروي أن ابن أبي رأسهم لوى رأسه وقال لهم: أشرتم علي بالإيمان ~~فآمنت وأشرتم علي بأن أعطي زكاة مالي ففعلت، ولم يبق إلا أن تأمروني ~~بالسجود لمحمد. ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب صلاحهم فهو يحب أن ~~يستغفر لهم، وربما ندبه إلى ذلك بعض أقاربهم، فكان استغفاره بحيث يسأل ~~عنه، قال منبها على أنهم ليسوا بأهل للاستغفار لأنهم لا يؤمنون. { سواء ~~} أي غلب واستعلى هذا الاستواء الذي عالجوا أنفسهم عليه حتى تخلقوا به ~~فصار مجردا عن أدنى ميل وكلفة { عليهم }. # ولما كان قد سلخ في هذا السياق عن الهمزة معنى الاستفهام كان معنى { ~~استغفرت لهم } أي في هذا الوقت { أم لم تستغفر لهم } أي فيه أو فيما بعده ~~- مستو عندهم استغفارك لهم وتركه، لأنه لا أثر له عندهم، ولهذا كانت ~~نتيجته - عقوبة لهم - النفي المبالغ فيه بقوله: { لن يغفر الله } أي ~~الملك الأعظم { لهم } ولعل التعبير بالاستفهام بعد سلخ معناه للاشارة إلى ~~أنهم لو شاهدوا الملك يستفهمك عن ذلك ما ردهم عن نفاقهم وما زادهم ذلك ~~على ما عندهم شيئا، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قيد هذه الآية بآية ~~براءة المحتملة للتخيير وأنه إن زاد على السبعين كان الغفران مرجوا، ~~فاستجاز بذلك الصلاة على ابن أبي رأس المنافقين والاستغفار له لما عنده ~~صلى الله عليه وسلم من عظيم الشفقة على عباد الله ومزيد الرحمة لهم ولا ~~سيما من كان في عداد أصحابه والأنصار رضي الله عنهم به عناية. # ولما كان التقدير لتعليل المبالغة في الإخبار بعد الغفران لهم: لأن ~~فسقهم قد استحكم فصار وصفا لهم ثابتا، عبر عن ذلك بقوله: { إن الله } ~~أي الذي له صفات الكمال { لا يهدي ms5096 القوم } أي الناس الذي لهم قوة في ~~أنفسهم على ما يريدونه { الفاسقين * } لأنهم لا عذر لهم في الإصرار على ~~الفسق وهو المروق من حصن الإسلام بخرقه وهتكه مرة بعد مرة والتمرن عليه ~~حتى استحكم فهم راسخون في النفاق والخروج عن مظنة الإصلاح. ### || [63.7-8] # ولما كان هذا داعيا إلى السؤال عن الأمر الذي فسقوا به، قال مبينا له: ~~{ هم } أي خاصة بواطنهم { الذين يقولون } أي أوجدوا هذا القول ولا يزالون ~~يجددونه لأنهم كانوا مربوطين بالأسباب محجوبين عن شهود التقدير غير ~~محققين بتصريف الأحكام، فأنطقهم ما خامر قلوبهم من تمني إطفاء نور الله ~~فتواصوا فيما بينهم بقولهم: { لا تنفقوا } أيها المخلصون في النصرة { على ~~من } أي الذين { عند رسول الله } أي الملك المحيط بكل شيء، وهم فقراء ~~المهاجرين، وكأنهم عبروا بذلك وهم لا يعتقدونه تهكما وإشارة إلى أنه لو ~~كان رسوله وهو الغنى المطلق لأغنى أصحابه ولم يحوجهم إلى أن ينفق الناس ~~عليهم، وما درى الأغبياء أن ذلك امتحان منه سبحانه لعباده - فسبحان من ~~يضل من يشاء - حتى يكون كلامه أبعد شيء عن الصواب بحيث يعجب العاقل كيف ~~يصدر ذلك من أحد، أو أن هذه ليست عبارتهم وهو الظاهر، وعبر سبحانه عنهم ~~بذلك إشارة إلى أن كلامهم يؤول إلى إرادة ضر من الله معه توقيفا على ~~كفرهم وتنبيها على أن من أرسل رسولا لا يكله إلى أحد بل يكفيه جميع ما ~~يهمه من غير افتقار إلى شيء أصلا، فقد أرسل سبحانه إليه صلى الله عليه ~~وسلم بمفاتيح خزائن الأرض فأباها وما كفاهم هذا الجنون حتى زادوه ما دل ~~على أنهم ظنوا أن أبواب الرزق تغلق إذا امتنع المنفقون من الناس عن ~~إنفاقهم، وعبروا بحرف غاية ليكون لما بعده حكم ما قبله فقالوا: { حتى ~~ينفضوا } أي يتفرقوا تفرقا قبيحا فيه كسر فيذهب أحد منهم إلى أهله ~~وشغله الذي كان له قبل ذلك، قال الحرالي: " حتى " كلمة تفهم غاية محوطة ~~يدخل ما بعدها في حكم ما قبلها مقابل معنى " إلى " ، وقال أهل العربية: ~~لا ms5097 يجر بها إلى آخر أو متصل بالآخر نحو الفجر في # حتى مطلع الفجر # [القدر: 5] وحتى آخر الليل، ولا تقولوا: حتى نصف الليل، وما درى الأجلاف ~~أنهم لو فعلوا ذلك أتاح الله غيرهم للانفاق، أو أمر رسوله صلى الله عليه ~~وسلم فدعا في الشيء اليسير فصار كثيرا، أو كان بحيث لا ينفد، أو أعطى ~~كلا يسيرا من طعام على كيفية لا تنفد معها كتمر أبي هريرة وشعير عائشة ~~وعكة أم أيمن رضي الله عنهم وغير ذلك كما روي ذلك غير مرة، ولكن ليس لمن ~~يضل الله من هاد، ولذلك عبر في الرد عليهم بقوله: { ولله } أي قالوا ذلك ~~واستمروا على تجديد قوله والحال أن للملك الذي لا أمر لأحد معه فهو الآمر ~~الناهي { خزائن السماوات } أي كلها { والأرض } كذلك من الأشياء المعدومة ~~الداخلة تحت مقدرة " إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون " ومن ~~الأشياء التي أوجدها فهو يعطي من يشاء منها ما يشاء حتى من أيديهم، لا ~~يقدر أحد على منع شيء من ذلك لا مما في يده ولا مما في يد غيره، ونبه على ~~سوء غباوتهم وأنهم تقيدوا بالوهم حتى سفلوا عن رتبة البهائم كما قال ~~بعضهم: إن كان محمد صادقا فنحن شر من البهائم، أشار إلى ذلك بقوله: { ~~ولكن المنافقين } أي العريقين في وصف النفاق. # ولما كان ما يساق إلى الخلق من الأرزاق فيظن كثير منهم أنهم حصلوه ~~بقوتهم، عبر بالفقه الأخص من العلم فقال: { لا يفقهون * } أي لا يتجدد ~~لهم فهم أصلا لأن البهائم إذا رأت شيئا ينفعها يوما ما في مكان طلبته ~~مرة أخرى، وهؤلاء رأوا غير مرة ما أخرج الله من خوارق البركات على يد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ينفعهم ذلك، فمن رأى أن رزقه بيد الخلق ~~فألهاه ذلك عن الله حتى ضيع حقوقه وداهن في دينه فقد برئ من القرآن، ودل ~~على عدم فقههم بقوله تعالى: { يقولون } أي يوجدون هذا القول ويجددونه ~~مؤكدين له لاستشعارهم بأن أكثر قومه ينكره: ms5098 { لئن رجعنا } أي نحن أيتها ~~العصابة المنافقة من غزاتنا هذه - التي قد رأوا فيها من نصرة النبي صلى ~~الله عليه وسلم ما يعجز الوصف وهي غزوة بني المصطلق حي من هذيل بالمريسيع ~~وهو ماء من مياههم من ناحية قديد إلى الساحل وفيها تكلم ابن أبي بالإفك ~~وأشاعه - { إلى المدينة } ودلوا على تصميمهم على عدم المساكنة بقولهم: { ~~ليخرجن الأعز } يعنون أنفسهم { منها الأذل } وهم كاذبون في هذا، لكنهم ~~تصوروا لشدة غباوتهم أن العزة لهم وأنهم يقدرون على إخراج المؤمنين { ~~ولله } أي والحال أن كل من له نوع بصيرة يعلم أن للملك الأعلى الذي له ~~وحده عز الإلهية { العزة } كلها، فهو قهار لمن دونه وكل ما عداه دونه. # ولما حصر العزة بما دل على ذلك من تقديم المعمول، أخبر أنه يعطي منها من ~~أراد وأحقهم بذلك من أطاعه فترجم ذلك بقوله: { ولرسوله } لأن عزته من ~~عزته بعز النبوة والرسالة وإظهار الله دينه على الدين كله، وكذلك أيضا ~~أن العزة لمن أطاع الرسول بقوله: { وللمؤمنين } أي الذين صار الإيمان لهم ~~وصفا راسخا لأن عزتهم بعزة الولاية، ونصر الله إياهم عزة لرسولهم صلى ~~الله عليه وسلم، ومن تعزز بالله لم يلحقه ذل. # ولما كان جهلهم في هذا أشد لكثرة ما رأوا من نصرة الله لرسوله صلى الله ~~عليه وسلم ومن تابعه رضي الله عنهم وإعلائهم على كل من ناواهم، قال ~~منبها على ذلك: { ولكن المنافقين } أي الذي استحكم فيهم مرض القلوب. # ولما كانت الدلائل على عزة الله لا تخفى على أحد لما تحقق من قهره ~~للملوك وغيرهم بالموت الذي لم يقدر أحد على الخلاص منه ولا المنازعة فيه، ~~ومن المنع من أكثر المرادات، ومن نصر الرسول وأتباعهم بإهلاك أعدائهم ~~بأنواع الهلاك، وبأنه سبحانه ما قال شيئا إلا تم ولا قالت الرسل شيئا ~~إلا صدقهم فيه، ختم الآية بالعلم الأعم من الفقه فقال: { لا يعلمون * } ~~أي لا لأحد لهم علم الآن، ولا يتجدد في حين من الأحيان، فلذلك هم يقولون ~~مثل هذا الخراف، وروي أنه ms5099 لما نزلت هذه الآية جاء عبد الله ولد عبد الله ~~بن أبي ابن سلول الذي نزلت بسببه إلى أبيه، وذلك في غزوة المريسيع لبني ~~المصطلق فأخذ بزمام ناقة أبيه وقال: أنت والله الذليل، ورسول الله صلى ~~الله عليه وسلم العزيز، ولما دنوا من المدينة الشريف جر سيفه وأتى أباه ~~فأخذ بزمام ناقته. وزجرها إلى ورائها وقال: إياك وراءك والله لا تدخلها ~~حتى يأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولئن لم تقر بأن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم الأعز وأنت الأذل لأضربن عنقك، قال: أفاعل أنت؟ قال: نعم، ~~قال: أشهد أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، وشكا ولده إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فأمره أن يدعه يدخل المدينة، فأطلق فدخل. ### || [63.9-11] # ولما كان هذا الذي حكاه سبحانه وتعالى عن المنافقين بحيث يعجب غاية ~~العجب من تصور قائله له فضلا عن أن يتفوه به فكيف بأن يعتقده، نبه على ~~أن العلة الموجبة له طمس البصيرة، وأن العلة في طمس البصيرة الإقبال ~~بجميع القلب على الدنيا رجوعا على إيضاح ما تقدم في نتيجة الجمعة من ~~الإذن في طلب الرزق والتحذير من مثل فعل حاطب رضي الله عنه وفعل من انصرف ~~عن خطبة لتلك العير، وكان هذا التنبيه على وجه حاسم لمادة شرهم في كلامهم ~~فإن كلمة الشح كما قيل مطاعة، ولو بأن تؤثر أثرا ما ولو بأن تقتر نوع ~~تقتير في وقت ما، فقال مناديا لمن يحتاج إلى ذلك: { يا أيها الذين آمنوا ~~} أي أخبروا بما يقتضي أن بواطنهم مذعنة كظواهرهم { لا تلهكم أموالكم } ~~ولما كان الخطاب مع من يحتاج إلى التأكيد قال: { ولا أولادكم } أي لا ~~تقبلوا على شيء من ذلك بجميع قلوبكم إقبالا يحيركم سواء كان ذلك في ~~إصلاحها أو التمتع بها بحيث تشتغلون وتغفلون { عن ذكر الله } أي من توحيد ~~الملك الأعظم الذي له الإحاطة الكاملة بكل شيء فله الملك وله الحمد يعطي ~~من يشاء ويمنع من يشاء، فإذا كان العبد ذاكرا له بقلبه دائما لم يقل ms5100 ~~كقول المنافقين # لا تنفقوا # [المنافقين: 7] ولا # ليخرجن الأعز منها الأذل # [المنافقين: 8] لعلمه أن الأمر كله لله، وأنه لن يضر الله شيئا، ولا ~~يضر بذلك إلا نفسه، وهذا يشمل ما قالوه من التوحيد والصلاة والحج والصوم ~~وغير ذلك، ولإرادة المبالغة في النهي وجه النهي إلى الأموال والأولاد ~~بما المراد منه نهيهم. # ولما كان التقدير: فمن انتهى فهو من الفائزين، عطف عليه قوله: { ومن ~~يفعل } أي يوقع في زمن من الأزمان على سبيل التجديد والاستمرار فعل { ذلك ~~} أي الأمر البعيد عن أفعال ذوي الهمم من الانقطاع إلى الاشتغال بالفاني ~~والإعراض عن الباقي والإقبال على العاجل مع نسيان الآجل { فأولئك } أي ~~البعداء عن الخير { هم } أي خاصة { الخاسرون * } أي العريقون في الخسارة ~~حتى كأنهم كانوا مختصين بها دون الناس، وذلك ضد ما أرادوا بتوفير النظر ~~إليهم والإقبال عليهم من السعي للتكثير والزيادة والتوفير، وفي إفهامه أن ~~من شغله ما يهمه من أمر دينه الذي أمره سبحانه به ونهاه عنه إضاعته ~~وتوعده عليها كفاه سبحانه أمر دنياه الذي ضمنه له ونهاه أن يجعله أكبر ~~همه وتوعده على ذلك، فما ذكره إلا من وجده في جميع أموره دينا ودنيا، ~~وتوجه إليه في جميع نوائبه، وأقبل عليه بكل همومه، وبذل نفسه له بذل من ~~يعلم أنه مملوك مربوب فقد أمر ربه على نفسه واتخذه وكيلا فاستراح من ~~المخاوف، ولم يمل إلى شيء من المطامع فصار حرا. # ولما حذر من الإقبال على الدنيا، رغب في بذلها مخالفة للمنافقين فقال: { ~~وأنفقوا } أي ما أمرتم به من واجب أو مندوب، وزاد في الترغيب بالرضى منهم ~~باليسير مما هو كله له بقوله: { من ما رزقناكم } أي من عظمتنا وبلغ ~~النهاية في ذلك بالرضا بفعل ما أمر به مع التوبة النصوح في زمن ما ولو قل ~~بما أرشد إليه إثبات الجار، فقال مرغبا في التأهب للرحيل والمبادرة ~~لمباغتة الأجل، محذرا من الاغترار بالتسويف في أوقات السلامة: { من قبل ~~} وفك المصدر ليفيد " أن " مزيد القرب فقال: { أن يأتي } ولما كان تقديم ~~المفعول ms5101 كما تقدم في النساء أهول قال: { أحدكم الموت } أي برؤية دلائله ~~وأماراته، وكل لحظة مرت فهي من دلائله وأماراته. ولما كانت الشدائد تقتضي ~~الإقبال على الله، سبب عن ذلك بقوله: { فيقول } سائلا في الرجعة، وأشار ~~إلى ترقيقها للقلوب بقوله: { رب لولا } أي هل لا ولم لا { أخرتني } أي ~~أخرت موتي إمهالا لي { إلى أجل } أي زمان، وبين أن مراده استدراك ما فات ~~ليس إلا بقوله: { قريب فأصدق } أي للتزود في سفري هذا الطويل الذي أنا ~~مستقبله، قال الغزالي في كتاب التوبة من الإحياء: قال بعض العارفين: إن ~~ملك الموت إذا ظهر للعبد أعلمه أنه قد بقي من عمرك ساعة، وأنك لا تستأخر ~~عنها طرفة عين فيبدو للعبد من الأسف والحسرة مما لو كانت له الدنيا ~~بحذافيرها لخرج منها على أن يضم إلى تلك الساعة ساعة أخرى ليستعتب فيها ~~ويتدارك تفريطه، يقول: يا ملك الموت! أخرني يوما أعتذر فيه إلى ربي ~~وأتوب وأتزود فيها صالحا لنفسي، فيقول: فنيت الساعات فلا ساعة، فيغلق ~~عليه باب التوبة فيتغرغر بروحه وتردد أنفاسه في شراسيفه ويتجرع غصة البأس ~~عن التدارك وحسرة الندامة على تضييع العمر، فيضطرب أصل إيمانه في صدمات ~~تلك الأهوال، فإذا زهقت نفسه فإن كان سبقت له من الله الحسنى خرجت روحه ~~على التوحيد، فذلك حسن الخاتمة، وإن سبق له القضاء بالشقوة والعياذ بالله ~~تعالى خرجت روحه على الشك والاضطراب، وذلك سوء الخاتمة، ومن ترك المبادرة ~~إلى التوبة بالتسويف كان بين خطرين عظيمين: أحدهما أن تتراكم الظلمة على ~~قلبه من المعاصي حتى يصير رينا وطبعا فلا يقبل المحو، الثاني أن يعاجله ~~المرض أو الموت فلا يجد مهلة للاشتغال بالمحو، فيأتي الله تعالى بقلب غير ~~سليم، والقلب أمانة الله عند عبده، قال بعض العارفين: إن لله تعالى إلى ~~عبده سرين على سبيل الإلهام: أحدهما إذا خرج من بطن أمه يقول له: عبدي قد ~~أخرجتك إلى الدنيا طاهرا نظيفا واستودعتك وائتمنتك عليه فانظر كيف تحفظ ~~الأمانة وانظر كيف تلقاني، والثاني عند خروج روحه يقول: عبدي ms5102 ماذا صنعت ~~في أمانتي عندك هل حفظتها حتى تلقاني على العهد فألقاك على الوفاء أو ~~أضعتها فألقاك بالمطالبة والعذاب. # ولعله أدغم تاء التفعل إشارة إلى أنه إذا أخر فعل ذلك على وجه الإخفاء ~~ليكون أفضل، أو يكون إدغامها اختصارا لبلوغ الأمر إلى حد محوج إلى ~~الإيجاز في القول كما طلب في الزمن، ويؤيده قراءة الجماعة غير أبي عمرو { ~~وأكن } بالجزم عطفا على الجواب الذي هدى السياق إلى تقديره، فإن حال هذا ~~الذي أشرف هذا الإشراف يقتضي أن يكون أراد إن " أخرتني أتصدق " ولكنه ~~حذفه لضيق المقام عنه واقتضاء الحال لحذفه، وهو معنى ما حكاه سيبويه عن ~~الخليل أن الجزم على توهم الشرط الذي دل عليه التمني على الموضع، فإن ~~الجازم غير موجود، ومعنى ما قال غيره أن " لولا " لكونها تحضيضية متضمنة ~~معنى الأمر ومعنى الشرط، فكأنه قيل: أخرني، فيكون جوابه العاري عن الفاء ~~مجزوما لفظا والمقرون بها مجزوما محلا ف " اكن " عطف على المحل، ~~ونصب أبو عمرو عطفا على اللفظ لأنه جواب التمني الذي دلت عليه " لولا " ~~وإجماع المصاحف على حذف الواو لا يضره لأنه قال: إنها للاختصار، وهو ~~ظاهر، وذلك للمناسبة بين اللفظ والخط والزمان والمراد، ومن هنا تعرف ~~جلالة القراء ومرادهم إن شاء الله تعالى بقولهم في الضابط المشهور وإن ~~توافق رسم المصحف ولو احتمالا { من الصالحين * } أي العريقين في هذا ~~الوصف العظيم، وزاد في الحث على المبادرة بالطاعات قبل الفوات بقوله ~~مؤكدا لأجل عظيم الرجاء من هذا المحتضر للتأخير عطفا على ما تقديره: ~~فلا يؤخره الله فيفوته ما أراد: { ولن } ويجوز أن تكون الجملة حالا أي ~~قال ذلك والحال أنه لن { يؤخر الله } أي الملك الأعظم الذي لا كفوء له ~~فلا اعتراض عليه { نفسا } أي أي نفس كانت، وحقق الأجل بقوله: { إذا جاء ~~أجلها } أي وقت موتها الذي حده الله لها فلا يؤخر الله نفس هذا القائل ~~لأنها من جملة النفوس التي شملها النفي. ولما كان المعنى على طريق ~~النتائج التي لا شك في إرشاد اللفظ إليها: ms5103 الله عالم فإنه يقول ذلك، عطف ~~عليه قوله حاثا على المسارعة إلى الخروج عن عهدة الطاعات والاستعداد لما ~~لا بد منه من اللقاء محذرا من الإخلال ولأنه لا تهديد كالعلم: { والله } ~~أي الذي له الإحاطة الشاملة علما وقدرة { خبير } أي بالغ الخبرة والعلم ~~ظاهرا وباطنا { بما تعملون * } أي توقعون عمله في الماضي والحال والمآل ~~كله ظاهره وباطنه من هذا الذي أخبرتكم أن المحتضر العاصي يقوله ومن غيره ~~منه ومن غيره أيها الناس - هذا على قراءة الجمهور بالخطاب، وعلى قراءة ~~أبي بكر عن عاصم بالغيب يمكن أن يراد المنافقون، ويمكن أن يعم فيكون ~~الضمير للنفس على المعنى ويمكن أن يكون الضمير للناس على الالتفات ~~للإعراض تخويفا لهم، ولذلك علم سبحانه كذب المنافقين في أنهم يعتقدون ما ~~شهدوا به في أمر الرسالة وعلم جميع ما قص من أخبارهم # ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير # [الملك: 14] والله أعلم. ### | [64 - سورة التغابن] ### || [64.1-3] # لما ختمت تلك بإثبات القهر بنفوذ الأمر وإحاطة العلم، افتتح هذه بإحاطة ~~الحمد ودوام التنزه عن كل شائبة نقص، إرشادا إلى النظر في أفعاله ~~والتفكر في مصنوعاته لأنه الطريق إلى معرفته، وأما معرفته بكنه الحقيقة ~~فمحال فإنه لا يعرف الشيء كذلك إلا مثله ولا مثل له، فقال مؤكدا لما ~~أفهمه أول الجمعة: { يسبح } أي يوقع التنزيه التام مع التجديد والاستمرار ~~{ لله } الذي له الإحاطة بأوصاف الكمال { ما في السماوات } الذي من جملته ~~الأراضي وما فيها فلا يريد من شيء منه شيئا إلا كان على وفق الإرادة، ~~فكان لذلك الكون والكائن شاهدا له بالبراءة عن كل شائبة نقص. # ولما كان الخطاب مع من تقدم في آخر المنافقين ممن هو محتاج إلى التأكيد، ~~قال مؤكدا بإعادة الموصول: { وما في الأرض } أي كذلك بدلالتها على كماله ~~واستغنائه، وقد تقدم أن موافقة العاقل للأمر مثل موافقة غير العاقل ~~للارادة، فعليه أن يهذب نفسه غاية التهذيب فيكون في طاعته بامتثال ~~الأوامر كطاعة غير العاقل في امتثاله لما يراد منه. # ولما ساق سبحانه ذلك الدليل النقلي ms5104 كمال نزاهته على وجه يفهم الدليل ~~العقلي لمن له لب كما قال علي رضي الله عنه: لا ينفع مسموع إذا لم يكن ~~مطبوع، كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع، وذلك لكونه سبحانه جعلهم ~~مظروفين كما هو المشاهد، والمظروف محتاج لوجود ظرفه قبله فهو عاجز فهو ~~مسبح دائما إن لم يكن بلسان قاله كان بلسان حاله، وصانعه الغني عن الظرف ~~فغيره سبوح، علل ذلك بقوله: { له } أي وحده { الملك } أي كله مطلقا في ~~الدنيا والآخرة، وهو السيادة العامة للخاص والعام والسياسة العامة ~~بركنيها دفع الشرور وجلب الخيور الجالب للسرور والحبور من الإبداع ~~والإعدام، فهو أبلغ مما في الجمعة، فإن الملك قد يكون ملكا في الصورة، ~~وذلك الملك الذي هو ظاهر فيه لغيره، فداوم التسيبح الذي اقتضته عظمة ~~الملك هنا أعظم من ذلك الدوام. # ولما أتبعه في الجمعة التنزيه عن النقص، أتبعه هنا الوصف بالكمال فقال: ~~{ وله } أي وحده { الحمد } أي الإحاطة بأوصاف الكمال كلها فلذلك ينزهه ~~جميع مخلوقاته، فمن فهم تسبيحها فذلك المحسن، ومن كان في طبعه وفطرته ~~الأولى بالفهم ثم ضيعه يوشك أن يرجع فيفهم، ومن لم يهيأ لذلك فذلك الضال ~~الذي لا حيلة فيه { وهو } أي وحده { على كل شيء } أي شيء ممكن أن يتعلق ~~به المشيئة { قدير * } لأنه وحده بكل شيء مطلقا عليم، لأن نسبة ذاته ~~المقتضية للقدرة إلى الأشياء كلها على حد سواء وهذا واضح جدا، ولأن من ~~عرف نفسه بالنقص عرف ربه بالكمال وقوة السلطان والجلال. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير رحمه الله تعالى: لما بسط في السورتين ~~قبل من حال من حمل التوراة من بني إسرائيل ثم لم يحملها، وحال المنافقين ~~المتظاهرين بالإسلام، وقلوبهم كفرا وعنادا متكاثفة الإظلام، وبين خروج ~~الطائفتين عن سواء السبيل المستقيم، وتنكبهم عن هدى الدين القويم، وأوهم ~~ذكر اتصافهم بمتحد أوصافهم خصوصهم في الكفر بوسم الانفراد وسما ينبىء عن ~~عظيم ذلك الإبعاد، سوى ما تناول غيرهم من أحزاب الكفار، فأنبأ تعالى عن ~~أن الخلق بجملتهم وإن تشعبت الفرق وافترقت ms5105 الطرق راجعون بحكم السوابق إلى ~~طريقين فقال تعالى { هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن } [التغابن: 2] ~~وقد أوضحنا الدلائل أن المؤمنين على درجات، وأهل الكفر ذو طبقات، وأهل ~~النفاق أدونهم حالا وأسوأهم كفرا وضلالا " إن المنافقين في الدرك ~~الأسفل من النار " وافتتحت السورة بالتنزيه لعظيم مرتكب المنافقين في ~~جهلهم ولو لم تنطو سورة المنافقين من عظيم مرتكبهم إلا على ما حكاه تعالى ~~من قولهم # لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل # [المنافقين: 8] وقد أشار قوله تعالى # يعلم ما في السماوات وما في الأرض ويعلم ما تسرون وما تعلنون والله عليم ~~بذات الصدور # [التغابن: 4] إلى ما قبله وبعده من الآيات إلى سوء جهل المنافقين وعظيم ~~حرمانهم في قولهم بألسنتهم مما لم تنطو عليه قلوبهم # والله يشهد أن المنافقين لكاذبون # [المنافقين: 1] واتخاذهم أيمانهم جنة وصدهم عن سبيل الله إلى ما وصفهم ~~سبحانه به، فافتتح سبحانه وتعالى سورة التغابن بتنزيهه عما توهموه من ~~مرتكباتهم التي لا تخفى عليه سبحانه # ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم # [التوبة: 78] ثم قال تعالى: # ويعلم ما تسرون وما تعلنون # [التغابن: 4] فقرع ووبخ في عدة آيات ثم أشار إلى ما منعهم من تأمل ~~الآيات، وصدهم عن اعتبار المعجزات، وأنه الكبر المهلك غيرهم، فقال تعالى ~~مخبرا عن سلفهم في هذا المرتكب، ممن أعقبه ذلك أليم العذاب وسوء المنقلب # ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا أبشر يهدوننا فكفروا وتولوا # [التغابن: 6] ثم تناسج الكلام معرفا بمآلهم الأخروي ومآل غيرهم إلى ~~قوله # وبئس المصير # [التغابن: 10] ومناسبة ما بعد يتبين في التفسير بحول الله - انتهى. # ولما كان أعظم الدلائل عليه سبحانه آيات الآفاق { سنريهم آياتنا في ~~الآفاق } وآيات الأنفس، وقدم الأول علويه وسفليه لوضوحه، أتبعه الثاني ~~دليلا على عموم قدرته الدال على تمام ملكه بأنه المختص بالاختراع لأعجب ~~الأشياء خلقا والحمل على المكاره فقال: { هو } أي وحده { الذي خلقكم } ~~أي أنشأكم على ما أنتم عليه بأن قدركم وأوجدكم بالحق على وفق التقدير ~~خلافا لمن أنكر ذلك من الدهرية وأهل الطبائع. # ولما ms5106 كان قد تقدم في سورة المنافقين ما أعلم أنهم فريقان، عرف في هذه أن ~~ذلك مسبب عن إبداعه لأن من معهود الملك أن يكون في مملكته الولي والعدو ~~والمؤالف والمخالف والطائع والعاصي والملك ينتقم ويعفو ويعاقب ويثيب ~~ويقدم ويؤخر ويرفع ويضع، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم # " لو لم تذنبوا فتستغفروا لذهب الله بكم ثم جاء بقوم يذنبون فيستغفرون ~~فيغفر لهم " # أخرجه مسلم والترمذي عن أبي أيوب رضي الله عنه، فقال تعالى مقدما للعدو ~~إشارة إلى أنه عالم به وقادر عليه، وما كان منه شيئا إلا بإرادته، وفيه ~~تلويح إلى أنه الأكثر ومع كثرته هو الأضعف، لأن الله تعالى ليس معه ~~بمعونته وإلا لأعدم الصنف الآخر: { فمنكم } أي فتسبب عن خلقه لكم وتقديره ~~لأشباحكم التي تنشأ عنها الأخلاق إن كان منكم بإبداعه لصفاتكم كما أبدع ~~لذواتكم { كافر } أي عريق في صفة الكفر مهلك نفسه بما هيأه لاكتسابه ~~ويسره له بعد ما خلقه في أحسن تقويم على الفطرة الأولى، وفي الحديث أن ~~الغلام الذي قتله الخضر عليه السلام طبع كافرا فمعنى أن فطرته الأولى ~~خلقت مهيأة للكفر، فإن الأفعال عامة وخاصة، فالخاصة تضاف إلى العبد يقال: ~~صلى وصام وآمن وكفر، والعامة تضاف إلى الله تعالى فيقال: أوجد القدرة على ~~الحركة والسكون وخلق الحركة والسكون، والأفعال الخاصة متعلق الأمر والنهي ~~{ ومنكم مؤمن } أي راسخ في الإيمان في حكم الله تعالى في الأزل منج نفسه ~~بالأعمال الصالحة التي طابق بها العلم الأزلي، فهو سبحانه خلق الكافر ~~وخلق كفره فعلا له، والمؤمن وإيمانه فعلا له، لأنه خلق القدرة ~~والاختيار وغيب أمر العاقبة، فكل منهما يكتب باختياره بتقدير الله، ولا ~~يوجد من كل منهما إلا ما قدره عليه وأراده منه لأن وجود غير المقدور عجز، ~~وخلاف المراد المعلوم جهل، وقد علم من هذه القسمة علما قطعيا أن أحد ~~القسمين مبطل ضال مخالف لأمر الملك الذي ثبت ملكه، ومن المعلوم قطعا أن ~~كل ملك لا بد له أن يحكم بين رعيته في الأمر الذي اختلفوا فيه ms5107 وينصف ~~المظلوم من ظالمه، ومن المشاهد أن بعضهم يموت على كفرانه من غير نقص ~~يلحقه، وبعضهم على إيمانه كذلك، فعلم أن هذه الدار ليست دار الفصل، وأن ~~الدار المعدة له إنما هي بعد الموت والبعث، وهذا مما هو مركوز في الطبائع ~~لا يجهله أحد، ولكن الخلق أعرضوا عنه بما هم فيه من القواطع، فصار مما لا ~~يخطر بإنكارهم، فصار بحيث لا تستقل به عقولهم، ولكنهم إذا ذكروا به ~~وأوضحت لهم هذه القواطع التي أشار سبحانه إليها وجردوا النفس عن الحظوظ ~~والمرور مع الألف عدوه كلهم من الضروريات، وعلم ن تسبيبه تقسيمهم هذا عن ~~تقديره وجوب الإيمان بالقدر خيره وشره. # ولما كان التقدير: فالذي أبدعكم وحملكم على ذلك وفاوت بينكم على كل شيء ~~قدير، عطف عليه قوله تعالى: { والله } أي الذي له الإحاطة الكاملة بفعله ~~ذلك، وقدم الجار لا للتخصيص بل إشارة إلى مزيد الأعتناء كما تقول لمن ~~سألك: هل تعرف كذا، وظهر منه التوقف في علمك له: نعم أعرفه ولا أعرف ~~غيره، فقال: { بما تعملون * } أي توقعون عمله كسبا { بصير * } أي بالغ ~~العلم بذلك، فهو الذي خلق جميع أعمالكم التي نسب كسبها إليكم، وهو خالق ~~جميع الاستعدادات والصفات كما خلق الذوات خلافا للقدرية لأنه لا يتصور ~~أن يخلق الخالق ما لا يعلمه، ولو سئل الإنسان كم مشى في يومه من خطوة لم ~~يدر، فيكف لو سئل أين موضع مشيه ومتى زمانه فكيف وإنه ليمشي أكثر مشيه ~~وهو غافل عنه، ومن جهل أفعاله كما وكيفا وأينا وغير ذلك لم يكن خالقا ~~لها بوجه. # ولما ذكر المظروف ذكر ظرفه دالا على تمام إحاطته بالبواطن، والظواهر ~~بأنه يخلق الشيء العظيم جدا فيأتي على وفق الإرادة ثم لا يحتاج إلى أن ~~يزاد فيه ولا أن ينقص منه فقال: { خلق السماوات } التي هي السقف لبيت ~~عبيد الملك على كبرها وعلوها كطا ترون { والأرض } التي هي قرار بيتهم ~~ومهاده على سعتها وما فيها من المرافق والمعاون { بالحق } أي بالأمر الذي ~~يطابقه الواقع فلا زائدا عنه ولا ms5108 ناقصا بل جاء الواقع منها مطابقا لما ~~أراد سواء لا كما يريد أحدنا الشيء فإذا أوجده لم يكن على وفق مراده ~~سواء، وبسبب إظهار الأمر الثابت وإبطال الباطل فهو خالق المسكنين: ~~الدنيوي والأخروي، خلافا لمن لا يقول بذلك من صابىء وفلسفي وغيرهم. # ولما كان أهل الطبائع يقولون: إن الأفلاك لها تأثير بحسب الذات والطبع، ~~قال نافيا لذلك مذكرا بنعمته لتشكر: { وصوركم } أي أيها المخاطبون على ~~صور لا توافق شيئا من صور العلويات ولا السفليات ولا فيها صورة توافق ~~الأخرى من كل وجه { فأحسن صوركم } فجعلها أحسن صور الحيوانات كلها كما هو ~~مشاهد في الدنيا وكذا في الآخرة خلافا لأهل التناسخ مع أن وضعها في ~~نفسها أحسن الأوضاع، لو غير شيء منها عن مكانه إلى شيء مما نعلمه فحصلت ~~البشاعة به مع تفضيل الآدمي بتزيينه بصفوة أوصاف الكائنات وجعل سبحانه ~~أعضاء متصرفة بكل ما يتصرف به أعضاء سائر الحيوان مع زيادات اختص بها ~~الآدمي إلى حسن الوجه وجمال الجوارح، فهو أحسن بالنسبة إلى النوع من حيث ~~هو هو، وبالنسبة إلى الأفراد في نفس الأمر وإن كان بعضها أحسن من بعض، ~~فقبح القبيح منه إنما هو بالنسبة إلى أحسن منه، ولذا قال الحكماء، شيئان ~~لا غاية لهما: الجمال والبيان، فخلق الانسان في أحسن تقويم لا ينفي أن ~~يكون للنوع الذي جعل أحسن أفراد أنواع لما فوقه من الجنس، لا نهاية ~~لأحسنية بعضها بالنسبة إلى بعض يشاهد ما وجد من أفراد نوعه من الذوات ~~فقدرة الله لا تتناهى، فإياك أن تصغي لما وقع في كتب الإمام الغزالي أنه ~~ليس في الإمكان أبدع مما كان، وإن كان قد علم أنه اعترض عليه في ذلك ~~وأجاب عنه في الكتاب الذي أجاب فيه عن أشياء اعترض عليه فيها فإنه لا ~~عبرة بذلك الجواب أيضا، فإن ذلك ينحل إلى أنه سبحانه وتعالى لا يقدر على ~~أن يخلق أحسن من هذا العالم، وهذا لا يقوله أحد، وهو لا ينقص مقدار ~~الغزالي فإن كل أحد يؤخذ من كلامه ويرد ms5109 كما قال الإمام مالك رضي الله ~~عنه، وعزاه الغزالي بنفسه إلى ابن عباس رضي الله عنهما، وقال الإمام ~~الشافعي رضي الله عنه وأرضاه: صنفت هذه الكتاب وما ألوت فيها جهدا وإني ~~لأعلم أن فيها الخطأ لأن الله تعالى يقول: # ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا # [النساء: 82]. # ولما كان التقدير: فكان منه سبحانه المبدأ، عطف عليه قوله: { وإليه } أي ~~وحده { المصير * } أي بعد البعث بعين القدرة التي قدر بها على البدأة فمن ~~كان على الفطرة الأولى لم يغيرها أدخله الجنة، ومن كان قد أفسدها فجعل ~~روحه نفسا بما طبعها به من حيث جسده أدخله النار، وفي الدنيا أيضا ~~بانفراده بالتدبير، فلا يكون من الملك والسوقة إلا ما يريد، لا ما يريد ~~ذلك المريد الفاعل. ### || [64.4-5] # ولما تقرر بما مضى إحاطة قدرته بما دل على ذلك من إبداعه للخلق على هذا ~~الوجه المحكم وشهد البرهان القاطع بأن ذلك صنعه وحده، لا فعل فيه لطبيعة ~~ولا غيرها، دل على أن ذلك بسبب شمول علمه إشارة إلى أن من لم يكن تام ~~العلم فهو ناقص القدرة فقال: { يعلم } أي علمه حاصل في الماضي والحال ~~والمآل يتعلق بالمعلومات على حسب تعليق قدرته على وفق إرادته بوجدانها { ~~ما } أي الذي أو كل شيء { في السماوات } كلها. # ولما كان الكلام بعد قيام الدليل القطعي البديهي على جميع أصول الدين مع ~~الخلص لأن بداهة الأدلة قادتهم إلى الاعتقاد أو إلى حال صاروا فيه أهلا ~~للاعتقاد، والتحلي بحلية أهل السداد، ولم يؤكد بإعادة الموصول بل قال: { ~~والأرض } ولما ذكر حال الظرف على وجه يشمل المظروف، وكان الاطلاع على ~~أحوال العقلاء أصعب، قال مؤكدا بإعادة العامل: { ويعلم } أي على سبيل ~~الاستمرار { ما تسرون } أي حال الانفراد وحال الخصوصية مع بعض الإفراد. ~~ولما كانت لدقتها وانتشارها بحيث ينكر بعض الضعفاء الإحاطة بها، وكان ~~الإعلان ربما خفي لكثرة لغط واختلاط أصوات ونحو ذلك أكد فقال: { وما ~~تعلنون } من الكليات والجزيئات خلافا لمن يقول: يعلم الكليات الكليات ~~فقط ولا ms5110 يعلم الجزئيات إلا بعد وجودها، من فلسفي وغيره، ولمن يقول: يعلم ~~الكليات خاصة. ولما ذكر حال المظروف على وجه يشمل ظروفه وهي الصدور، وكان ~~أمرها أعجب من أمر غيرها، قال مصرحا بها إشارة إلى دقة أمرها مظهرا ~~موضع الإضمار تعظيما: { والله } أي الذي له الإحاطة التامة لكل كمال { ~~عليم } أي بالغ العلم { بذات } أي صاحبة { الصدور * } من الأسرار ~~والخواطر التي لم تبرز إلى الخارج سواء كان صاحب الصدر قد علمها أو لا، ~~وعلمه لكل ذلك على حد سواء لا تفاوت فيه بين علم الخفي وعلم الجلي، لأن ~~نسبة المقتضي لعلمه وهو وجود ذاته على ما هي عليه من صفات الكمال إلى ~~الكل على حد سواء، فراقبوه في الإخلاص وغيره مراقبة من يعلم أنه بعينه لا ~~يغيب عنه واحذروا أن يخالف السر العلانية، فإن حقه أن يتقي ويحذر، وتكرير ~~العلم في معنى تكرير الوعيد وتقديم تقرير القدرة على تقريره لأن دلالة ~~المخلوقات على قدرته أولا وبالذات، وكمال قدرته يستلزم كمال علمه لأن من ~~لا يكمل علمه لا تتم قدرته، فلا يأتي مصنوعه محكما. # ولما تقرر الإيمان به من أنه الملك الذي له وحده الملك، وأشار بما يشاهد ~~من انقسام عبيده إلى مؤمن وكافر إلى أنه لا من الأخذ على يد الظالم منهما ~~كما هي عادة الملوك، لا يسوغ في الحكمة ولا في العادة غير ذلك، وأخبر أن ~~علمه محيط لنسبته إلى العلويات والسفليات والظواهر والبواطن على حد سواء، ~~أتبع ذلك وجوب الإيمان برسله لجمع الكلمة عليه سبحانه لنكمل الحياة ~~بإصلاح ذات البين لئلا يقع الخلاف فتفسد الحياة ووجوب الاعتبار لمن مضى ~~من أممهم، فمن لم يعتبر عثر على مهواه من الأمل، ودل عليه بإهلاكه من ~~خالفهم إهلاكا منسقا في خرقه للعادة وخصوصه لهم على وجه مقرر ما مضى من ~~انفراده بالملك معلم أن الكفرة هم المبطلون فقال: { ألم يأتكم } أي أيها ~~الناس ولا سيما الكفار لتعلموا أنه شامل العلم محيط القدرة ينتقم من ~~المسيء { نبؤا الذين } وعبر بما يشمل شديد الكفر ms5111 وضعيفه فقال: { كفروا } ~~أي خبرهم العظيم. # ولما كان المهلكون على ذلك الوجه بعض الكفار وهم الذين أرسل إليهم ~~الرسل، فلم يستغرقوا ما مضى من الزمان قال: { من قبل } كالقرون المذكورين ~~في الأعراف، ثم سبب عن كفرهم وعقب قوله: { فذاقوا } أي باشروا مباشرة ~~الذائق بالعدل الثاني كما كان حكم عليهم بالعدل الأول بالتقسيم إلى كافر ~~ومؤمن { وبال أمرهم } أي شدة ما كانوا فيه مما يستحق أن يشاور فيه ويؤمر ~~وينهى وثقله ووخامة مرعاه في الدنيا، وأصله الثقل كيفما قلب { ولهم } أي ~~مع ما ذاقوه بسببه في الدنيا { عذاب أليم * } في البرزخ ثم القيامة التي ~~هي موضع الفصل الأعظم. ### || [64.6-7] # ولما ذكر ما أحله بهم سبحانه وأشار إلى القطع بأنه من عنده باتساقه في ~~خرقه العوائد بالاستئصال والخصوص لمن كذب الرسل والتنجية لمن صدقهم، علله ~~بقوله: { ذلك } أي الأمر الشنيع العظيم من الوبال الدال قطعا على أن ~~الكفر أبطل الباطل وأنه مما يغضب الخالق. ولما لم يكن مقصودها كمقصود ~~غافر من تصنيف الناس صنفين، وإنما حصل تصنيفهم هنا بالعرض للدلالة على ~~الساعة اكتفى بضمير الشأن فقال: { بأنه } أي بسبب أن الشأن العظيم البالغ ~~في الفظاعة { كانت تأتيهم } على عادة مستمرة { رسلهم } أي رسل الله الذين ~~أرسلهم إليهم وخصهم بهم ليكونوا موضع سرورهم بهم { بالبينات } أي الأمور ~~التي توضح غاية الإيضاح أنهم رسل الله من الكتب وغيرها، فشهدوا الأمر من ~~معدنه، فلذلك كان عذابهم أشد. # ولما كان سبحانه وتعالى قد أودع الإنسان من جملة ما منحه به خاصة لطيفة ~~وهي العزة وحب الكبر والعلو، فمن وضعها موضعها بالتكبر على من أمر الله ~~بالتكبر عليه وهم شياطين الإنس والجن ممن عصاه سبحانه نجا، ومن وضعها في ~~غير موضعها بالتكبر على أولياء الله رب العزة هلك، بين تعالى أن الكفار ~~وضعوها في غير موضعها: { فقالوا } أي الكل لرسلهم منكرين غاية الإنكار ~~تكبرا: { أبشر } أي هذا الجنس وهو مرفوع على الفاعلية لأن الاستفهام ~~يطلب الفعل، ولما كان تكذيب الجمع أعظم، وكان لو أفرد الضمير لم يكن ms5112 له ~~روعة الجمع قال: { يهدوننا } فأنكروا على الملك الأعظم إرساله لهم { ~~فكفروا } بذلك عقب مجيء الرسل وبسببه من غير نظر وتفكر وأدنى تأمل وتبصر ~~حسدا للرسل لكونهم مساوين لهم في البشرية فاستبعدوا أن يخصوا من بينهم ~~بأمر ولا سيما إن كان عظيما جدا، فلزمهم ارتكاب أقبح الأمور وهو ~~استبعاد أن يكون النبي بشرا مع الإقرار بأن يكون الإله حجرا { وتولوا } ~~أي كلفوا أنفسهم خلاف ما تدعو إليه الفطرة الأولى من الإعراض عن الرسل ~~بعد إنكار رسالتهم لشبهة قامت عندهم، وذلك أنهم قالوا: إن الله عظيم لا ~~يشبه البشر فينبغي أن يكون رسله من غير البشر، ولو تأملوا حق التأمل ~~لعلموا أن هذا هكذا، وأن الرسل إنما هي ملائكة، لكن لما كان لا يقوى جميع ~~البشر على رؤية الملائكة كما هو مقتضى العظمة التي توهموها ولم يثبتوها ~~على وجهها، خص سبحانه من البشر ناسا وهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ~~بقوى زائدة طوقهم بها على معالجتهم، فأتوا إليهم ليكونوا واسطة بين الله ~~وبين خلقه لأن بعض الجنس أميل إلى بعض وأقبل. # ولما كان هذا كله إنما هو لمصالح الخلق لا يعود على الله سبحانه وتعالى ~~وعز شأنه نفع من وجوده ولا يلحقه ضرر من عدمه ولا بالعكس، نبه على ذلك ~~بقوله { واستغنى الله } أي فعل الملك الأعظم الذي لا أمر لأحد معه فعل من ~~يطلب الغنى عنهم وأوجده إيجادا عظيما ممن هداه لاتباع الرسل فأعرض عنهم ~~حين أعرضوا عن رسله فضرهم إعراضه عنهم ولم يضره إعراضهم وما ضروا إلا ~~أنفسهم وأطلق الاستغناء ليعم كل شيء. # ولما كان التعبير بذلك قد يوهم حدوث ما لم يكن له، نفى ذلك بقوله مظهرا ~~زيادة في العظمة: { والله } أي المستجمع لصفات الكمال من غير تقيد بحيثية ~~{ غني } عن الخلق جميعا { حميد * } له صفة الغنى المطلق والحمد الأبلغ ~~الذي هو الإحاطة بجميع أوصاف الكمال على الدوام أزلا وأبدا، لم يتجدد ~~له شيء لم يكن. # ولما قرر وجوب الإيمان به وبرسله وكتبه وبالقدر خيره وشره، وقسم الناس ~~إلى ms5113 مؤمن وكافر، وأخبر أن الكافر تكبر عن الرسل، عين الموجب الأعظم ~~لكفرهم بقوله دالا على وجوب الإيمان بالعبث وترك القياس والرأي فإن عقل ~~الإنسان لا يستقل ببعض أمور الإلهية، معبرا بما أكثر إطلاقه على ما يشك ~~فيه ويطلق على الباطل إشارة إلى أنهم شاكون وإن كانوا جازمين، لكونهم لا ~~دليل لهم، وإلى أنهم في نفس الأمر مبطلون: { زعم } قال ابن عمر رضي الله ~~عنهما: هي كنية الكذب، وفي حديث أبي مسعود رضي الله عنه عند أبي داود: # " بئس مطية الرجل زعموا " # { الذين كفروا } أي أوقعوا الستر لما دلت عليه العقول من وحدانية الله ~~تعالى ولو على أدنى الوجوه. # ولما كان الزعم ادعاء العلم وكان مما يتعدى إلى مفعولين، أقام سبحانه ~~مقامهما قوله: { أن لن يبعثوا } أي من باعث ما بوجه من الوجوه. ولما كان ~~قد أشار سبحانه بنوعي المؤمن والكافر إلى الدليل القطعي الضروري على وجود ~~المبطل اللازم منه ودعه اللازم منه وجب البعث، اكتفى في الأمر بإجابتهم ~~بقوله: { قل } أي لهم: { بلى } أي لتبعثن، ثم أكده بصريح القسم فقال: { ~~وربى } أي المحسن إلي بالانتقام ممن كذب بي، وبإحقاق كل حق أميت، وإبطال ~~كل باطل أقيم { لتبعثن } مشيرا ببنائه للمفعول إلى أنه ويكون على وجه ~~القهر لهم بأهون شيء وأيسر أمر وكذلك قوله: { ثم لتنبؤن } أي لتخبرن ~~حتما إخبارا عظيما ممن يقيمه الله لإخباركم { بما عملتم } للدينونة ~~عليه. وشرح بعض ما أفاده بناء الفعلين للمجهول بقوله: { وذلك } أي الأمر ~~العظيم عندكم من البعث والحساب { على الله } أي المحيط بصفات الكمال وحده ~~{ يسير * } لقبول المادة وحصول القدرة، وكون قدرته سبحانه كذلك شأنها، ~~نسبة الأشياء الممكنة كلها جليلها وحقيرها إليها على حد سواء. ### || [64.8-10] # ولما كان في رد قولهم على هذا الوجه مع الإقسام من غير استدلال إشارة ~~إلى تأمل الكلام السابق بما اشتمل عليه من الأدلة التي منها ذلك البرهان ~~البديهي، سبب عنه قوله فذلكة لما مضى من الأدلة وجمعا لحديث جبريل عليه ~~الصلاة والسلام في الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله ms5114 واليوم الآخر ~~والقدر خيره وشره والإسلام والإحسان: { فآمنوا بالله } أي الذي لا أظهر ~~من أن له الإحاطة الكاملة بكل شيء وأنه لا كفؤ له ولا راد لأمره. ولما ~~دعاه هذا إلى الإيمان به سبحانه عقلا ونقلا ذكرا وفكرا، ثنى بالإيمان ~~بالرسل من الملائكة والبشر فقال: { ورسوله } أي كل من أرسله ولا سيما ~~محمد صلى الله عليه وسلم بما ثبت من تصديقه بالمعجزات من أنه رسوله، ~~ويلزم من الإيمان به الإيمان بمن أبلغه من الملائكة. ولما كانت تلك ~~المعجزات موجبات للعلم كانت أحق الأشياء باسم التور فإن النور هو المظهر ~~للأشياء بعد انحجابها برداء الظلام وكان أعظم تلك المعجزات وأحقها بذلك ~~كتب الله المنزلة على أنبيائه عليهم الصلاة والسلام، وأعظمها القرآن الذي ~~هو مع إعجازه بيان لكل شيء، قال: { والنور } وعينه بقوله: { الذي أنزلنا ~~} أي بما لنا من العظمة فكان معجزا فكان بإعجازه ظاهرا بنفسه مظهرا ~~لغيره، وهذا وإن كان هو الواقع لكن ذكر هذا الوصف صالح لشمول كل ما أوحاه ~~الله سبحانه وتعالى إلى رسله صلى الله عليه وسلم، ومن المعلوم أن أعظمه ~~القرآن المنزل على أشرف رسله صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين، فهو أحق ~~ذلك باسم النور لما مضى من إعجازه، فمن آمن به أدخل الله قلبه من أنوار ~~الفهوم والألطاف والسكينة ما يضيء الأقطار. # ولما كان التقدير: والله محاسبكم على ما قابلتم به إنعامه عليكم بذلك من ~~إيمان وكفران، عطف عليه مرغبا مرهبا قوله: { والله } أي المحيط علما ~~وقدرة، وقدم الجار لما تقدم غير مرة من مزيد التأكيد فقال: { بما تعملون ~~} أي توقعون عمله في وقت من الأوقات { خبير * } أي بالغ العلم بباطنه ~~وظاهره. # ولما أخبر بالبعث وأقسم عليه، وأشار إلى دليلة السابق، وسبب عنه ما ينجي ~~في يومه، ذكر يومه وما يكون فيه ليحذر فقال متبعا ما مضى من دعائم ~~الإيمان دعامة اليوم الآخر واعظا لمن يقول: يا ليت شعري ما حالي بعد ~~ترحالي؟ وقامعا لمن يقول: لا حال بعد الترحال، بالإعلام بأنها أحوال أي ~~أحوال، ms5115 تشيب الأطفال، وتقصم ظهور الرجال، بل تهد شم الجبال: { يوم } أي ~~تبعثون في يوم { يجمعكم } أي أيها الثقلان. ولما كان الوقت المؤرخ به فعل ~~من الأفعال إنما يذكر لأجل ما وقع فيه، صار كأنه علة لذلك الفعل فقال ~~تعالى: { ليوم الجمع } لأجل ما يقع في ذلك اليوم الذي يجمع فيه أهل ~~السماوات وأهل الأرض من الحساب والجزاء الذي يكون فوزا لناس فيكونون ~~غابنين، ويكون خيبة لناس فيكونون مغبونين، وكل منهم يطلب أن يكون غابنا. # ولما كان هذا المقصد أمرا عظيما مقطعا ذكره الأكباد، قال تعالى ~~مشيرا إلى هوله بأداة البعد مستأنفا: { ذلك } أي اليوم العظيم المكانة ~~الجليل الأوصاف { يوم التغابن } الذي لا تغابن في الحقيقة غيره لعظمه ~~ودوامه، والغبن: ظهور النقصان للحظ الناشىء عن خفاء لأنه يجمع فيه ~~الأولون والآخرون وسائر الخلق أجمعون، ويكون فيه السمع والإبصار على غاية ~~لا توصف بحيث إن جميع ما يقع فيه يمكن أن يطلع عليه كل أحد من أهل ذلك ~~الجمع، فإذا فضح أحد افتضح عند الكل، وما من عبد يدخل الجنة إلا أري ~~مقعده نم النار لو أساء ليزداد شكرا، وما من عبد يدخل النار إلا أري ~~مقعده من الجنة لو أحسن ليزداد حسرة فيغبن كل كافر بتركه الإيمان وكل ~~مؤمن بتقصيره في الإحسان، ومادة " غبن " تدور على الخفاء من مغابن الجسد ~~وهي ما يخفى عن العين، وسمي الغبن في البيع - لخفائه عن صاحبه، فالكافر ~~والظالم يظن أنه غبن المؤمن بنعيم الدنيا الذي استأثر به الكافر، وبالنقص ~~الذي أدخله الظالم على المظلوم، وقد غبنهما المؤمن والمظلوم على الحقيقة ~~بنعيم الآخرة وكمال جزائها العظيم الدائم، فالغبن فيه لا يشبهه غبن، فقد ~~بعث ذكر هذا اليوم على هذا الوجه على التقوى أتم بعث، وهي الحاملة على ~~اتباع الأوامر واجتناب النواهي لئلا يحصل الغبن بفوات النعيم أو نقصانه، ~~ويحصل بعده للكافر العذاب الأليم. # ولما كان كل أحد يحسب أن يكون في النور، ويكره أن يكون في الظلام، ويحب ~~أن يكون غابنا، ويكره أن يكون مغبونا، أرشدت ms5116 سوابق الكلام ولواحقه إلى ~~أن التقدير، فمن آمن كان في النور، وكان في ذلك اليوم برجحان ميزانه من ~~الغابنين، ومن كفر كان في الظلام، وكان في ذلك اليوم بنقصان ميزانه من ~~المغبونين، فعطف عليه قوله بيانا لآثار ذلك الغبن، وتفضيلا له بإصلاح ~~الحامل على التقوى وهو أمور منها القوة العلمية: { ومن يؤمن } أي يوقع ~~الإيمان ويجدده على سبيل الاستمرار { بالله } أي الملك الأعظم الذي لا ~~كفؤ له. ولما ذكر الرأس وهو إصلاح القوة العلمية، أتبعه البدن وهو إصلاح ~~القوة العملية فقال: { ويعمل } تصديقا لإيمانه { صالحا } أي عملا هو ~~مما ينبغي الاهتمام بتحصيله لأنه لا مثل له في جلب المنافع ودفع المضار. # ولما كان الدين مع سهولته متينا لن يشاده أحد إلا غلبه، قال حاملا على ~~التقوى بالوعد بدفع المضار، ولعله أفرد الضمير إشارة إلى أن زمان التكفير ~~والدخول متفاوت بحسب طول الحساب وقصره، كلما فرغ واحد من الحساب دخل ~~الجنة إن كان من أهلها: { يكفر } أي الله - على قراءة الجماعة بأن يستر ~~سترا عظيما { عنه سيئاته } التي غلبه عليها نقصان الطبع، وأتبع ذلك ~~الحامل الآخر وهو الترجئة يجلب المسار لأن الإنسان يطير إلى ربه سبحانه ~~بجناحي الخوف والرجاء والرهبة والرغبة والنذارة والبشارة فقال: { ويدخله ~~} أي رحمة له وإكراما وفضلا { جنات } أي بساتين ذات أشجار عظيمة ~~وأغصان ظليلة تستر داخلها، ورياض مديدة منوعة الأزاهير عطرة النشر تبهج ~~رائيها، وأشار إلى دوام ريها بقوله: { تجري } ولما كان عموم الماء لجميع ~~الأرض غير ممدوح، بين أنه في خلالها على أحسن الأحوال فقال: { من تحتها } ~~وبين عظمه بقوله: { الأنهار } ولما كان النزوح أو توقعه عن مثل هذا ~~محزنا، أزال توقع ذلك بقوله جامعا لئلا يظن الخلود لواحد بعينه تصريحا ~~بأن من معناها الجمع وأن كل من تناولته مستوون في الخلود: { خالدين فيها ~~} وأكد بقوله: { أبدا } والتقدير على قراءة نافع وابن عامر بالنون: نفعل ~~التكفير والإدخال إلى هذا النعيم بما لنا من العظمة فإنه لا يقدر على ~~إسعاد من شاء وإشقاء من شاء إلا الله ms5117 سبحانه، ولا تكون هذه القدرة تامة ~~إلا لمن كان عظيما لا راد لأمره أصلا. # ولما كان هذا أمرا باهرا جالبا بنعيمه سرور القلب، أشار إلى عظمته ~~بما يجلب سرور القلب بقوله: { ذلك } أي الأمر العالي جدا من الغفران ~~والإكرام، لا غيره { الفوز العظيم * } لأنه جامع لجميع المصالح مع دفع ~~المضار وجلب المسار. # ولما ذكر الفائز بلزومه التقوى ترغيبا، أتبعه الخائب بسبب إفساد ~~القوتين الحاملتين على التقوى: العلمية والعملية ترهيبا، فقال بادئا ~~بالعلمية: { والذين كفروا } أي غطوا أدلة ذلك اليوم فكانوا في الظلام. ~~ولما ذكر إفسادهم القوة العلمية، أتبعه العملية فقال: { وكذبوا } أي ~~أوقعوا جميع التغطية وجميع التكذيب { بآياتنا } بسببها مع ما لها من ~~العظمة بإضافتها إلينا، فلم يعملوا شيئا. # ولما بين إفسادهم للقوتين، توعدهم بالمضار فقال معريا من الفاء في ~~جانبي الأشقياء والسعداء طرحا للأسباب، لأن نظر هذه السورة إلى الجبلات ~~التي لا مدخل فيها لغيره أكثر بقوله: # هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن # [التغابن: 2] فإن ذلك أجدر بالخوف منه ليكون أجدر بالبعد عما يدل على ~~الجبلة الفاسدة من الأعمال السيئة: { أولئك } أي البعداء البغضاء { أصحاب ~~النار } ولما كان السجن إذا رجي الخلاص منه قلل من خوف داخله، وكان ~~التعبير بالصحبة مشعرا بالدوام المقطع للقلوب لأنه مؤيس من الخلاص، أكده ~~بقوله: { خالدين فيها } وزاد في الإرهاب منها بقوله مشيرا إلى مضار ~~القلب بعد ذكر مضار القالب: { وبئس المصير * } أي جمعت المذام كلها ~~الصيرورة إليها وبقعتها التي للصيرورة إليها، فكيف بكونها على وجه ~~الإقامة زمنا طويلا فكيف إذا كان على وجه الخلود. ### || [64.11-14] # ولما كان من تعرفه من المرغبين والمرهبين لا يفعل ذلك إلا فيما ليس ~~قادرا على حفظه وضبطه حتى لا يحتاج العامل في عمل ذلك إلى رقيب يحفظه ~~ووكيل يلزمه ذلك العمل ويضبطه، وكان قول المنافقين المتقدم في الإنفاق ~~والإخراج من المصائب، وكانت المصائب تطيب إذا كانت من الحبيب، قال جوابا ~~لمن يتوهم عدم القدرة متمما ما مضى من خلال الأعمال بالإيمان بالقدر ~~خيره وشره، مرغبا في التسليم ms5118 مرهبا من الجزع قاصرا الفعل ليعم كل ~~مفعول: { ما أصاب } أي أحدا يمكن المصائب أن تتوجه إليه، وذكر الفعل ~~إشارة إلى القوة، وأعرق في النفي بقوله: { من مصيبة } أي مصيبة كانت ~~دينية أو دنيوية من كفر أو غيره { إلا بإذن الله } أي بتقدير الملك ~~الأعظم وتمكينه، فلا ينبغي لمؤمن أن يعوقه شيء من ذلك عن التقوى النافعة ~~في يوم التغابن. # ولما تسبب عن ذلك ما تقديره: فمن يكفر بالله بتقديره عليه الكفر يغو ~~قلبه ويزده ضلالا فيفعل ما يتوغل به في المصيبة حتى تصير مصائب عدة ~~فتهلكه، عطف عليه قوله باعثا على أول ركني الإسلام وهو إصلاح القوة ~~العلمية: { ومن يؤمن بالله } أي يوجد الإيمان في وقت من الأوقات ويجدده ~~بشهادة إن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله بسبب الملك الأعظم ~~وتقديره وإذنه { يهد قلبه } أي يزده هداية بما يجدده له من التوفيق في كل ~~وقت حتى يرسخ إيمانه فتنزاح عنه كل مصيبة، فإنه يتذكر أنها من الله وأن ~~ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه فيسلم بقضائه فيصبر له ~~ويفعل ويقول ما أمر الله به ورسوله فيخف عليه، ولا يعوقه عن شيء من ~~المنجيات في يوم التغابن، بل يحصل له بسببها عدة أرباح وفوائد، فتكون ~~حياته طيبة بالعافية الشاملة في الدينيات والكونيات لأن بالعافية في ~~الكونيات تطيب الحياة في الدنيا، وبالعافية في الدينيات تطيب الحياة في ~~الآخرة فتكون العيشة راضية، وذلك بأن يصير عمله صوابا في سرائه وضرائه ~~فيترك كل فاحشة دينية بدنية وباطنة قلبية ويترك الهلع في المصائب الكونية ~~كالخوف والجوع ونقص الأموال والأنفس والثمرات وذلك لأنه بصلاح القلب ~~ينصلح البدن كله. # ولما كان التقدير تعليلا لذلك: فالله على كل شيء قدير فهو لا يدع ~~شيئا يكون إلا بإذنه، عطف عليه قوله: { والله } أي الملك الذي لا نظير ~~له { بكل شيء } مطلقا من غير مثنوية { عليم * } فإذا تحقق من هدى قلبه ~~ذلك زاح كل اعتقاد باطل من كفر أو بدعة أو صفة خبيثة. ms5119 ولما كان التقدير: ~~فاصبروا عن هجوم المصائب، عطف عليه قوله تحذيرا من أن يشتغل بها فتوقع ~~في الهلاك وتقطع عن أسباب النجاة دالا على تعلم أمور الدين من معاداتها ~~مشيرا إلى أن العبادة لا تقبل إلا بالاتباع لا بالابتداع: { وأطيعوا ~~الله } أي الملك الأعلى الذي له الأمر كله فافعلوا في كل مصيبة ونائبة ~~تنوبكم وقضية تعروكم ما شرعه لكم، وأكد بإعادة العامل إشارة إلى أن ~~الوقوف عند الحدود ولا سيما عند المصائب في غاية الصعوبة فقال: { وأطيعوا ~~الرسول } أي الكامل في الرسلية - صلى الله عليه وسلم - فإنه المعصوم بما ~~خلق فيه من الاعتدال وما زكى به من شق البطن وغسل القلب مرارا، وما أيد ~~به من الوحي، فما كانت الأفعال بإشارة العقل مع الطاعة لله والمتابعة ~~لرسوله صلى الله عليه وسلم في كل إقدام وإحجام كانت معتدلة، سواء كانت ~~شهوانية أو غضبية، ومتى لم تكن كذلك كانت منحرفة إلى أعلى وإلى أسفل ~~فكانت مذمومة، فإن الله تعالى بلطف تدبيره ركب في الإنسان قوة غضبية ~~دافعة لما يهلكه ويؤذيه، وقوة شهوانية جالبة لما ينميه ويقويه، فاعتدال ~~الغضبية شجاعة ونقصها جبن وزيادتها تهور، فالناس باعتبارها جبان وشجاع ~~ومتهور، واعتدال الشهوانية عفة ونقصانها زهادة وزيادتها شره، والناس ~~باعتبارها زهيد وعفيف وشره، وكلا طرفي قصد الأمور ذميم، وميزان العدل ~~متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم فيما شرعه، فبذلك تنزاح الفتن الظاهرة ~~والباطنة، ولا طريق إلى الله إلا بما شرعه، وكل طريق لم يشرعه ضلال من ~~الكفر إلى ما دونه، ثم سبب عن أمره ذلك قوله معبرا بإداة الشك إشارة إلى ~~البشارة بحفظ هذه الأمة من الردة ومشعرا بأن بعضهم يقع منه ذلك ثم يقرب ~~رجوعه أو هلاكه: { فإن توليتم } أي كلفتم أنفسكم عندما تدعو إليه الفطرة ~~الأولى من الإعراض عن هذا النور الأعظم والميل إلى طرف من الأطراف ~~المفهومة من طرفي القصد فما على رسولنا شيء من توليكم { فإنما على رسولنا ~~} أضافه إليه على وجه العظمة تعظيما له وتهديدا لمن يتولى عنه { البلاغ ~~المبين ms5120 * } أي الظاهر في نفسه المظهر لكل أحد أنه أوضح له غاية الإيضاع ~~ولم يدع لبسا، ليس إليه خلق الهداية في القلوب. # ولما كان هذا موجعا لإشعاره بإعراضهم مع عدم الحيلة في ردهم، عرف بأن ~~ذلك إنما هو إليه وأنه القادر عليه فقال جوابا لمن كأنه قال: فما الحيلة ~~في أمرهم - مكملا لقسمي الدين بالاستعانة بعد بيان قسمه الآخر وهو ~~العبادة: { الله } أي المحيط بجميع صفات الكمال { لا إله إلا هو } فهو ~~القادر على الإقبال بهم ولا يقدر على ذلك غيره، فإليه اللجاء في كل دفع ~~ونفع وهو المستعان في كل شأن فإياه فليرج في هدايتهم المهتدون { وعلى ~~الله } أي الذي له الأمر كله لا على غيره. ولما كان مطلق الإيمان هو ~~التصديق بالله باعتقاد أنه القادر على كل شيء فلا أمر لأحد معه ولا كفوء ~~له فكيف بالرسوخ فيه، نبه على هذا المقتضي للربط بالفاء والتأكيد بلام ~~الأمر في قوله: { فليتوكل المؤمنون * } أي يوجد التوكيل إيجادا هو في ~~غاية الظهور والثبات العريقون في هذا الوصف في رد المتولي منهم إن حصل ~~منهم تول وكذا في كل مفقود فالعفة ليست مختصة بالموجود فكما أن قانون ~~العدل في الموجود الطاعة فقانون العدل في المفقود التوكل وكذا فعل ~~الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فكان لهم الحظ الأوفر في كل توكل لا سيما ~~حين ارتدت العرب بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم وكان أحقهم بهذا الوصف ~~الصديق رضي الله تعالى عنه كما يعرف ذلك من ينظر الكتب المصنفة في السير ~~وأخبار الردة لا سيما كتابي المسمى في أخبار الردة. # ولما كانت أوامر الدين تارة تكون باعتبار الأمر الديني من سائر الطاعات ~~المحضة، وتارة باعتبار الأمر التكويني وهو ما كان بواسطة مال أو أهل أو ~~ولد، أتم سبحانه القسم الأول في الآيتين الماضيتين، شرع في الأمر الثاني ~~لأنه قد ينشأ عنه فتنة في الدين وقد ينشأ عنه فتة في الدنيا، ولما كانت ~~الفتنة بالإقبال عليه والإعراض عنه أعظم الفتن، لأنها تفرق بين المرء ~~وزوجه ms5121 وبين المرء وابنه وتذهل الخليل عن خليله - كما شوهد ذلك في بدء ~~الإسلام، وكان أعظم ذلك في الردة، وكان قد تقدم النهي عن إلهاء الأموال ~~والأولاد، وكان النهي عن ذلك في الأولاد نهيا عنه في الأزواج بطريق ~~الأولى، فلذلك اقتصر عليهم دون الأزواج، وكان المأمور بالتوكل ربما رأى ~~أن تسليم قياده لكل أحد لا يقدح في التوكل، أشار إلى أن بناء هذه الدار ~~على الأسباب مانع من ذلك فأمر بنحو # " اعقلها وتوكل " # " واحرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز " # الحديث، فقال جوابا عن ذلك لمن يحتاج إلى السؤال عن مثله مبينا ~~للأوامر بالاعتبار للامتحان التكويني وإن كان أولى الناس ببذل الجهد في ~~تأديبه وتقويمه وتهذيبه أقرب الأقارب وألصق الناس بالإنسان وهو كالعلة ~~لآخر " المنافقون ": { يا أيها الذين آمنوا } ولما كان الأزواج أقرب ~~عداوة من الأولاد قدمهن، فقال مؤكدا لمن يستبعد ذلك: { إن من أزواجكم } ~~وإن أظهرن غاية المودة { وأولادكم } وإن أظهروا أيضا غاية الشفقة ~~والحنان { عدوا لكم } أي لشغلهم لكم عن الدين أو لغير ذلك من جمع المال ~~وتحصيل الجاه لأجلهم والتهاون بالنهي عن المنكر فإن الولد مجبنة وغير ~~ذلك، قال أبو حيان رحمه الله تعالى: ولا أعدى على الرجل من زوجه وولده ~~إذا كانا عدوين وذلك في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فبإذهاب ماله - ~~كما هو معروف - وعرضه، وأما في الآخرة فيما يسعى في اكتسابه من الحرام ~~لأجلهم وبما يكسبانه منه بسبب جاهه. # فالرجل من رأى ذلك نعمة من الله فجعله معينا له على طاعته لا قاطعا ~~ومعوقا عما يرضيه بأن يلتهي بمحبته وعداوته وبغضته. ولما أخبر عن ~~العداوة، عبر بما قد يفهم الواحد فقط تخفيفا، ولما أمر بالحذر جمع إشارة ~~إلى زيادة التحذير والخوف في كل أحد ولو كان أقرب الأقرباء لأن الحزم سوء ~~الظن كما رواه الطبراني في الأوسط، فسبب عن الإخبار بالعداوة الأمر ~~بالحذر في قوله: { فاحذروهم } أي بأن تتقوا الله في كل أمرهم فتطلبوا في ~~السعي عليهم الكفاف من حله وتقتصروا عليه، ولا يحملنكم ms5122 حبهم على غير ذلك، ~~وليشتد حذركم منهم بالعمل بما أمر الله حتى في العدل بينهم لئلا يتمكنوا ~~من أذاكم فيعظم بهم الخطب ويكون فاتنا لكم في الدين إما بالردة - ~~والعياذ بالله تعالى - أو بالشغل عن الطاعة أو بالإقحام في المعصية ~~ومخالفة السنة والجماعة. # ولما كان قد يقع ما يؤذي مع الحذر لأنه لا يغني من قدر أو مع الاستسلام، ~~وكان وكل المؤذي إلى الله أولى وأعظم في الاستنصار، قال مرشدا إلى ذلك: ~~{ وإن تعفوا } أي توقعوا المجاوزة عن ذنوبهم بعدم العقاب عليها فإنه لا ~~فائدة في ذلك لأن من طبع على شيء لا يرجع، وإنما النافع الحذر الذي أرشد ~~إليه سبحانه لئلا يكون سببا للو المنهي عنه. # ولما كان الرجوع عن الحظوظ صعبا جدا، أكد سبحانه فقال: { وتصفحوا } أي ~~بالإعراض عن المقابلة بالتثريب باللسان { وتغفروا } أي بأن تستروا ذنوبهم ~~سترا تاما شاملا للعين والأثر بالتجاوز بعد ترك العقاب عن العتاب، فلا ~~يكون منكم اشتغال بعداوتهم ولا ما قد يجرها عما ينفع من الطاعة، ولما كان ~~التقدير: يغفر الله لكم، سبب عنه قوله: { فإن الله } أي الجامع لصفات ~~الكمال { غفور } أي بالغ المحو الأعيان الذنوب وآثرها جزاء لكم على ~~غفرانكم لهم وهو جدير بأن يصلحهم لكم بسبب غفرانكم لهم فإنه { رحيم * } ~~يزيدكم بعد ذلك الستر الإكرام بالإنعام إن أكرمتموهم، فتخلقوا بأخلاقه ~~سبحانه يزدكم من فضله. ### || [64.15-18] # ولما حكم على البعض، كان كأنه قيل: فما حكم سائره؟ فكأن الحكم بذلك يلزم ~~منه الحذر من الكل لكن للتصريح سر كبير في ركون النفس إليه، فقال حاصرا ~~الجميع ضاما إليهم المال الذي به قيام ذلك كله وقدمه لأنه أعظم فتنة: { ~~إنما } وأسقط الجار لأن شيئا من ذلك لا يخلو عن شغل القلب فقال: { ~~أموالكم } أي عامة { وأولادكم } كذلك { فتنة } أي اختبار مميل عن الله ~~لكم وهو أعلم بما في نفوسكم منكم لكن ليظهر في عالم الشهادة من يميله ذلك ~~فيكون عليه نقمة ممن لا يميله فيكون له نعمة، فربما رام الإنسان صلاح ~~ماله وولده ms5123 فبالغ فأفسد نفسه ثم لا يصلح ذلك ماله ولا ولده، وذلك أنه من ~~شأنه أن يحمل على كسب الحرام ومنع الحق والإيقاع في الإثم، روي عن أبي ~~نعيم في الحلية في ترجمة سفيان الثوري عنه أنه قال: " يؤتى برجل يوم ~~القيامة فيقال له: أكل عياله حسناته " " ويكفي فتنة المال قصة ثعلبة بن ~~حاطب أحد من نزل فيه قوله فتنة تعالى: # ومنهم من عاهد الله لئن أتانا من فضله لنصدقن # [التوبة: 75] " وكأنه سبحانه ترك ذكر الأزواج في الفتنة لأن منهم من ~~يكون صلاحا وعونا على الآخرة. # ولما كان التقدير: ففي الاحتراز من فتنهم تعب كبير، لا يفوت به منهم إلى ~~حظ يسير، وكانت النفس عند ترك مشتبهاتها ومحبوباتها قد تنفر، عطف عليه ~~مهونا له بالإشارة إلى كونه فانيا وقد وعد عليه بما لا نسبة له منه مع ~~بقائه قوله: { والله } أي ذو الجلال { عنده } وناهيك بما يكون منه بسبيل ~~جلاله وعظمه { أجر } ولم يكتف سبحانه بدلالة السياق على أن التنوين ~~للتعظيم حتى وصفه بقوله: { عظيم * } أي لمن ائتمر بأوامره التي إنما ~~نفعها لصاحبها، فلم يقدم على رضاه مالا ولا ولدا، وذلك الأجر أعظم من ~~منفعتكم بأموالكم وأولادكم على وجه ينقص من الطاعة. # ولما كان التقدير: وعنده عذاب أليم لمن خالف، سبب عنه قوله فذلكة أخرى ~~لما تقدم من السورة كلها: { فاتقوا الله } مظهرا غير مضمر تعظيما ~~للمقام واحترازا من أن يتوهم نوع تقيد فأفهم الإظهار أن المعنى: اجعلوا ~~بينكم وبين سخط الملك الأعلى وقاية من غير نظر إلى حيثية ولا خصوصية بشيء ~~ما، باجتناب نواهيه بعد امتثال أوامره، فإن التقوى إذا انفردت كان المراد ~~بها فعل الأوامر وترك المناهي، وإذا جمعت مع غيرها أريد بها اجتناب ~~النواهي فقط. # ولما كان الأمر إذا نسب إليه سبحانه أعظم من مقالة قائل، فلا يستطيع أحد ~~أن يقدره سبحانه حق قدره، خفف ويسر بقوله: { ما استطعتم } أي ما دمتم في ~~الجملة قادرين مستطيعين، ويتوجه عليكم التكليف في العلميات والعمليات، ~~وابذلوا جهدكم في ذلك في الإيمانيات ms5124 لما علمتم من ذاته ومرتبته وصفاته ~~تعالى وأفعاله، وغير ذلك من جميع أعمالكم الظاهرة والباطنة، وأعظمه ~~الهجرة والجهاد، فلا يمنعكم الإخلاد إليها ذلك والتقوى فيما وقع من ~~المكروهات بالندم والإقلاع مع العزم على ترك العود، وفيما لم يقع ~~بالاحتراس عن أسبابه، وبذل الإنسان جميع جهده هو الاتقاء حق التقاة فلا ~~نسخ - والله أعلم. # ولما كان إظهار الإسلام فيه مشقة كالأعمال قال: { واسمعوا } أي سماع ~~إذعان وتسليم لما توعظون به ولجميع أوامره { وأطيعوا } أي وصدقوا ذلك ~~الإذعان بمباشرة الأفعال الظاهرة في الإسلاميات من القيام بأمر الله ~~والشفقة على خلق الله في كل أمر ونهي على حسب الطاقة، وحذف المتعلق ليصدق ~~الأمر بكل طاعة من الكل والبعض وكذا في الإنفاق. ولما كان الإنفاق شديدا ~~أكد أمره بتخصيصه بالذكر فقال: { وأنفقوا } أي أوقعوا الإنفاق كما حد لكم ~~فيما أوجبه أو ندب إليه وإن كان في حق من اطلعتم منها على عداوة، ~~والإنفاق لا يخص نوعا بل يكون ما رزق الله من الذاتي والخارجي. # ولما كان الحامل على الشح ما يخطر في البال من الضرورات التي أعزها ~~ضرورة النفس، رغب فيه بما ينصرف إليه بادىء بدء ويعم جميع ما تقدم فقال: ~~{ خيرا } أي يكن ذلك أعظم خير واقع { لأنفسكم } فإن الله يعطي خيرا منه ~~في الدنيا ما يزكي به النفس، ويدخر عليه من الجزاء في الآخرة ما لا يدري ~~كنهه، فلا يغرنكم عاجل شيء من ذلك فإنما هو زخرف وغرور لا طائل تحته. ~~ولما ذكر ما في الإنفاق من الخير عم في جميع الأوامر فقال: { ومن يوق } ~~بناه للمفعول تعظيما للترغيب فيه نفسه مع قطع الناصر عن الفاعل أي يقيه ~~واق أي واق كان - وأضافه إلى ما الشؤم كله منه فقال: { شح نفسه } فيفعل ~~في ماله وجميع ما أمر به ما يطيقه مما أمر به موقنا به مطمئنا إليه حتى ~~يرتفع عن قلبه الأخطار، ويتحرز عن رق المكونات، والشح: خلق باطن هو الداء ~~العضال رأس الحية وكل فتنة ضلالة، والبخل فعل ظاهر ينشأ عن ms5125 الشح، والنفس ~~تارة تشح بترك الشهوة من المعاصي فتفعلها، وتارة بإعطاء الأعضاء في ~~الطاعات فتتركها، وتارة بإنفاق المال، ومن فعل ما فرض عليه خرج عن الشح. ~~ولما كان الواقي إنما هو الله تعالى سبب عن وقايته قوله: { فأولئك } أي ~~العالو الرتبة { هم } أي خاصة { المفلحون * } أي الذين حازوا جميع ~~المرادات بما اتقوا الله فيه من الكونيات من المال والولد والأهل ~~والمشوشات من جميع القواطع. ولما أمر ورهب من ضده على وجه أعم، رغب فيه ~~تأكيدا لأمره لما فيه نم الصعوبة لا سيما في زمان النبي صلى الله عليه ~~وسلم فإن المال فيه كان في غاية العزة ولا سيما إن كان في لوازم النساء ~~اللاتي افتتح الأمر بأن منهن أعداء ولا سيما إن كان في حال ظهور العداوة، ~~فقال بيانا للإفلاح متلطفا في الاستدعاء بالتعبير بالقرض مشيرا إلى ~~أنه على خلاف الطبع بأدة الشك: { إن تقرضوا الله } أي الملك الأعلى ذا ~~الغنى المطلق المستجمع لجميع صفات الكمال بصرف المال وجميع قواكم التي ~~جعلها فتنة لكم في طاعاته، ورغب في الإحسان فيه بالإخلاص وغيره فقال: { ~~قرضا حسنا } أي على صفة الإخلاص والمبادرة ووضعه في أحسن مواضعه على ~~أيسر الوجوه وأجملها وأهنأها وأعدلها، وأعظم الترغيب فيه بأن رتب عليه ~~الربح في الدنيا والغفران في الآخرة فقال: { يضاعفه لكم } أي لأجلكم خاصة ~~أقل ما يكون للواحد عشرا إلى ما لا يتناهى على حسب النيات، قال القشيري: ~~يتوجه الخطاب بهذا على الأغنياء في بذل أموالهم وعلى الفقراء في إخلاء ~~أيامهم وأوقاتهم عن مراداتهم وإيثار مراد الحق على مراد أنفسهم، فالغني ~~يقال له: آثر على مرادك في مالك وغيره، والفقير يقال له: آثر حكمي في ~~نفسك وقلبك ووقتك. # ولما كان الإنسان لما له النقصان وإن اجتهد لا يبلغ جميع ما أمر به لأن ~~الدين وإن كان يسيرا فهو متين # " لن يشاده أحد إلا غلبه " # قال: { ويغفر لكم } أي يوقع الغفران وهو محو ما فرط عينه وأثره لأجلكم ~~ببركة الإنفاق، وقد تضمنت هاتان الجملتان جلب السرور ودفع ms5126 الشرور، وذلك ~~هو السعادة كلها. # ولما كان التقدير: فالله غفور رحيم، عطف عليه قوله: { والله } أي الذي ~~لا يقاس عظمته بشيء { شكور } أي بليغ الشكر لمن يعطي لأجله ولو كان ~~قليلا فيثيبه ثوابا جزيلا خارجا عن الحصر وهو ناظر إلى المضاعفة { ~~حليم * } لا يعاجل بالعقوبة على ذنب من الذنوب وإن عظم بل يمهل كثيرا ~~طويلا ليتذكر العبد الإحسان مع العصيان فيتوب، ولا يهمل ولا يغتر بحلمه، ~~فإن غضب الحليم لا يطاق، وهو راجع إلى الغفران. # ولما كان الحليم قد يتهم في حلمه بأن ينسب إلى الجهل بالذنب أو بمقداره ~~قال: { عالم الغيب } وهو ما غاب عن الخلق كلهم فيشمل ما هو داخل القلب ~~مما تؤثره الجبلة ولا علم لصاحب القلب به فضلا عن غيره. ولما كان قد يظن ~~أنه لا يلزم من علم ما غاب علم ما شهد، أو يظن أن العلم إنما يتعلق ~~بالكليات، قال موضحا أن علمه بالعالمين بكل من الكليات والجزئيات قبل ~~الكون وبعده على حد سواء: { والشهادة } وهو كل ما ظهر فكان بحيث يعلمه ~~الخلق، وهذا الوصف داع إلى الإحسان من حيث إنه يوجب للمؤمن ترك ظاهر ~~الاسم وباطنه وكل قصور وفتور وغفلة وتهاون فيعبد الله كأنه يراه. # ولما شمل ذلك كل ما غاب عن الخلق وما لم يغب عنهم فلم يبق إلا أن يتوهم ~~أن تأخير العقوبة للعجز قال: { العزيز } أي الذي يغلب كل شيء ولا يغلبه ~~شيء. ولما كان ذلك قد يكون لأمر آخر لا يمدح عليه قال: { الحكيم * } أي ~~أنه ما أخره إلا لحكمة بالغة يعجز عن إدراكها الخلائق، وقد أقام الخلائق ~~في طاعته بالجري تحت إرادته، وتارة يوافق ذلك أمره فيسمى طاعة. وتارة ~~يخالف فيسمى معصية، فمن أراد أتم نعمته عليه بالتوفيق للطاعة بموافقته ~~أمره بإحاطة علمه والإتقان في التدبير ببالغ حكمته وإدامة ذلك وحفظه عن ~~كل آفة بباهر عزته، ومن أراد منعه ذلك بذلك أيضا والكل تسبيح له سبحانه ~~بإفادة أنه الواحد القهار، وقد أحاط أول الجمعة بهذه السورة أولها ~~وآخرها، ms5127 فجاءت هذه شارحة له وكاشفة عنه على وجه أفخم لأن مقصود هذه نتيجة ~~مقصد تلك، وقد رجع - بالتنزه عن شوائب النقص والاختصاص بجميع صفات الكمال ~~وشمول القدرة للخق وإحاطة العلم بأحوال الكافر والمؤمن - على افتتاحها ~~حسن ختامها، وعلم علما ظاهرا جلالة انتظامها، وبداعة اتساق جميع آيها ~~وبراعة التئامها - والله الموفق للصواب. ### | [65 - سورة الطلاق] ### || [65.1] # لما ختمت التغابن بأنه تعالى شكور حليم عزيز حكيم مع تمام العلم وشمول ~~القدرة، بعد التحذير من النساء بالعداوة، وكانت العداوة تجر إلى الفراق، ~~افتتح هذه بزم لأنفس عند ثوران الحظوظ بزمام التقوى، وأعلى الخطاب جدا ~~بتوجيهه إلى أعلى الخلق تنبيها على عظمة الأحكام الواردة في هذه السورة ~~فإنها مبنية على الأسماء الأربعة لتتلقى بغاية الرغبة فقال: { يا أيها ~~النبي } مخصصا له صلى الله عليه وسلم، ذاكرا الوصف الذي هو سبب التلقي ~~لغرائب العلوم ورغائب الحكم والفهوم. # ولما علم من الإقبال عليه صلى الله عليه وسلم عظمة الحكمة، ومن التعبير ~~في النداء بأداة التوسط التي لا تذكر في أمر مهم جدا أن الذي هو أقرب ~~أهل الحضرة غير مقصود بها من كل وجه، وأن القصد التنبيه لجلالة هذه ~~الأحكام، وبذل الجهد في تفهيمها والعمل بها، فلذا أقبل على الأمة حين ~~انتبهوا وألقوا أسماعهم، فقال معبرا بأداة التحقق لأنه من أعظم مواضعها: ~~{ إذا طلقتم } وعلم من ذلك عموم الحكم له صلى الله عليه وسلم لكن لما كان ~~للإنسان مع نسائه حالان أحدهما المشاححة، كان غيره أولى بالخطاب فيه، ~~وثانيهما الجود والمصالحة بالحلم والعفو، فكان هو صلى الله عليه وسلم ~~أولى بذلك فجاءت له سورة التحريم { النساء } أي أردتم طلاق هذا النوع ~~واحدة منه فأكثر { فطلقوهن } أي إن شئم مطلق طلاق ثلاثا أو دونها، وكلما ~~قل كان أحب بدليل ما يأتي من لواحق الكلام من الإشارة إلى الرجعة { ~~لعدتهن } أي في وقت أو عند استقبال العدة أي استقبال طهر يحسب منها، وهو ~~الطهر الذي لم يجامع فيه إن كانت مدخولا بها، ذلك معنى قراءة ابن عباس ~~وابن ms5128 عمر رضي الله عنهم " في قبل عدتهن " فهذا طلاق السنة وغيره طلاق ~~البدعة، فإن الطلاق في الحيض تطويل للعدة لأنه غير محسوب، ولا بد أن يكون ~~الطهر لم يجامع فيه لأنها إذا جومعت ربما حملت فطالت العدة، وهذه اللام ~~للوقت مثلها في " كتب هذا لخمس بقين من شهر كذا " واختير التعبير بها ~~لأنها تفهم مع ذلك أن ما دخلت عليه كالعلة الحاملة على متعلقها، فصار ~~كأنه قيل: طلقوا لأجل العدة وإذا كان لأجلها علم أن المراد تخفيفها على ~~المرأة بحسب الطاقة لأن مبنى الدين على اليسر، وذلك دال على أن العدة ~~بالأسهار، وأن الطلاق في الحيض حرام لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده، ولا ~~يدل على عدم الوقوع لأن النهي غير مستلزم للفساد، وقد بين ذلك كله # " حديث ابن عمر رضي الله عنهما في طلاقه زوجته في الحيض الذي كان سبب ~~النزول، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم وأمره أن يراجعها ثم يمسكها حتى ~~تطهر ثم إن شاء أمسك وإن شاء طلق قبل أن يمس " # وعلم أن من عدتها بغير الأقراء التي يمكن طولها وقصرها وهي غير المدخول ~~بها والتي لم تحض والآئسة والحامل لا سنة في طلاقها ولا بدعة، وكذا ~~للخالعة لأن النبي صلى الله عليه وسلم أذن لثابت بن قيس رضي الله عنه في ~~الخلع من غير استفصال عن حال امرأته لأنه إنما يكون في الغالب عن تشاجر ~~وتساؤل من المرأة، ويقع الطلاق البدعي لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر ~~ابن عمر رضي الله عنهما بالمراجعة منه، ويأثم به بعد العلم، ولو طلق في ~~الحيض وراجع جاز له أن يطلق حال انقضاء الحيض قبل المجامعة، والأمر ~~بالإمساك إلى كمال الطهر والحيض الذي بعده للندب حتى لا يكون في صورة من ~~راجع للطلاق، ولا بدعة في جمع الثلاثة لأنه لا إشارة إليه في الآية ولا ~~في حديث ابن عمر رضي الله عنهما الذي هو سببها، نعم قد يدعي ذلك في آية ~~البقرة في قوله تعالى: # الطلاق مرتان # [البقرة: ms5129 229] و # " الطلاق أبغض الحلال إلى الله " # كما رواه أبو داود وابن ماجه عن ابن عمر رضي الله عنهما فأبغضه إليه ~~أنهاه # " وما حلف به ولا استحلف إلا منافق " # كما في الفردوس عن أنس رضي الله عنه. # ولما كان نظر الشارع إلى العدة شديدا لما فيها من الحكم بالتأني ~~لاحتمال الندم وبالظن لبراءة الرحم احتياطا للأنساب وبقطع المنازعات ~~والمشاجرات المفضية إلى ذهاب الأموال والارواح، وقد أفهمه التعبير ~~باللام، صرح به بصيغة الأمر فقال: { وأحصوا } أي اضبطوا ضبطا كأنه في ~~إتقانه محسوس بعد الحصي { العدة } لتكملوها ثلاثة أقراء كما تقدم الأمر ~~به ليعرف زمان النفقة والرجعة والسكنى وحل النكاح لأخت المطلقة مثلا ~~ونحو ذلك من الفوائد الجليلة. ولما كان الطلاق على غير هذا الوجه حراما ~~للضرار ومخالفة الأمر وكذا التهاون في الضبط حتى يحتمل أن تنكح المرأة ~~قبل الانقضاء، أمر بمجانبة ذلك كله بقوله: { واتقوا } أي في ذلك { الله } ~~أي الملك الأعظم الذي له الخلق والأمر لذاته في الزمن والإحصاء لأن في ~~ذلك ما هو حقه { ربكم } أي لإحسانه في تربيتكم في حملكم على الحنيفية ~~السمحة ودفع جميع الآصار عنكم. # ولما أمر بالتقوى وناط بعضها بصفة الإحسان فسره بقوله: { لا تخرجوهن } ~~أي أيها الرجال في حال العدة { من بيوتهن } أي المساكن التي وقع وهي ~~سكنهن، وكأنه عبر بذلك إشارة إلى أن استحقاقها لإيفاء العدة به في العظمة ~~كاستحقاق المالك، ولأنها كانت في حال العصمة كأنها مالكة له، فليس من ~~المروءة إظهار الجفاء بمنعها منه، ولأنها إن روجعت كانت حاصلة في الحوزة ~~ولم يفحش الزوج في المقاطعة، وإن لم يحصل ذلك فظهر أنها حامل لم تحصل ~~شبهة في الحمل. # ولما كان ذلك ربما أفهم أنه لحقهن فقط نفاه بقوله: { ولا يخرجن } أي ~~بأنفسهن إن أردن ذلك من غير مخرج من جهة الزوج أو غيره، فعلم من ذلك تحتم ~~استكمال العدة في موضع السكنى وأن الإسكان على الزوج، وتخرج لضرورة بيع ~~الغزل وجذاذ النخل ونحوه. ولما كان منطوق ذلك أنه لا يجوز له إخراجها ms5130 ~~كارهة، ولا يجوز لها أن تخرج بنفسها فقط وهو كاره فأفهم ذلك أنهما لو ~~اتفقا جاز لأن ذلك خارج عن المنهي، استثنى من كلا شقي المنهي عنه بقوله. ~~{ إلآ أن يأتين } أي جنس المطلقات الصادق بواحدة وأكثر { بفاحشة } أي ~~خصلة محرمة شديدة القباحة { مبينة } أي ظاهرة في نفسها ظهورا بينا عند ~~كل من أريد بيانها له، وذلك كالبذاءة منها على الزوج أو أقاربه فإنه ~~كالنشوز يسقط حقها من السكنى، فيجوز له إخراجها لقطع الشر، وهو معنى ~~قراءة أبي رضي الله عنه: إلا أن يفحشن عليكم، وكالزنا فتخرج بنفسها ~~ويخرجها غيرها من الزوج وغيره لإقامة الحد عليها وغير ذلك من الفواحش كما ~~أنه يطلقها للنشوز فإنه لا سكنى لها حينئذ. # ولما كان التقدير: هذه أحكام هذا الفرع، عطف عليه تعظيما لها قوله ~~تعالى: { وتلك } أي الأحكام العالية جدا بما فيها من الجلالة وبانتسابها ~~إلى الملك الأعلى من هذا الذي ذكر في هذه السورة وغيره { حدود الله } أي ~~الملك الأعظم الذي هو نور السماوات والأرض. ولما كان التقدير: فمن ~~تحاماها فقد أنصف نفسه بأخذه النور المبين، عطف عليه قوله: { ومن يتعد } ~~أي يقع منه في وقت من الأوقات أنه يتعمد أن يعدو { حدود الله } أي الملك ~~الأعظم { فقد ظلم نفسه } بأن مشاها في الظلام فصارت تضع الأشياء في غير ~~مواضعها، فصار بمعرض الهلاك بالعقاب كما أن الماشي في الظلام معرض للوقوع ~~في حفرة والدوس على شوكة أو حية أو عقرب أو سبع، أو لأن ينفرد بقاطع، أو ~~أن يضل عن الطريق إلى مهالك لا يمكن النجاة منها، ومثال ذلك الحكيم إذا ~~وصف دواء بقانون معلوم في وقت محدود ومكان مخصوص فخولف لم يضر المخالف ~~ذلك الحكيم وإنما ضر نفسه. # ولما كان له الخلق جميعا تحت أوامره سبحانه مع أنها كلها خير لا شر فيه ~~بوجه إسرار وإغوار، لا تدرك ولا تحصى، وقد يظهر بعضها لسان الحدثان بيد ~~القدرة، وكان متعديها ظالما وكان من أقرب ظلمه وأبينه الإيقاع في مهاوي ~~العشق، فسره سبحانه ms5131 بقوله مبينا عظمته بخطاب الإعلاء: { لا تدري } أي يا ~~أيها النبي الكريم ما يكون عن ذلك من الأمور التي يحدثها الله لتشير على ~~المطلق بشيء مما يصلحه فغيرك من باب الأولى. # ولما نفى عنه العلم المغيب لاختصاصه سبحانه به وحذف المتعلق إعراقا في ~~التعميم، وكان كل أحد فيما يحدث له من الأمور ما بين رجاء وإشفاق، عبر عن ~~ذلك بأداة صالحة لها فقال: { لعل الله } أي الذي بيده القلوب ومقاليد ~~جميع الأمور { يحدث } أي يوجد شيئا حادثا لم يكن إيجادا ثابتا لا ~~يقدر الخلق على التسبب في زواله فيكون مستغرقا لزمان العمر كما أشار ~~إليه نزع الخافض في قوله تعالى: { بعد ذلك } أي الحادث من الإشارة ~~بالضرار بالإخراج أو تطويل العدة أو غير ذلك { أمرا * } أي من الأمور ~~المهمة كالرغبة المفرطة في الزوجة فلا يتأتى ذلك إما بأن كان الضرار ~~بالطلاق الثلاث أو بأن كانت من ذوي الأنفة فأثرت فيها الإساءة وفيمن ~~ينتصر لها فمنعت نفسها منه. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما تقدم قوله # يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله # [المنافقين: 9] وقوله في التغابن: # إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم # [التغابن: 14] وقوله تعالى # إنما أموالكم وأولادكم فتنة # [التغابن: 15] والمؤمن قد يعرض له ما يضطره إلى فراق من نبه على فتنته ~~وعظيم محنته، وردت هذه السورة منبهة على كيفية الحكم في هذا الافتراق، ~~وموضحة أحكام الطلاق، وأن هذه العداوة وإن استحكمت ونار هذه الفتنة، إن ~~اضطرمت لا توجب التبرؤ بالجملة وقطع المعروف { لا تدري لعل الله يحدث بعد ~~ذلك أمرا } [الطلاق: 1] ووصى سبحانه بالإحسان المجمل في قوله: # أو تسريح بإحسان # [البقرة: 229] وبين تفصيل ذلك وما يتعلق به، فهذا الرفق المطلوب بإيقاع ~~الطلاق في أول ما تستعده المطلقة في عدتها وتحسبه من مدتها تحذيرا من ~~إيقاع الطلاق في الحيض الموجب تطويل العدة وتكثير المدة، وأكد هذا سبحانه ~~بقوله { واتقوا الله ربكم } [الطلاق: 1] ثم نبه سبحانه على حقهن أيام ~~العدة من الإبقاء في مستقرهن ms5132 حين إيقاع الطلاق إلى انقضاء العدة فقال: { ~~لا تخرجوهن من بيوتهن } [الطلاق: 1] إلى ما استمرت عليه السورة من بيان ~~الأحكام المتعلقة بالطلاق وتفصيل ذلك كله. ولما كان الأولاد إذا ظهر منهم ~~ما يوجب فراقهم وإبعادهم غير مفترقين إلى ما سوى الرفض والترك بخلاف ~~المرأة، لم يحتج إلى ما احتيج إليه في حقهن فقد وضح وجه ورود سورة الطلاق ~~في هذا الموضع - والله سبحانه وتعالى أعلم انتهى. ### || [65.2-3] # ولما حد سبحانه ما يفعل في العدة، أتبعه ما يفعل عند انقضائها فسبب عما ~~أمره بها فيها معبرا بأداة التحقق لأن الخطاب على تقدير الحياة، معلما ~~أن له الرجعة إلى آخر جزء من العدة لأنها إذا ثبتت في آخرها البعيد من ~~الطلاق كان ما قبله أولى لأنه أقرب إلى الطلاق فقال: { فإذا بلغن } أي ~~المطلقات { أجلهن } أي شارفن انقضاء العدة مشارفة عظيمة { فأمسكوهن } أي ~~بالمراجعة، وهذا يدل على أن الأولى من الطلاق ما دون البائن لا سيما ~~الثلاث. ولما كان الإنسان لما له من النقصان لا يقدر على كمال الإحسان ~~قال منكرا: { بمعروف } أي حسن عشرة لا بقصد المضارة بطلاق آخر لأجل ~~إيجاب عدة أخرى ولا غير ذلك { أو فارقوهن } أي بعدم المراجعة لتتم العدة ~~فتملك نفسها { بمعروف } بإيفاء الحق مع حسن الكلام وكل أمر عرفه الشرع - ~~أي حسنه - فلا يقصد أذاها بتفريقها من ولدها مثلا أو منه إن كانت محبة ~~له مثلا بقصد الأذى فقط من غير مصلحة وكذا ما أشبه ذلك من أنواع الضرر ~~بالفعل أو القول، فقد تضمنت الآية بإفصاحها الحث على فعل الخيرات ~~وبإبهامها اجتناب المنكرات. # ولما كان كل من المرافقة والمفارقة أمرا عظيما، تبنى عليه أحكام فتحرم ~~أضدادها، فيكون الخلاف فيها في غاية الخطر، وكان الإشهاد أليق بالمراد، ~~وأقطع للنزاع، قال تعالى حاثا على الكيس واليقظة والبعد عن أفعال ~~المغفلين العجزة: { وأشهدوا } أي على المراجعة أو المفارقة { ذوي عدل } ~~أي مكلفين حرين ثقتين يقظين { منكم } أي مسلمين وهو أمر إرشاد مندوب ~~إليه، وعن الشافعي رضي الله تعالى عنه ms5133 وجوبه في الرجعية والصحيح الأول، ~~ومن فوائده أن لا يموت أحدهما فيدعي الآخر الزوجية ببقاء علقة العدة ~~ليرث. # ولما كان أداء الشهادة يعسر على الشاهد لترك مهماته وعسر لقاء الحكم ~~الذي يؤدي عنده، وربما بعد مكانه، وكان للعدل في الأداء عوائق أيضا، ~~وكان الشهود من المأمورين بالإشهاد، حث على الأداء على وجه العدل بقوله: ~~{ وأقيموا } أي أيها المأمورون حيث كنتم شهودا { الشهادة } أي التي ~~تحملتموها بأدائها على أكمل أحوالها كما يفعل من يريد إقامة شيء ليصير ~~واقفا بنفسه غير محتاج إلى ما يدعمه. ولما كان ربما ميل أحد من المشهود ~~عليهما الشاهد بشيء من المرغبات فأداها على وجهها لذلك الشيء لا لكونه ~~الحق، قال مرغبا مرهبا { لله } أي مخلصين لوجه الملك الأعلى المحيط بكل ~~شيء علما وقدرة وهو ذو الجلال والإكرام في أدائها على وجه الحق ظاهرا ~~وباطنا، لا لأجل المشهود له ولا المشهود عليه، ولا شيء سوى وجه الله. # ولما كانت أحكامه سبحانه وتعالى لا سيما في الكتاب المعجز مقرونة بعللها ~~وفيها عند التأمل رقائق ودقائق تخشع لها القلوب وتجب الأفئدة في داخل ~~الصدور قال { ذلكم } أي الذي ذكرت لكم أيتها الأمة من هذه الأمور البديعة ~~النظام العالية المرام، وأولاها بذلك هنا الإشهاد وإقامة الشهادة. # ولما كانت أوامر الله تعالى وقصصه وأحكامه وجميع كلامه مختصا من بين ~~كلام الناس بأنه يرقق القلوب ويلين الشكائم لكونه روحا لما فيه العدل ~~الذي تهواه النفوس، وتعشقه الألباب، وتميل إليه الطبائع، وقامت به ~~السماوات والأرض، ولما فيه أيضا من ذكر من تعشقه الفطر القويمة من جميع ~~أهل الخير من الأنبياء والملائكة والأولياء، مع تشريف الكل بذكر الله، ~~سمي وعظا، وبني للمجهول إشارة إلى أن الوعظ بنفسه نافع ولو لم يعرف ~~قائله، وإلى أن الفاعل معروف أنه الله لكونه سمي وعظا مع كونه أحكاما ~~فقال: { يوعظ به } أي يلين ويرقق { من كان } أي كونا راسخا، من جميع ~~الناس { يؤمن بالله } أي يوقع ويجدد منكم ومن غيركم على سبيل الاستمرار ~~من صميم قلبه الإيمان بالملك ms5134 الذي له الكمال كله. # ولما كان البعث محط الحكمة لأن الدنيا مزرعة للآخرة، ولا يكون زرع بغير ~~حصاد، كان خلو الإيمان عنه معدما للإيمان فقال: { واليوم الآخر } فإنه ~~المحط الأعظم للترقيق، أما من لم يكن متصفا بذلك فكأنه لقساوة قلبه ما ~~وعظ به لأنه لم ينتفع به أبدا. # ولما كانت العبادة لا تكون إلا بالإعانة، وكان التقدير: فمن اتعظ بذلك ~~كان اتعاظه شاهدا له بإيمانه بذلك، وكان متقيا، عطف عليه قوله اعتراضا ~~بين هذه الأحكام تأكيدا للترغيب في الإعانة المترتبة على التقوى: { ومن ~~يتق الله } أي يخف الملك الأعظم فيجعل بينه وبين ما يسخطه وقاية مما ~~يرضيه، وهو اجتلاب ما أمر به واجتناب ما نهى عنه من الطلاق وغيره ظاهرا ~~وباطنا، وذلك صلاح قوي العلم بالإيمان والعمل بفعل المأمور به وترك ~~المنهي عنه لأنه تقدم أن التقوى إذا انفردت في القرآن عن مقارن عمت الأمر ~~والنهي، وإذا قرنت بغيرها نحو إحسان أو رضوان خصت المناهي: { يجعل } أي ~~الله سبحانه بسبب التقوى { له مخرجا * } بدفع المضار من كل ضيق أحاط به ~~في نظير ما اجتنب من المناهي { ويرزقه } بحوله وقوته بجلب المسار في ~~الدين والدنيا والآخرة في نظير ما اجتلب من فعل الأوامر. # ولما كان أحلى الهبات ما جاء من مكان لا يرجى قال: { من حيث لا يحتسب } ~~أي لا يقوى رجاؤه له، ولما أكد في هذا وأعظم الوعد لأنه وإن كان عاما ~~لكل متق فتعلقه بما تقدم أقوى والنظر فيما تقدم إلى حقوق العباد أكثر، ~~والمضايقة فيها أشد، والدواعي إليها أبلغ، فالاتقاء فيه بعدم الطلاق في ~~الحيض والإضرار بالمرأة بتطويل العدة أو الإخراج من المسكن وكتمان ~~الشهادة والعسر في أدائها والإخلال بشيء منها والتأكيد والإبلاغ في الوعد ~~لأجل ما جبل عليه الإنسان من القلق في أموره، عطف على ذلك قوله: { ومن ~~يتوكل } أي يسند أموره كلها ويفوضها معتمدا فيها { على الله } أي الملك ~~الذي بيده كل شيء ولا كفوء له فقد جمع الأركان الثلاثة التي لا يصلح ~~التوكيل إلا بها، ms5135 وهي العلم المحيط لئلا يدلس عليه، والقدرة التامة لئلا ~~يعجز، والرحمة بالمتوكل والعناية به لئلا يحيف عليه، والتوكل يكون مع ~~مباشرة الأسباب وهو من المقامات العظيمة وإلا كان اتكالا، وليس بمقام بل ~~خسة همة وعدم مروءة، لأنه إبطال حكمة الله التي أحكمها في الدنيا من ~~ترتيب المسببات على الأسباب - قاله الملوي { فهو } أي الله في غيب غيبه ~~فضلا عن الشهادة بسبب توكله { حسبه } أي كافيه، وحذف المتعلق للتعميم، ~~وحرف الاستعلاء للاشارة إلى أنه قد حمل أموره كلها عليه سبحانه لأنه ~~القوي الذي لا يعصيه شيء، والكريم الذي يحسن حمل ذلك ورعيه، والعزيز الذي ~~يدفع عنه كل ضار ويجلب له كل سار، إلى غير ذلك من المعاني الكبار، فلا ~~يبدو له في عالم الشهادة شيء يشقيه لا من الغيب ولا من غيب الغيب، وفي ~~الحديث # " لو أنكم توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا ~~وتروح بطانا ". # ولما كان ذلك أمرا لا يكاد يحيط به الوهم،علله بقوله مهولا له ~~بالتأكيد والإظهار في موضع الإضمار: { إن الله } أي المحيط بكل كمال ~~المنزه عن كل شائبة نقص { بالغ أمره } أي جميع ما يريده فلا بد من نفوذه ~~سواء حصل توكل أم لا، وسماه أمرا إشارة إلى أنه مما يستحق أن يؤمر به ~~وإلى أنه في سرعة الكون إذا أريد لم يتخلف بوجه بل يكون كالمؤتمر الحقير ~~للملك الجليل الكبير. # ولما كان ضرب المقادير من القادر موجبا لعدم الإخلال بشيء منها، علل ~~ذلك بما اقتضى تحتم الوعد والتوكل فقال: { قد جعل الله } أي الملك الذي ~~لا كفوء له ولا معقب لحكمه جعلا مطلقا من غير تقيد بجهة ولا حيثية { ~~لكل شيء قدرا * } أي تقديرا لا يتعداه في مقداره وزمانه ومكانه وجميع ~~عوارضه وأحواله وإن اجتهد جميع الخلائق في أن يتعداه، فمن توكل استفاد ~~الأجر وخفف عنه الألم، وقذف في قلبه السكينة، ومن لم يتوكل لم ينفعه ذلك، ~~وزاد ألمه وطال غمه بشدة سعيه وخيبة أسبابه التي يعتقد أنها هي المنجحة، ~~فمن ms5136 رضي فله الرضى ومن سخط فله السخط، جف القلم فلا يزاد في المقادير شيء ~~ولا ينقص منها شيء، ويحكى أن رجلا أتى عمر رضي الله عنه فقال: أولني مما ~~أولاك الله فقال: أتقرأ القرآن؟ قال: لا، قال: إنا لا نولي من لا يقرأ ~~القرآن، فانصرف الرجل واجتهد حتى تعلم القرآن رجاء أن يعود إلى عمر ~~فيوليه، فلما تعلم القرآن تخلف عن عمر فرآه ذات يوم فقال: يا هذا! ~~أهجرتنا، فقال: يا أمير المؤمنين! لست ممن يهجر؟ ولكني تعلمت القرآن ~~فأغناني الله عن عمر وعن باب عمر، قال: أي آية أغنتك؟ قال: قوله تعالى: # ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويزرقه من حيث لا يحتسب # [الطلاق: 2 و 3] انتهى. ومن توكل على غيره سبحانه وتعالى ضاع لأنه لا ~~يعلم المصالح وإن علمها لم يعلم أين هي، وإن علم لم يعلم متى يستعملها ~~وإن علم لم يعلم كم المقدار المستعمل، وإن علم لم يعلم كيف يستعملها وهو ~~سبحانه المنفرد بعلم ذلك كله وما لا يعلمه حق علمه غيره، والآية تفهم أن ~~من لم يتق الله يقتر عليه، وهو موافق لما روى ابن حبان في صحيحه والحاكم ~~واللفظ له - وقال: صحيح الإسناد - عن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " لا يرد القدر إلا الدعاء ولا يزيد في العمر إلا البر، وإن الرجل ليحرم ~~الرزق بالذنب يصيبه " # وتفهم أن من لم يتوكل لم يكف شيئا من الأشياء. ### || [65.4-6] # ولما وسط بين العدد هذه الجمل الواعظة دلالة على عظمتها حثا على ~~امتثالها والمبادرة إليها، وختم بالتقدير، أتبع ذلك بيان مقادير العدد ~~على وجه أبان أن الكلام الماضي كان في الحوائض الرجعيات فقال: { واللائي ~~يئسن } أي من المطلقات { من المحيض } أي الحيض وزمانه لوصولها إلى سن ~~يجاوز القدر الذي ترجو فيه النساء الحيض فصارت بحيث لا ترجوه، وذلك السن ~~خمس وخمسون سنة أو ستون سنة، وقيل: سبعون وهن القواعد، وأما من انقطع ~~حيضها في زمن ترجو فيه الحيض فإنها تنتظر ms5137 سن اليأس. # ولما كان هذا الحكم خاصا بأزواج المسلمين لحرمة فرشهم وحفظ أنسابهم ~~قال: { من نسائكم } أي أيها المسلمون سواء كن مسلمات أو من أهل الكتاب، ~~ولما كان الموجب للعدة إنما هو الدخول لا مجرد الطلاق قال: { إن ارتبتم } ~~بأن أجلتم النظر في أمرهن، فأداكم إلى ريب في هل هن حاملات أم لا، وذلك ~~بالدخول عليهن الذي هو سبب الريب بالحمل في الجملة { فعدتهن ثلاثة أشهر } ~~كل شهر يقوم مقام حيضة لأن أغلب عوائد النساء أن يكون كل قرء في شهر. # ولما أتم قسمي ذوات الحيض إشارة وعبارة قال: { واللائي لم يحضن } أي ~~لصغرهن أو لأنهن لا حيض لهن أصلا وإن كن بالغات فعدتهن ثلاثة أشهر ~~أيضا، وهذا مشير إلى أن أولات الحيض بائنات كن أو لا عدتهن ثلاثة قروء ~~كما تقدم في البقرة لأن هذه الأشهر عوض عنها، فأما أن يكون القرء - وهو ~~الطهر - بين حيضتين، أو بين الطلاق والحيض، وهذا كله في المطلقة، وأما ~~المتوفى عنها زوجها فأربعة أشهر وعشرا كما في البقرة. # ولما فرغ من آئسات الحوامل أتبعه ذكر الحوامل فقال: { وأولات الأحمال } ~~أي من جميع الزوجات المسلمات والكفار المطلقات على كل حال والمتوفى عنهن ~~إذا كان حملهن من الزوج مسلما كان أو لا { أجلهن } أي لمنتهى العدة سواء ~~كان لهن مع الحمل حيض أم لا { أن يضعن } ولما كان توحيد الحمل لا ينشأ ~~عنه لبس، وكان الجمع ربما أوهم أنه لا تحل واحدة منهن حتى يضع جمعا قال: ~~{ حملهن } وهذا على عمومه مخصص لآية # يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا # [البقرة: 234] لأن المحافظة على عمومه أولى من المحافظة على عموم ذلك في ~~قوله: { أزواجا } لأن عموم هذه بالذات لأن الموصول من صيغ العموم، وعموم ~~{ أزواجا } بالعرض لأنه بدلي لا يصلح لتناول جميع الأزواج في حال واحد، ~~والحكم معلل هنا بوصف الحملية بخلاف ذاك ولأن سبيعة بنت الحارث وضعت ~~حملها بعد وفاة زوجها بليال، فأذن لها النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~تتزوج، ولأن هذه الآية متأخرة النزول ms5138 عن آية البقرة، فتقديمها على تلك ~~تخصيص، وتقديم تلك في العمل بعمومها رفع لما في الخاص من الحكم فهو نسخ ~~والأول هو الراجح للوفاق عليه، فإن كان الحمل من زنا أو شبهة فلا حرمة ~~له، والعدة بالحيض. # ولما كانت أمور النساء في المعاشرة والمفارقة من المعاسرة والمياسرة في ~~غاية المشقة، فلا يحمل على العدل فيها والعفة إلا خوف الله، كرر تلميعا ~~بالحث على التقوى إشارة إلى ذلك وترغيبا في لزوم ما حده سبحانه، فقال ~~عاطفا على ما تقديره: فمن لم يحفظ هذه الحدود عسر الله عليه أموره: { ~~ومن يتق الله } أي يوجد الخوف من الملك الأعظم إيجادا مستمرا ليجعل ~~بينه وبين سخطه وقاية من طاعاته اجتلابا للمأمور واجتنابا للمنهي { ~~يجعل له } أي يوجد إيجادا مستمرا باستمرار التقوى " إن الله لا يمل حتى ~~تملوا " { من أمره } أي كله في النكاح وغيره { يسرا * } أي سهولة وفرجا ~~وخيرا في الدارين بالدفع والنفع، وذلك أعظم من مطلق المخرج المتقدم في ~~الآية الأولى. # ولما كان تكرير الحث على التقوى للسؤال عن سببه، استأنف قوله كالتعليل ~~له: { ذلك } أي الأمر المذكور من جميع هذه الأحكام العالية المراتب { أمر ~~الله } أي الملك الأعلى الذي له الكمال كله، ونبه على علو رتبة الأمر ~~بقوله: { أنزله إليكم } ولما كان التقدير: فمن أباه هوى في مهاوي ~~المهلكات إلى أسفل سافلين، عطف عليه قوله: { ومن يتق الله } أي الذي لا ~~أمر لأحد معه بالاجتلاب والاجتناب، ولما كان الإنسان محل العجز والنقصان، ~~أنسه بأنه إذا وقع منه زلل فراجعه بالتقوى لطف به فيه جزاء على تقواه ~~بالدفع والنفع فقال: { يكفر } أي يغطي تغطية عظيمة ويستر ويغيب ويسقط { ~~عنه } جميع { سيئاته } ليتخلى عن المبعدات فإن الحسنات يذهبن السيئات. ~~ولما كان الكريم لا يرضى لمن أقبل إليه بالعفو فقط قال: { ويعظم له أجرا ~~* } بأن يبدل سيئاته حسنات ويوفيه أجرها في الدارين مضاعفا فيتحلى ~~بالمقربات، وهذا أعظم من مطلق اليسر المتقدم. ولما قدم التكفير وأتبعه ~~الأجر الكبير، وكان قد تقدم إيجاب ترك المطلقة في منزل ms5139 الطلاق وأذن في ~~إخراجها عند الفاحشة المبينة، وكان ربما كان منزل الطلاق مستعارا، وكان ~~مما لا يليق بالزوج، وكان ربما نزل الكلام السابق عليه، استأنف البيان له ~~بما لا يحتمل لبسا فقال آمرا بعد ذلك النهي على وجه مشير بسابقه ولاحقه ~~إلى الحلم عنهن فيما يمكن الحلم فيه حفظا للقلوب وإبعادا للشقاق بعد ~~الإيحاش بالطلاق لئلا يعظم الكسر والوحشة: { أسكنوهن } أي هؤلاء ~~المفارقات في العدة إن كن مطلقات حاملات كن أو لا مبتوتات كن أو رجعيات ~~بخلاف ما كان من العدة عن وفاة بغير حمل أو كان عن شبهة أو فسخ. # ولما كان المراد مسكنا يليق بها وإن كان بعض مسكن الرجل، إدخل أداة ~~التبعيض فقال: { من حيث سكنتم } أي من أماكن سكناكم لتكون قريبة منكم ~~ليسهل تفقدكم لها للحفظ وقضاء الحاجات. # ولما كان الإنسان ربما سكن في ماضي الزمان ما لا يقدر عليه الآن قال ~~مبينا للمسكن المأمور به مبقيا للمواددة بعدم التكليف بما يشق: { من ~~وجدكم } أي سعتكم وطاقتكم بإجارة أو ملك أو إعارة حتى تنقضي العدة بحمل ~~كانت أو غيره. ولما كان الإسكان قد يكون مع الشنآن قال: { ولا تضاروهن } ~~أي حال السكنى في المسكن ولا في غيره. ولما كانت المضارة قد يكون لمقصد ~~حسن بأن يكون تأديبا لأمر بمعروف ليتوصل بصورة شر قليل ظاهر إلى خير ~~كثير قال: { لتضيقوا } أي تضييقا بالغا لا شبهة في كونه كذلك مستعليا ~~{ عليهن } حتى يلجئهن ذلك إلى الخروج. ولما كانت النفقة واجبة للرجعية، ~~وكانت عدتها تارة بالأقراء وتارة بالأشهر وتارة بالحمل، وكان ربما توهم ~~أن ما بعد الثلاثة الأشهر من مدة الحمل للرجعية وجميع المدة لغيرها لا ~~يجب الإنفاق فيه قال: { وإن كن } أي المعتدات { أولات حمل } أي من ~~الأزواج كيف ما كانت العدة من موت أو طلاق بائن أو رجعي { فأنفقوا عليهن ~~} وإن مضت الأشهر { حتى يضعن حملهن } فإن العلة الاعتداد بالحمل، وهذه ~~الشرطية تدل على اختصاص الحوامل من بين المعتدات البوائن بوجوب النفقة. # ولما غيى سبحانه وجوب الإنفاق ms5140 بالوضع، وكانت قد تريد إرضاع ولدها، وكان ~~اشتغالها بإرضاعه يفوت عليها كثيرا من مقاصدها ويكسرها، جبرها بأن قال ~~حاثا على مكافأة الأخوان على الإحسان مشيرا بأداة الشك إلى أنه لا يجيب ~~عليها الإرضاع: { فإن أرضعن } وبين أن النسب للرجال بقوله تعالى: { لكم } ~~أي بأجرة بعد انقطاع علقة النكاح { فآتوهن أجورهن } على ذلك الإرضاع. ~~ولما كان ما يتعلق بالنساء من مثل ذلك موضع المشاجرة لا سيما أمر الرضاع، ~~وكان الخطر في أمره شديدا، وكان الله تعالى قد رحم هذه الأمة بأنه يحرك ~~لكل متشاححين من يأمرهما بخير لا سيما في أمر الولد رحمة له قال مشيرا ~~إلى ذلك: { وأتمروا } أي ليأمر بعضكم بعضا في الإرضاع والأجر فيه وغير ~~ذلك وليقبل بعضكم أمر بعض، وزادهم رغبة في ذلك بقوله: { بينكم } أي إن ~~هذا الخير لا يعدوكم، وأكد ذلك بقوله: { بمعروف } ونكره سبحانه تحقيقا ~~على الأمة بالرضى بالمستطاع، وهو يكون مع الخلق بالإنصاف، ومع النفس ~~بالخلاف، ومع الحق بالاعتراف. # ولما كان ذلك موجبا للمياسرة، وكان قد يوجد في الناس من الغالب عليه ~~الشر، قال مشيرا بالتعبير بأداة الشك إلى أن ذلك وإن وجد فهو قليل ~~عاطفا على ما تقديره فإن تياسرتم فهو حظكم وأنتم جديرون بسماع هذا الوعد ~~بذلك: { وإن تعاسرتم } أي طلب كل منكم ما يعسر على الآخر بأن طلبت المرأة ~~الأجرة وطلب الزوج إرضاعها مجانا فليس له أن يكرهها. # ولما كان سبحانه قد تكفل بأرزاق عباده وقدرها قبل إيجادهم. قال مخبرا ~~جبرا للأب بما يصلح عتابا للأم: { فسترضع } أي بوعد لا خلف فيه، وصرف ~~الخطاب إلى الغيبة إيذانا بأن الأب ترك الأولى فيما هو جدير به من ~~المياسرة لكونه حقيقا بأن يكون أوسع بطانا وأعظم شأنا من أن يضيق عما ~~ترضى به المرأة استنانا به صلى الله عليه وسلم في أنه ما خير بين أمرين ~~إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما أو قطعية رحم فقال: { له } أي الأب { ~~أخرى * } أي مرضعة غير الأم ويغني الله عنها وليس له إكرهها إلا ms5141 إذا لم ~~يقبل ثدي غيرها، وهذا الحكم لا يختص بالمطلقة بل المنكوحة كذلك. ### || [65.7] # ولما كانت المعاسرة في الغالب في ترك السماح، وكان ترك السماح من خوف ~~الإعدام، نبه سبحانه على أن ذلك ليس بعذر بتقسيم الناس إلى موسع عليه ~~وغيره، ولأن الأليق بالموسع عليه أن يوسع ولا يسيء الظن بربه وقد جرب ~~رفده، وأن المقتر عليه لا ينبغي أن يفعل فعل من يخاف أن يخلف وعده، فقال ~~شارحا للمياسرة: { لينفق ذو سعة } أي مال واسع ولم يكلفه سبحانه جميع ~~وسعه بل قال: { من سعته } التي أوسعها الله عليه. ولما كان الإعطاء من ~~غير تقدير ملزوما للسعة، كان التقدير كناية عن الضيق فقال: { ومن قدر } ~~أي ضيق وسكنت عليه حركته ورقدت عنه معيشته { عليه رزقه } بأن جعله الله ~~الذي لا يقدر على التضييق والتوسيع غيره بقدر ضرورياته فقط من غير وسع ~~لشيء غيرها لأمر من الأمور التي يظهر الله بها عجز العباد رحمة لهم ليهذب ~~به نفوسهم، وبناه للمفعول تعليما للأدب معه سبحانه وتعالى: { فلينفق } ~~أي وجوبا على المرضع وغيرها من كل ما أوجبه الله عليه أو ندبه إليه، ~~وبشر سبحانه وتعالى بأنه لا يخلي أحدا من شيء يقوم به ما دام حيا بقوله ~~مشيرا بالتبعيض إلى أن ما أوجبه سبحانه لا يستغرق ما وهبه: { مما آتاه ~~الله } أي الملك الذي لا ينفذ ما عنده ولا حد لجوده، ولو من رأس المال ~~ومتابع البيت ومن ثمن الضيعة إن لم يكن له من الغلة لأنه سبحانه قد ضمن ~~الإخلاف، ومن ملك ما يكفيه للوقت ثم اهتم للزيادة للغد فذلك اهتمام غير ~~مرحوم، وصاحبه غير معان، وفي هذا إرشاد إلى الاقتداء به صلى الله عليه ~~وسلم في عدم التكلف واليسر في كل أمر على حسب الأوقات. # ولما كان تعالى له التكليف بما لا يطاق، أخبر بأنه رحم العباد بأنه لا ~~يفعله، فقال معللا أو مستأنفا جوابا لمن يقول: فما يفعل من لم يكن له ~~موجود أصلا، محببا في دينه صلى الله عليه ms5142 وسلم مما فيه من اليسر: { لا ~~يكلف الله } أي الذي له الكمال بأوصاف الرحمة والإنعام علينا بالتخفيف { ~~نفسا } أي نفس كانت { إلا ما آتاها } وربما أفهم، أن من كلف إنفاقا وجد ~~من فضل ما عنده ما يسده من الأثاث الفاضل عن سد جوعته وستر عورته. # ولما كان التذكير بالإعدام ربما أوجع، قال تعالى جابرا له وتطبيبا ~~لقلبه نادبا إلى الإيمان بالغيب: { سيجعل الله } أي الملك الذي له ~~الكمال كله فلا خلف لوعده، ونزع الجار زيادة في الخبر فقال: { بعد عسر } ~~أي من الأمور التي تعسرت لا أنه يجعل ذلك بعد كل عسر { يسرا * } أي لا ~~بد من ذلك ولا يوجد أحد يستمر التقتير عليه طول عمره في جميع أحواله، قال ~~القشيري: وانتظار اليسر من الله صفة المتوسطين في الأحوال الذين انحطوا ~~عن درجة الرضى واستواء وجود السبب وفقده وارتقوا عن حد اليأس والقنوط ~~ويعيشون في أفناء الرجاء ويتعللون بحسن المواعيد - انتهى. ولقد صدق الله ~~وعده فيمن كانوا موجودين حين نزول الآية، ففتح عليهم جميع جزيرة العرب ثم ~~فارس والروم وانتثلوا كنوزها حتى صاروا أغنى الناس، وصدق الآية دائم غير ~~أنه كان في الصحابة رضي الله تعالى عنهم أبين لأن إيمانهم أتم. ### || [65.8-10] # ولما كان الأمر قد بلغ النهاية في الأحكام والمواعظ والترغيب لمن أطاع، ~~فلم يبق إلا التهديد لمن عصى بما شوهد من المثلات وبالغ العقوبات، فإن من ~~الناس البليد الذي لا يتعظ بما يرى، وكان التقدير: فكأي من ناس كانوا في ~~غاية الضيق فأطاعوا أوامرنا فجعلناهم في غاية السعة بل جعلناهم ملوكا، ~~عطف عليه تزهيدا في الرفاهية بأنها تطغى في الأغلب، وتهديدا لأهل ~~المعاصي قوله مفيدا لكثرة القرى الخارجة عن الحد: { وكأين من قرية } أي ~~مدينة كبيرة جامعة، عبر عن أهلها بها مبالغة { عتت } أي استكبرت وجاوزت ~~الحد في عصيانها وطغيانها فأعرضت عنادا { عن أمر ربها } أي الذي أحسن ~~إليها ولا محسن إليها غيره بكثرة الرزق وطيب العيش واللطف في التربية ~~والرحمة بعد الإيجاد والملك { ورسله } فلم يقبل منهم ms5143 ما جاؤوها به عن ~~الله، فإن طاعتهم من طاعة الله. # ولما كانت محاسبة مثل هؤلاء للإهلاك لأن الحساب هو ذكر الأعمال ~~والمجازاة عليها بما يحق لكل منها، قال ملتفتا إلى مقام التكلم في مظهر ~~العظمة: { فحاسبناها } أي فتسبب عن عدم شكرهم للإحسان أن أحصينا أعمالها. ~~ولما كان ذلك على وجه المناقشة على النقير والقطمير بالمجازاة على كل فعل ~~بما يليق به قال: { حسابا شديدا } بمعناه المطابقي من ذكر الأعمال كلها ~~والمجازاة عليها، وهذا هو المناقشة وهي أن العامل إذا أثر أثرا بعمله هو ~~كالنقش في الجامد أثر المجازي له فيه أثرا بحسب عمله على سبيل ~~الاستقصاء، وأما الحساب اليسير فهو عرض الأعمال فقط من غير جزاء على ~~قبيحها فهو دلالة تضمن، وإنما شدد على هذه القرية لأن إعراضها كان كذلك ~~بما نبه عليه تسميته عتوا { وعذبناها } أي في الدنيا جزاء على ما ~~أحصيناه من ذنوبها { عذابا نكرا * } أي شديد النكارة لأن العقل يحير في ~~أمره لأنه لم ير مثله ولا قريبا منه ليعتبره به، وأزال ذكر الكثرة شبهة ~~أن يكون الإهلاك وقع اتفاقا في وقت من الأوقات { فذاقت } بسبب ذلك بعد ~~ما كان لها من الكثرة والقوة { وبال } أي وخامة وعقوبة وشدة وثقل وفساد { ~~أمرها } أي في العتو وجميع ما كانت تأتمر فيه، مثله بالمرعى الوخيم الذي ~~يمرض ويهلك. ولما كان كل مقهور إنما يسلي نفسه بانتظار الفرج ورجاء ~~العاقبة، أيأس من ذلك مذكرا للفعل إشارة إلى الشدة بقوله: { وكان عاقبة ~~} أي آخر ومنتهى وعقيب { أمرها } أي في جميع عملها الذي كانت فيه { خسرا ~~* } أي نفس الخسر في الدارين، فكلما امتد الأمر وجدوه أمامهم فإن من زرع ~~الشوك كما قال القشيري لا يجني الورد، ومن أضاع حق الله لا يطاع في حظ ~~نفسه، ومن احترق بمخالفة أمر الله تعالى فليصبر على مقاساة عقوبة الله ~~تعالى، ثم فسر الخسر أو استأنف الجواب لمن يقول: هل لها غير هذا في هذه ~~الدار، بقوله: { أعد الله } أي الملك الأعظم { لهم } بعد الموت وبعد ms5144 ~~البعث { عذابا شديدا }. # ولما تمت الأحكام ودلائلها، وأحكمت الآيات وفواصلها، والتهديدات ~~وغوائلها، كانت فذلكتها وثمرة سياقها وموعظتها ما تسبب عن ذلك من قوله ~~تعالى تنبيها على ما يحيي الحياة الطيبة وينجي في الدارين: { فاتقوا ~~الله } أي الذي له الأمر كله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه. # ولما كان في تخليص المواعظ من الأحكام واستثمارها من فواصل هذا الكلام ~~أمر عظيم هو من الرقة بمكان لا يبصره إلا ذوو الأفهام قال تعالى: { يا ~~أولي الألباب * } أي العقول الصافية النافذة من الظواهر إلى البواطن { ~~الذين آمنوا } أي خلصوا من دائرة الشرك وأوجدوا الإيمان حقيقة، ثم علل ~~هذا الأمر بما أزال العذر فقال تنبيها على ما من علينا به من المراسلة ~~فإن مراسلات فإن مراسلات الأكابر فخر فكيف بمراسلات الملوك فكيف بمراسلة ~~ملك الملوك حثا بذلك على شكره: { قد أنزل الله } أي الذي له صفات الكمال ~~{ إليكم } خاصة { ذكرا * } أي كاملا مذكورا فيه غاية الشرف لكل من ~~يقبله بل تشرفت الأرض كلها بنزوله ورفع عنها العذاب وعمها النور والصواب ~~لأن فيه تبيان كل شيء، فمن استضاء بنوره اهتدى، ومن لجأ إلى برد أفنائه ~~وصل من داء الجهل إلى شفائه. ### || [65.11-12] # ولما كان الرسول صلى الله عليه وسلم صورة سورة القرآن، فالقرآن باطنه ~~وهو ظاهره لأنه خلقه لا قول له ولا فعل إلا به، فكان كأنه هو، أبدل منه ~~قوله: { رسولا } على أن الأمر فيه غي عن تأويل، فإن الذكر بكسر الذال في ~~اللغة كما في القاموس من الرجال القوي الشجاع الأبي، ثم بين كونه ذكرا ~~بقوله: { يتلوا } أي يتابع أن يقص { عليكم آيات الله } أي دلائل الملك ~~الأعظم ذي الجلال والإكرام الظاهر جدا حال كونها { مبينات } أي لا لبس ~~فيها بوجه. # ولما تبين أن الذكر والرسول صارا شيئا واحدا، وعلم ما في هذه المراسلة ~~من الشرف، أتبع ذلك بيان شرف آخر ببيان ثمرة إنزاله فقال: { ليخرج الذين ~~آمنوا } أي أقروا بالشهادتين { وعملوا } تصيدقا لما قالوه بألسنتهم ~~وتحقيقا لأنه من قلوبهم { الصالحات } من الأعمال { من الظلمات ms5145 } أي ~~النفسانية والأخلاق الرذيلة المؤدية إلى ظلمة الجوارح بعملها الظلم ~~وانتشارها في السبل الشيطانية { إلى النور } الروحاني العقيلي الخالص ~~الذي لا دنس فيه بسلوك صراط الله الذي هو واحد لا شتات فيه وبين لا لبس ~~فيه # وإن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل # [الأنعام: 153] كما بادروا إلى إخراج أنفسهم من ظلمات الكفر إلى نور ~~الإيمان، ومن فساد الأعمال الصالحة إلى سداد الأعمال الصالحة، وذلك بأن ~~يصيرهم متخلقين بالقرآن ليكونوا مظهرا له في حركاتهم وسكناتهم وأقوالهم ~~وأفعالهم فيكونوا ذكرا. # ولما كان التقدير: فمن آمن بالله وعمل صالحا شاهد بركات ذلك في نفسه ~~عاجلا، عطف عليه بيانا لسعادة الآجلة قوله تعالى: { ومن يؤمن بالله } ~~أي يجدد في كل وقت على الدوام الإيمان بالملك الأعلى بأن لا يزال في ترق ~~في معارج معارفه { ويعمل } على التجديد المستمر { صالحا } لله وفي الله ~~فله دوام النعماء، وهو معنى إدخاله الجنة، ولما كان قد تقدم قريبا في ~~آية التقوى أنه يكفر عنه سيئاته، قال شارحا لقوله: # ويعظم له أجرا # [الطلاق: 5]: { يدخله } أي عاجلا مجازا بما يتيح له من لذات العرفان ~~ويفتح له من الأنس آجلا حقيقة { جنات } أي بساتين هي في غاية ما يكون من ~~جمع جميع الأشجار وحسن الدار، وبين دوام ريها بقوله: { تجري } وبين ~~انكشاف كثير من أرضها بقوله: { من تحتها } أي تحت غرفها { الأنهار } أو ~~هو كناية عن أن أرضها في غاية الري بحيث إن ساكنها يجري في أي موضع أراد ~~نهرا، وإلى زيادة عظمتها أشارت قراءة نافع وابن عامر بنون العظمة. # ولما أفرد الشرط والجزاء إجراء على لفظ " من " إشارة إلى أنه لا يشترط ~~في الإيمان ولا في جزائه مشاركة أحد، وأنه لا توقف للقبول على شيء غير ~~الوصف المذكور،جمع الحال بشارة بأن الداخلين كثير، وأن الداخل إلى دار ~~الكرامة لا يحصل له هوان بعد ذلك أصلا فقال: { خالدين فيها } وأكد معنى ~~الخلود ليفهم الدوام بلا انقضاء فقال: { أبدا } ولما أعلم أن الخلود لكل ~~الداخلين إلى الجنة رجع إلى الأسلوب الأول ms5146 تنصيصا على كل فرد إبلاغا في ~~عظمة هذا الجزاء بقوله نتيجة لذلك، منبها على أن هذه النتيجة من حقها أن ~~يتوقع قولها من كل من سمع هذه البشرى: { قد أحسن الله } أي الملك الأعلى ~~ذو الجلال والإكرام { له } أي خاصة { رزقا * } أي عظيما عجيبا، قال ~~القشيري: الرزق الحسن ما كان على حد الكفاية لا نقصان فيه يتعطل عن أموره ~~بسببه ولا زيادة تشغله عن الاستمتاع بما رزق لحرصه، كذلك أرزاق القلوب ~~أحسنها أن يكون له من الأحوال ما يستقل بها عن غير نقصان ولا يتعذب ~~بتعطشه ولا يكون زيادة فيكون على خطر من مغاليط لا يخرج منها إلا بتأييد ~~من الله سماوي. # ولم تقدم أن فائدة الذكر النقل من خلق إلى خلق، وكان من المعلوم أن ~~تحويل جبل من مكانه أيسر من تحويل شخص عن خلقه وشأنه، وتقدم أن أجر ~~المجاهدة في ذلك الجنات الموصوفة، وكان ذلك يحتاج إلى قدرة تامة، دل على ~~قدرته سبحانه عليه بقوله: { الله } أي الذي له جميع صفات الكمال التي ~~القدرة الشاملة إحداها، ثم أخبر عنه بما يدل على ذلك لأن الصنعة تدل على ~~الصانع وعلى ما له من الصفات فقال: { الذي خلق } أي أوجد وحده من العدم ~~بقدرته على وفق ما دبر بعلمه على هذا المنوال البديع القريب { سبع سماوات ~~} أي وإنهم يشاهدون عظمة ذلك ويشهدون أنه لا يقدر عليه إلا تام العلم ~~كامل القدرة، ثم زاد على ذلك ما أنتم أعرف به فقال: { ومن الأرض مثلهن } ~~أي سبعا كما دل عليه حديث سعيد بن زيد وعبد الله بن عمر رضي الله عنهما ~~في الصحيحين # " من أخذ شبرا من الأرض بغير حقه طوقه من سبع أرضين " # ولفظ ابن عمر رضي الله عنهما: خسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين، وقد ~~تقدم في سورة السجدة ما ينفع في ذلك، وظاهره يدل على أنها كما هي مثلها ~~في العدد فهي مثلها في الكرية وإحاطة كل واحدة منها بالتي تحتها، وأن ~~التي نحن عليها هي السابعة العليا ms5147 كالسماء السابعة التي سقفها الكرسي لأن ~~ذلك أدل على ما السياق له من تمام العلم وشمول القدرة في الاستدلال عليه ~~بقوله: { يتنزل } أي بالتدريج { الأمر } أي الذي يجود به الرحمن من ~~التدبير من أمر الدين والتكوين من العرش والكرسي { بينهن } بالوحي من ~~السماء السابعة العليا إلى الأرض السابعة السفلى وأنتم ترونهن بلا فروج ~~فأنفذ بينهن حتى نفذ فيهن، وذلك - والله أعلم - هو ما يريد من عظيم ~~تدبيره بإنزال الكتب وإرسال الرسل وإثبات شريعة ومحو أخرى وتوجيه الأسباب ~~إلى المسببات من المطر والنبات والليل والنهار والفصول وخلق الحيوانات ~~والمعادن وسائر النباتات، وترديد الملائكة بسائر المصنوعات، هذا ما دل ~~عليه ظواهر الكتاب والسنة، وأولها بعضهم بأنها سبعة أقاليم، وهو مردود ~~بعد القاعدة في أن التأويل بغير دليل لعب بما يأتي من صريح الحديث النبوي ~~والكلام الضابط فيما يؤول وما لا يؤول أن النقليات أربعة أقسام: قطعي ~~السند والدلالة، ظنيهما، ظني السند قطعي الدلالة، عكسه: قطعي السند ظني ~~الدلالة، فالأول يجب اعتقاد ظاهره، ومن خالفه كفر، والبقية يجب اعتقاد ~~ظواهرها ما لم تعارض، فإن عورضت بقطعي وجب العدول عن الظاهر إجماعا، فمن ~~اعتقده كفر، ثم للناس بعد ذلك مذهبان: أما السلف فيفوضون المراد إلى الله ~~تعالى، وأما الخلف فإن كان لذلك محمل واحد عينوه، وإن كان ثم محامل ~~سردوها ولم يعينوا شيئا منها مع اعترافهم بأنهم ليسوا على قطع من أن ~~المراد شيء مما ذكروه، وإنما هو شيء يليق بالمقام والعلم عند الله وبأن ~~طريق السلف أقرب وأسلم وبأنه ما حملهم على التأويل إلا انتشار المبتدعين ~~وإشهارهم بدعتهم بين الناس، قال الإمام علاء الدين القونوي رحمه الله ~~تعالى في باب السير من شرحه الحاوي: قال الإمام - يعني إمام الحرمين: ولو ~~بقي الناس على ما كانوا عليه من صفوة الإسلام لما أوجبنا التشاغل بعلم ~~الكلام بل ربما نهينا عنه، وأما الآن وقد ثارت البدع فلا سبيل إلى تركها ~~تلتطم أمواجها فلا بد من إعداد ما يدعى به إلى المسلك الحق وتحل به ~~الشبه، فصار ms5148 الاشتغال بأدلة المعقول وحل الشبه من فروض الكفايات، ومن ~~استراب في أصل من أصول الاعتقاد فعليه السعي في إزاحته إلى أن يستقيم ~~عقده - انتهى. # ثم إنك تجد العلماء يختلفون في بعض الأدلة فبعضهم يجريها على الظاهر ~~وبعضهم يؤول، وذلك للاختلاف في المعارض هل هو قطعي الدلالة أم لا، وهذا ~~الموضع منه، لإن ظواهر الكتاب والسنة تدل على أن الأرضين مثل السماوات في ~~العدد في أن بينهما خلاء، وفي أن في كل واحدة مخلوقات لا يعلمها إلا ~~الله، بل بعض الأخبار يكاد يقطع به في ذلك، ولكنه لم يخرج عن أن يكون ~~ظنيا فأكثر العلماء ومحققوهم على أن المعارض - وهو ما قاله أهل علم ~~الهيئة من الأدلة على كونها واحدة - ليس بقطعي، فأولوا كونها سبعة ~~بالأقاليم السبعة، وقد رأيت في التعدد حقيقة حديثا صريحا لكن لا أدري ~~حاله، ذكره ابن برجان في اسمه تعالى الملك من شرحه للأسماء الحسنى قال: ~~إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " أتدرون ما تحت هذه الأرض، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ماء، أتدرون ~~ما تحت ذلك، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال هواء، أتدرون ما تحت ذلك: ~~قالوا الله ورسوله أعلم، قال: أرض، أتدرون ما تحت ذلك؟ قالوا: الله ~~ورسوله أعلم - حتى عد سبع أرضين " # ثم رأيته في الترمذي عن أبي رزين العقيلي ولفظه: # " هل تدرون ما الذي تحتكم، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: إنها الأرض، ~~ثم قال: هل تدرون ما تحت ذلك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: إن تحتها ~~أرضا أخرى بينهما خمسمائة سنة - حتى عد سبع أرضين بين كل أرضين مسيرة ~~خمسمائة سنة " # ثم رأيت في الفردوس عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " ما بين السماء إلى السماء مسيرة خمسمائة عام، وعرض كل سماء وثخانة كل ~~سماء خمسمائة عام، وما بين السماء السابعة وبين الكرسي والعرش مثل ذلك، ~~وما بين السماء إلى الأرض مسيرة خمسمائة عام، والأرضون وعرضهن وثخانتهن ~~مثل ذلك ". # ولما ذكر سبحانه الصنعة تنبيها على التفكر ms5149 فيها والاعتبار بها، ذكر أن ~~ثمرتها العلم بصفاته بعد العجز عن إحاطة العلم عقب ذاته تعالى فقال: { ~~لتعلموا } أي بهذا العالم الذي أوجده بتسوية كل واحد من القبيلين سبعا ~~كل واحدة بينها وبين الأخرى مسافة بعيدة مع الكثافة الزائدة وأنتم تعلمون ~~أنه لا يفصل الجسم ولا سيما الكثيف عن آخر مثله إلا فاصل قاهر بقوة باهرة ~~وقدرة ظاهرة وعلم شامل لما يحتاج إليه ذلك، فكيف إذا كان على هذا المنهاج ~~البديع والوجه المنيع على مر الدهور والأحقاب وتعاقب الشهور والأعوام على ~~حساب معلوم ونظام منظوم، لا يدركه إلا أعلى الناس حسابا وأعظمهم صوابا، ~~مع المنافع التي تفضل عن سكانها، والمرافق التي تنزه الخالق بآثارها ~~وأعيانها، وتوقظ الغافل وتنبه الجاهل وتدمغ المعاند ببرهانها، فإنه لا ~~يسع أحدا المنازعة في خلقه لها، ومن خلقها قدر على تدبيرها على الوجه ~~المذكور، ومن كان كذلك كان منزها عن الشريك قطعا، ومن كان كذلك قدر على ~~كل شيء فلذا قال: { أن الله } أي الملك الأعلى الذي له الإحاطة كلها { ~~على كل شيء } أي من غير هذا العالم ممكن أن يدخل تحت المشيئة فإنه بمعنى ~~مفعول من عالم آخر مثل هذا العالم، وأبدع منه وأبدع من ذلك الإبداع إلى ~~ما لا نهاية له بالاستدلال بهذا العالم، فإن من قدر على إيجاد ذرة من ~~العدم قدر على إيجاد ما هو دونها ومثلها وفوقها إلى ما لا نهاية له لأنه ~~لا فرق في ذلك بين قليل ولا كثير جليل أو حقير # ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت # [الملك: 3] وإياك أن تلتفت إلى من قال: إنه ليس في الإمكان أبدع من هذا ~~العالم، فإنه مذهب فلسفي خبيث، والآية نص على إبطاله وإن نسبه بعض ~~الملحدين إلى الغزالي فإني لا أشك أنه مدسوس عليه فإنه مذهب فلسفي خبيث ~~بشهادة الغزالي كما بينت ذلك في كتابي " تهديم الأركان على من قال ليس في ~~الإمكان أبدع مما كان " وكتابي " دلالة البرهان على أن في الإمكان أبدع ~~مما كان " وكتابي " إطباق الأغلال ms5150 في أعناق الضلال " ومع كونه مذهب ~~الفلاسفة أخذه أكفر المارقين ابن عربي وأودعه فصوصه وغير ذلك من كتبه ~~واستند فيه في بعضها إلى الغزالي إتقانا لمكره - أعاذنا الله من شره، ~~والغزالي بريء منه بشهادة ما وجد من عقائده في الإحياء وغيره { قدير * } ~~أي بالغ القدرة. # ولما كانت إحاطة العلم دالة على تمام القدرة وإليهما يرجع جميع الأسماء ~~والصفات قال: { قد أحاط } لتمام قدرته { بكل شيء } مطلقا، ولما أسند ~~الإحاطة إليه سبحانه تعظيما لها، بين جهتها بتمييز محول عن الفاعل فقال: ~~{ علما * } فله الخبرة التامة بما يأمر به من الأحكام في العلم بمصالحه ~~ومفاسده فعاملوه معاملة من يعلم إحاطة علمه فيعلم أنه رقيب عليه فإذا ~~طلقتم فافعلوا ما أمركم به لتسلموا في الدين وتسعدوا في الآخرة والأولى، ~~ودبروا في جميع أموركم مثل ما دبر به أمركم في تربيتكم ومسكنكم أرضه ~~وسقفه فإنه جعل فيه جميع ما تحتاجونه وبسطه نواله على من يرضيه ومن يسخطه ~~ونشر حلمه وفضله وأخر بأسه وعدله فقد عائق أخرها أولها وبين مجملها ~~ومفصلها والله يعلم بذات الصدور. ### | [66 - سورة التحريم] ### || [66.1-3] # لما ختم سبحانه الطلاق بإحاطة علمه وتنزل أمره بين الخافقين في تدبيره، ~~دل عليه أول هذه بإعلاء أمور الخلق بأمر وقع بين خير خلقه وبين نسائه ~~اللاتي من خير النساء واجتهد كل في إخفاء ما تعلق به منه فأظهره سبحانه ~~عتابا لأزواج نبيه صلى الله عليه وسلم في صورة عقابه لأنه أبلغ رفقا به ~~لأنه يكاد من شفقته أن يبخع نفسه الشريفة رحمة لأمته تارة لطلب رضاهم ~~وأخرى رغبة في هداهم، لأنه صلى الله عليه وسلم بالغ في تهذيب أخلاقه مع ~~ما طهره الله به من نزاهتها عن كل دنس حتى ضيق عليها بالامتناع عن بعض ما ~~أبيح له حفظا لخاطر الغير، فقال تعالى مناديا له بأداة البعد وهو أقرب ~~أهل الحضرة مع أنها معدة لما يكون ذا خطب جليل ومعنى جسيم جليل، وفيها ~~إيماء إلى تنبيه الغير وإسماعه إرادة لتأديبه وتزكيته وتهذيبه: { يا أيها ~~النبي ms5151 } مخاطبة بالوصف الذي يعلم بالعصمة ويلائمه أشد الملاءمة خلو البال ~~وسرور القلب وانشراح الصدر لأنه للتلقي عن الله تعالى فيحث كل سامع على ~~البعد عن كل ما يشوش عليه صلى الله عليه وسلم أدنى تشويش { لم تحرم } أي ~~تفعل فعل المحرم بمنع نفسك الشريفة { ما أحل الله } أي الملك الذي لا أمر ~~لأحد معه { لك } بالوعد لبعض أمهات المؤمنين رضي الله عنهن بالامتناع من ~~شرب العسل الذي كان عند حفصة أو زينب رضي الله عنهما والامتناع من ملامسة ~~سريتك مارية رضي الله تعالى عنها فتضيق على نفسك لإحسان العشرة مع نسائك ~~رضي الله عنهن أجمعين، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يشرب عسلا عند ~~حفصة بنت عمر أو زينت بنت جحش رضي الله عنهما على اختلاف الروايتين في ~~ذلك في الصحيح، وفي رواية # " أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى الغداة دخل على نسائه رضي الله ~~عنهن امرأة امرأة، وكانت قد أهديت لحفصة بنت عمر رضي الله عنهما عكة من ~~العسل، فكانت إذا دخل عليها فسلم حبسته وسقته منها، وأن عائشة رضي الله ~~عنها أنكرت احتباسه عندها فقالت لجويرية عندها حبشية يقال لها خصرة: إذا ~~دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على حفصة فادخلي عليها فانظري ماذا ~~يصنع فأخبرتها الخبر فوصت صواحباتها فنفرنه من شربه بإخباره بأنه يوجد ~~منه ريح كريهة لأن نحلة جرست العرفط، فقال: لن أعود له، " # وروى الطبري وابن مردوية # " أنه صلى الله عليه وسلم خلا بمارية رضي الله عنها أم ولده إبراهيم ~~عليه السلام في بيت حفصة رضي الله عنها فتوجعت من ذلك حفصة رضي الله عنها ~~فقال هي علي حرام ولا تذكري ذلك لأحد وأبشرك على ذلك بشارة، وهي أن أبا ~~بكر يلي هذا الأمر من بعدي وأباك يليه من بعد أبي بكر رضي الله عنهما، لا ~~تخبري بذلك أحدا، فأخبرت عائشة رضي الله عنها " # ويروى أن حفصة رضي الله عنها قالت في يومها من النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " إن بي ms5152 إلى أبي حاجة نفقة له عنده فأذن لي أن أزوره وآتي بها، فأذن لها ~~فلما خرجت أرسل إلى جاريته مارية القبطية رضي الله عنها فوقع عليها فأتت ~~حفصة فوجدت الباب مغلقا فجلست عنده فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ووجهه يقطر عرقا وحفصة تبكي فقال لها: ما يبكيك؟ فقالت: إنما أذنت لي من ~~أجل هذا وقعت عليها في يومي وعلى فراشي، أما رأيت لي حرمة وحقا ما كنت ~~تصنع هذا بامرأة منهن، فقال صلى الله عليه وسلم: أليس هي جاريتي قد أحلها ~~الله لي اسكتي فهي علي حرام ألتمس بذاك رضاك فلا تخبري بهذا أحدا، فلما ~~خرج أخبرت عائشة رضي الله عنها فحلفته على ترك مارية رضي الله عنهن " # ثم علل ذلك سبحانه بقوله: { تبتغي } أي تريد إرادة عظيمة من مكارم ~~أخلاقك وحسن صحبتك { مرضات أزواجك } أي الأحوال والمواضع والأمور التي ~~يرضين بها ومن أولى بأن تبتغين رضاك وكذا جميع الخلق لتفرغ لما يوحى إليك ~~من ربك لكن ذلك للزوجات آكد. # ولما كان أعلى ما يقع به المنع من الأشياء من جهة العباد الإيمان، وكان ~~تعالى قد جعل من رحمته لعباده لإيمانهم كفارة قال: { والله } أي تفعل ذلك ~~لرضاهن والحال أن الله الملك الأعلى { غفور رحيم * } أي محاء ستور لما ~~يشق على خلص عباده مكرم لهم، ثم علل أو بين بقوله: { قد فرض الله } أي ~~قدر ذو الجلال والإكرام الذي لا شريك له ولا أمر لأحد معه، وعبر بالفرض ~~حثا على قبول الرخصة إشارة إلى أن ذلك لا يقدح في الورع ولا يخل بحرمة ~~اسم الله لأن أهل الهمم العوالي لا يحبون النقلة من عزيمة إلى رخصة بل من ~~رخصة إلى عزيمة، أو عزيمة إلى مثلها. # ولما كان التخفيف على هذه الأمة إنما هو كرما منه وتعظيما لهذا النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: { لكم } أي أيتها الأمة التي أنت رأسها، وعبر ~~بمصدر حلل المزيد مثل كرمه وتكرمه إظهارا لمزيد الغاية فقال: { تحلة } ~~أي تحللة { أيمانكم } أي شيئا يحللكم ms5153 مما أوثقتم به أنفسكم منها تارة ~~بالاستثناء وتارة بالكفارة تحليلا عظيما بحيث يعيد الحال إلى ما كان ~~عليه قبل اليمين، وقد بين ذلك في سورة المائدة فحلل يمينك واخرج من ~~تضييقك على نفسك واشرح من صدرك لتتلقى ما يأتيك من أنباء الله تعالى وأنت ~~متفرغ له بطيب النفس وقرة العين، وهذا يدل على أن قوله " أنت علي حرام " ~~كاليمين إذا لم يقصد به طلاقا للزوجة ولا إعتاقا للأمة، وإذا كان الله ~~قد فرض ذلك لكافة الأمة تيسيرا عليهم فرأسهم أولى بأن يجعل له ذلك، قال ~~مقاتل: فأعتق صلى الله عليه وسلم في هذه الواقعة رقبة، وقد قيل: إن ~~تحريمه صلى الله عليه وسلم هنا كان بيمين حلفها وحينئذ لا يكون فيه حجة ~~لمن رأى أن " أنت على حرام " يمين { والله } أي والحال أن المختص بأوصاف ~~الكمال { مولاكم } أي يفعل معكم فعل القريب الصديق { العليم } أي البالغ ~~العلم بمصالحكم وغيرها إلى ما لا نهاية له { الحكيم * } أي الذي يضع كل ~~ما يصدر عنه لكم في أتقن محاله بحيث لا ينسخه هو ولا يقدر غيره أن يغيره ~~ولا شيئا منه، وقال الإمام أبو جعفر ابن الزبير: لاخفاء بشدة اتصال هذه ~~السورة بسورة الطلاق لاتحاد مرماهما وتقارب معناهما، وقد ظن أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم طلق نساءه حين اعتزل في المشربة حتى سأله عمر رضي ~~الله عنه والقصة معروفة وتخييره صل الله عليه وسلم إياهن أثر ذلك وبعد ~~اعتزالهن شهرا كاملا وعتب الله عليهن في قوله: # وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه # [التحريم: 4] وقوله: # عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن # [التحريم: 5] فهذه السورة وسورة الطلاق أقرب شيء وأشبه بسورة الأنفال ~~وبراءة لتقارب المعاني والتحام المقاصد - انتهى. # ولما كانت العدة فيمن رأى حبيبه قد ضاق صدره أن يسعى أولا في شرح صدره ~~وطيب نفسه ثم يزيده بسطا بأن يقول للحاضرين: إن حبيبنا هذا الكريم علينا ~~اتفق له كذا، وقد كرهت هذا وضمنت زواله، وكان تعالى قد طيب نفسه ms5154 صلى الله ~~عليه وسلم بأول السورة، ثم أتبعه الأمر الآخر، فكان التقدير: اذكروا هذا ~~الذي ذكرته من حسن عشرة نبيكم صلى الله عليه وسلم لنسائه رضي الله تعالى ~~عنهن وكريم صحبته وشريف أخلاقه وجميل أفضاله وجليل حلمه واذكروا ما خفف ~~الله به عنكم في الأيمان التي لا مثنوية فيها واذكروا فيها اسمه المقدس، ~~عطف عليه قوله تعالى تشريفا لنبيه صلى الله عليه وسلم بالمعاتبة عليه ~~وبإظهار ما هو حامل له من ثقل هذا السر على أجمل وجه تخفيفا عنه ~~وترويحا له: { وإذ } أي واذكروا كريم أخلاقه صلى الله عليه وسلم وطاهر ~~شمائله في عشرتهن حين { أسر النبي } أي الذي شأنه أن يرفعه الله دائما ~~بأن يتلقى من فياض علمه ما يخبر به الناس فإنه ما ينطق عن الهوى وأبهم ~~الزوجة ولم يعينها سبحانه تشريفا له صلى الله عليه وسلم ولها رضي الله ~~عنهن فقال تعالى: { إلى بعض أزواجه } وهي حفصة رضي الله عنها، كنى عنها ~~صيانة لهن لأن حرمتهن رضي الله عنهن من حرمته صلى الله عليه وسلم { ~~حديثا } ليس هو من شأن الرسالة ولو كان من شأنها لهم به وأعلنه ولم يخص ~~به ولا أسره وذلك هو تحريم مارية رضي الله عنها ووعده بأن يترك العسل ~~وبشارته بولاية أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ولم يبين الحديث ويفصله ~~إكراما له صلى الله عليه وسلم وحفظا لسره لأن العادة جارية بأن الإنسان ~~لا يحب تفصيل سره وإن كنا اطلعنا عليه بعد ذلك لنتأسى به فيما فيه من ~~الأحكام، فإن أحواله صلى الله عليه وسلم كلها أحكام لنا إلا ما اختص به ~~وأشار إلى قرب زمن إفشائه من زمن التحديث بالفاء في قوله تعالى: { فلما ~~نبأت } أي أخبرت إخبارا عظيما جليلا لشرفه في نفسه ولأنه من عند الله ~~وبالغت في ذلك وأخبرت { به } كله من جميع وجوهه، وجعل ذلك في سياق حكاية ~~لأنه أستر لحرمه صلى الله عليه وسلم حيث لم يقل: فنبأت به ولا قال: أساءت ~~بالإنباء به، ونحو ذلك ms5155 مما يفهم أنه مقصود بالذات { وأظهره الله } أي ~~أطلعه الملك الذي له الإحاطة بكل شيء { عليه } أي الحديث بأنه قد أفشى ~~مناصحة له في إعلامه بما يقع في غيبته ليحذره إن كان شرا ويثيب عليه إن ~~كان خيرا { عرف } أي النبي صلى الله عليه وسلم التي أسر إليها { بعضه } ~~وهو أمر الخلافة عتابا لها عليه لأنه كان أوصاها أن لا تظهره، والكف عن ~~بعض العتب أبعث على حياء المعتوب وأعون على توبته وعدم عدده إلى فعل مثله ~~{ وأعرض عن بعض } وهو أمر السرية والعسل تكرما منه أن يستقصي في العتاب ~~وحياء وحسن عشرة، قال الحسن: ما استقصى كريم قط، وقال سفيان الثوري: ما ~~زال التغافل من فعل الكبراء وإنما عاتب على أمر الخلافة خوفا من أن ~~ينتشر في الناس ويذيع، فربما أثار حسدا من بعض المنافقين وأورث الحسود ~~للصديق والفاروق كيدا أو جر إلى مفسدة لا نعلمها، وخفف الكسائي: عرف أي ~~أقر به والمعرفة سبب التعريف والتعريف عن المعرفة فإطلاق أحدهما على ~~الآخر شائع وعلاقته ذلك وأشار إلى مبادرته بتعريفها ذلك لئلا ينتشر ما ~~يكرهه منه بقوله: { فلما نبأها } بما فعلت من إفشاء ما عرفها منه على وجه ~~لم يغادر من ذلك الذي عرفها { به } شيئا منه ولا من عوارضه ليزداد ~~بصيرة، روي أنها قالت: قلت لعائشة رضي الله عنها سرا وأنا أعلم أنها لا ~~تظهره، قاله الملوي وهو معنى قوله: { قالت } أي ظنا منها أن عائشة رضي ~~الله عنها أفشت عليها { من أنبأك هذا } أي مطلق إخبار، واستأنف قوله: { ~~قال نبأني } وحذف المتعلق اختصارا للفظ وتكثيرا للمعنى بالتعميم إشارة ~~إلى أنه أخبره بجميع ما دار بينها وبين عائشة رضي الله عنهما مما عرفها ~~به ومن غيره على أتم ما كان { العليم } أي المحيط بالعلم { الخبير * } أي ~~المطلع على الضمائر والظواهر فهو أهل لأن يحذر فلا يتكلم سرا ولا جهرا ~~إلا بما يرضيه. ### || [66.4-5] # ولما عرف من هذا أن المعاتب المنبئة ومن نباته، وكان قد يكون عددا أشار ~~إلى أنه ms5156 واحد فالمعاتب اثنتان، وكانتا قد اتسعت قلوبهما لما يأتي من قبل ~~الله من الرغائب بهذا العتاب على هذا الأمر الخفي جدا والكرم عليهما فيه ~~بعدم الاستقصاء فمالت قلوبهما إلى المعالي وغاصت على جليل المعارف فصاغت ~~من جواهر ذلك دقيق المعاني، لفت إليهما الخطاب بلطيف العباد لشريف ~~المتاب، فقال تشريفا آخر له صلى الله عليه وسلم بالإقبال على نسائه رضي ~~الله تعالى عنهن بالعتاب لأجله قياما عنه بما ربما أزعجه لو باشره حفظا ~~لخاطره الشريف مما قد يغره { إن تتوبا } أي يا عائشة ويا حفصة مما صنعته ~~حفصة بالإفشاء وعائشة بالاحتيال على المنع من شرب العسل والتحليف على ~~مارية { إلى الله } أي الملك الذي أحاط علمه فجلت قدرته ولطف بهما لأجله ~~صلى الله عليه وسلم غاية اللطف في قوله: { فقد صغت } أي مالت وغاضت بما ~~صاغت { قلوبكما } وفي جمع القلوب جمع كثرة تأكيد لما فهمته من ميل القلب ~~بكثرة المعارف بما أفادهما إظهار هذا السر والعتاب عليه من الحياء، ~~فصارتا جديرتين بالمبادرة إلى التوبة متأهلتين لذلك غاية التأهل. # ولما أورد ما صارتا حقيقيتين به بأداة الشك إقامة للسامع بين الخوف ~~والرجاء من ذلك وهو أعلم مما يكون أكمل ذلك بذكر شق الخوف، فقال معلما ~~بأن الملك وأوليائه أنصار له { وإن تظاهرا } بالتشديد للإدغام في قراءة ~~الجماعة لأن النظر هنا إن وقع كان على وجه الخفاء في أعمال الحيلة في أمر ~~مارية رضي الله عنها والعسل وما يأتي من مثل ذلك ما يبعث عليه الغيرة { ~~عليه } أي النبي صلى الله عليه وسلم المنبأ من قبل الله بما يرفع قدره ~~ويعلي ذكره، وقراءة الكوفيين بالتخفيف بإسقاط إحدى التاءين إشارة إلى ~~سهولة أمر هذه المظاهرة وقلة أذاها له صلى الله عليه وسلم. # ولما كان المعنى كأنه لا يبالي بمظاهرة كما عبر عنه بعلته، فقال مؤكدا ~~إعلاما بأن حال المتظاهرين عليه حال المنكر لمضمون الكلام: { فإن الله } ~~أي الملك الأعظم الذي لا كفوء له { هو } أي بنفسه الأقدس وحضرة غيب غيبه ~~التي لا يقوم لما ms5157 لها من العظمة شيء { مولاه } أي ناصره والمتولي من أمره ~~ما يتولاه القريب الصديق القادر وكل من له وعي يعلم كفايته سبحانه في ذلك ~~فهو يعمل أبلغ ما يعمله مولى مع من هو متول لأمره وفي معاونته لنبيه صلى ~~الله عليه وسلم إظهار لشرفه ومراعاة لحفظ خاطره وشرح لصدره. # ولما كانت النفوس لمبنى هذه الدار على حكمة الأسباب مؤكلة بها ناظرة أتم ~~نظر إليها، وكان نساء النبي صلى الله عليه وسلم لكثرة ما يتلى في بيوتهن ~~من آيات الله والحكمة على لسان جبريل عليه الصلاة والسلام وكثرة تردده ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم في بيوتهن ويعلمهن قد صار عندهن بذلك من ~~الأسباب الظاهرة المألوفة، وكان هو أعظم أنصار النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: { وجبريل } لأنه من أعظم الأسباب التي يقيمها الله سبحانه. # ولما كان الحامل على مظاهرته صلى الله عليه وسلم على كل ما يريده ~~الإيمان فكل ما كان الإنسان فيه أمكن كان له أشد مظاهرة وأعون قال: { ~~وصالح المؤمنين } أي الراسخين في رتبة الإيمان والصلاح من الإنس والجن ~~وأبواهما رضي الله عنهما أعظم مراد بهذا، وقد روي أن عمر رضي الله عنه ~~قال للنبي صلى الله عليه وسلم: لو أمرتني لأضربن عنقها، والصالح وإن كان ~~لفظه مفردا فمعناه الجمع المستغرق لأنه للجنس، ودل على ذلك مع دلالة ~~السياق إضافته للجمع ولعله عبر بالإفراد مع أن هذا المراد للإشارة إلى ~~قلة المتصف بهذا جدا لقلة الراسخين في الإيمان وقلة الراسخين في الصلاح ~~من الراسخين في الإيمان فهو قليل من قليل وقد جوز بعضهم أن يكون جمعا ~~وأنه حذفت واؤه في الرسم على خلاف القياس وهي محذوفة في الوصل لالتقاء ~~الساكنين، فظن لذلك مفردا ودخل في ذلك جبريل عليه السلام أيضا. # ولما كان الله سبحانه وتعالى قد أعطى الملائكة من القوى والتصرف في ~~الظواهر. والبواطن ما يجل عن الوصف، قال تعظيما للمقام بعد تعظيمه بما ~~ذكر من رئيس الكروبيين عليهم الصلاة والسلام { والملائكة } أي كلهم ومنهم ~~جبريل عليهم الصلاة ms5158 والسلام فهو مذكور خصوصا وعموما ثلاث مرات إظهارا ~~لشدة محبته وموالاته للنبي صلى الله عليه وسلم. ولما كان المراد التعميم ~~في الزمان والمكان بعد التعميم في الصالحين من الملائكة والإنس والجان، ~~قال من غير جار معظما لنصرة الملائكة لما لهم من العظمة في القلوب لما ~~تقرر لمن باشر منهم العذاب تارة بالرجفة وأخرى بالصعقة وتارة بالخسف ~~وأخرى بغير ذلك، فكيف إذا تصور الآدمي المقيد بالمحسوسات اجتماعهم على ما ~~لهم من الأشكال المهولة { بعد ذلك } أي الأمر العظيم الذي تقدم ذكره وهو ~~مظاهرة الله ومن ذكر معه { ظهير * } أخبر عن الجمع باسم الجنس إشارة إلى ~~أنهم على كلمة واحدة في المظاهرة، فخوف بهذا كله لأجل المتاب لطفا به ~~صلى الله عليه وسلم وإظهارا لعظمته وفي قصة صاحب ياسين قال { وما أنزلنا ~~على قومه } الآية، تحقيرا لقومه وإهانة لهم، ويجوز أن يكون " ظهير " خبر ~~جبريل عليه الصلاة والسلام، وخبر ما بعده محذوف لدلالته عليه أي كذلك. # ولما حذر بما تقدم، زاد في التحذير ما يقطع القلوب لأن أشد ما على ~~المرأة أن تطلق ثم إذا طلقت أن تستبدل بها ثم أن يكون البدل خيرا منها ~~فقال مبينا لأدنى أنواع المظاهرة سائقا الأمر مساق الرجاء إشارة إلى ~~أنه يكفي العاقل في الخوف تجويز احتمال الضرر فكيف إذا كان الأمر حتما ~~لأن من المعلوم أن " عسى " من الله على طريق الكبراء لا سيما الملوك في ~~اكتفائهم بالإشارات والرموز فمن هنا كانت واجبة لأنه ملك الملوك وهو ذو ~~الكبرياء في الحقيقة لا غيره { عسى ربه } أي المسحن إليه بجميع أنواع ~~الإحسان التي عرفتموها وما لم تعرفوه جدير وحقيق، ووسط بينها وبين خبرها ~~اهتماما وتخويفا قوله: { إن طلقكن } أي بنفسه من غير اعتراض عليه جمع ~~أو بعضكن بإيجاد الطلاق لمن لم يطلقها وإدامته من طلقها { أن يبدله } ~~منكن بمجرد طلاقه لكن من غير أن تحوجه إلى التفتيش تبديلا مبالغا فيه ~~بما أشارت إليه قراءة نافع وأبي جفعر وأبي عمرو بالتشديد، فهي أبلغ من ~~قراءة الباقين بالتخفيف ms5159 الدال على مطلق الإبدال الصالح للمبالغ فيه ~~وغيره، ومن التشريف أيضا إضافة الطلاق إليه والإبدال إلى الله مع ~~التعبير بصفة الإحسان وتخصيص الإضافة! بضميره. # ولما كان الأوجع لقب الحرة حرة مثلها لا سرية قال: { أزواجا } ولما كان ~~علوها عليها في الرتبة هو النهاية في التأسيف قال: { خيرا } ودل على ~~أنها للتفضيل بقوله: { منكن } وهذا على سبيل الفرض وعام في الدنيا ~~والآخرة فلا يقتضي وجود من هو خير منهن مطلقا وإن قيل بوجوده في خديجة ~~رضي الله عنها لما جرب من تحاملها على نفسها في حقه صلى الله عليه وسلم ~~وبلوغها في حبه والأدب معه ظاهرا وباطنا النهاية القصوى ومريم عليها ~~السلام التي أحصنت فرجها حتى كانت من القانتين، وذلك في الآخرة، والكلام ~~خارج مخرج الشرط بالطلاق وقد علم سبحانه أنه لا يقع لكنه سبحانه علم أنه ~~لو وقع أبدله صلى الله عليه وسلم من هو بالصفات المذكورة المقتضية ~~للإخلاص في طاعته كما أشار إليه " قانتات " ولا شك أن من لازم طاعته وقيد ~~الاتصال به في الدارين كان خيرا من غيره، وتعليق تطلق الكل لا يدل على ~~أنه لم يطلق حفصة رضي الله عنها فقد روي أنه طلقها ولم يزدها ذلك إلا ~~فضلا من الله تعالى لأن الله تعالى أمره بأن يراجعها لأنها صوامة قوامه ~~- والله الموفق. ولما وعد بما ذكر، وكان أول منظور إليه الظاهر، فصل ذلك ~~الوعد وفسر الخيرية بادئا بقوله: { مسلمات } أي ملقيات لجميع قيادهن ~~ظاهرا وباطنا لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم على وجه الخضوع. # ولما كان المشاهد من الإسلام إنما هو الظاهر قال: { مؤمنات } أي راسخات ~~في القوة العلمية بتصديق الباطن. # ولما كان ذلك قد يكون فيه نوع شوب قال: { قانتات } أي مخلصات في ذلك لا ~~شائبة في شيء منه فهن في غاية ما يكون من إدامة الطاعة له من الذل ~~والانكسار والمبادرة إلى امتثال أمره صلى الله عليه وسلم في المنشط ~~والمكره. # ولما كان الإنسان مجبولا على النقصان، وكان الإخلاص يدل صاحبه على ~~تقصيره فكان ms5160 ربما فتره ذلك، قال تسهيلا لخدمته وتقريبا لدوام طاعته ~~معلما الأدب لمحتاجه { تائبات } أي راجعات من الهفوات أو الزلات سريعا ~~إن وقع منهن شيء من ذلك. ولما كان هذا مصححا للعبادة مسهلا لدوامها ~~قال: { عابدات } أي مديمات للعبادة بسبب إدامة تجديد التوبة. ولما كان ~~دوام العبادة مسهلا للخروج عن الدنيا قال: { سائحات } أي متصفات بصفات ~~الملائكة من التخلي عن الدنيا والاستغراق في الآخرة بما أدناه الصيام ~~ماضيات في ذلك غاية المضاء ليتم الانقياد لله ولرسوله صلى الله عليه ~~وسلم، لأن من كان هكذا لم يكن له مراد، فكان تابعا لربه في أمره دائما ~~ويصير لطيف الذات حلو الشمائل، قال الملوي: والمرأة إذا كانت كثيرة ~~الصيام قليلة الأكل يقل عرقها ويصغر كرشها وتلطف رائحتها وتخف حركتها لما ~~يراد منها - انتهى. وسوق هذه الأوصاف هذا السياق في عتاب من هو متصف بها ~~معرف أن المراد منها التمام لا سيما وهي لا يوجد وصف منها على سبيل ~~الرسوخ إلا كان مستلزما لسائرها، فلذلك لم يحتج في تعدادها إلى العطف ~~بالواو. والتجريد عنه أقعد في الدلالة على إرادة اجتماعها كلها. # ولما أكمل الصفات الدينية النافعة في أمر العشرة ولم يبق إلا الصفات ~~الكونية وكان التنويع إلى عارفة بالعشرة وباقية على أصل الفطرة، ألذ ~~وأشهى إلى النفس، قال مقسما للنساء المتصفات بالصفات الست عاطفا ثاني ~~الوصفين بالواو للتضاد { ثيبات } قدمهن لأنهن أخبر بالعشرة التي هذا ~~سياقها { وأبكارا }. ### || [66.6-7] # ولما أبلغ سبحانه في عتاب أزواج النبي صلى الله عليه وسلم مع صيانتهن عن ~~التسمية إكراما له صلى الله عليه وسلم وعلم اتصافهن بهذه الصفات العظيمة ~~على سبيل الرسوخ من دوام صحبته صلى الله عليه وسلم لهن ليكن من جملة ~~أزواجه في الجنة وكان اتصافهن بذلك الذي أداهن إلى السعادة العظمى إنما ~~هو بحسن تأديب أوليائهن لهن وإكمال ذلك الأدب بحسن عشرته صلى الله عليه ~~وسلم وتأدبهن بكريم أخلاقه أثمر ذلك أمر الأمة بالتأسي به في هذه الأخلاق ~~الكاملة والتأسي بأوليائهن في ذلك ليعرفن حق الله وحق ms5161 الأزواج فيحصل بذلك ~~صلاح ذات البين المثمرات للخير كله فقال تعالى متبعا لهذه الموعظة ~~الخاصة بموعظة عامة دالة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~للأقرب فالأقرب { يا أيها } مخاطبة لأدنى الأسنان إشارة إلى أن من فوقهم ~~تأسى من حين دخوله في الإسلام فهو غني عن أمر جديد { الذين آمنوا } أي ~~أقروا بذلك { قوا أنفسكم } أي اجعلوا لها وقاية بالتأسي به صلى الله عليه ~~وسلم في أدبه مع الخلق والخالق في لينه لمن يستحق اللين من الخلق تعظيما ~~للخالق فعاملوه قبل كل شيء بما يعاملكم به من الأدب، وكذا كونوا مع بقية ~~الخلق. # ولما كان الإنسان راعيا لأهل بيته مسؤولا عن رعيته قال تعالى: { ~~وأهليكم } من النساء والأولاد وكل من يدخل في هذا الاسم قوهم { نارا } ~~بالنصح والتأديب ليكونوا متخلقين بأخلاق أهل النبي صلى الله عليه وسلم ~~كما روى أحمد والطبراني عن سعيد بن العاص رضي الله عنه رفعه: # " ما نحل والد ولدا أفضل من أدب حسن " # ولما كانت الأشياء لا تعظم في نفسها وعند المخبر بها إلا بإخباره بما ~~يشتمل عليه من الأوصاف قال: { وقودها } أي الذي توقد به { الناس والحجارة ~~} أي ألين الأشياء وأصلبها، فما بين ذلك هو لها وقود بطريق الأولى. # ولما وصفها بغاية الأدب في الائتمار أتبعه وصف القوام فقال معبرا ~~بأداة الاستعلاء دلالة على تمكنهم من التصرف فيها: { عليها ملائكة } أي ~~يكون أمرها على سبيل الاستعلاء فلا تعصيهم شيئا لتأديب الله لها { غلاظ ~~} أي في الأبدان والقلوب فظاظة على أهلها لاستحقاقهم لذلك بعصيانهم الملك ~~الأعلى. # ولما كان الغلظ قد يكون مع الرخاوة قال: { شداد } أي في كل شيء يحاولونه ~~بالقول والفعل حتى روي أن الواحد منهم يلقي بالدفعة الواحدة في النار من ~~الكفار سبعين ألفا. # ولما كان المعنى أنهم يوقعون غلظتهم وشدتهم بأهل المعاصي على مقادير ~~استحقاقهم. بين ذلك بما يخلع القلوب لكونه بأمر الله تعالى فقال: { لا ~~يعصون الله } أي الملك الأعلى في وقت من الأوقات { ما أمرهم } أي أوقع ~~الأمر لهم به في ms5162 زمن ما. # ولما كان المطيع منا قد يخل ببعض المأمور به في ذاته بنقص ركن أو شرط أو ~~وقت لنسيان، أو نوم ونحوه أو بترك مندوب ونحوه أو ما في معناه بوسوسة أو ~~حديث نفس ونحوه يقصر عن إيقاعه على أعلى الدرجات كما قال صلى الله عليه ~~وسلم فيما أخرجه ابن ماجه عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما والطيالسي ~~عن ثوبان رضي الله عنه: # " استقيموا ولن تحصوا " # قال نافيا لذلك عنهم: { ويفعلون } أي مجددين مع كل أمر على سبيل ~~الاستمرار { ما يؤمرون * } أي ما يقع لهم الأمر به في أي وقت كان من غير ~~نقص ما، وبني الفعل لما لم يسم فاعله كناية عن سهولة انقيادهم وإشارة إلى ~~أن الذي أمرهم معلوم أنه الله سبحانه وتعالى. # ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم أعظم من أريد بأمر الأمة بالتأدب معه ~~فكان تعمد الإخلال بالأدب معه كفرا، علم أن هذه النار لأولئك فعلم أن ~~التقدير: يقولون: { يا أيها الذين كفروا } أي بالإخلال بالأدب في النبي ~~صلى الله عليه وسلم فأداهم ذلك إلى الإخلال بالأدب مع الله وبالأدب مع ~~سائر خلقه { لا تعتذروا } أي تبالغوا في إظهار العذر وهو إيساع الحيلة في ~~وجه يزيل ما ظهر من التقصير { اليوم } فإنه يوم الجزاء لا يوم الاعتذار، ~~وقد فات زمان الاعتذار، وصار الأمر إلى ما صار، وإذا نهى عن المبالغة في ~~الاعتذار لعدم نفعها كان النهي عن مطلقه من باب الأولى، وهذا قطع لرجائهم ~~وإيجاب لباسهم ليعظم همهم وتنقطع قلوبهم لأن معناه أن الاعتذار لا ينفعكم ~~وإن بالغتم فيه، ولذلك استأنف قوله على سبيل الحصر: { إنما تجزون } أي في ~~هذا اليوم { ما كنتم } أي بما هو لكم كالجبلة والطبع { تعملون * } أي على ~~سبيل الإصرار ولا بعد على الله في أن يصور لكل إنسان صورة عمله بحيث لا ~~يشك أنها عمله، ثم يجعل تلك الصورة عذابه الذي يجد فيه من الألم ما علم ~~سبحانه أنه بمقدار استحقاقه. ### || [66.8-9] # ولما أفهم الأمر بالوقاية والمدح ms5163 للملائكة أن المأمورين بالوقاية مقصرون ~~قال مرشدا إلى داوء التقصير: { يا أيها الذين آمنوا } ناداهم بما هو ~~أليق بهم من أداة البعد { توبوا } أي ارجعوا رجوعا تاما { إلى الله } ~~أي الملك الذي لا كفوء له. # ولما كان كل فعول بمعنى فاعل يستوي فيه المذكر والمؤنث قال: { توبة ~~نصوحا } أي بالغة في كونها ناصحة عن الإسناد المجازي أي منصوحا فيها ~~بالإخلاص في الأزمان الثلاثة، الماضي بالندم، والحال بالإقلاع. والمستقبل ~~بالعزم على عدم العود إلى الذنب، فلا يقع فيها رجوع كما لا يعود الحليب ~~إلى الضرع، فلا يؤذي أحد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن أذى رسوله من ~~أذاه، قال القرطبي: النصوح مجمعها أربعة أشياء: الاستغفار باللسان، ~~والإقلاع بالأبدان، وإضمار ترك العود بالجنان، ومهاجرة سيىء الإخوان، ~~وقال رويم الراعي: هي أن تكون لله وجها بلا قفا كما كانت له عند المعصية ~~قفاء بلا وجه. # ولما أمر بالتوبة عللها بما يفيد الإطماع من الإقامة بين الرجاء والخوف ~~إعلاما بأن هذا المقام هو المنجي لأنه اعتقاد الكمال له سبحانه وهو أن ~~له أن يفعل ما يشاء في المطيع وغيره بقوله: { عسى ربكم } أي افعلوا ذلك ~~ليكون المحسن إليكم بهذا البيان جديرا أو حقيقا { أن يكفر } أي يغطي ~~تغطية عظيمة { عنكم } أي بالتوبة، وإذا كان التائب على خطر فما ظنك ~~بالمصر على ذنوبه { سيئاتكم } أي ما بدا منكم ما يسوءه. # ولما ذكر نفع التوبة في دفع المضار، ذكر نفعها في جلب المسار فقال: { ~~ويدخلكم } أي يوم الفصل { جنات } أي بساتين كثيرة الأشجار تستر داخلها ~~لأنها { تجري }. # ولما كان ذلك الجري في بعض أرضها قال معبرا بأداة التبعيض: { من تحتها ~~} أي تحت غرفها وأشجارها { الأنهار } فهي لا تزال ريا. # ولما ذكر الغفران والإكرام. ذكر وقته فقال مبشرا لأهله معرضا لغيرهم ~~مستحمدا لأهل وده لكونه وفقهم ولم يخذلهم كأعدائه: { يوم لا يخزي الله } ~~أي الملك الأعظم الذي له الإحاطة بالكمال { النبي } أي الرجل الذي ينبئه ~~الله بما يوجب له الرفعة التامة من الإخبار التي هي في ms5164 غاية العظمة { ~~والذين } أي ولا يخزي الذين { آمنوا معه } وهم الصحابة رضي الله تعالى ~~عنهم إن كان المراد المعية في مطلق الزمان، وسابقوهم إن كان المراد في ~~الوصف أو زمان مخصوص كبدر وبيعة الرضوان لأن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة " # كما رواه مسلم عن أم مبشر رضي الله عنها وأبو داود والترمذي عن جابر رضي ~~الله عنه: # " ولعل الله اطلع على أهل بدر فقال: " اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم " # وقال تعالى: # لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين ~~أنفقوا # [الحديد: 10] إلى قوله # وكلا وعد الله الحسنى # [الحديد: 10] ونساءه رضي الله عنهن أحق بأن يكن أول راغب في الكون معه ~~في الإيمان ليبعدن عن النيران، وإذا استحضرت قصص الأنبياء من سورة هود ~~عليه الصلاة والسلام اتضح لك حسن هذا الوجه، ويجوز أن يكون " الذين " ~~مبتدأ خبره " نورهم " أو يكون الخبر " معه " إشارة إلى أن جميع الأنبياء ~~وصالحي أممهم من أمته وتحت لوائه، وذلك في غاية ما يكون من الشرف والرفعة ~~له صلى الله عليه وسلم والإيمان المقيد بمعيته، أي تأهله لمصاحبة إيمانه ~~صلى الله عليه وسلم غير الإيمان المطلق، فلا مانع من أن يدخل غيرهم من ~~المؤمنين النار ثم يخرج منها بشفاعة الشافعين فلا متمسك للمعتزلة بها في ~~أن مرتكب الكبائر مخلد في النار لأنه داخل النار فهو مخزي، فهو غير موصوف ~~بالإيمان لأن من اتصف بالإيمان لا يخزى بدليل هذه الآية، قال أبو حيان: ~~وفي الحديث: # " أنه صلى الله عليه وسلم تضرع في أمر أمته فأوحى الله إليه: إن شئت ~~جعلت حسابهم إليك، فقال: يا رب! أنت أرحم بهم مني، فقال تعالى: إذا لا ~~أخزيك فيهم ". # ولما نفى عنهم الخزي، فسره بقوله مقدما للنور لأن السياق لتعظيم النبي ~~صلى الله عليه وسلم بخلاف ما مضى في الحديد: { نورهم يسعى } أي سعيا ~~مستمر التجدد، وعلى التفسير الآخر تكون هذه الجملة حالية، ويجوز أن تكون ~~خبرا ms5165 ل " الذين " إذا جعلناه مبتدأ { بين أيديهم } وحذف الجار إشارة ~~إلى أنه ملأ تلك الجهة { و } كذا { بأيمانهم } وأما ما يلي شمائلهم فإنهم ~~لا يلتفتون إليه لأنهم إما من السابقين وإما من أهل اليمين، فهم يمشون ~~فيما بين الجهتين ويؤتون صحائف أعمالهم منهما، وأما أهل الشمال فيعطونها ~~من وراء ظهورهم ومن شمائلهم وهم بما لهم من النر إن قالوا سمع لهم وإن ~~شفعوا شفعوا. # ولما كانت إدامة للملك هي أشرف صفات العبد قال: { يقولون } أي مجددين ~~لذلك دائما لعلمهم أن الله تعالى له أن يفعل ما يشاء، لا حق لأحد عليه ~~ولا سيما إذا رأوا انطفاء نور المنافقين، قال سهل: لا يسقط الافتقار إلى ~~الله تعالى عن المؤمنين في الدنيا ولا في الآخرة بل هم في الآخرة أشد ~~افتقارا إليه وإن كانوا في دار العز لشوقهم إلى لقائه: { ربنا } أي أيها ~~المتفضل علينا بهذا النور وبكل خير كنا أو نكون فيه { أتمم } فأظهروا لأن ~~المقام له. # ولما كان الإنسان ربما رزق شيئا فانتفع به غيره دونه قالوا: { لنا ~~نورنا } أي الذي مننت به علينا حتى يكون في غاية التمام فتوصلنا به إلى ~~المأمن في دار السلام، ولا تجعلنا كالمنافقين الذين أطفأت أنوارهم فكانت ~~عاقبتهم إلى الظلام. # ولما كان كل من حسن أدبه لا بد أن يعتقد في نفسه النقص، قالوا على سبيل ~~الذلة والمسكنة والتواضع: { واغفر لنا } أي امح عنا كل نقص كان يميل بنا ~~إلى أحوال المنافقين عينه وأثره، وهذا النور هو صورة أعمالهم في الدنيا ~~لأن الآخرة تظهر فيها حقائق الأشياء وتتبع الصور معانيها، وهو شرع الله ~~الذي شرعه وهو الصراط الذي يضرب بين ظهراني جهنم لأن الفضائل في الدنيا ~~متوسطة بين الرذائل، فكل فضيلة تكتنفها رذيلتان: إفراط وتفريط، فالفضيلة ~~هي الصراط المستقيم، والرذيلتان ما كان من جهنم عن يمينه وشماله، فمن كان ~~يمشي في الدنيا على ما أمر به سواء من غير إفراط ولا تفريط كان نوره ~~تاما، ومن أمالته الشهوات طفىء نوره - أعاذنا الله من ذلك ms5166 ورزقنا حسن ~~الثبات، وكان ذلك الطفىء في بعض الأوقات واختطفته كلاليب هي صور الشهوات ~~فتميل به في النار بقدر ميله إليها، والمنافق يظهر له نور إقراره بكلمة ~~التوحيد، فإذا مشى طفىء لأن إقراره لا حقيقة له فنوره لا حقيقة له. # ولما كان ما ذكر لا يقدر عليه إلا الله تعالى، علله بقوله مؤكدا لإنكار ~~الكفار البعث وما تفرع عنه: { إنك } أي وحدك { على كل شيء } أي يمكن دخول ~~المشيئة فيه { قدير * } أي بالغ القدرة. # ولما ذكر ما تقدم من لينه صلى الله عليه وسلم لأضعف الناس النساء وحسن ~~أدبه وكريم عشرته لأنه مجبول على الشفقة على عباد الله والرحمة لهم، وختم ~~بما للمؤمنين من الشرف ولله من تمام القدرة، أنتج ذلك القطع بإذلال ~~أعدائهم وإخزائهم فقال مداريا لهم من خطر ذلك اليوم بيد أنصح الخلق ~~ليكون صلى الله عليه وسلم جامعا في طاعته سبحانه وتعالى بين المتضادات ~~من اللين والشدة والرضى والغضب والحلم والانتقام وغيرها، فيكون ذلك أدل ~~على التعبد لله بما أمر به سبحانه وتعالى والتخلق بأوامره وكل ما يرضيه: ~~{ يا أيها النبي } مناديا بأداة التوسط إسماعا للأمة الوسطى تنبيها ~~على أنهم المنادون في الحقيقة، ولأجل دلالتها على التوسط والله أعلم كان ~~لا يتعقبها إلا ما له شأن عظيم، معبرا بالوصف الدال على الرفعة بالإعلام ~~بالأخبار الإلهية المبني على الإحكام والعظمة المثمرة للغلبة، وأما وصف ~~الرسالة فيغلب فيه الرحمة فيكثر إقباله على اللين والمسايسة نظرا إلى ~~وصف الربوبية: { جاهد الكفار } أي المجاهرين بكل ما يجهدهم فيكفهم من ~~السيف وما دونه ليعرف أن الأسود إنما اكتسبت من صولتك، فيعرف أن ذلك ~~اللين لأهل الله إنما هو من تمام عقلك وغزير علمك وفضلك، وكبير حلمك ~~وخوفك من الله ونبلك: { والمنافقين } أي المساترين بما يليق بهم من الحجة ~~إن استمروا على المساترة، والسيف إن احتيج إليه إن أبدوا نوع مظاهرة { ~~وأغلظ } أي كن غليظا بالفعل والقول بالتوبيخ والزجر والإبعاد والهجر { ~~عليهم } فإن الغلظة عليهم من اللين لله كما أن اللين لأهل الله ms5167 من خشية ~~الله، وقد أمره سبحانه باللين لهم في أول الأمر لإزالة أعذارهم وبيان ~~إصرارهم، فلما بلغ الرفق أقصى مداه جازه إلى الغلظة وتعداه، وقد بان بهذه ~~الآية أن أفعل التفضيل في قول النسوة لعمر رضي الله عنه: " أنت أفظ وأغلظ ~~من رسول الله صلى الله عليه وسلم " على بابه ولا محذور. # ولما كان انتقام الولي من العدو إنما هو لله سبحانه وتعالى، لاحظ له ~~فيه، فكان موجبا لعدم اكتفاء الله به في حق الولي، فكان التقدير: فإنهم ~~ليس لهم عصمة ولا حرمة في الدنيا ولا قوة وإن لاح في أمرهم خلاف ذلك، عطف ~~عليه قوله: { ومأواهم } أي في الآخرة { جهنم } أي الدركة النارية التي ~~تلقى داخلها بالعبوسة والكراهة. # ولما كان التقدير: إليها مصيرهم لا محالة، عطف عليه قوله: { وبئس المصير ~~* } أي هي، فذلك جزاء الله لهم عن الإساءة إلى أوليائه والانتقاص ~~لأحبائه. ### || [66.10] # ولما كان أمر الاستئصال في الإنجاء والإهلاك أشبه شيء بحال أهل الآخرة ~~في الدينونة بالعدل والفضل، وكان المفتتح به السورة عتاب النساء، ثم أتبع ~~بالأمر بالتأديب لجميع الأمة إلى أن ختم بهلاك المخالف في الدارين، وكان ~~للكفار قرابات بالمسلمين وكانوا يظنون أنها ربما تنفعهم، وللمسلمين ~~قرابات بالكفار وكانوا ربما توهموا أنها تضرهم، قال مجيبا لما يتخيل من ~~ذلك تأديبا لمن ينكر عليه صلى الله عليه وسلم من النساء وغيرهن: { ضرب ~~الله } أي الملك الذي أحاط بكل شيء قدرة وعلما { مثلا } يعلم به من فيه ~~قابلية العلم ويتعظ به من له أهلية الاتعاظ { للذين كفروا } أي غطوا الحق ~~على أنفسهم وعلى غيرهم سواء كانوا مشاققين أو منافقين في عدم انتفاعهم مع ~~كفرهم بما بينهم وبين المؤمنين من الوصل والعلائق فيغلظ عليهم في الدارين ~~معاملة بما يستحقون من غير محاباة لأحد وإن جل مقامه، وعلا منصبه ومرامه، ~~لأن الكفر قاطع للعلائق بين الكافر والمسلم: { امرأت نوح } الذي أهلك ~~الله من كذبه بالغرق ونصره وآواه عليه الصلاة والسلام وكان اسمها فيما ~~يقال واعلة { وامرأت لوط } الذي أهلك الله أيضا ms5168 من كذبه بالحصب والخسف ~~والإغراق، واسمها فيما قيل واهلة، ودل على وجه الشبه بقوله: { كانتا } أي ~~مع كونهما كافرتين. ولم يقل: تحتهما، بل أظهر بالوصف العبودية المضافة ~~إليه سبحانه وتعالى والوصف بالصلاح لأن ذلك أفخم، فيكون أشد تأثيرا ~~للموعوظ وأعظم، ودفعا لأن يتوهم أحد بشيء لا يليق بمقامهما عليهما ~~الصلاة والسلام فقال: { تحت عبدين } أي كل واحدة منهما تحت عبد، وعبر ~~بذلك لأن أثر الناس عند الملك كما تقدم عبيده، ودل على كثرة عبيده ~~تنبيها على غناه بقوله: { من عبادنا }. # ولما كانت طبقات القرب متفاوتة بحسب الصلاح قال: { صالحين } وهما نوح ~~ولوط عليهما الصلاة والسلام { فخانتاهما } بعدم المتابعة في الدين نفاقا ~~منهما لا بالخيانة في الفرش، فقد صان الله جميع الأنبياء من ذلك فلم تقل ~~واحدة منهما لأجل كفرهما: رب اجعلني مع نبيك في الجنة، وآذن بعدم قبول ~~الشفاعة فيمن أساء إلى الحبيب وبعذابه حتما للتشفي بقوله: { فلم } أي ~~فتسبب عن ذلك أن العبدين الصالحين لم { يغنيا عنهما } أي المرأتين بحق ~~الزواج { من الله } أي من عذاب الملك الذي له الأمر كله فلا أمر لغيره { ~~شيئا } أي من إغناء لأجل خيانتهما بالمخالفة في الدين، ودل على كمال ~~قدرته تعالى بالتعبير بالمجهول فقال: { وقيل } أي للمرأتين ممن أذن له في ~~القول النافذ الذي لا مرد له: { ادخلا النار } أي مقدماتها من الإصرار ~~على الكفر ثم الإهلاك بعذاب الانتقام في الدنيا وحقيقتها في الآخرة لأن ~~الله أبغضهما لأنهما عدو لأوليائه، وذلك كما قيل: عدو صديقي ليس لي ~~بصديق. # ولما فعلتا فعل الرجال في استقلالهما وعدم عدهما لأنفسهما تبعا، غلظ ~~عذابهما بالكون مع الرجال في عذابهم فقال دالا على نفوذ الحكم فيمن هو ~~أقوى منهما بعد نفوذه فيهما: { مع الداخلين * } أي الذين هم أعظم منهما ~~ممن لهم وصلة بأهل الله وممن لا وصلة لهم بهم، فليتأدب كل أحد مع النبي ~~صلى الله عليه وسلم غاية الأدب خوفا من مثل ذلك، وهذا خالع لقلوب من ~~ابتدأ بتأديبهن - رضي الله تعالى عنهن. ### || [66.11-12] # ولما أتم ms5169 مثل النذارة بأن طاعة المطيع لا تنفع العاصي وإن كان أقرب ~~الناس إلى المطيع إلا إن كان له أساس يصح البناء عليه، ويجوز الاعتداد به ~~والنظر إليه، أتبعه مثل البشارة بأن عصيان العاصي لا يضر المطيع فقال: { ~~وضرب الله } أي الملك الأعلى الذي له صفات الكمال { مثلا للذين آمنوا } ~~ولو كان في أدنى درجات الإيمان مبينا لأن وصلة الكفار إذا كانت على وجه ~~الإكراه والإجبار لا تضر { امرأت فرعون } واسمها آسية بنت مزاحم، آمنت ~~وعملت صالحا فلم تضرها الوصلة بالكافر بالزوجية التي هي من أعظم الوصل ~~ولا نفعه إيمانها # كل امرىء بما كسب رهين # [الطور: 21] وأثابها ربها سبحانه أن جعلها زوجة خير خلقه محمد صلى الله ~~عليه وسلم في دار كرامته بصبرها على عبادة الله وهي في حبالة عدوه، وأسقط ~~وصفه بالعبودية دليلا على تحقيره وعدم رحمته لأنه أعدى أعدائه، وأشار ~~إلى وجه الشبه في المثل وهو التحيز إلى حزب الله بقدر الوسع فقال: { إذ } ~~أي مثلهم مثلها حين { قالت } تصديقا بالعبث منادية نداء الخواص بإسقاط ~~الأداة لأجل أنها مؤمنة وإن كانت تحت كافر بنا فلم تضر صحبته شيئا لأجل ~~إيمانها: { رب } أي أيها المحسن إلي بالهداية وأنا في حبالة هذا الكافر ~~الجبار ولم تغرني بعز الدنيا وسعتها { ابن لي }. # ولما كان الجار مطلوبا - كما قالوا - قبل الدار، طلبت خير جار وقدمت ~~الظرف اهتماما به لنصه على المجاورة ولدلالته على الزلفى فقالت: { عندك ~~بيتا } وعينت مرادها بالعندية فقالت: { في الجنة } لأنها دار المقربين ~~فظهر من أول كلامها وآخره أن مطلوبها أخص داره، وقد أجابها سبحانه بأن ~~جعلها زوجة لخاتم رسوله الذي هو خير خلقه وأقربهم منه، فكانت معه في ~~منزله الذي هو أعلى المنازل. # ولما سألت ما حيزها إلى جناب الله سألت ما يباعدها في الدارين من ~~أعدائه فقالت: { ونجني } أي تنجية عظيمة { من فرعون } أي فلا أكون عنده ~~ولا تسلطه علي بما يضرني عندك { وعمله } أي أن أعمل بشيء منه { ونجني } ~~أعادت العامل تأكيدا { من القوم الظالمين * } أي الناس ms5170 الأقوياء ~~العريقين في أن يضعوا أعمالهم في غير مواضعها التي أمروا بوضعها فيها فعل ~~من يمشي في الظلام عامة، وهم القبط، لا تخالطني بأحد منهم، فاستجاب الله ~~تعالى دعاءها وأحسن إليها لأجل محبتها للمحبوب وهو موسى عليه الصلاة ~~والسلام كما يقال: صديق صديقي داخل في صداقتي، وذلك أن موسى عليه الصلاة ~~والسلام لما غلب السحرة آمنت به فعذبها فرعون فماتت بعد أن أراها الله ~~بيتها في الجنة ولم يضرها كونها تحت فرعون شيئا لأنها كانت معذورة في ~~ذلك، فالآية من الاحتباك: حذف أولا " فلم تسألا الجنة " لدلالة " رب ابن ~~لي " ثانيا عليه، وحذف ثانيا " كانت تحت كافر " لدلالة الأول عليه. # ولما أتم المثل بمن أساءتا الأدب فلم تنفعهما الوصلة بالأولياء بل ~~زادتهما ضررا للإعراض عن الخير مع قربه وتيسره، وبمن أحسنت الأدب فلم ~~تضرها الوصلة بأعدى الأعداء بل زادتها خيرا لإحسانها مع قيام المغتر بها ~~عن الإحسان ضرب مثلا بقرينتها في قوله صلى الله عليه وسلم كما رواه ~~الشيخان عن أبي موسى رضي الله عنه: # " كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران وآسية بنت ~~مزاحم، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على الطعام " # ومع مقارنتها لها في الكمال، فبين حاليهما في الثيوبة والبكورة طباق، ~~فلم يبتلها سبحانه بخلطة زوج جمعا بين ما تقدم من صنفي الثيبات والأبكار ~~اللاتي يعطيهما لنبيه صلى الله عليه وسلم فأحسنت الأدب في نفسها مع الله ~~ومع سائر من لزمها الأدب معه من عباده فأحسن إليها رعاية لها على ما ~~وفقها إليه من الإحسان، وذلك رعاية لأسلافها إذ كانوا من أعظم الأحباب ~~فقال: { ومريم } أي وضرب الله مثلا لأهل الانفراد والعزلة من الذين ~~آمنوا مريم { ابنة عمران } أي أحد الأحباب، وذكر وجه الشبه فقال: { التي ~~أحصنت فرجها } أي عفت عن السوء وجميع مقدماته عفة كانت كالحصن العظيم ~~المانع من العدو فاستمرت على بكريتها إلى الممات فتزوجها في الجنة جزاء ~~لها بخير عبادنا محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء وإمام المرسلين. ms5171 # ولما اغتنت بأنسها بروح الله الذي بثه في قلبها من محبة الذكر والعبادة ~~عن الأنس بأرواح الناس، كان ذلك سببا لأن وهبها روحا منه جسده في أكمل ~~الصور المقدرة في ذلك الحين فقال مخبرا عن ذلك: { فنفخنا } أي بعظمتنا ~~بواسطة ملكنا روح القدس. # ولما كانت هذه السورة لتشريف النبي صلى الله عليه وسلم وتكميل نسائه في ~~الدنيا والآخرة، نص على المقصود بتذكير الضمير ولم يؤنثه قطعا للسان من ~~يقول تعنتا: إن المراد نفخ روحها في جسدها: { فيه } أي فرجها الحقيقي ~~وهو جيبها وكل جيب يسمى فرجا، ويدل على الأول قراءة " فيها " شاذة { من ~~روحنا } أي روح هو أهل لشرفه بما عظمنا من خلقه ولطف تكوينه أن يضاف ~~إلينا لكونه خارجا عن التسبيب المعتاد وهو جبريل عليه الصلاة والسلام أو ~~روح الحياة. # ولما كان التقدير: فكان ما أردنا، فحملت من غير ذكر ولدت عيسى عليه ~~الصلاة والسلام الذي كان من كلمتنا وهي " احملي " ثم كلمتنا " كن يا حمل ~~من غير ذكر " ثم كلمتنا " لديه يا مريم من غير مساعد " ثم كلمتنا " تكلم ~~عيسى في المهد بالحكمة " عطف عليه قوله: { وصدقت } فاستحقت لذلك أن تسمى ~~صديقة { بكلمات ربها } أي المحسن إليها بما تقدم وغيره مما كان من كلام ~~جبريل عليه الصلاة والسلام بسببه ومن عيسى عليه الصلاة والسلام ومما تكلم ~~به عن الله سبحانه وتعالى { وكتبه } أي وكتابه الضابط الجامع لكلامه أنزل ~~على ولدها وغيره من كتب الله كما دل على ذلك قراءة البصريين وحفص بالجمع. # ولما كان المصدق ربما كان تصديقه في الظاهر أو مشوبا بشيء من الضمائر ~~قال: { وكانت } أي جبلة وطبعا، وشرفها بأن جعلها في رتبة الأكمل وهم ~~الرجال فقال: { من القانتين * } أي المخلصين الذين هم في غاية القوة ~~والكمال لأنها كانت من بنات الأحباب المصطفين على العالمين، فلم تكن ~~عبادتها تقصر عن عبادة الأقوياء الكلمة، وقد أتم سبحانه الأمثال في ~~الآداب بالثيبات والأبكار والأخيار والأشرار، فانعطف آخر السورة على ~~أولها في المعاني بالآداب، وزاد ذلك حسنا كونها في ms5172 النساء وفي الذوات ~~والأعيان بزواج النبي صلى الله عليه وسلم لآسية امرأة فرعون ومريم ابنة ~~عمران في الجنة دار القرار السالمة عن الأكدار الزواج الأبدي فصار أول ~~السورة وآخرها في أزواجه صلى الله عليه وسلم وفي ختامها بالقنوت الذي هو ~~خلاصة الأوصاف الماضية في الأبدال المذكورات أعظم مناسبة - والله الهادي. ### | [67 - سورة الملك] ### || [67.1-3] # لما ختمت تلك بأن من أعرض عنه سبحانه أهلكته ولم يغن عنه أحد، ومن أقبل ~~عليه رفعه واستخلصه ولم يضره أحد، وختم بأنه قوى مريم عليها السلام حتى ~~كانت في درجة الكملة ورزقها الرسوخ في الإخلاص، وكان مثل هذا لا يقدر على ~~فعله إلا من لا كفوء له، وكان من لا كفوء له أهلا لأن يخلص له الأعمال ~~ولا يلتفت إلى سواه بحال، لأنه الملك الذي يملك الملك قال مثيرا للهمم ~~إلى الاستبصار المثير للإرادة إلى رياضة تثمر جميع أبواب السعادة: { ~~تبارك } أي تكبر وتقدس وتعالى وتعاظم وثبت ثباتا لا مثل له مع اليمن ~~والبركة وتواتر الإحسان والعلى. # ولما كان من له الملك قد لا يكون متمكنا من إبقائه في يده أو إعطاء ما ~~يريد منه لغيره ونزعه منه متى أراد قال: { الذي بيده } أي بقدرته وتصرفه ~~لا بقدرة غيره { الملك } أي أمر ظاهر العالم فإليه كل تدبير له وتدبير ~~فيه وبقدرته إظهار ما يريد، لا مانع له من شيء ولا كفوء له بوجه، وهو ~~كناية عن الإحاطة والقهر، وذكر اليد إنما هو تصوير للإحاطة ولتمام القدرة ~~لأنها محلها مع التنزه عن الجارحة وعن كل ما يفهم حاجة أو شبها بالخلق. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: ورود ما افتتحت به هذه السورة من ~~التنزيه وصفات التعالي إنما يكون عقيب تفصيل وإيراد عجائب من صنعه سبحانه ~~كورود قوله تعالى " فتبارك الله أحسن الخالقين " عقيب تفصيل التقلب ~~الإنساني من لدن خلقه من سلالة من طين إلى إنشائه خلقا آخر وكذا كل ما ~~ورد من هذا ما لم يرد أثناء أي قد جردت للتنزيه والإعلام بصفات التعالي ~~والجلال. ms5173 # ولما كان قد أوقع في آخر سورة التحريم ما فيه أعظم عبرة لمن تذكر، وأعلى ~~آية لمن استبصر، من ذكر امرأتين كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين قد ~~بعثهما الله تعالى رحمة لعباده واجتهدا في دعاء الخلق، فحرم الاستنارة ~~بنورهما والعياذ بهداهما من لم يكن أحد من جنسهما أقرب إليهما منه ولا ~~أكثر مشاهدة لما مدا به من الآيات وعظيم المعجزات، ومع ذلك فلم يغنيا ~~عنهما من الله شيئا، ثم أعقبت هذه العظة بما جعل في طرف منها ونقيض من ~~حالها، وهو ذكر امرأة فرعون التي لم يغرها مرتكب صاحبها وعظيم جرأته مع ~~شدة الوصلة واستمرار الألفة لما سبق لها في العلم القديم من السعادة ~~وعظيم الرحمة فقالت: # رب ابن لي عندك بيتا في الجنة # [التحريم: 11] وحصل في هاتين القصتين تقديم سبب رحمة حرم التمسك به أولى ~~الناس في ظاهر الأمر وتقديم سبب امتحان عصم منه أقرب الناس إلى التورط ~~فيه، ثم أعقب ذلك بقصة عريت عن مثل هذين السببين وانفصلت في مقدماتها عن ~~تينك القصتين، وهو ذكر مريم ابنة عمران ليعلم العاقل حيث يضع الأسباب، ~~وأن القلوب بيد العزيز الوهاب، أعقب تعالى ذلك. # بقوله الحق { تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير } [الملك: 1] ~~وإذا كان الملك سبحانه وتعالى بيده الملك فهو الذي يؤتي الملك والفضل من ~~يشاء وينزعه ممن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء كما صرحت به الآية ~~الأخرى في آل عمران، فقد اتضح اتصال سورة الملك بما قبلها ثم بنيت سورة ~~الملك على التنبيه والاعتبار ببسط الدلائل ونصب البراهين حسبما يبسطه ~~التفسير - انتهى. # ولما كان المتصرف في الملك قد لا يكون قدرته تامة ولا عامة قال تعالى: { ~~وهو } أي وحده له عظمة تستولي على القلوب وسياسة تعم كل جلب نفع ودفع ضرر ~~لأنه { على كل شيء } أي يمكن يشاؤه من الملك وغيره من باطنه وهو الملكوت ~~وغيره مما وجد وما لم يوجد { قدير * } أي تام القدرة، ودل على ذلك بقوله: ~~{ الذي خلق } أي قدر ms5174 وأوجد. # ولما كان الخوف من إيقاع المؤلم ادعى إلى الخضوع لأنه أدل على الملك مع ~~أن الأصل في الأشياء العدم، قدم قوله: { الموت } أي هذا الجنس وهو زوال ~~الحياة عن الحي الذي هو في غاية الاقتدار على التقلب بجعله جمادا كأن لم ~~يكن به حركة أصلا. أول ما يفعل في تلك الدار بعد استقرار كل فريق في ~~داره وأن يعدم هذا الجنس فيذبح بعد أن يصور في صورة كبش { والحياة } أي ~~هذا الجنس وهو المعنى الذي يقدر الجماد به على التقلب بنفسه وبالإرادة، ~~وقال ابن عباس رضي الله عنهما: الموت خلقه الله على صورة كبش أملح لا يمر ~~بشيء ولا يجد ريحه إلا مات، والحياة على صورة فرس بلقاء وهي التي كان ~~جبريل والأنبياء يركبونها فلا يجد ريحها شيء إلا حيي، وهي التي أخذ ~~السامري قبضة من أثرها وألقاه على الحلي الذي ألقاه بنو إسرائيل ونوى أن ~~يكون عجلا فصار عجلا. # ولما ذكر الدال على القدرة أتبعه غايته، وهو الحكم الذي هو خاصة الملوك ~~فقال تعالى: { ليبلوكم } أي يعاملكم وهو أعلم بكم من أنفسكم معاملة ~~المختبر لإظهار ما عندكم من العمل بالاختيار { أيكم أحسن عملا } أي من ~~جهة العمل أي عمله أحسن من عمل غيره، وعبارة القرآن في إسناد الحسن إلى ~~الإنسان تدل على أن من كان عمله أحسن كان هو أحسن ولو أنه أبشع الناس ~~منظرا، ومن كان عمله أسوأ كان بخلاف ذلك، والحسن إنما يدرك بالشرع، فما ~~حسنه الشرع فهو الحسن وما قبحه فهو القبيح، وكان ذلك مفيدا للقيام ~~بالطاعة لأن من تفكر في حاله علم أنه مباين لبقية الحيوانات بعقلة ~~وللنباتات بحياته، وللجمادات بنموه، وأن ذلك ليس له من ذاته بدليل موته، ~~فما كان له ذلك إلا بفاعل مختار، له الحياة من ذاته، فيجتهد في رضاه ~~باتباع رسله إن كان عاقلا، فيشكره إذا أنعم، ويصبر إن امتحن وانتقم، ~~ويخدمه بما أمر وينزجر عما عنه زجره، فهذه الآية مشتملة على وجود المقتضي ~~للسعادة وانتفاء المانع منها ووجود المقتضي ms5175 إعداد وإرشاد، فالإعداد ~~إعانته سبحانه للعبد بإعداده لقبول السعادة كالحداد يلين الحديد بالنار ~~ليقبل أن يكون سكينا، والإرشاد أخذه بالناصية إلى ما أعد له كالضرب ~~بالسكين وإصلاحها للقطع بها، وانتفاء المانع هو الموقف عن ذلك وهو دفع ~~المشوشات والمفسدات كتثلم السكين وهو يجري السبب وسبب السبب، وهو ما ~~اشتمل عليه قوله صلى الله عليه وسلم # " اللهم أعني ولا تعن علي " # الحديث، فذكره لتمام القدرة والعزة مع ذكر الأحسن دال على توفيقه بما ~~ذكر، ومن تأمل الآية عرف أنه ما خلق لا ليتميز جوهره من صدق غيره أو صدقه ~~من جوهر غيره، وأن الدنيا مزروعة، وأن الآخرة محصدة، فيصير من نفسه على ~~بصيرة، وثارت إرادته لما خلق له تارة بالنظر إلى جمال ربه من حسن وإحسان، ~~وأخرى إلى جلاله من قدرة وإمكان، وتارة بالنظر لنفسه بالشفقة عليها من ~~خزي الحرمان، فيجتهد في رضا ربه وصلاح نفسه خوفا من عاقبة هذه البلوى. # ولما كان لا يغفل الابتلاء منا إلا جاهل بالعواقب وعاجز عن رد المسيء عن ~~إساءته وجعله محسنا من أول نشأته، قال نافيا لذلك عن منيع جنابه بعد أن ~~نفاه بلطيف تدبيره وعظيم أمره في خلق الموت والحياة، ومزيلا بوصف العزة ~~لما قد يقوله من يكون قوي الهمة: أنا لا أحتاج إلى تعب كبير في الوصول ~~إليه سبحانه بل أصل إليه أي وقت شئت بأيسر سعي { وهو } أي والحال أنه ~~وحده { العزيز } أي الذي يصعب الوصول إليه جدا، من العزاز وهو المكان ~~الوعر والذي يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء، فلو أراد جعل الكل محسنين، ولا ~~يكون كذلك إلا وهو تام القدرة فيلزم تمام العلم والوحدانية ووجوب الوجود ~~أزلا وأبدا. # ولما كان العزيز منا يهلك كل من خالفه إذا علم مخالفته، قال مبينا ~~إمهاله للعصاة مرغبا للمسيء في التوبة، بعد ترهيبه من الإصرار على ~~الحوبة، لأنه قد يكون مزدرئا لنفسه قائلا: إن مثلي لا يصلح للخدمة لما ~~لي من الذنوب القاطعة وأين التراب من رب الأرباب { الغفور * } أي أنه مع ~~ذلك ms5176 يفعل في محو الذنوب عينا وأثرا فعل المبالغ في ذلك ويتلقى من أقبل ~~إليه أحسن تلق كما قال تعالى في الحديث القدسي # " ومن أتاني يمشي أتيته هرولة ". # ولما أثبت له سبحانه صفتي العز والغفر على أبلغ ما يكون، دل على ذلك ~~بقوله دالا على كمال تفرده بعد آيات الأنفس بآيات الآفاق إرشادا إلى ~~معالي الأخلاق: { الذي خلق } أي أبدع على هذا التقدير من غير مثال سبق { ~~سبع سماوات } حال كونها { طباقا } جمع طبق كل واحدة منها كأنها لشدة ~~مطابقتها للأخرى طالبة مطابقتها بحيث يكون كل جزء منها مطابقا لجزء من ~~الأخرى، ولا يكون جزء منها خارجا عن ذلك وهي لا تكون كذلك إلا بأن تكون ~~الأرض كرة والسماء الدنيا محيطة بها إحاطة قشر البيضة بالبيضة من جميع ~~الجوانب والثانية محيطة بالدنيا وهكذا إلى أن يكون العرش محيطا بالكل، ~~والكرسي الذي هو أقربها إليه بالنسبة إليه كحلقة ملقاة في فلاة، فما ظنك ~~بما تحته، وكل سماه في التي فوقها بهذه النسبة، وقد قرر أهل الهيئة أنها ~~كذلك، وليس في الشرع ما يخالفه بل ظواهره توافقه ولا سيما التشبيه ~~بالحلقة الملقاة في فلاة كما مضى بسط ذلك في ذلك سورة السجدة، وأحاط ~~سبحانه بالأرض منافعها من جميع الجوانب، وجعل المركز بحيث يجذب إليه ~~الأسفل فكيفما مشى الحيوان في جوانبها اقتضى المركز أن تكون رجلاه إلى ~~الأرض ورأسه إلى السماء لتكون السماء في رأيه دائما أعلى، والأرض أسفل ~~في أي جانب كان هو عليها، فسبحان اللطيف الخبير، ولا شك أن من تفكر في ~~هذه العظمة مع ما لطف بنا فيما هيأه فيها لنا من المنافع، آثره سبحانه ~~بالحب وأفرده عن كل ضد، فانقطع باللجاء إليه ولم يعول إلا عليه في كل دفع ~~ونفع، وسارع في مراضيه ومحابه في كل خفض ورفع. # ولما كان ذلك في حد ذاته خارجا عن طوق المخلوق، وكان سمك كل سماء مسيرة ~~خمسمائة عام، ولما بين كل سماءين كذلك مع عدم الفروج والعمد والأطناب، ~~فكان ذلك النهاية في الخروج ms5177 عن العادة في حد ذاته ولأنه قيل: إن القبة ~~إذا بنيت بلا فروج ولا شيء يدخل الهواء منه تفسد وتسقط، دل على عزته ~~بعظيم صنعه في ذلك بقوله واصفا لها: { ما ترى في } وكان الأصل: خلقها، ~~ولكنه دل على عزته وعموم عظمته بقوله: { خلق الرحمن } أي لها ولغيرها ~~ولولا رحمته وعموم عظمته التي اقتضت إكرامه لخلقه بعد غفرانه لما لهم من ~~النقائص ما أحسن إليهم بها في اتساعها وزينتها وما فيها من المنافع، ~~وأعرق في النفي بقوله: { من تفاوت } بين صغير ذلك الخلق وكبيره بالنسبة ~~إلى الخالق في إيجاده له على حد سواء، إنما قوله إذا أراد شيئا أن يقول ~~له كن فيكون، فلا فرق في ذلك بين الذرة مثلا والغرس ولا بالنسبة إلى ~~الخالق من عجز صغيرهم وكبيرهم عن إيجاد شيء من العدم صغيرا كان أو ~~كبيرا جليلا كان أو حقيرا، ولا ترى تفاوتا في الخلق بأن يكون شيء منه ~~فائتا للآخر بالمخالفة والاضطراب والتناقض في الخلقة غير مناسب له بأن ~~يكون خارجا عنه أو منافرا له في مقتضى الحكمة، وآثار الإحسان في ~~الصنعة، والنزول عن الإتقان والاتساق، والخروج عن الإحكام والاتفاق، ~~والدلالة للخالق على كمال القدرة وللمخلوق على الحدوث بنوع من ضعف البنية ~~بحيث يكون كل واحد كالطالب لأن يخالف الآخر، أو تعمد لأن يفوت الآخر ~~ويخالفه - على قراءة حذف الألف والتشديد بحيث يكون التفاضل في المزدوجات ~~وعدم المساواة كأنه مقصود بالذات وبالقصد الأول، بل لا توجد المخالفة إلا ~~ناردا بحيث يعلم أن المشاكلة هي المقصود بالذات وبالقصد الأول، فإذا وقع ~~في شيء منه مخالفة كان على وجه الندور ليعلم أنه ليس مقصودا بالذات، ~~وإنما أريد به الدلالة على الاختيار وأن الفاعل هو القادر المختار لا ~~الطبيعة، قال الرازي: كأن التفاوت الشيء المختلف لأعلى النظام، وقال ~~البغوي: من اعوجاج واختلاف وتناقض، وقال غيره: عدم التناسب كأن بعض الشيء ~~يفوت بعضا ولا يلائمه، وهو من الفوت وهو أن يفوت بعضها بعضا لقلة ~~استوائها، وقال أبو حيان: والتفاوت تجاوز الحد ms5178 الذي يجب له زيادة أو ~~نقصان - انتهى. # يظهر ذلك بأن أغلب الخلق أجوف، والأجوف يعمل مبسوطا ثم يضم ويوصل أحد ~~جانبيه بالآخر فيكون ثم نوع فطر يعرفه أهل الحذق وإن اجتهد صانعه في ~~إخفائه وإن كان فيه أشياء متقابلة كان فيها تفاوت ولو قل وإن اجتهد ~~الصانع في المساواة، وخلق الله لا تفاوت فيه بوجه، فالسماوات كرية ولا ~~ترى في جانب منها شقا ولا فطرا ظاهرا ولا خفيا، والحيوان أجوف ولا ~~ترى في شيء من جسده فصما يكون الضم والتجويف وقع به وكل من متقابليه ~~مساو للأخر كالعينين والأذنين والمنخرين والساقين ونحوها مما يقصد فيه ~~التساوي لا تفاوت فيه أصلا - إلى غير ذلك مما يطول شرحه، ولا يمكن ضبطه، ~~فسبحان من لا تتناهى قدرته فلا تتناهى مقدوراته، ولا تحصى بوجه معلوماته، ~~وكل ذلك عليه هين، والأمر في ذلك واضح بين، هذا مع الاتساع الذي لا يدرك ~~مقداره بأكثر من أن كل سماء بالنسبة إلى التي فوقها كحلقة ملقاة في فلاة ~~إلى أن يوصل إلى الكرسي ثم العرش العظيم، ومن سر كونها كذلك حصول النفع ~~بكل ما فيها من كواكب مرطبة أو ميبسة أو منورة واتصالات ممطرة ومثبتة ~~يجري كل ذلك منها على ترتيب مطرد، ونظام غير منخرم مقدر جريه بالقسط مرتب ~~على منافع الوجود ومصالح الكائنات كلها مكفوفة على هواء لطيف بتدبير ~~شريف: لا يتعدى شيء منها طوره ولا يتخطى حده، ولا يرسب فيها تحته من ~~الهواء فيهوي، ولا يرتفع عن محله بمقدار ذرة فيطفو، قد أحاط بكلها الأمر، ~~وضبطها صاغرة القهر. # ولما كان العلم الناشىء عن الحسن أجل العلوم، دل على بديع ما ذكره ~~بمشاهدة الحس له كذلك، فسبب عنه قوله منبها بالرجع الذي هو تكرير الرجوع ~~على أن كل أحد يشاهد ذلك كذلك من حين يعقل إلى أن يبلغ حد التكليف ~~المقتضي للمخاطبة بهذا الكلام: { فارجع البصر } أي بعد ترديدك له قبل ~~ذلك، ودل بتوجيه الخطاب نحو أكمل الخلق صلى الله عليه وسلم في السمع ~~والبصر والبصيره وكل ms5179 معنى إلى أن ذلك لا شبهة فيه. # ولما كان السؤال عن الشيء يدل على شدة الاهتمام بالبحث عنه، نبه على أن ~~هذا مما اشتدت عناية الأولين به فقال: { هل ترى } أي في شيء منها. # ولما كان هذا الاستفهام مفيدا للنفي، أعرق في النفي بقوله: { من فطور * ~~} أي خلل بشقوق وصدوع أو غيرها لتغاير ما هي عليه وأخبرت به من تناسبها ~~واستجماعها واستقامتها ما يحق لها مما يدل على عزة ما فيها وبليغ غفرانه، ~~وهذا أيضا يدل على إحاطة كل منها بما دونه فإنه لو كان لها فروج لفاتت ~~المنافع التي رتبت لها النجوم المفرقة في طبقاتها أو بعضها أو كمالها، ~~فالهواء وجميع المنافع منحبسة فيها محوطة بها مضطربة متصرفة فيها على حسب ~~التدبير والحيوان في الهواء كالسمك في الماء، أو انحبس الهواء عنه لمات ~~كما أنه لو انكشف الماء عن السمك لمات. ### || [67.4-7] # ولما كان في سياق المجازاة بالأعمال الصالحة والطالحة التي دل عدم ~~الانتصاف من الظالمين في هذه الدار على أنها تكون بعد البعث وكانت العزة ~~مقتضية لذلك، وكان خلقه سبحانه وتعالى لهذا الوجود على هذا النظام مثبتا ~~لها، وكانت أعمالهم أعمال المنكر لها، ولا سيما تصريحهم بأنه لا بعث، دل ~~على عظمة عزته بما أبدعه من هذا السقف الرفيع البديع، ثم بجعله محفوظا ~~هذا الحفظ المنيع، على تعاقب الأحقاب وتكرر السنين، فقال معبرا بأداة ~~التراخي دالا على جلاله بإدامة التكرير طول الزمان: { ثم ارجع البصر } ~~وأكد ما أفهمته الآية من طلب التكرير بقوله تعالى: { كرتين } أي مرتين ~~أخريين - هذا مدلولها لغة، وبالنظر إلى السياق علم أن المرد مرة بعد مرة ~~لا تزال تكرر ذلك لارتياد الخلل لا إلى نهاية، كما أن " لبيك " مراد به ~~إجابة إلى غير غاية، وعلى ذلك دل قوله سبحانه وتعالى: { ينقلب إليك } أي ~~من غير اختيار بل غلبة وإعياء وانكسار { البصر خاسئا } أي صاغرا ~~مطرودا ذليلا بعيدا عن إصابة المطلوب { وهو } أي والحال أنه { حسير * ~~} أي كليل تعب معيى من طول المعاودة وتدقيق النظر ms5180 وبعد المسرح، وإذا كان ~~هذا الحال في بعض المصنوع فكيف يطلب العلم بالصانع في كماله من جلاله ~~وجماله، فكيف بمن يتفوه بالحلول أو الاتحاد حسبه جهنم وبئس المهاد. # ولما أخبر سبحانه وتعالى عن بديع هذا الخلق، ونبه على بعض دقائقه وأمر ~~بالإبصار وتكريره، وكان السامع أول ما يصوب نظره إلى السماء لشرفها وغريب ~~صنعها وبديع وضعها ومنيع رفعها، فكان بحيث يتوقع الإخبار عن هذه الزينة ~~التي رصعت بها، قال في جواب من توقعه مؤكدا بالقسم إعلاما بأنه ينبغي ~~أن يبعد العاقل عن إنكار شيء مما ينسب إلى صاحب هذا الخلق من الكمال، ~~عاطفا على ما تقديره: لقد كفى هذا القدر في الدلالة على عظمة مبدع هذا ~~الصنع وتمام قدرته: { ولقد } واستجلب الشكر بجلب المسار فقال ناظرا إلى ~~مقام العظمة صرفا للعقول عما اقتضاه " الرحمن " من عموم الرحمة تذكيرا ~~بما في الآية الماضية، وتنبيها على ما في الزينة بالنجوم من مزجها ~~بالرجوم الذي هو عذاب " الجن المتمردين الطاغين ": { زينا } دلالة أخرى ~~تدل على العظمة بعد تلك الدلالة الأولى { السماء الدنيا } أي أدنى ~~السماوات إلى الأرض وهي التي تشهد وأنتم دائما تشاهدونها وهي سقف الدار ~~التي اجتمعتم فيها في هذه الحياة الدنيا { بمصابيح } أي نجوم متقدة عظيمة ~~جدا، كثرتها تفوت الحصر، ظاهرة سائرة مضيئة زاهرة. وهي الكواكب التي ~~تنور الأرض بالليل إنارة السرج التي تزينون بها سقوف دوركم، فتفيد شعبة ~~من ضوء الصباح، والتزيين بها لا يمنع أن تكون مركوزة فيها فوقها من ~~السماوات وهي تتراءى لنا بحسب الشفوف بما للاجرام السماوية من الصفاء، ~~ولتلك المصابيح من شدة الإضاءة. # ولما أخبر - جلت قدرته - بعظيم قدرته فيها منبها على ما فيها من جلب ~~المسار بتلك الأنوار والهداية في الدين والدنيا التي لولا هي لما انتفع ~~أحد في ليل انتفاعا تاما، أخبر بما فيها مع الزينة من دفع المضار ~~بعبارة عامة وإن كان المراد البعض الأغلب فإن ما للرجوم منها غير ما ~~للاهتداء والرسوم فقال: { وجعلناها } أي النجوم من حيث هي بعظمتنا مع ~~كونها ms5181 زينة وأعلاما للهداية { رجوما } جمع رجم وهو مصدر واسم لما يرجم ~~به { للشياطين } الذين يستحقون الطرد والبعد والحرق من الجن لما لهم من ~~الاحتراق، وذلك بيانا لعظمتنا وحراسة للسماء الدنيا التي هي محل تنزل ~~أمرنا بالقضاء والقدر، وإنزال هذا الذكر الحكيم لئلا يفسدوا باستراق ~~السمع منها على الناس دينهم الحق، ويلبسوا عليهم أمرهم بخلط الحق الذي ~~ختمنا به الأديان بالباطل، فيخرجوهم - لأنهم أعداؤهم - من النور إلى ~~الظلمات كما كانوا في الجاهلية مع ما فيها بما خلق سبحانه في أمزجتها من ~~ترطيب وتجفيف وحر وبرد واعتدال ينشأ عنه الفصول الأربعة وقهرها به من ~~شروق وغروب وحركة وسكون يعرف بها ما إليه المآل، مما أخبرت به الرسل من ~~الزوال، مع ما يدل من الليل والنهار والعشي والإبكار وأشياء يكل عنها ~~الوصف في ذواتها وعن إحصاء منافعها حتى لو عدم شيء مما في السماوات مما ~~دبره الحكيم لصلاح هذا العالم يهلك كل حيوان ونبات على وجه الأرض، ~~والشهاب المرجوم به منفصل من نار الكواكب وهو قار في فلكه على حالة كقبس ~~النار يؤخذ منها وهي باقية على حالها لا نقص، وذلك مسوغ لتسميتها ~~بالرجوم، فمن لحقه الشهاب منهم قتله أو ضعضع أمره وخبله، ويحتمل مع ذلك ~~أن يكون المراد: ظنونا لشياطين الإنس وهم المنجمون يتكلمون بها رجما ~~بالغيب في أشياء هي من عظيم الابتلاء ليتبين الموقن من المزلزل والعالم ~~من الجاهل؛ وفي البخاري: قال قتادة: # " خلقت النجوم لثلاث: زينة للسماء، ورجوما للشياطين، وعلامات يهتدى ~~بها، فمن تأول فيها غير ذلك أخطأ وأضاع نصيبه وتكلف بما لا علم له به " # ولما كان التقدير: ورجمناهم بها بالفعل عند استراقهم للسمع إبعادا لهم ~~عن مسكن المكرمين ومحل النزاهة والأنس ومهبط القضاء والتقدير، ونكالا ~~لغيرهم من أمثالهم عذابا لهم في الدنيا، عطف عليه قوله ترهيبا من جلاله ~~بعد ما رغب في عظيم جماله: { وأعتدنا } أي هيأنا في الآخرة مع هذا الذي ~~في الدنيا بما لنا من العظمة { لهم } أي الشياطين الذين يسترقون السمع { ~~عذاب السعير - } أي النار ms5182 التي هي في غاية الاتقاد، ففي الآية بشارة أهل ~~السمع والبصر والعقل وفيها من التنبيه ما لا يخفى. # ولما أخبر سبحانه عن تهيئته العذاب لهم بالخصوص، أخبر أيضا عن تهيئته ~~لكل عامل بأعمالهم على وجه اندرجوا هم فيه فقال حاثا على التكفر في عظيم ~~انتقامه الخارج عن العادة في عدم الانطفاء، لكونه ليس بسيف ولا عصا. ولا ~~بسوط ونحوه بل النار الخارجة عن العادة في عدم الانطفاء، ولا للمعذب من ~~الخلاص منها مسلك ولا رجاء بل كلما طال الزمان تلقته بالشدة والامتداد، ~~بئس الجامعة للمذام في كل انتقام مع الإهانة والاحتقار { وللذين كفروا } ~~أي أوقعوا التغطية لما من حقه أن يظهر ويشهر من الإذعان للإله، فقال ~~صارفا القول عن مقام العظمة إلى صفة الإحسان الخاصة بالتربية تنبيها ~~على ما في إنكاره من عظيم الكفران: { بربهم } أي الذي تفرد بإيجادهم ~~والإحسان إليهم فأنكروا إيجاده لهم بعد الموت وذلك كفرا منهم بما شاهدوا ~~من اختراعه لهم من العدم { عذاب جهنم } أي الدركة النارية التي تلقاهم ~~بالتجهم والعبوسة والغضب. # ولما كان التقدير: هي مصيرهم، قال دالا على عدم خلاصهم منها أصلا ~~أزلا وأبدا: { وبئس المصير * } أي هي. # ولما عبر عن ذمها بمجمع المذام، أتبعه الوصف لبعض تجهمها على وجه ~~التعليل، فقال دالا بالإلقاء على خساستهم وحقارتهم معبرا بأداة التحقيق ~~دالالة على أنه أمر لا بد منه، وبالبناء للمفعول على أن إلقاءهم في غاية ~~السهولة على كل من يؤمر به: { إذا ألقوا } أي طرح الذين كفروا والأخساء ~~من أي طارح أمرناه بطرحهم { فيها } حين تعتلهم الملائكة فتطرحهم كما تطرح ~~الحطب في النار { سمعوا لها } أي جهنم نفسها { شهيقا } أي صوتا هائلا ~~أشد نكارة من أول صوت الحمار لشدة توقدها وغليانها، أو لأهلها - على حذف ~~مضاف { وهي تفور * } أي تغلي بهم كغلي المرجل بما فيه من شدة التلهب ~~والتسعر، فهم لا يزالون فيها صاعدين هابطين كالحب إذا كان الماء - يغلي ~~به، لا قرار لهم أصلا. ### || [67.8-11] # ولما وصفها بالفوران، بين سببه تمثيلا لشدة اشتعالها عليهم ms5183 فقال: { ~~تكاد تميز } أي تقرب من أن ينفصل بعضها من بعض كما يقال: يكاد فلان ينشق ~~من غيظه وفلان غضب فطارت شقة منه في الأرض وشقة في السماء - كناية عن شدة ~~الغضب { من الغيظ } أي عليهم، كأنه حذف إحدى التاءين إشارة إلى أنه يحصل ~~منها افتراق واتصال على وجه من السرعة لا يكاد يدرك حق الإدراك، وذلك كله ~~لغضب سيدها، وتأتي يوم القيامة تقاد إلى المحشر بألف زمام لكل زمام سبعون ~~ألف ملك يقودونها به، وهي شدة الغيظ تقوى على الملائكة وتحمل على الناس ~~فتقطع الأزمة جميعا وتحطم أهل المحشر فلا يردها عنهم إلا النبي صلى الله ~~عليه وسلم يقابلها بنوره فترجع مع أن لكل ملك من القوة ما لو أمر به أن ~~يقتلع الأرض وما عليها من الجبال ويصعد بها في الجو فعل من غير كلفة، ~~وهذا كما أطفأها في الدنيا بنفخة كما رواه الجماعة إلا الترمذي وهذا لفظ ~~أبي داود عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: # " انكسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم - فذكر صلاته إلى ~~أن قال: ثم نفخ في آخر سجوده. فقال: أف أف ألم تعدني أن لا تعذبهم وأنا ~~فيهم وهم يستغفرون " # وفي رواية النسائي أنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: # " لقد أدنيت مني النار حتى جعلت ألفتها خشية أن تغشاكم ". # ولما ذكر سبحانه حالها، أتبعه حالهم في تعذيب القلب باعتقادهم أنهم ظلمة ~~على وجه، بين السبب في عذابهم زجرا عنه فقال: { كلما } ولما كان المنكىء ~~مجرد الإلقاء بني للمفعول دلالة على ذلك وعلى حقارتهم بسهولة إلقائهم ~~قوله: { ألقي فيها } أي جهنم بدفع الزبانية بهم الذين هم أغيظ عليهم من ~~النار { فوج } أي جماعة هم في غاية الإسراع موجفين مضطربي الأجواف من شدة ~~السوق { سألهم } أي ذلك الفوج { خزنتها } أي النار سؤال توبيخ وتقريع ~~وإرجاف. # ولما كان كأنه قيل: ما كان سؤالهم؟ قال: قالوا موبخين لهم مبكتين محتجين ~~عليهم في استحقاقهم العذاب زيادة في عذابهم بتعذيب أرواحهم بعد ms5184 تعذيب ~~أشباحهم: { ألم يأتكم } أي في الدنيا { نذير * } أي يخوفكم هذا العقار ~~ويذكركم بما حل بكم وبما حل ممن قبلكم من المثلاث، لتكذيبهم بالآيات، ~~ويقرأ عليكم الكتب المنزلات { قالوا بلى } ولما طابق هذا الجواب فتوقع ~~السامع إيضاحه. افصحوا بما أفهمه وشرحوه تأسفا على أنفسهم مما حل بهم ~~وتحسرا فقالوا: { قد جاءنا } وأظهروا موضع الإضمار تأكيدا وتنصيصا ~~فقالوا: { نذير * } أي مخوف بليغ التحذير { فكذبنا } أي فتسبب عن مجيئه ~~أننا أوقعنا التكذيب بكل ما قاله النذير { وقلنا } أي زيادة في التكذيب ~~والنكاية له والعناد الذي حل شؤمه بنا: { ما نزل الله } أي الذي له ~~الكمال كله عليكم ولا على غيركم، ولعل التعبير بالتفعيل إشارة إلى ~~إنكارهم الفعل بالاختيار الملازم للتدريج - تعالى الله عن ذلك علوا ~~كبيرا، وأعرقنا في النفي فقلنا: { من شيء } لا وحيا ولا غيره، وما ~~كفانا هذا الفجور حتى قلنا مؤكدين: { إن } أي ما. # ولما كان تكذيبهم برسول واحد تكذيبا لجميع الرسل قالوا عنادا: { أنتم ~~} أي أيها النذر المذكورون في " نذير " المراد به الجنس، وفي خطاب الجمع ~~إشارة إيضا إلى أن جواب الكل للكل كان متحدا مع افتراقهم في الزمان حتى ~~كأنهم كانوا على ميعاد { إلا في ضلال } أي بعد عن الطريق وخطأ وعمى محيط ~~بكم { كبير * } فبالغنا في التكذيب والسفه بالاستجهال والاستخفاف. # ولما حكى سبحانه ما قالوه للخزنة تحسرا على أنفسهم حكى ما قالوه بعد ~~ذلك فيما بينهم زيادة في التحزن ومقتا لأنفسهم بأنفسهم فقال تعالى: { ~~وقالوا } أي الكفرة في توبيخ أنفسهم: { لو كنا } أي بما هو لنا كالغريزة. # ولما كان السمع أعظم مدارك العقل الذي هو مدار التكليف قالوا: { نسمع } ~~أي سماعا ينفع بالقبول للحق والرد للباطل { أو نعقل } أي بما أدته إلينا ~~حاسة السمع وغيرها عقلا ينجي وإن لم يكن سمع، وإنما قصروا الفعلين إشارة ~~إلى أن ما كان لهم من السمع والعقل عدم لكونه لم يدفع عنهم هذا البلاء ~~بالقبول من الرسل لما ذكروهم به من نصائح ربهم وشهادة الشواهد من الآيات ~~البينات { ما كنا } أي ms5185 كونا دائما { في أصحاب السعير * } أي في عداد من ~~أعدت له النار التي هي في غاية الاتقاد والحر والتلهب والتوقد حتى كأن ~~بها جنونا، وحكم بخلودهم في صحبتها، وأعظم ما في هذا من العذاب بكونهم ~~ألجئوا إلى أن يباشروا توبيخ أنفسهم ومقتها بأنفسهم أنه لا يقبل منهم ~~خروجا عن العادة في الدنيا من أن الإنسان إذا أظهر الخضوع باعترافه ~~ولومه نفسه وإنصافه رحم وقبل، وفي الآية أعظم فضيلة للعقل، روى ابن ~~المحبر في كتاب العقل والحارث عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " لكل شيء دعامة ودعامة المؤمن عقله فبقدر عقله تكون عبادته، أما سمعتم ~~قول الفجار لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير ". # ولما كان هذا الإقرار زائدا في ضررهم، وإنما كان يكون نافعا لهم لو ~~قالوه في دار العمل وندموا عليه وأقلعوا عنه، سبب عنه قوله ضاما - إلى ~~ما تقدم من تعذيب أرواحهم بمقت الملائكة لهم ثم مقتهم لأنفسهم - مقت الله ~~لهم: { فاعترفوا } أي بالغوا جامعين إلى مقت الله وملائكته لهم مقتهم ~~لأنفسهم في الاعتراف وهو الإقرار عن معرفة. # ولما كان الذي أوردهم المهالك هو الكفر الذي تفرعت عنه جميع المعاصي، ~~أفرد فقال تعالى: { بذنبهم } أي في دار الجزاء كما كانوا يبالغون في ~~التكذيب في دار العمل فلم يكن ينفعهم لفوات محله، أو أنه لم يجمع الذنب ~~إشارة إلى أنهم كانوا كلهم في المبالغة في التكذيب على حد واحد، كما قال ~~تعالى # كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون أتواصوا به ~~بل هم قوم طاغون # [الذاريات: 53] أو أن الإفراد أشد في التحذير من كثير الذنوب وقليلها ~~حقيرها وجليلها. # ولما كانوا قد أبلغوا في كلتي الدارين في إبعاد أنفسهم عن مواطن الرحمة ~~وتسفيلها إلى حال النقمة أنتج ذلك وسبب قوله: { فسحقا } أي بعدا في جهة ~~السفل وهو دعاء عليهم مستجاب { لأصحاب } وأظهر تنبيها على عظيم توقدها ~~وتغيظها وتهددها فقال: { السعير * } أي الذي قضت ms5186 عليهم أعمالهم ~~بملازمتها. ### || [67.12-15] # ولما ذكر سبحانه أهل المعاملة بصفة العزة لما حصل لهم من العزة، أتبعهم ~~أضدادهم المطوعين أنفسهم لإشارة العقل المتأهلين لنعت المعرفة، فقال ~~مؤكدا لما للأضداد من التكذيب: { إن الذين يخشون } أي يخافون خوفا أرق ~~قلوبهم وأرق غيرهم بحيث كانوا كالحب على المقلي لا يقر لهم قرار من ~~توقعهم العقوبة، كلما ازدادوا طاعة ازدادوا خشية، يؤتون ما آتوا وقلوبهم ~~وجلة فوقوا أنفسهم فوران النار بهم، وعدل عن سياق الجلالة الجامع إلى صفة ~~الإحسان تنبيها على أنهم غلب عليهم النظر إلى الإحسان فقادهم إلى الشكر ~~مع ما نبهت عليه الخشية من اتصافهم بالفرق الذي أداهم إلى الذعر فقال: { ~~ربهم } الذي أحسن إليهم بتطويرهم بما جعل لهم من الأسباب في أطوار الخير ~~وإذا كانوا يخشونه مع نظرهم إلى صفة إحسانه فما ظنك بهم عند النظر إلى ~~صفات انتقامه { بالغيب } أي حال كونهم غائبين عنه سبحانه ووعيده غائبا ~~عنهم وهو غائبون عن أعين الناس وقد ملأ الخوف ما غاب عنهم عن الناس وهي ~~قلوبهم فهم مع الناس يتكلمون وقلوبهم تتلظى بنيران الخوف وتكلم بسيوف ~~الهيبة، فيتركون المعصية حيث لا يراهم أحد من الناس! ولا يكون لهم هذا ~~إلا برياضة عظيمة لما عند الناس من القوى الموجبة للطغيان، قال بعض ~~العارفين: في الإنسان خواص تستدعي العلم بما يشوبها من الحظوظ فتنشأ منها ~~- والعياذ بالله - المنازعة في الكبرياء والعظمة والجلال والجمال، فالقلب ~~يستدعي التفرد بالوجود والأمر والنهي، فما من أحد إلا وهو مستبطن ما قال ~~فرعون، ولكن لا يجد له مجالا كما وجد فرعون، والعقل يستدعي في تدبيره ~~وتأثيره اعتقاد أنه لو مكن من الوجود لدبره، ويرى أن تدبيره هو التدبير ~~وإن كان أفسد الفاسد، وكذلك لا يزال يقول: لو كان كذا لكان كذا، والنفس ~~لا تتخيل أنها من القوة والاقتدار بحيث لو أرادت أن تخرب مدنا وتبنيها ~~فعلت، فليحذر الإنسان فإن أعدى عدوه نفسه التي هي بين جنبيه، فمهما تركها ~~انتشرت، قال تعالى # كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى # [العلق: ms5187 6 و 7] وينسى ما بعدها # إن إلى ربك الرجعى # [العلق: 8] ولهذا كان بعض الأكاسرة - وكانوا أعقل الملوك - يرتب واحدا ~~يكون وراءه بالقرب منه، يقول له إذا اجتمعت جنوده بعد كل قليل: أنت عبد، ~~لا يزال يكرر ذلك، والملك يقول له كلما قاله: نعم: فعلى العاقل أن يطوع ~~نفسه لأن ترجع مطمئنة بأن يرضى بالله ربا ليدخل في رق العبودية، ~~وبالإسلام دينا ليصير عريقا فيها، فلا ينازع الملك في ردائه الكبرياء ~~وإزاره العظمة وتاجه الجلال وحلته الجمال، ولا ينازعه فيما يدبره من ~~الشرائع، ويظهره من المعارف، ويحكم به على عبيده من قضائه وقدره. # ولما كانت الخشية مشيرة إلى الذنوب، فكان أهم ما إليهم الإراحة منها قال ~~تعالى: { لهم مغفرة } أي سترة عظيمة تأتي على جميع ذنوبهم. # ولما كان السرور إنما يتم بالإعطاء قال: { وأجر } أي من فضل الله { كبير ~~* } يكون لهم به من الإكرام ما ينسيهم ما قاسوه في الدنيا من شدائد ~~الآلام، وتصغر في جنبه لذائذ الدنيا العظام. # ولما كانت الخشية من الأفعال الباطنة، وكان كل أحد يدعي أنه يخشى الله، ~~قال مخوفا لهم بعلمه نادبا إلى مراقبته لئلا يغتروا بحلمه، عاطفا على ~~ما تقديره لإيجاب المراقبة: فأبطنوا أفعالهم وأظهروها: { وأسروا } أي ~~أيها الخلائق. # ولما كان إفراد الجنس دالا على قليله وكثيره قال: { قولكم } أي خيرا ~~كان أو شرا { أو اجهروا به } فإنه يعلمه ويجازيكم به لأن علمه لا يحتاج ~~إلى سبب، وذلك أن المشركين كانوا يقولون: أسروا وإلا يسمع إله محمد: ثم ~~علل ذلك مؤكدا لأجل ما للناس من استبعاد ذلك بقوله: { إنه } أي ربكم { ~~عليم } أي بالغ العلم { بذات الصدور * } أي بحقيقتها وكنهها وحالها ~~وجبلتها وما يحدث عنها سواء كانت قد تخيلته ولم تعبر عنه، أو كان مما لم ~~تتخيله بعد بدليل ما يخبر به سبحانه وتعالى عنهم مما وقع وهم يخفونه، أو ~~لم يقع بعد ثم يقع كما أخبر به سبحانه؛ ثم دل على ذلك بقوله معجبا ممن ~~يتوقف فيه أدنى توقف ومنكرا عليهم بإثبات العلم ونفى ms5188 ضده على أبلغ وجه: ~~{ ألا يعلم } أي وكل ما يمكن أن يعلم، وحذف المفعول للتعميم، ثم ذكر ~~الفاعل واصفا له بما يقرب المخبر به للإفهام فقال: { من خلق } أي الذي ~~أوجد الخلق من القلوب الحاوية للأسرار والأبدان وغير ذلك، وطبع في كل شيء ~~من ذلك ما طبع مما قدره بعلمه وأتقنه بحكمته، فإن كل صانع أدرى بما صنعه، ~~ويجوز - وهو أحسن - أن يكون " من " مفعولا والفاعل مستترا، أي ألا يعلم ~~الله مخلوقه على الإطلاق وله صفتا اللطف والخبر اللتان شأنهما إدراك ~~البواطن إدراكا لا يكون مثله لأن الغرض إثبات العلم لما أخفوه لظنهم ~~أنهم إذا أسروا يخفى، لا إثبات مطلق العلم فإنهم لم ينكروه { وهو } أي ~~والحال أنه هو { اللطيف } أي الذي يعلم ما بثه في القلوب لأنه يصل إلى ~~الأشياء بأضدادها فكيف بغير ذلك { الخبير * } أي بالغ العلم بالظواهر ~~والبواطن فكيف يخفى عليه شيء من الأشياء، وهو أعظم تهديد يكون؛ فإن من ~~علم أن من يعصيه عالما به وهو قادر عليه لا يعصيه أبدا. # ولما كان ذلك أمرا غامضا، دل عليه بأمر مشاهد أبدعه بلطفه وأتقنه ~~بخبرته لاستدعاء الشكر من عباده على ما أبدع لهم ومن عليهم به من النعم ~~الباهرة التي بها قوامهم، ولولاه لما كان لهم بقاء فقال مستأنفا: { هو } ~~أي وحده { الذي جعل لكم } لتتوصلوا إلى ما ينفعكم { الأرض } على سعتها ~~وعظمها وجزونة كثير منها { ذلولا } أي مسخرة لا تمتنع، قابلة للانقياد ~~لما تريدون منها من مشي وإنباط مياه وزرع حبوب وغرس أشجار وغير ذلك غاية ~~الانقياد، بما تفهمه صيغة المبالغة مع أن فيها أماكن خوارة تسوخ فيها ~~الأرجل ويغوص فيها ما خالطها، ومواضع مشتبكة بالأشجار يتعذر أو يتعسر ~~سلوكها، وأماكن ملأى سباعا وحيات وغير ذلك من الموانع، وأماكن هي جبال ~~شاهقة إما يتعذر سلوكها كجبل السد بيننا وبين ياجوج وماجوج، ورد في ~~الحديث أنه تزلق عليه الأرجل ولا تثبت، أو يشق سلوكها، ومواطن هي بحور ~~عذبة أو ملحة فلو شاء لجعلها كلها كذلك ليكون بحيث ms5189 لا يمكن الانتفاع بها، ~~فما قسمها إلى سهول وجبال وبرور وبحور وأنهار وعيون وملح وعذب وزرع وشجر ~~وتراب وحجر ورمال ومدر وغير ذلك إلا لحكمة بالغة وقدرة باهرة، لتكون ~~قابلة لجميع ما تريدون منها، صالحة لسائر ما ينفعكم فيها. # ولما كان معنى التذليل ما تقدم، سبب عنه قوله تمثيلا لغرض التذليل لأن ~~منكبي البعير وملتقاهما من الغاربين أرق شيء وأنباه عن أن يطأه الراكب ~~بقدمه ويعتمد عليه: { فامشوا } أي الهوينا مكتسبين وغير مكتسبين إن شئتم ~~من غير صعوبة توجب لكم وثبا أو حبوا { في مناكبها } أي أماكنها التي هي ~~لولا تسهيلنا لمناكب الحيوانات لكانوا ينتكبون عن الوقوف عليها، فكيف ~~بالمشي، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: إنها الجبال - لأن تذليلها أدل ~~دليل على تذليل غيرها، وليكن مشيتكم فيها وتصرفكم بذل وإخبات وسكون ~~استصغارا لأنفسكم وشكرا لمن سخر لكم ذلك - والله الهادي. # ولما ذكر سبحانه أنه يسرها للمشي، ذكرهم بأنه سهلها لإخراج الخيرات ~~والبركات فقال: { وكلوا } ودل على أن الرزق فوق الكفاية بقوله: { من رزقه ~~} أي الذي أودعه لكم فيها وأمكنكم من إخراجه بضد ما تعرفون من أحوالكم ~~فإن الدفن في الأرض مما يفسد المدفون ويحيله إلى جوهرها كما يكون لمن ~~قبرتموه فيها، ومع ذلك فأنتم تدفنون الحب وغيره مما ينفعكم فيخرجه لكم ~~سبحانه على أحسن ما تريدون ويخرج لكم من الأقوات والفواكه والأدهان ~~والملابس ما تعلمون، وكذلك النفوس هي صعبة كالجبال وإن قدتها للخير ~~انقادت لك كما قيل " هي النفس ما عودتها تتعود ". # ولما كان التقدير للبعث على الشكر والتحذير من الكفر: واعبدوه جزاء على ~~إحسانه إليكم وتربيته لكم. فمنه مبدأ جميع ذلك، عطف عليه ما يدعو إلى ~~الحياء من السيد والخجل من توبيخه عند لقائه فقال: { وإليه } أي وحده { ~~النشور * } وهو إخراج جميع الحيوانات التي أكلتها الأرض وأفسدتها، يخرجها ~~في الوقت الذي يريده على ما كان كل منها عليه عند الموت كما أخرج تلك ~~الأرزاق، لا فرق بين هذا وذاك، غير أنكم لا تتأملون فيسألكم عما كنتم ~~تعملون، فيا ms5190 فوز من شكر ويا هلاك من كفر، فإن هذا أبعث شيء على الشكر، ~~وأشد شيء إبعادا عن العصيان لا سيما الكفر، لما قرر من حاجة الإنسان، ~~والإحسان إليه بأنواع الإحسان. ### || [67.16-19] # ولما لم يكن بعد الاستعطاف إلا الإنذار على الخلاف، قال مهددا للمكذبين ~~بعذاب دون عذاب جهنم، منكرا عليهم الأمان بعد إقامة الدليل على أن بيده ~~الملك، وأنه قادر على ما يريد منه بأسباب جنوده وبغير سبب، مقررا بعد ~~تقرير حاجة الإنسان وعجزه أنه لا حصن له ولا مانع له بوجه من عذاب الله، ~~فهو دائم الافتقار ملازم للصغار: { أأمنتم } أي أيها المكذبون، وخاطبهم ~~بما كانوا يعتقدون مع أنه إذا حمل على الرتبة وأول السماء بالعلو أو جعل ~~كناية عن التصرف لأن العادة جرت غالبا أن من كان في شيء كان متصرفا فيه ~~صح من غير تأويل فقال: { من في السماء } أي على زعمكم العالية قاهرة لكم، ~~أو المعنى: من الملائكة الغلاظ الشداد الذي صرفهم في مصالح العباد، أو ~~المعنى: في غاية العلو رتبة، أو أن ذلك إشارة إلى أن في السماء أعظم أمره ~~لأنها ترفع إليها أعمال عباده وهي مهبط الوحي ومنزل القطر ومحل القدس ~~والسلطان والكبرياء وجهة العرش ومعدن المطهرين والمقربين من الملائكة ~~الذين أقامهم الله في تصريف أوامره ونواهيه، والذي دعا إلى مثل هذا ~~التأويل السائغ الماشي على لسان العرب قيام الدليل القطعي على أنه سبحانه ~~ليس بمتحيز في جهة لأنه محيط فلا يحاط به، لأن ذلك لا يكون إلا لمحتاج؛ ~~ثم أبدل من " من " بدل اشتمال فقال: { أن }. # ولما كانت قدرته على ما يريد بلا واسطة كقدرته بالواسطة، وقدرته إذا كان ~~الواسطة جمعا كقدرته إذا كان واحدا، لأن الفاعل على كل تقدير حقيقة هو ~~لا غيره، وحد بما يقتضيه لفظ " من " إشارة إلى هذا المعنى سواء أريد ب " ~~من " هو سبحانه أو ملائكته أو واحد منهم فقال: { يخسف } أي أأمنتم خسفه، ~~ويجوز أن يراد ب " من " الله سبحانه وتعالى كما مضى خطابا على زعمهم ~~وظنهم أنه ms5191 في السماء وإلزاما لهم بأنه كما قدر على الإمطار والإنبات ~~وغيرهما من التصرفات في الأرض فهو يقدر على غيره { بكم الأرض } كما خسف ~~بقارون وغيره. # ولما كان الذي يخسف به من الأرض يصير كالساقط في الهواء وكان الساقط في ~~الهواء يصير يضطرب، سبب عن ذلك قوله: { فإذا هي } أي الأرض التي أنتم بها ~~{ تمور * } أي تضرب وهي تهوي بكم وتجري هابطة في الهواء وتتكفأ إلى حيث ~~شاء سبحانه، قال في القاموس: المور الاضطراب والجريان على وجه الأرض ~~والتحرك. # ولما كانوا ربما استبعدوا الخسفة، وكانوا يعهدون ما ينزل من السماء من ~~الندى والأمطار والصواعق، عادل بذلك قوله: { أم أمنتم } أي أيها ~~المكذبون، وكرر لهم ذكر ما يخشونه زيادة في الترهيب فقال: { من في السماء ~~} على التقديرين { أن يرسل عليكم } أي من السماء { حاصبا * } أي حجارة ~~يحصبكم - أي يرميكم - بها مع ريح عاصف بقوتها كما وقع لقوم لوط وأصحاب ~~الفيل. # ولما كان هذا الكلام إنذارا عظيما ووعظا بليغا شديدا، وكان حالهم ~~عنده مترددا بين إقبال وإدبار، سبب عنه على تقدير إدبارهم بتماديهم بما ~~للإنسان من النقصان قوله متوعدا بما يقطع القلوب، ولفت القول إلى مقام ~~التكلم إيذانا بتشديد الغضب: { فستعلمون } أي عن قريب بوعد لا خلف فيه ~~في الدنيا ثم في الآخرة. # ولما كان العلم بكيفية الشيء أعظم من العلم بمطلق ذلك الشيء لأنه يلزم ~~من العلم بها العلم بمطلق ذلك الشيء، وكان ما هو بحيث يسأل عنه لا يكون ~~إلا عظيما قال: { كيف نذير * } أي إنذاري البليغ إذا شاهدتم العذاب وهو ~~بحيث لا يستطاع، ولا تتعلق الأطماع بكشف له ولا دفاع، وحذف الياء منه ومن ~~" نكير " إشارة إلى أنه وإن كان خارجا عن الطرق ليس منتهى مقدوره بل ~~لديه مزيد، لا غاية له بوجه ولا تحديد. # ولما كان من المعلوم أن المأمور بإبلاغهم وإنذارهم هذا الإنذار صلى الله ~~عليه وسلم في غاية الرحمة لهم والشفقة عليهم فهو بحيث يشق عليه غاية ~~المشقة ما أفهمه هذا الكلام من إهلاكهم أن يصدقوا، ويحب ms5192 التأني بهم، لفت ~~سبحانه الخطاب إليه عاطفا على ما تقديره: فلقد طال إمهالنا لهم وحلمنا ~~عنهم وتعريفنا لهم بعظيم قدرتنا وهم لا يرجعون وكثر وعظنا لهم وتصريفنا ~~القول بينهم على ألسنة رسلنا عليهم الصلاة والسلام وهم يتمادون ولا ~~ينتهون، قوله مصورا لهم ما توعدهم به في أمر محسوس لأن الأمور المشاهدات ~~أروع للإنسان لما له من التقيد بالوهم مؤكدا للإشارة إلى أن التكذيب مع ~~إقامة البراهين أمر يجب إنكاره فلا يكاد يصدق: { ولقد كذب } وطغى وبغى ~~وأعرض وتجبر وتمرد وولى بوجهه وقلبه { الذين }. # ولما كان هذا التكذيب لم يعم الماضين بعض فقال: { من قبلهم } يعني كفار ~~الأمم الماضية. # ولما كان سبحانه قد أملى لهم ثم أخذهم بعد طول الحلم أخذا بقيت أخباره، ~~ولم تندرس إلى الآن على تمادي الزمان آثاره، فكان بحيث يسأل عنه لعظم ~~أحواله، وشدة زلازله وفظاعة أهواله، سبب عن ذلك قوله منبها على استحضار ~~ذلك العذاب ولو بالسؤال عنه: { فكيف كان نكير * } أي إنكاري عليهم بما ~~أصبتهم به من العذاب في تمكن كونه وهول أمره، فقد جمع إلى التسلية غاية ~~التهديد. # ولما ذكر بمصارع الأولين، وكان التذكير بالحاصب تذكيرا لقريش بما حصب ~~به على قرب الزمان عدوهم أصحاب الفيل بما أرسل عليهم من الطير الأبابيل ~~تحذيرا لهم من ذلك إن تمادوا على كفره، ولم ينقادوا إلى شكره، فكان ~~التقدير تقريرا لزيادة قدرته وحسن تدبيره ولطف تربيته حيث جبر الطير ~~لضعفها بالطيران ليكمل بعموم رحمانيته أمر معاشها تقريرا لأن بيده الملك ~~وترهيبا من أن ينازعه أحد في تدبيره مع تبقية القول مصروفا عن خطابهم، ~~إيذانا بشدة حسابهم وسوء منقلبهم ومآبهم؛ ألم يروا إلى قدرتنا على مصارع ~~الأولين وإهلاك المكذبين وإنجاء المؤمنين، عطف عليه قوله معرضا عنهم ~~زيادة في الإنذار بالحصب من الطير وغيرها: { أو لم يروا } وأجمع القراء ~~على القراءة هنا بالغيب لأن السياق للرد على المكذبين بخلاف ما في النحل. # وأشار إلى بعد الغاية بحرف النهاية فقال: { إلى الطير } وهو جمع طائر. # ولما كان الجو كله مباحا ms5193 للطيران نزع الجار فقال: { فوقهم } وبين حال ~~الطير في الفوقية بقوله واصفا لها بالتأنيث إشارة إلى ضعفها في أنفسها ~~لولا تقويته لها { صافات } أي باسطات أجنحتها تمدها غاية المد بحيث تصير ~~مستوية لا اعوجاج فيها مع أنه إذا كان جماعة منها كانت صفوفا أو صفا ~~واحدا في غاية الانتظام تابعة لإمام منها. # ولما عبر عن الصف بالاسم لأنه الأصل الثابت، عبر عن التحريك بالفعل لأن ~~الطيران في ساحة الهواء كالسباحة في باحة الماء، والأصل في السباحة مد ~~الأطراف وبسطها، والبقض طارىء على البسط فقال: { ويقبضن } أي يوقعن قبض ~~الأجنحة وبسطها وقتا بعد وقت للاستراحة والاستظهار به على السبح في ~~الهواء. ولما تم هذا التقدير على هذا الوجه الرائع للقلوب ترجمه بقوله: { ~~ما يمسكهن } أي في الجو في حال القبض والبسط عن السقوط على خلاف ما ~~يقتضيه الطبع. # ولما كان هذا من التدبير المحكم الناظر إلى عموم الرحمة قال: { إلا ~~الرحمن } أي الملك الذي رحمته عامة لكل شيء بأن هيأهن - بعد أن أفاض ~~عليهن رحمة الإيجاد - على أشكال مختلفة وخصائص مفترقة للجري في الهواء ~~بما أوجد لها من القوادم والحوافي وغير ذلك من الهيئات المقابلة لذلك، ~~وكذا جميع العالم لو أمسك عنه حفظه طرفة عين لفسد بتهافت الأفلاك وتداعي ~~الجبال وغيرها، وعبر في النحل بالاسم الأعظم لأن سياقها للرد على أهل ~~الطبائع وهم الفلاسفة الذين لا يقوم بالرد عليهم إلا المتبحر في معرفة ~~جميع أصول الدين بمعرفة جميع معاني الأسماء الحسنى والصفات العلى التي ~~جمعها اسم الذات. # ولما كان هذا أمرا رائعا للعقل، ولكنه لشدة الإلف صار لا يتنبه له إلا ~~بالتنبيه، وكان الجاهل ربما ظن أن التقدير على الطيران خاص بالطير، نبه ~~سبحانه على عظمة ما هيأ الطير له وعلى أنه يقدر أن يجعل ذلك لغيره بقوله ~~مؤكدا لأجل قصور بعض العقول عن التصديق بذلك وتضمن الإشراك للطعن في ~~تمام الاقتدار المتضمن للطعن في تمام العلم: { إنه } أي الرحمن سبحانه { ~~بكل شيء } قل أو كثر جليل وحقير ظاهر وباطن { بصير ms5194 * } بالغ البصر والعلم ~~بظواهر الأشياء وبواطنها، فمهما أراد كان وهو يخلق العجائب ويوجد ~~الغرائب، فيهيىء من أراد من الآدميين وغيرهم لمثل ذلك. ### || [67.20-23] # ولما كان التقدير تقريرا لذلك: فمن يدبر مصالحكم ظاهرا وباطنا، وفعل ~~هذه الأنواع من العذاب بالمكذبين من قبلكم، عطف عليه قوله عائدا إلى ~~الخطاب لأنه أقعد في التكبيث والتوبيخ، وأدل على أن المخاطب ليس بأهل لأن ~~يهاب مقررا لأنه مختص بالملك: { أمن } ونبه على أن المدبر للأشياء لا بد ~~أن يكون في غاية القرب والشهادة لها ليكون بصيرا برعيها، ويكون مع مزيد ~~قربه عالي الرتبة بحيث يشار إليه، فقال مقررا لعجز العباد: { هذا } ~~بإشارة الحاضر { الذي } وأبرز العائد لأنه لا بد من إبرازه مع الاسم بعدم ~~صلاحه لتحمل الضمير فقال: { هو جند } أي عسكر وعون، وصرف القول عن الغيبة ~~إلى الخطاب لأنه أبلغ في التقريع فقال: { لكم ينصركم } أي على من يقصدكم ~~بالخسف والحصب وغيرهما، ويجوز أن يكون التقدير: ألكم إله يدبر مصالحكم ~~غيرنا أم كان الذي عذب من كذب الرسل سوانا أم لكم جند يصار إليه ينصركم ~~دوننا كما قال تعالى # أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا # [الأنبياء: 43] ولكنه أخرجه مخرج الاستفهام عن تعيين الجند تعريفا ~~بأنهم لغاية جهلهم اعتقدوا أن لهم من أجناد الأرض أو السماء من ينصرهم ~~وإلا لما كانوا آمنين. # ولما كانت المراتب متضائلة عن جنابه متكثرة جدا، قال تعالى مشيرا ~~بالحرف والظرف إلى ذلك منبها على ظهوره سبحانه فوق كل شيء، لم يقدر أحد ~~ولا يقدر أن ينازعه في ذلك ولا في أنه مستغرق لكل ما دونه من المراتب: { ~~من دون الرحمن } إن أرسل عليكم عذابه، وأظهر ولم يضمر بعثا على استحضار ~~ما له من شمول الرحمة، وتلويحا إلى التهديد بأنه لو قطعها عن أحد ممن ~~أوجده عمه الغضب كله، ولذلك قال مستنتجا عنه تنبيها على أن رفع المضار ~~وجمع المسار ليس إلا بيده لأنه المختص بالملك: { إن } أي ما، وأبرز ~~الضمير تعميما وتعليقا للحكم بالوصف ومواجهة بذلك لأنه أقعد في التوبيخ ms5195 ~~فقال: { الكافرون } أي العريقون في الكفر وهم من يموت عليه { إلا في غرور ~~* } أي قد أحاط بهم فلا خلاص لهم منه وهو أنهم يعتمدون على غير معتمد. # ولما قدم أعظم الرحمة بالحياطة والنصرة الموجبة للبقاء، أتبعه ما يتم به ~~البقاء فقال: { أمن } وأشار إلى القرب بالعلم والبعد بالعلو والعظمة ~~بقوله: { هذا } وأشار إلى معرفة كل أحد له بصفاته العلية التي تنشأ عنها ~~أفعاله المحكمة السنية، فقال: { الذي } وأسقط العائد لتحمل الفعل له ~~فقال: { يرزقكم } أي على سبيل التجدد والاستمرار، لا ينقطع معروفه أبدا ~~مع أنه قد وسع كل شيء ولا غفلة له عن شيء { إن أمسك رزقه } بإمساك ~~الأسباب التي تنشأ عنها ويكون وصوله إليكم منها كالمطر، ولو كان الرزق ~~موجودا أو كثيرا وسهل التناول فوضع الأكلة في فمه فأمسك الله عنه قوة ~~الازدراء عجز أهل السموات والأرض عن أن يسوغوه تلك اللقمة. # ولما قامت بهذا دلائل قدرته وشمول علمه على سبيل العموم فالخصوص، فكان ~~ذلك مظنة أن يرجع الجاحد ويخجل المعاند، ويعلم الجاهل ويتنبه الغافل، ~~فكان موضع أن يقال: هل رجعوا عن تكذيبهم، عطف عليه قوله لافتا الكلام ~~إلى الغيبة إعراضا عنهم تنبيها على سقوط منزلتهم وسوء أفهامهم وقوة ~~غفلتهم: { بل لجوا } أي تمادوا سفاهة لا احتياطا وشجاعة، قال الرازي في ~~اللوامع: واللجاج تقحم الأمر مع كثرة الصوارف عنه { في عتو } أي مظروفين ~~لعناد وتكبر عن الحق وخروج إلى فاحش الفساد { ونفور * } أي شراد عن حسن ~~النظر والاستماع، دعا إليه الطباع، واستولى ذلك عليهم حتى أحاط بهم مع ~~أنه لا قوة لأحد منهم في جلب سار ولا دفع ضار، والداعي إلى ذلك الشهوة ~~والغضب. # ولما كان هذا فعل من لا بصر له ولا بصيرة، سبب عنه قوله ممثلا للموحد ~~والمشرك بسالكين ولدينيهما بمسلكين: { أفمن يمشي } أي على وجه الاستمرار ~~{ مكبا } أي داخلا بنفسه في الكب وصارا إليه، وهو السقوط { على وجهه } ~~وهو كناية عن السير على رسم مجهول وأثر معوج معلول، على غير عادة العقلاء ~~لخلل في أعضائه، واضطراب ms5196 في عقله ورأيه، فهو كل حين يعثر فيخر على وجهه، ~~لأنه لعدم نظره يمشي في أصعب الأماكن لإمالة الهوى له عن المنهج المسلوك، ~~وغلبة الجهل عليه فهو بحيث لا يكون تكرار المشاق عليه زاجرا له عن السبب ~~الموقع له فيه، ولم يسم سبحانه وتعالى ممشاه طريقا لأنه لا يستحق ذلك. # ولما كان ربما صادف السهل لا عن بصيرة بل اتفاقا قال: { أهدى } أي أشد ~~هداية { أمن يمشي } دائما مستمرا { سويا } قائما رافعا رأسه ناصبا ~~وجهه سالما من العثار لأنه لانتصابه يبصر ما أمامه وما عن يمينه وما عن ~~شماله { على صراط } أي طريق موطأ واسع مسلوك سهل قويم { مستقيم * } أي هو ~~في غاية القوم، هذا مثل من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا فإنه يتبع ~~الفطرة الأولى السليمة عن شهوة أو غضب أو شائبة حظ، والأول مثل الكافر، ~~حاله في سيره إلى الله حال المكب أي الذي كب نفسه بغاية الشهوة على وجهه، ~~لا يرى ما حوله ولا يشعر بما أحاط به، ولا ينظر في الآيات ولا يعتبر ~~بالمسموعات، فهو اليوم شيء باطن لظهر يوم القيامة فيحشر على وجهه إلى ~~النار جزاء لرضاه بحالته هذه في هذه الدار فيظهر له سبحانه ما أبطن له ~~اليوم، والمؤمن بخلاف ذلك فيهما، والآية من الاحتباك: ذكر الكب أولا ~~دليلا على ضده ثانيا، والمستقيم ثانيا دليلا على المعوج أولا، وسره ~~أنه ذكر أنكأ ما للمجرم وأسر ما للمسلم. # ولما كان العرب الموعوظون بهذا الذكر يتغالون في التفاخر بالهداية في ~~الطرق المحسوسة وعدم الإخلال بشكر المعروف لمسديه ولو قل، فنفى عنهم ~~الأول بقيام الأدلة على خطئهم الفاحش في كل ما خالفوا فيه الرسول صلى ~~الله عليه وسلم من طريقهم المعنوي الذي اتخذوه دينا، فهو أشرف من الطريق ~~المحسوس، أتبعه بيان انسلاخهم من الثاني مع التأكيد لانسلاخهم من الأول، ~~قال آمرا للرسول صلى الله عليه وسلم بتنبيههم لأن الإنسان على نوعه أقبل ~~لأنه إليه أميل، إسقاطا لهم من رتبة الفهم عن الله سبحانه وتعالى لسفول ~~هممهم ولقصور ms5197 نظرهم مع أنه جعل لهم حظا ما من الحضور بتأهيلهم لخطاب ~~الرسول صلى الله عليه وسلم لإقامتهم بالمذكور في الآية فيما يرجى معه ~~العلم ويورث الفطنة والفهم: { قل } أي يا أشرف الخلق وأشفقهم عليهم ~~مذكرا لهم بما دفع عنهم الملك من المفسدات وجمع لهم من المصلحات والقوى ~~والعقل ليرجعوا إليه، ولا يعولوا في حال من أحوالهم إلا عليه، وينظروا في ~~لطيف صنعه وحسن تربيته فيمشي كل منهم سويا: { هو } أي الله سبحانه ~~وتعالى { الذي } شرفكم بهذا الذكر وبين لكم هذا البيان وحده الذي { ~~أنشأكم } أي أوجدكم ودرجكم في مدارج التربية حيث طوركم في أطوار الخلقة ~~في الرحم ويسر لكم بعد خروجكم الخروج اللين حيث كانت المعدة ضعيفة عن ~~أكثف منه. # ولما كان من أعظم النعم الجليلة بعد الإيجاد العقل، أتبعه به، وبدأ ~~بطريق تنبيهه فقال: { وجعل لكم } أي خاصة مسببا عن الجسم الذي أنشأه { ~~السمع } أي الكامل لتسمعوا ما تعقله قلوبكم فيهديكم، ووحده لقلة التفاوت ~~فيه ليظهر سر تصرفه سبحانه في القلوب بغاية المفاوتة مع أنه أعظم الطرق ~~الموصلة للمعاني إليها { والأبصار } لتنظروا صنائعه فتعتبروا وتزدجروا ~~عما يرديكم { والأفئدة } أي القلوب التي جعلها سبحانه في غاية التوقد ~~بالإدراك لما لا يدركه بقية الحيوان لتتفكروا فتقبلوا على ما يعليكم، ~~وجمعا لكثرة التفاوت في نور الأبصار وإدراك الأفكار، وهذا تنبيه على ~~إكمال هذه القوى في درك الحقائق بتلطيف السر لتدقيق الفكر، قال الشيخ ولي ~~الدين الملوي: انظر إلى الأفئدة كيف تحكم بأن الاثنين أكثر من الواحد، ~~وأن الجسم الواحد لا يكون في مكانين في آن واحد، وأن الضدين لا يجتمعان - ~~وغير ذلك مما لا يخفى. # ولما كان التقدير: فمشيتم مشي المكب على وجهه فلم تستعملوا شيئا من هذه ~~الأسرار الشريفة فيما خلق له، كانت ترجمة ذلك: { قليلا } وأكد المعنى ~~بما صورته صورة النافي فقال: { ما } ولما زاد تشوف النفس إلى العامل في ~~وصف المصدر دل عليه سبحانه وتعالى بقوله: { تشكرون * } أي توقعون الشكر ~~لمن أعطاكم ما لا تقدرون قدره باستعماله فيما خلق ms5198 لأجله تدعون أنكم أشكر ~~الناس للإحسان وأعلاهم في العرفان. ### || [67.24-27] # ولما دل سبحانه على بعدهم عن الهداية وعن الشكر اللذين يفخرون على الناس ~~كافة بكل منهما، واستعطفهم بما أودع فيهم من اللطائف الربانية الروحانية ~~المقتضية بنورانيتها للعروج إلى مواطن القدس ومعادن الأنس، دل على قدرته ~~على حشرهم تحذيرا لهم من التمادي في الإعراض بمعنى يجده كل منهم في نفسه ~~على وجه دال على كمال قدرته بما أودع فيهم مع تلك اللطائف مع كثائف طباع ~~الأرض الموجبة للسفول ليكون - إذا أعلته تلك اللطائف بالتوبة - مجتهدا ~~في تنقية آثار تلك الكثائف المسفلة كما يكون للزرع إذا حصد من بقايا تلك ~~الجذر التي إن لم تقلع من أصلها عادت بالنبات إلى ما كان عليه الزرع ~~أولا، فقال مستأنفا بيانا لأنه دليل برأسه كاف فيما سبق له: { قل هو } ~~أي وحده { الذي ذرأكم } أي خلقكم وبثكم ونشركم وكثركم وأنشأكم بعد ما ~~كنتم كالذر أطفالا ضعفاء، ثم قواكم ثم جعلكم شيبا ضعفاء وأسكنكم الغضب ~~والذعر واللجاج الحامل لكم على الولوع بما يلجىء إليه الطباع المثيرة { ~~في الأرض } التي تقدم أنه ذللها لكم ورزقكم منها النبات الذي تقدم أن ~~إبداءه منها ثم رده إليها وإفنائه فيها ثم إعادته كما كان بعد أن صار ~~رفاتا وشيئا فانيا مماتا دليل على القدرة على البعث، لا فرق في ذلك ~~بينه وبينكم أصلا، فكان منه البدأ { وإليه } وحده { تحشرون * } شيئا ~~فشيئا إلى البرزخ ودفعة واحدة يوم البعث على أيسر وجه بمن أراد من عباده ~~كرها منكم كما كان أمركم في الدنيا، فإنه لم يكن إلى الإنسان منكم أحب ~~من الدعة والسكون، فكأنه سبحانه يضطره بما أودعه من الطبائع المتضادة ~~وأثار له من الأسباب في طلب رزقه وغير ذلك من أمره إلى السعي إلى حيث ~~يكره، فكما أنه قدر على ذلك منكم في الابتداء فهو يقدر على مثله في ~~الانتهاء، ليحكم بينكم ويجازي كلا على عمله كما يفعل كل ملك برعيته، ~~وكل إنسان منكم بجماعته. # ولما كان التقدير: فلقد أبلغ سبحانه ms5199 في وعظهم بنفسه وعلى لسانك يا أشرف ~~الخلق صلى الله عليه وسلم وذلك بما هدى إليه السياق قطعا، ذكر حالهم عند ~~ذلك فقال إعلاما بكثافة طباعهم حيث لم تلطف أسرارهم لقبول محبة الله ~~تعالى وإثارة الأحوال الحسنة من الصبر المثبت واليقين وحسن الانطباع ~~لقبول النصائح والخوف وعدم الاعتزاز بأحد غير الله تعالى من جهة نفع أو ~~ضر، وكذلك لفت القول إلى الإعراض إيذانا بشديد الغضب منهم: { ويقولون } ~~أي يجددون هذا القول تجديدا مستمرا استهزاء وتكذيبا، ويجوز أن يكون ~~حالا من الواو في " بل لجوا ": { متى هذا } وزادوا في الاستهزاء بقولهم ~~{ الوعد } وألهبوا وهيجوا إيضاحا للتكذيب على زعمهم بقولهم: { إن كنتم } ~~جبلة وطبعا { صادقين * } في أنه لا بد لنا منه، وأنكم مقربون عند الله، ~~فلو كان لهم ثبات الصبر واليقين لما طاشوا هذا الطيش بإبراز هذا القول ~~القبيح الذي ظاهره طلب الإخبار بوقت الأمر المتوعد به، وباطنه الاستعجال ~~به استهزاء وتكذيبا. # ولما كان قولهم هذا مع أنه استعجال بأمر الساعة استهانة بها حتى أنه ~~عندهم كأنها من قبل الوعد الحسن وهو متضمن لإيهام أنها مما يطلع الخلق ~~على تعيين وقته، نفى ذلك بيانا لعظمتها بعظمة من أمرها بيده فقال آمرا ~~له بجوابهم مؤذنا بدون ذلك الإعراض لأنهم لا ينكرون علمه تعالى ذلك ~~الإنكار: { قل } يا أكرم الخلق منبها لهم على تحصيل اليقين بأن ما علموه ~~وحكموا بعلمهم فيه وما لا ردوا علمه إلى الله: { إنما العلم } أي المحيط ~~من جميع الوجوه بما سألتم عنه من تعيين زمان هذا الوعد وغيره، ولأجل ~~إظهار فضل العلم اللازم من كماله تمام القدرة صرف القول عن عموم الرحمة ~~إلى إفهام العموم المطلق بالاسم الأعظم فقيل: { عند الله } أي الذي له ~~الإحاطة بجميع صفات الكمال، فهو الذي يكون عنده وبيده جميع ما يراد منه، ~~لا يطلع عليه غيره، وهيبته تمنع العالم بما له من العظمة أن يجترىء على ~~سؤاله عما لم يأذن فيه، وعظمته تقتضي الاستئثار بالأمور العظام، وإلى ذلك ~~يلوح قوله تعالى: { وإنما أنا } ولما ms5200 كان السياق للتهويل والتخويف، وكانت ~~النذارة يكفي فيها تجويز وقوع المنذور به فكيف إذا كان مظنونا فكيف إذ ~~كان معلوم الوقوع في الجملة ليكون العاقل متوقعا له في كل وقت قال: { ~~نذير } أي كامل في أمر النذارة التي يلزم منها البشارة لمن أطاع النذر لا ~~وظيفة لي عند هذا الملك الأعظم غير ذلك، فلا وصول لي إلى سؤاله عما لا ~~يأذن لي في السؤال عنه. # ولما كان النذير قد لا يقدر على إقامة الدليل على ما ينذر به لأنه يكفي ~~العاقل في قبوله غلبة الظن بصدقه بل إمكان صدقه في التحرز عما ينذر به، ~~بين أنه ليس كذلك فقال: { مبين * } أي كاشف للنذري غاية الكشف بإقامة ~~الأدلة عليها حتى تصير كأنها مشاهدة لمن له قبول للعلم. # ولما كان ما ينذر به لا بد من وقوعه، وكان كل آت قريبا، عبر عن ذلك ~~بالفاء والماضي فقال صارفا العقول إلى الإعراض لأن وقت الرؤية للعذاب في ~~غاية المناسبة للإهانة: { فلما رأوه } أي الوعد بانكشاف الموعود به عند ~~كونه، وحقق معنى الماضي والفاء بقوله: { زلفة } أي ذا قرب عظيم منهم، ~~وذلك بالتعبير عن اسم الفاعل بالمصدر إبلاغا في المعنى المراد وأكد ~~المبالغة بالتاء لأنها ترد للمبالغة إذا لم يرد منها التأنيث، ولا سيما ~~إن دلت قرينة أخرى على ذلك. # ولما كان المخوف في النذري الوقوع في السوء لا بقيد كونه من معين قال: { ~~سيئت } ولما كان السوء يظهر في الوجه قال: { وجوه } وأظهر في موضع ~~الإضمار تعميما وتعليقا للحكم بالوصف فقال: { الذين كفروا } أي ظهر ~~السوء وغاية الكراهة في وجوه من أوقع هذا الوصف ولو على أدنى وجوه ~~الإيقاع وعلتها الكآبة. # ولما كان لا أوجع من التبكيت عند إحاطة المكروه من غير حاجة إلى تعيين ~~فاعله، بنى للمفعول قوله: { وقيل } أي لهم تقريعا وتوبيخا: { هذا الذي ~~} أي تقدم من عنادكم ومكركم واستكباركم { كنتم } أي جبلة وطبعا { به } ~~أي بسببه ومن أجله، وصرف القول إلى الخطاب لأن التقريع به أنكأ في ~~العذاب: { تدعون * } أي ms5201 تطلبون وتوقعون الطلب له طلبا شديدا تبلغون فيه ~~غاية الجهد على وجه الاستعجال أن يستنزل بكم مكروهه فعل من لا يبالي به ~~بوجه، وتكررون ذلك الطلب وتعودون إليه في كل وقت معرضين عن السعي في ~~الخلاص فيه من عدوان العذاب ونيل الوعد الحسن بجزيل الثواب لبيان قوة ~~طلبهم له وتداعيهم إليه استهزاء به حتى كأنهم لا مطلوب لهم غيره، قدم ~~الجار المفيد غالبا للاختصاص فهو افتعال من دعا الشيء وبالشيء إذا طلبه، ~~ودعاه الله بمكروه: أنزله به. ### || [67.28-30] # ولما كان من المعلوم أن من نهى آخر عن هواه وبالغ في ذلك أبغضه ذلك ~~الناهي وتمنى هلاكه، فكيف إذا والى عليه الإنذار والتخويف بما لا يصل إلى ~~دركه عقله ولا يرى له مقدمة بتحققها، وكان الكفار يسعون في هلاك النبي ~~صلى الله عليه وسلم ومن تبعه كل سعي، وكان هلاك النذير إنما ينفع المنذر ~~على تقدير نجاته من هول ما كان يحذره منه النذير، أمره سبحانه أن يذكرهم ~~بهذا لينظروا في ذلك المتوعد به، فإن كان ممكنا سعوا في الخلاص مما قد ~~يكون منه من العذاب، وسلكوا في الهرب منه مسلكا سهلا بعيدا من سوء ~~الانقلاب، ودخلوا إلى فسيح المانع منه من أوسع باب، أو كفوا عن السعي في ~~هلاك النذير وطووا ما مدوا له من الأسباب، ليدلهم إذا كان صادقا على شيء ~~يحميهم أو يخفف عنهم ذلك المصاب، فقال منبها على شدة الحذر من مكر الله ~~وعدم الاغترار به للمؤمن الطائع لعلمه، أنه لا يقدر أن يقدر الله حق قدره ~~فكيف بالعاصي فضلا عن الكافر مكررا للأمر بالقول تنبيها على أن كل ~~جملة صدرت به كافية في الدلالة على مقصود السورة وعائدة إليه لما اشتملت ~~عليه من باهر القدرة ووافر العظمة: { قل } أي يا أفضل الخلق كلهم وأشرفهم ~~وأعظمهم وأتقاهم لهؤلاء الذين طال تضجرهم منك وهم يتمنون هلاكك حسدا ~~منهم وعمى في قلوبهم وبعدا وطردا، قد استحكم واستدار بهم ذلك تقدير ~~العزيز العليم { أرءيتم } أي أخبروني خبرا أنتم في الوثوق ms5202 به على ما هو ~~كالرؤية. # ولما كانوا غير عالمين بعاقبة الأمر في هلاكه ومن معه بما يقصدونهم به، ~~حذرهم عاقبة ذلك بالتعبير بأداة الشك، وإسناد الإهلاك إلى الله معبرا عن ~~الاسم الدال على تناهي العظمة إلى حد لا يدع لغيره منها شيئا إعلاما ~~بأنه على القطع بأنه لا شيء في أيديهم فهو لا يخافهم بوجه فقال: { إن ~~أهلكني } أي أماتني بعذاب أو غيره { الله } أي الذي له من صفات الجلال ~~والإكرام ما يعصم به وليه ويقصم به عدوه { ومن معي } أي من المؤمنين ~~والمناصرين رضي الله عنهم أجمعين بغضبه علينا مع ما لنا من الأسباب ~~بالطاعة بالأعمال الصالحة التي رتب سبحانه عليها الفوز والنجاة حتى لا ~~يبقى أحد ممن يكدر عليكم بالمنع من الهوى القائد إلى القوى والحث على ~~العقل الضامن للنجاة { أو رحمنا } بالنصرة وإظهار الإسلام كما نرجو ~~فأنجانا بذلك من كل سوء ووقانا كل محذور وأنالنا كل سرور، فالآية من ~~الاحتباك: ذكر الإهلاك أولا دليلا على النجاة ثانيا، والرحمة ثانيا ~~دليلا على الغضب أولا { فمن } وكان ظاهر الحال يقتضي: يجيركم مع طلبكم ~~المسببات من الفوز والنجاة بغير أسباب بل بأسباب منافية للنجاة جالبة ~~للعذاب، فوضع الظاهر موضع الضمير تعميما وتعليقا للحكم بالوصف ~~واستعطافا لهم إلى إيقاع الإيمان والرجوع عن الكفران فقال: { يجير ~~الكافرين } أي العريقين في الكفر بأن يدفع عنهم ما يدفع الجار عن جاره { ~~من عذاب أليم * } يصيبهم به الذي هم عالمون بأنه لا شيء إلا بيده، وإلا ~~لنجى أحد من الموت الذي خلقه وقدره بين عباده جزاء على ما كانوا يؤلمون ~~من يدعوهم إليه وينصحهم فيه، فإذا كان لا ينجيهم من عذابه شيء سواء متنا ~~أو بقينا فالذي ينبغي لهم إن كانوا عقلاء السعي فيما ينجى من عذابه، لا ~~السعي في إهلاك من هو ساع في خلاصهم من العذاب، ولا يقدرون على إهلاكه ~~أصلا إلا بتقدير الذي أمره بإنذارهم. # ولما كان لا يقدر على التعميم بالنعمة إلا من كان عام القدرة والنعمة ~~والرحمة، وكان التذكير بالنعم ms5203 أشد استعطافا، صرف القول إلى التعبير بما ~~هو صريح في ذلك، فقال مذكرا بذلك لعلمهم بأنه لا نعمة عليهم إلا منه ~~واعترافهم بذلك ليحذروه ويتذكروا عموم قدرته فيعلموا قدرته على البعث ~~فينفصل النزاع: { قل } يا خير الخلق: { هو } أي الله وحده { الرحمن } أي ~~الشامل الرحمة لكل ما تناولته الربوبية، فلا يليق بعقل عاقل أن يدع أحدا ~~من خلقه في ظلم ظالمه فلا يأخذ له بحقه، لأن ذلك لا يرضاه أقل الناس ~~لنفسه مع عجزه فكيف بمن هو كامل القدرة وإلا لما قدر على عموم الرحمة { ~~آمنا به } أي أنا ومن آمن بي لهذا البرهان القاطع بأنه لا يكافئه شيء فهو ~~كاف في الإيمان به { وعليه } أي وحده { توكلنا } لأنه لا شيء في يد غيره ~~وإلا لرحم من يريد عذابه أو عذاب من يريد رحمته، فكل ما جرى على أيدي ~~خلقه من رحمة أو نقمة فهو الذي أجراه لأنه الفاعل بالذات، المستجمع لما ~~يليق به من الصفات، فنحن نرجو خيره ولا نخاف غيره، وقد أقررنا له بهذه ~~العبارة على وجه الحصر بالألوهية والربوبية فلا نحتج في السلوك إليه إلى ~~معوق عن ذكره والتفكر في آلائه ولو كان المعوق نفيسا في ظاهر الحياة ~~الدنيا ولو كان مخوفا فإنه لا خوف معه سبحانه، فالتوكل عليه منجاة من كل ~~هلكة مجلبة لكل ملكة، ولم يفعل كما تفعلون أنتم في توكلكم على رجالكم ~~وجاهكم وأموالكم. # ولما أبان هذا طريق الصواب، وجلى كل ارتياب، وكان لا بد من الرجوع إليه ~~والانقلاب، لإتمام الرحمة بالثواب والعقاب، سبب عنه قوله: { فستعلمون } ~~أي عند التجلي عليكم بصفة القهر عما قليل بوعد لا خلف فيه { من هو } أي ~~منا ومنكم متداع بذاته ظاهرا وباطنا { في ضلال } أي أخذ في غير مسلك ~~موصل إلى مقصد محيط به الضلال بحيث إنه لا قدرة له على الانفكاك منه إلا ~~إن أطاع من يجره بيده فيخرجه منه، ولما كان الشيء إذا كان فيه نوع لبس ~~كان ربما اقتضى قبول العذر قال: { مبين * } أي بين ms5204 في نفسه موضح لكل أحد ~~أنه لا خفاء به. # ولما افتتح سبحانه السورة بعظيم بركته وتمام قدرته وتفرده في مملكته، ~~ودل على ذلك بتفرده بالإماتة والإحياء، ختم بمثل ذلك بالماء الذي وجوده ~~هو سبب للحياة وعدمه سبب للموت، فقال قارعا بالتنبيه مشيرا بتكرير ~~الأمر إلى مزيد التوبيخ والزجر والتبكيت دالا على تعيين ما أبهم من أهل ~~الضلال، ومصرحا بما لوح إليه من ذلك الإجمال. { قل } أي يا أعظم خلقنا ~~وأعلمهم بنا: { أرءيتم } أي أخبروني إخبارا لا لبس فيه ولا خفاء، ولما ~~كان شديد العناية بهذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، سكن قلبه في ~~وعيدهم بالإشارة إلى الرفق بهم لأجله، فابتدأ الوعيد بحرف الشك فقال: { ~~إن } ولما كانت النعمة أشد ما يكون إذا كانت في الصباح الذي هو موضع ~~ارتقاب الفلاح قال: { أصبح مآؤكم } أي الذي تعدونه في أيديكم - بما نبهت ~~عليه الإضافة. # ولما كان المقصود المبالغة، جعله نفس المصدر فقال: { غورا } أي نازلا ~~في الأرض بحيث لا يمكن لكم نيله بنوع حيلة - بما دل على ذلك الوصف ~~بالمصدر { فمن يأتيكم } على ضعفكم حينئذ وافتقاركم وانخلاع قلوبكم ~~واضطراب أفكاركم { بماء معين * } أي جار دائما لا ينقطع أو ظاهرا ~~للأعين سهل المأخذ إلا الله رب العالمين فإنه هو القادر على ذلك، فقد رجع ~~ذلك الآخر كما ترى على ذلك الأول، وعانقه على أحسن وجه وأكمل - والله ~~أعلم. ### | [68 - سورة القلم] ### || [68.1-5] # لما أبهم الضال والمهتدي في آخر " الملك " والمسيء والمحسن في العمل ~~أولها، وختم بآية الماء المعين الذي دلت حروفه بمجموعها على تمام معناه، ~~ودل كل واحد منها على شيء منه، فدلت ميمه على تمام شيء ظاهر، وعينه على ~~آية هادية، وياؤه على قائم ملطف متنزل مع كل مقام، ونونه على مظهر مبين ~~محيط بما أظهره، وردهم سبحانه إليه بعد شرادهم عنه بالاستفهام في هذه ~~الآية بما نبههم عليه من عجزهم وعجز كل من يدعونه من دونه وأنه لا يقدر ~~على الإتيان بذلك الماء الذي هو حياة الأشباح بعد ذهابه إلا ms5205 من تمت ~~قدرته، فكان قادرا على كل ما يريد، وكان لا يقدر على كل ما يريده إلا من ~~كمل علمه الذي يحيي به ميت الأرواح، دل على شمول قدرته بكمال علمه بما ~~أفاده على النبي الكريم الأمي من العلوم التي زخرت بحارها، فأحيا ~~مدرارها، وأغرق تيارها، فافتتح هذه السورة بكلمة البيان وهو اسم الحرف ~~الذي هو آخر حروف تلك، ومن لوازم بعض ما دل عليه الماء الذي هو الحياة ~~المصححة، ونبه على نصبه له سبحانه دليلا على العلم بما دل عليه من مخرج ~~مسماه وصفاته ومواقعه في الكلم في جميع تقلباته فقال: { ن } هذه الكلمة ~~حرف من حروف المعجم وهي اسم لمسمى به ظهور الأشياء وعلمها وإدراكها كما ~~دل عليه موقعه في اسم النور والنار والنيل والنمو والنباهة والنقاء ~~والنصح والنبأ والنجابة والنجاة والنحت والندم، وقد تقدم في البقرة عن ~~أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال: لكل كتاب سر وسر القرآن هذه ~~الحروف، ولا يعلم ما هي إلا واضعها سبحانه. # ولما كان هذا الحرف مشتركا في اللغة بين حرف المعجم والدواة والحوت ~~وشفرة السيف، سكن للدلالة بادىء بدء على أنه حرف، ولا يمنع إسكانه ~~المتأصل في البناء من إرادة بقية المعاني لأن العرب ربما سكنت الكلمة ~~بنية الوقف تنبيها على عظمة معناها، فلا يلزم من الإسكان عن غير عامل ~~البناء، وقيل: النون اللوح، والنونة الكلمة من الصواب، والسمكة، فهو صالح ~~لحرف المعجم الكلي الصالح لكل فرد، وعن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما ~~أنه أخر حروف الرحمن والدواة لما يتأثر عنها من العلوم، والحوت الذي على ~~ظهره الكون واسمه اليهموت لما في ذلك من عجائب القدر والأسرار، ويكون ~~الإقسام وقع بالنون والقلم علوا للإحاطة، والسيف لما يتأثر عنه من جليل ~~الآثار، وكيفما كان المراد فهو الإحاطة، وهو سر باطن لا يظهر، وإنما تظهر ~~نتائجه، فهو الحكم ونتائجه القضاء والقدر بالإشقاء أو الإسعاد. # ولما كان هذا الحرف آية الكشف للأشياء كان مخرجه أمكن المخارج وأيسرها ~~وأخفها وأوسعها وهو ms5206 رأس المقول، فإنه يخرج مما بين طرف اللسان وفويق ~~الثنايا من اللثة، وهو أخرج من مخرج اللام ومن مخرج الراء أيضا، وتسمى ~~هذه الحروف الثلاثة الزلقية مع بقية حروف " فر من لب " لأن طرف كل شيء ~~زلقة، والنون أمكنها في هذا المخرج وأشدها انطباقا فيما بين اللسان ~~واللثة، وهو مما كرر مسماه في اسمه فانتهى إلى حيث ابتدأ، واختص بكون ~~عماده وقوامه الحرف الأقوى الأظهر ذا الرفعة والعلو وهو الواو والزلقية ~~التي هو أحدها ضد المصمتة وهي أخف الحروف على اللسان وأكثرها امتزاجا ~~بغيرها، وأما المصمتة فمنعت أن تنفرد بنفسها في لغة العرب في كلمة هي ~~أكثر من ثلاثة أحرف، بل لا بد أن يكون معها بعض الزلقية، والألف خارجة عن ~~الصنفين لأنها مجرد إهواء لا مستقر لها، فقد ناسبت بمخرجها لسعته وخفته ~~ووصفها بالزلاقة التي تقع لما اتصف بها من الحروف الكمال غنية عن سواها ~~ولا يقع لما لم يخالطها كمال فيما ذكر ما ذكر من أن معناها البيان ~~والإظهار ومن صفاتها الجهر وبين الشدة والرخاوة والانفتاح والاستفال، ~~والغنة الخارجة من الخيشوم إذا سكن، وكل هذا واضح في العلم الذي له ~~الاتساع والانتشار والتغلغل في الأشياء الباطنة، ويشاركه الميم في الغنة ~~كما أنه يشاركه في أن له حظا من الظهور والنون وهو الأصل في الغنة كما ~~أنه الأصل في الظهور لما له من العلو بالعماد، وهو أيضا من حروف الذبذبة ~~والزيادة التي لا تستقر على حال فتقع مرة زوائد وأخرى أصولا كما أن ~~العلم أيضا كذلك لا استقرار له بل مهما وسعته اتسع، ومهما تركته اضمحل ~~وانجمع، وهو من حروف الأبدال التي تبدل من غيرها ولا يكون غيرها بدلا ~~منها فلازب ولازم الميم بدل من الباء بخلاف العكس كما أن العلم أصل يتبعه ~~غيره ولا يكون هو تابعا لغيره، وهو من الحروف الصحيحة وليست معتلة، ~~والعلم جدير بهذا الوصف وهو إذا كان مخفي من الحروف المشربة ويقال لها ~~المخالطة - بكسر اللام وفتحها، وهي التي اتسعت فيها العرب فزادتها على ms5207 ~~التسعة والعشرين المستعملة وهي من الحروف الصم وهي ما عدا الحلقية، سميت ~~بذلك لتمكنها في خروجها من الفم واستحكامها فيه، يقال للمحكم المصتم ~~والعلم أشد ما يكون مناسبة لهذا الوصف، فقد انطبقت بمخرجها وجميع صفاتها ~~على العلم الذي هو مقصود السورة فتبين حقا أنه مقصودها، وأما رتبة القلم ~~في بيان العلم وإظهاره وكشف خفاياه وأسراره وبثه وإشهاره فهي بحيث لا ~~يجهلها أحد اتصف بالعقل، ومما يختص به هذا الحرف أنه يصحب كل حرف لأن حده ~~هو ما يعبر عنه التنوين الذي انتظامه بالحركات هو ما آيته العلم المكمل ~~به الحياة التي هي آية ما يعبر عنه هذه الحركات، فلما كانت هذه الحركات ~~آية على ما هو الحياة كان التنوين عقبها آية على ما به كمال الحياة من ~~العلم، وهو سبب لما به القيام من الظهور، ومن معناه اسمه تعالى النور، ثم ~~هو اسم لكل ما يظهر ما خفي باطنا كالعلم في الإدراك الذي تظهر حقائق ~~الأشياء به، وظاهرا كالنيرين للعيون، وسائر الأنوار الظاهرة والباطنة، ~~وما هو وسيلة الظهور كالعيون مما به تشاهد الأشياء ويظهر به صورها، ~~والدواة التي منها مداد ما كتب بالقلم في العوالم أعلاها وأدناها وكل آلة ~~يتوصل بها إلى إظهار صورة تكون تماما كماء المزن الذي هو مداد كل شيء ~~كون الله به الكائنات والبادئات " وجعلنا من الماء كل شيء حي " ومنه ~~معنى النجم النباتي الذي هو للشجر بمنزلة الفول للبشر متلبسا بالنور - ~~بالفتح - الذي فيه حظ من النور - بالضم - والذرء الذي هو ظاهر في نفسه ~~مظهر لطرق الاهتداء، وكذلك الأمر في النار المخلصة من رتبة ظلمتها التي ~~هي غايتها بالرماد، وابتداؤها بما يخرج منه من شجر وحديد وحجر. # ولما كان هذا الحرف اسما لما به ظهور أمر لم يختص بشيء من المظهرات دون ~~آخر بل شمل النور والحاسة والمراد والمادة، ولذلك كان مع الكاف الذي هو ~~علم التكوين سبب ظهور كل شيء # إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون # [النحل: 40] ولصدقه على كل ms5208 مظهر فسره ابن عباس رضي الله عنهما بالدواة ~~ففسر بما يستمد منه القلم، وليلحظ موقعه في نجد فإنه اسم لما ارتفع من ~~الأرض وظهر في نفسه وأظهر غيره، وفي نهود الجارية وهو ظهور نهدها، وفي ~~النهب وهو ما أخذ أخذا ظاهرا كما قال صلى الله عليه وسلم # " ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيها أبصارهم " # وفي النفخ والنفع والنصر والنقر والنقب وما أشبهها فإنها كلها ظهور ~~وإظهار كالنم والمن والنمؤ ولأجل علوه واستبطانه وأنه استغراق المظهر ~~المبين كانت إقامته يتعالى الألف وهو الواو وانتهاؤه إلى مثل ما بدأ به، ~~ولكون الميم تماما كان قوامه بمتنزل كالألف التي هي الياء في قولك ميم، ~~ولرجوع الواو إلى علو الألف كان عمادها الألف في قولك " واو " وهذه ~~الحروف الثلاثة ظاهرة في عالمين ظاهرهما المبدوء به وباطنهما المختوم به، ~~فالنون الأولى يعبر بها عن نور الأبصار، والخاتمة يعبر بها عن نور القلب، ~~ولما كان الهاء وتر الدال، وكان محيطا باطنا غيبا وجب أن يكون محل ~~تضعيفه بالياء محل محيط باطن نازل الرتبة في الغيب عن الهاء لوقوعه في ~~رتب العشرات وهو النون، فكان ظاهرا بالإضافة إلى خفاء الهاء باطنا ~~بالإضافة إلى ظهور الميم، فيكون بالنون ظهور الميم المعبر عن " الملك " ~~الذي سبق في السورة الماضية كما كان شهادة الدال وثبوته بالهاء. # ولذلك انبنى تمام كل عمل على نور علم كما كان قوام ظاهر كل دال غير هاء، ~~وكان النون مدادا لمثل العلم الذي يظهر صورها بسطر القلم حتى أن آية ما ~~بطن منه فأظهره القلم هو ما بطن دون الأرض من النون الذي عليه الأرض الذي ~~أول ما يطعمه أهل الجنة زيادة كبده مع الثور الذي عليه الأرض أيضا الذي ~~يذبح لهم - على ما ورد في الخبر، وقابل استبطان النون في الأرض ظهور ~~القاف على ظاهرها الذي هو جبل الزبرجد المحيط بالدنيا، وعن ذلك الاستيلاء ~~على القلوب في الدنيا إنما يكون بالعلم الذي هو حقيقة نون كما أن ~~الاستيلاء على الأجسام في ms5209 ظاهر الدنيا إنما يكون بالقدرة التي هي حقيقة ~~قاف على ما يظهر من إجالتي العلماء في النون الأبطن والملوك في القاف ~~الأظهر، وهذان الصنفان من الخلق هما المستوليان على الناس بالأيالة ونفوذ ~~الأمر، ولذلك أقيم المفصل من القرآن بحرفي قاف ونون، واقترن أيضا هذان ~~الحرفان في كلمة القرآن ولفظ الفرقان اللذين هما في ظواهر أسمائه، وإنما ~~كان أول ما يطعمه أهل الجنة من الثور الذي عليه الدنيا الذي كان يرعى في ~~أطراف الجنة - على ما ورد عنه عليه أفضل الصلاة والسلام، لأن صورة الثور ~~هي معنى ما هو الكد والكدح وجهد العمل في الأرض الذي قام عليه أمر ~~الدنيا، ولما كان أهل الدنيا أول ما يراحون منه من أمر الدنيا تقديم أمر ~~الكد بين يدي معاشهم في الجنة، كان الذي يذبح لهم الثور الذي هو صورة ~~كدهم فيأكلونه فهو جزاء ما عملوا به في دنياهم من حيث كانوا ذوي دين، ~~فاستحقوا بذلك جزاء كدهم بما هو صورته، وأضيف لذلك زيادة كبد النون التي ~~هي صورة حظهم من أصل العلم فأطعموها وجوزوا بها، وروعي في أعمالهم حسن ~~نيتهم في أصل دينهم، فلما أتوا عليهما استقبلوا الراحة والخروج عن الكلفة ~~في معاشهم في الجنة، والذي جرهم به سبحانه إلى سني هذه الرتبة ما أتقنه ~~بحكمته من ثناء المفصل القرآني على حرفي القاف الذي به القوة والقهر ~~والقدرة، والنون الذي به إظهار ذلك للعقل بنور العلم، وذلك أن القرآن ~~نزله سبحانه مثاني، ضمن ما عدا المفصل منه الذي هو من قاف إلى خاتمة ~~الكتاب العزيز، وفاتحته ما يختص بأولي العلم والفقه من مبسوطات الحكم ~~ومحكمات الأحكام ومطولات الأقاصيص ومتشابه الآيات، والسور المفتتحة ~~بالحروف العلية الإحاطة الغيبية المنحى المستندة إلى آحاد الأعداد مما ~~يختص بعلم ظاهرها خاصة الأمة، ويختص بأمر باطنها آل محمد صلى الله عليه ~~وسلم، فلعلو رتبة إيراد ما عدا المفصل ثنى الحق تعالى الخطاب وانتظمه في ~~سور كثيرة العدد يسيرة عد الآي هي المفصل، ذكر فيها من أطراف القصص ~~والمواعظ والأحكام ms5210 والأنباء وأمر الجزاء ما يليق بسماع العامة ليسهل ~~عليهم سماعه وليأخذوا بحظ مما أخذ الخاصة، ويتكرر على أسماعهم في قراءة ~~الأئمة له في الصلوات المفروضة التي لا مندوحة لهم عنها ما يكون لهم ~~خلقا مما يفوتهم من مضمون سائر السور المطولات، فكان أحق ما افتتح به ~~مفصلهم حرف القاف الذي هو وتر الآحاد حتى صارت عشرة، ثم إذا ضربت في ~~نفسها صارت مائة، فافتتح به المفصل، ليكون مضمون ما يحتوي عليه أظهر مما ~~يحتوي عليه ما افتتح بآلم، ولذلك كان صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقرأ في ~~خطبة الجمعة سورة " ق " فيفتتح للعامة المتوجه بخطبة يوم الجمعة إليهم ~~لأنها صلاة جامعة الظاهر بفاتحة المفصل الخاص، وفي مضمونها من معنى ~~القدرة والقهر المحتاج إليه في إقامة أمر العامة ما فيه كفاية، وشفعت ~~بسورة " ن " المظهرة ظاهر " ق " فخصوا بما فيه القهر والإبانة، واختصت ~~سورة " ن " من مقتضى العلم بما هو محيط بأمر العامة المنتهي إلى غاية ~~الذكر الشامل للعالمين، لأن القوة المعربة عن العلم ربما كان ضررها أكثر ~~من نفعها، كما قال بعض السلف: كل عز لم يوطده علم فإلى ذل يؤول، وكما كان ~~جميع السور التسع والعشرين المفتتحة بالحروف المتضمنة للمراتب التسع في ~~التسعة وللعاشر الجامع للمراتب التسع بإيتار آحادها والعاشر الجامع يضرب ~~العشر الموتر في نفسه قواما وإحاطة في جميع القرآن كذلك كان سورة " ق " ~~وسورة " ن " قواما خاصا وإحاطة خاصة بما يخص العامة من القرآن الذي ~~يجمعهم الأرض بما أحاط من ظاهرها من صورة جبل " ق " وما أحاط بباطنها من ~~صورة حيوان " ن " الذين تمام أمرهم بما بين مددي إقامتهما، وبهذه السورة ~~المفتتحة بالحروف ظهر اختصاص القرآن وتميز عن سائر الكتب لتضمنه الإحاطة ~~التي لا تكون إلا للخاتم الجامع، واقترن من التفصيل في سورها ما يليق ~~بإحاطتها، ولإحاطة معانيها وإبهامها كان كل ما فسرت به من معنى يرجع إلى ~~مقتضاها صحيحا في إحاطتها بمتنزلها من أسماء الله وترتبها في جميع ~~العوالم فلا يخطىء فيها مفسر لذلك لأنه ms5211 كلما قصد وجها من التفسير لم ~~يخرج عن إحاطة ما يقتضيه، ومهما فسرت به من أسماء الله أو من أسماء ~~الملائكة أو من أسماء الأنبياء أو من مثل الأشياء أو صور الموجودات أو من ~~أنها أقسام أقسم بها أو فواتح عرفت بها السور أو أعداد تدل على حوادث ~~وحظوظ من ظاهر الأمر أو باطنه على اختلاف رتب وأحوال مما أعطيه المنزل ~~عليه صلى الله عليه وسلم من مقدار أمد الخلافة والملك والسلطنة وما ينتهي ~~إليه أمره من ظهور الهداية ونحو ذلك مما يحيط بأمد يومه إلى غير ذلك وكل ~~داخل في إحاطتها، ولذلك أيضا لا يختص بمحل مخصوص يلزمه علامة إعراب ~~مخصوصة، فمهما قدر في مواقعها من هذه السورة جرا أو رفعا أو نصبا ~~فداخل في إحاطة رتبتها ولم يلزمها معنى خاص لما لم يكن لها انتظام، لأنها ~~مستقلات محيطات، وإنما ينتظم ما يتم معنى كل واحد من المنتظمين بحصول ~~الانتظام، وذلك يختص من الكلم بما يقصر عن إحاطة مضمون الحروف حتى أنه ~~متى وقع استقلال وإحاطة في كلمة لم يقع فيها انتظام. # ولما كان قوام هذا الوجود بالسيف والقلم، وكان " نون " مشتركا بين معان ~~منها السيف والدواة التي هي آلة القلم، واللوح الذي هو محل ما يثبت من ~~العلم، وكان السيف قد تقدم في حيز القاف الذي افتتحت به سورة " ق " كما ~~هو أنسب لتضمنه القوة والقدرة والقهر في سورة الحديد بعد الوعظ والتهديد ~~والتذكير بالنعم في السورة الواقعة بينهما، ذكر هنا ما هو لحيز النون من ~~آية العلم فقال مقسما بعد حرف " ن ": { والقلم } أي قلم القدرة الذي هو ~~أول ما أبدعه الله، ثم قال له: اكتب، فخط جميع الكائنات إلى يوم القيامة ~~في اللوح المحفوظ حقيقة، وفي ألواح صفحات الكائنات حالا ومجازا، فأظهر ~~جميع العلوم، ثم ختم على فيه فلم ينطق ولا ينطق إلى يوم القيامة، والذي ~~يكتب فيه الخلق ما نولهم الله من تلك المعارف والفهوم، وذلك هو قوام أمور ~~الدنيا، والإشارة به إلى القضاء الذي ms5212 هو من نتائج " ن " لأنه من مصنوعات ~~الله الظاهرة التي اقتضت حكمته سبحانه إيجادها ووجهه إلى تفصيل ما جرى به ~~الحكم. # ولما كان الحاصل بالقلم من بث الأخبار ونشر العلوم على تشعبها والأسرار ~~ما يفوق الحصر، فصار كأنه العالم المطيق واللسن المنطيق، وكان المراد به ~~الجنس أسند إليه كما يسند إلى العقلاء فقال: { وما يسطرون * } أي قلم ~~القدرة، وجمعه وأجراه مجرى أولي العلم للتعظيم لأنه فعل أفعالهم، أو ~~الأقلام على إرادة الجنس، ويجوز أن يكون الإسناد إلى الكاتبين به لما دل ~~عليهم من ذكره، إما الملائكة إن كان المراد ما كتب في الكتاب المبين ~~واللوح المحفوظ وغيره مما يكتبونه، وإما كل من يكتب منهم ومن غيرهم حتى ~~أصحاب الصحيفة الظالمة التي تقاسموا فيها على أن يقاطعوا بني هاشم ومن ~~لافهم حتى يسلموا إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنعون به ما ~~شاؤوا، وكيف ما كان فهو إشارة إلى المقدر لأنه إنما يسطر ما قضى به وحكم. # ولما كان المخاطب بهذا صلى الله عليه وسلم قد عاشر المرسل إليهم دهرا ~~طويلا وزمنا مديدا أربعين سنة وهو أعلاهم قدرا وأطهرهم خلائق وأمتنهم ~~عقلا وأحكمهم رأيا وأرأفهم وأرفعهم عن شوائب الأدناس همة وأزكاهم نفسا ~~بحيث إنه لا يدعى بينهم إلا بالأمين ولم يتجدد له شيء يستحق به أن يصفوه ~~بسببه بالجنون الذي ينشأ عنه الضلال عن المقاصد المذكور آخر الملك في ~~قوله # فستعلمون من هو في ضلال مبين # [الملك: 29] إلا النعمة التي ما نال أحد قط مثلها في دهر من الدهور ولا ~~عصر من الأعصار، قال مجيبا هذا القسم العظيم رادا عليهم بأجلى ما يكون ~~وأدله على المراد تأنيسا له صلى الله عليه وسلم مما أوجب افتراؤهم عليه ~~له من الوحشة وشرحا لصدره وتهدئة لسره: { ما أنت } أي يا أعلى المتأهلين ~~لخطابنا { بنعمة } أي بسبب إنعام { ربك } المربي لك بمثل تلك الهمم ~~العالية والسجايا الكاملة بأن خصك بالقرآن الذي هو جامع لكل علم وحكمة، ~~وأكد النفي زيادة في شرفه صل الله عليه ms5213 وسلم فقال: { بمجنون * } أي بل ~~الذي وصفك بهذا هو الحقيق باسم الجنون ومعناه فضلا عن الضلال الذي ردد ~~في آخر تلك بينك وبينهم فيه سلوكا لسبيل الإنصاف لينظروا في تلك بالأدلة ~~فيعلموا ضلالهم وهدايتك بالدليل القطعي بالنظر في الآثار المظهرة لذلك ~~غاية الإظهار، فنفى عنه صلى الله عليه وسلم الشقاوة التي سببها فساد ~~العقل فثبتت السعادة التي سببها صلاح العقل ونعمة الرب له. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما تضمنت سورة الملك من عظيم البراهين ~~ما يعجز العقول عن استيفاء الاعتبار ببعضه كالاعتبار بخلق السماوات في ~~قوله تعالى # الذي خلق سبع سماوات طباقا # [الملك 3] أي يطابق بعضها بعضا من طابق النعل - إذا خصفها طبقا على ~~طبق، ويشعر هذا بتساويها في مساحة أقطارها ومقادير أجرامها - والله أعلم، ~~ووقع الوصف بالمصدر يشعر باستحكام مطابقة بعضها لبعض إنباء منه سبحانه ~~وتعالى أنها من عظم أجرامها وتباعد أقطارها يطابق بعضها بعضا من غير ~~زيادة ولا نقص # ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت # [الملك: 3] أي من اختلاف واضطراب في الخلقة أو تناقض، إنما هي مستوية ~~مستقيمة، وجيء بالظاهر في قوله تعالى # ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت # [الملك: 3] ولم يقل: ما ترى فيه من تفاوت - ليشعر أن جميع المخلوقات جار ~~على هذا، كل شكل يناسب شكله، لا تفاوت في شيء من ذلك ولا اضطراب، فأعطى ~~الظاهر من التعميم ما لم يكن يعطيه الإضمار كما أشعر خصوص اسم الرحمن بما ~~في هذ الأدلة المبسوطة من الرحمة للخلائق لمن رزق الاعتبار، ثم نبه تعالى ~~على ما يرفع الريب ويزيح الإشكال في ذلك فقال: # فارجع البصر # [الملك: 3] أي عاود الاعتبار وتأمل ما تشاهده من هذه المخلوقات حتى يصح ~~عندك ما أخبرت به بالمعاينة ولا يبقى معك في ذلك شبهة # هل ترى من فطور # [الملك: 3] أي من صدوع وشقوق، ثم أمر تعالى بتكرير البصر فيهن متصفحا ~~ومتمتعا هل تجد عيبا أو خللا # ينقلب إليك البصر خاسئا # [الملك: 4] أي إنك إذا فعلت هذا رجع بصرك بعيدا عن ms5214 إصابة الملتمس كأنه ~~يطرد عن ذلك طردا بالصغار وبالإعياء وبالكلال لطول الإجابة والترديد، ~~وأمر برجوع البصر ليكون في ذلك استجمامه واستعداده حتى لا يقع بالرجعة ~~الأولى التي يمكن فيها الغفلة والذهول إلى أن يحسر بصره من طول المعاودة ~~إذ معنى التثنية في قوله " كرتين " التكرير كقولهم: لبيك وسعديك فيحسر ~~البصر من طول التكرار ولا يعثر على شيء من فطور، فلو لم تنطو السورة على ~~غير ما وقع من أوله إلى هنا لكان في ذلك أعظم معتبر، وأوضح دليل لمن ~~استبصر، إذ هذا الاعتبار بما ذكر من عمومه جار في كل المخلوقات ولا يستقل ~~بفهم مجاريه إلا آحاد من العقلاء بعد التحريك والتنبيه، فشهادته بنبوة ~~الآتي به قائمة واضحة، ثم قد تكررت في السورة دلالات كقوله # ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح # [الملك: 5] وقوله # ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير # [الملك: 14] الآيات إلى آخر السورة، وأدناها كاف في الاعتبار فأنى يصدر ~~بعض عن متصف ببعض ما هزئوا به في قولهم: مجنون وساحر وشاعر وكذاب، # كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون # [المطففين: 14] فلعظيم ما انطوت عليه سورة الملك من البراهين اتبعت ~~بتنزيه الآتي بها محمد صلى الله عليه وسلم عما تقوله المبطلون مقسما على ~~ذلك زيادة في التعظيم، تأكيا في التعزير والتكرير فقال تعالى { ن والقلم ~~وما يسطرون ما أنت بنعمة ربك بمجنون } [القلم: 1،2] وأنى يصح من مجنون ~~تصور بعض تلك البراهين قد انقطعت دونها أنظار العقلاء فكيف ببسطها ~~وإيضاحها في نسق موجز، ونظم معجز، وتلاؤم يبهر العقول، وعبارة تفوق كل ~~مقول، تعرف ولا تدرك، وتستوضح سبلها فلا تسلك # قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله # [الإسراء: 88] فقوله سبحانه وتعالى { ما أنت بنعمة ربك بمجنون } [القلم: ~~2] جوابا لقوله تعالى في آخر السورة إنه لمجنون، وتقدم الجواب بنفي ~~قولهم والتنزيه عنه على حكاية قولهم ليكون أبلغ في إجلاله صلى الله عليه ~~وسلم وأخف وقعا عليه وأبسط لحاله في تلقي ذلك منهم، ولهذا قدم ms5215 مدحه صلى ~~الله عليه وسلم بما خص به من الخلق العظيم، فكان هذا أوقع في الإجلال من ~~تقديم قولهم ثم رده إذ كسر سورة تلك المقالة الشنعاء بتقديم التنزيه عنها ~~أتم في الغرض وأكمل، ولا موضع أليق بذكر تنزيهه عليه الصلاة والسلام، ~~ووصفه من الخلق والمنح الكريمة بما وصف مما أعقب به ذلك إذ بعض ما تضمنته ~~سورة الملك بما تقدم الإيماء إليه شاهد قاطع لكل عاقل متصف بصحة نبوته ~~صلى الله عليه وسلم وجليل صدقه # ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا # [النساء: 82] فقد تبين موقع هذه السورة هنا، وتلاؤم ما بعده من آيها ~~يذكر في التفسير - انتهى. # ولما نفى سبحانه عنه صلى الله عليه وسلم ما قالوه مما تواقحوا به، فثبت ~~له صلى الله عليه وسلم كمال العقل، وكان المجنون من لا يكون له عمل ينتظم ~~ولا قول يرتبط، فلا يستعمله أحد في شيء ليكون له عليه أجر، أثبت له الأجر ~~المستلزم للعقل فيتحقق إثباته من أحكم الحكماء على وجه أبلغ مما لو صرح ~~به، فقال على وجه التأكيد لإنكارهم له بما ادعوا فيه من البهت: { وإن لك ~~} أي على ما تحملت من أثقال النبوة وعلى صبرك عليهم بما يرمونك به وهو ~~تسلية له صلى الله عليه وسلم { لأجرا } ولما أثبت له ما يلازم العقل ~~ويصلح لأن يكون في الدنيا وأن يكون في الآخرة دالا بتنوينه وما أفهمه ~~السياق من مدحه صلى الله عليه وسلم على عظمته، وكان الأجر لا يستلزم ~~الدوام، وقد يكون منغصا بنوع منة قال: { غير ممنون * } أي مقطوع ولا ~~منقوص في دنياك ولا في آخرتك ولا لأحد من الناس عليك به صنيع يمتن به بأن ~~يذكره على سبيل اللوم والتقريع، فهذا بيان السعادة، والأجر لا يكون إلا ~~على العمل الصالح، والعمل رشح الأخلاق، فصالحه نتيجة الأخلاق الحسنة ~~والعقل الراجح. # ولما ثبت بهذا العقل مع ما أفاده من الفضل، وكان الذي يؤجر قد يكون في ~~أدنى رتب العقل، بين أنه صلى الله ms5216 عليه وسلم في أعلاها بقوله مؤكدا لما ~~مضى: { وإنك } وزاد في التأكيد لزيادتهم في المكابرة فقال: { لعلى خلق } ~~ولما أفهم السياق التعظيم، صرح به فقال: { عظيم * } وهو الإسلام الذي دعا ~~إليه القرآن لا بالبلاء ينحرف، ولا بالعطاء ينصرف، لأن خلقه - بشهادة ~~أعرف الناس به زوجه أم المؤمنين الصديقة عائشة بنت الصديق أبي بكر رضي ~~الله عنهما - القرآن، فلا يتحرك ولا يسكن إلا بأمره ونهيه، فهذا الخلق ~~نتيجة الهدى والهدى نتيجة العقل، وهو سبب السعادة، فأفهم ذلك عدم سعادتهم ~~لعدم عقولهم، وقال الواسطي: أظهر الله قدرته في عيسى عليه السلام ونفاذه ~~في آصف، وسخطه وقهره في عصى موسى عليه الصلاة والسلام وأطهر أخلاقه ~~ونعوته في محمد صلى الله عليه وسلم فكان متخلقا بأخلاق الله تعالى ~~والتخلق بأخلاقه أن ينزه علمه عن الجهل وجوده عن البخل وعدله عن الظلم ~~وحلمه عن السفه، واعلم أن الخلق والخلق صورتان: الخلق صورة الظاهر، ~~والخلق صورة الباطن؛ فتناسب الأعضاء الظاهرة يعبر به عن الخلق الحسن، ~~وتناسب المعاني الباطنة يعبر به عن الخلق الحسن، ثم الخلق الحسن تارة مع ~~الله، وتارة مع حكم الله، وتارة مع الخلق، فمع الله بالتعظيم والإجلال ~~ومع حكمه بالصبر في الضراء والبأساء والشكر في الرخاء والامتثال للأوامر ~~والانزجار عن النواهي عن طيب قلب مسارعة وسماحة، وحسن الخلق مع الخلق بث ~~النصفة في المعاملة وحسن المجاملة في العشرة، روي عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: # " الخلق وعاء الدين، لأن من الخلق يخرج الدين، وهو الخضوع والخشوع وبذل ~~النفس لله واحتمال المكروه ". # ولما كان الإسلام أشرف الأديان، أعطاه الله تعالى أقوى الأخلاق وأشرفها ~~وهو الحياء كما روي أن لكل دين خلقا وخلق الإسلام الحياء، ومن الحياء ~~حياة القلب، فكان صلى الله عليه وسلم يأخذ العفو ويأمر بالعرف ويعرض عن ~~الجاهلين ولا يجزي بالسيئة السيئة لكن يعفو ويصفح ويحسن مع ذلك ويجذب ~~بردته حتى يؤثر في عنقه فيلتفت وهو يضحك ويقضي حاجة الجاذب ويحسن إليه، ~~فقد اشتمل الكلام التدبيري المشار إليه بالنون ms5217 والقضاء الكلي التأثيري ~~المشار إليه بالقلم والقدر المبرم التفصيلي الواقع على وقف القضاء المشار ~~إليه بالسطر، ومثال ذلك أن من أراد بناء دولاب احتاج أولا إلى مهندس ~~يدبر له بعلمه موضع البئر والمدار وموضع المحلة وموضع السهم وموضع ~~الجداول، ونحو ذلك وهو الحكم التدبيري، ثانيا إلى صانع يحفر البئر ويبني ~~ونجار يركب الأخشاب على وفق حكمة المهندس، وهو القضاء التأثيري، وثالثا ~~إلى إقامة الثور في موضعه ودوران المحلة بما عليها من القواديس وجري ~~الماء في الجداول على وفق القضاء وهو القدر، ويحتاج رابعا وخامسا إلى ~~بيان انقسام المقدر له إلى شقي وسعيد، فالحكم باطن وهو سر من أسراره ~~سبحانه وتعالى - سبحان من لا يعلم قدره غيره. # ولما أقسم سبحانه على نفي ما بهتوه به ودل على ما وهبه من كمال العقل ~~وتمام الشرف والنبل تصريحا وتلويحا فثبت غاية الثبات بأخبار العالم ~~الحكيم، دل عليه بالمشاهدة على وجه هو من أعلام النبوة للحكم على ~~المستقبل فقال مسببا عن صادق هذا الإخبار: { فستبصر } أي ستعلم يا أعلى ~~الخلق وأشرفهم وأكملهم عن قريب بوعد لا خلف فيه علما أنت في تحققه ~~كالمبصر بالحسن الباصر { ويبصرون * } أي يعلم الذين رموك بالبهتان علما ~~هو كذلك. ### || [68.6-12] # ولما كان صلى الله عليه وسلم هو ومن معه فريقا والأعداء فريقا، وقد ~~أبهم آخر الملك الضال في الفريقين قال: { بأييكم } أي في أي فريقيكم { ~~المفتون * } أي بالضلال والجنون حتى صد عن الهدى ودين الحق، أو بأيكم ~~الفتنة بالجنون وغيره على أن يكون مصدر فتن، قال الرازي: مصدر مثل ~~المفتون وهو الجنون بلغة قريش كما يقال: ما له معقول وليس له مجلود، أي ~~عقل وجلادة. # ولما كان هذا إخبارا بجنونهم المستلزم لضلالهم على هذا الوجه المتصف، ~~وكان مثل هذا قد يقع في محاورات الناس بضرب من الظن، استأنف تعالى ما هو ~~كالتعليل لما أفاده السياق من هذا الحكم عليهم إعلاما بأنه ناشىء عن علم ~~قطعي لا مرية فيه بوجه، فقال مؤكدا لأجل إنكارهم لأن يكون الأمر على ما ~~أفاده ms5218 ما تقدم: إن ربك أي الذي رباك أحسن تربية وجبلك على أعظم الخلائق { ~~هو } أي وحده { أعلم } أي من كل أحد لا سيما من يتحرض { بمن ضل } أي حار ~~وجار وذهب وزل وضاع وغاب غيبة عظيمة لا يهتدي منها، وسلك غير سبيل القصد، ~~وأخطأ موضع الرشد، معرضا { عن سبيله } فكان أجن المجانين لأنه سبحانه ~~وتعالى خالقهم، وشارعه " ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير " ولا سيما ~~وهو الحي القيوم الذي لا يغفل { وهو } أي خاصة { أعلم بالمهتدين * } أي ~~الثابتين على الهدى وهم أولو الأحلام والنهى، وهذا سر القدر الذي يقال: ~~إنه إنما يظهر يوم الحاقة. # ولما كان من طبع البشر أن الحليم منهم الرزين إذا اشتد عليه الأذى ممن ~~لم تجر العادة بأن مثله يطيق مثلهم قاربهم ولا يتهم فيما الخلاف بسببه ~~بعض المقاربة، وكان سبب تلك المقاربة إنما هو عدم علمه بالعواقب، سبب ~~سبحانه ما مضى من إعلامه بحقائق الأمور وكشفه لمستورها قوله إلهابا ~~وتهييجا على الثبات على معاصاتهم إعلاما للضال بأماراته ليعلم المهتدي ~~لأن الأمور تعلم بأضدادها. وهو خطاب له صلى الله عليه وسلم والمراد أمته ~~ليكون ذلك أبلغ في سماعهم: { فلا تطع } أي أيها المأمور بإنقاذهم من ~~غوائل أهوائهم وأشراك أهلاكهم { المكذبين * } أي العريقين في التكذيب، ~~قال الملوي: ولا يخفى أن كل كفر ظهر وكل ضلالة ظهرت، وكل بدعة وكل شر ~~إنما كان سببه إفساد القوة العلمية والنطقية، وهو يكون بالتكذيب، ثم علل ~~ذلك بما يكون مجموعه على وقوعه منهم من مدة طويلة وهم مستمرون عليه ~~بقوله: { ودوا } أي أحبوا محبة عظيمة واسعة متجاوزة للحد قديما مع ~~الاستمرار على ذلك وأكد تهالكهم على هذه الودادة بما يفهم التمني وإن ذلك ~~مستمر منهم لا أنه وقع ومضى، فقال مشيرا إلى إفسادهم القوة النطقية وخلق ~~الشجاعة الغريزية: { لو تدهن } أي تلاين فتوافق على بعض ما يريدون ~~فتهادنهم على ترك نهيهم عن الشرك وترك التعرض لسب آلهتهم وتسفيه أحلامهم ~~وتضليل آبائهم؛ قال ابن برجان: والأدهان ملاينة وانجرار بالباطل وإغماض ~~عن ms5219 الحق مع المعرفة بذلك - انتهى. # وهو من الدهن لأنه يلين ما يدهن به. # ولما كان من طبعهم أنهم كانوا يلينون له صلى الله عليه وسلم بعض الأوقات ~~خداعا كما قيل في سبب نزول " الكافرون " من أنهم قالوا له صلى الله عليه ~~وسلم: تعالى فلنصطلح على أن نعبد إلهك سنه وتعبد آلهتنا سنة، ونحو هذا من ~~الأباطيل حتى أنهم سجدوا وراءه صلى الله عليه وسلم لما تلا عليهم سورة ~~النجم فسجد فيها فسجد وراءه الكفار والمؤمنون والجن والإنس حتى سمع ~~المهاجرون إلى الحبشة وهم بالحبشة فرجع بعضهم ظنا منهم أنهم قد أسلموا ~~فوجدوهم على أخبث ما كانوا عليه أولا، قال سبحانه معرفا بأن ذلك منهم ~~خداع: { فيدهنون * } أي فبسبب ودادتهم أنك تدهن هم يدهنون، فهو عطف على " ~~ودوا " لا جواب " لو " لأجل تنبيهه صلى الله عليه وسلم على أن لينهم إنما ~~هو خداع لم يرد به غير الفساد، وقد أخروا الإدهان وإن كانوا قديما في ~~وداده طمعا في أن تبدأ به فيظهروه حينئذ، قال القشيري: من أصبح عليلا ~~تمنى أن يكون الناس كلهم مرضى. # ولما نهاه عن طاعة المكذب وعلله، وكان من الناس من يخفي تكذيبه، قال ~~ناصبا علامات المكذب: { ولا تطع } أي في وقت من الأوقات منهم ولا من ~~غيرهم { كل حلاف } أي مبالغ في الاجتراء على الأيمان وإن لم يظهر لك ~~تكذيبه، وليس المراد النهي عن العموم بل عموم النهي، أي انته عن كل حلاف ~~فالنهي أصل والكل وارد عليه، كما تقدم تخريج مثله في آخر البقرة في قوله ~~تعالى # والله لا يحب كل كفار أثيم # [البقرة: 276] وهذه الأوصاف متفرخة من الكذب وخبث السجية، فهي كالتفصيل، ~~فكثرة الحلف دالة على فساد القوة العلمية فنشأ عنها سقوط تعظيم الحق، ~~فصار صاحبها لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا، فلذلك يحلف صادقا وكاذبا ~~كيفما اتفق { مهين * } أي حقير ضعيف سافل الهمة والمروءة سافل الرأي، لأن ~~الإنسان لا يكثر الحلف إلا وهو يتصور في نفسه أنه لا يصدق إلا بذلك، لأنه ~~ليس له ms5220 من المهابة عند من يحدثه والجلالة ما يصدقه بسببه، وهو مؤثر ~~للبطالة لما فيها من موافقة طبعه، وذلك هو الحقارة الكبرى. # ولما كان كل من اتصف بصفة، أحب أن يشاركه الناس فيها أو يقاربوه لا سيما ~~إن كانت تلك الصفة دنية ليسلم من العيب أو الانفراد به ولأن الشيء لما ~~داناه ألف قال: { هماز } أي كثير العيب للناس في غيبتهم، وقال الحسن: هو ~~الذي يغمز بأخيه في المجلس، أي لأن الهمز العض والعصر والدفع - من ~~المهماز الذي يطعن به في بطون الدواب، وهو مخصوص بالغيبة كما أن اللمز ~~مخصوص بالمواجهة. # ولما كانت النميمة - وهي نقل الحديث على وجه السعاية - أشد الهمز أفاد ~~أنه يفعله ولا يقتصر على مجرد النقل بل يسعى به إلى غيره وإن بعد فقال ~~تعالى: { مشاء } أي كثير المشي { بنميم } أي ينقل ما قاله الإنسان في آخر ~~وأذاعه سرا، لا يريد صاحبه إظهاره على وجه الإفساد للبين مبالغ في ذلك ~~بغاية جهده. # ولما كان من كان هكذا يريد إعلاء نفسه بهضم الناس، وكان المنع لإرادة ~~الاستئثار بالممنوع ليكون الغير محتاجا إليه وعاكفا عليه لأن من طبعه ~~أنه لا يرتبط إلا طمعا لا شكرا بضد الجواد، فإنه يرفع نفسه عن المطامع، ~~ولا يرتبط إلا شكرا على الصنائع فيجود ظنا منه أن الناس كذلك، قال: { ~~مناع } أي كثير المنع شديده { للخير } أي كل خير من المال والإيمان ~~وغيرهما من نفسه ومن غيره من الدين والدنيا - إلى غير ذلك. # ولما كان من يفعل هذه المخازي من الناس ويقتصر في الهمز والنم على ~~الواقع، وفي المنع على ما له منعه - لئيما، بين أنه لا يقنع بذلك، بل ~~زاد عليه ببذل الجهد فيما يصير به ألأم فقال: { معتد } أي ثابت التجاوز ~~للحدود في كل ذلك { أثيم * } أي مبالغ في ارتكاب ما يوجب الإثم فيترك ~~الطيبات ويأخذ الخبائث ويرغب في المعاصي ويتطلبها، ويدع الطاعات ويزهد ~~فيها. ### || [68.13-20] # ولما كان كل من يتصف بهذه الدنايا التي من شأنها إبعاد الناس عنه ~~ونفرتهم منه يسعى ms5221 في سترها إن كان عاقلا بلين وتواضع وخداع وسهولة ~~انقياد، بين أن هذا على غير ذلك فقال منبها على هذا بالبعدية: { عتل } ~~أي أكول شديد الخصومة جاف غليظ في خلقه وخلقه ثقيل مر، كأنه قطعة جبل قد ~~انقطع عن سائره لا ينجر إلى خير إلا بعسر وصعوبة وعنف، من عتله - إذا ~~قاده بغلظة، فهو في غاية ما يكون من يبس الطباع وعدم الطواعية في الخير ~~والانطباع، قال الرازي: وسئل عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم - أي عن ~~العتل - فقال: # " هو الشديد الخلق الرحيب الجوف الأكول الشروب الظلوم " # ونبه سبحانه على ثباته في تلك المخازي الموجب لاستغراق أوقاته وأحواله ~~بها بنزع الخافض فقال: { بعد ذلك } الخلق الجدير بتكلف الإبعاد عنه الذي ~~تجمع من هذه الأوصاف التي بلغت نهاية القباحة حتى صارت كأنها خلق واحد ~~ثابت راسخ لا حيلة له في مداواته، وعلى ذلك نبه قوله: { زنيم * } أي صارت ~~له علامة سوء وشر وثناء قبيح ولأمة بينة ومعرفة يعرف بها كما تعرف الشاة ~~بزنمتها. وهي الجلدة التي تكون تحت حلقها مدلاة تنوس، والعبد بمعايبه ~~وسفساف أخلاقه، وقيل: هو الذي يتشبه بقوم وليس منهم في شيء، ولا يخلو ~~التعبير به من إشارة إلى أنه دعي ليس ثابت النسب إلى من ينتسب إليه، ~~ليكون منقطعا عن كل خير وإن كان ينسب إلى آباء كرام، أخذا من زنمة ~~البعير، وهي جلدة تقطع من أذنه فتترك معلقة، ولا يفعل ذلك إلا بكرام ~~الإبل، وهذه الأفعال كلها تنافي الشجاعة المقتضية لإحسان صاحبها إلى كل ~~أحد وأن لا يحسب له حسابا ولا يوصل إليه أذى إلا بعد ظهور شره فيعامله ~~حينئذ بحسب العدل بما لا يرزىء بالمروءة والمشار إليه بهذا مع إرادة ~~العموم قيل: الوليد بن المغيرة، وقيل: الأخنس بن شريق، وقيل: الأسود بن ~~عبد يغوث، وقال ابن قتيبة: لا نعلم أن الله تعالى وصف أحدا ولا ذكر من ~~عيوبه ما ذكر من عيوب الوليد بن المغيرة. # ولما كان حطام هذه الدنيا كله عرضا فانيا وظلا متقلصا ms5222 زائلا، لا ~~يفتخر به بل ولا يلتفت إليه إلا من كان بهذه الأوصاف، فإذا كان أكبر همه ~~ومبلغ علمه أثمر له الترفع على الحقوق والتكبر على العباد قال: { أن } أي ~~لأجل أن { كان } هذا الموصوف { ذا مال } أي مذكور بالكثرة { وبنين * } ~~أنعمنا عليه بهما فصار يطاع لأجلهما، فكان بحيث يجب عليه شكرنا بسببهما { ~~إذا تتلى } أي تذكر على سبيل المتابعة { عليه } ولو كان ذلك على سبيل ~~الخصوص له { آياتنا } أي العلامات الدالة دلالة في غاية الظهور على الملك ~~الأعلى وعلى ما له من صفات العظمة { قال } أي فاجأ هذا القول من غير تأمل ~~ولا توقف عوضا عن الشكر، ف " إن " مع جاره متعلق بما دل عليه الكلام ~~نحو كذب لأجل كونه متمكنا، ولا يتعلق بقال لأنه جزاء الشرط، ويجوز أن ~~يتعلق بلا تطع أي لا توجد طاعته لأجل إن كان كذا، وقرىء بالكسر على أنها ~~شرطية، فيكون النهي عن طاعته لعلة الغنى مفهما للنهي عن طاعته عند الوصف ~~بغيره من باب الأولى كالتعليل بإملاق في الوأد: { أساطير } جمع سطور جمع ~~سطر { الأولين * } أي أشياء سطروها ودونوها، وفرغوا منها فحمله دنيء طبعه ~~على تكبره بالمال فورطه في التكذيب بأعظم ما يمكن سماعه فجعل الكفر موضع ~~الشكر ولم يستح من كونه يعرف كذبه كل من يسمعه، فأعرض عن الشكر ووضع ~~موضعه الكفر، فكان هذا دليلا على جميع تلك الصفات السابقة مع التعليل ~~بالإسناد إلى ما هو عند العاقل أوهم وأوهى من بيت العنكبوت، والاستناد ~~إليه وحده كاف في الاتصاف بالرسوخ في الدناءة، ولا يعمل في " أن قال " بل ~~ما دل عليه لأن ما في حيز الشرط لا يعمل فيما قبله. # ولما كان هذا المكذور قد أغرق في الشر فتوقع السامع جزاءه، قال معلما ~~أنه يجعل له من الخزي والفضائح ما يصير به شهرة بين الخلائق في الدنيا ~~والآخرة: { سنسمه } أي نجعل ما يلحق به من العار في الدارين كالوسم الذي ~~لا ينمحي أثره، تقول العرب: وسمه ميسم سوء. # ولما كان الوسم منكئا، ms5223 وكان جعله في موضع لا يستر أنكأ، وكان الوجه ~~أشرف ما في الإنسان، وكان أظهر ما فيه وأكرمه الأنف، ولذلك جعلوه مكان ~~العز والحمية واشتقوا منه الأنفة قال: { على الخرطوم * } أي الأنف الطويل ~~جميعه وما قاربه من الحنكين وسما مستعليا عليه بوضوح جدا ليكون هتكة ~~بين الناس وفضيحة لقومه وذلا وعارا، وكذا كان لعمري له بهذا الذكر ~~الشنيع والذنب القبيح من الكفر وما معه، وسيكون له يوم الجمع الأعظم ما ~~هو أشنع من هذا على أنه قد حقق في الدنيا هذا الخطم حسا بأنه ضرب يوم ~~بدر ضربة خطمت أنفه - قاله ابن عباس رضي الله عنهما، والتعبير عن الأنف ~~بهذا للاستهانة والاستخفاف. # ولما ذكر في أول الملك أنه خلق الموت والحياة للابتلاء في الأعمال، وختم ~~هنا بعيب من يغتر بالمال والبنين وهو يعلم أن الموت وراءه، أعاد ذكر ~~الابتلاء وأكده لأن أعمالهم مع العلم بأنه عرض زائل أعمال من ظن الملك ~~الثابت والتصرف التام، فقال: { إن بلوناهم } أي عاملنا - على ما لنا من ~~العظمة - الذين نسمهم على الخراطيم من قريش وسائر عبادنا بما وسعنا عليهم ~~به معاملة المختبر مع علمنا بالظاهر والباطن، فغرهم ذلك وظنوا أنهم ~~أحباب، ومن قترنا عليه من أوليائنا أعداء، فاستهانوا بهم، ونسبوهم لأجل ~~تقللهم في الدنيا إلى السفه والجنون والضلال والفتون، فيوشك أن نأخذهم ~~بغتة كما فعلنا بأصحاب الجنة، فكل من رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقد ابتلى به، فإن آمن كان ممن أحسن عملا، وإلا كان ممن أساء. # ولما لم تعرف عامة أهل مكة نعمة الله عليهم به صلى الله عليه وسلم، ~~أخرجه الله عنهم وأكرمه بأنصار جعله أكرم الكرامات لهم، وكل من سمع به ~~ولم يؤمن فهو كذلك، تكون أعماله كهذه الجنة يظنها شيئا فتخونه أحوج ما ~~يكون إليها، أو كان ابتلاؤنا لهم بالقحط الذي دعا عليهم به رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حتى أكلوا الجيف فما تابوا كما تاب { كما بلونا } أي ~~اختبرنا بأن عاملنا معاملة المختبر مع علمنا بالظاهر ms5224 والباطن، وحاصله أنه ~~استخرج ما في البواطن ليعلمه العباد في عالم الشهادة كما يعلمه الخالق في ~~عالم الغيب، أو أنه كناية عن الجزاء { أصحاب الجنة } عرفها لأنها كانت ~~شهيرة عندهم وهي بستان عظيم كان دون صنعاء بفرسخين، يقال له الضروان، ~~يطؤه أهل الطريق، كان صاحبه ينادي الفقراء وقت الصرام، ويترك لهم ما أخطأ ~~المنجل أو ألقته الريح أو بعد عن البساط الذي يبسط تحت النخلة، فلما مات ~~شح بنوه بذلك فحلفوا على أن يجذوها قبل الشمس حتى لا يأتي الفقراء إلا ~~بعد فراغهم، وذلك معنى قوله تعالى: { إذ } أي حين { أقسموا } ودل على ~~تأكيد القسم فقال: { ليصرمنها } عبر به عن الجذاذ بدلالته على القطع ~~البائن المعزوم عليه المستأصل المانع للفقراء ليكون قطعا من كل وجه، من ~~الصريم - لعود يعرض على فم الجدي لئلا يرضع، ومن الصرماء: المفازة لا ماء ~~بها، والناقة القليلة اللبن { مصبحين * } أي داخلين في أول وقت الصباح { ~~ولا } أي والحال أنهم لا { يستثنون * } أي لا يطلبون ولا يوجدون ثنيا - ~~أي عودا - إلى ما قبل اليمين بقولهم " إن شاء الله " أو غير ذلك من ~~الألفاظ الموجبة لأن يكون شيء من جنتهم مطلقا غير ممنوع، وسمي ذلك ~~استثناء لأنه إخراج لشيء يكون حكمه غير المذكور أولا، وكان الأصل فيه: ~~إلا أن يشاء الله، وألحق به إن شاء الله لرجوعه إليه في اتحاد الحكم { ~~فطاف } أي فتسبب عن عملهم هذا الطامح أن طاف { عليها } أي جنتهم { طائف } ~~أي عذاب مهلك محيط مع أنه أمر يسير جدا عند الله وإن كان عظيما بالنسبة ~~إليها لأنه لم يدع منها شيئا، ولا يكون الطائف بهذا المعنى إلا بالليل، ~~كذا قيل، ويرده # إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا # [الأعراف: 201]. # ولما كان هذا مقتا في الصورة أخبر بأنه لطف وتربية في المعنى بقوله: { ~~من ربك } أي المعروف بالعظمة التي لا تحد وبالإحسان إليك فهو جدير بأن ~~يؤدب قومك ليقبلوا منك كما أدب أصحاب الجنة بما أوجب توبتهم وهو الحقيق ~~بتربية العباد يعقلوا عنك ويكونوا خليقين ms5225 بالتجنب للدنيا والإقبال على ~~المعالي { وهم } أي والحال أن أصحاب الجنة المقسمين { نائمون * } وقت ~~إرسال الطائف { فأصبحت } أي فتسبب عن هذا الطائف الذي أرسله القادر الذي ~~لا يغفل ولا ينام على مآل من لا يزال أسير العجز والنوم فعلا أو قوة أن ~~صارت جنتهم وقت اجتنائهم لها بالغد وسرورهم بها { كالصريم * } أي ~~كالأشجار التي صرم عنها ثمرها أو كالشيء الذي انقطع ما بينه وبين قاصده ~~فلا وصول إليه بوجه، وقيل: كالليل المظلم الأسود، وقيل: كالرماد الأسود، ~~ليس بها ثمرة، لأن ذلك الطائف أتلفها لم يدع فيها شيئا، لأنهم طلبوا ~~الكل فلم يزكوه بما يمنع عنه الطوارق بضد ما كان لأبيهم من ثمرة عمله ~~الصالح من الدفع عن ماله والبركة في جميع أحواله. ### || [68.21-30] # ولما كانوا لقوة عزمهم على ما أقسموا عليه كأنهم كانوا على ميعاد، سبب ~~عنه قوله: { فتنادوا } أي كانوا كأنهم نادى كل منهم الآخر { مصبحين * } ~~أي في حال أول دخولهم في الإصباح، وفسر التنادي بقوله: { أن اغدوا } أي ~~بكروا جدا مقبلين ومستولين وقادرين { على حرثكم } أي محل فائدتكم الذي ~~أصلحتموه وتعبتم فيه فلا يستحقه غيركم، فكأنهم استبطؤوا قيامهم وغدوهم ~~فكفوا عنه بقوله: { إن كنتم } أي اليوم كونا هو لكم بغاية الرغبة { ~~صارمين * } أي جاذين جذاذا ليسلم لكم من غير مشاركة أحد لكم كما تواثقتم ~~عليه، أو جازمين بما عزمتم عليه، وعبر عن إسراعهم إلى الذهاب بقوله: { ~~فانطلقوا } أي بسبب هذا الحث وعقبه كأنهم كانوا متهيئين { وهم } أي ~~والحال أنهم { يتخافتون * } أي يقولون في حال انطلاقهم قولا هو في غاية ~~السر كأنهم ذاهبون إلى سرقة من دار هي في غاية الحراسة، من الخفوت وهو ~~الخمود، ثم فسر ما يتخافتون به بقوله: { أن لا يدخلنها } وأكدوه لأنه لا ~~يصدق أن أحدا يصل إلى هذه الوقاحة وصلابة الوجه وأن جذاذا يخلو من ~~سائل. # ولما كانت العادة قاضية بأنه لا بد أن ينسى الإنسان شيئا أو يقفل بابا ~~أو ثغرة يدخل منه وبسببه فقير قالوا: { اليوم } أي في جميع النهار - بما ~~دل ms5226 عليه نزع الخافض - لتكروا عليه مرارا وتفتشوا فلا تدعوا فيه ثمرة ~~واحدة ولا موضعا يطمع بسببه أحد في قصدكم { عليكم } أي وأنتم بها { ~~مسكين * } وهو نهي للمسكين في اللفظ للمبالغة في نهي أنفسهم أن لا يدعوه ~~يدخل عليهم، فقال لهم أوسطهم سنا وخيرهم نفسا وأعدلهم طبعا بما دل ~~عليه ما يأتي: لا تقولوا هكذا واصنعوا من الإحسان ما كان يصنع أبوكم، ~~وكأنه طواه سبحانه لأنه مع الدلالة عليه بما يأتي لم يؤثر شيئا، وأكد ~~كون انطلاقهم حال الإصباح بقوله: { وغدوا } أي ساروا إليها غدوة { على ~~حرد } لا غيره وهو القصد وشدة الغضب مع الجزم بالأمر واللجاج فيه والسرعة ~~والنكد بالمنع وقلة الخير، من حاردت السنة أي لم يكن فيها مطر، والإبل: ~~منعت درها، وحرد - إذا أسرع { قادرين * } عند أنفسهم وفي زعمهم بدليل عدم ~~استثنائهم فإن الجزم على الفعل في المستقبل فضلا عن أن يكون مع الخلف ~~فعل من لا كفؤ له، ودل على قربها من منزلهم بالفاء فقال: { فلما رأوها } ~~أي بعد سير يسير وليس للزرع ولا للثمر بها أثر { قالوا } لأنها صارت لسوء ~~حالها من ذلك الطائف بعيدة من حال ما كانت عليه عند تباعدهم وتغيير ~~نياتهم فأدهشهم منظرها وحيرهم خبرها، وأكدوا لأن ضلالهم لا يصدق مع قرب ~~عهدهم بها وكثرة ملابستهم لها وقوة معرفتهم بها فقالوا: { إنا لضالون * } ~~أي عن طريق جنتنا لأن هذه لا تشبهها بوجه فيما كان فيه بالأمس من النضارة ~~وشدة الحمل وحسن الهيئة. # ولما انجلى ما أدهشهم في الحال قالوا مضربين عن الضلال: { بل نحن ~~محرومون * } أي ثابت حرماننا مما كان فيها من الخير الذي لا نغيب عنها ~~إلا سواد الليل فحرمنا الله إياها بما عزمنا عليه من حرمان المساكين لأن ~~الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. # وما كان القرع بالمصائب مظنة الرقة والتوبة لمن أريد به الخير، وزيادة ~~الكفر لغيره، استأنف قوله: { قال أوسطهم } أي رأيا وعقلا وسنا ورئاسة ~~وفضلا، منكرا عليهم: { ألم أقل لكم } أن ما فعلتموه لا ينبغي، ms5227 وأن الله ~~سبحانه وتعالى بالمرصاد لمن غير ما في نفسه وحاد. # ولما كان منع الخير ولا سيما في مثل هذا مستلزما لظن النقص في الله ~~تعالى إما بأنه سبحانه لا يخلف ما حصل التصدق به وإما أنه لا يقدر على ~~إهلاك ما شح الإنسان به، قال مستأنفا: { لولا } أي هلا ولم لا { تسبحون ~~* } أي توقعون التنزيه لله سبحانه وتعالى عما أوهمه فعلكم، وأقل التسبيح ~~الاستثناء عند الإقسام شكا في قدرة الإنسان وإثباتا لقدرة الملك الديان ~~استحضارا لعظمته سبحانه وتعالى، ودل سياق الكلام على أنهم كانوا متهيئين ~~للتوبة بقوله: { قالوا } من غير تلعثم بما عاد عليهم من بركة أبيهم فقال ~~سبحانه حاكيا عن قولهم: { سبحان ربنا } أي تنزه المحسن إلينا التنزيه ~~الأعظم عن أن يكون وقع منه فيما فعل بنا ظلم، وأكدوا قباحة فعلهم هضما ~~لأنفسهم وخضوعا لربهم وتحقيقا لتوبتهم لأن ما كانوا عليه من الحال ~~يقتضي أن لا يصدق رجوعهم عنه بقولهم: { إنا كنا } أي بما في جبلاتنا من ~~الفساد { ظالمين * } أي راسخين في إيقاعنا الأشياء في غير مواقعها حيث لم ~~نعزم عزما جازما على ما كان يفعل أبونا من البر، ثم حيت حلفنا على ترك ~~ذلك ثم حيث لم نرد الأمر إلى الله بالاستثناء حيث حلفنا فإن الاستثناء ~~تنزيه الله عن أن يجري في ملكه ما لا يريد، وأكد توبتهم بقوله مسببا عن ~~اعترافهم بالظلم: { فأقبل بعضهم } أي في حال مبادرتهم إلى الخضوع { على ~~بعض } ودلت التسوية بين فريقيهم في اللفظ على الاستواء في التوبة { ~~يتلاومون * } أي يفعل كل منهم مع الآخر في اللوم على ما قصده من المنع ~~وترك ما تركوه من الإعطاء والدفع ما يفعله الآخر معه، وينسب النقصان إليه ~~كما هو دأب المغلوبين العجزة. ### || [68.31-38] # ولما تشوف السامع إلى معرفة بعض ذلك قال: { قالوا } منادين لما شغلهم ~~قربه منهم وملازمته عن كل شيء: { يا ويلنا } أي هذا وقت حضورك أيها الويل ~~إيانا ومنادتك لنا فإنه لا نديم لنا إلا أنت، والويل هو الهلاك والإشراف ~~عليه. # ولما ms5228 كان أهل الرذالة ينكرون أن يكون من يمنع الفقراء طاغيا، أكدوا ~~قولهم: { إنا كنا } أي جبلة وطبعا { طاغين * } أي مجاوزين الحدود فيما ~~فعلنا من التقاسم على منع الفقراء وعلى جذها في الصباح من غير استثناء ~~فعل القادر، وكان ذلك إن كان لا بد لنا منه ممكنا بغير قسم ولا إخفاء من ~~الغير ولا مخافتة حال السير بأن يقال للفقراء: يفتح الله، ونحو ذلك من ~~الكلام. # ولما قدموا ما هو أنفع لهم من اللوم المتقضي لإجماعهم على التوبة فعلم ~~بذلك الندم الذي هو أمارة التوبة، استأنفوا جوابا لمن سأل: هل اقتصروا ~~على التلاوم؟ قولهم: { عسى } أي يمكن أن يكون وهو جدير وخليق بأن يكون { ~~ربنا } أي الذي أحسن إلينا بتربية هذه الجنة وبإهلاك ثمرها الآن تأديبا ~~لنا { أن يبدلنا } أي من جنتنا شيئا { خيرا منها } يقيم لنا أمر معاشنا ~~فتنقلب أحوالنا هذه التي نحن فيها من الهموم والبذاذة بسرور ولذاذة بما ~~أفاده إيقاع الفعل على ضميرهم، وقراءة أبي عمرو ونافع بالتشديد وقراءة ~~الباقين بالتخفيف وهما متقاربتان غير أن التشديد يدل على التدريج، ~~فالتخفيف أبلغ معنى: وإنما تعلق رجاؤنا بسبب توبتنا وعلمنا بأن ربنا قادر ~~على ما يريد، ولا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون. # ولما دل هذا الدعاء على إقبالهم على الله وحده صرحوا وأكدوا لأن حالهم ~~الأول كان حال من ينكر منه مثل ذلك فقالوا معللين: { إنا } ولما كان ~~المقام للتوبة والرجوع عن الحوبة، عبروا بأداة الانتهاء إشارة إلى بعدهم ~~عن الحضرات الربانية تأدبا منهم فقالوا: { إلى ربنا } أي المحسن إلينا ~~والمربي لنا بالإيجاد ثم الإبقاء خاصة لا إلى غيره سبحانه { راغبون * } ~~أي ثابتة رغبتنا ورجاؤنا الخير والإكرام بعد العفو، وقد قيل إن الله ~~تعالى جلت قدرته قبل رجوعهم وأخلف عليهم فأبدلهم جنة يقال لها الحيوان ~~بحيث كان القطف الواحد منها يحمله وحده من كبره البغل - رواه البغوي عن ~~ابن مسعود، ولكن لما كان المقام لترهيب من ركن إلى ماله واحتقر الضعفاء ~~من عباد الله ولم يجلهم بجلاله طواه، ms5229 وذكر ما صور هذا الكلام وأنتجه من ~~مساواة حال قريش وحال هؤلاء في الإحسان وطول الحلم مع احتقار أوليائه ~~والتقوى عليهم بأفضاله ونعمائه، فقال مرهبا: { كذلك } أي مثل هذا الذي ~~بلونا به أصحاب الجنة من إهلاك ما كانوا عند أنفسهم في غاية القدرة عليه ~~والثقة به مع الاستحسان منهم لفعلهم والاستصواب وهددنا به أهل مكة فلم ~~يبادروا إلى المتاب: { العذاب } الذي تحذرهم منه وتخوفهم به في الدنيا، ~~فإذا تم الأجل الذي قدرناه له أخذناهم به غير مستعجلين ولا مفرطين لأنه ~~لا يعجل إلا ناقص يخاف الفوت. # ولما كانوا منكرين لأمور الآخرة أشد من إنكارهم لأمور الدنيا أكد قوله: ~~{ ولعذاب الآخرة } أي الذي يكون فيها للعصاة والجبارين { أكبر } أي في كل ~~ما يتوهمونه. # ولما كان هذا موجبا لمن له أدنى شعور للهروب منه قال: { لو كانوا } أي ~~الكفار { يعلمون * } أي لو كان لهم علم بشيء من غرائزهم في وقت من ~~الأوقات لرجعوا عما هم فيه مما عرفوا أنه يغضب الله فيكون سبب العذاب في ~~الدارين، وهم مع ذلك مما يرزىء بهم عند الله وعند الناس من تلك الآثار ~~الخبيثة التي منها الأيمان الكاذبة، ويدل على عدم شجاعتهم وقلة عقولهم، ~~لكنهم ليس لهم نوع علم الآن، والمختوم بموته على الكفر لا يتجدد له نوع ~~علم، وغيره سيرجع في الوقت الذي قدره الله له. # ولما ذكر ما لأهل الجمود الذين لا يجوزون الممكنات، ذكر أضدادهم فقال ~~مؤكدا لأجل إنكارهم: { إن للمتقين } أي العريقين في صفة التقوى خاصة دون ~~غيرهم ممن لا يتقي، والتقوى: الاحتراز بالوقاء الحامل عليه الخوف من ~~المؤذي، الحامل عليه تجويز الممكنات، قال الملوي: وأصلها أن الفرس الواقي ~~- وهو الموجوع الحافي - لا يضع حافره حتى يرى هل الموضع لين يناسب، وكذا ~~المتقي لا يتحرك ولا يسكن إلا على بصيرة من رضا الله بذلك، فلا يفعل أحد ~~منهم شيئا من تلك الآثار الخبيثة التي تقدمت للمكذبين، فحازوا الكمال ~~بصلاح القوة العملية الناشىء عن صلاح القوة العلمية، وزاد في الترغيب ~~إشارة إلى جنة ms5230 القلب وبسط الروح بقوله: { عند ربهم } أي المحسن إليهم في ~~موضع ندم أولئك وخيبة آمالهم، فإن تقريبهم دل على رضاه سبحانه، ورضا صاحب ~~الدار مطلوب قبل نظر الدار، ولما أشار إلى جنة القلب أتبعها جنة القالب ~~فقال تعالى: { جنات } جمع جنة وهي لغة البستان الجامع، وفي عرف الشرع ~~مكان اجتمع فيه جميع السرور وانتفى منه جميع الشرور { النعيم * } وهو ~~الخالص من المكدر والمشوش والمنغص، لا شيء فيها غيره أصلا - بما أفادته ~~الإضافة. # ولما كان عدم إيراث كل من الفريقين الدار التي تقدم وصفها تسوية بين ~~المحسن والمسيء، وكان ذلك لا يليق بحكيم أن يفعله، وجب إنكاره لتحقق أن ~~ما أخبر به سبحانه لا يكون إلا كذلك لا سيما وقد كان الكفار يقولون: إنهم ~~كالمسلمين أو أحسن حالا منهم، وذلك أنه إن كان لا بعث، كما كانوا يظنون، ~~فقد استووا فيما بعده مع ما فضلوهم به في الدنيا من اتباع الأهواء والظفر ~~باللذائذ، وإن كان ثم بعث فقد كانوا يقولون لشبهة دعتهم إليها شهوتهم: ~~أما نكون على تقديره أحسن حالا منكم وآثر عند الله في حسن العيش كما نحن ~~في هذه الدار لأنه ما بسط لنا في هذه الدار إلا ونحن عنده أفضل منكم، ~~فقال تعالى منكرا ومكذبا لذلك غاية إنكار والتكذيب عائبا التحكم ~~بالجهل غاية العيب نافيا للمساواة ليكون انتقاما هو أعلى من باب الأولى ~~مسببا عما تقديره: ولا يكون لغير المتقين ذلك: { أفنجعل المسلمين } أي ~~الذين هم عريقون في الانقياد لأوامرنا والصلة لما أمرنا بوصله طلبا ~~لمرضاتنا فلا اختيار لهم معنا في نفس ولا غيرها لحسن جبلاتهم { كالمجرمين ~~* } أي الراسخين في قطع ما أمرنا به أن يوصل وأنتم لا تقرون مثل ذلك، بل ~~من عاندكم نوع معاندة قاطعتموه ولو وصل الأمر إلى القتل. # ولما كشف هذا الدليل الشبه ورفع الستار، فأوصل إلى أعظم من ضوء النهار، ~~لفت القول إليهم بالخطاب لفت المغضب عند العتاب، فقال معجبا منهم منبها ~~على ما هم فيه من اعوجاج الفطر وفساد الفكر منكرا عليهم ms5231 غاية الإنكار: { ~~ما لكم } أي أي شيء يحصل لكم من هذه الأحكام الجائرة البعيدة عن الصواب. # ولما نبههم على أنه ليس لهم في مثل هذه الأحكام شيء يمكن أن يكون ~~نافعا، وكان العاقل إذا علم أن شيئا من الأشياء لا نفع فيه بعد منه، ~~أنكر عليهم ثالثا حال أحكامهم هذه لأن نفي أحوالها أشد لنفيها كما تقدم ~~في # كيف تكفرون # في [البقرة: 28] فقال: { كيف تحكمون * } أي أي عقل دعاكم إلى هذا الحكم ~~الذي يتضمن التسوية من السيد بين المحسن من عبيده والمسيء. # ولما كان الحكم لا يمكن وجوده إلا مكيفا بكيفية، وكان سبحانه وتعالى قد ~~نفى حكمهم هذا بإنكار جميع كيفياته التي يمكن أن يصح معها، وكان الحكم ~~الصحيح لا بد وأن يكون مستندا إلى عقل أو نقل، زاد بطلان حكمهم وضوحا ~~بنفي الأمرين معا، فقال عاطفا على ما تقديره: ألكم دليل من العقل إليه ~~تلجؤون: { أم لكم كتاب } أي سماوي معروف أنه من عند الله خاص بكم { فيه } ~~أي لا في غيره من أساطير الأولين وزبر الممحوقين { تدرسون * } أي تقرؤون ~~قراءة أتقنتم مخالطتها أو أنعمتم فهمه بسببها. # ولما ذكر الدرس ذكر المدروس فقال تعالى: { إن لكم } أي خاصة على وجه ~~التأكيد الذي لا رخصة في تركه { فيه } أي الكتاب لتكونوا في غاية الوثوق ~~به، لا في غيره مما لا وثوق لكم به { لما تخيرون * } أي تبالغون في ~~انتقائه وأخذ خياره، وكسر الهمزة وكان حقها الفتح لولا اللام لأن ما ~~بعدها هو المدروس، ويجوز أن تكون الجملة حكاية للمدروس وأن تكون ~~استئنافية. ### || [68.39-43] # ولما نفى دليل العقل والنقل مع التعجب منهم والتهكم بهم، وكان قد بقي أن ~~الإنسان ربما عاهد غيره على شيء فيلزمه الوفاء به وإن كان خارجا عما ~~يدعو إليه العقل والنقل، نفى ذلك بقوله: { أم لكم أيمان } أي غليظة جدا ~~{ علينا } قد حملتمونا إياها { بالغة } أي لأجل عظمها إلى نهاية رتب ~~التأكيد بحيث يكون بلوغ غيرها ما يقصد بالنسبة إلى بلوغها ذلك عدما أي ~~أن بلوغها هو ms5232 البلوغ لا غيره، أو ثباتها منته { إلى يوم القيامة } لا ~~يمكن الخروج عن عهدتها إلا في ذلك اليوم ليحتاج لأجلها إلى إكرامكم في ~~الدارين. # ولما ذكر ذلك القسم بالأيمان ذكر المقسم عليه فقال: { إن لكم } أي خاصة ~~دون المسلمين { لما تحكمون * } أي تفعلونه فعل الحاكم الذي يلزم قوله ~~لعلو أمره على وجه التأكيد الذي لا مندوحة عنه فتحكمون لأنفسكم بما ~~تريدون من الخير. # ولما عجب منهم وتهكم بهم، ذيل ذلك بتهكم أعلى منه يكشف عوارهم غاية ~~الكشف وينزل بهم أشد الحتف، فقال مخوفا لهم بالإعراض: { سلهم } أي يا ~~أيها الرسول الذي محت دلائله بقوة أنوارها الأنوار. # ولما كان السؤال سببا لحصول العلم علقت، " سل " على مطلوبها الثاني ~~وكان حقه أن يعدى بعن فقال: { أيهم بذلك } أي الأمر العظيم من المعاهدة ~~والدليل النقلي والعقلي { زعيم * } أي كفيل وضامن أو سيد أو رئيس أو ~~متكلم بحق أو باطل لتلزمه في ادعائه صحة ذلك ما تدعه به ضحكة للعباد، ~~وأعجوبة للحاضر منهم والباد، فلم يجسر لما تعلمون من حقية هذا القرآن وما ~~لأقوالهم كلها من العراقة في البطلان أحد منهم على شدة عداوتهم ومحبتهم ~~للمغالبة وشماختهم أن يبرز لادعاء ذلك، ولما نفى أن يكون لهم منه سبحانه ~~في تسويتهم بالمسلمين دليل عقلي أو نقلي أو عهد وثيق على هذا الترتيب ~~المحكم والمنهاج الأقوم، أتبعه ما يكون من عند غيره إن كان ثم غير على ما ~~ادعوا فقال: { أم لهم شركاء } أي شرعوا لهم من الدين أمرا ووعدوهم بشيء ~~أقاموا عليه من الأدلة ما أقمنا لنبينا صلى الله عليه وسلم { فليأتوا ~~بشركائهم } أي بأقوالهم وأفعالهم كما أتينا نحن في نصر نبينا محمد صلى ~~الله عليه وسلم من الأمرين معا بما لا شبهة فيه، وسجل عليهم بالكتاب ~~ملهبا مهيجا بما يحرق به أكبادهم ولا يقدرون على دفعه بوجه، فيكون ذلك ~~أعظم دليل على إبطالهم: فقال: { إن كانوا } أي جبلة وطبعا { صادقين * } ~~أي عريقين في هذا الوصف كما يدعونه، ولما نفى جميع شبههم التي يمكن أن ms5233 ~~يتشبثوا بها مع البيان لقدرته على ما يريد من تفتيق الأدلة وتشقيق ~~البراهين الدال على تمام العلم اللازم منه كمال القدرة فأوصلهم من وضوح ~~الأمر إلى حد لم يبق معه إلا العناد، أتبع ذلك تهديدهم بما يثبت ذلك ~~قدرته عليه من يوم الفصل ومعاملتهم فيه بالعدل فقال: { يوم } يجوز أن ~~يكون بيانا ليوم القيامة، وبنى لإضافته إلى الجملة وأن يكون ظرفا ~~ليأتوا، أو منصوبا بما أخذ من معنى الكلام من نحو: سيعلمون ما يلقون من ~~غب هذه المعاملات وإن نالوا في هذه الدار جميع اللذات في جميع اليوم الذي ~~{ يكشف } أي يحصل الكشف فيه، وبني للمفعول لأن المخيف وقوع الكشف الذي هو ~~كناية عن تفاقم الأمور وخروجها عن حد الطوق، لا كونه من معين، مع أن من ~~المعلوم أنه لا فاعل هناك غيره سبحانه { عن ساق } أي يشتد فيه الأمر غاية ~~الاشتداد لأن من اشتد عليه الأمر وجد في فصله شمر عن ساقه لأجله وشمرت ~~حرمه عن سوقهن غير محتشمات هربا، فهو كناية عن هذا ولذلك نكره تهويلا ~~له وتعظيما، نقل هذا التأويل عن ابن عباس رضي الله عنهما وسعيد بن جبير ~~رضي الله عنه وغيرهما، وعن انكشاف جميع الحقائق وظهور الجلائل فيه ~~والدقائق من الأهوال وغيرها كما كشفت هذه الآيات جميع الشبه وتركت السامع ~~لها في مثل ضوء النهار، وفي الجزء الخامس والثلاثين من مسند أبي يعلى ~~الموصلي عن أبي بردة عن أبيه رضي الله عنه تعالى عنهم عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم في هذا قال: # " عن نور عظيم يخرون له سجدا " # وهو لا ينافي ما ذكر من التأويلين: الشدة والكشف. ولما كان هذا الكشف ~~الذي كشف لهم المعاني في هذا القرآن إنما هو لأجل العبادة التي هي الخضوع ~~الذي يعبر عنه بالسجود وهو آيتها وأمارة ما اشتمل عليه الباطن منها ~~وعلامتها فيأتونها وهم قادرون عليها ذكرهم يوما يريدونها فيه فلا يتأتى ~~لهم تنديما لهم وزيادة تحسير وإظهار تظليل وتخسير لأن ظهورهم وأعضاءهم ~~تكون طبقا واحدا لا تنثني، ms5234 فكلما أرادوا أن يسجدوا انقلبوا على ~~أقفائهم، فقال بانيا للمفعول دلالة على إرادتهم للانقياد ورغبتهم فيه من ~~أي داع كان، وهو دال على أن التكليف لا ينقطع إلا بدخول كل من الفريقين ~~داره و { يدعون } أي من داعي الملك الديان { إلى السجود } توبيخا على ~~تركه الآن وتنديما وتعنيفا لا تعبدا وتكليفا فيريدونه ليضروا أنفسهم ~~مما يرون من المخاوف { فلا } أي فيتسبب عن ذلك أنهم لا { يستطيعون * } أي ~~لأنهم غير سالمين لا أعضاء لهم تنقاد به مع شدة معالجتهم لأنفسهم على أن ~~تطوع لهم أعضاؤهم بما تفهمه هذه الصيغة من أن الإنسان منهم إذا أراد ~~الفعل وعالجة بقوة فلم يطقه فإن ظهورهم تكون على حالة لا تنثني معها بل ~~كان فيها السفافيد فيكون لهم في ذلك أشد ندم لتركهم إياه في الدنيا وهم ~~يقدرون عليه وهو إذ ذاك نافع لهم ومعالجتهم فعله أشد معالجة وهم غير ~~قادرين عليه وهو غير نافع لهم وإذا عجزوا مع المعالجة كانوا بدونها أعجز، ~~وذلك أنه يبعث المرء على ما مات عليه ويحشر على ما بعث عليه إن خيرا ~~فخيرا وإن شرا فشر، ولما كان ربما ظن ظان أن المانع لهم الكبر كما في ~~هذه الدنيا، قال مبينا لنفي الكبر في مثل هذا اليوم العظيم { خاشعة } أي ~~مخبتة متواضعة { أبصارهم } لأن ما في القلب يعرف في العين، وذلك أن ~~المؤمنين يرفعون رؤوسهم ووجوههم أضوأ من الشمس، ووجوه الكافرين ~~والمنافقين سود مظلمة. # ولما كان الخاشع لذلك قد يكون خشوعه لخير عنده حمله على ذلك مع العز ~~قال: { ترهقهم } أي تغشاهم وتقهرهم { ذلة } أي عظيمة لأنهم استعملوا ~~الأعضاء التي أعطاهموها سبحانه وتعالى ليتقربوا بها إليه في دار العمل في ~~التمتع بما يبعد منه. # ولما دلت هذه العبارة مطابقة لما ورد في الحديث الصحيح على أن من كان في ~~قلبه مرض في الدنيا يصير ظهره طبقا واحدا فقارة واحدة فيعالج السجود ~~فيصير كلما أراده انقلب لقفاه، عجب منهم في ملازمة الظلم الذي هو إيقاع ~~الشيء في غير موقعه فقال: ms5235 { وقد } أي والحال أنهم { كانوا } أي دائما ~~بالخطاب الثابت { يدعون } في الدنيا من كل داع يدعو إلينا { إلى السجود ~~وهم } أي فيأبونه والحال أنهم { سالمون * } أي فهم مستطيعون، ليس في ~~أعضائهم ما يمنع من ذلك، وإنما يمنعهم منه الشماخة والكبر، فالآية من ~~الاحتباك: ذكر عدم الاستطاعة أولا دال على حذف الاستطاعة ثانيا، وذكر ~~السلامة ثانيا دال على حذف عدم السلامة أولا. ### || [68.44-48] # ولما علم بهذا أنه سبحانه المتصرف وحده بما يشاء كيف يشاء من المنع ~~والتمكين، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يجد من تكذيبهم له - مع إتيانه ~~بما لا يحتمل التكذيب بوجه - من المشقة ما لا يعلم مقداره إلا الله ~~سبحانه وتعالى، وكان علم المغموم بأن له منقذا يخفف عنه، وكان علمه ~~باقتداره على ما يراد منه أقر لعينه سبب عن كمال اقتداره قوله مخففا عنه ~~عليه أفضل الصلاة والسلام، لافتا القول إلى التكلم بالإفراد تنصيصا على ~~المراد زيادة في تسكين القلب وشرح الصدر: { فذرني } أي اتركني على أي ~~حالة اتفقت { ومن يكذب } أي يوقع التكذيب لمن يتلو ما جددت إنزاله من ~~كلامي القديم على أي حالة كان إيقاعه، وأفرد الضمير نصا على تهديد كل ~~واحد من المكذبين: { بهذا الحديث } أي بسببه أي خل بيني وبينهم وكل أمرهم ~~إلي ولا تكترث بشيء منه أصلا فإني أكفيكهم لأنه لا مانع منهم فلا تهتم ~~بهم أصلا. # ولما كان كأنه قيل: وماذا تعمل فيه إذا خليت بينك وبينه؟ أجابه بقوله ~~جامعا الضمير ليكون الواحد مهددا من باب الأولى: { سنستدرجهم } أي ~~فنأخذهم بعظمتنا عما قليل على غرة بوعد لا خلف فيه وندنيهم إلى الهلاك ~~درجة درجة بواسطة من شئنا من جنودنا وبغير واسطة بما نواتر عليهم من ~~النعم التي توجب عليهم الشكر فيجعلونها سببا لزيادة الكفر فنوجب لهم ~~النقم. ولما كان أخذ الإنسان من مأمنه على حالة غفلة بتوريطه في أسباب ~~الهلاك لا يحس بالهلاك إلا وهو لا يقدر على التفصي فيها بوجه قال تعالى: ~~{ من حيث } أي من جهات { لا يعلمون * } أي ms5236 لا يتجدد لهم علم ما في وقت من ~~الأوقات بغوائلها، وذلك أنه سبحانه يغرهم بالإمهال ولا يعاجلهم بالعقاب ~~في وقت المخالفة كما يتفق لمن يراد به الخير فيستيقظ بل يمهلهم ويمدهم ~~بالنعم حتى يزول عنهم خاطر التذكر فيكونوا منعمين في الظاهر مستدرجين في ~~الحقيقة فيقولون: قد قلتم: إن القدر فائض عن القضاء وأن الأعمال قضاء ~~وجزاءها قدر، ويقولون: إن أفعالنا في الدنيا قبيبحة ونحن لا نرى جزاءها ~~إلا ما يسرنا لولا يعذبنا الله بما نقول فأنتم كاذبون في توعدنا فإنا ~~كلما أحدثنا ما تسمونه معصية تجددت لنا نعمة، وذلك كما قادهم إلى تدريجهم ~~وهم في غاية الرغبة، قال القشيري: والاستدراج أن يريد السيىء ويطوي عن ~~صاحبه وجه القصد حتى يأخذه بغتة فيدرج إليه شيئا بعد شيء. # ولما كان الاستدراج يكون بأسباب كثيرة من بسط النعم وغيرها، فأبرزه ~~بالنون المشتركة بين الاستتباع والعظمة، وكان تأخير الأجل لا يكون إلا ~~لله وحده بغير واسطة شيء قال سبحانه: { وأملي } أي أوخر أنا وحدي في ~~آجالهم وأوسع لهم في جميع تمتعهم ليزدادوا إثما { لهم } لأنه لا يقدر ~~على مد الأجل وترفيه العيش غيري. # ولما سلاه صلى الله عليه وسلم بهذا غاية التسلية، علل أو استأنف في جواب ~~من لعله يقول: لم يكون أحدهم على هذا الوجه؟ مسميا إنعامه كيدا: { إن ~~كيدي } أي ستري لأسباب الهلاك عمن أريد إهلاكه وإبدائي ذلك له في ملابس ~~الإحسان وخلع البر والامتنان { متين * } أي في غاية القوة حيث كان حاملا ~~للإنسان على إهلاك نفسه باختياره وسيعلم عند الأخذ أني لما أمهلته ما ~~أهملته وأن إمهالي إنما كان استدراجا. # ولما كان هذا القرآن أعظم إحسان، ساقه سبحانه وتعالى إليهم فكان موجبا ~~للشكر عليهم للذي أنزله ولإكرام الآتي به، فكان سببا لمباشرتهم من ~~التكذيب به والأذى للآتي به إليهم ما يوجب أخذهم، قال دالا على متانة ~~كيده سبحانه ودقة استدراجه عاطفا على ما تقديره لبيان أنهم يباشرون ما ~~يهلكهم باختيارهم من غير موجب: أكان تكذيبهم هذا الذكر لشيء فيه يرتابون؟ ~~قوله ms5237 منكرا عليهم، مبينا أن تكذيبهم إنما هو لأنه طبع وخبث سجية لا ~~شهوة لهم فيه ولا شبهة: { أم تسئلهم } أنت يا أعف الخلق وأعلاهم همما { ~~أجرا } على إبلاغك إياهم { فهم } أي فتسبب عن ذلك وتعقب أنهم { من مغرم ~~} كلفتهم به فهم لشدته { مثقلون * } أي واقع إثقالهم به حتى أوجب لهم ذلك ~~الغرم الناقص لأموالهم التقاعد عن التصديق بما جئت به إليهم من عندنا ~~فصاروا يشتهون إقلاعك عنه. # ولما نفى أن يكون تكذيبهم بشهوة دعتهم إلى ذلك نفى أن يكون لهم في ذلك ~~شبهة من شك في الذكر أو حيف في المذكر وأن يكونوا على ثقة أو ظن من سلامة ~~العاقبة فقال: { أم عندهم } أي خاصة { الغيب } أي علموه من اللوح المحفوظ ~~أو غيره { فهم } بسبب ذلك { يكتبون * } أي ما يريدون منه ليكونوا قد ~~اطلعوا على أن هذا الذكر ليس من عند الله أو على أنهم لا درك عليهم في ~~التكذيب به، فقد علم بهذا أنه لا شهوة لهم في ذلك عادية ولا شبهة، وإنما ~~تكذيبهم مجرد خبث طباع، وظلمة نفوس وأمالي فارغة وأطماع. # ولما انتفى جميع ذلك فثبت أنهم على خطر عظيم، وأنه سبحانه المختص بعلم ~~الغيب، وقد أخبر بإهلاكهم من أجله صلى الله عليه وسلم، وأن كفر من كفر ~~وإيمان من آمن بقضائه وتقديره، فكان لا بد منهما، كان ذلك سببا حاملا ~~له على الصبر إلى الوقت الذي ضربه سبحانه للفرج، فقال مسببا عما تقديره: ~~لم يكن له شيء مما ذكر، وإنما هو القضاء والقدر: { فاصبر } أي أوفر الصبر ~~وأوجده على كل ما يقولون فيك وعلى غير ذلك من كل ما يقع منهم ومن غيره من ~~مر القضاء والقدر { لحكم ربك } أي للقضاء الذي قضاه وقدره المحسن إليك ~~الذي أكرمك بما أكرمك به من الرسالة وألزمك بما ألزمك من البلاغ وخذلهم ~~بالتكذيب ومد لهم على ذلك في الآجال وأوسع عليهم النعم وأخر ما وعدك به ~~من النصر. # ولما كان حاصل قصة يونس - على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام - أنه ms5238 ~~استثقل الكرامة بالرسالة لما فيها من الأمور الشديدة من معالجة الخلق ~~فامتحن، كان سببا لقبوله ذلك، ثم كان سبب إسلام قومه إدناء العذاب منهم ~~وتقريب غشيانه لهم، أشار له بقصته إلى أنه يراد إعلاؤه - صلى الله عليه ~~وسلم وعلى سائر الأنبياء - وإعلاء أمته على سائر الأمم بما يحتاج إلى صبر ~~على ما يستثقل من ضر أو أمر شديد مر فقال: { ولا تكن } أي ولا يكن حالك ~~في الضجر والعجلة إلى غير ذلك. ولما كان قد افتتح السورة بالنون الذي من ~~مدلولاته الحوت، عبر به هنا تحقيقا لإرادته فقال: { كصاحب } أي كحال ~~صاحب { الحوت } وهو يونس بن متى عليه الصلاة والسلام { إذ } أي حين، ~~والعامل في هذا الظرف المضاف المحذوف من الحال ونحوها، أو يكون التقدير: ~~لا يكن حالك كحاله يحصل لك مثل ما حصل له حين { نادى } أي ربه المربي له ~~بإحاسنه في الظلمات من بطن الحوت وظلمة ما يحيط به من الجثة وظلمة لحج ~~البحار { وهو } أي والحال أنه عند ندائه { مكظوم * } أي مملوء كربا ~~وهما وشدة وغما محمول على السكوت ببطنه فهو لا ينطق من شدة حزنه، ~~ومحبوس عن جميع ما يريد من التصرف إلى أن ألجأه سبحانه بذلك إلى الدعاء ~~والتضرع، من الكظم، وهو السكوت عن امتلاء وتجرع للمرارات، ومن هذا كظمت ~~السقاء أي شددته وملأته فكان مكظوما، والمكظوم: المكروب - كأنه قد أخذ ~~بكظمه وهو مخرج نفسه. ### || [68.49-52] # ولما تشوف السامع إلى ما كان من أمره بعد هذا الأمر العجيب قال: { لولا ~~أن } وعظم الإحسان بالتذكير وصيغة التفاعل فقال: { تداركه } أي أدركه ~~إدراكا عظيما كان كلا من النعمة والمنة يريد أن تدرك الآخر { نعمة } ~~أي عظيمة جدا { من ربه } أي الذي أرسله وأحسن إليه بإرساله وتهذيبه ~~للرسالة والتوبة عليه والرحمة له { لنبذ } أي لولا هذه الحالة السنية ~~التي أنعم الله عليه بها لطرح طرحا هينا جدا { بالعراء } أي الأرض ~~القفر التي لا بناء فيها ولا نبات، البعيدة من الإنس حين طرح فيها كما ~~حكم بذلك من الأزل ms5239 { وهو } أي والحال أنه { مذموم * } أي ملوم على الذنب، ~~ولما كان التقدير: ولكنه تداركه بالنعمة فلم يكن في نبذه ملوما، سبب عنه ~~قوله: { فاجتباه } أي اختاره لرسالته { ربه } ثم سبب عن اجتبائه قوله: { ~~فجعله من الصالحين * } أي الذين رسخوا في رتبة الصلاح فصلحوا في أنفسهم ~~للنبوة والرسالة وصلح بهم غيرهم، فنبذ بالعراء وهو محمود، ومن صبر أعظم ~~من صبره كان أعظم أجرا من أجره، وأنت كذلك فأنت أشرف العاملين ~~والعالمين. # ولما نهاه صلى الله عليه وسلم عن طاعة المكذبين وحذره إدهانهم وضرب لهم ~~الأمثال، وتوعدهم إلى أن قال: { ذرني ومن يكذب بهذا الحديث سنستدرجهم } ~~وختم بقصة يونس عليه السلام للتدريب على الصبر وعدم الضعف ولو بالصغو إلى ~~المدهن، فكان التقدير تسبيبا عما فيها من النهي: فإنهم إنما يبالغون في ~~أذاك لتضجر فتترك ما أنت فيه، قال عاطفا على هذا المقدر مخبرا له بما ~~في صدورهم من الإحن عليه وفي قلوبهم من الضغائن له ليشتد حذره من ~~إدهانهم، مؤكدا لأن من يرى إدهانهم يظن إذعانهم وينكر لمبالغتهم فيه ~~طغيانهم: { وإن } أي وإنه { يكاد } وأظهر موضع الإضمار تعميما وتعليقا ~~للحكم بالوصف فقال: { الذين كفروا } أي ستروا ما قدروا عليه مما جئت به ~~من الدلائل. # ولما كانت " ن " مخففة، أتى باللام التي هي علمها فقال: { ليزلقونك } أي ~~من شدة عداوتهم وحسدهم وغيظ قلوبهم { بأبصارهم } أي يوجدون لك التنحية ~~عما أنت فيه والزلل العظيم الذي صاحبه في موضع دحض لا مستمسك فيه بالهلاك ~~فما دونه من الأذى حتى يرموك من قامتك إلى الأرض كما يزلق الإنسان فينطرح ~~لما يتراءى في عيونهم حين تصويب النظر للفطن من الحنق والسخط الدال على ~~أن صدورهم تغلي، وهو من قولهم: نظر إلي نظرا كاد يصرعني، يعني لو أمكنه ~~أن يصرعني به لصرعني كما قال تعالى # يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا # [الحج: 72] وقيل: يهلكونك بإصابة العين، قال القشيري: كانوا إذا أرادوا ~~أن يصيبوا شيئا بأعينهم جاعوا ثلاثة أيام ثم نظروا إلى ذلك الشيء وقال: ~~ما أحسنه من شيء، ms5240 فيسقط المنظور إليه في الوقت، ففعلوا ذلك بالنبي صلى ~~الله عليه وسلم وقالوا: ما أنصحه من رجل، فحفظه الله منهم، وللشيخين عن ~~أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " العين حق " # وفي رواية عند أحمد وابن ماجة: # " يحضر بها الشيطان وحسد ابن آدم " # ولأحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما رفعه: # " العين حق ولو أن شيئا سابق القدر سبقته العين، وإذا استغسلتم فاغسلوا ~~" # ولأبي نعيم في الحلية من حديث جابر رضي الله عنه رفعه: # " العين حق تدخل الجمل القدر والرجل القبر " # ولأبي داود من حديث أسماء بنت يزيد رضي الله عنها: # " وإنها لتدرك الفارس فتدعثره ". # ولما ذكر هذا الإزلاق العظيم، ذكر ظرفه معبرا بالماضي تذكيرا بالحال ~~الماضية فقال: { لما سمعوا الذكر } أي القرآن الذي غلب عليه التذكير ~~بأمور يعليها كل أحد من نفسه، ومن الآفاق كان هواياه أول ما سمعوه حسدا ~~على ما أوتيت من الشرف فكان سماعهم له باعثا لما عندهم من البغض والحسد ~~على أنه لم يزدهم تمادي الزمان إلا حنقا بدلالة { ويقولون } أي قولا لا ~~يزالون يجددونه. # ولما كان صلى الله عليه وسلم في غاية البعد عما يشين، أكدوا قولهم: { ~~إنه لمجنون * } حيرة في أمرك وتنفيرا عنك لما يعلمون من أنه لا يسمعه ~~أحد لا غرض له إلا كذبهم ومال بكليته إليك وكان معك وارتبط بك واغتبط بما ~~جئت به، وعن الحسن أن قراءة هذه الآية دواء للإصابة بالعين. # ولما كان معنى قولهم هذا أن ما يقوله تخاليط من يصرع بالجن، أكد بقصر ~~القلب قوله معجبا منهم { وما } أي والحال أن هذا القرآن أو الرسول صلى ~~الله عليه وسلم ما { هو إلا ذكر } أي موعظة وشرف { للعالمين * } أي كلهم ~~عاليهم ودانيهم ليس منهم أحد إلا وهو يعلم أنه لا شيء يشبهه في جلالة ~~معانيه وحلاوة ألفاظه وعظمة سبكه ودقة فهمه ورقة حواشيه وجزالة نظومه، ~~ويفهم منه على حسب ما هيأه الله له ليناسب عموم ذكريته عموم الرسالة ~~للمرسل به، وكل ما فيه ms5241 من وعد ووعيد وأحكام ومواعظ شامل لهم كلهم، فوجبت ~~التفرقة بين مسلمهم ومجرمهم لتصدق أقواله فيكمل جلاله وجماله فقد رجعت ~~خاتمتها - كما ترى - على فاتحتها بالنون والقلم وما يسطرون من هذا الذكر، ~~وسلب ما قالوا فيه من الجنون والإقسام على الخلق العظيم الذي هو هذا ~~الذكر الحكيم، ونبه كونه ذكرا لجميع الخلق بما فيه من الوعد والوعيد على ~~أنه لا بد من الحاقة وهي القيامة ليظهر فيها تأويله وإجماله وتفصيله، ~~ويتضح غاية الاتضاح سبيله، وتحق فيها حقائقه وتظهر جلائله ودقائقه بما ~~يقع من الحساب، ويتبين غاية البيان ويظهر الخطأ من الصواب - والله ~~الهادي. ### | [69 - سورة الحاقة] ### || [69.1-7] # لما قدم سبحانه في " نون " الإنكار الشديد لأن يسوي المسيء بالمحسن، ~~وذكر القيامة وبينها بيوم كشف الساق وزيادة المشاق، وهدد التهديد العظيم ~~بآية الاستدراج الذي لا يدفع بعلاج، وختم بأن القرآن ذكر - أي شرف - ~~وتذكير، ومواعظ للعالمين في شمولهم كلهم برحمته، أما من بعد إنزاله ~~فبوعيده ووعده ووعظه وقصه وأمره ونهيه، وأما من قبل إنزاله فبالشهادة لهم ~~وعليهم، وكان تأويل ذلك وجميع آثاره إنما يظهر ظهورا تاما يوم الجمع ~~الأكبر، وكان ذلك اليوم أعظم مذكر للعالمين وواعظ لهم وزاجر، تنبني جميع ~~الخيرات على تذكره وتذكر العرض على الملك الديان، والسر في إنزال القرآن ~~هو التذكير بذلك اليوم الذي هو نظام الوجود، قال واصفا للقيامة واليوم ~~الذي يكشف فيه عن ساق، واعظا بذكرها ومحذرا من أمرها: { الحاقة * } أي ~~الساعة التي يكذب بها هؤلاء وهي أثبت الأشياء وأجلاها فلا كاذبة لها ولا ~~لشيء عنها، فلا بد من حقوقها فهي ثابتة في نفسها، ومن إحضار الأمور فيها ~~بحقائقها، والمجازاة عليها بالحق الذي لا مرية فيه لأحد من الخلق، فهي ~~فاعلة بمعنى مفعول فيها، وهي فاعلة أيضا لأنها غالبة لكل خصم، من حاققته ~~فحققته أحقه أي غالبته في الحق فغلبته فيه، فهي تحق الحق ولا بد فتعلو ~~الباطل فتدمغه وتزهقه فتحق العذاب للمجرمين والثواب للمسلمين، وكل ما ~~فيها داثر على الثبات والبيان، لأن ذلك مقتضى الحكمة ولا ms5242 يرضى لأحد من ~~الحكام ترك رعيته بغير إنصاف بينهم على زعمه فكيف بالحكيم العليم، وقصة ~~صاحب الحوت عليه السلام أدل دليل على القدرة عليها. # ولما كان ذلك كله أمرا رائعا للعقول، هازا للقلوب، مزعجا للنفوس، ~~وكان ربما توقف فيه الجلف الجافي، أكد أمره وزاد في تهويله، وأطنب في ~~تفخيمه وتبجيله، إشارة إلى أن هوله يفوت الوصف بقوله، معلما أنه مما يحق ~~له أن يستفهم عنه سائقا له بأداة الاستفهام مرادا بها التعظيم للشأن، ~~وأن الخبر ليس كالعيان: { ما الحاقة * } فأداة الاستفهام مبتدأ أخبر عنه ~~بالحاقة وهما خبر عن الأولى، والرابط تكرير المبتدأ بلفظه نحو زيد أي ما ~~هو، وأكثر ما يكون ذلك إذا أريد معنى التعظيم والتهويل. # ولما كان السياق لترجمة المراد بكشف الساق، عظم التهويل بقوله: { وما ~~أدراك } أي في الزمن الماضي، وقصره لتذهب النفس فيه كل مذهب، أي وأي شيء ~~أعلمك بشيء من الأشياء مع تعاطيك للبحث والمداورة، ثم زاد التحذير منها ~~بقوله على النهج الأول مستفهما والمراد به التفخيم ومزيد التعظيم: { ما ~~الحاقة * } أي إنها بحيث لا يعلم كنهها أحد ولا يدركها ولا يبلغها درايته ~~وكيف ما قدرت حالها فهي أعظم من ذلك، فلا تعلم حق العلم إلا بالعيان. # وقال الإمام أبو جعفر ابن الزبير: لما بنيت سورة { ن والقلم } على تقريع ~~مشركي قريش وسائر العرب وتوبيخهم وتنزيه نبي الله صلى الله عليه وسلم عن ~~شنيع قولهم وقبيح بهتهم، وبين حسدهم وعداوتهم # وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم # [القلم: 51] أتبعت بسورة الحاقة وعدا لهم وبيانا أن حالهم في سوء ذلك ~~المرتكب قد سبق إليه غيرهم { كذبت ثمود وعاد بالقارعة } [الحاقة: 4] # فهل ترى لهم من باقية # [الحاقة: 8] # ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من قرن # [الأنعام: 6] # فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم # [يونس: 102]، و # كم أهلكنا قبلهم من قرن هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا # [مريم: 98] فسورة الحاقة جارية مجرى هذه الآي المعقب بها ذكر عناد مشركي ~~العرب ليتعظ بها من رزق التوفيق ms5243 لنجعلها لكم تذكرة وتعيها أذن واعية. # ولما ذكر حال من هلك من الأمم السالفة بسوء تكذيبهم وقبيح عنادهم، أتبع ~~ذلك بذكر الوعيد الأخراوي # يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية # [الحاقة: 18] ثم عاد الكلام إلى ما بنيت عليه سورة { ن والقلم } من ~~تنزيهه صلى الله عليه وسلم وتكريمه مقسما على ذلك # إنه لقول رسول كريم وما هو بقول شاعر - ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون # [الحاقة: 41، 42] وانتهى نفي ما تقوله منصوصا على نزاهته عن كل خلة ~~منها في السورتين # ما أنت بنعمة ربك بمجنون # [القلم: 2] وما الذي جئت به بقول شاعر ولا بقول كاهن بل هو تنزيل من رب ~~العالمين، وأنه لتذكرة للمتقين وإنه لحق اليقين، فنزه ربك وقدسه من عظيم ~~ما ارتكبوه - انتهى. فلما بلغ التهويل حده، وكان سبب الإنكار للساعة ظن ~~عدم القدرة عليها مطلقا أو لعدم العلم بالجزئيات، قال دالا على تمام ~~القدرة والعلم بالكليات والجزئيات، محذرا من أنكرها بأنه قادر على تعجيل ~~الانتقام ولكنه لإكرامه لهذه الأمة أخر عذابها إلى الآخرة إلى لمن كان ~~منهم من الخواص فإنه يظهرهم في الدنيا ليتم نعيمهم بعد الموت بادئا بأشد ~~القبائل تكذيبا بالبعث لكون ناقتهم أول دليل على القدرة عليه، وقالوا مع ~~ذلك # أبشر منا واحدا نتبعه # [القمر: 24] إلى أن قالوا: # بل هو كذاب أشر # [القمر: 25] وقالوا في التكذيب بها # أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون هيهات هيهات لما ~~توعدون إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت # [المؤمنون: 35، 36، 37] - الآية، فإن الامر فيهم دائر بين عاد وثمود: { ~~كذبت ثمود } وتقديمهم أيضا من حيث أن بلادهم أقرب إلى قريش، وواعظ القرب ~~أكبر وإهلاكهم بالصيحة وهي أشبه بصيحة النفخ في الصور المبعثر لما في ~~القبور { وعاد } وكان الأصل أن يقال: بها، ولكنه أظهرها بوصف زادها عظما ~~وهولا فقال: { بالقارعة * } أي التي تقرع، أي تضرب ضربا قويا وتدق ~~دقا عنيفا شديدا للأسماع وجميع العالم بانفطار السماوات وتناثر ~~النيرات ونسف الجبال الراسيات، فلا يثبت لذلك الهول شيء. # ولما جمعهم في التكذيب، فصلهم في ms5244 التعذيب لأجل ذلك التكذيب فقال: { فأما ~~ثمود } وهم قوم صالح عليه السلام. # ولما كان الهائل لهم لتقيدهم بالمحسوسات إنما هو العذاب، لا كونه من ~~معين، بنى للمجهول قوله: { فأهلكوا } أي بأيسر أمر من أوامرنا { بالطاغية ~~* } أي الصيحة التي جاوزت الحد في الشدة فرجفت منها الأرض والقلوب. # ولما ذكر المهلكين بالصيحة لأجل التكذيب بالقارعة تحذيرا لمن يكذب بها، ~~أتبعه المهلكين بما هو سبب لإنفاذ الصيحة وتقويتها دلالة على تمام القدرة ~~على كل نوع من العذاب بالاختيار فقال تعالى: { وأما عاد } وهم قوم هود ~~عليه السلام { فأهلكوا } أي بأشق ما يكون عليهم وأيسر ما يكون في قدرتنا ~~{ بريح صرصر } أي هي في غاية ما يكون من شدة البرد والصوت كأنه كرر فيها ~~البرد حتى صار يحرق بشدته والصوت حتى صار يصم بقوته، وقال الملوي: أصله ~~صر وهو البرد الشديد أو الحر الشديد { عاتية * } أي مجاوزة للحد من شدة ~~عصفها وعظمة قصفها تفعل أفعال المستكبر الذي لا يبالي بشيء فلم يستطع ~~خزانها ضبطها، ولم يملك المعذب بها ردها ولا ربطها، بل كانت تنزعهم من ~~مكامنهم التي احتفروها ومصانعهم التي أتقنوها واختاروها فتهلكهم، قال ~~الملوي: قال علي بن أبي طالب وابن عباس رضي الله عنهما: " لم ينزل قط ماء ~~ولا ريح إلا بمكيال على يد ملك إلا يوم الطوفان فإن الله تعالى أذن للماء ~~فطغى على الخزان ويوم عاد أذن للريح فعتت على خزانها " انتهى. # ولما وصفها بالعتو على الخلق والغلبة لهم بحيث كانت خارقة للعادة لم يأت ~~مثلها قبل ولا بعد، دل على صغارها بالنسبة إلى عظمته، وأنه هو الذي ~~أوجدها لا الطبيعة ولا غيرها، بل إنما كانت بقدرته واختياره قهرا لمن ~~طعن في ملكه وكذب رسله فيما أخبروا به من أمر الساعة التي هي موضع الحكمة ~~وإظهار جميع العظمة، فقال مستأنفا دلالة على ذلك: { سخرها } أي قهرها ~~على أن سلطها، والتسخير: استعمال الشيء بالاقتدار، ودل على أنه تسخير ~~تعذيب لا رحمة وتأديب بأداة الاستعلاء، فقال: { عليهم } وكلفها ذلك ~~وذللها له فلم يمكنها ms5245 مع عتوها إلا أن كانت طوع أمره وصنيعة عظمته وقهره. # ولما كانت هذه السورة لتحقيق الأمور، وكشف المشكل وإيضاح الخفي، حقق ~~فيها زمن عذابهم تحقيقا لم يتقدم مثله، فذكر الأيام والليالي، وقدم ~~الليالي لأن المصايب فيها أفظع وأقبح وأشنع لقلة المغيث والجهل بالمأخذ ~~والخفاء في المقاصد والمنافذ، ولأن عددها مذكر في اللفظ، وتذكير اللفظ ~~أدل على قوة المعنى ولذلك جعل المميز جمع كثرة، ولأنها سبع، والسبع مبالغ ~~فيه وهو أجمع العدد كما يأتي تحقيقه قريبا في حملة العرش ولا يمكن أن ~~يظن بتقديمها أن ابتداء العذاب كان فيها لأنه يلزم حينئذ أن يكون بعدد ~~الأيام فلذلك قال: { سبع ليال } أي لا تفتر فيها الريح لحظة لأنه بولغ في ~~شدتها مبالغة لم يكن مثلها قط ولا يكون بعدها أبدا { وثمانية أيام } ~~كذلك حال كونها { حسوما } جمع حاسم أي بحس مانع من التصرف دائم متتابع ~~لا فترة له، من حسم الكي - إذا تابع فيه بالمكواة، قاطع لكل خير، مستأصل ~~له، فأتت عليهم من غير فترة أصلا في جميع الوقت فاستأصلتهم لم تبق منهم ~~أحد حتى أن عجوزا منهم توارت في سرب فانتزعتها وأهلكتها، وبها سميت أيام ~~العجوز، أو لأنها عجز الشتاء وهي ذات برد ورياح شديدة وهي من صبيحة ~~الأربعاء لثمان بقين من شوال إلى غروب الأربعاء الآخر وهو آخر الشهر، وقد ~~لزم من زيادة عدد الأيام أن الابتداء كان بها قطعا وإلا لم تكن الليالي ~~سبعا - فتأمل ذلك. # ولما كان الحاسم المهلك، سبب عنه قوله مصورا لحالهم الماضية: { فترى ~~القوم } أي الذين هم في غاية القدرة على ما يحاولونه: { فيها } أي في تلك ~~المدة من الأيام والليالي لم يتأخر أحد منهم عنها { صرعى } أي مجدلين على ~~الأرض موتى معصورين مجهزة على كل منهم من شدة ضغطها باد عليهم الذل ~~والصغار، جمع صريع { كأنهم أعجاز } أي أصول { نخل } قد شاخت وهرمت فهي في ~~غاية العجز والهرم { خاوية * } أي متآكلة الأجواف ساقطة، من خوي النجم - ~~إذا سقط للغروب، ومن خوي المنزل - إذا خلا ms5246 من قطانه، قالوا: كانت تدخل من ~~أفواههم فتخرج ما في أجوافهم من الحشو من أدبارهم، فالوصف بذلك لعظم ~~أجسامهم وتقطيع الريح لهم وقطعها لرؤوسهم وخلوهم من الحياة وتسويدها لهم. ### || [69.8-13] # ولما كان هذا أمرا رائعا لمن له أدنى معقول، وكان الاستفهام مما يزيد ~~الروعة، قال مسببا عن استئصالهم ليكون الإخبار به المستلزم لغاية العلم ~~بالجزئيات كالدعوى بدليلها: { فهل ترى } أي أيها المخاطب الخبير الناس في ~~جميع الأقطار { لهم } أي خصوصا، وأعرق في النفي وعبر بالمصدر الملحق ~~بالهاء مبالغة فقال: { من باقية * } أي بقاء أو نفس موصوفة بالبقاء، ~~وأنجى الله سبحانه وتعالى صالحا عليه السلام ومن آمن به من بين ثمود ولم ~~تضرهم الطاغية وهودا عليه السلام ومن آمن به من بين عاد لم يهلك منهم ~~أحد، فدل ذلك دلالة واضحة على أن له تعالى تمام العلم بالجزئيات كما أن ~~له كمال الإحاطة بالكليات وعلى قدرته واختياره وحكمته، فلا يجعل المسلم ~~أصلا كالمجرم ولا المسيء كالمحسن. # ولما أخبر تعالى عمن أهلك بالريح ومن أهلك بما سببه الريح تسبيبا ~~قريبا بغير واسطة، وكان ذلك كله - لخروجه عن العادة - رادا على أهل ~~الطبائع، أخبر بمن أهلك مما سببته الريح من الماء بواسطة السحاب، وكانت ~~سبب تطابقه عليهم مع أن كفرهم بالتعطيل الذي هو أنحس أنواع الكفر للقول ~~بالطبيعة التي تتضمن الإنكار للبعث، وكان إغراقهم بما يكذب معتقدهم ~~لخروجه عن العادة، فقال منبها على قوة كفرهم بالمجيء: { وجاء } أي أتى ~~إتيانا عاليا شديدا { فرعون } أي الذي ملكناه على طائفة من الأرض فعتى ~~وتجبر وادعى الإلهية ناسيا هيبتنا وقدرتنا بنقمتنا وأنكر الصانع وقال ~~بالطبائع { ومن قبله } أي في جهته وفي حيزه وما يليه وفي السير بسيرته من ~~العلو في الأرض بغير الحق والعتو في الكفر، وهو ظرف مكان، هكذا على قراءة ~~البصريين والكسائي بكسر الكاف وفتح الموحدة، فعم ذلك كل من كان كافرا ~~عاتيا من قبله ومن بعده، وهو معنى قراءة الباقين بفتح القاف وإسكان ~~الباء الموحدة على أنه ظرف يقابل " بعد " بزيادة. # ولما كان ms5247 قوم لوط عليه السلام قد جمعوا أنواعا من الفسوق لم يشاركهم ~~فيها أحد، فاشتمل عذابهم على ما لم يكن مثله عذاب، فكان كل من فعلهم الذي ~~لم يسبقهم به أحد من العالمين وعذابهم الذي ما كان مثله قبل ولا بعد، ~~رادا على أهل الطبائع، نص عليهم من بين من دخل فيمن قبله على القراءتين ~~فقال: { والمؤتفكات } أي أهل المدائن المنقلبات بأهلها حتى صار عاليها ~~سافلا لما حصل لأهلها من الانقلاب حتى صاروا إياه واتبعت حجارة الكبريت ~~وخسف بها وغمرت بما ليس في الأرض مثله وهي قرى قوم لوط عليه السلام { ~~بالخاطئة * } أي الخطأ أو الأفعال ذات الخطأ التي تتخطى منها إلى نفس ~~الفعل القبيح من اللواط والصفع والضراط مع الشرك وغير ذلك من أنواع الفسق ~~والعناد والطغيان. # ولما كان الرسل كلهم جميعا كالفرد الواحد لاتفاق مقاصدهم في الدعاء إلى ~~الله والحمل على طاعته، قال مستأنفا مسببا عن مجيئهم بذلك موحدا في ~~اللفظ ما هو صالح للكثير بإرادة الجنس: { فعصوا } أي خالفوا ونابذوا { ~~رسول ربهم } أي خالفت كل أمة من أرسله المحسن إليها بإبداعها من العدم ~~وإيداعها القوى وترزيقها وبعث رسولها لإرشادهها اغترارا بإحسانه ولم ~~يجوزوا أن المحسن يقدر على الضر كما قدر على النفع، لأنه الضار كما أنه ~~النافع فللتنبيه على مثل ذلك لا يجوز نقل أحد الاسمين عن الآخر، وسبب عن ~~العصيان قوله: { فأخذهم } أي ربهم أخذ قهر وغضب { أخذة } لم يبق من أمة ~~منهم أحدا ممن كذب الرسول فلم يكن كمن ينصر على عدو من الآدميين لا بد ~~من أن يفوته كثير منهم وإن اجتهد في الطلب، وما ذاك إلا لتمام علمه ~~سبحانه وتعالى بالجزئيات والكليات، وشمول قدرته، وتلك الأخذة - مع كونها ~~بهذه العظمة من أنها أخذتهم كنفس واحدة - جعلها سبحانه { رابية * } أي ~~عالية عليهم علية القدر في قوة البطش وشدة الفتك زائدة على الحد نامية ~~بقدر زيادة أعمالهم في القبح، والربا: النمو، وأصله الزيادة، فأغرق فرعون ~~وجنوده، وأغرق كل من كذب نوحا عليه السلام، وهم كل أهل ms5248 الأرض غير من ركب ~~معه في السفينة، وحمل مدائن لوط عليه السلام بعد أن نتقها من الأرض على ~~متن الريح بواسطة من أمره بذلك من الملائكة ثم قلبها وأتبعها الحجارة ~~وخسف بها وغمرها بالماء المنتن الذي ليس في الأرض ما يشبهه. # ولما كان ربما وقع في وهم التعجب من وجود فرعون ومن بعده من الإخبار ~~بأخذ من قبله على قراءة الجماعة مع أن " من " من صيغ العموم، أشار إلى ~~أنه أهلك جميع المخالفين وأنجى جميع الموافقين، قال جوابا لذلك السؤال ~~مؤكدا لأجل من يتعنت ولأن ذلك كان مما يتعجب منه ويتلذذ بذكره: { إنا } ~~أي على قدرتنا وعظمتنا وإحاطتنا { لما طغا الماء } أي فزاد عن الحد حتى ~~علا على أعلى جبل في الأرض بقدر ما يغرق من كان عليه حين أغرقنا قوم نوح ~~عليه السلام به فلم يطيقوا ضبطه ولا قاووه بوجه من الوجوه، ولا وفقوا ~~لركوب السفينة، فكان خروجه عن العادة رادا على أهل الطبائع. # ولما كان الإيجاد نعمة فكان إنجاء آبائهم من الغرق حتى كان ذلك سببا ~~لوجودهم نقمة عليهم قال تعالى: { حملناكم } أي في ظهور آبائكم بعظمتنا ~~ومشيئتنا وقدرتنا { في الجارية * } أي السفينة التي جعلناها بحكمتنا ~~عريقة في الجريان حتى كأنه لا جارية غيرها على وجه الماء الذي جعلنا من ~~شأنه الإغراق، وهو تعبير بالصفة عن الموصوف، ونوح عليه السلام أول من صنع ~~السفينة، وإنما صنعها بوحي الله تعالى وبحفظه له من أن يزل في صنعتها، ~~قال: اجعلها كهيئة صدر الطائر ليكون ما يجري في الماء مقاربا لما يجري ~~في الهواء، وأغرقنا سوى من في السفينة من جميع أهل الأرض من أدمي وغيره. # ولما بدأ سبحانه وتعالى بثمود الذين هم أقرب المهلكين إلى مكة المشرفة ~~لأن التخويف بالأقرب أقعد، وختم بقوم نوح عليه السلام لأنهم كانوا جميع ~~أهل الأرض ولم يخف أمرهم على أحد ممن بعدهم، علل اختيار إنجائهم بالسفينة ~~دون غيرها فقال: { لنجعلها } أي هذه الفعلات العظيمة من إنجاء المؤمنين ~~بحيث لا يهلك منهم بذلك العذاب أحد ms5249 وإهلاك الكافرين بحيث لا يشذ منهم ~~أحد، وكذا السفينة التي حملنا فيها نوحا عليه السلام ومن معه بإبقائها ~~آية من آياته وأعجوبة من بدائع بيناته وغريبة في الدهر من أعجوباته { لكم ~~} أي أيها الأناسي { تذكرة } أي سببا عظيما لذكر أول إنشائه والموعظة ~~به لتستدلوا بذلك على كمال قدرته تعلى وتمام علمه وعظمة رحمته وقهره، ~~فيقودكم ذلك إليه وتقبلوا بقلوبكم عليه { وتعيها } أي ولتحفظ قصة السفينة ~~وغيرها مما تقدم، حفظا ثابتا مستقرا كأنه محوى في وعاء. # ولما كان المنتفع بما يسمع الحافظ له قليلا جدا، دل على ذلك يتوحيد ~~الأذن فقال موحدا منكرا مع الدلالة على تعظيمها: { أذن } أي عظيمة ~~النفع { واعية * } أي من شأنها أن تحفظ ما ينبغي حفظه من الأقوال ~~والأفعال الإلهية والأسرار الربانية لنفع عباد الله كما كان نوح عليه ~~السلام ومن معه وهم قليل سببا لإدامة النسل والبركة فيه حتى امتلأت منه ~~الأرض. والوعي: الحفظ في النفس، والإيعاء: الحفظ في الوعاء، وفي ذلك ~~توبيخ للناس بقلة الواعي منهم، ودلالة على أن الأذن الواحدة إذا غفلت عن ~~الله تعالى فهي السواد الأعظم، وما سواها لا يبالي بهم الله بالة - قاله ~~الأصبهاني والزمخشري وغيرهما. # ولما ذكر القيامة وهول أمرها بالتعبير بالحاقة وغيرها، ودل على قدرته ~~عليها وعلى حكمته بقصص من ذكر على الوجه الذي مر إلى أن ختم بالذين كانت ~~قصتهم أشبه تلك القصص بالقيامة من حيث أن أمر الله فيها عم أهل الأرض وفي ~~زمن يسير، وكان الناجون منها بالنسبة إلى المهلكين كالشعرة البيضاء في ~~جلد الثور الأسود، سبب عن جميع ما مضى قوله شرحا لأمرها: { فإذا نفخ } ~~وبنى الفعل للمجهول دلالة على هوان ذلك عليه وأنه ما تأثر عنه لا يتوقف ~~على نافخ معين بل من أقامه من جنده لذلك تأثر عنه ما يريده وذكره وإن كان ~~المسند إليه مؤنثا للفصل ولكونه غير حقيقي التأنيث وللدلالة على قوة ~~النفخ { في الصور } أي القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل عليه السلام كأنه عبر ~~عنه به دون القرن مثلا لأنه ms5250 يتأثر عنه تارة إعدام الصورة وتارة إيجادها ~~وردها إلى أشكالها سعة فمه كما بين السماء والأرض، وأسند الفعل إلى ~~المصدر ليفيده بادىء بدء لا ليؤكده وإن كان التأكيد يفهم منه وهو غير ~~مقصود بالذات فقال: { نفخة } ولما دل بالفعلة على الواحدة، أكده دلالة ~~على عظيم قدرته وحقارة الأشياء عنده بقوله: { واحدة * } أي فهلك الخلائق ~~كلهم، هكذا قالوا إن هذه النفخة هي الأولى، قالوا: وعندها خراب العالم، ~~وظاهر السياق أنها الثانية التي بها البعث، وخراب ما ذكر بعد قيامهم أنسب ~~لأنه لهم أهيب، وكونها الثانية إحدى الروايتين عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما. ### || [69.14-18] # ولما ذكر التأثير في الإحياء، أتبعه التأثير في الجمادات، وبدأ ~~بالسفليات لملابستها للإنسان فتكون عبرته بها أكثر فقال: { وحملت } أي ~~بمجرد القدرة { الأرض } أي المنبسطة ورجت رجا { والجبال } أي التي بها ~~ثباتها فرفعت من أماكنها، وبستا بسا فكانت هباء منبثا، لم يبق فيهما ~~حجر ولا كدية. # ولما أريد قوة الدك والإبلاغ في تأثيره، جعل الجبال شيئا واحدا فقال: ~~{ فدكتا } أي مسحت الجملتان الأرض وأوتادها وبسطتا ودق بعضها ببعض { دكة ~~واحدة * } أي فصارتا كثيبا مهيلا وسويتا بأيسر أمر فلم يميز شيء منهما ~~من الآخر، بل صارا في غاية الاستواء، من قولهم: ناقة دكاء، أي لا سنام ~~لها. وأرض دكاء، أي متسعة مستوية، قالوا: والدك والدق - أخوان، والدك ~~أبلغ، قال أبو حيان: والدك فيه تفرق الأجزاء، والدق فيه اختلاط الأجزاء. # ولما ذكر نفخ الصور سبب عنه قوله: { فيومئذ } أي إذا دكتا وهي بدل من " ~~إذ " كرر لطول الفصل وأفاد تهويلا لها وتعظيما، ونصب الظرف بقوله: { ~~وقعت الواقعة * } أي التي وقع الوعد والوعيد بها، فكانت كأنها شيء ثقيل ~~جدا ليس له ممسك. فما له من ذاته غير السقوط، وهي القيامة والحاقة ~~والقارعة، نوع أسماءها تهويلا لها أي قامت القيامة، وكان المراد بها ~~النفخة الثانية. # ولما ذكر تأثير العالم السفلي ذكر العلوي فقال: { وانشقت السماء } أي ~~هذا الجنس لشدة ذلك اليوم، ولما كان الشيء لا ينشق إلا لخلل فيه، سبب عنه ms5251 ~~قوله تحقيقا لذلك. { فهي يومئذ } أي إذا وقعت الواقعة { واهية * } أي ~~ضعيفة متساقطة خفيفة لا تتماسك. # ولما كانت العادة جارية فيما يعرف أن الملك يظهر أنواعا من عظمته يوم ~~عرض الجند، قال معرفا لنا بنحو ما ألفناه: { والملك } أي هذا النوع الذي ~~يصدق على الواحد فما فوقه، والجمع لا يصدق على ما دون الجمع فهذا أشمل { ~~على أرجائها } أي نواحي السماء وأطرافها وحواشي ما لم يتشقق منها، قال ~~الضحاك: يكونون بها حتى يأمرهم الله فينزلون فيحيطون بالأرض ومن عليها - ~~انتهى. وقيل: أرجاء الأرض واحدها رجا، مقصور، والاثنان رجوان، فيحيطون ~~بالجن والإنس فيحشرونهم حشر الصيد لإرادة أخذه. # ولما كان الملك يظهر يوم العرض سرير ملكه ومحل عزه قال: { ويحمل عرش } ~~ولما كان هذا أمرا هائلا مقطعا للقلوب، قال مؤنسا للمنزل عليه هذا ~~الذكر مؤمنا له من كل ما يحذر: { ربك } أي المحسن إليك بكل ما يريده لا ~~سيما في ذلك اليوم بما يظهر من رفعتك. # ولما كان العرش عاما لجهة الفوق كلها، أسقط الجار فقال: { فوقهم } أي ~~فوق رؤوسهم { يومئذ } أي يوم إذ وقعت الواقعة بعدد ما كان تحته من ~~السماوات السبع والكرسي { ثمانية * } أي من الملائكة أشخاص أو صفوف يؤيد ~~حملته الأربعة في الدنيا بأربعة أخرى لشدة ذلك اليوم وثقله، وهو في حديث ~~أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه وأبو يعلى والبغوي عن العباس بن عبد ~~المطلب رضي الله عنه، فظاهره أنهم أشخاص ولفظه: " ثمانية أوعال بين ركبهن ~~وأظلافهن كما بين السماء والأرض " وظاهر ذلك أنهم في الدنيا، وكونهم في ~~الدنيا أربعة فقط ذكره المفسرون ورواه الطبراني من طريق ابن إسحاق، قال: ~~بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " هم اليوم أربعة فإذا كان يوم القيامة أيدهم بأربعة آخرين " # وهو مذكور في حديث الصور الطويل الذي يرويه أبو يعلى وغيره من طريق ~~إسماعيل بن رافع عن يزيد بن زياد عن القرطبي عن رجل عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه وهذا العدد يحتمل أن يراد به أهل السماوات السبع ms5252 والكرسي فتلك ~~ثمانية، وهم خلق لا يحصيهم إلا الله سبحانه وتعالى، وهو أوفق لإظهار ~~العظمة، ويمكن أن يراد بهم ثمانية أفراد ويكون حملهم له أظهر في العظمة ~~ليعلم كل من يرى ذلك أن مثلهم لا يقدر على حمل مثله في عظمته وإحاطته، ~~وهذا هو أظهر المعاني من الأحاديث الواردة فيه، واختيار هذا العدد أوفق ~~للوجه الذي قبله لأنه يزيد على العدد الموضوع للمبالغة - وهو السبع - ~~بواحدة إشارة إلى أنه أبلغ من عدة المبالغة لأنه إشارة إلى أنك كلما ~~بالغت زاد الأمر على مبالغتك بما هو أول العدد، وذلك إشارة إلى عدم ~~الانتهاء والوقوف عند حد، وإلى ذلك يشير أيضا أن للثمانية من الكسور ~~النصف والربع والثمن، وذلك سبعة، والسبعة عدد جامع لجميع أنواع العدد ~~الفرد والزوج وزوج الزوج وزوج الفرد، وكل ذلك إشارة إلى المبالغة في ~~إظهار العظمة والكبرياء والعزة وتمثيل لنا بما نعرف من أحوال الملوك ~~وإلا: # p>فالأمر أعظم من مقالة قائل # إن رقق البلغاء أو إن فخموا # إعلاما بعظمة ذلك اليوم ليخشى العباد فيلزموا أسباب الإسعاد، وهذا الذي ~~قلته من سر السبعة قد ذكره الإمام بدر الدين بن الدماميني قرين شيوخنا في ~~الكلام على الواو من حاشيته على مغني ابن هشام عن تفسير العماد الكندي ~~قاضي الإسكندرية المسمى الكفيل بمعاني التنزيل فقال: ونقل الأستاذ عبد ~~الله الكفيف المالقي أنها لغة فصيحة لبعض العرب أن يقول: واحد اثنين ~~ثلاثة أربعة خمسة ستة سبعة ثمانية تسعة عشرة - هكذا لغتهم، ومتى جاء في ~~كلامهم لفظ الثمانية أدخلوا الواو وقد نظم بعض أصحابنا في كون السبعة ~~منتهى العدد أبياتا وهي: # يا سائلي عن سر كون العدد # غايته في سبعة لم تزد # ما سره إلا انحصار قسيمه # في واحد فرد وشيء مسند # وذلك الشيء الذي تسنده # منحصر في واحد وأزيد # فالفرد والفرد إذا ما اجتمعا # زوج مع الفرد الذي لم يسند # واثنان واثنان إذا ما اجتمعت # أربعة تضم مع فيء اليد # فتلك سبعة إذا تكاملت # أربعة واثنان مع منفرد # وما أتى من بعد ms5253 هذا فهو تك # رار له لا زائد في العدد # ثلاثة مع مثلها فرد وفر # د قد مضى وما مضى لا يعدد # وهكذا أربعة مع مثلها # زوج وزوج قد مضى لا تزد # وقال الإمام محمد بن عبد الكريم الشهرستاني في مقدمة كتابه الملل ~~والنحل: أكثر أصحاب العدد على أن الواحد لا يدخل في العدد، فالعدد مصدره ~~الأول الاثنان، وهو ينقسم إلى زوج وفرد، فالفرد الأول ثلاثة، والزوج ~~الأول أربعة، وما وراء الأربعة مكرر كالخمسة فإنها مركبة من فرد وزوج، ~~ويسمى العدد الدائر، والستة مركبة من فردين، ويسمى العدد التام، والسبعة ~~مركبة من فرد وزوج، وتسمى العدد الكامل، والثمانية مركبة من زوجين وهي ~~بداية الأخرى فصدر الحساب في مقابلة الواحد الذي هو علة العدد وليس يدخل ~~فيه، ولذلك هو فرد لا أخ له. # ولما كان العدد مصدره من اثنين صار منهما المحقق محصورا في قسمين، ولما ~~كان العدد منقسما إلى فرد وزوج، صار من ذلك الأصل محصورا في سبعة، فإن ~~الفرد الأول ثلاثة، والزوج الأول أربعة، وهي النهاية، وما عداها مركب ~~منها، وكان البسائط عامة الكلية في العدد واحد واثنان وثلاثة وأربعة وهي ~~الكمال، وما زاد عليها من المركب الكلي فمركبات كلها ولا حصر لها، وقال ~~أبو الحكم ابن برجان في تفسير سورة القدر: انتهاء العدد ستة والسابع ~~وترها. # ولما بلغ النهاية في تحذير العباد من يوم التناد، وكان لهم حالتان: خاصة ~~وعامة، فالعامة العرض، والخاصة التقسيم إلى محسن ومسيء، زاده عظما ~~بقوله: { يومئذ } أي إذا كان ما تقدم. # ولما كان المهول نفس العرض، بنى فعله للمفعول ولأنه كلام القادرين فقال: ~~{ تعرضون } أي على الله سبحانه وتعالى للحساب كما يعرض السلطان الجند ~~لينظر في أمرهم ليختار منهم المصلح للإكرام والتقريب والإثابة، والمفسد ~~للإبعاد والتعذيب والإصابة، عبر عن الحساب بالعرض الذي هو جزؤه، فالمحسن ~~لا يكون له غير ذلك والمسيء يناقش { لا تخفى منكم } أي في ذلك اليوم على ~~أحد بوجه من الوجوه { لا تخفى منكم } أي في ذلك اليوم على أحد بوجه ms5254 من ~~الوجوه { خافية * } أي لا يقع أصلا على حال من الأحوال شيء من خفاء لشيء ~~كان من حقه الخفاء في الدنيا لا من الأعمال ولا من الأنفس وإن كان في ~~غاية الدقة والغموض لأن ذلك يوم الظهور التام من القبور ومن الصدور، وغير ~~ذلك من الأمور، ليكون ذلك أجل لسعادة من سعد، وأقبح لشقاوة من شقي فأبعد، ~~قال أبو موسى رضي الله عنه: هي ثلاث عرضات فأما عرضتان فجدال ومعاذير، ~~وأما الثالثة فعندها تتطاير الصحف فأخذ بيمينه وأخذ بشماله. ### || [69.19-24] # ولما كان من المعلوم أنهم قسمان: محسن ومسيء، وكان التقدير: فنعطي كلا ~~منكم صحيفة أعماله من أفعاله وأقواله وجميع خلائقه وأحواله، فمنكم من ~~تدفع إليه في يمينه فتظهر له حسناته وتستر عنه سيئاته، ومنكم من يعطاها ~~في شمالها فتبدو له سيئاته ويمحي ما كان من حسناته، لأنه أوتي ثوابه في ~~الدنيا بما عجل له من طيباته، عطف عليه مفصلا له قوله: { فأما من أوتي } ~~بناه للمفعول لأن دلالة السعادة الوقوع في اليمين لا من معط معين { كتابه ~~} أي الذي أثبت فيه أعماله { بيمينه فيقول } لما رأى من سعادته تبجحا ~~بحاله وإظهارا لنعمة ربه لأن الإنسان مطبوع على أن يظهر ما آتاه من خير ~~تكميلا للذته بكبت أعدائه وتفريح أوليائه، قيل: إنه تكتب سيئاته في باطن ~~صحيفته وحسناته في ظاهرها، فيقرأ الباطن ويقرأ الناس الظاهر، فإذا أنهاه ~~قيل له: قد غفرها الله، اقلب الصحيفة، فحينئذ يكون قوله: { هاؤم } أي ~~خذوا أيها الحاضرون من الخلائق الملائكة وغيرهم، فيها صوت يفهم منه معنى: ~~خذوا، ويوصل تارة بالكاف وتارة بالهمزة، اسم فعل، وإنما اختارها هنا ~~ليعلم أن خطابها لجميع أهل الموقف من كان منهم باطنا من الملائكة والجن ~~وغيرهم، ومن كان منهم ظاهرا لأن الألف عند الربانيين غيب وإحاطة كما دل ~~عليها مخرجها، فهي عبارة عندهم عن القائم الأعلى المحيط، وروي معنى ذلك ~~عن ابن عباس رضي الله عنهما، والهمزة بدء غيبه ولذا كان مخرجها أقصى ~~الحروف الحلقية دلالة على ذلك، وبدء غيب الله ms5255 سبحانه وتعالى أفعاله وهي ~~تشمل الظاهر والخفي أصلها الكاف فهي عندهم ظهور متكامل ذو استقلال، وهو ~~من يكون من شأنه الظهور، وأبناء الجنس أحق بهذا، وقد دل على ذلك مخرج ~~الكاف الذي بعد القاف من أصل اللسان الأقرب إلى وسطه، ومفعول " ما " ~~محذوف عند البصريين دل عليه " كتابيه " من قوله: { اقرءوا كتابيه * } ~~وهاؤه للسكت، كأنها إشارة إلى شدة الكرب في ذلك اليوم للدلالة على أنه ~~إذا كان هذا السعيد بسكت في كل جملة للاستراحة لا يقدر في الكلام على ~~المضي فما الظن بغيره، وتشير أيضا مع ذلك إلى فراغ الأمر ونجازة الجزم ~~به والوثوق بأنه لا يغير. # ولما كانت حقيقة الحساب ذكر الأعمال والمجازاة عليها، وكان الآدمي - ~~لأنه مجبول على النقص - لا يقدر أن يقدر الله حق قدره، وكلما كان الإنسان ~~أعلى كان الاستشعار والنقص من نفسه أكثر، وكان من نوقش الحساب - كما قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم - عذب، قال مؤكدا لأن من يرى حاله وكتابه ينكر ~~أن يكون له ذنب أو منه تقصير: { إني ظننت } أي في هذا اليوم خوفا من من ~~سوء أعمالي التي أعرفها من نفسي { أني ملاق } أي ثابت لي ثباتا لا ينفك ~~أني ألقى بين يدي الديان { حسابيه * } لأني كنت جامعا كما أمرت بين ~~الخوف والرجاء، فأخاف أن يقابل بين حسناتي وبين النعم فلا تقوم لي أصغر ~~نعمة فأعذب على سيئاتي وأرجو غفرانه، فحقق سبحانه رجائي وأمن خوفي، فعلمت ~~الآن أني لا أناقش الحساب، وإنما حسابي العرض وهو الحساب اليسير بأن تعرض ~~أعمالي فلا أجازى على سيئها وأثاب على حسنها منا ورحمة وفضلا ونعمة، ~~ويجوز أن يكون الظن في الدنيا، عبر به عن اليقين إشارة إلى أنه يكفي ~~العاقل في الخوف الحامل له على العمل ظن الخطر، وفيه إشعار بهضم النفس ~~لأن الإنسان لا ينفك عن خطرات من الشبه تعرض له وتهجم عليه وإيذان بأن ~~مثل ذلك لا يقدح في الجزم بالاعتقاد وتنبيه على أنه يكفي في إيجاب العمل ~~الظن فيكون حينئذ تعليلا لإعطاء ms5256 الكتاب باليمين، وفيه تبكيت للكفار ~~ونداء عليهم بأنهم لم يصلوا في هذا الأمر المحقق إلى مرتبة الظن، فكيف ~~بالمحقق من العلم فأهملوا العمل له فخالفوا. # ولما كان تقدير هذا واضحا، سبب عند ما تأثر عن الحساب اليسير من إعطاء ~~الثواب فقال: { فهو في عيشة } أي حالة من العيش. # ولما كان الرضى بالشيء لا يكون إلا إذا بلغ نهاية السؤل وغاية المأمول، ~~قال مسندا الرضا إلى العيشة كناية عن رضا صاحبها على الوجه الأبلغ: { ~~راضية * } أي ثابت له الرضا ودائم لها لأنها في غاية الحسن والكمال، ~~والعرب لا تعبر عن أكثر السعادات بأكثر من العيشة الراضية بمعنى أن أهلها ~~راضون بها، والمعتبر في كمال اللذة الرضى أو أنه لو كان للعيشة عقل لرضيت ~~لنفسها بحالتها. # ولما شوق سبحانه إلى حال صاحب هذه العيشة، وكانت أمرا إجماليا، فصلها ~~وبينها بالإبدال منها زيادة في التشويق فقال: { في جنة } أي بساتين جامعه ~~لجميع ما يراد منها. # ولما كان شرف المسكن العلو قال: { عالية * } أي في المكان والمكانة ~~والأبنية والدرجات والأشجار وكل اعتبار. # ولما كان من شأن المعالي عسر الوصول إليه قال: { قطوفها } أي جمع كثرة ~~لقطف - بالكسر وهو ما يجنى من الثمرات المجتمعة في عرق من عروقه { دانية ~~* } أي قريبة المأخذ سهلة التناول جدا، لراكب والقائم والقاعد والمضطجع، ~~كل ذلك على حد سواء دائما من غير انقطاع ولا كلفة على أحد من أهلها في ~~تناول شيء من ذلك. # ولما كان كون الثمار بهذه الصفة دالا على كثرة الري، وكثرة الري دالة ~~على المشرب، وكانت من مفردات اللفظ عامة المعنى، فكان قد أفرد الضمائر ~~باعتبار لفظها تنصيصا على كل فرد فرد جمع باعتبار المعنى إعلاما ~~باشتراك جميع أهلها في النعم حال الانفراد والاجتماع فقال: { كلوا ~~واشربوا } أي مولى لهم ذلك إشارة إلى أن ذلك لا مانع منه وإلى أنهم ~~يؤمرون به صريحا دلالة على رضا صاحب الجنة لئلا يتنغص عليهم عيشهم بنوع ~~من الأنواع الموهمة للخطر، وحذف المفعول إيذانا بالتعميم لئلا يظن أنه ~~يستثني منها ms5257 شيء فيكون سبب الفتنة كما وقع لآدم صلوات الله وسلامه عليه. # ولما كان المآكل والمشارب في هذه الدار تورث التخم والأمراض وفيها ما لا ~~يلذ، وكان ما وقع لأبينا آدم وأمنا حواء عليهما الصلاة والسلام على أكلة ~~واحدة من وخامة العاقبة معروفا، قال مؤمنا من ذلك: { هنيئا } أي أكلا ~~طيبا لذيذا شهيا مع البعد عن كل أذى وسلامة العاقبة بكل اعتبار ولا ~~فضلة هناك من بول ولا غائط ولا بصاق ولا مخاط ولا قرف ولا قذر ولا وهن ~~ولا صداع ولا ثقل ولا شيء مؤذ. # ولما شوق إلى المسببات حملهم على أسبابهم وحضهم على المسابقة في تحصيلها ~~والمثابرة والمداومة على الاستكثار منها؛ فقال زيادة في لذتهم بأن ذلك ~~على وجه العوض لا امتنان عليهم في شيء منه لأحد من الخلق، فإن أحب ما إلى ~~الإنسان أن يأكل مما أفادته يمينه وحصله بعمله مع ما في ذلك من الشرف: { ~~بما أسلفتم } أي أعطيتم من أنفسكم لآخرتكم طوعا من الأعمال الصالحة وبما ~~تركتم من الدنيا مما هو سافل بالنسبة إلى ما عوضتم عنه من أعمال القلب ~~والبدن والمال { في الأيام } ولما كان سبحانه قد ضمن كل ما يشتغل به ~~الإنسان من مصالح دنياه فهو واصل إليه لا محالة وإن فرغ أوقاته كلها ~~لعبادة ربه قال: { الخالية * } أي الماضية في الدنيا التي انقضت وذهبت ~~واسترحتم من تعبها والتي لا شاغل فيها عن العبادة. إما بترك الاشتغال ~~بالمعاش للواصل إلى درجة التوكل، وإما بالسعي على وجه الاقتصاد بقصد ~~المساعدة للعباد في أمور هذه الدار والإفضال عليهم وإن لا يكون كلا ~~عليهم من غير اعتماد على السعي بل امتثالا للأمر مع القناعة بالكفاف. ### || [69.25-33] # ولما كانت العادة جارية بأن أهل العرض ينقسمون إلى قسمين: مقبول ومردود، ~~وذكر سبحانه وتعالى المقبول بادئا به تشويقا إلى حاله وتغبيطا بعاقبته ~~وحسن مآله، أتبعه المردود تنفيرا عن أعماله بما ذكر من قبائح أحواله ~~فقال: { وأما من } ولما كان الدال على المساءة الإيتاء على وجه قبيح، لا ~~تعيين المؤتي، قال ms5258 بانيا للمفعول لذلك وللدلالة على ذل الأخذ وعدم قدرته ~~على الامتناع عن شيء يسوءه: { أوتي كتابه } أي صحيفة أعماله - أعاذنا ~~الله من ذلك { بشماله فيقول } أي لما يرى من سوء عاقبته التي كشف له عنها ~~الغطاء حتى لم يشك فيها لما يرى من قبائحه التي قدمها، وكل ما يأتي مما ~~يوهم سكتة في ذلك اليوم فمن باب المكابرة والمدافعة بالباطل على ما كان ~~عليه في الدنيا { يا ليتني } تمنيا للمحال، وجرى عن نسق ما مضى في ~~البناء للمفعول الدال على ذله وعدم جبلته فقال: { لم أوت } أي من مؤت ما ~~{ كتابيه * } أي هذا الذي ذكرني بخبائث أعمالي وعرفني جزاءها { ولم } أي ~~ويا ليتني لم { أدر } ولو حاولت الدراية { ما } أي حقيقة { حسابيه * } من ~~ذكر العمل وذكر جزائه، بل استمريت جاهلا لذلك كما كنت في الدنيا. ولما ~~تمنى هذين الشيئين، استأنف مراده بهما فقال لأنه رأى أن ما يستقبله شر ~~مما كان فيه من البرزخ: { يا ليتها } أي الموتة التي منها { كانت القاضية ~~* } أي الباتة الجازمة الملزمة لدوام الموت الخاتمة عليها حتى لا يكون ~~بعدها بعث ولا شيء غير الموت كما كنت أعتقد في الدنيا؛ قال الإمام ~~الرازي: وفي الحديث # " تمنوا الموت " # أي إذ ذاك ولم يكن في الدنيا شيء أكره منه عندهم. # ولما كان التمني مفهما لأنه كان له ضد ما تمناه من البعث على ما كانت ~~تخبره به الرسل ومن الحساب الذي هو سر البعث وخالصه، وقد كان يقول: إنه ~~يتخلص منه، على تقدير كونه، بماله وجاهه قال معللا لتمنيه: { ما أغنى } ~~نافيا تأسفا على فوات ما كان يرجو من نفعه، والمفعول على هذا التقدير ~~محذوف للتعميم، أو مستفهما استفهام إنكار على نفسه وتوبيخ حيث سولت له ~~ما أثمر له كل سوء وكل محال منازعة للفطرة الأولى المؤيدة بما أخبرت به ~~الرسل حتى أوقعه ذلك التسويل في الهلكة { عني ماليه * } أي الذي منعت منه ~~حق الله وتعظمت به على عباده. وهذا النفي للإغناء سائغ مفهوم على كل من ~~تقريري ms5259 النفي والاستفهام. # ولما كان المال سبب الوصول إلى السلطان، قال نافيا لما أوصله إليه ماله ~~شارحا لعدم إغنائه، { هلك عني } أي مجاوزا لي حتى كأني لم أكن فيه ساعة ~~قط { سلطانيه * } أي تسلطي على الدعاة إلى الله بالشبه الباطلة التي كان ~~يطلق اللسان بها فأساعده عليها مع ظهور بطلانها الملك الذي أوصل إليه ~~المال فعاد لأن ذلك الملك الأعظم هلك والمساعد أبعد مباعد. # ولما كان كأنه قيل: هذا ما قال، فما يقال؟ أجيب بأنه يقال للزبانية ~~تعذيبا لروحه بالتوبيخ والأمر بالتعذيب على رؤس الأشهاد: { خذوه } أي ~~أيها الزبانية الذين كان يستهين بهم عند سماع ذكرهم. # ولما كان الأخذ دالا على الإهانة الناشئة عن الغضب، سبب عنه قوله: { ~~فغلوه * } أي اجمعوا يديه إلى عنقه ورجليه من وراء قفاه إلى ناصيته. # ولما كان الغل لما بعده من العقاب، قال معظما رتبة عقابه في الشدة ~~والهول بالتعبير بأداة التراخي: { ثم الجحيم } أي النار العظمى التي تجمح ~~على من يريد دفاعا وتحجم عنها من رآها لأنها في غاية الحمو والتوقد ~~والتغيظ والتشدد { صلوه * } أي بالغوا في تصليته إياها وكرروها لغمسه في ~~النار كالشاة المصلية مرة بعد أخرى ولا تصلوه في أول أمره غيرها لأنه كان ~~لا يألو جهدا أن يحرق قلوب النصحاء بأشد ما يقدر عليه من الكلام وغيره، ~~وكان يتعظم على الضعفاء، فناسب أن يصلي أعظم النيران، وعبر أيضا بأداة ~~التراخي لعلو رتبة مدخولها، فقال مؤذنا بعدم الخلاص: { ثم في سلسلة } أي ~~عظيمة جدا لا ما هو دونها. # ولما قدمها دلالة على الاهتمام بها وعلى تخصيصها لشدة مخافتها، عرف ~~بعظيم هولها وشدة فظاعتها ليجتمع المفهوم والمنطوق على تهويلها فقال: { ~~ذرعها } أي في أي شيء فرضت من طول أو عرض { سبعون ذراعا } يحتمل أن ~~يكون هذا العدد حقيقة، وأن يكون مبالغة، والذي يدل على أنها للمبالغة ما ~~رواه الترمذي - وقال: إسناده حسن - عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " لو أن رصاصة مثل هذه - وأشار ms5260 إلى مثل الجمجمة - وأرسلت من السماء إلى ~~الأرض - وهي مسيرة خمسمائة سنة - لبلغت الأرض قبل الليل، ولو أنها أرسلت ~~من رأس السلسلة لسارت أربعين خريفا الليل والنهار قبل أن تبلغ أصلها ~~وقعرها " # وأشار سبحانه إلى ضيقها على ما تحيط به من بدنه بتعبيره بالسلك فقال: { ~~فاسلكوه * } أي أدخلوه بحث يكون كأنه السلك - أي الحبل - الذي يدخل في ~~ثقب الخرزة بعسر لضيق ذلك الثقب إما بإحاطتها بعنقه أو بجميع بدنه بأن ~~تلف عليه فيصير في غاية الضنك والهوان لا يقدر على حركة أصلا، وهذا ~~تعذيب القالب لأنه أفسد القلب بعدم الإيمان والقالب بعدم الأعمال. # ولما ذكر على الإجمال عقابه أتبعه أسبابه، فقال بادئا بأعظمها مؤكدا ~~لأن كل كافر حتى المعطل يقر بالله تعالى نوع إقرار ويدعي الإيمان به نوع ~~ادعاء، لأنه لا يقدر على غير ذلك لما له سبحانه من غلبة الظهور وانتشار ~~الضياء والنور: { إنه كان } أي جبلة وطبعا وإن أظهر شيئا يلبس به على ~~الضعفاء ويدلس على الأغنياء { لا يؤمن } أي الآن ولا في مستقبل الزمان { ~~بالله } أي الملك الأعلى الذي يعلم السر وأخفى. # ولما كانت عظمة الملك موجبة لزيادة النكال لمن يعانده على قدر علوها، ~~وكان الذي أورث هذا الشقي هذا الخزي هو تعظمه على أمر الله وعباده، أشار ~~إلى أنه لا يستحق العظمة غيره سبحانه فقال: { العظيم * } أي الكامل ~~العظم. ### || [69.34-40] # ولما بين عناده للملك الأعظم بإفساده القوة العلمية بين ما يوجبه الكفر ~~من احتقاره للضعفاء إفسادا للقوة العملية إعلاما بأنه مكلف بفروع ~~الشريعة كما أنه مكلف بأصولها، وبيانا لأن عناده لمن فوقه لرداءة طبعه ~~لا لعلو همته، فقال معظما لهذا الذنب لجعله في سياق الكفر وبالتعبير ~~بالحض مشيرا به إلى أن فاعل ذلك شديد الاستغراق في حب الدنيا لأنه لا ~~يمنعه من حث غيره على الخير إلا ادخاره لنفسه: { ولا يحض } أي يحمل ويحث ~~{ على } بذل { طعام } أو إطعام { المسكين * } أي تسهيله بإعانته عليه إن ~~كان موجودا، والسؤال في بذله وما يقوم مقامه إن كان مفقودا، ms5261 فكيف ~~بالبذل من عنده، فإن ذلك لا يحمل عليه إلا الإيمان لخلوه عن حظ، والتقييد ~~يفهم أنه يحث على خدمة الأكابر الجبابرة ويحب العكوف على أبوابهم ~~والإضافة مع التعبير بالطعام دون الإطعام تشعر بأن الفقراء يملكون ~~كفايتهم من أموال الأغنياء، فدل ذلك على أنه مع كفره هو أشنع صفات الباطن ~~في غاية الشح والقساوة وعدم المروءة للإعراض عن أسباب التمدح وعن التنزه ~~عن سوء القالة وقبيح الذكر، وذلك أشنع الرذائل، فلذلك خصص هذين الأمرين، ~~وكان أبو الدرداء رضي الله عنه يحض على طعامهم ويقول: خلعنا نصف السلسة ~~بالإيمان أفلا نخلع الآخر - يعني بالحث على الإطعام، وذمه على الاستهان ~~بالمساكين يفهم الذم على الاستهانة بمن هم دونهم ممن هو أسوأ حالا منهم ~~بطريق الأولى. # ولما وصفه سبحانه وتعالى بأقبح العقائد وأشنع الرذائل، سبب عنهما في ~~مقابلة إفساد القوتين العلمية قوله: { فليس له اليوم } ولما ذكر الزمان ~~المتعقب للبعث، ذكر المكان الكائن فيه وهو الدار الآخرة فقال: { ههنا } ~~أي في مجمع القيامة كله { حميم * } أي صديق خالص يحترق له ويحميه من ~~العذاب لأنهم كلهم له أعداء كما أنه هو كان لا يرق على الضعفاء فيما هم ~~فيه من الإقلال من حطام الأموال. # ولما نفى عنه الجاه لانسلاخه من حزب الملك الولي الودود، وتحيزه إلى حزب ~~الشيطان العدو الجحود، أتبعه المقصود بالمال الذي تنشأ عنه جميع ~~الاستمتاعات ويقصد عنده الاجتماع والأنس بالأصحاب لإخلاده إلى ماله ~~وإعراضه عن عيال الملك لأجل ضعفهم الذي وهبه المال وأمره بمواساتهم فيه ~~فقال: { ولا طعام } ولما كان الاستثناء معيارا للعموم قال: { إلا من ~~غسلين * } أي غسالة أهل النار من فيحهم وصديدهم، فعلين من الغسل، ويلزم ~~من هذا الطعام أن يكون تحت غيره ليسيل ماء غسالته إليه. # ولما حصر طعامهم فيما لا يقربه أحد باختياره، حصر من يتناوله معبرا ~~عنهم بالوصف الذي أوجب لهم أكله فقال: { لا يأكله } وفرغ الاستثناء ~~تنبيها على أن المستثنى هو المقصود حتى كأنه لا مستنثى منه فقال: { إلا ~~الخاطئون * } أي يأكله المتعمدون للخطايا لا ms5262 غيرهم، وهو من خطأ الرجل ~~بوزن فرح مهموزا - إذا تعمد الذنب، وأما المخطىء فهو من قصد الخير فلم ~~يصبه بغير تعمد { فليس عليكم جناح فيما أخطأتم به } أي أردتم الصواب فلم ~~تصيبوه، وهذا الطعام يغسل ما في بطونهم من الأعيان والمعاني التي بها ~~قوام صاحبها، وهو بمنزلة ما كانوا يشحون به من أموالهم التي أبطنوها ~~وادخروها في خزائنهم واستأثروا بها على الضعفاء. # ولما ذكر سبحانه وتعالى الحاقة التي جعلها دار الحساب للمحسن والمسيء ~~اللذين قسمتهما القدرة واقتضتهما الحكمة، وصوب إليهما القرآن الذي هو ذكر ~~للعالمين بالوعد والوعيد والبشارة والتهديد، ومن المعلوم ببديهة العقل ~~أنه لا يصح أصلا في حكمة أحد أن يترك من تحت يده هملا لا سيما إن كان ~~تقدم إليهم بالأمر والنهي، وأقام الدليل على قدرته عليها بتعذيب من ~~استأصلهم لأجل تكذيب رسله ليكون عذابهم وتنجية المحسنين منهم مثلا ~~محسوسا تشهد فيه الحاقة، لأن من قدر على ذلك كانت له القدرة التامة على ~~كل ممكن، وذكر ما دلت الحكمة عليه من تنعيم الطائع وتعذيب العاصي بما هو ~~أنسب الأشياء لعمل كل منهما في هذه الأساليب المعجزة مفردات وتراكيب ~~ومعاني، فدل ذلك على آخر سورة " ن " عاد إلى تقريره بوجه آخر، وهو أنه ~~لتمام علمه وكمال قدرته لا يقرر من كذب عليه على كذبه فضلا عن أن يؤيده، ~~فقال مسببا عن ذلك حين بلغ الأمر في الوضوح إلى النهاية، ذاكرا ما هو ~~أبلغ من القسم لأن بعض أهل الجدل إذا حجه خصمه يقول: إنما غلبتني بأنك ~~أتقن مني في الجدل بالحق، فإن الحق معي، فيحلف له صاحبه أنه ما غالطه ولا ~~تعمد في جدله إلا الحق، { فلا أقسم } أي لا يقع مني إقسام { بما } أي ~~بمجموع ما { تبصرون * } أي لكم أهلية إبصاره من كل ما دخل في عالم ~~الشهادة { وما لا تبصرون * } أي ما ليس لكم في هذا الدار أهلية إبصاره، ~~وذلك جميع الموجودات واجبها وجائزها معقولها ومحسوسها، لأن الأمر أوضح من ~~أن يحتاج إلى إقسام وإن كنت أقسم ms5263 في غير هذا الموضع بما شئت من أفراد هذا ~~المجموع. # ولما أكد غاية التأكيد بما قال من أن الأمر وصل في الوضوح إلى حد لا ~~يحتمل التأكيد، فكان ذلك تأكيدا بعدم التأكيد، استأنف الخبر عما أخبر ~~أنه لا يحتاج إلى إقسام بإثبات أداة التأكيد لأجل إنكارهم ليكون الكلام ~~جامعا بين التأكيد بالنفي وبين التأكيد بالإثبات فقال: { إنه } أي هذا ~~الذي ختمت به سورة " ن " ودل على الساعة بما أتى به من هذه الأساليب التي ~~هي مع كونها حكيمة معجزة { لقول } أي تلاوة { رسول } أي أنا أرسلته وعني ~~أخذه، وليس فيه شيء من تلقاء نفسه إنما هو كله رسالة واضحة جدا، أنا ~~شاهد بها بما له من الإعجاز الذي يشهد أنه كلامي. # ولما كان من شأن الرسول أن لا يبلغ إلا ما أرسله به مرسله، وكان بعض ~~الرسل ربما زاد أو نقص تعمدا أو سهوا، أخبر أن له صلى الله عليه وسلم ~~من الوصف ما يحفظه فقال: { كريم * } أي هو في غاية الكرم الذي هو البعد ~~عن مساوىء الأخلاق بإظهار معاليها لشرف النفس وشرف الآباء فهو لا يزيد ~~ولا ينقص، وكرم الشيء اجتماع الكمالات اللائقة به فيه. ### || [69.41-46] # ولما أثبت أنه قوله سبحانه وتعالى لأنه قول رسوله صلى الله عليه وسلم ~~لنا وهولا ينطق عن الهوى، نفى عنه ما يتقولونه عليه، فبدأ بالشعر وهو ما ~~يقوله الإنسان من تلقاء نفسه على وزن مقصود صدقا كان أو كذبا، ولا بد ~~فيه للتقيد بالوزن والقافية من التكلف الذي القرآن بعيد عنه، وهو مع ~~مشاركته للسجع في التكلف الناقص للمعنى أعلى منه بالوزن الذي يكسبه ~~الرونق والحلاوة فقال: { وما هو } أي هذا الذكر في باطن أمره ولا ظاهره، ~~وأكد النفي فقال: { بقول شاعر } أي يأتي بكلام مقفى موزون بقصد الوزن، ~~وإنما قيل أنه ليس بقول من هو كذلك لأنه، لا يوافق الوزن فيه إلا أماكن ~~نادرة بالنسبة إلى مجموع القرآن، ومن المقطوع به أن ذلك لا يرضى به شاعر ~~وهو أنه ينصب نفسه منصب ms5264 النظم والارتهان بعهدة الوزن، ثم يأتي بكلام ~~أكثره غير موزون، فعلم قطعا أن الذي وافق الوزن فيه غير مقصود فليس ~~بشعر. # ولما كانت مخالفة القرآن للشعر خفية من حيث أنه لا يعرف ذلك إلا الشعراء ~~وهم قليل في الناس، والأغلب لا يعرفون ذلك، ختم الآية بالإيمان الذي هو ~~التصديق بالغيب فقال تعالى: { قليلا ما تؤمنون * } أي ما توجدون التصديق ~~الذي هو الإيمان إلا إيجادا أو زمانا قليلا، وذلك لأني قد أخبرتكم ~~بذلك في غير موضع فلم تصدقوا وفيكم شعراء كثير يعرفون معرفة تامة أنه ~~مخالف للشعر، وقد أخبركم بعضهم بذلك كالوليد بن المغير وعتبة ابن ربيعة ~~وغيرهما ثم لا تتبعون ذلك ثمرته، وهو الإيمان بالله ورسوله، وإيمانهم ~~القليل إقرار من أقر من شعرائهم أنه ليس بشعر، وإخلاصهم بالوحدانية عند ~~الاضطرار وإفرادهم الخالق بالخلق والربوبية، وهو إيمان لغوي لا شرعي، ~~ولما كان من يعرف الشعر يعرف النثر فهو أعلى فقدمه، أتبعه النثر فقال: { ~~ولا بقول كاهن } وهو المنجم الذي يخبر عن أشياء يوهمها لرئي يخبره بذلك، ~~وأغلبها ليس لها صحة، وعبارته عن ذلك بالسجع المتكلف المقصود كونه سجعا ~~الذي يكون المعنى فيه تابعا للفظ للتحلية بمشاكلة المقاطع. # ولما كانت مباينة القرآن للسجع خفية جدا لما فيه من الفواصل في الأغلب ~~وتركها في البعث فارق لأن الساجعين لا يرضون أن يأتوا بقرينة لا أخت لها ~~ويعدون ذلك وعيا عيبا رديئا، وكذا تطويل السجعة عن قرينتها وتضعيفها ~~على عديلتها لا يرضى به ساجع ولو أنه هاجع، ومباينة النبي صلى الله عليه ~~وسلم للكهنة ظاهرة جدا، فإن الكاهن من ينصب نفسه للدلال على الضوائع ~~والإخبار بالمغيبات يصدق فيها تارة ويكذب كثيرا، ويأخذ الجعل على ذلك، ~~ويقتصر على من يسأله، فعبر لذلك ب " كاهن " دون " ساجع " أدار أمره على ~~التفكر فقال: { قليلا ما } وأكد أمر القلة والخفاء بإدغام تاء التفعل ~~فقال تعالى: { تذكرون * } فلذلك يلتبس عليكم الأمر أو على من تلبسون عليه ~~بذلك، فعلم أن الذي يفرق بينهما موجود فيهم لأنه يرى أن الكتاب تابع ms5265 ~~للمعنى الصحيح الثابت، فإن صح غاية الصحة مع وجود القرائن المتوافقة في ~~الروي كان وإلا انتقل عن ذلك إلى قرائن غير متوافقة في روي ولا ما ~~يقاربه، أو قريبة مفردة مع إمكان جعلها كما قبلها لكن مع نقصان المقصور ~~وطول الكلام ونحو ذلك، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يدع يوما من ~~الأيام علم الغيب ولا نصيب نفسه الشريفة لشيء مما الكهان فيه ولا نقل في ~~ساعة من الدهر عن الجن خبرا ذكر أنه استفاده منهم ولا مدحهم لذلك كما ~~تفعل الكهان، بل ذم الفاسقين منهم غاية الذم وقال: إن أكثر ما يأتون به ~~الكذب، ولا سأل جعلا عما يدعو إليه ولا اقتصر على من يأتيه للسؤال، بل ~~هو صلى الله عليه وسلم يتبع الناس في مجامعهم يدعوهم إلى الله بإنقاذهم ~~نم الضلال فمباينته للكهان لا يحتاج إلى غير تذكر قليل - كما أشار إليه ~~إدغام تاء التفعل - فثبت أن القول ليس بكهانة، وقائله والمؤدي له ليس ~~بكاهن، ونسبة القول إلى المبلغ لكونه مبلغا واضحة الصحة. # ولما أثبت أنه قول الرسول الذي لا ينطق عن الهوى، ونفى عنه ما قد يلبس ~~من الشعر والكهانة، ولم يذكر ما كانوا يرمونه به من السحر والأضغاث لأنه ~~عتاد محض لا يرتاب أحد فيه، وكانت السورة مقصودا فيه إثبات الحقائق التي ~~قد تخفى، وصفه بما يحقق ما أريد من نسبته إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ~~فقال: { تنزيل } أي على وجه التنجيم وأشار إلى إرساله إلى جميع الخلق من ~~أهل السماوات والأرض بقوله: { من رب العالمين * } أي موجدهم ومدبرهم ~~بالإحسان إليهم بما يفهم كل منهم من هذا الذكر الذي رباهم به، ورتب ~~سبحانه نظمه على وجه سهله على كل منهم شيئا يكفي في هدايته البيانية ~~بخلاف الشعر والكهانة فإنه لا يفهمهما إلا قليل من الناس لا جميع ~~العالمين، بل كثير من أكابر العلماء وحذاقهم ربما قرىء على أحد منهم الآن ~~القصيدة من قصائد العرب فلا يفهم المراد منها ولا يتضح له بوجه. # ولما كان ms5266 قد بقي من الأقسام التي كانوا يتقولونها عليه الافتراء في ~~الرسالة بمعنى أنه عثر على بعض كتب الله تعالى التي نزلت على من قبله من ~~الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فانتحلها من غير أن يوحى إليه، وكان ~~الدليل على أن ذلك ليس كذلك أن العادة تحيل أن يطلع شخص من الناس على شيء ~~لم يطلع أحد منهم ولا سيما إن كان ذلك الشخص قليل المخالطة للعلماء فكيف ~~إذا كان أميا لا يكتب ولا يقرأ كما كان صلى الله عليه وسلم، قال عاطفا ~~على ما تقديره: فلو لم يكن تنزيل رب العالمين عليه لم يعجزوا عنه: { ولو ~~تقول } أي كلف نفسه أن يقول مرة من الدهر كذبا { علينا } على ما لنا من ~~صفات العظمة والجلال والبهاء والكمال والكبرياء { بعض الأقاويل * } التي ~~لم نقلها أو قلناها ولم نأذن له فيها، وهو جمع أفعولة من القول كالأضاحيك ~~جمع أضحوكة، لا جمع أقوال، ليكون جمع الجمع، لأنه يلزم عليه أن لا يعاقب ~~بما دون ثلاثة أقوال { لأخذنا } أي بعظمتنا أخذ قوة وغضب وقهر وإهلاك، ~~وأكده للإعلام بشدة الغضب من الكذب وشدة قبحه. # ولما كان أخذه أخذا يتلاشى عنده كل أخذ لأن من افترى على الملوك لا ~~يفعل به إلا ذلك قال: { منه } أي خاصة { باليمين * } أي التي هي العضو ~~الأقوى منه فيها يكون بطشه فنذهبه بشدة بطشنا، أو اليمين منا، فيكون ~~كناية عن أخذنا له بغاية القوة، فإن قوة كل شيء في ميامنه، وقيل: إذا ~~أراد الملك إهانة شخص قال: خذه يا فلان، فيأخذه بيمينه، فهو كناية عن ~~الإذلال، وقيل: هذا تصوير قتل الصبر بأشنع صورة، فإن الملك إذا أراد ~~التخفيف على من يقتله أمر السياف فأخذ يساره بيساره، وضرب بالسيف من ~~ورائه لأن العنق من خلف أوسع فيكون أسرع قطعا ولا يرى المقتول لمع ~~السيف، وإن أراد التعذيب والمبالغة في الإهانة أخذ يده اليمنى بيده ~~اليسرى وضربه وهو مستقبل له يرى لمع السيف، وربما وقعت الضربة لضيق ~~المجال من قدام في حنكه فيحتاج إلى ms5267 ثانية وثالثة فهو أفحش. # ولما صور مبدأ الإهلاك بأفظع صورة، أتمه مشيرا إلى شدة بشاعته بحرف ~~التراخي فقال: { ثم لقطعنا } حتما بلا مثنوية بما لنا من العظمة قطعا ~~يتلاشى عنده كل قطع { منه الوتين } أي العرق الأعظم في العنق الثابت ~~الدائم المتين الذي يسمى الوريد، وهو بين العلباء والحلقوم، وعن ابن عباس ~~رضي الله عنهما أنه نياط القلب، وفي القاموس: عرق في القلب إذا انقطع مات ~~صاحبه - انتهى. واختير التعبير به لأن مادته بهذا الترتيب تدور على ~~المتانة والدوام، فلذا كان يفوت صاحبه بفواته، وقال ابن برجان: عرق متصل ~~بنياط القلب مستبطن للصلب يملأ الجسد كله تسقيه الكبد وهي بيت الدم وهو ~~يجري منها الدم في البدن يأخذ منه ستون عرقا هي أنهار الدم في الجسد ~~كله، من هذه الأنهار تأخذ الجسد ثمانية عشر تسقي الصدر، وسبعة تسقي ~~العين، وأربعة تسقي الدماغ، والوتين من مجمع الوركين إلى مجمع الصدر بين ~~الترقوتين، ثم ينقسم عنه سائر العروق إلى سائر الجسد، ولا يمكن في العادة ~~الحياة بعد قطعه، وفي المائدة عند قوله # والله يعصمك من الناس # [المائدة: 67] ما ينفع هنا. ### || [69.47-52] # ولما أتم تصوير ما يفعله الملوك بمن يغضبون عليه من أن يأخذ السيئات أو ~~أعوانه بيمينه ويكبحه كالسيف فيضربه عنقه، سبب عنه قوله إتماما لعظمته ~~بقوله: { فما منكم } أي أيها الناس، وأعرق في النفي فقال: { من أحد عنه } ~~أي القتل أو المقتول المنقول، ولما كان " أحد " عاما حقق عمومه واصفا ~~له، وأخبر عن " ما " على لغة الحجاز بقوله: { حاجزين * } أي يكون حاجزا ~~جزما كثيفا مانعا من الوصول إليه فلا غرض يتعلق من عاقل أن ينصح لأحد ~~بنصيحة تعود إلى المنصوح وحده بالنفع ولاحظ للقائل فيها بكذب يكلف نفسه ~~تقوله على ملك لا يقدر ذلك المنضوح أن يحميه من عقوبته على ذلك الكذب، ~~واختار الإخبار بالجمع لأنه يدل على عدم حجز الفرد من باب الأولى و " ~~منكم " حال لتقدمه، وهذا كله كناية على أبلغ الوجوه عن أن هذا الذكر كلام ~~الله لا ms5268 شبهة فيه بوجه، مضموما ذلك إلى وجوه إعجازه، فإن " لو " لامتناع ~~الثاني لأجل امتناع الأول، فالتقدير كما يقال في القياس الاستثنائي: لكنا ~~لم نأخذه هذا الأخذ فثبت أنه ما تقول علينا شيئا، فثبت أن ما قال كلامنا ~~ثبوتا تاما بالبرهان على وجه لا يرام نقضه. # ولما كان هذا كناية عن هذا من غير نظر إلى حقائق مفرداته ولا معنى شيء ~~منها على انفراده، فكان كأنه قيل: تنزيل من رب العالمين غير متخيل فيه ~~الكذب بوجه، عطف على ذلك قوله: { وإنه } أي القرآن بعد أن كان ذكرا ~~لجميع العالمين { لتذكرة } أي مذكر عظيم جدا { للمتقين * } أي من ~~العالمين لأنهم المنتفعون به لإقبالهم عليه إقبال مستفيد. # ولما علم من هذا أنه سبحانه عالم بقسمي المسيء والحسن ظواهرهم وبواطنهم، ~~صرح بالقسم الآخر، فقال مؤكدا لأجل إنكار الضلال: { وإنا } أي بما لنا ~~من العظمة { لنعلم } أي علما عظيما محيطا { أن منكم } أيها الأرضيون ~~السفليون الذين ليس لهم أهلية العلو إلى تجريد الأرواح عن علائق الجسد ~~الكثيفة { مكذبين * } أي عريقين في التكذيب فأنزلنا الكتب وأرسلنا الرسل ~~ليظهر منكم إلى عالم الشهادة منها ما كنا نعمله في الأزل غيبا من تكذيب ~~وإيمان فتستحقون بذلك العقاب أو الثواب، فلذلك وجب في الحكمة التي لا ~~يكذب بها أحد ولا يشك في أنها خاصة الملك المظهرة للكمال أن يعيد الخلق ~~إلى ما كانوا عليه من أجسامهم قبل الموت لنحكم بينهم فنجازي كلا بما ~~يليق به إظهارا للعدل. # ولما كان سبب التكذيب ستر ما تجليه مرائي العقول من الدلائل، وكان ~~التقدير: فإنه بشرى للمؤمنين، ولكنه طواه لأن السيق للتهديد بالحاقة، عطف ~~عليه قوله مؤكدا لما لهم من التكذيب به، { وإنه } أي القرآن العظيم { ~~لحسرة } أي بما يرى من تأويله في الدنيا والآخرة { على الكافرين * } أي ~~العريقين في الكفر لكونهم كذبوا به لما يظهر لهم من جزائهم وجزاء ~~المؤمنين. # ولما كان كل من الفريقين يذوق جزاءه في الآخرة، ه وكان كل أحد سمع ~~القرآن ذاق أنه لا يقدر على الإتيان بشيء ms5269 يماثله ولا يدانيه، قال مؤكدا ~~تنزيلا لهم في عداد الجاهلين: { وإنه } أي القرآن أو الجزاء في يوم ~~الجزاء { لحق اليقين * } أي الأمر الثابت الذي يذاق فيصير لا يقبل الشك ~~فهو يقين مؤكد بالحق. من إضافة الصفة إلى الموصوف، وهو فوق علم اليقين، ~~وفي ذلك إشارة إلى أن العبد ينبغي له أن يتحقق لذلك معرفة الحق فيكون ~~مشاهدا للغيوب كمشاهدة المرئيات لما يشاهد من أمثالها، فأمر البعث يشاهد ~~كل يوم في الليل والنهار وفي العام في النبات وغير ذلك. # ولما كان البعث لهذا المقصد من أعظم الكمال، وكان عدمه موجبا للنقص، ~~سبب عن كلا الأمرين إشارة وعبارة قوله آمرا بعد الإخبار في أول ~~المسبحات: { فسبح } أي أوقع التنزيه الكامل عن كل شائبة نقص { باسم } أي ~~بسبب علمك بصفات { ربك } أي الموجد والمربي لك والمحسن إليك بأنواع ~~الإحسان { العظيم * } الذي ملأت الأقطار كلها عظمته، وزادت على ذلك بما ~~شاءه سبحانه مما لا تسعه العقول لا سيما عن قولهم: لن يعيدنا، فإنه ~~سبحانه وتعالى قادر على ذلك لا يعجزه شيء، وقد وعد بذلك وهو صادق الوعد، ~~وعدم البعث مخل بالحكمة لظلم أكثر الناس، وفيه إشارة إلى المتاركة، ~~وتعجيب من حالهم في تصميمهم على الكذب والعناد، والجلد على الجدل ~~والفساد، فقد رجع آخر السورة على أولها بإحقاق الحاقة لنفي ما وقع الخبط ~~فيه في دار الاحتجاب بالأسباب من مواقع النقص ومظنات اللبس، فيثبت الحق ~~وينفي الباطل فيفرق بين المحسن والمسيء والسعيد والشقي، فيحق السلام لحزب ~~الرحمن، ويثبت الهلاك لأصحاب الشيطان، ويظهر اسمه الظاهر لكل مؤمن وكافر، ~~إن في ذلك لعبرة لأولي الألباب والله الهادي. ### | [70 - سورة المعارج] ### || [70.1-5] # لما ختم أمر الطامة الكبرى في الحاقة حتى ثبت أمره، وتساوى سره وجهره، ~~ودل عليها حتى لم يبق هناك نوع لبس في وجوب التفرقة في الحكمة بين المحسن ~~والمسيء، وختم بأن ترك ذلك مناف للكمال فيما نتعارقه من أمور العمال بعد ~~أن أخبر أنه يعلم أن منهم مكذبين، وكان السائل عن شيء يدل على أن السائل ms5270 ~~ما فهمه حق فهمه، ولا اتصف بحقيقة علمه، عجب في أول هذه ممن سأل عنها ~~فقال: { سأل } ودل على أنه لو لم يسأل عنها إلا واحد من العباد لكان ~~جديرا بالتعجب منه والإنكار عليه بالإفراد في قوله: { سائل } وهو من ~~السؤال في قراءتي من خفف بإبدال الهمزة ألفا ومن همز. # ولما كان سؤالهم من وقت مجيء الساعة والعذاب وطلبهم تعجيل ذلك إنما هو ~~استهزاء، ضمن " سأل " استهزاء ثم حذفه ودل عليه بحال انتزعها منه وحذفها ~~ودل عليها بما تعدى به فقال، أو أنه حذف مفعول السؤال المتعدي " بعن " ~~ليعم كل مسؤول عنه إشارة إلى أن من تأمل الفطرة الأولى وما تدعو إليه من ~~الكمال فأطاعها فكان مسلما فاضت عليه العلوم، وبرقت له متجليه أشعة ~~الفهوم، فبين المراد من دلالة النص بقوله: { بعذاب } أي عن يوم القيامة ~~بسبب عذاب أو مستهزئا بعذاب عظيم جدا { واقع * } وعبر باللام تهكما ~~منهم مثل { فبشرهم بعذاب } فقال: { للكافرين } أي الراسخين في هذا الوصف ~~بمعنى: إن كان لهم في الآخرة شيء فهو العذاب، وقراءة نافع وابن عامر ~~بتخفيف الهمزة أكثر تعجيبا أي اندفع فمه بالكلام وتحركت به شفتاه لأنه ~~مع كونه يقال: سال يسأل مثل خاف يخاف لغة في المهموز يحتمل أن يكون من ~~سأل يسأل، قال البغوي: وذلك أن أهل مكة لما خوفهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم بالعذاب قالوا: من أهل هذا العذاب ولمن هو؟ سلوا عنه، فأنزلت. # ولما أخبر بتحتم وقوعه علله بقوله: { ليس له } أي بوجه من الوجوه ولا ~~حيلة من الحيل { دافع * } مبتدىء { من الله } أي الملك الأعلى الذي لا ~~كفؤ له فلا أمر لأحد معه، وإذا لم يكن له دافع منه لم يكن دافع من غيره ~~وقد تقدم الوعد به، ودلت الحكمة عليه فتحتم وقوعه وامتنع رجوعه. # ولما كان القادر يوصف بالعلو، والعاجز يوصف بالسفول والدنو، وكان ما ~~يصعد فيه إلى العالي يسمى درجا، وما يهبط فيه إلى السافل يسمى دركا، ~~وكانت الأماكن كلها بالنسبة إليه سبحانه على حد سواء، ms5271 اختير التعبير بما ~~يدل على العلو الذي يكنى به عن القدرة والعظمة، فقال واصفا بما يصلح ~~كونه مشيرا إلى التعليل: { ذي المعارج * } أي الدرج التي لا انتهاء لها ~~أصلا - بما دلت عليه صيغة منتهى الجموع وهي كناية عن العلو، وسميت بذلك ~~لأن الصاعد في الدرج يشبه مشية الأعرج، وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما ~~أنها السماوات، ودل على ما دلت عليه الكثرة مع الدلالة على عجيب القدرة ~~في تخفيفها على الملائكة بقوله: { تعرج الملائكة } أي وهم أشد الخلق ~~وأقدره على اختراق الطباق، والإسراع في النفوذ حتى يكونوا أعظم من لمح ~~البرق الخفاق { والروح } أي جبريل عليه السلام، خصه تعظيما له، أو هو ~~خلق هو أعظم من الملائكة، وقيل: روح العبد المؤمن إذا قبض { إليه } أي ~~محل مناجاته ومنتهى ما يمكن من العلو لمخلوقاته، وعلق بالعروج أو بواقع ~~قوله: { في يوم } أي من أيامكم، فيه آدميا { خمسين ألف } وبين المشقة في ~~صعوده أو الكون فيه إن أريد القيامة بأن قال: { سنة * } ولم يقل: عاما - ~~مثلا، ويجوز أن يكون هذا اليوم ظرفا للعذاب فيكون المراد به يوم ~~القيامة، وأن يكون طوله على الكافر باعتبار ما يلحقه من الغم لشدة ~~المخاوف عليه لأنه ورد أنه يخفف على المؤمن حتى يكون بمقدار صلاة واحدة - ~~انتهى. # وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن المعنى أنه لو ولي الحساب غير الله ~~لم يفرغ منه إلا في هذا المقدار، ويفرغ منه هو سبحانه في نصف يوم من أيام ~~الدنيا، وقال مجاهد والحكم وعكرمة: هو عمر الدنيا من أولها إلى آخرها ~~خمسون ألف سنة لا يدري أحدكم مضى وكم بقي إلا الله، وقد مضى في سورة { ~~ألم السجدة } ما ينفع ههنا. # ولما كان هذا كله تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم عن استعجالهم إياه ~~بالعذاب استهزاء وتكذيبا سواء أريد تصوير العظمة أو العذاب، سبب عنه ~~قوله: { فاصبر } أي على أذاهم ولا ينفك ذلك عن تبليغهم فإنك شارفت وقت ~~الانتقام منهم أيها الفاتح الخاتم الذي لم أبين ms5272 لأحد ما بينت على لسانه، ~~والصبر: حبس النفس على المكروه من الإقدام أو الإحجام، وجماله بسكون ~~الظاهر بالتثبت والباطن بالعرفان { صبرا جميلا * } أي لا يشوبه شيء من ~~اضطراب ولا استثقال، ولا شكوى ولا استعجال، فإن عذابهم ونصرك عليهم لعظمة ~~من أرسلك، فلا بد من وقوعه لأن القدح فيه والتكذيب به قدح فيها، وهذا قبل ~~الأمر بالقتال. ### || [70.6-13] # وقال الإمام أبو جعفر ابن الزبير: لما انطوت سورة الحاقة على أشد وعيد ~~وأعظمه أتبعت بجواب من استبطأ ذلك واستبعده إذ هو مما يلجأ إليه المعاند ~~الممتحن، فقال تعالى: # سأل سائل بعذاب واقع # [المعارج: 1] إلى قوله { إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا } [المعارج: 6 ~~و 7] ثم ذكر حالهم إذ ذاك { يوم يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه ~~} [المعارج: 11] الآية، ثم أتبع بأن ذلك لا يغني عنه ولا يفيده # إنها لظى # [المعارج: 15] ثم ختمت السورة بتأكيد الوعيد وأشد التهديد # فذرهم يخوضوا ويلعبوا # [المعارج: 42] إلى قوله # ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون # [المعارج: 44] ذلك يوم الحاقة ويوم القارعة - انتهى. # ولما كان كونه تعالى، بما تقدم في العظمة، أمرا معلوما بما له من ~~الآثار من هذا الكون وما فيه، وكان استبعادهم لما أخبر به أمرا واهيا ~~ضعيفا سفسافا لا يكاد يصدق أن أحدا يحاول أن يرد به هذه الأمور التي ~~هي في وضوحها كالشمس لا خفاء بها أصلا ولا لبس قال مؤكدا: { إنهم } أي ~~الكفار المكذبين المستعجلين { يرونه } أي ذلك اليوم الطويل أو عذابه { ~~بعيدا * } أي زمن وقوعه، لأنهم يرونه غير ممكن أو يفعلون أفعال من ~~يستبعده { ونراه } لما لنا من العظمة التي قضت بوجوده وهو علينا هين { ~~قريبا * } سواء أريد بذلك قرب الزمان أو قرب المكان، فهو هين على قدرتنا ~~وهو آت لا محالة، وكل آت قريب والبعيد والقريب عندنا على حد سواء. # ولما ذكر عن هذا اليوم ما يبعث على السؤال عنه، استأنف بيانه مبينا ~~عظمته فقال: { يوم } أي يقع حين { تكون السماء } أي التي هي أوثق ما تراه ~~وأصلبه من عظم ما يقع ms5273 فيه من الأهوال { كالمهل * } أي الشيء المذاب من ~~المعادن في مهل أو دردي الزيت { وتكون الجبال } التي هي أشد الأرض وأثقل ~~ما فيها { كالعهن * } أي الصوف المصبوغ ألوانا المنقوش، تطيره الريح ~~كالهباء، وذلك لأن الجبال في أصلها متلونة كما قال تعالى # ومن الجبال جدد وبيض وحمر # [فاطر: 27] الآية، قال البغوي: ولا يقال عهن إلا للمصبوغ، قال: وأول ما ~~تتغير الجبال تصير رملا مهيلا ثم عهنا منفوشا ثم هباء منثورا - ~~انتهى. { ولا يسأل } من شدة الأهوال { حميم حميما } أي قريب في غاية ~~القرب والصداقة قريبا مثله عن شيء من الأشياء لفرط الشواغل ولأنه قد كشف ~~لهم أنه لا تغني نفس عن نفس شيئا، وأنه قد تقطعت الأسباب وتلاشت الأنساب ~~لما كشف الابتلاء عن أنه لا عز إلا بالتقوى - هذا على قراءة الجماعة بفتح ~~الياء وعلى قراءة ابن كثير بالبناء للمفعول المعنى أنه لا يطالب أحد بأحد ~~كما بعض الحكام في الدنيا من أنه يلزم أقارب من قربه لأنه لا حاجة له ~~بذلك، لأن القدرة محيطة بالكل على حد سواء. # ولما كان عدم السؤال قد يكون لعدم رؤية بعضهم بعضا لكثرة الجمع وشدة ~~الزحام وتفرق الناس فيه على حسب مراتب أعمالهم، استأنف الجواب لمن كأنه ~~يقول: لعل ذلك يترك لعدم رؤيتهم لهم؟ فقال دالا بالمجهول والتفعيل على ~~عظمة ذلك التبصير وخروجه عن العادة جامعا لأن المقصود من الحميم الجنس ~~والجمع أدل على عموم التبصير، قال البغوي: وليس في القيامة مخلوق إلا وهو ~~نصب عين صاحبه من الجن والإنس - انتهى، وكان حكمة ذلك أنه أدل على تقطع ~~الأسباب فلا يسأل أحد منهم الآخر عن شيء من أمره لاشتغال كل بنفسه، فعدم ~~السؤال لا للخفاء بل للاشتغال وهم كل إنسان بما عنده: { يبصرونهم } أي ~~يبصرهم مبصر فلا يخفى أحد على أحد وإن بعد مكانه ويفر كل من الآخر لشغله ~~بنفسه، ولما تناهى الإخبار بعظمة ذلك اليوم إلى حد لا تحتمله القلوب، ذكر ~~نتيجة ذلك فقال مستأنفا: { يود } أي يتمنى ويشتهي { المجرم } أي هذا ~~النوع ms5274 سواء كان كافرا أو مسلما عاصيا علم أنه يعذب بعصيانه، وقيد به ~~لأن المسلم الطائع يشفع فيمن أذن له فيه ولا يهمه شيء من ذلك، ودل على أن ~~هذه الودادة مجرد تمن بقوله: { لو يفتدي } أي نفسه { من عذاب يومئذ } أي ~~يوم إذ كانت هذه المخاوف بأعلق الناس بقلبه وأقربهم منه فضلا عن أن يسأل ~~عن أحواله. # ولما كان السياق للافتداء، بدأ بأعزهم في ذلك بخلاف ما يأتي في عبس ~~فقال: { ببنيه * } لشدة ما يرى. # ولما ذكر ألصق الناس بالفؤاد وأعز من يلزمه لنصره والذب عنه، أتبعه ما ~~يليه في الرتبة والمودة وما الافتداء به لا سيما عند العرب من أقبح العار ~~فقال: { وصاحبته } أي زوجته التي يلزمه الذب عنها والكون دائما معها ~~لكونها عديلة روحه في الدنيا. # ولما ذكر الصاحبة لما لها من تمام الوصلة، أتبعها الشقيق الذي لا يلزم ~~من الذب عنه ما يلزم من الذب عن الحريم وربما كان مباينا، فقال: { وأخيه ~~* }. # ولما كان من بقي من الأقارب بعد ذلك متقاربين في الرتبة ذكر أقربهم ~~فقال: { وفصيلته } أي عشيرته الذين هم أقرب من فصل عنه { التي تؤويه * } ~~أي تضمه إليها عند الشدائد وتحميه، لأنه أقرب الناس إليها وأعزهم عليها ~~فهم أعظم الناس حقا عليه وأعزهم لديه. ### || [70.14-21] # ولما كانت هذه الآية في الفدية، قدم الأبعد عن ذلك فالأبعد من جهة النفع ~~والمعرة. ولما كانت آية عبس في الفرار والنفرة، قدم الألصق فالألصق، ~~والأعلق في الأنس فالأعلق. # ولما خص هنا عم فقال: { ومن في الأرض } أي من الثقلين وغيرهم سواء كان ~~فيهم صديق لا صبر عنه ولا بد في كل حال منه أو لا. ولما كان ربما خص ذلك ~~بغيره، قال محققا لإرادة الحقيقة في معنى " من ": { جميعا }. # ولما كان الإنسان تكشف له الأمور هناك أي كشف، وتظهر له أتم ظهور، قال ~~تعالى { فبصرك اليوم حديد } فيعلم أنه لا ينجيه من الخطايا المحيطة ~~المحبطة شيء، دل على الاستبعاد بأداة البعد فقال عاطفا على " يفتدي ": { ~~ثم ينجيه * } أي ثم ms5275 يود لو يكون له بذلك نجاة تتجدد له في وقت من ~~الأوقات. # ولما كان هذا مما قد يطمع في النجاة، فإن بعض الناس يطبع على قلبه ~~فيستغويه الأطماع حتى يعد المحال ممكنا، قال معبرا بمجمع الروادع ~~والزواجر الصوادع: { كلا } أي ليكن للمجرم ردع أي ردع عن وداده هذا ~~وترتب أثره عليه، فإن ذلك لا يكون أبدا بوجه من الوجوه. # ولما كان الإضمار قبل الذكر لتعظيم ذلك المضمر في المهيع الذي هو فيه، ~~لأن ذلك إشارة إلى أنه مستحضر في الذهن لا يغيب أصلا لما للمقام عليه من ~~عظيم الدلالة، قال بعد هذا الردع العظيم عن النجاة بل عن ودادة تمنيها: { ~~إنها } أي النار التي هي سوط الملك المعد لمن عصاه، المهدد في هذا السياق ~~بعذابها، المستولية عليه لتكونه سجنه: { لظى * } أي ذات اللهب الخالص ~~المتناهي في الحر يتلظى أي يتوقد فيأكل بسببه بعضها بعضا إن لم تجد ما ~~تأكله وتأكل ما وجدته كائنا ما كان { نزاعة للشوى * } أي هي شديدة النزع ~~لجلود الرؤوس بليغته فما الظن بغيره من الجلد، وقال في القاموس: الشوى: ~~اليدان والرجلان والأطراف وقحف الرأس وما كان غير مقتل - انتهى، وقيل: ~~والجلد كله واللحم تنزع ذلك ثم يعود كما كان في الحال ليروا التعب الذي ~~كانوا ينكرونه في أنفسهم في كل لحظة. # ولما كان الخلاص غير ممكن من الداعي القادر على الإحضار كنى عن إحضارها ~~إياهم وجذبها لهم بقوله: { تدعوا } ويجوز أن يكون ذلك حقيقة فتقول في ~~الدعاء في نفسها: إلي يا مشرك إلي يا منافق، ونحو ذلك ثم تلتقطهم ~~التقاط الطير للحب { من } أي كل شخص { أدبر } أي من الجن والإنس أي من ~~وقع منه إدبارهما من حقه الإقبال عليه سواء كان ذلك الإدبار عنها أو عن ~~الأعمال التي من شأنها التنجية منها، ولما كان الإدبار قد يكون عن طبع ~~غالب فيكون صاحبه في عداد من يعذر، بين أن الأمر ليس كذلك فقال: { وتولى ~~* } أي كلف فطرته الأول المستقيمة الإعراض عن أسباب النجاة. # ولما كانت الدنيا ms5276 والآخرة ضرتين، فكان الإقبال على إحداهما دالا على ~~الإعراض عن الأخرى، قال دالا على إدباره بقلبه: { وجمع } أي كل ما كان ~~منسوبا إلى الدنيا. # ولما كانت العادة جارية بأن من كانت الدنيا أكبر همه كان همه بجمعه ~~الاكتناز لا الإنفاق، سبب عن جمعه قوله: { فأوعى * } أي جعل ما جمعه في ~~وعاء وكنزه حرصا وطول أمل ولم يعط حق الله فيه، فكان همه الإيعاء لا ~~إعطاء ما وجب من الحق إقبالا على الدنيا وإعراضا عن الآخرة. # ولما كان من أعجب العجب أن يقبل على الدنيا أحد يسمع هذا التهديد بالعرض ~~بين يدي الله والعقاب لمن لم يقبل على عبادته سبحانه، بين أن ذلك لما ~~جبله عليه سبحانه وأن الإنسان مقهور مع جبلته إلا من حفظه الله، وذلك دال ~~من كلا الطرفين على عظيم قدرته سبحانه، قال مؤكدا لاقتضاء المقام ~~للتأكيد لأن الإنسان لو خوف بالعرض على بعض الأمراء ما لابس ما يغضبه ~~فكيف بالعزيز الحكيم القدير العليم: { إن الإنسان } أي هذا الجنس، عبر به ~~لما له من الأنس بنفسه والرؤية لمحاسنها والنسيان لربه ولذنبه. # ولما دعا الحال إلى بيان الجبلة الداعية إلى ما يقتضيه باختيار صاحبها ~~على وجه كأنه إلجاء بيانا لسهولة الأمور عليه سبحانه بنى للمفعول قوله: ~~{ خلق هلوعا * } أي جبل جبلة هو فيها بليغ الهلع وهو أفحش الجزع مع شدة ~~الحرص وقلة الصبر والشح على المال والرغبة فيما لا ينبغي، وعن ابن عباس ~~رضي الله عنهما أنه الحريص على ما لا يحل له، وروي عنه أن تفسيره ما ~~بعده. # ولما كان الهلع شدة الحرص وقلة الصبر، نشر معناه فقال مقدما المعمول ~~الذي هو الظرف على العامل بيانا لإسراعه في ذلك: { إذا مسه } أي أدنى مس ~~{ الشر } أي هذا الجنس وهو ما تطاير شرره من الضر { جزوعا * } أي عظيم ~~الجزع، وهو ضد الصبر بحيث يكاد صاحبه ينقد نصفين ويتفتت { وإذا مسه } أي ~~كذلك { الخير } أي هذا الجنس وهو ما يلائمة فيعينه من السعة في المال ~~وغيره من أنواع الرزق { منوعا ms5277 * } أي مبالغا في الإمساك عما يلزمه من ~~الحقوق للانهماك في حب العاجل وقصور النظر عليه وقوفا مع المحسوس لغلبة ~~الجمود والبلادة، وهذا الوصف ضد الإيمان، لأنه نصفان: صبر وشكر. ### || [70.22-29] # ولما كان التقدير: فهو يسارع في آثار ما جبل عليه ما يترتب على الجزع ~~مما لا يجوز في الشرع ومما يترتب على المنع من ذلك أيضا فيكون من أهل ~~النار، وكان من القدرة البالغة أن يحفظ سبحانه من أراد من الخزي مع جبلته ~~ويحمله على كسر نفسه مرة بعد أخرى حتى يتلاشى ما عنده من جبلة الشر وتبقى ~~الروح على حالها عند الفطرة الأولى، فلا تزال تحثه على المبادرة إلى ~~طاعته سبحانه وتعالى وحفظ حدوده، فكان لا كرامة أعظم من حفظ المكلف لحدود ~~الشرع مع المنافاة لطبعه، فيكون جامعا للإيمان بنصفيه: الصبر والشكر، ~~لما جمع من هذه الأوصاف الثمان المعادة لأبواب الجنة الثمان، فكان ~~أسبابا لها، استثنى من هذا النوع الهلوع ولذلك جمع فقال: { إلا المصلين ~~* } أي المحافظين على الصلاة التي هي مواطن الافتقار، العريقين في هذا ~~الوصف، فإنه لا يشتد هلعهم فلا يشتد جزعهم ولا منعهم، فيكونوا في أحسن ~~تقويم معتدلين مسارعين فيما يرضي الرب، لأنه سبحانه قرن بما جبلهم عليه ~~من الهلع من طهارة الجسد لطهارة طينته وزكاء روحه ما هيأه لتهذيب نفسه ~~مما يسره له من أصدقاء الخير وأولياء المعروف وسماع المواعظ الحسان ~~والإبعاد عن معادن الدنس من البقاع والأقران والكلام والأفعال وغير ذلك ~~من سائر الأحوال، والملابسة بكل ما يحمل على المعالي من صالح الخلال حتى ~~كانوا من أهل الكمال، ولذلك وصفهم بما يبين عراقتهم في الوصف لها فقال: { ~~الذين هم } أي بكلية ضمائرهم وظواهرهم { على صلاتهم } أي التي هي معظم ~~دينهم وهي النافعة لهم لا لغيرهم - بما أفادته الإضافة، والمراد الجنس ~~الشامل لجميع الأنواع إلا أن معظم المقصود الفرض، ولذلك عبر بالاسم الدال ~~على الثبات في قوله: { دائمون * } أي لا فتور لهم عنها ولا انفكاك لهم ~~منها بل يلازمونها ملازمة يحكم بسببها أنها في حال ms5278 الفراغ منه نصب أعينهم ~~بدوام الذكر لها والتهيؤ لأدائها لأنها صلتهم بمعبودهم الذي لا خير عندهم ~~إلا منه، فلم يكونوا ناسين لمساوئهم ولا آسين بمحاسنهم، وكفى بالصلاة ~~بركة في دلالتها على النجاة من هذا الوصف الموجب لأسباب النار، وهي عبادة ~~ذات شروط وأركان وأبعاض وهيئات وسنن وآداب مفتتحة بالتكبير مختتمة ~~بالتسليم، وهي منقسمة إلى ذات ركوع وسجود، وإلى ذات سجود بلا ركوع كسجدة ~~الشكر والتلاوة، وإلى ما لا ركوع فيها ولا سجود كصلاة الجنازة. # ولما ذكر زكاة الروح، أتعبه زكاة عديلها المال، فقال مبينا للرسوخ في ~~الوصف بالعطف بالواو: { والذين في أموالهم } أي التي من سبحانه بها ~~عليهم { حق } ولما كان السياق هنا لأعم من المحسنين الذين تقدموا في ~~الذاريات اقتصر على الفرض فقال: { معلوم * } أي من الزكوات وجميع النفقات ~~الواجبة. # ولما كان في السؤال من بذل الوجه وكسر النفس ما يوجب الرقة مع وقاية ~~النفس مع المذمة، قدم قوله: { للسائل } أي المتكلف لسؤال الإنفاق ~~المتكفف. ولما كان في الناس من شرفت همته وعلت رتبته على مهاوي الابتذال ~~بذل السؤال من الإقلال بذب المقبل على الله للتفطن والتوسم لأولئك فقال: ~~{ والمحروم * } أي المتعفف الذي لا يسأل فيظن غنيا ولا مال له يغنيه فهو ~~يتلظى بناره في ليله ونهاره، ولا مفزع له بعد ربه المالك لعلانيته ~~وإسراره إلا إلى إفاضة مدامعه بذله وانكساره، وهذا من الله تعالى حث على ~~تفقد أرباب الضرورات ممن لا كسب له ومن افتقر بعد الغنى، وقد كان للسلف ~~الصالح في هذا وأشباهه قصب السبق، حكي عن زين العابدين أنه لما مات وجد ~~في ظهره آثار سود عند غسله كأنها السيور، فعجبوا منها، فلما كان بعد أيام ~~قال نسوة أرامل: كان شخص يأتي إلينا ليلا بقرب الماء وأجربة الدقيق على ~~ظهره ففقدناه واحتجنا، فعلموا أنه هو وأن تلك السيور من ذلك، وحي عن عمر ~~بن الخطاب رضي الله عنه أن شخصا رآه ماشيا في زمن خلافته في الليل ~~فتبعه حتى يعلم إلى أين يقصد، فلم يزل رضي ms5279 الله عنه حتى جاء إلى بيت نسوة ~~أرامل فقال: أعندكن ماء وإلا أملأ لكن، فأعطينه جرة فأخذها وذهب فملأها ~~على كتفه وأتى بها إليهن، والحكايات عنهم في هذا الباب كثيرة شهيرة جدا. # ولما كان المال قد يصرف لإصلاح الدنيا، بين أن النافع منه إنما هو ~~المصدق للإيمان فقال: { والذين يصدقون } أي يوقعون التصديق لمن يخبرهم ~~ويجددونه كل وقت { بيوم } ولما كان المقصود الحث على العمل لأجل العرض ~~على الملك الأعلى عبر بقوله: { الدين * } أي الجزاء الذي ما مثله وهو يوم ~~القيامة الذي يقع الحساب فيه والدينونة على النقير والقطمير والتصديق به ~~حق التصديق الاستعداد له بالأعمال الصالحة، فالذين يعملون لذلك اليوم هم ~~العمال، وأما المصدقون بمجرد الأقوال فلهم الوبال وإن أنفقوا أمثال ~~الجبال. # ولما كان الدين معناه الجزاء من الثواب والعقاب، وكان ربما صرفه صارف ~~إلى الثواب فقط للعلم بعموم رحمته سبحانه، وأن رحمته غلبت غضبه، صرح ~~بالعقاب فقال: { والذين هم } أي بجميع ضمائرهم { من عذاب ربهم } أي ~~المحسن إليهم، لا من عذاب غيره، فإن المحسن أولى بأن يخشى ولو من قطع ~~إحسانه، وإذا خيف مع تجليه في مقام الإحسان كان الخوف أولى عند اعتلائه ~~في نعوت الجلال من الكبر والقهر والانتقام { مشفقون * } أي خائفون في هذه ~~الدار خوفا عظيما هو في غاية الثبات من أن يعذبهم في الآخرة أو الدنيا ~~أو فيهما، فهم لذلك لا يغفلون ولا يفعلون إلا ما يرضيه سبحانه. # ولما كان المقام للترهيب، ولذلك عبر عن الرجاء على فعل الطاعات بالدين، ~~فصار العذاب مذكورا مرتين تلويحا وتصريحا، زاده تأكيدا بقوله ~~اعتراضا مؤكدا لما لهم من إنكاره: { إن عذاب ربهم } أي الذي رباهم وهم ~~مغمورون بإحسانه وهم عارفون بأنه قادر على الانتقام ولو بقطع الإحسان { ~~غير مأمون * } أي لا ينبغي لأحد أن يأمنه، بل يجوز أن يحل به وإن بالغ في ~~الطاعة لأن الملك مالك وهو تام الملك، له أن يفعل ما يشاء - ومن جوز وقوع ~~العذاب أبعد عن موجباته غاية الإبعاد ولم يزل مترجحا بين الخوف ms5280 والرجاء. # ولما ذكر التحلي بتطهير النفس بالصلاة وتزكية المال بالصدقة، ندب إلى ~~التخلي عن أمر جامع بين تدنيس المال والنفس وهو الزنا الحامل عليه شهوة ~~الفرج التي هي أعظم الشهوات حملا للنفس على المهلكات، فقال بعد ذكر ~~التخويف بالعذاب إعلاما بأنه أسرع إلى صاحب هذه القادورة وقوعا من ~~الذباب في أحلى الشراب فقال: { والذين هم } أي ببواطنهم الغالبة على ~~ظواهرهم { لفروجهم } أي سواء كانوا ذكورا أو إناثا { حافظون * } أي ~~حفظا ثابتا دائما عن كل ما نهى الله عنه. ### || [70.30-32] # ولما ذكر هذا الحفظ على هذا الوجه، ذكر ما أذن فيه في أسلوب الاستثناء ~~إشعارا بأنه كأنه لم يذكر فيخرج إلا بعد تقرير عموم الحفظ لا أنه مقصود ~~ابتداء بقصد الصفة فقال: { إلا على أزواجهم } أي بعقد النكاح. # ولما قدمهن لشرفهن وشرف الولد بهن أتبعه قوله: { أو ما } عبر بما هو ~~الإغلب لغير العقلاء ندبا إلى إيساع البطان في احتمالهن { ملكت أيمانهم ~~} أي من السراري اللاتي هن محل الحرث والنسل اللاتي هن أقل عقلا من ~~الرجال. # ولما كان الناكح عبادة نادرا جدا، وكان الأصل في العبادة الخروج عن ~~العادة، وإن لم يتجرد للعبادة كن ملوما، اكتفى في مدحه بنفي اللوم عنه، ~~وأكده لأن الأصل كان استحقاقه للملام لإقباله على تحصيل ما له من المرام ~~فقال مسببا عن المستثنى: { فإنهم } أي بسبب إقبالهم بالفروج عليهن ~~وإزالة الحجاب من أجل ذلك { غير ملومين * } أي في الاستمتاع بهن من لائم ~~ما - كما نبه عليه بالبناء للمفعول - فهم يصحبونهن قصدا للتعفف وصون ~~النفس وابتغاء الولد للتعاون على طاعة الله. # ولما أفهم ذلك تحريم غير المستثنى ووجب الحفظ للفروج عنه، صرح به على ~~وجه يشمل المقدمات فقال مسببا عنه: { فمن ابتغى } أي طلب، وعبر بصيغة ~~الافتعال لأن ذلك لا يقع إلا عن إقبال عظيم من النفس واجتهاد في الطلب { ~~وراء ذلك } أي شيئا من هذا خارجا عن هذا الأمر الذي أحله الله تعالى، ~~والذي هو أعلى المراتب في أمر النكاح وقضاء اللذة أحسنها وأجملها. ولما ~~كان ms5281 الوصول إلى ذلك لا يكون إلا بتسبب من الفاعل ربط بالفاء قوله: { ~~فأولئك } أي الذين هم في الحضيض من الدناءة وغاية البعد عن مواطن الرحمة ~~{ هم } أي بضمائرهم وظواهرهم { العادون * } أي المختصون بالخروج عن الحد ~~المأذون فيه. # ولما ذكر العادي أتبعه الواقف عند الحدود فقال: { والذين هم } أي ببذل ~~الجهد من توجيه الضمائر { لأماناتهم } أي كل ما ائتمنهم الله عليه من حقه ~~وحق غيره. # ولما كان ذلك قد يكون من غير عهد، قال مخصصا: { وعهدهم } أي ما كان من ~~الأمانات بربط بالكلام وتوثيق { راعون * } أي حافظون لها معترفون بها على ~~وجه نافع غير ضار. ### || [70.33-38] # ولما كان أجل العهود والأمانات ما كان بإشهاد قال مبينا لفضل الشهادة: ~~{ والذين هم } أي بغاية ما يكون من توجيه القلوب { بشهاداتهم } التي ~~شهدوا بها أو يستشهدون بها لطلب أو غيره، وتقديم المعمول إشارة إلى أنهم ~~في فرط قيامهم بها ومراعاتهم لها كأنهم لا شاغل لهم سواها { قائمون * } ~~أي يتحملونها ويؤدونها على غاية التمام والحسن أداء من هو متهيىء لها ~~واقف في انتظارها. # ولما كانت أضداد هذه المذكورات نقائص مهلكات، وكانت الأنفس - لما لها من ~~النقص - نزاعة إلى النقائص ميالة إلى الدسائس، ذكر سبحانه بالدواء ~~المبرىء من كل داء، فقال مشيرا إلى حفظ أحوال الصلاة وأوصافها بعد ذكر ~~الحفظ لذواتها وأعيانها تنبيها على شدة الاهتمام بها: { والذين هم } ~~ولما وسط الضمير إشارة إلى الإقبال بجميع القلب قدم الصلة كما فعل بما ~~قيل تأكيدا وإبلاغا في المراد إلى أقصى ما يمكن كما لا يخفى على ذي ذوق ~~فقال: { على صلاتهم } من الفرض والنقل { يحافظون * } أي يبالغون في حفظها ~~ويجددونه حتى كأنهم يبادرونها الحفظ ويسابقونها فيه فيحفظونها لتحفظهم أو ~~يسابقون غيرهم في حفظها لأوقاتها وشروطها وأركانها ومتمماتها في ظواهرها ~~وبواطنها من الخضوع والمراقبة، وغير ذلك من خلال الإحسان التي إذا فعلوها ~~كانت ولا بد ناهية لفاعلها " أن الصلاة " الكاملة " تنهى عن الفحشاء ~~والمنكر " فتحمل على جميع هذه الأوامر وتبعد عن أضدادها، ولكون السياق ~~هذا للتخلي عن الأوصاف ms5282 الجارة إلى الكفر وحد الصلاة إشارة إلى أنه يكفي ~~في ذلك الفرائض وإن كان الجاس يشمل، وفي المؤمنون السياق لأهل الرسوخ في ~~المحاسن، فلذلك جمع بين النوعين: الإفراد في الأول لينصب بادىء بدىء إلى ~~الفرائض، والجمع في بعض القراءات ليفهم مع ذلك النوافل بأنواعها، وفي فتح ~~الأوصاف بالصلاة وختمها بها من بيان جلالتها وعظمتها أمر باهر. # ولما ذكر حلاهم أتبعه ما أعطاهم فقال مستأنفا ومستنتجا من غير فاء ~~إشارة إلى أن رحمته هي التي أوصلتهم إلى ذلك من غير سبب منهم في الحقيقة: ~~{ أولئك } أي الذين هم في غاية العلو لما لهم من هذه الأوصاف العالية، ~~وعبر بما يدل على أنه عجل جزاءهم سبحانه فقال: { في جنات } أي في الدنيا ~~والآخرة، أما في الآخرة فواضح، وأما في الدنيا فلأنهم لما جاهدوا فيه ~~بإتعاب أنفسهم في هذه الأوصاف حتى تخلقوا بها أعطاهم بمباشرتها لذاذات من ~~أنس القرب وحلاوة المناجاة لا يساويها شيء أصلا، والجنة محل اجتمع فيه ~~جميع الراحات والمستلذات والسرور، وانتفى عنه جميع المكروهات والشرور، ~~وضدها النار، وزادهم على ذلك بقوله: { مكرمون * } معبرا باسم المفعول ~~إشارة إلى عموم الإكرام من الخالق والخلق الناطق وغيره لأنه سبحانه قضى ~~بأن يعلو مقدارهم حتى يكونوا أعظم مشخص؟ لهم في الغيب مبالغا في إكرامهم ~~عند المواجهة ليكون لهم نصيب من خلق نبيهم صلى الله عليه وسلم، " لقيه ~~يوم بني قريظة علي رضي الله عنه وكان قد سبقه إليهم فقال: يا رسول الله، ~~ما عليك ألا تدنو من هؤلاء الأخابث؟ فقال: ولم، لعلك سمعت بي منهم أذى، ~~لو قد دنوت منهم لم يقولوا من ذلك شيئا، ثم دنا منهم فقال: هل أخزاكم ~~الله يا إخوان القردة والخنازير، فقالوا: مه يا أبا القاسم ما كنت جهولا ~~" وكلموه بأحسن ما يمكنهم، وكذا كانت معه قريش قبل الهجرة في أكثر ~~أحوالهم، هذا في الدنيا وأما في الآخرة فيتلقاهم الملائكة بالبشرى حين ~~الموت وفي قبورهم ومن حين قيامهم من قبورهم إلى حين دخولهم إلى قصورهم. # ولما تحرر بهذا الكلام ms5283 الإلهي الذي يشك عاقل في أن مخلوقا لا يقدر ~~عليه، وأنه لا يقدر عليه إلا الله الواحد الذي لا شريك له، العالم بكل ~~شيء، القادر على كل شيء، أنه لا يتفصى عن نقائص الإنسان حتى يتخلص من ~~ظلمات النقصان إلى نور الإحسان إلا من لازم هذه الأوصاف وزكى نفسه بها ~~ليصير كاملا مع العلم القطعي عند المسلم والكافر أن الكمال سبب السعادة، ~~وأن الإنسان مطبوع على ما صدر به سبحانه من النقائص، علم أن المتصفين ~~بهذه الأوصاف هم المختصون بالسعادة الأخروية، وكان الكفار يأتون النبي ~~صلى الله عليه وسلم ويجلسون حوله بالقرب منه ليسمعوا كلامه ويكذبوه ~~ويهزؤوا به، وكان العاقل لا ينبغي له أن يأتي شيئا لا سيما إن كان ~~إتيانه إليه على هيئة الإسراع إلا لتحصيل السعادة، سبب عن ذلك قوله ~~معبرا عن عظمة القرآن بما حاصله أنهم حين يسمعونه يصيرون لشدة ما يفزعهم ~~أمره لا يتمالكون فيفعلون أفعال من لا وعي له: { فمال الذين كفروا } أي ~~أي شيء من السعادة للذين ستروا مرائي عقولهم عن الإقرارا بمضمون هذا ~~الكلام الذي هو أوضح من الشمس، حال كونهم { قبلك } أي نحوك أيها الرسول ~~الكريم وفيما أقبل عليك { مهطعين * } أي مسرعين مع مد الأعناق وإدامة ~~النظر إليك في غاية العجب من مقالك هيبة من يسعى إلى أمر لا حياة له ~~بدونه. # ولما كان الذي يتطير فيراعي الأيامن والأشائم على ما تقدم في الصافات، ~~لا يترك ذلك إلا في أمر أدهش عقله وأطار لبه، فلم يدعه يتأمل، قال مشيرا ~~إلى شدة اعتنائهم بهذا الإهطاع مع عدم التحفظ من شيء: { عن } أي متجاوزين ~~إليك كل مكان كان عن جهة { اليمين } أي منك حيث يتمنون به { وعن الشمال } ~~أي منك وإن كانوا يتشاءمون به { عزين * } أي حال كونهم جماعات جماعات ~~وخلقا خلقا متفرقين فرقا شتى أفواجا يتمهلون ليأتوا جميعا جمع عزة، ~~وأصلها عزوة لأن كل فرقة تعتزي إلى غير ما تعتزي إليه الأخرى، جمع جمع ~~سلامة شذوذا. # ولما كان هذا الإسراع على هذا الوجه ms5284 لا ينبغي أن يكون إلا فيما يتحقق ~~أنه مسعد، ومع تحقق أنه مسعد لا ينبغي أن يكون إلا فيما تحصل به السعادة ~~الأبدية؛ قال منبها على ذلك منكرا أن يكون لهم ما كان ينبغي ألا يكون ~~فعلهم ذلك إلا له مع أنه كان من جملة استهزائهم إذا تحلقوا لسماع ما يقرأ ~~أن يقولوا: إن كان ما يقول حقا من أمر البعث والجنة لنكونن أسعد بها ~~منهم كما أنا أسعد منهم في هذه الدار كما قال تعالى حاكيا عنهم في قوله: # ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى # [فصلت: 50] وذلك أنه كثيرا ما يأتي الغلط من أن الإنسان يكون في خير في ~~الدنيا فيظن أن ذلك مانع له من النار لأنه خير في نفس الأمر، أو يظن أن ~~إمهاله وهو على الباطل رضي به، ولا يدري أنه لا يضجر ويقلق ويعجل إلا من ~~يخاف الفوت، أو يكون شيء بغير إرادته: { أيطمع } أي بهذا الإتيان، وعبر ~~بالطمع إشارة إلى أنهم بلغوا الغاية في السفه لكونهم طلبوا أعز الأشياء ~~من غير سبب تعاطوه له. # ولما كان إتيانهم على هيئة التفرق من غير انتظار جماعة لجماعة قال: { كل ~~امرىء منهم } أي على انفراده، ولما كان المحبوب دخول الجنة لا كونه من ~~مدخل معين، قال بانيا للمفعول: { أن يدخل } أي بالإهطاع وهو كافر من غير ~~إيمان يزكيه كما يدخل المسلم فيستوي المسيء والمحسن { جنة نعيم * } أي لا ~~شيء فيها غير النعيم في كل ما فيها على تقدير ضبطه. ### || [70.39-44] # ولما كان معنى الاستفهام الإنكاري المفيد للنفي: لا يدخل، أكد ذلك مع ~~إفهام الضجر والاستصغار بالإتيان بأم الزواجر والروادع فقال: { كلا } أي ~~لا يكون ما طمعوا فيه أصلا لأن ذلك تمن فارغ لا سبب له - بما دل عليه ~~التعبير بالطمع دون الرجاء. # ولما كان الإنسان إذا أكثر من شيء وجعله ديدنه فساغ عندهم أن يقال: فلان ~~خلق من كذا، علل ذلك بقوله مؤكدا، عدا لهم منكرين لأنهم مع علمهم ~~بنقصانهم يدعون الكمال: { إنا } على ما ms5285 لنا من العظمة { خلقناهم } ~~بالعظمة التي لا يقدر أحد أن يقاويها فيصرف شيئا من إرادته عن تلك ~~الوجهة التي وجهته إليها إلى غيرها { مما يعلمون * } أي مما يستحي من ~~ذكره ذاتا ومعنى، أما الذات فهو نطفة مذرة أخرجت من مخرج البول وغذيناها ~~بدم الحيض، فهي يتحلب منها البول والعذرة، وأما المعنى فالهلع والجزع ~~والمنع اللاتي هم موافقون على عدها نقائص، فلا يصلحون لدار الكمال إلا ~~بتزكية أنفسهم بما تقدم من هذه الخلال التي حض عليها الملك المتعال، روى ~~البغوي بسنده عن بشر بن جحاش رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " وبصق يوما في كفه ووضع عليها أصبعه فقال: " يقول عز وجل: ابن آدم! ~~أنى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه حتى إذا سويتك وعدلتك مشيت بين بردين ~~والأرض منك وئيد وجمعت ومنعت حتى إذا بلغت التراقي قلت: أتصدق، وأنى ~~أوان الصدقة " " # انتهى. # ولما كان في ذكر هذا الخلق مع ما تقدم إشارة عظيمة إلى ما كانوا يقولون: ~~إنه إن كان الأمر كما يقولون من الحشر والجنة لنكونن آثر عند الله منكم ~~ولندخلنها كما نحن الآن آثر منكم عنده بما لنا من الأموال، والبسطة في ~~الدنيا والوجاهة والإقبال، وتنبيه على أن الكل متساوون في أنهم من نطفة ~~فما فضلهم في هذه الدنيا بهذه النعم الظاهرة إلا هو سبحانه، وقد فضل ~~المؤمنين بالنعم الباطنة التي زادتهم في التمكن فيها التزكية بهذه ~~الأوصاف العملية الناشئة عن الصفة العلمية، وهو قادر على أن يضم إلى ~~النعم الباطنة النعم الظاهرة، ولذلك سبب عنه قوله: وأكد بنفي القسم ~~المشير إلى عدم الحاجة إليه لكثرة الأدلة المغنية عنه لما لذلك المقسم ~~عليه من الغرابة في ذلك الوقت لكثرة الكفار وقوة شوكتهم: { فلا } أي ~~فتسبب عن خلقنا لهم من ذلك المنبه على أنا نقدر على كل شيء نريده وأنه لا ~~يعجزنا شيء أي لا { أقسم } فلفت القول إلى أفراد الضمير معرى عن مظهر ~~العظمة لئلا يتعنت متعنت في أمر الواحدانية { برب } أي مربي ms5286 وسيد ومبدع ~~ومدبر { المشارق } التي تشرق الشمس والقمر والكواكب السيارة كل يوم في ~~موضع منها على المنهاج الذي دبره، والقانون القويم الذي أتقنه وسخره، ستة ~~أشهر صاعدة وستة أشهر هابطة { والمغارب } كذلك على هذا الترتيب المحكم ~~الذي لا يعتريه اختلال، وهي التي ينشأ عنها الليل والنهار والفصول ~~الأربعة، فكان بها صلاح العالم بمعرفة الحساب وإصلاح المآكل والمشارب ~~وغير ذلك من المآرب، فيوجد كل من الملوين بعد أن لم يكن والنبات من النجم ~~والشجر كذلك عادة مستمرة دالة على أنه قادر على الإيجاد والإعدام لكل ما ~~يريده كما يريده من غير كلفة ما. # ولما كان المعنى: لا أقسم بذلك وإن كان عظيما لأن الأمر في وضوحه لا ~~يحتاج إلى قسم، كما لو قال خصم لخصمه: احلف، فيقول له: الأمر غني عن حلفي ~~إذ يحتاج إلى اليمين من لا بينة له، ثم يأتي من البينات بما لا يكون معه ~~شبهة، وكانوا في تفضيل أنفسهم - مع الاعتراف لله بالقدرة - كالمنكرين ~~للقدرة على قلب الأمر، أكد قوله عائدا إلى مظهر العظمة بعد دفع اللبس ~~بما هو في وضوحه أجلى من الشمس: { إنا } أي بما لنا من العظمة { لقادرون ~~* } بأنواع التأكيد بالأداة والأسمية والالتفات إلى مظهر العظمة في كل من ~~الاسم والخبر، فكان في إخباره بعد الإقسام مع التأكيد إشارة إلى أعلى ~~مراتب التأكيد { على أن نبدل } أي تبديلا عظيما بما لنا من الجلالة ~~عوضا عنهم { خيرا منهم } أي بالخلق أو تحويل الوصف فيكونوا أشد بسطة في ~~الدنيا وأكثر أموالا وأولادا وأعلى قدرا وأكثر حشما ووجاهة وحزما ~~وخدما، فيكونوا عندك خلقا على قلب واحد في سماع قولك وتوقيرك وتعظيمك ~~والسعي في كل ما يشرح صدرك بدل ما يعمل هؤلاء من الهزء والتصفيق والصفير ~~وكل ما يضيق به صدرك، وقد فعل ذلك سبحانه بالمهاجرين والأنصار والتابعين ~~لهم بإحسان بالسعة في الرزق بأخذ أموال الجبارين من كسرى وقيصر، والتمكن ~~في الأرض حتى كانوا ملوك الدنيا مع العمل بما يوجب لهم ملك الآخرة، فرجوا ~~الكرب عن رسول الله ms5287 صلى الله عليه وسلم وبذلوا في مرضاته الأنفس ~~والأموال. # ولما كان الإنسان قد يفعل شيئا ثم ينقض عليه، أخبر أنه سبحانه على غير ~~ذلك فقال: { وما } وأكد الأمر بالأسمية الكائنة في مظهر العظمة فقال: { ~~نحن } وأعرق في النفي فقال: { بمسبوقين * } أي من سابق ما يغلب على شيء ~~لم نرده بوجه من الوجوه، ولذلك أتى باسم المفعول. # ولما ثبت أن له سبحانه العظمة البالغة الباهرة من شمول العلم وتمام ~~القدرة، فأنتج اعتماد أهل حزبه عليه وإعراضهم عن كل ما سواه، سبب عن ذلك ~~قوله تهديدا للمخالفين وتسلية للمؤالفين: { فذرهم } أي اتركهم ولو على ~~أسوأ أحوالهم { يخوضوا } أي يفعلوا في مقالهم وفعالهم الذي لا شيء منه ~~على إتقان بل هو كفعل الخائض في الماء الذي لا يضع رجله في موضع يعلم أنه ~~يرضيه، فهو بصدد أن يقع أو يغرق { ويلعبوا } أي يفعل فعل اللاعب الذي لا ~~فائدة لفعله إلا ضياع الزمان والتعطل عما يهم من عظيم الشأن. # ولما كان ما توعد الله من أحوال الآخرة لا بد من وقوعه كان كأنه قادم ~~على الإنسان والإنسان ساع بجهده إليه، فلذلك عبر بالمفاعلة فقال: { حتى ~~يلاقوا } ولما كان ما يقع للكفار منه أعظم، كان ذلك اليوم كأنه خاص بهم ~~فقال: { يومهم الذي } ولما كان الوعيد - وهو ما كان من الخبر تخويفا ~~للمتوعد - صادعا للقلوب إذا كان من القادر من غير حاجة إلى ذكر المتوعد، ~~بني المفعول قوله: { يوعدون * } وهو يوم كشف الغطاء الذي أول تجليته عند ~~الغرغرة ونهايته النفخة الثانية إلى دخول كل من الفريقين في داره ومحل ~~استقراره، والآية منسوخة بآية السيف. # ولما كان ما بعد النفخة الثانية أعظمه وأهوله، أبدل منه قوله: { يوم ~~يخرجون } أي هؤلاء الذين يسألون عنه سؤال استهزاء ويستبعدونه، وقراءة أبي ~~بكر عن عاصم بالبناء للمفعول على طريقة كلام القادرين تدل على أنه مما هو ~~في غاية السهولة { من الأجداث } أي القبور التي صاروا بتغيبهم فيها تحت ~~وقع الحافر والخف، فهم بحيث لا يدفعون شيئا يفعل بهم بل هم ms5288 كلحم في فم ~~ماضغ، فإن الجدث القبر والجدثة صوت الحافر والخف ومضغ اللحم { سراعا } ~~أي نحو صوت الداعي. # ولما كانت عادة الإنسان الإسراع إلى ما يقصده من الأعلام المنصوبة، ~~وعادتهم - هم بالخصوص - المبادرة إلى الأنصاب التي يبعدونها ما هي عليه ~~من الخساسة خفة منهم في العلوم وطيشا في الحلوم قال: { كأنهم إلى نصب } ~~أي علم منصوب مصدر بمعنى المفعول كما تقول: هذا نصب عيني وضرب الأمير - ~~هذا على قراءة الجماعة بالفتح، وعلى قراءة ابن عامر وحفص بالضم: إلى علم ~~أو شيء يعبدونه من دون الله على ما فيه من الداء القاتل والبلاء، أو حجر ~~يذبحون عليه، قال في الجمع بين العباب والمحكم: النصب والنصب ~~والنصب: الداء والبلاء: والنصب كل ما نصب فجعل علما، والنصب ~~والنصب: العلم المنصوب، والنصب والنصب: كل ما عبد من دون الله، ~~والجمع أنصاب، والأنصاب حجارة كانت حول الكعبة تنصب فيهل عليها ويذبح ~~عليها لغير الله، وانصاب الحرم: حدوده، وقال أبو حيان: والنصب ما نصب ~~للإنسان فهو يقصده مسرعا إليه من علم أو بناء أو صنم، وغلب في الأصنام ~~حتى قيل: الأنصاب { يوفضون * } أي يعجلون عجلة من هو ذاهب إلى ما يسره ~~حتى كأنه يطرد إليه كما كانوا يسرعون إلى أنصابهم. # ولما كان إيفاضهم إلى الأنصاب على حال السرور، أخبر أن هذا على خلاف ~~ذلك، وأن ذكر النصب وتصوير حالة الإتيان إليه ما كان إلا تهكما بهم ~~فقال: { خاشعة } أي منكسرة متواضعة لما حل بها من الذل والصغار، وألحقها ~~علامة التأنيث زيادة في هذا المعنى ومبالغة فيه بقوله: { أبصارهم }. # ولما كان خشوعها دائما فعبر بالاسم، وكان ذلهم يتزايد في كل لحظة، عبر ~~بالفعل المضارع المفيد للتجدد والاستمرار فقال: { ترهقهم } أي تغشاهم ~~فتعمهم، وتحمل عليم فتكلفهم كل عسر وضيق على وجه الإسراع إليهم { ذلة } ~~ضد ما كانوا عليه في الدنيا لأن من تعزز في الدنيا على الحق ذل في ~~الآخرة، ومن ذل للحق في الدنيا عز في الآخرة. # ولما صوره بهذه الصورة أشار إلى أن هذا ما تدركه ms5289 العقول من وصفه وأنه ~~أعظم من ذلك فقال: { ذلك } أي الأمر الذي هو في غاية ما يكون من علو ~~الرتبة في العظمة { اليوم الذي كانوا } أي في حال الدنيا على غاية ما ~~يكون من المكنة في الوعيد. # ولما كان الوعيد لا يتحقق إلا إذا كان من القادر، وإذا كان كذلك كان ~~مخيفا موجعا من غير ذكر من صدر عنه، بني للمفعول قوله: { يوعدون * } أي ~~يجدد لهم الإيعاد به في الدنيا في كل وقت لعلهم يتعظون فترق قلوبهم ~~فيرجعون عماهم فيه من الجبروت، وهذا هو زمان العذاب الذي سألوا عنه أول ~~السورة، فقد رجع كما ترى آخرها على أولها أي رجوع، وانضم مفصلها إلى ~~موصلها انضمام المفرد إلى المجموع - والله الهادي إلى الصواب. ### | [71 - سورة نوح] ### || [71.1-4] # ولما ختمت " سأل " بالإنذار للكفار، وكانوا عباد أوثان، بعذاب الدنيا ~~والآخرة، أتبعها أعظم عذاب كان في الدنيا في تكذيب الرسل بقصة نوح عليه ~~السلام، وكان قومه عباد أوثان، وكانوا يستهزئون به وكانوا أشد تمردا من ~~قريش وأجلف وأقوى وأكثر، فلم ينفعهم شيء من ذلك عند نزول البلاء وبروك ~~النقمة عليهم وإتيان العذاب إليهم، وابتدأها بالإنذار تخويفا من عواقب ~~التكذيب به، فقال مؤكدا لأجل إنكاهرم أن يكون الرسول بشرا أو لتنزيلهم ~~منزلة المنكرين من حيث أقروا برسالته وطعنوا في رسالة غيره مع المساواة ~~في البشرية: { إنا } أي بما لنا من العظمة الباهرة البالغة { أرسلنا ~~نوحا } وهو أول رسول أتى بعد اختلاف أولاد آدم عليه السلام في دين أبيهم ~~الأقوم { إلى قومه } أي الذين كانوا في غاية القوة على القيام بما ~~يحاولونه وهم بصدد أن يجيبوه إلى ما دعاهم إليه ويكرموه لما بينهم من ~~القرب بالنسب واللسان، وكانوا جميع أهل الأرض من الآدميين. # ولما بان مضى المرسل والرسول والمرسل إليهم، وكان الإرسال متضمنا ~~معنى القول، أخذ في تفسيره بيانا للمرسل به فقال: { أن أنذر } أي حذر ~~تحذيرا بليغا عظيما { قومك } من الاستمرار على الكفر. # ولما كان المقصود " إعلامهم بذلك " في بعض الأوقات لأن الإنسان لا بد ms5290 له ~~من أوقات شغل بنفسه من نوم وأكل وغيره، أتى بالجار تخفيفا عليه ورفقا ~~به عليه السلام فقال: { من قبل أن يأتيهم } أي على ما هم عليه من الأعمال ~~الخبيثة { عذاب أليم * }. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه ~~وسلم بالصبر على قومه في قوله: # فاصبر صبرا جميلا # [المعارج: 5] وجليل الإغضاء في قوله: # فذرهم يخوضوا ويلعبوا # [المعارج: 42] أتبع ذلك بقصة نوح عليه السلام وتكرر دعائه قومه إلى ~~الإيمان، وخص من خبره حاله في طول مدة التذكار والدعاء لأنه المقصود في ~~الموضع تسلية لنبيه صلى الله عليه وسلم، وليتأسى به في الصبر والرفق ~~والدعاء كما قيل له صلى الله عليه وسلم في غير هذا الموضع # فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ولا تستعجل لهم # [الأحقاف: 35] # فلا تذهب نفسك عليهم حسرات # [فاطر: 8] فقد دام دعاء نوح عليه السلام مع قومه أدوم من مدتك، ومع ذلك ~~فلم يزدهم إلا فرارا # قال رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا فلم يزدهم دعائي إلا فرارا وإني ~~كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا ~~واستكبروا استكبارا # [نوح: 5- 7] ثم مضت آي السورة على هذا المنهج من تجديد الإخبار بطول ~~مكابدته عليه السلام وتكرير دعائه، فلم يزدهم ذلك إلا بعدا وتصميما على ~~كفرهم حتى أخذهم الله، وأجاب فيهم دعاء نبيه نوح عليه السلام # رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا # [نوح: 26] وذلك ليأسه من فلاحهم، وانجر في هذا حض نبينا صلى الله عليه ~~وسلم على الصبر على قومه والتحمل منهم كما صرح به في قوله تعالى: # خذ العفو وأمر بالمعروف وأعرض عن الجاهلين # [الأعراف: 199] وكما قيل له قبل # فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت # [القلم: 48] # وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك # [هود: 120] انتهى. # ولما أخبر عن رسالته ومضمونها بما أعلم من أن الفساد كان غالبا عليهم، ~~استأنف قوله بيانا لامتثاله: { قال } أي نوح عليه السلام: { يا قوم } ~~فاستعطفهم بتذكيرهم أنه أحدهم ms5291 يهمه ما يهمهم. # ولما كان من طبع البشر إنكار ما لم يعلم إلا من عصم الله فجعله منقادا ~~للإيمان بالغيب، أكد قوله: { إني لكم نذير } أي مبالغ في النذارة { مبين ~~* } أي أمري بين في نفسه بحيث أنه صار من شدة وضوحه كأنه مظهر لما ~~يتضمنه، مناد بذلك للقريب والبعيد والفطن والغبي. # ولما كان ترك ما أنذرهم بسببه من الكفر لا يغنيهم إلا أن آمنوا، وكان ~~الإيمان مخلصا عن عواقب الإنذار لأنه لا يصح إلا مع ترك جميع أنواع ~~الكفر، فسر الإنذار بقوله: { أن اعبدوا الله } أي الملك الأعظم الذي له ~~جميع الكمال، وذلك بأن تخلصوا التوجه إليه فإن غناه يمنع من أن يقبل ~~عبادة فيه شرك وهذا هو الإيمان { واتقوه } أي اجعلوا بينكم وبين غضبه ~~وقاية تمنعكم من عذابه بالانتهاء عن كل ما يكرهه، فلا تتحركوا حركة ولا ~~تسكنوا سكنة إلا في طاعته، وهذا هو العمل الواقي من كل سوء. # ولما كان لا سبيل إلى معرفة ما يرضي الملك ليلزم وما يسخطه ليترك إلا ~~منه، ولا وصول إلى ذلك إلا من خاصته، ولا خاصة مثل رسوله الذي ائتمنه على ~~سره قال: { وأطيعون * } أي لأعرفكم ما تقصر عنه عقولكم من صفات معبودكم ~~ودينكم ودنياكم ومعادكم، وأدلكم على اجتلاب آداب تهديكم، واجتناب شبهة ~~ترديكم، ففي طاعتي، فلا حكم يرضي الملك عنكم، وهذا هو الإسلام، فقد جمع ~~هذا الدعاء الإيمان والإسلام والعمل، وهي الأثافي التي تدور عليها أسباب ~~الفلاح. # ولما كان الإنسان محل النقصان، فلا ينفك عن ذنب فلا ينفعه إلا فناء ~~الكرم، أشار إلى ذلك مرغبا مستعطفا لهم لئلا ييأسوا فيهلكوا بقوله ~~جوابا للأمر: { يغفر لكم } أي كرما منه وإحسانا ولطفا. # ولما كان من الذنوب ما لا يتحتم غفرانه وهو ما بعد الإسلام قال: { من ~~ذنوبكم } أي ما تقدم الإيمان من الشرك والعصيان وما تأخر عن الإيمان من ~~الصغائر التي تفضل الله بالوعد بتكفيرها باجتناب الكبائر - هذا مما أوجبه ~~سبحانه على نفسه المقدس بالوعد الذي لا يبدل، وأما غيره مما عدا الشرك ms5292 ~~فإلى مشيئته سبحانه. # ولما كان الإنسان، لما يغلب عليه من النسيان، والاشتغال بالآمال، يعرض ~~عن الموت إعراض الشاك فيه بل المكذب به ذكرهم ترهيبا لهم لطفا بهم ~~ليستحضروا أنهم في القبضة فينزعوا مما يغضبه سبحانه، فقال مشيرا إلى أن ~~طول العمر في المعصية - وإن كان مع رغد العيش - عدم، مهددا بأنه قادر ~~على الإهلاك في كل حين: { ويؤخركم } أي تأخيرا ينفعكم، واعلم أن الأمور ~~كلها قد قدرت وفرغ من ضبطها لإحاطة العلم والقدرة فلا يزاد فيها ولا ~~ينقص، ليعلم أن الإرسال إنما هو مظهر لما في الكيان ولا يظن أنه قالب ~~للأعيان بتغيير ما سبق به القضاء من الطاعة أو العصيان فقال: { إلى أجل ~~مسمى } أي قد سماه الله وعلمه قبل إيجادكم فلا يزاد فيه ولا ينقص منه، ~~فيكون موتكم على العادة متفرقا وإلا أخذكم جميعا بعذاب الاستئصال، فهذا ~~من علم ما لا يكون لو كان كيف يكون، وذلك أنه علم أنهم إن أطاعوا نوحا ~~عليه السلام كان موتهم على العادة وإلا هلكوا هلاك نفسه واحدة، وعلم أنهم ~~لا يطيعونه، وأن موتهم إنما يكون بعذاب الاستئصال. # ولما كان الإنسان مجبولا على الأطماع الفارغة، فكان ربما قال للتعنت أو ~~غيره: لم لا يخلدنا؟ قال فطما عن ذلك مؤكدا لاقتضاء المقام له: { إن ~~أجل الله } أي الذي له الكمال كله فلا راد لأمره { إذا جاء لا يؤخر } ~~وأما قبل مجيئه فربما يقع الدعاء والطاعات والبر في البركة فيه يمنع ~~الشواغل وإطابة الحياة، فبادروا مجيء الأجل بالإيمان لأنه إذا جاء لم ~~يمكنكم التدارك، ولا ينفعكم بعد العيان الإيمان. # ولما كان من يعلم هذا يقينا، ويعلم أنه إذا كشف له عند الغرغرة أحب أن ~~يؤخر ليتوب حين لا تأخير، أحسن العمل خوفا من فوات وقته وتحتم مقته، نبه ~~على ذلك بقوله: { لو كنتم تعلمون * } أي لو كان العلم أو تجدده وقتا ما ~~في غرائزكم لعلمتم تنبيه رسولكم صلى الله عليه وسلم أن الله يفعل ما ~~يشاء، وأن الأجل آت لا محالة فعملتم للنجاة، ولكنكم ms5293 تعملون في الانهماك ~~في الشهوات عمل الشاك في الموت. ### || [71.5-7] # ولما كان صلى الله عليه وسلم أطول الأنبياء عمرا، وكان قد طال نصحه لهم ~~وبلاؤه بهم، نبه على ذلك بقوله مستأنفا: { قال } مناديا لمن أرسله لأنه ~~تحقق أن لا قريب منه غيره، وأسقط أداة النداء كما هي عادة أهل القرب ~~فقال: { رب } ولما كانت العادة جارية بأن التكرار لا بد أن يؤثر ولو ~~قليلا، فكانت مخالفتهم لذلك مما هو أهل لأن يشك فيه، قال مؤكدا إظهارا ~~لتحسره وحرقته عليه الصلاة والسلام منهم في تماديهم في إصرارهم على على ~~التكذيب شكاية لحاله إلى الله تعالى واستنصارا به واستمطارا للتنبيه ~~على ما يفعل به بذله الجهد وتنبيها لمن يقص به عليهم هذا وإن كان ~~المخاطب سبحانه عالما بالسر وأخفى: { إني دعوت } أي أوقعت الدعاء إلى ~~الله سبحانه وتعالى بالحكمة والموعظة الحسنة { قومي } أي الذين هم جديرون ~~بإجابتي لمعرفتهم بي وقربهم من وفيهم قوة المحاولة لما يريدون. # ولما كان قد عم جميع الأوقات بالدعاء قال: { ليلا ونهارا * } فعبر ~~بهذا عن المداومة. # ولما تسبب عن ذلك ضد المراد قال: { فلم يزدهم دعاءي } أي شيئا من ~~أحوالهم التي كانوا عليها { إلا فرارا * } أي بعدا عنك ونفورا وبغضا ~~وإعراضا حتى كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة، وأسند الزيادة إلى الدعاء ~~لأنه سببها. # ولما كان الفرار مجازا عن رد كلامه، عطف عليه ما يبينه، فقال مؤكدا ~~لأن إعراضهم مع هذا الدعاء الطويل مما لا يكاد يصدق: { وإني كلما } على ~~تكرار الأوقات وتعاقب الساعات { دعوتهم } أي إلى الإقبال عليك بالإيمان ~~بك والإخلاص لك. # ولما كان إعراضهم عما ينفعهم أقبح، ذكر ما يتسبب عن الإجابة بالإيمان ~~فقال: { لتغفر لهم } أي ليؤمنوا فتمحو ما فرطوا فيه في حقك فأفرطوا لأجله ~~في التجاوز في الحدود محوا بالغا فلا يبقى لشيء من ذلك عينا ولا أثرا ~~حتى لا تعاقبهم عليه ولا تعاتبهم { جعلوا } أي في كل دعاء، ودل على ~~مبالغتهم في التصامم بالتعبير بالكل عن البعض فقال: { أصابعهم } كراهة له ~~واحتقارا للداعي ms5294 { في آذانهم } حقيقة لئلا يسمعون الدعاء إشارة إلى أنا ~~لا نريد أن نسمع ذلك منك، فإن أبيت إلا الدعاء فإنا لا نسمع لسد أسماعنا، ~~ودلوا على الإفراط في كراهة الدعاء بما ترجم عنه قوله: { واستغشوا ثيابهم ~~} أي أوجدوا التغطية لرؤوسهم بثيابهم إيجاد من هو طالب لذلك شديد الرغبة ~~فيه حتى يجمعوا بين ما يمنع السماع لكلامه والنظر إليه إظهارا لكراهته ~~وكراهة كلامه، وهكذا حال النصحاء مع من ينصحونه دائما { وأصروا } أي ~~داموا على سوء أعمالهم دواما هم في غاية الإقبال عليه، من أصر الحمار ~~على العانة - إذا صر أذنيه وأقبل عليها يطردها ويكدمها، استعير للإقبال ~~على المعاصي وملازمتها لأنه يكون بغاية الرغبة كأن فاعله حمار وحش قد ~~ثارت شهوته { واستكبروا } أي أوجدوا الكبر طالبين له راغبين فيه، وأكد ~~ذلك بقوله: { استكبارا * } تنبيها على أن فعلهم منابذ للحكمة، فكان مما ~~ينبغي أن لا يفعلوه فهو مما لا يكاد يصدق لذلك، وقد نادت هذه الآيات ~~بالتصريح في غير موضع بأنهم عصوا نوحا عليه الصلاة والسلام وخالفوه ~~مخالفة لا أقبح منها ظاهرا بتعطيل الأسماع والأبصار، وباطنا بالإصرار ~~والاستكبار ولم يوافقوه بقول ولا فعل، فلعنة الله عليهم وعلى من يقول: ~~إنهم وافقوه بالفعل، لأنه دعاهم للمغفرة وقد غطوا وجوههم، والتغطية هي ~~الغفر ونحو ذلك من الخرافات التي لو سمعها أسخف عباد الحجارة الذين لا ~~أسخف منهم لهزؤوا بقائلها، وما قال هذا القائل ذلك إلا تحريفا لكتاب ~~الله بنحو تحريف الباطنية الذين أجمعت الأمة على تكفيرهم لذلك التحريف، ~~ولعنة الله على من يشك في كفر من يحرف هذا التحريف أو يتوقف في لعنه، وهم ~~الاتحادية الذين مرقوا من الدين في آخر الزمان، ومن أكابرهم الحلاج وابن ~~عربي وابن الفارض، وتبعهم على مثل الهذيان أسخف الناس عقولا # إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا # [الفرقان: 44] ولقد أخبرني الإمام العلامة برهان الدين إبراهيم بن أبي ~~شريف القدسي الشافعي الثبت النحرير عن بعض من يتعصب لهم في هذا الزمان، ~~وهو من أعيان المدرسين بالقاهرة، أنه قال له: ms5295 ما حملني على انتقادي لابن ~~الفارض إلا أني رأيت كلام التائية له متناقضا، فتارة يفهم منها الحلول ~~وتارة الاتحاد، وهو عندي يحاشى عن ذلك، فعلمت أن لهؤلاء القوم اصطلاحا ~~نسبتنا منه نسبة التباين إذا سمعوا النحوي يقول: الفاعل مرفوع، فإنهم ~~يضحكون منه، ولو فهمنا اصطلاحهم لم نعترض - هذا معنى ما نقل عنه وهو ما ~~لا يرضاه ذو مسكة، وهو شبيه بما نقل المسعودي في أوائل مروج الذهب عن بعض ~~من اتهم بعقل وعلم من النصارى في زمن أحمد بن طولون، فاختبره فوجده في ~~العلم كما وصف، فسأله عن سبب ثباته على النصرانية مع علمه فقال: السبب ~~تناقضها مع أنه دان بها ملوك متكبرون وعلماء متبحرون ورهبان عن الدنيا ~~معرضون ومدبرون، فعلمت أنه ما جمع هؤلاء الأصناف على الدينونة بها مع ~~تناقضها إلا أمر عظيم اضطرهم لذلك، فدنت بها، فقال له: اذهب في لعنة الله ~~فلقد ضيعت كل عقل وصفت، ولقد والله صدق في الأمر العظيم الذي حملهم على ~~ذلك، وهو القضاء والقدرة الذي حمل كل أحد منهم على إلقاء نفسه في نار ~~جهنم باختياره بل برغبته في ذلك ومقاتلة من يصده عن ذلك، وذلك أدل دليل ~~على تمام علم الله وقدرته وأنه واحد لا شريك له ولا معقب لحكمه، وفي هذا ~~تصديق قوله النبي صلى الله عليه وسلم: # " لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع " # وهم أهل الكتاب، وقد أشبعت القول في هذا في كتابي " القارض في تكفير ابن ~~الفارض " الذي بينت فيه عوارهم، وأظهرت عارهم، وكذا كتابي " صواب الجواب ~~للسائل المرتاب " و " تدمير المعارض في تكفير ابن الفارض " ولم أبق على ~~شيء من ذلك شيئا من لبس - ولله الحمد. ### || [71.8-13] # ولما ذكر دعاءه في جميع الأوقات مع إعراضهم، وكان هذا مؤيسا وموجبا ~~للإقلاع عن الدعاء، وإن وجد الدعاء بعده في غاية البعد منه على إيجاده مع ~~الاستغراق به لجميع الحالات كما استغرق جميع الأوقات، فعبر بأداة التراخي ~~للدلالة على تباعد الأحوال فقال: { ثم } وأكد لنحو ما مضى ms5296 من أن تجرد ~~إقبالهم على دعائهم بعد ذلك لا يكاد يصدق فضلا عن الإكثار منه فقال: { ~~إني دعوتهم } أي إلى الإيمان ومنابذة الشيطان. # ولما كان الجهر أحد نوعي الدعاء، نصبه به نصب المصدر فقال: { جهارا * } ~~أي مكاشفة في فخامة الصوت والتعميم لجماعتهم جليلهم وحقيرهم والإخلاص في ~~ذلك والمداومة له حتى كاد بصري يكل من شدة التحديث إليهم والإقبال عليهم ~~من غير احتجاب عنهم ولا ارتقاب منهم بل مباغتة، وكررت ذلك عليهم حتى ~~أخرجت ما عندهم من الجواب، ولم أكف عند سد آذانهم واستغشائهم ثيابهم. # ولما كان الجهر قد لا يشيع ولا ينشر في جماعاتهم، قال مشيرا إلى أنه ~~أذاع ذلك، وأكد للإشارة إلى ما فيه من الشدة فقال: { ثم إني أعلنت } أي ~~أظهرت وأشعت وشهرت ليعلموا أنه الحق من ربهم لكوني لست مستحييا منه ولا ~~مستهجنا له { لهم } أي خصصتهم بذلك، لم يكن فيه حظ نفس بوجه فإني كررت ~~ذلك عليهم بعد أن سقط الوجوب عني، ولما قدم الجهر لأنه أقرب إلى عدم ~~الاتهام، وكان السر أجدر بمعرفة الضمائر وأقرب إلى الاستمالة، أتبعه به ~~فقال: { وأسررت لهم } أي دعوت كل واحد منهم على انفراده ليكون أدعى له ~~وأجدر بقبوله النصيحة، وأدل على الإخلاص، وكل ذلك ما فعلته إلا لأجل ~~نصيحتهم، لا حظ لي أنا في ذلك، ولما كان تحين الإنسان ليكون وحده ليس ~~عنده أحد ولا هو مشتغل بصارف مما يعسر جدا فلا يكاد يصدق أكده فقال: { ~~إسرارا * } وليدل بتأكيده على تأكيد ما قبله من الأفعال، والظاهر من ~~حاله ومن هذا الترتيب مما صرح به من الاجتهاد أنه سار فيه على مقتضى ~~الحكمة، فدعا أولا أقرب الناس إليه وأشدهم به إلفا، ثم انتقل إلى من ~~بعدهم حتى عمهم الدعاء، وكانت هذه الدعوة سرا كل واحد منهم على حدته ~~ليعلموا نصحه ولا يحمل أحد منهم ذلك على تبكيت ولا تقريع، جهر ليعلموا ~~أنه ملجأ من الله إلى ذلك، وأنها عزمة إن قصروا فيها عن الأجابة عوقبوا، ~~فلما أصروا جمع بين السر ms5297 والعلن، فلما تمادوا وطال الأذى شكى، وعلى هذا ~~فثم لبعد الرتب لا للترتيب في الزمان، ويمكن كونها للترتيب لأن الجهر ~~أبعد عن الاتهام ثم الإعلان بعده أزيد بعدا. # ولما أخبر بأنه بالغ في الدعوة إلى حد لا مزيد عليه، فلم يدع من الأوقات ~~ولا من الأحوال شيئا، سبب عنه بيان ما قال في دعوته وهو التسبب في ~~السعادة كلها بدفع المضار وجلب المسار، فقال مقدما لطلب الغفران بالتوبة ~~عن الكفر ليظهروا فيكونوا قابلين للتحلية بالمحاسن الدينية بعد التخلية ~~عن الأخلاق الدنية: { فقلت } أي في دعائي لهم: { استغفروا ربكم } أي ~~اطلبوا من المحسن إليكم، المبدع لكم، المدبر لأموركم، أن يمحو ذنوبكم ~~أعيانها وآثارها، بالرجوع عن عبادة غيره إلى الإخلاص في عبادته. # ولما ذكر أنه استعطفهم أولا ببيان أن رجوعهم ممكن، لئلا يقولوا: إنا قد ~~بالغنا في المعاصي فلا نقبل، وأعلمهم أن الاستغفار باب الدخول إلى طاعة ~~الجبار، أكد ذلك الاستعطاف بقوله معللا للأمر ولجوابه بنحو: يغفر لكم، ~~مؤكدا لأجل توقفهم: { إنه كان } أي أزلا وأبدا ودائما سرمدا { ~~غفارا * } أي متصفا بصفة الستر على من رجع إليه على أبلغ الوجوه ~~وأعلاها، وإذا وقع الغفران دفع المضار كلها. # ولما قرر أمر التوبة وبين قبولها وقدمه اهتماما به لأنه أصل ما يبتنى ~~عليه، ولأن التخلي قبل التحلي، ودرء المفاسد قبل جلب المصالح والفوائد، ~~رغب فيها بما يكون عنها من الزيادة في الإحسان على أصل القبول، وينشأ عن ~~الاستغفار من الآثار الكبار من الأفضال بجلب المسار بما هو مثال للجنة ~~التي كان سبب الإخراج منها النسيان لأنهم أحب شيء في الأرباح الحاضرة ~~والفوائد العاجلة لا سيما بما يبهج النفوس ويشرح الصدور لإذهابه البؤس، ~~فقال مجيبا لفعل الأمر: { يرسل السماء } أي المظلة الخضراء أو السحاب أو ~~المطر { عليكم } أي بالمطر وأنواع البركات { مدرارا * } أي حال كونها ~~كثيرة الدورة متكررته، وهذا البناء يستوي فيه المذكر والمؤنث { ويمددكم } ~~أظهر لأن الموضع لإرادة المبالغة والبسط والسعة { بأموال وبنين } وذلك ~~يفهم أن من اكثر الاستغفار حباه الله ما يسره، وحماه ms5298 ما يضره { ويجعل لكم ~~} أي في الدارين { جنات } أي بساتين عظيمة، وأعاد العامل للتأكيد والبسط ~~لأن المقام له فقال: { ويجعل لكم أنهارا * } يخصكم بذلك عمن لم يفعل ~~ذلك، فإن من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا، ومن كل ضيق ~~مخرجا، روى أن عمر رضي الله عنه استسقى فلم يزد على الاستغفار فلما نزل ~~قيل: يا أمير المؤمنين! ما رأيناك استسقيت؟ فقال: لقد طلبت الغيث بمجاديح ~~السماء التي بها يستنزل القطر، ثم قرأ هذه الآية، وقال القشيري: من وقعت ~~له إلى الله حاجة فلن يصل إلى مراده إلا بتقديم الاستغفار، وقال: إن عمل ~~قوم نوح كان بضد ذلك، كلما ازداد نوح في الضمان ووجوه الخير والإحسان ~~ازدادوا في الكفر والنسيان. # ولما كان من رجا ملكا عمل بما يرضيه. ومن خافة تجنب ما يسخطه، نبههم ~~على ذلك بالإشارة إلى الجلال الموجب للتوقير والجمال بالإحسان إلى الخلق، ~~مصرحا لهم بالترغيب ملوحا إلى الترهيب، فقال مستأنفا في جواب من يقول ~~منهم: هل بقي شيء من قولك؟: { ما } أي أي شيء يحصل { لكم } حال كونكم { ~~لا ترجون } أي تكونون في وقت من الأوقات على حال تؤملون بها، وبين فاعل ~~الوقار ومبدعه بتقديمه، فإنه لو أخره لكان ل " وقارا " فقال: { لله } ~~أي الملك الذي له الأمر كله { وقارا * } أي ثوابا يوقركم فيه ولو قل، ~~فإن قليله أكثر من كثير غيره، ولا تخافون له إهانة بالعقاب بأن تعلموا ~~أنه لا بد من أن يحاسبكم بعد البعث فيثيب الطائع ويعاقب العاصي، كما هي ~~عادة كل أحد مع من تحت يده، فتوقروا رسله بتصديقهم فتؤمنوا وتعملوا، فإن ~~من أراد من أحد أنه يوقره وقره وعظمه ليجازيه على ذلك، فإن الجزاء من جنس ~~العمل، وذلك إنما يكون بمعرفة الله بما له من الجلال والجمال، والخلق ~~إنما تفاضلوا بالمعرفة بالله، لا بالأعمال، إنما سبق أبو بكر رضي الله ~~عنه الناس بشيء وقر في صدره، فإن بالمعرفة تزكو الأعمال وتصلح الأقوال، ~~وإنما يصح تعظيمه سبحانه بأن لا ترى لك ms5299 عليه حقا، ولا تنازع له ~~اختيارا، وتعظم أمره ونهيه، بعدم المعارضة بترخيص جاف أو تشديد غال أو ~~حمل على توهم الانقياد، وتعظم حكمه بأن لا تبغي له عوجا ولا تدافعه ~~بعلم، ولا ينبغي له غرض وعلة، ولأجل أن المطلوب تحصيل الأعمال التي هي ~~أسباب ظاهرية، عبر بالرجاء ليسرهم بأن أعمالهم مؤثرة، وعبر بالطمع في غير ~~هذه الآية تنبيها على أنه لا سبب في الحقيقة إلا رحمة الله لحال دعاء ~~إلى ذلك. ### || [71.14-21] # ولما كان هذا إشارة إلى الاستدلال على البعث بما يعلمونه من أنفسهم صرح ~~بعد ما لوح، فقال آتيا بحرف التوقع لأنه مقامه: { وقد } أي والحال أنه ~~قد أحسن إليكم مرة بعد مرة بما لا يقدر عليه غيره، فدل ذلك على تمام ~~قدرته، ثم لم يقطع إحسانه عنكم فاستحق أن تؤمنوا به لأنه # هل جزاء الإحسان إلا الإحسان # [الرحمن:60] ورجاء لدوام إحسانه وخوفا من قطعه لأنه { خلقكم } أي ~~أوجدكم من العدم مقدرين { أطوارا * } أي تارات عناصر أولا ثم مركبات ~~تغذي الحيوان ثم أخلاطا ثم نطفا ثم علقا ثم مضغا ثم عظاما ولحوما ~~وأعصابا ودماء، ثم خلقا آخر تاما ناطقا ذكرانا وإناثا طوالا ~~وقصارا بيضا وسودا وبين ذلك - إلى غير ذلك من الأمور الدالة على قدرته ~~على كل مقدور، ومن قدر على هذا الابتداء كان على الإعادة أعظم قدرة، وقد ~~ثبتت حكمته وأنه لم يخلق الخلق الخلق سدى بما بان من هذا التطوير على هذه ~~الهيئات العجيبة التي لا قدرة لغيره عليها بوجه، وهم يتهارجون في هذه ~~الدار تهارج الحمر، ويموت المظلوم على حاله، والظالم يبلغ آماله، فلا بد ~~أن يعيدهم ليفصل بينهم فيظهر حكمته وعدله وإكرامه وفضله، ولو ترك ذلك ~~لكان نقصا في ملكه، ومن قدر على ذلك كان قادرا على الجزاء بالثواب ~~والعقاب، فهو أهل لأن يخشى ويرجى. # ولما كان هذا واضحا ولكنهم قوم لد، لا يردهم إلا الشمس المنيرة في وقت ~~الظهيرة، ذكرهم - بعد التذكير بما في أنفسهم - بما هو أكبر من ذلك من ~~آيات الآفاق وقسمها ms5300 إلى علوي وسفلي، وبدأ بالأنفس لأنها مع شرفها أقرب ~~منظور إليه لهم، وثنى بالعلوي لأنه يليها في الشرف ووضوح الآيات، فقال: ~~دالا على القدرة على البعث والجزاء بالثواب والعقاب: { ألم تروا } أي ~~أيها القوم. # ولما كان تأمل الكيفيات يحتاج إلى دقة وتوقف على عجائب ولطائف تؤذن ~~قطعا بأن فاعلها لا يعجزه شيء، وقال منكرا عليهم عدم التأمل: { كيف خلق ~~الله } أي الذي له العلم التام والقدرة البالغة والعظمة الكاملة { سبع ~~سماوات } هي في غاية العلو والسعة والإحكام والزينة، يعرف كونها سبعا ~~بما فيها من الزينة. # ولما كانت المطابقة بين المتقابلات في غاية الصعوبة لا يكاد يقدر عليها ~~من جميع الوجوه أحد، قال: { طباقا * } أي متطابقة بعضها فوق بعض وكل ~~واحدة في التي تليها محيطة بها " ما لها من فروج " لا يكون تمام المطابقة ~~إلا كذلك بالإحاطة من كل جانب. # ولما كان المحيط لا يتوصل إلى داخله إلى محيط العلم والقدرة، قال دالا ~~على كمال قدرته وتصرفه معبرا بالجعل الذي يكون عن تصيير وتسبيب: { وجعل ~~القمر } أي الذي ترونه وهو في السماء الدنيا، وبدأ به لقربه وسرعة حركته ~~وقطعه جميع البروج في كل شهر مرة وغيبته في ليالي السرار ثم ظهوره، وذلك ~~أعجب في القدرة. # ولما كانت السماء شفافات قال: { فيهن } أي السماوات جميعهن { نورا } أي ~~لامعا منتشرا كاشفا للمرئيات، أحد وجهيه يضيء لأهل الأرض والثاني لأهل ~~السماوات، ولما كان نوره مستفادا من نور الشمس قال: { وجعل } معظما لها ~~بإعادة العامل { الشمس } أي في السماء الرابعة { سراجا * } أي نورا ~~عظيما كاشفا لظلمه الليل عن وجه الأرض وهي في السماء الرابعة، وروى ابن ~~مردويه وعبد الرزاق والطبري عن ابن عباس وعبد الله بن عمرو رضي الله ~~عنهم: " إن الشمس والقمر وجوههما مما يلي السماء، وأقفيتهما إلى الأرض "؛ ~~وروى الحاكم منه ذكر القمر وجعلهما سبحانه آية على رؤية عباده المحسنين ~~له في الجنة فإنه يرى كل أحد كلا من مكانه مخليا به، وكذلك يرونه ~~سبحانه عيانا جهارا كما رأوه في الدنيا بالإيمان نظرا ms5301 واعتبارا، ولما ~~دل على كمال علمه وتمام قدرته بخلق الإنسان ثم بخلق ما هو أكبر منه أعاد ~~الدلالة بخلق الإنسان لأنه أعظم المحدثات وأدلها على الله سبحانه وتعالى ~~على وجه آخر مبين لبعض ما أشار إليه الأول من التفصيل مصرحا بالبعث فقال ~~مستعيرا الإنبات للإنشاء: { والله } أي الملك الأعظم الذي له الأمر كله ~~{ أنبتكم } أي بخلق أبيكم آدم عليه الصلاة والسلام { من الأرض } أي كما ~~ينبت الزرع، وعبر بذلك تذكيرا لنا لما كان من خلق أبينا آدم عليه الصلاة ~~والسلام لأنه أدل على الحدوث والتكون من الأرض، وأشار إلى أنه جعل غذءانا ~~من الأرض التي خلقنا منها، وبذلك الغذاء نمونا. # ولما كان إنكارهم للبعث كأنه إنكار للابتداء أكده بالمصدر وأجراه على ~~غير فعله بتجريده من الزيادة، إشارة إلى هوانه عليه سبحانه وتعالى ~~وسهولته مع أنه إبداع وابتداء واختراع فقال: { نباتا * } ومع ذلك فالآية ~~صالحة للاحتباك: ذكر " أنبت " أولا دال على حذف مصدره ثانيا، وذكر " ~~النبات " ثانيا دال على حذف فعله أولا، ليكون التقدير: أنبتكم إنباتا ~~فنبتم نباتا. # ولما كان في الموت أيضا دليل على تمام العلم والقدرة غير أنه ليس ~~كدلالة الابتداء بالابتداع، وكان مسلما ليس فيه نزاع، ذكره من غير تأكيد ~~بالمصدر فقال دالا على البعث والنشور: { ثم يعيدكم } على التدريج { ~~فيها } أي الأرض بالموت والإقبار وإن طالت الآجال { ويخرجكم } أي فيها ~~بالإعادة، وأكد بالمصدر الجاري على الفعل إشارة إلى شدة العناية به ~~وتحتيم وقوعه لإنكارهم له فقل: { إخراجا * } أي غريبا ليس هو كما ~~تعلمون بل تكونون به في غاية ما يكون من الحياة الباقية، تلابس أرواحكم ~~بها أجسامكم ملابسة لا انفكاك بعدها لأحدهما عن الآخر. # ولما كان النابت من الشيء لا يتصرف في ذلك الشيء، دل على كمال قدرته ~~بخرق تلك العادة لهم على وجه الإنعام عليهم، فقال مظهرا للاسم الشريف ~~مرة بعد أخرى تعظيما للأدلة لئلا تقيد القدرة بما يقترن به الاسم دالا ~~بالعالم السفلي بعد الإرشاد بالعلوي وآخر السفلي لأن آياته على ظهورها ~~خفيت بكثرة الإلف ms5302 لها: { والله } أي المستجمع لجميع الجلال والإكرام { ~~جعل لكم } أي نعمة عليكم اهتماما بأمركم { الأرض بساطا * } أي سهل ~~عليكم التصرف فيها والتقلب عليها سهولة التصرف في البساط، ثم علل ذلك ~~فقال: { لتسلكوا } أي منجدين { منها } أي الأرض مجددين لذلك { سبلا } أي ~~طرقا واضحة مسلوكة بكثرة { فجاجا * } أي ذوات اتساع لتتوصلوا إلى ~~البلاد الشاسعة برا وبحرا، فيعم الانتفاع بجميع البقاع، فالذي قدر على ~~إحداثكم وأقدركم على التصرف في أصلكم مع ضعفكم قادر على إخراجكم من ~~أجداثكم التي لم تزل طوع أمره ومحل عظمته وقهره. # ولما كانوا جادلوه عليه الصلاة والسلام بعد هذا البيان الذي لا يشك في ~~دلالته على المراد من تحقق لصفاء الإيقان، فأكثروا الجدال ونسبوه إلى ~~الضلال وعصوه أقبح العصيان وقابلوه بأشنع الأقوال والأفعال، طوى ذلك ~~مشيرا إليه بقوله مستأنفا: { قال نوح } أي بعد رفقه بهم ولينه لهم ~~شاكيا منهم: { رب } أي أيها المحسن إلي المدبر لي المتولي لجميع أموري. # ولما كان الضعفاء أكثر الناس بحيث إذا اجتمعوا دل الرؤوس الأقوياء ~~بالأموال والأولاد وكانوا كأنهم الكل، فقال مؤكدا لأن عصيانهم له بعد ~~ذلك مما يبعد وقوعه: { إنهم } أي قومي الذين دعوتهم إليك مع صبري عليهم ~~ألف سنة إلا خمسين عاما { عصوني } أي فيما أمرتهم به ودعوتهم إليه فأبوا ~~أن يجيبوا دعوتي وشردوا عني أشد شراد وخالفوني أقبح مخالفة { واتبعوا } ~~أي بغاية جهدهم نظرا إلى المظنون العاجل بعد ترك المحقق عاجلا وآجلا { ~~من } أي من رؤسائهم البطرين بأموالهم المغترين بولدانهم، وفسرهم بقوله: { ~~لم يزده } أي شيئا من الأشياء. # ولما كان المال يكون للإنسان الولد، وكان ينبغي أن يشكر الله الذي آتاه ~~إياه ليكون له خيرا في الدارين وكذا الولد قال: { ماله } أي بكثرته { ~~وولده } كذلك، وهو الجنس في قراءة التحريك - وكذا في قراءة ابن كثير ~~والبصريين وحمزة والكسائي بالضم والسكون على أنه لغة في المفرد كالحزن ~~والحزن والرشد والرشد، أو يكون على هذه جمعا كالأسد والأسد، ويكون ~~اختيار أبي عمرو لهذه القراءة في هذا الحرف وحده للإشارة بجمع الكثرة ~~المبني ms5303 على الضمة التي هي أشد الحركات إلى أنهم - وإن زادت كثرتهم وعظمت ~~قوتهم - لا يزيدونهم شيئا { إلا خسارا * } بالبعد عن الله والعمى عن ~~محجة الطريق، فإن البسط لهم في الدنيا بذلك كان سببا لطغيانهم وبطرهم ~~واتباعهم لأهوائهم حتى كفروا واستغووا غيرهم فغلبوا عليهم فكانوا سببا ~~في شقائهم وخسارتهم بخسارتهم، وكان عندهم أنها زادتهم رفعة، وفي السياق ~~دليل على أنهم ما حصلت لهم الوجاهة إلا بها. ### || [71.22-24] # ولما كانت كثرة الرؤساء قوة أخرى إلى قوتهم بمتاع الدنيا، وكان التقدير: ~~فأمرتهم بالإيمان فأبوا وأمروهم بالكفر فانقادوا لهم، عطف عليه مبينا ~~لكثرتهم بضمير الجمع العائد على " من " عاطفا على " لم يزده " المفردة ~~الضمير للفظ جامعا له للمعنى لتجمع العبارة الحكم على المفرد والجمع، ~~فيكون أدل شيء على المراد منها فقال: { ومكروا } أي هؤلاء الرؤساء في ~~تنفير الناس عني - وأكد الفعل بالمصدر دلالة على قوته فقال: { مكرا } ~~وزاده تأكيدا بصيغة هي النهاية في المبالغة فقال: { كبارا * } فإنه ~~أبلغ من كبار المخفف الأبلغ من كبير، فلم يدعوا أحدا منهم بذلك المكر ~~يتبعني { وقالوا } أي لهم في أداني المكر الذي حصل منهم. # ولما كان دعاء الرسل عليهم الصلاة والسلام جديرا بالقبول لما لهم من ~~الجلالة والحلاوة والبيان والرونق والظهور في الفلاح، أكدوا قولهم: { لا ~~تذرن آلهتكم } أي لا تتركنها على حالة من الحالات لا قبيحة ولا حسنة، ~~وأضافوها إليهم تحسبا فيها، ثم خصوا بالتسمية زيادة في الحث وتصريحا ~~بالمقصود فقالوا مكررين النهي والعامل تأكيدا: { ولا تذرن } ولعلهم ~~كانوا يوافقون العرب في أن الود هو الحب الكثير، فناسب المقام بذاتهم ~~بقوله: { ودا } وأعادوا النافي تأكيدا فقالوا: { ولا سواعا * } وأكدوا ~~هذا التأكيد وأبلغوا فيه فقالوا: { ولا يغوث } ولما بلغ التأكيد نهاية ~~وعلم أن المقصود النهي عن كل فرد فرد لا عن المجموع بقيد الجمع أعروا ~~فقالوا: { ويعوق ونسرا * } معرى عن التأكيد للعلم بإرادته، وكان هؤلاء ~~ناسا صالحين، فلما ماتوا حزن عليهم الناس ثم زين لهم إبليس تصويرهم ~~تشويقا إلى العمل بطرائقهم الحسنة فصوروهم، فلما تمادى الزمان زين لهم ms5304 ~~عبادتهم لتحصيل المنافع الدنيوية ببركاتهم ثم نسي القوم الصالحون، وجعلوا ~~أصناما آلهة من دون الله، وكانت عبادة هؤلاء أول عبادة الأوثان فأرسل ~~الله سبحانه وتعالى نوحا عليه الصلاة والسلام للنهي عن ذلك إلى أن كان ~~من أمره وأمر قومه ما هو معلوم، ثم أخرج إبليس هذه الأصنام بعد الطوفان ~~فوصل شرها إلى العرب، فكان ود لكلب بدومة الجندل وسواع لهذيل ويغوث لمذحج ~~ويعوق لمراد ونسر لحمير لآل ذي الكلاع، وقيل غير ذلك - والله أعلم قال ~~البغوي: سواع لهذيل ويغوث لمراد، ثم لبني غطيف بالجرف عن سبأ ويعوق ~~لهمذان. قال أبو حيان: قال أبو عثمان النهدي: رأيت يغوث وكان من رصاص ~~يحمل على جمل أجرد، يسيرون معه لا يهيجونه حتى يكون هو الذي يبرك، فإذا ~~برك نزلوا وقالوا: قد رضي لكم المنزل، فينزلون حوله ويضربون عليه بناء، ~~وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما في سبب وصول شر تلك الأوثان إلى العرب ~~أنها دفنها الطوفان ثم أخرجها الشيطان لمشركي العرب، وكانت للعرب أصنام ~~أخر فاللات لثقيف، والعزى لسليم وغطفان وجشيم، ومنات بديد لهذيل، وإساف ~~ونايلة وهبل لأهل مكة، وكان إساف حيال الحجر الأسود، ونايلة حيال الركن ~~اليماني، وكان هبل في جوف الكعبة - انتهى، وقال الواقدي: ود على صورة ~~رجل، وسواع على صورة امرأة، ويغوث على صورة أسد، ويعوق على صورة فرس، ~~ونسر على صورة نسر - انتهى. # ولا يعارض هذا أنهم صور لناس صالحين لأن تصويرهم لهم يمكن أن يكون ~~منتزعا من معانيهم، فكأن ودا كان أكملهم في الرجولية، وكانت سواع امرأة ~~كاملة في العبادة، وكان يغوث شجاعا، ويعوق كان سباقا قويا، وكان نسر ~~عظيما طويل العمر - والله تعالى أعلم. # ولما ذكر مكرهم وما أظهروا من قولهم، عطف عليه ما توقع السامع من أمره ~~فقال: { وقد أضلوا } أي الأصنام وعابدوها بهذه العبادة { كثيرا } من ~~عبادك الذين خلقتهم على الفطرة السليمة من أهل زمانهم وممن أتى بعدهم ~~فإنهم أول من سن هذه السنة السيئة فعليهم وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم ~~القيامة. ms5305 # ولما كان التقدير: فلا تزد الظالمين إلا خسارا، عطف عليه قوله مظهرا ~~في موضع الإضمار تعميما وتعليقا للحكم بالوصف: { ولا تزد الظالمين } أي ~~الراسخين في الوصف الموجب لأن تكون آثار المتصف به كآثار الماشي في في ~~الظلام في وقوعها مختلة، شيئا من الأشياء التي هي فيهم { إلا ضلالا * } ~~أي طبعا على عقولهم وقلوبهم حتى يعموا عن الحق وعن جميع مقاصدهم الفاسدة ~~الضالة الراسخة في الضلال فلا يكون منها شيء على وجه يكون فيه شيء من ~~سداد، وكان هذا بعد أن أعلمه الله سبحانه وتعالى أنه لن يؤمن منهم إلا من ~~قد آمن، والكلام عليه على كل حال كالكلام على دعاء موسى هارون عليهما ~~وعلى محمد أفضل الصلاة والسلام في الشد على قلوب فرعون وملئة لئلا يؤمنوا ~~في حال ينفعهم فيه كما مضى في سورة يونس عليه السلام، وقد بالغ ابن عربي ~~في المروق من الدين فقال في فصوصة: إن هذا الدعاء حسن في حقهم، وقال: إن ~~الضلال أهدى من الهدى، وإن الضال أحسن حالا من المهتدي، لأن الضال لا ~~يزال قريبا من القطب المقصود دائرا حوله، والمهتدي صاحب طريقة مستطيلة، ~~فهو يبعد عن المقصود، فأبان أن الله تعالى لم يخلق خلقا أسفه منه إلا من ~~اتبعه عليه وعلى من ينحو نحوه من الضلال الذي لا يرضاه عاقل من عباد ~~الأصنام الذين لا أسفه منهم ولا غيره، فعليهم أشد الخزي واللعنة. ### || [71.25-28] # ولما فرغ من أمرهم في ضلالهم، ودعا رسولهم صلى الله عليه وسلم، فلم يبق ~~إلا إهلاكهم. وكان من مفهومات الضلال المحق وإذهاب العين كما يضل الماء ~~في اللبن، قال مبينا، إجابته لدعائه ذاكرا الجهة التي أهلكوا بسببها: ~~وأكد ب " ما " النافية في الصورة لضد مضمون الكلام لاعتقاد الكفار أن ~~الإنجاء والإهلاك عادة الدهر: { مما }. # ولما كان الكافر قد أخطأ ثلاث مرات: يكفره في الإيمان بالطاغوت، وتكذيب ~~ربه، وتكذيب رسوله صلى الله عليه وسلم، وكان ذلك كافيا في استحقاقه ~~للأخذ قال: { خطيئاتهم } جامعا له جمع السلامة - في قراءة الجماعة، ~~وأفهمت ms5306 قراءة أبي عمرو بجمع التكسير أن لهم مع هذه الأمهات الكافية في ~~الأخذ من الذنوب ما يفوت الحصر يوجب تغليظ ذلك الأخذ، فهي مشيرة إلى أنه ~~ينبغي الاحتراز من كل الذنب. # ولما كان الموجع إغراقهم لا كونه من معين، قال مخبرا عما فعل بهم في ~~الدنيا: { أغرقوا } أي بالطوفان بانيا له للمفعول لذلك وللإعلام بأنه في ~~غاية السهولة على الفاعل المختار الواحد القهار، فطاف الماء عليهم جميع ~~الأرض السهل والجبل، فلم يبق منهم أحدا، وكذا الكلام فيما تسبب عنه ~~وتعقبه من قوله: { فأدخلوا } أي بقهر القهار في الآخرة التي أولها البرزخ ~~يعرضون فيه على النار بكرة وعشيا { نارا * } أي عظيمة جدا أخفها ما ~~يكون من مبادئها في البرزخ، قال الشيخ ولي الدين الملوي: فعذبوا في ~~الدنيا بالغرق، وفي الآخرة بالحرق، والإياس من الرحمة، وأي عذاب أشد من ~~ذلك، وقال الضحاك: في حالة واحدة كانوا يغرقون في الماء من جانب ويحترقون ~~في الماء من جانب آخر بقدرة الله سبحانه وتعالى، وفيها دلالة على قول ~~غيره على عذاب القبر. # ولما كانوا قد استندوا إلى آلهتهم لتنصرهم من أخذ الله تعالى، قال ~~مسببا عن هذا الإغراق والإدخال من الرحمة ليكون ذلك أشد في العذاب، فإن ~~الإنسان - كما قال الملوي: - إذا كان في العذاب ويرجو الخلاص يهون عليه ~~الأمر بخلاف ما إذا يئس من الخلاص، معلما بأن آلهتهم عاجزة فإنهم لم تغن ~~عنهم شيئا، توبيخا لمن يعبد مثلها: { فلم يجدوا } وحقق الأمر فيهم ~~بقوله: { لهم } أي عندما أناخ الله بهم سطوته وأحل بهم نقمته. # ولما كانت الرتب كلها دون رتبته تعالى، وكان ليس لأحد أن يستغرق جميع ما ~~تحت رتبته سبحانه من المراتب، قال مثبتا الجار: { من دون الله } أي ~~الملك الأعظم الذي تتضاءل المراتب تحت رتبة عظمته وتذل لعزه وجليل سطوته ~~{ أنصارا * } ينصرونهم على من أراد بهم ذلك ليمنعوه مما فعل بهم أو ~~يقتصوا منه لهم بما شهد به شاهد الوجود الذي هو أعدل الشهود من أنه تم ما ~~أراده سبحانه وتعالى من ms5307 إغراقهم من غير أن يتخلف منهم أحد على كثرتهم ~~وقوتهم لكونهم أعداءه وإنجاء نبيه نوح عليه الصلاة والسلام ومن معه رضوان ~~الله وسلامه عليهم أجمعين على ضعفهم وقلتهم لم يقعد منهم أحد لكونهم ~~أولياءه، فكما لم يهلك ممن أراد إنجاءه أحد فكذلك لم يسلم منهم، فمن قال ~~عن عوج ما يقوله القصاص فهو أيضا ضال أشد ضلال، فلعنة الله على من يقول: ~~إن الله تعالى كان غير ناصرهم، مع هذه الدلالات التي هي نص في أنه عدوهم، ~~وأن نصرهم إنما يكون على نبيه نوح عليه الصلاة والسلام، واعتقاد ذلك أو ~~شيء منه كفر ظاهر لا محيد عنه بوجه، وقائل ذلك هو ابن عربي صاحب الفصوص ~~الذي لم يرد بتصنيفه إلا هدم الشريعة المطهرة، ونظمه أيا ابن الفارض في ~~تائيته التي سماها بنظم السلوك، فلعنة الله عليه وعلى من تبعه أو شك في ~~كفره أو توقف في لعنه بعد ما نصب من الضلال الذي سعر به البلاد، وأردى ~~كثيرا من العباد. # ولما أتم الخبر عن إغراقهم، وقدمه للاهتمام بتعظيم الرسول صلى الله عليه ~~وسلم في إجابة دعوته تحذيرا للعرب أن يخرجوا رسولهم صلى الله عليه وسلم ~~فيخرجوه إلى مثل ذلك، عطف على قول نوح عليه السلام من أوله قوله عندما ~~أخبره تعالى أنهم مغرقون وأنه لا يؤمن منهم إلا من قد آمن بعدما طال ~~بلاؤه بهم حتى أن كان الرجل ليأتي بابنه إليه فيقول له: احذر هذا أن ~~يضلك، وإن أبي حذر به، وكانت صيغة العموم ليست بنص في أفرادها أبدا، ~~استنجازا لوعده وتصريحا بمراده: { وقال نوح } وأسقط الأداة كما هي عادة ~~أهل الحضرة فقال: { رب لا تذر } أي تترك بوجه من الوجوه أصلا ولو على ~~أدنى الوجوه { على الأرض } أي كلها من مشرقها إلى مغربها وسهلها وجبلها ~~ووهدها { من الكافرين } أي الراسخين في الكفر الذي هو كان لهم جبلة ~~وطبعا { ديارا * } أي أحدا يدور فيها، وهو من ألفاظ العموم التي ~~تستعمل في النفي العام فيقال من الدور أو الدار لا ms5308 فعال، وإلا لكان ~~دوارا، ويجوز - وهو أقرب - أن يكون هذا الدعاء عند ركوبه السفينة ~~وابتداء الإغراق فيهم، يريد به العموم كراهية أن يبقى أحد منهم على ذروة ~~جبل أو نحوه، لا أصل الإغراق، وأن يكون معنى ما قبله الحكم بإغراقهم ~~وتحتم القضاء به أو الشروع فيه. # ولما كان الرسل عليهم الصلاة والسلام لا يقولون ولا يفعلون إلا ما فيه ~~مصلحة الدين، علل دعاءه بقوله وأكده إظهارا لجزمه باعتقاد ما أنزل عليه ~~من مضمون قوله تعالى: # إنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن # [هود: 36] وإن كان ذلك خارجا عن العادة: { إنك } أي يا رب { إن تذرهم } ~~أي تتركهم على أي حالة كانت في إبقائهم سالمين على وجه الأرض على ما هم ~~عليه من الكفر والضلال والإضلال ولو كانت حالة دنية { يضلوا عبادك } أي ~~الذين آمنوا بي والذين يولدون على الفطرة السليمة. # ولما كان ربما كان الإنسان ضارا ووجد له ولد نافع؛ نفى ذلك بقوله: { ~~ولا يلدوا } أي إن قدرت بقاءهم في الدنيا { إلا فاجرا } أي مارقا من كل ~~ما ينبغي الاعتصام به، واكتفى فيه بأصل الفاعل إشارة إلى أن من جاوز الحد ~~أو شرع في شيء بعده من التمادي في الغي صار ذلك له ديدنا فبالغ، فلذلك ~~قال: { كفارا * } أي بليغ الستر لما يجب إظهاره من آيات الله لأن قولك ~~يا رب لا يتخلف أصلا، والظاهر أن هذا الكلام لا يقوله إلا عن وحي كما في ~~سورة هود عليه السلام من قوله تعالى: # إنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن # [هود: 36] فيكون على هذا حتى صغارهم معذبين بما يعلم الله منهم لو بلغوا ~~لا بما عملوه كما قال صلى الله عليه وسلم في أولاد الكفار # " الله أعلم بما كانوا عاملين ". # ولما دل هذا كله على أنه دعا على أعداء الله، دعا أيضا لأوليائه وبدأ ~~بنفسه لأنه رأس تلك الأمة، فقال مسقطا على عادة أهل الخصوص: { رب } أي ~~أيها المحسن إلي باتباع من اتبعني وتجنب من تجنبني، فإن ms5309 من كانت طبيعته ~~طبعت على شيء لا تحول عنه. # ولما كان المقام الأعلى أجل من أن يقدره أحد حق قدره قال: { اغفر لي } ~~أي فإنه لا يسعني وإن كنت معصوما إلا حلمك وعفوك ورحمتك. ولما أظهر ~~بتواضعه عظمة الله سبحانه وتعالى رتب المدعو لهم على الأحق فالأحق فقال: ~~{ ولوالدي } وكانا مؤمنين وهما لمك بن متوشلخ وشمخاء بنت أنوش، قال أبو ~~حيان: وقال ابن عباس رضي الله عنهما: لم يكفر لنوح عليه السلام أب فيما ~~بينه وبين آدم عليهم الصلاة والسلام. وأعاد الجار إظهارا للاهتمام فقال: ~~{ ولمن دخل بيتي } لأن المتحرم بالإنسان له حق أكيد لا سيما إن كان ~~مخلصا في حبه، ولذا قال: { مؤمنا } ولما خص عم وأعاد الجار أيضا ~~اهتماما فقال: { وللمؤمنين والمؤمنات } أي العريقين في هذا الوصف في كل ~~أمة إلى آخر الدهر ولا تزدهم في حال من الأحوال شيئا من الأشياء إلا ~~مفازا. # ولما كان التقدير بما أرشد إليه الاحتباك: ولا تكرم المارقين، عطف عليه ~~قوله: { ولا تزد الظالمين } أي العريقين في الظلم في حال من الأحوال { ~~إلا تبارا * } أي إلا هلاكا مدمرا مفتتا لصورهم قاطعا لأعقابهم ~~مخبرا لديارهم وكما استجاب الله سبحانه وتعالى له في أهل الإيمان ~~والكفران من أهل ذلك الزمان فكذلك يستجيب له في أهل الإيمان وأهل الخسران ~~بالسعادة والتبار في جميع الأعصار إلى أن يقفوا بين يدي العزيز الجبار، ~~والأية من الاحتباك: إثبات الدعاء المقتضي لأصل إكرام المؤمنين أولا ~~مرشد إلى حذف الدعاء المفهم لأصل إهانة الكافرين ثانيا، وإثبات الدعاء ~~بزيادة التبار ثانيا مفهم لحذف الدعاء الموجب لزيادة المفاز أولا، وهذا ~~الآخر المفصح بالتبار هو ما أرشد إليه الابتداء بالإنذار، فقد انطبق ~~الآخر على الأول على أصرح وجه وأكمل، وأحسن حال وأجمل منال، ولا حول ولا ~~قوة إلا بالله العلي العظيم والحمد لله تعالى على كل حال. ### | [72 - سورة الجن] ### || [72.1-4] # ولما كان نوح عليه الصلاة والسلام أول رسول أرسله الله تعالى إلى ~~المخالفين من أهل الأرض، وكان قومه عباد أوثان، وعصوه أشد ms5310 العصيان مع أنه ~~كان منهم نسبا ولسانا، وختمت سورته بدعائه عليهم، وكان نبينا صلى الله ~~عليه وسلم خاتم النبيين، فهو آخر رسول بعثه الله تعالى إلى أهل الأرض ~~وغيرهم من جميع الخلق، وكان قومه العرب قد وافقوا قوم نوح عليه السلام في ~~أكثر أحوالهم عبادة الأوثان حتى تلك الأوثان إما بأساميها أو بأعيانها ~~على ما ورد في الأخبار، وفي عصيان رسولهم واستضعاف أتباعه واستهزائهم ~~ابتدئت، هذه بما كان من سهولة من سمع هذه الدعوة الخاتمة الجامعة من غير ~~الجنس فضلا عن الموافقين في الجنس مع قصر الزمان وضعف الأعوان لجلالة ~~هذا القرآن، فقال منبها له بالأمر على ما في هذا من عظيم القدر، مع ~~الإشارة إلى تبكيت العرب على التباطؤ عن الإجابة إلى ما يعرفون من رشده ~~بمعناه ونظمه، لكونه بلسانهم وكونهم من نوع الداعي وقبيله وأقرب الناس ~~إليه { قل } أي يا محمد لقومك. # ولما كان المقصود تعظيم الموحى به، وأما الموحي إلى كل من الرسولين ~~فواحد، بنى للمفعول قوله مبينا لسيرة الجن في تلقيهم لهذا القرآن بالأخذ ~~إرثا من أشرف النبيين وإلقائهم له بالإبلاغ إلى غيرهم من وارث العلم ~~منهم ليكون لهم الشرفان: شرف العلم لكمال أنفسهم، والتعليم لتكميل غيرهم، ~~فيكون لهم مثل أجر من عمل بما ألقوه إليه وأملوه عليه: { أوحي إلي } أي ~~أخبرت على وجه الخفاء ممن لا يعلم الغيب غيره في هذا القرآن الذي اقتضى ~~إعجازه أن أكون أكثر الأنبياء تابعا على لسان جبريل عليه السلام الذي هو ~~أمينه والواسطة بينه وبين أنبيائه، ثم وضع موضع المفعول الذي لم يسم ~~فاعله قوله: { أنه } أي الشأن العظيم { استمع } أي بغاية الإصغاء ~~والإقبال والتقبل والإلف استماعا هو الاستماع في الحقيقة لأنه لقراءتي ~~هذا القرآن { نفر } هم في غاية النفرة جبلة وطبعا { من الجن } الذين هم ~~في غاية الاستتار، وهم أجسام حية عاقلة خفيفة تغلب عليها النارية أو ~~الهوائية كما تغلب على أجسام الإنس الترابية، والنفر ما بين الثلاثة ~~والعشرة، قال البغوي: وكانوا تسعة من جن نصيبين، وقيل: كانوا ms5311 سبعة، وفي ~~هذه العبارة دليل على أنه صلى الله عليه وسلم ما رآهم ولا قرأ عليهم، ~~وإنما اتفق حضورهم عند قراءته، وهل هذا الاستماع هو المذكور في الأحقاف ~~أو غيره قال أبو حيان: المشهور أنه هو، وقيل: هو غيره، والجن الذين أتوه ~~بمكة جن نصيبين، والذين أتوه بنخلة جن نينوى، والسورة التي استمعوها قال ~~عكرمة: العلق، وقيل: الرحمن، ولم يذكر هنا ولا في الأحقاف أنه رآهم، ~~ويظهر من الحديث تعدد الواقعة، فمنها ما كان في المبدأ ولم يكن معه أحد ~~من الصحابة رضي الله عنهم كما في حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ~~الذي في الصحيح # " أنهم فقدوه صلى الله عليه وسلم ليلة من الليالي فالتمسوه في الأودية ~~والشعاب، فلما أصبح إذا جاء من قبل حراء فقال: أتاني داعي الجن فذهبت معه ~~فقرأت عليهم القرآن، فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم، ومنها ما ~~كان معه عبد الله رضي الله عنه فذهب معه إلى الحجون عند الشعب فخط عليه ~~خطا، وقال: لا تجاوزه، فانحدر عليه أمثال الحجل يجرون الحجارة بأقدامهم ~~حتى غشوه فلا أراه، وأومأ إلي بيده أن اجلس، فتلا القرآن، فلم يزل صوته ~~يرتفع واختفوا بالأرض حتى ما أراهم " # قال الأصبهاني: وقيل: كانوا من بني الشيصبان وهم أكثر الجن عددا وهم ~~عامة جنود إبليس، وقال القشيري: لما رجمت الشياطين بالشهب فرق إبليس ~~جنوده لعلم ذلك فأتى سبعة منهم بطن نخلة فاستمعوا قراءة النبي صلى الله ~~عليه وسلم فآمنوا ثم أتوا قومهم فقالوا: يا قومنا إنا سمعنا قرآنا ~~عجبا، يعني ولم يرجعوا إلى إبليس لما علموه من كذبه وسفاهته، وجاؤوا إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم في سبعين من قومهم فأسلموا، فذلك قوله تعالى: # وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه # [الأحقاف: 29] الآيات { فقالوا } أي فتسبب عن استماعهم أن قال من سمع ~~منهم لمن لم يسمع، أو لمن كان يواخيهم من الإنس امتثالا لقول النبي صلى ~~الله عليه وسلم # " رحم الله امرأ سمع منا مقالة فوعاها ms5312 فأداها كما سمعها " # وكان قولهم سكونا إلى هذا ا لقرآن وأنسابه، مؤكدين لبعد حالهم عن سماع ~~الوحي وعلمهم بما زاد به من الإعجاز: { إنا } بالكسر لأنه مبتدأ محكي بعد ~~القول { سمعنا } حين تعمدنا الإصغاء وألقينا إليه أفهامنا { قرآنا } أي ~~كلاما هو في غاية الانتظام في نفسه والجمع لجميع ما نحتاج إليه، ثم ~~وصفوه بالمصدر مبالغة في أمره فقالوا: { عجبا * } أي بديعا خارجا عن ~~عادة أمثاله من جميع الكتب الإلهية فضلا عن كلام الناس في جلالة النظم ~~وإعجاز التركيب والوضع مع الموافقة لها في الدعوة إلى الله تعالى والبيان ~~للمحاسن والمساوىء والدعاء إلى كل فلاح حتى صار نفس العجب، والعجب ما خرج ~~عن حد أشكاله ونظائره فخفي سببه، وهذا يدل على قوتهم العلمية في فصاحتهم ~~وكمالهم في علم الرسوم، وصوغ الكلام على أبلغ جهات النظوم. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما تقدم ذكر حال كفار قريش في تعاميهم ~~عن النظر وجريهم في اللدد والعناد حسبما انطوت عليه سورة ن والقلم، ثم ~~أتبعت بوعيدهم في الحاقة ثم بتحقيقه وقرب وقوعه في المعارج ثم بتسليته ~~عليه الصلاة والسلام وتأنيسه بقصة نوح عليه الصلاة والسلام مع قومه، أعقب ~~ذلك بما يتعظ به الموفق ويعلم أن القلوب بيد الله: فقد كانت استجابة ~~معاندي قريش والعرب أقرب في ظاهر الأمر لنبي من جنسهم ومن أنفسهم فقد ~~تقدمت لهم معرفة صدقه وأمانته، ثم جاءهم بكتاب بلسانهم الذي به يتحاورون ~~ولغتهم التي بها يتكلمون، فقد بهرت العقول آياته، ووضحت لكل ذي قلب سليم ~~براهينه ومعجزاته، وقد علموا أنهم لا يقدرون على معارضته إلى ما شاهدوه ~~من عظيم البراهين، ومع ذلك عموا وصموا - غضب الله عليهم ولعنهم - وسبق ~~إلى الإيمان من ليس من جنسهم ولا سبقت له مزية تكريمهم، وهم الجن ممن ~~سبقت لهم من الله الحسنى فآمنوا وصدقوا، وأمر صلى الله عليه وسلم ~~بالإخبار بذلك، فأنزل الله تعالى عليه { قل أوحي إلي أنه استمع نفر من ~~الجن } [الجن: 1] الآيات إلى قوله إخبارا عن تعريف الجن سائر أخوانهم ms5313 ~~بما شاهدوه من عناد كفار العرب " وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا ~~يكونون عليه لبدا " ثم استمرت الآي ملتحمة المعاني معتضدة المباني إلى ~~آخر السورة - انتهى. # ولما بينوا فضله من جهة الإعجاز وغيره، بينوا المقصود بالذات الدال على ~~غوصهم على المعاني بعد علمهم بحسن المباني فقالوا: { يهدي } أي يبين غاية ~~البيان مع الدعاء في لطف وهدى { إلى الرشد } أي الحق والصواب الذي يكاد ~~يشرد لثقله على النفوس الداعية إلى الهوى وخفة ضده الغي والسفة الملائم ~~لنقائص النفوس. ولما وصفوه بهذه الكمالات سببوا عن ذلك قولهم إعمالا ~~للقوة العملية في المبادرة إلى الصواب من غير تخلف أصلا: { فآمنا } أي ~~كل من استمع منا لم يتخلف منا أحد ولا توقف بعد الاستماع { به } أي ~~أوقعنا الأمان لمبلغ القرآن أن نكذبه أو نخالفه أدنى مخالفة بسبب هذا ~~القرآن. # ولما أخبروا عن الماضي، وكان الإيمان لا يفيد إلا مع الاستمرار، قالوا ~~عاطفين على ما تقديره: فوجدنا الله في الحال لأن ذلك نتيجة الإيمان ~~بالقرآن وخلعنا الأنداد: { ولن } أي والحال أنا مع إيقاع الإيمان في ~~الحال لن { نشرك } بعد ذلك أصلا، أكدوا لأنه أمر لا يكاد يصدق { بربنا } ~~أي الذي لا إحسان قائم بنا من الإيجاد وما بعده إلا منه { أحدا * } أي ~~من الخلق لأنه لم يشركه في شيء من مرنا أحد، وقد وضحت الدلائل على ~~التوحيد فيما سمعنا من هذا القرآن. # ولما أظهروا القوتين العلمية بفهمهم القرآن، والعملية بما حصل لهم من ~~الإذعان، أعملوا ما لهم في الدعاء إلى الله تعالى من قوة البيان، فبعد أن ~~نزهوه سبحانه عن الشرك عموما خصوا مؤكدين في قراءة ابن كثير والبصريين ~~وأبي جعفر بالكسر لما تقدم من أن مثل هذه السهولة لا تكاد تصدق، فقالوا ~~عطفا على { إنا سمعنا } [الجن: 1]: { وأنه } أي الشأن العظيم قال الجن: ~~{ تعالى } أي انتهى في العلو والارتفاع إلى حد لا يستطاع { جد } أي عظمة ~~وسلطان وكمال غنى { ربنا } أي الموجد لنا والمحسن إلينا، وإذا كان هذا ~~التعالي لجده فما بالك به، ms5314 وكذا حكت هذه القراءة بقوله الجن ما بعد هذا ~~إلا # وأن لو استقاموا # [الجن: 16] و # أن المساجد لله # [الجن: 18] و # أنه لما قام # [الجن: 19] فإنه مفتوح فيها عطفا على الموحى به فهو في محل رفع إلا عند ~~أبي جعفر فإنه فتح { وأنه تعالى } [الجن: 3] و { أنه كان يقول } [الجن: ~~4] # وأنه كان رجال # [الجن: 6] ووافقهم نافع وأبو بكر عن عاصم في غير # وأنه لما قام # [الجن: 19] فإنهما كسراها وفتح الباقون وهم ابن عامر وحمزة والكسائي ~~وحفص عن عاصم الكل إلا ما صدر بالفاء على أنه معطوف على محل الجار في " ~~به " أي صدقناه وصدقنا أنه - لا على لفظه وإلا لزم إعادة الجار عند نحاة ~~البصرة، وقيل: عطف على لفظ الضمير في " به " على المذهب الكوفي الذي نصره ~~أبو حيان وغير واحد من أهل اللسان. # ولما وصفوه بهذا التعالي الأعظم المستلزم للغنى المطلق والتنزه عن كل ~~شائبة نقص، بينوه بنفي ما ينافيه بقولهم إبطالا للباطل: { ما اتخذ } عبر ~~بصيغة الافتعال بيانا لموضع النقص لا تقييدا { صاحبة } أي زوجة { ولا ~~ولدا * } لأن العادة جارية بأنه لا يكون ذلك إلا بمعالجة وتسبيب، ومثل ~~ذلك لا يكون إلا لمحتاج إلى بضاع أو غيره، والحاجة لا تكون إلا من ضعف ~~وعجز، وذلك ينافي الجد، فالمحتاج لا يصح أصلا أن يكون إلها وإن كان ~~بغير تسبيب ومهلة، فهو عبث لأن مطلق الاختراع مغن عنه، فلم يبق إلا العبث ~~الذي ينزه الإله عنه والصاحبة لا بد وأن تكون من نوع صاحبها، ومن له نوع ~~فهو مركب تركيبا عقليا من صفة مشتركة وصفة مميزة، والولد لا بد وأن ~~يكون جزءا منفصلا عن والده، ومن له أجزاء فهو مركب تركيبا حسيا، ومن ~~المقطوع به أن ذلك لا يكون إلا لمحتاج، وأن الله تعالى متعال عن ذلك من ~~تركيب حسي أو عقلي. # ولما تبين لهم ما هو عليه سبحانه من النزاهة عن كل شائبة نقص، وصفوا من ~~قال بضده صيانة لدينهم وعرضهم بالترفع عن الخسائس والرذائل بعدم التمادي ~~في الباطل مقتا ms5315 للخلق في ذات الخلق مؤكدين لما للسامع في الغالب من ~~تصديق ما يسمع والمحاجة عنه فقالوا: { وأنه } أي وقالوا إلى الشأن - هذا ~~على قراءة الكسر، وآمنا بأنه - على قراءة الفتح { كان يقول } أي قولا هو ~~في عراقته في الكذب بمنزلة الجبلة والطبع { سفيهنا } وهو الجنس فيتناول ~~إبليس رأس الجنس تناولا أوليا، وكل من تبعه ممن لم يعرف الله لأن ثمرة ~~العقل العلم، وثمرة العلم معرفة الله، فمن لم يعرفه فهو الذي يلازم الطيش ~~والغي لأنه لا علم عنده أصلا يحمله على الرزانة، كاذبا متقولا { على ~~الله } أي الذي له صفات الكمال المنافية لقول هذا السفيه في الولد { ~~شططا * } أي قولا هو في بعده عن الصواب نفس البعد ومجاوزة الحد. ### || [72.5-9] # ولما ذكروا ما هدوا إليه من الحق في الله وفيمن كان يحملهم على الباطل، ~~ذكروا عذرهم في اتباعهم للسفيه وفي وقوعهم في مواقع التهم، فقالوا مؤكدين ~~لأن ما كانوا عليه من الكفر جدير بأن يظن أنه لا يخفى على أحد لشدة وضوح ~~بطلانه: { وأنا } أي معشر المسلمين من الجن { ظننا } أي بما لنا من سلامة ~~الفطر المقتضية لتحسين الظن بشهادة حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ~~عند أحمد # " المؤمن غر كريم والفاجر خب لئيم " # { أن } أي أنه، وزادوا في التأكيد لما مضى فقالوا: { لن تقول } وبدأوا ~~بأفضل الجنسين فقالوا: { الإنس } وأتبعوهم قرناءهم فقالوا: { والجن } أي ~~متخرصين { على الله } أي الملك الأعلى الذي بيده النفع والضر { كذبا * } ~~أي قولا هو لعراقته في مخالفة الواقع نفس الكذب، وهو في قراءة أبي جعفر ~~بفتح القاف والواو المشددة المفتوحة مصدر من غير اللفظ، وإنما ظننا ذلك ~~لما طبع عليه المجبول على الشهوات من تصديق الأشكال لا سيما إذا كان ~~قولهم جازما وعظيما لا يقال مثله إلا بعد تثبت لا سيما إذا كان على ملك ~~الملوك لا سيما إذا كان القائل كثيرا لا سيما إذا تأيدوا بجنس آخر، ~~فصاروا لا يحصون كثرة، ولا تطيق العقول مخالفة جمع بهذه الصفة إلا بتأييد ~~إلهي بقاطع نقلي، ms5316 والآية على قراءة أبي جعفر من الاحتباك: فعل التقول ~~أولا دليل على فعل الكذب ثانيا، ومصدر الكذب ثانيا دليل على مصدر ~~التقول أولا، وسره أن التقول دال على التعمد فهو أفحش معنى والكذب أفحش ~~لفظا، وهذا مرشد إلى أنه لا ينبغي التقليد في شيء لأن الثقة بكل أحد ~~عجز، وإنما ينكشف ذلك بالتجربة، والتقليد قد يجر إلى الكفر المهلك هلاكا ~~أبديا، وإليه أرشد النبي صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه الشيخان عن ~~النعمان ابن بشير رضي الله عنه بأن # " من اتقى الشبهات استبرأ لديه وعرضه " # وفي ذلك غاية الحث على أن الإنسان لا يقدم ولا يحجم في أصول الدين إلا ~~بقاطع. # ولما علم من قولهم أن مستند الضلال ظنون وشبه متى حكت على محك النظر بان ~~فسادها، وأظهر زيفها نقادها، أتبعه شبهة أخرى زادت الفريقين ضلالا بعضهم ~~ببعض للتقيد بالمحسوسات، والوقوف مع الخيالات الموهومات، فقال حاكيا ~~عنهم تنبيها على عدم الاغترار بالمدح والإطراء الموجبين للغلط في النفس ~~وعلى أنه يجب التثبت حتى لا يقع الغلط في الأسباب المسخرة فيظن أنها ~~مؤثرة فيتجاوز بها الحد عن رتبة الممكنات إلى رتبة الواجب، مؤكدين لأنه ~~لا يكاد يصدق أن الجن يخاطبهم الإنس فيكارمونهم: { وإنه } أي الشأن { كان ~~رجال } أي ذوو قوة وبأس { من الإنس } أي النوع الظاهر في عالم الجنس { ~~يعوذون } أي يلجؤون ويعتصمون - خوفا على أنفسهم وما معهم - إذا نزلوا ~~واديا { برجال من الجن } أي القبيل المستتر عن الأبصار فإنه كان القوم ~~منهم إذا نزلوا واديا أو غيره من القفر تعبث بهم الجن في بعض الأحيان ~~لأنه لا مانع لهم منهم من ذكر الله تعالى ولا دين صحيح، ولا كتاب من الله ~~صريح، فحملهم ذلك على أن يستجيروا بعظمائهم فكان الرجل يقول عند خوفه: ~~إني أعوذ بعظيم هذا الوادي من شر سفهاء قومه أو نحو هذا فلا يرى إلا ~~خيرا، وربما هدوه إلى الطريق وردوا عليه ضالته، فكان ذلك فتنة للإنس ~~باعتقادهم في الجن غير ما هم عليه، فتبعوهم في الضلال، وفتنة ms5317 الجن بأن ~~يغتروا بأنفسهم ويقولوا سدنا: الجن والإنس، فيضلوا ويضلوا، ولذلك سبب عنه ~~قوله: { فزادوهم } أي الإنس الجن باستعاذتهم هذه المرتب عليها إعاذتهم، ~~والجن الإنس بترئيس الإنس لهم وخوفهم منهم { رهقا * } أي ضيقا وشدة ~~وغشيانا لما هم فيه من أحوال الضلال التي يلزم منهم الضيق والشدة، وأصل ~~الرهق غشيان بقوة وشدة وقهر، وقال البغوي: والرهق في كلام العرب الإثم ~~وغشيان المحارم. # كما يتفق لمن يسلك من أهل التصوف على غير أصل فيرى في أثناء السير ~~أنوارا وأشياء تعجبه شيطانية فيظنها رحمانية، فيقف عندها ويأنس بها ~~لفساد في أصل جبلته نشأ عنه سوء مقصده، فربما كان ذلك سببا لكفره فيزداد ~~هو وأمثاله من الإنس ضلالا ويزداد من أضله من الجن ضلالا وإضلالا ~~وعتوا، ويزداد الفريقان بعدا عن اللجأ إلى الله وحده، ولقد أغنانا الله ~~سبحانه وتعالى بالقرآن والذكر المأخوذ عن خير خلقه بشرطه في أوقاته عن كل ~~شيء كما أخبر صلى الله عليه وسلم أن من قال عند إتيانه الخلاء # " بسم الله اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث " # ستر عن الجن، وأن من قال إذا أتى امرأته # " اللهم جنبني الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتني " # فأتاه ولد لم يقدر الشيطان أن يضره، ومن أذن أمن تغول الغيلان، وروى ~~الترمذي وأحمد - قال المنذري: ورواته رواة الصحيح - عن شداد بن أوس رضي ~~الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ما من مسلم يأخذ مضجعه فيقرأ سورة من كتاب الله تعالى إلا وكل الله ~~تعالى به ملكا فلا يقربه شيء يؤذيه حتى يهب متى هب " # وللطبراني في الكبير - قال المنذري: ورواته رواة الصحيح إلا المسيب بن ~~واضح، قال الهيثمي: وهو ضعيف وقد وثق - عن عبد الله بن بسر رضي الله عنه ~~قال: " خرجت من حمص فآواني الليل إلى البقيعة فحضرني من أهل الأرض فقرأت ~~هذه الآية من الأعراف # إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش # [الأعراف: 54] إلى آخر الآية، فقال بعضهم لبعض: احرسوه الآن حتى ms5318 يصبح، ~~فلما أصبحت ركبت دابتي " والأحاديث في هذا كثيرة في آية الكرسي وغيرها، ~~وكذا حكايات من اعترضه بعض الجن فلما قرأ ذهب عنه. # ولما كان التقدير: فضل كل من الفريقين بالآخر ضلالا بعيدا حتى أبعدوا ~~عن الشرائع النبوية، واعتقدوا ما لا يجوز اعتقاده من التعطيل واعتقاد ~~الطبيعة، فلا يزال الأمر هكذا أرحام تدفع وأرض تبلع ولا رسول يهديهم ولا ~~بعث للأرض على بارئهم، عطف عليه قولهم مؤكدين في قراءة الكسر إشارة إلى ~~ظهور دلائل البعث، وأنه لا يكاد يصدق أن أحدا يكذب به منبها على أن ~~الأهواء والأغاليط قد يتطابق عليها الجم الغفير، حثا للمهتدي على أن لا ~~يستوحش في طريق الهدى لقلة السالكين، ولا يغر بطرق الردى لكثرة الهالكين: ~~{ وأنهم } أي الإنس إن كانوا يخاطبون الجن، والجن إن كانوا يخاطبون الإنس ~~{ ظنوا } أي الجن أو الإنس ظنا ليسوا فيه على ثلج والظن قد يصيب، وقد ~~يخطىء وهو أكثر { كما ظننتم } أي أيها الجن أو الإنس، والمعنى في قراءة ~~الفتح: وأوحى إلي أن الإنس أو الجن ظنوا، وسدوا عن مفعولي " ظن " ~~بقولهم: { أن } أي أن الشأن العظيم { لن } أكد للدلالة على شدة إنكارهم ~~لذلك { يبعث } وأشاروا إلى خطأ هذا الظن بالتعبير بالجلالة فقالوا: { ~~الله } أي الذي له الإحاطة الكاملة علما وقدرة { أحدا * } أي بعد موته ~~لما لبس به عليهم إبليس حتى رأوا حسنا ما ليس بالحسن، أو أحد من الرسل ~~يزيل به عماية الجهل وما عليه الإنس من استغواء الجن لهم وغير ذلك من ~~الضلال، وقد ظهر بالقرآن أن هذا الظن كاذب وأنه لا بد من البعث في ~~الأمرين لأنه حكمة الملك وخاصة الملك. # ولما كان عدم البعث من خلل في القدرة، شرعوا في إثبات تمام القدرة على ~~وجه دال على صحة القرآن وحراسته من الجان، لئلا يظن أنه من نحو ما ~~للكهان، فقالوا مؤكدين في قراءة الكسر لاستبعاد الوصول إلى السماء حثا ~~على طلب المهمات وإن بعد مكانها: { وإنا } ولما كان يعبر عن الإمعان في ~~التفتيش بالالتماس، وكان تجريد ms5319 الفعل أعظم من ذلك للدلالة على الخفة وعدم ~~الكلفة قال: { لمسنا السماء } أي الدنيا التمسنا أخبارها على ما كان من ~~عادتنا لاستماع ما يغوى به الإنسان التماسا هو كالحس باللمس باليد { ~~فوجدناها } من جميع نواحيها وهو من الوجدان { ملئت } أي ملأ هو في غاية ~~السهولة والخفة على فاعله { حرسا } أي حراسا اسم جمع، فهو مفرد اللفظ، ~~ولذلك وصف بقوله: { شديدا } أي بالملائكة { وشهبا * } جمع سهاب وهو ~~المتوقد من النار، فعلت هممهم حتى طلبوا المهمات الدنيوية والشهوات ~~النفسانية من مسيرة خمسمائة سنة صعودا، فأف لمن يكسل عن مهمات الدين ~~المحققة من مسيرة ساعة أو دونها، وأن يقعد في مجلس العلم ساعة أو دونها، ~~والتعبير بالملء يدل على أنها كانت قبل ذلك تحرس لكن لا على هذا الوجه ~~فقيل: إنها حرست لنزول التوراة ثم اشتد الحرس للانجيل ثم ملئت لنزول ~~القرآن فمنعوا من الاستماع أصلا إلا ما يصدق القرآن إرهاصا للنبوة ~~العظمى الخاتمة لئلا يحصل بهم نوع لبس. # ولما أخبروا عن حالها إذ ذاك لأنه الأهم عندهم، أخبروا عن حالها قبل، ~~فقالوا مؤكدين لما للإنس من التكذيب بوصول أحد إلى السماء: { وإنا كنا } ~~أي فيما مضى { نقعد منها } أي السماء { مقاعد } أي كثيرة قد علمناها لا ~~حرس فيها فهي صالحة { للسمع } أي لأن نسمع منها بعض ما تتكلم به الملائكة ~~بما أمروا بتدبيره، وقد جاء في الخبر أن صفة قعودهم هي أن يكون الواحد ~~منهم فوق الآخر حتى يصلوا إلى السماء، قال أبو حيان: فمتى احترق الأعلى ~~كان الذي تحته مكانه فكانوا يسترقون الكلمة فيلقونها إلى الكهان فيزيدون ~~معها الكذب. # ولما كان التقدير: فنستمع منها فنسمع ما يقدر لنا من غير مانع، عطف عليه ~~قوله: { فمن يستمع } أي يجتهد في الوصول إلى السمع { الآن } أي في هذا ~~الوقت فيما يستقبل أنهم قسموا الزمان إلى ما كان من إطلاق الاستماع لهم ~~وإلى ما صار إليه الحال من الحراسة، وأطلقوا " الآن " على الثاني كله، ~~لأنهم أرادوا وقت قولهم فقط أو أرادوه لأنهم يعلمون ما ms5320 بعده فيجوزون أن ~~يكون الحال فيه على غير ذلك { يجد له } أي لأجله { شهبا } أي شعلة من ~~نار ساطعة محرقة. # ولما كان الشهاب في معنى الجمع لأن المراد أن كل موضع منها كذلك، وصفه ~~باسم الجمع فقال: { رصدا * } أي يرصده الرامون به من غير غفلة، ويجوز أن ~~يكون مصدرا على المبالغة كرجل عدل، والرصد الترقب لأنه لما كان لا تأخر ~~عن رميه عند الدنو من السماء كان كأنه هو الراصد له، المراقب لأمره، ~~الملاحظ الذي لا فتور عنده ولا غفلة بوجه بل هو الرصد وهو المعنى بنفسه، ~~فمتى تسنم للاستماع رمي به فيمنعه من الاستماع وإن أدركه أحرقه، وأما ~~السمع فقد امتنع لقوله تعالى # وإنهم عن السمع لمعزولون # [الشعراء: 212]. ### || [72.10-13] # ولما أخبروا عن إيمانهم أنه كان عقب سماعهم من غير توقف، ثم ذكروا منعهم ~~من الاستراق، ذكروا أنه اشتبه عليهم المنع فلم يعلموا سره دلالة على أن ~~جهل بعض المسائل الفرعية لا يقدح، وندبا إلى رفع الهمة عن الخوض في شيء ~~بغير علم، وحثا على التفويض إلى علام الغيوب، فبينوا الذي حملهم على ضرب ~~مشارق الأرض ومغاربها حتى وجدوا النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ القرآن: ~~فقالوا مؤكدين لأن العرب كانوا ينسبونهم إلى علم المغيبات وحل المشكلات: ~~{ وإنا لا ندري } أي بوجه من الوجوه وإن دافعنا واجتهدنا { أشر } ولما ~~كان المحذور نفس الإرادة الماضية لا كونها من معروف مع أن الفاعل معروف، ~~وهو الفاعل المختار الذي له الإرادة الماضية النافذة، بنوا للمفعول ~~قولهم: { أريد } معلمين للأدب في أن الشر يتحاشى من إسناده إليه سبحانه ~~حيث لا إشكال في معرفة أنه لا يكون شيء إلا به { بمن في الأرض } أي بهذه ~~الحراسة فينشأ عنها الغي { أم أراد بهم ربهم } أي المحسن إليهم المدبر ~~لهم، بنوه للفاعل في جانب الخير إعلاما مع تعليم الأدب بأن رحمته سبقت ~~غضبه، وإشارة إلى أنه قد يكون أراد بهذا المنع الخير { رشدا * } أي ~~سدادا فينشأ عنه الخير، فالآية من الاحتباك: ذكر الشر أولا دليلا على ~~الخير ms5321 ثانيا، والرشد ثانيا دليلا على الغنى أولا. # ولما أخبر سبحانه بسهولة إيمانهم، فكان ربما ظن أن ذلك ما كان إلا لأن ~~شأنهم اللين، أتبعه ما يعلم أن ذلك خارقة لأجله صلى الله عليه وسلم كانت، ~~ولإعظامه وإكرامه وجدت، فقال حكاية عنهم مؤكدين لأن الكلام السابق ظاهر ~~في سلامة طباع الكل: { وإنا منا } أي أيها الجن { الصالحون } أي العريقون ~~في صفة الصلاح التي هي مهيئة لقبول كل خير. # ولما كان غير الصالح قد يكون فاسدا بأن يكون مباشرا للفساد قاصدا له ~~وقد يكون غير مباشر له، قالوا متفطنين لمراتب العلوم والأعمال المقربة ~~والمبعدة: { ومنا } وبنى الظرف المبتدأ به لإضافته إلى مبني فقيل: { دون ~~} أي قوم في أدنى رتبة من { ذلك } أي هذا الوصف الشريف العالي. # ولما كان من دون الصالح ذا أنواع كثيرة بحسب قابليته للفساد أو الصلاح ~~وتهيؤه له أو بعده عنه، حسن بيان ذلك بقولهم: { كنا } أو كونا هو ~~كالجبلة { طرائق } أي ذوي طرق أي مذاهب ووجوه كثيرة، وأطلقوا الطرق على ~~أصحابها إشارة إلى شدة تلبسهم بها. # ولما كان الانفصال قد يكون بأدنى شيء، بين أنه على أعلى الوجوه فأطلق ~~عليهم نفس المنقطع ووصفهم به فقال: { قددا * } أي فرقا متفرقة أهواؤها، ~~جمع قدة وهي الفرقة من الناس هواها على غير هواهم، من القد وهو القطع ~~الموجب للتفرق العظيم مثل السيور التي تقطع من الجلد وقد منه بحيث تصير ~~كل فرقة على حدتها، قال الحسن والسدي: كافرين ومسلمين ورافضة ومعتزلة ~~ومرجئة وغير ذلك مثل فرق الإنس. # ولما دلوا على قهرهم عما كانوا يقدرون عليه من أمر السماء بما ذكروا، ~~وعلى قهر مفسديهم بهذا القرآن عن كثير مما كانوا يفعلونه بأهل الأرض، ~~فقهروا بهذا القرآن العظيم الشأن في الحقيقة عن الخافقين فمنعنا منهم ~~وحفظا به، ودلوا على أنهم موضع القهر بالتفرق، كان ذلك موجبا للعلم ~~بشمول قدرته تعالى حتى لا يدركه طالب، ولا ينجو منه هارب، لما أبدى لهم ~~من شؤون عظمته وقهره في الحراسة وغيرها، فذكر سبحانه ما أثر ذلك ms5322 عندهم من ~~الاعتراف والإذعان للواحد القهار، فقال حاكيا عنهم ذلك ندبا إلى ~~الاقتداء بهم في معرفة النفس بالعز والذل والضعف بالتفرق والانقسام، ~~ومعرفة الرب سبحانه بالقدرة الكاملة والسلطان والعظمة بالتفرد التام الذي ~~لا يقبل المماثلة ولا القسمة: { وإنا } أكدوا لظن الإنس في قوتهم غير ما ~~هو لها { ظننا } أطلقوا الظن على العلم إشارة إلى أن العاقل ينبغي له أن ~~يجتنب ما يخيله ضارا ولو بأدنى أنواع الحيل فكيف إذا تيقن { أن } أي أن ~~الشأن العظيم، وزادوا في التأكيد لما تقدم فقالوا: { لن نعجز الله } أي ~~أن نقاومه إن أراد بنا سواءا لما له من الإحاطة بكل شيء علما وقدرة ~~لأنه واحد لا مثل له، ودلوا على وجه الضعف بقولهم: { في الأرض } أي ~~كائنين فيها مقيمين وهي جهة السفل الملزومة للقهر، وذلك أقصى جهدنا فأين ~~نحن من سعة ملكه الذي هو في قبضته { ولن نعجزه } أي بوجه من الوجوه { ~~هربا * } أي ذوي هرب أو من جهة الهرب، أي هربنا من الأرض إلى غيرها فإن ~~السماء منعت منا وليس لنا مضطرب إلا في قبضته، فأين أم إلى أين المهرب، ~~وقد منعوا بذلك وجهي النجاة باللقاء والنصر والهرب عند القهر. # ولما كان الظان قد يبادر على العمل بموجب ظنه وقد لا، بينوا أن مرادهم ~~به العلم، وأنهم بادروا إلى العمل بما دعا إليه، فقالوا مؤكدين لما للجن ~~من الإباء والعسر: { وإنا لما سمعنا } أي من النبي صلى الله عليه وسلم { ~~الهدى } أي القرآن الذي له من العراقة التامة في صفة البيان والدعاء إلى ~~الخير ما سوغ أن يطلق عليه نفس الهدى: { آمنا به } أي من غير وقفة أصلا ~~عملا بما له من هذا الوصف العظيم. # ولما كان التقدير: فآمنا بسبب إيماننا الذي قادنا إليه حفظ السماء من ~~الإيقاع به لتمام قدرته علينا الذي هدانا إليه منعنا من الاستماع ~~بالحراسة، سببوا عن ذلك قولهم معترفين بالعجز عن مقاومة التهديد من الملك ~~طالبين التحصن بتحصينه والاعتصام بحبله: { فمن يؤمن } أي يوجد حقيقة ~~الإيمان ويستمر على ms5323 تجديدها كل لحظة. # ولما فهموا أن دعاءه إليه وبيانه للطريق مع قدرته التامة إنما هو من ~~عموم لطفه ورحمته، ذكروا وصف الإحسان لزيادة الترغيب فقالوا: { بربه } أي ~~المحسن إليه منا ومن غيرنا. # ولما كان المؤمن هو المختص من بين الخلق بالنجاة، أدخل الفاء على الجواب ~~ورفعه على تقدير مبتدأ دلالة على ذلك وعلى أن نجاتهم ما لا بد منه فقال: ~~{ فلا } أي فهو خاصة لا { يخاف } أصلا { بخسا } أي نقصا وقلة وخبثا ~~ونكدا في الثواب والإكرام بوجه من الوجوه { ولا رهقا * } أي مكروها ~~يلحقه فيقهره لأنه لم يفعل مع أحد شيئا من ذلك ليجازى عليه، فهذا حث ~~للمؤمن على اجتناب ذلك لئلا يجازى به، وقد هدى السياق إلى تقدير: ومن ~~يشرك به فلا، يأمن محقا ولا صعقا. ### || [72.14-18] # ولما كان هذا ظاهرا في أنهم أسلموا كلهم، قالوا نافين لهذا الظاهر ~~مؤكدين لأن إسلامهم مع شديد نفرتهم لا يكاد يصدق: { وأنا منا } أي أيها ~~الجن { المسلمون } أي المخلصون في صفة الإسلام للهادي فأسلموه قيادهم فهم ~~عريقون في ذلك مقسطون مستقيمون، فلا يفارقون الدليل فهم على الصراط السوي ~~العدل الرضي، ومنا الجافون الكافرون { ومنا القاسطون } وهم الجائرون عن ~~المنهج الأقوم الساقطون في المهامه المجاهل التي ليس بها معلم، فهم بربهم ~~كافرون، ومنا المقسطون، يقال: قسط - إذا جار جورا، أسقطه عن رتبة ~~الإنسان إلى رتبة أدنى الحيوان، وأقسط - إذا أزال الجور فعدل، فالآية من ~~الاحتباك: " المسلمون " يدل على الكافرين، و " القاسطون " يدل على ~~المقسطين. # ولما كانوا قد علموا مما سمعوا من القرآن أنه لا بد من البعث للجزاء، ~~سببوا عن هذه القسمة قولهم: { فمن أسلم } أي أوقع الإسلام كله بأن أسلم ~~ظاهره وباطنه للدليل من الجن ومن غيرهم. # ولما كان في مقام الترغيب في الحق، ربط بفعلهم ذلك تسبيبا عنه قوله ~~مدحا لهم: { فأولئك } أي العالو الرتبة { تحروا } أي توخوا وقصدوا ~~مجتهدين { رشدا * } أي صوابا عظيما وسدادا، كان - لما عندهم من ~~النقائص - شاردا عنهم فعالجوا أنفسهم حتى ملكوه فجعلوه لهم منزلا، من ~~قولهم: ms5324 الحرا - بالقصر: أفحوص القطاة يأوي إليه الظبي، والناحية والموضع، ~~وما أحراه بكذا: ما أوجبه له، وبالحرا أن يكون كذا أي خليق كونه، وفلان ~~حري بكذا أي خليق، وقد يجيء بالحر - من غير ياء، يراد به بالجهد، وتحريت ~~الشيء: قصدت ناحيته، فكان لهم ذلك إلى الجنة سببا، ومن قسط فأولئك ضنوا ~~فنالوا غيا وشططا. # ولما عرفوا بالأمن الاعتصام بطاعة الله، نبهوا على خطر التعرض لبطشه ~~فقالوا: { وأما القاسطون } أي العريقون في صفة الجور عن الصواب من الجن ~~وغيرهم فأولئك أهملوا أنفسهم فلم يتحروا لها فضلوا فأبعدوا عن المنهج ~~فوقعوا في المهالك التي لا منجى منها: { فكانوا } بجبلاتهم { لجهنم } أي ~~النار البعيدة القعر التي تلقاهم بالتجهم والكراهة والعبوسة { حطبا * } ~~توقد بهم النار فهي في اتقاد ما داموا أحياء، وهم أحياء ما دامت تتقد لا ~~يموتون فيستريحون ولا يحيون فينتعشون، فالآية من الاحتباك، وهو منطوق لما ~~أوجبه من السياق لا مفهوم: ذكر التحري أولا دليلا على تركه ثانيا وذكر ~~جهنم ثانيا دليلا على حذف الجنة أولا، وسر ذلك أنهم في مقام الترهيب ~~فذكروا ما يحذر، وطووا ما يجب العلم به لأن الله تعالى لا يضيع لأحد ~~أجرا بل لا يقتصر على ما يقابل الحسنة في العرف بل لا بد أن يزيد عليها ~~تسعة أضعافها وعنده المزيد ولا حول ولا قوة لنا إلا به سبحانه وتعالى. # ولما رغب ورهب سبحانه على ألسنة الجن بما هداهم له ونور قلوبهم به، ~~وكانت الآية السالفة آخر ما حكى عنهم، وكان التقدير: أوحي إلي أن ~~القاسطين من قومي وغيرهم لو آمنوا فعل بهم من الخير ما فعل بمؤمني الجني ~~حين آمنوا، فأغناهم الله في الدنيا بحلاله عن حرامه من غير كلفة فكسا لهم ~~كل عظم لقوه لحما أوفر ما كان، وأعاد لهم كل روث رأوه أحسن ما كان ببركة ~~هذا النبي الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم { وأن } أي وأوحي إلي ~~أن الشأن العظيم { لو استقاموا } أي طلب القاسطون من الخلق كلهم الجن ~~والإنس القوم وأوجدوه، كائنين { على ms5325 الطريقة } أي التي لا طريقة غيرها ~~وهي التي فهمها الجن من القرآن من الإسلام والإقساط المؤدية إلى الفلاح ~~في الدارين. # ولما كان الماء أصل كل خير كما قال تعالى في قصة نوح عليه الصلاة ~~والسلام # يرسل السماء عليكم مدرارا # [نوح: 11] وكان منه كل شيء حي وكان عزيزا عند العرب، قال معظما له ~~بالالتفات إلى مظهر العظمة: { لأسقيناهم } أي جعلنا لهم بما عندنا من ~~العظمة { ماء غدقا * } أي كثيرا عظيما عظيم النفع نكثر به الرزق ونزين ~~به الأرض ونرغد به العيش. # ولما كانت نعمه فضلا منه وليس مستحقة عليه بعبادة ولا غيرها، قال تعالى ~~معرفا غايتها استحقاق الثواب أو العقاب على ما كتبه على نفسه سبحانه ولا ~~يبدل القول لديه وأن جميع ما يعامل به عباده سبحانه وتعالى من نفع وضر ~~إنما هو فتنة لهم يستخرج ما جبلوا عليه من حسن أو قبيح: { لنفتنهم } أي ~~نعاملهم معاملة المختبر بما لنا من العظمة { فيه } أي في ذلك الماء الذي ~~تكون عنه أنواع النعم لينكشف حال الشاكر والكافر، قال الرازي: وهذا بعد ~~ما حبس عنهم المطر سنين - انتهى. وقال غيره: قال عمر رضي الله تعالى عنه: ~~أينما كان الماء كان المال، وأينما كان المال كانت الفتنة. وقال الحسن ~~وغيره: كانوا سامعين مطيعين ففتحت عليهم كنوز كسرى وقيصر ففتنوا بها ~~فوثبوا بإمامهم فقتلوه - يعني عثمان رضي الله تعالى عنه ويجوز أن يكون ~~مستعارا للعلم وأنواع المعارف الناشئة عن العبادات التي هي للفنوس ~~كالنفوس للأبدان وتكون الفتنة بمعنى التخليص من الهموم الرذائل في الدنيا ~~والنقم في الآخرة، من فتنت الذهب - إذا خلصته من غشه. # ولما كان التقدير: فمن يقبل على ذكر ربه ننعمه في دار السلام أبدا، عطف ~~عليه قوله: { ومن يعرض } أي إعراضا مستمرا إلى الموت { عن ذكر ربه } أي ~~مجاوزا عن عبادة المحسن إليه المربي له الذي لا إحسان عنده من غيره { ~~نسلكه } أي ندخله { عذابا } يكون مطرفا له كالخيط يكون في ثقب الخرزة ~~في غاية الضيق { صعدا * } أي شاقا شديدا يعلوه ويغلبه ms5326 ويصعد عليه، ~~ويكون كل يوم أعلى مما قبله جزاء وفاقا، فإن الإعراض كلما تمادى زمانه ~~كان أقوى مما كان. # ولما كان التقدير: لأنه أوحى إلي أن الأمر على ما تتعارفونه بينكم من ~~أن من خدم غير سيده عذبه أبدا، عطف عليه قوله مبينا لسيرة الأنبياء ~~عليهم الصلاة والسلام وما يجب لهم من الكمال الذي يكون بقوتي العلم ~~والعمل، والتكميل الذي يكون بهما مع قوة البيان، ومن لم يكن كاملا لم ~~يتصور منه تكميل ليكون له ولد قلب كما أن من لم يكن بالغا لم يتحقق منه ~~ولد صلب، ومبينا لما يجوز عليهم وما يستحيل منهم وما لله تعالى من ~~العناية بشأنهم: { وأن } أي وأوحى إلي أن { المساجد } أي مواضع السجود ~~من العالم الآفاقي من الأرض ومن العالم النفسي من الجسد - كما قاله سعيد ~~بن جبير وطلق بن حبيب { لله } أي مختصة بالملك الأعظم { فلا تدعوا } أي ~~بسبب ذلك أيها المخلوقون على وجه العادة { مع الله } أي الذي له جميع ~~العظمة { أحدا * } لأن من تعبد لغير سيده في ملك سيده الذي هو العالم ~~الآفاقي وبآلة سيده الذي هو العالم النفسي كان أشد الناس لوما وعقوبة ~~فكيف يليق بكم أن يخلق لكم وجها ويدين ورجلين وأرضا تنتفعون بها وسماء ~~تتم فنعها فتسجدون بالأعضاء التي أوجدها لكم في الأرض التي أمكنكم من ~~الانتفاع بها تحت السماء التي أتم منافعها بها لغيره فتكونون قد صرفتم ~~نعمة السيد التي يجب شكره عليها لغيره أيفعل هذا عاقل؟ قال البغوي: فإن ~~جعلت المساجد مواضع الصلاة فواحدها بكسر الجيم، وإن جعلتها الأعضاء ~~فواحدها بفتح الجيم. ### || [72.19-22] # ولما كان من يدعو سيده وينقطع إليه عاملا للواجب عليه اللائق بأمثاله ~~لا ينكر عليه ولا يعجب منه، إنما يعجب ممن دعا غير سيده أو مال إليه أدنى ~~ميل فيسأل عن سببه، قال معجبا من القاسطين من الجن والإنس: { وأنه } أي ~~أوحي إلي أو قال الجن لمن أطاعهم من قومهم حاكين ما رأوا من صلاته صلى ~~الله عليه وسلم وازدحام أصحابه عليه ms5327 متعجبين من ذلك أن الشأن أو القصة ~~العظيمة العجيبة { لما } قمت كادوا يكونون علي - هكذا كان الأصل ولكنه ~~عبر بالعبد كما تقدم من أن من دعا سيده ولو كان ذلك السيد أحقر الموجودات ~~لا يفعل به ذلك، فكيف إذا كان سيده مالك الملك وملك الملوك { قام عبد ~~الله } أي عبد الملك الأعلى الذي له الجلال كله والجمال فلا موجود يدانيه ~~بل كل موجود من فائض فضله { يدعوه } أي يدعو سيده دعاء عبادة من حيث كونه ~~عبده ومن حيث كون سيده يسمع من دعاه ويجيبه. # ولما كان القاسطون أكثر الناس بل الناس كلهم في ذلك الزمان جنا وإنسا، ~~قال مبينا لأنه يجوز على الأنبياء أن يؤذوا وينتقصوا رفعا لدرجاتهم ~~وتسلية لوراثهم وإن كانت رتبتهم تأبى ذلك، { كادوا } أي قرب القاسطون من ~~الفريقين الجن والإنس { يكونون عليه } أي على عبد الله { لبدا * } أي ~~متراكمين بعضهم على بعض من شدة ازدحامهم حتى كان ذلك جبلة لهم تعجبا مما ~~رأوا منه من عبادته وإرادة لرده عن ذلك، وذلك أمر لا يعجب منه، وإنما ~~العجب ما فعلوا هم من عبادتهم لغيره سبحانه وتعالى ومن تعجبهم من عبادة ~~عبده له وإخلاصه في دعائه، وهو جمع لبد - بكسر اللام، وقرىء بضم اللام ~~جمع لبدة بضمها، وهي ما تلبد بعضه على بعض. # ولما استشرفت - على قراءة الكسر - نفس السامع إلى قوله صلى الله عليه ~~وسلم لمن تراكموا عليه من ذلك، استأنف الجواب بقوله مبينا لما يستحيل ~~على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من دعاء غير الله ومن ترك الدعاء إليه ~~من مخالفة شيء من أمره قال، أو لما تاقت نفسه صلى الله عليه وسلم على ~~قراءة الفتح إلى ما يدفع به ما رأى منهم، قال تعالى مرشدا له إلى ذلك: { ~~قل } أي لمن ازدحم عليك عادا لهم عداد الجاهلين بما تصنع لأنهم عملوا ~~عمل الجاهل: { إنما أدعوا } أي دعاء العبادة { ربي } أي الذي أوجدني ~~ورباني ولا نعمة عندي إلا منه وحده، لا أدعو غيره حتى تعجبوا مني ~~فتزدحموا علي ms5328 والظاهر المتبادر إلى الفهم أن المعنى: وأوحي إلي أي لما ~~قمت في الصلاة أعبد الله في بطن نخلة ورآني الجن الذين وجههم إبليس نحو ~~تهامة وسمعوا القرآن ازدحموا علي حتى كادوا يغشونني ويكون بعضهم على بعض ~~فسمعوا توحيدي لله وتمجيدي له وإفراده بالقدرة والعلم وجميع صفات الكمال ~~آمنوا، وقيل: هو حكاية الجن لقومهم عن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ~~وفعل أصحابه وراءه في تراصهم في صلاتهم وحفوفهم به ووعظه وتعليمه لهم، ~~ويحكى هذا القول عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وسعيد بن جبير فإن ذلك ~~هيئة غريبة، يحكى أن ملك الفرس أرسل من دخل في المسلمين لما قصدوا بلاده ~~فكان مما حكي له عنهم أن قال: إذا صلوا صفوا أنفسهم صفوفا ويقدمهم رجل ~~يقومون بقيامة ويسجدون بسجوده ويقعدون بقعوده ويفعلون كفعله، لا تخالف ~~بينهم، فلما سمع الملك ذلك راعه وقال: ما لي ولهؤلاء، ما لي ولعمر، ونقل ~~أبو حيان عن مكحول أنه بلغ من تابع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجن ~~سبعين ألفا وفرغوا عند انشقاق الفجر. # ولما كان الداعي لولي نعمته يمكن أن يكون أشرك غيره في دعائه ولو بأدنى ~~وجوه الإشراك، ويكون الحصر باعتبار الأغلب فاستحق الإنكار عليه ~~والازدحام، نفى ذلك بقوله تأكيدا لمعنى الحصر وتحقيقا له: { ولا أشرك ~~به } أي الآن ولا في مستقبل الزمان بوجه من الوجوه { أحدا * } من ود ~~وسواع ويغوث وغيرها من الصامت والناطق. # ولما كان السامع ربما قال: ما له هو لا يهلكهم أو يدعو ربه في دفع ~~المتبلدين عليه عنه بالإهلاك أو التوبة والمتابعة، أمره بما يبين عظمة ~~ربه وأنه لا يفعل إلا ما يريد بقوله مبينا أنه يستحيل عليه الصلاة ~~والسلام ما يستحيل على جميع الممكنات من أن يؤثر في شيء بنفسه أو يخالف ~~ربه: { قل } أي لهؤلاء الذين خالفوك، وأكد فطما لمن ربما اعتقد - لكثرة ~~ما يرى من الكرامات - أنه مهما أراده فعله الله له: { إني لا أملك } أي ~~الآن ولا بعد { لكم } بنفسي من غير إقدار ms5329 الله لي لأنه لا مؤثر في شيء من ~~الأشياء إلا الله سبحانه وتعالى. # ولما كان المقام لدفع شرهم عنه، قال: { ضرا } فأفهم ذلك " ولا نفعا ~~ولا غيا " { ولا رشدا * } أي صوابا وسدادا. فالآية من الاحتباك وهو ~~ظاهر على هذا التقدير، قال أبو حيان: فحذف من كل ما يدل مقابله عليه - ~~انتهى. ويجوز أن يكون تقديره: لا أملك ضرا لأني لا أملك لكم إضلالا ولا ~~أملك لكم رشدا فلا أملك لكم نفعا، فإنه لا نفع في غير الرشاد، ولا ضر ~~في غير الضلال، فقبح الله ابن عربي الطائي الذي يقول في فصوصه: إن الضلال ~~أهدى من الهدى، فلا أسخف عقلا منه إلا من تبعه - عليهم لعنة الله وخزيه، ~~فإن قالوا: إنه أراد غير ما يفهم من ظاهر اللفظ فقل: كذبتم فقد بين مراده ~~إطباقكم على الفسق والفجور لا يكاد يجد منكم من يتهم بمذهبه وهو يتقيد ~~بشرع، ولم تخرج الآية بهذا عن الاحتباك، فإن ذكر الضر أولا دل على حذف ~~النفع ثانيا، وذكر الرشد ثانيا دل على حذف الضلال أولا. # ولما أجاب من تشوف إلى علة صبره عن دفعهم عنه بما حاصله أنه لا شيء ~~بيده، لأن إلهه من العظمة في إحاطة العلم والقدرة وأنه لا يخرج شيء عن ~~مراده فلا يعجل في شيء بحيث لا يفعل إلا ما يريد سواء سئل أو لا، فكان ~~ذلك ربما أوجب أن يظن منه صلى الله عليه وسلم موافقته لهم لئلا يضروه ~~لأنهم يستعجلون في أذى من خالفهم، أجاب ما حاصله أنه بين ضررين أحدهما ~~منهم إن خالفهم، والآخر منه سبحانه وتعالى إن أعرض عنه وهو سبحانه وتعالى ~~يرد أذاهم إن أراد، وهم لا يقدرون على رد أذاه بوجه فقال: { قل } أي لمن ~~يدعوك إلى موافقتهم، وأكد لما في ظن كثير من الناس من أن الأسباب لا ~~تتخلف فقال: { إني } وزاد في التأكيد لأن ذلك في غاية الاستقرار في ~~النفوس فقال: { لن يجيرني } أي فيدفع عني ما يدفع الجار عن جاره { من ~~الله } أي ms5330 الذي له الأمر كله ولا أمر لأحد معه { أحد * } أي كائنا من ~~كان إن أرادني سبحانه بسوء. ولما كان من هو بهذه المثابة ربما هرب منه ~~المطلوب قال مؤكدا: { ولن أجد } أي أصلا. ولما كانت كل رتبة دون رتبته، ~~وكانت الرتب التي دون رتبته كثيرة جدا لما له من العلو المطلق ولغيره من ~~مراتب السفول التي لا تحد، قال مشيرا لذلك بالجار: { من دونه } أي الله ~~تعالى { ملتحدا * } أي معدلا وموضع ميل وركون ومدخلا وملتجأ وحيلة، ~~وإن اجتهدت كل الجهد لأن اللحد أصله الميل ولا يقال إلا في ميل من حق إلى ~~باطل، والحد: جادل ومارى وركن. ### || [72.23-25] # ولما كان من المعلوم أن هذا شيء لا مثنوية فيه، وكانت الرتب التي دون ~~شريف رتبته سبحانه كثيرة جدا لما له من العلو المطلق وكان ما يليها له ~~حكم شرفها وحقيقها، وكان أول ذلك البلاغ منه سبحانه بلا واسطة ثم البلاغ ~~بواسطة ملائكته الكرام منه، استثنى من " ملتحدا " على طريق لا ملجأ ولا ~~منجى منك إلا إليك ففروا إلى الله فقال: { إلا بلاغا } أي يبلغني كائنا ~~{ من الله } أي الذي أحاط بكل شيء قدرة وعلما، ولكنه لسعة رحمته يجري ~~الأمور على ما يتعارفونه في أنه لا يأخذ أحدا إلا بحجة يعترفون بأنها ~~حجة. ولما بين الرتبة الأولى التي هي أعلى، أتبعها التي تليها فقال: { ~~ورسالاته } التي أوحي إلي بها بواسطة الملك فإني أتلقى ذلك حق تلقيه ~~بحفظه والعمل به فيكون، ذلك عاصما من كل سوء في الدنيا والآخرة. # ولما كان التقدير لبيان أن الله شرف الرسل بأن أعطاهم عظمة من عظمته ~~فجعل عصيانهم عصيانه، فيكون جزاء من عصاهم هو جزاء من عصاه سبحانه وتعالى ~~لأنهم إنما يتكلمون بأمره، فمن يطع الله ورسوله فإن له جنة نعيم يكونون ~~فيها مدى الدهر سعداء، عطف عليه قوله: { ومن يعص الله } أي الذي له ~~العظمة كلها { ورسوله } الذي ختم به النبوة والرسالة فجعل رسالته محيطة ~~بجميع خلقه في التوحيد أو غيره على سبيل الجحد { فإن له ms5331 } أي خاصة { نار ~~جهنم } أي التي تلقاه بالعبوسة والغيظ، ولما عبر بالإفراد نظرا إلى لفظ ~~" من " لأنه أصرح في كل فرد، عبر بالجمع حملا على معناها لأنه أدل على ~~عموم الذل فقال: { خالدين فيها } وأكد المعنى وحققه لقول من يدعي ~~الانقطاع فقال: { أبدا * } وأما من يدعي أنها تحرق وأن عذابها عذوبة ~~فليس أحد أجن منه إلا من يتابعه على ضلاله وغيه ومحاله، وليس لهم دراء ~~إلا السيف في الدنيا والعذاب في الآخرة بما سموه عذوبة وهم صائرون إليه ~~وموقوفون عليه. # ولما ذكر تلبدهم عليه وقدم ما هو الأهم من أمره من كشف غمومهم بإعلامهم ~~أن ذلك الذي أنكروه عليه هو الذي يحق له، ومن أنه مع ضعفه عن مقاواتهم هو ~~عن الإعراض عن الله أضعف لأن الله أقوى من كل شيء وأنه لا يسعه إلا ~~امتثال أمره، وأشار إلى أنهم عاجزون عن سطواته سبحانه بعدم القدرة على ~~الإجارة عليه، صرح بذلك مهددا لهم، فقال مغييا لتلبدهم عليه: { حتى إذا ~~رأوا } أي بأبصارهم فيه { ما } أي الشيء الذي. ولما كان المنكي من الوعيد ~~بروكه على كل من كان لأجله الوعيد لا كونه من معين قال: { يوعدون } أي ~~ما حصل الإيعاد في الدنيا أو في الآخرة أما في الآخرة فواضح، وأما في ~~الدنيا فمثل إخراج النبي صلى الله عليه وسلم مع اجتماع المشركين على ~~المكر به لقتله واجتهادهم في ذلك ثم سراياه وغزواته مثل غزوة بدر وغيرها ~~من أيام الله التي ملأت الأرض نورا وأهل الحق سرورا وحبورا، وأهل ~~الباطل خسرا وبورا ورعبا وهلاكا وقبورا { فسيعلمون } أي من ذلك ~~اليوم الذي يكون فيه تأويله بوعد لا خلف فيه ولا طولا لأمده { من أضعف ~~ناصرا } أي من جهة الناصر أنا وإن كنت في هذا الوقت وحيدا مستضعفا أو ~~هم { وأقل عددا * } وإن كانوا الآن بحيث لا يحصيهم عددا إلا الله ~~سبحانه، فيا لله ما أعظم كلام الرسل حيث يستضعفون أنفسهم من حيث هي، ~~ويذكرون قوتهم من جهة مولاهم الذي بيده الملك وله جنود ms5332 السماوات والأرض ~~بخلاف أهل الإلحاد فإنه لا كلام لهم إلا في تعظيم أنفسهم وازدراء من ~~سواهم، وإذا حاققت أحدا من أتباع أحد منهم قال هذا على لسان النبوة - ~~ونحو هذا من مخادعاتهم. # ولما كان من المعلوم أنهم إذا سمعوا هذا الوعيد قالوا استهزاء وعمى عن ~~طريق الصواب واستعلاء: متى يكون عجل به، استأنف قوله جوابا لهم جواب من ~~لا يستخفه عجلة ولا ضجر لأنه لا يخاف الفوت ولا يلحقه ضرر ببقاء العدو ~~واجتهادهم في أذى أوليائه ميبنا ما يجوز على الرسل من أنه يخفى عليهم ما ~~على البشر ويطلعهم الله تعالى ما يخفي على غيرهم: { قل } أي في جوابهم إن ~~كذبوا بإتيانهم العذاب وسألوا استهزاء منه عن وقت وقوعه أما كونه فلا بد ~~منه لأنه قد برز الوعيد به ممن لا يخلف الميعاد، وأما تعيين وقته فقد ~~أخفاه سبحانه لأنه أقعد في التهديد وهو معنى قوله: { إن } أي ما { أدري } ~~بوجه من الوجوه وإن عالجت ذلك وتسببت فيه، وزاد في تقرير خفائه وأنه لا ~~يزال في حيز ما يسأل عنه بصيغة الاستفهام فقال مقدما ما يخفيهم: { أقريب ~~ما توعدون } أي يكون الآن أو قريبا من هذا الأوان بحيث يتوقع عن قرب { ~~أم } بعيد { يجعل له } أي لهذا الوعي. ولما كان التأخير ربما أفهم ~~تهاونا بالولي. فقال دافعا لذلك: { ربي } أي المحسن إلي إن قدمه أو ~~أخره { أمدا * } أي أجلا مضروبا عظيما بكل اعتبار حتى في البعد لا ~~يتأتى مع ذلك أن يكون الآن ولا أن يتوقع دون ذلك الأمد، فهو في كل حال ~~متوقع فكونوا على غاية الحذر لأنه لا بد من وقوعه فوقوعه لا كلام فيه، ~~وإنما الكلام في تعيين وقته. ### || [72.26-28] # ولما نفى صلى الله عليه وسلم علمه عن نفسه الشريفة، نفى ذلك عن غيره على ~~وجه عام لجميع الغيب جال من عظمة مرسله ما تنقطع دونه الأعناق فقال ~~واصفا له: { عالم الغيب } أي كله وهو ما لم يبرز إلى عالم الشهادة فهو ~~مختص سبحانه بعلمه، فلذلك سبب ms5333 عنه قوله: { فلا يظهر } أي بوجه من الوجوه ~~في وقت من الأوقات { على غيبه } أي الذي غيبه عن غيره فهو مختص به { ~~أحدا * } لعزة علم الغيب ولأنه خاصة الملك. ولما كان لا يعلم الغيب إلا ~~ببروزه على عالم الشهادة، وكان لأول من يطلع عليه شرف ينبغي أن يعرف له ~~قال: { إلا من ارتضى } أي عمل الله تعالى في كونه رضي عمل من يتعمد ذلك ~~ويجتهد فيه، وبين " من " بقوله: { من رسول } أي من الملائكة ومن الناس ~~فإنه يظهر عليه ذلك المرتضى الموصوف لا كل مرتضى بأن يظهره على ما شاء ~~منه لأن الغيب جنس لا تحقق له إلا في ضمن أفراده، فإذا ظهر فرد منه فقد ~~ظهر فيه الجنس لظهور حصة منه، وتارة يكون ذلك الرسول ملكا، وتارة يكون ~~بشرا يكلمه الله بغير واسطة كموسى عليه الصلاة والسلام في أيام ~~المناجاة، ومحمد صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج في العالم الأعلى في ~~حضرة قاب قوسين أو أدنى، وإذا ظهر عليه الرسول خرج عن كونه غيبا، وأوصله ~~الرسول إلى من أذن له في إيصاله له تارة بالوحي للأنبياء وتارة بالنفث ~~والإلهام للأولياء، وذلك عند تهييء نفوسهم بسكون قواها عن منازعة العقل ~~بالشهوات والحظوظ كما يكون للنفوس عامة حين سكون القوى عن المنازعة ~~بالنوم فتكون متهيئة للنفث فيها فمن أعرض عن جانب الحس وأقبل على جناب ~~القدس فقده هيأ نفسه لنفث الملك في ورعه بعلم ما لم يكن يعلم وليس أحد من ~~الناس إلا وقد علم من نفسه أنه إذا أقبل على شيء بكليته حدث له فيه أمور ~~حدسية إلهامية بغتة من غير سابقة فكر وطلب، وعلى قدر التهيئة يكون النفث ~~من قبل الله سبحانه وتعالى، وربما كان النفث شيطانيا بما تلقته الشياطين ~~من الاستراقات من الملائكة إما من الأرض بعد نزولهم أو من السماء ~~بالاستراق فيها - والله أعلم، ويجوز أن يكون للأولياء مشافهة من الملك ~~كما كان لمريم عليها السلام من الملائكة، وقال جبريل عليه الصلاة والسلام ~~عن بعضهم إنه لو ms5334 سلم رد عليه. ولما دل هذا السياق على عزة علم الغيب ~~وكانت عزته سببا لحراسة من يطلع عليه ليؤديه إلى من أمر به كما أمر به، ~~أعلم سبحانه وتعالى بذلك بقوله مؤكدا تمييزا له من علم الكهان الذي ~~أصله من الجان دالا على إجلال الرسل وإعظامهم وتبجيلهم وإكرامهم: { ~~فإنه } أي الله سبحانه وتعالى يظهر ذلك الرسول على ما يريد من الغيب. # وذلك أنه إذا أراد إظهاره عليه { يسلك } أي يدخل إدخال السلك في الجوهرة ~~في تقومه ونفوذه من غير أدنى تعريج إلى غير المراد. ولما كان الغرض يحصل ~~بمن يقيمه سبحانه من جنوده للحراسة ولو أنه واحد من كل جهة بل وبغير ذلك، ~~وإنما جعل هذا الإخراج للأمر على ما يتعارفه العباد، عبر بالجار دليلا ~~على عدم استغراق الرصد للجهات إلى منقطع الأرض مثلا فقال: { من بين يديه ~~} إلى الجهة التي يعلمها ذلك الرسول { ومن خلفه } أي الجهة التي تغيب عن ~~علمه، فصار ذلك كفاية عن كل جهة، ويمكن أن يكون ذكر الجهتين دلالة على ~~الكل وخصهما لأن العدو متى أعريت واحدة منهما أتى منها، ومتى حفظت لم يأت ~~من غيرها، لأنه يصير بين الأولين والآخرين { رصدا * } أي حرسا من جنوده ~~يحرسونه ويحفظونه بحفظ ما معه من الغيب من اختطاف الشياطين أو غيرهم لئلا ~~يسترقوا شيئا من خبره - قاله ابن عباس رضي الله عنهما، وقال مقاتل وغيره ~~رضي الله عنهما: يخبرونه بمن أنكره بأن يحذروه منه إن كان شيطانا أو ~~يأمروه بالسماع منه إن كان ملكا، وذلك أن إبليس كان يأتي الأنبياء في ~~صورة جبريل عليه السلام ولكن الله عصمهم منه. # ولما كان هذا الدأب من الحفظ في كل رسول بين الغاية جامعا تعيينا لما ~~اقتضاه الجنس، وبيانا لأن الأفراد أولا مراد به الجمع، وأنه ما عبر به ~~إلا لتشمل الحراسة كل فرد منهم فقال: { ليعلم } أي الله علما كائنا ~~واقعا على هذه الصفة التي تعلق بها علمه في الأزل قبل وجودها بما لا ~~يعلمه إلا هو سبحانه أنها ستكون ms5335 { أن } أي إن الرسل عليهم الصلاة والسلام ~~{ قد أبلغوا } أي إلى من أرسلوا إليه { رسالات ربهم } أي الذي أوجدهم ~~ودبر جميع أمورهم واختارهم لرسالاته على ما هي عليه لم يشبها شائبة ولا ~~لحقها غبر. ولما كان هذا ربما أوهم أنه محتاج في الحفظ إلى الرصد أزال ~~ذلك بقوله: { وأحاط } أي فعل ذلك والحال أنه قد أحاط { بما لديهم } أي ~~الرسل والمرسل إليهم من الملائكة والبشر على أدق الوجوه وأعظمها وأغربها ~~بما أشار إليه التعبير بلدى، ولما كان هذا كافيا في المقصود، لكنه قاصر ~~على محل الحاجة عم تعريفا بالأمر على ما هو عليه، فقال حاملا على شدة ~~الوثوق بما تقوله الرسل عن ربهم وأنه لا لبس فيه ولا غائلة بوجه، مبينا ~~غاية البيان كذب حديث الغرانيق الذي ذكره بعض المفسرين وغيرهم في سورة ~~والنجم: { وأحصى } أي الله سبحانه وتعالى { كل شيء } أي على العموم من ~~غير استثناء أصلا { عددا * } أي من جهة العدد لكل ما يمكن عده ولو على ~~أقل مقادير الذر فيما لم يزل وفيما لا يزال، فهو دليل قاطع على علمه ~~تعالى بالجزئيات كعلمه بالكليات، وقد التقى أول السورة وآخرها وباطنها ~~الغيبي وظاهرها، فدل آخرها على الأول المجمل، وأولها على الآخر المفصل، ~~وذلك أن أول السورة بين عظمة الوحي بسبب الجن، ثم بين في أثنائها حفظه من ~~مسترقي السمع، وختم بتأكيد حفظه وحفظ جميع كلماته واستمر في تأكيد أمره ~~حتى بانت عظمة هذا القرآن، وظهرت عزة هذا الفرقان، على كل كتاب، بكل ~~اعتبار وحساب، فافتتح المزمل بمثل ذلك وختمها بالأمر بقراءة ما تيسر منه، ~~وذكر في المدثر طعن الطاعن فيه وما ناله بسبب ذلك الطعن من الخزي والعذاب ~~في الدنيا والآخرة مع ضمان الحفظ منه، ثم نهى نبيه صلى الله عليه وسلم في ~~سورة القيامة عن العجلة في أمره لئلا يختل حفظه، أو يزيغ أدنى زيغ لفظه، ~~وتشريعا لأمته في ترك الاستعجال، فإنه ليس من دأب الرجال، ثم أكد أمر ~~تنزيله في الإنسان، وبين أن علة الإعراض عنه ms5336 حب العاجلة التي هي عين ~~النقصان، وختم المرسلات بنهاية ما تخيل الأوهام والظنون، فقال # فبأي حديث بعده يؤمنون # [الأعراف: 185] فسبحان من نظمه هذا النظام، وجعله أقصى المراد وغاية ~~المرام، وصلى الله على من لا نبي بعده على الدوام. ### | [73 - سورة المزمل] ### || [73.1-5] # لما تقدم في آخر الجن من تعظيم الوحي وأن من تعظيمه حفظ المرسل به من ~~جميع الآفات المفترة عن إبلاغه بما له سبحانه من إحاطة العلم والقدرة ~~وندب نبيه الذي ارتقاه لرسالته والاطلاع على ما أراده من غيبه صلى الله ~~عليه وسلم أول هذه إلى القيام بأعباء النبوة بالمناجاة بهذا الوحي في وقت ~~الأنس والخلوة بالأحباب، والبسط والجلوة لمن دق الباب، للاعتلاء والمتاب، ~~المهيىء لحمل أعباء الرسالة، والمقوي على أثقال المعالجة لأهل الضلالة، ~~فقال معبرا بالأداة الصالحة للقرب والبعد المختصة بأنه لا يقال بعدها ~~إلا الأمور التي هي في غاية العظمة، أشار إلى أنه صلى الله عليه وسلم ~~يراد به غاية القرب بالأمور البعيدة عن تناول الخلق بكونها خوارق للعادات ~~ونواقض للمألوفات المطردات، وأما التزمل فهو وإن كان من آلات ذلك إلا أنه ~~من الأمور العادية، فهو دون ما يراد من التهيئة لذلك الاستعداد، وبالتزمل ~~لكونه منافيا للقيام في الصلاة: { يا أيها المزمل * } أي الذي أخفى شخصه ~~وستر أمره وما أمرناه به - بما أشار إليه التزمل الذي مدلوله التلفف في ~~الثوب على جميع البدن والاختفاء ولزوم مكان واحد، ولأنه يكون منطرحا على ~~الأرض كما قال صلى الله عليه وسلم في قتلى أحد - # " زملوهم بثيابهم ودمائهم " # مع الإشارة إلى الإخفاء أيضا بإدغام تاء التفعل، وربما أشار الإدغام ~~إلى أن الستر بالثوب لم يعم جميع البدن، كما يأتي في المدثر على أن فيه ~~مع ذلك إشارة إلى البشارة بالقوة على حمل أعباء ما يراد به، من قولهم: ~~زمل الشيء - إذا رفعه وحمله، والازدمال: احتمال الشيء، وزملت الرجل على ~~البعير وغيره - إذا حملته عليه، ومن زملت الدابة في عدوها - إذا نشطت، ~~والزامل من حمر الوحش الذي كأنه يظلع من نشاطه، ورجل ms5337 إزميل: شديد، ~~والزاملة: بعير يستظهر به الرجل لحمل طعامه ومتاعه عليه، ويقال للرجل ~~العالم بالأمر: هو ابن زوملتها، وقال ابن عطاء: يا أيها المخفي ما تظهره ~~عليه من آثار الخصوصية! هذا أوان كشفه، وقال عكرمة: يا أيها الذي حمل هذا ~~الأمر، وقال السدي: أراد يا أيها النائم، وقال غيره: كان هذا في ابتداء ~~الوحي بالنبوة، والمدثر في ابتداء الوحي بالرسالة، ثم خوطب بعد ذلك ~~بالنبي والرسول: { قم } أي في خدمتنا بحمل أعباء نبوتنا والازدمال ~~بالاجتهاد في الاحتمال، واترك التزمل فإنه مناف للقيام. # ولما كان الاجتهاد في الخدمة دالا على غاية المحبة، وكانت النية خيرا ~~من العمل، وكان الإنسان مجبولا على الضعف، وكان سبحانه لطيفا بهذه ~~الأمة تشريفا لإمامها صلى الله عليه وسلم، رضى منا سبحانه بصدق التوجه ~~إلى العمل وجعل أجورنا أكثر من أعمالنا، فجعل إحياء البعض إحياء للكل، ~~فأطلق اسم الكل وأراد البعض فقال: { الليل } أي الذي هو وقت الخلوة ~~والخفية والستر، فصل لنا في كل ليلة من هذا الجنس وقف بين يدينا ~~بالمناجاة والأنس بما أنزلنا عليك من كلامنا فإنا نريد إظهارك وإعلاء ~~قدرك في البر والبحر والسر والجهر، وقيام الليل في الشرع معناه الصلاة ~~فلذا لم يقيده، وهي جامعة لأنواع الأعمال الظاهرة والباطنة، وهي عمادها، ~~فذكرها دال على ما عداها. # ولما كان للبدن حظ في الراحة قال مستثنيا من الليل: { إلا قليلا * } ~~أي من كل ليلة، ونودي هذا النداءلأنه صلى الله عليه وسلم # " لما جاءه الوحي بغار حراء رجع إلى خديجة زوجته رضي الله تعالى عنها ~~يرجف فؤاده فقال: " زملوني زملوني! لقد خشيت على نفسي ". فسألته رضي الله ~~عنها عن حاله، فلما قص عليها أمره - قال: " خشيت على نفسي " # يعني أن يكون هذا مبادىء شعر أو كهانة، وكل ذلك من الشياطين وأن يكون ~~الذي ظهر له بالوحي ليس بملك، وكان صلى الله عليه وسلم يبغض الشعر ~~والكهانة غاية البغضة، فقالت له وكانت وزيرة صدق: " كلا والله! لا يخزيك ~~الله أبدا، إنك لتصل الرحم وتقري الضيف وتحمل الكل ms5338 وتعين على نوائب الحق ~~" ونحو هذا من المقال الذي يثبت، وفائدة التزمل أن الشجاع الكامل إذا ~~دهمه أمر هو فوق قواه ففرق أمره فرجع إلى نفسه، وقصر بصره وبصيرته على ~~حسه، اجتمعت قواه إليه فقويت جبلته الصالحة على تلك العوارض التخييلية ~~فهزمتها فرجع إلى أمر الجبلة العلية، وزال ما عرض من العلة البدنية. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما كان ذكر إسلام الجن قد أحرز غاية ~~انتهى مرماها وتم مقصدها ومبناها، وهي الإعلام باستجابة هؤلاء وحرمان من ~~كان أولى بالاستجابة، وأقرب في ظاهر الأمر إلى الإنابة، بعد تقدم وعيدهم ~~وشديد تهديدهم، صرف الكلام إلى أمره صلى الله عليه وسلم بما يلزمه من ~~وظائف عبادته وما يلزمه في أذكاره من ليله ونهاره، مفتتحا ذلك بأجمل ~~مكالمة وألطف مخاطبة { يا أيها المزمل } [المزمل: 1] وكان ذلك تسلية له ~~صلى الله عليه وسلم كما ورد # فلا تذهب نفسك عليهم حسرات # [فاطر: 8] إلى آخره، وليحصل منه الاكتراث بعناد من قدم عناده وكثرة ~~لججه، وأتبع ذلك بما يشهد لهذا الغرض ويعضده وهو قوله تعالى # فاصبر صبرا جميلا # [المعارج: 5] # واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا وذرني والمكذبين أولي النعمة ~~ومهلهم قليلا # [المزمل: 10 - 11] وهذا عين الوارد في قوله تعالى: # فلا تذهب نفسك عليهم حسرات # [فاطر: 8] وفي قوله # نحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم بجبار # [ق: 45] ثم قال: # إن لدينا أنكالا # [المزمل: 12] فذكر ما أعد لهم، وإذا تأملت هذه الآي وجدتها قاطعة بما ~~قدمناه، وبان لك التحام ما ذكره، ثم رجع الكلام إلى التلطف به عليه ~~الصلاة والسلام وبأصحابه - رضي الله عنهم أجمعين - وأجزل جزاءهم مع وقوع ~~التقصير ممن يصح منه تعظيم المعبود الحق جل جلاله # علم أن لن تحصوه فتاب عليكم فاقرؤوا ما تيسر من القرآن # [المزمل: 20] ثم ختم السورة بالاستغفار من كل ما تقدم من عناد الجاحدين ~~المقدم ذكرهم فيما قبل من السور إلى ما لا يفي العباد المستجيبون به مما ~~أشار إليه قوله تعالى: # علم أن لن تحصوه # [المزمل: 20] انتهى. # ولما كان ms5339 الليل اسما لما بين غروب الشمس وطلوع الفجر، وكان قيامه في ~~غاية المشقة، حمل سبحانه من ثقل ذلك، فقال مبينا لمراده بما حط عليه ~~الكلام بعد الاستثناء، ومبدلا من جملة المستثنى والمستثنى منه: { نصفه } ~~أي الليل، فعلم أن المراد بالقليل المستثنى النصف، وسماه قليلا بالنسبة ~~إلى جميع الليل، وبالنسبة إلى النصف الذي وقع إحياؤه، لأن ما يلي بالعمل ~~أكثر مما لا عمل فيه، ويجوز أن يكون " نصفه " بدلا من الليل، فيكون كأنه ~~قيل: قم نصف الليل إلا قليلا وهو السدس أو انقص منه إلى الربع، وجاءت ~~العبارة هكذا لتفيد أن من قام ثلث الليل بل ربعه فما فوقه كان محييا ~~لليل كله. # ولما كانت الهمم مختلفة بالنسبة إلى الأشخاص وبالنسبة إلى الأوقات قال: ~~{ أو انقص منه } أي هذا النصف الذي أمرت بقيامه، أو من النصف المستثنى ~~منه القليل على الوجه الثاني وهو الثلث { قليلا * } فلا تقمه حتى لو ~~أحييت ثلث الليل على الوجه الأول أو ربعه على الوجه الثاني كنت محييا له ~~كله في فضل الله بالتضعيف { أو زد عليه } أي على النصف قليلا كالسدس ~~مثلا، فيكون الذي تقومه الثلثين مثلا، وعلى كل تقدير من هذه التقادير ~~يصادف القيام - وهو لا يكون إلا بعد النوم: الوقت الذي يباركه الله ~~بالتجلي فيه فإنه صح أنه ينزل سبحانه عن أن يشبه ذاته شيئا أو نزوله ~~نزول غيره بل هو كناية عن فتح باب السماء الذي هو كناية عن وقت استجابة ~~الدعاء - حين يبقى ثلث الليل - وفي رواية: حين يبقى شطر الليل الآخر - ~~إلى سماء الدنيا فيقول: هل من سائل فأعطيه، هل من تائب فأتوب عليه، هل من ~~كذا هل من كذا حتى يطلع الفجر. وكان هذا القيام في أول الإسلام فرضا ~~عليهم على التخيير بين هذه المقادير الثلاثة فكانوا يشقون على أنفسهم، ~~فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقوم حتى يصبح مخافة أن لا يحفظ القدر ~~الواجب، وكذا بعض أصحابه رضي الله تعالى عنهم واشتد ذلك عليهم حتى انتفخت ~~أقدامهم، وكان هذا ms5340 قبل فريضة الخمس، فنزل آخرها بالتخفيف بعد سنة # علم أن لن تحصوه # [المزمل: 20] الآيات، فصار قيام الليل تطوعا بعد فريضة. # ولما أمر بالقيام وقدر وقته وعينه، أمر بهيئة التلاوة على وجه عام ~~للنهار معلم بأن القيام بالصلاة التي روحها القرآن فقال: { ورتل القرآن } ~~أي اقرأه على تؤدة وبين حروفه بحيث يتمكن السامع من عدها وحتى يكون ~~المتلو شبيها بالثغر المرتل وهو المفلج المشبه بنور الأقحوان، فإن ذلك ~~موجب لتدبره فتكشف له مهماته وينجلي عليه أسراره وخفياته، قال ابن مسعود ~~رضي الله عنه: ولا تنثروه نثر الدقل ولا تهذوه هذ الشعر، ولكن قفوا عند ~~عجائبه وحركوا به القلوب ولا يكن هم أحدكم آخر السورة. روى الترمذي عن ~~عائشة رضي الله عنها: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم قام حتى أصبح بآية، والآية { إن تعذبهم ~~فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم } " # [المائدة: 118] ولما أعلم سبحانه بالترتيل أعلم بشرفه بالتأكيد بالمصدر ~~فقال: { ترتيلا * }. # ولما كان المراد منه صلى الله عليه وسلم الثبات للنبوة ومن أمته الثبات ~~في الاقتداء به في العمل والأمر والنهي، وكان ذلك في غاية الصعوبة، وكان ~~الإنسان عاجزا إلا بإعانة مولاه، وكان العون النافع إنما يكون لمن صفت ~~نفسه عن الأكدار وأشرقت بالأنوار، وكان ذلك إنما يكون بالاجتهاد في خدمته ~~سبحانه، علل هذا الأمر بقوله مبينا للقرآن الذي أمر بقراءته ما هو وما ~~وصفه، معلما أن التهجد يعد للنفس من القوى ما به يعالج المشقات، مؤكدا ~~لأن الإتيان بما هو خارج عن جميع أشكال الكلام لا يكاد يصدق: { إنا } أي ~~بما لنا من العظمة { سنلقي } أي قريبا بوعد لا خلف فيه فتهيأ لذلك بما ~~يحق له. # ولما كان المقام لبيان الصعوبة، عبر بأداة الاستعلاء فقال: { عليك } ~~وأشار إلى اليسر مع ذلك إشارة إلى # ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر # [القمر: 17] بالتعبير بما تدور مادته على اليسر والخفة فقال: { قولا } ~~يعني القرآن { ثقيلا * } أي لما فيه من التكاليف الشاقة من جهة حملها ~~وتحميلها للمدعوين لأنها تضاد الطبع ms5341 وتخالف النفس، ومن جهة رزانة لفظه ~~لامتلائه بالمعاني مع جلالة معناه وتصاعده في خفاء فلا يفهمه المتأمل ~~ويستخرج ما فيه من الجواهر إلا بمزيد فكر وتصفية سر وتجريد نظر، فهو ثقيل ~~على الموافق من جميع هذه الوجوه وغيرها، وعلى المخالف من جهة أنه لا يقدر ~~على رده ولا يتمكن من طعن فيه بوجه مع أنه ثقيل في الميزان وعند تلقيه ~~وله وزن وخطر وقدر عظيم، روي في الصحيح: # " إن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أتاه الوحي يفصم عنه وإن جبينه ~~ليتفصد عرقا في اليوم الشاتي الشديد البرد " وكان - إذا أنزل عليه الوحي ~~وهو راكب على ناقته وضعت جرانها فلا تكاد تتحرك حتى يسري عنه " # قال القشيري: وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن سورة الأنعام نزلت ~~عليه جملة واحدة وهو راكب فبركت ناقته من ثقل القرآن وهيبته، وهو مع ثقله ~~على الأركان خفيف على اللسان سهل التلاوة والحفظ على الإنسان. ### || [73.6-9] # ولما أفهم هذا أن التهجد في غاية العظمة، أكد ذلك حاثا على عدم الرضى ~~بدون الأفضل الأجمل الأكمل بقوله: مؤكدا ليخف أمر القيام على النفس: { ~~إن ناشئة اليل } أي ساعاته التي كل واحدة منها ناشئة والعبادة تنشأ فيه ~~بغاية الخفة، من نشأ أي نهض من مضجعه بغاية النشاط لقوة الهمة ومضاء ~~العزيمة التي جعلتها كأنها نشأت بنفسها، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: ~~ما كان بعد العشاء فهو ناشئة، وما كان قبله فليس بناشئة، وقالت عائشة رضي ~~الله عنها: الناشئة القيام بعد النوم، وقال الأزهري: الناشئة القيام، ~~مصدر جاء على فاعلة كالعافية بمعنى العفو. # ولما كان ذلك في غاية الصعوبة لشدة منافرته للطبع، زاد في التأكيد ~~ترغيبا فيه فقال: { هي } أي خاصة لما لها من المزايا { أشد } أي أثقل ~~وأقوى وأمتن وأرصن { وطأ } أي كلفة ومشقة لما فيها نم ترك الراحة وفراق ~~الألف والمحبوب، وأشد ثبات قدم - على أنه مصرد وطىء في قراءة الجماعة - ~~بفتح ثم سكون، ومواطأة بين القلب واللسان في الحضور وفي التزام الدين ms5342 ~~بالإذعان والخضوع على أنه مصدر واطأ مثل قاتل على قراءة أبي عمرو وابن ~~عامر بالكسر والمد وهي أبلغ لأن صيغة المفاعلة تكون بين اثنين يغالبان ~~فيكون الفعل أقوى. # ولما كان التهجد يجمع القول والفعل، وبين ما في الفعل لأنه أشق، فكان ~~بتقديم الترغيب بالمدحة أحق، أتبعه القول فقال: { وأقوم قيلا * } أي ~~وأعظم سدادا من جهة القيل في فهمه ووقعه في القلوب بحضور القلب ورياقة ~~الليل بهدوء الأصواء وتجلي الرب سبحانه وتعالى بحصول البركات، وأخلص من ~~الرياء والقصود الدنيات. # ولما بين سبحانه من أول السورة إلى هنا ما به صلاح الدين الذي عصمه ~~الأمر وبه صلاح الدارين، وأظهر ما للتهجد من الفضائل، فكان التقدير ~~حتما: فواظب عليه لتناول هذه الثمرات، قال معللا محققا له مبينا ما ~~به صلاح الدنيا التي هي فيها المعاش، وصلاحها وسيلة إلى صلاح المقصود، ~~وهو الدين وهو الذي ينبغي له لئلا يكون كلا على الناس ليحصل من الرزق ~~ما يعينه على دينه ويوسع به على عيال الله من غير ملل ولا ضجر ولا كسل ~~ولا مبالغة، مؤكدا لما للنفس من الكسل عنه: { إن لك } أي أيها المتهجد ~~أو يا أكرم العباد إن كان الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ليكون آكد في ~~إلزام الأمة به { في النهار } الذي هو محل السعي في مصالح الدنيا. # ولما كان الإنسان يهتم في سعيه لنفسه حتى يكون كأنه لشدة عزمه وسرعة ~~حركته كالسابح فيما لا عائق له فيه قال: { سبحا طويلا * } أي تقلبا ~~ممتد الزمان، قال البغوي: وأصل السبح سرعة الذهاب، وقال الرازي: سهولة ~~الحركة. # ولما كان التقدير: فاجتهد في التهجد، عطف عليه قوله حاثا على حضور ~~الفكر: { واذكر اسم ربك } أي المحسن إليك والموجد والمدبر لك بكل ما يكون ~~ذكرا من اسم وصفة وثناء وخضوع وتسبيح وتحميد وصلاة وقراءة ودعاء وإقبال ~~على علم شرعي وأدب مرعي ودم على ذلك، فإذا عظمت الاسم بالذكر فقد عظمت ~~المسمى بالتوحيد والإخلاص، وذلك عون لك على مصالح الدارين، أما الآخرة ~~فواضح، وأما الدنيا فقد ms5343 أرشد النبي صلى الله عليه وسلم أعز الخلق عليه ~~فاطمة ابنته رضي الله عنها لما سألته خادما يقيها التعب إلى التسبيح ~~والتحميد والتكبير عند النوم. # ولما كان الذكر قد يكون مع التعلق بالغير، أعلم أن الذاكر في الحقيقة ~~إنما هو المستغرق فيه سبحانه وبه يكون تمام العون فقال: { وتبتل } أي ~~اجتهد في قطع نفسك عن كل شاغل، والإخلاص في جميع أعمالها بالتدريج قليلا ~~قليلا، منتهيا: { إليه } ولا تزل على ذلك حتى يصير لك ذلك خلقا فتكون ~~نفسك كأنها منقطعة بغير قاطع ومقطعة تقطعيا كثيرا بكل قاطع، فيكون ~~التقدير - بما أرشد إليه المصدر " تبتلا " وبتلها { تبتيلا * } فأعلم ~~بالتأكيد بالمصدر المرشد إلى الجمع بين التفعل والتفعيل بشدة الاهتمام ~~وصعوبة المقام، وهو من البتل وهو القطع، صدقة بتلة أي مقطوعة عن صاحبها، ~~ولذلك قال زيد بن أسلم: التبتل رفض الدنيا وما فيها والتماس ما عند الله ~~تعالى، والبتول مريم عليها السلام لانقطاعها إلى الله تعالى، عن جميع ~~خلقه، وكذا فاطمة الزهراء البتول أيضا لانقطاعها عن قرين ومثيل ونظير، ~~فالمراد بهذا هو المراد بكلمة التوحيد المقتضية للإقبال عليه والإعراض عن ~~كل ما سواه، وذلك بملازمة الذكر وخلع الهوى، والآية من الاحتباك وهو ~~ظاهر: ذكر فعل التبتل دليلا على حذف مصدره، وذكر مصدر بتل ديليلا على ~~حذف فعله. # ولما كان الواجب على كل أحد شكر المنعم، بين أنه سبحانه الذي أنعم يسكن ~~الليل الذي أمر بالتهجد فيه ومنتشر النهار الذي أمر بالسبح فيه، فقال ~~واصفا الرب المأمور بذكره في قراءة ابن عامر ويعقوب والكوفيين غير حفص ~~معظما له بالقطع في قراءة الباقين بالرفع: { رب المشرق } أي موجد محل ~~الأنوار التي بها ينمحي هذا الليل الذي أنت قائم فيه ويضيء بها الصباح ~~وعند الصباح يحمد القوم السرى بما أنالهم من الأنوار في مرائي قلوبهم وما ~~زينها به من شهب المعاني كما أوجد لهم في آفاق أفلاكهم من شموس المعاني ~~المثمرة ليدور الأنس في مواطن القدس، فلا يطلع كوكب في الموضع الذي هو ~~ربه إلا بإذنه، وهو ms5344 رب كل مكان، وما أحسن ما قال الإمام الرباني تقي ~~الدين بن دقيق العيد: # كم ليلة فيك وصلنا السرى # لا نعرف الغمض ولا نستريح # واختلف الأصحاب ماذا الذي # يزيح من شكواهم أو يريح # فقيل تعريسهم ساعة # وقلت بل ذكراك وهو الصحيح # ولما ذكر مطالع الأنوار، لأنها المقصود لما لها من جلي الإظهار، ووحد ~~لأنه أوفق لمقصود السورة الذي هو محطة لانجماح المدلول عليه بالتزمل، ~~أتبعه مقابله فقال: { والمغرب } أي الذي يكون عنه الليل والذي هو محل ~~السكن وموضع الخلوات ولذيذ المناجاة، فلا تغرب شمس ولا قمر ولا نجم إلا ~~بتقديره سبحانه، وإذا كان رب ما فيه هذه الصنائع التي هي أبدع ما يكون ~~كان رب ما دون ذلك. # لما علم بهذا أنه المختص بتدبير الكائنات، المتفرد بإيجاد الموجودات، ~~كان أهلا لأن يفرد بالعبادة وجميع التوجه فقال مستأنفا: { لا إله } أي ~~معبود بحق { إلا هو } أي ربك الذي دلت تربيته لك على مجامع العظمة وأنهى ~~صفات الكمال والتنزه عن كل شائبة نقص. ولما علم تفرده سبحانه كان الذي ~~ينبغي لعباده أن لا يوجه أحد منهم شيئا من رغبته لغيره فلذلك سبب عنه ~~قوله: { فاتخذه } أي خذه بجميع جهدك وذلك بإفرادك إياه بكونه تعالى { ~~وكيلا * } أي على كل من خالفك بأن تفوض جميع أمورك إليه فإنه يكفيكها ~~كلها ويكلؤها غاية الكلاية فإنه المتفرد بالقدرة عليها، ولا شيء أصلا في ~~يد غيره، فلا تهتم بشيء أصلا، وليس ذلك بأن يترك الإنسان كل عمل، فإن ~~ذلك طمع فارغ بل بالإجمال في طلب كل ما ندب الإنسان إلى طلبه، ليكون ~~متوكلا في السبب لا من دون سبب، فإنه يكون حينئذ كمن يطلب الولد من غير ~~زوجة، وهو مخالف لحكمة هذه الدار المبنية على الأسباب، ولو لم يكن في ~~إفراده بالوكالة إلا أنه يفارق الوكلاء بالعظمة والشرف والرفق من جميع ~~الوجوه فإن وكيلك من الناس دونك وأنت تتوقع أن يكلمك كثيرا في مصالحك ~~وربك أعظم العظماء وهو يأمرك أن تكلمه كثيرا في مصالحك وتسأله طويلا ~~ووكيلك ms5345 من الناس - إذا حصل مالك سألك الأجرة وهو سبحانه يوفر مالك ~~ويعطيك الأجر، ووكيلك من الناس ينفق عليك من مالك وهو سبحانه يرزقك وينفق ~~عليك من ماله، ومن تمسك بهذه الآية عاش حرا كريما، ومات خالصا شريفا، ~~ولقي الله تعالى عبدا صافيا مختارا تقيا، ومن شرط الموحد أن يتوجه ~~إلى الواحد ويقبل على الواحد ويبذل له نفسه عبودية ويأتمنه على نفسه ~~ويفوض إليه أموره ويترك التدبير ويثق به ويركن إليه ويتذلل لربوبيته، ~~ويتواضع لعظمته ويتزين ببهائه ويتخذه عدة لكل نائبة دنيا وآخرة. ### || [73.10-15] # ولما كانت الوكالة لا تكون إلا فيما يعجز، وكان الأمر بها مشيرا إلى ~~أنه لا بد أن يكون عن هذا القول الثقيل خطوب طوال وزلازل وأهوال، قال: { ~~واصبر } وأشار إلى عظمة الصبر بتعديته بحرف الاستعلاء فقال: { على ما } ~~وخفف الأمر بالإشارة إلى أنهم لا يصلون إلى غير الأذى بالقول، وعظمه ~~باستمرارهم عليه فقال: { يقولون } أي المخالفون المفهومون من الوكالة من ~~مدافعتهم الحق بالباطل في حق الله وحقك. # ولما كانت مجانبة البغيض إلا عند الاضطرار مما يخفف من أذاه قال: { ~~واهجرهم } أي أعرض عنهم جهارا دافعا للهرج مهما أمكن { هجرا جميلا * ~~} بأن تعاشرهم بظاهرك وتباينهم بسرك وخاطرك، فلا تخالطهم إلا فيما أمرك ~~الله به على ما حده لك من دعائهم إليه سبحانه ومن موافاتهم في أفراحهم ~~وأحزانهم فتؤدي حقوقهم ولا تطالبهم بحقوقك لا تصريحا ولا تلويحا. # ولما كان في أمره هذا بما يفعل ما يشق جدا بما فيه من احتمال علوهم، ~~أعلم بقرب فرجه بتهديدهم بأخذهم سريعا فقال: { وذرني } أي اتركني على أي ~~حالة اتفقت مني في معاملتهم، وأظهر في موضع الإضمار تعليقا للحكم بالوصف ~~وتعميما فقال: { والمكذبين } أي العريقين في التكذيب فإني قادر على ~~رحمتهم وتعذيبهم. # ولما ذكر وصفهم الذي استحقوا به العذاب، ذكر الحامل عليه تزهيدا فيه ~~وصرفا عن معاشرة أهله لئلا تكون المعاشرة فتنة فتكون حاملة على الاتصاف ~~به وجارة إلى حب الدنيا فقال: { أولي النعمة } أي أصحاب التنعم بغضارة ~~العيش والبهجة التي أفادتهموها النعمة ms5346 - بالكسر وهي الإنعام وما ينعم به ~~من الأموال والأولاد، والجاه الذي أفادته النعمة - بالضم وهي المسرة التي ~~تقتضي الشكر وهم أكابر قريش وأغنياؤهم. # ولما كان العليم القدير إذا قال مثل هذا لولي من أوليائه عاجل عدوه، قال ~~محققا للمراد بما أمر به من الصبر من هذا في النعم الدنيوية بأن زمنها ~~قصير: { ومهلهم } أي اتركهم برفق وتأن وتدريج ولا تهتم بشأنهم. # ولا سره بوعيدهم الشديد بهذه العبارة التي مضمونها أن أخذهم بيده صلى ~~الله عليه وسلم وهو سبحانه يسأل في تأخيره لهم، زاد في البشارة بقوله: { ~~قليلا * } أي من الزمان والإمهال إلى موتهم أو الإيقاع بهم قبله، وكان ~~بين نزول هذه الآية وبين وقعة بدر يسير - قاله المحب الطبري، وفيه بشارة ~~له صلى الله عليه وسلم بالبقاء بعد أخذهم كما كان، وأنه ليس محتاجا في ~~أمرهم إلى غير وكلهم سبحانه وتعالى بإلقائهم عن باله صلى الله عليه وسلم ~~وتفريغ ظاهره وباطنه لما هو مأمور به من الله سبحانه وتعالى من الإقبال ~~على الله سبحانه، ففي الآية أن من اشتغل بعدوه وكله الله إلى نفسه، فكان ~~ذلك كالمانع من أخذ الله له، فإذا توكل عليه فقد أزال ذلك المانع -. # ولما كان هذا مناديا بعذابهم، وكان وصفهم بالنعمة مفهما لأنهم معتادون ~~بالمآكل الطيبة، وكان منع اللذيذ من المآكل لمن اعتاده لا يبلغ في نكاية ~~النفس بحد نكاية البدن إلا بعد تقدم إهانة، استأنف قوله بيانا لنوع ما ~~أفهمه التهديد من مطلق العذاب، وأكد لأجل تكذيبهم: { إن } وأشار إلى شدة ~~غرابته وجلالته وعظمته وخصوصيته وتحقق حضوره بقوله: { لدينا } دون عندنا ~~ولما كان أشد ما على الإنسان منعه مما يريد من الانبساط به بالحركات، قال ~~ذاكرا ما يضاد ما هم فيه من النعمة والعز: { أنكالا } جمع نكل بالكسر ~~وهو القيد الثقيل الذي لا يفك أبدا إهانة لهم لا خوفا من فرارهم، جزاء ~~على تقييدهم أنفسهم بالشهوات عن اتباع الداعي وإيساعهم في المشي في فضاء ~~الأهوية. ولما كان ذلك - محرقا للباطن أتبعه حريق الظاهر فقال: ms5347 { ~~وجحيما * } أي نارا حامية جدا شديدة الاتقاد بما كانوا يتقيدون به من ~~تبريد الشراب، والتنعم برقيق اللباس والثياب، وتكلف أنواع الراحة. # ولما أتم ما يقابل تكذيبهم، أتبعه ما يقابل النعمة فقال: { وطعاما ذا ~~غصة } أي صاحب انتشاب في الحلق كالضريع والزقوم يشتبك فيه فلا يسوغ: لا ~~ينزل ولا يخرج بما كانوا يعانونه من تصفية المآكل والمشارب، وإفراغ الجهد ~~في الظفر بجميع المآرب. ولما خص عم فقال: { وعذابا أليما * } أي مؤلما ~~شديد الإيلام لا يدع لهم عذوبة بشيء من الأشياء أصلا بما كانوا يصفون به ~~أوقاتهم ويكدرون على من يدعوهم إلى ما ينفعهم بالخلاص من قيود المشاهدات ~~والعروج من حضيض الشهوات إلى أوج الباقيات الصالحات. # ولما ذكر هذا العذاب ذكر ظرفه فقال: { يوم ترجف } أي تضطرب وتتزلزل ~~زلزالا شديدا { الأرض } أي كلها { والجبال } التي هي أشدها. ولما كان ~~التقدير: فكانت الأرض قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا، عطف ~~عليه قوله: { وكانت الجبال } أي التي هي مراسي الأرض وأوتادها، وعبر عن ~~شدة الاختلاط والتلاشي بالتوحيد فقال: { كثيبا } أي رملا مجتمعا، فعيل ~~بمعنى مفعول، من كثبه - إذا جمعه، ومادة كثب بتركيبها كثب - وكبث تدور ~~على الجمع مع القرب، وتلزمه القلة، فإن حقيقة القرب قلة المسافة زمانا ~~أو مكانا، والنعومة، من كثبت التراب: درسته، وكثب عليه - بمعنى حمل ~~أوكر، معناه قارب أن يخالطه، وكثيب الرمل: قطعة تنقاد محدودبة - ناظر إلى ~~القلة من معنى قطعة، وكل ما انصب كذلك أيضا لأن الانصاب عادة يكون لما ~~قل وأما نعم كثاب بتقديم الثاء وبتأخيرها أيضا أي كثير فجاءته الكثرة من ~~الصيغة، والكاثبة من الفرس هو أضيق موضع في عرضها، والكثبة من الأرض: ~~المطمئنة بين الجبال - لأنها تكون صغيرة غالبا، والكباث كسحاب: النضيج ~~من ثمر الأراك، وقيل: ما لم ينضج، وقيل: حمله إذا كان متفرقا، فإن أريد ~~النضيج منه فتسميته به لأنه مجتمع، وإن أريد ما لم ينضج فهو من مقاربة ~~النضج، وإن أريد المتفرق فلقرب بعضه من بعض لأن الأراك نفسه صغير الشجر، ~~وكبث اللحم ms5348 - كفرح: بات مغموما فتغير أو أروح أي جمع على إنائه الذي هو ~~فيه إناء آخر، أو جمع ما هو فيه حتى تضايق فهو من الجمع لهذا، وأما ~~الكنبث كقنفذ والثاء مؤخرة: الصلب الشديد، فهو في الغالب من تجمع أجزائه ~~وتداخل بعضها في بعض، وتكبيث السفينة أن تجنح إلى الأرض، هو من الجمع ~~والقرب معا، وأما كثبت كنانته - بمعنى نكثها، فكان فعل استعمل هنا ~~للإزالة، أي أزال اجتماعها أو بمعنى أنه قربها نم رميه بتسييرها لسرعة ~~التناول. # ولما كان الكثيب ربما أطلق مجازا على ما ارتفع وإن لم يكن ناعما قال: ~~{ مهيلا * } أي رملا سائلا رخوا لينا منثورا، من هاله إذا نثره، ~~وقال الكلبي: هو الذي إذا أخذت منه شيئا تبعك ما بعده، ولما ذكر العذاب ~~ووقته وقدمهما ليكون السامع أقبل لما يطلب منه، أتبعهما السبب فيه مشيرا ~~إلى ما به إصلاح أمر الآخرة التي فيها المعاد وإليها المنتهى والمآب، ~~فقال مؤكدا لأجل تكذيبهم: { إنا أرسلنا } أي بما لنا من العظمة { إليكم ~~} يا أهل مكة شرفا لكم خاصة، وإلى كل من بلغته الدعوة عامة { رسولا } ~~أي جدا هو محمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين وإمامهم صلى الله عليه ~~وسلم { شاهدا عليكم } أي بما تصنعون ليؤدي الشهادة عند طلبها منه بما هو ~~الحق يوم ننزع من كل أمة شهيدا وهو يوم القيامة. # ولما كانت هذه السورة من أول ما نزل والدين ضعيف وأهله في غاية القلة ~~والذلة ليعتبر بهم من آل به أمره إلى أن كان في زمان صار فيه الدين ~~غريبا كغربته إذ ذاك، وكان فرعون أعتى الناس في زمانه وأجبرهم، وأشدهم ~~خداعا وأمكرهم وكان بنو إسرائيل في غاية الذل له والطواعية لأمره، ومع ~~ذلك فلما أرسل الله إليه موسى عليه السلام الذي ذبح فرعون أبناء بني ~~إسرائيل لأجل أن يكون في جملة من ذبحه لأنه قيل له أنه يولد لبني إسرائيل ~~مولود يكون هلاك القبط على يده أظهره به وأهلكه على قوته وأنجى منه بني ~~إسرائيل على ضعفهم، قال ms5349 تعالى تنبيها لقريش والعرب وغيرهم على أن من كان ~~الله معه لا ينبغي أن يقاوي ولو أنه أضعف الخلق، وتنبيها لهم على ~~الاعتبار بحال هذا الطاغية الذي يزيد عليهم بالملك وكثرة الجنود ~~والأموال: { كما أرسلنا } أي بما لنا من العظمة { إلى فرعون } أي ملك مصر ~~{ رسولا * } ولعله نكره للتنبيه على أنه ليس من قوم فرعون فلا مانع له ~~منه من حميم ولا شفيع يطاع، ليعلم أنه من كانت له قبيلة تحامي عنه أولى ~~بالنصرة. ### || [73.16-19] # ولما كان الإرسال سببا للقبول أو الرد قال: { فعصى فرعون } أي بما له ~~من تعوج الطباع { الرسول } أي الذي تقدم أنا أرسلناه إليه فصار معهودا ~~لكم بعد ما أراه من المعجزات البينات والآيات الدامغات - بما أشار إليه ~~مظهر العظمة، ولذلك سبب عن عصيانه قوله: { فأخذناه } أي بما لنا من ~~العظمة، وبين أنه أخذ قهر وغضب بقوله: { أخذا وبيلا * } أي ثقيلا ~~شديدا متعبا مضيقا رديء العاقبة من قولهم: طعام وبيل - إذا كان وخما ~~لا يستمرأ أي لا ينزل في المري ولا يخف عليه، وذلك بأن أهلكناه ومن معه ~~أجمعين لم ندع منهم أحدا - وسيأتي إن شاء الله تعالى في " ألم نشرح " ~~قاعدة إعادة النكرة والمعرفة. # ولما علم بهذا أنه سبحانه شديد الأخذ، وأنه لا يغني ذا الجد منه الجد، ~~سبب عن ذلك قوله محذرا لهم الاقتداء بفرعون: { فكيف تتقون } أي توجدون ~~الوقاية التي تقي أنفسكم، ولما كان التنفير من سبب التهديد أهم لأنه أدل ~~على رحمة المحذر وأبعث على اجتنابه، قال مشيرا بأداة الشك إلى أن كفرهم ~~بالله مع ما نصب لهم من الأدلة العقلية المؤيدة بالنقلية ينبغي أن لا ~~يوجد بوجه، وإنما يذكر على سبيل الفرض والتقدير: { إن كفرتم } أي أوقعتم ~~الستر لما غرس في فطركم من أنوار الدلائل القائدة إلى الإيمان فبقيتم على ~~كفركم - على أن العبارة مشيرة إلى أنه عفا عنهم الكفر الماضي فلا يعده ~~عليهم رحمة منه وكرما ولا يعد عليهم إلا ما أوقعوه بعد مجيء الرسول صلى ~~الله عليه وسلم { يوما ms5350 } أي هو مثل في الشدة بحيث إنه يقال فيه { يجعل } ~~لشدة أهواله وزلزاله وأوجاله { الولدان } أي عند الولادة أو بالقرب منها ~~{ شيبا } جمع أشيب وهو من ابيض شعره، وذلك كناية أن عن كثرة الهموم فيه ~~لأن العادة جارية بأنها إذا تفاقمت أسرعت بالشيب، والمعنى إنكار أن ~~يقدروا على أن يجعلوا لهم وقاية بغاية جهدهم تقيهم عذاب ذلك اليوم ~~الموصوف بهذا الهول الأعظم، وذلك حين يقول الله: # " يا آدم قم فابعث بعث النار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين " # وأسند الجعل إلى اليوم لكونه واقعا فيه كما جعله المتقي، وإنما المتقي ~~العذاب الواقع فيه. # ولما كان هذا أمرا عظيما، صور بعض أهواله زيادة في عظمه فقال: { ~~السماء } أي على عظمها وعلوها وشدة إحكامها. ولما كان المراد الجنس ~~الشامل للكل ذكر فقال: { منفطر } أي منشق متزايل من هيبة الرب تزايل ~~المتفرط من السلك، ولو أنث لكان ظاهرا في واحدة من السماوات، وفي اختيار ~~التذكير أيضا لطيفة أخرى، وهي إفهام الشدة الزائدة في الهول المؤدي إلى ~~انفطاره ما هو في غاية الشدة لأن الذكر في كل شيء أشد من الأنثى، وذلك ~~كله تهويلا لليوم المذكور { به } أي بشدة ذلك اليوم وباؤه للآلة، ويجوز ~~كونها بمعنى " فيه " أي يحصل فيه التفطر والتشقق بالغمام ونزول الملائكة ~~وغير ذلك من التساقط والوهي على شدة وثاقتها فما ظنك بغيرها. # ولما كان هذا عظيما، استأنف بيان هوانه بالنسبة إلى عظمته سبحانه ~~وتعالى فقال: { كان } أي على كل حال وبكل اعتبار { وعده } أي وعد الله ~~الذي تقدم ذكره في مظاهر العظمة، فالإضافة للمصدر على الفاعل { مفعولا * ~~} أي سهلا مفروغا منه في أي شيء كان، فكيف إذا كان بهذا اليوم الذي هو ~~محط الحكمة، أو الضمير لليوم فالإضافة إلى المفعول، إشارة إلى أن الوعد ~~الواقع به وفيه لا بد منه، ومعلوم أنه لا يكون إلا من الله. # ولما كان ما مضى من هذه السورة من الأحكام والترغيب والترهيب مرشدا إلى ~~معالي الأخلاق منقذا من كل سوء، قال مستأنفا مؤكدا تنبيها ms5351 على عظمها ~~وأنها مما ينبغي التنبيه عليه: { إن هذه } أي القطعة المتقدمة من هذه ~~السورة { تذكرة } أي تذكير عظيم هو أهل لأن يتعظ به المتعظ ويعتبر به ~~المعتبر، ولا سيما ما ذكر فيها بأهل الكفر من أنواع العقاب. ولما كان ~~سبحانه قد جعل للإنسان عقلا يدرك به الحسن والقبيح، واختيارا يتمكن به ~~من اتباع ما يريد فلم يبق له مانع من جهة اختيار الأصلح والأحسن إلا قسر ~~المشيئة التي لا اطلاع له عليها ولا حيلة له فيها، سبب عن ذلك قوله: { ~~فمن شاء } أي التذكر للاتعاظ { اتخذ } أي أخذ بغاية جهده { إلى ربه } أي ~~خاصة، لا إلى غيره { سبيلا * } أي طريقا يسلبه حظوظه لكونه لا لبس فيه، ~~فيسلك على وفق ما جاءه من التذكرة، وذلك الاعتصام حال السير بالكتاب ~~والسنة على وفق ما اجتمعت عليه الأمة، ومتى زاغ عن ذلك هلك. ### || [73.20] # ولما كان ربما تغالى بعض الناس في العبادة وشق على نفسه، وربما شق على ~~غيره، أشار سبحانه وتعالى إلى الاقتصاد تخفيفا لما يلحق الإنسان من ~~النصب، مشيرا إلى ما يعمل حالة اتصال الروح بالجسد وهي حالة الحياة، لأن ~~منفعتها التزود من كل خير لما أدناه هول المقابر، فإن الروح في غاية ~~اللطافة، والسجد في غاية الكثافة، لأنها من عالم الأمر، وهو ما يكون ~~الإيجاد فيه بمرة واحدة من غير تدريج وتطوير والجسد من عالم الخلق فهي ~~غريبة فيه تحتاج إلى التأنيس وتأنيسها بكل ما يقربها إلى العالم الروحاني ~~المجرد عن علائق الأجسام، وذلك بصرف القلب كله عن هذه الدنايا والتلبس ~~بالأذكار والصلوات وجميع الأعمال الصالحات، فإن ذلك هو المعين على ~~اتصالها بعالمها العالي العزيز الغالي، وأعون ما يكون على ذلك الحكمة، ~~وهي العدل في الأعمال والاقتصاد في الأقوال والأفعال، فقال مستأنفا ~~الجواب عن تيسير السبيل وبنائه على الحنيفية السمحة بحيث صار لا مانع منه ~~إلا يد القدرة { إن ربك } أي المدبر لأمرك على ما يكون إحسانا إليك ~~ورفقا بك وبأمتك { يعلم أنك تقوم } أي في الصلاة كما أمرت ms5352 به أول ~~السورة. # ولما كانت كثرة العمل ممدوحة وقلته بخلاف ذلك، استعار للأقل قوله: { ~~أدنى } أي زمانا أقل، والأدنى مشترك بين الأقرب، والأدون للأنزل رتبة ~~لأن كلا منهما يلزم منه قلة المسافة { من ثلثي اليل } في بعض الليالي ~~{ ونصفه وثلثه } أي وأدنى من كل منهما في بعض الليالي - هذا على قراءة ~~الجماعة، والمعنى، على قراءة ابن كثير والكوفيين بالنصب تعيين النصف ~~والثلث الداخل تحت الأدنى من الثلثين، وهو على القراءتين مطابق لما وقع ~~التخيير فيه في أول السورة بين قيام النصف بتمامه أو الناقص منه وهو ~~الثلث أو الزائد عليه وهو الثلثان، أو الأقل من الأقل من النصف وهو ~~الربع. # ولما ذكر سبحانه قيامه صلى الله عليه وسلم، أتبعه قيام أتباعه، فقال ~~عاطفا على الضمير المستكن في تقوم وحسنه الفصل: { وطائفة } أي ويقوم ~~كذلك جماعة فيها أهلية التحلق بإقبالهم عليك وإقبال بعضهم على بعض. ولما ~~كانت العادة أن الصاحب ربما أطلق على من مع الإنسان بقوله دون قلبه عدل ~~إلى قوله: { من الذين معك } أي بأقوالهم وأفعالهم، أي على الإسلام، وكأنه ~~اختار هذا دون أن يقول من المسلمين لأنه يفهم أن طائفة لم تقم بهذا ~~القيام فلم يرد أن يسميهم مسلمين، والمعية أعم. # ولما كان القيام - على هذا التفاوت مع الاجتهاد في السبق في العبادة ~~دالا على عدم العلم بالمقادير ما هي عليه قال تعالى: { والله } أي ~~تقومون هكذا لعدم علمكم بمقادير الساعات على التحرير والحال أن الملك ~~المحيط بكل شيء قدرة وعلما وحده { يقدر } أي تقديرا عظيما هو في غاية ~~التحرير { اليل والنهار } فيعلم كل دقيقة منهما على ما هي عليه لأنه ~~خالقهما ولا يوجد شيء منهما إلا به # ألا يعلم من خلق # [الملك: 14]. # ولما علم من هذا المشقة عليهم في قيام الليل على هذا الوجه علما ~~وعملا، ترجم ذلك بقوله: { علم } أي الله سبحانه { أن لن تحصوه } أي ~~تطيقوا التقدير علما وعملا، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم # " استقيموا ولن تحصوا " # { فتاب } أي فتسبب عن هذا العلم أنه ms5353 سبحانه رجع بالنسخ عما كان أوجب { ~~عليكم } بالترخيص لكم في ترك القيام المقدر أول السورة، أي رفع التبعة ~~عنكم في ترك القيام على ذلك التقدير الذي قدره كما رفع عن التائب، وكأنه ~~سماه توبة وإن لم يكن ثم معصية إشارة إلى أنه من شأنه لثقله أن يجر إلى ~~المعصية. # ولما رفعه سبب عنه أمرهم بما يسهل عليهم فقال معبرا عن الصلاة بالقراءة ~~لأنها أعظم أركانها إشارة إلى أن التهجد مستحب لا واجب: { فاقرءوا } أي ~~في الصلاة أو غيرها في الليل والنهار { ما تيسر } أي سهل وهان إلى الغاية ~~عليكم ولان وانقاد لكم { من القرآن } أي الكتاب الجامع لجميع ما ينفعكم، ~~قال القشيري: يقال: من خمس آيات إلى ما زاد، ويقال: من عشر آيات إلى ما ~~يزيد، قال البغوي: قال قيس بن أبي حازم: صليت خلف ابن عباس رضي الله ~~عنهما بالبصرة، فقرأ في أول ركعة بالحمد وأول آية من البقرة، ثم قام في ~~الثانية فقرأ بالحمد والآية الثانية. وقيل: إنه أمر بالقراءة مجردة إقامة ~~لها مقام ما كان يجب عليهم من الصلاة بزيادة في التخفيف، ولذلك روى أبو ~~داود وابن خزيمة وابن حبان في صحيحه عن عبد لله بن عمرو بن العاص رضي ~~الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين، ومن قام بمائة آية كتب من ~~القانتين، ومن قام بألف آية كتب من المقنطرين " # قال المنذري: من سورة الملك إلى آخر القرآن ألف آية. # ولما كان هذا نسخا لما كان واجبا من قيام الليل أول السورة لعلمه ~~سبحانه بعدم إحصائه، فسر ذلك العلم المجمل بعلم مفصل بيانا لحكمة أخرى ~~للنسخ فقال: { علم أن } أي أنه { سيكون } يعني بتقدير لا بد لكم منه { ~~منكم مرضى } جمع مريض، وهذه السورة من أول ما أنزل عليه صلى الله عليه ~~وسلم، ففي هذه بشارة بأن أهل الإسلام يكثرون جدا. # ولما ذكر عذر المريض وبدأ به لكونه أعم ولا قدرة للمريض على دفعه، أتبعه ms5354 ~~السفر للتجارة لأنه يليه في العموم، فقال مبشرا مع كثرة أهل الإسلام ~~باتساع الأرض لهم: { وآخرون } أي غير المرضى { يضربون } أي يوقعون الضرب ~~{ في الأرض } أي يسافرون لأن الماشي بجد واجتهاد يضرب الأرض برجله، ثم ~~استأنف بيان علة الضرب بقوله: { يبتغون } أي يطلبون طلبا شديدا، وأشار ~~إلى سعة ما عند الله بكونه فوق أمانيهم فقال: { من فضل الله } أي بعض ما ~~أوجده الملك الأعظم لعباده ولا حاجة به إليه بوجه من الربح في التجارة أو ~~تعلم العلم { وآخرون } أي منكم أيها المسلمون { يقاتلون } أي يطلبون ~~ويوقعون قتل أعداء الله، ولذلك بينه بقوله: { في سبيل الله } أي ذلك ~~القتل مظروف لطريق الملك الأعظم ليزول عن سلوكه المانع لقتل قطاع الطريق ~~المعنوي والحسي، وأظهر ولم يضمر تعظيما للجهاد ولئلا يلبس بالعود إلى ~~المتجر، وهو ندب لنا من الله إلى رحمة العباد والنظر في أعذارهم، فمن لا ~~يرحم لا يرحم، قال البغوي: روى إبراهيم عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ~~أيما رجل جلب شيئا من مدينة من مدائن المسلمين صابرا محتسبا فباعه ~~بسعر يومه كان عند الله بمنزلة الشهداء، ثم قرأ عبد الله { وآخرون يضربون ~~في الأرض يبتغون } [المزمل: 20] الآية. # وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: ما خلق الله موتة أموتها ~~بعد القتل في سبيل الله أحب إلي من أن أموت بين شعبتي رجل أضرب في الأرض ~~أبتغي من فضل الله. # ولما كانت هذه أعذارا أخرى مقتضية للترخيص أو أسبابا لعدم الإحصاء، ~~رتب عليها الحكم السابق، فقال مؤكدا للقراءة بيانا لمزيد عظمتها: { ~~فاقرءوا } أي كل واحد منكم { ما تيسر } أي لكم { منه } أي القرآن، أضمره ~~إعلاما بأنه عين السابق، فصار الواجب قيام شيء من الليل على وجه ~~التيسير، ثم نسخ ذلك بالصلوات الخمس. ولما كان صالحا لأن يراد به الصلاة ~~لكونه أعظم أركانها وأن يراد به نفسه من غير صلاة زيادة في التخفيف، قال ~~ترجيحا لإرادة هذا الثاني أو تنصيصا على إرادة الأول: { وأقيموا } أي ~~أوجدوا إقامة { الصلاة ms5355 } المكتوبة بجميع الأمور التي تقوم بها من أركانها ~~وشروطها ومقدماتها ومتمماتها وهيئاتها ومحسناتها ومكملاتها. # ولما ذكر بصفة الخالق التي هي أحد عمودي الإسلام البدني والمالي، أتبعها ~~العمود الآخر وهو الوصلة بين الخلائق فقال: { وآتوا } من طيب أموالكم ~~التي أنعمنا به عليكم { الزكاة } أي المفروضة، ولما كان المراد الواجب ~~المعروف، أتبعه سائر الإنفاقات المفروضة والمندوبة، فقال: { وأقرضوا الله ~~} أي الملك الأعلى الذي له جميع صفات الكمال التي منها الغنى المطلق، من ~~أبدانكم وأموالكم في أوقات صحتكم ويساركم { قرضا حسنا } من نوافل ~~الخيرات كلها في جميع شرعه برغبة تامة وعلى هيئة جميلة في ابتدائه ~~وانتهائه وجميع أحواله، فإنه محفوظ لكم عنده مبارك فيه ليرده عليكم ~~مضاعفا أحوج ما تكونون إليه. # ولما كان هذا الدين جامعا، وكان هذا القرآن حكيما لأن منزله له صفات ~~الكمال فأمر في هذه الجمل بأمهات الأعمال اهتماما بها، أتبع ذلك أمرا ~~عاما بجميع شرائع الدين فقال: { وما تقدموا } وحث على إخلاص النية ~~بقوله: { لأنفسكم } أي خاصة سلفا لأجل ما بعد الموت لا تقدرون على ~~الأعمال { من خير } أي أي خير كان من عبادات البدن والمال { تجدوه } ~~محفوظا لكم { عند الله } أي المحيط بكل شيء قدرة وعلما { هو } أي لا ~~غيره { خيرا } أي لكم، وجاز وقوعه الفصل بين غير معرفتين لأن " أفعل من ~~" كالمعرفة، ولذلك يمنع دخول أداة التعريف عليها. # ولما كان كل من عمل خيرا جوزي عليه سواء كان عند الموت أو في الحياة ~~سواء كان كافرا أو مسلما مخلصا أو لا، إن كان مخلصا كان جزاؤه في ~~الآخرة، وإلا ففي الدنيا، قال: { وأعظم أجرا } أي مما لمن أوصى في مرض ~~الموت، وكان بحيث يجازى به في الدنيا. # ولما كان الإنسان إذا عمل ما يمدح عليه ولا سيما إذا كان المادح له ربه ~~ربما أدركه الإعجاب، بين له أنه لا يقدر بوجه على أن يقدر الله حق قدره، ~~فلا يزال مقصرا فلا يسعه إلا العفو بل الغفر فقال حاثا على أن يكون ~~ختام الأعمال بالاستغفار والاعتراف بالتقصير في ms5356 خدمة المتكبر الجبار ~~مشيرا إلى حالة انفصال روحه عن بدنه وأن صلاحها الراحة من كل شر: { ~~واستغفروا الله } أي اطلبوا وأوجدوا ستر الملك الأعظم الذي لا تحيطون ~~بمعرفته فكيف بأداء حق خدمته لتقصيركم عينا وأثرا بفعل ما يرضيه ~~واجتناب ما يسخطه. # ولما علم من السياق ومن التعبير بالاسم الأعظم أنه سبحانه بالغ في ~~العظمة إلى حد يؤيس من إجابته، علل الأمر بقوله مؤكدا تقريبا لما ~~يستبعده من يستحضر عظمته سبحانه وشدة انتقامه وقوة بطشه: { إن الله } ~~وأظهر إعلاما بأن صفاته لا تقصر آثارها على المستغفرين ولا على مطلق ~~السائلين { غفور } أي بالغ الستر لأعيان الذنوب وآثارها حتى لا يكون ~~عليها عتاب ولا عقاب { رحيم * } أي بالغ الإكرام بعد الستر إفضالا ~~وإحسانا وتشريفا وامتنانا، وقد اشتملت هذه السورة على شرح قول النبي ~~صلى الله عليه وسلم فيما أوتي من جوامع الكلم # " اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري وأصلح في دنياي التي فيها معاشي ~~وأصلح لي آخرتي التي إليها منقلبي واجعل الحياة زيادة لي في كل خير واجعل ~~الموت راحة لي من كل شر " # كما أشير إلى كل جملة منها في محلها، ولقد رجع آخر السورة - بالترغيب في ~~العمل وذكر جزائه - على أولها الأمر بالقيام بين يديه وبإشارة الاستغفار ~~إلى عظم المقام وإن جل العمل ودام وإن كان بالقيام في ظلام الليالي ~~والناس نيام، فسبحانه من له هذا الكلام المعجز لسائر الأنام لإحاطته ~~بالجلال والإكرام، فسبحانه من إله جابر القلوب المنكسرة. ### | [74 - سورة المدثر] ### || [74.1-10] # ولما ختمت " المزمل " بالبشارة لأرباب البصارة بعدما بدئت بالاجتهاد في ~~الخدمة المهيىء للقيام بأعباء الدعوة، افتتحت هذه بمحط حكمة الرسالة وهي ~~النذارة لأصحاب الخسارة، فقال معبرا بما فيه بشارة بالسعة في المال ~~والرجال والصلاح وحسن الحال في الحال والمآل، ومعرفا بأن المخاطب في ~~غاية اليقظة بالقلب وإن ستر القالب: { يا أيها المدثر * } المشتمل بثوبه، ~~من تدثر بالثوب: اشتمل به، والدثار - بالكسر ما فوق الشعار من الثياب، ~~والشعار ما لاصق البدن " الأنصار شعار والناس دثار " والدثر: ms5357 المار ~~الكثير، ودثر الشجر: أورق، وتدثير الطائر: إصلاحه عشه، والتعبير بالأداة ~~الصالحة للقرب والبعد يراد به غاية القرب بما عليه السياق وإن كان ~~التعبير بالأداة فيه نوع ستر لذلك مناسبة للتدثر، واختير التعبير بها ~~لأنه لا يقال بعدها إلى ما جل وعظم من الأمور، وكان الدثار لم يعم بدنه ~~الشريف بما دل عليه التعبير بالإدغام دون الإظهار الدال على المبالغة لأن ~~المراد إنما كان ستر العين ليجتمع القلب، فيكفي في ذلك ستر الرأس وما ~~قاربه من البدن، والإدغام شديد المناسبة للدثار. # ولما كان في حال تدثره قد لزم موضعا واحدا فلزم من ذلك إخفاء نفسه ~~الشريفة، أمره صلى الله عليه وسلم بالقيام، وسبب عنه الإنذار إشارة إلى ~~أن ما يراد به من أنه يكون أشهر الخلق بالرسالة العامة مقتض لتشمير الذيل ~~والحمل على النفس بغاية الجد والاجتهاد اللازم عنه كثرة الانتشار، فهو ~~مناف للتدثر بكل اعتبار فقال: { قم } أي مطلق قيام، ولا سيما من محل ~~تدثرك بغاية العزم والجد. # ولما كان الأمر عند نزول هذه السورة في أوله والناس قد عمهم الفساد، ذكر ~~أحد وصفي الرسالة إيذانا بشدة الحاجة إليه فقال مسببا عن قيامه: { ~~فأنذر } أي فافعل الإنذار لكل من يمكن إنذاره فأنذر من كان راقدا في ~~غفلاته، متدثرا بأثواب سكراته، لاهيا عما أمامه من أهوال يوم القيامة، ~~وكذا من كان مستيقظا ولكنه متدثر بأثواب تشويفاته وأغشيته فتراته، فإنه ~~يجب على كل مربوب أن يشكر ربه وإلا عاقبه بعناده له أو غفلته عنه بما ~~أقله الإعراض عنه، وحذف المفعول إشارة إلى عموم الإنذار لكل من يمكن منه ~~المخالفة عقلا وهم جميع الخلق، وذلك أنه صلى الله عليه وسلم كان نزل ~~عليه جبريل عليه السلام ب # اقرأ باسم ربك # [العلق: 1] ونحوها فكان بذلك نبيا ثم نزلت عليه هذه الآية فكان بها ~~رسولا، وذلك أنه نودي وهو في جبل حراء، فلما سمع الصوت نظر يمينا ~~وشمالا فلم ير شيئا، فرفع رأسه فإذا جبريل عليه الصلاة والسلام جالس ~~على عرش بين السماء والأرض، ms5358 ففرق من ذلك أشد الفرق، فبادر المجيء إلى ~~البيت ترجف بوادره وقال: # " دثروني دثروني، لقد خشيت على نفسي، صبوا علي ماء باردا ". # ولما كان الإنذار يتضمن مواجهة الناس بما يكرهون، وذلك عظيم على ~~الإنسان، وكان المفتر عن اتباع الداعي أحد أمرين: تركه مما يؤمر به، ~~وطلبه عليه الأجر، كما أن الموجب لاتباعه عمله بما دعا إليه، وبعده عن ~~أخذ الأجر عليه، أمره بتعظيم من أرسله سبحانه فإنه إذا عظم حق تعظيمه صغر ~~كل شيء دونه، فهان عليه الدعاء وكان له معينا على القبول فقال: { وربك } ~~أي المربي لك خاصة { فكبر * } أي وقم فتسبب عن قيامك بغاية الجد ~~والاجتهاد أن تصفه وحده بالكبرياء قولا واعتقادا على كل حال، وذلك ~~تنزيهه عن الشرك أول كل شيء، وكذا عن كل ما لا يليق به من وصل وفصل، ومن ~~سؤال غيره، والاشتغال بسواه. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: ملاءمتها لسورة المزمل واضحة، واستفتاح ~~السورتين من نمط واحد، وما ابتدئت به كل واحدة منهما من جليل خطابه عليه ~~الصلاة والسلام وعظيم تكريمه # يا أيها المزمل # [المزمل: 1] { يا أيها المدثر } [المدثر: 1] والأمر فيهما بما يخصه # قم اليل إلا قليلا نصفه # [المزمل: 2 - 3] الآي، وفي الآخرى { قم فانذر وربك فكبر } [المدثر: 2 - ~~3] أتبعت في الأولى بقوله: # فاصبر على ما يقولون # [المزمل: 10] وفي الثانية بقوله { ولربك فاصبر } [المدثر: 7] وكل ذلك ~~قصد واحد، واتبع أمره بالصبر في الزمل بتهديد الكفار ووعيدهم # وذرني والمكذبين # [المزمل: 11] الآيات، وكذلك في الأخرى # ذرني ومن خلقت وحيدا # [المدثر: 11] الآيات، فالسورتان واردتان في معرض واحد وقصد متحد - ~~انتهى. # ولما كان تنزيه العبد عن الأدناس لأجل تنزيه المعبود، قال آمرا بتطهير ~~الظاهر والباطن باستكمال القوة النظرية في تعظيمه سبحانه ليصلح أن يكون ~~من أهل حضرته وهو أول مأمور به من رفض العادات المذمومة: { وثيابك فطهر * ~~} أي وقم فخص ثيابك الحسية بإبعادها عن النجاسات بمجانبة عوائد المتكبرين ~~من تطويلها، وبتطهيرها لتصلح للوقوف في الخدمة بالحضرة القدسية، ~~والمعنوية وهي كل ما اشتمل على العبد من الأخلاق المذمومة ms5359 والعوائد ~~السقيمة من الفترة عن الخدمة والضجر والاسترسال مع شيء من عوائد النفس، ~~وذلك يهون باستكمال القوة النظرية. # ولما أمر بمجانبة الذر في الثياب وأراد الحسية والمعنوية، وكان ذلك ~~ظاهرا في الحسية، وجعل ذلك كناية عن تجنب الأقذار كلها لأن من جنب ذلك ~~ملبسه أبعده عن نفسه من باب الأولى، حقق العموم وأكد فقال: { والرجز } أي ~~كل قذر فإنه سبب الدنايا التي هي سبب العذاب، قال في القاموس: الرجز ~~بالكسر والضم: القذر وعبادة الأوثان والعذاب والشرك. { فاهجر * } أي جانب ~~جهارا وعبادة، ليحصل لك الثواب كما كنت تجانبها سرا وعادة، فحصل لك ~~الثناء الحسن حتى أن قريشا إنما تسميك الأمين ولا تناظر لك أحدا منها. # ولما بدأ بأحد سببي القبول، أتبعه الثاني المبعد عن قاصمة العمل من ~~الإعجاب والرياء والملل فقال: { ولا تمنن } أي على أحد بدعائك له أو بشيء ~~تعطيه له على جهة الهبة أو القرض بأن تقطع لذة من أحسنت إليه بالتثقيل ~~عليه بذكرك على جهة الاستعلاء والاستكثار بما فعلته معه، أو لا تعط شيئا ~~حال كونك { تستكثر * } أي تطلب أن تعطي أجرا أو أكثر مما أعطيت - قاله ~~ابن عباس رضي الله عنهما، وهو من قولهم، من - إذا أعطى، وذلك لأنه ~~الأليق بالمعطي من الخلق أن يستقل ما أعطى، ويشكر الله الذي وفقه له، ~~وبالآخذ أن يستكثر ما أخذ، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يفعل ~~شيئا لعلة أصلا، بل لله خالصا، فإنه إذا زال الاستكثار حصل الإخلاص، ~~لأنه لا يتعلق همه بطلب الاستمثال، فكيف بالاستقلال، فيكون العمل في غاية ~~الخلوص لا يقصد به ثوابا أصلا، ولا يراد لغير وجه الله تعالى، وهذا هو ~~النهاية في الإخلاص. # ولما كان الإنذار شديدا على النفوس يحصل به من المعالجات ما الموت ~~دونه، لأن ترك المألوفات أصعب شيء على النفوس، وكذا ترك الفوائد، قال ~~أمرا بالتحلي بالعاصم بعد التخلي عن القاصم، معلما بأن الأذى من ~~المنذرين أمر لا بد منه فيدخل في الطاعة على بصيرة، فاقتضى الحال لذلك أن ~~الإنذار ms5360 يهون بالغنى عن الفانين والكون مع الباقي وحده، فأشار إلى ذلك ~~بتقديم الإله معبرا عنه بوصف الإحسان ترغيبا فقال: { ولربك } أي المحسن ~~إليك، المربي لك، المدبر لجميع مصالحك وحده { فاصبر * } أي على مشاق ~~التكاليف أمرا ونهيا وأذى المشركين وشظف العيش وجميع البلايا، فإنه ~~يجزل عطاءك من خير الدارين بحيث لا يحوجك إلى أحد، ويحوج الناس إليك، ~~ويهون عليك حمل المشاق في الدارين ولا سيما أمر يوم البعث، فإن من حمل ~~العمل في الدنيا حمله العمل في الآخرة. # ولما كان المقام للإنذار، وكان من رد الأوامر تكذيبا كفر، ومن تهاون ~~بها ما أطاع ولا شكر، حذر من الفتور عنها بذكر ما للمكذب بها، فقال ~~مسببا عن ذلك باعثا على اكتساب الخيرات من غير كسل ولا توقف، مذكرا ~~بأن الملك التقم القرن وأصغى بجبهته انتظارا للأمر بالنفخ، مشيرا ~~بالبناء للمفعول إلى هوانه لديه وخفته عليه مؤذنا بأداة التحقق أنه لا ~~بد من وقوعه: { فإذا نقر } أي نفخ وصوت بشدة وصلابة ونفوذ وإنكاء { في ~~الناقور * } أي الصور وهو القرن الذي إسرافيل عليه السلام ملتقمه الآن ~~وهو مصغ لانتظار الأمر بالنفخ فيه للقيامة، ويجوز أن يراد الأيام التي ~~يقضي فيها بالذل على الكافرين كيوم بدر والفتح وغيرهما كما جعلت الساعة ~~والقيامة كناية عن الموت، فقال صلى الله عليه وسلم: # " من مات فقد قامت قيامته " # عبر عنه بالنقر إشارة إلى أنه في شدته كالنقر في الصلب فيكون عنه صوت ~~هائل، وأصل النقر القرع الذي هو سبب الصوت فهو أشد من صدعك لهم بالإنذار ~~للحذار من دار البوار، فهنالك ترد الأرواح إلى أجسادها، فيبعث الناس ~~فيقومون من قبورهم كنفس واحدة، وترى عاقبة الصبر، ويرى أعداؤك عاقبة ~~الكبر، والتعبير فيه بصيغة المبالغة وجعله فاعلا كالجاسوس إشارة إلى ~~زيادة العظمة حتى كأنه هو الفاعل على هيئة هي في غاية الشدة والقوة، وحذر ~~النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه رضي الله عنهم من النفخ في الصور وقربه ~~فقالوا: # " كيف نقول يا رسول الله؟ قال: قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل ms5361 " # ويجوز أن يكون التسبب عن الأمر بالصبر، أي اصبر فلنأخذن بثأرك في ذلك ~~اليوم بما يقر عينك، فيكون تسلية له صلى الله عليه وسلم وتهديدا لهم. # ولما ذكر هذا الشرط هل (؟) الذي صوره بصوره هائلة، أجابه بقوله: { فذلك ~~} أي الوقت الصعب الشديد العظيم الشدة جدا البالغ في ذلك مبلغا يشار ~~إليه إشارة ما هو أبعد بعيد، وهو وقت النقر، ثم أبدل من هذا المبتدأ ~~زيادة في تهويله قوله: { يومئذ } أي وقت إذ يكون النقر الهائل { يوم عسير ~~* } أي بالغ العسر { على الكافرين } أي الذين كانوا يستهينون بالإنذار ~~ويعرضون عنه لأنهم راسحون في الكفر الذي هو ستر ما يجب إظهاره من دلائل ~~الوحدانية، ولما كان العسر قد يطلق على الشيء وفيه يسر من بعض الجهات أو ~~يعالج فيرجع يسيرا، بين أنه ليس كذلك بقوله: { غير يسير * } فجمع فيه ~~بين إثبات الشيء ونفي ضده تحقيقا لأمره ودفعا للمجاز عنه وتأييدا ~~لكونه ولأنه غير منقطع بوجه، وتقييده بالكافرين يشعر بتيسره على ~~المؤمنين. ### || [74.11-17] # ولما آذن هذا بأن أكثر الخلق يوافى يوم القيامة على كفره وخبث طويته ~~وسوء أمره وكان ذلك مما يهم لشفقته صلى الله عليه وسلم على الخلق، ولما ~~يعلم من نصبهم للعداوة، هون أمرهم عليه وحقر شأنهم لديه بوعده بالكفاية ~~بقوله مستأنفا منبها على أسباب الهلاك التي أعظمها الغرور وهو شبهة ~~زوجتها شهوة: { ذرني } أي أتركني على أي حالة اتفقت { ومن } أي مع كل من ~~{ خلقت } أي أوجدت من العدم وأنشأت في أطوار الخلقة، حال كونه { وحيدا * ~~} لا مال له ولا ولد ولا شيء، وحال كوني أنا واحدا شديد الثبات في صفة ~~الوحدانية لم يشاركني في صنعه أحد فلم يشكر هذه النعمة بل كفرها بالشرك ~~بالله سبحانه القادر على إعدامه بعد إيجاده. # ولما كان المطغى للإنسان المكنة التي قطب دائرتها المال قال: { وجعلت له ~~} أي بأسباب أوجدتها أنا وحدي لا حول منه ولا قوة بدليل أن غيره أقوى منه ~~بدنا وقلبا وأوسع فكرا وعقلا وهو دونه في ذلك { مالا ممدودا * } أي ms5362 ~~مبسوطا واسعا ناميا كثيرا جدا عاما لجميع أوقات وجوده، والمراد به ~~كما يأتي الوليد بن المغيرة، قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان له بين ~~مكة والطائف إبل وحجور ونعم وجنان وعبيد وجوار. # ولما كان أول ما يمتد إليه النفس بعد كثرة المال الولد، وكان أحب الولد ~~الذكر، قال: { وبنين } ولما كان الاحتياج إلى فراقهم ولو زمنا يسيرا ~~شاقا، وكان ألزمهم له وأغناهم عن الضرب في الأرض نعمة أخرى قال: { ~~شهودا * } أي حضورا معه لغناه عن الأسفار بكثرة المال وانتشار الخدم ~~وقوة الأعوان، وهم مع حضورهم في الذروة من الحضور بتمام العقل وقوة ~~الحذق، فهم في غاية المعرفة بما يزيدهم الاطلاع عليه حيثما أرادهم وجدهم ~~وتمتع بلقياهم، ومع ذلك فهم أعيان المجالس وصدور المحافل كأنه لا شاهد ~~بها غيرهم، منهم خالد الذي من الله بإسلامه، فكان سيف الله تعالى وسيف ~~رسوله صلى الله عليه وسلم. # ولما كان هذا كناية عن سعة الرزق وعظم الجاه، وكان من بسط له في المال ~~والولد والجاه تتوق نفسه إلى إتمام ذلك بالحفظ والتيسير، قال مستعطفا ~~لما كان هكذا بالتذكير بنعمه: { ومهدت } أي بالتدريج والمبالغة { له } أي ~~وطأت وبسطت وهيأت في الرئاسة بأن جمعت له إلى ملك الأعيان ملك المعاني ~~التي منها القلوب، وأطلت عمره، وأزلت عنه موانع الرغد في العيش، ووفرت ~~أسباب الوجاهة له حتى دان لذلك الناس، وأقام ببلده مطمئنا يرجع إلى رأيه ~~الأكابر، قال ابن عباس رضي الله عنهما: وسعت له ما بين اليمن إلى الشام ~~فأكملت له من سعادة الدنيا ما أوجب التفرد في زمانه من أهل بيته وفخذه ~~بحيث كان يسمى الوحيد وريحانة قريش فلم يزع هذه النعمة العظيمة: وأكد ذلك ~~بقوله: { تمهيدا * }. # ولما كان قد فعل به ذلك سبحانه، فأورثته هذه النعمة من البطر والاستكبار ~~على من خوله فيها ضد ما كان ينبغي له من الشكر والازدجار، قال محققا أنه ~~سبحانه هو الذي وهبها له وهو الواحد القهار، مشيرا بأداة التراخي إلى ~~استبعاد الزيادة له على حالته هذه من ms5363 عدم الشكر: { ثم } أي بعد الأمر ~~العظيم الذي ارتكبه من تكذيب رسولنا صلى الله عليه وسلم { يطمع } أي بغير ~~سبب يدلي به إلينا مما جعلناه سبب المزيد من الشكر: { أن أزيد * } أي ~~فيما آتيته من دنياه أو آخرته وهو يكذب رسولي صلى الله عليه وسلم. # ولما كان التقدير: إنه ليطمع في ذلك لأن المال والجاه يجران الشرف ~~والعظمة بأيسر سعي، هذا هو المعروف المتداول المألوف، استأنف زجره عن ذلك ~~بمجامع الزجر: علما من أعلام النبوة، وبرهانا قاطعا على صحة الرسالة، ~~فقال ما لا يصح أن يقوله غيره سبحانه لأنه مع أنه لا تردد فيه ولا افتراء ~~طابق الواقع، فلم يزد بعد ذلك شيئا، بل لم يزل في نقصان حتى هلك وتمت ~~كلمات ربك صدقا وعدلا، لا مبدل لكلماته { كلا } أي وعزتنا وجلالنا لا ~~تكون له زيادة على ذلك أصلا، وأما النقصان فسيرى إن استمر على تكذيبه ~~فليرتدع عن هذا الطمع، وليزدجر وليرتجع، فإنه حمق محض وزخرف بحت، وغرور ~~صرف، ولما ردعه هذا الردع المقتضي ولا بد للإذعان وصادق الإيمان ممن لم ~~يستول عليه الحرمان، علله بقوله مؤكدا لإنكارهم العناد والمعاد: { إنه } ~~أي هذا الموصوف { كان } بخلق كأنه جبلة له وطبع لا يقدر على الانفكاك عنه ~~{ لآياتنا } على ما لها من العظمة خاصة لكونها هادية إلى الوحدانية، لا ~~لغيرها من الشبه القائدة إلى الشرك { عنيدا * } أي بالغ العناد على وجه ~~لا يعد عناده لغيرها بسبب مزيد قبحه عنادا، والعناد - كما قال الملوي: ~~من كبر في النفس أو يبس في الطبع أو شراسة في الأخلاق أو خبل في العقل، ~~وقد جمع ذلك كله إبليس، لأنه خلق من نار. وهي من طبعها اليبوسة وعدم ~~الطواعية، وحقيقته ميل عن الجادة، ومجاوزة للحد مع الإصرار واللزوم، ومنه ~~مخالفة الحق مع المعرفة بأنه حق. # ولما كان هذا محرا للتشوف إلى بيان هذا الردع، وكان العناد غلظة في ~~الطبع وشكاسة في الخلق يوجب النكد والمشقة جعل جزاءه من جنسه فقال: { ~~سأرهقه } أي ألحقه بعنف وغلظة وقهر إلحاقا ms5364 يغشاه ويحيط به بوعيد لا خلف ~~فيه { صعودا * } أي شيئا من الدواهي والأنكاد كأنه عقبة، فإن الصعود ~~لغة العقبة شاق المصعد جدا، وروى الترمذي عن أبي سعيد رضي الله عنه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه جبل من نار يتصعد فيه سبعين خريفا ثم ~~يهوي، وفي رواية: أنه كلما وضع يده في معالجة الصعود ذابت، فإذا رفعها ~~عادت وكذا رجله، وقال الكلبي: إنه صخرة ملساء في النار يكلف أن يصعدها ~~بجذب من أمامه بسلاسل الحديد، ويضرب من خلفه بمقامع الحديد فيصعدها في ~~أربعين عاما، فإذا بلغ ذروتها أسقط إلى أسفلها ثم يكلف أن يصعدها، فذلك ~~دأبه أبدا. ### || [74.18-25] # ولما حصل التشوف إلى بعض ما عاند به الآيات، قال مبينا لذلك مؤكدا ~~لاستبعاد العقلاء لما صنع لبعده عن الصواب ومعرفة كل ذي لب أنه كذب: { ~~إنه } أي هذا العنيد { فكر } أي ردد فكره وأداره تابعا لهواه لأجل ~~الوقوع على شيء يطعن به في القرآن { وقدر* } أي أوقع تقديرا للأمور التي ~~يطعن بها فيه وقايتها في نفسه ليعلم أيها أقرب إلى القبول. ولما كان ~~تفكيره وتقديره قد أوقع غيره في الهلاك بمنعه من حياة الإيمان أصيب هو ~~بما منعه من حياة نافعة في الدارين، وذلك هو الهلاك الدائم. ولما كان ~~الضار إنما هو الهلاك لا كونه من معين، سبب عن ذلك بانيا للمفعول قوله ~~مخبرا وداعيا دعاء مجابا لا يمكن تخلفه: { فقتل } أي هلك ولعن وطرد ~~في دنياه هذه. ولما كان التقدير غاية التفكير، وكان التفكير ينبغي أن ~~يهديه إلى الصواب فقاده إلى الغي، عجب منه فقال منكرا عليه معبرا بأداة ~~الاستفهام إشارة إلى أنه مما يتعجب منه ويسأل عنه: { كيف قدر * } أي على ~~أي كيفية أوقع تقديره هذا، وإذا أنكر مطلق الكيفية لكونها لا تكاد ~~لبطلانها تتحقق، كان إنكار الكيف أحق. # ولما كان وقوعه في هذا الطعن عظيما جدا لما فيه من الكذب المفضوح ومن ~~معاندة من هو القوي المتين المنتقم القهار العظيم ومن غير ذلك من الوجوه ~~المبعدة عن ms5365 الوقوع فيه، أكد المعنى زجرا عن مثله وحثا على التوبة منه، ~~فقال معبرا بأداة البعد دلالة على عظمة هذا القتل بالتعبير بها ~~وبالتكرار: { ثم قتل } أي هلك ولعن هذا العنيد هلاكا ولعنا هو في غاية ~~العظمة فيما بعد الموت في البرزخ والقيامة { كيف قدر * } ولما كان الماهر ~~بالنظر إذا فكر وصحح فكره نظر في لوازمه قال مشيرا إلى طول ترويه: { ثم ~~نظر * } أي فيما يدفع به أمر القرآن مرة بعد أخرى، وفي ذلك إشارة إلى قبح ~~أفعاله، فظهور الحق له مع إصراره فإن تكرار النظر في الحق لا يزيده على ~~كل حال إلا ظهورا وفي الباطل لا يزيده إلا ضعفا وفتورا. # ولما كان من فعل كذلك فظهر له فساد رأيه ووقف مع حظ نفسه يصير يعبس ~~ويفعل أشياء تتغير لها خلقته من غير اختياره قال: { ثم عبس } أي قطب وجهه ~~وكلح فتربد وجهه مع تقبض جلده ما بين العينين بكراهة شديدة كالمتهم ~~المتفكر في شيء وهو لا يجد فيه فرجا لأنه ضاقت عليه الحيل لكونه لم يجد ~~فيما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم مطعنا { وبسر * } اتباع لعبس ~~تأكيدا لها، وربما أفهمت أنه سبر ما قاله ووزنه بميزان الفكر وتتبعه ~~تتبعا مفرطا حتى رسخت فيه قدمه، كذا قالوا إنها اتباع إن أريد به ~~التأكيد وإلا فقد وردت مفردة، قال في القاموس: بسر - إذا عبس، وبسر ~~الحاجة: طلبها في غير أوانها، وبسر الدين: تقاضاه قبل محله، فكأنه لما ~~طال عليه التفكير صار يستعجل حصوله إلى مراده، ويقال: بسر - إذا ابتدأ ~~الشيء، فكأنه لما عبس خطر له السحر فابتدأ في إبداء ما سنح له من أمره، ~~قال ابن برجان: البسور هيئة في الوجه تدل على تحزن في القلب. # ولما كان هذا النظر على هذا الوجه أمدح شيء للمنظور فيه إذا لم يوصل منه ~~إلى طعن، وكان ظاهره إنه لتطلب الحق، فكان الإصرار معه على الباطل في ~~غاية البعد، قال دالا على ذلك من المدح وعدم وجدان الطعن معبرا بأداة ~~البعد: { ثم ms5366 } أي بعد هذا التروي العظيم { أدبر } أي عما أداه إليه فكره ~~من الإيمان بسلامة المنظور فيه وعلوه عن المطاعن، فحاد عن وجوه الأفكار ~~إلى أقفائها { واستكبر * } أي وأوجد الكبر عن الاعتراف بالحق إيجاد من هو ~~في غاية الرغبة فيه، وكان هذا غاية العناد، فكان معنى العنيد { فقال } أي ~~عقب ما جره إليه طبعه الخبيث من إيقاع الكبر على هذا الوجه لكونه رآه ~~نافعا لهم في الدنيا ولم يفكر في عاقبة ذلك من جهة الله، وأنه سبحانه لا ~~يهدي كيد الخائنين ولا ينجح مراد الكاذبين، ونحو هذا مما جربوه في دنياهم ~~فكيف رقى نظره إلى أمر الآخرة، وأكد الكلام لما يعلم من إنكار من يسمعه ~~فقال: { إن } أي ما { هذا } أي الذي أتى به محمد صلى الله عليه وسلم { ~~إلا سحر } أي أمور تخييلية لا حقائق لها، وهي لدقتها بحيث تخفى أسبابها. # ولما كان من المعلوم لهم أن محمدا صلى الله عليه وسلم ما سحر قط ولا ~~تعلم سحرا، فكان من ادعى ذلك علم كذبه بأدنى نظر بعد الأمر بقدر ~~استطاعته فقال: { يؤثر * } أي من شأنه أن ينقله السامع له من غيره، فهو ~~لقوة سحريته وإفراطها في بابها يفرق بمجرد الرواية بين المرء وزوجه وبين ~~المرء وأبيه وابنه إلى غير ذلك من العجائب التي تنشأ عنه. ولما كان ~~السامع يجوز أن يكون مأثورا عن الله فيوجب له ذلك الرغبة فيه، قال من ~~غير عاطف كالمبين للأول والمؤكد له، وساقه على وجه التأكيد بالحصر لعلمه ~~أن كل ذي بصيرة ينكر كلامه: { إن } أي ما { هذا } أي القرآن { إلا قول ~~البشر * } أي ليس فيه شيء عن الله فلا يغتر أحد به ولا يعرج عليه، وقد ~~مدحه بهذا الذم بعد هذا التفكير كله من حيث إنه أثبت أنه معجوز عنه لأغلب ~~الناس كما يعجزون عن السحر فسكت ألفا ونطق خلفا، فكان شبيها من بعض ~~الوجوه بما قاله بعضهم: # لو قيل " كم خمس وخمس " لاغتدى # يوما وليلته يعد ويحسب # ويقول معضلة عجيب أمرها # ولئن عجبت ms5367 لها الأمري أعجب # حتى إذا خدرت يداه وعورت # عيناه مما قد يخط ويكتب # أوفى على شرف وقال ألا انظروا # ويكاد من فرح يجن ويسلب # خمس وخمس ستة أو سبعة # قولان قالهما الخليل وثعلب # وهكذا كل حق يجد المبالغ في ذمه لا ينفك ذمه عن إفهام مدح له ينقض ~~كلامه، ولكن أين النقاد المعدود من الأفراد بين العباد، وهذا الكلام صالح ~~لعموم كل من خلقه سبحانه هكذا في الروغان من الحق لما تفضل الله به عليه ~~من الرئاسة لأن أهل العظمة في الدنيا هم في الغالب القائمون في رد الحق ~~والتعاظم على أهله كما ذكر هنا ولا ينافي ذلك ما قالوه: إنها نزلت في ~~الوليد بن المغيرة المخزومي، بل ذلك من إعجاز كلام الله تعالى أن تنزل ~~الآية في شخص فتبين حاله غاية البيان ويعم غيره ذلك البيان، قالوا: كان ~~للوليد هذا عشرة من البنين، كل واحد منهم كبير قبيلة، ولهم عبيد يسافرون ~~في تجاراتهم ويعملون احتياجاتهم، ولا يحوجونهم إلى الخروج من البلد ~~لتجارة ولا غيرها، وأسلم منهم ثلاثة: الوليد بن الوليد وخالد وهشام، ~~وقيل: إنه لما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم أول سورة غافر إلى قوله: # المصير # [غافر: 3] أو أول " فصلت " قرأها النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد ~~والوليد يسمعه، فأعاد القراءة فانطلق الوليد حتى أتى مجلس قومه بني ~~مخزوم، والله لقد سمعت من محمد صلى الله عليه وسلم آنفا كلاما ما هو من ~~كلام الإنس ولا من كلام الجن، إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه ~~لمثمر وإن أسفله لمعذق، وإنه ليعلو ولا يعلى، ثم انصرف فقالت قريش: صبا ~~والله الوليد، والله لتصبون قريش كلها، وكان يقال للوليد ريحانة قريش، ~~فقال ابن أخيه أبو جهل: أنا أكفيكموه، فقعد إلى جنب الوليد حزينا، فقال ~~الوليد: ما لي أراك حزينا يا ابن أخي؟ قال: وما يمنعني وهذه قريش تجمع ~~لك نفقة تعينك بها على كبر سنك وتزعم أنك صبوت، لتدخل على ابن أبي كبشة ~~وابن أبي قحافة ms5368 لتنال من فضل طعامهم، فغضب الوليد وقال: ألم تعلم قريش ~~أني من أكثرها مالا وولدا، وهل شبع محمد وأصحابه من الطعام فيكون لهم ~~فضل؟ ثم قام مع أبي جهل حتى أتى مجلس قومه وأداروا الرأي فيما يقولونه في ~~القرآن فقالوا له: ما تقول في هذا الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم؟ ~~قال: قولوا أسمع لكم، قالوا: شعر، قال: ليس بشعر، قد علمنا الشعر كله، ~~وفي رواية: هل رأيتموه يتعاطى شعرا؟ قالوا: كهانة، قال: ليس بكهانة، هل ~~رأيتموه يتكهن؟ فعدوا أنواع البهت التي رموا بها القرآن فردها، وأقام ~~الدليل على ردها، وقال: لا تقولوا شيئا من ذلك إلا أعلم أنه كذب، قالوا: ~~فقل أنت وأقم لنا فيه رأيا نجتمع عليه، قال: أقرب ذلك إليه السحر، هو ~~يفرق بين المرء وأبيه وبين المرء وزوجه وعشيرته، فافترقوا على ذلك، وكان ~~قوله هذا سبب هلاكه فكان كما قال بعضهم: # احفظ لسانك أيها الإنسان # لا يلدغنك إنه ثعبان # كم في المقابر من قتيل لسانه # كانت تخاف لقاءة الشجعان ### || [74.26-30] # ولما انقضى بيان عناده فحصل التشوف لتفصيل جزائه في معاده، قال مبينا ~~لبعض ما أفهمه إرهاقه الصعود: { سأصليه } أي بوعيد لا بد منه عن قرب { ~~سقر * } أي الدركة النارية التي تفعل في الأدمغة من شدة حموها ما يجل عن ~~الوصف، فأدخله إياها وألوحه في الشدائد حرها وأذيب دماغه بها، وأسيل ~~ذهنه وكل عصارته بشديد حرها جزاء على تفكيره، هذا الذي قدره وتخيله وصوره ~~بإدارته في طبقات دماغه ليحرق أكباد أولياء الله وأصفيائه. # ولما أثبت له هذا العذاب عظمه وهوله بقوله: { وما أدراك } أي أعلمك وإن ~~اجتهدت في البحث { ما سقر * } يعني أن علم هذا خارج عن طوق البشر لا يمكن ~~أن يصل إليه أحد منهم بإعلام الله له لأنه أعظم من أن يطلع عليه بشر. ~~ولما أثبت لها هذه العظمة، زادها عظما ببيان فعلها دون شرح ماهيتها ~~فقال: { لا تبقى } أي سقر هذه لا تترك شيئا يلقى فيها على حالة البقاء ~~على ما كان ms5369 عليه { ولا تذر * } أي تترك على حالة من الحالات ولو كانت ~~أقبح الحالات فضلا عما دونها، بل هي دائمة الإهلاك لكل ما أذن فيه ~~والتغيير لأحوال ما أذن لها في عذابه، ولم يؤذن في محقه بالكلية، لكل شيء ~~فترة وملال دونها. # ولما كان تغير حال الإنسان إلى دون ما هو عليه غائطا له موجعا إذا كان ~~ذلك تغير لونه لأن الظاهر عنوان الباطن، قال الله تعالى دالا على شدة ~~فعلها في ذلك: { لواحة } أي شديدة التغيير بالسواد والزرقة واللمع ~~والاضطراب والتعطيش ونحوها من الإفساد من شدة حرها، تقول العرب: لاحت ~~النار الشيء - إذا أحرقته وسودته { للبشر * } أي للناس أو لجلودههم، جمع ~~بشرة وجمع البشر أبشار { عليها } أي مطلق النار بقرينة ما يأتي من الخزنة ~~{ تسعة عشر * } أي ملكا، لطبقة المؤمنين وهي العليا ملك واحد، وللست ~~الباقية ثمانية عشر، لكل واحدة ثلاثة، لأن الواحد يؤازر بثان، وهما ~~يعززان بثالث، فلذا والله أعلم كانوا ثلاثة، أو لأن الكفر يكون بالله ~~وكتابه ورسوله صلى الله عليه وسلم، فكان لكل تكذيب في كل طبقة من طبقاتها ~~الست ملك أو صنف من الملائكة، وعلى الأول في كونهم أشخاصا بأعيانهم أكثر ~~المفسرين، وقد علم مما مضى أنهم غلاظ شداد كل واحد منهم يكفي لأهله الأرض ~~كلهم كما أن ملكا واحدا وكل بقبض جميع الأرواح، وجاء في الآثار أن ~~أعينهم كالبرق الخاطف، وأنيابهم كالصياصي، يخرج لهب النار من أفواههم، ما ~~بين منكبي أحدهم مسيرة سنة، نزعت منهم الرحمة، يدفع أحدهم سبعين ألفا ~~فيرميهم حيث أراد من جهنم، قال عمرو بن دينار: إن واحدا منهم يدفع ~~بالدفعة الواحدة أكثر من ربيعة ومضر. # وقيل: إن هذه العدة لمكافأة ما في الإنسان من القوى التي بها ينتظم ~~قوامه، وهي الحواس الخمس الظاهرة: السمع والبصر والشم والذوق واللمس، ~~والخمس الباطنة: المتخيلة والواهمة والمفكرة والحافظة والذاكرة، وقوتا ~~الشهوة والغضب، والقوى الطبيعية السبع: الماسكة والهاضمة والجاذبة ~~والدافعة والغاذية والنامية والمولدة، وقيل: اختير هذا العدد لأن التسعة ~~نهاية الآحاد، والعشرة بداية العشرات، فصار مجموعهما ms5370 جامعا لأكثر القليل ~~وأقل الكثير، فكان أجمع الأعداد، فكان إشارة إلى أن خزنتها أجمع الجموع، ~~ويروى عن ابن مسعود رضي الله عنه أن قراءة البسملة تنجي من خزنة النار ~~فإنها تسعة عشر حرفا، كل حرف منها لملك منهم. ### || [74.31] # ولما كان هذا غير مميز للمعدود، وكانت الحكمة في تعيين هذا العد غير ~~ظاهر، وكان هذا العدد مما يستقله المتعنت فيزيده كفرا، قال تعالى مبينا ~~لذلك: { وما جعلنا } أي بما لنا من العظمة وإن خفي وجه العظمة فيه على من ~~عمي قلبه { أصحاب النار } أي خزنتها { إلا ملائكة } أي إنهم ليسوا من جنس ~~المعذبين فيرقوا لهم ويطيق المعذبون محاولتهم أو يستريحوا إليهم وهم أقوى ~~الخلق، وقد تكرر عليكم ذكرهم وعلمتم أوصافهم وأنهم ليسو كالبشر بل الواحد ~~منم يصيح صيحة واحدة فيهلك مدينة كاملة كما وقع لثمود، فكيف إذا كا كل ~~واحد من هؤلاء الخزنة رئيسا تحت يده من الجنود ما لا يحصيه إلا الله ~~تعالى { وما جعلنا } على ما لنا من العظمة { عدتهم } أي مذكورة ومحصورة ~~فيما ذكرنا { إلا فتنة } أي حالة مخالطة مميلة محيلة { للذين كفروا } أي ~~أوجدوا هذا الوصف ولو على أدنى الوجوه، فإنهم يستقلونه ويستهزئون به ~~ويتعنتون أنواعا من التعنت بحيث إن بعض أغبياء قريش وهو أبو جهل، قال: ~~ثكلتكم أمهاتكم، أسمع ابن أبي كبشة يقول كذا وأنتم ألدهم، أيعجز كل عشرة ~~منكم أن يبطشوا برجل منهم، فقال أبو الأشد بن أسيد بن كلدة الجمحي - وكان ~~شديد البطش: أنا أكفيكم سبعة عشر فاكفوني أنتم اثنين، وهذا كله على سبيل ~~الاستهزاء، فإنهم مكذبون بالبعث الذي هذا من آثاره، وكان في علم أهل ~~الكتاب أن هذه العدة عدتهم، وأن العرب إذا سمعوا هذه العدة كانت سببا ~~للشك أكثرهم وموضعا للتعنت، فلذلك علق بالفتنة أو ب " جعلنا " قوله: { ~~ليستيقن } أي يوجد اليقين إيجادا تاما كأنه بغاية الرغبة { الذين أوتوا ~~الكتاب } بناه للمفعول لأن مطلق الإيتاء كاف في ذلك من غير احتياج إلى ~~تعيين المؤتي مع أنه معروف أنه هو الله، قال ms5371 البغوي: مكتوب في التوراة ~~والإنجيل أنهم تسعة عشر. { ويزداد الذين آمنوا } أي أوجدوا هذه الحقيقة ~~ولو على أدنى الوجوه إلى ما عندهم من الإيمان { إيمانا } بتصديق ما لم ~~يعلموا وجه حكمته لا سيما مع افتتان غيرهم به وكثرة كلامهم فيه، فإن ~~الإيمان بمثل ذلك يكون أعظم. # ولما أثبت لكل من الجاهل والعالم ما أثبت، أكده بنفي ضده مبينا للفتنة ~~فقال: { ولا يرتاب } أي يشك شكا يحصل بتعمد وتكسب { الذين أوتوا الكتاب ~~} لما عندهم من العلم المطابق لذلك، قال ابن برجان: وروى جابر بن عبد ~~الله رضي الله عنهما # " إن قوما من أهل الكتاب جاؤوا إليه في قضية - فيها طول، وفيها أنهم ~~سالوه عن خزنة جهنم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده هكذا وهكذا، ~~في مرة عشرة وفي مرة تسعة، فقالوا: بارك الله فيك يا أبا القاسم، ثم ~~سألهم: ما خزنة الجنة؟ فسكتوا هيبة ثم قالوا: خبزة يا أبا القاسم، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: الخبزة من الدرمك " # { والمؤمنون } أي لا يرتاب الذين رسخ الإيمان عندهم لما رأوا من الدلائل ~~التي جعلتهم في مثل ضوء النهار { وليقول الذين } استقر { في قلوبهم مرض } ~~أي شك أو نفاق وإن قل، ونزول هذه السورة قبل وجود المنافقين علم من أعلام ~~النبوة، ولا ينكر جعل الله تعالى بعض الأمور علة لمصالح ناس وفساد آخرين، ~~لأنه لا يسأل عما يفعل على أن العلة قد تكون مقصودة لشيء بالقصد الأول، ~~ثم يرتب عليها شيء آخر يكون قصده بالقصد الثاني تقول: خرجت من البلد ~~لمخالفة أكثر ومخافة الشر لا يتعلق بها الغرض { والكافرون } أي ويقول ~~الراسخون في الكفر الجازمون بالتكذيب المجاهرون به الساترون لما دلت عليه ~~الأدلة من الحق { ماذا } أي أي شيء { أراد الله } أي الملك الذي له جميع ~~العظمة { بهذا }: أي العدد القليل في جنب عظمته { مثلا } أي من جهة أنه ~~صار بذلك مستغربا استغراب المثل، أو أن ذلك إشارة إلى أنه ليس المراد به ~~ظاهره بل مثل لشيء لم يفهموه وفهموا ms5372 أن بين استجماعه للعظمة وهذا العدد ~~عنادا، وما علموا أن القليل من حيث العدد قد يكون أعظم بقوته من الكثير ~~العدد، ويكون أدل على استجماع العظمة. ولما كان التقدير: أراد بهذا إضلال ~~من ضل وهو لا يبالي، وهداية من اهتدى وهو لا يبالي، كان كأنه قيل: هل ~~يفعل مثل هذا في غير هذا؟ فقال جوابا: { كذلك } أي مثل هذا المذكور من ~~الإضلال والهداية { يضل الله } أي الذي له مجامع العظمة ومعاقد العز { من ~~يشاء } بأي كلام شاء { ويهدي } بقدرته التامة { من يشاء } بنفس ذلك ~~الكلام أو بغيره، وذلك من حكم جعل الخزنة تسعة عشر والإخبار عنهم بتلك ~~العدة فإن إبراز الأحكام على وجه الغموض من أعظم المهلكات والمسعدات، لأن ~~المنحرف الطباع يبحث عن عللها بحثا متعنتا، فإذا عميت عليه قطع ببطلان ~~تلك الأحكام أو شك، وربما أبى الانقياد، وذلك هو سبب كفر إبليس والمستقيم ~~المزاج يبحث مع التسليم فإن ظهر له الأمر ازداد تسليما وإلا قال: آمنت ~~بذلك كل من عند ربنا - فكان في غاية ما يكون من تمام الانقياد لما يعلم ~~سره - رزقنا الله التسليم لأمره وأعاننا على ذكره وشكره. # ولما كان هذا مما يوهم قلة جنوده تعالى، أتبعه ما يزيل ذلك فقال: { وما ~~} أي والحال أنه ما { يعلم جنود ربك } أي المحسن إليك بأنواع الإحسان ~~المدبر لأمرك بغاية الإتقان من جعل النار وخزنتها وجعلهم على هذه العدة ~~وغير ذلك، فلا تعلم عدتهم لأجل كثرتهم وخروجهم عن طوق المخلوق وما هم ~~عليه من الأوصاف في الأجساد والمعاني { إلا هو } أي الملك الأعظم المحيط ~~بصفات الكمال، فلو أراد لجعل الخزنة أكثر من ذلك، فقد روي أن البيت ~~المعمور يدخله كل يوم سبعون ألفا من الملائكة لا تعود إليهم نوبة أخرى، ~~وقد ورد أن الأرض في السماء كحلقة ملقاة في فلاة وكل سماء في التي فوقها ~~كذلك، وقد ورد في الخبر: أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع قدم إلا ~~وفيه ملك قائم يصلي. # وإنما خص هذا العدد لحكم ms5373 لا يعلمها إلا هو، ومن أراد إطلاعه على ذلك من ~~عباده مع أن الكفاية تقع بدون ذلك، فقد كان في الملائكة من اقتلع مدائن ~~قوم لوط وهي سبع ورفعها إلى عنان السماء، وكل ما في الإنسان من الجواهر ~~والإعراض من جنود الله لو سلط عليه شيء من نفسه لأهلكه: لو تحرك عرق ساكن ~~أو سكن متحرك أو انسد مجوف أو تجوف منسد لهلك. # ولما ذكر شيئا من أسرار سوق الأخبار عنها غامضا، وكان ذلك من رحمة ~~العباد ليفتح لهم بابا إلى التسليم لما يغمض من تذكيرهم بأمر مليكهم لأن ~~العاجز لا يسعه في المشي على قانون الحكمة إلا التسليم للقادر وإلا أهلك ~~نفسه وما ضر غيرها، خص أمرها في التذكير تأكيدا للإعلام تذكيرا بالنعمة ~~لأجل ما لأغلب المخاطبين من اعوجاج الطباع المقتضي للرد والإنكار، ~~المقتضي لسوق الكلام على وجه التأكيد فقال: { وما هي } أي النار التي هي ~~من أعظم جنوده سبحانه وتعالى: { إلا ذكرى للبشر } أي تذكرة عظيمة لكل من ~~هو ظاهر البشرة فبدنه أقبل شيء للتأثر بها لأجل ما يعرفون منها في ~~دنياهم، وإلا فهو سبحانه وتعالى قادر على إيجاد ما هو أشد منها وأعظم ~~وأكثر إيلاما مما لا يعلمه الخلائق. ### || [74.32-41] # ولما كان حصرها في الذكرى ربما أوهم نقصا في أمرها يوجب لبعض المعاندين ~~ريبة في عظمه وأنه لا حقيقة لها ولا عذاب فيها، قال رادعا من ذلك ~~ومنبها على الاستعداد والحذر بكلمة لاردع والتنبيه: { كلا } أي إياك أن ~~ترتاب في أهوالها وعظيم أمرها وأحوالها وأوجالها لأن الأمر أطم وأعظم مما ~~يخطر بالبال، فليرتدع السامع ولينزجر. # ولما حصر أمرها في الذكرى ونفى أن يظن بها نقص فيما جعلت له تأكيدا ~~للكلام إشارة إلى ما لأغلب المخاطبين من الشكاسة والعوج إيقاظا مما هم ~~فيه من الغفلة وتلطيفا لما لهم من اللوم والكثافة وتنبيها لهم على ~~السعي في تقويم أنفسهم بما يستعملونه من الأدوية التي يرشدهم سبحانه إلى ~~علاج أمراض القلوب بها، زاد الأمر تأكديا فأقسم على ذلك بما هو ms5374 ذكرى ~~للناس ولا يظهر معه ظلام الليل كما أن ضياء القرآن لا يظهر معه ظلام ~~الجهل من أعمل عين فكرته، وألقى حظوظ نفسه، فقال: { والقمر * } أي الذي ~~هو آية الليل الهادية لمن ضل بظلامه { واليل إذا أدبر * } أي مضى فانقلب ~~راجعا من حيث جاء فانكشف ظلامه فزال الجهل بانكشافه، وانصرفت الريب ~~والشكوك بانصرافه { والصبح إذا أسفر * } أقبل ضياؤه فجل العلم بحلوله، ~~وحصلت الهداية بحصوله، أو دبر بمعنى " أقبل " قال قطرب: تقول العرب: ~~دبرني فلان أي جاء خلفي. # ولما أقسم على ما أخبر به من ذكراها، وأكده لإنكارهم العظيم لبلاياها ~~استأنف تعظيمها والتخويف منها تأكيدا للتخويف لما تقدم من الإنكار فقال: ~~{ إنها } أي النار التي سقر دركة من دركاتها، وزاد في التأكيد على مقتضى ~~زيادتهم في الاستهزاء فقال: { لإحدى الكبر * } أي من الدواهي والعظائم، ~~جمع كبيرة وكبرى، وهو كناية عن شدة هولها كما يقول: هو أحد الرجال أي لا ~~مثل له، أو المراد بها واحدة سبع هي غاية في الكبر أي دركات النار، وهو ~~جهنم فلظى فالحطمة فالسعير فسقر فالجحيم فالهاوية، هي إحداها في عظيم ~~أقطارها وشديد إيلامها وإضرارها، حال كونها { نذيرا } عظيما أو من جهة ~~نذارتها أو إنذارا بالغا: فعيل بمعنى المصدر مثل # فكيف كان نكير # [الملك: 18] أي إنكاري، وعبر بقوله: { للبشر * } لما تقدم من الإشارة ~~إلى إسراع الجسم العادي في قبول التأثر لا سيما بالنار. # ولما كان التقدم عند الناس لا سيما العرب محبوبا والتأخر مكروها، وكان ~~سبحانه وتعالى قد خلق في الإنسان قوة واختيارا بها يفعل ما قدره الله له ~~وغطى عنه علم العاقبة حتى صار الفعل ينسب إليه وإن كان إنما هو بخلق ~~الله، قال تعالى باعثا لهم على الخير ومبعدا من الشر مستأنفا أو ~~مبدلا جوابا لمن يقول: وما عسى أن نفعل؟ أو ينفع الإنذار وقد قال إنه ~~هو الهادي المضل { يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء } { لمن شاء } أي ~~بإرادته، وصرح بالمقصود لئلا يتعنت متعنتهم فيقول: المراد غيرنا، فقال: { ~~منكم } أي أيها المعاندون { أن ms5375 يتقدم } أي إلى الخيرات { أو يتأخر * } أي ~~عنها فيصل إلى غضب الله تعالى والنار التي هي أثر غضبه، التي جعل ما ~~عندنا من مؤلم الحر ومهلك البرد متأثرا عن نفسيها تذكيرا لنا ورحمة ~~بنا، وحذف المفعول لأن استعماله كثير حتى صار يعرف وإن لم يذكر، وترجمة ~~ذلك: لمن شاء أن يتقدم التقدم بما له من المكنة والاختيار في ظاهر الأمر، ~~ولمن شاء أن يتأخر التأخر، و { أن يتقدم } مبتدأ، وهو مثل " لمن يتوضأ أن ~~يصلي " ويجوز أن تكون الجملة بدلا من " للبشر " على طريق الالتفات من ~~الغائب إلى الحاضر ليصير كل مخاطب به كأنه هو المقصود بذلك بالقصد الأول ~~فيتأمل المعنى في نفسه فيجده صادقا ثم يتأمل فلا يجد مانعا من تعديته ~~إلى غيره من جميع البشر، ويكون " أن " والفعل على هذا مفعولا ل " شاء ~~". # ولما كان التقدم والتأخر بالأفعال، وكان أكثر أفعال الإنسان الشر لما ~~جبل عليه من النقصان، قال مبينا لما يقدم وما يؤخر { كل نفس } أي ذكر أو ~~أنثى على العموم { بما كسبت } أي خاصة لا بما كسب غيرها { رهينة * } أي ~~مرتهنة بالفعل، اسم بمعنى. الرهن كما في قول الحماسي: # أبعد الذي بالنعف نعف كويكب # رهينة رمس ذي تراب وجندل # لا تأنيث " رهين " الذي هو وصف، لأن فعيلا بمعنى مفعول يستوي مذكره ~~ومؤنثه، ولو كانت الفواصل التي يعبرون بها عن السجع تأدبا تراعى في ~~القرآن بوجه لقيل: رهين - لأجل يمين، ولكن لا نظر فيه لغير المعنى، ويجوز ~~أن تكون الهاء للمبالغة بمعنى موثقة إيثاقا بليغا محبوسة حبسا عظيما ~~فهي في النار، فجعل الأصل في الكسب الموثق. # ولما كان الرهن تارة يفك وتارة يغلق، وكان أكثر الخلق هالكا، جعل رهينة ~~بمعنى هالكة، ثم استثنى الممدوح فقال: { إلا أصحاب اليمين * } أي الذين ~~تقدم وصفهم وهم الذين تحيزوا إلى الله فائتمروا بأوامره وانتهوا بنواهيه، ~~فإنهم لا يرتهنون بأعمالهم، بل يرحمهم الله فيقبل حسناتهم ويتجاوز عن ~~سيئاتهم. # ولما أخرجهم عن حكم الارتهان الذي أطلق على الإهلاك لأنه سببه، استأنف ~~بيان حالهم ms5376 فقال: { في جنات } أي بساتين في غاية العظم لأنهم أطلقوا ~~أنفسهم وفكوا رقابهم فلم يرتهنوا، فالآية من الاحتباك: أثبت أولا ~~الارتهان دليلا على حذف ضده ثانيا، وأثبت ثانيا الجنة دليلا على حذف ~~ضدها أولا. # ولما كان السؤال عن حال الغير دالا دلالة واضحة على الراحة والفراغ عن ~~كل ما يهم النفس، عبر عن راحتهم في أجل وعظ وألطف تحذير بقوله: { ~~يتساءلون * } أي فيما بينهم يسأل بعضهم بعضا { عن المجرمين * } أي أحوال ~~العريقين في قطع ما أمر الله به أن يوصل. ### || [74.42-50] # ولما كان يوم القيامة في غاية الصعوبة وكان أحد مشغولا بنفسه، فكان لا ~~علم له بتفاصيل ما يتفق لغيره، وكان أولياء الله إذا دخلوا دار كرامته ~~أرادوا العلم بما فعل بأعدائهم فيه سبحانه، فتساءلوا عن حالهم فقال بعضهم ~~لبعض: لا علم لنا، فكشف الله - لهم عنهم حتى رأوهم في النار وهي تسعر بهم ~~ليقر الله أعينهم بعذابهم، زيادة في نعيمهم وثوابهم، كما تقدم في الصافات ~~عند قوله # قال قائل منهم إني كان لي قرين # [الصافات: 51] وكان بساط - الكلام دالا على هذا كله، أشار لنا سبحانه ~~إليه بقوله حكاية عما يقول لهم أولياؤهم توبيخا وتعنيفا وشماتة ~~وتقريعا تصديقا لقوله تعالى # فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون # [المطففين: 34] الآية، ولتكون حكاية ذلك موعظة للسامعين وذكرى للذاكرين: ~~{ ما } هي محتملة للتوبيخ والتعجيب { سلككم } أي أدخلكم أيها المجرمون ~~إدخالا هو في غاية الضيق حتى كأنكم السلك في الثقب { في سقر * } فكان ~~هذا الخطاب مفهما لأنهم لما تساءلوا نفوا العلم عن أنفسهم، وكان من ~~المعلوم أن نفي العلم لأنهم شغلوا عن ذلك بأنفسهم وأنهم ما شغلوا - مع ~~كونهم من أهل السعادة - إلا لأن ذلك اليوم عظيم الشواغل، وكان من المعلوم ~~أنه إذا تعذر عليهم علم أحوالهم من أهل الجنة وهم غير مريدين الشفاعة ~~فيهم فلم يبق لهم طريق إلى علم ذلك لا يظن به التعريض للشفاعة إلا السؤال ~~منهم عن أنفسهم في أنهم يخاطبونهم بذلك فيعلمون علمهم ليزدادوا بذلك غبطة ~~وسرورا بما نجاهم الله ms5377 من مثل حالهم ويكثروا من الثناء على الله تعالى ~~بما وفقهم له وليكون ذلك عظة لنا بسماعنا إياه فحكى الله أنهم لما سألوهم ~~{ قالوا } ذاكرين علة دخولهم النار بإفساد قوتهم العملية في التعظيم لأمر ~~الله فذلكة لجميع ما تقدم من مهمات السورة بما حاصله أنهم لم يتحلوا ~~بفضيلتين ولم يتخلوا عن رذيلتن تعريفا بأنهم كانوا مخاطبين بفروع ~~الشريعة، وفي البداءة بالعمل تنبيه على أنه يجب على العاقل المبادرة إلى ~~ما يأمره به الصادق لأنه المصدق لحسن الاعتقاد، والمبادرة إلى التلبس ~~بالعمل أسهل من المبادرة إلى التلبس بالعلم، لأن العمل له صورة وحقيقة، ~~ومطلق التصوير أسهل من التحقيق، ومن صور شيئا كان أقرب إلى تحقيقه ممن ~~لم يصوره، فكان أجدر بتحقيقه ممن لم يباشر تصويره، ففيه حث على المسابقة ~~إلى الأعمال الصالحة وإن لم تكن النية خالصة، وإيذان بأن من أدمن ترك ~~الأعمال قاده إلى الانسلاخ من حسن الاعتقاد، وورطه في الضلال، { لم نك } ~~حذفوا النون دلالة على ما هم فيه من الضيق عن النطق حتى بحرف يمكن ~~الاغتناء عنه، ودلالة على أنه لم يكن لهم نوع طبع جيد يحثهم على الكون في ~~عداد الصالحين، وكان ذلك مشيرا إلى عظيم ما هم فيه من الدواهي الشاغلة ~~بضد ما فيه أهل الجنة من الفراغ الحامل لهم على السؤال عن أحوال غيرهم، ~~وكان ذلك منبها على فضيلة العلم: { من المصلين * } أي صلاة يعتد بها، ~~فكان هذا تنبيها على أن رسوخ القدم في الصلاة مانع من مثل حالهم، وعلى ~~أنهم يعاقبون على فروع الشريعة وإن كانت لا تصح منهم، فلو فعلوها قبل ~~الإيمان لم يعتد بها، وعلى أن الصلاة أعظم الأعمال، وأن الحساب بها يقدم ~~على غيرها. # ولما نفوا الوصلة بالخالق، أتبعوه إفساد القوة العملية بعدم وصلة ~~الخلائق بترك الشفقة على خلق الله فقالوا: { ولم نك } بحذف النون أيضا ~~لما هم فيه من النكد ونفيا لأدنى شيء من الطبع الجيد { نطعم المسكين * } ~~أي لأجل مسكنته، نفوا هنا وجود إطعامه لأنهم إن اتفق إطعامهم له ms5378 فلعلة ~~أخرى غير المسكنة، وأما الصلاة فهم يوجدونها لله بزعمهم، لكن لما كانت ~~على غير ما أمروا به لم تكن مقبولة فلم يكونوا من الراسخين في وصفها. ~~ولما سلبهم التحلي بلباس الأولياء أثبت لهم التحلي بلباس الأشقياء بإفساد ~~القوة النطقية جامعا القول إلى الفعل فقالوا: { وكنا } أي بما جبلنا ~~عليه من الشر { نخوض } أي نوجد الكلام الذي هو في غير مواقعه ولا علم لنا ~~به إيجاد المشي من الخائض في ماء غمر { مع الخائضين * } بحيث صار لنا هذا ~~وصفا راسخا فنقول في القرآن: إنه سحر، وإنه شعر، وإنه كهانة وغير هذا ~~من الأباطيل، لا نتورع عن شيء من ذلك، ولا نقف مع عقل، ولا نرجع إلى صحيح ~~نقل، فليأخذ الذين يبادرون إلى الكلام في كل ما يسألون عنه من أنواع ~~العلم من غير تثبت منزلتهم من هنا. # ولما كان الإدمان على الباطل يجر إلى غلبة الهزء والسخرية، وغلبه ذلك ~~ولا بد توجب إفساد القوة العلمية بتصديق الكذب وتكذيب الصدق، قالوا ~~بيانا لاستحبابهم الخلود: { وكنا نكذب } أي بحيث صار لنا ذلك وصفا ~~ثابتا { بيوم الدين * } ولما كان التقدير: واستمر تكذيبنا لصيرورته لنا ~~أوصافا ثابتة. بنوا عليه قولهم: { حتى أتانا } أي قطعا { اليقين * } أي ~~بالموت أو مقدماته التي قطعتنا عن دار العمل فطاح الإيمان بالغيب. # ولما أقروا على أنفسهم بما أوجب العذاب الدائم، فكانوا ممن فسد مزاجه ~~فتعذر علاجه، سبب عنه قوله: { فما تنفعهم } أي في حال اتصافهم بهذه ~~الصفات وهي حالة لازمة لهم دائما { شفاعة الشافعين * } أي لو شفعوا ~~فيهم. ولما كان هذا الإخبار بنعيم المنعم وعذاب المعذب موجبا للتذكر، ~~سبب عنه الإنكار عليهم فقال: { فما } أي أي شيء يكون { لهم } حال كونهم ~~{ عن التذكرة } أي التذكر العظيم خاصة بالقرآن خصوصا وبغيره عموما { ~~معرضين * } وعلى الباطل وحده مقبلين، وذلك من أعجب العجب، لأن طبع ~~الإنسان إذا حذر من شيء حذره أشد الحذر كما لو حذر المسافر من سبع في ~~طريقه فإنه يبذل جهده في الحيدة عنه والحذر منه وإن كان المخبر ms5379 كاذبا، ~~فكيف يعرضون عن هذا المحذور الأعظم والمخبر أصدق الصادقين، فإعراضهم هذا ~~دليل على اختلال عقولهم واختبال فهومهم، وزاد ذلك عجبا شدة نفارهم حتى { ~~كأنهم } في إعراضهم عن التذكرة من شدة النفرة والإسراع في الفرة { حمر } ~~أي من حمر الوحش وهي أشد الأشياء نفارا، ولذلك كان أكثر تشبيهات العرب ~~في وصف الإبل بسرعة السير بالحمر في عدوها إذا وردت ماء فأحست عليه ما ~~يريبها، وفي تشبيه الكفرة بالحمر ولا سيما في هذه الحالة مذمة ظاهرة ~~وتهجين لحالهم بين، وشهادة عليهم بالبله وقلة العقل وعدم التثبت { ~~مستنفرة * } أي موجدة للنفار بغاية الرغبة فيه حتى كأنها تطلبه من أنفسها ~~لأنه من شأنها وطبعها - هذا على قراءة الجماعة، وقرأ أهل المدينة والشام ~~بالفتح بمعنى أنه نفرها منفر. ### || [74.51-56] # ولما كان ذلك لا يكون إلا لسبب عظيم يتشوف إليه، استأنف قوله: { فرت من ~~قسورة * } أي أسد شديد القسر عظيم القهر فنشبت في حبائل سقر أو صيادين. # ولما كان الجواب قطعا: لا شيء لهم في إعراضهم هذا، أضرب عنه بقوله: { ~~بل يريد } أي على دعواهم وبزعمهم { كل امرىء منهم } أي المعرضين، مع ~~ادعائه الكمال في المروءة { أن يؤتى } أي من السماء بناه للمفعول لأن ~~مرادهم معروف { صحفا } أي قراطيس مكتوبة { منشرة * } أي كثيرة جدا وكل ~~واحد منها منشور لا مانع من قراءته وأخذه، وذلك أنهم قالوا للنبي صلى ~~الله عليه وسلم: لن نتبعك حتى تأتي كلا منا بكتاب من السماء فيه: من ~~الله إلى فلان اتبع محمدا صلى الله عليه وسلم. # ولما كان ذلك إنما هو تعنت، لا أنه على حقيقته قال: { كلا } أي ليس لهم ~~غرض في الاتباع بوجه من الوجوه لا بهذا الشرط ولا بغيره: { بل } علتهم ~~الحقيقية في هذا الإعراض أنهم { لا يخافون } أي في زمن من الأزمان { ~~الآخرة * } ولما كان فعلهم هذا فعل من يعتقد في القرآن أنه ليس بوعظ صحيح ~~يستحق أن يتبع، قال رادعا لهم عن هذا اللازم: { كلا } أي ليس الأمر ~~قطعا كما تزعمون من أن هذا القرآن ms5380 لا يستحق الإقبال، ثم أستأنف قوله ~~مؤكدا لأجل ما تضمن هذا الفعل من إنكارهم: { إنه } أي القرآن { تذكرة * ~~} أي موضع وعظ عظيم يوجب إيجابا عظيما اتباعه وعدم الانفكاك عنه بوجه ~~فليس لأحد أن يقول: أنا معذور لأني لم أجد مذكرا ولا معرفا فإن عنده ~~أعظم مذكر وأشرف مفرق. # ولما كان في غاية السهولة والحلاوة لكل من عرفه بوجه من الوجوه، وكان ~~الله سبحانه قد خلق القوى والقدر، وجعل للعبد اختيارا، قال مسببا عن ~~كونه موضعا للتذكر: { فمن شاء } أي أن يذكره { ذكره * } فثبت في صدره ~~وعلم معناه وتخلق به، فليس أحد يقدر أن يقول: إنه صعب التركيب عظيم ~~التعقيد عسر الفهم، يحتاج في استخراج المعاني منه إلى علاج كبير وممارسة ~~طويلة فأنا معذور في الوقوف عنه، بل هو كالبحر الفرات، من شاء اغترف، ~~لأنه خوطب به أمة أمية لا ممارسة لها لشيء من العلوم، فسهل في لفظه ~~ومعناه غاية السهولة مع أنه لا يوصل إلى قراره ولا يطمع في مناظرة أثر من ~~آثاره، بل كلما زاد الإنسان فيه تأملا زاده معاني. # ولما كان هذا ربما أوهم أن للعبد استقلالا بالتصرف، قال معلما بأن هذا ~~إنما هو كناية عما له من السهولة والحلاوة والعذوبة التي توجب عشقه لكل ~~ذي لب منبها على ترك الإعجاب وإظهار الذل والالتجاء والافتقار إلى ~~العزيز الغفار في طلب التوفيق لأقوم طريق: { وما يذكرون } أي ولا واحد ~~منكم هذا القرآن ولا غيره في وقت من الأوقات { إلا أن يشاء الله } أي ~~الملك الأعظم الذي لا أمر لأحد معه، وهو صريح في أن فعل العبد من ~~المشيئة، وما ينشأ عنها إنما هو بمشيئة الله. # ولما ثبت أنه سبحانه الفعال لما يريد وأنه لا فعل لغيره بدون مشيئته، ~~وكان من المعلوم أن أكثر أفعال العباد مما لا يرضيه، فلولا حلمه ما قدروا ~~على ذلك، وكان عفو القادر مستحسنا، قال مبينا لأنه أهل للرهبة والرغبة: ~~{ هو } أي وحده { أهل التقوى } أي أن يتقوه عباده ويحذروا غضبه بكل ما ~~تصل قدرتهم ms5381 إليه لما له من الجلال والعظمة والقهر، ويجوز أن يكون الضمير ~~للمتقي { وأهل المغفرة * } أي لأن يطلب غفرانه للذنوب لا سيما إذا اتقاه ~~المذنب لأن له الجمال واللطف وهو قادر ولا قدرة لغيره ولا ينفعه شيء ولا ~~يضره شيء، فهو الحقيق بأن يجعل موضع الإنذار الذي أمر به أول السورة ~~البشارة، ويوفق عباده لتكبيره وهجران الرجز، وكذا فعل سبحانه بقوم هذا ~~النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، روى أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه ~~والطبراني في الأوسط والحاكم وأبو يعلى والبغوي والبزار عن أنس رضي الله ~~عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم # " أنه قرأ هذه الآية ثم قال: يقول الله: أنا أهل أن أتقي، فمن اتقى أن ~~يشرك بي غيري فأن أهل أن أغفر له " # وقال الترمذي وابن عدي والطبراني: تفرد به سهل بن أبي حزم القطعي، فقد ~~رجع آخر السورة على أولها، وانطبق مفصلها على موصلها، بضم البشارة إلى ~~النذارة، وصار كأنه قيل: أنذر العاصي فإنه أهل لأن يرجع إلى طاعاته، ~~فيكون سبحانه أهلا لأن يعود عليه بستر زلاته. ### | [75 - سورة القيامة] ### || [75.1-7] # لما ذكر سبحانه الآخرة أول سورة المدثر وخوف منها بالتعبير بالناقور وما ~~تبعه، ثم أعاد أمرها آخرها، وذكر التقوى التي هي أعظم أسباب النجاح فيها ~~والمغفرة التي هي الدواء الأعظم لها، وكان الكفار يكذبون بها، وكان ~~سبحانه قد أقام عليها من الأدلة من أول القرآن إلى هنا تارة مع الإقسام ~~وأخرى مع الخلو عنه ما صيرها في حد البديهيات، وكانت العادة قاضية بأن ~~المخبر إذا كذبه السامع حلف على ما أخبره به، وكان الإقسام مع تحقق ~~العناد لا يفيد، أشار سبحانه وتعالى إلى أن الأمر قد صار غنيا عن ~~الإقسام لما له من الظهور الذي لا ينكره إلا معاند، فقال مشيرا إلى ~~تعظيمها والتهويل في أمرها بذكرها وإثبات أمرها بعدم الإقسام أو تأكيده: ~~{ لا أقسم } أي لا أوقع الإقسام أو أوقعه مؤكدا { بيوم القيامة * } على ~~وجود يوم القيامة أو بسبب وجوده لأن الأمر غني فيه عن ms5382 ذلك وعلى القول ~~بأنه قسم هو مؤكد بالنافي، ودخوله في التأكيد سائغ بل شائع في كلامهم ~~جدا، وجاز القسم بالشيء على وجوده إشارة إلى أنه في العظمة في الدرجة ~~العليا كما يقول الإنسان: والله إن الله موجود، أي لا شيء أحلف به على ~~وجوده - يا أيها المنكر - أعظم منه حتى أحلف به ولا بد لي من الحلف لأجل ~~إنكارك فأنا أحلف به عليه، فالمعنى حينئذ أنه لا شيء أدل على عظمة الله ~~من هذين الشيئين فلذا أوقع القسم بهما، وسر التأكيد ب " لا " - كما قال ~~الرازي في اللوامع، إن الإثبات من طريق النفي آكد كأنه رد على المنكر ~~أولا ثم أثبت القسم ثانيا، فإن الجمع بين النفي والإثبات دليل الحصر. # ولما كان من المقرر المعلوم الذي هو في أقصى غايات الظهور أن من طلبه ~~الملك طلب عرض وحساب وثواب وعقاب يلوم نفسه في كونه لم يبالغ في العمل ~~بما يرضي الملك والإخلاص في موالاته، والتحيز إليه ومصافاته. وكان أكثر ~~لوم النفس واقعا في ذلك اليوم، وكان إدراكها للوم المرتب على إدراك ~~الأمور الكلية والجزئية ومعرفة الخير والشر، والتمييز بينهما من أعظم ~~الدلائل على تمام قدرة الخالق وكمال عظمته الموجب لإيجاد ذلك اليوم ~~لإظهار عظمته وحكمه وحكمته قال { ولا أقسم بالنفس } على حد ما مضى في أن ~~الباء صلة أو سبب { اللوامة * } أي التي تلوم صاحبها وهي خيرة وشريرة، ~~فالخيرة تكون سببا للنجاة فيه والأخرى تكون سببا للهلاك فيه، فإن لامت ~~على الشر أو على التهاون بالخير أنجت، وإن لامت على ضد ذلك أهلكت، وكيفما ~~كانت لا بد أن تلوم، وهي بين الأمارة والمطمئنة، فما غلب عليها منهما ~~كانت في حيزه، قال الرازي في اللوامع: فالمطمئنة التي انقادت لأوامر ~~الله، والأمارة المخالفة لها المتبعة للهوى، واللوامة هي المجاهدة، فتارة ~~لها اليد وتارة عليها، وهي نفس الإنسان خاصة لأنها بين طوري الخير والشر ~~والكمال والنقصان والصعود والهبوط والطاعة والعصيان، قال الإمام ~~السهروردي في الباب السادس والخمسين من معارفه: وهي نفس واحدة لها ms5383 صفات ~~متغايرة، فالملائكة في درجة الكمال، والحيوانات الأخر في دركة النقصان. # ولهذا جمع بين القيامة وبين اللوامة، لأن الثواب والعقاب للآدمي دون ~~الملائكة والحيوانات العجم، واللوامة يشتد لومها في ذلك اليوم على عدم ~~الخير أو عدم الزيادة منه، لا أقسم على ذلك بهذا الذي هو من أدل الأمور ~~على عظمته سبحانه فإن الأمر في ذلك غني عن القسم. # ولما كان التقدير قطعا بما يرشد إليه جميع ما مضى جوابا للقسم: إنك ~~والله صادق في إنذارك فلا بد أن ينقر في الناقور بالنفخ في الصور. قال ~~بانيا عليه بعد الإشارة إلى تعظيم أمر القيامة بما دل عليه حذف الجواب ~~من أنها في وضوح الأمر وتحتم الكون على حالة لا تخفى على أحد منكرا على ~~من يشك فيها بعد ذلك: { أيحسب الإنسان } أي هذا النوع الذي يقبل على ~~الأنس بنفسه والنظر في عطفه والسرور بحسبه، وأسند الفعل إلى النوع كله ~~لأن أكثرهم كذلك لغلبة الحظوظ على العقل إلا من عصم الله { أن } أي أنا. # ولما كان فيهم من يبالغ في الإنكار، عبر أيضا بأداة التأكيد فقال: { لن ~~نجمع } أي على ما لنا من العظمة { عظامه * } أي التي هي قالب بدنه وعماده ~~من الأرض فيعيدها كما كانت بعد تمزقها وتفتتها وافتراقها وبلاها ~~وانمحاقها، وقد سدت المخففة مسد مفعولي " يحسب " المقدرين ب " يحسبنا " ~~غير جامعين. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما تقدم قوله مخبرا عن أهل الكفر # وكنا نكذب بيوم الدين # [المدثر: 46] ثم تقدم في صدر السورة قوله تعالى: # فإذا نقر في الناقور # [المدثر: 8] إلى قوله: # غير يسير # [المدثر: 9] والمراد به يوم القيامة، والوعيد به لمن ذكر بعد في قوله # ذرني ومن خلقت وحيدا # [المدثر: 11] الآيات ومن كان على حاله في تكذيب وقوع ذلك اليوم، ثم تكرر ~~ذكره عند جواب من سئل بقوله # ما سلككم في سقر # [المدثر: 42] فبسط القول في هذه السورة في بيان ذكر ذلك اليوم وأهواله، ~~وأشير إلى حال من كذب به في قوله تعالى { يسأل أيان يوم القيامة } ~~[القيامة: ms5384 6] وفي قوله تعالى: { أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه } ~~[القيامة: 3] ثم أتبع ذلك بذكر أحوال الخلائق في ذلك اليوم # ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر # [القيامة: 13] انتهى. # ولما أسند الحسبان إلى النوع لأن منهم من يقول: لا نبعث لأننا نتفتت ~~وننمحق، قال مجيبا له: { بلى } أي لنجمعن عظامه وجمع أجزائه لأنا قدرنا ~~على تفصيل عظامه وتفتيتها من بعد ارتتاقها حال كونها نطفة واحدة لأن كل ~~من قدر على التفصيل قدر على الجمع والتوصيل حال كوننا { قادرين } أي لما ~~لنا من العظمة { على أن }. # ولما كانت تسوية الصغير أصعب، قال: { نسوي بنانه * } أي أصابعه أو ~~سلامياته وهي عظامه الصغار التي في يديه ورجليه كل منها طول إصبع وأقل، ~~خصها لأنها أطرافه وآخر ما يتم به خلقه بأن نجمع بعضها إلى بعض على ما ~~كانت عليه قبل الموت سواء، فالكبار بطريق الأولى لأنها أبين، ولا فرق ~~بيبن تسويتنا ذلك من النطفة وتسويتنا له من التراب، وهي لا تكون مسواة ~~وهي قالب البدن إلا بتسوية ما عليه من لباس اللحم والعصب والجلد كما ~~يعهدها العاهد، فتسوية البنان كناية عن تسوية جميع البنيان كما لو قيل ~~لك: هل تقدر على تأليف هذا الحنظل، فقلت: نعم، وعلى تأليف الخردل، مع ما ~~يفهم من تخصيصها من التنبيه على ما فيها من بديع الصنع المتأثر عنه ما ~~لها من لطائف المنافع، أو أن نسويها الآن فنجمعها على ما كانت عليه حال ~~كونها نطفة من الاجتماع قبل فتقها وتفريقها حتى تكون كخف البعير، فإن ~~القادر على تفصيل الأنامل حتى تتهيأ للأعمال اللطيفة قادر على جمعها، ~~فتزول عنها تلك المنفعة. ومن قدر على تفصيل الماء بعد اختلاطه وجمعه بعد ~~انفصاله قادر على جمع التراب بعد افتراقه، وكيفما كان فهو تنبيه على ~~التأمل في لطف تفصيل الأنامل وبديع صنعها الموجب للقطع بأن صانعها قادر ~~على كل ما يريد، قال في القاموس: البنان: الأصابع أو أطرافها. والسلامى - ~~وزن حبارى: عظام صغار طول إصبع أو أقل في اليد والرجل. # ولما تقدم ما ms5385 أشار إلى أن القيامة في غاية الظهور، أضرب عن هذا الإنكار ~~فقال بانيا على ما تقديره: إنه لا يحسب عدم ذلك لأنه من الظهور في حد لا ~~يحتاج إلى كبير تأمل فلو مشى مع عقله عرف الحق: { بل يريد } أي يوقع ~~الإرادة { الإنسان } أظهر في موضع الإضمار للتصريح بالتعميم لمقتضى الطبع ~~الموجب له عدم الفكر في الآخر مع شدة ظهورها لأنه معني بشهواته فلا نجاة ~~إلا بعصمة الله تعالى، وحذف مفعول " يريد " إشارة إلى أن كل ما يريده ~~بمقضتى طبعه وشهواته خارج عن طوره فهو معاقب عليه لأنه عبد، والعبد يجب ~~عليه أن يكون مراقبا للسيد، لا يريد إلا مايأمره به، فإذا أراد ما أمره ~~به لم تنسب إليه إرادة بل الإرادة للسيد لا له. # ولما كان ذلك، وكانت إرادته الخارجة الخارجة عن الأمر معصية، قال ~~معللا: { ليفجر أمامه * } أي يقع منه الإرادة ليقع منه الفجور في ~~المستقبل من زمانه بأن يقضي شهواته ويمضي راكبا رأسه في هواه، ونفسه ~~الكاذبة تورد عليه الأماني وتوسع له في الأمل وتطمعه في العفو من دون ~~عمل، قال الحسن: المؤمن ما تراه إلا يلوم نفسه ويقول: ما أردت بكلامي؟ ~~وما أردت بأكلي؟ والفاجر يمضي قدما لا يحاسب نفسه ولا يعاتبها. # ويجوز أن يعود الضمير على الله تعالى ليكون المعنى: ليعمل الفجور بين ~~يدي الله تعالى وبمرأى منه ومسمع ويطمع في أن لا يؤاخذه بذلك أو يجازيه ~~بفجوره، قال في القاموس: والفجر: الانبعاث في المعاصي والزنا كالفجور. # ولما كان عريقا في التلبس بهذا الوصف، أنتج له الاستهزاء بهذا الخطب ~~الأعظم فترجم ذلك بقوله: { يسئل } أي سؤال استهزاء واستبعاد، ويوضع موضع ~~مفعول يسأل جملة اسمية من خبر مقدم ومبتدأ مؤخر فقال: { أيان } أي أي ~~وقت يكون { يوم القيامة * } ولما كان الجواب: يوم يكون كذا وكذا، عدل عنه ~~إلى ما سبب عن استبعاده لأنه أهول، فقال دالا على خراب العالم لتجرد ~~الإنسان عن مسكنه وما ألفه من أحواله فيكون أهول معبرا بأداة التحقق ~~لأنها موضعها: { فإذا برق ms5386 البصر * } أي شخص وقف فلا يطرف من هول ما يرى - ~~هذا على قراءة نافع بالفتح، وهي إشارة إلى مبدأ حاله، وقراءة الجماعة ~~بالكسر مشيرة إلى مآله فإن معناها: تحير ودهش وغلب، من برق الرجل - إذا ~~نظر إلى البرق فحسر بصره وتفرق تفرق الشيء في المايع إذا انفتح عنه وعاؤه ~~بدليل قراءة بلق من بلق الباب - إذا انفتح، وبلق الباب كنصر: فتحه كله، ~~أو شديدا كأبلقه فانبلق، وبلق كفرح: تحير - قاله في القاموس. ### || [75.8-12] # ولما كانت آيات السماوات أخوف، ذكرها بادئا بما طبعه البرد، إشارة إلى ~~شدة الحر والتوهج والأخذ بالأنفاس الموجب لشدة اليأس فقال: { وخسف القمر ~~} أي وجد خسفه بأن خسفه الله تعالى أذهب صورته كما تذهب صورة الأرض ~~المخسوفة، وذلك بإذهاب ضوئه من غير سبب لزوال ربط المسببات في ذلك اليوم ~~بالأسباب وظهور الخوارق بدليل قوله: { وجمع } أي جمعا هو في غاية ~~الإحكام والشدة كما أفهمه التذكير وعلى أيسر الوجوه وأسهلها { الشمس } أي ~~آية النهار { والقمر * } مع عدم إنارته وإن كان نوره الآن من نورها فذهب ~~الانتفاع بهما وهما مع ذهاب النور وتفرق البصر مدركان لوجود الكشف التام ~~عن الخفيات كما قال تعالى: # فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد # [ق: 22] وبعد جمعهما يلقيان في النار كأنهما ثوران عقيران، وبني الفعل ~~للمفعول لأن المهول مطلق جمعهما المخرج لهما عن العادة وللدلالة على ~~السهولة. # ولما عظم أمر القيامة بما تقدم، أكد ذلك بأن الأمر فيه على غير ما نعهده ~~في الدنيا من وجدان مهرب أو حاكم غير الذي يخافه المطلوب أو شيء من تشعب ~~الكلمة وتفرقها فقال: { يقول الإنسان } أي بشدة روعه جريا مع طبعه { ~~يومئذ } أي إذا كان هذا الخطب الأجل والقادح الأكبر، وحكى بيقول جملة ~~اسمية من خبر مقدم ومبتدأ مؤخر فقال: { أين المفر * } أي الفرار والموضع ~~الذي إليه الفرار والزمان القابل لذلك، قول آيس مدهوش قاده إليه الطبع، ~~وذلك حين تقاد جهنم بسبعين ألف سلسلة، كل سلسلة بأيد سبعين ألف ملك، لها ~~زفير وشهيق. # ولما كان ذلك اليوم ms5387 يوم انقطاع الأسباب، قال نافيا بما سال عنه بأداة ~~الردع: { كلا } أي لا يقال هذا فإنه لا سبيل إلى وجود معناه وهو معنى { ~~لا وزر * } أي ملجأ ومعتصم ولا حصن ولا التجاء واعتصام، وكون هذا من كلام ~~الإنسان رجوعا من طبعه إلى عقله أقعد وأدل على الهول لأنه لا يفهم أنه ~~بعد أن سأل من عظيم الهول نظر في جملة الأمر فتحقق أن لا حيلة بوجه ~~أصلا، فقال معبرا بالأداة الجامعة لمجامع الردع. # ولما كان المعنى: لا مفر من الله إلا إليه، لأن ملكه محيط وقدرته شاملة، ~~قال مترجما عنه ذاكرا صفة الإحسان لوما لنفسه على عدم الشكر: { إلى ~~ربك } أي المحسن إليك بأنواع الإحسان وحده، لا إلى شيء غيره { يومئذ } أي ~~إذ كانت هذه الأشياء { المستقر * } أي استقرار الخلق كلهم ناطقهم وصامتهم ~~ومكان قرارهم وزمانه إلى حكمه سبحانه ومشيئته ظاهرا وباطنا لا حكم لأحد ~~غيره بوجه من الوجوه في ظاهر ولا باطن كما هو في الدنيا. ### || [75.13-17] # ولما كان موضع السؤال عن علة هذا الاستقرار، قال مستأنفا بانيا ~~للمفعول لأن المنكىء إنما هو كشف الأسرار لا كونه من كاشف معين، وللدلالة ~~على يسر ذلك عليه سبحانه وتعالى بأن من ندبه إلى ذلك فعله كائنا من كان: ~~{ ينبؤا } أي يخبر تخبيرا عظيما مستقصى { الإنسان يومئذ } أي إذ كان ~~هذا الزلزال الأكبر { بما قدم } أي من عمله العظيم { وأخر * } أي في أول ~~عمره وآخره - كناية عن الاستقصاء أو بما قدمه فآثره على غيره هل هو الشرع ~~أو الهوى أو بما عمل في مدة عمره وبما أخر عمله لمعاجلة الموت له عنه ~~فيخبر بما كان يعمله من أمله لو مد في أجله، أو الذي قدمه هو ما عمله ~~بنفسه وما أخره هو ما سنه فعمل به الناس من بعده من خير أو شر - قاله ابن ~~عباس رضي الله عنهما، وعليه مشى الغزالي في الباب الثالث من كتاب البيع ~~من الإحياء. # ولما عظم القيامة بكشف الأسرار فيها والإنباء بها، وكان الشأن أن ~~الإنسان ms5388 لا ينبأ إلا بما هو جاهل له أو غائب عنه، وكان مما يخف على ~~الإنسان في الدنيا النسيان، وكان ذلك اليوم يوم كشف الغطاء، زاده عظما ~~بالإعلام بأنه يجلو بصيرة الإنسان حتى يصير مستحضرا لجميع ما له من شأن، ~~فكان التقدير: وليس جاهلا بشيء من ذلك ولا محتاجا إلى الإنباء به، قال ~~بانيا عليه: { بل الإنسان } أي كل واحد من هذا النوع { على نفسه } خاصة ~~{ بصيرة * } أي حجة بينة على أعماله، فالهاء للمبالغة - يعني أنه في غاية ~~المعرفة لأحوال نفسه فإنه إذا تأمل وأنعم النظر ولم يقف مع الحظوظ عرف ~~جيد فعله من رديئه، أما في الدنيا فلان الفطر الأولى شاهدة بالخير والشر ~~- كما أشار إليه صلى الله عليه وسلم بقوله: # " البر ما سكنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في الصدر ~~وترددت فيه النفس وإن أفتاك الناس وأفتوك " # رواه الإمام أحمد عن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه وقوله صلى الله عليه ~~وسلم: # " إنما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت " # - رواه البخاري عن ابن مسعود رضي الله عنه، وأما في الآخرة فإن الله ~~يعطيه في ذلك اليوم قوة الذكرى حتى تصير أعماله كلها بين عينيه لأنه ~~تعالى ينفي عنه الشواغل البدنية ويكشف عنه الحجب النفسانية حتى تصير ~~أعماله ممثلة له كأنه يراها ولا تنفعه معذرته، لأن كل شيء يعتذر به عن ~~نفسه يعرف كذبه بنفس وجوده لا بشيء خارج عنه تارة يكون خالقه أوجده على ~~ما هو عليه من العلم وسلامة الأسباب المزيلة للعلل وتارة بإنطاق جوارحه. # ولما كان الإنسان يعتذر في ذلك اليوم عن كل سوء عمله، ويجادل أعظم ~~مجادلة، وكان المجادل في الغالب يظن أنه لم يذنب أو لا يعلم له ذنبا، ~~قال: { ولو ألقى } أي ذكر بغاية السرعة ذلك الإنسان من غير تلعثم دلالة ~~على غاية الصدق والاهتمام والتملق { معاذيره * } أي كل كلام يمكن أن يخلص ~~به، جمع عذر أو معذرة وهو إيساع الحيلة في دفع الخلل: وقال ms5389 في القاموس: ~~المعاذير: الستور والحجج جمع معذار، وذلك لاشتراكهما في مطلق الستر ~~بالفتح والستر بالكسر في ستر المذنب والحجة في ستر الذنب فالمعنى أنه حجة ~~على نفسه ولو احتج عنها واجتهد في ستر عيوبها، فلا تقبل منها الأعذار، ~~لأنه قد أعطى البصيرة فأعماها بهون النفس وشهواتها، وتلك البصيرة هي نور ~~المعرفة المركوز في الفطرة الأولى وهي كقوله تعالى: { لا ينفع الظالمين ~~معذرتهم }. # ولما كان معنى هذا كله أن الإنسان محجوب في هذه الدار عن إدراك الحقائق ~~بما فيه من الحظوظ والكسل والفتور، لما فيه من النقائص، وكان النبي صلى ~~الله عليه وسلم مبرءا من ذلك لخلق الله له كاملا وترقيته بعد ميلاده كل ~~يوم في مراقي الكمال حتى صار إلى حد لا يشغله عن العلوم شيء فكان بحيث ~~يرى مواقع الفتن خلال البيوت كمواقع القطر، ويرى من ورائه كما يرى من ~~أمامه، ويقول: # " والله لا يخفى علي خشوعكم ولا ركوعكم إني أراكم من وراء ظهري " # وكان صلى الله عليه وسلم يرى في أشد الظلام وغير ذلك مما له صلى الله ~~عليه وسلم من رقة الجوهر الذي لم ينله أحد غيره، وذلك مما يدل على الكشف ~~التام ولكنه كان صلى الله عليه وسلم لتعظيمه لهذا القرآن لما له في نفسه ~~من الجلالة ولما فيه من خزائن السعادة والعلوم التي لا حد لها فتستقصى، ~~ولأنه كلام الملك الأعظم، وبأمره نزل إليه صلى الله عليه وسلم مع رسوله ~~جبريل عليه الصلاة والسلام، يعالج عند سماعه أول ما يأتيه شدة، فكان يحرك ~~به لسانه استعجالا بتعهده ليحفظه ولا يشذ عنه منه شيء، وكان قد ختم ~~سبحانه ما قبلها بالمعاذير، وكانت العجلة مما يعتذر عنه، وكان الحامل على ~~جميع ما يوجب الملامة والاعتذار ما طبع عليه الإنسان من حب العاجل، قال ~~سبحانه نتيجة عن هذه المقدمات الموجبة لانكشاف الأشياء للإنسان الموجب ~~للإخبار بها والخوف من عواقبها لئلا يميل إلى العاجلة ولا يقع في مخالفة ~~لولا ما شغله به من الحجب إعلاما بأنه سبحانه وتعالى قد ms5390 دفع عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم تلك الحجب وأوصله من رتبة " لو كشف الغطاء ما ازددت ~~يقينا " إلى أنهاها، وأنه قادر على ما يريد من كشف ما يريد لمن يريد كما ~~يكشف لكل إنسان عن أعماله في القيامة حتى يصير يعرف ما قدم منها وما أخر، ~~وتنبيها على أنه صلى الله عليه وسلم لا كسب له في هذا القرآن بغير حسن ~~التلقي إبعادا له عن قول البشر وتمهيدا بما يحرك من لسانه بالقرآن قبل ~~تمام الإلقاء لذم ما طبع عليه الإنسان: { لا تحرك به } أي القرآن الذي هو ~~تذكرة من شاء ذكره لولا حجاب المشيئة، وقد كشف سبحانه وتعالى حجاب ~~المشيئة لهذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم وشاء أن يذكره حين قال # وما تشاؤون إلا أن يشاء الله # [الإنسان: 30] لأنه ما نزله إليه بغير اكتساب منه إلا وقد شاء ذلك { ~~لسانك } الذي ليست له حركة إلا في ذكر الله تعالى. # ولما لم يكن لهذا التحريك فائدة مع حفظ الله له على كل حال إلا قصد ~~الطاعة بالعجلة، وكانت العجلة هي الإتيان بالشيء قبل أوانه الأليق به، ~~وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم مثابا على ذلك أعظم الثواب لأنه لا ~~حامل له عليه إلا حب الله وحب ما يأتي منه، وجعلها الله سبحانه وتعالى ~~علة وإن لم تكن مقصودة فقال: { لتعجل به } أي بحمله وأخذه قبل أن يفرغ من ~~إلقاءه إليك رسولنا جبريل عليه الصلاة والسلام مخافة أن ينفلت منك، لأن ~~هذه العجلة وإن كانت من الكمالات بالنسبة إليك وإلى إخوانك من الأنبياء ~~عليهم الصلاة والسلام كما قال موسى عليه الصلاة والسلام: # وعجلت إليك رب لترضى # [طه: 84] لأنها من النفس اللوامة التي تلوم على ترك المبادرة إلى أفعال ~~الخير فغيرها من أفعال المطمئنة أكمل منها، فنقل صلى الله عليه وسلم من ~~مقام كامل إلى أكمل منه، وكان هذا الكلام المتعلق بالقرآن والذي بعده ~~فرقانا بين صفتي اللوامة في الخير واللوامة في الشر، والآية ناظرة إلى ~~قوله تعالى في ms5391 المدثر حكاية " إن هذا إلا قول البشر " وما بينهما اعتراض ~~في وصف حال القيامة جر إليه قوله تعالى: # سأصليه سقر # [المدثر: 26] أي أن الذي خيل به المتقول في القرآن أمران: أحدهما أنه ~~سحر والآخر أنه قول البشر، والعلم اليقين حاصل بانتفاء الأول، وأما ~~الثاني فكان النبي صلى الله عليه وسلم يخشى أن لا يتقن حفظه فتدخل عليه ~~كلمة مثلا فيكون من قول البشر فنهاه الله تعالى عن العجلة وضمن له ~~الحفظ، ثم علل هذا النهي بقوله مؤكدا لأنه من مجراته: { إن علينا } أي ~~بما لنا من العظمة، لا على أحد سوانا { جمعه } أي في صدرك حتى نثبته ~~ونحفظه { وقرآنه * } أي إطلاق لسانك به وإثباته في رتبته من الكتاب حال ~~كونه مجموعا أتم جمع ميسرا حسن تيسير فأرح نفسك مما تعالج في أمره من ~~المشقة وتكابده من العناء. ### || [75.18-24] # ولما نهاه أمره فقال: { فإذا قرأناه } أي أقدرنا جبريل عليه الصلاة ~~والسلام على تأديته إليك كما حملناه إياه بما لنا من العظمة وعلى حسبها { ~~فاتبع } أي بغاية جهدك بإلقاء سمعك وإحضار ذهنك { قرآنه * } أي قراءته ~~مجموعة على حسب ما أداه إليك رسولنا وجمعناه لك في صدرك، وكرر تلاوته حتى ~~يصير لك به ملكة عظيمة واعمل به حتى يصير لك خلقا فيكون قائدك إلى كل ~~خير، فالضمير يجوز أن يكون للقرآن، يكون القرآن هنا بمعنى القراءة، عبر ~~به عنها تعظيما لها، أي اتبع قراءة القرآن أي قراءة جبريل عليه السلام ~~له، ولو كان على بابه لم يكن محذورا، فإن المراد به خاص وبالضمير عام، ~~ويجوز أن يكون الضمير لجبريل عليه السلام أي اتبع قراءته ولا تراسله. # ولما كان بيان كلماته ونظومه على أي وجه سمعه من مثل صلصلة الجرس وغيرها ~~وبيان معانيه وما فيه من خزائن العلم من العظمة بمكان يقصر عنه الوصف، ~~أشار إليه بأداة التراخي، فقال دالا على جواز تأخير البيان عن وقت ~~الخطاب إلى وقت الحاجة، مشعرا بأنه كان يعجل بالسؤال عن المعنى كما كان ~~يعجل بالقراءة: { ثم } وأكد ذلك ms5392 إشارة إلى أنه لعظمه مما يتوقف فيه فقال: ~~{ إن علينا } أي بما لنا من العظمة { بيانه * } أي بيان ألفاظه ومعانيه ~~لك سواء سمعته من جبريل عليه الصلاة والسلام على مثل صلصلة الجرس أو ~~بكلام الناس المعتاد بالصوت والحرف، ولغيرك على لسانك وعلى ألسنة العلماء ~~من أمتك، والآية مشيرة إلى ترك مطلق العجلة لأنه إذا نهى عنها في أعظم ~~الأشياء وأهمها كان غيره بطريق الأولى، روى البخاري في تفسير الآية في ~~أول صحيحه وآخره عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: # " كان النبي صلى الله عليه وسلم يعالج من التنزيل شدة، كان يحرك شفتيه، ~~قال سعيد بن جبير: قال ابن عباس رضي الله عنهما: فأنا أحركهما لك كما كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يحركهما " # فأنزل الله عز وجل الآية حتى قال: جمعه في صدرك ثم تقرأه { فإذا قرأناه ~~فاتبع قرآنه } [القيامة: 18] قال: فاستمع له وأنصت ثم إن علينا أن تقرأه، ~~قال فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتاه جبريل عليه الصلاة ~~والسلام استمع مطرقا فإذا انطلق جبريل عليه الصلاة والسلام قرأه النبي ~~صلى الله عليه وسلم كما أقرأه جبريل عليه الصلاة والسلام كما وعده الله ~~بكفالة قوله تعالى: # فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم ~~وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددا # [الجن: 27 - 28]. # ولما كان سبحانه وتعالى قد ختم الكلام في المكذبين بأن أعمالهم محفوظة، ~~وأن كل أحد على نفسه شاهد، لأنه يعلم جميل ما يفعل من قبيحه وإن اعتذر، ~~ولولاه ما اشتد اتصاله به، وختم بضمان البيان للقرآن، فكان شاهدا بينا ~~على كل إنسان بما له من عظيم البيان. # قال نافيا لما يظن من جهلهم بقبيح أفعالهم الذي اقتضاه اعتذارهم مشعرا ~~بأن الآدمي مطبوع على الاستعجال بعد النهي عن العجلة في أعز الأشياء ~~وأعلاها وأهمها وأولاها، لأنه أصل الدين ليكون ذلك مؤكدا للنهي عن ~~العجلة بالقرآن ومؤكدا لذمهم بحب العاجلة مغلظا لتوبيخهم على الميل مع ~~الطبع وترك ما ms5393 يقتضيه العلم والعقل: { كلا } أي لا يجهل أحد منهم قبائح ~~ما ارتكبه وإن اعتذر وما ارتكب شيئا منها عن جهل { بل } هم { يحبون } أي ~~محبة متجددة مستمرة على تجدد الزمان { العاجلة * } بدليل أنهم يقبلون ~~غاية الإقبال عليها فيأخذونها، وحبها أوجب لهم ارتكاب ما يعلمون قبحه ~~فإن الآخرة والأولى ضرتان من أحب إحداهما فعل ولا بد ما يباعده عن ~~الأخرى، فإن " حبك للشيء يعمي ويصم " وهذا بخلاف نبينا صلى الله عليه ~~وسلم في مطلق العجلة فكيف بالعاجلة فإنما طبعناه على الكمال، فكان يعالج ~~من العجلة بالقراءة شدة فحين نهيناه عن ذلك انتهى رجوعا إلى طبعه الكامل ~~الذي لا يشوبه نقص، وكذا كان أمره تكوينا لا إباء معه ولا كلفة، فإن ~~نفسه المطمئنة هي الغالبة ولها السلطان الأكبر، ولأجل تضارر الدارين ~~وكونهم يحبون العاجلة قال: { وتذرون } أي يتركون على أي وجه كان ولو أنه ~~غير مستحسن { الآخرة * } لانهم يبغضونها لارتكابهم ما يضربهم فيها، وجمع ~~الضمير وإن كان مبنى الخطاب مع الإنسان نظرا نظرا للمعنى إشارة إلى أنه ~~لا يسلم من العجلة المذمومة إلا أفراد حفظهم الله بقدرته الباهرة، والآية ~~من الاحتباك: ذكر الحب أولا دليلا على البغض ثانيا، والترك ثانيا ~~دليلا على الإقبال والأخذ أولا، فأنفسهم اللوامة تلومهم على التقصير في ~~الشر كما أن نفسك تحثك على الازدياد من الخير والمبادرة إليه، فنعم النفس ~~هي ولتعلين مقامها، وأما أنفسهم فإنها تحثهم لأجل اللوم على التقصير في ~~الشر على الإخلاد إلى العاجل الفاني والإقلاع عن الباقي لكونه غائبا ~~فبئس الأنفس هي. # ولما ذكر الآخرة التي أعرضوا عنها، ذكر ما يكون فيها بيانا بجهلهم ~~وسفههم وقلة عقلهم، ترهيبا لمن أدبر عنها وترغيبا لمن أقبل عليها لطفا ~~بهم ورحمة لهم فقال: { وجوه } أي من المحشورين وهم جميع الخلائق { يومئذ ~~} أي إذ تقوم القيامة { ناضرة * } من النضرة بالضاد، وهي النعمة ~~والرفاهية أي هي بهية مشرقة ظاهر عليها أثر النعمة بحيث يدل ذلك على نعمة ~~أصحابها { إلى ربها } أي المحسن لها خاصة باعتبار أن عد النظر إلى ms5394 ~~غيره كلا نظر { ناظرة * } أي دائما هم محدقون أبصارهم نحو جوده بالتجلي ~~لا غفلة لهم عن ذلك فإذا رفع الحجاب عنهم أبصروه بأعينهم بدليل جوده ~~بالتجلي لا غفلة لهم عن ذلك فإذا رفع الحجاب عنهم أبصرره بأعينهم بدليل ~~التعدية ب " إلى " وذلك، النظر جهرة من غير اكتتام ولا تضام ولا زحام - ~~كما قاله ابن عباس رضي الله عنهما وأكثر المفسرين وجميع أهل السنة، وروي ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الصحاح من وجوه كثيرة بحيث ~~اشتهر غاية الشهرة، وتكون الرؤية كما مثلت في الأحاديث # " كما يرى القمر ليلة البدر " # كل من يريد رؤيته من بيته مخليا به - هذا وجه الشبه، لا أنه في جهة ولا ~~في حالة لها شبيه - تعالى الله عن التشبيه، وهكذا رؤية النبي صلى الله ~~عليه وسلم في المنام من الأشخاص المستكثرة في البلاد المتباينة في الوقت ~~الواحد، وقدم الجار الدال على الاختصاص إشارة إلى هذا النظر مباين للنظر ~~إلى غيره فلا يعد ذلك نظرا بالنسبة إليه، وإلى أن تلك الوجوه مستغرقة في ~~مطالعة جماله بحيث لا تفتر عن ذلك، ولا يعد نظرها إلى ما سواه شيئا، وهي ~~آمنة من أن يفعل بها فاقرة، وعبر بالوجوه عن أصحابها لأنها أدل ما يكون ~~على السرور، وليكون ذكرها أصرح في أن المراد بالنظر حقيقته، وزاده صراحة ~~بالتعدية ب " إلى " فإن الانتظار لا يعدى بها، قال الإمام حجة الإسلام ~~الغزالي رحمه الله تعالى في كتاب المحبة من الإحياء بعد أن جوز أن يخلق ~~الله النظر في الجهة وغيرها: والحق ما ظهر لأهل السنة والجماعة من شواهد ~~الشرع أن ذلك يخلق في العين ليكون لفظ الرؤية والنظر وسائر الألفاظ ~~الواردة في الشرع مجرى على ظاهره إذ لا يجوز إزالة الظواهر إلا لضرورة - ~~انتهى، وأهل الجنة متفاوتون في النظر: روي أن منهم من ينظر إلى الله بكرة ~~وعشية، وفي خبر آخر، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء ~~الكبرياء على وجهه في جنة عدن، ومتفاوتون في مقدار ms5395 الكشف في الجمال ~~والأنس والبهجة التي يكون عنها اللذة بحسب أعمالهم. # ولما ذكر أهل النعمة، أتبعه أضدادهم من أهل النقمة فقال: { ووجوه يومئذ ~~} أي في ذلك اليوم بعينه { باسرة * } أي شديدة العبوس والكلوح والتكره ~~لما هي فيه من الغم كأنها قد غرقت فيه فرسبت بعد أن سبرت أحوالها، فلم ~~يظهر لها وجه خلاص، والباسل أبلغ من الباسر لكنه غلب في الشجاع لاشتداد ~~كلوحه عند العراك، وتلك الوجوه عن ربها محجوبة، وإلى أنواع العذاب ناظرة. ### || [75.25-32] # ولما كان ظن الشر كافيا في الحذر منه والمبالغة في استعمال ما يحمي ~~منه، قال دالا على أنه عبر بالوجه عن الجملة: { تظن } أي تتوقع بما ترى ~~من المخايل: { أن يفعل } بناه للمفعول لأن المحذور وقوع الشر لا كونه من ~~معين { بها } أي بهم فإنه إذا أصيب الوجه الذي هو أشرف ما في الجملة كان ~~ما عداه أولى { فاقرة * } أي داهية تكسر الفقار وهو عظم سلسلة الظهر الذي ~~هو أصلب ما في العظام فتكون قاصمة الظهر، فالآية من الاحتباك: ذكر النظر ~~في الأولى دليل على ضده في الثانية، وذكر الفاقرة في الثانية دليل على ~~ضدها في الأولى. # ولما ذكر محبتهم للعاجلة بالمضارع الدال على التجدد والاستمرار، فاقتضى ~~ذلك أنه حب غيره منفك التجدد أصلا، أخبر أنه ينقطع عن هول المطلع مع ~~الدلالة على تمام القدرة، وأنه لا يرد قضاؤه، فقال رادعا لمن يظن عدم ~~انقطاعه: { كلا } أي لا يدوم هذا الحب بل لا بد أن ينقطع انقطاعا قبيحا ~~جدا. ولما كان المحب للدنيا هو النفس، أضمرها لذلك ولدلالة الكلام عليها ~~فقال ذاكرا ظرف ما أفهم حرف الردع تقديره من عدم المحبة: { إذا بلغت } ~~أي النفس المقبلة على العاجلة بأمر محقق - بما أفهمته أداة التحقق { ~~التراقي * } أي عظام أعالي الصدر، جمع ترقوة وهي العظام التي حول الحلقوم ~~عن يمين ثغرة النحر وشمالها بين الثغرة وبين العاتق، ولكل إنسان ترقوتان، ~~وهو موضع الحشرجة، لعله جمع المثنى إشارة إلى شدة انتشارها بغاية الجهد ~~لما هي فيه من الكرب ms5396 لاجتماعها من أقاصي البدن إلى هناك وضيق المجال ~~عليها كأنها تريد أن تخرج من أدنى موضع يقرب منها، وهذا كناية عن الإشفاء ~~على الموت وما أحسن قول حاتم الطائي وأشد التئامه مع ما هنا من أمر ~~الروح: # أماوي ما يغني الثراء عن الفتى # إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر # ولما كان أهل الميت يشتد انزعاجهم إذ ذاك ويشتد تطلبهم لما ينجي المحتضر ~~من غير أن يفيدهم ذلك شيئا، فكان قولهم كأنه لا قائل له على التعيين، ~~بني للمفعول قوله: { وقيل } أي من كل قائل يعز عليه الميت استفهام ~~استبعاد: { من راق * } أي من هو الذي يتصف برسوخ القدم في أمر الرقى ~~الشافية ليرقيه فيخلصه مما هو فيه فإنه صار إلى حالة لا يحتمل فيها دواء ~~فلا رجاء إلا في الرقى، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن هذا القول من بعض ~~الملائكة للاستفهام عمن يرقى بروحه إلى السماء: أملائكة الرحمة أم ملائكة ~~العذاب؟ فالأول اسم فاعل من رقى يرقى بمعنى الرقية بالفتح في الماضي ~~والكسر في المضارع، والثاني الذي بمعنى الصعود بالكسر في الماضي والكسر ~~في المضارع. # ولما كان الإنسان مطبوعا على الترجح بين الأمور الممكنة تتعلق لما يغلب ~~عليه من طبع الإلف وشدة الركون لما يألفه بأدنى شيء، عبر عما هو أهل ~~للتحقق بالظن فقال: { وظن } أي المحتضر لما لاح له من أمور الآخرة أو ~~القائل " هل من راق " من أهله { أنه } أي الشأن العظيم الذي هو فيه { ~~الفراق * } أي لما كان فيه من محبوب العاجلة الذي هو الفراق الأعظم الذي ~~لا فراق مثله، ففي الخبر أن العبد ليعالج كرب الموت وسكراته وأن مفاصله ~~ليسلم بعضها على بعض يقول: السلام عليك تفارقني وأفارقك إلى يوم القيامة: ~~{ والتفت الساق } أي هذا النوع { بالساق * } أي انضمت إليها واتصلت بها ~~ودارت إحداهما بالأخرى فكانتا كالشيء الواحد، وهو كناية عن الموت لأن ~~المشي لا يكون إلا مع انفصال إحدى الساقين عن الأخرى، أو عن اشتداد الأمر ~~جدا وبعده عن الخلاص، فإن العرب لا ms5397 تذكر الساق في مثل هذا السياق إلا في ~~أمر شديد مثل " شمر عن ساق " وإذا اشتد حراب المتحاربين: " دنت السوق ~~بعضها من بعض " فلا افتراق إلى عن موت أحدهما أو أشد من موته من هزيمته، ~~وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كناية عن اختلاط شدة آخر الدنيا بشدة ~~أول الآخرة، وجواب إذا محذوف تقديره: زال تعلقه الذي كان بالدنيا وحبه ~~لها وإعراضه عن الآخرة. # ولما صور وقت تأسفه على الدنيا وإعراضه عنها، ذكر غاية ذلك فقال مفردا ~~النبي صلى الله عليه وسلم بالخطاب إشارة إلى أنه لا يفهم هذا حق فهمه ~~غيره: { إلى ربك } أي موعد وحكم المحسن إليك بإرسالك وتصديقك في جميع ما ~~بلغته عنه ونصرك على كل من ناواك، لا إلى غيره { يومئذ * } أي إذ وقع هذا ~~الأمر { المساق * } أي السوق وموضع السوق وزمانه، كل ذلك داخل في حكمه، ~~قد انقطعت عنه أحكام أهل الدنيا، فإما أن تسوقه الملائكة إلى سعادة بينة ~~وإما إلى شقاوة بينة، أو هو كناية عن عرضه بعد الموت على الله تعالى فلا ~~ينفعه إذا حقق له الوعظ بالموت قوله: أموت فأستريح، فإنه يرجع بالموت إلى ~~سيده، فإن كان مطيعا لقيه بما يرضيه، وإن كان عاصيا لقيه بما يلقى به ~~العبد الآبق على قدر إباقه. # ولما ذكر كراهته للآخرة ذكر أن سببه إفساده ما آتاه الله من قوى العلم ~~والعمل بتعطيلهما عن الخير واستعمالهما في الشر فقال مبينا عمل العبد ~~الموافق والآبق، عاطفا على # يسأل أيان # [القيامة: 6] الذي معناه جحد البعث: { فلا صدق } - أي هذا الإنسان الذي ~~الكلام فيه - الرسول فيما أخبره بما كان يعمل من الأعمال الخبيثة، ولا ~~إيمانه بالإنفاق في وجوه الخير التي ندب إليها واجبة كانت أو مسنونة، ~~وحذف المفعول لأنه أبلغ في التعميم. # ولما ذكر أصل الدين، أتبعه فروعه دلالة على أن الكافر مخاطب بها فقال: { ~~ولا صلى * } أي ما أمر به من فرض وغيره، فلا تمسك بحبل الخالق ولا وصل ~~إلى حبل الخلائق على حد ما شرع ما. ms5398 # ولما نفى عنه أفعال الخير، أثبت له أفعال الشر فقال: { ولكن } أي فعل ضد ~~التصديق بأن { كذب } أي بما أتاه من الله { وتولى * } أي وفعل ضد الصلاة ~~التي هي صلة بين المخلوق والخالق، فاجتهد في خلاف ما تدعوه إليه فطرته ~~الأولى المستقيمة من الإعراض عن الطاعة من الصلاة وغيرها حتى صار له ذلك ~~ديدنا، فصارت الطاعة لا تخطر له بعد ذلك على بال لموت الفطرة الأولى ~~وحياة النفس الأمارة بالسوء، وليس هذا بتكرار لأنه لا يلزم من عدم ~~التصديق التكذيب. ### || [75.33-40] # ولما كان الإصرار على هذا عظيما يبعد كل البعد أن يعمله أحد فكيف ~~بالافتخار به والتكبر لأجله، أشار إليه بأداة البعد، فقال مؤذنا بأن ~~الحال على التكذيب الكبر، والحامل على الكبر الترف، وسبب ذلك الانقياد ~~أولا مع الطبع في إفساد القوتين: العملية والعلمية حتى نشأ عنهما هذا ~~الخلق السيىء، وهو عدم المبالاة، ولم يزل به ذلك حتى صار ملكة يفتخر به { ~~ثم ذهب } أي هذا الإنسان بعد توليه عن الحق { إلى أهله } غير مفكر في ~~عاقبة ما فعل من التكذيب حال كونه { يتمطى * } أي يفتخر افتخارا ~~بتكذيبه وإعراضه وعدم مبالاته بذلك، من المط، أبدل الحرف الثاني ألفا ~~تخفيفا فصار من المطي وهو الظهر كأنه يساعده على مد الخطى، أو أن ~~المتبختر إذا مشى لوى ظهره، وإنما فعل هذا لمرونه على المعصية بدل ~~الاستحياء والخجل والانكسار. # ولما كان هذا غاية الفجور، وكان أهل الإنسان يحبونه إذا أقبل إليهم لا ~~سيما إذا كان على هذه الحالة عند أغلب الناس، أخبر بما هو حقيق أن يقال ~~له في موضع " تحية أهله " من التهديد العظيم فقال: { أولى لك } أي أولاك ~~الله ما تكره، ودخلت اللام للتأكيد الزائد والتخصيص، وزاد التأكيد بقوله: ~~{ فأولى * } أي ابتلاك الله بداهية عقب داهية، وأبلغ ذلك التأكيد إشارة ~~إلى أنه يستحقه على مدى الأعصار، فقال مشيرا بأداة التراخي إلى عظيم ما ~~ارتكب وقوة استحقاقه لهذا التأكيد: { ثم أولى لك } أي أيها الذي قد أحل ~~نفسه بالغفلة دون محل البهائم ms5399 { فأولى * } أي وصلت إلى هذا الهلاك بداهية ~~تعقبها تارة متواليا وتارة متراخيا، وبعضها أعظم من بعض، لحقك ذلك لا ~~محالة، فإن هذا دعاء ممن بيده الأمر كله، ويجوز أن يكون المعنى: أولى لك ~~أن تترك ما أنت عليه وتقبل على ما ينفعك، وقال ابن جرير في تفسير المدثر: ~~إن أبا جهل لما استهزأ على جعل خزنة النار تسعة عشر أوحى الله إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم أن يأتيه فيأخذ بيده في بطحاء مكة فيقول له: أولى لك ~~- إلى آخرها، فلما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أبو جهل: ~~والله لا تفعل أنت وربك شيئا، فأخزاه الله يوم بدر - انتهى. ويمكن تنزيل ~~الكلمات الأربع على حالاته الأربع: الحياة ثم الموت ثم البعث ثم دخول ~~النار، فيكون المعنى: لك المكروه الآن وفي الموت والبعث ودخول النار. قال ~~البغوي: وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: # " إن لكل أمة فرعونا، وإن فرعون هذه الأمة أبو جهل " # وقد أفهمت الآية أن من أصلح قوتي علمه وعمله بأن صدق بالله وملائكته ~~وكتبه ورسله واليوم الآخر وأقبل وأقام الصلاة فتبعتها جميع الأعمال التي ~~هي عمادها، فنشأ عن ذلك خلق حسن وهو الوجل مع الطاعة، فهنالك يقال له: ~~بشرى لك فبشرى ثم بشرى لك فبشرى. # ولما كان هذا فعل من أعرض عن الله أصلا فلم يخطر شيئا من عظمته على ~~باله، فكان ظانا أنه مهمل لا مالك له وأنه هو السيد لا عبودية عليه، فلا ~~يؤمر ولا ينهى ولا يعمل إلا بمقتضى شهواته، قال منكرا عليه معبرا ~~بالحسبان الذي الحامل عليه نقص العقل: { أيحسب } أي أيجوز لقلة علقه { ~~الإنسان } أي الذي هو عبد مربوب ضعيف عاجز محتاج بما يرى في نفسه وأبناء ~~جنسه. # ولما كان الحامل على الجراءة مطلق الترك هملا، لا كون الترك من معين، ~~قال بانيا للمفعول: { أن يترك } أي يكون تركه بالكلية { سدى * } أي ~~مهملا لاعبا لاهيا لا يكلف ولا يجازى ولا يعرض على الملك الأعظم الذي ~~خلقه فيسأله عن ms5400 شكره فيما أسدى إليه، فإن ذلك مناف للحكمة، فإنها تقتضي ~~الأمر بالمحاسن والنهي عن المساوىء والجزاء على كل منهما، وأكثر الظالمين ~~والمظلومين يموتون من غير جزاء، فاقتضت الحكمة ولا بد البعث للجزاء. # ولما كان الإنسان يجري على ما في طبعه من النقائص فيغفل عما خلق له ~~فتتراكم عليه ظلماته فيبعد عن علم ذلك إما بجهل بالحكمة أو بجهل بالقدرة، ~~رحمه سبحانه بإعادة البرهان على المعاد بأمر يجمع القدرة والحكمة، وذلك ~~أنه لا يجوز في عقل عاقل أن صانعا يصنع شيئا ويتركه ضياعا وهو حكيم أو ~~حاكم فكيف بأحكم الحكماء والحاكمين فقال منكرا عليه ظنه أنه يهمله ~~سبحانه مع علمه بصنائعه المحكمة فيه، مقررا أحوال بدايته التي لا يسوغ ~~معها إنكار إعادته لأنها أدل على أنه لا مانع منها أصلا، حاذفا نون ~~الكون إعلاما بأن الأمر في هذه النتيجة العظمى ضاق عن أقل شيء يمكن ~~الاستغناء عنه كراهية التمادي من الموعوظ على ما وعظ لأجله فيحصل له ~~الهلاك، وإشارة إلى مهانة أصله وحقارته: { ألم يك } أي الإنسان { نطفة } ~~أي شيئا يسيرا جدا { من مني } أي ماء من صلب الرجل وترائب المرأة ~~مقصود ومقدر من الله للابتلاء والاختبار مثاله المنية التي هي الموت { ~~تمنى } أي سبب الله للإنسان المعالجة في إخراجها بما ركب فيه من الشهوة ~~وجعل له من الروح التي يسرها لقضاء وطره منها حتى أن وقت صبها في الرحم ~~انصبت منه بغير اختياره حتى كأنه لا فعل له فيها أصلا، ولذلك بنى الفعل ~~لما لم يسم فاعله، ولما كان تكثير تلك النطفة وتحويلها أمرا عظيما ~~عجيبا، أشار إليه بأداة البعد مع إفادتها للتراخي في الزمان أيضا فقال: ~~{ ثم كان } أي كونا محكما { علقة } أي دما أحمر عبيطا شديد الحمرة ~~والغلظة { فخلق } أي قدر سبحانه عقب ذلك لحمه وعظامه وعصبه وغير ذلك من ~~جواهره وأعراضه { فسوى * } أي عدل عن ذلك خلقا آخر غاية التعديل شخصا ~~مستقلا. # ولما كان استبعادهم للقيامة إما لاستبعاد القدرة على إعادة الأجزاء بعد ~~تفرقها أو لاستبعاد القدرة ms5401 على تمييز ترابها من تراب الأرض بعد الاختلاط، ~~وكان تمييز النطفة إلى ذكر وأنثى كافيا في رد الاستبعادين قال: { فجعل } ~~أي بسبب النطفة { منه } أي هذا الماء الدافق أو المخلوق المسوى وهما شيء ~~واحد { الزوجين } أي القرينين اللذين لا يمكن الانتفاع بأحدهما إلا ~~بالآخر، ثم بينهما بقوله: { الذكر والأنثى * } وهما كما تعلمون متباينان ~~في الطباع مختلفان في أوصاف الأعضاء والآلات والمتاع، كما لم يترك النطفة ~~حتى صيرها علقة ولا ترك العلقة حتى صيرها مضغة ولا ترك المضغة حتى صيرها ~~عظاما ولم يترك العظام حتى صيرها خلقا آخر إلى تمام الخلقة لتمام ~~الحكمة الظاهرة وفصلها إلى ذكر وأنثى وهي ماء، تمييز ما يصلح منه للذكر ~~وما يصلح منه للأنثى أشد وأخفى من تمييز تراب الميت من تراب الأرض، فكذلك ~~لا يترك الجسم بعد موته حتى يعيده ثم يبعثه إلى آخر ذلك لتمام الحكمة ~~الباطنة وهي الجزاء والحكم الذي هو خاصة الملك. # ولما تقرر من حيث إتقان الاصطناع أنه لا يجوز معه الإهمال وانقطاع ~~النزاع، وكان ربما توقف من حيث ظن عدم القدرة على ذلك بعد الموت، قال ~~منبها على تمام القدرة مقررا عليه منكرا على من يتوقف فيه موبخا له ~~مرتبا على ما قام على القدرة على الإعادة من دليل القدرة الشهودي على ~~البداية: { أليس ذلك } أي الخالق المسوي الإله الأعظم الذي قدر على هذه ~~الإنشاءات وصنع هذه الصنائع المتقنة التي لا يقدر غيره على شيء منها، ~~وأعرق في النفي فقال: { بقادر } أي عظيم القدرة { على أن يحيي } أي كيف ~~أراد دفعة أو في أوقات متعاقبة { الموتى * } فيقيم القيامة بل وعزته ~~وجلاله وعظمته وكماله إنه على كل ما يريد قدير، وقد رجع آخر السورة على ~~أولها أتم رجوع، والتأم به أتم التئام، فتمت معانيها أعظم تمام بجمع ~~العظام وإيجاد القيام ليوم التغابن والزحام - أعاننا الله فيه بحسب ~~الختام، روى البغوي بسنده من طريق أبي داود عن أعرابي عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من ms5402 قرأ منكم { والتين والزيتون } [التين: 1] فانتهى إلى آخرها { أليس ~~الله بأحكم الحاكمين } [التين: 8] فليقل: بلى وأنا على ذلك من الشاهدين، ~~ومن قرأ { لا أقسم بيوم القيامة } [القيامة: 1] فانتهى إلى قوله { أليس ~~ذلك بقادر على أن يحيي الموتى } [القيامة: 40] فليقل بلى، ومن قرأ ~~المرسلات فقرأ { فبأي حديث بعده يؤمنون } [المرسلات: 50] فليقل: " آمنا ~~بالله " # ورواه الترمذي وقال في آخر القيامة أن يحيي الموتى: " بلى وعزة ربنا " ~~وقال الحافظ نور الدين الهيثمي في مجمع الزوائد: وروى أحمد وفيه رجلان لم ~~أعرفهما عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: # " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قرأ: والمرسلات عرفا فبأي حديث ~~بعده يؤمنون، ومن قرأ: والتين والزيتون، فليقل: وأنا على ذلك من ~~الشاهدين، ومن قرأ: أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى، فليقل بلى " # والله الهادي للصواب. ### | [76 - سورة الانسان] ### || [76.1-3] # ولما تقدم في آخر القيامة التهديد على مطلق التكذيب، وأن المرجع إلى ~~الله وحده، والإنكار على من ظن أنه يترك سدى والاستدلال على البعث وتمام ~~القدرة عليه، تلاه أول هذه بالاستفهام الإنكاري على ما يقطع معه بأن لا ~~يترك سدى، فقال مفصلا ما له سبحانه عليه من نعمة الإيجاد والإعداد ~~والإمداد والإسعاد: { هل أتى } أي بوجه من الوجوه { على الإنسان } أي هذا ~~النوع الذي شغله عما يراد به ويراد له لعظم مقداره في نفس الأمر الأنس ~~بنفسه والإعجاب بظاهر حسه والنسيان لما بعد حلول رمسه { حين من الدهر } ~~أي مقدار محدود وإن قل من الزمان الممتد الغير المحدود حال كونه { لم يكن ~~} أي في ذلك الحين كونا راسخا { شيئا مذكورا * } أي ذكرا له اعتبار ~~ظاهر في الملأ الأعلى وغيره حتى أنه يكون متهاونا به غير منظور إليه ~~ليجوز أن يكون سدى بلا أمر ونهي، ثم يذهب عدما ليس الأمر كذلك، بل ما ~~أتى عليه شيء من ذلك بعد خلقه إلا وهو فيه شيء مذكور، وذلك أن الدهر هو ~~الزمان، والزمان هو مقدار حركة الفلك - كما نقله الرازي في كتاب اللوامع ~~في ms5403 سورة " يس " عند قوله تعالى " ولا الليل سابق النهار " فإنه قال: ~~الزمان ابتداؤه من حركات السماء فإن الزمان مقدار حركات الفلك - انتهى ~~وآدم عليه السلام تم الخلق بتمام خلقه في آخر يوم الجمعة أول جمعة كانت، ~~وكانت طينته - قبل ذلك بمدة مخمرة هو فيها بين الروح والجسد، قال ابن ~~مسعود رضي الله عنه: خلق الله آدم عليه السلام من تراب فأقام أربعين سنة ~~ثم من طين أربعين سنة ثم من صلصال أربعين سنة ثم من حمإ مسنون أربعين سنة ~~ثم خلقه بعد ستين ومائة سنة، وقال البغوي: قال ابن عباس رضي الله عنهما: ~~ثم خلقه بعد عشرين ومائة سنة: فحينئذ ما أتى عليه زمان إلا وهو شيء مذكور ~~إما بالتخمير وإما بتمام التصوير، فالاستفهام على بابه وهو إنكاري، وليست ~~" هل " بمعنى " قد " إلا إن قدرت قبلها الهمزة، وكان الاستفهام إنكاريا ~~لينتفي مضمون الكلام، والمراد أنه هو المراد من العالم، فحينئذ ما خلق ~~الزمان إلا لأجله، فهو أشرف الخلائق، وهذا أدل دليل على بعثه للجزاء، فهل ~~يجوز مع ذلك أن يترك سدى فيفنى المظروف الذي هو المقصود بالذات، ويبقى ~~الظرف الذي ما خلق إلا صوانا له، والذي يدل على ذلك من أقوال السلف أنه ~~روي أن رجلا قرأها عند ابن مسعود رضي الله عنه فقال: يا ليت ذلك لم يكن. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: قوله تعالى: { هل أتى على الإنسان حين ~~من الدهر لم يكن شيئا مذكورا } [الإنسان: 1] تعريف الإنسان بحاله ~~وابتداء أمره ليعلم أن لا طريق له للكبر واعتقاد السيادة لنفسه، وأن لا ~~يغلطه ما اكتنفه من الألطاف الربانية والاعتناء الإلهي والتكرمة فيعتقد ~~أنه يستوجب ذلك ويستحقه # وما بكم من نعمة فمن الله # [النحل: 53] ولما تقدم في القيامة إخباره تعالى عن حال منكري البعث ~~عنادا واستكبارا وتعاميا عن النظر والاعتبار # أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه # [القيامة: 3] وقوله بعد # فلا صدق ولا صلى ولكن كذب وتولى ثم ذهب إلى أهله يتمطى # [القيامة: 31 - 33] أي يتبختر عتوا واستكبارا ومرحا ms5404 وتجبرا، وتعريفه ~~بحاله التي لو فكر فيها لما كان منه ما وصف، وذلك قوله # ألم يكن نطفة من مني يمنى ثم كان علقة فخلق فسوى # [القيامة: 37 - 38] أتبع ذلك بما هو أعرق في التوبيخ وأوغل في التعريف ~~وهو أنه قد كان لا شيء فلا نطفة ولا علقة، ثم أنعم الله عليه بنعمة ~~الإيجاد ونقله تعالى من طور إلى طور فجعله نطفة من ماء مهين في قرار مكين ~~ثم كان علقة ثم مضغة إلى إخراجه وتسويته خلقا آخر فتبارك الله أحسن ~~الخالقين، فمن اعتبر اتصافه بالعدم ثم تقلبه في هذه الأطوار المستنكف ~~حالها والواضح فناؤها واضمحلالها، وأمده الله تعالى بتوفيقه عرف حرمان من ~~وصف في قوله: " ثم ذهب إلى أهله يتمطى " فسبحان الله ما أعظم حلمه وكرمه ~~ورفقه، ثم بين تعالى ما جعله للإنسان من السمع والبصر ابتلاء له، ومن ~~أدركه أدركه الغلط وارتكب الشطط - انتهى. # ولما ذكر مطلق خلقه، وقرر أنه خلاصة الكون، شرع يذكر كيفية خلقه ويدل ~~على ما لزم من ذلك من أنه ما خلق الخلق إلا لأجله وأنه لا يجوز أن يهمل ~~فقال معلما بالحال التي هي قيد الجملة ومحط الفائدة أنه ما خلق إلا ~~للآخرة، مفصلا أمر الإيجاد بالفاعل والصورة والمادة والغاية وأكده ~~لإنكارهم له: { إنا } أي على ما لنا من العظمة { خلقنا } أي قدرنا ~~وصورنا، وأظهر ولم يضمر لأن الثاني خاص والأول عام لآدم عليه الصلاة ~~والسلام وجميع ولده فقال: { الإنسان } أي بعد خلق آدم عليه الصلاة ~~والسلام { من نطفة } أي مادة هي ماء جدا من الرجل والمرأة، وكل ماء قليل ~~في وعاء فهو نطفة وهي المادة التي هي السبب الحامل للقوة المولدة. # ولما كان خلقه على طبائع مختلفة وأمزجة متفاوتة أعظم لأجره إن جاهد ما ~~يتنازعه من المختلفات بأمر ربه الذي لا يختلف، وكانت أفعاله تابعة ~~لأخلاقه وأخلاقه تابعة لجبلته قال: { أمشاج } أي أخلاط - جمع مشج أو مشيج ~~مثل خدن وخدين وأخدان، وخلط وخليط وأخلاط، من مشجت الشيء - إذا خلطته، ~~لأنه من مني الرجل ms5405 ومني المرأة، وكل منهما مختلف الأجزاء متباين الأوصاف ~~في الرقة والثخن والقوام والخواص تجتمع مع الأخلاط وهي العناصر الأربعة، ~~ماء الرجل غليظ أبيض، وماء المرأة رقيق أصفر فأيهما علا كان الشبه له، ~~وما كان من عصب وعظم فمن نظفة الرجل، وما كان من دم ولحم وشعر فمن ماء ~~المرأة، وقال يمان: كل لونين اختلطا فهو أمشاج، وقال قتادة: هي أطوار ~~الخلق من النطفة وما بعدهما، وكما يشبه ما غلب عليه من باطن الأمشاج من ~~الطيب والخبث، وكيفية تمشيجه أن الماء إذا وصل إلى قرار الرحم اختلط بماء ~~المرأة ثم بدم الطمث وخثر حتى صار كالرائب ثم احمر وحينئذ يسمى علقة، ~~فاذا اشتد ذلك الامتزاج وقوي وتمتن حتى استعد لأن يقسم فيه الأعضاء سمي ~~مضغة، فإذا أفيضت عليه صورة الأعضاء وتقسم كساه حينئذ مفيضه عز وجل ~~لحما، فأفاض عليه القوة العاقلة، ويسمى حينئذ جنينا، وذلك بعد تقسم ~~أجزائه إلى عظام وعروق وأعصاب وأوتار ولحم، فدور الرأس وشق في جانبيه ~~السمع وفي مقدمه المبصر والأنف والفم، وشق في البدن سائر المنافذ ثم مد ~~اليدين والرجلين وقسم رؤوسها بالأصابع، وركب الأعضاء الباطنة من القلب ~~والمعدة والكبد - والطحال والرئة والمثانة، فسبحان من خلق تلك الأشياء من ~~نطفة سخيفة مهينة كون منها العظام مع قوتها وشدتها وجعلها عماد البدن ~~وقوامه وقدرها بمقادير وأشكال مختلفة، فمنها صغير وكبير، وطويل وقصير، ~~وعريض ومستدير، ومجوف ومصمت، ودقيق وثخين، ولم يجعلها عظما واحدا لأن ~~الإنسان محتاج إلى الحركة بجملة بدنه وببعض أعضائه ثم جعل بين تلك العظام ~~مفاصل ثم وصلها بأوتار أنبتها من أحد طرفي العظم وألصقها بالطرف الآخر ~~بالرباط له ثم خلق في أحد طرفي العظم زوائد خارجة، وفي الآخر حفرا ~~موافقة لشكل الزوائد لتدخل فيها، وخلق الرأس مع كريته من خمسة وخمسين ~~عظما مختلفة الأشكال وألف بعضها مع بعض، فجعل في القحف ستة وفي اللحى ~~الأعلى أربعة عشر، واثنان للأسفل، والباقي في الأسنان، وجعل الرقبة ~~مركبا للرأس وركبها من سبع خرزات فيها تجويفات وزيادات ونقصانات لينطبق ~~بعضها ms5406 على بعض، وركب الظهر من أربع وعشرين خرزة وعظم العجز من ثلاثة ~~أجزاء، وجعل من أسفله عظم العصعص أو اللفة من ثلاثة أجزاء مختلفة، ثم وصل ~~عظام الظهر بعظام الصدر وعظام الكتف وغيرها حتى بلغ مجموع عظام بدن ~~الإنسان مائتي عظم وثمانية وأربعين عظما سوى العظام التي حشا بها خلل ~~المفاصل، وخلق سبحانه آلات التحريك للعظام وهي العضلات وهي خمسمائة وسبع ~~وعشرون عضلة كل منها على قدر مخصوص ووضع مخصوص لو تغير عن ذلك أدنى تغير ~~لاختلت مصالح البدن، وكذا الأعصاب والأوردة والشرايين، ثم انظر كيف خلق ~~الظهر أساسا للبدن، والبطن حاويا لآلات الغذاء والرأس مجمعا للحواس، ~~ففتح العين ورتب طبقاتها وأحسن شكلها ولونها وأحكمها بحيث ينطبع في مقدار ~~عدسة منها صورة السماوات على عظمها، وحماها بالأجفان لتسترها وتحفظها، ثم ~~أودع الأذنين ماء مرا يدفع عنها الهوام وحاطهما بصدفين لجمع الصوت ورده ~~إلى الصماخ وليحس بدبيب الهوام وجعل فيها تعريجا لتطويل الطريق فلا تصل ~~الهوام إلى جرم الصماخ سريعا، ثم رفع الأنف في الوجه وأودع فيه حاسة ~~الشم للاستدلال بالروائح على الأطعمة والأغذية ولاستنشاق الروائح الطيبة ~~لتكون مروحة للقلب، وأودع الفم اللسان وجعله على كونه لحمة واحدة معربا ~~عما في النفس، وزين القم بالأنسان فحدد بعضها لتكون آلة للنقب وحدد بعضها ~~لتصلح للقطع، وجعل بعضها عريضا مفلطحا صالحا للطحن وبيض ألوانها ورتب ~~صفوفها وسوى رؤوسها ونسق ترتيبها حتى صارت كالدر المنظوم، ثم أطبق على ~~الفم الشفتين وحسن لونهما لتحفظا منفذه وهيأ الحنجرة لخروج الصوت، وخالف ~~أشكال الحناجر في الضيق والسعة والخشونة والملاسة والصلابة والرخاوة ~~والطول والقصر، فاختلفت الأصوات بسببها ليميز السامع المصوتين بسبب ~~تمييز أصواتهم فيعرفهم وإن لم يرهم، وسخر كل عضو من أعضاء الباطن لشيء ~~مخصوص، فالمعدة لإنضاج الغذاء، والكبد لإحالته إلى الدم، والطحال لجذب ~~السواد، والمرارة لجذب الصفراء، والكلية لجذب الفضلة المائية، والمثانة ~~لخدمة الكلية بقبول الماء عنها ثم إخراجه من طريقه، والعروق لخدمة الكبد ~~في إيصال الدم إلى سائر أطراف البدن، وكان مبدأ ذلك كله النطفة على ms5407 صغرها ~~في داخل الرحم في ظلمات ثلاثة ولو كشف الغطاء وامتد البصر إليه لرأى ~~التخطيط والتصوير يظهر عليه شيئا فشيئا ولا يرى المصور ولا الإله، ~~فسبحانه ما أعظم شأنه وأبهر برهانه، فيالله العجب ممن يرى نقشا حسنا ~~على جدار فيتعجب من حسنه وحذق صانعه ثم لا يزال يستعظمه ثم ينظر إلى هذه ~~العجائب في نفسه وفي غيره ثم يغفل عن صانعه ومصوره فلا تدهشه عظمته ~~ويحيره جلاله وحكمته. # ولما كان الإنسان مركبا من روح خفيف طاهر وبدن هو مركب الحظوظ والشهوات ~~واللوم والدنيات، فكان الروح بكماله والبدن بنقصانه يتعالجان، كل منهما ~~يريد أن يغلب صاحبه، قوى سبحانه الروح بالشرع الداعي إلى معالي الأخلاق، ~~الناهي عن مساويها، المبين لذلك غاية البيان على يد إنسان طبعه سبحانه ~~على الكمال ليقدر على التلقي من الملائكة، فيكمل أبناء نوعه، فدل على ذلك ~~بحال بناها من ضمير العظمة فقال مبينا للغاية: { نبتليه } أي نعامله بما ~~لنا من العظمة بالأمر والنهي والوعظ معاملة المختبر ونحن أعلم به منه، ~~ولكنا فعلنا ذلك لنقيم عليه الحجة على ما يتعارفه الناس، فإن العاصي لا ~~يعلم أنه أريد منه العصيان، وكذا الطائع، فصار التكليف بحسب وهمه لما خلق ~~الله له من القوة والقدرة الصالحة في الجملة. # ولما ذكر الغاية، أتبعها الإعدادات المصححة لها فقال: { فجعلناه } أي ~~بما لنا من العظمة بسبب ذلك { سميعا } أي بالغ السمع { بصيرا * } أي ~~عظيم البصر والبصيرة ليتمكن من مشاهدة الدلائل ببصره وسماع الآيات بسمعه، ~~ومعرفة الحجج ببصيرته، فيصح تكليفه وابتلاؤه، فقدم العلة الغائية لأنها ~~متقدمة في الاستحضار على التابع لها من المصحح لورودها، وقدم السمع لأنه ~~أنفع في المخاطبات، ولأن الآيات المسموعة أبين من الآيات المرئية، قال ~~الرازي في اللوامع وإلى هنا انتهى الخبر الفطري ثم يبتدىء منه الاختبار ~~الكسبي - انتهى. # وذلك بنفخ الروح وهي حادثة بعد حدوث البدن بإحداث القادر المختار لها ~~بعد تهيئة البدن لقبولها، ثم أفاض سبحانه على الجملة العقل، وجعل السمع ~~والبصر اللتين له، ولعله خصهما لأنهما أنفع الحواس، ولأن البصر ms5408 يفهم ~~البصيرة وهي تتضمن الجميع، وجعل سبحانه له ذلك لاستقراء صور المحسوسات ~~وانتزاع العلوم الكلية منها، وبذلك يكمل علمه الذي منه الدفع عن نفسه ~~التي جعلها الله تعالى محل التكليف ليكمل تكليفه، وذلك أنه سبحانه ركبه ~~من العناصر الأربعة، وجعل صلاحه بصلاحها، وفساده بفسادها لتعاليها، فاضطر ~~إلى قوى يدرك بها المنافي فيجتنبه والملائم فيطلبه، فرتب له سبحانه ~~الحواس الخمس الظاهرة، فجعل السمع في الأذن، والبصر في العين، والذوق في ~~اللسان، والشم في الأنف، وبث اللمس في سائر البدن، ليدفع به عن جميع ~~الأعضاء ما يؤذيها، وهذه الحواس الظاهرة تنبعث عن قوة باطنة تسمى الحس ~~المشترك بحمل ما أدركته فيرتسم هناك وهو في مقدم البطن الأول من الدماغ ~~وينتقل ما ارتسم هنا إلى خزانة الخيال وهي في مؤخر هذا البطن من الدماغ ~~فتحفظ فيها صورته وإن غابت عن الحواس، وثم قوة أخرى من شأنها إدراك ~~المعاني الجزئية المتعلقة بالمحسوسات الشخصية كعداوة زيد وصداقته تسمى ~~الوهم ومحلها الدماغ كله والأخص بها التجويف الأوسط وخصوصا مؤخره، وقوة ~~أخرى أيضا شأنها خزن ما أدركته القوة الوهمية من المعاني الجزئية تسمى ~~الحافظة باعتبار، والذاكرة باعتبار، ومحلها التجويف المؤخر في الدماغ، ~~وقوة أخرى من شأنها تفتيش تلك الخزائن وتركيب بعض مودعاتها مع بعض وتفصيل ~~بعضها مع بعض ومحلها وسلطانها في أول التجويف الأوسط، وتلك القوة تسمى ~~مخيلة باعتبار تصريف الوهم لها ومفكرة باعتبار استعمال النفس لها، وقد ~~اقتضت الحكمة الربانية تقديم ما يدرك الصور الجرمية وتأخير ما يدرك ~~المعاني الروحانية، وتوسيط المتصرف فيهما بالحكم والاسترجاع للأمثال ~~المنمحية من الجانبين، ثم لا تزال هذه القوى تخدم ما فوقها كما خدمتها ~~الحواس الخمس إلى أن تصير عقلا مستفادا، وهو قوة للنفس بها يكون لها ~~حضور المعقولات بالفعل، وهذا العقل هو غاية السلوك الطلبي للإنسان وهو ~~الرئيس المطلق المخدوم للعقل بالفعل، وهو القوة التي تكون للنفس بها ~~اقتدار على استحضار المعقولات - الثانية وهو المخدوم للعقل الهيولاني ~~المشبه بالهيولى الخالية في نفسها عن جميع الصور، وهو قوة من شأنها ~~الاستعداد ms5409 المحض لدرك المعقولات باستعمال الحواس في تصفح الجزئيات ~~واستقرائها المخدومات كلها للعقل العملي، وهو القوة النظرية المخدوم ~~للوهم المخدوم لما بعده من الحافظة وما قبله من المتخيلة المخدومتين ~~للخيال المخدوم للحس المشترك المخدوم للحواس الظاهرة. # ولما كان كأنه قيل: هبه خلق هكذا فكان ماذا؟ قال شفاء لعي هذا السؤال ~~وبيانا لنعمة الإمداد: { إنا } أي بما لنا من العظمة { هديناه } أي بينا ~~له لأجل الابتلاء { السبيل } أي الطريق الواضح الذي لا طريق في الحقيقة ~~غيره، وهو طريق الخير الذي من حاد عنه ضل، وذلك بما أنزل من الكتب ~~وأرسلنا من الرسل ونصبنا من الدلائل في الأنفس والآفاق، وجعلنا له من ~~البصيرة التي يميز بها بين الصادق والكاذب وكلام الخلق وكلام الخالق ~~والحق والباطل وما أشبهه. # ولما كان الإنسان عند البيان قد كان منه قسمان، وكان السياق لبيان ~~تعظيمه بأنه خلاصة الكون والمقصود من الخلق، قال بانيا حالا من ضميره ~~في " هديناه " مقسما له مقدما القسم الذي أتم عليه بالبيان نعمة ~~الهداية بخلق الإيمان، لأن ذلك أنسب بذكر تشريفه للإنسان، بجعله خلاصة ~~الوجود وبقوله: # " إن رحمتي سبقت غضبي " # في سياق ابتداء الخلق، معبرا باسم الفاعل الخالي من المبالغة، لأنه لا ~~يقدر أحد أن يشكر جميع النعم، فلا يسمى شكورا إلا بتفضل من ربه عليه: { ~~إما شاكرا } أي لإنعامه ربه عليه. # ولما كان الإنسان، لما له من النقصان، لا ينفك غالبا عن كفر ما، أتى ~~بصيغة المبالغة تنبيها له على ذلك معرفا له أنه لا يأخذه إلا بالتوغل ~~فيه ليعرف نعمة الحلم عنه فيحمله الخجل على الإقبال على من يرضى منه ~~بقليل الشكر، ويحتمل أن يفهم ذلك أن من كفر نعمة واحدة فقد كفر الجميع ~~فصار بليغ الكفر فقال: { وإما كفورا } أي بليغ الكفر بالإعراض والتكذيب ~~وعبادة الغير والمعاندة فإحسانه غير موف إساءته مفرطة، وبدأ بالشكر لأنه ~~الأصل، روى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو ms5410 يمجسانه " # الحديث، ورواه أحمد بن منيع عن ابن عباس رضي الله عنهما، ورواه الإمام ~~أحمد عن جابر رضي الله عنه ولفظه: # " كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه إما شاكرا وإما كفورا ~~" # رواه الإمام أحمد أيضا وأبو يعلى عن الأسود بن سريع رضي الله عنه. ### || [76.4-9] # ولما قسمهم إلى القسمين، ذكر جزاء كل قسم فقال مستأنفا جواب من يسأل عن ~~ذلك مبشرا للشاكر الذي استعد بعروجه في مراقي العبادات إلى ملكوت ~~العلويات لروح وريحان وجنة نعيم، ومنذرا للكافر الذي استعد بالهبوط في ~~دركات المخالفات إلى التقيد بالسفليات لنزل من حميم وتصلية جحيم، مقدما ~~للعاصي لأن طريق النشر المشوش أفصح، وليعادل البداءة بالشاكر في أصل ~~التقسيم ليتعادل الخوف والرجاء، وليكون الشاكر أولا وآخرا، ولأن ~~الانقياد بالوعيد أتم لأنه أدل على القدرة لا سيما في حق أهل الجاهلية ~~الذين بعدت عنهم معرفة التكاليف الشرعية، وأكثر في القرآن العظيم من ~~الدعاء بالترغيب والترهيب لأنه الذي يفهمه الجهال الذين هم أغلب الناس ~~دون الحجج والبراهين، فإنها لا يفهمها إلا الخواص، وأكد لأجل تكذيب ~~الكفار: { إنا } أي على ما لنا من العظمة { أعتدنا } أي هيأنا وأحضرنا ~~بشدة وغلظة { للكافرين } أي العريقين في الكفر خاصة، وقدم الأسهل في ~~العذاب فالأسهل ترقيا فقال: { سلاسلا } يقادون ويرتقون بها، وقراءة من ~~نون مشيرة إلى أنها عظيمة جدا، وكذا وقف أبي عمرو عليه بالألف مع المنع ~~من الصرف { وأغلالا } أي جوامع تجمع أيديهم إلى أعناقهم فيها فيهانون ~~بها { وسعيرا * } أي نارا حامية جدا شديدة الاتقاد. # ولما أوجز في جزاء الكافر، أتبعه جزاء الشاكر وأطنب فيه تأكيدا ~~للترغيب، فإن النفوس بعد كسر الوعيد لها تهتز لأدنى وعد وأقله فكيف بأتمه ~~وأجله، فقال مستأنفا مؤكدا لتكذيب الكافر مبينا بذكر الخمر على هذه ~~الصفة أنهم في أنهى ما يكون من رغد العيش لأنه يلزم من شربها جميع ~~مقدماتها ومتمماتها: { إن الأبرار } بخصوصهم من عموم الشاكرين جمع بر ~~كأرباب جمع رب، أو بار كأشهاد جمع شاهد، وهم الذين سمت هممهم عن ~~المستحقرات ms5411 فظهرت في قلوبهم ينابيع الحكمة فأنفقوا من مساكنة الدنيا { ~~يشربون } أي ما يريدون شربه { من كأس } أي خمر - قاله الحسن وهو اسم لقدح ~~تكون فيه { كان مزاجها } أي الذي تمزج به { كافورا * } أي لبرده وعذوبته ~~وطيب عرفه، وذكر فعل الكون يدل على أن له شأنا في المزج عظيما يكون فيه ~~كأنه من نفس الجبلة لا كما يعهد. # ولما كان الكافور أعلى ما نعهده جامدا، بين أنه هناك ليس كذلك، فقال ~~مبدلا من " كافور ": { عينا يشرب بها } أي بمزاجها كما تقول: شربت ~~الماء بالعسل { عباد الله } أي خواص الملك الأعظم وأولياؤه أي شراب ~~أرادوه. # ولما كان المزاج يتكلف لنقله قال: { يفجرونها تفجيرا * } أي حال كونهم ~~يشققونها ويجرونها بغاية الكثرة إجراء حيث أرادوا من مساكنهم وإن علت ~~وغيرها. # ولما ذكر جزاءهم على برهم المبين لشكرهم، أتبعه تفصيله فقال مستأنفا ~~بيانا لأن شكرهم بالتعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله وعمارة الظاهر ~~والباطن لأنهم جمعوا بين كرم الطبع ولطافة المزاج الحامل على تجويز ~~الممكن المقتضي للإيمان بالغيب: { يوفون } أي على سبيل الاستمرار { ~~بالنذر } وهذا كناية عن وفائهم بجميع أنحاء العبادة لأن من وفى بما أوجبه ~~على نفسه كان بما أوجبه الله من غير واسطة أوفى، ويجوز أن يكون النذر كل ~~ما تقدم إليهم فيه سبحانه. # ولما دل وفاؤهم على سلامة طباعهم، قال عاطفا دلالة على جمعهم للأمرين ~~المتعاطفين فهم يفعلون الوفاء لا لأجل الخوف بل لكرم الطبع: { ويخافون } ~~أي مع فعلهم للواجبات { يوما كان } أي كونا هو في جبلته { شره } أي ما ~~فيه من الشدائد { مستطيرا * } أي موجود الطيران وجودا كأنه بغاية ~~الرغبة فيه فهو في غاية الانتشار، والخوف أدل دليل على عمارة الباطن، ~~قالوا: وما فارق الخوف قلبا إلا خرب، من خاف أدلج، ومن أدلج المنزل، ~~فالخوف لاجتناب الشر والوفاء لاجتلاب الخير. # ولما كان من خاف شيئا سعى في الأمن منه بكل ما عساه ينفع فيه، وكان قد ~~ذكر تذرعهم بالواجب، أتبعه المندوب دلالة على أنهم لا ركون لهم إلى ~~الدنيا ولا ms5412 وثوق بها، فقد جمعوا إلى كرم الطبع بالوفاء ورقة القلب شرف ~~النفس بالانسلاخ من الفاني فقال: { ويطعمون الطعام } أي على حسب ما يتيسر ~~لهم من عال ودون على الدوام. ولما كان الإنسان قد يسمح بما لا يلذ له ~~قال: { على حبه } أي حبه إياه حبا هو في غاية المكنة منهم والاستعلاء ~~على قلوبهم لقلته وشهوتهم له وحاجتهم إليه كما قال تعالى: # لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون # [آل عمران: 92] ليفهم أنهم للفضل أشد بذلا، ولهذا قال صلى الله عليه ~~وسلم: # " لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم أي الصحابة رضي الله ~~عنهم - ولا نصيفه " # لقلة الموجود إذ ذاك وكثرته بعد { مسكينا } أي محتاجا احتياجا ~~يسيرا، فصاحب الاحتياج الكثير أولى { ويتيما } أي صغيرا لا أب له ~~ذكرا كان أو أنثى { وأسيرا * } أي في أيدي الكفار أي أعم من ذلك، فيدخل ~~فيه المملوك والمسجون والكافر الذي في أيدي المسلمين، وقد نقل في غزوة ~~بدر أن بعض الصحابة رضي الله عنهم كان يؤثر أسيره على نفسه بالخبز، وكان ~~الخبز إذ ذاك عزيزا حتى كان ذلك الأسير يعجب من مكارمهم حتى كان ذلك مما ~~دعاه إلى الإسلام، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما دفعهم إليهم ~~قال: # " استوصوا بهم خيرا " # ومن حكم الأسير الحقيقي كل مضرور يفعلون ذلك والحال أنهم يقولون بلسان ~~الحال أو القال إن احتيج إليه إزاحة لتوهم المن أو توقع المكافأة مؤكدين ~~إشارة إلى أن الإخلاص أمر عزيز لا يكاد أحد يصدق أنه يتأتى لأحد: { إنما ~~نطعمكم } أيها المحتاجون { لوجه الله } أي لذات الملك الذي استجمع الجلال ~~والإكرام لكونه أمرنا بذلك، وعبر به لأن الوجه يستحيى منه ويرجى ويخشى ~~عند رؤيته. # ولما أثبتوا بهذا الإخلاص، حققوه بنفي ما يغير فيه، وفسروه لما لا يكون ~~إلا به فقالوا: { لا نريد منكم } أي لأجل ذلك { جزاء } أي لنا من أعراض ~~الدنيا { ولا شكورا * } بشيء من قول ولا فعل، وكأنه اختير هذا المصدر ~~المزيد كالدخول والخروج والقعود إيماء إلى ms5413 أن المنفي ما يتكلف له، وأما ~~مثل المحبة والدعاء فلا، ولو أرادوا شيئا من ذلك لما كان لله، وروي في ~~سبب نزول هذه الآية: " أن عليا وابنيه وأمهما فاطمة رضي الله عنهم ~~أجمعين آثروا على أنفسهم ثلاثة أيام، وأصبحوا الرابع يرتعشون، فلما رآهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم ساءه ذلك، فأتاه جبريل عليه الصلاة والسلام ~~بهذه السورة مهنئا له بها " ولا يستبعد الصبر على الجوع هذه المدة لأنه ~~ربما كانت للنفس هيئة قوية من استغراق في محبة الله تعالى أو غير ذلك، ~~فهبطت إلى البدن فشغلت الطبيعة عن تحليل الأجزاء فلا يحصل الجوع كما أنا ~~نشاهد الإنسان يبقى في المرض الحاد مدة من غير تناول شيء من غذاء ولا ~~يتأثر بدنه لذلك، فلا بدع أن تقف الأفعال الطبيعية في حق بعض السالكين ~~وهو أحد القولين في قول النبي صلى الله عليه وسلم # " إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني ". ### || [76.10-17] # ولما كانت الأنفس مجبولة على حب الجزاء والثناء، فكان لا يكاد يصدق أحد ~~أن أحدا يفعل ما لا يقصد به شيئا من ذلك، وكان الله سبحانه وتعالى قد ~~من علينا بأن جعل العبادة لأجل خوفه ورجائه لا يقدح في الإخلاص، عللوا ~~قولهم هذا على وجه التأكيد بقولهم: { إنا نخاف } ولما كان الخوف من ~~المحسن بالنظر إلى إحسانه موجبا للخوف منه بالنظر إلى عزه وجبروته ~~وسلطانه من باب الأولى قالوا: { من ربنا } أي الخالق لنا المحسن إلينا { ~~يوما } أي أهوال يوم هو - في غاية العظمة، وبينوا عظمته بقولهم: { ~~عبوسا } أي ضيقا - قاله ابن عباس رضي الله عنهما، نسبوا العبوس إليه ~~لأنه في شدته كالأسد الغضوب، فهو موجب لعبوس الوجوه فيه أو هو لعبوس أهله ~~ك " ليله قائم ونهاره صائم وعيشة راضية " { قمطريرا * } أي طويلا - ~~قاله ابن عباس رضي الله عنهما، أو شديد العبوس مجتمع الشر كالذي يجمع ما ~~بين عينيه - مأخوذ من القطر لأن يومه يكون عابسا، وزيد فيه الميم وبولغ ~~فيه بالصيغة، وهو يوم القيامة، يقال: اقمطر اليوم فهو مقمطر - إذا ms5414 كان ~~صعبا شديدا. # ولما كان فعلهم هذا خالصا لله، سبب عنه جزاءهم فقال مخبرا أنه دفع ~~عنهم المضار وجلب لهم المسار: { فوقاهم الله } أي الملك الأعظم بسبب ~~خوفهم { شر ذلك اليوم } أي العظيم، وأشار إلى نعيم الظاهر بقوله: { ~~ولقاهم } أي تلقية عظيمة فيه وفي غيره { نضرة } أي حسنا ونعمة تظهر على ~~وجوههم وعيشا هنيئا، وإلى نعيم الباطن بقوله: { وسرورا * } أي دائما ~~في قلوبهم في مقابلة خوفهم في الدنيا وعبوس الكفار في الآخرة وخزيهم - ~~وهذا يدل على أن وصف اليوم بالعبوس للدلالة على المبالغة في عبوس أهله، ~~وأشار إلى المسكن بقوله: { وجزاهم بما صبروا } أي بسبب ما أوجدوه من ~~الصبر على العبادة من لزوم الطاعة واجتناب المعصية ومنع أنفسهم الطيبات ~~وبذل المحبوبات { جنة } أي بستانا جامعا يأكلون منه ما يشتهون جزاء على ~~ما كانوا يطعمون. ولما ذكر ما يكسو الباطن، ذكر ما يكسو الظاهر فقال: { ~~وحريرا * } أي هو في غاية العظمة. # ولما ذكر أنه كفاهم المخوف وحباهم الجنة، أتبعه حالهم فيها وحالها فقال ~~دالا على راحتهم الدائمة: { متكئين فيها } أي لأن كل ما أرادوه حضر ~~إليهم من غير حاجة إلى حركة أصلا، ودل على الملك بقوله { على الأرآئك } ~~أي الأسرة العالية التي في الحجال، لا تكون أريكة إلا مع وجود الحجلة، ~~وقال بعضهم: هي السرير المنجد في قبة عليه شواره ونجده أي متاعه، وهي ~~مشيرة إلى الزوجات لأن العادة جارية بأن الأرائك لا تخلو عنهن بل هي لهن ~~لاستمتاع الأزواج بهن فيها. # ولما كانت بيوت الدنيا وبساتينها تحتاج إلى الانتقال منها من موضع إلى ~~موضع لأجل الحر أو البرد، بين أن جميع أرض الجنة وغرفها سواء في لذة ~~العيش وسبوغ الظل واعتدال الأمر، فقال نافيا ضر الحر ثم البرد: { لا ~~يرون فيها } أي بأبصارهم ولا بصائرهم أصلا { شمسا } أي ولا قمرا { ولا ~~} أي ولا يرون فيها أيضا ببصائرهم أي لا يحسون بما يسمى { زمهريرا * } ~~أي بردا شديدا مزعجا ولا حرا، فالآية من الاحتباك: دل بنفي الشمس ~~أولا على نفي القمر، لأن ms5415 ظهوره بها لأن نوره اكتساب من نور الشمس، ودل ~~بنفي الزمهرير الذي هو سبب البرد ثانيا على نفي الحر الذي سببه الشمس، ~~فأفاد هذا أن الجنة غنية عن النيرين، لأنها نيرة بذاتها وأهلها غير ~~محتاجين إلى معرفة زمان لأنه لا تكليف فيها بوجه، وأنها ظليلة ومعتدلة ~~دائما لأن سبب الحر الآن قرب الشمس من مسامته الرؤوس، وسبب البرد بعدها ~~عن ذلك. # ولما كانت ترجمة هذا كما مضى: جنة ظليلة ومعتدلة، عطف عليه بالواو دلالة ~~على تمكن هذا الوصف وعلى اجتماعه مع ما قبله قوله: { ودانية } أي قريبة ~~من الارتفاع { عليهم ظلالها } من غير أن يحصل منها ما يزيل الاعتدال { ~~وذللت قطوفها } جمع قطف بالكسر وهو العنقود واسم للثمار المقطوفة أي ~~المجنية { تذليلا * } أي سهل تناولها تسيهلا عظيما لا يرد اليد عنها ~~بعد ولا شوك لكل من يريد أخذها على أي حالة كان من اتكاء وغيره، فإن ~~كانوا قعودا تدلت إليهم، وإن كانوا قياما وكانت على الأرض ارتقت إليهم، ~~وهذا جزاء لهم على ما كانوا يذللون أنفسهم لأمر الله. # ولما كان الدوران بالآنية متجددا، عبر فيه بالمضارع، وبناه للمفعول ~~أيضا لأنه المقصود مطلقا من غير تعيين طائف فقال: { ويطاف } أي من أي ~~طائف كان لكثرة الخدم { عليهم بآنية } جمع إناء جزاء على طوافهم على ~~المحتاجين بما يصلحهم. # ولما كان مقصود هذه السورة ترهيب الإنسان الموبخ في سورة القيامة من ~~الكفر، وكان الإنسان أدنى أسنان المخاطبين في مراتب الخطاب، اقتصر في ~~الترغيب في شرف الآنية على الفضة دون الذهب المذكور في فاطر والحج المعبر ~~فيهما بالناس، فلعل هذا لصنف وذاك لصنف - أعلى منه مع إمكان الجمع ~~والمعاقبة، وأما من هو أعلى من هذين الصنفين من الذين آمنوا ومن فوقهم ~~فلهم فوق هذين الجوهرين من الجواهر ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر ~~على قلب بشر فقال: { من فضة } أي اسمه ذلك، وأما الحقيقة فأين الثريا من ~~يد المتناول. # ولما جمع الآنية خص فقال: { وأكواب } جمع كوب وهو كوز لا عروة ms5416 له، فيسهل ~~الشهرب منه من كل موضع فلا يحتاج عند التناول إلى إدارة { كانت } أي تلك ~~الأكواب كونا هو من جبلتها { قواريرا * } أي كانت بصفة القوارير من ~~الصفاء والرقة والشفوف والإشراق والزهارة، جمع قارورة وهي ما قر فيه ~~الشراب ونحوه من كل إناء رقيق صاف، وقيل: هو خاص بالزجاج. # ولما كان هذا رأس آية، وكان التعبير بالقارورة ربما أفهم أو أوهم أنها ~~من الزجاج، وكان في الزجاج من النقص سرعة الانكسار لإفراط الصلابة، قال ~~معيدا للفظ أول الآية الثانية، تأكيدا للاتصاف بالصالح من أوصاف الزجاج ~~وبيانا لنوعها: { قواريرا من فضة } أي فجمعت صفتي الجوهرين المتباينين: ~~صفاء الزجاج وشفوفه وبريقه وبياض الفضة وشرفها ولينها، وقراءة من نون ~~الاثنين صارفا ما من حقه المنع مشيرة إلى عظمتها وامتداد كثرتها وعلوها ~~في الفضل والشرف، وقراءة ابن كثير في الاقتصار على تنوين الأول للتنبيه ~~على أنه رأس آية والثاني أول التي بعدها مع إفهام العظمة لأن الثاني ~~إعادة للأول لما تقدم من الإفادة، فكأنه منون، ووقف أبو عمرو على الأول ~~بالألف مع المنع من الصرف لأن ذلك كاف في الدلالة على أنه رأس آية. # ولما كان الإنسان لا يجب أن يكون الإناء ولا ما فيه من مأكول أو مشروب ~~زائدا عن حاجته ولا ناقصا عنها قال: { قدروها } أي في الذات والصفات { ~~تقديرا * } أي على مقادير الاحتياج من غير زيادة ولا نقص لأن ما أراد كل ~~منها كان، لا كلفة ولا كدر ولا نقص. # ولما ذكر الأكواب، أتبعها غايتها فقال تخصيصا بالعطف على ما تقديره: ~~يسقون فيها ما تشتهي أنفسهم وتلذ أعينهم: { ويسقون } ممن أرادوه من خدمهم ~~الذين لا يحصون كثرة { فيها } أي الجنة أو تلك الأكواب { كأسا } أي ~~خمرا في إناء { كان مزاجها } على غاية الإحكام { زنجبيلا * } هو في ~~غاية اللذة، وكانت العرب تستلذ الشراب الممزوج به لهضمه وتطييبه الطعم ~~والنكهة. ### || [76.18-22] # ولما كان الزنجبيل عندنا شجرا يحتاج في تناوله إلى علاج، أبان أنه هناك ~~عين لا يحتاج في صيرورته زنجبيلا إلى أن تحيله ms5417 الأرض بتخميره فيها حتى ~~يصير شجرا ليتحول عن طعم الماء إلى طعم الزنجبيل خرقا للعوائد فقال: { ~~عينا فيها } أي الجنة يمزج فيها شرابهم كما يمزج بالماء. # ولما كان الزنجبيل يلذع الحق فتصعب إساغته قال: { تسمى } أي لسهولة ~~إساغتها ولذة طعمها وسمو وصفها { سلسبيلا } والسلسبيل والسلسل والسلسال ~~ما كان من الشراب غاية في السلاسة، زيدت فيه الباء دلالة على المبالغة في ~~هذا المعنى، قالوا: وشراب الجنة في برد الكافور وطعم الزنجبيل وريح المسك ~~من غير لذع. # ولما ذكر المطوف به لأنه الغاية المقصودة، وصف الطائف لما في طوافه من ~~العظمة المشهودة تصويرا لما هم فيه من الملك بعد ما نجوا منه من الهلك: ~~{ ويطوف عليهم } أي بالشراب وغيره من الملاذ والمحاب { ولدان } أي غلمان ~~هم في سن من هو دون البلوغ " أقل أهل الجنة من يخدمه ألف غلام " { مخلدون ~~} أي قد حكم من لا يرد حكمه بأن يكونوا كذلك دائما من غير غلة ولا ~~ارتفاع عن ذلك الحد مع أنهم مزينون بالخلد وهو الحلق والأساور والقرطة ~~والملابس الحسنة { إذ رأيتهم } أي يا أعلى الخلق صلى الله عليه وسلم وأنت ~~أثبت الناس نظرا أو أيها الرائي من كان في أي حالة رأيتهم فيها { حسبتهم ~~} من بياضهم وصفاء ألوانهم ولمع أنوارهم وانعكاس شعاع بعضهم إلى بعض ~~وانبثاثهم في المجالس ذهابا وإيابا { لؤلؤا منثورا * } وذلك كناية عن ~~كثرتهم وانتشارهم في الخدمة وشرفهم وحسنهم؛ وعن بعضهم أن لؤلؤ الجنة في ~~غاية الكبر والعظمة واختلاف الأشكال، وكأنه عبر بالحسبان إشارة إلى أن ~~ذلك مطلق تجويز لا مع ترجيح، قال بعض المفسرين: هم غلمان ينشئهم الله ~~لخدمة المؤمنين. وقال بعضهم: هم أطفال المشركين لأنهم ماتوا على الفطرة، ~~وقال ابن برجان: وأرى والله أعلم أنهم من علم الله سبحانه وتعالى إيمانه ~~من أولاد الكفار يكونون خدما لأهل الجنة كما كانوا لهم في الدنيا سبيا ~~وخداما، وأما أولاد المؤمنين فيلحقون بآبائهم سنا وملكا سرورا لهم، ~~ويؤيد هذا قوله صلى الله عليه وسلم في ابنه إبراهيم عليه الصلاة والسلام # " إن ms5418 له لظئرا يتم رضاعه في الجنة " # فإنه يدل على استقبال شأنه فيما هنالك وتنقله في الأحوال كالدنيا، ولا ~~دليل على خصوصيته بذلك. # ولما ذكر المخدوم والخدم شرع في ذكر المكان فقال: { وإذا رأيت } أي أجلت ~~بصرك، وحذف مفعوله ليشيع ويعم { ثم } أي هناك في أي مكان كان وأي شيء كان ~~{ رأيت نعيما } أي ليس فيه كدر بوجه من الوجوه، ولما كان النعيم قد يكون ~~في حالة وسطى قال: { وملكا كبيرا * } أي لم يخطر على بال مما هو فيه من ~~السعة وكثرة الموجود والعظمة أدناهم وما فيهم دني الذي ينظر في ملكه ~~مسيرة ألف عام يرى أقصاه كما يرى أدناه ومهما أراده كان. # ولما ذكر الدار وساكنيها من مخدوم وخدم، ذكر لباسهم بانيا حالا من ~~الفاعل والمفعول: { عليهم } أي حال كون الخادم والمخدوم يعلو أجسامهم على ~~سبيل الدوام، وسكن نافع وحمزة الياء على أنه مبتدأ وخبر شارح للملك على ~~سبيل الاستئناف { ثياب سندس } وهو ما رق من الحرير { خضر } رفعه الجماعة ~~صفة لثياب، وجره ابن كثير وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم صفة لسندس ~~حملا على المعنى فإنه اسم جنس { وإستبرق } وهو ما غلظ من الديباج يعمل ~~بالذهب، أو هو ثياب حرير صفاق نحو الديباج - قاله في القاموس، رفعه ابن ~~كثير ونافع وعاصم نسقا على ثياب، وجره الباقون على سندس. # ولما كان المقصود لأرباب اللباس الفاخر الحلية، أخبر عن تحليتهم، وبني ~~الفعل للمفعول دلالة على تيسر ذلك لهم وسهولته عليهم فقال: { وحلوا } أي ~~وجدت تحلية المخدومين والخدم { أساور من فضة } وإن كانت تتفاوت بتفاوت ~~الرتب، وتقدم سر تخصيص هذه السورة بالفضة والأساورة بجمع ما فيها من لذة ~~الزينة لذة اتساع الملك فإنها كناية عنه فإنه - كما قال الملوي - كان في ~~الزمن القديم إذا ملك ملك أقاليم عظيمة كثيرة لبس سوارا وسمي الملك ~~المسور لاتساع مملكته وعظمتها وكثرة أقاليمها، وإن لم تجمع أقاليم لم ~~يسور فما ظنك بمن أعطى من ذلك جمع الكثرة، وهي بالغة من الأعضاء ما يبلغ ~~التحجيل في الوضوء ms5419 كما قال صلى الله عليه وسلم: # " تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء " # فلذا كان أبو هريرة رضي الله عنه يرفع الماء إلى المنكبين وإلى الساقين. # ولما كان ربما ظن بما تقدم من ذلك الممزوج شيء من نقص لأجله يمزج كما هو ~~في الدنيا، وكان قد قال أولا { يشربون } بالبناء للفاعل، وثانيا ~~(يسقون) بالبناء للمفعول، قال بانيا للفاعل بيانا لفضل ما يسقونه في ~~نفسه وفي كونه من عند الإله الأعظم المتصف بغاية الإحسان على صفة من ~~العظمة تليق بإحسانه سبحانه بما أفاده إسناد الفعل إليه: { وسقاهم } وعبر ~~بصفة الإحسان تأكيدا لذلك فقال: { ربهم } أي الموجد لهم المحسن إليهم ~~المدبر لمصالحهم { شرابا طهورا * } أي ليس هو كشراب الدنيا سواء كان من ~~الخمر أو من الماء أو من غيرهما، بل هو بالغ الطهارة والوصف بالشرابية من ~~العذوبة واللذة واللطافة، وهو مع ذلك آلة للتطهير البالغ للغير فلا يبقى ~~في بواطنهم غش ولا وسواس، ولا يريدون إلا ما يرضي مليكهم مما أسس على ~~غاية الحكمة وفاق كامل وسجايا مطهرة وأخلاق مصطفاة لا عوج فيها، ولا ~~يستحيل شيء من شرابهم إلى نجاسة من بول ولا غيره، بل يصير رشحا كرشح ~~المسك ويعطي الرجل شهوة مائة رجل في الأكل وغيره، فإذا أكل شرب فطهر ~~باطنه ورشح منه المسك فعادت الشهوة، بل الحديث يدل على أن شهوتهم لا ~~تنقضي أصلا فإنه قال: # " يجد لآخر لقمة من اللذة ما يجد لأولها " # يفعل بهم هذا سبحانه قائلا لهم مؤكدا تسكينا لقلوبهم لئلا يظنون أن ~~ما هم فيه على وجه الضيافة ونحوها فيظنوا انقطاعه { إن هذا } أي الذي ~~تقدم من الثواب كله { كان } أي كونا ثابتا { لكم } بتكويني إياه من قبل ~~موتكم { جزاء } أي على أعمالكم التي كنتم تجاهدون فيها أنفسكم عن هواها ~~إلى ما يرضي ربكم فكنتم كلما عملتم عملا كونت من هذا ما هو جزاء له { ~~وكان } أي على وجه الثبات { سعيكم } ولما كان المقصود القبول لأن القابل ~~الشاكر هو المعمول له، بني للمفعول قوله: { مشكورا * } أي ms5420 لا يضيع شيئا ~~منه ويجازى بأكثر منه أضعافا مضاعفة. ### || [76.23-27] # ولما ذكر أنه بين للناس السبيل فانقسموا إلى مبصر شاكر وأعمى كافر، ~~وأتبعه جزاء الكافرين والشاكرين، وختمه بالشراب الطهور الذي من شأنه أن ~~يحيي ميت الأراضي كما أن العلم الذي منبعه القرآن يحيي ميت القلوب، وسكن ~~القلوب بتأييد الجزاء، وختم الكلام بالشكر كما بدأه به، وكان نصب ما يهدي ~~جميع الناس أمرا لا يكاد يصدق قال ذاكرا لما شرف به النبي صلى الله ~~عليه وسلم في الدنيا قبل الآخرة، وجعل الشراب الطهور جزاء له لما بينهما ~~من المناسبة على سبيل التأكيد، وأكده ثانيا بما أفاد التخصيص لما لهم من ~~الإنكار ولتطمئن أنفس أتباعه بما حث عليه من الصبر إلى وقت الإذن في ~~القتال: { إنا نحن } أي على ما لنا من العظمة التي لا نهاية لها، لا ~~غيرها { نزلنا عليك } وأنت أعظم الخلق إنزالا استعلى حتى صار المنزل ~~خلقا لك { القرآن } أي الجامع لكل هدى، الحافظ من الزيغ، كما يحفظ الطب ~~للصحيح صحة المزاج، الشافي لما عساه يحصل من الأدواء بما يهدي إليه من ~~العلم والعمل، وزاد في التأكيد لعظيم إنكارهم فقال: { تنزيلا * } أي على ~~التدريج بالحكمة جوابا للسائل ورفقا بالعباد فدرجهم في وظائف الدين ~~تدريجا موافقا للحكمة، ولم يدع لهم شبهة إلا أجاب عنها، وعلمهم جميع ~~الأحكام التي فيها رضانا، وأتاهم من المواعظ والآداب والمعارف بما ملأ ~~الخافقين وخصصناك به شكرا على سيرتك الحسنى التي كانت قبل النبوة، ~~وتجنبك كل ما يدنس، فلما كان بتنزيلنا كان جامعا للهدى لما لنا من إحاطة ~~العلم والقدرة، فلا عجب في كونه جامعا لهدى الخلق كلهم، لم يدع لهم في ~~شيء من الأشياء لبسا، وهي ناظرة إلى قوله في القيامة # لا تحرك به لسانك # [القيامة: 16] الملتفتة إلى ما في المدثر من أن هذه تذكرة، الناظرة إلى ~~{ أنا سنلقي عليك قولا ثقيلا } المشيرة إلى ما في سورة الجن من أمر ~~القرآن، فالحاصل أن أكثر القرآن في تقرير عظمة القرآن، فإنه المقصود ~~بالذات من أمر الآية ms5421 الكبرى التي إذا ثبتت تبعها جميع المراد من الشريعة ~~وتفريق تقرير شأنه أتقن ما يكون في إحكام أمره، وذلك أن الحكيم إذا اهتم ~~بشيء افتتح الكلام به، فإذا رأى من ينكره انتقل إلى غيره على قانون ~~الحكمة، ثم يصير يرمي به في خلال ذلك، رميا كأنه غير قاصد له، ولا يزال ~~يفعل ذلك حتى يتقرر أمره غاية التقرير ويثبت في النفس من حيث لا يشعر. # ولما تقرر أن من الناس من ترك الهدى الذي هو البيان، فعمي عنه لإعراضه ~~عنه، سبب عن هذا الإنزال وذاك الضلال قوله منبها على أمراض القلوب، ~~ومرشدا إلى دوائها: { فاصبر لحكم ربك } أي المحسن إليك بتخصيصه لك بهذه ~~النعمة على ضلال من حكم بضلاله، وعلى كل ما ينوبك وأطعه في التعبد له ~~بجميع ما أمرك به من الرفق إلى أن يأمرك بالسيف، واستعن على مر الصبر ~~باستحضار أن المربي الشفيق يربي بما يشاء من المر والحلو على حسب علمه ~~وحكمته، والصبر: حبس النفس وضبطها على مقاومة الهوى لئلا تنقاد إلى شيء ~~من قبائح اللذات. # ولما أمره سبحانه بالصبر، وكان الأمر به مفهما وجوده للمخالف، وكان ~~المخالفون له صلى الله عليه وسلم هم القسم المضاد للشاكر وهم الكفرة، ~~وكان ما يدعونه إليه تارة مطلق إثم، وأخرى كفرا وتارة غير ذلك، ذكر ~~النتيجة ناهيا عن القسمين الأولين ليعلم أن المسكوت عنه لا نهي فيه ~~فقال: { ولا تطع منهم } أي الكفرة الذين هم ضد الشاكرين { آثما } أي ~~داعيا إلى إثم سواء كان مجردا عن مطلق الكفر أو مصاحبا له { أو كفورا ~~* } أي مبالغا في الكفر وداعيا إليه وإن كان كبيرا وعظيما في الدنيا ~~فإن الحق أكبر من كل كبير، وذلك أنهم كانوا مع شدة الأذى له صلى الله ~~عليه وسلم يبذلون له الرغائب من الأموال، والتمليك والتزويج لأعظم نسائهم ~~على أن يتبعهم على دينهم ويكف عما هو عليه والنهي عن الأحد المبهم نهي عن ~~كل منهما، فإن كلا منهما في أنه يجب اجتنابه في رتبة واحدة # وذروا ظاهر ms5422 الإثم وباطنه # [الأنعام: 120] وكذا الانتهاء عنه لا يتحقق إلا بالانتهاء عن كل منهما، ~~ولو عطف بالواو لم يفد ذلك لأن نفي الاثنين لا يستلزم نفي كل منهما، ~~وأفهم ترتيب النهي على الوصفين أنه إذا دعاه الكفار إلى ما لا يتعلق به ~~إثم ولا كفر جاز له قبوله. # ولما نهى عن طاعتهما القاطعة عن الله، أمر بملازمة الموصل إلى الله وهو ~~الذكر من غير عائق الذي هو دواء لما عساه يلحق من الأدواء لمجرد رؤية ~~الآثم أو الكفور لأرباب القلوب الصافية، والذكر مقدم على كل عبادة وإن ~~وضع العباد لما كان طلبا للتوصل إلى نيل معرفة الله سبحانه، وكان التصور ~~بحسب الاسم أول مراتب التصور طبعا بدأ به وضعا، وذلك لأن النفس تحب ~~السفول لما لها من النقائص، فاحتاجت إلى سبب مشوق لها إلى الأعلى فوضعت ~~لها العبادات، وأجلها العبادة المشفوعة بالفكر، لأنه السبب الموصل إلى ~~المقصود ولا تفيد العبادة بدونه فقال: { واذكر } أي بلسانك { اسم ربك } ~~أي المحسن إليك بكل جميل { بكرة } عند قيامك من منامك الذي هو الموتة ~~الصغرى وتذكرك أنه يحيي الموتى ويحشرهم جيمعا { وأصيلا * } عند انقراض ~~نهارك وتذكرك انقراض دنياك وطي هذا العالم لأجل إيجاد يوم الفصل، وفي ذكر ~~الوقتين أيضا إشارة إلى دوام الذكر، وذكر اسمه لازم لذكره، ويجوز أن ~~يكون أمرا بالصلاة لأنها أفضل الأعمال البدنية لأنها أعظم الذكر لأنها ~~ذكر اللسان والجنان والأركان فوظفت فيها أذكار لسانية وحركات وسكنات على ~~هيئة مخصوصة من عادتها ألا تفعل إلا بين أيدي الملوك، فكان تنبيهها على ~~وجود الصانع والاعتراف بإلهيته وتفرده أكثر فكانت أفضل، فيكون هذا على ~~هذا أمرا بصلاتي الصبح والعصر، فإنه لم يكن أمر في أول الإسلام بغيرهما ~~وبهما أمر من كان قبلنا، وهما أفضل الصلوات وكانتا ركعتين ركعتين، ويجوز ~~أن يكون أمرا بصلاتي الصبح والظهر والعصر فإن الأصيل يتناول وقتيهما ~~لأنه مطلق العشي، وأما المغرب والعشاء ونافلة الليل فدخلت في قوله: { ومن ~~اليل } أي بعضه والباقي للراحة بالنوم { فاسجد له } أي فصل له صلاتي ms5423 ~~المغرب والعشاء، وذكرهما بالسجود تنبيها على أنه أفضل الصلاة، فهو إشارة ~~إلى أن الليل موضع الخضوع، وتقديم الظرف لما في صلاة الليل من مزيد ~~الكلفة والخلوص ومزيد الفضيلة لأن الالتفات فيه إلى جانب الحق أتم لزوال ~~الشاغل للحواس من حركات الناس وأصواتهم وسائر الأحوال الدنيوية، فكان ~~أبعد عن الرياء فكان الخشوع فيه واللذة التامة بحلاوة العبادة أوفى { ~~وسبحه } أي بالتهجد { ليلا طويلا * } نصفه أو أكثر منه أو أقل، ولعله ~~سماه تسبيحا لأن مكابدة القيام فيه وغلبة النوم تذكر بما لله من العظمة ~~بالتنزه عن كل نقيصة، ولأنه لا يترك محبوبه من الراحة بالنوم إلا من كان ~~الله عنده في غاية النزاهة، وكان له في غاية المحبة. # ولما أنهى أمره بلازم النهي، علل النهي بقوله محقرا بإشارة القريب ~~مؤكدا لما لهم من التعنت بالطعن في كل ما يذكره صلى الله عليه وسلم: { ~~إن هؤلاء } أي الذين يغفلون عن الله من الكفرة وغيرهم فاستحقوا المقت من ~~الله { يحبون } أي محبة تتجدد عندهم زيادتهم في كل وقت { العاجلة } أي ~~ويأخذون منها ويستخفون لما حفت به من الشهوات زمنا قليلا لقصور نظرهم ~~وجمودهم على المحسوسات التي الإقبال عليها منشأ البلادة والقصور، ومعدن ~~الأمراض للقلوب التي في الصدور، ومن تعاطى أسباب المرض مرض وسمي كفورا، ~~ومن تعاطى ضد ذلك شفي وسمي شاكرا، ويكرهون الآخرة الآجلة { ويذرون } أي ~~يتركون منها على حالة هي من أقبح ما يسوءهم إذا رأوه { وراءهم } أي ~~أمامهم أي قدامهم على وجه الإحاطة بهم وهم عنه معرضون كما يعرض الإنسان ~~عما وراءه، أو خلفهم لأنه يكون بعدهم لا بد أن يدركهم { يوما } أي منها. ~~ولما كان ما أعيا الإنسان وشق عليه ثقيلا قال: { ثقيلا * } أي شديدا ~~جدا لا يطيقون حمل ما فيه من المصائب بسبب أنهم لا يعدون له عدته، ~~فالآية من الاحتباك: ذكر الحب والعاجلة أولا دلالة على ضدهما ثانيا، ~~والترك والثقل ثانيا دلالة على ضدهما أولا، وسر ذلك أن ما ذكره أدل على ~~سخافة العقل بعدم التأمل للعواقب. ### || [76.28-31] # ولما ms5424 كان تركهم لليوم الثقيل على وجه التكذيب الذي هو أقبح الترك، وكان ~~تكذيبهم لاعتقادهم عدم القدرة عليه قال دالا على الإعادة بالابتداء من ~~باب الأولى: { نحن خلقناهم } ، بما لنا من العظمة لا غيرنا { وشددنا ~~أسرهم } أي قوينا وأتقنا ربط مفاصلهم الظاهرة والباطنة بالأعصاب على وجه ~~الإحكام بعد كونهم نطفة أمشاجا في غاية الضعف، وأصل الأسر، القد يشد به ~~الأقتاب أو الربط والتوثيق، ولا شك أن من قدر على إنشاء شخص من نطفة قادر ~~على أن يعيده كما كان لأن جسده الذي أنشأه إن كان محفوظا فالأمر فيه ~~واضح، وإن كان قد صار ترابا فإبداعه منه مثل إبداعه من النطفة، وأكثر ما ~~فيه أن يكون كأبيه آدم عليه السلام بل هو أولى فإنه ترابه له أصل في ~~الحياة بما كان حيا، وتراب آدم عليه السلام لم يكن له أصل قط في الحياة ~~والإعادة أهون في مجاري عادات الخلق من الابتداء، ولذلك قال معبرا بأداة ~~التحقق: { وإذا شئنا } أي بما لنا من العظمة أن نبدل ما نشاء من صفاتهم ~~أو ذواتهم { بدلنا أمثالهم } أي بعد الموت في الخلقة وشدة الأسر { ~~تبديلا * } أو المعنى: جئنا بأمثالهم بدلا منهم وخلائف لهم، أو يكون ~~المراد - وهو أقعد - بالمثل الشخص أي بدلنا أشخاصهم لتصير بعد القوة إلى ~~ضعف وبعد الطول إلى قصر وبعد البياض إلى سواد وغير ذلك من الصفات كما ~~شوهد في بعض الأوقات في المسخ وغيره، وكل ذلك دال على تمام قدرتنا وشمول ~~علمنا. # ولما كان هذا دليلا عظيما على القدرة على البعث مخزيا لهم، قال ~~مؤكدا لإنكارهم عنادا: { إن هذه } أي الفعلة البدائية، أو المواعظ التي ~~ذكرناها في هذه السورة وفي جميع القرآن { تذكرة } أي موضع ذكر عظيم ~~للقدرة على البعث وتذكر عظيم لما فعلت في الإنشاء أولا، وموعظة عظيمة ~~فإن في تصفحها تنبيهات عظيمة للغافلين، وفي تدبرها وتذكرها فوائد جمة ~~للطالبين السالكين ممن ألقى سمعه وأحضر نفسه، وكانت نفسه مقبلة على ما ~~ألقى إليه سمعه، فمن أقبل هذا الإقبال علم أنا آتيناه ms5425 من الآلات والدلائل ~~ما إن سلك معه مجتهدا وصل دون ضلال ولذلك سبب عن كونها تذكرة قوله من ~~خطاب البسط: { فمن شاء } أي أن يجتهد في وصوله إلى الله سبحانه وتعالى { ~~اتخذ } أي أخذ بجهده من مجاهدة نفسه ومغالبة هواه { إلى ربه } أي المحسن ~~إليه الذي ينبغي له أن يحبه بجميع قلبه ويجتهد في القرب منه { سبيلا * } ~~أي طريقا واسعا واضحا سهلا بأفعال الطاعة التي أمر بها لأنا بينا ~~الأمور غاية البيان وكشفنا اللبس وأزلنا جميع موانع أنفسهم عمن شئنا ~~وركزنا ذلك في الطباع، ولم يبق مانع من استطراق أصلا غير مشيئتنا، ~~والفطرة الأولى أعدل شاهد بهذا. # ولما أثبت لهم المشيئة التي هي مناط التكليف، وهي الكسب، وكان ربما ظن ~~ظان أو ادعى مدع في خلق الأفعال كما قال أهل الاعتزال، قال نافيا عنهم ~~الاستقلال، لافتا القول إلى خطابهم، وهو مع كونه خطاب قبض استعطافا بهم ~~إلى التذكر في قراءة الجماعة وبالغيب على الأسلوب الماضي في قراءة ابن ~~كثير وابن عامر: { وما تشاءون } أي في وقت من الأوقات مشيئة من المشيئات ~~لهذا وغيره على سبيل الاختراع والاستقلال { إلا } وقت { أن يشاء الله } ~~أي الملك الأعلى الذي له الأمر كله، ولا أمر لأحد معه، فيوجد المعاني في ~~أنفسكم على حسب ما يريد ويقدر على ما يشاء من آثارها، وقد صح بهذا ما قال ~~الأشعرية وسائر أهل السنة من أن للعبد مشيئة تسمى كسبا لا تؤثر إلا ~~بمشيئة الله تعالى وتحريكها لقدرة العبد، وانتفى مذهب القدرية الذين ~~يقولون: إنا نحن نخلق أفعالنا، ومذهب الجبرية القائلين: لا فعل لنا أصلا، ~~ومثل الملوي ذلك بمن يريد قطع بطيخة فحدد سكينا وهيأها وأوجد فيها ~~أسباب القطع وأزال عنها موانعه ثم وضعها على البطيخة فهي لا تقطع دون أن ~~يتحامل عليها التحامل المعروف لذلك، ولو وضع عليها ما لم يصلح للقطع ~~كحطبة مثلا لم تقطع ولو تحامل، فالعبد كالسكين خلقه الله وهيأه بما ~~أعطاه من القدرة للفعل، فمن قال: أنا أخلق فعلي مستقلا به، فهو كمن ms5426 قال: ~~السكين تقطع بمجرد وضعها من غير تحامل، ومن قال: الفاعل هو الله، من غير ~~نظر إلى العبد أصلا كان كمن قال: هو يقطع البطيخة بتحامل يده أو قصبة ~~ملساء من غير سكين، والذي يقول: إنه باشر بقدرته المهيأة للفعل بخلق الله ~~لها وتحريكها في ذلك الفعل كان كمن قال: إن السكين قطعت بالتحامل عليها، ~~بهذا أجرى سبحانه عادته في الناس، ولو شاء غير ذلك فعل، ولا يخفى أن هذا ~~هو الحق الذي لا مرية فيه، ثم علل ذلك بإحاطته بمشيئتهم قائلا: { إن ~~الله } أي المحيط علما وقدرة { كان } أي أزلا وأبدا { عليما حكيما * ~~} أي بالغ العلم والحكمة، فهو يمنع منعا محكما من أن يشاء غيره ما لم ~~يأذن فيه، فمن علم في جبلته خيرا أعانه عليه، ومن علم منه الشر ساقه ~~إليه وحمله عليه، وهو معنى { يدخل من يشاء } أي من علمه أهلا للسعادة، ~~ليس بظالم { في رحمته } بحكمته فييسر له اتخاذ السبيل الموصل إليه بأن ~~يوفقه للعدل، ويعد له ثوابا جسيما. # ولما بشر أهل العدل بالفعل المضارع المؤذن بالاستمرار، ولم يجعله ماضيا ~~لئلا يتعنت متعنت ممن هو متلبس بالضلال فيقول: أنا لا أصلح لأنه ما ~~أدخلني، عطف عليه ما لأضدادهم في جملة فعلية بناها على الماضي إعلاما ~~بأن عذابهم موجود قد فرغ منه فقال: { والظالمين } أي وأهان العريقين في ~~وصف المشي على غير سنن مرضى كالماشي في الظلام فهو يدخلهم في نقمته وقد { ~~أعد لهم } أي إعدادا أمضاه بعظمته، فلا يزاد فيه ولا ينقص أبدا { ~~عذابا أليما * } فالآية من الاحتباك: ذكر الإدخال والرحمة أولا دلالة ~~على الضد ثانيا، والعذاب ثانيا دلالة على الثواب أولا، وسر ذلك أن ما ~~ذكره أولى بترغيب أهل العدل فيه وإن ساءت حالهم في الدنيا، وبترهيب أهل ~~الظلم منه وإن حسنت حالهم في الدنيا، فقد رجع هذا الآخر المفصل إلى ~~السعادة والشقاوة على أولها المؤذن بأن الإنسان معتنى به غاية الاعتناء، ~~وأنه ما خلق إلا للابتلاء، فهو إما كافر مغضوب عليه، وإما شاكر منظور ms5427 ~~بعين الرضى إليه - فسبحان من خلقنا ويميتنا ويحيينا بقدرته والله الهادي. ### | [77 - سورة المرسلات] ### || [77.1-7] # لما ختمت سورة الإنسان بالوعد لأوليائه والوعيد لأعدائه، وكان الكفار ~~يكذبون بذلك، افتتح هذه بالإقسام على أن ذلك كائن فقال: { والمرسلات } أي ~~من الرياح والملائكة { عرفا * } أي لأجل إلقاء المعروف من القرآن والسنة ~~وغير ذلك من الإحسان، ومن إلقاء الروح والبركة وتيسير الأمور في الأقوات ~~وغيرها، أو حال كونها متتابعة متكاثرة بعضها في أثر بعض، من قول العرب: ~~الناس إلى فلان عرف واحد - إذا توجهوا إليه فأكثروا، ويقال: جاؤوا عرفا ~~واحدا، وهم عليه كعرف الضبع - إذا تألبوا عليه. # ولما كان العصوف للعواصف يتعقب الهبوب، عطف بالفاء تعقيبا وتسبيبا ~~فقال: { فالعاصفات } أي الشديدات من الرياح عقب هبوبها ومن الملائكة عقب ~~شقها للهواء بما لها من كبر الأجسام والقوة على الإسراع التام { عصفا * ~~} أي عظيما بما لها من النتائج الصالحة. # ولما كان نشر الرياح للسحاب متراخيا عن هبوبها ومتباطئا في الثوران ~~وكذا نشر الملائكة لأجنحتها كما يفعل الطائر القوي في طيرانه، عطف بالواو ~~الصالحة للمعية والتعقب بمهلة وغيرها قوله: { والناشرات } أي للسحاب ~~والأجنحة على وجه اللين في الجو وللشرائع التي تنشر العدل بين الناس { ~~نشرا * } وإذا راجعت أول الذاريات ازددت في هذا بصيرة. # ولما كان السحاب يجتمع بعد الثوران من مجال البخارات ويتكاثف ثم يحمل ~~الماء، وكان ذلك - مع كونه معروفا - قد تقدم في الذاريات والروم وغيرهما ~~ثم بعد الحمل تضغط السحاب حتى يتحامل بعضه على بعض فتنفرق هناك فرج ~~يخرج منها، طوى ذلك وذكر هذا فقال بالفاء الفصيحة: { فالفارقات فرقا * } ~~أي للسحاب حتى يخرج الودق من خلاله وللأجنحة وبين الحق والباطل والحب ~~والنوى - وغير ذلك من الأشياء. # ولما كانت السحاب عقب الفرق ينزل منها ما في ذلك السحاب من ماء أو ثلج ~~أو برد أو صواعق أو غير ذلك مما يريده الله مما يبعث على ذكر الله ولا بد ~~والملائكة تلقي ما معها من الروح المحيي للقلوب، قال معبرا بفاء التعقيب ~~والتسبيب: { فالملقيات ذكرا * } أطلق عليه ms5428 الذكر لأنه سببه إن كان محمول ~~السحاب أو محمول الملائكة، وقد يكون محمول الملائكة ذكر الله حقيقة، ولا ~~يخفى أنهما سبب لإصلاح الدين والدنيا. # ولما ذكر هذه الأقسام عللها بقوله: { عذرا أو نذرا * } وهما منصوبان ~~على الحال جمعان لعذر بمعنى المعذرة أو العاذر، والنذير بمعنى الإنذار أو ~~المنذر، أي كانت هذه منقسمة إلى عذر إن كانت ألقت مطرا نافعا مريئا ~~مريعا غير ضار كان بعد قحط فإنه يكون كأنه اعتذار عن تلك الشدة، وإن ~~كانت الملائكة ألقت بشائر فهي واضحة في العذر لا سيما إن كانت بعد إنذار، ~~وإلى نذر إن كانت ألقت صواعق أو ما هو في معناها من البرد الكبار ونحوها، ~~وكذا الملائكة، والكل سبب لذكر الله هو سبب لاعتذار ناس بالتوبة، وسبب ~~لعذاب الذين يغفلون عن الشكر، ويستقبلون ذلك بالمعاصي أو ينسبون ذلك إلى ~~الأنواء. # ولما تمت هذه الأقسام مشتملة على أمور عظام منبهة على أن أسبابها من ~~الرياح والمياه كانت مع الناس وهم لا يشعرون بها كما أنه يجوز أن تكون ~~القيامة كذلك سواء بسواء، قال ذاكرا للمقسم عليه مؤكدا لأجل إنكارهم: { ~~إنما } أي الذي { توعدون } أي من العذاب في الدنيا والآخرة، ومن قيام ~~الساعة ومن البشائر لأهل الطاعة، وبناه للمفعول لأنه المرهوب لا كونه من ~~معين مع أنه معروف أنه مما توعد به الله على لسان محمد صلى الله عليه ~~وسلم { لواقع * } أي كائن لا بد من وقوعه وأسبابه عتيدة عندكم وإن كنتم ~~لا ترونها كما في هذه الأشياء التي أقسم بها وما تأثر عنها. ### || [77.8-19] # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: أقسم تعالى بالملائكة المتتابعين في ~~الإرسال، والرياح المسخرة، وولايته بالمطر والملائكة الفارقة بمائة بين ~~الحق والباطل، والملقيات الذكر بالوحي إلى الأنبياء إعذارا من الله ~~وإنذارا، أقسم تعالى بما ذكر من مخلوقاته على صدق الموعود به في قوله: # إنا أعتدنا للكافرين سلاسل وأغلالا وسعيرا # [الإنسان: 4] الآيات وقوله: # إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا # [الإنسان: 10] وقوله: # وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا # [الإنسان: 12] الآيات إلى ms5429 # وكان سعيكم مشكورا # [الإنسان: 22] وقوله: # ويذرون وراءهم يوما ثقيلا # [الإنسان: 27] وقوله: # يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعد لهم عذابا أليما # [الإنسان: 31] ولو لم يتقدم إلا هذا الوعد والوعيد المختتم به السورة ~~لطابقه افتتاح الأخرى قسما عليه أشد المطابقة، فكيف وسورة # هل أتى على الإنسان # [الإنسان: 1] مواعد أخراوية وإخبارات جزائية، فأقسم سبحانه وتعالى على ~~صحة الوقوع، وهو المتعالي الحق وكلامه الصدق - انتهى. # ولما كان من المعلوم أنهم يقولون استهزاء: متى هو؟ وكان وقته مما استأثر ~~الله بعلمه لأن إخفاءه عن كل أحد أوقع في النفوس وأهيب عند القعول، سبب ~~عن ذلك قوله ذاكرا ما لا تحتمله العقول لتزداد الهيبة ويتعاظم الخوف ~~معبرا بأدة التحقق: { فإذا النجوم } أي على كثرتها { طمست * } أي أذهب ~~ضوءها بأيسر أمر فاستوت مع بقية السماء، فدل طمسها على أن لفاعله غاية ~~القدرة، وأعاد الظرف تأكيدا للمعنى زيادة في التخويف فقال: { وإذا ~~السماء } أي على عظمتها { فرجت * } أي انشقت فخربت السقوف وما بها من ~~القناديل بأسهل أمر { وإذا الجبال } أي على صلابتها { نسفت * } أي ذهب ~~بها كلها بسرعة ففرقتها الرياح، فكانت هباء منبثا فلم يبق لها أثر، وذلك ~~كما ينسف الحب، فزال ثبات الأرض بالأسباب التي هي الرواسي، لأن تلك الدار ~~ليست بدار أسباب. # ولما ذكر تغيير السماء والأرض، ذكر ما فعل ذلك لأجله فقال: { وإذا الرسل ~~} أي الذي أنذروا الناس ذلك اليوم فكذبوهم { أقتت * } أي بلغها الذي لا ~~قدير سواه بأيسر أمر ميقاتها الذي كانت تنتظره، وهو وقت قطع الأسباب ~~وإيقاع الرحمة والثواب للأحباب والنقمة والعقاب للأعداء بشهادتهم بعد ~~جمعهم على الأمم بما كان منهم من الجواب، وحذف العامل في " إذا " تهويلا ~~له لتذهب النفس فيه كل مذهب، فيمكن أن يكون تقديره: وقع ما توعدون فرأيتم ~~من هذا الوعيد ما لا يحتمل ولا يثبت لوصفه العقول، وعلى ذلك دل قوله ~~ملقنا لما ينبغي أن يقال: وهو { لأي يوم } أي عظيم { أجلت * } أي وقع ~~تأجيلها به، بناه للمفعول لأن المقصود تحقيق الأجل لا كونه من معين، ~~وتنبيها ms5430 على أن المعين له معلوم أنه الله الذي لا يقدر عليه سواه، ثم ~~أجاب عن هذا السؤال بقوله مبدلا من " لأي يوم ": { ليوم الفصل * } أي ~~الذي إذا أطلق ذلك لم ينصرف إلا إليه لأنه لا يترك فيه شيئا إلا وقع ~~الفصل فيه بين جميع الخلق من كل جليل وحقير، ثم هوله وعظمه بقوله: { وما ~~أدراك } أي وأي شيء أعلمك وإن اجتهدت في التعرف، ثم زاده تهويلا بقوله: ~~{ ما يوم الفصل * } أي إنه أمر يستحق أن يسأل عنه ويعظم، وكل ما عظم بشيء ~~فهو أعظم منه، ولا يقدر أحد من الخلق على الوصول إلى علمه لأنه لا مثل له ~~يقال عليه. # ولما هول أمره ذكر ما يقع فيه من الشدة على وجه الإجمال فقال: { ويل } ~~أي هلاك عظيم جدا { يومئذ } أي إذ يكون يوم الفصل { للمكذبين * } أي ~~بالمرسلات التي أخبرت بذلك اليوم وغيره من أمر الله، والويل في الأصل ~~مصدر منصوب بإضمار فعله، عدل به إلى الرفع للدلالة على ثبات معناه، وقد ~~كررت هذه الجملة بعدة المقسم به وما ذكر هنا مما يكون في يوم الفصل من ~~الطمس وما بعده وهو تسعة أشياء، وزادت واحدة فتكون كل جملة بواحدة من ~~المذكورات، والعاشر للتأكيد دلالة على أن لهم من الويل ما لا ينتهي كما ~~أن الواحد لا ينتهي على أنها لو كانت كلها لتأكيد الأول لكان ذلك حسنا، ~~فإن من كذبك في أشياء كان من البلاغة أن تقرره بواحدة منها ثم تقول له ~~عند قيام الدليل " ويل لك " ثم تفعل فيما بعده كله كذلك وتعيد عليه ذلك ~~القول بعينه تأكيدا له وتحقيقا لوقوع معناه دلالة على أن الغيظ قد بلغ ~~منتهاه والفجور وانقطاع العذر لم يدع موضعا للتنصل منه والبعد عنه، وذلك ~~في كلام العرب شائع معروف سائغ. # ولما أقسم على وقوع الوعد والوعيد مطلقا أعم من أن يكون في الدنيا أو ~~في الآخرة لأنه قادر على كل ما يريد بأقسام دلت على القدرة عليه دلالة ~~جلية، أتبعه دلالة أجلى منها بما ms5431 يشاهد من خراب العالم النفسي فقال ~~منكرا على من يكذب به تكذيبهم مع ما كان منه سبحانه إلى من كذب الرسل ~~ومن آمن بهم: { ألم نهلك } أي بما لنا من العظمة { الأولين * } أي إهلاك ~~عذاب وغضب بتكذيبهم الرسل عليهم الصلاة والسلام كقوم نوح ومن بعدهم أمة ~~بعد أمة وقرنا بعد قرن، لم ندع منهم أحدا. # ولما كان إهلاك من في زمن النبي صلى الله عليه وسلم إن لم ينقص عن إهلاك ~~الأولين لم يزد، وكان جواب هذا التقدير: بلى قد أهلكتهم، قال عاطفا على ~~هذا الذي أرشد السياق إليه إرشادا ظاهرا جعله كالمنطوق ما تقديره: نعم ~~أهلكناهم { ثم } أي بعد إهلاكنا لهم. ولما كان الفعل مرفوعا، علمنا أنه ~~ليس معطوفا على " تهلك " ليكون تقديرا، بل هو إخبار للتهديد تقديره: ~~نحن إن شئنا { نتبعهم الآخرين * } أي الذين في زمانك من كفار العرب ~~وغيرهم لتكذيبهم لك أو الذين قربوا من ذلك الزمان كأصحاب الرس وأصحاب ~~الفيل. # ولما هدد من واجه الرسل بالتكذيب تسلية لهم، سلى من قطعوه من أتباعهم ~~مما يجب وصله بهم من المعروف فقال مستأنفا منبها على الوصف الموجب لذلك ~~الإهلاك: { كذلك } أي مثل ذلك الإهلاك { نفعل بالمجرمين * } أي جميع ~~الذين يفعلون فعل أولئك الذين يقطعون ما أمر الله به أن يوصل وهم عريقون ~~في ذلك القطع، وذلك مثبت لنا القدرة على جمعهم ليوم الفصل كما قدرنا على ~~جمعهم لوقت الإجرام وعلى فصلنا في الإهلاك والإنجاء بين مكذبي الأمم ~~ومصدقيهم فلا بد من إيجادنا ليوم الفصل: { ويل يومئذ } أي إذ يوجد { ~~للمكذبين * } أي بالعاصفات التي أهلكنا بها تلك الأمم تارة بواسطة القلب ~~وإمطار الحجارة وأخرى بواسطة الماء وتارة بالرجفة وتارة بغير واسطة. ### || [77.20-31] # ولما ذكر الإهلاك على ذلك الوجه الدال على القدرة التامة على البعث وعلى ~~ما يوعد به بعد البعث، أتبعه الدلالة بابتداء الخلق وهو أدل فقال مقررا ~~ومنكرا على من يخالف علمه بذلك عمله: { ألم نخلقكم } أي أيها المكذبون ~~بما لنا من العظمة التي لا تعشرها عظمة { من ms5432 ماء مهين * } أي نطفة مذرة ~~ذليلة، وهو من مهن بالفتح، قال في القاموس: والمهين: الحقير الضعيف ~~والقليل { فجعلناه } أي بما لنا من العظمة بالإنزال لذلك الماء في الرحم ~~{ في قرار مكين * } أي محفوظ مما يفسده من الهواء وغيره ومددنا ذلك لأجل ~~التطوير في أطوار الخلقة والتدوير في أدوار الصنعة { إلى قدر } أي مقدار ~~من الزمان قدره الله تعالى للولادة { معلوم * } أي عندنا من تسعة أشهر ~~للولادة إلى ما فوقها أو دونها لا يعلمه غيره. # ولما كان هذا عظيما ترجمه وبينه معظما له بقوله: { فقدرنا } أي ~~بعظمتنا على ذلك أو فجعلناه على مقدار معلوم من الأرزاق والآجال والأحوال ~~والأعمال { فنعم القادرون * } نحن مطلقا على ذلك وغيره، أو المقدرون في ~~تلك المقادير لما لنا من كمال العظمة بحيث نجعل ذلك بمباشرة من أردناه ~~منه بطوعه واختياره. ولعل التعبير بما قد يفيد مع العظمة الجمع لما أقام ~~سبحانه في ذلك من الأسباب بالملائكة وغيرها، وفيه مع ذلك ابتلاء للعباد ~~الموحد منهم والمشرك: { ويل يومئذ } أي إذ كان ذلك { للمكذبين * } أي ~~بالناشرات التي نشرت تلك النفوس وكل ما يراد نشره وهم يعلمون قدرتنا على ~~ما ذكر وتقديره من ابتدائنا لخلقهم وغيره مما يفيد كمال القدرة وهم ~~يكذبون بالبعث ولا يقيسونه بمثله. ولما دل بابتداء الخلق على تمام قدرته، ~~أتبعه الدلالة بانتهاء أمره وأثنائه وما دبر فيهما من المصالح فقال: { ~~ألم نجعل } أي نصير بما سببنا بما لنا من العظمة { الأرض كفاتا * } أي ~~وعاء قابلة لجمع ما يوضع فيها وضمه جمعا فيه فتك وهدم، وهو اسم لما يكفت ~~من الحديد مثلا أي يغلف بالفضة ويضم ويجمع، كالضمام والجماع لما يضم ~~ويجمع، أو هو مصدر نعت به أو جمع كافتة، كصائمة وصيام أو جمع كفت وهو ~~الوعاء، ولو شئنا لجعلناها ناشرة لكم إذا وضعتم فيها كما تنشر النبات، ~~وسنجعل ذلك إذا أردنا البعث، ولما كان من المعلوم أنه حذف المفعول وهو ~~لكم، أبدى حالة دالة أيضا عليه فقال: { أحياء } أي على ظهرها في الدور ~~وغيرها { وأمواتا ms5433 * } أي في بطنها في القبور وغيرها كما كنتم قبل خلق ~~آدم عليه السلام. # ولما ذكر ما تغيبه من جبال العلم والملك وغيرهما، أتبعه ما تبرزه من ~~الشواهق إعلاما بأنه لو كان الفعل للطبيعة ما كان الأمر هكذا، فإنه لا ~~يخرج هذه الجبال العظيمة على ما لها من الكبر والرسوخ والثقل والصلابة ~~وغير ذلك من العظمة إلا الفاعل المختار، هذا إلى ما يحفظ في أعاليها من ~~المياه التي تنبت الأشجار وتخرج العيون والأنهار، بل أكثر ما يخرج من ~~المياه هو منها، وكذا غالب المنافع من المعادن وغيرها قال: { وجعلنا } أي ~~بما لنا من العظمة { فيها } أي الأرض { رواسي } لولاها لمادت بأهلها، ومن ~~العجائب أن مراسيها من فوقها خلافا لمراسي السفن { شامخات } أي هي مع ~~كونها ثوابت في أنفسها مثبتة لغيرها طوال جدا عظيمة الارتفاع كأنها قد ~~تكبرت على بقية الأرض وعلى من يريد صعودها، وتنكيره للتعظيم. # ولما كان من العجائب الخارقة للعوائد فوران الماء الذي من طبعه أن يغور ~~لا أن يفور لما له من الثقل واللطافة التي أفادته قوة السريان في الأعماق ~~وفي كون ذلك منه من موضع من الأرض دون آخر، وكونه من الجبال التي هي أصل ~~الأرض ومن صخورها غالبا دلالة ظاهرة على أن الفعل للواحد المختار الجبال ~~القهار لا للطبائع قال: { وأسقيناكم } أي جعلنا لكم بما لنا من العظمة ~~شرابا لسقيكم وسقي ما تريدون سقيه من الأنعام والحرث وغير ذلك { ماء } ~~من لأنهار والغدران والعيون والآبار وغيرها { فراتا * } أي عظيما عذبا ~~سائغا وقد كان حقيقا بأن يكون ملحا أجاجا لما للأراضي الممسكة له من ~~ذلك. ولما كان في هذا دلالة على ظاهرة على قدرته على البعث وغيره قال: { ~~ويل يومئذ } أي يوم إذ تقوم الساعة ليكون الفصل بين العباد فساقها مساق ~~ما هو ثابت لا نزاع فيه إشارة إلى أنه لا يكذب بها بعد ظهور الأدلة إلا ~~من لا مسكة له { للمكذبين * } أي الذين هم في غاية الرسوخ في التكذيب حتى ~~كذبوا بما لنا في هذا من ms5434 الفرق الذي فرقنا به بين أرض وأخرى حتى جعلنا ~~بعضها صالحا لانفراق أرضه عن الماء، وبعضها غير صالح وجعلنا بعضها ~~قابلا للجبال وبعضها غير قابل - إلى غير ذلك من الفروق البديعة. # ولما وصلت أدلة الساعة في الظهور إلى حد لا مزيد عليه، وحكم على ~~المكذبين بالويل مرة، وأكد بثلاث، فكان من حق المخاطب أن يؤمن فلم يؤمن، ~~أمر بما يدل على الغضب فقال تعالى معلما لهم بما يقال لهم يوم القيامة ~~إذ يحل بهم الويل: { انطلقوا } أي أيها المكذبون { إلى ما كنتم } أي بما ~~هو لكم كالجبلة { به تكذبون * } عدما، وتجددون ذلك التكذيب مستمرين ~~عليه. # ولما كان المراد زيادة تبكيتهم وتقريعهم والتهويل عليهم، كرر الأمر ~~واصفا ما أمروا بالانطلاق إليه فقال: { انطلقوا } هذا على قراءة ~~الجماعة، وقراءة رويس عن يعقوب بصيغة الماضي للدلالة على تمام انقيادهم ~~هناك، وأنه لا شيء من منعه عندهم أصلا، وهي استئنافية لجواب من يقول: ما ~~كان حالهم عند هذا الأمر الفظيع؟ { إلى ظل } أي من دخان جهنم الذي سمي ~~باليحموم لما ذكر في الواقعة { ذي ثلاث شعب * } ينشعب من عظمه كما ترى ~~الدخان العظيم يتفرق ذوائب، وخصوصية الثلاث لأن التكذيب بالله وكتبه ~~ورسله، فتعذبهم كل واحدة منها عذابا يعلمون هناك لأي تكذيبة منها هي، أو ~~لأن الحاجب عن أنوار القدس الحس والخيال والوهم، أو لأن السبب فيه القوة ~~الوهمية الحالة في الدماغ، والغضبية التي في عين القلب، والشهوية التي في ~~يساره، وقيل: تخرج عنق من النار تكون ثلاث فرق: نار ونور ودخان، يقف ~~النور على المؤمنين، واللهب الصافي على الكافرين، والدخان على المنافقين، ~~تكون كذلك إلى حين الفراغ من الحساب، وقال الرازي: الشعب لهب وشرر ودخان. # ولما كان المبتادر من الظل ما يستروح إليه فظنوا ذلك، أزال عنهم هذا ~~التوهم على طريق التهكم بهم ليكون أشد في النكال فقال واصفا ل " ذي ": ~~{ لا ظليل } أي من الحر بوجه من الوجوه. ولما كان ما انتفى عنه غزارة ~~الظل التي أفهمتها صيغة المبالغة قد يكون فيه نفع ms5435 ما قال: { ولا يغني } ~~أي شيئا من إغناء { من اللهب * } أي هذا الجنس. ### || [77.32-42] # ولما بين أن هذا الظل في العذاب، وكان من المعلوم أنه لا يكون دخان إلا ~~من نار، قال مبينا أنه لو كان هناك ظل ما أغنى: { إنها } أي النار التي ~~دل عليها السياق { ترمي } أي من شدة الاستعار { بشرر } وهو ما تطاير من ~~النار إذا التهبت، واحدتها شرارة وهي صواعق تلك الدار { كالقصر * } أي كل ~~شرارة منها كأنها قصر مشيد من عظمها وقيل: هو الغليظ من الشجر، الواحدة ~~قصر مثل جمر وجمرة، وهي اسم جنس جمعي لم يستعمل إلا في جمع فهو شامل ~~لكثير الجموع وقليلها، وكذا كل ما فرق بين واحدة وجمعه التاء وليس بجمع ~~لأنه ليس بجمع سلامة وهو ظاهر ولا تكسير لأن أوزانه معروفة وليس منها فعل ~~وليس بجنس، فإنه لا يشمل ما دون الجمع ومن عظمة شرارها تعرف عظمة جمرها. # ولما شبهه في عظمه، شبهه في لونه فقال: { كأنه جملات } جمع جمالة جمع ~~جمل مثل حجارة وحجر للدلالة مع كبره على كثرته وتتابعه واختلاطه وسرعة ~~حركته، ومن قرأ بضم الجيم فهو عنده جمع جمالة وهي الحبل الغليظ من حبال ~~السفينة - شبهه به في امتداده والتفافه، ولا تنافي فإن الشرر منه ما هو ~~هكذا ومنه ما هو كما تقدم { صفر* } جمع أصفر للون المعروف، وقيل: المراد ~~به سواد يضرب إلى صفرة كما هي ألوان الجمال. # ولما كان هذا أمرا هائلا كانت ترجمته: { ويل يومئذ } أي إذ يكون ذلك { ~~للمكذبين * } أي العريقين في التكذيب بإلقاء الذكر على الأنبياء للبشارة ~~والنذارة. # ولما دلت قراءة " انطلقوا " بالفتح على امتثالهم للأمر من غير أن ينبسوا ~~بكلمة، صرح به فقال دالا على ما هم فيه من المقت والغضب: { هذا } أي ~~الموقف الذي هو بعض مواقف ذلك اليوم، سمي يوما لتمام أحكامه، فلذا قال ~~مخبرا عن المبتدأ: { يوم لا ينطقون * } أي ببنت شفة من شدة الحيرة ~~والدهشة في بعض المواقف، وينطقون في بعضها فإنه يوم طويل ذو ألوان - كما ms5436 ~~قاله ابن عباس رضي الله عنهما، أو لا ينطقون بما ينفعهم لأنهم كانوا في ~~الدنيا لا ينطقون بالتوحيد الذي ينفعهم. # ولما كانوا لا يقدرون على شيء ما إلا بإذن الله، وكان الموجع لهم عدم ~~الإذن، بني للمفعول قوله دلالة على عدم ناصر لهم أو فرج يأتيهم: { ولا ~~يؤذن } أي من آذن ما { لهم } أي في كلام أصلا، ولما كان المراد أنه لا ~~يوجد لهم إذن ولا يوجد منهم اعتذار من غير أن ينظر إلى تسببه عن عدم ~~الإذن لئلا يفهم أن لهم عذرا ولكنهم لم يبدوه لعدم الإذن، قال رافعا ~~عطفا على " يؤذن " { فيعتذرون * } فدل ذلك على نفي الإذن ونفي الاعتذار ~~عقبه مطلقا، ولو نصبه لدل على أن السبب في عدم اعتذارهم عدم الإذن فينقض ~~المعنى. # ولما كان هذا أمرا فظيعا ترجمه بقوله: { ويل يومئذ } أي إذ كان هذا ~~الموقف { للمكذبين * } أي العريقين في التكذيب بالإخبار بطمس النجوم ~~فجعلت عقوبتهم سكوتهم الذي هو ذهاب نور الإنسان ليكون كالطمس كذبوا به. # ولما ذكر حيرتهم ودهشتهم التي هي أمارة قول الحكم، وكانت مواطن ذلك ~~اليوم تسمى أياما لتمام الأحكام في كل مواطن منها، وتميزه بذلك عما ~~عداه، قال: { هذا } أي ذلك اليوم كله { يوم الفصل } أي بين ما اختلف فيه ~~العباد من الحق والباطل العالي والسافل؛ ثم استأنف قوله: { جمعناكم } أي ~~يا مكذبي هذه الأمة بما لنا من العظمة { والأولين * } أي الذين تقدم أنا ~~أهلكناهم، وقد كانوا أكثر منكم عددا وأعظم عددا لنفصل بين المتنازعين ~~ونصلي العذاب ونجزي بالثواب، وقد كان منكم من يقول: أنا أكفي عشرة من ~~ملائكة النار، ثم أشار إلى انقطاع الأسباب فقال مسببا عن ذلك: { فإن كان ~~لكم } أي أيها المكذبون على وجه هو ثابت من ذواتكم { كيد } أي مقاواة ~~بنوع حيلة أو شدة { فكيدون * } تقريع لهم على كيدهم لأوليائنا المؤمنين ~~في الدنيا - بما مكنهم به من الأسباب وتنبيه على أنه من آذى وليه فقد ~~آذنه بالحرب على أنهم عاجزون. # ولما كانوا أقل من أن يجيبوا عن هذا ms5437 وأحقر من أن يمهلوا للكلام، قال ~~مترجما لحالهم بعد هذا الكلام منبها على أنهم لو عقلوا بكوا على أنفسهم ~~الآن لأنه لا حيلة إذ ذاك: { ويل يومئذ } أي إذ يقال لهم هذا الكلام ~~فيكون زيادة في عذابه { للمكذبين * } أي الراسخين في التكذيب بأن السماء ~~تفرج كما كانوا يكذبون بأنه يفصل بينهم بعد الموت. # ولما كان الواقع بعد الفصل قرار كل في داره، وكان قد بدأ بالمكذبين لأن ~~التحذير في السورة أعظم ففصلهم عن المصدقين فقال: انطلقوا - إلى آخره، ~~ثنى بأضدادهم الفريق الناجي المشار إليه في آخر الإنسان بقوله تعالى: # يدخل من يشاء في رحمته # [الإنسان: 31] فقال مؤكدا لأجل تكذيب الكفار بتلك الدار وبأن يكون ~~المؤمنون أسعد منهم: { إن المتقين } أي الذين كانوا يجعلون بينهم وبين كل ~~ما يغضب الله وقاية مما يرضيه لعراقتهم في هذا الوصف يوم القيامة { في ~~ظلال } هي في الحقيقة الظلال لا كما تقدم من ظل الدخان، ولا يشبهها أعلى ~~ظل في الدنيا ولا أحسنه إلا بالاسم، ودل على أنها على حقيقتها بقوله: { ~~وعيون * } لأنها تكون عنها الرياض والأشجار الكبار كما دل على أن ذلك ~~الظل المتشعب للتهكم بما ذكر بعده من أوصاف النار، فهذه العيون تبرد ~~الباطن وتنبت الأشجار المظلة كما أن اللهب يحر الظاهر والباطن ويهلك ما ~~قرب منه من شجر وغيره فلا يبقى ولا يذر. # ولما ذكر العيون، أتبعها ما ينشأ عنها فقال دالا على أن عيشهم كله لذة: ~~{ وفواكه } ولما كان يوجد في فواكه الدنيا الدون، قال دالا على أن عيشهم ~~كله لذة وأنه ليس هناك دون: { مما يشتهون * } أي الرغبة. ### || [77.43-50] # ولما فهم من التعبير ب " في " أنهم متمكنون من هذا جميعه تمكن المظروف ~~من ظرفه، قال منبها على أنه أريد بالفاكهة جميع المآكل، وإنما عبر بها ~~إعلاما بأن كل أكل فيها تفكه ليس منه شيء لجلب نفع غير اللذة ولا دفع ~~ضر: { كلوا } أي مقولا لهم: تناولوا جميع المآكل على وجه التكفه والتلذذ ~~لا لحفظ الصحة فإنها حاصلة بدونه { واشربوا } أي ms5438 من جميع المشارب كذلك ~~فإن عيونها ليست من الماء خاصة بل من كل شراب أكلا وشربا { هنيئا } ~~ليس في شيء من ذلك توقع ضر، وزاد في نعيمهم بأن جعل ذلك عوضا فقال: { ~~بما كنتم } أي بجبلاتكم التي جبلتكم عليها { تعملون * } أي في الدنيا من ~~الأعمال الصالحة المبنية على أساس العلم الذي أفاد التصديق بالجنة فأوجب ~~دخولها كما أوجب تكذيب المجرمين بالنار دخولهم إياها وعذابهم بها، ~~وتكذيبهم بالجنة طردهم عنها وحرمانهم لنعيمها جزاء وفاقا. # ولما كان ربما توهم متوهم أن هذا لناس معينين في زمن مخصوص - قال معلما ~~بالتعميم مؤكدا ردا على من ينكر: { إنا } أي بما لنا من العظمة { كذلك ~~} أي مثل هذا الجزاء العظيم { نجزي المحسنين * } أي كل من كان عريقا في ~~وصف الإحسان لسنا كملوك الدنيا، يعوقهم عن الإحسان إلى بعض المحسنين ~~عندهم بما يرونه جزاء لهم بعض أهل مملكتهم لما لهم من الأهوية ولملوكهم ~~من الضعف. # ولما كان هذا النعيم عذابا عظيما على من لا يناله قال: { ويل يومئذ } ~~أي إذ يكون هذا النعيم للمتقين المحسنين { للمكذبين * } أي الذين يكذبون ~~بأن الجبال تنسف فتكون الأرض كلها سهلة دمثة مستوية لا عوج فيها أصلا ~~صالح للعيون والاشجار والتبسط في أرجائها كيفما يريد صاحبها ويختار. # ولما ذكر نعيم أهل الجنة الذي لا ينقضي لأن لهم غاية المكنة فيه، وكان ~~ذلك آجلا، وكان المكذبون في اتساع في الدنيا، وتقدم قوله تعالى # إن عذاب ربك لواقع ما له من دافع # [الطور: 7] وكان الشقاء متى وقع بعد نعيم نسخه وعد النعيم - ولو كان ~~كثيرا طويلا - قليلا، قال نتيجة لجواب القسم ضد ما يقال للمتقين تسلية ~~لهم وتحزينا للمكذبين بناء على ما تقديره: إن المكذبين في هذه الدنيا في ~~استدراج وغرور، ويقول لهم لسان الحال المعرب عن أحوالهم في المآل توبيخا ~~وتهديدا: { كلوا } أي أيها المكذبون في هذه الدنيا { وتمتعوا } أي كذلك ~~بمثل الجيفة، فإن المتاع من أسمائها كما مر غير مرة عن أهل اللغة { ~~قليلا } أي وإن امتد زمنه فإنه زائل مع ms5439 قصر مدته في مدة الآخرة، ولا ~~يؤثر ذلك على الباقي النفيس إلا خسيس الهمة، قال الرازي، وقال بعضهم: ~~التمتع بالدنيا من أفعال الكافرين، والسعي لها من أفعال الظالمين، ~~والاطمئنان إليها من أفعال الكاذبين، والسكون فيها على حد الإذن والأخذ ~~منها على قدر الحاجة من أفعال عوام المؤمنين، والإعراض عنها من أفعال ~~الزاهدين، وأهل الحقيقة أجل خطرا من أن يؤثر فيهم حب الدنيا وبغضها ~~وجمعها وتركها. # ولما أحلهم هذا المحل الخبيث، وكان التقدير: فإنه لا بد من وقوع العذاب ~~بكم يوم الفصل، علل ذلك بقوله مؤكدا لأنهم ينكرون وصفهم بذلك: { إنكم ~~مجرمون * } أي عريقون في قطع كل ما أراد الله به أن يوصل، فلا جائز أن ~~تعاملوا معاملة المحسنين، فلذلك كانت نتيجة هذا { ويل يومئذ } أي إذ ~~تعذبون بأجرامكم { للمكذبين * } أي بوصول الرسل إلى وقتها المعلوم الذي ~~كانت تتوعد به المجرمين في الدنيا حيث كذبوهم لأجل تمتعهم هذا القليل ~~الكدر، وعرضوا أنفسهم للعذاب الدائم المستمر. # ولما كان التقدير: فإنهم كانوا في دار العمل إذا قيل لهم آمنوا لا ~~يؤمنوا، عطف عليه قوله: { وإذا قيل لهم } أي لهؤلاء المجرمين من أي قائل ~~كان { اركعوا } أي صلوا الصلاة التي فيها الركوع، وأطلقه عليها تسمية لها ~~باسم جزء منها، وخص هذا الجزء لأنه يقال على الخضوع والطاعة، ولأنه خاص ~~بصلاة المسلمين، ولأن بعض العرب نفر عن الدين من أجله، وقال: لا أجبي لأن ~~فيه - زعم - إبرازا للاست فيكون ذلك مسبة، وكذلك السجود، قال في ~~القاموس: جبى تجبئة: وضع يديه على ركبتيه أو على الأرض أو انكب على وجهه، ~~والتجبئة أن تقوم قيام الركوع { لا يركعون * } أي لا يخضعون ولا يوجدون ~~الصلاة فلذلك كان وعيدهم، وفيه دلالة على أن الأمر للوجوب ليستحق تاركه ~~العذاب وعلى أن الكفار مخاطبون بالفروع { ويل يومئذ } أي إذ يكون الفصل { ~~للمكذبين * } أي بذلك الذي تقدم في هذه السورة أو بشيء منه أو بغيره مما ~~جاءت به الرسل، وقد كررت هذه الجملة بعدد أجزاء طرف القسم أو أجزاء ~~الجواب لتكون كل ms5440 جملة منها وعيدا على التكذيب بواحد من تلك الأجزاء، ~~وتكون هذه الجملة العاشرة مؤكدة لتلك التسع، وتكملة لعدها ومعناها، ~~ومعلمة بأن الويل لهم دائما من غير انقضاء كما أن الواحد لا انقضاء له. # ولما أعلم هذا أن لهم الويل دائما، ذكر أن سببه عدم الإيمان بالقرآن ~~وأن من لم يؤمن بالقرآن لم يؤمن بشيء أبدا، فقال مسببا عن معنى الكلام: ~~{ فبأي حديث } أي ذكر يتجدد نزوله على المرسل به في كل وقت تدعو إليه ~~حاجة { بعده } أي بعد هذا القرآن الذي هو شاهد لنفسه عنه بصحة النسبة إلى ~~الله تعالى من جهة ما حاز من البلاغة في تراكيبه بالنسبة إلى كل جملة ~~وبالنسبة إلى نظم الجمل بعضها مع بعض، وبالإخبار بالمغيبات والحمل على ~~المعالي والتنبيه على الحكم وغير ذلك من بحور العلم ورياض الفنون، فالله ~~باعتبار ذلك هو الشاهد بأنه كلامه { يؤمنون * } أي يجددون الإيمان بسببه ~~بكل ما أتى به النبي صلى الله عليه وسلم إذا لم يؤمنوا بهذا الحديث الذي ~~الله شاهد بأنه كلامه بما اشتمل عليه بعد إعجازه من الدلائل الواضحة، ~~والمعاني الشريفة الصالحة، والنظوم الملائمة للطبع والرقائق المرققة لكل ~~قلب، والبشائر المشوقة لكل سمع، فمن لم يؤمن به لم يؤمن بحديث غيره، فإنه ~~لا شيء يقاربه ولا يدانيه، فكيف بأن يدعي شيء يباريه أو يراقيه، ومثل هذا ~~إنما يقال عند مقاربة اليأس من الموعوظ والعادة قاضية بحلول العذاب إذ ~~ذاك وإنزال البأس، فهو من أعظم أنواع التهديد، فقد رجع آخرها على أولها ~~في وعيد المكذبين، وانطبق أولها على آخرها في إخزاء المجرمين - والله ~~الهادي للصواب. ### | [78 - سورة النبإ] ### || [78.1-9] # { عم } أي عن أي شيء - خفف لفظا وكناية بالإدغام، وحذف ألفه لكثرة ~~الدور والإشارة إلى أن هذا السؤال مما ينبغي أن يحذف، فإن لم يكن فيخفى ~~ويستحى من ذكره ويخفف { يتساءلون * } أي أهل مكة لكل من يسأل عن شيء من ~~القرآن سؤال شك وتوقف وتلدد فيما بينهم وبين الرسول صلى الله عليه وسلم ~~والمؤمنين رضي الله عنهم، ولشدة ms5441 العجب سمي جدالهم وإنكارهم وعنادهم - إذا ~~تليت عليهم آياته وجليت بيناته - مطلق سؤال. # ولما فخم ما يتساءلون عنه معجبا منهم فيه، بينه بقوله إعلاما بأن ذلك ~~الإيهام ما كان إلا للإعظام: { عن النبأ } أي من رسالة الرسول وإتيانه ~~بالكتاب المبين، وإخباره عن يوم الفصل، والشاهد بكل شيء من ذلك الله ~~بإعجاز هذا الحديث، وبوعده الجازم الحثيث. ولما كان في مقام التفخيم له، ~~وصفه تأكيدا بقوله: { العظيم * } مع أن النبأ لا يقال إلا لخبر عظيم ~~شأنه، ففي ذلك كله تنبيه على أنه من حقه أن يذعن له كل سامع ويهتم بأمره، ~~لا أن يشك فيه ويجعله موضعا للنزاع؛ وعظم توبيخهم بقوله: { الذي هم } أي ~~بضمائرهم مع ادعائهم أنها أقوم الضمائر { فيه مختلفون * } أي شديد ~~اختلافهم وثباتهم فبعضهم صدق وبعضهم كذب، والمكذبون بعضهم شك وبعضهم جزم ~~وقال بعضهم: شاعر، وبعضهم: ساحر - إلى غير ذلك من الأباطيل، وذلك الأمر ~~هو أمر النبي صلى الله عليه وسلم الذي أهمه البعث بعد الموت اشتد التباسه ~~عليهم وكثرت مراجعتهم فيه ومساءلتهم عنه مع عظمه وعظم ظهوره، والعظيم لا ~~ينبغي الاختلاف فيه بوجه، فإن ذا المروءة لا ينبغي له أن يدخل في أمر إلا ~~وهو على بصيرة فكيف به إذا كان عظيما فكيف به إذا تناهى عظمه فكيف به ~~إذا كان أهم ما يهمه فإنه يتعين عليه أن يبحث عنه غاية البحث ويطلب فيه ~~الأدلة ويفحص عن البراهين ويستوضح الحجج حتى يصير من أمره بعد علم اليقين ~~إلى عين اليقين من حين يبلغ مبلغ الرجال إلى أن يموت فكيف إذا كان بحيث ~~تتلى عليهم الأدلة وتجلى لديه قواطع الحجج وتجلب إليه البينات وهو يكابر ~~فيه ويماري، ويعاند ويداري. # قال الإمام أبو جعفر بن الزبير: سورة النبأ أما مطلقها فمرتب على تساؤل ~~واستفهام وقع منهم وكأنه وارد هنا في معرض العدول والالتفات، وأما قوله: ~~{ كلا سيعلمون ثم كلا سيعلمون } [النبأ: 4 - 5] فمناسب للوعيد المتكرر في ~~قوله: # ويل يومئذ للمكذبين # [المرسلات: 19] وكأن قد قيل: سيعلمون عاقبة تكذيبهم، ثم أورد ms5442 تعالى من ~~جميل صنعه وما إذا اعتبره المعتبر علم أنه لم يخلق شيء منه عبثا بل ~~يعتبر به ويستوضح وجه الحكمة فيه، فعلم أنه لا بد من وقت ينكشف فيه ~~الغطاء ويجازي الخلائق على نسبة من أحوالهم في الاعتبار والتدبر والخضوع ~~لمن نصب مجموع تلك الدلائل، ويستشعر من تكرار الفصول وتجدد الحالات ~~وإحياء الأرض بعد موتها، جرى ذلك في البعث واطراد الحكم، وإليه الإشارة ~~بقوله: # كذلك نخرج الموتى # [الأعراف: 57] وقال تعالى منبها على ما ذكرناه { ألم نجعل الأرض مهادا ~~} [النبأ: 6] إلى قوله: # وجنات ألفافا # [النبأ: 16] فهذه المصنوعات المقصود بها الاعتبار كما قدم، ثم قال ~~تعالى: # إن يوم الفصل كان ميقاتا # [النبأ: 17] أي موعدا لجزائكم لو اعتبرتم بما ذكر لكم لعلمتم منه وقوعه ~~وكونه ليقع جزاؤكم على ما سلف منكم " فويل يومئذ للمكذبين " ويشهد لهذا ~~القصد مما بعد من الآيات قوله تعالى لما ذكر ما أعد للطاغين: # إنهم كانوا لا يرجون حسابا وكذبوا بآياتنا كذابا وكل شيء أحصيناه ~~كتابا # [النبأ: 27 - 29] ثم قال بعد: # إن للمتقين مفازا حدائق وأعنابا # [النبأ: 31 - 32] وقوله بعد: { ذلك اليوم الحق } وأما الحياة الدنيا ~~فلعب ولهو وإن الدار الآخرة لهي الحيوان، وقوله بعد: # يوم ينظر المرء ما قدمت يداه ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا # [النبأ: 40] انتهى. ولما كان الأمر من العظمة في هذا الحد قال مؤكدا ~~لأن ما اختلفوا فيه وسألوا عنه ليس موضعا للاختلاف والتساؤل بأداة ~~الردع، فقال تهديدا لهم وتوكيدا لوعيدهم: { كلا } أي ليس ما سألوا عنه ~~واختلفوا فيه بموضع اختلاف أصلا، ولا يصح أن يطرقه ريب بوجه من الوجوه ~~فلينزجروا عن ذلك وليرتدعوا قبل حلول ما لا قبل لهم به. # ولما كان كأنه قيل: فهل ينطقع ما هم فيه؟ أجاب بقوله مهددا حاذفا ~~متعلق العلم للتهويل لأجل ذهاب النفس كل مذهب: { سيعلمون * } أي يصلون ~~إلى حد يكون حالهم فيه في ترك العناد حال العالم بكل ما ينفعهم ويضرهم، ~~وهذا عن قريب بوعد لا خلف فيه، ويكون لهم حينئذ عين اليقين الذي لا ms5443 ~~يستطاع دفاعه بعد علم اليقين الذي دافعوه، وعظم رتبة هذا الردع والتهديد ~~والزجر والوعيد بقوله: { ثم كلا } أي أن أمره في ظهوره رادع عن الاختلاف ~~في أمره { سيعلمون * } أي بعد الموت بعد علمهم قبله ما يكون من أمره بوعد ~~صادق لا شك فيه، ويصير حالهم إذا ذاك حال العالم في كفهم عن العناد، وهم ~~بين ذلول وذليل وحقير وجليل، فأما من اخترناه منه للإيمان فيكون ذلولا، ~~ومن أردنا شقاءه بالكفران فتراه ناكسا ذليلا، ويشترك الكل بالذوق في حق ~~اليقين، وقد كان هذا كما قال الجليل بعد زمن قليل، عندما أوقعتهم أيام ~~الله وأرغمت منهم الأنوف وأذلت الجباه، وقراءة ابن عامر على ما قيل عنه ~~بتاء الخطاب في الوعيد وأدل على الاستعطاف للمتاب. # ولما حقق لهم أمره تحقيق من هو على غاية الوثوق بما يقول، دل على ذلك ~~بما لا يحتمل شكا ولا وقفة أصلا، فقال مقررا لهم ومنكرا عليهم ~~التساؤل بما ندب إليه من التأمل وقرر به من النظر في باهر آياته وغرائب ~~مخلوقاته التي أبدعها من العدم دلالة تامة عظمية على كمال القدرة مع تمام ~~الحكمة الموجب للقطع بكل ما نبهت عليه الرسل من الشرائع والبعث والجزاء ~~بادئا بما هم له أشد ملابسة وهو الظرف: { ألم نجعل } أي بما لنا من ~~العظمة { الأرض مهادا * } أي فراشا لكم موطئا مذللا يمكن الاستقرار ~~عليه لتتصرفوا فيها كما شئتم { والجبال } أي تعرفون شدتها وعظمتها وعجزكم ~~عن أقل شيء من أمورها { أوتادا * } تثبتها كما أن البيت لا يثبت إلا ~~بأوتاده، قال الأفوه الأودي: # والبيت لا يبتنى إلا له عمد # ولا عماد إذا لم ترس أوتاد # وذلك لئلا تميد بكم فإنها معلقة على فضاء العلم ممسكة بيد القدرة، فلولا ~~الجبال لعظم ثقلها لأنها بمنزلة السفينة العالية الفارغة على متن البحر ~~فهي في غاية الحركة لا سيما إذا عظمت الريح فإنها حينئذ لا يستقر عليها ~~قائم ولا يثبت قاعد ولا نائم، فالجبال بمنزلة الأمتعة الثقيلة التي ~~تنزلها في الماء فتحفظ عن كثرة التقلب فكيف يصح ms5444 بوجه أن يتوقف في إخبار ~~من هذه قدرته لا سيما إذا كان ذلك المخبر به مما ركز سبحانه أمره في ~~الفطر الأولى وقرر صحته في العقول التقرير الأوضح الأجلى. # ولما ذكر بما في الظرف الذي هو فرشهم من الدلالة على تمام القدرة، أتبعه ~~التذكير بما في المظروف وهو أنفسهم لتجتمع آيات الأنفس والآفاق فيتبين ~~لهم أنه الحق فقال: { وخلقناكم } أي بما دل على ذلك من مظاهر العظمة { ~~أزواجا * } طوالا وقصارا وحسانا ودماما وذكرانا وإناثا لجميع ~~أصنافكم على تباعد أقطارهم وتنائي ديارهم لتدوم أنواعكم إلى الوقت الذي ~~يكون فيه انقطاعكم. # ولما ذكر ما هو سبب لبقاء النوع، ذكر ما هو سبب لحفظه من إسراع الفساد ~~فقال: { وجعلنا } أي بما لنا من العظمة { نومكم } الذي ركبنا البدن على ~~قبوله { سباتا * } أي قطعا عن الإحساس والحركة التي أتعبتكم في نهاركم ~~مع الامتداد والاسترسال إراحة للقوى الحيوانية والحواس الجثمانية وإزاحة ~~لكلالها مع أنه قاطع لكمال الحياة، فهو مذكر بالموتة الكبرى والاستيقاظ ~~مذكر بالعبث، قال الزجاج: السبات أن ينقطع عن الحركة والروح فيه. ### || [78.10-16] # ولما ذكر النوم، اتبعه وقته الأليق به مذكرا بنعمة الظرف الزماني بعد ~~التذكير بالظرف المكاني، فقال دالا بمظهر العظمة على عظمه: { وجعلنا ~~اليل } أي بعد ذهاب الضياء حتى كأنه لم يكن { لباسا * } أي غطاء وغشاء ~~ساترا بظلمته ما أتى عليه عن العيون كما يستره اللباس لتسكنوا فيه عن ~~المعاش { وجعلنا النهار } أي الذي آيته الشمس { معاشا * } أي وقتا ~~للتقلب الذي هو من أسباب التحصيل الذي هو من أسباب المعاش، وهو العيش ~~ووقته وموضعه، مظهرا لما ستره الليل، فالآية من الاحتباك: ذكر اللباس ~~أولا دليلا على حذف ضده ثانيا والمعاش ثاينا دليلا على حذف ضده ~~أولا. # ولما ذكر المهاد وما فيه، أتبعه السقف الذي بدورانه يكون الوقت الزمان ~~وما يحويه من القناديل الزاهرة والمنافع الظاهرة لإحياء المهاد ومن فيه ~~من العباد فقال: { وبنينا } أي بناء عظيما { فوقكم } أي عاما لجميع جهة ~~الفوق، وهي عبارة تدل على الإحاطة { سبعا } أي من السماوات { شدادا ms5445 * } ~~أي هي في غاية القوة والإحكام، لا صدع فيها ولا فتق، لا يؤثر فيها كر ~~العصور ولا مر الدهور، حتى يأتي أمر الله بإظهار عظائم المقدور. # ولما ذكر السقف: ذكر بعض ما فيه من أمهات المنافع فقال دالا بمظهر ~~العظمة على عظمها: { وجعلنا } أي مما لا يقدر عليه غيرنا { سراجا } أي ~~نجما منيرا جدا { وهاجا * } أي هو مع تلألئه وشدة ضيائه حار مضطرم ~~الاتقاد وهو الشمس، من قولهم: وهج الجوهر: تلألأ، والجمر: اتقد. # ولما ذكر ما يمحق الرطوبة بحرارته، أتبعه ما يطفىء الحرارة برطوبته ~~وبرودته فينشأ عنه المأكل والمشرب، التي بها تمام الحياة ويكون تولدها من ~~الظرف بالمهاد والسقف، وجعل ذلك أشبه شيء بما يتولد بين الزوجين من ~~الأولاد، فالسماء كالزوج والأرض كالمرأة، والماء كالمني، والنبات من ~~النجم والشجر كالأولاد فقال: { وأنزلنا } أي مما يعجز غيرنا { من ~~المعصرات } أي السحائب التي أثقلت بالماء فشارفت أن يعصرها الرياح فتمطر ~~كما حصد الزرع - إذا حان له أن يحصد، قال الفراء: المعصر، السحابة التي ~~تتحلى بالمطر ولا تمطر كالمرأة المعصرة وهي التي دنا حيضها ولم تحض، وقال ~~الرازي: السحائب التي دنت أن تمطر كالمعصرة التي دنت من الحيض { ماء ~~ثجاجا * } أي منصبا بكثرة يتبع بعضه بعضا، يقال: ثجه وثج بنفسه. # ولما ذكر بدايته، أتبعها نهايته فقال: { لنخرج } أي بعظمتنا التي ربطنا ~~بها المسببات بالأسباب { به } أي الماء تسبيبا { حبا } أي نجما ذا حب ~~هو مقصوده لأنه يقتاته العباد، صرح به لأنه المقصود وبدأ به لأنه القوت ~~الذي به البقاء كالحنطة والشعير وغيرهما { ونباتا * } يتفكهون ويتنزهون ~~فيه وتعتلفه البهائم. ولما كان من المشاهد الذي لا يسوغ إنكاره أن في ~~الأرض من البساتين ما يفوت الحصر، عبر بجمع القلة تحقيرا له بالنسبة إلى ~~باهر العظمة ونافذ الكلمة فقال: { وجنات } أي بساتين تجمع أنواع الأشجار ~~والنبات المقتات وغيره { ألفافا * } أي ملتفة الأشجار مجتمعة بعضها إلى ~~بعض من شدة الري، جمع لف كجذع، قال البغوي: وقيل: هو جمع الجمع، يقال: ~~جنة لفاء، وجمعها لف - بضم اللام، وجمع ms5446 الجمع ألفاف. وتضمن هذا الذي ذكره ~~المياه النابعة الجارية والواقفة، فاكتفى بذكره عن ذكرها، قال مقاتل: وكل ~~من هذا الذي ذكر أعجب من البعث. ### || [78.17-22] # ولما ذكر ما دل على غاية القدرة ونهاية الحكمة فدل قطعا على الوحدانية ~~لأنه لو كان التعدد لم تكن الحكمة ولم تتم القدرة، فأثمر المحبة لمن اتصف ~~بذلك، فأنتج للطائع الشوق إلى لقائه والترامي إلى مطالعة كمال نعمائه، ~~وللعاصي ما هو حقيق به من الخوف من لقائه ليرده ذلك عن إعراضه وإبائه، ~~أتبع ما أعلم أنه ما ذكره إلا للدلالة على النبأ العظيم في لقاء العزيز ~~الرحيم، فقال منتجا عما مضى من الوعيد وما دل على تمام القدرة مؤكدا ~~لأجل إنكارهم: { إن يوم الفصل } أي الذي هو النبأ العظيم، وتقدم الإنذار ~~به في المرسلات وما خلق الخلق إلا لجمعهم فيه وإظهار صفات الكمال ليفصل ~~فيه بين كل ملبس فصلا لا شبهة فيه ويؤخذ للمظلوم من الظالم { كان } أي ~~في علم الله وحكمته كونا لا بد منه جعل فيه كالجبلة في ذوي الأرواح { ~~ميقاتا * } أي حدا يوقت به الدنيا وتنتهي عنده مع ما فيها من الخلائق. # ولما ذكره، ذكر ما فيه تعظيما له وحثا على الطاعة فقال مبدلا منه أو ~~مبينا له: { يوم } ولما كان الهائل المفزع النفخ، لا كونه من معين، بنى ~~للمفعول قوله { ينفخ } أي من نافخ أذن الله له { في الصور } وهو قرن من ~~نور على ما قيل سعته أعظم ما بين السماء والأرض وهي نفخة البعث وهي ~~الثانية من النفخاات الأرض كما مر في آخر الزمر، ولذلك قال: { فتأتون } ~~أي بعد القيام من القبور إلى الموقف أحياء كما كنتم أول مرة لا تفقدون من ~~أعضائكم وجلودكم وأشعاركم وأظفاركم وألوانكم الأصلية شيئا يجمعكم من ~~الأرض بعد أن تمزقتم فيها، واختلط تراب من بلي منكم بترابها وتراب بعضكم ~~ببعض، وتمييز ذلك وجمعه وتركيبه كما كان وإعادة الروح فيه يسير عليه ~~سبحانه وتعالى كما فعل ذلك كله من نطفة بعد أن فعله في آدم عليه ms5447 السلام ~~من تراب لا أصل له في الحياة، حال كونكم { أفواجا * } أي أمما وزمرا ~~وجماعات مشاة مسرعين كل أمة بإمامها، روى الثعلبي وابن مردويه عن البراء ~~رضي الله عنهم - وقال شيخنا ابن حجر في ترجمة محمد بن زهير في لسان ~~الميزان: إنه ظاهر الوضع - أن معاذا رضي الله عنه سأل عن هذه الأفواج ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن أمتي تحشر على عشرة أصناف: على صور القردة، وعلى صور الخنازير، ~~وبعض منكسون يسحبون على وجوههم، وبعض عمي وبعض صم بكم، وبعض يمضغون ~~ألسنتهم، فهي مدلاة على صدورهم يسيل القيح من أفواههم يتقذرهم أهل الجمع، ~~وبعض منقطعة أيديهم وأرجلهم، وبعض مصلوبون على جذوع من نار، وبعض أشد ~~نتنا من الجيف، وبعض ملبسون جبابا سابغة من قطرن لازقة بجلودهم، فسرهم ~~بالقتات وآكلي السحت وأكلة الربا والجائرين في الحكم والمعجبين بأعمالهم ~~والعلماء الذين يخالف قولهم فعلهم والمؤذين للجيران والساعين بالناس ~~للسلطان، والتابعين للشهوات المانعين حق الله تعالى والمتكبرين خيلاء ". # ولما ذكر الآية في أنفسهم ذكر بعض آيات الآفاق، وبدأ بالعلوي لأنه أشرف ~~فقال بانيا للمفعول لأن المفزع مطلق التفتيح، ولأن ذلك أدل على قدرة ~~الفاعل وهوان الأمور عليه: { وفتحت السماء } أي شقق هذا الجنس تشقيقا ~~كبيرا، وقرأ الكوفيون بالتخفيف لأن التكثير يدل عليه ما سبب عن الفتح من ~~قوله: { فكانت } أي كلها كينونة كأنها جبلة لها { أبوابا } أي كثيرة ~~جدا لكثرة الشقوق الكبيرة بحيث صارت كأنها لا حقيقة لها إلا الأبواب. # ولما ذكر السقف، ذكر أقرب الأرض إليه وأشدها، فقال على طريقة كلام ~~القادرين أيضا: { وسيرت } أي حملت بأيسر أمر على السير { الجبال } على ~~ما تعلمون من صلابتها وصعوبتها في الهواء كأنها الهباء المنثور، وعلى ذلك ~~دل قوله: { فكانت } أي كينونة راسخة { سرابا * } أي لا نرى فيها إلا ~~خيالا يتراءى وهي سائرة تمر مر السحاب ثم تخفى لتناثر أجزائها كالهباء - ~~يا لها من عظمة تجب لها القلوب وتتعاظم الكروب. # ولما بين أن يوم الفصل هو النبأ العظيم بعد أن دل عليه وذكر ms5448 ما فيه من ~~المسير، ذكر ما إليه من الدارين المصير، فقال بعد التذكير بما في الجبال ~~من العذاب بحزونتها وما فيها من السباع والحشرات والأشجار الشائكة ~~والقواطع المتشابكة وغير ذلك من عجائب التقدير مؤكدا لتكذيبهم: { إن ~~جهنم } أي النار التي تلقى أصحابها متجهمة لهم بغاية ما يكرهون { كانت } ~~أي جبلة وخلقا { مرصادا * } أي موضع رصد لأعداء الله ترصدهم فيها خزنة ~~النار، فإذا رأوهم كردسوهم فيها، ولأولياء الله ترصدهم فيها خزنة الجنة ~~لإنجائهم من النار عند ورودها أو هي راصدة بليغة الرصد للكفار حتى صارت ~~مجسدة من الرصد لتجمع أصحابها فلا يفوت منهم واحد كالمطعان لكثير الطعن، ~~والمكثار للمبالغ في الإكثار، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن على جسر ~~جهنم سبعة مجالس يسأل عند أولها عن شهادة أن لا إله إلا الله، فإن جاء ~~بها تامة جاز إلى الثاني فيسأل عن الصلاة، فإن جاء بها تامة جاز إلى ~~الثالث فيسأل عن الزكاة فإن جاء بها تامة جاز إلى الرابع فيسأل عن الصوم، ~~فإن جاء به تاما جاز إلى الخامس فيسأل عن الحج، فإن جاء به تاما جاز ~~إلى السادس فيسأل عن العمرة فإن جاء بها تامة جاز إلى السابع فينسأل عن ~~المظالم، فإن خرج منها وإلا قيل: انظروا فإن كان له تطوع تكمل به أعماله. ~~فإذا فرغ انطلق به إلى الجنة. # ولما كان درء المفاسد أولى من جلب المصالح، قدم ذكر المخوف فقال: { ~~للطاغين } أي المجاوزين لحدود الله { مآبا * } أي مرجعا ومأوى بعد أن ~~كان الله ذرأهم لها فكأنهم كانوا فيها ثم هيأهم للخروج منها والبعد عنها ~~بفطرهم الأولى، ثم بما أنزل الله من الكتب وأرسل من الرسل فكأنه بذلك ~~أخرجهم منها، ثم رجعوا إليها بما أحدثوا من التكذيب. ### || [78.23-28] # ولما ذكر مصيرهم إليها ذكر إقامتهم فيها فقال حالا من ضمير " الطاغين ~~": { لابثين فيها } ولما كان جمع القلة يستعار للكثرة فكان الحقب يطلق ~~على الزمان من غير حد، ويطلق على زمان محدود، فقيل على ثمانين سنة، وعلى ~~سبعين ألف سنة، ms5449 فكان السياق من تصدير السورة بالنبأ وبوصفه مع التعبير ~~بالنبأ العظيم وما بعد ذلك يفهم أن المراد الدوام إن أريد ما لا حد له ~~وأن المراد إن أريد المحدود جمع الكثرة، وأكثر ما فسر به الحقب، وأنه ~~للمبالغة لا التحديد، كان جمع القلة هنا غير مشكل، فمن حمله على ما دون ~~ذلك فكفاه زاجرا لم يضره التعبير به، ومن اجترأ عليه واستهان به كان ~~فتنة له كما كان حصر عدد الخزنة للنار بتسعة عشر فلم يضر إلا نفسه، فلذلك ~~عبر عن ظرف اللبث بقوله: { أحقابا * } أي دهورا عظيمة متتابعة لا ~~انقضاء لها على أن التبعير به - ولو حمل على الأقل وجعل منقضيا - لا ~~ينافي ما صرح فيه بالخلود لأنه أثبت شيئا ولم ينف ما فوقه، وعن الحسن ~~أنه قال: لا يكاد يذكر الحقب إلا حيث يراد تتابع الأزمنة وتواليها من غير ~~انقضاء. # ولما كان المسكن لا يصلح إلا بالاعتدال والماء الذي هو حياة كل شيء، قال ~~ذاكرا حال هذا اللبث: { لا يذوقون } أي ساعة ما فكيف بما فوق الذوق { ~~فيها } أي النار خاصة، وكأنه أشار بتقديمه إلى أنهم يذوقون في دار أخرى ~~الزمهرير { بردا } أي روحا وراحة لنفعهم من الحر أو مطلق البرد { ولا ~~شرابا * } من ماء أو غيره يغنيهم من العطش على حال من الأحوال { إلا } ~~حال كون ذلك الشراب { حميما } أي ماء حارا يشوي الوجوه قد انتهى حره { ~~و } حال كون ذلك الشراب مع حرارته، أو البر د { غساقا * } أي عصارة أهل ~~النار من القيح والصديد البارد المنتن، فالاستثناء على هذا موزع الحميم ~~من الشراب والغساق من البرد، فالحميم شرابهم في دولة السعير، والغساق في ~~دولة الزمهرير. # ولما حكم عليهم بهذا العذاب الذي لا يطاق، ذكر حكمته فقال إنه جزاهم ~~بذلك { جزاء وفاقا * } أي ذا وفاق لأعمالهم لأنهم كانوا يأخذون أموال ~~الناس فيحرقون صدورهم عليها ويبردون بها الشراب ويصفونه ويبخرونه، فهم ~~يحرقون الآن بعصارة غيرهم المنتنة، وكأنهم بعد الأحقاب - إن جعلت منقضية ~~- يبدلون عذابا غير الحميم والغساق، ثم ms5450 علل عذابهم بقوله، مؤكدا ~~تنبيها على أن الحساب من الوضوح بحالة يصدق به كل أحد، فلا يكاد يصدق أن ~~أحدا يكذب به فلا يجوزه فقال: { إنهم كانوا } أي بما هو لهم كالجبلة ~~التي لا تقبل غير ذلك فهم يفسدون القوى العلمية بأنهم { لا يرجون } أي في ~~حال من الأحوال ولو رأوا كل آية { حسابا * } فهم لا يعملون بغير ~~الشهوات، فوافق هذا خلودهم في النار، وعبر عن تكذيبهم بنفي الرجاء لأنه ~~أبلغ، وذلك لأن الإنسان يطمع في الخير بأدنى احتمال. # ولما دل انتفاء رجائهم على تكذيبهم المفسد للقوة العلمية، صرح به على ~~وجه أعم فقال: { وكذبوا بآياتنا } أي على ما لها من العظمة الدالة أنها ~~من عندنا { كذابا * } أي تكذيبا هو في غاية المبالغة بحيث لو سمعوا ~~أكذب الكذب ما كذبوا به كما كذبوا بها، فكان تجريعهم لما لا يصح أن يشربه ~~أحد - وإن جرع منه شيئا مات في الحال من غير موت - لهم جزاء على تكذيبهم ~~بالحوارق التي يجرعون بها الصادقين أنواع الحرق، وقرىء بالتخفيف للدلالة ~~على أنهم كذبوا في تكذيبهم. ### || [78.29-35] # ولما كان التقدير: فكل شيء جعلنا له وزانا، عطف عليه قوله: { وكل شيء } ~~أي مطلقا من أعمالهم وغيرها أو كل ما يقع عليه الحساب { أحصيناه } ولما ~~كان الإحصاء موافقا للكتابة في الضبط، أكد فعله بها فقال: { كتابا * } ~~فلا جائز أن نترك شيئا من الأشياء بغير جزاء، ويمكن تنزيل الآية على ~~الاحتباك وهو أحسن: دل فعل الإحصاء على حذف مصدره، وإثبات مصدر " كتب " ~~عليه أي أحصيناه إحصاء وكتبناه كتابا، وذلك الإحصاء والكتب لعدم الظلم. # ولما ذكر عذابه ووجه موافقته لجزائهم، سبب عن تكذيبهم ما يقال لهم بلسان ~~الحال أو المقال إهانة وزيادة في الجزاء على طريق الالتفات المؤذن بشدة ~~الخزي والغضب عليهم وكمال القدرة له سبحانه وتعالى فقال: ويجوز أن يكون ~~سببا عن مقدر بعد " كتابا " نحو: ليجازيهم على كل شيء منه، قائلا لهم ~~على لسان الملائكة أو لسان الحال: { فذوقوا } أي من هذا العذاب في هذا ~~الحال بسبب ms5451 تكذيبكم بالحساب، وأكد ذوقهم في الاستقبال فقال: { فلن نزيدكم ~~} أي شيئا من الأشياء في وقت من الأوقات { إلا عذابا * } فإن داركم ليس ~~بها إلا الجحيم كما أن الجنة ليس بها إلا النعيم، فأفهم هذا أن حصول شيء ~~لهم غير العذاب محال. # ولما ذكر جزاء الكافرين وأشعر آخره بكونه إخزاء، ذكر جزاء المؤمنين ~~المخالفين لهم فقال مستأنفا مؤكدا لتكذيب الكافرين به: { إن للمتقين } ~~أي الراسخين في الخوف المقتضي لاتخاذ الوقاية مما يخاف فوقوا أنفسهم من ~~سخط الله بما يرضيه من الأعمال والأقوال والأحوال { مفازا } أي فوزا ~~وموضع فوز وزمان فوز بالراحة الدائمة من جميع ما مضى ذكره للطاغين الذين ~~هم أضدادهم، وقد كشفوا أنفسهم للعذاب كل الكشف، ثم فسره أو أبدل منه على ~~حذف مضاف أي فوز: { حدائق } أي بساتين فيها أنواع الأشجار ذوات الثمار ~~والرياحين لتجمع مع لذة المطعم لذة البصر والشم، قد أحدقت بها الجدران ~~وحوطت بها، قال ابن جرير: فإن لم تكن بحيطان محدقة بها لم يقل لها حديقة. ~~وخص أشجار العنب لطيبها وحسنها وشرفها وما فيها من لذة الذوق وعبر عن ~~أشجارها بثمرتها إعلاما بأنها لا توجد إلا موقرة حملا وأن ثمرتها هي جل ~~منفعتها فقال: { وأعنابا * }. # ولما ذكر المساكن النزهة المؤنقة المعجبة، ذكر ما يتمتع به وهو جامع ~~لألذاذ الحواس: البصر واللمس والذوق فقال: { وكواعب } أي نساء كعبت ثديهن ~~{ أترابا * } أي على سن واحد من مس جلد واحد التراب قبل الأخرى، بل لو ~~كن مولودات لكانت ولادتهن في آن واحد. # ولما ذكر النساء ذكر الملائم لعشرتهن فقال: { وكاسا } أي من الخبر التي ~~لا مثل لها في لذة الذوق ظاهرا وباطنا وكمال السرور وإنعاش القوى. # ولما كانت العادة جارية بأن الشراب الجيد يكون قليلا، دل على كثرته ~~دليلا على جودته بقوله: { دهاقا * } أي ممتلئة. # ولما كانت مجالس الخمر في الدنيا ممتلئة بما ينغصها من اللغو والكذب إلا ~~عند من لا مروءة له فلا ينغصه القبيح، قال نافيا عنها ما يكدر لذة ~~السمع: { لا يسمعون فيها } أي الجنة ms5452 في وقت ما { لغوا } أي لغطا يستحق ~~أن يلغى لأنه ليس له معنى أعم من أن يكون مهملا ليس له معنى أصلا، أو ~~مستعملا ليس له معنى موجود في الخارج وإن قل، أو له معنى ولكنه لا ~~يترتب به كبير فائدة. ولما انتفى الكذب بهذه الطريقة، وكان التكذيب أذى ~~للمكذب، نفاه بقوله: { ولا كذبا * } فإن هذه الصيغة تقال على التكذيب ~~ومطلق الكذب، فصار المعنى: ولا أذى بمعارضة في القول، مع موافقة قراءة ~~الكسائي بالتخفيف فإن معناها كذبا أو مكاذبة، وشدد في قراءة الجماعة ~~لرشاقة اللفظ وموازنة " أعنابا وأترابا " مع الإصابة لحلق المعنى من ~~غير أدنى جور عن القصد ولا تكلف بوجه ما. ### || [78.36-40] # ولما كان العطاء إذا كان على المعاوضة كان أطيب لنفس الآخذ قال: { جزاء ~~} وبين أنه ما جعله جزاء لهم إلا إكراما للنبي صلى الله عليه وسلم فإنه ~~سبحانه لا يجب عليه لأحد شيء لأن أحدا لا يمكنه أن يوفي شكر نعمة من ~~نعمه فإن عمله من نعمه فقال: { من ربك } أي المحسن إليك بإكرام أمتك ~~بانواع الإكرام، وفي { عطاء } إشارة إلى ذلك وهو بذل من غير جزاء { ~~حسابا * } أي على قدر الكفاية وإن فعل الإنسان منهم ما فعل وحسب جميع ~~أنواع الحساب، ومن قولهم: أعطاه فأحسبه - إذا تابع عليه العطاء وأكثره ~~حتى جاوز العد وقال: حسبي، لا يمكن أن يحتاج مع هذا العطاء وإن زاد في ~~الإنفاق، واختير التعبير به دون " كافيا " مثلا لأنه أوقع في النفس، ~~فإنه يقال: إذا كان هذا الحساب فما الظن بالثواب. # ولما ذكر سبحانه سعة فضله، وصف نفسه الأقدس بما يدل على عظمته زيادة في ~~شرف المخاطب صلى الله عليه وسلم لأن عظمة العبد على حسب عظمة السيد، فقال ~~مبدلا على قراءة الجماعة وقاطعا بالرفع على المدح عند الحجازيين وأبي ~~عمرو: { رب السماوات والأرض } أي مبدعهما ومدبرهما ومالكهما { وما بينهما ~~} ملكا وملكا. ولما شمل ذلك العرش وما دونه، علله بقوله: { الرحمن } أي ~~الذي له الإنعام العام الذي أدناه الإيجاد، وليس ذلك لأحد ms5453 غيره، فإن الكل ~~داخل في ملكه وملكه، ولذلك قال دالا على الجبروت بعد صفة الرحمة: { لا ~~يملكون } أي أهل السماوات والأرض ومن بين ذلك أصلا دائما في وقت من ~~الأوقات في الدنيا ولا في الآخرة لا في يوم بعينه: { منه } أي العام ~~النعمة خاصة { خطابا * } أي أن يخاطبوه أو يخاطبوا غيره بكلمة فما فوقها ~~في أمرهم في غاية الاهتمام به بما أفاده التعبير بالخطاب، فكيف بما دونه ~~وإذا لم يملكوا ذلك منه فمن والكمل في ملكه وملكه؟ وعدم ملكهم لأن ~~يخاطبهم مفهوم موافقة، والحاصل أنهم لا يقدرون على خطاب ما من ذوات ~~أنفسهم كما هو شأن المالك. وأما غيره فقد يملكون أن يكرهوه على خطابهم ~~وأن يخاطبوه بغير إذن من ذلك الغير ولا رضى وبغير تملك منه لهم لأنه لا ~~ملك له، وإذا كان هذا في الخطاب فما ظنك بمن يدعي الوصال بالاتحاد - ~~عليهم اللعنة ولهم سوء المآب، ما أجرأهم على الاتحاد! وقال الأستاذ أبو ~~القاسم القشيري: كيف يكون للمكون المخلوق والفقير المسكين مكنة تملك منه ~~خطابا أو تتنفس نفسا كلا بل هو الله الواحد الجبار. # ولما كان هذا ربما أفهم سد باب الشفاعة عنده سبحانه، وكان الكلام إنما ~~ينشأ من الروح، وكان الملائكة أقرب شيء إلى الروحية، أكد هذا المعنى ~~مزيلا ما قد يوهمه في الشفاعة سواء قلنا: إن الروح هنا جنس أم لا، فقال ~~ذاكرا ظرف " لا يتكلمون " { يوم يقوم الروح } أي هذا الجنس أو خلق من ~~خلق الله عظيم الشأن جدا، قيل: هو الملك الموكل بالأرواح أو جبرائيل ~~عليه السلام، أو القرآن المشار إليه بمثل قوله تعالى # تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر # [القدر: 4] # وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا # [الشورى: 52] قاله ابن زيد { والملائكة } أي كلهم، ونبه بالاصطفاف على ~~شدة الأمر فقال: { صفا * } للقاء ما في ذلك اليوم من شدائد الأهوال ~~ولحفظ الثقلين وهم في وسط دائرة صفهم من الموج والاضطراب لعظيم ما هم ~~فيه، ثم زاد الأمر عظما بذكر العامل في لا ms5454 يوم فقال: { لا يتكلمون } أي ~~من تقدم كلهم بأجمعهم فيه بكلمة واحدة مطلق كلام خطابا كان أي في أمر ~~عظيم أو لا، لا له سبحانه ولا لغيره أصلا ولا أحد منهم، ويجوز أن يكون ~~هذا حالا لهؤلاء الخواص فيكون الضمير لهم فغيرهم بطريق الأولى { إلا من ~~أذن له } أي في الكلام إذنا خاصا { الرحمن } أي الملك الذي لا تكون ~~نعمه على أحد من خلقه إلا منه { وقال صوابا * } فإن لم يحصل الأمر إن لم ~~يقع الكلام من أحد منهم أصلا، وهذا كالدليل على آية الخطاب بأنه إذا كان ~~الروح والقريب منه بهذه المثابة في حال كل من حضره كان أحوج ما يكون إلى ~~الكلام فما الظن بغيرهم؟ وهم في غيره كذلك بطريق الأولى وغيرهم فيه وفي ~~غيره من باب الأولى، وأما في الدنيا فإنه وإن كان لا يتكلم أحد إلا بإذنه ~~لكنه قد يتكلم بالخطأ. # ولما عظم ذلك اليوم بالسكوت خوفا من ذي الجبروت # وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا # [طه: 108] أشار إليه بما يستحقه زيادة في عظمته فقال: { ذلك } أي المشار ~~إليه لبعد مكانته وعظم رتبته وعلو منزلته { اليوم الحق } أي في اليومية ~~لكونه ثابتا في نفسه فلا بد من كونه ولا زوال له ثوبتا لا مرية فيه ~~لعاقل وثابتا كل ما أثبته وباطلا كل ما نفاه. ولما قرر من عظمته ما ~~يعجز غيره عن أن يقرر مثله، وكان قد خلق القوى والقدر والفعل بالاختيار. ~~فكان من حق كل عاقل تدرع ما ينجى منه، سبب عن ذلك تنبيها على الخلاص منه ~~وحثا عليه قوله: { فمن شاء } أي الاتخاذ من المكلفين الذين أذن لهم { ~~اتخذ } أي بغاية جهده { إلى ربه } أي خالقه نفسه المحسن إليه أو رب ذلك ~~اليوم باستعمال قواه التي أعطاه الله إياها في الأعمال الصالحة { مآبا * ~~} أي مرجعا هو المرجع مما يحصل له فيه الثواب بالإيمان والطاعة، فإن ~~الله جعل لهم قوة واختيارا، ولكن لا يقدر أحد منهم على مشيئة شيء إلا ~~بمشيئة الله. # ولما قدم ms5455 في هذه السورة من شرح هذا النبأ العظيم ما قدم من الحكم ~~والمواعظ واللطائف والوعد والوعيد، لخصه في قوله مؤكدا لما لهم من ~~التكذيب: { إنا } على ما لنا من العظمة { أنذرناكم } أي أيها الأمة ~~وخصوصا العرب بما مضى من هذه السورة وغيرها { عذابا } ولما كان لا بد ~~من إتيانه وكونه سواء كان بالموت أو بالبعث، وكان كل ما تحقق إتيانه أقرب ~~شيء قال: { قريبا }. # ولما حذر منه، عين وقته مشددا لتهويله فقال: { يوم ينظر المرء } أي ~~جنسه الصالح منه والطالح نظرا لامرية فيه { ما } أي الذي { قدمت يداه } ~~أي كسبه في الدنيا من خير وشر، وعبر بهما لأنهما محل القدرة فكنى بهما ~~عنها مع أن أكثر ما يعمل كائن بهما مستقلتين به أو مشاركتين فيه خيرا ~~كان أو شرا. ولما كان التقدير: فيقول المؤمن: يا ليتني قمت قبل هذا، عطف ~~عليه قوله: { ويقول الكافر } أي العريق في الكفر عندما يرى من تلك ~~الأهوال متمنيا محالا: { يا ليتني كنت } أي كونا لا بد منه ولا يزول { ~~ترابا * } أي في الدنيا فلم أخلق ولم أكلف، أو في هذا اليوم فلم أعذب، ~~والمراد به الجنس أو إبليس الذي تكبر عن السجود لآدم عليه السلام المخلوق ~~من التراب، وعظم نفسه بالحمد والافتخار بكونه مخلوقا من نار، يقول ذلك ~~عندما يرى ما أعد الله لآدم عليه السلام ولخواص بنيه من الكرامة من ~~النعيم المقيم، ولهذا المتكبر على خالقه من العذاب الدائم الذي لا يزول، ~~وعن أبي هريرة وابن عمر رضي الله عنهم أن الله تعالى يقتص يوم البعث ~~للبهائم بعضها من بعض ثم يقول لها: كوني ترابا، فتكون فيتمنى الكافر مثل ~~ذلك. فقد علم أن ذلك اليوم في غاية العظمة وأنه لا بد من كونه، فعلم أن ~~التساؤل عنه للتعجب من كونه من أعظم الجهل، فرجع آخرها على أولها، وانعطف ~~مفصلها أي انعطاف على موصلها، واتصل مع ذلك بما بعدها أي اتصال، فإن ~~المشرف بالنزع على الموت يرى كثيرا من الأهوال والزلازل والأوجال التي ~~يتمنى ms5456 لأجلها أنه كان منقطعا عن لدنيا ليس له بها وصال يوما من الأيام ~~ولا ليلة من الليال - والله الموفق للصواب وإليه المرجع والمآب. ### | [79 - سورة النازعات] ### || [79.1-11] # لما ذكر سبحانه يوم يقوم الروح ويتمنى الكافر العدم، أقسم أول هذه بنزع ~~الأرواح على الوجه الذي ذكره بأيدي الملائكة عليهم السلام على ما يتأثر ~~عنه من البعث وساقه على وجه التأكيد بالقسم لأنهم به مكذبون فقال تعالى: ~~{ والنازعات } أي من الملائكة - كما قال علي وابن عباس رضي الله عنهم - ~~للأرواح ولأنفسها من مراكزها في السماوات امتثالا للأوامر الإليهة { ~~غرقا * } أي إغراقا بقوة شديدة تغلغلا إلى أقصى المراد من كل شيء من ~~البدن حتى الشعر والظفر والعظم كما يغرق النازع في القوس فيبلغ أقصى ~~المد، وكان ذلك لنفوس الكفار والعصاة كما ينزع السفود وهو الحديدة ~~المتشعبة المتعاكسة الشعب من الصوف المبلول، وعم ابن جرير كما هي عادته ~~في كل ما يحتمله اللفظ فقال: والصواب أن يقال: إن الله تعالى لم يخصص، ~~فكل نازعة داخلة في قسمه - يعني الاعتبار بما آتاها الله من القدرة على ~~ذلك النزع الدالة على تمام الحكمة والاقتدار على ما يريده سبحانه. # ولما ذكر الشد مبتدئا به لأنه أهول، أتبعه الرفق فقال: { والناشطات } ~~أي المخرجات برفق للأرواح أو لأجنحتها من محالها { نشطا * } أي رفقا ~~فلا تدع وإن كان رفيقا بين الروح والجسد تعلقا كما ينشط الشيء من ~~العقال أي يحل من عروة كانت عقدت على هيئة الأنشوطة، قال الفراء إنه سمع ~~العرب يقولون: نشطت العقال - إذا حللته، وأنشطت - إذا عقدت بأنشوطة - ~~انتهى، والنشط أيضا: الجذب والنزع، يقال: نشطت الدلو نشطا - إذا ~~نزعتها. وقال الخليل: النشط والإنشاط مدك الشيء إلى نفسك حتى ينحل، وكان ~~هذا الأرواح أهل الطاعة، وكذلك نزع النبات والإنساء والإنماء لكل ما يراد ~~نزعه أو نشطه، فالذي قدر بعض عبيده على هذا الذي فيه تمييز الأرواح من ~~غيرها على ما لها من اللطافة وشدة الممازجة قادر على تمييز جسد كل ذي روح ~~من جسد غيره بعد أن صار ms5457 كل ترابا واختلط بتراب الآخر. # ولما ذكر نوعي السل بالشدة والرفق، ذكر فعلها في إقبالها إليه ورجوعها ~~عنه فقال: { والسابحات } أي من الملائكة أيضا في الجو بعد التهيؤ ~~للطيران إلى ما أمرهم الله به من أوامره من الروح أو غيرها { سبحا * } ~~هو في غاية السرعة لأنه لا عائق لها بل قد أقدرها الله على النفوذ في كل ~~شيء كما أقدر السابح في الماء والهواء، ولذلك نسق عليه بالفاء قوله: { ~~فالسابقات } أي بعد السبح في الطيران إلى ما أمروا به من غمس الأرواح في ~~النعيم أو الجحيم أو غير ذلك مما أمروا به في أسرع من اللمح مع القدرة ~~والغلبة لجميع ما يقع محاولته { سبقا * }. # ولما بان بذلك حسن امثتالها للأوامر، بان به عظيم نظرها في العواقب فدل ~~على ذلك بالفاء في قوله: { فالمدبرات } أي الناظرات في أدبار الأمور ~~وعواقبها لإتقان ما أمروا به في الأرواح وغيرها { أمرا * } أي عظيما، ~~ويصح أن يكون للشمس والقمر والكواكب والرياح والخيل السابحة في الأرض ~~والجو لمنفعة العباد وتدبير أمورهم، وبعضها سابق لبعض، وبه قال بعض ~~المفسرين، والجواب محذوف إشارة إلى أنه من ظهور العلم به - بدلالة ما ~~قبله وما بعده عليه - في حد لا مزيد عليه، فهو بحيث لا يحتاج إلى ذكره ~~فحذفه كإثباته بالبرهان فتقديره: لتذهبن بالدنيا التي أنتم بها مغترون ~~لنزعنا لها من حالها وتقطيع أوصالها، فإن كل ما تقدم من أعمال ملائكتنا ~~هو من مقدمات ذلك تكذيبا لقول الكفار # ما هي إلا حياتنا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر # [الجاثية: 24] المشار إليه بتساؤلهم عنها لأنه على وجه الاستهزاء ~~والتكذيب ولتقومن الساعة؟ أو أنكم لمبعوثون بعد الموت وانتهاء هذه الدار؟ ~~ثم لمجازون بما عملتم بأسباب موجودة مهيأة بين أظهركم دبرناها وأوجدناها ~~حين أوجبنا هذه الحياة الدنيا وإن كنتم لا ترونها كما أن هذه الأمور التي ~~أخبرناكم بها في نزع الأرواح والنبات والمنافع موجودة بين أظهركم والميت ~~أقرب ما يكون منكم وهي تعمل أعمالها. والمحتضر أشد ما يكون صوتا وأعظمه ~~حركة إذا هو ms5458 قد خفت وهمد بعد ذلك الأمر وسكت وامتدت أعضاؤه ومات، وذهب ~~عنكم قهرا وفات الذي فات كأنه قط ما كان، ولا تغلب في زمن من الأزمان، ~~بتلك الأسباب التي تعمل أعمالها وتمد حبالها وترسي أثقالها، وتلقي ~~أهوالها وأوجالها، وأنتم لا ترونها، فيالله العجب أن لا يردكم ذلك على ~~كثرته عن أن تستبعدوا على قدرته تمييز تراب جسد من تراب جسد آخر. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما أوضحت سورة النبأ حال الكافر في ~~قوله # يا ليتني كنت ترابا # [النبأ: 40] عند نظره ما قدمت يداه، ومعانيته من العذاب عظيم ما يراه، ~~وبعد ذكر تفصيل أحوال وأهوال، أتبع ذلك ما قد كان حاله عليه في دنياه من ~~استبعاد عودته في أخراه، وذكر قرب ذلك عليه سبحانه كما قال في الموضع ~~الآخر # وهو أهون عليه # [الروم: 27] وذلك بالنظر إلينا ولما عهدناه، وإلا فليس عنده سبحانه شيء ~~أهون من شيء # إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون # [يس: 82] فقال تعالى: { والنازعات غرقا } [النازعات: 1] إلى قوله: { ~~يقولون أئنا لمردودون في الحافرة أئذا كنا عظاما نخرة } [النازعات: 10 - ~~11] إذ يستبعدون ذلك ويستدفعونه # فإنما هي زجرة واحدة # [النازعات: 13] أي صيحة # فإذا هم بالساهرة # [النازعات: 14] أي الأرض قياما ينظرون ما قدمت أيديهم ويتمنون أن لو ~~كانوا ترابا ولا ينفعهم ذلك، ثم ذكر تعالى من قصة فرعون وطغيانه ما ~~يناسب الحال في قصد الاتعاظ والاعتبار، ولهذا أتبع القصة بقوله سبحانه # إن في ذلك لعبرة لمن يخشي # [النازعات: 26] انتهى. # ولما أقسم على القيام بتلك الأفعال العظام التي ما أقدر أهلها عليها إلا ~~الملك العلام. ذكر ما يكون فيه من الأعلام تهويلا لأمر الساعة لأن ~~النفوس المحسوسات نزاعة، فالغائبات عندها منسية مضاعة فقال ناصبا الظرف ~~بذلك المحذوف لأنه لشدة وضوحه كالملفوظ به: { يوم ترجف } أي تضطرب ~~اضطرابا كبيرا مزعجا { الراجفة * } أي الصيحة، وهي النفخة الأولى التي ~~هي بحيث يبلغ - من شدة إرجافها للقلوب وجميع الأشياء الساكنة من الأرض ~~والجبال إلى نزع النفوس من جميع أهل الأرض - مبلغا ms5459 تستحق به أن توصف ~~بالعراقة في الرجف، قال البغوي: وأصل الرجفة الصوت والحركة. # ولما ذكر الصيحة الأولى، أتبعها الثانية حالا منها دلالة على قربها ~~قربا معنويا لتحقق الوقوع، ولأن ذلك كله في حكم يوم واحد، فصح مجيء ~~الحال وإن بعد زمنه من زمن صاحبه فقال: { تتبعها الرادفة * } أي الصيحة ~~التابعة لها التي يقوم بها جميع الأموات وتجتمع الرفات، وتضطرب من هولها ~~الأرض والسماوات، وتدك الجبال ويعظم الزلزال، ويكون عنها التسيير بعد ~~المصير إلى الكثيب المهيل، ونحو ذلك من الأمر الشديد الطويل، قال حمزة ~~الكرماني: روى السدي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن الناس إذا ماتوا في ~~النفخة الأولى أمطر عليهم ماء من تحت العرش يدعى ماء الحياة فينبتون منه ~~كما ينبت الزرع من الماء، حتى إذا استكملت أجسادهم نفخ فيها الروح ثم ~~يلقى عليهم نومة فبينما هم في قبورهم نفخ في الصور ثانية فجلسوا وهم ~~يجدون طعم النوم في رؤوسهم وأعينهم. # ولما ذكر البعث، ذكر حال المكذب به لأن السياق له، فقال مبتدئا بنكرة ~~موصوفة: { قلوب يومئذ } أي إذ قام الخلائق بالصيحة التابعة للأولى { ~~واجفة * } أي شديدة الاضطراب أجوافها خوفا تكاد تخرج منها من شدة ~~الوجيف، ولما وصفها بالاضطراب، وكان قد يخفى سببه لكونه قد يكون عند ~~السرور العظيم كما قد يكون عند الوجل الشديد، أخبر عنه بما يحقق معناه ~~فقال: { أبصارها } أي أبصار أصحابها فهو من الاستخدام { خاشعة * } أي ~~ذليلة ظاهر عليها الذل واضطراب القلوب من سوء الحال ولذلك أضافها إليها. # ولما وصفها بالاضطراب والذل، علله ليعرف منه أن من يقول ضد قولهم يكون ~~له ضد وصفهم من الثبات والسكون والعز الظاهر فقال: { يقولون } أي في ~~الدنيا قولا يجددونه كل وقت من غير خوف ولا استحياء استهزاء وإنكارا. ~~{ أإنا لمردودون } أي بعد الموت ممن يتصف بردنا كائنا من كان { في ~~الحافرة * } أي في الحياة التي كنا فيها قبل الموت هي حالتنا الأولى، من ~~قولهم: رجع فلان في حافرته، أي طريقته التي جاء بها فحفرها أي أثر فيها ~~بمشيه ms5460 كما تؤثر الأقدام، والحوافر في الطرق، أطلق على المفعولة فاعلة ~~مبالغة وذلك حقيقته، ثم قيل لمن كان في أمر فخرج منه ثم رجع إليه: رجع ~~إلى حافرته، وقيل: الحافرة الأرض التي هي محل الحوافر. # ولما وصف قلوبهم بهذا الإنكار الذي ينبغي لصاحبه أن يذوب منه خجلا إذا ~~فرط منه مرة واحدة، وأشار إلى شدة وقاحتهم بتكريره، أتبعه التصريح ~~بتكريرهم له على وجه مشير إلى العلة الحاملة لهم على قوله وهو قولهم: { ~~أإذا كنا } أي كونا صار جبلة لنا { عظاما نخرة * } أي هي في غاية ~~الانتخار حتى تفتتت، فكان الانتخار وهو البلى والتفتت والتمزق كأنه طبع ~~لها طبعت عليه، وهي أصلب البدن فكيف بما عداها من الجسم، وعلى قراءة " ~~ناخرة " المعنى أنها خلا ما فيها فصار الهواء ينخر فيها أي يصوت. ### || [79.12-19] # ولما كان العامل في " إذا " مقدرا بنحو أن يقال: نرد إذ ذاك إلى حالتنا ~~الأولى ونقوم كما كنا؟ دل على هذا المحذوف قوله تعالى عنهم: { قالوا } أي ~~مرة من المرات: { تلك } أي الردة إلى الحالة الأولى العجيبة جدا البعيدة ~~من العقل في زعمهم { إذا } أي إذ نرد إلى حياتنا الأولى لا شيء لنا كما ~~ولدنا لا شيء لنا، ونفقد كل ما سعينا في تحصيله وجمعه وتأثيله { كرة } أي ~~رجعة وإعادة وعطفة { خاسرة * } أي هي لشدة خسارتنا فيها بما فقدنا مما ~~حصلناه من الحال والمآل وصالح الخلال، عريقة في الخسارة حتى كأنها هي ~~الخاسرة، ولعله عبر بالماضي لأنهم ما سمحوا بهذا القول إلا مرة من الدهر، ~~وأما أغلب قولهم فكان أنهم يكونون على تقدير البعث أسعد من المؤمنين على ~~قياس ما هم عليه في الدنيا ونحو هذا من الكذب على الله. # ولما كان التقدير: نعم والله لتردن يا هؤلاء، إنما هذا الذي تقولونه كله ~~استبعاد منكم كما أنكم مقرون بسهولته لو عقلتم، أما من جهة القدرة فلأن ~~الابتداء أصعب من الإعادة وأنتم مقرون بالابتداء ولأن الاستبعاد إن كان ~~من جهة وقوع الظن بأن من صار ترابا يصير عوده محالا من ms5461 جهة تعذر تمييز ~~ترابه من تراب غيره، فتمييز النازع والناشط من الملائكة للروح من الجسد ~~أصعب من ذلك بكثير، وكذا غير هذا مما تدبره الملائكة من الأمور، فكيف ~~يصعب على ربهم سبحانه شيء يسهل مثله عليهم، وأما من جهة العوائد فإن ~~أحدا لا يدع رعية له بغير حساب أصلا، وأما من جهة الوعد فقد تقدم به، ~~وليس من شيم الكرام فضلا عن الملوك إخلاف الوعد ولا إقرار الظلم فلا ~~تكذبوا بها ولا تستصعبوها، قال مسببا عن هذا المقدر مهددا لأصحاب ~~الشبهة المقلدين: { فإنما هي } أي القيامة { زجرة * } أي صيحة بانتهار ~~تتضمن الأمر بالقيام والسوق إلى المحشر والمنع من التخلف { واحدة * } عبر ~~بالزجر وهو أشد من النهي لأنه يكون للعرض لأنها صيحة لا يتخلف عنها ~~القيام أصلا، فكان كأن لسان الحال قال عن تلك الصيحة: أيها الأجساد ~~البالية! انتهي عن الرقاد، وقومي إلى الميعاد، بما حكمنا به من المعاد، ~~فقد انتهى زمان الحصاد، وآن أوان الاجتناء لما قدم من الزاد، فيا ويل من ~~ليس له زاد! { فإذا هم } أي فتسبب عن هذه النفخة - وهي الثانية - أنهم ~~فاجؤوا بغاية السرعة كونهم أحياء قائمين { بالساهرة * } أي على ظهر الأرض ~~البيضاء المستوية الواسعة التي يجددها الله للجزاء فتكون سعتها كأنها قد ~~ابتلعتهم على كثرتهم التي تفوت العد، وتزيد على الحد، سميت بذلك لأن ~~الشراب يجري فيها من الساهرة وهي العين الجارية، أو لأن سالكها يسهر ~~خوفا كما أن النوم يكون آمنة، أو لأن هذه الأرض بالخصوص لا نوم فيها مع ~~طول الوقوف وتقلب الصروف الموجبة للحتوف. # ولما كانت قصة موسى عليه الصلاة والسلام مع القبط أشبه شيء بالقيامة لما ~~حصل فيها من التقلبات والتغيرات وإيجاد المعدومات من الجراد والقمل ~~والضفادع على تلك الهيئات الخارجة عن العادات في أسرع وقت. وقهر الجبابرة ~~والمن على الضعفاء حتى كان آخر ذلك أن حشر بني إسرائيل فنشطهم من القبط ~~نشطا رقيقا كلهم وجميع ما لهم مع دوابهم إلى ربهم وحشر جميع القبط ~~وراءهم فنزعهم نزعا كلهم بحشر فرعون ms5462 لهم بأصوات المنادين عنه في أسرع ~~وقت وأيسر أمر إلى هلاكهم كما يحشر الأموات بعد إحيائهم بالصيحة إلى ~~الساهرة، ثم كانت العاقبة في الطائفتين بما للمدبرات أمرا أن نجا بنو ~~إسرائيل بالبحر كما ينجو يوم البعث المؤمنون بالصراط، وهلك فرعون وآله به ~~كما يتساقط الكافرون بالصراط، وذلك أنه رأى فرعون وجنوده البحر قد انفلق ~~لبني إسرائيل فلم يعتبروا بذلك ثم دخلوا فيه وراءهم، ولم يجوزوا أن الذي ~~حسره عن مكانه قادر على أن يعيده كما ابتدأه فيغرقهم واستمروا في عماهم ~~حتى رده الله فأغرقهم به كما أن من يكذب بالقيامة رأى بدء الله له ولغيره ~~وإفناءه بعد إبدائه ثم إنه لم يجز أن يعيده كما بدأه أول مرة،وصل بذلك ~~قوله تعالى جوابا لمن يقول: هل لذلك من دليل؟ مخاطبا لأشرف الخلق إشارة ~~إلى أنه لا يعتبر هذا حق اعتباره إلا أنت، مستفهما عن الإتيان للتنبيه ~~والحث على جمع النفس على التأمل والتدبر والاعتبار مقررا ومسليا له صلى ~~الله عليه وسلم ومهددا للمكذبين أن يكون حالهم - وهم أضعف أهل الأرض ~~لأنه لا ملك لهم - حكال فرعون في هذا، وقد كان أقوى أهل الأرض بما كان له ~~من الملك وكثرة الجنود وقوتهم وسحرهم ومرودهم في خداعهم ومكرهم ورأى من ~~الآيات ما لم يره أحد قبله، فلما أصر على التكذيب ولم يرجع ولا أفاده ~~التأديب أغرقه الله وآله فلم يبق منهم أحدا وقد كانوا لا يحصون عددا ~~بحيث إنه قيل: إن طليعته كانت على عدد بني إسرائيل ستمائة ألف: { هل أتاك ~~} أي يا أعلم الخلق { حديث موسى * } أي ما كان من أمره الذي جددناه له ~~حين أردناه فيكون كافيا لك في التسلية ولقومك في الحث على التصديق ~~والتنبيه على الاعتبار والتهديد على التكذيب والإصرار { إذ } أي حين { ~~ناداه ربه } أى المحسن إليه بإيجاده وتقريبه وتدبيره أمر إرساله وتقديره ~~{ بالواد المقدس } أي المطهر غاية التطهر بتشريف الله له بإنزال النبوة ~~المفيضة للبركات، ثم بينه بقوله: { طوى * } وهو الذي طوى فيه الشر عن بني ~~إسرائيل ms5463 ومن أراد الله من خلقه ونشر بركات النبوة على جميع أهل الأرض ~~المسلم بإسلامه، وغيره برفع عذاب الاستئصال عنه، فإن العلماء قالوا: إن ~~عذاب القبر - أي عذاب الاستئصال - ارتفع حين أنزلت التوراة. # وهو واد بالطور بين أيلة ومصر. # ولما ذكر المناداة فسر ثمرتها بقوله مستأنفا منبها لأصحاب الشهوة ~~المعجبين المتكبرين، وقد أرشد السياق إلى أن التقدير، ناداه قائلا: { ~~اذهب إلى فرعون } أي ملك مصر الذي كان استعبد بني إسرائيل ثم خوف من ~~واحد منهم فصار يذبح أبناءهم خوفا منه وهو أنت فربيناك في بيته لهلاكه ~~حتى يعلم أنه لا مفر من قدرنا، فكنت أعز بني إسرائيل، وكان سبب هلاكه معه ~~في بيته بمرأى منه ومسمع وهو لا يشعر بذلك ثم قتلت منهم نفسا وخرجت من ~~بلدهم خائفا تترقب. # ولما أمره بالذهاب إليه، علله بما يستلزم إهلاكه على يده عليه الصلاة ~~والسلام إشارة له بالبشارة بأنه لا سبيل له عليه، ولذلك أكده لأن مثل ذلك ~~أمر يقتضي طبع البشر التوقف فيه فقال: { إنه طغى * } أي الحد وتجاوز الحد ~~فاستحق المقابلة بالجد، ثم سبب عن الذهاب إليه قوله { فقل } أي له ~~تفصيلا لبعض ما تقدم في " طه " من لين القول ولطف الاستدعاء في الخطاب: ~~{ هل لك } أي ميل وحاجة { إلى أن تزكى * } أي تتحلى بالفضائل، وتتطهر من ~~الرذائل، ولو بأدنى أنواع التزكي: الطهارة الظاهرة والباطنة الموجبة ~~للنماء والكثرة، وإفهام الأدنى بما يشير إليه إسقاط تاء التفعل المقتضي ~~للتخفيف، وذلك بالإذعان المقتضي للإيمان وإرسال بني إسرائيل، وقرأ ~~الحجازيان ويعقوب بالتشديد أي تزكية بليغة لأن من دخل في التزكي على يد ~~كامل لا سيما بني من أولي العزم أوشك أن يبلغ الغاية في الزكاء. # ولما أشار له الطهارة عن الشرك، أتبعها الأعمال فقال: { وأهديك } أي ~~أبين لك بعد التزكية بالإيمان الذي هو الأساس: كيف المسير { إلى ربك } أي ~~الموجد لك والمحسن إليك والمربي لك بتعريفك ما يرضيه من الأعمال وما ~~يغضبه من الخصال بعد أن بلغك في الدنيا غاية الآمال { فتخشى * } أي ~~فيتسبب عن ms5464 ذلك أنك تصير تعمل أعمال من يخاف من عذابه خوفا عظيما، فتؤدي ~~الواجبات وتترك المحرمات وسائر المنهيات، فتصير إلى أعلى رتب التزكية ~~فتجمع ملك الآخرة إلى ملك الدنيا، فإن الخشية هي الحاملة على كل خير، ~~والآمن هو الحامل على الشر. ### || [79.20-28] # ولما كان التقدير: فذهب إليه كما أمره الله تعالى، فقال له ذلك فطلب ~~الدليل على صحة الرسالة واستبعد أن يختص عنه بهذه المنزلة العلية وقد ~~رباه وليدا { فأراه } أي فتسبب عن طلبه له أنه دل على صدقه بأنه أراه { ~~الآية } أي العلامة الدالة على ذلك { الكبرى * } وهي قلب العصا حية أو ~~جميع معجزاته { فكذب } أي فتسبب عن رؤية ذلك أنه أوقع التكذيب بشيء إنما ~~يقتضي عند رؤيته التصديق { وعصى * } أي أوقع العصيان، وهو الإباء الكبير ~~والتكبر عن امتثال ما دعي إليه مجموعا إلى التكذيب بعد إقامة الدليل على ~~الصدق وتحقق الأمر. # ولما كان التمادي على التكذيب ممن رأى وعرف الحق ولا سيما إذا كان ~~كبيرا مستبعدا جدا، أشار إليه بأداة التراخي مع دلالتها على حقيقة ~~التراخي أيضا فقال: { ثم أدبر } أي فرعون بعد المهلة والأناة إدبارا ~~عظيما بالتمادي على أعظم مما كان فيه من الطغيان بعد خطوب جليلة ومشاهد ~~طويلة. حال كونه { يسعى * } أي يعمل بغاية جهده عمل من هو مسرع غاية ~~الإسراع في إبطال الأمر الرباني بقلة عقله وفساد رأيه وأبى أن يقبل الحق ~~{ فحشر } أي فتسبب عن إدباره ساعيا وتعقبه أنه جمع السحرة طوعا وكرها ~~وزاد عليهم أيضا جنوده { فنادى * } أي في المجامع { فقال } أي مناديه ~~الذي لا يشك أنه عنه، فكان قوله كقوله: { أنا } وقال حمزة الكرماني: قال ~~له موسى عليه السلام: إن ربي أرسلني إليك، لئن آمنت بربك تكون أربعمائة ~~سنة في السرور والنعيم، ثم تموت فتدخل الجنة، فقال: حتى أستشير هامان، ~~فاستشاره فقال: أتصير عبدا بعد ما كنت ربا تعبد، فعند ذلك بعث الشرط ~~وجمع السحرة والجنود، فلما اجتمعوا قام عدو الله على سريره فقال: أنا { ~~ربكم الأعلى * } فكان هذا نداؤه يعني كلكم أرباب ms5465 بعضكم فوق بعض وأنا ~~أعلاكم، ولا رب فوقي أصلا، وذلك لأن الإله عنده الطبيعة، وهي مقسمة في ~~الموجودات، فهم كلهم أرباب، ومن كان أعلى كان أقعد في المراد، وهو كان ~~أعلى منهم فقبحه الله ولعنه ولعن من تمذهب بمذهبه كابن عربي وابن الفارض ~~وأتباعهما حيث أنكروا المختار الملك القهار، ورسوله المصطفى المختار، ~~وتبعوا في وحدة الوجود بعض الفلاسفة ثم الحلاج بعد فرعون هذا الذي لم ~~يصرح الله بذم أحد ما صرح بذمه، ولم يصرح بشقاء أحد ما صرح بشقائه، كهذه ~~الآية فإنها مصرحة بوقوع نكاله في الآخرة كما وقع في الدنيا، وقوله ~~تعالى: # فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين وجعلناهم ~~أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون وأتبعناهم في هذه الدنيا ~~لعنة ويوم القيامة هم المقبوحين # [القصص: 40 - 42] إلى غير ذلك من الآيات البينات والدلائل الواضحات التي ~~لا تحصى وهي كثيرة، وأعظمها القياس البديهي الإنتاج # وإن فرعون لعال في الأرض وإنه لمن المسرفين # [يونس: 83] # وإن المسرفين هم أصحاب النار # [غافر: 43] ويروى أن إبليس لما سمع منه قوله هذا قال: إني تجبرت على آدم ~~فلقيت ما لقيت، وهذا يقول هذا؟ وهذا دعاه إليه الكبر الناشىء من فتنة ~~السراء التي الصبر فيها أعظم من الصبر في الضراء، قال الإمام الغزالي في ~~كتاب الصبر من الإحياء: فالصبر على الطاعة شديد لأن النفس بطبعها تنفر عن ~~العبودية وتشتهي الربوبية، ولذلك قال بعض العارفين: ما من نفس إلا وهي ~~مضمرة ما أظهره فرعون من قوله { أنا ربكم الأعلى } [النازعات: 24] ولكن ~~فرعون وجد له مجالا وقبولا فأظهره إذ استحف فأطاعوه وما من أحد إلا وهو ~~يدعي ذلك مع عبده وخادمه وأتباعه وكل من هو تحت قهره وطاعته وإن كان ~~ممتنعا من إظهاره، فإن امتعاضه وغيظه عند تقصيرهم في خدمته لا يصدر إلا ~~عن إضمار الكبر ومنازعة الربوبية في رداء الكبرياء - انتهى. ويؤيده أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم ما لام خادمه في شيء قط - والله تعالى هو ~~الموفق للصواب. # ولما أخبر ms5466 سبحانه عنه بهذه الكلمة الشنعاء القادحة في الملك، وكان ~~الملوك لا يحتملون ذلك بوجه، سبب عنها وعقب قوله: { فأخذه الله } أي ~~الملك الذي لا كفوء له ولا أمر لأحد معه أخذ قهر وذل منكلا به مخذلا ~~له: { نكال الآخرة } فهو مصدر من المعنى، أي أخذ تنكيل فيها يكون مثلا ~~يتقيد به ويتعظ كل من سمعه عن مثل حال فرعون، وقدمها اهتماما بشأنها ~~وإشارة إلى أن عظمة عذابها أعظم ولا يذوقه الإنسان إلا بكشف غطاء الدنيا ~~بالموت، وتنبيها على أن المنع من مثل هذه الدعوى للصدق بها أمكن، وليس ~~ذلك للفاصلة لأنه لو قيل: " الأخرى " لوافقت { والأولى * } أي ونكال ~~الدنيا الذي هو قبل الآخرة فإن من سمع قصة غرقه ومجموع ما اتفق له كان له ~~ذلك نكالا مانعا من عمل مثله أو أقل منه، قال الضحاك: أما في الدنيا ~~فأغرقه الله تعالى وألقاه بنجوة من الأرض، أما في العقبى فيدخله الله ~~تعالى النار ويجعله ظاهرا على تل منها مغلولا مقيدا ينادي عليه هذا ~~الذي ادعى الربوبية دون الله انتهى. وأنا لا أشك أن الحلاج وابن عربي ~~وابن الفارض، وأتباعهم يكونون في النار تحتهم وتحت آله يشربون عصارتهم، ~~فإنهم ادعوا أنه ناج وصدقوه فيما ادعاه وادعوا لأنفسهم وغيرهم مثل ما ~~ادعاه تكذيبا للقرآن وإغراقا في العدوان، وزادوا عليه بابتذال الاسم ~~الأعظم الذي حماه الله من أن يدعيه أحد قبل إرسال النبي صلى الله عليه ~~وسلم فادعوا أنه يطلق عليهم وعلى كل أحد بل كل شيء، وأمارة هذه الطائفة ~~الخبيثة التي لا تتخلف أن تقول لأحدهم: العن فرعون الذي أجمع على لعنه ~~جميع الطوائف. # وهو مثل عندهم في الشرارة والخبث فلا يلعنه، وإن لعنه فبعد توقف. # ولما لخص سبحانه وتعالى ما مضى من قصصه في هذه الكلمات اليسيرة أحسن ~~تلخيص وأقربه مع عدم المخالفة لشيء مما مضى لأن المفصل موضع الاختصار أما ~~باعتبار النزول فإنه نزل أولا فكان تقريب القصص للناس بالاقتصار على ما ~~لا بد منه أولى ليستأنسوا به، وأما من جهة ms5467 الترتيب فلتذكيرهم بما مضى ~~ليجتمع في المخيلة في أقرب وقت ويتذكر به ذلك المبسوط، وختمه بأخذه هذا ~~الأخذ الغريب أرشد إلى ما في القصة من العبرة، مشيرا إلى استحضار ما مضى ~~كله، فقال مؤكدا مقررا للمكذب ومنبها للمصدق: { إن في ذلك } أي الأمر ~~العظيم الذي فعله والذي فعل به { لعبرة } أي أمرا عظيما يتعمد الاعتبار ~~به من معنى إلى معنى حتى يقع به الوصول إلى كثير من المعارف { لمن يخشى * ~~} أي من شأنه الخوف العظيم من الله لأن الخشية - كما تقدم - هي أساس ~~الخير، فأول العبور أن ينقل السامع حال غيره إليه فيتذكر بإنجاء بني ~~إسرائيل على ضعفهم منهم على قوتهم ثم بقوة ما حصل لهم من القهر من ذلك ~~حتى أوجب اتباعهم بالجنود ثم بفرق البحر ثم بإيرادهم إياه ثم بإغراقهم ~~فيه كلمح البصر لم يخرج منهم مخبر قدرة الله تعالى على إيراد الكفار ~~النار وقهر كل جبار وبجعل العصا حية وإخراج القمل والضفادع من الأرض ~~وتحويل الماء دما قدرته سبحانه وتعالى على ذلك السامع بالعذاب وغيره ~~وعلى خصوص البعث - إلى غير ذلك من العبر وواضح الأثر. # ولما ختم قصة فرعون - لعنه الله - بالعبرة، وكان أعظم عبرتها القدرة ~~التامة لا سيما على البعث كما هي مشيرة إليه بأولها وآخرها، والعقوبة على ~~التكذيب به لأن التكذيب به يجمع مجامع الشر والتصديق به يجمع مجامع ~~الخير، وكانوا يستبعدونه لاستبعاد القدرة عليه، وصل به ما هو كالنتيجة ~~منه، فقال مقررا مخاطبا لأصحاب الشبهة الشاكين موقفا لهم على القدرة ~~منكرا عليهم استبعادهم وذلك ملتفتا بعد تخصيص الخطاب به صلى الله عليه ~~وسلم لما تقدم من دقة فهمه وجلالة علمه صلى الله عليه وسلم إلى عموم ~~الخطاب لوضوح هذا البرهان لكل إنسان استعطافا بهم في توبيخ: { أأنتم } ~~أي أيها الأحياء مع كونكم خلقا ضعيفا { أشد خلقا } أي أصعب وأثقل من ~~جهة التقدير والإيجاد { أم السماء } على ما فيها من السعة والكبر والعلو ~~والمنافع. # ولما كان الجواب قطعا: السماء - لما يرى من أعظمها لأن العالم ms5468 الإنساني ~~مختصر العالم الآفاقي، ويزيد الآفاقي طول البقاء مع عدم التأثر، وصل به ~~قوله دليلا على قدرته على البعث لقدرته على ما هو أشد منه لأن الذي قدر ~~على ابتداء الأكبر هو على إعادة الأصغر أقدر، مبينا لكيفية خلقه لها: { ~~بناها * } أي جعلها سقفا للأرض على ما لها من العظمة، ثم بين البناء ~~بقوله: { رفع سمكها } أي جعل مقدار ارتفاعها من الأرض أو سمنها الذاهب في ~~العلو رفيعا، قال في القاموس: السمك السقف، أو من أعلى البيت إلى أسفله، ~~أو القامة من كل شيء، وقال أبو حيان: السمك الارتفاع الذي بين سطح السماء ~~الذي يلينا وسطحها الذي يلي ما فوقها: { فسواها * } أي عدلها عقب ذلك بأن ~~جعلها مستوية لا شيء فيها أعلى من شيء ولا أخفض ولا فطور فيها، وأصلحها ~~بما تم به كمالها من الكواكب وغيرها، وجعل مقدار تخن كل سماء وما بين كل ~~سماءين وتخن كل أرض وما بين كل أرضين على السواء لا يزيد شيء من ذلك على ~~الآخر أصلا. ### || [79.29-37] # ولما كان كل من ذلك يدل على القدرة على البعث لأنه إيجاد ما هو أشد من ~~خلق الآدمي من عدم، أتبعه ما يتصور به البعث في كل يوم وليلة مرتين فقال: ~~{ وأغطش } أي أظلم إظلاما لا يهتدي معه إلى ما كان في حال الضياء { ~~ليلها } أي بغياب شمسها فأخفى ضياءها بامتداد ظل الأرض على كل ما كانت ~~الشمس ظهرت عليه. وأضافه إليها لأنه يحدث بحركتها، وبدأ به لأنه كان ~~أولا، والعدم قبل الوجود { وأخرج ضحاها * } بطلوع شمسها فأضاء نهارها، ~~فالآية من الاحتباك: دل ب " أغطش " على " أضاء " وبإخراج الضحى على ~~إخفاء الضياء، ولعله عبر بالضحى عن النهار لأنه أزهر ما فيه وأقوى نورا. # ولما بدأ بدلالة العالم العلوي لأنه أدل لما فيه من العجائب والمنافع مع ~~كونه أشرف، فذكر أنه أتقن السماء التي هي كالذكر، ثنى بأنه سوى ما هي لها ~~كالأنثى فقال: { والأرض } ولما كان المراد استغراق الزمان باستمرار ~~الدحو، حذف الخافض فقال: { بعد ذلك ms5469 } أي المذكور كله { دحاها } أي بسطها ~~ومدها للسكنى وبقية المنافع بعد أن كان خلقها وأوجدها قبل إيجاد السماء ~~غير مسواة بالفعل ولا مدحوة. # ولما ذكر الدحو، أتبعه ما استلزمه من المنافع لتوقف السكنى المقصودة ~~بالدحو عليه فقال كالمبين له من غير عاطف: { أخرج منها } أي الأرض { ~~ماءها } بتفجير العيون، وإضافته إليها دليل على أنه فيها { ومرعاها * } ~~الذي يخرج بالماء، والمراد ما يرعى منها ومكانه وزمانه. # ولما ذكر الأرض ومنافعها، ذكر المراسي التي تم بها نفعها فقال: { ~~والجبال } أي خاصة { أرساها * } أي أثبتها وأقرها ومع كونها ثابتة لا ~~تتحول فإنه سبحانه جعلها مراسي للأرض تكون سببا لثباتها كما أن المراسي ~~سبب لثبات السفينة. ولما كانت الإعادة واضحة من تناول الحيوان المأكل ~~والمشرب وغيرهما من المتاع فإنه كلما نقص منه شيء تناول ما قدر له ليعود ~~ذلك أو بعضه، قال منبها على أنه كل يوم في إعادة بانيا حالا مما تقدم ~~تقديره: حال كونها { متاعا } مقدرا { لكم } تتمتعون بما فيها من ~~المنافع { ولأنعامكم * } أي مواشكيم بالرعي وغيره. # ولما ذكر ما دل على البعث، أتبعه ما يكون عن البعث مسببا عنه دلالة على ~~أن الوجود ما خلق إلا لأجل البعث لأنه محط الحكمة: { فإذا جاءت } أي بعد ~~الموت { الطامة الكبرى * } أي الداهية الدهياء التي تطم - أي تعلو - على ~~سائر الدواهي وتغطيها فتكون أكبر داهية توجد، وهي البعث بالنفخة الثانية ~~- كما قاله ابن عباس رضي الله عنهما، والعامل في " إذا " محذوف تقديره: ~~فصل الناس إلى شقي وسعيد. # ولما كان الشيء لا يعرف قدره إذا كان غائبا إلا بما يكون فيه، قال ~~مبدلا منه: { يوم يتذكر } أي تذكرا عظيما ظاهرا - بما أشار إليه ~~الإظهار { الإنسان } أي الخلق الآنس بنفسه الغافل عما خلق له { ما سعى * ~~} أي عمل كله من خير وشر لأنه يراه في صحيفة أعماله، والإخبار عن تذكره ~~منبها على ما في ذلك اليوم من الخطر لأن أحدا لا يعمل جهده في تذكره ~~إلا لمحوج إلى ذلك وهو الحساب وتدوينه في صحيفة أعماله. # ولما ms5470 أشار إلى الحساب ذكر ما بعده فقال: { وبرزت } أي أظهرت إظهارا ~~عظيما، وبناه للمفعول لأن الهائل مطلق تبريزها لا كونه من معين، مع ~~الدلالة على الخفة والسهولة لكونه على طريقة كلام القادرين { الجحيم } أي ~~النار التي اشتد وقدها وحرها { لمن يرى * } أي كائنا من كان لأنه لا ~~حائل بين أحد وبين رؤيتها، لكن الناجي لا يصرف بصره إليها فلا يراها كما ~~قال تعالى: # لا يسمعون حسيسها # [الأنبياء: 102]. # ولما كان جواب " إذا " كما مضى محذوفا، وكان تقديره أن قسم الناس ~~قسمين: قسم للجحيم وقسم للنعيم، قال تعالى مسببا عنه مفصلا: { فأما من ~~طغى * } أي تجاوز الحد في العدوان فلم يخش مقام ربه، قال في القاموس: ~~طغى: جاوز القدر وارتفع وطغى: غلا في الكفر وأسرف في المعاصي والظلم، ~~والماء: ارتفع. ### || [79.38-41] # ولما كان الذي بعد حدود الله هو الدنيا، صرح به فقال: { وآثر } أي أكرم ~~وقدم واختار { الحياة الدنيا * } بأن جعل أثر العاجلة الدنية لحضورها ~~عنده أعظم من أثر الآخرة العليا لغيابها، فكان كالبهائم لا إدراك له لغير ~~الجزئيات الحاضرة، فانهمك في جميع أعمالها وأعرض عن الاستعداد للآخرة ~~بالعبادة وتهذيب النفس فلم ينه نفسه عن الهوى. # ولما كان الإنسان مؤاخذا بما اكتسب، سبب عن أعماله هذه قوله مؤكدا ~~لتكذيبهم ذلك: { فإن الجحيم } أي النار الشديدة التوقد العظيمة الجموع ~~على من يدخلها { هي } أي لا غيرها { المأوى * } أي المسكن له - هذا مذهب ~~البصريين أن الضمير محذوف، وعند الكوفيين أن " أل " نائب عن الضمير - ~~قاله أبو حيان. # ولما ذكر الطاغي، أتبعه المتقي فقال: { وأما من خاف } ولما كان ذلك ~~الخوف مما يتعلق بالشيء لأجل ذلك الشيء أعظم من ذكر الخوف من ذلك الشيء ~~نفسه فقال: { مقام ربه } أي قيامه بين يدي المحسن إليه عند تذكر إحسانه ~~فلم يطغ فكيف عند تذكر جلاله وانتقامه، أو المكان الذي يقوم فيه بين يديه ~~والزمان، وإذا خاف ذلك المقام فما ظنك بالخوف من صاحبه، وهذا لا يفعله ~~إلا من تحقق المعاد. # ولما ذكر الخوف ذكر ما يتأثر عنه ms5471 ولم يجعله مسببا عنه ليفهم أن كلا ~~منهما فاصل على حياله وإن انفصل عن الآخر فقال: { ونهى النفس } أي التي ~~لها المنافسة { عن الهوى } أي كل ما تهواه فإنه لا يجر إلى خير لأن النار ~~حفت بالشهوات، والشرع كله مبني على ما يخالف الطبع وما تهوى الأنفس، وذلك ~~هو المحارم التي حفت بها النار فإنها بالشهوات، قال الرازي: والهوى هو ~~الشهوة المذمومة المخالفة لأوامر الشرع. قال الجنيد: إذا خالفت النفس ~~هواها صار داؤها دواءها، أي فأفاد ذلك أنه لم يؤثر الحياة الدنيا، فالآية ~~من الاحتباك: أتى بطغى دليلا على ضده ثانيا، وبالنهي عن الهوى ثانيا ~~دلالة على إيثار الدنيا أولا. ولما كان مقام ترغيب، ربط الجزاء بالعمل ~~كما صنع في الترهيب فقال وأكد لأجل تكذيب الكفار: { فإن الجنة } أي ~~البستان الجامع لكل ما يشتهي { هي } أي خاصة { المأوى * } أي له، لا يأوي ~~إلى غيرها، وهذا حال المراقبين. ### || [79.42-46] # ولما قسمهم هذا التقسيم المفهم أن هذا شيء لا بد منه، استأنف ذكر ~~استهزائهم تعجيبا منهم فقال: { يسئلونك } أي قريش على سبيل التجديد ~~والاستمرار سؤال استهزاء وإنكار واستبعاد: { عن الساعة } أي البعث الآخر ~~لكثرة ما تتوعدهم بها عن أمرنا. ولما كان السؤال عنها مبهما بينه بقوله: ~~{ أيان مرساها * } أي في أي وقت إرساؤها أي وقوعها أو ثباتها واستقرارها. # ولما كان إيراد هذا هكذا مفهما للإنكار عليهم في هذا السؤال، وكان من ~~المعلوم أنه يقول: إنهم ليسألونني وربما تحركت نفسه الشريفة صلى الله ~~عليه وسلم إلى إجابتهم لحرصه على إسلامهم شفقة عليهم، فطمه عن ذلك وصرح ~~بالإنكار بقوله: { فيم } أي في أي شيء { أنت من ذكراها * } أي ذكرها ~~العظيم لتعرفها وتبين وقتها لهم حرصا على إسلامهم، وذلك لا يفيد علمها، ~~ثم عرفها بما لا يمكن المزيد عليه مما أفادته الجملة التي قبل من أنه لا ~~يمكن علمها لغيره سبحانه وتعالى فقال: { إلى ربك } أي المحسن إليك وحده { ~~منتهاها * } أي منتهى علمها وجميع أمرها. # ولما كان غاية أمرهم أنهم يقولون: إنه متقول من عند ms5472 نفسه، قلب عليهم ~~الأمر فقال: { إنما أنت } أي يا أشرف المرسلين { منذر } أي مخوف على سبيل ~~الحتم الذي لا بد منه مع علمك بما تخوف به العلم الذي لا مرية فيه { من ~~يخشاها * } أي فيه أهلية أن يخافها خوفا عظيما فيعمل لها لعلمه ~~بإتيانها لا محالة وعلمه بموته لا محالة وعلمه بأن كل ما تحقق وقوعه فهو ~~قريب، وذلك لا يناسب تعيين وقتها فإن من فيه أهلية الخشية لا يزيده ~~إبهامها إلا خشية، وغيره لا يزيده ذلك إلا اجتراء وإجراما، فما أرسلناك ~~إلا للإنذار بها لا للإعلام بوقتها، فإن النافع الأول دون الثاني، ولست ~~في شيء مما يصفونك به كذبا منهم لأنا ما نرسل المرسلين إلا مبشرين ~~ومنذرين ولا أنت مبعوث لتحرير وقت الساعة وعلم عينه، وإنما قصره على من ~~يخشى لأن غيره لا ينتفع بإنذاره، فكان كأنه لم يحصل له الإنذار، ولهذا ~~المعنى أضاف إشارة إلى أنه عريق في إنذار من يخشى، وأما غيره فهو منذر له ~~في الجملة أي يحصل له صورة الإنذار لأنه منذره بمعنى أنه لا يحصل له معنى ~~الإنذار. # ولما أثبت أنه منذر، وكان أخوف الإنذار الإسراع، قال مستأنفا محقرا ~~لهم الدنيا مزهدا لهم فيها: { كأنهم } أي هؤلاء المنكرين لصحة الإنذار ~~بها { يوم يرونها } أي يعلمون قيامها علما هو كالرؤية ويرون ما يحدث ~~فيها بعد سماع الصيحة وقيامهم من القبور من علمهم بما مر من زمانهم وما ~~يأتي منه { لم يلبثوا } أي في الدنيا وفي القبور { إلا عشية } أي من ~~الزوال إلى غروب الشمس. # ولما كانوا على غير ثقة من شيء مما يقولونه قال: { أو ضحاها * } أي ضحى ~~عشية من العشايا وهو البكرة إلى الزوال، والعشية ما بعد ذلك، أضيف إليها ~~الضحى لأنه من النهار، ولإضافة تحصل بأدنى ملابسة، وهي هنا كونهما من ~~نهار واحد، فالمراد ساعة من نهار أوله أو آخره، لم يستكملوا نهارا تاما ~~ولم يجمعوا بين طرفيه، وهذا كما قال صلى الله عليه وسلم # " ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم ms5473 إصبعه في اليم فلينظر بم يرجع ~~" # وهذا تعبير لنا بما نحسه تقريبا لعقولنا وإن كانت القاعدة أنه لا نسبة ~~لما يتناهى إلى ما لا يتناهى على أن الكفار أيضا يستقصرون مدة لبثهم، ~~فكأنهم أصناف: بعضهم يقول: إن لبثتم إلا عشرا، وبعضهم يقول: إن لبثتم ~~إلا يوما، وبعضهم يتحير فيقول: اسأل العادين، أو أن تلك أقوالهم، والحق ~~من ذلك هو ما أخبر الله به غير مضاف إلى أقوالهم من أن ما مضى لهم في جنب ~~ما يأتي كأنه ساعة من نهار بالنسبة إلى النهار الكامل كما قال تعالى في ~~سورة يونس عليه الصلاة والسلام # ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم # [يونس: 45] على أن منهم من يقول ذلك أيضا كما قال تعالى في سورة ~~المؤمنين حين قال تعالى # كم لبثتم في الأرض عدد سنين قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فاسأل العادين # [المؤمنون: 112 - 113] وذلك بالنسبة إلى ما كشف لهم عن أنهم يستقبلونه ~~مما لا آخر له أو أنهم لما نزعتهم نفحة إسرافيل عليه الصلاة والسلام بيد ~~القدرة من قبورهم غرقا نزعا شديدا فقاموا ورأوا تلك الأهوال وعلموا ما ~~يستقبلونه من الأوجال استقصروا مدة لبثهم قبل ذلك لأن من استلذ شيئا ~~استقصر مدته وهم استلذوا ذلك وإن كان من أمر المر في جنب لهم عن أنهم ~~لاقوه، فقد رجع آخرها بالقيامة على أولها، والتف مفصلها بنزع الأنفس ~~اللوامة على موصلها، واتصلت بأول ما بعدها من جهة الخشية والتذكر فيا طيب ~~متصلها، فسبحان من جعله متعانق المقاطع والمطالع، وأنزله رياضا محكمة ~~المذاهب والمراجع، والله سبحانه وتعالى هو الموفق للصواب وإليه المرجع ~~والمآب. ### | [80 - سورة عبس] ### || [80.1-6] # لما قصره سبحانه على إنذاره من يخشى، وكان قد جاءه صلى الله عليه وسلم ~~عبد الله بن أم مكتوم الأعمى رضي الله تعالى عنه، وكان من السابقين، وكان ~~النبي صلى الله عليه وسلم حين مجيئه مشتغلا بدعاء ناس من صناديد قريش ~~إلى الله تعالى، وقد وجد منهم نوع لين، فشرع عبد الله ms5474 رضي الله عنه يسأله ~~وهو لا يعلم ما هو فيه من الشغل، يسأله أن يقرئه ويعلمه مما عمله الله ~~فكره أن يقطع كلامه مع أولئك خوفا من أن يفوته منهم ما يرجوه من إسلامهم ~~المستتبع لإسلام ناس كثير من أتباعهم، فكان يعرض عنه ويقبل عليهم، وتظهر ~~الكراهة في وجهه، لاطفه سبحانه وتعالى بالعتاب عن التشاغل عن أهل ذلك ~~بالتصدي لمن شأنه أن لا يخشى لافتتانه بزينة الحياة الدنيا وإقباله ~~بكليته على ما يفنى، فقال مبينا لشرف الفقر وعلو مرتبته وفضل أهل الدين ~~وإن هانوا، وخسة أهل الدنيا وإن زانوا، معظما له صلى الله عليه وسلم ~~بسياق الغيبة كما قال سعد بن معاذ رضي الله عنه لما حكم في بني قريظة: ~~وعلى من ههنا - يشير إلى ناحية النبي صلى الله عليه وسلم وهو معرض عنها ~~حياء منه صلى الله عليه وسلم وإجلالا له: { عبس } أي فعل الذي هو أعظم ~~خلقنا ونجله عن أن نواجهه بمثل هذا العتاب بوجهه فعل الكاره للشيء من ~~تقطيب الوجه بما له من الطبع البشري حين يحال بينه وبين مراده، وآذن ~~بمدحه صلى الله عليه وسلم بأن ذلك خلاف ما طبعه عليه سبحانه من رحمة ~~المساكين ومحبتهم والسرور بقربهم وصحبتهم بقوله { وتولى * } أي كلف نفسه ~~الإعراض عنه رجاء أن يسلم أولئك الأشراف الذين كان يخاطبهم فيتأيد بهم ~~الإسلام ويسلم بإسلامهم أتباعهم فتعلو كلمة الله لأجل { أن جاءه الأعمى * ~~} الذي ينبغي أن يبالغ في العطف عليه وفي إكرامه جبرا لكسره واعترافا ~~بحقه في مجيئه، وذكره بالوصف للإشعار بعذره في الإقدام على قطع الكلام ~~والبعث على الرأفة به والرحمة له، فكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~إذا رآه بعد ذلك قال: # " مرحبا بمن عاتبني فيه ربي " # واستخلفه على المدينة الشريفة عند غزوه مرتين، قال أنس بن مالك رضي الله ~~عنه: ورأيته يوم القادسية عليه درع ومعه راية سوداء رضي الله عنه. # ولما عرف بسياق الغيبة ما أريد من الإجلال، وكان طول الإعراض موجبا ~~للانقباض، أقبل عليه صلى الله ms5475 عليه وسلم فقال: { وما يدريك } أي وأي شيء ~~يجعلك داريا بحاله وإن اجتهدت في ذلك فإن ذوات الصدور لا يعلمها إلا ~~الله تعالى { لعله } أي الأعمى { يزكى } أي يكون بحيث يرجى تطهره ونمو ~~أحواله الصالحة بما يسمع منك ولو على أدنى الوجوه بما يشير إليه إدغام ~~تاء الافتعال، وكذا قوله: { أو يذكر } أي أو يقع منه التذكر لشيء يكون ~~سببا لزكائه وتذكره ولو كان ذلك منه على أدنى الوجوه المخرجة من الكفر ~~فإن الخير لا يحقر شيء منه، وسبب عن تزكيه وتذكره قوله: { فتنفعه } أي ~~عقب تذكره وسببه { الذكرى * } وفي ذلك إيماء إلى أن الإعراض كان لتزكية ~~غيره وتذكره، وقراءة النصب على أنه جواب " لعل ". # ولما ذكر العبوس والتولي عنه فأفهما ضدهما لمن كان مقبلا عليهم، بين ~~ذلك فقال: { أما من استغنى * } أي طلب الغنى وهو المال والثروة فوجده وإن ~~لم يخش ولم يجىء إليك { فأنت له } أي دون الأعمى { تصدى * } أي تتعرض ~~بالإقبال عليه والاجتهاد في وعظه رجاء إسلامه وإسلام أتباعه بإسلامه وهم ~~عتبة بن ربيعة وأبو جهل وأبي وأمية ابنا خلف، وأشار حذف تاء التفعل في ~~قراءة الجماعة وإدغامها في قراءة نافع وابن كثير إلى أن ذلك كان على وجه ~~خفيف كما هي عادة العقلاء. ### || [80.7-16] # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما قال سبحانه # إن في ذلك لعبرة لمن يخشى # [النازعات: 26] وقال بعد # إنما أنت منذر من يخشاها # [النازعات: 45] افتتحت هذه السورة الأخرى بمثال يكشف عن المقصود من حال ~~أهل التذكر والخشية وجميل الاعتناء الرباني بهم وأنهم وإن كانوا في ~~دنياهم ذوي خمول لا يؤبه لهم فهم عنده سبحانه في عداد من اختاره لعبادته ~~وأهله لطاعته وإجابة رسوله صلى الله عليه وسلم وأعلى منزلته لديه # " رب أشعث أغبر لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره " # ومنهم ابن أم مكتوم الأعمى مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الذي ~~بسببه نزلت السورة ووردت بطريق العتب وصاة لنبيه صلى الله عليه وسلم ~~وتنبيها على أن يعمل نفسه ms5476 الكريمة على مصابرة أمثال ابن أم مكتوم وأن لا ~~يحتقر وحاشاه صلى الله عليه وسلم من ذلك، ولكن التحذير من هذا وإن لم يكن ~~وقع يشعر بعظيم الاعتناء بمن حذر، ومنه قوله سبحانه # لئن أشركت ليحبطن عملك # [الزمر: 65] و # لا تدع مع الله إلها آخر # [ص: 88] و # لا تمش في الأرض مرحا # [لقمان: 18] وهو كثير، وبسط هذا الضرب لا يلائم مقصودنا في هذا التعليق، ~~لما دخل عليه صلى الله عليه وسلم ابن أم مكتوم سائلا ومسترشدا وهو صلى ~~الله عليه وسلم يكلم رجلا من أشراف قريش وقد طمع في إسلامه ورجاء إنقاذه ~~من النار وإنقاذ ذويه وأتباعه، فتمادى على طلبه هذا الرجل لما كان يرجوه ~~ووكل ابن أم مكتوم إلى إيمانه فأغفل - فورية مجاوبته وشق عليه إلحاحه ~~خوفا من تفلت الآخرة ومضيه على عقبه وهلاكه عتب سبحانه وتعالى عليه ~~فقال: # عبس وتولى أن جاءه الأعمى وما يدريك لعله يزكى أو يذكر # [عبس: 1 - 4] وهي منه سبحانه واجبة، وقد تقدم في السورة قبل قول موسى ~~عليه الصلاة والسلام # هل لك إلى أن تزكى # [النازعات: 18] فلم يقدر له بذلك ولا انتفع ببعد صيته في دنياه ولا أغنى ~~عنه ما نال منها وبارت مواد تدبيره وعميت عليه الأنباء إلى أن قال # ما علمت لكم من إله غيري فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحا ~~لعلي أطلع إلى إله موسى # [القصص: 38] # وإني لأظنه كاذبا وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل # [غافر: 37] فأنى يزكى؟ ولو سبقت له سعادة لأبصر من حاله عين اللهو وللعب ~~حين مقالته الشنعاء # أم أنا خير من هذا الذي هو مهين # [الزخرف: 52]. # ولما سبقت لابن أم مكتوم الحسنى لم يضره عدم الصيت الدنياوي ولا أخل به ~~عماه بل عظم ربه شأنه لما نزل في حقه # وما يدريك لعله يزكى أو يذكر فتنفعه الذكرى # [عبس: 2 - 4] فيا له صيتا ما أجله بخلاف من قدم ذكره ممن طرد فلم يتزك ~~ولم ينتفع بالذكرى حين قصد بها # إنما أنت منذر ms5477 من يخشاها # [النازعات: 45] كابن أم مكتوم، ومن نمط ما نزل في ابن أم مكتوم قوله ~~تعالى: # واصبر نفسك مع الذي يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه # [الكهف: 28] وقوله: # ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه # [الأنعام: 52] فتبارك ربنا ما أعظم لطفه بعبيده - اللهم لا تؤيسنا من ~~رحمتك ولا تقنطنا من لطفك ولا تقطع بنا عنك بمنك وإحسانك - انتهى. # ولما كان فعله ذلك فعل من يخشى أن يكون عليه في بقائهم على كفرهم ملامة، ~~بين له أنه سالم من ذلك فقال: { وما } أي فعلت ذلك والحال أنه ما { عليك ~~} أي من بأس في { ألا يزكى * } أصلا ورأسا ولو بأدنى تزك - بما أشار ~~إليه الإدغام - إن عليك إلا البلاغ، ويجوز أن يكون استفهاما أي وأي شيء ~~يكون عليك في عدم تزكيه وفيه إشارة إلى أنه يجب الاجتهاد في تزكية التابع ~~الذي عرف منه القبول. # ولما ذكر المستغني، ذكر مقابله فقال: { وأما من جاءك } حال كونه { يسعى ~~* } أي مسرعا رغبة فيما عندك من الخير المذكر بالله وهو فقير { وهو } أي ~~والحال أنه { يخشى } أي يوجد الخوف من الله تعالى ومن الكفار في أذاهم ~~على الإتيان إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومن معاثر الطريق لعماه { فأنت ~~عنه } أي خاصة في ذلك المجلس لكونه في الحاصل { تلهى * } أي تتشاغل لأجل ~~أولئك الأشراف الذين تريد إسلامهم لعلو بهم الدين تشاغلا حفيفا بما ~~أشار إليه حذف التاء، من لهى عنه كرضى - إذا سلى وغفل وترك، وفي التعبير ~~بذلك إشارة إلى أن الاشتغال بأولئك لا فائدة فيه على ما تفهمه تصاريف ~~المادة وإلى أن من يقصد الانسان ويتخطى رقاب الناس إليه له عليك حق عظيم، ~~والآية من الاحتباك: ذكر الغنى أولا يدل على الفقر ثانيا، وذكر المجيء ~~والخسية ثانيا يدل على ضدهما أولا، وسر ذلك التحذير مما يدعو إليه ~~الطبع البشري من الميل إلى الأغنياء، ومن الاستهانة بحق الآتي إعظاما ~~لمطلق إتيانه. # ولما كان العتاب الذي هو من شأن الأحباب ملوحا بالنهي عن الإعراض عمن ms5478 ~~وقع العتاب عليه، وكل من كان حاله كحاله والتشاغل عن راغب، صرح به فقال: ~~{ كلا } أي لا تفعل ذلك أصلا فإن الأمر في القضاء والقدر ليس على ما يظن ~~العباد ولا هو جار على الأسباب التي تعرفونها بل هو من وراء علومهم على ~~حكم تدق عن أفكارهم وفهومهم: ثم علل ذلك فقال مؤكدا لإنكارهم ذلك، { ~~إنها } أي القرآن، ولعله أنث الضمير باعتبار ما تلي عليهم في ذلك المجلس ~~من الآيات أو السور { تذكرة } أي تذكرهم تذكيرا عظيما بما إن تأملوه ~~شاهدوه في أنفسهم وفي الآفاق، ليس فيه شيء إلا وهم يعرفونه لو أقبلوا ~~بكليتهم عليه، فما على المذكر بها غير البلاغ، فمن أقبل عليه فأهلا ~~وسهلا، ومن أعرض فبعدا له وسحقا. # ولما كان سبحانه قد خلق للإنسان عقلا واختيارا، ويسر أمر القرآن في ~~الحفظ والفهم لمن أقبل عليه، سبب عن ذلك قوله: { فمن شاء } أي ذكره بعد ~~مشيئة الله تعالى كما تقدم تقييده في القرآن غير مرة { ذكره * } أي حفظ ~~القرآن كله وتذكر ما فيه من الوعظ من غير تكرير ولا معالجة تحوج إلى ~~الإعراض عن بعض المقبلين الراغبين، وللإشارة إلى حفظه كله ذكر الضمير. # ولما كان التقدير: حال كون القرآن مثبتا أو حال كون الذاكر له مثبتا، ~~قال واصفا لتذكرة مبينا لشرفها بتشريف ظرفها وظرف ظرفها { في صحف } أي ~~أشياء يكتب فيها من الورق وغيره { مكرمة * } أي مكررة التكريم ومعظمة في ~~السماء والأرض في كل أمة وكل ملة { مرفوعة } أي عليه المقدار بإعلاء كل ~~أحد لا سيما من له الأمر كله { مطهرة * } أي منزهة عن أيدي أهل السفول ~~وعن قولهم إنها شعر أو سحر ونحو ذلك، وعلق أيضا بمثبت بالفتح أو الكسر ~~على اختلاف المعنيين - قوله مبينا شرف ذلك الظرف لذلك الظرف إشارة إلى ~~نهاية الشرف للمظروف: { بأيدي سفرة * } أي كتبة يظهرون الكتابة بما فيها ~~من الأخبار الغريبة والأحكام العلية في كل حال، فإن كان ما تعلق به الجار ~~بالفتح فهو حقيقة في أنهم ملائكة يكتبونه من اللوح المحفوظ، ms5479 أو يكون جمع ~~سافر إما بمعنى الكتاب أو المسافر أي القطع للمسافة أو السفير الذي هو ~~المصلح لأنهم سفراء بين الله وأنبيائه، وبهم يصلح أمر الدين والدنيا، وإن ~~كان بالكسر فهو مجاز لأن من أقبل على كتابة الذكر يكون مهذبا في الحال ~~أو في المآل في الغالب، وتركيب سفر للكشف { كرام } أي ينطوون على معالي ~~الأخلاق مع أنهم أعزاء على الله { بررة * } أي أتقياء في أعلى مراتب ~~التقوى والكرم وأعزها وأوسعها. ### || [80.17-27] # ولما كان الوصف بهذه الأوصاف العالية للكتبة الذين أيديهم ظرف للصحف ~~التي هي ظرف للتذكرة للتنبيه على علو المكتوب وجلالة مقداره وعظمة آثاره ~~وظهور ذلك لمن تدبره وتأمله حق تأمله وأنعم نظره، عقبه بقوله ناعيا على ~~من لم يقبل بكليته عليه داعيا بأعظم شدائد الدنيا التي هي القتل في صيغة ~~الخبر لأنه أبلغ: { قتل الإنسان } أي هذا النوع الآنس بنفسه الناسي لربه ~~المتكبر على غيره المعجب بشمائله التي أبدعها له خالقه، حصل قتله بلعنه ~~وطرده وفرغ منه بأيسر سعي وأسهله من كل من يصح ذلك منه لأنه أسرع شيء إلى ~~الفساد لأنه مبني على النقائص إلا من عصم الله { ما أكفره * } أي ما أشد ~~تغطيته للحق وجحده له وعناده فيه لإنكاره البعث وإشراكه بربه وغير ذلك من ~~أمره، فهو دعاء عليه بأشنع دعاء وتعجيب من إفراطه في ستر محاسن القرآن ~~التي لا تخفى على أحد ودلائله على القيامة وكل شيء لا يسع أحدا التغبير ~~في وجه شيء منها، وهذا الدعاء على وجازته يدل على سخط عظيم وذم بليغ وهو ~~وإن كان في مخصوص فالعبرة بعمومه في كل من كفر نعمة الله، روي أنها نزلت ~~في عتبة بن أبي لهب غاضب أباه فأسلم ثم استصلحه أبوه وأعطاء مالا وجهزه ~~إلى الشام فبعث إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه كافر برب النجم إذا ~~هوى، وأفحش في غير هذا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم # " اللهم أبعث عليه كلبا من كلابك " # فلما انتهى إلى مكان من الطريق فيه الأسد ذكر ms5480 الدعاء فجعل لمن معه ألف ~~دينار إن أصبح حيا فجعلوه في وسط الرفقة والمتاع والرحال فأقبل الأسد ~~إلى الرحال ووثب فإذا هو فوقه فمزقه فكان أبوه يندبه ويبكي عليه وقال: ما ~~قال محمد شيئا إلا كان، ومع ذلك فما نفعه ما عرف من ذلك، فسبحان من بيده ~~القلوب يضل من يشاء ويهدي من يشاء، وكل ذلك من هدايته وإضلاله شاهد بأن ~~له الحمد. # ولما كان اكثر انصباب التعجيب منه ناظرا إلى تكذيبه بالساعة لأجل ظهور ~~أدلتها في القرآن جدا ولأنه توالت في هذه السور إقامة الأدلة عليها مما ~~لا مزيد عليه، شرع في إقامة الديل عليها بآية الأنفس من ابتداء الخلق في ~~أسلوب مبين لخسته وحقارته وأن من ألبسه أثواب الشرف بعد تلك الخسة ~~والحقارة جدير منه بالشكر لا بالكفر، فقال منبها له بالسؤال: { من أي ~~شيء } والاستفهام للتقرير مع التحقير { خلقه * } ثم أجاب إشارة إلى أن ~~الجواب واضح لا يحتاج فيه إلى وقفة أصلا فقال مبينا حقارته: { من نطفة ~~} أي ماء يسير جدا لا من غيره { خلقه } أي أوجده مقدرا على ما هو عليه ~~من التخطيط { فقدره } أي هيأه لما يصلح من الأعضاء الظاهرة والباطنة ~~والأشكال والأطوار إلى أن صلح لذلك ثم جعله في ظلمات ثلاث: ظلمة البطن ثم ~~الرحم ثم المشيمة، أو هي على ما قال أهل التشريح ثلاثة أغشية: أحدها ~~المشيمة تتصل بسرة الجنين تمده بالغذاء، والثاني يقبل بوله، والثالث يقبل ~~البخارات التي تصعد منه بمنزلة العرق والوسخ في أبدان الكاملين، وأعطاه ~~قدرة لما أراده منه { ثم } أي بعد انتهاء المدة { السبيل } أي الأكمل في ~~العموم والاتساع والوضوح لا غيره، وهو مخرجه من بطن أمه وطريقه إلى الجنة ~~أو النار { يسره * } أي سهل له أمره في خروجه بأن فتح فم الرحم وألهمه أن ~~ينتكس، وذلل له سبيل الخير والشر، وجعل له عقلا يقوده إلى ما يسر له ~~منهما، وفيه إيماء إلى أن الدنيا دار الممر، والمقصد غيرها وهو الأخرى ~~التي تدل عليها الدنيا، ولذلك عقبه بقوله عادا ms5481 الموت من النعم لأنه لو ~~دام الإنسان حيا مع ما يصل إليه من الضغف والخوف لكان في غاية البشاعة ~~والشماتة لأعدائه والمساءة لأوليائه على أن الموت سبب الحياة الأبدية: { ~~ثم } أي بعد أمور قدرها سبحانه من أجل وتقلبات { أماته } وأشار إلى إيجاب ~~المبادرة إلى التجهيز بالفاء المعقبة في قوله { فأقبره * } أي جعل له ~~قبرا فغيبه فيه وأمر بدفنه تكرمة له وصيانة عن السباع، والإقبار جعلك ~~للميت قبرا وإعطاؤك القتيل لأهله ليدفنوه، والمعنى الامتنان بأنه جعل ~~للأنسان موضعا يصلح لدفنه وجعله بعد الموت بحيث يتمكن من دفنه، ولو شاء ~~لجعله يتفتت مع النتن ونحوه مما يمنع من قربانه، أو جعله بحيث يتهاون به ~~فلا يدفن كبقية الحيوانات، فقد عرف بهذا أن أول الإنسان نطفة مذرة، وآخره ~~جيفة قذرة، وهو فيما بين ذلك يحمل العذرة، فما شرفه بالعلم إلا الذي ~~أبدعه وصوره، وذلك موجب لأن يشكره لا أن يكفره. # ولما كانت مدة البرزخ طويلة، وكان البعث أمرا محققا غير معلوم الوقت ~~بالعين بغيره تعالى، عبر عن المعاني الثلاثة بأداتي التراخي والتحقق ~~فقال: { ثم إذا شاء } أي إنشاره { أنشره } أي بعثه من قبره كما كان في ~~دنياه بزيادة أنه على تركيب قوي لا يتهيأ فيه فراق الروح الجسد. # ولما كان إخباره بأنه مع الذي يسر له السبيل قد يفهم أنه لا يعمل إلا ~~بما يرضيه، نفى ذلك على سبيل الردع فقال: { كلا } أي ليرتدع هذا الإنسان ~~الذي عرف أن هذه حالاته أولا وآخرا واثناء ومخرجا تارة من مخرج البول ~~وأخرى من مخرج الحيض ومقبرا، ولينزجر وليعرف، نفسه بالذلة والخسة ~~والحاجة والعجز، وليعرف ربه سبحانه بالعزة والعظمة والكبرياء والفناء ~~والقدرة على تشريف الحقير وتحقير الشريف، وبأنه سبحانه لا يلزمه شيء فلا ~~يلزم من تعريف هذا الإنسان السبيل وتمييزه له لأنه لا يفعل إلا ما لا ~~يعاتب عليه، فإنه لا يكون من الإنسان وغيره إلا ما يريده، وتارة يريد ~~هداه، وتارة يريد ضلاله، فقد يأمر بما لا يريده ويريد ما لا يأمر به ولا ~~يرضاه، ms5482 ولذلك قال مستأنفا نفي ما أفهمه بتيسيره للسبيل من أن الإنسان ~~يفعل جميع ما أمره به الله الذي يسر له السبيل: { لما يقض } أي يفعل ~~الإنسان فعلا نافذا ماضيا { ما أمره * } أي به الله كله من غير تقصير ~~ما من حين تكليفه إلى حين إقباره بل من حين وجد آدم عليه الصلاة والسلام ~~إلى حين نزول هذه الآية وإلى آخر الدهر، لأن الإنسان مبني على النقصان ~~والإله منزه التنزه الأكمل، وما قدروا الله حق قدره، وأيضا الإنسان الذي ~~هو النوع لم يعمل بأسره بحيث لم يشذ منه فرد جميع ما أمره، بل أغلب الجنس ~~عصاه وكذب بالساعة التي هي حكمة الوجود، وإن صدق بها بعضهم كان تصديقه ~~بها تكذيبا لأنه يعتقد أشياء منها على خلاف ما هي عليه. # ولما ردعه بعد تفصيل ما له في نفسه من الآيات، وأشار إلى ما له من ~~النقائص، شرع يقيم الدليل على تقصيره بأنه لا يقدر على شكر نعمة المنعم ~~فيما له من المطعم الذي به قوامه فكيف بغيرها في أسلوب دال على الإنشار ~~بآيات الآفاق منبه على سائر النعم في مدة بقائه المستلزم لدوام احتياجه ~~إلى ربه فقال مسببا عن ذلك: { فلينظر الإنسان } أي يوقع النظر التام على ~~كل شيء يقدر على النظر به من بصره وبصيرته ومد له المدى فقال: { إلى ~~طعامه * } يعني مطعومه وما يتصل به ملتفتا إليه بكليته بالاعتبار بما ~~فيه من العبر التي منها أنا لو لم نيسره له هلك. # ولما كان المقصود النظر إلى صنائع الله تعالى فيه. وكانت أفعال الإنسان ~~وأقواله في تكذيبه بالعبث أفعال من ينكر ذلك الصنع، قال سبحانه مفصلا ~~لما يشترك في علمه الخاص والعام من صنائعه في الطعام، مؤكدا تنبيها على ~~أن التكذيب بالعبث يستلزم التكذيب بإبداع النبات وإعادته، وذلك في أسلوب ~~مبين أن الإنسان محتاج إلى جميع ما في الوجود، ولو نقص منه شيء اختل ~~أمره، وبدأ أولا بالسماوي لأنه أشرف، وبالماء الذي هو حياة كل شيء، ~~تنبيها له على ابتداء خلقه: ms5483 { أنا } أي على ما لنا من العظمة { صببنا ~~الماء } أي الذي جعلنا منه كل شيء حي { صبا * } وثنى بالأرض التي هي ~~كالأنثى بالنسبة إلى السماء فقال: { ثم } أي بعد مهلة من إنزال الماء، ~~وفاوتنا بينها في البلاد والنبات { شققنا } أي بما لنا من العظمة { الأرض ~~} بالنبات الذي هو في غاية الضعف عن شق أصعب الأشياء فكيف بالأرض اليابسة ~~المتكزرة جدا عند مخالطة الماء، وحقق المعنى فقال: { شقا * } ثم سبب عن ~~الشق ما هو كالتفسير له مبينا الاحتياج إلى النبات بقوله: { فأنبتنا } ~~أي أطلعنا على وجه الاتصال الموجب للتغذي والنمو { فيها } بسبب الشق { ~~حبا * } أي لاقتيات الإنسان وغيره من الحيوان كالحنطة والشعير والرز ~~وغيرها. ### || [80.28-32] # ولما كان الحب قوتا فبدأ به لأنه الأصل في القوام، عطف عليه ما هو ~~فاكهة وقوت فقال: { وعنبا } هو فاكهة في حال عنبيته وقوت باتخاذه زبيبا ~~ودبسا وخلا. ولما كان لذلك في بيان عجائب الصنع ليدل على القدرة على كل ~~شيء فيدل على القدرة على البعث فذكر ما إن أخذ من منبته قبل بلوغه فسد، ~~وإن ترك اشتد وصلح للادخار، واتبعه ما إن ترك على أصله فسد، وإن أخذ ~~وعولج - صلح للادخار، أتبعه ما لا يصلح للادخار بوجه فقال: { وقضبا * } ~~وهو الرطب من البقل وغيره، وهو يزيد على الماضيين بأنه فيه ما هو دواء ~~نافع وسم ناقع، وبأنه يقطع مرة بعد أخرى فيخلف، سمي بمصدر قضبه - إذا ~~قطعه بحصد أو قلع. # ولما ذكر ما لا يصلح أن يؤكل إلا رطبا من غير تأخير، أتبعه ما لا يفسد ~~بحال لا على أمه ولا بعد القطاف ويصلح بعد القطاف فيؤكل أو يعصر، فيكون ~~له دهن للاستصباح والإدهان والائتدام، وفيه تقوية للعظام والأعصاب ولا ~~يفسده الماء بوجه كما أن العنب يعصر فيكون منه دبس وخل وغيرهما، ومتى ~~خالطه الماء فسد، فقال: { وزيتونا } يكون فيه مع ما مضى حرافة وغضاضة ~~فيها إصلاح المزاج. ولما ذكر ما لا يفسد وشجره يصبر على البرد، أتبعه ما ~~هو كالعنب يؤكل على أمه ويقطع ms5484 فيدخر، فهو جامع بين التحلي والتحمض بالخل ~~والتفكه والتقوي والتداوي للسم الناقع والسحر الصارع من عجوة المدينة ~~الشريفة وغير ذلك من ثمرة وشجرة، ولا يصبر شجره على البرد فقال: { ونخلا ~~* } وكل من هذه الأشجار مخالف للآخر في الشكل والحمل وغير ذلك مع ~~الموافقة في الأرض والسقي. # ولما ذكر هذه الأشياء من الأقوات والفواكه لكثرة منافعها، وكانت ~~البساتين تجمعها وغيرها مع ما لها من بهجة العين وسرور النفس وبسط الخاطر ~~وشرح القلب قال: { وحدائق } جمع حديقة وهي الروضة ذات النخل والشجر، أو ~~كل ما أحاط به البناء وهي تجمع ذلك كله { غلبا * } جمع غلباء - بفتح ~~الغين والمد، وهي الحديقة ذات أشجار كثيرة عظام غلاظ طوال ملتفة الأغصان ~~متكاثرة، مستعار من وصف الرقاب، يقال: غلب فلان - كفرح أي غلظ عنقه، ~~والغلباء أيضا من القبائل العزيزة الممتنعة، ومن الهضاب المشرفة. # ولما ذكر ما يتفكه ويدخر جمع فقال: { وفاكهة } أي ثمرة رطبة يتفكه بها ~~كالخوخ والعنب والتين والتفاح والكمثرى والبرقوق مما يمكن أن يصلح فيدخر ~~ومما لا يمكن. ولما ذكر فاكهة الناس، ذكر فاكهة بقية الحيوان فقال: { ~~وأبا * } أي ومرعى ونباتا وعشبا وكلأ ما دام رطبا يقصد، من أب ~~الشيء - إذا أمه. # ولما جمع ما يقتات وما يتفكه، فدل دلالة واضحة على تمام القدرة، ذكر ~~بالنعمة فيه قارعا بأسلوب الخطاب لتعميم الأفراد بعد سياق العتاب ~~للتصريح بأن الكل عاجزون عن الوفاء بالشكر فكيف إذا انضم إليه الكفر ~~فقال: { متاعا } وهو منصوب على الحال. ولما ذكر ما يأكله الناس وما يعلف ~~للدواب، وكان السياق هنا لطعام الإنسان، قال مقدما ضميرهم: { لكم ~~ولأنعامكم * } بخلاف ما في السجدة وقد مضى، والأنعام بها يكون تمام ~~الصلاح للإنسان بما له فيها من النعم بالركوب والأكل والشرب والكسوة ~~والجمال وسائر المنافع، وذكر هذا ذكرا ظاهرا مشيرا إلى المعادن لأن ~~منها ما لا يتم ما مضى إلا به، وهي آلات الزرع والحصد والطبخ والعجن وغير ~~ذلك، والملائكة المدبرة لما صرفها الله فيه من ذلك، فدل ذلك على أن ~~الوجود كله خلق ms5485 لأجل منافع الإنسان ليشكر لا ليكفر، ودلت القدرة على ذلك ~~قطعا على القدرة على البعث. ### || [80.33-42] # ولما ذكر عجائب الصنع في الطعام، وكان ذلك يقطف فيعود لا سيما المرعى ~~فإنه يأتي عليه الخريف فينشف ثم يتحطم من الرياح ويتفرق في الأرض ثم يصير ~~ترابا ثم يبعث الله المطر فيجمعه من الأرض بعد أن صار ترابا ثم ينبته ~~كما كان، وكان ذلك مثل إحياء الموتى سواء، فتحقق لذلك ما تقدم من أمر ~~الإنشار بعد الإقبار، وكان ذلك أيضا مذكرا بأمر أبينا آدم عليه الصلاة ~~والسلام لما أمره الله بالأكل من الجنة إلا من الشجرة التي نهاه عنها، ~~فلما أكل منها أخرجه من الجنة فسجنه في دار ليست بجنة ولا نار ولا غيرهما ~~بل هي من ممتزج الدارين وكالبرزخ بينهما، فيها ما يذكر بهذه وما يذكر ~~بتلك، وفيها أمثلة الموجدات كلها، قال مسببا عما ثبت به الإحياء للبعث ~~إلى المحشر معبرا بأداة التحقق لأن الساعة ممن لا بد منه ولا محيد عنه ~~لأنها سر الكون فإن فيها حساب الذين استخلفوا في هذا الوجود وأفيضت عليهم ~~النعم التي أودعها فيه، وأشار إلى أنهم عاجزون عن القيام بشكرها، وكثير ~~منهم - بل أكثرهم - زاد على ذلك بكفرها، فأوجب ذلك - ولا بد - حسابهم على ~~ما فعلوا فيما استخلفوا فيه واسترعوه كما هي عادة كل مسترع ومستخلف: { ~~فإذا جاءت } أي كانت ووجدت لأن كل ما هو كائن كأنه لاقيك وجاء إليك { ~~الصآخة * } أي الصرخة العظيمة التي يبالغ في إسماع الأسماع بها حتى تكاد ~~تصمها لشدتها، وكأنها تطعن فيها لقوة وقعتها وعظيم وجبتها، وتضطر الآذان ~~إلى أن تصيخ إليها أي تسمع، وهي من أسماء القيامة، وأصل الصخ: الضرب بشيء ~~صلب على مصمت. # ولما كان وصفها بما يقع فيها أهيب، قال مبدلا من " إذا " ما يدل على ~~جوابها من نحو: اشتغل كل بنفسه ولم يكن عنده فراغ ما لغيره: { يوم يفر ~~المرء } أي الذي هو أعظم الخلق مروءة: ولما كان السياق للفرار، قدم ~~أدناهم رتبة في الحب والذب فأدناهم ms5486 على سبيل الترقي، وأخر الأوجب في ذلك ~~فالأوجب بخلاف ما في " سأل " كما مضى فقال: { من أخيه } لأنه يألفه ~~صغيرا وقد يركن إليه كبيرا مع طول الصحابة وشدة القرب في القرابة فيكون ~~عنده في غاية العزة. # ولما كانت الأم مشاركة له في الإلف، ويلزم من حمايتها أكثر مما يلزم ~~الأخ وهو لها آلف وإليها أحن وعليها أرق وأعطف قال { وأمه } ولما كان ~~الأب أعظم منها في الإلف لأنه أقرب في النوع وللولد عليه من العاطفة لما ~~له من مزيد النفع أكثر ممن قبله قال: { وأبيه * } ولما كانت الزوجة التي ~~هي أهل لأن تصحب ألصق بالفؤاد وأعرق في الوداد، وكان الإنسان أذب عنها ~~عند الاشتداد، قال: { وصاحبته } ولعله أفردها إشارة إلى أنها عنده في ~~الدرجة العليا من المودة بحيث لا يألف غيرها. # ولما كان للوالد إلى الولد من المحبة والعاطفة والإباحة - بالسر ~~والمشاورة في الأمر ما ليس لغيره، ولذلك يضيع عليه رزقه وعمره قال: { ~~وبنيه * } وإن اجتمع فيها الصغير الذي هو عليه أشفق والكبير الذي هو في ~~قلبه أجل وفي عينه أنبل ومن بينهما من الذكر والأنثى. # ولما ذكر فراره الذي منعه قراره، علله فقال: { لكل امرىء } أي وإن كان ~~أعظم الناس مروءة { منهم يومئذ } أي إذ تكون هذه الدواهي العظام والشدائد ~~والآلام { شأن } أي أمر بليغ عظيم { يغنيه * } أي يكفيه - في الاهتمام ~~بحيث لا يدع له حصة يمكنه صرفها إلى غيره ويوجب له لزوم المغنى، وهو ~~المنزل - الذي يرضيه مع أنه يعلم أنه يتبعونه ويخاف أن يطالبوه لما هم ~~فيه من الكرب بما لعله قصر فيه من حقوقهم. # ولما ذكر اليوم، قسم أهله إلى القسمين المقصودين بالتذكرة أول السورة، ~~فقال دالا على البواطن بأشرف الظواهر: { وجوه يومئذ } أي إذ كان ما ~~تقدم من الفرار وغيره { مسفرة * } أي بيض مضيئة بالإشراق والاستنارة، من ~~أسفر الصبح - إذا أشرق واستنار { ضاحكة } لما علمت من سعادتها { مستبشرة ~~* } أي طالبة للبشر وهو تغير البشرة من السرور وموجدة لذلك، وهي بيضاء ~~نيره بما يرى من تبشير ms5487 الملائكة، وذلك بما كانت فيه في الدنيا من عبوس ~~الوجوه وتغيرها وشحوبها من خشية الله تعالى وما يظهر من جلاله في الساعة ~~كابن أم مكتوم رضي الله عنه الذي كان يحمله خوف الساعة على حمل الراية في ~~أشد الحروب كيوم القادسية والثبات بها حتى يكون كالعمود، لا يزول عن ~~مركزه أصلا ليرضي المعبود. # ولما ذكر أهل السعادة الذين هم المقبلون على الخير المصابون في أنفسهم ~~بما يكفر سيئاتهم ويعلي درجاتهم، ذكر أضدادهم فقال تعالى: { ووجوه } وأكد ~~بإعادة الظرف لإزالة الشبهة فقال: { يومئذ } أي إذ وجد ما ذكر { عليها } ~~أي ملاصقة لها مع الغلبة والعلو { غبرة * } أي اربداد وكأنه بحيث يصير ~~كأنه قد علاها غبار وهي عابسة حذرة وجلة منذعرة، وذلك مما يلحقها من ~~المشقات وكثرة الزحام مع رعب الفؤاد، وتذكر ما هي صائرة إليه من الأنكاد ~~الشداد { ترهقها } أي تغشاها وتقهرها وتعلوها { قترة * } أي كدورة وسواد ~~وظلمة ضد الإسفار فهي باكية عابسة مما كانت فيه في الدنيا من الفرح ~~واللعب والضحك والأمن من العذاب، فالآية من الاحتباك: ذكر الإسفار والبشر ~~أولا يدل على الخوف والذعر ثانيا، وذكر الغبرة ثانيا يدل عل البياص ~~والنور أولا، وسر ذلك أنه ذكر دليل الراحة ودليل التعب لظهورهما ترغيبا ~~وترهيبا. # ولما كان هذا الأمر هائلا، وكان الفاجر، لما علا قلبه من الرين وله من ~~القساوة، قليل الخوف من الأجل عديم الفكر فيما يأتي به غد لما غلب عليه ~~من الشهوتين: السبيعة والبهيمية بخلاف المتقي في كل ذلك، استأنف الإخبار ~~زيادة في التهويل فقال: { أولئك } أي البعداء البغضاء { هم } أي خاصة لا ~~غيرهم { الكفرة } أي الذين ستروا دلائل إلإيمان { الفجرة * } أي الذين ~~خرجوا عن دائرة الشرع خروجا فاحشا حتى كانوا عريقين في ذلك الكفر ~~والفجور، وهم في الأغلب المترفون الذين يحملهم غناهم على التكبر والأشر ~~والبطر، فلجمعهم بين الكفر والفجور جمع لهم بين الغبرة والقترة، كما يكون ~~للزنوج من البقاعة إذا علا وجوههم غبار ووسخ، فقد عاد آخرها على أولها ~~فيمن يستحق الإعراض عنه ومن يستحق ms5488 الإقبال عليه - والله الهادي. ### | [81 - سورة التكوير] ### || [81.1-9] # لما ختمت سورة عبس بوعيد الكفرة الفجرة بيوم الصاخة لجحودهم بما لهذا ~~القرآن من التذكرة، ابتدئت هذه بإتمام ذلك، فصور ذلك اليوم بما يكون فيه ~~من الأمور الهائلة من عالم الملك والملكوت حتى كأنه رأى عين كما رواه ~~الإمام أحمد والترمذي والطبراني وغيرهم عن ابن عمر رضي الله عنهما عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم برجال ثقات أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من أحب أن ينظر إلى يوم القيامة رأي العين فليقرأ { إذا الشمس كورت } ~~" # [التكوير: 1] فقال بادئا بعالم الملك والشهادة لأنه أقرب تصورا لما ~~يغلب على الإنسان من الوقوف مع المحسوسات، معلما بأنه سيخرب تزهيدا في ~~كل ما يجر إليه وحثا على عدم المبالاة والابتعاد من التعلق بشيء من ~~أسبابه: { إذا الشمس } أي التي هي أعظم آيات السماء الظاهرة وأوضحها ~~للحس. # ولما كان المهول مطلق تكويرها الدال على عظمة مكورها، بني للمفعول على ~~طريقة كلام القادرين قوله: { كورت * } أي لفت بأيسر أمر من غير كلفة ما ~~أصلا، فأدخلت في العرش - كما قاله ابن عباس رضي الله عنهما فذهب ما كان ~~ينبسط من نورها، من كورت العمامة - إذا لففتها فكان بعضها على بعض وانطمس ~~بعضها ببعض، والثوب - إذا جمعته فرفعته، فالتكوير كناية عن رفعها أو ~~إلقائها في جهنم زيادة في عذاب أهلها ولا سيما عبدتها، أو ألقيت عن ~~فلكها، من طعنه فكوره أي ألقاه مجتمعا، والتركيب للإدارة والجمع والرفع ~~للشمس، فعل دل عليه " كورت " لأن " إذا " تطلب الفعل لما فيها من معنى ~~الشرط، ولما كان التأثير في الأعظم دالا على التأثير فيما دونه بطريق ~~الأولى، أتبع ذلك قوله معمما بعد التخصيص: { وإذا النجوم } أي كلها ~~صغارها وكبارها { انكدرت } أي انقضت فتهاوت وتساقطت وتناثرت حتى كان ذلك ~~كأنه بأنفسها من غير فعل فاعل في غاية الإسراع، أو أظلمت، من كدرت الماء ~~فانكدر، قال ابن عباس رضي الله عنهما: يكور الله الشمس والقمر والنجوم ~~يوم القيامة - في البحر ثم يبعث عليها ريحا ms5489 دبورا فتضرمها فتصير نارا، ~~وقال الكلبي وعطاء: تمطر السماء يومئذ نجوما، لا يبقى نجم إلا وقع. # ولما بدأ بأعلام السماء لأنها أشهر وأعم تخويفا وإرهابا، وذكر منها ~~اثنين هما أشهر ما فيها وأعمها نفعا، أتبعها أعلام الأرض فقال مكررا ~~للظرف لمزيد الاعتناء بالتهويل: { وإذا الجبال } أي التي هي في العالم ~~السفلي كالنجوم في العالم العلوي، وهي أصلب ما في الأرض، ودل على عظمة ~~القدرة بالبناء للمفعول فقال: { سيرت * } أي وقع تسييرها بوجه الأرض ~~فصارت كأنها السحاب في السير والهباء في النثر لتستوي الأرض فتكون قاعا ~~صفصفا لا عوج فيها، لأن ذلك اليوم لا يقبل العوج في شيء من الأشياء ~~بوجه. # ولما ذكر أعلام الجماد، أتبعه أعلام الحيوان النافع الذي هو أعز أموال ~~العرب وأغلبها على وجه دل على عظم الهول فقال: { وإذا العشار } أي النوق ~~التي أتى على حملها عشرة أشهر، جمع عشراء مثل نفساء، وهي أحب أموال العرب ~~إليهم وأنفسها عندهم لأنها تجمع اللحم والظهر واللبن والوبر، # " روي أن النبي صلى الله عليه وسلم مر في أصحابه بعشار من النوق حفل، ~~فأعرض عنها وغض بصره فقيل له: يا رسول الله! هذا أنفس أموالنا، لم لا ~~تنظر إليها؟ فقال: قد نهاني الله عن ذلك، ثم تلا { ولا تمدن عينيك إلى ما ~~متعنا } [طه: 131] الآية " # ولا يزال ذلك اسمها حتى تضع لتمام السنة { عطلت * } أي تركت مهملة كأنه ~~لا صاحب لها مع أنها أنفس أموالهم، فكانت إذا بلغت ذلك أحسنت إليها ~~وأعزتها واشتد إقبالها عليها: وقالت: جاء خيرها من ولد ولبن، لأن الأمر، ~~لاشتغال كل أحد بنفسه، أهول من أن يلتفت أحد إلى شيء وإن عز. # ولما ذكر المقرعات الدالات على إرادة أمر عظيم، قرب ذلك الأمر بإفهام ~~أنه الحشر، ودل على عمومه بذكر ما يظن إهماله فقال: { وإذا الوحوش } أي ~~دواب البر التي لا تأنس بأحد التي يظن أنه لا عبرة بها ولا التفات إليها ~~فما ظنك بغيرها { حشرت } أي بعثت وجمعت من كل أوب قهرا لإرادة العرض على ~~الملك ms5490 الأعظم والفصل فيما بينها في أنفسها حتى يقتص للجماء من القرناء ~~وبينها وبين غيرها أيضا حتى يسأل العصفور قاتله، لم قتله؟ قال قتادة: ~~يحشر كل شيء للقصاص حتى الذباب - انتهى. ولا يستوحش الوحش من الناس ولا ~~الناس من الوحوش من شدة الأهوال، وذلك أهول وأفزع وأخوف وأفظع، قال ~~القشيري: ولا يبعد أن يكون ذلك بإيصال منافع إليها جوازا لا وجوبا كما ~~قاله أهل البدع - انتهى. وكل شيء في الدنيا يحضر في تلك الدار، فإذا وقع ~~الفصل جعل الخبيث في جهنم زيادة في عذاب أهلها، والطيب في الجنة زيادة في ~~نعيم أهلها. # ولما أفهم هذا الحشر، ذكر ما يدل على ما ينال أهل الموقف من الشدائد من ~~شدة الحر فقال: { وإذا البحار } أي على كثرتها { سجرت * } أي فجر بعضها ~~إلى بعض حتى صارت بحرا واحدا وملئت حتى كان ما فيها أكثر منها وأحمئت ~~حتى كان كالتنور التهابا وتسعرا فكانت شرابا لأهل النار وعذابا ~~عليهم، ولا يكون هذا إلا وقد حصل من الحر ما يذيب الأكباد. # ولما ذكر من الآيات العلوية من عالم الملك اثنين ومن السفلية أربعة، ~~فأفهم جميع الخلق أن الأمر في غاية الخطر فتشوفت النفوس إلى ما يفعل، قال ~~ذاكرا لما أراد من عالم الغيب والملكوت، وهو أمور ستة على عدد ما مضى من ~~عالم الملك والشهادة ترغيبا في الأعمال الصالحة والقرناء الصالحين لئلا ~~يزوج بما يسوءه وابتدأ بما يناسب تكوير الشمس: { وإذا النفوس } أي من كل ~~ذي نفس من الناس وغيرهم { زوجت * } أي قرنت بأبدانها وجمع كل من الخلق ~~إلى ما كانت نفسه تألفه وتنزع إليه، فكانوا أصنافا كما قال تعالى # احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله # [الصافات: 22، 23] والتفاف الأزواج كالتفاف الشمس حتى يذهب نورها. # ولما صرح الأمر فكانت القلوب أحر من الجمر، ذكر ما هو المقصود الأعظم ~~وهو السؤال على وجه يفهم العموم فقال: { وإذا الموءودة } أي ما دفن من ~~الأولاد حيا بعد الولادة أو حصل تسبب في قتله قبل الولادة بدواء ونحوه، ms5491 ~~سميت موءودة لما يوضع عليها من التراب فيثقلها فيقتلها " وأدا " مقلوب " ~~آدا " إذا أثقل، وإلقاؤها في البئر المحفور لها قريب من انكدار النجوم ~~وتساقطها. ولما كان هذا أهون القتل عندهم وكانوا يظنون أنه مما لا عبرة ~~به، بين أنه معتنى به وأنه لا بد من بعثها وجعلها بحيث تعقل وتجيب وإن ~~كان نفخ الروح فيها في زمن يسير فقال: { سئلت * } أي وقع سؤالها عما يليق ~~أن تسأل عنه، ثم قيل على طريق الاستئناف تخويفا للوالدين: { بأي } أي ~~بسبب أي { ذنب } يا أيها الجاهلون { قتلت * } أي استحقت به عندكم القتل ~~وهي لم تباشر سوءا لكونها لم تصل إلى حد التكليف، فما ظنك بمن هو فوقها ~~وبمن هو جان، وسؤالها هو على وجه التبكيت لقاتلها، فإن العرب كانت تدفن ~~البنات أحياء مخافة الإملاق أو لحوق العار بهن، ويقولون: نردها إلى الله ~~هو أولى بها، فلا يرضون البنات لأنفسهم ويرضونها لخالقهم، وكان فيهم من ~~يتكرم عن ذلك ومن يفدي الموءودات ويربيهن، وليس في الآية دليل على تعذيب ~~أطفال الكفرة ولا عدمه، فإن الكافر الذي يستحق الخلود قد يكون مستأمنا ~~فلا يحل قتله، والأطفال ما عملوا ما يستحقون به القتل، ويؤخذ من سؤال ~~المؤدة تحريم الظلم لكل أحد وكف اليد واللسان عن كل إنسان. ### || [81.10-19] # ولما دل هذا على عموم السؤال، ذكر ما ينشأ عنه مما يدل على النعيم أو ~~النكال فقال: { وإذا الصحف } أي الأوراق التي كتبت فيها أعمال العباد { ~~نشرت * } أي فرقت مفتحة تفتيحا عظيما على أربابها بأيسر أمر فتأتي ~~السعيد في يمينه من تلقاء وجهه على وجه يكون فيه بشارة له، وتأتي الشقي ~~من وراء ظهره وفي شماله بعد أن كانت طويت عند موته، ونشرها مثل تسيير ~~الجبال وتطايرها، فمن اعتقد أن صحيفته ثابتة فترديه أو تنجيه لم يضع فيها ~~إلا حسنا من قول أو عمل أو اعتقاد. # ولما ذكر ما يطلق وينشر، أتبعه ما يطوى ويحصر، ليبدو ما فوقه من العجائب ~~وينظر، فقال: { وإذا السماء } أي هذا الجنس كله، أفرده ms5492 لأنه يعلم بالقدرة ~~على بعضه القدرة على الباقي { كشطت * } أي قلعت بقوة عظيمة وسرعة زائدة ~~وأزيلت عن مكانها التي هي ساترة له محيطة به، أو عن الهواء المحيط بسطحها ~~الذي هو كالروح لها كما يكشط الإهاب عما هو ساتر له ومحيط به مع شدة ~~الالتزاق به لأن ذلك يوم الكشف والإظهار # فكشفنا عنك غطاءك # [ق: 22] وكشطها هو مثل انكشاف الناس عن العشار وتفرقهم عنها، فمن اعتقد ~~زوالها أعرض عن ربط همته بشيء منها وناط أموره كلها بربها. # ولما زالت الموانع ظهرت عجائب الصنائع التي هي غايات المطالب، ونهايات ~~الرغائب والرهائب، فقال: { وإذا الجحيم } أي النار الشديدة التأجج والتي ~~بعضها فوق بعض والعظيمة في مهواة عميقة { سعرت * } أي أوقدت إيقادا ~~شديدا بأيسر أمر وقربت من الكافرين بغاية السرعة، فكان الأمر في غاية ~~العسر، وذلك قريب من نتيجة ما يحصل من الهول من حشر الوحوش. # ولما ذكر دار الأعداء البعداء ترهيبا، أتبعه دار المقربين السعداء ~~ترغيبا، فقال: { وإذا الجنة } أي البستان ذو الأشجار الملتفة والرياض ~~المعجبة { أزلفت * } أي قربت من المؤمنين ونعمت ببرد العيش وطيب المستقر، ~~ودرجت درجاتها وهيئت، وملئت حياضها ومصانعها، وزينت صحافها ونظفت أرضها ~~وطهرت عن كل ما يشين، وحسنت رياضها بكل ما يزين، من قول أهل اللغة، الزلف ~~- محركة: القربة والدرجة والحياض الممتلئة والزلفة: المصنعة الممتلئة ~~والصحفة والأرض المنكوسة، والزلف - بالكسر. الروضة، ومعنى هذا ضد سجر ~~البحار، فالآية من الاحتباك: ذكر التسعير أولا دال على ضده في الجنة ~~ثانيا، وذكر التقريب ثانيا دال على مثله أولا. # ولما كانت هذه الأشياء لهولها موجبة لاجتماع الهم وصرف الفكر عما يشغله ~~من زينة أو لهو أو لعب أو سهو، فكان موجبا للعلم بما يرجى نعيما أو ~~يوجب جحيما، وكان ذلك موجبا لتشوف السامع إلى ما يكون، قال تعالى ~~كاشفا تلك النعمة بالعامل في " إذا " وما عطف عليها: { علمت نفس } أي كل ~~واحدة من النفوس، فالتنكير فيه مثله في " ثمرة خير من جرادة " ودلالة هذا ~~السياق المهول على ذلك يوجب اليقين فيه { ما ms5493 } أي كل شيء { أحضرت * } أي ~~عملت وأوجدت، فكان أهلا للحضور، وكان عمله لها سببا لإحضار القدير إياه ~~لها في ذلك اليوم محفوظا لم يغب عنه منها ذرة من خيره وشره، فلأجل ذلك ~~كان لكل امرىء شأن يعنيه، فإنه لا بد أن يكون في أعماله ما لا يرضيه وما ~~يستصغره عن حضرة العلي الكبير، فمن اعتقد ذلك رغب في أن لا يحضر إلا ما ~~يسره، ورهب في إحضار ما يسوءه فيضره، وجميع هذه الأشياء الاثني عشر ~~المعدودة المذكورة في حيز " إذا " في الآخرة بعد النفخة الثانية على ما ~~تقدم في الحاقة أنه الظاهر، وأنه رواية عن ابن عباس رضي الله عنهما، لأن ~~التهويل بعد القيام أنسب، وأدخل في الحكمة وأغرب. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما قال سبحانه # فإذا جاءت الصاخة يوم يفر المرء من أخيه # [عبس: 33 - 34] الآيات إلى آخر السورة، كان مظنة لاستفهام السائل عن ~~الوقوع متى يكون؟ فقال تعالى: # إذا الشمس كورت # [التكوير: 1] ووقوع تكوير الشمس وانكدار النجوم وتسيير الجبال وتعطيل ~~العشار كل ذلك متقدم على فرار المرء من أخيه وأمه وأبيه - إلى ما ذكر إلى ~~آخر السورة لاتصال ما ذكر في مطلع سورة التكوير بقيام الساعة، فيصح أن ~~يكون أمارة للأول وعلما عليه - انتهى. # ولما كان السياق للترهيب، وكان الأليق بآخر عبس أن يكون للكفرة، وكان ~~أعظم ما يحضره الكفرة من أعمالهم بعد الشرك التكذيب بالحق، وأعظمه ~~التكذيب بالقرآن، وذلك التكذيب هو الذي جمع الخزي كله للمكذب به في قوله # قتل الإنسان ما أكفره # [عبس: 17] الذي السياق كله له، وإنما استحق المكذب به ذلك لأن التكذيب ~~به يوقع في كل حرج مع أنه لا شيء أظهر منه في أنه كلام الله لما له من ~~الرونق والجمع للحكم والأحكام والمعارف التي لا يقدر على جمعها على ذلك ~~الوجه وترتيبها ذلك الترتيب إلا الله، ثم وراء ذلك كله أنه معجز، سبب عن ~~هذا التهديد قوله مقسما بما دل على عظيم قدر المقسم عليه بترك الإقسام ~~بأشياء هي من ms5494 الإجلال والإعظام في أسنى مقام: { فلا أقسم } أي لأجل حقية ~~القرآن لأن الأمر فيه غنى عن قسم لشدة ظهوره وانتشار نوره، ولذلك أشار ~~إلى عيوب تلحق هذه الأشياء التي ذكرها والقرآن منزه عن كل شائبة نقص، ~~لأنه كلام الملك الأعلى فقال: { بالخنس * } أي الكواكب التي يتأخر طلوعها ~~عن طولع الشمس فتغيب في النهار لغلبة ضياء الشمس لها، وهي النجوم ذوات ~~الأنواء التي كانوا يعظمونها بنسبة الأمطار والرحمة - التي ينزلها الله - ~~إليها، قالوا: وهي القمر فعطارد فالزهرة فالشمس فالمريخ فالمشتري فزحل ~~وقد نظمها بعضهم متدليا فقال: # زحل اشترى مريخه من شمسه # فتزهرت لعطارد أقمار # ثم أبدل منها أعظمها فقال: { الجوار الكنس * } أي السيارة التي تختفي ~~وتغيب بالنهار تحت ضوء الشمس، من كنس الوحش - إذا دخل كناسه وهو بيته ~~المتخذ من أغصان الشجر، وقال الرازي: يكنس ويستتر العلوي منها بالسفلي ~~عند القرانات كما تستتر الظباء في الكناس، وقال قتادة: تسير بالليل وتخنس ~~بالنهار فتخفى ولا ترى، وروي ذلك أيضا عن علي رضي الله تعالى عنه، قال ~~البغوي: وأصل الخنوس الرجوع إلى وراء والكنوس أن تأوي إلى مكانسها. وقال ~~القشيري: إن ذلك غروبها، وإنما نفى الإقسام بها لأنها وإن كانت عظيمة في ~~أنفسها بما ناط بها سبحانه من المصالح وأنتم تعظمونها وتغلون فيها لأن ~~فيها نقائص الغيبوبة وانبهار النور، والقرآن المقسم لأجله منزه عن ذلك، ~~بل هو الغالب على كل ما سواه من الكلام غلبة هي أعظم من غلبة ضياء الشمس ~~لنور ما سواها من الكواكب، فلذلك لا يليق أن يقسم بها لأجله. # ولما ذكر غيابها ففهم منه محله وهو النهار، ذكر محل ظهورها فأفهم الظهور ~~فقال: { واليل } أي الذي هو محل ظهور النجوم وزوال خنوسها وذهاب كنوسها ~~{ إذا عسعس * } أي أقبل ظلامه، واعتكر سواده وقتامه، فظهرت الكواكب زهرا ~~منثورا في بيداء تلك الغياهب، فإن فيه نقصانا بالظلام وغير ذلك من ~~الأحكام، وقيل: معناه أدبر، وقيل: أظلم، وقيل: انتصف، وقيل: انقضى، وسعسع ~~بمعناه فهو ما لا يستحيل بالانعكاس، والآية من الاحتباك: ذكر خنوس ms5495 ~~الكواكب وكنوسها أولا يفهم ظهورها ثانيا، وذكر الليل ثانيا يفهم حذف ~~النهار أولا. # ولما كان ربما ظن ظان أن ما نقص بالظلام عن صلاحية الإقسام يتأهل ذلك ~~بزواله، قال نافيا لذلك: { والصبح } أي الذي هو أعدل أوقات النهار { إذا ~~تنفس * } أي أضاء وأقبل روحه ونسيمه، وأنسه ونعيمه، واتسع نوره، وانفرج ~~به عن الليل ديجوره، وذلك بعد إقبال الليل ثم إدباره أي لا أقسم به لأنه ~~وإن كان ذا نور ونعمة وحبور وبهجة وسرور فإن ذلك يتضاءل عن نور القرآن، ~~وما فيه من النعيم والرضوان، " وأين الثريا من يد المتناول " على أن ~~تنفسه بالبرد واللطافة تنسخه الشمس بالحر والكثافة، وتنفس القرآن بنفحات ~~القدس ونعيم المواعظ والأنس لا ينسخه شيء. # ولما بين أن هذه الأشياء - التي لولاها لما طاب لهم عيش ولا تهنؤوا ~~بحياة، وهي من الفضل بحيث لا يعلمه إلا خالقها - تصغر عن أن يقسم بها على ~~شيء من فضائل القرآن لما له من عظيم الشأن الذي لا يطيق التعبير عنه ~~البيان، ويتضاءل دونه اللسان، قال مجيبا لذلك إخبارا عما هو محقق في ~~نفسه الأمر أعظم من تحقق هذه الأشياء المقسم بها، هاد إلى مصالح الدارين ~~أكثر من هدايتها، مبينا للسفيرين به الملكي والبشري عليهما الصلاة ~~والسلام والتحية والإكرام مؤكدا لما يستحقه السياق كما يستحقه مع ما لهم ~~من الإنكار تنبيها على ضعف عقولهم وعظيم سفههم بعد أن أقسم بثلاثة ~~أقسام، فإن نفي الإقسام بها بما ذكر من نقائصها - كالإقسام - بها مع بيان ~~أن المقسم عليه أعظم منها بما لا يقايس: { إنه } أي هذا الذكر الذي تقدم ~~في عبس بعض ما يستحق من الأوصاف الجميلة والنعوت الجليلة { لقول رسول } ~~وهو جبريل عليه الصلاة والسلام نحن أرسلناه به إلى خير خلقنا وجعلناه ~~بريدا بيننا وبينه لاقتضاء الحكمة ذلك، وهي أن يكون خلاصة الخلق ذا ~~جهتين: واحدة ملكية يتلقى بها من الملائكة عليهم السلام لكون غيره من ~~البشر لا يطيق ذلك، وأخرى بشرية يتلقى بها من المبعوث إليهم، ومن المعلوم ~~أن الرسول إنما ms5496 وظيفته تبليغ ما أرسل به فهو سفير محض، والذي أوحاه وإن ~~كان قوله لكونه نطق به وبلغه من غير مشاركة شيطان ولا غيره هو قول الله ~~من غير شك لكونه معبرا عن الصفة القديمة النفسية، ولو كان قول الرسول ~~مستقلا به لما كان لوصفه بالرسالة مدخل فما كانت البلاغة تقتضي ذكره ~~بالوصف. # ولما بين بوصف الرسالة أنه ليس بقوله إلا لكونه مرسلا به ومبلغا له، ~~وأنه في الحقيقة قول من أرسله، وصفه بما أفهمه الوصف مما يوجب حفظه من ~~غير تحريف ما ولا تغيير أصلا بوجه من الوجوه، وذلك ببيان منزلته عند ~~الله ووجاهته وبيان قدره ونفوذ كلمته فقال: { كريم * } أي انتفت عنه وجوه ~~المذام كلها وثبتت له وجوه المحامد كلها، فهو جواد شريف النفس ظاهر عليه ~~معالي الأخلاق بريء من أن يلم شيء من اللوم بساحته، فلذلك هو يفيض ~~الخيرات بإذن ربه على من أمر به العالمين، فيؤدي ما أرسل به كما هو ~~لقيامه بالرسالة قيام الكرام فلم يغير فيها شيئا أصلا ولا فرط حتى يمكن ~~غيره أن يحرف أو يغير، والكرم اجتماع كمالات الشيء اللائقة به. ### || [81.20-29] # ولما اقتضى هذا القوة، صرح به تأكيدا فقال: { ذي قوة } أي على ضبط ما ~~أرسل به بنفسه وعلى المدافعة للغير عن أن يدخل فيه شيئا من نقص، وأكد ~~القوة بقوله: { عند ذي العرش } أي الملك الأعلى المحيط عرشه بجميع ~~الأكوان الذي لا عندية في الحقيقة إلا له { مكين * } أي بالغ المكنة عنده ~~عظيم المنزلة جدا بليغ فيها فهو بحيث لا يتأتى منه تفريط ما في إبلاغ ~~شيء مما أرسل به لأنه لا يغيره الأحوال ولا يعمل فيه تضاد الشهوات، لأنه ~~لا شهوة له إلا ما يأمر به مرسله سبحانه وتعالى. # ولما كان المتمكن في نفسه قد لا يكون له أعوان، قال: { مطاع ثم } أي في ~~الملأ الأعلى فهم عليهم السلام أطوع شيء له، قال الحسن: فرض الله على أهل ~~السماوات طاعة جبريل عليه الصلاة والسلام كما فرض على أهل الأرض طاعة ms5497 ~~محمد صلى الله عليه وسلم. ولما كان ذلك يقتضي الأمانة، صرح بها فقال: { ~~أمين * } أي بليغ الأمانة فهو مصدق القول مقبول الأمر موثوق به في أمر ~~الرسالة وإفاضة العلوم على القلوب روحاني مطهر جوهرا وفعلا وحالا، ومن ~~كان بهذه الصفات العظيمة كان بحيث لا يأتي إلا في أمر مهم جدا لأن ~~الملوك لا يرسلون خواصهم إلا في مثل ذلك، ولذلك ائتمنه الله تعالى على ~~رسالته. # ولما وصفه السفير الملكي وهو جبريل عليه الصلاة والسلام بهذه الصفات ~~الخمس التي أزالت عن القرآن كل لبس، وكان وصفه بها إنما هو لأجل إثبات ~~شرف الرسول البشري الذي هو بين الحق وعامة الخلق، وهو النبي صلى الله ~~عليه وسلم بأن ما يقوله كلام الله حقا، وكانوا يصفونه بما هو في غاية ~~النزاهة عنه وهم يعلمون ذلك، أبطله مبكتا لهم بالكذب وموبخا بالبلادة ~~بقوله زيادة في شرفه حيث كان هو المدافع عنه: { وما صاحبكم } أي الذي ~~طالت صحبته لكم وأنتم تعلمون أنه في غاية الكمال حتى أنه ليس له وصف ~~عندكم إلا الأمين، وأعرق في النفي فقال: { بمجنون * } أي كما تبتهونه به ~~من غير استحياء من الكذب الظاهر مع ظهور التناقض فعل ألأم اللئام، بل جاء ~~بالحق وصدق المرسلين، فما القرآن الذي يتلوه عليكم قول مجنون ولا قول ~~متوسط في العقل بل قول أعقل العقلاء وأكمل الكملاء، وهذا النفي المؤكد ~~ثابت له دائما على سبيل الاستغراق لكل زمان - هذا ما دل عليه الكلام لا ~~ما قال الزمخشري أنه يدل على أفضلية جبريل عليه السلام على النبي صلى ~~الله عليه وسلم وعلى بقية الملائكة، فإنه ما سيق لذلك ولا هو والله مما ~~يرضي جبريل عليه السلام، قال الأصبهاني هنا: هذا يدل على فضله وأما أنه ~~يدل على أنه أفضل من جميع الملائكة ومن محمد صلى الله عليه وسلم فلا ~~يمكنه، وقال في قوله تعالى في البقرة: # وملائكته ورسله # [البقرة: 285]: ولم يلزم من تقديم الملائكة في الذكر تفضيلهم على الرسل، ~~وأما تقديم جبريل على ميكائيل فليس ببعيد ms5498 أن يكون للشرف كما أن تخصيصهما ~~بالذكر لفضلهما، وقال في النجم: ثم دنا جبريل من ربه عز وجل، وهذا قول ~~مجاهد يدل عليه ما روي في الحديث: # " إن أقرب الملائكة إلى الله عز وجل جبريل عليه السلام " # - انتهى. ولو صح هذا الحديث لكان فيه كفاية لكن لم أجده أصلا، وقال ~~الأصبهاني في عم في قوله: # يوم يقوم الروح # [النبأ: 38] عن ابن عباس رضي الله عنهما: هو أعظم الملائكة خلقا وأشرف ~~منهم، وأقرب من رب العالمين - انتهى. فهذا كما ترى صريح في تفضيل الروح، ~~وقال السهيلي في غزوة بدر في كتابه الروض: ونزل جبريل عليه السلام بألف ~~من الملائكة فكان في خمسمائة في الميمنة، وميكائيل عليه السلام في ~~خمسمائة في الميسرة، ووراءهم مدد من الملائكة لم يقاتلوا وهم الآلاف ~~المذكورون في سورة آل عمران، وكان إسرافيل عليه السلام وسط الصف لا يقاتل ~~كما يقاتل غيره من الملائكة عليهم الصلاة والسلام - انتهى. وهذا يدل على ~~شرف إسرافيل عليه السلام لأن موقفه موقف رئيس القوم وفعله فعله - والله ~~أعلم. # ولما كان المجنون لا يثبت ما يسمعه ولا ما يبصره حق الإثبات، فكان ~~التقدير بعد هذا النفي: فلقد سمع من رسولنا إليه ما أرسل به حق السمع، ما ~~التبس عليه فيه حق بباطل، عطف عليه الإخبار برفعه شأنه في رؤية ما لم يره ~~غيره وأمانته وجوده فقال: { ولقد رآه } أي المرسل إليه وهو جبريل عليه ~~الصلاة والسلام على صورته الحقيقية ليلة المعراج وبعرفات، جامعا إلى حس ~~السمع حس البصر { بالأفق المبين * } أي الأعلى الذي هو عند سدرة المنتهى، ~~حيث لا يكون لبس أصلا، ولا يكون لشيطان على ذلك المكان سبيل فعرفه حق ~~المعرفة، وقال البيضاوي: بمطلع الشمس الأعلى - يعني وهو مشرق الأنوار، ~~والأفق: الناحية التي تفوق وتعلو. # ولما انتفى ما يظن من لبس السمع وزيغ البصر، لم يبق إلا ما يتعلق ~~بالتأدية فنفى ما يتوهم من ذلك بقوله: { وما } أي سمعه ورآه والحال أنه ~~ما { هو على الغيب } أي الأمر الغائب عنكم في النقل ms5499 عنه ولا في غيره من ~~باب الأولى { بضنين * } أي بمتهم، من الظنة وهي التهمة، كما يتهم الكاهن ~~لأنه يخطىء في بعض ما يقول، فهو حقيق بأن يوثق بكل شيء يقوله في كل ~~أحواله، هذا في قراءة ابن كثير وأبي عمرو والكسائي ورويس عن يعقوب ~~بالظاء، والمعنى في قراءة الباقين بالضاد: ببخيل كما يبخل الكاهن رغبة في ~~الحلوان، بل هو حريص على أن يكون كل من أمته عالما بكل ما أمره الله ~~تعالى بتبليغه. # ولما أثبت له الأمانة والجود بعد أن نفى عنه ما بهتوه به، وكان الجنون ~~أظهر من قول المجنون لأن بعض المجانين ربما تكلم الكلام المنتظم في بعض ~~الأوقات فنفاه لذلك، وكان قول الكاهن أظهر من الكهانة، نفى القول فقال: { ~~وما هو } أي القرآن الذي من جملة معجزاته الإخبار بالمغيبات، وأعرق في ~~النفي بالتأكيد بالباء فقال: { بقول شيطان }. ولما كان الشيطان لا ينفك ~~عن الطرد لأن اشتقاقه من شطن وشاط، وذلك يقتضي البعد والاحتراق، وصفه بما ~~هو لازم له فقال: { رجيم * } أي مرجوم باللعن وغيره من الشهب لأجل استراق ~~السمع مطرود عن ذلك، لأن القائل له ليس بكاهن كما تعلمون، وبقي مما قالوه ~~السحر وهو لا يحتاج إلى نفيه لأنه ليس بقول، بل هو فعل صرف أو قول مقترن ~~به، والأضغاث وهي لذلك واضحة العوار فلم يعدها، فمن علم هذه الأوصاف ~~للقرآن والرسولين الآتيين به الملكي والبشري أحبه وأحبهما، وبالغ في ~~التعظيم والإجلال، وأقبل على تلاوته في كل أوقاته، وبالغ في السعي في كل ~~ما يأمر به والهرب مما ينهى عنه، ليحصل له الاستقامة رغبة في مرافقة من ~~أتى به ورؤية من أتى من عنده. # ولما لم يدع وجها يلبس به على من لا يعرف حاله صلى الله عليه وسلم، سبب ~~عنه قوله موبخا منكرا: { فأين تذهبون * } أي بقلوبكم عن هذا الحق ~~المبين يا أهل مكة المدعين لغاية الفطنة وقد علمتم هذا الحفظ العظيم في ~~الرسولين الملكي والبشري فمن أين يأتي ما تدعون من التخليط في هذا الكتاب ms5500 ~~العظيم الذي دل على حفظه ببرهان عجزكم عن معارضة شيء منه؟ وهو استضلال ~~لهم واستجهال على أبلغ وجه في كل ما كانوا ينسبونه إليه بحيث صار ضلالهم ~~معروفا لا لبس فيه. # ولما كان الحال قد صار في الوضوح إلى أنه إذا نبه صاحبه بمثل هذا القول ~~نظر أدنى نظر، فقال من غير وقفة: لا أين، قال: { إن } أي ما { هو } أي ~~القرآن الذي أتاكم به { إلا ذكر للعالمين * } أي شرف للخلق كلهم من الجن ~~والإنس والملائكة وموعظة بليغة عظيمة لهم. ولما تشرف الوجود كله بإظهاره ~~فيه نوع تشرف، أطلق هذه العبارة. ولما كان الذي ثم شرفه المهتدي، فكان ~~الوعظ والشرف إنما هو له في الحقيقة قال: { لمن شاء منكم } أي أيها ~~المخاطبون { أن يستقيم * } أي يطلب القوم ويوجده. # ولما كان ذلك ربما تعنت به المتعنت في خلق الأفعال، قال نافيا ~~لاستقلالهم ومثبتا للكسب: { وما تشاءون } أي أيها الخلائق الاستقامة { ~~إلا أن يشاء الله } أي الملك الأعلى الذي لا حكم لأحد سواه مشيئتكم، وإن ~~لم يشأها لم تقدروا على مشيئة، فادعوه مخلصين له الدين يشأ لكم ما يرضيه ~~فيوفقكم إليه، وعن وهب بن منبه أنه قال: الكتب التي أنزلها الله على ~~الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بضع وتسعون كتابا قرأت منها بضعا ~~وثمانين كتابا فوجدت فيها: من جعل إلى نفسه شيئا من المشيئة فقد كفر - ~~انتهى. # ومن تأمل هذه الآية أدنى تأمل علم أن كلام المعتزلة بعدها في القدر دليل ~~على أن الإنسان إذا كان له هوى لا يرده شيء أصلا # ومن يضلل الله فما له من هاد # [الرعد: 33]. # ولما وصف نفسه سبحانه بأنه لا يخرج شيء عن أمره، أتبع ذلك الوصف بما هو ~~كالعلة لذلك فقال: { رب العالمين * } أي الموجد لهم والمالك والمحسن ~~إليهم والمربي لهم وهو أعلم بهم منهم، فلأجل ذلك لا يقدرون إلا على ما ~~قدرهم عليه، ويجب على كل منهم طاعته والإقبال بالكلية عليه سبحانه وتعالى ~~وشكره استمطارا للزيادة، فلهذه الربوبية صح تصرفه في الشمس وما تبعها ~~مما ms5501 ذكر أول السورة لإقامة الساعة لأجل حساب الخلائق، والإنصاف بينهم ~~بقطع كل العلائق، كما يفعل كل رب مع من يربيه فكيف بأحكم الحاكمين وأرحم ~~الراحمين! فقد التقى طرفاها على أشرف الوجوه وأجلاها، وانتظم أول ~~الانفطار بما له من بديع الأسرار، فالتكوير كالانشقاق والتفطير، ~~والانكدار مثل التساقط والانتشار، والله سبحانه هو أعلم بالصواب. ### | [82 - سورة الإنفطار] ### || [82.1-7] # ولما ختمت التكوير بأنه سبحانه لا يخرج عن مشيئته وأنه موجد الخلق ~~ومدبرهم، وكان من الناس من يعتقد أن هذا العالم هكذا بهذا الوصف لا آخر ~~له " أرحام تدفع وأرض تبلع ومن مات فات وصار إلى الرفات ولا عود بعد ~~الفوات " افتتح الله سبحانه هذه بما يكون مقدمة لمقصود التي قبلها من أنه ~~لا بد من نقضه لهذا العالم وإخرابه ليحاسب الناس فيجزي كلا منهم من ~~المحسن والمسيء بما عمل فقال: { إذا السماء } أي على شدة إحكامها ~~واتساقها وانتظامها { انفطرت * } أي انشقت شقوقا أفهم سياق التهويل أنه ~~صار لبابها أطراف كثيرة فزال ما كان لها من الكرية الجامعة للهواء الذي ~~الناس فيه كالسمك في الماء، فكما أن الماء إذا انكشف عن الحيوانات ~~البحرية هلكت، كذلك يكون الهواء مع الحيوانات البرية، فلا تكون حياة إلا ~~ببعث جديد ونقل عن هذه الأسباب، ليكون الحساب بالثواب والعقاب. # ولما كان يلزم من انفطارها وهيها وعدم إمساكها لما أثبت بها ليكون ذلك ~~أشد تخويفا لمن تحتها بأنهم يترقبون كل وقت سقوطها أو سقوط طائفة منها ~~فوقهم فيكونون بحيث لا يقر لهم قرار، قال: { وإذا الكواكب } أي النجوم ~~الصغار والكبار كلها الغراء الزاهرة المتوقدة توقد النار المرصعة ترصيع ~~المسامير في الأشياء المتماسكة التي دبر الله في دار الأسباب بها الفصول ~~الأربعة والليل والنهار، وغير ذلك من المقاصد الكبار، وكانت محفوظة ~~بانتظام السماء { انتثرت * } أي تساقطت متفرقة كما يتساقط الدر من السلك ~~إذا انقطع تساقطا كأنه لسرعته لا يحتاج إلى فعل فاعل لقوة تداعيه إلى ~~التساقط. # ولما كان إخباره بما دل على وهي السماء مشعرا بوهي الأرض لأنها أتقن ~~منها وأشرف ms5502 إذ هي للأرض بمنزلة الذكر للأنثى، وكان الانفعال ربما أوهم أن ~~ذلك يكون بغير فاعل، صرح بوهي الأرض معبرا بالبناء للمفعول دلالة على أن ~~الكل بفعله، وأن ذلك عليه يسير، فقال مخبرا بانفطار الأراضي أيضا ليجمع ~~بين التخويف بالمطل والترويع بالمقل: { وإذا البحار } المتفرقة في الأرض ~~وهي ضابطة لها أتم ضبط لنفع العباد على كثرتها { فجرت * } أي تفجيرا ~~كثيرا بزوال ما بينها من البرازخ الحائلة، وقال الربيع: بفيضها وخروج ~~مائها عن حدوده فاختلط بعضها ببعض من ملحها وعذبها فصارت بحرا واحدا، ~~فصارت الأرض كلها ماء ولا سماء ولا أرض فأين المفر. # ولما كان ذلك مقتضيا لغمر القبور فأوهم أن أهلها لا يقومون كما كان ~~العرب يعتقدون أن من مات فات، قال دافعا لذلك على نمط كلام القادرين ~~إشارة إلى سهولة ذلك عليه: { وإذا القبور } أي مع ذلك كله { بعثرت } أي ~~نبش ترابها على أسهل وجه عن أهلها فقاموا أحياء كما كانوا، فرأوا ما ~~أفظعهم وهالهم وروعهم. # ولما كانت هذه الشروط كلها التي جعلت أشراطا على الساعة موجبة لعلوم ~~دقيقة، وتكشف كل واحدة منها عن أمور عجيبة، وكانت كلها دالة على الانتقال ~~من هذه الدار إلى دار أخرى لخراب هذه الدار، ناسب أن يجيب " إذ " بقوله: ~~{ علمت نفس } أي جميع النفوس بالإنباء بالحساب وبما يجعل لها سبحانه بقوة ~~التركيب من ملكة للاستحضار كما قال تعالى: { فكشفنا عنك غطاءك } والدال ~~على إرادة العموم التعبير بالتنكير في سياق التخويف والتحذير مع العلم ~~بأن النفوس كلها في علم مثل هذا وجهله على حد سواء، فمهما ثبت للبعث ثبت ~~للكل، ولعله نكر إشارة إلى أنه ينبغي لمن وهبه الله عقلا أن يجوز أنه ~~هو المراد فيخاف: { ما قدمت } أي من عمل { وأخرت * } أي جميع ما عملت من ~~خير أو شر أو غيرهما، أو ما قدمت قبل الموت وما أخرت من سنة تبقى بعده. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: هذه السورة كأنها من تمام سورة التكوير ~~لاتحاد القصد فاتصالها بها واضح وقد مضى نظير هذا ms5503 - انتهى. # ولما كان ذلك خالعا للقلوب، وكان الإنسان إذا اعتقد البعث قد يقول ~~تهاونا ببعض المعاصي: المرجع إلى كريم ولا يفعل بي إلا خيرا، أنتج قوله ~~مناديا بأداة البعد لأن أكثر الخلق مع ذلك معرض، منكرا سبحانه وتعالى ~~على من يقول هذا اغترارا بخدع الشيطان إنكارا يهد الأركان: { يا أيها ~~الإنسان } أي البشر الآنس بنفسه الناسي لما يعنيه { ما غرك } أي أدخلك في ~~الغرة، وهي أن ترى فعلك القبيح حسنا أو ترى أنه يعفى عنك لا محالة، وذلك ~~بمعنى قراءة سعيد بن جبير والأعمش: أغرك - بهمزة الإنكار، وتزيد المشهورة ~~معنى التعجب { بربك } أي المحسن إليك الذي أنساك إحسانه ما خلقت له من ~~خلاص نفسك بعمل ما شرعه لك. # ولما كان التعبير بالرب مع دلالته على الإحسان يدل على الانتقام عند ~~الإمعان في الإجرام لأن ذلك شأن المربي، فكان ذلك مانعا من الاغترار لمن ~~تأمل، أتبعه ما هو كذلك أيضا ظاهره لطف وباطنه جبروت وقهر، فقال ~~للمبالغة في المنع عن الاغترار، { الكريم * } أي الذي له الكمال كله ~~المقتضي لئلا يهمل الظالم بل يمهله، ولا يسوي بين المحسن والمسيء ~~والموالي والمعادي والمطيع والعاصي، المقتضي لأن يبالغ في التقرب إليه ~~بالطاعة شكرا له، وأن لا يعرض أحد عنه لأن بيده كل شيء ولا شيء بيد ~~غيره، فيجب أن يخشى شدة بطشه لأنه كذلك يكون المتصف بالكرم لا يكون إلا ~~عزيزا، فإنه يكون شديد الحلم عظيم السطوة عند انتهاك حرمته بعد ذلك ~~الحلم فإنه يجد أعوانا كثيرة على مراده، ولا يجد المعاقب عذرا في ~~تقصيره بخلاف اللئيم فإنه لا يجد أعوانا فلا يشتد أخذه، فصار الإنكار ~~بواسطة هذين الوصفين أشد وأغلظ من هذه الجهة، ومن جهة أنه كان ينبغي أن ~~يستحيي من المحسن الذي لا تكدير في إحسانه بوجه، فلا يعصى له أمر ولا ~~يفرط له في حق، ومع ذلك ففي ذكر هذين الوصفين تلقين الحجة، قال أبو بكر ~~الوراق: لو سألني لقلت: غرني كرم الكريم وحلمه، وقال علي رضي الله عنه: ~~من كرم ms5504 الرجل سوء أدب غلمانه، وقال الإمام الغزالي في شرحه للأسماء: هو ~~الذي إذا قدر عفا، وإذا وعد وفى، وإذا أعطى زاد على منتهى الرجا، ولا ~~يبالي لمن أعطى ولا كم أعطى، وإذا رفعت حاجة إلى غيره لا يرضى، وإذا جفى ~~عاتب وما استقصى، ولا يضيع من لاذ به وإليه التجأ، ويغنيه عن الوسائل ~~والشفعاء. # ولما ذكر هذين الوصفين الدالين على الكمالين، بالجلال، دل عليهما ~~تقريرا لهما بإفاضة الجود في التربية بوصف الجمال بالإكرام لئلا يعتقد ~~الإنسان بما له من الطغيان أنه حر مالك لنفسه يفعل ما يشاء فقال: { الذي ~~خلقك } أي أوجدك من العدم مهيئا لتقدير الأعضاء { فسواك } عقب تلك ~~الأطوار بتصوير الأعضاء والمنافع بالفعل { فعدلك * } أي جعل كل شيء من ~~ذلك سليما مودعا فيه قوة المنافع التي خلقه الله لها، وعدل المزاج حتى ~~قبل الصورة، والتعديل جعل البنية متناسبة الخلقة، وكذا العدل في قراءة ~~الكوفيين بالتخفيف أي فأمالك عن تشويه الخلقة وتقبيح الصورة، وجعلك ~~معتدلا في صورتك، وكل هذا يقتضي غاية الشكر والخوف منه إن عصى، لأنه كما ~~قدر على التسوية يقدر على التشويه وغيره من العذاب. ### || [82.8-16] # ولما أضاء بهذا إضاءة الشمس أنه عظيم القدرة على كل ما يريد، أنتج قوله ~~معلقا ب " ركب ": { في أي صورة } من الصور التي تعرفها والتي لا ~~تعرفها من الدواب والطيور وغير ذلك من الحيوان، ولما كان المراد تقرير ~~المعنى غاية التقرير، أثبت النافي في سياق الإثبات لينتفي ضد ما أثبته ~~الكلام فيصير ثبات المعنى على غاية من القوة التي لا مزيد عليها، فقال: { ~~ما شاء ركبك * } أي ألف تركيب أعضائك وجمع الروح إلى البدن، روى الطبراني ~~في معاجمه الثلاثة برجال ثقات عن مالك بن الحويرث رضي الله عنه قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إذا أراد الله جل اسمه أن يخلق النسمة فجامع الرجل المرأة طار ماؤه في ~~كل عرق وعصب منها، فلما كان اليوم السابع أحضر الله له كل عرق بينه وبين ~~آدم، ثم قرأ { في أي صورة ms5505 ما شاء ركبك } [الانفطار: 8] " # فتحرر بهذا الإنسان رقيق رقا لازما، ومن خلع ربقة ذلك الرق اللازم وكل ~~إلى نفسه فهلك. # ولما أوضح سبحانه غاية الإيضاح الدليل على قدرته على الإعادة بالابتداء، ~~وبين تعالى أنه ما أوجب للإنسان، الخسار بنسيان هذا الدليل الدال على تلك ~~الدار إلا الاغترار، وكان الاغترار يطلق على أدنى المعنى، بين أنه ارتقى ~~به الذروة فقال: { كلا } أي ما أوقعكم أيها الناس في الإعراض عمن يجب ~~الإقبال عليه ويقبح غاية القباحة الإعراض بوجه عنه مطلق الغرور { بل } ~~أعظمه وهو أنكم { تكذبون } أي على سبيل التجديد بتحدد إقامة الأدلة ~~القاطعة وقيام البراهين الساطعة { بالدين * } أي الجزاء الذي وظفه الله ~~في يوم البعث، فارجعوا عن الغرور مطلقا خاصا وعاما، وارتدعوا غاية ~~الارتداع { وإن } أي والحال أن { عليكم } أي ممن أقمناهم من جندنا من ~~الملائكة { لحافظين * } لهم على أعمالكم غاية العلو فهم بحيث لا يخفى ~~عليهم منها جليل ولا حقير. # ولما أثبت لهم الحفظ، نزههم عن الزيادة والنقص فقال: { كراما } أي فهم ~~في غاية ما يكونون من طهارة الأخلاق والعفة والأمانة. # ولما ثبت الحفظ والأمانة بغاية الإبانة، وكان الحافظ ربما ينسى قال: { ~~كاتبين * } أي هم راسخون في وصف الكتابة يكتبونها في الصحف كما يكتب ~~الشهود بينكم العهود ليقع الجزاء على غاية التحرير. # ولما أفهم الاستعلاء والتعبير بالوصف إحاطة الاطلاع على ما يبرز من ~~الأعمال، صرح به فقال: { يعلمون } أي على التجدد والاستمرار { ما تفعلون ~~* } أي تجددون فعله من خير وشر بالعزم الثابت والداعية الصادقة سواء كان ~~مبنيا على علم أو لا، فكيف يكون مع هذا تكذيب بالجزاء على النقير ~~والقطمير هل يكون إحصاء مثاقيل الذر من أعمالكم عبثا وهل علمتم بملك ~~يكون له رعية يتركهم هملا فلا يحاسبهم على ما في أيديهم وما عملوه، ~~ولأجل تكذيبهم بالدين أكد المعنى المستلزم له وهو أمر الحفظة غاية ~~التأكيد، والتعبير بالمستقبل يدل على أنهم يعلمون كل ما انقدح في القلب ~~وخطر في الخاطر قبل أن يفعل، وأما ما لم يجر في النفس له ms5506 ذكر فلا يعلمونه ~~كما بينه حديث: # " ومن هم بحسنة فلم يعملها فاكتبوها له حسنة ". # ولما كانت نتيجة حفظ الأعمال الجزاء عليها، أنتج ذلك بيان ما كانت ~~الكتابة لأجله تفريقا بين المحسن والمسيء الذي لا يصح في حكمة حكيم ولا ~~كرم كريم غيره بقوله على سبيل التأكيد، لأجل تكذيبهم: { إن الأبرار } أي ~~العاملين بما هو واسع لهم مما يرضي الله جلت قدرته { لفي نعيم * } أي ~~محيط بهم لا ينفك عنهم ولا ينفكون عنه أصلا في الدنيا في نعيم الشهود، ~~وفي الآخرة في نعيم الرؤية والوجود في هذه الدار معنى وفي الآخرة حسا، ~~فكل نعيم في الجنة لهم من المنح الآجلة فرقائقه في هذه الدنيا لهم عاجلة ~~{ وإن الفجار } أي الذي شأنهم الخروج مما ينبغي الاستقرار فيه من رضا ~~الله إلى سخطه { لفي جحيم * } أي نار تتوقد غاية التوقد يصلون بها جحيم ~~العقوبة الفظيعة كما كانوا في الدنيا في جحيم البعد والقطيعة. # ولما كان السياق للترهيب، وصف عذاب الفجار فقال: { يصلونها } أي يغمسون ~~فيها كالشاة المصلية فيباشرون حرها { يوم الدين * } أي الجزاء على ~~الأعمال المضبوطة على مثاقيل الذر. ولما كان العذاب على ما نعهده لا بد ~~أن ينقضي، بين أن عذابه على غير ذلك فقال: { وما } أي والحال أنهم ما { ~~هم عنها } أي الجحيم { بغائبين * } أي بثابت لهم غيبة ما عنها في وقت ما، ~~بل هم فيها خالدون جزاء لأعمالهم وفاقا وعدلا طباقا حتى الآن في دار ~~الدنيا وإن كانوا لا يحسون بها إلا بعد الموت لأن الناس نيام، فإذا ماتوا ~~انتبهوا. ### || [82.17-19] # ولما علم أن الوعيد الأعظم يوم الدين، هول أمره بالسؤال عنه إعلاما ~~بأنه أهل لأن يصرف العمر إلى الاعتناء بأمره والسؤال عن حقيقة حاله سؤال ~~إيمان وإذعان لا سؤال كفران وطغيان، ليكون أقعد في الوعيد به فقال: { وما ~~أدراك } أي أعلمك وإن اجتهدت في طلب الدراية به { ما يوم الدين * } أي ~~أي شيء هو في طوله وأهواله وفظاعته وزلزاله. ولما كانت أهواله زائدة على ~~الحد، كرر ذلك السؤال لذلك ms5507 الحال فقال معبرا بأداة التراخي زيادة في ~~التهويل: { ثم ما أدراك } أي كذلك { ما يوم الدين * }. # ولما بين أنه من العظمة بحيث لا تدركه دراية دار وإن عظم وإن اجتهد، لخص ~~أمره في شرح ما يحتمله العقول منه على سبيل الإجمال دافعا ما قد يقوله ~~بعض من لا عقل له: إن كان انضممت والتجأت إلى بعض الأكابر وقصدت بعض ~~الأماثل فأخلص قهرا أو بشفاعة ونحوها، فقال مبدلا من " يوم الدين " في ~~قراءة ابن كثير والبصريين بالرفع: { يوم } وهو ظرف، قال الكسائي: العرب ~~تؤثر الرفع إذا أضافوا الليل واليوم إلى مستقبل، وإذا أضافوا إلى فعل ماض ~~آثروا النصب { لا تملك } أي بوجه من الوجوه في وقت ما { نفس } أي نفس ~~كانت من غير استثناء، ونصبه الباقون على الظرف، ويجوز أن تكون الفتحة ~~للبناء لإضافته إلى غير متمكن { لنفس شيئا } أي قل أو جل، وهذا وإن كان ~~اليوم ثابتا لكنه في هذه الدار بطن سبحانه في الأسباب، فتقرر في النفوس ~~أن الموجودين يضرون وينفعون لأنهم يتكلمون ويبطشون، وأما هناك فالمقرر في ~~النفوس خلاف ذلك من أنه لا يتكلم أحد إلا بإذنه إذنا ظاهرا، ولا يكون ~~لأحد فعل ما إلا بإذنه كذلك، فالأمر كله له دائما، لكن اسمه الظاهر هناك ~~ظاهر واسمه الباطن هذا مقرر لموجبات الغرور. # ولما كان التقدير: فلا أمر لأحد من الخلق أصلا، لا ظاهرا ولا باطنا، ~~عطف عليه قوله: { والأمر } أي كله { يومئذ } أي إذ كان البعث للجزاء { ~~لله * } أي مختص به لا يشاركه فيه مشارك ظاهرا كما أنه لا يشاركه فيه ~~باطنا، ويحصل هناك الكشف الكلي فلا يدعي أحد لأحد أمرا من الأمور بغير ~~إذن ظاهر خاص، وتصير المعارف بذلك ضرورية، فلذلك كان الانفطار والزلازل ~~الكبار، والإحصاء لجميع الأعمال الصغار والكبار، وقد رجع أخرها كما ترى ~~إلى أولها، والتف مفصلها بموصلها - والله الهادي للصواب. ### | [83 - سورة المطففين] ### || [83.1-5] # ولما ختم الانفطار بانقطاع الأسباب وانحسام الأنساب يوم الحساب، وأبلغ ~~في التهديد بيوم الدين وأنه لا أمر لأحد معه، وذكر ms5508 الأشقياء والسعداء، ~~وكان أعظم ما يدور بين العباد المقادير، وكانت المعصية بالبخس فيها من ~~أخس المعاصي وأدناها، حذر من الخيانة فيها وذكر ما أعد لأهلها وجمع إليهم ~~كل من اتصف بوصفهم فحلمه وصفه على نوع من المعاصي، كل ذلك تنبيها ~~للأشقياء الغافلين على ما هم فيه من السموم الممرضة المهلكة، ونبه على ~~الشفاء لمن أراده فقال: { ويل } أي هلاك ثابت عظيم في كل حال من أحوال ~~الدنيا والآخرة { للمطففين } أي الذين ينقصون المكيال والميزان ويبخسون ~~حقوق الناس، وفي ذلك تنبيه على أن أصل الآفات الخلق السيىء وهو حب الدنيا ~~الموقع في جمع الأموال من غير وجهها ولو بأخس الوجوه: التطفيف الذي لا ~~يرضاه ذو مروءة وهم من يقاربون ملء الكيل وعدل الوزن ولا يملؤون ولا ~~يعدلون، وكأنه من الإزالة أي أزال ما أشرف من أعلى الكيل، من الطف، وهو ~~ما أشرف من أرض العرب على ريف العراق، ومنه ما في حديث ابن عمر رضي الله ~~تعالى عنهما قال: كنت فارسا فسبقت الناس حتى طفت لي الفرس مسجد بني زريق ~~- يعني أن الفرس وثب حتى كاد يساوي المسجد، ويقال: طف الرجل الحائط - إذا ~~علاه، أو من القرب، من قولهم: أخذت من متاعي ما خف وطف، أي قرب مني، وكل ~~شيء أدنيته من شيء فقد أطففته، والطفاف من الإناء وغيره: ما قارب أن ~~يملأه، ولا يتم ملأه، وفي الحديث: # " كلكم بنو آدم طف الصاع " # ، أو من الطفف وهو التقتير، يقال: طفف عليه تطفيفا - إذا قتر عليه، أو ~~من الطفيف وهو من الأشياء الخسيس الدون والقليل، فكأن التضعيف للإزالة ~~على المعنى الأول كما مضى، وللمقاربة الكثيرة على المعنى الثاني أي أنه ~~يقار ملء المكيال مقاربة كبيرة مكرا وخداعا حتى يظن صاحب الحق أنه وفى ~~ولا يوفي، يقال: أطف فلان لفلان - إذا أراد ختله، وإذا نهى عن هذا فقد ~~نهى عما نقص أكثر بمفهوم الموافقة، وعلى المعنى الثالث بمعنى التقتير ~~والمشاححة في الكيل، وعلى المعنى الرابع بمعنى التنقيص والتقليل فيه، ~~وكأنه اختير هذا اللفظ ms5509 لأنه لا يكاد يسرق في الميزان والمكيال إلا الشيء ~~اليسير جدا، هذا أصله في اللغة وقد فسره الله سبحانه وتعالى فقال: { ~~الذين إذا اكتالوا } أي عالجوا الكيل أو الوزن فاتزنوا - بما دل عليه ما ~~يأتي، وعبر بأداة الاستعلاء ليكون المعنى: مستعلين أو متحاملين { على ~~الناس } أي خاصة بمشاهدتهم كائنين من كانوا لا يخافون شيئا ولا يراعون ~~أحدا، بل صارت الخيانة والوقاحة لهم ديدنا، وهذا الفعل يتعدى بمن وعلى، ~~يقال: اكتال من الرجل وعليه، ويجوز أن يكون اختيار التعبير بعلى هنا مع ~~ما تقدم للإشارة إلى أنهم إذا كان لهم نوع علو بأن كان المكتال منه ~~ضعيفا خانوه فيكون أمرهم دائرا على الرذالة وسفول الهمة التي لا أسفل ~~منها { يستوفون * } أي يوجدون لأنفسهم الوفاء وهو تمام الكيل بغاية ~~الرغبة والمبالغة في الملء، فكأنه ذكر " اكتالوا " ولم يذكر " اتزنوا " ~~لأنه لا يتأتى في الوزن من المعالجة ما يتأتى في الكيل، ولأنهم يتمكنون ~~في الاكتيال من المبالغة في استيفاء المؤدي إلى الزيادة ما لا يتمكنون من ~~مثله في الاتزان، وهذا بخلاف الإخسار فإن التمكن بسببه حاصل في الموضعين ~~فلذلك ذكرهما فيه. # ولما أفهم تقديم الجار الاختصاص فأفهم أنهم إذا فعلوا من أنفسهم لا يكون ~~كذلك، صرح به فقال: { وإذا كالوهم } أي كالوا الناس أي حقهم أي ما لهم من ~~الحق { أو وزنوهم } أي وزنوا ما عليهم له من الحق، يقال: اكتال من الرجل ~~وعليه وكال له الطعام وكاله الطعام، ووزنت الرجل الشيء ووزنت له الشيء، ~~ولعله سبحانه اختار " على " في الأول والمعدى إلى اثنين في الثاني لأنه ~~أدل على حضور صاحب الحق، فهو في غيبته أولى، فهو أدل على المرون على ~~الوقاحة، فهما كلمتان لا أربع لأنه ليس بعد الواو ألف جمع، قال البغوي: ~~وكان عيسى بن عمر يجعلهما حرفين يقف على كالوا ووزنوا ويبتدىء هم، قال ~~أبو عبيدة: والاختيار الأولى، قال البغوي: يعني أن كل واحدة كلمة لأنهم ~~كتبوهما بغير ألف باتفاق المصاحف، وقال الزمخشري: ولا يصح أن يكون ضميرا ~~للمطففين لأن ms5510 الكلام يخرج به إلى نظم فاسد، وذلك أن المعنى: إذا أخذوا من ~~الناس استوفوا وإذا أعطوهم أخسروا، وإن جعلت الضمير للمطففين انقلب إلى ~~قولك: إذا أخذوا من الناس استوفوا، وإذا تولوا الكيل أو الوزن هم على ~~الخصوص أخسروا، وهو كلام متنافر لأن الحديث واقع في الفعل لا في المباشر، ~~والتعلق في إبطاله بخط المصحف وأن الألف التي تكتب بعد واو الجمع غير ~~ثابته فيه ركيك لأن خط المصحف لم يراع في كثير منه حد المصطلح عليه في ~~علم الخط - انتهى. ولا شك أن في خط المصحف تقوية لهذا الوجه المعنوي ~~وتأكيدا { يخسرون * } أي يوجدون الخسارة بالنقص فيما يكيلون لغيرهم، ~~والحاصل أنهم يأخذون وافيا أو زائدا ويعطون ناقصا. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما قال سبحانه وتعالى في سورة ~~الانفطار # وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين # [الانفطار: 10] الآية وكان مقتضى ذلك الإشعار بوقوع الجزاء على جزئيات ~~الأعمال وأنه لا يفوت عمل كما قال تعالى: # وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفا بنا حاسبين # [الأنبياء: 47] أتبع الآية المتقدمة بجزاء عمل يتوهم فيه قرب المرتكب ~~وهو من أكبر الجرائم، وذلك التطفيف في المكيال والميزان والانحراف عن ~~إقامة القسط في ذلك، فقال تعالى: { ويل للمطففين } [المطففين: 1] ثم أردف ~~تهديدهم وتشديد وعيدهم فقال: { ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم } ~~[المطففين: 4 - 5] ثم التحمت الآي مناسبة لما افتتحت به السورة إلى ~~ختامها - انتهى. # ولما ذكر سبحانه وتعالى أنهم أدمنوا على هذه الرذائل حتى صارت لهم خلقا ~~مرنوا عليه وأنسوا به وسكنوا إليه، وكان ذلك لا يكون إلا ممن أمن العقاب ~~وأنكر الحساب، أنتج ذلك الإنكار عليهم على أبلغ الوجوه لإفهامه أن حالهم ~~أهل لأن يتعجب منه ويستفهم عنه وأن المستفهم عن حصوله عندهم الظن، وأما ~~اليقين فلا يتخيل فيهم لبعد أحوالهم الجافية وأفهامه الجامدة عنه فقال ~~تعالى: { ألا يظن أولئك } أي الأخساء البعداء الأرجاس الأراذل يتجدد لهم ~~وقتا من الأوقات ظن أن لم يتيقنوا بما مضى من البراهين التي أفادت أعلى ~~رتب اليقين، ms5511 فإنهم لو ظنوا ذلك ظنا نهاهم إن كان لهم نظر لأنفسهم عن ~~أمثال هذه القبائح، ومن لم تفده تلك الدلائل القاطعة ظنا يحتاط به لنفسه ~~فلا حس له أصلا { أنهم } وعبر باسم المفعول فقال: { مبعوثون * } إشارة ~~إلى القهر على أهون وجه بالبعث الذي قد ألفوا مثله من القهر باليقظة بعد ~~القهر بالنوم { ليوم } أي لأجله وفيه، وزاد التهويل بقوله: { عظيم * } أي ~~لعظمة ما يكون فيه من الجمع والحساب الذي يكون عنه الثواب والعقاب مما لا ~~يعلمه على حقيقته إلا هو سبحانه وتعالى. ### || [83.6-12] # ولما عظم ذلك اليوم تحذيرا منه، وزاده تعظيما بأن أتبعه على سبيل ~~القطع قوله ناصبا بتقدير " أعني " إعلاما بأن الجحد فيه بأعين جميع ~~الخلائق فهو فضيحة لا يشبهها فضيحة: { يوم يقوم } أي على الأرجل { الناس ~~} أي كل من فيه قابلية الحركة، وذلك يوم القيامة خمسين ألف سنة لا ينظر ~~إليهم سبحانه - رواه الطبراني في الكبير عن عبد الله بن عمرو رفعه ورجاله ~~ثقات { لرب العالمين * } أي لأجل حكم موجد الخلائق ومربيهم كلهم فلا ينسى ~~أحدا من رزقه ولا يهمله من حكمه ولا يرضى بظلم أحد ممن يربيه فهو يفيض ~~لكل من كل بحكم التربية، كل ذلك من استفهام الإنكار وكله الظن، ووصف ~~اليوم بما وصف وغير ذلك للإبلاغ في المنع عن التطفيف وتعظيم إثمه، وروى ~~الحاكم من رواية عبد الله بن بريدة عن أبيه رضي الله عنه رفعه: # " ما نقض قوم العهد إلا سلط عليهم عدوهم، وما حكموا بغير ما أنزل الله ~~تعالى إلا فشا فيهم الفقر، وما ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشا فيهم الموت، ~~ولا طففوا الكيل إلا منعوا النبات وأخذوا بالسنين، ولا منعوا الزكاة إلا ~~حبس عنهم القطر " # ومن طريق عطاء بن أبي رباح عن عبد الله بن عمرو مرفوعا نحوه، وللطبراني ~~من طريق الضحاك عن مجاهد وطاوس عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعا نحوه. # ولما أنهى سبحانه ما أراد من تعظيم ذلك اليوم والتعجيب ممن لم يفده ~~براهينه أن يجوزه والإنكار عليه، وكان ms5512 مع ما فيه من التقريع مفهما ~~للتقرير، نفى بأداة الردع للمبالغة في النفي مضمون ما وقع الاستفهام عنه ~~فقال: { كلا } أي لا يظن أولئك ذلك بوجه من الوجوه لكثافة طباعهم ووقوفهم ~~مع المحسوس دأب البهائم بل لا يجوزونه، ولو جوزوه لما وقعوا في ظلم أحد ~~من يسألون عنه في ذلك اليوم المهول، وما أوجب لهم الوقوع في الجرائم إلا ~~الإعراض عنه، وقال الحسن رحمه الله تعالى: هي بمعنى حقا متصلة بما بعدها ~~- انتهى. وهي مع ذلك مفهمة للردع الذي ليس بعده ردع عن اعتقاد مثل ذلك ~~والموافقة لشيء مما يوجب الخزي فيه. # ولما أخبر عن إنكارهم، استأنف إثبات ما أنكروه على أبلغ وجه وأفظعه ~~مهولا لما يقع لهم من الشرور وفوات السرور، مؤكدا لأجل إنكارهم فقال: { ~~إن كتاب } وأظهر موضع الإضمار تعميما وتعليقا للحكم بالوصف فقال: { ~~الفجار } أي صحيفة حساب هؤلاء الذين حملهم على كفرهم مروقهم وكذا كل من ~~وافقهم في صفاتهم فكان في غاية المروق مما حق ملابسته وملازمته، وأبلغ في ~~التأكيد فقال: { لفي سجين * } هو علم منقول في صيغة المبالغة عن وصف من ~~السجن وهو الحبس لأنه سبب الحبس في جهنم أي إنه ليس فيه أهلية الصعود إلى ~~محل الأقداس إشارة إلى أن كتابهم إذا كان في سجن عظيم أي ضيق شديد كانوا ~~هم في أعظم، قال ابن جرير: وهي الأرض السابعة - انتهى وهو يفهم مع هذه ~~الحقيقة أنهم في غاية الخسارة لأنه يقال لكل من انحط: صار ترابا ولصق ~~بالأرض - ونحو ذلك، ثم زاد في هوله بالإخبار بأنه أهل لأن يسأل عنه ويضرب ~~إلى العالم به - إن كان يمكن - آباط الإبل فقال: { وما أدراك } أي جعلك ~~داريا وإن اجتهدت في ذلك { ما سجين * } أي أنه بحيث لا تحتمل وصفه ~~العقول، وهو مع ذلك في أسفل سافلين ويشهده المبعدون من الشياطين وسائر ~~الظالمين، يصعد بالميت منهم إلى السماء فتغلق أبوابها دونه فيرد تهوي به ~~الريح تشمت به الشياطين. # وكل ما قال فيه: " وما أدراك " فقد أدراه به بخلاف ms5513 " وما يدريك ". # ولما أتم ما أراد من وصفه، أعرض عن بيانه إشارة إلى أنه من العظمة بحيث ~~إنه يكل عنه الوصف، واستأنف أمر الكتاب المسجون فيه فقال محذرا منه ~~مهولا لأمره: { كتاب } أي عظيم لحفظه النقير والقطمير { مرقوم * } أي ~~مسطور بين الكتابة كما تبين الرقمة البيضاء في جلد الثور الأسود، ويعلم ~~كل من رآه أنه غاية في الشر، وهو كالرقم في الثوب والنقش في الحجر لا ~~يبلى ولا يحمى. # ولما أعلم هذا بما للكتاب من الشر، استأنف الإخبار بما أنتجه مما ~~لأصحابه فقال: { ويل } أي أعظم الهلاك { يومئذ } أي إذ يقوم الناس لما ~~تقدم: ولما كان الأصل: لهم، أبدله بوصف ظاهر تعميما وتعليقا للحكم به ~~فقال: { للمكذبين * } أي الراسخين في التكذيب بكل ما ينبغي التصديق به. # ولما أخبر عن ويلهم، وصفهم بما يبين ما كذبوا به ويبلغ في ذمهم فقال: { ~~الذين يكذبون } أي يوقعون التكذيب لكل من ينبغي تصديقه، مستهينين { بيوم ~~} أي بسب الإخبار بيوم { الذين * } أي الجزاء الذي هو سر الوجود { وما } ~~أي والحال أنه ما { يكذب } أي يوقع التكذيب { به إلا كل معتد } أي متجاوز ~~للحد في العناد أو الجمود والتقليد لأن محطة نسبة من ثبت بالبراهين ~~القاطعة أنه على كل شيء قدير إلى العجز عن إعادة ما ابتدأه { أثيم * } أي ~~مبالغ في الانهماك في الشهوات الموجبة للآثام، وهي الذنوب، فاسود قلبه ~~فعمي بنظر الشهوات التي حفت بها النار عما عداها. ### || [83.13-17] # ولما أثبت له الإبلاغ في الإثم، دل عليه بقوله بأداة التحقق: { إذا تتلى ~~} أي من أي تال كان، مستعلية بما لها من البراهين { عليه آياتنا } أي ~~العلامات الدالة على ما أريد بيانها له مع ما لها من العظمة بالنسبة ~~إلينا { قال } أي من غير توقف ولا تأمل بل بحظ نفس أوقعه في شهوة ~~المغالبة التي سببها الكبر: { أساطير الأولين * } أي من الأباطيل وليست ~~كلام الله، فكان لفرط جهله بحيث لا ينتفع بشواهد النقل كما أنه لم ينظر ~~في دلائل العقل. # ولما كان هذا قد صار كالأنعام ms5514 في عدم النظر بل هو أضل سبيلا لأنه قادر ~~على النظر دونها، قال رادعا له ومكذبا ومبينا لما أدى به إلى هذا ~~القول وهو لا يعتقده: { كلا } أي ليرتدع ارتداعا عظيما ولينزجر ~~انزجارا شديدا، فليس الأمر كما قال في المتلو ولا هو معتقد له اعتقادا ~~جازما لأنه لم يقله عن بصيرة { بل ران } أي غلب وأحاط وغطى تغطية الغيم ~~للسماء والصدأ للمرآة، وجمع اعتبارا بمعنى " كل " لئلا يتعنت متعنت، ~~فقال معبرا بجمع الكثرة إشارة إلى كثرتهم: { على قلوبهم } أي كل من قال ~~هذا القول { ما كانوا } أي بجبلاتهم الفاسدة { يكسبون * } أي يجددون كسبه ~~مستمرين عليه من الأعمال الردية، فإن كثرة الأفعال سبب لحصول الملكات إن ~~خيرا فخيرا وإن شرا فشرا، فيتراكم الذنب على القلب فيسود، فلذلك ~~كانوا يقولون مثل هذا الاعتقاد، بل هو شيء يسدون به المجلس ويقيمون ~~لأنفسهم عند العامة المعاذير ويفترون به عزائم التالين بما يحرقون من ~~قلوبهم - أحرق الله قلوبهم وبيوتهم بالنار - فإنهم لا ينقطعون في عصر من ~~الأعصار ولا يخشون من عار ولا شنار، روى أحمد والترمذي وابن ماجه عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إذا أذنب العبد نكتت في قلبه نكتة سوداء فإن تاب صقل منها، وإن زاد ~~زادت حتى تعلو قلبه، فذلك الران الذي قال الله سبحانه وتعالى " # وقال الغزالي في كتاب التوبة من الإحياء: قد سبق أن الإنسان لا يخلو في ~~مبدأ خلقته عن اتباع الشهوات، وكل شهوة اتبعها الإنسان ارتفع منها ظلمة ~~إلى قلبه كما يرتفع عن نفس الإنسان ظلمة إلى وجه المرآه الصقيلة، فإن ~~تراكمت ظلمة الشهوات صار رينا كما يصير بخار النفس في وجه المرآة عند ~~تراكمه خبثا، فإذا تراكم الرين صار طبعا كالخبث على وجه المرآة إذا ~~تراكم وطال زمانه غاص في جرم الحديد وأفسده وصار لا يقبل التصقيل بعده، ~~وصار كالمطبوع من الخبث ولا يكفي في تدارك اتباع الشهوات تركها في ~~المستقبل بل لا بد من محو تلك الآثار التي ms5515 انطبعت في القلب كما لا يكفي ~~في ظهور الصورة في المرآة قطع الأنفاس والبخارات المسودة لوجهها في ~~المستقبل ما لم يشتغل بمحو ما انطبع فيها من الآثار، وكما يرتفع إلى ~~القلب ظلمة من المعاصي والشهوات فيرتفع إليه نور من الطاعات وترك الشهوات ~~فتنمحي ظلمة المعصية بنور الطاعة، وإليه الإشارة بقوله صلى الله عليه ~~وسلم: # " وأتبع السيئة الحسنة تمحها ". # ولما كان ادعاؤهم إنما هو قول قالوه بأفواههم لا يتجاوزها عظيما جدا، ~~أعاد ردعهم عنه وتكذيبهم فيه فقال: { كلا } أي ليس الأمر كما قالوا من ~~الأساطير لا في الواقع ولا عندهم فليرتدعوا عنه أعظم ارتداع. ولما كان ~~قول الإنسان لما لا يعتقده ولا هو في الواقع كما في غاية العجب لا يكاد ~~يصدق، علله مبينا أن الحامل لهم عليه إنما هو الحجاب الذي ختم به سبحانه ~~على قلوبهم، فقال مؤكدا لمن ينكر ذلك من المغرورين: { إنهم عن ربهم } أي ~~عن ذكر المحسن إليهم وخشيته ورجائه { يومئذ } أي إذ قالوا هذا القول ~~الفارغ. ولما كان المانع إنما هو الحجاب، بني للمفعول قوله: { لمحجوبون * ~~} فلذلك استولت عليهم الشياطين والأهوية، فصاروا يقولون ما لو عقلت ~~البهائم لاستحيت من أن تقوله، والأحسن أن تكون الآية بيانا وتعليلا ~~لويلهم الذي سبق الإخبار به، ويكون التقدير: يوم إذ كان يوم الدين، ويكون ~~المراد الحجاب عن الرؤية، ويكون في ذلك بشارة للمؤمنين بها. وقال البغوي: ~~قال أكثر المفسرين: عن رؤيته، وقال: إن الإمامين الشافعي وشيخه مالكا ~~استدلا بهذه الآية على الرؤية، وأسند الحافظ أبو نعيم في الحلية في ترجمة ~~الشافعي أنه قال: في هذه الآية دلالة على أن أولياءه يرونه على صفته، ~~وقال ابن الفضل: كما حجبهم في الدنيا عن توحيده حجبهم في الآخرة عن ~~رؤيته، وقال الحسن: لو علم الزاهدون والعابدون أنهم لا يرون ربهم في ~~المعاد لزهقت أنفسهم في الدنيا. وقال القشيري: ودليل الخطاب يوجب أن يكون ~~المؤمنون يرونه كما يعرفونه اليوم انتهى. وفيه تمثيل لإهانتهم بإهانة من ~~يمنع الدخول على الملك. # ولما بين ما لهم من ms5516 العذاب بالحجاب الذي هو عذاب القلب الذي لا عذاب أشد ~~منه، لأنه يتفرع عنه جميع العذاب، شرع يبين بعض ما تفرع عنه من عذاب ~~القالب مؤكدا لأجل إنكارهم معبرا بأداة التراخي إعلاما بعلو رتبته في ~~أنواع العذاب فقال: { ثم إنهم } أي بعد ما شاء الله من إمهالهم { لصلوا ~~الجحيم * } أي لدخلو النار العظمى ويقيمون فيها مقاسون لحرها ويغمسون ~~فيها كما تغمس الشاة المصلية أي المشوية. # ولما بين ما لهم من الفعل الذي هو للقلب والقالب، أتبعه القول بالتوبيخ ~~والتبكيت الذي هو عذاب النفس، وبناه للمفعول لأن المنكىء سماعه لا كونه ~~من معين، وإشارة إلى أنه يتمكن من قوله لهم كل من يصح منه القول من خزنة ~~النار ومن أهل الجنة وغيرهم لأنه لا منعة عندهم: { ثم يقال } أي لهم بعد ~~مدة تبكيتا وتقريعا وتنديما وتبشيعا: { هذا } أي العذاب الذي هو حال ~~بكم { الذي كنتم } أي بما لكم من الجبلات الخبيثة { به } أي خاصة لأن ~~تكذيبكم بغيره بالنسبة إليه لما له من القباحة ولكم من الرسوخ فيه ~~والملازمة له (؟) { تكذبون * } أي توقعون التكذيب به وتجددونه مستمرين ~~عليه. ### || [83.18-23] # ولما كان هذا ربما أفهم أنهم يرون جميع عذابهم إذ ذاك، نفاه بقوله: { ~~كلا } أي ليس هو المجموع بل هو فرد من الجنس فلهذا عمل عليه الجنس وهو ~~نزلهم والأمر أطم وأعظم من أن يحيط به الوصف. ولما ذكر ما للمكذبين من ~~العذاب الذي جره إليهم إقبالهم على الدنيا بادئا به لأن المقام من أول ~~السورة للوعيد وصوادع التهديد، أتبعه ما للمصدقين الذين أقبل بهم إلى ~~السعادة ترك الحظوظ وإعراضهم عن عاجل شهوات الدنيا، فقال مؤكدا لأجل ~~تكذيبهم: { إن كتاب الأبرار } أي صحيفة حسنات الذين هم في غاية الاتساع ~~في شرح صدورهم، واتساع عقولهم وكثرة أعمالهم وزكائها وغير ذلك من محاسن ~~أمورهم { لفي عليين * } أي أماكن منسوبة إلى العلو، وقع النسب أولا إلى ~~فعلي ثم جمع وإن كان لا واحد له من لفظه كعشرين وأخواته، قال الكسائي: ~~إذا جمعت العرب ما لا يذهبون ms5517 فيه إلى أن له بناء من واحد واثنين فإنهم ~~يجمعون بالواو والنون في المذكر والمؤنث - انتهى، فهي درجات متصاعدة تصعد ~~إلى الله ولا تحجب عنه كما يحجب ما للأشقياء بعضها فوق بعض إلى ما لا ~~نهاية له بحسب رتب الأعمال، وكل من كان كتابه من الأبرار في مكان لحق به ~~كما أن من كان كتابه من الفجار في سجين لحق به، قال الرازي في اللوامع: ~~من ترقى علمه عن الحواس والأوهام وفعله عن مقتضى الشهوة والغضب فهو حقيق ~~بأن يكون عليا، ومن كان علمه وإدراكه مقصورا على الحواس والخيال ~~والأوهام وفعله على مقتضى الشهوات البهيمية فهو حقيق بأن يكون في سجين. # ولما كان هذا أمرا عظيما، زاد في تعظيمه بقوله: { وما } أي وأي شيء { ~~أدراك } أي جعلك داريا وإن بالغت في الفحص { ما عليون * } فإن وصفه لا ~~تسعه العقول ويلزمه لعلوه فضاء مطلق واتساع مبين. ولما عظم المكان فعلمت ~~عظمة الكتاب، ابتدأ الإخبار عنه على سبيل القطع زيادة في عظمته فقال: { ~~كتاب } أي عظيم { مرقوم * } أي فيه أن فلانا أمن من النار فيا له من رقم ~~ما أحسنه وما أبهاه وما أجمله. # ولما عظمه في نفسه وفي مكانه، عظمه في حضاره فقال: { يشهده المقربون * ~~} أي يحضره حضورا تاما دائما لا غيبة فيه الجماعة الذين يعرف كل أحد ~~أنه ليس لهم عند كل من يعتبر تقريبه إلا التقريب من ابتدائه إلى انتهائه ~~هم شهود هذا المسطور وهم الملائكة يشيعونه من سماء إلى سماء ويحفون به ~~سرورا وتعظيما لصاحبه ويشهده من في السماوات من الأنبياء عليهم الصلاة ~~والسلام والصديقين والشهداء والصالحين، فالآية مع الأولى من الاحتباك: ~~ذكر سجين أولا دال على الاتساع ثانيا، وذكر عليين والمقربين ثانيا دال ~~على أسفل سافلين والمبعدين أولا. # ولما عظم كتابهم بهذه الفضائل، التفتت النفي إلى معرفة حالهم فقال ~~شافيا لعي هذا الالتفات مؤكدا لأجل من ينكر: { إن الأبرار } أي الذين ~~هذا كتابهم { لفي نعيم * } أي محيط بهم ضد ما فيه الفجار من الجحيم: ولما ~~كان لا ms5518 شيء أنعم للإنسان من شيء عال يجلس عليه ويمد بصره إلى ما يشتهي ~~مما لديه، قال مبينا لذلك النعيم: { على الأرائك } أي الأسرة العالية مع ~~هذا العلو المطلق في الحجال التي يعيي الفكر وصفها لما لها من العلو من ~~ترصيع اللؤلؤ والياقوت وغير ذلك مما لا يدخل تحت الحصر { ينظرون * } أي ~~إلى ما يشتهون من الجنان والأنهار والحور والولدان، ليس لهم شغل غير ذلك ~~وما شابهه من المستلذات. وقال الإمام القشيري: أثبت النظر ولم يبين ~~المنظور إليه لاختلافهم: منهم من ينظر إلى قصوره، ومنهم من ينظر إلى ~~حوره، ومنهم ومنهم، والخواص على دوام الأوقات إلى الله تعالى ينظرون كما ~~أن الفجار دائما عن ربهم محجوبون. ### || [83.24-30] # ولما وصف نعيمهم، أخبر أنهم من عراقتهم فيه يعرفهم به كل ناظر إليهم ~~فقال تعالى: { تعرف } أي أيها الناظر إليهم - هذا على قراءة الجماعة، ~~وقرأ أبو جعفر ويعقوب بالبناء للمفعول، وهو أدل على العموم { في وجوههم } ~~عند رؤيتهم { نضرة النعيم * } أي بهجته ورونقه وحسنه وبريقه وطراوته، من ~~نضر النبات - إذا أزهر ونور، وقال الحسن رحمه الله تعالى: النضرة في ~~الوجه والسرور في القلب. # ولما كانت مجالس الأنس لا سيما في الأماكن النضرة لا تطيب إلا بالمآكل ~~والمشارب، وكان الشراب يدل على الأكل، قال مقتصرا عليه لأن هذه السور ~~قصار يقصد فيها الجمع مع الاختصار قال: { يسقون } بانيا له للمفعول ~~دلالة على أنهم مخدومون أبدا لا كلفة عليهم في شيء { من رحيق } أي شراب ~~خالص صاف عتيق أبيض مطيب في غاية اللذة، فإنهم قالوا: إن الرحيق الخمر أو ~~أطيبها أو أفضلها أو الخالص أو الصافي، وضرب من الطيب. ولا شك أن العاقل ~~لا يشرب الخمر مطلقا فكيف بأعلاها إلا إذا كان مستكملا لمقدماتها من ~~مأكول ومشروب وملبوس ومنكوح وغير ذلك، ولما كان الختم لا يكون إلا لما ~~عظمت رتبته وعزت نفاسته، قال مريدا الحقيقة، أو الكناية عن نفاسته: { ~~مختوم * } أي فهو مع نفاسته سالم من الغبار وجميع الأقذاء والأقذار. # ولما كان الختم حين الفك لا ms5519 بد أن ينزل من فتاته في الشراب قال: { ختامه ~~مسك } وقال ابن مسعود رضي الله عنه: إن المراد بختامه آخر طعمه، فيحصل أن ~~ختامه في أول فتحه وفي آخر شربه المسك، وذلك يقتضي أن لا يكون يفتحه إلا ~~شاربه، وأنه يكون على قدر كفايته فيشربه كله، والعبارة صالحة لأن يكون ~~الختام أولا وآخرا، وهو يجري مجرى افتضاض البكر. ولما كان التقدير: فيه ~~يبلغ نهاية اللذة الشاربون، عطف عليه قوله: { وفي ذلك } أي الأمر العظيم ~~البعيد المتناول وهو العيش والنعيم والشراب الذي هذا وصفه { فليتنافس } ~~أي فليرغب غاية الرغبة بجميع الجهد والاختيار { المتنافسون * } أي الذين ~~من شأنهم المنافسة وهو أن يطلب كل منهم أن يكون ذلك المتنافس فيه لنفسه ~~خاصة دون غيره لأنه نفيس جدا، والنفيس هو الذي تحرص عليه نفوس الناس ~~وتتغالى فيه. والمنافسة في مثل هذا بكثرة الأعمال الصالحات والنيات ~~الخالصة. # ولما ذكر الشراب، أتبعه مزاجه على ما يتعارفه أهل الدنيا لكن بما هو ~~أشرف منه، فقال مبينا لحال هذا المسقي: { ومزاجه } أي يسقون منه والحال ~~أن مزاج هذا الرحيق { من تسنيم * } علم على عين معينة وهو - مع كونه ~~علما - دال على أنها عالية المحل والرتبة، والشراب ينزل عليهم ماؤها من ~~العلو -، وقال حمزة الكرماني: ماؤها يجري على الهواء متنسما ينصب في ~~أواني أهل الجنة على مقدار الحاجة، فإذا امتلأت أمسك، وهو في الشعر اسم ~~جبل عال وكذا التنعيم وأصله من السنام، ولذلك قطعها مادحا فقال: { عينا ~~يشرب بها } أي بسببها على طريقة المزاج منها { المقربون * } أي الذين وقع ~~تقريبهم من اجتذاب الحق لهم إليه وقصر هممهم عليه، كل شراب يريدونه، وأما ~~الأبرار فلا يشربون بها إلا الرحيق، وأما غيرهم فلا يصل إليها أصلا، ~~وقال بعضهم: إن المقربين يشربون من هذه العين صرفا، والأبرار يمزج لهم ~~منها والفرق ظاهر - هنيا لهم. # ولما ذكر سبحانه جزاء الكافر بالجحيم وجزاء المؤمن بالنعيم، وكان من أجل ~~النعيم الشماتة بالعدو، علل جزاء الكافر بما فيه شماتة المؤمن به لأنه ~~اشتغل في الدنيا بما ms5520 لا يغني، فلزم من ذلك تفويته لما يغني، فقال مؤكدا ~~لأن ذا المروءات والهمم العاليات والطبع السليم والمزاج القويم لا يكاد ~~يصدق مثل هذا، وأكده إشارة إلى أن من حقه أن لا يكون: { إن الذين أجرموا ~~} أي قطعوا ما أمر الله به أن يوصل { كانوا } أي في الدنيا ديدنا وخلقا ~~وطبعا وجبلة { من الذين آمنوا } أي ولو كانوا في أدنى درجات الإيمان { ~~يضحكون * } أي يجددون الضحك كلما رأوهم أو ذكروهم استهزاء بهم وبحالاتهم ~~التي هم عليها من علامات الإيمان في رثاثة أحوالهم وقلة أموالهم واحتقار ~~الناس لهم مع ادعائهم أن الله تعالى لا بد أن ينصرهم ويعلي أمرهم { وإذا ~~مروا } أي الذين آمنوا { بهم } أي بالذين أجرموا في أي وقت من الأوقات ~~يستهزئون و { يتغامزون } أي يغمز بعض الذين أجرموا بعضا لأذى الذين ~~آمنوا. ### || [83.31-36] # ولما وصفهم في مواضع التردد والتقلب، وصفهم في المنازل فقال: { وإذا ~~انقلبوا } أي رجع الذين أجرموا برغبتهم في الرجوع وإقبالهم عليه من غير ~~تكره { إلى أهلهم } أي منازلهم التي هي عامرة بجماعتهم { انقلبوا } حال ~~كونهم { فاكهين * } أي متلذذين غاية التلذذ بما كان من مكنتهم ورفعتهم ~~التي أوصلتهم إلى الاستسخار بغيرهم، قال: ابن برجان: وذكر عليه الصلاة ~~والسلام: # " إن الدين بدأ غريبا وسيعود غريبا - كما بدأ، يكون القابض على دينه ~~كالقابض على الجمر " # وفي أخرى: يكون المؤمن فيهم أذل من الأمة. وفي أخرى: العالم فيهم أنتن ~~من جيفة حمار - فالله المستعان. # ولما ذكر مرورهم بهم، ذكر مطلق رؤيتهم لهم فقال: { وإذا رأوهم } أي رأى ~~الذين أجرموا الذين آمنوا { قالوا } أي عند رؤيتهم للذين آمنوا مؤكدين ~~لأنهم يستشعرون أن كل ذي عقل يكذبهم مشيرين إلى تحقيرهم بأداة القرب: { ~~إن هؤلاء } أي الذين آمنوا { لضالون * } أي عريقون في الضلال لأنهم تركوا ~~الدنيا لشيء أجل لا صحة له { وما } أي والحال أنهم ما { أرسلوا } أي من ~~مرسل ما { عليهم } أي على الذين آمنوا خاصة حتى يكون لهم بهم هذا ~~الاعتناء في بيوتهم وخارجها عند مرورهم وغيره { حافظين* } أي عريقين ms5521 في ~~حفظ أعمال الذين آمنوا فما اشتغالهم بهم إلى هذا الحد أن كانوا عندهم في ~~عداد الساقط المهمل كما يزعمون فما هذه المراعاة المستقصية لأحوالهم وإن ~~كانوا في عداد المنظور إليه المعتنى به فليبينوا فساد حالهم بوجه تقبله ~~العقول ويقوم عليه دليل أو ليتبعوهم وإلا فهم غير عارفين بمواضع الإصلاح ~~وتعاطي الأمور على وجهها فما أحقهم بقول القائل: # أوردها سعد وسعد مستمل # ما هكذا تورد يا سعد الإبل # ولما كان لا نعيم أفضل من الشماتة بالعدو لا سيما إذا كانت على أعلى ~~طبقات الشماتة قال تعالى: { فاليوم } أي فتسبب عن هذا من فعلهم في دار ~~العمل أنه يكون في دار الجزاء { الذين آمنوا } ولو كانوا في أدنى درجات ~~الإيمان { من الكفار } خاصة، وهم الراسخون في الكفر من عموم الذين ~~أجرموا، في الحشر والجنة سخرية وهزؤا، فإن الذين آمنوا لا يضحكون من ~~عصاة المؤمنين لو رأوهم يعذبون بل يرحمونهم لاشتراكهم في الدين { يضحكون ~~} قصاصا وجزاء حين يرون ما هم فيه من الذل سرورا بحالهم شكرا لله على ~~ما أعطاهم من النجاة من النار والنقمة من أعدائهم، قال أبو صالح: تفتح ~~لهم الأبواب ويقال: اخرجوا، فيسرعون فإذا وصلوا إلى الأبواب غلقت في ~~وجوههم وردوا على أقبح حال، فيضحك المؤمنون - انتهى. ويا لها من خيبة ~~وخجلة وسواد وجه وتعب قلب وتقريع نفس من العذاب بالنار وبالشماتة والعار، ~~حال كون الذين آمنوا ملوكا { على الأرائك } أي الأسرة العالية المزينة ~~التي هي من حسنها أهل لأن يقيم المتكىء بها { ينظرون * } أي يجددون تحديق ~~العيون إليهم كلما أرادوا فيرون ما هم فيه من الهوان والذل والعذاب بعد ~~العزة والنعيم نظر المستفهم { هل ثوب } بناه للمفعول لأن الملذذ مطلق ~~مجازاتهم { الكفار } أي وقع تثويب العريقين في الكفر أي إعطاؤهم الثواب ~~والجزاء على أنهى ما يكون، فالجملة في محل نصب " ينظرون " { ما كانوا } ~~أي نفس فعلهم بما هو لهم كالجبلات { يفعلون * } أي بدواعيهم الفاسدة ~~ورغباتهم المعلولة، فالجملة في موضع المفعول، وقد علم أن لهم الويل الذي ~~افتتحت السورة ms5522 بالتهديد به لمن يفعل فعل من لا يظن أنه يجازى على فعله، ~~وآخرها فيمن انتقص الأعراض في خفاء، وأولها فيمن انتقص الأموال كذلك، ~~وجفاء العدل والوفاء، والله الهادي للصواب، وإليه المرجع والمآب وإليه ~~المتاب. ### | [84 - سورة الإنشقاق] ### || [84.1-8] # لما ختمت التطفيف بأن الأولياء في نعيم، وأن الأعداء في جحيم ثوابا ~~وعقابا، ابتدأ هذه بالإقسام على ذلك فقال: { إذا السماء } أي على ما لها ~~من الإحكام والعظمة والحكمة الذي لا يقدر على مثلها غيره جلت قدرته { ~~انشقت * } أي فصارت واهية وفتحت أبوابا فتخربت وتهدمت، وذلك بعد القيام ~~من القبور كما مضى في الحاقة عن إحدى روايتي ابن عباس رضي الله عنهما { ~~وأذنت } أي كانت شديدة الاستماع والطواعية والانقياد على أتم وجه كمن له ~~أذن واعية ونفس مطمئنة راضية { لربها } أي لأمر المخترع لها والمدبر ~~لجميع أمرها، وهي الآن وإن كانت منقادة فانقيادها ظاهر لأكثر الخلق وهم ~~المثبتة، وأما المعطلة فربما نسبوا تأثيراتها إلى الطبائع والكواكب وأما ~~عند الانشقاق فيحصل الكشف التام فلا يبقى لأحد شبهة { وحقت * } بالبناء ~~للمفعول بمعنى أنها مجبولة على أن ذلك حق عليها ثابت لها، فهي حقيقة به ~~لأنها مربوبة له سبحانه، وكل مربوب فهو حقيق بالانقياد لربه، وهي لم تزل ~~مطيعة له في ابتدائها وانتهائها، لكن هناك يكون الكشف التام لجميع ~~الأنام. # ولما بدأ بالعالم العلوي لكونه أشرف لأنه أعلى مكانة ومكانا، ثنى ~~بالسفلي فقال تعالى: { وإذا الأرض } أي على ما لها من الصلابة والثخانة ~~والكثافة، وأشار بالبناء للمفعول إلى سهولة الفعل فيها عليه سبحانه ~~وتعالى وسرعة انفعالها مع كونه أعجب من انشقاق السماء فإنه ربما كان في ~~الشيء لوهيه من تطاول مرور الزمان عليه بخلاف المد فقال: { مدت } أي بسطت ~~بسط الأديم ومطت فامتطت فزيد في سعتها جدا بعد أن تمهدت فصارت دكاء ~~فزالت جبالها وآكامها وتلالها، فلا ترى فيها عوجا ولا أمتا كما أن ~~الأديم إذا مد كان كذلك فزال تثنيه واتسع. # ولما كان الجلد جديرا بأنه إذا مد أن يبين عن كل ما فيه ms5523 من غيره قال: { ~~وألقت ما فيها } أي أخرجت ما في بطنها من الأموال والكنوز والأموات ~~إخراجا سريعا كأنها تقذفه قذفا، وذلك أيضا كالبساط إذا نقض { وتخلت * ~~} أي تعمدت وتكلفت الخلو عن ذلك والترك له بغاية جهدها، أي فعل ذلك ~~سبحانه فعلا كانت الأرض كأنها فاعلة له على هذا الوجه، فصارت خلية عن كل ~~شيء كان في بطنها، وصار بارزا على ظهرها، ولما كان هذا ربما أوهم أنه ~~بغير أمره سبحانه وتعالى قال: { وأذنت لربها } أي فعلت ذلك بإذن الخالق ~~لها والمربي وتأثرت في ذلك عن تأثيره لا بنفسها، وفعلت فيه كله فعل ~~السميع المجيب { وحقت * } أي وكانت حقيقة بذلك كما أن كل مربوب كذلك ~~وتكرير " إذا " للتنبيه على ما في كل من الجملتين من عظيم القدرة، ~~والجواب محذوف - لأنه في غاية الانكشاف بما دل عليه المقام مع ما تقدم من ~~المطففين وما قبلها من السور وما يأتي في هذه السورة تقديره: ليحاسبن كل ~~أحد على كدحه كله فليثوبن الكفار ما كانوا يفعلون وليجازين أهل الإسلام ~~بما كانوا يعملون. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما تقدم في الانفطار التعريف بالحفظة ~~وإحصائهم على العباد في كتبهم، وعاد الكلام إلى ذكر ما يكتب على البر ~~والفاجر واستقرار ذلك في قوله تعالى: # إن كتاب الأبرار لفي عليين # [المطففين: 18] وقوله: # إن كتاب الفجار لفي سجين # [المطففين: 7] أتبع ذلك بذكر التعريف بأخذ هذه الكتب في القيامة عند ~~العرض، وأن أخذها بالأيمان عنوان السعادة، وأخذها وراء الظهر عنوان ~~الشقاء إذ قد تقدم في السورتين قبل ذكر الكتب واستقرارها بحسب اختلاف ~~مضمناتها فمنها ما هو في عليين ومنها ما هو في سجين إلى يوم العرض، فيؤتى ~~كل كتابه فآخذ بيمينه وهو عنوان سعادته، وآخذ من وراء ظهره وهو عنوان ~~هلاكه، فتحصل الإخبار بهذه الكتب ابتداء واستقرارا وتفريقا يوم العرض، ~~وافتتحت السورة بذكر انشقاق السماء ومد الأرض وإلقائها ما فيها وتحليها ~~تعريفا بهذا اليوم العظيم بما يتذكر به من سبقت سعادته والمناسبة بينة - ~~انتهى. # ولما كان الجواب ما ms5524 ذكرته، أتبعه شرحه فقال مناديا بأداة صالحة للبعد ~~لأن المنادى أدنى الأسنان بادئا بالأولياء لأن آخر التطفيف الذي هذا شرح ~~له إدخال السرور عليهم: { يا أيها الإنسان } أي الآنس بنفسه الناسي لربه. ~~ولما كان أكثر الناس منكرا للبعث أكد فقال: { إنك كادح } أي ساع وعامل ~~مع الجهد لنفسك من خير أو شر، وأكثره مما يؤثر خدوشا وشينا وفسادا ~~وشتاتا، منتهيا { إلى ربك } الذي أوجدك ورباك بالعمل بما يريد معنى ~~وبالموت حسا، وأشار إلى اجتهاد كل فيما هو فيه وخلق له بالتأكيد بالمصدر ~~فقال: { كدحا } أي عظيما { فملاقيه * } أي فمتعقب كدحك لقاؤك لربك، ~~وأنه ينكشف لك أنك كنت في سيرك إليه كالمجتهد في لقائه اجتهاد من يسابق ~~في ذلك آخر، وكل ذلك تمثيل لنفوذ إرادته ومضي أقضيته بسبب الانتهاء إليه، ~~وحقيقته تلاقي جزاءه وينكشف لك من عظيم أمره ما ينكشف للملاقي مع من ~~يلقاه بسبب اللقاء، وهذا أمر أنت ساع فيه غاية السعي لأن من كان الليل ~~والنهار مطيتيه أوصلاه بلا شك إلى منتهى سفره شاء أو أبى، فذكر هذا على ~~هذا النمط حث على الاجتهاد في الإحسان في العمل لأن من أيقن بأنه لا بد ~~له من العرض على الملك أفرغ جهده في العمل بما يحمده عليه عند لقائه. # ولما كان من المعلوم أن عبيد الملك إذا عرضوا عليه، كان فيهم المقبول ~~والمردود، بسبب أن كدحهم تارة يكون حسنا وتارة يكون سيئا، قال معرفا ~~أن الأمر في لقائه كذلك على ما نعهد، فمن كان مقبولا أعطي كتاب حسناته ~~بيمينه لأنه كان في الدنيا من أهل اليمين أي الدين المرضي، ومن كان ~~مردودا أعطي كتابه بشماله لأنه كان في الدنيا مع أهل الشمال وهو الدين ~~الباطل الذي يعمل من غير إذن المالك، فكأنه يفعل من ورائه، فترجم هذا ~~الغرض بقوله سبحانه وتعالى مفصلا للإنسان المراد به الجنس جامعا للضمير ~~بعد أن أفرده تنصيصا على حشر كل فرد: { فأما من أوتي } بناه للمفعول ~~إشارة إلى أن أمور الآخرة كلها قهر وفي غاية ms5525 السهولة عليه سبحانه وتعالى، ~~وفي هذه الدار للأمر وإن كان كذلك إلا أن الفرق في انكشاف ستر الأسباب ~~هناك فلا دعوى لأحد { كتابه } أي صحيفة حسابه التي كتبتها الملائكة وهو ~~لا يدري ولا يشعر { بيمينه } من أمامه وهو المؤمن المطيع { فسوف يحاسب } ~~أي يقع حسابه بوعد لا خلف فيه وإن طال الأمد لإظهار الجبروت والكبرياء ~~والقهر { حسابا يسيرا } أي سهلا لا يناقش فيه لأنه كان يحاسب نفسه فلا ~~يقع له المخالفة إلا ذهولا، فلأجل ذلك تعرض أعماله فيقبل حسنها ويعفو عن ~~سيئها. ### || [84.9-15] # ولما كان هذا دالا على العفو، أتبعه ما يدل على الإكرام فقال: { وينقلب ~~} أي يرجع من نفسه من غير مزعج برغبة وقبول { إلى أهله } أي الذين أهله ~~الله بهم في الجنة فيكون أعرف بهم وبمنزله الذي أعد له منه بمنزله في ~~الدنيا. ولما كانت السعادة في حصور السرور من غير قيد، بنى للمفعول قوله: ~~{ مسرورا * } أي قد أوتي جنة وحريرا، فإنه كان في الدنيا في أهله ~~مشفقا من العرض على الله مغموما مضرورا يحاسب نفسه بكرة وعشيا حسابا ~~عسيرا مع ما هو فيه من نكد الأهل وضيق العيش وشرور المخالفين، فذكر هنا ~~الثمرة والمسبب لأنها المقصودة بالذات، وفي الشق الآخر السبب والأصل، وقد ~~استشكلت الصديقة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها هذه الآية بما # " روي عنها في الصحيح بلفظين أحدهما " ليس أحد يحاسب إلا هلك " والثاني ~~" من نوقش الحساب عذب " قالت عائشة رضي الله عنها: فقلت: يا رسول الله! ~~أليس الله يقول { فأما من أوتي كتابه } [الانشقاق: 8] الآية، فقال: صلى ~~الله عليه وسلم: إنما ذلك العرض " # فإن كان اللفظ الأول هو الذي سمعته فالإشكال فيه واضح، وذلك أنه يرجع ~~إلى كلية موجبة هي " كل من حوسب هلك " والآية مرجع إلى جزئية سالبة وهي " ~~بعض من يحاسب لا يهلك " وهو نقيض، وحينئذ يكون اللفظ الثاني من تصرف ~~الرواة، وإن كان الثاني هو الذي سمعته فطريق تقدير الإشكال فيه أن يقال: ~~المناقشة في اللغة من الاستقصاء وهو بلوغ الغاية، ms5526 وذلك في الحساب بذكر ~~الجليل والحقير والمجازاة عليه، فرجع الأمر أيضا إلى كلية موجبة هي " كل ~~من حوسب بجميع أعماله عذب " وذلك شامل لكل حساب سواء كان يسيرا أو لا، ~~لأن الأعم يشمل جميع أخصياته، والآية مثبتة أن من أعطي كتابه بيمينه ~~يحاسب عليه ولا يهلك، والصديقة رضي الله عنها عالمة بأن الكتاب يثبت فيه ~~جميع الأعمال من قوله تعالى: # لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها # [الكهف: 49] ومن حديث الحافظين وغير ذلك، فرجع الأمر إلى أن بعض من ~~يحاسب بجميع أعماله لا يهلك، وحينئذ فالظاهر التعارض فسألت، فأقرها صلى ~~الله عليه وسلم على الإشكال وأجابها بما حاصله أن المراد بالحساب في ~~الحديث مدلوله المطابقي، وهو ذكر الأعمال كلها - والمقابلة على كل منها، ~~وذلك هو معنى المناقشة، فمعنى " من نوقش الحساب " من حوسب حسابا حقيقيا ~~بذكر جميع أعماله والمقابلة على كل منها، وأن المراد بالحساب في الآية ~~جزء المعنى المطابقي وهو ذكر الأعمال فقط من غير مقابلة، وذلك بدلالة ~~التضمن مجازا مرسلا لأنه إطلاق اسم الكل على الجزء، ولأجل هذا كانت ~~الصديقة رضي الله تعالى عنها تقول بعد هذا في تفسير الآية: يقرر بذنوبه ~~ثم يتجاوز عنها - كما نقله عنها أبو حيان، وعلى ذلك دل قوله صلى الله ~~عليه وسلم فيما رواه الشيخان عن ابن عمر رضي الله عنهما: # " إن الله تعالى يدني المؤمن يوم القيامة فيضع كنفه عليه ويستره ثم يقول ~~له: أتعرف ذنب كذا - حتى يذكره بذنوبه كلها ويرى في نفسه أنه قد هلك، قال ~~الرب سبحانه: سترتها عليك في الدنيا، وأنا إغفرها لك اليوم " # ولفظ " كنفه " يدل على ذلك فإن كنف الطائر جناحه، وهو إذا وقع فرخه في ~~كنفه عامله بغاية اللطف، فالله تعالى أرحم وألطف { وأما من أوتي } أي ~~بغاية السهولة وإن أبى هو ذلك { كتابه } أي صحيفة حسابه { وراء ظهره * } ~~أي في شماله إيتاء مستغرقا لجميع جهة الوراء التي هي علم السوء لأنه كان ~~يعمل ما لم يأذن به الله، فكأنه عمل من ورائه مما ms5527 يظن أنه يخفى عليه ~~سبحانه، فكان حقيقا بأن تعل يمينه إلى عنقه، وتكون شماله إلى وراء ظهره، ~~ويوضع كتابه فيها، وهذا احتباك: ذكر اليمين أولا يدل على الشمال ثانيا، ~~وذكر الوراء ثانيا يدل على الأمام أولا، وسر ذلك أنه ذكر دليل المودة ~~والرفق بالمصافحة ونحوها في السعيد، ودليل الغدر والاغتيال في الشقي { ~~فسوف يدعوا } أي بوعد لا محالة في وقوعه أبدا { ثبورا * } أي حسرة ~~وندما بنحو قوله: واثبوراه، وهو الهلاك الجامع لأنواع المكاره كلها لأن ~~أعماله في الدنيا كانت أعمال الهالكين. # ولما كان ذلك لا يكون إلا لبلاء كبير، أتبعه ما يمكن أن يكون علة له ~~فقال: { ويصلى سعيرا * } أي ويغمس في النار التي هي في غاية الاتقاد ~~ويقاسي حرها وهي عاطفة عليه ومحطية به لأنه كان تابعا لشهواته التي هي ~~محفوفة بها فأوصلته إليها وأحاطت به. # ولما ذكر هذا العذاب الذي لا يطاق، أتبعه سببه ترهيبا منه واستعطافا ~~إلى التوبة وتحذيرا من السرور في دار الحزن، فقال مؤكدا تنبيها على ~~أنه لا ينبغي أن يصدق أن عاقلا يثبت له سرور في الدنيا: { إنه كان } أي ~~بما هو له كالجبلة والطبع { في أهله } أي في دار العمل { مسرورا * } أي ~~ثابتا له السرور بطرا بالمال والجاه فرحا به مخلدا إليه مترفا مع ~~الفراغ والفرار عن ذكر حساب الآخرة كما قال في التي قبلها # وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فاكهين # [المطففين: 31]، لا يحزن أحدهم لذنب عمله ولا لقبيح ارتكبه، بل يسر ~~بكونه يأتي له ذلك فهو يحاسب في الآخرة حسابا عسيرا، وينقلب إلى أعدائه ~~مغموما كسيرا، وقد بان أن الكلام من الاحتباك: ذكر الحساب اليسير الذي ~~هو الثمرة والمسبب أولا يدل على حذف ضده ثانيا، وذكر السرور في الأهل ~~الذي هو السبب في الثاني يدل على حذف ضده وهو سبب السعادة وهو الغم ~~ومحاسبة النفس في الأول، فهو احتباك في احتباك، ثم علل ثبات سروره فقال ~~مؤكدا تنبيها أيضا على أنه لا يصدق أن أحدا ينكر البعث مع ما له من ~~الدلائل ms5528 التي تفوت الحصر: { إنه ظن } لضعف نظره { أن } أي أنه { لن يحور ~~* } أي يرجع إلى ربه أو ينقص أو يهلك # وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر # [الجاثية: 24] فلهذا كان يعمل عمل من لا يخاف عاقبة { بلى } ليرجعن ~~صاغرا ناقصا هالكا، ثم علل ذلك بقوله مؤكدا لأجل من ينكر: { إن ربه } ~~أي الذي ابتدأ إنشاءه ورباه { كان } أزلا وأبدا { به } أي هذا الشقي في ~~إعادته كما كان في ابتدائه وفي جميع أعماله وأحواله التي لا يجوز في عدل ~~عادل ترك الحساب عليها { بصيرا * } أي ناظرا له وعالما به أبلغ نظر ~~وأكمل علم، فتركه مهملا مع العلم بأعماله مناف للحكمة والعدل والملك، ~~فهو شيء لا يمكن في العقل بوجه. ### || [84.16-19] # ولما أخبر سبحانه بإنكاره لما أتاه به الرسل من الحشر على وجه موضح ~~للدليل على بطلان إنكاره ولم يرجع، سبب عنه الإقسام على صحة ذلك لأنه ليس ~~عند النذير الناصح الشفوق بعد إقامة الأدلة إلا بالإيمان على صحة ما قال ~~نظرا منه للمنصوح وشفقة عليه، وكان ترك الحلف على ما هو ظاهر أبلغ من ~~الحلف لما في ذلك الترك من تنبيه المخاطب على النظر والتأمل فقال: { فلا ~~أقسم } أي أحلف حلفا عظيما هو كقاموس البحر بهذه الأمور التي سأذكرها ~~لما لها من الدلالة على القدرة على الإبداء والإعادة، لا أقسم بها وإن ~~كانت في غاية العظم بما لها من الدلالات الواضحة لأن المقسم عليه أجل ~~منها وأظهر فهو غني عن الإقسام { بالشفق * } أي الضياء الذي يكون في ~~المغرب عقب غروب الشمس أطباقا حمرة ثم صفرة ثم كدرة إلى بياض ثم سواد، ~~وكذلك الليل أوله بياض بغبرة ثم تتزايد غبرته قليلا إلى أن يسود مربادا ~~فيوسق كل شيء ظلاما، سمي شفقا لرقته ومنه الشفقة لرقة القلب { واليل } ~~أي الذي يغلبه فيذهبه { وما وسق * } أي جمع في بطنه وطرد وساق من ذلك ~~الشفق ومن النهار الذي كان قبله والنجوم التي أظهرها وغير ذلك من الغرائب ~~التي تدل على ms5529 أن موجده بعد أن لم يكن ومذهب ما كان به قادر على الإبداء ~~والإعادة وكل ما يريد { والقمر } أي الذي هو آيته { إذا اتسق * } أي ~~انتظم واستوى واجتمع كماله وتم أمره ليلة إبداره بعد أن كان قد غاب أصلا ~~ثم بدأ هلالا خفيا ضئيلا دقيقا ولم يزل يزداد حتى يتم ثم ينقص إلى أن ~~يخفى ثم يعود إلى حاله دليلا أظهر من الشمس على قدرة موجده كذلك على كل ~~أمر من الإبداء والإعادة. # ولما كانت هذه الأمور عظيمة جدا لا يقدر عليها إلا الله تعالى ولها من ~~المنافع ما لا يعلمه حق علمه إلا هو سبحانه وتعالى، وكل منها مع ذلك دال ~~على تمام قدرته تعالى على الذي يراد تقريره في العقول وإيضاحه من القدرة ~~التامة على إعادة الشيء كما كان سواء، ونفي الإقسام بها دليلا على أن ~~ذلك في غاية الظهور، فالأمر فيه غني عن الإقسام، قال في موضع جواب القسم ~~مقرونا باللام الدالة على القسم ذاكرا ما هو في الظهور والبداهة بحيث ~~لا يحتاج إلى تنبيه عليه بغيره ذكره: { لتركبن } أي أيها المكلفون - هذا ~~على قراءة الجماعة بضم الباء دلالة على حذف واو الجمع، وقرأ ابن كثير ~~وحمزة والكسائي بفتحها على أن الخطاب للانسان باعتبار اللفظ { طبقا } ~~مجاوزا { عن طبق * } أي حالا بعد حال من أطوار الحياة وأدوار العيش ~~وغمرات الموت ثم من أمور البرزخ وشؤون البعث ودواهي الحشر بدليل ما كان ~~لكم قبل ذلك سواء بتلك القدرة التي كونت تلك الكوائن وأوجدت تلك العجائب ~~سواء، فتكونون في تمكن الوجود في كل طبق بحال التمكن على الشيء بالركوب، ~~وكل حال منها مطابق للآخر في ذلك فإن الطبق ما يطابق غيره، ومنه قيل ~~للغطاء: طبق - لمطابقته المغطى، والطبق كل ما ساوى شيئا ووجه الأرض ~~والقرن من الزمان أو عشرون سنة، وكلها واضح الإرادة هنا وهو بديهي الكون، ~~فأول أطباق الإنسان جنين، ثم وليد، ثم رضيع ثم فطيم، ثم يافع، ثم رجل، ثم ~~شاب، ثم كهل، ثم شيخ، ثم ميت، ms5530 وبعده نشر ثم حشر ثم حساب ثم وزن ثم صراط ~~ثم مقر، ومثل هذه الأطباق المحسوسة أطباق معنوية من الفضائل والرذائل. ### || [84.20-25] # ولما ظهر المراد ولم يبق إلا العناد، سبب عن ذلك الإنكار عليهم والتوبيخ ~~والتقريع والتهديد، فقال معرضا عن خطابهم إلى الغيبة إيذانا باستحقاقهم ~~للأخذ إن لم يرجعوا: { فما لهم } أي وأي شيء لهؤلاء الذين أنزلنا عليهم ~~هذا الكتاب المعجز في أنهم { لا يؤمنون * } أي يوقعون الإيمان ويجددونه ~~كل وقت على الاستمرار بكل ما دعا إليه هذا الكتاب الذي خصهم بهم ملك ~~الملوك وقد وضحت الدلالة وقامت البراهين لا سيما دلائل القيامة هل هي إلا ~~واحدة من هذه الأطباق المنتقل إليها لأن من كان اليوم على حالة وغدا على ~~أخرى جدير بأن يعلم أن تدبيره إلى سواه، ومن لم يعلم ذلك فليس لجنونه ~~دواء، ومن علم أن تدبيره إلى سواء علم أن المشيئة في التدبير - إليه لا ~~إلى نفسه، وقيل لأبي بكر الوراق: ما الدليل على الصانع؟ قال: تحويل ~~الحالات وعجز القوة وضعف الأركان وقهر المشيئة، وفسخ العزيمة. { وإذا ~~قرىء } أي من أي قارىء كان { عليهم القرآن } أي الجامع لكل ما ينفعهم في ~~دنياهم وأخراهم الفارق بين كل ملتبس من الحرام والحلال وغير ذلك { لا ~~يسجدون * } أي يخضعون بالقلب ويتذللون للحق بالسجود اللغوي فيسجدون ~~بالقالب السجود الشرعي لتلاوته لأنه ملك الكلام، قد أبان عن معارف لا ~~تحصر، مع الشهادة لنفسه بإعجازه أنه من عند الله، ليس لهم في ذلك عذر إلا ~~الجهل أو العجز، ولا جهل مع القرآن ولا عجز مع القوة والاختيار. # ولما كان هذا استفهاما إنكاريا معناه النفي، فكان التقدير: إنهم لا ~~يؤمنون ولا عذر لهم في ذلك أصلا، أضرب عنه بقوله: { بل } ووضع الظاهر ~~موضع المضمر تعميما وتنبيها على الوصف الذي حملهم على التكذيب فقال: { ~~الذين كفروا } أي ستروا مرائي عقولهم الدالة على الحق { يكذبون * } أي ~~بالقرآن وبما دل عليه من حقائق العرفان المعلية إلى أوج الإيمان بالواحد ~~الديان { والله } أي والحال أن الملك المحيط بكل ms5531 شيء قدرة وعلما { أعلم ~~} أي منهم أنفسهم { بما يوعون * } أي يضعون في أوعية صدورهم من الكفر ~~والعداوة بسبب الشهوات الشاغلة لهم وهي حب الرئاسة وادعاء الألوهية ~~الشاغلة لهم عن التدبر لهذا القرآن وعن شواهد الموجودات. # ولما كان هذا موجبا لشديد الإنذار، وضع موضعه تهكما بهم وإعلاما بأن ~~الغضب قد بلغ منتهاه قوله: { فبشرهم } أي أخبرهم يا أفضل الخلق وأكملهم ~~وأعدلهم خبرا يغير إبشارهم { بعذاب أليم * } أي شديد الألم لشدة إيلامه، ~~إن كان لهم يوما من الأيام بشارة فهي هذه. # ولما أخبر عنهم بهذا الهوان، وكان قد عبر عنهم بأدنى الأسنان إشارة إلى ~~أن منهم من يقبل الإيمان، استثنى منهم فقال: { إلا الذين آمنوا } أي ~~أقروا بالإيمان { وعملوا } دلالة على صدق إيمانهم { الصالحات }. # ولما تقدم أن من حوسب عذب، وأن الناجي إنما يكون حسابه عرضا، علم أنه ~~ليس للأعمال دخل في الحقيقة في الأجر، وإنما المدار كما قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم على التغمد بالرحمة حتى في تسمية النعيم أجرا، أسقط ~~الفاء المؤذنة بالسبب تنبيها على ذلك بخلاف ما في سورة التين لما يأتي ~~من اقتضاء سياقها للفاء فقال: { لهم أجر } أي عظيم وثواب جزيل يعلمه الله ~~تعالى وهو التجاوز عن صغائرهم وسترها { غير ممنون * } أي مقطوع أو منقوص ~~أو يمتن عليهم به في الدنيا والآخرة يؤتون ذلك في يوم الدين يوم تنشق ~~السماء وتمد الأرض ويثوب الكفار ما كانوا يفعلون، فقد رجع آخرها على ~~أولها، واعتلق مفصلها حق الاعتلاق بموصلها. ### | [85 - سورة البروج] ### || [85.1-7] # لما ختم تلك بثواب المؤمن وعقاب الكافر والاستهزاء به بعد أن ذكر أنه ~~سبحانه أعلم بما يضمر الأعداء من المكر وما يرومون من الأنكاد للأولياء ~~وتوعدهم بما لا يطيقون، وكانوا قد عذبوا المؤمنين بأنواع العذاب واجتهدوا ~~في فتنة من قدروا عليه منهم، وبالغوا في التضييق عليهم حتى ألجؤوهم إلى ~~شعب أبي طالب وغيره من البروج في البلاد، ومفارقة الأهل والأولاد، ابتدأ ~~هذه بما أوقع بأهل الجبروت ممن تقدمهم على وجه معلم أن ذلك الإيقاع منه ms5532 ~~سبحانه قطعا، ومعلم أن الماضين تجاوزوا ما فعل هؤلاء إلى القذف في ~~النار، وأن أهل الإيمان ثبتوا، وذلك لتسلية المؤمنين وتثبيتهم، وتوعيد ~~الكافرين وتوهيتهم وتفتيتهم، فقال مقسما لأجل إنكارهم وفعلهم في التمادي ~~في عداوة حزب الله فعل المنكر أن الله ينتقم لهم بما يدل على تمام القدرة ~~على القيامة: { والسماء } أي العالية غاية العلو المحكمة غاية الإحكام { ~~ذات البروج * } أي المنازل للكواكب السيارة التي ركبها الله تعالى على ~~أوضاع جعل في بعضها قوة التسبب للإبداء والإعادة بالإنبات وفي بعضها قوة ~~التربية كذلك، وفي الأخرى قوة الاستحصاد بأسباب خفية أقامها سبحانه لا ~~ترونها، غير أنكم لكثرة إلفكم لذلك صرتم تدركون منه بالتجارب أمورا ~~تدلكم على تمام القدرة، فنسبها بعضكم إلى الطبيعة لقصور النظر في أسباب ~~الأسباب وكلال الفكر عن النفوذ إلى نهاية ما تصل إليه الألباب، فاستبدل ~~بالشكر الكفر، واستدل بالآيات على ضد ما تدل عليه لجمود الذهن وانعكاس ~~الفكر، والمراد بها المنازل الاثنا عشر: الحمل - والثور - والجوزاء - ~~والسرطان - والأسد - والسنبلة - والميزان - والعقرب - والقوس - والجدي - ~~والدلو - والحوت - وهي تقطعها الشمس في السنة، أو هي الثمانية والعشرون ~~التي يقطعها القمر في الشهر، وهي منازل الشمس هذه الاثنا عشر بسير القمر ~~في كل واحد منها يومين وثلثا، فذلك ثمانية وعشرون يوما ويستسر ليلتين، ~~فذلك شهر، وهو إشارة إلى أن الذي فصل السماء هذا التفصيل وسخر فيها هذه ~~الكواكب لمصالح الإنسان لا يتركه سدى، بل لا بد من دينونته على ما يفعله ~~من خير وشر شبهت بالقصور لأنها تنزلها السيارة وتكون فيها الثوابت وعظام ~~الكواكب، سميت بروجا لظهورها، أو أبواب السماء فإن النوازل تخرج منها، ~~وأصل التركيب للظهور. # ولما كانت هذه الجملة من القسم دالة على البعث قال تصريحا: { واليوم ~~الموعود * } أي يوم القيامة الذي تحقق الوعد به وثبت ثبوتا لا بد منه ~~بما دل عليه من قدرتنا في مخلوقاتنا وأنا سببنا له أسبابا هي عتيدة ~~لديكم وأنتم لا ترونها ولا تحسون شيئا منها ولم تبينها لكم الرسل لقصور ~~عقولكم عنها بأكثر من الدلالة ms5533 بالأسباب التي ألفتموها على مثلها من غير ~~فرق غير أنه وإن كان العقل لا يستقل به ولا يفقه منه غير السماء للوعد به ~~من الرسل فهو لا يحيله بعد سماعه. # ولما كان الجمع لأجل العرض، وكان العرض لا بد فيه من شهود ومشهود عليهم ~~وجدال على عهود، قال منكرا للإبهام للتعظيم والتعميم مثل { علمت نفس ما ~~أحضرت } [التكوير:14]: { وشاهد } أي كريم من الأولياء { ومشهود * } أي في ~~نفسه من الأعيان والآثار الهائلة، أو عليه فإنه يوم تشهده جميع الخلائق، ~~ويحضر فيه من العجائب أمور يكل عنها الوصف، ويحضره الأنبياء الشاهدون ~~وأممهم المشهود عليهم، ولا تبقى صغيرة من الأعمال ولا كبيرة إلا أحصيت، ~~وفي ذلك أشد وعيد لجميع العبيد. # ولما كان جواب القسم على ما دل عليه مقصود السورة وسوابقها ولواحقها: ~~لنثوبن الفريقين الأولياء والأعداء، ولندينن كلا بما عمل، دل عليه ~~بأفعاله في الدنيا ببعض الجبابرة فيما مضى، وفيما يفعل بجبابرة من كذب ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فقال بادئا بمن عذب بعذاب الله في القيامة ~~للبداءة في آخر الانشقاق بقسم المكذبين وهم المحدث عنهم، معبرا بما يصلح ~~للدعاء والحقيقة تسلية للمؤمنين وتثبيتا لهم بما وقع لأمثالهم، وتحذيرا ~~مما كان لأشكالهم: { قتل } أي لعن بأيسر أمر وأسهله من كل لاعن لعنا لا ~~فلاح معه، ووقع في الدنيا أنه قتل حقيقة { أصحاب الأخدود * } أي الخد ~~العظيم، وهو الشق المستطيل في الأرض كالنهر، روي أن ملكا من الكفار - ~~وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان من حمير - من ملوك اليمن، وكان ~~قبل مولد النبي صلى الله عليه وسلم بسبعين سنة، آمن في زمانه ناس كثير، ~~فخد لهم أخدودا في الأرض وسجره نارا وعرض من آمن عليه، فمن رجع عن ~~دينه تركه، ومن ثبت - وهم الأغلب - قذفه في ذلك الأخدود فأحرقه. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: وردت هذه السورة في معرض الالتفات ~~والعدول إلى إخبار نبي الله صلى الله عليه وسلم بما تضمنته هذه السورة من ~~قصة أصحاب الأخدود، وقد تقدم هذا ms5534 الضرب في سورة المجادلة وسورة النبأ، ~~وبينا وقوعه في أنفس السور ومتونها وهو أقرب فيما بين السورتين وأوضح - ~~أنتهى. # ولما ذمهم سبحانه وتعالى، بين وجه ذمهم ببدل اشتمال من أخدودهم فقال: { ~~النار } أي العظيمة التي صنعوها لعذاب أوليائنا، وزاد في تعظيمها بقوله: ~~{ ذات الوقود * } أي الشيء الذي نوقد به من كل ما يصلح لذلك من الحطب ~~وغيره، وعلق ب " قتل " قوله: { إذ هم } أي بظواهرهم وضمائرهم { عليها } ~~أي على جوانب أخدودها { قعود * } أي يحفظونها ويفعلون مما يأمرهم ملكهم ~~في أمرها من إلقاء الناس وغيره فعل القاعد المطمئن الذي ليس له شغل غيرها ~~{ وهم على ما يفعلون } أي خاصة بقوة دواعيهم إلى فعله ورغبتهم فيه من ~~الفتنة بالعرض على النار وغيره مكررين ذلك الفعل { بالمؤمنين } أي ~~الراسخين في الإيمان الذي لم يثنهم العذاب عنه { شهود * } أي يشهد بعضهم ~~لبعض عند الملك أنه لم يقصر فيما أمره به ويشهدون يوم القيامة بما تشهد ~~به عليهم أيديهم وأرجلهم على أنفسهم بهذا الظلم، ويشهد بعضهم على بعض ~~ويعادي بعضهم بعضا، ويحيل كل على الآخر طمعا في النجاة. ### || [85.8-11] # ولما كان هذا الفعل العظيم لا يكون من عاقل إلا لسبب يليق به، بين أنه ~~إنما هو لسبب يبعد منه، فقال على طريقة: # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم # بهن فلول من قراع الكتائب # { وما نقموا } أي أنكروا وكرهوا { منهم } من الحالات وكان دينا لهم ~~ونقصا فيهم { إلا أن يؤمنوا } أي يجددوا الإيمان مستمرين عليه { بالله } ~~أي الملك الأعلى الذي له جميع صفات الكمال. # ولما كان ربما أوهم ترك معالجته سبحانه لهم لكونهم يعذبون من آمن به ~~لأجل الإيمان به ما لا يليق، نفى ذلك بقوله واصفا له بما يحقق وجوب ~~العبادة له وتفرده بها: { العزيز } أي الذي يغلب من أراد ولا يغلبه شيء، ~~فلا يظن إمكانه من أهل ولايته لعجز، بل هو يبتليهم ليعظم أجورهم ويعظم ~~عقاب أعدائهم ويعظم الانتقام منهم { الحميد * } أي المحيط بجميع صفات ~~الكمال، فهو يثيب من أصيب فيه أعظم ثواب، وينتقم ms5535 ممن آذاه بأشد العذاب، ~~وقرر ذلك بقوله: { الذي له } أي خاصة { ملك السماوات والأرض } أي على جهة ~~العموم مطلقا، فكل ما فيهما جدير بأن يعبده وحده ولا يشرك به شيئا. # ولما قدم سبحانه التحذير بالشاهد والمشهود، وأن الكافرين شهود على ~~أنفسهم، زاد في التحذير بأنه سبحانه أعظم شهيد في ذلك اليوم وغيره فهو لا ~~يحتاج إلى غيره، ولكنه أجرى ذلك على ما نتعارفه فقال: { والله } أي الملك ~~الأعظم الذي له الإحاطة الكاملة { على كل شيء } أي هذا الفعل وغيره { ~~شهيد * } أي أتم شهادة لا يغيب عنه شيء أصلا، ولا يكون شيء ولا يبقى إلا ~~بتدبيره، ومن هو بهذه الصفات العظيمة لا يهمل أولياءه أصلا، بل لا بد أن ~~ينتقم لهم من أعدائه ويعليهم بعلائه، ولذلك قال مستأنفا جوابا لمن ~~يقول: فما فعل بهم؟ مؤكدا لإنكار الكفار ذلك: { إن الذين فتنوا } أي ~~خالطوا من الأذى بما لا تحتمله القوى فلا بد أن يميل أو يحيل في أي زمان ~~كان ومن أي قوم كانوا { المؤمنين والمؤمنات } أي ذوي الرسوخ في وصف ~~الإيمان. # ولما كانت التوبة مقبولة قبل الغرغرة ولو طال الزمان، عبر بأداة التراخي ~~فقال: { ثم لم يتوبوا } أي عن ذنوبهم وكفرهم. ولما كان سبحانه لا يعذب ~~أحدا إلا بسبب، سبب عن ذنبهم وعدم توبتهم قوله: { فلهم } أي خاصة لأجل ~~كفرهم { عذاب جهنم } أي الطبقة التي تلقى داخلها بغاية الكراهة والتجهم، ~~هذا في الآخرة { ولهم } أي مع ذلك في الدارين لأجل فتنتهم لأولياء الله { ~~عذاب الحريق * } أي العذاب الذي من شأنه المبالغة في الإحراق بما أحرقوا ~~من قلوب الأولياء، وقد صدق سبحانه قوله هذا فيمن كذب النبي صلى الله عليه ~~وسلم بإهلاكهم شر إهلاك مغلوبين مقهورين مع أنهم كانوا قاطعين بأنهم ~~غالبون كما فعل بمن كان قبلهم، فدل ذلك على أنه على كل شيء قدير، فدل على ~~أنه يبدىء ويعيد. # ولما ذكر عقاب المعاندين بادئا به لأن المقام له، أتبعه ثواب العابدين، ~~فقال مؤكدا لما لأعدائهم من إنكار ذلك: { إن الذين آمنوا ms5536 } أي أقروا ~~بالإيمان ولو على أدنى الوجوه من المقذوفين في النار وغيرهم من كل طائفة ~~في كل زمان { وعملوا الصالحات } تصديقا لإيمانهم وتحقيقا له. ولما كان ~~الله سبحانه من رحمته قد تغمد أولياءه بعنايته ولم يكلهم إلى أعمالهم لم ~~يجعلها سبب سعادتهم فلم يقرن بالفاء قوله: { لهم } أي جزاء مقاساتهم ~~لنيران الدنيا من نار الأخدود الحسية التي ذكرت، ومن نيران الغموم ~~والأحزان المعنوية التي يكون المباشر لأسبابها غيره سبحانه فيكون المقاسي ~~لها مع حفظه للدين كالقابض على الجمر { جنات } أي فضلا منه { تجري } ~~وقرب منالها بالجار فقال: { من تحتها } أي تحت غرفها وأسرتها وجميع ~~أماكنها { الأنهار } يتلذذون ببردها في نظير ذلك الحر الذي صبروا عليه في ~~الدنيا ويروقهم النظر إليها مع خضرة الجنان والوجوه الحسان الجالبة ~~للسرور الجالية للأحزان. # ولما ذكر هذا الذي يسر النفوس ويذهب البؤس، فذلكه بقوله: { ذلك } أي ~~الأمر العالي الدرجة العظيم البركة { الفوز } أي الظفر بجميع المطالب لا ~~غيره { الكبير * } كبرا لا تفهمون منه أكثر من ذكره بهذا الوصف على سبيل ~~الإجمال، وذلك أن من كبره أن هذا الوجود كله يصغر عن أصغر شيء منه. ### || [85.12-22] # ولما كان لا يثيب ويعذب على هذا الوجه إلا من كان في غاية العظمة، قال ~~معللا لفعله ذلك دالا بذلك التعلل على ما له من العظمة التي تتقاصر ~~الأفكار دون عليائها، مؤكدا لما للأعداء من الإنكار: { إن بطش ربك } أي ~~أخذ المحسن إليك المدبر لأمرك أعداء الدين بالعنف والسطوة وغاية الشدة { ~~لشديد * } أي شدة يزيد عنفها على ما في البطش من العنف المشورط في ~~تسميته، فهو عنف مضاعف. # ولما كان هذا البطش لا يتأتى إلا لكامل القدرة، دل على كمال قدرته ~~واختصاصه بذلك بقوله مؤكدا لما لهم من الإنكار: { إنه } وزاد التأكيد ~~بمبتدأ آخر ليدل على الاختصاص فقال: { هو } أي وحده { يبدىء } أي يوجد ~~ابتداء أي خلق أراد على أي هيئة أراد { ويعيد * } أي ذلك المخلوق بعد ~~إفنائه في أي وقت أراده، وغيره لا يقدر على شيء من ذلك، وليس ms5537 هذا الضمير ~~بفصل لأنه لا يكون إلا والخبر لا يكون إلا معرفة، أو شبيه بها في أنه لا ~~يلحقه " أل " المعرفة مثل خير منك، وأجاز المازني وقوعه قبل المضارع ~~لمشابهته الاسم وامتناع دخول " أل " عليه فأشبه المعرفة، وقال: ولا يكون ~~قبل الماضي لأن الماضي لا يشبه الاسم، قال الرضي: وما قاله دعوى بلا حجة ~~ومثل " ومكر أولئك هو يبور " ليس بنص في كونه فصلا لجواز كونه مبتدأ بما ~~بعده خبره، ونقض قوله في الماضي بقوله تعالى: # وإنه هو أضحك وأبكى # [النجم: 43]. # ولما ذكر سبحانه بطشه، وكان القادر على العنف قد لا يقدر على اللطف، وإن ~~قدر فربما لم يقدر على الإبلاغ في ذلك، وكان لا يقدر على محو الذنوب ~~أعيانها وآثارها على كل أحد بحيث لا يحصل لصاحبها عقاب ولا عتاب من أحد ~~أصلا إلا من كان قادرا على كل شيء، قال مبينا لجميع ذلك دليلا على ~~أنه الفاعل المختار، ومؤكدا لخروجه عن العوائد: { وهو } أي وحده { ~~الغفور } أي المحاء لأعيان الذنوب وآثارها إذا أراد بحيث لا يحصل لمن محا ~~ذنبه كدر من جهة ذلك الذنب أصلا { الودود * } أي الذي يفعل بمن أراد فعل ~~المحب الكثير المحبة فيجيبه إلى ما شاء ويلقي على صاحب الذنب الذي محاه ~~عنه ودا أي محبة كبيرة واسعة ويجعل له في قلوب الخلق رحمة، ومادة " ود " ~~تدور على الاتساع كما بينته في سورة الروم، وزاد الأمر تأكيدا بذكر ما ~~لا ينازع أصلا في اختصاصه به تشريفا له وتنبيها على أنه أعظم ~~المخلوقات: { ذو العرش } أي العز الأعظم أو السرير الدال على اختصاصه ~~الملك بالملك وانفراده بالتدبير والسيادة والسياسة، الذي به قوام الأمور ~~{ المجيد * } أي الشريف الكريم العظيم في ذاته وصفاته الحسن الجميل ~~الرفيع العالي الكثير العطاء - هذا إذا رفع على أنه صفة ل " ذو " وكذا ~~إن جر على أنه صفة للعرش في قراءة حمزة والكسائي. # ولما كان الاختصاص يدل قطعا على كمال القدرة، أنتج ذكر هذه الاختصاصات ~~قوله: { فعال } أي على سبيل التكرار والمبالغة { لما ms5538 يريد * } لا يؤده ~~شيء من الأفعال سواء كانت منسوبة إليه من غير واسطة أو نسبت في الظاهر ~~إلى غيره. ولما تمت الدلالة على أن بطشه شديد، قرره بما وجد من ذلك وذكره ~~به تخويفا وتسلية له لأن النظر في المحسوسات أمكن في النفوس فقال: { هل ~~أتاك } أي يا أعظم خلقنا { حديث الجنود * } أي اذكر ما أتاك مما حدث لهم ~~من بطشنا وما وقع بهم من سطواتنا لتكذيبهم رسلنا عليهم أفضل الصلاة ~~والسلام بحيث صار حديثا يتلى، وذكرا بين الخلق لعظمته لا يبلى، والجنود ~~جمع جند بالضم وهو العسكر المعد للقتال والأعوان والمدينة، والكل ناظر ~~إلى النجدة العظيمة والغلبة الزائدة. # ولما كان المعلوم من السياق أن المراد من حديثهم ما حصل لهم من البطش ~~لتكذيب الرسل لا سيما في البعث الذي السياق له، وكان الواقع من بيانه ~~بآيات موسى وصالح عليهما الصلاة والسلام أبين مما وقع بآيات غيرهم ممن ~~تقدم زمنه على هذه الأزمنة، وكانت أمة كل نبي من النبيين وأتباع فرعون ~~تحوي أصنافا من الخلق كثيرة، حكي أن طليعته يوم تبع بني إسرائيل وغرق ~~كانت ستمائة ألف، أبدل من " الجنود " إعلاما بأنهم أعداء الله قوله: { ~~فرعون } وكذا أتباعه الذين كانوا أشد أهل زمانهم وأعتاهم وأكثرهم رعونة ~~في دعوى الإلهية منه والتصديق منهم وكان هذا من عماوة قلوبهم مع ظهور ~~علامات الربوبية السماوية والأرضية، والرسوخ في التكذيب والسفه والخفة ~~والطيش مع رؤية تلك الآيات العظيمة على كثرتها وطول زمنها حتى دخل البحر ~~على أمان من الغرق مع أن خطر الغرق به في تلك الحالة لم يكن يخفى على من ~~له أدنى مسكة من عقله فأغرقه الله ومن معه أجمعين ولم يبق منهم أحدا، ~~فلعنة الله عليه وعلى من كان معه من أتباعه وأتباعهم الطائفة الاتحادية ~~العربية الفارضية الذين يكفي في ظهور كفرهم تصويبهم فرعون الذي أجمع على ~~كفره جميع الفرق { وثمود * } الذين حملتهم الخفة على أن عقروا الناقة بعد ~~رؤيتهم إياها تتكون من الصخرة الصماء غير مجوزين أن الذي خرق العادة ms5539 ~~بإخراجها ذلك يهلكهم في شأنها، وقد جمع سبحانه بهما بين العرب والعجم ~~والإهلاك بالماء الذي هو حياة كل شيء والصيحة التي هي أمارة الساعة، ~~وإنما كانت آياتهما أبين لأن آية ثمود ناقة خرجت من صخرة صماء، ومن آيات ~~موسى عليه الصلاة والسلام إبداع القمل الذي لا يحصى كثرة من الكثبان، ~~وإبداع الضفادع كذلك والجراد وإحياء العصا مرة أخرى، ولا شك عند عاقل أن ~~من قدر على ذلك ابتداء من شيء لا أصل في الحياة فهو على إعادة ما كان قبل ~~ذلك حيا أشد قدرة. # ولما كان التقدير: نعم قد أتاني ذلك وعلمت من خبرهما وغيره أنك قادر على ~~ما تريد، ولكن الكفار لا يصدقونني، عطف عليه قوله: { بل الذين كفروا } أي ~~جاهروا بالكفر من هؤلاء القوم وغيرهم وإن كانوا في أدنى رتبة { في تكذيب ~~* } أي لما رأوا من الآيات لا مستند لهم فيه وهو شديد محيط بهم لاتباعهم ~~أهواءهم وتقليدهم آباءهم، فهم لا يقدرون على الخروج من ذلك التكذيب الذي ~~صار ظرفا لهم بعد سماعهم لأخبار هؤلاء المهلكين ورؤية بعض آثارهم، وبعد ~~ما أقمت لهم من الأدلة على البعث في هذا القرآن المعجز، ولم يعتبروا بشيء ~~من ذلك لما عندهم من داء الحسد، فحالهم أعجب من حالهم فحذرهم مثل مآلهم. # ولما كان هذا ربما أوهم أن تكذيبهم على غير مراده سبحانه وتعالى، قال ~~دافعا لذلك مؤكدا قدرته على أخذهم تحذيرا لهم وتسلية لمن كذبوه: { ~~والله } أي والحال أن الملك الذي اختص بالجلال والإكرام { من ورائهم } أي ~~من كل جهة يوارونها أو تواريهم، وذلك كل جهة { محيط * } فهو محيط بهم من ~~كل جهة بعلمه وقدرته، فهو كناية عن أنهم في قبضته لا يفوتونه بوجه كما ~~أنه لا يفوت من صار في القبضة بإحاطة العدو به من غير مانع، فهو سبحانه ~~قادر على أن يحل بهم ما أحل بأولئك، ولعله خص الوراء لأن الإنسان يحمي ما ~~وراءه ولأنه جهة الفرار من المصائب. # ولما كان من تكذيبهم، وهو أعظم تكذيبهم، طعنهم في أعظم ms5540 آيات القرآن بأن ~~يقولوا: هو كذب مختلق، إنما هو أساطير الأولين، أي أكذوباتهم لا حقائق ~~لما يخبر به مع أنه قد أقام الدليل الأعظم لنفسه بنفسه بما له من الإعجاز ~~على أنه حق، قال معبرا بالضمير إيذانا بأنه لعظمه في كل قلب لا غيبة له ~~أصلا، ليس لأحد حديث إلا فيه، بانيا على ما تقديره: ليس الأمر كما يزعم ~~الكفار في القرآن: { بل هو } أي هذا القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين ~~يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد { قرآن } أي جامع لكل منقبة جليلة ~~بالغ الذروة العليا في كل شرف { مجيد * } أي شريف كريم ليس فيه شيء من ~~شوائب الذم عزيز عظيم شريف عال جواد حسن الخلال وحيد في نظمه ومعانيه ~~المغيبة والمشاهدة حاو لمجامع الحمد ليس بقول مخلوق ولا هو مخلوق بل هو ~~صفة الخالق بل هو جواد بكل ما يراد منه من المحاسن لمن صدقت نيته وطهرت ~~طويته، وعلت همته وكرمت سجيته، فهو يأبي له مجده أن يلم بساحته طعن بوجه ~~من الوجوه، ومجده تجريب أحكامه من بين عاجل ما شهد وآخل ما علم بعالم ما ~~شهد، فكان معلوما بالتجربة المتيقنة بما تواتر من القصص الماضي وما شهد ~~له من الأثر الحاضر وما يتجدد مع الأوقات من أمثاله وأشباهه وأشكاله، ~~فكذب من قال إنه شعر أو كهانة أو سحر - أو غير ذلك من الأباطيل. # ولما وصفه في نفسه مما يأبي له لحاق شيء من شبهة، وصف محله في الملأ ~~الأعلى إعلاما بأنه لا يطرأ عليه ما يغيره فقال: { في لوح } وهو كل ~~صفيحة عريضة من خشب أو عظم أو غيرهما { محفوظ * } أي له الحفظ دائما على ~~أتم الوجوه من كل خلل ومن أن يصل إليه إلا الملائكة الكرام، قال حجة ~~الإسلام الغزالي رحمه الله تعالى في كتاب الموت من الأحياء: يعبر عنه ~~تارة باللوح، وتارة بالكتاب المبين، وتارة بإمام مبين، فجمع ما جرى في ~~العالم وما سيجري مكتوب فيه كتبا لا يشاهد بهذه العين، وليس ms5541 مما نعهده ~~من الألواح، فلوحه تعالى لا يشبه ألواح خلقه كما أن ذاته تعالى لا تشبه ~~ذوات خلقه، ومثاله مثال قلب الإنسان في حفظ القرآن مثلا كلماته وحروفه، ~~ولو فتش قلبه لم يوجد فيه شيء ولا ينظر ذلك إلا نبي أو ولي يقرب من درجته ~~- هذا معنى كلام الإمام رحمه الله تعالى، وقرأ نافع بالرفع صفة للقرآن ~~فحفظه من التغيير والتبديل والتحريف وكل شبهة وريب في نظمه أو معناه كما ~~أن البروج محفوظة في لوح السماء المحفوظ، بل القرآن بذلك أولى لأنه صفة ~~الخالق في بيان وصفه لما خلق على الوجه الأتم الأعدل لأنه ترجمة ما أوجده ~~الله سبحانه في الوجود، فصح قطعا أنه لا بد أن يصدق في كل ما أخبر به، ~~ومن أعظمه أنه سبحانه يحشر الناس للدينونة بالثواب والعقاب كما دان من ~~كذب أولياءه في الدنيا بمثل ذلك فأخذ أعداءه وأنجى أولياءه، فرجع الختام ~~منها على المبتدأ، وتعانق الافتتاح بالمنتهى، فاقتضى ذلك تنزيه المتكلم ~~به عن أن يترك شيئا فضلا عن الأنفس بغير حفظ وعن كل ما لا يليق، وإثبات ~~الكمالات له والأكمليات بكل طريق - والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع ~~والمآب، وإليه المهرب والمتاب. ### | [86 - سورة الطارق] ### || [86.1-8] # لما تقدم في آخر البروج أن القرآن في لوح محفوظ لأن منزله محيط بالجنود ~~من المعاندين وبكل شيء، أخبر أن من إحاطته حفظ كل فرد من جميع الخلائق ~~المخالفين والموافقين والمؤالفين، ليجازى على أعماله يوم إحقاق الحقائق ~~وقطع العلائق، فقال مقسما على ذلك لإنكارهم له: { والسماء } أي ذات ~~الأنجم الموضوعة لحفظها من المردة لأجل حفظ القرآن المجيد الحافظ لطريق ~~الحق، قال الملوي: والمراد بها هنا ذات الأفلاك الدائرة لا السماوات ~~العلى بما جعل فيها من ليل ونهار ودورتهما ثلاثمائة وستين درجة لا تتغير ~~أبدا في هذه الدار بنقص ولا زيادة بنصف درجة ولا دقيقة ولا ثانية ولا ما ~~دون ذلك، بل كلما زاد أحدهما شيئا نقص من الآخر بحسابه عرف ذلك من العقل ~~والنقل والتجربة فعرف أنه يحفظ حفيظ ms5542 حي لا يموت، قيوم لا يغفل ولا ينام - ~~انتهى. # ولما أقسم بالسماء لما لها من الشرف والمجد تنبيها على ما فيها من ~~بدائع الصنع الدالة على القدرة الباهرة. أقسم بأعجب ما فيها وهو جنس ~~النجوم ثم بأعربه وهو المعد للحراسة تنبيها على ما في ذلك من غرائب ~~القدرة فقال: { والطارق } أي جنس الكواكب الذي يبدو ليلا ويخفى نهارا، ~~ويطرق مسترقي السمع فيبدد شملهم ويهلك من أراد الله منهم لأجل هداية ~~الناس بالقرآن في الطرق المعنوية وظهوره وإشراقه في السماء لهدايتهم في ~~الطرق الحسية وهو في الأصل لسالك الطريق، واختص عرفا بالآتي ليلا لأنه ~~يجد الأبواب مغلقة فيحتاج إلى طرقها، ثم استعمل للبادي فيه كالنجم. # ولما كان الطارق يطلق على غير النجم أبهمه أولا ثم عظم المقسم به ~~بقوله: { وما أدراك } أي عرفك يا أشرف خلقنا عليه الصلاة والسلام وإن ~~حاولت معرفة ذلك وبالغت في الفحص عنه { ما الطارق * } ثم زاده تهويلا ~~بتفسيره بعد إبهامه مرة أخرى بقوله تعالى: { النجم الثاقب * } أي المتوهج ~~العالي المضيء كأنه يثقب الظلام بنوره فينفذ فيه، يقال: أثقب نارك ~~للموقد، أو يثقب بضوئه الأفلاك فتشف عنه، أو يثقب الشيطان بناره إذا ~~استرق السمع، والمراد الجنس أو معهود بالثقب وهو زحل، عبر عنه أولا بوصف ~~عام ثم فسره بما يخصه تفخيما لشأنه لعلو مكانه. # ولما ذكر الذي دل به على حفظ القرآن عن التلبيس وعلى حفظ الإنسان، ذكر ~~جوابه في حفظ النفوس التي جعل فيها قابلية لحفظ القرآن في الصدور، ودل ~~على حفظ ما خلق لأجلها من هذه الأشياء المقسم بها على حفظ الإنسان لأنها ~~إذا كانت محفوظة عن أدنى زيغ وهي مخلوقة لتدبير مصالحه فما الظن به؟ فقال ~~مؤكدا غاية التأكيد لما للكفرة من إنكار ذلك والطعن فيه { إن } بالتخفيف ~~من الثقيلة في قراءة الجمهور أي أن الشأن { كل نفس } أي من الأنفس مطلقا ~~لا سيما نفوس الناس { لما عليها } أي بخصوصها لا مشارك لها في ذاتها { ~~حافظ * } أي رقيب عتيد لا يفارقها، والمراد به الجنس ms5543 من الملائكة، فبعضهم ~~لحفظها من الآفات، وبعضهم لحفظها من الوساوس، وبعضهم لحفظ أعمالها ~~وإحصائها بالكتابة، وبعضهم لحفظ ما كتب لها من رزق وأجل وشقاوة أو سعادة ~~ومشي؟ ونكاح وسفر وإقامة، فلا يتعدى شيئا من ذلك نحن قسمنا نحن قدرنا، ~~فإن قلت: إن الحافظ الملائكة، صدقت، وإن قلت: إنه الله، صدقت، لأنه الآمر ~~لهم والمقدر على الحفظ، والحافظ لهم من الوهن والزيغ، فهو الحافظ ~~الحقيقي، واللام في هذه القراءة هي الفارقة بين المخففة والنافية " وما " ~~مؤكدة بنفي صدر ما أثبتته الجملة، " وحافظ " خبر " إن " ويجوز أن يكون ~~الظرف الخبر، و " حافظ " مرتفع به، وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة بتشديد " ~~لما " على أنها بمعنى " إلا " و " إن " نافية بمعنى " ما " ، والمستثنى ~~منه " كل نفس " وخبر النافية محذوف تقديره: كائنة أو موجودة أو نحوهما، ~~والمستثنى " نفس " موصوفة ب " عليها حافظ " ويحتمل أن يكون حالا فمحله ~~يحتمل الرفع بأنه خبر النافي في هذا الاستثناء المفرغ عند بني نميم، ~~والنصب بأنه خبر عند غيرهم، أو حال من " نفس " ، لأنها عامة، والتقدير: ~~ما كل نفس موجودة إلا نفس كائنا أو كائن عليها حافظ، والنسبة بين مفهومي ~~القراءتين أن المشدد أخص لأنها دائمة مطلقة، والمخففة مطلقة عامة، ولا ~~يظن أن المشددة غير مساوية للمخففة، فضلا عن أن تكون أخص لأن حرف النفي ~~دخل على " كل " وهو من أسوار السلب الجزئي كما تقرر في موضعه فينحل إلى ~~أن بعض النفوس ليس إلا عليها حافظ وإنما كان لا يظن ذلك لأنها تنحل لما ~~فيها من الحصر المتضمن للنفي والإثبات إلى جملتين، إحداهما إثبات الحفظ ~~للنفس الموصوفة والأخرى سلب نقيضه عنها، لأنه من قصر الموصوف على الصفة. # ونقيض الكلية الموجبة الجزئية السالبة أي ليس كل نفس عليها حافظ ~~والسالبة الجزئية أعم من السالبة الكلية، فإذا نفيتها قلت: ليس ليس كل ~~نفس عليها حافظ فهو سلب السلب الجزئي، وإذا سلب السلب الجزئي سلب الكلي ~~لما تبين أنه أخف. وإذا انتفى الأعم انتفى الأخص فلا شيء من الأنفس ليس ~~عليها حافظ، فانحل ms5544 الكلام إلى: لا نفس كائنة إلا نفس عليها حافظ، وإن كان ~~لفظ " ليس كل " من أسوار الجزئية لما مضى، فصارت الآية على قراءة التشديد ~~مركبة من مطلقة عامة هي " كل نفس عليها حافظ " بالفعل. # ومن سلب نقيضها وهو الدائمة المطلقة الذي هو " دائما ليس كل نفس عليها ~~حافظ " ورفعه بأن يقال: ليس دائما ليس كل نفس ليس عليها حافظ، أي ليس ~~دائما كل نفس ليس عليها حافظ، وذلك على سبيل الحصر وقصر الموصوف على ~~الصفة، معناه أن الموصوف لا يتعدى صفته التي قصر عليها، فأقل الأمور أن ~~لا يتجاوزها إلى عدم الحفظ، وذلك معنى الدائمة المطلقة وهو الحكم بثبوت ~~المحمول للموضوع ما دام ذات الموضوع موجودة، وهي على قراءة التخفيف مطلقة ~~عامة أي حكم فيها بثبوت المحمول للموضوع بالفعل وهو الجزء الأول مما ~~انحلت إليه قراءة التشديد، فمفهوم الآية في قراءة التشديد أخص منه في ~~قراءة التخفيف، لأن كل دائم كائن بالفعل، ولا ينعكس - هذا إذا نظرنا إلى ~~نفس المفهوم من اللفظ مع قطع النظر عن الدلالة الخارجية، وأما بالنظر إلى ~~نفس الأمر فالجهة الدوام فلا فرق، غير أنه دل عليها باللفظ في قراءة ~~التشديد دون قراءة التخفيف والله تعالى أعلم. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير رحمه الله تعالى: لما قال الله سبحانه ~~وتعالى في سورة البروج # والله على كل شيء شهيد # [البروج: 9] # والله من ورائهم محيط # [البروج: 20] وكان في ذلك تعريف العباد بأنه سبحانه وتعالى لا يغيب عنه ~~شيء ولا يفوته شيء ولا ينجو منه هارب، أردف ذلك بتفصيل يزيد إيضاح ذلك ~~التعريف الجملي من شهادته سبحانه وتعالى على كل شيء وإحاطته به فقال ~~تعالى { إن كل نفس لما عليها حافظ } [الطارق: 4] فأعلم الله سبحانه ~~وتعالى بخصوص كل نفس ممن يحفظ أنفاسها " ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب ~~عتيد " ليعلم العبد أنه ليس بمهمل ولا مضيع، وهو سبحانه وتعالى الغني عن ~~كتب الحفظة وإحصائهم وشهادة الشهود من الأعضاء وغيرهم، وإنما كان ذلك ~~لإظهار عدله سبحانه وتعالى # إن ms5545 الله لا يظلم مثقال ذرة # [النساء: 40] ولا أقل من المثقال، ولكن هي سنته حتى لا يبقى لأحد حجة ~~ولا تعلق، وأقسم سبحانه وتعالى على ذلك تحقيقا وتأكيدا يناسب القصد ~~المذكور - انتهى. # ولما كان التقدير: لأنه لا بد له من العرض على الخالق سبحانه وتعالى لأن ~~التوكيل بالإنسان لا يكون إلا لعرضه على الملك الديان صاحب الأمر ~~والبرهان ومحاسبته له على ما كان، كان التقدير: يحفظ أعمالها ويكتبها ~~ليحاسبها الملك على ذلك، فتسبب عنه قوله تعالى: { فلينظر } أي بالبصيرة { ~~الإنسان } أي الآنس بنفسه الناظر في عطفه إن كان يسلك في ذلك { مم } أي ~~من أي شيء، وبنى للمفعول العامل في من أمر بالنظر وهو قوله: { خلق * } ~~إعلاما بأن الدال هو مطلق الخلق، وتنبيها على تعظيم الفاعل بأن العلم ~~به غير محتاج إلى ذكره باللفظ لأنه لا يقدر على صنعة من صنائعه غيره، ~~وأمر الإنسان بهذا النظر ليعلم بأمر مبدئه أمر معاده، فإن من قدر على ~~الابتداء قدر على الإعادة قطعا، فإذا صح عنده ذلك اجتهد في أن لا يملي ~~على حافظيه إلا ما يرضي الله تعالى يوم عرضه على الملك الديان ليسره وقت ~~حسابه. # ولما نبه بالاستفهام على أن هذا أمر جدا ينبغي لكل أحد أن يترك جميع ~~مهماته ويتفرغ للنظر فيه فإنه يكسبه السعادة الأبدية الدائمة، وكان ~~الإنسان - مع كونه ضعيفا عاجزا - لا ينفك عن شاغل ومفتر، فلا يكاد يصح ~~له نظر، تولى سبحانه وتعالى شرح ذلك عنه فأجاب الاستفهام بقوله: { خلق } ~~أي الإنسان على أيسر وجه وأسهله بعد خلق أبيه آدم عليه الصلاة والسلام من ~~تراب، وأمه حواء عليها السلام من ضلعه { من ماء دافق * } أي هو - لقوة ~~دفق الطبيعة له - كأنه يدفق بنفسه فهو إسناد مجازي، والدفق لصاحبه، أو هو ~~مثل " لابن " أي ذي دفق، والدفق صب فيه دفع، ولم يقل: ماءين - إشارة إلى ~~أنهما يجتمعان في الرحم ويمتزجان أشد امتزاج بحيث يصيران ماء واحدا. # ولما كان المراد به ماء الرجل وماء المرأة قال: { يخرج } وبعض بإثبات ~~الجار ms5546 فأفهم الخروج عن مقره بقوله: { من بين الصلب } أي صلب الرجل وهو ~~عظم مجتمع من عظام مفلكة أحكم ربطها غاية الإحكام من لدن الكاهل إلى عجب ~~الذنب { والترائب * } أي ترائب المرأة وهي عظام الصدر حيث تكون القلادة، ~~وصوبه ابن جرير، أو ما ولي الترقوتين منه، أو ما بين الثديين والترقوتين ~~أو أربعة أضلاع من يمنة الصدر، وأربعة من يسرته، أو اليدان والرجلان ~~والعينان، وعلى كل تقدير شهوتها من أمامها وشهوة الرجل فيما غاب عنه من ~~ورائه، ولو نزع الخافض لأفهم أن الماء يملأ البين المذكور ولم يفهم أنه ~~يخرج عن صاحبي البين، قال البيضاوي: ولو صح أن النطفة تتولد من فضل الهضم ~~الرابع وتنفصل عن جميع الأعضاء حتى تستعد لأن يتولد منها مثل تلك ~~الأعضاء، ومقرها عروق ملتف بعضها بالبعض عند الأنثيين، فلا شك أن الدماغ ~~أعظم الأعضاء معونة في توليدها، ولذلك تشبهه ويسرع الإفراط في الجماع ~~بالضعف فيه وله خليفة وهو النخاع وهو في الصلب، وشعب كثيرة نازلة إلى ~~الترائب وهما أقرب إلى أوعية المني فلذلك خصا بالذكر. وقال الملوي: فالذي ~~أخرجه من ظروف عظام الصلب والترائب إلى أن صيره في محله من الأنثيين إلى ~~أن دفق واعتنى بعد ذلك بنقله من خلق إلى خلق بعد كل أربعين يوما إلى أن ~~صيره إنسانا يعقل ويتكلم ويبني القصور، ويهدم الصخور، قادر على بعثه. # ولما علم بالحفظ والخلق في الأطوار المشار إليها أنه خلق لأمر عظيم وهو ~~الحساب، وثبت بالقدرة على ابتدائه من هذا الماء وبتطويره في الحالات ~~المشار إليها بذكر الماء، المعلومة لكل أحد القدرة على الإعادة بلا فرق ~~إلا كون الإعادة على ما نعرف أسهل، وكان العرب ينكرونها، قال مؤكدا ~~استئنافا لمن يقول: قد نظرت في ذلك فمه: { إنه } أي خالقه القادر على ما ~~ذكر من شؤونه المدلول على عظمه ببناء " خلق " للمفعول { على رجعه } أي ~~رجع الإنسان بالعبث ورده إلى حالته الأولى وخلقه الأول كما كان قبل الموت ~~وعلى رد هذا الماء الدافق إلى مجاريه التي خرج منها ms5547 وحله إلى المائية بعد ~~انعقاده عظما ولحما ودما { لقادر * } أي لثابتة قدرته على ذلك أتم ~~ثبات، فمن أيسر ما يكون عنده سبحانه وتعالى رده بعد شيخوخته على عقبه بأن ~~يجعله كهلا ثم شابا ثم طفلا ثم مضغة ثم علقة ثم نطفة ثم يدفعه إلى ذكر ~~الرجل ورحم المرأة ثم إلى صلبه وترائبها وهو أهون عليه، وذلك كقدرته على ~~رده بالبعث، وعبر ب " أنه " ولم يقل: إن الله - مثلا لأنه أقعد لأنه ~~يقال لكل إنسان: من أخرجك على هذه الهيئة فصيرك على هذه الصفة؟ فإذا قال: ~~القادر على كل شيء بقدرته الكاملة، قيل له: وبتلك القدرة بعينها يعيدك، ~~ولو سمى له اسم غير الضمير لكان ربما قال: ليس هو خالقي. ### || [86.9-17] # ولما كان هذا يحرك السامع غاية التحريك لأن يقول: معتى تكون رجعه له؟ ~~قال مجيبا له: { يوم تبلى } وبناه للمفعول إشارة مع التنبيه على السهولة ~~إلى أن من الأمر البين غاية البيان أن الذي يبلوها هو الذي يرجعها، وهو ~~الله سبحانه وتعالى من غير احتياج إلى ذكره { السرائر * } أي كل ما انطوت ~~عليه الصدور من العقائد والنيات، وأخفته الجوارح من الإخلال بالوضوء ~~والغسل ونحو ذلك من جميع الجنايات، بأن تخالط السرائر في ذلك اليوم، وهو ~~يوم القيامة، من الأمور الهائلة ما يميلها فيحيلها عما هي عليه فتعود ~~جهرا بعد أن كانت سرا، فيميز طيبها من خبيثها ويجازى عليه صاحبه. # ولما كان المانع من جزائه عند إظهار سرائره إما هو نفسه أو أحد ينصره، ~~قال مسببا عن إظهار ما يجتهد في إخفائه: { فما له } أي الإنسان الذي ~~أخرجت سرائره، وأعرق في التعميم والنفي فقال: { من قوة } أي يمنع بها ~~نفسه من الجزاء { ولا ناصر * } أي ينصره فيمنعه من نفوذ الحكم فيه. وليس ~~الدفع إلا بهذين الأمرين: قوة قائمة به أو قوة خارجة عنه. # ولما اشتملت هذه الجمل على وجازتها على الذروة العليا من البلاغة في ~~إثبات البعث والجزاء والوحدانية له سبحانه وتعالى إلى غير ذلك من بحور ~~العلوم، فثبت أن القرآن ms5548 كلام الله سبحانه وتعالى، فثبت أن كل ما فيه حق ~~مع منازعتهم في ذلك كله، اقتضى الحال الإقسام على حقيته فقال: { والسماء ~~} أي التي كان المطلع الإقسام بها ووصفها بما يؤكد العلم بالعبث الذي ~~الذي هو منبع العلوم والتقوى فعليه مدار السعادة فقال: { ذات الرجع * } ~~التي ترجع بالدوران إلى الموضع الذي ابتدأت الدوران منه فترجع الأحوال ~~التي كانت وتصرمت من الليل والنهار والشمس والقمر والكواكب والفصول من ~~الشتاء وما فيه من برد ومطر، والصيف وما فيه من حر وصفاء وسكون وغير ذلك ~~والنبات بعد تهشمه وصيرورته ترابا مختلطا بتراب الأرض وترجع الماء على ~~قول من يقول: إن السحاب يأخذه من البحر ويعلو به فيعصره في الهواء ثم ~~يرده إلى الأرض - وغير ذلك من الأمور الدال كل منها قطعا على أن فاعل ~~ذلك قادر على إعادة كل ما فني كما كان من غير فرق أصلا. # ولما ذكر الأمر العلوي بادئا به لشرفه، أتبعه السفلي فقال تعالى: { ~~والأرض } أي مسكنكم الذي أنتم ملابسوه ومعانوه كل وقت وملامسوه { ذات ~~الصدع * } أي التي تتصدع وتنشق فيخرج منها النبات والعيون بدءا وإعادة ~~دلالة ظاهرة على البعث، فجمع بالقسم العالم العلوي الذي هو كالرجل ~~والسفلي الذي هو كالمرأة، فكما أن الرجل يسقيها من مائه فتصدع عن الولد، ~~فكذلك السماء تسقي الأرض فتتصدع عن النبات وكما أنها تتصدع عن النبات بعد ~~فنائه وصيرورته رفاتا فيعود كما كان فكذلك تتصدع عن الناس بعد فنائهم ~~فيعودون كما كانوا بإذن ربها من غير فرق أصلا. # ولما كانت هذه كلها براهين قاطعة ودلائل باهرة ساطعة على حقية القرآن ~~وإتيانه بأعلى البيان، فكان من المستبعد جدا طعنهم في القرآن بعد هذا ~~البيان، قال تعالى منبها على ذلك بالتأكيد معبرا بالضمير إشارة لما مضى ~~إلى أنه المحدث عنه الآن، فهو الثابت في جميع الأذهان لا غيبة له عن شيء ~~منها أصلا { إنه } أي القرآن الذي أخبر بهذه الإخبارات التي هي في غاية ~~الوضوح وتقدم أنه مجيد وفي لوح محفوظ، وأن الكفرة في تكذيب ms5549 به ولا سيما ~~ما تضمن منه الإخبار بالبعث: { لقول فصل * } أي جدا يراد به فصل الأمور، ~~وله من العراقة في الفرق بين الحق والباطل ما صار به يطلق عليه نفس ~~الفصل، ثم أكد الأمر لشدة إنكارهم وجحدهم وتغطيتهم الحق بالباطل فقال: { ~~وما هو } أي القرآن في باطنه ولا ظاهره { بالهزل * } أي بالضعيف المرذول ~~الذي لا طائل تحته، فمن حقه ما هو عليه الآن من كونه مهيبا في القلوب ~~معظما في الصدور يرتفع به قارئه وسامعه عن أن يلم بهزل ويعلم به في أعين ~~العامة والخاصة. # ولما كان ثبات هذا على هذا الوجه مقتضيا ولا بد رجوعهم عن العناد، فكان ~~ذلك محركا للسامع إلى تعرف ما كان من أمرهم، استأنف قوله دلالة على ~~بقائهم على الإنكار وأكده تنبيها على أن بقاءهم على العناد - مع هذا ~~مستبعد جدا { إنهم } أي الكفار { يكيدون } أي بما يعملون في أمره من ~~الحيل { كيدا * } في إبطاله وإطفاء نوره بإثباتك أو إخراجك أو قتلك أو ~~تنفير الناس عنك والحال أنه لا قوة لهم أصلا على ذلك ولا ناصر لهم بوجه ~~من الوجوه وسمي جزاؤه لهم سبحانه كيدا مشاكلة، ولأنه خفي عنهم ومكروه ~~إليهم فهو على صورة الكيد فقال: { وأكيد } أي أنا بإتمام اقتداري { كيدا ~~* } باستدراجي لهم إلى توغلهم فيما يغضبني ليكمل ما يوجب أخذي لهم من حيث ~~لا يشعرون. # ولما كان هذا معلما بأنهم عدم لا اعتبار بهم، قال مسببا عنه تهديدا ~~لهم يا له من تهديد ما أصعبه: { فمهل } أي تمهيلا عظيما بالتدريج. ولما ~~كان في المكذبين في علم الله من يؤمن فليس مستحقا لإيقاع مثل هذا ~~التهديد، عبر بالوصف المقتضي للرسوخ فقال: { الكافرين } أي فلا تدع عليهم ~~ولا تستعجل لهم بالإهلاك، فإنا لا نعجل لأنه لا يعجل بالعقوبة إلا من ~~يخاف الفوت، حكي أن الحجاج كان سجنه من رخام وأرضه من رصاص، فكان يتلون ~~بتلون الأوقات، فوقت الحر جهنم، ووقت البرد زمهرير، فمر به يوما ~~فاستغاثوا فطأطأ رأسه لهم وقال: اخسؤوا فيها ولا تكلمون، فأخذت ms5550 الأرض ~~قوائم جواده فرفع طرفه إلى السماء وقال: سبحانك لا يعجل بالعقوبة إلا من ~~يخاف الفوت، وانطلق من وقته، فإن العجلة - وهي - إيقاع الشيء في غير وقته ~~الأليق به - نقص فإنه لا يعجل إلا من يكون ما يفعل المستعجل عليه خارجا ~~عن قبضته. # ولما كانت صيغة التفعيل ربما أفهمت التطويل، أكد ذلك مجردا للفعل دلالة ~~على أن المراد بالأول إيقاع الإمهال مع أن زمنه قصير بالتدريج ليطمئن ~~الممهل بذلك وتصير له به قوة عظيمة ودرته؟ وعزيمة صادقة لأن ما يقولونه ~~مما تشتد كراهة النفوس له، فلا يقدر أحد على الإعراض عنه إلا بمعونة ~~عظيمة: { أمهلهم } أي بالإعراض عنهم مرة واحدة بعد التدريج لما صار لك ~~على حمله من القوة بالتدريج - الذي أمرت به سابقا { رويدا * } أي ~~إمهالا يسيرا فستكون عن قريب لهم أمور، وأي أمور تشفي الصدور، وهو ~~تصغير " اروادا " تصغير ترخيم، قال ابن برجان: وهي كلمة تعطي الرفق، وهذا ~~الآخر هو المراد بما في أولها من أن كلا منهم ومن غيرهم محفوظ بحفظه ~~مضبوطة أقواله وأفعاله وحركاته وسكناته وأحواله، فإن ذلك مستلزم لأنه في ~~القبضة، فقد التقى الطرفان على أعظم شأن بأبين برهان، ووقع أول هذا ~~الوعيد يوم بدر ثم تولى نكالهم وتحقيرهم وإسفالهم إلى أن ذهب كثير منهم ~~بالسيف وكثير منهم بالموت حتف الأنف إلى النار، وبقي الباقون في الصغار ~~إلى أن أعزهم الله بعز الإسلام، وصاروا من الأكابر الأعلام، تشريفا ~~وتكريما وتعظيما لهذا النبي الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام، والله ~~تعالى هو أعلم بالصواب. ### | [87 - سورة الأعلى] ### || [87.1-6] # لما تضمن أمره سبحانه في آخر الطارق بالإمهال النهي عن الاستعجال الذي ~~هو منزه عنه لكونه نقصا، وأشار نفي الهزل عن القرآن - إلى أنهم وصموه ~~بذلك وهو في غاية البعد عنه إلى غير ذلك مما أشير إليه فيها ونزه نفسه ~~الأقدس سبحانه عنه، أمر أكمل خلقة رسوله المنزل عليه هذا القرآن صلى الله ~~عليه وسلم بتنزيه اسمه لأنه وحده العالم بذلك حق علمه، وإذا نزه اسمه عن ~~أن يدعو ms5551 به وثنا أو غيره أو يضعه في غير ما يليق به، كان لذاته سبحانه ~~أشد تنزيها، فقال مرغبا في الذكر لا سيما بالتنزيه الذي هو نفي ~~المستحيلات لأن التخلي قبل التحلي، شارحا لأصول الدين مقدما للإلهيات ~~التي هي النهايات من الذات ثم الصفات لا سيما القيومية ثم الأفعال على ~~النبوات، ثم أتبع ذلك النبوة ليعرف العبد ربه على ما هو عليه من الجلال ~~والجمال، فيزول عنه داء الجهل الموقع في التقليد، وداء الكبر الموقع في ~~إنكار الحقوق، فيعترف بالعبودية والربوبية، لا مثنيا عليه سبحانه ~~بالجلال ثم الجمال فيعبده على ما يليق به من امتثال أمره واجتناب نهيه ~~تعظيما لقدره: { سبح } أي نزه وبرىء تنزيها وتبرئة عظيمتين جدا قويتين ~~شديدتين { اسم ربك } أي المحسن إليك بعد إيجادك على صفة الكمال بتربيتك ~~على أحسن الخلال حتى كنت في غاية الجلال والجمال. # ولما كان الإنسان محتاجا في أن تكون حياته طيبة ليتمكن مما يريد إلى ~~ثلاثة أشياء: كبير ينتمي إليه ليكون له به رفعة ينفعه بها عند مهماته، ~~ويدفع عنه عند ضروراته، ومقتدى يربط به نفسه عند ملماته، وطريقة مثلى ~~ترتكبها كما أشار إليه قوله صلى الله عليه وسلم # " رضيت بالله ربا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا وبالإسلام ~~دينا " # أرشده صلى الله عليه وسلم إلى أن الانقطاع إليه أعلى الجاه، فقال واصفا ~~لمن أمره بتسبيحه بإثبات ما له من الواجبات بعد نفي المستحيلات كما أشار ~~إليه " سبحانك وبحمدك ": { الأعلى * } أي الذي له وصف الأعلوية في ~~المكانة لا المكان على الإطلاق عن كل شائبة نقص وكل سوء من الإلحاد في ~~شيء من أسمائه بالتأويلات الزائغة وإطلاقه غلى غيره مع زعم أنهما فيه ~~سواء، وذكره خاليا عن التعظيم وغير ذلك ليكون راسخا في التنزيه فيكون ~~من أهل العرفان الذين يضيئون على الناس مع كونهم في الرسوخ كالأوتاد ~~الشامخة التي هي مع علوها لا تتزحزح، وقد ذكر سبحانه هذا المعنى معبرا ~~عنه بجميع جهاته الأربع في ابتداء سور أربع استيعابا لهذه الكلمة الحسنى ~~الشريفة ms5552 من جميع جهاتها. فابتدأ سورة الإسراء التي هي سورة الإحسان ب " ~~سبحان " المصدر الصالح لجميع معانيه إعلاما بأن هذا المعنى ثابت له ~~مطلقا غير مقيد بشيء من زمان أو غيره، ثم ثنى بالماضي في أول الحديد ~~والحشر والصف تصريحا بوقوع ما أفهمه المصدر في الماضي الذي يشمل أزل ~~الآزال إلى وقت الإنزال، ثم ثلث في أول الجمعة والتغابن بالمضارع لأن ~~يفهم مع ما أفهم المصدر والماضي دوام التجدد، فلما تم ذلك من جميع وجوهه ~~توجه الأمر فخصت به سورته، وقد مضى في أول الحديد والجمعة ما يتمم هذا. # ولما كان الإبداع أدل ما يكون مع التنزه على الكمال لا سيما النور الذي ~~هو سبب الانكشاف والظهور، مع أنه تفصيل لقوله " مم خلق " وهو أدل شيء على ~~البعث المذكور " في يوم تبلى السرائر " قال مبينا للفاعل الذي أبهمه ~~لوضوحه في " مم خلق " مرغبا في الفكر في أفعاله سبحانه وتعالى الذي هو ~~السبب الأقرب للسعادة بالدلالة عليه بما له من الجائزات بعد الترغيب في ~~الذكر الذي هو المهيىء للفكر: { الذي خلق } أي أوجد من العدم أي له صفة ~~الإيجاد لكل ما أراده لا يعسر عليه شيء { فسوى } أي أوقع مع الإيجاد ~~وعقبه التسوية في كل خلق بأن جعل له ما يتأتى معه كماله ويتم معاشه، وعدل ~~بين الأمزجة الأربعة الماء والهواء والنار بعد أن قهرها على الجمع مع ~~التضاد لئلا تتفاسد، وذلك بالعلم التام والقدرة الكاملة دلالة على تمام ~~حكمته وفعله بالاختيار. # وقال الاستاذ أبو جعفر بن الزبير: لما قال سبحانه وتعالى مخبرا عن عمه ~~الكفار في ظلام حيرتهم # إنهم يكيدون كيدا # [الطارق: 15] وكان وقوع ذلك من العبيد المحاط بأعمالهم ودقائق أنفاسهم ~~وأحوالهم من أقبح مرتكب وأبعده عن المعرفة بشيء من عظيم أمر الخالق جل ~~جلاله وتعالى علاؤه وشأنه، أتبع سبحانه ذلك بأمر نبيه صلى الله عليه وسلم ~~بتنزيه ربه الأعلى عن شنيع اعتدائهم وافك افترائهم، فقال { سبح اسم ربك ~~الأعلى } [الأعلى:1] أي نزهه عن قبيح مقالهم، وقدم التنبيه على التنزيه ~~في ms5553 أمثال هذا ونظائره ووقوع ذلك أثناء السور فيما بين سورة وأخرى، وأتبع ~~سبحانه وتعالى من التعريف بعظيم قدرته وعلي حكمته بما يبين ضلالهم فقال ~~{ الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى } [الأعلى: 2 - 3] فتبارك الله أحسن ~~الخالقين، وتنزه عما يتقوله المفترون - انتهى. # ولما كان جعل الأشياء على أقدار متفاوته مع الهداية إلى ما وقع الخلق له ~~على أوجه متفاضلة مع التساوي في العناصر مما يلي التسوية، وهو من خواص ~~الملك الذي لا يكون إلا مع الكمال، أتبعه به بالواو دلالة على تمكن ~~الأوصاف فقال: { والذي قدر } أي أوقع تقديره في أجناس الأشياء وأنواعها ~~وأشخاصها ومقاديرها وصفاتها وأفعالها وآجالها، وغير ذلك من أحوالها، فجعل ~~البطش لليد والمشي للرجل والسمع للأذن والبصر للعين ونحو ذلك { فهدى } أي ~~أوقع بسبب تقديره وعقبه الهداية لذلك الذي وقع التقدير من أجله من الشكل ~~والجواهر والأعراض التي هيأه بها لما يليق به طبعا أو اختيارا بخلق ~~الميول والإلهامات، ونصب الدلائل والآيات لدفع الشرور وجلب الخيور، فترى ~~الطفل أول ما يقع من البطن يفتح فاه للرضاعة، وغيره من سائر الحيوانات، ~~يهتدي إلى ما ينفعه من سائر الانتفاعات، فالخلق لا بد له من التسوية ~~ليحصل الاعتدال، والتقدير لا بد له من الهداية ليحصل الكمال. # ولما كانت دلائل التوحيد تارة بالنفس وتارة بالآفاق، ونبه بآيات النفس، ~~فلم يبق إلا آيات الآفاق، وكان النبات من آياتها أدل المخلوقات على البعث ~~قال: { والذي أخرج } أي أوقع إخراج { المرعى * } بما أنزل من المعصرات ~~فأنبت ما ترعاه الدواب من النجم وغيره بدءا وإعادة، فدل ذلك على تمام ~~قدرته لا سيما على البعث لأنه سبحانه وتعالى أقدر على جمع الأموات من ~~الأرض بنفسه بعد أن تفتتوا من الماء على جمعه للنبات الذي كان تفتت في ~~الأرض وصار ترابا وإخراجه كما كان في العام الماضي بإذنه سبحانه وتعالى ~~وهو خلق من مخلوقاته. # ولما كان إيباسه وتسويده بعد اخضراره ونموه في غاية الدلالة على تمام ~~القدرة وكمال الاختيار بمعاقبة الأضداد على الذات الواحدة قال تعالى: { ~~فجعله } أي ms5554 بعد أطوار من زمن إخراجه { غثاء } أي كثيرا، ثم أنهاه فأيبسه ~~وهشمه ومزقه فجمع السيل بعضه إلى بعض فجعله زبدا وهالكا وباليا ~~وفتاتا على وجه الأرض { أحوى * } أي في غاية الري حتى صار أسود يضرب إلى ~~خضرة، أو أحمر يضرب إلى سواد، أو اشتدت خضرته فصارت تضرب إلى سواد، وقال ~~القزاز رحمه الله في ديوانه: الحوة شية من شيات الخيل، وهى بين الدهمة ~~والكمتة، وكثر هذا حتى سموا كل أسود أحوى - انتهى. فيجوز أن يريد حينئذ ~~أنه أسود من شدة يبسه فحوته الرياح وجمعته من كل أوب حيت تفتت، فكل من ~~الكلمتين فيها حياة وموت، وأخر الثانية لتحملهما لأن دلالتها على الخضرة ~~أتم، فلو قدمت لم تصرف إلى غيرها، فدل جمعه بين الأضداد على الذات ~~الواحدة على كمال الاختيار، وأما الطبائع فليس لها من التأثير الذي ~~أقامها سبحانه فيه إلا الإيجابي كالنار متى أصابت شيئا أحرقته، ولا تقدر ~~بعد ذلك أن تنقله إلى صفة أخرى غير التي أثرتها فيه، وأشار بالبداية ~~والنهاية إلى تذكر ذلك، وأنه على سبيل التكرار في كل عام الدال على بعث ~~الخلائق، وخص المرعى لأنه أدل على البعث لأنه مما ينبته الناس، وإذا ~~انتهى تهشم وتفتت وصار ترابا، ثم يعيده سبحانه بالماء على ما كان عليه ~~سواء كما يفعل بالأموات سواء - من غير فرق أصلا. # ولما استوفى سبحانه وتعالى وصف من أمره صلى الله عليه وسلم بتسبيحه بما ~~دل على أوصاف جماله ونعوت كبريائه وجلاله، وشرح ما له سبحانه من القدرة ~~التامة على الإبداع والهداية والتصرف في الأرواح الحسية والمعنوية بالنشر ~~والطي والقبض والبسط، فدل على تمام أصول الدين بالدلالة على وجوده سبحانه ~~على سبيل التنزل من ذاته إلى صفاته ثم إلى أفعاله فتم ما للخالق، أتبعه ~~ما للخلائق وبدأ بما لأشرف خلقه المنزل عليه هذا الذكر تقديرا للنبوة ~~التي بها تتم السعادة بالحقائق الواصلة من الحق إلى عبده، التي بها يتم ~~أمره من القوتين العلمية ثم العملية بقبول الرسالة بعد التوحيد، لأن حياة ~~الإنسان لا ms5555 يتم طيبها إلا بمقتدي يقتدى به من أقواله وأفعاله وسائر ~~أحواله، ولا مقتدي مثل المعصوم عن كل ميل الموجب ذلك الحب من كل ما يعرف ~~حاله، والحب في الله أعظم دعائم الدين، فقال معللا للأمر بالتسبيح ~~للموصوف بالجلال والجمال دالا على أنه يحيي ميت الأرواح بالعلم كما يحيي ~~ميت الأشباح بالأرواح { سنقرئك } أي نجعلك بعظمتنا بوعد لا خلف فيه على ~~سبيل التكرار بالتجديد والاستمرار قارئا، أي جامعا لهذا الذكر الذي هو ~~حياة الأرواح بمنزلة حياة الأشباح، الذي تقدم أنه قول فصل، عالما به كل ~~علم، ناشرا له في كل حي، فارقا به بين كل ملتبس، وإن كانت أميا لا ~~تحسن الكتابة ولا القراءة، ولذلك سبب عنه قوله: { فلا تنسى * } أي شيئا ~~منه ولا من غيره ليكون في ذلك آيتان: كونك تقرأ وأنت أمي، وكونك تخبر عن ~~المستقبل فيكون كما قلت فلا تحرك به لسانك عند التنزيل لتعجل به ولا تتعب ~~نفسك فإن علينا حفظه في صدرك وإنطاق لسانك به. ### || [87.7-10] # ولما كان سبحانه وتعالى ينسخ من الشريعة ما يشاء بحسب المصالح تخفيفا ~~لما له بهذه الأمة من الرفق، قال لافتا القول إلى سياق الغيبة إعلاما ~~بأن ذكر الجلالة أعظم من التصريح بأداة العظمة: { إلا ما شاء الله } أي ~~الملك الأعظم الذي له الأمر كله، أن تنساه لأنه نسخه، أو لتظهر عظمته في ~~أن أعظم الخلق يغلبه القرآن لأنه صفة الله فتنسى الآية أو الكلمة ثم ~~تذكرها تارة بتذكير أحد من آحاد أمتك وتارة بغير ذلك. # ولما كان الفاعل لهذه الأمور كلها لا سيما الإقراء والحكم على ما يقرأ ~~بأنه لا ينسى إلا ما شاء منه إلا يكون لا محيط العلم، قال تعالى مصرحا ~~بذلك مؤكدا لأجل إنكار أهل القصور في النظر لمثله جاريا على أسلوب ~~الغيبة معبرا بالضمير إشارة إلى تعاليه في العظمة إلى حيث تنقطع أماني ~~الخلق عن إدراكه بما كثر من أفعاله: { إنه } أي الذي مهما شاء كان # إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ms5556 # [النحل: 40]. # ولما كان المراد بيان إحاطة علمه سبحانه وتعالى، وأن نسبة الجلي والخفي ~~من جهره بالقرآن وترديده على قلبه سرا وغير ذلك إليه على حد سواء، وكان ~~السياق للجلي، ذكرهما مصرحا بكل منهما مقدما الجلي لأن هذا مقامه، ~~وذكره بوصفه معبرا عنه بالاسم الدال على إحاطة علمه به فقال: { يعلم ~~الجهر } أي ثابت له هذا الوصف على سبيل التجدد والاستمرار في الإقراء ~~والقراءة وغيرهما. ولما ذكره باسمه ليدل على أنه يعلمه مطلقا لا بقيد ~~كونه جهرا، قال مصرحا بذلك: { وما يخفى * } أي يتجدد خفاؤه من القراءة ~~وغيرها على أي حالة كان الإخفاء، فيدل على علمه به إذا جهر به بطريق ~~الأولى. # ولما ذكر الإلهيات والنبوة وأشير إلى النسخ، أشار إلى أن الدين المشروع ~~له هو الحنيفية السمحة، وأنه سبحانه وتعالى لا يقيمه في شيء بنسخ أو غيره ~~إلا كان هو الأيسر له والأرفق، لأن الرفق والعنف يتغيران بحسب الزمان، ~~فقال مبينا للقوة العملية أثر بيانه للعلمية: { ونيسرك } أي نجعلك أنت ~~مهيأ مسهلا ملينا موفقا { لليسرى * } أي في حفظ الوحي وتدبره وغير ذلك ~~من الطرائق والحالات كلها التي هي لينة سهلة خفيفة - كما أشار إليه قوله: # " كل ميسر لما خلق له " # ولهذا لم يقل: ونيسر لك، لأنه هو مطبوع على حبها. # ولما كمله صلى الله عليه وسلم وهيأه سبحانه وتعالى للأيسر ويسره غاية ~~التيسير، سبب عنه وجوب التذكير لكل أحد في كل حالة تكميلا لغيره شفقة ~~على خلق الله بعد لما له في نفسه فإن لله ساعات له فيها نفحات تقضى فيها ~~الحاجات، وذلك لأنه قد صار كالطبيب الحاذق في علاج المرضى فيقوم بنفع ~~عباده لشكره بعد ذكره بإذن منه إشارة إلى أن التلميذ يحتاج إلى إذن ~~المشايخ وتزكيتهم، وإلى أن أعظم الأدواء أن يقتصر الإنسان على ما عنده ~~ولا يطلب الازدياد مما ليس عنده من خير الزاد فقال تعالى: { فذكر } أي ~~بهذا الذكر الحكيم، وعبر بأداة الشك إفهاما للإطلاق الكلي فقال: { إن ~~نفعت الذكرى * } أي إن جوزت نفعها وترجيته ولو ms5557 كان على وجه ضعيف - بما ~~أشار إليه تأنيث الفعل بعد ما أفادته أداة الشك، ولا شك أن الإنسان لعدم ~~علمه الغيب لا يقطع بعدم نفع أحد بل لا يزال على رجاء منه وإن استبعده، ~~ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يزال يدعو إلى الله تعالى وإن ~~اشتد الأمر، ولا يحقر أحدا أن يدعوه ولا ييأس من أحد وإن اشتد عليه، ~~والأمر بالإعراض عمن تولى ونحو ذلك إنما هو بالإعراض عن الحزن عليه ومن ~~تقطيع النفس لأجله حسرات ونحو ذلك. # ولما أمره بالتذكير لكل أحد، قسم الناس له إلى قسمين: قسم يقبل العلاج، ~~وقسم لا يقبله، إعلاما بأنه سبحانه وتعالى عالم بكل من القسمين جملة ~~وأفرادا على التعيين ولم يزل عالما بذلك، ولكنه لم يعين ابتلاء منه ~~لعباده لتقوم له الحجة عليهم بما يتعارفونه بينهم وله الحجة البالغة، ~~فقال حاثا على شكر الجوائح من العقل ونحوه والجوارح من القلب واللسان ~~وغيرهما: { سيذكر } أي بوعد لا خلف فيه ولو على أخفى وجوه التذكير - بما ~~أشار إليه الإدغام { من يخشى } أي في جبلته نوع خشية، وهو السعيد لما قدر ~~له في نفسه من السعادة العظمى لقبول الحنيفية السمحة فيذكر ما يعلم منها ~~في نفسه فيتعظ، فإن الخشية حاملة على كل خير فيتنعم بقلبه وقالبه في ~~الجنة العليا ويحيى فيها حياة طيبة من غير سقم ولا توى، دائما بلا آخر ~~وانتهاء. ### || [87.11-19] # ولما ذكر من يحب حبه في الله ذكر من يبغض في الله، وعلامة الحب ~~الاقتداء، وعلامة البغض التجنب والانتهاء والابتداع والإباء، فقال: { ~~ويتجنبها } أي يكلف نفسه وفطرته الأولى المستقيمة تجنب الذكرى التي نشاء ~~تذكيره بها من أشرف الخلائق وأعظمهم وصلة بالخالق. ولما كان هذا الذي ~~يعالج نفسه على العوج شديد العتو قال: { الأشقى * } أي الذي له هذا الوصف ~~على الإطلاق لأنه خالف أشرف الرسل فهو لا يخشى فكان أشقى الناس، كما أن ~~من آمن به أشرف ممن آمن بمن قبله من الرسل عليهم الصلاة والسلام. # ولما ذكر وصفه الذي أوجب ms5558 له العمل السيىء، ذكر جزاءه فقال: { الذي يصلى ~~} أي يباشر مباشرة الغموس بقلبه وقالبه مقاسيا { النار الكبرى * } أي ~~التي هي أعظم الطبقات وهي السفلى لأنه ليس في طبعه أن يخشى، بل هو ~~كالجلمود الأقسى لأنه جاهل مقلد أو متكبر معاند، أو المراد نار الأخرى ~~فإنها أعظم من نار البرزخ وأعظم من نار الدنيا بسبعين جزءا، فلهذا ~~استحقت أن تتصف بأفعل التفضيل على الإطلاق، والآية من الاحتباك: ذكر ~~الثمرة في الأول وهي الخشية دليلا على حذف ضدها من الثاني، وهي القسوة ~~الناشئة على الحكم بالشقاوة، وذكر الأصل والسبب في الثاني وهو الشقاوة ~~دليلا على حذف ضده في الأول وهو السعادة، فالإسعاد سبب والخشية ثمرة، ~~والإشقاء سبب والقساوة ثمرة ومسبب، وكذا ما نبعه من النار وما نشأ عنه، ~~وسر ذلك أنه ذكر مبدأ السعادة أولا حثا عليه، ومآل الشقاوة ثانيا ~~تحذيرا منه، قال الملوي: ولا شك أن القرآن العظيم على أحسن ما يكون من ~~البراعة في التركيب وبداعة الترتيب وكثرة العلوم مع الاختصار وعدم ~~التكرار، فيكتفي في موضع بالثمرة بلا سبب وفي آخر بالسبب بلا ثمرة لدلالة ~~الأول على الثاني والثاني على الأول، فيضم السبب إلى الثمرة والثمرة إلى ~~السبب كما يطلق القضاء ويكتفى به عن القدر، ويطلق القدر ويكتفى به عن ~~القضاء، وكذلك يذكر الحكم ويتركان فيدل عليهما فتذكر الثلاثة، ويظهر ~~بمثال وهو أن من أراد إقامة دولاب يهندس أولا موضع البئر بسهمه وترسه ~~ومداره وحوضه الذي يصب فيه المار وجداوله التي ينساق منها، فهذا هندسة ~~وتدبير وحكم وإرادة، فإذا صنع ذلك وأتمه سمي قضاء وإيجادا وتأثيرا، ~~فإذا ركب على الجبال قواديس تحمل مقدارا من الماء معينا إذا نزلت إلى ~~الماء أخذته، وإذا صعدت فانتهت وأرادت الهبوط فرغته فتصرف الماء من ~~جداوله إلى ما صنع له كان ذلك قدرا فهو النهاية، فمتى ذكر واحد من ~~الثلاثة: الحكم والقضاء والقدر، دل على الآخر. # ولما كان ما هذا شأنه يهلك على ما جرت به العادة في أسرع وقت، فإذا كان ~~من شأنه مع ms5559 هذا العظم أنه لا يهلك كان ذلك دليلا واضحا على أنه لا يعلم ~~كنه عظمة مقدره إلا هو سبحانه وتعالى فأشار إلى ذلك بالتعبير بأداة ~~التراخي إعلاما بأن مراتب هذه الشدة في التردد بين الموت والحياة لا ~~يعلم علوها عن شدة الصلى إلا الله تعالى فقال: { ثم لا يموت فيها } أي لا ~~يتجدد له في هذه النار موت وإن طال المدى. # ولما كان من يدخل النار فلا تؤثر في موته قد يكون ذلك إكراما له من باب ~~خرق العوائد، احترز عنه بقوله: { ولا يحيى * } أي حياة تنفعه لأنه ما ~~تزكى فلا صدق ولا صلى. # ولما ثبت بهذا أن لهذا هذا الشقاء الأعظم، فكان التقدير: لأنه لم يزك ~~نفسه لأنه ما كان مطبوعا على الخشية، أنتج ولا بد قوله تعالى دالا على ~~الدين التكليفي وهو اجتناب واجتلاب، فجمع الاجتناب والاجتلاب بالتزكية ~~بالتبتل بالأبواب والملازمة للأعتاب بامتثال الأمر واجتناب النهي ~~بالمجاهدات المقربات إليه سبحانه وتعالى، المنجيات بعد ما حذر من ~~المهلكات، للمسارعة في محابه ومراضيه اجتماعا على العبادة الموصلة ~~للخالق بعد حصول الكمال والتكميل فإنه لا بد في الحياة الطيبة بعد ~~الانتماء إلى ذي الجاه العريض والاقتداء بمن لا يزيغ من الارتباط بطريقة ~~مثلى يحصل بها الاغتباط ليصل بها إلى المقصود ويعمر أوقاته بوظائفها ~~لئلا يحصل له خلل ولا ضياع لنفائس الأوقات ولا غفلة يستهويه بها قطاع ~~الطريق: { قد أفلح } أي فاز بكل مراد { من تزكى * } أي أعمل نفسه في ~~تطهيرها من فاسد الاعتقادات والأخلاق والأقوال والأفعال والأموال وتنمية ~~أعمالها القلبية والقالبية وصدقة أموالها، وذلك هو التسبيح الذي أمر به ~~أول السورة وما تأثر عنه، من عمل هذا فهو الأسعد. # ولما كان أعظم الأعمال المزكية الذكر والصلاة قال تعالى: { وذكر } أي ~~بالقلب واللسان ذكر وذكر - بالكسر والضم { اسم ربه } أي صفات المحسن إليه ~~فإنه إذا ذكر الصفة سر بها فأفاض باطنه على ظاهره ذكر اللفظ الدال عليها، ~~وإذا ذكر اللفظ وهو الاسم الدال عليها انطبع في قلبه ذكر المسمى { فصلى ~~* } أي الصلاة ms5560 الشرعية لأنها أعظم الذكر، فهي أعظم عبادات البدن كما أن ~~الزكاة أعظم عبادات المال، ومن فعل ذلك استراح من داء الإعجاب وما يتبعه ~~من النقائص الموجبة لسوء الانقلاب، وكان متخلقا بما ذكر من أخلاق الله ~~في أول السورة من التخلي عن النقائص بالتزكية، والتحلي بالكمالات بالذكر ~~والصلاة لأنه لعظمته لا يتأهل لذكره إلا من واظب إلى ذكر اسمه فلا يشقى ~~فلا يصلى النار الكبرى بوعد لا خلف فيه - فالآية من الاحتباك في ~~الاحتباك: ذكر أولا الصلى دليلا على حذف ضده ثانيا، وثانيا التزكية ~~دليلا على حذف ضدها أولا، وقد تكفل ذكر التزكية والذكر، والصلاة من ~~أسباب التداوي بالإنضاج ثم الأشربة ثم الأغذية، والآية صالحة لإرادة زكاة ~~الفطر وتكبيرات العيد وصلاته وإن كانت السورة مكية وفرض الصيام بالمدينة، ~~لأن العبرة بعموم اللفظ لإحاطة علمه سبحانه وتعالى بالماضي والحال ~~والاستقبال على حد سواء؛ قال الرازي في اللوامع: وتقدم زكاة الفطر على ~~صلاة العيد، وكان ابن مسعود رضي الله تعالى عنه يقول: رحم الله امرأ ~~تصدق ثم صلى - ثم يقرأ هذه الآية، وإن كانت السورة مكية، فإنه يجوز أن ~~يكون النزول سابقا على الحكم كما قال تعالى: # وأنت حل بهذا البلد # [البلد: 2] والسورة مكية، وظهر أثر الحل يوم الفتح - انتهى، وأخذه من ~~البغوي، وزاد البغوي أن ابن عمر رضي الله عنهما كان يأمر نافعا رضي الله ~~عنه بنحو ما قال ابن مسعود رضي الله عنه، ويقول: إنما نزلت هذه الآية في ~~هذا. وروى البزار: " عن عوف بن مالك الأشجعي رضي الله تعالى عنه عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه كان يأمر بزكاة الفطر قبل أن يصلي صلاة العيد ~~ويتلو هذه الآية " وفي السند كثير بن عبد الله - حسن له الترمذي وضعفه ~~غيره - والله أعلم. # ولما كان التقدير: وأنتم لا تفعلون ذلك، أو وهم لا يفعلونه - على ~~القراءتين، عطف عليه قوله بالخطاب في قراءة الجماعة على الالتفات الدال ~~على تناهي الغضب، منبها على المعاملات بسبب التداوي الرابع وهو ~~الاستفراغ بنفي الرذائل والخبائث بالذم ms5561 على ما ينبغي البراءة منه والحث ~~على ما يتعين تحصيله تحصيلا لحسن الرعاية: { بل تؤثرون } أي تختارون ~~وتخصون بذلك على وجه الاستبداد، أيها الأشقياء، وبالغيب على الأصل عند ~~أبي عمرو { الحياة الدنيا * } أي الدنية بالفناء الحاضرة، مع أنها شر ~~وفانية، اشتغالا بها لأجل حضورها كالحيوانات التي هي مقيدة بالمحسوسات، ~~فاستغرق اشتغالكم بها أوقاتكم ومنعكم عن ذكر اسم الله المنهي إلى ذكر ~~الله والمهيىء له، وعن تزكية نفوسكم، فأوقعكم ذلك في داء القبقب وهو ~~البطن، والدبدب وهو الفرج، وحب المال المؤدي إلى شر الأعمال، وتتركون ~~الآخرة { والآخرة } أي والحال أن الدار التي هي غاية الخلق ومقصود الأمر، ~~العالية المبرئة عن العبث، المنزهة عن الخروج عن الحكمة { خير } أي من ~~الدنيا على تقدير التسليم لأن فيها خيرا لأن نعيمها خالص لا كدر فيه ~~بوجه { وأبقى * } أي منها على تقدير المحال في الدنيا من أن تماديها إلى ~~وقت زوالها تسمى بقاء، لأن نعيم الآخرة دائم لا انقطاع له أصلا، وما كان ~~باقيا لا يعادل بما يغني بوجه من الوجوه، فمن علم ذلك - وهو أمر لا يجهل ~~- اشتغل بما يحصل الآخرة وينفي الدنيا بقسميها من الأعيان الحسية ~~والشهوات المعنوية من الرعونات النفسانية والمستلذات الوهمية، والآية من ~~الاحتباك: ذكر الإيثار والدنو أولا يدل على الترك والعلو ثانيا، وذكر ~~الخير والبقاء ثانيا يدل على ضدهما أولا، وسر ذلك أنه لا يؤثر الدنيء ~~إلا دنيء فذكره أولا لأنه أشد في التنفير، وذكر الخير والبقاء ثانيا ~~لأنه أشد في الترغيب. # ولما كانت هذه النتيجة - التي هي الفلاح بالتزكية وما تبعها - خالصة ~~الكتب المنزلة التي بها تدبير البقاء الأول، وصفها ترغيبا فيها بوصف جمع ~~القدم المستلزم للصحة بتوارد الأفكار على تعاقب الأعصار، لأن ما مضت عليه ~~السنون ومرت على قبوله الدهور تكون النفس أقبل للإذعان له وأدعى إلى ~~إلزامه، وأفاد مع القدم أن المنزل عليه صلى الله عليه وسلم ليس بدعا من ~~الرسل عليهم الصلاة والسلام بل هو على منهاجهم، فرد رسالته من بينهم لا ~~يقول به منصف لا ms5562 سيما وقد زاد عليهم في المعجزات وسائر الكرامات بقوله ~~مؤكدا لأجل من يكذب: { إن هذا } أي الوعظ العظيم بالتسبيح الذي ذكر في ~~هذه السور وما تأثر عنه من التزكية بالذكر الموجب للصلاة والإعراض عن ~~الدنيا والإقبال على الآخرة، لأنه جامع لكل خير، وهو ثابت في كل شريعة ~~لأنه المقصود بالحكم فهو لا يقبل النسخ { لفي الصحف الأولى * } فمن تبع ~~هذا القرآن الذي هو في هذه الصحف الربانية فقد تحلى من زينة اللسان بما ~~ينقله من البيان الذي هو في غاية التحرير وعظم الشأن وما يعلمه من ~~المغيبات مما يكون أو كان، ونسيه أهل هذه الأزمان، فاستراح من ضلال ~~الشعراء والكهان، الموقعين في الإثم والعدوان، فإن القرآن جمع المديح ~~الفائق والنسيب الرقيق في وصف الحور والرحيق والفخر الحماسي والهجاء ~~البليغ لأعداء الله، والترغيب الجاذب للقلوب والترهيب والملح الخبرية ~~والحدود الشرعية - إلى غير ذلك من أمور لا تصل إليها الشعراء، ولا ينتهي ~~إلى أدنى جنابها بلاغات البلغاء. # ولما كان ذلك عاما خص من بينه تعظيما لقدر هذه الموعظة أعظم الأنبياء ~~الأقدمين، فقال مبدلا مشيرا إلى الاستدلال بالتجربة: { صحف إبراهيم } ~~قدمه لأن صحفه أقرب إلى الوعظ كما نطق به حديث أبي ذر رضي الله تعالى عنه ~~{ وموسى * } ختم به لأن الغالب على كتابه الأحكام، والمواعظ فيه قليلة، ~~ومنها الزواجر البليغة كاللعن لمن خالف أوامر التوراة التي أعظمها ~~البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم، والإخبار بأنهم يخالفونها كما هو ~~مذكور في أواخرها مع أن ذكر النبيين عليهما الصلاة والسلام على الأصل في ~~ترتيب الوجود والأفضلية، وقد حث آخرها على التزكي وهو التطهر من الأدناس ~~الذي هو معنى التنزه والتخلق بأخلاق الله بحسب الطاقة، وكان في إتيانه ~~والتذكير به إعلام بأن الله تعالى لم يهمل الخلق من البيان بعد أن خلقهم ~~لأنه لم يخلقهم سدى، لأن ذلك من العبث الذي هو من أكبر النقائص وهو ~~سبحانه منزه عن جميع شوائب النقص - فقد رجع آخرها على أولها، وكان تنزيه ~~الرب سبحانه وتعالى وتنزيه النفس أيضا غاية ms5563 معولها - والله الموفق ~~للصواب، وإليه المرجع والمآب. ### | [88 - سورة الغاشية] ### || [88.1-6] # لما ختمت " سبح " بالحث على تطهير النفوس عن وضر الدنيا، ورغب في ذلك ~~بخيرية الآخرة تارة والاقتداء بأولي العزم من الأنبياء أخرى، رهب أول هذه ~~من الإعراض عن ذلك مرة، ومن التزكي بغير منهاج الرسل أخرى، فقال تعالى ~~مذكرا بالآخرة التي حث عليها آخر تلك مقررا لأشرف خلقه صلى الله عليه ~~وسلم لأن ذلك أعظم في تقدير اتباعه وأقعد في تحريك النفوس إلى تلقي الخبر ~~بالقبول: { هل أتاك } أي جاءك وكان لك وواجهك على وجه الوضوح يا أعظم ~~خلقنا { حديث الغاشية * } أي القيامة التي تغشي الناس بدواهيها وشدائدها ~~العظمى وزواجرها ونواهيها، فإن الغشي لا يكون إلا فيما يكره. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما تقدم تنزيهه سبحانه عما توهم ~~الظالمون، واستمرت آي السورة على ما يوضح تقدس الخالق جل جلاله عن عظيم ~~مقالهم، أتبع ذلك بذكر الغاشية بعد افتتاح السورة بصورة الاستفهام ~~تعظيما لأمرها، فقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: " هل أتاك " يا محمد " ~~حديث الغاشية " وهي القيامة، فكأنه سبحانه وتعالى يقول: في ذلك اليوم ~~يشاهدون جزاءهم ويشتد تحسرهم حين لا يغني عنهم، ثم عرف بعظيم امتحانهم في ~~قوله: { ليس لهم طعام إلا من ضريع } مع ما بعد ذلك وما قبله، ثم عرف بذكر ~~حال من كان في نقيض حالهم إذ ذلك أزيد في الفرح وأدهى، ثم أردف بذكر ما ~~نصب من الدلائل وكيف لم يغن فقال: { أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت } - ~~الآيات، أي أفلا يعتبرون بكل ذلك ويستدلون بالصنعة على الصانع ثم أمره ~~بالتذكار - انتهى. # ولما هول أمرها بانبهامها وعمومها، زاد في التهويل بما ذكر من أحوالها ~~في تفصيل الناس إلى شقي وسعيد، وبدأ بالشقي لأن المقام لإنذار المؤثرين ~~للحياة الدنيا، وسوغ الابتداء بالنكرة التفصيل فقال: { وجوه } أي كثيرة ~~جدا كائنة { يومئذ } أي إذ تغشى الناس { خاشعة * } أي ذليلة مخبتة من ~~الخجل والفضيحة والخوف والحسرة التي لا تنفع في مثل هذا الوقت { عاملة } ~~أي مجتهدة في ms5564 الأعمال التي تبتغي بها النجاة حيث لا نجاة بفوات دار العمل ~~فتراها جاهدة فيما كلفتها به الزبانية من جر السلاسل والأغلال وخوض ~~الغمرات من النيران ونحو ذلك كأن يقال له: أد الأمانة ثم تمثل له أمانته ~~في قعر جهنم، فتكلف النزول إليها ثم يحملها على عنقه ويصعد في جبال ~~النيران حنى إذا كاد أن يصل إلى أعلاها سقطت منه فيتكلف النزول إليها ~~وهكذا، وهذا بما كان يهمل العمل في الدنيا { ناصبة * } أي هي في ذلك في ~~غاية التعب والدؤوب في العمل والاجتهاد - هذه رواية العوفي عن ابن عباس ~~رضي الله عنهما، وذلك لأنهم لم يخشوا الله في الدنيا فلم يعملوا له فلم ~~ينصبوا في طاعته أجسادهم فاضطرهم في ذلك اليوم إلى أعظم مما أبوه في ~~الدنيا مع المضرة دون المنفعة، ويجوز أن يراد بها الذين تعبوا ونصبوا في ~~الدنيا أجسامهم وهم على غير دين الإسلام كالرهبان من النصارى بعد النسخ ~~وزنادقة المتصوفة من الفلاسفة وأتباعهم، بأن يكون (وجوه) مبتدأ و (يومئذ) ~~خبره أي كائنة يومئذ، ثم يقدر ما بعده في جواب سؤال سائل يقول: ما شأنها؟ ~~فأجيب بقوله خاشعة، أي في الدنيا - إلى آخره، وهذا قول ابن عباس رضي الله ~~عنهما في رواية عطاء عنه. # ولما كان العذاب لا يكون إلا على ما يكرهه المعذب، دل على ذلك وعلى أنه ~~على أنهى ما يكون ببناء الفعل للمفعول في قراءة أبي عمرو ويعقوب وأبي بكر ~~عن عاصم فقال: { تصلى } أي يصليها مصل على أيسر وجه وأسهله بأمر من له ~~الأمر بأن يغمسها قهرا على وجه الإحاطة بها، والمعنى على قراءة الجماعة ~~بالبناء للفاعل: تدخل وتباشر بأن يدسها فيها أصحابها فيحيط بها من كل ~~جانب وهو يدل على غاية الذل لأن من فعل بنفسه هذا لا يكون إلا كذلك { ~~نارا حامية * } متناهية في الحر لأنها عملت بالجهل على خلاف ما حده لها ~~نبيها فأخلت بركن للعمل أو شرط لما استولى عليها من الغفلة التي أحاطت ~~بها، فلم تدع لها موضعا يصلح لدخول ms5565 الرحمة منه. # ولما كان من في الحر أحوج شيء إلى ما يبرد باطنه، قال بانيا عند الكل ~~للمفعول جريا على قراءة أبي عمرو في الذي قبله: { تسقى } أي يسقى كل من ~~أذن له الملك في ذلك على أهون وجه وأيسره { من عين آنية * } أي بلغت ~~غايتها في الحر فنضجت غاية النضج فصارت إذا قربوها منهم سقط لحم وجوههم، ~~وإذا شربوا قطعت أمعاءهم مما شربوا في الدنيا من كاسات الهوى التي قطعوا ~~باستلذاذهم لها قلوب الأولياء. # ولما ذكر ما يسقونه على وجه علم منه أنه لا يلذذ ولا يروي من عطش، أتبعه ~~ما يطعمونه فقال حاصرا له: { ليس لهم } أي هؤلاء الذين أذابوا أنفسهم في ~~عبادة لم يأذن الله فيها { طعام } أصلا { إلا من ضريع * } أي يبيس ~~الشبرق، وهو شوك ترعاه الإبل ما دام رطبا، فإذا يبس تحامته، وهو سم، ~~وقال في القاموس: والضريع كأمير: الشبرق أو يبيسه أو نبات رطبه يسمى ~~شبرقا، ويابسه يسمى ضريعا، لا تقربه دابة لخبثه، أو شيء في جهنم أمر ~~من الصبر وأنتن من الجيفة وأحر من النار، ونبات منتن يرمى به البحر، ~~وقال الهروي في الغريبين وعبد الحق في الواعي: الضريع: الشبرق، وهو نبات ~~معروف بالحجاز ذو شوك، ويقال شبرق ما دام رطبا، فإذا جف فهو ضريع، وقال ~~القزاز في ديوانه: الضريع: يبيس من يبيس الشجر، وقيل: هو يبيس الشبرق ~~خاصة، وقيل: هو نبات أخضر يرمى به البحر وهو منتن. # أبو حنيفة رحمه الله تعالى: وهو مرعى لا تعقد عليه السائمة شحما ولا ~~لحما وإن لم تفارقه إلى غيره ساءت حالها. وقال ابن الأثير في النهاية: ~~الضريع هو نبت بالحجاز له شوك كبار، وقال: الشبرق نبات حجازي يؤكل وله ~~شوك، وإذا يبس سمي الضريع. وهذا ثوب مشبرق وهو الذي أفسد، وفي نسجه ~~سخافة، وشبرقت الثوب أيضا: حرقته، وقال في القاموس: الشبرق كزبرج: رطب ~~الضريع واحده بهاء، قال البغوي رحمه الله تعالى: قال مجاهد وقتادة ~~وعكرمة: هو نبت ذو شوك لاطىء بالأرض، تسميه قريش الشبرق، فإذا ms5566 هاج سموه ~~الضريع، وهو أخبث طعام وأبشعه، وهو رواية العوفي عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما. ولا يمتنع في قدرة الله سبحانه وتعالى أن يكون الغسلين إذا انفصل ~~عن أبدان أهل النار صار على هيئة الشبرق المسمى ضريعا، فيكون طعامهم ~~الغسلين الذي هو الضريع، ويمكن أن يكون ذلك كناية عن أقبح العيش ولا يراد ~~به شيء بعينه - والله تعالى أعلم، قال الملوي: وسمي ضريعا لأن الإنسان ~~يتضرع عند أكله من خشونته ومرارته ونتنه. ### || [88.7-13] # ولما حصر أكلهم في هذا، وكان الضريع المعروف عند العرب قد يتصور متصور ~~أنه لو أكره شيء على أكله أسمنه أو سد جوعته، وكان الضريع المأكول لهم في ~~القيامة شوكا من نار كما ورد تفسيره عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعا ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم نفى عند فائدة الطعام، فقال واصفا الضريع ~~أو الطعام المقدر بعد " إلا " بما يفهمه تحامي الإبل التي ترعى كل نابت ~~وهي أعظم الحيوانات إقبالا على أنواع الشوك له من أنه ضر بلا نفع { لا ~~يسمن } أي فلا يشبع ولا يقوي لأنه يلزم ما يسمن، فعدمه يلازم عدمه. # ولما نفى عنه ما هو مقصود أهل الرفاهية وبدأ به لأن المقام له نفي ما ~~يقصد للكفاف فقال تعالى: { ولا يغني } أي يكفي كفاية مبتدئة { من جوع * } ~~فلا يحفظ الصحة ولا يمنع الهزال، والمقصود من الطعام أحد الأمرين، وذلك ~~لأنهم كانوا يأكلون الحرام الذي تنبت عليه لحومهم فيفسدها بفساده وتنمو ~~به نفوسهم فيخبثها بخبثه ويتغذون بالشبه أيضا ويباشرونها في جميع ~~أوقاتهم ويباشرون العلوم التي تظلم القلوب كالفلسفة والشعر والسحر ونحو ~~ذلك مما يجر إلى البدع. والآية من الاحتباك: نفي السمن أولا يدل على ~~إثبات الهزال ثانيا، ونفي الإغناء من الجزع ثانيا يدل على نفي الشبع ~~أولا، ومن جعل ذلك صفة الطعام أفسد المعنى لأنه يؤول إلى: ليس لهم طعام ~~منفي عنه الإسمان والإغناء، بل لهم طعام لا ينفي عنه ذلك. # ولما ذكر الأعداء وقدمهم لما تقدم، أتبعه الأولياء فقال مستأنفا ذكر ms5567 ما ~~لهم من ضد ما ذكر للأعداء: { وجوه يومئذ } أي إذ كان ما ذكر { ناعمة * } ~~أي ذات بهجة وسرور تظهر عليها النعمة والنضرة والراحة والرفاهية بضد تلك ~~الناصبة، لأن هؤلاء أتبعوا أنفسهم في دار العمل الدنيا وصبروا على التقشف ~~وشظف العيش { لسعيها } أي عملها للآخرة الذي كأنه لا سعي غيره خاصة ~~لعلمها أنه منج { راضية * } لما رأت من ثوابه تود أن جميع سعيها في ~~الدنيا كان لذلك بعد أن كان ذلك السعي الذي هو للآخرة كريها إليها في ~~الدنيا لا تباشره إلا بشق الأنفس. ولما ذكر السعي أتبعه ثوابه فقال: { في ~~جنة عالية * } أي في المكان العالي والمكانة العالية والأشجار والغرف ~~وغير ذلك بما صرفوا أنفسهم عن الدنايا ورفعوا هممهم إلى النفائس. # ولما كان ما كان من هذا لا يصفو، وفيه ما يكره من الكلام قال منزها لها ~~عن كل سوء: { لا تسمع } أي أيها الداخل إليها - على قراءة الجماعة، وقرأ ~~ابن كثير وأبو عمرو ورويس عن يعقوب بالبناء للمفعول وهو أبلغ في النفي { ~~فيها لاغية * } أي لغو ما أو نفس تلغو أو كلمة ذات لغو على الإسناد ~~المجازي، بل المسموع فيها الذكر من التحميد والتمجيد والتنزيه لحمل ما ~~يرى فيها من البدائع على ذلك مع نزع الحظوظ الحاملة على غيره من القلوب ~~بما كانوا يكرهون من لغو أهل الدنيا المنافي للحكمة. # ولما وصف الجنة بأول ما يعتبر فيها وهو عدم المنغص، أتبعه ما يطلب بعده ~~وهو تناول الملتذات، وكان الأكل قد فهم من ذكر لفظ الجنة، ذكر المشروب ~~لذلك ولدلالته إذا كان جاريا على زيادة حسن الجنة وكثرة ما فيها من ~~النباتات المقيتة والمفكهة من النجم والأشجار والري والأطيار، فقال لأنه ~~ليس كل جنة مما نعرفه فيه ماء جار بنفسه: { فيها } أي الجنة. ولما كان ~~الماء الجاري صالحا لأن يقسم إلى أماكن كثيرة، وحد قوله المراد به الجنس ~~الشامل للكثير مقابلة لعين أهل النار في دار البوار: { عين جارية * } أي ~~عظيمة الجري جدا، فهي بحيث لا تنقطع أصلا لما ms5568 لأرضها من الزكاء والكرم ~~وما لمائها من الغزارة وطيب العنصر، فهو صالح لأن يعم جميع نواحيها ~~أقاصيها وأدانيها وإن عظم اتساعها وتناءت أقطارها وبقاعها، كما نراه يجري ~~من ساق الشجرة الكبيرة جدا فيسقي جميع أغصانها وأوراقها وثمارها، ويزيد ~~على ذلك بأن جريه من أسفل إلى فوق، يجدبه جادب الشوق ويسوقه أي سوق يقدره ~~الخلاق العليم، والذي قدر على هذا كما هو مشاهد لنا لا نشك فيه قادر على ~~أن يجعل هذه العين - الصالحة للجنس ولو كانت واحدة بالشخص - عامة لجميع ~~مرافق الجنة تجري إلى خيامها ورياضها وبساتينها ومصانعها ومجالسها ~~ويصعدها إلى أعالي غرفها وإن علت، مقسمة بحسب المصالح، موزعة على قدر ~~المنافع، بغاية الإحكام بما كان لداخلها من الخضوع الذي يجري منهم الدموع ~~ويقل الهجوع ويكثر الظمأ والجوع. # ولما لم يبق بعد الأكل والشرب إلا الاتكاء، قال مفهما أنهم ملوك: { ~~فيها } معيدا الخبر قطعا للكلام عن الأول تنبيها على شرف العين لأن ~~الماء مما لا حياة بدونه { سرر } أي زائدة الحد في العكثرة، جمع سرير وهو ~~مقعد عال يجلس عليه الملك ينقل إلى الموضع الذي يشتهيه، سمي بذلك لأنه ~~يسر النفس، والمادة كلها للسرور والطيب والكرم، ولذلك يطلق على الملك ~~والنعمة وخفض العيش { مرفوعة * } أي رفعها رافع عظيم في السمك وهو جهة ~~العلو ليرى الجالس عليها جميع ملكه وما نعم به وما شاء الله من غيره وفي ~~القدر، لا كما تعهدونه في الدنيا، بل ارتفاعها نمط جليل من مقدار عظمة ~~رافعها الذي رفع السماء، فالتنكير للتعظيم، وبنى الاسم للمفعول للدلالة ~~على أنه ليس له من ذاتها إلا الانخفاض، وأما ارتفاعها فبقسر القادر على ~~كل شيء، وهذا يدل على أنها كسماء لا عمد لها، قال البغوي: قال ابن عباس ~~رضي الله عنهما: ألواحها من ذهب مكللة بالزبرجد والدر والياقوت مرتفعة ما ~~لم يجىء أهلها، فإذا أراد أن يجلس عليها تواضعت له حتى يجلس عليها - ثم ~~ترتفع إلى مواضعها - انتهى. وذلك بما كانوا يتواضعون ويباشرون من مشاق ~~العبادات على التراب ورث الأثواب. ms5569 ### || [88.14-22] # ولما كان المستريح يحتاج إلى تكرار الشرب وما يشرب فيه قال: { وأكواب } ~~جمع كوب وهو إناء لا عروة له، فهو صالح للمناولة والشرب من كل جهة { ~~موضوعة * } أي ملآى وهي بحيث يسهل عليهم تناولها. # ولما كان من هو بهذه المثابة يحتاج إلى المساند والفرش الزائدة قال ~~تعالى: { ونمارق } أي مساند يستندون إليها، جمع نمرقة بالفتح والضم وهي ~~الوسادة { مصفوفة * } أي بعضها إلى بعض فهي في غاية الكثرة كأنها الروابي ~~المنضدة على بساط الأرض { وزرابي } أي بسط عريضة كثيرة الوبر كأنها ~~الرياض فاخرة ناضرة زائدة عن مواضع استراحاتهم، وهي جمع زربية { مبثوية * ~~} أي مبسوطة على وجه التفرق في المواضع التي لا يراد التنزه بها من مواضع ~~الرياحين النابتة والأشجار المتشابكة كما بسط سبحانه وتعالى أديم الأرض ~~ورصعه بأنواع النبات الفاخرة بما بسطوا أنفسهم في الدنيا للحق وألانوها ~~له. # ولما أنهى سبحانه ما أراد من تصوير تلك الدار على ما يليق بهذه السور ~~القصار، وكانوا ينكرون غاية الإنكار فوبخهم بما يعصمهم من الزيغ عن ~~العقائد الحقة في استفهام إنكاري مذكرا لهم بأمورهم في غاية الوضوح في ~~نفسها، لأن نزول هذه السور كان في أول الأمر قبل أن يتمرنوا على المعارف ~~تدل على قدرته على البعث وعلى قدرته على ما ذكر ما هذه الأمور التي ~~أودعها الجنان للذة الإنسان، وذلك لما في هذه الأمور التي ذكر بها سبحانه ~~من عجائب الصنع مع تفاوته في جعل بعضها ذا اختيار في الخفض والرفع، ~~وبعضها على كيفية واحدة لا قدرة له على الانفكاك عنها من علو أو سفول مع ~~التمهد أو التوعر، فقال مسببا عما مضى من الإخبار عن أحوال الفريقين في ~~الآخرة وعن قدرته على ما ذكر: { أفلا ينظرون } أي المنكرون من هذه الأمة ~~لقدرته سبحانه وتعالى على الجنة وما ذكر فيها والنار وما ذكر فيها - نظر ~~اعتبار. # ولما كان لهم من ملابسة الإبل ما ليس لهم من ملابسة غيرها، وكانت فردة ~~في المخلوقات لا شبيه لها مع ما لها من كثرة المنافع كما ms5570 قال الحسن رحمه ~~الله تعالى - مع أكلها لكل مرعى واجتزائها بأيسر شيء لا سيما في الماء ~~وطول صبرها عنه مع عظم خلقها وكبر جرمها وشدة قوتها، فكانت أدل على تمام ~~القدرة والفعل بالاختيار، قال منبها بذكرها على التدبر في الآيات ~~المنبثة في الحيوانات التي هي أشرف المركبات وأكثرها صنعا بعد ما أشار ~~إلى دلالتها على البعث في البروج بذكر ثمود بعد أن صرح به في سورة سبحانه ~~كما مضى بيانه في الموضعين ويأتي إن شاء الله تعالى في الفجر والشمس، ~~وأوضح التعبير عنها هنا بما يدل على الخلطة المميلة المحيلة المناسبة ~~لمعنى الغاشية بخلاف التعبير في سورة النحل بالأنعام لأنها سورة النعم { ~~إلى الإبل } ونبه على أن عجيب خلقها مما ينبغي أن تتوفر الدواعي على ~~الاستفهام والسؤال عنه بأداة الاستفهام، فقال بانيا للمفعول إشارة إلى ~~أن الدال هو التأمل في مجرد خلقها الدال على إحاطة علم الله وعظيم إحسانه ~~وقدرته تعالى وفعله بالاختيار وحسن تدبيره حيث خلقها لجر الأثقال إلى ~~البلاد النائية فجعلها عظيمة باركة للحمل ناهضة به من غير معين، منقادة ~~لمن اقتادها طوال الأعناق لتنوء بالأوقار الثقال ترعى كل نبات وتحتمل ~~العطش إلى عشر فصاعدا ليتأتى بها قطع المفاوز، فهي سفن البر مع ما لها ~~من منافع أخر، قال البيضاوي: ولذلك خصت بالذكر لبيان الآيات المنبثة في ~~الحيوانات التي هي أشرف المركبات وأكثرها صنعا ولأنها أعجب ما عند العرب ~~- انتهى، وتنفعل للبسط وتجد في سيرها فتتأثر بالصوت الحسن جدا، ومن ~~عجائبها أنها لا تكذب أصلا فإنها لا تبرك عجزا عن الحمل - إلا وليس ~~فيها من القوى شيء، وليس فيها ما تعم كراهته إلا كثرة رغائها فلعله ~~سبحانه نفى عن الجنة اللغو لذلك، ولعله مثل العين الجارية وقربها بدرها، ~~والسرر المرفوعة التي حكى أنها تنخفض حتى يتمكن المنتفع بها من ظهورها ثم ~~ترتفع به بالسماء في علوها مع ما يعهدون من بروك الإبل للحمل والركوب ثم ~~ارتفاعها لتمام الانتفاع، وقرب نصب الأكواب بسنامها والنمارق ببقيتها حال ~~بروكها، ثم فصل ms5571 ما دلت عليه الإبل من الأكواب بالجبال التي لا ترتقى مثل ~~جبل السد، والنمارق بالتي ترتقى، وبسط الزرابي بمهد الأرض، قال أبو حيان ~~رحمه الله تعالى: و { كيف } سؤال عن حال والعامل فيه { خلقت * } وإذا علق ~~الفعل عما فيه الاستفهام لم يبق الاستفهام على حقيقته. # ولما ذكر سبحانه وتعالى هذا المخلوق المفرد الذي هو أدل ما يكون على هذا ~~القول بالطبيعة، أتبعه ذكر السماء ليتذكر السامع ذلك فيباعد من يقول به ~~فقال: { وإلى السماء } أي التي هي من جملة مخلوقاتنا { كيف رفعت * } أي ~~حصل بأيسر أمر رفعها من الذي خلقها بلا عمد على ما لها من السعة والكبر ~~والثقل والإحكام وما فيها من جبال الكواكب والغرائب والعجائب، فذلك دال ~~على القدرة التامة التي لا يشارك تعالى فيها أحد قل ولا جل على إيجاد ~~الجنة العالية وعلى رفع السرر فيها لأنه دل على الفعل بالاختيار ونفي حكم ~~الطبيعة حكما وحتما، وذلك دال على كمال قدرته تعالى على كل شيء. # ولما ذكر العالي من الحيوان الملابس للانسان والعالي من الأكوان، أتبعه ~~أعلى الأرض فقال تعالى: { وإلى الجبال } أي الشامخة وهي أشد الأرض { كيف ~~نصبت * } أي كان نصبها من ناصبها عالية جدا على بقية الأرض بلا موجب ~~فيها لذلك من طبيعة ولا غيرها بل بفعل الفاعل المختار فهي راسخة لا تميل، ~~فوضعها كذلك على ما فيها من المنافع من المياه الجارية والأشجار المختلفة ~~أعجب من وضع الأكواب والنمارق المزينة، وبها مع ذلك ثبتت الأرض وحفظت من ~~الميد، واعتدل أمر الكواكب في تقدير الليل والنهار باعتدال البلاد بالطلق ~~بإعلاء بعضها قبل بعض حتى كانت المطالع والمغارب على ترتيب مطرد ونظام ~~محكم غير منخرم تقدر به الأزمان والفصول والسنون والأيام والشهور - إلى ~~غير ذلك من الأمور، ولا يكون ذلك لها إلا بقاهر قادر مختار لا شريك له. # ولما كان الخفض لا يكون إلا بخافض قاهر كما أن الرفع كذلك قال تعالى: { ~~وإلى الأرض } أي مع سعتها { كيف سطحت * } أي اتفق بسطها من باسطها حتى ~~صارت ms5572 مهادا موضوعا يمشي عليه بغاية السهولة، والقدرة على جعلها كذلك ~~على ما هي فيه من الزينة بناضر النبات وغير ذلك من الاختلافات دالة على ~~الفعل بالاختيار، وليست بدون القدرة على بث الزرابي في الجنة على اختلاف ~~أشكالها وصورها وألوانها. # ولما دل ما ذكر من عجائب صنعه في أنواع المخلوقات من البسائط والمركبات ~~العلويات والسفليات على كمال قدرته على كل شيء، فدل على كمال قدرته - على ~~البعث وعلى كل ما ذكر أنه يفعله في الجنة والنار، وكان الحث على النظر في ~~هذه الأشياء باستفهام إنكاري، وكان ذلك مفيدا لانتفاء النظر، قال سبحانه ~~مسببا عنه: { فذكر } كل من يرجى تذكره وانتفاعه بالتذكير يا أشرف خلقنا ~~بما في غرائزهم وفطرهم من العلم الأولى بما في هذه الأشياء وأمثالها مما ~~يدل على صحة ما نزلنا عليك ليدلهم على كمال قدرة الذي بعثك فينقادوا لك ~~أتم انقياد لا سيما في اعتقاد حقية البعث، ولا يهمنك كونهم لا ينظرون ولا ~~يتطرفون، ولعل التذكير يوصل المتذكر إذا أقبل عليه بحسن رغبة إلى أن يعرف ~~أن الإبل تشبه الأنفس المطمئنة الذلولة المطيعة المناقدة، والسماء تشبه ~~الأرواح القدسية النورانية، والجبال تشبه العقول والمعارف الثابتة ~~الراسخة، والأرض تشبه البدن المشتمل على الأعضاء والأركان. # ولما كانت هذه السورة مكية من أوائل ما أنزل، وكان مأمورا إذ ذاك ~~بالصفح قال: { إنما أنت مذكر * } أي لا مقاتل قاهر قاسر لهم على التذكر ~~والرجوع، فلا عليك إن لم ينظروا ولم يتذكروا لأنه ما عليك إلا البلاغ، ~~ولذلك قال { لست } وأشار إلى القهر بأداة الاستعلاء فقال: { عليهم } أي ~~خاصة { بمصيطر * } أي بمتسلط، وأما غيرهم فسنسلطك عليهم عن قريب، وقرأها ~~الكسائي بالسين على الأصل. ### || [88.23-26] # ولما نفى عنهم تسلط الدنيا، وكان التقدير: فمن أقبل وآمن فإن الله ينعمه ~~النعيم الأكبر، قال مستدركا قسيمهم في صورة الاستثناء: { إلا } أي لكن { ~~من تولى } أي كلف نفسه المطمئنة وفطرته الأولى المستقيمة للإعراض { وكفر ~~* } أي وأصر على كفره، وأجاب الشرط بقوله مسببا عنه: { فيعذبه } أشد ~~العذاب الذي لا يطيقه أصلب ms5573 الحديد ولا أشد الجبال { الله } أي الملك ~~الأعظم بسبب تكبره على الحق ومخالفته لأمرك المطاع ومرادك الذي كله الحسن ~~الجميل، ولعله صوره وهو منقطع بصورة المتصل بالتعبير بأداته إشارة إلى أن ~~العذاب من الله عذاب منه صلى الله عليه وسلم، لأن سببه تكذيبهم له، وقرأ ~~ابن عباس رضي الله عنهما " ألا " بالفتح والتخفيف على أنها استفتاحية { ~~العذاب الأكبر * } يعني عذاب الآخرة، ويجوز أن يكون الاستثناء متصلا ~~فيكون المعنى: أن من أصر على الكفر يسلطه الله عليه فيقتله فيعذبه الله ~~في الدار الآخرة، ثم علل إخباره عنه عذابه في الآخرة بقوله مؤكدا لما ~~لهم من التكذيب: { إن إلينا } أي خاصة بما لنا من العظمة والكبرياء { ~~إيابهم * } أي رجوعهم وإن أبوا بالموت ثم بالبعث ثم بالحشر. # ولما كان الحساب متأخرا عن ذلك كله، وعظيما كما وكيفا، عظمه بأداة ~~التراخي فقال: { ثم إن } أكده لإنكارهم، وأتى بأداة دالة على أنه كالواجب ~~في أنه لا بد منه فقال: { علينا } أي خاصة بما لنا من القدرة والتنزه عن ~~نقص العبث والجور وكل نقص، لا على غيرنا، لأن غيرنا لا قدرة له فقد ~~تقدمنا فيه بالوعود الصادقة، وأكدناها غاية التأكيد { حسابهم * } أي يوم ~~القيامة على النقير والقطمير، وغير ذلك من كل صغير وكبير، وذلك يكون في ~~الغاشية يوم ينقسم الناس قسمين: في دار هوان، ودار أمان، فقد التف آخرها ~~بأولها، وتعانق مفصلها بموصلها - والله الهادي للصواب وإليه المآب. ### | [89 - سورة الفجر] ### || [89.1-8] # لما ختمت تلك بأنه لا بد من الإياب والحساب، وكان تغيير الليل والنهار ~~وتجديد كل منهما بعد إعدامه دالا على القدرة على البعث، وكان الحج قد ~~جعله الله في شرعه له على وجه التجرد عن المخيط ولزوم التلبية والسير إلى ~~الأماكن المخصوصة آية مذكرة بذلك قال: { والفجر * } أي الكامل في هذا ~~الوصف لما له من العظمة حتى كأنه لا فجر غيره، وهو فجر يوم النحر الذي هو ~~أول الأيام الآخذة في الإياب إلى بيت الله الحرام بدخول حرمه والتحلل من ~~محارمه وأكل ضيافته. # ولما ms5574 ذكر هذا اليوم بما العبارة به عنه أدل على البعث لأنه ينفجر عن صبح ~~قد أضاء، ونهار قد انبرم، وانقضى، لا فرق بينه وبين ما مضى، عم فقال ~~معبرا بالمقابل: { وليال عشر * } هي أعظم ليالي العام. وهي آية الله على ~~البعث بالقيام إلى إجابة داعي الله تعالى على هيئة الأموات { والشفع } أي ~~لمن تعجل في يومين { والوتر * } أي لمن أتم - قاله ابن الزبير، وروى أحمد ~~والبزار برجال الصحيح عن عياش بن عقبة وهو ثقة عن جابر رضي الله عنه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " العشر الأضحى، والشفع يوم الأضحى، والوتر يوم عرفة ". # ولما كان تعاقب الليل والنهار أدل على القدرة وأظهر في النعمة، قال ~~رادا لآخر القسم على أوله، ومذكرا بالنعمة وكمال القدرة، لأن الليل ~~أخفاهما سرى وسرا، فهو أعظمهما في ذلك أمرا، لأن سير النهار ظاهر ~~لسرايته بخلاف الليل فإنه محوى صرفه فكان أدل على القدرة { واليل } أي ~~من ليلة النفر { إذا يسر * } أي ينقضي كما ينقضي ليل الدنيا وظلام ظلمها ~~فيخلفه الفجر ويسرى فيه الذين آبوا إلى الله راجعين إلى ديارهم بعد حط ~~أوزارهم، وقد رجع آخر القسم على أوله - وأثبت الياء في يسري ابن كثير ~~ويعقوب وحذفها الباقون، وعلة حذفها قد سأل عنها المؤرج الأخفش فقال: ~~اخدمني سنة، فسأله بعد سنة فقال: الليل يسرى فيه ولا يسري، فعدل به عن ~~معناه فوجب أن يعدل عن لفظه كقوله تعالى: # وما كانت أمك بغيا # [مريم: 28] لما عدل عن " باغية " عدل لفظه فلم يقل: بغية - انتهى، وهو ~~يرجع إلى اللفظ مع أنه يلزم منه رد روايات الإثبات، والحكمة المعنوية فيه ~~- والله أعلم - من جهة الساري وما يقع السرى فيه، فأما من جهة الساري ~~فانقسامهم ليلة النفر إلى مجاور وراجع إلى بلاده، فأشير إلى المجاورين ~~بالحذف حثا على ذلك لما فيه من جلالة المسالك، فكان ليل وصالهم ما انقضى ~~كله، فهم يغتنمون حلوله ويلتذون طوله من تلك المشاهد والمشاعر والمعاهد، ~~وإلى الراجعين بالإثبات لما سرى الليل بحذافيره عنهم ms5575 آبوا راجعين إلى ~~ديارهم فيما انكشف من نهارهم، وأما من جهة ما وقع فيه السرى فللاشارة إلى ~~طوله تارة وقصره أخرى، فالحذف إشارة إلى القصير والإثبات إشارة إلى ~~الطويل بما وقع من تمام سراه وما وقع للسارين فيه من قيام وصف الأقدم بين ~~يدي الملك العلام كما قال الإمام تقي الدين بن دقيق العيد رحمه الله ~~تعالى حيث قال مشيرا لذلك: # كم ليلة فيك وصلنا السرى # لا نعرف الغمض ولا نستريح # الأبيات المذكورة عنه في المزمل، فقد انقسم الليل إلى ذي طول وقصر، ~~والساري فيه إلى ذي حضر وسفر، فدلت المفاوتة في ذلك وفي جميع أفراد القسم ~~على أن فاعلها قادر مختار واحد قهار، ولذلك أتبعه الدلالة بقهر القهارين ~~وإبارة الجبارين، وأما " بغي " فذكرت حكمته في مريم. # ولما كان هذا قسما عظيما في ذكر تلك الليالي المتضمن لذكر المشاعر وما ~~فيها من الجموع والبكاء كما قال أبو طالب في قصيدته اللامية المشهورة: # وليلة جمع والمنازل من منى # وهل فوقها من حرمة ومنازل # وفي تذكيره بالبعث ودلالته عليه دلالة عقلية واضحة بالإيجاد بعد الإعدام ~~مع ما لهذه الأشياء في أنفسها وفي نفوس المخاطبين بها من الجلالة، نبه ~~على ذلك سبحانه وتعالى بقوله: { هل في ذلك } أي المذكور مع ما له من علي ~~الأمر وواضح القدر { قسم } أي كاف مقنع { لذي } أي صاحب { حجر * } أي عقل ~~فيحجره ويمنعه عن الهوى في درك الهوى، فيعليه إلى أوج الهدى، في درج ~~العلا، حتى يعلم أن الذي فعل ما تضمنه هذا القسم لا يتركه سدى، وأنه قادر ~~على أن يحيى الموتى، قال ابن جرير: يقال للرجل إذا كان مالكا نفسه ~~قاهرا لها ضابطا: إنه لذو حجر - انتهى، فمن بلغ أن يحجره عقله عن ~~المآثم ويحمله على المكارم فهو ذو حجر. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: ابتدأ سبحانه لمن تقدم ذكره وجها آخر ~~من الاعتبار، وهو أن يتذكروا حال من تقدمهم من الأمم وما أعقبهم تكذيبهم ~~واجترامهم فقال: { ألم تر كيف فعل ربك بعاد } إلى ms5576 قوله: { إرم ذات العماد ~~} إلى قوله: { إن ربك لبالمرصاد } أي لا يخفى عليه شيء من مرتكبات ~~الخلائق ولا يغيب عنه ما أكنوه # سواء منكم من أسر القول ومن جهر به # [الرعد: 10] فهلا اعتبر هؤلاء بما يعاينونه ويشاهدونه من خلق الإبل ورفع ~~السماء ونصب الجبال وسطح الأرض، وكل ذلك لمصالحهم ومنافعهم، فالإبل ~~لأثقالهم وانتقالهم، والسماء لسقيهم وإظلالهم، والجبال لاختزان مياههم ~~وأقلالهم، والأرض لحلهم وترحالهم، فلا بهذه الأمور كلها استبصروا، ولا ~~بمن خلا من القرون اعتبروا، { ألم تر كيف فعل ربك بعاد } على عظيم ~~طغيانها وصميم بهتانها { إن ربك لبالمرصاد } فيتذكرون حين لا ينفع التذكر ~~{ إذا دكت الأرض دكا وجاء ربك والملك صفا صفا وجيء يومئذ بجهنم، يومئذ ~~يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى } - انتهى. # ولما كان التقدير كما هدى إليه السياق: ليبعثن كلهم صاغرين ثم ليحشرن ثم ~~ليحاسبن فيجازى كل أحد بما عمل، فإن آمنوا بذلك نجوا وإلا عذبهم الذي ~~ثبتت قدرته على العذاب الأكبر بعد العذاب الأدنى بسبب قدرته على البعث ~~بسبب قدرته على ما رأيتم من خلق الإبل والسماء والجبال والأرض على ما في ~~كل من العجائب بسبب قدرته على كل شيء، وهذا هو المقصود بالذات، حذف زيادة ~~في تعظيمه واعتمادا على معرفته بما هدى إليه من السياق في جميع السورة ~~وما قبلها. ولما طوى جواب القسم لإرشاد السياق إليه وتعويل المعنى عليه، ~~وتهويلا له مع العلم بأنه لا يكون قسم بغير مقسم عليه، وكان قد علمت ~~القدرة عليه مما أشير إليه بالمقسم به، أوضح تلك القدرة بأمر العذاب ~~الأدنى - للأمم الماضية، فقال مخاطبا لمن قال له في آخر تلك # فذكر إنما أنت مذكر # [الغاشية: 21] تسلية له صلى الله عليه وسلم وإشعارا بأنه لا يتدبره حق ~~تدبره غيره، وتهديدا لمن كذب من قومه: { ألم تر } أي تنظر بعين الفكر يا ~~أشرف رسلنا فتعلم علما هو في التيقن به كالمحسوس بالبصر، وعبر ~~بالاستفهام إشارة إلى أن ما ندبه إلى رؤيته مما يستحق أن يسأل عنه: { كيف ~~فعل ربك } أي المحسن إليك ms5577 بإرسالك ختاما لجميع الأنبياء بالأمم الماضية ~~بما شاركوا به هؤلاء من تكذيب الرسل وجعل محط نظرهم الدنيا، وعملوا أعمال ~~من يظن الخلود، وبدأ بأشدهم في ذلك وأعتاهم الذين قالوا: من أشد منا قوة؟ ~~فقال: { بعاد * } أي الذين بلغوا في الشدة أن قالوا: من أشد منا قوة؟ ~~وقال لهم نبيهم هود صلى الله عليه وسلم: # وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون # [الشعراء: 129] ودل على ذلك بناؤهم جنة في هذه الدنيا الفانية التي هي ~~دار الزوال، والقلعة والارتحال، والنكد والبلاء والكدر، والمرض والبؤس ~~والضرر، فقال مبينا لهم على حذف مضاف: { إرم } أي أهلها وعمدتها، ~~وأطلقها عليهم لشدة الملابسة لما لها من البناء العجيب والشأن الغريب، ثم ~~بينها بقوله: { ذات } أي صاحبة { العماد * } أي البناء العالي الثابت ~~بالأعمدة التي لم يكن في هذه الدار مثلها، ولذا قال: { التي لم يخلق } أي ~~يقدر ويصنع - بناه للمفعول إرادة للتعميم { مثلها } يصح أن يعود الضمير ~~على " عاد " باعتبار القبيلة، على " إرم " باعتبار البلدة، وأوضح هذا ~~بقوله معمما للأرض كلها: { في البلاد * } أي في بنائها ومرافقها ~~وثمارها، وتقسيم مياهها وأنهارها، وطيب أرضها وحسن أطيارها، وما اجتمع ~~بها مما يفوت الحصر ويعجز القوى، ولا مثل أهلها الذين بنوها في قوة ~~أبدانهم وعظيم شأنهم وغير ذلك من أمورهم، وكان صاحبها شداد قد ملك ~~المعمورة كلها فتحيزها فبناها في برية عدن في ثلاثمائة سنة يضاهي بها ~~الجنة على ما زعم - قلوب ضلت وأضلت وأضلها باريها - قال أبو حيان: على ~~أوصاف بعيد أو مستحيل عادة أن يكون في الأرض مثلها، فلما تمت على ما أراد ~~قصدها للسكن وعمره إذ ذاك تسعمائة سنة، فلما كان منها على مسيرة يوم ~~وليلة بعث الله عليهم صيحة من السماء فأهلكهم فكانوا كأمس الذاهب، وأخفى ~~مدينتهم فلم يرها أحد إلا عبد الله بن قلابة، خرج في طلب إبل ضلت له على ~~زمن معاوية رضي الله عنه فوقع عليها، ولما خرج منها وانفصل عنها خفيت ~~عنه، وكان قد حمل معه بعض ما رأى فيها من اللؤلؤ والمسك والزعفران فباعه، ms5578 ~~وسمع به معاوية رضي الله عنه فأرسل إليه فحدثه، فأرسل، معاوية رضي الله ~~عنه إلى كعب الأحبار فسأله عن ذلك فقال: هي إرم ذات العماد، وسيدخلها رجل ~~من المسلمين في زمانك أشقر أحمر قصير، على حاجبيه خال، وعلى عقبه خال، ~~يخرج في طلب إبل له، ثم التفت فأبصر ابن قلابة فقال: هذا والله ذاك الرجل ~~- ذكره شيخنا في تخريج أحاديث الكشاف وقال: وآثار الوضع عليه لائحة، وقال ~~جماعة منهم ابن عباس رضي الله عنهما: الأوصاف كلها للقبيلة وهم عاد ~~الأولى، واسمها إرم باسم جدهم، وكانوا عربا سيارة يبنون بيوتهم على ~~الأعمدة على عادة العرب، ولم يخلق مثلهم أمة من الأمم في جميع البلاد. ### || [89.9-16] # ولما بدأ بهؤلاء لأن أمرهم كان أعجب، وقصتهم أنزه وأغرب، ثنى بأقرب ~~الأمم إليهم زمانا وأشبههم بهم شأنا لأنهم أترفوا بما حبوا به من جنات ~~وعيون وزروع ونخل طلعها هضيم، فجعلوا موضع ما لزمهم من الشكر الكفر، ~~واستحبوا العمى على الهدى، مع ما في آيتهم، وهي الناقة، من عظيم الدلالة ~~على القدرة فقال: { وثمود الذين جابوا } أي نقبوا وقطعوا قطعا حقيقا ~~كأنه عندهم كالواجب { الصخر بالواد * } أي وادي الحجر أو وادي القرى، ~~فجعلوا بيوتا منقورة في الجبال فعل من يغتال الدهر ويفني الزمان، قال ~~أبو حيان: قيل أول من نحت الجبال والصخور والرخام ثمود، وبنوا ألفا ~~وسبعمائة مدينة كلها بالحجارة. # ولما ذكر القبيلتين من العرب، ذكر بعض من جاورهم من طغاة العجم لما في ~~قصتهم من العتو والجبروت مع ما حوته من الغرائب وخوارق العجائب لا سيما ~~في القدرة على البعث بقلب العصا حية وإعادتها جمادا مع التكرر، وبإيجاد ~~الضفادع والقمل من كثبان الأرض وغير ذلك فقال: { وفرعون } أي وفعل بفرعون ~~{ ذي الأوتاد * } أي الذي ثبت ملكه تثبيت من يظن أنه لا يزول بالعساكر ~~والجنود وغيرهم من كل ما يظن أنه يشد أمره من الجنات والعيون والزروع ~~والمقامات الكريمة، فصارت له اليد المبسوطة في الملك. # ولما كان المراد بفرعون هو وجنوده لآن الرأس يكنى به عن ms5579 البدن، لأنه ~~جماعة وبه قوامه، وصفه بوصف يجمع قومه وجميع من ذكر هنا فقال: { الذين } ~~أي فرعون وجنوده وكل من ذكر هنا من الكفرة من عاد وثمود وأتباعهم { طغوا ~~} أي تجاوزوا الحدود { في البلاد * } أي التي ملكوها بالفعل وغيرها ~~بالقوة { فأكثروا } عقب طغيانهم وبسببه { فيها الفساد * } بما فعلوا من ~~الكفر والظلم مما صار سنة لمن سمع به. # ولما كان ذلك موجبا للعذاب، سبب عنه قوله: { فصب } أي أنزل إنزالا هو ~~في غاية القوة { عليهم } أي في الدنيا { ربك } أي المحسن إليك المدبر ~~لأمرك الذي جعل ما مضى من أخبار الأمم وآثار الفرق موطئا لهم { سوط عذاب ~~* } أي جعل عذابهم من الإغراق والرجف وغيرهما في وقته وتمكنه وعلوه ~~وإحاطته كالمصبوب في شدة ضربه ولصوقه بالمضروب وإسراعه إليه والتفافه به ~~كالسوط وفي كونه منوعا إلى أنواع متشابكة، وأصله الخلط، وإنما سمي هذا ~~الجلد المضفور الذي يضرب به لكونه مخلوط الطاقات بعضها ببعض، ولأنه يخلط ~~اللحم والدم، وقيل: شبه بالسوط ما أحل بهم في الدنيا إشعارا بالترديد ~~والتكرير إلى أن يهلك المعذب به وإيذانا بأنه بالقياس إلى ما أعد لهم في ~~الآخرة كالسوط إذا قيس إلى السيف، هذا سوط الدنيا وسيف الآخرة أشد وأحد ~~وأمضى، ثم علل أخذه لكل ظالم وانتقامه من كل مفسد بأنه رقيب، فقال ممثلا ~~أن العصاة لا يفوتونه مؤكدا تنبيها على أن أعمال من ينكر ذلك أو لا ~~يخطر بباله: { إن ربك } أي مولاك المدبر لأمر نبوتك { لبالمرصاد * } أي ~~لا يفوته شيء، بل هو قادر ومطلع على كل شيء اطلاع من يريده بالإقامة في ~~مكان الرصد وزمانه مع غاية الحفظ والرعي وهو قادر على ما يريد. # ولما ذكر سبحانه أن عادة هؤلاء الفرق كانت الطغيان، وذكر أن عادة الرب ~~سبحانه فيمن تولى وكفر أنه يعذبه كما هدد به آخر تلك، ودل على ذلك بما ~~شوهد في الأمم، وعلل ذلك بأنه لا يغفل، ذكر عادة الإنسان من حيث هو من ~~غير تقييد بهؤلاء الفرق عن الابتلاء في حالي السراء والضراء، ms5580 فقال مشيرا ~~إلى جواب ما كانت الكفار تقوله من أنهم آثر عند الله من المسلمين لا ~~يساعد عليهم في الدنيا وتقلل الصحابة رضي الله عنهم من الدنيا مسببا عما ~~مضى عطفا على ما تقديره: هذه كانت عادة هؤلاء الأمم وعادة الله فيهم: { ~~فأما الإنسان } أي الذي أودع الحجر ليعقل هذه الأقسام وما يراد منه من ~~اعتقاد المقسم عليه بها وجبل على النسيان والأنس بنفسه والمحبة لها ~~والرضى عنها. # ولما كان المقصود التعريف بحاله عند الابتداء، قدم الظرف الدال على ذلك ~~على الخبر فقال: { إذا } وأكد الأمر بالنافي فقال { ما ابتلاه } أي عامله ~~معاملة المختبر بأن خالطه بما أراد مخالطة تميله وتحيله { ربه } أي الذي ~~أبدعه وأحسن إليه بما يحفظ وجوده ليظهر شكره أو كفره { فأكرمه } أي بأن ~~جعله عزيزا بين الناس وأعطاه ما يكرمونه به من الجاه والمال { ونعمه * } ~~أي بأن جعله متلذذا مترفا بما أعطاه غير تعبان - بسببه { فيقول } ~~سرورا بذلك وافتخارا: { ربي } أي الموجد لي والمدبر لأمري { أكرمن * } ~~أي فيظن أن ذلك عن استحقاق فيرتفع به { وأما } هو { إذا } وأكد على نمط ~~الأول فقال: { ما ابتلاه } أي ربه ليظهر صبره أو جزعه. # ولما كان قوله في الأول " فأكرمه ونعمه " كناية عن " فوسع عليه " قابله ~~هنا بقوله: { فقدر } أي ضيق تضييق من يعمل الأمر بحساب وتقدير { عليه ~~رزقه } فهو كناية عن الضيق كما أن العطاء بغير حساب كناية عن السعة، ~~فجعله بمقدار ضرورته الذي لا يعيش عادة بدونه، ولم يجعله فيه فضلا عن ~~ذلك ولم يقل " فأهانه " موضع " قدر عليه " تعليما للأدب معه سبحانه ~~وتعالى وصونا لأهل الله عن هذه العبارة لأن أكثرهم مضيق عليه في دنياه، ~~ولأن ترك الإكرام لا ينحصر في كونه إهانة { فيقول } أي الإنسان بسبب ~~الضيق: { ربي } أي المربي لي { أهانن * } فيهتم لذلك ويضيق به ذرعا، ~~ويكون ذلك أكبر همه. ### || [89.17-22] # ولما كان نسبة هذا إليه توبيخا وتقريعا لقصور نظره فإن الإقتار قد ~~يؤدي إلى سعادة الدارين، والتوسعة قد تؤدي إلى شقاوتهما، وهذا أكثر ما ms5581 ~~يوجد، قال ردعا عن مثل هذا القول بأعظم أدوات الزجر معللا للتوسعة ~~والإقتار: { كلا } أي إني لا أكرم بتكثير الدنيا ولا أهين بتقليلها، لا ~~التوسعة منحصرة في الإكرام ولا التضييق منحصر في الإهانة والصغار، وإنما ~~أتتهم الإهانة من حيث إنهم لا يطيعون الله، وربما كان بالتوسعة، وربما ~~كانت بالإقتار، فربما عصى فوسع عليه إهانة له، وهذا لمن يريد سبحانه به ~~الشقاء فيعجل له طيباته في الدنيا استدراجا، وربما عصى فضيق عليه ~~إكراما له لأن ذلك يكفر عنه، وفي الصحيح في حديث أقرع وأبرص وأعمى في ~~بني إسرائيل شاهد عظيم لذلك. # ولما زجر عن اعتقاد أن التوسعة للاكرام والتضييق للاهانة، ذكر أن معيار ~~من جبل على حب الطاعة ومن جبل على حب المعصية بغض الدنيا وحبها، فقال ~~معربا عن كلام الإنسان في الشقين وأفرد أولا لأنه أنص على التعميم وجمع ~~ثانيا إعلاما بأن المراد الجنس { بل } أي يستهينون بأمر الله بما عندهم ~~من العصيان، فيوسع على بعض من جبل على الشقاء إهانة له بالاستدراج ويضيق ~~على بعض من لم يجبل على ذلك إكراما له وردعا عن اتباع الهوى وردا إلى ~~الإحسان إلى الضعفاء، وترجم هذا العصيان الذي هو سبب الخذلان بقوله: { لا ~~يكرمون } أي أكثر الناس { اليتيم * } بالإعطاء ونحوه شفقة عليه ورحمة له ~~لأنه ضعيف لا يرجى من قبله نفع بثناء ولا غيره. # ولما كان الإنسان لا يمنعه من حث غره على الخير إلا حب الدنيا إن كان ~~المحثوث أعظم منه فيدخره لحوائجه وإن كان مثله فإنه يخشى أن يقارضه بذلك ~~فيحثه على مسكين آخر، وكان الإحسان بالحث على الإعطاء أعظم من الإعطاء ~~لأنه يلزم منه الإعطاء بخلاف العكس، قال: { ولا يحضون } أي يحثون حثا ~~عظيما لأهلهم ولا لغيرهم { على طعام المسكين * } أي بذله له سخاء ~~وجودا، فكانت إضافته إليه إشارة إلى أنه شريك للغني في ماله بقدر ~~الزكاة. # ولما دل على حب الدنيا بأمر خارجي، دل عليه بأمر في الإنسان فقال تعالى: ~~{ ويأكلون } أي على سبيل التجديد والاستمرار { التراث } أي ms5582 الميراث، أصله ~~وراث أبدلت الواو تاء، وكأنه عبر عنه به دلالة على أخذ الظاهر الذي تشير ~~إليه الواو، والتفتيش عن الباطن المشار إليه بمخرج التاء تفتيشا ربما ~~أدى إلى أخذ بعض مال الغير: { أكلا لما * } أي ذا لم أي جمع وخلط ~~بين الحلال والحرام فإنهم كانوا لا يؤرثون النساء ولا الصبيان ويأكلون ما ~~جمعه المؤرث وإن كانوا يعلمون أنه حرام ويقولون: لا يستحق المال إلا من ~~يقاتل ويحمي الحوزة. # ولما كان ذلك قد يفعل عن ضرورة مع الكراهة قال ما هو صريح في المقصود: { ~~ويحبون } أي على سبيل الاستمرار { المال } أي هذا النوع من أي شيء كان، ~~وأكده بالمصدر والوصف فقال: { حبا جما * } أي كثيرا مع حرص وشره، فصار ~~قصارى أمرهم النظر الدنيوي، ولم يصرفوا أنفسهم عن حبه إلى ما دعا إليه ~~العقل الذي يعقل النفس عن الهوى، والحجر الذي يحجرها عن الحظوظ، والنهية ~~التي تنهاها عن الشهوات إلى الإقبال على الله. # ولما كان السياق هاديا إلى أن التقدير: يحسبون أن ذلك يوفر أموالهم ~~ويحسن أحوالهم ويصلح بالهم، زجر عنه بمجامع الزجر فقال: { كلا } أي ما ~~هكذا ينبغي أن يكون الأمر، ثم استأنف ذكر ما يوجب ندمهم وينبههم من ~~رقدتهم ويعرفهم أن حب المال لا يقتضي نموه، ولو اقتضى نموه ما اقتضى ~~إيجابه للسعادة فقال: { إذ دكت الأرض } أي حصل دكها ورجها وزلزلتها ~~لتسويتها فتكون كالأديم الممدود بشدة المط لا عوج فيها بوجه، وأشار ~~بالبيناء للمفعول إلى سهولة ذلك لأن الأمر عظيم لعظمة الفاعل الحق، ولذلك ~~قال: { دكا دكا * } أي مكررا بالتوزيع على كل موضع نات فيها، فيكون ~~لكل جبل وأكمة وثنية وعقبة دك يخصه على حدته ليفيد ذلك أنه دك مبالغ فيه ~~فتصير جبالها وأكمامها هباء منثورا ثم تستوي حتى لا يكون فيها شيء من ~~عوج، وهو كناية عن زلازل عظيمة لا تحملها الجبال الرواسي فيكف بغيرها. # ولما دلت التسسوية على مجيء أمر عظيم، فإن العادة في الدنيا أن الطرق لا ~~تعم بالكنس أو الرش أو التسوية إلا لحضور ms5583 عظيم كالسلطان، قال متلطفا ~~بالمخاطب من أواخر سورة البروج إلى هنا بذكر صفة الإحسان على وجه يفتت ~~أكباد أضداده، { وجاء ربك } أي أمر المحسن إليك بإظهار رفعتك العظمى في ~~ذلك اليوم الأعظم لفصل القضاء بين العباد بشفاعتك { والملك } أي هذا ~~النوع حال كون الملائكة مصطفين { صفا صفا * } أي موزعا اصطفافهم على ~~أصنافهم كل، صنف صف على حدة، ويحيط أهل السماء الدنيا بالجن والإنس، وأهل ~~كل سماء كذلك، وهم على الضعف ممن أحاطوا به حتى يحيطوا أهل السماء ~~السابعة بالكل وهم على الضعف من جميع من أحاطوا به من الخلائق، ومعنى ~~مجيئه سبحانه وتعالى بعد أن ننفي عنه أن يشبه مجيء شيء من الخلق لأنه ~~سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، فإذا ~~صححنا العقد في ذلك في كل ما كان من المتشابه قلنا في هذا إنه مثل أمره ~~سبحانه وتعالى في ظهور آيات اقتداره وتبيين آثار قدرته وقهره وسلطانه ~~يحال الملك إذا حضر بنفسه فظهر بحضوره من آثار الهيبة والسياسة ما لا ~~يظهر بظهور عساكره كلها خالية عنه، فمجيئه عبارة عن حكمه وإظهار عظمته ~~وبطشه وكل ما يظهره الملوك إذا جاؤوا إلى مكان، وهو سبحانه وتعالى شأنه ~~حاضر مع المحكوم بينهم بعلمه وقدرته، لم يوصف بغيبة أصلا أزلا ولا ~~أبدا، فحضوره في ذلك الحال وبعده كما كان قبل ذلك من غير فرق أصلا ولم ~~يتجدد شيء غير تعليق قدرته على حسب إرادته بالفصل بين الخلق، ولو غاب في ~~وقت أو أمكنت غيبته بحيث يحتاج إلى المجيء لكان محتاجا، ولو كان محتاجا ~~لكان عاجزا، ولو عجز أو أمكن عجزه في حال من الأحوال لم يصلح للالهية - ~~تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا، وفي تكرير " صفا ~~" تنبيه على صرف المجيء عن حقيقته وإرشاد إلى ما ذكرت من التمثيل. ### || [89.23-30] # ولما كانت جهنم لا تأتي بنفسها لأنها لو أتت بنفسها لربما ظن أنها خارجة ~~عن القدرة بل تقودها الملائكة، فكلما عالجوها ذهابا وإيابا حصل للناس ms5584 ~~من ذلك من الهول ما لا يعلمه إلا الله تعالى، وكان المهول نفس المجيء بها ~~لا تعيين الفاعلين، لذلك بني للمفعول قوله: { وجاء } أي بأسهل أمر { ~~يومئذ } أي إذ وقع ما ذكر { بجهنم } أي النار التي تتجهم من يصلاها، روي ~~أنه يؤتى بها لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك، وهو كقوله ~~تعالى: # وبرزت الجحيم لمن يرى # [النازعات: 36] وأبدل من " إذا " توضيحا لطول الفصل وتهويلا قوله: { ~~يومئذ } أي إذ وقعت هذه الأمور فرأى الإنسان ما أعد للشاكرين وما أعد ~~للكافرين. # ولما قدم هذه الأمور الجليلة والقوارع المهولة اهتماما بها وتنبيها ~~على أنها، لما لها من عظيم الموعظة، جديرة بأن يتعظ بها كل سامع، ذكر ~~العامل في ظرفها وبدله فقال: { يتذكر الإنسان } أي على سبيل التجديد ~~والاستمرار فيذكر كل ما كان ينفعه في الدنيا وما يضره فيعلم أن حبه ~~للدنيا لم يفده إلا خسارا، لا زاد بحبها شيئا لم يكتب له ولا كان ينقصه ~~بذلها شيئا كما كتب له أو بذلها، وإذا تذكر ذلك هان عليه البذل، وليست ~~تلك الدار دار العمل، فلذلك قال: { وأنى } أي كيف ومن أي وجه { له الذكرى ~~* } أي نفع التذكر العظيم فإنه في غير موضعه، فلا ينفعه أصلا بوجه من ~~الوجوه لفوات دار العمل، ولا يقع بذلك على شيء سوى الندم وتضاعف الغم ~~والهم والآلام. # ولما كان الندم يقتضي أن يعمل الإنسان ما ينافيه، بين أنه ليس هناك عمل ~~إلا إظهار الندم فاستأنف قوله: { يقول } أي متمنيا المحال على سبيل ~~التجديد والاستمرار: { يا ليتني } وهل ينفع شيئا " ليت " { قدمت } أي ~~أوقعت التقديم لما ينفعني من الجد والعمل به { لحياتي * } أي أيام حياتي ~~في الدنيا أو لأجل حياتي هذه الباقية التي لا موت بعدها، ويمكن أن يكون ~~سبب تمنيه هذا علمه بأنه كان في الدنيا مختارا، وأن الطاعات في نفسها ~~كانت ممكنة لا مانع له منها في الظاهر إلا صرف نفسه عنها وعدم تعليق ما ~~أتاه الله من القوى بها. # ولما كان هذا غير ms5585 نافع له، سبب عنه قوله: { فيومئذ } أي إذ وقعت هذه ~~الأمور كلها { لا يعذب } أي يوقع { عذابه } أي عذاب الله، أي مثل عذابه ~~المطلق المجرد فكيف بتعذيبه. ولما اشتد التشوف إلى الفاعل، أتى به على ~~وجه لا أعم منه أصلا فقال: { أحد * }. # ولما جرت العادة بأن المعذب يستوثق منه بسجن أو غيره، ويمنع من كل شيء ~~يمكن أن يقتل به نفسه، خوفا من أن يهرب أو يهلك نفسه قال: { ولا يوثق } ~~أي يوجد { وثاقه } أي مثل وثاقه فكيف بإيثاقه { أحد * } والمعنى أنه لا ~~يقع في خيال أحد لأجل انقطاع الأنساب والأسباب أن أحدا يقدر على مثل ما ~~يقدر عليه سبحانه وتعالى من الضر ليخشى كما يقع في هذه الدنيا، بل يقع في ~~الدنيا في أوهام كثيرة أن عذاب من يخشونه أعظم من عذاب الله - وأن عذاب ~~الدنيا بأسره لو اجتمع على إنسان وحده لا يساوي رؤية جهنم بذلك المقام في ~~ذلك المحفل المهول دون دخولها - ولذلك تقدم خوفه على الخوف من الله، وبنى ~~الكسائي ويعقوب الفعلين للمفعول، والمعنى على قراءة الجماعة ببنائها ~~للفاعل: لا يعذب أحد عذابا مثل عذاب الله أي لا يعذب أحد غير الله أحدا ~~من الخلق مثل عذاب الله له، والحاصل أنه لا يخاف في القيامة من أحد غير ~~الله، فإنه ثبت بهذا الكلام أن عذابه لا مثل له، ولم يذكر المعذب من هو ~~فيرجع الأمر إلى أن المعنى: فيومئذ يخاف الإنسان من الله خوفا لا مثل ~~له، أي لا يخاف من أحد مثل خوفه منه سبحانه وتعالى، ويجوز أن يكون الضمير ~~في " عذابه " للإنسان، أي لا يعذب أحد من الزبانية أحدا غير الإنسان مثل ~~عذابه، وفي المبني للمفعول: لا يعذب عذاب الإنسان أحد لكن يبعده أنه يلزم ~~عليه أن يكون عذاب الإنسان أعظم من عذاب إبليس - ويجوز أن يكون المعنى: ~~إنه لا يحمل أحد ما يستحقه من العذاب كقوله تعالى: # ولا تزر وازرة وزر أخرى # [الأنعام: 164]. # ولما علم أن هذا الجزاء المذكور لا يكون إلا للهلوع ms5586 الجزوع المضطرب ~~النفس الطائش في حال السراء والضراء، الذي لا يكرم اليتيم ولا المسكين ~~ويحب الدنيا، وكان من المعلوم أن من الناس من ليس هو كذلك، تشوفت النفس ~~إلى جزائه فشفى عي هذا التشوف بقوله، إعلاما بأنه يقال لنفوسهم عند ~~النفخ في الصور وبعثرة ما في القبور للبعث والنشور: { يا أيتها النفس ~~المطمئنة * } أي التي هي في غاية السكون لا خوف عليها ولا حزن ولا نقص ~~ولا غبون، لأنها كانت في الدنيا في غاية الثبات على كل ما أخبر به عن ~~الدار الآخرة وغيرها من وعد ووعيد وتحذير وتهديد، فهم راجون لوعده خائفون ~~من وعيده، وإذا كانت هذه حال النفس التي شأنها الميل إلى الدنيا فما ظنك ~~بالروح التي هي خير صرف { ارجعي } أي بالبعث { إلى ربك } أي موعد الذي ~~أوجدك ورباك تربية الموفقين، أو إلى بدنك حال كونك { راضية } أي بما ~~تعطينه. فلا كدر يلحقك بوجه من الوجوه أصلا كما كنت في دار القلق ~~والاضطراب مطمئنة ساكنة تحت القضاء والقدر سالكة سبيل الرضا إن حصل ~~ابتلاء بالتكريم والتنعيم أو التضييق والتغريم وثوقا بما عند الله { ~~مرضية * } عند الله وسائر خلقه، فلا شيء يكرهك بسبب ما كنت مطمئنة تعملين ~~الأعمال الصالحة تحت القضاء والقدر خيره وشره حلوه ومره، ثم بين ما أجمل ~~من الرجوع فقال سبحانه: { فادخلي } أي بسبب هذا الأمر { في عبادي * } أي ~~في زمرة الصالحين الوافدين علي، الذين هم أهل للإضافة إلي، أو في ~~أجساد عبادي التي خرجت في الدنيا منها، وقراءة " عبدي " بالتوحيد للجنس ~~الشامل للقليل والكثير تدل على ذلك { وادخلي جنتي * } أي وهي جنة عدن وهي ~~أعلى الجنان، قال البغوي: قال سعيد بن جبير: مات ابن عباس رضي الله عنهما ~~بالطائف فشهدت جنازته فجاء طائر لم نر على صورة خلقه، فدخل نعشه فلم نر ~~خارجا منه، فلما دفن تليت هذه الآية على شفير القبر فلم ندر من تلاها، ~~وهذا الآخر هو أولها على ما هو ظاهر المقسم عليه بالفجر من البعث ~~المحتوم، الذي لولا هو لكان ms5587 خلق الخلق من العبث المذموم، المنزه عنه الحي ~~القيوم، فسبحان الملك الأعظم الذي هذا كلامه، علت معانيه عن طعن وشرفت ~~أعلامه، وغر في ذروة الإعجاز تركيبه ونظامه، " وأين الثريا من يد ~~المتناول ". ### | [90 - سورة البلد] ### || [90.1-5] # لما ختم كلمات الفجر بالجنة التي هي أفضل الأماكن التي يسكنها الخلق، لا ~~سيما المضافة إلى اسمه الأخص المؤذن بأنها أفضل الجنان، بعد ما ختم ~~آياتها بالنفس المطمئنة بعد ذكر الأمارة التي وقعت في كبد الندم الذي ~~يتمنى لأجله العدم، بعد ما تقدم من أنها لا تزال في كبد ابتلاء المعيشة ~~في السراء والضراء، افتتح هذه بالأمارة مقسما في أمرها بأعظم البلاد ~~وأشرف أولي الانفس المطمئنة، فقال مؤكدا بالنافي من حيث إنه ينفي ضد ما ~~ثبت من مضمون الكلام مع القطع بأنه لم يقصد به غير ذلك: { لا أقسم } أي ~~أقسم قسما أثبت مضمونه وأنفي ضده، ويمكن أن يكون النفي على ظاهره، ~~والمعنى أن الأمر في الظهور غني عن الإقسام حتى بهذا القسم الذي أنتم ~~عارفون بأنه في غاية العظمة، فيكون كقوله # فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم # [الواقعة: 86] { بهذا البلد * } أي الحرام وهو مكة التي لا يصل إليها ~~قاصدوها إلا بشق الأنفس، ولا يزدادون لها مع ذلك إلا حبا، الدال على أن ~~الله تعالى جعلها خير البلاد، وقذف حبها في قلوب من اختارهم من كل حاضر ~~وباد، لأنها تشرفت في أولها وآخرها وأثنائها بخير العباد، ولم يصفه ~~بالأمن لأنه لا يناسب سياق المشقة بخلاف ما في التين، فإن المراد هناك ~~الكمالات. # ولما عظم البلد بالإقسام به، زاده عظما بالحال به إشعارا بأن شرف ~~المكان بشرف السكان، وذلك في جملة حالية فقال: { وأنت } يعني وأنت خير كل ~~حاضر وباد { حال } أي مقيم أو حلال لك ما لم يحل لغيرك من قتل من تريد ~~ممن يدعي أنه لا قدرة لأحد عليه { بهذا البلد * } فتحل قتل ابن خطل وغيره ~~وإن كان متعلقا بأستار الكعبة، وتحرم قتل من دخل دار أبي سفيان وغير ذلك ms5588 ~~مما فعله الله لك بعد الهجرة بعد نزول هذه السورة المكية بمدة طويله ~~علما من أعلام النبوة، أو معنى: يستحل أهله منك وأنت أشرف الخلق ما لا ~~يستحلونه من صيد ولا شجر، وكرر إظهاره ولم يضمره زيادة في تعظيمه تقبيحا ~~لما يستحلونه من أذى المؤمنين فيه، وإشارة إلى أنه يتلذذ بذكره، فقد وقع ~~القسم بسيد البلاد وسيد العباد، ولكل جنس سيد، وهو انتهاؤه في الشرف، ~~فأشرف الجماد الياقوت وهو سيده، ولو ارتفع عن هذا الشرف لصار نباتا ينمو ~~كما في الجنة، وأشرف جنس النبات النخل ولو ارتفع صار حيوانا يتحرك ~~بالإرادة، فالحيوان سيد الأكوان، وسيده الإنسان، لما له من النطق ~~والبيان، وسيد الإنسان الرسل عليهم أفضل الصلاة والسلام، لما لهم من عظيم ~~الوصلة بالملك الديان، وسيدهم أشرف الخلق صلى الله عليه وسلم الذي ختموا ~~به لما فاق به من الفضائل التي أعلاها هذا القرآن، فسيد الخلق محمد بن ~~عبد الله رسول الله أشرف الممكنات وسيدها لأنه وصل إلى أعلى مقام يمكن أن ~~يكون لها، ولو بقي فوق ذلك مقام يمكن للممكن لنقل إليه، ولكونه أشرف كانت ~~مكابدته أعلى المكابدات، يصبر على أذى قومه بالكلام الذي هو أنفذ من ~~السهام، ووضع السلاء من الجزور على ظهره الشريف - نفديه بحر وجوهنا ومصون ~~جباهنا وخدودنا - وهو ساجد، ووضع الشوك في طريقه، والإجماع على قصده ~~بجميع أنواع الأذى من الحبس والنفي والقتل بحيث قال صلى الله عليه وسلم # " ما أوذي أحد في الله ما أوذيت ". # ولما أفهمت هذه الحال أن القسم إنما هو في الحقيقة به صلى الله عليه ~~وسلم، كرر الإقسام به على وجه يشمل غيره فقال: { ووالد } ولما كان المراد ~~التعجيب من ابتداء الخلق بالتوليد من كل حيوان في جميع أمر التوليد ومما ~~عليه الإنسان من النطق والبيان وغريب الفهم وكان السياق لذم أولي الأنفس ~~الأمارة، وكانوا هم أكثر الناس، حسن التعبير بأداة ما لا يعقل لأنها من ~~أدوات التعجيب فقال: { وما ولد * } أي من ذكر أو أنثى كائنا من كان، ~~فدخل ms5589 كما مضى النبي صلى الله عليه وسلم فصار مقسما به مرارا، وكذا دخل ~~أبواه إبراهيم وولده إسماعيل عليهما الصلاة والسلام وما صنعا وما صنع ~~الله لهما بذلك البلد، ومعلوم أن ذكر الصنعة تنبيه على صانعها، فالمقصود ~~القسم بمن جعل البلد على ما هو عليه من الجلال، وخص النبي صلى الله عليه ~~وسلم بما خصه به من الإرسال، وفاوت بين المتوالدين في الخصال، من النقص ~~والكمال وسائر الأحوال، تنبيها على ما له من الكمال بالجلال والجمال، ~~ولعله خص هذه الأشياء بالإقسام تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم، وتثبيتا ~~له على احتمال الأذى، إشارة إلى أن من كان قد حكم عليه بأنه لا يزال في ~~نكد، كان الذي ينبغي له أن يختار أن يكون ذلك النكد فيما يرضي الله ~~سبحانه وتعالى، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان في مكة المشرفة في ~~أعظم شدة مما يعانيه من أذى الكفار في نفسه وأصحابه رضي الله عنهم لعلو ~~مقامه، فإن شدة البلاء للأمثل فالأمثل كما مضى مع أمره صلى الله عليه ~~وسلم بالصبر والصفح، وكل والد ومولود في شدة بالوالدية والمولودية، وغير ~~ذلك مما لا يحصى من الأنكاد البشرية، من حين هو نطفة في ظلمات ثلاث في ~~ضيق ممر ومقر ثم ولادة وربط في تابوت وفطام عن الإلف والأهل؟ من المؤدب ~~والمعلم وتوبيخ من المشايخ ومعاندة من الأقران، ومن يتسلط عليه من ~~النسوان، مع أنه عرضة للأمراض، وسائر ما يكره من الأعراض والأغراض، ~~والفاقات والنوائب والآفات، والمطالب والحاجات، لا يحظى بهواه، ولا يبلغ ~~مناه، ولا يدرك ما اجتباه، ولا ينجو غالبا مما يخشاه، وتفاصيل هذا ~~الإجمال لا تحصى، ولا حد لها فتستقصى، إلى الموت وما بعده، فلذلك كان ~~المقسم عليه قوله: { لقد خلقنا } أي بما لنا من القدرة التامة والعظمة ~~التي لا تضاهى { الإنسان } أي هذا النوع { في كبد * } أي شدة شديدة ومشقة ~~عظيمة محيطة به إحاطة الظرف بالمظروف، لو وكله سبحانه وتعالى في شيء منها ~~إلى نفسه هلك، ولولا هذه البلايا لادعى ms5590 ما لا يليق به من عظيم المزايا، ~~وقد ادعى بعضهم مع ذلك الإلهية وبعضهم الاتحاد برب العباد - تعالى الله ~~عن قولهم الواضح الفساد، بما قرنه به سبحانه وتعالى من الموت والمرض ~~وسائر الأنكاد، فعل سبحانه ذلك ليظهر بما للعبد من الضعف والعجز - مع ما ~~منحه به من القوى الظاهرة والباطنة في القول والفعل والبطش والعقل - ما ~~له سبحانه من تمام العلم وشمول القدرة، وليظهر من خلقه له على هذه الصفة، ~~علم جميع ما في السورة، فعلم قطعا إنكار ظنه لتناهي قدرته وتعالي عظمته، ~~وفساد هذا الظن بشاهد العقل من حيث كونه مصنوعا، وبشاهد الوجود من أجل ~~أنه يسلك طريق الشر ولا يقدر على طريق الخير إلا بالتوفيق، فعلم قطعا ~~إعجاز السورة لأنه لا قدرة لمخلوق على أن يأتي بجملة واحدة تجمع جميع ما ~~وراءها من الجمل - هذا إلى ما لها من فنون الإيجاز التي وصلت إلى حد ~~الإعجاز، هذا إلى ما لبقية الجمل من الإعجاز في حسن الرصف وإحكام التركيب ~~والربط والمراعاة بالألفاظ للمعاني إلى غير ذلك مما لا يبلغ كنهه إلى ~~منزله سبحانه وعز شأنه، وعلم أن الإكرام والإهانة ليستا دائرتين على ~~التنعيم في الدنيا والتضييق كما تقدم شرحه في سورة الفجر، ولأجل ما علم ~~من كون الإنسان لا يزال في نكد وشدة ونصب من حث احتياجه أولا إلى مطلق ~~الحركة والسكون، وثانيا إلى المأكل والمشرب، وثالثا إلى ما يترتب ~~عليهما إلى غير ذلك مما يعيي عده ويجهل حده، توجه الإنكار في قوله تعالى ~~بيانا للأسباب الموقعة له في النكد، وهي شهوتان: نفسية وحسية، والنفسية ~~منحصرة في أربع: الأولى أنه يشتهي أن يكون كل من في الوجود في قبضته ~~فأشار إليها { أيحسب } أي هذا الإنسان لضعف عقله مع ما هو فيه من أنواع ~~الشدائد { أن لن يقدر } ولما أكد بالفعلية وخصوص هذا النافي قدم الجار ~~تأكيدا بما يفيد من الاهتمام بالإنسان فقال: { عليه } أي خاصة { أحد * } ~~أي من أهل الأرض أو السماء فيغلبه حتى أنه يعاند خالقه مع ما ms5591 ينظر من ~~اقتداره على أمثاله بنفسه وبمن شاء من جنوده فيعادي رسله عليهم الصلاة ~~والسلام ويجحد آياته. ### || [90.6-16] # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما أوضح سبحانه وتعالى حال من تقدم ~~ذكره في السورتين في عظيم حيرتهم وسوء غفلتهم وما أعقبهم ذلك من التذكر ~~تحسرا حين لا ينفع التندم، ولات حين مطمع، أتبع ذلك بتعريف نبينا عليه ~~أفضل الصلاة والسلام بأن وقوع ذلك منهم إنما جرى على حكم السابقة التي ~~شاءها والحكمة التي قدرها كما جاء في الموضع الآخر # ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها # [السجدة: 13] فأشار تعالى إلى هذا بقوله { لقد خلقنا الإنسان في كبد } ~~أي أنا خلقناه لذلك ابتلاء ليكون ذلك قاطعا لمن سبق له الشقاء عن التفكر ~~والاعتبار # وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا # [الكهف: 57] فأعماهم بما خلقهم فيه من الكبد وأغفل قلوبهم فحسبوا أنهم ~~لا يقدر عليهم أحد، وقد بين سبحانه وتعالى فعله هذا بهم في قوله لنبيه ~~صلى الله عليه وسلم # ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه # [الكهف: 28] # ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا # [يونس: 99] فأنت تشاهدهم يا محمد ذوي أبصار وآلات يعتبر بها النظار { ~~ألم نجعل له عينين ولسانا وشفتين } فهلا أخذ في خلاص نفسه، واعتبر بحاله ~~وأمسه، { فلا اقتحم العقبة } ولكن إذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له - ~~انتهى. # ولما كان الإنسان لا يفتخر بالإنفاق إلا إذا أفضى إلى الإملاق، فعلم أن ~~مراد الإشارة إلى أن معه أضعاف ما أنفق من حيث إنه حقره بلفظ الإهلاك، ~~إشارة إلى الثانية والثالثة من شهواته النفسية وهما إرادته أن يكون له ~~الفخار والامتنان على جميع الموجودات، وإرادته أن يكون عنده من الأموال ~~ما لا تحيط به الأفكار ولا تحويه الأقطار - كما يشير إليه حديث # " " لو أن لابن آدم واد من ذهب " و " لا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب " ~~" # علل سبحانه وتعالى جهله في حسابه ذلك وما تبعه بقوله: { يقول } أي ~~مفتخرا بقدرته وشدته: { أهلكت مالا لبدا ms5592 * } ولقصد المبالغة في كثرته ~~جاءت قراءة أبي جعفر بالتشديد على أنه جمع لا بد كركع وراكع فأفهمت أنه ~~بحيث لا يحصى، بل لو جمع لم تسعه الأرض إلا بأن يكون بعضه على بعض فلا ~~يعد ولا يحد، أي وذلك قليل من الكثير الذي معي، قلدت به أعناق الرجال ~~المنن، واستعبدت به الأحرار في كل زمن، فصرت بحيث إذا دعوت كثر الملبي، ~~وإذا ناديت كثر المجيب، وإذا أمرت عظم الممتثل، وفاء لصنائعي الماضية ~~ورغبة في نعمي الباقية، فمن يستعصي علي ومن يخالف أمري، فضلا عن أن ~~يريد إخمال ذكري أو نقص قدري. # ولما كان الشيء لا يعني إلا إذا كان مجهولا ولو من بعض الجهات، أنكر ~~عليه هذا الظن على تقدير وقوعه فإنه لا يوصل إلى ما ظنه إلا به، بقوله ~~مشيرا إلى شهوته النفسية الرابعة، وهي أن تكون أموره مستورة فلا يظهر ~~على غيه أحد أصلا: { أيحسب } أي هذا الإنسان العنيد بقلة عقله { أن لم ~~يره } أي بالبصر ولا بالبصيرة في الزمن الماضي { أحد * } أي في عمله هذا ~~سره وجهره وجميع أمره، فينقص جميع ما عمل إذا أراد، وكل ما فاته من آثار ~~هذه الشهوات الأربع، وهو لا يزال فائتا له، كان من إرادة تحصيله في نكد ~~ومعاناة وكبد بحيث يرمي نفسه لتحصيله في المهالك، ولا يحصل منه على ما ~~يرضيه أبدا، وهذا كناية عن أنه يعمل من المساوىء أعمال من يظن أنه لا ~~يطلع عليه، فلذلك نبهه الله تعالى بأنواع التنبيه ليأخذ حذره ويحرز عمره. # ولما أنكر عليه سبحانه وتعالى هذه النقائص قرره على ما أوجب شهوته ~~الحسية المتفرعة إلى أنواع بما يستلزم أن يكون فاعله له المان عليه به ~~من بعض فيضه، عالما بجميع أمره قادرا على نفعه وضره بنفسه وبمن أراد من ~~جنده، فقال مشيرا إلى ما يترتب على نظر العين الباصرة الجائلة في العالم ~~الحسي ونظر عين البصيرة الجائلة في العالم المعنوي من شهوته أن يحصل على ~~كل ما يراه بعين باصرته ويعلمه بعين بصيرته من ms5593 مليح، ويخلص من كل ما يراه ~~من قبيح، ومذكرا له بما كان يجب عليه من الشكر باستعمال هذه المشاعر ~~فيما شرع له وكفها عما منع الله منه: { ألم نجعل } أي بما لنا من العظمة ~~التي لا يمكن أحدا أن يضاهيها ولا يقرب منها { له عينين * } يبصر بهما ~~وإلا لتعطل عليه أكثر ما يريد، شققناهما وهو في الرحم في ظلمات ثلاثة على ~~مقدار مناسب لا يزيد إحداهما على الأخرى شيئا وقدرنا البياض والسواد أو ~~الزرقة أو الشهلة أو غير ذلك على ما ترون، وأودعناهما البصر على كيفية ~~يعجز الخلق عن إدراكها. # ولما قدره سبحانه على ما ينشأ عنه شهوتا تحصيل المليح ونفي القبيح، اتبع ~~ذلك ما ينشأ عنه شهوتا الأمر والنهي وأنواع الكمالات الكمالية فقال: { ~~ولسانا } أي يترجم به عما في ضميره { وشفتين * } أي يستران فاه ويعينانه ~~على الأكل والشرب وعلى النطق بفصاحة وبلاغة على حد معلوم لا يبلغه غيره، ~~فيجتمع له أمره ويصل إلى مقاصد جمة وأهوال مهمة، ولم يذكر السمع لأن ~~الكلام يستلزمه، والمعنى: ألسنا قادرين بالقدرة التي جعلنا له بها ما ذكر ~~على أن نجعل لغيره مثل ما جعلنا له وأكثر فيقاومه ويغلبه. # ولما كان لله تعالى على كل أحد في كل لمحة منة جديدة في إبقاء هذه ~~الآلات الثلاث، عبر فيها بالمضارع، ولما كانت النعمة في العقل إنما هي ~~بهبته أولا ثم بحمله به على الخير ثانيا، وكان أمره خفيا، وكان من ~~المعلوم أن كل أحد غير مهدي في كل حركاته وسكناته إلى ما يسعده، بل كان ~~هذا المنكر عليه لم يؤهل لطريق الخير، اختير له لفظ الماضي لذلك تحقيقا ~~لكونه وجعله غريزة لا تتحول وطبيعة لا تتبدل، بل هي غالبة على صاحبها، ~~قائدة إلى مضارة أو محابة ومسارة وإن كره، وهو السبب الذي يكون به الخلاص ~~من شر تلك الأنكاد في دار الإسعاد فقال تعالى: { وهديناه } أي بما آتيناه ~~من العقل { النجدين * } أي طريقي الخير والشر، وصار بما جعلناه له من ذلك ~~سميعا بصيرا عالما فصار ms5594 موضعا للتكليف، روى الطبراني عن أبي أمامة ~~رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " يا أيها الناس! هلموا إلى ربكم فإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى، يا ~~أيها الناس إنما هما نجدان: نجد خير ونجد شر، فما جعل نجد الشر أحب إليكم ~~من نجد الخير " # قال المنذري: النجد هنا الطريق - انتهى. وهو طريق في ارتفاع، عبر عن ~~الخير والشر به لإعلائهما الإنسان عن رتبة باقي الحيوان، ولأن الإنسان لا ~~يختار واحدة منهما إلا بمعاناة وتكلف كمعاناة من يصعد في عقبة، والنجد ~~لغة الموضع العالي، والله تعالى يعلي من أراد على ما شاء منهما بخلاف ما ~~كان يقتضيه ظاهر حاله من أنه لا يحب تكلف شيء أصلا، ولا يريد الأشياء ~~تأتيه إلا عفوا، وذلك لأجل إظهار قدرته سبحانه وتعالى، أما صعوبة طريق ~~الخير فبما حفه به من المكاره حتى صار العمل به، مع أن كل أحد يعشق اسمه ~~ومعناه، أشد شيء وأصعبه، وأشقه وأتعبه، وأما صعوبة طريق الشر فواضحة جدا ~~مع أن الله يلزمه لمن أراد بتسهيله وتحبيبه وتخفيفه وتقريبه مع أن كل أحد ~~يكره اسمه وينفر من معناه، وجعل الله تعالى الفطرة الأولى السليمة التي ~~فطر الناس عليها من الاستقامة بحيث تدرك الشر وتنهى عنه، وتدرك الخير ~~وتأمر به، غير أن الشهوات والحظوظ تعالجها، والغالب من أعانه الله، وإلى ~~ذلك يشير حديث # " إذا لم تستحي فاصنع ما شئت " # وحديث # " البر ما اطمأنت إليه النفس وانشرح له الصدر، والإثم ما حاك في الصدر ~~وتردد في القلب وإن أفتاك الناس وأفتوك ". # ولما كان معنى ما مضى أن هذا الإنسان عاجز وإن تناهت قوته، وبلغت الذروة ~~قدرته، لسبق قوله تعالى: # وخلق الإنسان ضعيفا # [النساء: 28] وأنه معلوم جميع أمره مفضوح في سره كما هو مفضوح في جهره، ~~كما أشار إليه حديث جندب رضي الله تعالى عنه عند الطبراني # " ما أسر عبد سريرة إلا ألبسه الله رداءها " # وحديث أبي سعيد رضي الله تعالى عنه عند أحمد وأبي يعلى ms5595 # " لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا كوة يخرج عمله للناس " # فهو موصول إليه مقدور عليه، وأنه كان يجب عليه الشكر على ما جعل له ~~سبحانه وتعالى من القوى التي جعلها لسوء كسبه آلات للكفر، سبب سبحانه ~~وتعالى عنه قوله تفصيلا للأشياء الموصلة إلى الراحة في العقبى نافيا ~~لفعلها عنه على سبيل الحقيقة دلالة على عجزه: { فلا اقتحم } أي وثب ورمى ~~بنفسه بسرعة وضغط وشدة حتى كان من شدة المحبة لما يراه فيما دخل فيه من ~~الخير. كأنه أتاه من غير فكر ولا روية بل هجما { العقبة * } وهي طريق ~~النجاة، والمقرر في اللغة أنها الطريق الصاعد في الجبل المستعار اسمها ~~لأفعال البر المقرر في النفوس مريحة لا متعب، مع كونها أعظم فخرا وأعلى ~~منقبة، لأنا حجبناه عنها بأيدينا وعظيم قوتنا وعجيب قدرتنا، وذلك أن ~~الخير لما كان محببا إلى القلوب معشوقا للنفوس مرغوبا فيه لا يعدل عنه ~~أحد، جعلناه في بادىء الأمر كريها وعلى النفوس مستصعبا ثقيلا حتى صار ~~لمخالفته الهوى كأنه عقبة كؤود، لا ينال ما فيه من مشقة الصعود، إلا بعزم ~~شديد وهمة ماضية، ونية جازمة، ورياضة وتدريب، وتأديب وتهذيب، وشديد ~~مجاهدة وعظيم مكابدة للنفس والهوى والشيطان، بحيث يكون متعاطيه في فعله ~~له كالرامي بنفسه فيه بلا روية رمي العاشق له المتهالك عليه، فكان هذا ~~سببا لأن هذا الجاهل بنفسه المتعدي لطوره لم يختر لنفسه الخير بما أوتي ~~من البصر الذي يبصر به صنائع الله، والبصيرة التي يعرف بها ما يضره وما ~~ينفعه شكرا لربه سبحانه وتعالى ويكون ذلك لإحسانه إليه، وهل جزاء ~~الإحسان إلا الإحسان، وهل جزاء النعمة إلا الشكر، بل اختار الشر وارتكب ~~الضر مع أنا هيأناه لكل منهما فبانت لنا القدرة. واتضحت في صفاتنا ~~العظمة، وتحقق له الضعف وظهر منه النقص والعجز، فوجب عليه لعزتنا الخضوع، ~~وإجراء مصون الدموع وإظهار الافتقار والذل والصغار، لنقحمه سبيل الجنة ~~وننجيه من طريق النار، ومن اقتحم هذه العقبة التي هي للأعمال الصالحة ~~اقتحم عقبة الصراط، ms5596 فكانت سهولتها عليه بقدر مكابدته لهذه، واستراح من ~~تلك المكابدات والأحزان والهموم وصار إلى حياة طيبة كما قال الله تعالى # من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة # [النحل: 97] الآية، واقتحامها بأن يرتحل من عالمه السافل إلى العالم ~~العالي الكامل الذي ليس فيه إلا اللذة، وذلك هو الاعتراف بحق العبودية، ~~وتلك هي الحرية لأن الحر من خرج من رق الشهوات إلى خدمة المولى، فصار طوع ~~أمره في سره وجهره لا حظ لشهوة فيه ولا وصول لحظ إليه، وذلك يكون بشيئين: ~~أحدهما جذب والآخر كسب، فالمجذوب محمول. # والكاسب في تعب المجاهدات بسيف الهمة العالية مصول. # ولما بين أنه لا خلاص من النكد إلا بهذا الاقتحام، شرع في تفسير العقبة ~~بادئا بتهويل أمرها لعظيم قدرها، فقال معبرا بالماضي الذي جرت عادة ~~القرآن بأنه إذا عبر به شرح المستفهم عنه: { وما أدراك } أي أيها السامع ~~لكلامنا، الراغب فيما عندنا { ما العقبة * } أي إنك لم تعرف كنه صعوبتها ~~وعظمة ثوابها، فلما تفرغ القلب بالاستفهام عما لا يعرفه، وكان الإنسان ~~أشهى ما إليه تعرف ما أشكل عليه، فتشوفت النفوس إلى علمها، قال مشييرا ~~إلى الأولى التي هي العفة التي ثمرتها السخاء وإصلاح قوة الشهوة معبرا ~~بالفك الذي هو أدنى ما يكون من العتق لأنه الإعانة فيه ولو بما قل كما ~~ورد في حديث البراء رضي الله عنه # " أعتق النسمة وفك الرقبة " # وعتقها أن تفرد بها، وفكها أن تعين في ثمنها، وفسر المراد بهذه العقبة ~~بما دل على معادل لا كما يأتي تعيين تقديره فإنها لا تستعمل إلا مكررة ~~قال: { فك } أي الإنسان { رقبة * } أي من الأسر أو الظلم أو الغرم أو ~~السقم شكرا لمن أولاه الخير وتنفيسا للكربة حبا للمعالي والمكارم لا ~~رياء وسمعة كما فعل هذا الظان الضال ولا لطمع في جزاء ولا لخوف من عناء { ~~أو إطعام } أي أوقع الإطعام لشيء له قابلية ذلك { في يوم ذي مسغبة * } أي ~~جوع عام في مكان جوع وزمان جوع - بما أفهمه الوصف ms5597 والصيغة، فكان لذلك ~~يحمل على الضنة بالموجود خوفا من مثل ما فيه المطعم فخالف النفس وآثر ~~عليها اعتمادا على الله { يتميا } أي إنسانا صغيرا لا أب له يرجى أو ~~يخاف { ذا مقربة * } لا يرجى بإطعامه إلا التودد لأقاربه للتكثير بهم مع ~~أنه يجمع بذلك بين صدقة وصلة وإن كان غنيا { أو مسكينا } أي شخصا لا ~~كفاية له { ذا متربة * } أي حاجة مقعدة له على التراب، لا يقدر على سواه، ~~فالآية من الاحتباك: ذكر القرب أولا يدل على ضده ثانيا، وذكر المتربة ~~ثانيا يدل على ضدها أولا، وسر ذلك أنه ذكر في اليتيم القرب المعطف، وفي ~~المسكين الوصف المرقق الملطف، فهو لا يقصد بإطعامه إلا سد فاقته، ودخل ~~فيه اليتيم البعيد والفقير من باب الأولى وإن كان أجنبيا. ### || [90.17-20] # ولما كانت هذه الأفعال خيرا في نفسها تدل على جودة الطبع وعلو الهمة ~~وكرم العنصر وإباء النفس إشارة إلى شدة حسنها لأنه لا يوفق لها إلا مخلص ~~وإن كان غير مستند إلى شرع وإلى ما يفيده من سلالة الطبع وسهولة الانقياد ~~وإلى عظمة الإيمان بالتعبير بأداة التراخي في قوله مشيرا إلى العقبة ~~الثانية وهي الحكمة المزكية للقوة النطقية: { ثم كان } أي بعد التخلق ~~بهذه الأخلاق الزاكية العالية النفيسة الغالية في حال كفره أو مبادىء ~~إسلامه للدلالة على صفار جبلته وجودة عنصره من الراسخين في الإيمان ~~المعبر عنه بقوله: { من الذين آمنوا } أي عند ما دعاه إليه الهادي، ولم ~~تحمله حمية الأنف وشماخة النفس على الإباء عن أن يكون تابعا بعد ما كان ~~متبوعا، وسافلا في زعمه إثر ما كان رفيعا، بل سدد النظر وقوم الفكر ~~فأيقن أنه يعلي نفسه من الحضيض إلى ما فوق السهى، يرقيها في درج المعالي ~~إلى ما ليس له انتهاء، # إن في ذلك لآيات لأولي النهى # [طه: 54، 128] فحينئذ يعلم استقامة طبعه وكرم غريزته وعلي همته وحسن ~~نيته وجميل طويته وغزارة عقله وجلالة نبله وفضله واستحقاقه التقدم على ~~الأعلام في الجاهلية والإسلام، ولذلك كان الصديق رضي الله تعالى عنه ms5598 أعلى ~~الناس درجة بعد النبيين عليهم أفضل الصلاة والسلام والتحية والإكرام، لأن ~~هذه كانت أفعاله رضي الله تعالى عنه قبل الإسلام كما قال ابن الدغنة حين ~~وجده قد خرج من مكة المشرفة يريد الهجرة حين آذاه الكفار: إن مثلك يا أبا ~~بكر لا يخرج ولا يخرج، إنك لتصل الرحم وتقري الضيف وتحمل الكل وتعين ~~على نوائب الحق - كما قالت خديجة رضي الله عنها للنبي صلى الله عليه وسلم ~~حين رجع إليها ترجف بوادره من تجلي جبريل عليه الصلاة والسلام له سواء، ~~فلما سرب في رحيب مسربه، وشرب من صافي مشربه توفيقا من الله تعالى لم ~~يتلعثم حين دعاه إلى الدين ولا كانت عنده كبوة ولا تردد، ثم ترقى في ~~درجات الإسلام إلى أعلى مرام بحيث قال يوم الحديبية لعمر رضي الله عنهما ~~حين أظهر الكراهة للصلح ما قال له النبي صلى الله عليه وسلم سواء حرفا ~~بحرف من غير أن يكون حاضره أو ينقل إليه كلامه، فسار حينئذ حائزا قصب ~~السبق، لا مطمع في مداناته، فكيف بلحاقه ومساواته، ولكماله وعظمته وجلاله ~~لم يشرب قط خمرا، وكان إذا ليم على ذلك في الجاهلية قال لعشراء: والله ~~لو وجدت شيئا يزيد في عقلي لاشتريته بجميع مالي فكيف أشتري بمالي ما ~~يزيل عقلي. وتلك الأعمال لا تصح وإن كانت ممدوحة في كل حال إلا بالإيمان، ~~أما إن كانت بعده فواضح، وأما إن كانت قبله فبانعطافه عليها كما قال صلى ~~الله عليه وسلم: # " أسلمت على ما سلف منك من خير ". # ولما كان الإيمان معليا للإنسان عن درك الهوان إلى عظم الشأن، حاملا ~~له على محاسن الأعمال ومكارم الأفعال، وذلك أنه يقود إلى جميع شرائع ~~الدين العظيمة الشأن، وكانت موجبة للجهاد الأكبر من حيث مخالفتها للطبع، ~~وكان ذلك غير مقدور عليه إلا بالشجاعة وهي القوة الثالثة التي إذا هدئت ~~أراحت، وكانت لا تكون إلا بعظيم الصبر، وكان الصبر لمرارته لا يدوم إلا ~~بالتعاون قال تعالى: { وتواصوا } أي صبروا وأوصى بعضهم بعضا { بالصبر } ~~في اقتحام عقبات ms5599 الأعمال التي لا يجوزها إلا أبطال الرجال من الأمر ~~بالمعروف إلى ما دونه وإن كان فيه الحتوف، فإن الشجاعة كما قيل صبر ساعة. # ولما كان الإنسان لا بد أن يعرض له من غيره من الخلاف ما يوجب قسوته ~~عليه، فكانت الرحمة من ثمرات الاصطبار المثمر للعدالة، وهي التوسط بين ~~مذمتي الإفراط والتفريط في الفسق والبله وهي العقبة الرابعة، قال مؤكدا ~~بإعادة العامل إشارة إلى قلة العاملين بها: { وتواصوا بالمرحمة * } أي ~~الرحمة العظيمة بحسب زمانها ومكانها بأن يوطنوا أنفسهم على كل ما يحمل ~~على الرحمة العظيمة التي توجب لهم الحب في الله والبغض فيه لأنهم كانوا ~~قبل الإيمان خالصين عن الرياء والإعجاب متهيئين للتزكية فزكاهم الإيمان، ~~فصاروا في غاية النورانية والعرفان. # ولما كان ذلك من معالي الأخلاق، وموجبات الفواق والوفاق، كانت نتيجته لا ~~محالة: { أولئك } أي العظماء الكبراء العالو المنزلة، ولم يأت بضمير ~~الفصل كما يأتي لأضدادهم ليخلص الفعل له سبحانه وتعالى من غير نظر إلى ~~ضمائرهم الدالة على جبلاتهم لأنه هو الذي جبلها، وأغنى عنه بالإشارة ~~الدالة على علو مقامهم وبعد مرامهم { أصحاب الميمنة * } أي الجانب الذي ~~فيه اليمن والبركة والنجاة من كل هلكة بقسميهم من السابقين المقربين ~~وأصحاب اليمين الأبرار، كما مضى شرحه في سورة الواقعة. وهذا تعريض بذلك ~~الذي أتلف ماله في المنافسة. والمشاققة والمعاكسة. # ولما أرشد السياق لمعادلة { فلا اقتحم العقبة } إلى أن التقدير: ولا ~~أحجم عن المعطبة التي هي الأفعال الموجبة للمعتبة مع كونها متعبة، بل قطع ~~من يستحق الوصل ووصل من يستأهل القطع، ثم كان من الذين كفروا وتواصوا ~~بالملأمة واكتسبوا السيئات واتبعوا الشهوات وعاملوا بالقسوة، عطف عليه ~~قوله: { والذين كفروا } أي ستروا ما تظهر لهم مرائي بصائرهم من العلم. ~~ولما كان الكفر بالآيات من أسوأ أنواع الكفر لأنه كفر بما جعله الله ~~علما على غيب عهده، وهي جميع ما تدركه الحواس من الأقوال والأفعال ~~الدالة على ذي الجلال لأنها دالة على الصفات الدالة على الموصوف بها الذي ~~ظهر بأفعاله وبطن بعظيم جلاله، قال: { بآياتنا ms5600 } أي ما لها من العظمة ~~بالإضافة إلينا والظهور الذي لا يمكن خفاؤه { هم } أي خاصة لسوء ضمائرهم ~~ولفساد جبلاتهم { أصحاب المشأمة * } أي الخصلة المكسبة للشؤم والحرمان ~~والهلكة فهؤلاء مشائيم على أنفسهم، وكفرهم دال على فساد جبلاتهم فهو يشير ~~إلى أن من كان كفره أخف لم يكن جبليا، فيوشك أن يهدى فيكون من أصحاب ~~الميمنة. # ولما كان معنى هذا أنهم في الجانب الذي فيه الشؤم والهلكة، والبعد من كل ~~بركة، أنتج قوله: { عليهم } أي خاصة دون غيرهم { نار مؤصدة * } أي مطبقة ~~الباب مع إحاطتها بهم من جميع الجوانب - بما أفهمته أداة الاستعلاء ومع ~~الضيق والوعورة، وهذا لعمري أشد الضيق والكبد، والنصب والنكد فالملجأ منه ~~إلى الله الأحد، الواحد الصمد، وقد علم أن أوله هو هذا الآخر، فكان ~~التقاطر فيها مما تشد به الأيدي وتعقد عليه الخناصر - والله تعالى هو ~~المرجو للهداية إلى خير السرائر، وهو الهادي للصواب وإليه المرجع والمآب. ### | [91 - سورة الشمس] ### || [91.1-8] # لما أثبت في سورة البلد أن الإنسان في كبد، وختمها بأن من حاد عن سبيله ~~كان في أنكد النكد، وهو النار المؤصدة، أقسم أول هذه على أن الفاعل لذلك ~~أولا وآخرا هو الله سبحانه لأنه يحول بين المرء وقلبه وبين القلب ولبه، ~~فقال مقسما بما يدل على تمام علمه وشمول قدرته في الآفاق علويها ~~وسفليها، والأنفس سعيدها وشقيها وبدأ بالعالم العلوي، فأفاد ذلك قطعا ~~العلم بأنه الفاعل المختار، وعلى العلم بوجوب ذاته وكمال صفاته، وذلك ~~أقصى درجات القوى النظرية، تذكيرا بعظائم آلائه، ليحمل على الاستغراق في ~~شكر نعمائه، الذي هو منتهى كمالات القوى العملية، مع أن أول المقسم به ~~مذكر بما ختم به آخر تلك من النار: { والشمس } أي الجامعة بين النفع ~~والضر بالنور والحر، كما أن العقول كذلك لا أنور منها إذا نارت، ولا أظلم ~~منها إذا بارت { وضحاها * } أي وضوئها الناشىء عن جرمها العظيم الشأن ~~البديع التكوين المذكر بالنيران إذا أشرقت وقام سلطانها كإشراق أنوار ~~العقول، والضحى - بالضم والقصر: صدر النهار حين ارتفاعه، وبالفتح والمد: ms5601 ~~شدة الحر بعد امتداد النهار، وشيء ضاح - إذا ظهر للشمس والحر. # ولما افتتح بذكر آية النهار، أتبعه ذكر آية الليل فقال: { والقمر } أي ~~المكتسب من نورها كما أن أنوار النفوس من أنوار العقول { إذا تلاها * } ~~أي تبعها في الاستدارة والنور بما دل على أن نوره من نورها من القرب ~~الماحق لنوره والبعد المكتسب له في مقدار ما يقابلها من جرمه، ولا يزال ~~يكثر إلى أن تتم المقابلة فيتم النور ليلة الإبدار عند تقابلهما في أفق ~~الشرق والغرب، ومن ثم يأخذ في المقاربة فينقص بقدر ما ينحرف عن المقابلة، ~~ونسبة التبع إليه مجازية أطلقت بالنسبة إلى ما ينظر منه كذلك. # ولما ذكر الآيتين، ذكر ما هما آيتاه، وبدا بهما لأنه لا صلاح له إلا ~~بهما كما أنه لا صلاح للبدن إلا بالنفس والعقل فقال: { والنهار } أي الذي ~~هو محل الانتشار فيما جرت به الأقدار { إذا جلاها * } أي جلى الشمس بحلية ~~عظيمة بعضها أعظم من بعض باعتبار الطول والقصر والصحو والغيم والضباب ~~والصفاء والكدر كما أن الأبدان تارة تزكي القلوب والنفوس والعقول وتارة ~~تدنسها، لأن العقل يكون في غاية الصفاء والدعاء إلى الخير في حال الصغر ~~ثم لا يزال يزيد وينقص بحسب زكاء البدن في حسن الجبلة، أو نجاسته بسوء ~~الجبلة، حتى يصير الشخص نورا محضا ملكا ناطقا إذا طابق البدن العقل ~~فتعاونا على الخير، أو يصير ظلاما بحتا شيطانا رجيما إذ خالف البدن ~~العقل بسوء الجبلة وشرارة الطبع. # ولما ذكر معدن الضياء، ذكر محل الظلام فقال: { والليل } أي الذي هو ضد ~~النهار فهو محل السكون والانقباض والكمون { إذا يغشاها * } أي يغطي الشمس ~~فيذهب ضوءها حين تغيب فتمتد ظلال الأرض على وجهها المماس لنا، فيأخذ ~~الأفق الشرقي في الإظلام، ويمتد ذلك الظلام بحسب طول الليل وقصره كما ~~يغطي البدن نور العقل بواسطة طبعه بخبثه ورداءة عنصره، وذلك كله بمقادير ~~معلومة، وموازين قسط محتومة، ليس فيها اختلال، ولا يعتريها انحلال، حتى ~~يريد ذو الجلال، ولم يعبر بالماضي كما في النهار لأن الليل لا ms5602 يذهب ~~الضياء بمرة بل شيئا فشيئا، ولا ينفك عن نور بخلاف النهار، فإنه إذا ~~أبدى الشمس ولم يكن غيم ولا كدر جلى الشمس في آن واحد، فلم يبق معه ظلام ~~بوجه. # ولما ذكر الآيتين ومحل أثرهما، ذكر محل الكل فقال تعالى: { والسماء } أي ~~التي هي محل ذلك كله ومجلاه كما أن الأبدان محل النفوس، والنفوس مركب ~~العقول، ولما رقى الأفكار من أعظم المحسوسات المماسة إلى ما هو دونه في ~~الحس وفوقه في الاحتياج إلى إعمال فكر، رقي إلى الباطن الأعلى المقصود ~~بالذات وهو المبدع لذلك كله معبرا عنه بأداة ما لا يعقل، مع الدلالة ~~بنفس الإقسام، على أن له العلم التام، والإحاطة الكبرى بالحكمة البالغة، ~~تنبيها على أنهم وصفوه بالإشراك وإنكار الحشر بتلك المنزلة السفلى ~~والمساواة بالجمادات التي عبدوها مع ما له من صفات الكمال التي ليس لغيره ~~ما يداني شيئا منها، زجرا لهم بالإشارة والإيماء عن ذلك ومشيرا إلى ~~شدة التعجيب منهم لكونها أداة التعجب فقال: { وما بناها * } أي هذا ~~البناء المحكم الذي ركب فيه ما ذكره إشارة إلى ما وراءه مما يعجز الوصف. # ولما ذكر البناء ذكر المهاد فقال: { والأرض } أي التي هي فراشكم بمنزلة ~~محال تصرفاتكم بالعقل في المعاني المقصودة { وما طحاها * } أي بسطها على ~~وجه هي فيه محيطة بالحيوان كله ومحاط بها في مقعر الأفلاك، وهي مع كونها ~~ممسكة بالقدرة كأنها طائحة في تيار بحارها، وهي موضع البعد والهلاك ومحل ~~الجمع - كل هذا بما يشير إليه التعبير بهذا اللفظ إشارة إلى ما في سعي ~~الإنسان من أمثال هذا، قال أهل البصائر: وليس في العالم الآفاقي شيء إلا ~~وفي العالم النفساني نظيره، وانشدوا في ذلك: # دواؤك فيك وما تشعر # وداؤك منك وتستنكر # وتحسب أنك جزء صغير # وفيك انطوى العالم الأكبر # فالسماوات سبع كطباق الرأس التي تتعلق بالقوى المعنوية والحسية كالذاكرة ~~والحافظة والواهمة والمخيلة والمفكرة والحس المشترك وما هو لمقاسم البصر ~~في العين، ونظير الشمس الروح في إشراقه وحسنه، ونظير الليل الطبع فإن ما ~~به من نور فإنما ms5603 هو من الروح كما أن الليل كذلك لا يكون نوره إلا من ~~الشمس بواسطة إفادتها للقمر المنير له والكواكب، ونظير النهار - الذي هو ~~نير في أصله ومتكدر بما يخيل له من السحب ونحوه - القلب وسحبه الشكوك ~~والأوهام النفسية، ونظير القمر في ظلمته بأصله وإنارته بالشمس النفس، ~~فإذا أكسبها القلب المستفيد من الروح النور أنار جميع البدن، وإذا أظلمت ~~أظلم كله، والأعضاء الباطنة كالكواكب يقوم بها البدن فينير له الوجود ~~بواسطة الروح والنفس، والأمطار كالدمع، والحر كالحزن، والبرد كالسرور، ~~والرعد كالنطق، والبرق كالملح، والرياح كالنفس - إلى غير ذلك من البدائع ~~لمن تأمل، والعالم السفلي سبع طباق أيضا، قال الملوي: " ونظيرها طبقة ~~الجلد " وهي ثلاث، وطبقة اللحم وطبقة الشحم وطبقة العروق وطبقة العصب، ~~والجبال كالعظام والمعادن منها المياه وفيها العذب كالريق والملح كالدمع ~~والمر كما في الأذن والمنتن منه كما في الأنف، ومنه ما هو جار كالبول، ~~ومنه ما هو كالعيون وهو الدم، والسيل كالعرق، والمعادن المنطبعة كالحديد ~~والرصاص هي وسخ الأرض وهي كالعذرة وما يخرج من الجلد من خبث، والنبات ~~كالشعور تارة تحلق كالحصاد وتارة تقلع كالنتف، والحيوانات التي فيها ~~كالقمل، وطيورها كالبراغيث، وعامر البدن ما أقبل منه، وخرابه ما أدبر. # ولما أتم الإشارة إلى النفوس لأهل البصائر، صرح بالعبارة لمن دونهم فقال ~~تعالى: { ونفس } أي أي نفس جمع فيها سبحانه العالم بأسره. ولما كانت ~~النفوس أعجب ما في الكون وأجمع، عبر فيها بالتسوية حثا على تدبر أمرها ~~للاستدلال على مبدعها للسعي في إصلاح شأنها فقال تعالى: { وما سواها * } ~~أي عدلها على هذا القانون الأحكم في أعضائها وما فيها من الجواهر ~~والأعراض والمعاني وعجائب المزاج من الأخلاط المتنافرة التي لاءم بينها ~~بالتسوية والتعديل فجعلها متمازجة وقد أرشد السياق والسباق واللحاق إلى ~~أن جواب القسم مقدر تقديره: لقد طبع سبحانه وتعالى نفوسكم على طبائع ~~متباينة هيأها بها لما يريد من القلوب من تزكية وتدسية بما جعل لكم من ~~القدرة والاختيار، وأبلغ في التقدم إليكم في تزكية نفوسكم وتطهير قلوبكم ~~لاعتقاد الحشر بما ms5604 هو أوضح من الشمس لا شبهة فيه ولا لبس لتنجو من عذاب ~~الدنيا والآخرة بالاتصاف بالتقوى، والانخلاع من الفجور والطغوى. # وقال الأستاذ أبو جعفر بن الزبير: لما تقدم في سورة البلد تعريفه تعالى ~~بما خلق فيه الإنسان من الكبد مع ما جعل له سبحانه من آلات النظر، وبسط ~~له من الدلائل والعبر، وأظهر في صورة من ملك قياده، وميز رشده وعناده # وهديناه النجدين # [البلد: 10] # إنا هديناه السبيل # [الإنسان: 3] وذلك بما جعل له من القدرة الكسبية التي حقيقتها اهتمام أو ~~لم؟ وأنى بالاستبداد والاستقلال، ثم # والله خلقكم وما تعملون # [الصافات: 96] أقسم سبحانه وتعالى في هذه السورة على فلاح من اختار رشده ~~واستعمل جهده وأنفق وجده { قد أفلح من زكاها } وخيبة من غاب هداه فاتبع ~~هواه { وقد خاب من دساها } فبين حال الفريقين وسلوك الطريقين - انتهى. # ولما كان أعجب أمورها الفجور لما غلب سبحانه عليها من الحظوظ والشهوات، ~~وهي تعلم بما لها من زاجر العقل بصحيح النقل أن الفجور أقبح القبيح، ~~والتقوى لما أقام عليها من ملك العقل الملكي وغريزة العلم النوراني أحسن ~~الحسن، وتذوق أن الفجور أشهى شهي، وأن التقوى أمر شيء وأصعبه، وأثقله ~~وأتعبه، قال معلما أن هذا لا يقدر عليه سواه لأنه أعجب من جميع ما مضى ~~لأن البهيمة لا تقدم على ما يضرها وهي تبصر ولو قطعت، والآدمي يقدم على ~~ما يضره وهو يعلم ويقاتل من منعه منه، فقال مسببا عما حذف من جواب ~~القسم: { فألهمها } أي النفس إلهام الفطرة السابقة الأولى قبل # ألست بربكم # [الأعراف: 172] { فجورها } أي انبعاثها في الميل مع دواعي الشهوات وعدم ~~الخوف الحامل على خرق سياج الشريعة بسبب ذلك الطبع الذي عدل فيه ذاتها ~~وصفاتها في قسر المتنافرات على التمازج غاية التعديل { وتقواها * } أي ~~خوفها الذي أوجب سكونها وتحرزها بوقايات الشريعة، فالآية من الاحتباك: ~~ذكر الفجور أولا دال على السكون الذي هو ضده ثانيا، وذكر التقوى ~~ثانيا دال على ضده، وهو عدم الخوف أولا، وإلهامها للأمرين هو جعله لها ~~عارفة بالخير والشر مستعدة ومتهيئة ms5605 لكل منهما؛ ثم زاد ذلك بالبيان التام ~~بحيث لم يبق لبس، فزالت الشبه عقلا بالغريزة والإلهام ونقلا بالرسالة ~~والإعلام. ودل بالإضافة على أن ذلك كله منسوب إليها ومكتوب عليها وإن كان ~~بخلقه وتقديره لأنه أودعها قوة وجعل لها اختيارا صالحا لكل من النجدين، ~~وأوضح أمر النجدين في الكتب وعلى ألسنة الرسل عليهم الصلاة والسلام بعد ~~ما وهبه لها من الفطرة القويمة وأخفى عنها سر القضاء والقدرة وعلم ~~العاقبة، فأقام بذلك عليها الحجة وأوضح المحجة. ### || [91.9-15] # ولما كان من المعلوم أن من سمع هذا الكلام يعلم أن التقوى لا يكون إلا ~~مأمورا بها، والفجور لا يكون إلا منهيا عنه، فيتوقع ما يقال فيهما مما ~~يتأثر عنهما، قال تعالى: { قد أفلح } أي ظفر بجميع المرادات { من زكاها * ~~} أي نماها وأصلحها وصفاها تصفية عظيمة بما يسره الله له من العلوم ~~النافعة والأعمال الصالحة وطهرها على ما يسره لمجانبته من مذام الأخلاق ~~لأن كلا ميسر لما خلق له، والدين بني على التحلية والتخلية و " زكى " ~~صالح للمعنيين { وقد خاب } أي حرم مراده مما أعد لغيره في الدار الآخرة ~~وخسر وكان سعيه باطلا { من دساها * } أي أغواها إغواء عظيما وأفسدها ~~ودنس محياها وقذرها وحقرها وأهلكها بخبائث الاعتقاد ومساوىء الأعمال، ~~وقبائح النيات والأحوال، وأخفاها بالجهالة والفسوق، والجلافة والعقوق، ~~وأصل " دسى " دسس، فالتزكية أن يحرص الإنسان على شمسه أن لا تكسف، وقمره ~~أن لا يخسف، ونهاره أن لا يتكدر، وليله ألا يطفى، والتدسيس أقله إهمال ~~الأمر حتى تكسف شمسه، ويخسف قمره، ويتكدر نهاره، ويدوم ليله، وطرق ذلك ~~اعتبار نظائر المذكورات من الروحانيات وإعطاء كل ذي حق حقه، فنظير الشمس ~~هي النبوة لأنها كلها ضياء باهر وصفاء قاهر، وضحاها الرسالة وقمرها ~~الولاية، والنهار هو العرفان، واليل عدم طمأنينة النفس بذكر الله وما جاء ~~من عنده، وإعراضها عن الانقياد لقبول ما جاء من النبوة أو الولاية، ~~والعلماء العاملون هم أولياء الله، قال الإمامان أبو حنيفة والشافعي رضي ~~الله عنهما: إن لم تكن العلماء أولياء الله فليس الله ولي - رواه ms5606 عنهما ~~الحافظ أبو بكر الخطيب، وهو مذكور في التبيان وغيره من مصنفات النووي، ~~ونظير السماء العزة والترفع عن الشهوات وعن خطوات الشياطين من الإنس ~~والجن، والأرض نظيرها التواضع لحق الله ولرسوله وللمؤمنين فيكون بإخراجه ~~المنافع لهم كالأرض المخرجة لنباتها، والتدسية خلاف ذلك، من عمل بالسوء ~~فقد هضم نفسه وحقرها فأخفاها كما أن اللئام ينزلون بطون الأودية ومقاطعها ~~بحيث تخفى أماكنهم على الطارقين، والأجواد ينزلون الروابي، ويوقدون ~~النيران للطارقين، ويشهرون أماكنهم للمضيفين منازل الأشراف في الأطراف ~~كما قيل: # قوم على المحتاج سهل وصلهم # ومقامهم وعر على الفرسان # ولما كان السياق للترهيب بما دلت عليه سورة البلد وتقديم الفجور هنا، ~~وكان الترهيب أحث على الزكاء، قال دالا على خيبة المدسي ليعتبر به من ~~سمع خبره لا سيما إن كان يعرف أثره: { كذبت ثمود } أنث فعلهم لضعف أثر ~~تكذيبهم لأن كل سامع له يعرف ظلمهم فيه لوضوح آيتهم وقبيح غايتهم، وما ~~لهم بسفول الهمم وقباحة الشيم، وخصهم لأن آيتهم مع أنها كانت أوضح الآيات ~~في نفسها هي أدلها على الساعة، وقريش وسائر العرب عارفون بهم لما يرون من ~~آثارهم، ويتناقلون من أخبارهم { بطغواها * } أي أوقعت التكذيب لرسولها ~~بكل ما أتى به عن الله تعالى بسبب ما كان لنفوسهم من وصف الطغيان، وهو ~~مجاوزة القدر وارتفاعه والغلو في الكفر والإسراف في المعاصي والظلم، أو ~~بما توعدوا به من العذاب العاجل وهي الطاغية التي أهلكوا بها، وطغى - ~~واوي يائي يقال: طغى كدعا يطغو طغوى وطغوانا - بضمها كطغى يطغى، وطغي ~~كرضي طغيا وطغيانا - بالكسر والضم، فالطغوى - بالفتح اسم، وبالضم مصدر، ~~فقلبت الياء - على تقدير كونه يائيا - واوا للتفرقة بين الاسم والصفة، ~~واختير التعبير به دون اليائي لقوة الواو، فأفهم أنهم بلغوا النهاية في ~~تكذيبهم، فكانوا على الغاية من سوء تعذيبهم. # ولما ذكر تكذيبهم، دل عليه بقوله: { إذ } أي تحقق تكذيبهم أو طغيانهم ~~بالفعل حين { انبعث أشقاها * } أي أشد ثمود شقاء وهو عاقر الناقة ~~للمشاركة في الكفر والزيادة بمباشرة العقر، وهو قدار بن سالف، أو هو ومن ms5607 ~~مالاه على عقرها، فإن أفعل التفضيل إذا أضيف صلح للواحد والجمع { فقال ~~لهم } أي بسبب الانبعاث أو التكذيب الذي دل على قصدهم لها بالأذى، وأظهر ~~ولم يضمر وعين الإظهار بالجلالة إشارة إلى عظيم آيتهم وبديع بدايتهم ~~ونهايتهم فقال: { رسول الله } أي الملك الذي له الأمر كله، فتعظميه من ~~تعظيم مرسله وهو صالح عليه الصلاة والسلام وكذا الناقة، وعبر بالرسول لأن ~~وظيفته الإبلاغ والتحذير الذي ذكر هنا، ولذا قال مشيرا بحذف العامل إلى ~~ضيق الحال عن ذكره لعظيم الهول وسرعة التعذيب عند مسها بالأذى، وزاد في ~~التعظيم بإعادة الجلالة: { ناقة الله } أي الملك الأعظم الذي له الجبروت ~~كله فلا يقر من انتهك حرمته واجترأ على ما أضافه إليه، ولهذا أعاد ~~الإظهار دون الإضمار، والعامل: دعوا أو احذروا - أو نحو ذلك أي احذروا ~~أذاها بكل اعتبار { وسقياها * } أي الماء الذي جعله الله تعالى لها ~~لسقيها وهو بئرها، فلا تذودوها عن بئرها في اليوم الذي تكون فيه نوبتها ~~في الشرب ولا تمسوها بسوء، وكأنه صلى الله عليه وسلم فهم عنهم بعد مدة ~~أنهم يريدون عقرها فكرر عليهم التحذير { فكذبوه } أي أوقعوا تكذيبه بسبب ~~طغيانهم وعقب أمره هذا الأخير فيما حذر من حلول العذاب، أو تكون الفاء هي ~~الفصيحة أي قال لهم ذلك فكانت بعده بينه وبينهم في أمرها أمور، فأوقعوا ~~تكذيبه فيها كلها { فعقروها } أي بسبب ذلك التكذيب بعضهم بالفعل وبعضهم ~~بالرضا به { فدمدم } أي عذب عذابا تاما مجللا مغطيا مطبقا مستأصلا ~~شدخ به رؤوسهم وأسرع في الإجهاز وطحنهم طحنا مع الغضب الشديد؛ قال ~~الرازي: والدمدمة: تحريك البناء حتى ينقلب، ودل بأداة الاستعلاء على شدته ~~وإحاطته فقال: { عليهم } ودل على شدة العذاب لشدة الغضب بلفت القول بذكر ~~صفة الإحسان التي كفروها لأنه لا أشد غضبا ممن كفر إحسانه فقال: { ربهم ~~} أي الذي أحسن إليهم فغرهم إحسانه فقطعه عنهم فعادوا كأمس الدابر { ~~بذنبهم } أي بسببه. # ولما استووا في الظلم والكفر بسبب عقر الناقة بعضهم بالفعل وبعضهم ~~بالرضا والحث، قال مسببا عن ذلك ومعقبا: { فسواها ms5608 * } أي الدمدمة عليهم ~~فجعلها كأنها أرض بولغ في تعديلها فلم يكن فيها شيء خارج عن شيء كما سوى ~~الشمس المقسم بها وسوى بين الناس فيها، وكذا ما أقسم به بعدها، فكانت ~~الدمدمة على قويهم كما كانت على ضعيفهم، فلم تدع منهم أحدا ولم يتقدم ~~هلاك أحد منهم على أحد، بل كانوا كلهم كنفس واحدة من قوة الصعقة وشدة ~~الرجفة كما أنهم استووا في الكفر والرضا بعقر الناقة وكل نفس هي عند ~~صاحبها كالناقة قد أوصى الله صاحبها أن يرعى نعمته سبحانه فيها فيزكيها ~~ولا يدسيها، فإن الناقة عبارة عن مطية يقطع عليها السير حسا أو معنى، ~~وذلك صالح لأن يراد به النفس التي تقطع بها عقبات الأعمال، والسقيا ما ~~يعيش المسقي به، وهو صالح لأن يراد به الذكر والعبادة، فمن لم يرع ~~النعمة ويشكر المنعم فقد عقرها، فاستحق الدمدمة منه، وكما أنه سوى بينهم ~~في الدمدمة سوى بين المهتدين في النجاة { ولا } أي والحال أنه لا { يخاف ~~} في وقت من الأوقات أي ربهم، روي ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما ويؤيده ~~قراءة أهل المدينة والشام بالفاء المسببة عن الدمدمة والتسوية وكذلك هي ~~في مصاحفهم { عقباها * } أي عاقبة هذه الدمدمة وتبعتها فإنه الملك الأعلى ~~الذي كل شيء في قبضته لا كما يخاف كل معاقب من الملوك فيبقى بعض الإبقاء ~~فعلم أنه سبحانه وتعالى يعلي أولياءه لأنهم على الحق، ويسفل أعداءه لأنهم ~~على الباطل، فلا يضل بعد ذلك إلا هالك، بصيرته أشد ظلاما من الليل ~~الحالك، وقد رجع آخرها على أولها بالقسم وجوابه المحذوف الذي هو طبع ~~النفوس على طبائع مختلفة والتقدم إليهم بالإنذار من الهلاك، ونفس القسم ~~أيضا فإن من له هذه الأفعال الهائلة التي سوى بين خلقه فيها وهذا ~~التدبير المحكم هو بحيث لا يعجزه أمر ولا يخشى عاقبة - والله الموفق ~~للصواب. ### | [92 - سورة الليل] ### || [92.1-10] # لما بين في الشمس حال من زكى نفسه وحال من دساها، وأوضح في آخرها من ~~مخالفة ثمود لرسولهم ما أهلكهم، فعلم أن الناس ms5609 مختلفون في السعي في تحصيل ~~نجد الخير ونجد الشر، فمنهم من تغلب عليه ظلمة اللبس، ومنهم من يغلب عليه ~~نهار الهدى، فتباينوا في مقاصدهم، وفي مصادرهم ومواردهم، بعد أن أثبت أنه ~~هو الذي تصرف في النفوس بالفجور والتقوى، أقسم أول هذه بما يدل على عجائب ~~صنعه في ضره ونفعه على ذلك، تنبيها على تمام قدرته في أنه الفاعل ~~بالاختيار، يحول بين المرء وقلبه حتى يحمله على التوصل إلى مراده، بضد ما ~~يوصل إليه بل بما يوصل إلى مضاده، وعلى أنه لا يكاد يصدق الاتحاد في ~~القصد والاختلاف في السعي والتوصل، وشرح جزاء كل تحذيرا من نجد الشر ~~وترغيبا في نجد الخير، وبين ما به التزكية وما به التدسية فقال: { ~~واليل } أي الذي هو آية الظلام الذي هو سبب الخبط والخلط لما يحدث عنه ~~من الإشكال واللبس في الأحوال والإهلال الموصل إلى ظلمة العدم، وهو محل ~~الأسرار بما يصل الأخيار ويقطع الأشرار: { إذا يغشى * } أي يغطي ما كان ~~من الوجود مبصرا بضياء النهار على التدريج قليلا قليلا، وما يدل عليه ~~من جليل مبدعه، وعظيم ماحقه ومطلعه { والنهار } أي الذي هو سبب انكشاف ~~الأمور كالموت الذي يزيل عن الروح علائق البدن فينجلي لها ما كانت فيه من ~~القبائح، والجهر الذي يشرح النفس بإزالة اللبس { إذا تجلى * } أي ظهر ~~ظهورا عظيما بضياء الشمس، وأظهر ما كان خفيا فلم يدع لمبصر شيئا من ~~لبس، فمن كان يريد السر قصد الليل، ومن أراد الجهر قصد النهار سواء كان ~~من الأبرار أو من الفجار. # ولما ذكر المتخالطين معنى، أتبعهما المتخالطين حسا، فقال مصرحا فيهما ~~بما هو مراد في الأول، وخص هذا بالتصريح تنبيها على أنه لكونه عاقلا - ~~عاقد يغلط في نفسه فيدعي الإلهية أو الاتحاد، أو غير ذلك من وجوه الإلحاد ~~{ وما خلق } وحكم التعبير بما الأغلب فيه غير العقلاء ما تقدم في سورة ~~الشمس من تنبيههم على أنهم لما أشركوا به سبحانه وتعالى ما لا يعقل نزلوه ~~تلك المنزلة وقد أحاط بكل شيء، وهو الذي ms5610 خلق العلماء، وهم لا يحيطون به ~~علما مع ما يفيده " ما " من التعجب منهم في ذلك لكونها صيغة التعجب { ~~الذكر } أي حسا بآلة الرجل ومعنى بالهمة والقوة { والأنثى } حسا بآلة ~~المرأة ومعنى بسفول الهمة وضعف القوة وما دلا عليه من عظيم الاصطناع، ~~وباهر الاختراع والابتداع، فإنه دل فرقه بينهما وهما من غير؟ واحدة وهي ~~التراب على تمام قدرته المستلزم لشمول علمه وفعله بالاختيار، فالآية من ~~الاحتباك: ذكر أولا الصنعة دلالة على حذفها ثانيا، وثانيا الصانع ~~دلالة على حذفه أولا. # ولما ذكر ما هو محسوس التخالف من المعاني والأجرام، أتبعه ما هو معقول ~~التباين من الأعراض فقال: { إن سعيكم } أي عملكم أيها المكلفون في التوصل ~~إلى مقصد واحد، ولذلك أكده لأنه لا يكاد يصدق اختلاف وجوه السعي مع اتحاد ~~المراد، وعبر بالسعي ليبذل كل في عمله غاية جهده { لشتى * } أي مختلف ~~اختلافا شديدا باختلاف ما تقدم، وهو جمع شتيت كقتلى وقتيل، فيكون ~~الإنسان رجلا وهو أنثى الهمة، ويكون أنثى وهو ذكر الفعل، فتنافيتم في ~~الاعتقادات، وتعاندتم في المقالات، وتباينتم غاية التباين بأفعال طيبات ~~وخبيثات، فساع في فكاك نفسه، وساع في إيثامها، فعلم قطعا أنه لا بد من ~~محق ومبطل ومرض ومغضب لأنه لا جائز أن يكون المتنافيان متحدين في الوصف ~~بالإرضاء أو الإغضاب، فبطل ما أراد المشركون من قولهم # لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء # [النحل: 35] الآية وما ضاهاها. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما بين قبل حالهم في الافتراق، أقسم ~~سبحانه على ذلك الشأن في الخلائق بحسب تقديره أزلا { ليبلوهم أيهم أحسن ~~عملا } [لا يوجد ليبلوهم بالياء في لغتنا وإنما كما في الكهف آية 7: ~~لنبلوهم... وفي الملك آية 2: لنبلوكم... فقال تعالى: { إن سعيكم لشتى } ~~فاتصل بقوله تعالى # قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها # [الشمس: 10] إن قوله تعالى { فأما من أعطى واتقى - إلى - العسرى } ~~يلائمه تفسيرا وتذكيرا بما الأمر عليه من كون الخير والشر بإرادته ~~وإلهامه وبحسب السوابق قوله: # فألهمها فجورها وتقواها # [الشمس: 8] فهو سبحانه ms5611 الملهم للإعطاء والاتقاء والتصدق، والمقدر للبخل ~~والاستغناء والتكذيب # والله خلقكم وما تعملون # [الصافات: 96] # لا يسئل عما يفعل # [الأنبياء: 23] ثم زاد ذلك إيضاحا بقوله تعالى " إن علينا للهدى وإن ~~لنا للآخرة والأولى } فتبا للقدرية والمعتزلة # وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون # [يوسف: 105] - انتهى. # ولما طابق بين القسم والمقسم عليه، ونبه بالقسم والتأكيد مع ظهور المسقم ~~عليه على أنهم في أمنهم مع التحذير كمن يدعي أنه لا فرق وأن مآل الكل ~~واحد كما يقوله أصحاب الوحدة - عليهم الخزي واللعنة شرع في بيان تشتتت ~~المساعي وبيان الجزاء لها، فقال مسببا عن اختلافهم ما هو مركوز في ~~الطباع من أنه لا يجوز تسوية المحسن بالمسيء ناشرا لمن زكى نفسه أو ~~دساها نشرا مستويا إيذانا بأن المطيع فيه هذه الأمة - ولله الحمد - ~~كثير بشارة لنبيها صلى الله عليه وسلم: { فأما من أعطى } أي وقع منه ~~إعطاء على ما حددنا له وأمرناه به { واتقى * } أي وقعت منه التقوى وهو ~~اتخاذ الوقايات من الطاعات واجتناب المعاصي خوفا من سطواتنا { وصدق } أي ~~أوقع التصديق للمخبر { بالحسنى * } أي وهي كلمة العدل التي هي أحسن ~~الكلام من التوحيد وما يتفرع عنه من الوعود الصادقة بالآخرة والإخلاف في ~~النفقة في الدنيا وإظهار الدين وإن قل أهله على الدين كله، وغير ذلك من ~~كل ما وعد به الرسول صلى الله عليه وسلم سبحانه وتعالى، وعدل الكلام إلى ~~مظهر العظمة إشارة إلى صعوبة الطاعة على النفس وإن كانت في غاية اليسر في ~~نفسها لأنها في غاية الثقل على النفس فقال: { فسنيسره } أي نهيئه بما لنا ~~من العظمة بوعد لا خلف فيه { لليسرى * } أي الخصلة التي هي في غاية اليسر ~~والراحة من الرحمة المقتضية للعمل بما يرضيه سبحانه وتعالى ليصل إلى ما ~~يرضى به من الحياة الطيبة ودخول الجنة. # ولما ذكر المزكي وثمرته، أتبعه المدسي وشقوته فقال: { وأما من بخل } أي ~~أوجد هذه الحقيقة الخبيثة فمنع ما أمر به وندب إليه { واستغنى } أي طلب ~~الغنى عن الناس وعما وعد ms5612 به من الثواب وأوجده بما زعمت له نفسه الخائبة ~~وظنونه الكاذبة. فلم يحسن إلى الناس ولا عمل للعقبى: { وكذب } أي أوقع ~~التكذيب أن يستحق التصديق { بالحسنى * } أي فأنكرها، ولما كان جامدا مع ~~المحسوسات كالبهائم قال: { فسنيسره } أي نهيئه بما لنا من العظمة وعد لا ~~خلف فيه { للعسرى * } أي للخصلة التي هي أعسر الأشياء وأنكدها، وهي العمل ~~بما يغضبه سبحانه الموجب لدخول النار وما أدى إليه، وأشار بنون العظمة في ~~كل من نجد الخير ونجد الشر إلى أن ارتكاب الإنسان لكل منهما في غاية ~~البعد، أما نجد الخير فلما حفه من المكاره، وأما نجد الشر فلما في العقل ~~والفطرة الأولى من الزواجر عنه، وذلك كله أمر قد فرغ منه في الأزل بتعيين ~~أهل السعادة وأهل الشقاوة # " وكل كما قال صلى الله عليه وسلم - ميسر لما خلق له ". ### || [92.11-21] # ولما كان أهل الدنيا إذا وقعوا في ورطة تخلصوا منها بأموالهم قال: { وما ~~يغني } أي في تلك الحالة { عنه } أي هذا الذي بخل وكذب { ماله } أي الذي ~~بخل به رجاء نفعه، ويجوز أن يكون استفهاما إنكاريا فيكون نافيا ~~للإغناء على أبلغ وجه { إذا تردى * } أي هلك بالسقوط في حفرة القبر ~~والنار، تفعل من الردى وهو الهلاك والسقوط في بئر. # ولما كان ربما قال المتعنت الجاهل بما له سبحانه وتعالى من العظمة التي ~~لا اعتراض لأحد عليها: ما له لا ييسر الكل للحسنى، استأنف جوابه مبينا ~~من ألزم به نفسه من المصالح تفضلا منه بما له من اللطف والكرم وما يفعله ~~مما هو له من غير نظر إلى ذلك بما له من الجبروت والكبر، فقال مؤكدا ~~تنبيها على أنه يحب العلم بأنه لا حق لأحد عليه أصلا: { إن علينا } أي ~~على ما لنا من العظمة { للهدى * } أي البيان للطريق الحق وإقامة الأدلة ~~الواضحة على ذلك. # ولما بين ما ألزمه نفسه المقدس فصار كأنه عليه لتحتم وقوعه فكان ربما ~~أوهم أنه يلزمه شيء، أتبعه ما ينفيه ويفيد أن له غاية التصرف فلا يعسر ~~عليه شيء ms5613 أراده فقال: { وإن لنا } أي يا أيها المنكرون خاصا بنا، وقدم ~~ما العناية به أشد لأجل إنكارهم لا للفاصلة، فإنه يفيدها مثلا أن يقال: ~~للعاجلة والأخرى، فقال: { للآخرة والأولى * } فمن ترك ما بينا له من طريق ~~الهداية لم يخرج عن كونه لنا ولم يضر إلا نفسه ولنا التصرف التام، بما ~~نقيم من الأسباب المقربة للشيء جدا، ثم بما نقيم من الموانع الموجبة ~~لبعده غاية البعد، فنعطي من نشاء ما نشاء ونمنع من نشاء ما نشاء، ومن طلب ~~منهما شيئا من غيرنا فال رأيه وخاب سعيه، وليس التقديم لأجل الفاصلة، ~~فقد ثبت بطلان هذا وأنه لا يحل اعتقاده في غير موضع، منها آخر سورة ~~براءة، وأنه لا فرق بين أن يعتقد أن فيه شيئا موزونا بقصد الوزن فقط ~~ليكون شعرا، وأن يعتقد أن فيه شيئا قدم أو أخر لأجل الفاصلة فقط ليكون ~~سجعا، على أنه لو كان هذا لأجل الفاصلة فقط لكان يمكن أن يقال: للأولى - ~~أو للأولة - والأخرى مثلا. # ولما أخبر سبحانه وتعالى أنه ألزم نفسه المقدس البيان، وأن له كل شيء، ~~المستلزم لإحاطة العلم وشمول القدرة، شرح ذلك بما سبب عنه من قوله لافتا ~~القول إلى تجريد الضمير من مظهر العظمة للترقق بالمخاطبين في تبعيد الوهم ~~وتقريب الفهم فقال: { فأنذرتكم } أي حذرتكم أيها المخالفون للطريق الذي ~~بينته { نارا تلظى * } أي تتقد وتتلهب تلهبا هو في غاية الشدة من غير ~~كلفة فيه على موقدها أصلا ولا أحد من خزنتها - بما أشار إليه إسقاط ~~التاء، وفي الإدغام أيضا إشارة إلى أن أدنى نار الآخرة كذلك، فيصير ~~إنذار ما يتلظى وما فوق ذلك من باب الأولى. # ولما كان قد تقدم غير مرة تخصيص كل من المحسن والمسيء بداره بطريق الحصر ~~إنكارا لأن يسوى محسن بمسيء في شيء، وكان الحصر ب " لا " و " إلا " ~~أصرح أنواعه قال: { لا يصلاها } أي يقاسي حرها وشدتها على طريق اللزوم ~~والانغماس { إلا الأشقى * } أي الذي هو في الذروة من الشقاوة وهو الكافر، ~~فإن الفاسق وإن دخلها لا ms5614 يكون ذلك له على طريق اللزوم، ولذلك وصفه بقوله ~~تعالى: { الذي كذب } أي أفسد قوته العلمية بأن أعرض عن الحق تكبرا ~~وعنادا فلم يؤت ماله لزكاة نفسه { وسيجنبها } أي النار الموصوفة بوعد لا ~~خلف فيه عن قرب - بما أفهمته السين من التأكيد مع التنفيس، وتجنيبه له في ~~غاية السهولة - بما أفهمه البناء للمفعول { الأتقى * } أي الذي أسس قوته ~~العلمية أمكن تأسيس، فكان في الذروة من رتبة التقوى وهو الذي اتقى الشرك ~~والمعاصي، وهو يفهم أن من لم يكن في الذروة لا يكون كذلك، فإن الفاسق ~~يدخلها ثم يخرج منها، ولا ينافي الحصر السابق. # ولما ذكر ما يتعلق بالقوة العلمية، أتبعه ما ينظر إلى القوة العملية ~~فقال: { الذي يؤتي ماله } أي يصرفه في مصارف الخير، ولذلك بينه بقوله ~~تعالى: { يتزكى * } أي يتطهر من الأوضار والأدناس بتطهيره لنفسه ~~وتنميتها بذلك الإيتاء بالبعد عن مساوىء الأخلاق ولزوم محاسنها لأنه ما ~~كذب وما تولى، والآية من الاحتباك: ذكر التكذيب أولا دليلا على حذف ضده ~~ثانيا، وإيتاء المال ثانيا دليلا على حذف ضده أولا. # ولما كان الإنسان قد يعطي ليزكي نفسه بدفع مانه ومكافأة نعمه قال: { ~~وما } أي والحال أنه ما { لأحد عنده } وأعرق في النفي فقال: { من نعمة ~~تجزى * } أي هي مما يحق جزاؤه لأجلها. ولما نفى أن يكون بذلك قصد مكافأة، ~~قال مبينا قصده باستثناء منقطع: { إلا } أي لكن قصد بذلك { ابتغاء } أي ~~طلب وقصد، ولفت القول إلى صفة الإحسان إشارة إلى وصفه بالشكر فقال: { وجه ~~ربه } الذي أوجده ورباه وأحسن إليه بحيث إنه لم ير إحسانا إلا منه ولا ~~عنده شيء إلا وهو من فضله { الأعلى * } أي مطلقا فهو أعلى من كل شيء، ~~فلا يمكن أن يعطي أحد من نفسه شيئا يقع مكافأة له، وعبر عن المنقطع ~~بأداة المتصل للإشارة إلى أن الابتغاء المذكور كأنه نعمة ممن آتاه المال ~~لأن الابتغاء - وهو تطلب رضا الله - كان السبب في ذلك الإيتاء بغاية ~~الترغيب، وقد آل الأمر بهذه العبارة الرشيقة والإشارة الأنيقة مع ما ms5615 ~~أومأت إليه من الترغيب، وأعطته من التحبيب إلى أن المعنى: إنه لا نعمى ~~عليه لأحد في ذلك إلا الله، وعبر بالوجه إشارة إلى أن قصده أعلى القصود ~~فلا نظر له إلا إلى ذاته سبحانه وتعالى التي عبر عنها بالوجه لأنه أشرف ~~الذات، وبالنظر إليه تحصل الحياة والرغبة والرهبة، لا إلى طلب شيء من ~~دنيا ولا آخرة. # ولما كان هذا مقاما ليس فوقه مقام، قال تعالى بعد وعده من الإنجاء من ~~النار: { ولسوف يرضى * } أي بإعطاء الجنة العليا والمزيد بوعد لا خلف فيه ~~بعد المذلة في الحياة الطيبة - بما أشارت إليه أداة التنفيس ولا بدع أن ~~يكون هذا الوعد على هذا الوجه الأعلى لأن الآية نزلت في أبي بكر الصديق ~~رضي الله عنه حين اشترى بلالا رضي الله عنه في جماعة من الضعفاء ~~المسلمين يؤذيهم المشركون فأعتقهم، فبين تعالى أنه مطبوع على تزكية نفسه ~~فهو المفلح كما ذكر في سورة الشمس، وأنه مخلص لإعطائه الضعفاء من الأيتام ~~والمساكين وإعتاقه الضعفاء في كل حال كما ذكر في سورة البلد، نقل البغوي ~~رضي الله تعالى عنه عن الزبير يعني ابن بكار أنه قال: كان أبو بكر رضي ~~الله عنه يبتاع الضعفاء فيعتقهم فقال له أبوه: أي بني! لو كنت تبتاع من ~~يمنع ظهرك، قال: منع ظهري أريد. وقال: إنه أعتق بلالا وأم عميس وزهرة ~~فأصيب بصرها حين أعتقها، فقالت قريش: ما أذهب بصرها إلا اللات والعزى، ~~فقالت: كذبوا وبيت الله، ما تضر اللات والعزى ولا تنفعان، فرد الله عليها ~~بصرها، وأعتق النهدية وابنتها وجارية بني المؤمل. وقال: إنه اشترى بلالا ~~من أمية بن خلف استنقاذا له مما كان فيه من العذاب حين كان يشد يديه ~~ورجليه وقت الهاجرة ويلقيه عريانا على الرمضاء ويضربه، وكلما ضربه صاح ~~ونادى: أحد أحد، فيزيده ضربا فاشتراه بعبد كان لأبي بكر رضي الله عنه، ~~كان ذلك العبد صاحب عشرة الآف دينار وغلمان وجوار ومواش وكان مشركا، ~~فلما اشتراه به وأعتقه قال المشركون: ما فعل هذا ببلال إلا ليد ms5616 كانت ~~لبلال عنده، يعني فأنزل الله ذلك تكذيبا لهم. ومن أبدع الأشياء تعقيبها ~~بالضحى التي هي في النبي صلى الله عليه وسلم وفيها # ولسوف يعطيك ربك فترضى # [الضحى: 5] إشارة إلى أنه أقرب أمته إلى مقامه صلى الله عليه وسلم ما ~~عدا عيسى صلى الله عليه وسلم لأنه الأتقى بعد النبيين مطلقا، وإلى أن ~~خلافته حق لا مرية فيه لأنه مما وعد النبي صلى الله عليه وسلم أنه يرضيه ~~وأنه لا يرضيه غيره كما أنه أرضاه خلافته له في الصلاة ولم يرضه غيره حين ~~نهى عن ذلك بل زجر لما سمع قراءة غيره وقال: # " يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر رضي الله عنه " # وقد رجع آخرها على أولها بأن سعي هذا الصديق رضي الله عنه مباين أتم ~~مباينة سعي ذلك الأشقى، وقال بعضهم: إن المراد بذلك الأشقى أبو جهل، ~~وأيضا فإن هذا الختم دال على أن من صفى نفسه وزكاها بالتجلي بالنور ~~المعنوي من إنارة ظلام الليل بما يجليه به من ضياء القيام وغير ذلك من ~~أنواع الخير يرضى بالنور الحسي بعد الموت - والله الموفق للصواب. ### | [93 - سورة الضحى] ### || [93.1-5] # ولما حكم في آخر الليل بإسعاد الأتقياء، وكان النبي صلى الله عليه وسلم ~~أتقى الخلق مطلقا، وكان قد قطع عنه الوحي حينا ابتلاء لمن شاء من ~~عباده، وكان به صلى الله عليه وسلم صلاح الدين والدنيا والآخرة، وكان ~~الملوان سبب صلاح معاش الخلق وكثير من معادهم، أقسم سبحانه وتعالى بهما ~~على أنه أسعد الخلائق دنيا وأخرى، فقال مقدما ما يناسب حال الأتقى الذي ~~قصد به أبو بكر رضي الله عنه قصدا أوليا من النور الذي يملأ الأقطار، ~~ويمحو كل ظلام يرد عليه ويصل إليه، مفهما بما ذكر من وقت الضياء الناصع ~~حالة أول النهار وآخر الليل التي هي ظلمة ملتف بساقها ساق النهار عند ~~الإسفار: { والضحى * } فذكر ما هو أشرف النهار وألطفه وهو زهرته، وأضوأه ~~وهو صدره، وذلك وقت ارتفاع الشمس لأن المقسم لأجله أشرف الخلائق، وذلك ~~يدل على أنه يبلغ ms5617 من الشرف ما لا يبلغه أحد من الخلق. # ولما ذكر النهار بأشرف ما فيه مناسبة لأجل المقسم لأجله، أتبعه الليل ~~مقيدا له بما يفهم إخلاصه لأنه ليس لأشرف ما فيه اسم يخصه فقال: { ~~واليل } أي الذي به تمام الصلاة؛ ولما كان أوله وآخر النهار وآخره وأول ~~النهار ضوءا ممتزجا بظلمة لالتفات ساق الليل بساق النهار، قيد بالظلام ~~الخالص فقال: { إذا سجى * } أي سكن أهله أو ركد ظلامه وإلباسه وسواده ~~واعتدل فخلص فغطى بظلامه كل شيء، والمتسجي: المتغطي، ومع تغطيته سكنت ~~ريحه، فكان في غاية الحسن، ويمكن أن يكون الأول مشيرا إلى ما يأتي به ~~هذا الرسول صلى الله عليه وسلم من المحكم، والثاني مشيرا إلى المتشابه، ~~وهذا الأربعة الأحوال للنور والظلمة - وهي ضوء ممتزج بظلمة، وظلمة ممتزجة ~~بضوء، وضياء خالص وظلام خالص - الحاصلة في الآفاق في الإنسان مثلها، ~~فروحه نور خالص، وطبعه ظلام حالك، وقلبه نور ممتزج بظلمة النفس، والنفس ~~ظلمة ممتزجة بنور القلب، فإن قويت شهوة النفس على نورانية القلب أظلم ~~جميعه، وإن قويت نورانية القلب على ظلمة النفس صار نورانيا، وإن غلبت ~~الروح على الطبع تروحن فارتفع عن رتبة الملائكة، وإن غلب الطبع على الروح ~~أنزله عن رتبة البهائم كما قال تعالى: # إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا # [الأعراف: 179]. # ولما أقسم بهذا القسم المناسب لحاله صلى الله عليه وسلم، أجابه بقوله ~~تعالى: { ما ودعك } أي تركك تركا يحصل به فرقة كفرقة المودع ولو على ~~أحسن الوجوه الذي هو مراد المودع { ربك } أي الذي أحسن إليك بإيجادك ~~أولا، وجعلك أكمل الخلق ثانيا، ورباك أحسن تربية ثالثا، كما أنه لا ~~يمكن توديع الليل للنهار بل الضحى للنهار الذي هو أشد ضيائه، ولا يمكن ~~توديع الضحى للنهار ولا الليل وقت سجوه له. # ولما كان ربما تعنت متعنت فقال: ما تركه ولكنه لا يحبه، فكم من مواصل ~~وليس بواصل، قال نافيا لكل ترك: { وما قلى * } أي وما أبغضك بغضا ما، ~~وحذف الضمير اختصارا لفظيا ليعم، فهو من تقليل اللفظ لتكثير ms5618 المعنى، ~~وذلك لأنه كان انقطاع عنه الوحي مدة لأنهم سألوه عن الروح وقصة أهل الكهف ~~وذي القرنين فقال: # " أخبركم بذلك غدا " # ، ولم يستثن، فقالوا: قد ودعه ربه وقلاه، فنزلت لذلك، ولما نزلت كبر صلى ~~الله عليه وسلم فكان التكبير فيها وفيما بعدها سنة كما يأتي إيضاحه ~~وحكمته آخرها، وقد أفهمت هذه العبارة أن المراتب التقريبية أربع: تقريب ~~بالطاعات ومحبة وهي للمؤمنين، وإبعاد بالمعاصي وبغض وهي للكفار، وتقريب ~~بالطاعات مخلوط بتبعيد للمعاصي وهي لعصاة المؤمنين، وإعراض مخلوط بتقريب ~~بصور طاعات لا قبول لها وهي لعباد الكفار. # وقال الأستاذ أبو جعفر بن الزبير: لما قال تعالى: # فألهمها فجورها وتقواها # [الشمس: 8] ثم أتبعه بقوله في الليل: # فسنيسره # [الليل: 7 - 13] وبقوله: # إن علينا للهدى وإن لنا للآخرة والأولى # [الليل: 7 - 13]، فلزم الخوف واشتد الفزع وتعين على الموحد الإذعان ~~للتسليم والتضرع في التخلص والتجاؤه إلى السميع العليم، أنس تعالى أحب ~~عباده إليه وأعظمهم منزلة لديه، وذكر له ما منحه من تقريبه واجتبائه وجمع ~~خير الدارين له فقال تعالى: { والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى ~~وللآخرة خير لك من الأولى } ثم عدد تعالى عليه نعمه بعد وعده الكريم له ~~بقوله: { ولسوف يعطيك ربك فترضى } وأعقب ذلك بقوله: { فأما اليتيم فلا ~~تقهر وأما السائل فلا تنهر } فقد آويتك قبل تعرضك وأعطيتك قبل سؤالك، فلا ~~تقابله بقهر من تعرض وانتهار من سأل، وقد حاشاه سبحانه عما نهاه عنه ~~ولكنه تذكير بالنعم وليستوضح الطريق من وفق من أمة محمد صلى الله عليه ~~وسلم، أما هو صلى الله عليه وسلم فحسبك من تعرف رحمته ورفقه # وكان بالمؤمنين رحيما # [الأحزاب: 43] # عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم # [التوبة: 128] ثم تأمل استفتاح هذه السورة ومناسبة ذلك المقصود ولذلك ~~السورة قبلها برفع القسم في الأولى بقوله: # والليل إذا يغشى # [الليل: 1] تنبيها على إبهام الأمر في السلوك على المكلفين وغيبة حكم ~~العواقب، وليناسب هذا حال المتذكر بالآيات وما يلحقه من الخوف مما أمره ~~غائب عنه من تيسيره ومصيره واستعصامه ms5619 به يحصل اليقين واستصغار درجات ~~المتقين، ثم لما لم يكن هذا غائبا بالجملة عن آحاد المكلفين أعني ما ~~يثمر العلم اليقين ويعلي من أهل للترقي في درجات المتقين، بل قد يطلع ~~سبحانه خواص عباده - بملازمته التقوى والاعتبار - على واضحة السبيل ~~ويريهم مشاهدة وعيانا ما قد انتهجوا قبل سبيله بمشقة النظر في الدليل، ~~قال صلى الله عليه وسلم لحارثة: # " وجدت فالزم " # وقال مثله للصديق، وقال تعالى: # لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة # [يونس: 64] # إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ~~ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون نحن أولياؤكم في الحياة ~~الدنيا وفي الآخرة # [فصلت: 30] فلم يبق في حق هؤلاء ذلك الإبهام، ولا كدر خواطرهم بتكاثف ~~ذلك الإظلام، بما منحهم سبحانه وتعالى من نعمة الإحسان بما وعدهم في ~~قوله: # يجعل لكم فرقانا # [الأنفال: 29] و # يجعل لكم نورا تمشون به # [الحديد: 28] # أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في ~~الظلمات ليس بخارج منها # [الأنعام: 122] فعمل هؤلاء على بصيرة، واستولوا اجتهادا بتوفيق ربهم ~~على أعمال جليلة خطيرة، فقطعوا عن الدنيا الآمال، وتأهبوا لآخرتهم بأوضح ~~الأعمال # تتجافى جنوبهم عن المضاجع # [السجدة: 16] # فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين # [السجدة: 17] فلابتداء الأمر وشدة الإبهام والإظلام أشار قوله سبحانه ~~وتعالى: { والليل إذا يغشى } ولما يؤول إليه الحال في حق من كتب في قلبه ~~الإيمان وأيده بروح منه أشار قوله سبحانه وتعالى: { والنهار إذا تجلى } ~~ولانحصار السبل وإن تشعبت في طريقي # فمنكم كافر ومنكم مؤمن # [التغابن: 2] # فريق في الجنة وفريق في السعير # [الشورى: 7] أشار قوله سبحانه وتعالى: # وما خلق الذكر والأنثى # [الليل: 3] # ومن كل شيء خلقنا زوجين # [الذاريات: 49] # ففروا إلى الله # [الذاريات: 50] الواحد مطلقا، فقد وضح لك إن شاء الله بعض ما يسر من ~~تخصيص هذا القسم - والله أعلم، أما سورة الضحى فلا إشكال في مناسبة في ~~استفتاح القسم بالضحى لما يسره به سبحانه لا سيما إذا اعتبر ما ذكر من ~~سبب ms5620 نزول السورة، وأنه صلى الله عليه وسلم كان قد فتر عنه الوحي حتى قال ~~بعض الكفار: قلى محمدا ربه، فنزلت السورة مشعرة عن هذه النعمة والبشارة ~~- انتهى. # ولما ذكر حاله في الدنيا بأنه لا يزال يواصله بالوحي والكرامة، ومنه ما ~~هو مفتوح على أمته من بعده روي عن أنس رضي الله عنه أنه قال: سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " أريت ما هو مفتوح على أمتي من بعدي كفرا كفرا فسرني ذلك " # فلما كان ذلك وكان ذكره على وجه شمل الدارين صرح بالآخرة التي هي أعلى ~~وأجل، ولأدنى من يدخلها فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب ~~بشر، فكيف بما له صلىالله عليه وسلم، فقال مؤكدا لذلك كما أكد الأول ~~بالقسم بما لهم فيه من الإنكار: { وللآخرة } أي التي هي المقصود من ~~الوجود بالذات لأنها باقية خالصة عن شوائب الكدر أو الحالة المتأخرة لك ~~ليفهم منه أنه لا يزال في ترق من علي إلى أعلى منه وكامل إلى أكمل منه ~~دائما أبدا لا إلى نهاية { خير } وقيد بقوله: { لك } لأنه ليس كل أحد ~~كذلك { من الأولى * } أي الدنيا الفانية التي لا سرور فيها خالص كما أن ~~النهار الذي هو بعد الليل خير منه وأشرف ولا سيما الضحى منه، وقد أفهم ~~ذلك أن الناس على أربعة أقسام: منهم من له الخير في الدارين وهم أهل ~~الطاعة الأغنياء، ومنهم من له الشر فيهما وهم الكفرة الفقراء، ومنهم من ~~له صورة خير في الدنيا وشر الآخرة وهم الكفرة الأغنياء، ومنهم من له صورة ~~شر في الدنيا وخير في الآخرة وهم المؤمنون الفقراء، قد قال: # الناس في الدنيا على أربع # والنفس في فكرتهم حائره # فواحد دنياه مقبوضة # إن له من بعدها آخره # وواحد دنياه مبسوطة # ليس له من بعدها آخره # وواحد قد حاز حظيهما # سعيد في الدنيا وفي الآخره # وواحد يسقط من بينهم # فذلك لا دنيا ولا آخره # ولما ذكر سبحانه الدنيا والآخرة، ذكر ما يشملهما مما ms5621 زاده من فضله، فقال ~~مصدرا بحرف الابتداء تأكيدا للكلام لأنهم ينكرونه وليست للقسم لأنها ~~إذا دخلت على المضارع لزمته النون المؤكدة، وضم هذه اللام إلى كلمة ~~التنفيس للدلالة على أن العطاء وإن تأخر وقته لحكمة كائن لا محالة: { ~~ولسوف يعطيك } أي بوعد لا خلف فيه وإن تأخر وقته بما أفهمته الأداة { ربك ~~} أي الذي لم يزل يحسن إليك بوعد الدنيا ووعد الآخرة { فترضى * } أي ~~فيتعقب على ذلك ويتسبب عنه رضاك. وهذا شامل لما منحه بعد كمال النفس من ~~كمال العلم وظهور الأمر وإعلاء الدين وفتح البلاد ودينونة العباد ونقص ~~ممالك الجبابرة، وإنهاب كنوز الأكاسرة والقياصرة، وإحلال الغنائم حتى كان ~~يعطي عطاء من لا يخاف الفقر، وشامل لما ادخره له سبحانه وتعالى في الآخرة ~~من المقام المحمود والحوض المورود، والشفاعة العظمى إلى غير ذلك مما لا ~~يدخل تحت الحدود، وقد أفهمت العبارة أن الناس أربعة أقسام: معطى راض، ~~وممنوع غير راض، ومعطى غير راض، وممنوع راض، وعن علي رضي الله عنه أنها ~~أرجى آية في القرآن لأنه صلى الله عليه وسلم لا يرضى واحدا من أمته في ~~النار. ### || [93.6-11] # ولما وعده بأنه لا يزال في كل لحظة يرقيه في مراقي العلا والشرف، ذكره ~~بما رقاه به قبل ذلك من حين توفي أبوه وهو حمل وماتت أمه وهو ابن ثمان ~~سنين، فتم يتمه من الأبوين قبل بلوغه لئلا يكون عليه - كما قال جعفر ~~الصادق - حق لمخلوق، فقال مقررا له: { ألم يجدك } أي يصادفك أي يفعل بك ~~فعل من صادف آخر حال كونه { يتيما فآوى * } ولما كان يلزم من اليتم في ~~الغالب عدم العلم لليتيم لتهاون الكافل، ومن عدم العلم الضلال، قال ~~مبينا أن يتمه وإهماله من الحمل على دينهم كان نعمة عظيمة عليه لأنه لم ~~يكن على دين قومه في حين من الأحيان أصلا: { ووجدك } أي صادفك { ضالا } ~~أي لا تعلم الشرائع # ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان # [الشورى: 52] فأطلق اللازم وهو الضلال على الملزوم، والمسبب على السبب، ~~وهو عدم العلم، ms5622 فكنت لأجل ذلك لا تقدم على فعل من الأفعال لأنك لا تعلم ~~الحكم فيه إلا ما علمت بالعقل الصحيح والفطرة السليمة المستقيمة من ~~التوحيد وبعض توابعه، وهذا هو التقوى كما تقدم في الفاتحة، ولم يرد به ~~حقيقته وإنما أعراه من التعلق بشيء من الشرائع ونحوها بإعدام من يحمله ~~على ذلك ليفرغه ذلك التأمل بنفسه فيوصله بعقله السديد إلى الاعتقاد الحق ~~في الأصول والوقوف في الفروع { فهدى * } أي فهداك هدى محيطا بكل علم، ~~فعلمك بالوحي والإلهام والتوفيق للنظر ما لم تكن تعلم. # ولما كان العيال يمنعون من التفرغ لعلم أو غيره قال: { ووجدك } أي حال ~~كونك { عائلا } أي ذا عيال لا تقدر على التوسعة عليهم أو فقيرا، قال ~~ابن القطاع: عال الرجل: افتقر، وأعال: كثر عياله. { فأغنى * } بما جعل لك ~~من ربح التجارة ثم من كسب الغنائم وقد أفهم ذلك أن الناس أربعة أقسام: ~~منهم من وجد الدين والدنيا، ومنهم من عدمهما، ومنهم من وجد الدين لا وجد ~~الدنيا، ومنهم من وجد الدنيا لا الدين. ولما ذكره بما أنعم عليه به من ~~هذه النعم الثلاث أوصاه بما يفعل في ثلاث مقابلة لها، فقال مسببا عنه ~~مقدما معمول ما بعد الفاء عليها اهتماما: { فأما اليتيم } أي هذا النوع ~~{ فلا تقهر * } أي تغلبه على شيء فإنما أذقتك اليتم تأديبا بأحسن الآداب ~~لتعرف ضعف اليتيم وذله، وفوق ذلك كفالته وهي خلافة عن الله لأن اليتيم لا ~~كافل له إلا الله، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " أنا وكافل اليتيم كهاتين " # - وأشار بالسبابة والوسطى. # ولما بدأ بما كان بداية له، ثنى بما هو نهاية له من حيث كونه يصير رأس ~~الخلق فيصير محط الرجال في كل سؤال من علم ومال، فقال مقدما له اهتماما ~~به إشارة إلى أنه جبر الخواطر واستئلاف الخلق من أعظم المقاصد في تمام ~~الدين: { وأما السائل } أي الذي أحوجته العيلة أو غيرها إلى السؤال { فلا ~~تنهر * } أي تزجر زجرا مهينا، فقد علمت مضاضة العيلة، بل أعطه ولو ~~قليلا، أو رده ms5623 ردا جميلا، وكذا السائل في العلم. # ولما ذكر له تفصيل ما يفعل في اليتيم والفقير والجاهل، أمره بما يفعل في ~~العلم الذي آتاه إياه إعلاما بأنه الآلة التي يستعملها في الأمرين ~~الماضيين وغيرهما لأنها أشرف أحوال الإنسان وهي أوفق الأمور لأن يكون ~~مقطع السورة لتوافق مطلعها فقال: { وأما بنعمة ربك } أي الذي أحسن إليك ~~بإصلاح جميع ما يهمك من العلم وغيره وبالهجرة ومبادئها عند تمام عدد آيها ~~من السين وهي إحدى عشرة { فحدث * } أي فاذكر النبوة وبلغ الرسالة فاذكر ~~جميع نعمه عليك فإنها نعم على الخلق كافة، ومنها إنقاذك بالهجرة من أيدي ~~الكفرة وإعزازك بالأنصار، وتحديثك بها شكرها، فإنك مرشد يحتاج الناس إلى ~~الاقتداء بك، ويجب عليهم أن يعرفوا لك ذلك ويتعرفوا مقدارك ليؤدوا حقك، ~~فحدثهم أني ما ودعتك ولا قليتك، ومن قال ذلك فقد خاب وافترى، واشرح لهم ~~تفاصيل ذلك بما وهبتك من العلم الذي هو أضوأ من ضياء الضحى وقد رجع آخرها ~~على أولها بالتحديث بهذا القسم والمقسم لأجله، وما للملك الأعلى في ذلك ~~من عميم فضله: ولقد امتثل صلى الله عليه وسلم وابتدأ هذا التحديث الذي ~~يشرح الصدور، ويملأ الأكوان من السرور، والنعمة والحبور، لأنه بأكبر ~~النعم المزيلة لكل النقم بالتكبير كما ورد في قراءة ابن كثير وفي رواية ~~السوسي عن أبي عمرو، واختلف القراء في ابتدائه وانتهائه ولفظه، فقال ~~بعضهم: هو من أول الضحى، وقال آخرون: من آخرها، وقال غيرهم من أول الشرح، ~~فمن قال للأول لم يكبر آخر الناس، ومن قال للآخر انتهى تكبيره بالتكبير ~~في آخرها، وسببه أن جبريل عليه الصلاة والسلام لما أتى النبي صلى الله ~~عليه وسلم بعد فترة الوحي، فتلا السورة عليه كبر مسرورا لما كان أحزنه ~~من الفترة ومن قول المشركين: قلاه ربه، وتحديثا بالنعم التي حباه الله ~~بها في هذه السورة له ولأمته امتثالا لما أمر به واختلف عنهم في لفظه، ~~فمنهم من اقتصر على " الله أكبر " ومنهم من زاد التهليل فقال: " لا إله ~~إلا الله والله أكبر " وهذا ms5624 هو المستعمل، ومنهم من زاد " ولله الحمد " ~~والراجح قول من قال: إنه لآخر الضحى إسنادا ومعنى، لأنها وإن كانت هي ~~السبب والعادة جارية بأن من دهمه أمر عظيم يكبر مع أوله، لكن شغله صلى ~~الله عليه وسلم بالإصغاء إلى ما يوحى إليه منعه من ذلك، فلما ختمت السورة ~~تفرغ له، فكان ذلك الوقت كأنه ابتداء مفاجأة ذلك الأمر العظيم له، وزاد ~~ما في السورة من جلائل النعم المقتضية للتحميد وما في ذلك من بدائع الصنع ~~الموجب للتهليل، وقد علم بذلك سبب من ظنه في أولها، وأما من ظنه لأول ~~الشرح فكونه كان في آخر الضحى، فإذا وصل بها " ألم نشرح " ألبس الحال، ~~وتعليق الأشياء بالأوائل هو الأمر المعتاد، وحكمته مع ما مضى من سببه أن ~~التهليل توحيده سبحانه وتعالى بالأمر، وامتناع شريك يمنعه من شيء يريده ~~من الوحي وغيره، والتكبير تفريده له بالكبرياء تنزيها له عن شوب نقص يلم ~~به من أن يتجدد له علم ما لم يكن ليكون ذلك سببا لقطع من وصله بوحي أو ~~غيره، والتحميد إثبات التفرد بالكمال له على إسباغ نعمه، وفي ذلك أن هذه ~~السورة آذنت بأن القرآن أشرف على الختام، لأن عادة الحكماء من المدبرين ~~تخفيف المنازل في الأواخر على السائرين كتخفيف أول مرحلة رفقا ~~بالمقصرين، فناسب الذكر بهذا عند الآخر لأن تذكر الانقضاء يهيج مثل ذلك ~~عند السالك، ولأن تقصير السور ربما أوهم شيئا مما لا يليق، فسن التنزيه ~~بتكبيره سبحانه وتعالى عن كل ما يوهم نقصا، وإثبات الكمال له بالتوحيد ~~منبه على الحث على تدبر ما في هذه السورة من الجمع للمعاني على وجازتها ~~وقصر آياتها وحلاوتها مع ما في ذلك من تخفيف التعليم، والتدريب على الحفظ ~~في المبادىء والتحبيب فيه والتهييم، والتحميد على إتمام النعمة على غاية ~~الإحكام من لدن حكيم عليم. ### | [94 - سورة الشرح] ### || [94.1-8] # ولما أمره صلى الله عليه وسلم آخر الضحى بالتحديث بنعمته التي أنعمها ~~عليه فصلها في هذه السورة فقال مثبتا لها في استفهام إنكاري مبالغة في ms5625 ~~إثباتها عند من ينكرها والتقرير بها مقدما المنة بالشرح في صورته قبل ~~الإعلام بالمغفرة كما فعل ذلك في سورة الفتح الذي هو نتيجة الشرح، لتكون ~~البشارة بالإكرام أولا لافتا القول إلى مظهر العظمة تعظيما للشرح. { ~~ألم نشرح } أي شرحا يليق بعظمتنا { لك } أي خاصة. # ولما عين المشروح له، فكان المشروح مبهما، فزاد تشوف النفس إليه ليكون ~~أضخم له، بينه ليكون بيانا بعد إبهام فيكون أعظم في التنويه به وأجل في ~~التعريف بأمره فقال: { صدرك * } أي نسره ونفرحه بالهجرة، فإن هذه السورة ~~مدنية عند ابن عباس رضي الله عنهما، ونجله ونعظمه ونخرج منه قلبك ونشقه ~~ونغسله ونملأه إيمانا وحكمة ورأفة وعلما ورحمة، فانفسح جدا حتى وسع ~~مناجاة الحق ودعوة الخلق، فكان مع الحق بعظمته وارتفاعه، ومع الخلق بفيض ~~أنواره وشعاعه، وقد كان هذا الشرع حقيقة مرارا، وكان مجازا أيضا ~~بإحلال جميع معانيه، وكل ذلك على ما لا يدخل تحت الوصف لا يعبر لكم عنه ~~بأثر من أنه شق بعظمتنا، فالعلم الذي شق به معرفة الله والدار الآخرة ~~والدين والدنيا، والحمة التي درت فيه هي وضع الشيء في محله، وإعطاء كل ~~ذي حق حقه، وقرأ أبو جعفر المنصور بفتح جاء " نشرح " وخرجها ابن عطية على ~~التأكيد بالنون الخفيفة ثم أبدل ألف من النون، ثم حذف النون تخفيفا، ~~وقال أبو حيان بأن اللحياني حكى في نوادره عن بعض العرب النصب بلم والجزم ~~بلن، وسره هنا أن الفتح في اللفظ مناسب غاية المناسب للشرح، ووجه قراءة ~~الجمهور أنه لما دل على الفتح بالشرح دل بالجزم على أنه مع ذلك رابط لما ~~أودعه من الحكم ضابط له، هاد بما فيه من رزانة العلم، ووقار التقى ~~والحلم، قال ابن برجان: ففرق ما بين النبي والولي في ذلك أن النبي شرح ~~صدره ظاهرا فأعلى ظاهرا، والولي شرح ذلك منه باطنا فعلى به باطنا، ~~والكافر ضيق ذلك منه وأبقى بظلمته وحظوظ الشيطان منه فهو لا يستطيع قبول ~~الهداية ولا الصعود في معارج العبرة إلا على مقدار ما يستطيع ms5626 الصعود في ~~السماء # كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون # [الأنعام: 125]. # ولما كانت سعة الصدر بالعلم والحكمة هي الجمال باجتماع المحاسن، وكان ~~ذلك مع حمل ما يعني من أعظم النكد، وكان الجمال بجمع المحاسن لا يكمل إلا ~~إذا جمع إلى الجمال الجلال بانتفاء الرذائل، وكان الاستفهام الإنكاري إذا ~~اجتمع مع النفي صار إثباتا، لأنه نفي للنفي، قال عاطفا عليه ما لا يعطف ~~إلا مع الإثبات { ووضعنا } أي حططنا وأسقطنا وأبطلنا حطا لا رجعة له ولا ~~فيه بوجه بما لنا من العظمة، مجاوزا { عنك وزرك * } أي حملك الثقيل الذي ~~لا يستطاع حمله، ولذلك وصفه بقوله: { الذي أنقض ظهرك * } أي جعله وهو ~~عماد بدنك تصوت مفاصله من الثقل كما يصوت الرحل الجديد إذا لز بالحمل ~~الثقيل، وذلك هو ما دهمه عندما أمر بإنذار قومه ومفاجأتهم بما يكرهون عن ~~عيب دينهم وتضليل آبائهم وتسفيه حلومهم في التدين بدين لا يرضاه أدنى ~~العقلاء إذا تأمل شيئا من تأمل مع التجرد من حظ النفس مع ما عندهم من ~~الأنفة والحمية وإلقاء الأنفس في المهالك لأدنى غضب، فقال: # " يا رب إذن يثلغوا رأسي فيدعوه خبزة " # فخفف سبحانه وتعالى عنه ذلك بما أظهر له من الكرامات وأيده به من ~~المعجزات، وضمن له من الحماية إلى أمور لا يحيط بها علما إلا الذي أيده ~~بها # والله يعصمك من الناس # [المائدة: 67] حتى خف ذلك عليه، فصار أشفق أهله عليه يمنعه من بعض ~~الإبلاغ ويمسك بثوبه لئلا يخرج إلى النار فيقول لهم ذلك فيحصل له ما يكره ~~فيجذب نفسه منه ويخرج إليهم فيخبرهم كما وقع في أمر الإسراء وغيره، وقال ~~ابن عباس رضي الله عنهما: هو أن جبريل عليه الصلاة والسلام شق صدره فأخرج ~~منه قلبه فشرحه وأخرج منه علقة سوداء فأنقاه وغسله ثم ملأه علما ~~وإيمانا وحكمة، يعني فصار يحتمل ما لا يحتمله غيره، وخف عليه ما يثقل ~~على غيره، ولا شك أن ذلك وزر لغوي، وهو واضح، وشرعي بالمال على تقدير ترك ~~الامتثال اللازم للاستثقال، وقد أعاذه ms5627 الله من ذلك. # وقال الأستاذ أبو جعفر بن الزبير: معنى هذه السورة من معنى السورة ~~قبلها، وحاصل السورتين تعداد نعمه سبحانه وتعالى عليه، فإن قلت: فلم فصلت ~~سورة ألم نشرح ولم ينسق ذكر هذه النعم في سورة واحدة، قلت: من المعهود في ~~البشر فيمن عدد على ولده أو عبده نعما أن يذكر له أولا ما شاهد الحصور ~~عليه منها بسببه مما يمكن أن يتعلق في بعضها بأن ذلك وقع جزاء لا ابتداء، ~~فإذا استوفى له ما قصده من هذا، أتبعه بذكر نعم ابتدائية قد كان ابتداؤه ~~بها قبل وجوده كقول الأب مثلا لابنه: ألم أختر لأجلك الأم والنفقة حيث ~~استولدتك وأعددت من مصالحك كذا وكذا، ونظير ما أشرنا إليه بقوله سبحانه ~~لزكريا عليه الصلاة والسلام # ولم تك شيئا # [مريم: 9] وقد قدم له # إنا نبشرك بيحيى # [مريم: 7] والية { إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى } وتوهم استبداد الكسبية ~~في وجود الولد غير خافية في حق من قصر نظره ولم يوفق فابتدىء بذكرها ثم ~~أعقب بما لا يمكن أن يتوهم فيه ذلك، وهو قوله: # وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا # [مريم: 9] وله نظائر من الكتب وعليه جاء ما ورد في هاتين السورتين - ~~والله أعلم - انتهى. # ولما شرفه في نفسه بالكمال الجامع للجلال إلى الجلال، وكان ذلك لا يصفو ~~إلا مع الشرف عند الناس قال: { ورفعنا } أي بما لنا من العظمة والقدرة ~~الباهرة { لك } أي خاصة رفعة تتلاشى عندها رفعة غيرك من الخلق كلهم { ~~ذكرك * } عند جميع العالمين العقلاء وغيرهم بالصدق والأمانة والحلم ~~والرزانة ومكارم الأخلاق وطهارة الشيم وانتفاء شوائب النقص حتى ما كانت ~~شهرتك عند قومك قبل النبوة إلا الأمين، وكانوا يضربون المثل بشمائلك ~~الطاهرة، وأوصافك الزاهرة الباهرة، ثم بالنبوة ثم بالرسالة ثم بالهجرة، ~~وبأن جعلنا اسمك مقرونا باسمنا في كلمة التوحيد والإيمان والأذان ~~والإقامة والتشهد والخطبة، فلا أذكر إلا وذكرت معي، ومن الكرامة الظفر ~~على أعدائك والكرامة لأوليائك، وجعل رضاك رضاي وطاعتك طاعتي، وأمر ~~ملائكتي بالصلاة عليك، ومخاطبتي لك بالألقاب العلية والسمات ms5628 المعزة ~~المعلية من الرسول والنبي، ونحو ذلك على حسب الأساليب ومناسبات التراكيب ~~إلى غير ذلك من فضائل ومناقب وشمائل لا تضبط بالوصف، قال الرازي: ثم جعل ~~لأمته من ذلك أوفر الحظ، قيل: يا رسول الله، من أولياء الله؟ قال: # " الذين إذا ذكروا ذكر الله " # وفي حديث: # " الذين إذا رؤوا ذكر الله " # وقال: # " خياركم من تذكر الله رؤيته، ويزيد في علمكم منطقه، ويزهدكم في الدنيا ~~عمله " # فمنتهى قسمة الثناء أن خلط ذكره بذكره. # ولما ذكر هذه المآثر الشريفة التي هي الكمال، وكان الكمال لا يصفو إلا ~~مع مساعدة الأقدار، فإن الهمم إذا عظمت اتسعت مجالاتها، فإذا حصل فيها ~~تعطيل حصل فيها نكد حسبه، بين أنه أزال عنه العوائق في عبارة دالة على أن ~~سبب المنحة بهذه الكمالات هو ما كان صلى الله عليه وسلم فيه من الصبر على ~~الأكدار، وتجرع مرارات الأقدار، فقال مؤكدا ترغيبا في حمل مثل ذلك رجاء ~~في الإثابة بما يليق من هذه المعالي مبالغا في الحث على تحمله بذكر ~~المعية إشارة إلى تقارب الزمنين بحيث إنهما كانا كالمتلازمين مسببا عما ~~مضى ذكره من حاله من الضحى: { فإن } أي فعل بك سبحانه هذه الكمالات ~~الكبار بسبب أنه قضى في الأزل قضاء لا مرد له ولا معقب لشيء منه أن { مع ~~العسر } أي هذا النوع خاصة { يسرا * } أي عظيما جدا يجلب به المصالح ~~ويشرح به ما كان قيده من القرائح، فإن أهل البلاء ما زالوا ينتظرون ~~الرخاء علما منهم بالفطرة الأولى التي فطر الناس عليها أنه المتفرد ~~بالكمال، وأنه الفاعل بالاختيار لنسمه الكوائن بأضدادها، وقد أجرى سنته ~~القديمة سبحانه وتعالى بأن الفرج مع الكرب، فلما قاسى صلى الله عليه وسلم ~~مما ذكر في الضحى من اليتم الشديد وضلال قومه العرب خاصة كلهم الذين ~~ألهمه الله تعالى مخالفتهم في أصل الدين بتجنب الأوثان، وفي فرعه بالوقوف ~~مع الناس في الحج في عرفة موقف إبراهيم عليه الصلاة والسلام، ومن العيلة ~~ما لم يحمله أحد حتى كان بحيث يمتن سبحانه وتعالى عليه ms5629 بإنقاذه منه في ~~كتابه القديم وذكره الحكيم، وكان مع تحمل ذلك قائما بما يحق له من الصبر ~~ويعلو إلى معالي الشكر " فيحمل " - كما قالت الصديقة الكبرى خديجة رضي ~~الله تعالى عنها - " الكل، ويقري الضيف، ويصل الرحم، ويعين على نوائب ~~الحق ". # ثم حمل أعباء النبوة فكان يلقى من قومه من الأذى والكرب والبلاء ما لم ~~يحمله غيره، بشره الله تعالى بأنه ييسر له جميع ذلك ويلين قلوبهم فيظهر ~~دينه على الدين كله، ويغني أصحابه رضي الله عنهم بعد عيلتهم، ويكثرهم بعد ~~قلتهم، ويعزهم بعد ذلتهم، ويصير هؤلاء المخالفون له أعظم الأعضاد، وينقاد ~~له المخالف أتم انقياد، ويفتح له أكثر البلاد، ليكون هذا العطاء في اليسر ~~بحسب ما كان وقع من العسر، فإنه قضى سبحانه وتعالى قضاء لا يرتد أنه ~~يخالف بين الأحوال، دليلا قاطعا على أنه تعالى وحده الفعال، وأن فعله ~~بالاختيار، لا بالذات والإجبار. # ولما كان العسر مكروها إلى النفوس، وكان لله سبحانه وتعالى فيه حكما ~~عظيمة، وكانت الحكم لا تتراءى إلا للأفراد من العباد، كرره سبحانه وتعالى ~~على طريق الاستئناف لجواب من يقول: وهل بعده من عسر؟ مؤكدا له ترغيبا ~~في أمره ترقبا لما يتسبب عنه مبشرا بتكريره مع وحدة العسر وإن كان حمل ~~كل واحد منهما على شيء غير ما قصد به الآخر ممكنا فقال: { إن مع العسر } ~~أي المذكور فإنه معرفة، والمعرفة إذا أعيدت معرفة كانت غير الأولى سواء ~~أريد العهد أو الجنس { يسرا * } أي آخر لدفع المضار والمكاره، فإن ~~النكرة إذا أعيدت نكرة احتمل أن تكون غير الأولى، وقد قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: # " إنها غيرها " # فقال الحسن البصري: إن الآية لما نزلت قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " أتاكم اليسر لن يغلب عسر يسرين " # وقد روى هذا من أوجه كثيرة، وروى عبد الرزاق عن ابن مسعود رضي الله عنه ~~قال: # " لو كان العسر في جحر ضب لتبعه اليسر حتى يخرجه " # وللطبراني عنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لو ms5630 كان العسر في جحر لدخل عليه اليسر حتى يخرجه " # ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم الآية، قال الحافظ نور الدين ~~الهيثمي: وفيه أبو مالك النخعي وهو ضعيف، ورواه الطبراني أيضا في الأوسط ~~والبزار عن أنس رضي الله عنه بنحوه، قال الهيثمي: وفيه عائذ بن شريح وهو ~~ضعيف، وروى الفراء عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم خرج ذات يوم وهو يضحك ويقول: # " لن يغلب عسر يسرين " # وروى عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن الحسن به مرسلا، ومن طريقه أخرجه ~~الحاكم والبيهقي في الشعب ورواه الطبري من طريق ابن ثور عن معمر، ورواه ~~ابن مردويه من طريق أخرى موصولا وإسناده ضعيف، وفي الباب عن عمر ذكره ~~مالك في الموطإ عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر رضي الله عنه أنه بلغه أن ~~أبا عبيدة رضي الله عنه حضر بالشام فكتب إليه كتابا فيه " ولن يغلب عسر ~~يسرين " ومن طريقه رواه الحاكم، قال ذلك شيخنا ابن حجر في تخريج أحاديث ~~الكشاف، وقال: وهذا أصح طرقه - انتهى، وهذا من جهة أن اليسر نكرة والعسر ~~معرفة، وقد اشتهر أن النكرة إذا أعيدت نكرة فالثاني غير الأول، والمعرفة ~~بالعكس، قال الشيخ سعد الدين التفتازاني في أول تلويحه في الكلام على ~~المعرفة والنكرة: الكلام فيما إذا أعيد اللفظ الأول إما مع كيفيته من ~~التنكير والتعريف أو بدونها، وحينئذ يكون طريق التعريف هو اللام أو ~~الإضافة ليصح إعادة المعرفة نكرة وبالعكس، وتفصيل ذلك أن المذكور أولا ~~إما أن يكون نكرة أو معرفة، وعلى التقديرين إما أن يعاد نكرة أو معرفة ~~فيصير أربعة أقسام، وحكمها أن ينظر إلى الثاني، فإن كان نكرة فهو مغاير ~~للأول، وإلا لكان المناسب هو التعريف بناء على كونه معهودا سابقا ~~بالذكر، إن كان معرفة فهو الأول حملا له على المعهود الذي هو الأصل في ~~اللام والإضافة، وذكر في الكشف أنه إذا أعيدت النكرة نكرة فالثاني مغاير ~~للأول وإلا فعينه ms5631 فإن المعرفة تستغرق الجنس، والنكرة تتناول البعض، فيكون ~~داخلا في الكل سواء قدم أو أخر، وفيه نظر، أما أولا فلان التعريف لا ~~يلزم أن تكون للاستغراق بل العهد هو الأصل، وعند تقدم المعهود لا يلزم أن ~~تكون النكرة عينه، وأما ثانيا فلان معنى كون الثاني عين الأول أن يكون ~~المراد به هو المراد بالأول، والجزء بالنسبة إلى الكل ليس كذلك، وأما ~~ثالثا فإن إعادة المعرفة نكرة مع مغايرة الثاني للأول كثير في الكلام، ~~قال الله تعالى: # ثم آتينا موسى الكتاب تماما # [الأنعام: 154] إلى قوله: # وهذا كتاب أنزلناه # [الأنعام: 155] وقال تعالى: # " اهبطوا بعضكم لبعض عدو " # [البقرة: 36] وقال تعالى: # ورفع بعضكم فوق بعض درجات # [الأنعام: 165] إلى غير ذلك، وقال غيره: # أيسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء # [النساء: 153] ومنه قول الشاعر: # إذا الناس ناس والزمان زمان # فإن الثاني لو كان عين الأول لم يكن في الإخبار به فائدة - انتهى. # قال: واعلم أن المراد أن هذا هو الأصل عند الإطلاق وخلو المقام عن ~~القرائن وإلا فقد تعاد النكرة مع عدم المغايرة كقوله تعالى: # وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله # [الزخرف: 84] # وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه قل إن الله قادر على أن ينزل آية # [الأنعام: 37] # ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة # [الروم: 54] يعني قوة الشباب، ومنه باب التأكيد اللفظي، وقد تعاد النكرة ~~معرفة مع المغايرة كقوله تعالى: { وهذا كتاب أنزلناه مبارك } إلى قوله: # أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا # [الأنعام: 156] وقال غيره: # فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير # [النساء: 128] المراد بالنكرة خاص وهو الصلح بين الزوجين، وبالمعرفة عام ~~في كل صلح جائز # زدناهم عذابا فوق العذاب # [النحل: 88] فإن الشيء لا يكون فوق نفسه - انتهى. قال: وقد تعاد المعرفة ~~معرفة مع المغايرة كقوله تعالى: # وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب # [المائدة: 48] وقال غيره: # قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء # [آل ms5632 عمران: 26] الأول عام والثاني خاص، # هل جزاء الإحسان إلا الإحسان # [الرحمن: 60] الأول العمل والثاني الثواب # وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس # [المائدة: 45] الأولى القاتلة والثانية المقتولة - انتهى، قال: وقد تعاد ~~المعرفة نكرة مع عدم المغايرة كقوله تعالى: # أنما إلهكم إله واحد # [الكهف: 110] ومثله كثير، والمعرفة مثل النكرة في حالتي الإعادة معرفة ~~والإعادة نكرة في أنها إن أعيدت معرفة كان الثاني هو الأول، وإن أعيدت ~~نكرة كان غيره، ثم مثل بالآية التي هنا، وقال: وهذا مبني على أن تنكير { ~~يسرا } للتفخيم وتعريف العسر للعهد، أي العسر الذي أنتم عليه أو الجنس ~~أي الذي يعرفه كل أحد، فيكون اليسر الثاني مغايرا للأول بخلاف العسر - ~~انتهى. وقال في الكشاف: وأما اليسر فمنكر متناول لبعض الجنس، فإذا كان ~~الكلام الثاني مستأنفا عن منكر تناول بعضا غير البعض الأول بغير ~~الإشكال. # ولما علم من هذا أن المواد تكون بحسب الأوراد الشداد لما على الممدود من ~~الشكر، ولما علم للشاكر من الوعد بالمزيد، قال مسببا عما أعطاه من اليسر ~~بعد ذلك العسر ندبا له إلى الشكر وإعلاما بأنه لا ينفك عن تحمل أمر في ~~الله: { فإذا فرغت } أي بما آتاك من اليسر يسر من جهادك الذي أنت فيه في ~~وقت المخاطبة بهذا الكلام مما يوجب عسرا في المآل أو الحال، وعقبه العسر ~~في أي موضع كان لا سيما عند دخول الناس في الدين أفواجا، أو من العبادة ~~الثقيلة العظيمة بسماع الوحي وتحمله، أو من الغرض بالتيسير الذي بشرناك ~~به { فانصب * } أي بالغ في التعب بعبادة أخرى من التسبيح والاستغفار، أو ~~النفل لمن أولاك هذا المعروف { وإلى ربك } أي المحسن إليك بما ذكر في ~~هاتين السورتين خاصة { فارغب * } أي بالسؤال لأنه القادر وحده كما قدر ~~على تربيتك فيما مضى وحده، لأنه المختص بالعظمة، فلا قدرة أصلا إلا لمن ~~يعطيه ما يريده منها، والرغب شعار العبد دائما في كل حال أي افعل ذلك { ~~ألم نشرح لك صدرك؟ } فقد اتصل هذا الآخر بالأول اتصال المعلول بالعلة، ~~ولاءم ما بعدها ms5633 بذلك أيضا بعينه ملاءمة الشمس بالأهلة، وآخر هذه السورة ~~مشير إلى الاجتهاد في العبادة عند الفراغ من جهاد الكفار في جزيرة العرب ~~بعد انقضاء ما يوازي عدد آي هذه السورة من السنين بعد الهجرة، وهي ثمان، ~~رغبة في الأخرى التي هي خير من الأولى، إشارة إلى قرب الأجل بما أشارت ~~إليه سورة النصر - كما سيأتي إن شاء الله تعالى. ### | [95 - سورة التين] ### || [95.1-8] # ولما كان التين أحسن الفواكه تقويما فيما ذكروا من فضيلته، وهو مع كونه ~~فاكهة شهية حلوة جدا - غذاء يقيم الصلب وقوت كالبر وسريع الهضم، ودواء ~~كثير النفع يولد دما صالحا وينفع الرئة والكلى ويلين الطبع ويحلل ~~البلغم ويزل رمل المثانة ويفتح سدد الكبد والطحال، فكان جامعا لجميع ~~منافع المتناولات من الغذاء والتفكه والتحلي والتداوي، فهو كامل في مجموع ~~ما هو فيه من لذة طعمه وكثرة نفعه، وكونه كفاكهة الجنة بلا شائبة تعوق عن ~~أكله من صنوان يتعب أو نوى يرمى، مع أنه ينتفع به رطبا ويابسا، وهو مع ~~ذلك في سرعة فساده وسوء تغيره أسفلها رتبة وأردؤها مغبة، فهو كالفطرة ~~الأولى في مبدئه سهولة وحسنا وقبولا لكل من الإصلاح والتغير، كآخر ~~الهرم عند نهايته في عظيم تغيره بحيث إنه لا ينتفع بشيء منه إذا تغير، ~~وغيره من الفواكه إذا فسد جانب منه بقي آخر فكان في هذا كالقسم للسافل من ~~الإنسان أقسم الله تعالى به فقال: { والتين } بادئا به لأن القسم المشار ~~به إليه أكثر، فالاهتمام به أكبر. # ولما كان الزيتون في عدم فساد يطرقه أو تغير يلحقه، وفيه الدسومة ~~والحرافة والمرارة، وهو إدام ودواء مع تهيئه للنفع بكل حال في أكله بعد ~~تزييته والتنوير بدهنه والادهان به لإزالة الشعث وتنعيم البشرة وتقوية ~~العظم وشد العصب وغير ذلك من المنافع مع لدنه وما يتبع ذلك من فضائله ~~الجمة كالمؤمن تلاه به فقال: { والزيتون * } ولما كان مع ذلك مشارا بهما ~~إلى مواضع نباتهما وهي الأرض المقدسة من جميع بلاد الشام إيماء إلى من ~~كان بها من الأنبياء والتابعين ms5634 لهم بإحسان لا سيما إبراهيم عليه الصلاة ~~والسلام الذي كانت مهاجره فأحياها الله تعالى بعباده وتردد الملائكة إليه ~~بالوحي ومن بعده أولاده الذين طهرها الله بهم من الشرك وأنارها بهم ~~بالتوحيد، وختمهم بعيسى عليه الصلاة والسلام أحد أولي العزم المشرف بكونه ~~من أمة محمد صلى الله عليه وسلم وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، وكانت ~~الكناية بالشجرتين عن البلد المراد به سكانه أبلغ من التصريح بالمراد من ~~أول وهلة، ساقه على هذا المنهج العزيز، ولم يبق ممن لم يسكنها من أشرافهم ~~إلا موسى وهارون وإسماعيل ومحمد عليهم الصلاة والسلام، فأشار إلى الأولين ~~بقوله معبرا بما يدل على أحسن التقويم لأن الطور الجبل ذو النبت من ~~النجم والشجر المثمر وغيره: { وطور } أي جبل المكان المسمى بهذا الاسم. # ولما كان الكلام في التقويم، كان المناسب له صورة جمع السلامة فقال ~~تعالى: { سينين * } أي وما كان بالجبل ذي النبت الحسن الذي كلم الله فيه ~~موسى عليه الصلاة والسلام من لذيذ المناجاة وعجائب المواعدة وحكم الكلام ~~مع أن فيه من الأشجار والأماكن ما يكن من الحر والبرد، وفيه لخلوه وحسنه ~~وعلوه جمع الخاطر للمتفرد وطمأنينة النفس للتخلي للعبادة والتحصن مما ~~يخشى لعلوه وصعوبته، وفيه ما يصلح للزرع من غير كلفة، وفيه ما يأكله ~~الناس والدواب مع الماء العذب والفناء الرحب والمنظر الأنيق، وسنين ~~وسيناء - اسم للموضع الذي هذا الجبل به، وأشار سبحانه وتعالى إلى ~~الأخيرين من أولاد إبراهيم عليه الصلاة والسلام ختاما للقسم بأكمل ~~المقسم به كما جعل المنزل عليه ذلك الذي هو ختام الرسل أكمل النوع المقسم ~~لأجله ليكون في البدء بما يرد بعد حسن التقويم الى الفساد والختم بما هو ~~أشرف المذكورين بكل اعتبار طباق حاز أعلى الأسرار: { وهذا البلد } أي ~~مكة، صرح هنا بهذين المكانين ترشيحا لأن المراد بالأولين مواضع نبتهما ~~مع تلك الإشارة اللطيفة بذكر اسميهما إلى مناسبتهما للمقسم من أجله { ~~الأمين * } أي الذي يأمن فيه من حل به من البشر والطير والوحش، فكان بذلك ~~كالرجل الأمين الذي يأتمنه آخر على ms5635 نفسه وما يعز عليه فيؤديه إليه ويوقره ~~عليه، وأمانته شاملة لكل ما يخشى حتى الفقر والعيلة والجوع وتغير الدين ~~بعد تقرره مع أن به البيت الذي جعله الله هدى للعالمين وقياما للناس فهو ~~مدار الدين والدنيا، وكان به من الأسرار بالوحي وآثاره ما لم يكن في بلد ~~من البلاد، وذلك إشارة إلى أنه تعالى كما جعل النبي المبعوث منه في آخر ~~الزمان في أحسن تقويم جعله في أحسن تقويم البلدان إذ كان آمنا من غير ملك ~~مرهوب - والناس يتخطفون من حوله، وهو محل الأنس بالناس كما أن الذي قبله ~~محل الأنس بالانفراد، وهو مجمع المرافق ومعدن المنافع ومحل ذوي الوجاهة ~~دينا ودنيا، ومحل الرفعة والمناصب مع ما حازه المكانان من تنزل الكتب ~~السماوية وإشراق الأنوار الإلهية الدينية فيهما، وفي ذلك تخويف لهم بأنهم ~~إن لم يرجعوا عن غيهم أخافه إخافة لم يخفها بلدا من بلاد العرب فيكونون ~~بذلك قد ردوا أسفل سافلين في البلد، كما ردوا في الأخلاق بالشقاق ~~واللداد. # ولما كان هذا القسم مع كونه جامعا لبدائع المصنوعات التي هي لما ذكر من ~~حكمها دالة على كمال علم خالقها وتمام قدرته جامعا لأكثر الذين آمنوا، ~~وكان إبراهيم عليه الصلاة والسلام لكونه أباهم مذكرا مرتين بالأرض ~~المقدسة من القدس ومكة، فتوقع أكمل الخلق وأفطنهم المخاطب بهذا الذكر ~~المقسم عليه علما منه ببلوغ القسم إلى غايته واستوائه على نهايته، أجيب ~~بقوله تعالى محققا: { لقد خلقنا } أي قدرنا وأوجدنا بما لنا من العظمة ~~الباهرة والعزة الغالبة القاهرة { الإنسان } أي هذا النوع الذي جمع فيه ~~الشهوة والعقل وفيه الأنس بنفسه ما ينسيه أكثر مهمه، ولهذا قالت الملائكة ~~عليهم الصلاة والسلام # أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء # [البقرة: 30] لأنهم علموا أنه إذا جمع الغضب والشهوة إلى العقل جاءت ~~المنازعة فيتولد الفساد من الشهوة والسفك من الغضب { في أحسن تقويم * } ~~أي كائن منا روحا وعقلا أو أعم من ذلك بما جعلنا له من حسن الخلق ~~والخلق بما خص به من انتصاب القامة وحسن الصورة ms5636 واجتماع خواص الكائنات ~~ونظائر سائر الممكنات بعد ما شارك فيه غيره من السمع والبصرة والذوق ~~واللمس والشم الجوارح التي هيأته لما خلق له حتى قيل إنه العالم الأصغر ~~كما مضى بسط ذلك في سورة الشمس ثم ميزناه بما أودعناه فيه بما جعلناه ~~عليه من الفطرة الأولى التي لا تبديل لها من الطبع الأول السليم الذي ~~هيأناه به وقويناه بقدرتنا لقبول الحق، وبمثل ما قلته في حمل الآية على ~~الفطرة الأولى قال الأصفهاني في تفسير # كان الناس أمة واحدة # [البقرة: 213] في البقرة، وقال ابن برجان هنا: مفطور على فطرة الإسلام ~~الدين القيم، ثم لما منحناه به من العقل المدرك القويم، فكما جعلنا له ~~شكلا يميزه عن سائر الحيوان منحناه عقلا يهديه إلى العروج عن درك ~~النيران إلى درج الجنان بالإيمان والأعمال الصالحة البالغة نهاية ~~الإحسان، بدليل من فيه من الأنبياء الذين أكملهم محمد على جميعهم أفضل ~~الصلاة والسلام والتحية والإكرام والتابعين له بإحسان الذين ملؤوا الأرض ~~علما وحكمة ونورا، قال البغوي: خلقه سبحانه وتعالى مديد القامة يتناول ~~مأكوله بيده مزينا بالعقل والتمييز - انتهى، والعقل هو المقصود في ~~الحقيقة من الإنسان لأن من أسمائه اللب، ومن المعلوم أن المقصود من كل ~~شيء لبه وهو الشرع كما مضى في آخر النساء، والظاهر أن عقول الناس بحسب ~~الخلق متقاربة وأنها إنما تفاوتت بحسب الجبلة فبعضهم جعل سبحانه وتعالى ~~عنصره وجبلته في غاية الفساد فلا تزال جبلته تردي على عقله فيتناقص إلى ~~أن يصير إلى أسوأ الأحوال، فكل ميسر لما خلق له، وبعضهم يصرف عقله بحسب ~~ما هيأه الله له إلى ما ينجيه، وبعضهم يصرفه لذلك إلى ما يرديه، لأنك تجد ~~أعقل الناس في شيء وأعرفهم به أشدهم بلادة في شيء آخر، وأغباهم في شيء ~~أذكاهم في شيء آخر - فاعتبر ذلك، وبذلك انتظم أمر الخلق في أمر معاشهم ~~بالعلوم والصنائع والأحوال - والله الهادي، وهذه الآية تدل على أن الله ~~سبحانه وتعالى منزه عن التركيب والصورة لأنه لو كان في شيء منهما لكان هو ~~الأحسن لأن ms5637 كل صفة يشترك فيها الخلق والحق فالمبالغة للحق كالعالم ~~والأعلم والكريم والأكرم - قاله الأستاذ أبو القاسم القشيري في تفسيره، ~~وصيغة " أفعل " لا تدل على ما قاله الزنادقة، وإن عزي ذلك إلى بعض ~~الأكابر من قولهم: ليس في الإمكان أبدع مما كان، لأن الدرجة الواحدة ~~تتفاوت إلى ما لا يدخل تحت حصر كتفاوت أفراد الإنسان في صوره وألوانه، ~~وغير ذلك من أكوانه وبديع شأنه، وقد بينت ذلك في تصنيف مفرد لهذه الكلمة ~~سميته: تهديم الأركان من " ليس في الإمكان أبدع مما كان " ، وأوضحته غاية ~~الإيضاح والبيان، وجرت فيه فتن تصم الآذان، ونصر الله الحق بموافقة ~~الأعيان، وقهر أهل الطغيان، ثم أردفته بكتاب " دلالة البرهان على أن في ~~الإمكان أبدع مما كان ثم شفيت الأسقام، ودمغت الأخصام، وخسأت الأوهام، ~~بالقول الفارق بين الصادق والمنافق، وهو نحو ورقتين في غاية الإبداع في ~~قطع النزاع، ويمكن أن تكون صيغة أفعل مفيدة بالنسبة إلى شيء أراده الله ~~بحيث إن نتفطن له نحن لأن من المجمع عليه عند أهل السنة وصرح به الأشعري ~~وغيره في غير موضع من كتبهم أن الله تعالى لا تتناهى مقدوراته، وممن صرح ~~بما صرح به الأشعري وأكثر في الإمام حجة الإسلام الغزالي في كتبه الإحياء ~~وغيره ولا سيما كتابه " تهافت الفلاسفة " وبين أن هذا من قواعدهم لنفيهم ~~صفة الإرادة وقولهم بأن فعله بالذات، وبين فساد ذلك، وأنه سبحانه وتعالى ~~قادر على اختراع عالم آخر وثالث متفاوتة بالصغر والكبر، وعلى كل ممكن، ~~وعرف أن الممكن هو المقدور عليه، وأنه يرجع إلى المقدور عليه أيضا ممكن، ~~وعرف الممتنع بانه إثبات الشيء مع نفيه، وإثبات الأخص مع نفي الأعم، ~~وإثبات الاثنين مع نفي الواحد، وقال: وما لا يرجع إلى ذلك فهو ممكن، فدخل ~~فيه عالم أبدع من هذا العالم - والله الموفق لما يريد. # ولما كان الإنسان مع هذه المحاسن قد سلط الله سبحانه وتعالى عليه شهوات ~~وهيأ طبعه لرذائل وأخلاق دنيئات، وأهوية وحظوظ للأنفس مميلات، وكان أكثر ~~الخلق بها هالكا لتتبين قدرة الله سبحانه ms5638 وتعالى، لم يستثن بل حكم على ~~الجنس كله بها كما حكم عليه بالتقويم، فقال تعالى دالا بأداة التراخي ~~على أن اعوجاجه بعد ذلك العقل الرصين والذهن الصافي المستنير في غاية ~~البعد لولا القدرة الباهرة والقوة القاسرة القاهرة: { ثم رددناه } أي بما ~~لنا من القدرة الكاملة والعلم الشامل، فعطل منافع ما خلقناه له فضيع نفسه ~~وفوت أساب سعادته ونكسناه نحن في خلقه، فصار بالأمرين في خلقه وخلقه ~~نفسا وهوى أو أعم من ذلك بالنكس { أسفل سافلين * } أي إلى ما تحت رتبة ~~الجمادات المستقذرات، فصار يعمل الأعمال السيئات المقتضية بعد حسن الجمع ~~لغاية الشتات، أما رده في خلقه فبأن سلطنا عليه الشهوات التي ركبناها في ~~النفوس، وجعلناها داعية إلى كل بؤس، فغلبت على عقله فأعمته حتى أوردته ~~الموارد، وأوقعته في المهاوي والمعاطب، حتى أنه ليركب كثيرا من أموره ~~وهو قاطع بأنه باطل شنيع، لا يقدم على مثله عاقل، فصار يعبد من دون الله ~~ما هو دون البشر بل ومطلق الحيوان مما لا ضر فيه ولا نفع، وصار يركب ~~الظلم والعدوان والإفك والبهتان، وما لا يحصى بالعد من أنواع الفواحش ~~والعصيان، ويظلم أبناء جنسه وغيرهم، ويجتهد في الفجور، ويتصرف بما لا يشك ~~هو في أنه لا يقره عليه من له أدنى نظر ممن يلزمه أمره ويعنيه شأنه، فصار ~~بذلك أحط رتبة من البهائم بل من أدنى الحشرات المستقذرات لأنها وإن كانت ~~لها شهوات إلا أنها ليس لها عقل تغطيه بها وتطمس نوره بظلامها، فلا تنسب ~~إلى أنها فوتت شيئا لعدم تكليفها لعدم العقل الموجب للشرف، وأما هو ~~فاستعمل ما خلقناه له من الآلات، وما فضلناه به من الكمالات، في غير ما ~~خلقناه له فاستحق العذاب المهين، ثم يموت من غير مجازاة على شيء من ذلك ~~أو على كثير منه، فلا بد في الحكمة حينئذ من بعثه، وله بعد البعث عند ربه ~~على ذلك عذاب مقيم، وأما في خلقه فبالهرم حتى صار بعد تلك القوى ضعيفا، ~~وبعد ذلك العز ذليلا مهينا، وبعد ذلك العلم ms5639 الغزير والفكر المنير لا ~~يعلم شيئا، وصار يستقذره وينكره من كان يألفه ويستعطره، وقال ابن برجان: ~~أما رده في طريق الديانة فبالكفر والتكذيب، وأما فيما سبيله الجزاء ~~فبالمسخ في دار البرزخ وتحويل صورته إلى ما غلب عليه خلقته وعمله في ~~الدنيا من الدواب والهوام والبهائم، وفي الآخرة تزرق عيناه ويشوه خلقه، ~~وقال الإمام أبو العباس الأقليشي في شرح " المقدم المؤخر " من شرحه ~~للاسماء الحسنى: إن الله تعالى خلقه. # أي الإنسان - أولا في أحسن تقويم، ثم ركبه في هذا الجسم الذي يجذبه إلى ~~أسفل سافلين، فإن قدم عقله على هواه صعد إلى أعلى عليين، وكان من ~~المقربين المقدمين، وإن قدم هواه هبط إلى إدراك الجحيم، وكان من المبعدين ~~المؤخرين. # ولما حكم بهذا الرد على جميع النوع إشارة إلى كثرة المتصف به منهم، وكان ~~الصالح قليلا جدا، جعله محط الاستثناء فقال: { إلا الذين آمنوا } أي ~~بالله ورسله فكانوا من ذوي البصائر والمعارف، فغلبنا بلطفنا عقولهم بما ~~دعت إليه وأعانت عليه الفطرة الأولى على شهواتهم، وحميناهم من أرذل ~~العمر، فكانوا كلما زدناهم سنا زدنا أنوار عقولهم ونقصنا نار شهواتهم ~~بما أضعفنا من إحكام طبائعهم وتعلقهم بهذا العالم، وأحكمنا من مدارك ~~أنوار الحق وإشراقاته منهم، وأعظمنا من قوى أرواحهم. # ولما كان الإنسان قد يدعي الإيمان كاذبا قال: { وعملوا } أي تصديقا ~~لدعواهم الإيمان { الصالحات } أي من محاسن الأعمال من الأقوال والأفعال ~~ثابتة الأركان على أساس الإيمان، محكمة بما آتيناهم من العلم غاية ~~الإحكام، متقنة غاية الإتقان، فإنا حفظناهم - وقليل ما هم - بما كملناهم ~~به وشرفناهم على جميع الحيوانات وسائر من سواهم فلم نمكن منهم الشهوات ~~ولا غيرها، وأقمناهم على ما اقتضاه منهاج العقل، فتبعوا الرسل بسبب ~~إبقائنا لهم على الفطرة الأولى في أحسن تقويم، لم يدنس محياها بشهوة ولا ~~حظ ولا هوى، فسهل انقيادهم، فأداهم ذلك إلى العدل والنصفة والإحسان، ~~وجميع مكارم الأخلاق ومعالي الأمور، ولم يزيغوا عن منهاج الرسل في قول ~~ولا عمل، فالآية كما ترى من الاحتباك: حذف أولا بما أفهمته الآية عمل ms5640 ~~السيئات، وثانيا الإبقاء على أصل الخلق في أحسن تقويم على الفطرة ~~الأولى، ليكون نظمها في الأصل { ثم رددناه أسفل سافلين } بعمل السيئات ~~فله على ذلك عذاب مهين { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات } فإنا ~~أبقيناهم على الفطرة الأولى في أحسن تقويم. # ولما كان السياق لمدح المؤمنين، حسن أن يعد أعمالهم التي تفضل عليهم بها ~~سببا كما من عليهم به من الثواب فقال: { فلهم } أي فتسبب عن ذلك أن كان ~~لهم في الدارين على ما وفقوا له مما يرضيه سبحانه وتعالى { أجر } أي عظيم ~~جدا وهو مع ذلك { غير ممنون * } أي مقطوع أو يمن عليهم به حتى في حالة ~~المرض والهرم لكونهم سعوا في مرضاة الله سبحانه وتعالى وعزموا عزما ~~صادقا أنهم لا ينقصون من أعمال البر ذرة ولو عاشوا مدى الدهر، وذلك ~~الأجر جزاء لأعمالهم فضلا منه بالأصل والفرع حتى أنهم إذا عجزوا بالهرم ~~كتب لهم أجر ما كانوا يعملون في حال الصحة، ولمن تابع هواه في السفول ~~عذاب عظيم لأنه رد أسفل سافلين. # ولما ثبت بهذا أنه لا يجوز في الحكمة تركهم بغير جزاء مع ما يشاهد من ~~ظلم بعضهم لبعض معاندة لما يقتضيه قويم العقل الذي لا شك فيه، فكان ذلك ~~بحيث لا يرضاه أحد منهم ولا يقر مخلوق عبيدا في ملكه على مثله بأن يبغي ~~بعضهم على بعض فيهملهم بل لا بد أن يحجز بينهم أو يأخذ للمظلوم من ~~الظالم، ولو كان ذلك المالك أقل الناس وأجهلهم فكيف إن كان عاقلا فكيف ~~إن كان حاكما فكيف إن كان لا يخاف أحدا فكيف إن كان عدلا مقسطا قد ~~ثبتت إحاطة علمه وقدرته سبحانه وتعالى، حسن كل الحسن أن يكون ذلك سببا ~~للإنكار على من يظن أن الله يهمل عباده من الحكم بينهم لمجازاة كل من ~~المطيع والعاصي بما عمل مع ما ترى من ظلم بعضهم لبعض، وأن الظالم قد يموت ~~قبل القصاص، فقال مسببا عن الوعد بما أفصح به الكتاب من إثابة المؤمنين ~~الذي طالما بغى عليهم الظلمة، وانتقصهم ms5641 حقوقهم الفسقة، والوعيد بما أفهمه ~~الخطاب لعتاب المجرمين الذين طالما بغوا على غيرهم: { فما } أي فتسبب عن ~~إقامة الدليل على تمام القدرة وعلى بغي العبيد بعضهم على بعض أنه يقال لك ~~تصديقا لك فيما أخبرت به من أن الله سبحانه وتعالى يبعث الخلائق بعد ~~موتهم ليجازي كلا بما عمل وإنكارا على من كذبك: ما { يكذبك } أي أي ~~شيء ينسبك إلى الكذب يا أشرف الخلق وأكملهم نفسا وأتقاهم عرضا وأطهرهم ~~خلقا وخلقا، وعبر ب " ما " إشارة إلى أن الكذب بهذا مع هذا الدليل ~~القطعي الذي تضمنته هذه السورة في عداد ما لا يعقل بل دونه { بعد } أي ~~بعد مشاهدة بغي بعض الناس على بعض استعمالا لحال النكس، وأعراه من الجار ~~إشارة إلى أن من آمن قبل الغرغرة واتصل إيمانه ذلك بموته كان ممن له أجر ~~غير ممنون { بالدين * } أي الجزاء لكل أحد بما يستحقه على سبيل العدل ~~والإنصاف لأجل تلك الأعمال التي غلبت فيها الحظوظ على العقول، فوقع بها ~~من الظلم والأذى ما لا يسع عاقلا من العباد أن يحسن عنده ترك فاعلها من ~~غير جزاء حتى كان أكثر أفعال العباد ظلما، ومن شأن الملوك الإنصاف بين ~~عبيدهم ورعاياهم، فكيف بالله سبحانه وتعالى الذي شرع لعباده ذلك، وقد ثبت ~~بما له من هذا الخلق العظيم، على هذا النظام المحكم والمنهاج الأقوم أنه ~~الحكيم، الذي لا حكيم غيره، العليم الذي لا عليم سواه. # ولما صح أن تارك الظالم بغير انتقام والمحسن بلا إكرام ليس على منهاج ~~العدل الذي شرعه الله تعالى، حسن جدا تكرير الإنكار بقوله سبحانه ~~وتعالى: { أليس الله } أي على ما له من صفات الكمال، وأكده بالجار في ~~قوله: { بأحكم الحاكمين * } أي حتى يدع الخلق يهلك بعضهم بعضا من غير ~~جزاء، فيكون خلقهم عبثا، بل هو أحكم الحاكمين علما وقدرة وعدلا وحكمة ~~بما شوهد من إبداعه الخلق ومفاوتته بينهم، وجعل الإنسان من بينهم على ~~أحسن تقويم، فلا بد أن يقيم الجزاء ويضع الموازين القسط ليوم القيامة ~~فيظهر عدله وحكمته وفضله، ms5642 وهذا الآخر هو أولها قسما من جهة النبوات التي ~~ظهر بها حكمه وحكمته، ومقسما عليه من حيث إن الخلق في أحسن تقويم يقتضي ~~العدل لا محالة، والرد أسفل سافلين يتقاضى الحكم حتما لأجل ما يقع من ~~الظلم والتشاجر بين من استمر على الفطرة القويمة ومن رد لأسفل سافلين، ~~وقد اشتملت هذه السورة على وجازتها على جميع مقاصد التوراة إجمالا، ~~وزادت الدلالة على الآخرة، وذلك أن قسمها هو قوله في التوراة " أتانا ~~ربنا من سيناء وشرق بنا من جبل ساعر، وظهر لنا من جبال فاران " والخلق في ~~أحسن تقويم هو خلق آدم عليه الصلاة والسلام المذكور في أولها وخلق زوجه ~~وما يحتاجان إليه من السماء والأرض، وخلق الأصفياء من أولادهما وما جاؤوا ~~به من الخير، والذين آمنوا وعملوا الصالحات هو ما فيها من الشرائع ~~والأحكام، وقوله بعد ما تقدم من المعبر بالمقسم عنه " معه ربوات الأطهار ~~عن يمينه أعطاهم وحببهم إلى الشعوب، وبارك على جميع أطهاره " والرد أسفل ~~سافلين هو ما ذكر أولها من العصاة من قابيل ومن بعده إلى آخرها، على ما ~~أشار إليه من عصيان بني إسرائيل الموجب للعنهم، فقد اكتنفت بأول التوراة ~~وآخرها وأوسطها، وابتدأ بآخرها لأنه في النبوات، وهي أهم المهم لأنها ~~المنجية من شر قطاع الطريق، وآخرها أدل ما فيها على النبوات لا سيما ~~الثلاث العظام - المشار إليه بقسم هذه السورة - والله سبحانه وتعالى أعلم ~~بالغيب. ### | [96 - سورة العلق] ### || [96.1-10] # لما أمره سبحانه وتعالى في الضحى بالتحديث بنعمته، وذكره بمجامعها في { ~~ألم نشرح } فأنتج ذلك إفراده بما أمره به في ختمها من تخصيصه بالرغبة ~~إليه، فدل في الزيتون على أنه أهل لذلك لتمام قدرته الذي يلزم منه أنه لا ~~قدرة لغيره إلا به، فأنتج ذلك تمام الحكمة فأثمر قطعا البعث للجزاء ~~فتشوف السامع إلى ما يوجب حسن الجزاء في ذلك اليوم وبأي وسيلة يقف بين ~~يدي الملك الأعلى في يوم الجمع الأكبر من خصال الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات، فأرشد إلى ذلك في هذه السورة، فقال بادئا ms5643 بالتعريف بالعلم ~~الأصلي ذاكرا أصل من خلقه سبحانه وتعالى في أحسن تقويم وبعض أطواره ~~الحسنة والقبيحة تعجيبا من تمام قدرته سبحانه وتعالى وتنبيها على ~~تعرفها وإنعام النظر فيها، وقدم الفعل العامل في الجار والمجرور هنا لأنه ~~أوقع في النفس لكونها أول ما نزل فكان الأمر بالقراءة أهم: { اقرأ } وحذف ~~مفعوله إشارة إلى انه لا قراءة إلا بما أمره به، وهي الجمع الأعظم، ~~فالمعنى: أوجد القراءة لما لا مقروء غيره، وهو القرآن الجامع لكل خير، ~~وأفصح له بأنه لا يقدر على ذلك إلا مبعونة الله الذي أدبه فأحسن تأديبه، ~~ورباه فأحسن تربيته، فقال ما أرشد المعنى إلى أن تقديره: حال كونك ~~مفتتحا القراءة { باسم ربك } أي بأن تبسمل، أو مستعينا بالمحسن إليك ~~لما له من الأسماء الحسنى والصفات العلى بما خصك به في { ألم نشرح } أو ~~بذكر اسمه، والمراد على هذا بالاسم الصفات العلى، وعبر به لأنه يلزم من ~~حسن الاسم حسن مدلوله، ومن تعظيم الاسم تعظيم المسمى وجميع ما يتصف به ~~وينسب إليه، قالوا: وهذا يدل على أن القراءة لا تكون تامة إلا بالتسمية، ~~ولكونه في سياق الأمر بالطاعة الداعي إليها تذكر النعم لم يذكر الاسم ~~الأعظم الجامع، وذكر صفة الإحسان بالتربية الجامع لما عداه وتأنيسا له ~~صلى الله عليه وسلم لكونه أول ما نزل حين حبب إليه الخلاء، فكان يخلو ~~بنفسه يتعبد بربه في غار حراء، فجاءه جبرائيل عليه الصلاة والسلام بخمس ~~آيات من أول هذه السورة إلى قوله " ما لم يعلم " ولهذا السر ساقه مساق ~~البسملة بعبارة هي أكثر تأنيسا في أول الأمر وأبسط منها، فأشار إلى ~~الاسم الأعظم بما في مجموع الكلام من صفات الكمال، وأشار إلى عموم منة ~~الرحمن بصفة الخلق المشار إلى تعميمها بحذف المفعول، وإلى خصوص صفة ~~الرحيم بالأكرمية التي من شأنها بلوغ النهاية، وذلك لا يكون بدون إفاضة ~~العمل بما يرضي، فيكون سببا للكرامة الدائمة، وبالتعليم الذي من شأنه أن ~~يهدي إلى الرضوان، وأشار إلى الاستعاذة بالأمر بالقرآن لما أفهمه قوله ~~سبحانه وتعالى: ms5644 # وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة # [الإسراء:45] - أي من شياطين الإنس والجن- # حجابا مستورا # [الإسراء: 45] وقوله تعالى: # فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم # [النحل: 98]. # ولما خصه تشريفا بإضافة هذا الوصف الشريف إليه، وصفه على جهة العموم ~~بالخلق والأمر إعلاما بأن له التدبير والتأثير، وبدأ بالخلق لأنه محسوس ~~بالعين، فهو أعلق بالفهم، وأقرب إلى التصور، وأدل على الوجود وعظيم ~~القدرة وكمال الحكمة، فكانت البداءة به في هذه السورة التي هي أول ما نزل ~~أنسب الأمور لأن أول الواجبات معرفة الله، وهي بالنظر إلى أفعاله في غاية ~~الوضوح فقال: { الذي خلق * } وحذف مفعوله إشارة إلى أنه له هذا الوصف وهو ~~التقدير والإيجاد على وفق التقدير الآن وفيما يكون، فكل شيء يدخل في ~~الوجود فهو من صنعه ومتردد بين إذنه ومنعه وضره ونفعه. # ولما كان الحيوان أكمل المخلوقات، وكان الإنسان أكمل الحيوان وزبدة ~~مخضه، ولباب حقيقته وسر محضه، وأدل على تمام القدرة لكونه جامعا لجميع ~~ما في الأكوان، فكان خلقه أبدع من خلق غيره، فكان لذلك أدل على كمال ~~الصانع وعلى وجوب إفراده بالعبادة، خصه فقال: { خلق الإنسان } أي هذا ~~الجنس الذي من شأنه الأنس بنفسه وما رأى ما أخلاقه وحسه، وما ألفه من ~~أبناء جنسه. # ولما كانت العرب تأكل الدم، وكان الله تعالى قد حرمه لأنه أصل الإنسان ~~وغيره من الحيوان وهو مركب الحياة، فإذا أكل تطبع آكله بخلق ما هو دمه، ~~قال معرفا بأنه سبحانه وتعالى بنى هذه الدار على حكمة الأسباب مع قدرته ~~على الإيجاد من غير تطوير في تسبيب: { من علق * } أي خلق هذا النوع من ~~هذا الشيء وهو دم شديد الحمرة جامد غليظ، جمع علقة، وكذا الطين الذي يعلق ~~باليد يسمى علقا، وهم مقرون بخلق الآدمي من الأمرين كليهما، فالآية من ~~أدلة إمامنا الشافعي رضي الله تعالى عنه على استعمال المشترك في معنييه، ~~ولعله عبر به ليعم الطين فيكون - مع ما فيه من الإشارة إلى بديع الصنعة - ~~إشارة إلى حرمة أكل ما هو ms5645 أصلنا من الدم والتراب قبل أن يستحيل، فإذا ~~استحال وصف بالحلال لأن الاستحالات لها مدخل في الإحلالات في النكاح ~~وغيره، واحمرار النطفة ليس استحالة لأنها كانت حمراء قبل قصر الشهوة لها، ~~وربما ضعفت الشهوة عن قصرها فنزلت حمراء، فإذا تحول الدم لحما صار إلى ~~جنس ما يحل، وكذا إذا تحول التراب بمخالطة الماء تمرا أو حبا حل. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما قال الله سبحانه وتعالى لنبيه صلى ~~الله عليه وسلم # فما يكذبك بعد بالدين أليس الله بأحكم الحاكمين # [التين: 7 - 8] وكان معنى ذلك: أي شيء حمل عل هذا بعد وضوح الأمر لك ~~وبيانه وقد نزهه سبحانه وتعالى عن التكذيب بالحساب وأعلى قدره عن ذلك، ~~ولكن سبيل مثل هذا إذا ورد كسبيل قوله تعالى: # لئن أشركت ليحبطن عملك # [الزمر: 65] وبابه، وحكم هذا القبيل واضح في حق من تعدى إليه الخطاب ~~وقصد بالحقيقة به من أمته صلى الله عليه وسلم من حيث عدم عصمتهم وإمكان ~~تطرق الشكوك والشبهة إليهم، فتقدير الكلام: أي شيء يمكن فيه أن يحملكم ~~على التوقف أو التكذيب بأمر الحساب، وقد وضح لكم ما يرفع الريب ويزيل ~~الإشكال، ألم تعلموا أن ربكم أحكم الحاكمين؟ أفيليق به وهو العليم الخبير ~~أن يجعل اختلاف أحوالكم في الشكوك بعد خلقكم في أحسن تقويم؟ أفيحسن أن ~~يفعل ذلك عبثا؟ وقد قال تعالى: # وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما باطلا # [ص: 27 - ولكن قراءتنا - وما خلقنا السماء - لا بالجمع] فلما قرر سبحانه ~~العبيد على أنه أحكم الحاكمين مع ما تقدم ذلك من موجب نفي الاسترابة في ~~نوع الحق إذا اعتبر ونظر، ووقعت في الترتيب سورة العلق مشيرة إلى ما به ~~يقع الشفاء، ومنه يعلم الابتداء والانتهاء، وهو كتابه المبين، الذي جعله ~~الله تعالى تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمحسنين، فأمر بقراءته ~~ليتدبروا آياته فقال { اقرأ باسم ربك } مستعينا به فسوف يتضح سبيلك ~~وينتهج دليلك # تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا # [الفرقان: 1] وأيضا فإنه تعالى أعلم عباده بخلقه ms5646 الإنسان في أحسن تقويم # ثم رددناه أسفل سافلين # [التين: 5] وحصل منه على ما قدم بيانه افتراق الطرفين وتباين القائلين، ~~كل ذلك بسابق حكمته وإرادته { ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها } وقد بين ~~سبحانه لنا أقصى غاية ينالها أكرم خلقه وأجل عباده لديه من الصنف ~~الإنساني، وذلك فيما أوضحت السورتان قبل من حال نبينا المصطفى صلى الله ~~عليه وسلم وجليل وعده الكريم له في قوله # ولسوف يعطيك ربك فترضى # [الضحى: 5] وفضل حال ابتداء { ألم نشرح } على تقدم سؤال # رب اشرح # [طه: 25] إلى ما أشارت إليه آي السورتين من خصائصه الجليلة، وذلك أعلى ~~مقام يناله أحد ممن ذكر، فوقع تعقيب - ذلك بسورة تضمنت الإشارة إلى حال ~~من جعل في الظرف الآخر من الجنس الإنساني، وذلك حال من أشير إليه من لدن ~~قوله تعالى: { أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى } إلى قوله: { كلا لا تطعه ~~} ليظهر تفاوت المنزلتين وتباين ما بين الحالتين، وهي العادة المطردة في ~~الكتب، ولم يقع صريح التعريف هنا كما وقع في الظرف الآخرة ليطابق ~~المقصود، ولعل بعض من لم يتفطن يعترض هنا بأن هذه السورة من أول ما أنزل ~~فكيف يستقيم مرادك من ادعاء ترتيبها على ما تأخر عنها نزولا، فنقول له: ~~وأين غاب اعتراضك في عدة سور مما تقدم بل في معظم ذلك، وإلا فليست سورة ~~البقرة من المدني، ومقتضى تأليفنا هذا بناء ما بعدها من السور على ~~الترتيب الحاصل في مصحف الجماعة إنما هو عليها وفيها بعد من المكي ما لا ~~يحصى، فإنما غاب عنك نسيان ما قدمناه في الخطبة من أن ترتيب السور ما هي ~~عليه راجع إلى فعله عليه الصلاة والسلام أكان ذلك بتوقيف منه أو باجتهاد ~~الصحابة رضي الله عنهم على ما قدمناه، فارجع بصرك، وأعد في الخطبة نظرك، ~~والله يوفقنا إلى اعتبار بيناته وتدبر آياته، ويحملنا في ذلك على ما ~~يقربنا إليه بمنه وفضله - انتهى. # ولما أتم سبحانه ما أراد من أمر الخلق وهو الإيجاد بالأسباب بالتدريج، ~~أخذ في التنبيه على عالم الأمر ms5647 وهو الإبداع من غير أسباب، فقال مكررا ~~للأمر بالقراءة تنبيها على عظم شأنها وتأنيسا له صلى الله عليه وسلم ~~ومسكنا لروعه ومعلما أن من جاءه الأمر من قبله ليس كأربابهم: { اقرأ } ~~ولما كان قد قال صلى الله عليه وسلم عند هذا الأمر إخبارا بالواقع كما ~~يقول لسان الحال لو لم ينطق بلسان المقال: ما أنا بقارىء، فكان التقدير: ~~فربك الذي رباك فأحسن تربيتك وأدبك فأحسن تأديبك أمرك بالقراءة وهو قادر ~~على جعلك قارئا، عطف عليه قوله: { وربك } أي يكون التقدير: والحال أن ~~الذي خصك بالإحسان الجم { الأكرم * } أي الذي له الكمال الأعظم مطلقا من ~~جهة الذات ومن جهة الصفات ومن جهة الأفعال، فلا يلحقه نقص في شيء من ~~الأشياء أصلا لأن حقيقته البعيد عن اللوم الجامع لمساوىء الأخلاق، فهو ~~الجامع لمعالي الأخلاق، وليس غيره يتصف بذلك، فهو يعطيك ما لا يدخل تحت ~~الحصر، وأشار إلى أن من ذلك أنه يفيض على أمته الأمية من العلم والحظ ما ~~لم يفضه على أمة قبلها على قصر أعمارهم، فقال مشيرا إلى العلم التعليم، ~~مشعرا بوصفه سبحانه بالمنح بالعلم إلى ترتيب الحكم بالأكرمية على هذا ~~الوصف الناقل للإنسان من الحال العقلي السافل إلى هذا الحال العالي ~~الكامل { الذي علم } أي بعد الحلم عن معاجلتهم بالعذاب والعقاب جودا ~~منه من غير مانع من خوف عاقبة ولا رجاء منفعة { بالقلم * } أي الكتابة ~~به. ولما نبه بذلك على ما في الكتابة من المنافع التي لا يحيط بها غيره ~~سبحانه وتعالى، لأنها انبنت عليها استقامة أمور الدنيا والدين في الدنيا ~~والآخرة، وهي كافية في الدلالة على دقيق حكمته تعالى ولطيف تدبيره، زاد ~~ذلك عظمة على وجه يعم غيره فقال: { علم } أي العلم الضروري والنظري { ~~الإنسان } أي الذي من شأنه الأنس بما هو فيه لا ينتقل إلى غيره بل ينساه ~~إن لم يلهمه ربه إياه { ما لم يعلم * } أي بلطفه وحكمته لينتظم به حاله ~~في دينه من الكتاب والسنة ودنياه من المعاملات والصنائع، فيفيض عليه من ~~علمه اللدني الذي ms5648 لا سبب له ظاهر ما يعرف به ترتيب المقدمات بالحدود ~~والوسطى، فيعلم النتائج، وما يعرف به الحدسيات، وذلك بعد خلق القوى ونصب ~~الدلائل وإنزال الآيات، ولو كان ذلك بالأسباب فقط لتساوى الناس في مدة ~~التعليم وفي أصل المعلوم كما تساووا في مدة الحمل وأصل الإنسانية، وقد ~~ذكر سبحانه مبدأ الإنسان ومنتهاه بنقله من أخس الحالات إلى أعلاها ~~تقريرا لربوبيته وتحقيقا لأكرميته، قال الملوي: ولو كان شيء من العطاء ~~والنعم أشرف من العلم لذكره عقب صفة الأكرمية - انتهى، وفي ذلك إشارة إلى ~~مزيد كرم العلماء بالتعليم، وفي الآية الإشارة إلى مطالعة عالمي الخلق ~~والأمر، قال الرازي، وفي كل من العالمين خصوص وعموم - انتهى، فالمعنى أنه ~~يعلمك أيها النبي الكريم وإن كنت أميا لا تعلم الآن شيئا كما علم ~~بالقلم من لم يكن يعلم، فتكون أنت - بما أشارت إليه صفة الأكرمية على ما ~~أنت فيه من الأمية - أعلم من أهل الأقلام - وأعلى من كل مقام سام. # ولما كان الدم أكثر الأخلاط وأشدها هيجانا، فإن مرضه لا يشبهه شيء من ~~أمراض بقية الأخلاط، وكان مع ذلك سريع البرء إن أصيب علاجه وعولج بأمر ~~قاهر أقوى منه، وكان العلم قرين الغنى في الأغلب، وكان زلة العالم تفوق ~~زلة غيره، قال معرفا بعد التعريف بالإلهيات بأمر النفس مبينا لقسم ~~الإنسان المردود أسفل سافلين مقررا لحاله، ورادعا له عن ضلاله: { كلا } ~~أي ارتدع أيها العالم عن الطغيان إن نلت الغنى حقا { إن الإنسان } أي ~~هذا النوع الذي هو نوعك ومن شأنه الأنس بنفسه والنظر في عطفه { ليطغى * } ~~أي من شأنه - إلا من عصمه الله سبحانه - أن يزيد على الحد الذي لا ينبغي ~~له مجاوزته كما يزيد الخلط الدموي، وأكده لما لأكثر الخلق من التكذيب به ~~فإنه لا طاغي يقر بأنه طغى { أن } أي لأجل أن { رآه } أي علم الإنسان ~~نفسه علما وجدانيا { استغنى * } أي وجد له الغنى، هذا هو الطبع الغالب ~~في الإنسان متى استغنى عن شيء عمي عن مواضع افتقاره، فتغيرت أحواله معه، ~~وتجاوز فيه ms5649 ما ينبغي له الوقوف عنده # " ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب " # ومن كان مفتقرا إلى شيء كان منطاعا له كما في حديث آخر أهل النار ~~خروجا منها يقسم لربه أنه لا يسأل غير ما طلبه، فإذا أعطيته واستغنى به ~~سأل غيره حتى يدخل دار القرار، ولعله نبه بهذا على أن هذه الأمة المحتاجة ~~ستفتح لها خزائن الأرض فيطغيها الغنى كما أطغى من قبلها وإن كانوا هم ~~ينكرون ذلك كما قال صلى الله عليه وسلم حين بشرهم بالفتوحات وقال: # " إنه يغدى على أحدكم بصفحة ويراح عليه بأخرى ثم قال لهم: أنتم اليوم ~~خير أم يومئذ، فقالوا: بل يومئذ، نتفرغ لعبادة ربنا، فقال: بل أنتم اليوم ~~خير منكم يومئذ، قال صلى الله عليه وسلم: والله ما الفقر أخشى عليكم، ~~ولكن أخشى أن يبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما ~~تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم " # أو كما قال صلى الله عليه وسلم. # ولما كان لا دواء لذلك مثل تذكر الجزاء، قال معرفا أن الإنسان لا يزال ~~مفتقرا إلى مولاه في حياته ومماته وغناه وفقره، محذرا له سوء حالاته ~~مؤكدا لأجل إنكارهم ذلك: { إن إلى ربك } أي المحسن إليك بالرسالة التي ~~رفع بها ذكرك، لا إلى غيره من التراب ونحوه { الرجعى * } أي الرجوع ~~الأعظم الثابت الذي لا محيد عنه، أما في الدنيا فلا محيد عن الإقرار به، ~~فإنه لا يقدر أحد على شيء إلا بتقديره، وأما في الآخرة فبما أثبت في ~~برهانه في سورة التين، فيحاسب الناس بأعمالهم، ويجازي كل أحد بما يستحق ~~من ثواب أو عقاب، ففيه وعيد للطاغي وتحقير - لغنى ينقطع. # ولما أخبر بطغيانه وعجل بذكر دوائه لأن المبادرة بالدواء لئلا يتحكم ~~الداء واجبة، دل على طغيانه مخوفا من عواقب الرجعى في أسلوب التقرير ~~لأنه أوقع في النفس وأروع للب لأن أبا جهل قال: " لئن رأيت محمدا يعفر ~~وجهه لأفضخن رأسه بصخرة، فجاء ليفعل ما زعم فنكص على عقبيه ويبست يداه ~~على حجره فسئل عما دهاه، فقال: إن ms5650 بيني وبينه لهولا وأجنحة، وفي رواية: ~~لخندقا من النار، وفي رواية: لفحلا من الإبل، فما رأيت مثله، ولو دنوت ~~منه لأكلني " وأصل الحديث في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، فقال: ~~{ أرءيت } تقدم في الأنعام أن هذا الفعل إذا لم يكن بصريا كان بمعنى ~~أخبر، فالمعنى: أخبرني هل علمت بقلبك علما هو في الجلاء كرؤية بصرك { ~~الذي ينهى * } أي على سبيل التجديد والاستمرار. # ولما كان أفحش ما يكون صد العبد عن خدمة سيده، قال معبرا بالعبودية ~~منكرا للمبالغة في تقبيح النهي والدلالة على كمال العبودية: { عبدا } ~~أي من العبيد { إذا صلى * } أي خدم سيده الذي لا يقدر أحد أن ينكر ~~سيادته بإيقاع الصلاة التي هي وصلته به، وهي أعظم أنواع العبادة لأنها مع ~~كونها أقرب وصلة إلى الحق انقطاع وتجرد بالكلية عن الخلق، فكان نهيه له ~~عن ذلك نهيا عن أداء الحق لأهله حسدا أو بغيا، فكان دالا على أن من ~~طبع أهل كل زمان عداوة أهل الفضل وصدهم عن الخير لئلا يختصوا بالكمال. ### || [96.11-19] # ولما كان هذا أمرا خارجا عن الحد في الطغيان، وكان السؤال إنما هو عن ~~رؤية حاله في نهيه العبد عن الصلاة، لا عن رؤية ذاته، فتشوف السامع إلى ~~معرفة ذلك الحال، كرر التقرير بزيادة التعجيب من حاله والتحذير، فقال ~~مكررا العامل زيادة في التأكيد وبيانا لأن هذا في الحقيقة أول السؤال ~~عن الحال: { أرءيت } أي أخبرني عن حاله { إن كان } أي هذا الناهي، وعبر ~~بأداة الاستعلاء إشارة إلى أنه في غاية الثبات والتمكن فقال: { على الهدى ~~* } أي الكامل في الهداية فكف عن نهي هذا المصلي عن خدمة مولاه الذي هو ~~معترف بسيادته وإن ادعى كذبا أن له شريكا كما أنه لا ينهى عن السجود ~~للأصنام. # ولما ذكر ما لعله يكون عليه في تكميل نفسه، ذكر ما لعله يعانيه من إنجاء ~~غيره فقال: { أو أمر } أي ذلك الناهي { بالتقوى * } أي التي هي عماد ~~الدين، وهي عمارة الباطن بالنور الناشئة عن الهدى، وعمارة الظاهرة لذلك، ms5651 ~~المترشحة من عمارة الباطن، الموجب لذلك، فأمر هذا المصلي بملازمة خدمة ~~سيده المجمع على سيادته، ولا شك في توحيده بالربوبية بالإقبال على ما ~~يرضيه من أفعال العبادة، ليكون ذلك وقاية لفاعل من سخطه فيأمن الهلاك، ~~والجواب محذوف تقديره: ألم يكن خيرا له فليتدبر كل أمر من أموره فلا ~~يقدم عليه حتى يعلم بالدليل أنه هدى وتقوى. # ولما كان التقدير حتما كما هدى إليه السياق ما قدرته من جواب السؤالين، ~~بنى عليه قوله زيادة في التوبيخ والتعجيب والتقريع استفهاما عن حال لهذا ~~الناهي مناف للحال الأول معيدا الفعل إيضاحا لذلك: { أرءيت } أي أخبرني ~~أيها السامع ولا تستعجل { إن كذب } أي أوقع هذا الناهي التكذيب بأن ~~المصلي على الهدى بخدمة سيده المتفق على سيادته، فكان بذلك مرتكبا ~~للضلال الذي لا شك في كونه ضلالا، ولا يدعو إليه إلا الهدى. # ولما كان المكذب قد لا يترك من كذبه، أشار إلى أن حال هذا على غير ذلك ~~فقال: { وتولى * } أي وكلف فطرته الأولى بعد معالجتها الإعراض عن قبول ~~الأمر بالتقوى، وذلك التولي إخراب الباطن بالأخلاق السيئة الناشئة عن ~~التكذيب وإخراب الظاهر بالأعمال القبيحة الناشئة عن التكذيب، والجواب ~~محذوف تقديره: ألم يكن ذلك التولي والتكذيب شرا له لأن التكذيب والتولي ~~من غير دليل شر محض، فكيف إذا كان الدليل قائما على ضدهما. # ولما عجب من حالته البعيدة عن العقل مع نفسه ومع أبناء جنسه، أنكر عليه ~~معجبا من كونه يعلم أنه ليس بيده شيء، المنتج لأنه مراقب وحاله مضبوط ~~غاية الضبط وينسى ذلك، فقال ذاكرا مفعول " أرءيت " الثاني وهو لا يكون ~~إلا جملة استفهامية: { ألم يعلم } أي يقع له عمل يوما من الأيام { بأن ~~الله } أي وهو الملك الأعلى { يرى * } أي له صفتا البصر والعلم على ~~الإطلاق، فهو يعلم كل معلوم ويبصر كل مبصر، ومن كان له ذلك كان جديرا ~~بأن يهلك من يراه على الضلال والإضلال وينصر من يطيع أمره على كل من ~~يعاديه، وإنما جاء هذا الاستفهام الإنكاري على هذا الوجه لأنهم يعترفون ms5652 ~~بكل ما أنكر عليهم فيه ويلزمهم بما يفعلون من عداوة النبي صلى الله عليه ~~وسلم أن يكونوا منكرين له، وذلك هو عين التناقض الذي لا أشنع عندهم منه، ~~هذا ويمكن، وهو أحسن، أن تنزل الآية على الاحتباك فيقال: لما كان السؤال ~~عن حال الناهي لأن الرؤية علميه لا بصرية، فتشوف السامع إلى معرفتها، ~~وكان للناهي حالان: طاعة ومعصية، بدأ بالأولى لشرفها على الأسلوب الماضي ~~في التقرير على سبيل التعجيب فقال: " أرءيت " أي أخبرني " إن كان " ~~الناهي ثابتا في نهيه هذا متمكنا " على الهدى " أي الكامل " أو " كان ~~قد " أمر " في ذلك الأمر أو في أمر ما من عبادة الأوثان وغيرها " بالتقوى ~~" وحذف جواب السؤال عن هذا الحال لدلالة جواب الحال الثاني عليه، وهو ألم ~~يعلم بأن الله يرى كل ما يصح أن يرى، فينهى عنه إن كان مكروها ولا يقر ~~عليه ويحاسب به ليزن هذا الناهي أفعاله بما شرعه سبحانه من الدليل العقلي ~~والسمعي فيعلم أهي مما يرضيه ليقره عليه كما يقر سائر ما يرضيه أو يسخطه ~~فيمنعه منه. # ولما ذكر ما يمكن أن يكون عليه حال الناهي من السداد، ذكر ما يمكن أن ~~يكون عليه من الفساد، فقال مقررا معجبا معيدا العامل لزيادة التعجيب ~~على النمط الأول: " أرأيت إن كذب " أي هذا الناهي بالحق في وقت النهي - ~~ولما كان لا يلزم من التكذيب التولي قال: " وتولى " أي عن الدين بنهيه ~~هذا، فكان على الضلال والهوى متمكنا في ذلك بحيث إنه لا يصدر عنه فعل ~~إلا فاسدا " ألم يعلم بأن الله يرى " فيحاسب نفسه بما أرشد إليه سبحانه ~~من البراهين فيعلم أن ما هو عليه من الرشد إن كان الله يقره عليه ويمكنه ~~منه أو الغواية إن كان ينهاه عنه ولا يقره عليه، كما فعل بهذا الذي أقسم: ~~ليرضخن رأس هذا المصلي، وأقدم عليه بصخرته وهو عند نفسه في غاية القدرة ~~على ذلك بزعمه فمنعه الله منه ورده عنه فرجع على عقبيه خاسئا ظاهرا ~~عليه الجبن والرعب وغيرهما مما يتحاماه ms5653 الرجال، ويأنف منه الضراغمة ~~الأبطال، والاحتباك هنا بطلب " أرءيت " جملة ليس هو من التنازع لأنه ~~يستدعي إضمارا والجمل لا تضمر، إنما هو من باب الحذف لدليل، فحذف الكون ~~على الضلال ثانيا لدلالة الكون على الهدى عليه أولا، وحذف " ألم يعلم ~~بأن الله يرى " أولا لدلالة ذكره آخرا عليه. # ولما كان هذا الخبيث معرضا عن هذا العلم الذي هو معترف به كله، وإنما ~~كان إعراضه لما عنده من الحظوظ والشهوات الموقعة له - بحكم الرد أسفل ~~سافلين - إلى رتبة البهائم، أتى بأعظم أدواث الردع فقال: { كلا } أي ليس ~~عنده علم بشيء من ذلك لسفول رتبته عن رتبة البهائم ولا في يده شيء من ~~الأشياء، فهو لا يقدر على شيء مما رامه من الأذى، فليرتدع عن تعاطي ذلك ~~لأنه لا يضر إلا نفسه. # ولما كان نفي العلم عنه يوهم أنه في عداد الغافلين الذي لا ملامة عليهم، ~~بين أن انتفاء العلم عنه ليس عن غفلة يعذر صاحبها، إنما هو عن تهاون ~~بالخير ورضى بالعمى والتقليد، فهو من قسم الضال الذي فرط في استعمال ~~القوة العلمية المذكور في الفاتحة، فاستأنف الإخبار عنه في جواب من يقول: ~~فما يفعل به؟ معبرا بأداة الشك إقامة له ولغيره في محل الرجاء لانتهائه ~~إبقاء للتكليف ومؤكدا لأنهم منكرون: { لئن لم ينته } أي يفتعل هذا ~~الناهي لهذا العبد المطيع فيقف ويكف عما هو فيه من نهيه وتكذيبه وتوليه. # ولما كان الحال غير محتاج إلى أكثر من التأكد لإيقاع الفعل، عبر ~~بالحقيقة ولم ينقلها إشارة إلى أن هذا الناهي أقل من أن يحتاج فيه إلى ~~فعل شديد، بل أقل نفحة من العذاب تكفي في إهلاكه، وما كان أصل التأكيد ~~إلا تطيببا لقلوب الأولياء وتكذيبا للأعداء فقال: { لنسفعا } أي ~~والله لنأخذن ونقبضن قبضا وأخذا بشدة وعنف مع الجر والاجتذاب واللطم ~~والدفع والغيظ أخذ من يعض مأخوذه ويذله ويسود وجهه ويقذره { بالناصية * } ~~أي بالشعر الذي في مقدم رأسه وهو أشرف ما فيه، والعرب لا تأنف من شيء ~~أنفتهم من أخذ الناصية، وإذا ms5654 انتهكت حرمة الأشرف فما بالك بغيره، واستغنى ~~بتعريف العهد عن الإضافة. # ولما كان من المعلوم أن من صار في القبضة على هذه الهيئة المهينة ~~المزرية فهو هالك، اغتنى به عن أن يقول: ولنسحبنه بها على وجهه إلى ~~النار، ووصفها بما يدل على ذلك فقال مبدلا لأن البدل وصف بما قربه من ~~المعرفة: { ناصية } أي عظيمة القبح { كاذبة } أي متعمدة للكذب { خاطئة * ~~} فهي صادر عنها الذنب من الكذب وغيره من غير تعمد، فأغلب أحوالها على ~~غير صواب تارة عن عمد وتارة عن غير عمد، وما ذاك إلا لسوء جبلة صاحبها ~~حتى كاد لا يصدر عنه فعل سديد، ووصفها بما هو لصاحبها على الإسناد ~~المجازي مبالغة في تكذيبه في أنه لا يقدر على منع المهتدي أو إذلاله أو ~~شيء من أذاه إلا إن أذن له صاحب الأمر كله فيما يكون سببا لزيادة رفعته، ~~وفي العدول عن الحقيقة، كأن يقال: ناصية كاذب خاطىء، بالإضافة إلى هذا ~~المجاز، من الجزالة والفخامة والجلالة ما لا يخفى. # ولما كان هذا هو غاية الإهانة، وكان الكفار إنما يقصدون بأعراضهم ~~الشماخة والأنفة والعز عن أن يكونوا أتباعا أذنابا، وإنما عزهم بقومهم، ~~وأقرب من يعتز به الإنسان أهل ناديه، وهم القوم الذين يجتمعون نهارا ~~ليحدث بعضهم بعضا ويستروح بعضهم إلى بعضهم لما عندهم من التصافي لأنهم ~~لا يتركون أشغالهم نهارا ويجتمعون لذلك إلا عن ذلك، قال تعالى مسببا عن ~~أخذه على هذا الوجه المزري: { فليدع } أي دعاء استغاثة { ناديه * } أي ~~القوم الذين كانوا يجتمعون معه نهارا يتحدثون في مكان ينادي فيه بعضهم ~~بعضا من أنصاره وعشيرته ليخلصوه مما هو فيه، والذي نزلت فيه هو أبو جهل، ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم: أتهددني وأنا أكثر أهل الوادي ناديا. # ولما كان كأنه قيل: فلو دعا ناديه يكون ماذا؟ قال: { سندع } أي بوعد لا ~~خلف فيه { الزبانية * } أي الأعوان الموكلين بالنار ليجروه إليها، وهم في ~~الأصل الشرط، الواحد زبنية كهبرية، من الزبن وهو الدفع أو زبني على ~~النسبة، أصلها زباني والتاء ms5655 عوض عن الياء، وهم كل من عظم خلقه، واشتد ~~بطشه، وقد اجتمعت المصاحف العثمانية على حذف الواو من هذا الفعل خطأ، ولا ~~موجب لحذفه من العربية لفظا، وكأن المعنى في ذلك - والله أعلم - أن لا ~~يظن أنهم دعوا لرفعة لهم في ذواتهم يستعان بهم بسببها لأن معنى الواو عند ~~الربانيين العلو والرفعة، إشارة إلى أنهم لا قوة لهم إلا بالقوي العزيز، ~~أو يقال: إن الحذف دال على تشبيه الفعل بالأمر ليدل على أن هذا الدعاء ~~أمر لا بد من إيقاع مضمونه، ومن إجابة المدعوين إلى ما دعوا إليه، وأن ~~ذلك كله يكون على غاية الإحكام، والاتساق بين خطه ومعناه والانتظام، لا ~~سيما مع التأكيد بالسين، الدال على تحتم الاتحاد والتمكين، أو يكون ~~المعنى: إنا ندعوهم بأيسر دعاء وأسهل أمر، فيكون منهم ما لا يطاق ولا ~~يستطاع دفاعه بوجه، فكيف لو أكدنا دعوتهم وقوينا عزمتهم. # ولما كان الذي تقدم نهي الناهي للمصلي والسفع بناصيته إن لم ينته وأمره ~~بدعاء ناديه، وكان الحكم في الأول أنه لا يجيبه إلى ترك الصلاة، وفي ~~الثاني أن الناهي لا ينتهي عن عصيانه بالتهديد وأنه لا يفيده دعاء ناديه، ~~فالكل منفي، حسن كل الحسن الإتيان بأداة الردع فقال: { كلا } أي لا يقدر ~~على دعاء ناديه ولا ينتهي عن أذاه للمطيع بالتهديد فليرتدع عن كل من ذلك. # ولما كان كأنه قيل: فما أفعل؟ قال معرفا أن من علم أن طبع الزمان وأهله ~~الفساد، وجب عليه الإقبال على شأنه والإعراض عن سائر العباد { لا تطعه } ~~أي في نهيه لك عن الطاعة بالصلاة أو غيرها. # ولما كان نهيه عن الصلاة التي هي عماد الدين، وكانت الصلاة يعبر عنها ~~بالسجود لأنه - مع أنه جزؤها - هو أشرفها، وهو أيضا يطلق على مطلق ~~العبادة، قال تعالى مشيرا إلى النصر له صلى الله عليه وسلم ولأتباعه على ~~كل من يمنعهم عبادته: { واسجد } أي دم على صلاتك وخضوعك بنفسك وجدد ذلك ~~في كل وقت. ولما كان السجود أقرب مقرب للعبد إلى الله قال: { واقترب ms5656 * } ~~أي اجتهد بسرك في بلوغ درجة القرب إلى ربك والتحبب إليه بكل عبادة لا ~~سيما الصلاة فإنه أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، وقد شرح هذا ~~المقام كما تقدم في الفاتحة قوله صلى الله عليه وسلم # " أعوذ بعفوك من عقوبتك " # فإن هذه الجملة أفادت - كما قال الإمام الغزالي في كتاب الشكر - مشاهدة ~~أفعال الله فقط، فكأنه لم ير إلا الله وأفعاله، فاستعاذ بفعله من فعله، ~~قال: ثم اقترب ففني في مشاهدة الأحوال، وترقى إلى مصادر الأفعال، وهي ~~الصفات، فقال: # " أعوذ برضاك من سخطك " # وهما صفتان، ثم رأى ذلك نقصانا في التوحيد فاقترب وترقى من مقام مشاهدة ~~الصفات إلى مشاهدة الذات فقال # " وأعوذ بك منك " # فرارا منه إليه من غير رؤية فعل وصفة، ولكنه رأى نفسه فارا منه إليه ~~ومستعيذا ومثنيا ففني عن مشاهدة نفسه إذا رأى ذلك نقصانا فاقترب فقال # " أنت كما أثنيت على نفسك لا أحصي ثناء عليك " # فقوله: # " لا أحصي " # خبر عن - فناء نفسه وخروجه عن مشاهدتها، وقوله: # " أنت كما أثنيت " # بيان أنه المثني والمثنى عليه، وأن الكل منه بدأ وإليه يعود، وأن كل شيء ~~هالك إلا وجهه، فكان أول مقامه نهاية مقامات الموحدين وهو أن لا يرى إلا ~~الله وأفعاله فيستعيذ بفعل من فعل، فانظر إلى ماذا انتهت نهايته إذا ~~انتهى إلى الواحد الحق حتى ارتفع من نظره ومشاهدته سوى الذات الحق، ولقد ~~كان صلى الله عليه وسلم لا يرقى من مرتبة إلى أخرى إلا ويرى الأولى بعدا ~~بالإضافة إلى الثانية، فكان يستغفر الله من الأولى، ويرى ذلك نقصا في ~~سلوكه وتقصيرا في مقامه، وإليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم: # " إنه ليغان على قلبي حتى أستغفر الله في اليوم والليلة سبعين مرة " # فكان ذلك لترقيه إلى سبيعن مقاما بعضها يعد نقصا لنقص أوائلها وإن كان ~~مجاوزا أقصى غايات مقامات الخلق، ولكن كان نقصانا بالإضافة إلى ~~أواخرها، فكان استغفاره لذلك. # ولما قالت عائشة رضي الله عنها: قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما ms5657 ~~تأخر، فما هذا البكاء في السجود وما هذا الجهد الشديد؟ قال: # " أفلا أكون عبدا شكورا " # معناه: أفلا أكون طالبا للمزيد في المقامات، فإن الشكر سبب الزيادة حيث ~~قال تعالى # ولئن شكرتم لأزيدنكم # [إبراهيم: 7] انتهى. وهو على ما ترى من النفاسة فمن أكثر من الدعاء في ~~سجوده فقمن أن يستجاب له، والصلاة لا تكون إلا بالقراءة فإذا فعلت ذلك ~~احتجبت عن الأغيار بحجاب منيع، فازددت صفاء وصنت حالك عن الغير - كما ~~يرشد إليه ما في صحف إبراهيم عليه الصلاة والسلام " ينبغي للعاقل أن يكون ~~حافظا للسانه عارفا بزمانه مقبلا على شأنه - والله أعلم " فقد رجع ~~آخرها إلى الأول، على أحسن وجه وأجمل وأكمل - والله الهادي. ### | [97 - سورة القدر] ### || [97.1-5] # لما ذكر الله سبحانه وتعالى كتابه في هذا الذكر العربي المعجز، ذكر ~~إنزاله مستحضرا في كل قلب، كان ذلك مغنيا عن إعادته بصريح اسمه، فكان ~~متى أضمره علمه المخاطب بما في السياق من القرائن الدالة عليه، وبما له ~~في القلب من العظمة وفي الذهن من الحضور لا سيما في هذه السورة لافتتاح ~~العلق بالأمر بقراءته، وختمها بالصلاة التي هي أعظم أركانها، فكانت ~~دلالتها عليه دلالة هي في غاية الوضوح، فكان كأنه قال: واقترب بقراءة ~~القرآن في الصلاة، فكان إضماره أدل على العظمة الباهرة من إظهاره، لدلالة ~~الإضمار على أنه ما تم شيء ينزل غيره فهو بحيث لا يحتاج إلى التصريح به، ~~قال مفخما له بأمور: إضماره، وإسناد إنزاله إليه، وجعل ذلك في مظهر ~~العظمة، وتعظيم وقت إنزاله المتضمن لعظمة البلد الذي أنزل فيه - على قول ~~الأكثر، والنبي الذي أنزل عليه، مؤكدا لأجل ما لهم من الإنكار، { إنا } ~~أي لما لنا من العظمة { أنزلناه } أي هذا الذكر كله من اللوح المحفوظ إلى ~~بيت العزة من السماء الدنيا مرتبا هذا الترتيب الذي جمع الله الأمة ~~المعصومة عليه، وهو الموجود الآن، وكذا كان إنزال أول نجم منه، وهو أول ~~السورة الماضية إنزالا مصدقا لأن عظمته من عظمتنا بما له من الإعجاز في ~~نظمه، ومن تضاؤل ms5658 القوى عن الإحاطة بعلمه، وأول ما أنزل منه صدرها إلى خمس ~~آيات منها آخرها " ما لم يعلم " على النبي صلى الله عليه وسلم وهو مجاور ~~في هذا الشهر الشريف بجبل حراء من جبال مكة المشرفة، ثم صار ينزل مفرقا ~~بحسب الوقائع حتى تم في ثلاث وعشرين سنة، وكلما نزل منه نجم يأمر النبي ~~صلى الله عليه وسلم بترتيبه في سورته عن أمر الله تعالى حتى تم في السور ~~على ما هو عليه الآن ما هو عليه في بيت العزة. # ولما عظمه بما ذكر، زاده عظما بالوقت الذي اختار إنزاله فيه ليكون ~~طالعه سعيدا لما كان أثره حميدا فقال: { في ليلة القدر * } أي الليلة ~~التي لها قدر عظيم وشرف كبير، والأعمال فيها ذات قدر وشرف، فكانت بذلك ~~كأنها مختصة بالقدر فلا قدر لغيرها. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: ورد تعريفا بإنزال ما تقدم الأمر ~~بقراءته لما قدمت الإشارة إلى عظيم أمر الكتب، وأن السلوك إليه سبحانه ~~إنما هو من ذلك الباب، أعلم سبحانه وتعالى بليلة إنزاله وعرفنا بقدرها ~~لنعتمدها في مظان دعائنا وتعلق رجائنا ونبحث في الاجتهاد في العمل لعلنا ~~نوافقها وهي كالساعة في يوم الجمعة في إبهام أمرها مع جليل قدرها ومن ~~قبيل الصلاة الوسطى، ولله سبحانه في إخفاء ذلك أعظم رحمة، وكان في ~~التعريف بعظيم قدر هذه الليلة التعريف بجلالة المنزل فيها، فصارت سورة ~~القدر من تمام ما تقدم ووضح اتصالها - انتهى. # ولما علم من السياق تعظيمها بعظمة ما أنزل فيها وبالتعبير عنها بهذا، ~~قال مؤكدا لذلك التعظيم حثا على الاجتهاد في إحيائها لأن للإنسان من ~~الكسل والتداعي إلى البطالة ما يزهده في ذلك: { وما أدراك } أي وأي شيء ~~أعلمك وأنت شديد التفحص { ما ليلة القدر * } أي لم تبلغ درايتك وأنت أعلم ~~الناس غاية فضلها ومنتهى علي قدرها على ما لك من سعة العلم وإحاطة الفكر ~~وعظيم المواهب. # ولما ثبتت عظمتها بالتنبيه على أنها أهل لأن يسأل عن خصائصها، قال ~~مستأنفا: { ليلة القدر * } أي التي خصصناها بإنزالنا له ms5659 فيها { خير من ~~ألف شهر * } أي خالية عنها أو العمل فيها خير من العمل في ألف شهر ليس ~~فيها ليلة القدر، وذلك ثلاث وثمانون سنة وأربعة أشهر، قالوا: وهي مدة ملك ~~بني أمية سواء، وتسميتها بذلك لشرفها ولعظيم قدرها، أو لأنه يفصل فيها من ~~أم الكتاب مقادير الأمور، فيكتب فيها عن الله حكم ما يكون من تلك الليلة ~~إلى مثلها من العام المقبل، من قولهم: قدر الله على هذا الأمر يقدره ~~قدرا، أي قضاه، وهي الليلة المرادة في سورة الدخان بقوله تعالى: # فيها يفرق كل أمر حكيم # [الدخان: 4] وذكر الألف إما للمبالغة بنهاية مراتب العدد ليكون أبلغ من ~~السبعين في تعظيمها أو لأن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر شخصا من مؤمني ~~بني إسرائيل لبس السلاح مجاهدا في سبيل الله ألف شهر، فعجب المؤمنون منه ~~فتقاصرت إليهم أعمالهم، فأعطاهم الله سبحانه وتعالى ليلة من قامها كان ~~خيرا من ذلك، وأبهمها في العشر الأخير من شهر رمضان في قول الجمهور على ~~ما صح من الأحاديث ليجتهدوا في إدراكها كما أخفى ساعة الإجابة في يوم ~~الجمعة والصلاة الوسطى في الخمس، واسمه الأعظم في الأسماء، ورضاه في سائر ~~الطاعات ليرغبوا في جميعها، وسخطه في المعاصي لينتهوا عن جميعها، وقيام ~~الساعة في الأوقات ليجتهدوا في كل لحظة حذرا من قيامها، والسر في ذلك أن ~~النفيس لا يوصل إليه إلا باجتهاد عظيم إظهارا لنفاسته وإعظاما للرغبة ~~فيه وإيذانا بالسرور به، لكن جعل السورة ثلاثين كلمة سواء يرجح أنهم ~~السابعة والعشرون التي وازاها قوله هي - كما نقل عن أبي بكر الوراق. # ولما عظمها، ذكر وجه العظم ليكون إعلاما بعد إبهام وهو أوقع في النفس ~~فقال مستأنفا: { تنزل } أي تنزلا متدرجا هو أصلا على غاية ما يكون من ~~الخفة والسرعة بما أشار إليه حذف التاء { الملائكة } أي هذ النوع العظيم ~~الذي هو خير كله { والروح } أي جبريل عليه الصلاة والسلام، خصه بيانا ~~لفضله أو هو مع أشراف الملائكة أو هو خلق أكبر من الملائكة أو هو أمر ms5660 ~~تسكن إليه نفوس العارفين ويحصل به اليمن والبركة { فيها } وأشار إلى خفاء ~~ذلك التنزل بإسقاط تاء التنزل مع ما تقدم من الإشارات، ودل على زيادة ~~البركة في ذلك التنزل وعظيم طاعة الملائكة بقوله: { بإذن ربهم } أي بعلم ~~المحسن إليهم المربي لهم وتمكينه، وتنزلهم إلى الأرض أو السماء الدنيا أو ~~تقربهم من المؤمنين، متبدىء تنزلهم { من كل أمر * } أي الأمور الكلية ~~التي يفرقون فيها بإذن الله تفاصيل الأمور التي يريدها سبحانه في ذلك ~~العام في أوقاتها من تلك الليلة إلى مثلها من العام المقبل، أو من أجل ~~تقدير كل شيء يكون في تلك السنة، وعبر عن الشيء بالأمر إعلاما بأنهم لا ~~يفعلون شيئا إلا بأمره. # ولما ذكر سبحانه هذه الفضائل، كانت النتيجة أنها متصفة بالسلامة التامة ~~كاتصاف الجنة - التي هي سببها - بها، فكان ذلك أدل على عظمتها فقال ~~تعالى: { سلام } أي عظيم جدا { هي } أي ما هي إلا سلامة وخير ليس فيها ~~شر، ولا يزال ذلك السلام والبركة فيها { حتى } أي إلى { مطلع الفجر * } ~~أي طلوعه ووقت طلوعه وموضع طلوعه، لا يكون فيه شر كما في غير ليلتها، فلا ~~تطلع الشمس في صبيحتها بين قرني الشيطان إن شاء الله تعالى، وذلك سر ~~قراءة الكسائي بالكسر - والله أعلم، واختير التعبير ب " حتى " دون " إلى ~~" ليفهم أن لما بعدها حكم ما قبلها، فيكون المطلع في حكم الليلة، وعن ابن ~~عباس رضي الله عنهما أن جبريل عليه الصلاة والسلام ينزل ليلة القدر في ~~كوكبة من الملائكة ومعه لواء أخضر يركزه فوق الكعبة، ثم يفرق الملائكة في ~~الناس حتى يسلموا على كل قائم وقاعد وذاكر وراكع وساجد إلى أن يطلع ~~الفجر، فمن تأمل هذه السورة علم منه ما للقرآن من العظمة فأقبل عليه ~~بكليته يتلوه حق تلاوته كما أمر في سورة " اقرأ " فأمن من غير شك من هول ~~يوم الدين المذكور في التين، ومن تلاوته بحقه تعظيم ليلة القدر لما ذكر ~~من شرفها، وذلك جاز إلى الحرص عليها في كل السنة، فإن لم يكن ففي ms5661 كل ~~رمضان، فإن لم يكن ففي جميع ليالي العشر الأخيرة منه، ليكون له من ~~الأعمال بسبب فضلها ومضاعفة العمل فيها ما لا يحصيه إلى الله تعالى بحيث ~~إنه ربما يكون خيرا من عمل من اجتهد فيما قبلنا ألف سنة، ورجوع آخرها ~~بكون هذا التنزل في ليلة القدر على أولها في غاية الوضوح لأن أعظم السلام ~~فيها نزول القرآن، ولعل كونها ثلاثين كلمة إشارة إلى إن خلافة النبوة ~~التي هي ثلاثون سنة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم التي آخرها يوم نزل ~~أمير المؤمنين الحسن بن علي رضي الله عنهما فيه عن الخلافة لمعاوية رضي ~~الله عنه في شهر ربيع الأول سنة إحدى وأربعين هي كليلة القدر في الزمان، ~~وما بعدها كليالي العام فيه الفاضل وغيره، وتلك المدة كانت لخمسة خلفاء ~~أشارت إليهم حروف الكلمة الأخير منها، فالألف لأبي بكر رضي الله عنه وهي ~~في غاية المناسبة له، فإن الربانيين قالوا: هو اسم للقائم المحيط الأعلى ~~الغائب عن مقامه لكنها الحاضر معه وجودا كالروح، وكذا كان رضي الله عنه ~~حاضرا مع الأمة بوجوده وهو غائب عنهم بتوجهه، وجميع قلبه إنما هو مع ~~الله عز وجل، واللام لعمر رضي الله عنه وهي شديدة المناسبة له فإنها صلة ~~بين باطن الألف وظاهر الميم الذي هو لمحمد صلى الله عليه وسلم لأنه ~~للتمام، وكذلك فعل - وصل بين السيريتن وصلا تاما بحيث وصل ضعف الصديق ~~في بدنه وقوته في أمر الله بقوة رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتظم ~~به الأمر انتظاما لا مزيد عليه، والفاء لعثمان رضي الله تعالى عنه وهو ~~إشارة لبدء خلوص منته لتنقل بمزيد أو نقص، وآيته الفطرة الأولى، وآيتها ~~المحسوسة اللبن أول خروجه إذا أصابه أقل شيء من الهواء الممدود غيره، ~~وكذلك الفطرة إذا أصابها أقل شيء من الهوى المقصود غيرها، وكذا كان حاله ~~رضي الله تعالى عنه، حصلت له آفات الإحسان إلى أقاربه الذي قاده إليه ~~قويم فطرته حتى حصلت له الآفات الكبار رضي الله عنه، والجيم ms5662 لعلي رضي ~~الله عنه وهو إشارة إلى الجمع، والإجمال الذي يحصل عنده عنا وهو أنسب ~~الأمور له رضي الله تعالى عنه فإنه حصل به الجمع بعد الافتراق العظيم ~~بقتل أمير المؤمنين عثمان رضي الله تعالى عنه شهيدا مظلوما، وحصل به ~~الإجمال لكن لم يتم التفصيل بسبب ما حصل من العناد، والراء إشارة إلى ~~الحسن رضي الله تعالى عنه وهي تطوير وتصيير وتربية، وهي لكل مرب مثل زوج ~~المرأة وسيد العبد، ولذلك فعل رضي الله عنه لما رأى الملك يهلك بقتل ~~المسلمين رباه بنزوله عن الأمر لمعاوية، فكان كالسيد أذن لعبده وربي أمره ~~به، وقد سماه النبي صلى الله عليه وسلم سيدا - رضي الله عنهم أجمعين، ~~والله أعلم بالصواب. ### | [98 - سورة البينة] ### || [98.1-4] # لما أخبر سبحانه وتعالى أن الليلة الشريفة التي صانها بنوع خفاء في تنزل ~~من يتنزل فيها وفي تعيينها لا تزال قائمة على ما لها من تلك الصفة حتى ~~يأتي الفجر الذي يحصل به غاية البيان، أخبر أن أهل الأديان سواء كان لها ~~أصل من الحق أم لا لم يصح في العادة الجارية على حكمة الأسباب في دار ~~الأسباب أن يتحولوا عما هم فيه إلا بسبب عظيم يكون بيانه أعظم من بيان ~~الفجر، وهو القرآن المذكور في القدر والرسول المنزل عليه ذلك فقال: { لم ~~يكن } أي في مطلق الزمان الماضي والحال والاستقبال كونا هو كالجبلة ~~والطبع، وهذا يدل على ما كانوا عليه قبل ذلك من أنهم يبدلون ما هم عليه ~~من الكفر أو الإيمان بكفر أو بدعة ثم لا يثبتون عليه لأن ذلك ليس في ~~جبلاتهم، وإنما هو خاطر عارض كما هو محكي عن سيرتهم من بعد موسى عليه ~~الصلاة والسلام لما كانت تسوسهم الأنبياء عليهم السلام كما دل على بعض ~~ذلك قوله تعالى: # فعموا وصموا ثم تاب الله عليهم ثم عموا وصموا # [المائدة: 71] وكذا المشركون كانوا يبدلون دين إسماعيل عليه الصلاة ~~والسلام ولا ينفصلون عنه بالكلية، وتارة يعبدون الأصنام، وتارة الملائكة، ~~وأخرى الجن، ولم يكونوا يثبتون على حالة ms5663 واحدة ثباتا كليا مثل ثباتهم ~~على الإسلام بعد مجيء البينة ونسيانهم أمور الجاهلية بالكلية حتى نسوا ~~الميسر، فلم يكن أحد من أولادهم يعرف كيفيته وكذا السائبة وما معها ~~وغيرها ذلك من خرافاتهم { الذين كفروا } أي سواء كانوا عريقين في الكفر ~~أم لا. # ولما كان العالم أولى باتباع الحق وأشد جرما عند فعل ما يقتضي اللوم، ~~بدأ بقوله: { من أهل الكتاب } أي من اليهود والنصارى الذين كان أصل دينهم ~~حقا، فألحدوا فيه بالتبديل والتحريف والاعوجاج في صفات الله تعالى، ثم ~~نسخه الله تعالى بما شرع من مخالفته في الفروع وموافقته في الأصول فكذبوا ~~{ والمشركين } أي بعبادة الأصنام والنار والشمس ونحو ذلك ممن هم عريقون ~~في دين لم يكن له أصل في الحق بأن لم يكن لهم كتاب { منفكين } أي منفصلين ~~زائلين عما كانوا عليه من دينهم انفكاكا يزيلهم عنه بالكلية بحيث لا ~~يبقى لهم به علقة، ويثبتون على ذلك الانفكاك، وأصل الفك الفتح والانفصال ~~لما كان ملتحما، من فك الكتاب والختم والعظم - إذا زايل ما كان ملتصقا ~~ومتصلا به، أو عما في أنفسهم من ظن اتباع الحق إذا جاءهم الرسول المبشر ~~به بما كان أهل الكتاب يستفتحون به والمشركون يقسمون بالله جهد أيمانهم # لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم # [فاطر: 42] فيصيروا بذلك أحزابا وفرقا { حتى } أي إلى أن { تأتيهم } ~~عبر بالمضارع لتجدد البيان في كل وقت بتجدد الرسالة والتلاوة { البينة * ~~} أي الآية التي هي في البيان كالفجر المنير الذي لا يزداد بالتمادي إلا ~~ظهورا وضياء ونورا، وذلك هو الرسول وما معه من الآيات التي أعظمها ~~الكتاب سواء كان التوراة أو الإنجيل أو الزبور أو الفرقان، ولذلك أبدل ~~منها قوله: { رسول } أي عظيم جدا، وزاد عظمته بقوله واصفا له: { من ~~الله } أي الذي له الجلال والإكرام { يتلوا } أي يقرأ قراءة متواترة ذلك ~~الرسول بعد تعليمنا له { صحفا } جمع صحيفة وهي القرطاس والمراد ما فيها، ~~عبر بها عنه لشدة المواصلة { مطهرة * } أي هي في غاية الطهارة والنظافة ~~والنزاهة من كل قذر ms5664 بما جعلنا لها من البعد من الأدناس بأن الباطل من ~~الشرك بالأوثان وغيرها من كل زيغ لا يأتيها من بين يديها ولا من خلفها ~~وأنها لا يمسها إلا المطهرون، وقراءته وإن كان أميا لمثل ما فيها قراءة ~~لها. # ولما عظمه بأن وصف صحفه التي هي محل المكتوب بالطهارة، بين سبب ذلك ~~فقال: { فيها } أي تلك الصحف { كتب } جمع كتاب أي علوم هي لنفاستها حقيقة ~~بأن تكتب { قيمة * } أي هي في غاية الاستقامة لنطقها بالحق الذي لا مرية ~~فيه ليس فيها شرك ولا عوج بنوع من الأنواع، فإذا أتتهم هذه البينة انفكوا ~~وانفكاكهم أنهم كانوا مجتمعين قبل هذا، أهل الكتاب يؤمنون بالنبي صلى ~~الله عليه وسلم لما عندهم من البشائر الصريحة به، والمشركون يقولون: لئن ~~جاءنا نذير لنكونن أهدى من إحدى الأمم، ويقولون: نحن نعرف الحق لأهله ولا ~~ندفعه بوجه، فلما جاءهم النبي صلى الله عليه وسلم بما لا شبهة فيه ~~تفرقوا، فبعضهم آمن وبعضهم كفر. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: هي من كمال ما تقدمها لأنه لما أمره ~~عليه الصلاة والسلام بقراءة كتابه الذي به اتضحت سبيله وقامت حجته، وأتبع ~~ذلك بالتعريف بليلة إنزاله وتعظيمها بتعظيم ما أهلت له مما أنزل فيها، ~~أتبع ذلك بتعريفه صلى الله عليه وسلم بأن هذا الكتاب هو الذي كانت اليهود ~~تستفتح به على مشركي العرب وتعظم أمره وأمر الآتي به، حتى إذا حصل ذلك ~~مشاهدا لهم كانوا هم أول كافر به، فقال تعالى: { لم يكن الذين كفروا من ~~أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة - إلى قوله: وذلك دين ~~القيمة } وفي التعريف بهذا تأكيد ما تقدم بيانه مما يثمر الخوف وينهج ~~بإذن الله التسليم والتبرؤ من ادعاء حول أو قوة، فإن هؤلاء قد كانوا قدم ~~إليهم في أمر الكتاب والآتي به يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة ~~والإنجيل،وقد كانوا إليهم في أمر الكتاب والآتي به يجدونه مكتوبا عندهم ~~في التوراة والإنجيل، وقد كانوا يؤملون الانتصار به عليه الصلاة والسلام ~~من أعدائهم ويستفتحون بكتابه، فرحم ms5665 الله من لم يكن عنده علم منه كأبي بكر ~~وعمر وأنظارهما رضي الله عنهم أجمعين، وحرم هؤلاء الذين قد كانوا على ~~بصيرة من أمره وجعلهم بكفرهم شر البرية، ورضي عن الآخرين ورضوا عنه، ~~وأسكنهم في جواره ومنحهم الفوز الأكبر والحياة الأبدية وإن كانوا قبل ~~بعثه عليه الصلاة والسلام على جهالة وعمى، فلم يضرهم إذا قد سبق لهم في ~~الأزل " أولئك هم خير البرية " انتهى. # ولما كان التقدير: فإذا أتتهم انفكوا، فلقد تفرق المشركون بعد إتيانك ~~وأنت البينة العظمى إليهم إلى مهتد وضال، والضال إلى مجاهر ومساتر، وكذا ~~أهل الكتاب، ثم ما اجتمع العرب على الهدى إلا من بعد ما جاءتهم البينة، ~~عطف على هذا الذي أفهمه السياق قوله معلما بزيادة القبح في وقوع الذنب ~~من العالم بإفرادهم بالتصريح عن المشركين: { وما تفرق } أي الآن وفيما ~~مضى من الزمان تفرقا عظيما { الذين } ولما كانوا في حال هي أليق ~~بالإعراض، بنى للمفعول قوله: { أوتوا الكتاب } أي عما كانوا عليه من ~~الإطباق على الضلال أو الوعد باتباع الحق المنتظر في محمد صلى الله عليه ~~وسلم، وكذا كان فعلهم في عيسى صلى الله عليه وسلم من قبل، فاستمر بعضهم ~~على الضلال وبالغ في نقض العهد والعناد، ووفى بعض بالوعد فاهتدى، وكان ~~تفرقهم لم يعد تفرقا إلا زمنا يسيرا، ثم اجتمعوا فلم يؤمن منهم من يعد ~~خلافته لباقيهم تفرقا لكونه قليلا من كثير، فلذلك أدخل الجار فقال: { ~~إلا من بعد } وكان ذلك الزمن اليسير هو بإسلام من أسلم من قبائل العرب ~~الذين كانوا قد أطبقوا على النصرانية من تنوخ وغسان وعاملة وبكر بن وائل ~~وعبد القيس ونحوهم وكذا من كان تهود من قبائل اليمن وأسلم، ثم أطبق ~~اليهود والنصارى على الضلال فلم يسلم منه إلى من لا يعد لقلته مفرقا لهم ~~{ ما } أي الزمن الذي { جاءتهم } فيه أو مجيء { البينة * } فكان حالهم ~~كما قال سبحانه # وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به # [البقرة: 89] وقد كان مجيء البينة يقتضي اجتماعهم ms5666 على الحق، لا تفرقهم ~~فيه، وكأنه أشار إلى المشركين بالعاطف ولم يصرح بذكرهم لأنهم كانوا عكس ~~أهل الكتاب لم يتفرقوا إلا زمنا يسيرا في أول الأمر، فكان الضال منهم ~~أكثر، ثم أطبقوا على الهدى لما لهم من قويم الطبع ومعتدل المزاج، فدل ذلك ~~على غاية العوج لأهل الكتاب لأنهم كانوا لما عندهم من العلم أولى من ~~المشركين بالاجتماع على الهدى، ودل ذلك على أن وقوع اللدد والعناد من ~~العالم أكثر، وحصوله الآفة لهم من قوة ما لطباعهم من كدر النقص بتربيته ~~وتنميته بالمعاصي من أكل السحت من الربا وغيره من الكبائر والتسويف ~~بالتوبة، فألفت ذلك أبدانهم فأشربته قلوبهم حتى تراكم ظلامها، وتكاثف ~~رينها وغمامها، فلما دعوا لم يكن عندهم شيء من نور تكون لهم به قابلية ~~الانقياد للدعاء. ### || [98.5-8] # ولما كان حال من ضل على علم أشنع، زاد في فضيحتهم فقال: { وما } أي ~~فعلوا ذلك والحال أنهم ما. ولما كان المقصود بروز الأمر المطاع، لا تعيين ~~الآمر، قال بعد وصف الصحف بأنه ثبت أنها قيمة بانيا للمفعول: { أمروا } ~~أي وقع أمرهم بما أمروا به ممن إذا أطلق الأمر لم يستحق أن ينصرف إلا ~~إليه، في تلك الكتب التي وجب ثبوت اتباعها وأذعنوا له { إلا ليعبدوا } أي ~~لأجل أن يعبدوا { الله } أي الإله الذي له الأمر كله ولا أمر لأحد غيره ~~بأن يوجدوا عبادته ويجددوها في كل وقت، والعبادة امتثال أمر الله تعالى ~~كما أمر على الوجه المأمور به من أجل أنه آمر، مع المبادرة بغاية الحب ~~والخضوع والتعظيم، وذلك مع الاقتصاد لئلا يمل الإنسان فيخل أو يحصل له ~~الإعجاب فتفسد عبادته، حال كونهم { مخلصين } أي ثابتا غاية الثبات ~~إخلاصهم { له الدين } بحيث لا يكون فيه شوب شيء مما يكدره من شرك جلي ولا ~~خفي بأن يكون الامتثال لكونه أمر لرضاه لا لشي من نفع ولا دفع، ويكون ذلك ~~على الصواب، فإن كثيرا من العاملين يكون مخلصا، ويكون بناؤه بغير أساس ~~صالح، فلا ينفعه بل يكون وبالا عليه، فإنه ضيع الأصل ms5667 كالرهبان وكذا كثير ~~ممن يعتقد ولاية شخص وهو لا يعرف أن يميز بين الولي والعدو والمكرم ~~والمستدرج، وحقيقة الإخلاص بأنه إفراد الحق في الطاعة بالقصد مع نسيان ~~الخلق في الأعمال والتوصل إليه بالتوقي من ملاحظتهم مع التنقي عن مطالعة ~~النفس برؤية العبد نفسه عبدا مأمورا لا يريد ثوابا، جاعلا كل شيء ~~وسيلة إلى الله، وعلامته عدم رؤية العمل، ويعرف ذلك بالخوف وعدم الالتفات ~~إلى طلب الثواب، وبالحياء منه لكونه يرى أنه ما قام بحق السيد على ما ~~ينبغي كما قال تعالى: # يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون # [المؤمنون: 60] قال القشيري: ويقال: الإخلاص تصفية العمل من الخلل، وقال ~~الرازي: الإخلاص النية الصافية لأن النية دائمة، والعمل ينقطع، والعمل ~~يحتاج إلى النية، والنية لا تحتاج إلى العمل، ولأجل ما أفهمه التعبير ~~بالاسم من التمكن والثبات أكده بقوله: { حنفاء } أي في غاية الميل مع ~~الدليل إلى القوم بحيث لا يكون عندهم اعوجاج أصلا، بل مهما حصل أدنى زيغ ~~عرضوه على الدليل فمالوا معه بما لهم من الحنف فقادهم إلى الصلاح فصاروا ~~في غاية الاستقامة، وتلك هي العبادة الإحسانية، وأصل الحنف في اللغة: ~~الميل، قال الملوي: وخصه العرف بالميل إلى الخير، ولذا سمي الأحنف بن قيس ~~لميل في رجليه إلى داخل من جهة القدام إلى الوراء، وسموا الميل إلى الشر ~~إلحادا، فالحنيف المطلق الذي يكون متبرئا عن أصول الملل الخمس: اليهود ~~والنصارى والصابئين والمجوس والمشركين، وعن فروعها من جميع النحل إلى ~~الاعتقادات الحقة، وعن توابعها من الخطايا والسيئات إلى العمل الصالح وهو ~~مقام التقى، وعن المكروهات إلى المستحبات وهو المقام الأول من الورع، وعن ~~الفضول شفقة على خلق الله وهو ما لا يعني إلى الذي يعني، وهو المقام ~~الثاني من الورع، وعما يجر إلى الفضول وهو مقام الزهد، فالآية جامعة ~~لمقامي الإخلاص الناظر أحدهما إلى الحق، والثاني إلى الخلق، فالإخلاص ~~لمقام المشتغل بالمصفى له لأنه إفراد الحق بالقصد في الطاعة، والخوف ~~لمقام المشتغل بالمصفى منه لأنه الميل عن سائر المخلوقات إلى ms5668 الله تعالى ~~وإلى ما يرضيه. # ولما ذكر أصل الدين، أتبعه الفروع، فبدأ بأعظمها الذي هو مجمع الدين ~~وموضع التجرد عن العوائق فقال: { ويقيموا } أي يعدلوا من غير اعوجاج ما، ~~بجميع الشرائط والأركان والحدود { الصلاة } لتصير بذلك أهلا لأن تقوم ~~بنفسها، وهي التعظيم لأمر الله تعالى. # ولما ذكر صلة الخالق، أتبعها وصلة الخلائق فقال: { ويؤتوا الزكاة } أي ~~بأن يحضروها لمستحقيها شفقة على خلق الله إعانة على الدين، ولكنهم حرفوا ~~ذلك وبدلوه بطباعهم المعوجة، وتدخل الزكاة عند أهل الله في كل ما رزق ~~الله من عقل وسمع وبصر ولسان ويد ورجل ووجاهة وغير ذلك - كما هو واضح من ~~قوله تعالى: # ومما رزقناهم ينفقون # [البقرة: 3 - والأنفال: - 3]. # ولما كان هذا دينا حسنا بينا فضلوا عنه على ما عندهم من الأدلة، زاد ~~في توبيخهم بمدحه فقال: { وذلك } أي والحال أن هذا الموصوف من العبادة ~~على الوجه المذكور الذي هو في غاية العلو والخير { دين القيمة * } أي ~~الملة أو النفوس أو الكتب التي لا عوج فيها، وهو على الأول من إضافة ~~الموصوف إلى الصفة، وعن الخليل أنه قال: هو جمع قيم، والقيم والقائم ~~واحد، والمعنى دين القائمين لله تعالى بالتوحيد، ودل على ما قدرته في أمر ~~المشركين بذكرهم في نتيجة ما مضى في قوله مؤكدا لأجل إنكارهم: { إن ~~الذين كفروا } أي وقع منهم الستر لمرائي عقولهم بعد صرفها للنظر الصحيح ~~فضلوا واستمروا على ذلك وإن لم يكونوا عريقين فيه { من أهل الكتاب } أي ~~اليهود والنصارى { والمشركين } أي العريقين في الشرك، ودل بالإتيان ~~بالوصف هنا والفعل في أولئك - والله أعلم - على أن المشرك يرجع عن شركه ~~ويؤمن إن لم يكن عريقا في الشرك بخلاف أهل الكتاب متى تلبس أحد منهم ~~بكفر لا يرجع عنه وإن كان تلبسه به على أضعف الوجوه، وكذا كل من ينسب إلى ~~علم ولا سيما إن كان بليدا متى عرضت له شبهة بعد رجوعه عنها، فلذلك جمع ~~بينهم في قوله: { في نار جهنم } أي النار التي تلقاهم بالتجهم والعبوسة ~~تكون عذابا لأجسامهم ms5669 { خالدين فيها } أي يوم القيامة أو في الحال لسعيهم ~~في موجباتها، واشتراك الفريقين في جنس العذاب لا يوجب التساوي في النوع ~~بل يختلف بحسب اشتداد الكفر وخفته. # ولما كان معظم السياق للعبادة والترغيب فيها من القراءة والسجود ~~والانفكاك عن الكفر، لم يذكر التأبيد بلفظه، بل اكتفى بما دل عليه وقال ~~في نتيجة ما مضى: { أولئك } أي البعداء البغضاء { هم } أي خاصة بما ~~لضمائرهم من الخبث { شر البرية * } أي الخليقة الذين أهملوا إصلاح ~~أنفسهم، وفرطوا في حوائجهم ومآربهم، وهذا نار لأرواحهم حين ينادى عليهم ~~به. # ولما ذكر الأعداء وبدأ بهم، لأن السياق لذم من جمد من المألوف وترك ~~المعروف، أتبعه الأولياء فقال مؤكدا لما للكفار من الإنكار: { إن الذين ~~آمنوا } أي أقروا بالإيمان من الخلق كلهم الملائكة وغيرهم { وعملوا } أي ~~تصديقا لإيمانهم { الصالحات } أي هذا النوع، ولما كان نعيم القلب أعظم، ~~قدمه على نعيم البدن إبلاغا في مدحهم فقال: { أولئك } أي العالو الدرجات ~~{ هم } أي خاصة { خير البرية * }. # ولما خصصهم بالخيرية، ذكر ثوابهم، فقال ذاكرا جنة أبدانهم معظما لهم ~~بالتعبير عن إنعامه عليهم بلفظ الجزاء المؤذن بأنه مقابلة ما وصفوا به: { ~~جزاؤهم } أي على طاعاتهم، وعظمه بقوله: { عند ربهم } إليهم المربي لهم ~~وأي المحسن { جنات عدن } أي إقامة لا تحول عنها { تجري } أي جريا دائما ~~لا انقطاع له. ولما كان عموم الماء مانعا من تمام اللذة، قرب وبعض ~~بقوله: { من تحتها } أي تحت أرضها وغرفها وأشجارها { الأنهار }. # ولما كانت اللذة لا تكمل إلا بالدوام قال: { خالدين فيها } ولما كان ~~النظر إلى الترغيب في هذا السياق أتم حثا على اتباع الدليل المعروف، ~~والمفارقة للحال المألوف، أكد معنى الخلود تعظيما لجزائهم بقوله: { ~~أبدا }. # ولما كان هذا كله ثمرة الرضا، وكان التصريح به أقر للعين لأنه جنة ~~الروح، قال مستأنفا أو معللا: { رضي الله } أي بما له من نعوت الجلال ~~والجمال { عنهم } أي بما كان سبق لهم من العناية والتوفيق. ولما كان ~~الرضا إذا كان من الجانبين، كان أتم وأعلى لهم قال: { ورضوا عنه ms5670 } لأنهم ~~لم يبق لهم أمنية إلا أعطاهموها مع علمهم أنه متفضل في جميع ذلك، لا يجب ~~عليه لأحد شيء ولا يقدره أحد حق قدره، فلو أخذ الخلق بما يستحقونه ~~أهلكهم، وأعظم نعمه عليهم ما من عليهم به من متابعتهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فإن ذلك كان سببا لكل خير. # ولما كان ذلك ربما ادعى أنه لناس مخصوصين في زمان مخصوص، قال معمما له ~~ومنبها على الوصف الذي كان سبب أعمالهم التي كانت سبب جزائهم: { ذلك } ~~أي الأمر العالي الذي جوزوا به { لمن خشي ربه * } أي خاف المحسن إليه ~~خوفا يليق به، فلم يركن إلى التسويف والتكاسل، ولم يطبع نفسه بالشر ~~بالجري مع الهوى في التطعم بالمحرمات بل كان ممن يطلب معالي الأخلاق ~~فيستفتي قلبه فيما يرضي ربه، فكان تواتر إحسانه يزيده خوفا فيزيده ~~شكرا، فإن الخشية ملاك الأمر، والباعث على كل خير، وهي للعارفين، قال ~~الملوي ما معناه: إن الإنسان إذا استشعر عقابا يأتيه أو خسرا، لحقته ~~حالة يقال لها الخوف وهي انخلاع القلب عن طمأنينة الأمن وقلقه واضطرابه ~~لتوقع مكروه، فإن اشتد سمي وجلا لجولانه في نفسه، فإذا اشتد سمي رهبا ~~لأدائه إلى الهرب، وهي حالة المؤمنين الفارين إلى الله ومن غلب عليه الحب ~~لاستغراق في شهود الجماليات لحقته حالة تسمى مهابة إذ لا ينفك عن خوف ~~إبعاد أو صد لغفلة أو ذلة، ومن غلب عليه التعظيم لاستغراق في شهود ~~الجلاليات صار في الإجلال، ووراء هذا الخشية # إنما يخشى الله من عباده العلماء # [فاطر: 28] فمن خاف ربه هذا الخوف انفك من جميع ما عنده مما لا يليق ~~بجنابه سبحانه، ولم يقدح في البينة ولا توقف فيها، وما فارق الخوف قلبا ~~إلا خرب، فكان جديرا بأن يقدح في كل ما أدى إلى العمارة، وقد رجع آخر ~~السورة على أولها بذلك، وبتصنيف الناس صنفين: صنف انفك عن هوى نفسه ~~فأنجاها، وصنف استمر في أسرها فأرداها، وقد ذكرت في " مصاعد النظر ~~للاشراف على مقاصد السور " سر تخصيص النبي صلى الله ms5671 عليه وسلم لأبي رضي ~~الله عنه بقراءة هذه السورة عليه بخصوصها، وحاصله أن سبب تخصيصه بذلك أنه ~~وجد اثنين من الصحابة رضي الله عنهم قد خالفاه في القراءة فرفعهما إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فأمرهما فعرضا عليه فحسن لهما، قال: فسقط في ~~نفسي من التكذيب أشد مما كان في الجاهلية، فضرب صلى الله عليه وسلم في ~~صدري ففضت عرقا، وكأنما أنظر إلى الله فرقا، ثم قص علي خبر التخفيف ~~بالسبعة الأحرف، وكانت السورة التي وقع فيها الخلاف النحل وفيها أن الله ~~يبعث رسوله صلى الله عليه وسلم يوم البعث شهيدا، وأنه نزل عليه الكتاب ~~تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة، وأنه نزل عليه روح القدس بالحق ليثبت الذين ~~آمنوا، وأن اليهود اختلفوا في السبت، وسورة { لم يكن } على قصرها حاوية ~~إجمالا لكل ما في النحل على طولها بزيادة، وفيها التحذير من الشك بعد ~~البيان، وتقبيح حال من فعل ذلك، وأن حاله يكون كحال الكفرة من أهل الكتاب ~~في العناد، فيكون شر البرية، فقرأها النبي صلى الله عليه وسلم عليه رضي ~~الله عنه تذكيرا له بذلك كله على وجه أبلغ وأخصر ليكون أسرع له تصورا ~~فيكون أرسخ في النفس وأثبت في القلب وأعشق للطبع، فاختصه الله بالتثبيت ~~وأراد له الثبات، فكان من المريدين المرادين لما وصل إليه قلبه ببركة ضرب ~~النبي صلى الله عليه وسلم لصدره من كشفه الحجب ونفي الشياطين والنظر إلى ~~سبحات القدس وشهود تلك الحضرة الشماء، وصيرورته إلى أن يكون أصفى الصحابة ~~رضي الله عنهم مراقبة لتلاوة النبي صلى الله عليه وسلم بما يتذكر من ~~الأمر الشريف بتخصيصه بذلك، فيصير كلما قرأ هذه السورة الجامعة غائبا عن ~~تلاوة نفسه مصغيا بأذني قلبه إلى روح النبوة يتلو عليه ذلك فيدوم له حال ~~الشهود الذي وصل إليه بسر تلك الضربة. # ولثبوته في هذا المقام قال صلى الله عليه وسلم: # " أقرؤكم أبي " # رواه أحمد والترمذي وابن ماجه عن أنس رضي الله تعالى عنه وهو صحيح ورواه ~~بعضهم مرسلا، ومما فيه ولم ms5672 أذكره في المصاعد سنة التواضع حتى لا يمنع ~~أحدا ما يراه من علوه من القراءة على من هو دونه فإنه ما منع أكثر أهل ~~الكتاب من الإسلام إلا رؤية ما كانوا عليه من العلم بكتب الله وسنن الرسل ~~عليهم الصلاة والسلام وجهل العرب بذلك، فنظروا إلى ما كان ولم ينظروا إلى ~~الحالة الراهنة الآن، فحلق الحسد أديانهم وسلبهم إيمانهم، وصاروا أشقى ~~الناس - كما نبه عليه أول السورة - نسأل الله العفو والعافية في الدين ~~والدنيا والآخرة - آمين. ### | [99 - سورة الزلزلة] ### || [99.1-8] # لما ختم تلك بجزاء الصالح والطالح في دار البقاء على ما أسلفوه في مواطن ~~الفناء، ذكر في هذه أول مبادىء تلك الدار وأوائل غاياتها، وذكر في ~~القارعة ثواني مبادئها وآخر غاياتها، وأبلغ في التحذير بالإخبار بإظهار ~~ما يكون عليه الجزاء، فقال معبرا بأداة التحقق لأن الأمر حتم لا بد من ~~كونه: { إذا }. # ولما كان المخوف الزلزلة ولو لم يعلم فاعلها، وكان البناء للمفعول يدل ~~على سهولة الفعل ويسره جدا، بنى للمفعول قوله: { زلزلت الأرض } أي حركت ~~واضطربت زلزلة البعث بعد النفخة الثانية بحيث يعمها ذلك لا كما كان يتفق ~~قبل ذلك من زلزلة بعضها دون بعض وعلى وجه دون ذلك، وعظم هذا الزلزال ~~وهوله بإبهامه لتذهب النفس فيه كل مذهب، فقال كاسرا الزاء لأنه مصدر، ~~ولو فتحها لكان اسما للحركة، قال البيضاوي: وليس إلا في المضاعف. { ~~زلزالها * } أي تحركها واضطرابها الذي يحق لها في مناسبته لعظمة جرم ~~الأرض وعظمة ذلك اليوم، ولو شرح بما يليق به لطال الشرح، وذلك كما تقول: ~~أكرم التقي إكرامة وأهن الفاسق الشقي إهانة، أي على حسب ما يليق به. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: وردت عقب سورة البرية ليبين بها حصول ~~جزاء الفريقين ومآل الصنفين المذكورين في قوله: { إن الذين كفروا من أهل ~~الكتاب والمشركين } - إلى قوله: { أولئك شر البرية } وقوله: { إن الذين ~~آمنوا } - إلى آخر السورة. ولما كان حاصل ذلك افتراقهم على صنفين ولم يقع ~~تعريف بتباين أحوالهم، أعقب ذلك بمآل الصنفين واستيفاء ms5673 جزاء الفريقين ~~المجمل ذكرهم فقال تعالى: { يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم } ~~إلى آخر السورة - انتهى. # ولما كان الاضطراب العظيم يكشف عن الخفي في المضطرب قال: { وأخرجت } ~~وأظهر ولم يضمر تحقيقا للعموم فقال: { الأرض } أي كلها { أثقالها } أي ~~مما هو مدفون فيها كالأموات والكنوز التي كان أمرها ثقيلا على الناس، ~~وهو جمع ثقل بالكسر، وذلك حين يكون البعث والقيام متأثرا ذلك الإخراج عن ~~ذلك الزلزال، كما يتأثر عن زلزال البساط بالنفض إخراج ما في بطنه وطيه ~~وغضونه من وسخ وتراب وغيره، وما كان على ظهرها فهو ثقل عليها لأنها ~~يعطيها الله قوة إخراج ذلك كله كما كان يعطيها قوة أن تخرج النبت الصغير ~~اللطيف الطري الذي هو أنعم من الحرير فيشق الأرض الصلبة التي تكل عنها ~~المعاول والحديد، ويشق النواة مع ما لها من الصلابة التي تستعصي بها على ~~الحديد فينفلق نصفين وينبت منها ما يريده سبحانه وتعالى، ويفلق قشر الجوز ~~واللوز ونوى الخوخ وغيره مما هو في غاية الصلابة كما نشاهده، ويخرج منه ~~الشجر بشق الأرض على ضعفه ولينه وصلابتها وبكونه على ظهرها حتى يصير أغلظ ~~شيء وأشده، وكذا الحب سواء، فالذي قدر على ذلك هو سبحانه وتعالى قادر على ~~تكوين الموتى في بطن الأرض وإعادتهم على ما كانوا عليه كما يكون الجنين ~~في البطن ويشق جميع منافذه على التحذير من السمع والبصر والفم وغير ذلك ~~من غير أن يدخل إلى هناك بيكار ولا منشار، ثم يخرج من البطن، فكذا إخراج ~~الموتى من غير فرق، كل عليه هين - سبحانه ما أعظم شأنه وأعز سلطانه. # ولما كان الإنسان إذا رأى هذا عجب له ولم يدرك سببه لأنه أمر عظيم فظيع ~~يبهر عقله ويضيق عنه ذرعه، عبر عنه بقوله: { وقال الإنسان } أي هذا النوع ~~الصادق بالقليل والكثير لما له من النسيان لما تأكد عنده من أمر البعث ~~بما له من الأنس بنفسه والنظر في عطفه، على سبيل التعجب والدهش أو ~~الحيرة، ويجوز أن يكون القائل الكافر كما يقول: # من بعثنا من ms5674 مرقدنا # [يس: 52] فيقول له المؤمن: # هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون # [يس: 52] { ما لها * } أي أي شيء للأرض في هذا الأمر الذي لم يعهد ~~مثله. # ولما طال الكلام وأريد التهويل، أبدل من " إذا " قوله معرفا للإنسان ما ~~سأل عنه: { يومئذ } أي إذ كان ما ذكر من الزلزال وما لزم عنه ونصبه وكذا ~~ما أبدل منه بقوله: { تحدث } أي الأرض بلسان الحال بإخراج ما في بطنها من ~~الموتى والكنوز وغيرها على وجه يعلم الإنسان به لم زلزلت ولم أخرجت، وأن ~~الإنذار بذلك كان حقا، وقال ابن مسعود رضي الله عنه: تحدث بلسان المقال. ~~{ أخبارها * } أي التي زلزلت وأخرجت ما أخرجت لأجلها، وكل شيء عمل عليها ~~شهادة منها على العاملين فتقول: عمل فلان كذا وكذا - تعدد حتى يود المجرم ~~أنه يساق إلى النار لينقطع عنه تعداد ذلك الذي يلزم منه العار، وتشهد ~~للمؤمن بما عمل حتى يسره ذلك، فيشهد للمؤذن كل ما امتد إليه صوته من رطب ~~ويابس. # ولما كان من المقرر أنه لا يكون شيء إلا بإذنه تعالى، وكان قد بنى ~~الأفعال لما لم يسم فاعله، فكان الجاهل ربما خفي عليه فاعل ذلك قال: { ~~بأن } أي تحدث بسبب أن { ربك } أي المحسن إليك بإحقاق الحق وإزهاق الباطل ~~لإعلاء شأنك { أوحى } وعدل عن حرف النهاية إيذانا بالإسراع في الإيحاد ~~فقال: { لها * } أي بالإذن في التحديث المذكور بالحال أو المقال. # ولما أخبر تعالى بإخراج الأثقال التي منها الأموات، اشتد التشوف إلى ~~هيئة ذلك الإخراج وما يتأثر عنه، فقال مكررا ذكر اليوم زيادة في ~~التهويل: { يومئذ } أي إذ كان ما تقدم وهو حين يقوم الناس من القبور { ~~يصدر } أي يرجع رجوعا هو في غاية السرعة والاهتداء إلى الموضع الذي ~~ينادون منه لا يغلط أحد منهم فيه ولا يضل عنه { الناس } من قبورهم إلى ~~ربهم الذي كان لهم بالمرصاد ليفصل بينهم { أشتاتا * } أي متفرقين بحسب ~~مراتبهم في الذوات والأحوال من مؤمن وكافر، وآمن وخائف، ومطيع وعاص. # ولما ذكر ذلك، أتبعه علته فقال بانيا للمفعول على ms5675 طريقة كلام القادرين: ~~{ ليروا } أي يرى الله المحسن منهم والمسيء بواسطة من يشاء من جنوده أو ~~بغير واسطة حين يكلم سبحانه وتعالى كل أحد من غير ترجمان ولا واسطة كما ~~أخبر بذلك رسوله صلى الله عليه وسلم { أعمالهم * } فيعلموا جزاءها أو ~~صادرين عن الموقف كل إلى داره ليرى جزاء عمله، ثم سبب عن ذلك قوله مفصلا ~~الجملة التي قبله: { فمن يعمل } من محسن أو مسيء مسلم أو كافر { مثقال } ~~أي مقدار وزن { ذرة خيرا } أي من جهة الخير { يره * } أي حاضرا لا يغيب ~~عنه شيء منه لأن المحاسب له الإحاطة علما وقدرة، فالكافر يوقف على أنه ~~جوزي به في الدنيا أو أنه أحبط لبنائه على غير أساس الإيمان، فهو صورة ~~بلا معنى ليشتد ندمه ويقوى حزنه وأسفه، والمؤمن يراه ليشتد سروره به. # ولما ذكر الخير، أتبعه ضده فقال: { ومن يعمل } أي كائنا من كان { مثقال ~~ذرة شرا } أي من جهة الشر { يره } فما فوقه، فالمؤمن يراه ويعلم أنه قد ~~غفر له ليشتد فرحه، والكافر يراه فيشتد حزنه وترحه، والذرة النملة ~~الصغيرة أو الهباءة التي ترى طائرة في الشعاع الداخل من الكوة، وقد رجع ~~آخرها على أولها بتحديث الأخبار وإظهار الأسرار، وقد ورد في حديث ~~الأعرابي أن هذه السورة جامعة لهذه الآية الأخيرة، وقال ابن مسعود رضي ~~الله عنه: إنها أحكم آية في القرآن، وكان رسول الله عليه صلى الله عليه ~~وسلم يسميها الفاذة الجامعة، ومن فقه ذلك لم يحقر ذنبا وإن دق لأنه ~~يجتمع إلى أمثاله فيصير كبيرا كما قال صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي ~~الله عنها: # " إياك ومحقرات الذنوب، فإن لها من الله طالبا " # وروي كما ذكرته في كتابي " مصاعد النظر في الإشراف على مقاصد السور " في ~~حديث # " إنها تعدل نصف القرآن " # وفي حديث آخر أنها تعدل ربع القرآن، ولا تعارض، فالأول نظر إليها من جهة ~~أن الأحكام تنقسم إلى أحكام الدنيا وأحكام الآخرة، وهذه السورة اشتملت ~~على أحكام الآخرة إجمالا، وزادت على القارعة بإخراج الأثقال وأن كل ms5676 أحد ~~يرى كل ما عمل، والثاني نظر إليه باعتبار ما تضمنه الحديث الذي رواه ~~الترمذي عن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لا يؤمن عبد حتى يؤمن بأربع: يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ~~بعثني بالحق، ويؤمن بالموت، ويؤمن بالبعث بعد الموت، ويؤمن بالقدر " # فاقتضى هذا الحديث أن الإيمان بالبعث الذي قررته هذه السورة ربع الإيمان ~~الكامل الذي دل عليه القرآن، وأيضا فأمر الدين أربعة أجزاء: أمر ~~المعبود، وأمر العبيد، وأمر العبادة، وأمر الجزاء، فهذه السورة تكفلت ~~بأمر الجزاء، وسورة الكافرون ربع لأنها في أمر العبادة على وجه الخصوص ~~والخفاء وإن كانت على وجه التمام والوفاء، وسورة النصر ربع لأنها لأمر ~~العبادة على وجه العموم والجلاء والظهور والعلاء - والله الهادي للصواب ~~وإليه المآب. ### | [100 - سورة العاديات] ### || [100.1-11] # لما ختم الزلزلة بالجزاء لأعمال الشر يوم الفصل، افتتح هذه ببيان ما يجر ~~إلى تلك الأعمال من الطبع، وما ينجر إليه ذلك الطبع مما يتخيله من ~~النفتع، موبخا من لا يستعد لذلك اليوم بالاحتراز التام من تلك الأعمال، ~~معنفا من أثر دنياه على أخراه، مقسما بما لا يكون إلا عند أهل النعم ~~الكبار الموجبة للشكر، فمن غلب عليه الروح شكر، ومن غلب عليه الطبع - وهم ~~الأكثر - كفر فقال: { والعاديات } أي الدواب التي من شأنها أن تجري بغاية ~~السرعة، وهي الخيل التي ظهورها عز وبطونها كنز، وهي لرجل وزر ولرجل أجر، ~~فمن فاخر بها ونادى بها أهل الإسلام وأبطره عزها حتى قطع الطريق وأخاف ~~الرفيق كانت له شرا، ومن جعلها في سبيل الله كانت له أجرا، ومن حمل ~~عليها ولم ينس حق الله في رقابها وظهورها وكانت له سترا، وإنما أقسم بها ~~ليتأمل ما فيها من الأسرار الكبار التي باينت به أمثالها من الدواب ~~كالثور مثلا والحمار ليعلم أن الذي خصها بذلك فاعل مختار واحد قهار، ~~فالقسم في الحقيقة به سبحانه. # ولما كانت دالة على الضابحات بالالتزام، قال ناصبا به أو ب " تضبح " ~~مقدرا: { ضبحا * } والضبح ms5677 صوت جهير من أفواهها عند العدو الشديد، ليس ~~بصهيل ولا حمحمة ولا رغاء وهو النفس، وليس شيء من الدواب يضبح غير الفرس ~~والكلب والثعلب، وأصله للثعلب واستيعر للخيل، وحكاه ابن عباس رضي الله ~~عنهما فقال: أح أح، أو الضبح عدو دون التقريب. # ولما ذكر عدوها، أتبعه ما ينشأ عنه، فقال عاطفا بأداة التعقيب لأن ~~العدو بحيث يتسبب عنه ويتعقبه الإيراء: { فالموريات } أي المخرجات للنار ~~بما يصطك من نعلها بالأحجار، لا سيما عند سلوك الأوعار. # ولما كان الإيراء أثر القدح قال: { قدحا * } أي تقدح ضربا بعنف كضرب ~~الزند ليوري النار، ونسب الإيراء إليها لإيجادها صورته وإن لم يكن لها ~~قصد إليه. # ولما ذكر العدو وما يتأثر عنه، ذكر نتيجته وغايته فقال: { فالمغيرات } ~~أي بإغارة أهلها عليها على العدو والإغارة والركض الشديد لإرادة القتل ~~والنهب. ولما كانت الإغارة الكائن عنها الثبور والويل أروع ما تكون في ~~أعقاب الليل قال: { صبحا * } أي ذات دخول في الصباح. # ولما كان الأعداء حال الإغارة يكون مختلفا تارة يمينا وتارة شمالا ~~وتارة أماما وتارة وراء بحسب الكر والفر في المصاولة والمحاولة تارة أثر ~~الهارب، وأخرى في مصاولة المقبل المحارب، فينشأ عنها الغبار الكثير ~~لإثارة الهواء له واصطدام بعضه ببعض لتعاكسه بقوة الدفع من قوائمها وما ~~تحركه منه، وكان المقسم به منظورا فيه إلى ذاته ونتيجة القسم منظورا ~~فيها إلى الفعل بادىء بدء مع قطع النظر بالأصالة عن الذات، عطف على اسم ~~الفاعل بعد حله إلى أن وصلتها فقال: { فأثرن به } أي بفعل الإغارة ~~ومكانها وزمانها من شدة العدو { نقعا * } أي غبارا مع الاعناق والصياح ~~والزجر بالعنق حتى صار ذلك الغبار منحبكا ومنعقدا عليها. # ولما كان المغير يتوسط الجمع عند اختلال حالهم فيفرق شملهم لأنهم متى ~~افترقوا حصل فيهم الخلل، ومتى اختلفوا تخللهم العدو ففرق شملهم قال: { ~~فوسطن به } أي بذلك النقع أو الفعل والوقت والموضع { جمعا } أي وهو ~~المقصود بالإغارة، فدخلت في وسط ذلك الجمع لشجاعتها وقوتها وطواعيتها ~~وشجاعة فرسانها. # ولما أقسم بالخيل التي هي أشرف الحيوان ms5678 كما أن الإنسان المقسم لأجله ~~أشرف ما اتصف منه بالبيان، وتجري به أفكاره كخيل الرهان، وتقدح المعاني ~~تارة مقترنة بأشرف اللمعان، وأخرى بأخس ما يقع به الاقتران، من الزور ~~والبهتان، والإلحاد والطغيان، وتغير منه ثواقب الأذهان، تارة على شبه ~~الخصوم بالبرهان، وأخرى بما يغير به من الشبه الملتبسة في وجوه المعاني ~~الحسان، وينثر تارة المعاني الصحيحة على أهل الطغيان، من ذوي البدع ~~والكفران، وأخرى الفاسدة على حزب الملك الديان، وتتوسط تارة جمع أولي ~~الطغيان، وأخرى جمع أولي الإيمان، وكانت الإغارة في الغالب لأجل قهر ~~المغار عليهم على أموالهم عدوانا إن كان ذلك في غير الجهاد، وإن كانت في ~~الجهاد فقل من يخلص في ذلك الحال، فيكون عمله ليس إلا لله كما أشار إليه ~~الحديث القدسي: # " إن عبدي كل عبدي للذي يذكرني عند لقاء قرنه " # قال مجيبا للقسم بذكر المقسم عليه حاكما على النوع باعتبار عد المخلص ~~لقلته عدما، مؤكدا لما لهم من تكذيب ذلك فإن كل أحد يتبرأ من مثل هذا ~~الحال: { إن الإنسان } أي هذا النوع بما له من الأنس بنفسه والنسيان لما ~~ينفعه { لربه } أي المحسن إليه بإبداعه ثم إبقائه وتدبيره وتربيته { ~~لكنود * } أي كفور نكد لسوء المعاملة حيث يقدم بما أحسن به الله إليه من ~~الصافنات الجياد وبما آتاه من قوة الجنان والأركان على ما نهاه عنه، ~~ومصدره الكنود بالضم وهو كفران النعمة، فالمراد هنا - بالتعبير عنه بهذه ~~الصيغة التي هي للمبالغة - من يزدري القليل ولا يشكر الكثير، وينسى كثير ~~النعمة بقليل المحنة، ويلوم ربه في أيسر نقمة، وقال الفضيل بن عياض: هو ~~من أنسته الخصلة الواحدة من الإساءة الخصال الكثيرة من الإحسان، والشكور ~~ضده. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: أقسم سبحانه على حال الإنسان بما هو ~~فقال: " إن الإنسان لربه لكنود " أي لكفور، يبخل بما لديه من المال كأنه ~~لا يجازي ولا يحاسب على قليل ذلك وكثيره من أين اكتسبه وفيما أنفقه، ~~وكأنه ما سمع بقوله تعالى: { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل ms5679 ~~مثقال ذرة شرا يره } { وإنه لحب الخير } أي المال { لشديد } لبخيل، { ~~وإنه على ذلك لشهيد } فإن الله على ذلك لمطلع فلا نظر في أمره وعاقبة ~~مآله { إذا بعثر ما في القبور وحصل ما في الصدور } أي ميز ما فيها من ~~الخير والشر ليقع الجزاء عليه { إن ربهم بهم يومئذ لخبير } لا يخفى عليه ~~شيء من أمرهم { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا ~~يره } - انتهى. # ولما كان إقدام الإنسان على الظلم عجبا، فإذا كان يشهد على نفسه بالظلم ~~كان أعجب، قال مؤكدا لما لأكثر الخلق قبل البعث والمحاققة من إنكار ~~كفرانه: { وإنه } أي الإنسان { على ذلك } أي الكنود العظيم حيث أقدم على ~~مخالفة الملك الأعظم المحسن مع الكفر لإحسانه { لشهيد * } لأنه مقر إذا ~~حوقق بأن جميع ما هو فيه من إحسان ربه وبأن ربه نهاه عن المخالفة، أو أنه ~~لا أمر عنده منه بما فعل، وأنه لا ينبغي لعاقل أن يتحرك بحركة يمكن أن ~~يكرهها الملك الذي هو في خدمته ولا شيء له إلا منه بغير إذنه، وأنه إن ~~تحرك بغير ذلك كان كافرا لإحسانه مستحقا لعقابه، لا يقدر على إنكار شيء ~~منه. # ولما كان من العجائب أن يكفر أحد إحسان المنعم، وهو شاهد على نفسه، ذكر ~~الحامل له على ذلك حتى هان عليه فقال: { وإنه } أي الإنسان من حيث هو مع ~~شهادته على نفسه بالكفر الذي يقتضي سلب النعم { لحب } أي لأجل حب { الخير ~~} أي المال الذي لا يعد غيره لجهله خيرا { لشديد * } أي بخيل بالمال ~~ضابط له ممسك عليه، أو بليغ القوة في حبه لأن منفعته في الدنيا وهو متقيد ~~بالعاجل الحاضر المحسوس مع علمه بأن أقل ما فيه أنه يشغله عن حسن الخدمة ~~لربه وهو معرض عن الدين حيث كانت منفعته آجلة غائبة مع علمه بأن المعرف ~~بما يرضى من خدمة ربه الحاث عليها الداعي إليها فهو لحب عبادة الله ضعيف ~~متقاعس، وكان حبه الخير يقتضي عنه الشكر الذي يتقاضى الزيادة، ولا يتخيل ms5680 ~~أن شديدا عامل في الحب لأن ما بعد اللام لا يعمل فيها قبلها، وإنما ذلك ~~المتقدم دليل على المعمول المحذوف. # ولما كان المال فانيا لا ينبغي لعاقل أن يعلق أمله به فضلا عن أن ~~يؤثرة على الباقي، نبهه على ذلك بتهديد بليغ، فقال مسببا عن ذلك معجبا، ~~موقفا له على ما يؤول إليه أمره: { أفلا يعلم } أي هذا الإنسان الذي ~~أنساه أنسه بنفسه. # ولما كان الحب أمرا قلبيا، لا يطلع عليه إلا عالم الغيب، وكان البعث ~~من عالم الغيب، وكان أمرا لا بد منه، وكان المخوف مطلق كونه، لم يحتج ~~إلى تعيين الفاعل، فبنى للمفعول قوله مهددا مؤذنا بأنه شديد القدرة على ~~إثارة الخفايا، معلقا بما يقدره ما يؤول إليه أمره من أن الله يحاسبه ~~ويجازيه على أعماله، وأنه لا ينفعه مال ولا غيره، ولا ينجيه إلا ما كان ~~من أعماله موافقا لأمر ربه مبنيا على أساس الإيمان واقعا بالإخلاص: { ~~إذا بعثر } أي أثير بغاية السهولة وأخرج وفرق ونظر وفتش بغاية السهولة. # ولما كان الميت قبل البعث جمادا، عبر عنه بأداة ما لا يعقل فقال: { ما ~~في القبور * } أي أخرج ما فيها من الموتى الذين تنكر العرب بعثهم فنشروا ~~للحساب، أو من عظامهم ولحومهم وأعصابهم وجلودهم وجميع أجسامهم، وقلب بعضه ~~على بعض حتى أعيد كل شيء منه على ما كان عليه، ثم أعيدت إليه الروح، فكان ~~كل أحد على ما مات عليه. # ولما كان المخوف إنما هو ما يتأثر عن البعث من الجزاء على الأعمال ~~الفاسدة قال: { وحصل } أي أخرج وميز وجمع فعرف أنه معلوم كله بغاية ~~السهولة كما أشار البناء للمفعول { ما في الصدور * } أي من خير أو شر مما ~~يظن مضمره أنه لا يعلمه أحد أصلا، وظهر مكتوبا في صحائف الأعمال، وهذا ~~يدل على أن النيات يحاسب بها كما يحاسب على ما يظهر من آثارها. # ولما كان علم ما في الصدور أمرا باهرا للعقل، قال جامعا نظرا إلى ~~المعنى لما عبر عنه بالإفراد بالنظر إلى اللفظ، لأن العلم ms5681 بالكل يلازمه ~~العلم بالبعض بخلاف العكس مؤكدا إشارة إلى أنه مما لا يكاد يصدق، معللا ~~للجملة المحذوفة الدالة على الحساب: { إن ربهم } أي المحسن إليهم بخلقهم ~~وزرقهم وتربيتهم وجعلهم أقوياء سويين { بهم } قدم هذا الجار والمجرور لا ~~للاختصاص، بل للاشارة إلى نهاية الخبر. ولما كانت الخبرة للإحاطة بالشيء ~~ظاهرا وباطنا، وكان يلزم من الخبرة بالشيء بعد كونه بمدد طوال الخبرة ~~به حال كونه من باب الأولى قال: { يومئذ } أي إذ كانت هذه الأمور وهو يوم ~~القيامة { لخبير * } أي محيط بهم من جميع الجهات عالم غاية العلم ببواطن ~~أمورهم، فكيف بظواهرها جواهر وأعراضا، أقوالا وأفعالا، خفية كانت أو ~~ظاهرة، سرا كانت أو علانية، خيرا كانت أو شرا، ومن المعلوم أن فيها ~~الظلم وغيره، ومنهم المحسن وغيره، فلأجل علمه سبحانه بذلك غاية العلم ~~يحاسبهم لئلا يقع ما ينافي الحكمة وهو أن تستوي الحسنة والسيئة، فالقصد ~~بالقيد وتقديم الظرف الإبلاغ في التعريف بأنه سبحانه وتعالى محيط العلم ~~بذلك كما إذا قيل لك: تعرف فلانا؟ فقلت: ولا أعرف إلا هو، فإن قصدك بذلك ~~أن معرفتك به في غاية الإتقان، لا نفي معرفة غيره، وفيه إشعار بأن كل أحد ~~يعرف غاية المعرفة في ذلك اليوم أنه سبحانه وتعالى عالم بأحواله لا ذهول ~~له عن شيء من ذلك كما يقع في هذه الدار من أن الإنسان يعمل أشياء كثيرة ~~وهو غافل عن أن ربه سبحانه مطلع عليه فيها، ولو نبه لعلم، فلإحاطته ~~سبحانه وتعالى بجميع أحوالهم كان عالما بأن الإنسان لربه لكنود، وقد رجع ~~آخرها إلى أولها، وتكفل مفصلها بشرح مجملها - والله الهادي للصواب. ### | [101 - سورة القارعة] ### || [101.1-11] # لما ختم العاديات بالبعث ذكر صيحته فقال: { القارعة * } أي الصيحة أو ~~القيامة، سميت بها لأنها تقرع أسماع الناس وتدقها دقا شديدا عظيما ~~مزعجا بالأفزاع، والأجرام الكثيفة بالتشقق والانفطار، والأشياء الثابتة ~~بالانتثار. # ولما كانت تفوق الوصف في عظم شأنها وجليل سلطانها، عبر عن ذلك وزاده ~~عظما بالإلهام والإظهار في موضع الإضمار مشيرا بالاستفهام إلى أنها مما ~~يستحق السؤال عنه ms5682 على وجه التعجيب والاستعظام فقال: { ما القارعة } وأكد ~~تعظيمها إعلاما - بأنه مهما خطر ببالك من عظمها فهي أعظم منه فقال: { ~~وما أدراك } أي وأي شيء أعلمك وإن بالغت في التعرف، وأظهر موضع الإضمار ~~لذلك فقال: { ما القارعة * } أي أنك لا تعرفها لأنك لم تعهد مثله. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما قال الله سبحانه وتعالى: " أفلا ~~يعلم إذا بعثر ما في القبور وحصل ما في الصدور " كان ذلك مظنة لأن يسأل: ~~متى ذلك؟ فقيل: يوم القيامة الهائل الأمر، الفظيع الحال، الشديد البأس، ~~والقيامة هي القارعة، وكررت تعظيما لأمرها كما ورد في قوله تعالى # الحاقة ما الحاقة # [الحاقة: 1 - 2] وفي قوله سبحانه: # فغشيهم من اليم ما غشيهم # [طه: 78] ثم زاد عظيم هوله إيضاحا بقوله تعالى { يوم يكون الناس ~~كالفراش المبثوث } والفراش ما تهافت في النار من البعوض، والمبثوث: ~~المنتشر { وتكون الجبال كالعهن المنفوش } والعهن: الصوف المصبوغ، وخص ~~لإعداده للغزل إذ لا يصبغ لغيره بخلاف الأبيض فإنه - لا يلزم فيه ذلك، ثم ~~ذكر حال الخلق في وزن الأعمال وصيرورة كل فريق إلى ما كتب له وقدر - ~~انتهى. # ولما ألقى السامع جميع فكره إلى تعرف أحوالها، قال ما تقديره: تكون { ~~يوم يكون } أي كونا كأنه جبلة { الناس } أي الذين حالهم النوس على ~~كثرتهم واختلاف ذواتهم وأحوالهم ومراتبهم ومقاديرهم وانتشارهم بعد بعثرة ~~القبور وتحصيل ما في الصدور { كالفراش } أي صغار الجراد لأنها تتفرش ~~وتتهافت على النار، أو هو طير غير ذلك لا دم له، يتساقط في النار وليس ~~ببعوض ولا ذباب، وقال حمزة الكرماني: شبههم بالفراش التي تطير من هنا ومن ~~هنا ولا تجري على سمت واحد وهي همج يجتلبها السراج، وقال غيره: وجه الشبه ~~الكثرة والانتشار والضعف والذلة والتطاير إلى الداعي من كل جانب كما ~~تتطاير الفراش، وكثرة التهافت في النار وركوب بعضهم بعضا - وموج بعضهم ~~في بعض من شدة الهول كما قال تعالى # كأنهم جراد منتشر # [القمر: 7] { المبثوث * } أي المنتشر المتفرق. # ولما كانت الجبال أشد ما تكون، عظم الرهبة بالإخبار بما ms5683 يفعل بها فقال ~~تعالى: { وتكون الجبال } على ما هي عليه من الشدة والصلابة وأنها صخور ~~راسخة { كالعهن } أي الصوف المصبغ لأنها ملونة كما قال تعالى: # ومن الجبال جدد بيض وحمر # [فاطر: 27] أي وغير ذلك { المنفوش * } أي المندوف المفرق الأجزاء الذي ~~ليس هو بمتلبد شيء منه على غيره، فتراها لذلك متطايرة في الجو كالهباء ~~المنثور حتى تعود الأرض كلها لا عوج فيها ولا أمتا. # ولما كان اليوم إنما يوصف لأجل ما يقع فيه، سبب عن ذلك قوله مفصلا لهم: ~~{ فأما من ثقلت } أي بالرجحان. ولما كانت الموزونات كثيرة الأنواع جدا، ~~جمع الميزان باعتبارها فقال: { موازينه * } أي مقادير أنواع حسناته ~~باتباع الحق لأنه ثقيل في الدنيا واجتناب الباطل، والموزون الأعمال ~~أنفسها تجسدا وصحائفها { فهو } بسبب رجحان حسناته { في عيشة } أي حياة ~~تتقلب فيها، ولعله ألحقها الهاء الدالة على الوحدة - والمراد العيش - ~~ليفهم أنها على حالة واحدة - في الصفاء واللذة وليست ذات ألوان كحياة ~~الدنيا { راضية * } أي ذات رضى أو مرضية لأن أمه - جنة عالية { وأما من ~~خفت } أي طاشت { موازينه * } أي بأن غلبت سيئاته أو لم تكن له حسنة ~~لاتباعه الباطل وخفته عليه في الدنيا { فأمه } أي التي تؤويه وتضمه إليها ~~كما يقال للأرض: أم - لأنها تقصد لذلك، ويسكن إليها كما يسكن إلى الأم، ~~وكذا المسكن، وهو يفهم أنه مخلوق منها غلب عليه طبع الشيطان لكون العنصر ~~الناري أكثر أجزائه، وعظمها بالتنكير والتعبير بالوصف المعلم بأنه لا ~~قرار لها فقال: { هاوية * } أي نار نازلة سافلة جدا فهو بحيث لا يزال ~~يهوي فيها نازلا وهو في عيشة ساخطة، فالآية من الاحتباك، ذكر العيشة ~~أولا دليلا على حذفها ثانيا، وذكر الأم ثانيا دليلا على حذفها ~~أولا. # ولما كانت مما يفوت الوصف بعظيم أهوالها وشديد زلزالها، جمع الأمر فيها ~~فقال منكرا أن يكون مخلوق يعرف وصفها: { وما أدراك } أي وأي شيء أعلمك ~~وإن اشتد تكلفك { ما هيه * } أي الهاوية لأنه لم يعهد أحد مثلها ليقيسها ~~عليه، وهاء السكت إشارة إلى إن ذكرها مما يكرب القلب ms5684 حتى لا يقدر على ~~الاسترسال في الكلام أو إلى - أنها مما ينبغي للسامع أن يقرع بهذا ~~الاستفهام عنها سمعه فيسكت لسماع الجواب وفهمه غاية السكوت ويصغي غاية ~~الإصغاء. # ولما هولها بما ذكر، أتبعها ما يمكن البشر معرفته من وصفها فقال { نار ~~حامية * } أي قد انتهى حرها، هذا ما تتعارفونه بينكم، وأما التفاصيل فأمر ~~لا يعلمه إلا الله تعالى، وهذا نهاية القارعة، فتلاؤم الأول للآخر واضح ~~جدا وظاهر - والله أعلم. ### | [102 - سورة التكاثر] ### || [102.1-8] # ولما أثبت في القارعة أمر الساعة، وقسم الناس فيها إلى شقي وسعيد، وختم ~~بالشقي، افتتح هذه بعلة الشقاوة ومبدأ الحشر لينزجر السامع عن هذا السبب ~~ليكون من القسم الأول، فقال ما حاصله: انقسمتم فكان قسم منكم هالكا لأنه ~~{ ألهكم } أي أغفلكم إلا النادر منكم غفلة عظيمة عن الموت الذي هو وحده ~~كاف في البعث على الزهد فكيف بما بعده { التكاثر * } وهو المباهاة ~~والمفاخرة بكثرة الأعراض الفانية من متاع الدنيا: المال والجاه والبنين ~~ونحوها مما هو شاغل عن الله، فكان ذلك موجبا لصرف الهمة كلها إلى الجمع، ~~فصرفكم ذلك إلى اللهو، فأغفلكم عما أمامكم من الآخرة والدين الحق وعن ذكر ~~ربكم وعن كل ما ينجيكم من سخطه، أو عن المنافسة في الأعمال الموصلة إلى ~~أعلى الدرجات بكثرة الطاعات، وذلك كله لأنكم لا تسلمون بما غلب عليكم من ~~الجهل الذي سببه شهوة النفس وحب الراحة فخفت موازينكم، وحذف هذا الشيء ~~الملهو عنه لتعظيمه والدلالة على أنه ليس غيره مما يؤسف على اللهو عنه. # ولما كانوا ينكرون البعث، ويعتقدون دوام - الإقامة في القبور، عبر ~~بالزيارة إشارة إلى أن البعث لا بد منه ولا مرية فيه، وأن اللبث في ~~البرزخ وإن طال فإنما هو كلبث الزائر عند مزوره في جنب الإقامة بعد البعث ~~في دار النعيم أو غار الجحيم، وأن الإقامة فيه محبوبة للعلم بما بعده من ~~الأهوال والشدائد والأوجال، فقال: { حتى } أي استمرت مباهاتكم ومفاخرتكم ~~إلى أن { زرتم المقابر * } أي بالموت والدفن، فكنتم فيها عرضة للبعث لا ~~تتمكنون من عمل ms5685 ما ينجيكم لأن دار العمل فاتت كما أن الزائر ليس بصدد ~~العلم عند المزور، لا يمكثون بها إلا ريثما يتكمل المجموعون بالموت كما ~~أن الزائر معرض للرجوع إلى داره وحل قراره، فلو لم يكن لكم وازع عن ~~الإقبال على الدنيا إلا الموت لكان كافيا فكيف والأمر أعظم من ذلك؟ فإن ~~الموت مقدمة من مقدمات العرض، قال أبو حيان: سمع بعض الأعراب الآية فقال: ~~بعث القوم للقيامة ورب الكعبة، فإن الزائر منصرف لا مقيم، وروى ابن أبي ~~الدنيا عن عمر بن عبد العزيز أنه قرأها ثم قال: ما أرى المقابر إلا ~~زيارة، ولا بد لمن زار أن يرجع إلى بيته، إما إلى الجنة أو إلى النار. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما تقدم ذكر القارعة وعظيم أهوالها، ~~أعقب بذكر ما شغل وصد عن الاستعداد لها وألهى عن ذكرها، وهو التكاثر ~~بالعدد والقرابات والأهلين فقال: { ألهاكم التكاثر } وهو في معرض التهديد ~~والتقريع وقد أعقب بما يعضد ذلك وهو قوله { كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف ~~تعلمون } ثم قال: { كلا لو تعلمون علم اليقين } وحذف جواب " لو " ~~والتقدير: لو تعلمون علم اليقين لما شغلكم التكاثر، قال صلى الله عليه ~~وسلم: # " لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا " # الحديث، وقوله تعالى " لترون الجحيم " جواب لقسم مقدر أي والله لترون ~~الجحيم، وتأكد بها التهديد وكذا ما بعد إلى آخر السورة - انتهى. # ولما كان الاشتغال بالتكاثر في غاية الدلالة على السفه لأن من المعلوم ~~قطعا أن هذا الكون على هذا النظام لا يكون إلا بصانع حكيم، وكان العقلاء ~~المنتفعون بالكون في غاية التظالم، وكان الحكيم لا يرضى أصلا أن يكون ~~عبيده يظلم بعضهم بعضا ثم لا يحكم بينهم ولا ينظر في مصالحهم علم قطعا ~~أنه يبعثه ليحكم بينهم لأنه كما قدر على إبدائهم يقدر على إعادتهم، وقد ~~وعد بذلك وأرسل به رسله وأنزل به كتبه، فثبت ذلك ثبوتا لا مرية فيه ولا ~~مزيد عليه، وكان الحال مقتضيا لأن يردع غاية الردع من أعرض عما ms5686 يعنيه ~~وأقبل على ما لا يعنيه، فقال سبحانه معبرا بأم الروادع، وجامعة الزواجر ~~والصوادع: { كلا } أي ارتدعوا أتم ردع وانزجروا أعظم زجر عن الاشتغال بما ~~لا يجدي، فإنه ليس الأمر كما تظنون من أن الفخر في المكاثرة بالأعراض ~~الدنيوية ولم تخلقوا لذلك، إنما خلقتم لأمر عظيم، فهو الذي يهمكم ~~فاشتغلتم عنه بما لا يهمكم - فكنتم لاهين كمن كان يكفيه كل يوم درهم ~~فاشتغل بتحصيل أكثر، وكذا من ترك المهم من التفسير واشتغل بالأقوال ~~الشاذة أو ترك المهم من الفقه واشتغل بنوادر الفروغ وعلل النحو وغيرها ~~وترك ما هو أهم منه مما لا عيش له إلا به. # ولما كان الردع لا يكون إلا عن ضار يجر وبالا وحسرة، دل على ذلك بقوله ~~استئنافا: { سوف } أي بعد مهلة طويلة يتذكر فيها من تذكر { تعلمون * } ~~أي يتجدد لكم العلم بوعد لا خلف فيه بما أنتم عليه من الخطإ عند معاينة ~~ما يكشفه الموت ويجر حزنه الفوت من عاقبة ذلك ووباله. # ولما كان من الأمور ما لو شرح شأنه على ما هو عليه لطال وأدى إلى ~~الملال، دل على أن شرح هذا الوعيد مهول بقوله مؤكدا مع التعبير بأداة ~~التراخي الدالة على علو الرتبة: { ثم كلا } أي ارتدعوا ارتداعا أكبر من ~~ذلك لأنه { سوف تعلمون * } أي يأتيكم العلم من غير شك وإن تأخر زمنه ~~يسيرا بالبعث. # ولما كان هذا أمرا صادعا، أشار إلى أنه يكفي هذه الأمة المرحومة ~~التأكيد بمرة، فقال مرددا للأمر بين تأكيد الردع ثالثا بالأداة الصالحة ~~له ولأن تكون لمعنى - حقا كما يقوله ائمة القراءة: { كلا } أي - ليشتد ~~ارتداعهم عن التكاثر فإنه أساس كل بلاء فإنكم { لو تعلمون } أيها ~~المتكاثرون. # ولما كان العلم قد يطلق على الظن رفع مجازه بقوله: { علم اليقين * } أي ~~لو يقع لكم علم على - وجه اليقين مرة من الدهر لعلمتم ما بين أيديكم، فلم ~~يلهكم التكاثر ولضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا، ولخرجتم إلى الصعدات ~~تجأرون - فحذف هذا الجواب بعد حذف المفعول للتفخيم فهو إشارة إلى أنه لا ~~يقين ms5687 غيره، والمعنى أن أعمالكم أعمال من لا يتيقنه، قال الرازي: واليقين ~~مركب الأخذ في هذا الطريق، وهو غاية درجات العامة، وأول خطوة الخاصة، قال ~~عليه الصلاة والسلام: # " خير ما ألقي في القلب اليقين " # وعلم قبول ما ظهر من الحق وقبول ما غاب للحق والوقوف على ما قام بالحق، ~~والآية من الاحتباك: ذكر الإلهاء أولا وحذف سببه وهو الجهل لدلالة ~~الثاني عليه، وذكر ثانيا العلم الذي هو الثمرة وحذف ما يتسبب عنه من عدم ~~اللهو الذي هو ضد الأول، وزاد في التفخيم لهذا الوعيد بإيضاح المتوعد به ~~بعد إبهامه مع قسم دل عليه بلامه، فقال: { لترون } أي بالمكاشفة وعزتنا، ~~ولا يصح أن يكون هذا جوابا لما قبله لأنه محقق { الجحيم * } أي النار ~~التي تلقى المعذبين بها بكراهة وتغيظ وعتو وشديد توقد، فالمؤمن يراها ~~وينجو منها سواء خالطها أم لا والكافر يخلد فيها. # ولما كان هذا توعدا على التكاثر لأنه يقتضي الإعراض عن الآخرة فيوقع في ~~غمرات البلايا الكبار، أكد فقال مفخما له بحرف التراخي: { ثم لترونها } ~~وعزة الله، ورقي العلم عن رتبة الأول فقط فقال تعالى: { عين اليقين * } ~~أي الرؤية التي هي نفس اليقين، وذلك هو المعاينة بغاية ما يكون من صفاء ~~العلم لكونه لا ريبة فيه فإن المشاهدة أعلى أنواع العلم، قال الرازي: وهو ~~المغني بالاستدراك عن الاستدلال، وعن الخبر بالعيان، وخرق الشهود حجاب - ~~العلم - انتهى. ويجوز أن يكون هذا الثاني بالملامسة والدخول، فالمؤمن ~~وارد والكافر خالد. # ولما كان من أهول الخطاب التهديد برؤية العذاب، زاد في التخويف بأنه ~~لأجل أن يكون ما يعذب به العاصي عتيدا، فإذا أوجب السؤال النكال كان ~~حاضرا لا مانع من إيقاعه في الحال، ولو لم يكن حاضرا كان لمن استحقه في ~~مدة إحضاره محال، فقال مفخما بأداة التراخي: { ثم } أي بعد أمور طويله ~~عظيمة مهولة جدا { لتسئلن } وعزتنا { يومئذ } أي إذ ترون الجحيم { عن ~~النعيم * } أي الذي أداكم التكاثر إليه حتى عن الماء البارد في الصيف ~~والحار في الشتاء هل كان استمتاعكم به على ms5688 وجه السرف لإرادة الترف أو كان ~~لإرادة القوة للنشأة إلى الخير فلم يخرج عن السرف، فالمؤمن المطيع يسأل ~~سؤال تشريف، والعاصي يسأل سؤال توبيخ وتأفيف، ولام النعيم قد تكون لمطلق ~~الجنس وإليه يشير حديث أبي هرير رضي الله عنه عند الترمذي وغيره أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم ضاف أبا الهيثم بن التيهان مع أبي بكر وعمر رضي الله ~~عنهما فأطعمهم بسرا ورطبا وسقاهم ماء باردا وبسط لهم بساطا في ظل، ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن هذا من النعيم الذي تسألون عنه: ظل بارد ورطب طيب وماء بارد " # وقد يكون للكمال فيكون من أعلام النبوة كما في حديث محمود بن لبيد رضي ~~الله عنه عند أحمد من وجه حسن إن شاء الله أنهم قالوا عند نزولها: أي ~~نعيم وإنما هما الأسودان: التمر والماء، وسيوفنا على رقابنا والعدو حاضر، ~~قال: # " إن ذلك سيكون " # له شاهد عند الطبراني عن ابن الزبير رضي الله عنهما، وعند الطبراني ~~أيضا عن الحسن البصري مرسلا، فقد التحم آخرها بأولها على وجه هو من ~~ألطف الخطاب، وأدق المسالك في النهي عما يجر إلى العذاب، لأن العاقل إذا ~~علم أن بين يديه سؤالا عن كل ما يتلذذ به علم أنه يعوقه ذلك في زمن ~~السؤال عن لذاذات الجنة العوال الغوال، فكان خوفه من مطلق السؤال مانعا ~~له عن التنعم بالمباح فكيف بالمكروه فكيف ثم كيف بالمحرم؟ فكيف إذا كان ~~السؤال من ملك تذوب لهيبته الجبال؟ فكيف إذا كان السؤال على وجه العتاب؟ ~~فكيف إذا جر إلى العذاب؟ فتأمل كلام خالقك ما ألطف إشاراته وأجل عباراته، ~~في نذاراته وبشاراته - والله أرحم. ### | [103 - سورة العصر] ### || [103.1-3] # لما كانت لذة هذه الدنيا الظاهرة التنعم بما فيها من المتاع، وكان ~~الإنسان مسؤولا بما شهد به، ختم التكاثر عن ذلك النعيم متوعدا برؤية ~~الجحيم، فكان ساكن هذه الدار على غاية الخطر، فكان نعيمه في غاية الكدر، ~~قال دالا على ذلك بأن أكثر الناس هالك، مؤكدا بالقسم والأداة لما ~~للأغلب من التكذيب ms5689 لذلك إما بالمقال أو بالحال: { والعصر * } أي الزمان ~~الذي خلق فيه أصله آدم عليه الصلاة والسلام وهو في عصر يوم الجمعة كما ~~ورد في الحديث الصحيح في مسلم، أو الصلاة الوسطى أو وقتها الذي هو زمان ~~صاحب هذا الشرع الذي مقداره فيما مضى من الزمان بمقدار وقت العصر من ~~النهار أو بعضه، أو زمان كل أحد الذي هو الخلاصة بالنسبة إليه تنبيها له ~~على نفاسته إشارة إلى اغتنام إنفاقه في الخير إشفاقا من الحشر، أو وقت ~~الأصيل لأنه أفضله بما يحويه من الفراغ من الأشغال واستقبال الراحة ~~والحصول على فائدة ما أنفق فيه ذلك النهار، وبما دل عليه من طول الساعة ~~وربح من كان له فيها بضاعة باختتام الأعمال وتقوض النهار، والدال على ~~البعث، أو جميع الدهر الذي أوجد فيه سبحانه وتعالى المخلوقات وقدر فيه ~~المقدورات بما ظهر فيه من العجائب الدالة على ما لله تعالى من العز ~~والعظمة الداعي إلى صرف الهمة إليه وقصرها عليه: { إن الإنسان } أي هذا ~~النوع الذي هو أشرف الأنواع لكونه في أحسن تقويم كما أن العصر خلاصة ~~الزمان، والعصر يكون لاستخراج خلاصات الأشياء { لفي خسر * } أي نقص بحسب ~~مساعيهم في أهوائهم وصرف أعصارهم في أغراضهم لما لهم بالطبع من الميل إلى ~~الحاضر والإعراض عن الغائب والاغترار بالفاني أعم من أن يكون الخسر ~~قليلا أو جليلا بحسب تنوع الناس إلى أكياس وأرجاس، فمن كان كافرا كان ~~في كفران، ومن كان مؤمنا عاصيا كان في خسران إن كان بالغا في المعصية ~~وإلا كان في مطلق الخسر، وهو مدلول المصدر المجرد، وفي هذا إشارة إلى ~~العلم بالاحتياج إلى إرسال الرسل لبيان المرضي لله من الاعتقادات ~~والعبادات إيمانا وإسلاما وإدامة لذلك ليكون فاعله من قبضة اليمين ~~وتاركه من أصحاب الشمال. # وقال الأستاذ أبو جعفر بن الزبير: لما قال تعالى: { ألهاكم التكاثر } ~~وتضمن ذلك الإشارة إلى قصور نظر الإنسان وحصر إدراكه في العاجل دون الآجل ~~الذي فيه فوزه وفلاحه، وذلك لبعده عن العلم بموجب الطبع # إنه كان ظلوما جهولا ms5690 # [الأحزاب: 72] أخبر سبحانه أن ذلك شأن الإنسان بما هو إنسان فقال { ~~والعصر إن الإنسان لفي خسر } فالقصور شأنه، والظلم طبعه، والجهل جبلته، ~~فيحق أن يلهيه التكاثر، ولا يدخل الله عليه روح الإيمان { إلا الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات } إلى آخرها، فهؤلاء الذين # لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله # [النور: 37] انتهى. # ولما كان الحكم على الجنس حكما على الكل لأنهم ليس لهم من ذواتهم إلا ~~ذلك، وكان فيهم من خلصه الله سبحانه وتعالى مما طبع عليه الإنسان بجعله ~~في أحسن تقويم، وحفظه عن الميل مع ما فيه من النقائص، استثناهم سبحانه ~~وتعالى لأنهم قليل جدا بالنسبة إلى أهل الخسر فقال دالا بالاستثناء ~~على أن النفوس داعية إلى الشر مخلدة إلى البطالة واللهو، فالمخلص واحد من ~~ألف كما في الحديث الصحيح { إلا الذين آمنوا } أي أوجدوا الإيمان وهو ~~التصديق بما علم بالضرورة مجيء النبي صلى الله عليه وسلم به من توحيده ~~سبحانه وتعالى والتصديق بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ولعل حكمة ~~التعبير بالماضي الحث على الدخول في الدين ولو على أدنى الدرجات، ~~والبشارة لمن فعل ذلك بشرطه بالنجاة من الخسر. # ولما كان الإنسان حيوانا ناطقا، وكان كمال حيوانيته في القوة العملية ~~للحركة بالإرادة لا بمقتضى الشهوة القاسرة البهيمية قال تعالى: { وعملوا ~~} أي تصديقا بما أقروا به من الإيمان { الصالحات } أي هذا الجنس، وهو ~~اتباع الأوامر واجتناب النواهي في العبادات كالصلاة والعادات كالبيع ~~فكانوا بهذا مسلمين بعد أن كانوا مؤمنين فاشتروا الآخرة بالدنيا فلم ~~يلههم التكاثر، ففازوا بالحياة الأبدية والسعادة السرمدية فلم يلقهم شيء ~~من الخسر. # ولما كان الإنسان بعد كماله في نفسه بالأعمال لا ينتفي عنه مطلق الخسر - ~~إلا بتكميل غيره، وحينئذ يكون وارثا لأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ~~بعثوا للتكميل، وكان الدين لا يقوم، وإذا قام لا يتم إلا بالأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر الناشىء عن نور القلب، ولا يتأتى ذلك إلا بالاجتماع، ~~قال مخصصا لما دخل في الأعمال الصالحة تنبيها على عظمه: { وتواصوا } أي ~~أوصى بعضهم بعضا بلسان الحال ms5691 أو المقال: { بالحق } أي الأمر الثابت، وهو ~~كل ما حكم الشرع بصحته فلا يصح بوجه نفيه من قول أو عمل أو اعتقاد أو ~~غيره من فعل أو ترك، فكانوا محسنين، والتكميل في القوة العملية باجتلاب ~~الخيور. # ولما كان الإنسان ميالا إلى النقصان، فكان فاعل ذلك الإحسان معرضا ~~للشنآن من أهل العدوان، وهم الأغلب في كل زمان، قال تعالى: { وتواصوا } ~~لأن الإنسان ينشط بالوعظ وينفعه اللحظ واللفظ { بالصبر } أي الناشىء عن ~~زكاة النفس على العمل بطاعة الله من إحقاق الحق وإبطال الباطل والنفي له ~~والمحق وعلى ما يحصل بسبب ذلك من الأذى باجتناب الشرور إلى الممات الذي ~~هو سبب موصل إلى دار السلام، فكانوا مكملين للقوة العملية حافظين لما ~~قبلها من العلمية، وذلك هو حكمة العبادات فإن حكمة الشيء هي الغاية ~~والفائدة المقصودة منه، وهي هنا أمران: خارج عن العامل وهو الجنة، وداخل ~~قائم به وهو النور المقرب من الحق سبحانه وتعالى، واختير التعبير بالوصية ~~إشارة إلى الرفق في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واستعمال اللين ~~بغاية الجهد، والصبر هو خلاصة الإنسان وسره وصفاوته وزبدته وعصارته، الذي ~~لا يوصل إليه إلا بضغط الإنسان لنفسه وقسرها على أفعال الطاعة وقهرها على ~~لزوم السنة والجماعة حتى يصير الصبر لها بالتدريب عادة وصناعة، فقد عانق ~~آخرها أولها، وواصل مفصلها موصلها، وهي أربع عشرة كلمة تشير إلى أن في ~~السنة الرابعة عشرة من النبوة يكون الإذن في الجهاد الذي هو رأس الأمر ~~بالمعروف بالفعل لإظهار الحق وهي سنة الهجرة التي تم فيها بدره، وعم نوره ~~وقدره، وجم عزه ونصره، فإذا ضممت إليها أربع كلمات البسملة كانت موازية ~~في العدد لسنة خمس من الهجرة، وكان فيها غزوة بدر الموعد وغزوة الأحزاب، ~~وقد وقع فيهما أتم الصبر من النبي صلى الله عليه وسلم ثم ممن وافقه من ~~الصحابة رضي الله تعالى عنهم لإظهار الحق والصواب، فإنهم في بدر خذلوا من ~~ركب عبد القيس أو من نعيم بن مسعود وموافقة المنافقين وخوفوا حتى كاد ~~يعمهم الرعب والفشل، فقال ms5692 النبي صلى الله عليه وسلم # " والله لأخرجن ولو لم يخرج معي أحد " # وأنزل الله فيها # الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا ~~وقالوا # [آل عمران: 173] الآيات، وفي الأحزاب زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر ~~وأسفرت عاقبة الصبر فيها عما قال النبي صلى الله عليه وسلم عند ذهابهم: # " الآن نغزوهم ولا يغزوننا " # فإذا ضممت إليها الضمائر الأربعة أشارت إلى سنة تسع، وقد كانت فيها غزوة ~~تبوك وهي غزوة العسرة لما كان فيها من الشدة التي أسفرت عاقبة الصبر فيها ~~عن إقبال الوفود، بفخامة العز والجدود وتواتر السعود، بلطف الرحيم ~~الودود، وبذلك كان نور الوجود، وتواتر الفضل والجود من الإله المعبود - ~~وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه خيار الوجود. ### | [104 - سورة الهمزة] ### || [104.1-9] # لما بين الناجين من قسمي الإنسان في العصر، وختم بالصبر، حصل تمام ~~التشوف إلى أوصاف الهالكين، فقال مبينا لأضلهم وأشقاهم الذي الصبر على ~~أذاه في غاية الشدة ليكون ما أعد له من العذاب مسلاة للصابر: { ويل } أي ~~هلاك عظيم جدا { لكل همزة } أي الذي صار له الهمز عادة لأنه خلق ثابت في ~~جبلته وكذا { لمزة * } والهمز الكسر كالهزم، واللمز الطعن - هذا أصلهما، ~~ثم خصا بالكسر من أعراض الناس والطعن فيهم، وقال ابن هشام في تهذيب ~~السيرة: الهمزة الذي يشتم الرجل علانية، ويكسر عينيه عليه ويهمز به، ~~واللمزة الذي يعيب الناس سرا - انتهى. وقال البغوي: وأصل الهمز الكسر ~~والعض على الشيء بالعنف، والذي دل على الاعتياد صيغة فعل بضم وفتح كما ~~يقال ضحكة للذي يفعل الضحك كثيرا حتى صار عادة له وضرى به، والفعلة ~~بالسكون للمفعول وهو الذي يهمزه الناس ويلمزونه، وقرىء بها وكأنه إشارة ~~إلى من يتعمد أن يأتي بما يهمز به ويلمز به فيصير مسخرة يضحك منه - والله ~~أعلم. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما قال سبحانه وتعالى { إن الإنسان ~~لفي خسر } أتبعه بمثال من ذكر نقصه وقصوره واغتراره، وظنه الكمال لنفسه ~~حتى يعيب غيره، واعتماده على ما جمعه من المال ظنا ms5693 أنه يخلده وينجيه، ~~وهذا كله هو عين النقص، الذي هو شأن الإنسان، وهو المذكور في السورة قبل، ~~فقال تعالى { ويل لكل همزة لمزة } فافتتحت السورة بذكر ما أعد له من ~~العذاب جزاء له على همزه ولمزه الذي أتم حسده، والهمزة العياب الطعان ~~واللمزة مثله، ثم ذكر تعالى ماله ومستقرة بقوله: { لينبذن في الحطمة } أي ~~ليطرحن في النار جزاء له على اغتراره وطعنه - انتهى. # ولما كان الذي يفعل النقيصة من غير حاجة تحوجه إليها أقبح حالا وكان ~~المتمول عندهم هو الرابح، وهم يتفاخرون بالربح ويعدون الفائز به من ذوي ~~المعالي، قال مقيدا ل " كل " بالوصف مبينا الخاسر كل الخسارة: { الذي ~~جمع } ولما كان مطلق الجمع يدل على الكثرة جاء التشديد في فعله لأبي جعفر ~~وابن عامر وحمزة والكسائي، وخلت تصريحا بما علم تلويحا ودلالة على أن ~~المقصود به من جعل الدنيا أكبر همه، والتخفيف لمن عداهم اكتفاء بأصل ~~مدلوله بخلاف عدد، فإن مجرده يكون لما قل، ولهذا أجمعوا على التضعيف فيه: ~~{ مالا } أي عظيما، وأكد مراد الكثرة بقوله: { وعدده } أي جعله بحيث ~~إذا أريد عدده طال الزمان فيه وكثر التعداد، أو ادخره وأمسكه إعدادا لما ~~ينوبه في هذه الدنيا المنقضية، وزاده قيدا آخر في بيان حاله فقال: { ~~يحسب } لقلة عقله { أن ماله } أي ذلك الذي عدده { أخلده * } أي أوصله ~~إلى رتبة الخلد في الدنيا، فأحب ذلك المال كما يحب الخلود، ويجوز أن يكون ~~ذلك كناية عن أنه عمل - بانهماكه في المعاصي والإعراض عن الله عز وجل ~~والإقبال على التوسع في الشهوات والأعراض الزائلات - عمل من يظن أنه لا ~~يموت، ويجوز أن يكون استئنافا، وفيه تعريض بأنه لا يفيد الخلد إلا ~~الأعمال الصالحة المسعدة في الدار الآخرة. # ولما كان هذا الحسبان لشدة وهيه وبيان ضعفه لا يحتاج إلى إقامة دليل على ~~فساده، اكتفى فيه بأداة الردع الجامعة لكل زجر فقال: { كلا } أي لا يكون ~~ما حسبه لأنه لا يكون له ما لا يكون لغيره من أمثاله بل يموت كما مات كل ~~حي ms5694 مخلوق. # ولما كان كأنه قيل: فما الذي يفعل به بعد الموت؟ قال مقسما دالا ~~باللام الداخلة على الفعل على القسم: { لينبذن } أي ليطرحن بعد موته طرح ~~ما هو خفيف هين جدا على كل طارح كما دل عليه التعبير بالنبذ وبالبناء ~~للمفعول { في الحطمة * } أي الطبقة من النار التي من شأنها أن تحطم أي ~~تكسر وتهشم بشدة وعنف كل ما طرح فيها فيكون أخسر الخاسرين، وعبر بها في ~~مقابلة الاستعداد بالمال الحامل على الاستهانة بالخلق، قال الأستاد أبو ~~الحسن الحرالي: فلمعنى ما يختص بالحكم يسمي تعالى باسم من أسمائها من نحو ~~جهنم فيما يكون مواجهة ومن نحو الحطمة فيما يكون جزاء لقوة قهر واستعداد ~~بعدد، ونحو ذلك في سائر أسمائها، وعظم شأنها سبحانه وتعالى بقوله: { وما ~~أدراك } أي وأي شيء أعلمك ولو بمحاولة منك للعلم واجتهاد في التعرف مع ~~كونك أعلم الخلق { ما الحطمة } أي ما الدركة النارية التي سميت هذا الاسم ~~لهذه الخاصية فإنه ليس في الوجود الذي شاهدتموه ما يقاربها ليكون مثالا ~~لها، ثم فسرها بقوله: { نار الله } أي الملك الأعظم الذي عدل المشركون ~~عنه إلى شركائهم، فعظمة هذه النار من عظمته، وانتقامه من نقمته { الموقدة ~~* } أي التي وجد وتحتم إيقادها بإيقاده، ومن الذي يطيق محاولة ما أوقده؟ ~~فهي لا يزال لها هذا الاسم ثابتا. # ولما وصف الهامز الهازم، وصف الحاطم فقال تعالى: { التي } ولما كان لا ~~يطلع على أحوال الشيء إلا من قبله علما قال: { تطلع } اطلاعا شديدا { ~~على الأفئدة * } جمع فؤاد وهو القلب الذي يكاد يحترق من شدة ذكائه، فكان ~~ينبغي أن يجعل ذكاءه في أسباب الخلاص، واطلاعها عليه بأن تعلو وسطه ~~وتشتمل عليه اشتمالا بالغا، سمي بذلك لشدة توقده، وخص بالذكر لأنه ألطف ~~ما في البدن وأشده تألما بأدنى شيء من الأذى، ولأنه منشأ العقائد ~~الفاسدة ومعدن حب المال الذي هو منشأ الفساد والضلال، وعنه تصدر الأفعال ~~القبيحة. # ولما كان الاطلاع على الفؤاد مظنة الموت، وفي الموت راحة من العذاب، ~~أشار إلى خلودهم فيها وأنهم لا ms5695 يموتون ولا ينقطع عنهم العذاب، فقال ~~مؤكدا لأنهم يكذبون بها: { إنها } وأشار إلى قهرهم وغلبتهم فقال: { ~~عليهم } وآذن بسهولة التصرف في تعذيبهم وانقطاع الرجاء من خلاصهم بقوله ~~معبرا باسم المفعول: { مؤصدة * } أي مطبقة بغاية الضيق، من أوصدت الباب ~~- إذا أطبقته. # ولما كانت عادتهم في المنع من التصرف أن يضعوا خشبة عظيمة تسمى المقطرة ~~فيها حلق توثق فيها الرجل، فلا يقدر صاحبها بعد ذلك على حراك، قال مصورا ~~لعذابهم بحال من ضمير " عليهم ": { في } أي حال كونهم موثقين في { عمد } ~~بفتحتين وبضمتين جمع عمود { ممددة * } أي معترضة كأنها موضوعة على الأرض، ~~فهي في غاية المكنة فلا يستطيع الموثق بها على نوع حيلة في أمرها فهو ~~تأكيد ليأسهم من الخروج بالإيثاق بعد الإيصاد، وهذا أعظم الويل وأشد ~~النكال، فقد رجع آخرها إلى أولها، وكان لمفصلها أشد التحام بموصلها - ~~والله الموفق للصواب، وإليه المرجع والمآب. ### | [105 - سورة الفيل] ### || [105.1-5] # لما قدم في الهمزة أن كثرة الأموال المسببة بالقوة بالرجال ربما أعقبت ~~الوبال، دل عليه في هذه بدليل شهودي وصل في تحريقه وتغلغله في الأجسام ~~وتجريفه إلى القلوب في العذاب الأدنى كما ذكر فيما قبلها للعذاب الأكبر ~~الأخفى، محذرا من الوجاهة في الدنيا وعلو الرتبة، مشيرا إلى أنها كلما ~~عظمت زاد ضررها بما يكسبه من الطغيان حتى ينازع صاحبها الملك الأعلى، ومع ~~كونه شهوديا فللعرب ولا سيما قريش به الخبرة التامة، فقال مقررا منكرا ~~على من يخطر له خلاف ذلك: { ألم تر } أي تعلم علما هو في تحققه كالحاضر ~~المحسوس بالبصر، وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم وإن لم يشهد تلك الوقعة ~~فإنه شاهد آثارها، وسمع بالتواتر مع إعلام الله له أخبارها، وخصه صلى ~~الله عليه وسلم إعلاما بأن ذلك لا يعلمه ويعمل به إلا هو صلى الله عليه ~~وسلم ومن وفقه الله الحسن اتباعه، لما للإنسان من علائق النقصان، وعلائق ~~الحظوظ والنسيان، وقرىء " تر " باسكان الراء، قالوا جدا في إظهار أثر ~~الجازم، وكان السر في هذه القراءة الإشارة إلى الحث في الإسراع بالرؤية ms5696 ~~إيماء إلى أن أمرهم على كثرتهم كان كلمح البصر، من لم يعتن به ويسارع إلى ~~تعمده لا يدركه حق إدراكه. # ولما كان للناظر في الكيفية من التدقيق والوقوف على التحقيق في وجوه ~~الدلالات على كمال علم الله وقدرته وإعزاز نبيه بالإرهاص لنبوته والتمكين ~~لرسالته لتعظيم بلده وتشريف قومه ما ليس للناظر إلى مطلق الفعل قال: { ~~كيف } دون أن يقول: ما { فعل } أي فعل من له أتم داعية إلى ذلك الفعل، ~~وفعل الرؤية معلق عن " كيف " لما فيه من معنى الاستفهام فلا يتقدم عامله ~~عليه، بل ناصبه فعل، وجملة الاستفهام في موضع نصب بالفعل المعلق { ربك * ~~} أي المحسن إليك ومن إحسانه إحسانه إلى قومك بك وبهذه الواقعة الخارقة ~~للعادة إرهاصا لنبوتك كما - هو معلوم من أخبار الأنبياء المتقدمين فيما ~~يقع بين أيدي نبواتهم من مثل ذلك ليكون مؤيدا لادعائهم النبوة بعد ذلك، ~~وفي تخصيصه صلى الله عليه وسلم بالخطاب والتعبير بالرب مع التشريف له ~~والإشارة بذكره التعريض بحقارة الأصنام التي سموها أربابا لهم، يعلم ذلك ~~منهم علم اليقين من آمن، ومن استمر على كفره فسيعلم ذلك حق اليقين عندما ~~يسلط الله عليهم رسوله صلى الله عليه وسلم بالبلد الحرام، ويحلها له على ~~أعلى حال ومرام { بأصحاب الفيل * } أي الذين قصدوا انتهاك حرمات الله ~~سبحانه وتعالى فيخربوا بيته ويمزقوا جيرانه بما أوصلهم إلى البطر من ~~الأموال والقوة التي من عليهم سبحانه وتعالى بها، فحسبوا أنها تخلدهم ~~فبان أنها توردهم المهالك ضد ما حسبوه، وهم الحبشة الذين كانوا غلبوا على ~~بلاد اليمن، بنى أميرهم وهو أبو يكسوم أبرهة بن الصباح الأشرم بيعة ~~بصنعاء وسماها القليس وزن قبيط، وأراد أن يصرف إليها - فيما زعم - حج ~~العرب، فخرج رجل من كنانة فقعد فيها ليلا - يعني تغوط ولطخها به، فأغضب ~~ذلك الأشرم فسأل فقيل له: نرى الفاعل من أهل البيت الذي بمكة - فحلف: ~~ليهدمن الكعبة، ومن عجائب صنع الله أنه ألهمه سبحانه وتعالى تسميتها ~~هذا الاسم الذي هو مشتق من القلس الذي أحد معانيه أنه ماء ms5697 خرج من الحلق ~~ملء الفم، فهو مبدأ القيء الذي هو أخو الغائط الذي آل أمرها إليه، فكان ~~سبب هلاكها بهلاك بانيها، وذلك أنه غضب من ذلك فخرج بجيشه لهدم بيت الله ~~الكعبة ومعه أفيال كثيرة منها فيل عظيم اسمه محمود، فقاتله بعض العرب ~~فهزمهم وقتل منهم، فلما دوخهم دانوا له، فلما وصل إلى المغمس خرج إليه ~~عبد المطلب جد النبي صلى الله عليه وسلم، فعرض عليه ثلث أموال تهامة على ~~أن يرجع عنهم، وقيل: بل كانت طلائعه أخذت له مائتي بعير فطلبها منه فقال: ~~قد كنت أعجبتني حين رأيتك، فزهدت فيك حين تكلمني في مائتي بعير، وتترك ~~كلامي في بيت هو دينكم وفي عزكم؟ فقال: أنت وذاك، فرد عليه إبله فساقها ~~ومضى، وأمر قريشا أن يتفرقوا في الشعاب ويتحرزوا في الجبال، وأتى عبد ~~المطلب الكعبة فأخذ بحلقة الباب وجعل يقول: # يا رب لا أرجو لهم سواكا # فامنعهم أن يقربوا قراكا # - وقال: # لا هم إن المرء يم # نع رحله فامنع حلالك # لا يغلبن صليبهم # ومحالهم عدوا محالك # جروا جميع تلادهم # في الفيل كي يسبوا عيالك # عمدوا حماك بكيدهم # جهلا وما رقبوا جلالك # إن كنت تاركهم وكع # بتنا فأمر ما بدا لك # ثم ترك الحلقة وتوجه في بعض تلك الوجوه فلما أصبح أبرهة تهيأ للدخول إلى ~~الحرم وعبأ جيشه وقدم الفيل فبرك فعالجوه فلم تفد فيه حيلة، فوجهوه إلى ~~غير الحرم فقام يهرول فوجهوه إلى الحرم فبرك، وكان هذا دأبه في ذلك اليوم ~~فبينما هم كذلك إذا أرسل الله تعالى عليهم طيرا أبابيل، كل طائر منها في ~~منقاره حجر، وفي رجليه حجران، الحجر منها أكبر من العدسة وأصغر من ~~الحمصة، فرمتهم بها، فكان الحجر منها يقع في رأس الرجل فيخرج من دبره ~~فهلكوا جميعا، وأهل مكة ومن حضر من العرب في رؤوس الجبال - ينظرون إلى ~~صنع الله تعالى بهم وإحسانه إليهم - أي أهل مكة - وكان ذلك إرهاصا لنبوة ~~محمد صلى الله عليه وسلم، فإن ذلك كان عام مولده، وقال حمزة الكرماني: ~~وفي ms5698 رواية: يوم مولده، وكأنه كان سببا لضعفهم حتى ذهب سيف بن ذي يزن إلى ~~كسرى وأتى منه بجيش فاستأصل بقيتهم - كما هو مشهور في السير، ومأثور في ~~الخبر، ووفدت قريش لتهنئته بالنصرة عليهم، وكان رئيسهم عبد المطلب جد ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وبشره سيف بأنه يولد له ولد اسمه محمد فأعلمه ~~بأن ولد وأن أباه توفي، فأخبره سيف بأنه النبي المبعوث في آخر الزمان، ~~وأن يثرب مهاجره، وأنه لو علم أنه يعيش إلى زمن بعثته لأتى يثرب وجعلها ~~قراره حتى ينصر النبي صلى الله عليه وسلم بها - ويظهر نبوته. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما تضمنت سورة الهمزة ذكر اغترار من ~~فتن بماله حتى ظن أنه يخلده وما أعقبه ذلك، أتبع هذا أصحاب الفيل الذين ~~غرهم تكاثرهم، وخدعهم امتدادهم في البلاد واستيلاؤهم حتى هموا بهدم البيت ~~المكرم، فتعجلوا النقمة، وجعل الله كيدهم في تضليل، وأرسل عليهم طيرا ~~أبابيل، أي جماعات متفرقة، ترميهم بحجارة من سجيل حتى استأصلتهم وقطعت ~~دابرهم فجعلهم كعصف مأكول، وأثمر لهم ذلك اغترارهم بتوفر حظهم من الخسر ~~المتقدم - انتهى. # ولما قرره بالكيفية تنبيها على ما فيها من وجوه الدلالة على مقدمات ~~الرسالة، أشار إلى تلك الوجوه مقدما عليها تقريرا آخر جامعا لقصتهم ~~ومعلما بغصتهم فقال: { ألم يجعل } أي بما له من الإحسان إلى العرب لا ~~سيما قريش { كيدهم } أي في تعطيل الكعبة بتخريبها وبصرف الحج إلى كنيستهم ~~على زعمهم وقد كان كيدهم عظيما غلبوا به من ناوأهم من العرب { في تضليل ~~* } أي مظروفا لتضييع عما قصدوا له من نسخ الحج إلى الكعبة أولا ومن ~~هدمها ثانيا وإبطال وبعد عن السداد وإهمال بحيث صار بكونه مظروفا لذلك ~~معمورا به لا مخلص له منه، وهذا مشير إلى أن كل من تعرض لشيء من حرمات ~~الله كبيت من بيوته أو ولي من أوليائه أو عالم من علماء الدين وإن كان ~~مقصرا نوع تقصير وقع في مكره، وعاد عليه وبال شره # " من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب " # وإلى ms5699 أن من جاهر بالمعصية أسرع إليه الهلاك بخلاف من تستر، وإلى أن الله ~~تعالى يأتي من يريد عذابه من حيث لا يحتسب ليدوم الحذر منه ولا يؤمن مكره ~~ولو كان الخصم أقل عباده، لم يخطر للحبشة ما وقع لهم أصلا ولا خطر لأحد ~~سواهم أن طيورا تقتل جيشا دوخ الأبطال ودانت له غلب الرجال، يقوده ملك ~~جبار كتيبته في السهل تمشي ورجله على القاذفات في رؤوس المناقب. # ولما كان التقدير: فمنعهم من الدخول إلى حرم إبراهيم عليه الصلاة ~~والسلام فضلا عن الوصول إلى بلده الرسول صلى الله عليه وسلم، عطف عليه ~~أو على " يجعل " معبرا بالماضي لأنه بمعناه وهو أصرح والتعبير به أقعد ~~قوله؛ { وأرسل } وبين أنه إرسال عذاب بقوله: { عليهم } أي خاصة من بين من ~~كان هناك من كفار العرب، وأشار إلى تحقيرهم وتخسيسهم عن أن يعذبهم بشيء ~~عظيم لكونهم عظموا أنفسهم وتجبروا على خالقهم بالقصد القبيح لبيته فقال ~~تعالى معلما بأنه سلط عليهم ما لا يقتل مثله في العادة: { طيرا } وهو ~~اسم جمع يذكر على اللفظ، ويؤنث على المعنى، وقد يقع على الواحد، ولذلك ~~قال مبينا الكثرة { أبابيل * } أي جماعات كثيرة جدا متفرقة يتبع بعضها ~~بعضا من نواحي شتى فوجا فوجا وزمرة زمرة، أمام كل فرقة منها طير ~~يقودها أحمر المنقار أسود الرأس طويل العنق،قال أبو عبيدة: يقال: جاءت ~~الخيل أبابيل من هاهنا وهاهنا، وهو جمع إبالة بالكسر والتشديد وهي الحزمة ~~الكبيرة - شبهت بها الجماعة من الطير في تضامها، وفي أمثالهم: ضغث على ~~إبالة، أي بلية على أخرى. # ولما تشوف السامع إلى فعل الطير بهم، قال مستأنفا: { ترميهم } أي الطير ~~{ بحجارة } أي عظيمة في الكثرة والفعل، صغيرة في المقدار والحجم، كان كل ~~واحد - منها في نحو مقدار العدسة، في منقار كل طائر منها واحد وفي كل رجل ~~واحد. # ولما كان الشيء إذا كان مصنوعا للعذاب كان أشد فعلا فيه قال: { من ~~سجيل * } أي طين متحجر مصنوع للعذاب في موضع هو في غاية العلو كما بين في ~~سورة هود ms5700 عليه الصلاة والسلام، قال حمزة الكرماني: قال أبو صالح: رأيت ~~تلك الحجارة مخططة بالحمرة. ولما تسبب عن هذا المرمى هلاكهم، وكان ذلك ~~بفعل الله سبحانه وتعالى القادر على ما أراد لأنه الذي خلق الأثر قطعا ~~لأن مثله لا ينشأ عنه ما نشأ من الهلاك، قال: { فجعلهم } أي ربك المحسن ~~إليك بإحسانه إلى قومك لأجلك بذلك { كعصف مأكول * } أي ورق زرع وقع فيه ~~الأكال وهو أن يأكله الدود ويجوفه لأن الحجر كان يأتي في الرأس فيخرق بما ~~له من الحرارة وشدة الوقع كل ما مر به حتى يخرج من الدبر ويصير موضع ~~تجويفه أسود لما له من النارية، أو أكل حبة فبقي صفرا منه أو كتبن أكلته ~~الدواب وراثته، ولكنه جاء على ما عليه آداب القرآن كقوله تعالى: # كانا يأكلان الطعام # [المائدة: 75] وهذا الإهلاك في إعجابه هو من معاني الاستفهام التقريري ~~في أولها، فقد تعانق طرفاها، والتف أخراها بأولاها - والله أعلم بمراده. ### | [106 - سورة قريش] ### || [106.1-4] # لما كان ما فعله سبحانه - من منع هذا الجيش العظيم - الذي من قوته طاعة ~~أكبر ما خلق الله من الحيوان البري فيما نعلمه له - من دخول الحرم الذي ~~هو مظهر قدرته ومحل عظمته الباهرة وعزته والمذكر بخليله عليه الصلاة ~~والسلام وما كان من الوفاء بعظيم خلته - كرامة لقريش عظيمة ظاهره عاجلة ~~حماية لهم عن أن تستباح ديارهم وتسبى ذراريهم لكونهم أولاد خليله وخدام ~~بيته وقطان حرمه ومتعززين به ومنقطعين إليه، وعن أن يخرب موطن عزهم ومحل ~~أمنهم وعيشهم وحرزهم، ذكرهم سبحانه وتعالى ما فيه من النعمة الآجلة ~~إكراما ثانيا بالنظر في العاقبة، فقال مشيرا إلى أن من تعاظم عليه ~~قصمه، ومن ذل له وخدمه أكرمه وعظمه: { لإيلاف قريش * } أي لهذا الأمر لا ~~غيره فعلنا ذلك وهو إيقاعهم الإيلاف وهو ألفهم لبلدهم الذي ينشأ عنه ~~طمأنينتهم وهيبة الناس لهم، وذلك ملزوم لألفهم أولا في أنفسهم، فإذا كان ~~لهم الألف بحرمهم بما حصل لهم من العز والمكنة به بما دافع عنهم فيه مع ~~ما له من بعد ms5701 الآفات عنه، وكان لهم الألف بينهم، فكان بعضهم يألف بعضا، ~~قوي أمرهم فألفوا غيرهم أي جعلوه يألف ما ألفوه إياه أي سنوه له وأمروه ~~به، أو يكون اللام متعلقا بفعل العبادة بدلالة { فليعبدوا } أي ليعبدونا ~~لأجل ما أوقعنا من ألفهم وإيلافهم، وعلى التقديرين الألف علة للعبادة أو ~~لما يوجب الشكر بالعبادة، وفي هذا إشارة إلى تمام قدرته سبحانه وتعالى ~~وأنه إذا أراد شيئا يسر سبببه لأن التدبير كله له يخفض من يشاء وإن عز، ~~ويرفع من يشاء وإن ذل، ليثمر اعتقاد ذلك حبه والانقطاع لعبادته والاعتماد ~~عليه في كل نفع ودفع، وقريش ولد النضر ابن كنانة واسمهم واسم قبيلتهم ~~مشتق من القرش والتقرش وهو التكسب والجمع، يقال: فلان يقرش لعياله ويقترش ~~أي يكتسب، وقال البغوي: وقال أبو ريحانة: سأل معاوية ابن عباس رضي الله ~~عنهما: لم سموا بهذا؟ فقال: لدابة تكون في البحر هي أعظم دوابه، يقال لها ~~القرش، لا تمر بشيء من الغث والسمين إلا أكلته، وهي تأكل ولا تؤكل وتعلو ~~ولا تعلى، قال: وهل تعرف العرب ذلك في أشعارها؟ قال: نعم، وأنشد للجمحي: # وقريش هي التي تسكن البحر بها # سميت قريش قريشا # سلطت بالعلو في لجة البحر على # سائر الجيوش جيوشا # وقال الزمخشري: هي دابة عظيمة تعبث بالسفن ولا تطاق إلا بالنار، ~~والتصغير للتعظيم - انتهى. وقيل: سموا بذلك لتجمعهم إلى الحرم بعد ~~تفرقهم، فإن القرش - كما تقدم - الجمع، وكان المجمع لهم قصيا، والقرش ~~أيضا الشديد، وقيل: هو من تقرش الرجل - إذا تنزه عن مدانيس الأمور، ومن ~~تقارشت الرماح في الحرب - إذا دخل بعضها في بعض. # والمادة كلها للشدة والاختلاط، والتعبير بهذا الاسم لمدحهم. وكما أجرى ~~سبحانه وتعلى مدحهم على الألسنة جعلهم موضعا للمدح، قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: # " إن الله اصطفى كنانة من بني إسماعيل واصطفى قريشا من كنانة واصطفى ~~بني هاشم من قريش واصطفاني من بني هاشم " # وقال صلى الله عليه وسلم: # " الأئمة من قريش " # قال العلماء: وذلك أن طيب العنصر يؤدي إلى محاسن الأخلاق، ومحاسن ms5702 ~~الأخلاق تؤدي إلى صفاء القلب، وصفاء القلب عون على إدراك العلوم، وبإدراك ~~العلوم تنال الدرجات العلا في الدنيا والآخرة، وصرف الاسم هنا على معنى ~~الحي ليكون الاسم بمادته دالا على الجمع، وبصرفه دالا على الحياة ~~إشارة إلى كمال حياتهم ظاهرا وباطنا، قال سيبويه في معد وقريش وثقيف: ~~صرف هذه الأحياء أكثر، وإن جعلتها اسما للقبائل - يعني فمنعتها - فجائز ~~حسن، والذي يدل على تعلق اللام بفعل دلت عليه الفيل أن السورتين في مصحف ~~أبي رضي الله عنه سورة واحدة من غير فصل، وأن عبد الرزاق وابن أبي شيبة ~~رويا عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون قال: صلى بنا عمر رضي الله عنه ~~المغرب فقرأ في الأولى بالتين والزيتون، وفي الثانية ألم تر كيف ولئيلاف ~~قريش. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لاخفاء في اتصالهما أي أنه سبحانه ~~وتعالى فعل ذلك بأصحاب الفيل ومنعهم عن بيته وحرمه لانتظام شمل قريش، وهم ~~سكان الحرم وقطان بيت الله الحرام، وليؤلفهم بهاتين الرحلتين فيقيموا ~~بمكة وتأمن ساحتهم - انتهى. # ولما علل بالإيلاف وكان لازما ومتعديا، تقول: آلفت المكان أولفه ~~إيلافا فأنا مؤلف وآلفت فلانا هذا الشيء أي جعلته آلفا له، وكان ~~الإتيان بالشيء محتملا لشيئين ثم إبدال أحدهما منه أضخم لشأنه وأعلى ~~لأمره، أبدل منه قوله: { إلافهم } أي إيلافنا إياهم { رحلة الشتاء * } ~~التي يرحلونها في زمنه إلى اليمن لأنها بلاد حارة ينالون بها متاجر ~~الجنوب { والصيف * } التي يرحلونها إلى الشام في زمنه لأنها بلاد باردة ~~ينالون فيها منافع الشمال، وهم آمنون من سائر العرب لأجل عزهم بالحرم ~~المكرم المعظم ببيت الله والناس يتخطفون من حولهم، ففعل الله تعالى ~~بأصحاب الفيل ما فعل ليزداد العرب لهم هيبة وتعظيما فتزيد في إكرامهم ~~لما رأت من إكرام الله تعالى لهم فيكون لهم غاية التمكن في رحلتهم، ~~والرحلة بالكسر هيئة الرحيل، وقرىء بالضم وهي الجهة التي يرحل إليها، ~~وكانوا معذورين لذلك لأن بلدهم لا زرع به ولا ضرع، فكانوا إذا ضربوا في ~~الأرض قالوا: نحن سكان حرم الله وولاة ms5703 بيته، فلا يعرض أحد بسوء، فلولا ~~الرحلتان لم يكن لهم مقام بمكة، ولولا الأمن بجوار البيت لم يقدروا على ~~التصرف، وأول من سن لهم الرحلة هاشم بن عبد مناف، وكان يقسم ربحهم بين ~~الغني والفقير حتى كان فقيرهم كغنيهم، وفي ذلك يقول الشاعر: # قل للذي طلب السماحة والندى # هلا مررت بآل عبد مناف # الرائشين وليس يوجد رائش # والقائلين هلم للإضياف # والخالطين فقيرهم بغنيهم # حتى يكون فقيرهم كالكاف # القائلين بكل وعد صادق # والراحلين برحلة الإيلاف # عمرو العلا هشم الثريد لقومه # ورجال مكة مسنتون عجاف # سفرين سنهما له ولقومه # سفر الشتاء ورحلة الأصياف # وتبع هاشما على ذلك إخوته، فكان هاشم يؤلف إلى الشام وعبد شمس إلى ~~الحبشة، والمطلب إلى اليمن، ونوفل إلى فارس، وكان تجار قريش يختلفون إلى ~~هذه الأمصار بحبال هذه الإخوة - أي عهودهم - التي أخذوها بالأمان لهم من ~~ملك كل ناحية من هذه النواحي، وأفرد الرحلة في موضع التثنية لتشمل كل ~~رحلة - كما هو شأن المصادر وأسماء الأجناس، إشارة لهم بالبشارة بأنهم ~~يتمكنون عن قريب من الرحلة إلى أي بلد أرادوا لشمول الأمن لهم وبهم جميع ~~الأرض بما نشره الله سبحانه وتعالى من الخير في قلوب عباده في سائر الأرض ~~بواسطة هذا النبي الكريم الذي هو أشرفهم وأعظمهم وأجلهم وأكرمهم. # ولما كان هذا التدبير لهم من الله كافيا لهمومهم الظاهرة بالغنى ~~والباطنة بالأمن، وكان شكر المنعم واجبا، فإذا أنعم بما يفرغ المنعم ~~عليه للشكر كان وجوبه عليه أعظم، سبب عن الإنعام عليهم بذلك قوله: { ~~فليعبدوا } أي قريش على سبيل الوجوب شكرا على هذه النعمة خاصة إن لم ~~يشكروه على جميع نعمه التي لا تحصى لأنهم يدعون أنهم أشكر الناس للإحسان ~~وأبعدهم عن الكفران { رب هذا البيت * } أي الموجد له والمحسن إلى أهله ~~بتربيتهم به وبحفظه من كل طاغ، وتأثيره لأجل حرمته في كل باغ، وبإذلال ~~الجبابرة له ليكمل إحسانه إليهم وعطفه عليهم بإكمال إعزازه لهم في الدنيا ~~والآخرة وجعل ما داموا عابدين له موصولا بعز الآخرة، فتتم النعمة وتكمل ~~الرحمة، ms5704 والمراد به الكعبة، عبر عنها بالإشارة تعظيما إشارة إلى أن ما ~~تقدم في السورة الماضية من المدافعة عنهم معروف أنه بسببه لا يحتاج إلى ~~تصريح، وأن ذلك جعله متصورا في كل ذهن حاضرا مشاهدا لكل مخاطب، وفي ~~هذا التلويح من التعظيم ما ليس للتصريح، ثم وصف نفسه الأقدس بما هو ثمرة ~~الرحلتين ومظهر لزيادة شرف البيت فقال تعالى: { الذي أطعمهم } أي قريشا ~~بحمل الميرة إلى مكة بالرحلتين آمنين من أن يهاجوا، وبإهلاك الذين أرادوا ~~إخراب البيت الذي به نظامهم، إطعاما مبتدئا { من جوع * } أي عظيم فيه ~~غيرهم من العرب، أو كانوا هم فيه قبل ذلك لأن بلدهم مهيأ لذلك لأنه ليس ~~بذي زرع، فهم عرضة للفقر الذي ينشأ عنه الجوع، فكفاهم ذلك وحده ولم يشركه ~~أحد في كفايتهم، فليس من الشكر إشراكهم في عبادته ولا من البر بأبيهم ~~إبراهيم عليه الصلاة والسلام الذي دعا لهم بالرزق ونهى أشد النهي عن ~~عبادة الأصنام، ولم يقل: أشبعهم لأنه ليس كلهم كان يشبع، ولأن من كان ~~يشبع منهم طالب لأكثر مما هو عنده # " ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ". # ولما ذكر السبب في إقامة الظاهر، ذكر السبب في إقامة العيش بنعمة الباطن ~~فقال: { وآمنهم } أي تخصيصا لهم { من خوف * } أي شديد جدا من أصحاب ~~الفيل ومما ينال من حولهم من التخطف بالقتل والنهب والغارات وبالأمن من ~~الجذام بدعوة إبراهيم عليه الصلاة والسلام، ومن الطاعون والدجال بتأمين ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وعن ذلك تسبب الاتحاف بما خصهم به من الإيلاف، ~~فعلم أن آخرها علة لأولها، ويجوز أن يكون إلفهم للبلد وقع أولا فحماه ~~الله لهم مما ذكر، فيكون ذلك مسببا عن الإلف فيكون أولها علة لآخرها، ~~فقد التقى الطرفان، والتأم البحران المغترفان، وكما التقى آخر كل سورة مع ~~أولها فكذلك التقى آخر القرآن العظيم بأوله بالنسبة إلى تسع سور هذه ~~أولها إذا عددت من الآخر إليها، فإن حاصلها المن على قريش بالإعانة على ~~المتجر إيلافا لهم بالرحلة فيه والضرب في الأرض بسببه ms5705 واختصاصهم بالأمر ~~بعبادة الذي من عليهم بالبيت الحرام وجلب لهم به الأرزاق والأمان، ومن ~~أعظم مقاصد التوبة - المناظرة لهذه بكونها التاسعة من الأول - البراءة من ~~كل مارق، وأن فعل ذلك يكون سببا للألفة بعد ما ظن أنه سبب الفرقة، وذكر ~~مناقب البيت ومن يصلح لخدمته، والفوز بأمانه ونعمته، والبشارة بالغنى على ~~وجه أعظم من تحصيله بالمتجر وأبهى وأبهر، وأوفى وأوفر، وأزهى وأزهر، وأجل ~~وأفخر، بقوله تعالى: # ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم # الآيات،[التوبة: 17] وقوله تعالى: # وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله # [التوبة: 28] فعلم بهذا علما جليا أنه شرع سبحانه في رد المقطع على ~~المطلع من سورة قريش الذين أكرمهم الله بإنزال القرآن بلسانهم وأرسل به ~~النبي صلى الله عليه وسلم إليهم كما أكرمهم ببناء البيت في شأنهم، ~~وتعظيمه لغناهم وأمانهم، ومن أعظم المناسبات في ذلك كون أول السورة التي ~~أخذ فيها في رد المقطع على المطلع شديد المشابهة للسورة المناظرة لها حتى ~~أن في كل منهما مع التي قبلها كالسورة الواحدة فإن براءة مع الأنفال كذلك ~~حتى قال عثمان رضي الله تعالى عنه إن النبي صلى الله عليه وسلم توفي ولم ~~يبين أمرها، فلم يتحرر له أنها مستقلة عنها، ولذلك لم يكتب بينهما سطر ~~بسم الله الرحمن الرحيم، وكانت هذه التي من الآخر مقطوعا بأنها مستقلة ~~مع ما ورد من كونها مع التي قبلها سورة واحدة في مصحف أبي رضي الله ~~تعالى عنه، وقراءة عمر رضي الله عنه لهما على وجه يشعر بذلك كما مضى ~~إشارة إلى أن الآخر يكون أوضح من الأول، ومن أغرب ذلك أن السورتين اللتين ~~قبل سورتي المناظرة بين أمريهما طباق، فالأولى في الآخر وهي الفيل أكرم ~~الله فيها قريشا بإهلاك أهل الإنجيل، والأولى في الأول وهي الأنفال ~~أكرمهم الله فيها بنصر أهل القرآن عليهم بإهلاك جبابرتهم، فكان ذلك سببا ~~لكسر شوكتهم وسقوط نخوتهم المفضي إلى سعادتهم، وعلم أن البراءة وغيرها ~~إنما عمل لإكرامهم لأنهم المقصودون بالذات وبالقصد الأول بالإرسال ms5706 والناس ~~لهم تبع كما أن جميع الرسل تبع للرسول الفاتح الخاتم الذي شرفوا بإرساله ~~إليه صلى الله عليه وسلم، وكان عدد التسع مشيرا إلى أن قريشا أهل لأن ~~يتصلوا بعروج الأسرار في الملكوت إلى الفلك التاسع، وهو العرش الذي هو ~~مقلوب الشرع، فهم يصعدون بأسرار الشرع - التي من أعظمها الصلاة - من ~~الأسفل إلى الأعلى من الطرفين معا كما أنه يتنزل عليهم بالبركات من ~~الجانبين، وإذا ضممت التسع الأولى إلى الأخرى كانت ثمان عشرة، فكانت ~~مشيرة إلى ركعات الصلوات مضموما إليها الوتر، وإلى ظهور الدين ظهورا ~~كاملا على غالب أقطار الأرض كما كان في سنة ثمان وعشرين، وهي الثامنة ~~عشر من موت النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك في أثناء خلافة عثمان رضي ~~الله عنه فإنه كان فيها قد تمزق ملك كسرى وضعف جدا، وكذا ملك الروم مع ~~ما كان من زوال أمر القبط بالكلية، ومن بديع الإشارات أيضا أنك إذا نظرت ~~إلى نزول براءة وجدته سنة تسع من الهجرة في غزوة تبوك وعقب الرجوع منها، ~~فكان كونها تاسعة ونزولها في السنة التاسعة مشيرا إلى كون الدين يظهر ~~على كل مخالف بعد تسع سنين، وهي السنة الثامنة من موت النبي صلى الله ~~عليه وسلم في وسط خلافة الفاروق حين ظهر المسلمون على الفرس والروم، ~~فقتلوا رجالهم، وانتثلوا أموالهم، كما كان قد ظهر عند نزولها على عباد ~~الأوثان من العرب، ومن الغريب أن قصة الفيل كانت سنة مولد النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فهي قبل النبوة بأربعين سنة بعدد كلمات السورتين: الفيل ~~وقريش، فإن الفيل ثلاث وعشرون وقريش سبع عشرة، وذلك - والله أعلم - إشارة ~~إلى أن ابتداء الأمن - بإهلاكهم والإشباع بنهب ما كان معهم من أموالهم ~~ومتاعهم - كان لمولده صلى الله عليه وسلم وتشريف الوجود بوجوده، ويكون ~~ذلك ظاهرا كما كان السبب - الذي هو وجوده صلى الله عليه وسلم - ظاهرا، ~~وإلى أن وسطه يكون بنبوته صلى الله عليه وسلم، ويكون ذلك باطنا كما أن ~~السبب - وهو الوحي باطن، ثم كان أمن الصحابة ms5707 رضي الله تعالى عنهم في ~~السنة الثامنة الموازية لعدد كلمات البسملتين على يد النجاشي ملك الحبشة ~~الذين كان الأمن أولا بإهلاكهم، وإذا ضممت إليها أحد عشر ضميرا - سبعة ~~في الفيل وأربعة في قريش - كانت تسعا وخمسين توازيها إذا حسبت من المولد ~~سنة ست من الهجرة، وفيها كانت عمرة الحديبية وهي الفتح السببي الخفي، ~~وإلى ذلك أشار صلى الله عليه وسلم بقوله في بروك ناقته الشريفة حين بركت ~~فقالت الصحابة رضي الله تعالى عنهم: خلأت القصوى - أي حرنت: # " ما خلأت ولكن حبسها حابس الفيل " # وفيها نزلت سورة الفتح، فكان سبب الأمن العظيم والغنى، وعقبها في سنتها ~~كان البعث إلى ملوك الأمصار، وفتح خيبر وانبساط ذكر الإسلام في جميع ~~الأقطار، وكذا كان عقبها قبل عمرة القضية إسلام عمرو بن العاص على يد ~~النجاشي لما سأله أن يعطيه عمرو بن أميه الضمري رضي الله عنه ليقتله، ~~وذلك حين أرسله النبي صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي رضي الله عنهما ~~يدعوه إلى الإسلام فأنكر النجاشي ذلك على ابن العاص وشهد للنبي صلى الله ~~عليه وسلم بالرسالة وأمره بأن يؤمن به، ففعل فكان ملك الحبشة بدعاء النبي ~~صلى الله عليه وسلم ناجيا هاديا، وإلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~داعيا، عكس ما كان لملك الحبشة بمولده صلى الله عليه وسلم من أنه كان ~~هالكا، وإلى الجحيم هاويا، وإن حسبت من سنة بنيان الكعبة في الخامسة ~~والعشرين من مولده صلى الله عليه وسلم كانت السنة التاسعة والخمسون هي ~~الحادية والثلاثون بعد الهجرة، وهي سنة استئصال ملك الفرس بقتل آخر ~~ملوكهم يزدجرد، والفرس هم الذين أزالوا الحبشة عن بلاد اليمن وطهروا منهم ~~أرض العرب، ولعل قسمة السورتين إلى ثلاث وعشرين وسبع عشرة إشارة إلى أن ~~هذا المولد الشريف الذي حرست الكعبة بمولده صلى الله عليه وسلم وحصل ~~الأمن والعز ببركته تبنى الكعبة وتجدد بعد بضع وعشرين سنة من مولده، ~~قالوا: كان بنيانها وسنه خمس وعشرون سنة، فلعله كان في آخر الرابعة ~~والعشرين، ولعل قصة الفيل كانت وله ms5708 نحو سنة من حين الولادة، وبه حين ~~البنيان ألف الله بين قريش بعد أن كانوا تنافروا أشد المنافرة وتعاقدوا ~~على الحرب في أمر الحجر الأسود من يضعه في موضعه حتى أصلح الله بينهم به ~~صلى الله عليه وسلم فوضعه بيده الشريفة في ثوب، وأمرهم فأمسكت جميع ~~القبائل بأطرافه، ثم رفعوه حتى وازوا به موضعه فأخذه هو صلى الله عليه ~~وسلم فوضعه في مكانه، فكان الشرف له خاصة في الإصلاح والبنيان، وتشير مع ~~ذلك إلى أنه يبقى في النبوة ثلاثا وعشرين سنة، ثم يتوفاه الله سبحانه ~~وتعالى بعد أن جعل الله كيد جميع الكفرة في تضليل من عباد الأوثان والفرس ~~والروم وغيرهم بما فتح الله عليه من جزيرة العرب التي ألف الله بها بين ~~كلمتهم حتى انسابوا على غيرهم فما وافقهم أحد ناوشوه القتال وساوموه ~~النضال والنزال، ولعل الإشارة بكون قريش سبع عشرة كلمة إلى أنه صلى الله ~~عليه وسلم بعد سبع عشرة سنة من بنيان البيت يبعثه الله سبحانه وتعالى ~~لأمر قريش بالعبادة التي أجلها الصلاة التي أعظمها الفرائض التي هي سبع ~~عشرة ركعة شكرا لنعمة من آمنهم من خوف وأطعمهم من جوع بأعظم العبادة، ~~وإلى أن ابتداء ألفة قريش بالقوة القريبة من الفعل بعد الشتات العظيم ~~الظاهر وجعل كيد الكفار في تضليل يكون في السنة السابعة عشرة من النبوة، ~~وذلك سنة أربع من الهجرة فإن فيها كان إجلاء بني النضير من اليهود من ~~المدينة الشريفة وإخلاف قريش الموعد في بدل الموعد وهنا منهم عن لقاء ~~جيش النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت بعد بيسير غزوة الأحزاب، ولذلك قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم بعد انصرافهم: # " الآن نغزوهم ولا يغزونا " # يعني أن نخوة الشيطان منهم وحمية الجاهلية أخذت في الاضمحلال لانتهاء ~~قوتهم في الباطل الذي كان سبب عزهم الظاهري الذي هو الذل في الباطن، وكان ~~ذلك ابتداء عزهم في الباطن الذي هو ذلهم لأهل الإسلام في الظاهر، وفي أثر ~~الأحزاب كانت غزوة بني قريظة، فإذا ضممت إلى الكلمات الضمائر الأربعة ms5709 ~~كانت إحدى وعشرين توازيها سنة ثمان من الهجرة وهي سنة الفتح الأعظم الذي ~~وقعت به الألفة العظمى بين قريش وأمنهم وغناهم الذي وعدهم الله به في ~~السورة المناظرة لها - وهي براءة - باتئلاف جميع العرب وانبعاثهم لاجتماع ~~كلمتهم إلى جهاد الفرس والروم والقبط وأخذهم لبلادهم، وانتثالهم لكنوزهم ~~وتحكمهم في نسائهم وأولادهم، فسبحان من هذا كلامه، وتعالى شأنه وعز ~~مرامه. ### | [107 - سورة الماعون] ### || [107.1-7] # لما أخبر سبحانه وتعالى عن فعله معهم من الانتقام ممن تعدى حدوده فيهم، ~~ومن الرفق بهم بما هو غاية في الحكمة، فكان معرفا بأن فاعله لا يترك ~~الناس سدى من غير جزاء، وأمرهم آخر قريش بشكر نعمته بإفراده بالعبادة، ~~عرفهم أول هذه أن ذلك لا يتهيأ إلا بالتصديق بالجزاء الحامل على معالي ~~الأخلاق الناهي عن مساوئها، وعجب ممن يكذب بالجزاء مع وضوح الدلالة عليه ~~بحكمة الحكيم، ووصف المكذب به بأوصاف هم منها في غاية النفرة، وصوره ~~بأشنع صورة بعثا لهم على التصديق وزجرا عن التكذيب، فقال خاصا بالخطاب ~~رأس الأمة إشارة إلى أنه لا يفهم هذا الأمر حق فهمه غيره: { أرأيت } أي ~~أخبرني يا أكمل الخلق { الذي يكذب } أي يوقع التكذيب لمن يخبره كائنا من ~~كان { بالدين * } أي الجزائي الذي يكون يوم البعث الذي هو محط الحكمة وهو ~~غاية الدين التكليفي الآمر بمعالي الأخلاق الناهي عن سيئها، ومن كذب ~~بأحدهما كذب بالآخر: ولما كان فعل الرؤية بمعنى أخبرني، المتعدي إلى ~~مفعولين، كان تقدير المفعول الثاني: أليس جديرا بالانتقام منه. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما تضمنت السور المتقدمة من الوعيد ~~لمن انطوى على ما ذكر فيها مما هو جار على حكم الجهل والظلم الكائنين في ~~جبلة الإنسان ما تضمنت كقوله: { إن الإنسان لربه لكنود } { إن الإنسان ~~لفي خسر } { يحسب أن ماله أخلده } وانجر أثناء ذلك مما تثيره هذه الصفات ~~الأولية ما ذكر فيها أيضا كالشغل بالتكاثر، والطعن على الناس ولمزهم ~~والاغترار المهلك أصحاب الفيل أتبع ذلك بذكر صفات قد توجد في المنتمين ~~إلى الإسلام أو يوجد بعضها ms5710 أو أعمال من يتصف بها وإن لم يكن من أهلها كدع ~~اليتيم، وهو دفعه عن حقه وعدم الرفق به، وعدم الحض على طعام المسكين، ~~والتغافل عن الصلاة والسهو عنها، والرياء بالأعمال والزكاة والحاجات التي ~~يضطر فيها الناس بعضهم إلى بعض، ويمكن أن يتضمن إبهام الماعون هذا كله، ~~ولا شك أن هذه الصفات توجد في المتسمين بالإسلام، فأخبر سبحانه وتعالى ~~أنه من صفات من يكذب بيوم الدين ولا ينتظر الجزاء والحساب، أي إن هؤلاء ~~هم أهلها، ومن هذا القبيل قوله عليه الصلاة والسلم # " أربع من كن فيه كان منافقا خالصا " # وقوله عليه الصلاة والسلام # " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن " # وهذا الباب كثير في الكتاب والسنة، وقد بسطته في كتاب " إيضاح السبيل من ~~حديث سؤال جبريل " فمن هذا القبيل عندي - والله أعلم - قوله تعالى: { ~~أرأيت الذي يكذب بالدين فذلك الذي يدع اليتيم } أي أن هذه الصفات من دفع ~~اليتيم وبعد الشفقة عليه، وعدم الحض على إطعامه والسهو عن الصلاة ~~والمراءاة بالأعمال ومنع الحاجات إن هذه كلها من شأن المكذب بالحساب ~~والجزاء لأن نفع البعد عنها إنما يكون إذ ذاك، فمن صدق به جرى في هذه ~~الخصال على السنن المشكور والسعي المبرور، ومن كذب به لم يبال بها وتأبط ~~جميعها، فتنزهوا أيها المؤمنون عنها، فليست من صفاتكم في أصل إيمانكم ~~الذي بايعتم عليه، فمن تشبه بقوم فهو منهم، فاحذروا هذه الرذائل فإن دع ~~اليتيم من الكبر الذي أهلك أصحاب الفيل، وعدم الحض على إطعامه فإنما هو ~~فعل البخيل الذي يحسب أن ماله أخلده، والسهو عن الصلوات من ثمرات إلهاء ~~التكاثر، والشغل بالأموال والأولاد، فنهى عباده عن هذه الرسائل التي ~~يثمرها ما تقدم والتحمت السور - انتهى. # ولما كان المراد بهذا الجنس، وكان من المكذبين من يخفي تكذيبه، عرفهم ~~بأمارات تنشأ من عمود الكفر الذي صدر به ويتفرع منه تفضحهم، وتدل عليهم ~~وإن اجتهدوا في الإخفاء وتوضحهم، فقال مسببا عن التكذيب ما هو دال عليه: ~~{ فذلك } أي البغيض البعيد من كل خير { الذي ms5711 يدع } أي يدفع دفعا عنيفا ~~بغاية القسوة { اليتيم * } ويظلمه ولا يحث على إكرامه لأن الله تعالى نزع ~~الرحمة من قلبه، ولا ينزعها إلا من شقي لأنه لا حامل على الإحسان إليه ~~إلا الخوف من الله سبحانه وتعالى، فكان التكذيب بجزائه سببا للغلظة ~~عليه. # ولما كانت رحمة الضعفاء علامة على الخير، ولذلك قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم # " اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين " # كانت القسوة عليهم علامة على الشر، وكان من بخل باللين في قاله أشد ~~بخلا بالبذل من ماله، قال معرفا لأن المكذب ينزله تكذيبه إلى أسفل ~~الدركات، وأسوإ الصفات الحامل على شر الحركات: { ولا يحض } أي يحث نفسه ~~وأهله ولا غيرهم حثا عظيما يحمى فيبعث على المراد { على طعام المسكين * ~~} أي بذله له وإطعامه إياه بل يمقته ولا يكرمه ولا يرحمه، وتعبيره عن ~~الإطعام - الذي هو المقصود - بالطعام الذي هو الأصل وإضافته المسكين ~~للدلالة على أنه يشارك الغني في ماله بقدر ما فرض الله من كفايته، وقد ~~تضمن هذا أن علامة التكذيب بالبعث - إيذاء الضعيف والتهاون بالمعروف، ~~والآية من الاحتباك: الدع في الأول يدل على المقت في الثاني: والحض في ~~الثاني يدل على مثله في الأول. # ولما كان هذا حاله مع الخلائق، أتبعه حاله مع الخالق إعلاما بأن كلا ~~منهما دال على خراب القلب وموجب لمقت الرب، وأعظم الإهانة والكرب، وأن ~~المعاصي شؤم مهلك، تنفيرا عنها وتحذيرا منها، فسبب عنه قوله معبرا ~~بأعظم ما يدل على الإهانة: { فويل } ولما كان الأصل: له - بالإضمار ~~والإفراد، وكان المراد ب " الذي " الجنس الصالح للواحد وما فوقه. # وكان من يستهين بالضعيف لضعفه يعرض عما لا يراه ولا يحسه لغيبته، وكان ~~من أضاع الصلاة كان لما سواها أضيع، وكان من باشرها ربما ظن النجاة ولو ~~كانت مباشرته لها على وجه الرياء أو غيره من الأمور المحيطة للعمل، عبر ~~بالوصف تعميما وتعليقا للحكم به وشقه من الصلاة تحذيرا من الغرور، ~~وإشارة إلى أن الذي أثمر له تلك الخساسة هو ما تقدم ms5712 من الجري مع الطبع ~~الرديء، وأتى بصيغة الجمع تنبيها على أن الكثرة ليست لها عنده عزة لأن ~~إهانة الجمع مستلزمة لإهانة الأفراد من غير عكس فقال: { للمصلين * } ولما ~~كان الحكم إنما هو على ذات الموضع من غير اعتبار لوصفه بالفعل علم أن ~~المقصود إنما هو من كان مكلفا بالصلاة لأن من كان متلبسا بها مثل قوله ~~صلى الله عليه وسلم # " لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار " # فلذلك وصفهم بقوله: { الذين هم } أي بضمائرهم وخالص سرائرهم. ولما كان ~~المراد تضييعهم قال: { عن } دون في { صلاتهم } أي هي جديره بأن تضاف ~~إليهم لوجوبها عليهم وإيجابها لأجل مصالحهم ومنافعهم بالتزكية وغيرها { ~~ساهون * } أي عريقون في الغفلة عنها وتضييعها وعدم المبالاة بها وقلة ~~الالتفات إليها، ويوضح ذلك أن ابن مسعود رضي الله عنه قرأ " لاهون " ~~وفائدة التعبير بالوصف الدلالة على ثبوته لهم ثبوتا يوجب أن لا يذكروها ~~من ذات أنفسهم أصلا، ولذلك كشفه بما بعده، روى البغوي أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم سئل عن الآية فقال: # " هو إضاعة الوقت " # وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: هم المنافقون يتركون الصلاة إذا ~~غابوا ويصلونها إذا حضروا مع الناس. # ولما كان من كان بهذه الصفة لا نظر له لغير الحاضر كالبهائم، قال دالا ~~على أن المراد بالسهو ههنا تضييعها عند الانفراد بالترك حسا ومعنى وعند ~~الاجتماع بالإفساد في المعنى: { الذين هم } أي بجملة سرائرهم { يرآؤن * } ~~أي بصلاتهم وغيرها يرون الناس أنهم يفعلون الخير ليراهم الناس فيروهم ~~الثناء عليهم والإحسان إليهم ولو بكف ما هم يستحقونه من السيف عنهم، لا ~~لرجاء الثواب ولا لمخوف العقاب من الله سبحانه وتعالى، ولذلك يتركون ~~الصلاة إذا غابوا عن الناس. # ولما كان من كان بهذه الصفة ربما فعل قليل الخير دون جليله رياء، بين ~~أنهم غلب عليهم الشح حتى أنهم مع كثرة الرياء منهم لم يقدروا على أن ~~يراؤوا بهذا الشيء التافه، فانسلخوا من جميع خلال المكارم، فقال إبلاغا ~~في ذمهم إشعارا بأن أحب الخلق إلى الله أنفعهم ms5713 لعياله: { ويمنعون } أي ~~على تجدد الأوقات، وحذف المفعول الأول تعمما حتى يشمل كل أحد وإن جل ~~وعظمت منزلته ولطف محله من قلوبهم تعريفا بأنهم بلغوا من الرذالة دركة ~~ليس وراءها للحسد موضع { الماعون } أي حقوق الأموال والشيء اليسير من ~~المنافع مثل إعارة التافه من متاع البيت التي جرت عادة الناس أن يتعاوروه ~~بينهم، ويمنعون أهل الحاجة ما أوجب الله لهم في أموالهم من الحقوق، ~~والحاصل أنه ينبغي حمل ذلك على منع ما يجب بذله مثل فضل الكلأ والماء ~~والزكاة ونحوه ليكون موجبا للويل، وعلى الزكاة حمله علي وابن عمر رضي ~~الله عنهما والحسن وقتادة، قال العلماء: هو مأخوذ من المعن، وهو في اللغة ~~الشيء اليسير، ولذلك فسره بعضهم بالماء وبعضهم بما يعار من المتاع نحو ~~القدر والفأس. # والدلو، وبعضهم بالزكاة لأنه لا يؤخذ من المال على وجه الزكاة إلا شيء ~~يسير جدا بالنسبة إليه، وقيل: هو كل عطية أو منفعة، وقال قطرب: هو فاعول ~~من المعن، والمعن: المعروف، وقال أبو عبيدة: الماعون في الجاهلية العطاء ~~والمنفعة وفي الإسلام الزكاة، وقال الهروي: قال ابن عباس رضي الله عنهما: ~~هو العارية - ذكر هذا الأستاذ عبد الحق الإشبيلي في كتابه الواعي، وقال ~~ابن جرير: وأصل الماعون من كل شيء منفعته. فدل ذلك على أنهم بلغوا نهاية ~~التكذيب باستهانتهم بأعظم دعائم الدين واستعظامهم لأدنى أمور الدنيا، ~~وهذا الآخر كما ترى هو الأول لأن الذي جر إليه هو التكذيب، ومن منع هذه ~~الأشياء التافهة كان جديرا بأن يمنع ورود الكوثر في يوم المحشر، وكما ~~التقى آخرها بأولها التقت السورة كلها مع مناظرتها في العدد من أول ~~القرآن، وذلك أنه قد علم أن حاصل هذه السورة الإبعاد عن سفساف الأخلاق ~~ورديها ودنيها من التكذيب بالجزاء الذي هو حكمة الوجود المثمر للإعراض عن ~~الوفاء بحق الخلائق وطاعة الخالق، والانجذاب مع النقائص إلى الاستهانة ~~بالضعيف الذي لا يستهين به إلا أنذل الناس وأرذلهم، والرياء الذي لا يلم ~~به إلا من كان في غاية الدناءة، فكان ذلك موجبا للميل ms5714 إلى أعظم الويل، ~~وفي ذلك أعظم مرغب في معالي الأخلاق التي هي أضداد ما ذكر في السورة وكلا ~~الأمرين موجود في الأنفال المناظرة لها في رد المقطع على المطلع على أتم ~~وجه، ليكون ذلك إشارة إلى أنها شارحة لهذا ففيه الإيماء إلى ملاحظتها عند ~~قراءتها، انظر إلى قوله تعالى: # الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون أولئك هم المؤمنون حقا # [الأنفال: 4] الآية # وإذا قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك # [الأنفال: 32] الآية # وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية # [الأنفال:35] # والذين كفروا إلى جهنم يحشرون # [الأنفال: 36] الآية # فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل # [الأنفال: 41] الآية ولقد انطبقت السورة بمعانيها وتراكيبها العظيمة ~~ونظومها ومبانيها على الأراذل الأدنياء الأسافل، وأحاطت برؤوسهم بعد ~~كلماتها مفردة قبل حروفها، وأدارت عليهم كؤوس حتوفها من نوافذ الرماح ~~بأيدي جنودها ومواضي سيوفها، وذلك أن عدة كلماتها خمس وعشرون كلمة فإذا ~~اعتبرتها من أول سني النبوة وازت السنة الثانية عشرة من الهجرة، وذلك ~~أواخر خلافة الصديق رضي الله عنه، وفيها لم يبق على يده أحد من المصلين ~~الذين ارتدوا عن الإسلام بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم أو منعوا ~~الزكاة، فتبين أنهم ما كانوا يصلون في حياته صلى الله عليه وسلم ويزكون ~~إلا رياء الناس فعل الأدنياء الأنجاس حتى حل بهم الويل بأيدي جنود الصديق ~~الذين جاؤوهم بالرجل والخيل فمزقوهم عن آخرهم، ولم تمض تلك السنة إلا وقد ~~فرغ منهم بالفراغ من بني حنيفة باليمامة وأطراف بلاد اليمن من أهل النجير ~~ببلاد كندة والأسود العنسي من صنعاء، وما مضت سنة ست عشرة الموازية لعدد ~~الكلمات بالبسملة - وذلك في أوائل خلافة الفاروق - حتى زالوا من جميع ~~جزيرة العرب وهم مشركو العرب ومتنصروهم ومتمجسوهم الذين كانوا بنواحي ~~العراق والشام والبحرين فأسلم أكثرهم، وذهب الباقون إلى بلاد الروم، فحل ~~الويل بالمرائين من أهل الصلاة فإنهم الذين أتى إليهم نبيهم صلى الله ~~عليه وسلم بالصلاة فأعرضوا عنها والناس لهم تبع، ولم يصح في هذه السورة ms5715 ~~اعتبار الضمائر لأن الدين في هذا الحد كان قد ظهر على كل ظاهر، إلى حد لا ~~إضمار فيه بوجه ولا عائق له ولا ساتر، وكما أنه لا حاجة إلى الرمز ~~بالضمائر، لما دقت له في الخافقين من البشائر، على رؤوس المنابر ~~والمنائر، فكذلك لم يناسب بعد الوصول إلى هذا الحال المكشوف، للإيماء ~~بالدلالة بإعداد الحروف - والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ### | [108 - سورة الكوثر] ### || [108.1-3] # لما كانت سورة الدين بإفصاحها ناهية عن مساوىء الأخلاق، كانت بإفهامها ~~داعية إلى معالي الشيم، فجاءت الكوثر لذلك، وكانت الدين قد ختمت بأبخل ~~البخلاء وأدنى الخلائق: المنع تنفيرا من البخل ومما جره من التكذيب، ~~فابتدئت الكوثر بأجود الجود. العطاء لأشرف الخلائق ترغيبا فيه وندبا ~~إليه، فكان كأنه قيل: أنت يا خير الخلق غير متلبس بشيء مما نهت عنه تلك ~~المختتمة بمنع الماعون: { إنا } بما لنا من العظمة وأكد لأجل تكذيبهم: { ~~أعطيناك } أي خولناك مع التمكين العظيم، ولم يقل: آتيناك، لأن الإيتاء ~~أصله الإحضار وإن اشتهر في معنى الإعطاء { الكوثر * } الذي هو من جملة ~~الجود على المصدقين بيوم الدين. # ولما كان كثير الرئيس أكثر من كثير غيره، فكيف بالملك فكيف بملك الملوك، ~~فكيف إذا أخرجه في صيغة مبالغة فكيف إذا كان في مظهر العظمه، فكيف إذا ~~بنيت الصيغة على الواو الذي له العلو والغلبة فكيف إذا أتت إثر الفتحة ~~التي لها من ذلك مثل ذلك بل أعظم، كان المعنى: أفضنا عليك وأبحناك من كل ~~شيء من الأعيان والمعاني من العلم والعمل وغيرهما من معادن الدارين ~~ومعاونهما الخير الذي لا غاية له، فلا يدخل تحت الوصف، فأغنيناك عن أن ~~تؤثر بذلك أو توفر مالك بجلب نفع أو دفع ضر، ومنه النهر الذي في الجنة ~~ويسقي المؤمنين من الحوض الممدود منه في المحشر الذي مثاله في الدنيا ~~شريعته صلى الله عليه وسلم التي عراها وأسبابها عدد النجوم الذين هم ~~علماء أمته المقتدى بهم، فقد اجتمع لك الغبطتان: أشرف العطاء من أكرم ~~المعطين وأعظمهم. # وقال الإمام أبو جعفر بن ms5716 الزبير: لما نهى عباده عما يلتذ به من أراد ~~الدنيا وزينتها من الإكثار والكبر والتعزز بالمال والجاه وطلب الدنيا، ~~أتبع ذلك بما منح نبيه مما هو خير مما يجمعون، وهو الكوثر وهو الخير ~~الكثير، ومنه الحوض الذي ترده أمته في القيامة، لا يظمأ من شرب منه، ومنه ~~مقامه المحمود الذي يحمده فيه الأولون والآخرون عند شفاعته العامة للخلق ~~وإراحتهم من هول الموقف، ومن هذا الخير ما قدم له في دنياه من تحليل ~~الغنائم والنصر بالرعب والخلق العظيم إلى ما لا يحصى من خيري الدنيا ~~والآخرة مما بعض ذلك خير من الدنيا وما فيها إذ لا تعدل الدنيا وما فيها ~~واحدة من هذه العطايا # قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون # [يونس: 58] ومن الكوثر والخير الذي أعطاه الله كتابه المبين، الجامع ~~لعقل الأولين والآخرين، والشفاء لما في الصدور. # ولما كمل له سبحانه من النعم ما لا يأتي عليه حصر مما لا يناسب أدناه ~~نعيم الدنيا بجملتها، قال مبينا له منبها على عظيم ما أعطاه # لا تمدن عينيك إلى ما متعنا # [الحجر: 88] إلى قوله { ورزق ربك خير وأبقى } فقد اضمحل في جانب نعمة ~~الكوثر الذي أوتي كل ما ذكره الله تعالى في الكتاب من نعيم أهل الدنيا ~~وتمكن من تمكن منهم، وهذا أحد موجبات تأخير هذه السورة، فلم يقع بعدها ~~ذكر شيء من نعيم الدنيا ولا ذكر أحد من المتنعمين بها لانقضاء هذا الغرض ~~وتمامه، وسورة الدين آخر ما تضمن الإشارة إلى شيء من ذلك كما تقدم من ~~تمهيد إشاراتها، وتبين بهذا وجه تعقيبها بها - والله تعالى أعلم - انتهى. # ولما أعطاه ما فرغه به للعبادة وأكسبه غنى لا حاجة معه، سبب عنه قوله ~~آمرا بما هو جامع لمجامع الشكر: { فصل } أي بقطع العلائق من الخلائق ~~بالوقوف بين يدي الله في حضرة المراقبة شكرا لإحسان المنعم خلافا ~~للساهي عنها والمرائي فيها. # ولما أتى بمظهر العظمة لتكثير العطاء فتسبب عنه الأمر بما للملك من ~~العلو، وكان أمره صلى الله عليه وسلم ms5717 تكوينيا لا إباء معه، وقع الالتفات ~~إلى صفة الإحسان المقتضي للترغيب والإقبال لما يفيد من التحبيب، مع ~~التصريح بالتوحيد، وإفادة أن العبادة لا تقع إلا شكرا فقال تعالى: { ~~لربك } أي المحسن إليك بذلك سرا وعلنا مراغما من شئت فلا سبيل لأحد ~~عليك { وانحر * } أي أنفق له الكوثر من المال على المحاويج خلافا لم ~~يدعهم ويمنعهم الماعون لأن النحر أفضل نفقات العرب لأن الجزور الواحد ~~يغني مائة مسكين، وإذا أطلق العرب المال انصرف إلى الإبل، ولذا عبر عن ~~هذا المراد بالنحر ليفهم الزجر عما كانوا يفعلونه من الذبح للأوثان، ومن ~~معناه أيضا أظهر الذل والمسكنة والخشوع في الصلاة بوضع اليمنى على ~~اليسرى تحت النحر هيئة الذليل الخاضع، وقد قابل في هذا أربعا من سورة ~~الدين بأربع، وهي البخل بالإعطاء، وإضاعة الصلاة بالأمر بها، والرياء ~~بالتخصيص بالرب، ومنع الزكاة بالنحر. # ولما أمره باستغراق الزمان في عبادة الخالق، والإحسان إلى الخلائق بأعلى ~~الخلائق، علله بما حاصله أنه لا شاغل له ولا حاجة أصلا تلم به فقال: { ~~إن شانئك } أي مبغضك والمتبرىء منك والمستهين بك مع ما أوتيت من الجمال، ~~والخصال الفاضلة والكمال { هو } أي خاصة { الأبتر * } أي المقطوع من أصله ~~والمقطوع النسل والمعدم والمنقطع الخير والبركة والذكر، لا يعقبه من يقوم ~~بأمره ويذكر به وإن جمع المال، وفرغ بدنه لكل جمال، وأنت الموصول الأمر، ~~النابه الذكر، المرفوع القدر، فلا تلتفت إليهم بوجه من الوجوه، فإنهم أقل ~~من أن يبالي بهم من يفرغ نفسه للفوز بالمثول في حضراتنا الشريفة، ~~والافتخار بالعكوف في أبوابنا العالية المنيفة، لك ما أنت عليه، ولهم ما ~~هم فيه، فالآية الأخيرة النتيجة لأن من الكوثر علو أمره وأمر محبيه ~~وأتباعه في ملكوت السماء والأرض ونهر الجنة وسفول شأن عدوه فيهما، فقد ~~التف كما ترى مفصلها بموصلها، وعرف آخرها من أولها، وعرف أن وسطاها ~~كالحدود الوسطى معانقة للأولى بكونها من ثمارها، ومتصلة بالأخرى لأنها من ~~غايات مضمارها، وقد صدق الله ومن أصدق من الله قيلا، لم يبق لأحد من ~~مبغضيه ذكر ms5718 بولد ولا تابع، ولا يوجد لهم شاكر ولا مادح ولا رافع، وأما هو ~~صلى الله عليه وسلم فقد ملأت ذريته من فاطمة الزهراء الأرض، وهم الأشرف ~~مع مبالغة الملوك في قتلهم، وإخلاء الأرض من نسلهم، خوفا من شرفهم ~~العالي على شرفهم، ورفعتهم بالتواضع الغالب لصلفهم، وإذا راجعت آية # ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله # [الأحزاب: 40] من الأحزاب علمت أن توفي بنيه عليهم السلام قبله من إعلاء ~~قدره ومزيد تشريفه بتوحيد ذكره، وأما اتباعه فقد استولوا على أكثر الأرض ~~وهم أولو الفرقان، والعلم الباهر والعرفان، ويؤخذ منها أن من فرغ نفسه ~~لربه أهلك عدوه وكفاه كل واحد منهم، وقد علم أن حاصل هذه السورة المن ~~عليه صلى الله عليه وسلم بالخير العظيم الذي من جملته النهر الماد من ~~الجنة في المحشر المورود لمن اتبعه، الممنوع ممن تأبى عنه وقطعه، وأمره ~~بالصلاة والنحر للتوسعة على المحاويج، والبشارة بقطع دابر أعدائه ونصر ~~جماعة أوليائه، كما أن من مقاصد الأعراف المناظرة لها في رد المقطع على ~~المطلع تهديد الظالمين بالإهلاك في قوله # وكم من قرية أهلكناها # [الأعراف: 4]، وتصوير ذلك بذكر مصارع الماضين لمخالفتهم الرسل عليهم ~~الصلاة والسلام والأمر بالصلاة وستر العورة وما يقصد بالنحر بقوله: # خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا # الآيات [الأعراف: 31]، وذكر من يمنح ماء الجنة ومن يمنعه بقوله تعالى: # ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أو أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم ~~الله # الآيات [الأعراف: 50]، وقوله تعالى: # ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم ~~بآياتنا يؤمنون الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا ~~عندهم # [الأعراف: 157] هذا ما يتعلق بتفسير تراكبيها وجملها، وتأويل تفاصيلها ~~ومجملها، وكذا نظيرتها في مبادىء أمرها ومكملها، ثم إن هذه السورة عشر ~~كلمات في الكتابة إشارة إلى أن تمام بتر شانئه يكون مع تمام السنة ~~العاشرة من الهجرة، وكذا كان، لم تمض السنة الحادية عشر من الهجرة وفي ~~جزيرة العرب إلا من يرى أشرف أحواله بذل نفسه وماله ms5719 في حبه، وإذا أضفنا ~~إليها الضميرين المستترين كانت اثنتا عشرة، وفي السنة الثانية عشرة من ~~النبوة بايعه صلى الله عليه وسلم الأنصار على منابذة الكفار، وإذا أضيف ~~إلى العشرة الضمائر البارزة الخمسة كانت خمس عشرة، فتكون إشارة إنه صلى ~~الله عليه وسلم عند تمام السنة الخامسة عشر من نبوته يبسط يده العالية ~~لبتر أعدائه وكذا كان في وقعة بدر الرفيعة القدر، ففي ضمائر الاستتار ~~كانت البيعة وهي مستترة، وفي الضمائر البارزة كانت بدر وهي مشتهرة، وإذا ~~أضيف إلى ذلك الضميران المستتران كانت سبع عشرة، وفي السنة السابعة عشرة ~~من نبوته كانت غزوة بدر الموعد، وفى فيها النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالوعد في الإتيان إلى بدر للقاء قريش للقتال ومقارعة الأبطال، فآذنهم ~~الله فلم يأتوا، وإنما اعتبر ما بعد الهجرة من أحوال النبوة عندما عدت ~~الكلمات الخطية العشر لكونها أقوى أحوال النبوة كما أن الكلمات الخطية ~~أقوى من الضمائر وإن اشترك الكل في اسم الكلمات، فلذلك أخذ تمام البتر ~~للشانىء وهو ما كان في السنة الحادية عشرة من هلاك أهل الردة وثبات العرب ~~في صفة الإسلام، ولما ضمت الضمائر البارزة الخمسة - التي هي أقرب من ~~المستترة - إلى الكلمات الخطية وأضعف من الكلمات الخطية اعتبر من أول ~~السورة لمناسبة ما كان من ضعف الحال فيما كان قبل الهجرة، فوازى ذلك ~~السنة الثانية من الهجرة التي كانت فيها غزوة بدر الكبرى، وهي وإن كانت ~~من العظم على أمر بالغ جدا لكنها كانت على وجه مخالف للقياس، فإن حال ~~الصحابة رضي الله عنهم كان فيها في غاية الضعف، ولكونها أول ما وقع فيه ~~النصر من الغزوات لم تكن نفوس المخالفين مذعنة لأن ما بعدها يكون مثلها، ~~فإذا ضم إلى ذلك الضميران المستتران - وهما أضعف من البارز - انطبق العدد ~~على سنة غزوة بدر الموعد في سنة أربع، وهي وإن كانت قوية لكون قريش ضعفوا ~~عن اللقاء لكن كان حالها أضعف من بدر التي وقع فيها القتال وأستر، وكون ~~كلماتها الخطية والاصطلاحية التي هي أبعاض ms5720 الكلمات الخطية سبع عشرة مؤذن ~~بأن الأمر في { فصل } مصوب بالذات بالقصد الأول إلى الصلوات الخمس التي ~~هي سبع عشرة ركعة، وأن من ثابر عليها كان مصليا خارجا من عهدة الأمر، ~~فإذا قصدت في السفر بما اقتضته صفة التربية بالإحسان نقصت بقدر عدة ~~الضمائر سوى الذي وفى الأمر بها لأن الأمر الناشىء عن مظهر العظمة لا ~~يليق فيه التخفيف بنفسه كلمة الأمر، وإذا أضفنا إليها كلمات البسملة ~~الأربعة كان لها أسرار كبرى من جهة أخرى، وذلك أن الكلمات الخطية تكون ~~أربع عشرة إشارة إلى أن ابتداء البتر للأضداد يكون بالقوة القريبة من ~~الفعل بالتهييء له في السنة الرابعة عشرة من النبوة، وذلك عام الهجرة، ~~فإذا أضفنا إليها الضمائر البارزة التي هي أقرب إلى الكلمات الخطية وهي ~~خمسة كانت تسع عشرة، وفي السنة التاسعة عشرة من النبوة وهي السادسة من ~~الهجرة كان الفتح المبين على الشانئين الذي أنزل الله فيه سورة الفتح، ~~فإذا أضفنا إليها الضميرين المستترين كانت إحدى وعشرين وهي سنة ثمان من ~~الهجرة سنة الفتح الأكبر الذي عم العلم فيه بأن الشانىء هو الأبتر، وإذا ~~اعتبرت حروفها المتلفظ بها كانت أربعة وأربعين حرفا، فإذا ناظرتها ~~بالسنين من أول حين النبوة كان آخرها سنة إحدى وثلاثين من الهجرة، وهي ~~سنة البتر الأعظم لشانئه الأكبر الذي مزق كتابه، وكان مالكا لبلاد ~~اليمن، وهو قدر كبير من بلاد العرب وكذا لغيرهم مما قارب بلاده، وكانت ~~قريش تجعله من عدادهم كما مضى بيانه في سورة الروم وهو كسرى ملك الفرس، ~~ففيها كان انقراض ملكهم بقتل آخر ملوكهم يزدجرد، كما أنك إذا اعتبرت ~~كلماتها الخطية مع الضمائر البارزة التي هي كلمات اصطلاحية دون ما استتر ~~- فإن وجوب استتاره منع من عده - كانت تسع عشرة كلمة، فإن اعتبرت بها ما ~~بعد الهجرة وازت وقت موت قيصر طاغية الروم في سنة تسع عشرة من الهجرة ~~أهلكه الله، وقد تجهز إلى قتال العرب بالإسكندرية بنفسه، وأمر ألا يتخلف ~~عنه أحد من الروم فكسر الله بموته شوكة الروم، ms5721 واستأسدت العرب عند ذلك، ~~فكانت الأحرف مشيرة إلى بتر الشانىء من الفرس، والكلمات مشيرة إلى بتر ~~الشانىء من الروم والفرس أولى بإشارة الأحرف لأنهم ليسوا بذوي علم، ~~والروم بالكلمات لأنهم أهل علم، والكلمات أقرب إلى العلم، وإذا اعتبرت ~~أحرف البسملة اللفظية كانت ثمانية عشر حرفا، فإذا جعلتها سنين من أول ~~النبوة كان آخرها سنة خمس من الهجرة، وفيها كانت غزوة الأحزاب، قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم بعد انصرافهم منها # " الآن نغزوهم ولا يغزونا " # فهو أول أخذ الشانىء في الانبتار، وإذا اعتبرت الأحرف بحسب الرسم كانت ~~تسعة عشر آخرها سنة ست، وهي عمرة الحديبية سنة الفتح السببي وهو الصلح ~~الذي نزلت فيه سورة الفتح وسماه الله فتحا، وقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " إنه أعظم الفتح " # فكان سبب الفتح الأعظم بخلطة الكفار لأهل الإسلام بالصلح، فأسرعوا إلى ~~الإسلام بالدخول فيه لما رأوا من محاسن الدين وإعجاز القرآن، فكانوا يوم ~~الفتح عشرة آلاف بعد أن كانوا قبل ذلك بسنتين يوم الحديبية ألفا ~~وأربعمائة - والله الموفق، هذا يسير من أسرار هذه السورة وقد علم منه من ~~إعجازها ما يشرح الخواطر ويبهج النواظر، لأنه يفوق حسنا على الرياض ~~النواضر، وعلم أيضا جنون الخبيث المسخرة مسيلمة الكذاب - عليه اللعنة ~~والتباب، وله سوء المنقلب والمآب، حيث قال في معارضتها: إنا أعطيناك ~~الجماهر، فصل لربك وهاجر، إنا كفيناك المكابر أو المجاهر، لأنه كلام، مع ~~أنه قصير المدى، ركيك اللحمة والسدى، غريق الساحة والفنا في الهلك ~~والفنا، ليس فيه غنى، بل كله نصب وعنا، هلهل النسج رث القوى، منفصم ~~العرى، مخلخل الأرجا، فاسد المعنى والبنا، سافل الألفاظ مر الجنى، لأن ~~العلل منافية للمعلولات، والشوامل منافرة للمشمولات، ثم رأيت في دلائل ~~الإعجاز للإمام عبد القاهر الجرجاني أن الوسطى من قال: العاهر وجاهر فإن ~~كان بالدين لم يمنع الصدح بالباطل، وذلك لا يرضى به عاقل، وإن كان بالحرب ~~كان على النصف لكل من تدبر فعرف، ولا نص فيه على الغلب بمطلوبيه، ولا طلب ~~مع نقص الجود على كل تقدير، ms5722 الذي هو المقصود للغني والفقير، والمأمور ~~والأمير، هذا مع الإغارة على الأسلوب والحذو على المعهود غير محاذ # في القصاص حياة # [البقرة: 179] في إسقاط " القتل أنفى للقتل " بالرشاقة مع الوجازة، ~~والعذوبة مع البلاغة، في إصابة حاق المعنى بما يقود إلى السماح بالنفس، ~~ويحمل على المبادرة إلى امتثال الأمر، والأولى من سخيف عقل الخسيف، ~~وأكله؟ إلى الخلق مع نقصان المعنى السار للإسرار والأخرى مهملة لذوي ~~الشبه والستر مع ما فاتها من قصر الخسار وخصوص التبار إلى ما حوت من بيان ~~الكذب البتار للأعمار المخرب للديار تصديقا للنبي صلى الله عليه وسلم ~~البار بأيدي صحابته الأخيار، إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار - فسبحان من ~~علا فعلا كلامه كل كلام والسلام والحمد لله على كل حال. ### | [109 - سورة الكافرون] ### || [109.1-6] # لما أخبره في الكوثر أن العريق في شنآنه عدم، وجب أن يعرض عنه ويقبل ~~بكليته على من أنعم عليه بذلك، فقال معلما له ما يقول ويفعل: { قل } ~~ولما كان شائنه أعرق الخلق في الضلال والبعد من الخير، قال مناديا له ~~بأداة البعد وإن كان حاضرا معبرا بالوصف المؤذن بالرسوخ: { يا أيها ~~الكافرون } أي الذين قد حكم بثباتهم على الكفر فلا انفكاك لهم عنه فستروا ~~ما تدل عليه عقولهم من الاعتقاد الحق لو جردوها من أدناس الحظ، وهم كفرة ~~مخصوصون وهم من حكم بموته على الكفر بما طابقه من الواقع، وبما دل عليه ~~التعبير بالوصف دون الفعل، واستغرقت اللام كل من كان على هذا الوصف في كل ~~مكان وكل زمان، وإنما عبر بالجمع الذي هو أصل في القلة وقد يستعار للكثرة ~~إشارة إلى البشارة بقلة المطبوع على قلبه من العرب المخاطبين بهذا في ~~حياته صلى الله عليه وسلم وإشارة إلى حقارة الكافر وذلته وإن كان كثيرا ~~- كما يشير إليه جعل كل كلمة منها بحرف من الكوثر كما سيأتي، وفي ~~مناداتهم بهذا الوصف الذي يسترذلونه في بلدتهم ومحل عزهم وحميتهم إيذان ~~بأنه محروس منهم علما من أعلام النبوة. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما انقضى ms5723 ذكر الفريقين المتردد ذكرهما ~~في الكتاب العزيز من أوله إلى آخره على اختلاف أحوال كل فريق وشتى ~~درجاتهم، وأعني بالفريقين من أشير إليه في قوله سبحانه وتعالى: { اهدنا ~~الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم } فهذا طريق أحد الفريقين، وفي ~~قوله: { غير المغضوب عليهم ولا الضالين } إشارة إلى طريق من كان في الطرف ~~الآخر من حال أولئك الفريق إذ ليس إلا طريق السلامة أو طريق الهلاك # فريق في الجنة وفريق في السعير # [الشورى: 7] # فمنكم كافر ومنكم مؤمن # [التغابن: 2] والسالكون طريق السلامة فأعلى درجاتهم مقامات الرسل ~~والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ثم يليهم أتباعهم من صالحي العباد ~~وعلمائهم العاملين وعبادهم وأهل الخصوص منهم والقرب من أحوال من تنسك ~~منهم، ورتبتهم مختلفة وإن جمعهم جامع وهو قوله: { فريق في الجنة } وأما ~~أهل التنكب عن هذا الطريق وهم الهالكون فعلى طبقات أيضا، ويضم جميعهم ~~طريق واحد فكيفما تشعبت الطرق فإلى ما ذكر من الطريقين مرجعهما، وباختلاف ~~سبل الجميع عرفت آي الكتاب وفصلت، ذكر كله تفصيلا لا يبقى معه ارتياب ~~لمن وفق، فلما انتهى ذلك كله بما يتعلق به، وتداولت بيانه الآي من لدن ~~قوله بعد أم القرآن # هدى للمتقين # [البقرة: 2] إلى قوله: { إن شانئك هو الأبتر } أتبع ذلك بالتفاصيل ~~والتسجيل فقال تعالى: { قل يا أيها الكافرون } فبين سبحانه أن من قضي ~~عليه بالكفر والوفاة عليه لا سبيل له إلى خروجه عن ذلك، ولا يقع منه ~~الإيمان أبدا # ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ~~ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله # [الأنعام: 111] ولو أنهم بعد عذاب الآخرة ومعاينة العذاب والبعث وعظيم ~~تلك الأهوال وسؤالهم الرجوع إلى الدنيا وقولهم: # ربنا فارجعنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل # [السجدة: 12] فلو أجيبوا إلى هذا ورجعوا لعادوا إلى حالهم الأول # ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه # [الأنعام: 128] تصديقا لكلمة الله وإحكاما لسابق قدره # أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار # [الزمر:19] فقال لهم: { لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما ms5724 أعبد } ~~إلى آخرها، فبان أمر الفريقين وارتفع الإشكال، واستمر كل على طريقه # فلا تذهب نفسك عليهم حسرات # [فاطر: 8] # إن عليك إلا البلاغ # [الشورى: 48] فتأمل موقع هذه السورة وأنها الخاتمة لما قصد في الكتاب ~~يلح لك وجه تأخيرها - والله أعلم - انتهى. # ولما كان القصد إعلامهم بالبراءة منهم من كل وجه، وأنه لا يبالي بهم ~~بوجه لأنه محفوظ منهم، قال مؤذنا بصدق خبره تعالى آخر الكوثر من حيث إنه ~~مع الجزم بالمنابذة لا يستطيعون له نوع مكابدة نافذة، بادئا بالبراءة من ~~جهته لأنها الأهم: { لا أعبد } أي الآن ولا في مستقبل الزمان لأن { لا } ~~للمستقبل و { ما } للحال، كذا قالوا، وظاهر عبارة سيبويه في قوله: { لن } ~~نفي لقوله { سيفعل } { ولا } لقوله: { يفعل } ، ولم يقع: أنها تقع ~~للمضارع الذي لم يقع سواء كان في غاية القرب من الحال أم لا، كما نقلته ~~عنه في أول البقرة عند # ولن تفعلوا # [البقرة: 24] على أن نطقنا بهذا الكلام لا يكاد يتحقق حتى يمضي زمن ~~فيصير مستقبلا، فلذا عبر ب " لا " دون " ما " بشارة بأنه سبحانه يثبته ~~على الصراط المستقيم، ولا يظفرهم به - علما من أعلام النبوة. # ولما كان في معبوداتهم ما لا يعقل، وكان المقصود تحقير كل ما عبدوه سوى ~~الله، عبر ب " ما " فقال: { ما تعبدون * } أي الآن وفي آتي الزمان من ~~دون الله من المعبودات الظاهرة والباطنة بوجه من وجوه العبادة في سر ولا ~~علن لأنه لا يصلح للعبادة بوجه. # ولما بدأ بما هو الأحق بالبداءة وهو البراءة من الشرك، والطهارة من وضر ~~الإفك، لأنه من درء المفاسد، فأبلغ في ذلك بما هو الحقيق بحاله صلى الله ~~عليه وسلم، وكانوا هم يعبدون الله تعالى على وجه الإشراك، وكانت العبادة ~~مع الشرك غير معتد بها بوجه، نفى عبادتهم له في الجملة الاسمية الدالة ~~على الثبات لا في الفعلية الدالة على نفي كل قليل وكثير من حيث إن الفعل ~~نكرة في سياق النفي فقال: { ولا أنتم عابدون } أي عبادة معتدا بها بحيث ~~يكون أهلا لأن تكون ms5725 وصفا ثابتا. # ولما كانوا لا نزاع لهم في أن معبوده عالم، وكانت " ما " صالحة للإطلاق ~~عليه سبحانه وتعالى، عبر فيه أيضا بها لأن ذلك - مع أنه لا ضرر فيه - ~~أقرب إلى الإنصاف، فهو أدعى إلى عدم المراء أو الخلاف - فقال: { ما أعبد ~~* } أي الآن وما بعده لأن معبودي - وله العلم التام والقدرة الشاملة - ~~أبعدكم عنه فلا مطمع في الوفاق بيننا. # ولما كان ما نفى عن النبي صلى الله عليه وسلم لا يدخل فيه الماضي، وكان ~~عدم المشاركة بوجه من الوجوه في زمن من الأزمان أدل على البراءة وأقعد في ~~دوام الاستهانة، وكانوا يعدون سكوته صلى الله عليه وسلم عنهم فيما قبل ~~النبوة عبادة، وكانوا غير مقتصرين على عبادة أصنامهم التي اتخذوها، بل ~~إذا خرجوا من الحرم فنزلوا منزلا نظروا لهم حجرا ليستحسنوه فيعبدونه، ~~فإن لم يروا حجرا جمعوا شيئا من تراب وحلبوا عليه شيئا من لبن وعبدوه ~~ما داموا في ذلك المنزل، وكان ذلك من أشد ما يعاب به من جهة عدم الشباب ~~وأنه لا معبود لهم معين، قال منبها على ذلك كله: { ولا أنا عابد } أي ~~متصف بعبادة { ما عبدتم * } أي فيما سلف، لم يصح وصفي قط بعبادة ذلك من ~~أول زمانكم إلى ساعاتنا هذه، فكيف ترجون ذلك مني وأنا لم أفعله ولا قبل ~~النبوة ولا كان من شأني قط. # ولما كان هو صلى الله عليه وسلم ثابتا على إله واحد لم يعبد غيره ولم ~~يلتفت يوما لفت سواه، وكان قد انتفى عنه بالجملتين هذه الماضية التي أول ~~السورة أن يعبد باطلهم حالا أو مآلا، وأن يكون عبده قبل ذلك، وكان ربما ~~ظن ظان أن النفي عنهم إنما هو لعبادة معبوده في الحال، نفى ذلك في ~~الاستقبال أيضا علما من أعلام النبوة مع تأكيد ما أفادته الجملة ~~الماضية جريا على مناهيج العرب في التأكيد قطعا لآمالهم منه على أتم ~~وجه وآكده لأنه على وجه لا يقدرون عليه لما تفيده كل جملة مع التأكيد من ~~فائدة جديدة مهمة، فقال: { ولا ms5726 أنتم عابدون } أي عبادة هي لكم وصف معتد ~~به في الحال أو الاستقبال. # ولما لم يكن قبل البعث مشهورا عندهم بعبادة الله سبحانه وتعالى، عبر ~~بما لا يتوجه لهم إليه إنكار، وهو المضارع الذي ظاهره الحال أو الاستقبال ~~مرادا به ما يشمل الماضي لما ذكر أبو حيان وغيره في سورة الحج عند # إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله # [الحج: 25] من أنه يطلق المضارع مرادا به مجرد إيقاع الفعل من غير نظر ~~إلى زمان معين، فقال: { ما أعبد * } أي وجدت مني عبادته واتصفت بها الآن ~~وفي ماضي الزمان ومستقبله اتصافا يعتد به. # ولما كان ذلك كله، وبدأ النفي في الجمل السابقة بالمنسوب إليه صلى الله ~~عليه وسلم إيذانا بالاهتمام ببراءته منهم، أنتج قطعا مقدما لما يتعلق ~~بهم على وجه اختصاصهم به تأكيدا لما صرح به ما مضى من براءته منهم: { ~~لكم } أي خاصة { دينكم } أي الذي تعلمون أنه لا أصل له يثبت عليه، ولا ~~دليل يرجع بوجه إليه، لا أشارككم فيه بوجه ولا ترجعون عنه بوجه بل تموتون ~~عليه موتا لبعضكم حتف الأنف والآخرين قتلا على يدي بالسيف { ولي } أي ~~خاصة { دين * } من واسع روضة الإسلام إلى أعلى مقام: مقام الإيقان ~~والإحسان، وأنتم تعلمون - لو جردتم عقولكم عن الهوى وأخلصتم أفكاركم من ~~الحمية والإبا - أنه كله دليل وفرقان ونور وحجة وبرهان، لا تشاركونني فيه ~~بوجه، ولا تقدرون على ردي عنه أصلا، فكانت هذه علما من أعلام النبوة ~~من حيث إنه مات منهم ناس كثير بعد ذلك على الكفر وأتم الله له هذا الدين، ~~فصدق سبحانه فيما قال، وثبت مضمون الكوثر بأكمل استدلال، وأما من آمن بعد ~~ذلك فليس مرادا لأنه لم يكن عريقا في وصف الكفران، ولا راسخا في ~~الضلال والطغيان، فأسعده وصف الإسلام والإيمان، وساق الجمل كلها غير مؤكد ~~إشارة إلى أنها من الوضوح في حد لا خفاء به أصلا، ولا شك أن آخرها الذي ~~هو اختصاص كل بدينه هو أولها الذي أفاد أنه لا يعبد معبودهم ولا يعبدون ms5727 ~~معبوده فصار آخرها أولها، ومفصلها موصلها - هذا هو الذي دل عليه السياق، ~~وليس فيه إذن في الكفر ولا منع عن الجهاد ليحتاج إلى نسخ، ومن أعظم ~~الدلائل إعجازها وجمعها للمعاني في إشارتها وإيجازها أن حاصلها قطع رجاء ~~أهل الكفران من أن يقاربهم النبي صلى الله عليه وسلم في أن يعدل بربه ~~أحدا في زمن من الأزمان، وذلك من أعظم مقاصد المناظرة لها في رد الآخر ~~على أول الأنعام لأنها السادسة في العد من الأول، كما أن هذه السادسة في ~~العد من الآخر # أغير الله اتخذ وليا # [الأنعام: 14] # أفغير الله ابتغي حكما # [الأنعام: 114] # أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء # [الأنعام: 164] إلى غير ذلك من الآيات، والفواصل والغايات، هذا ما يتعلق ~~بمعاني تراكيبها ونظومها على ما هي عليه وتراتيبها وسياقاتها وأساليبها، ~~وكلماتها الخطية سبع وعشرون إلى أربع كلمات البسملة إحدى وثلاثون إلى ~~أربعة ضمائر مستترة خمس وثلاثون إلى تسعة بارزة، فتلك أربع وأربعون كلمة ~~الضمائر منها ثلاثة عشر هي مدة الإقامة بمكة المشرفة قبل الهجرة لأنها في ~~الخفاء كالضمائر في خزائن السرائر، ولا سيما الأربع الأول منها الموازية ~~لضمائر الاستتار وغير الضمائر إحدى وثلاثون المناظر لها من السنين سنة ~~إحدى وثلاثين، وهي سنة قتل يزدجرد ملك الفرس أكفر الكفرة من أهل ذلك ~~الزمان وأعتاهم، وموافقة كلماتها في العدة لأحرف الكوثر مشيرة إلى أن ~~اليسير من أتباعه صلى الله عليه وسلم أكثر وأكبر من كثير شانئيه وأضداده ~~وحاسديه، وقد دل على ذلك شاهد الوجوه في يوم الفتح والمسلمون عشرة آلاف، ~~والكفار من قريش وممن حولهم لا يحصون كثرة، وقد كان فعلهم في ذلك اليوم ~~ما شهد به اعتذار حماس الذي كان يعد امرأته أن يخدمها بعض المسلمين في ~~قوله وقد فر هاربا ولم يستطع أن يغلق وراءه، بل قال لها: أغلقي بابي، ~~فقالت له: أين ما كانت تعدني به؟ فقال: # إنك لو شهدت يوم الخندمه # إذ فر صفوان وفر عكرمه # واستقبلتهم بالسيوف المسلمه # يقطعن كل ساعد وجمجمه # ضربا فلا يسمع إلا ms5728 غمغمه # بهم تهيب خلفنا وهمهمه # لم تنطقي باللوم أدنى كلمه # هذا مع أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أوصاهم ألا يقاتلوا إلا من ~~بدأهم بالقتال. وهذا مع ما كان من أهل الإسلام حين قصدهم الكفار يوم ~~الخندق والمشركون في عشرة آلاف وهم لا يبلغون ربعهم ولا مدد لهم ممن ~~حولهم ولا ناصر إلا الله، بل جاءتهم الأعداء - كما قال الله تعالى: # من فوقهم ومن أسفل منهم # [ الأحزاب: 10] # وما زادهم إلا إيمانا وتسليما # [الأحزاب: 22] وإلى هذا أيضا أشار بلوغ عدد كلمات النصر خطيها ~~واصطلاحيها ظاهرها ومستترها إلى عدد كلمات الكافرون الخطية، فذلك رمز إلى ~~أن أضعف أهل الإسلام لا يضعف عن مقاومة أهل الكفر وأرسخهم في كل صفة ~~يريدها - والله هو الموفق. ### | [110 - سورة النصر] ### || [110.1-3] # لما دلت التي قبلها على أن الكفار قد صاروا إلى حال لا عبرة بهم فيه ولا ~~التفات ولا خوف بوجه منهم ما دام الحال على المتاركة، كان كأنه قيل: فهل ~~يحصل نصر عليهم وظفر بهم بالمعاركة، فأجاب بهذه السورة بشارة للمؤمنين ~~ونذارة للكافرين، ولكنه لما لم يكن هذا بالفعل إلا عام حجة الوداع بعد ~~فتح مكة بسنتين كان كأنه لم يستقر الفتح إلا حينئذ، فلم ينزل سبحانه ~~وتعالى هذه السورة إلا في ذلك الوقت وقبل منصرفه من غزوة حنين، فقال ~~تعالى تحقيقا لأنه ينصر المظلوم ويعلي دينه ويمهل ولا يهمل، فإنه لا ~~يعجزه شيء، حثا على التفويض له والاكتفاء به، مقدما معمول " سبح " ~~تعجيلا للبشارة: { إذا }. # ولما كانت المقدرات متوجهة من الأزل إلى أوقاتها المعينة لها، يسوقها ~~إليها سائق القدرة، فتقرب منها شيئا فشيئا، كانت كأنها آتية إليها، ~~فلذلك حصل التجوز بالمجيء عن الحصول فقال: { جاء } أي استقر وثبت في ~~المستقبل بمجيء وقته المضروب له في الأزل، وزاد في تعظيمه بالإضافة ثم ~~بكونها اسم الذات فقال: { نصر الله } أي الملك الأعظم الذي لا مثل له ولا ~~أمر لأحد معه على جميع الناس في كل أمر يريده. # ولما كان للنصر درجات، وكان قد أشار سبحانه ms5729 بمطلق الإضافة إليه ثم ~~بكونها إلى الاسم الأعظم إلى أن المراد أعلاها، صرح به فقال: { والفتح * ~~} أي المطلق الصالح لكل فتح الذي نزلت فيه سورته بالحديبية مبشرة له ~~بغلبة حزبه الذين أنت قائدهم وهاديهم ومرشدهم، لا سيما على مكة التي بها ~~بيته ومنها ظهر دينه، وبها كان أصله، وفيها استقر عموده، وعز جنوده، فذل ~~بذلك جميع العرب، وقالوا: لا طاقة لنا بمن أظفره الله بأهل الحرم، فعزوا ~~بهذا الذل حتى كان ببعضهم تمام هذا الفتح، ويكون بهم كلهم فتح جميع ~~البلاد، وللإشارة إلى الغلبة على جميع الأمم ساقه تعالى في أسلوب الشرط، ~~ولتحققها عبر عنه ب { إذا } إعلاما بأنه لا يخلف الوعد ولا ينقص ما ~~قدره وإن توهمت العقول أنه فات وقته، وإيذانا بأن القلوب بيده يقلبها ~~كيف يشاء ليحصل لمن علم ذلك الإخلاص والخوف والرجاء، فأشعرت العبارة بأن ~~الوقت قد قرب، فكان المعنى: فكن مترقبا لوروده ومستعدا لشكره. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما كمل دينه واتضحت شريعته واستقر ~~أمره صلى الله عليه وسلم وأدى أمانة رسالته حق أدائها عرف عليه صلى الله ~~عليه الصلاة والسلام نفاد عمره وانقضاء أجله، وجعلت له على ذلك علامة ~~دخول الناس في دين الله جماعات بعد التوقف والتثبط # حكمة بالغة فما تغني النذر # [القمر: 5] # لو شاء الله لجمعهم على الهدى # [الأنعام: 35] وأمر بالإكثار من الاستغفار المشروع في أعقاب المجالس وفي ~~أطراف النهار وخواتم المآخذ مما عسى أن يتخلل من لغو أو فتور، فشرع ~~سبحانه وتعالى الاستغفار ليحرز لعباده من حفظ أحوالهم ورعي أوقاتهم ما ~~يفي بعلي أجورهم كما وعدهم # وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته # [الأنعام: 115] وقد بسطت ما أشارت إليه هذه السورة العظيمة - وكل كلام ~~ربنا عظيم - فيما قيدته في غير هذا، وأن أبا بكر رضي الله عنه عرف منها ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نعيت إليه نفسه الكريمة على ربه وعرف ~~بدنو أجله، وقد أشار إلى هذا الغرض أيضا بأبعد من الواقع في هذه السورة ~~قوله ms5730 تعالى: # اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا # [المائدة: 3] وسورة براءة وأفعاله عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع ~~لكن لم يبلغنا استشعار أحد من الصحابة رضي الله عنهم تعيين الأمر إلا من ~~هذه السورة. وقد عرفت بإشارة براءة وآية المائدة تعريفا شافيا، واستشعر ~~الناس عام حجة الوداع وعند نزول براءة ذلك لكن لم يستيقنوه وغلبوا رجاءهم ~~في حياته صلى الله عليه وسلم، ومنهم من توفي، فلما نزلت { إذا جاء نصر ~~الله والفتح } استيقن أبو بكر رضي الله عنه ذلك استيقانا حمله على ~~البكاء لما قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم - انتهى. # ولما عبر عن المعنى بالمجيء، عبر عن المرئي بالرؤية فقال: { ورأيت } أي ~~بعينيك { الناس } أي العرب الذين كانوا حقيرين عند جميع الأمم، فصاروا بك ~~هم الناس - كما دلت عليه لام الكمال، وصار سائر أهل الأرض لهم أتباعا، ~~وبالنسبة إليهم رعايا، حال كونهم { يدخلون } شيئا فشيئا متجددا ~~دخولهم مستمرا { في دين الله } أي شرع من لم تزل كلمته هي العليا في حال ~~إباء الخلق - بقهره لهم على الكفر الذي لا يرضاه لنفسه عاقل - ترك ~~الحظوظ، وفي حال طواعيتهم بقسره لهم على الطاعة، وعبر عنه بالدين الذين ~~معناه الجزاء لأن العرب كانوا لا يعتقدون القيامة التي لا يتم ظهور ~~الجزاء إلا بها { أفواجا * } أي قبائل قبائل وزمرا زمرا وجماعات كثيفة ~~كالقبيلة بأسرها أمة بعد أمة كأهل مكة والطائف وهوازن وهمدان وسائر ~~القبائل من غير قتال في خفة وسرعة ومفاجأة ولين بعد دخولهم واحدا واحدا ~~ونحو ذلك لأنهم قالوا: أما إذا ظفر بأهل الحرم وقد كان الله أجارهم من ~~أصحاب الفيل الذين لم يقدر أحد على ردهم فليس لنا بهم يدان. فتبين أن هذا ~~القياس المنتج هذه النتيجة البديهية بقصة أصحاب الفيل ما رتبه الله إلا ~~إرهاصا لنبوته وتأسيسا لدعوته فألقوا بأيديهم، وأسلموا قيادهم حاضرهم ~~وباديهم. # ولما كان التقدير: فقد سبح الله نفسه بالحمد بإبعاد نجس الشرك عن جزيرة ~~العرب بالفعل، قال إيذانا بأنه منزه عن النقائص ms5731 التي منها إخلاف الوعد، ~~وأن له مع ذلك الجلال والجمال، معبرا بما يفيد التعجب لزيادة التعظيم ~~للمتعجب منه ليثمر ذلك الإجلال والتعظيم والتذلل والتقبل لجميع الأوامر، ~~ويفهم أمره تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم بالاشتغال بخاصة نفسه بدنو ~~أجله، وأن اشتغاله بالناس قد انتهى، لأن الدين قد كمل فلم يبق له صلى ~~الله عليه وسلم شغل في دار الكدر: { فسبح } أي نزه أنت بقولك وفعلك ~~بالصلاة وغيرها موافقة لمولاك فيما فعل، وزد في جميع أنواع العبادة، ~~تسبيحا متلبسا { بحمد } أي بكمال وإجلال وتعظيم { ربك } أي الذي أنجز ~~لك الوعد بإكمال الدين وقمع المعتدين، المحسن إليك بجميع ذلك، لأنه كله ~~لكرامتك، وإلا فهو عزيز حميد على كل حال، تعجبا لتيسير الله من هذا ~~الفتح مما لم يخطر بالبال، وشكرا لما أنعم به سبحانه وتعالى عليه من أنه ~~أراه تمام ما أرسل لأجله، ولأن كل حسنة يعملها أتباعه له مثلها. # ولما أمره صلى الله عليه وسلم بتنزيهه عن كل نقص، ووصفه تنزلا عن غيب ~~الغيب إلى الغيب بكل كمال مضافا إلى الرب تدليا إلى مشاهدة الأفعال، ~~وصل إلى نهاية التنزل من الخالق إلى المخلوق مخاطبا لأعلى الخلائق كلهم ~~فأمره بما يفهم العجز عن الوفاء بحقه لما له من العظمة المشار إليها ~~بذكره مرتين بالاسم الأعظم الذي له من الدلائل على العظم والعلو إلى محل ~~الغيب الذي لا مطمع في دركه ما تنقطع الأعناق دونه ليفهم عجز غيره من باب ~~الأولى، فقال معلما بأن من كماله أن يأخذ بالذنب إن شاء ويغفر إن شاء ~~وإن عظم الذنب، ليحث ذلك على المبادرة إلى التوبة وتكثير الحسنات وحسن ~~الرجاء: { واستغفره } أي اطلب غفرانه إنه كان غفارا إيذانا بأنه لا ~~يقدر أحد أن يقدره حق قدره كما أشار إلى ذلك الاستغفار عقب الصلاة التي ~~هي أعظم العبادات لتقتدي بك أمتك في المواظبة على الأمان الثاني لهم، فإن ~~الأمان الأول - الذي هو وجودك بين أظهرهم قد دنا رجوعه إلى معدنه في ~~الرفيق الأعلى والمحل الأقدس الأولى، وكذا ms5732 فعل صلى الله عليه وسلم - كان ~~يقول: # " سبحانك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك " # ودخل يوم الفتح مكة مطأطئا رأسه حتى إنه ليكاد يمس واسطة الرحل تواضعا ~~لله سبحانه وتعالى إعلاما لأصحابه رضوان الله تعالى عليهم أجمعين أن ما ~~وقع إنما هو بحول الله، لا بكثرة مع معه من الجمع، وإنما جعلهم سببا ~~لطفا منه بهم، ولذلك نبه من ظن منهم أو هجس في خاطره أن للجمع مدخلا ~~بما وقع من الهزيمة في حنين أولا، وما وقع بعد من النصرة بمن ثبت مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم وهم لا يبلغون ثلاثين نفسا ثانيا، فالتسبيح ~~الذي هو تنزيه عن النقص إشارة إلى إكماله الدين تحقيقا لما كان تقدم به ~~وعده الشريف. # والاستغفار إشارة إلى أن عبادته صلى الله عليه وسلم التي هي أعظم ~~العبادات قد شارفت الانقضاء، ولا يكون ذلك إلا بالموت، فلذلك أمر ~~بالاستغفار لأنه يكون في خاتمة المجالس والأعمال جبرا لما لعله وقع فيها ~~على نوع من الوهن واعترافا بذل العبودية والعجز. # ولما أمر بذلك فأرشد السياق إلى أن التقدير: وتب إليه، علله مؤكدا لأجل ~~استبعاد من يستبعد مضمون ذلك من رجوع الناس في الردة ومن غيره بقوله: { ~~إنه } أي المحسن إليك غاية الإحسان بخلافته لك في أمتك، ويجوز أن يكون ~~التأكيد لأجل دلالة ما تقدم من ذكر الجلالة مرتين على غاية العظمة والفوت ~~عن الإدراك بالاحتجاب بإرادته الكبرياء والعز والتجبر والقهر مع أن ~~المألوف أن من كان على شيء من ذلك كان بحيث لا يقبل عذرا ولا يقبل ~~نادما { كان } أي لم يزل على التجدد والاستمرار { توابا * } أي رجاعا ~~بمن هذب به الشيطان من أهل رحمته فهو، الذي رجع بأنصارك عما كانوا عليه ~~من الاجتماع على الكفر والاختلاف والعداوات فأيدك بدخولهم في الدين شيئا ~~فشيئا حتى أسرع بهم بعد سورة الفتح إلى أن دخلت مكة في عشرة آلاف، وهو ~~أيضا يرجع بك إلى الحال التي يزداد بها ظهور رفعتك في الرفيق الأعلى ~~ويرجع عن ms5733 تخلخل من أمتك في دينه بردة أو معصية دون ذلك إلى ما كان عليه ~~من الخير، ويسير بهم أحسن سير، فقد رجع آخر السورة إلى أولها لأنه لولا ~~تحقق وصفه بالتوبة لما وجد الناصر الذي وجد به الفتح والتحم مقطعها أي ~~التحام بمطلعها، وعلم أن كل جملة منها مسببة عما قبلها، فتوبة الله على ~~عبده نتيجة توبته باستغفاره الذي هو طلب المغفرة بشروطه، وذلك ثمرة ~~اعتقاده الكمال في ربه، وذلك ما دل عليه إعلاؤه لدينه، وقسره للداخلين ~~فيه على الدخول مع أنهم أشد الناس شكائم وأعلاهم همما وعزائم، وقد كانوا ~~في غاية الإباء له والمغالبة للقائم به، وذلك هو فائدة الفتح هو آية ~~النصر، وقد علم أن الآية الأخيرة من الاحتباك: دل بالأمر بالاستغفار على ~~الأمر بالتوبة، وبتعليل الأمر بالتوبة على تعليل الأمر بالاستغفار، وعلم ~~أن السورة أشارة إلى وفاته صلى الله عليه وسلم بالحث على الاستغفار الذي ~~هو الأمان الثاني، ومن شأنه أن تختم به الأعمال والمجالس بعد ما أشار ~~إليه إعلامها بظهور الدين على الدين كله ونزولها في أوسط أيام التشريق من ~~حجته عليه أفضل الصلاة والسلام سنة عشر كما ذكرته في كتابي " مصاعد النظر ~~للإشراف على مقاصد السور " وكتابي " الاطلاع على حجة الوداع " وذلك بعد ~~نزول آية المائدة - التي هي نظيرتها في رد المقطع على المطلع - في يوم ~~عرفة # اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا # [المائدة: 3] ومن المعلوم أنه لا يكون في هذه الدار كمال إلا بعده ~~نقصان، ولذلك سماها النبي صلى الله عليه وسلم حجة الوداع وخطب الناس ~~فيها، فعلمهم أمور دينهم وأشهدهم على أنفسهم وأشهد الله عليهم بأنه ~~بلغهم، وودعهم وقال: لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا، وأشار إلى ذلك ~~أيضا بالتوبة وإلى وقوع الردة بعده صلى الله عليه وسلم ورجوع من ارتد ~~إلى أحسن ما كانوا عليه من اعتقادهم في الدين وثباتهم عليه بقتل من كان ~~مطبوعا على الكفر المشار إليهم بقوله تعالى: # ولو أسمعهم # [الأنفال:23] - أي ms5734 إسماع قهر وغلبة وقسر - # لتولوا وهم معرضون # [الأنفال: 23] فكان وجودهم ضررا صرفا من غير منفعة وقتلهم نفعا لا ~~ضرر فيه بوجه، ولأجل إفهامها حلول الأجل للإيذان بالتمام بكى العباس رضي ~~الله تعالى عنه - وفي رواية: ولده عبد الله - عند نزولها فسأله النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال: # " نعيت إليك نفسك " # فقال: إنه لكما تقول. كما بكى عمر رضي الله عنه عند نزول آية المائدة، ~~وعلل بهذا - والله الهادي، وقد ظهر بهذا أن حاصلها الإيذان بكمال الدين ~~ودنو الوفاة لخاتم النبيين، والنصر على جميع الظالمين الطاغين الباغين، ~~وذلك من أعظم مقاصد المائدة، المناظرة لهذه في التطبيق بين البادئة ~~والعائدة، كما أشار إليه قوله تعالى: # اليوم أكملت لكم دينكم # [الأنعام: 3] وقوله تعالى: # ومن يتولى الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون # [المائدة: 56] وقوله تعالى: # لله ملك السماوات والأرض وما فيهن وهو على كل شيء قدير # [المائدة: 120] ومن أعظم لطائف هذه السورة ودقيق بدائعها ولطيف منازعها ~~أن كلماتها تدل بأعدادها على أمور جليلة وأسرار جميلة، فإنها تسع عشرة ~~كلمة، وقد كان في سنة تسع عشرة من الهجرة موت قيصر طاغية الروم، وذلك أن ~~عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه لما فتح الإسكندرية قال قيصر: لئن ~~غلبونا على الإسكندرية لقد هلكت الروم، فتجهز ليباشر قتالهم بنفسه، ~~فعندما فرغ من جهازه صرعه الله فمات وكفى الله المسلمين شره، وذل الروم ~~بذلك ذلا كبيرا، واستأسدت العرب، وفي هذه السنة أيضا فتح الله قيسارية ~~من بلاد الشام فلم يبق بالشام أقصاها وأدناها عدو، وفرح المسلمون بذلك ~~فرحا شديدا، وكان فيها أيضا فتح جلولاء، من بلاد فارس، وكان فتحها ~~يسمى فتح الفتوح، لأن الفرس لم ينجبروا بعده، هذا إن عددنا ما يوازي ~~كلماتها من سنة الهجرة، وإن عددنا من سنة نزول السورة في سنة عشر فقد ~~فتحت سنة تسع وعشرين من الهجرة - وهي التاسعة عشرة من نزولها - مدينة ~~اصطخر، واشتد ضعف الفرس، وأمر ملكهم يزدجرد واجتهاده في الهرب من العرب ~~حتى قتل سنة إحدى وثلاثين ms5735 من الهجرة بعد ذلك بسنتين، وذلك هو العد ~~الموازي لعد كلماتها ظواهر وضمائر مع كلمات البسملة، وإذا نظرت إلى ما ~~هنا من هذا وطبقت بينه وبين ما ذكر في سورة الفتح من مثله زاد عجبك من ~~باهر هذه الآيات - والله الموفق، ثم إنك إذا اعتبرت اعتبارا آخر وجدت ~~هذه السورة كا دلت بجملتها على انقضاء زمن النبوة بموت النبي صلى الله ~~عليه وسلم دلت بمفردات كلماتها على انقضاء خلافة النبوة لتمام ثلاثين سنة ~~كما قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو داود والترمذي والنسائي ~~وابن حبان في صحيحه عن سفينة مولى النبي صلى الله عليه وسلم ورضي عنه # " خلافة النبوة ثلاثون، ثم يؤتي الله الملك من يشاء " # وذلك أنك إذا عددت كلماتها مع البسملة كانت باعتبار الرسم ثلاثا وعشرين ~~كلمة، وذلك مشيرا إلى انقضاء الخلافة التي لم تكن قط خلافة مثلها، وهي ~~خلافة الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه باستشهاده في ذي الحجة سنة ~~ثلاثة وعشرين من الهجرة، فإذا ضممت إلى ذلك الضمائر البارزة وهي خمسة، ~~والمستترة وهي ثلاثة، فكانت أحدا وثلاثين، وحسبت من حين نزول السورة على ~~النبي صلى الله عليه وسلم في ذي الحجة سنة عشر كان ذلك مشيرا إلى انقضاء ~~خلافة النبوة كلها بإصلاح أمير المؤمنين الحسن بن علي رضي الله عنهما في ~~شهر ربيع الأول سنة إحدى وأربعين، وذلك عند مضي ثلاثين سنة من موت النبي ~~صلى الله عليه وسلم في شهر ربيع الأول سنة عشر من الهجرة لا تزيد شهرا ~~ولا تنقصه، وإن أخذت الضمائر وحدها بارزها ومستترها دلت على فتح مكة ~~المشرفة بعينه، فإنها - كما مضى - ثمانية وقد كان الفتح سنة ثمان من ~~الهجرة، ومن لطائف الأسرار وبدائع الأنظار أنها تدل على السنين بحسب ~~التفصيل، فالبارز يدل على سنة النصر والظهور على قريش لأنهم المقصودون ~~بالذات لأن العرب لهم تبع، والمستتر يدل على ضد ذلك، وشرح هذا أنه لما ~~كانت قد خفقت في السنة الأولى من الهجرة رايات الإسلام في كل ms5736 وجه، ~~وانتشرت أسده في كل صوب، وانبثت سراياه في كل قطر، أشار إليها التاء في { ~~ورأيت } التي هي ضميره صلى الله عليه وسلم إشارة إلى ما يختص بفهمه من ~~البشارة. ولما كان في السنة الثانية بغزوة بدر من واضح الظفر وعظيم النصر ~~ما هد قلوب الكفار، وشد قلوب الأنصار في سائر الأمصار، وأعلى لهم القدر، ~~أشار إلى ذلك واو { يدخلون } ، ولما حصل في السنة الثالثة ما لم يخف من ~~المصيبة في غزوة أحد التي ربما أوهمت بعض من لم يرسخ نقصا، أشار إلى ذلك ~~الضمير المستتر في { فسبح } ، ولما كان الخبر في الرابعة بأجلاء بني ~~النضير وإخلاف قريش للوعد في بدر جبنا وعجزا حيث وفى النبي صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه رضي الله تعالى عنهم شجاعة وقوة بحول الله وانقلبوا، ~~منها بنعمة من الله وفضل لم يمسهم سوء، أشار إلى ذلك الكاف في { ربك } ~~ولما كان في الخامسة غزوة الأحزاب أشار إليها المستتر في { واستغفره } ~~ولما كان في السادسة عمرة الحديبية التي سماها النبي صلى الله عليه وسلم ~~فتحا، أنزل الله فيها سورة الفتح لكونها كانت سببا للفتح، فكان ذلك ~~علما من أعلام النبوة، ولبعث النبي صلى الله عليه وسلم فيها إلى الملوك ~~يدعوهم إلى الله تعالى أشار إلى ذلك الضمير البازر في { واستغفره } وأكد ~~قوته كونه للرب تعالى، ولما كان في السابعة غزوة خيبر وعمرة القضاء أشار ~~إليها الضمير الظاهر في { إنه } ولما كان ضمير { كان } لله، وكان له ~~سبحانه حضرتان: حضرة غيب وبطون، وحضرة شهادة وظهور، وكانت حضرة الغيب هي ~~حضرة الجلال والكبرياء والعظمة والتعالي، وحضرة الشهادة حضرة التنزل ~~بالأفعال والاستعطاف بالأقوال، كانت الحضرتان للنصر، وكانت حضرة الغيب ~~أعظمهما نصرا وأشدهما أزرا، فلذلك كان ضمير الاستتار دالا على الفتح ~~الأكبر بالانتصار على السكان والديار بسطوة الواحد القهار، على أنا إذا ~~نظرنا إليه من حيث كونه جائز البروز كان البارز فله حكمه - فسبحان من شمل ~~علمه، ودقت حكمته فنفذ حكمه. ### | [111 - سورة المسد] ### || [111.1-5] # لما قدم سبحانه وتعالى في ms5737 سورة النصر القطع بتحقيق النصر لأهل هذا الدين ~~بعد ما كانوا فيه من الذلة، والأمر الحتم بتكثيرهم بعد الذي مر عليهم مع ~~الذلة من القلة، وختمها بأنه التواب، وكان أبو لهب - من شدة العناد لهذا ~~الدين والأذى لإمامة النبي صلى الله عليه وسلم سيد العالمين مع قربه منه ~~- بالمحل الذي لا يجهل، بل شاع واشتهر، وأحرق الأكباد وصهر، كان بحيث ~~يسأل عن حاله إذ ذاك هل يثبت عليه أو يذل، فشفى غل هذا السؤال، وأزيل ~~بما يكون له من النكال، وليكون ذلك بعد وقوع الفتح ونزول الظفر والنصر، ~~والإظهار على الأعداء بالعز والقهر، مذكرا له صلى الله عليه وسلم بما ~~كان أول الأمر من جبروتهم وأذاهم وقوتهم بالعدد والعدد، وأنه لم يغن ~~عنهم شيء من ذلك، بل صدق الله وعده في قوله سبحانه وتعالى # قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جنهم وبئس المهاد # [آل عمران: 12] وكذبوا فيما كانوا فيه من التعاضد والتناصر والتحالف ~~والتعاقد، فذكر تعالى أعداهم له وأقربهم إليه في النسب إشارة إلى أنه لا ~~فرق في تكذيبه لهم بين القريب والبعيد. وإلى أنه لم ينفعه قربه له ليكون ~~ذلك حاملا لأهل الدين على الاجتهاد في العمل من غير ركون إلى سبب أو نسب ~~غير ما شرعه سبحانه، فقال تعالى معبرا بالماضي دلالة على أن الأمر قد ~~قضى بذلك وفرغ منه، فلا بد من كونه ولا محيص: { تبت } أي حصل القطع ~~الأعظم والحتم الأكمل، فإنها خابت وخسرت غاية الخسارة، وهي المؤدية إلى ~~الهلاك لأنه لا نجاة إلا نجاة الآخرة، وجعل خطاب هذه السورة عن الله ولم ~~يفتتحها ب " قل " كأخواتها لأن هذا أكثر أدبا وأدخل في باب العذر وأولى ~~في مراعاة ذوي الرحم، ولذلك لم يكرر ذكرها في القرآن، وأشد في انتصار ~~الله سبحانه وتعالى له صلى الله عليه وسلم وأقرب إلى التخويف وتجويز سرعة ~~الوقوع. # ولما كانت اليد محل قدرة الإنسان، فإذا اختلت اختل أمره، فكيف إذا حصل ~~الخلل في يديه جميعا، قال مشيرا بالتثنية إلى عموم هلاكه ms5738 بأن قوته لم ~~تغن عنه شيئا، ولأن التثنية يعبر بها عن النفس، ومشيرا بالكنية وإن كان ~~يؤتى بها غالبا للتشريف إلى مطابقة اسمه لحاله، ومجانسته الموجبة لعظيم ~~نكاله: { يدا أبي لهب } فلا قدرة له على إعطاء ولا منع، ولا على جلب ولا ~~دفع، وإشارة إلى أن حسن صورته لم تغن عنه شيئا من قيبح سيرته لقوله صلى ~~الله عليه وسلم # " إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا أموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم ~~" # لأنه إنما كني بهذا لإشراق وجهه وتوقد وجنتيه، ولأنها أشهر، فالبيان بها ~~أقوى وأظهر، والتعبير بها - مع كونه أوضح - أقعد في قول التي هي أحسن. ~~لأن اسمه عبد العزى وهو قبيح موجب للعدول عنه غيرة على العبودية أن تضاف ~~إلى غير مستحقها. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: هذه السورة وإن نزلت على سبب خاص وفي ~~قصة معلومة فهي مع ما تقدمها واتصل بها في قوة أن لو قيل: قد انقضى عمرك ~~يا محمد، وانتهى ما قلدته من عظيم أمانة الرسالة أمرك، وأديت ما تحملته ~~وحان أجلك، وأمارة ذلك دخول الناس في دين الله أفواجا، واستجابتهم بعد ~~تلكؤهم، والويل لمن عاندك وعدل عن متابعتك وإن كان أقرب الناس إليك. فقد ~~فصلت سورة { قل يا أيها الكافرون } بين أوليائك وأعدائك، وبان بها حكم من ~~اتبعك من عاداك، ولهذا سماها عليه الصلاة والسلام المبرئة من النفاق، ~~وليعلم كفار قريش وغيرهم أنه لا اعتصام لأحد من النار إلا بالإيمان، وأن ~~القرابات غير نافعه ولا مجدية شيئا إلا مع الإيمان { لكم دينك ولي دين } # أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون # [يونس: 41]، # والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض # [التوبة: 71] وههنا انتهى الكتاب بجملته - انتهى. # ولما كان ربما خص التباب بالهلاك، وحمل على هلاك اليدين حقيقة، وكان ~~الإنسان لا يزول جميع منفعته بفوات يديه وإن كان قد يعبر بهما عن النفس، ~~قال مصرحا بالمقصود: { وتب } أي هو بجملته بتمام الهلاك والخسران، فحقق ~~بهذا ما أريد من الإسناد إلى اليدين من الكناية عن ms5739 الهلاك الذي لا بقاء ~~بعده، والظاهر أن الأول دعاء والثاني خبر، وعرف بهذا أن الانتماء إلى ~~الصالحين لا يغني إلا إن وقع الاقتداء بهم في أفعالهم لأنه عم النبي صلى ~~الله عليه وسلم. # ومادة " تب " و " بت " - الجامعة بجمع التاء والباء للسببين الأدنى ~~الباطني والأعلى الظاهري - تدور على القطع المؤدي في أغلب أحواله إلى ~~الهلاك، لأن من انقطع إلى الأسباب معرضا عن مسببها كان في أعظم تباب، ~~وربما كان القطع باستجماع الأسباب، فحصل العوز بالمقاصد والمحاب، قال ~~ابن مكتوم في الجمع بين المحكم والعباب: التب والتباب: الخسار، وتبا له ~~- على الدعاء، وتبا تبيبا - على المبالغة، قال الإمام أبو عبد الله ~~القزاز: كأنك قلت: خسرانا له، وهو المصدر، نصب نصب سقيا له، قال ابن ~~دريد: وكأن التب المصدر والتباب الاسم، والتبب والتباب والتبيب: الهلاك، ~~والتتبيب النقص والخسار، وكل هذا واضح في القطع عن الخير والفوز، قال: ~~والتاب: الكبير من الرجال، والأنثى تابة، وقال القزاز: إذا سألت الرجل ~~عن المرأة قلت: أشابة هي أم تابة، أي أم عجوز فانية، ومعلوم أن كبر السن ~~مقرب من القطع والهلاك، والتاب: الضعيف، والجمع أتباب - هذلية، وحمار تاب ~~الظهر - إذا دبر، وجمل تاب كذلك نادرة، ولا شك أن الدبر والضعف هلاك في ~~المعنى. # وتب: قطع مثل بت، أي بتقديم الموحدة ووقعوا في تبوب منكرة، وهو بتبة أي ~~بحالة شديدة، والتبي - بالفتح والكسر: ضرب من تمر البحرين، قيل: هو رديء ~~يأكله سقاط الناس، وأتب الله قوته: أضعفها، وتببوهم تتبيبا: أهلكوهم، ~~وتبتب: شاخ، وكل ذلك واضح في القطع بالهلاك والخسار، والتبوب يعني بالضم: ~~ما انطوت عليه الأضلاع كالصدر والقلب، وهذا يحتمل الخير والشر، فإن القلب ~~إذا فسد فسد الجسد كله، وإذا صلح صلح الجسد كله، فيكون حينئذ القطع، ~~بالفوز والنجاة، أو لأن انطواء الأضلاع عليه قطعة عن الخارج، واستتب ~~الأمر: تهيأ واستوى. وقال القزاز: ويقال: هذه العلة لا تستتب في نظار هذا ~~القول، أي لا تجري في نظائره، كأنه من باب الإزالة إذ إن السين لما جامعت ~~حرف ms5740 السببين آذنت بالنجاح والفوز والفلاح، فإنها حرف تدل على الاستيفاء ~~في الإنباء عن الشيء والتتمة والألفة، وأحسن من هذا أنها إذا جرت في ~~النظائر أوضحتها وكشفت معانيها ففصلتها وأبانتها وقطعتها عن غير النظائر ~~بما أزالت من الإلباس بها، والذي يحقق معاني التب ويظهر أنه يؤول إلى ~~القطع مقلوبه، وهو البت - بتقديم الموحدة التي هي السبب الظاهر الذي هو ~~أقوى من حيث إنه لا يتحقق إلا بكمال السبب الباطني، يقال: بت الشيء يبته ~~بتا، وأبته: قطعه قطعا مستأصلا، وبت هو يبت وبيت بتا وانبت، ولعله ~~استوى فيه المجرد والمزيد في التعدية دلالة على أن ما حصل بالمجرد من ~~القطع هو من الكمال بحيث لا مزيد عليه، وكذا استوى القاصر مجردا ~~ومطاوعا مع المتعدي في أصل المعنى. وصدقه بتة: بتلة باينة من صاحبها، ~~وطلقها ثلاثا بتة وإبتاتا، أي قطعا لا عود فيه، ولا أفعله البتة - ~~كأنه قطع فعله، قال سيبويه: وقالوا: قعد البتة - مصدر مؤكد، ولا يستعمل ~~إلا بالألف واللام، وبت عليه القضاء بتا وأبته: قطعه، وسكران ما يبت ~~كلاما وما يبت أي ما يقطعه، قال القزاز: يبت من أبت، ويبت من بت، ~~وسكران بات: منقطع عن العمل بالسكر، وأبت يمينه: أمضاها، أي قطعها عن ~~الحنث، وبتت هي: وجبت وحلت بتا وبتة وبتاتا، وكل ذلك من القطع، وأبت ~~بعيره، أي قطعه بالسير، والمنبت في الحديث: الذي أتعب دابته حتى عطب ظهره ~~فبقي منقطعا به، وقال القزاز: هو الذي أتعب دابته حتى قطع ظهرها فبقي ~~منبتا به، أي منقطعا به، وبت عليه الشهادة وأبتها: قطع عليه بها وألزمه ~~إياها، وبت عليه القضاء وأبته، قطعه، والبات: المهزول الذي لا يقدر أن ~~يقوم - كأنه قد انقطعت قوته، وفي الحديث # " لا صيام لمن لم يبت الصيام من الليل " # فمعناه: يوجبه، أي يقطعه على نفسه قبل الفجر، من أبت عليه الحكم - إذا ~~قطعه، وروي: يبت، من بت - إذا قطع، وكلاهما بمعنى، وهما لغتان فصيحان. ~~وروي في حديث # " من لم يبت " # من البيات، وأحمق بات: شديد الحمق - كذا ms5741 قاله الليث، وقال الأزهري: هو ~~تاب - بتأخير الموحدة، والبت: كساء غليظ مهلهل مربع أخضر، وقيل: هو من ~~وبر وصوف، والجمع بتوت، والبتات أي بالتخفيف: متاع البيت والزاد، كأن ذلك ~~يقطع صاحبه عن الحاجة، وبتتوه: زودوه، أو أن ذلك من الإزالة لأنه صلة ~~لصاحبه ورفد لأن الاستقراء حاصل بأن كل مادة لها معنى غالب تدور عليه ~~وفيها شيء لإزالة ذلك المعنى، وفلان على بتات أمر - إذا أشرف على فراغه، ~~فإنه ينقطع حينئذ، وتقول: طحنت بالرحى بتا - إذا ابتدأت الإدارة عن ~~يسارك، كأنه دال على القطع بتمام العزيمة لأن ذلك أقوى للطاحن وأمكن، ~~وانبت الرجل: انقطع ماء ظهره، ويقال: هذا حبل بت: إذا كان طاقا واحدا، ~~كأنه لما كان كذلك فكان سهل القطع أطلق عليه القطع مبالغة مثل عدل، وقد ~~انبت فلان عن فلان - إذا انقطع وانقبض. # ولما أوقع سبحانه الإخبار بهلاكه على هذا الوجه المؤكد لما كان لصاحب ~~القصة وغيره من الكفار من التكذيب بلسان حاله وقاله لما له من المال ~~والولد، وما هو فيه من القوة بالعدد والعدد، زاد الأمر تحققا إعلاما ~~بأن الأحوال الدنيوية لا غناء لها فقال مخبرا، أو مستفهما منكرا { ما ~~أغنى } أي أجزى وناب وسد { عنه } أي عن أبي لهب الشقي الطريد المبعود عن ~~الرحمة مع العذاب { ماله } أي الكثير الذي جرت العادة بأنه ينجي من ~~الهلاك. # ولما كان الكسب أعم من المال، وكان المال قد يكسب منافع هي أعظم منه من ~~الجاه وغيره، وكان الإنسان قد يكون فائزا ولا مال له بأمور أثلها بسعيه ~~خارجة عن المال، قال مفيدا لذلك مبينا أنه لا ينفع إلا ما أمر الله به ~~{ وما كسب * } أي وإن كان ذلك على وجه هائل من الولد والأصحاب والعز ~~بعشيرته التي كان يرضيها باتباع النبي صلى الله عليه وسلم في المحافل ~~يؤذيه ويكذبه وينهى الناس عن تصديقه مع أنه كان قبل ذلك يناديه بالصادق ~~الأمين، وكان ابنه عتبة شديد الأذى للنبي صلى الله عليه وسلم حتى قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم ms5742 # " اللهم سلط عليه كلبا من كلابك " # فكان أبو لهب يعرف أن هذه الدعوة لا بد أن تدركه، فلما حان الأمر وكان ~~قد آن ما أراد صاحب العز الشامخ، سبب له أن سافر إلى الشام فأوصى به أبوه ~~الرفاق لينجوه رغم من هذه الدعوة، فكانوا يحدقون به إذا نام ليكون وسطهم، ~~والحمول محيطة به وهم محيطون بها والركاب محيطة بهم، فلم ينفعه ذلك بل ~~جاء الأسد فتشمم الناس حتى وصل إليه فاقتلع رأسه ولم ينفع أباه ذلك، بل ~~استمر على ضلاله لما سبق في علم الله تعالى حتى كانت وقعة بدر فلم يخرج ~~فيها فلما جاء الفلال كان منهم ابن أخيه أبو سفيان بن الحارث فقال: هلم ~~يا ابن أخي فعندك الخبر: فقال نعم! فوالله ما هو إلا أن لقيناهم فمنحناهم ~~أكتافنا يفتلوننا كيف شاؤوا ويأسروننا كيف شاؤوا، ومع ذلك والله مللت ~~الناس لقينا رجالا بيضا على خيل بلق بين السماء والأرض ما تليق شيئا - ~~أي ما تبقيه - ولا يقوم لها شيء، قال أبو رافع غلام العباس بن عبد المطلب ~~رضي الله عنه وكان جالسا في حجرة في المسجد يبري نبلا، وكان الإسلام قد ~~دخلنا أهل البيت وكنا نكتم إسلامنا، فما ملكت نفسي أن قلت: تلك والله ~~الملائكة، قال: فرفع أبو لهب يده فضرب وجهي ضربة شديدة، قال: وثاورته ~~فاحتملني فضرب بي الأرض ثم برك علي يضربني وكنت رجلا ضعيفا، فقامت أم ~~الفضل - يعني سيدته - زوجة العباس رضي الله عنها إلى عمود الحجرة - أي ~~الخيمة - فضربته به ضربة فلقت في رأسه شجة منكرة وقالت: استضعفته أي عدو ~~الله إن غاب عنه سيده، فقام موليا ذليلا فوالله ما عاش إلا سبع ليال أو ~~ستا حتى رماه الله بالعدسة فقتله وما نفعه إبعاده عن الخطر بتخلفه عن ~~بدر، والعدسة بثرة تشبه العدسة تخرج في مواضع من الجسد من جنس الطاعون ~~تقتل غالبا، قال القزاز: كانت تعدي في الجاهلية قلما يسلم منها أحد، ~~تقول: عدس الرجل فهو معدوس، كما تقول: طعن فهو مطعون - إذا ms5743 أصابه الطاعون ~~- انتهى. # ولأجل تشاؤم العرب بها ترك أبو لهب من غير دفن ثلاثا حتى أنتن ثم ~~استأجروا بعض السودان حتى دفنوه، ويقال: إنهم حفروا له حفرة بعيدة عنه من ~~شدة نتنه ثم دفعوه بخشب طوال حتى رموه فيها ورجموه بالحجارة والتراب من ~~بعيد حتى طموه، فكان ذلك سنة في رجمه فهو يرجم إلى الآن، وذلك من أول ~~إعجاز هذه الآيات أن كان سبة في العرب دون أن يغني عنه شيء مما يظن أنه ~~يغني عنه. # ولما أخبر سبحانه وتعالى بوقوع هذا التبار الأعظم به، وكان لا عذاب ~~يداني عذاب الآخرة، بينه بقوله: { سيصلى } أي عن قرب بوعد لا خلف فيه { ~~نارا } أي فيدس فيها وتنعطف عليه وتحيط به. # ولما كان المقصود شدة نكايته بأشد ما يكون من الحرارة كما أحرق أكباد ~~الأولياء، وكانت النار قد تكون جمرا ثم تنطفىء عن قرب قال: { ذات لهب * ~~} أي لا تسكن ولا تخمد أبدا لأن ذلك مدلول الصحبة المعبر عنها ب " ذات ~~" ، وذلك بعد موته وليس في السورة دليل قاطع على أنه لا يؤمن لجواز أن ~~يكون الصلي على الفسق، فلا دليل فيها لمن يقول: إن فيها التكليف بما علم ~~أنه محال ليكون قد كلف بأن يؤمن وقد علم أنه حكم بأنه لا يؤمن، وإن كان ~~الله قد حقق هذا الخبر بموته كافرا في الثانية من الهجرة عقب غزوة بدر ~~وهي الخامسة عشرة من النبوة، لكن ما عرف تحتم كفره إلا بموته كافرا لا ~~بشيء في هذه السورة ولا غيرها، ومن الغرائب أن الكلمات المتعلقة به في ~~هذه السورة خمس عشرة كلمة، فكانت مشيرة إلى سنة موته بعد أن رأى تبابه في ~~وقعة بدر وغيرها بعينه، فإذا ضممنا إليها كلمات البسملة الأربع وازت سنة ~~ست من الهجرة، وهي سنة عمرة الحديبية سنة الفتح السببي التي تحقق فيها ~~تبابه وخساره عند كل من عنده إيمان بالغيب ودفع للريب، فإذا ضممت إليها ~~الضميرين البارزين اللذين هما أقرب إلى الكلمات الاصطلاحية من المستترة ~~وازت سنة ثمان ms5744 من الهجرة التي كان فيها الفتح الحقيقي، فتحقق عند قريش ~~كافة ما أنزل فيه في هذه السورة، فإذا ضممت إليها الضمائر الثلاثة ~~المستترة وازت سنة إحدى عشرة على أنك إذا بدأت بالضمائر المستترة حصلت ~~المناسبة أيضا، وذلك أنها توازي سنة تسع وهي سنة الوفود التي دخل الناس ~~فيها في الدين أفواجا وحج فيها بالناس أبو بكر الصديق رضي الله تعالى ~~عنه أميرا، ونودي في الموسم ببراءة، وأن لا يحج بعد العام مشرك، فتحققت ~~خيبة أبي لهب عند كل من حضر الموسم لا سيما من كان يعلم دورانه وراء ~~النبي صلى الله عليه وسلم وتكذيبه له من مسلم وغيره، فإذا ضممنا إلى ذلك ~~الضميرين البارزين وازت سنة إحدى عشرة أول سني خلافة الصديق رضي الله عنه ~~التي فتحت فيها جميع جزيرة العرب بعد أن لعب الشيطان بكثير من أهلها. # فرجعوا بعد أن قتل الله منهم من علم أنه مخلوق لجهنم، وتحقق حينئذ ما ~~لأبي لهب من التباب والنار ذات الالتهاب عند العرب كافة بإيمانهم عامة في ~~السنة الحادية عشرة من الهجرة بعد مضي ثلاث وعشرين سنة من النبوة، واستقر ~~الأمر حينئذ، وعلم أن الدين قد رسخت أوتاده وثبت عماده، وأن الذي كان ~~يحميه في حياة النبي صلى الله عليه وسلم قد حماه بعده وهو سبحانه حي لا ~~يموت وقادر لا يعجزه شيء، وعدد كلمات السورة ثلاث وعشرون وهي توازي سنة ~~حجة الوداع سنة عشر، فإنها السنة الثالثة والعشرون من المبعث وفيها كمل ~~الدين ونزلت آية المائدة. وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الشيطان قد ~~أيس أن يعبد بأرض العرب، فتحقق كل الناس لا سيما من حضر الموسم تباب أبي ~~لهب الذي كان يدور في تلك المشاهد وراء النبي صلى الله عليه وسلم يكذبه ~~ويؤذيه # إن في ذلك لعبرة # [آل عمران: 13 - والنور: 44]. # ولما أخبر سبحانه وتعالى عنه بكمال التباب الذي هو نهاية الخسار، وكان ~~أشق ما على الإنسان هتك ما يصونه من حريمه حتى أنه يبذل نفسه دون ذلك لا ms5745 ~~سيما العرب، فإنه لا يدانيهم في ذلك أحد، زاده تحقيرا بذكر من يصونها ~~معبرا عنها بما صدرها بازرا صورة وأشنعها، فقال مشيرا إلى أن خلطة ~~الأشرار غاية الخسار، فإن الطبع وإن كان جيدا يسرق من الردىء، فكيف إذا ~~كان رديئا وإن أرضى الناس بما يسخط الله أعظم الهلاك { وامرأته } أي أم ~~جميل أخت أبي سفيان بن حرب أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي مثل زوجها ~~في التباب والصلي من غير أن يغني عنها شيء من مال ولا حسب ولا نسب، وعدل ~~عن ذكرها بكنيتها لأن صفتها القباحة وهي ضد كنيتها، ومن هنا تؤخذ كراهة ~~التلقيب بناصر الدين ونحوها لمن ليس متصفا بما دل عليه لقبه، ثم وصفها ~~بما أشار إليه ذنبها وأكمل قبيح صورتها فقال: { حمالة الحطب } أي الحاملة ~~أقصى ما يمكن حمله من حطب جهنم بما كانت تمشي به وتبالغ فيه من حمل حطب ~~البهت والنميمة الذي تحمل به على معاداة النبي صلى الله عليه وسلم وشدة ~~أذاه وإيقاد نار الحرب والخصومة عليه صلى الله عليه وسلم، من قول الشاعر: # p>من البيض لم تصطد على ظهر لأمه # ولم تمش بين الحي بالحطب الرطب # أراد النميمة، وعبر بالرطب للدلالة على زيادة الشر بما فيه من التدخين ~~وشبهت النميمة بالحطب لأنها توقد الشر فتفرق بين الناس كما أن الحطب يكون ~~وقودا للنار فتفرقه، وكذا بما كانت تحمل من الشوك وتنثره ليلا في طريق ~~النبي صلى الله عليه وسلم لتؤذيه، وكانت تفعله بنفسها من شدة عداوتها ~~وتباشره ليلا لتستخفي به لأنها كانت شريفة، فلما نزلت سورة صورتها ~~بأقبح صورة فكان ذلك - أعظم فاضح لها، وقراءة عاصم بالنصب للقطع على ~~الشتم تؤدي أن امرأته مبتدأ وأن الخبر { في جيدها } أي عنقها وأجود ما ~~فيها - هو حال على التقدير الأول { حبل } كالحطابين تخسيسا لأمرها ~~وتحقيرا لحالها { من مسد } أي ليف أو ليف المقل أو من شيء قد فتل وأحكم ~~فتله، من قولهم: رجل ممسود الخلق، أي مجدوله - وقد رجع آخرها على ms5746 أولها، ~~فإن من كانت امرأته مصورة بصورة حطابة على ظهرها حزمة حطب معلق حبلها في ~~جيدها فهو في غاية الحقارة، والتباب والخساسة والخسارة وحاصل هذه السورة ~~أن أبا لهب قطع رحمه وجار عن قصد السبيل واجتهد بعد ضلاله في إضلال غيره، ~~وظلم الناصح له الرؤوف به الذي لم يأل جهدا في نصحه على ما تراه من أنه ~~لم يأل هو - جهدا في أذاه واعتمد على ماله وأكسابه فهلك وأهلك امرأته ~~معه ومن تبعه من أولاده، ومن أعظم مقاصد سورة النساء المناظرة لها في رد ~~المقطع على المطلع التواصل والتقارب والإحسان لا سيما لذوي الأرحام، ~~والعدل في جميع الأقوال والأفعال، فكان شرح حال الناصح الذي لا ينطق عن ~~الهوى، وحال الضال الذي إنما ينطق عن الهوى - قوله تعالى: # يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم # [النساء: 26] وختمها إشارة إلى التحذير من مثل حاله، فكأنه قيل: يبين ~~الله لكم أن تضلوا فكونوا كأبي لهب في البوار، وصلي النار - كما تبين ~~لكم، فكونوا على حذر من كل ما يشابه حاله وإن ظهر لكم خلاف ذلك، فأنا ~~أعلم منكم، والله بكل شيء عليم " والحمد لله رب العالمين ". ### | [112 - سورة الإخلاص] ### || [112.1-4] # ولما كان المقصود من القرآن دعوة العباد إلى المعبود، وكان المدعو إلى ~~شيء أحوج ما يكون إلى معرفته، وكان التعريف تارة للذات وتارة للصفات ~~وتارة للأفعال، وكانت هذه الأمة - أشرف الأمم لأن نبيها أعلى الأنبياء ~~عليهم الصلاة والسلام، وكان هي الختام، أشبع الكلام في تعريفه سبحانه في ~~القرآن، وأنهى البيان في ذلك إلى حد لا مزيد عليه ولم يقاربه في ذلك كتاب ~~من الكتب السالفة، ولكنه لما كان الكبير إذا تناهى كبره عزت معرفة ذاته، ~~وكان الله تعالى هو الأكبر مطلقا، وكانت معرفة ذاته - كما أشار إليه ~~الغزالي في الجواهر، والفخر الرازي في كتبه - أضيق ما يكون مجالا وأعسره ~~مقالا، وأعصاه على الفكر منالا، وأبعده عن قبول الذكر استرسالا لأن ~~القرآن لا يشتمل من ذلك إلا على تلويحات وإشارات أكثرها رجع ms5747 إلى ذكر ~~التقديس المطلق كقوله تعالى # ليس كمثله شيء وهو السميع البصير # [الشورى: 112] وإلى التعظيم المطلق كقوله { سبحانه وتعالى عما يصفون } ~~فكام القياس أن يقتصر على ذلك مع التعريف بالصفات والأفعال، لكن لما كانت ~~هذه الأمة في الذروة من حسن الأفهام مع ما نالته من الشرف، حباها سبحانه ~~وتعالى بسورة الإخلاص كاملة ببيان لا يمكن أن تحتمل عقول البشر زيادة ~~عليه، وذلك ببيان أنه ثابت ثباتا لا يشبهه ثبات على وجه لا يكون لغيره ~~أصلا، وأنه سبحانه وتعالى منزه عن الشبيه والنظير والمكافىء والمثيل، ~~فلا زوجة له ولا ولد، ولا حاجة بوجه إلى أحد، بل له الخلق والأمر، فهو ~~يهلك من أراد ويسعد من شاء، فقال آمرا لنبيه صلى الله عليه وسلم ليكون ~~أول كلمة فيها دالة على رسالته ردا على من كذبه في خاصة نفسه وعلى ~~البراهمة القائلين: إن في العقل غنى عن الرسل. ويكون البيان جاريا على ~~لسانه صلى الله عليه وسلم ليكون إلى فهم الخلق عنه لتلك الصفات العلى ~~أقرب لما لهم به من المجانسة: { قل } أي يا أكرم الخلائق ومن لا يفهم عن ~~مرسله حق الفهم سواه، وإطلاق الأمر بعدم التقييد بمقول له يفهم عموم ~~الرسالة، وأن المراد كل من يمكن القول له سواء كان سائلا عن ذلك بالفعل ~~أو بالقوة حثا على استحضار - ما لرب هذا الدين - الذي حاطه هذه الحياطة ~~ورباه هذه التربية - من العظمة والجلال، والكبرياء والكمال، ففي الإطلاق ~~المشير إلى التعميم رد على من أقر بإرساله صلى الله عليه وسلم إلى العرب ~~خاصة، ويدل على أن مقول القول لا ضرر فيه على أحد فإن ظواهره مفهومة لكل ~~أحد لا فتنة فيها بوجه، وإنما تأتي الفتنة عند تعمق الضال إلى ما لا - ~~يحتمله عقله. # ولما كان أهم المقاصد الرد على المعطلة الذين هم ضرب ممن يقول # نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر # [الجاثية: 24] أثبت وجوده سبحانه على أتم الوجوه وأعلاها وأوفاها ~~وأجلاها بما معناه أن حقيقته ثابتة ثباتا لا يتوجه نحوه شك بوجه ms5748 من ~~الوجوه، فقال مكاشفا للأسرار - فإنه لا يمكن غيبته عنها أصلا - ~~وللوالهين: { هو } فابتدأ بهذا الاسم الشريف الذي هو أبطن الأسماء إشارة ~~إلى أنه غيب الغيب بالنظر إلى ذاته كالألف، وإلى أنه واجب الوجود لذاته - ~~وأن هويته ليست مستفادة من شيء سواها ولا موقوفة على شيء سواها، فإن كل ~~ما كانت هويته مستفادة من غيره أو موقوفة عليه فمتى لم يتعبر غيره فلم ~~يكن هو هو، وما كانت هويته لذاته فهو هو سواء اعتبر غير أو لم يعتبر، ~~فإذا لا يستحق هذا الاسم غيره أصلا على أن الهاء بمفردها مشيرة - ~~بكونها من أبطن - الحلق إلى أنه هو الأول والباطن المبدع لما سواه، ~~والواو - بكونها من أظهر حروف الشفة - إلى أنه الآخر والظاهر، وأن إليه ~~المنتهى، وليس وراءه مرمى، وأنه المبدىء المعيد - كما يشير إلى ذلك تكرير ~~الواو في اسمها، وإلى أنه محيط بكل شيء لما فيها من الإحاطة. # ولما كان وجوده سبحانه لذاته، ولم يكن مستفادا من غيره، فإن ما استفيد ~~وجوده من غيره كان ممكنا، كان لا يمكن شرح اسمه الذي هو هو، لا اسم ~~لحقيقة غيره يقوم من جنس ولا نوع ولا فصل لأنه لا جنس له ولا نوع له ولا ~~سبب يعرف به، والذي لا سبب له لا يمكن معرفته إلا بلوازمه، واللوازم منها ~~سلبية ومنها إضافية ومنها قريبة ومنها بعيدة، والتعريف بالإضافية ~~وبالقريبة أتم من التعريف بالسلبية وبالبعيدة، لأن البعيد كالضاحك الذي ~~هو بعد المتعجب بالنسبة إلى الإنسان لا يكون معلولا لشيء بل معلولا ~~لمعلوله، وبالجمع بين السلبية والإضافية أتم من الاقتصار على أحدهما، ~~فلذلك اختير اسم جامع للنوعين ليكون التعريف أتم، وذلك هو كون تلك الهوية ~~إلها، فاختير لذلك اسم دال عليها وهو مختص غير مشترك، وهو أول مظاهر ~~الضمير كما أن الهمزة أول مظاهر الألف، ولهذا قال بعضهم: الاسم الأعظم ~~آخر الظواهر من الأسماء، ولهذا كانت كلها صفات له وهو أول البواطن، فقال ~~مكاشفا للأرواح وللموحدين: { الله } أي الموجود الذي لا موجود في ~~الحقيقة ms5749 سواه! هو المسمى بهذا الاسم، واختير هذا الاسم للإخبار عنه ~~لدلالته على جميع صفات الكمال: الجلال والجمال ولأنه اسم جامع لجميع ~~معاني الأسماء الحسنى، وهو أقرب اللوازم إلى الهوية الهوية لأنه لا لازم ~~لها أقرب من وجوب الوجود الذي هو مقتضى الذات على ما هي عليه من الصفات، ~~لا بواسطة شيء آخر، وبواسطة وجوب وجوده كان مفيضا باختياره الإيجاد على ~~كل شيء أراده، ومجموع الوجوب الذي هو سلب وحده الإيجاد الذي هو اختيار ~~للجود بإضافة الوجود وإضافة للإلهية التي جمعتها الجلالة، وهي أقرب ~~اللوازم إلى الذات الأقدس، ودل التعبير به على أنه لا مقوم للهوية من جنس ~~ولا غيره ولا سبب، وإلا لكان العدول عنه إلى التعريف باللازم قاصرا، ~~وعلى أن إلهيته على الإطلاق لجميع الموجدات، فكان شرح تلك الهوية باللازم ~~أبلغ البلاغة وأحكم الحكمة، لأنه - مع كونه هو الحق - مشيرا إلى ما ذكر ~~من الدقائق. # ولما ذكرت الذات التي لا سبب لها ولا مقوم من جنس ونوع وغيره أصلا بل ~~هي مجرد وحدة وتنزه عن تركب لا كثرة لها ولا اثنينية بوجه، وعرفها باسم ~~جامع الأنواع السلوب والإضافات اللازمة له هو أقرب اللوازم إليها، فانشرح ~~وجودها المخصوص على ما هو عليه، فكان ذلك تعريفا كاملا لأن تعريف ما لا ~~تركب فيه باللوازم القريبة في الكمال كتعريف المركبات بمقوماتها، فإن ~~التعريف البالغ هو أن يحصل في النفس صورة مطابقة للمعقول، وكانت الزيادة ~~في الشرح مطلوبة لأنها أكمل لا سيما في الأمور الباطنة الخفية، أتبع ذلك ~~باسم سلبي إشارة إلى أن النظر في هذه الدار إلى جانب الجلال ينبغي كونه ~~أعظم، وذلك الاسم قربه من الجلالة كقربتها من الهوية، فإنه دال على ~~الوحدة الكاملة المجردة وهو متنزل الجلالة كما أنها متنزل الهوية، وهو ~~كما أن الجلالة لم يقع فيها شركة أصلا قد ضاهاها في أنه لا شركة لغيره ~~تعالى فيه عند استعماله مفردا بمعناه الحقيقي إلا أن في النفي إشارة إلى ~~أن كل ما عداه سبحانه عدم، فقال مكاشفا للقلوب وللعارفين ms5750 مكذبا للنصارى ~~القائلين بالأب والابن وروح القدس، ولليهود القائلين بأنه جسم، وللمجوس ~~الذين يقولون بأنه اثنان: نور يخلق الخير، وظلام يخلق الشر، وللصابئة ~~الذين يعبدون النجوم، وللمشركين القائلين بإلهية الأصنام، مخبرا خبرا ~~آخر، أو مبدلا من الجلالة، أو مخبرا عن مبتدأ محذوف: { أحد } وهو لأجل ~~كونه خاصة في الإثبات حال الانفراد به تعالى معرفة غني عن " آل " ~~المعرفة، وهو أعرق في الدلالة على صفات الجلال كما أن الجلالة أعرق في ~~الدلالة على صفات الكمال لأن الواحد الحقيقي ما يكون منزه الذات عن أنحاء ~~التركيب والتعدد وما يستلزم أحدهما كالجسمية والتحيز والمشاركة في ~~الحقيقة وخواصها كوجوب الوجود والقدرة الكاملة والحكمة التامة المقتضية ~~للألوهية من غير لزوم دور ولا تسلسل من جهة تركب أو غيره، وقرىء بإسقاط " ~~قل " هنا وفي المعوذتين مع الاتفاق على إثباتها في الكافرون ونفيها في ~~تبت، ولعل الحكمة أن الكافرون مخاطبة للكفار بما بين مشاققة ومتاركة، ~~فناسب الحال أن يكون ذلك منه صلى الله عليه وسلم، وتبت معاتبة عم الرسول ~~صلى الله عليه وسلم وتوبيخه فلا يناسب أن يكون ذلك من النبي صلى الله ~~عليه وسلم، والباقيات ما بين توحيد وتعوذ، فناسب أن يؤمر بتبليغه وأن ~~يدعو به، ورتب الأحدية على الإلهية دون العكس، لأن الإلهية عبارة عن ~~استغنائه عن الكل، واحتياج الكل إليه، وكل ما كان كذلك كان واحدا ~~مطلقا، وإلا لكان محتاجا إلى أجزائه، فالإلهية من حيث هي تقتضي الوحدة، ~~والوحدة لا تقتضي الإلهية، وعبر به دون " واحد " لأن المراد الإبلاغ في ~~الوصف بالوحدة إلى حد لا يكون شيء أشد منه، والواحد - قال ابن سينا - ~~مقول على ما تحته بالتشكيك، والذي لا ينقسم بوجه أصلا أولى بالواحدية ~~مما ينقسم من بعض الوجوه، والذي ينقسم انقساما عقليا أولى مما ينقسم ~~بالحس والذي ينقسم بالحس وهو بالقوة أولى من المنقسم بالحس بالفعل، وإذا ~~ثبت أن الوحدة قابلة للأشد والأضعف. # وأن الواحد مقول على ما تحته بالتشكيك كان الأكمل في الوحدة الذي لا ~~يمكن أن يكون شيء آخر أقوى ms5751 منه فيها، وإلا لم يكن بالغا أقصى المرام، ~~والأحد جامع لذلك دال على الواحدية من جميع الوجوه، وأنه لا كثرة هناك ~~أصلا، لا معنوية من المقومات من الأجناس والفصول ولا بالأجزاء العقلية ~~كالمادة والصورة، ولا حسية بقوة ولا فعل كما في الأجسام، وذلك لكونه ~~سبحانه منزها عن الجنس والفصل والمادة والصورة والأعراض والأبعاض ~~والأعضاء والأشكال والألوان وسائر وجوه التثنية التي تثلم الوحدة الكاملة ~~الحقة اللائقة بكرم وجهه وعز جلاله أن يشبهه شيء أو يساويه لأن كل ما ~~كانت هويته إنما تحصل من اجتماع أجزاء كانت هويته موقوفة على حصول تلك ~~الأجزاء، فلا يكون هو هو لذاته بل لغيره، فلذا كان منزها عن الكثرة بكل ~~اعتبار، ومتصفا بالوحدة من كل الوجوه، فقد بلغ هذا النظم من البيان أعظم ~~شأن، فسبحان من أنزل هذا الكلام ما أعظم شأنه وأقهر سلطانه، فهو منتهى ~~الحاجات، ومن عنده نيل الطلبات، ولا يبلغ أدنى ما استأثره من الجلال ~~والعظم والبهج أقصى نعوت الناعتين وأعظم وصف الواصفين، بل القدر الممكن ~~منه الممتنع أزيد منه هو الذي ذكره في كتابه العزيز، وأودعه وحيه المقدس ~~الحكيم، وبالكلام على معناه ومعنى الواحد تحقق ما تقدم، قال الإمام أبو ~~العبا الإقليشي في شرح الأسماء: فمن أهل اللسان من ساوى بينهما جعلهما ~~مترادفين، فمنهم من قال: أصل أحد واحد سقطت منه الألف ثم أبدلت الهمزة من ~~الواو المفتوحة، ومنهم من قال: ليس أصله واحد وإن كانا بمعنى واحد، بل ~~أصله وحد - من الوحدة - يحد فهو وحد - مثل حسن يحسن فهو حسن - من الحسن، ~~أبدلت الواو همزة، وأما من فرق بينهما فمنهم من قال: أحد اسم على حياله ~~لا إبدال فيه ولا تغيير، ومنهم من قال: أصله وحد، أبدلت الواو همزة - ~~انتهى، وقد استخلصت الكلام على الاسمين الشريفين من عدة شروح للأسماء ~~الحسنى وغيرها منها شرح الفخر الرازي والفخر الحرالي وغيرهما، قالوا: ~~الواحد الذي لا كثرة فيه بوجه لا بقسمة ولا بغيرها مع اتصافه بالعظمة ~~ليخرج الجوهر الفرد وهو أيضا الذي لا يتثنى، ms5752 أي لا ضد له ولا شبيه، فهو ~~سبحانه واحد بالمعنيين على الإطلاق لا بالنظر على حال ولا شيء، قال ~~الإمام أبو العباس الاقليشي في شرح الأسماء: هذه حقيقة الوحدة عند ~~المحققين، فلا يصح أن يوصف شيء مركب بها إلا مجازا، كما تقول: رجل واحد، ~~ودرهم واحد، وإنما يوصف بها حقيقة ما لا جزء له كالجوهر الفرد عند ~~الأشعرية غير أنك إذا نظرت فوجدت وجوده من غيره علمت أن استحقاقه لهذا ~~الوصف ليس كاستحقاق موجده له، وهو أيضا إنما يوصف به لحقارته، وموجده ~~سبحانه موصوف به مع الاتصاف بالعظمة، فاتصافه بالوحدة على الإطلاق، ~~واتصاف الجوهر بالنظر إلى عدم التركب من الجسم مع أن صحة اتصافه بأنه جزء ~~يزيل عنه حقيقة ذلك، والوحدة أيضا بالنظر إلى المعنى الثاني وهو ما لا ~~نظير له لا تصح بالحقيقة إلا له سبحانه، وكل ما نوعيته في شخصيته كالعرش ~~والكرسي والشمس والقمر يصح أن يقدر لها نظائر، وله معنى ثالث وهو التوحد ~~بالفعل والإيجاد، فيفعل كل ما يريد من غير توقف على شيء، والفرق بين هذا ~~الوجه والذي قبله أن الأول ناظر إلى نفي إله ثان، وهذا ناف لمعين ووزير، ~~وكلاهما وصف ذاتي سلبي، والحاصل أن النظر الصحيح دل على أن لنا موجدا ~~واحدا بمعنى أنه لا يصح أن يلحقه نقص القسمة بوجه من الوجوه وبمعنى أنه ~~معدوم النظير بكل اعتبار، وبمعنى أنه مستبد بالفعل مستقل بالإيجاد ومتوحد ~~بالنصع متفرد بالتدبير، قضى بهذا شاهد العقل المعصوم من ظلمة الهوى ~~وكثافة الطبع، وورد به قواطع النقل ونواطق السمع، ولهذا كان من أعظم الحق ~~دعاؤه سبحانه لجميع الخلق، وكانت دعوة رسوله الخاتم صلى الله عليه وسلم ~~للخلق كافة، وقال الإمام حجة الإسلام أبو حامد الغزالي في آخر شرحه ~~للأسماء في بيان رد الأسماء الكثيرة إلى ذات واحدة وسبع صفات: الأحد ~~المسلوب عنه النظير، وقال في الشرح المذكور: الواحد هو الذي لا يتجرى ولا ~~يتثنى، أما الذي لا يتجزى فكالجوهر الواحد الذي لا ينقسم فقال: إنه واحد ~~- بمعنى أنه ms5753 لا جزء له، ولذلك النقطة لا جزء لها، والله تعالى واحد - ~~بمعنى أنه يستحيل تقدير الانقسام في ذاته، وأما الذي لا يتثنى فهو الذي ~~لا نظير له كالشمس مثلا فإنها وإن كانت قابلة للانقسام بالوهم متحيزة في ~~ذاتها لأنها من قبيل الأجسام فهي لا نظير لها إلا أنه يمكن أن يكون لها ~~نظير، وليس في الوجود موجود يتفرد بخصوص وجوده تفردا لا يتصور أن يشاركه ~~فيه غيره أصلا إلا الواحد المطلق أزلا وأبدا، والعبد إنما يكون واحدا ~~إذا لم يكن له في أبناء جنسه نظير في خصلة من خصال الخير، وذلك بالإضافة ~~إلى أبناء جنسه وبالإضافة إلى الوقت إذ يمكن أن يكون في وقت آخر مثله، ~~وبالإضافة إلى بعض الخصال دون الجميع، فلا وحدة على الإطلاق إلا لله ~~تعالى، وقال الإمام محمد بن عبد الكريم الشهرستاني في مقدمة كتابه الملل ~~والنحل: واختلفوا في الواحد أهو من العدد أم هو مبدأ العدد وليس داخلا ~~في العدد، وهذا الاختلاف إنما ينشأ من اشتراك لفظ الواحد، فالواحد يطلق ~~ويراد به ما يتركب منه العدد، فإن الاثنين لا معنى له إلا واحد، تكرر أول ~~تكرير، وكذا الثلاثة والأربعة، ويطلق ويراد به ما يحصل منه العدد، أي هو ~~علته ولا يدخل في العد أي لا يتركب منه العدد، وقد تلازم الواحدية جميع ~~الأعداد لا على أن العدد تركب منها بل وكل موجود فهو جنسه أو نوعه أو ~~شخصه واحد يقال: إنسان واحد، وشخص واحد، وفي العدد كذلك فإن الثلاثة في ~~أنها ثلاثة واحدة، فالواحدة بالمعنى الأول داخلة في العدد، وبالمعنى ~~الثاني علة العدد، وبالمعنى الثالث ملازمة للعدد، وليس من الأقسام ~~الثلاثة قسم يطلق على البارىء تعالى معناه: فهو واحد لا كالأحاد أي هذه ~~الوحدات والكثرة منه وجدت ويستحيل عليه الانقسام بوجه من وجوه القسمة - ~~انتهى، وهو واحد أيضا بنفسه لا بالنسبة إلى ثان بوجه من الوجوه، وقال ~~بعضهم: الواحد يدل على الأزلية والأولية، لأن الواحد في الأعداد ركنها ~~وإظهار مبدئها، والأحد يدل على بينونته من ms5754 خلقه في جميع صفاته ونفي أبواب ~~الشرك عنه، فالأحد بني لنفي ما ذكر معه من العدد، والواحد اسم لمفتتح ~~العدد، وقال الإمام أبو حاتم محمد بن مهران الرازي في كتابه الزينة، قال ~~بعض الحكماء: إنما قيل له سبحانه " واحد " لأنه عز وجل لم يزل قبل ~~الخلائق متوحدا بالأزل لا ثاني معه ولا خلق، ثم أبدع الخق، فكان الخلق ~~كله مع احتياجه إليه سبحانه محتاجا بعضه إلى بعض ممسكا بعضه بعضا ~~متعاديا ومتضادا ومتشاكلا ومزدوجا ومتصلا ومنفصلا، واستغنى عز وجل ~~عن الخلائق فلم يحتج إلى شيء فيكون ذلك الشيء مقرونا به لحاجته إليه ولا ~~ناواه شيء فيكون ذلك الشيء ضدا له نصرا به، فيكون ذلك الضد والقرين له ~~ثانيا، بل توحد بالغنى عن جميع خلقه لأنه كان قبل كل شيء، والأولية دلت ~~على الوحدانية، فالواحد اسم يدل على نظام واحد يعلم باسمه أنه واحد ليس ~~قبله شيء: # وفي كل شيء له آية # تدل على أنه واحد # والواحد من العدد في الحساب ليس قبله شيء، بل هو قبل كل عدد وهو خارج عن ~~العدد، والواحد كيفما أدرته لم يزد فيه شيء ولم ينقص منه شيء، تقول: واحد ~~في واحد بواحد - فلم يزد على الواحد شيء، فدل على أنه لا شيء قبله، وإذا ~~دل على أنه لا شيء قبله دل على أنه محدث الشيء، فإذا دل على أنه محدث ~~الشيء دل على أنه مغني الشيء، وإذا كان مغني الشيء دل على أنه لا شيء ~~بعده، فإذا لم يكن قبله شيء ولا بعده شيء فهو المتوحد بالأزل، يعني فهو ~~الواحد الذي لا نظير له فهو الأحد، قال: فلذلك قيل: هو واحد وأحد، وقلنا: ~~إن الأحد هو اسم أكمل - أي أعم - من الواحد، ألا ترى أنك إذا قلت: فلان ~~لا يقوم له واحد، جاز في المعنى أن يقوم له اثنان أو ثلاثة فما فوقها، ~~وإذا قلت: فلان لا يقوم له أحد، فقد جزمت بأنه لا يقوم له واحد ولا اثنان ~~ولا ما فوقهما، فصار الأحد ms5755 أكمل من الواحد، وفي الأحد خصوصية ليست في ~~الواحد، تقول: ليس في الدار واحد، يجوز أن يكون واحدا من الدواب أو ~~الطير أو الوحش أو الإنس، فكان الواحد يعم الناس وغير الناس، وإذا قلت: ~~ليس في الدار أحد، فهو مخصوص للآدميين دون سائرهم، والأحد ممتنع من ~~الدخول في الضرب وفي العدد وفي القسمة وفي شيء من الحساب، وهو منفرد ~~بالأحدية، والواحد منقاد للعدد والقسمة وغيرها داخل في الحساب، تقول: ~~واحد واثنان وثلاثة، فهذا وإن لم يكن من العدد فهو علة العدد، وداخل في ~~العدد، لأنك إذا ضربت واحدا في واحد لم يزد، واثنان هو جذر الحساب، ~~وتقول في القسمة، واحد بين اثنين أو ثلاثة، لكل واحد من الاثنين نصف، ومن ~~الثلاثة ثلث، فهذه القسمة، والأحد ممتنع من هذا، لا يقال: أحد واثنان ولا ~~أحد في أحد ولا أحد في واحد ولا في اثنين أو ثلاثة، والواحد وإن لم يتجزأ ~~من الواحد فهو يتجزأ من الاثنين والثلاثة فما فوقهما، تقول: جزء واحد من ~~جزأين أو ثلاث فما فوقها، ولا يجوز: جزء أحد من جزأين فما فوقهما، وقد ~~سمى الله نفسه واحدا أحدا ووصف نفسه بالوحدانية والأحدية، فالواحد نعت ~~يلزمه على الحقيقة لأنه كان قبل ولا ثاني معه، والثاني خلال الواحد، فهو ~~واحد لاتحاده في القدم، والخلق اثنان لاقترانه بالحدث لأن الحدث ثان ~~للقدم، وبه ظهرت التثنية، فالواحد هو الأحد في ذاته فهو لا شيء قبله ولا ~~من شيء ولا في شيء ولا على شيء ولا لشيء ولا مع شيء، فيكون ذاك الشيء ~~ثانيا معه بل هو الواحد منشىء والأشياء كلها له، وهو المتحد بذاته ممتنع ~~من أن يكون له شيء ثانيا بوجه من الوجوه والخلق كله له، وإن كان يسمى ~~بالواحد، أو كانت هذه الصفة قد لزمت جميع الأشياء في وجه فإنها تزول عنها ~~في وجه. # كما قيل: إنسان واحد وفرس واحد وبعير واحد، وكذلك يقال لسائر الأشياء، ~~وهذه صفة تلزمها في اللفظ، والمسمى لا يخلو من معان كثيرة مجتمعة فيه ms5756 ~~كالجسم والعرض، وهو واحد مجموع من أشياء متفرقة، وكل شيء لا يخلو من ~~ازدواج وتضاد وتشاكل وحد وعد، وهذه الصفات كلها تنفي عنه معنى الأحدية ~~والواحدية، وفي الواحد عن العرب لغات كثيرة، يقال: واحد وأحد ووحد ووحيد ~~وحاد وأحاد وموحد وأوحد - وهذا كله راجع إلى معنى الواحد، وإن كان في ذلك ~~معان لطيفة ولم يجىء في صفة الله عز وجل إلا الواحد والأحد، قلت: والوحيد ~~على بعض الإعرابات في المدثر، قال: وكلها مشتقة من الواحد، وكأن ذلك ~~مأخوذ من الحد. كأن الأشياء كلها إليه انتهاؤها وهي محدودة كلها غيره عز ~~وجل وهو محدود، بل هو غاية المحدودين وغاية الغايات لا غاية له، والأحد ~~يجيء في الكلام بمعنى الأول وبمعنى الواحد، فإذا جاء بمعنى الأول وبمعنى ~~الواحد جاز أن يتكلم به في الخبر كقولك: هذا واحد أحد، والعرب كانت تسمي ~~يوم الأحد في الجاهلية أولا، وقولك " يوم الأحد " دليل على أنه اليوم ~~الأول من الأسبوع، والاثنين دليل على أنه اليوم الثاني، وفي التوراة أن ~~الله عز وجل أول ما خلق من الأيام " يوم الأحد " قلت: يمكن أن يكون معنى ~~يوم الأحد يوم الله، أضيف إليه لكونه أول مخلوقاته من الأيام، فلما أوجد ~~الثاني سمي يوم الاثنين، لأنه ثاني يوم الأحد، قال: وضد الواحد اثنان، ~~وضد الأحد الآخر، قال الله تعالى: # قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا # [يوسف: 36] ثم قال في ضده " وقال الآخر " فهذا دليل على أن معنى قولهم " ~~يوم الأحد " اليوم الأول: لأنهم قالوا لما بعده اثنان، ولم يقولوا: ~~الآخر، لأن الأحد إذا لم يكن بمعنى الأول فضده الآخر، وإذا كان الأحد ~~بمعنى الأول جاز الخبر والجحد، وإذا لم يكون بمعنى الأول وكان بمعنى ~~الواحد جاز في الخبر وجاز في الجحد، قال الله تعالى: # فابعثوا أحدكم بورقكم هذه # [الكهف: 19] فهذه من الخبر، فإذا لم يكن أحد بمعنى الأول وبمعنى الواحد ~~لم يجز أن يتكلم به إلا في الجحد، تقول: ما جاءني أحد، ولا يجوز: جاءني ~~أحد، وكلمني أحد، قال الله ms5757 تعالى في معنى الجحد # أيحسب أن لن يقدر عليه أحد # [البلد: 5] وأحد يستوي فيه المذكر والمؤنث، قال الله تعالى: # يا نساء النبي لستن كأحد من النساء # [الأحزاب: 32] وواحد لا يستوي فيه المذكر والمؤنت حتى يدخل فيه الهاء ~~فيقال " واحدة " لا يجوز " كواحد من النساء " وأحد يكون بمعنى الجمع، ~~تقول العرب: يظل أحدنا الأيام لا يأكل، بمعنى كلنا لا يأكل، فاحتمل معنى ~~الواحد والجماعة - انتهى، فالواحد من الأسماء الثبوتية الإضافية، يكون في ~~أصل اللغة بالنسبة إلى ثان هو نصفه، وثالث هو ثلثه، وهكذا هو صفة الله ~~تعالى بمعنى المتوحد في الاتصاف بالألوهية حتى لا يقبلها غيره بوجه، فلا ~~شريك له، والأحد من النعوت السلبية، بل هو مجمعها، هو أحد في نفسه لا ~~يقبل العدد ولا التركيب بوجه لا بالقسمة ولا بغيرها سواء نظر إليه ~~بالنسبة إلى الغير أو لا، فهو متمحض للسلب، فهو وصف راجع إلى نفس الذات ~~بمعنى أنه كامل في ذاته لا يؤثر في مفهومه النظر إلى شيء أصلا، والفرد ~~ناظر إلى نفي العدد، فافترقت الأوصاف الثلاثة وإن كانت متقاربة في ~~المعنى. # وقال الإمام أبو الخير القزويني الشافعي في كتابه " العروة الوثقى في ~~أصول الدين " ناقلا عن بعض من فرق بينه وبين الواحد: إن الأحد اسم لنفي ~~ما يذكر معه، وعن بعضهم أنه الذي لا يجوز له التبعيض لا فعلا ولا وهما، ~~فهو أحد بذاته وأحد بصفاته، وتوحيد الله تعالى لنفسه علمه بأنه واحد، ~~وإخباره بذلك وتوحيد العبد له علمه بذلك مع إقراره به، وقال الإمام فخر ~~الدين الرازي في شرح الأسماء الحسنى: فالله سبحانه وتعالى أحد في ذاته، ~~أحد في صفاته، أحد في أفعاله، أحد لا عن أحد غير متجزىء ولا متبعض، أحد ~~غير مركب ولا مؤلف، أحد لا يشبهه شيء ولا يشبه شيئا، أحد غني عن كل أحد ~~- انتهى، وهذا معنى ما نقله المعربون عن ثعلب أنه فرق بينهما بأن واحدا ~~يدخله العدد، وأحد لا يدخله ذلك، يقال: الله أحد، ولا يقال: زيد أحد، لأن ~~الأحد خصوصية ms5758 الله تعالى، زيد يكون منه حالات، ونقض عليه بالعدد المعدد ~~المعطوف، يقال: أحد وعشرون واثنان وعشرون، ورد بأن أحدا فيه بمعنى واحد، ~~وقال الإمام فخر الدين في شرح الأسماء: إنه اختص به البارىء سبحانه، أما ~~الواحد فيحصل فيه المشاركة، ولهذا السبب أعري من لام التعريف لأنه صار ~~نعتا لله عز وجل على الخصوص، فصار معرفة، وقال الأزهري: سئل أحمد بن ~~يحيى عن الأحاد هل هي جمع أحد، فقال: معاذ الله ليس للأحد جمع، ولا يبعد ~~أن يقال إنه جمع واحد كالأشهاد جمع شاهد - انتهى، وقال الإقليشي في شرح ~~الأسماء: الأحد هو الذي ليس بمنقسم ولا متجزىء، فهو على هذا اسم لعين ~~الذات، فيه سلب الكثرة عن ذاته، فتقدس بهذا الوصف عن صفات الأجسام ~~القابلة للتجزي والانقسام، والنقطة والجوهر الفرد عن مثبته - يعني من ~~المتكلمين، والجوهر البسيط عند مدعيه - يعني من الفلاسفة، وإن كانت هذه ~~لا تتجزى ولا تنقسم وإنها مخالفة للبارىء تعالى في أحديته، أما النقطة ~~فعرض عند بعضهم إذ هي عبارة عن طرف الخط، وإذا كان الخط عرضا فالنقطة ~~أولى بالعرضية، وأما الجوهر الفرد فإنه وإن كان لا ينقسم فهو مقدر بجزء، ~~وكل ما قدر بجزء فلا يخلو من الأكوان وهو كيفما كان على رأي من أثبته من ~~المتكلمين وإن كانوا في أوصافه متنازعين فلا يخلو من الأعراض، وأما ~~الجوهر البسيط عند من أثبته فوجوده عندهم ليس عينه إذا اثنينيته غير ~~ماهيته، وما هو بهذا الوصف عندهم ففيه اثنينية، ففارق البارىء سبحانه ~~وتعالى بأحديته هذه الموجودات كما فارق بذاته الأجسام، فوجوده عن ذاته ~~وليست صفاته تعالى مغايرة لذاته، وأما الواحد فهو وصف لذاته، فيه سلب ~~الشريك والنظير عنه، فافترقا - يعني بأن الأحد ناظر إلى نفس الذات، ~~والواحد إلى أمر خارج عنها، وقال البيهقي في كتاب الأسماء والصفات: الأحد ~~فيما يدعوه المشركون إلها من دونه لا يجوز أن يكون إلها إذ كانت إمارات ~~الحدث من التجزي والتناهي قائمة فيه لازمة له، والبارىء سبحانه وتعالى لا ~~يتجزى ولا يتناهى، فقد مر ms5759 أن الأحد خاص بالله سبحانه وتعالى: إنه لا فرق ~~في إطلاقه عليه سبحانه وتعالى بين تعريفه وتنكيره لأنه معرفة في نفسة، ~~فطاح اعتراض من قال من الملحدين: الجلالة معرفة وأحد نكرة لا ينعت به. # وعلى تقدير التسليم يجوز جعله بدلا كما تقدم ولا مانع من إبدال النكرة ~~من المعرفة مثل لنسفعا بالناصية ناصية كاذبة، قال صاحب كتاب الزينة: ~~وعلى هذه القراءة - أي قراءة التنكير - أجمعت الأمة، وروى قوم عن أبي عبد ~~الله بن جعفر بن محمد الصادق أنه قرأ قل هو الله أحد الله الواحد الأحد ~~الصمد، وقال الإمام أبو الحسن الحرالي في شرح الأسماء الحسنى: الأحد اسم ~~أعجز الله العقول عن إدراك آيته في الخلق إثباتا فلم تستعمله العرب ~~مفردا قط أي وهو بمعناه الحقيقي لا بمعنى واحد ولا بمعنى أول مثلا إلا ~~في النفي لما علموا أنه مفصح عن إحاطة جامعة لا يشذ عنها شيء، وذلك مما ~~تدركه العقول والحواس في النفي ولا تدركه في الإثبات فيقولون: ما في ~~الدار أحد - نفيا لكل ولا يسوغ في عقولهم أن يقولوا: في الدار أو في ~~الوجود أحد -، إذ لا يعقل عندهم ذات إنسان هي جامعة لكل إنسان، فلما ورد ~~عن الله اسمه في القرآن تلقاه المؤمنون بالإيمان وأحبت قلوبهم سورة ذكره ~~لجمعها لما لا يحصى من ثناء الرحمن وهي أحد الأنوار الثلاثة في القرآن، ~~القرآن - نور # ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا # [الشورى: 52] ونور نوره سورة ذكر الأحد في ختمه وآية الكرسي في ابتدائه ~~وسورة يس التي هي قبله في محلها منه واحد مبين عن اسم الله الذي هو بكل ~~شيء محيط، لا يتطرق إليه شرك في حق ولا باطل، وهو واحد مبين عن اسم الإله ~~الذي لا يصح فيه الشرك حقا، وقد يتطرق إليه باطلا # واتخذوا من دون الله آلهة # [يس: 74] وذلك لأن الواحد يضائف الثاني، وأحد جامع محيط لم يبق خارج عنه ~~فيضايفه يعني أن مفهومه ناظر إلى كونه سبحانه وتعالى الآن كما كان في ms5760 ~~الأزل وحده، فإن الخلق فان فهو في الحقيقة عدم، وكأنه ما كان لإحاطته به ~~وكونه في قبضته وطوع مشيئته، فلا خارج يكون مضايفا له لأنه لا يضايف ~~الشيء إلا مناظر لمساواة أو مباراة بمعاندة أو غيرها، فالكل بالنسبة إليه ~~عدم # إنك ميت وإنهم ميتون # [الزمر: 30] # كل من عليها فان # [الرحمن: 26] # كل شيء هالك إلا وجهه # [القصص: 88] هذا مراده بدليل سابقه ولاحقه فلا شبهة فيه لأهل الوحدة ~~عليهم الخزي واللعنة، قال: والوحدة من الواحد هي حد النهاية، والغاية مما ~~هي وحدته، وما دون الوحدة التي هي الغاية ثانية ودونه وجماع إحاطات كل ~~ذلك أعلى وأدنى هي الأحدية التي لا يشذ عنها شاذ ولا يخرج عنها خارج، فمن ~~الأسماء معلوم لخليفة من خليقته بما أتاهم منه كالرحيم والعليم، ومنها ما ~~يعجز عنه خلافتهم كالأسماء المتقدمة من اسمه المحصي، ولكن ينال مثلا من ~~قولهم، ومنها ما لم ينله العلم ولا أدركت مثله العقول وهو اسمه الأحد، ~~فالله هو الأحد الذي لا أحد إلا هو - انتهى، وقال الإمام أبو الحكم بن ~~برجان في شرح الأسماء الحسنى: وهو - أي الأحد - أصل لباب الوحدة، يدل على ~~محض الوحدة، ألا ترى أنه ناف يأتي معه، إذا قلت: لم يأتني أحد، انتفى ~~الاثنان، ولا تقول: جاءني أحد كما تقول! جاءني واحد، لأن واحدا تزول عنه ~~الواحدية بضم ثان إليه بخلاف الأحدية فإنها لازمة الواحد لا يفارقه حكمها ~~بعد ضم الثاني بل لها من جهة محفوظة عليها يظهر ذاك بالأشفاع والأوتار، ~~فإنك تقول ما جاءني أحد، فتنتفي الأشفاع كما تنتفي الأوتار، وهذا دليل ~~على زيادة شرفه فإن الاسم كلما غمضت دلالته وتعذرت معرفته عن الأفهام ~~وعزب عن العقول علمه كان ذلك دليلا على قربه من الاسم الأعظم - انتهى، ~~وقال بعض العارفين في كشف معنى الأحد ورتبته: إن الذات الأعظم غيب محض ~~والأحد أول تعيناتها، ولذلك بدىء بالهمزة التي هي أول تعينات الألف التي ~~هي لهيب محض وذلك سر مخالفتها للأحرف في أن كل حرف يدل على مسماه أول ~~حروف ms5761 اسمه إلا الألف لكونها غيبا، فكان أول اسمها الهمزة التي هي أول ~~تعيناتها، والهمزة لكونها مرقى إلى غيب الألف كان أول اسمها أيضا غير ~~دال على مسماها. # ثم بعد التعيين بالأحدية الشاملة المستغرقة يتنزل إلى الإلهية ثم منها ~~إلى الواحدية، ولذلك ابتدىء الواحد بالواو التي هي وصلة إلى ما فيه من ~~الألف الذي هو غيب، فإن الواحد مرقى إلى فهم الإله، والإله مرقى إلى تعقل ~~الأحد، والأحد مرقى إلى التعبد للذات الأقدس الأنزه، ومن اعتقد أحديته ~~سبحانه وتعالى، أنتج له ذلك حبه وتعظيمه، وهو توحيد الألوهية لأن التفرد ~~بذلك يقتضي الكمال والجمال - والله الموفق. # قال الإمام جعفر بن الزبير: لما انقضى مقصود الكتاب العزيز بجملته عاد ~~الأمر إلى ما كان، وأشعر العالم بحالهم من ترددهم بين عدمين # ثم الله ينشىء النشأة الآخرة # [العنكبوت: 20] فوجودهم منه سبحانه وتعالى وبقاؤهم به وهم وجميع ما يصدر ~~عنهم من أقوالهم وأفعالهم كل ذلك خلقه واختراعه، وقد كان سبحانه وتعالى ~~ولا عالم ولا زمان ولا مكان، وهو الآن على ما عليه كان، لا يفتقر إلى أحد ~~ولا يحتاج إلى معين، ولا يتقيد بالزمان، ولا يتحيز بالمكان، فالحمد لله ~~رب العالمين، أهل الحمد ومستحقه مطلقا، له الحمد في الأولى والآخرة، وله ~~الحكم وإليه المصير { قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن ~~له كفوا أحد } هو الموجود الحق، وكلامه الصدق، # وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب والدار الآخرة خير للذين يتقون # [العنكبوت: 64] فطوبى لمن استوضح آي كتاب الله، وأتى الأمر من بابه وعرف ~~نفسه ودنياه، وأجاب داعي الله ولم ير فاعلا في الوجود حقيقة إلا هو ~~سبحانه وتعالى والحمد لله رب العالمين، ولما كمل مقصود الكتاب، واتضح ~~عظيم رحمة الله به لمن تدبر واعتبر وأناب، كان مظنة الاستعاذة واللجأ من ~~شر الحاسد وكيد الأعداء فختم بالمعوذتين من شر ما خلق وذرأ وشر الثقلين - ~~انتهى. # ولما تم البيان لهويته سبحانه وتعالى على هذا الوجه الذي أنهاه بالأحدية ~~المعلمة بالتنزه عن القسمة والنظير، ms5762 وكان بيان القرآن بالغا أقصى نهايات ~~البيان، وكان الأحد من النعوت المتوغلة في السلب، وكانت الشركة تقع في ~~التعبير به في النفي وهو بمعناه الحقيقي وتقع فيه بالإثبات والسلب على حد ~~سواء، أو دلالته على الكمال والإضافة أكمل، وبناه على الاسم الأعظم الذي ~~هو آخر الأسماء الظاهرة وأول الأسماء الباطنة، ولم يقع فيه شركة بوجه ~~دفعا لكل تعنت، وإشعارا بأن لم يسم به لم يستحق الألوهية، وأخلى الجملة ~~عن عاطف لأنها كالنتيجة للأولى والدليل عليها، فقال مكاشفا لنفوس ~~المؤمنين وللعلماء معيدا الاسم ولم يضمر لئلا يظن تقيد بحيثية غيب أو ~~غيرها: { الله } أي الذي ثبتت إلهيته وأحديته، لا غيره { الصمد } الذي ~~تناهى سؤدده المطلق في كل شيء إلى حد تنقطع دونه الآمال، فكان بحيث لا ~~يحتاج إلى شيء وكل شيء إليه محتاج، وتنزه عن الجوفية فلم تدن من جنابه ~~بفعل ولا قوة لأنه تنزه عن القسمة بكل اعتبار مع العظمة التي لا يشببها ~~عظمة، فكان واحدا بكل اعتبار، وذلك هو مفهوم الأحدية عبارة وإشارة، فكان ~~مصمودا إليه في الحوائج أي مقصودا لأجلها، فهو الموصوف بهذا الاسم على ~~الإطلاق، وبكل اعتبار، فكان موجدا للعالم لأن العالم مركب بدليل ~~المشاهدة فكان ممكنا فكان محدثه واجبا قديما، نفيا للدور والتسلسل ~~المحالين، وخلقه له بالقدرة والاختيار لأنه لو كان بالطبع والإيجاب لكان ~~وجوده مع وجوده لأن العلة لا تنفك عن المعلول، فيلزم من قدم البارىء عز ~~وجل قدم العالم، ومن حدوث العالم حدوث البارىء جل وعز، وذلك جمع بين ~~النقيضين وهو محال، وقصر الصمدية عليه لأن اشتداد الألف لحاجة الشيء إلى ~~غيره ربما كان موجبا لخفاء اختصاصه به، ولم يقصر الأحدية إما للتنبيه ~~على أن ذلك لشدة ظهوره غني عن التأكيد، وإما استئلافا لهم لئلا ينفروا ~~قبل سماع تمام السورة على أنه بظهور قصر الصمدية التي أحد معنييها لازم ~~الأحدية ظهر الاختصاص بالأحدية، قال العلماء رحمهم الله تعالى: والصمد من ~~صمد إليه - إذا قصده، وهو كالأحد، بني على هذا الوزن لأنه لا تلحقه ~~المضارعة ms5763 ولا تدن منه المشابهة لأنه اسم خاص فهو السيد المصمود إليه، وهو ~~أيضا الذي لا جوف له ولا رخاوة بوجه فيه، لأن الأجواف وعاء، وكل وعاء ~~محتاج إلى موعيه، يقال: شيء مصمد، أي صلب، وحجر صمد: أملس لا يقبل الغبار ~~ولا يدخل فيه شيء ولا يخرج منه شيء، قال ابن قتيبة: وهو على هذا الدال ~~فيه مبدله من التاء وهو المصمت، وهو أيضا العالي الذي تناهى علوه، تقول ~~العرب لما أشرف من الأرض: صمد - بإسكان الميم، وبناء صمد أي معلى، فهو ~~على التفسير الأول من الصفات الإضافية بمعنى أنه سيد لكل موجود، والكل ~~محتاجون إليه في ابتداء إيجادهم وفي تربيتهم، فهم يصمدون إليه في الحوائج ~~ويقصدون إليه في جميع الرغائب، وهو غني على الإطلاق، وذلك هو اتصافه ~~بصفات الإلهية، قال الإقليشي فعلى هذا أي أنه الذي يلجأ إليه ويعتمد عليه ~~لتناهي سؤدده - يتشعب من صفة الصمد صفات السؤدد كلها من الجود، والحلم ~~وغير ذلك وإذا قلنا: إن الصمد العالي تشعبت منه صفات التعالي كلها من ~~العزة والقهر والعلو ونحوها - انتهى، وقد روى البيهقي رحمة الله تعالى ~~بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله " الصمد " قال: هو السيد الذي ~~كمل في سؤدده، والشريف الذي كمل في شرفه، والعظيم الذي كمل في عظمته، ~~والحليم الذي قد كمل في حلمه، والغني الذي كمل في غناه، والجبار الذي كمل ~~في جبروته، والعالم الذي قد كمل في علمه، والحكم الذي قد كمل في حكمه، ~~وهو الذي كمل في أنواع الشرف والسؤدد وهو الله عز وجل، هذه صفته لا تنبغي ~~إلا له، ليس له كفوء، وليس كمثله شيء، فسبحان الله الواحد القهار وقال ~~أبو العباس بن تيمية الحنبلي في كتابه " الفرقان بين أولياء الرحمن ~~وأولياء الشيطان ": أجمع سلف الأمة وأئمتها أن الرب سبحانه وتعالى بائن ~~من مخلوقاته، يوصف بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله صلى الله عليه ~~وسلم من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل بوصف من صفات ~~الكمال ms5764 دون صفات النقص، ونعلم أنه ليس كمثله شيء ولا كفوء له في شيء من ~~صفات الكمال كما قال الله تعالى: { قل هو الله أحد الله الصمد } - إلى ~~آخرها، قال ابن عباس رضي الله عنهما: الصمد إلى آخر ما مضى عنه، وقال ابن ~~مسعود رضي الله عنه وغيره: هو الذي لا جوف له، والأحد الذي لا نظير له. # فاسمه الصمد يتضمن اتصافه بصفات الكمال ونفي النقائص عنه، واسمه الأحد ~~يتضمن أنه لا مثل له، وقال الحرالي: الصمد - يعني بالسكون: - التوجه ~~بالحاجات إلى ملي بقضائها لا يحتاج إلى سواه، فلذلك يكون الصمد سيدا لا ~~يساد، السيد الله - انتهى، وعلى التفسير الثاني: هو من النعوت السلبية، ~~فهو دال على نفي الماهية التي تعنت بها فرعون لاقتضائها المقومات ~~المستلزمة للحاجة إلى ما به التقويم، وعلى إثبات الهوية المنزهة عن كل ~~شائبة نقص، فإن كل ما له ماهية كان له جوف وباطن، وهو تلك الماهية، وهو ~~ما لا باطن له، وهو موجود فلا جهة ولا اعتبار في ذاته إلا الوجود، فهو ~~واجب الوجود غير قابل للعدم، وقد علم بهذا أنه جامع لما ذكر فيما قبله، ~~فإن هذا التفسير الثاني يتشعب منه من الأسماء ما ينظر إلى نفي التركيب ~~كالأحد ونحوه وهذان التفسيران الأول والثاني جامعان لجميع ما فسر به ولما ~~عسى أن يقال فيه سبحانه من صفات الكمال، ونعوت العظمة والجلال، فمن كان ~~مصمودا إليه في جميع الحاجات ومتعاليا عن كل سمت حدث وشائبة نقص كان ~~موجدا لكل ما يريد من نفع وضر ونافع وضار قادرا على حفظ ما يريد، وكان ~~معلوما كالشمس أنه لا شريك له، وأنه هو وحده المستحق للعبادة لاحتياج ~~الكل إليه الاحتياج المطلق وغناه عنهم الغنى المطلق، وتفرده بصفات الكمال ~~والانقطاع عن قرين وإلى الصمدانية ينتهي التوجه وهو الإقبال بالكلية، وهي ~~ترد على الفلاسفة القائلين بتدبير القول، والصابية القائلين بتدبير ~~النجوم، وعلى غيرهم من كل من ادعى تدبيرا لغير الله سبحانه وتعالى، ومن ~~اعتقد صمديته المقتضية لكمال الذات والصفات وشمول التدبير، ms5765 أنتج له كمال ~~التفويض والتوكل وهو توحيد الربوبية، وهذه الأسماء الأربعة مشيرة إلى ~~مقامات السائرين ومرامات الحائرين والجائرين، فالمقربون نظروا إلى ~~الأشياء فوجدوا كل ما سواه سبحانه وتعالى معدوما بالذات، فكان ذكرهم " ~~هو " وأصحاب اليمين نظروا إلى وجود الممكنات فعينوا مرادهم وميزوا ~~مذكورهم بالجلالة، وأصحاب الشمال جوزوا الكثرة في الإله فاحتاجوا في ~~تذكيرهم إلى الوصف بالأحدية والصمدية وهي رادة على أهل الاتحاد أعظم رد، ~~فإنهم يقولون: إن الإله هو هذا العالم، وهو منقسم بالحس فضلا عما عداه ~~ومحتاج أشد احتياج. # ولما انتهى بيان حقيقته سبحانه وتعالى، وأنه غير مركب أصلا، وبين ~~سبحانه بصمديته المستلزمة لوحدانيته أن الكل مستند إليه ومحتاج إليه، ~~وأنه المعطي لوجود جميع الموجوات، والمفيض للجود على كل الماهيات فلا ~~يجانس شيئا ولا يجانسه شيء، ولا يكون له نظير في شيء من ذلك. وكان ربما ~~تعلق بوهم واهم أن تولد غيره عنه يكون من تمام سؤدده المعبر به عن قدرته، ~~بين أن ذلك محال لاقتضائه الحاجة مما لا تعلق له بالقدرة لأن القدرة من ~~شأنها أنها لا تتعلق بالمحال، وهذا محال، لأنه سبحانه صمد، فكان ذاك ~~بيانا للصمدية في كلا معنييها، فقال من غير عاطف دالا على انتفاء ~~الجوف الذي هو أحد مدلولي " صمد " مكاشفا للعقلاء شارحا لأنه لا يساويه ~~شيء من نوع يتولد عنه ولا جنس يولد هو عنه، ولا غير ذلك يوازيه في وجود ~~ولا غيره { لم يلد } أي يصح ولم ينبغ بوجه من الوجوه أن يقع تولد الغير ~~عنه مرة من المرات، فكيف بما فوقها لأن ذلك مستلزم للجوف وهو صمد لا جوف ~~له، لأن الجوف من صفات النفس المستلزم للحاجة وهو مستغن بدوامه في أبديته ~~عمن يخلفه أو يعينه لامتناع الحاجة والفناء عليه، فهو رد على من قال: ~~الملائكة بنات الله أو عزير أو المسيح أو غيره. # ولما بين أنه لا فصل له، ظهر أنه لا جنس له، فدل عليه بقوله: { ولم يولد ~~} لأنه لو تولد عنه غيره تولد هو عن غيره كما هو ms5766 المعهود والمعقول، فهو ~~قديم لا أول له بل هو الأول الذي لم يسبقه عدم، أن الولادة لا تكون ولا ~~تتشخص إلا بواسطة المادة وعلاقتها، وكل ما كان ماديا أو كان له علاقة ~~بالمادة، كان متولدا عن غيره فكان لا يصح أن يتولد عنه شيء لأنه لا يصح ~~أن يكون هو متولدا عن غيره لأنه لا ماهية له ولا اعتبار لوجوده سوى أنه ~~هو، فهويته لذاته، ومن كانت هويته لذاته لم يصح بوجه أن يتولد عن غيره ~~لأنه لو تولد عن غيره لم يكن هو هو لذاته، ولا يكون أحدا حقيقيا ولا ~~صمدا، فينتفي من أصله، ولا يكون له من ذاته إلا العدم، فقد تبين أنه ~~واجب الوجود، فوضح كالشمس أنه ليس ماديا لأنه غير محتاج بوجه، فلا يصح ~~أن يتولد عنه غيره، لأنه لم يصح أن يتولد هو عن غيره، ومن كان كذلك لم ~~يكن له مثل، فلا يصح بوجه أن يساويه شيء ليصح أن يقوم مقامه فيما بين ما ~~انتفى في الأول والآخر، فدل على ذلك إتماما لشرح حقيقته المعبر عنها بهو ~~بقوله: { ولم يكن } أي لم يتحقق ولم يوجد بوجه من الوجوه ولا بتقدير من ~~التقادير { له } أي خاصة { كفوا } أي مثلا ومساويا { أحد } على ~~الإطلاق، أي لا يساويه في قوة الوجود لأنه لو ساواه في ذلك لكانت مساواته ~~باعتبار الجنس والفصل، فيكون وجوده متولدا عن الازدواج الحاصل من الجنس ~~الذي يكون كالأم، والفصل الذي يكون كالأب، وقد ثبت أنه لا يصح بوجه أن ~~يكون في شيء من الولادة، لأن وجوب وجوده لذاته، فانتفى أن يساويه شيء في ~~قوة وجوده، فانتفى قطعا أن يساويه أحد في شيء من قوة أفعاله، فعطف هاتين ~~الجملتين على الجملة التي قبلها لأن الثلاث شرح الصمدية النافية لأقسام ~~الأمثال، فهي كالجملة الواحدة، وقدم الظرف في الثالثة لأن المقصود الأعظم ~~نفي المكافأة عن الذات الأعظم، فكان أهم " وكفوا " حال من أحد. # ويجوز أن يكون " كان " ناقصة ويكون " كفوا " خبرها، وسوغ خبريته تخصيصه ~~ب " له ms5767 " كما قالوا في " إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله " وقد وضح ~~أن هذه السورة أعظم مبين للذات الأقدس بترتيب لا يتصور في العقل أن يكون ~~شيء يساويه، وكلمات لا تقع في الوهم أن يكون شيء يساويها أو يساوي شيئا ~~منها، فأثبت أولا حقيقته المحضة وهويته بأنه هو، لا اسم لتلك الحقيقة من ~~حيث هي إلا ذلك، فعلم أنه واجب الوجود لذاته لا لشيء آخر أصلا، ثم عقب ~~ذلك بيانا له بذكر الإلهية التي هي أقرب اللوازم لتلك الحقيقة وأشدها ~~تعريفا. # ولما اقتضت الإلهية الوحدة لأنها عبارة عن الاستغناء المطلق واحتياج ~~الغير إليه الاحتياج المطلق، دل عليها بالأحد، ودل على تحقيق معنى ~~الإلهية والواحدة معا بالصمدية لما لها من المعنيين: وجوب الوجود بعدم ~~الجوف وجودا أو تقديرا والسيادة المفيضة لكل وجود على كل موجود وجودا ~~لا يشبه وجوده سبحانه: # " وأين الثريا من يد المتناول " # " الأمر أعظم من مقالة قائل " # وبين المعنيين كليهما بعدم صحة التوليد منه وله وعدم المساوي، فمن أول ~~السورة إلى آخر الأسماء في بيان حقيقته سبحانه وتعالى ولوازمها الأقرب ~~فالأقرب ووحدتها بكل اعتبار، ومن ثم إلى آخرها في بيان أن لا مساوي له ~~لأنه لا جنس له ولا نوع حتى يكون هو متولدا عن شيء أو يكون متولدا عنه ~~شيء، أو يكون شيء موازيا له في الوجود، وبهذا القدر حصل تمام معرفة ~~ذاته، وأنه لا يساويه شيء في قوة وجوده فلا يساويه في تمام أفعاله بدلالة ~~شاهد الوجود الذي كشف عنه والشهود بنصر نبيه صلى الله عليه وسلم الذي كان ~~يدعو أبا لهب وجميع الكافرين الشانئين وحده وهم ملء الأرض ويخبرهم مع ~~تحاملهم كلهم عليه أنهم مغلوبون، وأنه أتاهم بالذبح لأن لمن أرسله ~~الإحاطة الكاملة بجميع الكمال، وقد كان الأمر كما قال صلى الله عليه ~~وسلم، فقد صدقت مقالاته، فثبتت إلى الخلق كافة رسالاته، وثبت مضمون جميع ~~السورة بما ثبت من هذه الأدلة المشهورة، والبراهين القاطعة المنصورة، وقد ~~ثبت أنه صمد بما دل على أحد معنييه الذي ms5768 هو انتفاء الجوفية بعدم التولد، ~~وعلى المعنى الآخر الذي هو بلوغ المنتهى من السيادة بعدم المكافىء فبان ~~أنه هو لذاته فلا إله غيره، فانطبق آخرها على أولها، والتحم أي التحام ~~مفصلها بموصلها، فعلم أنه هو هو لا غيره بزيادة أنه الأحد ولا أحد حقا ~~غيره، ومن تحقق آخرها أقبل بكليته إليه سبحانه، فلم يلتفت إلى غيره لأن ~~الكل في قبضته، وقد نقلت في كتابي مصاعد النظر عن الإحياء للإمام الغزالي ~~رحمة الله تعالى عليه في شيء من أسرار هذه السورة كلاما هو في غاية ~~النفاسة. # وروى الترمذي عن أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه أن المشركين قالوا: يا ~~محمد انسب لنا ربك، فأنزل الله تعالى: قل هو الله أحد إلى آخرها، قال: ~~لأنه ليس شيء يولد إلا سيموت، وليس شيء يموت إلا سيورث، وأن الله تعالى ~~لا يموت ولا يورث، ولم يكن له كفوا أحد - انتهى. ومن كان كذلك فهو ~~الجامع للأسماء الحسنى والصفات العلى كلها، وعلم أن حاصلها تنزيه المعبود ~~عن أن يكون له مجانس، أو يكون له مكافىء، والرد على كل من يخالف في شيء ~~من ذلك، وأعظم مقاصد آل عمران المناظرة لها في رد المقطع على المطلع، ~~المفتتحة بالحي القيوم، المودعة أوضح الأدلة على كفر من كفر بالله سبحانه ~~وتعالى لا سيما من ادعى أن عيسى عليه الصلاة والسلام إله أو أنه ولد له ~~سبحانه وتعالى وكذا غيره الدلالة على بطلان مذهب من ادعاه إلها وعلى أن ~~عيسى عليه الصلاة والسلام عبد من عبيده أوجده على ما أراد كما أوجد من هو ~~أغرب حالا منه وإبطال قول من ادعى فيه غير ذلك. ولما عرفت هذه السورة ~~حقيقة الذات أتم تعريف، وكان الغرض الأقصى من طلب العلوم بأسرها معرفة ~~ذاته سبحانه وتعالى وصفاته وكيفية صدور الأفعال عنه وكان القرآن العظيم ~~كفيلا بجميع هذه العلوم، وكانت هذه السورة منه قد تكفلت بجميع ما يتعلق ~~بالبحث عن الذات على سبيل التعريض والإيماء، وكانت معادلة لثلث القرآن ~~وهي ثلث أيضا ms5769 باعتبار آخر وهو أن الدين اعتقاد، وفعل لساني يترجم عن ~~الاعتقاد، وفعل يصحح ذلك، وهي وافية بأمر الاعتقاد بالوحدانية الذي هو ~~رأس الاعتقاد، وباعتبار أن مقاصده كلها محصورة في بيان العقائد والأحكام ~~والقصص، وهذه السورة على وجازتها قد اشتملت على جميع المعارف الإلهية ~~والرد على من ألحد فيها، ولأجل أن هذا هو المقصود بالذات الذي يتبعه جميع ~~المقاصد عدلت في بعض الأقوال بجميع القرآن، وحاصل شرح هذه السورة العظمى ~~أنه سبحانه وتعالى دل على الذات الأقدس بالهوية، وعبر عنها بالضمير إشارة ~~إلى نفي الماهية التي غلظ أو غالط فيها الكفور الأعظم فرعون - لعنة الله ~~عليه وعلى أتباعه أهل الإلحاد، وأنصاره وأشياعه من أهل الاتحاد، ودل على ~~ذلك بالاسم الأعظم المجمع عليه ودل عليه بالوحدة الجامعة للغنى، النافية ~~للكثرة الموجبة لحاجة، ودل عليها بالصمدية النافية للجوفية المثبتة ~~للسيادة الخفية، ودل على أول معنييها بانتفاء الولادة منه وله، الدالان ~~على نفي الجنس للقوم والفصل المقسم، ودل على الثاني بعدم المكافىء، ودل ~~على هذا العدم بأفعاله العظيمة المشاهدة التي أشار قطعا ترتيب السور بما ~~انتهى إليه وضع هذه السورة في هذا الموضع إلى استحضارها. # وتأمل ما كان منها من تربية هذا الدين بنصر نبيه الذي أرسله صلى الله ~~عليه وسلم لإقامته، وسلط الكافرين - وهم ملء الأرض - على أذاه، وجعل ~~أعظمهم له أذى أقربهم إليه نسبا عمه أبا لهب الذي كان يتبعه في تلك ~~المشاهد والقبائل، ويلزمه في تلك المواسم والمعاهد والمحافل، يصرح ~~بتكذيبه كلما دعى الناس إلى الحق، ويواجه بما هو أشد الأشياء على النفس ~~كراهة وأشق، فكانت تلك الشهرة عين الرفعة والنصرة، لأن الشيء، إذا خرج عن ~~حده انقلب إلى ضده، فإنه إذا تناهت شهرته ثم بان بطلانه أو صحته رجعت ~~شهرته بكونه باطلا أو صحيحا أعظم منها لو لم يتقدمها شهرة بغير ذلك، ~~فانقلبت النصرة، وعظمت الكثرة، فجلت المعاونة، وزالت المباينة، وحصل ~~الوفاق، وزال الشقاق، فدل هذا الفعل الأعظم من صدق الرسول صلى الله عليه ~~وسلم وهو وحده، وكذب المعاندين وهم ms5770 من لا يحصيهم إلا الله في كل ما قال، ~~وجميع ما قالوا على عزته سبحانه وتعالى بكونه نصر عبده على ذلك الوجه ~~الخارق للعادة وعلى حكمته بما سلطهم به عليه حتى أسرعت الشهرة وعمت ~~النصرة، فعلم بتلك المشاهدة أنه العزيز الحكيم كما دلت عليه سورة التوحيد ~~المناظرة لهذه في رد المقطع على المطلع، وهي آل عمران المناظرة لهذه في ~~الدلالة على التوحيد والمحاججة لمن ادعى أن له صاحبة وولد، فعلم قطعا ~~أنه لا كفوء له، فعلم أنه لا يصح أصلا أن يلد ولا أن يولد، فبطلت قطعا ~~دعوى إلهية عيسى عليه الصلاة والسلام وغيره ممن ادعى فيه الولدية ~~بالأحدية لما تقتضيه الولادة من المادة المقتضية للكثرة، الموجبة للحاجة، ~~وعظم البيان بما دل عليه الاسم الأعظم من الإجماع بما تقتضي الإلهية، ولا ~~إجماع على غيره، وجل الأمر وانقطع النزاع بما دل عليه الضمير من وجوب ~~الوجود النافي لما سواه من كل موجود - والله الهادي، فلقد أبانت السورة ~~على أعظم الوجوه أن مرسله صلى الله عليه وسلم أجل موجود وأشرف حقيقة ~~وأنفس معلوم، وأعظم ذات، وذلك يستلزم نفي كل ما لا ينبغي، وحصول كل ما ~~ينبغي استلزاما لا يقبل الانفكاك، كالفردية في الوتر، والزوجية في ~~الشفع، وتفصيل ذلك بعشرة أشياء تبسط على كلمات السورة على الترتيب: الأول ~~أنه تعالى له الوجود الذي ما مثله فليس هو كالممكنات المسبوقة بالعدم ~~والمنقطعة بالانعدام، والمنصرمة في الدوام، بل هو أزلي لا أول له أبدي لا ~~آخر له، قيوم لا انصرام له، الثاني أن له السبوحية الآبية على نفع كل نقص ~~وعيب، الثالث أن له القدوسية المشتملة على الاتصاف بكل كمال، من جلال ~~وجمال وتعال، الرابع أن له العظمة والجلالة عن أن يكون عرضا أو ~~كالأعراض، أو جوهرا أو كالجواهر، أو جسما أو كالأجسام، الخامس أن له ~~العلو عن أن يحل في شيء أو يحل فيه شيء أو يتحد بشيء أو يتحد به شيء، ~~السادس أنه تعالى له الغنى عن الموجد كالرب والموجب كالأب والمفيد أي ms5771 ~~لشيء من الكمالات، السابع أنه تعالى له الوحدانية التي ليس فيها شبيه أي ~~في صفاته، ولا مثيل أي في نوع ولا نسب أي كالقرابة، الثامن أنه تعالى له ~~الفردانية التي لا يصح فيها شرك، لا في الملك - بكسر الميم، ولا في الملك ~~- بضمها، ولا في التدبير، ولا في التأثير، التاسع أنه تعالى له الكبرياء ~~المنافية لفوت كمال أو كمال كمال، العاشر أنه تعالى له العزة المنافية ~~لأن يكون له ضد - وهو المفسد لما يفعله، أو ند - وهو الموجد لمثل ما ~~يوجده، وتنزل هذه العشرة على السورة واضح لمن تأمل الكلام وتدبره، وابتدأ ~~سبحانه السورة بالضمير قبل الظاهر بعد التصريح بالنصر والفتح وخسارة أهل ~~الكفر بخسارة أبي لهب الذي هو أعلاهم وأعزهم إشارة إلى أن من صحح باطنه ~~باسم الله تعالى نصر وفتح له - كما يشير إليه تعقيب الأمر في آخر سورة ~~البقرة بالرغبة إليه في النصر على الكافرين بقوله # الله لا إله إلا هو الحي القيوم # [البقرة: 255] فإنه ترجمة أول هذه السورة التالية للنصر والكافرون سواء ~~بالضمير والاسم الأعظم والتوحيد الأعظم المقرون بدليل وهو القيومية، فقد ~~بين آخر السورة الذي هو نتيجتها ورد مقطعها على مطلعها أنه أحد حاضر في ~~كل زمن لا يغيب أصلا، ولا أحد يكافئه أو يشابهه، لأنه لم يتولد عنه شيء ~~ولا تولد هو عن شيء، لأنه صمد لا جوف له مطلقا لا في ذاته بالفعل، ولا ~~بحيث يجوزه الوهم لأنه أحد محيط بكل شيء لأنه هو الله المحيط بجميع صفات ~~الكمال والجمال، وهو غيب محض لأنه لا يقوى غيره على معرفته إلا باللوازم ~~من الصفات المعقولة تقريبا، والأفعال المشاهدة آثارها، وهو هو الذي هو - ~~مع كونه غيب الغيب - مستحضر في كل لب، لا يظهر بغيب عن أحد بما له من ~~الآثار، التي ملأت الأقطار، ولذلك استحق التسمية ب " هو " ولم يستحقها ~~غيره لحضوره لكل قلب وغيبة غيره بكل اعتبار، لأنه ليس للغير من ذاته إلا ~~الغيبة بالعدم، وأما هو فهو الواجب وجوده، وهو الذي أوجد ms5772 غيره، وركز في ~~كل قطرة ذكره، لما له سبحانه من الكمال، ولغيره من شدة الحاجة إليه ~~والاحتلال، فكان سبوحا قدوسا جامعا بين الوصفين لأنه ممدوح بالفضائل ~~والمحاسن، التقديس مضمر في صريح التسبيح، والتسبيح مضمر في صريح التقديس، ~~وقد جمع الله سبحانه وتعالى بينهما في هذه السورة بالأسماء التي جلاها ~~أولها، فهو صريح التقديس، ومن ثم إلى آخرها صريح التسبيح، والأمران ~~راجعان إلى إفراده وتوحيده ونفي التشريك والتشبيه عنه، وذلك هو الجمع بين ~~الإثبات والنفي على تهييج ما وقع في كلمة الإخلاص ليعلم أن الإثبات لا ~~يكمل إلا بصيانته عن كل ما يتضمن مخالفته، لكن كلمة الإخلاص تركبت من نفي ~~ثم إثبات، وسورة الإخلاص من إثبات ثم نفي، فأولها إثبات وآخرها نفي، وآخر ~~الإثبات الصمد، فهو جامع بين الأمرين فإنه جمع كل صفة لا يتم الخلق إلا ~~بها " لأن أحد مدلوليه " في اللغة: السيد الذي يرجع إليه، فاقتضى ذلك ~~إثبات صفات الكمال التي بها يتم اتساق الأفعال ونفي كل صفة ينزه عنها، ~~لأن ثاني مدلوليه في اللغة: الذي لا جوف له، وذلك يتضمن نفي النهاية ونفي ~~الحد والجهة والجسم والجوهر، لأن من اتصف بشيء من ذلك لم يستحل اتصافه ~~بالتركيب ووجود الجوف، فقررت هذه الكلمة وجوب المعرفة بالنفي والإثبات ~~ليميز بين الحق والباطل، لأن من لم يتحقق صفاء الباطل لم يتقرر له ~~المعرفة بالحق، ولذلك كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم أجمعين ~~يسألون النبي صلى الله عليه وسلم عن الحق لصحة الاعتقاد والمعرفة، وعن ~~الباطل والشر للتمكن من مجانبته حتى قال حذيفة رضي الله تعالى عنه # " وكان الناس يسألون النبي صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن ~~الشر " # وذلك لأن من لم يعرف الشر يوشك أن يقع فيه، وأن ما خالفت كلمة الشهادة ~~في الترتيب لأن تلك أتت للإدخال في الدين، والأليق بمن كان خارجا أو ~~ضعيفا - وهم الأكثر - نفي الباطل أولا ومحوه من لوح القلب ليأتي إثبات ~~الحق فيه وهو فارغ فيقر فيه، فلما نفت أولا كل ms5773 غير كان سببا للمجانبة ~~والبعد عن حضرات القدس، ثم أثبتت الذات الأقدس والمسمى الأشرف الأنفس، ~~أكدت سورة الإخلاص لأنها للكمل الذين تخلقوا بما قبلها من السور، هذا ~~الإثبات عند استحضاره، وشهود الجميل من آثاره، ثم ختمت بنفي الأغيار، ~~ليكون بذلك تجلى ختام الأعمار، عند الرجوع إلى الآثار، بالعرض على الواحد ~~القهار، وقد بين بهذه السورة أنه طريق بين الخلق والأمر، فلما فتح الخلق ~~بمتشابه خلق آدم عليه الصلاة والسلام لأن المتشابه ما خرج عن أشكاله، ~~وختمت أقسامه الأربعة بمتشابه خلق عيسى عليه الصلاة والسلام - كما تقدم ~~عند # إن الله اصطفى # [آل عمران: 33] في آل عمران المناظرة لهذه السورة، لذلك فتح الأمر بعد ~~أم الكتاب بمتشابه الحروف المقطعة، وختم دون المعوذتين اللتين هما في ~~الحال المرتحل كالمقدمة، والافتتاح بالتعوذ لأم الكتاب بمتشابه هو سورة ~~الإخلاص، وكان متشابه أوله متشابها من جميع وجوهه، لا يمكن أحدا أن ~~يقول فيه قولا مقطوعا به أو مظنونا ظنا راجحا، ومتشابه آخره لا يقنع ~~فيه بدون القطع في أوله فيما كلفنا أمره في هذه الدار وهو أصول الدين، ~~ووراء ذلك ما لا يدركه أحد من الأبرار ولا المقربين، وهو الذات الأقدس، ~~فمن رجع متشابه الخلق فوق منزلته كفر، ومن وضع متشابه الأمر عن رتبته ~~العلية كفر، وجعل آخره أجلى من أوله من بعض الوجوه إشارة إلى ترقية ~~الموفق في أمره، وأنه في الآخر يكون أجلى انكشافا وأوضح معرفة، وتلاه ~~بالتعوذ إشارة إلى سؤال الاعتصام في شأنه، والحفظ التام في مضمار عرفانه، ~~وكرر بالتثنية لأجل الإحاطة بأمري الظاهر والباطن، والتأكيد تنبيها على ~~صعوبة المرام، وخطر المقام. # ولما افتتح القرآن بسورة مشتملة على جميع معانيه، ختم بسورتين يدخل ~~معناهما، وهو التعوذ، ويندب ذكره في جميع أجزائه ومبانيه، وفي ذلك لطيفة ~~أخرى عظيمة جدا، وهي أنه لما علم بالإخلاص تمام العلم وظهور الدين على ~~هذا الوجه الأعظم، فحصل بذلك غاية السرور، وكان التمام في هذه الدار ~~مؤذنا بالنقصان، جاءت المعوذتان لدفع شر ذلك، وقد انقضى الكلام على ما ~~يسره ms5774 الله تعالى من كنوز معاني سورة الإخلاص بحسب التركيب والنظم ~~والترتيب، وبقي الكلام على ما فتح الله به من أسرارها في الدلالة على ~~مقصود السورة بالنظر إلى كلماتها مفردة ظواهر وضمائر ثم حروفها، ففيها من ~~الأسماء الحسنى والصفات العلى، التي أسس عليها بنيانها، وانبنت عليها ~~أركانها، خمسة هي العشر من كلمات آية الكرسي كما أن الصلوات المكتوبات ~~خمس وهي خمسون في أم الكتاب " الحسنة بعشر أمثالها " فمن لطائف إشاراتها ~~أنها كدعائم الدين الخمس، فالضمير مشير إلى تصحيح ضمير القلب بالإيمان، ~~وصحة القصد والإذعان، حتى يقوم بناء العبادة، والاسم الأعظم إشارة إلى أن ~~ذلك التصحيح لأجل التأله بالخضوع للإله الحق باستحضار اسمه الأعظم كما أن ~~الصلاة أعظم عبادات البدن، هذا للتهيئة في الدخول في العبادة، ثم إن ~~الدخول فيها شرطه أحدية التوجه تحقيقا للصدق في صحة العزم عليها كما أن ~~الزكاة تكون مصدقة للإيمان، وذلك التوحيد في التوحيد يكون لأجل الصدق في ~~التأله بما يشير إليه إعادة الاسم الأعظم كما هو شأن الحاج الأشعث الأغبر ~~المتجرد، ويكون ذلك التأله باستحضار افتقار العابد إلى المعبود وتداعيه ~~إلى الهلاك بكل اعتبار لأنه أجوف، وغنى المعبود على الإطلاق بما يشير ~~إليه الاسم الإضافي الصمد كما هو شأن الصائم في عبادته، واستحضاره ~~لحقارته وشدة حاجته، ولجلالة مولاه، وتعاليه في غناه، فمن صحت له هذه ~~الدعائم الخمس كانت عبادته في الذروة العليا من القبول، وإلا كان لها اسم ~~الحصول من غير كثير محصول - والله الموفق، وكونها خمس عشرة كلمة إشارة ~~إلى أنهم في السنة الخامسة عشرة من النبوة يعلمون - بغلبة قهره وسطوة ~~سلطانه وتأييده للمستضعفين من حزبه، وتقويته لهم في وقعة بدر في السنة ~~الثانية من الهجرة - أن مرسله لا كفوء له بعلم شهودي لا يقدر أحد على ~~تكذيبه ودفعه، فيقوم به دليل الإخلاص، ولات حين مناص، وإذا ضممت إليها ~~الضمير الواجب الاستتار في { قل } كانت ست عشرة إشارة إلى أنه في السنة ~~السادسة عشرة من النبوة وهي الثالثة من الهجرة في غزوة أحد يكون الظاهر ms5775 ~~فيها اسمه تعالى الباطن، فإنه كان فيها من المصيبة ما هو مذكور في السير ~~تفصيله من قتل سبعين من الصحابه رضي الله تعالى عنهم منهم حمزة بن عبد ~~المطلب رضي الله تعالى عنه عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسد رسوله ~~صلى الله عليه وسلم، وذلك بعد أن ظهر فيها النبي صلى الله عليه وسلم في ~~أول النهار، ظهورا بينا حتى كانت هزيمة الكفار، لا شك فيها - كما قال ~~الله تعالى # ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم # [آل عمران: 152] - الآيات، ثم أخفى الله ذلك في إزالة الكفار في أثناء ~~النهار، فهزم الصحابة رضي الله تعالى عنهم حتى لم يبق مع النبي صلى الله ~~عليه وسلم منهم إلا نفر يسير جدا أكثر ما ورد في عددهم أنهم يقاربون ~~الأربعين وهو ثابت بهم - صلى الله عليه وسلم - في نحر العدو وهم نحو من ~~ثلاثة آلاف فيهم مائتا فارس يحاولهم ويصاولهم يشتملون عليه مرة ويفترقون ~~عنه أخرى ليعلم أن الناصر إنما هو الله سبحانه وتعالى وحده، وقد قال ابن ~~عباس رضي الله عنهما: ما نصر النبي صلى الله عليه وسلم في موطن من ~~المواطن ما نصر في غزوة أحد، وقال أبو سفيان ابن حرب يوم إسلامه في عام ~~الفتح للنبي صلى الله عليه وسلم: ما قاتلتك من مرة إلا ظهرت علي، أظن لو ~~كان مع الله غيره لقد أغنى شيئا. # ولكن الذي ظهر منها ما كان في آخر النهار من ظهور الكفار، فأخفى الله ~~تعالى نصره لنبيه صلى الله عليه وسلم فيها باسمه الباطن إلا على أرباب ~~البصائر، فما علم ذلك إلا بوجه خفي جدا مناسبة للضمير الباطن الواجب ~~الاستتار، وإذا ضممت إلى ذلك الضميرين المستترين الجائزي الظهور، فكانت ~~الكلمات بذلك ثماني عشرة، كان إشارة إلى أن في السنة الثامنة عشرة من ~~النبوة - وهي الخامسة من الهجرة دلالة عظيمة على أنه لا كفوء له يوجب ~~الإخلاص على وجه هو أجلى مما كان في غزوة أحد وإن كان ms5776 فيه نوع خفاء، وذلك ~~في غزوة الأحزاب وبني قريظة حين رد الله الكفار بغيظهم لم ينالوا خيرا ~~بعد أن كانوا في عشرة آلاف مقاتل غير بني قريظة، يقولون: إنه لا غالب ~~لهم، وكفى الله المؤمنين القتال، وكان الله قويا عزيزا قاهرا لهم بريح ~~وجنود لم يروها، وأمكن من بني قريظة، وكان الله قويا عزيزا، وذلك في ~~شوال وذي القعدة سنة خمس من الهجرة، فإذا ضممت إليها الضمير الآخر البارز ~~بالفعل في " له " فكانت تسع عشرة، كانت إشارة إلى مثل ذلك على وجه أجلى ~~في عمرة الحديبية في ذي القعدة سنة ست من الهجرة، فإنه كان فيها الفتح ~~السببي الذي أنزل الله سبحانه وتعالى فيه سورة الفتح، وكان فيها من دلائل ~~الوحدانية أمور كثيرة توجب الإخلاص، وإن كان في ذلك نوع خفاء مناسبة ~~للضمير وإن كان بارزا بالفعل، فقد خفي على كثير من الصحابة رضي الله ~~تعالى عنهم أجمعين حتى نبههم النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا ضممت إليها ~~كلمات البسملة الأربع كانت ثلاثا وعشرين توازي السنة العاشرة من الهجرة، ~~وهي الثالثة والعشرون من النبوة، وفيها كان استقرار الفتح الأكبر ~~والإخلاص الأعظم بنفي الشرك وأهله من جزيرة العرب لحجة الوداع التي قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم فيها: # " إن الشيطان - قد أيس أن يعبد في أرض العرب " # ولذلك توفى الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم عقبها بعد إظهار الدين ~~وإذلال الكافرين وإتمام النعمة، وقام سبحانه بنصر الأمة وحده بعد أن مهد ~~أسباب النصر بنبيه صلى الله عليه وسلم حتى علم قطعا في الردة وأحوالها، ~~وموج الفتنة وأهوالها، وغلبة رعبها على القلوب وزلزالها، في ذلك الاضطراب ~~الشديد، أنه الإله وحده الذي لا كفوء له لحفظ الدين في حياة نبيه صلى ~~الله عليه وسلم وبعده، وكذا فيما بعد ذلك من فتوح البلاد، وإذلال الملوك ~~العتاة الشداد، مع ما لهم من الكثرة والقوة بالأموال والأجناد، والتمكن ~~العظيم في البلاد، وجعل النصر عليهم بأهل الضعف والقلة آية في آية، ~~ودلالة بالغة في ظهورها الغاية، ms5777 وإذا سلكت طريقا آخر في الترتيب في ~~الكلمات الخطية والاصطلاحية دلك على مثل ذلك بطريق آخر، وذلك أن تضم إلى ~~الكمات الخمس عشرة كلمات البسملة الأربع لتكون تسع عشرة فنوازي سنة ست من ~~الهجرة، وذلك سنة عمرة الحديبية التي سماها الله تعالى فتحا، وأنزل فيها ~~سورة الفتح لكونها كانت سبب الفتح الذي هو عمود الإخلاص، فإذا ضممت إليها ~~الضمير المستتر كانت عشرين، فوازت سنه سبع التي كانت فيها عمرة القضاء، ~~فأظهر الله فيها الإخلاص على عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم بين أظهر ~~المشركين في البلد الذي كان بعثه منه وفيه على وجه ظهر فيه أنه لا كفوء ~~له، ولكن كان ذلك بوجه خفي، فإذا ضممت إليها الضميرين المستترين الجائزي ~~البروز كانت اثنتين وعشرين موازية لسنة تسع سنة الوفود ودخول الناس في ~~دين الله أفواجا، فالإلهية من حيث هي تقتضي الوحدة، والوحدة لا تقتضي ~~الإلهية، وعبر به دون الواحد لأن المراد الإبلاغ في الوصف بالوحدة إلى حد ~~لا يكون شيء أشد منه، والواحد - قال ابن سينا - مقول على ما تحته من ~~التشكيك، والذي لا ينقسم بوجه أصلا أولى بالوحدانية مما ينقسم من بعض ~~الوجوه، والذي ينقسم انقساما عقليا أولى مما ينقسم بالحس، والذي ينقسم ~~بالحس وهو بالقوة أولى من المنقسم بالحس بالفعل، وإذا ثبت أن الوحدة ~~قابلة للأشد والأضعف وأن الواحد مقول على ما تحته بالتشكيك كان الأكمل في ~~الفعل الذي لا يمكن أن يكون شيء آخر أقوى منه فيها وإلا لم يكن بالغا ~~أقصى المرام، والأحد جامع لذلك دال عل الواحدية من جميع الوجوه، وأنه لا ~~كثرة هناك أصلا، لا معنوية من المقولات من الأجناس والفصول ولا بالأجزاء ~~العقلية كالمادة والصورة، ولا حسية بقوة ولا فعل كما في الأجسام، وذلك ~~لكونه سبحانه وتعالى منزها عن الجنس والفصل والمادة والصورة والأعراض ~~والأبعاض والأعضاء والأشكال والألوان وسائر الوجوه وجوه التشبيه التي ~~تثلم الوحدة الكاملة الحقة اللائقة بكرم وجهه وعز جلاله أن يشبهه شيء أو ~~يساويه شيء لأن كل ما كانت هويته ms5778 أن تحصل من اجتماع آخر كانت هويته ~~موقوفة على تلك الأجزاء فلا يكون هو هو لذاته بل لغيره، فلذا كان منزها ~~عن الكثرة بكل اعتبار ومتصفا بالوحد من كل الوجوه، فقد بلغ هذا النظم من ~~البيان أعظم شأن، فسبحان من أنزل هذا الكلام ما أعظم شأنه وأقهر سلطانه! ~~فهو منتهى الحاجات، ومن عنده نيل الطلبات، ولا يبلغ أدنى ما استأثره من ~~الجلال والعظمة والبهجة أقصى نعوت الناعتين، وأعظم وصف الواصفين، بل ~~القدر الممكن منه الممتنع أزيد منه هو الذي ذكره في كتابه العزيز، وأودعه ~~وحيه المقدس الحكيم، وبالكلام على معناه والمعنى الواحد تحقق ما تقدم، ~~قال الإمام أبو العباس الاقليشي في شرح الأسماء الحسنى، فمن أهل اللسان ~~من ساوى بينهما جعلهما مترادفين، ومنهم من قال: أصل " أحد " واحد، أسقطت ~~منه الألف، ثم أبدلت الهمزة من الواو المفتوحة مثل حسن يحسن فهو حسن - من ~~الحسن، أبدلت الواو همزة، وأما من فرق بينهما فمنهم من قال: " أحد " على ~~حياله، لا إبدال فيه ولا تغيير، ومنهم من قال: أصله وحد - أبدلت الواو ~~همزة - انتهى. # وقد استخلصت الكلام على الاسمين الشريفين من عدة شروح للأسماء الحسنى ~~وغيرها، منها شرح الفخر الرازي والفخر الحرالي وغيرهما - قالوا: الواحد ~~الذي لا كثرة فيه بوجه لا بقسمة ولا بغيرها مع اتصافه بالعظمة ليخرج ~~الجوهر الفرد وهو الذي لا يتثنى، أي لا ضد له ولا شبيه، فهو سبحانه ~~وتعالى واحد بالمعنيين على الإطلاق لا بالنظر إلى حال ولا شيء، قال ~~الإمام أبو العباس الاقليشي في شرح الأسماء الحسنى: هذه حقيقة الوحدة عند ~~المحققين فلا يصح أن يوصف شيء مركب بها إلا مجازا كما تقول: رجل واحد ~~ودرهم واحد، وإنما يوصف بها حقيقة ما حراك له كالجوهر عند الأشعرية غير ~~أنك إذا نظرت فوجدت وجوده من غيره علمت أن استحقاقه لهذا الوصف ليس ~~كاستحقاق موجده له، وهو أيضا إنما يوصف به لحقارته، وموجده سبحانه ~~وتعالى موصوف به مع اتصافه بالعظمة، فاتصافه بالوحدة على الإطلاق، ~~والاتصاف بالجوهر بالنظر إلى عدم التركيب ms5779 من الجسم مع صحة اتصافه بأنه ~~جزء يزل عنه حقيقة ذلك، والوحدة أيضا بالنظر إلى المعنى الثاني - وهو ما ~~لا نظر له - لا تصح بالحقيقة إلا له سبحانه وتعالى، وكل ما نوعيته في ~~شخصيته كالعرش والكرسي والشمس والقمر يصح أن يقدر لها نظائر، ولها معنى ~~ثالث وهو التوحيد بالفعل والإيجاد، فيفعل كل ما يريد من غير توقف على ~~شيء، والفرق بين هذا الوجه والذي قبله أن الأول ناظر إلى نفي إله ثان، ~~وهذا ناف لمعين ووزير، وكلاهما وصف ذاتي سلبي، والحاصل أن النظر الصحيح ~~دل على أن لنا موجدا واحدا بمعنى أنه لا يصح أن يلحقه نقص لقسمته بوجه ~~من الوجوه، وبمعنى أنه معدوم النظير بكل اعتبار، ومعنى أنه مستبد بالفعل ~~مستقل بالإيجاد ومتوحد بالصنع منفرد بالتدبير، قضى بهذا شاهد العقل ~~المعصوم من ظلمة الهوى وكثافة الطبع، وورد به قواطع النقل ونواطق السمع، ~~ولهذا كان من أعظم الخلق دعاؤه سبحانه وتعالى لجميع الخلق، وكانت دعوة ~~رسوله الخاتم صلى الله عليه وسلم للخلق كافة، وقال حجة الإسلام أبو حامد ~~الغزالي في آخر شرحه للأسماء الحسنى في شرحه في بيان رد الأسماء الكثيرة ~~إلى ذات الواحد وسبع صفات الأحد المسلوب عنه النظير، وقال في الشرح ~~المذكور: الواحد هو الذي لا يتجزى ولا يتثنى، أما الذي لا يتجزى فكالجوهر ~~الذي لا ينقسم فيقال عنه: إنه واحد - بمعنى أنه لا جزء له، وكذلك النقطة ~~لا جزء لها، والله تعالى واحد بمعنى أنه يستحيل تقدير الانقسام في ذاته، ~~وأما الذي لا يتثنى فهو الذي لا نظير له كالشمس مثلا فإنها - وإن كانت ~~قابلة للانقسام بالوهم - متحيزة في ذاتها لأنها من قبيل الأجسام فهي لا ~~نظير لها إلا أنه يمكن لها نظير، وليس في الوجود موجود يتفرد بخصوص وجوده ~~تفردا لا يتصور أن يشاركه فيه غيره أصلا إلا الواحد المطلق أزلا ~~وأبدا، والعبد إنما يكون واحدا إذا لم يكن له في أبناء جنسه نظير في ~~خصلة من خصال الخير، وذلك بالإضافة إلى بعض الخصال دون الجميع، ms5780 فلا وحدة ~~على الإطلاق إلا لله سبحانه وتعالى، وقال محمد بن عبد الكريم الشهرستاني ~~في مقدمة كتاب الملل والنحل: واختلفوا في الواحد أهو من العدم أم مبدأ ~~العدد وليس داخلا في العدد، وهذا الاختلاف إنما ينشأ من اشتراط لفظ ~~الواحد أيضا، فالواحد يطلق به ويراد به ما يتركب منه العدد، فإن الاثنين ~~لا معنى له إلا واحد تكرر أول تكرير وكذا الثلاثة والأربعة، ويطلق ويراد ~~به ما يحصل منه العدد الذي هو علة، ولا يدخل في العدد الذي لا يتركب منه ~~العدد، وقد يلازم الواحدية جميع الأعداد لا على أن العدد يتركب بها بل ~~وكل موجود فهو جنسه أو نوعه أو شخصه واحد، يقال: إنسان واحد، وفي العدد ~~أنه لا كفوء له ولكن كان ذلك بوجه خفي، فإذا ضممت إليها الضميرين ~~المستترين الجائزي البروز كانت اثنين وعشرين موازية لسنة تسع سنة الوفود ~~ودخول الناس في الدين أفواجا، وحجة أبي بكر رضي الله عنه وتطهير المسجد ~~الحرام من نجس الإشراك بالبراءة من المشركين وزجرهم عن أن يحج بعد ذلك ~~العام مشرك، ونهيهم عن قربانهم المسجد الحرام لأنهم نجس، وانتشار الإخلاص ~~في أغلب بلاد العرب، وذلك أجلى مما مضى مناسب لما دل عليه، وفيه نوع خفاء ~~عند من كان بقي من المشركين، وإذا ضممت إليها الضمير الآخر البارز بالفعل ~~كانت ثلاثا وعشرين توازي سنة حجة الوداع سنة عشر، وهي التي تم فيها ~~الإخلاص ولم يحج بها مشرك، وأيس الشيطان فيها أن يعبد في جزيرة العرب، ~~وفي ذلك - لكون الكلمة ضميرا - نوع يسير في الخفاء بما دل عليه بعد ذلك ~~من الردة، وكان ذلك أنسب الأشياء بالكلمة المتحملة لذلك الضمير وهي له، ~~هذا ما يسره الله من أسرار كلماتها بحسب الأعداد، وأما حروفها فمن ~~الأسرار العظيمة أنه صفة الله، وأن حروفها مع البسملة بالنظر إليها من ~~حيث اللفظ وكذا من حيث الرسم ستة وستون حرفا، وكذا عدة حروف الجلالة ~~الملفوظة وكذا المرسومة بحساب الجمل، فكل ما دعت إليه هو مدلول هذا الاسم ~~الأعظم، ms5781 وهذه العدة إذا أخذت من أول مولد النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~آخرها منطبقا على سنة موت صديقه الأكبر الذي سبق غيره بما وقر في صدره ~~وهو أبو بكر رضي الله تعالى عنه، وذلك دلالة على أنه لا يوازيهما أحد في ~~الإخلاص، وأنهما وصلا فيه إلى الرتبة العليا، وإن كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم أعلى الخلق فيه، وفي ذلك أيضا دلالة على أنه لا كفوء له لأنه ~~نفى الإشراك بحذافيره من جميع جزيرة العرب بعد أن كانوا مطبقين عليه، ~~وأطلقهم سبحانه وتعالى على من يليهم من ملوك الأمم حتى أظهر الله بهم ~~الدين - وقد كانوا أذل الأمم - على الدين كله، ونفوا جبابرة الملوك صغرة ~~بعد أن كان عندهم أنه لا غالب لهم، وحروفها الملفوظة هي بعدد كلمات - ~~آيات التوحيد، وهي آية الكرسي أعظم آية في القرآن، وذلك خمسون حرفا إلا ~~واحدا هو ألف { كفوا } الذي هو مرسوم غير ملفوظ، وهو الدال على الضمير ~~الذي هو غيب الغيب، فهو غيب - من جهة عدم اللفظ به، ووجود وظهور من جهة ~~شاهد الرسم ومسموع الاسم، كما أن الذات غيب محض من جهة الحقيقة يدرك ~~بمشاهدة الأفعال، ومسموع الأسماء العوال - والله الهادي من الضلال. ### | [113 - سورة الفلق] ### || [113.1-5] # أمر بالتعوذ برب هذا الدين، موافقة لإياك نعبد وإياك نستعين، من شر ما ~~يقدح فيه بضرر في الظاهر أو في الباطن وهم الخلائق حتى على الفنا في ~~الغنا، وبدأ بما يعم شياطين الإنس والجن في الظاهر والباطن، ثم اتبع بما ~~يعم القبيلين ويخص الباطن الذي يستلزم صلاحه صلاح الظاهر، إعلاما بشرف ~~الباطن على وجه لا يخل بالظاهر، وفي ذلك إشارة إلى الحث على معاودة ~~القراءة من أول القرآن كما يشير إليه قوله تعالى: # فإذا قرأت القرآن # [النحل:98] - أي أردت قراءته - # فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم # [النحل: 98] فقال تعالى: { قل } أي لكل من يبلغه القول من جميع الخلائق ~~تعليما لهم وأمرا، فإنهم كلهم مربوبون مقهورون لا نجاة لهم في شيء من ~~الضرر إلا بعصمته سبحانه ms5782 وتعالى، فعلى كل منهم أن يفزع أول ما تصيبه ~~المصيبة إلى مولاه القادر على كشفها تصحيحا لتوكله فإنه يرتقي بذلك إلى ~~حال الرضا بمر القضاء، ولا يأخذ في الاعتماد على جلادته وتدبيره بحوله ~~وقوته فإنه يشتد أسفه ولا يرد ذلك عنه شيئا: { أعوذ } أي أستجير وألتجىء ~~وأعتصم وأحترز. # ولما كان هذا المعنى أليق شيء بصفة الربوبية لأن الإعاذة من المضار أعظم ~~تربية قال: { برب الفلق * } أي الذي يربيه وينشىء منه ما يريد، وهو الشيء ~~المفلوق بإيجاده ظلمة العدم كالعيون التي فلقت بها ظلمة الأرض والجبال، ~~وكالأمطار التي فلقت بها ظلمة الجو والسحاب، وكالنبات الذي فلقت به ظلمة ~~الصعيد، وكالأولاد التي فلقت بها ظلمة الأحشاء، وكالصبح الذي فلقت به ~~ظلمة الليل، وما كان من الوحشة إلى ما حصل من ذلك من الطمأنينة والسكون ~~والأنس والسرور إلى غير ذلك من سائر المخلوقات، قال الملوي: والفلق - ~~بالسكون والحركة كل شيء انشق عنه ظلمة العدم وأوجد من الكائنات جميعها - ~~انتهى. وخص في العرف بالصبح فقيل: فلق الصبح، ومنه قوله تعالى: # فالق الإصباح # [الأنعام: 96] لأنه ظاهر في تغير الحال ومحاكاة يوم القيامة الذي هو ~~أعظم فلق يشق ظلمة الفنا والهلاك بالبعث والإحياء، فإن القادر على ما ~~قبله بما نشاهده قادر عليه، لأنه لا فرق، بل البعث أهون في عوائد الناس ~~لأنه إعادة، كذا سائر الممكنات، ومن قدر على ذلك قدر على إعاذة المستعيذ ~~من كل ما يخافه ويخشاه. # ولما كانت الأشياء قسمين: عالم الخلق، وعالم الأمر، وكان عالم الأمر ~~خيرا كله، فكان الشر منحصرا في عالم الخلق خاصة بالاستعاذة فقال تعالى ~~معمما فيها: { من شر ما خلق * } أي من كل شيء سوى الله تعالى عز وجل ~~وصفاته، والشر تارة يكون اختياريا من العاقل الداخل تحت مدلول " لا " ~~وغيره من سائر الحيوان كالكفر والظلم ونهش السباع ولدغ ذوات السموم، ~~وتارة طبيعيا كإحراق النار وإهلاك السموم. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: قد أشير، أي في الكلام على ارتباط ~~الإخلاص - إلى وجه ارتباطها آنفا، وذلك واضح إن ms5783 شاء الله تعالى - انتهى. # ولما كان عطف الخاص على العام يعرف بأن ذلك الخاص أولى أفراد العام بما ~~ذكر له من الحكم، وكان شر الأشياء الظلام، فإنه أصل كل فساد، وكانت ~~شرارته مع ذلك وشرارة السحر والحسد خفية، خصها بالذكر من بين ما عمه ~~الخلق لأن الخفي يأتي من حيث لا يحتسب الإنسان فيكون أضر. ولذا قيل: شر ~~العداة المداجي، وكانت مادة " غسق " تدور على الظلام والانصباب، فالغسق - ~~محركة: ظلمة أول الليل، وغسقت العين: أظلمت أو دمعت، واللبن: انصب من ~~الضرع، والليل: اشتدت ظلمته، والغسقان - محركة: الانصباب، والغاسق: ~~القمر، وكأنه سمي به لسرعة سيره وانصبابه في البروج ولأنه ليس له من نفسه ~~إلا الإظلام، والثريا - إذا سقطت - والله أعلم، قال في القاموس: لكثرة ~~الطواعين والأسقام عند سقوطها، والذكر - إذا قام، كما قاله جماعة وروي عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما، وهو سبب للجهل الذي هو ظلام كله، فقال تعالى: { ~~ومن شر غاسق } أي مظلم بارد منصب ظلامه وبرده سواء كان أصلا في الظلام ~~حسيا أو معنويا أو كان حاملا عليه مثل الذكر إذا قام لما يجر إليه من ~~الوساوس الرديئة لغلبة الشهوة واستحكام سلطان الهوى، ومثل القمر لما يحدث ~~منه من الرطوبات المفسدة للأبدان وغير ذلك انصبابا له غاية القوة ~~كانصباب ما يفيض عن امتلاء في انحدار، ونكره إشارة إلى أنه ليس كل غاسق ~~مذموما - والله أعلم. # ولما كان الشيء الذي اتصف بالظلام يكثف فيشتد انصبابه وأخذه في السفول ~~إلى أن يستقر ويستحكم فيما صوب إليه مجتمعا جدا كاجتماع الشيء في ~~الوقبة وهي النقرة في الصخرة، وكان الظلام لا يشتد أذاه إلا إذا استقر ~~وثبت، قال معبرا بأداة التحقق: { إذا وقب * } أي اعتكر ظلامه ودخل في ~~الأشياء بغاية القوة كمدخول الثقيل الكثيف المنصب في النقرة التي تكون ~~كالبئر في الصخرة الصماء الملساء، وهذا إشارة إلى أنه يسهل علاجه وزواله ~~قبل تمكنه، وفي الحديث # " لما رأى الشمس قد وقبت قال: هذا حين حلها " # يعني صلاة المغرب، وفيه عند أبي يعلى أنه ms5784 قال لعائشة رضي الله تعالى ~~عنها عن القمر: # " تعوذي بالله من شر هذا الغاسق إذا وقب " # وأكثر الأقوال أنه الليل، خص بالاستعاذة لأن المضار فيه تكثر ويعسر ~~دفعها، وأصل الغسق الظلام، ويلزم منه الامتلاء، وقيل: إن الامتلاء هو ~~الأصل، وأصل الوقوب الدخول في وقبة أو ما هو كالوقبة وهي النقرة. # ولما كان السحر أعظم ما يكون من ظلام الشر المستحكم في العروق الداخل في ~~وقوبها. لما فيه من تفريق المرء من زوجه وأبيه وابنه، ونحو ذلك، وما فيه ~~من ضنى الأجسام وقتل النفوس، عقب ذلك بقوله تعالى: { ومن شر }. # ولما كان كل ساحر شريرا بخلاف الغاسق والحاسد، وكان السحر أضر من الغسق ~~والحسد من جهة أنه شر كله، ومن جهة أنه أخفى من غيره، وكان ما هو منه من ~~النساء أعظم لأن مبنى صحته وقوة تأثيره قلة العقل والدين ورداءة الطبع ~~وضعف اليقين وسرعة الاستحالة، وهن أعرق في كل من هذه الصفات وأرسخ، وكان ~~ما وجد منه من جمع وعلى وجه المبالغة أعظم من غيره عرف وبالغ وجمع وأنث ~~ليدخل فيه ما دونه من باب الأولى فقال تعالى: { النفاثات } أي النفوس ~~الساحرة سواء كانت نفوس الرجال أو نفوس النساء أي التي تبالغ في النفث ~~وهو التفل وهو النفخ مع بعض الريق - هكذا في الكشاف، وقال صاحب القاموس: ~~وهو كانفخ وأقل من التفل، وقال: تفل: بزق، وفي التفسير عن الزجاج أنه ~~التفل بلا ريق، { في العقد * } أي تعقدها للسحر في الخيوط وما أشبهها، ~~وسبب نزول ذلك أن يهوديا سحر النبي صلى الله عليه وسلم فمرض كما ياتي ~~تخريجه، فإن السحر يؤثر بإذن الله تعالى المرض ويصل إلى أن يقتل، فإذا ~~أقر الساحر أنه قتل بسحره وهو مما يقتل غالبا قتل بذلك عند الشافعي، ولا ~~ينافي قوله تعالى: # والله يعصمك من الناس # [المائدة: 67] كما مضى بيانه في المائدة، ولا يوجب ذلك صدق الكفرة في ~~وصفه صلى الله عليه وسلم بأنه مسحور، فإنهم ما أرادوا إلا الجنون أو ما ~~يشبهه من فساد العقل ms5785 واختلاله، والمبالغة في أن كل ما يقوله لا حقيقه له ~~كما أن ما ينشأ عن المسحور يكون مختلطا لا تعرف حقيقته. # ولما كان أعظم حامل على السحر وغيره من أذى الناس الحسد، وهو تمني زوال ~~نعمة المحسود: # وداريت كل الناس إلا لحاسد # مداراته عزت وشق نوالها # وكيف يداري المرء حاسد نعمة # إذا كان لا يرضيه إلا زوالها # قال تعالى: { ومن شر حاسد } أي ثابت الاتصاف بالحسد معرق فيه، ونكره ~~لأنه ليس كل حاسد مذموما، وأعظم الحسدة الشيطان الذي ليس له دأب إلا ~~السعي في إزالة نعم العبادات عن الإنسان بالغفلات. # ولما كان الضار من الحسد إنما هو ما أظهر وعمل بمقتضاه بالإصابة بالعين ~~أو غيرها قال مقيدا له: { إذا حسد * } أي حسد بالفعل بعينه الحاسدة، ~~وأما - إذا لم يظهر الحسد فإنه لا يتأذى به إلا الحاسد لاغتمامه بنعمة ~~غيره، وفي إشعار الآية الدعاء بما يحسد عليه من نعم الدارين لأن خير ~~الناس من عاش محسودا ومات محسودا، ولمن لم يلق بالا للدعاء بذلك ويهتم ~~بتحصيل ما يحسد عليه ضحك منه إبليس إذا تلا هذه الآية لكونه ليس له فضيلة ~~يحسد عليها، ولعله عبر بأداة التحقيق إشعارا بأن من كان ثابت الحسد ~~متمكنا من الاتصاف به بما أشعر به التعبير بالوصف تحقق منه إظهاره، ولم ~~يقدر على مدافعته في الأغلب إلا من عصم الله تعالى، وقد علم بكون الحسد ~~علة السحر - الموقع في القتل الذي هو أعظم المعاصي بعد الشرك وفي الشرك، ~~لأنه لا يصح غاية الصحة إلا مع الشرك - أن الحسد شر ما انفلق عنه ظلام ~~العدم، والشاهد لذلك غلبته على الأمم السالفة وتحذير الأمة التي هي خير ~~أمة أخرجت للناس منه بشهادة هاديها صلى الله عليه وسلم، أخرج الإمام أحمد ~~وأبو داود الطيالسي عن الزبير بن العوام رضي الله عنه أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم: # " دب إليكم داء الأمم قبلكم: الحسد والبغضاء، ألا والبغضاء هي الحالقة، ~~لا أقول: إنها تحلق الشعر ولكن تحلق الدين " # وفي الباب عن ابن ms5786 عباس رضي الله تعالى عنهما وابن مسعود رضي الله عنه، ~~وأعظم أسباب الحالقة أو كلها الحسد، فعلم بهذا رجوع آخر السورة على ~~أولها، وانعطاف مفصلها على موصلها، ومن أعيذ من هذه المذكورات انفلق سماء ~~قلبه عن شمس المعرفة بعد ظلام ليل الجهل، فأشرقت أرجاؤه بأنوار الحكم، ~~إلى أن يضيق الوصف له عن بدائع الكشف: # هناك ترى ما يملأ العين قرة # ويسلي عن الأوطان كل غريب # فينقطع التعلق عما سوى الله بمحض الاتباع والبعد عن الابتداع بمقتضى # قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله # [آل عمران: 31] وقد بطل بالأمر بالاستعاذة قول الجبرية: إنا كالآلة لا ~~فعل لنا أصلا، وإنما نحن كالحجر لا يتحرك إلا بمحرك، لأنه لو كان هو ~~المحرك لنا بغير اختيار لم يكن للأمر فائدة، وقول القدرية: إنا نخلق ~~أفعالنا، وقول الفلاسفة: إنه - إذا وجد السبب والمسبب حصل التأثير من غير ~~احتياج إلى ربط إلهي كالنار والحطب، لأنه لو كان ذلك لكانت هذه الأفعال ~~المسببات إذا وجدت من فاعليها الذين هم الأسباب، أو الأفعال التي هي ~~الأسباب، والمسببات التي هي الأبدان المراد تأثيرها أثرت ولم تنفع ~~الاستعاذة، والشاهد خلافه، وثبت قول الأشاعرة أهل السنة والجماعة أنه إذا ~~وجد السبب والمسبب توقف وجود الأثر على إيجاد الله تعالى، فإن أنفذ السبب ~~وجد الأثر، وإن لم ينفذه لم يوجد، والسورتان معلمتان بأن البلايا كثيرة ~~وهو قادر على دفعها، فهما حاملتان على الخوف والرجاء، وذلك هو لباب ~~العبودية، وسبب نزول المعوذتين على ما نقل الواحدي عن المفسرين رحمة الله ~~عليهم أجمعين والبغوي عن ابن عباس وعائشة رضي الله عنهم # " أن غلاما من اليهود كان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم فدبت إليه ~~اليهود فلم يزالوا به حتى أخذه مشاطة رأس النبي صلى الله عليه وسلم وعدة ~~أسنان من مشطه فأعطاها اليهود فسحروه فيها، وتولى ذلك لبيد بن الأعصم ~~اليهودي، فمرض رسول الله صلى الله عليه وسلم وانتشر شعر رأسه، ويرى أنه ~~يأتي النساء ولا يأتيهن، يذوب ولا يدري ما عراه، فبينا ms5787 هو نائم ذات يوم ~~أتاه ملكان فقعد أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه، فقال الذي عند رجليه ~~للذي عند رأسه: ما بال الرجل؟ قال: طب، قال: وما طب؟ قال: سحر، قال: ومن ~~سحره؟ قال: لبيد بن الأعصم اليهودي، قال: وبما طبه؟ قال: بمشط ومشاطة، ~~قال: وأين هو؟ قال: في جف طلعة ذكر تحت راغوفة في بئر ذروان - بئر في بني ~~زريق، والجف: قشر الطلع، والراغوفة: حجر في أسفل البئر يقوم عليه المائح، ~~فانتبه النبي صلى الله عليه وسلم وقال لعائشة رضي الله عنها: " يا عائشة! ~~أما شعرت أن الله أخبرني بدائي! ثم بعث عليا والزبير وعمار بن ياسر رضي ~~الله عنهم فنزحوا البئر كأنه نقاعة الحناء، ثم نزعوا الصخرة وأخرجوا الجف ~~فإذا فيه مشاطة رأسه وأسنان مشطه، وإذا وتر معقد فيه إحدى عشرة عقدة ~~مغروزة بالإبر " فأنزل الله سبحانه وتعالى سورتي المعوذتين، وهما إحدى ~~عشرة آية: الفلق خمس والناس ست، فجعل كلما قرأ آية انحلت عقدة، ووجد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم خفة حتى انحلت العقدة الأخيرة فقام كأنما نشط من ~~عقال، وجعل جبرائيل عليه الصلاة والسلام يقول: " بسم الله أرقيك من كل ~~شيء يؤذيك ومن حاسد وعين والله يشفيك " فقالوا: يا رسول الله! أفلا نأخذه ~~فنقتله؟ فقال: " أما أنا فقد شفاني الله، وأكره أن أثير على الناس شرا " ~~وفي رواية أنه صلى الله عليه وسلم أتى البئر بنفسه ثم رجع إلى عائشة رضي ~~الله عنها فقال: " والله لكأن ماءها نقاعة الحناء، لكأن نخلها رؤوس ~~الشياطين، فقلت له: يا رسول الله! " أهلا أخرجته؟ فقال: " أما أنا فقد ~~شفاني الله، وكرهت أن أثير على الناس شرا " ويجمع بأنه أتاها صلى الله ~~عليه وسلم بنفسه الشريفة فلم يخرجه ثم إنه وجد بعض الألم فأرسل إليه، ~~فأخرجه فزال الألم كله، وروى البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: ~~سحر النبي صلى الله عليه وسلم حتى أنه ليخيل إليه أنه فعل الشيء وما فعله ~~حتى إذا كان ذات يوم وهو عندي دعا ms5788 الله ودعاه، ثم قال: " أشعرت يا عائشة ~~أن الله تعالى قد أفتاني فيما استفتيته فيه " ، قلت: وما ذاك يا رسول ~~الله، قال: " أتاني ملكان " # فذكره، وروى النسائي في المحاربة من سننه وأبو بكر بن أبي شيبة وأحمد بن ~~منيع وعبد بن حميد وأبو يعلى الموصلي في مسانيدهم والبغوي في تفسيره كلهم ~~عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: كان رجل يدخل على النبي صلى الله عليه ~~وسلم فأخذ له فسحر النبي صلى الله عليه وسلم رجل من اليهود فاشتكى لذلك ~~أياما فأتاه جبريل عليه الصلاة والسلام فقال: # " إن رجلا من اليهود سحرك، عقد لك عقدا في بئر كذا وكذا، أو قال: ~~فطرحه في بئر رجل من الأنصار، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فاستخرجوها فجيء بها فحلها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل كلما حل ~~عقدة وجد لذلك خفة، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنما نشط من عقال ~~" # فما ذكر ذلك لذلك اليهودي ولا رآه في وجهه قط، وفي رواية: فأتاه ملكان ~~يعوذانه فقعد أحدهما عند رأسه والآخر عند رجله فقال أحدهما: أتدري ما ~~وجعه؟ قال: كأن الذي يدخل عليه عقد له وألقاه في بئر، فأرسل إليه رجلا، ~~وفي رواية: عليا رضي الله عنه، فأخذ العقد فوجد الماء قد اصفر، قال: ~~فأخذ العقد فحلها فبرأ، فكان الرجل بعد ذلك يدخل على النبي صلى الله عليه ~~وسلم فلم يذكر له شيئا ولم يعاتبه فيه، وهذا الفضل لمنفعة المعوذتين كما ~~منح الله به رسوله صلى الله عليه وسلم فكذا تفضل به على سائر أمته، وروى ~~أبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح - والنسائي مسندا أو مرسلا - قال ~~النووي: بالأسانيد الصحيحة - عن عبد الله بن خبيب رضي الله عنه قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " اقرأ قل هو الله أحد والمعوذتين حين تمسي وحين تصبح ثلاثة مرات - ~~يكفيك كل شيء " # والأحاديث في فضل هذه السور الثلاث كثيرة جدا، وجعل التعويذ في سورتين ~~إشارة إلى استحباب تكريره، وجعلتا ms5789 إحدى عشرة آية ندبا إلى تكثيره في ~~تكريره، وقدمت الفلق التي خمس آيات مع ما مضى المناسبات لأن اقترانها ~~بسورة التوحيد أنسب، وشفعها بسورة الناس التي هي ست آيات أنسب، ليكون ~~الشفع بالشفع، والابتداء بالوتر بعد سورة الوتر، وحاصل هذه السورة العظمى ~~في معناها الأبدع الأسمى الاستعاذة بالله بذكر اسمه { الرب } المقتضي ~~للإحسان والتربية بجلب النعم ودفع النقم من شر ما خلق ومن السحر والحسد، ~~كما كان أكثر البقرة المناظرة لها في رد المقطع على المطلع لكونها ثانية ~~من الأول كما أن هذه ثانية من الآخر في ذكر أعداء النبي صلى الله عليه ~~وسلم الحاسدين له على ما أوتي من النعم، وفي تذكيرهم بما منحهم من النعم ~~التي كفروها، وأكثر ذلك في بني إسرائيل الذين كانوا أشد الناس حسدا له ~~صلى الله عليه وسلم، وكان من أعظم ما ضلوا به السحر المشار إليه بقوله ~~تعالى: # واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان # [البقرة: 102] حتى قال: { فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه ~~} إلى أن قال: # ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند ~~أنفسهم # [البقرة: 109] وكان السحر من أعظم ما أثر في النبي صلى الله عليه وسلم ~~من كيدهم حتى أنزل فيه المعوذتان، وكان الساحر له منهم، وقد انقضى ما يسر ~~الله من الكلام على انتظام معانيها بحسب تركيب كلماتها، وبقي الكلام على ~~كلماتها من حيث العدد، فيما تشير إليه من البركات والمدد، هي ثلاث وعشرون ~~كلمة إشارة إلى أنه صلى الله عليه وسلم في السنة الثالثة والعشرين من ~~النبوة يأمن من أذى حاسديه، وذلك بالوفاة عند تمام الدين ويأس الحاسدين ~~من كل شيء من الأذى في الدين والدنيا، وخلاص النبي صلى الله عليه وسلم من ~~كل كدر، فإذا ضممت إليها الضمائر وهي خمسة كانت ثماني وعشرين، وهي توازي ~~سنة خمس عشرة من الهجرة، وذلك عند استحكام أمر عمر رضي الله عنه في السنة ~~الثانية من خلافته ببث العساكر وإنفاذه إلى ملك الفرس ms5790 والروم وتغلغل ~~هيبته في قلوبهم وتضعضع الفرس بغلب العرب على رستم أكبر أمرائهم، والروم ~~بغلبهم على ماهان أعظم رؤسائهم، فاضمحل أمر المنافقين والحاسدين، وأيسوا ~~من تأثير أدنى كيد من أحد من الكائدين، فإذا ضم إليها أربع كلمات البسملة ~~كانت اثنتين وثلاثين، إذا حسبت من أول النبوة وازتها السنة التاسعة عشرة ~~من الهجرة، وفيها كان فتح قيسارية الروم من بلاد الشام، وبفتحها كان فتح ~~جميع بلاد الشام، لم يبق بها بلد إلا وهي في أيدي المسلمين، فزالت عنها ~~دولة الروم، وفيها أيضا كان فتح جلولاء من بلاد فارس وكان فتحا عظيما ~~جدا هد أجنادهم وملوكهم، ولذلك سمي فتح الفتوح، وحصل حينئذ أعظم الخزي ~~للفرس والروم الذين هم أحسد الحسدة، لما كان لهم من العزة والقوة ~~بالأموال والرجال، وإن حسبت من الهجرة وازتها سنة انقراض ملك أعظم الحسدة ~~الأكاسرة الذين شقق ملكهم كتاب النبي صلى الله عليه وسلم، وأرسل إلى ~~عامله باذان - الذي كان استخلفه على بلاد اليمن - يأمره أن يغزو النبي ~~صلى الله عليه وسلم، فأخبر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بأنه يقتله ~~سبحانه في ليلة سماها، فلما أتت تلك الليلة أخبر النبي صلى الله عليه ~~وسلم رسل باذان بذلك، فرجعوا إلى باذان فأخبروه فقال: إن كان صادقا ~~فسيأتي الخبر في يوم كذا، فأتى الخبر في ذلك اليوم بصدقه صلى الله عليه ~~وسلم فأسلم باذان ومن معه من الأبناء الذين كانوا في بلاد اليمن لم يتخلف ~~منهم أحد، وأوفد منهم وفدا على النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، وتولى ~~الله ورسوله صلى الله عليه وسلم - رضي الله عنهم والله أعلم. ### | [114 - سورة الناس] ### || [114.1-6] # لما جاءت سورة الفلق للاستعاذة من شر ما خلق من جميع المضار البدنية ~~وغيرها العامة للإنسان وغيره، وذلك هو جملة الشر الموجود في جميع الأكوان ~~والأزمان، ثم وقع فيها التخصيص بشرور بأعيانها من الفاسق والساحر ~~والحاسد، فكانت الاستعاذة فيها عامة للمصائب الخارجة التي ترجع إلى ظلم ~~الغير، والمعايب الداخلة التي ترجع إلى ظلم النفس ولكنها في ms5791 المصائب ~~أظهر، وختمت بالحسد فعلم أنه أضر المصائب، وكان أصل ما بين الجن والإنس ~~من العداوة الحسد، جاءت سورة الناس متضمنة للاستعاذة من شر خاص، وهو ~~الوسواس، وهو أخص من مطلق الحاسد، ويرجع إلى المعايب الداخلة اللاحقة ~~للنفوس البشرية التي أصلها كلها الوسوسة، وهي سبب الذنوب والمعاصي كلها، ~~وهي من الجن أمكن وأضر، والشر كله يرجع إلى المصائب والمعايب، فقد تضمنت ~~السورة كالفلق استعاذة ومستعاذا به ومستعاذا منه وأمرا بإيجاد ذلك، ~~فالأمر: { قل } والاسعتاذة { أعوذ } والمستعاذ به هو الله سبحانه وتعالى، ~~لكن لما كانت صفة الربوبية من صفات كماله سبحان أليق بالحماية والإعانة ~~والرعاية والخلق والتدبير والتربية والإصلاح، المتضمن للقدرة التامة ~~والرحمة الواسعة، والإحسان الشامل والعلم الكامل، قال تعالى: { برب الناس ~~* } أي أعتصم به أي أسأله أن يكون عاصما لي من العدو أن يوقعني في ~~المهالك، قال الملوي: والرب من له ملك الرق وجلب الخيرات من السماء ~~والأرض وإبقاؤها، ودفع الشرور ورفعها، والنقل من النقص إلى الكمال، ~~والتدبير العام العائد بالحفظ والتتميم على المربوب، وخص الإضافة ~~بالمزلزلين المضطربين في الأبدان والأديان من الإنس والجان لخصوص ~~المستعاذ منه، وهو الأضرار التي تعرض للنفوس العاقلة وتخصها، بخلاف ما في ~~الفلق فإنه المضار البدنية التي تعم الإنسان وغيره. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: وجه تأخرها عن شقيقتها عموم الأولى ~~وخصوص الثانية، ألا ترى عموم قوله { من شر ما خلق } وإبهام { ما } وتنكير ~~{ غاسق } و { حاسد } والعهد فيها استعيذ من شره في سورة الناس وتعريفه ~~ونعته، فبدأ بالعموم ثم أتبع بالخصوص ليكون أبلغ في تحصيل ما قصدت ~~الاستعاذة منه، وأوفى بالمقصود، ونظير هذا في تقديم المعنى الأعم ثم ~~إتباعه بالأخص بتناول الدقائق والجلائل قوله سبحانه وتعالى { بسم الله ~~الرحمن الرحيم } في معنى الرحمن ومعنى الرحيم واحد لا في عموم الصفة ~~الأولى وكونها للمبالغة، وقد تعرض لبيان ذلك المفسرون ولذلك نظائر - ~~انتهى. # ولما كان الرب الملك متقاربين في المفهوم، وكان الرب أقرب في المفهوم ~~إلى اللطف والتربية، وكان الملك للقهر والاستيلاء وإظهار العدل ألزم، ms5792 ~~وكان الرب قد لا يكون ملكا فلا يكون كامل التصرف، اقتضت البلاغة تقديم ~~الأول وإتباعه الثاني، فقال تعالى: { ملك الناس * } إشارة إلى أن له كمال ~~التصرف ونفوذ القدرة وتمام السلطان، وإليه المفزع وهو المستعان، ~~والمستغاث والملجأ والمعاد. # ولما كان الملك قد لا يكون إلها، وكانت الإلهية خاصة لا تقبل شركا ~~أصلا بخلاف غيرها، أنهي الأمر إليها وجعلت غاية البيان فقال: { إله ~~الناس * } إشارة إلى أنه كما انفرد بربوبيتهم وملكهم لم يشركه في ذلك ~~أحد، فكذلك هو وحده إلههم لا يشركه في إلهيته أحد، وهذه دائما طريقة ~~القرآن يحتج عليهم بإقرارهم بتوحيدهم له في الربوبية والملك على ما ~~أنكروه من توحيد الإلهية والعبادة، فمن كان ربهم وملكهم فهم جديرون بأن ~~لا يتألهوا سواه ولا يستعيذوا بغيره كما أن أحدهم إذا دهمه أمر استعاذ ~~بوليه من أبناء جنسه واستغاث به، والإله من ظهر بلطيف صنائعه التي أفادها ~~مفهوم الرب والملك في قلوب العباد فأحبوه واستأنسوا به ولجؤوا إليه في ~~جميع أمورهم، وبطن احتجابا بكبريائه عن أن يحاط به أو بصفة من صفاته أو ~~شيء من أمره، فهابته العباد ودعاهم الحب إلى الوله شوقا إلى لقائه، ~~وزجرتهم الهيبة فجزعوا خوفا من طرده لهم عن فنائه، وكرر الاسم الظاهر ~~دون أن يضمر فيقول مثلا: { ملكهم } { إلههم } تحقيقا لهذا المعنى ~~وتقوية له بإعادة اسمهم الدال على شدة الاضطراب المقتضي للحاجة عند كل ~~اسم من أسمائه الدال على الكمال المقتضي للغنى المطلق، ودلالة على أنه ~~حقيق بالإعادة قادر عليها لبيان أنه المتصرف فيهم من جميع الجهات وبيانا ~~لشرف الإنسان ومزيد الاعتماد بمزيد البيان، ولئلا يظن أن شيئا من هذه ~~الأسماء يتقيد بما أضيف إليه الذي قبله من ذلك الوجه، لأن الضمير إذا ~~أعيد كان المراد به عين ما عاد إليه، فأشير بالإظهار إلى أن كل صفة منها ~~عامة غير مقيدة بشيء أصلا، واندرج في هذه الاستعاذة جميع وجوه ~~الاستعاذات من جميع وجوه التربية وجميع الوجوه المنسوبة إلى المستعيذ من ~~جهة أنه في قهر الملك بالضم، وجميع ms5793 الوجوه المنسوبة إلى الإلهية لئلا يقع ~~خلل في وجه من تلك الوجوه تنزيلا لاختلاف الصفات منزلة اختلاف الذات ~~إشعارا بعظم الآفة المستعاذ منها، ولم يعطف بالواو لما فيها من الإيذان ~~بالمغايرة، والمقصود الاستعاذة بمجموع هذه الصفات الواقعة على ذات واحدة ~~حتى كأنها صفة واحدة، وقدم الربوبية لعمومها وشمولها لكل مربوب على حد ~~سواء، فلا فعل لأحد إلا وهو خلقه سبحانه وتعالى وهو الباعث عليه، وأخر ~~الإلهية لخصوصها لأن من لم يتقيد بأوامره ونواهيه فقد أخرج نفسه من أن ~~يجعله إلهه وإن كان في الحقيقة لا إله سواه، ووسط صفة الملك لأن الملك هو ~~المتصرف بالأمر والنهي، وملكه لهم تابع لخلقه إياهم فملكه من كمال ~~ربوبيته، وكونه إلههم الحق من كمال ملكه، فربوبيته تستلزم ملكه وتقتضيه، ~~وملكه يستلزم إلهيته وتقتضيها، وقد اشتملت هذه الإضافات الثلاث على جميع ~~قواعد الإيمان، وتضمنت معاني أسمائه الحسنى، فإن الرب هو القادر الخالق ~~إلى غير ذلك مما يتوقف الإصلاح والرحمة والقدرة التي هي معنى الربوبية ~~عليه من أوصاف الجمال، والملك هو الآمر الناهي المعز المذل - إلى غير ذلك ~~من الأسماء العائدة إلى العظمة والجلال، وأما الإله فهو الجامع لجميع ~~صفات الكمال ونعوت الجلال، فيدخل فيه جميع الأسماء الحسنى، فلتضمنها جميع ~~معاني الأسماء كان المستعيذ جديرا بأن يعوذ، وقد وقع ترتيبها على الوجه ~~الأكمل الدال على الوحدانية، لأن من رأى ما عليه من النعم الظاهرة ~~والباطنة، علم أن له مربيا، فإذا تغلغل في العروج في درج معارفه سبحانه ~~وتعالى علم أنه غني عن الكل، والكل إليه محتاج، وعن أمره تجري أمورهم، ~~فيعلم أنه ملكهم، ثم يعلم بانفراد بتدبيرهم بعد إبداعهم أنه المستحق ~~للإلهية بلا مشارك له فيها، فقد أجمع القراء في هذه السورة على إسقاط ~~الألف من { ملك } بخلاف الفاتحة كما مضى لأن الملك إذا أضيف إلى { اليوم ~~} أفهم اختصاصه بجميع ما فيه من جوهر وعرض، وأنه لا أمر لأحد معه ولا ~~مشاركة في شيء من ذلك، وهو معنى الملك - بالضم، وأما إضافة المالك إلى ~~الناس فإنها ms5794 تستلزم أن يكون ملكهم، فلو قرىء به هنا لنقص المعنى، وأطبقوا ~~في آل عمران على إثبات الألف في المضاف وحذفها من المضاف إليه لأن ~~المقصود بالسياق أنه سبحانه وتعالى يعطي الملك من يشاء ويمنعه من يشاء، ~~والملك - بكسر الميم - أليق بهذا المعنى، وأسرار كلام الله سبحانه وتعالى ~~أعظم من أن تحيط بها العقول، وإنما غاية أولي العلم الاستدلال بما ظهر ~~منها على ما وراءه، وأن باديه إلى الخافي يشير. # ولما أكمل الاستعاذة من جميع وجوهها التي مدارها الإحسان أو العظمة أو ~~القهر أو الإذعان والتذلل، ذكر المستعاذ منه فقال: { من شر الوسواس * } ~~هو اسم بمعنى الوسوسة كالزلزال بمعنى الزلزلة، والمراد بالموسوس، سمي ~~بفعله مبالغة لأنه صفته التي هو غاية الضراوة عليها كما بولغ في العادل ~~بتسميته بالعدل، والوسوسة الكلام الخفي: إلقاء المعاني إلى القلب في خفاء ~~وتكرير، كما أن الكلمة الدالة عليها " وس " مكررة، وأصلها صوت الحلي، ~~وحديث النفس، وهمس الكلاب، ضوعف لفظه مناسبة لمعناه لأن الموسوس يكرر ما ~~ينفثه في القلب ويؤكده في خفاء ليقبل، ومصدره بالكسر كالزلزال كما قال ~~تعالى: # وزلزلوا زلزالا شديدا # [الأحزاب: 11] وكل مضاعف من الزلزلة والرضرضة معناه متكرر، والموسوس من ~~الجن يجري من ابن آدم مجرى الدم - كما في الصحيح، فهو يوسوس بالذنب سرا ~~ليكون أجلى، ولا يزال يزينه ويثير الشهوة الداعية إليه حتى يواقعه ~~الإنسان، فإذا واقعه وسوس لغيره أن فلانا فعل كذا حتى يفضحه بذلك، فإذا ~~افتضح ازداد جرأة على أمثال ذلك لأنه يقول: قد وقع ما كنت أحذره من ~~القالة، فلا يكون شيء غير الذي كان، وشره التحبيب إلى الإنسان بما يميل ~~إليه طبعه حتى يشاكله في رذيلة الطبع وظلمة النفس، فينشأ من ذلك شرور ~~لازمة ومتعدية أضرها الكبر والإعجاب اللذان أهلكا الشيطان، فيوقع الإنسان ~~بها فيما أوقع نفسه فيه، وينشأ من الكبر الحقد والحسد يترشح منه بطر الحق ~~- وهو عدم قبوله، ومنه الكفر والفسوق والعصيان، وغمص الناس - وهو ~~احتقارهم المعلوم من قول الشيطان # أنا خير منه # [الأعراف: 12] ومنه تنشأ الاستهانة بأولياء ms5795 الله تعالى بترك احترامهم ~~ومنع حقوقهم والاعتداء عليهم والظلم لهم، ويترشح من الحقد الذي هو ~~العداوة العظيمة إمساك الخير والإحسان وبسط اللسان واليد بكل سوء وإيذاء، ~~ويترشح من الحسد إفساد ذات البين كما يشير إليه # ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة # [الأعراف: 20] الآية والكذب والمخادعة كما عرف به # وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين فدلاهما بغرور # [الأعراف: 21] ويترشح عن الإعجاب التسخط للقضاء والقدر كما آذن به # قال أأسجد لمن خلقت طينا # [الإسراء: 61] ومقابلة الأمر بالعلم بما أشعر به # لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال # [الحجر: 33]، واستعمال القياس في مقابلة النص بما هدى إليه # أنا خير منه # [الأعراف: 12] الآية، واستعمال التحسين والتقبيح بما أفهمه { لم أكن ~~لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمإ مسنون } والإذلال وهو الجرأة على ~~المخالفات فينشأ عن ذلك شرور متعدية، وهي السعي في إفساد العقائد ~~والأخلاق والأعمال والأبدان والأرزاق، ثم لا يزال يتحبب إلى الإنسان بما ~~يميل إليه طبعه من هذه الخبائث وهو يوافقه فيها حتى يصير له أخلاقا ~~راسخة، فيصير رديء الطبع فلا ينفع فيه العلاج، بل لا يزيده إلا خبثا ~~كإبليس، ومن كان أصله طيبا واكتسب ما يخالفه بسبب عارض كان ممكن الإزالة ~~كالعلاج كما وقع لآدم عليه الصلاة والسلام. # ولما كان الملك الأعظم سبحانه لم ينزل داء إلا أنزل له دواء، وكان قد ~~جعل دواء الوسوسة ذكره سبحانه وتعالى، فإنه يطرد الشيطان وينير القلب ~~ويصفيه، وصف سبحانه وتعالى فعل الموسوس عند استعمال الدواء إعلاما بأنه ~~شديد العداوة للإنسان ليشتد حذره منه وبعده عنه فقال: { الخناس * } أي ~~الذي عادته أن يخنس أي يتوارى ويتأخر ويختفي بعد ظهوره مرة بعد مرة، كلما ~~كان الذكر خنس، وكلما بطل عاد إلى وسواسه، فالذكر له كالمقامع التي تقمع ~~المفسد، فهو شديد النفور منه، ولهذا يكون شيطان المؤمن هزيلا كما ورد عن ~~بعض السلف أن المؤمن ينفي شيطانه كما ينفي الرجل بعيره في السقر، قال ~~البغوي: له خرطوم كخرطوم الكلب في صدر الإنسان، ويقال: رأسه كرأس الحية ~~واضع رأسه على ms5796 يمين القلب يحدثه، فإذا ذكر الله خنس، وإذا لم يذكر الله ~~رجع ووضع رأسه - خزاه الله تعالى. # ولما ذكر صفة المستعاذ منه، ذكر إبرازه لصفته بالفعل فقال: { الذي يوسوس ~~} أي يلقي المعاني الضارة على وجه الخفاء والتكرير بحيث تصل مفاهيمها من ~~غير سماع، وأشار إلى كثرة وسوسته بذكر الصدر الذي هو ساحة القلب ومسكنه ~~فقال: { في صدور الناس * } أي المضطربين إذا غفلوا عن ذكر ربهم، فإنها ~~دهاليز القلوب منها تدخل الواردات إليها، وذلك كالقوة الوهمية فإن العقل ~~يساعد في المقدمات الحقة المنتجة للأمر المقطوع به، فإذا وصل الأمر إلى ~~ذلك خنست الواهمة ريثما يفتر العقل عن النتيجة فترة ما، فتأخذ الواهمة في ~~الوسوسة وتقبل منها الطبيعة بما لها بها من مجانسة الظلمة الوهمية، ~~والناس - قال في القاموس: يكون من الإنس ومن الجن، جمع إنس أصله أناس جمع ~~عزيز أدخل عليه أل - انتهى، ولعل إطلاقه على هذين المتقابلين بالنظر إلى ~~النوس الذي أصله الاضطراب والتذبذب فيكون منحوتا من الأصلين: الانس ~~والنوس، ومن ثالث وهو النسيان. # ولما كان الذي يعلم الإنسان الشر تارة من الجن وأخرى من الإنس، قال ~~مبينا للوسواس تحذيرا من شياطين الإنس كالتحذير من شياطين الجن، مقدما ~~الأهم الأضر، ويجوز أن يكون بيانا ل " الناس " ولا تعسف فيه لما علم من ~~نقل القاموس: { من الجنة } أي الجن الذين في غاية الشر والتمرد والخفاء { ~~والناس * } أي أهل الاضطراب والذبذبة سواء كانوا من الإنس أو الجن، فيكون ~~المعنى أن الجن مسلط بعضهم على بعض كما هم مسلطون على الإنس أو الجن، ~~فيكون المعنى أن الجن مسلط بعضهم على بعض كما هم مسلطون على الإنس، فيدخل ~~شيطان الجن في الجني كما يدخل في الإنسي ويوسوس له - قاله البغوي عن ~~الكلبي، وقال: ذكر عن بعض العرب أنه قال: جاء قوم من الجن فوقفوا فقيل: ~~من أنتم؟ قالوا: أناس من الجن، قال: وهذا معنى قول الفراء. # وقد ختمت السورة بما بدئت به، والمعنى الثاني أوفق برد آخرها على أولها ~~فإنه يكون شرحا للناس الذين ms5797 أضيفت لهم الصفات العلى، والخواطر الواردة ~~على الإنسان قد تكون وسوسة، وقد تكون إلهاما، والإلهام تارة يكون من ~~الله بلا واسطة، وتارة يكون بواسطة الملك، ويكون كل منهما في القلب، ~~والوسوسة تارة من الشيطان، وأخرى من النفس، وكلاهما يكون في الصدر، فإن ~~كان الإنسان مراقبا دفع عن نفسه الضار، وإلا هجمت الواردات عليه وتمكنت ~~منه ويتميز خير الخواطر من شرها بقانون الشرع على أن الأمر مشكل، فإن ~~الشيطان يجتهد في التلبيس، فإن وافق الشرع فلينظر، فإن كان فعله ذلك ~~الحين أولى من غير تفويت لفضيلة أخرى هي أولى منه بادر إليه وإن كان ~~الخاطر دنيويا وأدى الفكر إلى أنه نافع من غير مخالفة للشرع زاد على شدة ~~تأمله الاستشارة لمن يثق بدينه وعقله، ثم الاستخارة لاحتمال أن تتوافق ~~عليه العقول، ويكون فيه خلل لتقصير وقع في النظر، وقد جعل بعضهم قانون ~~الخاطر الرحماني أن ينشرح له الصدر ويطمئن إليه النفس، والشيطاني والنفسي ~~أن ينقبض عنده الصدر وتقلق النفس بشهادة الحديث النبوي في البر والإثم، ~~ويعرف الشيطاني بالحمل على مطلق المخالفة، فإن الشيطان لا غرض له في ~~مخالفة بعينها، فإن حصل الذكر زال ذلك، والنفساني ملزوم شيء بعينه سواء ~~كان نفعا أو ضرا، ولا ينصرف عنه بالذكر، وقد يكون الشيطان إنسيا من ~~أزواج وأولاد ومعارف، وربما كان أضر من شيطان الجن، فدواؤه المقاطعة ~~والمجانبة بحسب القدرة، ومن أراد قانونا عظيما لمن يصاحب ومن يجانب ~~فعليه بآية الكهف # واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد ~~عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا ~~واتبع هواه وكان أمره فرطا # [الكهف: 28] وكما رجع مقطعها على مطلعها كذلك كان من المناسبات العظيمة ~~مناسبة معناها للفاتحة ليرجع مقطع القرآن على مطلعه، ويلتحم مبدؤه بمرجعه ~~على أحسن وجه، كما تقدم بيان ذلك من سورة قريش إلى هنا سورة سورة، فنظر ~~هذه السورة إلى الفاتحة والتحامها بها من جهة أن الفاتحة اشتملت على ~~ثلاثة أسماء: الله والرب والملك، ms5798 وزادت بكونها أم القرآن بالرحمن الرحيم، ~~لاشتمالهما على جميع النعم الظاهرة والباطنة التي تضمنتها صفة الربوبية، ~~وسورة الناس على الرب والملك والإله الذي هو الأصل في اسم الجلالة، ~~واختصت الفاتحة بالاسم الذي لم يقع فيه شركة أصلا، فلما تقرر في جميع ~~القرآن أنه الإله الحق، وأنه لا شركة لغيره في الإلهية يحق بوجه من ~~الوجوه كما أنه لا شركة في الاسم الأعظم الذي افتتح به القرآن أصلا بحق ~~ولا بباطل، ختم القرآن الكريم به معبرا عنه بالإله لوضوح الأمر وانتفاء ~~اللبس بالكلية، وصار الاختتام مما كان به الافتتاح على الوجه الأجلى ~~والترتيب الأولي، وبقي الاسمان الآخران على نظمهما، فيصير النظم إذا ~~ألصقت آخر الناس بأول الفاتحة " إله ملك رب الله رب - رحمن رحيم ملك " ~~إعلاما بأن مسمى الأسم الأعظم هو الإله الحق، وهو الملك الأعظم لأنه له ~~الإبداع وحسن التربية والرحمة والعامة والخاصة، وحاصل سورة الناس ~~الاستعاذة بهذا الرب الموصوف من وسوسة الصدر المثمرة للمراقبة كما أن ~~حاصل سورة الفاتحة فراغ السر من الشواغل المقتضي لقصر الهمم عليه سبحانه ~~وتعالى والبقاء في حضرته الشماء بقصر البقاء عليه والحكم بالفناء على ما ~~سواه، وذلك هو أعلى درجات المراقبة، فإذا أراد الحق إعانة عبد حمله على ~~الاستعانة بالاستعاذة فيسر عليه صدق التوكل، فحينئذ يصير عابدا صادقا ~~في العبودية فيكون إلهه سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده ~~التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وينبغي أنه كلما زاده سبحانه وتعالى ~~تقريبا ازداد له عبادة حتى ينفك من مكر الشيطان بالموت كما قال تعالى ~~لأقرب خلقه إليه محمد صلى الله عليه وسلم # واعبد ربك حتى يأتيك اليقين # [الحجر: 99] ومن نقص من الأعمال شيئا اعتمادا على أنه وصل فقد تزندق، ~~وكان مثله مثل شخص في بيت مظلم أسرج فيه سراجا فأضاء، فقال: ما أوقدت ~~السراج إلا ليضيء البيت فقد أضاء، فلا حاجة لي الآن إلى السراج، فأطفأه ~~فعاد الظلام كما كان، وقد ندب النبي صلى الله عليه وسلم إلى افتتاح ~~القرآن بعد ms5799 ختمه كما أشار إليه اتصال المعنى بما بينته، وسمي ذلك الحال ~~المرتحل، وكأن القارىء ذكر بالأمر بالاستعاذة إرادة افتتاح قراءته، فكأنه ~~قيل: استعذ يا من ختم القرآن العظيم لتفتتحه، وكأنه لما استعاذ بما أمر ~~به في هذه السورة قيل له: ثم ماذا تفعل؟ فقال: أفتتح، أو أنه لما أمر ~~بالاستعاذة قال: ماذا أفعل؟ فقيل: افتتح بسم الله الرحمن الرحيم الذي تجب ~~مراقبته عند خواتم الأمور وفواتحها، لأنه لا يكون أمر إلا به، أو أن ~~البسملة مقول القول في { قل } على سبيل من { أعوذ } أو بدل من { برب ~~الناس } وكأنه أمر بالتعوذ، والتسمية أمر بالدفع والجلب، وذلك لأنه لما ~~أمر بهذا التعوذ - وكان قد قال سبحانه # فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم # [النحل: 98] علم أن المراد ابتداؤه بالقرآن فنسبتها إلى الفاتحة نسبة ~~المعلول إلى علته، فكأنه قيل: استعذ بهذا الرب الأعظم الذي لا ملك ولا ~~إله غيره لأن له الحمد، وهو الإحاطة بكل شيء، فهو القادر على كل شيء، فهو ~~القاهر لكل شيء في المعاد وهو الملجأ والمفزع لا إله إلا هو، فإن الاسم ~~هو الوصف والمراد به الجنس، فمعنى بسم الله أي بوصفه أو بأوصافه الحسنى، ~~والحمد هو الثناء بالوصف الجميل، فكأنه قيل: أعوذ برب الناس بأوصافه ~~الحسنى لأن له الحمد وهو جميع الأوصاف الحسنى فإن البدء فيه يحتاج إلى ~~قدرة، فله القدرة التامة، أو إلى علم فالعلم صفته، أو كرم فكذلك، والحاصل ~~أنه كأنه قيل: تعوذ به من الشيطان بما له من الاسم الذي لم يسامه فيه أحد ~~لكونه جامعا لجميع الأسماء الحسنى أي الصفات التي لا يشوبها نقص خصوصا ~~صفة الرحمة العامة التي شملتني أكنافها، وأقامني إسعافها، ثم الرحمة ~~الخاصة التي أنا أجدر الناس باستمطارها لما عندي من النقص المانع لي منها ~~والمبعد لمن اتبع الحظوظ عنها، فأسأله أن يجعلني من أهلها، ويحملني في ~~الدارين بوصلها، لأكون من أهل رضاه، فلا أعبد إلا إياه، ولك أن تقرر ~~الاتصال والالتحام بوجه آخر ظاهر الكمال بديع النظام فتقول: ms5800 لما قرب ~~التقاء نهاية الدائرة السورية آخرها بأولها ومفصلها بموصلها اشتد تشاكل ~~الرأسين، فكانت هذه السور الثلاثة الأخيرة مشاكلة للثلاث الأول في ~~المقاصد، وكثرة الفضائل والفوائد: الإخلاص بسورة التوحيد آل عمران، وهو ~~واحد، والفلق للبقرة طباقا ووفاقا، فإن الكتاب الذي هو مقصود سورة ~~البقرة خير الأمر، فهي للعون بخير الأمر، والفلق للعوذ من شر الخلق ~~المحصي لكل خير، وفي البقرة # أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين # [البقرة: 67] # يعلمون الناس السحر # [البقرة: 102] - الآيات، # ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند ~~أنفسهم # [البقرة: 109] الآية، والناس للفاتحة، فإنه إذا فرغ الصدر الذي هو مسكن ~~القلب الذي هو مركب الروح الذي هو معدن العقل كانت المراقبة، فكان ذلك ~~بمنزلة تقديس النفس بالتوحيد والإخلاص، ثم الاستعاذة من كل شر ظاهر ومن ~~كل سوء باطن للتأهل لتلاوة سورة المراقبة بما دعا إليه الحال المرتحل وما ~~بعدها من الكتاب، على غاية من السداد والصواب، وكأنه اكتفى أولا ~~بالاستعاذة المعروفة كما يكتفي في أوائل الأمور بأيسر مأمور، فلما ختم ~~الختمة جوزي بتعوذ من القرآن، ترقية إلى مقام الإحسان، فاتصل الآخر ~~بالأول أي اتصال بلا ارتياب، واتحد به كل اتحاد - إن في ذلك لذكرى لأولي ~~الألباب، هذا ما يسره الله من مدلولات نظومها وجملها، بالنسبة إلى ~~مفهوماتها وعللها، وبقي النظر إلى ما يشير إليه أعداد كلماتها، بلطائف ~~رموزها وإشاراتها، فهي عشرون كلمة توازيها إذا حسبت من أول النبوة سنة ~~عمرة القضاء وهي السابعة من الهجرة، بها تبين الأمن مما وسوس به الشيطان ~~سنة عمرة الحديبية من أجل رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم لدخول البيت ~~والطواف به، فإذا ضممت إليها الضمائر الثلاث كانت ثلاثا وعشرين فوازت ~~السنة العاشرة من الهجرة وهي سنة حجة الوداع وهي القاطعة لتأثير وسواس ~~الشيطان الذي كان في أول السنة الحادية عشرة عند موت النبي صلى الله عليه ~~وسلم إلى العرب بأمر الردة، فأعاذ الله من شره بهمة الصديق رضي الله ~~تعالى عنه حتى رد الناس إلى الدين ms5801 وأنزل به وسواس الشياطين المفسدين، ~~فانتظمت كلمة المسلمين تصديقا لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حجة ~~الوداع # " إن الشيطان قد أيس أن يعبد في جزيرة العرب بعد اليوم " # فإذا ضممت إليها كلمات البسملة صارت سبعا وعشرين توازي سنة استحكام أمر ~~عمر بن الخطاب الفاروق رضي الله عنه الذي ما سلك فجا إلا سلك الشيطان ~~فجا غيره، وذلك سنة أربع عشرة من الهجرة، هذا بالنظر إلى كلماتها، فإن ~~نظرت إليها من جهة الحروف كانت لها أسرار كبرى من جهة أخرى، منها أن ~~كلماتها مع كلمات الفاتحة انتظمت من ستة وعشرين حرفا وهي ما عدا الثاء ~~المثلثة والزاء الظاء المعجة من حروف المعجم التسعة والعشرين كل واحدة ~~منهما من اثنين وعشرين حرفا اشتركتا في ثمانية عشر منها، واختصت كل ~~واحدة منهما بأربعة: الفاتحة بالحاء والطاء المهملتين، والضاد والغين ~~المعجمتين، والناس بالجيم والخاء والشين المعجمتين والفاء، وقال ابن ~~ميلق: سقط من الفاتحة سبعة أحرف " ثج خز شظف " ، انتهى، فلعل في ذلك - ~~والله أعلم - إشارة إلى أن - تكامل نزول القرآن من أوله إلى آخره في عدد ~~الحروف التي اشتمل عليها كل من سورتي أوله وآخره من السنين وذلك اثنان ~~وعشرون، والثالثة والعشرون سنة القدوم على منزله الحي القيوم سبحانه ~~وتعالى ما أعظم شأنه، وأعز سلطانه، وأقوم برهانه. # وقال مؤلفه رحمه الله تعالى: وهذا تمام ما أردته من نظم الدرر من تناسب ~~الآي والسور، ترجمان القرآن مبدي مناسبات الفرقان، التفسير الذي لم تسمع ~~الأعصار بمثله، ولا فاض عليها من التفاسير على كثرة أعدادها كصيب وبله، ~~فرغته في المسودة يوم الثلاثاء سابع شعبان سنة خمس وسبعين وثمانمائة، ~~بمسجدي من رحبة باب العيد بالقاهرة المغرية، وكان ابتدائي فيه في شعبان ~~سنة إحدى وستين، فتلك أربع عشرة سنة كاملة، وفرغته في هذه المبيضة عصر ~~يوم الأحد عاشر شعبان سنة اثنتين وثمانين وثمانمائة، بمنزلي الملاصق ~~للمدرسة البادرائية من دمشق، فتلك اثنتان وعشرون سنة بعدد سني النبوة ~~الزاهرة الأنيسة العلية الطاهرة المباركة الزكية، ولولا معونة الله أضحى ~~معدوما، أو ms5802 ناقصا مخروما، فإني بعد ما توغلت فيه واستقامت لي مبانيه، ~~فوصلت إلى قريب من نصفه، فبالغ الفضلاء في وصفه بحسن سبكه وغزارة معانيه ~~وإحكام رصفه، دب داء الحسد في جماعة أولي النكد، والمكر واللدد، يريدون ~~الرئاسة بالباطل، وكل منهم من جوهر العلم عاطل، مد ليل الجهل فيهم ~~ظلامه، وأثار نقع السفه على رؤوسهم سواده وقتامه، صوبوا سهام الشرور، ~~والأباطيل وأنواع الزور، فأكثروا التشييع بالتشنيع، والتقبيح والتبشيع، ~~والتخطئة والتضليل، بالنقل من التوراة والإنجيل، فصنفت في ذلك الأقوال ~~القويمة، في حكم النقل من الكتب القديمة، بينت فيه أن ذلك سنة مستقيمة، ~~لتأييد الملة الحنيفية العظيمة، وأخرجت بذلك نص الشافعي، وكلام النووي ~~والرافعي، واستكتبت على الكتاب: العلماء الأنجاب، فكتبوا ما أودعته " ~~مصاعد النظر للاشراف على مقاصد السور " فأطفأ الله نارهم، وأظهر عوارهم، ~~وشهر خزيهم وعارهم، ثم قاموا في بدعة دائم المعروف، فصنفت فيها القول ~~المعروف، وبينت مخالفتهم للكتاب والسنة، ووقوعهم في عين الفتنة، وخرقهم ~~لأعظم الجنة، وصريح نص الشافعي ونقول العلماء، فكانوا كمن ألقم الحجر أو ~~ملىء فمه بالماء، ثم قاموا في فتنة ابن الفارض، وكلهم معاند معارض، ~~وألبوا علي رعاع الناس، فاشتد شعاع البأس، فكادوا أن يطبقوا على ~~الانعكاس، وصوبوا طريق الإلحاد، وبالغوا في الرفع من أهل الاتحاد، ولجوا ~~بالخصام في العناد، وأفتوا بمحض الباطل، وبثوا السم القاتل، إلا ناسا ~~قليلا كان الله بنصرهم على ضعفهم كفيلا، فسألتهم سؤالا، جعلهم ضلالا ~~جهالا، فتداولوه فيما بينهم وتناقلوه وعجزوا عن جوابه بعد أن راموه أشد ~~الروم، وحاولوه فظهر لأكثر الناس حالهم، واشتهر بينهم ضلالهم، وغيهم ~~الواضح ومحالهم، وصنفت في ذلك عدة مصنفات، بانت فيها مخازيهم وظهرت ~~المخبآت، منها " صواب الجواب للسائل المرتاب " ومنها " القارض لتكفير ابن ~~الفارض " ومنها " تدمير المعارض في تكفير ابن الفارض " ومنها " تنبيه ~~الغبي على تكفير ابن عربي " ومنها " تحذير العباد من أهل العناد ببدعة ~~الاتحاد " أنفقت فيها عمرا مديدا، وبددوا فيها أوقاتي - بددهم الله ~~تبديدا، وهدد أركانهم وأعضادهم تهديدا، وقرعتهم بالعجز عن الجواب، ~~الكاشف للارتياب، صباحا ومساء، وإعادة وإبداء، فحملهم ms5803 التقريع، ~~والتوبيخ والتبخيع، على كتابة جواب، لم يخل من ارتجاج واضطراب، وشك ~~وارتياب، بينت أن جامعه أخطأ في جميعه الصواب، وكفر في أربعة مواضع كفرا ~~صريحا، وكذب في ثمانية فصار بذلك جريحا، بل هالكا طريحا، فأطلت بذلك ~~التقريع، والتوبيخ والتبشيع، فذلت أعناقهم، وضعف شقاقهم، وخفي نفاقهم، ~~غير أنه حصل في كل واحدة من هذه الوقائع، من الشرور وعجائب المقدور، ما ~~غطى ظلامه الشموس الطوالع. # وطال الأمر في ذلك سنين، وعم الكرب حتى كثر الأنين، والتضرع في الدعاء ~~والحنين، وثبت الله ورزق الصبر والأناة حتى أكمل هذا الكتاب، على ما ~~تراه من الحسن والصواب. # وقد قلت مادحا للكتاب المذكور، بما أبان عنه من عجائب المقدور، وغرائب ~~الأمور، شارحا لحالي، وحالهم وظفر آمالي، وخيبة آمالهم من مجزوء الرجز، ~~وضربه مقطوع، والقافية متواتر مطلق مجرد، مسميا له ب " كتاب لما " لأن ~~جل مقصوده بيان ارتباط الجمل بعضها ببعض حتى أن كل جملة تكون آخذة بحجزة ~~ما أمامها متصلة بها، وذلك هو المظهر المقصود من الكلام وسره ولبابه، ~~الذي هو للكلام بمنزلة الروح وبيان معاني المفردات، وكل جملة على حيالها ~~بمنزلة الجسد، فالوح هو المقصود الأعظم يدرك ذلك من يذوق ويفهم، ويسري ~~ذهنه في ميادين التراكيب ويعلم، و " لما " طرف يراد بها ثبوت الثاني مما ~~دخل عليه بثبوت الأول على غاية المكنة بمعنى أنها كالشروط تطلب جملتين ~~يلزم لذلك الملزوم، فتم الكتاب في هذا النظم ب " لما " لأني أكثرت من ~~استعمالها فيه لهذا الغرض: # هذا كتاب لما # لم المعاني لما # غدت بحور علمه # تمد مدا جما # بشرت من يحسده # بأن يموت غما # فإن قصدي صالح # جاهدت فيه الهما # فربنا يقبله # كيفية وكما # فبالذي أردته # لقد أحاط علما # كابدت فيه زمنا # من حاسدي ما غما # عدوا سنين عددا # يسقون قلبي السما # وكم دهوني مرة # وكم رموني سهما # وأوسقوا قلبي أذى # وأوسعوني ذما # وكم بغوني عثرة # فما رأوا لي جرما # وفتروا من قاصدي # همهمة وعزما # وأوعدوهم بالأذى # وأوهنوهم رجما # ألقى إذا اشتد لظى # أذى إذا هم ms5804 رجما # ألقى إذا الليل دجا # وبالبلا ادلهما # أذاهم وظلمهم # بدعوة في الظلما # أستصرخ الله بهم # أقول يا اللهما # يا رب إني جاهد # فافرج إلهي الغما # لا ذنب لي عندهم # إلا الكتاب لما # جرت ينابيع الهدى # منه فصارت يما # صنعته وفي بحو # رعلمه ما طما # وقد علا تركيبه # وعاد يحلو نظما # عملته نصيحة # لمن يحب العلما # أودعته فرائدا # يرقص منه الفهما # تجلو العمى من لطفها # وتسمع الأصما # خص نفيس علمها # وللأناسي عما # تنطق من تغنى بها # وإن يكونوا بكما # أفعالها جليلة # أعيذها بالأسما # سهل ربي أمره # علي حتى تما # في أربع وعشرة # من السنين صما # قال لسان عدها # دونك بدرا تما # وليس يلغي ناقصا # يا صاحبي يوما # أعيذه بالمصطفى # من شر وغد ذما # ومن حسود قد غدا # من أجله مهتما # فليس يبغي ذمه # إلا بغيضا أعما # كفاه ربي شرهم # وزان منه الأسما # ورد في تدبيرهم # تدميرهم والغرما # وردهم بغيظهم # لما ينالوا غلما # وزاده سعادة # ولازمته النعما # قال ذلك منشبه أحوج الخلائق إلى عفو الخالق أبو الحسن إبراهيم بن عمر بن ~~حسن الرباط بن علي بن أبي بكر البقاعي الشافعي رحمه الله تعالى قائلا: ~~الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما ~~كثيرا دائما أبدا إلى يوم الدين، وحسبنا الله ونعم الوكيل. # وكان الفراغ من هذا الجزء على يد أقل عبيد الله وأحوجهم إلى لطف الله ~~وعفوه عبد الكريم بن علي بن محمد المحولي الشافعي نزيل بلد الله الحرام - ~~غفر الله له ولوالديه ولمشايخه وللمسلمين -... بمكة المشرفة في يوم السبت ~~المبارك السادس والعشرين من شهر صفر الخير سنة أربع وأربعين وتسعمائة، ~~وقد تجاوز سني الآن خمسة وسبعين عاما - أسأل الله حسن الخاتمة والثبات ~~على دين الإسلام والوفاة بأحد حرميه بمنه، وصلى الله على سيدنا محمد وآله ~~وصحبه وسلم تسليما كثيرا دائما أبدا إلى يوم الدين وحسبنا الله ونعم ~~الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. # وقال بعض تلامذة المصنف وهو العرس خليل بن موسى المقرىء ms5805 مادحا للكتاب ~~المذكور المسمى ب " لما ": # برهان دين الله أضحى موضحا # أسرار قول الله في القرآن # وأتى بما ترك الورى من بعده # تمشي الورا أبدا مدى الأزمان # فمن ادعى نسجا على منواله # فقد ادعى ما ليس في الإمكان # وإذا المفسر رام يوما أنه # بمثاله يأتي بلا إذعان # قلنا له فسر وقايس بعد ذا # ولنا الدليل عليك بالبرهان # وكان الفراغ من نسخ هذا النصف الأخير من الكتاب المسمى ب " لما " ~~مناسبات القرآن العظيم على من أنزل عليه أفضل الصلاة والسلام في الليلة ~~الثالثة عشرة من شهر جمادى الأولى من شهور سنة سبع وتسعين وألف على يد ~~أحقر العباد، وأحوجهم إلى مغفرة ربه الجواد، محمد بن أحمد البدرشيني ~~بلدا، الشافعي مذهبا، مصليا ومسلما على أفضل وأكمل وأجمل خلق الله ~~محمد بن عبد الله بن عبد المطلب وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذريته وأهل ~~بيته الطيبين الطاهرين صلاة وسلاما دائمين متلازمين بدوام ملك الله ولا ~~حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وحسبنا الله ونعم الوكيل آمين آمين. # إن تلق عيبا فلا تعجل بسبك لي # إني امرؤ لست معصوما من الزلل ms5806